Lafzullah

Al-Bahr Al-Muhit — يونس 10:1 – يونس 10:35

المؤلف / المصدر: Al-Bahr Al-Muhit

المحتويات
  1. يونس 10:1
  2. يونس 10:2
  3. يونس 10:3
  4. يونس 10:4
  5. يونس 10:5
  6. يونس 10:6
  7. يونس 10:7
  8. يونس 10:8
  9. يونس 10:9
  10. يونس 10:10
  11. يونس 10:11
  12. يونس 10:12
  13. يونس 10:13
  14. يونس 10:14
  15. يونس 10:15
  16. يونس 10:16
  17. يونس 10:17
  18. يونس 10:18
  19. يونس 10:19
  20. يونس 10:20
  21. يونس 10:21
  22. يونس 10:22
  23. يونس 10:23
  24. يونس 10:24
  25. يونس 10:25
  26. يونس 10:26
  27. يونس 10:27
  28. يونس 10:28
  29. يونس 10:29
  30. يونس 10:30
  31. يونس 10:31
  32. يونس 10:32
  33. يونس 10:33
  34. يونس 10:34
  35. يونس 10:35

يونس 10:1

سُورَةُ يُونُسَ مِائَةٌ وتِسْعُ آياتٍ مَكِّيَّةٌ ﷽ (p-١٢٠)﴿الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهم أنْ أنْذِرِ النّاسَ وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أنَّ لَهم قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الكافِرُونَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُدَبِّرُ الأمْرَ ما مِن شَفِيعٍ إلّا مِن بَعْدِ إذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم فاعْبُدُوهُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٣] ﴿إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا وعْدَ اللَّهِ حَقًّا إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالقِسْطِ والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٤] ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلّا بِالحَقِّ يُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٥] ﴿إنَّ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وما خَلَقَ اللَّهُ في السَّماواتِ والأرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦] ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ورَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا واطْمَأنُّوا بِها والَّذِينَ هم عَنْ آياتِنا غافِلُونَ﴾ [يونس: ٧] ﴿أُولَئِكَ مَأْواهُمُ النّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يونس: ٨] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ في جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [يونس: ٩] ﴿دَعْواهم فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهم فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [يونس: ١١] ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأنْ لَمْ يَدْعُنا إلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٢] ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا القُرُونَ مِن قَبْلِكم لَمّا ظَلَمُوا وجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ وما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ [يونس: ١٣] ﴿ثُمَّ جَعَلْناكم خَلائِفَ في الأرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٤] ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [يونس: ١٥] ﴿قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكم ولا أدْراكم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٦] ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ المُجْرِمُونَ﴾ [يونس: ١٧] ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨] ﴿وما كانَ النّاسُ إلّا أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفُوا ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهم فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [يونس: ١٩] ﴿ويَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ فَقُلْ إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ [يونس: ٢٠] ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهم إذا لَهم مَكْرٌ في آياتِنا قُلِ اللَّهُ أسْرَعُ مَكْرًا إنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ﴾ [يونس: ٢١] ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكم في البَرِّ والبَحْرِ حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وجاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكانٍ وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢] ﴿فَلَمّا أنْجاهم إذا هم يَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ يا أيُّها النّاسُ إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكم مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُكم فَنُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٢٣] . القَدَمُ: قالَ اللَّيْثَ وأبُو الهَيْثَمِ: القَدَمُ السّابِقَةُ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ: ؎وأنْتَ امْرُؤٌ مِن أهْلِ بَيْتِ ذُؤابَةٍ لَهم قَدَمٌ مَعْرُوفَةٌ ومَفاخِرُ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والكِسائِيُّ: كُلُّ سابِقٍ في خَيْرٍ أوْ شَرٍّ فَهو قَدَمٌ. وقالَ الأخْفَشُ: سابِقَةُ إخْلاصٍ؛ كَما في قَوْلِ حَسّانَ: ؎لَنا القَدَمُ العُلْيا إلَيْكَ وخَلْفُنا ∗∗∗ لِأوَّلِنا في طاعَةِ اللَّهِ تابِعُ وقالَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيَـى: كُلُّ ما قَدَّمْتَ مِن خَيْرٍ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: العَمَلُ الَّذِي يُتَقَدَّمُ فِيهِ ولا يَقَعُ فِيهِ تَأْخِيرٌ ولا إبْطاءٌ. المُرُورُ: مُجاوَزَةُ الشَّيْءِ والعُبُورُ عَلَيْهِ، تَقُولُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ جاوَزْتُهُ. والمِرَّةُ: القُوَّةُ، ومِنهُ ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ [النجم: ٦] . ومَرَرَ الحَبْلَ قَوّاهُ، ومِنهُ: «لا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ ولا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ» . العاصِفُ الشَّدِيدُ، يُقالُ: عَصَفَتِ الرِّيحُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎حَتّى إذا عَصَفَتْ رِيحٌ مُزَعْزِعَةٌ ∗∗∗ فِيها قِطارٌ ورَعْدٌ صَوْتُهُ زَجَلُ وأعْصَفَ الرِّيحُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎ولَهَتْ عَلَيْهِ كُلُّ مُعْصِفَةٍ ∗∗∗ هَوْجاءَ لَيْسَ لِلُبِّها زَبْرُ وقالَ أبُو تَمّامٍ: ؎إنَّ الرِّياحَ إذا ما أعْصَفَتْ قَصَفَتْ ∗∗∗ عِيدانَ نَجْدٍ ولَمْ يَعْبَأْنَ بِالرَّتَمِ المَوْجُ: ما ارْتَفَعَ مِنَ الماءِ عِنْدَ هُبُوبِ الهَواءِ، سُمِّيَ مَوْجًا لِاضْطِرابِهِ. * * ﴿الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهم أنْ أنْذِرِ النّاسَ وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أنَّ لَهم قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الكافِرُونَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ مُبِينٌ﴾ (p-١٢١)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ، فَإنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وهي ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ﴾ [يونس: ٩٤] إلى آخِرِهِنَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: إلّا قَوْلَهُ ﴿ومِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ [يونس: ٤٠]، فَإنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ بِالمَدِينَةِ. وقالَ قَوْمٌ: نَزَلَ مِن أوَّلِها نَحْوٌ مِن أرْبَعِينَ آيَةً بِمَكَّةَ، ونَزَلَ باقِيها بِالمَدِينَةِ. وقالَ الحَسَنُ وعَطاءٌ وجابِرٌ: هي مَكِّيَّةٌ، وسَبَبُ نُزُولِها: أنَّ أهْلَ مَكَّةَ قالُوا: لَمْ يَجِدِ اللَّهُ رَسُولًا إلّا يَتِيمَ أبِي طالِبٍ، فَنَزَلَتْ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: عَجِبَتْ قُرَيْشٌ أنْ يُبْعَثَ رَجُلٌ مِنهم، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: لَمّا حَدَّثَهم عَنِ البَعْثِ والمَعادِ والنُّشُورِ تَعَجَّبُوا. ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا أنْزَلَ ﴿وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٤] وذَكَرَ تَكْذِيبَ المُنافِقِينَ ثُمَّ قالَ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] وهو مُحَمَّدٌ ﷺ - أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ الكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ، والنَّبِيِّ الَّذِي أرْسَلَ، وأنَّ دَيْدَنَ الضّالِّينَ ومُتابِعِيهِمْ ومُشْرِكِيهِمْ واحِدٌ في التَّكْذِيبِ بِالكُتُبِ الإلَهِيَّةِ وبِمَن جاءَ بِها، ولَمّا كانَ ذِكْرُ القُرْآنِ مُقَدَّمًا عَلى ذِكْرِ الرَّسُولِ في آخِرِ السُّورَةِ؛ جاءَ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ كَذَلِكَ، فَتَقَدَّمَ ذِكْرُ الكِتابِ عَلى ذِكْرِ الرَّسُولِ، وتَقَدَّمَ ما قالَهُ المُفَسِّرُونَ في أوائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ المُفْتَتَحَةِ بِحُرُوفِ المُعْجَمِ، وذَكَرُوا هُنا أقْوالًا عَنِ المُفَسِّرِينَ مِنها: أنا اللَّهُ أرى، ومِنها: أنا اللَّهُ الرَّحْمَنُ، ومِنها: أنَّهُ يَتَرَكَّبُ مِنها ومِن ”حم“ ومِن نُونِ الرَّحْمَنِ. فالرّاءُ بَعْضُ حُرُوفِ الرَّحْمَنِ مُفَرَّقَةً، ومِنها: أنا الرَّبُّ، وغَيْرُ ذَلِكَ. والظّاهِرُ أنَّ تِلْكَ باقِيَةٌ عَلى مَوْضُوعِها مِنِ اسْتِعْمالِها لِبُعْدِ المُشارِ إلَيْهِ. فَقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: أشارَ بِـ ”تِلْكَ“ إلى الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ، فَيَكُونُ الآياتُ القَصَصَ الَّتِي وُصِفَتْ في تِلْكَ الكُتُبِ. وقالَ الزَّجّاجُ: إشارَةٌ إلى آياتِ القُرْآنِ الَّتِي جَرى ذِكْرُها. وقِيلَ: إشارَةٌ إلى الكِتابِ المُحْكَمِ الَّذِي هو مَخْزُونٌ مَكْتُوبٌ عِنْدَ اللَّهِ، ومِنهُ نُسِخَ كُلُّ كِتابٍ كَما قالَ: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ في لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١] وقالَ: ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ﴾ [الزخرف: ٤] وقِيلَ: إشارَةٌ إلى الرّاءِ وأخَواتِها مِن حُرُوفِ المُعْجَمِ، أيْ: تِلْكَ الحُرُوفُ المُفْتَتَحُ بِها السُّوَرُ وإنْ قَرُبَتْ (p-١٢٢)ألْفاظُها فَمَعانِيها بَعِيدَةُ المَنالِ. وهي آياتُ الكِتابِ، أيْ: الكِتابُ بِها يُتْلى، وألْفاظُهُ إلَيْها تَرْجِعُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. وقِيلَ: اسْتَعْمَلَ ”تِلْكَ“ بِمَعْنى ”هَذِهِ“، والمُشارُ إلَيْهِ حاضِرٌ قَرِيبٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. فَقِيلَ: آياتُ القُرْآنِ. وقِيلَ: آياتُ السُّوَرِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها في قَوْلِهِ: ﴿وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٤] وقِيلَ: المُشارُ إلَيْهِ هو الرّاءُ، فَإنَّها كُنُوزُ القُرْآنِ، وبِها العُلُومُ الَّتِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِها. وقِيلَ: إشارَةٌ إلى ما تَضَمَّنَتْهُ السُّورَةُ مِنَ الآياتِ. والكِتابُ السُّورَةُ. والحَكِيمُ: الحاكِمُ، أوْ ذُو الحِكْمَةِ لِاشْتِمالِهِ عَلَيْها. وتَعَلُّقِهِ بِها، أوِ المُحْكَمُ، أوِ المَحْكُومُ بِهِ، أوِ المُحَكَّمُ، أقْوالٌ. والهَمْزَةُ في (أكانَ) لِلِاسْتِفْهامِ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ لِوُقُوعِ العَجَبِ مِنَ الإيحاءِ إلى بَشَرٍ مِنهم بِالإنْذارِ والتَّبْشِيرِ، أيْ: لا عَجَبَ في ذَلِكَ، فَهي عادَةُ اللَّهِ في الأُمَمِ السّالِفَةِ، أوْحى إلى رُسُلِهِمُ الكُتُبَ بِالتَّبْشِيرِ والإنْذارِ عَلى أيْدِي مَنِ اصْطَفاهُ مِنهم. واسْمُ (كانَ) ﴿أنْ أوْحَيْنا﴾، و(عَجَبًا) الخَبَرُ، و(لِلنّاسِ) فَقِيلَ: هو في مَوْضِعِ الحالِ مِن (عَجَبًا) لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً، فَلَمّا تَقَدَّمَ كانَ حالًا، وقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ (عَجَبًا)، ولَيْسَ مَصْدَرًا، بَلْ هو بِمَعْنى مُعْجِبٍ، والمَصْدَرُ إذا كانَ بِمَعْنى المَفْعُولِ جازَ تَقَدُّمُ مَعْمُولِهِ عَلَيْهِ كاسْمِ المَفْعُولِ. وقِيلَ: هو تَبْيِينٌ، أيْ: أعْنِي لِلنّاسِ. وقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِـ (كانَ) وإنْ كانَتْ ناقِصَةً، وهَذا لا يَتِمُّ إلّا إذا قُدِّرَتْ دالَّةً عَلى الحَدَثِ فَإنَّها إنْ تَمَحَّضَتْ لِلدَّلالَةِ عَلى الزَّمانِ لَمْ يَصِحُّ تَعَلُّقٌ بِها. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: (عَجَبٌ)، فَقِيلَ: (عَجَبٌ) اسْمُ كانَ، و﴿أنْ أوْحَيْنا﴾ هو الخَبَرُ، فَيَكُونُ نَظِيرَ: ؎يَكُونُ مِزاجُها عَسَلٌ وماءٌ وهَذا مَحْمُولٌ عَلى الشُّذُوذِ، وهَذا تَخْرِيجُ الزَّمَخْشَرِيِّ وابْنِ عَطِيَّةَ. وقِيلَ: (كانَ) تامَّةٌ، و(عَجَبٌ) فاعِلٌ بِها، والمَعْنى: أحَدَثَ لِلنّاسِ عَجَبٌ لِأنْ أوْحَيْنا، وهَذا التَّوْجِيهُ حَسَنٌ. ومَعْنى ﴿لِلنّاسِ عَجَبًا﴾: أنَّهم جَعَلُوهُ لَهم أُعْجُوبَةً يَتَعَجَّبُونَ مِنها، ونَصَبُوهُ عَلَمًا لَهم يُوَجِّهُونَ نَحْوَهُ اسْتِهْزاءَهم وإنْكارَهم. وقَرَأ رُؤْبَةُ: ﴿إلى رَجُلٍ﴾ بِسُكُونِ الجِيمِ، وهي لُغَةٌ تَمِيمِيَّةٌ يُسَكِّنُونَ فَعْلًا، نَحْوُ: سَبْعٌ وعَضْدٌ في سَبُعٍ وعَضُدٍ. ولَمّا كانَ الإنْذارُ عامًّا كانَ مُتَعَلَّقُهُ وهو (النّاسُ) عامًّا. والبِشارَةُ خاصَّةً، فَكانَ مُتَعَلَّقُها خاصًّا وهو (الَّذِينَ آمَنُوا) . و(أنْ أنْذِرِ) ”أنْ“ تَفْسِيرِيَّةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وأصْلُهُ أنَّهُ أنْذَرَ النّاسَ عَلى مَعْنى أنَّ الشَّأْنَ قَوْلُنا أنْذِرِ النّاسَ، قالَهُما الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”أنِ“ المَصْدَرِيَّةَ الثُّنائِيَّةَ الوَضْعِ، لا المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ لِأنَّها تُوصَلُ بِالماضِي والمُضارِعِ والأمْرِ، فَوُصِلَتْ هُنا بِالأمْرِ، ويَنْسَبِكُ مِنها مَعَهُ مَصْدَرٌ، تَقْدِيرُهُ: بِإنْذارِ النّاسِ. وهَذا الوَجْهُ أوْلى مِنَ التَّفْسِيرِيَّةِ؛ لِأنَّ الكُوفِيِّينَ لا يُثْبِتُونَ لِـ ”أنْ“ أنْ تَكُونَ تَفْسِيرِيَّةً، ومِنَ المَصْدَرِيَّةِ المُخَفَّفَةِ مِنَ الثَّقِيلَةِ لِتَقْدِيرِ حَذْفِ اسْمِها وإضْمارِ خَبَرِها، وهو القَوْلُ، فَيَجْتَمِعُ فِيها حَذْفُ الِاسْمِ والخَبَرِ؛ ولِأنَّ التَّأْصِيلَ خَيْرٌ مِن دَعْوى الحَذْفِ بِالتَّخْفِيفِ. ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أنَّ لَهُمْ﴾، أيْ: بِأنَّ لَهم، وحُذِفَتِ الباءُ. و﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وابْنُ زَيْدٍ: هي الأعْمالُ الصّالِحَةُ مِنَ العِباداتِ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: هي شَفاعَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ . وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وغَيْرُهُ: هي المُصِيبَةُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: هي السَّعادَةُ السّابِقَةُ لَهم في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. وقالَ مُقاتِلٌ: سابِقَةُ خَيْرٍ عِنْدَ اللَّهِ قَدَّمُوها. وإلى هَذا المَعْنى أشارَ وضّاحُ اليَمَنِ في قَوْلِهِ: ؎ما لَكَ وضّاحُ دائِمَ الغَزَلْ ∗∗∗ ألَسْتَ تَخْشى تَقارُبَ الأجَلْ ؎صَلِّ لِذِي العَرْشِ واتَّخِذْ قَدَما ∗∗∗ يُنْجِيكَ يَوْمَ العِثارِ والزَّلَلْ وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: سَلَفُ صِدْقٍ. وقالَ عَطاءٌ: مَقامُ صِدْقٍ. وقالَ يَمانٌ: إيمانُ صِدْقٍ. وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: ولَدٌ صالِحٌ قَدَّمُوهُ. وقِيلَ: تَقْدِيمُ اللَّهِ في البَعْثِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ وفي إدْخالِهِمُ الجَنَّةَ، كَما قالَ: (نَحْنُ الآخِرُونَ السّابِقُونَ يَوْمَ القِيامَةِ) وقِيلَ: تَقَدُّمُ شَرَفٍ، ومِنهُ قَوْلُ العَجّاجِ: ؎ذَلَّ بَنِي العَوّامِ مِن آلِ الحَكَمْ ∗∗∗ وتَرَكُوا المُلْكَ لِمَلِكٍ ذِي قَدَمْ وقالَ الزَّجّاجُ: دَرَجَةٌ عالِيَةٌ، وعَنْهُ: مَنزِلَةٌ رَفِيعَةٌ. ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:(p-١٢٣) ؎لَكم قَدَمٌ لا يُنْكِرُ النّاسُ أنَّها ∗∗∗ مَعَ الحَسَبِ العادِيِّ طَمَّتْ عَلى البَحْرِ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ سابِقَةً وفَضْلًا ومَنزِلَةً رَفِيعَةً، ولَمّا كانَ السَّعْيُ والسَّبْقُ بِالقَدَمِ سُمِّيَتِ المَسْعاةُ الجَمِيلَةُ والسّابِقَةُ قَدَمًا، كَما سُمِّيَتِ النِّعْمَةُ يَدًا، لِأنَّها تُعْطى بِاليَدِ وباعًا؛ لِأنَّ صاحِبَها يَبُوعُ بِها، فَقِيلَ لِفُلانٍ قَدَمٌ في الخَيْرِ، وإضافَتُهُ إلى صِدْقٍ دَلالَةٌ عَلى زِيادَةِ فَضْلٍ وأنَّهُ مِنَ السَّوابِقِ العَظِيمَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والصِّدْقُ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى الصَّلاحِ، كَما تَقُولُ: رَجُلُ صِدْقٍ. وعَنِ الأوْزاعِيِّ: (قِدَمَ) بِكَسْرِ القافِ تَسْمِيَةٌ بِالمَصْدَرِ. ﴿قالَ الكافِرُونَ﴾ ذَهَبَ الطَّبَرِيُّ إلى أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا يَدُلُّ الظّاهِرُ عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: فَلَمّا أنْذَرَ وبَشَّرَ قالَ الكافِرُونَ كَذا وكَذا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿قالَ الكافِرُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ، أكانَ لِلنّاسِ في وحْيِنا إلى بَشَرٍ عَجَبٌ قالَ الكافِرُونَ عَنْهُ كَذا وكَذا. وقَرَأ الجُمْهُورُ والعَرَبِيّانِ ونافِعٌ: ”لَسِحْرٌ“ إشارَةٌ إلى الوَحْيِ. وباقِي السَّبْعَةِ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَزِينٍ، ومَسْرُوقٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ كَثِيرٍ، وعِيسى بْنُ عَمْرٍو، بِخِلافٍ عَنْهُما: (لَساحِرٌ) إشارَةٌ إلى الرَّسُولِ ﷺ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: ﴿ما هَذا إلّا سِحْرٌ﴾ [القصص: ٣٦] . وقَرَأ الأعْمَشُ أيْضًا: (ما هَذا إلّا ساحِرٌ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهم في الإنْذارِ والبِشارَةِ سِحْرٌ إنَّما هو بِسَبَبِ أنَّهُ فَرَّقَ كَلِمَتَهم، وحالَ بَيْنَ القَرِيبِ وقَرِيبِهِ، فَأشْبَهَ ذَلِكَ ما يَفْعَلُهُ السّاحِرُ، وظَنُّوهُ مِن ذَلِكَ البابِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا دَلِيلُ عَجْزِهِمْ واعْتِرافِهِمْ بِهِ وإنْ كانُوا كاذِبِينَ في تَسْمِيَتِهِ سِحْرًا. ولَمّا كانَ قَوْلُهم فِيما لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ سِحْرًا ظاهِرَ الفَسادِ، لَمْ يَحْتَجْ قَوْلُهم إلى جَوابٍ؛ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ نَشْأتَهُ مَعَهم بِمَكَّةَ، وخِلْطَتَهم لَهُ، وما كانَتْ قِلَّةَ عِلْمٍ، ثُمَّ ما أتى بِهِ مِنَ الوَحْيِ المُتَضَمِّنِ ما لَمْ يَتَضَمَّنْهُ كِتابٌ إلَهِيٌّ مِن قَصَصِ الأوَّلِينَ والإخْبارِ بِالغُيُوبِ والِاشْتِمالِ عَلى مَصالِحَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، مَعَ الفَصاحَةِ والبَراعَةِ الَّتِي أعْجَزَتْهم إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَعانِي الَّتِي تَضَمَّنَها يَقْضِي بِفَسادِ مَقالَتِهِمْ، وقَوْلُهم ذَلِكَ هو دَيْدَنُ الكَفَرَةِ مَعَ أنْبِيائِهِمْ إذْ أتَوْهم بِالمُعْجِزاتِ كَما قالَ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ في مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٠٩] ﴿قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا﴾ [القصص: ٤٨] وقَوْمُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١١٠] ودَعْوى السِّحْرِ إنَّما هي عَلى سَبِيلِ العِنادِ والجَحْدِ. ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في سُورَةِ الأعْرافِ، وجاءَتا عَقِبَ ذِكْرِ القُرْآنِ والتَّنْبِيهِ عَلى المَعادِ. فَفي الأعْرافِ: ﴿ولَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ﴾ [الأعراف: ٥٢]، وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٥٣]، وهُنا: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ﴾، وذِكْرُ الإنْذارِ والتَّبْشِيرِ، وثَمَرَتِهُما لا تَظْهَرُ إلّا في المَعادِ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ لِما قَبْلَها أنَّ مَن كانَ قادِرًا عَلى إيجادِ هَذا الخَلْقِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ العَظِيمَيْنِ وهو رَبُّكُمُ النّاظِرُ في مَصالِحِكم، فَلا يُتَعَجَّبُ أنْ يَبْعَثَ إلى خَلْقِهِ مَن يُحَذِّرُ مِن مُخالَفَتِهِ ويُبَشِّرُ عَلى طاعَتِهِ، إذْ لَيْسَ خَلْقُهم عَبَثًا، بَلْ عَلى ما اقْتَضَتْهُ حَكَمَتُهُ وسَبَقَتْ بِهِ إرادَتُهُ، إذِ القادِرُ العَظِيمُ قادِرٌ عَلى ما دُونَهُ بِطَرِيقِ الأوْلى.

يونس 10:2

سُورَةُ يُونُسَ مِائَةٌ وتِسْعُ آياتٍ مَكِّيَّةٌ ﷽ (p-١٢٠)﴿الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهم أنْ أنْذِرِ النّاسَ وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أنَّ لَهم قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الكافِرُونَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُدَبِّرُ الأمْرَ ما مِن شَفِيعٍ إلّا مِن بَعْدِ إذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم فاعْبُدُوهُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٣] ﴿إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا وعْدَ اللَّهِ حَقًّا إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالقِسْطِ والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٤] ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلّا بِالحَقِّ يُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٥] ﴿إنَّ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وما خَلَقَ اللَّهُ في السَّماواتِ والأرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦] ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ورَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا واطْمَأنُّوا بِها والَّذِينَ هم عَنْ آياتِنا غافِلُونَ﴾ [يونس: ٧] ﴿أُولَئِكَ مَأْواهُمُ النّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يونس: ٨] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ في جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [يونس: ٩] ﴿دَعْواهم فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهم فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [يونس: ١١] ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأنْ لَمْ يَدْعُنا إلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٢] ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا القُرُونَ مِن قَبْلِكم لَمّا ظَلَمُوا وجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ وما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ [يونس: ١٣] ﴿ثُمَّ جَعَلْناكم خَلائِفَ في الأرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٤] ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [يونس: ١٥] ﴿قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكم ولا أدْراكم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٦] ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ المُجْرِمُونَ﴾ [يونس: ١٧] ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨] ﴿وما كانَ النّاسُ إلّا أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفُوا ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهم فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [يونس: ١٩] ﴿ويَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ فَقُلْ إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ [يونس: ٢٠] ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهم إذا لَهم مَكْرٌ في آياتِنا قُلِ اللَّهُ أسْرَعُ مَكْرًا إنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ﴾ [يونس: ٢١] ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكم في البَرِّ والبَحْرِ حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وجاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكانٍ وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢] ﴿فَلَمّا أنْجاهم إذا هم يَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ يا أيُّها النّاسُ إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكم مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُكم فَنُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٢٣] . القَدَمُ: قالَ اللَّيْثَ وأبُو الهَيْثَمِ: القَدَمُ السّابِقَةُ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ: ؎وأنْتَ امْرُؤٌ مِن أهْلِ بَيْتِ ذُؤابَةٍ لَهم قَدَمٌ مَعْرُوفَةٌ ومَفاخِرُ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والكِسائِيُّ: كُلُّ سابِقٍ في خَيْرٍ أوْ شَرٍّ فَهو قَدَمٌ. وقالَ الأخْفَشُ: سابِقَةُ إخْلاصٍ؛ كَما في قَوْلِ حَسّانَ: ؎لَنا القَدَمُ العُلْيا إلَيْكَ وخَلْفُنا ∗∗∗ لِأوَّلِنا في طاعَةِ اللَّهِ تابِعُ وقالَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيَـى: كُلُّ ما قَدَّمْتَ مِن خَيْرٍ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: العَمَلُ الَّذِي يُتَقَدَّمُ فِيهِ ولا يَقَعُ فِيهِ تَأْخِيرٌ ولا إبْطاءٌ. المُرُورُ: مُجاوَزَةُ الشَّيْءِ والعُبُورُ عَلَيْهِ، تَقُولُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ جاوَزْتُهُ. والمِرَّةُ: القُوَّةُ، ومِنهُ ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ [النجم: ٦] . ومَرَرَ الحَبْلَ قَوّاهُ، ومِنهُ: «لا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ ولا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ» . العاصِفُ الشَّدِيدُ، يُقالُ: عَصَفَتِ الرِّيحُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎حَتّى إذا عَصَفَتْ رِيحٌ مُزَعْزِعَةٌ ∗∗∗ فِيها قِطارٌ ورَعْدٌ صَوْتُهُ زَجَلُ وأعْصَفَ الرِّيحُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎ولَهَتْ عَلَيْهِ كُلُّ مُعْصِفَةٍ ∗∗∗ هَوْجاءَ لَيْسَ لِلُبِّها زَبْرُ وقالَ أبُو تَمّامٍ: ؎إنَّ الرِّياحَ إذا ما أعْصَفَتْ قَصَفَتْ ∗∗∗ عِيدانَ نَجْدٍ ولَمْ يَعْبَأْنَ بِالرَّتَمِ المَوْجُ: ما ارْتَفَعَ مِنَ الماءِ عِنْدَ هُبُوبِ الهَواءِ، سُمِّيَ مَوْجًا لِاضْطِرابِهِ. * * ﴿الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهم أنْ أنْذِرِ النّاسَ وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أنَّ لَهم قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الكافِرُونَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ مُبِينٌ﴾ (p-١٢١)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ، فَإنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وهي ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ﴾ [يونس: ٩٤] إلى آخِرِهِنَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: إلّا قَوْلَهُ ﴿ومِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ [يونس: ٤٠]، فَإنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ بِالمَدِينَةِ. وقالَ قَوْمٌ: نَزَلَ مِن أوَّلِها نَحْوٌ مِن أرْبَعِينَ آيَةً بِمَكَّةَ، ونَزَلَ باقِيها بِالمَدِينَةِ. وقالَ الحَسَنُ وعَطاءٌ وجابِرٌ: هي مَكِّيَّةٌ، وسَبَبُ نُزُولِها: أنَّ أهْلَ مَكَّةَ قالُوا: لَمْ يَجِدِ اللَّهُ رَسُولًا إلّا يَتِيمَ أبِي طالِبٍ، فَنَزَلَتْ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: عَجِبَتْ قُرَيْشٌ أنْ يُبْعَثَ رَجُلٌ مِنهم، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: لَمّا حَدَّثَهم عَنِ البَعْثِ والمَعادِ والنُّشُورِ تَعَجَّبُوا. ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا أنْزَلَ ﴿وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٤] وذَكَرَ تَكْذِيبَ المُنافِقِينَ ثُمَّ قالَ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] وهو مُحَمَّدٌ ﷺ - أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ الكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ، والنَّبِيِّ الَّذِي أرْسَلَ، وأنَّ دَيْدَنَ الضّالِّينَ ومُتابِعِيهِمْ ومُشْرِكِيهِمْ واحِدٌ في التَّكْذِيبِ بِالكُتُبِ الإلَهِيَّةِ وبِمَن جاءَ بِها، ولَمّا كانَ ذِكْرُ القُرْآنِ مُقَدَّمًا عَلى ذِكْرِ الرَّسُولِ في آخِرِ السُّورَةِ؛ جاءَ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ كَذَلِكَ، فَتَقَدَّمَ ذِكْرُ الكِتابِ عَلى ذِكْرِ الرَّسُولِ، وتَقَدَّمَ ما قالَهُ المُفَسِّرُونَ في أوائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ المُفْتَتَحَةِ بِحُرُوفِ المُعْجَمِ، وذَكَرُوا هُنا أقْوالًا عَنِ المُفَسِّرِينَ مِنها: أنا اللَّهُ أرى، ومِنها: أنا اللَّهُ الرَّحْمَنُ، ومِنها: أنَّهُ يَتَرَكَّبُ مِنها ومِن ”حم“ ومِن نُونِ الرَّحْمَنِ. فالرّاءُ بَعْضُ حُرُوفِ الرَّحْمَنِ مُفَرَّقَةً، ومِنها: أنا الرَّبُّ، وغَيْرُ ذَلِكَ. والظّاهِرُ أنَّ تِلْكَ باقِيَةٌ عَلى مَوْضُوعِها مِنِ اسْتِعْمالِها لِبُعْدِ المُشارِ إلَيْهِ. فَقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: أشارَ بِـ ”تِلْكَ“ إلى الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ، فَيَكُونُ الآياتُ القَصَصَ الَّتِي وُصِفَتْ في تِلْكَ الكُتُبِ. وقالَ الزَّجّاجُ: إشارَةٌ إلى آياتِ القُرْآنِ الَّتِي جَرى ذِكْرُها. وقِيلَ: إشارَةٌ إلى الكِتابِ المُحْكَمِ الَّذِي هو مَخْزُونٌ مَكْتُوبٌ عِنْدَ اللَّهِ، ومِنهُ نُسِخَ كُلُّ كِتابٍ كَما قالَ: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ في لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١] وقالَ: ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ﴾ [الزخرف: ٤] وقِيلَ: إشارَةٌ إلى الرّاءِ وأخَواتِها مِن حُرُوفِ المُعْجَمِ، أيْ: تِلْكَ الحُرُوفُ المُفْتَتَحُ بِها السُّوَرُ وإنْ قَرُبَتْ (p-١٢٢)ألْفاظُها فَمَعانِيها بَعِيدَةُ المَنالِ. وهي آياتُ الكِتابِ، أيْ: الكِتابُ بِها يُتْلى، وألْفاظُهُ إلَيْها تَرْجِعُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. وقِيلَ: اسْتَعْمَلَ ”تِلْكَ“ بِمَعْنى ”هَذِهِ“، والمُشارُ إلَيْهِ حاضِرٌ قَرِيبٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. فَقِيلَ: آياتُ القُرْآنِ. وقِيلَ: آياتُ السُّوَرِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها في قَوْلِهِ: ﴿وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٤] وقِيلَ: المُشارُ إلَيْهِ هو الرّاءُ، فَإنَّها كُنُوزُ القُرْآنِ، وبِها العُلُومُ الَّتِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِها. وقِيلَ: إشارَةٌ إلى ما تَضَمَّنَتْهُ السُّورَةُ مِنَ الآياتِ. والكِتابُ السُّورَةُ. والحَكِيمُ: الحاكِمُ، أوْ ذُو الحِكْمَةِ لِاشْتِمالِهِ عَلَيْها. وتَعَلُّقِهِ بِها، أوِ المُحْكَمُ، أوِ المَحْكُومُ بِهِ، أوِ المُحَكَّمُ، أقْوالٌ. والهَمْزَةُ في (أكانَ) لِلِاسْتِفْهامِ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ لِوُقُوعِ العَجَبِ مِنَ الإيحاءِ إلى بَشَرٍ مِنهم بِالإنْذارِ والتَّبْشِيرِ، أيْ: لا عَجَبَ في ذَلِكَ، فَهي عادَةُ اللَّهِ في الأُمَمِ السّالِفَةِ، أوْحى إلى رُسُلِهِمُ الكُتُبَ بِالتَّبْشِيرِ والإنْذارِ عَلى أيْدِي مَنِ اصْطَفاهُ مِنهم. واسْمُ (كانَ) ﴿أنْ أوْحَيْنا﴾، و(عَجَبًا) الخَبَرُ، و(لِلنّاسِ) فَقِيلَ: هو في مَوْضِعِ الحالِ مِن (عَجَبًا) لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً، فَلَمّا تَقَدَّمَ كانَ حالًا، وقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ (عَجَبًا)، ولَيْسَ مَصْدَرًا، بَلْ هو بِمَعْنى مُعْجِبٍ، والمَصْدَرُ إذا كانَ بِمَعْنى المَفْعُولِ جازَ تَقَدُّمُ مَعْمُولِهِ عَلَيْهِ كاسْمِ المَفْعُولِ. وقِيلَ: هو تَبْيِينٌ، أيْ: أعْنِي لِلنّاسِ. وقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِـ (كانَ) وإنْ كانَتْ ناقِصَةً، وهَذا لا يَتِمُّ إلّا إذا قُدِّرَتْ دالَّةً عَلى الحَدَثِ فَإنَّها إنْ تَمَحَّضَتْ لِلدَّلالَةِ عَلى الزَّمانِ لَمْ يَصِحُّ تَعَلُّقٌ بِها. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: (عَجَبٌ)، فَقِيلَ: (عَجَبٌ) اسْمُ كانَ، و﴿أنْ أوْحَيْنا﴾ هو الخَبَرُ، فَيَكُونُ نَظِيرَ: ؎يَكُونُ مِزاجُها عَسَلٌ وماءٌ وهَذا مَحْمُولٌ عَلى الشُّذُوذِ، وهَذا تَخْرِيجُ الزَّمَخْشَرِيِّ وابْنِ عَطِيَّةَ. وقِيلَ: (كانَ) تامَّةٌ، و(عَجَبٌ) فاعِلٌ بِها، والمَعْنى: أحَدَثَ لِلنّاسِ عَجَبٌ لِأنْ أوْحَيْنا، وهَذا التَّوْجِيهُ حَسَنٌ. ومَعْنى ﴿لِلنّاسِ عَجَبًا﴾: أنَّهم جَعَلُوهُ لَهم أُعْجُوبَةً يَتَعَجَّبُونَ مِنها، ونَصَبُوهُ عَلَمًا لَهم يُوَجِّهُونَ نَحْوَهُ اسْتِهْزاءَهم وإنْكارَهم. وقَرَأ رُؤْبَةُ: ﴿إلى رَجُلٍ﴾ بِسُكُونِ الجِيمِ، وهي لُغَةٌ تَمِيمِيَّةٌ يُسَكِّنُونَ فَعْلًا، نَحْوُ: سَبْعٌ وعَضْدٌ في سَبُعٍ وعَضُدٍ. ولَمّا كانَ الإنْذارُ عامًّا كانَ مُتَعَلَّقُهُ وهو (النّاسُ) عامًّا. والبِشارَةُ خاصَّةً، فَكانَ مُتَعَلَّقُها خاصًّا وهو (الَّذِينَ آمَنُوا) . و(أنْ أنْذِرِ) ”أنْ“ تَفْسِيرِيَّةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وأصْلُهُ أنَّهُ أنْذَرَ النّاسَ عَلى مَعْنى أنَّ الشَّأْنَ قَوْلُنا أنْذِرِ النّاسَ، قالَهُما الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”أنِ“ المَصْدَرِيَّةَ الثُّنائِيَّةَ الوَضْعِ، لا المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ لِأنَّها تُوصَلُ بِالماضِي والمُضارِعِ والأمْرِ، فَوُصِلَتْ هُنا بِالأمْرِ، ويَنْسَبِكُ مِنها مَعَهُ مَصْدَرٌ، تَقْدِيرُهُ: بِإنْذارِ النّاسِ. وهَذا الوَجْهُ أوْلى مِنَ التَّفْسِيرِيَّةِ؛ لِأنَّ الكُوفِيِّينَ لا يُثْبِتُونَ لِـ ”أنْ“ أنْ تَكُونَ تَفْسِيرِيَّةً، ومِنَ المَصْدَرِيَّةِ المُخَفَّفَةِ مِنَ الثَّقِيلَةِ لِتَقْدِيرِ حَذْفِ اسْمِها وإضْمارِ خَبَرِها، وهو القَوْلُ، فَيَجْتَمِعُ فِيها حَذْفُ الِاسْمِ والخَبَرِ؛ ولِأنَّ التَّأْصِيلَ خَيْرٌ مِن دَعْوى الحَذْفِ بِالتَّخْفِيفِ. ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أنَّ لَهُمْ﴾، أيْ: بِأنَّ لَهم، وحُذِفَتِ الباءُ. و﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وابْنُ زَيْدٍ: هي الأعْمالُ الصّالِحَةُ مِنَ العِباداتِ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: هي شَفاعَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ . وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وغَيْرُهُ: هي المُصِيبَةُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: هي السَّعادَةُ السّابِقَةُ لَهم في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. وقالَ مُقاتِلٌ: سابِقَةُ خَيْرٍ عِنْدَ اللَّهِ قَدَّمُوها. وإلى هَذا المَعْنى أشارَ وضّاحُ اليَمَنِ في قَوْلِهِ: ؎ما لَكَ وضّاحُ دائِمَ الغَزَلْ ∗∗∗ ألَسْتَ تَخْشى تَقارُبَ الأجَلْ ؎صَلِّ لِذِي العَرْشِ واتَّخِذْ قَدَما ∗∗∗ يُنْجِيكَ يَوْمَ العِثارِ والزَّلَلْ وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: سَلَفُ صِدْقٍ. وقالَ عَطاءٌ: مَقامُ صِدْقٍ. وقالَ يَمانٌ: إيمانُ صِدْقٍ. وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: ولَدٌ صالِحٌ قَدَّمُوهُ. وقِيلَ: تَقْدِيمُ اللَّهِ في البَعْثِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ وفي إدْخالِهِمُ الجَنَّةَ، كَما قالَ: (نَحْنُ الآخِرُونَ السّابِقُونَ يَوْمَ القِيامَةِ) وقِيلَ: تَقَدُّمُ شَرَفٍ، ومِنهُ قَوْلُ العَجّاجِ: ؎ذَلَّ بَنِي العَوّامِ مِن آلِ الحَكَمْ ∗∗∗ وتَرَكُوا المُلْكَ لِمَلِكٍ ذِي قَدَمْ وقالَ الزَّجّاجُ: دَرَجَةٌ عالِيَةٌ، وعَنْهُ: مَنزِلَةٌ رَفِيعَةٌ. ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:(p-١٢٣) ؎لَكم قَدَمٌ لا يُنْكِرُ النّاسُ أنَّها ∗∗∗ مَعَ الحَسَبِ العادِيِّ طَمَّتْ عَلى البَحْرِ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ سابِقَةً وفَضْلًا ومَنزِلَةً رَفِيعَةً، ولَمّا كانَ السَّعْيُ والسَّبْقُ بِالقَدَمِ سُمِّيَتِ المَسْعاةُ الجَمِيلَةُ والسّابِقَةُ قَدَمًا، كَما سُمِّيَتِ النِّعْمَةُ يَدًا، لِأنَّها تُعْطى بِاليَدِ وباعًا؛ لِأنَّ صاحِبَها يَبُوعُ بِها، فَقِيلَ لِفُلانٍ قَدَمٌ في الخَيْرِ، وإضافَتُهُ إلى صِدْقٍ دَلالَةٌ عَلى زِيادَةِ فَضْلٍ وأنَّهُ مِنَ السَّوابِقِ العَظِيمَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والصِّدْقُ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى الصَّلاحِ، كَما تَقُولُ: رَجُلُ صِدْقٍ. وعَنِ الأوْزاعِيِّ: (قِدَمَ) بِكَسْرِ القافِ تَسْمِيَةٌ بِالمَصْدَرِ. ﴿قالَ الكافِرُونَ﴾ ذَهَبَ الطَّبَرِيُّ إلى أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا يَدُلُّ الظّاهِرُ عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: فَلَمّا أنْذَرَ وبَشَّرَ قالَ الكافِرُونَ كَذا وكَذا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿قالَ الكافِرُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ، أكانَ لِلنّاسِ في وحْيِنا إلى بَشَرٍ عَجَبٌ قالَ الكافِرُونَ عَنْهُ كَذا وكَذا. وقَرَأ الجُمْهُورُ والعَرَبِيّانِ ونافِعٌ: ”لَسِحْرٌ“ إشارَةٌ إلى الوَحْيِ. وباقِي السَّبْعَةِ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَزِينٍ، ومَسْرُوقٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ كَثِيرٍ، وعِيسى بْنُ عَمْرٍو، بِخِلافٍ عَنْهُما: (لَساحِرٌ) إشارَةٌ إلى الرَّسُولِ ﷺ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: ﴿ما هَذا إلّا سِحْرٌ﴾ [القصص: ٣٦] . وقَرَأ الأعْمَشُ أيْضًا: (ما هَذا إلّا ساحِرٌ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهم في الإنْذارِ والبِشارَةِ سِحْرٌ إنَّما هو بِسَبَبِ أنَّهُ فَرَّقَ كَلِمَتَهم، وحالَ بَيْنَ القَرِيبِ وقَرِيبِهِ، فَأشْبَهَ ذَلِكَ ما يَفْعَلُهُ السّاحِرُ، وظَنُّوهُ مِن ذَلِكَ البابِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا دَلِيلُ عَجْزِهِمْ واعْتِرافِهِمْ بِهِ وإنْ كانُوا كاذِبِينَ في تَسْمِيَتِهِ سِحْرًا. ولَمّا كانَ قَوْلُهم فِيما لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ سِحْرًا ظاهِرَ الفَسادِ، لَمْ يَحْتَجْ قَوْلُهم إلى جَوابٍ؛ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ نَشْأتَهُ مَعَهم بِمَكَّةَ، وخِلْطَتَهم لَهُ، وما كانَتْ قِلَّةَ عِلْمٍ، ثُمَّ ما أتى بِهِ مِنَ الوَحْيِ المُتَضَمِّنِ ما لَمْ يَتَضَمَّنْهُ كِتابٌ إلَهِيٌّ مِن قَصَصِ الأوَّلِينَ والإخْبارِ بِالغُيُوبِ والِاشْتِمالِ عَلى مَصالِحَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، مَعَ الفَصاحَةِ والبَراعَةِ الَّتِي أعْجَزَتْهم إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَعانِي الَّتِي تَضَمَّنَها يَقْضِي بِفَسادِ مَقالَتِهِمْ، وقَوْلُهم ذَلِكَ هو دَيْدَنُ الكَفَرَةِ مَعَ أنْبِيائِهِمْ إذْ أتَوْهم بِالمُعْجِزاتِ كَما قالَ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ في مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٠٩] ﴿قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا﴾ [القصص: ٤٨] وقَوْمُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١١٠] ودَعْوى السِّحْرِ إنَّما هي عَلى سَبِيلِ العِنادِ والجَحْدِ. ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في سُورَةِ الأعْرافِ، وجاءَتا عَقِبَ ذِكْرِ القُرْآنِ والتَّنْبِيهِ عَلى المَعادِ. فَفي الأعْرافِ: ﴿ولَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ﴾ [الأعراف: ٥٢]، وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٥٣]، وهُنا: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ﴾، وذِكْرُ الإنْذارِ والتَّبْشِيرِ، وثَمَرَتِهُما لا تَظْهَرُ إلّا في المَعادِ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ لِما قَبْلَها أنَّ مَن كانَ قادِرًا عَلى إيجادِ هَذا الخَلْقِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ العَظِيمَيْنِ وهو رَبُّكُمُ النّاظِرُ في مَصالِحِكم، فَلا يُتَعَجَّبُ أنْ يَبْعَثَ إلى خَلْقِهِ مَن يُحَذِّرُ مِن مُخالَفَتِهِ ويُبَشِّرُ عَلى طاعَتِهِ، إذْ لَيْسَ خَلْقُهم عَبَثًا، بَلْ عَلى ما اقْتَضَتْهُ حَكَمَتُهُ وسَبَقَتْ بِهِ إرادَتُهُ، إذِ القادِرُ العَظِيمُ قادِرٌ عَلى ما دُونَهُ بِطَرِيقِ الأوْلى.

يونس 10:3

﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ ما مِن شَفِيعٍ إلّا مِن بَعْدِ إذْنِهِ﴾: قالَ مُجاهِدٌ: أيْ يَقْضِيهِ وحْدَهُ. والتَّدْبِيرُ تَنْزِيلُ الأُمُورِ في مَراتِبِها والنَّظَرُ في أدْبارِها وعَواقِبِها، والأمْرُ قِيلَ: الخَلْقُ كُلُّهُ عُلْوِيُّهُ وسُفْلِيُّهُ. وقِيلَ: يَبْعَثُ بِالأمْرِ مَلائِكَةً، فَجِبْرِيلُ لِلْوَحْيِ، ومِيكائِيلُ لِلْقَطْرِ، وعِزْرائِيلُ لِلْقَبْضِ، وإسْرافِيلُ لِلصُّورِ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ بَيانٌ لِعَظِيمِ شَأْنِهِ ومُلْكِهِ. ولَمّا ذَكَرَ الإيجادَ ذَكَرَ ما يَكُونُ فِيهِ مِنَ الأُمُورِ، وأنَّهُ المُنْفَرِدُ بِهِ إيجادًا وتَدْبِيرًا، لا يَشْرَكُهُ أحَدٌ في ذَلِكَ، وأنَّهُ لا يَجْتَرِئُ أحَدٌ عَلى الشَّفاعَةِ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ، إذْ هو - تَعالى - أعْلَمُ بِمَوْضِعِ الحِكْمَةِ والصَّوابِ. وفي هَذِهِ دَلِيلٌ عَلى عِظَمِ عِزَّتِهِ وكِبْرِيائِهِ كَما قالَ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبإ: ٣٨] الآيَةَ. ولَمّا كانَ الخِطابُ عامًّا وكانَ الكُفّارُ يَقُولُونَ عَنْ أصْنامِهِمْ: هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ؛ رَدَّ ذَلِكَ تَعالى عَلَيْهِمْ، وناسَبَ ذِكْرَ الشَّفاعَةِ الَّتِي تَكُونُ في القِيامَةِ بَعْدَ ذِكْرِ المَبْدَأِ لِيَجْمَعَ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ: الِابْتِداءِ (p-١٢٤)والِانْتِهاءِ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْبَهانِيُّ: الشَّفِيعُ هُنا مِنَ الشَّفْعِ الَّذِي يُخالِفُ الوَتْرَ، فَمَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ أوْجَدَ العالَمَ وحْدَهُ لا شَرِيكَ يُعِينُهُ، ولَمْ يَحْدُثْ شَيْءٌ في الوُجُودِ إلّا مِن بَعْدِ أنْ قالَ لَهُ: كُنْ. وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا وخَبَرًا ثانِيًا وحالًا. ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم فاعْبُدُوهُ﴾: أيِ المُتَّصِفُ بِالإيجادِ والتَّدْبِيرِ والكِبْرِياءِ، هو رَبُّكُمُ النّاظِرُ في مَصالِحِكم، فَهو المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ، إذْ لا يَصْلُحُ لِأنْ يُعْبَدَ إلّا هو تَعالى، فَلا تُشْرِكُوا بِهِ بَعْضَ خَلْقِهِ. ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾: حَضٌّ عَلى التَّدْبِيرِ والتَّفَكُّرِ في الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى رُبُوبِيَّتِهِ وإمْحاضِ العِبادَةِ لَهُ.

يونس 10:4

﴿إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا وعْدَ اللَّهِ حَقًّا إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالقِسْطِ والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾: ذَكَرَ ما يَقْتَضِي التَّذْكِيرَ؛ وهو كَوْنُ مَرْجِعِ الجَمِيعِ إلَيْهِ، وأكَّدَ هَذا الإخْبارَ بِأنَّهُ وعْدُ اللَّهِ الَّذِي لا شَكَّ في صِدْقِهِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ، وفِيهِ مَعْنى التَّعْلِيلِ بِابْتِداءِ الخَلْقِ وإعادَتِهِ وأنَّ مُقْتَضى الحِكْمَةِ بِذَلِكَ هو جَزاءُ المُكَلَّفِينَ عَلى أعْمالِهِمْ. وانْتَصَبَ ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ و(حَقًّا) عَلى أنَّهُما مَصْدَرانِ مُؤَكِّدانِ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، والتَّقْدِيرُ: وعَدَ اللَّهُ وعْدًا، فَلَمّا حَذَفَ النّاصِبَ أضافَ المَصْدَرَ إلى الفاعِلِ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨] و﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٨٨] والتَّقْدِيرُ: في (حَقًّا) حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا. وقِيلَ: انْتَصَبَ (حَقًّا) بِـ (وعْدَ)، عَلى تَقْدِيرِ: في أيِّ وعْدِ اللَّهِ في حَقٍّ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: التَّقْدِيرُ: وقْتَ حَقٍّ، وأنْشَدَ: ؎أحَقًّا عِبادَ اللَّهِ أنْ لَسْتُ خارِجًا ولا والِجًا إلّا عَلَيَّ رَقِيبُ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْمَشُ، وسَهْلُ بْنُ شُعَيْبٍ: (أنَّهُ يَبْدَأُ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو مَنصُوبٌ بِالفِعْلِ، أيْ: وعَدَ اللَّهُ تَعالى بَدْءَ الخَلْقِ ثُمَّ إعادَتَهُ، والمَعْنى: إعادَةُ الخَلْقِ بَعْدَ بَدْئِهِ. وعَدَ اللَّهُ عَلى لَفْظِ الفِعْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا بِما نَصَبَ (حَقًّا)، أيْ: حَقَّ حَقًّا بَدْءُ الخَلْقِ، كَقَوْلِهِ: ؎أحَقًّا عِبادَ اللَّهِ أنْ لَسْتُ جائِيًا ∗∗∗ ولا ذاهِبًا إلّا عَلَيَّ رَقِيبُ انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَوْضِعُها النَّصْبُ عَلى تَقْدِيرِ أحَقٌّ أنَّهُ. وقالَ الفَرّاءُ: مَوْضِعُها رَفْعٌ عَلى تَقْدِيرِ: لَحَقٌّ أنَّهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ ”أنَّهُ“ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ . قالَ أبُو الفَتْحِ: إنْ شِئْتَ قَدَّرْتَ: لِأنَّهُ يَبْدَأُ، فَمَن في قُدْرَتِهِ هَذا فَهو غَنِيٌّ عَنْ إخْلافِ الوَعْدِ، وإنْ شِئْتَ قَدَّرْتَ: وعَدَ اللَّهُ حَقًّا أنَّهُ يَبْدَأُ، ولا يَعْمَلُ فِيهِ المَصْدَرُ الَّذِي هو ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ٥٥]، لِأنَّهُ قَدْ وصَفَ ذَلِكَ بِتَمامِهِ وقَطَعَ عَمَلَهُ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: (حَقٌّ) بِالرَّفْعِ، فَهَذا ابْتِداءٌ، وخَبَرُهُ ”أنَّهُ“ . انْتَهى. وكَوْنُ (حَقٌّ) خَبَرَ مُبْتَدَأٍ و”أنَّهُ“ هو المُبْتَدَأُ - هو الوَجْهُ في الإعْرابِ، كَما تَقُولُ: صَحِيحٌ أنَّكَ تَخْرُجُ؛ لِأنَّ اسْمَ ”أنَّ“ مَعْرِفَةٌ، والَّذِي تَقَدَّمَها في نَحْوِ هَذا المِثالِ نَكِرَةٌ. والظّاهِرُ أنَّ بَدْءَ الخَلْقِ هو النَّشْأةُ الأُولى، وإعادَتُهُ هو البَعْثُ مِنَ القُبُورِ، و(لِيَجْزِيَ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (يُعِيدُهُ)، أيْ: لِيَقَعَ الجَزاءُ عَلى الأعْمالِ. وقِيلَ: البَدْءُ مِنَ التُّرابِ، ثُمَّ يُعِيدُهُ إلى التُّرابِ، ثُمَّ يُعِيدُهُ إلى البَعْثِ. وقِيلَ: البَدْءُ نَشْأتُهُ مِنَ الماءِ، ثُمَّ يُعِيدُهُ مِن حالٍ إلى حالٍ. وقِيلَ: يَبْدَؤُهُ مِنَ العَدَمِ، ثُمَّ يُعِيدُهُ إلَيْهِ، ثُمَّ يُوجِدُهُ. وقِيلَ: يَبْدَؤُهُ في زُمْرَةِ الأشْقِياءِ، ثُمَّ يُعِيدُهُ عِنْدَ المَوْتِ إلى زُمْرَةِ الأوْلِياءِ، وبِعَكْسِ ذَلِكَ. وقَرَأ طَلْحَةُ: (يُبْدِئُ) مِن (أبْدَأ) رُباعِيًّا، وبَدَأ وأبْدَأ بِمَعْنًى، وبِالقِسْطِ مَعْناهُ بِالعَدْلِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: (لِيَجْزِيَ)، أيْ: لِيُثِيبَ المُؤْمِنِينَ بِالعَدْلِ والإنْصافِ في جَزائِهِمْ، فَيُوصِّلُ كُلًّا إلى جَزائِهِ وثَوابِهِ عَلى حَسَبِ تَفاضُلِهِمْ في الأعْمالِ، فَيُنْصِفُ بَيْنَهم ويَعْدِلُ، إذْ لَيْسُوا كُلُّهم مُساوِينَ في مَقادِيرِ الثَّوابِ، وعَلى هَذا يَكُونُ: بِالقِسْطِ مِنهُ تَعالى. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ يُقْسِطُهم بِما أقْسَطُوا وعَدَلُوا ولَمْ يَظْلِمُوا حِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، لِأنَّ الشِّرْكَ ظُلْمٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] والعُصاةُ ظُلّامٌ لِأنْفُسِهِمْ، وهَذا أوْجَهُ لِمُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ . انْتَهى، فَجَعَلَ القِسْطَ مِن فِعْلِ الَّذِينَ آمَنُوا، وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ، والظّاهِرُ أنَّ (والَّذِينَ كَفَرُوا) مُبْتَدَأٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: (الَّذِينَ آمَنُوا)، فَيَكُونُ الجَزاءُ بِالعَدْلِ قَدْ شَمِلَ الفَرِيقَيْنِ. ولَمّا كانَ (p-١٢٥)الحَدِيثُ مَعَ الكَفّارَةِ مُفْتَتَحَ السُّورَةِ مَعَهم، ذَكَرَ شَيْئًا مِن أنْواعِ عَذابِهِمْ فَقالَ: ﴿لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ وتَقَدَّمَ شَرْحُ هَذا في سُورَةِ الأنْعامِ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلّا بِالحَقِّ يُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى الدَّلائِلَ عَلى رُبُوبِيَّتِهِ مِن إيجادِ هَذا العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ، ذَكَرَ ما أوْدَعَ في العالَمِ العُلْوِيِّ مِن هَذَيْنِ الجَوْهَرَيْنِ النَّيِّرَيْنِ المُشْرِقَيْنِ، فَجَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً، أيْ: ذاتَ ضِياءٍ أوْ مُضِيئَةً، أوْ نَفْسَ الضِّياءِ مُبالَغَةً، و(جَعَلَ) يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى صَيَّرَ، فَيَكُونُ ﴿ضِياءً﴾ مَفْعُولًا ثانِيًا. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى خَلَقَ فَيَكُونُ حالًا، ﴿والقَمَرَ نُورًا﴾، أيْ: ذا نُورٍ، أوْ مُنَوَّرًا أوْ نَفْسَ النُّورِ مُبالَغَةً، أوْ هُما مَصْدَرانِ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿ضِياءً﴾ جَمْعًا، كَحَوْضٍ وحِياضٍ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ. ولَمّا كانَتِ الشَّمْسُ أعْظَمَ جِرْمًا خُصَّتْ بِالضِّياءِ لِأنَّهُ هو الَّذِي لَهُ سُطُوعٌ ولَمَعانٌ، وهو أعْظَمُ مِنَ النُّورِ. قالَ أرْبابُ عِلْمِ الهَيْئَةِ: الشَّمْسُ قَدْرُ الأرْضِ مِائَةُ مَرَّةٍ وأرْبَعًا وسِتِّينَ مَرَّةً، والقَمَرُ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَخُصَّ الأعْظَمُ بِالأعْظَمِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الفَرْقُ بَيْنَ الضِّياءِ والنُّورِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧] . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [النور: ٣٥] يَقْتَضِي أنَّ النُّورَ أعْظَمُ وأبْلَغُ في الشُّرُوقِ، وإلّا فَلِمَ عَدَلَ إلى الأقَلِّ الَّذِي هو النُّورُ. فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَفْظَةُ النُّورِ أحْكَمُ وأبْلَغُ، وذَلِكَ أنَّهُ شَبَّهَ هُداهُ ولُطْفَهُ الَّذِي يُصِيبُهُ لِقَوْمٍ يَهْتَدُونَ، وآخَرِينَ يَضِلُّونَ مَعَهُ بِالنُّورِ الَّذِي هو أبَدًا مَوْجُودٌ في اللَّيْلِ وأثْناءِ الظَّلامِ. ولَوْ شَبَّهَهُ بِالضِّياءِ لَوَجَبَ أنْ لا يُضِلَّ أحَدًا، إذْ كانَ الهُدى يَكُونُ كالشَّمْسِ الَّتِي لا تَبْقى مَعَها ظُلْمَةٌ. فَمَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ تَعالى جَعَلَ هُداهُ في الكُفْرِ كالنُّورِ في الظَّلامِ، فَيَهْتَدِي قَوْمٌ ويَضِلُّ قَوْمٌ آخَرُونَ. ولَوْ جَعَلَهُ كالضِّياءِ لَوَجَبَ أنْ لا يَضِلَّ أحَدٌ، وبَقِيَ الضِّياءُ عَلى هَذا أبْلَغَ في الشُّرُوقِ كَما اقْتَضَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وقَرَأ قَنْبُلٌ: (ضِياءً) هُنا، وفي الأنْبِياءِ والقَصَصِ بِهَمْزَةٍ قَبْلَ الألِفِ بَدَلَ الياءِ. ووُجِّهَتْ عَلى أنَّهُ مِنَ المَقْلُوبِ جُعِلَتْ لامُهُ عَيْنًا، فَكانَتْ هَمْزَةً. وتَطَرَّفَتِ الواوُ الَّتِي كانَتْ عَيْنًا بَعْدَ ألِفٍ زائِدَةٍ فانْقَلَبَتْ هَمْزَةً، وضُعِّفَ ذَلِكَ بِأنَّ القِياسَ الفِرارُ مِنِ اجْتِماعِ هَمْزَتَيْنِ إلى تَخْفِيفِ إحْداهُما، فَكَيْفَ يُتَخَيَّلُ إلى تَقْدِيمٍ وتَأْخِيرٍ يُؤَدِّي إلى اجْتِماعِهِما ولَمْ يَكُونا في الأصْلِ، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى القَمَرِ، أيْ: مَسِيرُهُ مَنازِلَ، أوْ قَدَّرَهُ ذا مَنازِلَ، أوْ قَدَّرَ لَهُ مَنازِلَ، فَحَذَفَ وأوْصَلَ الفِعْلَ، فانْتَصَبَ بِحَسَبِ هَذِهِ التَّقادِيرِ عَلى الظَّرْفِ أوِ الحالِ أوِ المَفْعُولِ كَقَوْلِهِ: ﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾ [يس: ٣٩] وعادَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ وحْدَهُ؛ لِأنَّهُ هو المُراعى في مَعْرِفَةِ عَدَدِ السِّنِينَ والحِسابِ عِنْدَ العَرَبِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَهُما مَعًا بِحَسَبِ أنَّهُما مُصَرَّفانِ في مَعْرِفَةِ عَدَدِ السِّنِينَ والحِسابِ، لَكِنَّهُ اجْتُزِئَ بِذِكْرِ أحَدِهِما كَما قالَ: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] وكَما قالَ الشّاعِرُ: ؎رَمانِي بِأمْرٍ كُنْتُ مِنهُ ووالِدِي ∗∗∗ بَرِيئًا ومِن أجْلِ الطَّوِيِّ رَمانِي والمَنازِلُ: هي البُرُوجُ، وكانَتِ العَرَبُ تَنْسِبُ إلَيْها الأنْواءَ، وهي ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ مَنزِلَةً: الشُّرَطَيْنُ، والبُطَيْنُ، والثُّرَيّا، والدَّبَرانُ، والهَقْعَةُ، والهَنْعَةُ، والذِّراعُ، والنَّثْرَةُ، والطَّرْفُ، والجَبْهَةُ، والدَّبْرَةُ، والصِّرْفَةُ، والعَوّاءُ، والسِّماكُ، والغَفْرُ، والزِّبانانِ، والإكْلِيلُ، والقَلْبُ، والشَّوْلَةُ، والنَّعائِمُ، والبَلْدَةُ، وسَعْدُ الذّابِحِ، وسَعْدُ بَلْعٍ، وسَعْدُ السُّعُودِ، وسَعْدُ الأخْبِيَةِ، والفَرْعُ المُؤَخَّرُ، والرِّشاءُ وهو الحُوتُ. واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وقَدَّرَهُ مَنازِلَ﴾ . قالَ الأصْمَعِيُّ: سُئِلَ أبُو عَمْرٍو عَنِ الحِسابِ، أفَبِنَصْبِهِ أوْ بِجَرِّهِ ؟ فَقالَ: ومَن يَدْرِي ما عَدَدُ الحِسابِ ؟ انْتَهى. يُرِيدُ أنَّ الجَرَّ إنَّما يَكُونُ مُقْتَضِيًا أنَّ الحِسابَ يَكُونُ يُعْلَمُ عَدَدُهُ، والحِسابُ لا يُمْكِنُ أنْ يُعْلَمَ مُنْتَهى عَدَدِهِ، (p-١٢٦)والحِسابُ حِسابُ الأوْقاتِ مِنَ الأشْهُرِ والأيّامِ واللَّيالِي مِمّا يُنْتَفَعُ بِهِ في المَعاشِ والإجاراتِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُضْطَرُّ فِيهِ إلى مَعْرِفَةِ التَّوارِيخِ. وقِيلَ: اكْتَفى بِذِكْرِ عَدَدِ السِّنِينَ مِن عَدَدِ الشُّهُورِ، وكَنّى بِالحِسابِ عَنِ المُعامَلاتِ، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى مَخْلُوقِهِ. وذَلِكَ يُشارُ بِها إلى الواحِدِ، وقَدْ يُشارُ بِها إلى الجَمْعِ. ومَعْنى (بِالحَقِّ) مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ الَّذِي هو الحِكْمَةُ البالِغَةُ، ولَمْ يَخْلُقْهُ عَبَثًا كَما جاءَ ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١] ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٨] وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الحَقُّ هُنا هو اللَّهُ تَعالى، والمَعْنى: ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلّا بِاللَّهِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ مَعَهُ. انْتَهى. وما قالَهُ تَرْكِيبٌ قَلِقٌ، إذْ يَصِيرُ ما ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا إلّا بِزَيْدٍ. وقِيلَ: الباءُ بِمَعْنى اللّامِ، أيْ لِلْحَقِّ، وهو إظْهارُ صَنْعَتِهِ وبَيانُ قُدْرَتِهِ ودَلالَةٌ عَلى وحْدانِيَّتِهِ. وقَرَأ ابْنُ مُصَرِّفٍ: (والحَسابِ) بِفَتْحِ الحاءِ، ورَواهُ أبُو تَوْبَةٍ عَنِ العَرَبِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ: (يُفَصِّلُ) بِالياءِ جَرْيًا عَلى لَفْظَةِ اللَّهِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالنُّونِ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ والإخْبارِ بِنُونِ العَظَمَةِ، وخُصَّ مَن يَعْلَمُ بِتَفْصِيلِ الآياتِ لَهم، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِتَفْصِيلِ الآياتِ، ويَتَدَبَّرُونَ بِها في الِاسْتِدْلالِ والنَّظَرِ الصَّحِيحِ. والآياتُ العَلاماتُ الدّالَّةُ أوْ آياتُ القُرْآنِ.

يونس 10:5

﴿إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا وعْدَ اللَّهِ حَقًّا إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالقِسْطِ والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾: ذَكَرَ ما يَقْتَضِي التَّذْكِيرَ؛ وهو كَوْنُ مَرْجِعِ الجَمِيعِ إلَيْهِ، وأكَّدَ هَذا الإخْبارَ بِأنَّهُ وعْدُ اللَّهِ الَّذِي لا شَكَّ في صِدْقِهِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ، وفِيهِ مَعْنى التَّعْلِيلِ بِابْتِداءِ الخَلْقِ وإعادَتِهِ وأنَّ مُقْتَضى الحِكْمَةِ بِذَلِكَ هو جَزاءُ المُكَلَّفِينَ عَلى أعْمالِهِمْ. وانْتَصَبَ ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ و(حَقًّا) عَلى أنَّهُما مَصْدَرانِ مُؤَكِّدانِ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، والتَّقْدِيرُ: وعَدَ اللَّهُ وعْدًا، فَلَمّا حَذَفَ النّاصِبَ أضافَ المَصْدَرَ إلى الفاعِلِ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨] و﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٨٨] والتَّقْدِيرُ: في (حَقًّا) حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا. وقِيلَ: انْتَصَبَ (حَقًّا) بِـ (وعْدَ)، عَلى تَقْدِيرِ: في أيِّ وعْدِ اللَّهِ في حَقٍّ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: التَّقْدِيرُ: وقْتَ حَقٍّ، وأنْشَدَ: ؎أحَقًّا عِبادَ اللَّهِ أنْ لَسْتُ خارِجًا ولا والِجًا إلّا عَلَيَّ رَقِيبُ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْمَشُ، وسَهْلُ بْنُ شُعَيْبٍ: (أنَّهُ يَبْدَأُ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو مَنصُوبٌ بِالفِعْلِ، أيْ: وعَدَ اللَّهُ تَعالى بَدْءَ الخَلْقِ ثُمَّ إعادَتَهُ، والمَعْنى: إعادَةُ الخَلْقِ بَعْدَ بَدْئِهِ. وعَدَ اللَّهُ عَلى لَفْظِ الفِعْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا بِما نَصَبَ (حَقًّا)، أيْ: حَقَّ حَقًّا بَدْءُ الخَلْقِ، كَقَوْلِهِ: ؎أحَقًّا عِبادَ اللَّهِ أنْ لَسْتُ جائِيًا ∗∗∗ ولا ذاهِبًا إلّا عَلَيَّ رَقِيبُ انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَوْضِعُها النَّصْبُ عَلى تَقْدِيرِ أحَقٌّ أنَّهُ. وقالَ الفَرّاءُ: مَوْضِعُها رَفْعٌ عَلى تَقْدِيرِ: لَحَقٌّ أنَّهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ ”أنَّهُ“ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ . قالَ أبُو الفَتْحِ: إنْ شِئْتَ قَدَّرْتَ: لِأنَّهُ يَبْدَأُ، فَمَن في قُدْرَتِهِ هَذا فَهو غَنِيٌّ عَنْ إخْلافِ الوَعْدِ، وإنْ شِئْتَ قَدَّرْتَ: وعَدَ اللَّهُ حَقًّا أنَّهُ يَبْدَأُ، ولا يَعْمَلُ فِيهِ المَصْدَرُ الَّذِي هو ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ٥٥]، لِأنَّهُ قَدْ وصَفَ ذَلِكَ بِتَمامِهِ وقَطَعَ عَمَلَهُ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: (حَقٌّ) بِالرَّفْعِ، فَهَذا ابْتِداءٌ، وخَبَرُهُ ”أنَّهُ“ . انْتَهى. وكَوْنُ (حَقٌّ) خَبَرَ مُبْتَدَأٍ و”أنَّهُ“ هو المُبْتَدَأُ - هو الوَجْهُ في الإعْرابِ، كَما تَقُولُ: صَحِيحٌ أنَّكَ تَخْرُجُ؛ لِأنَّ اسْمَ ”أنَّ“ مَعْرِفَةٌ، والَّذِي تَقَدَّمَها في نَحْوِ هَذا المِثالِ نَكِرَةٌ. والظّاهِرُ أنَّ بَدْءَ الخَلْقِ هو النَّشْأةُ الأُولى، وإعادَتُهُ هو البَعْثُ مِنَ القُبُورِ، و(لِيَجْزِيَ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (يُعِيدُهُ)، أيْ: لِيَقَعَ الجَزاءُ عَلى الأعْمالِ. وقِيلَ: البَدْءُ مِنَ التُّرابِ، ثُمَّ يُعِيدُهُ إلى التُّرابِ، ثُمَّ يُعِيدُهُ إلى البَعْثِ. وقِيلَ: البَدْءُ نَشْأتُهُ مِنَ الماءِ، ثُمَّ يُعِيدُهُ مِن حالٍ إلى حالٍ. وقِيلَ: يَبْدَؤُهُ مِنَ العَدَمِ، ثُمَّ يُعِيدُهُ إلَيْهِ، ثُمَّ يُوجِدُهُ. وقِيلَ: يَبْدَؤُهُ في زُمْرَةِ الأشْقِياءِ، ثُمَّ يُعِيدُهُ عِنْدَ المَوْتِ إلى زُمْرَةِ الأوْلِياءِ، وبِعَكْسِ ذَلِكَ. وقَرَأ طَلْحَةُ: (يُبْدِئُ) مِن (أبْدَأ) رُباعِيًّا، وبَدَأ وأبْدَأ بِمَعْنًى، وبِالقِسْطِ مَعْناهُ بِالعَدْلِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: (لِيَجْزِيَ)، أيْ: لِيُثِيبَ المُؤْمِنِينَ بِالعَدْلِ والإنْصافِ في جَزائِهِمْ، فَيُوصِّلُ كُلًّا إلى جَزائِهِ وثَوابِهِ عَلى حَسَبِ تَفاضُلِهِمْ في الأعْمالِ، فَيُنْصِفُ بَيْنَهم ويَعْدِلُ، إذْ لَيْسُوا كُلُّهم مُساوِينَ في مَقادِيرِ الثَّوابِ، وعَلى هَذا يَكُونُ: بِالقِسْطِ مِنهُ تَعالى. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ يُقْسِطُهم بِما أقْسَطُوا وعَدَلُوا ولَمْ يَظْلِمُوا حِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، لِأنَّ الشِّرْكَ ظُلْمٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] والعُصاةُ ظُلّامٌ لِأنْفُسِهِمْ، وهَذا أوْجَهُ لِمُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ . انْتَهى، فَجَعَلَ القِسْطَ مِن فِعْلِ الَّذِينَ آمَنُوا، وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ، والظّاهِرُ أنَّ (والَّذِينَ كَفَرُوا) مُبْتَدَأٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: (الَّذِينَ آمَنُوا)، فَيَكُونُ الجَزاءُ بِالعَدْلِ قَدْ شَمِلَ الفَرِيقَيْنِ. ولَمّا كانَ (p-١٢٥)الحَدِيثُ مَعَ الكَفّارَةِ مُفْتَتَحَ السُّورَةِ مَعَهم، ذَكَرَ شَيْئًا مِن أنْواعِ عَذابِهِمْ فَقالَ: ﴿لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ وتَقَدَّمَ شَرْحُ هَذا في سُورَةِ الأنْعامِ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلّا بِالحَقِّ يُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى الدَّلائِلَ عَلى رُبُوبِيَّتِهِ مِن إيجادِ هَذا العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ، ذَكَرَ ما أوْدَعَ في العالَمِ العُلْوِيِّ مِن هَذَيْنِ الجَوْهَرَيْنِ النَّيِّرَيْنِ المُشْرِقَيْنِ، فَجَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً، أيْ: ذاتَ ضِياءٍ أوْ مُضِيئَةً، أوْ نَفْسَ الضِّياءِ مُبالَغَةً، و(جَعَلَ) يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى صَيَّرَ، فَيَكُونُ ﴿ضِياءً﴾ مَفْعُولًا ثانِيًا. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى خَلَقَ فَيَكُونُ حالًا، ﴿والقَمَرَ نُورًا﴾، أيْ: ذا نُورٍ، أوْ مُنَوَّرًا أوْ نَفْسَ النُّورِ مُبالَغَةً، أوْ هُما مَصْدَرانِ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿ضِياءً﴾ جَمْعًا، كَحَوْضٍ وحِياضٍ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ. ولَمّا كانَتِ الشَّمْسُ أعْظَمَ جِرْمًا خُصَّتْ بِالضِّياءِ لِأنَّهُ هو الَّذِي لَهُ سُطُوعٌ ولَمَعانٌ، وهو أعْظَمُ مِنَ النُّورِ. قالَ أرْبابُ عِلْمِ الهَيْئَةِ: الشَّمْسُ قَدْرُ الأرْضِ مِائَةُ مَرَّةٍ وأرْبَعًا وسِتِّينَ مَرَّةً، والقَمَرُ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَخُصَّ الأعْظَمُ بِالأعْظَمِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الفَرْقُ بَيْنَ الضِّياءِ والنُّورِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧] . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [النور: ٣٥] يَقْتَضِي أنَّ النُّورَ أعْظَمُ وأبْلَغُ في الشُّرُوقِ، وإلّا فَلِمَ عَدَلَ إلى الأقَلِّ الَّذِي هو النُّورُ. فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَفْظَةُ النُّورِ أحْكَمُ وأبْلَغُ، وذَلِكَ أنَّهُ شَبَّهَ هُداهُ ولُطْفَهُ الَّذِي يُصِيبُهُ لِقَوْمٍ يَهْتَدُونَ، وآخَرِينَ يَضِلُّونَ مَعَهُ بِالنُّورِ الَّذِي هو أبَدًا مَوْجُودٌ في اللَّيْلِ وأثْناءِ الظَّلامِ. ولَوْ شَبَّهَهُ بِالضِّياءِ لَوَجَبَ أنْ لا يُضِلَّ أحَدًا، إذْ كانَ الهُدى يَكُونُ كالشَّمْسِ الَّتِي لا تَبْقى مَعَها ظُلْمَةٌ. فَمَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ تَعالى جَعَلَ هُداهُ في الكُفْرِ كالنُّورِ في الظَّلامِ، فَيَهْتَدِي قَوْمٌ ويَضِلُّ قَوْمٌ آخَرُونَ. ولَوْ جَعَلَهُ كالضِّياءِ لَوَجَبَ أنْ لا يَضِلَّ أحَدٌ، وبَقِيَ الضِّياءُ عَلى هَذا أبْلَغَ في الشُّرُوقِ كَما اقْتَضَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وقَرَأ قَنْبُلٌ: (ضِياءً) هُنا، وفي الأنْبِياءِ والقَصَصِ بِهَمْزَةٍ قَبْلَ الألِفِ بَدَلَ الياءِ. ووُجِّهَتْ عَلى أنَّهُ مِنَ المَقْلُوبِ جُعِلَتْ لامُهُ عَيْنًا، فَكانَتْ هَمْزَةً. وتَطَرَّفَتِ الواوُ الَّتِي كانَتْ عَيْنًا بَعْدَ ألِفٍ زائِدَةٍ فانْقَلَبَتْ هَمْزَةً، وضُعِّفَ ذَلِكَ بِأنَّ القِياسَ الفِرارُ مِنِ اجْتِماعِ هَمْزَتَيْنِ إلى تَخْفِيفِ إحْداهُما، فَكَيْفَ يُتَخَيَّلُ إلى تَقْدِيمٍ وتَأْخِيرٍ يُؤَدِّي إلى اجْتِماعِهِما ولَمْ يَكُونا في الأصْلِ، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى القَمَرِ، أيْ: مَسِيرُهُ مَنازِلَ، أوْ قَدَّرَهُ ذا مَنازِلَ، أوْ قَدَّرَ لَهُ مَنازِلَ، فَحَذَفَ وأوْصَلَ الفِعْلَ، فانْتَصَبَ بِحَسَبِ هَذِهِ التَّقادِيرِ عَلى الظَّرْفِ أوِ الحالِ أوِ المَفْعُولِ كَقَوْلِهِ: ﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾ [يس: ٣٩] وعادَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ وحْدَهُ؛ لِأنَّهُ هو المُراعى في مَعْرِفَةِ عَدَدِ السِّنِينَ والحِسابِ عِنْدَ العَرَبِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَهُما مَعًا بِحَسَبِ أنَّهُما مُصَرَّفانِ في مَعْرِفَةِ عَدَدِ السِّنِينَ والحِسابِ، لَكِنَّهُ اجْتُزِئَ بِذِكْرِ أحَدِهِما كَما قالَ: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] وكَما قالَ الشّاعِرُ: ؎رَمانِي بِأمْرٍ كُنْتُ مِنهُ ووالِدِي ∗∗∗ بَرِيئًا ومِن أجْلِ الطَّوِيِّ رَمانِي والمَنازِلُ: هي البُرُوجُ، وكانَتِ العَرَبُ تَنْسِبُ إلَيْها الأنْواءَ، وهي ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ مَنزِلَةً: الشُّرَطَيْنُ، والبُطَيْنُ، والثُّرَيّا، والدَّبَرانُ، والهَقْعَةُ، والهَنْعَةُ، والذِّراعُ، والنَّثْرَةُ، والطَّرْفُ، والجَبْهَةُ، والدَّبْرَةُ، والصِّرْفَةُ، والعَوّاءُ، والسِّماكُ، والغَفْرُ، والزِّبانانِ، والإكْلِيلُ، والقَلْبُ، والشَّوْلَةُ، والنَّعائِمُ، والبَلْدَةُ، وسَعْدُ الذّابِحِ، وسَعْدُ بَلْعٍ، وسَعْدُ السُّعُودِ، وسَعْدُ الأخْبِيَةِ، والفَرْعُ المُؤَخَّرُ، والرِّشاءُ وهو الحُوتُ. واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وقَدَّرَهُ مَنازِلَ﴾ . قالَ الأصْمَعِيُّ: سُئِلَ أبُو عَمْرٍو عَنِ الحِسابِ، أفَبِنَصْبِهِ أوْ بِجَرِّهِ ؟ فَقالَ: ومَن يَدْرِي ما عَدَدُ الحِسابِ ؟ انْتَهى. يُرِيدُ أنَّ الجَرَّ إنَّما يَكُونُ مُقْتَضِيًا أنَّ الحِسابَ يَكُونُ يُعْلَمُ عَدَدُهُ، والحِسابُ لا يُمْكِنُ أنْ يُعْلَمَ مُنْتَهى عَدَدِهِ، (p-١٢٦)والحِسابُ حِسابُ الأوْقاتِ مِنَ الأشْهُرِ والأيّامِ واللَّيالِي مِمّا يُنْتَفَعُ بِهِ في المَعاشِ والإجاراتِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُضْطَرُّ فِيهِ إلى مَعْرِفَةِ التَّوارِيخِ. وقِيلَ: اكْتَفى بِذِكْرِ عَدَدِ السِّنِينَ مِن عَدَدِ الشُّهُورِ، وكَنّى بِالحِسابِ عَنِ المُعامَلاتِ، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى مَخْلُوقِهِ. وذَلِكَ يُشارُ بِها إلى الواحِدِ، وقَدْ يُشارُ بِها إلى الجَمْعِ. ومَعْنى (بِالحَقِّ) مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ الَّذِي هو الحِكْمَةُ البالِغَةُ، ولَمْ يَخْلُقْهُ عَبَثًا كَما جاءَ ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١] ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٨] وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الحَقُّ هُنا هو اللَّهُ تَعالى، والمَعْنى: ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلّا بِاللَّهِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ مَعَهُ. انْتَهى. وما قالَهُ تَرْكِيبٌ قَلِقٌ، إذْ يَصِيرُ ما ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا إلّا بِزَيْدٍ. وقِيلَ: الباءُ بِمَعْنى اللّامِ، أيْ لِلْحَقِّ، وهو إظْهارُ صَنْعَتِهِ وبَيانُ قُدْرَتِهِ ودَلالَةٌ عَلى وحْدانِيَّتِهِ. وقَرَأ ابْنُ مُصَرِّفٍ: (والحَسابِ) بِفَتْحِ الحاءِ، ورَواهُ أبُو تَوْبَةٍ عَنِ العَرَبِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ: (يُفَصِّلُ) بِالياءِ جَرْيًا عَلى لَفْظَةِ اللَّهِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالنُّونِ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ والإخْبارِ بِنُونِ العَظَمَةِ، وخُصَّ مَن يَعْلَمُ بِتَفْصِيلِ الآياتِ لَهم، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِتَفْصِيلِ الآياتِ، ويَتَدَبَّرُونَ بِها في الِاسْتِدْلالِ والنَّظَرِ الصَّحِيحِ. والآياتُ العَلاماتُ الدّالَّةُ أوْ آياتُ القُرْآنِ.

يونس 10:6

﴿إنَّ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وما خَلَقَ اللَّهُ في السَّماواتِ والأرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ والِاخْتِلافُ تَعاقُبُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وكَوْنُ أحَدِهِما يَخْلُفُ الآخَرَ. وما خَلَقَ اللَّهُ في السَّماواتِ مِنَ الأجْرامِ النَّيِّرَةِ الَّتِي فِيها، والمَلائِكَةِ المُقِيمِينَ بِها، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَعْلَمُهُ اللَّهُ تَعالى، والأرْضِ مِنَ الجَوامِدِ والمَعادِنِ والنَّباتِ والحَيَوانِ. وخَصَّ المُتَّقِينَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَخافُونَ العَواقِبَ فَيَحْمِلُهُمُ الخَوْفُ عَلى تَدَبُّرِهِمْ ونَظَرِهِمْ. ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ورَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا واطْمَأنُّوا بِها والَّذِينَ هم عَنْ آياتِنا غافِلُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ مَأْواهُمُ النّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾: الظّاهِرُ أنَّ الرَّجاءَ هو التَّأْمِيلُ والطَّمَعُ، أيْ: لا يُؤَمِّلُونَ لِقاءَ ثَوابِنا وعِقابِنا. وقِيلَ: مَعْناهُ لا يَخافُونَ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: وهَذِهِ الآيَةُ في الكُفّارِ، والمَعْنى أنَّ المُكَذِّبَ بِالبَعْثِ لَيْسَ يَرْجُو رَحْمَةً في الآخِرَةِ، ولا يُحْسِنُ ظَنًّا بِأنَّهُ يَلْقى اللَّهَ. وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ، أيْ: ورَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ﴾ [التوبة: ٣٨] والمَعْنى أنَّ مُنْتَهى غَرَضِهِمْ وقُصارى آمالِهِمْ إنَّما هو مَقْصُورٌ عَلى ما يَصِلُونَ إلَيْهِ في الدُّنْيا. واطْمَأنُّوا أيْ سَكَنُوا إلَيْها، وقَنِعُوا بِها، ورَفَضُوا ما سِواها. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (والَّذِينَ هم) هو قِسْمٌ مِنَ الكُفّارِ غَيْرُ القِسْمِ الأوَّلِ، وذَلِكَ التَّكْرِيرُ المَوْصُولُ، فَيَدُلُّ عَلى المُغايَرَةِ، ويَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى اسْمِ ”إنَّ“ ويَكُونُ ”أُولَئِكَ“ إشارَةً إلى صِنْفَيِ الكُفّارِ ذِي الدُّنْيا المُتَوَسِّعِ فِيها النّاظِرِ في الآياتِ، فَلَمْ يُؤْثِرْ عِنْدَهُ رَجاءَ لِقاءِ اللَّهِ، بَلْ رَضِيَ بِالحَياةِ الدُّنْيا لِتَكْذِيبِهِ بِالبَعْثِ والجَزاءِ، والعادِمِ التَّوَسُّعَ الغافِلِ عَنْ آياتِ اللَّهِ الدّالَّةِ عَلى الهِدايَةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن عَطْفِ الصِّفاتِ، فَيَكُونُ ﴿والَّذِينَ هم عَنْ آياتِنا غافِلُونَ﴾ هُمُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَ اللَّهِ. والظّاهِرُ أنَّ ﴿واطْمَأنُّوا بِها﴾ عَطْفٌ عَلى الصِّلَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ واوَ الحالِ، أيْ: وقَدِ اطْمَأنُّوا بِها. والآياتُ قِيلَ: آياتُ القُرْآنِ. وقِيلَ: العَلاماتُ الدّالَّةُ عَلى الوَحْدانِيَّةِ والقُدْرَةِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: ما أنْزَلْناهُ مِن حَلالٍ وحَرامٍ وفَرْضٍ مِن حُدُودٍ وشَرائِعِ أحْكامٍ، و(بِما كانُوا يَكْسِبُونَ) إشْعارٌ بِأنَّ الأعْمالَ السّابِقَةَ يَكُونُ عَنْها العَذابُ، وفي ذَلِكَ رَدٌّ عَلى الجَبْرِيَّةِ، ونَصٌّ عَلى تَعَلُّقِ العِقابِ بِالكَسْبِ. ومَجِيئُهُ بِالمُضارِعِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم لَمْ يَزالُوا مُسْتَمِرِّينَ عَلى ذَلِكَ ماضِيَ زَمانِهِمْ ومُسْتَقْبَلَهُ.

يونس 10:7

﴿إنَّ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وما خَلَقَ اللَّهُ في السَّماواتِ والأرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ والِاخْتِلافُ تَعاقُبُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وكَوْنُ أحَدِهِما يَخْلُفُ الآخَرَ. وما خَلَقَ اللَّهُ في السَّماواتِ مِنَ الأجْرامِ النَّيِّرَةِ الَّتِي فِيها، والمَلائِكَةِ المُقِيمِينَ بِها، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَعْلَمُهُ اللَّهُ تَعالى، والأرْضِ مِنَ الجَوامِدِ والمَعادِنِ والنَّباتِ والحَيَوانِ. وخَصَّ المُتَّقِينَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَخافُونَ العَواقِبَ فَيَحْمِلُهُمُ الخَوْفُ عَلى تَدَبُّرِهِمْ ونَظَرِهِمْ. ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ورَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا واطْمَأنُّوا بِها والَّذِينَ هم عَنْ آياتِنا غافِلُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ مَأْواهُمُ النّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾: الظّاهِرُ أنَّ الرَّجاءَ هو التَّأْمِيلُ والطَّمَعُ، أيْ: لا يُؤَمِّلُونَ لِقاءَ ثَوابِنا وعِقابِنا. وقِيلَ: مَعْناهُ لا يَخافُونَ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: وهَذِهِ الآيَةُ في الكُفّارِ، والمَعْنى أنَّ المُكَذِّبَ بِالبَعْثِ لَيْسَ يَرْجُو رَحْمَةً في الآخِرَةِ، ولا يُحْسِنُ ظَنًّا بِأنَّهُ يَلْقى اللَّهَ. وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ، أيْ: ورَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ﴾ [التوبة: ٣٨] والمَعْنى أنَّ مُنْتَهى غَرَضِهِمْ وقُصارى آمالِهِمْ إنَّما هو مَقْصُورٌ عَلى ما يَصِلُونَ إلَيْهِ في الدُّنْيا. واطْمَأنُّوا أيْ سَكَنُوا إلَيْها، وقَنِعُوا بِها، ورَفَضُوا ما سِواها. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (والَّذِينَ هم) هو قِسْمٌ مِنَ الكُفّارِ غَيْرُ القِسْمِ الأوَّلِ، وذَلِكَ التَّكْرِيرُ المَوْصُولُ، فَيَدُلُّ عَلى المُغايَرَةِ، ويَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى اسْمِ ”إنَّ“ ويَكُونُ ”أُولَئِكَ“ إشارَةً إلى صِنْفَيِ الكُفّارِ ذِي الدُّنْيا المُتَوَسِّعِ فِيها النّاظِرِ في الآياتِ، فَلَمْ يُؤْثِرْ عِنْدَهُ رَجاءَ لِقاءِ اللَّهِ، بَلْ رَضِيَ بِالحَياةِ الدُّنْيا لِتَكْذِيبِهِ بِالبَعْثِ والجَزاءِ، والعادِمِ التَّوَسُّعَ الغافِلِ عَنْ آياتِ اللَّهِ الدّالَّةِ عَلى الهِدايَةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن عَطْفِ الصِّفاتِ، فَيَكُونُ ﴿والَّذِينَ هم عَنْ آياتِنا غافِلُونَ﴾ هُمُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَ اللَّهِ. والظّاهِرُ أنَّ ﴿واطْمَأنُّوا بِها﴾ عَطْفٌ عَلى الصِّلَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ واوَ الحالِ، أيْ: وقَدِ اطْمَأنُّوا بِها. والآياتُ قِيلَ: آياتُ القُرْآنِ. وقِيلَ: العَلاماتُ الدّالَّةُ عَلى الوَحْدانِيَّةِ والقُدْرَةِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: ما أنْزَلْناهُ مِن حَلالٍ وحَرامٍ وفَرْضٍ مِن حُدُودٍ وشَرائِعِ أحْكامٍ، و(بِما كانُوا يَكْسِبُونَ) إشْعارٌ بِأنَّ الأعْمالَ السّابِقَةَ يَكُونُ عَنْها العَذابُ، وفي ذَلِكَ رَدٌّ عَلى الجَبْرِيَّةِ، ونَصٌّ عَلى تَعَلُّقِ العِقابِ بِالكَسْبِ. ومَجِيئُهُ بِالمُضارِعِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم لَمْ يَزالُوا مُسْتَمِرِّينَ عَلى ذَلِكَ ماضِيَ زَمانِهِمْ ومُسْتَقْبَلَهُ.

يونس 10:8

﴿إنَّ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وما خَلَقَ اللَّهُ في السَّماواتِ والأرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ والِاخْتِلافُ تَعاقُبُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وكَوْنُ أحَدِهِما يَخْلُفُ الآخَرَ. وما خَلَقَ اللَّهُ في السَّماواتِ مِنَ الأجْرامِ النَّيِّرَةِ الَّتِي فِيها، والمَلائِكَةِ المُقِيمِينَ بِها، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَعْلَمُهُ اللَّهُ تَعالى، والأرْضِ مِنَ الجَوامِدِ والمَعادِنِ والنَّباتِ والحَيَوانِ. وخَصَّ المُتَّقِينَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَخافُونَ العَواقِبَ فَيَحْمِلُهُمُ الخَوْفُ عَلى تَدَبُّرِهِمْ ونَظَرِهِمْ. ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ورَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا واطْمَأنُّوا بِها والَّذِينَ هم عَنْ آياتِنا غافِلُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ مَأْواهُمُ النّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾: الظّاهِرُ أنَّ الرَّجاءَ هو التَّأْمِيلُ والطَّمَعُ، أيْ: لا يُؤَمِّلُونَ لِقاءَ ثَوابِنا وعِقابِنا. وقِيلَ: مَعْناهُ لا يَخافُونَ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: وهَذِهِ الآيَةُ في الكُفّارِ، والمَعْنى أنَّ المُكَذِّبَ بِالبَعْثِ لَيْسَ يَرْجُو رَحْمَةً في الآخِرَةِ، ولا يُحْسِنُ ظَنًّا بِأنَّهُ يَلْقى اللَّهَ. وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ، أيْ: ورَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ﴾ [التوبة: ٣٨] والمَعْنى أنَّ مُنْتَهى غَرَضِهِمْ وقُصارى آمالِهِمْ إنَّما هو مَقْصُورٌ عَلى ما يَصِلُونَ إلَيْهِ في الدُّنْيا. واطْمَأنُّوا أيْ سَكَنُوا إلَيْها، وقَنِعُوا بِها، ورَفَضُوا ما سِواها. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (والَّذِينَ هم) هو قِسْمٌ مِنَ الكُفّارِ غَيْرُ القِسْمِ الأوَّلِ، وذَلِكَ التَّكْرِيرُ المَوْصُولُ، فَيَدُلُّ عَلى المُغايَرَةِ، ويَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى اسْمِ ”إنَّ“ ويَكُونُ ”أُولَئِكَ“ إشارَةً إلى صِنْفَيِ الكُفّارِ ذِي الدُّنْيا المُتَوَسِّعِ فِيها النّاظِرِ في الآياتِ، فَلَمْ يُؤْثِرْ عِنْدَهُ رَجاءَ لِقاءِ اللَّهِ، بَلْ رَضِيَ بِالحَياةِ الدُّنْيا لِتَكْذِيبِهِ بِالبَعْثِ والجَزاءِ، والعادِمِ التَّوَسُّعَ الغافِلِ عَنْ آياتِ اللَّهِ الدّالَّةِ عَلى الهِدايَةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن عَطْفِ الصِّفاتِ، فَيَكُونُ ﴿والَّذِينَ هم عَنْ آياتِنا غافِلُونَ﴾ هُمُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَ اللَّهِ. والظّاهِرُ أنَّ ﴿واطْمَأنُّوا بِها﴾ عَطْفٌ عَلى الصِّلَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ واوَ الحالِ، أيْ: وقَدِ اطْمَأنُّوا بِها. والآياتُ قِيلَ: آياتُ القُرْآنِ. وقِيلَ: العَلاماتُ الدّالَّةُ عَلى الوَحْدانِيَّةِ والقُدْرَةِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: ما أنْزَلْناهُ مِن حَلالٍ وحَرامٍ وفَرْضٍ مِن حُدُودٍ وشَرائِعِ أحْكامٍ، و(بِما كانُوا يَكْسِبُونَ) إشْعارٌ بِأنَّ الأعْمالَ السّابِقَةَ يَكُونُ عَنْها العَذابُ، وفي ذَلِكَ رَدٌّ عَلى الجَبْرِيَّةِ، ونَصٌّ عَلى تَعَلُّقِ العِقابِ بِالكَسْبِ. ومَجِيئُهُ بِالمُضارِعِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم لَمْ يَزالُوا مُسْتَمِرِّينَ عَلى ذَلِكَ ماضِيَ زَمانِهِمْ ومُسْتَقْبَلَهُ.

يونس 10:9

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ في جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿دَعْواهم فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ (p-١٢٧)أيْ يَزِيدُ في هَواهم بِسَبَبِ إيمانِهِمُ السّابِقِ وتَثَبُّتِهِمْ، فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم أوْ يَهْدِيهِمْ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ بِنُورِ إيمانِهِمْ كَما قالَ: ﴿يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ﴾ [الحديد: ١٢] قالَ مُجاهِدٌ: يَكُونُ لَهم إيمانُهم نُورًا يَمْشُونَ بِهِ. وفي الحَدِيثِ: «إذا قامَ مِن قَبْرِهِ يَمْثُلُ لَهُ رَجُلٌ جَمِيلُ الوَجْهِ طَيِّبُ الرّائِحَةِ فَيَقُولُ: مَن أنْتَ ؟ فَيَقُولُ: أنا عَمَلُكَ الصّالِحُ، فَيَقُودُهُ إلى الجَنَّةِ» وبِعَكْسِ هَذا في الكافِرِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إيمانُهم يَهْدِيهِمْ إلى خَصائِصِ المَعْرِفَةِ، ومَزايا في الألْطافِ تُسَرُّ بِها قُلُوبُهم وتَزُولُ بِها الشُّكُوكُ والشُّبَهاتُ عَنْهم كَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى﴾ [محمد: ١٧] وهَذِهِ الزَّوائِدُ والفَوائِدُ يَجُوزُ حُصُولُها في الدُّنْيا قَبْلَ المَوْتِ، ويَجُوزُ حُصُولُها بَعْدَ المَوْتِ. قالَ القَفّالُ: وإذا حَمَلْنا الآيَةَ عَلى هَذا؛ كانَ المَعْنى يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ، وتَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ، إلّا أنَّهُ حَذَفَ الواوَ. وقِيلَ: مَعْناهُ تَقَدُّمُهم إلى الثَّوابِ، مِن قَوْلِ العَرَبِ: القَدَمُ تَهْدِي السّاقَ. وقالَ الحَسَنُ: يَرْحَمُهم. وقالَ الكَلْبِيُّ: يَدْعُوهم. والظّاهِرُ أنَّ (تَجْرِي) مُسْتَأْنَفًا، فَيَكُونُ قَدْ أخْبَرَ عَنْهم بِخِبْرَيْنِ عَظِيمَيْنِ: أحَدُهُما: هِدايَةُ اللَّهِ لَهم وذَلِكَ في الدُّنْيا والآخَرُ بِجَرَيانِ الأنْهارِ، وذَلِكَ في الآخِرَةِ. كَما تَضَمَّنَتِ الآيَةُ في الكُفّارِ شَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: اتِّصافُهم بِانْتِفاءِ رَجاءِ لِقاءِ اللَّهِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ، والثّانِي: مَقَرُّهم ومَأْواهم وذَلِكَ النّارُ، فَصارَ تَقْسِيمًا لِلْفَرِيقَيْنِ في المَعْنى. وتَقَدَّمَ قَوْلُ القَفّالِ أنْ يَكُونَ (تَجْرِي) مَعْطُوفًا حُذِفَ مِنهُ الحَرْفُ، وأنْ يَكُونَ حالًا. ومَعْنى (مِن تَحْتِهِمْ)، أيْ: مِن تَحْتِ مَنازِلِهِمْ. وقِيلَ: مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ، ولَيْسَ التَّحْتُ الَّذِي هو بِالمَسافَةِ، بَلْ يَكُونُ إلى ناحِيَةٍ مِنَ الإنْسانِ. ومِنهُ: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٤] وقالَ: ﴿وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ [الزخرف: ٥١] . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ الإيمانَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ العَبْدُ الهِدايَةَ والتَّوْفِيقَ والنُّورَ يَوْمَ القِيامَةِ هو الإيمانُ المُقَيَّدُ، وهو الإيمانُ المَقْرُونُ بِالعَمَلِ الصّالِحِ، والإيمانُ الَّذِي لَمْ يَقْتَرِنُ بِالعَمَلِ الصّالِحِ فَصاحِبُهُ لا تَوْفِيقَ لَهُ ولا نُورَ. قُلْتُ: الأمْرُ كَذَلِكَ، ألا تَرى كَيْفَ أوْقَعَ الصِّلَةَ مَجْمُوعًا فِيها بَيْنَ الإيمانِ والعَمَلِ؛ كَأنَّهُ قالَ: إنَّ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، ثُمَّ قالَ: (بِإيمانِهِمْ)، أيْ بِإيمانِهِمُ المَضْمُومِ إلَيْهِ هَذا العَمَلُ الصّالِحُ، وهو بَيِّنٌ واضِحٌ لا شُبْهَةَ فِيهِ. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وجَوَّزُوا ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ (تَجْرِي)، وأنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الأنْهارِ، وأنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ لِإنَّ، ومَعْنى (دَعْواهم): دُعاؤُهم ونِداؤُهم؛ لِأنَّ اللَّهُمَّ نِداءُ اللَّهِ، والمَعْنى: اللَّهُمَّ إنّا نُسَبِّحُكَ كَقَوْلِ القانِتِ في دُعاءِ القُنُوتِ: اللَّهُمَّ إيّاكَ نَعْبُدُ ولَكَ نُصَلِّي ونَسْجُدُ. وقِيلَ: عِبادَتُهم كَقَوْلِهِ: ﴿وأعْتَزِلُكم وما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم: ٤٨] ولا تَكْلِيفَ في الجَنَّةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِابْتِهاجِ والِالتِذاذِ، وأطْلَقَ عَلَيْهِ العِبادَةَ مَجازًا. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: فِعْلُهم وإقْرارُهم. وقالَ القاضِي: طَرِيقُهم في تَقْدِيسِ اللَّهِ وتَحْمِيدِهِ. (وتَحِيَّتُهم) أيْ: ما يُحَيِّي بِهِ بَعْضُهم بَعْضًا، فَيَكُونُ مَصْدَرًا مُضافًا لِلْمَجْمُوعِ، لا عَلى سَبِيلِ العَمَلِ، بَلْ يَكُونُ كَقَوْلِهِ: ﴿وكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨] وقِيلَ: يَكُونُ مُضافًا إلى المَفْعُولِ، والفاعِلُ اللَّهُ تَعالى أوِ المَلائِكَةُ، أيْ: تَحِيَّةُ اللَّهِ إيّاهم، أوْ تَحِيَّةُ المَلائِكَةِ إيّاهم. ﴿وآخِرُ دَعْواهُمْ﴾، أيْ: خاتِمَةُ دُعائِهِمْ وذِكْرِهِمْ. قالَ الزَّجّاجُ: أعْلَمَ تَعالى أنَّهم يَبْتَدِئُونَ بِتَنْزِيهِهِ وتَعْظِيمِهِ، ويَخْتِمُونَ بِشُكْرِهِ والثَّناءِ عَلَيْهِ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: يَفْتَتِحُونَ بِالتَّوْحِيدِ، ويَخْتِمُونَ بِالتَّحْمِيدِ. وعَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ، يَعْزُوهُ إلى الرَّسُولِ: أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يُلْهَمُونَ التَّحْمِيدَ والتَّسْبِيحَ. و”أنْ“ المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ لازِمُ الحَذْفِ، والجُمْلَةُ بَعْدَها خَبَرُ ”أنْ“، و”أنْ“ وصِلَتُها خَبَرُ قَوْلِهِ: (وآخِرُ) . وقَرَأ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ يَعْمَرَ، وبِلالُ بْنُ أبِي بُرْدَةَ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ويَعْقُوبُ: (أنِ الحَمْدُ) زبِالتَّشْدِيدِ، ونَصْبِ (الحَمْدَ) . قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: ودَلَّتْ عَلى أنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ بِالتَّخْفِيفِ ورَفْعِ (الحَمْدُ) هي عَلى أنَّ ”أنْ“ هي المُخَفَّفَةُ كَقَوْلِ الأعْشى:(p-١٢٨) ؎فِي فِتْيَةٍ كَسُيُوفِ الهِنْدِ قَدْ عَلِمُوا أنْ هالِكٌ كُلُّ مَن يَحْفى ويَنْتَعِلُ يُرِيدُ: أنَّهُ هالِكٌ، إذا خُفِّفَتْ لَمْ تَعْمَلْ في غَيْرِ ضَمِيرِ أمْرٍ مَحْذُوفٍ. وأجازَ المُبَرِّدُ إعْمالَها كَحالِها مُشَدَّدَةً، وزَعَمَ صاحِبُ النَّظْمِ أنَّ ”أنْ“ هُنا زائِدَةٌ، و(الحَمْدُ لِلَّهِ) خَبَرُ ﴿وآخِرُ دَعْواهُمْ﴾، وهو مُخالِفٌ لِنَصِّ سِيبَوَيْهِ والنَّحْوِيِّينَ، ولَيْسَ هَذا مِن مَحالِّ زِيادَتِها.

يونس 10:10

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ في جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿دَعْواهم فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ (p-١٢٧)أيْ يَزِيدُ في هَواهم بِسَبَبِ إيمانِهِمُ السّابِقِ وتَثَبُّتِهِمْ، فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم أوْ يَهْدِيهِمْ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ بِنُورِ إيمانِهِمْ كَما قالَ: ﴿يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ﴾ [الحديد: ١٢] قالَ مُجاهِدٌ: يَكُونُ لَهم إيمانُهم نُورًا يَمْشُونَ بِهِ. وفي الحَدِيثِ: «إذا قامَ مِن قَبْرِهِ يَمْثُلُ لَهُ رَجُلٌ جَمِيلُ الوَجْهِ طَيِّبُ الرّائِحَةِ فَيَقُولُ: مَن أنْتَ ؟ فَيَقُولُ: أنا عَمَلُكَ الصّالِحُ، فَيَقُودُهُ إلى الجَنَّةِ» وبِعَكْسِ هَذا في الكافِرِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إيمانُهم يَهْدِيهِمْ إلى خَصائِصِ المَعْرِفَةِ، ومَزايا في الألْطافِ تُسَرُّ بِها قُلُوبُهم وتَزُولُ بِها الشُّكُوكُ والشُّبَهاتُ عَنْهم كَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى﴾ [محمد: ١٧] وهَذِهِ الزَّوائِدُ والفَوائِدُ يَجُوزُ حُصُولُها في الدُّنْيا قَبْلَ المَوْتِ، ويَجُوزُ حُصُولُها بَعْدَ المَوْتِ. قالَ القَفّالُ: وإذا حَمَلْنا الآيَةَ عَلى هَذا؛ كانَ المَعْنى يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ، وتَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ، إلّا أنَّهُ حَذَفَ الواوَ. وقِيلَ: مَعْناهُ تَقَدُّمُهم إلى الثَّوابِ، مِن قَوْلِ العَرَبِ: القَدَمُ تَهْدِي السّاقَ. وقالَ الحَسَنُ: يَرْحَمُهم. وقالَ الكَلْبِيُّ: يَدْعُوهم. والظّاهِرُ أنَّ (تَجْرِي) مُسْتَأْنَفًا، فَيَكُونُ قَدْ أخْبَرَ عَنْهم بِخِبْرَيْنِ عَظِيمَيْنِ: أحَدُهُما: هِدايَةُ اللَّهِ لَهم وذَلِكَ في الدُّنْيا والآخَرُ بِجَرَيانِ الأنْهارِ، وذَلِكَ في الآخِرَةِ. كَما تَضَمَّنَتِ الآيَةُ في الكُفّارِ شَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: اتِّصافُهم بِانْتِفاءِ رَجاءِ لِقاءِ اللَّهِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ، والثّانِي: مَقَرُّهم ومَأْواهم وذَلِكَ النّارُ، فَصارَ تَقْسِيمًا لِلْفَرِيقَيْنِ في المَعْنى. وتَقَدَّمَ قَوْلُ القَفّالِ أنْ يَكُونَ (تَجْرِي) مَعْطُوفًا حُذِفَ مِنهُ الحَرْفُ، وأنْ يَكُونَ حالًا. ومَعْنى (مِن تَحْتِهِمْ)، أيْ: مِن تَحْتِ مَنازِلِهِمْ. وقِيلَ: مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ، ولَيْسَ التَّحْتُ الَّذِي هو بِالمَسافَةِ، بَلْ يَكُونُ إلى ناحِيَةٍ مِنَ الإنْسانِ. ومِنهُ: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٤] وقالَ: ﴿وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ [الزخرف: ٥١] . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ الإيمانَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ العَبْدُ الهِدايَةَ والتَّوْفِيقَ والنُّورَ يَوْمَ القِيامَةِ هو الإيمانُ المُقَيَّدُ، وهو الإيمانُ المَقْرُونُ بِالعَمَلِ الصّالِحِ، والإيمانُ الَّذِي لَمْ يَقْتَرِنُ بِالعَمَلِ الصّالِحِ فَصاحِبُهُ لا تَوْفِيقَ لَهُ ولا نُورَ. قُلْتُ: الأمْرُ كَذَلِكَ، ألا تَرى كَيْفَ أوْقَعَ الصِّلَةَ مَجْمُوعًا فِيها بَيْنَ الإيمانِ والعَمَلِ؛ كَأنَّهُ قالَ: إنَّ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، ثُمَّ قالَ: (بِإيمانِهِمْ)، أيْ بِإيمانِهِمُ المَضْمُومِ إلَيْهِ هَذا العَمَلُ الصّالِحُ، وهو بَيِّنٌ واضِحٌ لا شُبْهَةَ فِيهِ. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وجَوَّزُوا ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ (تَجْرِي)، وأنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الأنْهارِ، وأنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ لِإنَّ، ومَعْنى (دَعْواهم): دُعاؤُهم ونِداؤُهم؛ لِأنَّ اللَّهُمَّ نِداءُ اللَّهِ، والمَعْنى: اللَّهُمَّ إنّا نُسَبِّحُكَ كَقَوْلِ القانِتِ في دُعاءِ القُنُوتِ: اللَّهُمَّ إيّاكَ نَعْبُدُ ولَكَ نُصَلِّي ونَسْجُدُ. وقِيلَ: عِبادَتُهم كَقَوْلِهِ: ﴿وأعْتَزِلُكم وما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم: ٤٨] ولا تَكْلِيفَ في الجَنَّةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِابْتِهاجِ والِالتِذاذِ، وأطْلَقَ عَلَيْهِ العِبادَةَ مَجازًا. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: فِعْلُهم وإقْرارُهم. وقالَ القاضِي: طَرِيقُهم في تَقْدِيسِ اللَّهِ وتَحْمِيدِهِ. (وتَحِيَّتُهم) أيْ: ما يُحَيِّي بِهِ بَعْضُهم بَعْضًا، فَيَكُونُ مَصْدَرًا مُضافًا لِلْمَجْمُوعِ، لا عَلى سَبِيلِ العَمَلِ، بَلْ يَكُونُ كَقَوْلِهِ: ﴿وكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨] وقِيلَ: يَكُونُ مُضافًا إلى المَفْعُولِ، والفاعِلُ اللَّهُ تَعالى أوِ المَلائِكَةُ، أيْ: تَحِيَّةُ اللَّهِ إيّاهم، أوْ تَحِيَّةُ المَلائِكَةِ إيّاهم. ﴿وآخِرُ دَعْواهُمْ﴾، أيْ: خاتِمَةُ دُعائِهِمْ وذِكْرِهِمْ. قالَ الزَّجّاجُ: أعْلَمَ تَعالى أنَّهم يَبْتَدِئُونَ بِتَنْزِيهِهِ وتَعْظِيمِهِ، ويَخْتِمُونَ بِشُكْرِهِ والثَّناءِ عَلَيْهِ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: يَفْتَتِحُونَ بِالتَّوْحِيدِ، ويَخْتِمُونَ بِالتَّحْمِيدِ. وعَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ، يَعْزُوهُ إلى الرَّسُولِ: أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يُلْهَمُونَ التَّحْمِيدَ والتَّسْبِيحَ. و”أنْ“ المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ لازِمُ الحَذْفِ، والجُمْلَةُ بَعْدَها خَبَرُ ”أنْ“، و”أنْ“ وصِلَتُها خَبَرُ قَوْلِهِ: (وآخِرُ) . وقَرَأ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ يَعْمَرَ، وبِلالُ بْنُ أبِي بُرْدَةَ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ويَعْقُوبُ: (أنِ الحَمْدُ) زبِالتَّشْدِيدِ، ونَصْبِ (الحَمْدَ) . قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: ودَلَّتْ عَلى أنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ بِالتَّخْفِيفِ ورَفْعِ (الحَمْدُ) هي عَلى أنَّ ”أنْ“ هي المُخَفَّفَةُ كَقَوْلِ الأعْشى:(p-١٢٨) ؎فِي فِتْيَةٍ كَسُيُوفِ الهِنْدِ قَدْ عَلِمُوا أنْ هالِكٌ كُلُّ مَن يَحْفى ويَنْتَعِلُ يُرِيدُ: أنَّهُ هالِكٌ، إذا خُفِّفَتْ لَمْ تَعْمَلْ في غَيْرِ ضَمِيرِ أمْرٍ مَحْذُوفٍ. وأجازَ المُبَرِّدُ إعْمالَها كَحالِها مُشَدَّدَةً، وزَعَمَ صاحِبُ النَّظْمِ أنَّ ”أنْ“ هُنا زائِدَةٌ، و(الحَمْدُ لِلَّهِ) خَبَرُ ﴿وآخِرُ دَعْواهُمْ﴾، وهو مُخالِفٌ لِنَصِّ سِيبَوَيْهِ والنَّحْوِيِّينَ، ولَيْسَ هَذا مِن مَحالِّ زِيادَتِها.

يونس 10:11

﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهم فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾: قالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في دُعاءِ الرَّجُلِ عَلى نَفْسِهِ ومالِهِ أوْ ولَدِهِ ونَحْوِ هَذا. فَأخْبَرَ تَعالى لَوْ فَعَلَ مَعَ النّاسِ في إجابَتِهِ إلى المَكْرُوهِ مِثْلَ ما يُرِيدُونَ فِعْلَهُ مِنهم في إجابَتِهِ إلى الخَيْرِ لَأهْلَكَهم، ثُمَّ حَذَفَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ القَوْلِ جُمْلَةً يَتَضَمَّنُها الظّاهِرُ، تَقْدِيرُها: فَلا يَفْعَلُ ذَلِكَ، ولَكِنْ نَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ فاقْتَضَبَ القَوْلَ، ووَصَلَ إلى هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ﴾، فَتَأمَّلْ هَذا التَّقْدِيرَ تَجِدْهُ صَحِيحًا، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في قَوْلِهِمْ: ﴿ائْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ [الأعراف: ٧٧]، وما جَرى مَجْراهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمُرادُ أهْلُ مَكَّةَ. وقَوْلُهم: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً﴾ [الأنفال: ٣٢] يَعْنِي: ولَوْ عَجَّلْنا لَهُمُ الشَّرَّ الَّذِي دَعَوْا بِهِ كَما نُعَجِّلُ لَهُمُ الخَيْرَ لَأُمِيتُوا وأُهْلِكُوا. قالَ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ اتَّصَلَ بِهِ ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾، وما مَعْناهُ ؟ قُلْتُ: قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ﴾ مُتَضَمِّنٌ مَعْنى نَفْيِ التَّعْجِيلِ؛ كَأنَّهُ قالَ: ولا نُعَجِّلُ لَهُمُ الشَّرَّ ولا نَقْضِي إلَيْهِمْ أجَلَهم، فَنَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ، أوْ فَنُمْهِلُهم، ونُقَيِّضُ عَلَيْهِمُ النِّعْمَةَ مَعَ طُغْيانِهِمْ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ عَجَبَ النّاسِ مِن إيحاءِ اللَّهِ إلى رَجُلٍ مِنهم، وكانَ فِيما أُوحِيَ إلَيْهِ الإنْذارُ والتَّبْشِيرُ، وكانُوا يَسْتَهِزِئُونَ بِذَلِكَ ولا يَعْتَقِدُونَ حُلُولَ ما أنْذَرُوهُ بِهِمْ فَقالُوا: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً﴾ [الأنفال: ٣٢]، وقالَ إخْبارًا عَنْهم: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ [الحج: ٤٧] وقالُوا: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ [الأعراف: ٧٠] ثُمَّ اسْتَطْرَدَ مِن ذَلِكَ إلى وحْدانِيَّتِهِ تَعالى، وذَكَرَ إيجادَهُ العالَمَ، ثُمَّ إلى تَقْسِيمِ النّاسِ إلى مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، وذَكَرَ مَنازِلَ الفَرِيقَيْنِ ثُمَّ رَجَعَ إلى أنَّ ذَلِكَ المُنْذَرَ بِهِ الَّذِي طَلَبُوا وُقُوعَهُ عَجَلًا لَوْ وقَعَ لَهَلَكُوا، فَلَمْ يَكُنْ في إهْلاكِهِمْ رَجاءُ إيمانِ بَعْضِهِمْ، وإخْراجُ مُؤْمِنٍ مِن صُلْبِهِمْ بَلِ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ أنْ لا يُعَجِّلَ لَهم ما طَلَبُوهُ، لِما تَرَتَّبَ عَلى ذَلِكَ. وانْتَصَبَ (اسْتِعْجالَهم) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُشَبَّهٌ بِهِ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أصْلُهُ ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ تَعْجِيلَهُ لَهُمُ الخَيْرَ، فَوَضَعَ اسْتِعْجالَهُ لَهم بِالخَيْرِ مَوْضِعَ تَعْجِيلِهِ لَهُمُ الخَيْرَ إشْعارًا بِسُرْعَةِ إجابَتِهِ لَهم وإسْعافِهِ بِطِلْبَتِهِمْ، كَأنَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ تَعْجِيلٌ لَهم. وقالَ الحَوْفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ: التَّقْدِيرُ مِثْلُ اسْتِعْجالِهِمْ، وكَذا قَدَّرَهُ أبُو البَقاءِ. ومَدْلُولُ عَجَّلَ غَيْرُ مَدْلُولِ اسْتَعْجَلَ، لِأنَّ عَجَّلَ يَدُلُّ عَلى الوُقُوعِ، واسْتَعْجَلَ يَدُلُّ عَلى (p-١٢٩)طَلَبِ التَّعْجِيلِ، وذاكَ واقِعٌ مِنَ اللَّهِ، وهَذا مُضافٌ إلَيْهِمْ فَلا يَكُونُ التَّقْدِيرُ عَلى ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، فَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ تَعْجِيلًا مِثْلَ اسْتِعْجالِهِمْ بِالخَيْرِ، فَشَبَّهَ التَّعْجِيلَ بِالِاسْتِعْجالِ؛ لِأنَّ طَلَبَهم لِلْخَيْرِ، ووُقُوعُ تَعْجِيلِهِ مُقَدَّمٌ عِنْدَهم عَلى كُلِّ شَيْءٍ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ ثَمَّ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَصْدَرُ، تَقْدِيرُهُ: ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ إذا اسْتَعْجَلُوا بِهِ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَسْتَعْجِلُونَ بِالشَّرِّ ووُقُوعِهِ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ، كَما كانُوا يَسْتَعْجِلُونَ بِالخَيْرِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: (لَقَضى) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ (أجَلَهم) بِالنَّصْبِ، والأعْمَشُ: (لَقَضَيْنا)، وباقِي السَّبْعَةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، و(أجَلُهم) بِالرَّفْعِ. وقَضى أكْمَلُ، والفاءُ في (فَنَذَرُ) جَوابُ ما أخْبَرَ بِهِ عَنْهم عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ، تَقْدِيرُهُ: فَنَحْنُ نَذَرُ، قالَهُ الحَوْفِيُّ. وقالَ أبُو البَقاءِ: (فَنَذَرُ) مَعْطُوفٌ عَلى فِعْلٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: ولَكِنْ نُمْهِلُهم فَنَذَرُ.

يونس 10:12

﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأنْ لَمْ يَدْعُنا إلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾: ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا اسْتَدْعَوْا حُلُولَ الشَّرِّ بِهِمْ، وأنَّهُ تَعالى لا يَفْعَلُ ذَلِكَ بِطَلَبِهِمْ بَلْ يَتْرُكُ مَن يَرْجُو لِقاءَهُ يَعُمُّ في طُغْيانِهِ - بَيَّنَ شِدَّةَ افْتِقارِ النّاسِ إلَيْهِ واضْطِرارِهِمْ إلى اسْتِمْطارِ إحْسانِهِ مُسِيئَهم ومُحْسِنَهم، وأنَّ مَن لا يَرْجُو لِقاءَهُ مُضْطَرٌّ إلَيْهِ حالَةَ مَسِّ الضُّرِّ لَهُ، فَكَلٌّ يَلْجَأُ إلَيْهِ حِينَئِذٍ ويُفْرِدُهُ بِأنَّهُ القادِرُ عَلى كَشْفِ الضُّرِّ. والظّاهِرُ أنَّهُ لا يُرادُ بِالإنْسانِ هُنا شَخْصٌ مُعَيَّنٌ؛ كَما قِيلَ: إنَّهُ أبُو حُذَيْفَةَ هاشِمُ بْنُ المُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ المَخْزُومِيُّ، قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ ومُقاتِلٌ. وقِيلَ: عُقْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ. وقِيلَ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ. وقِيلَ: هُما، قالَهُ عَطاءٌ. وقِيلَ: النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، وأنَّهُ لا يُرادُ بِهِ الكافِرُ، بَلِ المُرادُ الإنْسانُ مِن حَيْثُ هو، سَواءٌ كانَ كافِرًا أمْ عاصِيًا بِغَيْرِ الكُفْرِ. واحْتَمَلَتْ هَذِهِ الأقْوالُ الثَّلاثَةُ أنْ تَكُونَ لِشَخْصٍ واحِدٍ، واحْتَمَلَتْ أنْ تَكُونَ لِأشْخاصٍ، إذِ الإنْسانُ جِنْسٌ. والمَعْنى: أنَّ الَّذِي أصابَهُ الضُّرُّ لا يَزالُ داعِيًا مُلْتَجِئًا راغِبًا إلى اللَّهِ في جَمِيعِ حالاتِهِ كُلِّها. وابْتَدَأ بِالحالَةِ الشّاقَّةِ وهي اضْطِجاعُهُ وعَجْزُهُ عَنِ النُّهُوضِ، وهي أعْظَمُ في الدُّعاءِ وآكَدُ، ثُمَّ بِما يَلِيها، وهي حالَةُ القُعُودِ، وهي حالَةُ العَجْزِ عَنِ القِيامِ، ثُمَّ بِما يَلِيها وهي حالَةُ القِيامِ وهي حالَةُ العَجْزِ عَنِ المَشْيِ، فَتَراهُ يَضْطَرِبُ ولا يَنْهَضُ لِلْمَشْيِ كَحالَةِ الشَّيْخِ الهَرِمِ. و(لِجَنْبِهِ) حالٌ، أيْ: مُضْطَجِعًا، ولِذَلِكَ عَطَفَ عَلَيْهِ الحالانِ، واللّامُ عَلى بابِها عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، والتَّقْدِيرُ: مَلْقِيًّا لِجَنْبِهِ، لا بِمَعْنى عَلى؛ خِلافًا لِزاعِمِهِ. وذُو الحالِ الضَّمِيرُ في (دَعانا)، والعامِلُ فِيهِ (دَعانا)، أيْ: دَعانا مُلْتَبِسًا بِأحَدِ هَذِهِ الأحْوالِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الإنْسانِ، والعامِلُ فِيهِ (مَسَّ) . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الفاعِلِ في (دَعانا)، والعامِلُ فِيهِ (دَعا)، وهُما مَعْنَيانِ مُتَبايِنانِ. والضُّرُّ: لَفْظٌ عامٌّ لِجَمِيعِ الأمْراضِ والرَّزايا في النَّفْسِ والمالِ والأحِبَّةِ، هَذا قَوْلُ اللُّغَوِيِّينَ. وقِيلَ: هو مُخْتَصٌّ بِرَزايا البَدَنِ الهُزالِ والمَرَضِ. انْتَهى. والقَوْلُ الأوَّلُ قَوْلُ الزَّجّاجِ. وضَعَّفَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (لِجَنْبِهِ) فَما بَعْدَهُ أحْوالًا مِنَ الإنْسانِ والعامِلُ فِيها مَسَّ، قالَ: لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الحالَ عَلى هَذا واقِعٌ بَعْدِ جَوابِ ”إذا“، ولَيْسَ بِالوَجْهِ. والثّانِي: أنَّ المَعْنى كَثْرَةُ دُعائِهِ في كُلِّ أحْوالِهِ، لا عَلى الضُّرِّ يُصِيبُهُ في كُلِّ أحْوالِهِ، وعَلَيْهِ آياتٌ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ. انْتَهى. وهَذا الثّانِي يَلْزَمُ فِيهِ مَن مَسَّهُ الضُّرُّ في هَذِهِ الأحْوالِ دُعاؤُهُ في هَذِهِ الأحْوالِ، لِأنَّهُ جَوابُ ما ذُكِرَتْ فِيهِ هَذِهِ الأحْوالُ، فالقَيْدُ في حَيِّزِ الشَّرْطِ قَيْدٌ في الجَوابِ كَما تَقُولُ: (p-١٣٠)إذا جاءَنا زَيْدٌ فَقِيرًا أحْسَنّا إلَيْهِ، فالمَعْنى: أحْسَنّا إلَيْهِ في حالِ فَقْرِهِ، فالقَيْدُ في الشَّرْطِ قَيْدٌ في الجَزاءِ. ومَعْنى كَشْفِ الضُّرِّ: رَفْعُهُ وإزالَتُهُ، كَأنَّهُ كانَ غِطاءً عَلى الإنْسانِ ساتِرًا لَهُ. وقالَ صاحِبُ النَّظْمِ: ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ﴾ وصَفَهُ لِلْمُسْتَقْبَلِ، و(فَلَمّا كَشَفْنا) لِلْماضِي، فَهَذا النَّظْمُ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ هَكَذا كانَ فِيما مَضى وهَكَذا يَكُونُ في المُسْتَقْبَلِ، فَدَلَّ ما في الآيَةِ مِنَ الفِعْلِ المُسْتَقْبَلِ عَلى ما فِيهِ مِنَ المَعْنى المُسْتَقْبَلِ، وما فِيهِ مِنَ الفِعْلِ الماضِي عَلى ما فِيهِ مِنَ المَعْنى الماضِي. انْتَهى. والمُرُورُ هُنا مَجازٌ عَنِ المُضِيِّ عَلى طَرِيقَتِهِ الأُولى مِن غَيْرِ ذِكْرٍ لِما كانَ عَلَيْهِ مِنَ البَلاءِ والضُّرِّ. وقالَ مُقاتِلٌ: أعْرَضَ عَنِ الدُّعاءِ. وقِيلَ: مَرَّ عَنْ مَوْقِفِ الِابْتِهالِ والتَّضَرُّعِ، لا يَرْجِعُ إلَيْهِ، كَأنَّهُ لا عَهْدَ لَهُ بِهِ، وهَذا قَرِيبٌ مِنَ القَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَأنْ لَمْ يَدْعُنا إلى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: إلى كَشْفِ ضُرٍّ مَسَّهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهُ (مَرَّ) يَقْتَضِي أنَّ نُزُولَها في الكُفّارِ، ثُمَّ هي بَعْدَ تَناوُلِ كُلِّ مَن دَخَلَ تَحْتَ مَعْناها مِن كافِرٍ وعاصٍ، يَعْنِي الآيَةَ: مَرَّ في إشْراكِهِ بِاللَّهِ وقِلَّةِ تَوَكُّلِهِ عَلَيْهِ. انْتَهى. والكافُ مِن (كَذَلِكَ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ. وذَلِكَ إشارَةٌ إلى تَزْيِينِ الإعْراضِ عَنِ الِابْتِهالِ إلى اللَّهِ تَعالى عِنْدَ كَشْفِ الضُّرِّ وعَدَمِ شُكْرِهِ وذِكْرِهِ عَلى ذَلِكَ، و(زُيِّنَ) مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ اللَّهَ، إمّا عَلى سَبِيلِ خَلْقِ ذَلِكَ واخْتِراعِهِ في قُلُوبِهِمْ؛ كَما يَقُولُ أهْلُ السُّنَّةِ، وإمّا بِتَخْلِيَتِهِ وخِذْلانِهِ كَما تَقُولُ المُعْتَزِلَةُ، أوِ الشَّيْطانَ بِوَسْوَسَتِهِ ومُخادَعَتِهِ. قِيلَ: أوِ النَّفْسَ. وفَسَّرَ (المُسْرِفُونَ) بِالكافِرِينَ، والكافِرُ مُسْرِفٌ لِتَضْيِيعِهِ السَّعادَةَ الأبَدِيَّةَ بِالشَّهْوَةِ الخَسِيسَةِ المُنْقَضِيَةِ، كَما يُضَيِّعُ المُنْفِقُ مالَهُ مُتَجاوِزًا فِيهِ الحَدَّ. ﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الإعْراضِ عَنْ جَنابِ اللَّهِ وعَنِ اتِّباعِ الشَّهَواتِ.

يونس 10:13

﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا القُرُونَ مِن قَبْلِكم لَمّا ظَلَمُوا وجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ وما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلْناكم خَلائِفَ في الأرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾: هَذا إخْبارٌ لِمُعاصِرِي الرَّسُولِ ﷺ وخِطابٌ لَهم بِإهْلاكِ مَن سَلَفَ قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ وهو الكُفْرُ، عَلى سَبِيلِ الرَّدْعِ لَهم والتَّذْكِيرِ بِحالِ مَن سَبَقَ مِنَ الكُفّارِ، والوَعِيدِ لَهم، وضَرْبِ الأمْثالِ، فَكَما فَعَلَ بِهَؤُلاءِ، يَفْعَلُ بِكم. ولَفْظَةُ ”لَمّا“ مُشْعِرَةٌ بِالعِلِّيَّةِ، وهي حَرْفُ تَعْلِيقٍ في الماضِي. ومَن ذَهَبَ إلى أنَّها ظَرْفٌ مَعْمُولٌ لِـ (أهْلَكْنا) كالزَّمَخْشَرِيِّ مُتَّبِعًا لِغَيْرِهِ، فَإنَّما يَدُلُّ إذْ ذاكَ عَلى وُقُوعِ الفِعْلِ في حِينِ الظُّلْمِ، فَلا يَكُونُ لَها إشْعارٌ إذْ ذاكَ بِالعِلِّيَّةِ. لَوْ قُلْتَ: جِئْتُ حِينَ قامَ زَيْدٌ، لَمْ يَكُنْ مَجِيئُكَ مُتَسَبِّبًا عَنْ قِيامِ زَيْدٍ، وأنْتَ تَرى حَيْثُما جاءَتْ ”لَمّا“ كانَ جَوابُها أوْ ما قامَ مَقامَهُ مُتَسَبِّبًا عَمّا بَعْدَها، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ مِن أنَّها حَرْفُ وُجُوبٍ لِوُجُوبٍ. (وجاءَتْهم) ظاهِرُهُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى (ظَلَمُوا)، أيْ: لَمّا حَصَلَ هَذانِ الأمْرانِ: مَجِيءُ الرُّسُلِ بِالبَيِّناتِ، وظُلْمُهم؛ أُهْلِكُوا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والواوُ في (وجاءَتْهم) لِلْحالِ، أيْ: ظَلَمُوا بِالتَّكْذِيبِ، وقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالحُجَجِ والشَّواهِدِ عَلى صِدْقِهِمْ، وهي المُعْجِزاتُ. انْتَهى. وقالَ مُقاتِلٌ: البَيِّناتُ مُخَوِّفاتُ العَذابِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ (وما كانُوا) عائِدًا عَلى (القُرُونَ)، وأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ (ظَلَمُوا) . وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ اعْتِراضًا لا مَعْطُوفًا، قالَ: واللّامُ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، بِمَعْنى: وما كانُوا يُؤْمِنُونَ حَقًّا، تَأْكِيدٌ لِنَفْيِ إيمانِهِمْ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ عَلِمَ أنَّهم مُصِرُّونَ عَلى كُفْرِهِمْ، وأنَّ الإيمانَ مُسْتَبْعَدٌ مِنهم، والمَعْنى: أنَّ السَّبَبَ في إهْلاكِهِمْ تَعْذِيبُهُمُ الرُّسُلَ، وعَلِمَ اللَّهُ أنَّهُ لا فائِدَةَ في إمْهالِهِمْ بَعْدَ أنْ أُلْزِمُوا الحُجَّةَ بِبِعْثَةِ الرُّسُلِ. انْتَهى. وقالَ مُقاتِلٌ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ﴿وما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ عائِدٌ عَلى أهْلِ مَكَّةَ، فَعَلى قَوْلِهِ يَكُونُ التِفاتًا؛ لِأنَّهُ خَرَجَ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ، ويَكُونُ مُتَّسِقًا مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ [يونس: ١٥] . والكافُ في (كَذَلِكَ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ، وهو الإهْلاكُ. ﴿نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ فَهَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ لِمَن أجْرَمَ، يَدْخُلُ فِيهِ أهْلُ مَكَّةَ وغَيْرُهم. (p-١٣١)وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: (يَجْزِي) بِالياءِ، أيْ يَجْزِي اللَّهُ، وهو التِفاتٌ. والخِطابُ في (جَعَلْناكم) لِمَن بُعِثَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وقِيلَ: خِطابٌ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ، والمَعْنى: اسْتَخْلَفْناكم في الأرْضِ بَعْدَ القُرُونِ المُهْلَكَةِ لِلنَّظَرِ أتَعْمَلُونَ خَيْرًا أمْ شَرًّا فَنُعامِلُكم عَلى حَسَبِ عَمَلِكم. ومَعْنى (لِنَنْظُرَ): لِنَتَبَيَّنَ في الوُجُودِ ما عَمِلْناهُ أوَّلًا، فالنَّظَرُ مَجازٌ عَنْ هَذا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ جازَ النَّظَرُ عَلى اللَّهِ تَعالى، وفِيهِ مَعْنى المُقابَلَةِ ؟ قُلْتُ: هو مُسْتَعارٌ لِلْعِلْمِ المُحَقَّقِ الَّذِي هو عِلْمٌ بِالشَّيْءِ مَوْجُودٌ، أشْبَهَ بِنَظَرِ النّاظِرِ وعِيانِ المُعايِنِ في حَقِيقَتِهِ. انْتَهى. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ، وأنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ النَّظَرِ المُقابَلَةُ، وفِيهِ إنْكارُ وصْفِهِ تَعالى بِالبَصِيرِ ورَدُّهُ إلى مَعْنى العِلْمِ. وقِيلَ: ﴿لِنَنْظُرَ﴾، هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: لِيَنْظُرَ رُسُلُنا وأوْلِياؤُنا. وأُسْنِدَ النَّظَرُ إلى اللَّهِ مَجازًا، وهو لِغَيْرِهِ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ الحارِثِ الزَّمّارِيُّ: (لِنَظَّرَ) بِنُونٍ واحِدَةٍ وتَشْدِيدِ الظّاءِ، وقالَ: هَكَذا رَأيْتُهُ في مُصْحَفِ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ويَعْنِي: أنَّهُ رَآها بِنُونٍ واحِدَةٍ، لِأنَّ النَّقْطَ والشَّكْلَ بِالحَرَكاتِ والتَّشْدِيداتِ إنَّما حَدَثَ بَعْدَ عُثْمانَ، ولا يَدُلُّ كَتْبُهُ بِنُونٍ واحِدَةٍ عَلى حَذْفِ النُّونِ مِنَ اللَّفْظِ، ولا عَلى إدْغامِها في الظّاءِ؛ لِأنَّ إدْغامَ النُّونِ في الظّاءِ لا يَجُوزُ، ومُسَوِّغُ حَذْفِها أنَّهُ لا أثَرَ لَها في الأنْفِ، فَيَنْبَغِي أنْ تُحْمَلَ قِراءَةُ يَحْيى عَلى أنَّهُ بالَغَ في إخْفاءِ الغُنَّةِ، فَتَوَهَّمُ السّامِعُ أنَّهُ إدْغامٌ، فَنُسِبَ ذَلِكَ إلَيْهِ. و”كَيْفَ“ مَعْمُولَةٌ لِـ (تَعْمَلُونَ)، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ (لِنَنْظُرَ)، لِأنَّها مُعَلَّقَةٌ. وجازَ التَّعْلِيقُ في (نَظَرَ)، وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن أفْعالِ القُلُوبِ؛ لِأنَّها وصْلَةُ فِعْلِ القَلْبِ الَّذِي هو العِلْمُ.

يونس 10:14

﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا القُرُونَ مِن قَبْلِكم لَمّا ظَلَمُوا وجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ وما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلْناكم خَلائِفَ في الأرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾: هَذا إخْبارٌ لِمُعاصِرِي الرَّسُولِ ﷺ وخِطابٌ لَهم بِإهْلاكِ مَن سَلَفَ قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ وهو الكُفْرُ، عَلى سَبِيلِ الرَّدْعِ لَهم والتَّذْكِيرِ بِحالِ مَن سَبَقَ مِنَ الكُفّارِ، والوَعِيدِ لَهم، وضَرْبِ الأمْثالِ، فَكَما فَعَلَ بِهَؤُلاءِ، يَفْعَلُ بِكم. ولَفْظَةُ ”لَمّا“ مُشْعِرَةٌ بِالعِلِّيَّةِ، وهي حَرْفُ تَعْلِيقٍ في الماضِي. ومَن ذَهَبَ إلى أنَّها ظَرْفٌ مَعْمُولٌ لِـ (أهْلَكْنا) كالزَّمَخْشَرِيِّ مُتَّبِعًا لِغَيْرِهِ، فَإنَّما يَدُلُّ إذْ ذاكَ عَلى وُقُوعِ الفِعْلِ في حِينِ الظُّلْمِ، فَلا يَكُونُ لَها إشْعارٌ إذْ ذاكَ بِالعِلِّيَّةِ. لَوْ قُلْتَ: جِئْتُ حِينَ قامَ زَيْدٌ، لَمْ يَكُنْ مَجِيئُكَ مُتَسَبِّبًا عَنْ قِيامِ زَيْدٍ، وأنْتَ تَرى حَيْثُما جاءَتْ ”لَمّا“ كانَ جَوابُها أوْ ما قامَ مَقامَهُ مُتَسَبِّبًا عَمّا بَعْدَها، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ مِن أنَّها حَرْفُ وُجُوبٍ لِوُجُوبٍ. (وجاءَتْهم) ظاهِرُهُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى (ظَلَمُوا)، أيْ: لَمّا حَصَلَ هَذانِ الأمْرانِ: مَجِيءُ الرُّسُلِ بِالبَيِّناتِ، وظُلْمُهم؛ أُهْلِكُوا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والواوُ في (وجاءَتْهم) لِلْحالِ، أيْ: ظَلَمُوا بِالتَّكْذِيبِ، وقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالحُجَجِ والشَّواهِدِ عَلى صِدْقِهِمْ، وهي المُعْجِزاتُ. انْتَهى. وقالَ مُقاتِلٌ: البَيِّناتُ مُخَوِّفاتُ العَذابِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ (وما كانُوا) عائِدًا عَلى (القُرُونَ)، وأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ (ظَلَمُوا) . وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ اعْتِراضًا لا مَعْطُوفًا، قالَ: واللّامُ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، بِمَعْنى: وما كانُوا يُؤْمِنُونَ حَقًّا، تَأْكِيدٌ لِنَفْيِ إيمانِهِمْ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ عَلِمَ أنَّهم مُصِرُّونَ عَلى كُفْرِهِمْ، وأنَّ الإيمانَ مُسْتَبْعَدٌ مِنهم، والمَعْنى: أنَّ السَّبَبَ في إهْلاكِهِمْ تَعْذِيبُهُمُ الرُّسُلَ، وعَلِمَ اللَّهُ أنَّهُ لا فائِدَةَ في إمْهالِهِمْ بَعْدَ أنْ أُلْزِمُوا الحُجَّةَ بِبِعْثَةِ الرُّسُلِ. انْتَهى. وقالَ مُقاتِلٌ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ﴿وما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ عائِدٌ عَلى أهْلِ مَكَّةَ، فَعَلى قَوْلِهِ يَكُونُ التِفاتًا؛ لِأنَّهُ خَرَجَ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ، ويَكُونُ مُتَّسِقًا مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ [يونس: ١٥] . والكافُ في (كَذَلِكَ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ، وهو الإهْلاكُ. ﴿نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ فَهَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ لِمَن أجْرَمَ، يَدْخُلُ فِيهِ أهْلُ مَكَّةَ وغَيْرُهم. (p-١٣١)وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: (يَجْزِي) بِالياءِ، أيْ يَجْزِي اللَّهُ، وهو التِفاتٌ. والخِطابُ في (جَعَلْناكم) لِمَن بُعِثَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وقِيلَ: خِطابٌ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ، والمَعْنى: اسْتَخْلَفْناكم في الأرْضِ بَعْدَ القُرُونِ المُهْلَكَةِ لِلنَّظَرِ أتَعْمَلُونَ خَيْرًا أمْ شَرًّا فَنُعامِلُكم عَلى حَسَبِ عَمَلِكم. ومَعْنى (لِنَنْظُرَ): لِنَتَبَيَّنَ في الوُجُودِ ما عَمِلْناهُ أوَّلًا، فالنَّظَرُ مَجازٌ عَنْ هَذا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ جازَ النَّظَرُ عَلى اللَّهِ تَعالى، وفِيهِ مَعْنى المُقابَلَةِ ؟ قُلْتُ: هو مُسْتَعارٌ لِلْعِلْمِ المُحَقَّقِ الَّذِي هو عِلْمٌ بِالشَّيْءِ مَوْجُودٌ، أشْبَهَ بِنَظَرِ النّاظِرِ وعِيانِ المُعايِنِ في حَقِيقَتِهِ. انْتَهى. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ، وأنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ النَّظَرِ المُقابَلَةُ، وفِيهِ إنْكارُ وصْفِهِ تَعالى بِالبَصِيرِ ورَدُّهُ إلى مَعْنى العِلْمِ. وقِيلَ: ﴿لِنَنْظُرَ﴾، هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: لِيَنْظُرَ رُسُلُنا وأوْلِياؤُنا. وأُسْنِدَ النَّظَرُ إلى اللَّهِ مَجازًا، وهو لِغَيْرِهِ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ الحارِثِ الزَّمّارِيُّ: (لِنَظَّرَ) بِنُونٍ واحِدَةٍ وتَشْدِيدِ الظّاءِ، وقالَ: هَكَذا رَأيْتُهُ في مُصْحَفِ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ويَعْنِي: أنَّهُ رَآها بِنُونٍ واحِدَةٍ، لِأنَّ النَّقْطَ والشَّكْلَ بِالحَرَكاتِ والتَّشْدِيداتِ إنَّما حَدَثَ بَعْدَ عُثْمانَ، ولا يَدُلُّ كَتْبُهُ بِنُونٍ واحِدَةٍ عَلى حَذْفِ النُّونِ مِنَ اللَّفْظِ، ولا عَلى إدْغامِها في الظّاءِ؛ لِأنَّ إدْغامَ النُّونِ في الظّاءِ لا يَجُوزُ، ومُسَوِّغُ حَذْفِها أنَّهُ لا أثَرَ لَها في الأنْفِ، فَيَنْبَغِي أنْ تُحْمَلَ قِراءَةُ يَحْيى عَلى أنَّهُ بالَغَ في إخْفاءِ الغُنَّةِ، فَتَوَهَّمُ السّامِعُ أنَّهُ إدْغامٌ، فَنُسِبَ ذَلِكَ إلَيْهِ. و”كَيْفَ“ مَعْمُولَةٌ لِـ (تَعْمَلُونَ)، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ (لِنَنْظُرَ)، لِأنَّها مُعَلَّقَةٌ. وجازَ التَّعْلِيقُ في (نَظَرَ)، وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن أفْعالِ القُلُوبِ؛ لِأنَّها وصْلَةُ فِعْلِ القَلْبِ الَّذِي هو العِلْمُ.

يونس 10:15

﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في المُسْتَهْزِئِينَ بِالقُرْآنِ مِن أهْلِ مَكَّةَ، قالُوا: يا مُحَمَّدُ ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا، فِيهِ ما نَسْألُكَ. وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: نَزَلَتْ في جَماعَةٍ مِن مُشْرِكِي مَكَّةَ. وقالَ مُقاتِلٌ: في خَمْسَةِ نَفَرٍ: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمَيَّةَ المَخْزُومِيِّ، والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، ومِكْرَزِ بْنِ حَفْصٍ، وعَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي قَيْسٍ العامِرِيِّ، والعاصِ بْنِ وائِلٍ. وقِيلَ: الخَمْسَةُ: الوَلِيدُ، والعاصِي، والأسْوَدُ بْنُ المُطَّلِبِ، والأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، والحارِثُ بْنُ حَنْظَلَةَ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: غاظَهم ما في القُرْآنِ مِن ذَمِّ عِبادَةِ الأوْثانِ والوَعِيدِ لِلْمُشْرِكِينَ، فَقالُوا: ائْتِ بِقُرْآنٍ آخَرَ لَيْسَ فِيهِ ما يَغِيظُنا مِن ذَلِكَ نَتَّبِعْكَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ لِأنَّ بَعْضَ كُفّارِ قُرَيْشٍ قالَ هَذِهِ المَقالَةَ عَلى مَعْنى: ساهِلْنا يا مُحَمَّدُ، واجْعَلْ هَذا الكَلامَ الَّذِي مِن قِبَلِكَ هو بِاخْتِيارِنا، وأحِلَّ ما حَرَّمَتْهُ، وحَرِّمْ ما أحْلَلْتَهُ، لِيَكُونَ أمْرُنا حِينَئِذٍ واحِدًا وكَلِمَتُنا مُتَّصِلَةً. انْتَهى. ونَبَّهَ تَعالى عَلى الوَصْفِ الحامِلِ لَهم عَلى هَذِهِ المَقالَةِ، وهو كَوْنُهم لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ والجَزاءِ عَلى ما اقْتَرَفُوهُ، والمَعْنى: وإذا تَسْرِدُ عَلَيْهِمْ آياتِ القُرْآنِ واضِحاتٍ نَيِّراتٍ لا لَبْسَ فِيها قالُوا كَيْتَ وكَيْتَ، وأُضِيفَتِ الآياتُ إلَيْهِ تَعالى؛ لِأنَّها كَلامُهُ جَلَّ وعَزَّ، والتَّبْدِيلُ يَكُونُ في الذّاتِ بِأنْ يُجْعَلَ بَدَلُ ذاتٍ ذاتًا أُخْرى، ويَكُونُ في الصِّفَةِ. والتَّبْدِيلُ هُنا هو في الصِّفَةِ، وهو أنْ يُزالَ بَعْضُ نَظْمِهِ بِأنْ يُجْعَلَ مَكانَ آيَةِ العَذابِ آيَةَ الرَّحْمَةِ، ولا يُرادُ بِالتَّبْدِيلِ هُنا أنْ يَكُونَ في الذّاتِ، لِأنَّهُ يَلْزَمُ جَعْلُ الشَّيْءِ المُقْتَضِي لِلتَّغايُرِ هو الشَّيْءُ (p-١٣٢)بِعَيْنِهِ؛ لِأنَّ التَّبْدِيلَ في الذّاتِ هو الإتْيانُ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا. ولَمّا كانَ الإتْيانُ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا غَيْرَ مَقْدُورٍ لِلْإنْسانِ لَمْ يَحْتَجْ إلى نَفْيِهِ، ونَفْيِ ما هو مَقْدُورٌ لِلْإنْسانِ، وإنْ كانَ مُسْتَحِيلًا ذَلِكَ في حَقِّهِ ﷺ فَقِيلَ لَهُ: ﴿قُلْ ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي﴾ . وانْتِفاءُ الكَوْنِ هُنا هو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ [النمل: ٦٠] أيْ يَسْتَحِيلُ ذَلِكَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّبْدِيلُ في الذّاتِ عَلى أنْ يُلْحَظَ في قَوْلِهِ: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا﴾ بَقاءُ هَذا القُرْآنِ ويُؤْتى بِقُرْآنٍ غَيْرِهِ، فَيَكُونُ (أوْ بَدِّلْهُ) بِمَعْنى أزِلْهُ بِالكُلِّيَّةِ وائْتِ بِبَدَلِهِ، فَيَكُونُ المَطْلُوبُ أحَدُ أمْرَيْنِ: إمّا إزالَتُهُ بِالكُلِّيَّةِ وهو التَّبْدِيلُ في الذّاتِ، أوِ الإتْيانُ بِغَيْرِهِ مَعَ بَقائِهِ فَيَحْصُلُ التَّغايُرُ بَيْنَ المَطْلُوبَيْنِ. و(تِلْقاءِ) مَصْدَرٌ كالتِّبْيانِ، ولِمَ يَجِئْ مَصْدَرٌ عَلى تِفْعالٍ غَيْرُهُما، ويُسْتَعْمَلُ ظَرْفًا لِلْمُقابَلَةِ، تَقُولُ: زَيْدٌ تِلْقاءَكَ. وقُرِئَ بِفَتْحِ التّاءِ، وهو قِياسُ المَصادِرِ الَّتِي لِلْمُبالَغَةِ كالتَّطْوافِ والتَّجْوالِ والتَّرْدادِ، والمَعْنى: مِن قِبَلِ نَفْسِي أنْ أتَّبِعَ فِيما آمُرُكم بِهِ وما أنْهاكم عَنْهُ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ ولا تَبْدِيلٍ إلّا ما يَجِيئُنِي خَبَرُهُ مِنَ السَّماءِ. واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ عَلى نَفْيِ الحُكْمِ بِالِاجْتِهادِ، وعَلى نَفْيِ القِياسِ، وإنَّما قالُوا: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ﴾؛ لِأنَّهم كانُوا لا يَعْتَرِفُونَ بِأنَّ القُرْآنَ مُعْجِزٌ، أوْ أنْ كانُوا عاجِزِينَ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا﴾ [الأنفال: ٣١] وقَوْلِهِمْ: ﴿افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [يونس: ١٧] ولا يُمْكِنُ أنْ يُرِيدُوا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ مِن جِهَةِ الوَحْيِ لِقَوْلِهِ: (إنِّي أخافُ) . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: فَما كانَ غَرَضُهم وهم أدْهى النّاسِ وأنْكَرُهم في هَذا الِاقْتِراحِ ؟ قُلْتُ: المَكْرُ والكَيْدُ. أمّا اقْتِراحُ إبْدالِ قُرْآنٍ بِقُرْآنٍ فَفِيهِ أنَّهُ مِن عِنْدِكَ، وأنَّكَ لَقادِرٌ عَلى مِثْلِهِ، فَأبْدِلْ مَكانَهُ آخَرَ. وأمّا اقْتِراحُ التَّبْدِيلِ والتَّغْيِيرِ فَلِلطَّمَعِ ولِاخْتِبارِ الحالِ، وأنَّهُ إنْ وُجِدَ مِنهُ تَبْدِيلٌ، فَإمّا أنْ يُهْلِكَهُ اللَّهُ فَنَنْجُوَ مِنهُ، أوْ لا يُهْلِكَهُ فَيَسْخَرُوا مِنهُ، ويَجْعَلُوا التَّبْدِيلَ حُجَّةً عَلَيْهِ وتَصْحِيحًا لِافْتِرائِهِ عَلى اللَّهِ تَعالى. انْتَهى. وإنْ عَصَيْتُ بِالتَّبْدِيلِ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي، وتَقَدَّمَ اتِّباعُ الوَحْيِ، وتَرْكِي العَمَلَ بِهِ، وهو شَرْطٌ جَوابُهُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلُهُ. واليَوْمُ العَظِيمُ: هو يَوْمُ القِيامَةِ، ووُصِفَ بِالعِظَمِ لِطُولِهِ، أوْ لِكَثْرَةِ شَدائِدِهِ، أوْ لِلْمَجْمُوعِ. وانْظُرْ إلى حُسْنِ هَذا الجَوابِ، لَمّا كانَ أحَدُ المَطْلُوبَيْنِ التَّبْدِيلَ بَدَأ بِهِ في الجَوابِ، ثُمَّ أتْبَعَ بِأمْرٍ عامٍّ يَشْمَلُ انْتِفاءَ التَّبْدِيلِ وغَيْرَهُ، ثُمَّ أتى بِالسَّبَبِ الحامِلِ عَلى ذَلِكَ وهو الخَوْفُ، وعَلَّقَهُ بِمُطْلَقِ العِصْيانِ، فَبِأدْنى عِصْيانٍ تَرَتَّبَ الخَوْفُ.

يونس 10:16

﴿قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكم ولا أدْراكم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾: هَذِهِ مُبالَغَةٌ في التَّبْرِئَةِ مِمّا طَلَبُوا مِنهُ، أيْ: إنَّ تِلاوَتَهُ عَلَيْهِمْ هَذا القُرْآنَ إنَّما هو بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى وإحْداثِهِ أمْرًا عَجِيبًا خارِجًا عَنِ العاداتِ، وهو أنْ يَخْرُجَ رَجُلٌ أُمِّيٌّ لَمْ يَتَعَلَّمْ ولَمْ يَسْتَمِعْ ولَمْ يُشاهِدِ العُلَماءَ ساعَةً مِن عُمُرِهِ، ولا نَشَأ في بَلْدَةٍ فِيها عُلَماءُ فَيَقْرَأُ عَلَيْكم كِتابًا فَصِيحًا يُبْهِرُ كَلامُهُ كُلَّ فَصِيحٍ، ويَعْلُو عَلى كُلِّ مَنثُورٍ ومَنظُومٍ، مَشْحُونًا بِعُلُومٍ مِن عُلُومِ الأُصُولِ والفُرُوعِ وأخْبارِ ما كانَ وما يَكُونُ، ناطِقًا بِالغُيُوبِ الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى، وقَدْ بَلَغَ بَيْنَ ظَهْرانِيكم أرْبَعِينَ سَنَةً تَطَّلِعُونَ عَلى أحْوالِهِ ولا يَخْفى عَلَيْكم شَيْءٌ مِن أسْرارِهِ، وما سَمِعْتُمْ مِنهُ حَرْفًا مِن ذَلِكَ، ولا عَرَّفَهُ بِهِ أحَدٌ مِن أقْرَبِ النّاسِ إلَيْهِ وألْصَقِهِمْ بِهِ. ومَفْعُولُ (شاءَ) مَحْذُوفٌ، أيْ: قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ أنْ لا أتْلُوَهُ، وجاءَ جَوابُ (لَوْ) عَلى الفَصِيحِ مِن عَدَمِ إتْيانِ اللّامِ؛ لِكَوْنِهِ مَنفِيًّا بِـ (ما)، ويُقالُ: دَرَيْتُ بِهِ، وأدْرَيْتُ زَيْدًا بِهِ، والمَعْنى: ولا أُعْلِمُكم بِهِ عَلى لِسانِي. وقَرَأ قُنْبُلُ والبَزِّيُّ مِن طَرِيقِ النَّقّاشِ عَنْ أبِي رَبِيعَةَ عَنْهُ: (ولَأدْراكم) بِلامٍ دَخَلَتْ عَلى فِعْلٍ مُثْبَتٍ مَعْطُوفٍ عَلى مَنفِيٍّ، والمَعْنى: ولَأعْلَمَكم بِهِ مِن غَيْرِ طَرِيقِي وعَلى لِسانِ غَيْرِي، ولَكِنَّهُ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، فَخَصَّنِي بِهَذِهِ الكَرامَةِ ورَآنِي لَها أهْلًا دُونَ النّاسِ. وقِراءَةُ الجُمْهُورِ: ﴿ولا أدْراكم بِهِ﴾ فَـ ”لا“ مُؤَكِّدَةٌ ومُوَضِّحَةً أنَّ الفِعْلَ مَنفِيٌّ لِكَوْنِهِ مَعْطُوفًا (p-١٣٣)عَلى مَنفِيٍّ، ولَيْسَتْ ”لا“ هي الَّتِي نُفِيَ الفِعْلُ بِها، لِأنَّهُ لا يَصِحُّ نَفْيُ الفِعْلِ بِـ ”لا“ إذا وقَعَ جَوابًا، والمَعْطُوفُ عَلى الجَوابِ جَوابٌ. وأنْتَ لا تَقُولُ: لَوْ كانَ كَذا لا كانَ كَذا، إنَّما يَكُونُ ما كانَ كَذا. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ سِيرِينَ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ: (ولا أدْرَأْتُكم بِهِ) بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ، وخَرَجَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الأصْلَ أدْرَيْتُكم بِالياءِ، فَقَلَبَها هَمْزَةً، عَلى لُغَةِ مَن قالَ: لَبَّأْتُ بِالحَجِّ، ورَثَأْتُ زَوْجِي بِأبْياتٍ، يُرِيدُ: لَبَّيْتُ ورَثَيْتُ. وجازَ هَذا البَدَلُ لِأنَّ الألِفَ والهَمْزَةَ مِن وادٍ واحِدٍ، ولِذَلِكَ إذا حُرِّكَتِ الألِفُ انْقَلَبَتْ هَمْزَةً كَما قالُوا في العالِمِ العَأْلِمُ، وفي المُشْتاقِ المُشْتَأْقُ. والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الهَمْزَةَ أصْلٌ وهو مِنَ الدَّرْءِ، وهو الدَّفْعُ، يُقالُ: دَرَأْتُهُ دَفَعْتُهُ، كَما قالَ: ﴿ويَدْرَأُ عَنْها العَذابَ﴾ [النور: ٨] ودَرَأْتُهُ جَعَلْتُهُ دارِئًا، والمَعْنى: ولَأجْعَلَنَّكم بِتِلاوَتِهِ خُصَماءَ تَدْرَءُونَنِي بِالجِدالِ وتُكَذِّبُونَنِي. وزَعَمَ أبُو الفَتْحِ إنَّما هي أدْرَيْتُكم، فَقَلَبَ الياءَ ألِفًا لِانْفِتاحِ ما قَبْلَها، وهي لُغَةٌ لِعَقِيلٍ حَكاها قُطْرُبٌ، يَقُولُونَ في أعْطَيْتُكَ: أعْطَأْتُكَ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: قَلَبَ الحَسَنُ الياءَ ألِفًا كَما في لُغَةِ بَنِي الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ: السَّلامُ عَلاكَ، قِيلَ: ثَمَّ هَمْزٌ عَلى لُغَةِ مَن قالَ في العالِمِ: العَأْلِمُ. وقَرَأ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ والأعْمَشُ: (ولا أنْذَرْتُكم بِهِ) بِالنُّونِ والذّالِ، مِنَ الإنْذارِ، وكَذا هي في حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ونَبَّهَ عَلى أنَّ ذَلِكَ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِإقامَتِهِ فِيهِمْ عُمُرًا وهو أرْبَعُونَ سَنَةً مِن قَبْلِ ظُهُورِ القُرْآنِ عَلى لِسانِي يافِعًا وكَهْلًا، لَمْ تُجَرِّبُونِي في كَذِبٍ، ولا تَعاطَيْتُ شَيْئًا مِن هَذا، ولا عانَيْتُ اشْتِغالًا، فَكَيْفَ أُتَّهَمُ بِاخْتِلاقِهِ ؟ أفَلا تَعْقِلُونَ أنَّ مَن كانَ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ مِن مُكْثِهِ الأزْمانَ الطَّوِيلَةَ مِن غَيْرِ تَعَلُّمٍ، ولا تَلَمُّذٍ، ولا مُطالَعَةِ كِتابٍ، ولا مِراسِ جِدالٍ، ثُمَّ أتى بِما لَيْسَ يُمْكِنُ أنْ يَأْتِيَ بِهِ أحَدٌ، ولا يَكُونُ إلّا مُحِقًّا فِيما أتى بِهِ، مُبَلِّغًا عَنْ رَبِّهِ ما أوْحى إلَيْهِ وما اخْتَصَّهُ بِهِ ؟ كَما جاءَ في حَدِيثِ هِرَقْلَ: هَلْ جَرَّبْتُمْ عَلَيْهِ كَذِبًا ؟ قالَ: لا، فَقالَ: لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ الكَذِبَ عَلى الخَلْقِ ويَكْذِبَ عَلى اللَّهِ. وأدْغَمَ ثاءَ (لَبِثْتُ) أبُو عَمْرٍو، وأظْهَرَها باقِي السَّبْعَةِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: (عُمُرًا) بِإسْكانِ المِيمِ، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في (مِن قَبْلِهِ) عَلى القُرْآنِ. وأجازَ الكَرْمانِيُّ أنْ يَعُودَ عَلى التِّلاوَةِ، وعَلى النُّزُولِ، وعَلى الوَقْتِ، يَعْنِي: وقْتَ نُزُولِهِ.

يونس 10:17

﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ المُجْرِمُونَ﴾: تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا الكَلامِ، ومَساقُهُ هُنا بِاعْتِبارَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا قالُوا: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ، كانَ في ضِمْنِهِ أنَّهم يَنْسُبُونَهُ إلى أنَّهُ لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وإنَّما هو اخْتِلاقٌ، فَبُولِغَ في ظُلْمِ مَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا؛ كَما قالَ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ ومَن قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٩٣] وقَدْ قامَ الدَّلِيلُ القاطِعُ عَلى أنَّ هَذا القُرْآنَ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ، وقَدْ كَذَّبْتُمْ بِآياتِهِ، فَلا أحَدَ أظْلَمُ مِنكم. والِاعْتِبارُ الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ تَوْطِئَةٌ لِما يَأْتِي بَعْدَهُ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ، أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِنكم في افْتِرائِكم عَلى اللَّهِ أنَّ لَهُ شَرِيكًا، وأنَّ لَهُ ولَدًا، وفِيما نَسَبْتُمْ إلَيْهِ مِنَ التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ. ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾: الضَّمِيرُ في (ويَعْبُدُونَ) عائِدٌ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ تَقَدَّمَتْ مُحاوَرَتُهم. و﴿ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ﴾ هو الأصْنامُ، جَمادٌ لا تَقْدِرُ عَلى نَفْعٍ ولا ضُرٍّ. قِيلَ: إنْ عَبَدُوها لَمْ تَنْفَعْهم، وإنْ تَرَكُوا عِبادَتَها لَمْ تَضُرَّهم. ومِن حَقِّ المَعْبُودِ أنْ يَكُونَ مُثِيبًا عَلى الطّاعَةِ مُعاقِبًا عَلى المَعْصِيَةِ، وكانَ أهْلُ الطّائِفِ يَعْبُدُونَ اللّاتَ، وأهْلُ مَكَّةَ العُزّى ومَناةَ وأسافا ونائِلَةَ وهُبْلَ، والإخْبارُ بِهَذا عَنِ الكُفّارِ هو عَلى سَبِيلِ التَّجْهِيلِ والتَّحْقِيرِ لَهم ولِمَعْبُوداتِهِمْ، والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم عَبَدُوا مَن لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ. وفي قَوْلِهِ: (مِن دُونِ اللَّهِ) دَلالَةٌ عَلى أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ ولا يَعْبُدُونَ اللَّهَ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ: يَعْنُونَ في الآخِرَةِ. وقالَ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ: إذا كانَ يَوْمَ القِيامَةِ شُفِّعْتُ في اللّاتِ والعُزّى. وقالَ الحَسَنُ: شُفَعاؤُنا في إصْلاحِ مَعايِشِنا في الدُّنْيا. (p-١٣٤)لِأنَّهم لا يُقِرُّونَ بِالبَعْثِ. و(أتُنَبِّئُونَ) اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ بِما ادَّعُوهُ مِنَ المُحالِ الَّذِي هو شَفاعَةُ الأصْنامِ، وإعْلامٌ بِأنَّ الَّذِي أنْبَئُوا بِهِ باطِلٌ غَيْرُ مُنْطَوٍ تَحْتَ الصِّحَّةِ، فَكَأنَّهم يُخْبِرُونَهُ بِشَيْءٍ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ عِلْمُهُ، و”ما“ مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِكَوْنِهِمْ شُفَعاءَ عِنْدَهُ، وهو إنْباءُ ما لَيْسَ بِمَعْلُومٍ لِلَّهِ تَعالى، وإذا لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا لَهُ وهو العالِمُ الذّاتَ المُحِيطُ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا؛ لِأنَّ الشَّيْءَ ما يُعْلَمُ ويُخْبَرُ عَنْهُ، فَكانَ خَبَرًا لَيْسَ لَهُ مُخْبِرٌ عَنْهُ. انْتَهى. فَتَكُونُ ”ما“ واقِعَةً عَلى الشَّفاعَةِ، والفاعِلُ بِـ (يَعْلَمُ) هو اللَّهُ، والمَفْعُولُ الضَّمِيرُ المَحْذُوفُ العائِدُ عَلى ”ما“ . وقَوْلُهُ: ﴿فِي السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ تَأْكِيدٌ لِنَفْيِهِ؛ لِأنَّ ما لَمْ يُوجَدْ فِيهِما فَهو مُنْتَفٍ مَعْدُومٌ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وفي التَّحْرِيرِ: (أتُنَبِّئُونَ) مَعْناهُ التَّهَكُّمُ والتَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ والإنْكارُ، والمَعْنى عَلى هَذا: أتُخْبِرُونَ اللَّهَ بِما يَعْلَمُ خِلافَهُ في السَّماواتِ والأرْضِ، فَإنَّ صِفاتِ الذّاتِ لا يَجْرِي فِيها النَّفْيُ. وقِيلَ: أتُخْبِرُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُهُ مَوْجُودًا في السَّماواتِ والأرْضِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ وُجُودُ ما لا يَعْلَمُهُ اللَّهُ، وهو كَما يُقالُ لِلرَّجُلِ: قَدْ قُلْتَ كَذا، فَيَقُولُ: ما عَلِمَ اللَّهُ هَذا مِنِّي، أيْ ما كانَ هَذا قَطُّ، إذْ لَوْ كانَ لَعَلِمَهُ اللَّهُ. انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ ”ما“ مَوْصُولٌ يُرادُ بِهِ الأصْنامُ لا الشَّفاعَةُ الَّتِي ادَّعُوها، والفاعِلُ بِـ (يَعْلَمُ) ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى ”ما“، لا عَلى اللَّهِ، وذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، والمَعْنى: قُلْ أتُعْلِمُونَ اللَّهَ بِشَفاعَةِ الأصْنامِ الَّتِي انْتَفى عِلْمُها في السَّماواتِ والأرْضِ، أيْ: لَيْسَتْ مُتَّصِفَةً بِعِلْمٍ ألْبَتَّةَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ رَدًّا عَلَيْهِمْ في دَعْواهم أنَّها تَشْفَعُ عِنْدَ اللَّهِ؛ لِأنَّ مَن كانَ مُنْتَفِيًا عَنْهُ العِلْمُ فَكَيْفَ يَشْفَعُ وهو لا يَعْلَمُ مَن يَشْفَعُ فِيهِ، ولا ما يَشْفَعُ فِيهِ، ولا مَن تَشْفَعُ عِنْدَهُ ؟ كَما رَدَّ عَلَيْهِمْ في العِبادَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ﴾، فانْتِفاءُ الضُّرِّ والنَّفْعِ قادِحٌ في العِبادَةِ، وانْتِفاءُ العِلْمِ قادِحٌ في الشَّفاعَةِ، فَتَبْطُلُ العِبادَةُ ودَعْوى الشَّفاعَةِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: (في السَّماواتِ والأرْضِ) عَلى هَذا تَنْبِيهًا عَلى مَحالِّ المَعْبُوداتِ المُدَّعى شَفاعَتُهم، إذْ مِنَ المَعْبُوداتِ السَّماوِيَّةِ الكَواكِبُ كالشَّمْسِ والشِّعْرى. وقُرِئَ: ﴿أتُنَبِّئُونَ﴾ بِالتَّخْفِيفِ مَن أنْبَأ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى عِبادَتَهم ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ، وكانَ ذَلِكَ إشْراكًا؛ اسْتَأْنَفَ تَنْزِيهًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى. و”ما“ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي، ومَصْدَرِيَّةً، أيْ: شُرَكائِهِمُ الَّذِينَ يُشْرِكُونَهم بِهِ، أوْ عَنْ إشْراكِهِمْ. وقَرَأ العَرَبِيّانِ والحَرَمِيّانِ وعاصِمٌ: (يُشْرِكُونَ) بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ هُنا، وفي حَرْفَيِ النَّحْلِ، وحَرْفٍ في الرُّومِ. وذَكَرَ أبُو حاتِمٍ أنَّهُ قَرَأها كَذَلِكَ الحَسَنُ والأعْرَجُ وابْنُ القَعْقاعِ وشَيْبَةُ وحُمَيْدٌ وطِلْحَةُ والأعْمَشُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ في النَّمْلِ فَقَطْ بِالياءِ عَلى الخِطابِ، وعاصِمٌ وأبُو عَمْرٍو بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ والخَمْسَةُ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، وأتى بِالمُضارِعِ، ولَمْ يَأْتِ عَنْ ما أشْرَكُوا لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ حالِهِمْ، كَما جاءُوا يَعْبُدُونَ وإنَّهم عَلى الشِّرْكِ في المُسْتَقْبَلِ، كَما كانُوا عَلَيْهِ في الماضِي. ﴿وما كانَ النّاسُ إلّا أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفُوا ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهم فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى الدَّلالَةَ عَلى فَسادِ عِبادَةِ الأصْنامِ، ذَكَرَ الحامِلَ عَلى ذَلِكَ؛ وهو الِاخْتِلافُ الحادِثُ بَيْنَ النّاسِ، والظّاهِرُ عُمُومُ النّاسِ، ويُتَصَوَّرُ في آدَمَ وبَنِيهِ إلى أنْ وقَعَ الِاخْتِلافُ بَعْدَ قَتْلِ أحَدِ ابْنَيْهِ الآخَرَ، وقالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ. وقالَ الضَّحّاكُ: المُرادُ أصْحابُ سَفِينَةِ نُوحٍ، اتَّفَقُوا عَلى الحَنِيفِيَّةِ ودِينِ الإسْلامِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مَن كانَ مِن ولَدِ آدَمَ إلى زَمانِ إبْراهِيمَ، ورُدَّ بِأنَّهُ عُبِدَ في زَمانِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ الأصْنامُ كَوَدٍّ، وسُواعٍ. وحَكى ابْنُ القُشَيْرِيِّ أنَّ النّاسَ قَوْمُ إبْراهِيمَ إلى أنْ غَيَّرَ الدِّينَ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُمُ الَّذِينَ أُخِذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقُ يَوْمَ ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] لَمْ يَكُونُوا أُمَّةً واحِدَةً غَيْرَ ذَلِكَ اليَوْمِ. وقالَ الأصَمُّ: هُمُ الأطْفالُ المَوْلُودُونَ، كانُوا عَلى الفِطْرَةِ فاخْتَلَفُوا بَعْدَ البُلُوغِ، وأبْعَدُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ المُرادَ بِالنّاسِ هَنا آدَمُ وحْدَهُ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ، والسُّدِّيِّ وعَبَّرَ عَنْهُ بِالأُمَّةِ؛ لِأنَّهُ جامِعٌ لِأنْواعِ الخَيْرِ. وهَذِهِ الأقْوالُ هي (p-١٣٥)عَلى أنَّ المُرادَ بِـ (أُمَّةً واحِدَةً) في الإسْلامِ والإيمانِ. وقِيلَ: في الشِّرْكِ. وأُرِيدَ: قَوْمُ إبْراهِيمَ كانُوا مُجْتَمِعِينَ عَلى الكُفْرِ، فَآمَنَ بَعْضُهم، واسْتَمَرَّ بَعْضُهم عَلى الكُفْرِ. أوْ مَن كانَ قَبْلَ البَعْثِ مِنَ العَرَبِ وأهْلِ الكِتابِ كانُوا عَلى الكُفْرِ والتَّبْدِيلِ والتَّحْرِيفِ، حَتّى بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَآمَنَ بَعْضُهم، أوِ العَرَبُ خاصَّةً، أقْوالٌ، ثالِثُها لِلزَّجّاجِ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: (أُمَّةً واحِدَةً) في الإسْلامِ، لِأنَّ هَذا الكَلامَ جاءَ عَقِيبَ إبْطالِ عِبادَةِ الأصْنامِ، فَلا يُناسِبُ أنْ يُقَوِّيَ عُبّادَ الأصْنامِ. فَإنَّ النّاسَ كانُوا عَلى مِلَّةِ الكُفْرِ، إنَّما المُناسِبُ أنْ يُقالَ: إنَّهم كانُوا عَلى الإسْلامِ حَتّى تَحْصُلَ النُّفْرَةُ مِنِ اتِّباعِ غَيْرِ ما كانَ النّاسُ عَلَيْهِ. وأيْضًا فَقَوْلُهُ: (ولَوْلا كَلِمَةٌ) هو وعِيدٌ، فَصَرْفُهُ إلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ - وهو الِاخْتِلافُ - هو الوَجْهُ، والِاخْتِلافُ بِسَبَبِ الكُفْرِ هو المُقْتَضِي لِلْوَعِيدِ، لا الِاخْتِلافُ الَّذِي هو بِسَبَبِ الإيمانِ، إذْ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلْوَعِيدِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَحْوِ هَذا في البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣] ولَكِنْ أعَدْنا الكَلامَ فِيهِ لِبُعْدِهِ. والكَلِمَةُ هُنا هو القَضاءُ، والتَّقْدِيرُ: لِبَنِي آدَمَ بِالآجالِ المُؤَقَّتَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الكَلِمَةَ في أمْرِ القِيامَةِ، وأنَّ العِقابَ والثَّوابَ إنَّما يَكُونُ حِينَئِذٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو تَأْخِيرُ الحُكْمِ بَيْنَهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ يَقْضِي بَيْنَهم عاجِلًا فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ، وتَمْيِيزُ المُحِقِّ مِنَ المُبْطِلِ. وسَبَقَتْ كَلِمَةُ اللَّهِ بِالتَّأْخِيرِ لِحِكْمَةٍ أوْجَبَتْ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الدّارُ دارَ تَكْلِيفٍ، وتِلْكَ دارَ ثَوابٍ وعِقابٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: الكَلِمَةُ أنَّ اللَّهَ أخْبَرَ هَذِهِ الأُمَّةَ لا يُهْلِكُهم بِالعَذابِ في الدُّنْيا إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَلَوْلا هَذا التَّأْخِيرُ لَقَضى بَيْنَهم بِنُزُولِ العَذابِ، أوْ بِإقامَةِ السّاعَةِ. وقِيلَ: الكَلِمَةُ السّابِقَةُ أنْ لا يَأْخُذَ أحَدًا إلّا بِحُجَّةٍ وهو إرْسالُ الرُّسُلِ. وقِيلَ: الكَلِمَةُ قَوْلُهُ: «سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي» ولَوْلا ذَلِكَ ما أخَّرَ العُصاةَ إلى التَّوْبَةِ.

يونس 10:18

﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ المُجْرِمُونَ﴾: تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا الكَلامِ، ومَساقُهُ هُنا بِاعْتِبارَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا قالُوا: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ، كانَ في ضِمْنِهِ أنَّهم يَنْسُبُونَهُ إلى أنَّهُ لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وإنَّما هو اخْتِلاقٌ، فَبُولِغَ في ظُلْمِ مَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا؛ كَما قالَ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ ومَن قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٩٣] وقَدْ قامَ الدَّلِيلُ القاطِعُ عَلى أنَّ هَذا القُرْآنَ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ، وقَدْ كَذَّبْتُمْ بِآياتِهِ، فَلا أحَدَ أظْلَمُ مِنكم. والِاعْتِبارُ الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ تَوْطِئَةٌ لِما يَأْتِي بَعْدَهُ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ، أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِنكم في افْتِرائِكم عَلى اللَّهِ أنَّ لَهُ شَرِيكًا، وأنَّ لَهُ ولَدًا، وفِيما نَسَبْتُمْ إلَيْهِ مِنَ التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ. ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾: الضَّمِيرُ في (ويَعْبُدُونَ) عائِدٌ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ تَقَدَّمَتْ مُحاوَرَتُهم. و﴿ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ﴾ هو الأصْنامُ، جَمادٌ لا تَقْدِرُ عَلى نَفْعٍ ولا ضُرٍّ. قِيلَ: إنْ عَبَدُوها لَمْ تَنْفَعْهم، وإنْ تَرَكُوا عِبادَتَها لَمْ تَضُرَّهم. ومِن حَقِّ المَعْبُودِ أنْ يَكُونَ مُثِيبًا عَلى الطّاعَةِ مُعاقِبًا عَلى المَعْصِيَةِ، وكانَ أهْلُ الطّائِفِ يَعْبُدُونَ اللّاتَ، وأهْلُ مَكَّةَ العُزّى ومَناةَ وأسافا ونائِلَةَ وهُبْلَ، والإخْبارُ بِهَذا عَنِ الكُفّارِ هو عَلى سَبِيلِ التَّجْهِيلِ والتَّحْقِيرِ لَهم ولِمَعْبُوداتِهِمْ، والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم عَبَدُوا مَن لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ. وفي قَوْلِهِ: (مِن دُونِ اللَّهِ) دَلالَةٌ عَلى أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ ولا يَعْبُدُونَ اللَّهَ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ: يَعْنُونَ في الآخِرَةِ. وقالَ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ: إذا كانَ يَوْمَ القِيامَةِ شُفِّعْتُ في اللّاتِ والعُزّى. وقالَ الحَسَنُ: شُفَعاؤُنا في إصْلاحِ مَعايِشِنا في الدُّنْيا. (p-١٣٤)لِأنَّهم لا يُقِرُّونَ بِالبَعْثِ. و(أتُنَبِّئُونَ) اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ بِما ادَّعُوهُ مِنَ المُحالِ الَّذِي هو شَفاعَةُ الأصْنامِ، وإعْلامٌ بِأنَّ الَّذِي أنْبَئُوا بِهِ باطِلٌ غَيْرُ مُنْطَوٍ تَحْتَ الصِّحَّةِ، فَكَأنَّهم يُخْبِرُونَهُ بِشَيْءٍ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ عِلْمُهُ، و”ما“ مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِكَوْنِهِمْ شُفَعاءَ عِنْدَهُ، وهو إنْباءُ ما لَيْسَ بِمَعْلُومٍ لِلَّهِ تَعالى، وإذا لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا لَهُ وهو العالِمُ الذّاتَ المُحِيطُ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا؛ لِأنَّ الشَّيْءَ ما يُعْلَمُ ويُخْبَرُ عَنْهُ، فَكانَ خَبَرًا لَيْسَ لَهُ مُخْبِرٌ عَنْهُ. انْتَهى. فَتَكُونُ ”ما“ واقِعَةً عَلى الشَّفاعَةِ، والفاعِلُ بِـ (يَعْلَمُ) هو اللَّهُ، والمَفْعُولُ الضَّمِيرُ المَحْذُوفُ العائِدُ عَلى ”ما“ . وقَوْلُهُ: ﴿فِي السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ تَأْكِيدٌ لِنَفْيِهِ؛ لِأنَّ ما لَمْ يُوجَدْ فِيهِما فَهو مُنْتَفٍ مَعْدُومٌ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وفي التَّحْرِيرِ: (أتُنَبِّئُونَ) مَعْناهُ التَّهَكُّمُ والتَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ والإنْكارُ، والمَعْنى عَلى هَذا: أتُخْبِرُونَ اللَّهَ بِما يَعْلَمُ خِلافَهُ في السَّماواتِ والأرْضِ، فَإنَّ صِفاتِ الذّاتِ لا يَجْرِي فِيها النَّفْيُ. وقِيلَ: أتُخْبِرُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُهُ مَوْجُودًا في السَّماواتِ والأرْضِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ وُجُودُ ما لا يَعْلَمُهُ اللَّهُ، وهو كَما يُقالُ لِلرَّجُلِ: قَدْ قُلْتَ كَذا، فَيَقُولُ: ما عَلِمَ اللَّهُ هَذا مِنِّي، أيْ ما كانَ هَذا قَطُّ، إذْ لَوْ كانَ لَعَلِمَهُ اللَّهُ. انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ ”ما“ مَوْصُولٌ يُرادُ بِهِ الأصْنامُ لا الشَّفاعَةُ الَّتِي ادَّعُوها، والفاعِلُ بِـ (يَعْلَمُ) ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى ”ما“، لا عَلى اللَّهِ، وذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، والمَعْنى: قُلْ أتُعْلِمُونَ اللَّهَ بِشَفاعَةِ الأصْنامِ الَّتِي انْتَفى عِلْمُها في السَّماواتِ والأرْضِ، أيْ: لَيْسَتْ مُتَّصِفَةً بِعِلْمٍ ألْبَتَّةَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ رَدًّا عَلَيْهِمْ في دَعْواهم أنَّها تَشْفَعُ عِنْدَ اللَّهِ؛ لِأنَّ مَن كانَ مُنْتَفِيًا عَنْهُ العِلْمُ فَكَيْفَ يَشْفَعُ وهو لا يَعْلَمُ مَن يَشْفَعُ فِيهِ، ولا ما يَشْفَعُ فِيهِ، ولا مَن تَشْفَعُ عِنْدَهُ ؟ كَما رَدَّ عَلَيْهِمْ في العِبادَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ﴾، فانْتِفاءُ الضُّرِّ والنَّفْعِ قادِحٌ في العِبادَةِ، وانْتِفاءُ العِلْمِ قادِحٌ في الشَّفاعَةِ، فَتَبْطُلُ العِبادَةُ ودَعْوى الشَّفاعَةِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: (في السَّماواتِ والأرْضِ) عَلى هَذا تَنْبِيهًا عَلى مَحالِّ المَعْبُوداتِ المُدَّعى شَفاعَتُهم، إذْ مِنَ المَعْبُوداتِ السَّماوِيَّةِ الكَواكِبُ كالشَّمْسِ والشِّعْرى. وقُرِئَ: ﴿أتُنَبِّئُونَ﴾ بِالتَّخْفِيفِ مَن أنْبَأ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى عِبادَتَهم ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ، وكانَ ذَلِكَ إشْراكًا؛ اسْتَأْنَفَ تَنْزِيهًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى. و”ما“ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي، ومَصْدَرِيَّةً، أيْ: شُرَكائِهِمُ الَّذِينَ يُشْرِكُونَهم بِهِ، أوْ عَنْ إشْراكِهِمْ. وقَرَأ العَرَبِيّانِ والحَرَمِيّانِ وعاصِمٌ: (يُشْرِكُونَ) بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ هُنا، وفي حَرْفَيِ النَّحْلِ، وحَرْفٍ في الرُّومِ. وذَكَرَ أبُو حاتِمٍ أنَّهُ قَرَأها كَذَلِكَ الحَسَنُ والأعْرَجُ وابْنُ القَعْقاعِ وشَيْبَةُ وحُمَيْدٌ وطِلْحَةُ والأعْمَشُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ في النَّمْلِ فَقَطْ بِالياءِ عَلى الخِطابِ، وعاصِمٌ وأبُو عَمْرٍو بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ والخَمْسَةُ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، وأتى بِالمُضارِعِ، ولَمْ يَأْتِ عَنْ ما أشْرَكُوا لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ حالِهِمْ، كَما جاءُوا يَعْبُدُونَ وإنَّهم عَلى الشِّرْكِ في المُسْتَقْبَلِ، كَما كانُوا عَلَيْهِ في الماضِي. ﴿وما كانَ النّاسُ إلّا أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفُوا ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهم فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى الدَّلالَةَ عَلى فَسادِ عِبادَةِ الأصْنامِ، ذَكَرَ الحامِلَ عَلى ذَلِكَ؛ وهو الِاخْتِلافُ الحادِثُ بَيْنَ النّاسِ، والظّاهِرُ عُمُومُ النّاسِ، ويُتَصَوَّرُ في آدَمَ وبَنِيهِ إلى أنْ وقَعَ الِاخْتِلافُ بَعْدَ قَتْلِ أحَدِ ابْنَيْهِ الآخَرَ، وقالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ. وقالَ الضَّحّاكُ: المُرادُ أصْحابُ سَفِينَةِ نُوحٍ، اتَّفَقُوا عَلى الحَنِيفِيَّةِ ودِينِ الإسْلامِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مَن كانَ مِن ولَدِ آدَمَ إلى زَمانِ إبْراهِيمَ، ورُدَّ بِأنَّهُ عُبِدَ في زَمانِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ الأصْنامُ كَوَدٍّ، وسُواعٍ. وحَكى ابْنُ القُشَيْرِيِّ أنَّ النّاسَ قَوْمُ إبْراهِيمَ إلى أنْ غَيَّرَ الدِّينَ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُمُ الَّذِينَ أُخِذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقُ يَوْمَ ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] لَمْ يَكُونُوا أُمَّةً واحِدَةً غَيْرَ ذَلِكَ اليَوْمِ. وقالَ الأصَمُّ: هُمُ الأطْفالُ المَوْلُودُونَ، كانُوا عَلى الفِطْرَةِ فاخْتَلَفُوا بَعْدَ البُلُوغِ، وأبْعَدُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ المُرادَ بِالنّاسِ هَنا آدَمُ وحْدَهُ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ، والسُّدِّيِّ وعَبَّرَ عَنْهُ بِالأُمَّةِ؛ لِأنَّهُ جامِعٌ لِأنْواعِ الخَيْرِ. وهَذِهِ الأقْوالُ هي (p-١٣٥)عَلى أنَّ المُرادَ بِـ (أُمَّةً واحِدَةً) في الإسْلامِ والإيمانِ. وقِيلَ: في الشِّرْكِ. وأُرِيدَ: قَوْمُ إبْراهِيمَ كانُوا مُجْتَمِعِينَ عَلى الكُفْرِ، فَآمَنَ بَعْضُهم، واسْتَمَرَّ بَعْضُهم عَلى الكُفْرِ. أوْ مَن كانَ قَبْلَ البَعْثِ مِنَ العَرَبِ وأهْلِ الكِتابِ كانُوا عَلى الكُفْرِ والتَّبْدِيلِ والتَّحْرِيفِ، حَتّى بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَآمَنَ بَعْضُهم، أوِ العَرَبُ خاصَّةً، أقْوالٌ، ثالِثُها لِلزَّجّاجِ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: (أُمَّةً واحِدَةً) في الإسْلامِ، لِأنَّ هَذا الكَلامَ جاءَ عَقِيبَ إبْطالِ عِبادَةِ الأصْنامِ، فَلا يُناسِبُ أنْ يُقَوِّيَ عُبّادَ الأصْنامِ. فَإنَّ النّاسَ كانُوا عَلى مِلَّةِ الكُفْرِ، إنَّما المُناسِبُ أنْ يُقالَ: إنَّهم كانُوا عَلى الإسْلامِ حَتّى تَحْصُلَ النُّفْرَةُ مِنِ اتِّباعِ غَيْرِ ما كانَ النّاسُ عَلَيْهِ. وأيْضًا فَقَوْلُهُ: (ولَوْلا كَلِمَةٌ) هو وعِيدٌ، فَصَرْفُهُ إلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ - وهو الِاخْتِلافُ - هو الوَجْهُ، والِاخْتِلافُ بِسَبَبِ الكُفْرِ هو المُقْتَضِي لِلْوَعِيدِ، لا الِاخْتِلافُ الَّذِي هو بِسَبَبِ الإيمانِ، إذْ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلْوَعِيدِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَحْوِ هَذا في البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣] ولَكِنْ أعَدْنا الكَلامَ فِيهِ لِبُعْدِهِ. والكَلِمَةُ هُنا هو القَضاءُ، والتَّقْدِيرُ: لِبَنِي آدَمَ بِالآجالِ المُؤَقَّتَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الكَلِمَةَ في أمْرِ القِيامَةِ، وأنَّ العِقابَ والثَّوابَ إنَّما يَكُونُ حِينَئِذٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو تَأْخِيرُ الحُكْمِ بَيْنَهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ يَقْضِي بَيْنَهم عاجِلًا فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ، وتَمْيِيزُ المُحِقِّ مِنَ المُبْطِلِ. وسَبَقَتْ كَلِمَةُ اللَّهِ بِالتَّأْخِيرِ لِحِكْمَةٍ أوْجَبَتْ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الدّارُ دارَ تَكْلِيفٍ، وتِلْكَ دارَ ثَوابٍ وعِقابٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: الكَلِمَةُ أنَّ اللَّهَ أخْبَرَ هَذِهِ الأُمَّةَ لا يُهْلِكُهم بِالعَذابِ في الدُّنْيا إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَلَوْلا هَذا التَّأْخِيرُ لَقَضى بَيْنَهم بِنُزُولِ العَذابِ، أوْ بِإقامَةِ السّاعَةِ. وقِيلَ: الكَلِمَةُ السّابِقَةُ أنْ لا يَأْخُذَ أحَدًا إلّا بِحُجَّةٍ وهو إرْسالُ الرُّسُلِ. وقِيلَ: الكَلِمَةُ قَوْلُهُ: «سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي» ولَوْلا ذَلِكَ ما أخَّرَ العُصاةَ إلى التَّوْبَةِ.

يونس 10:19

﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ المُجْرِمُونَ﴾: تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا الكَلامِ، ومَساقُهُ هُنا بِاعْتِبارَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا قالُوا: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ، كانَ في ضِمْنِهِ أنَّهم يَنْسُبُونَهُ إلى أنَّهُ لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وإنَّما هو اخْتِلاقٌ، فَبُولِغَ في ظُلْمِ مَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا؛ كَما قالَ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ ومَن قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٩٣] وقَدْ قامَ الدَّلِيلُ القاطِعُ عَلى أنَّ هَذا القُرْآنَ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ، وقَدْ كَذَّبْتُمْ بِآياتِهِ، فَلا أحَدَ أظْلَمُ مِنكم. والِاعْتِبارُ الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ تَوْطِئَةٌ لِما يَأْتِي بَعْدَهُ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ، أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِنكم في افْتِرائِكم عَلى اللَّهِ أنَّ لَهُ شَرِيكًا، وأنَّ لَهُ ولَدًا، وفِيما نَسَبْتُمْ إلَيْهِ مِنَ التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ. ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾: الضَّمِيرُ في (ويَعْبُدُونَ) عائِدٌ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ تَقَدَّمَتْ مُحاوَرَتُهم. و﴿ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ﴾ هو الأصْنامُ، جَمادٌ لا تَقْدِرُ عَلى نَفْعٍ ولا ضُرٍّ. قِيلَ: إنْ عَبَدُوها لَمْ تَنْفَعْهم، وإنْ تَرَكُوا عِبادَتَها لَمْ تَضُرَّهم. ومِن حَقِّ المَعْبُودِ أنْ يَكُونَ مُثِيبًا عَلى الطّاعَةِ مُعاقِبًا عَلى المَعْصِيَةِ، وكانَ أهْلُ الطّائِفِ يَعْبُدُونَ اللّاتَ، وأهْلُ مَكَّةَ العُزّى ومَناةَ وأسافا ونائِلَةَ وهُبْلَ، والإخْبارُ بِهَذا عَنِ الكُفّارِ هو عَلى سَبِيلِ التَّجْهِيلِ والتَّحْقِيرِ لَهم ولِمَعْبُوداتِهِمْ، والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم عَبَدُوا مَن لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ. وفي قَوْلِهِ: (مِن دُونِ اللَّهِ) دَلالَةٌ عَلى أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ ولا يَعْبُدُونَ اللَّهَ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ: يَعْنُونَ في الآخِرَةِ. وقالَ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ: إذا كانَ يَوْمَ القِيامَةِ شُفِّعْتُ في اللّاتِ والعُزّى. وقالَ الحَسَنُ: شُفَعاؤُنا في إصْلاحِ مَعايِشِنا في الدُّنْيا. (p-١٣٤)لِأنَّهم لا يُقِرُّونَ بِالبَعْثِ. و(أتُنَبِّئُونَ) اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ بِما ادَّعُوهُ مِنَ المُحالِ الَّذِي هو شَفاعَةُ الأصْنامِ، وإعْلامٌ بِأنَّ الَّذِي أنْبَئُوا بِهِ باطِلٌ غَيْرُ مُنْطَوٍ تَحْتَ الصِّحَّةِ، فَكَأنَّهم يُخْبِرُونَهُ بِشَيْءٍ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ عِلْمُهُ، و”ما“ مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِكَوْنِهِمْ شُفَعاءَ عِنْدَهُ، وهو إنْباءُ ما لَيْسَ بِمَعْلُومٍ لِلَّهِ تَعالى، وإذا لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا لَهُ وهو العالِمُ الذّاتَ المُحِيطُ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا؛ لِأنَّ الشَّيْءَ ما يُعْلَمُ ويُخْبَرُ عَنْهُ، فَكانَ خَبَرًا لَيْسَ لَهُ مُخْبِرٌ عَنْهُ. انْتَهى. فَتَكُونُ ”ما“ واقِعَةً عَلى الشَّفاعَةِ، والفاعِلُ بِـ (يَعْلَمُ) هو اللَّهُ، والمَفْعُولُ الضَّمِيرُ المَحْذُوفُ العائِدُ عَلى ”ما“ . وقَوْلُهُ: ﴿فِي السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ تَأْكِيدٌ لِنَفْيِهِ؛ لِأنَّ ما لَمْ يُوجَدْ فِيهِما فَهو مُنْتَفٍ مَعْدُومٌ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وفي التَّحْرِيرِ: (أتُنَبِّئُونَ) مَعْناهُ التَّهَكُّمُ والتَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ والإنْكارُ، والمَعْنى عَلى هَذا: أتُخْبِرُونَ اللَّهَ بِما يَعْلَمُ خِلافَهُ في السَّماواتِ والأرْضِ، فَإنَّ صِفاتِ الذّاتِ لا يَجْرِي فِيها النَّفْيُ. وقِيلَ: أتُخْبِرُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُهُ مَوْجُودًا في السَّماواتِ والأرْضِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ وُجُودُ ما لا يَعْلَمُهُ اللَّهُ، وهو كَما يُقالُ لِلرَّجُلِ: قَدْ قُلْتَ كَذا، فَيَقُولُ: ما عَلِمَ اللَّهُ هَذا مِنِّي، أيْ ما كانَ هَذا قَطُّ، إذْ لَوْ كانَ لَعَلِمَهُ اللَّهُ. انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ ”ما“ مَوْصُولٌ يُرادُ بِهِ الأصْنامُ لا الشَّفاعَةُ الَّتِي ادَّعُوها، والفاعِلُ بِـ (يَعْلَمُ) ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى ”ما“، لا عَلى اللَّهِ، وذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، والمَعْنى: قُلْ أتُعْلِمُونَ اللَّهَ بِشَفاعَةِ الأصْنامِ الَّتِي انْتَفى عِلْمُها في السَّماواتِ والأرْضِ، أيْ: لَيْسَتْ مُتَّصِفَةً بِعِلْمٍ ألْبَتَّةَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ رَدًّا عَلَيْهِمْ في دَعْواهم أنَّها تَشْفَعُ عِنْدَ اللَّهِ؛ لِأنَّ مَن كانَ مُنْتَفِيًا عَنْهُ العِلْمُ فَكَيْفَ يَشْفَعُ وهو لا يَعْلَمُ مَن يَشْفَعُ فِيهِ، ولا ما يَشْفَعُ فِيهِ، ولا مَن تَشْفَعُ عِنْدَهُ ؟ كَما رَدَّ عَلَيْهِمْ في العِبادَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ﴾، فانْتِفاءُ الضُّرِّ والنَّفْعِ قادِحٌ في العِبادَةِ، وانْتِفاءُ العِلْمِ قادِحٌ في الشَّفاعَةِ، فَتَبْطُلُ العِبادَةُ ودَعْوى الشَّفاعَةِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: (في السَّماواتِ والأرْضِ) عَلى هَذا تَنْبِيهًا عَلى مَحالِّ المَعْبُوداتِ المُدَّعى شَفاعَتُهم، إذْ مِنَ المَعْبُوداتِ السَّماوِيَّةِ الكَواكِبُ كالشَّمْسِ والشِّعْرى. وقُرِئَ: ﴿أتُنَبِّئُونَ﴾ بِالتَّخْفِيفِ مَن أنْبَأ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى عِبادَتَهم ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ، وكانَ ذَلِكَ إشْراكًا؛ اسْتَأْنَفَ تَنْزِيهًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى. و”ما“ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي، ومَصْدَرِيَّةً، أيْ: شُرَكائِهِمُ الَّذِينَ يُشْرِكُونَهم بِهِ، أوْ عَنْ إشْراكِهِمْ. وقَرَأ العَرَبِيّانِ والحَرَمِيّانِ وعاصِمٌ: (يُشْرِكُونَ) بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ هُنا، وفي حَرْفَيِ النَّحْلِ، وحَرْفٍ في الرُّومِ. وذَكَرَ أبُو حاتِمٍ أنَّهُ قَرَأها كَذَلِكَ الحَسَنُ والأعْرَجُ وابْنُ القَعْقاعِ وشَيْبَةُ وحُمَيْدٌ وطِلْحَةُ والأعْمَشُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ في النَّمْلِ فَقَطْ بِالياءِ عَلى الخِطابِ، وعاصِمٌ وأبُو عَمْرٍو بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ والخَمْسَةُ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، وأتى بِالمُضارِعِ، ولَمْ يَأْتِ عَنْ ما أشْرَكُوا لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ حالِهِمْ، كَما جاءُوا يَعْبُدُونَ وإنَّهم عَلى الشِّرْكِ في المُسْتَقْبَلِ، كَما كانُوا عَلَيْهِ في الماضِي. ﴿وما كانَ النّاسُ إلّا أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفُوا ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهم فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى الدَّلالَةَ عَلى فَسادِ عِبادَةِ الأصْنامِ، ذَكَرَ الحامِلَ عَلى ذَلِكَ؛ وهو الِاخْتِلافُ الحادِثُ بَيْنَ النّاسِ، والظّاهِرُ عُمُومُ النّاسِ، ويُتَصَوَّرُ في آدَمَ وبَنِيهِ إلى أنْ وقَعَ الِاخْتِلافُ بَعْدَ قَتْلِ أحَدِ ابْنَيْهِ الآخَرَ، وقالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ. وقالَ الضَّحّاكُ: المُرادُ أصْحابُ سَفِينَةِ نُوحٍ، اتَّفَقُوا عَلى الحَنِيفِيَّةِ ودِينِ الإسْلامِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مَن كانَ مِن ولَدِ آدَمَ إلى زَمانِ إبْراهِيمَ، ورُدَّ بِأنَّهُ عُبِدَ في زَمانِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ الأصْنامُ كَوَدٍّ، وسُواعٍ. وحَكى ابْنُ القُشَيْرِيِّ أنَّ النّاسَ قَوْمُ إبْراهِيمَ إلى أنْ غَيَّرَ الدِّينَ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُمُ الَّذِينَ أُخِذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقُ يَوْمَ ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] لَمْ يَكُونُوا أُمَّةً واحِدَةً غَيْرَ ذَلِكَ اليَوْمِ. وقالَ الأصَمُّ: هُمُ الأطْفالُ المَوْلُودُونَ، كانُوا عَلى الفِطْرَةِ فاخْتَلَفُوا بَعْدَ البُلُوغِ، وأبْعَدُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ المُرادَ بِالنّاسِ هَنا آدَمُ وحْدَهُ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ، والسُّدِّيِّ وعَبَّرَ عَنْهُ بِالأُمَّةِ؛ لِأنَّهُ جامِعٌ لِأنْواعِ الخَيْرِ. وهَذِهِ الأقْوالُ هي (p-١٣٥)عَلى أنَّ المُرادَ بِـ (أُمَّةً واحِدَةً) في الإسْلامِ والإيمانِ. وقِيلَ: في الشِّرْكِ. وأُرِيدَ: قَوْمُ إبْراهِيمَ كانُوا مُجْتَمِعِينَ عَلى الكُفْرِ، فَآمَنَ بَعْضُهم، واسْتَمَرَّ بَعْضُهم عَلى الكُفْرِ. أوْ مَن كانَ قَبْلَ البَعْثِ مِنَ العَرَبِ وأهْلِ الكِتابِ كانُوا عَلى الكُفْرِ والتَّبْدِيلِ والتَّحْرِيفِ، حَتّى بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَآمَنَ بَعْضُهم، أوِ العَرَبُ خاصَّةً، أقْوالٌ، ثالِثُها لِلزَّجّاجِ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: (أُمَّةً واحِدَةً) في الإسْلامِ، لِأنَّ هَذا الكَلامَ جاءَ عَقِيبَ إبْطالِ عِبادَةِ الأصْنامِ، فَلا يُناسِبُ أنْ يُقَوِّيَ عُبّادَ الأصْنامِ. فَإنَّ النّاسَ كانُوا عَلى مِلَّةِ الكُفْرِ، إنَّما المُناسِبُ أنْ يُقالَ: إنَّهم كانُوا عَلى الإسْلامِ حَتّى تَحْصُلَ النُّفْرَةُ مِنِ اتِّباعِ غَيْرِ ما كانَ النّاسُ عَلَيْهِ. وأيْضًا فَقَوْلُهُ: (ولَوْلا كَلِمَةٌ) هو وعِيدٌ، فَصَرْفُهُ إلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ - وهو الِاخْتِلافُ - هو الوَجْهُ، والِاخْتِلافُ بِسَبَبِ الكُفْرِ هو المُقْتَضِي لِلْوَعِيدِ، لا الِاخْتِلافُ الَّذِي هو بِسَبَبِ الإيمانِ، إذْ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلْوَعِيدِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَحْوِ هَذا في البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣] ولَكِنْ أعَدْنا الكَلامَ فِيهِ لِبُعْدِهِ. والكَلِمَةُ هُنا هو القَضاءُ، والتَّقْدِيرُ: لِبَنِي آدَمَ بِالآجالِ المُؤَقَّتَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الكَلِمَةَ في أمْرِ القِيامَةِ، وأنَّ العِقابَ والثَّوابَ إنَّما يَكُونُ حِينَئِذٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو تَأْخِيرُ الحُكْمِ بَيْنَهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ يَقْضِي بَيْنَهم عاجِلًا فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ، وتَمْيِيزُ المُحِقِّ مِنَ المُبْطِلِ. وسَبَقَتْ كَلِمَةُ اللَّهِ بِالتَّأْخِيرِ لِحِكْمَةٍ أوْجَبَتْ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الدّارُ دارَ تَكْلِيفٍ، وتِلْكَ دارَ ثَوابٍ وعِقابٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: الكَلِمَةُ أنَّ اللَّهَ أخْبَرَ هَذِهِ الأُمَّةَ لا يُهْلِكُهم بِالعَذابِ في الدُّنْيا إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَلَوْلا هَذا التَّأْخِيرُ لَقَضى بَيْنَهم بِنُزُولِ العَذابِ، أوْ بِإقامَةِ السّاعَةِ. وقِيلَ: الكَلِمَةُ السّابِقَةُ أنْ لا يَأْخُذَ أحَدًا إلّا بِحُجَّةٍ وهو إرْسالُ الرُّسُلِ. وقِيلَ: الكَلِمَةُ قَوْلُهُ: «سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي» ولَوْلا ذَلِكَ ما أخَّرَ العُصاةَ إلى التَّوْبَةِ.

يونس 10:20

﴿ويَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ فَقُلْ إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾: هَذا مِنِ اقْتِراحِهِمْ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكانُوا لا يَعْتَدُّونَ بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ الآياتِ العِظامِ المُتَكاثِرَةِ الَّتِي لَمْ تَنْزِلْ عَلى أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ مِثْلُها، وكَفى بِالقُرْآنِ وحْدَهُ آيَةً باقِيَةً عَلى وجْهِ الدَّهْرِ بَدِيعَةً غَرِيبَةً في الآياتِ، دَقِيقَةَ المَسْلَكِ مِن بَيْنِ المُعْجِزاتِ. وجَعَلُوا نُزُولَها كَلا نُزُولٍ، فَكَأنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ قَطُّ حَتّى قالُوا: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ واحِدَةٌ مِن رَبِّهِ، وذَلِكَ لِفَرْطِ عِنادِهِمْ وتَمادِيهِمْ في التَّمَرُّدِ وانْهِماكِهِمْ في الغَيِّ. ﴿فَقُلْ إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ﴾، أيْ: هو المُخْتَصُّ بِعِلْمِ الغَيْبِ المُسْتَأْثِرُ بِهِ، لا عِلْمَ لِي ولا لِأحَدٍ بِهِ. يَعْنِي: أنَّ الصّارِفَ عَنْ إنْزالِ الآياتِ المُقْتَرَحَةِ أمْرٌ مُغَيَّبٌ لا يَعْلَمُهُ إلّا هو سُبْحانَهُ. (فانْتَظِرُوا) نُزُولَ ما اقْتَرَحْتُمُوهُ ﴿إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ بِما يَفْعَلُ اللَّهُ تَعالى بِكم لِعِنادِكم وجَحْدِكُمُ الآياتِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: آيَةً مِن رَبِّهِ، آيَةً تَضْطَرُّ النّاسَ إلى الإيمانِ، وهَذا النَّوْعُ مِنَ الآياتِ لَمْ يَأْتِ بِها نَبِيٌّ قَطُّ، ولا مِنَ المُعْجِزاتِ اضْطِرارِيَّةٌ، وإنَّما هي مُعَرَّضَةٌ لِلنَّظَرِ لِيَهْتَدِيَ قَوْمٌ ويَضِلَّ آخَرُونَ، فَقُلْ إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ إنْ شاءَ فَعَلَ، وإنْ شاءَ لَمْ يَفْعَلْ، لا يَطَّلِعُ عَلى غَيْبِهِ في ذَلِكَ أحَدٌ. وقَوْلُهُ: (فانْتَظِرُوا) وعِيدًا وقَدْ صَدَقَهُ اللَّهُ تَعالى بِنُصْرَتِهِ مُحَمَّدًا ﷺ . وقِيلَ: الآيَةُ الَّتِي اقْتَرَحُوا أنْ يُنَزِّلَ ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا﴾ [الإسراء: ٩٠] الآيَةَ، وقِيلَ: آيَةٌ كَآيَةِ مُوسى وعِيسى كالعَصا واليَدِ البَيْضاءِ، وإحْياءِ المَوْتى، طَلَبُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ. ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهم إذا لَهم مَكْرٌ في آياتِنا قُلِ اللَّهُ أسْرَعُ مَكْرًا إنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ﴾: (p-١٣٦)لَمّا ذَكَرَ تَعالى قَوْلَهُ: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ﴾ [يونس: ١٥] الآيَةَ، ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ﴾ [الأنعام: ٣٧] وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ، أخْبَرَ أنَّ هَؤُلاءِ إنَّما يَصِيرُونَ لِهَذِهِ المَقالاتِ عِنْدَما يَكُونُونَ في رَخاءٍ مِنَ العَيْشِ وخُلُوِّ بالٍ، وأنَّ إحْسانَ اللَّهِ تَعالى قابَلُوهُ بِما لا يَجُوزُ مِنِ ابْتِغاءِ المَكْرِ لِآياتِهِ، وكانَ خَلِيقًا بِهِمْ أنْ يَكُونُوا أوَّلَ مَن صَدَّقَ بِآياتِهِ. وإعْراضُهم عَنِ الآياتِ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأنْ لَمْ يَدْعُنا إلى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس: ١٢] . وسَبَبُ نُزُولِها أنَّهُ لَمّا دَعا عَلى أهْلِ مَكَّةَ الرَّسُولُ بِالجَدْبِ قَحَطُوا سَبْعَ سِنِينَ، فَأتاهُ أبُو سُفْيانَ فَقالَ: ادْعُ لَنا بِالخِصْبِ، فَإنْ أخْصَبْنا صَدَّقْنا، فَسَألَ اللَّهَ لَهم فَسَقُوا ولَمْ يُؤْمِنُوا، وهَذِهِ وإنْ كانَتْ في الكُفّارِ فَهي تَتَناوَلُ مِنَ العاصِينَ مَن لا يُؤَدِّي شُكْرَ اللَّهِ عِنْدَ زَوالِ المَكْرُوهِ عَنْهُ، ولا يَرْتَدِعُ بِذَلِكَ عَنْ مَعاصِيهِ، وذَلِكَ في النّاسِ كَثِيرٌ. تَجِدُ الإنْسانَ يَعْقِدُ عِنْدَ مَسِّ الضُّرِّ التَّوْبَةَ والتَّنَصُّلَ مِن سائِرِ المَعاصِي، فَإذا زالَ عَنْهُ رَجَعَ إلى أقْبَحِ عاداتِهِ. والرَّحْمَةُ هُنا الغَيْثُ بَعْدَ القَحْطِ، والأمْنُ بَعْدَ الخَوْفِ، والصِّحَّةُ بَعْدَ المَرَضِ، والغِنى بَعْدَ الفَقْرِ، وما أشْبَهَ ذَلِكَ. ومَعْنى (مَسَّتْهُمُ) خالَطَتْهم حَتّى أحَسُّوا بِسُوءِ أثَرِها فِيهِمْ، ومَعْنى ﴿مَكْرٌ في آياتِنا﴾ التَّكْذِيبُ بِالقُرْآنِ، والشَّكُّ فِيهِ، قالَهُ الجَماعَةُ. وقالَ مُجاهِدٌ ومُقاتِلٌ: الِاسْتِهْزاءُ والتَّكْذِيبُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرَّدُّ والجُحُودُ. وحَكى الماوَرْدِيُّ النِّفاقَ؛ لِأنَّهُ إظْهارُ الإيمانِ وإبِطانُ الكُفْرِ، وهو شَبِيهٌ بِما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ المَكْرَ أخْفى الكَيْدِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمَكْرُ الِاسْتِهْزاءُ والطَّعْنُ عَلَيْها مِنَ الكُفّارِ، واطِّراحُ الشُّكْرِ والخَوْفِ مِنَ العُصاةِ. انْتَهى. والإذاقَةُ والمَسُّ هُنا مَجازانِ، وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ دَلِيلٌ عَلى سُرْعَةِ تَقَلُّبِ ابْنِ آدَمَ مِن حالَةِ الخَيْرِ إلى حالَةِ الشَّرِّ، وذَلِكَ بِلَفْظِ (أذَقْنا)، كَأنَّهُ قِيلَ: أوَّلُ ذَوْقِهِ الرَّحْمَةُ قَبْلَ أنْ يُداوِمَ اسْتِطْعامَها مَكْرُوهٌ بِلَفْظِ مِنِ المُشْعِرَةِ بِابْتِداءِ الغايَةِ، أيْ: يُنْشِئُ المَكْرَ إثْرَ كَشْفِ الضَّرّاءِ لا يُمْهِلُ ذَلِكَ. وبِلَفْظِ ”إذا“ الفُجائِيَّةِ الواقِعَةِ جَوابًا لِـ ”إذا“ الشَّرْطِيَّةِ، أيْ: في وقْتِ إذاقَةِ الرَّحْمَةِ فُوجِئُوا بِالمَكْرِ. ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ كَما قُلْنا تَتَضَمَّنُ سُرْعَةَ المَكْرِ مِنهم؛ قِيلَ: ﴿قُلِ اللَّهُ أسْرَعُ مَكْرًا﴾، فَجاءَتْ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ. ومَعْنى وصْفِ المَكْرِ بِالأسْرَعِيَّةِ: أنَّهُ تَعالى قَبْلَ أنْ يُدَبِّرُوا مَكائِدَهم قَضى بِعِقابِكم، وهو مُوقِعُهُ بِكم، واسْتَدْرَجَكم بِإمْهالِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أسْرَعَ مِن سَرَعَ، ولا يَكُونُ مِن أسْرَعَ يُسْرِعُ، حَكى ذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ. ولَوْ كانَ مِن أسْرَعَ لَكانَ شاذًّا وقَدْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في نارِ جَهَنَّمَ: «لَهِيَ أسْوَدُ مِنَ القارِ» وما حُفِظَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَيْسَ بِشاذٍّ. انْتَهى. وقِيلَ: أسْرَعَ هُنا لَيْسَتْ لِلتَّفْضِيلِ، وحِكايَةُ ذَلِكَ عَنْ أبِي عَلِيٍّ. هو مَذْهَبٌ. وفي بِناءِ التَّعَجُّبِ وأفْعَلِ التَّفْضِيلِ مِن أفْعَلَ ثَلاثَةُ مَذاهِبَ: المَنعُ مُطْلَقًا وما ورَدَ مِن ذَلِكَ فَهو شاذٌّ، والجَوازُ مُطْلَقًا، والتَّفْصِيلُ بَيْنَ أنْ تَكُونَ الهَمْزَةُ فِيهِ لِلنَّقْلِ فَيُمْنَعُ، أوْ لِغَيْرِ النَّقْلِ فَيَجُوزُ، نَحْوُ: أشْكَلَ الأمْرُ وأظْلَمَ اللَّيْلُ، وتَقْرِيرُ الصَّحِيحِ مِن ذَلِكَ هو في عِلْمِ النَّحْوِ، وأمّا تَنْظِيرُ (أسْوَدُ مِنَ القارِ) بِأسْرَعَ فَفاسِدٌ، لِأنَّ (أسْوَدُ) لَيْسَ فِعْلُهُ عَلى وزْنِ أفْعَلَ، وإنَّما هو عَلى وزْنِ فَعُلَ نَحْوُ سَوُدَ فَهو أسْوَدُ، ولَمْ يَمْتَنِعِ التَّعَجُّبُ ولا بِناءُ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ مِن نَحْوِ: سَوُدَ وحَمُرَ وأدُمَ إلّا لِكَوْنِهِ لَوْنًا، وقَدْ أجازَ ذَلِكَ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ في الألْوانِ مُطْلَقًا، وبَعْضُهم في السَّوادِ والبَياضِ فَقَطْ. والرُّسُلُ هُنا الحَفَظَةُ بِلا خِلافٍ. والمَعْنى: أنَّ ما تَظُنُّونَهُ خافِيًا مَطْوِيًّا عَنِ اللَّهِ لا يَخْفى عَلَيْهِ، وهو مُنْتَقِمٌ مِنكم. وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو عَمْرٍو: (رُسْلَنا) بِالتَّخْفِيفِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، والأعْرَجُ، ورُوِيَتْ عَنْ نافِعٍ: (يَمْكُرُونَ) عَلى الغَيْبَةِ جَرْيًا عَلى ما سَبَقَ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وشَيْبَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، والجَحْدَرِيُّ، وأيُّوبُ بْنُ المُتَوَكِّلِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وشِبْلٌ، وأهْلُ مَكَّةَ، والسَّبْعَةُ: بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ مُبالَغَةً لَهم في الإعْلامِ بِحالِ مَكْرِهِمْ، والتِفاتًا لِقَوْلِهِ: (قُلِ اللَّهُ)، أيْ: قُلْ لَهم، فَناسَبَ الخِطابَ. وفي قَوْلِهِ: (p-١٣٧)﴿إنَّ رُسُلَنا﴾ التِفاتٌ أيْضًا، إذْ لَمْ يَأْتِ: إنَّ رُسُلَهُ. وقالَ أيُّوبُ بْنُ المُتَوَكِّلِ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ: ”يا أيُّها النّاسُ إنَّ اللَّهَ أسْرَعُ مَكْرًا، وإنَّ رُسُلَهُ لَدَيْكم يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ“، ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ هَذا عَلى التَّفْسِيرِ، لِأنَّهُ مُخالِفٌ لِما أجْمَعَ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ مِن سَوادِ المُصْحَفِ، والمَحْفُوظُ عَنْ أُبَيٍّ القِراءَةُ والإقْراءُ بِسَوادِ المُصْحَفِ.

يونس 10:21

﴿ويَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ فَقُلْ إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾: هَذا مِنِ اقْتِراحِهِمْ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكانُوا لا يَعْتَدُّونَ بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ الآياتِ العِظامِ المُتَكاثِرَةِ الَّتِي لَمْ تَنْزِلْ عَلى أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ مِثْلُها، وكَفى بِالقُرْآنِ وحْدَهُ آيَةً باقِيَةً عَلى وجْهِ الدَّهْرِ بَدِيعَةً غَرِيبَةً في الآياتِ، دَقِيقَةَ المَسْلَكِ مِن بَيْنِ المُعْجِزاتِ. وجَعَلُوا نُزُولَها كَلا نُزُولٍ، فَكَأنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ قَطُّ حَتّى قالُوا: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ واحِدَةٌ مِن رَبِّهِ، وذَلِكَ لِفَرْطِ عِنادِهِمْ وتَمادِيهِمْ في التَّمَرُّدِ وانْهِماكِهِمْ في الغَيِّ. ﴿فَقُلْ إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ﴾، أيْ: هو المُخْتَصُّ بِعِلْمِ الغَيْبِ المُسْتَأْثِرُ بِهِ، لا عِلْمَ لِي ولا لِأحَدٍ بِهِ. يَعْنِي: أنَّ الصّارِفَ عَنْ إنْزالِ الآياتِ المُقْتَرَحَةِ أمْرٌ مُغَيَّبٌ لا يَعْلَمُهُ إلّا هو سُبْحانَهُ. (فانْتَظِرُوا) نُزُولَ ما اقْتَرَحْتُمُوهُ ﴿إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ بِما يَفْعَلُ اللَّهُ تَعالى بِكم لِعِنادِكم وجَحْدِكُمُ الآياتِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: آيَةً مِن رَبِّهِ، آيَةً تَضْطَرُّ النّاسَ إلى الإيمانِ، وهَذا النَّوْعُ مِنَ الآياتِ لَمْ يَأْتِ بِها نَبِيٌّ قَطُّ، ولا مِنَ المُعْجِزاتِ اضْطِرارِيَّةٌ، وإنَّما هي مُعَرَّضَةٌ لِلنَّظَرِ لِيَهْتَدِيَ قَوْمٌ ويَضِلَّ آخَرُونَ، فَقُلْ إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ إنْ شاءَ فَعَلَ، وإنْ شاءَ لَمْ يَفْعَلْ، لا يَطَّلِعُ عَلى غَيْبِهِ في ذَلِكَ أحَدٌ. وقَوْلُهُ: (فانْتَظِرُوا) وعِيدًا وقَدْ صَدَقَهُ اللَّهُ تَعالى بِنُصْرَتِهِ مُحَمَّدًا ﷺ . وقِيلَ: الآيَةُ الَّتِي اقْتَرَحُوا أنْ يُنَزِّلَ ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا﴾ [الإسراء: ٩٠] الآيَةَ، وقِيلَ: آيَةٌ كَآيَةِ مُوسى وعِيسى كالعَصا واليَدِ البَيْضاءِ، وإحْياءِ المَوْتى، طَلَبُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ. ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهم إذا لَهم مَكْرٌ في آياتِنا قُلِ اللَّهُ أسْرَعُ مَكْرًا إنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ﴾: (p-١٣٦)لَمّا ذَكَرَ تَعالى قَوْلَهُ: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ﴾ [يونس: ١٥] الآيَةَ، ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ﴾ [الأنعام: ٣٧] وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ، أخْبَرَ أنَّ هَؤُلاءِ إنَّما يَصِيرُونَ لِهَذِهِ المَقالاتِ عِنْدَما يَكُونُونَ في رَخاءٍ مِنَ العَيْشِ وخُلُوِّ بالٍ، وأنَّ إحْسانَ اللَّهِ تَعالى قابَلُوهُ بِما لا يَجُوزُ مِنِ ابْتِغاءِ المَكْرِ لِآياتِهِ، وكانَ خَلِيقًا بِهِمْ أنْ يَكُونُوا أوَّلَ مَن صَدَّقَ بِآياتِهِ. وإعْراضُهم عَنِ الآياتِ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأنْ لَمْ يَدْعُنا إلى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس: ١٢] . وسَبَبُ نُزُولِها أنَّهُ لَمّا دَعا عَلى أهْلِ مَكَّةَ الرَّسُولُ بِالجَدْبِ قَحَطُوا سَبْعَ سِنِينَ، فَأتاهُ أبُو سُفْيانَ فَقالَ: ادْعُ لَنا بِالخِصْبِ، فَإنْ أخْصَبْنا صَدَّقْنا، فَسَألَ اللَّهَ لَهم فَسَقُوا ولَمْ يُؤْمِنُوا، وهَذِهِ وإنْ كانَتْ في الكُفّارِ فَهي تَتَناوَلُ مِنَ العاصِينَ مَن لا يُؤَدِّي شُكْرَ اللَّهِ عِنْدَ زَوالِ المَكْرُوهِ عَنْهُ، ولا يَرْتَدِعُ بِذَلِكَ عَنْ مَعاصِيهِ، وذَلِكَ في النّاسِ كَثِيرٌ. تَجِدُ الإنْسانَ يَعْقِدُ عِنْدَ مَسِّ الضُّرِّ التَّوْبَةَ والتَّنَصُّلَ مِن سائِرِ المَعاصِي، فَإذا زالَ عَنْهُ رَجَعَ إلى أقْبَحِ عاداتِهِ. والرَّحْمَةُ هُنا الغَيْثُ بَعْدَ القَحْطِ، والأمْنُ بَعْدَ الخَوْفِ، والصِّحَّةُ بَعْدَ المَرَضِ، والغِنى بَعْدَ الفَقْرِ، وما أشْبَهَ ذَلِكَ. ومَعْنى (مَسَّتْهُمُ) خالَطَتْهم حَتّى أحَسُّوا بِسُوءِ أثَرِها فِيهِمْ، ومَعْنى ﴿مَكْرٌ في آياتِنا﴾ التَّكْذِيبُ بِالقُرْآنِ، والشَّكُّ فِيهِ، قالَهُ الجَماعَةُ. وقالَ مُجاهِدٌ ومُقاتِلٌ: الِاسْتِهْزاءُ والتَّكْذِيبُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرَّدُّ والجُحُودُ. وحَكى الماوَرْدِيُّ النِّفاقَ؛ لِأنَّهُ إظْهارُ الإيمانِ وإبِطانُ الكُفْرِ، وهو شَبِيهٌ بِما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ المَكْرَ أخْفى الكَيْدِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمَكْرُ الِاسْتِهْزاءُ والطَّعْنُ عَلَيْها مِنَ الكُفّارِ، واطِّراحُ الشُّكْرِ والخَوْفِ مِنَ العُصاةِ. انْتَهى. والإذاقَةُ والمَسُّ هُنا مَجازانِ، وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ دَلِيلٌ عَلى سُرْعَةِ تَقَلُّبِ ابْنِ آدَمَ مِن حالَةِ الخَيْرِ إلى حالَةِ الشَّرِّ، وذَلِكَ بِلَفْظِ (أذَقْنا)، كَأنَّهُ قِيلَ: أوَّلُ ذَوْقِهِ الرَّحْمَةُ قَبْلَ أنْ يُداوِمَ اسْتِطْعامَها مَكْرُوهٌ بِلَفْظِ مِنِ المُشْعِرَةِ بِابْتِداءِ الغايَةِ، أيْ: يُنْشِئُ المَكْرَ إثْرَ كَشْفِ الضَّرّاءِ لا يُمْهِلُ ذَلِكَ. وبِلَفْظِ ”إذا“ الفُجائِيَّةِ الواقِعَةِ جَوابًا لِـ ”إذا“ الشَّرْطِيَّةِ، أيْ: في وقْتِ إذاقَةِ الرَّحْمَةِ فُوجِئُوا بِالمَكْرِ. ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ كَما قُلْنا تَتَضَمَّنُ سُرْعَةَ المَكْرِ مِنهم؛ قِيلَ: ﴿قُلِ اللَّهُ أسْرَعُ مَكْرًا﴾، فَجاءَتْ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ. ومَعْنى وصْفِ المَكْرِ بِالأسْرَعِيَّةِ: أنَّهُ تَعالى قَبْلَ أنْ يُدَبِّرُوا مَكائِدَهم قَضى بِعِقابِكم، وهو مُوقِعُهُ بِكم، واسْتَدْرَجَكم بِإمْهالِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أسْرَعَ مِن سَرَعَ، ولا يَكُونُ مِن أسْرَعَ يُسْرِعُ، حَكى ذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ. ولَوْ كانَ مِن أسْرَعَ لَكانَ شاذًّا وقَدْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في نارِ جَهَنَّمَ: «لَهِيَ أسْوَدُ مِنَ القارِ» وما حُفِظَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَيْسَ بِشاذٍّ. انْتَهى. وقِيلَ: أسْرَعَ هُنا لَيْسَتْ لِلتَّفْضِيلِ، وحِكايَةُ ذَلِكَ عَنْ أبِي عَلِيٍّ. هو مَذْهَبٌ. وفي بِناءِ التَّعَجُّبِ وأفْعَلِ التَّفْضِيلِ مِن أفْعَلَ ثَلاثَةُ مَذاهِبَ: المَنعُ مُطْلَقًا وما ورَدَ مِن ذَلِكَ فَهو شاذٌّ، والجَوازُ مُطْلَقًا، والتَّفْصِيلُ بَيْنَ أنْ تَكُونَ الهَمْزَةُ فِيهِ لِلنَّقْلِ فَيُمْنَعُ، أوْ لِغَيْرِ النَّقْلِ فَيَجُوزُ، نَحْوُ: أشْكَلَ الأمْرُ وأظْلَمَ اللَّيْلُ، وتَقْرِيرُ الصَّحِيحِ مِن ذَلِكَ هو في عِلْمِ النَّحْوِ، وأمّا تَنْظِيرُ (أسْوَدُ مِنَ القارِ) بِأسْرَعَ فَفاسِدٌ، لِأنَّ (أسْوَدُ) لَيْسَ فِعْلُهُ عَلى وزْنِ أفْعَلَ، وإنَّما هو عَلى وزْنِ فَعُلَ نَحْوُ سَوُدَ فَهو أسْوَدُ، ولَمْ يَمْتَنِعِ التَّعَجُّبُ ولا بِناءُ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ مِن نَحْوِ: سَوُدَ وحَمُرَ وأدُمَ إلّا لِكَوْنِهِ لَوْنًا، وقَدْ أجازَ ذَلِكَ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ في الألْوانِ مُطْلَقًا، وبَعْضُهم في السَّوادِ والبَياضِ فَقَطْ. والرُّسُلُ هُنا الحَفَظَةُ بِلا خِلافٍ. والمَعْنى: أنَّ ما تَظُنُّونَهُ خافِيًا مَطْوِيًّا عَنِ اللَّهِ لا يَخْفى عَلَيْهِ، وهو مُنْتَقِمٌ مِنكم. وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو عَمْرٍو: (رُسْلَنا) بِالتَّخْفِيفِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، والأعْرَجُ، ورُوِيَتْ عَنْ نافِعٍ: (يَمْكُرُونَ) عَلى الغَيْبَةِ جَرْيًا عَلى ما سَبَقَ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وشَيْبَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، والجَحْدَرِيُّ، وأيُّوبُ بْنُ المُتَوَكِّلِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وشِبْلٌ، وأهْلُ مَكَّةَ، والسَّبْعَةُ: بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ مُبالَغَةً لَهم في الإعْلامِ بِحالِ مَكْرِهِمْ، والتِفاتًا لِقَوْلِهِ: (قُلِ اللَّهُ)، أيْ: قُلْ لَهم، فَناسَبَ الخِطابَ. وفي قَوْلِهِ: (p-١٣٧)﴿إنَّ رُسُلَنا﴾ التِفاتٌ أيْضًا، إذْ لَمْ يَأْتِ: إنَّ رُسُلَهُ. وقالَ أيُّوبُ بْنُ المُتَوَكِّلِ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ: ”يا أيُّها النّاسُ إنَّ اللَّهَ أسْرَعُ مَكْرًا، وإنَّ رُسُلَهُ لَدَيْكم يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ“، ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ هَذا عَلى التَّفْسِيرِ، لِأنَّهُ مُخالِفٌ لِما أجْمَعَ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ مِن سَوادِ المُصْحَفِ، والمَحْفُوظُ عَنْ أُبَيٍّ القِراءَةُ والإقْراءُ بِسَوادِ المُصْحَفِ.

يونس 10:22

﴿هو الَّذِي يُسَيِّرُكم في البَرِّ والبَحْرِ حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وجاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكانٍ وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾: مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّ النّاسَ إذا أصابَهُمُ الضُّرُّ لَجَئُوا إلى اللَّهِ تَعالى، فَإذا أذاقَهُمُ الرَّحْمَةَ عادُوا إلى عادَتِهِمْ مِن إهْمالِ جانِبِ اللَّهِ والمَكْرِ في آياتِهِ. وكانَ قَبْلَ ذَلِكَ قَدْ ذَكَرَ نَحْوًا مِن هَذا في قَوْلِهِ: ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ﴾ [يونس: ١٢] الآيَةَ. وكانَ المَذْكُورُ في الآيَتَيْنِ أمْرًا كُلِّيًّا، أوْضَحَ تَعالى ذَلِكَ الأمْرَ الكُلِّيَّ بِمِثالٍ جَلِيٍّ كاشِفٍ عَنْ حَقِيقَةِ ذَلِكَ المَعْنى الكُلِّيِّ يَنْقَطِعُ فِيهِ رَجاءُ الإنْسانِ عَنْ كُلِّ مُتَعَلَّقٍ بِهِ إلّا اللَّهَ تَعالى، فَيُخْلِصُ لَهُ الدُّعاءَ وحْدَهُ في كَشْفِ هَذِهِ النّازِلَةِ الَّتِي لا يَكْشِفُها إلّا هو تَعالى، ويَتَبَيَّنُ بُطْلانُ عِبادَتِهِ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ ودَعْواهُ أنَّهُ شَفِيعُهُ عِنْدَ اللَّهِ، ثُمَّ بَعْدَ كَشْفِ هَذِهِ النّازِلَةِ عادَ إلى عادَتِهِ مِن بَغْيِهِ في الأرْضِ، فَإنْجاؤُهُ تَعالى إيّاهم هو مِثالُ مَن أذاقَهُ الرَّحْمَةَ، وما كانُوا فِيهِ قَبْلُ مِن إشْرافِهِمْ عَلى الهَلاكِ هو مِثالٌ مِنَ الضُّرِّ الَّذِي مَسَّهم. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، والحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وأبُو جَعْفَرٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وشَيْبَةُ، وابْنُ عامِرٍ: (يَنْشُرُكم) مِنَ النَّشْرِ والبَثِّ. وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا: (يَنْشُرُكم) مِنَ الإنْشارِ وهو الإحْياءُ، وهي قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ. وقَرَأ بَعْضُ الشّامِيِّينَ: (يُنَشِّرُكم) بِالتَّشْدِيدِ؛ لِلتَّكْثِيرِ مِنَ النَّشْرِ الَّذِي هو مُطاوَعَةُ الِانْتِشارِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ والجُمْهُورُ: (يُسَيِّرُكم) مِنَ التَّيْسِيرِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: هو تَضْعِيفُ مُبالَغَةٍ، لا تَضْعِيفُ تَعْدِيَةٍ، لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: سِرْتُ الرَّجُلَ وسَيَّرْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:(p-١٣٨) ؎فَلا تَجْزَعْنَ مِن سُنَّةٍ أنْتَ سِرْتَها فَأوَّلُ راضٍ سُنَّةً مَن يَسِيرُها قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعَلى هَذا البَيْتِ اعْتِراضٌ حَتّى لا يَكُونَ شاهِدًا في هَذا، وهو أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ كالظَّرْفِ؛ كَما تَقُولُ: سِرْتُ الطَّرِيقَ. انْتَهى. وما ذَكَرَهُ أبُو عَلِيٍّ لا يَتَعَيَّنُ، بَلِ الظّاهِرُ أنَّ التَّضْعِيفَ فِيهِ لِلتَّعْدِيَةِ، لِأنَّ (سارَ الرَّجُلُ) لازِمًا أكْثَرُ مِن (سِرْتُ الرَّجُلَ) مُتَعَدِّيًا، فَجَعْلُهُ ناشِئًا عَنِ الأكْثَرِ أحْسَنُ مِن جَعْلِهِ ناشِئًا عَنِ الأقَلِّ. وأمّا جَعْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ الضَّمِيرَ كالظَّرْفِ، قالَ كَما تَقُولُ: سِرْتُ الطَّرِيقَ، فَهَذا لا يَجُوزُ عِنْدَ الجُمْهُورِ، لِأنَّ الطَّرِيقَ عِنْدَهم ظَرْفٌ مُخْتَصٌّ كالدّارِ والمَسْجِدِ، فَلا يَصِلُ إلَيْهِ الفِعْلُ، غَيْرُهُ (دَخَلْتُ) عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، و(انْطَلَقْتُ) و(ذَهَبَتْ) عِنْدَ الفَرّاءِ إلّا بِوَساطَةِ ”في“ إلّا في ضَرُورَةٍ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَضَمِيرُهُ أحْرى أنْ لا يَتَعَدّى إلَيْهِ الفِعْلُ. وإذا كانَ ضَمِيرُ الظَّرْفِ الَّذِي يَصِلُ إلَيْهِ الفِعْلُ بِنَفْسِهِ يَصِلُ إلَيْهِ بِوَساطَةِ ”في“، إلّا إنِ اتَّسَعَ فِيهِ؛ فَلَأنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ الَّذِي يَصِلُ الفِعْلُ إلى ظاهِرِهِ بِـ ”في“ أوْلى أنْ يَصِلَ إلَيْهِ الفِعْلُ بِوَساطَةِ ”في“ . وزَعَمَ ابْنُ الطَّراوَةِ أنَّ (الطَّرِيقَ) ظَرْفٌ غَيْرُ مُخْتَصٍّ، فَيَصِلُ إلَيْهِ الفِعْلُ بِغَيْرِ وساطَةِ ”في“، وهو زَعْمٌ مَرْدُودٌ في النَّحْوِ. ومَعْنى (يُسَيِّرُكم): يَجْعَلُكم تَسِيرُونَ، والسَّيْرُ مَعْرُوفٌ، وفي قَوْلِهِ: (والبَحْرِ) دَلالَةٌ عَلى جَوازِ رُكُوبِ البَحْرِ. ولَمّا كانَ الخَوْفُ في البَحْرِ أغْلَبَ عَلى الإنْسانِ مِنهُ في البَرِّ وقَعَ المِثالُ بِهِ لِذَلِكَ المَعْنى الكُلِّيِّ بِهِ مِنَ التِجاءِ العَبْدِ لِرَبِّهِ تَعالى حالَةَ الشِّدَّةِ والإهْمالِ لِجانِبِهِ حالَةَ الرَّخاءِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ جَعَلَ الكَوْنَ في الفُلْكِ غايَةَ التَّسْيِيرِ في البَحْرِ، والتَّسْيِيرُ في البَحْرِ إنَّما هو بِالكَوْنِ في الفُلْكِ ؟ قُلْتُ: لَمْ يَجْعَلِ الكَوْنَ في الفُلْكِ غايَةَ التَّسْيِيرِ، ولَكِنَّ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ الواقِعَةِ بَعْدَ ”حَتّى“ بِما في خَبَرِها؛ كَأنَّهُ قالَ: يُسَيِّرُكم حَتّى إذا وقَعَتْ هَذِهِ الحادِثَةُ فَكانَ كَيْتَ وكَيْتَ مِن مَجِيءِ الرِّيحِ العاصِفِ، وتَراكُمِ الأمْواجِ، والظَّنِّ لِلْهَلاكِ، والدُّعاءِ لِلْإنْجاءِ. انْتَهى. وهو حَسَنٌ، وقَرَأ أبُو الدَّرْداءِ وأُمُّ الدَّرْداءِ: (في الفُلْكِيِّ) بِزِيادَةِ ياءِ النَّسَبِ، وخَرَجَ ذَلِكَ عَلى زِيادَتِها، كَما زادُوها في الصِّفَةِ في نَحْوِ: أحْمَرِيٍّ وزَوارِيٍّ، وفي العَلَمِ كَقَوْلِ الصَّلْتانِ: ؎أنا الصَّلْتانِيُّ الَّذِي قَدْ عَلِمْتُمْ وعَلى إرادَةِ النَّسَبِ مُرادًا بِهِ اللُّجُّ كَأنَّهُ قِيلَ في اللُّجِّ الفُلْكِيِّ وهو الماءُ الغَمْرُ الَّذِي لا تَجْرِي الفُلْكُ إلّا فِيهِ، والضَّمِيرُ في (وجَرَيْنَ) عائِدٌ عَلى (الفُلْكِ)، عَلى مَعْنى الجَمْعِ، إذِ الفُلْكُ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ يَكُونُ مُفْرَدًا وجَمْعًا، والضَّمِيرُ في ”بِهِمْ“ عائِدٌ عَلى الكائِنِينَ في الفُلْكِ. وهو التِفاتٌ، إذْ هو خُرُوجٌ مِن خِطابٍ إلى غَيْبَةٍ. وفائِدَةُ صَرْفِ الكَلامِ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُبالَغَةُ، كَأنَّهُ يَذْكُرُ لِغَيْرِهِمْ حالَهم لِيُعَجِّبَهم مِنها، ويَسْتَدْعِيَ مِنهُمُ الإنْكارَ والتَّقْبِيحَ انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ حِكْمَةَ الِالتِفاتِ هُنا هي أنَّ قَوْلَهُ: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكم في البَرِّ والبَحْرِ﴾ خِطابٌ فِيهِ امْتِنانٌ وإظْهارُ نِعْمَةٍ لِلْمُخاطَبِينَ، (p-١٣٩)والمُسَيَّرُونَ في البَرِّ والبَحْرِ مُؤْمِنُونَ وكُفّارٌ، والخِطابُ شامِلٌ، فَحَسُنَ خِطابُهم بِذَلِكَ لِيَسْتَدِيمَ الصّالِحُ عَلى الشُّكْرِ، ولَعَلَّ الطّالِحَ يَتَذَكَّرُ هَذِهِ النِّعْمَةَ فَيَرْجِعُ، فَلَمّا ذُكِرَتْ حالَةٌ آلَ الأمْرُ في آخِرِها إلى أنَّ المُلْتَبِسَ بِها هو باغٍ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ؛ عَدَلَ عَنِ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ حَتّى لا يَكُونَ المُؤْمِنُونَ يُخاطَبُونَ بِصُدُورِ مِثْلِ هَذِهِ الحالَةِ الَّتِي آخِرُها البَغْيُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ”بِهِمْ“ خُرُوجٌ مِنَ الحُضُورِ إلى الغَيْبَةِ، وحَسُنَ ذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿كُنْتُمْ في الفُلْكِ﴾ هو بِالمَعْنى المَعْقُولِ، حَتّى إذا حَصَلَ بَعْضُكم في السُّفُنِ انْتَهى، فَكَأنَّهُ قَدَّرَ مُفْرَدًا غائِبًا يُعادُ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ فَيَصِيرُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ كَظُلُماتٍ في بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ﴾ [النور: ٤٠] أيْ: أوْ كَذِي ظُلُماتٍ، فَعادَ الضَّمِيرُ غائِبًا عَلى اسْمٍ غائِبٍ، فَلا يَكُونُ ذَلِكَ مِن بابِ الِالتِفاتِ. والباءُ في ”بِهِمْ“ و(بِرِيحٍ) . قالَ العُكْبُرِيُّ: تَتَعَلَّقُ الباءانِ بِـ (جَرَيْنَ) . انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ الباءَ في (بِهِمْ) مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (جَرَيْنَ) تَعَلُّقَها بِالمَفْعُولِ نَحْوُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ، وأنَّ الباءَ في (بِرِيحٍ) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْمُسَبِّبِ، فاخْتَلَفَ المَدْلُولُ في الباءَيْنِ، فَجازَ أنْ يَتَعَلَّقا بِفِعْلٍ واحِدٍ، ويَجُوزَ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلْحالِ، أيْ: وجَرَيْنَ بِهِمْ مُلْتَبِسَةً بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ، فَتَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ كَما تَقُولُ: جاءَ زَيْدٌ بِثِيابِهِ أيْ مُلْتَبِسًا بِها. و﴿فَرِحُوا بِها﴾ [الروم: ٣٦] يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿وجَرَيْنَ بِهِمْ﴾، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا، أيْ: وقَدْ فَرِحُوا بِها. كَما احْتَمَلَ قَوْلُهُ: (وجَرَيْنَ) أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (كُنْتُمْ)، وأنْ يَكُونَ حالًا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ﴾، هو جَوابُ ”إذا“ . والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في (جاءَتْها) عَلى الفُلْكِ؛ لِأنَّهُ هو المُحَدَّثُ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وجَرَيْنَ بِهِمْ﴾، وقالَهُ مُقاتِلٌ: وجَوَّزُوا أنْ يَعُودَ عَلى الرِّيحِ الطَّيِّبَةِ، وقالَهُ الفَرّاءُ، وبَدَأ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ. ومَعْنى طِيبِ الرِّيحِ لِينُ هُبُوبِها وكَوْنِها مُوافِقَةً. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: (جاءَتْهم)، ومَعْنى ﴿مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ مِن أمْكِنَةِ المَوْجِ. والظَّنُّ هُنا عَلى بابِهِ الأصْلِيِّ مِن تَرْجِيحِ أحَدِ الجائِزَيْنِ. وقِيلَ: مَعْناها التَّيَقُّنُ، ومَعْنى ﴿أُحِيطَ بِهِمْ﴾ أيْ: لِلْهَلاكِ، كَما يُحِيطُ العَدُوُّ بِمَن يُرِيدُ إهْلاكَهُ، وهي كِنايَةٌ عَنِ اسْتِيلاءِ أسْبابِ الهَلاكِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (حِيطَ بِهِمْ) ثُلاثِيًّا، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (دَعَوُا اللَّهَ) قالَ أبُو البَقاءِ: هي جَوابُ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ المَعْنى مِن مَعْنى الشَّرْطِ، تَقْدِيرُهُ: لَمّا ظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ. انْتَهى، وهو كَلامٌ لا يَتَحَصَّلُ مِنهُ شَيْءٌ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: جَوابُ ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ﴾ ﴿جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ﴾، وجَوابُ قَوْلِهِ: ﴿وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ﴾ (دَعَوُا اللَّهَ) انْتَهى. وهو مُخالِفٌ لِلظّاهِرِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (وظَنُّوا) ظاهِرُهُ العَطْفُ عَلى جَوابِ ”إذا“؛ لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى (كُنْتُمْ)، لَكِنَّهُ مُحْتَمِلٌ. كَما تَقُولُ: إذا زارَكَ فُلانٌ فَأكْرِمْهُ، وجاءَكَ خالِدٌ فَأحْسِنْ إلَيْهِ، وكَأنَّ أداةَ الشَّرْطِ مَذْكُورَةٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هي بَدَلٌ مِن ظَنُّوا لِادِّعائِهِمْ مِن لَوازِمِ ظَنِّهِمُ الهَلاكَ، فَهو مُلْتَبِسٌ بِهِ. انْتَهى. وكانَ أُسْتاذُنا أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ يُخَرِّجُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى غَيْرِ ما ذَكَرُوا ويَقُولُ: هو جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَما كانَ حالُهم إذْ ذاكَ ؟ فَقِيلَ: دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ. انْتَهى. ومَعْنى الإخْلاصِ إفْرادُهُ بِالدُّعاءِ مِن غَيْرِ إشْراكِ أصْنامٍ ولا غَيْرِها، قالَ مَعْناهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ الحَسَنُ: (مُخْلِصِينَ) لا إخْلاصَ إيمانٍ، لَكِنْ لِأجْلِ العِلْمِ بِأنَّهُ لا يُنْجِيهِمْ مِن ذَلِكَ إلّا اللَّهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ جارِيًا مَجْرى الإيمانِ الِاضْطِرارِيِّ. انْتَهى. والِاعْتِرافُ بِاللَّهِ مَرْكُوزٌ في طَبائِعِ العالَمِ، وهم مَجْبُولُونَ عَلى أنَّهُ المُتَصَرِّفُ في الأشْياءِ، ولِذَلِكَ إذا حَقَّتِ الحَقائِقُ رَجَعُوا إلَيْهِ كُلُّهم مُؤْمِنُهم وكافِرُهم. ﴿لَئِنْ أنْجَيْتَنا﴾ ثَمَّ قَسَمٌ مَحْذُوفٌ، وذَلِكَ القَسَمُ وما بَعْدَهُ مَحْكِيٌّ بِقَوْلٍ أيْ قائِلِينَ. أوْ أُجْرِيَ (دَعَوْا) مَجْرى قالُوا؛ لِأنَّهُ نَوْعٌ مِنَ القَوْلِ، والإشارَةُ بِهَذِهِ إلى الشَّدائِدِ الَّتِي هم فِيها. وقالَ الكَلْبِيُّ: إلى الرِّيحِ العاصِفِ.

يونس 10:23

(p-١٤٠)﴿فَلَمّا أنْجاهم إذا هم يَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ يا أيُّها النّاسُ إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكم مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُكم فَنُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَبْغُونَ بِالدُّعاءِ إلى عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ والعَمَلِ بِالمَعاصِي والفَسادِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى قَوْلِهِ ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾، والبَغْيُ لا يَكُونُ بِحَقٍّ ؟ قُلْتُ: بَلى وهو اسْتِيلاءُ المُسْلِمِينَ عَلى أرْضِ الكَفَرَةِ، وهَدْمُ دُورِهِمْ، وإحْراقُ زُرُوعِهِمْ، وقَطْعُ أشْجارِهِمْ كَما فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبَنِي قُرَيْظَةَ. انْتَهى. وكَأنَّهُ قَدْ شَرَحَ قَوْلَهُ: (يَبْغُونَ) بِأنَّهم يُفْسِدُونَ، ويُبْعَثُونَ مُتَرَقِّينَ في ذَلِكَ مُمْعِنِينَ فِيهِ، مِن بَغى الجُرْحُ إذا تَرَقّى لِلْفَسادِ. انْتَهى. قالَ الزَّجّاجُ: البَغْيُ التَّرَقِّي في الفَسادِ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: بَغى الجُرْحُ تَرَقّى إلى الفَسادِ، وبَغَتِ المَرْأةُ فَجَرَتْ. انْتَهى. ولا يَصِحُّ أنْ يُقالَ في المُسْلِمِينَ إنَّهم باغُونَ عَلى الكَفَرَةِ، إلّا إنْ ذُكِرَ أنَّ أصْلَ البَغْيِ هو الطَّلَبُ مُطْلَقًا ولا يَتَضَمَّنُ الفَسادَ، فَحِينَئِذٍ يَنْقَسِمُ إلى طَلَبٍ بِحَقٍّ، وطَلَبٍ بِغَيْرِ حَقٍّ. ولَمّا حَمَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ البَغْيَ هُنا عَلى الفَسادِ قالَ: أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ . وجَوابُ ”لَمّا“ ”إذا“ الفُجائِيَّةُ وما بَعْدَها، ومَجِيءُ ”إذا“ وما بَعْدَها جَوابًا لَها دَلِيلٌ عَلى أنَّها حَرْفٌ يَتَرَتَّبُ ما بَعْدَها مِنَ الجَوابِ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ الفِعْلِ الَّذِي بَعْدَ ”لَمّا“، وأنَّها تُفِيدُ التَّرَتُّبَ والتَّعْلِيقَ في المُضِيِّ، وأنَّها كَما قالَ سِيبَوَيْهِ: حَرْفٌ. ومَذْهَبُ غَيْرِهِ أنَّها ظَرْفٌ، وقَدْ أوْضَحْنا ذَلِكَ فِيما كَتَبْناهُ في عِلْمِ النَّحْوِ. والجَوابُ بِـ ”إذا“ الفُجائِيَّةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَتَأخَّرْ بَغْيُهم عَنْ إنْجائِهِمْ، بَلْ بِنَفْسِ ما وقَعَ الإنْجاءُ وقَعَ البَغْيُ، والخِطابُ بِـ ﴿ياأيُّها النّاسُ﴾ - قالَ الجُمْهُورُ: لِأهْلِ مَكَّةَ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ خِطابٌ لِأُولَئِكَ الَّذِينَ أنْجاهُمُ اللَّهُ وبَغَوْا، ويَحْتَمِلُ - كَما قالُوا - العُمُومَ، فَيَنْدَرِجُ أُولَئِكَ فِيهِمْ، وهَذا ذَمٌّ لِلْبَغْيِ في أوْجَزِ لَفْظٍ. ومَعْنى (عَلى أنْفُسِكم): وبالُ البَغْيِ عَلَيْكم، ولا يَجْنِي ثَمَرَتَهُ إلّا أنْتُمْ. فَقَوْلُهُ: (عَلى أنْفُسِكم) خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الَّذِي هو (بَغْيُكم)، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ. وعَلى هَذا التَّوْجِيهِ انْتَصَبَ (مَتاعَ) في قِراءَةِ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ، وحَفْصٍ، وابْنِ أبِي إسْحاقَ، وهارُونَ، عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: مُتَمَتِّعِينَ، أوْ باقِيًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ: يَتَمَتَّعُونَ بِهِ مَتاعَ، أوْ نَصْبًا عَلى الظَّرْفِ نَحْوُ: مَقْدِمَ الحاجِّ، أيْ: وقْتَ مَتاعِ الحَياةِ الدُّنْيا. وكُلُّ هَذِهِ التَّوْجِيهاتِ مَنقُولَةٌ. والعامِلُ في (مَتاعَ) إذا كانَ حالًا أوْ ظَرْفًا ما تَعَلَّقَ بِهِ خَبَرُ (بَغْيُكم)، أيْ: كائِنٌ عَلى أنْفُسِكم، ولا يَنْتَصِبانِ بِـ (بَغْيُكم)، لِأنَّهُ مَصْدَرٌ قَدْ فُصِلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَعْمُولِهِ بِالخَبَرِ، وهو غَيْرُ جائِزٍ. وارْتَفَعَ (مَتاعُ) في قِراءَةِ الجُمْهُورِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. وأجازَ النَّحّاسُ، وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ ﴿عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: (بَغْيُكم)، كَما تَعَلَّقَ في قَوْلِهِ ﴿فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص: ٧٦]، ويَكُونُ الخَبَرُ (مَتاعُ) إذا رَفَعْتُهُ. ومَعْنى ﴿عَلى أنْفُسِكُمْ﴾: عَلى أمْثالِكم والَّذِينَ جِنْسُكم جِنْسُهم، يَعْنِي: بَغْيُ بَعْضِكم عَلى بَعْضٍ مَنفَعَةُ الحَياةِ الدُّنْيا. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ أيْضًا: (مَتاعًا الحَياةَ الدُّنْيا) بِنَصْبِ مَتاعٍ وتَنْوِينِهِ، ونَصْبِ الحَياةِ. وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ: تُعَجَّلُ لَكم عُقُوبَتُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: (فَيُنَبِّئُكم) بِالياءِ عَلى الغِيبَةِ، والمُرادُ لِلَّهِ تَعالى.

يونس 10:24

﴿إنَّما مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ والأنْعامُ حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها وازَّيَّنَتْ وظَنَّ أهْلُها﴾ (p-١٤١)أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْها أتاها أمْرُنا لَيْلًا أوْ نَهارًا فَجَعَلْناها حَصِيدًا كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكم مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [يونس: ٢٣] ضَرَبَ مَثَلًا عَجِيبًا غَرِيبًا لِلْحَياةِ الدُّنْيا تَذْكُرُ مَن يَبْغِي فِيها عَلى سُرْعَةِ زَوالِها وانْقِضائِها، وأنَّها بِحالِ ما تُعِزُّ وتَسُرُّ، تَضْمَحِلُّ ويَئُولُ أمْرُها إلى الفَناءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا مِنَ التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ، شُبِّهْتُ حالُ الدُّنْيا في سُرْعَةِ تَقَضِّيها وانْقِراضِ نَعِيمِها بَعْدَ الإقْبالِ بِحالِ نَباتِ الأرْضِ (p-١٤٢)فِي جَفافِهِ وذَهابِهِ حُطامًا بَعْدَما التَفَّ وتَكاثَفَ وزَيَّنَ الأرْضَ بِخُضْرَتِهِ ورَفِيفِهِ، انْتَهى. وإنَّما هُنا لَيْسَتْ لِلْحَصْرِ لا وضْعًا ولا اسْتِعْمالًا، لِأنَّهُ تَعالى ضَرَبَ لِلْحَياةِ الدُّنْيا أمْثالًا غَيْرَ هَذا، والمَثَلُ هُنا يَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِهِ الصِّفَةُ، وأنْ يُرادَ بِهِ القَوْلُ السّائِرُ المُشَبَّهُ بِهِ حالُ الثّانِي بِالأوَّلِ. والظّاهِرُ تَشْبِيهُ صِفَةِ الحَياةِ الدُّنْيا بِماءٍ فِيما يَكُونُ بِهِ، ويَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الِانْتِفاعِ ثُمَّ الِانْقِطاعِ. وقِيلَ: شُبِّهَتِ الحَياةُ الدُّنْيا بِالنَّباتِ عَلى تِلْكَ الأوْصافِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: كَنَباتِ ماءٍ، فَحُذِفَ المُضافُ. وقِيلَ: شُبِّهَتِ الحَياةُ بِحَياةٍ مُقَدَّرَةٍ عَلى (p-١٤٣)هَذِهِ الأوْصافِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: كَحَياةِ قَوْمٍ بِماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ. قِيلَ: ويُقَوِّي هَذا قَوْلُهُ: وظَنَّ أهْلُها أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْها. والسَّماءُ إمّا أنْ يُرادَ مِنَ السَّحابِ، وإمّا أنْ يُرادَ مِن جِهَةِ السَّماءِ، والظّاهِرُ أنَّ النَّباتَ اخْتَلَطَ بِالماءِ. ومَعْنى الِاخْتِلاطِ: تَشَبُّثُهُ بِهِ، وتَلَقُّفُهُ إيّاهُ، وقَبُولُهُ لَهُ، لِأنَّهُ يَجْرِي لَهُ مَجْرى الغِذاءِ، فَتَكُونُ الباءُ لِلْمُصاحَبَةِ. وكُلُّ مُخْتَلِطَيْنِ يَصِحُّ في كُلٍّ مِنهُما أنْ يُقالَ: اخْتَلَطَ بِصاحِبِهِ، فَلِذَلِكَ فَسَّرَهُ بَعْضُهم بِقَوْلِهِ: خالَطَهُ الماءُ وداخَلَهُ، فَغَذّى كُلَّ جُزْءٍ مِنهُ. وقالَ الكِرْمانِيُّ: فاخْتَلَطَ بِهِ اخْتِلاطَ مُجاوَرَةٍ، لِأنَّ الِاخْتِلاطَ تَداخُلُ الأشْياءِ بَعْضُها في بَعْضٍ، انْتَهى. ولا يَمْتَنِعُ اخْتِلاطُ النَّباتِ بِالماءِ عَلى سَبِيلِ التَّداخُلِ، فَلا تَقُولُ: إنَّهُ اخْتِلاطُ مُجاوَرَةٍ. وقِيلَ: اخْتَلَطَ اخْتَلَفَ وتَنَوَّعَ بِالماءِ، ويَنْبُو لَفْظُ اخْتَلَطَ عَنْ هَذا التَّفْسِيرِ. وقِيلَ: مَعْنى اخْتَلَطَ تَرَكَّبَ، وقِيلَ: امْتَدَّ وطالَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فاشْتَبَكَ بِسَبَبِهِ حَتّى خالَطَ بَعْضُهُ بَعْضًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وصَلَتْ فُرْقَةُ النَّباتَ بِقَوْلِهِ فاخْتَلَطَ أيِ: اخْتَلَطَ النَّباتُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ بِسَبَبِ الماءِ، انْتَهى. وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ الباءُ في بِماءٍ لِلسَّبَبِيَّةِ، وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الفاعِلَ في قَوْلِهِ: فاخْتَلَطَ هو ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الماءِ أيْ: فاخْتَلَطَ الماءُ بِالأرْضِ. ويَقِفُ هَذا الذّاهِبُ عَلى قَوْلِهِ: فاخْتَلَطَ، ويَسْتَأْنِفُ (بِهِ نَباتُ) عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ المُقَدَّمُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ عَلى هَذا أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ في بِهِ عَلى الماءِ وعَلى الِاخْتِلاطِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الفِعْلُ، انْتَهى. والوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: فاخْتَلَطَ، لا يَجُوزُ وخاصَّةً في القُرْآنِ لِأنَّهُ تَفْكِيكٌ لِلْكَلامِ المُتَّصِلِ الصَّحِيحِ المَعْنى، الفَصِيحِ اللَّفْظِ، وذَهابٌ إلى اللُّغْزِ والتَّعْقِيدِ، والمَعْنى الضَّعِيفِ. ألا تَرى أنَّهُ لَوْ صَرَّحَ بِإظْهارِ الِاسْمِ الَّذِي الضَّمِيرُ في كِنايَةٍ عَنْهُ فَقِيلَ بِالِاخْتِلاطِ نَباتُ الأرْضِ، أوْ بِالماءِ نَباتُ الأرْضِ، لَمْ يَكَدْ يَنْعَقِدُ كَلامًا مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ لِضَعْفِ هَذا الإسْنادِ وقُرْبِهِ مِن عَدَمِ الإفادَةِ، ولَوْلا أنَّ ابْنَ عَطِيَّةَ ذَكَرَهُ وخَرَّجَهُ عَلى ما ذَكَرْناهُ عَنْهُ لَمْ نَذْكُرْهُ في كِتابِنا. ولَمّا كانَ النَّباتُ يَنْقَسِمُ إلى مَأْكُولٍ وغَيْرِهِ، بَيَّنَ أنَّ المُرادَ أحَدُ القِسْمَيْنِ بِمِن فَقالَ: مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ، كالحُبُوبِ، والثِّمارِ، والبُقُولِ، والأنْعامُ كالحَشِيشِ وسائِرِ ما يُرْعى. قالَ الحَوْفِيُّ: مِن مُتَعَلِّقَةٌ بِاخْتَلَطَ. وقالَ أبُو البَقاءِ: مِمّا يَأْكُلُ حالٌ مِنَ النَّباتِ، فاقْتَضى قَوْلُ أبِي البَقاءِ أنْ يَكُونَ العامِلُ في الحالِ مَحْذُوفًا لِأنَّ المَجْرُورَ والظَّرْفَ إذا وقَعا حالَيْنِ كانَ العامِلُ مَحْذُوفًا. وقَوْلُ أبِي البَقاءِ هو الظّاهِرُ، وتَقْدِيرُهُ: كائِنًا مِمّا يَأْكُلُ، وحَتّى غايَةٌ، فَتَحْتاجُ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ الَّذِي قَبْلَها مُتَطاوِلًا حَتّى تَصِحَّ الغايَةُ. فَإمّا أنْ يُقَدَّرَ قَبْلَها مَحْذُوفٌ أيْ: فَما زالَ يَنْمُو حَتّى إذا، أوْ يَتَجَوَّزَ في فاخْتَلَطَ، ويَكُونُ مَعْناهُ فَدامَ اخْتِلاطُ النَّباتِ بِالماءِ حَتّى إذا. وقَوْلُهُ: أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها وازَّيَّنَتْ، جُمْلَةٌ بَدِيعَةُ اللَّفْظِ جُعِلَتِ الأرْضُ آخِذَةً زُخْرُفَها مُتَزَيِّنَةً، وذَلِكَ عَلى جِهَةِ التَّمْثِيلِ بِالعَرُوسِ إذا أخَذَتِ الثِّيابَ الفاخِرَةَ مِن كُلِّ لَوْنٍ، فاكْتَسَتْ وتَزَيَّنَتْ بِأنْواعِ الحُلِيِّ، فاسْتُعِيرَ الأخْذُ وهو التَّناوُلُ بِاليَدِ لِاشْتِمالِ نَباتِ الأرْضِ عَلى بَهْجَةٍ ونَضارَةٍ وأثْوابٍ مُخْتَلِفَةٍ، واسْتُعِيرَ لِتِلْكَ البَهْجَةِ والنَّضارَةِ والألْوانِ المُخْتَلِفَةِ لَفْظَةُ الزُّخْرُفِ وهو الذَّهَبُ، لَمّا كانَ مِنَ الأشْياءِ البَهِجَةِ المَنظَرَ السّارَّةِ لِلنُّفُوسِ. وازَّيَّنَتْ: أيْ بِنَباتِها وما أُودِعَ فِيهِ مِنَ الحُبُوبِ والثِّمارِ والأزْهارِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: وازَّيَّنَتْ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ: أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها. واحْتَمَلَ أنْ لا يَكُونَ تَأْكِيدًا، إذْ قَدْ يَكُونُ أخْذُ الزُّخْرُفِ لا لِقَصْدِ التَّزْيِينِ، فَقِيلَ: وازَّيَّنَتْ لِيُفِيدَ أنَّها قَصَدَتِ التَّزْيِينَ. ونِسْبَةُ الأخْذِ إلى الأرْضِ والتَّزْيِينِ مِن بَدِيعِ الِاسْتِعارَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وازَّيَّنَتْ وأصْلُهُ وتَزَيَّنَتْ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الزّايِ فاجْتُلِبَتْ هَمْزَةُ الوَصْلِ لِضَرُورَةِ تَسْكِينِ الزّايِ عِنْدَ الإدْغامِ. وقَرَأ أُبَيٌّ، وعَبْدُ اللَّهِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والأعْمَشُ: وتَزَيَّنَتْ عَلى وزْنِ تَفَعَّلَتْ. وقَرَأ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وابْنُ يَعْمَرَ، والحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، وأبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، وابْنُ هُرْمُزَ، و عِيسى الثَّقَفِيُّ: وأزْيَنَتْ عَلى وزْنِ: (p-١٤٤)أفْعَلَتْ، كَأحْصَدَ الزَّرْعُ أيْ حَضَرَتْ زِينَتُها وحانَتْ. وصَحَّتِ الياءُ فِيهِ عَلى جِهَةِ النُّدُورِ، كَأعْبَلَتِ المَرْأةُ. والقِياسُ: وأزانَتْ، كَقَوْلِكَ: وأبانَتْ. وقَرَأ أبُو عُثْمانَ النَّهْدِيُّ بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ بِوَزْنِ افْعَألَّتْ، قالَهُ عَنْهُ صاحِبُ اللَّوامِحِ قالَ: كَأنَّهُ كانَتْ في الوَزْنِ بِوَزْنِ احْمارَّتْ، لَكِنَّهم كَرِهُوا الجَمْعَ بَيْنَ ساكِنَيْنِ، فَحُرِّكَتِ الألِفُ فانْقَلَبَتْ هَمْزَةً مَفْتُوحَةً. ونَسَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ هَذِهِ القِراءَةَ لِفِرْقَةٍ فَقالَ: وقَرَأتْ فِرْقَةٌ وازْيَأنَّتْ وهي لُغَةٌ مِنها قالَ الشّاعِرُ: ؎إذا ما الهَوادِي بِالعَبِيطِ احْمَأرَّتِ وقَرَأ أشْياخُ عَوْفِ بْنِ أبِي جَمِيلَةَ: وازْيانَّتْ بِنُونٍ مُشَدَّدَةٍ وألِفٍ ساكِنَةٍ قَبْلَها. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي قِراءَةُ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: وازّايَنَتْ، والأصْلُ: وتَزايَنَتْ فَأُدْغِمَ، والظَّنُّ هُنا عَلى بابِهِ مِن تَرْجِيحِ أحَدِ الجائِزَيْنِ. وقِيلَ: بِمَعْنى: أيْقَنُوا ولَيْسَ بِسَدِيدٍ، ومَعْنى القُدْرَةِ عَلَيْها: التَّمَكُّنُ مِن تَحْصِيلِها ومَنفَعَتِها ورَفْعِ غَلَّتِها، وذَلِكَ لِحُسْنِ نُمُوِّها وسَلامَتِها مِنَ العاهاتِ. والضَّمِيرُ في أهْلِها عائِدٌ عَلى الأرْضِ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: أهْلُ نَباتِها. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الغَلَّةِ. وقِيلَ: عَلى الزِّينَةِ، وهو ضَعِيفٌ. وجَوابُ إذا قَوْلُهُ: ﴿أتاها أمْرُنا﴾، كالرِّيحِ والصِّرُّ والسَّمُومِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآفاتِ كالفَأْرِ والجَرادِ. وقِيلَ: أتاها أمْرُنا بِإهْلاكِها، وأُبْهِمَ في قَوْلِهِ: ﴿لَيْلًا أوْ نَهارًا﴾، وقَدْ عَلِمَ تَعالى مَتى يَأْتِيها أمْرُهُ، (أوْ): تَكُونُ أوْ لِلتَّنْوِيعِ، لِأنَّ بَعْضَ الأرْضِ يَأْتِيها أمْرُهُ تَعالى لَيْلًا وبَعْضَها نَهارًا، ولا يَخْرُجُ كائِنٌ عَنْ وُقُوعِهِ فِيهِما. والحَصِيدُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى: مَفْعُولٍ أيِ: المَحْصُودُ، ولَمْ يُؤَنَّثْ كَما لَمْ تُؤَنَّثِ امْرَأةٌ جَرِيحٌ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الحَصِيدُ: المُسْتَأْصَلُ انْتَهى. وعَبَّرَ بِحَصِيدٍ عَنِ التَّألُّفِ اسْتِعارَةً، جَعَلَ ما هَلَكَ مِنَ الزَّرْعِ بِالآفَةِ قَبْلَ أوانِهِ حَصِيدًا لِعَلاقَةِ ما بَيْنَهُما مِنَ الطَّرْحِ عَلى الأرْضِ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ تَشْبِيهًا بِغَيْرِ الأداةِ والتَّقْدِيرُ: فَجَعَلْناها كالحَصِيدِ. وقَوْلُهُ: ﴿كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ﴾: مُبالَغَةٌ في التَّلَفِ والهَلاكِ حَتّى كَأنَّها لَمْ تُوجَدْ قَبْلُ، ولَمْ يَقُمْ بِالأرْضِ بَهْجَةٌ خَضِرَةٌ نَضِرَةٌ تَسُرُّ أهْلَها. وقَرَأ الحَسَنُ وقَتادَةُ: كَأنْ لَمْ يَغْنَ بِالياءِ عَلى التَّذْكِيرِ. فَقِيلَ: عائِدٌ عَلى المُضافِ المَحْذُوفِ الَّذِي هو الزَّرْعُ، حُذِفَ وقامَتْ هاءُ التَّأْنِيثِ مَقامَهُ في قَوْلِهِ: عَلَيْها وفي قَوْلِهِ: (أتاها) (فَجَعَلْناها) . وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الزُّخْرُفِ، والأوْلى عَوْدُهُ عَلى الحَصِيدِ أيْ: كَأنْ لَمْ يَغْنَ الحَصِيدُ. وكانَ مَرْوانُ بْنُ الحَكَمِ يَقْرَأُ عَلى المِنبَرِ: كَأنْ لَمْ تَتَغَنَّ بِتائَيْنِ مِثْلَ تَتَفَعَّلِ. وقالَ الأعْشى: طَوِيلُ الثَّواءِ طَوِيلُ التَّغَنِّي، وهو مِن غَنِيَ بِكَذا أقامَ بِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والأمْسُ مَثَلٌ في الوَقْتِ. كَأنَّهُ قِيلَ: كَأنَّ لَمْ تَغْنَ آنِفًا، انْتَهى. ولَيْسَ الأمْسُ عِبارَةً عَنْ مُطْلَقِ الوَقْتِ، ولا هو مُرادِفٌ كَقَوْلِهِ: آنِفًا، لِأنَّ آنِفًا مَعْناهُ: السّاعَةُ، والمَعْنى: كَأنْ لَمْ يَكُنْ لَها وُجُودٌ فِيما مَضى مِنَ الزَّمانِ. ولَوْ أنَّ قائِلًا قالَ في غَيْرِ القُرْآنِ: كَأنْ لَمْ يَكُنْ لَها وُجُودٌ السّاعَةَ لَمْ يَصِحَّ هَذا المَعْنى، لِأنَّهُ لا وُجُودَ لَها السّاعَةَ، فَكَيْفَ تُشَبَّهُ وهي لا وُجُودَ لَها حَقِيقَةً بِما لا وُجُودَ لَها حَقِيقَةً ؟ إنَّما يُشَبَّهُ ما انْتَفى وجُودُهُ الآنَ بِما قُدِّرَ انْتِفاءُ وجُودِهِ في الزَّمانِ الماضِي، لِسُرْعَةِ انْتِقالِهِ مِن حالَةِ الوُجُودِ إلى حالَةِ العَدَمِ، فَكَأنَّ حالَةَ الوُجُودِ ما سَبَقَتْ لَهُ. وفِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ، وما كُنّا لِنُهْلِكَها إلّا بِذُنُوبِ أهْلِها. وفي التَّحْرِيرِ: نُفَصِّلُ الآياتِ، رَواهُ عَنْهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ في مُصْحَفِهِ: وما كانَ اللَّهُ لِيُهْلِكَها إلّا بِذُنُوبِ أهْلِها، وفي التَّحْرِيرِ. وكانَ أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقْرَأُ في قِراءَةِ أُبَيٍّ: كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ، وما أهْلَكْناها إلّا بِذُنُوبِ أهْلِها، ولا يَحْسُنُ أنْ يَقْرَأ أحَدٌ بِهَذِهِ القِراءَةِ لِأنَّها مُخالِفَةٌ لِخَطِّ المُصْحَفِ الَّذِي أجْمَعَ عَلَيْهِ الصَّحابَةُ والتّابِعُونَ انْتَهى. (كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)، أيْ: مِثْلَ هَذا التَّفْصِيلِ الَّذِي فَصَّلْناهُ في الماضِي نُفَصِّلُ في المُسْتَقْبَلِ. وقَرَأ أبُو الدَّرْداءِ: لِقَوْمٍ يَتَذَكَّرُونَ بِالذّالِ بَدَلَ الفاءِ.

يونس 10:25

﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: لَمّا ذَكَرَ مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا وما يَئُولُ إلَيْهِ مِنَ الفَناءِ والِاضْمِحْلالِ، وما (p-١٤٥)تَضَمَّنَهُ مِنَ الآفاتِ والعاهاتِ، ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ داعٍ إلى دارِ السَّلامَةِ والصِّحَّةِ والأمْنِ، وهي: الجَنَّةُ، إذْ أهْلُها سالِمُونَ مِن كُلِّ مَكْرُوهٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعالى أضافَها إلى اسْمِهِ الشَّرِيفِ عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ لَها والتَّشْرِيفِ كَما قِيلَ: بَيْتُ اللَّهِ، و(ناقَةَ اللَّهِ) ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُضافَةً إلى السَّلامَةِ بِمَعْنى: التَّسْلِيمِ، لِفُشُوِّ ذَلِكَ بَيْنَهم، ولِتَسْلِيمِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ كَما قالَ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥] ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٦] . قالَ الحَسَنُ: إنَّ السَّلامَ لا يَنْقَطِعُ عَنْ أهْلِ الجَنَّةِ وهو تَحِيَّتُهم كَما قالَ تَعالى: (تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ) وقَدْ ورَدَتْ في دَعْوَةِ اللَّهِ عِبادَهُ أحادِيثُ. وقالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ لَنا أنَّ في التَّوْراةِ مَكْتُوبًا: يا باغِيَ الخَيْرِ هَلُمَّ، ويا باغِيَ الشَّرِّ انْتَهِ. ولَمّا كانَ الدُّعاءُ عامًّا لَمْ تَتَقَيَّدْ بِالمَشِيئَةِ، ولَمّا كانَتِ الهِدايَةُ خاصَّةً تَقَيَّدَتْ بِالمَشِيئَةِ فَقالَ: ﴿ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَهْدِي: يُوَفِّقُ مَن يَشاءُ، وهُمُ الَّذِينَ عَلِمَ أنَّ اللُّطْفَ يُجْدِي عَلَيْهِمْ لِأنَّ مَشِيئَتَهُ تابِعَةٌ لِحِكْمَتِهِ.

يونس 10:26

﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ ما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مَكانَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكم فَزَيَّلْنا بيْنَهم وقالَ شُرَكاؤُهم ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكم إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ﴾ ﴿هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ ورُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ ومَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ ومَن يُدَبِّرُ الأمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣٢] ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ فَسَقُوا أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٣٣] ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ [يونس: ٣٤] ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَهْدِي إلى الحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أفَمَن يَهْدِي إلى الحَقِّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمَّنْ لا يَهِدِّي إلّا أنْ يُهْدى فَما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [يونس: ٣٥] ﴿وما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم إلّا ظَنًّا إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٣٦] ﴿وما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وتَفْصِيلَ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ٣٧] ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٣٨] ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ [يونس: ٣٩] ﴿ومِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ ورَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٤٠] ﴿وإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكم أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١] ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ٤٢] ﴿ومِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ أفَأنْتَ تَهْدِي العُمْيَ ولَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾ [يونس: ٤٣] ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا ولَكِنَّ النّاسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: ٤٤] ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهم قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [يونس: ٤٥] ﴿وإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦] ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإذا جاءَ رَسُولُهم قُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [يونس: ٤٧] ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨] ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا إلّا ما شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ إذا جاءَ أجَلُهم فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس: ٤٩] ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ بَياتًا أوْ نَهارًا ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ﴾ [يونس: ٥٠] ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ آلْآنَ وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [يونس: ٥١] ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [يونس: ٥٢] ﴿ويَسْتَنْبِئُونَكَ أحَقٌّ هو قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [يونس: ٥٣] ﴿ولَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما في الأرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وأسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [يونس: ٥٤] ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ألا إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٥٥] ﴿هُوَ يُحْيِي ويُمِيتُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يونس: ٥٦] ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧] ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨] ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالًا قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكم أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩] ﴿وما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ [يونس: ٦٠] ﴿وما تَكُونُ في شَأْنٍ وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ إلّا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١] (p-١٤٦)رَهَقَهَ: غَشِيَهُ، وقِيلَ: لَحِقَهُ ومِنهُ ﴿ولا تُرْهِقْنِي مِن أمْرِي عُسْرًا﴾ [الكهف: ٧٣]، ورَجُلٌ مُرْهَقٌ: يَغْشاهُ الأضْيافُ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: الرَّهَقُ: اسْمٌ مِنَ الإرْهاقِ، وهو أنْ يَحْمِلَ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ ما لا يُطِيقُ. يُقالُ: أرْهَقْتُهُ أنْ يُصَلِّيَ إذا أعْجَلْتَهُ عَنِ الصَّلاةِ. وقِيلَ: أصْلُ الرَّهَقِ: المُقارَبَةُ، يُقالُ: غُلامٌ مُراهِقٌ أيْ: قارَبَ الحُلُمَ. وفي الحَدِيثِ: «أرْهِقُوا القِبْلَةَ» أيِ: ادْنُوا مِنها. ويُقالُ: رَهِقَتِ الكِلابُ الصَّيْدَ: إذا لَحِقَتْهُ، وأرْهَقْنا الصَّلاةَ: أخَّرْناها حَتّى تَدْنُوَ مِنَ الأُخْرى. القَتَرُ والقَتَرَةُ: الغُبارُ الَّذِي مَعَهُ سَوادٌ، وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الغُبارُ. وقالَ الفَرَزْدَقُ: ؎مُتَوَّجٌ بِرِداءِ المُلْكِ يَتْبَعُهُ مَوْجٌ تَرى فَوْقَهُ الرّاياتِ والقَتَرا أيْ: غُبارُ العَسْكَرِ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: أصْلُ القَتَرِ: دُخانُ النّارِ، ومِنهُ قُتارُ القِدْرِ، انْتَهى. ويُقالُ: القَتْرُ بِسُكُونِ التّاءِ: الشَّأْنُ والأمْرُ، وجَمْعُهُ: شُئُونٌ. وأصْلُهُ الهَمْزُ بِمَعْنى: القَصْدِ مِن شَأنْتُ شَأْنَهُ إذا قَصَدْتَ قَصْدَهُ. عَزَبَ يَعْزُبُ ويَعْزِبُ بِكَسْرِ الزّايِ وضَمِّها: غابَ حَتّى خَفِيَ، ومِنهُ الرَّوْضُ: العازِبُ. وقالَ أبُو تَمّامٍ: ؎وقَلْقَلُ نَأْيٌ مِن خُراسانَ جَأْشَها ∗∗∗ فَقُلْتُ اطْمَئِنِّي أنْضَرُ الرَّوْضِ عازِبُهُ وقِيلَ لِلْغائِبِ عَنْ أهْلِهِ عازِبٌ، حَتّى قالُوهُ لِمَن لا زَوْجَةَ لَهُ. ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾: (أحْسَنُوا) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ذَكَرُوا كَلِمَةَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وقالَ الأصَمُّ: أحْسَنُوا في كُلِّ ما تَعَبَّدُوا بِهِ أيْ: أتَوْا بِالمَأْمُورِ بِهِ كَما يَنْبَغِي، واجْتَنَبُوا المَنهِيَّ. وقِيلَ: أحْسَنُوا مُعامَلَةَ النّاسِ. ورَوى أنَسٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «أحْسَنُوا العَمَلَ في الدُّنْيا» وفي الصَّحِيحِ: «ما الإحْسانُ ؟ قالَ: أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» وعَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ”لَيْسَ الإحْسانُ أنْ تُحْسِنَ إلى مَن أحْسَنَ إلَيْكَ، ذَلِكَ مُكافَأةٌ ! ولَكِنَّ الإحْسانَ أنْ تُحْسِنَ إلى مَن أساءَ إلَيْكَ“ . والحُسْنى قالَ الأكْثَرُونَ: هي الجَنَّةُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ، ولَوْ صَحَّ وجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: الحُسْنى عامٌّ في كُلِّ حَسَنٍ، فَهو يَعُمُّ جَمِيعَ ما قِيلَ ووَعَدَ اللَّهُ في جَمِيعِها بِالزِّيادَةِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أيْضًا قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ . ولَوْ كانَ مَعْنى الحُسْنى: الجَنَّةَ، لَكانَ في القَوْلِ تَكْرِيرٌ في المَعْنى. وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سابِطٍ: هي النَّضْرَةُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الجَزاءُ في الآخِرَةِ. وقِيلَ: الأُمْنِيَّةُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَثُوبَةُ الحُسْنى وزِيادَةٌ، وما يَزِيدُ عَلى المَثُوبَةِ وهو التَّفَضُّلُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: ١٧٣] وعَنْ عَلِيٍّ: الزِّيادَةُ غُرْفَةٌ مِن لُؤْلُؤَةٍ واحِدَةٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الحُسْنى الحَسَنَةُ، والزِّيادَةُ عَشَرَةُ أمْثالِها. وعَنِ الحَسَنِ: عَشَرَةُ أمْثالِها إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ. وعَنْ مُجاهِدٍ: الزِّيادَةُ مَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٌ. وعَنْ زِيادِ بْنِ شَجَرَةَ: الزِّيادَةُ أنْ تَمُرَّ السَّحابَةُ بِأهْلِ الجَنَّةِ فَتَقُولُ: ما تُرِيدُونَ أنْ أُمْطِرَكم ؟ فَلا يُرِيدُونَ شَيْئًا إلّا أمْطَرَتْهم. وزَعَمَتِ المُشَبِّهَةُ والمُجْبِرَةُ (p-١٤٧)أنَّ الزِّيادَةَ النَّظَرُ إلى وجْهِ اللَّهِ تَعالى، وجاءَتْ بِحَدِيثٍ مَوْضُوعٍ: «إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ نُودُوا يا أهْلَ الجَنَّةِ، فَيَكْشِفُونَ الحِجابَ، فَيَنْظُرُونَ إلَيْهِ، فَواللَّهِ ما أعْطاهُمُ اللَّهُ تَعالى شَيْئًا هو أحَبُّ إلَيْهِمْ مِنهُ»، انْتَهى. أمّا تَفْسِيرُهُ أوَّلًا ونَقْلُهُ عَمَّنْ ذَكَرَ تَفْسِيرَ الزِّيادَةِ فَهو نَصُّ الجُبّائِيِّ ونَقْلُهُ، وأمّا قَوْلُهُ: وجاءَتْ بِحَدِيثٍ مَوْضُوعٍ فَلَيْسَ بِمَوْضُوعٍ، بَلْ خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ صُهَيْبٍ، والنَّسائِيُّ عَنْهُ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ وخَرَّجَهُ ابْنُ المُبارَكِ في دَقائِقِهِ مَوْقُوفًا عَلى أبِي مُوسى وقالَ: بِأنَّ الزِّيادَةَ هي النَّظَرُ إلى اللَّهِ تَعالى. أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ في رِوايَةٍ، وحُذَيْفَةُ، وعُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ، وكَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ، وأبُو مُوسى، وصُهَيْبٌ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ، وهو قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ. ومَسْألَةُ الرُّؤْيَةِ يُبْحَثُ فِيها في أُصُولِ الدِّينِ. قالَ مُجاهِدٌ: أرادَ ولا يَلْحَقُها خِزْيٌ، والخِزْيُ يَتَغَيَّرُ بِهِ الوَجْهُ ويَسْوَدُّ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والذِّلَّةُ الكَآبَةُ. وقالَ غَيْرُهُ: الهَوانُ. وقِيلَ: الخَيْبَةُ نَفىَ عَنِ المُحْسِنِينَ ما أثْبَتَ لِلْكُفّارِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠] ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤١] وكَنّى بِالوَجْهِ عَنِ الجُمْلَةِ لِكَوْنِهِ أشْرَفَها، ولِظُهُورِ أثَرِ السُّرُورِ والحُزْنِ فِيهِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، والأعْمَشُ: قَتْرٌ بِسُكُونِ التّاءِ، وهي لُغَةٌ كالقَدَرِ والقَدْرِ، وجُعِلُوا أصْحابَ الجَنَّةِ لِتَصَرُّفِهِمْ فِيها كَما يَتَصَرَّفُ المُلّاكُ عَلى حَسَبِ اخْتِيارِهِمْ. ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ ما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ ما أعَدَّ لِلَّذِينِ أحْسَنُوا وحالُهم يَوْمَ القِيامَةِ ومَآلُهم إلى الجَنَّةِ، ذَكَرَ ما أعَدَّ لِأضْدادِهِمْ وحالَهم ومَآلَهم، وجاءَتْ صِلَةُ المُؤْمِنِينَ أحْسَنُوا، وصِلَةُ الكافِرِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُؤْمِنَ لَمّا خُلِقَ عَلى الفِطْرَةِ وأصَّلَها بِالإحْسانِ، وعَلى أنَّ الكافِرَ لَمّا خُلِقَ عَلى الفِطْرَةِ انْتَقَلَ عَنْها وكَسَبَ السَّيِّئاتِ، فَجُعِلَ ذَلِكَ مُحْسِنًا، وهَذا كاسِبًا لِلسَّيِّئاتِ، لِيَدُلَّ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ سَلَكَ ما يَنْبَغِي، وهَذا سَلَكَ ما لا يَنْبَغِي. والظّاهِرُ أنَّ والَّذِينَ مُبْتَدَأٌ، وجَوَّزُوا في الخَبَرِ وُجُوهًا أحَدُها: أنَّهُ الجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَهُ وهي جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها، وجَزاءُ مُبْتَدَأٌ فَقِيلَ: خَبَرُهُ مُثْبَتٌ وهو بِمِثْلِها. واخْتَلَفُوا في الباءِ فَقِيلَ: زائِدَةٌ قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ أيْ جَزاءُ سَيِّئَةٍ مِثْلُها، كَما قالَ: وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها، كَما زِيدَتْ في الخَبَرِ في قَوْلِهِ: فَمَنَعَكَها بِشَيْءٍ يُسْتَطاعُ، أيْ شَيْءٌ يُسْتَطاعُ. وقِيلَ: لَيْسَتْ بِزائِدَةٍ، والتَّقْدِيرُ: مُقَدَّرٌ بِمِثْلِها أوْ مُسْتَقِرٌّ بِمِثْلِها. وقِيلَ: مَحْذُوفٌ، فَقَدَّرَهُ الحَوْفِيُّ: لَهم جَزاءُ سَيِّئَةٍ قالَ: ودَلَّ عَلى تَقْدِيرِ لَهم قَوْلُهُ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى﴾ حَتّى تُشاكَلَ هَذِهِ بِهَذِهِ. وقَدَّرَهُ أبُو البَقاءِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها واقِعٌ، والباءُ في قَوْلِهِما مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: جَزاءُ، والعائِدُ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا عَنِ الَّذِينَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: جَزاءُ سَيِّئَةٍ مِنهم، كَما حُذِفَ في قَوْلِهِمُ: السَّمْنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ، أيْ مَنَوانِ مِنهُ بِدِرْهَمٍ. وعَلى تَقْدِيرِ الحَوْفِيِّ: لَهم جَزاءُ يَكُونُ الرّابِطُ لَهم. الثّانِي: أنَّ الخَبَرَ قَوْلُهُ: ما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ، ويَكُونُ قَدْ فُصِلَ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ بِجُمْلَتَيْنِ عَلى سَبِيلِ الِاعْتِراضِ، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ، والصَّحِيحُ جَوازُهُ. الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ الخَبَرُ كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا. الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ الخَبَرُ أُولَئِكَ وما بَعْدَهُ، فَيَكُونُ في هَذا القَوْلِ فُصِلَ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ بِأرْبَعِ جُمَلٍ مُعْتَرِضَةٍ، وفي القَوْلِ الثّالِثِ بِثَلاثِ جُمَلٍ، والصَّحِيحُ مَنعُ الِاعْتِراضِ بِثَلاثِ الجُمَلِ وبِأرْبَعِ الجُمَلِ، وأجازَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: (p-١٤٨)لِلَّذِينِ أحْسَنُوا، ويَكُونُ (جَزاءُ) مُبْتَدَأً خَبَرُهُ قَوْلُهُ: والَّذِينَ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ أيْ: ولِلَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها، فَيَتَعادَلُ التَّقْسِيمُ، كَما تَقُولُ: في الدّارِ زَيْدٌ، والقَصْرِ عَمْرٌو أيْ: وفي القَصْرِ عَمْرٌو. وهَذا التَّرْكِيبُ مَسْمُوعٌ مِن لِسانِ العَرَبِ، فَخَرَّجَهُ الأخْفَشُ عَلى أنَّهُ مِنَ العَطْفِ عَلى عامِلَيْنِ. وخَرَّجَهُ الجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ مِمّا حُذِفَ مِنهُ حَرْفُ الجَرِّ، وجَرُّهُ بِذَلِكَ الحَرْفِ المَحْذُوفِ لا بِالعَطْفِ عَلى المَجْرُورِ، وهي مَسْألَةُ خِلافٍ وتَفْصِيلٍ يُتَكَلَّمُ فِيها في عِلْمِ النَّحْوِ. والظّاهِرُ أنَّ السَّيِّئاتِ هُنا هي سَيِّئاتُ الكُفْرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ذِكْرُ أوْصافِهِمْ بَعْدُ. وقِيلَ: السَّيِّئاتُ المَعاصِي، فَيَنْدَرِجُ فِيها الكُفْرُ وغَيْرُهُ. ولِهَذا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وتَعُمُّ السَّيِّئاتُ هاهُنا الكُفْرَ والمَعاصِي، فَمِثْلُ سَيِّئَةِ الكُفْرِ التَّخْلِيدُ في النّارِ، ومِثْلُ سَيِّئاتِ المَعاصِي مَصْرُوفٌ إلى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، ومَعْنى بِمِثْلِها أيْ: لا يُزادُ عَلَيْها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالزِّيادَةِ الفَضْلُ، لِأنَّهُ دَلَّ بِتَرْكِ الزِّيادَةِ عَلى السَّيِّئَةِ عَلى عَدْلِهِ، ودَلَّ بِإثْباتِ الزِّيادَةِ عَلى المَثُوبَةِ عَلى فَضْلِهِ، انْتَهى. وقِيلَ: مَعْنى بِمِثْلِها أيْ: بِما يَلِيقُ بِها مِنَ العُقُوباتِ، فالعُقُوباتُ تَتَرَتَّبُ عَلى قَدْرِ السَّيِّئاتِ، ولِهَذا كانَتْ جَهَنَّمُ دَرَكاتٍ، وكانَ المُنافِقُونَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ لِقُبْحِ مَعْصِيَتِهِمْ. وقُرِئَ: ويَرْهَقُهم بِالياءِ؛ لِأنَّ تَأْنِيثَ الذِّلَّةِ مَجازٌ، وفي وصْفِ المُنافِقِينَ نَفْيِ القَتَرِ والذِّلَّةِ عَنْ وُجُوهِهِمْ، وهُنا غَشِيَتْهُمُ الذِّلَّةُ، وبُولِغَ فِيما يُقابِلُ القَتَرَ فَقِيلَ: كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا، وهَذِهِ مُبالَغَةٌ في سَوادِ الوُجُوهِ. وقَدْ جاءَ مُصَرَّحًا في قَوْلِهِ: ﴿وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] (مِنَ اللَّهِ) أيْ مِن سَخَطِهِ وعَذابِهِ، أوْ مِن جِهَتِهِ تَعالى، ومِن عِنْدِهِ مَن يَعْصِمُهم كَما يَكُونُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وأُغْشِيَتْ: كَسَبَتْ، ومِنهُ الغِشاءُ. وكَوْنُ وُجُوهِهِمْ مُسْوَدَّةً هي حَقِيقَةٌ لا مَجازٌ، فَتَكُونُ ألْوانُهم مُسْوَدَّةً. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: واعْلَمْ أنَّ حُكَماءَ الإسْلامِ قالُوا: المُرادُ مِن هَذا السَّوادِ هاهُنا: سَوادُ الجَهْلِ وظُلْمَةُ الضَّلالِ، فَإنَّ الجَهْلَ طَبْعُهُ طَبْعُ الظُّلْمَةِ. فَقَوْلُهُ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨] ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٩]، المُرادُ نُورُ العِلْمِ ورُوحُهُ وبِشْرُهُ وبِشارَتُهُ، (p-١٤٩)﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠] ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤١] المُرادُ مِنهُ: ظُلْمَةُ الجَهْلِ وكُدُورَةُ الضَّلالَةِ، انْتَهى. وكَثِيرًا ما يَنْقُلُ هَذا الرَّجُلُ عَنْ حُكَماءِ الإسْلامِ في التَّفْسِيرِ، ويَنْقُلُ كَلامَهم تارَةً مَنسُوبًا إلَيْهِمْ، وتارَةً مُسْتَنِدًا بِهِ ويُعْنى بِحُكَماءِ الفَلاسِفَةِ الَّذِينَ خُلِقُوا في مُدَّةِ المِلَّةِ الإسْلامِيَّةِ، وهم أحَقُّ بِأنْ يُسَمَّوْا سُفَهاءَ جُهَلاءَ مِن أنْ يُسَمَّوْا حُكَماءَ، إذْ هم أعْداءُ الأنْبِياءِ والمُحَرِّفُونَ لِلشَّرِيعَةِ الإسْلامِيَّةِ، وهم أضَرُّ عَلى المُسْلِمِينَ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى. وإذا كانَ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نَهى عَنْ قِراءَةِ التَّوْراةِ مَعَ كَوْنِها كِتابًا إلَهِيًّا، فَلَأنْ يَنْهى عَنْ قِراءَةِ كَلامِ الفَلاسِفَةِ أحَقُّ. وقَدْ غَلَبَ في هَذا الزَّمانِ وقَبْلَهُ بِقَلِيلٍ الِاشْتِغالُ بِجَهالاتِ الفَلاسِفَةِ عَلى أكْثَرِ النّاسِ، ويُسَمُّونَها الحِكْمَةَ، ويَسْتَجْهِلُونَ مَن عُرِّيَ عَنْها، ويَعْتَقِدُونَ أنَّهُمُ الكَمَلَةُ مِنَ النّاسِ، ويَعْكُفُونَ عَلى دِراسَتِها، ولا تَكادُ تَلْقى أحَدًا مِنهم يَحْفَطُ قُرْآنًا ولا حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ولَقَدْ غَضَضْتُ مَرَّةً مِنَ ابْنِ سِينا ونَسَبْتُهُ لِلْجَهْلِ فَقالَ لِي بَعْضُهم وأظْهَرَ التَّعَجُّبَ مِن كَوْنِ أحَدٍ يَغُضُّ مِنَ ابْنِ سِينا: كَيْفَ يَكُونُ أعْلَمَ النّاسِ بِاللَّهِ يُنْسَبُ لِلْجَهْلِ ؟ ولَمّا ظَهَرَ مِن قاضِي الجَماعَةِ أبِي الوَلِيدِ مُحَمَّدِ بْنِ أبِي القاسِمِ أحْمَدِ بْنِ أبِي الوَلِيدِ بْنِ رُشْدٍ الِاعْتِناءَ بِمَقالاتِ الفَلاسِفَةِ، والتَّعْظِيمَ لَهم، أغْرى بِهِ عُلَماءُ الإسْلامِ بِالأنْدَلُسِ، المَنصُورَ مَنصُورَ المُوَحِّدِينَ: يَعْقُوبَ بْنَ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ المُؤْمِنِ بْنِ عَلِيٍّ مَلِكَ المَغْرِبِ والأنْدَلُسِ، حَتّى أوْقَعَ بِهِ ما هو مَشْهُورٌ مِن ضَرْبِهِ ولَعْنِهِ وإهانَتِهِ، وإهانَةِ جَماعَةٍ مِنهم عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، وكانَ مِمّا خُوطِبَ بِهِ المَنصُورُ في حَقِّهِمْ قَوْلُ بَعْضِ العُلَماءِ الشُّعَراءِ: ؎خَلِيفَتَنا جَزاكَ اللَّهُ خَيْرًا ∗∗∗ عَنِ الإسْلامِ والسَّعْيِ الكَرِيمِ ؎فَحَقُّ جِهادِهِ جاهَدْتَ فِيهِ ∗∗∗ إلى أنْ فُزْتَ بِالفَتْحِ العَظِيمِ ؎وصَيَّرْتَ الأنامَ بِحُسْنِ هَدْيٍ ∗∗∗ عَلى نَهْجِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ ؎فَجاهِدْ في أُناسٍ قَدْ أضَلُّوا ∗∗∗ طَرِيقَ الشَّرْعِ بِالعِلْمِ القَدِيمِ ؎وحَرِّقْ كُتْبَهم شَرْقًا وغَرْبًا ∗∗∗ فَفِيها كامِنًا شَرُّ العُلُومِ ؎يَدِبُّ إلى العَقائِدِ مِن أذاها ∗∗∗ سُمُومٌ والعَقائِدُ كالجُسُومِ ؎وفِي أمْثالِها إذْ لا دَواءَ ∗∗∗ يَكُونُ السَّيْفُ تِرْياقَ السُّمُومِ وقالَ: ؎يا وحْشَةَ الإسْلامِ مِن فِرْقَةٍ ∗∗∗ شاغِلَةً أنْفُسَها بِالسَّفَهْ ؎قَدْ نَبَذَتْ دِينَ الهُدى خَلْفَها ∗∗∗ وادَّعَتِ الحِكْمَةَ والفَلْسَفَهْ وقالَ: ؎قَدْ ظَهَرَتْ في عَصْرِنا فِرْقَةٌ ∗∗∗ ظُهُورُها شُؤْمٌ عَلى العَصْرِ ؎لا تَقْتَدِي في الدِّينِ إلّا بِما ∗∗∗ سَنَّ ابْنُ سِينا أوْ أبُو نَصْرِ ولَمّا حَلَلْتُ بِدِيارِ مِصْرَ، ورَأيْتُ كَثِيرًا مِن أهْلِها يَشْتَغِلُونَ بِجَهالاتِ الفَلاسِفَةِ ظاهِرًا مِن غَيْرِ أنْ يُنْكِرَ ذَلِكَ أحَدٌ، تَعَجَّبْتُ مِن ذَلِكَ، إذْ كُنّا نَشَأْنا في جَزِيرَةِ الأنْدَلُسِ عَلى التَّبَرُّءِ مِن ذَلِكَ والإنْكارِ لَهُ، وأنَّهُ إذا (p-١٥٠)بِيعَ كِتابٌ في المَنطِقِ إنَّما يُباعُ خُفْيَةً، وأنَّهُ لا يَتَجاسَرُ أحَدٌ أنْ يَنْطِقَ بِلَفْظِ المَنطِقِ، إنَّما يُسَمُّونَهُ المَفْعِلَ، حَتّى أنَّ صاحِبَنا وزِيرَ المَلِكِ ابْنِ الأحْمَرِ: أبا عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ المَعْرُوفَ بِابْنِ الحَكِيمِ، كَتَبَ إلَيْنا كِتابًا مِنَ الأنْدَلُسِ يَسْألُنِي أنْ أشْتَرِيَ أوْ أسْتَنْسِخَ كِتابًا لِبَعْضِ شُيُوخِنا في المَنطِقِ، فَلَمْ يَتَجاسَرْ أنْ يَنْطِقَ بِالمَنطِقِ وهو وزِيرٌ، فَسَمّاهُ في كِتابِهِ لِي بِالمَفْعِلِ. ولَمّا أُلْبِسَتْ وُجُوهُهُمُ السَّوادَ قالَ: كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم، ولَمّا كانَتْ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ نِهايَةً في السَّوادِ، شُبِّهَ سَوادُ وُجُوهِهِمْ بِقِطَعٍ مِنَ اللَّيْلِ حالَ اشْتِدادِ ظُلْمَتِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ والكِسائِيُّ قِطْعًا بِسُكُونِ الطّاءِ، وهو مُفْرَدٌ اسْمٌ لِلشَّيْءِ المَقْطُوعِ. وقالَ الأخْفَشُ في قَوْلِهِ: ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ٨١] بِسَوادٍ مِنَ اللَّيْلِ. وأهْلُ اللُّغَةِ يَقُولُونَ: القِطْعُ ظُلْمَةُ آخِرِ اللَّيْلِ. وقالَ بَعْضُهم: طائِفَةٌ مِنَ اللَّيْلِ. وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ قَوْلُهُ: مُظْلِمًا صِفَةً لِقَوْلِهِ: قِطَعًا، كَما جاءَ ذَلِكَ في قِراءَةِ أُبَيٍّ: (كَأنَّما تَغْشى وُجُوهَهم قِطْعٌ مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمٌ) . وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ فَتَحَ الطّاءَ. وقِيلَ: قِطْعٌ جَمْعُ قِطْعَةٍ، نَحْوَ سِدْرٍ وسِدْرَةٍ، فَيَجُوزُ إذْ ذاكَ أنْ يُوصَفَ بِالمُذَكَّرِ نَحْوَ: نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ، وبِالمُؤَنَّثِ نَحْوَ نَخْلٍ خاوِيَةٍ، ويَجُوزُ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ مُظْلِمًا حالًا مِنَ اللَّيْلِ كَما أعْرَبُوهُ في قِراءَةِ باقِي السَّبْعَةِ، كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا بِتَحْرِيكِ الطّاءِ بِالفَتْحِ مِنَ اللَّيْلِ، مُظْلِمًا بِالنَّصْبِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): إذا جَعَلْتَ مُظْلِمًا حالًا مِنَ اللَّيْلِ، فَما العامِلُ فِيهِ ؟ (قُلْتُ): لا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ أُغْشِيَتْ مِن قِبَلِ أنَّ مِنَ اللَّيْلِ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: قِطَعًا، فَكانَ إفْضاؤُهُ إلى المَوْصُوفِ كَإفْضائِهِ إلى الصِّفَةِ. وإمّا أنْ يَكُونَ مَعْنى الفِعْلِ في مِنَ اللَّيْلِ، انْتَهى. أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ فَهو بَعِيدٌ، لِأنَّ الأصْلَ أنْ يَكُونَ العامِلُ في الحالِ هو العامِلُ في ذِي الحالِ، والعامِلُ في اللَّيْلِ هو مُسْتَقَرُّ الواصِلِ إلَيْهِ بِمِن، وأُغْشِيَتْ عامِلٌ في قَوْلِهِ: قِطَعًا المَوْصُوفِ بِقَوْلِهِ: مِنَ اللَّيْلِ، فاخْتَلَفا فَلِذَلِكَ كانَ الوَجْهُ الأخِيرُ أوْلى أيْ: قِطَعًا مُسْتَقِرَّةً مِنَ اللَّيْلِ، أوْ كائِنَةً مِنَ اللَّيْلِ في حالِ إظْلامِهِ. وقِيلَ: مُظْلِمًا حالٌ مِن قَوْلِهِ: قِطَعًا، أوْ صِفَةٌ. وذُكِرَ في هَذَيْنِ التَّوْجِيهَيْنِ لِأنَّ قِطَعًا في مَعْنى كَثِيرٍ، فَلُوحِظَ فِيهِ الإفْرادُ والتَّذْكِيرُ. وجَوَّزُوا أيْضًا في قِراءَةِ مَن سَكَّنَ الطّاءَ أنْ يَكُونَ (مُظْلِمًا) حالًا مِن قِطْعٍ، وحالًا مِنَ الضَّمِيرِ في (مِن) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَإذا كانَ نَعْتًا يَعْنِي: مُظْلِمًا نَعْتًا لِقِطْعٍ، فَكانَ حَقُّهُ أنْ يَكُونَ قَبْلَ الجُمْلَةِ، ولَكِنْ قَدْ يَجِيءُ بَعْدَ هَذا، وتَقْدِيرُ الجُمْلَةِ: قِطْعًا اسْتَقَرَّ مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٢]، انْتَهى. ولا يَتَعَيَّنُ تَقْدِيرُ العامِلِ في المَجْرُورِ بِالفِعْلِ فَيَكُونُ جُمْلَةً، بَلِ الظّاهِرُ أنْ يُقَدَّرَ بِاسْمِ الفاعِلِ، فَيَكُونُ مِن قَبِيلِ الوَصْفِ بِالمُفْرَدِ والتَّقْدِيرُ: قِطْعًا كائِنًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا. ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مَكانَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكم فَزَيَّلْنا بَيْنَهم وقالَ شُرَكاؤُهم ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكم إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ﴾ (p-١٥١)الضَّمِيرُ في نَحْشُرُهم عائِدٌ عَلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهم مِنَ (الَّذِينَ أحْسَنُوا) ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ و شَيْبَةُ والقُرّاءُ السَّبْعَةُ: نَحْشُرُهم بِالنُّونِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِالياءِ. وقِيلَ: يَعُودُ الضَّمِيرُ عَلى الَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ، ومِنهم عابِدُ غَيْرِ اللَّهِ، ومَن لا يَعْبُدُ شَيْئًا. وانْتَصَبَ يَوْمَ عَلى فِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: ذَكِّرْهم أوْ خَوِّفْهم ونَحْوَهُ. وجَمِيعًا حالٌ، والشُّرَكاءُ الشَّياطِينُ، أوِ المَلائِكَةُ، أوِ الأصْنامُ، أوْ مَن عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ كائِنًا مَن كانَ، أرْبَعَةُ أقْوالٍ. ومَن قالَ: الأصْنامُ، قالَ: يُنْفَخُ فِيها الرُّوحُ فَيُنْطِقُها اللَّهُ بِذَلِكَ مَكانَ الشَّفاعَةِ الَّتِي عَلَّقُوا بِها أطْماعَهم. ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: (أنَّ الكُفّارَ إذا رَأوُا العَذابَ وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ قِيلَ لَهُمُ: اتَّبِعُوا ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ، فَيَقُولُونَ: واللَّهِ لَإيّاكم كُنّا نَعْبُدُ، فَتَقُولُ الآلِهَةُ: فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا) الآيَةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مُحاوَرَتَهم إنَّما هي مَعَ الأصْنامِ، دُونَ المَلائِكَةِ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ بِدَلِيلِ القَوْلِ لَهم: ﴿مَكانَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكُمْ﴾، ودُونَ فِرْعَوْنَ ومَن عُبِدَ مِنَ الجِنِّ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: ﴿إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ﴾ . وهَؤُلاءِ لَمْ يَغْفُلُوا قَطُّ عَنْ عِبادَةِ مَن عَبَدَهم. ومَكانَكم عَدَّهُ النَّحْوِيُّونَ في أسْماءِ الأفْعالِ، وقُدِّرَ بِاثْبُتُوا كَما قالَ: ؎وقَوْلِي كُلَّما جَشَأتْ وجاشَتْ ∗∗∗ مَكانَكِ تُحْمَدِي أوْ تَسْتَرِيحِي أيِ: اثْبُتِي. ولِكَوْنِها بِمَعْنى اثْبُتِي جُزِمَ تُحْمَدِي، وتَحَمَّلَتْ ضَمِيرًا فَأُكِّدَ وعُطِفَ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: أنْتُمْ وشُرَكاؤُكم. والحَرَكَةُ الَّتِي في مَكانَكَ ودُونَكَ، أهْيَ حَرَكَةُ إعْرابٍ، أوْ حَرَكَةُ بِناءٍ تُبْتَنى عَلى الخِلافِ الَّذِي بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ في أسْماءِ الأفْعالِ ؟ ألَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ أمْ لا ؟ فَمَن قالَ: هي في مَوْضِعِ نَصْبٍ جَعَلَ الحَرَكَةَ إعْرابًا، ومَن قالَ: لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ جَعَلَها حَرَكَةَ بِناءٍ. وعَلى الأوَّلِ عَوَّلَ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: مَكانَكُمُ الزَمُوا مَكانَكم لا تَبْرَحُوا حَتّى تَنْظُرُوا ما يُفْعَلُ بِكم. واخْتَلَفُوا في أنْتُمْ، فالظّاهِرُ ما ذَكَرْناهُ مِن أنَّهُ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في مَكانَكم، وشُرَكاؤُكم عَطْفٌ عَلى ذَلِكَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ، وهو قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ قالَ: وأنْتُمْ أكَّدَ بِهِ الضَّمِيرَ في مَكانَكم لِسَدِّهِ مَسَدَّ قَوْلِهِ: الزَمُوا، وشُرَكاؤُكم عَطْفٌ عَلَيْهِ، انْتَهى. يَعْنِي عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ، وتَقْدِيرُهُ: الزَمُوا، وأنَّ مَكانَكم قامَ مَقامَهُ، فَيُحْمَلُ الضَّمِيرُ الَّذِي (p-١٥٢)فِي الزَمُوا لَيْسَ بِجَيِّدٍ، إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ مَكانَكَ الَّذِي هو اسْمُ فِعْلٍ يَتَعَدّى كَما يَتَعَدّى الزَمُوا. ألا تَرى أنَّ اسْمَ الفِعْلِ إذا كانَ الفِعْلُ لازِمًا، كانَ اسْمُ الفِعْلِ لازِمًا، وإذا كانَ مُتَعَدِّيًا كانَ مُتَعَدِّيًا، مِثالُ ذَلِكَ: عَلَيْكَ زَيْدًا، لَمّا نابَ مَنابَ الزَمْ تَعَدّى. وإلَيْكَ لَمّا نابَ مَنابَ تَنَحَّ لَمْ يَتَعَدَّ. ولِكَوْنِ مَكانَكَ لا يَتَعَدّى، قَدَّرَهُ النَّحْوِيُّونَ اثْبُتْ، واثْبُتْ لا يَتَعَدّى. قالَ الحَوْفِيُّ: مَكانَكم نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ أيِ: الزَمُوا مَكانَكم، أوِ اثْبُتُوا. وقالَ أبُو البَقاءِ: مَكانَكم ظَرْفٌ مَبْنِيٌّ لِوُقُوعِهِ مَوْقِعَ الأمْرِ، أيِ: الزَمُوا، انْتَهى. وقَدْ بَيَّنّا أنَّ تَقْدِيرَ الزَمُوا لَيْسَ بِجَيِّدٍ، إذْ لَمْ تَقُلِ العَرَبُ مَكانَكَ زَيْدًا فَتُعَدِّيهِ، كَما تَعَدّى الزَمْ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أنْتُمْ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ: مَخْزِيُّونَ، أوْ مُهانُونَ ونَحْوُهُ، انْتَهى. فَيَكُونُ مَكانَكم قَدْ تَمَّ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهم كَذا، وهَذا ضَعِيفٌ لِفَكِّ الكَلامِ الظّاهِرِ لِاتِّصالِ بَعْضِ أجْزائِهِ بِبَعْضٍ، ولِتَقْدِيرِ إضْمارٍ لا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَيْهِ، ولِقَوْلِهِ: فَزَيَّلْنا بَيْنَهم، إذْ يَدُلُّ عَلى أنَّهم ثَبَتُوا هم وشُرَكاؤُكم في مَكانٍ واحِدٍ حَتّى وقَعَ التَّزْيِيلُ بَيْنَهم وهو التَّفْرِيقُ. ولِقِراءَةِ مَن قَرَأ: أنْتُمْ وشُرَكاءَكم بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ، والعامِلُ فِيهِ اسْمُ الفِعْلِ. ولَوْ كانَ أنْتُمْ مُبْتَدَأٌ وقَدْ حُذِفَ خَبَرُهُ، لَما جازَ أنْ يَأْتِيَ بَعْدَهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ، تَقُولُ: كُلُّ رَجُلٍ وضَيْعَتُهُ بِالرَّفْعِ، ولا يَجُوزُ فِيهِ النَّصْبُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْضًا: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أنْتُمْ تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ الَّذِي في الفِعْلِ المُقَدَّرِ، الَّذِي هو قِفُوا أوْ نَحْوُهُ، انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ، إذْ لَوْ كانَ تَأْكِيدًا لِذَلِكَ الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ بِالفِعْلِ لَجازَ تَقْدِيمُهُ عَلى الظَّرْفِ، إذِ الظَّرْفُ لَمْ يَتَحَمَّلْ ضَمِيرًا عَلى هَذا القَوْلِ فَيَلْزَمُ تَأْخِيرُهُ عَنْهُ، وهو غَيْرُ جائِزٍ، لا تَقُولُ: أنْتَ مَكانَكَ، ولا يُحْفَظُ مِن كَلامِهِمْ. والأصَحُّ أنْ لا يَجُوزَ حَذْفُ المُؤَكَّدِ في التَّأْكِيدِ المَعْنَوِيِّ، فَكَذَلِكَ هَذا، لِأنَّ التَّأْكِيدَ يُنافِي الحَذْفَ. ولَيْسَ مِن كَلامِهِمْ: أنْتَ زَيْدًا لِمَن رَأيْتَهُ قَدْ شَهَرَ سَيْفًا، وأنْتَ تُرِيدُ اضْرِبْ أنْتَ زَيْدًا، إنَّما كَلامُ العَرَبِ: زَيْدًا تُرِيدُ اضْرِبْ زَيْدًا. يُقالُ زِلْتُ الشَّيْءَ عَنْ مَكانِهِ أُزِيلُهُ. قالَ الفَرّاءُ: تَقُولُ العَرَبُ: زِلْتُ الضَّأْنَ مِنَ المَعْزِ فَلَمْ تَزُلْ. وقالَ الواحِدِيُّ: التَّزْيِيلُ والتَّزَيُّلُ والمُزايَلَةُ: التَّمْيِيزُ والتَّفَرُّقُ، انْتَهى. وزَيَّلَ مُضاعَفٌ لِلتَّكْثِيرِ، وهو لِمُفارَقَةِ الحبث وهُنَّ مِن ذَواتِ الياءِ، بِخِلافِ زالَ يَزُولُ فَمادَّتُهُما مُخْتَلِفَةٌ. وزَعَمَ ابْنُ قُتَيْبَةَ أنَّ زَيَّلْنا مِن مادَّةِ زالَ يَزُولُ، وتَبِعَهُ أبُو البَقاءِ. وقالَ أبُو البَقاءِ: فَزَيَّلْنا عَيْنُ الكَلِمَةِ واوٌ لِأنَّهُ مِن زالَ يَزُولُ، وإنَّما قُلِبَتْ ياءً لِأنَّ وزْنَ الكَلِمَةِ فَيْعَلَ أيْ: زَيْوَلْنا، مِثْلَ بَيْطَرَ وبَيْقَرَ، فَلَمّا اجْتَمَعَتِ الواوُ والياءُ عَلى الشَّرْطِ المَعْرُوفِ قُلِبَتْ ياءً، انْتَهى. ولَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأنَّ فَعَّلَ أكْثَرُ مِن (فَيْعَلَ)، ولِأنَّ مَصْدَرَهُ تَزْيِيلٌ. ولَوْ كانَ فَيْعَلَ لَكانَ مَصْدَرُهُ فَيْعَلَةً، فَكانَ يَكُونُ زَيَّلَةً كَبَيْطَرَةٍ، لِأنَّ فَيْعَلَ مُلْحَقٌ بِفَعْلَلَ، ولِقَوْلِهِمْ في قَرِيبٍ مِن مَعْناهُ: زايَلَ، ولَمْ يَقُولُوا: زاوَلَ بِمَعْنى فارَقَ، إنَّما قالُوهُ بِمَعْنى: حاوَلَ وخالَطَ وشَرَحَ، فَزَيَّلْنا فَفَرَّقْنا بَيْنَهم وقَطَعْنا أقْرانَهم والوُصَلَ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم في الدُّنْيا، أوْ فَباعَدْنا بَيْنَهم بَعْدَ الجَمْعِ بَيْنَهم في المَوْقِفِ، وبَيْنَ شُرَكائِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٢٢] قالُوا ضَلُّوا عَنّا وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: فَزايَلْنا حَكاهُ الفَرّاءُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَقَوْلِكَ: صاعَرَ خَدَّهُ وصَعَّرَ، وكالَمْتُهُ وكَلَّمْتُهُ، انْتَهى. يَعْنِي أنَّ فاعَلَ بِمَعْنى فَعَّلَ، وزايَلَ في لِسانِ العَرَبِ بِمَعْنى فارَقَ. قالَ: ؎وقالَ العَذارى إنَّما أنْتَ عَمُّنا ∗∗∗ وكانَ الشَّبابُ كالخَلِيطِ يُزايِلُهْ وقالَ آخَرُ: ؎لَعَمْرِي لِمَوْتٍ لا عُقُوبَةَ بَعْدَهُ ∗∗∗ لِذِي البَثِّ أشَفى مَن هَوى لا يُزايِلُهْ والظّاهِرُ أنَّ التَّزْيِيلَ أوِ المُزايَلَةَ هو بِمُفارَقَةِ الأجْسامِ وتَباعُدِهِ. وقِيلَ: فَرَّقْنا بَيْنَهم في الحُجَّةِ والمَذْهَبِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفَزَيَّلْنا. وقالَ: هُنا ماضِيانِ لَفْظًا، والمَعْنى: فَنُزَيِّلُ بَيْنَهم، ونَقُولُ: لِأنَّهُما مَعْطُوفانِ عَلى مُسْتَقْبَلٍ، ونَفْيُ الشُّرَكاءِ عِبادَةَ المُشْرِكِينَ هو رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: لَإيّاكم كُنّا نَعْبُدُ، والمَعْنى: إنَّكم كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مَن (p-١٥٣)أمَرَكم أنْ تَتَّخِذُوا لِلَّهِ تَعالى أنْدادًا فَأطَعْتُمُوهم، ولَمّا تَنازَعُوا اسْتَشْهَدَ الشُّرَكاءُ بِاللَّهِ تَعالى. وانْتَصَبَ شَهِيدًا، قِيلَ: عَلى الحالِ، والأصَحُّ عَلى التَّمْيِيزِ لِقَبُولِهِ مِن. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في كَفى وفي الياءِ، وإنْ هي الخَفِيفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ. وعِنْدَ القُرّاءِ هي النّافِيَةُ، واللّامُ بِمَعْنى إلّا، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ. واكْتِفاؤُهم بِشَهادَةِ اللَّهِ هو عَلى انْتِفاءِ أنَّهم عَبَدُوهم. ثُمَّ اسْتَأْنَفُوا جُمْلَةً خَبَرِيَّةً أنَّهم كانُوا غافِلِينَ عَنْ عِبادَتِهِمْ أيْ: لا شُعُورَ لَنا بِذَلِكَ. وهَذا يُرَجِّحُ أنَّ الشُّرَكاءَ هي الأصْنامُ كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ الشُّرَكاءُ مِمَّنْ يَعْقِلُ مِن إنْسِيٍّ أوْ جِنِّيٍّ أوْ مَلَكٍ، لَكانَ لَهُ شُعُورٌ بِعِبادَتِهِمْ، ولا شَيْءَ أعْظَمُ سَبَبًا لِلْغَفْلَةِ مِنَ الجَمادِيَّةِ، إذْ لا تُحِسُّ ولا تَشْعُرُ بِشَيْءٍ البَتَّةَ. ﴿هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ ورُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾: هُنالِكَ ظَرْفُ مَكانٍ أيْ: في ذَلِكَ المَوْقِفِ والمَقامِ المُقْتَضِي لِلْحَيْرَةِ والدَّهْشِ. وقِيلَ: هو إشارَةٌ إلى الوَقْتِ، اسْتُعِيرَ ظَرْفُ المَكانِ لِلزَّمانِ أيْ: في ذَلِكَ الوَقْتِ. وقَرَأ الأخَوانِ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: تَتْلُو بِتاءَيْنِ أيْ: تَتْبَعُ وتَطْلُبُ ما أسْلَفَتْ مِن أعْمالِها، قالَهُ السُّدِّيُّ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إنَّ المُرِيبَ يَتَّبِعُ المُرِيبا ∗∗∗ كَما رَأيْتَ الذِّيبَ يَتْلُو الذِّيبا قِيلَ: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِنَ التِّلاوَةِ وهي القِراءَةُ أيْ: تَقْرَأُ كُتُبَها الَّتِي تُدْفَعُ إلَيْها. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: تَبْلُو بِالتّاءِ والباءِ، أيْ: تَخْتَبِرُ ما أسْلَفَتْ مِنَ العَمَلِ فَتَعْرِفُ كَيْفَ هو، أقَبِيحٌ أمْ حَسَنٌ ؟، أنافِعٌ أمْ ضارٌّ ؟، أمَقْبُولٌ أمْ مَرْدُودٌ ؟ كَما يَتَعَرَّفُ الرَّجُلُ الشَّيْءَ بِاخْتِبارِهِ. ورُوِيَ عَنْ عاصِمٍ: نَبْلُو بِنُونٍ وباءٍ أيْ: نَخْتَبِرُ. وكُلُّ نَفْسٍ بِالنَّصْبِ، وما أسْلَفَتْ بَدَلٌ مِن كُلِّ نَفْسٍ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ أيْ: ما أسْلَفَتْ. أوْ يَكُونُ نَبْلُو مِنَ البَلاءِ، وهو العَذابُ، أيْ: نُصِيبُ كُلَّ نَفْسٍ عاصِيَةٍ بِالبَلاءِ، بِسَبَبِ ما أسْلَفَتْ مِنَ العَمَلِ المُسِيءِ. وعَنِ الحَسَنِ تَبْلُو: تَتَسَلَّمُ. وعَنِ الكَلْبِيِّ: تَعْلَمُ. وقِيلَ: تَذُوفُ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ: ورِدُّوا بِكَسْرِ الرّاءِ، لَمّا سَكَّنَ لِلْإدْغامِ نَقَلَ حَرَكَةَ الدّالِّ إلى حَرَكَةِ الرّاءِ بَعْدَ حَذْفِ حَرَكَتِها. ومَعْنى إلى اللَّهِ: إلى عِقابِهِ. وقِيلَ: إلى مَوْضِعِ جَزائِهِ. (مَوْلاهُمُ الحَقِّ) لا ما زَعَمُوهُ مِن أصْنامِهِمْ، إذْ هو المُتَوَلِّي حِسابَهم. فَهو مَوْلاهم في المِلْكِ والإحاطَةِ، لا في النَّصْرِ والرَّحْمَةِ. وقُرِئَ: الحَقَّ بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ نَحْوَ: الحَمْدُ لِلَّهِ أهْلَ الحَمْدِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَقَوْلِكَ هَذا عَبْدُ اللَّهِ الحَقَّ لا الباطِلَ، عَلى تَأْكِيدِ قَوْلِهِ: رُدُّوا إلى اللَّهِ، انْتَهى. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: ورُدُّوا إلى اللَّهِ، جُعِلُوا مُلْجَئِينَ إلى الإقْرارِ بِالإلَهِيَّةِ بَعْدَ أنْ كانُوا في الدُّنْيا يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللَّهِ، ولِذَلِكَ قالَ: مَوْلاهُمُ الحَقِّ. وضَلَّ عَنْهم أيْ: بَطَلَ وذَهَبَ ما كانُوا يَفْتَرُونَهُ مِنَ الكَذِبِ، أوْ مِن دَعْواهم أنَّ أصْنامَهم شُرَكاءُ لِلَّهِ شافِعُونَ لَهم عِنْدَهُ.

يونس 10:27

﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ ما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مَكانَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكم فَزَيَّلْنا بيْنَهم وقالَ شُرَكاؤُهم ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكم إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ﴾ ﴿هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ ورُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ ومَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ ومَن يُدَبِّرُ الأمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣٢] ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ فَسَقُوا أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٣٣] ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ [يونس: ٣٤] ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَهْدِي إلى الحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أفَمَن يَهْدِي إلى الحَقِّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمَّنْ لا يَهِدِّي إلّا أنْ يُهْدى فَما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [يونس: ٣٥] ﴿وما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم إلّا ظَنًّا إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٣٦] ﴿وما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وتَفْصِيلَ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ٣٧] ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٣٨] ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ [يونس: ٣٩] ﴿ومِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ ورَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٤٠] ﴿وإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكم أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١] ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ٤٢] ﴿ومِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ أفَأنْتَ تَهْدِي العُمْيَ ولَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾ [يونس: ٤٣] ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا ولَكِنَّ النّاسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: ٤٤] ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهم قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [يونس: ٤٥] ﴿وإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦] ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإذا جاءَ رَسُولُهم قُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [يونس: ٤٧] ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨] ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا إلّا ما شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ إذا جاءَ أجَلُهم فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس: ٤٩] ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ بَياتًا أوْ نَهارًا ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ﴾ [يونس: ٥٠] ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ آلْآنَ وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [يونس: ٥١] ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [يونس: ٥٢] ﴿ويَسْتَنْبِئُونَكَ أحَقٌّ هو قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [يونس: ٥٣] ﴿ولَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما في الأرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وأسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [يونس: ٥٤] ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ألا إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٥٥] ﴿هُوَ يُحْيِي ويُمِيتُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يونس: ٥٦] ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧] ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨] ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالًا قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكم أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩] ﴿وما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ [يونس: ٦٠] ﴿وما تَكُونُ في شَأْنٍ وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ إلّا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١] (p-١٤٦)رَهَقَهَ: غَشِيَهُ، وقِيلَ: لَحِقَهُ ومِنهُ ﴿ولا تُرْهِقْنِي مِن أمْرِي عُسْرًا﴾ [الكهف: ٧٣]، ورَجُلٌ مُرْهَقٌ: يَغْشاهُ الأضْيافُ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: الرَّهَقُ: اسْمٌ مِنَ الإرْهاقِ، وهو أنْ يَحْمِلَ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ ما لا يُطِيقُ. يُقالُ: أرْهَقْتُهُ أنْ يُصَلِّيَ إذا أعْجَلْتَهُ عَنِ الصَّلاةِ. وقِيلَ: أصْلُ الرَّهَقِ: المُقارَبَةُ، يُقالُ: غُلامٌ مُراهِقٌ أيْ: قارَبَ الحُلُمَ. وفي الحَدِيثِ: «أرْهِقُوا القِبْلَةَ» أيِ: ادْنُوا مِنها. ويُقالُ: رَهِقَتِ الكِلابُ الصَّيْدَ: إذا لَحِقَتْهُ، وأرْهَقْنا الصَّلاةَ: أخَّرْناها حَتّى تَدْنُوَ مِنَ الأُخْرى. القَتَرُ والقَتَرَةُ: الغُبارُ الَّذِي مَعَهُ سَوادٌ، وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الغُبارُ. وقالَ الفَرَزْدَقُ: ؎مُتَوَّجٌ بِرِداءِ المُلْكِ يَتْبَعُهُ مَوْجٌ تَرى فَوْقَهُ الرّاياتِ والقَتَرا أيْ: غُبارُ العَسْكَرِ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: أصْلُ القَتَرِ: دُخانُ النّارِ، ومِنهُ قُتارُ القِدْرِ، انْتَهى. ويُقالُ: القَتْرُ بِسُكُونِ التّاءِ: الشَّأْنُ والأمْرُ، وجَمْعُهُ: شُئُونٌ. وأصْلُهُ الهَمْزُ بِمَعْنى: القَصْدِ مِن شَأنْتُ شَأْنَهُ إذا قَصَدْتَ قَصْدَهُ. عَزَبَ يَعْزُبُ ويَعْزِبُ بِكَسْرِ الزّايِ وضَمِّها: غابَ حَتّى خَفِيَ، ومِنهُ الرَّوْضُ: العازِبُ. وقالَ أبُو تَمّامٍ: ؎وقَلْقَلُ نَأْيٌ مِن خُراسانَ جَأْشَها ∗∗∗ فَقُلْتُ اطْمَئِنِّي أنْضَرُ الرَّوْضِ عازِبُهُ وقِيلَ لِلْغائِبِ عَنْ أهْلِهِ عازِبٌ، حَتّى قالُوهُ لِمَن لا زَوْجَةَ لَهُ. ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾: (أحْسَنُوا) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ذَكَرُوا كَلِمَةَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وقالَ الأصَمُّ: أحْسَنُوا في كُلِّ ما تَعَبَّدُوا بِهِ أيْ: أتَوْا بِالمَأْمُورِ بِهِ كَما يَنْبَغِي، واجْتَنَبُوا المَنهِيَّ. وقِيلَ: أحْسَنُوا مُعامَلَةَ النّاسِ. ورَوى أنَسٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «أحْسَنُوا العَمَلَ في الدُّنْيا» وفي الصَّحِيحِ: «ما الإحْسانُ ؟ قالَ: أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» وعَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ”لَيْسَ الإحْسانُ أنْ تُحْسِنَ إلى مَن أحْسَنَ إلَيْكَ، ذَلِكَ مُكافَأةٌ ! ولَكِنَّ الإحْسانَ أنْ تُحْسِنَ إلى مَن أساءَ إلَيْكَ“ . والحُسْنى قالَ الأكْثَرُونَ: هي الجَنَّةُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ، ولَوْ صَحَّ وجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: الحُسْنى عامٌّ في كُلِّ حَسَنٍ، فَهو يَعُمُّ جَمِيعَ ما قِيلَ ووَعَدَ اللَّهُ في جَمِيعِها بِالزِّيادَةِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أيْضًا قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ . ولَوْ كانَ مَعْنى الحُسْنى: الجَنَّةَ، لَكانَ في القَوْلِ تَكْرِيرٌ في المَعْنى. وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سابِطٍ: هي النَّضْرَةُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الجَزاءُ في الآخِرَةِ. وقِيلَ: الأُمْنِيَّةُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَثُوبَةُ الحُسْنى وزِيادَةٌ، وما يَزِيدُ عَلى المَثُوبَةِ وهو التَّفَضُّلُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: ١٧٣] وعَنْ عَلِيٍّ: الزِّيادَةُ غُرْفَةٌ مِن لُؤْلُؤَةٍ واحِدَةٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الحُسْنى الحَسَنَةُ، والزِّيادَةُ عَشَرَةُ أمْثالِها. وعَنِ الحَسَنِ: عَشَرَةُ أمْثالِها إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ. وعَنْ مُجاهِدٍ: الزِّيادَةُ مَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٌ. وعَنْ زِيادِ بْنِ شَجَرَةَ: الزِّيادَةُ أنْ تَمُرَّ السَّحابَةُ بِأهْلِ الجَنَّةِ فَتَقُولُ: ما تُرِيدُونَ أنْ أُمْطِرَكم ؟ فَلا يُرِيدُونَ شَيْئًا إلّا أمْطَرَتْهم. وزَعَمَتِ المُشَبِّهَةُ والمُجْبِرَةُ (p-١٤٧)أنَّ الزِّيادَةَ النَّظَرُ إلى وجْهِ اللَّهِ تَعالى، وجاءَتْ بِحَدِيثٍ مَوْضُوعٍ: «إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ نُودُوا يا أهْلَ الجَنَّةِ، فَيَكْشِفُونَ الحِجابَ، فَيَنْظُرُونَ إلَيْهِ، فَواللَّهِ ما أعْطاهُمُ اللَّهُ تَعالى شَيْئًا هو أحَبُّ إلَيْهِمْ مِنهُ»، انْتَهى. أمّا تَفْسِيرُهُ أوَّلًا ونَقْلُهُ عَمَّنْ ذَكَرَ تَفْسِيرَ الزِّيادَةِ فَهو نَصُّ الجُبّائِيِّ ونَقْلُهُ، وأمّا قَوْلُهُ: وجاءَتْ بِحَدِيثٍ مَوْضُوعٍ فَلَيْسَ بِمَوْضُوعٍ، بَلْ خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ صُهَيْبٍ، والنَّسائِيُّ عَنْهُ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ وخَرَّجَهُ ابْنُ المُبارَكِ في دَقائِقِهِ مَوْقُوفًا عَلى أبِي مُوسى وقالَ: بِأنَّ الزِّيادَةَ هي النَّظَرُ إلى اللَّهِ تَعالى. أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ في رِوايَةٍ، وحُذَيْفَةُ، وعُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ، وكَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ، وأبُو مُوسى، وصُهَيْبٌ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ، وهو قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ. ومَسْألَةُ الرُّؤْيَةِ يُبْحَثُ فِيها في أُصُولِ الدِّينِ. قالَ مُجاهِدٌ: أرادَ ولا يَلْحَقُها خِزْيٌ، والخِزْيُ يَتَغَيَّرُ بِهِ الوَجْهُ ويَسْوَدُّ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والذِّلَّةُ الكَآبَةُ. وقالَ غَيْرُهُ: الهَوانُ. وقِيلَ: الخَيْبَةُ نَفىَ عَنِ المُحْسِنِينَ ما أثْبَتَ لِلْكُفّارِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠] ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤١] وكَنّى بِالوَجْهِ عَنِ الجُمْلَةِ لِكَوْنِهِ أشْرَفَها، ولِظُهُورِ أثَرِ السُّرُورِ والحُزْنِ فِيهِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، والأعْمَشُ: قَتْرٌ بِسُكُونِ التّاءِ، وهي لُغَةٌ كالقَدَرِ والقَدْرِ، وجُعِلُوا أصْحابَ الجَنَّةِ لِتَصَرُّفِهِمْ فِيها كَما يَتَصَرَّفُ المُلّاكُ عَلى حَسَبِ اخْتِيارِهِمْ. ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ ما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ ما أعَدَّ لِلَّذِينِ أحْسَنُوا وحالُهم يَوْمَ القِيامَةِ ومَآلُهم إلى الجَنَّةِ، ذَكَرَ ما أعَدَّ لِأضْدادِهِمْ وحالَهم ومَآلَهم، وجاءَتْ صِلَةُ المُؤْمِنِينَ أحْسَنُوا، وصِلَةُ الكافِرِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُؤْمِنَ لَمّا خُلِقَ عَلى الفِطْرَةِ وأصَّلَها بِالإحْسانِ، وعَلى أنَّ الكافِرَ لَمّا خُلِقَ عَلى الفِطْرَةِ انْتَقَلَ عَنْها وكَسَبَ السَّيِّئاتِ، فَجُعِلَ ذَلِكَ مُحْسِنًا، وهَذا كاسِبًا لِلسَّيِّئاتِ، لِيَدُلَّ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ سَلَكَ ما يَنْبَغِي، وهَذا سَلَكَ ما لا يَنْبَغِي. والظّاهِرُ أنَّ والَّذِينَ مُبْتَدَأٌ، وجَوَّزُوا في الخَبَرِ وُجُوهًا أحَدُها: أنَّهُ الجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَهُ وهي جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها، وجَزاءُ مُبْتَدَأٌ فَقِيلَ: خَبَرُهُ مُثْبَتٌ وهو بِمِثْلِها. واخْتَلَفُوا في الباءِ فَقِيلَ: زائِدَةٌ قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ أيْ جَزاءُ سَيِّئَةٍ مِثْلُها، كَما قالَ: وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها، كَما زِيدَتْ في الخَبَرِ في قَوْلِهِ: فَمَنَعَكَها بِشَيْءٍ يُسْتَطاعُ، أيْ شَيْءٌ يُسْتَطاعُ. وقِيلَ: لَيْسَتْ بِزائِدَةٍ، والتَّقْدِيرُ: مُقَدَّرٌ بِمِثْلِها أوْ مُسْتَقِرٌّ بِمِثْلِها. وقِيلَ: مَحْذُوفٌ، فَقَدَّرَهُ الحَوْفِيُّ: لَهم جَزاءُ سَيِّئَةٍ قالَ: ودَلَّ عَلى تَقْدِيرِ لَهم قَوْلُهُ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى﴾ حَتّى تُشاكَلَ هَذِهِ بِهَذِهِ. وقَدَّرَهُ أبُو البَقاءِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها واقِعٌ، والباءُ في قَوْلِهِما مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: جَزاءُ، والعائِدُ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا عَنِ الَّذِينَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: جَزاءُ سَيِّئَةٍ مِنهم، كَما حُذِفَ في قَوْلِهِمُ: السَّمْنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ، أيْ مَنَوانِ مِنهُ بِدِرْهَمٍ. وعَلى تَقْدِيرِ الحَوْفِيِّ: لَهم جَزاءُ يَكُونُ الرّابِطُ لَهم. الثّانِي: أنَّ الخَبَرَ قَوْلُهُ: ما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ، ويَكُونُ قَدْ فُصِلَ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ بِجُمْلَتَيْنِ عَلى سَبِيلِ الِاعْتِراضِ، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ، والصَّحِيحُ جَوازُهُ. الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ الخَبَرُ كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا. الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ الخَبَرُ أُولَئِكَ وما بَعْدَهُ، فَيَكُونُ في هَذا القَوْلِ فُصِلَ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ بِأرْبَعِ جُمَلٍ مُعْتَرِضَةٍ، وفي القَوْلِ الثّالِثِ بِثَلاثِ جُمَلٍ، والصَّحِيحُ مَنعُ الِاعْتِراضِ بِثَلاثِ الجُمَلِ وبِأرْبَعِ الجُمَلِ، وأجازَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: (p-١٤٨)لِلَّذِينِ أحْسَنُوا، ويَكُونُ (جَزاءُ) مُبْتَدَأً خَبَرُهُ قَوْلُهُ: والَّذِينَ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ أيْ: ولِلَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها، فَيَتَعادَلُ التَّقْسِيمُ، كَما تَقُولُ: في الدّارِ زَيْدٌ، والقَصْرِ عَمْرٌو أيْ: وفي القَصْرِ عَمْرٌو. وهَذا التَّرْكِيبُ مَسْمُوعٌ مِن لِسانِ العَرَبِ، فَخَرَّجَهُ الأخْفَشُ عَلى أنَّهُ مِنَ العَطْفِ عَلى عامِلَيْنِ. وخَرَّجَهُ الجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ مِمّا حُذِفَ مِنهُ حَرْفُ الجَرِّ، وجَرُّهُ بِذَلِكَ الحَرْفِ المَحْذُوفِ لا بِالعَطْفِ عَلى المَجْرُورِ، وهي مَسْألَةُ خِلافٍ وتَفْصِيلٍ يُتَكَلَّمُ فِيها في عِلْمِ النَّحْوِ. والظّاهِرُ أنَّ السَّيِّئاتِ هُنا هي سَيِّئاتُ الكُفْرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ذِكْرُ أوْصافِهِمْ بَعْدُ. وقِيلَ: السَّيِّئاتُ المَعاصِي، فَيَنْدَرِجُ فِيها الكُفْرُ وغَيْرُهُ. ولِهَذا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وتَعُمُّ السَّيِّئاتُ هاهُنا الكُفْرَ والمَعاصِي، فَمِثْلُ سَيِّئَةِ الكُفْرِ التَّخْلِيدُ في النّارِ، ومِثْلُ سَيِّئاتِ المَعاصِي مَصْرُوفٌ إلى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، ومَعْنى بِمِثْلِها أيْ: لا يُزادُ عَلَيْها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالزِّيادَةِ الفَضْلُ، لِأنَّهُ دَلَّ بِتَرْكِ الزِّيادَةِ عَلى السَّيِّئَةِ عَلى عَدْلِهِ، ودَلَّ بِإثْباتِ الزِّيادَةِ عَلى المَثُوبَةِ عَلى فَضْلِهِ، انْتَهى. وقِيلَ: مَعْنى بِمِثْلِها أيْ: بِما يَلِيقُ بِها مِنَ العُقُوباتِ، فالعُقُوباتُ تَتَرَتَّبُ عَلى قَدْرِ السَّيِّئاتِ، ولِهَذا كانَتْ جَهَنَّمُ دَرَكاتٍ، وكانَ المُنافِقُونَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ لِقُبْحِ مَعْصِيَتِهِمْ. وقُرِئَ: ويَرْهَقُهم بِالياءِ؛ لِأنَّ تَأْنِيثَ الذِّلَّةِ مَجازٌ، وفي وصْفِ المُنافِقِينَ نَفْيِ القَتَرِ والذِّلَّةِ عَنْ وُجُوهِهِمْ، وهُنا غَشِيَتْهُمُ الذِّلَّةُ، وبُولِغَ فِيما يُقابِلُ القَتَرَ فَقِيلَ: كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا، وهَذِهِ مُبالَغَةٌ في سَوادِ الوُجُوهِ. وقَدْ جاءَ مُصَرَّحًا في قَوْلِهِ: ﴿وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] (مِنَ اللَّهِ) أيْ مِن سَخَطِهِ وعَذابِهِ، أوْ مِن جِهَتِهِ تَعالى، ومِن عِنْدِهِ مَن يَعْصِمُهم كَما يَكُونُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وأُغْشِيَتْ: كَسَبَتْ، ومِنهُ الغِشاءُ. وكَوْنُ وُجُوهِهِمْ مُسْوَدَّةً هي حَقِيقَةٌ لا مَجازٌ، فَتَكُونُ ألْوانُهم مُسْوَدَّةً. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: واعْلَمْ أنَّ حُكَماءَ الإسْلامِ قالُوا: المُرادُ مِن هَذا السَّوادِ هاهُنا: سَوادُ الجَهْلِ وظُلْمَةُ الضَّلالِ، فَإنَّ الجَهْلَ طَبْعُهُ طَبْعُ الظُّلْمَةِ. فَقَوْلُهُ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨] ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٩]، المُرادُ نُورُ العِلْمِ ورُوحُهُ وبِشْرُهُ وبِشارَتُهُ، (p-١٤٩)﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠] ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤١] المُرادُ مِنهُ: ظُلْمَةُ الجَهْلِ وكُدُورَةُ الضَّلالَةِ، انْتَهى. وكَثِيرًا ما يَنْقُلُ هَذا الرَّجُلُ عَنْ حُكَماءِ الإسْلامِ في التَّفْسِيرِ، ويَنْقُلُ كَلامَهم تارَةً مَنسُوبًا إلَيْهِمْ، وتارَةً مُسْتَنِدًا بِهِ ويُعْنى بِحُكَماءِ الفَلاسِفَةِ الَّذِينَ خُلِقُوا في مُدَّةِ المِلَّةِ الإسْلامِيَّةِ، وهم أحَقُّ بِأنْ يُسَمَّوْا سُفَهاءَ جُهَلاءَ مِن أنْ يُسَمَّوْا حُكَماءَ، إذْ هم أعْداءُ الأنْبِياءِ والمُحَرِّفُونَ لِلشَّرِيعَةِ الإسْلامِيَّةِ، وهم أضَرُّ عَلى المُسْلِمِينَ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى. وإذا كانَ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نَهى عَنْ قِراءَةِ التَّوْراةِ مَعَ كَوْنِها كِتابًا إلَهِيًّا، فَلَأنْ يَنْهى عَنْ قِراءَةِ كَلامِ الفَلاسِفَةِ أحَقُّ. وقَدْ غَلَبَ في هَذا الزَّمانِ وقَبْلَهُ بِقَلِيلٍ الِاشْتِغالُ بِجَهالاتِ الفَلاسِفَةِ عَلى أكْثَرِ النّاسِ، ويُسَمُّونَها الحِكْمَةَ، ويَسْتَجْهِلُونَ مَن عُرِّيَ عَنْها، ويَعْتَقِدُونَ أنَّهُمُ الكَمَلَةُ مِنَ النّاسِ، ويَعْكُفُونَ عَلى دِراسَتِها، ولا تَكادُ تَلْقى أحَدًا مِنهم يَحْفَطُ قُرْآنًا ولا حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ولَقَدْ غَضَضْتُ مَرَّةً مِنَ ابْنِ سِينا ونَسَبْتُهُ لِلْجَهْلِ فَقالَ لِي بَعْضُهم وأظْهَرَ التَّعَجُّبَ مِن كَوْنِ أحَدٍ يَغُضُّ مِنَ ابْنِ سِينا: كَيْفَ يَكُونُ أعْلَمَ النّاسِ بِاللَّهِ يُنْسَبُ لِلْجَهْلِ ؟ ولَمّا ظَهَرَ مِن قاضِي الجَماعَةِ أبِي الوَلِيدِ مُحَمَّدِ بْنِ أبِي القاسِمِ أحْمَدِ بْنِ أبِي الوَلِيدِ بْنِ رُشْدٍ الِاعْتِناءَ بِمَقالاتِ الفَلاسِفَةِ، والتَّعْظِيمَ لَهم، أغْرى بِهِ عُلَماءُ الإسْلامِ بِالأنْدَلُسِ، المَنصُورَ مَنصُورَ المُوَحِّدِينَ: يَعْقُوبَ بْنَ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ المُؤْمِنِ بْنِ عَلِيٍّ مَلِكَ المَغْرِبِ والأنْدَلُسِ، حَتّى أوْقَعَ بِهِ ما هو مَشْهُورٌ مِن ضَرْبِهِ ولَعْنِهِ وإهانَتِهِ، وإهانَةِ جَماعَةٍ مِنهم عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، وكانَ مِمّا خُوطِبَ بِهِ المَنصُورُ في حَقِّهِمْ قَوْلُ بَعْضِ العُلَماءِ الشُّعَراءِ: ؎خَلِيفَتَنا جَزاكَ اللَّهُ خَيْرًا ∗∗∗ عَنِ الإسْلامِ والسَّعْيِ الكَرِيمِ ؎فَحَقُّ جِهادِهِ جاهَدْتَ فِيهِ ∗∗∗ إلى أنْ فُزْتَ بِالفَتْحِ العَظِيمِ ؎وصَيَّرْتَ الأنامَ بِحُسْنِ هَدْيٍ ∗∗∗ عَلى نَهْجِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ ؎فَجاهِدْ في أُناسٍ قَدْ أضَلُّوا ∗∗∗ طَرِيقَ الشَّرْعِ بِالعِلْمِ القَدِيمِ ؎وحَرِّقْ كُتْبَهم شَرْقًا وغَرْبًا ∗∗∗ فَفِيها كامِنًا شَرُّ العُلُومِ ؎يَدِبُّ إلى العَقائِدِ مِن أذاها ∗∗∗ سُمُومٌ والعَقائِدُ كالجُسُومِ ؎وفِي أمْثالِها إذْ لا دَواءَ ∗∗∗ يَكُونُ السَّيْفُ تِرْياقَ السُّمُومِ وقالَ: ؎يا وحْشَةَ الإسْلامِ مِن فِرْقَةٍ ∗∗∗ شاغِلَةً أنْفُسَها بِالسَّفَهْ ؎قَدْ نَبَذَتْ دِينَ الهُدى خَلْفَها ∗∗∗ وادَّعَتِ الحِكْمَةَ والفَلْسَفَهْ وقالَ: ؎قَدْ ظَهَرَتْ في عَصْرِنا فِرْقَةٌ ∗∗∗ ظُهُورُها شُؤْمٌ عَلى العَصْرِ ؎لا تَقْتَدِي في الدِّينِ إلّا بِما ∗∗∗ سَنَّ ابْنُ سِينا أوْ أبُو نَصْرِ ولَمّا حَلَلْتُ بِدِيارِ مِصْرَ، ورَأيْتُ كَثِيرًا مِن أهْلِها يَشْتَغِلُونَ بِجَهالاتِ الفَلاسِفَةِ ظاهِرًا مِن غَيْرِ أنْ يُنْكِرَ ذَلِكَ أحَدٌ، تَعَجَّبْتُ مِن ذَلِكَ، إذْ كُنّا نَشَأْنا في جَزِيرَةِ الأنْدَلُسِ عَلى التَّبَرُّءِ مِن ذَلِكَ والإنْكارِ لَهُ، وأنَّهُ إذا (p-١٥٠)بِيعَ كِتابٌ في المَنطِقِ إنَّما يُباعُ خُفْيَةً، وأنَّهُ لا يَتَجاسَرُ أحَدٌ أنْ يَنْطِقَ بِلَفْظِ المَنطِقِ، إنَّما يُسَمُّونَهُ المَفْعِلَ، حَتّى أنَّ صاحِبَنا وزِيرَ المَلِكِ ابْنِ الأحْمَرِ: أبا عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ المَعْرُوفَ بِابْنِ الحَكِيمِ، كَتَبَ إلَيْنا كِتابًا مِنَ الأنْدَلُسِ يَسْألُنِي أنْ أشْتَرِيَ أوْ أسْتَنْسِخَ كِتابًا لِبَعْضِ شُيُوخِنا في المَنطِقِ، فَلَمْ يَتَجاسَرْ أنْ يَنْطِقَ بِالمَنطِقِ وهو وزِيرٌ، فَسَمّاهُ في كِتابِهِ لِي بِالمَفْعِلِ. ولَمّا أُلْبِسَتْ وُجُوهُهُمُ السَّوادَ قالَ: كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم، ولَمّا كانَتْ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ نِهايَةً في السَّوادِ، شُبِّهَ سَوادُ وُجُوهِهِمْ بِقِطَعٍ مِنَ اللَّيْلِ حالَ اشْتِدادِ ظُلْمَتِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ والكِسائِيُّ قِطْعًا بِسُكُونِ الطّاءِ، وهو مُفْرَدٌ اسْمٌ لِلشَّيْءِ المَقْطُوعِ. وقالَ الأخْفَشُ في قَوْلِهِ: ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ٨١] بِسَوادٍ مِنَ اللَّيْلِ. وأهْلُ اللُّغَةِ يَقُولُونَ: القِطْعُ ظُلْمَةُ آخِرِ اللَّيْلِ. وقالَ بَعْضُهم: طائِفَةٌ مِنَ اللَّيْلِ. وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ قَوْلُهُ: مُظْلِمًا صِفَةً لِقَوْلِهِ: قِطَعًا، كَما جاءَ ذَلِكَ في قِراءَةِ أُبَيٍّ: (كَأنَّما تَغْشى وُجُوهَهم قِطْعٌ مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمٌ) . وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ فَتَحَ الطّاءَ. وقِيلَ: قِطْعٌ جَمْعُ قِطْعَةٍ، نَحْوَ سِدْرٍ وسِدْرَةٍ، فَيَجُوزُ إذْ ذاكَ أنْ يُوصَفَ بِالمُذَكَّرِ نَحْوَ: نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ، وبِالمُؤَنَّثِ نَحْوَ نَخْلٍ خاوِيَةٍ، ويَجُوزُ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ مُظْلِمًا حالًا مِنَ اللَّيْلِ كَما أعْرَبُوهُ في قِراءَةِ باقِي السَّبْعَةِ، كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا بِتَحْرِيكِ الطّاءِ بِالفَتْحِ مِنَ اللَّيْلِ، مُظْلِمًا بِالنَّصْبِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): إذا جَعَلْتَ مُظْلِمًا حالًا مِنَ اللَّيْلِ، فَما العامِلُ فِيهِ ؟ (قُلْتُ): لا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ أُغْشِيَتْ مِن قِبَلِ أنَّ مِنَ اللَّيْلِ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: قِطَعًا، فَكانَ إفْضاؤُهُ إلى المَوْصُوفِ كَإفْضائِهِ إلى الصِّفَةِ. وإمّا أنْ يَكُونَ مَعْنى الفِعْلِ في مِنَ اللَّيْلِ، انْتَهى. أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ فَهو بَعِيدٌ، لِأنَّ الأصْلَ أنْ يَكُونَ العامِلُ في الحالِ هو العامِلُ في ذِي الحالِ، والعامِلُ في اللَّيْلِ هو مُسْتَقَرُّ الواصِلِ إلَيْهِ بِمِن، وأُغْشِيَتْ عامِلٌ في قَوْلِهِ: قِطَعًا المَوْصُوفِ بِقَوْلِهِ: مِنَ اللَّيْلِ، فاخْتَلَفا فَلِذَلِكَ كانَ الوَجْهُ الأخِيرُ أوْلى أيْ: قِطَعًا مُسْتَقِرَّةً مِنَ اللَّيْلِ، أوْ كائِنَةً مِنَ اللَّيْلِ في حالِ إظْلامِهِ. وقِيلَ: مُظْلِمًا حالٌ مِن قَوْلِهِ: قِطَعًا، أوْ صِفَةٌ. وذُكِرَ في هَذَيْنِ التَّوْجِيهَيْنِ لِأنَّ قِطَعًا في مَعْنى كَثِيرٍ، فَلُوحِظَ فِيهِ الإفْرادُ والتَّذْكِيرُ. وجَوَّزُوا أيْضًا في قِراءَةِ مَن سَكَّنَ الطّاءَ أنْ يَكُونَ (مُظْلِمًا) حالًا مِن قِطْعٍ، وحالًا مِنَ الضَّمِيرِ في (مِن) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَإذا كانَ نَعْتًا يَعْنِي: مُظْلِمًا نَعْتًا لِقِطْعٍ، فَكانَ حَقُّهُ أنْ يَكُونَ قَبْلَ الجُمْلَةِ، ولَكِنْ قَدْ يَجِيءُ بَعْدَ هَذا، وتَقْدِيرُ الجُمْلَةِ: قِطْعًا اسْتَقَرَّ مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٢]، انْتَهى. ولا يَتَعَيَّنُ تَقْدِيرُ العامِلِ في المَجْرُورِ بِالفِعْلِ فَيَكُونُ جُمْلَةً، بَلِ الظّاهِرُ أنْ يُقَدَّرَ بِاسْمِ الفاعِلِ، فَيَكُونُ مِن قَبِيلِ الوَصْفِ بِالمُفْرَدِ والتَّقْدِيرُ: قِطْعًا كائِنًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا. ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مَكانَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكم فَزَيَّلْنا بَيْنَهم وقالَ شُرَكاؤُهم ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكم إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ﴾ (p-١٥١)الضَّمِيرُ في نَحْشُرُهم عائِدٌ عَلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهم مِنَ (الَّذِينَ أحْسَنُوا) ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ و شَيْبَةُ والقُرّاءُ السَّبْعَةُ: نَحْشُرُهم بِالنُّونِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِالياءِ. وقِيلَ: يَعُودُ الضَّمِيرُ عَلى الَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ، ومِنهم عابِدُ غَيْرِ اللَّهِ، ومَن لا يَعْبُدُ شَيْئًا. وانْتَصَبَ يَوْمَ عَلى فِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: ذَكِّرْهم أوْ خَوِّفْهم ونَحْوَهُ. وجَمِيعًا حالٌ، والشُّرَكاءُ الشَّياطِينُ، أوِ المَلائِكَةُ، أوِ الأصْنامُ، أوْ مَن عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ كائِنًا مَن كانَ، أرْبَعَةُ أقْوالٍ. ومَن قالَ: الأصْنامُ، قالَ: يُنْفَخُ فِيها الرُّوحُ فَيُنْطِقُها اللَّهُ بِذَلِكَ مَكانَ الشَّفاعَةِ الَّتِي عَلَّقُوا بِها أطْماعَهم. ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: (أنَّ الكُفّارَ إذا رَأوُا العَذابَ وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ قِيلَ لَهُمُ: اتَّبِعُوا ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ، فَيَقُولُونَ: واللَّهِ لَإيّاكم كُنّا نَعْبُدُ، فَتَقُولُ الآلِهَةُ: فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا) الآيَةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مُحاوَرَتَهم إنَّما هي مَعَ الأصْنامِ، دُونَ المَلائِكَةِ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ بِدَلِيلِ القَوْلِ لَهم: ﴿مَكانَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكُمْ﴾، ودُونَ فِرْعَوْنَ ومَن عُبِدَ مِنَ الجِنِّ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: ﴿إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ﴾ . وهَؤُلاءِ لَمْ يَغْفُلُوا قَطُّ عَنْ عِبادَةِ مَن عَبَدَهم. ومَكانَكم عَدَّهُ النَّحْوِيُّونَ في أسْماءِ الأفْعالِ، وقُدِّرَ بِاثْبُتُوا كَما قالَ: ؎وقَوْلِي كُلَّما جَشَأتْ وجاشَتْ ∗∗∗ مَكانَكِ تُحْمَدِي أوْ تَسْتَرِيحِي أيِ: اثْبُتِي. ولِكَوْنِها بِمَعْنى اثْبُتِي جُزِمَ تُحْمَدِي، وتَحَمَّلَتْ ضَمِيرًا فَأُكِّدَ وعُطِفَ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: أنْتُمْ وشُرَكاؤُكم. والحَرَكَةُ الَّتِي في مَكانَكَ ودُونَكَ، أهْيَ حَرَكَةُ إعْرابٍ، أوْ حَرَكَةُ بِناءٍ تُبْتَنى عَلى الخِلافِ الَّذِي بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ في أسْماءِ الأفْعالِ ؟ ألَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ أمْ لا ؟ فَمَن قالَ: هي في مَوْضِعِ نَصْبٍ جَعَلَ الحَرَكَةَ إعْرابًا، ومَن قالَ: لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ جَعَلَها حَرَكَةَ بِناءٍ. وعَلى الأوَّلِ عَوَّلَ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: مَكانَكُمُ الزَمُوا مَكانَكم لا تَبْرَحُوا حَتّى تَنْظُرُوا ما يُفْعَلُ بِكم. واخْتَلَفُوا في أنْتُمْ، فالظّاهِرُ ما ذَكَرْناهُ مِن أنَّهُ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في مَكانَكم، وشُرَكاؤُكم عَطْفٌ عَلى ذَلِكَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ، وهو قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ قالَ: وأنْتُمْ أكَّدَ بِهِ الضَّمِيرَ في مَكانَكم لِسَدِّهِ مَسَدَّ قَوْلِهِ: الزَمُوا، وشُرَكاؤُكم عَطْفٌ عَلَيْهِ، انْتَهى. يَعْنِي عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ، وتَقْدِيرُهُ: الزَمُوا، وأنَّ مَكانَكم قامَ مَقامَهُ، فَيُحْمَلُ الضَّمِيرُ الَّذِي (p-١٥٢)فِي الزَمُوا لَيْسَ بِجَيِّدٍ، إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ مَكانَكَ الَّذِي هو اسْمُ فِعْلٍ يَتَعَدّى كَما يَتَعَدّى الزَمُوا. ألا تَرى أنَّ اسْمَ الفِعْلِ إذا كانَ الفِعْلُ لازِمًا، كانَ اسْمُ الفِعْلِ لازِمًا، وإذا كانَ مُتَعَدِّيًا كانَ مُتَعَدِّيًا، مِثالُ ذَلِكَ: عَلَيْكَ زَيْدًا، لَمّا نابَ مَنابَ الزَمْ تَعَدّى. وإلَيْكَ لَمّا نابَ مَنابَ تَنَحَّ لَمْ يَتَعَدَّ. ولِكَوْنِ مَكانَكَ لا يَتَعَدّى، قَدَّرَهُ النَّحْوِيُّونَ اثْبُتْ، واثْبُتْ لا يَتَعَدّى. قالَ الحَوْفِيُّ: مَكانَكم نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ أيِ: الزَمُوا مَكانَكم، أوِ اثْبُتُوا. وقالَ أبُو البَقاءِ: مَكانَكم ظَرْفٌ مَبْنِيٌّ لِوُقُوعِهِ مَوْقِعَ الأمْرِ، أيِ: الزَمُوا، انْتَهى. وقَدْ بَيَّنّا أنَّ تَقْدِيرَ الزَمُوا لَيْسَ بِجَيِّدٍ، إذْ لَمْ تَقُلِ العَرَبُ مَكانَكَ زَيْدًا فَتُعَدِّيهِ، كَما تَعَدّى الزَمْ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أنْتُمْ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ: مَخْزِيُّونَ، أوْ مُهانُونَ ونَحْوُهُ، انْتَهى. فَيَكُونُ مَكانَكم قَدْ تَمَّ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهم كَذا، وهَذا ضَعِيفٌ لِفَكِّ الكَلامِ الظّاهِرِ لِاتِّصالِ بَعْضِ أجْزائِهِ بِبَعْضٍ، ولِتَقْدِيرِ إضْمارٍ لا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَيْهِ، ولِقَوْلِهِ: فَزَيَّلْنا بَيْنَهم، إذْ يَدُلُّ عَلى أنَّهم ثَبَتُوا هم وشُرَكاؤُكم في مَكانٍ واحِدٍ حَتّى وقَعَ التَّزْيِيلُ بَيْنَهم وهو التَّفْرِيقُ. ولِقِراءَةِ مَن قَرَأ: أنْتُمْ وشُرَكاءَكم بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ، والعامِلُ فِيهِ اسْمُ الفِعْلِ. ولَوْ كانَ أنْتُمْ مُبْتَدَأٌ وقَدْ حُذِفَ خَبَرُهُ، لَما جازَ أنْ يَأْتِيَ بَعْدَهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ، تَقُولُ: كُلُّ رَجُلٍ وضَيْعَتُهُ بِالرَّفْعِ، ولا يَجُوزُ فِيهِ النَّصْبُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْضًا: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أنْتُمْ تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ الَّذِي في الفِعْلِ المُقَدَّرِ، الَّذِي هو قِفُوا أوْ نَحْوُهُ، انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ، إذْ لَوْ كانَ تَأْكِيدًا لِذَلِكَ الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ بِالفِعْلِ لَجازَ تَقْدِيمُهُ عَلى الظَّرْفِ، إذِ الظَّرْفُ لَمْ يَتَحَمَّلْ ضَمِيرًا عَلى هَذا القَوْلِ فَيَلْزَمُ تَأْخِيرُهُ عَنْهُ، وهو غَيْرُ جائِزٍ، لا تَقُولُ: أنْتَ مَكانَكَ، ولا يُحْفَظُ مِن كَلامِهِمْ. والأصَحُّ أنْ لا يَجُوزَ حَذْفُ المُؤَكَّدِ في التَّأْكِيدِ المَعْنَوِيِّ، فَكَذَلِكَ هَذا، لِأنَّ التَّأْكِيدَ يُنافِي الحَذْفَ. ولَيْسَ مِن كَلامِهِمْ: أنْتَ زَيْدًا لِمَن رَأيْتَهُ قَدْ شَهَرَ سَيْفًا، وأنْتَ تُرِيدُ اضْرِبْ أنْتَ زَيْدًا، إنَّما كَلامُ العَرَبِ: زَيْدًا تُرِيدُ اضْرِبْ زَيْدًا. يُقالُ زِلْتُ الشَّيْءَ عَنْ مَكانِهِ أُزِيلُهُ. قالَ الفَرّاءُ: تَقُولُ العَرَبُ: زِلْتُ الضَّأْنَ مِنَ المَعْزِ فَلَمْ تَزُلْ. وقالَ الواحِدِيُّ: التَّزْيِيلُ والتَّزَيُّلُ والمُزايَلَةُ: التَّمْيِيزُ والتَّفَرُّقُ، انْتَهى. وزَيَّلَ مُضاعَفٌ لِلتَّكْثِيرِ، وهو لِمُفارَقَةِ الحبث وهُنَّ مِن ذَواتِ الياءِ، بِخِلافِ زالَ يَزُولُ فَمادَّتُهُما مُخْتَلِفَةٌ. وزَعَمَ ابْنُ قُتَيْبَةَ أنَّ زَيَّلْنا مِن مادَّةِ زالَ يَزُولُ، وتَبِعَهُ أبُو البَقاءِ. وقالَ أبُو البَقاءِ: فَزَيَّلْنا عَيْنُ الكَلِمَةِ واوٌ لِأنَّهُ مِن زالَ يَزُولُ، وإنَّما قُلِبَتْ ياءً لِأنَّ وزْنَ الكَلِمَةِ فَيْعَلَ أيْ: زَيْوَلْنا، مِثْلَ بَيْطَرَ وبَيْقَرَ، فَلَمّا اجْتَمَعَتِ الواوُ والياءُ عَلى الشَّرْطِ المَعْرُوفِ قُلِبَتْ ياءً، انْتَهى. ولَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأنَّ فَعَّلَ أكْثَرُ مِن (فَيْعَلَ)، ولِأنَّ مَصْدَرَهُ تَزْيِيلٌ. ولَوْ كانَ فَيْعَلَ لَكانَ مَصْدَرُهُ فَيْعَلَةً، فَكانَ يَكُونُ زَيَّلَةً كَبَيْطَرَةٍ، لِأنَّ فَيْعَلَ مُلْحَقٌ بِفَعْلَلَ، ولِقَوْلِهِمْ في قَرِيبٍ مِن مَعْناهُ: زايَلَ، ولَمْ يَقُولُوا: زاوَلَ بِمَعْنى فارَقَ، إنَّما قالُوهُ بِمَعْنى: حاوَلَ وخالَطَ وشَرَحَ، فَزَيَّلْنا فَفَرَّقْنا بَيْنَهم وقَطَعْنا أقْرانَهم والوُصَلَ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم في الدُّنْيا، أوْ فَباعَدْنا بَيْنَهم بَعْدَ الجَمْعِ بَيْنَهم في المَوْقِفِ، وبَيْنَ شُرَكائِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٢٢] قالُوا ضَلُّوا عَنّا وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: فَزايَلْنا حَكاهُ الفَرّاءُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَقَوْلِكَ: صاعَرَ خَدَّهُ وصَعَّرَ، وكالَمْتُهُ وكَلَّمْتُهُ، انْتَهى. يَعْنِي أنَّ فاعَلَ بِمَعْنى فَعَّلَ، وزايَلَ في لِسانِ العَرَبِ بِمَعْنى فارَقَ. قالَ: ؎وقالَ العَذارى إنَّما أنْتَ عَمُّنا ∗∗∗ وكانَ الشَّبابُ كالخَلِيطِ يُزايِلُهْ وقالَ آخَرُ: ؎لَعَمْرِي لِمَوْتٍ لا عُقُوبَةَ بَعْدَهُ ∗∗∗ لِذِي البَثِّ أشَفى مَن هَوى لا يُزايِلُهْ والظّاهِرُ أنَّ التَّزْيِيلَ أوِ المُزايَلَةَ هو بِمُفارَقَةِ الأجْسامِ وتَباعُدِهِ. وقِيلَ: فَرَّقْنا بَيْنَهم في الحُجَّةِ والمَذْهَبِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفَزَيَّلْنا. وقالَ: هُنا ماضِيانِ لَفْظًا، والمَعْنى: فَنُزَيِّلُ بَيْنَهم، ونَقُولُ: لِأنَّهُما مَعْطُوفانِ عَلى مُسْتَقْبَلٍ، ونَفْيُ الشُّرَكاءِ عِبادَةَ المُشْرِكِينَ هو رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: لَإيّاكم كُنّا نَعْبُدُ، والمَعْنى: إنَّكم كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مَن (p-١٥٣)أمَرَكم أنْ تَتَّخِذُوا لِلَّهِ تَعالى أنْدادًا فَأطَعْتُمُوهم، ولَمّا تَنازَعُوا اسْتَشْهَدَ الشُّرَكاءُ بِاللَّهِ تَعالى. وانْتَصَبَ شَهِيدًا، قِيلَ: عَلى الحالِ، والأصَحُّ عَلى التَّمْيِيزِ لِقَبُولِهِ مِن. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في كَفى وفي الياءِ، وإنْ هي الخَفِيفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ. وعِنْدَ القُرّاءِ هي النّافِيَةُ، واللّامُ بِمَعْنى إلّا، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ. واكْتِفاؤُهم بِشَهادَةِ اللَّهِ هو عَلى انْتِفاءِ أنَّهم عَبَدُوهم. ثُمَّ اسْتَأْنَفُوا جُمْلَةً خَبَرِيَّةً أنَّهم كانُوا غافِلِينَ عَنْ عِبادَتِهِمْ أيْ: لا شُعُورَ لَنا بِذَلِكَ. وهَذا يُرَجِّحُ أنَّ الشُّرَكاءَ هي الأصْنامُ كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ الشُّرَكاءُ مِمَّنْ يَعْقِلُ مِن إنْسِيٍّ أوْ جِنِّيٍّ أوْ مَلَكٍ، لَكانَ لَهُ شُعُورٌ بِعِبادَتِهِمْ، ولا شَيْءَ أعْظَمُ سَبَبًا لِلْغَفْلَةِ مِنَ الجَمادِيَّةِ، إذْ لا تُحِسُّ ولا تَشْعُرُ بِشَيْءٍ البَتَّةَ. ﴿هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ ورُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾: هُنالِكَ ظَرْفُ مَكانٍ أيْ: في ذَلِكَ المَوْقِفِ والمَقامِ المُقْتَضِي لِلْحَيْرَةِ والدَّهْشِ. وقِيلَ: هو إشارَةٌ إلى الوَقْتِ، اسْتُعِيرَ ظَرْفُ المَكانِ لِلزَّمانِ أيْ: في ذَلِكَ الوَقْتِ. وقَرَأ الأخَوانِ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: تَتْلُو بِتاءَيْنِ أيْ: تَتْبَعُ وتَطْلُبُ ما أسْلَفَتْ مِن أعْمالِها، قالَهُ السُّدِّيُّ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إنَّ المُرِيبَ يَتَّبِعُ المُرِيبا ∗∗∗ كَما رَأيْتَ الذِّيبَ يَتْلُو الذِّيبا قِيلَ: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِنَ التِّلاوَةِ وهي القِراءَةُ أيْ: تَقْرَأُ كُتُبَها الَّتِي تُدْفَعُ إلَيْها. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: تَبْلُو بِالتّاءِ والباءِ، أيْ: تَخْتَبِرُ ما أسْلَفَتْ مِنَ العَمَلِ فَتَعْرِفُ كَيْفَ هو، أقَبِيحٌ أمْ حَسَنٌ ؟، أنافِعٌ أمْ ضارٌّ ؟، أمَقْبُولٌ أمْ مَرْدُودٌ ؟ كَما يَتَعَرَّفُ الرَّجُلُ الشَّيْءَ بِاخْتِبارِهِ. ورُوِيَ عَنْ عاصِمٍ: نَبْلُو بِنُونٍ وباءٍ أيْ: نَخْتَبِرُ. وكُلُّ نَفْسٍ بِالنَّصْبِ، وما أسْلَفَتْ بَدَلٌ مِن كُلِّ نَفْسٍ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ أيْ: ما أسْلَفَتْ. أوْ يَكُونُ نَبْلُو مِنَ البَلاءِ، وهو العَذابُ، أيْ: نُصِيبُ كُلَّ نَفْسٍ عاصِيَةٍ بِالبَلاءِ، بِسَبَبِ ما أسْلَفَتْ مِنَ العَمَلِ المُسِيءِ. وعَنِ الحَسَنِ تَبْلُو: تَتَسَلَّمُ. وعَنِ الكَلْبِيِّ: تَعْلَمُ. وقِيلَ: تَذُوفُ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ: ورِدُّوا بِكَسْرِ الرّاءِ، لَمّا سَكَّنَ لِلْإدْغامِ نَقَلَ حَرَكَةَ الدّالِّ إلى حَرَكَةِ الرّاءِ بَعْدَ حَذْفِ حَرَكَتِها. ومَعْنى إلى اللَّهِ: إلى عِقابِهِ. وقِيلَ: إلى مَوْضِعِ جَزائِهِ. (مَوْلاهُمُ الحَقِّ) لا ما زَعَمُوهُ مِن أصْنامِهِمْ، إذْ هو المُتَوَلِّي حِسابَهم. فَهو مَوْلاهم في المِلْكِ والإحاطَةِ، لا في النَّصْرِ والرَّحْمَةِ. وقُرِئَ: الحَقَّ بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ نَحْوَ: الحَمْدُ لِلَّهِ أهْلَ الحَمْدِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَقَوْلِكَ هَذا عَبْدُ اللَّهِ الحَقَّ لا الباطِلَ، عَلى تَأْكِيدِ قَوْلِهِ: رُدُّوا إلى اللَّهِ، انْتَهى. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: ورُدُّوا إلى اللَّهِ، جُعِلُوا مُلْجَئِينَ إلى الإقْرارِ بِالإلَهِيَّةِ بَعْدَ أنْ كانُوا في الدُّنْيا يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللَّهِ، ولِذَلِكَ قالَ: مَوْلاهُمُ الحَقِّ. وضَلَّ عَنْهم أيْ: بَطَلَ وذَهَبَ ما كانُوا يَفْتَرُونَهُ مِنَ الكَذِبِ، أوْ مِن دَعْواهم أنَّ أصْنامَهم شُرَكاءُ لِلَّهِ شافِعُونَ لَهم عِنْدَهُ.

يونس 10:28

﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ ما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مَكانَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكم فَزَيَّلْنا بيْنَهم وقالَ شُرَكاؤُهم ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكم إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ﴾ ﴿هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ ورُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ ومَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ ومَن يُدَبِّرُ الأمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣٢] ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ فَسَقُوا أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٣٣] ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ [يونس: ٣٤] ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَهْدِي إلى الحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أفَمَن يَهْدِي إلى الحَقِّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمَّنْ لا يَهِدِّي إلّا أنْ يُهْدى فَما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [يونس: ٣٥] ﴿وما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم إلّا ظَنًّا إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٣٦] ﴿وما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وتَفْصِيلَ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ٣٧] ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٣٨] ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ [يونس: ٣٩] ﴿ومِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ ورَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٤٠] ﴿وإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكم أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١] ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ٤٢] ﴿ومِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ أفَأنْتَ تَهْدِي العُمْيَ ولَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾ [يونس: ٤٣] ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا ولَكِنَّ النّاسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: ٤٤] ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهم قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [يونس: ٤٥] ﴿وإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦] ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإذا جاءَ رَسُولُهم قُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [يونس: ٤٧] ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨] ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا إلّا ما شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ إذا جاءَ أجَلُهم فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس: ٤٩] ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ بَياتًا أوْ نَهارًا ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ﴾ [يونس: ٥٠] ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ آلْآنَ وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [يونس: ٥١] ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [يونس: ٥٢] ﴿ويَسْتَنْبِئُونَكَ أحَقٌّ هو قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [يونس: ٥٣] ﴿ولَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما في الأرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وأسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [يونس: ٥٤] ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ألا إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٥٥] ﴿هُوَ يُحْيِي ويُمِيتُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يونس: ٥٦] ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧] ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨] ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالًا قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكم أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩] ﴿وما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ [يونس: ٦٠] ﴿وما تَكُونُ في شَأْنٍ وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ إلّا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١] (p-١٤٦)رَهَقَهَ: غَشِيَهُ، وقِيلَ: لَحِقَهُ ومِنهُ ﴿ولا تُرْهِقْنِي مِن أمْرِي عُسْرًا﴾ [الكهف: ٧٣]، ورَجُلٌ مُرْهَقٌ: يَغْشاهُ الأضْيافُ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: الرَّهَقُ: اسْمٌ مِنَ الإرْهاقِ، وهو أنْ يَحْمِلَ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ ما لا يُطِيقُ. يُقالُ: أرْهَقْتُهُ أنْ يُصَلِّيَ إذا أعْجَلْتَهُ عَنِ الصَّلاةِ. وقِيلَ: أصْلُ الرَّهَقِ: المُقارَبَةُ، يُقالُ: غُلامٌ مُراهِقٌ أيْ: قارَبَ الحُلُمَ. وفي الحَدِيثِ: «أرْهِقُوا القِبْلَةَ» أيِ: ادْنُوا مِنها. ويُقالُ: رَهِقَتِ الكِلابُ الصَّيْدَ: إذا لَحِقَتْهُ، وأرْهَقْنا الصَّلاةَ: أخَّرْناها حَتّى تَدْنُوَ مِنَ الأُخْرى. القَتَرُ والقَتَرَةُ: الغُبارُ الَّذِي مَعَهُ سَوادٌ، وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الغُبارُ. وقالَ الفَرَزْدَقُ: ؎مُتَوَّجٌ بِرِداءِ المُلْكِ يَتْبَعُهُ مَوْجٌ تَرى فَوْقَهُ الرّاياتِ والقَتَرا أيْ: غُبارُ العَسْكَرِ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: أصْلُ القَتَرِ: دُخانُ النّارِ، ومِنهُ قُتارُ القِدْرِ، انْتَهى. ويُقالُ: القَتْرُ بِسُكُونِ التّاءِ: الشَّأْنُ والأمْرُ، وجَمْعُهُ: شُئُونٌ. وأصْلُهُ الهَمْزُ بِمَعْنى: القَصْدِ مِن شَأنْتُ شَأْنَهُ إذا قَصَدْتَ قَصْدَهُ. عَزَبَ يَعْزُبُ ويَعْزِبُ بِكَسْرِ الزّايِ وضَمِّها: غابَ حَتّى خَفِيَ، ومِنهُ الرَّوْضُ: العازِبُ. وقالَ أبُو تَمّامٍ: ؎وقَلْقَلُ نَأْيٌ مِن خُراسانَ جَأْشَها ∗∗∗ فَقُلْتُ اطْمَئِنِّي أنْضَرُ الرَّوْضِ عازِبُهُ وقِيلَ لِلْغائِبِ عَنْ أهْلِهِ عازِبٌ، حَتّى قالُوهُ لِمَن لا زَوْجَةَ لَهُ. ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾: (أحْسَنُوا) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ذَكَرُوا كَلِمَةَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وقالَ الأصَمُّ: أحْسَنُوا في كُلِّ ما تَعَبَّدُوا بِهِ أيْ: أتَوْا بِالمَأْمُورِ بِهِ كَما يَنْبَغِي، واجْتَنَبُوا المَنهِيَّ. وقِيلَ: أحْسَنُوا مُعامَلَةَ النّاسِ. ورَوى أنَسٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «أحْسَنُوا العَمَلَ في الدُّنْيا» وفي الصَّحِيحِ: «ما الإحْسانُ ؟ قالَ: أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» وعَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ”لَيْسَ الإحْسانُ أنْ تُحْسِنَ إلى مَن أحْسَنَ إلَيْكَ، ذَلِكَ مُكافَأةٌ ! ولَكِنَّ الإحْسانَ أنْ تُحْسِنَ إلى مَن أساءَ إلَيْكَ“ . والحُسْنى قالَ الأكْثَرُونَ: هي الجَنَّةُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ، ولَوْ صَحَّ وجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: الحُسْنى عامٌّ في كُلِّ حَسَنٍ، فَهو يَعُمُّ جَمِيعَ ما قِيلَ ووَعَدَ اللَّهُ في جَمِيعِها بِالزِّيادَةِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أيْضًا قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ . ولَوْ كانَ مَعْنى الحُسْنى: الجَنَّةَ، لَكانَ في القَوْلِ تَكْرِيرٌ في المَعْنى. وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سابِطٍ: هي النَّضْرَةُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الجَزاءُ في الآخِرَةِ. وقِيلَ: الأُمْنِيَّةُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَثُوبَةُ الحُسْنى وزِيادَةٌ، وما يَزِيدُ عَلى المَثُوبَةِ وهو التَّفَضُّلُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: ١٧٣] وعَنْ عَلِيٍّ: الزِّيادَةُ غُرْفَةٌ مِن لُؤْلُؤَةٍ واحِدَةٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الحُسْنى الحَسَنَةُ، والزِّيادَةُ عَشَرَةُ أمْثالِها. وعَنِ الحَسَنِ: عَشَرَةُ أمْثالِها إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ. وعَنْ مُجاهِدٍ: الزِّيادَةُ مَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٌ. وعَنْ زِيادِ بْنِ شَجَرَةَ: الزِّيادَةُ أنْ تَمُرَّ السَّحابَةُ بِأهْلِ الجَنَّةِ فَتَقُولُ: ما تُرِيدُونَ أنْ أُمْطِرَكم ؟ فَلا يُرِيدُونَ شَيْئًا إلّا أمْطَرَتْهم. وزَعَمَتِ المُشَبِّهَةُ والمُجْبِرَةُ (p-١٤٧)أنَّ الزِّيادَةَ النَّظَرُ إلى وجْهِ اللَّهِ تَعالى، وجاءَتْ بِحَدِيثٍ مَوْضُوعٍ: «إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ نُودُوا يا أهْلَ الجَنَّةِ، فَيَكْشِفُونَ الحِجابَ، فَيَنْظُرُونَ إلَيْهِ، فَواللَّهِ ما أعْطاهُمُ اللَّهُ تَعالى شَيْئًا هو أحَبُّ إلَيْهِمْ مِنهُ»، انْتَهى. أمّا تَفْسِيرُهُ أوَّلًا ونَقْلُهُ عَمَّنْ ذَكَرَ تَفْسِيرَ الزِّيادَةِ فَهو نَصُّ الجُبّائِيِّ ونَقْلُهُ، وأمّا قَوْلُهُ: وجاءَتْ بِحَدِيثٍ مَوْضُوعٍ فَلَيْسَ بِمَوْضُوعٍ، بَلْ خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ صُهَيْبٍ، والنَّسائِيُّ عَنْهُ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ وخَرَّجَهُ ابْنُ المُبارَكِ في دَقائِقِهِ مَوْقُوفًا عَلى أبِي مُوسى وقالَ: بِأنَّ الزِّيادَةَ هي النَّظَرُ إلى اللَّهِ تَعالى. أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ في رِوايَةٍ، وحُذَيْفَةُ، وعُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ، وكَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ، وأبُو مُوسى، وصُهَيْبٌ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ، وهو قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ. ومَسْألَةُ الرُّؤْيَةِ يُبْحَثُ فِيها في أُصُولِ الدِّينِ. قالَ مُجاهِدٌ: أرادَ ولا يَلْحَقُها خِزْيٌ، والخِزْيُ يَتَغَيَّرُ بِهِ الوَجْهُ ويَسْوَدُّ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والذِّلَّةُ الكَآبَةُ. وقالَ غَيْرُهُ: الهَوانُ. وقِيلَ: الخَيْبَةُ نَفىَ عَنِ المُحْسِنِينَ ما أثْبَتَ لِلْكُفّارِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠] ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤١] وكَنّى بِالوَجْهِ عَنِ الجُمْلَةِ لِكَوْنِهِ أشْرَفَها، ولِظُهُورِ أثَرِ السُّرُورِ والحُزْنِ فِيهِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، والأعْمَشُ: قَتْرٌ بِسُكُونِ التّاءِ، وهي لُغَةٌ كالقَدَرِ والقَدْرِ، وجُعِلُوا أصْحابَ الجَنَّةِ لِتَصَرُّفِهِمْ فِيها كَما يَتَصَرَّفُ المُلّاكُ عَلى حَسَبِ اخْتِيارِهِمْ. ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ ما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ ما أعَدَّ لِلَّذِينِ أحْسَنُوا وحالُهم يَوْمَ القِيامَةِ ومَآلُهم إلى الجَنَّةِ، ذَكَرَ ما أعَدَّ لِأضْدادِهِمْ وحالَهم ومَآلَهم، وجاءَتْ صِلَةُ المُؤْمِنِينَ أحْسَنُوا، وصِلَةُ الكافِرِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُؤْمِنَ لَمّا خُلِقَ عَلى الفِطْرَةِ وأصَّلَها بِالإحْسانِ، وعَلى أنَّ الكافِرَ لَمّا خُلِقَ عَلى الفِطْرَةِ انْتَقَلَ عَنْها وكَسَبَ السَّيِّئاتِ، فَجُعِلَ ذَلِكَ مُحْسِنًا، وهَذا كاسِبًا لِلسَّيِّئاتِ، لِيَدُلَّ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ سَلَكَ ما يَنْبَغِي، وهَذا سَلَكَ ما لا يَنْبَغِي. والظّاهِرُ أنَّ والَّذِينَ مُبْتَدَأٌ، وجَوَّزُوا في الخَبَرِ وُجُوهًا أحَدُها: أنَّهُ الجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَهُ وهي جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها، وجَزاءُ مُبْتَدَأٌ فَقِيلَ: خَبَرُهُ مُثْبَتٌ وهو بِمِثْلِها. واخْتَلَفُوا في الباءِ فَقِيلَ: زائِدَةٌ قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ أيْ جَزاءُ سَيِّئَةٍ مِثْلُها، كَما قالَ: وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها، كَما زِيدَتْ في الخَبَرِ في قَوْلِهِ: فَمَنَعَكَها بِشَيْءٍ يُسْتَطاعُ، أيْ شَيْءٌ يُسْتَطاعُ. وقِيلَ: لَيْسَتْ بِزائِدَةٍ، والتَّقْدِيرُ: مُقَدَّرٌ بِمِثْلِها أوْ مُسْتَقِرٌّ بِمِثْلِها. وقِيلَ: مَحْذُوفٌ، فَقَدَّرَهُ الحَوْفِيُّ: لَهم جَزاءُ سَيِّئَةٍ قالَ: ودَلَّ عَلى تَقْدِيرِ لَهم قَوْلُهُ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى﴾ حَتّى تُشاكَلَ هَذِهِ بِهَذِهِ. وقَدَّرَهُ أبُو البَقاءِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها واقِعٌ، والباءُ في قَوْلِهِما مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: جَزاءُ، والعائِدُ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا عَنِ الَّذِينَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: جَزاءُ سَيِّئَةٍ مِنهم، كَما حُذِفَ في قَوْلِهِمُ: السَّمْنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ، أيْ مَنَوانِ مِنهُ بِدِرْهَمٍ. وعَلى تَقْدِيرِ الحَوْفِيِّ: لَهم جَزاءُ يَكُونُ الرّابِطُ لَهم. الثّانِي: أنَّ الخَبَرَ قَوْلُهُ: ما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ، ويَكُونُ قَدْ فُصِلَ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ بِجُمْلَتَيْنِ عَلى سَبِيلِ الِاعْتِراضِ، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ، والصَّحِيحُ جَوازُهُ. الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ الخَبَرُ كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا. الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ الخَبَرُ أُولَئِكَ وما بَعْدَهُ، فَيَكُونُ في هَذا القَوْلِ فُصِلَ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ بِأرْبَعِ جُمَلٍ مُعْتَرِضَةٍ، وفي القَوْلِ الثّالِثِ بِثَلاثِ جُمَلٍ، والصَّحِيحُ مَنعُ الِاعْتِراضِ بِثَلاثِ الجُمَلِ وبِأرْبَعِ الجُمَلِ، وأجازَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: (p-١٤٨)لِلَّذِينِ أحْسَنُوا، ويَكُونُ (جَزاءُ) مُبْتَدَأً خَبَرُهُ قَوْلُهُ: والَّذِينَ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ أيْ: ولِلَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها، فَيَتَعادَلُ التَّقْسِيمُ، كَما تَقُولُ: في الدّارِ زَيْدٌ، والقَصْرِ عَمْرٌو أيْ: وفي القَصْرِ عَمْرٌو. وهَذا التَّرْكِيبُ مَسْمُوعٌ مِن لِسانِ العَرَبِ، فَخَرَّجَهُ الأخْفَشُ عَلى أنَّهُ مِنَ العَطْفِ عَلى عامِلَيْنِ. وخَرَّجَهُ الجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ مِمّا حُذِفَ مِنهُ حَرْفُ الجَرِّ، وجَرُّهُ بِذَلِكَ الحَرْفِ المَحْذُوفِ لا بِالعَطْفِ عَلى المَجْرُورِ، وهي مَسْألَةُ خِلافٍ وتَفْصِيلٍ يُتَكَلَّمُ فِيها في عِلْمِ النَّحْوِ. والظّاهِرُ أنَّ السَّيِّئاتِ هُنا هي سَيِّئاتُ الكُفْرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ذِكْرُ أوْصافِهِمْ بَعْدُ. وقِيلَ: السَّيِّئاتُ المَعاصِي، فَيَنْدَرِجُ فِيها الكُفْرُ وغَيْرُهُ. ولِهَذا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وتَعُمُّ السَّيِّئاتُ هاهُنا الكُفْرَ والمَعاصِي، فَمِثْلُ سَيِّئَةِ الكُفْرِ التَّخْلِيدُ في النّارِ، ومِثْلُ سَيِّئاتِ المَعاصِي مَصْرُوفٌ إلى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، ومَعْنى بِمِثْلِها أيْ: لا يُزادُ عَلَيْها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالزِّيادَةِ الفَضْلُ، لِأنَّهُ دَلَّ بِتَرْكِ الزِّيادَةِ عَلى السَّيِّئَةِ عَلى عَدْلِهِ، ودَلَّ بِإثْباتِ الزِّيادَةِ عَلى المَثُوبَةِ عَلى فَضْلِهِ، انْتَهى. وقِيلَ: مَعْنى بِمِثْلِها أيْ: بِما يَلِيقُ بِها مِنَ العُقُوباتِ، فالعُقُوباتُ تَتَرَتَّبُ عَلى قَدْرِ السَّيِّئاتِ، ولِهَذا كانَتْ جَهَنَّمُ دَرَكاتٍ، وكانَ المُنافِقُونَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ لِقُبْحِ مَعْصِيَتِهِمْ. وقُرِئَ: ويَرْهَقُهم بِالياءِ؛ لِأنَّ تَأْنِيثَ الذِّلَّةِ مَجازٌ، وفي وصْفِ المُنافِقِينَ نَفْيِ القَتَرِ والذِّلَّةِ عَنْ وُجُوهِهِمْ، وهُنا غَشِيَتْهُمُ الذِّلَّةُ، وبُولِغَ فِيما يُقابِلُ القَتَرَ فَقِيلَ: كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا، وهَذِهِ مُبالَغَةٌ في سَوادِ الوُجُوهِ. وقَدْ جاءَ مُصَرَّحًا في قَوْلِهِ: ﴿وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] (مِنَ اللَّهِ) أيْ مِن سَخَطِهِ وعَذابِهِ، أوْ مِن جِهَتِهِ تَعالى، ومِن عِنْدِهِ مَن يَعْصِمُهم كَما يَكُونُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وأُغْشِيَتْ: كَسَبَتْ، ومِنهُ الغِشاءُ. وكَوْنُ وُجُوهِهِمْ مُسْوَدَّةً هي حَقِيقَةٌ لا مَجازٌ، فَتَكُونُ ألْوانُهم مُسْوَدَّةً. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: واعْلَمْ أنَّ حُكَماءَ الإسْلامِ قالُوا: المُرادُ مِن هَذا السَّوادِ هاهُنا: سَوادُ الجَهْلِ وظُلْمَةُ الضَّلالِ، فَإنَّ الجَهْلَ طَبْعُهُ طَبْعُ الظُّلْمَةِ. فَقَوْلُهُ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨] ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٩]، المُرادُ نُورُ العِلْمِ ورُوحُهُ وبِشْرُهُ وبِشارَتُهُ، (p-١٤٩)﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠] ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤١] المُرادُ مِنهُ: ظُلْمَةُ الجَهْلِ وكُدُورَةُ الضَّلالَةِ، انْتَهى. وكَثِيرًا ما يَنْقُلُ هَذا الرَّجُلُ عَنْ حُكَماءِ الإسْلامِ في التَّفْسِيرِ، ويَنْقُلُ كَلامَهم تارَةً مَنسُوبًا إلَيْهِمْ، وتارَةً مُسْتَنِدًا بِهِ ويُعْنى بِحُكَماءِ الفَلاسِفَةِ الَّذِينَ خُلِقُوا في مُدَّةِ المِلَّةِ الإسْلامِيَّةِ، وهم أحَقُّ بِأنْ يُسَمَّوْا سُفَهاءَ جُهَلاءَ مِن أنْ يُسَمَّوْا حُكَماءَ، إذْ هم أعْداءُ الأنْبِياءِ والمُحَرِّفُونَ لِلشَّرِيعَةِ الإسْلامِيَّةِ، وهم أضَرُّ عَلى المُسْلِمِينَ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى. وإذا كانَ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نَهى عَنْ قِراءَةِ التَّوْراةِ مَعَ كَوْنِها كِتابًا إلَهِيًّا، فَلَأنْ يَنْهى عَنْ قِراءَةِ كَلامِ الفَلاسِفَةِ أحَقُّ. وقَدْ غَلَبَ في هَذا الزَّمانِ وقَبْلَهُ بِقَلِيلٍ الِاشْتِغالُ بِجَهالاتِ الفَلاسِفَةِ عَلى أكْثَرِ النّاسِ، ويُسَمُّونَها الحِكْمَةَ، ويَسْتَجْهِلُونَ مَن عُرِّيَ عَنْها، ويَعْتَقِدُونَ أنَّهُمُ الكَمَلَةُ مِنَ النّاسِ، ويَعْكُفُونَ عَلى دِراسَتِها، ولا تَكادُ تَلْقى أحَدًا مِنهم يَحْفَطُ قُرْآنًا ولا حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ولَقَدْ غَضَضْتُ مَرَّةً مِنَ ابْنِ سِينا ونَسَبْتُهُ لِلْجَهْلِ فَقالَ لِي بَعْضُهم وأظْهَرَ التَّعَجُّبَ مِن كَوْنِ أحَدٍ يَغُضُّ مِنَ ابْنِ سِينا: كَيْفَ يَكُونُ أعْلَمَ النّاسِ بِاللَّهِ يُنْسَبُ لِلْجَهْلِ ؟ ولَمّا ظَهَرَ مِن قاضِي الجَماعَةِ أبِي الوَلِيدِ مُحَمَّدِ بْنِ أبِي القاسِمِ أحْمَدِ بْنِ أبِي الوَلِيدِ بْنِ رُشْدٍ الِاعْتِناءَ بِمَقالاتِ الفَلاسِفَةِ، والتَّعْظِيمَ لَهم، أغْرى بِهِ عُلَماءُ الإسْلامِ بِالأنْدَلُسِ، المَنصُورَ مَنصُورَ المُوَحِّدِينَ: يَعْقُوبَ بْنَ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ المُؤْمِنِ بْنِ عَلِيٍّ مَلِكَ المَغْرِبِ والأنْدَلُسِ، حَتّى أوْقَعَ بِهِ ما هو مَشْهُورٌ مِن ضَرْبِهِ ولَعْنِهِ وإهانَتِهِ، وإهانَةِ جَماعَةٍ مِنهم عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، وكانَ مِمّا خُوطِبَ بِهِ المَنصُورُ في حَقِّهِمْ قَوْلُ بَعْضِ العُلَماءِ الشُّعَراءِ: ؎خَلِيفَتَنا جَزاكَ اللَّهُ خَيْرًا ∗∗∗ عَنِ الإسْلامِ والسَّعْيِ الكَرِيمِ ؎فَحَقُّ جِهادِهِ جاهَدْتَ فِيهِ ∗∗∗ إلى أنْ فُزْتَ بِالفَتْحِ العَظِيمِ ؎وصَيَّرْتَ الأنامَ بِحُسْنِ هَدْيٍ ∗∗∗ عَلى نَهْجِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ ؎فَجاهِدْ في أُناسٍ قَدْ أضَلُّوا ∗∗∗ طَرِيقَ الشَّرْعِ بِالعِلْمِ القَدِيمِ ؎وحَرِّقْ كُتْبَهم شَرْقًا وغَرْبًا ∗∗∗ فَفِيها كامِنًا شَرُّ العُلُومِ ؎يَدِبُّ إلى العَقائِدِ مِن أذاها ∗∗∗ سُمُومٌ والعَقائِدُ كالجُسُومِ ؎وفِي أمْثالِها إذْ لا دَواءَ ∗∗∗ يَكُونُ السَّيْفُ تِرْياقَ السُّمُومِ وقالَ: ؎يا وحْشَةَ الإسْلامِ مِن فِرْقَةٍ ∗∗∗ شاغِلَةً أنْفُسَها بِالسَّفَهْ ؎قَدْ نَبَذَتْ دِينَ الهُدى خَلْفَها ∗∗∗ وادَّعَتِ الحِكْمَةَ والفَلْسَفَهْ وقالَ: ؎قَدْ ظَهَرَتْ في عَصْرِنا فِرْقَةٌ ∗∗∗ ظُهُورُها شُؤْمٌ عَلى العَصْرِ ؎لا تَقْتَدِي في الدِّينِ إلّا بِما ∗∗∗ سَنَّ ابْنُ سِينا أوْ أبُو نَصْرِ ولَمّا حَلَلْتُ بِدِيارِ مِصْرَ، ورَأيْتُ كَثِيرًا مِن أهْلِها يَشْتَغِلُونَ بِجَهالاتِ الفَلاسِفَةِ ظاهِرًا مِن غَيْرِ أنْ يُنْكِرَ ذَلِكَ أحَدٌ، تَعَجَّبْتُ مِن ذَلِكَ، إذْ كُنّا نَشَأْنا في جَزِيرَةِ الأنْدَلُسِ عَلى التَّبَرُّءِ مِن ذَلِكَ والإنْكارِ لَهُ، وأنَّهُ إذا (p-١٥٠)بِيعَ كِتابٌ في المَنطِقِ إنَّما يُباعُ خُفْيَةً، وأنَّهُ لا يَتَجاسَرُ أحَدٌ أنْ يَنْطِقَ بِلَفْظِ المَنطِقِ، إنَّما يُسَمُّونَهُ المَفْعِلَ، حَتّى أنَّ صاحِبَنا وزِيرَ المَلِكِ ابْنِ الأحْمَرِ: أبا عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ المَعْرُوفَ بِابْنِ الحَكِيمِ، كَتَبَ إلَيْنا كِتابًا مِنَ الأنْدَلُسِ يَسْألُنِي أنْ أشْتَرِيَ أوْ أسْتَنْسِخَ كِتابًا لِبَعْضِ شُيُوخِنا في المَنطِقِ، فَلَمْ يَتَجاسَرْ أنْ يَنْطِقَ بِالمَنطِقِ وهو وزِيرٌ، فَسَمّاهُ في كِتابِهِ لِي بِالمَفْعِلِ. ولَمّا أُلْبِسَتْ وُجُوهُهُمُ السَّوادَ قالَ: كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم، ولَمّا كانَتْ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ نِهايَةً في السَّوادِ، شُبِّهَ سَوادُ وُجُوهِهِمْ بِقِطَعٍ مِنَ اللَّيْلِ حالَ اشْتِدادِ ظُلْمَتِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ والكِسائِيُّ قِطْعًا بِسُكُونِ الطّاءِ، وهو مُفْرَدٌ اسْمٌ لِلشَّيْءِ المَقْطُوعِ. وقالَ الأخْفَشُ في قَوْلِهِ: ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ٨١] بِسَوادٍ مِنَ اللَّيْلِ. وأهْلُ اللُّغَةِ يَقُولُونَ: القِطْعُ ظُلْمَةُ آخِرِ اللَّيْلِ. وقالَ بَعْضُهم: طائِفَةٌ مِنَ اللَّيْلِ. وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ قَوْلُهُ: مُظْلِمًا صِفَةً لِقَوْلِهِ: قِطَعًا، كَما جاءَ ذَلِكَ في قِراءَةِ أُبَيٍّ: (كَأنَّما تَغْشى وُجُوهَهم قِطْعٌ مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمٌ) . وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ فَتَحَ الطّاءَ. وقِيلَ: قِطْعٌ جَمْعُ قِطْعَةٍ، نَحْوَ سِدْرٍ وسِدْرَةٍ، فَيَجُوزُ إذْ ذاكَ أنْ يُوصَفَ بِالمُذَكَّرِ نَحْوَ: نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ، وبِالمُؤَنَّثِ نَحْوَ نَخْلٍ خاوِيَةٍ، ويَجُوزُ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ مُظْلِمًا حالًا مِنَ اللَّيْلِ كَما أعْرَبُوهُ في قِراءَةِ باقِي السَّبْعَةِ، كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا بِتَحْرِيكِ الطّاءِ بِالفَتْحِ مِنَ اللَّيْلِ، مُظْلِمًا بِالنَّصْبِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): إذا جَعَلْتَ مُظْلِمًا حالًا مِنَ اللَّيْلِ، فَما العامِلُ فِيهِ ؟ (قُلْتُ): لا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ أُغْشِيَتْ مِن قِبَلِ أنَّ مِنَ اللَّيْلِ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: قِطَعًا، فَكانَ إفْضاؤُهُ إلى المَوْصُوفِ كَإفْضائِهِ إلى الصِّفَةِ. وإمّا أنْ يَكُونَ مَعْنى الفِعْلِ في مِنَ اللَّيْلِ، انْتَهى. أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ فَهو بَعِيدٌ، لِأنَّ الأصْلَ أنْ يَكُونَ العامِلُ في الحالِ هو العامِلُ في ذِي الحالِ، والعامِلُ في اللَّيْلِ هو مُسْتَقَرُّ الواصِلِ إلَيْهِ بِمِن، وأُغْشِيَتْ عامِلٌ في قَوْلِهِ: قِطَعًا المَوْصُوفِ بِقَوْلِهِ: مِنَ اللَّيْلِ، فاخْتَلَفا فَلِذَلِكَ كانَ الوَجْهُ الأخِيرُ أوْلى أيْ: قِطَعًا مُسْتَقِرَّةً مِنَ اللَّيْلِ، أوْ كائِنَةً مِنَ اللَّيْلِ في حالِ إظْلامِهِ. وقِيلَ: مُظْلِمًا حالٌ مِن قَوْلِهِ: قِطَعًا، أوْ صِفَةٌ. وذُكِرَ في هَذَيْنِ التَّوْجِيهَيْنِ لِأنَّ قِطَعًا في مَعْنى كَثِيرٍ، فَلُوحِظَ فِيهِ الإفْرادُ والتَّذْكِيرُ. وجَوَّزُوا أيْضًا في قِراءَةِ مَن سَكَّنَ الطّاءَ أنْ يَكُونَ (مُظْلِمًا) حالًا مِن قِطْعٍ، وحالًا مِنَ الضَّمِيرِ في (مِن) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَإذا كانَ نَعْتًا يَعْنِي: مُظْلِمًا نَعْتًا لِقِطْعٍ، فَكانَ حَقُّهُ أنْ يَكُونَ قَبْلَ الجُمْلَةِ، ولَكِنْ قَدْ يَجِيءُ بَعْدَ هَذا، وتَقْدِيرُ الجُمْلَةِ: قِطْعًا اسْتَقَرَّ مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٢]، انْتَهى. ولا يَتَعَيَّنُ تَقْدِيرُ العامِلِ في المَجْرُورِ بِالفِعْلِ فَيَكُونُ جُمْلَةً، بَلِ الظّاهِرُ أنْ يُقَدَّرَ بِاسْمِ الفاعِلِ، فَيَكُونُ مِن قَبِيلِ الوَصْفِ بِالمُفْرَدِ والتَّقْدِيرُ: قِطْعًا كائِنًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا. ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مَكانَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكم فَزَيَّلْنا بَيْنَهم وقالَ شُرَكاؤُهم ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكم إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ﴾ (p-١٥١)الضَّمِيرُ في نَحْشُرُهم عائِدٌ عَلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهم مِنَ (الَّذِينَ أحْسَنُوا) ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ و شَيْبَةُ والقُرّاءُ السَّبْعَةُ: نَحْشُرُهم بِالنُّونِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِالياءِ. وقِيلَ: يَعُودُ الضَّمِيرُ عَلى الَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ، ومِنهم عابِدُ غَيْرِ اللَّهِ، ومَن لا يَعْبُدُ شَيْئًا. وانْتَصَبَ يَوْمَ عَلى فِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: ذَكِّرْهم أوْ خَوِّفْهم ونَحْوَهُ. وجَمِيعًا حالٌ، والشُّرَكاءُ الشَّياطِينُ، أوِ المَلائِكَةُ، أوِ الأصْنامُ، أوْ مَن عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ كائِنًا مَن كانَ، أرْبَعَةُ أقْوالٍ. ومَن قالَ: الأصْنامُ، قالَ: يُنْفَخُ فِيها الرُّوحُ فَيُنْطِقُها اللَّهُ بِذَلِكَ مَكانَ الشَّفاعَةِ الَّتِي عَلَّقُوا بِها أطْماعَهم. ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: (أنَّ الكُفّارَ إذا رَأوُا العَذابَ وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ قِيلَ لَهُمُ: اتَّبِعُوا ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ، فَيَقُولُونَ: واللَّهِ لَإيّاكم كُنّا نَعْبُدُ، فَتَقُولُ الآلِهَةُ: فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا) الآيَةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مُحاوَرَتَهم إنَّما هي مَعَ الأصْنامِ، دُونَ المَلائِكَةِ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ بِدَلِيلِ القَوْلِ لَهم: ﴿مَكانَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكُمْ﴾، ودُونَ فِرْعَوْنَ ومَن عُبِدَ مِنَ الجِنِّ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: ﴿إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ﴾ . وهَؤُلاءِ لَمْ يَغْفُلُوا قَطُّ عَنْ عِبادَةِ مَن عَبَدَهم. ومَكانَكم عَدَّهُ النَّحْوِيُّونَ في أسْماءِ الأفْعالِ، وقُدِّرَ بِاثْبُتُوا كَما قالَ: ؎وقَوْلِي كُلَّما جَشَأتْ وجاشَتْ ∗∗∗ مَكانَكِ تُحْمَدِي أوْ تَسْتَرِيحِي أيِ: اثْبُتِي. ولِكَوْنِها بِمَعْنى اثْبُتِي جُزِمَ تُحْمَدِي، وتَحَمَّلَتْ ضَمِيرًا فَأُكِّدَ وعُطِفَ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: أنْتُمْ وشُرَكاؤُكم. والحَرَكَةُ الَّتِي في مَكانَكَ ودُونَكَ، أهْيَ حَرَكَةُ إعْرابٍ، أوْ حَرَكَةُ بِناءٍ تُبْتَنى عَلى الخِلافِ الَّذِي بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ في أسْماءِ الأفْعالِ ؟ ألَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ أمْ لا ؟ فَمَن قالَ: هي في مَوْضِعِ نَصْبٍ جَعَلَ الحَرَكَةَ إعْرابًا، ومَن قالَ: لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ جَعَلَها حَرَكَةَ بِناءٍ. وعَلى الأوَّلِ عَوَّلَ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: مَكانَكُمُ الزَمُوا مَكانَكم لا تَبْرَحُوا حَتّى تَنْظُرُوا ما يُفْعَلُ بِكم. واخْتَلَفُوا في أنْتُمْ، فالظّاهِرُ ما ذَكَرْناهُ مِن أنَّهُ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في مَكانَكم، وشُرَكاؤُكم عَطْفٌ عَلى ذَلِكَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ، وهو قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ قالَ: وأنْتُمْ أكَّدَ بِهِ الضَّمِيرَ في مَكانَكم لِسَدِّهِ مَسَدَّ قَوْلِهِ: الزَمُوا، وشُرَكاؤُكم عَطْفٌ عَلَيْهِ، انْتَهى. يَعْنِي عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ، وتَقْدِيرُهُ: الزَمُوا، وأنَّ مَكانَكم قامَ مَقامَهُ، فَيُحْمَلُ الضَّمِيرُ الَّذِي (p-١٥٢)فِي الزَمُوا لَيْسَ بِجَيِّدٍ، إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ مَكانَكَ الَّذِي هو اسْمُ فِعْلٍ يَتَعَدّى كَما يَتَعَدّى الزَمُوا. ألا تَرى أنَّ اسْمَ الفِعْلِ إذا كانَ الفِعْلُ لازِمًا، كانَ اسْمُ الفِعْلِ لازِمًا، وإذا كانَ مُتَعَدِّيًا كانَ مُتَعَدِّيًا، مِثالُ ذَلِكَ: عَلَيْكَ زَيْدًا، لَمّا نابَ مَنابَ الزَمْ تَعَدّى. وإلَيْكَ لَمّا نابَ مَنابَ تَنَحَّ لَمْ يَتَعَدَّ. ولِكَوْنِ مَكانَكَ لا يَتَعَدّى، قَدَّرَهُ النَّحْوِيُّونَ اثْبُتْ، واثْبُتْ لا يَتَعَدّى. قالَ الحَوْفِيُّ: مَكانَكم نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ أيِ: الزَمُوا مَكانَكم، أوِ اثْبُتُوا. وقالَ أبُو البَقاءِ: مَكانَكم ظَرْفٌ مَبْنِيٌّ لِوُقُوعِهِ مَوْقِعَ الأمْرِ، أيِ: الزَمُوا، انْتَهى. وقَدْ بَيَّنّا أنَّ تَقْدِيرَ الزَمُوا لَيْسَ بِجَيِّدٍ، إذْ لَمْ تَقُلِ العَرَبُ مَكانَكَ زَيْدًا فَتُعَدِّيهِ، كَما تَعَدّى الزَمْ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أنْتُمْ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ: مَخْزِيُّونَ، أوْ مُهانُونَ ونَحْوُهُ، انْتَهى. فَيَكُونُ مَكانَكم قَدْ تَمَّ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهم كَذا، وهَذا ضَعِيفٌ لِفَكِّ الكَلامِ الظّاهِرِ لِاتِّصالِ بَعْضِ أجْزائِهِ بِبَعْضٍ، ولِتَقْدِيرِ إضْمارٍ لا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَيْهِ، ولِقَوْلِهِ: فَزَيَّلْنا بَيْنَهم، إذْ يَدُلُّ عَلى أنَّهم ثَبَتُوا هم وشُرَكاؤُكم في مَكانٍ واحِدٍ حَتّى وقَعَ التَّزْيِيلُ بَيْنَهم وهو التَّفْرِيقُ. ولِقِراءَةِ مَن قَرَأ: أنْتُمْ وشُرَكاءَكم بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ، والعامِلُ فِيهِ اسْمُ الفِعْلِ. ولَوْ كانَ أنْتُمْ مُبْتَدَأٌ وقَدْ حُذِفَ خَبَرُهُ، لَما جازَ أنْ يَأْتِيَ بَعْدَهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ، تَقُولُ: كُلُّ رَجُلٍ وضَيْعَتُهُ بِالرَّفْعِ، ولا يَجُوزُ فِيهِ النَّصْبُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْضًا: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أنْتُمْ تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ الَّذِي في الفِعْلِ المُقَدَّرِ، الَّذِي هو قِفُوا أوْ نَحْوُهُ، انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ، إذْ لَوْ كانَ تَأْكِيدًا لِذَلِكَ الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ بِالفِعْلِ لَجازَ تَقْدِيمُهُ عَلى الظَّرْفِ، إذِ الظَّرْفُ لَمْ يَتَحَمَّلْ ضَمِيرًا عَلى هَذا القَوْلِ فَيَلْزَمُ تَأْخِيرُهُ عَنْهُ، وهو غَيْرُ جائِزٍ، لا تَقُولُ: أنْتَ مَكانَكَ، ولا يُحْفَظُ مِن كَلامِهِمْ. والأصَحُّ أنْ لا يَجُوزَ حَذْفُ المُؤَكَّدِ في التَّأْكِيدِ المَعْنَوِيِّ، فَكَذَلِكَ هَذا، لِأنَّ التَّأْكِيدَ يُنافِي الحَذْفَ. ولَيْسَ مِن كَلامِهِمْ: أنْتَ زَيْدًا لِمَن رَأيْتَهُ قَدْ شَهَرَ سَيْفًا، وأنْتَ تُرِيدُ اضْرِبْ أنْتَ زَيْدًا، إنَّما كَلامُ العَرَبِ: زَيْدًا تُرِيدُ اضْرِبْ زَيْدًا. يُقالُ زِلْتُ الشَّيْءَ عَنْ مَكانِهِ أُزِيلُهُ. قالَ الفَرّاءُ: تَقُولُ العَرَبُ: زِلْتُ الضَّأْنَ مِنَ المَعْزِ فَلَمْ تَزُلْ. وقالَ الواحِدِيُّ: التَّزْيِيلُ والتَّزَيُّلُ والمُزايَلَةُ: التَّمْيِيزُ والتَّفَرُّقُ، انْتَهى. وزَيَّلَ مُضاعَفٌ لِلتَّكْثِيرِ، وهو لِمُفارَقَةِ الحبث وهُنَّ مِن ذَواتِ الياءِ، بِخِلافِ زالَ يَزُولُ فَمادَّتُهُما مُخْتَلِفَةٌ. وزَعَمَ ابْنُ قُتَيْبَةَ أنَّ زَيَّلْنا مِن مادَّةِ زالَ يَزُولُ، وتَبِعَهُ أبُو البَقاءِ. وقالَ أبُو البَقاءِ: فَزَيَّلْنا عَيْنُ الكَلِمَةِ واوٌ لِأنَّهُ مِن زالَ يَزُولُ، وإنَّما قُلِبَتْ ياءً لِأنَّ وزْنَ الكَلِمَةِ فَيْعَلَ أيْ: زَيْوَلْنا، مِثْلَ بَيْطَرَ وبَيْقَرَ، فَلَمّا اجْتَمَعَتِ الواوُ والياءُ عَلى الشَّرْطِ المَعْرُوفِ قُلِبَتْ ياءً، انْتَهى. ولَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأنَّ فَعَّلَ أكْثَرُ مِن (فَيْعَلَ)، ولِأنَّ مَصْدَرَهُ تَزْيِيلٌ. ولَوْ كانَ فَيْعَلَ لَكانَ مَصْدَرُهُ فَيْعَلَةً، فَكانَ يَكُونُ زَيَّلَةً كَبَيْطَرَةٍ، لِأنَّ فَيْعَلَ مُلْحَقٌ بِفَعْلَلَ، ولِقَوْلِهِمْ في قَرِيبٍ مِن مَعْناهُ: زايَلَ، ولَمْ يَقُولُوا: زاوَلَ بِمَعْنى فارَقَ، إنَّما قالُوهُ بِمَعْنى: حاوَلَ وخالَطَ وشَرَحَ، فَزَيَّلْنا فَفَرَّقْنا بَيْنَهم وقَطَعْنا أقْرانَهم والوُصَلَ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم في الدُّنْيا، أوْ فَباعَدْنا بَيْنَهم بَعْدَ الجَمْعِ بَيْنَهم في المَوْقِفِ، وبَيْنَ شُرَكائِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٢٢] قالُوا ضَلُّوا عَنّا وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: فَزايَلْنا حَكاهُ الفَرّاءُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَقَوْلِكَ: صاعَرَ خَدَّهُ وصَعَّرَ، وكالَمْتُهُ وكَلَّمْتُهُ، انْتَهى. يَعْنِي أنَّ فاعَلَ بِمَعْنى فَعَّلَ، وزايَلَ في لِسانِ العَرَبِ بِمَعْنى فارَقَ. قالَ: ؎وقالَ العَذارى إنَّما أنْتَ عَمُّنا ∗∗∗ وكانَ الشَّبابُ كالخَلِيطِ يُزايِلُهْ وقالَ آخَرُ: ؎لَعَمْرِي لِمَوْتٍ لا عُقُوبَةَ بَعْدَهُ ∗∗∗ لِذِي البَثِّ أشَفى مَن هَوى لا يُزايِلُهْ والظّاهِرُ أنَّ التَّزْيِيلَ أوِ المُزايَلَةَ هو بِمُفارَقَةِ الأجْسامِ وتَباعُدِهِ. وقِيلَ: فَرَّقْنا بَيْنَهم في الحُجَّةِ والمَذْهَبِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفَزَيَّلْنا. وقالَ: هُنا ماضِيانِ لَفْظًا، والمَعْنى: فَنُزَيِّلُ بَيْنَهم، ونَقُولُ: لِأنَّهُما مَعْطُوفانِ عَلى مُسْتَقْبَلٍ، ونَفْيُ الشُّرَكاءِ عِبادَةَ المُشْرِكِينَ هو رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: لَإيّاكم كُنّا نَعْبُدُ، والمَعْنى: إنَّكم كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مَن (p-١٥٣)أمَرَكم أنْ تَتَّخِذُوا لِلَّهِ تَعالى أنْدادًا فَأطَعْتُمُوهم، ولَمّا تَنازَعُوا اسْتَشْهَدَ الشُّرَكاءُ بِاللَّهِ تَعالى. وانْتَصَبَ شَهِيدًا، قِيلَ: عَلى الحالِ، والأصَحُّ عَلى التَّمْيِيزِ لِقَبُولِهِ مِن. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في كَفى وفي الياءِ، وإنْ هي الخَفِيفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ. وعِنْدَ القُرّاءِ هي النّافِيَةُ، واللّامُ بِمَعْنى إلّا، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ. واكْتِفاؤُهم بِشَهادَةِ اللَّهِ هو عَلى انْتِفاءِ أنَّهم عَبَدُوهم. ثُمَّ اسْتَأْنَفُوا جُمْلَةً خَبَرِيَّةً أنَّهم كانُوا غافِلِينَ عَنْ عِبادَتِهِمْ أيْ: لا شُعُورَ لَنا بِذَلِكَ. وهَذا يُرَجِّحُ أنَّ الشُّرَكاءَ هي الأصْنامُ كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ الشُّرَكاءُ مِمَّنْ يَعْقِلُ مِن إنْسِيٍّ أوْ جِنِّيٍّ أوْ مَلَكٍ، لَكانَ لَهُ شُعُورٌ بِعِبادَتِهِمْ، ولا شَيْءَ أعْظَمُ سَبَبًا لِلْغَفْلَةِ مِنَ الجَمادِيَّةِ، إذْ لا تُحِسُّ ولا تَشْعُرُ بِشَيْءٍ البَتَّةَ. ﴿هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ ورُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾: هُنالِكَ ظَرْفُ مَكانٍ أيْ: في ذَلِكَ المَوْقِفِ والمَقامِ المُقْتَضِي لِلْحَيْرَةِ والدَّهْشِ. وقِيلَ: هو إشارَةٌ إلى الوَقْتِ، اسْتُعِيرَ ظَرْفُ المَكانِ لِلزَّمانِ أيْ: في ذَلِكَ الوَقْتِ. وقَرَأ الأخَوانِ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: تَتْلُو بِتاءَيْنِ أيْ: تَتْبَعُ وتَطْلُبُ ما أسْلَفَتْ مِن أعْمالِها، قالَهُ السُّدِّيُّ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إنَّ المُرِيبَ يَتَّبِعُ المُرِيبا ∗∗∗ كَما رَأيْتَ الذِّيبَ يَتْلُو الذِّيبا قِيلَ: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِنَ التِّلاوَةِ وهي القِراءَةُ أيْ: تَقْرَأُ كُتُبَها الَّتِي تُدْفَعُ إلَيْها. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: تَبْلُو بِالتّاءِ والباءِ، أيْ: تَخْتَبِرُ ما أسْلَفَتْ مِنَ العَمَلِ فَتَعْرِفُ كَيْفَ هو، أقَبِيحٌ أمْ حَسَنٌ ؟، أنافِعٌ أمْ ضارٌّ ؟، أمَقْبُولٌ أمْ مَرْدُودٌ ؟ كَما يَتَعَرَّفُ الرَّجُلُ الشَّيْءَ بِاخْتِبارِهِ. ورُوِيَ عَنْ عاصِمٍ: نَبْلُو بِنُونٍ وباءٍ أيْ: نَخْتَبِرُ. وكُلُّ نَفْسٍ بِالنَّصْبِ، وما أسْلَفَتْ بَدَلٌ مِن كُلِّ نَفْسٍ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ أيْ: ما أسْلَفَتْ. أوْ يَكُونُ نَبْلُو مِنَ البَلاءِ، وهو العَذابُ، أيْ: نُصِيبُ كُلَّ نَفْسٍ عاصِيَةٍ بِالبَلاءِ، بِسَبَبِ ما أسْلَفَتْ مِنَ العَمَلِ المُسِيءِ. وعَنِ الحَسَنِ تَبْلُو: تَتَسَلَّمُ. وعَنِ الكَلْبِيِّ: تَعْلَمُ. وقِيلَ: تَذُوفُ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ: ورِدُّوا بِكَسْرِ الرّاءِ، لَمّا سَكَّنَ لِلْإدْغامِ نَقَلَ حَرَكَةَ الدّالِّ إلى حَرَكَةِ الرّاءِ بَعْدَ حَذْفِ حَرَكَتِها. ومَعْنى إلى اللَّهِ: إلى عِقابِهِ. وقِيلَ: إلى مَوْضِعِ جَزائِهِ. (مَوْلاهُمُ الحَقِّ) لا ما زَعَمُوهُ مِن أصْنامِهِمْ، إذْ هو المُتَوَلِّي حِسابَهم. فَهو مَوْلاهم في المِلْكِ والإحاطَةِ، لا في النَّصْرِ والرَّحْمَةِ. وقُرِئَ: الحَقَّ بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ نَحْوَ: الحَمْدُ لِلَّهِ أهْلَ الحَمْدِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَقَوْلِكَ هَذا عَبْدُ اللَّهِ الحَقَّ لا الباطِلَ، عَلى تَأْكِيدِ قَوْلِهِ: رُدُّوا إلى اللَّهِ، انْتَهى. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: ورُدُّوا إلى اللَّهِ، جُعِلُوا مُلْجَئِينَ إلى الإقْرارِ بِالإلَهِيَّةِ بَعْدَ أنْ كانُوا في الدُّنْيا يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللَّهِ، ولِذَلِكَ قالَ: مَوْلاهُمُ الحَقِّ. وضَلَّ عَنْهم أيْ: بَطَلَ وذَهَبَ ما كانُوا يَفْتَرُونَهُ مِنَ الكَذِبِ، أوْ مِن دَعْواهم أنَّ أصْنامَهم شُرَكاءُ لِلَّهِ شافِعُونَ لَهم عِنْدَهُ.

يونس 10:29

﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ ما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مَكانَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكم فَزَيَّلْنا بيْنَهم وقالَ شُرَكاؤُهم ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكم إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ﴾ ﴿هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ ورُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ ومَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ ومَن يُدَبِّرُ الأمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣٢] ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ فَسَقُوا أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٣٣] ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ [يونس: ٣٤] ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَهْدِي إلى الحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أفَمَن يَهْدِي إلى الحَقِّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمَّنْ لا يَهِدِّي إلّا أنْ يُهْدى فَما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [يونس: ٣٥] ﴿وما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم إلّا ظَنًّا إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٣٦] ﴿وما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وتَفْصِيلَ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ٣٧] ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٣٨] ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ [يونس: ٣٩] ﴿ومِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ ورَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٤٠] ﴿وإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكم أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١] ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ٤٢] ﴿ومِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ أفَأنْتَ تَهْدِي العُمْيَ ولَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾ [يونس: ٤٣] ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا ولَكِنَّ النّاسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: ٤٤] ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهم قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [يونس: ٤٥] ﴿وإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦] ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإذا جاءَ رَسُولُهم قُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [يونس: ٤٧] ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨] ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا إلّا ما شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ إذا جاءَ أجَلُهم فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس: ٤٩] ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ بَياتًا أوْ نَهارًا ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ﴾ [يونس: ٥٠] ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ آلْآنَ وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [يونس: ٥١] ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [يونس: ٥٢] ﴿ويَسْتَنْبِئُونَكَ أحَقٌّ هو قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [يونس: ٥٣] ﴿ولَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما في الأرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وأسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [يونس: ٥٤] ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ألا إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٥٥] ﴿هُوَ يُحْيِي ويُمِيتُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يونس: ٥٦] ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧] ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨] ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالًا قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكم أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩] ﴿وما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ [يونس: ٦٠] ﴿وما تَكُونُ في شَأْنٍ وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ إلّا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١] (p-١٤٦)رَهَقَهَ: غَشِيَهُ، وقِيلَ: لَحِقَهُ ومِنهُ ﴿ولا تُرْهِقْنِي مِن أمْرِي عُسْرًا﴾ [الكهف: ٧٣]، ورَجُلٌ مُرْهَقٌ: يَغْشاهُ الأضْيافُ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: الرَّهَقُ: اسْمٌ مِنَ الإرْهاقِ، وهو أنْ يَحْمِلَ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ ما لا يُطِيقُ. يُقالُ: أرْهَقْتُهُ أنْ يُصَلِّيَ إذا أعْجَلْتَهُ عَنِ الصَّلاةِ. وقِيلَ: أصْلُ الرَّهَقِ: المُقارَبَةُ، يُقالُ: غُلامٌ مُراهِقٌ أيْ: قارَبَ الحُلُمَ. وفي الحَدِيثِ: «أرْهِقُوا القِبْلَةَ» أيِ: ادْنُوا مِنها. ويُقالُ: رَهِقَتِ الكِلابُ الصَّيْدَ: إذا لَحِقَتْهُ، وأرْهَقْنا الصَّلاةَ: أخَّرْناها حَتّى تَدْنُوَ مِنَ الأُخْرى. القَتَرُ والقَتَرَةُ: الغُبارُ الَّذِي مَعَهُ سَوادٌ، وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الغُبارُ. وقالَ الفَرَزْدَقُ: ؎مُتَوَّجٌ بِرِداءِ المُلْكِ يَتْبَعُهُ مَوْجٌ تَرى فَوْقَهُ الرّاياتِ والقَتَرا أيْ: غُبارُ العَسْكَرِ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: أصْلُ القَتَرِ: دُخانُ النّارِ، ومِنهُ قُتارُ القِدْرِ، انْتَهى. ويُقالُ: القَتْرُ بِسُكُونِ التّاءِ: الشَّأْنُ والأمْرُ، وجَمْعُهُ: شُئُونٌ. وأصْلُهُ الهَمْزُ بِمَعْنى: القَصْدِ مِن شَأنْتُ شَأْنَهُ إذا قَصَدْتَ قَصْدَهُ. عَزَبَ يَعْزُبُ ويَعْزِبُ بِكَسْرِ الزّايِ وضَمِّها: غابَ حَتّى خَفِيَ، ومِنهُ الرَّوْضُ: العازِبُ. وقالَ أبُو تَمّامٍ: ؎وقَلْقَلُ نَأْيٌ مِن خُراسانَ جَأْشَها ∗∗∗ فَقُلْتُ اطْمَئِنِّي أنْضَرُ الرَّوْضِ عازِبُهُ وقِيلَ لِلْغائِبِ عَنْ أهْلِهِ عازِبٌ، حَتّى قالُوهُ لِمَن لا زَوْجَةَ لَهُ. ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾: (أحْسَنُوا) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ذَكَرُوا كَلِمَةَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وقالَ الأصَمُّ: أحْسَنُوا في كُلِّ ما تَعَبَّدُوا بِهِ أيْ: أتَوْا بِالمَأْمُورِ بِهِ كَما يَنْبَغِي، واجْتَنَبُوا المَنهِيَّ. وقِيلَ: أحْسَنُوا مُعامَلَةَ النّاسِ. ورَوى أنَسٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «أحْسَنُوا العَمَلَ في الدُّنْيا» وفي الصَّحِيحِ: «ما الإحْسانُ ؟ قالَ: أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» وعَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ”لَيْسَ الإحْسانُ أنْ تُحْسِنَ إلى مَن أحْسَنَ إلَيْكَ، ذَلِكَ مُكافَأةٌ ! ولَكِنَّ الإحْسانَ أنْ تُحْسِنَ إلى مَن أساءَ إلَيْكَ“ . والحُسْنى قالَ الأكْثَرُونَ: هي الجَنَّةُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ، ولَوْ صَحَّ وجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: الحُسْنى عامٌّ في كُلِّ حَسَنٍ، فَهو يَعُمُّ جَمِيعَ ما قِيلَ ووَعَدَ اللَّهُ في جَمِيعِها بِالزِّيادَةِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أيْضًا قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ . ولَوْ كانَ مَعْنى الحُسْنى: الجَنَّةَ، لَكانَ في القَوْلِ تَكْرِيرٌ في المَعْنى. وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سابِطٍ: هي النَّضْرَةُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الجَزاءُ في الآخِرَةِ. وقِيلَ: الأُمْنِيَّةُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَثُوبَةُ الحُسْنى وزِيادَةٌ، وما يَزِيدُ عَلى المَثُوبَةِ وهو التَّفَضُّلُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: ١٧٣] وعَنْ عَلِيٍّ: الزِّيادَةُ غُرْفَةٌ مِن لُؤْلُؤَةٍ واحِدَةٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الحُسْنى الحَسَنَةُ، والزِّيادَةُ عَشَرَةُ أمْثالِها. وعَنِ الحَسَنِ: عَشَرَةُ أمْثالِها إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ. وعَنْ مُجاهِدٍ: الزِّيادَةُ مَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٌ. وعَنْ زِيادِ بْنِ شَجَرَةَ: الزِّيادَةُ أنْ تَمُرَّ السَّحابَةُ بِأهْلِ الجَنَّةِ فَتَقُولُ: ما تُرِيدُونَ أنْ أُمْطِرَكم ؟ فَلا يُرِيدُونَ شَيْئًا إلّا أمْطَرَتْهم. وزَعَمَتِ المُشَبِّهَةُ والمُجْبِرَةُ (p-١٤٧)أنَّ الزِّيادَةَ النَّظَرُ إلى وجْهِ اللَّهِ تَعالى، وجاءَتْ بِحَدِيثٍ مَوْضُوعٍ: «إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ نُودُوا يا أهْلَ الجَنَّةِ، فَيَكْشِفُونَ الحِجابَ، فَيَنْظُرُونَ إلَيْهِ، فَواللَّهِ ما أعْطاهُمُ اللَّهُ تَعالى شَيْئًا هو أحَبُّ إلَيْهِمْ مِنهُ»، انْتَهى. أمّا تَفْسِيرُهُ أوَّلًا ونَقْلُهُ عَمَّنْ ذَكَرَ تَفْسِيرَ الزِّيادَةِ فَهو نَصُّ الجُبّائِيِّ ونَقْلُهُ، وأمّا قَوْلُهُ: وجاءَتْ بِحَدِيثٍ مَوْضُوعٍ فَلَيْسَ بِمَوْضُوعٍ، بَلْ خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ صُهَيْبٍ، والنَّسائِيُّ عَنْهُ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ وخَرَّجَهُ ابْنُ المُبارَكِ في دَقائِقِهِ مَوْقُوفًا عَلى أبِي مُوسى وقالَ: بِأنَّ الزِّيادَةَ هي النَّظَرُ إلى اللَّهِ تَعالى. أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ في رِوايَةٍ، وحُذَيْفَةُ، وعُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ، وكَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ، وأبُو مُوسى، وصُهَيْبٌ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ، وهو قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ. ومَسْألَةُ الرُّؤْيَةِ يُبْحَثُ فِيها في أُصُولِ الدِّينِ. قالَ مُجاهِدٌ: أرادَ ولا يَلْحَقُها خِزْيٌ، والخِزْيُ يَتَغَيَّرُ بِهِ الوَجْهُ ويَسْوَدُّ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والذِّلَّةُ الكَآبَةُ. وقالَ غَيْرُهُ: الهَوانُ. وقِيلَ: الخَيْبَةُ نَفىَ عَنِ المُحْسِنِينَ ما أثْبَتَ لِلْكُفّارِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠] ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤١] وكَنّى بِالوَجْهِ عَنِ الجُمْلَةِ لِكَوْنِهِ أشْرَفَها، ولِظُهُورِ أثَرِ السُّرُورِ والحُزْنِ فِيهِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، والأعْمَشُ: قَتْرٌ بِسُكُونِ التّاءِ، وهي لُغَةٌ كالقَدَرِ والقَدْرِ، وجُعِلُوا أصْحابَ الجَنَّةِ لِتَصَرُّفِهِمْ فِيها كَما يَتَصَرَّفُ المُلّاكُ عَلى حَسَبِ اخْتِيارِهِمْ. ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ ما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ ما أعَدَّ لِلَّذِينِ أحْسَنُوا وحالُهم يَوْمَ القِيامَةِ ومَآلُهم إلى الجَنَّةِ، ذَكَرَ ما أعَدَّ لِأضْدادِهِمْ وحالَهم ومَآلَهم، وجاءَتْ صِلَةُ المُؤْمِنِينَ أحْسَنُوا، وصِلَةُ الكافِرِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُؤْمِنَ لَمّا خُلِقَ عَلى الفِطْرَةِ وأصَّلَها بِالإحْسانِ، وعَلى أنَّ الكافِرَ لَمّا خُلِقَ عَلى الفِطْرَةِ انْتَقَلَ عَنْها وكَسَبَ السَّيِّئاتِ، فَجُعِلَ ذَلِكَ مُحْسِنًا، وهَذا كاسِبًا لِلسَّيِّئاتِ، لِيَدُلَّ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ سَلَكَ ما يَنْبَغِي، وهَذا سَلَكَ ما لا يَنْبَغِي. والظّاهِرُ أنَّ والَّذِينَ مُبْتَدَأٌ، وجَوَّزُوا في الخَبَرِ وُجُوهًا أحَدُها: أنَّهُ الجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَهُ وهي جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها، وجَزاءُ مُبْتَدَأٌ فَقِيلَ: خَبَرُهُ مُثْبَتٌ وهو بِمِثْلِها. واخْتَلَفُوا في الباءِ فَقِيلَ: زائِدَةٌ قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ أيْ جَزاءُ سَيِّئَةٍ مِثْلُها، كَما قالَ: وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها، كَما زِيدَتْ في الخَبَرِ في قَوْلِهِ: فَمَنَعَكَها بِشَيْءٍ يُسْتَطاعُ، أيْ شَيْءٌ يُسْتَطاعُ. وقِيلَ: لَيْسَتْ بِزائِدَةٍ، والتَّقْدِيرُ: مُقَدَّرٌ بِمِثْلِها أوْ مُسْتَقِرٌّ بِمِثْلِها. وقِيلَ: مَحْذُوفٌ، فَقَدَّرَهُ الحَوْفِيُّ: لَهم جَزاءُ سَيِّئَةٍ قالَ: ودَلَّ عَلى تَقْدِيرِ لَهم قَوْلُهُ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى﴾ حَتّى تُشاكَلَ هَذِهِ بِهَذِهِ. وقَدَّرَهُ أبُو البَقاءِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها واقِعٌ، والباءُ في قَوْلِهِما مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: جَزاءُ، والعائِدُ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا عَنِ الَّذِينَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: جَزاءُ سَيِّئَةٍ مِنهم، كَما حُذِفَ في قَوْلِهِمُ: السَّمْنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ، أيْ مَنَوانِ مِنهُ بِدِرْهَمٍ. وعَلى تَقْدِيرِ الحَوْفِيِّ: لَهم جَزاءُ يَكُونُ الرّابِطُ لَهم. الثّانِي: أنَّ الخَبَرَ قَوْلُهُ: ما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ، ويَكُونُ قَدْ فُصِلَ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ بِجُمْلَتَيْنِ عَلى سَبِيلِ الِاعْتِراضِ، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ، والصَّحِيحُ جَوازُهُ. الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ الخَبَرُ كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا. الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ الخَبَرُ أُولَئِكَ وما بَعْدَهُ، فَيَكُونُ في هَذا القَوْلِ فُصِلَ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ بِأرْبَعِ جُمَلٍ مُعْتَرِضَةٍ، وفي القَوْلِ الثّالِثِ بِثَلاثِ جُمَلٍ، والصَّحِيحُ مَنعُ الِاعْتِراضِ بِثَلاثِ الجُمَلِ وبِأرْبَعِ الجُمَلِ، وأجازَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: (p-١٤٨)لِلَّذِينِ أحْسَنُوا، ويَكُونُ (جَزاءُ) مُبْتَدَأً خَبَرُهُ قَوْلُهُ: والَّذِينَ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ أيْ: ولِلَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها، فَيَتَعادَلُ التَّقْسِيمُ، كَما تَقُولُ: في الدّارِ زَيْدٌ، والقَصْرِ عَمْرٌو أيْ: وفي القَصْرِ عَمْرٌو. وهَذا التَّرْكِيبُ مَسْمُوعٌ مِن لِسانِ العَرَبِ، فَخَرَّجَهُ الأخْفَشُ عَلى أنَّهُ مِنَ العَطْفِ عَلى عامِلَيْنِ. وخَرَّجَهُ الجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ مِمّا حُذِفَ مِنهُ حَرْفُ الجَرِّ، وجَرُّهُ بِذَلِكَ الحَرْفِ المَحْذُوفِ لا بِالعَطْفِ عَلى المَجْرُورِ، وهي مَسْألَةُ خِلافٍ وتَفْصِيلٍ يُتَكَلَّمُ فِيها في عِلْمِ النَّحْوِ. والظّاهِرُ أنَّ السَّيِّئاتِ هُنا هي سَيِّئاتُ الكُفْرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ذِكْرُ أوْصافِهِمْ بَعْدُ. وقِيلَ: السَّيِّئاتُ المَعاصِي، فَيَنْدَرِجُ فِيها الكُفْرُ وغَيْرُهُ. ولِهَذا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وتَعُمُّ السَّيِّئاتُ هاهُنا الكُفْرَ والمَعاصِي، فَمِثْلُ سَيِّئَةِ الكُفْرِ التَّخْلِيدُ في النّارِ، ومِثْلُ سَيِّئاتِ المَعاصِي مَصْرُوفٌ إلى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، ومَعْنى بِمِثْلِها أيْ: لا يُزادُ عَلَيْها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالزِّيادَةِ الفَضْلُ، لِأنَّهُ دَلَّ بِتَرْكِ الزِّيادَةِ عَلى السَّيِّئَةِ عَلى عَدْلِهِ، ودَلَّ بِإثْباتِ الزِّيادَةِ عَلى المَثُوبَةِ عَلى فَضْلِهِ، انْتَهى. وقِيلَ: مَعْنى بِمِثْلِها أيْ: بِما يَلِيقُ بِها مِنَ العُقُوباتِ، فالعُقُوباتُ تَتَرَتَّبُ عَلى قَدْرِ السَّيِّئاتِ، ولِهَذا كانَتْ جَهَنَّمُ دَرَكاتٍ، وكانَ المُنافِقُونَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ لِقُبْحِ مَعْصِيَتِهِمْ. وقُرِئَ: ويَرْهَقُهم بِالياءِ؛ لِأنَّ تَأْنِيثَ الذِّلَّةِ مَجازٌ، وفي وصْفِ المُنافِقِينَ نَفْيِ القَتَرِ والذِّلَّةِ عَنْ وُجُوهِهِمْ، وهُنا غَشِيَتْهُمُ الذِّلَّةُ، وبُولِغَ فِيما يُقابِلُ القَتَرَ فَقِيلَ: كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا، وهَذِهِ مُبالَغَةٌ في سَوادِ الوُجُوهِ. وقَدْ جاءَ مُصَرَّحًا في قَوْلِهِ: ﴿وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] (مِنَ اللَّهِ) أيْ مِن سَخَطِهِ وعَذابِهِ، أوْ مِن جِهَتِهِ تَعالى، ومِن عِنْدِهِ مَن يَعْصِمُهم كَما يَكُونُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وأُغْشِيَتْ: كَسَبَتْ، ومِنهُ الغِشاءُ. وكَوْنُ وُجُوهِهِمْ مُسْوَدَّةً هي حَقِيقَةٌ لا مَجازٌ، فَتَكُونُ ألْوانُهم مُسْوَدَّةً. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: واعْلَمْ أنَّ حُكَماءَ الإسْلامِ قالُوا: المُرادُ مِن هَذا السَّوادِ هاهُنا: سَوادُ الجَهْلِ وظُلْمَةُ الضَّلالِ، فَإنَّ الجَهْلَ طَبْعُهُ طَبْعُ الظُّلْمَةِ. فَقَوْلُهُ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨] ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٩]، المُرادُ نُورُ العِلْمِ ورُوحُهُ وبِشْرُهُ وبِشارَتُهُ، (p-١٤٩)﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠] ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤١] المُرادُ مِنهُ: ظُلْمَةُ الجَهْلِ وكُدُورَةُ الضَّلالَةِ، انْتَهى. وكَثِيرًا ما يَنْقُلُ هَذا الرَّجُلُ عَنْ حُكَماءِ الإسْلامِ في التَّفْسِيرِ، ويَنْقُلُ كَلامَهم تارَةً مَنسُوبًا إلَيْهِمْ، وتارَةً مُسْتَنِدًا بِهِ ويُعْنى بِحُكَماءِ الفَلاسِفَةِ الَّذِينَ خُلِقُوا في مُدَّةِ المِلَّةِ الإسْلامِيَّةِ، وهم أحَقُّ بِأنْ يُسَمَّوْا سُفَهاءَ جُهَلاءَ مِن أنْ يُسَمَّوْا حُكَماءَ، إذْ هم أعْداءُ الأنْبِياءِ والمُحَرِّفُونَ لِلشَّرِيعَةِ الإسْلامِيَّةِ، وهم أضَرُّ عَلى المُسْلِمِينَ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى. وإذا كانَ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نَهى عَنْ قِراءَةِ التَّوْراةِ مَعَ كَوْنِها كِتابًا إلَهِيًّا، فَلَأنْ يَنْهى عَنْ قِراءَةِ كَلامِ الفَلاسِفَةِ أحَقُّ. وقَدْ غَلَبَ في هَذا الزَّمانِ وقَبْلَهُ بِقَلِيلٍ الِاشْتِغالُ بِجَهالاتِ الفَلاسِفَةِ عَلى أكْثَرِ النّاسِ، ويُسَمُّونَها الحِكْمَةَ، ويَسْتَجْهِلُونَ مَن عُرِّيَ عَنْها، ويَعْتَقِدُونَ أنَّهُمُ الكَمَلَةُ مِنَ النّاسِ، ويَعْكُفُونَ عَلى دِراسَتِها، ولا تَكادُ تَلْقى أحَدًا مِنهم يَحْفَطُ قُرْآنًا ولا حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ولَقَدْ غَضَضْتُ مَرَّةً مِنَ ابْنِ سِينا ونَسَبْتُهُ لِلْجَهْلِ فَقالَ لِي بَعْضُهم وأظْهَرَ التَّعَجُّبَ مِن كَوْنِ أحَدٍ يَغُضُّ مِنَ ابْنِ سِينا: كَيْفَ يَكُونُ أعْلَمَ النّاسِ بِاللَّهِ يُنْسَبُ لِلْجَهْلِ ؟ ولَمّا ظَهَرَ مِن قاضِي الجَماعَةِ أبِي الوَلِيدِ مُحَمَّدِ بْنِ أبِي القاسِمِ أحْمَدِ بْنِ أبِي الوَلِيدِ بْنِ رُشْدٍ الِاعْتِناءَ بِمَقالاتِ الفَلاسِفَةِ، والتَّعْظِيمَ لَهم، أغْرى بِهِ عُلَماءُ الإسْلامِ بِالأنْدَلُسِ، المَنصُورَ مَنصُورَ المُوَحِّدِينَ: يَعْقُوبَ بْنَ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ المُؤْمِنِ بْنِ عَلِيٍّ مَلِكَ المَغْرِبِ والأنْدَلُسِ، حَتّى أوْقَعَ بِهِ ما هو مَشْهُورٌ مِن ضَرْبِهِ ولَعْنِهِ وإهانَتِهِ، وإهانَةِ جَماعَةٍ مِنهم عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، وكانَ مِمّا خُوطِبَ بِهِ المَنصُورُ في حَقِّهِمْ قَوْلُ بَعْضِ العُلَماءِ الشُّعَراءِ: ؎خَلِيفَتَنا جَزاكَ اللَّهُ خَيْرًا ∗∗∗ عَنِ الإسْلامِ والسَّعْيِ الكَرِيمِ ؎فَحَقُّ جِهادِهِ جاهَدْتَ فِيهِ ∗∗∗ إلى أنْ فُزْتَ بِالفَتْحِ العَظِيمِ ؎وصَيَّرْتَ الأنامَ بِحُسْنِ هَدْيٍ ∗∗∗ عَلى نَهْجِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ ؎فَجاهِدْ في أُناسٍ قَدْ أضَلُّوا ∗∗∗ طَرِيقَ الشَّرْعِ بِالعِلْمِ القَدِيمِ ؎وحَرِّقْ كُتْبَهم شَرْقًا وغَرْبًا ∗∗∗ فَفِيها كامِنًا شَرُّ العُلُومِ ؎يَدِبُّ إلى العَقائِدِ مِن أذاها ∗∗∗ سُمُومٌ والعَقائِدُ كالجُسُومِ ؎وفِي أمْثالِها إذْ لا دَواءَ ∗∗∗ يَكُونُ السَّيْفُ تِرْياقَ السُّمُومِ وقالَ: ؎يا وحْشَةَ الإسْلامِ مِن فِرْقَةٍ ∗∗∗ شاغِلَةً أنْفُسَها بِالسَّفَهْ ؎قَدْ نَبَذَتْ دِينَ الهُدى خَلْفَها ∗∗∗ وادَّعَتِ الحِكْمَةَ والفَلْسَفَهْ وقالَ: ؎قَدْ ظَهَرَتْ في عَصْرِنا فِرْقَةٌ ∗∗∗ ظُهُورُها شُؤْمٌ عَلى العَصْرِ ؎لا تَقْتَدِي في الدِّينِ إلّا بِما ∗∗∗ سَنَّ ابْنُ سِينا أوْ أبُو نَصْرِ ولَمّا حَلَلْتُ بِدِيارِ مِصْرَ، ورَأيْتُ كَثِيرًا مِن أهْلِها يَشْتَغِلُونَ بِجَهالاتِ الفَلاسِفَةِ ظاهِرًا مِن غَيْرِ أنْ يُنْكِرَ ذَلِكَ أحَدٌ، تَعَجَّبْتُ مِن ذَلِكَ، إذْ كُنّا نَشَأْنا في جَزِيرَةِ الأنْدَلُسِ عَلى التَّبَرُّءِ مِن ذَلِكَ والإنْكارِ لَهُ، وأنَّهُ إذا (p-١٥٠)بِيعَ كِتابٌ في المَنطِقِ إنَّما يُباعُ خُفْيَةً، وأنَّهُ لا يَتَجاسَرُ أحَدٌ أنْ يَنْطِقَ بِلَفْظِ المَنطِقِ، إنَّما يُسَمُّونَهُ المَفْعِلَ، حَتّى أنَّ صاحِبَنا وزِيرَ المَلِكِ ابْنِ الأحْمَرِ: أبا عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ المَعْرُوفَ بِابْنِ الحَكِيمِ، كَتَبَ إلَيْنا كِتابًا مِنَ الأنْدَلُسِ يَسْألُنِي أنْ أشْتَرِيَ أوْ أسْتَنْسِخَ كِتابًا لِبَعْضِ شُيُوخِنا في المَنطِقِ، فَلَمْ يَتَجاسَرْ أنْ يَنْطِقَ بِالمَنطِقِ وهو وزِيرٌ، فَسَمّاهُ في كِتابِهِ لِي بِالمَفْعِلِ. ولَمّا أُلْبِسَتْ وُجُوهُهُمُ السَّوادَ قالَ: كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم، ولَمّا كانَتْ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ نِهايَةً في السَّوادِ، شُبِّهَ سَوادُ وُجُوهِهِمْ بِقِطَعٍ مِنَ اللَّيْلِ حالَ اشْتِدادِ ظُلْمَتِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ والكِسائِيُّ قِطْعًا بِسُكُونِ الطّاءِ، وهو مُفْرَدٌ اسْمٌ لِلشَّيْءِ المَقْطُوعِ. وقالَ الأخْفَشُ في قَوْلِهِ: ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ٨١] بِسَوادٍ مِنَ اللَّيْلِ. وأهْلُ اللُّغَةِ يَقُولُونَ: القِطْعُ ظُلْمَةُ آخِرِ اللَّيْلِ. وقالَ بَعْضُهم: طائِفَةٌ مِنَ اللَّيْلِ. وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ قَوْلُهُ: مُظْلِمًا صِفَةً لِقَوْلِهِ: قِطَعًا، كَما جاءَ ذَلِكَ في قِراءَةِ أُبَيٍّ: (كَأنَّما تَغْشى وُجُوهَهم قِطْعٌ مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمٌ) . وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ فَتَحَ الطّاءَ. وقِيلَ: قِطْعٌ جَمْعُ قِطْعَةٍ، نَحْوَ سِدْرٍ وسِدْرَةٍ، فَيَجُوزُ إذْ ذاكَ أنْ يُوصَفَ بِالمُذَكَّرِ نَحْوَ: نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ، وبِالمُؤَنَّثِ نَحْوَ نَخْلٍ خاوِيَةٍ، ويَجُوزُ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ مُظْلِمًا حالًا مِنَ اللَّيْلِ كَما أعْرَبُوهُ في قِراءَةِ باقِي السَّبْعَةِ، كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا بِتَحْرِيكِ الطّاءِ بِالفَتْحِ مِنَ اللَّيْلِ، مُظْلِمًا بِالنَّصْبِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): إذا جَعَلْتَ مُظْلِمًا حالًا مِنَ اللَّيْلِ، فَما العامِلُ فِيهِ ؟ (قُلْتُ): لا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ أُغْشِيَتْ مِن قِبَلِ أنَّ مِنَ اللَّيْلِ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: قِطَعًا، فَكانَ إفْضاؤُهُ إلى المَوْصُوفِ كَإفْضائِهِ إلى الصِّفَةِ. وإمّا أنْ يَكُونَ مَعْنى الفِعْلِ في مِنَ اللَّيْلِ، انْتَهى. أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ فَهو بَعِيدٌ، لِأنَّ الأصْلَ أنْ يَكُونَ العامِلُ في الحالِ هو العامِلُ في ذِي الحالِ، والعامِلُ في اللَّيْلِ هو مُسْتَقَرُّ الواصِلِ إلَيْهِ بِمِن، وأُغْشِيَتْ عامِلٌ في قَوْلِهِ: قِطَعًا المَوْصُوفِ بِقَوْلِهِ: مِنَ اللَّيْلِ، فاخْتَلَفا فَلِذَلِكَ كانَ الوَجْهُ الأخِيرُ أوْلى أيْ: قِطَعًا مُسْتَقِرَّةً مِنَ اللَّيْلِ، أوْ كائِنَةً مِنَ اللَّيْلِ في حالِ إظْلامِهِ. وقِيلَ: مُظْلِمًا حالٌ مِن قَوْلِهِ: قِطَعًا، أوْ صِفَةٌ. وذُكِرَ في هَذَيْنِ التَّوْجِيهَيْنِ لِأنَّ قِطَعًا في مَعْنى كَثِيرٍ، فَلُوحِظَ فِيهِ الإفْرادُ والتَّذْكِيرُ. وجَوَّزُوا أيْضًا في قِراءَةِ مَن سَكَّنَ الطّاءَ أنْ يَكُونَ (مُظْلِمًا) حالًا مِن قِطْعٍ، وحالًا مِنَ الضَّمِيرِ في (مِن) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَإذا كانَ نَعْتًا يَعْنِي: مُظْلِمًا نَعْتًا لِقِطْعٍ، فَكانَ حَقُّهُ أنْ يَكُونَ قَبْلَ الجُمْلَةِ، ولَكِنْ قَدْ يَجِيءُ بَعْدَ هَذا، وتَقْدِيرُ الجُمْلَةِ: قِطْعًا اسْتَقَرَّ مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٢]، انْتَهى. ولا يَتَعَيَّنُ تَقْدِيرُ العامِلِ في المَجْرُورِ بِالفِعْلِ فَيَكُونُ جُمْلَةً، بَلِ الظّاهِرُ أنْ يُقَدَّرَ بِاسْمِ الفاعِلِ، فَيَكُونُ مِن قَبِيلِ الوَصْفِ بِالمُفْرَدِ والتَّقْدِيرُ: قِطْعًا كائِنًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا. ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مَكانَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكم فَزَيَّلْنا بَيْنَهم وقالَ شُرَكاؤُهم ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكم إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ﴾ (p-١٥١)الضَّمِيرُ في نَحْشُرُهم عائِدٌ عَلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهم مِنَ (الَّذِينَ أحْسَنُوا) ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ و شَيْبَةُ والقُرّاءُ السَّبْعَةُ: نَحْشُرُهم بِالنُّونِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِالياءِ. وقِيلَ: يَعُودُ الضَّمِيرُ عَلى الَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ، ومِنهم عابِدُ غَيْرِ اللَّهِ، ومَن لا يَعْبُدُ شَيْئًا. وانْتَصَبَ يَوْمَ عَلى فِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: ذَكِّرْهم أوْ خَوِّفْهم ونَحْوَهُ. وجَمِيعًا حالٌ، والشُّرَكاءُ الشَّياطِينُ، أوِ المَلائِكَةُ، أوِ الأصْنامُ، أوْ مَن عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ كائِنًا مَن كانَ، أرْبَعَةُ أقْوالٍ. ومَن قالَ: الأصْنامُ، قالَ: يُنْفَخُ فِيها الرُّوحُ فَيُنْطِقُها اللَّهُ بِذَلِكَ مَكانَ الشَّفاعَةِ الَّتِي عَلَّقُوا بِها أطْماعَهم. ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: (أنَّ الكُفّارَ إذا رَأوُا العَذابَ وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ قِيلَ لَهُمُ: اتَّبِعُوا ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ، فَيَقُولُونَ: واللَّهِ لَإيّاكم كُنّا نَعْبُدُ، فَتَقُولُ الآلِهَةُ: فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا) الآيَةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مُحاوَرَتَهم إنَّما هي مَعَ الأصْنامِ، دُونَ المَلائِكَةِ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ بِدَلِيلِ القَوْلِ لَهم: ﴿مَكانَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكُمْ﴾، ودُونَ فِرْعَوْنَ ومَن عُبِدَ مِنَ الجِنِّ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: ﴿إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ﴾ . وهَؤُلاءِ لَمْ يَغْفُلُوا قَطُّ عَنْ عِبادَةِ مَن عَبَدَهم. ومَكانَكم عَدَّهُ النَّحْوِيُّونَ في أسْماءِ الأفْعالِ، وقُدِّرَ بِاثْبُتُوا كَما قالَ: ؎وقَوْلِي كُلَّما جَشَأتْ وجاشَتْ ∗∗∗ مَكانَكِ تُحْمَدِي أوْ تَسْتَرِيحِي أيِ: اثْبُتِي. ولِكَوْنِها بِمَعْنى اثْبُتِي جُزِمَ تُحْمَدِي، وتَحَمَّلَتْ ضَمِيرًا فَأُكِّدَ وعُطِفَ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: أنْتُمْ وشُرَكاؤُكم. والحَرَكَةُ الَّتِي في مَكانَكَ ودُونَكَ، أهْيَ حَرَكَةُ إعْرابٍ، أوْ حَرَكَةُ بِناءٍ تُبْتَنى عَلى الخِلافِ الَّذِي بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ في أسْماءِ الأفْعالِ ؟ ألَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ أمْ لا ؟ فَمَن قالَ: هي في مَوْضِعِ نَصْبٍ جَعَلَ الحَرَكَةَ إعْرابًا، ومَن قالَ: لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ جَعَلَها حَرَكَةَ بِناءٍ. وعَلى الأوَّلِ عَوَّلَ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: مَكانَكُمُ الزَمُوا مَكانَكم لا تَبْرَحُوا حَتّى تَنْظُرُوا ما يُفْعَلُ بِكم. واخْتَلَفُوا في أنْتُمْ، فالظّاهِرُ ما ذَكَرْناهُ مِن أنَّهُ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في مَكانَكم، وشُرَكاؤُكم عَطْفٌ عَلى ذَلِكَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ، وهو قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ قالَ: وأنْتُمْ أكَّدَ بِهِ الضَّمِيرَ في مَكانَكم لِسَدِّهِ مَسَدَّ قَوْلِهِ: الزَمُوا، وشُرَكاؤُكم عَطْفٌ عَلَيْهِ، انْتَهى. يَعْنِي عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ، وتَقْدِيرُهُ: الزَمُوا، وأنَّ مَكانَكم قامَ مَقامَهُ، فَيُحْمَلُ الضَّمِيرُ الَّذِي (p-١٥٢)فِي الزَمُوا لَيْسَ بِجَيِّدٍ، إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ مَكانَكَ الَّذِي هو اسْمُ فِعْلٍ يَتَعَدّى كَما يَتَعَدّى الزَمُوا. ألا تَرى أنَّ اسْمَ الفِعْلِ إذا كانَ الفِعْلُ لازِمًا، كانَ اسْمُ الفِعْلِ لازِمًا، وإذا كانَ مُتَعَدِّيًا كانَ مُتَعَدِّيًا، مِثالُ ذَلِكَ: عَلَيْكَ زَيْدًا، لَمّا نابَ مَنابَ الزَمْ تَعَدّى. وإلَيْكَ لَمّا نابَ مَنابَ تَنَحَّ لَمْ يَتَعَدَّ. ولِكَوْنِ مَكانَكَ لا يَتَعَدّى، قَدَّرَهُ النَّحْوِيُّونَ اثْبُتْ، واثْبُتْ لا يَتَعَدّى. قالَ الحَوْفِيُّ: مَكانَكم نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ أيِ: الزَمُوا مَكانَكم، أوِ اثْبُتُوا. وقالَ أبُو البَقاءِ: مَكانَكم ظَرْفٌ مَبْنِيٌّ لِوُقُوعِهِ مَوْقِعَ الأمْرِ، أيِ: الزَمُوا، انْتَهى. وقَدْ بَيَّنّا أنَّ تَقْدِيرَ الزَمُوا لَيْسَ بِجَيِّدٍ، إذْ لَمْ تَقُلِ العَرَبُ مَكانَكَ زَيْدًا فَتُعَدِّيهِ، كَما تَعَدّى الزَمْ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أنْتُمْ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ: مَخْزِيُّونَ، أوْ مُهانُونَ ونَحْوُهُ، انْتَهى. فَيَكُونُ مَكانَكم قَدْ تَمَّ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهم كَذا، وهَذا ضَعِيفٌ لِفَكِّ الكَلامِ الظّاهِرِ لِاتِّصالِ بَعْضِ أجْزائِهِ بِبَعْضٍ، ولِتَقْدِيرِ إضْمارٍ لا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَيْهِ، ولِقَوْلِهِ: فَزَيَّلْنا بَيْنَهم، إذْ يَدُلُّ عَلى أنَّهم ثَبَتُوا هم وشُرَكاؤُكم في مَكانٍ واحِدٍ حَتّى وقَعَ التَّزْيِيلُ بَيْنَهم وهو التَّفْرِيقُ. ولِقِراءَةِ مَن قَرَأ: أنْتُمْ وشُرَكاءَكم بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ، والعامِلُ فِيهِ اسْمُ الفِعْلِ. ولَوْ كانَ أنْتُمْ مُبْتَدَأٌ وقَدْ حُذِفَ خَبَرُهُ، لَما جازَ أنْ يَأْتِيَ بَعْدَهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ، تَقُولُ: كُلُّ رَجُلٍ وضَيْعَتُهُ بِالرَّفْعِ، ولا يَجُوزُ فِيهِ النَّصْبُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْضًا: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أنْتُمْ تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ الَّذِي في الفِعْلِ المُقَدَّرِ، الَّذِي هو قِفُوا أوْ نَحْوُهُ، انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ، إذْ لَوْ كانَ تَأْكِيدًا لِذَلِكَ الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ بِالفِعْلِ لَجازَ تَقْدِيمُهُ عَلى الظَّرْفِ، إذِ الظَّرْفُ لَمْ يَتَحَمَّلْ ضَمِيرًا عَلى هَذا القَوْلِ فَيَلْزَمُ تَأْخِيرُهُ عَنْهُ، وهو غَيْرُ جائِزٍ، لا تَقُولُ: أنْتَ مَكانَكَ، ولا يُحْفَظُ مِن كَلامِهِمْ. والأصَحُّ أنْ لا يَجُوزَ حَذْفُ المُؤَكَّدِ في التَّأْكِيدِ المَعْنَوِيِّ، فَكَذَلِكَ هَذا، لِأنَّ التَّأْكِيدَ يُنافِي الحَذْفَ. ولَيْسَ مِن كَلامِهِمْ: أنْتَ زَيْدًا لِمَن رَأيْتَهُ قَدْ شَهَرَ سَيْفًا، وأنْتَ تُرِيدُ اضْرِبْ أنْتَ زَيْدًا، إنَّما كَلامُ العَرَبِ: زَيْدًا تُرِيدُ اضْرِبْ زَيْدًا. يُقالُ زِلْتُ الشَّيْءَ عَنْ مَكانِهِ أُزِيلُهُ. قالَ الفَرّاءُ: تَقُولُ العَرَبُ: زِلْتُ الضَّأْنَ مِنَ المَعْزِ فَلَمْ تَزُلْ. وقالَ الواحِدِيُّ: التَّزْيِيلُ والتَّزَيُّلُ والمُزايَلَةُ: التَّمْيِيزُ والتَّفَرُّقُ، انْتَهى. وزَيَّلَ مُضاعَفٌ لِلتَّكْثِيرِ، وهو لِمُفارَقَةِ الحبث وهُنَّ مِن ذَواتِ الياءِ، بِخِلافِ زالَ يَزُولُ فَمادَّتُهُما مُخْتَلِفَةٌ. وزَعَمَ ابْنُ قُتَيْبَةَ أنَّ زَيَّلْنا مِن مادَّةِ زالَ يَزُولُ، وتَبِعَهُ أبُو البَقاءِ. وقالَ أبُو البَقاءِ: فَزَيَّلْنا عَيْنُ الكَلِمَةِ واوٌ لِأنَّهُ مِن زالَ يَزُولُ، وإنَّما قُلِبَتْ ياءً لِأنَّ وزْنَ الكَلِمَةِ فَيْعَلَ أيْ: زَيْوَلْنا، مِثْلَ بَيْطَرَ وبَيْقَرَ، فَلَمّا اجْتَمَعَتِ الواوُ والياءُ عَلى الشَّرْطِ المَعْرُوفِ قُلِبَتْ ياءً، انْتَهى. ولَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأنَّ فَعَّلَ أكْثَرُ مِن (فَيْعَلَ)، ولِأنَّ مَصْدَرَهُ تَزْيِيلٌ. ولَوْ كانَ فَيْعَلَ لَكانَ مَصْدَرُهُ فَيْعَلَةً، فَكانَ يَكُونُ زَيَّلَةً كَبَيْطَرَةٍ، لِأنَّ فَيْعَلَ مُلْحَقٌ بِفَعْلَلَ، ولِقَوْلِهِمْ في قَرِيبٍ مِن مَعْناهُ: زايَلَ، ولَمْ يَقُولُوا: زاوَلَ بِمَعْنى فارَقَ، إنَّما قالُوهُ بِمَعْنى: حاوَلَ وخالَطَ وشَرَحَ، فَزَيَّلْنا فَفَرَّقْنا بَيْنَهم وقَطَعْنا أقْرانَهم والوُصَلَ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم في الدُّنْيا، أوْ فَباعَدْنا بَيْنَهم بَعْدَ الجَمْعِ بَيْنَهم في المَوْقِفِ، وبَيْنَ شُرَكائِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٢٢] قالُوا ضَلُّوا عَنّا وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: فَزايَلْنا حَكاهُ الفَرّاءُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَقَوْلِكَ: صاعَرَ خَدَّهُ وصَعَّرَ، وكالَمْتُهُ وكَلَّمْتُهُ، انْتَهى. يَعْنِي أنَّ فاعَلَ بِمَعْنى فَعَّلَ، وزايَلَ في لِسانِ العَرَبِ بِمَعْنى فارَقَ. قالَ: ؎وقالَ العَذارى إنَّما أنْتَ عَمُّنا ∗∗∗ وكانَ الشَّبابُ كالخَلِيطِ يُزايِلُهْ وقالَ آخَرُ: ؎لَعَمْرِي لِمَوْتٍ لا عُقُوبَةَ بَعْدَهُ ∗∗∗ لِذِي البَثِّ أشَفى مَن هَوى لا يُزايِلُهْ والظّاهِرُ أنَّ التَّزْيِيلَ أوِ المُزايَلَةَ هو بِمُفارَقَةِ الأجْسامِ وتَباعُدِهِ. وقِيلَ: فَرَّقْنا بَيْنَهم في الحُجَّةِ والمَذْهَبِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفَزَيَّلْنا. وقالَ: هُنا ماضِيانِ لَفْظًا، والمَعْنى: فَنُزَيِّلُ بَيْنَهم، ونَقُولُ: لِأنَّهُما مَعْطُوفانِ عَلى مُسْتَقْبَلٍ، ونَفْيُ الشُّرَكاءِ عِبادَةَ المُشْرِكِينَ هو رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: لَإيّاكم كُنّا نَعْبُدُ، والمَعْنى: إنَّكم كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مَن (p-١٥٣)أمَرَكم أنْ تَتَّخِذُوا لِلَّهِ تَعالى أنْدادًا فَأطَعْتُمُوهم، ولَمّا تَنازَعُوا اسْتَشْهَدَ الشُّرَكاءُ بِاللَّهِ تَعالى. وانْتَصَبَ شَهِيدًا، قِيلَ: عَلى الحالِ، والأصَحُّ عَلى التَّمْيِيزِ لِقَبُولِهِ مِن. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في كَفى وفي الياءِ، وإنْ هي الخَفِيفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ. وعِنْدَ القُرّاءِ هي النّافِيَةُ، واللّامُ بِمَعْنى إلّا، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ. واكْتِفاؤُهم بِشَهادَةِ اللَّهِ هو عَلى انْتِفاءِ أنَّهم عَبَدُوهم. ثُمَّ اسْتَأْنَفُوا جُمْلَةً خَبَرِيَّةً أنَّهم كانُوا غافِلِينَ عَنْ عِبادَتِهِمْ أيْ: لا شُعُورَ لَنا بِذَلِكَ. وهَذا يُرَجِّحُ أنَّ الشُّرَكاءَ هي الأصْنامُ كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ الشُّرَكاءُ مِمَّنْ يَعْقِلُ مِن إنْسِيٍّ أوْ جِنِّيٍّ أوْ مَلَكٍ، لَكانَ لَهُ شُعُورٌ بِعِبادَتِهِمْ، ولا شَيْءَ أعْظَمُ سَبَبًا لِلْغَفْلَةِ مِنَ الجَمادِيَّةِ، إذْ لا تُحِسُّ ولا تَشْعُرُ بِشَيْءٍ البَتَّةَ. ﴿هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ ورُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾: هُنالِكَ ظَرْفُ مَكانٍ أيْ: في ذَلِكَ المَوْقِفِ والمَقامِ المُقْتَضِي لِلْحَيْرَةِ والدَّهْشِ. وقِيلَ: هو إشارَةٌ إلى الوَقْتِ، اسْتُعِيرَ ظَرْفُ المَكانِ لِلزَّمانِ أيْ: في ذَلِكَ الوَقْتِ. وقَرَأ الأخَوانِ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: تَتْلُو بِتاءَيْنِ أيْ: تَتْبَعُ وتَطْلُبُ ما أسْلَفَتْ مِن أعْمالِها، قالَهُ السُّدِّيُّ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إنَّ المُرِيبَ يَتَّبِعُ المُرِيبا ∗∗∗ كَما رَأيْتَ الذِّيبَ يَتْلُو الذِّيبا قِيلَ: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِنَ التِّلاوَةِ وهي القِراءَةُ أيْ: تَقْرَأُ كُتُبَها الَّتِي تُدْفَعُ إلَيْها. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: تَبْلُو بِالتّاءِ والباءِ، أيْ: تَخْتَبِرُ ما أسْلَفَتْ مِنَ العَمَلِ فَتَعْرِفُ كَيْفَ هو، أقَبِيحٌ أمْ حَسَنٌ ؟، أنافِعٌ أمْ ضارٌّ ؟، أمَقْبُولٌ أمْ مَرْدُودٌ ؟ كَما يَتَعَرَّفُ الرَّجُلُ الشَّيْءَ بِاخْتِبارِهِ. ورُوِيَ عَنْ عاصِمٍ: نَبْلُو بِنُونٍ وباءٍ أيْ: نَخْتَبِرُ. وكُلُّ نَفْسٍ بِالنَّصْبِ، وما أسْلَفَتْ بَدَلٌ مِن كُلِّ نَفْسٍ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ أيْ: ما أسْلَفَتْ. أوْ يَكُونُ نَبْلُو مِنَ البَلاءِ، وهو العَذابُ، أيْ: نُصِيبُ كُلَّ نَفْسٍ عاصِيَةٍ بِالبَلاءِ، بِسَبَبِ ما أسْلَفَتْ مِنَ العَمَلِ المُسِيءِ. وعَنِ الحَسَنِ تَبْلُو: تَتَسَلَّمُ. وعَنِ الكَلْبِيِّ: تَعْلَمُ. وقِيلَ: تَذُوفُ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ: ورِدُّوا بِكَسْرِ الرّاءِ، لَمّا سَكَّنَ لِلْإدْغامِ نَقَلَ حَرَكَةَ الدّالِّ إلى حَرَكَةِ الرّاءِ بَعْدَ حَذْفِ حَرَكَتِها. ومَعْنى إلى اللَّهِ: إلى عِقابِهِ. وقِيلَ: إلى مَوْضِعِ جَزائِهِ. (مَوْلاهُمُ الحَقِّ) لا ما زَعَمُوهُ مِن أصْنامِهِمْ، إذْ هو المُتَوَلِّي حِسابَهم. فَهو مَوْلاهم في المِلْكِ والإحاطَةِ، لا في النَّصْرِ والرَّحْمَةِ. وقُرِئَ: الحَقَّ بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ نَحْوَ: الحَمْدُ لِلَّهِ أهْلَ الحَمْدِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَقَوْلِكَ هَذا عَبْدُ اللَّهِ الحَقَّ لا الباطِلَ، عَلى تَأْكِيدِ قَوْلِهِ: رُدُّوا إلى اللَّهِ، انْتَهى. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: ورُدُّوا إلى اللَّهِ، جُعِلُوا مُلْجَئِينَ إلى الإقْرارِ بِالإلَهِيَّةِ بَعْدَ أنْ كانُوا في الدُّنْيا يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللَّهِ، ولِذَلِكَ قالَ: مَوْلاهُمُ الحَقِّ. وضَلَّ عَنْهم أيْ: بَطَلَ وذَهَبَ ما كانُوا يَفْتَرُونَهُ مِنَ الكَذِبِ، أوْ مِن دَعْواهم أنَّ أصْنامَهم شُرَكاءُ لِلَّهِ شافِعُونَ لَهم عِنْدَهُ.

يونس 10:30

﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ ما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مَكانَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكم فَزَيَّلْنا بيْنَهم وقالَ شُرَكاؤُهم ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكم إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ﴾ ﴿هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ ورُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ ومَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ ومَن يُدَبِّرُ الأمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣٢] ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ فَسَقُوا أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٣٣] ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ [يونس: ٣٤] ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَهْدِي إلى الحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أفَمَن يَهْدِي إلى الحَقِّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمَّنْ لا يَهِدِّي إلّا أنْ يُهْدى فَما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [يونس: ٣٥] ﴿وما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم إلّا ظَنًّا إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٣٦] ﴿وما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وتَفْصِيلَ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ٣٧] ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٣٨] ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ [يونس: ٣٩] ﴿ومِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ ورَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٤٠] ﴿وإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكم أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١] ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ٤٢] ﴿ومِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ أفَأنْتَ تَهْدِي العُمْيَ ولَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾ [يونس: ٤٣] ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا ولَكِنَّ النّاسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: ٤٤] ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهم قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [يونس: ٤٥] ﴿وإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦] ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإذا جاءَ رَسُولُهم قُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [يونس: ٤٧] ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨] ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا إلّا ما شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ إذا جاءَ أجَلُهم فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس: ٤٩] ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ بَياتًا أوْ نَهارًا ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ﴾ [يونس: ٥٠] ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ آلْآنَ وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [يونس: ٥١] ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [يونس: ٥٢] ﴿ويَسْتَنْبِئُونَكَ أحَقٌّ هو قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [يونس: ٥٣] ﴿ولَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما في الأرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وأسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [يونس: ٥٤] ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ألا إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٥٥] ﴿هُوَ يُحْيِي ويُمِيتُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يونس: ٥٦] ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧] ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨] ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالًا قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكم أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩] ﴿وما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ [يونس: ٦٠] ﴿وما تَكُونُ في شَأْنٍ وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ إلّا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١] (p-١٤٦)رَهَقَهَ: غَشِيَهُ، وقِيلَ: لَحِقَهُ ومِنهُ ﴿ولا تُرْهِقْنِي مِن أمْرِي عُسْرًا﴾ [الكهف: ٧٣]، ورَجُلٌ مُرْهَقٌ: يَغْشاهُ الأضْيافُ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: الرَّهَقُ: اسْمٌ مِنَ الإرْهاقِ، وهو أنْ يَحْمِلَ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ ما لا يُطِيقُ. يُقالُ: أرْهَقْتُهُ أنْ يُصَلِّيَ إذا أعْجَلْتَهُ عَنِ الصَّلاةِ. وقِيلَ: أصْلُ الرَّهَقِ: المُقارَبَةُ، يُقالُ: غُلامٌ مُراهِقٌ أيْ: قارَبَ الحُلُمَ. وفي الحَدِيثِ: «أرْهِقُوا القِبْلَةَ» أيِ: ادْنُوا مِنها. ويُقالُ: رَهِقَتِ الكِلابُ الصَّيْدَ: إذا لَحِقَتْهُ، وأرْهَقْنا الصَّلاةَ: أخَّرْناها حَتّى تَدْنُوَ مِنَ الأُخْرى. القَتَرُ والقَتَرَةُ: الغُبارُ الَّذِي مَعَهُ سَوادٌ، وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الغُبارُ. وقالَ الفَرَزْدَقُ: ؎مُتَوَّجٌ بِرِداءِ المُلْكِ يَتْبَعُهُ مَوْجٌ تَرى فَوْقَهُ الرّاياتِ والقَتَرا أيْ: غُبارُ العَسْكَرِ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: أصْلُ القَتَرِ: دُخانُ النّارِ، ومِنهُ قُتارُ القِدْرِ، انْتَهى. ويُقالُ: القَتْرُ بِسُكُونِ التّاءِ: الشَّأْنُ والأمْرُ، وجَمْعُهُ: شُئُونٌ. وأصْلُهُ الهَمْزُ بِمَعْنى: القَصْدِ مِن شَأنْتُ شَأْنَهُ إذا قَصَدْتَ قَصْدَهُ. عَزَبَ يَعْزُبُ ويَعْزِبُ بِكَسْرِ الزّايِ وضَمِّها: غابَ حَتّى خَفِيَ، ومِنهُ الرَّوْضُ: العازِبُ. وقالَ أبُو تَمّامٍ: ؎وقَلْقَلُ نَأْيٌ مِن خُراسانَ جَأْشَها ∗∗∗ فَقُلْتُ اطْمَئِنِّي أنْضَرُ الرَّوْضِ عازِبُهُ وقِيلَ لِلْغائِبِ عَنْ أهْلِهِ عازِبٌ، حَتّى قالُوهُ لِمَن لا زَوْجَةَ لَهُ. ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾: (أحْسَنُوا) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ذَكَرُوا كَلِمَةَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وقالَ الأصَمُّ: أحْسَنُوا في كُلِّ ما تَعَبَّدُوا بِهِ أيْ: أتَوْا بِالمَأْمُورِ بِهِ كَما يَنْبَغِي، واجْتَنَبُوا المَنهِيَّ. وقِيلَ: أحْسَنُوا مُعامَلَةَ النّاسِ. ورَوى أنَسٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «أحْسَنُوا العَمَلَ في الدُّنْيا» وفي الصَّحِيحِ: «ما الإحْسانُ ؟ قالَ: أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» وعَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ”لَيْسَ الإحْسانُ أنْ تُحْسِنَ إلى مَن أحْسَنَ إلَيْكَ، ذَلِكَ مُكافَأةٌ ! ولَكِنَّ الإحْسانَ أنْ تُحْسِنَ إلى مَن أساءَ إلَيْكَ“ . والحُسْنى قالَ الأكْثَرُونَ: هي الجَنَّةُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ، ولَوْ صَحَّ وجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: الحُسْنى عامٌّ في كُلِّ حَسَنٍ، فَهو يَعُمُّ جَمِيعَ ما قِيلَ ووَعَدَ اللَّهُ في جَمِيعِها بِالزِّيادَةِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أيْضًا قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ . ولَوْ كانَ مَعْنى الحُسْنى: الجَنَّةَ، لَكانَ في القَوْلِ تَكْرِيرٌ في المَعْنى. وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سابِطٍ: هي النَّضْرَةُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الجَزاءُ في الآخِرَةِ. وقِيلَ: الأُمْنِيَّةُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَثُوبَةُ الحُسْنى وزِيادَةٌ، وما يَزِيدُ عَلى المَثُوبَةِ وهو التَّفَضُّلُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: ١٧٣] وعَنْ عَلِيٍّ: الزِّيادَةُ غُرْفَةٌ مِن لُؤْلُؤَةٍ واحِدَةٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الحُسْنى الحَسَنَةُ، والزِّيادَةُ عَشَرَةُ أمْثالِها. وعَنِ الحَسَنِ: عَشَرَةُ أمْثالِها إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ. وعَنْ مُجاهِدٍ: الزِّيادَةُ مَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٌ. وعَنْ زِيادِ بْنِ شَجَرَةَ: الزِّيادَةُ أنْ تَمُرَّ السَّحابَةُ بِأهْلِ الجَنَّةِ فَتَقُولُ: ما تُرِيدُونَ أنْ أُمْطِرَكم ؟ فَلا يُرِيدُونَ شَيْئًا إلّا أمْطَرَتْهم. وزَعَمَتِ المُشَبِّهَةُ والمُجْبِرَةُ (p-١٤٧)أنَّ الزِّيادَةَ النَّظَرُ إلى وجْهِ اللَّهِ تَعالى، وجاءَتْ بِحَدِيثٍ مَوْضُوعٍ: «إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ نُودُوا يا أهْلَ الجَنَّةِ، فَيَكْشِفُونَ الحِجابَ، فَيَنْظُرُونَ إلَيْهِ، فَواللَّهِ ما أعْطاهُمُ اللَّهُ تَعالى شَيْئًا هو أحَبُّ إلَيْهِمْ مِنهُ»، انْتَهى. أمّا تَفْسِيرُهُ أوَّلًا ونَقْلُهُ عَمَّنْ ذَكَرَ تَفْسِيرَ الزِّيادَةِ فَهو نَصُّ الجُبّائِيِّ ونَقْلُهُ، وأمّا قَوْلُهُ: وجاءَتْ بِحَدِيثٍ مَوْضُوعٍ فَلَيْسَ بِمَوْضُوعٍ، بَلْ خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ صُهَيْبٍ، والنَّسائِيُّ عَنْهُ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ وخَرَّجَهُ ابْنُ المُبارَكِ في دَقائِقِهِ مَوْقُوفًا عَلى أبِي مُوسى وقالَ: بِأنَّ الزِّيادَةَ هي النَّظَرُ إلى اللَّهِ تَعالى. أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ في رِوايَةٍ، وحُذَيْفَةُ، وعُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ، وكَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ، وأبُو مُوسى، وصُهَيْبٌ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ، وهو قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ. ومَسْألَةُ الرُّؤْيَةِ يُبْحَثُ فِيها في أُصُولِ الدِّينِ. قالَ مُجاهِدٌ: أرادَ ولا يَلْحَقُها خِزْيٌ، والخِزْيُ يَتَغَيَّرُ بِهِ الوَجْهُ ويَسْوَدُّ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والذِّلَّةُ الكَآبَةُ. وقالَ غَيْرُهُ: الهَوانُ. وقِيلَ: الخَيْبَةُ نَفىَ عَنِ المُحْسِنِينَ ما أثْبَتَ لِلْكُفّارِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠] ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤١] وكَنّى بِالوَجْهِ عَنِ الجُمْلَةِ لِكَوْنِهِ أشْرَفَها، ولِظُهُورِ أثَرِ السُّرُورِ والحُزْنِ فِيهِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، والأعْمَشُ: قَتْرٌ بِسُكُونِ التّاءِ، وهي لُغَةٌ كالقَدَرِ والقَدْرِ، وجُعِلُوا أصْحابَ الجَنَّةِ لِتَصَرُّفِهِمْ فِيها كَما يَتَصَرَّفُ المُلّاكُ عَلى حَسَبِ اخْتِيارِهِمْ. ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ ما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ ما أعَدَّ لِلَّذِينِ أحْسَنُوا وحالُهم يَوْمَ القِيامَةِ ومَآلُهم إلى الجَنَّةِ، ذَكَرَ ما أعَدَّ لِأضْدادِهِمْ وحالَهم ومَآلَهم، وجاءَتْ صِلَةُ المُؤْمِنِينَ أحْسَنُوا، وصِلَةُ الكافِرِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُؤْمِنَ لَمّا خُلِقَ عَلى الفِطْرَةِ وأصَّلَها بِالإحْسانِ، وعَلى أنَّ الكافِرَ لَمّا خُلِقَ عَلى الفِطْرَةِ انْتَقَلَ عَنْها وكَسَبَ السَّيِّئاتِ، فَجُعِلَ ذَلِكَ مُحْسِنًا، وهَذا كاسِبًا لِلسَّيِّئاتِ، لِيَدُلَّ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ سَلَكَ ما يَنْبَغِي، وهَذا سَلَكَ ما لا يَنْبَغِي. والظّاهِرُ أنَّ والَّذِينَ مُبْتَدَأٌ، وجَوَّزُوا في الخَبَرِ وُجُوهًا أحَدُها: أنَّهُ الجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَهُ وهي جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها، وجَزاءُ مُبْتَدَأٌ فَقِيلَ: خَبَرُهُ مُثْبَتٌ وهو بِمِثْلِها. واخْتَلَفُوا في الباءِ فَقِيلَ: زائِدَةٌ قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ أيْ جَزاءُ سَيِّئَةٍ مِثْلُها، كَما قالَ: وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها، كَما زِيدَتْ في الخَبَرِ في قَوْلِهِ: فَمَنَعَكَها بِشَيْءٍ يُسْتَطاعُ، أيْ شَيْءٌ يُسْتَطاعُ. وقِيلَ: لَيْسَتْ بِزائِدَةٍ، والتَّقْدِيرُ: مُقَدَّرٌ بِمِثْلِها أوْ مُسْتَقِرٌّ بِمِثْلِها. وقِيلَ: مَحْذُوفٌ، فَقَدَّرَهُ الحَوْفِيُّ: لَهم جَزاءُ سَيِّئَةٍ قالَ: ودَلَّ عَلى تَقْدِيرِ لَهم قَوْلُهُ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى﴾ حَتّى تُشاكَلَ هَذِهِ بِهَذِهِ. وقَدَّرَهُ أبُو البَقاءِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها واقِعٌ، والباءُ في قَوْلِهِما مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: جَزاءُ، والعائِدُ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا عَنِ الَّذِينَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: جَزاءُ سَيِّئَةٍ مِنهم، كَما حُذِفَ في قَوْلِهِمُ: السَّمْنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ، أيْ مَنَوانِ مِنهُ بِدِرْهَمٍ. وعَلى تَقْدِيرِ الحَوْفِيِّ: لَهم جَزاءُ يَكُونُ الرّابِطُ لَهم. الثّانِي: أنَّ الخَبَرَ قَوْلُهُ: ما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ، ويَكُونُ قَدْ فُصِلَ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ بِجُمْلَتَيْنِ عَلى سَبِيلِ الِاعْتِراضِ، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ، والصَّحِيحُ جَوازُهُ. الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ الخَبَرُ كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا. الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ الخَبَرُ أُولَئِكَ وما بَعْدَهُ، فَيَكُونُ في هَذا القَوْلِ فُصِلَ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ بِأرْبَعِ جُمَلٍ مُعْتَرِضَةٍ، وفي القَوْلِ الثّالِثِ بِثَلاثِ جُمَلٍ، والصَّحِيحُ مَنعُ الِاعْتِراضِ بِثَلاثِ الجُمَلِ وبِأرْبَعِ الجُمَلِ، وأجازَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: (p-١٤٨)لِلَّذِينِ أحْسَنُوا، ويَكُونُ (جَزاءُ) مُبْتَدَأً خَبَرُهُ قَوْلُهُ: والَّذِينَ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ أيْ: ولِلَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها، فَيَتَعادَلُ التَّقْسِيمُ، كَما تَقُولُ: في الدّارِ زَيْدٌ، والقَصْرِ عَمْرٌو أيْ: وفي القَصْرِ عَمْرٌو. وهَذا التَّرْكِيبُ مَسْمُوعٌ مِن لِسانِ العَرَبِ، فَخَرَّجَهُ الأخْفَشُ عَلى أنَّهُ مِنَ العَطْفِ عَلى عامِلَيْنِ. وخَرَّجَهُ الجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ مِمّا حُذِفَ مِنهُ حَرْفُ الجَرِّ، وجَرُّهُ بِذَلِكَ الحَرْفِ المَحْذُوفِ لا بِالعَطْفِ عَلى المَجْرُورِ، وهي مَسْألَةُ خِلافٍ وتَفْصِيلٍ يُتَكَلَّمُ فِيها في عِلْمِ النَّحْوِ. والظّاهِرُ أنَّ السَّيِّئاتِ هُنا هي سَيِّئاتُ الكُفْرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ذِكْرُ أوْصافِهِمْ بَعْدُ. وقِيلَ: السَّيِّئاتُ المَعاصِي، فَيَنْدَرِجُ فِيها الكُفْرُ وغَيْرُهُ. ولِهَذا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وتَعُمُّ السَّيِّئاتُ هاهُنا الكُفْرَ والمَعاصِي، فَمِثْلُ سَيِّئَةِ الكُفْرِ التَّخْلِيدُ في النّارِ، ومِثْلُ سَيِّئاتِ المَعاصِي مَصْرُوفٌ إلى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، ومَعْنى بِمِثْلِها أيْ: لا يُزادُ عَلَيْها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالزِّيادَةِ الفَضْلُ، لِأنَّهُ دَلَّ بِتَرْكِ الزِّيادَةِ عَلى السَّيِّئَةِ عَلى عَدْلِهِ، ودَلَّ بِإثْباتِ الزِّيادَةِ عَلى المَثُوبَةِ عَلى فَضْلِهِ، انْتَهى. وقِيلَ: مَعْنى بِمِثْلِها أيْ: بِما يَلِيقُ بِها مِنَ العُقُوباتِ، فالعُقُوباتُ تَتَرَتَّبُ عَلى قَدْرِ السَّيِّئاتِ، ولِهَذا كانَتْ جَهَنَّمُ دَرَكاتٍ، وكانَ المُنافِقُونَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ لِقُبْحِ مَعْصِيَتِهِمْ. وقُرِئَ: ويَرْهَقُهم بِالياءِ؛ لِأنَّ تَأْنِيثَ الذِّلَّةِ مَجازٌ، وفي وصْفِ المُنافِقِينَ نَفْيِ القَتَرِ والذِّلَّةِ عَنْ وُجُوهِهِمْ، وهُنا غَشِيَتْهُمُ الذِّلَّةُ، وبُولِغَ فِيما يُقابِلُ القَتَرَ فَقِيلَ: كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا، وهَذِهِ مُبالَغَةٌ في سَوادِ الوُجُوهِ. وقَدْ جاءَ مُصَرَّحًا في قَوْلِهِ: ﴿وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] (مِنَ اللَّهِ) أيْ مِن سَخَطِهِ وعَذابِهِ، أوْ مِن جِهَتِهِ تَعالى، ومِن عِنْدِهِ مَن يَعْصِمُهم كَما يَكُونُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وأُغْشِيَتْ: كَسَبَتْ، ومِنهُ الغِشاءُ. وكَوْنُ وُجُوهِهِمْ مُسْوَدَّةً هي حَقِيقَةٌ لا مَجازٌ، فَتَكُونُ ألْوانُهم مُسْوَدَّةً. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: واعْلَمْ أنَّ حُكَماءَ الإسْلامِ قالُوا: المُرادُ مِن هَذا السَّوادِ هاهُنا: سَوادُ الجَهْلِ وظُلْمَةُ الضَّلالِ، فَإنَّ الجَهْلَ طَبْعُهُ طَبْعُ الظُّلْمَةِ. فَقَوْلُهُ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨] ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٩]، المُرادُ نُورُ العِلْمِ ورُوحُهُ وبِشْرُهُ وبِشارَتُهُ، (p-١٤٩)﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠] ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤١] المُرادُ مِنهُ: ظُلْمَةُ الجَهْلِ وكُدُورَةُ الضَّلالَةِ، انْتَهى. وكَثِيرًا ما يَنْقُلُ هَذا الرَّجُلُ عَنْ حُكَماءِ الإسْلامِ في التَّفْسِيرِ، ويَنْقُلُ كَلامَهم تارَةً مَنسُوبًا إلَيْهِمْ، وتارَةً مُسْتَنِدًا بِهِ ويُعْنى بِحُكَماءِ الفَلاسِفَةِ الَّذِينَ خُلِقُوا في مُدَّةِ المِلَّةِ الإسْلامِيَّةِ، وهم أحَقُّ بِأنْ يُسَمَّوْا سُفَهاءَ جُهَلاءَ مِن أنْ يُسَمَّوْا حُكَماءَ، إذْ هم أعْداءُ الأنْبِياءِ والمُحَرِّفُونَ لِلشَّرِيعَةِ الإسْلامِيَّةِ، وهم أضَرُّ عَلى المُسْلِمِينَ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى. وإذا كانَ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نَهى عَنْ قِراءَةِ التَّوْراةِ مَعَ كَوْنِها كِتابًا إلَهِيًّا، فَلَأنْ يَنْهى عَنْ قِراءَةِ كَلامِ الفَلاسِفَةِ أحَقُّ. وقَدْ غَلَبَ في هَذا الزَّمانِ وقَبْلَهُ بِقَلِيلٍ الِاشْتِغالُ بِجَهالاتِ الفَلاسِفَةِ عَلى أكْثَرِ النّاسِ، ويُسَمُّونَها الحِكْمَةَ، ويَسْتَجْهِلُونَ مَن عُرِّيَ عَنْها، ويَعْتَقِدُونَ أنَّهُمُ الكَمَلَةُ مِنَ النّاسِ، ويَعْكُفُونَ عَلى دِراسَتِها، ولا تَكادُ تَلْقى أحَدًا مِنهم يَحْفَطُ قُرْآنًا ولا حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ولَقَدْ غَضَضْتُ مَرَّةً مِنَ ابْنِ سِينا ونَسَبْتُهُ لِلْجَهْلِ فَقالَ لِي بَعْضُهم وأظْهَرَ التَّعَجُّبَ مِن كَوْنِ أحَدٍ يَغُضُّ مِنَ ابْنِ سِينا: كَيْفَ يَكُونُ أعْلَمَ النّاسِ بِاللَّهِ يُنْسَبُ لِلْجَهْلِ ؟ ولَمّا ظَهَرَ مِن قاضِي الجَماعَةِ أبِي الوَلِيدِ مُحَمَّدِ بْنِ أبِي القاسِمِ أحْمَدِ بْنِ أبِي الوَلِيدِ بْنِ رُشْدٍ الِاعْتِناءَ بِمَقالاتِ الفَلاسِفَةِ، والتَّعْظِيمَ لَهم، أغْرى بِهِ عُلَماءُ الإسْلامِ بِالأنْدَلُسِ، المَنصُورَ مَنصُورَ المُوَحِّدِينَ: يَعْقُوبَ بْنَ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ المُؤْمِنِ بْنِ عَلِيٍّ مَلِكَ المَغْرِبِ والأنْدَلُسِ، حَتّى أوْقَعَ بِهِ ما هو مَشْهُورٌ مِن ضَرْبِهِ ولَعْنِهِ وإهانَتِهِ، وإهانَةِ جَماعَةٍ مِنهم عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، وكانَ مِمّا خُوطِبَ بِهِ المَنصُورُ في حَقِّهِمْ قَوْلُ بَعْضِ العُلَماءِ الشُّعَراءِ: ؎خَلِيفَتَنا جَزاكَ اللَّهُ خَيْرًا ∗∗∗ عَنِ الإسْلامِ والسَّعْيِ الكَرِيمِ ؎فَحَقُّ جِهادِهِ جاهَدْتَ فِيهِ ∗∗∗ إلى أنْ فُزْتَ بِالفَتْحِ العَظِيمِ ؎وصَيَّرْتَ الأنامَ بِحُسْنِ هَدْيٍ ∗∗∗ عَلى نَهْجِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ ؎فَجاهِدْ في أُناسٍ قَدْ أضَلُّوا ∗∗∗ طَرِيقَ الشَّرْعِ بِالعِلْمِ القَدِيمِ ؎وحَرِّقْ كُتْبَهم شَرْقًا وغَرْبًا ∗∗∗ فَفِيها كامِنًا شَرُّ العُلُومِ ؎يَدِبُّ إلى العَقائِدِ مِن أذاها ∗∗∗ سُمُومٌ والعَقائِدُ كالجُسُومِ ؎وفِي أمْثالِها إذْ لا دَواءَ ∗∗∗ يَكُونُ السَّيْفُ تِرْياقَ السُّمُومِ وقالَ: ؎يا وحْشَةَ الإسْلامِ مِن فِرْقَةٍ ∗∗∗ شاغِلَةً أنْفُسَها بِالسَّفَهْ ؎قَدْ نَبَذَتْ دِينَ الهُدى خَلْفَها ∗∗∗ وادَّعَتِ الحِكْمَةَ والفَلْسَفَهْ وقالَ: ؎قَدْ ظَهَرَتْ في عَصْرِنا فِرْقَةٌ ∗∗∗ ظُهُورُها شُؤْمٌ عَلى العَصْرِ ؎لا تَقْتَدِي في الدِّينِ إلّا بِما ∗∗∗ سَنَّ ابْنُ سِينا أوْ أبُو نَصْرِ ولَمّا حَلَلْتُ بِدِيارِ مِصْرَ، ورَأيْتُ كَثِيرًا مِن أهْلِها يَشْتَغِلُونَ بِجَهالاتِ الفَلاسِفَةِ ظاهِرًا مِن غَيْرِ أنْ يُنْكِرَ ذَلِكَ أحَدٌ، تَعَجَّبْتُ مِن ذَلِكَ، إذْ كُنّا نَشَأْنا في جَزِيرَةِ الأنْدَلُسِ عَلى التَّبَرُّءِ مِن ذَلِكَ والإنْكارِ لَهُ، وأنَّهُ إذا (p-١٥٠)بِيعَ كِتابٌ في المَنطِقِ إنَّما يُباعُ خُفْيَةً، وأنَّهُ لا يَتَجاسَرُ أحَدٌ أنْ يَنْطِقَ بِلَفْظِ المَنطِقِ، إنَّما يُسَمُّونَهُ المَفْعِلَ، حَتّى أنَّ صاحِبَنا وزِيرَ المَلِكِ ابْنِ الأحْمَرِ: أبا عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ المَعْرُوفَ بِابْنِ الحَكِيمِ، كَتَبَ إلَيْنا كِتابًا مِنَ الأنْدَلُسِ يَسْألُنِي أنْ أشْتَرِيَ أوْ أسْتَنْسِخَ كِتابًا لِبَعْضِ شُيُوخِنا في المَنطِقِ، فَلَمْ يَتَجاسَرْ أنْ يَنْطِقَ بِالمَنطِقِ وهو وزِيرٌ، فَسَمّاهُ في كِتابِهِ لِي بِالمَفْعِلِ. ولَمّا أُلْبِسَتْ وُجُوهُهُمُ السَّوادَ قالَ: كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم، ولَمّا كانَتْ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ نِهايَةً في السَّوادِ، شُبِّهَ سَوادُ وُجُوهِهِمْ بِقِطَعٍ مِنَ اللَّيْلِ حالَ اشْتِدادِ ظُلْمَتِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ والكِسائِيُّ قِطْعًا بِسُكُونِ الطّاءِ، وهو مُفْرَدٌ اسْمٌ لِلشَّيْءِ المَقْطُوعِ. وقالَ الأخْفَشُ في قَوْلِهِ: ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ٨١] بِسَوادٍ مِنَ اللَّيْلِ. وأهْلُ اللُّغَةِ يَقُولُونَ: القِطْعُ ظُلْمَةُ آخِرِ اللَّيْلِ. وقالَ بَعْضُهم: طائِفَةٌ مِنَ اللَّيْلِ. وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ قَوْلُهُ: مُظْلِمًا صِفَةً لِقَوْلِهِ: قِطَعًا، كَما جاءَ ذَلِكَ في قِراءَةِ أُبَيٍّ: (كَأنَّما تَغْشى وُجُوهَهم قِطْعٌ مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمٌ) . وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ فَتَحَ الطّاءَ. وقِيلَ: قِطْعٌ جَمْعُ قِطْعَةٍ، نَحْوَ سِدْرٍ وسِدْرَةٍ، فَيَجُوزُ إذْ ذاكَ أنْ يُوصَفَ بِالمُذَكَّرِ نَحْوَ: نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ، وبِالمُؤَنَّثِ نَحْوَ نَخْلٍ خاوِيَةٍ، ويَجُوزُ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ مُظْلِمًا حالًا مِنَ اللَّيْلِ كَما أعْرَبُوهُ في قِراءَةِ باقِي السَّبْعَةِ، كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا بِتَحْرِيكِ الطّاءِ بِالفَتْحِ مِنَ اللَّيْلِ، مُظْلِمًا بِالنَّصْبِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): إذا جَعَلْتَ مُظْلِمًا حالًا مِنَ اللَّيْلِ، فَما العامِلُ فِيهِ ؟ (قُلْتُ): لا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ أُغْشِيَتْ مِن قِبَلِ أنَّ مِنَ اللَّيْلِ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: قِطَعًا، فَكانَ إفْضاؤُهُ إلى المَوْصُوفِ كَإفْضائِهِ إلى الصِّفَةِ. وإمّا أنْ يَكُونَ مَعْنى الفِعْلِ في مِنَ اللَّيْلِ، انْتَهى. أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ فَهو بَعِيدٌ، لِأنَّ الأصْلَ أنْ يَكُونَ العامِلُ في الحالِ هو العامِلُ في ذِي الحالِ، والعامِلُ في اللَّيْلِ هو مُسْتَقَرُّ الواصِلِ إلَيْهِ بِمِن، وأُغْشِيَتْ عامِلٌ في قَوْلِهِ: قِطَعًا المَوْصُوفِ بِقَوْلِهِ: مِنَ اللَّيْلِ، فاخْتَلَفا فَلِذَلِكَ كانَ الوَجْهُ الأخِيرُ أوْلى أيْ: قِطَعًا مُسْتَقِرَّةً مِنَ اللَّيْلِ، أوْ كائِنَةً مِنَ اللَّيْلِ في حالِ إظْلامِهِ. وقِيلَ: مُظْلِمًا حالٌ مِن قَوْلِهِ: قِطَعًا، أوْ صِفَةٌ. وذُكِرَ في هَذَيْنِ التَّوْجِيهَيْنِ لِأنَّ قِطَعًا في مَعْنى كَثِيرٍ، فَلُوحِظَ فِيهِ الإفْرادُ والتَّذْكِيرُ. وجَوَّزُوا أيْضًا في قِراءَةِ مَن سَكَّنَ الطّاءَ أنْ يَكُونَ (مُظْلِمًا) حالًا مِن قِطْعٍ، وحالًا مِنَ الضَّمِيرِ في (مِن) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَإذا كانَ نَعْتًا يَعْنِي: مُظْلِمًا نَعْتًا لِقِطْعٍ، فَكانَ حَقُّهُ أنْ يَكُونَ قَبْلَ الجُمْلَةِ، ولَكِنْ قَدْ يَجِيءُ بَعْدَ هَذا، وتَقْدِيرُ الجُمْلَةِ: قِطْعًا اسْتَقَرَّ مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٢]، انْتَهى. ولا يَتَعَيَّنُ تَقْدِيرُ العامِلِ في المَجْرُورِ بِالفِعْلِ فَيَكُونُ جُمْلَةً، بَلِ الظّاهِرُ أنْ يُقَدَّرَ بِاسْمِ الفاعِلِ، فَيَكُونُ مِن قَبِيلِ الوَصْفِ بِالمُفْرَدِ والتَّقْدِيرُ: قِطْعًا كائِنًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا. ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مَكانَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكم فَزَيَّلْنا بَيْنَهم وقالَ شُرَكاؤُهم ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكم إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ﴾ (p-١٥١)الضَّمِيرُ في نَحْشُرُهم عائِدٌ عَلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهم مِنَ (الَّذِينَ أحْسَنُوا) ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ و شَيْبَةُ والقُرّاءُ السَّبْعَةُ: نَحْشُرُهم بِالنُّونِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِالياءِ. وقِيلَ: يَعُودُ الضَّمِيرُ عَلى الَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ، ومِنهم عابِدُ غَيْرِ اللَّهِ، ومَن لا يَعْبُدُ شَيْئًا. وانْتَصَبَ يَوْمَ عَلى فِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: ذَكِّرْهم أوْ خَوِّفْهم ونَحْوَهُ. وجَمِيعًا حالٌ، والشُّرَكاءُ الشَّياطِينُ، أوِ المَلائِكَةُ، أوِ الأصْنامُ، أوْ مَن عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ كائِنًا مَن كانَ، أرْبَعَةُ أقْوالٍ. ومَن قالَ: الأصْنامُ، قالَ: يُنْفَخُ فِيها الرُّوحُ فَيُنْطِقُها اللَّهُ بِذَلِكَ مَكانَ الشَّفاعَةِ الَّتِي عَلَّقُوا بِها أطْماعَهم. ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: (أنَّ الكُفّارَ إذا رَأوُا العَذابَ وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ قِيلَ لَهُمُ: اتَّبِعُوا ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ، فَيَقُولُونَ: واللَّهِ لَإيّاكم كُنّا نَعْبُدُ، فَتَقُولُ الآلِهَةُ: فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا) الآيَةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مُحاوَرَتَهم إنَّما هي مَعَ الأصْنامِ، دُونَ المَلائِكَةِ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ بِدَلِيلِ القَوْلِ لَهم: ﴿مَكانَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكُمْ﴾، ودُونَ فِرْعَوْنَ ومَن عُبِدَ مِنَ الجِنِّ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: ﴿إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ﴾ . وهَؤُلاءِ لَمْ يَغْفُلُوا قَطُّ عَنْ عِبادَةِ مَن عَبَدَهم. ومَكانَكم عَدَّهُ النَّحْوِيُّونَ في أسْماءِ الأفْعالِ، وقُدِّرَ بِاثْبُتُوا كَما قالَ: ؎وقَوْلِي كُلَّما جَشَأتْ وجاشَتْ ∗∗∗ مَكانَكِ تُحْمَدِي أوْ تَسْتَرِيحِي أيِ: اثْبُتِي. ولِكَوْنِها بِمَعْنى اثْبُتِي جُزِمَ تُحْمَدِي، وتَحَمَّلَتْ ضَمِيرًا فَأُكِّدَ وعُطِفَ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: أنْتُمْ وشُرَكاؤُكم. والحَرَكَةُ الَّتِي في مَكانَكَ ودُونَكَ، أهْيَ حَرَكَةُ إعْرابٍ، أوْ حَرَكَةُ بِناءٍ تُبْتَنى عَلى الخِلافِ الَّذِي بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ في أسْماءِ الأفْعالِ ؟ ألَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ أمْ لا ؟ فَمَن قالَ: هي في مَوْضِعِ نَصْبٍ جَعَلَ الحَرَكَةَ إعْرابًا، ومَن قالَ: لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ جَعَلَها حَرَكَةَ بِناءٍ. وعَلى الأوَّلِ عَوَّلَ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: مَكانَكُمُ الزَمُوا مَكانَكم لا تَبْرَحُوا حَتّى تَنْظُرُوا ما يُفْعَلُ بِكم. واخْتَلَفُوا في أنْتُمْ، فالظّاهِرُ ما ذَكَرْناهُ مِن أنَّهُ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في مَكانَكم، وشُرَكاؤُكم عَطْفٌ عَلى ذَلِكَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ، وهو قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ قالَ: وأنْتُمْ أكَّدَ بِهِ الضَّمِيرَ في مَكانَكم لِسَدِّهِ مَسَدَّ قَوْلِهِ: الزَمُوا، وشُرَكاؤُكم عَطْفٌ عَلَيْهِ، انْتَهى. يَعْنِي عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ، وتَقْدِيرُهُ: الزَمُوا، وأنَّ مَكانَكم قامَ مَقامَهُ، فَيُحْمَلُ الضَّمِيرُ الَّذِي (p-١٥٢)فِي الزَمُوا لَيْسَ بِجَيِّدٍ، إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ مَكانَكَ الَّذِي هو اسْمُ فِعْلٍ يَتَعَدّى كَما يَتَعَدّى الزَمُوا. ألا تَرى أنَّ اسْمَ الفِعْلِ إذا كانَ الفِعْلُ لازِمًا، كانَ اسْمُ الفِعْلِ لازِمًا، وإذا كانَ مُتَعَدِّيًا كانَ مُتَعَدِّيًا، مِثالُ ذَلِكَ: عَلَيْكَ زَيْدًا، لَمّا نابَ مَنابَ الزَمْ تَعَدّى. وإلَيْكَ لَمّا نابَ مَنابَ تَنَحَّ لَمْ يَتَعَدَّ. ولِكَوْنِ مَكانَكَ لا يَتَعَدّى، قَدَّرَهُ النَّحْوِيُّونَ اثْبُتْ، واثْبُتْ لا يَتَعَدّى. قالَ الحَوْفِيُّ: مَكانَكم نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ أيِ: الزَمُوا مَكانَكم، أوِ اثْبُتُوا. وقالَ أبُو البَقاءِ: مَكانَكم ظَرْفٌ مَبْنِيٌّ لِوُقُوعِهِ مَوْقِعَ الأمْرِ، أيِ: الزَمُوا، انْتَهى. وقَدْ بَيَّنّا أنَّ تَقْدِيرَ الزَمُوا لَيْسَ بِجَيِّدٍ، إذْ لَمْ تَقُلِ العَرَبُ مَكانَكَ زَيْدًا فَتُعَدِّيهِ، كَما تَعَدّى الزَمْ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أنْتُمْ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ: مَخْزِيُّونَ، أوْ مُهانُونَ ونَحْوُهُ، انْتَهى. فَيَكُونُ مَكانَكم قَدْ تَمَّ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهم كَذا، وهَذا ضَعِيفٌ لِفَكِّ الكَلامِ الظّاهِرِ لِاتِّصالِ بَعْضِ أجْزائِهِ بِبَعْضٍ، ولِتَقْدِيرِ إضْمارٍ لا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَيْهِ، ولِقَوْلِهِ: فَزَيَّلْنا بَيْنَهم، إذْ يَدُلُّ عَلى أنَّهم ثَبَتُوا هم وشُرَكاؤُكم في مَكانٍ واحِدٍ حَتّى وقَعَ التَّزْيِيلُ بَيْنَهم وهو التَّفْرِيقُ. ولِقِراءَةِ مَن قَرَأ: أنْتُمْ وشُرَكاءَكم بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ، والعامِلُ فِيهِ اسْمُ الفِعْلِ. ولَوْ كانَ أنْتُمْ مُبْتَدَأٌ وقَدْ حُذِفَ خَبَرُهُ، لَما جازَ أنْ يَأْتِيَ بَعْدَهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ، تَقُولُ: كُلُّ رَجُلٍ وضَيْعَتُهُ بِالرَّفْعِ، ولا يَجُوزُ فِيهِ النَّصْبُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْضًا: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أنْتُمْ تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ الَّذِي في الفِعْلِ المُقَدَّرِ، الَّذِي هو قِفُوا أوْ نَحْوُهُ، انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ، إذْ لَوْ كانَ تَأْكِيدًا لِذَلِكَ الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ بِالفِعْلِ لَجازَ تَقْدِيمُهُ عَلى الظَّرْفِ، إذِ الظَّرْفُ لَمْ يَتَحَمَّلْ ضَمِيرًا عَلى هَذا القَوْلِ فَيَلْزَمُ تَأْخِيرُهُ عَنْهُ، وهو غَيْرُ جائِزٍ، لا تَقُولُ: أنْتَ مَكانَكَ، ولا يُحْفَظُ مِن كَلامِهِمْ. والأصَحُّ أنْ لا يَجُوزَ حَذْفُ المُؤَكَّدِ في التَّأْكِيدِ المَعْنَوِيِّ، فَكَذَلِكَ هَذا، لِأنَّ التَّأْكِيدَ يُنافِي الحَذْفَ. ولَيْسَ مِن كَلامِهِمْ: أنْتَ زَيْدًا لِمَن رَأيْتَهُ قَدْ شَهَرَ سَيْفًا، وأنْتَ تُرِيدُ اضْرِبْ أنْتَ زَيْدًا، إنَّما كَلامُ العَرَبِ: زَيْدًا تُرِيدُ اضْرِبْ زَيْدًا. يُقالُ زِلْتُ الشَّيْءَ عَنْ مَكانِهِ أُزِيلُهُ. قالَ الفَرّاءُ: تَقُولُ العَرَبُ: زِلْتُ الضَّأْنَ مِنَ المَعْزِ فَلَمْ تَزُلْ. وقالَ الواحِدِيُّ: التَّزْيِيلُ والتَّزَيُّلُ والمُزايَلَةُ: التَّمْيِيزُ والتَّفَرُّقُ، انْتَهى. وزَيَّلَ مُضاعَفٌ لِلتَّكْثِيرِ، وهو لِمُفارَقَةِ الحبث وهُنَّ مِن ذَواتِ الياءِ، بِخِلافِ زالَ يَزُولُ فَمادَّتُهُما مُخْتَلِفَةٌ. وزَعَمَ ابْنُ قُتَيْبَةَ أنَّ زَيَّلْنا مِن مادَّةِ زالَ يَزُولُ، وتَبِعَهُ أبُو البَقاءِ. وقالَ أبُو البَقاءِ: فَزَيَّلْنا عَيْنُ الكَلِمَةِ واوٌ لِأنَّهُ مِن زالَ يَزُولُ، وإنَّما قُلِبَتْ ياءً لِأنَّ وزْنَ الكَلِمَةِ فَيْعَلَ أيْ: زَيْوَلْنا، مِثْلَ بَيْطَرَ وبَيْقَرَ، فَلَمّا اجْتَمَعَتِ الواوُ والياءُ عَلى الشَّرْطِ المَعْرُوفِ قُلِبَتْ ياءً، انْتَهى. ولَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأنَّ فَعَّلَ أكْثَرُ مِن (فَيْعَلَ)، ولِأنَّ مَصْدَرَهُ تَزْيِيلٌ. ولَوْ كانَ فَيْعَلَ لَكانَ مَصْدَرُهُ فَيْعَلَةً، فَكانَ يَكُونُ زَيَّلَةً كَبَيْطَرَةٍ، لِأنَّ فَيْعَلَ مُلْحَقٌ بِفَعْلَلَ، ولِقَوْلِهِمْ في قَرِيبٍ مِن مَعْناهُ: زايَلَ، ولَمْ يَقُولُوا: زاوَلَ بِمَعْنى فارَقَ، إنَّما قالُوهُ بِمَعْنى: حاوَلَ وخالَطَ وشَرَحَ، فَزَيَّلْنا فَفَرَّقْنا بَيْنَهم وقَطَعْنا أقْرانَهم والوُصَلَ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم في الدُّنْيا، أوْ فَباعَدْنا بَيْنَهم بَعْدَ الجَمْعِ بَيْنَهم في المَوْقِفِ، وبَيْنَ شُرَكائِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٢٢] قالُوا ضَلُّوا عَنّا وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: فَزايَلْنا حَكاهُ الفَرّاءُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَقَوْلِكَ: صاعَرَ خَدَّهُ وصَعَّرَ، وكالَمْتُهُ وكَلَّمْتُهُ، انْتَهى. يَعْنِي أنَّ فاعَلَ بِمَعْنى فَعَّلَ، وزايَلَ في لِسانِ العَرَبِ بِمَعْنى فارَقَ. قالَ: ؎وقالَ العَذارى إنَّما أنْتَ عَمُّنا ∗∗∗ وكانَ الشَّبابُ كالخَلِيطِ يُزايِلُهْ وقالَ آخَرُ: ؎لَعَمْرِي لِمَوْتٍ لا عُقُوبَةَ بَعْدَهُ ∗∗∗ لِذِي البَثِّ أشَفى مَن هَوى لا يُزايِلُهْ والظّاهِرُ أنَّ التَّزْيِيلَ أوِ المُزايَلَةَ هو بِمُفارَقَةِ الأجْسامِ وتَباعُدِهِ. وقِيلَ: فَرَّقْنا بَيْنَهم في الحُجَّةِ والمَذْهَبِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفَزَيَّلْنا. وقالَ: هُنا ماضِيانِ لَفْظًا، والمَعْنى: فَنُزَيِّلُ بَيْنَهم، ونَقُولُ: لِأنَّهُما مَعْطُوفانِ عَلى مُسْتَقْبَلٍ، ونَفْيُ الشُّرَكاءِ عِبادَةَ المُشْرِكِينَ هو رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: لَإيّاكم كُنّا نَعْبُدُ، والمَعْنى: إنَّكم كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مَن (p-١٥٣)أمَرَكم أنْ تَتَّخِذُوا لِلَّهِ تَعالى أنْدادًا فَأطَعْتُمُوهم، ولَمّا تَنازَعُوا اسْتَشْهَدَ الشُّرَكاءُ بِاللَّهِ تَعالى. وانْتَصَبَ شَهِيدًا، قِيلَ: عَلى الحالِ، والأصَحُّ عَلى التَّمْيِيزِ لِقَبُولِهِ مِن. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في كَفى وفي الياءِ، وإنْ هي الخَفِيفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ. وعِنْدَ القُرّاءِ هي النّافِيَةُ، واللّامُ بِمَعْنى إلّا، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ. واكْتِفاؤُهم بِشَهادَةِ اللَّهِ هو عَلى انْتِفاءِ أنَّهم عَبَدُوهم. ثُمَّ اسْتَأْنَفُوا جُمْلَةً خَبَرِيَّةً أنَّهم كانُوا غافِلِينَ عَنْ عِبادَتِهِمْ أيْ: لا شُعُورَ لَنا بِذَلِكَ. وهَذا يُرَجِّحُ أنَّ الشُّرَكاءَ هي الأصْنامُ كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ الشُّرَكاءُ مِمَّنْ يَعْقِلُ مِن إنْسِيٍّ أوْ جِنِّيٍّ أوْ مَلَكٍ، لَكانَ لَهُ شُعُورٌ بِعِبادَتِهِمْ، ولا شَيْءَ أعْظَمُ سَبَبًا لِلْغَفْلَةِ مِنَ الجَمادِيَّةِ، إذْ لا تُحِسُّ ولا تَشْعُرُ بِشَيْءٍ البَتَّةَ. ﴿هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ ورُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾: هُنالِكَ ظَرْفُ مَكانٍ أيْ: في ذَلِكَ المَوْقِفِ والمَقامِ المُقْتَضِي لِلْحَيْرَةِ والدَّهْشِ. وقِيلَ: هو إشارَةٌ إلى الوَقْتِ، اسْتُعِيرَ ظَرْفُ المَكانِ لِلزَّمانِ أيْ: في ذَلِكَ الوَقْتِ. وقَرَأ الأخَوانِ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: تَتْلُو بِتاءَيْنِ أيْ: تَتْبَعُ وتَطْلُبُ ما أسْلَفَتْ مِن أعْمالِها، قالَهُ السُّدِّيُّ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إنَّ المُرِيبَ يَتَّبِعُ المُرِيبا ∗∗∗ كَما رَأيْتَ الذِّيبَ يَتْلُو الذِّيبا قِيلَ: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِنَ التِّلاوَةِ وهي القِراءَةُ أيْ: تَقْرَأُ كُتُبَها الَّتِي تُدْفَعُ إلَيْها. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: تَبْلُو بِالتّاءِ والباءِ، أيْ: تَخْتَبِرُ ما أسْلَفَتْ مِنَ العَمَلِ فَتَعْرِفُ كَيْفَ هو، أقَبِيحٌ أمْ حَسَنٌ ؟، أنافِعٌ أمْ ضارٌّ ؟، أمَقْبُولٌ أمْ مَرْدُودٌ ؟ كَما يَتَعَرَّفُ الرَّجُلُ الشَّيْءَ بِاخْتِبارِهِ. ورُوِيَ عَنْ عاصِمٍ: نَبْلُو بِنُونٍ وباءٍ أيْ: نَخْتَبِرُ. وكُلُّ نَفْسٍ بِالنَّصْبِ، وما أسْلَفَتْ بَدَلٌ مِن كُلِّ نَفْسٍ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ أيْ: ما أسْلَفَتْ. أوْ يَكُونُ نَبْلُو مِنَ البَلاءِ، وهو العَذابُ، أيْ: نُصِيبُ كُلَّ نَفْسٍ عاصِيَةٍ بِالبَلاءِ، بِسَبَبِ ما أسْلَفَتْ مِنَ العَمَلِ المُسِيءِ. وعَنِ الحَسَنِ تَبْلُو: تَتَسَلَّمُ. وعَنِ الكَلْبِيِّ: تَعْلَمُ. وقِيلَ: تَذُوفُ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ: ورِدُّوا بِكَسْرِ الرّاءِ، لَمّا سَكَّنَ لِلْإدْغامِ نَقَلَ حَرَكَةَ الدّالِّ إلى حَرَكَةِ الرّاءِ بَعْدَ حَذْفِ حَرَكَتِها. ومَعْنى إلى اللَّهِ: إلى عِقابِهِ. وقِيلَ: إلى مَوْضِعِ جَزائِهِ. (مَوْلاهُمُ الحَقِّ) لا ما زَعَمُوهُ مِن أصْنامِهِمْ، إذْ هو المُتَوَلِّي حِسابَهم. فَهو مَوْلاهم في المِلْكِ والإحاطَةِ، لا في النَّصْرِ والرَّحْمَةِ. وقُرِئَ: الحَقَّ بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ نَحْوَ: الحَمْدُ لِلَّهِ أهْلَ الحَمْدِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَقَوْلِكَ هَذا عَبْدُ اللَّهِ الحَقَّ لا الباطِلَ، عَلى تَأْكِيدِ قَوْلِهِ: رُدُّوا إلى اللَّهِ، انْتَهى. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: ورُدُّوا إلى اللَّهِ، جُعِلُوا مُلْجَئِينَ إلى الإقْرارِ بِالإلَهِيَّةِ بَعْدَ أنْ كانُوا في الدُّنْيا يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللَّهِ، ولِذَلِكَ قالَ: مَوْلاهُمُ الحَقِّ. وضَلَّ عَنْهم أيْ: بَطَلَ وذَهَبَ ما كانُوا يَفْتَرُونَهُ مِنَ الكَذِبِ، أوْ مِن دَعْواهم أنَّ أصْنامَهم شُرَكاءُ لِلَّهِ شافِعُونَ لَهم عِنْدَهُ.

يونس 10:31

﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ ما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مَكانَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكم فَزَيَّلْنا بيْنَهم وقالَ شُرَكاؤُهم ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكم إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ﴾ ﴿هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ ورُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ ومَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ ومَن يُدَبِّرُ الأمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣٢] ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ فَسَقُوا أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٣٣] ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ [يونس: ٣٤] ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَهْدِي إلى الحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أفَمَن يَهْدِي إلى الحَقِّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمَّنْ لا يَهِدِّي إلّا أنْ يُهْدى فَما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [يونس: ٣٥] ﴿وما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم إلّا ظَنًّا إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٣٦] ﴿وما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وتَفْصِيلَ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ٣٧] ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٣٨] ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ [يونس: ٣٩] ﴿ومِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ ورَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٤٠] ﴿وإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكم أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١] ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ٤٢] ﴿ومِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ أفَأنْتَ تَهْدِي العُمْيَ ولَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾ [يونس: ٤٣] ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا ولَكِنَّ النّاسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: ٤٤] ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهم قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [يونس: ٤٥] ﴿وإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦] ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإذا جاءَ رَسُولُهم قُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [يونس: ٤٧] ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨] ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا إلّا ما شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ إذا جاءَ أجَلُهم فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس: ٤٩] ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ بَياتًا أوْ نَهارًا ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ﴾ [يونس: ٥٠] ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ آلْآنَ وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [يونس: ٥١] ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [يونس: ٥٢] ﴿ويَسْتَنْبِئُونَكَ أحَقٌّ هو قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [يونس: ٥٣] ﴿ولَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما في الأرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وأسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [يونس: ٥٤] ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ألا إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٥٥] ﴿هُوَ يُحْيِي ويُمِيتُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يونس: ٥٦] ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧] ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨] ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالًا قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكم أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩] ﴿وما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ [يونس: ٦٠] ﴿وما تَكُونُ في شَأْنٍ وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ إلّا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١] (p-١٤٦)رَهَقَهَ: غَشِيَهُ، وقِيلَ: لَحِقَهُ ومِنهُ ﴿ولا تُرْهِقْنِي مِن أمْرِي عُسْرًا﴾ [الكهف: ٧٣]، ورَجُلٌ مُرْهَقٌ: يَغْشاهُ الأضْيافُ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: الرَّهَقُ: اسْمٌ مِنَ الإرْهاقِ، وهو أنْ يَحْمِلَ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ ما لا يُطِيقُ. يُقالُ: أرْهَقْتُهُ أنْ يُصَلِّيَ إذا أعْجَلْتَهُ عَنِ الصَّلاةِ. وقِيلَ: أصْلُ الرَّهَقِ: المُقارَبَةُ، يُقالُ: غُلامٌ مُراهِقٌ أيْ: قارَبَ الحُلُمَ. وفي الحَدِيثِ: «أرْهِقُوا القِبْلَةَ» أيِ: ادْنُوا مِنها. ويُقالُ: رَهِقَتِ الكِلابُ الصَّيْدَ: إذا لَحِقَتْهُ، وأرْهَقْنا الصَّلاةَ: أخَّرْناها حَتّى تَدْنُوَ مِنَ الأُخْرى. القَتَرُ والقَتَرَةُ: الغُبارُ الَّذِي مَعَهُ سَوادٌ، وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الغُبارُ. وقالَ الفَرَزْدَقُ: ؎مُتَوَّجٌ بِرِداءِ المُلْكِ يَتْبَعُهُ مَوْجٌ تَرى فَوْقَهُ الرّاياتِ والقَتَرا أيْ: غُبارُ العَسْكَرِ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: أصْلُ القَتَرِ: دُخانُ النّارِ، ومِنهُ قُتارُ القِدْرِ، انْتَهى. ويُقالُ: القَتْرُ بِسُكُونِ التّاءِ: الشَّأْنُ والأمْرُ، وجَمْعُهُ: شُئُونٌ. وأصْلُهُ الهَمْزُ بِمَعْنى: القَصْدِ مِن شَأنْتُ شَأْنَهُ إذا قَصَدْتَ قَصْدَهُ. عَزَبَ يَعْزُبُ ويَعْزِبُ بِكَسْرِ الزّايِ وضَمِّها: غابَ حَتّى خَفِيَ، ومِنهُ الرَّوْضُ: العازِبُ. وقالَ أبُو تَمّامٍ: ؎وقَلْقَلُ نَأْيٌ مِن خُراسانَ جَأْشَها ∗∗∗ فَقُلْتُ اطْمَئِنِّي أنْضَرُ الرَّوْضِ عازِبُهُ وقِيلَ لِلْغائِبِ عَنْ أهْلِهِ عازِبٌ، حَتّى قالُوهُ لِمَن لا زَوْجَةَ لَهُ. ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾: (أحْسَنُوا) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ذَكَرُوا كَلِمَةَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وقالَ الأصَمُّ: أحْسَنُوا في كُلِّ ما تَعَبَّدُوا بِهِ أيْ: أتَوْا بِالمَأْمُورِ بِهِ كَما يَنْبَغِي، واجْتَنَبُوا المَنهِيَّ. وقِيلَ: أحْسَنُوا مُعامَلَةَ النّاسِ. ورَوى أنَسٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «أحْسَنُوا العَمَلَ في الدُّنْيا» وفي الصَّحِيحِ: «ما الإحْسانُ ؟ قالَ: أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» وعَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ”لَيْسَ الإحْسانُ أنْ تُحْسِنَ إلى مَن أحْسَنَ إلَيْكَ، ذَلِكَ مُكافَأةٌ ! ولَكِنَّ الإحْسانَ أنْ تُحْسِنَ إلى مَن أساءَ إلَيْكَ“ . والحُسْنى قالَ الأكْثَرُونَ: هي الجَنَّةُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ، ولَوْ صَحَّ وجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: الحُسْنى عامٌّ في كُلِّ حَسَنٍ، فَهو يَعُمُّ جَمِيعَ ما قِيلَ ووَعَدَ اللَّهُ في جَمِيعِها بِالزِّيادَةِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أيْضًا قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ . ولَوْ كانَ مَعْنى الحُسْنى: الجَنَّةَ، لَكانَ في القَوْلِ تَكْرِيرٌ في المَعْنى. وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سابِطٍ: هي النَّضْرَةُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الجَزاءُ في الآخِرَةِ. وقِيلَ: الأُمْنِيَّةُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَثُوبَةُ الحُسْنى وزِيادَةٌ، وما يَزِيدُ عَلى المَثُوبَةِ وهو التَّفَضُّلُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: ١٧٣] وعَنْ عَلِيٍّ: الزِّيادَةُ غُرْفَةٌ مِن لُؤْلُؤَةٍ واحِدَةٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الحُسْنى الحَسَنَةُ، والزِّيادَةُ عَشَرَةُ أمْثالِها. وعَنِ الحَسَنِ: عَشَرَةُ أمْثالِها إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ. وعَنْ مُجاهِدٍ: الزِّيادَةُ مَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٌ. وعَنْ زِيادِ بْنِ شَجَرَةَ: الزِّيادَةُ أنْ تَمُرَّ السَّحابَةُ بِأهْلِ الجَنَّةِ فَتَقُولُ: ما تُرِيدُونَ أنْ أُمْطِرَكم ؟ فَلا يُرِيدُونَ شَيْئًا إلّا أمْطَرَتْهم. وزَعَمَتِ المُشَبِّهَةُ والمُجْبِرَةُ (p-١٤٧)أنَّ الزِّيادَةَ النَّظَرُ إلى وجْهِ اللَّهِ تَعالى، وجاءَتْ بِحَدِيثٍ مَوْضُوعٍ: «إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ نُودُوا يا أهْلَ الجَنَّةِ، فَيَكْشِفُونَ الحِجابَ، فَيَنْظُرُونَ إلَيْهِ، فَواللَّهِ ما أعْطاهُمُ اللَّهُ تَعالى شَيْئًا هو أحَبُّ إلَيْهِمْ مِنهُ»، انْتَهى. أمّا تَفْسِيرُهُ أوَّلًا ونَقْلُهُ عَمَّنْ ذَكَرَ تَفْسِيرَ الزِّيادَةِ فَهو نَصُّ الجُبّائِيِّ ونَقْلُهُ، وأمّا قَوْلُهُ: وجاءَتْ بِحَدِيثٍ مَوْضُوعٍ فَلَيْسَ بِمَوْضُوعٍ، بَلْ خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ صُهَيْبٍ، والنَّسائِيُّ عَنْهُ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ وخَرَّجَهُ ابْنُ المُبارَكِ في دَقائِقِهِ مَوْقُوفًا عَلى أبِي مُوسى وقالَ: بِأنَّ الزِّيادَةَ هي النَّظَرُ إلى اللَّهِ تَعالى. أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ في رِوايَةٍ، وحُذَيْفَةُ، وعُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ، وكَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ، وأبُو مُوسى، وصُهَيْبٌ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ، وهو قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ. ومَسْألَةُ الرُّؤْيَةِ يُبْحَثُ فِيها في أُصُولِ الدِّينِ. قالَ مُجاهِدٌ: أرادَ ولا يَلْحَقُها خِزْيٌ، والخِزْيُ يَتَغَيَّرُ بِهِ الوَجْهُ ويَسْوَدُّ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والذِّلَّةُ الكَآبَةُ. وقالَ غَيْرُهُ: الهَوانُ. وقِيلَ: الخَيْبَةُ نَفىَ عَنِ المُحْسِنِينَ ما أثْبَتَ لِلْكُفّارِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠] ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤١] وكَنّى بِالوَجْهِ عَنِ الجُمْلَةِ لِكَوْنِهِ أشْرَفَها، ولِظُهُورِ أثَرِ السُّرُورِ والحُزْنِ فِيهِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، والأعْمَشُ: قَتْرٌ بِسُكُونِ التّاءِ، وهي لُغَةٌ كالقَدَرِ والقَدْرِ، وجُعِلُوا أصْحابَ الجَنَّةِ لِتَصَرُّفِهِمْ فِيها كَما يَتَصَرَّفُ المُلّاكُ عَلى حَسَبِ اخْتِيارِهِمْ. ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ ما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ ما أعَدَّ لِلَّذِينِ أحْسَنُوا وحالُهم يَوْمَ القِيامَةِ ومَآلُهم إلى الجَنَّةِ، ذَكَرَ ما أعَدَّ لِأضْدادِهِمْ وحالَهم ومَآلَهم، وجاءَتْ صِلَةُ المُؤْمِنِينَ أحْسَنُوا، وصِلَةُ الكافِرِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُؤْمِنَ لَمّا خُلِقَ عَلى الفِطْرَةِ وأصَّلَها بِالإحْسانِ، وعَلى أنَّ الكافِرَ لَمّا خُلِقَ عَلى الفِطْرَةِ انْتَقَلَ عَنْها وكَسَبَ السَّيِّئاتِ، فَجُعِلَ ذَلِكَ مُحْسِنًا، وهَذا كاسِبًا لِلسَّيِّئاتِ، لِيَدُلَّ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ سَلَكَ ما يَنْبَغِي، وهَذا سَلَكَ ما لا يَنْبَغِي. والظّاهِرُ أنَّ والَّذِينَ مُبْتَدَأٌ، وجَوَّزُوا في الخَبَرِ وُجُوهًا أحَدُها: أنَّهُ الجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَهُ وهي جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها، وجَزاءُ مُبْتَدَأٌ فَقِيلَ: خَبَرُهُ مُثْبَتٌ وهو بِمِثْلِها. واخْتَلَفُوا في الباءِ فَقِيلَ: زائِدَةٌ قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ أيْ جَزاءُ سَيِّئَةٍ مِثْلُها، كَما قالَ: وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها، كَما زِيدَتْ في الخَبَرِ في قَوْلِهِ: فَمَنَعَكَها بِشَيْءٍ يُسْتَطاعُ، أيْ شَيْءٌ يُسْتَطاعُ. وقِيلَ: لَيْسَتْ بِزائِدَةٍ، والتَّقْدِيرُ: مُقَدَّرٌ بِمِثْلِها أوْ مُسْتَقِرٌّ بِمِثْلِها. وقِيلَ: مَحْذُوفٌ، فَقَدَّرَهُ الحَوْفِيُّ: لَهم جَزاءُ سَيِّئَةٍ قالَ: ودَلَّ عَلى تَقْدِيرِ لَهم قَوْلُهُ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى﴾ حَتّى تُشاكَلَ هَذِهِ بِهَذِهِ. وقَدَّرَهُ أبُو البَقاءِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها واقِعٌ، والباءُ في قَوْلِهِما مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: جَزاءُ، والعائِدُ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا عَنِ الَّذِينَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: جَزاءُ سَيِّئَةٍ مِنهم، كَما حُذِفَ في قَوْلِهِمُ: السَّمْنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ، أيْ مَنَوانِ مِنهُ بِدِرْهَمٍ. وعَلى تَقْدِيرِ الحَوْفِيِّ: لَهم جَزاءُ يَكُونُ الرّابِطُ لَهم. الثّانِي: أنَّ الخَبَرَ قَوْلُهُ: ما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ، ويَكُونُ قَدْ فُصِلَ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ بِجُمْلَتَيْنِ عَلى سَبِيلِ الِاعْتِراضِ، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ، والصَّحِيحُ جَوازُهُ. الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ الخَبَرُ كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا. الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ الخَبَرُ أُولَئِكَ وما بَعْدَهُ، فَيَكُونُ في هَذا القَوْلِ فُصِلَ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ بِأرْبَعِ جُمَلٍ مُعْتَرِضَةٍ، وفي القَوْلِ الثّالِثِ بِثَلاثِ جُمَلٍ، والصَّحِيحُ مَنعُ الِاعْتِراضِ بِثَلاثِ الجُمَلِ وبِأرْبَعِ الجُمَلِ، وأجازَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: (p-١٤٨)لِلَّذِينِ أحْسَنُوا، ويَكُونُ (جَزاءُ) مُبْتَدَأً خَبَرُهُ قَوْلُهُ: والَّذِينَ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ أيْ: ولِلَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها، فَيَتَعادَلُ التَّقْسِيمُ، كَما تَقُولُ: في الدّارِ زَيْدٌ، والقَصْرِ عَمْرٌو أيْ: وفي القَصْرِ عَمْرٌو. وهَذا التَّرْكِيبُ مَسْمُوعٌ مِن لِسانِ العَرَبِ، فَخَرَّجَهُ الأخْفَشُ عَلى أنَّهُ مِنَ العَطْفِ عَلى عامِلَيْنِ. وخَرَّجَهُ الجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ مِمّا حُذِفَ مِنهُ حَرْفُ الجَرِّ، وجَرُّهُ بِذَلِكَ الحَرْفِ المَحْذُوفِ لا بِالعَطْفِ عَلى المَجْرُورِ، وهي مَسْألَةُ خِلافٍ وتَفْصِيلٍ يُتَكَلَّمُ فِيها في عِلْمِ النَّحْوِ. والظّاهِرُ أنَّ السَّيِّئاتِ هُنا هي سَيِّئاتُ الكُفْرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ذِكْرُ أوْصافِهِمْ بَعْدُ. وقِيلَ: السَّيِّئاتُ المَعاصِي، فَيَنْدَرِجُ فِيها الكُفْرُ وغَيْرُهُ. ولِهَذا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وتَعُمُّ السَّيِّئاتُ هاهُنا الكُفْرَ والمَعاصِي، فَمِثْلُ سَيِّئَةِ الكُفْرِ التَّخْلِيدُ في النّارِ، ومِثْلُ سَيِّئاتِ المَعاصِي مَصْرُوفٌ إلى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، ومَعْنى بِمِثْلِها أيْ: لا يُزادُ عَلَيْها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالزِّيادَةِ الفَضْلُ، لِأنَّهُ دَلَّ بِتَرْكِ الزِّيادَةِ عَلى السَّيِّئَةِ عَلى عَدْلِهِ، ودَلَّ بِإثْباتِ الزِّيادَةِ عَلى المَثُوبَةِ عَلى فَضْلِهِ، انْتَهى. وقِيلَ: مَعْنى بِمِثْلِها أيْ: بِما يَلِيقُ بِها مِنَ العُقُوباتِ، فالعُقُوباتُ تَتَرَتَّبُ عَلى قَدْرِ السَّيِّئاتِ، ولِهَذا كانَتْ جَهَنَّمُ دَرَكاتٍ، وكانَ المُنافِقُونَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ لِقُبْحِ مَعْصِيَتِهِمْ. وقُرِئَ: ويَرْهَقُهم بِالياءِ؛ لِأنَّ تَأْنِيثَ الذِّلَّةِ مَجازٌ، وفي وصْفِ المُنافِقِينَ نَفْيِ القَتَرِ والذِّلَّةِ عَنْ وُجُوهِهِمْ، وهُنا غَشِيَتْهُمُ الذِّلَّةُ، وبُولِغَ فِيما يُقابِلُ القَتَرَ فَقِيلَ: كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا، وهَذِهِ مُبالَغَةٌ في سَوادِ الوُجُوهِ. وقَدْ جاءَ مُصَرَّحًا في قَوْلِهِ: ﴿وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] (مِنَ اللَّهِ) أيْ مِن سَخَطِهِ وعَذابِهِ، أوْ مِن جِهَتِهِ تَعالى، ومِن عِنْدِهِ مَن يَعْصِمُهم كَما يَكُونُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وأُغْشِيَتْ: كَسَبَتْ، ومِنهُ الغِشاءُ. وكَوْنُ وُجُوهِهِمْ مُسْوَدَّةً هي حَقِيقَةٌ لا مَجازٌ، فَتَكُونُ ألْوانُهم مُسْوَدَّةً. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: واعْلَمْ أنَّ حُكَماءَ الإسْلامِ قالُوا: المُرادُ مِن هَذا السَّوادِ هاهُنا: سَوادُ الجَهْلِ وظُلْمَةُ الضَّلالِ، فَإنَّ الجَهْلَ طَبْعُهُ طَبْعُ الظُّلْمَةِ. فَقَوْلُهُ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨] ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٩]، المُرادُ نُورُ العِلْمِ ورُوحُهُ وبِشْرُهُ وبِشارَتُهُ، (p-١٤٩)﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠] ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤١] المُرادُ مِنهُ: ظُلْمَةُ الجَهْلِ وكُدُورَةُ الضَّلالَةِ، انْتَهى. وكَثِيرًا ما يَنْقُلُ هَذا الرَّجُلُ عَنْ حُكَماءِ الإسْلامِ في التَّفْسِيرِ، ويَنْقُلُ كَلامَهم تارَةً مَنسُوبًا إلَيْهِمْ، وتارَةً مُسْتَنِدًا بِهِ ويُعْنى بِحُكَماءِ الفَلاسِفَةِ الَّذِينَ خُلِقُوا في مُدَّةِ المِلَّةِ الإسْلامِيَّةِ، وهم أحَقُّ بِأنْ يُسَمَّوْا سُفَهاءَ جُهَلاءَ مِن أنْ يُسَمَّوْا حُكَماءَ، إذْ هم أعْداءُ الأنْبِياءِ والمُحَرِّفُونَ لِلشَّرِيعَةِ الإسْلامِيَّةِ، وهم أضَرُّ عَلى المُسْلِمِينَ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى. وإذا كانَ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نَهى عَنْ قِراءَةِ التَّوْراةِ مَعَ كَوْنِها كِتابًا إلَهِيًّا، فَلَأنْ يَنْهى عَنْ قِراءَةِ كَلامِ الفَلاسِفَةِ أحَقُّ. وقَدْ غَلَبَ في هَذا الزَّمانِ وقَبْلَهُ بِقَلِيلٍ الِاشْتِغالُ بِجَهالاتِ الفَلاسِفَةِ عَلى أكْثَرِ النّاسِ، ويُسَمُّونَها الحِكْمَةَ، ويَسْتَجْهِلُونَ مَن عُرِّيَ عَنْها، ويَعْتَقِدُونَ أنَّهُمُ الكَمَلَةُ مِنَ النّاسِ، ويَعْكُفُونَ عَلى دِراسَتِها، ولا تَكادُ تَلْقى أحَدًا مِنهم يَحْفَطُ قُرْآنًا ولا حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ولَقَدْ غَضَضْتُ مَرَّةً مِنَ ابْنِ سِينا ونَسَبْتُهُ لِلْجَهْلِ فَقالَ لِي بَعْضُهم وأظْهَرَ التَّعَجُّبَ مِن كَوْنِ أحَدٍ يَغُضُّ مِنَ ابْنِ سِينا: كَيْفَ يَكُونُ أعْلَمَ النّاسِ بِاللَّهِ يُنْسَبُ لِلْجَهْلِ ؟ ولَمّا ظَهَرَ مِن قاضِي الجَماعَةِ أبِي الوَلِيدِ مُحَمَّدِ بْنِ أبِي القاسِمِ أحْمَدِ بْنِ أبِي الوَلِيدِ بْنِ رُشْدٍ الِاعْتِناءَ بِمَقالاتِ الفَلاسِفَةِ، والتَّعْظِيمَ لَهم، أغْرى بِهِ عُلَماءُ الإسْلامِ بِالأنْدَلُسِ، المَنصُورَ مَنصُورَ المُوَحِّدِينَ: يَعْقُوبَ بْنَ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ المُؤْمِنِ بْنِ عَلِيٍّ مَلِكَ المَغْرِبِ والأنْدَلُسِ، حَتّى أوْقَعَ بِهِ ما هو مَشْهُورٌ مِن ضَرْبِهِ ولَعْنِهِ وإهانَتِهِ، وإهانَةِ جَماعَةٍ مِنهم عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، وكانَ مِمّا خُوطِبَ بِهِ المَنصُورُ في حَقِّهِمْ قَوْلُ بَعْضِ العُلَماءِ الشُّعَراءِ: ؎خَلِيفَتَنا جَزاكَ اللَّهُ خَيْرًا ∗∗∗ عَنِ الإسْلامِ والسَّعْيِ الكَرِيمِ ؎فَحَقُّ جِهادِهِ جاهَدْتَ فِيهِ ∗∗∗ إلى أنْ فُزْتَ بِالفَتْحِ العَظِيمِ ؎وصَيَّرْتَ الأنامَ بِحُسْنِ هَدْيٍ ∗∗∗ عَلى نَهْجِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ ؎فَجاهِدْ في أُناسٍ قَدْ أضَلُّوا ∗∗∗ طَرِيقَ الشَّرْعِ بِالعِلْمِ القَدِيمِ ؎وحَرِّقْ كُتْبَهم شَرْقًا وغَرْبًا ∗∗∗ فَفِيها كامِنًا شَرُّ العُلُومِ ؎يَدِبُّ إلى العَقائِدِ مِن أذاها ∗∗∗ سُمُومٌ والعَقائِدُ كالجُسُومِ ؎وفِي أمْثالِها إذْ لا دَواءَ ∗∗∗ يَكُونُ السَّيْفُ تِرْياقَ السُّمُومِ وقالَ: ؎يا وحْشَةَ الإسْلامِ مِن فِرْقَةٍ ∗∗∗ شاغِلَةً أنْفُسَها بِالسَّفَهْ ؎قَدْ نَبَذَتْ دِينَ الهُدى خَلْفَها ∗∗∗ وادَّعَتِ الحِكْمَةَ والفَلْسَفَهْ وقالَ: ؎قَدْ ظَهَرَتْ في عَصْرِنا فِرْقَةٌ ∗∗∗ ظُهُورُها شُؤْمٌ عَلى العَصْرِ ؎لا تَقْتَدِي في الدِّينِ إلّا بِما ∗∗∗ سَنَّ ابْنُ سِينا أوْ أبُو نَصْرِ ولَمّا حَلَلْتُ بِدِيارِ مِصْرَ، ورَأيْتُ كَثِيرًا مِن أهْلِها يَشْتَغِلُونَ بِجَهالاتِ الفَلاسِفَةِ ظاهِرًا مِن غَيْرِ أنْ يُنْكِرَ ذَلِكَ أحَدٌ، تَعَجَّبْتُ مِن ذَلِكَ، إذْ كُنّا نَشَأْنا في جَزِيرَةِ الأنْدَلُسِ عَلى التَّبَرُّءِ مِن ذَلِكَ والإنْكارِ لَهُ، وأنَّهُ إذا (p-١٥٠)بِيعَ كِتابٌ في المَنطِقِ إنَّما يُباعُ خُفْيَةً، وأنَّهُ لا يَتَجاسَرُ أحَدٌ أنْ يَنْطِقَ بِلَفْظِ المَنطِقِ، إنَّما يُسَمُّونَهُ المَفْعِلَ، حَتّى أنَّ صاحِبَنا وزِيرَ المَلِكِ ابْنِ الأحْمَرِ: أبا عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ المَعْرُوفَ بِابْنِ الحَكِيمِ، كَتَبَ إلَيْنا كِتابًا مِنَ الأنْدَلُسِ يَسْألُنِي أنْ أشْتَرِيَ أوْ أسْتَنْسِخَ كِتابًا لِبَعْضِ شُيُوخِنا في المَنطِقِ، فَلَمْ يَتَجاسَرْ أنْ يَنْطِقَ بِالمَنطِقِ وهو وزِيرٌ، فَسَمّاهُ في كِتابِهِ لِي بِالمَفْعِلِ. ولَمّا أُلْبِسَتْ وُجُوهُهُمُ السَّوادَ قالَ: كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم، ولَمّا كانَتْ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ نِهايَةً في السَّوادِ، شُبِّهَ سَوادُ وُجُوهِهِمْ بِقِطَعٍ مِنَ اللَّيْلِ حالَ اشْتِدادِ ظُلْمَتِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ والكِسائِيُّ قِطْعًا بِسُكُونِ الطّاءِ، وهو مُفْرَدٌ اسْمٌ لِلشَّيْءِ المَقْطُوعِ. وقالَ الأخْفَشُ في قَوْلِهِ: ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ٨١] بِسَوادٍ مِنَ اللَّيْلِ. وأهْلُ اللُّغَةِ يَقُولُونَ: القِطْعُ ظُلْمَةُ آخِرِ اللَّيْلِ. وقالَ بَعْضُهم: طائِفَةٌ مِنَ اللَّيْلِ. وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ قَوْلُهُ: مُظْلِمًا صِفَةً لِقَوْلِهِ: قِطَعًا، كَما جاءَ ذَلِكَ في قِراءَةِ أُبَيٍّ: (كَأنَّما تَغْشى وُجُوهَهم قِطْعٌ مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمٌ) . وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ فَتَحَ الطّاءَ. وقِيلَ: قِطْعٌ جَمْعُ قِطْعَةٍ، نَحْوَ سِدْرٍ وسِدْرَةٍ، فَيَجُوزُ إذْ ذاكَ أنْ يُوصَفَ بِالمُذَكَّرِ نَحْوَ: نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ، وبِالمُؤَنَّثِ نَحْوَ نَخْلٍ خاوِيَةٍ، ويَجُوزُ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ مُظْلِمًا حالًا مِنَ اللَّيْلِ كَما أعْرَبُوهُ في قِراءَةِ باقِي السَّبْعَةِ، كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا بِتَحْرِيكِ الطّاءِ بِالفَتْحِ مِنَ اللَّيْلِ، مُظْلِمًا بِالنَّصْبِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): إذا جَعَلْتَ مُظْلِمًا حالًا مِنَ اللَّيْلِ، فَما العامِلُ فِيهِ ؟ (قُلْتُ): لا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ أُغْشِيَتْ مِن قِبَلِ أنَّ مِنَ اللَّيْلِ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: قِطَعًا، فَكانَ إفْضاؤُهُ إلى المَوْصُوفِ كَإفْضائِهِ إلى الصِّفَةِ. وإمّا أنْ يَكُونَ مَعْنى الفِعْلِ في مِنَ اللَّيْلِ، انْتَهى. أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ فَهو بَعِيدٌ، لِأنَّ الأصْلَ أنْ يَكُونَ العامِلُ في الحالِ هو العامِلُ في ذِي الحالِ، والعامِلُ في اللَّيْلِ هو مُسْتَقَرُّ الواصِلِ إلَيْهِ بِمِن، وأُغْشِيَتْ عامِلٌ في قَوْلِهِ: قِطَعًا المَوْصُوفِ بِقَوْلِهِ: مِنَ اللَّيْلِ، فاخْتَلَفا فَلِذَلِكَ كانَ الوَجْهُ الأخِيرُ أوْلى أيْ: قِطَعًا مُسْتَقِرَّةً مِنَ اللَّيْلِ، أوْ كائِنَةً مِنَ اللَّيْلِ في حالِ إظْلامِهِ. وقِيلَ: مُظْلِمًا حالٌ مِن قَوْلِهِ: قِطَعًا، أوْ صِفَةٌ. وذُكِرَ في هَذَيْنِ التَّوْجِيهَيْنِ لِأنَّ قِطَعًا في مَعْنى كَثِيرٍ، فَلُوحِظَ فِيهِ الإفْرادُ والتَّذْكِيرُ. وجَوَّزُوا أيْضًا في قِراءَةِ مَن سَكَّنَ الطّاءَ أنْ يَكُونَ (مُظْلِمًا) حالًا مِن قِطْعٍ، وحالًا مِنَ الضَّمِيرِ في (مِن) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَإذا كانَ نَعْتًا يَعْنِي: مُظْلِمًا نَعْتًا لِقِطْعٍ، فَكانَ حَقُّهُ أنْ يَكُونَ قَبْلَ الجُمْلَةِ، ولَكِنْ قَدْ يَجِيءُ بَعْدَ هَذا، وتَقْدِيرُ الجُمْلَةِ: قِطْعًا اسْتَقَرَّ مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٢]، انْتَهى. ولا يَتَعَيَّنُ تَقْدِيرُ العامِلِ في المَجْرُورِ بِالفِعْلِ فَيَكُونُ جُمْلَةً، بَلِ الظّاهِرُ أنْ يُقَدَّرَ بِاسْمِ الفاعِلِ، فَيَكُونُ مِن قَبِيلِ الوَصْفِ بِالمُفْرَدِ والتَّقْدِيرُ: قِطْعًا كائِنًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا. ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مَكانَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكم فَزَيَّلْنا بَيْنَهم وقالَ شُرَكاؤُهم ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكم إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ﴾ (p-١٥١)الضَّمِيرُ في نَحْشُرُهم عائِدٌ عَلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهم مِنَ (الَّذِينَ أحْسَنُوا) ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ و شَيْبَةُ والقُرّاءُ السَّبْعَةُ: نَحْشُرُهم بِالنُّونِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِالياءِ. وقِيلَ: يَعُودُ الضَّمِيرُ عَلى الَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ، ومِنهم عابِدُ غَيْرِ اللَّهِ، ومَن لا يَعْبُدُ شَيْئًا. وانْتَصَبَ يَوْمَ عَلى فِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: ذَكِّرْهم أوْ خَوِّفْهم ونَحْوَهُ. وجَمِيعًا حالٌ، والشُّرَكاءُ الشَّياطِينُ، أوِ المَلائِكَةُ، أوِ الأصْنامُ، أوْ مَن عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ كائِنًا مَن كانَ، أرْبَعَةُ أقْوالٍ. ومَن قالَ: الأصْنامُ، قالَ: يُنْفَخُ فِيها الرُّوحُ فَيُنْطِقُها اللَّهُ بِذَلِكَ مَكانَ الشَّفاعَةِ الَّتِي عَلَّقُوا بِها أطْماعَهم. ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: (أنَّ الكُفّارَ إذا رَأوُا العَذابَ وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ قِيلَ لَهُمُ: اتَّبِعُوا ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ، فَيَقُولُونَ: واللَّهِ لَإيّاكم كُنّا نَعْبُدُ، فَتَقُولُ الآلِهَةُ: فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا) الآيَةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مُحاوَرَتَهم إنَّما هي مَعَ الأصْنامِ، دُونَ المَلائِكَةِ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ بِدَلِيلِ القَوْلِ لَهم: ﴿مَكانَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكُمْ﴾، ودُونَ فِرْعَوْنَ ومَن عُبِدَ مِنَ الجِنِّ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: ﴿إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ﴾ . وهَؤُلاءِ لَمْ يَغْفُلُوا قَطُّ عَنْ عِبادَةِ مَن عَبَدَهم. ومَكانَكم عَدَّهُ النَّحْوِيُّونَ في أسْماءِ الأفْعالِ، وقُدِّرَ بِاثْبُتُوا كَما قالَ: ؎وقَوْلِي كُلَّما جَشَأتْ وجاشَتْ ∗∗∗ مَكانَكِ تُحْمَدِي أوْ تَسْتَرِيحِي أيِ: اثْبُتِي. ولِكَوْنِها بِمَعْنى اثْبُتِي جُزِمَ تُحْمَدِي، وتَحَمَّلَتْ ضَمِيرًا فَأُكِّدَ وعُطِفَ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: أنْتُمْ وشُرَكاؤُكم. والحَرَكَةُ الَّتِي في مَكانَكَ ودُونَكَ، أهْيَ حَرَكَةُ إعْرابٍ، أوْ حَرَكَةُ بِناءٍ تُبْتَنى عَلى الخِلافِ الَّذِي بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ في أسْماءِ الأفْعالِ ؟ ألَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ أمْ لا ؟ فَمَن قالَ: هي في مَوْضِعِ نَصْبٍ جَعَلَ الحَرَكَةَ إعْرابًا، ومَن قالَ: لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ جَعَلَها حَرَكَةَ بِناءٍ. وعَلى الأوَّلِ عَوَّلَ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: مَكانَكُمُ الزَمُوا مَكانَكم لا تَبْرَحُوا حَتّى تَنْظُرُوا ما يُفْعَلُ بِكم. واخْتَلَفُوا في أنْتُمْ، فالظّاهِرُ ما ذَكَرْناهُ مِن أنَّهُ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في مَكانَكم، وشُرَكاؤُكم عَطْفٌ عَلى ذَلِكَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ، وهو قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ قالَ: وأنْتُمْ أكَّدَ بِهِ الضَّمِيرَ في مَكانَكم لِسَدِّهِ مَسَدَّ قَوْلِهِ: الزَمُوا، وشُرَكاؤُكم عَطْفٌ عَلَيْهِ، انْتَهى. يَعْنِي عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ، وتَقْدِيرُهُ: الزَمُوا، وأنَّ مَكانَكم قامَ مَقامَهُ، فَيُحْمَلُ الضَّمِيرُ الَّذِي (p-١٥٢)فِي الزَمُوا لَيْسَ بِجَيِّدٍ، إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ مَكانَكَ الَّذِي هو اسْمُ فِعْلٍ يَتَعَدّى كَما يَتَعَدّى الزَمُوا. ألا تَرى أنَّ اسْمَ الفِعْلِ إذا كانَ الفِعْلُ لازِمًا، كانَ اسْمُ الفِعْلِ لازِمًا، وإذا كانَ مُتَعَدِّيًا كانَ مُتَعَدِّيًا، مِثالُ ذَلِكَ: عَلَيْكَ زَيْدًا، لَمّا نابَ مَنابَ الزَمْ تَعَدّى. وإلَيْكَ لَمّا نابَ مَنابَ تَنَحَّ لَمْ يَتَعَدَّ. ولِكَوْنِ مَكانَكَ لا يَتَعَدّى، قَدَّرَهُ النَّحْوِيُّونَ اثْبُتْ، واثْبُتْ لا يَتَعَدّى. قالَ الحَوْفِيُّ: مَكانَكم نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ أيِ: الزَمُوا مَكانَكم، أوِ اثْبُتُوا. وقالَ أبُو البَقاءِ: مَكانَكم ظَرْفٌ مَبْنِيٌّ لِوُقُوعِهِ مَوْقِعَ الأمْرِ، أيِ: الزَمُوا، انْتَهى. وقَدْ بَيَّنّا أنَّ تَقْدِيرَ الزَمُوا لَيْسَ بِجَيِّدٍ، إذْ لَمْ تَقُلِ العَرَبُ مَكانَكَ زَيْدًا فَتُعَدِّيهِ، كَما تَعَدّى الزَمْ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أنْتُمْ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ: مَخْزِيُّونَ، أوْ مُهانُونَ ونَحْوُهُ، انْتَهى. فَيَكُونُ مَكانَكم قَدْ تَمَّ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهم كَذا، وهَذا ضَعِيفٌ لِفَكِّ الكَلامِ الظّاهِرِ لِاتِّصالِ بَعْضِ أجْزائِهِ بِبَعْضٍ، ولِتَقْدِيرِ إضْمارٍ لا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَيْهِ، ولِقَوْلِهِ: فَزَيَّلْنا بَيْنَهم، إذْ يَدُلُّ عَلى أنَّهم ثَبَتُوا هم وشُرَكاؤُكم في مَكانٍ واحِدٍ حَتّى وقَعَ التَّزْيِيلُ بَيْنَهم وهو التَّفْرِيقُ. ولِقِراءَةِ مَن قَرَأ: أنْتُمْ وشُرَكاءَكم بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ، والعامِلُ فِيهِ اسْمُ الفِعْلِ. ولَوْ كانَ أنْتُمْ مُبْتَدَأٌ وقَدْ حُذِفَ خَبَرُهُ، لَما جازَ أنْ يَأْتِيَ بَعْدَهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ، تَقُولُ: كُلُّ رَجُلٍ وضَيْعَتُهُ بِالرَّفْعِ، ولا يَجُوزُ فِيهِ النَّصْبُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْضًا: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أنْتُمْ تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ الَّذِي في الفِعْلِ المُقَدَّرِ، الَّذِي هو قِفُوا أوْ نَحْوُهُ، انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ، إذْ لَوْ كانَ تَأْكِيدًا لِذَلِكَ الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ بِالفِعْلِ لَجازَ تَقْدِيمُهُ عَلى الظَّرْفِ، إذِ الظَّرْفُ لَمْ يَتَحَمَّلْ ضَمِيرًا عَلى هَذا القَوْلِ فَيَلْزَمُ تَأْخِيرُهُ عَنْهُ، وهو غَيْرُ جائِزٍ، لا تَقُولُ: أنْتَ مَكانَكَ، ولا يُحْفَظُ مِن كَلامِهِمْ. والأصَحُّ أنْ لا يَجُوزَ حَذْفُ المُؤَكَّدِ في التَّأْكِيدِ المَعْنَوِيِّ، فَكَذَلِكَ هَذا، لِأنَّ التَّأْكِيدَ يُنافِي الحَذْفَ. ولَيْسَ مِن كَلامِهِمْ: أنْتَ زَيْدًا لِمَن رَأيْتَهُ قَدْ شَهَرَ سَيْفًا، وأنْتَ تُرِيدُ اضْرِبْ أنْتَ زَيْدًا، إنَّما كَلامُ العَرَبِ: زَيْدًا تُرِيدُ اضْرِبْ زَيْدًا. يُقالُ زِلْتُ الشَّيْءَ عَنْ مَكانِهِ أُزِيلُهُ. قالَ الفَرّاءُ: تَقُولُ العَرَبُ: زِلْتُ الضَّأْنَ مِنَ المَعْزِ فَلَمْ تَزُلْ. وقالَ الواحِدِيُّ: التَّزْيِيلُ والتَّزَيُّلُ والمُزايَلَةُ: التَّمْيِيزُ والتَّفَرُّقُ، انْتَهى. وزَيَّلَ مُضاعَفٌ لِلتَّكْثِيرِ، وهو لِمُفارَقَةِ الحبث وهُنَّ مِن ذَواتِ الياءِ، بِخِلافِ زالَ يَزُولُ فَمادَّتُهُما مُخْتَلِفَةٌ. وزَعَمَ ابْنُ قُتَيْبَةَ أنَّ زَيَّلْنا مِن مادَّةِ زالَ يَزُولُ، وتَبِعَهُ أبُو البَقاءِ. وقالَ أبُو البَقاءِ: فَزَيَّلْنا عَيْنُ الكَلِمَةِ واوٌ لِأنَّهُ مِن زالَ يَزُولُ، وإنَّما قُلِبَتْ ياءً لِأنَّ وزْنَ الكَلِمَةِ فَيْعَلَ أيْ: زَيْوَلْنا، مِثْلَ بَيْطَرَ وبَيْقَرَ، فَلَمّا اجْتَمَعَتِ الواوُ والياءُ عَلى الشَّرْطِ المَعْرُوفِ قُلِبَتْ ياءً، انْتَهى. ولَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأنَّ فَعَّلَ أكْثَرُ مِن (فَيْعَلَ)، ولِأنَّ مَصْدَرَهُ تَزْيِيلٌ. ولَوْ كانَ فَيْعَلَ لَكانَ مَصْدَرُهُ فَيْعَلَةً، فَكانَ يَكُونُ زَيَّلَةً كَبَيْطَرَةٍ، لِأنَّ فَيْعَلَ مُلْحَقٌ بِفَعْلَلَ، ولِقَوْلِهِمْ في قَرِيبٍ مِن مَعْناهُ: زايَلَ، ولَمْ يَقُولُوا: زاوَلَ بِمَعْنى فارَقَ، إنَّما قالُوهُ بِمَعْنى: حاوَلَ وخالَطَ وشَرَحَ، فَزَيَّلْنا فَفَرَّقْنا بَيْنَهم وقَطَعْنا أقْرانَهم والوُصَلَ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم في الدُّنْيا، أوْ فَباعَدْنا بَيْنَهم بَعْدَ الجَمْعِ بَيْنَهم في المَوْقِفِ، وبَيْنَ شُرَكائِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٢٢] قالُوا ضَلُّوا عَنّا وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: فَزايَلْنا حَكاهُ الفَرّاءُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَقَوْلِكَ: صاعَرَ خَدَّهُ وصَعَّرَ، وكالَمْتُهُ وكَلَّمْتُهُ، انْتَهى. يَعْنِي أنَّ فاعَلَ بِمَعْنى فَعَّلَ، وزايَلَ في لِسانِ العَرَبِ بِمَعْنى فارَقَ. قالَ: ؎وقالَ العَذارى إنَّما أنْتَ عَمُّنا ∗∗∗ وكانَ الشَّبابُ كالخَلِيطِ يُزايِلُهْ وقالَ آخَرُ: ؎لَعَمْرِي لِمَوْتٍ لا عُقُوبَةَ بَعْدَهُ ∗∗∗ لِذِي البَثِّ أشَفى مَن هَوى لا يُزايِلُهْ والظّاهِرُ أنَّ التَّزْيِيلَ أوِ المُزايَلَةَ هو بِمُفارَقَةِ الأجْسامِ وتَباعُدِهِ. وقِيلَ: فَرَّقْنا بَيْنَهم في الحُجَّةِ والمَذْهَبِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفَزَيَّلْنا. وقالَ: هُنا ماضِيانِ لَفْظًا، والمَعْنى: فَنُزَيِّلُ بَيْنَهم، ونَقُولُ: لِأنَّهُما مَعْطُوفانِ عَلى مُسْتَقْبَلٍ، ونَفْيُ الشُّرَكاءِ عِبادَةَ المُشْرِكِينَ هو رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: لَإيّاكم كُنّا نَعْبُدُ، والمَعْنى: إنَّكم كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مَن (p-١٥٣)أمَرَكم أنْ تَتَّخِذُوا لِلَّهِ تَعالى أنْدادًا فَأطَعْتُمُوهم، ولَمّا تَنازَعُوا اسْتَشْهَدَ الشُّرَكاءُ بِاللَّهِ تَعالى. وانْتَصَبَ شَهِيدًا، قِيلَ: عَلى الحالِ، والأصَحُّ عَلى التَّمْيِيزِ لِقَبُولِهِ مِن. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في كَفى وفي الياءِ، وإنْ هي الخَفِيفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ. وعِنْدَ القُرّاءِ هي النّافِيَةُ، واللّامُ بِمَعْنى إلّا، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ. واكْتِفاؤُهم بِشَهادَةِ اللَّهِ هو عَلى انْتِفاءِ أنَّهم عَبَدُوهم. ثُمَّ اسْتَأْنَفُوا جُمْلَةً خَبَرِيَّةً أنَّهم كانُوا غافِلِينَ عَنْ عِبادَتِهِمْ أيْ: لا شُعُورَ لَنا بِذَلِكَ. وهَذا يُرَجِّحُ أنَّ الشُّرَكاءَ هي الأصْنامُ كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ الشُّرَكاءُ مِمَّنْ يَعْقِلُ مِن إنْسِيٍّ أوْ جِنِّيٍّ أوْ مَلَكٍ، لَكانَ لَهُ شُعُورٌ بِعِبادَتِهِمْ، ولا شَيْءَ أعْظَمُ سَبَبًا لِلْغَفْلَةِ مِنَ الجَمادِيَّةِ، إذْ لا تُحِسُّ ولا تَشْعُرُ بِشَيْءٍ البَتَّةَ. ﴿هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ ورُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾: هُنالِكَ ظَرْفُ مَكانٍ أيْ: في ذَلِكَ المَوْقِفِ والمَقامِ المُقْتَضِي لِلْحَيْرَةِ والدَّهْشِ. وقِيلَ: هو إشارَةٌ إلى الوَقْتِ، اسْتُعِيرَ ظَرْفُ المَكانِ لِلزَّمانِ أيْ: في ذَلِكَ الوَقْتِ. وقَرَأ الأخَوانِ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: تَتْلُو بِتاءَيْنِ أيْ: تَتْبَعُ وتَطْلُبُ ما أسْلَفَتْ مِن أعْمالِها، قالَهُ السُّدِّيُّ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إنَّ المُرِيبَ يَتَّبِعُ المُرِيبا ∗∗∗ كَما رَأيْتَ الذِّيبَ يَتْلُو الذِّيبا قِيلَ: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِنَ التِّلاوَةِ وهي القِراءَةُ أيْ: تَقْرَأُ كُتُبَها الَّتِي تُدْفَعُ إلَيْها. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: تَبْلُو بِالتّاءِ والباءِ، أيْ: تَخْتَبِرُ ما أسْلَفَتْ مِنَ العَمَلِ فَتَعْرِفُ كَيْفَ هو، أقَبِيحٌ أمْ حَسَنٌ ؟، أنافِعٌ أمْ ضارٌّ ؟، أمَقْبُولٌ أمْ مَرْدُودٌ ؟ كَما يَتَعَرَّفُ الرَّجُلُ الشَّيْءَ بِاخْتِبارِهِ. ورُوِيَ عَنْ عاصِمٍ: نَبْلُو بِنُونٍ وباءٍ أيْ: نَخْتَبِرُ. وكُلُّ نَفْسٍ بِالنَّصْبِ، وما أسْلَفَتْ بَدَلٌ مِن كُلِّ نَفْسٍ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ أيْ: ما أسْلَفَتْ. أوْ يَكُونُ نَبْلُو مِنَ البَلاءِ، وهو العَذابُ، أيْ: نُصِيبُ كُلَّ نَفْسٍ عاصِيَةٍ بِالبَلاءِ، بِسَبَبِ ما أسْلَفَتْ مِنَ العَمَلِ المُسِيءِ. وعَنِ الحَسَنِ تَبْلُو: تَتَسَلَّمُ. وعَنِ الكَلْبِيِّ: تَعْلَمُ. وقِيلَ: تَذُوفُ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ: ورِدُّوا بِكَسْرِ الرّاءِ، لَمّا سَكَّنَ لِلْإدْغامِ نَقَلَ حَرَكَةَ الدّالِّ إلى حَرَكَةِ الرّاءِ بَعْدَ حَذْفِ حَرَكَتِها. ومَعْنى إلى اللَّهِ: إلى عِقابِهِ. وقِيلَ: إلى مَوْضِعِ جَزائِهِ. (مَوْلاهُمُ الحَقِّ) لا ما زَعَمُوهُ مِن أصْنامِهِمْ، إذْ هو المُتَوَلِّي حِسابَهم. فَهو مَوْلاهم في المِلْكِ والإحاطَةِ، لا في النَّصْرِ والرَّحْمَةِ. وقُرِئَ: الحَقَّ بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ نَحْوَ: الحَمْدُ لِلَّهِ أهْلَ الحَمْدِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَقَوْلِكَ هَذا عَبْدُ اللَّهِ الحَقَّ لا الباطِلَ، عَلى تَأْكِيدِ قَوْلِهِ: رُدُّوا إلى اللَّهِ، انْتَهى. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: ورُدُّوا إلى اللَّهِ، جُعِلُوا مُلْجَئِينَ إلى الإقْرارِ بِالإلَهِيَّةِ بَعْدَ أنْ كانُوا في الدُّنْيا يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللَّهِ، ولِذَلِكَ قالَ: مَوْلاهُمُ الحَقِّ. وضَلَّ عَنْهم أيْ: بَطَلَ وذَهَبَ ما كانُوا يَفْتَرُونَهُ مِنَ الكَذِبِ، أوْ مِن دَعْواهم أنَّ أصْنامَهم شُرَكاءُ لِلَّهِ شافِعُونَ لَهم عِنْدَهُ.

يونس 10:32

﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ ومَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ ومَن يُدَبِّرُ الأمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١]: لَمّا بَيَّنَ فَضائِحَ عَبَدَةِ الأوْثانِ، أتْبَعَها بِذِكْرِ الدَّلائِلِ عَلى فَسادِ مَذْهَبِهِمْ بِما يُوَبِّخُهم، ويَحُجَّهم بِما لا يُمْكِنُ إلّا الِاعْتِرافُ بِهِ مِن حالِ رِزْقِهِمْ وحَواسِّهِمْ، وإظْهارِ القُدْرَةِ الباهِرَةِ في المَوْتِ والحَياةِ. فَبَدَأ بِما فِيهِ قِوامُ حَياتِهِمْ وهو الرِّزْقُ الَّذِي لا بُدَّ مِنهُ، فَمِنَ السَّماءِ بِالمَطَرِ، ومِنَ الأرْضِ بِالنَّباتِ. فَمِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، وهَيَّءَ الرِّزْقَ بِالعالَمِ العُلْوِيِّ والعالَمِ السُّفْلِيِّ مَعًا، لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى جِهَةٍ واحِدَةٍ، تَعالى تَوْسِعَةً مِنهُ وإحْسانًا. ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: مِن أهْلِ السَّماءِ والأرْضِ، فَتَكُونُ مِن لِلتَّبْعِيضِ أوْ لِلْبَيانِ. ثُمَّ ذَكَرَ مِلْكَهُ لِهاتَيْنِ الحاسَّتَيْنِ الشَّرِيفَتَيْنِ: السَّمْعِ الَّذِي هو سَبَبُ مَدارِكِ الأشْياءِ، والبَصَرِ (p-١٥٤)الَّذِي يَرى مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ. ومَعْنى مِلْكِهِما أنَّهُ مُتَصَرِّفٌ فِيهِما بِما يَشاءُ تَعالى، مِن إبْقاءٍ وحِفْظٍ وإذْهابٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ: مَن يَسْتَطِيعُ خَلْقَهُما وتَسْوِيَتَهُما عَلى الحَدِّ الَّذِي سُوِّيا عَلَيْهِ مِنَ الفِطْرَةِ العَجِيبَةِ، أوْ مَن يَحْمِيهِما ويَعْصِمُهُما مِنَ الآفاتِ مَعَ كَثْرَتِها في المَدَدِ الطِّوالُ، وهُما لَطِيفانِ يُؤْذِيهِما أدْنى شَيْءٍ بِكِلاءَتِهِ وحِفْظِهِ، انْتَهى. ولا يَظْهَرُ هَذانِ الوَجْهانِ اللَّذانِ ذَكَرَهُما مِن لَفْظِ: ﴿أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ [يونس: ٣١] . وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ: سُبْحانَ مَن بَصَّرَ بِشَحْمٍ، وأسْمَعُ بِعَظْمٍ، وأنْطَقَ بِلَحْمٍ. وأمْ هُنا تَقْتَضِي تَقْدِيرَ بَلْ دُونَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٨٤] فَلا تَتَقَدَّرُ بِـ (بَلْ)، فالهَمْزَةُ لِأنَّها دَخَلَتْ عَلى اسْمِ الِاسْتِفْهامِ، ولَيْسَ إضْرابَ إبْطالٍ بَلْ هو لِانْتِقالٍ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ. ونَبَّهَ تَعالى بِالسَّمْعِ والبَصَرِ عَلى الحَواسِّ لِأنَّهُما أشْرَفُها، ولَمّا ذَكَرَ تَعالى سَبَبَ إدامَةِ الحَياةِ وسَبَبَ انْتِفاعِ الحَيِّ بِالحَواسِّ، ذَكَرَ إنْشاءَهُ تَعالى واخْتِراعَهُ لِلْحَيِّ مِنَ المَيِّتِ، والمَيِّتِ مِنَ الحَيِّ، وذَلِكَ مِن باهِرِ قُدْرَتِهِ، وهو إخْراجُ الضِّدِّ مِن ضِدِّهِ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ ومَن يُدَبِّرُ الأمْرَ شامِلٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الأشْياءِ الأرْبَعَةِ المَذْكُورَةِ ولِغَيْرِها، والأُمُورُ الَّتِي يُدَبِّرُها تَعالى لا نِهايَةَ لَها، فَلِذَلِكَ جاءَ بِالأمْرِ الكُلِّيِّ بَعْدَ تَفْصِيلِ بَعْضِ الأُمُورِ. واعْتِرافُهم بِأنَّ الرّازِقَ والمالِكَ والمُخْرِجَ والمُدَبِّرَ هو اللَّهُ. أيْ: لا يُمْكِنُهم إنْكارُهُ ولا المُنافَسَةُ فِيهِ. ومَعْنى أفَلا تَتَّقُونَ: أفَلا تَخافُونَ عُقُوبَةَ اللَّهِ في افْتِرائِكم، وجَعْلِكُمُ الأصْنامَ آلِهَةً ؟ وقِيلَ: أفَلا تَتَّعِظُونَ فَتَنْتَهُونَ عَنْ ما حَذَّرَتْ عَنْهُ تِلْكَ المَوْعِظَةُ ؟ . ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ فَسَقُوا أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ﴾: فَذَلِكم إشارَةٌ إلى مَنِ اخْتَصَّ بِالأوْصافِ السّابِقَةِ، الحَقُّ: الثّابِتُ الرُّبُوبِيَّةِ المُسْتَوْجِبَةِ لِلْعِبادَةِ واعْتِقادِ اخْتِصاصِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ لا أصْنامِكُمُ المَرْبُوبَةُ الباطِلَةُ. وماذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ: النَّفْيُ، ولِذَلِكَ دَخَلَتْ إلّا، وصَحِبَهُ التَّقْرِيرُ والتَّوْبِيخُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ، فالحَقُّ والضَّلالُ لا واسِطَةَ بَيْنَهُما، إذْ هُما نَقِيضانِ، فَمَن يُخْطِئُ الحَقَّ وقَعَ في الضَّلالِ. وماذا: مُبْتَدَأٌ تَرَكَّبَتْ ذا مَعَ ما فَصارَ مَجْمُوعُهُما اسْتِفْهامًا، كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ. والخَبَرُ بَعْدَ الحَقِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذا مَوْصُولَةً ويَكُونَ خَبَرَ ما كَأنَّهُ قِيلَ: ما الَّذِي بَعْدَ الحَقِّ ؟ وبَعْدَ صِلَةِ كَذا. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى تِلْكَ الصِّفاتِ، وأشارَ إلى أنَّ المُتَّصِفَ بِها هو اللَّهُ، وأنَّهُ مالِكُهم وأنَّهُ هو الحَقُّ، ثُمَّ وبَّخَهم عَلى اتِّباعِ الضَّلالِ بَعْدَ وُضُوحِ الحَقِّ، قالَ تَعالى: (فَأنّى تُصْرَفُونَ)، أيْ كَيْفَ يَقَعُ صَرْفُكم بَعْدَ وُضُوحِ الحَقِّ، وقِيامِ حُجَجِهِ عَنْ عِبادَةِ مَن يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ ؟ وكَيْفَ تُشْرِكُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ، وهو لا يُشارِكُهُ في شَيْءٍ مِن تِلْكَ الأوْصافِ ؟ واسْتِنْباطُ كَوْنِ الشَّطْرَنْجِ ضَلالًا مِن قَوْلِهِ: ﴿فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ﴾، لا يَكادُ يَظْهَرُ، لِأنَّ الآيَةَ إنَّما مَساقُها في الكُفْرِ والإيمانِ، وعِبادَةِ الأصْنامِ وعِبادَةِ اللَّهِ، ولَيْسَ مَساقُها في الأُمُورِ الفَرْعِيَّةِ الَّتِي تَخْتَلِفُ فِيها الشَّرائِعُ، وتَخْتَلِفُ فِيها أقْوالُ عُلَماءِ مَلَّتِنا. وقَدْ تَعَلَّقَ الجُبّائِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ في الرَّدِّ عَلى المُجْبِرَةِ إذْ يَقُولُونَ: إنَّهُ تَعالى يَصْرِفُ الكُفّارَ عَنِ الإيمانِ. قالَ: لَوْ كانَ كَذَلِكَ ما قالَ: (أنّى تُصْرَفُونَ) . كَما لَوْ أعْمى بَصَرَ أحَدِهِمْ لا يَقُولُ: إنِّي أعْمَيْتُ. كَذَلِكَ الكافُ لِلتَّشْبِيهِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، والإشارَةُ بِذَلِكَ قِيلَ: إلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن تُصْرَفُونَ، مِثْلَ صَرْفِهِمْ عَنِ الحَقِّ بَعْدَ الإقْرارِ بِهِ في قَوْلِهِ: (فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ) حَقَّ العَذابُ عَلَيْهِمْ أيْ: جازاهم مِثْلَ أفْعالِهِمْ. وقِيلَ: إشارَةٌ إلى الحَقِّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَذَلِكَ: مِثْلَ ذَلِكَ الحَقِّ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ، أيْ كَما حَقَّ وثَبَتَ أنَّ الحَقَّ بَعْدَ الضَّلالِ، أوْ كَما حَقَّ أنَّهم مَصْرُوفُونَ عَنِ الحَقِّ، فَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كَذَلِكَ أيْ: كَما كانَتْ صِفاتُ اللَّهِ كَما وصَفَ، وعِبادَتُهُ واجِبَةً كَما تَقَرَّرَ، وانْصِرافُ هَؤُلاءِ كَما قَدَّرَ عَلَيْهِمْ، واكْتَسَبُوا كَذَلِكَ حَقَّتْ. ومَعْنى فَسَقُوا: تَمَرَّدُوا في كُفْرِهِمْ وخَرَجُوا إلى الحَدِّ الأقْصى فِيهِ، (وأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ): بَدَلٌ مِن كَلِمَةِ (p-١٥٥)رَبِّكَ، أيْ: حَقَّ عَلَيْهِمُ انْتِفاءُ الإيمانِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالكَلِمَةِ عِدَةُ العَذابِ، ويَكُونُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ تَعْلِيلًا أيْ: لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ. ويُوَضِّحُ هَذا الوَجْهَ قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ: إنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالكَسْرِ، وهَذا إخْبارٌ مِنهُ تَعالى أنَّ في الكُفّارِ مَن حَتَّمَ اللَّهُ بِكُفْرِهِ، وقَضى بِتَخْلِيدِهِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ والصّاحِبانِ: (كَلِماتُ) عَلى الجَمْعِ هُنا وفي آخِرِ السُّورَةِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ عَلى الإفْرادِ. ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾: لَمّا اسْتَفْهَمَهم عَنْ أشْياءَ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى واعْتَرَفُوا بِها، ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ صَرْفَهم عَنِ الحَقِّ وعِبادَةِ اللَّهِ، اسْتَفْهَمَ عَنْ شَيْءٍ هو سَبَبُ العِبادَةِ: وهو إبْداءُ الخَلْقِ، وهم يُسَلِّمُونَ ذَلِكَ. ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] ثُمَّ أعادَ الخَلْقَ وهم مُنْكِرُونَ ذَلِكَ، لَكِنَّهُ عَطَفَهُ عَلى ما يُسَلِّمُونَهُ، لِيُعْلِمَ أنَّهُما سَواءٌ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَةِ اللَّهِ، وأنَّ ذَلِكَ لِوُضُوحِهِ وقِيامِ بُرْهانِهِ، قُرِنَ بِما يُسَلِّمُونَهُ إذْ لا يَدْفَعُهُ إلّا مُكابِرٌ، إذْ هو مِنَ الواضِحاتِ الَّتِي لا يَخْتَلِفُ في إمْكانِها العُقَلاءُ. وجاءَ الشَّرْعُ بِوُجُوبِهِ، فَوَجَبَ اعْتِقادُهُ. ولَمّا كانُوا لِمُكابَرَتِهِمْ لا يُقِرُّونَ بِذَلِكَ، أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يُجِيبَ فَقالَ: ﴿قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾، وأبْرَزَ الجَوابَ في جُمْلَةٍ مُبْتَدَأةٍ مُصَرَّحٍ بِخَبَرِها، فَعادَ الخَبَرُ فِيها مُطابِقًا لِخَبَرِ اسْمِ الِاسْتِفْهامِ، وذَلِكَ تَأْكِيدٌ وتَثْبِيتٌ. ولَمّا كانَ الِاسْتِفْهامُ قَبْلَ هَذا لا مَندُوحَةَ لَهم عَنْ الِاعْتِرافِ بِهِ، جاءَتِ الجُمْلَةُ مَحْذُوفًا مِنها أحَدُ جُزْأيْها في قَوْلِهِ: ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس: ٣١]، ولَمْ يَحْتَجْ إلى التَّأْكِيدِ بِتَصْرِيحِ خَبَرِها. ومَعْنى تُؤْفَكُونَ: تُصْرَفُونَ وتُقْلَبُونَ عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ. ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَهْدِي إلى الحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أفَمَن يَهْدِي إلى الحَقِّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمَّنْ لا يَهِدِّي إلّا أنْ يُهْدى فَما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾: لَمّا بَيَّنَ تَعالى عَجْزَ أصْنامِهِمْ عَنِ الإبْداءِ والإعادَةِ، اللَّذَيْنِ هُما مِن أقْوى أسْبابِ القُدْرَةِ، وأعْظَمِ دَلائِلَ الأُلُوهِيَّةِ، بَيَّنَ عَجْزَهم عَنْ هَذا النَّوْعِ مِن صِفاتِ الإلَهِ، وهو الهِدايَةُ إلى الحَقِّ وإلى مَناهِجِ الصَّوابِ، وقَدْ أعْقَبَ الخَلْقَ بِالهِدايَةِ في القُرْآنِ في مَواضِعَ، قالَ تَعالى حِكايَةً عَنِ الكَلِيمِ: ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] وقالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ [الأعلى: ٢] ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ٣] فاسْتَدَلَّ بِالخَلْقِ والهِدايَةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، وهُما حالانِ لِلْجَسَدِ والرُّوحِ. ولَمّا كانَتِ العُقُولُ يَلْحَقُها الِاضْطِرابُ والغَلَطُ، بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لا يَهْدِيها إلّا هو، بِخِلافِ أصْنامِهِمْ ومَعْبُوداتِهِمْ، فَإنَّهُ ما كانَ مِنها لا رُوحَ فِيهِ، جَمادٌ لا تَأْثِيرَ لَهُ، وما فِيهِ رُوحٌ فَلَيْسَ قادِرًا عَلى الهِدايَةِ، بَلِ اللَّهُ تَعالى هو الَّذِي يَهْدِيهِ. وهَدى تَتَعَدّى بِنَفْسِها إلى اثْنَيْنِ، وإلى الثّانِي بِإلى وبِاللّامِ. ويَهْدِي إلى الحَقِّ: (p-١٥٦)حُذِفُ مَفْعُولُهُ الأوَّلُ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ لازِمًا بِمَعْنى يَهْتَدِي، لِأنَّ مُقابِلَهُ إنَّما هو مُتَعَدٍّ، وهو قَوْلُهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾، أيْ: يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى الحَقِّ. وقَدْ أنْكَرَ المُبَرِّدُ ما قالَهُ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ، وتَبِعَهُما الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنْ يَكُونَ هَدى بِمَعْنى اهْتَدى، وقالَ: لا نَعْرِفُ هَذا، وأحَقُّ لَيْسَتْ أفْعَلَ تَفْضِيلٍ، بَلِ المَعْنى: حَقِيقٌ بِأنْ يُتَّبَعَ. ولَمّا كانُوا مُعْتَقِدِينَ أنَّ شُرَكاءَهم تَهْدِي إلى الحَقِّ، ولا يُسَلِّمُونَ حَصْرَ الهِدايَةِ لِلَّهِ تَعالى، أمَرَ نَبِيَّهُ ﷺ بِأنْ يُبادِرَ بِالجَوابِ فَقالَ: ﴿قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾، ثُمَّ عادَلَ في السُّؤالِ بِالهَمْزَةِ وأمْ بَيْنَ مَن هو حَقِيقٌ بِالِاتِّباعِ، ومَن هو غَيْرُ حَقِيقٍ، وجاءَ عَلى الأفْصَحِ الأكْثَرِ مِن فَصْلِ أمْ مِمّا عُطِفَتْ عَلَيْهِ بِالخَبَرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ﴾ [الفرقان: ١٥] بِخِلافِ قَوْلِهِ: ﴿أقَرِيبٌ أمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٩] وسَيَأْتِي القَوْلُ في تَرْجِيحِ الوَصْلِ هُنا في مَوْضِعِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ: إلّا ورْشًا أمَّنْ لا (يَهْدِّي) بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الهاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِّ، فَجَمَعُوا بَيْنَ ساكِنَيْنِ. قالَ النَّحّاسُ: لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَنْطِقَ بِهِ. وقالَ المُبَرِّدُ: مَن رامَ هَذا لا بُدَّ أنْ يُحَرِّكَ حَرَكَةً خَفِيفَةً، وسِيبَوَيْهِ يُسَمِّي هَذا اخْتِلاسَ الحَرَكَةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وقالُونُ في رِوايَةٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ اخْتَلَسَ الحَرَكَةَ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وابْنُ كَثِيرٍ، ووَرْشٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: كَذَلِكَ إلّا أنَّهم فَتَحُوا الهاءَ وأصْلُهُ يَهْتَدِي، فَقُلِبَ حَرَكَةُ التّاءِ إلى الهاءِ، وأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ. وقَرَأ حَفْصٌ، و يَعْقُوبُ، والأعْمَشُ عَنْ أبِي بَكْرٍ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم كَسَرُوا الهاءَ لَمّا اضْطُرَّ إلى الحَرَكَةِ حُرِّكَ بِالكَسْرِ. قالَ أبُو حاتِمٍ: هي لُغَةُ سُفْلى مُضَرَ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ في رِوايَةِ يَحْيى بْنِ آدَمَ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ كَسَرَ الياءَ. ونُقِلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ لا يُجِيزُ يَهِدِّي، ويُجِيزُ تَهِدِّي ونَهِدِّي وأهِدِّي قالَ: لِأنَّ الكَسْرَةَ في الياءِ تَثْقُلُ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ: يَهْدِي مُضارِعُ هَدى. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذِهِ الهِدايَةُ أحَقُّ بِالِاتِّباعِ أمِ الَّذِي لا يَهِدِّي، أيْ لا يَهْتَدِي بِنَفْسِهِ أوْ لا يَهْدِي غَيْرَهُ، إلّا أنْ يَهْدِيَهُ اللَّهُ. وقِيلَ: مَعْناهُ أمَّنْ لا يَهْتَدِي مِنَ الأوْثانِ إلى مَكانٍ فَيَنْتَقِلُ إلَيْهِ، إلّا أنْ يُهْدى، إلّا أنْ يُنْقَلَ أوْ لا يَهْتَدِي، ولا يَصِحُّ مِنهُ الِاهْتِداءُ إلّا بِنَقْلَةِ اللَّهِ تَعالى مِن حالِهِ إلى أنْ يَجْعَلَهُ حَيَوانًا مُطْلَقًا فَيَهْدِيَهُ، انْتَهى. وتَقَدَّمَ إنْكارُ المُبَرِّدِ ما قالَهُ الكِسائِيُّ والفِراءُ وتَبِعَهُما الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنَّ هَدى بِمَعْنى اهْتَدى. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وصَفَ الأصْنامَ بِأنَّها لا تَهْتَدِي إلّا أنْ تُهْدى، ونَحْنُ نَجِدُها لا تَهْتَدِي وإنْ هُدِيَتْ. فَوَجْهُ ذَلِكَ أنَّهُ عامِلٌ في العِبادَةِ عَنْها مُعامَلَتَهم في وصْفِها بِأوْصافِ مَن يَعْقِلُ، وذَلِكَ مَجازٌ ومَوْجُودٌ في كَثِيرٍ مِنَ القُرْآنِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والَّذِي أقُولُ إنَّ قِراءَةَ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أمْ مَن لا يَهْدِي أحَدًا إلّا أنْ يُهْدى ذَلِكَ الأحَدُ بِهِدايَةٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وأمّا عَلى غَيْرِها مِنَ القِراءاتِ الَّتِي مُقْتَضاها: أمْ مَن لا يَهْتَدِي إلّا أنْ يُهْدى فَيَتَّجِهُ المَعْنى عَلى ما تَقَدَّمَ لِأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ، وفِيهِ تَجَوُّزٌ كَثِيرٌ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ما ذَكَرَ اللَّهُ مِن تَسْبِيحِ الجَماداتِ هو اهْتِداؤُها. وقِيلَ: تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: أمَّنْ لا يَهِدِّي، أيْ: لا يَهْدِي غَيْرَهُ، ثُمَّ قالَ: إلّا أنْ يُهْدى اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، أيْ لَكِنَّهُ يَحْتاجُ إلى أنْ يُهْدى كَما تَقُولُ: فُلانٌ لا يُسْمِعُ غَيْرَهُ إلّا أنْ يَسْمَعَ، أيْ لَكِنَّهُ يَحْتاجُ إلى أنْ يَسْمَعَ. وقِيلَ: أمْ مَن لا يَهِدِّي في الرُّؤَساءِ المُضِلِّينَ، انْتَهى. ويَكُونُ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا لِأنَّهُ إذْ ذاكَ يَكُونُ فِيهِمْ قابِلِيَّةُ الهِدايَةِ، بِخِلافِ الأصْنامِ. فَما لَكم: اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ: التَّعَجُّبُ والإنْكارُ أيْ: أيُّ شَيْءٍ لَكم في اتِّخاذِ هَؤُلاءِ الشُّرَكاءِ، إذْ كانُوا عاجِزِينَ عَنْ هِدايَةِ أنْفُسِهِمْ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يَهْدُوا غَيْرَهم ؟ كَيْفَ تَحْكُمُونَ اسْتِفْهامٌ آخَرُ أيْ: كَيْفَ تَحْكُمُونَ بِالباطِلِ وتَجْعَلُونَ لِلَّهِ أنْدادًا وشُرَكاءَ ؟ وهاتانِ جُمْلَتانِ أنْكَرَ في الأُولى، وتَعَجَّبَ مِنَ اتِّباعِهِمْ مَن لا يَهْدِي ولا يَهْتَدِي، وأنْكَرَ في الثّانِي حُكْمَهم بِالباطِلِ وتَسْوِيَةَ الأصْنامِ بِرَبِّ العالَمِينَ. ﴿وما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم إلّا ظَنًّا إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾: الظّاهِرُ أنَّ أكْثَرَهم عَلى بابِهِ، لِأنَّ مِنهم مَن تَبَصَّرَ في الأصَنامِ (p-١٥٧)ورَفَضَها كَما قالَ: ؎أرَبٌّ يَبُولُ الثَّعْلَبانِ بِرَأْسِهِ لَقَدْ هانَ مَن بالَتْ عَلَيْهِ الثَّعالِبُ وقِيلَ: المُرادُ بِأكْثَرِهِمْ جَمِيعُهم، والمَعْنى: ما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم في اعْتِقادِهِمْ في اللَّهِ وفي صِفاتِهِ إلّا ظَنًّا، لَيْسُوا مُتَبَصِّرِينَ ولا مُسْتَنِدِينَ إلى بُرْهانٍ، إنَّما ذَلِكَ شَيْءٌ تَلَقَّفُوهُ مِن آبائِهِمْ. والظَّنُّ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا، أيْ: مِن إدْراكِ الحَقِّ ومَعْرِفَتِهِ عَلى ما هو عَلَيْهِ، لِأنَّهُ تَجْوِيزٌ لا قَطْعٌ. وقِيلَ: وما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم في جَعْلِهِمُ الأصْنامَ آلِهَةً، واعْتِقادِهِمْ أنَّها تَشْفَعُ عِنْدَ اللَّهِ وتُقَرِّبُ إلَيْهِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: تَفْعَلُونَ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ التِفاتًا والجُمْلَةُ تَضَمَّنَتِ التَّهْدِيدَ والوَعِيدَ عَلى اتِّباعِ الظَّنِّ، وتَقْلِيدِ الآباءِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في رُؤَساءِ اليَهُودِ وقُرَيْشٍ. ﴿وما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وتَفْصِيلَ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾: لَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهم: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس: ١٥] وكانَ مِن قَوْلِهِمْ: إنَّهُ افْتَراهُ قالَ تَعالى: ﴿وما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى﴾، أيْ: ما صَحَّ ولا اسْتَقامَ أنَّ يَكُونَ هَذا القُرْآنُ المُعْجِزُ مُفْتَرًى. والإشارَةُ بِهَذا فِيها تَفْخِيمُ المُشارِ إلَيْهِ وتَعْظِيمُهُ، وكَوْنُهُ جامِعًا لِلْأوْصافِ الَّتِي يَسْتَحِيلُ وُجُودُها فِيهِ أنْ يَكُونَ مُفْتَرًى. والظّاهِرُ أنَّ: أنْ يُفْتَرى هو خَبَرُ كانَ، أيِ: افْتِراءً، أيْ: ذا افْتِراءٍ، أوْ مُفْتَرًى. ويَزْعُمُ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنَّ أنْ هَذِهِ هي المُضْمَرَةُ بَعْدَ لامِ الجُحُودِ في قَوْلِكَ: ما كانَ زَيْدٌ لِيَفْعَلَ، وأنَّهُ لَمّا حُذِفَتِ اللّامُ أُظْهِرَتْ أنْ وأنَّ اللّامَ وأنْ يَتَعاقَبانِ، فَحَيْثُ جِيءَ بِاللّامِ لَمْ تَأْتِ بِأنْ بَلْ تُقَدِّرُها، وحَيْثُ حُذِفَتِ اللّامُ ظَهَرَتْ أنْ. والصَّحِيحُ أنَّهُما لا يَتَعاقَبانِ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ حَذْفُ اللّامِ وإظْهارُ أنْ إذْ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلى ذَلِكَ. وعَلى زَعْمِ هَذا الزّاعِمِ لا يَكُونُ أنْ يُفْتَرى خَبَرًا لِكانَ، بَلِ الخَبَرُ مَحْذُوفٌ. وأنْ يُفْتَرى مَعْمُولٌ لِذَلِكَ الخَبَرِ بَعْدَ إسْقاطِ اللّامِ، ووَقَعَتْ لَكِنْ هُنا أحْسَنَ مَوْقِعٍ إذْ كانَتْ بَيْنَ نَقِيضَيْنِ وهُما: الكَذِبُ والتَّصْدِيقُ المُتَضَمِّنُ الصِّدْقَ، والَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ المُتَقَدِّمَةُ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ كَما جاءَ: مُصَدِّقًا لِما مَعَكم. وعَنِ الزَّجّاجِ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ أشْراطُ السّاعَةِ، ولا يَقُومُ البُرْهانُ عَلى قُرَيْشٍ إلّا بِتَصْدِيقِ القُرْآنِ ما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، مَعَ أنَّ الآتِيَ بِهِ يَقْطَعُونَ أنَّهُ لَمْ يُطالِعْ تِلْكَ الكُتُبَ ولا غَيْرَها، ولا هي في بَلَدِهِ ولا قَوْمِهِ، لا بِتَصْدِيقِ الأشْراطِ، لِأنَّهم لَمْ يُشاهِدُوا شَيْئًا مِنها. وتَفْصِيلُ الكِتابِ تَبْيِينُ ما فُرِضَ وكُتِبَ فِيهِ مِنَ الأحْكامِ والشَّرائِعِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: تَصْدِيقَ وتَفْصِيلَ بِالنَّصْبِ، فَخَرَّجَهُ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ ومُحَمَّدُ بْنُ سَعْدانَ والزَّجّاجُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ مُضْمَرَةً، أيْ: ولَكِنْ كانَ تَصْدِيقَ، أيْ: مُصَدِّقًا ومُفَصِّلًا. وقِيلَ: انْتَصَبَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ، والعامِلُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: ولَكِنْ أُنْزِلَ لِلتَّصْدِيقِ. وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى المَصْدَرِ، والعامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: تَفْصِيلُ وتَصْدِيقُ بِالرَّفْعِ، وفي يُوسُفَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: ولَكِنْ هو تَصْدِيقٌ. كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ولَسْتُ الشّاعِرَ السِّفْسافَ فِيهِمْ ∗∗∗ ولَكِنْ مَدَّهُ الحَرْبُ العَوالِي أيْ: ولَكِنْ أنا. وزَعَمَ الفَرّاءُ ومَن تابَعَهُ أنَّ العَرَبَ إذا قالَتْ: ولَكِنْ بِالواوِ، آثَرَتْ تَشْدِيدَ النُّونِ، وإذا لَمْ تَكُنِ الواوُ آثَرَتِ التَّخْفِيفَ. وقَدْ جاءَ في السَّبْعَةِ مَعَ الواوِ التَّشْدِيدُ والتَّخْفِيفُ، ولا رَيْبَ فِيهِ داخِلٌ في حَيِّزِ الِاسْتِدْراكِ كَأنَّهُ قِيلَ: ولَكِنْ تَصْدِيقًا وتَفْصِيلًا مُنْتَفِيًا عَنْهُ الرَّيْبُ، كائِنًا مِن رَبِّ العالَمِينَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: ولَكِنْ كانَ تَصْدِيقًا مِن رَبِّ العالَمِينَ وتَفْصِيلًا مِنهُ في ذَلِكَ، فَيَكُونُ ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ مُتَعَلِّقًا بِـ (تَصْدِيقَ) و(تَفْصِيلَ)، ويَكُونُ لا رَيْبَ فِيهِ اعْتِراضًا كَما تَقُولُ: زَيْدٌ لا شَكَّ فِيهِ كَرِيمٌ، انْتَهى قَوْلُهُ. فَيَكُونُ ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ مُتَعَلِّقًا بِـ (تَصْدِيقَ) و(تَفْصِيلَ)، إنَّما يَعْنِي مِن جِهَةِ المَعْنى، وأمّا مِن جِهَةِ الإعْرابِ فَلا يَكُونُ إلّا مُتَعَلِّقًا بِأحَدِهِما، ويَكُونُ مِن بابِ الإعْمالِ وانْتِفاءِ الرَّيْبِ عَنْهُ عَلى ما بَيَّنَ (p-١٥٨)فِي البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] وجَمَعَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا﴾ [البقرة: ٢٣] .

يونس 10:33

﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ ومَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ ومَن يُدَبِّرُ الأمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١]: لَمّا بَيَّنَ فَضائِحَ عَبَدَةِ الأوْثانِ، أتْبَعَها بِذِكْرِ الدَّلائِلِ عَلى فَسادِ مَذْهَبِهِمْ بِما يُوَبِّخُهم، ويَحُجَّهم بِما لا يُمْكِنُ إلّا الِاعْتِرافُ بِهِ مِن حالِ رِزْقِهِمْ وحَواسِّهِمْ، وإظْهارِ القُدْرَةِ الباهِرَةِ في المَوْتِ والحَياةِ. فَبَدَأ بِما فِيهِ قِوامُ حَياتِهِمْ وهو الرِّزْقُ الَّذِي لا بُدَّ مِنهُ، فَمِنَ السَّماءِ بِالمَطَرِ، ومِنَ الأرْضِ بِالنَّباتِ. فَمِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، وهَيَّءَ الرِّزْقَ بِالعالَمِ العُلْوِيِّ والعالَمِ السُّفْلِيِّ مَعًا، لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى جِهَةٍ واحِدَةٍ، تَعالى تَوْسِعَةً مِنهُ وإحْسانًا. ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: مِن أهْلِ السَّماءِ والأرْضِ، فَتَكُونُ مِن لِلتَّبْعِيضِ أوْ لِلْبَيانِ. ثُمَّ ذَكَرَ مِلْكَهُ لِهاتَيْنِ الحاسَّتَيْنِ الشَّرِيفَتَيْنِ: السَّمْعِ الَّذِي هو سَبَبُ مَدارِكِ الأشْياءِ، والبَصَرِ (p-١٥٤)الَّذِي يَرى مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ. ومَعْنى مِلْكِهِما أنَّهُ مُتَصَرِّفٌ فِيهِما بِما يَشاءُ تَعالى، مِن إبْقاءٍ وحِفْظٍ وإذْهابٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ: مَن يَسْتَطِيعُ خَلْقَهُما وتَسْوِيَتَهُما عَلى الحَدِّ الَّذِي سُوِّيا عَلَيْهِ مِنَ الفِطْرَةِ العَجِيبَةِ، أوْ مَن يَحْمِيهِما ويَعْصِمُهُما مِنَ الآفاتِ مَعَ كَثْرَتِها في المَدَدِ الطِّوالُ، وهُما لَطِيفانِ يُؤْذِيهِما أدْنى شَيْءٍ بِكِلاءَتِهِ وحِفْظِهِ، انْتَهى. ولا يَظْهَرُ هَذانِ الوَجْهانِ اللَّذانِ ذَكَرَهُما مِن لَفْظِ: ﴿أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ [يونس: ٣١] . وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ: سُبْحانَ مَن بَصَّرَ بِشَحْمٍ، وأسْمَعُ بِعَظْمٍ، وأنْطَقَ بِلَحْمٍ. وأمْ هُنا تَقْتَضِي تَقْدِيرَ بَلْ دُونَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٨٤] فَلا تَتَقَدَّرُ بِـ (بَلْ)، فالهَمْزَةُ لِأنَّها دَخَلَتْ عَلى اسْمِ الِاسْتِفْهامِ، ولَيْسَ إضْرابَ إبْطالٍ بَلْ هو لِانْتِقالٍ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ. ونَبَّهَ تَعالى بِالسَّمْعِ والبَصَرِ عَلى الحَواسِّ لِأنَّهُما أشْرَفُها، ولَمّا ذَكَرَ تَعالى سَبَبَ إدامَةِ الحَياةِ وسَبَبَ انْتِفاعِ الحَيِّ بِالحَواسِّ، ذَكَرَ إنْشاءَهُ تَعالى واخْتِراعَهُ لِلْحَيِّ مِنَ المَيِّتِ، والمَيِّتِ مِنَ الحَيِّ، وذَلِكَ مِن باهِرِ قُدْرَتِهِ، وهو إخْراجُ الضِّدِّ مِن ضِدِّهِ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ ومَن يُدَبِّرُ الأمْرَ شامِلٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الأشْياءِ الأرْبَعَةِ المَذْكُورَةِ ولِغَيْرِها، والأُمُورُ الَّتِي يُدَبِّرُها تَعالى لا نِهايَةَ لَها، فَلِذَلِكَ جاءَ بِالأمْرِ الكُلِّيِّ بَعْدَ تَفْصِيلِ بَعْضِ الأُمُورِ. واعْتِرافُهم بِأنَّ الرّازِقَ والمالِكَ والمُخْرِجَ والمُدَبِّرَ هو اللَّهُ. أيْ: لا يُمْكِنُهم إنْكارُهُ ولا المُنافَسَةُ فِيهِ. ومَعْنى أفَلا تَتَّقُونَ: أفَلا تَخافُونَ عُقُوبَةَ اللَّهِ في افْتِرائِكم، وجَعْلِكُمُ الأصْنامَ آلِهَةً ؟ وقِيلَ: أفَلا تَتَّعِظُونَ فَتَنْتَهُونَ عَنْ ما حَذَّرَتْ عَنْهُ تِلْكَ المَوْعِظَةُ ؟ . ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ فَسَقُوا أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ﴾: فَذَلِكم إشارَةٌ إلى مَنِ اخْتَصَّ بِالأوْصافِ السّابِقَةِ، الحَقُّ: الثّابِتُ الرُّبُوبِيَّةِ المُسْتَوْجِبَةِ لِلْعِبادَةِ واعْتِقادِ اخْتِصاصِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ لا أصْنامِكُمُ المَرْبُوبَةُ الباطِلَةُ. وماذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ: النَّفْيُ، ولِذَلِكَ دَخَلَتْ إلّا، وصَحِبَهُ التَّقْرِيرُ والتَّوْبِيخُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ، فالحَقُّ والضَّلالُ لا واسِطَةَ بَيْنَهُما، إذْ هُما نَقِيضانِ، فَمَن يُخْطِئُ الحَقَّ وقَعَ في الضَّلالِ. وماذا: مُبْتَدَأٌ تَرَكَّبَتْ ذا مَعَ ما فَصارَ مَجْمُوعُهُما اسْتِفْهامًا، كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ. والخَبَرُ بَعْدَ الحَقِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذا مَوْصُولَةً ويَكُونَ خَبَرَ ما كَأنَّهُ قِيلَ: ما الَّذِي بَعْدَ الحَقِّ ؟ وبَعْدَ صِلَةِ كَذا. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى تِلْكَ الصِّفاتِ، وأشارَ إلى أنَّ المُتَّصِفَ بِها هو اللَّهُ، وأنَّهُ مالِكُهم وأنَّهُ هو الحَقُّ، ثُمَّ وبَّخَهم عَلى اتِّباعِ الضَّلالِ بَعْدَ وُضُوحِ الحَقِّ، قالَ تَعالى: (فَأنّى تُصْرَفُونَ)، أيْ كَيْفَ يَقَعُ صَرْفُكم بَعْدَ وُضُوحِ الحَقِّ، وقِيامِ حُجَجِهِ عَنْ عِبادَةِ مَن يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ ؟ وكَيْفَ تُشْرِكُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ، وهو لا يُشارِكُهُ في شَيْءٍ مِن تِلْكَ الأوْصافِ ؟ واسْتِنْباطُ كَوْنِ الشَّطْرَنْجِ ضَلالًا مِن قَوْلِهِ: ﴿فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ﴾، لا يَكادُ يَظْهَرُ، لِأنَّ الآيَةَ إنَّما مَساقُها في الكُفْرِ والإيمانِ، وعِبادَةِ الأصْنامِ وعِبادَةِ اللَّهِ، ولَيْسَ مَساقُها في الأُمُورِ الفَرْعِيَّةِ الَّتِي تَخْتَلِفُ فِيها الشَّرائِعُ، وتَخْتَلِفُ فِيها أقْوالُ عُلَماءِ مَلَّتِنا. وقَدْ تَعَلَّقَ الجُبّائِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ في الرَّدِّ عَلى المُجْبِرَةِ إذْ يَقُولُونَ: إنَّهُ تَعالى يَصْرِفُ الكُفّارَ عَنِ الإيمانِ. قالَ: لَوْ كانَ كَذَلِكَ ما قالَ: (أنّى تُصْرَفُونَ) . كَما لَوْ أعْمى بَصَرَ أحَدِهِمْ لا يَقُولُ: إنِّي أعْمَيْتُ. كَذَلِكَ الكافُ لِلتَّشْبِيهِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، والإشارَةُ بِذَلِكَ قِيلَ: إلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن تُصْرَفُونَ، مِثْلَ صَرْفِهِمْ عَنِ الحَقِّ بَعْدَ الإقْرارِ بِهِ في قَوْلِهِ: (فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ) حَقَّ العَذابُ عَلَيْهِمْ أيْ: جازاهم مِثْلَ أفْعالِهِمْ. وقِيلَ: إشارَةٌ إلى الحَقِّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَذَلِكَ: مِثْلَ ذَلِكَ الحَقِّ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ، أيْ كَما حَقَّ وثَبَتَ أنَّ الحَقَّ بَعْدَ الضَّلالِ، أوْ كَما حَقَّ أنَّهم مَصْرُوفُونَ عَنِ الحَقِّ، فَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كَذَلِكَ أيْ: كَما كانَتْ صِفاتُ اللَّهِ كَما وصَفَ، وعِبادَتُهُ واجِبَةً كَما تَقَرَّرَ، وانْصِرافُ هَؤُلاءِ كَما قَدَّرَ عَلَيْهِمْ، واكْتَسَبُوا كَذَلِكَ حَقَّتْ. ومَعْنى فَسَقُوا: تَمَرَّدُوا في كُفْرِهِمْ وخَرَجُوا إلى الحَدِّ الأقْصى فِيهِ، (وأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ): بَدَلٌ مِن كَلِمَةِ (p-١٥٥)رَبِّكَ، أيْ: حَقَّ عَلَيْهِمُ انْتِفاءُ الإيمانِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالكَلِمَةِ عِدَةُ العَذابِ، ويَكُونُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ تَعْلِيلًا أيْ: لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ. ويُوَضِّحُ هَذا الوَجْهَ قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ: إنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالكَسْرِ، وهَذا إخْبارٌ مِنهُ تَعالى أنَّ في الكُفّارِ مَن حَتَّمَ اللَّهُ بِكُفْرِهِ، وقَضى بِتَخْلِيدِهِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ والصّاحِبانِ: (كَلِماتُ) عَلى الجَمْعِ هُنا وفي آخِرِ السُّورَةِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ عَلى الإفْرادِ. ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾: لَمّا اسْتَفْهَمَهم عَنْ أشْياءَ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى واعْتَرَفُوا بِها، ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ صَرْفَهم عَنِ الحَقِّ وعِبادَةِ اللَّهِ، اسْتَفْهَمَ عَنْ شَيْءٍ هو سَبَبُ العِبادَةِ: وهو إبْداءُ الخَلْقِ، وهم يُسَلِّمُونَ ذَلِكَ. ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] ثُمَّ أعادَ الخَلْقَ وهم مُنْكِرُونَ ذَلِكَ، لَكِنَّهُ عَطَفَهُ عَلى ما يُسَلِّمُونَهُ، لِيُعْلِمَ أنَّهُما سَواءٌ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَةِ اللَّهِ، وأنَّ ذَلِكَ لِوُضُوحِهِ وقِيامِ بُرْهانِهِ، قُرِنَ بِما يُسَلِّمُونَهُ إذْ لا يَدْفَعُهُ إلّا مُكابِرٌ، إذْ هو مِنَ الواضِحاتِ الَّتِي لا يَخْتَلِفُ في إمْكانِها العُقَلاءُ. وجاءَ الشَّرْعُ بِوُجُوبِهِ، فَوَجَبَ اعْتِقادُهُ. ولَمّا كانُوا لِمُكابَرَتِهِمْ لا يُقِرُّونَ بِذَلِكَ، أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يُجِيبَ فَقالَ: ﴿قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾، وأبْرَزَ الجَوابَ في جُمْلَةٍ مُبْتَدَأةٍ مُصَرَّحٍ بِخَبَرِها، فَعادَ الخَبَرُ فِيها مُطابِقًا لِخَبَرِ اسْمِ الِاسْتِفْهامِ، وذَلِكَ تَأْكِيدٌ وتَثْبِيتٌ. ولَمّا كانَ الِاسْتِفْهامُ قَبْلَ هَذا لا مَندُوحَةَ لَهم عَنْ الِاعْتِرافِ بِهِ، جاءَتِ الجُمْلَةُ مَحْذُوفًا مِنها أحَدُ جُزْأيْها في قَوْلِهِ: ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس: ٣١]، ولَمْ يَحْتَجْ إلى التَّأْكِيدِ بِتَصْرِيحِ خَبَرِها. ومَعْنى تُؤْفَكُونَ: تُصْرَفُونَ وتُقْلَبُونَ عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ. ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَهْدِي إلى الحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أفَمَن يَهْدِي إلى الحَقِّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمَّنْ لا يَهِدِّي إلّا أنْ يُهْدى فَما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾: لَمّا بَيَّنَ تَعالى عَجْزَ أصْنامِهِمْ عَنِ الإبْداءِ والإعادَةِ، اللَّذَيْنِ هُما مِن أقْوى أسْبابِ القُدْرَةِ، وأعْظَمِ دَلائِلَ الأُلُوهِيَّةِ، بَيَّنَ عَجْزَهم عَنْ هَذا النَّوْعِ مِن صِفاتِ الإلَهِ، وهو الهِدايَةُ إلى الحَقِّ وإلى مَناهِجِ الصَّوابِ، وقَدْ أعْقَبَ الخَلْقَ بِالهِدايَةِ في القُرْآنِ في مَواضِعَ، قالَ تَعالى حِكايَةً عَنِ الكَلِيمِ: ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] وقالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ [الأعلى: ٢] ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ٣] فاسْتَدَلَّ بِالخَلْقِ والهِدايَةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، وهُما حالانِ لِلْجَسَدِ والرُّوحِ. ولَمّا كانَتِ العُقُولُ يَلْحَقُها الِاضْطِرابُ والغَلَطُ، بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لا يَهْدِيها إلّا هو، بِخِلافِ أصْنامِهِمْ ومَعْبُوداتِهِمْ، فَإنَّهُ ما كانَ مِنها لا رُوحَ فِيهِ، جَمادٌ لا تَأْثِيرَ لَهُ، وما فِيهِ رُوحٌ فَلَيْسَ قادِرًا عَلى الهِدايَةِ، بَلِ اللَّهُ تَعالى هو الَّذِي يَهْدِيهِ. وهَدى تَتَعَدّى بِنَفْسِها إلى اثْنَيْنِ، وإلى الثّانِي بِإلى وبِاللّامِ. ويَهْدِي إلى الحَقِّ: (p-١٥٦)حُذِفُ مَفْعُولُهُ الأوَّلُ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ لازِمًا بِمَعْنى يَهْتَدِي، لِأنَّ مُقابِلَهُ إنَّما هو مُتَعَدٍّ، وهو قَوْلُهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾، أيْ: يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى الحَقِّ. وقَدْ أنْكَرَ المُبَرِّدُ ما قالَهُ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ، وتَبِعَهُما الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنْ يَكُونَ هَدى بِمَعْنى اهْتَدى، وقالَ: لا نَعْرِفُ هَذا، وأحَقُّ لَيْسَتْ أفْعَلَ تَفْضِيلٍ، بَلِ المَعْنى: حَقِيقٌ بِأنْ يُتَّبَعَ. ولَمّا كانُوا مُعْتَقِدِينَ أنَّ شُرَكاءَهم تَهْدِي إلى الحَقِّ، ولا يُسَلِّمُونَ حَصْرَ الهِدايَةِ لِلَّهِ تَعالى، أمَرَ نَبِيَّهُ ﷺ بِأنْ يُبادِرَ بِالجَوابِ فَقالَ: ﴿قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾، ثُمَّ عادَلَ في السُّؤالِ بِالهَمْزَةِ وأمْ بَيْنَ مَن هو حَقِيقٌ بِالِاتِّباعِ، ومَن هو غَيْرُ حَقِيقٍ، وجاءَ عَلى الأفْصَحِ الأكْثَرِ مِن فَصْلِ أمْ مِمّا عُطِفَتْ عَلَيْهِ بِالخَبَرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ﴾ [الفرقان: ١٥] بِخِلافِ قَوْلِهِ: ﴿أقَرِيبٌ أمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٩] وسَيَأْتِي القَوْلُ في تَرْجِيحِ الوَصْلِ هُنا في مَوْضِعِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ: إلّا ورْشًا أمَّنْ لا (يَهْدِّي) بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الهاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِّ، فَجَمَعُوا بَيْنَ ساكِنَيْنِ. قالَ النَّحّاسُ: لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَنْطِقَ بِهِ. وقالَ المُبَرِّدُ: مَن رامَ هَذا لا بُدَّ أنْ يُحَرِّكَ حَرَكَةً خَفِيفَةً، وسِيبَوَيْهِ يُسَمِّي هَذا اخْتِلاسَ الحَرَكَةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وقالُونُ في رِوايَةٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ اخْتَلَسَ الحَرَكَةَ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وابْنُ كَثِيرٍ، ووَرْشٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: كَذَلِكَ إلّا أنَّهم فَتَحُوا الهاءَ وأصْلُهُ يَهْتَدِي، فَقُلِبَ حَرَكَةُ التّاءِ إلى الهاءِ، وأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ. وقَرَأ حَفْصٌ، و يَعْقُوبُ، والأعْمَشُ عَنْ أبِي بَكْرٍ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم كَسَرُوا الهاءَ لَمّا اضْطُرَّ إلى الحَرَكَةِ حُرِّكَ بِالكَسْرِ. قالَ أبُو حاتِمٍ: هي لُغَةُ سُفْلى مُضَرَ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ في رِوايَةِ يَحْيى بْنِ آدَمَ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ كَسَرَ الياءَ. ونُقِلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ لا يُجِيزُ يَهِدِّي، ويُجِيزُ تَهِدِّي ونَهِدِّي وأهِدِّي قالَ: لِأنَّ الكَسْرَةَ في الياءِ تَثْقُلُ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ: يَهْدِي مُضارِعُ هَدى. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذِهِ الهِدايَةُ أحَقُّ بِالِاتِّباعِ أمِ الَّذِي لا يَهِدِّي، أيْ لا يَهْتَدِي بِنَفْسِهِ أوْ لا يَهْدِي غَيْرَهُ، إلّا أنْ يَهْدِيَهُ اللَّهُ. وقِيلَ: مَعْناهُ أمَّنْ لا يَهْتَدِي مِنَ الأوْثانِ إلى مَكانٍ فَيَنْتَقِلُ إلَيْهِ، إلّا أنْ يُهْدى، إلّا أنْ يُنْقَلَ أوْ لا يَهْتَدِي، ولا يَصِحُّ مِنهُ الِاهْتِداءُ إلّا بِنَقْلَةِ اللَّهِ تَعالى مِن حالِهِ إلى أنْ يَجْعَلَهُ حَيَوانًا مُطْلَقًا فَيَهْدِيَهُ، انْتَهى. وتَقَدَّمَ إنْكارُ المُبَرِّدِ ما قالَهُ الكِسائِيُّ والفِراءُ وتَبِعَهُما الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنَّ هَدى بِمَعْنى اهْتَدى. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وصَفَ الأصْنامَ بِأنَّها لا تَهْتَدِي إلّا أنْ تُهْدى، ونَحْنُ نَجِدُها لا تَهْتَدِي وإنْ هُدِيَتْ. فَوَجْهُ ذَلِكَ أنَّهُ عامِلٌ في العِبادَةِ عَنْها مُعامَلَتَهم في وصْفِها بِأوْصافِ مَن يَعْقِلُ، وذَلِكَ مَجازٌ ومَوْجُودٌ في كَثِيرٍ مِنَ القُرْآنِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والَّذِي أقُولُ إنَّ قِراءَةَ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أمْ مَن لا يَهْدِي أحَدًا إلّا أنْ يُهْدى ذَلِكَ الأحَدُ بِهِدايَةٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وأمّا عَلى غَيْرِها مِنَ القِراءاتِ الَّتِي مُقْتَضاها: أمْ مَن لا يَهْتَدِي إلّا أنْ يُهْدى فَيَتَّجِهُ المَعْنى عَلى ما تَقَدَّمَ لِأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ، وفِيهِ تَجَوُّزٌ كَثِيرٌ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ما ذَكَرَ اللَّهُ مِن تَسْبِيحِ الجَماداتِ هو اهْتِداؤُها. وقِيلَ: تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: أمَّنْ لا يَهِدِّي، أيْ: لا يَهْدِي غَيْرَهُ، ثُمَّ قالَ: إلّا أنْ يُهْدى اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، أيْ لَكِنَّهُ يَحْتاجُ إلى أنْ يُهْدى كَما تَقُولُ: فُلانٌ لا يُسْمِعُ غَيْرَهُ إلّا أنْ يَسْمَعَ، أيْ لَكِنَّهُ يَحْتاجُ إلى أنْ يَسْمَعَ. وقِيلَ: أمْ مَن لا يَهِدِّي في الرُّؤَساءِ المُضِلِّينَ، انْتَهى. ويَكُونُ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا لِأنَّهُ إذْ ذاكَ يَكُونُ فِيهِمْ قابِلِيَّةُ الهِدايَةِ، بِخِلافِ الأصْنامِ. فَما لَكم: اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ: التَّعَجُّبُ والإنْكارُ أيْ: أيُّ شَيْءٍ لَكم في اتِّخاذِ هَؤُلاءِ الشُّرَكاءِ، إذْ كانُوا عاجِزِينَ عَنْ هِدايَةِ أنْفُسِهِمْ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يَهْدُوا غَيْرَهم ؟ كَيْفَ تَحْكُمُونَ اسْتِفْهامٌ آخَرُ أيْ: كَيْفَ تَحْكُمُونَ بِالباطِلِ وتَجْعَلُونَ لِلَّهِ أنْدادًا وشُرَكاءَ ؟ وهاتانِ جُمْلَتانِ أنْكَرَ في الأُولى، وتَعَجَّبَ مِنَ اتِّباعِهِمْ مَن لا يَهْدِي ولا يَهْتَدِي، وأنْكَرَ في الثّانِي حُكْمَهم بِالباطِلِ وتَسْوِيَةَ الأصْنامِ بِرَبِّ العالَمِينَ. ﴿وما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم إلّا ظَنًّا إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾: الظّاهِرُ أنَّ أكْثَرَهم عَلى بابِهِ، لِأنَّ مِنهم مَن تَبَصَّرَ في الأصَنامِ (p-١٥٧)ورَفَضَها كَما قالَ: ؎أرَبٌّ يَبُولُ الثَّعْلَبانِ بِرَأْسِهِ لَقَدْ هانَ مَن بالَتْ عَلَيْهِ الثَّعالِبُ وقِيلَ: المُرادُ بِأكْثَرِهِمْ جَمِيعُهم، والمَعْنى: ما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم في اعْتِقادِهِمْ في اللَّهِ وفي صِفاتِهِ إلّا ظَنًّا، لَيْسُوا مُتَبَصِّرِينَ ولا مُسْتَنِدِينَ إلى بُرْهانٍ، إنَّما ذَلِكَ شَيْءٌ تَلَقَّفُوهُ مِن آبائِهِمْ. والظَّنُّ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا، أيْ: مِن إدْراكِ الحَقِّ ومَعْرِفَتِهِ عَلى ما هو عَلَيْهِ، لِأنَّهُ تَجْوِيزٌ لا قَطْعٌ. وقِيلَ: وما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم في جَعْلِهِمُ الأصْنامَ آلِهَةً، واعْتِقادِهِمْ أنَّها تَشْفَعُ عِنْدَ اللَّهِ وتُقَرِّبُ إلَيْهِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: تَفْعَلُونَ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ التِفاتًا والجُمْلَةُ تَضَمَّنَتِ التَّهْدِيدَ والوَعِيدَ عَلى اتِّباعِ الظَّنِّ، وتَقْلِيدِ الآباءِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في رُؤَساءِ اليَهُودِ وقُرَيْشٍ. ﴿وما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وتَفْصِيلَ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾: لَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهم: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس: ١٥] وكانَ مِن قَوْلِهِمْ: إنَّهُ افْتَراهُ قالَ تَعالى: ﴿وما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى﴾، أيْ: ما صَحَّ ولا اسْتَقامَ أنَّ يَكُونَ هَذا القُرْآنُ المُعْجِزُ مُفْتَرًى. والإشارَةُ بِهَذا فِيها تَفْخِيمُ المُشارِ إلَيْهِ وتَعْظِيمُهُ، وكَوْنُهُ جامِعًا لِلْأوْصافِ الَّتِي يَسْتَحِيلُ وُجُودُها فِيهِ أنْ يَكُونَ مُفْتَرًى. والظّاهِرُ أنَّ: أنْ يُفْتَرى هو خَبَرُ كانَ، أيِ: افْتِراءً، أيْ: ذا افْتِراءٍ، أوْ مُفْتَرًى. ويَزْعُمُ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنَّ أنْ هَذِهِ هي المُضْمَرَةُ بَعْدَ لامِ الجُحُودِ في قَوْلِكَ: ما كانَ زَيْدٌ لِيَفْعَلَ، وأنَّهُ لَمّا حُذِفَتِ اللّامُ أُظْهِرَتْ أنْ وأنَّ اللّامَ وأنْ يَتَعاقَبانِ، فَحَيْثُ جِيءَ بِاللّامِ لَمْ تَأْتِ بِأنْ بَلْ تُقَدِّرُها، وحَيْثُ حُذِفَتِ اللّامُ ظَهَرَتْ أنْ. والصَّحِيحُ أنَّهُما لا يَتَعاقَبانِ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ حَذْفُ اللّامِ وإظْهارُ أنْ إذْ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلى ذَلِكَ. وعَلى زَعْمِ هَذا الزّاعِمِ لا يَكُونُ أنْ يُفْتَرى خَبَرًا لِكانَ، بَلِ الخَبَرُ مَحْذُوفٌ. وأنْ يُفْتَرى مَعْمُولٌ لِذَلِكَ الخَبَرِ بَعْدَ إسْقاطِ اللّامِ، ووَقَعَتْ لَكِنْ هُنا أحْسَنَ مَوْقِعٍ إذْ كانَتْ بَيْنَ نَقِيضَيْنِ وهُما: الكَذِبُ والتَّصْدِيقُ المُتَضَمِّنُ الصِّدْقَ، والَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ المُتَقَدِّمَةُ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ كَما جاءَ: مُصَدِّقًا لِما مَعَكم. وعَنِ الزَّجّاجِ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ أشْراطُ السّاعَةِ، ولا يَقُومُ البُرْهانُ عَلى قُرَيْشٍ إلّا بِتَصْدِيقِ القُرْآنِ ما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، مَعَ أنَّ الآتِيَ بِهِ يَقْطَعُونَ أنَّهُ لَمْ يُطالِعْ تِلْكَ الكُتُبَ ولا غَيْرَها، ولا هي في بَلَدِهِ ولا قَوْمِهِ، لا بِتَصْدِيقِ الأشْراطِ، لِأنَّهم لَمْ يُشاهِدُوا شَيْئًا مِنها. وتَفْصِيلُ الكِتابِ تَبْيِينُ ما فُرِضَ وكُتِبَ فِيهِ مِنَ الأحْكامِ والشَّرائِعِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: تَصْدِيقَ وتَفْصِيلَ بِالنَّصْبِ، فَخَرَّجَهُ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ ومُحَمَّدُ بْنُ سَعْدانَ والزَّجّاجُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ مُضْمَرَةً، أيْ: ولَكِنْ كانَ تَصْدِيقَ، أيْ: مُصَدِّقًا ومُفَصِّلًا. وقِيلَ: انْتَصَبَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ، والعامِلُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: ولَكِنْ أُنْزِلَ لِلتَّصْدِيقِ. وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى المَصْدَرِ، والعامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: تَفْصِيلُ وتَصْدِيقُ بِالرَّفْعِ، وفي يُوسُفَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: ولَكِنْ هو تَصْدِيقٌ. كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ولَسْتُ الشّاعِرَ السِّفْسافَ فِيهِمْ ∗∗∗ ولَكِنْ مَدَّهُ الحَرْبُ العَوالِي أيْ: ولَكِنْ أنا. وزَعَمَ الفَرّاءُ ومَن تابَعَهُ أنَّ العَرَبَ إذا قالَتْ: ولَكِنْ بِالواوِ، آثَرَتْ تَشْدِيدَ النُّونِ، وإذا لَمْ تَكُنِ الواوُ آثَرَتِ التَّخْفِيفَ. وقَدْ جاءَ في السَّبْعَةِ مَعَ الواوِ التَّشْدِيدُ والتَّخْفِيفُ، ولا رَيْبَ فِيهِ داخِلٌ في حَيِّزِ الِاسْتِدْراكِ كَأنَّهُ قِيلَ: ولَكِنْ تَصْدِيقًا وتَفْصِيلًا مُنْتَفِيًا عَنْهُ الرَّيْبُ، كائِنًا مِن رَبِّ العالَمِينَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: ولَكِنْ كانَ تَصْدِيقًا مِن رَبِّ العالَمِينَ وتَفْصِيلًا مِنهُ في ذَلِكَ، فَيَكُونُ ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ مُتَعَلِّقًا بِـ (تَصْدِيقَ) و(تَفْصِيلَ)، ويَكُونُ لا رَيْبَ فِيهِ اعْتِراضًا كَما تَقُولُ: زَيْدٌ لا شَكَّ فِيهِ كَرِيمٌ، انْتَهى قَوْلُهُ. فَيَكُونُ ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ مُتَعَلِّقًا بِـ (تَصْدِيقَ) و(تَفْصِيلَ)، إنَّما يَعْنِي مِن جِهَةِ المَعْنى، وأمّا مِن جِهَةِ الإعْرابِ فَلا يَكُونُ إلّا مُتَعَلِّقًا بِأحَدِهِما، ويَكُونُ مِن بابِ الإعْمالِ وانْتِفاءِ الرَّيْبِ عَنْهُ عَلى ما بَيَّنَ (p-١٥٨)فِي البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] وجَمَعَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا﴾ [البقرة: ٢٣] .

يونس 10:34

﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ ومَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ ومَن يُدَبِّرُ الأمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١]: لَمّا بَيَّنَ فَضائِحَ عَبَدَةِ الأوْثانِ، أتْبَعَها بِذِكْرِ الدَّلائِلِ عَلى فَسادِ مَذْهَبِهِمْ بِما يُوَبِّخُهم، ويَحُجَّهم بِما لا يُمْكِنُ إلّا الِاعْتِرافُ بِهِ مِن حالِ رِزْقِهِمْ وحَواسِّهِمْ، وإظْهارِ القُدْرَةِ الباهِرَةِ في المَوْتِ والحَياةِ. فَبَدَأ بِما فِيهِ قِوامُ حَياتِهِمْ وهو الرِّزْقُ الَّذِي لا بُدَّ مِنهُ، فَمِنَ السَّماءِ بِالمَطَرِ، ومِنَ الأرْضِ بِالنَّباتِ. فَمِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، وهَيَّءَ الرِّزْقَ بِالعالَمِ العُلْوِيِّ والعالَمِ السُّفْلِيِّ مَعًا، لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى جِهَةٍ واحِدَةٍ، تَعالى تَوْسِعَةً مِنهُ وإحْسانًا. ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: مِن أهْلِ السَّماءِ والأرْضِ، فَتَكُونُ مِن لِلتَّبْعِيضِ أوْ لِلْبَيانِ. ثُمَّ ذَكَرَ مِلْكَهُ لِهاتَيْنِ الحاسَّتَيْنِ الشَّرِيفَتَيْنِ: السَّمْعِ الَّذِي هو سَبَبُ مَدارِكِ الأشْياءِ، والبَصَرِ (p-١٥٤)الَّذِي يَرى مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ. ومَعْنى مِلْكِهِما أنَّهُ مُتَصَرِّفٌ فِيهِما بِما يَشاءُ تَعالى، مِن إبْقاءٍ وحِفْظٍ وإذْهابٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ: مَن يَسْتَطِيعُ خَلْقَهُما وتَسْوِيَتَهُما عَلى الحَدِّ الَّذِي سُوِّيا عَلَيْهِ مِنَ الفِطْرَةِ العَجِيبَةِ، أوْ مَن يَحْمِيهِما ويَعْصِمُهُما مِنَ الآفاتِ مَعَ كَثْرَتِها في المَدَدِ الطِّوالُ، وهُما لَطِيفانِ يُؤْذِيهِما أدْنى شَيْءٍ بِكِلاءَتِهِ وحِفْظِهِ، انْتَهى. ولا يَظْهَرُ هَذانِ الوَجْهانِ اللَّذانِ ذَكَرَهُما مِن لَفْظِ: ﴿أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ [يونس: ٣١] . وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ: سُبْحانَ مَن بَصَّرَ بِشَحْمٍ، وأسْمَعُ بِعَظْمٍ، وأنْطَقَ بِلَحْمٍ. وأمْ هُنا تَقْتَضِي تَقْدِيرَ بَلْ دُونَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٨٤] فَلا تَتَقَدَّرُ بِـ (بَلْ)، فالهَمْزَةُ لِأنَّها دَخَلَتْ عَلى اسْمِ الِاسْتِفْهامِ، ولَيْسَ إضْرابَ إبْطالٍ بَلْ هو لِانْتِقالٍ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ. ونَبَّهَ تَعالى بِالسَّمْعِ والبَصَرِ عَلى الحَواسِّ لِأنَّهُما أشْرَفُها، ولَمّا ذَكَرَ تَعالى سَبَبَ إدامَةِ الحَياةِ وسَبَبَ انْتِفاعِ الحَيِّ بِالحَواسِّ، ذَكَرَ إنْشاءَهُ تَعالى واخْتِراعَهُ لِلْحَيِّ مِنَ المَيِّتِ، والمَيِّتِ مِنَ الحَيِّ، وذَلِكَ مِن باهِرِ قُدْرَتِهِ، وهو إخْراجُ الضِّدِّ مِن ضِدِّهِ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ ومَن يُدَبِّرُ الأمْرَ شامِلٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الأشْياءِ الأرْبَعَةِ المَذْكُورَةِ ولِغَيْرِها، والأُمُورُ الَّتِي يُدَبِّرُها تَعالى لا نِهايَةَ لَها، فَلِذَلِكَ جاءَ بِالأمْرِ الكُلِّيِّ بَعْدَ تَفْصِيلِ بَعْضِ الأُمُورِ. واعْتِرافُهم بِأنَّ الرّازِقَ والمالِكَ والمُخْرِجَ والمُدَبِّرَ هو اللَّهُ. أيْ: لا يُمْكِنُهم إنْكارُهُ ولا المُنافَسَةُ فِيهِ. ومَعْنى أفَلا تَتَّقُونَ: أفَلا تَخافُونَ عُقُوبَةَ اللَّهِ في افْتِرائِكم، وجَعْلِكُمُ الأصْنامَ آلِهَةً ؟ وقِيلَ: أفَلا تَتَّعِظُونَ فَتَنْتَهُونَ عَنْ ما حَذَّرَتْ عَنْهُ تِلْكَ المَوْعِظَةُ ؟ . ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ فَسَقُوا أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ﴾: فَذَلِكم إشارَةٌ إلى مَنِ اخْتَصَّ بِالأوْصافِ السّابِقَةِ، الحَقُّ: الثّابِتُ الرُّبُوبِيَّةِ المُسْتَوْجِبَةِ لِلْعِبادَةِ واعْتِقادِ اخْتِصاصِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ لا أصْنامِكُمُ المَرْبُوبَةُ الباطِلَةُ. وماذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ: النَّفْيُ، ولِذَلِكَ دَخَلَتْ إلّا، وصَحِبَهُ التَّقْرِيرُ والتَّوْبِيخُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ، فالحَقُّ والضَّلالُ لا واسِطَةَ بَيْنَهُما، إذْ هُما نَقِيضانِ، فَمَن يُخْطِئُ الحَقَّ وقَعَ في الضَّلالِ. وماذا: مُبْتَدَأٌ تَرَكَّبَتْ ذا مَعَ ما فَصارَ مَجْمُوعُهُما اسْتِفْهامًا، كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ. والخَبَرُ بَعْدَ الحَقِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذا مَوْصُولَةً ويَكُونَ خَبَرَ ما كَأنَّهُ قِيلَ: ما الَّذِي بَعْدَ الحَقِّ ؟ وبَعْدَ صِلَةِ كَذا. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى تِلْكَ الصِّفاتِ، وأشارَ إلى أنَّ المُتَّصِفَ بِها هو اللَّهُ، وأنَّهُ مالِكُهم وأنَّهُ هو الحَقُّ، ثُمَّ وبَّخَهم عَلى اتِّباعِ الضَّلالِ بَعْدَ وُضُوحِ الحَقِّ، قالَ تَعالى: (فَأنّى تُصْرَفُونَ)، أيْ كَيْفَ يَقَعُ صَرْفُكم بَعْدَ وُضُوحِ الحَقِّ، وقِيامِ حُجَجِهِ عَنْ عِبادَةِ مَن يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ ؟ وكَيْفَ تُشْرِكُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ، وهو لا يُشارِكُهُ في شَيْءٍ مِن تِلْكَ الأوْصافِ ؟ واسْتِنْباطُ كَوْنِ الشَّطْرَنْجِ ضَلالًا مِن قَوْلِهِ: ﴿فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ﴾، لا يَكادُ يَظْهَرُ، لِأنَّ الآيَةَ إنَّما مَساقُها في الكُفْرِ والإيمانِ، وعِبادَةِ الأصْنامِ وعِبادَةِ اللَّهِ، ولَيْسَ مَساقُها في الأُمُورِ الفَرْعِيَّةِ الَّتِي تَخْتَلِفُ فِيها الشَّرائِعُ، وتَخْتَلِفُ فِيها أقْوالُ عُلَماءِ مَلَّتِنا. وقَدْ تَعَلَّقَ الجُبّائِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ في الرَّدِّ عَلى المُجْبِرَةِ إذْ يَقُولُونَ: إنَّهُ تَعالى يَصْرِفُ الكُفّارَ عَنِ الإيمانِ. قالَ: لَوْ كانَ كَذَلِكَ ما قالَ: (أنّى تُصْرَفُونَ) . كَما لَوْ أعْمى بَصَرَ أحَدِهِمْ لا يَقُولُ: إنِّي أعْمَيْتُ. كَذَلِكَ الكافُ لِلتَّشْبِيهِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، والإشارَةُ بِذَلِكَ قِيلَ: إلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن تُصْرَفُونَ، مِثْلَ صَرْفِهِمْ عَنِ الحَقِّ بَعْدَ الإقْرارِ بِهِ في قَوْلِهِ: (فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ) حَقَّ العَذابُ عَلَيْهِمْ أيْ: جازاهم مِثْلَ أفْعالِهِمْ. وقِيلَ: إشارَةٌ إلى الحَقِّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَذَلِكَ: مِثْلَ ذَلِكَ الحَقِّ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ، أيْ كَما حَقَّ وثَبَتَ أنَّ الحَقَّ بَعْدَ الضَّلالِ، أوْ كَما حَقَّ أنَّهم مَصْرُوفُونَ عَنِ الحَقِّ، فَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كَذَلِكَ أيْ: كَما كانَتْ صِفاتُ اللَّهِ كَما وصَفَ، وعِبادَتُهُ واجِبَةً كَما تَقَرَّرَ، وانْصِرافُ هَؤُلاءِ كَما قَدَّرَ عَلَيْهِمْ، واكْتَسَبُوا كَذَلِكَ حَقَّتْ. ومَعْنى فَسَقُوا: تَمَرَّدُوا في كُفْرِهِمْ وخَرَجُوا إلى الحَدِّ الأقْصى فِيهِ، (وأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ): بَدَلٌ مِن كَلِمَةِ (p-١٥٥)رَبِّكَ، أيْ: حَقَّ عَلَيْهِمُ انْتِفاءُ الإيمانِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالكَلِمَةِ عِدَةُ العَذابِ، ويَكُونُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ تَعْلِيلًا أيْ: لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ. ويُوَضِّحُ هَذا الوَجْهَ قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ: إنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالكَسْرِ، وهَذا إخْبارٌ مِنهُ تَعالى أنَّ في الكُفّارِ مَن حَتَّمَ اللَّهُ بِكُفْرِهِ، وقَضى بِتَخْلِيدِهِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ والصّاحِبانِ: (كَلِماتُ) عَلى الجَمْعِ هُنا وفي آخِرِ السُّورَةِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ عَلى الإفْرادِ. ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾: لَمّا اسْتَفْهَمَهم عَنْ أشْياءَ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى واعْتَرَفُوا بِها، ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ صَرْفَهم عَنِ الحَقِّ وعِبادَةِ اللَّهِ، اسْتَفْهَمَ عَنْ شَيْءٍ هو سَبَبُ العِبادَةِ: وهو إبْداءُ الخَلْقِ، وهم يُسَلِّمُونَ ذَلِكَ. ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] ثُمَّ أعادَ الخَلْقَ وهم مُنْكِرُونَ ذَلِكَ، لَكِنَّهُ عَطَفَهُ عَلى ما يُسَلِّمُونَهُ، لِيُعْلِمَ أنَّهُما سَواءٌ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَةِ اللَّهِ، وأنَّ ذَلِكَ لِوُضُوحِهِ وقِيامِ بُرْهانِهِ، قُرِنَ بِما يُسَلِّمُونَهُ إذْ لا يَدْفَعُهُ إلّا مُكابِرٌ، إذْ هو مِنَ الواضِحاتِ الَّتِي لا يَخْتَلِفُ في إمْكانِها العُقَلاءُ. وجاءَ الشَّرْعُ بِوُجُوبِهِ، فَوَجَبَ اعْتِقادُهُ. ولَمّا كانُوا لِمُكابَرَتِهِمْ لا يُقِرُّونَ بِذَلِكَ، أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يُجِيبَ فَقالَ: ﴿قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾، وأبْرَزَ الجَوابَ في جُمْلَةٍ مُبْتَدَأةٍ مُصَرَّحٍ بِخَبَرِها، فَعادَ الخَبَرُ فِيها مُطابِقًا لِخَبَرِ اسْمِ الِاسْتِفْهامِ، وذَلِكَ تَأْكِيدٌ وتَثْبِيتٌ. ولَمّا كانَ الِاسْتِفْهامُ قَبْلَ هَذا لا مَندُوحَةَ لَهم عَنْ الِاعْتِرافِ بِهِ، جاءَتِ الجُمْلَةُ مَحْذُوفًا مِنها أحَدُ جُزْأيْها في قَوْلِهِ: ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس: ٣١]، ولَمْ يَحْتَجْ إلى التَّأْكِيدِ بِتَصْرِيحِ خَبَرِها. ومَعْنى تُؤْفَكُونَ: تُصْرَفُونَ وتُقْلَبُونَ عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ. ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَهْدِي إلى الحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أفَمَن يَهْدِي إلى الحَقِّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمَّنْ لا يَهِدِّي إلّا أنْ يُهْدى فَما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾: لَمّا بَيَّنَ تَعالى عَجْزَ أصْنامِهِمْ عَنِ الإبْداءِ والإعادَةِ، اللَّذَيْنِ هُما مِن أقْوى أسْبابِ القُدْرَةِ، وأعْظَمِ دَلائِلَ الأُلُوهِيَّةِ، بَيَّنَ عَجْزَهم عَنْ هَذا النَّوْعِ مِن صِفاتِ الإلَهِ، وهو الهِدايَةُ إلى الحَقِّ وإلى مَناهِجِ الصَّوابِ، وقَدْ أعْقَبَ الخَلْقَ بِالهِدايَةِ في القُرْآنِ في مَواضِعَ، قالَ تَعالى حِكايَةً عَنِ الكَلِيمِ: ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] وقالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ [الأعلى: ٢] ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ٣] فاسْتَدَلَّ بِالخَلْقِ والهِدايَةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، وهُما حالانِ لِلْجَسَدِ والرُّوحِ. ولَمّا كانَتِ العُقُولُ يَلْحَقُها الِاضْطِرابُ والغَلَطُ، بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لا يَهْدِيها إلّا هو، بِخِلافِ أصْنامِهِمْ ومَعْبُوداتِهِمْ، فَإنَّهُ ما كانَ مِنها لا رُوحَ فِيهِ، جَمادٌ لا تَأْثِيرَ لَهُ، وما فِيهِ رُوحٌ فَلَيْسَ قادِرًا عَلى الهِدايَةِ، بَلِ اللَّهُ تَعالى هو الَّذِي يَهْدِيهِ. وهَدى تَتَعَدّى بِنَفْسِها إلى اثْنَيْنِ، وإلى الثّانِي بِإلى وبِاللّامِ. ويَهْدِي إلى الحَقِّ: (p-١٥٦)حُذِفُ مَفْعُولُهُ الأوَّلُ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ لازِمًا بِمَعْنى يَهْتَدِي، لِأنَّ مُقابِلَهُ إنَّما هو مُتَعَدٍّ، وهو قَوْلُهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾، أيْ: يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى الحَقِّ. وقَدْ أنْكَرَ المُبَرِّدُ ما قالَهُ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ، وتَبِعَهُما الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنْ يَكُونَ هَدى بِمَعْنى اهْتَدى، وقالَ: لا نَعْرِفُ هَذا، وأحَقُّ لَيْسَتْ أفْعَلَ تَفْضِيلٍ، بَلِ المَعْنى: حَقِيقٌ بِأنْ يُتَّبَعَ. ولَمّا كانُوا مُعْتَقِدِينَ أنَّ شُرَكاءَهم تَهْدِي إلى الحَقِّ، ولا يُسَلِّمُونَ حَصْرَ الهِدايَةِ لِلَّهِ تَعالى، أمَرَ نَبِيَّهُ ﷺ بِأنْ يُبادِرَ بِالجَوابِ فَقالَ: ﴿قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾، ثُمَّ عادَلَ في السُّؤالِ بِالهَمْزَةِ وأمْ بَيْنَ مَن هو حَقِيقٌ بِالِاتِّباعِ، ومَن هو غَيْرُ حَقِيقٍ، وجاءَ عَلى الأفْصَحِ الأكْثَرِ مِن فَصْلِ أمْ مِمّا عُطِفَتْ عَلَيْهِ بِالخَبَرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ﴾ [الفرقان: ١٥] بِخِلافِ قَوْلِهِ: ﴿أقَرِيبٌ أمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٩] وسَيَأْتِي القَوْلُ في تَرْجِيحِ الوَصْلِ هُنا في مَوْضِعِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ: إلّا ورْشًا أمَّنْ لا (يَهْدِّي) بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الهاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِّ، فَجَمَعُوا بَيْنَ ساكِنَيْنِ. قالَ النَّحّاسُ: لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَنْطِقَ بِهِ. وقالَ المُبَرِّدُ: مَن رامَ هَذا لا بُدَّ أنْ يُحَرِّكَ حَرَكَةً خَفِيفَةً، وسِيبَوَيْهِ يُسَمِّي هَذا اخْتِلاسَ الحَرَكَةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وقالُونُ في رِوايَةٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ اخْتَلَسَ الحَرَكَةَ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وابْنُ كَثِيرٍ، ووَرْشٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: كَذَلِكَ إلّا أنَّهم فَتَحُوا الهاءَ وأصْلُهُ يَهْتَدِي، فَقُلِبَ حَرَكَةُ التّاءِ إلى الهاءِ، وأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ. وقَرَأ حَفْصٌ، و يَعْقُوبُ، والأعْمَشُ عَنْ أبِي بَكْرٍ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم كَسَرُوا الهاءَ لَمّا اضْطُرَّ إلى الحَرَكَةِ حُرِّكَ بِالكَسْرِ. قالَ أبُو حاتِمٍ: هي لُغَةُ سُفْلى مُضَرَ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ في رِوايَةِ يَحْيى بْنِ آدَمَ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ كَسَرَ الياءَ. ونُقِلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ لا يُجِيزُ يَهِدِّي، ويُجِيزُ تَهِدِّي ونَهِدِّي وأهِدِّي قالَ: لِأنَّ الكَسْرَةَ في الياءِ تَثْقُلُ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ: يَهْدِي مُضارِعُ هَدى. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذِهِ الهِدايَةُ أحَقُّ بِالِاتِّباعِ أمِ الَّذِي لا يَهِدِّي، أيْ لا يَهْتَدِي بِنَفْسِهِ أوْ لا يَهْدِي غَيْرَهُ، إلّا أنْ يَهْدِيَهُ اللَّهُ. وقِيلَ: مَعْناهُ أمَّنْ لا يَهْتَدِي مِنَ الأوْثانِ إلى مَكانٍ فَيَنْتَقِلُ إلَيْهِ، إلّا أنْ يُهْدى، إلّا أنْ يُنْقَلَ أوْ لا يَهْتَدِي، ولا يَصِحُّ مِنهُ الِاهْتِداءُ إلّا بِنَقْلَةِ اللَّهِ تَعالى مِن حالِهِ إلى أنْ يَجْعَلَهُ حَيَوانًا مُطْلَقًا فَيَهْدِيَهُ، انْتَهى. وتَقَدَّمَ إنْكارُ المُبَرِّدِ ما قالَهُ الكِسائِيُّ والفِراءُ وتَبِعَهُما الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنَّ هَدى بِمَعْنى اهْتَدى. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وصَفَ الأصْنامَ بِأنَّها لا تَهْتَدِي إلّا أنْ تُهْدى، ونَحْنُ نَجِدُها لا تَهْتَدِي وإنْ هُدِيَتْ. فَوَجْهُ ذَلِكَ أنَّهُ عامِلٌ في العِبادَةِ عَنْها مُعامَلَتَهم في وصْفِها بِأوْصافِ مَن يَعْقِلُ، وذَلِكَ مَجازٌ ومَوْجُودٌ في كَثِيرٍ مِنَ القُرْآنِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والَّذِي أقُولُ إنَّ قِراءَةَ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أمْ مَن لا يَهْدِي أحَدًا إلّا أنْ يُهْدى ذَلِكَ الأحَدُ بِهِدايَةٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وأمّا عَلى غَيْرِها مِنَ القِراءاتِ الَّتِي مُقْتَضاها: أمْ مَن لا يَهْتَدِي إلّا أنْ يُهْدى فَيَتَّجِهُ المَعْنى عَلى ما تَقَدَّمَ لِأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ، وفِيهِ تَجَوُّزٌ كَثِيرٌ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ما ذَكَرَ اللَّهُ مِن تَسْبِيحِ الجَماداتِ هو اهْتِداؤُها. وقِيلَ: تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: أمَّنْ لا يَهِدِّي، أيْ: لا يَهْدِي غَيْرَهُ، ثُمَّ قالَ: إلّا أنْ يُهْدى اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، أيْ لَكِنَّهُ يَحْتاجُ إلى أنْ يُهْدى كَما تَقُولُ: فُلانٌ لا يُسْمِعُ غَيْرَهُ إلّا أنْ يَسْمَعَ، أيْ لَكِنَّهُ يَحْتاجُ إلى أنْ يَسْمَعَ. وقِيلَ: أمْ مَن لا يَهِدِّي في الرُّؤَساءِ المُضِلِّينَ، انْتَهى. ويَكُونُ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا لِأنَّهُ إذْ ذاكَ يَكُونُ فِيهِمْ قابِلِيَّةُ الهِدايَةِ، بِخِلافِ الأصْنامِ. فَما لَكم: اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ: التَّعَجُّبُ والإنْكارُ أيْ: أيُّ شَيْءٍ لَكم في اتِّخاذِ هَؤُلاءِ الشُّرَكاءِ، إذْ كانُوا عاجِزِينَ عَنْ هِدايَةِ أنْفُسِهِمْ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يَهْدُوا غَيْرَهم ؟ كَيْفَ تَحْكُمُونَ اسْتِفْهامٌ آخَرُ أيْ: كَيْفَ تَحْكُمُونَ بِالباطِلِ وتَجْعَلُونَ لِلَّهِ أنْدادًا وشُرَكاءَ ؟ وهاتانِ جُمْلَتانِ أنْكَرَ في الأُولى، وتَعَجَّبَ مِنَ اتِّباعِهِمْ مَن لا يَهْدِي ولا يَهْتَدِي، وأنْكَرَ في الثّانِي حُكْمَهم بِالباطِلِ وتَسْوِيَةَ الأصْنامِ بِرَبِّ العالَمِينَ. ﴿وما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم إلّا ظَنًّا إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾: الظّاهِرُ أنَّ أكْثَرَهم عَلى بابِهِ، لِأنَّ مِنهم مَن تَبَصَّرَ في الأصَنامِ (p-١٥٧)ورَفَضَها كَما قالَ: ؎أرَبٌّ يَبُولُ الثَّعْلَبانِ بِرَأْسِهِ لَقَدْ هانَ مَن بالَتْ عَلَيْهِ الثَّعالِبُ وقِيلَ: المُرادُ بِأكْثَرِهِمْ جَمِيعُهم، والمَعْنى: ما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم في اعْتِقادِهِمْ في اللَّهِ وفي صِفاتِهِ إلّا ظَنًّا، لَيْسُوا مُتَبَصِّرِينَ ولا مُسْتَنِدِينَ إلى بُرْهانٍ، إنَّما ذَلِكَ شَيْءٌ تَلَقَّفُوهُ مِن آبائِهِمْ. والظَّنُّ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا، أيْ: مِن إدْراكِ الحَقِّ ومَعْرِفَتِهِ عَلى ما هو عَلَيْهِ، لِأنَّهُ تَجْوِيزٌ لا قَطْعٌ. وقِيلَ: وما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم في جَعْلِهِمُ الأصْنامَ آلِهَةً، واعْتِقادِهِمْ أنَّها تَشْفَعُ عِنْدَ اللَّهِ وتُقَرِّبُ إلَيْهِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: تَفْعَلُونَ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ التِفاتًا والجُمْلَةُ تَضَمَّنَتِ التَّهْدِيدَ والوَعِيدَ عَلى اتِّباعِ الظَّنِّ، وتَقْلِيدِ الآباءِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في رُؤَساءِ اليَهُودِ وقُرَيْشٍ. ﴿وما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وتَفْصِيلَ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾: لَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهم: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس: ١٥] وكانَ مِن قَوْلِهِمْ: إنَّهُ افْتَراهُ قالَ تَعالى: ﴿وما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى﴾، أيْ: ما صَحَّ ولا اسْتَقامَ أنَّ يَكُونَ هَذا القُرْآنُ المُعْجِزُ مُفْتَرًى. والإشارَةُ بِهَذا فِيها تَفْخِيمُ المُشارِ إلَيْهِ وتَعْظِيمُهُ، وكَوْنُهُ جامِعًا لِلْأوْصافِ الَّتِي يَسْتَحِيلُ وُجُودُها فِيهِ أنْ يَكُونَ مُفْتَرًى. والظّاهِرُ أنَّ: أنْ يُفْتَرى هو خَبَرُ كانَ، أيِ: افْتِراءً، أيْ: ذا افْتِراءٍ، أوْ مُفْتَرًى. ويَزْعُمُ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنَّ أنْ هَذِهِ هي المُضْمَرَةُ بَعْدَ لامِ الجُحُودِ في قَوْلِكَ: ما كانَ زَيْدٌ لِيَفْعَلَ، وأنَّهُ لَمّا حُذِفَتِ اللّامُ أُظْهِرَتْ أنْ وأنَّ اللّامَ وأنْ يَتَعاقَبانِ، فَحَيْثُ جِيءَ بِاللّامِ لَمْ تَأْتِ بِأنْ بَلْ تُقَدِّرُها، وحَيْثُ حُذِفَتِ اللّامُ ظَهَرَتْ أنْ. والصَّحِيحُ أنَّهُما لا يَتَعاقَبانِ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ حَذْفُ اللّامِ وإظْهارُ أنْ إذْ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلى ذَلِكَ. وعَلى زَعْمِ هَذا الزّاعِمِ لا يَكُونُ أنْ يُفْتَرى خَبَرًا لِكانَ، بَلِ الخَبَرُ مَحْذُوفٌ. وأنْ يُفْتَرى مَعْمُولٌ لِذَلِكَ الخَبَرِ بَعْدَ إسْقاطِ اللّامِ، ووَقَعَتْ لَكِنْ هُنا أحْسَنَ مَوْقِعٍ إذْ كانَتْ بَيْنَ نَقِيضَيْنِ وهُما: الكَذِبُ والتَّصْدِيقُ المُتَضَمِّنُ الصِّدْقَ، والَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ المُتَقَدِّمَةُ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ كَما جاءَ: مُصَدِّقًا لِما مَعَكم. وعَنِ الزَّجّاجِ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ أشْراطُ السّاعَةِ، ولا يَقُومُ البُرْهانُ عَلى قُرَيْشٍ إلّا بِتَصْدِيقِ القُرْآنِ ما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، مَعَ أنَّ الآتِيَ بِهِ يَقْطَعُونَ أنَّهُ لَمْ يُطالِعْ تِلْكَ الكُتُبَ ولا غَيْرَها، ولا هي في بَلَدِهِ ولا قَوْمِهِ، لا بِتَصْدِيقِ الأشْراطِ، لِأنَّهم لَمْ يُشاهِدُوا شَيْئًا مِنها. وتَفْصِيلُ الكِتابِ تَبْيِينُ ما فُرِضَ وكُتِبَ فِيهِ مِنَ الأحْكامِ والشَّرائِعِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: تَصْدِيقَ وتَفْصِيلَ بِالنَّصْبِ، فَخَرَّجَهُ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ ومُحَمَّدُ بْنُ سَعْدانَ والزَّجّاجُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ مُضْمَرَةً، أيْ: ولَكِنْ كانَ تَصْدِيقَ، أيْ: مُصَدِّقًا ومُفَصِّلًا. وقِيلَ: انْتَصَبَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ، والعامِلُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: ولَكِنْ أُنْزِلَ لِلتَّصْدِيقِ. وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى المَصْدَرِ، والعامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: تَفْصِيلُ وتَصْدِيقُ بِالرَّفْعِ، وفي يُوسُفَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: ولَكِنْ هو تَصْدِيقٌ. كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ولَسْتُ الشّاعِرَ السِّفْسافَ فِيهِمْ ∗∗∗ ولَكِنْ مَدَّهُ الحَرْبُ العَوالِي أيْ: ولَكِنْ أنا. وزَعَمَ الفَرّاءُ ومَن تابَعَهُ أنَّ العَرَبَ إذا قالَتْ: ولَكِنْ بِالواوِ، آثَرَتْ تَشْدِيدَ النُّونِ، وإذا لَمْ تَكُنِ الواوُ آثَرَتِ التَّخْفِيفَ. وقَدْ جاءَ في السَّبْعَةِ مَعَ الواوِ التَّشْدِيدُ والتَّخْفِيفُ، ولا رَيْبَ فِيهِ داخِلٌ في حَيِّزِ الِاسْتِدْراكِ كَأنَّهُ قِيلَ: ولَكِنْ تَصْدِيقًا وتَفْصِيلًا مُنْتَفِيًا عَنْهُ الرَّيْبُ، كائِنًا مِن رَبِّ العالَمِينَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: ولَكِنْ كانَ تَصْدِيقًا مِن رَبِّ العالَمِينَ وتَفْصِيلًا مِنهُ في ذَلِكَ، فَيَكُونُ ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ مُتَعَلِّقًا بِـ (تَصْدِيقَ) و(تَفْصِيلَ)، ويَكُونُ لا رَيْبَ فِيهِ اعْتِراضًا كَما تَقُولُ: زَيْدٌ لا شَكَّ فِيهِ كَرِيمٌ، انْتَهى قَوْلُهُ. فَيَكُونُ ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ مُتَعَلِّقًا بِـ (تَصْدِيقَ) و(تَفْصِيلَ)، إنَّما يَعْنِي مِن جِهَةِ المَعْنى، وأمّا مِن جِهَةِ الإعْرابِ فَلا يَكُونُ إلّا مُتَعَلِّقًا بِأحَدِهِما، ويَكُونُ مِن بابِ الإعْمالِ وانْتِفاءِ الرَّيْبِ عَنْهُ عَلى ما بَيَّنَ (p-١٥٨)فِي البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] وجَمَعَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا﴾ [البقرة: ٢٣] .

يونس 10:35

﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ ومَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ ومَن يُدَبِّرُ الأمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١]: لَمّا بَيَّنَ فَضائِحَ عَبَدَةِ الأوْثانِ، أتْبَعَها بِذِكْرِ الدَّلائِلِ عَلى فَسادِ مَذْهَبِهِمْ بِما يُوَبِّخُهم، ويَحُجَّهم بِما لا يُمْكِنُ إلّا الِاعْتِرافُ بِهِ مِن حالِ رِزْقِهِمْ وحَواسِّهِمْ، وإظْهارِ القُدْرَةِ الباهِرَةِ في المَوْتِ والحَياةِ. فَبَدَأ بِما فِيهِ قِوامُ حَياتِهِمْ وهو الرِّزْقُ الَّذِي لا بُدَّ مِنهُ، فَمِنَ السَّماءِ بِالمَطَرِ، ومِنَ الأرْضِ بِالنَّباتِ. فَمِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، وهَيَّءَ الرِّزْقَ بِالعالَمِ العُلْوِيِّ والعالَمِ السُّفْلِيِّ مَعًا، لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى جِهَةٍ واحِدَةٍ، تَعالى تَوْسِعَةً مِنهُ وإحْسانًا. ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: مِن أهْلِ السَّماءِ والأرْضِ، فَتَكُونُ مِن لِلتَّبْعِيضِ أوْ لِلْبَيانِ. ثُمَّ ذَكَرَ مِلْكَهُ لِهاتَيْنِ الحاسَّتَيْنِ الشَّرِيفَتَيْنِ: السَّمْعِ الَّذِي هو سَبَبُ مَدارِكِ الأشْياءِ، والبَصَرِ (p-١٥٤)الَّذِي يَرى مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ. ومَعْنى مِلْكِهِما أنَّهُ مُتَصَرِّفٌ فِيهِما بِما يَشاءُ تَعالى، مِن إبْقاءٍ وحِفْظٍ وإذْهابٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ: مَن يَسْتَطِيعُ خَلْقَهُما وتَسْوِيَتَهُما عَلى الحَدِّ الَّذِي سُوِّيا عَلَيْهِ مِنَ الفِطْرَةِ العَجِيبَةِ، أوْ مَن يَحْمِيهِما ويَعْصِمُهُما مِنَ الآفاتِ مَعَ كَثْرَتِها في المَدَدِ الطِّوالُ، وهُما لَطِيفانِ يُؤْذِيهِما أدْنى شَيْءٍ بِكِلاءَتِهِ وحِفْظِهِ، انْتَهى. ولا يَظْهَرُ هَذانِ الوَجْهانِ اللَّذانِ ذَكَرَهُما مِن لَفْظِ: ﴿أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ [يونس: ٣١] . وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ: سُبْحانَ مَن بَصَّرَ بِشَحْمٍ، وأسْمَعُ بِعَظْمٍ، وأنْطَقَ بِلَحْمٍ. وأمْ هُنا تَقْتَضِي تَقْدِيرَ بَلْ دُونَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٨٤] فَلا تَتَقَدَّرُ بِـ (بَلْ)، فالهَمْزَةُ لِأنَّها دَخَلَتْ عَلى اسْمِ الِاسْتِفْهامِ، ولَيْسَ إضْرابَ إبْطالٍ بَلْ هو لِانْتِقالٍ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ. ونَبَّهَ تَعالى بِالسَّمْعِ والبَصَرِ عَلى الحَواسِّ لِأنَّهُما أشْرَفُها، ولَمّا ذَكَرَ تَعالى سَبَبَ إدامَةِ الحَياةِ وسَبَبَ انْتِفاعِ الحَيِّ بِالحَواسِّ، ذَكَرَ إنْشاءَهُ تَعالى واخْتِراعَهُ لِلْحَيِّ مِنَ المَيِّتِ، والمَيِّتِ مِنَ الحَيِّ، وذَلِكَ مِن باهِرِ قُدْرَتِهِ، وهو إخْراجُ الضِّدِّ مِن ضِدِّهِ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ ومَن يُدَبِّرُ الأمْرَ شامِلٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الأشْياءِ الأرْبَعَةِ المَذْكُورَةِ ولِغَيْرِها، والأُمُورُ الَّتِي يُدَبِّرُها تَعالى لا نِهايَةَ لَها، فَلِذَلِكَ جاءَ بِالأمْرِ الكُلِّيِّ بَعْدَ تَفْصِيلِ بَعْضِ الأُمُورِ. واعْتِرافُهم بِأنَّ الرّازِقَ والمالِكَ والمُخْرِجَ والمُدَبِّرَ هو اللَّهُ. أيْ: لا يُمْكِنُهم إنْكارُهُ ولا المُنافَسَةُ فِيهِ. ومَعْنى أفَلا تَتَّقُونَ: أفَلا تَخافُونَ عُقُوبَةَ اللَّهِ في افْتِرائِكم، وجَعْلِكُمُ الأصْنامَ آلِهَةً ؟ وقِيلَ: أفَلا تَتَّعِظُونَ فَتَنْتَهُونَ عَنْ ما حَذَّرَتْ عَنْهُ تِلْكَ المَوْعِظَةُ ؟ . ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ فَسَقُوا أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ﴾: فَذَلِكم إشارَةٌ إلى مَنِ اخْتَصَّ بِالأوْصافِ السّابِقَةِ، الحَقُّ: الثّابِتُ الرُّبُوبِيَّةِ المُسْتَوْجِبَةِ لِلْعِبادَةِ واعْتِقادِ اخْتِصاصِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ لا أصْنامِكُمُ المَرْبُوبَةُ الباطِلَةُ. وماذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ: النَّفْيُ، ولِذَلِكَ دَخَلَتْ إلّا، وصَحِبَهُ التَّقْرِيرُ والتَّوْبِيخُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ، فالحَقُّ والضَّلالُ لا واسِطَةَ بَيْنَهُما، إذْ هُما نَقِيضانِ، فَمَن يُخْطِئُ الحَقَّ وقَعَ في الضَّلالِ. وماذا: مُبْتَدَأٌ تَرَكَّبَتْ ذا مَعَ ما فَصارَ مَجْمُوعُهُما اسْتِفْهامًا، كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ. والخَبَرُ بَعْدَ الحَقِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذا مَوْصُولَةً ويَكُونَ خَبَرَ ما كَأنَّهُ قِيلَ: ما الَّذِي بَعْدَ الحَقِّ ؟ وبَعْدَ صِلَةِ كَذا. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى تِلْكَ الصِّفاتِ، وأشارَ إلى أنَّ المُتَّصِفَ بِها هو اللَّهُ، وأنَّهُ مالِكُهم وأنَّهُ هو الحَقُّ، ثُمَّ وبَّخَهم عَلى اتِّباعِ الضَّلالِ بَعْدَ وُضُوحِ الحَقِّ، قالَ تَعالى: (فَأنّى تُصْرَفُونَ)، أيْ كَيْفَ يَقَعُ صَرْفُكم بَعْدَ وُضُوحِ الحَقِّ، وقِيامِ حُجَجِهِ عَنْ عِبادَةِ مَن يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ ؟ وكَيْفَ تُشْرِكُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ، وهو لا يُشارِكُهُ في شَيْءٍ مِن تِلْكَ الأوْصافِ ؟ واسْتِنْباطُ كَوْنِ الشَّطْرَنْجِ ضَلالًا مِن قَوْلِهِ: ﴿فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ﴾، لا يَكادُ يَظْهَرُ، لِأنَّ الآيَةَ إنَّما مَساقُها في الكُفْرِ والإيمانِ، وعِبادَةِ الأصْنامِ وعِبادَةِ اللَّهِ، ولَيْسَ مَساقُها في الأُمُورِ الفَرْعِيَّةِ الَّتِي تَخْتَلِفُ فِيها الشَّرائِعُ، وتَخْتَلِفُ فِيها أقْوالُ عُلَماءِ مَلَّتِنا. وقَدْ تَعَلَّقَ الجُبّائِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ في الرَّدِّ عَلى المُجْبِرَةِ إذْ يَقُولُونَ: إنَّهُ تَعالى يَصْرِفُ الكُفّارَ عَنِ الإيمانِ. قالَ: لَوْ كانَ كَذَلِكَ ما قالَ: (أنّى تُصْرَفُونَ) . كَما لَوْ أعْمى بَصَرَ أحَدِهِمْ لا يَقُولُ: إنِّي أعْمَيْتُ. كَذَلِكَ الكافُ لِلتَّشْبِيهِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، والإشارَةُ بِذَلِكَ قِيلَ: إلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن تُصْرَفُونَ، مِثْلَ صَرْفِهِمْ عَنِ الحَقِّ بَعْدَ الإقْرارِ بِهِ في قَوْلِهِ: (فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ) حَقَّ العَذابُ عَلَيْهِمْ أيْ: جازاهم مِثْلَ أفْعالِهِمْ. وقِيلَ: إشارَةٌ إلى الحَقِّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَذَلِكَ: مِثْلَ ذَلِكَ الحَقِّ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ، أيْ كَما حَقَّ وثَبَتَ أنَّ الحَقَّ بَعْدَ الضَّلالِ، أوْ كَما حَقَّ أنَّهم مَصْرُوفُونَ عَنِ الحَقِّ، فَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كَذَلِكَ أيْ: كَما كانَتْ صِفاتُ اللَّهِ كَما وصَفَ، وعِبادَتُهُ واجِبَةً كَما تَقَرَّرَ، وانْصِرافُ هَؤُلاءِ كَما قَدَّرَ عَلَيْهِمْ، واكْتَسَبُوا كَذَلِكَ حَقَّتْ. ومَعْنى فَسَقُوا: تَمَرَّدُوا في كُفْرِهِمْ وخَرَجُوا إلى الحَدِّ الأقْصى فِيهِ، (وأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ): بَدَلٌ مِن كَلِمَةِ (p-١٥٥)رَبِّكَ، أيْ: حَقَّ عَلَيْهِمُ انْتِفاءُ الإيمانِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالكَلِمَةِ عِدَةُ العَذابِ، ويَكُونُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ تَعْلِيلًا أيْ: لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ. ويُوَضِّحُ هَذا الوَجْهَ قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ: إنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالكَسْرِ، وهَذا إخْبارٌ مِنهُ تَعالى أنَّ في الكُفّارِ مَن حَتَّمَ اللَّهُ بِكُفْرِهِ، وقَضى بِتَخْلِيدِهِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ والصّاحِبانِ: (كَلِماتُ) عَلى الجَمْعِ هُنا وفي آخِرِ السُّورَةِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ عَلى الإفْرادِ. ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾: لَمّا اسْتَفْهَمَهم عَنْ أشْياءَ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى واعْتَرَفُوا بِها، ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ صَرْفَهم عَنِ الحَقِّ وعِبادَةِ اللَّهِ، اسْتَفْهَمَ عَنْ شَيْءٍ هو سَبَبُ العِبادَةِ: وهو إبْداءُ الخَلْقِ، وهم يُسَلِّمُونَ ذَلِكَ. ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] ثُمَّ أعادَ الخَلْقَ وهم مُنْكِرُونَ ذَلِكَ، لَكِنَّهُ عَطَفَهُ عَلى ما يُسَلِّمُونَهُ، لِيُعْلِمَ أنَّهُما سَواءٌ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَةِ اللَّهِ، وأنَّ ذَلِكَ لِوُضُوحِهِ وقِيامِ بُرْهانِهِ، قُرِنَ بِما يُسَلِّمُونَهُ إذْ لا يَدْفَعُهُ إلّا مُكابِرٌ، إذْ هو مِنَ الواضِحاتِ الَّتِي لا يَخْتَلِفُ في إمْكانِها العُقَلاءُ. وجاءَ الشَّرْعُ بِوُجُوبِهِ، فَوَجَبَ اعْتِقادُهُ. ولَمّا كانُوا لِمُكابَرَتِهِمْ لا يُقِرُّونَ بِذَلِكَ، أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يُجِيبَ فَقالَ: ﴿قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾، وأبْرَزَ الجَوابَ في جُمْلَةٍ مُبْتَدَأةٍ مُصَرَّحٍ بِخَبَرِها، فَعادَ الخَبَرُ فِيها مُطابِقًا لِخَبَرِ اسْمِ الِاسْتِفْهامِ، وذَلِكَ تَأْكِيدٌ وتَثْبِيتٌ. ولَمّا كانَ الِاسْتِفْهامُ قَبْلَ هَذا لا مَندُوحَةَ لَهم عَنْ الِاعْتِرافِ بِهِ، جاءَتِ الجُمْلَةُ مَحْذُوفًا مِنها أحَدُ جُزْأيْها في قَوْلِهِ: ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس: ٣١]، ولَمْ يَحْتَجْ إلى التَّأْكِيدِ بِتَصْرِيحِ خَبَرِها. ومَعْنى تُؤْفَكُونَ: تُصْرَفُونَ وتُقْلَبُونَ عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ. ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَهْدِي إلى الحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أفَمَن يَهْدِي إلى الحَقِّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمَّنْ لا يَهِدِّي إلّا أنْ يُهْدى فَما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾: لَمّا بَيَّنَ تَعالى عَجْزَ أصْنامِهِمْ عَنِ الإبْداءِ والإعادَةِ، اللَّذَيْنِ هُما مِن أقْوى أسْبابِ القُدْرَةِ، وأعْظَمِ دَلائِلَ الأُلُوهِيَّةِ، بَيَّنَ عَجْزَهم عَنْ هَذا النَّوْعِ مِن صِفاتِ الإلَهِ، وهو الهِدايَةُ إلى الحَقِّ وإلى مَناهِجِ الصَّوابِ، وقَدْ أعْقَبَ الخَلْقَ بِالهِدايَةِ في القُرْآنِ في مَواضِعَ، قالَ تَعالى حِكايَةً عَنِ الكَلِيمِ: ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] وقالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ [الأعلى: ٢] ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ٣] فاسْتَدَلَّ بِالخَلْقِ والهِدايَةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، وهُما حالانِ لِلْجَسَدِ والرُّوحِ. ولَمّا كانَتِ العُقُولُ يَلْحَقُها الِاضْطِرابُ والغَلَطُ، بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لا يَهْدِيها إلّا هو، بِخِلافِ أصْنامِهِمْ ومَعْبُوداتِهِمْ، فَإنَّهُ ما كانَ مِنها لا رُوحَ فِيهِ، جَمادٌ لا تَأْثِيرَ لَهُ، وما فِيهِ رُوحٌ فَلَيْسَ قادِرًا عَلى الهِدايَةِ، بَلِ اللَّهُ تَعالى هو الَّذِي يَهْدِيهِ. وهَدى تَتَعَدّى بِنَفْسِها إلى اثْنَيْنِ، وإلى الثّانِي بِإلى وبِاللّامِ. ويَهْدِي إلى الحَقِّ: (p-١٥٦)حُذِفُ مَفْعُولُهُ الأوَّلُ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ لازِمًا بِمَعْنى يَهْتَدِي، لِأنَّ مُقابِلَهُ إنَّما هو مُتَعَدٍّ، وهو قَوْلُهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾، أيْ: يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى الحَقِّ. وقَدْ أنْكَرَ المُبَرِّدُ ما قالَهُ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ، وتَبِعَهُما الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنْ يَكُونَ هَدى بِمَعْنى اهْتَدى، وقالَ: لا نَعْرِفُ هَذا، وأحَقُّ لَيْسَتْ أفْعَلَ تَفْضِيلٍ، بَلِ المَعْنى: حَقِيقٌ بِأنْ يُتَّبَعَ. ولَمّا كانُوا مُعْتَقِدِينَ أنَّ شُرَكاءَهم تَهْدِي إلى الحَقِّ، ولا يُسَلِّمُونَ حَصْرَ الهِدايَةِ لِلَّهِ تَعالى، أمَرَ نَبِيَّهُ ﷺ بِأنْ يُبادِرَ بِالجَوابِ فَقالَ: ﴿قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾، ثُمَّ عادَلَ في السُّؤالِ بِالهَمْزَةِ وأمْ بَيْنَ مَن هو حَقِيقٌ بِالِاتِّباعِ، ومَن هو غَيْرُ حَقِيقٍ، وجاءَ عَلى الأفْصَحِ الأكْثَرِ مِن فَصْلِ أمْ مِمّا عُطِفَتْ عَلَيْهِ بِالخَبَرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ﴾ [الفرقان: ١٥] بِخِلافِ قَوْلِهِ: ﴿أقَرِيبٌ أمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٩] وسَيَأْتِي القَوْلُ في تَرْجِيحِ الوَصْلِ هُنا في مَوْضِعِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ: إلّا ورْشًا أمَّنْ لا (يَهْدِّي) بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الهاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِّ، فَجَمَعُوا بَيْنَ ساكِنَيْنِ. قالَ النَّحّاسُ: لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَنْطِقَ بِهِ. وقالَ المُبَرِّدُ: مَن رامَ هَذا لا بُدَّ أنْ يُحَرِّكَ حَرَكَةً خَفِيفَةً، وسِيبَوَيْهِ يُسَمِّي هَذا اخْتِلاسَ الحَرَكَةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وقالُونُ في رِوايَةٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ اخْتَلَسَ الحَرَكَةَ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وابْنُ كَثِيرٍ، ووَرْشٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: كَذَلِكَ إلّا أنَّهم فَتَحُوا الهاءَ وأصْلُهُ يَهْتَدِي، فَقُلِبَ حَرَكَةُ التّاءِ إلى الهاءِ، وأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ. وقَرَأ حَفْصٌ، و يَعْقُوبُ، والأعْمَشُ عَنْ أبِي بَكْرٍ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم كَسَرُوا الهاءَ لَمّا اضْطُرَّ إلى الحَرَكَةِ حُرِّكَ بِالكَسْرِ. قالَ أبُو حاتِمٍ: هي لُغَةُ سُفْلى مُضَرَ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ في رِوايَةِ يَحْيى بْنِ آدَمَ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ كَسَرَ الياءَ. ونُقِلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ لا يُجِيزُ يَهِدِّي، ويُجِيزُ تَهِدِّي ونَهِدِّي وأهِدِّي قالَ: لِأنَّ الكَسْرَةَ في الياءِ تَثْقُلُ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ: يَهْدِي مُضارِعُ هَدى. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذِهِ الهِدايَةُ أحَقُّ بِالِاتِّباعِ أمِ الَّذِي لا يَهِدِّي، أيْ لا يَهْتَدِي بِنَفْسِهِ أوْ لا يَهْدِي غَيْرَهُ، إلّا أنْ يَهْدِيَهُ اللَّهُ. وقِيلَ: مَعْناهُ أمَّنْ لا يَهْتَدِي مِنَ الأوْثانِ إلى مَكانٍ فَيَنْتَقِلُ إلَيْهِ، إلّا أنْ يُهْدى، إلّا أنْ يُنْقَلَ أوْ لا يَهْتَدِي، ولا يَصِحُّ مِنهُ الِاهْتِداءُ إلّا بِنَقْلَةِ اللَّهِ تَعالى مِن حالِهِ إلى أنْ يَجْعَلَهُ حَيَوانًا مُطْلَقًا فَيَهْدِيَهُ، انْتَهى. وتَقَدَّمَ إنْكارُ المُبَرِّدِ ما قالَهُ الكِسائِيُّ والفِراءُ وتَبِعَهُما الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنَّ هَدى بِمَعْنى اهْتَدى. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وصَفَ الأصْنامَ بِأنَّها لا تَهْتَدِي إلّا أنْ تُهْدى، ونَحْنُ نَجِدُها لا تَهْتَدِي وإنْ هُدِيَتْ. فَوَجْهُ ذَلِكَ أنَّهُ عامِلٌ في العِبادَةِ عَنْها مُعامَلَتَهم في وصْفِها بِأوْصافِ مَن يَعْقِلُ، وذَلِكَ مَجازٌ ومَوْجُودٌ في كَثِيرٍ مِنَ القُرْآنِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والَّذِي أقُولُ إنَّ قِراءَةَ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أمْ مَن لا يَهْدِي أحَدًا إلّا أنْ يُهْدى ذَلِكَ الأحَدُ بِهِدايَةٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وأمّا عَلى غَيْرِها مِنَ القِراءاتِ الَّتِي مُقْتَضاها: أمْ مَن لا يَهْتَدِي إلّا أنْ يُهْدى فَيَتَّجِهُ المَعْنى عَلى ما تَقَدَّمَ لِأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ، وفِيهِ تَجَوُّزٌ كَثِيرٌ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ما ذَكَرَ اللَّهُ مِن تَسْبِيحِ الجَماداتِ هو اهْتِداؤُها. وقِيلَ: تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: أمَّنْ لا يَهِدِّي، أيْ: لا يَهْدِي غَيْرَهُ، ثُمَّ قالَ: إلّا أنْ يُهْدى اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، أيْ لَكِنَّهُ يَحْتاجُ إلى أنْ يُهْدى كَما تَقُولُ: فُلانٌ لا يُسْمِعُ غَيْرَهُ إلّا أنْ يَسْمَعَ، أيْ لَكِنَّهُ يَحْتاجُ إلى أنْ يَسْمَعَ. وقِيلَ: أمْ مَن لا يَهِدِّي في الرُّؤَساءِ المُضِلِّينَ، انْتَهى. ويَكُونُ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا لِأنَّهُ إذْ ذاكَ يَكُونُ فِيهِمْ قابِلِيَّةُ الهِدايَةِ، بِخِلافِ الأصْنامِ. فَما لَكم: اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ: التَّعَجُّبُ والإنْكارُ أيْ: أيُّ شَيْءٍ لَكم في اتِّخاذِ هَؤُلاءِ الشُّرَكاءِ، إذْ كانُوا عاجِزِينَ عَنْ هِدايَةِ أنْفُسِهِمْ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يَهْدُوا غَيْرَهم ؟ كَيْفَ تَحْكُمُونَ اسْتِفْهامٌ آخَرُ أيْ: كَيْفَ تَحْكُمُونَ بِالباطِلِ وتَجْعَلُونَ لِلَّهِ أنْدادًا وشُرَكاءَ ؟ وهاتانِ جُمْلَتانِ أنْكَرَ في الأُولى، وتَعَجَّبَ مِنَ اتِّباعِهِمْ مَن لا يَهْدِي ولا يَهْتَدِي، وأنْكَرَ في الثّانِي حُكْمَهم بِالباطِلِ وتَسْوِيَةَ الأصْنامِ بِرَبِّ العالَمِينَ. ﴿وما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم إلّا ظَنًّا إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾: الظّاهِرُ أنَّ أكْثَرَهم عَلى بابِهِ، لِأنَّ مِنهم مَن تَبَصَّرَ في الأصَنامِ (p-١٥٧)ورَفَضَها كَما قالَ: ؎أرَبٌّ يَبُولُ الثَّعْلَبانِ بِرَأْسِهِ لَقَدْ هانَ مَن بالَتْ عَلَيْهِ الثَّعالِبُ وقِيلَ: المُرادُ بِأكْثَرِهِمْ جَمِيعُهم، والمَعْنى: ما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم في اعْتِقادِهِمْ في اللَّهِ وفي صِفاتِهِ إلّا ظَنًّا، لَيْسُوا مُتَبَصِّرِينَ ولا مُسْتَنِدِينَ إلى بُرْهانٍ، إنَّما ذَلِكَ شَيْءٌ تَلَقَّفُوهُ مِن آبائِهِمْ. والظَّنُّ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا، أيْ: مِن إدْراكِ الحَقِّ ومَعْرِفَتِهِ عَلى ما هو عَلَيْهِ، لِأنَّهُ تَجْوِيزٌ لا قَطْعٌ. وقِيلَ: وما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم في جَعْلِهِمُ الأصْنامَ آلِهَةً، واعْتِقادِهِمْ أنَّها تَشْفَعُ عِنْدَ اللَّهِ وتُقَرِّبُ إلَيْهِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: تَفْعَلُونَ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ التِفاتًا والجُمْلَةُ تَضَمَّنَتِ التَّهْدِيدَ والوَعِيدَ عَلى اتِّباعِ الظَّنِّ، وتَقْلِيدِ الآباءِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في رُؤَساءِ اليَهُودِ وقُرَيْشٍ. ﴿وما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وتَفْصِيلَ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾: لَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهم: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس: ١٥] وكانَ مِن قَوْلِهِمْ: إنَّهُ افْتَراهُ قالَ تَعالى: ﴿وما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى﴾، أيْ: ما صَحَّ ولا اسْتَقامَ أنَّ يَكُونَ هَذا القُرْآنُ المُعْجِزُ مُفْتَرًى. والإشارَةُ بِهَذا فِيها تَفْخِيمُ المُشارِ إلَيْهِ وتَعْظِيمُهُ، وكَوْنُهُ جامِعًا لِلْأوْصافِ الَّتِي يَسْتَحِيلُ وُجُودُها فِيهِ أنْ يَكُونَ مُفْتَرًى. والظّاهِرُ أنَّ: أنْ يُفْتَرى هو خَبَرُ كانَ، أيِ: افْتِراءً، أيْ: ذا افْتِراءٍ، أوْ مُفْتَرًى. ويَزْعُمُ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنَّ أنْ هَذِهِ هي المُضْمَرَةُ بَعْدَ لامِ الجُحُودِ في قَوْلِكَ: ما كانَ زَيْدٌ لِيَفْعَلَ، وأنَّهُ لَمّا حُذِفَتِ اللّامُ أُظْهِرَتْ أنْ وأنَّ اللّامَ وأنْ يَتَعاقَبانِ، فَحَيْثُ جِيءَ بِاللّامِ لَمْ تَأْتِ بِأنْ بَلْ تُقَدِّرُها، وحَيْثُ حُذِفَتِ اللّامُ ظَهَرَتْ أنْ. والصَّحِيحُ أنَّهُما لا يَتَعاقَبانِ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ حَذْفُ اللّامِ وإظْهارُ أنْ إذْ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلى ذَلِكَ. وعَلى زَعْمِ هَذا الزّاعِمِ لا يَكُونُ أنْ يُفْتَرى خَبَرًا لِكانَ، بَلِ الخَبَرُ مَحْذُوفٌ. وأنْ يُفْتَرى مَعْمُولٌ لِذَلِكَ الخَبَرِ بَعْدَ إسْقاطِ اللّامِ، ووَقَعَتْ لَكِنْ هُنا أحْسَنَ مَوْقِعٍ إذْ كانَتْ بَيْنَ نَقِيضَيْنِ وهُما: الكَذِبُ والتَّصْدِيقُ المُتَضَمِّنُ الصِّدْقَ، والَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ المُتَقَدِّمَةُ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ كَما جاءَ: مُصَدِّقًا لِما مَعَكم. وعَنِ الزَّجّاجِ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ أشْراطُ السّاعَةِ، ولا يَقُومُ البُرْهانُ عَلى قُرَيْشٍ إلّا بِتَصْدِيقِ القُرْآنِ ما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، مَعَ أنَّ الآتِيَ بِهِ يَقْطَعُونَ أنَّهُ لَمْ يُطالِعْ تِلْكَ الكُتُبَ ولا غَيْرَها، ولا هي في بَلَدِهِ ولا قَوْمِهِ، لا بِتَصْدِيقِ الأشْراطِ، لِأنَّهم لَمْ يُشاهِدُوا شَيْئًا مِنها. وتَفْصِيلُ الكِتابِ تَبْيِينُ ما فُرِضَ وكُتِبَ فِيهِ مِنَ الأحْكامِ والشَّرائِعِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: تَصْدِيقَ وتَفْصِيلَ بِالنَّصْبِ، فَخَرَّجَهُ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ ومُحَمَّدُ بْنُ سَعْدانَ والزَّجّاجُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ مُضْمَرَةً، أيْ: ولَكِنْ كانَ تَصْدِيقَ، أيْ: مُصَدِّقًا ومُفَصِّلًا. وقِيلَ: انْتَصَبَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ، والعامِلُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: ولَكِنْ أُنْزِلَ لِلتَّصْدِيقِ. وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى المَصْدَرِ، والعامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: تَفْصِيلُ وتَصْدِيقُ بِالرَّفْعِ، وفي يُوسُفَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: ولَكِنْ هو تَصْدِيقٌ. كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ولَسْتُ الشّاعِرَ السِّفْسافَ فِيهِمْ ∗∗∗ ولَكِنْ مَدَّهُ الحَرْبُ العَوالِي أيْ: ولَكِنْ أنا. وزَعَمَ الفَرّاءُ ومَن تابَعَهُ أنَّ العَرَبَ إذا قالَتْ: ولَكِنْ بِالواوِ، آثَرَتْ تَشْدِيدَ النُّونِ، وإذا لَمْ تَكُنِ الواوُ آثَرَتِ التَّخْفِيفَ. وقَدْ جاءَ في السَّبْعَةِ مَعَ الواوِ التَّشْدِيدُ والتَّخْفِيفُ، ولا رَيْبَ فِيهِ داخِلٌ في حَيِّزِ الِاسْتِدْراكِ كَأنَّهُ قِيلَ: ولَكِنْ تَصْدِيقًا وتَفْصِيلًا مُنْتَفِيًا عَنْهُ الرَّيْبُ، كائِنًا مِن رَبِّ العالَمِينَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: ولَكِنْ كانَ تَصْدِيقًا مِن رَبِّ العالَمِينَ وتَفْصِيلًا مِنهُ في ذَلِكَ، فَيَكُونُ ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ مُتَعَلِّقًا بِـ (تَصْدِيقَ) و(تَفْصِيلَ)، ويَكُونُ لا رَيْبَ فِيهِ اعْتِراضًا كَما تَقُولُ: زَيْدٌ لا شَكَّ فِيهِ كَرِيمٌ، انْتَهى قَوْلُهُ. فَيَكُونُ ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ مُتَعَلِّقًا بِـ (تَصْدِيقَ) و(تَفْصِيلَ)، إنَّما يَعْنِي مِن جِهَةِ المَعْنى، وأمّا مِن جِهَةِ الإعْرابِ فَلا يَكُونُ إلّا مُتَعَلِّقًا بِأحَدِهِما، ويَكُونُ مِن بابِ الإعْمالِ وانْتِفاءِ الرَّيْبِ عَنْهُ عَلى ما بَيَّنَ (p-١٥٨)فِي البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] وجَمَعَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا﴾ [البقرة: ٢٣] .