Lafzullah

Adwa' Al-Bayan — قريش 106:1 – الناس 114:5

المؤلف / المصدر: Adwa' Al-Bayan

المحتويات
  1. قريش 106:1
  2. قريش 106:3
  3. قريش 106:4
  4. الماعون 107:1
  5. الماعون 107:4
  6. الماعون 107:6
  7. الماعون 107:7
  8. الكوثر 108:1
  9. الكوثر 108:2
  10. الكوثر 108:3
  11. الكافرون 109:1
  12. الكافرون 109:2
  13. الكافرون 109:3
  14. الكافرون 109:6
  15. النصر 110:1
  16. النصر 110:2
  17. النصر 110:3
  18. المسد 111:1
  19. المسد 111:2
  20. الإخلاص 112:1
  21. الإخلاص 112:2
  22. الإخلاص 112:3
  23. الإخلاص 112:4
  24. الفلق 113:1
  25. الفلق 113:2
  26. الفلق 113:3
  27. الفلق 113:4
  28. الفلق 113:5
  29. الناس 114:1
  30. الناس 114:2
  31. الناس 114:3
  32. الناس 114:4
  33. الناس 114:5

قريش 106:1

(p-١٠٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم سُورَةُ قُرَيْشٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ ﴿إيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ﴾ . اخْتُلِفَ في اللّامِ في ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾، هَلْ هي مُتَعَلِّقَةٌ بِما قَبْلَها، وعَلى أيِّ مَعْنًى. أمْ مُتَعَلِّقَةٌ بِما بَعْدَها، وعَلى أيِّ مَعْنًى. فَمَن قالَ: مُتَعَلِّقَةٌ بِما قَبْلَها، قالَ مُتَعَلِّقَةٌ بِجَعَلَ في قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل: ٥] . وَتَكُونُ بِمَعْنى لِأجْلِ إيلافِ قُرَيْشٍ يَدُومُ لَهم ويَبْقى تَعْظِيمُ العَرَبِ إيّاهم؛ لِأنَّهم أهْلُ حَرَمِ اللَّهِ، أوْ بِمَعْنى إلى أيْ جَعَلْنا العَدُوَّ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ، هَزِيمَةً لَهُ ونُصْرَةً لِقُرَيْشٍ نِعْمَةً عَلَيْهِمْ، إلى نِعْمَةِ إيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ. وَمَن قالَ: مُتَعَلِّقَةٌ بِما بَعْدَها، قالَ ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ ﴿إيلافِهِمْ﴾ الَّذِي ألِفُوهُ أيْ بِمَثابَةِ التَّقْرِيرِ لَهُ، ورَتَّبَ عَلَيْهِ، ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ . أيْ أثْبَتَهُ إلَيْهِمْ وحَفِظَهُ لَهم. وَهَذا القَوْلُ الأخِيرُ هو اخْتِيارُ ابْنِ جَرِيرٍ، ورَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ورَدَ جَوازَ القَوْلِ الأوَّلِ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُهُ فَصْلُ السُّورَتَيْنِ عَنْ بَعْضٍ. وَقِيلَ: إنَّها لِلتَّعَجُّبِ، أيِ اعْجَبُوا لِإيلافِ قُرَيْشٍ، حَكاهُ القُرْطُبِيُّ عَنِ الكِسائِيِّ والأخْفَشِ، والقَوْلُ الأوَّلُ لِغَيْرِهِ. وَرُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ، واسْتَدَلُّوا بِقِراءَةِ السُّورَتَيْنِ مَعًا في الصَّلاةِ في رَكْعَةٍ قَرَأ بِهِما عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وبِأنَّ السُّورَتَيْنِ في أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مُتَّصِلَتانِ، ولا فَصْلَ بَيْنَهُما. وَحَكى القُرْطُبِيُّ القَوْلَيْنِ، ولَمْ يُرَجِّحْ أحَدَهُما، ولا يَبْعُدِ اعْتِبارُ الوَجْهَيْنِ، لِأنَّهُ لا يُعارِضُ بَعْضُها بَعْضًا. (p-١١٠)وَما اعْتَرَضَ بِهِ ابْنُ جَرِيرٍ بِأنَّهُ يُلْزِمُ عَلَيْهِ اتِّصالَ السُّورَتَيْنِ فَلَيْسَ بِلازِمٍ؛ لِأنَّهُ إنْ أرادَ اتِّصالَهُما في المَعْنى، فالقُرْآنُ كُلُّهُ مُتَّصِلَةٌ سُوَرُهُ مَعْنًى. ألّا تَرى إلى فاتِحَةِ الكِتابِ وفِيها ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]، فَجاءَتْ سُورَةُ البَقَرَةِ: ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢]، وبَعْدَها ذَكَرَ أوْصافَهم وقالَ: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥]، فَأيُّ ارْتِباطٍ أقْوى مِن هَذا، كَأنَّهُ يَقُولُ: الهُدى الَّذِي تَطْلُبُونَهُ في هَذا الكِتابِ فَهو هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، وإنْ أرادَ اتِّصالًا حَسًا بِعَدَمِ البَسْمَلَةِ، فَنَظِيرُها سُورَةُ بَراءَةٌ مَعَ الأنْفالِ، ولَكِنْ لا حاجَةَ إلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ إجْماعَ القُرّاءِ عَلى إثْباتِ البَسْمَلَةِ بَيْنَهُما، اللَّهُمَّ إلّا مُصْحَفَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، ولَيْسَ في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ وجْهٌ أرْجَحَ مِن وجْهٍ. وَلِذا لَمْ يُرَجِّحْ بَيْنَهُما أحَدٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، سِوى ابْنُ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَصِحَّةُ الوَجْهَيْنِ أقْوى وأعَمُّ في الِامْتِنانِ وتَعْدادِ النِّعَمِ. والإيلافُ: قِيلَ مِنَ التَّأْلِيفِ، إذْ كانُوا في رِحْلَتَيْهِمْ يَأْلَفُونَ المُلُوكَ في الشّامِ واليَمَنِ، أوْ كانُوا هم في أنْفُسِهِمْ مُؤَلَّفِينَ ومُجَمَّعِينَ، وهو امْتِنانٌ عَلَيْهِمْ بِهَذا التَّجَمُّعِ والتَّألُّفِ، ولَوْ سَلَّطَ عَلَيْهِمْ لَفَرَّقَهم وشَتَّتَهم، وأنْشَدُوا: ؎أبُونا قُصَيٌّ كانَ يُدْعى مُجَمِّعًا بِهِ جَمَعَ اللَّهُ القَبائِلَ مِن فِهْر وَقِيلَ: مِنَ الإلْفِ والتَّعَوُّدِ، أيْ: ألِفُوا الرِّحْلَتَيْنِ. فَلِلْإبْقاءِ لَهم عَلى ما ألِفُوهُ. وَقُرَيْشٌ قالَ أبُو حَيّانَ: عَلَمٌ عَلى القَبِيلَةِ. وَقِيلَ: أصْلُها مِنَ النَّقْرَشِ، وهو الِاجْتِماعُ أوِ التَّكَسُّبُ والجَمْعُ. وَقِيلَ: مِن دابَّةِ البَحْرِ المُسَمّاةِ بِالقِرْشِ وهي أخْطَرُ حَيَواناتِهِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في جَوابِهِ لِمُعاوِيَةَ. وَأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎وَقُرَيْشٌ هي الَّتِي تَسْكُنُ البَحْـ ∗∗∗ ـرَ بِها سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشا ؎(p-١١١)تَأْكُلُ الرَّثَّ والسَّمِينَ ولا ∗∗∗ تَتْرُكُ فِيها لِذِي جَناحَيْنِ رِيشًا ؎هَكَذا في البِلادِ حَيُّ قُرَيْشٍ ∗∗∗ يَأْكُلُونَ البِلادَ أكْلًا كَمِيشا ؎وَلَهم آخِرُ الزَّمانِ نَبِيٌّ ∗∗∗ يُكْثِرُ القَتْلَ فِيهِمْ والخُمُوشا وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ﴾، هو تَفْسِيرٌ ”لِإيلافِ“ سَواءٌ عَلى ما كانُوا يُؤالِفُونَ بَيْنَ المُلُوكِ في تِلْكَ الرَّحَلاتِ، أوْ ما كانُوا يَأْلَفُونَهُ فِيهِما.

قريش 106:3

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ . المُرادُ بِالبَيْتِ: البَيْتُ الحَرامُ، كَما جاءَ في دَعْوَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾ .

قريش 106:4

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ . بِمَثابَةِ التَّعْلِيلِ لِمُوجِبِ أمْرِهِمْ بِالعِبادَةِ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ الَّذِي هَيَّأ لَهم هاتَيْنِ الرِّحْلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ كانَتا سَبَبًا في تِلْكَ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ، فَكانَ مِن واجِبِهِمْ أنْ يَشْكُرُوهُ عَلى نِعَمِهِ ويَعْبُدُوهُ وحْدَهُ. وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ بَيانُ هَذا المَعْنى، عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] وساقَ النُّصُوصَ بِهَذا المَعْنى بِما أغْنى عَنْ إعادَتِهِ. تَنْبِيهٌ فِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ ﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾، رُبِطَ بَيْنَ النِّعْمَةِ ومُوجِبِها، كالرَّبْطِ بَيْنَ السَّبَبِ والمُسَبَّبِ. فَفِيهِ بَيانٌ لِمُوجِبِ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ، وحَقِّهِ في ذَلِكَ عَلى عِبادِهِ جَمِيعًا، ولَيْسَ خاصًّا بِقُرَيْشٍ. وَهَذا الحَقُّ قَرَّرَهُ أوَّلُ لَفْظٍ في القُرْآنِ، وأوَّلُ نِداءٍ في المُصْحَفِ، فالأوَّلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، كَأنَّهُ يَقُولُ هو سُبْحانَهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْحَمْدِ، لِأنَّهُ رَبُّ العالَمِينَ، أيْ خالِقُهم ورازِقُهم، وراحِمُهم إلى آخِرِهِ. (p-١١٢)والثّانِي: ﴿ياأيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] . ثُمَّ بَيَّنَ المُوجِبَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١] . ثُمَّ عَدَّدَ عَلَيْهِمْ نِعَمَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا والسَّماءَ بِناءً وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢] . فَهَذِهِ النِّعَمُ تُعادِلُ الإطْعامَ مِن جُوعٍ، والأمْنَ مِن خَوْفٍ، في حَقِّ قُرَيْشٍ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ [الكوثر: ١ - ٢] . وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّ الشُّكْرَ يَزِيدُ النِّعَمَ والكُفْرَ يُذْهِبُها، إلّا ما كانَ اسْتِدْراجًا، فَقالَ في شُكْرِ النِّعْمَةِ: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] . وَقالَ في الكُفْرانِ وعَواقِبِهِ: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِن كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢] . وَبِهَذِهِ المُناسَبَةِ إنَّ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ أفْرادًا وجَماعاتٍ، أنْ يُقابِلُوا نِعَمَ اللَّهِ بِالشُّكْرِ، وأنْ يَشْكُرُوها بِالطّاعَةِ والعِبادَةِ لِلَّهِ، وأنْ يَحْذَرُوا كُفْرانَ النِّعَمِ. تَنْبِيهٌ آخَرُ فِي الجَمْعِ بَيْنَ إطْعامِهِمْ مِن جُوعٍ وأمْنِهِمْ مِن خَوْفٍ، نِعْمَةٌ عُظْمى لِأنَّ الإنْسانَ لا يَنْعَمُ ولا يَسْعَدُ إلّا بِتَحْصِيلِ النِّعْمَتَيْنِ هاتَيْنِ مَعًا، إذْ لا عَيْشَ مَعَ الجُوعِ، ولا أمْنَ مَعَ الخَوْفِ، وتَكْمُلُ النِّعْمَةُ بِاجْتِماعِهِما. وَلِذا جاءَ الحَدِيثُ: «مَن أصْبَحَ مُعافًى في بَدَنِهِ آمِنًا في سِرْبِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَقَدِ اجْتَمَعَتْ عِنْدَهُ الدُّنْيا بِحَذافِيرِها» . تَنْبِيهٌ آخَرُ إنَّ في هَذِهِ السُّورَةِ دَلِيلًا عَلى أنَّ دَعْوَةَ الأنْبِياءِ مُسْتَجابَةٌ؛ لِأنَّ الخَلِيلَ عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ دَعا لِأهْلِ الحَرَمِ بِقَوْلِهِ: ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ﴾ [إبراهيم: ٣٧] . (p-١١٣)وَقالَ: ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ﴾ [البقرة: ١٢٩]، فَأطْعَمَهُمُ اللَّهُ مِن جُوعٍ وآمَنُهم مِن خَوْفٍ، وبَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ.

الماعون 107:1

(p-١١٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم سُورَةُ الماعُون قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ ﴿وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ . الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ، فِيهِ اسْمُ المَوْصُولِ مُبْهَمٌ بَيَّنَهُ ما بَعْدَهُ، وهو الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ، ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ. وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى، أنَّ الإيمانَ بِيَوْمِ الدِّينِ يَحْمِلُ صاحِبَهُ عَلى إطْعامِ اليَتِيمِ والمِسْكِينِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨] . ثُمَّ قالَ مُبَيِّنًا الدّافِعَ عَلى إطْعامِهِمْ إيّاهم: ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ ﴿إنّا نَخافُ مِن رَبِّنا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان: ٩ - ١٠] . وَهُنا سُؤالٌ: وهو لِمَ خَصَّ المُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ عَمَّنْ يَرْتَكِبُ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ دَعَّ اليَتِيمَ، وهو دَفْعُهُ وزَجْرُهُ، وعَدَمَ الحَضِّ عَلى إطْعامِ المِسْكِينِ، وبِالتّالِي عَدَمَ إطْعامِهِ هو مِن عِنْدِهِ ؟ والجَوابُ: أنَّهُما نَمُوذَجانِ، ومِثالانِ فَقَطْ. والأوَّلُ مِنهُما: مِثالٌ لِلْفِعْلِ القَبِيحِ. والثّانِي: مِثالٌ لِلتَّرْكِ المَذْمُومِ. وَلِأنَّهُما عَمَلانِ إنْ لَمْ يَكُونا إسْلامِيَّيْنِ فَهُما إنْسانِيّانِ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ. وَفِي الآيَةِ الأُخْرى تَوْجِيهٌ لِلْجَوابِ، وهو أنَّ المُؤْمِنَ يَخافُ مِنَ اللَّهِ يَوْمًا عَبُوسًا، وعَبَّرَ بِالعَبُوسِ في حَقِّ يَوْمِ القِيامَةِ، لِئَلّا يَعْبَسَ هو في وجْهِ اليَتِيمِ والمِسْكِينِ لِضَعْفِهِما. وَمِن جانِبٍ آخَرَ فَإنْ كانَ التَّكْذِيبُ بِيَوْمِ الدِّينِ يَحْمِلُ عَلى كُلِّ المُوبِقاتِ، إلّا أنَّها (p-١١٥)قَدْ تَجِدُ ما يَمْنَعُ مِنها، كالقَتْلِ والزِّنا والخَمْرِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الآخَرِينَ، وكَذَلِكَ السَّرِقَةُ والنَّهْبُ. أمّا إيذاءُ اليَتِيمِ وضَياعُ المِسْكِينِ، فَلَيْسَ هُناكَ مَن يَدْفَعُ عَنْهُ، ولا يَمْنَعُ إيذاءَ هَؤُلاءِ عَنْهُما، ولَيْسَ لَدَيْهِما الجَزاءُ الَّذِي يَنْتَظِرُهُ أُولَئِكَ مِنهم عَلى الإحْسانِ إلَيْهِمْ. وَجُبِلَتِ النُّفُوسُ عَلى ألّا تَبْذُلَ إلّا بِعِوَضٍ، ولا تَكُفَّ إلّا عَنْ خَوْفٍ، فالخَوْفُ مَأْمُونٌ مِن جانِبَيِ اليَتِيمِ والمِسْكِينِ، والجَزاءُ غَيْرُ مَأْمُولٍ مِنهُما، فَلَمْ يَبْقَ دافِعٌ لِلْإحْسانِ إلَيْهِما، ولا رادِعٌ عَنِ الإساءَةِ لَهُما إلّا الإيمانُ بِيَوْمِ الدِّينِ والجَزاءِ، فَيُحاسَبُ الإنْسانُ عَلى مِثْقالِ الذَّرَّةِ مِنَ الخَيْرِ. وَقِيلَ: إنَّ دَعَّ اليَتِيمِ: هو طَرْدُهُ عَنْ حَقِّهِ، وعَدَمَ الحَضِّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ: عَدَمُ إخْراجِ الزَّكاةِ. وَلَكِنْ في الآيَةِ ما يَمْنَعُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الزَّكاةَ إنَّما يُطالَبُ بِها المُؤْمِنُ، والسِّياقُ فِيمَن يُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ فَلا زَكاةَ.

الماعون 107:4

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ . اخْتُلِفَ في المُصَلِّينَ الَّذِينَ تَوَجَّهَ إلَيْهِمُ الوَعِيدُ بِالوَيْلِ هُنا. والجُمْهُورُ: عَلى أنَّهُمُ الَّذِينَ يَسْهَوْنَ عَنْ أدائِها، ويَتَساهَلُونَ في أمْرِ المُحافَظَةِ عَلَيْها. وَقِيلَ: عَنِ الخُشُوعِ فِيها وتَدَبُّرِ مَعانِيَها. وَلَكِنَّ الصَّحِيحَ أنَّهُ الأوَّلُ. وَقَدْ جاءَ عَنْ عَطاءٍ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُما قالا: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قالَ عَنْ صَلاتِهِمْ، ولَمْ يَقُلْ في صَلاتِهِمْ، كَما أنَّ السَّهْوَ في الصَّلاةِ لَمْ يَسْلَمْ مِنهُ أحَدٌ، حَتّى أنَّهُ «وَقَعَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لَمّا سَلَّمَ مِن رَكْعَتَيْنِ في الظُّهْرِ كَما هو مَعْلُومٌ مِن حَدِيثِ ذِي اليَدَيْنِ، وقالَ: ”إنِّي لا أنْسى، ولَكِنِّي أُنَسّى لِأسُنَّ»“ فَكَيْفَ يُنْسِيهِ اللَّهُ لِيَسُنَّ لِلنّاسِ أحْكامَ السَّهْوِ، ويَقَعُ النّاسُ في السَّهْوِ بِدُونِ عَمْدٍ مِنهم. وَقَدْ قالَ ﷺ: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ والنِّسْيانُ، وما اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (p-١١٦) وَقَدْ عَقَدَ الفُقَهاءُ بابَ سُجُودِ السَّهْوِ تَصْحِيحًا لِذَلِكَ. لِذَلِكَ بَقِيَ مَنِ المُرادُ بِـ ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ . قِيلَ: نَزَلَتْ في أشْخاصٍ بِأعْيانِهِمْ. وَقِيلَ: في كُلِّ مَن أخَّرَ الصَّلاةَ عَنْ أوَّلِ وقْتِها، أوْ عَنْ وقْتِها كُلِّهِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، أوْ عَنْ أدائِها في المَساجِدِ وفي الجَماعَةِ. وَقِيلَ: في المُنافِقِينَ. ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): (p-٤٦٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الماعُونِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ الآيَةَ. هَذِهِ الآيَةُ يَتَوَهَّمُ مِنها الجاهِلُ أنَّ اللَّهَ تَوَعَّدَ المُصَلِّينَ بِالوَيْلِ، وقَدْ جاءَ في آيَةٍ أُخْرى أنَّ عَدَمَ الصَّلاةِ مِن أسْبابِ دُخُولِ سَقَرَ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٣] . والجَوابُ عَنْ هَذا في غايَةِ الظُّهُورِ، وهو أنَّ التَّوَعُّدَ بِالوَيْلِ مُنْصَبٌّ عَلى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ الآيَةَ [الماعون: ٥ - ٦]، وهُمُ المُنافِقُونَ عَلى التَّحْقِيقِ، وإنَّما ذَكَرْنا هَذا الجَوابَ مَعَ ضَعْفِ الإشْكالِ؛ وظُهُورِ الجَوابِ عَنْهُ لِأنَّ الزَّنادِقَةَ الَّذِينَ لا يُصَلُّونَ يَحْتَجُّونَ لِتَرْكِ الصَّلاةِ بِهَذِهِ الآيَةِ. وَقَدْ سَمِعْنا مِن ثِقاتٍ وغَيْرِهِمْ: أنَّ رَجُلًا قالَ لِظالِمٍ تارِكٍ لِلصَّلاةِ: ما لَكَ لا تُصَلِّي ؟ فَقالَ لِأنَّ اللَّهَ تَوَعَّدَ عَلى الصَّلاةِ بِالوَيْلِ في قَوْلِهِ ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾، فَقالَ لَهُ: اقْرَأْ بَعْدَها، فَقالَ لا حاجَةَ لِي فِيما بَعْدَها فِيها كِفايَةٌ في التَّحْذِيرِ مِنَ الصَّلاةِ، ومِن هَذا القَبِيلِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎دَعِ المَساجِدَ لِلْعِبادِ تَسْكُنُها وسِرْ إلى حانَةِ الخَمّارِ يَسْقِينا ؎ما قالَ رَبُّكَ ويْلٌ لِلْأُولى سَكِرُوا ∗∗∗ وإنَّما قالَ ويْلٌ لِلْمُصَلِّينا فَإذا كانَ اللَّهُ تَعالى تَوَعَّدَ بِالوَيْلِ المُصَلِّي الَّذِي هو ساهٍ عَنْ صَلاتِهِ ويُرائِي فِيها، فَكَيْفَ بِالَّذِي لا يُصَلِّي أصْلًا، فالوَيْلُ كُلُّ الوَيْلِ لَهُ وعَلَيْهِ لِعائِنُ اللَّهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ما لَمْ يَتُبْ.

الماعون 107:6

وَفي السُّورَةِ تَفْسِيرٌ صَرِيحٌ لِهَؤُلاءِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ ﴿وَيَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ [الماعون: ٦ - ٧] . والمُرائِي في صِلاتِهِ قَدْ يَكُونُ مُنافِقًا، وقَدْ يَكُونُ غَيْرَ مُنافِقٍ. فالرِّياءُ أعَمُّ مِن جِهَةٍ، والنِّفاقُ أعَمُّ مِن جِهَةٍ أُخْرى، أيْ قَدْ يُرائِي في عَمَلٍ ما، ويَكُونُ مُؤْمِنًا بِالبَعْثِ والجَزاءِ وبِكُلِّ أرْكانِ الإيمانِ، ولا يُرائِي في عَمَلٍ آخَرَ، بَلْ يَكُونُ مُخْلِصًا فِيهِ كُلَّ الإخْلاصِ. والمُنافِقُ دائِمًا ظاهِرُهُ مُخالِفٌ لِباطِنِهِ في كُلِّ شَيْءٍ، لا في الصَّلاةِ فَقَطْ. وَلَكِنْ جاءَ النَّصُّ: بِأنَّ المُراءاةَ في الصَّلاةِ مِن أعْمالِ المُنافِقِينَ. وَجاءَ النَّصُّ أيْضًا. بِأنَّ مَنعَ الماعُونِ مِن طَبِيعَةِ الإنْسانِ إلّا المُصَلِّينَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ ﴿إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ ﴿وَإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ ﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾ [المعارج: ١٩ - ٢٢] . وَقَدْ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ، بَيانُ السَّهْوِ عَنْها وإضاعَتِها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أضاعُوا الصَّلاةَ واتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩ - ٦٠] . وَبَيَّنَ في آخِرِ المَبْحَثِ تَحْتَ عُنْوانِ: مَسْألَةٌ في حُكْمِ تارِكِي الصَّلاةِ جَحْدًا أوْ كَسَلًا. وزادَهُ بَيانًا، عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ [المعارج: ٣٤] في دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ لِلْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وآيَةِ ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] . (p-١١٧)وَذَكَرَ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎دَعِ المَساجِدَ لِلْعُبّادِ تَسْكُنُها عَلى ما سَنَذْكُرُهُ بَعْدُ، ثُمَّ نَبَّهَ قائِلًا: إذا كانَ الوَعِيدُ عَمَّنْ يَسْهُو عَنْها فَكَيْفَ بِمَن يَتْرُكُها ؟ ! ا هـ. وَقَدْ تَساءَلَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ عَنْ مُوجِبِ اقْتِرانِ هَذِهِ الآيَةِ بِالَّتِي قَبْلَها. وَأجابُوا: بِأنَّ الكُلَّ مِن دَوافِعِ عَدَمِ الإيمانِ بِالبَعْثِ، ومِن مُوجِباتِ التَّكْذِيبِ بِيَوْمِ الدِّينِ، فَهي مَعَ ما قَبْلَها في قُوَّةٍ، ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ ﴿وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾، وعَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ . فَجَمَعَهم مَعَ الأوَّلِ، ونَصَّ عَلى وعِيدِهِ الشَّدِيدِ، وبَيَّنَ وصْفًا لَهم، وهو أنَّهم يَمْنَعُونَ الماعُونَ.

الماعون 107:7

تَنْبِيهٌ فِي هَذِهِ السُّورَةِ، وفي آيَةِ: ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٩]، الَّتِي هي مِن صِفاتِ المُؤْمِنِينَ مُعادَلَةٌ كَبِيرَةٌ. إحْداهُما: في المُنافِقِينَ تارِكِي الصَّلاةِ أوْ مُضَيِّعِيها. والأُخْرى في المُؤْمِنِينَ المُحافِظِينَ عَلَيْها، أيْ أنَّ الصَّلاةَ هي المِقْياسُ والحَدُّ الفاصِلُ. وَعَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ: «العَهْدُ الَّذِي بَيْنَنا وبَيْنَهُمُ الصَّلاةُ، فَمَن تَرَكَ الصَّلاةَ فَقَدْ كَفَرَ» . أمّا أثَرُ الصَّلاةِ في الإسْلامِ، وعَلى الفَرْدِ والجَماعَةِ، فَهي أعْظَمُ مِن أنْ تُذْكَرَ. وَقَدْ وجَدْنا بَعْضَ آثارِها وهو المُراءاةُ في العَمَلِ، أيِ ازْدِواجُ الشَّخْصِيَّةِ والِانْعِزالُ في مَنعِ الماعُونِ، أيْ لا يَمُدُّ يَدَ العَوْنِ ولَوْ بِاليَسِيرِ لِمُجْتَمَعِهِ الَّذِي يَعِيشُ فِيهِ، وقَدْ جاءَتْ نُصُوصٌ صَرِيحَةٌ في مُهِمَّةِ الصَّلاةِ عاجِلِهِ وآجِلِهِ. فَفِي العاجِلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، ومِنَ الفَحْشاءِ: دَعُّ اليَتِيمَ وعَدَمُ إطْعامِ المِسْكِينِ، في الدَّرَجَةِ الأُولى. (p-١١٨)وَمِنها: كُلُّ رَذِيلَةٍ مُنْكَرَةٍ، فَهي إذَنْ سِياجٌ لِلْإنْسانِ يَصُونُهُ عَنْ كُلِّ رَذِيلَةٍ. وهي عَوْنٌ عَلى كُلِّ شَدِيدَةٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] فَجَعَلَها قَرِينَةَ الصَّبْرِ في التَّغَلُّبِ عَلى الصِّعابِ، وهي في الآخِرَةِ نُورٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَرى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ﴾ الآيَةَ [الحديد: ١٢]، مَعَ قَوْلِهِ ﷺ: «إنَّ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ القِيامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِن أثَرِ الوُضُوءِ» . وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾، قِيلَ: في الماعُونِ الزَّكاةُ لِقِلَّتِها، والماعُونُ: القَلِيلُ، والماعُونُ: المالُ في لُغَةِ قُرَيْشٍ. وَقِيلَ: هو ما يُعِينُ عَلى أيِّ عَمَلٍ، ومِنهُ الدَّلْوُ والفَأْسُ والإبْرَةُ والقِدْرُ، ونَحْوُ ذَلِكَ. وَإذا كانَ السَّهْوُ عَنِ الصَّلاةِ يَحْمِلُ عَلى مَنعِ الماعُونِ، فَإنَّ مَن يَمْنَعُ الماعُونَ وهو الآلَةُ أوِ الإناءُ يَقْضِي بِهِ الحاجَةَ ثُمَّ يُرَدُّ، كَما هو بِدُونِ نُقْصانٍ، فَلِأنْ يَمْنَعَ الصَّدَقَةَ أوِ الزَّكاةَ مِن بابٍ أوْلى. وَمِن هُنا: لَمْ يَكُنِ المُنافِقُ لِيُزَكِّيَ مالَهُ ولا يَتَصَدَّقَ عَلى مُحْتاجٍ، بَلْ ولا يُقْرِضَ آخَرَ قَرْضًا حَسَنًا. ولِذا نَجِدُ تَفَشِّي الرِّبا في المُنافِقِينَ أشَدَّ وأكْثَرَ. وَهُنا يَأْتِي مَبْحَثانِ: الأوَّلُ مِنهُما: حُكْمُ الرِّياءِ وما حَدَّهُ ؟ والثّانِي: حُكْمُ العارِيَةِ. أمّا الرِّياءُ: فَقِيلَ هو مُشْتَقٌّ مِنَ الرُّؤْيَةِ، والمُرادُ بِهِ إظْهارُ العِبادَةِ لِقَصْدِ رُؤْيَةِ النّاسِ لَها فَيُحْمَدُ عَلَيْها، وقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ تَسْمِيَتُهُ الشِّرْكَ الخَفِيَّ: «إنَّ أخْوَفَ ما أخافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الخَفِيُّ، قالُوا: وما الشِّرْكُ الخَفِيُّ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: الرِّياءُ، فَإنَّهُ أخْفى في نُفُوسِكم مِن دَبِيبِ النَّمْلِ» . وَجاءَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا ولا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] . وَبَيانُ الشِّرْكِ فِيهِ أنَّهُ يَعْمَلُ العَمَلَ مِمّا هو أصْلًا لِلَّهِ، كالصَّلاةِ أوِ الصَّدَقَةِ أوِ الحَجِّ، ولَكِنَّهُ يُظْهِرُهُ لِقَصْدِ أنْ يَحْمَدَهُ النّاسُ عَلَيْهِ. (p-١١٩)فَكَأنَّ هَذا الجُزْءَ مِنهُ مُشارَكَةٌ مَعَ اللَّهِ، حَيْثُ أصْبَحَ مِن عَمَلِهِ جُزْءٌ لِطَلَبِ الثَّناءِ مِنَ النّاسِ عَلَيْهِ. وَقَدْ جاءَ حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: «أنا أغْنى الشُّرَكاءِ عَنِ الشِّرْكِ، فَمَن عَمِلَ عَمَلًا أشْرَكَ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وشِرْكَهُ» . أمّا حُكْمُ الرِّياءِ في العَمَلِ، فَفي هَذا النَّصِّ دَلالَةٌ عَلى رَدِّ العَمَلِ عَلى صاحِبِهِ، وتَرْكِهِ لَهُ. فَقِيلَ: إنَّهُ يَكُونُ لا لَهُ فِيهِ، ولا عَلَيْهِ مِنهُ. فَقِيلَ: لا يَخْلُو مِن ذَمٍّ، كَما حَذَّرَ اللَّهُ تَعالى مِنهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ بَطَرًا ورِئاءَ النّاسِ﴾ [الأنفال: ٤٧] . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن راءى راءى اللَّهُ بِهِ، ومَن سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ» رَواهُ مُسْلِمٌ. والتَّسْمِيعُ: هو العَمَلُ لِيَسْمَعَ النّاسُ بِهِ كَما في حَدِيثِ الوَلِيمَةِ ”في اليَوْمِ الأوَّلِ والثّانِي والثّالِثِ سُمْعَةٌ. ومَن سَمَّعَ سَمَّعَ بِهِ“ . فالرِّياءُ مَرْجِعُهُ إلى الرُّؤْيَةِ، والتَّسْمِيعُ مَرْجِعُهُ إلى السَّماعِ. وَمَعْلُومٌ أنَّها نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ، وقَدْ أحْبَطَ اللَّهُ عَمَلَهم، ورَدَّهم عَلى أعْقابِهِمْ. وَفِي حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ، وقِيلَ: إنَّهُ مُحْبِطٌ لِلْأعْمالِ لِمُسَمّى الشِّرْكِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] . وَأُجِيبَ: بِأنَّهُ يُحْبِطُ العَمَلَ الَّذِي هو فِيهِ فَقَطْ، فَإنْ راءى في الصَّلاةِ أحْبَطَها ولا يَتَعَدّى إلى الصَّوْمِ، وإنْ راءى في صَلاةِ نافِلَةٍ لا يَتَعَدّى إحْباطَها إلى صَلاةِ فَرِيضَةٍ، وهَكَذا، قَدْ يَبْدَأُ عَمَلًا خالِصًا لِلَّهِ، ثُمَّ يَطْرَأُ عَلَيْهِ شَبَحُ الرِّياءِ، فَهَلْ يَسْلَمُ لَهُ عَمَلُهُ أوْ يُحْبِطُهُ ما طَرَأ عَلَيْهِ مِنَ الرِّياءِ ؟ فَقالُوا: إنْ كانَ خاطِرًا ودَفَعَهُ عَنْهُ فَلا يَضُرُّهُ، وإنِ اسْتَرْسَلَ مَعَهُ. فَقَدْ رَجَّحَ أحْمَدُ (p-١٢٠)وابْنُ جَرِيرٍ عَدَمَ بُطْلانِ العَمَلِ نَظَرًا لِسَلامَةِ القَصْدِ ابْتِداءً. وَدَلِيلُهم في ذَلِكَ: ما رَوى أبُو داوُدَ في مَراسِيلِهِ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ بَنِي سَلَمَةَ كُلُّهم يُقاتِلُ، فَمِنهم مَن يُقاتِلُ لِلدُّنْيا، ومِنهم مَن يُقاتِلُ نَجْدَةً، ومِنهم مَن يُقاتِلُ ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ تَعالى قالَ: ”كُلُّهم إذا كانَ أصْلُ أمْرِهِ أنْ تَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا»“ . وَذُكِرَ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ: أنَّ هَذا في العَمَلِ الَّذِي يَرْتَبِطُ آخِرُهُ بِأوَّلِهِ، كالصَّلاةِ والصِّيامِ. أمّا ما كانَ مِثْلَ القِراءَةِ والعِلْمِ. فَإنَّهُ يَلْزَمُهُ تَجْدِيدُ النِّيَّةِ الخالِصَةِ لِلَّهِ، أيْ لِأنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنَ القِراءَةِ، وكُلَّ جُزْءٍ مِن طَلَبِ العِلْمِ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ، فَلا يَرْتَبِطُ بِما قَبْلَهُ. وَهُناكَ مَسْألَةٌ: وهي أنَّ العَبْدَ يَعْمَلُ العَمَلَ لِلَّهِ خالِصًا، ثُمَّ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ بَعْضُ النّاسِ، فَيُحْسِنُونَ الثَّناءَ عَلَيْهِ فَيُعْجِبُهُ ذَلِكَ. فَلا خِلافَ أنَّهُ لَيْسَ مِنَ الرِّياءِ في شَيْءٍ لِما جاءَ في حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، «أنَّهُ ﷺ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَعْمَلُ مِنَ الخَيْرِ يَحْمَدُهُ النّاسُ عَلَيْهِ، فَقالَ ﷺ ”عاجِلُ بُشْرى المُسْلِمِ»“ رَواهُ مُسْلِمٌ. وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ العُلَماءِ: أنَّ مَن كانَ يَعْمَلُ عَمَلًا خَفِيًّا، ثُمَّ حَضَرَ بَعْضُ النّاسِ فَتَرَكَهُ مِن أجْلِهِمْ خَشْيَةَ الرِّياءِ، أنَّهُ يَدْخُلُ في الرِّياءِ؛ لِأنَّهُ يَضْعُفُ في نَفْسِهِ أنَّ يُخْلِصَ النِّيَّةَ لِلَّهِ، وفي هَذا بُعْدٌ ومَشَقَّةٌ. * * أمّا مَنعُ الماعُونِ وإعْطاؤُهُ، وهو العارِيَةُ كَما تَقَدَّمَ. فَإنَّ مَبْحَثَ العارِيَةِ في ناحِيَتَيْنِ: ما هي العارِيَةُ، والثّانِي: حُكْمُها أواجِبٌ أمْ مُباحٌ، وحُكْمُ ضَمانِها مَضْمُونَةٌ أمْ لا ؟ أمّا تَعْرِيفُها عِنْدَ الفُقَهاءِ: هي إباحَةُ الِانْتِفاعِ بِعَيْنٍ مِن أعْيانِ المالِ، مَعَ بَقاءِ عَيْنِهِ. وَقَوْلُهم مَعَ بَقاءِ عَيْنِهِ: كالقِدْرِ والفَأْسِ والإبْرَةِ والمُنْخِلِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، بِخِلافِ ما يَكُونُ إتْلافُهُ في اسْتِعْمالِهِ، كالشَّمْعِ لِلْإضاءَةِ، والزَّيْتِ لِلدُّهْنِ، والكُحْلِ لِلِاكْتِحالِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، مِمّا تَنْفَدُ عَيْنُهُ بِاسْتِعْمالِهِ، فَلا يَكُونُ عارِيَةً، ولَكِنْ يَكُونُ قَرْضًا، والقَرْضُ يَكُونُ مُعاوَضَتُهُ بِمِثْلِهِ. أمّا حُكْمُ العارِيَةِ. فَقِيلَ: جائِزٌ. (p-١٢١)وَقِيلَ: بَلْ واجِبٌ. وَقِيلَ: مُسْتَحَبٌّ. وَحَكى ابْنُ قُدامَةَ الإجْماعَ عَلى اسْتِحْبابِها، ودَلِيلُ مَن قالَ بِالوُجُوبِ بِنَصِّ الآيَةِ: ﴿وَيَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾، ولِحَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «فِي حَقِّ الإبِلِ لَمّا ذَكَرَ الزَّكاةَ ”وَأنَّ حَقَّها إعارَةُ دَلْوِها، وإطْراقُ فَحْلِها، ومَنحُهُ لَبَنَها يَوْمَ وُرُودِها»“ . والواقِعُ أنَّ هَذا الحَدِيثَ ذُكِرَ فِيهِ ما لَيْسَ بِعارِيَةٍ قَطْعًا، مِثْلَ طَرْقِ الفَحْلِ ومَنحِ اللَّبَنِ، مِمّا يُضْعِفُ الِاسْتِدْلالَ بِهِ. وَقَدْ ساقَ المَجْدُ في المُنْتَقى بِرِوايَةِ أحْمَدَ ولَهم. أمّا الوَعِيدُ في الآيَةِ فَقالُوا: هو مُنْصَبٌّ عَلى الصِّفاتِ الثَّلاثِ: السَّهْوِ عَنِ الصَّلاةِ، والرِّياءِ في العَمَلِ، ومَنعِ الماعُونِ جَمِيعًا، ومَنِ اتَّصَفَ بِواحِدَةٍ فَلَهُ قَدْرُهُ مِنَ الوَعِيدِ بِحَسَبِهِ. وَأقَلُّ ما يُقالُ فِيها ما جاءَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتَعاوَنُوا عَلى البِرِّ والتَّقْوى﴾ [المائدة: ٢]، والحَدِيثُ الصَّحِيحُ في حَقِّ الزَّكاةِ، «لَمّا ذَكَرَ ﷺ الذَّهَبَ والفِضَّةَ والإبِلَ والبَقَرَ والخَيْلَ، وقالَ: ”وَلا يَنْسى حَقَّ اللَّهِ في ظَهْرِها»“ . ثُمَّ «سُئِلَ عَنِ الحُمُرِ، فَقالَ: ”لَمْ أجِدْ إلّا الآيَةَ الشّاذَّةَ الفاذَّةَ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾»“ [الزلزلة: ٧] . وَإعارَةُ المَتاعِ إباحَةُ المَنفَعَةِ وهي خَيْرٌ كَثِيرٌ. والحَدِيثُ الآخَرُ: «لا يَحِلُّ مالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ» . وَنَقَلَ الشَّوْكانِيُّ عَنِ الكَشّافِ قَوْلًا: أنَّها تَكُونُ واجِبَةً عِنْدَ الِاضْطِرارِ، وقَبِيحٌ في غَيْرِ الضَّرُورَةِ مُرُوءَةٌ. ا هـ. والضَّرُورَةُ: مِثْلَ الدَّلْوِ إذا ورَدْتَ الماءَ ولا دَلْوَ مَعَكَ، وفي اضْطِرارٍ إلى الماءِ. وَقِياسُ الفُقَهاءِ: أنَّهُ لَوْ تَلِفَ شَيْءٌ بِسَبَبِ ذَلِكَ لَضَمِنَ المانِعُ. كَما قالُوا في الِامْتِناعِ في بَعْضِ الصُّوَرِ: هَلْ هو فِعْلٌ أوْ تَرْكٌ ؟ مِثْلَ مَن كانَ عِنْدَهُ (p-١٢٢)خَيْطٌ، واحْتِيجَ إلَيْهِ في خِياطَةِ جُرْحِ إنْسانٍ، أوْ قُطْنَةٍ فَماتَ، فَهَلْ يُعَدُّ تَرْكُ إعْطاءِ الخَيْطِ مُجَرَّدَ تَرْكٍ لا يُؤاخَذُ عَلَيْهِ، أوْ يُعْتَبَرُ فِعْلًا لِأنَّهُ تَسَبَّبَ عَنْهُ مَوْتُ إنْسانٍ. ومِثْلُهُ مَنعُ الدَّلْوِ لِيَرْوِيَ أوْ يَسْقِيَ إبِلَهُ أوْ يَشْرَبَ هو ؟ والصَّحِيحُ عِنْدَهم: أنَّ التَّرْكَ في مِثْلِ هَذِهِ الحالَةِ يُؤاخَذُ عَلَيْهِ مُؤاخَذَةَ الفِعْلِ، كَما قالَ صاحِبُ مَراقِي السُّعُودِ. والتَّرْكُ فِعْلٌ في صَحِيحِ المَذْهَب وَهُنا ما يَشْهَدُ لَهُ الِاسْتِعْمالُ العَرَبِيُّ الصَّحِيحُ، كَما قِيلَ في بِناءِ المَسْجِدِ: ؎لَئِنْ قَعَدْنا والنَّبِيُّ يَعْمَلُ لَذاكَ مِنّا العَمَلُ المُضَلِّلُ فَسُمِّي القُعُودُ عَنِ العَمَلِ عَمَلًا مُضَلِّلًا، فَتَحَصَّلَ مِن هَذا أنَّ العارِيَةَ مُسْتَحَبَّةٌ شَرْعًا ومُرُوءَةً وعُرْفًا في حالَةِ الِاخْتِيارِ، وواجِبَةٌ في حالَةِ الِاضْطِرارِ، مَعَ مُلاحَظَةِ أنَّ حالاتِ الِاسْتِعارَةِ أغْلَبُها اضْطِرارٌ، إلّا أنَّ حالاتِ الِاضْطِرارِ تَتَفاوَتُ ظُرُوفُها. وَقَدِ امْتَدَحَ اللَّهُ الأنْصارَ بِأنَّهم ﴿يُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]، فالعارِيَةُ مِن بابِ أوْلى، لِأنَّهُ يُنْتَفَعُ بِها وتُرَدُّ لِصاحِبِها. وَقَدِ امْتَدَحَ الشّاعِرُ القَوْمَ بِعَدَمِ مَنعِهِمُ الماعُونَ، بِقَوْلِهِ: ؎قَوْمٌ عَلى الإسْلامِ ولَمّا يَمْنَعُوا ∗∗∗ ماعُونَهم ويُضَيِّعُ التَّهْلِيلا وَإنْ كانَ بَعْضُ النّاسِ حَمَلَ الماعُونَ هُنا عَلى الزَّكاةِ، ولَكِنَّ قَوْلَ الشّاعِرِ: قَوْمٌ عَلى الإسْلامِ، يَتَضَمَّنُ إخْراجَهُمُ الزَّكاةَ ضِمْنَ إسْلامِهِمْ، فَيَكُونُ الباقِي امْتِدادَ حالِهِمْ في خُصُوصِ الماعُونِ. بَقِيَ مَبْحَثُ ضَمانِها: تَخْتَلِفُ الأقْوالُ في ضَمانِ العارِيَةِ، فَبَعْضُهم يَعْتَبِرُها أمانَةً، وعَلَيْهِ فَلا تَكُونُ مَضْمُونَةً وهَذا مَذْهَبُ الحَنَفِيَّةِ والمالِكِيَّةِ، إذا لَمْ يَحْصُلْ مِنهُ تَعَدٍّ. وَعِنْدَ الشّافِعِيِّ وأحْمَدَ: أنَّها مَضْمُونَةٌ، إلّا إذا كانَتْ عَلى الوَجْهِ المَأْذُونِ فِيهِ. كَما قالُوا في السَّيْفِ: يَسْتَعِيرُهُ فَيَنْكَسِرُ في القِتالِ فَلا ضَمانَ فِيهِ. واسْتَدَلَّ مَن قالَ بِضَمانِها بِالحَدِيثِ العامِّ: «عَلى اليَدِ ما أخَذَتْ، حَتّى تُؤَدِّيَهُ» رَواهُ (p-١٢٣)المَجْدُ في المُنْتَقى، وقالَ: رَواهُ الخَمْسَةُ إلّا النَّسائِيُّ. وَبِحَدِيثِ صَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَعارَ مِنهُ يَوْمَ حُنَيْنٍ أذْرُعًا قِيلَ ثَلاثِينَ، وقِيلَ ثَمانِينَ، وقِيلَ مِائَةً. فَقالَ: أغَصْبًا يا مُحَمَّدُ ؟ قالَ: ”بَلْ عارِيَةٌ مَضْمُونَةٌ، فَقالَ: فَضاعَ بَعْضُها، فَعَرَضَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يَضْمَنَها لَهُ، فَقالَ: أنا اليَوْمَ في الإسْلامِ أرْغَبُ»“ رَواهُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ. وَنَصَّ الفُقَهاءُ أنَّ ضَمانَها بِقِيمَتِها يَوْمَ تَلِفَتْ أوْ بِمِثْلِها، إنْ كانَتْ مِثْلِيَّةً، ويُسْتَدَلُّ لَهُ بِما «جاءَ في قَصْعَةِ حَفْصَةَ لَمّا ضَرَبَتْها عائِشَةُ فَسَقَطَتْ عَلى الأرْضِ فانْكَسَرَتْ، وانْتَثَرَ الطَّعامُ، فَأخَذَ ﷺ قَصْعَةَ عائِشَةَ ورَدَّها إلى حَفْصَةَ، وقالَ: ”قَصْعَةٌ بِقَصْعَةٍ، وطَعامٌ بِطَعامٍ»“ أيْ أنَّ الضَّمانَ إمّا بِالمِثْلِ إنْ كانَ مِثْلِيًّا، أوْ بِالقِيمَةِ إنْ كانَ مُقَوَّمًا. وَإذا كانَتِ العارِيَةُ مَضْمُونَةً وحُكْمُها الجَوازُ، فَلِلْمُسْتَعِيرِ طَلَبُ رَدِّها مَتى شاءَ، إلّا إذا تَعَلَّقَتْ بِها مَصْلَحَةُ المُسْتَعِيرِ، ولا يُمْكِنُ رَدُّها إلّا بِمَضَرَّةٍ عَلَيْهِ. قالُوا: كَمَن أعارَ سَفِينَةً وتَوَسَّطَ بِها المُسْتَعِيرُ عُرْضَ البَحْرِ، فَلا يَمْلِكُ المُعِيرُ رَدَّها لِتَعَذُّرِ ذَلِكَ وسْطَ البَحْرِ. وَقِيلَ: لَهُ طَلَبُها، وتَكُونُ بِالأُجْرَةِ عَلى المُسْتَعِيرِ، والأوَّلُ أرْجَحُ. وَكالَّذِي أعارَ أرْضًا لِلزَّرْعِ، وقَبْلَ أنْ يُسْتَحْصَدَ الزَّرْعُ يَطْلُبُها صاحِبُها، وهَكَذا. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. حُكْمُ مَن جَحَدَ العارِيَةَ إنَّ حَدِيثَ المَرْأةِ المَخْزُومِيَّةِ مَشْهُورٌ، وهو أنَّها كانَتْ تَسْتَعِيرُ المَتاعَ وتَجْحَدُهُ، فاشْتُهِرَتْ بِذَلِكَ، ثُمَّ إنَّها سَرَقَتْ فَقُطِعَتْ في السَّرِقَةِ، لا في جَحْدِ المَتاعِ المُسْتَعارِ، وهَذا هو الأصَحُّ. لِأنَّ السَّرِقَةَ لا تَكُونُ إلّا عَلى وجْهِ التَّخَفِّي ومِن حِرْزٍ. والِاسْتِعارَةُ خِلافُ ذَلِكَ، وإنَّما تَدْخُلُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾ [النساء: ٥٨] . وَقَوْلِهِ ﷺ: «عَلى اليَدِ ما أخَذَتْ حَتّى تُؤَدِّيَهُ» . (p-١٢٤)وَحَدِيثِ «أدِّ الأمانَةَ لِمَنِ ائْتَمَنَكَ، ولا تَخُنْ مَن خانَكَ» رَواهُ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ، وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَهَذا مُجْمَلُ مَباحِثِ العارِيَةِ، وتَفْصِيلُ فُرُوعِها في كُتُبِ الفِقْهِ أوْجَزْنا مِنهُ ما يَتَعَلَّقُ بِمَنعِ الماعُونِ وعَدَمِ جَوازِ مَنعِهِ، وما يَتَعَلَّقُ بِبَذْلِهِ، وبِاللَّهِ تَعالى التَّوْفِيقُ. * * تَنْبِيهٌ فِي هَذِهِ السُّورَةِ بَيانُ مَنهَجٍ عِلْمِيٍّ يَلْزَمُ كُلَّ باحِثٍ، وهو جَمْعُ أطْرافِ النُّصُوصِ، وعَدَمُ الِاقْتِصارِ عَلى جُزْءٍ مِنهُ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: ٤]، وهي آيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، ولَوْ أُخِذَتْ وحْدَها لَكانَتْ وعِيدًا لِلْمُصَلِّينَ. كَما قالَ الشّاعِرُ الماجِنُ في قَوْلِهِ: ؎دَعِ المَساجِدَ لِلْعُبّادِ تَسْكُنُها وسِرْ إلى خانَةِ الخَمّارِ يَسْقِينا ؎ما قالَ رَبُّكَ ويْلٌ لِلْأُلى سَكِرُوا ∗∗∗ وإنَّما قالَ ويْلٌ لِلْمُصَلِّينا وَلِذا لا بُدَّ مِن ضَمِيمَةِ ما بَعْدَها لِلتَّفْسِيرِ والبَيانِ، الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ، ثُمَّ فُسِّرَ هَذا التَّفْسِيرُ أيْضًا بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ ﴿وَيَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ . وَمِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الحَدِيثِ، ما جاءَ عِنْدَ ابْنِ ماجَهْ ما نَصُّهُ بِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: «قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ”إنَّ مَيْسَرَةَ المَسْجِدِ تَعَطَّلَتْ: فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَن عَمَّرَ مَيْسَرَةَ المَسْجِدِ كُتِبَ لَهُ كِفْلانِ مِنَ الأجْرِ»“ . هَذا الحَدِيثُ وإنْ كانَ في الزَّوائِدِ، قالَ عَنْهُ: في إسْنادِهِ لَيْثُ بْنُ أبِي سُلَيْمٍ ضَعِيفٌ، إلّا أنَّهُ نَصٌّ فِيما تَمَثَّلَ لَهُ لِأنَّ مَنِ اقْتَصَرَ عَلى جَوابِهِ ﷺ اعْتُبِرَ مَيْسَرَةَ المَسْجِدِ أفْضَلُ، ومَن جَمَعَ طَرَفَيِ الحَدِيثِ عَرَفَ المَقْصُودَ مِنهُ. وَيَتَفَرَّعُ عَلى هَذا ما أخَذَهُ مالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ في بابِ الشَّهادَةِ: أنَّ الشَّخْصَ لا يَحِقُّ لَهُ أنْ يَشْهَدَ عَلى مُجَرَّدِ قَوْلٍ سَمِعَهُ، إلّا إذا اسْتَشْهَدُوهُ عَلَيْهِ، وقالُوا: اشْهَدْ عَلَيْهِ، أوْ إلّا إذا سَمِعَ الحَدِيثَ مِن أوَّلِهِ مَخافَةَ أنْ يَكُونَ في أوَّلِهِ ما هو مُرْتَبِطٌ بِآخِرِهِ، كَما لَوْ قالَ المُتَكَلِّمُ لِلْآخَرِ: لِي عِنْدَكَ فَرَسٌ، ولَكَ عِنْدِي مِائَةُ دِرْهَمٍ، فَيَسْمَعُ قَوْلَهُ: لَكَ عِنْدِي مِائَةُ دِرْهَمٍ، (p-١٢٥)وَلَمْ يَسْمَعْ ما قَبْلَها، فَإذا شَهِدَ عَلى ما سَمِعَ كانَ إضْرارًا بِالمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وهَذِهِ السُّورَةُ تَدُلُّ لِهَذا المَأْخَذِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

الكوثر 108:1

(p-١٢٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم سُورَةُ الكَوْثَر قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ . الكَوْثَرُ فَوْعَلُ مِنَ الكَثْرَةِ، وأعْطَيْناكَ قُرِئَ: أنْطَيْناكَ، بِإبْدالِ العَيْنِ نُونًا، ولَيْسَتِ النُّونُ مُبْدَلَةً عَنِ العَيْنِ، كَإبْدالِ الألِفِ مِنَ الواوِ أوِ العَيْنِ في الأجْوَفِ ونَحْوِهِ، ولَكِنَّ كُلّا مِنهُما أصْلٌ بِذاتِهِ، وقِراءَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ. قالَهُ أبُو حَيّانَ. واخْتُلِفَ في الكَوْثَرِ. فَقِيلَ: عَلَمٌ. وَقِيلَ: وصْفٌ. وَعَلى العَلَمِيَّةِ قالُوا: إنَّهُ عَلَمٌ عَلى نَهْرٍ في الجَنَّةِ، وعَلى الوَصْفِ قالُوا: الخَيْرُ الكَثِيرُ. وَمِمّا اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى العَلَمِيَّةِ، ما جاءَ في السُّنَّةِ مِنَ الأحادِيثِ الصِّحاحِ، ذَكَرَها ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ. وَفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ أنَسٍ قالَ: «لَمّا عُرِجَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى السَّماءِ قالَ: ”أتَيْتُ نَهْرًا حافَّتاهُ قِبابُ اللُّؤْلُؤِ مُجَوَّفًا. فَقُلْتُ: ما هَذا يا جِبْرِيلُ ؟ قالَ: هَذا الكَوْثَرُ»“ . وَبِسَنَدِهِ أيْضًا «عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها ”سُئِلَتْ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾، قالَتْ: هو نَهْرٌ أُعْطِيَهُ نَبِيُّكم ﷺ، شاطِئاهُ عَلَيْهِما دُرٌّ مُجَوَّفٌ، آنِيَتُهُ كَعَدَدِ النُّجُومِ»“ . وَبِسَنَدِهِ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ في الكَوْثَرِ: هو الخَيْرُ الَّذِي أعْطاهُ اللَّهُ إيّاهُ. قالَ أبُو بِشْرٍ: قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: فَإنَّ النّاسَ يَزْعُمُونَ أنَّهُ نَهْرٌ في الجَنَّةِ، فَقالَ سَعِيدٌ: النَّهْرُ الَّذِي في الجَنَّةِ مِنَ الخَيْرِ الَّذِي أعْطاهُ اللَّهُ إيّاهُ. وَذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ هَذِهِ الأحادِيثَ وغَيْرَها عَنْ أحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ: ومِنها بِسَنَدِ أحْمَدَ إلى (p-١٢٧)أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «أغْفى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إغْفاءَةً، فَرَفَعَ رَأْسَهُ مُتَبَسِّمًا إمّا قالَ لَهم، وإمّا قالُوا لَهُ: لِمَ ضَحِكْتَ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّهُ نَزَلَتْ عَلِيَّ آنِفًا سُورَةٌ، فَقَرَأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ، حَتّى خَتَمَها، فَقالَ: هَلْ تَدْرُونَ ما الكَوْثَرُ ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ. قالَ: نَهَرَ أعْطانِيهِ رَبِّي عَزَّ وجَلَّ في الجَنَّةِ، عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ، تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي يَوْمَ القِيامَةِ، آنِيَتُهُ عَدَدُ الكَواكِبِ يَخْتَلِجُ العَبْدُ مِنهم، فَأقُولُ: يا رَبِّ إنَّهُ مِن أُمَّتِي، فَيُقالُ: إنَّكَ لا تَدْرِي ما أحْدَثُوا بَعْدَكَ» . وَذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ ما جاءَ في صِفَةِ الحَوْضِ، وهَذِهِ النُّصُوصُ عَلى أنَّ الكَوْثَرَ نَهَرٌ في الجَنَّةِ، أعْطاهُ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ . وَفِي الحَدِيثِ الأخِيرِ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ قَوْلُهُ: ”عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ“ يُشْعِرُ بِأنَّ مَعْنى الوَصْفِيَّةِ مَوْجُودٌ. وَلِذا قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّهُ الخَيْرُ الكَثِيرُ. وَمِمَّنْ قالَ ذَلِكَ ابْنُ عَبّاسٍ، كَما تَقَدَّمَ في حَدِيثِ البُخارِيِّ عَنْهُ. واسْتَدَلُّوا عَلى المَعْنى، بِقَوْلِ الشّاعِرِ الكُمَيْتِ: ؎وَأنْتَ كَثِيرٌ يا ابْنَ مَرْوانَ طَيِّبٌ وكانَ أبُوكَ ابْنُ الفَصائِل والَّذِي تَطْمَئِنُّ إلَيْهِ النَّفْسُ أنَّ الكَوْثَرَ، هو الخَيْرُ الكَثِيرُ، وأنَّ الحَوْضَ أوِ النَّهَرَ مِن جُمْلَةِ ذَلِكَ. وَقَدْ أتَتْ آياتٌ تَدُلُّ عَلى إعْطاءِ اللَّهِ لِرَسُولِهِ الخَيْرَ الكَثِيرَ، كَما جاءَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧] . وَفِي القَرِيبِ سُورَةُ الضُّحى وفِيها: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضحى: ٥]، أعْقَبَها بِنِعَمٍ جَلِيلَةٍ مِن شَرْحِ الصُّدُورِ، ووَضْعِ الوِزْرِ، ورَفْعِ الذِّكْرِ، واليُسْرِ بَعْدَ العُسْرِ. وَبَعْدَها في سُورَةِ التِّينِ جَعَلَ بَلَدَهُ الأمِينَ، وأعْطى المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ. وَبَعْدَها سُورَةُ ”اقْرَأْ“ امْتَنَّ عَلَيْهِ القُرْآنَ، وعَلَّمَهُ ما لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ. (p-١٢٨)وَبَعْدَها سُورَةُ القَدْرِ: أعْطاهُ لَيْلَةً خَيْرًا مِن ألْفِ شَهْرٍ. وَبَعْدَها سُورَةُ البَيِّنَةِ: جَعَلَ أُمَّتَهُ خَيْرَ البَرِيَّةِ، ومَنَحَهم رِضاهُ عَنْهم، وأرْضاهم عَنْهُ. وَبَعْدَها سُورَةُ الزَّلْزَلَةِ: حَفِظَ لَهم أعْمالَهم، فَلَمْ يُضَيِّعْ عَلَيْهِمْ مِثْقالَ الذَّرَّةِ مِنَ الخَيْرِ. وَفِي سُورَةِ العادِياتِ: أكْبَرُ عَمَلٍ الجِهادُ، فَأقْسَمَ بِالعادِياتِ في سَبِيلِ اللَّهِ، والنَّصْرِ عَلى الأعْداءِ. وَفِي سُورَةِ التَّكاثُرِ: تَرْبِيَتُهم عَلى نِعَمِهِ لِيَشْكُرُوها، فَيَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ. وَفِي سُورَةِ العَصْرِ: جَعَلَ أُمَّتَهُ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ، تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وتَعْمَلُ الصّالِحاتِ، وتَتَواصى بِالحَقِّ وتَدْعُو إلَيْهِ، وتَتَواصى بِالصَّبْرِ، وتَصْبِرُ عَلَيْهِ. وَبَعْدَها في سُورَةِ قُرَيْشٍ: أكْرَمَ اللَّهُ قَوْمَهُ، فَآمَنَهم وأعْطاهم رِحْلَتَيْهِمْ. وَفِي السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَها مُباشَرَةً، وهي سُورَةُ الماعُونِ: يُمْكِنُ عَمَلُ مُقارَنَةٍ تامَّةٍ أوَّلًا. وَفِي الجُمْلَةِ، لَئِنْ كانَ المُنافِقُونَ يَمْنَعُونَ الماعُونَ، فَقَدْ أعْطَيْناكَ الخَيْرَ الكَثِيرَ، ثانِيًا. وَعَلى التَّفْصِيلِ فَفي الأُولى: وصَفَ المُنافِقِينَ والمُكَذِّبِينَ بِدَعِّ اليَتِيمِ، وفي الضُّحى قَدْ بَيَّنَ لَهُ حَقَّ اليَتِيمِ ﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: ٩]، فَكانَ هو خَيْرُ مُوَكَّلٍ، وخَيْرُ كافِلٍ، ووَصَفَهم هُنا بِأنَّهم لا يَحُضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ. وَقَدْ أوْضَحَ لَهُ في الضُّحى، ﴿وَأمّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾، فَكانَ يُؤْثِرُ السّائِلَ عَلى نَفْسِهِ، وهَؤُلاءِ ساهُونَ عَنْ صَلاتِهِمْ يُراءُونَ بِأعْمالِهِمْ. وَفِي هَذِهِ السُّورَةِ ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ [الكوثر: ٢]، أداءُ الصَّلاةِ وخالِصَةٌ لِرَبِّهِ، وإطْعامُ المِسْكِينِ بِنَحْرِ الهَدْيِ والضَّحِيَّةِ والصَّدَقَةِ، وكُلُّ ذَلِكَ خَيْرٌ كَثِيرٌ، يُضافُ إلَيْهِ ما جاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ، كَما في حَدِيثِ: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وأُعْطِيتُ الشَّفاعَةَ، وحَلَّتْ لِيَ الغَنائِمُ، ولَمْ تَكُنْ تَحُلُّ لِأحَدٍ قَبْلِي. وكانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ لِقَوْمِهِ خاصَّةً، فَبُعِثْتُ لِلنّاسِ كافَّةً، وجُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا، فَأيُّما رَجُلٌ أدْرَكَتْهُ الصَّلاةَ فَلْيُصَلِّ» . (p-١٢٩)وَقَوْلُهُ: «رُفِعَ لِي عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ والنِّسْيانُ، وما اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» . وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا رَبَّنا ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِنا رَبَّنا ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ واعْفُ عَنّا واغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا أنْتَ مَوْلانا فانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦] . قالَ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: قَدْ فَعَلْتُ، قَدْ فَعَلْتُ» . وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، وهو المَقامُ الَّذِي يَغْبِطُهُ عَلَيْهِ الأوَّلُونَ والآخَرُونَ. إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ النُّصُوصِ، بِما يُؤَكِّدُ قَوْلَ ابْنِ عَبّاسٍ، عِنْدَ البُخارِيِّ: إنَّ الكَوْثَرَ: الخَيْرُ الكَثِيرُ. وَأنَّ النَّهْرَ في الجَنَّةِ مِن هَذا الكَوْثَرِ الَّذِي أُعْطِيَهُ ﷺ .

الكوثر 108:2

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ . فِي هَذا مَعَ ما قَبْلَهُ رَبْطٌ بَيْنَ النِّعَمِ وشُكْرِها، وبَيْنَ العِباداتِ ومُوجِبِها، فَكَما أعْطاهُ الكَوْثَرَ فَلْيُصَلِّ لِرَبِّهِ سُبْحانَهُ ولْيَنْحَرْ لَهُ، كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ لِإيلافِ قُرَيْشٍ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ ﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ [قريش: ٣ - ٤] . وَهُناكَ ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾، وهو أكْثَرُ مِن رِحْلَتَيْهِمْ وأمْنِهِمْ، ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ مُقابِلَ ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ . وَقِيلَ: إنَّهُ لَمّا كانَ في السُّورَةِ قَبْلَها بَيانُ حالِ المُنافِقِينَ في السَّهْوِ عَنِ الصَّلاةِ والرِّياءِ في العَمَلِ، جاءَ هُنا بِالقُدْوَةِ الحَسَنَةِ ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ مُخْلِصًا لَهُ في عِبادَتِكَ، كَما تَقَدَّمَ في السُّورَةِ قَبْلَها ﴿فَمَن كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا ولا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] . وَقَوْلُهُ تَعالى في تَعْلِيمِ الأُمَّةِ، في خِطابِ شَخْصِهِ ﷺ ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، مَعَ عِصْمَتِهِ ﷺ مِن أقَلَّ مِن ذَلِكَ، والصَّلاةُ عامَّةً والفَرِيضَةُ أخُصُّها. (p-١٣٠)وَقِيلَ: صَلاةُ العِيدِ، والنَّحْرُ: قِيلَ فِيهِ أقْوالٌ عَدِيدَةٌ: أوَّلُها: في نَحْرِ الهَدْيِ أوْ نَحْرِ الضَّحِيَّةِ: وهي مُرْتَبِطَةٌ بِقَوْلِ مَن حَمَلَ الصَّلاةَ عَلى صَلاةِ العِيدِ، وأنَّ النَّحْرَ بَعْدَ الصَّلاةِ كَما في حَدِيثِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ «لَمّا ضَحّى قَبْلَ أنْ يُصَلِّيَ، وسَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَحُثُّ عَلى الضَّحِيَّةِ بَعْدَ الصَّلاةِ، فَقالَ: إنِّي عَلِمْتُ اليَوْمَ يَوْمَ لَحْمٍ فَعَجَّلْتُ بِضَحِيَّتِي، فَقالَ لَهُ: شاتُكَ شاةُ لَحْمٍ ؟ فَقالَ: إنَّ عِنْدَنا لَعَناقًا أحَبُّ إلَيْنا مِن شاةٍ، أفَتُجْزِئُ عَنِّي ؟ قالَ: اذْبَحْها، ولَنْ تُجْزِئَ عَنْ أحَدٍ غَيْرَكَ» . وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ مَبْحَثُ الضَّحِيَّةِ وافِيًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِنها وأطْعِمُوا البائِسَ الفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨]، وقَدْ ذَكَرُوا في مَعانِي: وانْحَرْ: أيْ ضَعْ يَدَكَ اليُمْنى عَلى اليُسْرى عَلى نَحْرِكَ في الصَّلاةِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَأقْوالٌ أُخْرى لَيْسَ عَلَيْها نَصٌّ. والنَّحْرُ: هو طَعْنُ الإبِلِ في اللَّبَّةِ عِنْدَ المَنحَرِ مُلْتَقى الرَّقَبَةِ بِالصَّدْرِ. وَأصَحُّ الأقْوالِ في الصَّلاةِ وفي النَّحْرِ هو ما تَقَدَّمَ مِن عُمُومِ الصَّلاةِ وعُمُومِ النَّحْرِ أوِ الذَّبْحِ لِما جاءَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايَ ومَماتِي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢] . واتَّفَقَ الفُقَهاءُ عَلى أنَّ النَّحْرَ لِلْإبِلِ، والذَّبْحَ لِلْغَنَمِ، والبَقَرَ مُتَرَدَّدٌ فِيهِ بَيْنَ النَّحْرِ والذَّبْحِ، وأجْمَعُوا عَلى أنَّ ذَلِكَ هو الأفْضَلُ، ولَوْ عَمَّمَ النَّحْرَ في الجَمِيعِ، أوْ عَمَّمَ الذَّبْحَ في الجَمِيعِ لَكانَ جائِزًا، ولَكِنَّهُ خِلافُ السُّنَّةِ. وَقالُوا: إنَّ الحِكْمَةَ في تَخْصِيصِ الإبِلِ بِالنَّحْرِ، هو طُولُ العُنُقِ، إذْ لَوْ ذُبِحَتْ لَكانَ مَجْرى الدَّمِ مِنَ القَلْبِ إلى مَحَلِّ الذَّبْحِ بَعِيدًا فَلا يُساعِدُ عَلى إخْراجِ جَمِيعِ الدَّمِ بِيُسْرٍ، بِخِلافِ النَّحْرِ في المَنحَرِ، فَإنَّهُ يُقَرِّبُ المَسافَةَ ويُساعِدُ القَلْبَ عَلى دَفْعِ الدَّمِ كُلِّهِ، أمّا الغَنَمُ فالذَّبْحُ مُناسِبٌ لَها، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

الكوثر 108:3

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ [ ٣ ] . قالَ البُخارِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ”شانِئَكَ“: عَدُوَّكَ ا هـ. (p-١٣١)والأبْتَرُ: هو الأقْطَعُ الَّذِي لا عَقِبَ لَهُ. وَأنْشَدَ أبُو حَيّانَ، قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎لَئِيمٌ بَدَتْ في أنْفِهِ خُنْزُوانَةٌ عَلى قَطْعِ ذِي القُرْبى أجُذُّ أباتِرَ وَقالَ: ”شانِئَكَ“: مُبْغِضَكَ. وَفِي هَذِهِ الآيَةِ يُخْبِرُ سُبْحانَهُ وتَعالى: أنَّ مُبْغِضَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هو الأقْطَعُ. فَقِيلَ: نَزَلَتْ في العاصِ بْنِ وائِلٍ. قالَ لِقُرَيْشٍ: دَعُوهُ، فَإنَّهُ أبْتَرُ لا عَقِبَ لَهُ، إذا ماتَ اسْتَرَحْتُمْ، فَأنْزَلَها اللَّهُ تَعالى رَدًّا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَقَدْ جاءَ مِصْداقُها بِالفِعْلِ في قَوْلِهِ تَعالى: في غَزْوَةِ بَدْرٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ ويَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ﴾ [الأنفال: ٧] فَقَتَلَ صَنادِيدَ قُرَيْشٍ، وصَدَقَ الوَعِيدَ فِيهِمْ. وَمِثْلُهُ عُمُومُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٥] . وَجاءَ: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ﴾ [المسد: ١] . فَهِيَ في مَعْناها أيْضًا. وَبَقِيَ ذِكْرُ رَسُولِ ﷺ في عَقِبِهِ مِن آلِ بَيْتِهِ، وفي أُمَّتِهِ كُلِّها. كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤] .

الكافرون 109:1

(p-١٣٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم سُورَةُ الكافِرُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ [ ١ ] . نِداءٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ، لَمّا عَرَضُوا عَلَيْهِ ﷺ أنْ يَتْرُكَ دَعْوَتَهُ ويُمَلِّكُوهُ عَلَيْهِمْ أوْ يُعْطُوهُ مِنَ المالِ ما يُرْضِيهِ ونَحْوِهِ فَرَفَضَ، فَقالُوا: تَقْبَلُ مِنّا ما نَعْرِضُهُ عَلَيْكَ: تَعْبُدُ آلِهَتَنا سَنَةً ونَعْبُدُ إلَهَكَ سَنَةً، فَسَكَتَ عَنْهم فَنَزَلَتْ، وقالُوا لَهُ: إنْ يَكُنِ الخَيْرُ مَعَنا أصَبْتَهُ، وإنْ يَكُنْ مَعَكَ أصَبْناهُ. وَفِي مَجِيءِ: قُلْ، مَعَ أنَّ مَقُولَ القَوْلِ كانَ قَدْ يَكْفِي في البَلاغِ، ولَكِنَّ مَجِيئَها لِغايَةٍ فَما هي ؟ قالَ الفَخْرُ الرّازِيُّ: إمّا لِأنَّهم عابُوهُ ﷺ في السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَها بِقَوْلِهِمْ: إنَّهُ أبْتَرُ فَجاءَ قَوْلُهُ: قُلْ، إشْعارًا بِأنَّ اللَّهَ يَرُدُّ عَنْ رَسُولِهِ بِهَذا الخِطابِ، الَّذِي يُنادِي عَلَيْهِمْ في نادِيهِمْ بِأثْقَلِ الأوْصافِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ لَهُ: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ . أوْ أنَّهُ لَمّا كانَ هَذا الخِطابُ فِيهِ مُغايَرَةُ المَأْلُوفِ مِن تَخاطُبِهِ مَعَهم مِن أُسْلُوبِ الحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ، وكانَ فِيهِ مِنَ التَّقْرِيعِ لَهم ومُجابَهَتِهِمْ، قالَ لَهُ: قُلْ: إشْعارًا بِأنَّهُ مُبَلِّغٌ عَنِ اللَّهِ ما أمَرَ بِهِ، وجاءَتْ يا، وهي لِنِداءِ البَعِيدِ، لِبُعْدِهِمْ في الكُفْرِ والعِنادِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .

الكافرون 109:2

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ ﴿وَلا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ ﴿وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ . قِيلَ: تَكْرارٌ في العِباراتِ لِلتَّوْكِيدِ، كَتَكْرارِ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٥]، وتَكْرارِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٣] . وَنَظِيرُهُ في الشِّعْرِ أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصَرَ، مِن ذَلِكَ ما أوْرَدَهُ القُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ:(p-١٣٣) ؎هَلّا سَألْتَ جُمُوعَ كِنْدَةَ يَوْمَ ولَّوْ أيْنَ أيْنا وَقَوْلُ الآخَرِ: ؎يا عَلْقَمَةُ يا عَلْقَمَةُ يا عَلْقَمَهْ ∗∗∗ خَيْرَ تَمِيمٍ كُلِّها وأكْرَمَهْ وَقَوْلُ الآخَرِ: ؎يا أقْرَعُ بْنَ حابِسٍ يا أقْرَعُ ∗∗∗ إنَّكَ إنْ يُصْرَعْ أخُوكَ تُصْرَعُ وَقَوْلُ الآخَرِ: ؎ألا يا سَلْمى ثُمَّ اسْلَمِي ثُمَّتَ اسْلَمِي ∗∗∗ ثَلاثُ تَحِيّاتٍ وإنْ لَمْ تَكَلَّم وَقَدْ جاءَتْ في أبْياتٍ لِبَعْضِ تَلامِيذِ الشَّيْخِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، ضِمْنَ مُساجَلَةٍ لَهُ مَعَهُ قالَ فِيها: ؎تاللَّهِ إنَّكَ قَدْ مَلَأْتَ مَسامِعِي ∗∗∗ دُرًّا عَلَيْهِ قَدِ انْطَوَتْ أحْشائِي ؎زِدْنِي وزِدْنِي ثُمَّ زِدْنِي ولْتَكُنْ ∗∗∗ مِنكَ الزِّيادَةُ شافِيًا لِلدّاء فَكَرَّرَ قَوْلَهُ: زِدْنِي ثَلاثَ مَرّاتٍ وَقِيلَ: لَيْسَ فِيهِ تَكْرارٌ، عَلى أنَّ الجُمْلَةَ الأُولى عَنِ الماضِي والثّانِيَةَ مِنَ المُسْتَقْبَلِ. وَقِيلَ: الأُولى عَنِ العِبادَةِ، والثّانِيَةُ عَنِ المَعْبُودِ. وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، عَلى ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ. والسُّورَةُ في الجُمْلَةِ نَصٌّ عَلى أنَّهُ ﷺ لا يَعْبُدُ مَعْبُودَهم، ولا هم عابِدُونَ مَعْبُودَهُ، وقَدْ فَسَّرَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكم أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١] . وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ الكَلامُ عَلى هَذا المَعْنى، عِنْدَ آيَةِ يُونُسَ تِلْكَ، وذَكَرَ هَذِهِ السُّورَةَ هُناكَ. وَقَدْ ذَكَرَ أيْضًا في دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ جَوابًا عَلى إشْكالٍ في السُّورَةِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾، نَفْيٌ لِعِبادَةِ كُلٍّ مِنهُما مَعْبُودَ (p-١٣٤)الآخَرِ مُطْلَقًا، مَعَ أنَّهُ قَدْ آمَنَ بَعْضُهم فِيما بَعْدُ وعَبَدَ ما يَعْبُدُهُ ﷺ، وأجابَ عَنْ ذَلِكَ بِأحَدِ أمْرَيْنِ: مُوجَزُهُما أنَّها مِن جِنْسِ الكُفّارِ، وإنْ أسْلَمُوا فِيما بَعْدُ فَهو خِطابٌ لَهم ما دامُوا كُفّارًا إلى آخِرِهِ، أوْ أنَّها مِنَ العامِّ المَخْصُوصِ، فَتَكُونُ في خُصُوصِ مَن حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِماتُ رَبِّكَ. ا هـ. مُلَخَّصًا. وَقَدْ ذَكَرَ أبُو حَيّانَ وجْهًا عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ: أنَّ ما يَتَعَلَّقُ بِالكُفّارِ خاصٌّ بِالحاضِرِ؛ لِأنَّ ما إذا دَخَلَتْ عَلى اسْمِ الفاعِلِ تُعَيِّنُهُ لِلْحاضِرِ. وَناقَشَهُ أبُو حَيّانَ، بِأنَّ ذَلِكَ في مُغالِبٍ لا عَلى سَبِيلِ القَطْعِ. والَّذِي يَظْهَرُ مِن سِياقِ السُّورَةِ قَدْ يَشْهَدُ لِما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو أنَّ السُّورَةَ تَتَكَلَّمُ عَنِ الجانِبَيْنِ عَلى سَبِيلِ المُقابَلَةِ جِهَةُ الرَّسُولِ ﷺ، وجِهَةُ الكُفّارِ في عَدَمِ عِبادَةِ كُلٍّ مِنهُما مَعْبُودَ الآخَرِ. وَلَكِنَّها لَمْ تُساوِ في اللَّفْظِ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ، فَمِن جِهَةِ الرَّسُولِ ﷺ جاءَ في الجُمْلَةِ الأُولى: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ عَبَّرَ عَنْ كُلٍّ مِنهُما بِالفِعْلِ المُضارِعِ الدّالِّ عَلى الحالِ أيْ: لا أعْبُدُ الآنَ ما تَعْبُدُونَ الآنَ بِالفِعْلِ. ثُمَّ قالَ: ﴿وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ فَعَبَّرَ عَنْهم بِالِاسْمِيَّةِ وعَنْهُ هو بِالفِعْلِيَّةِ، أيْ: ولا أنْتُمْ مُتَّصِفُونَ بِعِبادَةِ ما أعْبُدُ الآنَ. وَفِي الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ قالَ: ﴿وَلا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ ﴿وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ . فَعَبَّرَ عَنْهُ بِأنَّهُ لَيْسَ مُتَّصِفًا بِعِبادَةِ ما يَعْبُدُونَ ولا هم عابِدُونَ ما يَعْبُدُ، فَكانَ وصْفُهُ هو ﷺ في الجُمْلَتَيْنِ بِوَصْفَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ تارَةً وبِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ تارَةً أُخْرى، فَكانَتْ إحْداهُما لِنَفْيِ الوَصْفِ الثّابِتِ، والأُخْرى لِنَفْيِ حُدُوثِهِ فِيما بَعْدُ. أمّا هم فَلَمْ يُوصَفُوا في الجُمْلَتَيْنِ إلّا بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الوَصْفِ الثّابِتِ، أيْ في الماضِي إلى الحاضِرِ، ولَمْ يَكُنْ فِيما وُصِفُوا بِهِ جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ مِن خَصائِصِها التَّجَدُّدُ والحُدُوثُ، فَلَمْ يَكُنْ فِيها ما يَتَعَرَّضُ لِلْمُسْتَقْبَلِ فَلَمْ يَكُنْ إشْكالٌ، واللَّهَ تَعالى أعْلَمُ. فَإنْ قِيلَ: إنَّ الوَصْفَ بِاسْمِ الفاعِلِ يَحْتَمِلُ الحالَ والِاسْتِقْبالَ، فَيَبْقى الإشْكالُ مُحْتَمَلًا. قِيلَ: ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنَّ دُخُولَ ما عَلَيْهِ تُعَيِّنُهُ لِلْحالِ، يَكْفِي في نَفْيِ هَذا الِاحْتِمالِ، فَإنْ قِيلَ: قَدْ ناقَشَهُ أبُو حَيّانَ. وَقالَ: إنَّها أغْلَبِيَّةٌ ولَيْسَتْ قَطْعِيَّةً. (p-١٣٥)قُلْنا: يَكْفِي في ذَلِكَ حُكْمُ الأغْلَبِ، وهو ما يُصَدِّقُهُ الواقِعُ، إذْ آمَنَ بَعْضُهم وعَبَدَ مَعْبُودَهُ ﷺ، وما في قَوْلِهِ: ﴿ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾، واقِعَةٌ في الأُولى عَلى غَيْرِ ذِي عِلْمٍ، وهي أصْنامُهم وهو اسْتِعْمالُها الأساسِيُّ. وَفِي الثّانِيَةِ: في حَقِّ اللَّهِ تَعالى وهو اسْتِعْمالُها في غَيْرِ اسْتِعْمالِها الأساسِيِّ، فَقِيلَ: مِن أجْلِ المُقابَلَةِ، وقَدِ اسْتُعْمِلَتْ فِيمَن يَعْلَمُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٣]؛ لِأنَّهُنَّ في مَعْرِضِ الِاسْتِمْتاعِ بِهِنَّ، فَلِلْقَرِينَةِ جازَ ذَلِكَ. وَقِيلَ: إنَّها مَعَ ما قَبْلَها مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: ما مَصْدَرِيَّةٌ بِمَعْنى عِبادَتِكُمُ الباطِلَةِ، ولا تَعْبُدُونَ عِباداتِي الصَّحِيحَةَ. وَهَذا المَعْنى قَوِيٌّ، وإنْ تَعارَضَ مَعَ ما ذُكِرَ مِن سَبَبِ النُّزُولِ، إلّا أنَّ لَهُ شاهِدًا مِن نَفْسِ السُّورَةِ ويَتَضَمَّنُ المَعْنى الأوَّلِ، ودَلِيلُهُ مِنَ السُّورَةِ قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ السُّورَةِ: ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦]، فَأحالَهم عَلى عِبادَتِهِمْ، ولَمْ يُحِلْهم عَلى مَعْبُودِهِمْ.

الكافرون 109:3

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): (p-٤٦٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الكافِرُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ . يَدُلُّ بِظاهِرِهِ عَلى أنَّ الكُفّارَ المُخاطَبِينَ بِها لا يَعْبُدُونَ اللَّهَ أبَدًا مَعَ أنَّهُ دَلَّتْ آياتٌ أُخَرُ عَلى أنَّ مِنهم مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ تَعالى كَقَوْلِهِ: ﴿وَمِن هَؤُلاءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ الآيَةَ [العنكبوت: ٤٧] . والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ خِطابٌ لِجِنْسِ الكُفّارِ وإنْ أسْلَمُوا فِيما بَعْدُ فَهو خِطابٌ لَهم ما دامُوا كُفّارًا، فَإذا أسْلَمُوا لَمْ يَتَناوَلْهم ذَلِكَ، لِأنَّهم حِينَئِذٍ مُؤْمِنُونَ لا كافِرُونَ وإنْ كانُوا مُنافِقِينَ فَهم كافِرُونَ في الباطِنِ فَيَتَناوَلُهُمُ الخِطابُ، واخْتارَ هَذا الوَجْهَ أبُو العَبّاسِ ابْنُ تَيْمِيَةَ. الثّانِي: هو أنَّ الآيَةَ مِنَ العامِّ المَخْصُوصِ وعَلَيْهِ فَهي في خُصُوصِ الأشْقِياءِ المُشارِ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ الآيَةَ [يونس: ٩٦]، كَما تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ مِرارًا.

الكافرون 109:6

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ . هُوَ نَظِيرُ ما تَقَدَّمَ في سُورَةِ يُونُسَ ﴿أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١] . وَكَقَوْلِهِ: ﴿لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكُمْ﴾ [القصص: ٥٥] . وَلَيْسَ في هَذا تَقْرِيرُهم عَلى دِينِهِمُ الَّذِي هم عَلَيْهِ، ولَكِنْ مِن قَبِيلِ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكم فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ إنّا أعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ نارًا أحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها﴾ [الكهف: ٢٩] . وَفِي هَذِهِ السُّورَةِ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ وصْفٌ يَكْفِي بِأنَّ عِبادَتَهم ودِيانَتَهم كُفْرٌ. وَقَدْ قالَ لَهُمُ الحَقُّ: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ لِأنَّها عِبادَةٌ باطِلَةٌ، عِبادَةُ الكُفّارِ، وبَعْدَ ذَلِكَ إنْ أبَيْتُمْ إلّا هي فَلَكم دِينُكم ولِي دِينِ. (p-١٣٦)تَنْبِيهٌ فِي هَذِهِ السُّورَةِ مَنهَجٌ إصْلاحِيٌّ، وهو عَدَمُ قَبُولِ ولا صَلاحِيَةِ أنْصافِ الحُلُولِ؛ لِأنَّ ما عَرَضُوهُ عَلَيْهِ ﷺ مِنَ المُشارَكَةِ في العِبادَةِ، يُعْتَبَرُ في مِقْياسِ المَنطِقِ حَلًّا وسَطًا لِاحْتِمالِ إصابَةِ الحَقِّ في أحَدِ الجانِبَيْنِ، فَجاءَ الرَّدُّ حاسِمًا وزاجِرًا وبِشِدَّةٍ؛ لِأنَّ فِيهِ أيْ فِيما عَرَضُوهُ مُساواةً لِلْباطِلِ بِالحَقِّ، وفِيهِ تَعْلِيقَ المُشْكِلَةِ، وفِيهِ تَقْرِيرَ الباطِلِ، إنْ هو وافَقَهم ولَوْ لَحْظَةً. وَقَدْ تُعْتَبَرُ هَذِهِ السُّورَةُ مُمَيِّزَةً وفاصِلَةً بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ، ونِهايَةَ المُهادَنَةِ، وبِدايَةَ المُجابَهَةِ. وَقَدْ قالُوا: إنَّ ذَلِكَ بِناءً عَلى ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ في السُّورَةِ قَبْلَها: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١]، أيْ وإنْ كُنْتَ وصَحْبُكَ قِلَّةً، فَإنَّ مَعَكَ الخَيْرَ الكَثِيرَ، ولِمَجِيءِ ”قُلْ“ لِما فِيها مِن إشْعارٍ بِأنَّكَ مُبَلِّغٌ عَنِ اللَّهِ، وهو الَّذِي يَنْصُرُكَ، ولِذا جاءَ بَعْدَها حالًا سُورَةُ النَّصْرِ وبَعْدَ النَّصْرِ: تَبُّ العَدُوِّ. وَهَذا في غايَةِ الوُضُوحِ، ولِلَّهِ الحَمْدُ.

النصر 110:1

(p-١٣٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم سُورَةُ النَّصْر قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ . فِيهِ ذِكْرُ النَّصْرِ والفَتْحِ، مَعَ أنَّ كُلًّا مِنهُما مُرْتَبِطٌ بِالآخَرِ: فَمَعَ كُلِّ نَصْرٍ فَتْحٌ، ومَعَ كُلِّ فَتْحٍ نَصْرٌ. فَهَلْ هُما مُتَلازِمانِ أمْ لا ؟ كَما جاءَ النَّصْرُ مُضافًا إلى اللَّهِ تَعالى، والفَتْحُ مُطْلَقًا. أوْلًا: اتَّفَقُوا عَلى نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ. وَمَعْلُومٌ: أنَّهُ سَبَقَ فَتْحَ مَكَّةَ عِدَّةُ فُتُوحاتٍ. مِنها فَتْحُ خَيْبَرَ، ومِنها صُلْحُ الحُدَيْبِيَةِ، سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى فَتْحًا في قَوْلِهِ: ﴿فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ٢٧] . والنَّصْرُ يَكُونُ في مَعارِكِ القِتالِ ويَكُونُ بِالحُجَّةِ والسُّلْطانِ، ويَكُونُ بِكَفِّ العَدُوِّ، كَما في الأحْزابِ. ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ وكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥] . وَكَما في اليَهُودِ قَوْلُهُ: ﴿وَأنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهم مِن أهْلِ الكِتابِ مِن صَياصِيهِمْ وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ ﴿وَأوْرَثَكم أرْضَهم ودِيارَهم وأمْوالَهم وأرْضًا لَمْ تَطَئُوها وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٦ - ٢٧] . فالنَّصْرُ حَقٌّ مِنَ اللَّهِ: ﴿وَما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٦] . وَقَدْ عَلِمَ المُسْلِمُونَ ذَلِكَ، كَما جاءَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٤]، فَهم يَتَطَلَّعُونَ إلى النَّصْرِ. (p-١٣٨)وَيَأْتِيهِمُ الجَوابُ: ﴿ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤] . وَجاءَ قَوْلُهُ ﷺ: «”نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ»“ . وَقَدْ قالَ تَعالى لِمُوسى وأخِيهِ: ﴿لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦]، فَهو نَصْرُ مَعِيَّةٍ وتَأْيِيدٍ، فالنَّصْرُ هُنا عامٌّ. وَكَذَلِكَ الفَتْحُ في الدِّينِ بِانْتِشارِ الإسْلامِ، وأعْظَمُ الفَتْحِ فَتْحانِ: فَتْحُ الحُدَيْبِيَةِ، وفَتْحُ مَكَّةَ. إذِ الأوَّلُ تَمْهِيدٌ لِلثّانِي، والثّانِي قَضاءٌ عَلى دَوْلَةِ الشِّرْكِ في الجَزِيرَةِ، ويَدُلُّ لِإرادَةِ العُمُومِ في النَّصْرِ والفَتْحِ.

النصر 110:2

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَأيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا﴾ . فَكَأنَّ النّاسَ يَأْتُونَ مِن كُلِّ جِهَةٍ حَتّى مِنَ اليَمَنِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى كَمالِ الدَّعْوَةِ ونَجاحِ الرِّسالَةِ. وَيَدُلُّ لِهَذا مَجِيءُ آيَةِ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، وكانَ نُزُولُها في حَجِّ تِلْكَ السَّنَةِ. وَيُلاحَظُ أنَّ النَّصْرَ هُنا جاءَ بِلَفْظِ نَصْرِ اللَّهِ، وفي غَيْرِ هَذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ، ﴿وَما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ١٠] . وَمَعْلُومٌ أنَّ هَذِهِ الإضافَةَ هُنا لَها دَلالَةُ تَمامٍ وكَمالٍ، كَما في بَيْتِ اللَّهِ. مَعَ أنَّ المَساجِدَ كُلَّها بُيُوتٌ لِلَّهِ، فَهو مُشْعِرٌ بِالنَّصْرِ كُلَّ النَّصْرِ، أوْ بِتَمامِ النَّصْرِ كُلِّهِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . والفَتْحُ، هُنا قِيلَ: هو فَتْحُ مَكَّةَ، وقِيلَ فَتْحُ المَدائِنِ وغَيْرِها. وَتَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلى فُتُوحاتٍ عَدِيدَةٍ قَبْلَ مَكَّةَ. وَهُناكَ فُتُوحاتٌ مَوْعُودٌ بِها بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ نَصَّ ﷺ عَلَيْها مِنها في غَزْوَةِ الأحْزابِ وهم يَحْفِرُونَ الخَنْدَقَ، لَمّا اعْتَرَضَتْهم كُدْيَةٌ وأعْجَزَتْهم، ودُعِيَ إلَيْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَأخْذَ ماءً وتَمَضْمَضَ ودَعا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَدْعُوَ ثُمَّ ضَرَبَ، فَكانَتْ كالكَثِيبِ. (p-١٣٩)وَقَدْ جاءَ فِيها ابْنُ كَثِيرٍ بِعِدَّةِ رِواياتٍ وطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ، وكُلُّها تَذْكُرُ أنَّهُ ﷺ ضَرَبَ ثَلاثَ ضَرَباتٍ، فَأبْرَقَتْ تَحْتَ كُلِّ ضَرْبَةٍ بَرْقَةً، وكَبَّرَ ﷺ عِنْدَ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها، فَسَألُوهُ فَقالَ ”في الأُولى: «أُعْطِيتُ مَفاتِيحَ فارِسَ»“ وذَكَرَ اليَمَنَ والشّامَ، وكُلُّها رِواياتٌ لا تَخْلُو مِن نِقاشٍ، ولَكِنْ لِكَثْرَتِها يُقَوِّي بَعْضُها بَعْضًا. وَأقْواها رِوايَةُ النَّسائِيِّ بِسَنَدِهِ قالَ: «لَمّا أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحَفْرِ الخَنْدَقِ، عَرَضَتْ لَهم صَخْرَةٌ حالَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ الحَفْرِ، فَقامَ النَّبِيُّ ﷺ وأخَذَ المِعْوَلَ ووَضَعَ رِداءَهُ ناحِيَةَ الخَنْدَقِ، وقالَ: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥]، فَنَدَرَ ثُلُثُ الحَجَرِ وسَلْمانُ الفارِسِيُّ قائِمٌ يَنْظُرُ، فَبَرَقَ مَعَ ضَرْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَرْقَةٌ ثُمَّ ضَرَبَ الثّانِيَةَ، وقَرَأ ما قَرَأهُ أوَّلًا، وبَرَقَتْ أيْضًا. ثُمَّ الثّالِثَةَ، وخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقَدْ تَكَسَّرَتْ، فَأخَذَ رِداءَهُ ﷺ وجَلَسَ، فَسَألَهُ سَلْمانُ لَمّا رَأى مِنَ البِرْقاتِ الثَّلاثِ: فَقالَ لَهُ: أرَأيْتَ ذَلِكَ ؟ قالَ: أِي والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَأخْبَرَهم أنَّهُ رُفِعَتْ لَهُ في الأُولى مَدائِنُ كِسْرى وما حَوْلَها ومَدائِنُ كَثِيرَةٌ حَتّى رَآها بِعَيْنِهِ، فَقالُوا: ادْعُ اللَّهَ لَنا أنْ يَفْتَحَ عَلَيْنا. فَدَعا لَهم، وفي الثّانِيَةِ: رُفِعَتْ لَهُ مَدائِنُ قَيْصَرَ وما حَوْلَها، وفي الثّالِثَةِ مَدائِنُ الحَبَشَةِ، وكُلُّها يَطْلُبُونَ مِنهُ ﷺ أنْ يَدْعُوَ لَهم فَتُفْتَحَ عَلَيْهِمْ، فَدَعا لَهم إلّا في الحَبَشَةِ، فَقالَ ﷺ: " دَعُوا الحَبَشَةَ ما ودَعُوكم، واتْرُكُوا التُّرْكَ ما تَرَكُوكم» انْتَهى مُلَخَّصًا. وَقَدْ رَواهُ كُلٌّ مِنِ ابْنِ كَثِيرٍ والنَّسائِيِّ مُطَوَّلًا، فَهَذِهِ الرِّواياتُ وإنْ كانَتْ تَحْتَمِلُ مَقالًا فَقَدْ جاءَ في المُوَطَّأِ ما لا يَحْتَمِلُ مَقالًا، ولا شَكَّ في صِحَّتِهِ، ولا في دَلالَتِهِ، وهو ما رَواهُ مالِكٌ عَنْ هِشامٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ سُفْيانَ بْنِ أبِي زُهَيْرٍ أنَّهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يُفْتَحُ اليَمَنُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبُسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأهْلِيهِمْ ومَن أطاعَهم، والمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ، وتُفْتَحُ الشّامُ، فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبُسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأهْلِيهِمْ ومَن أطاعَهم، والمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ، ويُفْتَحُ العِراقُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبُسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأهْلِيهِمْ ومَن أطاعَهم، والمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ» . فَهَذا نَصٌّ صَحِيحٌ صَرِيحٌ مِنهُ ﷺ في حَياتِهِ بِفَتْحِ اليَمَنِ والشّامِ والعِراقِ، وما فُتِحَتْ كُلُّها إلّا مِن بَعْدِهِ ﷺ إلّا اليَمَنُ. (p-١٤٠)وَيُؤَيِّدُ هَذا القَوْلَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ”«بَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالمَدِينَةِ، إذْ قالَ: اللَّهُ أكْبَرُ، اللَّهُ أكْبَرُ، جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ، جاءَ أهْلُ اليَمَنِ»، قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وما أهْلُ اليَمَنِ ؟ قالَ: قَوْمٌ رَقِيقَةٌ قُلُوبُهم، لَيِّنَةٌ طِباعُهم، الإيمانُ يَمانٍ، والفِقْهُ يَمانٍ، والحِكْمَةُ يَمانِيَةٌ“ رَواهُ ابْنُ كَثِيرٍ عَنْهُ. وَقَدْ كانَ فَتْحُ مَكَّةَ عامَ ثَمانٍ مِنَ الهِجْرَةِ، وجاءَتِ الوُفُودُ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا عامَ تِسْعٍ مِنها، وجاءَ وفْدُ اليَمَنِ وأرْسَلَ ﷺ عُمّالَهُ إلى اليَمَنِ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، وقِدَمِ عَلَيْهِ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنَ اليَمَنِ في العامِ العاشِرِ في مَوْسِمِ الحَجِّ، فَفُتِحَتِ اليَمَنُ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ في حَياتِهِ ﷺ . وَعَلَيْهِ: تَكُونُ فُتُوحاتٌ قَدْ وقَعَتْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، يُمْكِنُ أنْ يَشْمَلَها هُنا قَوْلُهُ تَعالى: والفَتْحُ، ولَيْسَ مَقْصُورًا عَلى فَتْحِ مَكَّةَ كَما قالُوا. وَقَدْ يُؤْخَذُ بِدَلالَةِ الإيماءِ: الوَعْدُ بِفُتُوحاتٍ شامِلَةٍ، لِمَناطِقَ شاسِعَةٍ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧]؛ لِأنَّ الإتْيانَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، يَدُلُّ عَلى الإتْيانِ إلى الحَجِّ مِن بَعِيدٍ، والإتْيانَ إلى الحَجِّ يَدُلُّ عَلى الإسْلامِ، وبِالتّالِي يَدُلُّ عَلى مَجِيءِ المُسْلِمِينَ مِن بَعِيدٍ، وهو مَحَلُّ الِاسْتِدْلالِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

النصر 110:3

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ . تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى التَّسْبِيحِ ومُتَعَلِّقِهِ وتَصْرِيفِهِ. وَهُنا قَرَنَ التَّسْبِيحَ بِحَمْدِ اللَّهِ، وفِيهِ ارْتِباطٌ لَطِيفٌ بِأوَّلِ السُّورَةِ ومَوْضُوعِها، إذْ هي في الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ مُهِمَّةِ الرِّسالَةِ بِمَجِيءِ نَصْرِ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ ﷺ ولِلْمُؤْمِنِينَ ولِدِينِهِ. ومَجِيءِ الفَتْحِ العامِّ عَلى المُسْلِمِينَ لِبِلادِ اللَّهِ بِالفِعْلِ أوْ بِالوَعْدِ الصّادِقِ كَما تَقَدَّمَ، وهي نِعْمَةٌ تَسْتَوْجِبُ الشُّكْرَ ويَسْتَحِقُّ مُولِيها الحَمْدَ. فَكانَ التَّسْبِيحُ مُقْتَرِنًا بِالحَمْدِ في مُقابِلِ ذَلِكَ وقَوْلُهُ: ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾، لِيُشْعِرَ أنَّهُ سُبْحانَهُ المُولِي لِلنِّعَمِ، كَما جاءَ في سُورَةِ الضُّحى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ [الضحى: ٣] . (p-١٤١)وَقَوْلُهُ في سُورَةِ اقْرَأْ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]، وتَكْرارُها ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ [العلق: ٣]؛ لِأنَّ صِفَةَ الرُّبُوبِيَّةِ مُشْعِرَةٌ بِالإنْعامِ. وَقَوْلُهُ: ﴿واسْتَغْفِرْهُ﴾، قالَ بَعْضُهم: إنَّ الِاسْتِغْفارَ عَنْ ذَنْبٍ فَما هو. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح: ٢] . وَمِمّا تَجْدُرُ الإشارَةُ إلَيْهِ أنَّ التَّوْبَةَ دَعْوَةُ الرُّسُلِ، ولَوْ بَدَأْنا مَعَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ قِصَّتِهِ فَفِيها: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧]، ومَعْلُومٌ مُوجِبُ تِلْكَ التَّوْبَةِ. ثُمَّ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقُولُ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ الآيَةَ [نوح: ٢٨] . وَإبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقُولُ: ﴿وَأرِنا مَناسِكَنا وتُبْ عَلَيْنا إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٨] . وَبِناءً عَلَيْهِ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ الِاسْتِغْفارَ نَفْسَهُ عِبادَةٌ كالتَّسْبِيحِ، فَلا يَلْزَمُ مِنهُ وُجُودُ ذَنْبٍ. وَقِيلَ: هو تَعْلِيمٌ لِأُمَّتِهِ. وَقِيلَ: رَفْعٌ لِدَرَجاتِهِ ﷺ . وَقَدْ جاءَ في السُّنَّةِ، أنَّهُ ﷺ قالَ: «تُوبُوا إلى اللَّهِ، فَإنِّي أتُوبُ إلى اللَّهِ في اليَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ»، فَتَكُونُ أيْضًا مِن بابِ الِاسْتِكْثارِ مِنَ الخَيْرِ، والإنابَةِ إلى اللَّهِ. تَنْبِيهٌ جاءَ في التَّفْسِيرِ عِنْدَ الجَمِيعِ أنَّهُ ﷺ مُنْذُ أنْ نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ وهو لَمْ يَكُنْ يَدَعُ قَوْلَهُ: «سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ» تَقُولُ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: ”يَتَأوَّلُ القُرْآنَ“ أيْ: يُفَسِّرُهُ، ويَعْمَلُ بِهِ. وَنَقَلَ أبُو حَيّانَ عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ قالَ: والأمْرُ بِالِاسْتِغْفارِ مَعَ التَّسْبِيحِ تَكْمِيلٌ لِلْأمْرِ (p-١٤٢)بِما هو قِوامُ أمْرِ الدِّينِ، مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ الطّاعَةِ والِاحْتِرازِ مِنَ المَعْصِيَةِ، ولِيَكُونَ أمْرُهُ بِذَلِكَ مَعَ عِصْمَتِهِ لُطْفًا لِأُمَّتِهِ، ولِأنَّ الِاسْتِغْفارَ مِنَ التَّواضُعِ وهَضْمِ النَّفْسِ فَهو عِبادَةٌ في نَفْسِهِ. وَفِي هَذا لَفْتُ نَظَرٍ لِأصْحابِ الأذْكارِ والأوْرادِ الَّذِينَ يَحْرِصُونَ عَلى دَوامِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، حَيْثُ هَذا كانَ مَن أكْثَرِ ما يُداوِمُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، مَعَ ما ورَدَ عَنْهُ ﷺ في أذْكارِ الصَّباحِ والمَساءِ دُونَ المُلازَمَةِ عَلى ذِكْرِ اسْمٍ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ، مُنْفَرِدًا مِمّا لَمْ يَرِدْ بِهِ نَصٌّ صَحِيحٌ ولا صَرِيحٌ. وَلا شَكَّ أنَّ الخَيْرَ كُلَّ الخَيْرِ في الِاتِّباعِ لا في الِابْتِداعِ، وأيُّ خَيْرٍ أعْظَمُ مِمّا اخْتارَهُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ في آخِرِ حَياتِهِ، ويَأْمُرُهُ بِهِ، ويُلازِمُ هو عَلَيْهِ. وَقُلْنا في آخِرِ حَياتِهِ: لِأنَّهُ ﷺ تُوُفِّيَ بَعْدَها بِمُدَّةٍ يَسِيرَةٍ. وَفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةُ الإيماءِ، كَما قالُوا: ودَلالَةُ الِالتِزامِ كَما جاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قِصَّةِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَعَ كِبارِ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، حِينَما كانَ يَسْمَحُ لَهُ بِالجُلُوسِ مَعَهم، ويَرى في وُجُوهِهِمْ، وسَألُوهُ وقالُوا: إنَّ لَنا أوْلادًا في سِنِّهِ، فَقالَ: إنَّهُ مِن حَيْثُ عَلِمْتُمْ. وَفِي يَوْمٍ اجْتَمَعُوا عِنْدَهُ فَدَعاهُ عُمَرُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَعَلِمْتُ أنَّهُ ما دَعانِي إلّا لِأمْرٍ، فَسَألَهم عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾، السُّورَةَ. فَقالُوا: إنَّها بُشْرى بِالفَتْحِ وبِالنَّصْرِ، فَقالَ: ما تَقُولُ أنْتَ يا ابْنَ عَبّاسٍ ؟ قالَ: فَقُلْتُ، لا واللَّهِ، إنَّها نَعَتْ إلَيْنا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو بَيْنَ أظْهُرِنا. فَقالَ عُمَرُ: وأنا لا أعْرِفُ فِيها إلّا كَما قُلْتَ، أيْ: أنَّهُ ﷺ جاءَ لِمُهِمَّةٍ، وقَدْ تَمَّتْ بِمَجِيءِ النَّصْرِ والفَتْحِ والدُّخُولِ في الدِّينِ أفْواجًا. وَعَلَيْهِ يَكُونُ قَدْ أدّى الأمانَةَ وبَلَّغَ الرِّسالَةَ. فَعَلَيْهِ أنْ يَتَأهَّبَ لِمُلاقاةِ رَبِّهِ لِيَلْقى جَزاءَ عَمَلِهِ، وهو مَأْخَذٌ في غايَةِ الدِّقَّةِ، وبَيانٌ لِقَوْلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أوْ فَهْمٌ أعْطاهُ اللَّهُ مَن شاءَ في كِتابِ اللَّهِ.

المسد 111:1

(p-١٤٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ المَسَد قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ﴾ . التَّبُّ: القَطْعُ. وَمِنَ المادَّةِ: بَتَّ بِتَقْدِيمِ الباءِ، فَهي تَدُورُ عَلى مَعْنى القَطْعِ، كَما يُفِيدُهُ فِقْهُ اللُّغَةِ في دَوَرانِ المادَّةِ عَلى مَعْنًى واحِدٍ. وَقالَ: التَّبُّ، والتَّبَبُ، والتِّبابُ، والتَّبِيبُ، والتَّتْبِيبُ: النَّقْصُ والخَسارُ، إلى أنْ قالَ: وتَبَّتْ يَداهُ: ضَلَّتا وخَسِرَتا. وَقالَ الفَخْرُ الرّازِيُّ: التَّباتُ: الهَلاكُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلّا في تَبابٍ﴾ [غافر: ٣٧]، أيْ: في هَلاكٍ. وَذَلِكَ لِأنَّ أبا لَهَبٍ أهْلَكَ نَفْسَهُ بِفَسادِ اعْتِقادِهِ وسُوءِ فِعالِهِ، كَما جاءَ في السُّنَّةِ قَوْلُ الأعْرابِيِّ: هَلَكْتُ وأهْلَكْتُ: أيْ بِوِقاعِهِ أهْلَهُ في رَمَضانَ، وجاءَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما أغْنَتْ عَنْهم آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ لَمّا جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود: ١٠١] . فَقالُوا: غَيْرَ خُسْرانٍ، والخُسْرانُ يُؤَدِّي إلى الهَلاكِ، والقَطْعِ. كَما جاءَ في مَعْناهُ في قِصَّةِ صالِحٍ عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ [هود: ٦٣]، فَظَهَرَ مِن هَذا كُلِّهِ أنَّ مَعْنى: تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ، دائِرٌ بَيْنَ مَعْنى القَطْعِ والهَلاكِ والخُسْرانِ. أمّا قَطْعُها فَلَمْ يُقَدِّرْ عَلَيْهِ قَطْعَ يَدَيْهِ قَبْلَ مَوْتِهِ. وَأمّا الهَلاكُ والخُسْرانُ: فَقَدْ هَلَكَ بِالغُدَّةِ. وَأمّا الخُسْرانُ: فَما أشَدَّ خُسْرانِهِ بَعْدَ هَذا الحُكْمِ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى. (p-١٤٤)وَإذا كانَ المَعْنى قَدْ تَعَيَّنَ بِنَصِّ القُرْآنِ في الهَلاكِ والخُسْرانِ، فَما مَعْنى إسْنادِ التَّبِّ لِلْيَدَيْنِ ؟ الجَوابُ: أنَّ ذَلِكَ مِن بابِ إطْلاقِ البَعْضِ وإرادَةِ الكُلِّ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ﴾ [العلق: ١٦]، مَعَ أنَّ الكاذِبَ هو صاحِبُها. وَقَدْ قَدَّمْنا هُناكَ أنَّ مِثْلَ هَذا الأُسْلُوبِ لا بُدَّ فِيهِ مِن زِيادَةِ اخْتِصاصٍ لِلْجُزْءِ المَنطُوقِ في المَعْنى المُرادِ. فَلَمّا كانَ الكَذِبُ يُسَوِّدُ الوَجْهَ ويُذِلُّ النّاصِيَةَ، وعَكْسُهُ الصِّدْقُ يُبَيِّضُ الوَجْهَ ويُعِزُّ النّاصِيَةَ، أسْنَدَ هُناكَ الكَذِبَ إلى النّاصِيَةِ لِزِيادَةِ اخْتِصاصِها بِالكَذِبِ عَنِ اليَدِ مَثَلًا. وَلَمّا كانَ الهَلاكُ والخُسْرانُ غالِبًا بِما تَكْسِبُهُ الجَوارِحُ، واليَدُ أشَدُّ اخْتِصاصًا في ذَلِكَ أُسْنِدَ إلَيْها البَتُّ. وَمِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَرَدَّ صاحِبُ اليَدَيْنِ، ما جاءَ بَعْدَها، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَبَّ﴾، أيْ: أبُو لَهَبٍ نَفْسُهُ. وَسَواءٌ كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾، عَلى سَبِيلِ الإخْبارِ أوِ الإنْشاءِ، فَإنَّهُ مُحْتَمَلٌ مِن حَيْثُ اللَّفْظِ. وَلَكِنَّ قَوْلَهُ تَعالى بَعْدَهُ: ﴿وَتَبَّ﴾، فَهو إخْبارٌ، فَيَكُونُ الأوَّلُ لِلْإنْشاءِ كَقَوْلِهِ: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧] . ثُمَّ جاءَ الثّانِي تَصْدِيقًا لَهُ، وجاءَتْ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ ”وَقَدْ تَبَّ“ .

المسد 111:2

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ﴾ . سَواءٌ كانَتْ ما اسْتِفْهامِيَّةً فَهو اسْتِفْهامُ إنْكارٍ، أوْ كانَتْ نافِيَةً فَإنَّهُ نَصَّ عَلى أنَّ مالَهُ لَمْ يُغْنِ عَنْهُ شَيْئًا. وَقَوْلُهُ: ﴿وَما كَسَبَ﴾ . فَقِيلَ: أيْ مِنَ المالِ الأوَّلِ ما ورِثَهُ أوْ ما كَسَبَ مِن عَمَلٍ جَرَّ عَلَيْهِ هَذا الهَلاكَ، وهو عَداؤُهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَنَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ: ﴿وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ [الليل: ١١] . (p-١٤٥)وَتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ هُناكَ. وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ رَحْمَةُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ بَيانُ مَعْنى ﴿ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ﴾، عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن ورائِهِمْ جَهَنَّمُ ولا يُغْنِي عَنْهم ما كَسَبُوا شَيْئًا ولا ما اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [الجاثية: ١٠] . وَساقَ كُلَّ النُّصُوصِ في هَذا المَعْنى بِتَمامِها. تَنْبِيهٌ فِي هَذِهِ الآيَةِ سُؤالانِ هُما: أوَّلًا: لَقَدْ كانَ ﷺ مَعَ قَوْمِهِ في مَكَّةَ مُلاطِفًا حَلِيمًا، فَكَيْفَ جابَهَ عَمَّهُ بِهَذا الدُّعاءِ: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ ؟ والجَوابُ: أنَّهُ كانَ يُلاطِفُهم ما دامَ يَطْمَعُ في إسْلامِهِمْ، فَلَمّا يَئِسَ مِن ذَلِكَ، كانَ هَذا الدُّعاءُ في مَحَلِّهِ، كَما وقَعَ مِن إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، كانَ يُلاطِفُ أباهُ: ﴿ياأبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ﴾ [مريم: ٤٤] . ﴿ياأبَتِ إنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ العِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فاتَّبِعْنِي أهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ٤٣]، فَلَمّا يَئِسَ مِنهُ تَبَرَّأ مِنهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ إنَّ إبْراهِيمَ لَأوّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤] . والسُّؤالُ الثّانِي: وهو مَجِيءُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتَبَّ﴾، بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾، مَعَ أنَّها كافِيَةٌ سَواءٌ كانَتْ إنْشاءً لِلدُّعاءِ عَلَيْهِ أوْ إخْبارًا بِوُقُوعِ ذَلِكَ مِنهُ. والجَوابُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ: أنَّ الأوَّلَ لَمّا كانَ مُحْتَمِلًا الخَبَرَ، وقَدْ يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ، أوْ إنْشاءً وقَدْ لا يُنَفَّذُ كَقَوْلِهِ: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧]، أوْ يَحْمِلُ عَلى الذَّمِّ فَقَطْ، والتَّقْبِيحِ فَجاءَ ”وَتَبَّ“ لِبَيانِ أنَّهُ واقِعٌ بِهِ لا مَحالَةَ، وأنَّهُ مِمَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِماتُ رَبِّكَ لِيَيْأسَ ﷺ، والمُسْلِمُونَ مِن إسْلامِهِ. وتَنْقَطِعُ المُلاطَفَةُ مَعَهُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وَقَدْ وقْعَ ما أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ، فَهو مِن إعْجازِ القُرْآنِ أنْ وقَعَ ما أخْبَرَ بِهِ كَما أخْبَرَ ولَمْ يَتَخَلَّفْ. ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥]، وقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ فَسَقُوا أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٣٣] . (p-١٤٦)نَسْألُ اللَّهَ العافِيَةَ، إنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ.

الإخلاص 112:1

(p-١٤٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الإخْلاص قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ . الأحَدُ: قالَ القُرْطُبِيُّ: أيِ: الواحِدُ الوِتْرُ، الَّذِي لا شَبِيهَ لَهُ ولا نَظِيرَ، ولا صاحِبَةَ، ولا ولَدَ، ولا شَرِيكَ. ا هـ. وَمَعْلُومٌ أنَّ كُلَّ هَذِهِ المَعانِي صَحِيحَةٌ في حَقِّهِ تَعالى. وَأصْلُ أحَدٍ: وحَدٍ، قُلِبَتِ الواوُ هَمْزَةً. وَمِنهُ قَوْلُ النّابِعَةِ: ؎كَأنَّ رَحْلِي وقَدْ زالَ النَّهارُ بِنا بِذِي الجَلِيلِ عَلى مُسْتَأْنِسٍ وحَد وَقالَ الفَخْرُ الرّازِيُّ في أحَدٍ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى واحِدٍ. قالَ الخَلِيلُ: يَجُوزُ أنْ يُقالَ: أحَدُ اثْنانِ ثَلاثَةٌ، ثُمَّ ذَكَرَ أصْلَها وحَدٌ، وقُلِبَتِ الواوُ هَمْزَةً لِلتَّخْفِيفِ. والثّانِي: أنَّ الواحِدَ والأحَدَ لَيْسا اسْمَيْنِ مُتَرادِفَيْنِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: لا يُوصَفُ شَيْءٌ بِالأحَدِيَّةِ غَيْرُ اللَّهِ تَعالى، لا يُقالُ: رَجُلٌ أحَدٌ ولا دِرْهَمٌ أحَدٌ، كَما يُقالُ: رَجُلٌ واحِدٌ أيْ فَرْدٌ بِهِ، بَلْ أحَدٌ صِفَةٌ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى اسْتَأْثَرَ بِها فَلا يُشْرِكُهُ فِيها شَيْءٌ. ثُمَّ قالَ: ذَكَرُوا في الفَرْقِ بَيْنَ الواحِدِ والأحَدِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّ الواحِدَ يَدْخُلُ في الأحَدِ، والأحَدُ لا يَدْخُلُ فِيهِ. وَثانِيها: أنَّكَ لَوْ قُلْتَ: فُلانٌ لا يُقاوِمُهُ واحِدٌ، جازَ أنْ يُقالَ: لَكِنَّهُ يُقاوِمُهُ اثْنانِ بِخِلافِ الأحَدِ. (p-١٤٨)فَإنَّكَ لَوْ قُلْتَ: فُلانٌ لا يُقاوِمُهُ أحَدٌ، لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: لَكِنَّهُ يُقاوِمُهُ اثْنانِ. وَثالِثُها: أنَّ الواحِدَ يُسْتَعْمَلُ في الإثْباتِ، والأحَدَ يُسْتَعْمَلُ في النَّفْيِ. تَقُولُ في الإثْباتِ رَأيْتُ رَجُلًا واحِدًا. وَتَقُولُ في النَّفْيِ: ما رَأيْتُ أحَدًا، فَيُفِيدُ العُمُومَ. أمّا ما نَقَلَهُ عَنِ الخَلِيلِ، وقَدْ حَكاهُ صاحِبُ القامُوسِ فَقالَ: ورَجُلٌ واحِدٌ وأحَدٌ، أيْ: خِلافًا لِما قالَهُ الأزْهَرِيُّ. وَأمّا قَوْلُهُ: إنَّ أحَدًا تُسْتَعْمَلُ في النَّفْيِ فَقَدْ جاءَ اسْتِعْمالُها في الإثْباتِ أيْضًا. كَقَوْلِهِ: ﴿أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ﴾ [النساء: ٤٣] . فَتَكُونُ أغْلَبِيَّةً في اسْتِعْمالِها ودَلالَتِها في العُمُومِ واضِحَةً. وَقالَ في مُعْجَمِ مَقايِيسِ اللُّغَةِ في بابِ الهَمْزَةِ والحاءِ وما بَعْدَها: أحَدٌ، إنَّها فَرْعٌ والأصْلُ الواوُ وحَدٌ. وَقَدْ ذَكَرَ في الواوِ وفي مادَّةِ وحَدَ. قالَ: الواوُ والحاءُ والدّالُ أصْلٌ واحِدٌ يَدُلُّ عَلى الِانْفِرادِ مِن ذَلِكَ الوَحْدَةِ بِفَتْحِ الواوِ وهو واحِدُ قَبِيلَتِهِ، إذا لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مِثْلُهُ قالَ: ؎يا واحِدَ العُرْبِ الَّذِي ∗∗∗ ما في الأنامِ لَهُ نَظِيرُ وَقِيلَ: إنَّ هَذا البَيْتَ لَبَشّارٍ يَمْدَحُ عُقْبَةَ بْنَ مُسْلِمٍ، أوْ لِابْنِ المَوْلى يَزِيدَ بْنِ حاتِمٍ، نَقْلًا عَنِ الأغانِي. فَيَكُونُ بِهَذا ثَبَتَ أنَّ الأصْلَ بِالواوِ والهَمْزَةَ فَرْعٌ عَنْهُ. وَتَقَدَّمَ أنَّ دَلالَتَها عَلى العُمُومِ أوْضَحُ أيْ أحَدٌ. وَقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، عَلى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى أحَدٌ، أيْ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ لا شَبِيهَ ولا شَرِيكَ، ولا نَظِيرَ ولا نِدَّ لَهُ، سُبْحانَهُ وتَعالى. وَقَدْ فَسَّرَهُ ضِمْنًا قَوْلُهُ: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] . (p-١٤٩)وَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، أمّا المَعْنى العامُّ فَإنَّ القُرْآنَ كُلَّهُ، والرِّسالَةَ المُحَمَّدِيَّةَ كُلَّها، بَلْ وجَمِيعَ الرِّسالاتِ: إنَّما جاءَتْ لِتَقْرِيرِ هَذا المَعْنى، بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ واحِدٌ أحَدٌ. بَلْ كُلُّ ما في الوُجُودِ شاهِدٌ عَلى ذَلِكَ. كَما قِيلَ: ؎وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ∗∗∗ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ الواحِدُ أمّا نُصُوصُ القُرْآنِ عَلى ذَلِكَ فَهي أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى؛ لِأنَّها بِمَعْنى لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ، إشارَةٌ إلى ذَلِكَ في أوَّلِ الصّافّاتِ وفي غَيْرِها، وفي البَقَرَةِ ﴿وَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ لا إلَهَ إلّا هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣] . وَفِي التَّوْبَةِ: ﴿وَما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا إلَهًا واحِدًا لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [التوبة: ٣١]، فَجاءَ مَقْرُونًا بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وَفِي ص قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّما أنا مُنْذِرٌ وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [ص: ٦٥] . وَكَما قَدَّمْنا أنَّ الرِّسالَةَ كُلَّها جاءَتْ لِتَقْرِيرِ هَذا المَعْنى، كَما في قَوْلِهِ: ﴿هَذا بَلاغٌ لِلنّاسِ ولِيُنْذَرُوا بِهِ ولِيَعْلَمُوا أنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ [إبراهيم: ٥٢]، سُبْحانَهُ جَلَّ جَلالُهُ وتَقَدَّسَتْ أسْماؤُهُ، وتَنَزَّهَتْ صِفاتُهُ، فَهو واحِدٌ أحَدٌ في ذاتِهِ وفي أسْمائِهِ وفي صِفاتِهِ وفي أفْعالِهِ. وَقَدْ جاءَ القُرْآنُ بِتَقْرِيرِ هَذا المَعْنى عَقْلًا كَما قَرَّرَهُ نَقْلًا، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلًا﴾ ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٤٢ - ٤٣] . وَقَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] . فَدَلَّ عَلى عَدَمِ فَسادِهِما بِعَدَمِ تَعَدُّدِهِما، وجَمَعَ العَقْلَ والنَّقْلَ في قَوْلِهِ: ﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١] .

الإخلاص 112:2

(p-١٥٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ . قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣] . وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ، وهَذا مَعْنًى حَسَنٌ. وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هو المُتَناهِي في السُّؤْدُدِ، وفي الكَمالِ مِن كُلِّ شَيْءٍ. وَقِيلَ: مَن يَصْمُدُ الخَلائِقُ إلَيْهِ في حاجاتِهِمْ، ولا يَحْتاجُ هو إلى أحَدٍ. وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ، مَعْنى الصَّمَدِ في سُورَةِ الأنْعامِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤] فَذَكَرَ شَواهِدَ هَذِهِ الأقْوالِ كُلِّها. وَبِإمْعانِ النَّظَرِ في مَبْدَأٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، يَتَّضِحُ أنَّ السُّورَةَ كُلَّها تَفْسِيرٌ لِأوَّلِها ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ لِأنَّ الأحَدِيَّةَ هي تَفَرُّدُهُ سُبْحانَهُ بِصِفاتِ الجَلالِ والكَمالِ كُلِّها، ولِأنَّ المَوْلُودَ لَيْسَ بِأحَدٍ، لِأنَّهُ جُزْءٌ مِن والِدِهِ. والوالِدُ لَيْسَ بِأحَدٍ؛ لِأنَّ جُزْءًا مِنهُ في ولَدِهِ. وَكَذَلِكَ مَن يَكُونُ لَهُ كُفْءٌ، فَلَيْسَ بِأحَدٍ لِوُجُودِ الكُفْءِ، وهَكَذا السُّورَةُ كُلُّها لِتَقْرِيرِ ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ .

الإخلاص 112:3

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ﴾ . تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ، بَيانُ شَواهِدِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ولَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٢] مِن سُورَةِ الإسْراءِ. تَنْبِيهٌ فَفِي اتِّخاذِ الوَلَدِ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الوِلادَةِ؛ لِأنَّ اتِّخاذَ الوَلَدِ قَدْ يَكُونُ بِدُونِ وِلادَةٍ كالتَّبَنِّي أوْ غَيْرِهِ، كَما في قِصَّةِ يُوسُفَ في قَوْلِهِ تَعالى عَنْ عَزِيزِ مِصْرَ: ﴿أكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا﴾ [يوسف: ٢١] . فَفِي هَذِهِ السُّورَةِ نَفْيٌ أخَصُّ، فَلَزِمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ وهي سُورَةُ (p-١٥١)الإخْلاصِ. والَّتِي تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ لِاخْتِصاصِها بِحَقِّ اللَّهِ تَعالى في ذاتِهِ وصِفاتِهِ مِنَ الوَحْدانِيَّةِ والصَّمَدِيَّةِ، ونَفْيِ الوِلادَةِ والوَلَدِ، ونَفْيِ الكُفْءِ، وكُلُّها صِفاتُ انْفِرادٍ لِلَّهِ سُبْحانَهُ. وَقَدْ جاءَ فِيها النَّصُّ الصَّرِيحُ بِعَدَمِ الوِلادَةِ، وأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ، فَهي أخَصُّ مِن تِلْكَ، وهَذا مِنَ المُسَلَّماتِ عِنْدَ المُسْلِمِينَ جَمِيعًا بِدُونِ شَكٍّ ولا نِزاعٍ ولَمْ يُؤَثِّرْ فِيها أيُّ خِلافٍ. وَلَكِنَّ غَيْرَ المُسْلِمِينَ لَمْ يُسَلِّمُوا بِذَلِكَ، فاليَهُودُ قالُوا: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾، والنَّصارى قالُوا: ﴿المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾، والمُشْرِكُونَ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. فاتَّفَقُوا عَلى ادِّعاءِ الوَلَدِ لِلَّهِ، ولَمْ يَدَّعِ أحَدٌ أنَّهُ سُبْحانَهُ مَوْلُودٌ. وَقَدْ جاءَتِ النُّصُوصُ الصَّرِيحَةُ في نَفْيِ الوَلَدِ عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، إلّا أنَّ مُجَرَّدَ النَّصِّ الَّذِي لَمْ يُؤْمِن بِهِ الخَصْمُ لا يَكْفِي لِإقْناعِهِ، وفي هَذِهِ السُّورَةِ وهي المُخْتَصَّةُ بِصِفاتِ اللَّهِ، لَمْ يَأْتِ التَّنْوِيهُ فِيها عَنِ المانِعِ مِنِ اتِّخاذِ اللَّهِ لِلْوَلَدِ، ومِن كَوْنِهِ سُبْحانَهُ لَمْ يُولَدْ. وَلَمّا كانَ بَيانُ المانِعِ أوِ المُوجِبِ مِن مَنهَجِ هَذا الكِتابِ، إذا كانَ يُوجَدُ لِلْحُكْمِ مُوجِبٌ أوْ مانِعٌ ولَمْ تَتَقَدَّمِ الإشارَةُ إلى ذَلِكَ، فِيما تَقَدَّمَ مِن كَلامِ الشَّيْخِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ مَعَ أنَّهُ رَحِمَهُ اللَّهُ، قَدْ تَكَلَّمَ عَلى آياتِ الأسْماءِ والصِّفاتِ جُمْلَةً وتَفْصِيلًا، بِما يَكْفِي ويَشْفِي. وَلَكِنْ جاءَ في القُرْآنِ الكَرِيمِ ذِكْرُ ادِّعاءِ الوَلَدِ لِلَّهِ، سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا. وَجاءَ الرَّدُّ مِنَ اللَّهِ تَعالى مَعَ بَيانِ المانِعِ مُفَصَّلًا مَعَ الإشْعارِ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ، ولِذا لَزِمَ التَّنْوِيهُ عَلَيْهِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ وإذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٦ - ١١٧] . فَهَذا نَصٌّ صَرِيحٌ فِيما قالُوهُ: اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا. (p-١٥٢)وَنَصٌّ صَرِيحٌ في تَنْزِيهِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَسْبِيحِهِ عَمّا قالُوا. ثُمَّ جاءَ حَرْفُ الإضْرابِ عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿بَلْ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾، فَفِيهِ بَيانُ المانِعِ عَقْلًا مِنِ اتِّخاذِ الوَلَدِ بِما يَلْزَمُ الخَصْمَ، وذَلِكَ أنَّ غايَةَ اتِّخاذِ الوَلَدِ أنْ يَكُونَ بارًّا بِوالِدِهِ، وأنْ يَنْتَفِعَ الوالِدُ بِوَلَدِهِ. كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكهف: ٤٦]، أوْ يَكُونُ الوَلَدُ وارِثًا لِأبِيهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ تَعالى زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ ﴿يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ﴾ الآيَةَ [مريم: ٥ - ٦] . واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى حَيٌّ باقٍ يَرِثُ ولا يُورَثُ كَما قالَ تَعالى: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ ﴿وَيَبْقى وجْهُ رَبِّكَ﴾ الآيَةَ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧] . وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [آل عمران: ١٨٠] . فَإذا كانَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى كُلُّ ما في السَّماواتِ والأرْضِ في قُنُوتٍ وامْتِثالٍ طَوْعًا أوْ كَرْهًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٢ - ٩٣] . فَهُوَ سُبْحانَهُ وتَعالى لَيْسَ في حاجَةٍ إلى الوَلَدِ لِغِناهُ عَنْهُ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ قُدْرَتَهُ عَلى الإيجادِ والإبْداعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ وإذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧] . وَهَذا واضِحٌ في نَفْيِ الوَلَدِ عَنْهُ سُبْحانَهُ وتَعالى. وَقَدْ تَمَدَّحَ سُبْحانَهُ في قَوْلِهِ: ﴿وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ ولَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١] . أمّا أنَّهُ لَمْ يُولَدْ. فَلَمْ يَدَّعِ أحَدٌ عَلَيْهِ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ مُمْتَنِعٌ عَقْلًا، بِدَلِيلِ المُمانَعَةِ المَعْرُوفِ وهو كالآتِي: لَوْ تَوَقَّفَ وُجُودُهُ سُبْحانَهُ عَلى أنْ يُولَدَ لَكانَ في وُجُودِهِ مُحْتاجًا إلى مَن يُوجِدُهُ، ثُمَّ يَكُونُ مَن يَلِدُهُ في حاجَةٍ إلى والِدٍ، وهَكَذا يَأْتِي الدَّوْرُ والتَّسَلْسُلُ وهَذا باطِلٌ. (p-١٥٣)وَكَذَلِكَ فَإنَّ الحاجَةَ إلى الوَلَدِ بِنَفْيِها مَعْنى الصَّمَدِيَّةِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ، ولَوْ كانَ لَهُ والِدٌ لَكانَ الوالِدُ أسْبَقَ وأحَقَّ، تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ. وَقَدْ يُقالُ: مِن جانِبِ المُمانَعَةِ العَقْلِيَّةِ لَوِ افْتُرِضَ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١] . فَنَقُولُ عَلى هَذا الِافْتِراضِ: لَوْ كانَ لَهُ ولَدٌ فَما مَبْدَأُ وُجُودِ هَذا الوَلَدِ وما مَصِيرُهُ ؟ فَإنْ كانَ حادِثًا فَمَتى حُدُوثُهُ ؟ وإنْ كانَ قَدِيمًا تَعَدَّدَ القِدَمُ، وهَذا مَمْنُوعٌ. ثُمَّ إنْ كانَ باقِيًا تَعَدَّدَ البَقاءُ، وإنْ كانَ مُنْتَهِيًا فَمَتى انْتِهاؤُهُ ؟ وَإذا كانَ مَآلُهُ إلى الِانْتِهاءِ فَما الحاجَةُ إلى إيجادِهِ مَعَ عَدَمِ الحاجَةِ إلَيْهِ، فانْتَفى اتِّخاذُ الوَلَدِ عَقْلًا ونَقْلًا، كَما انْتَفَتِ الوِلادَةُ كَذَلِكَ عَقْلًا ونَقْلًا. وَقَدْ أوْرَدَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ سُؤالًا في هَذِهِ الآيَةِ، وهو لِماذا قَدَّمَ نَفْيَ الوَلَدِ عَلى نَفْيِ الوِلادَةِ ؟ مَعَ أنَّ الأصْلَ في المَشاهَدِ أنْ يُولَدَ ثُمَّ يَلِدُ ؟ وَأجابَ بِأنَّهُ مِن تَقْدِيمِ الأهَمِّ لِأنَّهُ رَدٌّ عَلى النَّصارى في قَوْلِهِمْ: عِيسى ابْنُ اللَّهِ، وعَلى اليَهُودِ في قَوْلِهِمْ: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾، وعَلى قَوْلِ المُشْرِكِينَ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، ولِأنَّهُ لَمْ يَدَّعِ أحَدٌ أنَّهُ سُبْحانَهُ مَوْلُودٌ لِأحَدٍ، فَكانَتْ دَعْواهُمُ الوَلَدَ لِلَّهِ فِرْيَةٌ عُظْمى. ا هـ. كَما قالَ تَعالى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ إنْ يَقُولُونَ إلّا كَذِبًا﴾ [الكهف: ٥] . وَقَوْلُهُ: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ [مريم: ٨٨ - ٩١] . فَلِشَناعَةِ هَذِهِ الفِرْيَةِ قَدَّمَ ذِكْرَها، ثُمَّ الرَّدُّ عَلى عَدَمِ إمْكانِها بِقَوْلِهِ: ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٢ - ٩٣] . وَقَدْ قَدَّمْنا دَلِيلَ المَنعِ عَقْلًا ونَقْلًا. (p-١٥٤)وَهُنا سُؤالٌ أيْضًا، وهو إذا كانَ ادِّعاءُ الوَلَدِ قَدْ وقَعَ، وجاءَ الرَّدُّ عَلَيْهِ: فَإنَّ ادِّعاءَ الوِلادَةِ لَمْ يَقَعْ، فَلِماذا ذَكَرَ نَفْيَهُ مَعَ عَدَمِ ادِّعائِهِ ؟ والجَوابُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ: أنَّ مَن جَوَّزَ الوِلادَةَ لَهُ وأنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ، فَقَدْ يُجَوِّزُ الوِلادَةَ عَلَيْهِ، وأنْ يَكُونَ مَوْلُودًا فَجاءَ نَفْيُها تَتِمَّةً لِلنَّفْيِ والتَّنْزِيهِ، كَما في حَدِيثِ البَحْرِ، كانَ السُّؤالُ عَنِ الوُضُوءِ مِن مائِهِ فَقَطْ، فَجاءَ الجَوابُ عَنْ مائِهِ ومَيْتَتِهِ؛ لِأنَّ ما احْتَمَلَ السُّؤالَ في مائِهِ يَحْتَمِلُ الِاشْتِباهَ في مَيْتَتِهِ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

الإخلاص 112:4

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ . قالُوا: كُفُؤًا وكُفُوًا وكَفاءً، بِمَعْنًى واحِدٍ، وهو المِثْلُ. وَقَدْ تَعَدَّدَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ في مَعْنى الآيَةِ، وكُلُّها تَدُورُ عَلى مَعْنى نَفْيِ المُماثَلَةِ. فَعَنْ كَعْبٍ وعَطاءٍ: لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ ولا عَدِيلٌ. وَرَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ بِمَعْنى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ. وَعَنْ مُجاهِدٍ: أيْ لا صاحِبَةَ لَهُ. وَقَدْ جاءَ نَفْيُ الكُفْءِ والمِثْلِ والنِّدِّ والعَدْلِ، فالكُفْءُ في هَذِهِ السُّورَةِ والمِثْلُ في قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ﴾ [النحل: ٧٤] . والنِّدُّ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] . والعِدْلُ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] . وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ عِنْدَ آيَةِ الأنْعامِ بَيانٌ لِذَلِكَ، أيْ يُساوُونَهُ بِغَيْرِهِ مِنَ العِدْلِ بِكَسْرِ أوَّلِهِ، وهو أحَدُ شِقَّيْ حَمْلِ البَعِيرِ عَلى أحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ، والآخَرُ مِنَ العُدُولِ عَنْهُ إلى غَيْرِهِ. وَفِي هَذِهِ السُّورَةِ مَبْحَثانِ يُورِدُهُما المُفَسِّرُونَ. أحَدُهُما: أسْبابُ نُزُولِها، والآخَرُ: ما جاءَ في فَضْلِها، ولَمْ يَكُنْ مِن مَوْضُوعِ هَذا الكِتابِ تَتَبُّعُ ذَلِكَ، إلّا ما كانَ لَهُ دَوافِعُ تَتَعَلَّقُ بِالمَعْنى. (p-١٥٥)أمّا ما جاءَ في فَضْلِها، فَقَدْ قالَ أبُو حَيّانَ في تَفْسِيرِهِ: لَقَدْ أكْثَرَ المُفَسِّرُونَ إيرادَ الآثارِ في ذَلِكَ، ولَيْسَ هَذا مَحَلُّها، وهو كَما قالَ، فَقَدْ أوْرَدَها ابْنُ كَثِيرٍ والفَخْرُ الرّازِيُّ والقُرْطُبِيُّ وابْنُ حَجَرٍ في الإصابَةِ في تَرْجَمَةِ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ وغَيْرُهم، ولَيْسَ هَذا مَحَلُّ إيرادِها، اللَّهُمَّ إلّا ما جاءَ في الصَّحِيحِ: أنَّ تِلاوَتَها تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ لِتَعَلُّقِ مَوْضُوعِها بِالتَّوْحِيدِ. أمّا المَبْحَثُ الآخَرُ وهو سَبَبُ نُزُولِها، فَقِيلَ فِيهِ. إنَّ المُشْرِكِينَ طَلَبُوا مِنهُ ﷺ أنْ يَنْسُبَ لَهم رَبَّهُ، فَنَزَلَتْ. وَقَوْلُهُ فِيها: ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ﴾، رُدٌّ عَلى إثْباتِ النَّسَبِ لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى. وَقَدْ جاءَ مِثْلُ هَذا المَعْنى حِينَما سَألَ فِرْعَوْنُ مُوسى عَنْ رَبِّهِ، فَقالَ لَهُ: ﴿وَما رَبُّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] . فَجاءَ جَوابُهُ: ﴿قالَ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ ﴿قالَ لِمَن حَوْلَهُ ألا تَسْتَمِعُونَ﴾ ﴿قالَ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٤ - ٢٧] . وَكُنْتُ سَمِعْتُ مِنَ الشَّيْخِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ، أنَّ مُوجِبَ قَوْلِ فِرْعَوْنَ عَنْ مُوسى ”لَمَجْنُونٌ“؛ لِأنَّهُ سَألَهُ بِما في قَوْلِهِ: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وما رَبُّ العالَمِينَ﴾، وما يَسْألُ بِها عَنْ شَرْحِ الماهِيَّةِ فَكانَ مُقْتَضى السُّؤالِ بِها أنْ يُبَيِّنَ ماهِيَّةَ الرَّبِّ سُبْحانَهُ وتَعالى، مِن أيِّ شَيْءٍ هو، كَما يُقالُ في جَوابٍ: ما الإنْسانُ ؟ إنَّهُ حَيَوانٌ ناطِقٌ. وَلَكِنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أعْرَضَ عَنْ سُؤالِ فِرْعَوْنَ لِجَهْلِهِ عَنْ حَقِيقَةِ اللَّهِ تَعالى أوْ لِتَجاهُلِهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]، وأجابَهُ عَمّا يَخُصُّهُ ويَلْزَمُهُ الِاعْتِرافُ بِهِ مِن أنَّهُ سُبْحانَهُ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما، لا رُبُوبِيَّةَ فِرْعَوْنَ الكاذِبَةَ. وَمِثْلُ ذَلِكَ في القُرْآنِ، لَمّا سَألُوا عَنِ الأهِلَّةِ، ما بالُها تَبْدُو صَغِيرَةً، ثُمَّ تَكْبُرُ ؟ فَهو سُؤالٌ عَنْ حَقِيقَةِ تَغَيُّرِها، فَتَرَكَ القُرْآنُ جَوابَهم عَلى سُؤالِهِمْ وأجابَهم بِما يَلْزَمُهم ويَنْفَعُهم. وَكَذَلِكَ جَوابُ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلنُّمْرُوذِ حِينَما حاجَّهُ في رَبِّهِ: ﴿إذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] . (p-١٥٦)فَذَكَرَهُ سُبْحانَهُ بِصِفاتِهِ، وفي هَذِهِ السُّورَةِ لَمّا سَألُوا عَنْ حَقِيقَةِ اللَّهِ ونَسَبِهِ جاءَ الجَوابُ بِصِفاتِهِ؛ لِأنَّ ما يَسْألُونَ عَنْهُ إنَّما يَكُونُ في المَخْلُوقاتِ لا في الخالِقِ سُبْحانَهُ، وفي المُمْكِنِ لا في الواجِبِ الوُجُودِ لِذاتِهِ، سُبْحانَ مَن لا يُدْرِكُ كُنْهَهُ غَيْرُهُ، وصَدَقَ اللَّهُ العَظِيمُ في قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] . * * (p-١٥٧)المُعَوِّذَتانِ سُورَةُ الفَلَقِ وسُورَةُ النّاس يَذْكُرُ المُفَسِّرُونَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ كانَ يَراهُما مُعَوِّذَتَيْنِ مِن غَيْرِ القُرْآنِ، ولَكِنْ «أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ قالَ: أشْهَدُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أخْبَرَنِي أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهُ: ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ [الفلق: ١] فَقُلْتُها وقالَ ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾ [الناس: ١] فَقُلْتُها فَنَحْنُ نَقُولُ ما قالَهُ النَّبِيُّ ﷺ»، ذَكَرَهُ ابْنُ كَثِيرٍ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ. وذَكَرَ نَحْوَهُ عَنِ البُخارِيِّ ثُمَّ قالَ: ثُمَّ قَدْ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ إلى قَوْلِ الجَماعَةِ، فَإنَّ الصَّحابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أثْبَتُوهُما في المَصاحِفِ الأئِمَّةِ، ونَفَّذُوها إلى سائِرِ الآفاقِ. ورُوِيَ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ بِهِما في الصَّلاةِ وساقَ عِدَّةَ طُرُقٍ في إثْباتِ أنَّهُما قُرْآنٌ، مِمّا يَنْفِي أيَّ خِلافٍ بَعْدِ ذَلِكَ في إثْباتِهِما. وقَدِ اعْتَذَرَ القُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، بِأنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُما مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، عَلى أنَّهُما قُرْآنٌ وسَمِعَهُما فَظَنَّهُما أنَّهُما دُعاءٌ مِنَ الأدْعِيَةِ، كَقَوْلِهِ ﷺ «أُعُوذُ بِكَلِماتِ اللَّهِ التّامّاتِ مِن شَرِّ ما خَلَقَ» . ولَمّا بَلَغَهُ إثْباتُهُما عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجَعَ إلى قَوْلِ الجُمْهُورِ. ومِنَ الجَدِيرِ بِالذِّكْرِ التَّنْوِيهُ عَنِ ارْتِباطِهِما بِسُورَةِ الإخْلاصِ قَبْلَهُما. وهو أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى الواحِدُ الأحَدُ، الفَرْدُ الصَّمَدُ، والصَّمَدُ مِن مَعانِيهِ الَّذِي تَصْمُدُ الخَلائِقُ إلَيْهِ في حاجاتِهِمْ، جاءَ في هاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ تَوْجِيهُ العِبادِ إلى مَن يَسْتَعِيذُونَ ويَلُوذُونَ بِهِ، وهو اللَّهُ الصَّمَدُ سُبْحانَهُ، فَهو وحْدَهُ الَّذِي يُعِيذُهم ويَحْفَظُهم وهو الَّذِي يَلْجَئُونَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ. وقُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ: تُعادِلُ الِاسْتِعاذَةَ بِالخالِقِ مِمّا خَلَقَ؛ لِأنَّ كُلَّ مُنْغَلِقٍ عَنْ غَيْرِهِ، إلّا اللَّهُ الواحِدُ الَّذِي لَمْ يَلِدُ ولَمْ يُولَدْ. الثّانِيَةُ بَعْدَها: ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾، إلَهِ النّاسِ. وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَنْبِيهٌ عَلى ما يُعْطِيهِ السِّياقُ مِن خَتْمِ المُصْحَفِ الشَّرِيفِ بِهاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ الكَرِيمَتَيْنِ، والمُقارَنَةُ بَيْنَهُما لِبَيانِ عِظَمِ مَنزِلَتِهِما. كَما أنَّ الشَّيْخَ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ، قَدْ أحالَ عَلى سُورَةِ النّاسِ لِإتْمامِ مَبْحَثِ إفْرادِ اللَّهِ تَعالى بِالعِبادَةِ، كَما سَنُوَضِّحُهُ كُلَّهُ إنْ شاءَ اللَّهُ في مَحَلِّهِ، وبِاللَّهِ تَعالى التَّوْفِيقُ.

الفلق 113:1

(p-١٥٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم سُورَةُ الفَلَق قِيلَ: إنَّهُ لَمّا صَرَّحَ تَعالى بِخالِصِ التَّوْحِيدِ في سُورَةِ الإخْلاصِ، وهي مَعْرَكَةُ الإيمانِ والشِّرْكِ، ومَثارُ الخِلافِ والخُصُومَةِ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وأعْدائِهِ، أُمِرَ ﷺ أنْ يَتَعَوَّذَ مِن شُرُورِ الخَلْقِ فَلا يَضُرُّوهُ. إلَخْ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾. قالَ أبُو حَيّانَ وغَيْرُهُ: الفَلَقُ فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ أيْ مَفْلُوقٍ، واخْتُلِفَ في المُرادِ بِذَلِكَ. فَقِيلَ: إنَّهُ الصُّبْحُ يَتَفَلَّقُ عَنْهُ اللَّيْلُ. وَقِيلَ: الحِسُّ والنَّوى. وَقِيلَ: هو جُبٌّ في جَهَنَّمَ. وَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: كُلُّ ما فَلَقَهُ اللَّهُ عَنْ غَيْرِهِ، كاللَّيْلِ عَنِ الصُّبْحِ، والحَبِّ والنَّوى عَنِ النَّبْتِ، والأرْضِ عَنِ النَّباتِ، والجِبالِ عَنِ العَوْنِ، والأرْحامِ عَنِ الأوْلادِ، والسَّحابِ عَنِ المَطَرِ. وَقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّ اللَّهَ أطْلَقَ ولَمْ يُقَيِّدْ، فَتُطْلَقُ كَذَلِكَ كَما أطْلَقَ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ كُلَّ الأقْوالِ ما عَدا القَوْلَ بِأنَّهُ جُبٌّ في جَهَنَّمَ مِن قَبِيلِ اخْتِلافِ التَّنَوُّعِ، وأنَّها كُلَّها مُحْتَمَلَةٌ، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ عَلى الإطْلاقِ. أمّا القَوْلُ بِأنَّهُ جُبٌّ في جَهَنَّمَ، فَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ نَصٌّ، ولَيْسَتْ فِيهِ أيَّةُ مُشاهَدَةٍ يُحالُ عَلَيْها لِلدَّلالَةِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، كَما في الأشْياءِ الأُخْرى المُشاهَدَةِ. (p-١٥٩)والَّذِي يَشْهَدُ لَهُ القُرْآنُ هو الأوَّلُ، كَما جاءَ النَّصُّ الصَّرِيحُ في الصُّبْحِ والحَبِّ والنَّوى، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ فالِقُ الحَبِّ والنَّوى يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ومُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ ﴿فالِقُ الإصْباحِ وجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا والشَّمْسَ والقَمَرَ حُسْبانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ [الأنعام: ٩٥ - ٩٦] . وَكُلُّها آياتٌ دالَّةٌ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ، وجاءَ في حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها في بَدْءِ الوَحْيِ، وأنَّهُ ﷺ ما كانَ يَرى رُؤْيا، إلّا جاءَتْ كَفَلَقِ الصُّبْحِ. والفَلَقُ: بِمَعْنى الصُّبْحِ مَعْرُوفٌ في كَلامِ العَرَبِ. وَعَلَيْهِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎يا لَيْلَةً لَمْ أنَمْها بِتُّ مُرِتَقِبًا أرْعى النُّجُومَ إلى أنْ قَدَّرَ الفَلَقُ وَقَوْلُ الآخَرِ مِثْلُهُ وفِيهِ: إلى أنْ نَوَّرَ الفَلَقُ بَدَلَ قَدَّرَ، والواقِعُ أنَّهُ في قُوَّةِ الإقْسامِ بِرَبِّ الكَوْنِ كُلِّهِ يَتَفَلَّقُ بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ.

الفلق 113:2

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن شَرِّ ما خَلَقَ﴾ . وهَذا عامٌّ وهو عَلى عُمُومِهِ، حَتّى قالَ الحَسَنُ: إنَّ إبْلِيسَ وجَهَنَّمَ مِمّا خَلَقَ. وَلِلْمُعْتَزِلَةِ في هَذِهِ الآيَةِ كَلامٌ حَوْلَ خَلْقِ أفْعالِ العِبادِ، وأنَّ اللَّهَ لا يَخْلُقُ الشَّرَّ، وقالُوا: كَيْفَ يَخْلُقُهُ ويُقَدِّرُهُ، ثُمَّ يَأْمُرُ بِالِاسْتِعاذَةِ بِهِ سُبْحانَهُ مِمّا خَلَقَهُ وقَدَّرَهُ ؟ وَأُجِيبَ مِن أهْلِ السُّنَّةِ: بِأنَّهُ لا مانِعَ مِن ذَلِكَ، كَما في قَوْلِهِ ﷺ: ”«وَأُعُوذُ بِكَ مِنكَ“» . وَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦] . وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ، ئيمُناقَشَةُ هَذِهِ المَسْألَةِ في مُناظَرَةِ الإسْفَرايِينيِّ مَعَ الجِبائِيِّ في القَدَرِ. وَمَعْلُومٌ أنَّ المَخْلُوقَ لا يَتَأتّى مِنهُ شَيْءٌ قَطُّ إلّا بِمَشِيئَةِ الخالِقِ، وما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ.

الفلق 113:3

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن شَرِّ غاسِقٍ إذا وقَبَ﴾ . (p-١٦٠)الغاسِقُ: قِيلَ اللَّيْلُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨] . وَوَقَبَ: أيْ دَخَلَ. وَعَلَيْهِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إنَّ هَذا اللَّيْلَ قَدْ غَسَقا واشْتَكَيْتُ الهَمَّ والأرَقا وَقَوْلُ الآخَرِ: ؎يا طَيْفُ هِنْدَ قَدْ أبْقَيْتَ لِي أرَقا ∗∗∗ إذْ جِئْتَنا طارِقًا واللَّيْلُ قَدْ غَسَقا قالَ القُرْطُبِيُّ: وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ وغَيْرِهِمْ. وَقِيلَ: الغاسِقُ: القَمَرُ إذا كانَ في آخِرِ الشَّهْرِ، لِحَدِيثِ عائِشَةَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ «أنَّ الرَّسُولَ ﷺ قالَ لَها: تَعَوَّذِي مِن هَذا فَإنَّهُ الغاسِقُ إذا وقَبَ» . أيِ القَمَرُ. وَقائِلُ هَذا القَوْلِ يَقُولُ: إنَّهُ أنْسَبُ لِما يَجِيءُ بَعْدَهُ مِنَ السِّحْرِ، لِأنَّهُ أكْثَرُ ما يَكُونُ عِنْدَهم في آخِرِ الشَّهْرِ. وَنَقَلَ القُرْطُبِيُّ عَنْ ثَعْلَبٍ، عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ، أنَّ أهْلَ الرَّيْبِ يَتَحَيَّنُونَ وجْبَةَ القَمَرِ، أيْ سُقُوطَهُ وغُيُوبَتَهُ. وَأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎أراحَنِي اللَّهُ مِن أشْياءَ أكْرَهُها ∗∗∗ مِنها العَجُوزُ ومِنها الكَلْبُ والقَمَرُ ؎هَذا يَبُوحُ وهَذا يُسْتَضاءُ بِهِ ∗∗∗ وهَذِهِ ضَمْرَزٌ قَوّامَةُ السِّحْر والضَّمْرَزُ: النّاقَةُ المُسِنَّةُ، والمَرْأةُ الغَلِيظَةُ. والصَّحِيحُ الأوَّلُ: الَّذِي هو اللَّيْلُ بِشَهادَةِ القُرْآنِ. والثّانِي: تابِعٌ لَهُ؛ لِأنَّ القَمَرَ في ظُهُورِهِ واخْتِفائِهِ مُرْتَبِطٌ بِاللَّيْلِ، فَهو بَعْضُ ما يَكُونُ في اللَّيْلِ، وفي اللَّيْلِ تَنْتَشِرُ الشَّياطِينُ وأهْلُ الفَسادِ، مِنَ الإنْسانِ والحَيَوانِ ويَقِلُّ فِيهِ المُغِيثُ إلّا اللَّهُ. (p-١٦١)وَفِي الحَدِيثِ: «أطْفِئُوا السُّرُجَ فَإنَّ الفُوَيْسِقَةَ تُضْرِمُ عَلى النّاسِ بُيُوتَهم لَيْلا» . أيِ: الفَأْرَةُ.

الفلق 113:4

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن شَرِّ النَّفّاثاتِ في العُقَدِ﴾. المُرادُ بِهِ السَّحَرَةُ قَطْعًا، سَواءٌ كانَ النَّفْثُ مِنَ النِّساءِ كَما هو ظاهِرُ اللَّفْظِ، أوْ مِنَ الرِّجالِ عَلى مَعْنى الجَماعاتِ، أوِ النُّفُوسِ الشِّرِّيرَةِ فَتَشْمَلُ النَّوْعَيْنِ. وَأجْمَعَ المُفَسِّرُونَ: أنَّها نَزَلَتْ في لَبِيدِ بْنِ الأعْصَمِ، لَمّا سَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ أتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وأخْبَرَهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ مَبْحَثُ السِّحْرِ وأقْسامُهُ وأحْكامُهُ وكُلُّ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ، عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى﴾ [طه: ٦٩]، مِن سُورَةِ طه، ما عَدا مَسْألَةً واحِدَةً، وهي حُكْمُ ما لَوْ قَتَلَ أوْ أتْلَفَ شَيْئًا بِسِحْرِهِ، فَما يَكُونُ حُكْمُهُ، ونُورِدُها مُوجَزَةً. مَسْألَةٌ ذَكَرَ ابْنُ قُدامَةَ في المُغْنِي رَحِمَهُ اللَّهُ النَّوْعَ السّادِسَ مِن أنْواعِ القَتْلِ: أنْ يَقْتُلَهُ بِسِحْرٍ يَقْتُلُ غالِبًا فَيَلْزَمُهُ القَوَدُ، وإنْ كانَ مِمّا لا يَقْتُلُ غالِبًا، فَفِيهِ الدِّيَةُ ا هـ. وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ في المِنهاجِ شَرْحِ مُغْنِي المُحْتاجِ لِلشّافِعِيَّةِ: التَّنْبِيهَ عَلى أنَّهُ يُقْتَلُ كَذَلِكَ. وَذَكَرَ مِثْلَهُ ابْنُ حَجَرٍ في الفَتْحِ: أنَّ السّاحِرَ يُقْتَلُ إذا قَتَلَ بِسِحْرِهِ. تَنْبِيهٌ يَقَعُ تَأْثِيرُ السِّحْرِ عَلى الحَيَوانِ كَما يَقَعُ عَلى الإنْسانِ. قالَ أبُو حَيّانَ: أخْبَرَنِي مَن رَأى في بَعْضِ الصَّحْراءِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ خَيْطًا أحْمَرَ، قَدْ عُقِدَتْ فِيهِ عُقَدٌ عَلى فُصْلانٍ، أيْ جَمْعُ فَصِيلَ، فَمُنِعَتْ مِن رَضاعِ أُمَّهاتِها بِذَلِكَ، فَكانَ إذا حَلَّ عُقْدَةً جَرى ذَلِكَ الفَصِيلُ إلى أُمِّهِ في الحِينِ فَرَضَعَ. ا هـ. كَما يَقَعُ الحَسَدُ أيْضًا عَلى الحَيَوانِ، بَلْ وعَلى الجَمادِ أيْ عَيْنُ العائِنِ تُؤَثِّرُ في (p-١٦٢)الحَيَوانِ والجَمادِ والنَّباتِ، كَما تُؤَثِّرُ في الإنْسانِ عَلى ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ.

الفلق 113:5

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن شَرِّ حاسِدٍ إذا حَسَدَ﴾ . اقْتِرانُ الحَسَدِ بِالسِّحْرِ هُنا، يُشِيرُ إلى وُجُودِ عَلاقَةٍ بَيْنَ كُلٍّ مِنَ السِّحْرِ والحَسَدِ، وأقَلُّ ما يَكُونُ هو التَّأْثِيرُ الخَفِيُّ الَّذِي يَكُونُ مِنَ السّاحِرِ بِالسِّحْرِ، ومِنَ الحاسِدِ بِالحَسَدِ مَعَ الِاشْتِراكِ في عُمُومِ الضَّرَرِ، فَكِلاهُما إيقاعُ ضَرَرٍ في خَفاءٍ، وكِلاهُما مَنهِيٌّ عَنْهُ. وَقَدْ أوْضَحَ فَضِيلَةُ الشَّيْخِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ، أنْواعَ السِّحْرِ وأحْكامَهُ وأوْرَدَ فِيهِ كَلامًا وافِيًا. وَقَدْ ظَهَرَ بِما قَدَّمْنا: أنَّ الحَسَدَ لَهُ عَلاقَةٌ بِالسِّحْرِ نَوْعًا ما، فَلَزِمَ إيضاحُهُ وبَيانُ أمْرِهِ بِقَدْرِ المُسْتَطاعِ، إنْ شاءَ اللَّهُ. أوْلًا: تَعْرِيفُهُ: قالُوا: إنَّ الحَسَدَ هو تَمَنِّي زَوالِ نِعْمَةِ الغَيْرِ، أوْ عَدَمِ حُصُولِ النِّعْمَةِ لِلْغَيْرِ شُحًّا عَلَيْهِ بِها. وَقَدْ قُيِّدَتِ الِاسْتِعاذَةُ مِن شَرِّ الحاسِدِ إذا حَسَدَ، أيْ عِنْدَ إيقاعِهِ الحَسَدَ بِالفِعْلِ، ولَمْ يُقَيِّدْها مِن شَرِّ السّاحِرِ إذا سَحَرَ. وَذَلِكَ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ: أنَّ النَّفْثَ في العُقَدِ هو عَيْنُ السِّحْرِ، فَتَكُونُ الِاسْتِعاذَةُ واقِعَةً مَوْقِعَها عِنْدَ سِحْرِهِ الواقِعِ مِنهُ بِنَفْثِهِ الحاصِلِ مِنهُ في العُقَدِ. أمّا الحاسِدُ فَلَمْ يَسْتَعِذْ مِنهُ إلّا عِنْدَ إيقاعِهِ الحَسَدَ بِالفِعْلِ، أيْ: عِنْدَ تَوَجُّهِهِ إلى المَحْسُودِ؛ لِأنَّهُ قَبْلَ تَوَجُّهِهِ إلى المَحْسُودِ بِالحَسَدِ لا يَتَأتّى مِنهُ شَرٌّ، فَلا مَحَلَّ لِلِاسْتِعاذَةِ مِنهُ. أمّا حَقِيقَةُ الحَسَدِ: فَيَتَعَذَّرُ تَعْرِيفُهُ مَنطِقِيًّا. وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ أنَّهُ قالَ في السِّحْرِ: لا يُمْكِنُ تَعْرِيفُهُ لِخَفائِهِ. وَمَعْلُومٌ أنَّ الحَسَدَ أشَدُّ خَفاءً؛ لِأنَّهُ عَمَلٌ نَفْسِيٌّ وأثَرٌ قَلْبِيٌّ، وقَدْ قِيلَ فِيهِ: إنَّهُ كَإشْعاعٍ غَيْرِ مَرْئِيٍّ، يَنْتَقِلُ مِن قَلْبِ الحاسِدِ إلى المَحْسُودِ، عِنْدَ تَحَرُّقِهِ بِقَلْبِهِ عَلى المَحْسُودِ، وقَدْ شُبِّهَ حَسَدُ الحاسِدِ بِالنّارِ في قَوْلِهِمْ:(p-١٦٣) ؎اصْبِرْ عَلى مَضَضِ الحَسُودِ فَإنَّ صَبْرَكَ قاتِلُهْ ؎كالنّارِ تَأْكُلُ بَعْضَها ∗∗∗ إنْ لَمْ تَجِدْ ما تَأْكُلُهُ وَقَدْ أنْكَرَ بَعْضُ الفَلاسِفَةِ وُقُوعَ الحَسَدِ، حَيْثُ إنَّهُ غَيْرُ مُشاهَدٍ وهم مَحْجُوجُونَ بِكُلِّ مَوْجُودٍ غَيْرِ مُشاهَدٍ، كالنَّفْسِ والرُّوحِ والعَقْلِ. وَقَدْ شُوهِدَتِ اليَوْمَ أشِعَّةُ إكْس وهي غَيْرُ مَرْئِيَّةٍ، ولَكِنَّها تَنْفُذُ إلى داخِلِ الجِسْمِ مِن إنْسانٍ وحَيَوانٍ، بَلْ وخَشَبٍ ونَحْوِهِ. ولا يَرُدُّها إلّا مادَّةُ الرَّصاصِ لِكَثافَةِ مَعْدِنِهِ، فَتَصَوَّرْ داخِلَ جِسْمِ الإنْسانِ مِن عِظامٍ وأمْعاءٍ وغَيْرِها، فَلا مَعْنى لِرَدِّ شَيْءٍ لِعَدَمِ رُؤْيَتِهِ. تَنْبِيهٌ قَدْ أطْلَقَ الحَسَدَ هُنا ولَمْ يُبَيِّنِ المَحْسُودَ عَلَيْهِ، ما هو مَعَ أنَّهُ كَما تَقَدَّمَ زَوالُ النِّعْمَةِ عَنِ الغَيْرِ. وَقَدْ نَبَّهَ القُرْآنُ الكَرِيمُ عَلى أعْظَمِ النِّعْمَةِ الَّتِي حُسِدَ عَلَيْها المُسْلِمُونَ عامَّةً، والرَّسُولُ ﷺ خاصَّةً، وهي نِعْمَةُ الإسْلامِ ونِعْمَةُ الوَحْيِ وتَحْصِيلِ الغَنائِمِ. فَأهْلُ الكِتابِ حَسَدُوا المُسْلِمِينَ عَلى الإسْلامِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩] . والمُشْرِكُونَ حَسَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلى نِعْمَةِ الوَحْيِ إلَيْهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٥٤] . والنّاسُ هُنا عامٌّ أُرِيدَ بِهِ الخُصُوصُ، وهو النَّبِيُّ ﷺ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] . فالنّاسُ الأُولى عامٌّ أُرِيدَ بِهِ خُصُوصُ رَجُلٍ واحِدٍ، وهو نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الأشْجَعِيُّ. وَمِمّا جاءَ فِيهِ الحَسَدُ عَنْ نِعْمَةٍ مُتَوَقَّعَةٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ إذا انْطَلَقْتُمْ إلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكم يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذَلِكم قالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ [الفتح: ١٥] . (p-١٦٤)فَتَبَيَّنَ بِنَصِّ القُرْآنِ أنَّ الحَسَدَ يَكُونُ في نِعْمَةٍ مَوْجُودَةٍ، ويَكُونُ في نِعْمَةٍ مُتَوَقَّعٌ وُجُودُها. تَنْبِيهٌ آخَرُ تُوجَدُ العَيْنُ كَما يُوجَدُ الحَسَدُ، ولَمْ أجِدْ مَن فَرَّقَ بَيْنَهُما مَعَ وُجُودِ الفَرْقِ. وَقَدْ جاءَ في الصَّحِيحِ: «إنَّ العَيْنَ لَحَقٌّ» . كَما جاءَ في السُّنَنِ: «”لَوْ أنَّ شَيْئًا يَسْبِقُ القَدَرَ لَسَبَقَتْهُ العَيْنُ“ .» وَيُقالُ في الحَسَدِ: حاسِدٌ، وفي العَيْنِ: عائِنٌ، ويَشْتَرِكانِ في الأثَرِ، ويَخْتَلِفانِ في الوَسِيلَةِ والمُنْطَلَقِ. فالحاسِدُ: قَدْ يَحْسُدُ ما لَمْ يَرَهُ، ويَحْسُدْ في الأمْرِ المُتَوَقَّعِ قَبْلَ وُقُوعِهِ، ومَصْدَرُهُ تَحَرُّقُ القَلْبِ واسْتِكْثارُ النِّعْمَةِ عَلى المَحْسُودِ، وبِتَمَنِّي زَوالِها عَنْهُ أوْ عَدَمِ حُصُولِها لَهُ وهو غايَةٌ في حِطَّةِ النَّفْسِ. والعائِنُ: لا يَعِينُ إلّا ما يَراهُ والمَوْجُودَ بِالفِعْلِ، ومَصْدَرُهُ انْقِداحُ نَظْرَةِ العَيْنِ، وقَدْ يَعِينُ ما يَكْرَهُ أنْ يُصابَ بِأذًى مِنهُ كَوَلَدِهِ ومالِهِ. وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ أيْضًا الحَسَدُ، وقَدْ يُطْلَقُ الحَسَدُ ويُرادُ بِهِ الغِبْطَةُ، وهو تَمَنِّي ما يَراهُ عِنْدَ الآخَرِينَ مِن غَيْرِ زَوالِهِ عَنْهم. وَعَلَيْهِ الحَدِيثُ: «لا حَسَدَ إلّا في اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتاهُ اللَّهُ مالًا فَسَلَّطَهُ عَلى هَلَكَتِهِ في الخَيْرِ، ورَجُلٌ آتاهُ اللَّهُ الحِكْمَةَ فَهو يَقْضِي بِها بَيْنَ النّاسِ» . وَقالَ القُرْطُبِيُّ: رُوِيَ مَرْفُوعًا «”المُؤْمِنُ يَغْبِطُ، والمُنافِقُ يَحْسُدُ“ .» وَقالَ: الحَسَدُ أوَّلُ ذَنْبٍ عُصِيَ اللَّهُ بِهِ في السَّماءِ، وأوَّلُ ذَنْبٍ عُصِيَ بِهِ في الأرْضِ، فَحَسَدَ إبْلِيسُ آدَمَ وحَسَدَ قابِيلُ هابِيلُ ا هـ. تَحْذِيرٌ كُنْتُ سَمِعْتُ مِنَ الشَّيْخِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ قَوْلُهُ: إنَّ أوَّلَ مَعْصِيَةٍ وقَعَتْ هي الحَسَدُ، وجَرَّ شُؤْمُها إلى غَيْرِها، وذَلِكَ لَمّا حَسَدَ إبْلِيسُ أبانا آدَمَ عَلى ما آتاهُ اللَّهُ مِنَ (p-١٦٥)الكَراماتِ مِن خَلْقِهِ بِيَدَيْهِ، وأمْرِ المَلائِكَةِ بِالسُّجُودِ لَهُ، فَحَمَلَهُ الحَسَدُ عَلى التَّكَبُّرِ، ومَنَعَهُ التَّكَبُّرُ مِنِ امْتِثالِ الأمْرِ بِالسُّجُودِ، فَكانَتِ النَّتِيجَةُ طَرْدَهُ، عِياذًا بِاللَّهِ. أسْبابُ الحَسَد وَبِتَأمُّلِ القِصَّةِ، يَظْهَرُ أنَّ الحامِلَ عَلى الحَسَدِ أصْلُهُ أمْرانِ: الأوَّلُ: ازْدِراءُ المَحْسُودِ. والثّانِي: إعْجابُ الحاسِدِ بِنَفْسِهِ، كَما قالَ إبْلِيسُ مُعَلِّلًا لِامْتِناعِهِ مِنَ السُّجُودِ: ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾ [الأعراف: ١٢] . ثُمَّ فَصَّلَ مَعْنى الخَيْرِيَّةِ المَزْعُومَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]، ويَلْحَقُ بِذَلِكَ جَمِيعُ الأسْبابِ. وَقَدْ ذَكَرُوا مِنها التَّعَزُّزُ في نَفْسِهِ، ولا يُرِيدُ لِأحَدٍ أنْ يَرْتَفِعَ عَلَيْهِ، والتَّعَجُّبُ بِأنْ يَعْجَبَ بِنَفْسِهِ، ولا يَرى أحَدًا أوْلى مِنهُ، والخَوْفُ مِن فَواتِ المَقاصِدِ عِنْدَ شَخْصٍ إذا رَآهُ سَيَسْتَغْنِي عَنْهُ، وحُبُّ الرِّئاسَةِ مِمَّنْ لا يُرِيدُ لِأحَدٍ أنْ يَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ في أيِّ فَنٍّ أوْ مَجالٍ. وَذَكَرَها الرّازِيُّ نَقْلًا عَنِ الغَزالِيِّ. وَمِن هُنا لا نَرى مُعْجَبًا بِنَفْسِهِ قَطُّ، إلّا ويَزْدَرِي الآخَرِينَ ويَحْسُدُهم عَلى أدْنى نِعْمَةٍ أنْعَمَها اللَّهُ عَلَيْهِمْ. عافانا اللَّهُ مِن ذَلِكَ. تَنْبِيهٌ إذا كانَ أوَّلُ مَعْصِيَةٍ وقَعَتْ هي حَسَدُ إبْلِيسَ لِأبِينا آدَمَ عَلى ما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ، وجاءَ حَسَدُ المُشْرِكِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى نِعْمَةِ الوَحْيِ، وحَسَدُأهْلِ الكِتابِ لِلْمُسْلِمِينَ عَلى نِعْمَةِ الإسْلامِ، وجاءَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في أواخِرِ القُرْآنِ، فَكَأنَّها جاءَتْ في أعْقابِ القُرْآنِ لِتُذَكِّرَ المُسْلِمِينَ بِعِظَمِ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ وشَدَّةِ حَسَدِهِمْ عَلَيْهِ، لِيَحْذَرُوا أعْداءَهُمُ الَّذِينَ يَكِيدُونَ لَهم في دِينِهِمْ، مِن كُلٍّ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ، عَلى ما سَيَأْتِي في السُّورَةِ بَعْدَها والأخِيرَةِ، إنْ شاءَ اللَّهُ. * * (p-١٦٦)مَسْألَةٌ في حُكْمِ مَن قَتَلَ أوْ كَسَرَ أوْ أتْلَفَ شَيْئًا بِالعَيْن تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ في حَقِّ السِّحْرِ، أمّا في حَقِّ العَيْنِ، فَقَدْ قالَ ابْنُ حَجَرٍ في فَتْحِ البارِي في كِتابِ الطِّبِّ ما نَصُّهُ: وقَدِ اخْتُلِفَ في جَرَيانِ القَصاصِ بِذَلِكَ، يَعْنِي بِالعَيْنِ. فَقالَ القُرْطُبِيُّ: لَوْ أتْلَفَ العائِنُ شَيْئًا ضَمِنَهُ لَوْ قَتَلَ فَعَلَيْهِ القِصاصُ أوِ الدِّيَةُ إذا تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنهُ، بِحَيْثُ يَصِيرُ عادَةً وهو في ذَلِكَ كالسّاحِرِ عِنْدَ مَن لا يَقْتُلُهُ كُفْرًا. ا هـ. وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الشّافِعِيَّةُ لِلْقِصاصِ في ذَلِكَ بَلْ مَنَعُوهُ، وقالُوا: إنَّهُ لا يَقْتُلُ غالِبًا ولا يُعَدُّ مُهْلِكًا. وَقالَ النَّوَوِيُّ في الرَّوْضَةِ: ولا دِيَةَ فِيهِ ولا كَفّارَةَ، لِأنَّ الحُكْمَ إنَّما يَتَرَتَّبُ عَلى مُنْضَبِطٍ عامٍّ دُونَ ما يَخْتَصُّ بِبَعْضِ النّاسِ في بَعْضِ الأحْوالِ، مِمّا لا انْضِباطَ لَهُ، كَيْفَ ولَمْ يَقَعْ مِنهُ فِعْلٌ أصْلًا، وإنَّما غايَتُهُ حَسَدٌ وتَمَنٍّ لِزَوالِ نِعْمَةٍ. وَأيْضًا، فالَّذِي يَنْشَأُ عَنِ الإصابَةِ بِالعَيْنِ حُصُولُ مَكْرُوهٍ لِذَلِكَ الشَّخْصِ، ولا يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ المَكْرُوهُ في زَوالِ الحَياةِ، فَقَدْ يَحْصُلُ لَهُ مَكْرُوهٌ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِن أثَرِ العَيْنِ. ا هـ. وَلا يُعَكِّرُ عَلى ذَلِكَ إلّا الحُكْمُ بِقَتْلِ السّاحِرِ، فَإنَّهُ في مَعْناهُ، والفَرْقُ بَيْنَهُما عَسِيرٌ. وَنَقَلَ ابْنُ بَطّالٍ عَنْ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ: أنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإمامِ مَنعُ العائِنِ إذا عُرِفَ بِذَلِكَ مِن مُداخَلَةِ النّاسِ، وأنَّهُ يُلْزِمُهُ بَيْتَهُ، فَإنْ كانَ فَقِيرًا رَزَقَهُ ما يَقُومُ بِهِ، فَإنَّ ضَرَرَهُ أشَدُّ مِن ضَرَرِ المَجْذُومِ الَّذِي أمَرَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِمَنعِهِ مِن مُخالَطَةِ النّاسِ، وأشَدُّ مِن ضَرَرِ الثُّومِ الَّذِي مَنَعَ الشّارِعُ آكِلَهُ مِن حُضُورِ الجَماعَةِ. قالَ النَّوَوِيُّ: وهَذا القَوْلُ صَحِيحٌ مُتَعَيِّنٌ، لا يُعْرَفُ عَنْ غَيْرِهِ تَصْرِيحٌ بِخِلافِهِ. ا هـ. مِن فَتْحِ البارِي. وَبِتَأمُّلِ قَوْلِ القُرْطُبِيِّ والنَّوَوِيِّ بِدِقَّةٍ لا يُوجَدُ بَيْنَهُما خِلافٌ في الأصْلِ، إذِ القُرْطُبِيُّ يُقَيِّدُ كَلامَهُ بِما يَتَكَرَّرُ مِنهُ بِحَيْثُ يَصِيرُ عادَةً لَهُ. والنَّوَوِيُّ يَقُولُ: إنَّهُ لا يَقْتُلُ غالِبًا، وعَلَيْهِ فَلَوْ ثَبَتَ أنَّهُ يَقْتُلُ غالِبًا وتَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنهُ، (p-١٦٧)فَإنَّهُ يَتَّفِقُ مَعَ كَلامِ القُرْطُبِيِّ تَمامًا في أنَّ مَن أتْلَفَ بِعَيْنِهِ وكانَ مُعْتادًا مِنهُ ذَلِكَ فَهو ضامِنٌ، وهَذا مَعْقُولُ المَعْنى، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وَعِنْدَ الحَنابِلَةِ في كَشّافِ القِناعِ ما نَصُّهُ: والمِعْيانُ الَّذِي يَقْتُلُ بِعَيْنِهِ. قالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ في حَواشِي الفُرُوعِ: يَنْبَغِي أنْ يُلْحَقَ بِالسّاحِرِ الَّذِي يَقْتُلُ بِسِحْرِهِ غالِبًا، فَإذا كانَتْ عَيْنُهُ يَسْتَطِيعُ القَتْلَ بِها ويَفْعَلُهُ بِاخْتِيارِهِ وجَبَ بِهِ القَصاصُ ا هـ. * * مَسْألَةٌ: بَيانُ ما تُعالَجُ بِهِ العَيْنُ لَمّا كانَ الحَسَدُ أضَرَّ ما يَكُونُ عَلى الإنْسانِ، والإصابَةُ بِالعَيْنِ حَقٌّ لا شَكَّ فِيها وجاءَ فِيها: «”لَوْ أنَّ شَيْئًا يَسْبِقُ القَدَرَ لَسَبَقَتْهُ العَيْنُ“ .» وَحَدِيثُ: «إنَّ العَيْنَ لَحَقٌّ» فَقَدْ فَصَّلَتِ السُّنَّةُ كَيْفِيَّةَ اتِّقائِها قَبْلَ وُقُوعِها، والعِلاجَ مِنها إذا وقَعَتْ. وَذَلِكَ فِيما رَواهُ مالِكٌ في المُوَطَّأِ وغَيْرِهِ مِنَ الصِّحاحِ، في حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، وبَوَّبَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ بابَ رُقْيَةِ العَيْنِ، وذَكَرَ حَدِيثَ «عائِشَةَ أنَّها قالَتْ: ”أمَرَنِي النَّبِيُّ ﷺ، أوْ أمَرَ أنْ يُسْتَرْقى مِنَ العَيْنِ“ .» وَعَقَدَ مالِكٌ في المُوَطَّأِ بابًا بِعُنْوانِ الوُضُوءِ مِنَ العَيْنِ، وبابًا آخَرَ بَعْدَهُ بِعُنْوانِ الرُّقْيَةِ مِنَ العَيْنِ، وساقَ حَدِيثَ سَهْلٍ بِتَمامِهِ وفِيهِ بَيانُ كَيْفِيَّةِ اتِّقائِها وعِلاجِها، ولِذا نَكْتَفِي بِإيرادِهِ لِشُمُولِهِ. قالَ: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أبِي أُسامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ أنَّهُ سَمِعَ أباهُ يَقُولُ: «اغْتَسَلَ أبِي سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ بِالحِرارِ فَنَزَعَ جُبَّةً كانَتْ عَلَيْهِ، وعامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ يَنْظُرُ، قالَ: وكانَ سَهْلُ رَجُلًا أبْيَضَ حَسَنَ الجِلْدِ، قالَ: فَقالَ لَهُ عامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ: ما رَأيْتُ كاليَوْمِ ولا جِلْدَ عَذْراءَ، قالَ: فَوُعِكَ سَهْلٌ مَكانَهُ واشْتَدَّ وعْكُهُ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ فَأخْبَرُوهُ أنَّ سَهْلًا وُعِكَ وأنَّهُ غَيْرُ رائِحٍ مَعَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَأتاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأخْبَرَهُ سَهْلٌ بِالَّذِي كانَ مِن أمْرِ عامِرٍ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”عَلامَ يَقْتُلُ أحَدُكم أخاهُ، ألا بَرَّكْتَ ؟ إنَّ العَيْنَ حَقٌّ، تَوَضَّأْ لَهُ، فَتَوَضَّأ لَهُ عامِرٌ، فَراحَ سَهْلٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ“» . (p-١٦٨)وَساقَ مَرَّةً أُخْرى وفِيهِ، «فَقالَ ﷺ ”هَلْ تَتَّهِمُونَ لَهُ أحَدًا ؟ قالُوا: نَتَّهِمُ عامِرَ بْنَ رَبِيعَةَ، قالَ: فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عامِرًا فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ، وقالَ: عَلامَ يَقْتُلُ أحَدُكم أخاهُ، ألا بَرَّكْتَ، اغْتَسِلْ لَهُ، فَغَسَلَ عامِرٌ وجْهَهُ ويَدَيْهِ ومِرْفَقَيْهِ ورُكْبَتَيْهِ وأطْرافَ رِجْلَيْهِ، وداخِلَ إزارِهِ في قَدَحٍ ثُمَّ صَبَّ عَلَيْهِ فَراحَ سَهْلٌ مَعَ النّاسِ، لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ“» . فَهَذِهِ القِصَّةُ تُثْبِتُ قَطْعًا وُقُوعَ العَيْنِ، وهَذا أمْرٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ مِن أهْلِ السُّنَّةِ وسَلَفِ الأُمَّةِ، كَما أنَّها تُرْشِدُ إلى أنَّ مَن بَرَّكَ، أيْ قالَ: تَبارَكَ اللَّهُ. وَفِي بَعْضِ الرِّواياتِ لِغَيْرِ مالِكٍ: هَلّا كَبَّرْتَ، أيْ يَقُولُ: اللَّهُ أكْبَرُ ثَلاثًا، فَإنَّ ذَلِكَ يَرُدُّ عَيْنَ العائِنِ. كَما جاءَ في السُّنَّةِ «أنَّ الدُّعاءَ يَرُدُّ البَلاءَ» فَإذا لَمْ تُدْفَعْ عِنْدَ صُدُورِها وأصابَتْ، فَإنَّ العِلاجَ مِنها كَما جاءَ هُنا ”تَوَضَّأْ لَهُ“، واللَّفْظُ الآخَرُ: ”اغْتَسِلْ لَهُ“ . وَقَدْ فَصَّلَ المُرادَ بِالغَسْلِ لَهُ: أنَّهُ غَسْلُ الوَجْهِ واليَدَيْنِ أيِ: الكَفَّيْنِ فَقَطْ، والمِرْفَقَيْنِ والرُّكْبَتَيْنِ والقَدَمَيْنِ وطَرَفِ الإزارِ الدّاخِلِيِّ، ويَكُونُ ذَلِكَ في إناءٍ لا يُسْقِطُ الماءَ عَلى الأرْضِ، ويُفْرَغُ هَذا الماءُ عَلى المُصابِ مِنَ الخَلْفِ ويُكْفَأُ الإناءُ خَلْفَهُ. وَقَدْ ذَكَرَها مُفَصَّلَةً القاضِي الباجِيُّ في شَرْحِ المُوَطَّأِ فَقالَ: ورُوِيَ عَنْ يَحْيى بْنِ يَحْيى عَنِ ابْنِ نافِعٍ في مَعْنى الوُضُوءِ الَّذِي أمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يَغْسِلُ الَّذِي يُتَّهَمُ بِالرَّجُلِ وجْهَهُ ويَدَيْهِ ومِرْفَقَيْهِ ورُكْبَتَيْهِ ورِجْلَيْهِ وداخِلَةَ إزارِهِ، وقالَ: ولا يَغْسِلُ ما بَيْنَ اليَدِ والمِرْفَقِ، أيْ: لا يَغْسِلُ السّاعِدَ مِنَ اليَدِ. وَرُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّهُ قالَ: الغَسْلُ الَّذِي أدْرَكْنا عُلَماءَنا يَصِفُونَهُ: أيْ يُؤْتى العائِنُ بِقَدَحٍ فِيهِ ماءٌ، فَيُمْسِكُ مُرْتَفِعًا مِنَ الأرْضِ فَيُدْخِلُ فِيهِ كَفَّهُ فَيُمَضْمِضُ، ثُمَّ يَمُجُّهُ في القَدَحِ، ثُمَّ يَغْسِلُ وجْهَهُ في القَدَحِ صَبَّةً واحِدَةً، ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ اليُسْرى فَيَصُبُّ بِها عَلى كَفِّهِ اليُمْنى، ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ اليُمْنى فَيَصُبُّ بِها عَلى ظَهْرِ كَفِّهِ اليُسْرى صَبَّةً واحِدَةً، ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ اليُسْرى فَيَصُبُّ بِها عَلى مِرْفَقِهِ الأيْمَنِ، ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ اليُمْنى فَيَصُبُّ عَلى مِرْفَقِهِ الأيْسَرِ، ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ اليُسْرى فَيَصُبُّ بِها عَلى قَدَمِهِ اليُمْنى، ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ اليُمْنى فَيَصُبُّ بِها عَلى قَدَمِهِ الأيْسَرِ، ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ اليُسْرى فَيَصُبُّ بِها عَلى رُكْبَتِهِ اليُمْنى، ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ اليُمْنى فَيَصُبُّ بِها عَلى رُكْبَتِهِ اليُسْرى، كُلُّ ذَلِكَ في قَدَحٍ ثُمَّ يُدْخِلُ داخِلَةَ إزارِهِ في القَدَحِ ولا يُوضَعُ القَدَحُ (p-١٦٩)فِي الأرْضِ، فَيُصَبُّ عَلى رَأْسِ المَعِينِ مِن خَلْفِهِ صَبَّةً واحِدَةً، وقِيلَ: يُغْتَفَلُ ويُصَبُّ عَلَيْهِ، أيْ: في حالَةِ غَفْلَتِهِ، ثُمَّ يُكْفَأُ القَدَحُ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ وراءَهُ. وَأمّا داخِلَةُ إزارِهِ: فَهو الطَّرَفُ المُتَدَلِّي الَّذِي يُفْضِي مِن مَأْزَرِهِ إلى جِلْدِهِ مَكانَهُ، إنَّما يَمُرُّ بِالطَّرَفِ الأيْمَنِ عَلى الأيْسَرِ، حَتّى يَشُدَّهُ بِذَلِكَ الطَّرَفِ المُتَدَلِّي الَّذِي يَكُونُ مِن داخِلٍ. ا هـ. وَمِمّا يُرْشِدُ إلَيْهِ هَذا الحَدِيثُ تَغَيُّظُهُ ﷺ عَلى عامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ. وَقَوْلُهُ ﷺ: «عَلامَ يَقْتُلُ أحَدُكم أخاهُ» مِمّا يُبَيِّنُ شَناعَةَ هَذا العَمَلِ، وأنَّهُ قَدْ يَقْتُلُ. وَمِمّا يَنْبَغِي مُراعاتُهُ مِن كُلٍّ مِنَ الطَّرَفَيْنِ مَنِ ابْتُلِيَ بِالعَيْنِ، فَلْيُبارِكْ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ ما يُعْجِبُهُ لِئَلّا يُصِيبَ أحَدًا بِعَيْنِهِ، ولِئَلّا تَسْبِقَهُ عَيْنُهُ. وَكَذَلِكَ مَنِ اتَّهَمَ أحَدًا بِالعَيْنِ، فَلْيُكَبِّرْ ثَلاثًا عِنْدَ تَخَوُّفِهِ مِنهُ. فَإنَّ اللَّهَ يَدْفَعُ العَيْنَ بِذَلِكَ. والحَمْدُ لِلَّهِ. وَقَدْ ذَكَرُوا لِلْحَسَدِ دَواءً كَذَلِكَ، أيْ يُداوِي بِهِ الحاسِدُ نَفْسَهُ لِيَسْتَرِيحَ مِن عَناءِ الحَسَدِ المُتَوَقِّدِ في قَلْبِهِ المُنَغِّصِ عَلَيْهِ عَيْشَهُ الجالِبِ عَلَيْهِ حُزْنَهُ، وهو عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ في أمْرَيْنِ. العِلْمُ ثُمَّ العَمَلُ. والمُرادُ بِالعِلْمِ هو أنْ يَعْلَمَ يَقِينًا أنَّ النِّعْمَةَ الَّتِي يَراها عَلى المَحْسُودِ، إنَّما هي عَطاءٌ مِنَ اللَّهِ بِقَدَرٍ سابِقٍ وقَضاءٍ لازِمٍ، وأنَّ حَسَدَهُ إيّاهُ عَلَيْها لا يُغَيِّرُ مِن ذَلِكَ شَيْئًا، ويَعْلَمَ أنَّ ضَرَرَ الحَسَدِ يَعُودُ عَلى الحاسِدِ وحْدَهُ في دِينِهِ لِعَدَمِ رِضائِهِ بِقَدَرِ اللَّهِ وقِسْمَتِهِ لِعِبادِهِ؛ لِأنَّهُ في حَسَدِهِ كالمُعْتَرِضِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الزخرف: ٣٢]، وفي دُنْياهُ لِأنَّهُ يُورِثُ السِّقامَ والأحْزانَ والكَآبَةَ ونَفْرَةَ النّاسِ مِنهُ ومَقْتَهم إيّاهُ، ومِن وراءِ هَذا وذاكَ العِقابَ في الآخِرَةِ. أمّا العَمَلُ فَهو مُجاهَدَةُ نَفْسِهِ ضِدَّ نَوازِعِ الحَسَدِ، كَما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ في الأسْبابِ، فَإذا رَأى ذا نِعْمَةٍ فازْدَرَتْهُ عَيْنُهُ، فَلْيُحاوِلْ أنْ يُقَدِّرَهُ ويَخْدِمَهُ. وَإنْ راوَدَتْهُ نَفْسُهُ بِالإعْجابِ بِنَفْسِهِ، رَدَّها إلى التَّواضُعِ وإظْهارِ العَجْزِ والِافْتِقارِ. وَإنْ سَوَّلَتْ لَهُ نَفْسُهُ تَمَنِّي زَوالِ النِّعْمَةِ عَنْ غَيْرِهِ، صَرَفَ ذَلِكَ إلى تَمَنِّي مِثْلِها لِنَفْسِهِ. وفَضْلُ اللَّهِ عَظِيمٌ. (p-١٧٠)وَإنْ دَعاهُ الحَسَدُ إلى الإساءَةِ إلى المَحْسُودِ، سَعى إلى الإحْسانِ إلَيْهِ، وهَكَذا فَيَسْلَمُ مِن شِدَّةِ الحَسَدِ، ويَسْلَمُ غَيْرُهُ مِن شَرِّهِ. وَكَما في الأثَرِ: «المُؤْمِنُ يَغْبِطُ، والمُنافِقُ يَحْسُدُ» . نَسْألُ اللَّهَ العافِيَةَ والمُعافاةَ.

الناس 114:1

(p-١٧١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم سُورَةُ النّاس قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾ ﴿مَلِكِ النّاسِ﴾ ﴿إلَهِ النّاسِ﴾ . تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ، الإحالَةُ عَلى هَذِهِ السُّورَةِ عِنْدَ كَلامِهِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنَّنِي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ﴾ [هود: ٢]، في سُورَةِ هُودٍ، فَقالَ عَلى تِلْكَ الآيَةِ: فِيها الدَّلالَةُ الواضِحَةُ عَلى أنَّ الحِكْمَةَ العُظْمى الَّتِي أُنْزِلَ القُرْآنُ مِن أجْلِها هي أنْ يُعْبَدَ اللَّهُ تَعالى وحْدَهُ ولا يُشْرَكَ بِهِ في عِبادَتِهِ شَيْءٌ. وَساقَ الآياتِ المُماثِلَةَ لَها ثُمَّ قالَ: وقَدْ أشَرْنا إلى هَذا البَحْثِ في سُورَةِ الفاتِحَةِ، وسَنَتَقَصّى الكَلامَ عَلَيْهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ النّاسِ، لِتَكُونَ خاتِمَةُ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ حُسْنى ا هـ. وَإنَّ في هَذِهِ الإحالَةِ مِنهُ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ لَتَنْبِيهًا عَلى المَعانِي الَّتِي اشْتَمَلَتْها هَذِهِ السُّورَةُ الكَرِيمَةُ، وتَوْجِيهًا لِمُراعاةِ تِلْكَ الخاتِمَةِ. كَما أنَّ في تِلْكَ الإحالَةِ تَحْمِيلَ مَسْئُولِيَّةِ الِاسْتِقْصاءِ حَيْثُ لَمْ يَكْتَفِ بِما قَدَّمَهُ في سُورَةِ الفاتِحَةِ، ولا فِيما قَدَّمَهُ في سُورَةِ هُودٍ، وجَعَلَ الِاسْتِقْصاءَ في هَذِهِ السُّورَةِ، ومَعْنى الِاسْتِقْصاءِ: الِاسْتِيعابُ إلى أقْصى حَدٍّ. وَما أظُنُّ أحَدًا يَسْتَطِيعُ اسْتِقْصاءَ ما يُرِيدُهُ غَيْرُهُ، ولا سِيَّما ما كانَ يُرِيدُهُ الشَّيْخُ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ وما يَسْتَطِيعُهُ هو. وَلَكِنْ عَلى ما قَدَّمْنا في البِدايَةِ: أنَّهُ جُهْدُ المُقِلِّ ووُسْعُ الطّاقَةِ. فَنَسْتَعِينُ اللَّهَ ونَسْتَهْدِيهِ مُسْتَرْشِدِينَ بِما قَدَّمَهُ الشَّيْخُ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ في سُورَتَيِ الفاتِحَةِ وهُودٍ، ثُمَّ نُورِدُ وُجْهَةَ نَظَرٍ في السُّورَتَيْنِ مَعًا الفَلَقِ والنّاسِ، ثُمَّ مِنهُما وفي نَسَقِ المُصْحَفِ الشَّرِيفِ، آمِلٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى وراجٍ تَوْفِيقَهُ ومَعُونَتَهُ. (p-١٧٢)أمّا الإحالَةُ فالَّذِي يَظْهَرُ أنَّ مُوجِبَها هو أنَّهُ في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ اجْتَمَعَتْ ثَلاثُ صِفاتٍ لِلَّهِ تَعالى مِن صِفاتِ العَظَمَةِ والكَمالِ: ”رَبِّ النّاسِ“، مَلِكِ النّاسِ، إلَهِ النّاسِ "، ولَكَأنَّها لِأوَّلِ وهْلَةٍ تُشِيرُ إلى الرَّبِّ المَلِكِ هو الإلَهُ الحَقُّ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ وحْدَهُ. وَلَعَلَّهُ ما يُرْشِدُ إلَيْهِ مَضْمُونُ سُورَةِ الإخْلاصِ قَبْلَها: هو اللَّهُ أحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، وهَذا هو مَنطِقُ العَقْلِ والقَوْلُ الحَقُّ؛ لِأنَّ مُقْتَضى المُلْكِ يَسْتَلْزِمُ العُبُودِيَّةَ، والعُبُودِيَّةَ تَسْتَلْزِمُ التَّأْلِيهَ والتَّوْحِيدَ في الأُلُوهِيَّةِ؛ لِأنَّ العَبْدَ المَمْلُوكَ تَجِبُ عَلَيْهِ الطّاعَةُ والسَّمْعُ لِمالِكِهِ بِمُجَرَّدِ المُلْكِ، وإنْ كانَ مالِكُهُ عَبْدًا مِثْلَهُ، فَكَيْفَ بِالعَبْدِ المَمْلُوكِ لِرَبِّهِ وإلَهِهِ، وكَيْفَ بِالمالِكِ الإلَهِ الواحِدِ الأحَدِ الفَرْدِ الصَّمَدِ ؟ وَقَدْ جاءَتْ تِلْكَ الصِّفاتُ الثَّلاثُ: الرَّبُّ المَلِكُ الإلَهُ، في أوَّلِ افْتِتاحِيَّةِ أوَّلِ المُصْحَفِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤]، والقِراءَةُ الأُخْرى: ”مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ“ [الفاتحة: ٤] . وَفِي أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ أوَّلُ نِداءٍ يُوَجَّهُ لِلنّاسِ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ، لِأنَّهُ رَبُّهم مَعَ بَيانِ المُوجِباتِ لِذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] . ثُمَّ بَيَّنَ المُوجِبَ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١] . وَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا والسَّماءَ بِناءً وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢] . وَهَذا كُلُّهُ مِن آثارِ الرُّبُوبِيَّةِ واسْتِحْقاقِهِ تَعالى عَلى خَلْقِهِ العِبادَةَ، ثُمَّ بَيَّنَ مُوجِبَ إفْرادِهِ وحْدَهُ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] . أيْ: كَما أنَّهُ لا نِدَّ لَهُ في الخَلْقِ ولا في الرِّزْقِ ولا في شَيْءٍ مِمّا ذَكَرَ، فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا أيْضًا في عِبادَةٍ، وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ ذَلِكَ. وَعِبادَتُهُ تَعالى وحْدَهُ ونَفْيُ الأنْدادِ، هو ما قالَ عَنْهُ الشَّيْخُ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ: مَعْنى لا إلَهَ إلّا اللَّهُ نَفْيًا وإثْباتًا. فالإثْباتُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [المائدة: ٧٢] . (p-١٧٣)والنَّفْيُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا﴾ . وَكَوْنُ الرُّبُوبِيَّةِ تَسْتَوْجِبُ العِبادَةَ، جاءَ صَرِيحًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ ﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ [قريش: ٣ - ٤] . فالمَوْصُولُ وصِلَتُهُ في مَعْنى التَّعْلِيلِ لِمُوجِبِ العِبادَةِ، وسَيَأْتِي لِذَلِكَ زِيادَةُ إيضاحٍ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في نِهايَةِ السُّورَةِ. وَقَدْ جاءَ هُنا لَفْظُ: رَبِّ النّاسِ، بِإضافَةِ الرَّبِّ إلى النّاسِ، بِما يُشْعِرُ بِالِاخْتِصاصِ، مَعَ أنَّهُ سُبْحانَهُ رَبُّ العالَمِينَ ورَبُّ كُلِّ شَيْءٍ، كَما في أوَّلِ الفاتِحَةِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ . وَفِي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِي رَبًّا وهو رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٦٤] . فالإضافَةُ هُنا إلى بَعْضِ أفْرادِ العامِّ. وَقَدْ أُضِيفَ إلى بَعْضِ أفْرادٍ أُخْرى كالسَّماواتِ والأرْضِ وغَيْرِها مِن بَعْضِ كُلِّ شَيْءٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ [الرعد: ١٦] . وَقَوْلِهِ: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلّا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾ [المزمل: ٩] . وَإلى البَيْتِ ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ [قريش: ٣] . وَإلى البَلَدِ الحَرامِ ﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ﴾ [النمل: ٩١] . وَإلى العَرْشِ: ﴿رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦] . وَإلى الرَّسُولِ: ﴿اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٠٦] . وَقَوْلِهِ: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [محمد: ٣]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ. وَلَكِنْ يُلاحَظُ أنَّهُ مَعَ كُلِّ إضافَةٍ مِن ذَلِكَ ما يُفِيدُ العُمُومَ، وأنَّهُ مَعَ إضافَتِهِ لِفَرْدٍ مِن أفْرادِ العُمُومِ، فَهو رَبُّ العالَمِينَ، ورَبُّ كُلِّ شَيْءٍ، فَفي إضافَتِهِ إلى السَّماواتِ والأرْضِ جاءَ مَعَها قُلِ اللَّهُ. وَفِي الإضافَةِ إلى المَشْرِقِ والمَغْرِبِ جاءَ ﴿لا إلَهَ إلّا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾ [المزمل: ٩] . (p-١٧٤)وَفِي الإضافَةِ إلى البَيْتِ جاءَ: ﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ . وَفِي الإضافَةِ إلى البَلْدَةِ جاءَ ﴿الَّذِي حَرَّمَها﴾ [النمل: ٩١]، وهو اللَّهُ تَعالى. وَفِي الإضافَةِ إلى العَرْشِ جاءَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ لا إلَهَ إلّا هو رَبُّ العَرْشِ﴾ [المؤمنون: ١١٦] . وَفِي الإضافَةِ إلى الرَّسُولِ ﷺ جاءَ قَوْلُهُ: ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ﴾ [الضحى: ٣]، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الإضافَةِ إلى أيِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ العُمُومِ يَأْتِي مَعَها ما يُفِيدُ العُمُومَ، وأنَّ اللَّهَ رَبُّ العالَمِينَ. وَهُنا رَبُّ النّاسِ جاءَ مَعَها: ﴿مَلِكِ النّاسِ﴾ ﴿إلَهِ النّاسِ﴾، لِيُفِيدَ العُمُومَ أيْضًا؛ لِأنَّ إطْلاقَ الرَّبِّ قَدْ يُشارِكُ فِيهِ السَّيِّدُ المُطاعُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] . وَقَوْلِ يُوسُفَ لِصاحِبِهِ في السِّجْنِ ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢]، أيِ: المَلِكِ عَلى أظْهَرِ الأقْوالِ، وقَوْلِهِ: ﴿ارْجِعْ إلى رَبِّكَ فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ﴾ الآيَةَ [يوسف: ٥٠] . فَجاءَ بِالمَلِكِ والإلَهِ لِلدَّلالَةِ عَلى العُمُومِ، في مَعْنى رَبِّ النّاسِ، فَهو سُبْحانَهُ رَبُّ العالَمِينَ ورَبُّ كُلِّ شَيْءٍ، ولَكِنَّ إضافَتَهُ هُنا إلى خُصُوصِ النّاسِ إشْعارٌ بِمَزِيدِ اخْتِصاصٍ، ورِعايَةُ الرَّبِّ سُبْحانَهُ لِعَبْدِهِ الَّذِي دَعاهُ إلَيْهِ لِيَسْتَعِيذَ بِهِ مِن عَدُوِّهِ، كَما أنَّ فِيهِ تَقْوِيَةَ رَجاءِ العَبْدِ في رَبِّهِ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ بِرُبُوبِيَّتِهِ سَيَحْمِي عَبْدَهُ لِعُبُودِيَّتِهِ ويُعِيذُهُ مِمّا اسْتَعاذَ بِهِ مِنهُ. وَيُقَوِّي هَذا الِاخْتِصاصَ إضافَةُ الرَّبِّ لِلرَّسُولِ ﷺ في جَمِيعِ أطْوارِهِ مُنْذُ البَدْأيْنِ: بَدْءُ الخِلْقَةِ وبَدْءُ الوَحْيِ، في قَوْلِهِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ [العلق: ١ - ٢]، ثُمَّ في نَشْأتِهِ ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ ﴿وَوَجَدَكَ ضالًّا فَهَدى﴾ ﴿وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأغْنى﴾ [الضحى: ٣ - ٨] . وَجَعَلَ الرَّغْبَةَ إلَيْهِ في السُّورَةِ بَعْدَها ﴿وَإلى رَبِّكَ فارْغَبْ﴾ [الشرح: ٨]، تَعْدادَ النِّعَمِ عَلَيْهِ مِن شَرْحِ الصَّدْرِ، ووَضْعِ الوِزْرِ، ورَفْعِ الذِّكْرِ، ثُمَّ في المُنْتَهى قَوْلُهُ: ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ [العلق: ٨] .

الناس 114:2

(p-١٧٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَلِكِ النّاسِ﴾، في مَجِيءِ مَلِكِ النّاسِ بَعْدَ رَبِّ النّاسِ، تَدَرُّجٌ في التَّنْبِيهِ عَلى تِلْكَ المَعانِي العِظامِ، وانْتِقالٌ بِالعِبادِ مِن مَبْدَأِ الإيمانِ بِالرَّبِّ لِما شاهَدُوهُ مِن آثارِ الرُّبُوبِيَّةِ في الخَلْقِ والرِّزْقِ، وجَمِيعِ تِلْكَ الكائِناتِ، كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِ نِداءٍ وُجِّهَ إلَيْهِمْ: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا والسَّماءَ بِناءً وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢] . كُلُّ هَذِهِ الآثارِ الَّتِي لَمَسُوها وأقَرُّوا بِمُوجِبِها، بِأنَّ الَّذِي أوْجَدَها هو رَبُّهم، ومِن ثَمَّ يَنْتَقِلُونَ إلى الدَّرَجَةِ الثّانِيَةِ، وهي أنَّ رَبَّهُ الَّذِي هَذِهِ أفْعالُهُ هو مَلِكُهُ وهو المُتَصَرِّفُ في تِلْكَ العَوالِمِ، ومَلِكٌ لِأمْرِهِ وجَمِيعِ شُئُونِهِ، ومَلِكٌ لِأمْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ جَمِيعًا. فَإذا وصَلَ بِإقْرارِهِ إلى هَذا الإدْراكِ، أقَرَّ لَهُ ضَرُورَةً بِالأُلُوهِيَّةِ وهي المَرْتَبَةُ النِّهايَةُ ”إلَهِ النّاسِ“ أيْ: مَأْلُوهِهِمْ ومَعْبُودِهِمْ وهو ما خَلَقَهم إلَيْهِ، ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] . وَفِي إضافَةِ المَلِكِ إلى النّاسِ مِن إشْعارِ الِاخْتِصاصِ، مَعَ أنَّهُ سُبْحانَهُ مَلِكُ كُلِّ شَيْءٍ، فِيهِ ما في إضافَةِ الرَّبِّ لِلنّاسِ المُتَقَدِّمِ بَحْثُهُ، فَهو سُبْحانَهُ مالِكُ المُلْكِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وتُعِزُّ مَن تَشاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦] . وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ﴾ [التغابن: ١] . وَقَوْلِهِ: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [البقرة: ١٠٧]، وقَوْلِهِ: ﴿المَلِكُ القُدُّوسُ﴾ [الحشر: ٢٣] . فَهُوَ سُبْحانَهُ وتَعالى المُتَفَرِّدُ بِالمُلْكِ لا شَرِيكَ لَهُ في مُلْكِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ﴾ [الإسراء: ١١١] فَبَدَأ بِالحَمْدِ أوْلًا. وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يس: ٨٣]، بَدَأ بِتَسْبِيحِ نَفْسِهِ وتَنْزِيهِهِ لِعُمُومِ المُلْكِ ومُطْلَقِ التَّصَرُّفِ ونَفْيِ الشَّرِيكِ؛ لِأنَّ مُلْكَهُ مُلْكُ تَصَرُّفٍ وتَدْبِيرٍ مَعَ الكَمالِ في الحَمْدِ والتَّقْدِيسِ. (p-١٧٦)وَكَقَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك: ١] . وَبِهَذِهِ النُّصُوصِ يُعْلَمُ كَمالُ مُلْكِهِ تَعالى، ونَقْصُ مُلْكِ ما سِواهُ مِن مُلُوكِ الدُّنْيا، ونَعْلَمُ أنَّ مُلْكَهم بِتَمْلِيكِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦] . وَقَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦] . وَمِنَ المَعْلُومِ أنَّ مُلُوكَ الدُّنْيا مُلْكُهم مُلْكُ سِياسَةٍ ورِعايَةٍ، لا مُلْكُ تَمَلُّكٍ وتَصَرُّفٍ، وكَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالَ لَهم نَبِيُّهم إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكم طالُوتَ مَلِكًا قالُوا أنّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنا ونَحْنُ أحَقُّ بِالمُلْكِ مِنهُ ولَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المالِ قالَ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكم وزادَهُ بَسْطَةً في العِلْمِ والجِسْمِ واللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٧] . والجَدِيرُ بِالتَّنْبِيهِ عَلَيْهِ بِهَذِهِ المُناسَبَةِ أنَّ ”بِرِيطانْيا“ تَحْتَرِمُ نِظامَ المِلْكِيَّةِ إلى هَذا الوَقْتِ الحاضِرِ، بِدافِعٍ مِن هَذا المُعْتَقَدِ، وأنَّهُ لا مَلِكَ إلّا بِتَمْلِيكِ اللَّهِ إيّاهُ، وأنَّ مُلُوكَ الدُّنْيا بِاصْطِفاءٍ مِنَ اللَّهِ. والآيَةُ تُشِيرُ إلى ما نَحْنُ بِصَدَدِ بَيانِهِ، مِن أنَّ مُلُوكَ الدُّنْيا لا يَمْلِكُونَ أمْرَ الرَّعِيَّةِ لِأنَّ طالُوتَ مَلِكًا، ولَيْسَ مالِكًا لِأمْوالِهِمْ. بَيْنَما مُلْكُ اللَّهِ تَعالى مُلْكُ خَلْقٍ وإيجادٍ وتَصَرُّفٍ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا إنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٤٩ - ٥٠] . وَعَلِيمٌ قَدِيرٌ هُنا مِن خَصائِصِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَيَتَصَرَّفُ في مُلْكِهِ بِعِلْمٍ وعَنْ قُدْرَةٍ كامِلَيْنِ سُبْحانَهُ، ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يُحْيِي ويُمِيتُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحديد: ٢] . وَتَظْهَرُ حَقِيقَةُ ذَلِكَ إذا جاءَ اليَوْمُ الحَقُّ، فَيَتَلاشى كُلُّ مُلْكٍ قَلَّ أوْ كَثُرَ، ويُذَلُّ كُلُّ مَلِكٍ كَبُرَ أوْ صَغُرَ، ولَمْ يَبْقَ إلّا مُلْكُهُ تَعالى ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ [غافر: ١٦] . (p-١٧٧)وَفِي سُورَةِ الفاتِحَةِ: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] . والقِراءَةُ الأُخْرى: ”مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ“ [الفاتحة: ٤] . فِي القِراءَتَيْنِ مَعًا إشْعارٌ بِالفَرْقِ بَيْنَ مُلْكِ اللَّهِ ومُلْكِ العِبادِ، كالفَرْقِ بَيْنَ المَلِكِ المُطْلَقِ والمَلِكِ النِّسْبِيِّ، إذِ المَلِكُ النِّسْبِيُّ لا يَمْلِكُ، والمَلِكُ المُطْلَقُ، فَهو المَلِكُ القُدُّوسُ، والَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وإلَيْهِ تَرْجِعُ الخَلائِقُ كُلُّهم. وَمَن كانَتْ هَذِهِ صِفاتُهُ، فَهو المُسْتَحِقُّ لِأنْ يُعْبَدَ وحْدَهُ سُبْحانَهُ، ولا يُشْرَكَ مَعَهُ أحَدٌ، وهَذا هو شِعارُ العَبْدِ في الرُّكْنِ الخامِسِ مِن أرْكانِ الإسْلامِ، حِينَ يُهِلُّ بِالتَّلْبِيَةِ: إنَّ الحَمْدَ والنِّعْمَةَ لَكَ والمُلْكَ لا شَرِيكَ لَكَ.

الناس 114:3

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلَهِ النّاسِ﴾. هَذِهِ هي المَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ في كَمالِ العُبُودِيَّةِ، وإفْرادِ اللَّهِ تَعالى بِالأُلُوهِيَّةِ. وَهَذا هو مَحَلُّ الإحالَةِ، الَّتِي عَناها الشَّيْخُ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ فِيما يَظْهَرُ، لِأنَّ العَبْدَ إذا أقَرَّ بِأنَّ اللَّهَ رَبُّهُ وخالِقُهُ، ومُنْعِمٌ عَلَيْهِ أوْجَدَهُ مِنَ العَدَمِ، ورَبّاهُ بِالنِّعَمِ، لا رَبَّ لَهُ سِواهُ، ثُمَّ تَدَرَّجَ بِعِلْمِهِ ويَقِينِهِ إلى الإقْرارِ بِأنَّ رَبَّهُ هو مَلِيكُهُ والمُتَصَرِّفُ في أمْرِهِ وحْدَهُ، وأنَّهُ لا يَمْلِكُ هو نَفْسُهُ مَعَ اللَّهِ شَيْئًا، ولا يَمْلِكُ لَهُ أحَدٌ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا. وَأنَّ كُلَّ تَصَرُّفاتِ العالَمِ كُلِّهِ بِأمْرِهِ فَلا يَصِلُ إلَيْهِ خَيْرٌ إلّا بِإذْنِهِ، ولا يَصْرِفُ عَنْهُ ضَرَرٌ إلّا بِأمْرِهِ. وَعُرِفَ في يَقِينٍ: أنَّهُ عَبْدٌ مَمْلُوكٌ لِمَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ السَّماواتِ والأرْضِ، تَوَصَّلَ بِعِلْمِهِ هَذا أنَّ مَن كانَتْ هَذِهِ صِفاتُهُ، كانَ هو وحْدَهُ المُسْتَحِقُّ لِإفْرادِهِ بِالعِبادَةِ وبِالأُلُوهِيَّةِ، لا إلَهَ إلّا هو. فَيَكُونُ في خاتِمَةِ المُصْحَفِ الشَّرِيفِ انْتِزاعُ الإقْرارِ مِنَ العَبْدِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ بِطَرِيقِ الإلْزامِ، بِالمَعْنى الَّذِي أرْسَلَ اللَّهُ بِهِ رُسُلَهُ، وأنْزَلَ مِن أجْلِهِ كُتُبَهُ، وهو أنْ يُعْبَدَ اللَّهُ وحْدَهُ، وهو ما صَرَّحَ الشَّيْخُ بِهِ في الإحالَةِ السّابِقَةِ. وَإذا كانَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ، قَدْ نَبَّهَ عَلى مُراعاةِ خاتِمَةِ المُصْحَفِ، فَإنّا لَوْ رَجَعْنا إلى أوَّلِ المُصْحَفِ وآخِرِهِ لَوَجَدْنا رَبْطًا بَدِيعًا، إذْ تِلْكَ الصِّفاتُ الثَّلاثُ في سُورَةِ النّاسِ (p-١٧٨)مَوْجُودَةٌ في سُورَةِ الفاتِحَةِ، فاتَّفَقَتِ الخاتِمَةُ مَعَ الفاتِحَةِ في هَذا المَعْنى العَظِيمِ، إذْ في الفاتِحَةِ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾، ومَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ، فَجاءَتْ صِفَةُ الرُّبُوبِيَّةِ والمُلْكِ والأُلُوهِيَّةِ في لَفْظِ الجَلالَةِ. وَتَكُونُ الخاتِمَةُ الشَّرِيفَةُ مِن بابِ عَوْدٍ عَلى بَدْءٍ، وأنَّ القُرْآنَ كُلَّهُ فِيما بَيْنُ ذَلِكَ شَرْحٌ وبَيانٌ لِتَقْدِيرِ هَذا المَعْنى الكَبِيرِ. وَسَيَأْتِي لِذَلِكَ زِيادَةُ إيضاحٍ في النِّهايَةِ، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

الناس 114:4

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن شَرِّ الوَسْواسِ الخَنّاسِ﴾. كِلاهُما صِيغَةُ مُبالَغَةٍ مِنَ الوَسْوَسَةِ والخَنْسِ، بِسُكُونِ النُّونِ. وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ بَيانُ مَعْنى الوَسْوَسَةِ والوَسْواسِ لُغَةً وشَرْعًا، أيِ المُرادُ عِنْدَ كَلامِهِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ ياآدَمُ هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ﴾ الآيَةَ [طه: ١٢٠] . وَبَيَّنَ مُشْتَقّاتِهِما وأصْلَ اشْتِقاقِهِما، وهو يَدُورُ عَلى أنَّ الوَسْوَسَةَ: الحَدِيثُ الخَفِيُّ. والخَنْسَ: التَّأخُّرُ، كَما تَكَلَّمَ عَلى ذَلِكَ في دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ، حَيْثُ اجْتَمَعَ المَعْنَيانِ المُتَنافِيانِ. لِأنَّ الوَسْواسَ: كَثِيرُ الوَسْوَسَةِ، لِيُضِلَّ بِها النّاسَ. والخَنّاسُ: كَثِيرُ التَّأخُّرِ والرُّجُوعِ عَنْ إضْلالِ النّاسِ. والجَوابُ أنَّ لِكُلِّ مَقامٍ مَقالًا، فَهو يُوَسْوِسُ عِنْدَ غَفْلَةِ العَبْدِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ، خانِسٌ عِنْدَ ذِكْرِ العَبْدِ رَبَّهُ تَعالى، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦]، إلى آخِرِهِ. ا هـ. ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): (p-٤٦٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ النّاسِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن شَرِّ الوَسْواسِ الخَنّاسِ﴾ . لا يَخْفى ما بَيْنَ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ اللَّذَيْنِ وُصِفَ بِهِما هَذا اللَّعِينُ الخَبِيثُ مِنَ التَّنافِي، لِأنَّ الوَسْواسَ كَثِيرُ الوَسْوَسَةِ لِيُضِلَّ بِها النّاسَ، والخَنّاسَ كَثِيرُ التَّأخُّرِ والرُّجُوعِ عَنْ إضْلالِ النّاسِ. والجَوابُ أنَّ لِكُلِّ مَقامٍ مَقالًا، فَهو وسْواسٌ عِنْدَ غَفْلَةِ العَبْدِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ، خَنّاسٌ عِنْدَ ذِكْرِ العَبْدِ رَبَّهُ تَعالى، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ الآيَةَ [الزخرف: ٣٦] . وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ [النحل: ٩٩] . وَقَدْ تَمَّ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعالى ما أرَدْنا جَمْعَهُ بِمَدِينَةِ النَّبِيِّ ﷺ، ونَرْجُو اللَّهَ تَعالى أنْ يُوَفِّقَنا وإخْوانَنا المُسْلِمِينَ في الأقْوالِ والأفْعالِ وأنْ يَجْعَلَ سَعْيَنا خالِصًا لِوَجْهِهِ الكَرِيمِ إنَّهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ، آمِينَ. وَصَلّى اللَّهُ وسَلَّمَ عَلى نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ وآلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.

الناس 114:5

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ في صُدُورِ النّاسِ﴾. اخْتُلِفَ في الظَّرْفِ هُنا، هَلْ هو ظَرْفٌ لِلْوَسْواسِ حِينَما يُوَسْوِسُ، فَيَكُونُ مَوْجُودًا في الصُّدُورِ، ويُوَسْوِسُ لِلْقَلْبِ، أوْ هو ظَرْفٌ لِلْوَسْوَسَةِ. ويَكُونُ المُرادُ بِالصُّدُورِ القُلُوبَ؛ لِكَوْنِها حالَةً في الصُّدُورِ مِن بابِ إطْلاقِ المَحَلِّ وإرادَةِ الحالِّ عَلى ما هو جارٍ في الأسالِيبِ البَلاغِيَّةِ. (p-١٧٩)وَعَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ [العلق: ١٧]، أطْلَقَ النّادِيَ، وأرادَ مَن يَحِلُّ فِيهِ مِنَ القَوْمِ. وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ بَحْثُ تَعْدِيَةِ الوَسْوَسَةِ تارَةً بِإلى وتارَةً بِاللّامِ، فَفي سُورَةِ الأعْرافِ: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ﴾ [الأعراف: ٢٠]، وفي طه: ﴿فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطانُ﴾ [طه: ١٢٠] . وَحاصِلُ ما ذَكَرَهُ في الجَمْعِ بَيْنَهُما أحَدُ أمْرَيْنِ: إمّا أنَّ حُرُوفَ الجَرِّ يَنُوبُ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ، وذَكَرَ شَواهِدَهُ، وإمّا أنْ يَكُونَ وسْوَسَ، أيْ: لِأجْلِهِ ووَسْوَسَ إلَيْهِ أيْ أنْهى إلَيْهِ الوَسْوَسَةَ، ولَكِنْ هُنا قالَ: ﴿فِي صُدُورِ النّاسِ﴾، ولَمْ يَقُلْ: إلى صُدُورِ النّاسِ، فَهَلْ هو مِن بابِ نِيابَةِ حُرُوفِ الجَرِّ بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ أيْضًا ؟ أمْ هي ظَرْفٌ مَحْضٌ ؟ والظّاهِرُ أنَّها ظَرْفٌ، ولَكِنْ هَلْ مِنَ الظَّرْفِ لِلْوَسْواسِ، أوْ ظَرْفٌ لِلْوَسْوَسَةِ نَفْسِها ؟ وَبِالنَّظَرِ إلى كَلامِ المُفَسِّرِينَ، فَإنَّ كَلامَ ابْنِ جَرِيرٍ يَحْتَمِلُ اعْتِبارَ المَعْنَيَيْنِ بِدُونِ تَعْيِينٍ. وَأمّا القُرْطُبِيُّ، والألُوسِيُّ، فَصَرَّحا بِما ظَهَرَ لَهُما ووَصَلا إلَيْهِ. فَقالَ القُرْطُبِيُّ، قالَ مُقاتِلٌ: إنَّ الشَّيْطانَ في صُورَةِ خِنْزِيرٍ يَجْرِي مِن مَجْرى الدَّمِ في العُرُوقِ، سَلَّطَهُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ وذَكَرَ الحَدِيثَ: «إنَّ الشَّيْطانَ لَيَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرى الدَّمِ فَضَيِّقُوا مَجارِيَهُ» . وَقالَ: إنَّ أبا ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيَّ قالَ: سَألْتُ رَبِّي أنْ يُرِيَنِي الشَّيْطانَ، ومَكانَهُ مِنِ ابْنِ آدَمَ، فَرَأيْتُهُ يَداهُ في يَدَيْهِ، ورِجْلاهُ في رِجْلَيْهِ، ومَشاعِيهِ في جَسَدِهِ، غَيْرَ أنْ لَهُ خَطْمًا كَخَطْمِ الكَلْبِ ؟ فَإذا ذَكَرَ اللَّهَ خَنَسَ، وإذا سَكَتَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ أخَذَ بِقَلْبِهِ. أمّا الألُوسِيُّ فَقَدْ صَرَّحَ بِالتَّقْسِيمِ الَّذِي أوْرَدْناهُ، فَقالَ: الَّذِي يُوَسْوِسُ في صُدُورِ النّاسِ. قِيلَ: أُرِيدَ قُلُوبُهم مَجازًا. وَقالَ بَعْضُهم: إنَّ الشَّيْطانَ يَدْخُلُ الصَّدْرَ الَّذِي هو بِمَنزِلَةِ الدِّهْلِيزِ، فَيُلْقِي مِنهُ ما يُرِيدُ إلْقاءَهُ إلى القَلْبِ ويُوَصِّلُهُ إلَيْهِ، ولا مانِعَ عَقْلًا مِن دُخُولِهِ في جَوْفِ إنْسانٍ. وساقَ الحَدِيثَ أيْضًا: «إنَّ الشَّيْطانَ يَجْرِي» إلى آخِرِهِ. (p-١٨٠)وَمُرادُهُ بِالمَجازِ ما قَدَّمْنا مِن إطْلاقِ المَحَلِّ وإرادَةِ الحالِّ. وَذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ أنَّ الشَّيْطانَ جاثِمٌ عَلى قَلْبِ ابْنِ آدَمَ، فَإذا سَها وغَفَلَ وسْوَسَ، وإذا ذَكَرَ اللَّهَ خَنَسَ. والَّذِي يَظْهَرُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ: أنَّ الصَّدْرَ ظَرْفٌ لِلْوَسْواسِ، وأنَّهُ يُوقِعُ الوَسْوَسَةَ في القَلْبِ. عَلى ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ رَحِمَهُمُ اللَّهُ. وَفِي لَفْظِ النّاسِ هُنا المُضافِ إلَيْهِ الصُّدُورُ: اخْتِلافٌ في المُرادِ مِنهُ، فَقِيلَ: الإنْسُ الظّاهِرُ الِاسْتِعْمالِ. وَقِيلَ: الثَّقَلانِ: الإنْسُ والجِنُّ. وَإنَّ إطْلاقَ النّاسِ عَلى الجِنْسِ مَسْمُوعٌ، كَما حَكاهُ القُرْطُبِيُّ. قالَ عَنْ بَعْضِ العَرَبِ: إنَّهُ كانَ يُحَدِّثُ فَجاءَ قَوْمٌ مِنَ الجِنِّ فَوَقَفُوا، فَقِيلَ: مَن أنْتُمْ: فَقالُوا: ناسٌ مِنَ الجِنِّ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ الفَرّاءِ. واسْتَدَلَّ صاحِبُ هَذا القَوْلِ بِطَرِيقِ القِياسِ بِاسْتِعْمالِ لَفْظَيْ رِجالٍ ونَفَرٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ﴾ [الجن: ٦]، وقَوْلِهِ: ﴿وَإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾ . وَعَلَيْهِ يَكُونُ الوَسْواسُ المُسْتَعاذُ مِنهُ يُوَسْوِسُ في صُدُورِ الجِنِّ والإنْسِ. وَقَدْ ذَكَرَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ هَذا الوَجْهَ: ولَكِنَّهُ رَدَّهُ وضَعَّفَهُ؛ لِأنَّ لَفْظَ النّاسِ أظْهَرُ وأشْهَرُ في الإنْسِ، وهو المَعْرُوفُ في اسْتِعْمالِ القُرْآنِ، ولِأنَّهُ عَلى هَذا يَكُونُ قَسَمَ الشَّيْءَ قِسْمًا مِنهُ؛ لِأنَّهُ يَجْعَلُ النّاسَ قَسِيمَ الجِنِّ، ويَجْعَلُ الجِنَّ نَوْعًا مِنَ النّاسِ ا هـ. مُلَخَّصًا. وَعَلى كُلٍّ فَإنَّ مَنهَجَ الأضْواءِ أنَّ ما كانَ مُحْتَمَلًا، وكانَ أكْثَرُ اسْتِعْمالاتِ القُرْآنِ لِأحَدِ الِاحْتِمالَيْنِ، فَإنَّ كَثْرَةَ اسْتِعْمالِهِ إيّاهُ تَكُونُ مُرَجَّحًا، وجَمِيعُ اسْتِعْمالاتِ القُرْآنِ لِلَفْظِ النّاسِ إنَّما هو في خُصُوصِ الإنْسِ فَقَطْ، ولَمْ تُسْتَعْمَلْ ولا مَرَّةً واحِدَةً في حَقِّ الجِنِّ مَعَ مُراعاةِ اسْتِعْمالِها في هَذِهِ السُّورَةِ وحْدَها خَمْسَ مَرّاتٍ، حَتّى سُمِّيَتْ سُورَةُ النّاسِ. (p-١٨١)أمّا القِياسُ عَلى لَفْظَتَيْ رَجُلٍ ونَفَرٍ، فَقَدْ رَدَّهُ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ أيْضًا بِأنَّهُما ورَدا مُقَيَّدَيْنِ ”رِجالٍ مِنَ الجِنِّ“، ”نَفَرًا مِنَ الجِنِّ“ . أمّا عَلى الإطْلاقِ فَلَمْ يَرِدا، وهَكَذا لَفْظُ النّاسِ فَلا مانِعَ مِنِ اسْتِعْمالِهِ مُقَيَّدًا ناسٌ مِنَ الجِنِّ. أمّا عَلى الإطْلاقِ فَلا. وَعَلَيْهِ فَحَيْثُ ورَدَ لَفْظُ النّاسِ هُنا مُطْلَقًا فَلا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلى الجِنِّ والإنْسِ مَعًا، بَلْ يَكُونُ خاصًّا بِالإنْسِ فَقَطْ، ويَكُونُ في صُدُورِ النّاسِ أيْ: في صُدُورِ الإنْسِ. وَقَدْ ذَكَرَ أبُو السُّعُودِ مَعْنًى آخَرَ في لَفْظِ النّاسِ: وهو أنَّ النّاسِيَ عَنِ النِّسْيانِ، حُذِفَتِ الياءُ تَخْفِيفًا لِأنَّ الوَسْواسَ لا يُوَسْوِسُ إلّا في حِينِ النِّسْيانِ والغَفْلَةِ. وَعَلَيْهِ يَكُونُ حَذْفُ الياءِ كَحَذْفِها مِنَ ”الدّاعِ“ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَدْعُو الدّاعِي﴾ [القمر: ٦] ونَحْوِهِ. وَلَكِنْ يَبْقى عَلى هَذا القَوْلِ بَيانُ مَنِ المُرادُ بِالنّاسِي، أهُوَ مِنَ الإنْسِ أمْ مِنَ الجِنِّ، فَلَمْ يَخْرُجْ عَنِ الِاحْتِمالَيْنِ السّابِقَيْنِ، مَعَ أنَّ هَذا القَوْلَ مِن لَوازِمِ مَعْنى الوَسْواسِ الخَنّاسِ. وَيَرِدُ عَلى هَذا القَوْلِ جَمْعُ الصُّدُورِ وإفْرادُ النّاسِ، والجَمْعُ لا يُضافُ إلّا إلى جَمْعٍ، أيْ جَمْعُ الصُّدُورِ، لِأنَّ الفَرْدَ لَيْسَ لَهُ جَمْعٌ مِنَ الصُّدُورِ، فَيُقابِلُ الجَمْعَ بِجَمْعٍ، أوْ يَكْتَفِي بِالمُفْرَدِ بِمُفْرَدٍ. وَقَدْ جاءَ في إضافَةِ الجَمْعِ إلى المُثَنّى في قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ [التحريم: ٤] . قالَ أبُو حَيّانَ: وحُسْنُهُ أنَّ المُثَنّى جَمْعٌ في المَعْنى، والجَمْعُ في مِثْلِ هَذا أكْثَرُ اسْتِعْمالًا مِنَ المُثَنّى، والتَّثْنِيَةُ دُونَ الجَمْعِ. كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎فَتَخالَسا نَفْسَيْهِما بِنَوافِذَ كَنَوافِذِ العُبُطِ الَّتِي لا تُرْفَعُ (p-١٨٢)وَهَذا كانَ القِياسَ وذَلِكَ أنَّ المُعَبِّرَ عَنِ المُثَنّى بِالمُثَنّى، لَكِنْ كَرِهُوا اجْتِماعَ تَثْنِيَتَيْنِ فَعَدَلُوا إلى الجَمْعِ بِأنَّ التَّثْنِيَةَ جَمْعٌ في المَعْنى والإفْرادِ، لا يَجُوزُ عِنْدَ أصْحابِنا إلّا في الشِّعْرِ. كَقَوْلِهِ: ؎حَمامَةَ بَطْنِ الوادِيَيْنِ تَرَنَّمِي يُرِيدُ بَطْنَيِ، وغَلِطَ ابْنُ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ إذْ قالَ: ونَخْتارُ الإفْرادَ عَلى لَفْظِ التَّثْنِيَةِ، فَتَراهُ غَلَّطَ ابْنَ مالِكٍ في اخْتِيارِهِ جَوازَ إضافَةِ الجَمْعِ إلى المُفْرَدِ، كَما أنَّهُ قالَ: ولا يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا في الشِّعْرِ، وأنَّهُ مَعَ المُثَنّى لِكَراهِيَةِ اجْتِماعِ التَّثْنِيَتَيْنِ، فَظَهَرَ بُطْلانُ قَوْلِ أبِي السُّعُودِ. أمّا الرّاجِحُ في الوَجْهَيْنِ في مَعْنى النّاسِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُما. فَهو الوَجْهُ الأوَّلُ، وهو أنَّهُمُ الإنْسُ، وأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ﴾ [الناس: ٦]، بَيانٌ لِمَن يَقُومُ بِالوَسْوَسَةِ، أيْ: بَيانٌ لِلْوَسْواسِ الخَنّاسِ وأنَّهُ مِن كُلٍّ مِن وسْواسِ الجِنَّةِ ووَسْواسِ النّاسِ. وَيَظْهَرُ ذَلِكَ مِن أُمُورٍ: مِنها: أنَّ الخِطابَ لِلرَّسُولِ ﷺ ولِأُمَّتِهِ تَبَعًا لَهُ فَهو في حَقِّ النّاسِ أظْهَرُ. وَمِنها: أنَّنا لَوْ جَعَلْنا النّاسَ الأُولى عامَّةً لِمَن يُوَسْوِسُ إلَيْهِ كانَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسُ مَصْدَرُ الوَسْوَسَةِ، فَيَكُونُ مِن وسْواسِ النّاسِ مَن يُوَسْوِسُ في صُدُورِ الجِنِّ. وهَذا بَعِيدٌ. وَمِنها: أنَّهُ لَوْ كانَ لَفْظُ النّاسِ يَشْمَلُ الجِنَّ والإنْسَ، لَما احْتِيجَ إلى هَذا التَّقْسِيمِ ”الجِنَّةِ والنّاسِ“، واكْتَفى في الثّانِيَةِ بِما اكْتَفى بِهِ في الأُولى، وكانَ يَكُونُ الَّذِي يُوَسْوِسُ في صُدُورِ النّاسِ مِنَ النّاسِ، ولَكِنْ جاءَ بَيانُ مَحَلِّ الوَسْوَسَةِ ”صُدُورِ النّاسِ“، ثُمَّ جاءَ مَصْدَرُ الوَسْوَسَةِ ”الجِنَّةِ والنّاسِ“، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. * * تَنْبِيهٌ ذَكَرَ أبُو حَيّانَ في آخِرِ تَفْسِيرِهِ مُقارَنَةً لَطِيفَةً بَيْنَ سُورَتَيِ المُعَوِّذَتَيْنِ، فَقالَ: ولَمّا كانَتْ مَضَرَّةُ الدِّينِ، وهي آفَةُ الوَسْوَسَةِ أعْظَمُ مِن مَضَرَّةِ الدُّنْيا وإنْ عَظُمَتْ، جاءَ البِناءُ في الِاسْتِعاذَةِ مِنها بِصِفاتٍ ثَلاثٍ: الرَّبِّ، والمَلِكِ، والإلَهِ، وإنِ اتَّحَدَ المَطْلُوبُ. (p-١٨٣)وَفِي الِاسْتِعاذَةِ مِن ثَلاثٍ: الغاسِقِ، والنَّفّاثاتِ، والحاسِدِ، بِصِفَةٍ واحِدَةٍ وهي الرَّبُّ، وإنْ تَكَثَّرَ الَّذِي يُسْتَعاذُ مِنهُ. وَهَذِهِ الأُخْرى لَفْتَةٌ كَرِيمَةٌ، طالَما كُنْتُ تَطَلَّعْتُ إلَيْها في وُجْهَتَيْ نَظَرٍ، إحْداهُما: بَيْنَ السُّورَتَيْنِ، والأُخْرى بَيْنَ سُورَةِ النّاسِ ونَسَقِ المُصْحَفِ الشَّرِيفِ، سَيَأْتِي إيرادُهُما إنْ شاءَ اللَّهُ. إلّا أنَّهُ عَلى وُجْهَةِ نَظَرِ أبِي حَيّانَ، وهي أنَّهُ تَعالى في سُورَةِ الفَلَقِ جاءَ في الِاسْتِعاذَةِ بِصِفَةٍ واحِدَةٍ وهي ﴿بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ . وَفِي سُورَةِ النّاسِ جاءَ في الِاسْتِعاذَةِ بِثَلاثِ صِفاتٍ، مَعَ أنَّ المُسْتَعاذَ مِنهُ في الأُولى ثَلاثَةُ أُمُورٍ، والمُسْتَعاذَ مِنهُ في الثّانِيَةِ أمْرٌ واحِدٌ، فَلِخَطَرِ الأمْرِ الواحِدِ جاءَتِ الصِّفاتُ الثَّلاثُ. وَيُقالُ أيْضًا مِن جِهَةٍ أُخْرى: إنَّ المُسْتَعاذَ مِنهُ في السُّورَةِ الأُولى أُمُورٌ تَأْتِي مِن خارِجِ الإنْسانِ، وتَأْتِيهِ اعْتِداءً عَلَيْهِ مِن غَيْرِهِ، وقَدْ تَكُونُ شُرُورًا ظاهِرَةً، ومِثْلُ ذَلِكَ قَدْ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنهُ أوِ اتِّقاؤُهُ قَبْلَ وُقُوعِهِ، وتَجَنُّبُهُ إذا عُلِمَ بِهِ. بَيْنَما الشَّرُّ الواحِدُ في الثّانِيَةِ يَأْتِيهِ مِن داخِلِيَّتِهِ وقَدْ تَكُونُ هَواجِسُ النَّفْسِ وما لا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِهِ، إذِ الشَّيْطانُ يَرانا ولا نَراهُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ مِن حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧] . وَقَدْ يُثِيرُ عَلَيْهِ خَلَجاتِ نَفْسِهِ ونَوازِعَ فِكْرِهِ، فَلا يَجِدُ لَهُ خَلاصًا إلّا بِالِاسْتِعاذَةِ واللُّجُوءِ إلى رَبِّ النّاسِ مَلِكِ النّاسِ إلَهِ النّاسِ. أمّا الوُجْهَتانِ اللَّتانِ نَوَّهْنا عَنْهُما، فالأُولى بَيْنَ السُّورَتَيْنِ وهي مِمّا أوْرَدَهُ أبُو حَيّانَ: إذْ في سُورَةِ الفَلَقِ قالَ: ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ [الفلق: ١]، ورَبُّ الفَلَقِ تُعادِلُ قَوْلَهُ: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ لِأنَّهُ ما مِن مَوْجُودٍ في هَذا الكَوْنِ إلّا وهو مَفْلُوقٌ عَنْ غَيْرِهِ. فَفِي الزَّرْعِ: ﴿فالِقُ الحَبِّ والنَّوى﴾ [الأنعام: ٩٥] . وَفِي الزَّمَنِ ﴿فالِقُ الإصْباحِ﴾ [الأنعام: ٩٦] . (p-١٨٤)وَفِي الحَيَواناتِ: ﴿الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها وبَثَّ مِنهُما رِجالًا كَثِيرًا ونِساءً﴾ [النساء: ١] . وَفِي الجَماداتِ يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَجَعَلْنا في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ [الأنبياء: ٣٠ - ٣١] . فَرَبُّ الفَلَقِ تُعادِلُ رَبَّ العالَمِينَ، فَقابَلَها في الِاسْتِعاذَةِ بِعُمُومِ المُسْتَعاذِ مِنهُ، ﴿مِن شَرِّ ما خَلَقَ﴾ . ثُمَّ جاءَ ذِكْرُ الخاصِّ بَعْدَ العامِّ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، وهو ”مِن شَرِّ غاسِقٍ إذا وقَبَ“، و ”النَّفّاثاتِ في العُقَدِ“، ”وَحاسِدٍ إذا حَسَدَ“ . فالمُسْتَعاذُ بِهِ صِفَةٌ واحِدَةٌ، والمُسْتَعاذُ مِنهُ عُمُومُ ما خَلَقَ جُمْلَةً وتَفْصِيلًا، بَيْنَما في السُّورَةِ الثّانِيَةِ جاءَ بِالمُسْتَعاذِ بِهِ ثَلاثُ صِفاتٍ هي صِفاتُ العَظَمَةِ لِلَّهِ تَعالى: الرَّبُّ والمَلِكُ والإلَهُ. فَقابَلَ المُسْتَعاذَ مِنهُ وهو شَيْءٌ واحِدٌ فَقَطْ، وهو الوَسْواسُ الخَنّاسُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ خُطُورَةِ المُسْتَعاذِ مِنهُ. وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّنا لَوْ نَظَرْنا في واقِعِ الأمْرِ لَوَجَدْنا مَبْعَثَ كُلِّ فِتْنَةٍ ومُنْطَلَقَ كُلِّ شَرٍّ عاجِلًا أوْ آجِلًا، لَوَجَدْناهُ بِسَبَبِ الوَسْواسِ الخَنّاسِ. وهو مُرْتَبِطٌ بِتارِيخِ وُجُودِ الإنْسانِ. وَأوَّلُ جِنايَةٍ وقَعَتْ عَلى الإنْسانِ الأوَّلِ، إنَّما هي مِن هَذا الوَسْواسِ الخَنّاسِ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا كَرَّمَآدَمَ، فَخَلَقَهُ بِيَدِهِ وأسْجَدَ المَلائِكَةَ لَهُ وأسْكَنَهُ الجَنَّةَ هو وزَوْجَهُ لا يَجُوعُ فِيها ولا يَعْرى، ولا يَظْمَأُ فِيها ولا يَضْحى، يَأْكُلانِ مِنها رَغَدًا حَيْثُ ما شاءا، إلّا مِنَ الشَّجَرَةِ المَمْنُوعَةِ، فَوَسْوَسَ إلَيْهِما الشَّيْطانُ حَتّى أكَلا مِنها ودَلّاهُما بِغُرُورٍ، حَتّى أُهْبِطُوا مِنها جَمِيعًا بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ. وَبَعْدَ سُكْناهُما الأرْضَ أتى ابْنَيْهِما قابِيلَ وهابِيلَ فَلاحَقَهُما أيْضًا بِالوَسْوَسَةِ، حَتّى طَوَّعَتْ نَفْسُ أحَدِهِما قَتْلَ أخِيهِ فَأصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ. وَهَكَذا بِسائِرِ الإنْسانِ في حَياتِهِ بِالوَسْوَسَةِ حَتّى يُرْبِكَهُ في الدُّنْيا، ويُهْلِكَهُ في (p-١٨٥)الآخِرَةِ، ولَقَدِ اتَّخَذَ مِنَ المَرْأةِ جِسْرًا لِكُلِّ ما يُرِيدُ. وها هو يُعِيدُ الكَرَّةَ في نَزْعِ اللِّباسِ عَنْ أبَوَيْنا في الجَنَّةِ، فَيَنْتَزِعُهُ عَنْهُما في ظِلِّ بَيْتِ اللَّهِ الحَرامِ في طَوافِهِمْ قَبْلَ البَعْثَةِ ولا يَزالُ يُغْوِيهِ، وعَنْ طَرِيقِ المَرْأةِ في كُلِّ زَمانٍ ومَكانٍ لِيُخْرِجَهُ عَنِ الِاسْتِقامَةِ كَما أخْرَجَ أبَوَيْهِ مِنَ الجَنَّةِ. وَلا يَزالُ يَجْلِبُ عَلى الإنْسانِ بِخَيْلِهِ ورَجْلِهِ بارًّا بِقَسَمِهِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ بِعِزَّتِهِ لَيُغْوِينَّهم أجْمَعِينَ. وَإنَّ أخْطَرَ أبْوابِ الفَسادِ في المُجْتَمَعاتِ لَهي عَنِ المالِ أوِ الدَّمِ أوِ العِرْضِ، كَما في الحَدِيثِ في حَجَّةِ الوَداعِ: «ألا إنَّ دِماءَكم وأمْوالَكم وأعْراضَكم عَلَيْكم حَرامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكم هَذا» إلى آخِرِهِ. وَهَلْ وُجِدَتْ جِنايَةٌ عَلى واحِدٍ مِنها إلّا مِن تَأْثِيرِ الوَسْواسِ الخَنّاسِ ؟ اللَّهُمَّ لا. وَهَكَذا في الآخِرَةِ. وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى المَوْقِفَ جَلِيًّا في مَقالَةِ الشَّيْطانِ البَلِيغَةِ الصَّرِيحَةِ: ﴿وَقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الأمْرُ إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ ووَعَدْتُكم فَأخْلَفْتُكم وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكم ما أنا بِمُصْرِخِكم وما أنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِي مِن قَبْلُ﴾ الآيَةَ [إبراهيم: ٢٢] . وَلِقَدْ عَلِمَ عَدُوُّ المُسْلِمِينَ أنَّ أخْطَرَ سِلاحٍ عَلى الإنْسانِ هو الشَّكُّ ولا طَرِيقَ إلَيْهِ إلّا بِالوَسْوَسَةِ، فَأخَذَ عَنْ إبْلِيسَ مُهِمَّتَهُ وراحَ يُوَسْوِسُ لِلْمُسْلِمِينَ في دِينِهِمْ وفي دُنْياهم، ويُشَكِّكُهم في قُدْرَتِهِمْ عَلى الحَياةِ الكَرِيمَةِ مُسْتَقِلِّينَ عَنْهُ، ويُشَكِّكُهم في قُدْرَتِهِمْ عَلى التَّقَدُّمِ والِاسْتِقْلالِ الحَقِيقِيِّ، بَلْ وفي اسْتِطاعَتِهِمْ عَلى الإبْداعِ والِاخْتِراعِ، لِيَظَلُّوا في فَلَكِهِ ودائِرَةِ نُفُوذِهِ، فَيَبْقى المُسْلِمُونَ يَدُورُونَ في حَلْقَةٍ مُفْرَغَةٍ، يُقَدِّمُونَ رِجْلًا ويُؤَخِّرُونَ أُخْرى. والمُتَشَكِّكُ في نَتِيجَةِ عَمَلٍ لا يُقْدِمُ عَلَيْهِ أبَدًا، بَلْ ما يَبْنِيهِ اليَوْمَ يَهْدِمُهُ غَدًا، وقَدْ أعْلَنَ عَنْ هَذِهِ النَّتِيجَةِ الخَطِيرَةِ رَئِيسُ مُؤْتَمَرِ المُسْتَشْرِقِينَ في الشَّرْقِ الأوْسَطِ، مُنْذُ أكْثَرَ مِن ثَلاثِينَ عامًا، حِينَما انْعَقَدَ المُؤْتَمَرُ في (بَيْرُوتَ) لِعَرْضِ نَتائِجِ أعْمالِهِمْ ودِراسَةِ أسالِيبِ تَبْشِيرِهِمْ. (p-١٨٦)فَتَشَكّى المُؤْتَمِرُونَ مِن أنَّ لَهم زُهاءَ أرْبَعِينَ سَنَةً مِن عَمَلِهِمُ المُتَواصِلِ، لَمْ يَسْتَطِيعُوا أنْ يُنَصِّرُوا مُسْلِمًا واحِدًا، فَقالَ رَئِيسُ المُؤْتَمَرِ: إذا لَمْ نَسْتَطِعْ أنْ نُنَصِّرَ مُسْلِمًا، ولَكِنِ اسْتَطَعْنا أنْ نُوجِدَ ذَبْذَبَةً في الرَّأْيِ، فَقَدْ نَجَحْنا في عَمَلِنا. وَهَكَذا مَنهَجُ العَدُوِّ، تَشْكِيكٌ في قَضايا الإسْلامِ لِيُوجِدَ ذَبْذَبَةً في عَقِيدَةِ المُسْلِمِينَ، فَعَنْ طَرِيقِ المِيراثِ تارَةً، وعَنْ طَرِيقِ تَعَدُّدِ الزَّوْجاتِ أُخْرى، وعَنْ دَوافِعِ القِتالِ، وعَنِ اسْتِرْقاقِ الرَّقِيقِ، وعَنْ وعَنْ. حَتّى وُجِدَ مِن أبْناءِ المُسْلِمِينَ مَن يَتَخَطّى حُدُودَ الشَّكِّ إلى التَّصْدِيقِ، وأخَذَ يَدْعُو إلى ما يَدْعُو إلَيْهِ العَدُوُّ، وما ذاكَ كُلُّهُ إلّا حَصادُ ونَتائِجُ الوَسْواسِ الخَنّاسِ. فَلا غَرْوَ إذًا أنْ تُجْمَعَ الصِّفاتُ الجَلِيلَةُ الثَّلاثُ: ﴿بِرَبِّ النّاسِ﴾ ٣٠ ﴿مَلِكِ النّاسِ﴾ ٣٠ ﴿إلَهِ النّاسِ﴾ . هَذِهِ وُجْهَةُ النَّظَرِ الأُولى بَيْنَ سُورَتَيِ الفَلَقِ والنّاسِ. أمّا الوُجْهَةُ الثّانِيَةُ وهي بَيْنَ سُورَةِ النّاسِ ونَسَقِ المُصْحَفِ الشَّرِيفِ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٢ - ٧] . وَفِي هَذِهِ البِدايَةِ الكَرِيمَةِ بَثُّ الطُّمَأْنِينَةِ في القَلْبِ المُعَبَّرِ عَنْها بِالحَمْدِ، عُنْوانِ الرِّضى والسَّعادَةِ والإقْرارِ لِلَّهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ، ثُمَّ الإيمانُ بِالبَعْثِ والإقْرارِ لِلَّهِ بِمُلْكِ يَوْمِ الدِّينِ، ثُمَّ الِالتِزامُ بِالعِبادَةِ لِلَّهِ وحْدَهُ والِالتِجاءُ إلَيْهِ مُسْتَعِينًا بِهِ، مُسْتَهْدِيًا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ، سائِلًا صُحْبَةَ الَّذِينَ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ يَأْتِي بَعْدَها مُباشَرَةً في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] أيْ: إنَّ الهُدى الَّذِي تَنْشُدُهُ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، فَهو في هَذا الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ، ثُمَّ بَيَّنَ المُتَّقِينَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وبِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٣ - ٤] . وَمَرَّةً أُخْرى لِلتَّأْكِيدِ: أُولَئِكَ لا سِواهم ﴿عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥] . (p-١٨٧)ثُمَّ تَتَرَسَّلُ السُّورَةُ في تَقْسِيمِ النّاسِ إلى الأقْسامِ الثَّلاثَةِ: مُؤْمِنِينَ، وكافِرِينَ، ومُذَبْذَبِينَ بَيْنَ بَيْنَ، وهُمُ المُنافِقُونَ. ثُمَّ يَأْتِي النِّداءُ الصَّرِيحُ وهو أوَّلُ نِداءٍ في المُصْحَفِ لِعُمُومِ النّاسِ ﴿ياأيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١]، ويُقِيمُ البَراهِينَ عَلى اسْتِحْقاقِهِ لِلْعِبادَةِ وعَلى إمْكانِ البَعْثِ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا والسَّماءَ بِناءً وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكم فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢] . وَبَعْدَ تَقْرِيرِ الأصْلِ وهي العَقِيدَةُ، تَمْضِي السُّورَةُ في ذِكْرِ فُرُوعِ الإسْلامِ، فَتَشْتَمِلُ عَلى أرْكانِ الإسْلامِ كُلِّها وعَلى كَثِيرٍ مِن مَسائِلِ المُعامَلاتِ والجِهادِ، وقَلَّ بابٌ مِن أبْوابِ الفِقْهِ إلّا ولَهُ ذِكْرٌ في هَذِهِ السُّورَةِ، ويَأْتِي ما بَعْدَها مُبَيِّنًا لِما أُجْمِلَ فِيها أوْ لِما يُذْكَرُ ضِمْنَها. وَهَكَذا حَتّى يَنْتَهِيَ القُرْآنُ بِكَمالِ الشَّرِيعَةِ وتَمامِ الدِّينِ. وَلِما جاءَ في وصْفِ المُتَّقِينَ المُهْتَدِينَ في أوَّلِ المُصْحَفِ، أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ ومِنهُ الإيمانُ بِاليَوْمِ الآخِرِ وما فِيهِ مِن حِسابٍ وعِقابٍ وثَوابٍ - أُمُورُ الغَيْبِ تَسْتَلْزِمُ اليَقِينَ - لِتُرَتِّبَ الجَزاءَ عَلَيْهِ ثَوابًا أوْ عِقابًا. والثَّوابُ والعِقابُ هُما نَتِيجَةُ الفِعْلِ والتَّرْكِ. والفِعْلُ والتَّرْكُ: هُما مَناطُ التَّكْلِيفِ، لِأنَّ الإنْسانَ يَمْتَثِلُ الأمْرَ رَجاءَ الثَّوابِ، ويَكُفُّ عَنْ مُتَعَلِّقِ النَّهْيِ مَخافَةَ العِقابِ. فَلَكَأنَّ نَسَقَ المُصْحَفِ الشَّرِيفِ يُشِيرُ إلى ضَرُورَةِ ما يَجِبُ الِانْتِباهُ إلَيْهِ مِن أنَّ القُرْآنَ بَدَأ بِالحَمْدِ ثَناءً عَلى اللَّهِ بِما أنْعَمَ عَلى الإنْسانِ بِإنْزالِهِ، وإرْسالِ الرَّسُولِ صاحِبِهِ بِهِ، ثُمَّ نَقَلَهُ مِن عالَمِ الدُّنْيا إلى عالَمِ الآخِرَةِ، وهو الأعْظَمُ قَدْرًا وخَطَرًا، ثُمَّ رَسَمَ لَهُ الطَّرِيقَ الَّذِي سَلَكَهُ المُهْتَدُونَ أُهْلُ الإنْعامِ والرِّضى، ثُمَّ أوْقَفَهُ عَلَيْهِ لِيَسْلُكَ سَبِيلَهم. وَهَكَذا إلى أنْ جاءَ بِهِ بَعْدَ كَمالِ البَيانِ والإرْشادِ والهِدايَةِ، جاءَ بِهِ إلى نِهايَةِ هَذا الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، فاسْتَوْقَفَهُ لِيَقُولَ لَهُ إذا اطْمَأْنَنْتَ لِهَذا الدِّينِ، وآمَنتَ بِاللَّهِ رَبِّ (p-١٨٨)العالَمِينَ، واعْتَقَدْتَ مَجِيءَ يَوْمِ الدِّينِ، وعَرَفْتَ طَرِيقَ المُهْتَدِينَ ورَأيْتَ أقْسامَ النّاسِ الثَّلاثِ مُؤْمِنِينَ وكافِرِينَ ومُنافِقِينَ، ونِهايَةَ كُلٍّ مِنهم، فالزَمْ هَذا الكِتابَ، وسِرْ عَلى هَذا الصِّراطِ ورافِقْ أهْلَ الإنْعامِ، وجانِبِ المَغْضُوبَ عَلَيْهِمْ والضّالِّينَ، واحْذَرْ مِن مَسْلَكِ المُنافِقِينَ المُتَشَكِّكِينَ، وحاذِرْ كُلَّ الحَذَرِ مِن مُوجِبِ ذَلِكَ كُلِّهِ، وهو الوَسْواسُ الخَنّاسُ، أنْ يُشَكِّكَكَ في مُتَعَلِّقاتِ الإيمانِ، أوْ في اسْتِواءِ طَرِيقِكَ واسْتِقامَتِهِ أوْ في عِصْمَةِ كِتابِكَ وكَمالِهِ، وكُنْ عَلى يَقِينٍ مِمّا أنْتَ عَلَيْهِ، ولا تَنْسَ خَطَرَهُ عَلى أبَوَيْكَ مِن قَبْلُ، إذْ هُما في الجَنَّةِ دارِ السَّلامِ ولَمْ يَسْلَما مِنهُ، ودَلّاهُما بِغُرُورٍ فَحاذِرْ مِنهُ ولُذْ بِي كُلَّما ألَمَّ بِكَ أوْ مَسَّكَ طائِفٌ مِنهُ، وكُنْ كَسَلَفِكَ الصّالِحِ ﴿إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٠١] . وَقَدْ عَلِمْتَ عَداوَتَهُ لَكَ مِن بَعْدُ، وعَداوَتُهُ ناشِئَةٌ عَنِ الحَسَدِ. وَلَكَأنَّ ارْتِباطَ السُّورَتَيْنِ لَيُشِيرَ إلى مَنشَأِ تِلْكَ العَداوَةِ وارْتِباطِها بِهَذا التَّحْذِيرِ، إذْ في الأُولى: ومِن شَرِّ حاسِدٍ إذا حَسَدَ، فَحَسَدَ الشَّيْطانُ آدَمَ عَلى إكْرامِ اللَّهِ إيّاهُ كَما أسْلَفْنا. والعَدُوُّ الحاسِدُ لا يُرْضِيهِ إلّا زَوالُ النِّعْمَةِ عَنِ المَحْسُودِ، ولَئِنْ كانَتْ تَوْبَةُ آدَمَ هي سَبِيلُ نَجاتِهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧] . فَنَجاتُكَ أيْضًا في كَلِماتٍ تَسْتَعِيذُ بِها مِن عَدُوِّكَ: بِرَبِّ النّاسِ مَلِكِ النّاسِ إلَهِ النّاسِ؛ لِأنَّ الرَّبَّ هو الَّذِي يَرْحَمُ عِبادَهُ، ومَلِكَ النّاسِ هو الَّذِي يَحْمِيهِمْ ويَحْفَظُهم ويَحْرُسُهم. وإلَهَ النّاسِ الَّذِي يَتَألَّهُونَ إلَيْهِ ويَتَضَرَّعُونَ ويَلُوذُونَ بِهِ سُبْحانَهُ. * * تَنْبِيهٌ إذا كانَ هَذا كُلُّهُ خَطَرَ الوَسْواسِ الخَنّاسِ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ، وهُما عَدُوٌّ مُشْتَرَكٌ ومُتَرَبِّصٌ حاقِدٌ حاسِدٌ، فَما طَرِيقُ النَّجاةِ مِنهُ ؟ الَّذِي يَظْهَرُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ: أنَّ طَرِيقَ النَّجاةِ تَعْتَمِدُ عَلى أمْرَيْنِ: الأوَّلُ: يُؤْخَذُ مِن عُمُوماتِ الكِتابِ والسُّنَّةِ. (p-١٨٩)والثّانِي: سَمِعْتُهُ مِنَ الشَّيْخِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ. أمّا الأوَّلُ فَهو: إذا كانَتْ مُهِمَّةُ الوَسْوَسَةِ التَّشْكِيكَ والذَّبْذَبَةَ والتَّرَدُّدَ، فَإنَّ عُمُوماتِ التَّكْلِيفِ تُلْزِمُ المُسْلِمَ بِالعَزْمِ واليَقِينِ والمُضِيِّ دُونَ تَرَدُّدٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وامْتَدَحَ بَعْضَ الرُّسُلِ بِالعَزْمِ وأمَرَ بِالِاقْتِداءِ بِهِمْ: ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] . وَقالَ ﷺ: «دَعْ ما يَرِيبُكَ إلى ما لا يَرِيبُكَ» . والقاعِدَةُ الفِقْهِيَّةُ ”اليَقِينُ لا يُرْفَعُ بِشَكٍّ“ . والحَدِيثُ: «يَأْتِي الشَّيْطانُ لِأحَدِكم وهو في الصَّلاةِ فَيَنْفُخُ في مَقْعَدَتِهِ، فَيُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّهُ أحْدَثَ ولَمْ يُحْدِثْ، فَلا يَنْصَرِفْ حَتّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أوْ يَجِدَ رِيحًا» . وَمِن هَنا كانَتِ التَّكالِيفُ كُلُّها عَلى اليَقِينِ، فالعَقائِدُ لا بُدَّ فِيها مِنَ اليَقِينِ. والفُرُوعُ في العِباداتِ لا بُدَّ فِيها مِنَ النِّيَّةِ «إنَّما الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ» . والشَّرْطُ في النِّيَّةِ الجَزْمُ واليَقِينُ، فَلَوْ نَوى الصَّلاةَ عَلى أنَّهُ إنْ حَضَرَ فُلانٌ تَرَكَها، لا تَنْعَقِدُ نِيَّتُهُ، ولَوْ نَوى صَوْمًا أنَّهُ إنْ شاءَ أفْطَرَ، لا يَنْعَقِدُ صَوْمُهُ. وَنَصَّ مالِكٌ في المُوَطَّأِ: أنَّهُ إنْ نَوى لِيَوْمِ الشَّكِّ في لَيْلَتِهِ الصَّوْمَ غَدًا، عَلى أنَّهُ إنْ صَحَّ مِن رَمَضانَ فَهو لِرَمَضانَ، وإلّا فَهو نافِلَةٌ، لا يَنْعَقِدُ صَوْمُهُ لا فَرْضًا ولا نَفْلًا حَتّى لَوْ جاءَ رَمَضانُ لا يُعْتَبَرُ لَهُ مِنهُ، وعَلَيْهِ قَضاؤُهُ لِعَدَمِ الجَزْمِ بِالنِّيَّةِ. والحَجُّ: لَوْ نَواهُ لَزِمَهُ ولَزِمَهُ المُضِيُّ فِيهِ، ولا يَمْلِكُ الخُرُوجَ مِنهُ بِاخْتِيارِهِ. وَهَكَذا المُعامَلاتُ في جَمِيعِ العُقُودِ مَبْناها عَلى الجَزْمِ حَتّى في المَزْحِ واللَّعِبِ، يُؤاخَذُ في البَعْضِ كالنِّكاحِ والطَّلاقِ والعَتاقِ. فَمِن هَذا كُلِّهِ كانَتْ دَوافِعُ العَزِيمَةِ مُسْتَقاةٌ مِنَ التَّكالِيفِ، مِمّا يَقْضِي عَلى نَوازِعِ الشَّكِّ والتَّرَدُّدِ، ولَمْ يَبْقَ في قَلْبِ المُؤْمِنِ مَجالٌ لِشَكٍّ ولا مَحَلٌّ لِوَسْوَسَةٍ. وَقَدْ كانَ الشَّيْطانُ يَفِرُّ مِن طَرِيقِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. (p-١٩٠)أمّا الَّذِي كُنْتُ سَمِعْتُهُ مِنَ الشَّيْخِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ: لَقَدْ عَلَّمَنا اللَّهُ كَيْفِيَّةَ اتِّقاءِ العَدُوِّ مِنَ الإنْسِ ومِنَ الجِنِّ. أمّا العَدُوُّ مِنَ الإنْسِ فَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤] . فَدَلَّ عَلى أنَّ مُقابَلَةَ إساءَةِ العَدُوِّ بِالإحْسانِ إلَيْهِ تُذْهِبُ عَداوَتَهُ، وتُكْسِبُ صَداقَتَهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ . وَأمّا عَدُوُّ الجِنِّ فَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٦] . وَهُوَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الآثارِ مِن أنَّ الشَّيْطانَ يَخْنَسُ إذا سَمِعَ ذِكْرَ اللَّهِ. وَعَلى قَوْلِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَإنَّ شَيْطانَ الجِنِّ يَنْدَفِعُ بِالِاسْتِعاذَةِ مِنهُ بِاللَّهِ، ويَكْفِيهِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا. أمّا شَيْطانُ الإنْسِ فَهو في حاجَةٍ إلى مُصانَعَةٍ ومُدافَعَةٍ والصَّبْرِ عَلَيْهِ، كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يُلَقّاها إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وما يُلَقّاها إلّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥] . رَزَقَنا اللَّهُ تَعالى وجَمِيعَ المُسْلِمِينَ حَظًّا عَظِيمًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ، إنَّهُ المَسْئُولُ، وخَيْرُ مَأْمُولٍ. رَوى ابْنُ كَثِيرٍ حَدِيثَ أبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «كانَ يَتَعَوَّذُ مِن أعْيُنِ الجِنِّ والإنْسِ، فَلَمّا نَزَلَتِ المُعَوِّذَتانِ أخَذَ بِهِما وتَرَكَ ما سِواهُما» رَواهُ التِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ، وقالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَرُوِيَ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الأسْلَمِيِّ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وضَعَ يَدَهُ عَلى صَدْرِهِ ثُمَّ قالَ: ”قُلْ“: فَلَمْ أدْرِ ما أقُولُ. ثُمَّ قالَ لِي: ”قُلْ“ . فَقُلْتُ: هو اللَّهُ أحَدٌ، ثُمَّ قالَ لِي: قُلْ. قُلْتُ: أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ مِن شَرِّ ما خَلَقَ حَتّى فَرَغْتُ مِنها، ثُمَّ قالَ لِي قُلْ. قُلْتُ: أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ حَتّى فَرَغْتُ مِنها. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”هَكَذا فَتَعَوَّذْ؛ وما تَعَوَّذَ المُتَعَوِّذُونَ بِمَثَلِهِنَّ قَطُّ“ .» (p-١٩١)والحَمْدُ لِلَّهِ أوَّلًا وآخِرًا وصَلّى اللَّهُ عَلى أفْضَلِ خَلْقِهِ وأكْرَمِهِمْ عَلَيْهِ، مَنِ اصْطَفاهُ لِرِسالَتِهِ وشَرَّفَنا بِبَعْثَتِهِ، وخَتَمَ بِهِ رُسُلَهُ وكَرَّمَنا بِهِ وهَدانا لِاتِّباعِهِ، وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ الطَّيِّبِينَ الطّاهِرِينَ، ومَن تَبِعَهم بِإحْسانٍ إلى يَوْمِ الدِّينِ، وعَلَيْنا مَعَهم أجْمَعِينَ، إنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ.