Lafzullah

Al-Bahr Al-Muhit — طه 20:30 – طه 20:52

المؤلف / المصدر: Al-Bahr Al-Muhit

المحتويات
  1. طه 20:30
  2. طه 20:31
  3. طه 20:32
  4. طه 20:33
  5. طه 20:34
  6. طه 20:35
  7. طه 20:36
  8. طه 20:37
  9. طه 20:38
  10. طه 20:39
  11. طه 20:40
  12. طه 20:41
  13. طه 20:42
  14. طه 20:43
  15. طه 20:44
  16. طه 20:45
  17. طه 20:46
  18. طه 20:47
  19. طه 20:48
  20. طه 20:49
  21. طه 20:50
  22. طه 20:51
  23. طه 20:52

طه 20:30

(p-٢٣٨)﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى﴾ ﴿إذْ أوْحَيْنا إلى أُمِّكَ ما يُوحى﴾ ﴿أنِ اقْذِفِيهِ في التّابُوتِ فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ ﴿إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ولا تَحْزَنَ وقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ وفَتَنّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ في أهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يامُوسى﴾ ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ . لَمّا أمَرَهُ تَعالى بِالذَّهابِ إلى فِرْعَوْنَ (p-٢٣٩)عَرَفَ أنَّهُ كُلِّفَ أمْرًا عَظِيمًا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى احْتِمالِ ما لا يَحْتَمِلُهُ إلّا ذُو جَأْشٍ رابِطٍ وصَدْرٍ فَسِيحٍ، فَسَألَ رَبَّهُ ورَغِبَ في أنْ يَشْرَحَ صَدْرَهُ لِيَحْتَمِلَ ما يَرِدُ عَلَيْهِ مِنَ الشَّدائِدِ الَّتِي يَضِيقُ لَها الصَّدْرُ، وأنْ يُسَهِّلَ عَلَيْهِ أمْرَهُ لَلَّذِي هو خِلافَةُ اللَّهِ في أرْضِهِ وما يَصْحَبُها مِن مُزاوَلَةِ جَلائِلِ الخُطُوبِ، وقَدْ عَلِمَ ما عَلَيْهِ فِرْعَوْنُ مِنَ الجَبَرُوتِ والتَّمَرُّدِ والتَّسَلُّطِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: مَعْناهُ وسِّعْ لِي صَدْرِي لِأعِيَ عَنْكَ ما تُودِعُهُ مِن وحْيِكَ. وقالَ الكَرْمانِيُّ: وسِّعْ قَلْبِي ولَيِّنْهُ لِفَهْمِ خِطابِكَ وأداءِ رِسالَتِكَ. والقِيامِ بِما كَلَّفْتَنِيهِ مِن أعْبائِها. والعُقْدَةُ اسْتِعارَةٌ لِثِقَلٍ كانَ في لِسانِهِ خِلْقَةً. وقالَ مُجاهِدٌ: كانَتْ مِنَ الجَمْرَةِ الَّتِي أدْخَلَها فاهُ وكانَتْ آسِيَةُ قَدْ ألْقى اللَّهُ مَحَبَّتَهُ في قَلْبِها وسَألَتْ فِرْعَوْنَ أنْ لا يَذْبَحَهُ، فَبَيْنا هي تُرَقِّصُهُ يَوْمًا أخَذَهُ فِرْعَوْنُ في حِجْرِهِ، فَأخَذَ خَصْلَةً مِن لِحْيَتِهِ. وقِيلَ: لَطَمَهُ. وقِيلَ: ضَرَبَهُ بِقَضِيبٍ كانَ في يَدِهِ. فَغَضِبَ فِرْعَوْنُ فَدَعا بِالسَّيّافِ، فَقالَتْ: إنَّما هو صَبِيٌّ لا يُفَرِّقُ بَيْنَ الياقُوتِ والجَمْرِ. فَأحْضَرَ أوْ أرادَ أنْ يَمُدَّ يَدَهُ إلى الياقُوتِ، فَحَوَّلَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَدَهُ إلى الجَمْرَةِ فَأخَذَها ووَضَعَها في فِيهِ فاحْتَرَقَ لِسانُهُ، انْتَهى. وإحْراقُ النّارِ وتَأْثِيرُها في لِسانِهِ لا في يَدِهِ دَلِيلٌ عَلى فَسادِ قَوْلِ القائِلِينَ بِالطَّبِيعَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كانَتْ في لِسانِهِ رَتَّةٌ. وقِيلَ: حَدَثَتِ العُقْدَةُ بَعْدَ المُناجاةِ حَتّى لا يُكَلِّمَ أحَدًا بَعْدَها. وقالَ قُطْرُبٌ: كانَتْ فِيهِ مُسْكَةٌ عَنِ الكَلامِ. وقالَ ابْنُ عِيسى: العُقْدَةُ كالتَّمْتَمَةِ والفَأْفَأةِ. وطَلَبُ مُوسى مِن حَلِّ العُقْدَةِ قَدْرَ ما يُفْقَهُ قَوْلُهُ، قِيلَ: وبَقِيَ بَعْضُها لِقَوْلِهِ ﴿وأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا﴾ [القصص: ٣٤]، وقَوْلِهِ ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] . وقِيلَ: زالَتْ لِقَوْلِهِ ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ وهو قَوْلُ الحَسَنِ، قِيلَ: وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ: واحْلُلِ العُقْدَةَ، بَلْ قالَ: ﴿عُقْدَةً﴾ فَإذا حَلَّ عُقْدَةً فَقَدْ آتاهُ اللَّهُ سُؤْلَهُ. وقِيلَ في قَوْلِهِ ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] أنَّ مَعْناهُ لا يَأْتِي بِبَيانٍ وحُجَّةٍ، وإنَّما قالَ ذَلِكَ فِرْعَوْنُ تَمْوِيهًا، وقَدْ خاطَبَهُ وقَوْمَهُ، وكانُوا يَفْهَمُونَ عَنْهُ فَكَيْفَ يُمْكِنُ نَفْيُ البَيانِ أوْ مُقارَبَتُهُ ؟ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ لِي في قَوْلِهِ ﴿اشْرَحْ لِي صَدْرِي ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾: ما جَدْواهُ والكَلامُ بِدُونِهِ مُسْتَتِبٌّ ؟ قُلْتُ: قَدْ أبْهَمَ الكَلامَ أوَّلًا، فَقالَ: ﴿اشْرَحْ لِي﴾ ﴿ويَسِّرْ لِي﴾ فَعَلِمَ أنَّ ثَمَّ مَشْرُوحًا ومُيَسَّرًا، ثُمَّ بَيَّنَ ورَفَعَ الإبْهامَ فَذَكَرَهُما، فَكانَ آكَدَ لِطَلَبِ الشَّرْحِ والتَّيْسِيرِ لِصَدْرِهِ، وأمَرَهُ مِن أنْ يَقُولَ: اشْرَحْ صَدْرِي ويَسِّرْ أمْرِي، عَلى الإيضاحِ الشّارِحِ؛ لِأنَّهُ تَكْرِيرٌ لِلْمَعْنى الواحِدِ مِن طَرِيقَيِ الإجْمالِ والتَّفْصِيلِ. وقالَ أيْضًا: وفي تَنْكِيرِ العُقْدَةِ وإنْ لَمْ يَقُلْ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً﴾ ﴿لِسانِي﴾ أنَّهُ طَلَبَ حَلَّ بَعْضِها إرادَةَ أنْ يُفْهَمَ عَنْهُ فَهْمًا جَيِّدًا ولَمْ يَطْلُبِ الفَصاحَةَ الكامِلَةَ، و﴿مِن لِسانِي﴾ صِفَةٌ لِلْعُقْدَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: عُقْدَةً مِن عُقَدِ لِسانِي. انْتَهى. ويَظْهَرُ أنَّ ﴿مِن لِسانِي﴾ مُتَعَلِّقٌ بِاحْلُلْ؛ لِأنَّ مَوْضِعَ الصِّفَةِ لِعُقْدَةٍ، وكَذا قالَ الحَوْفِيُّ. وأجازَ أبُو البَقاءِ الوَجْهَيْنِ، والوَزِيرُ المُعِينُ القائِمُ بِوِزْرِ الأُمُورِ، أيْ: بِثِقَلِها، فَوَزِيرُ المَلِكِ يَتَحَمَّلُ عَنْهُ أوْزارَهُ ومُؤَنَهُ. وقِيلَ: مِنَ الوَزَرِ وهو المَلْجَأُ يَلْتَجِئُ إلَيْهِ الإنْسانُ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎مِنَ السِّباعِ الضَّوارِي دُونَهُ وزَرُ والنّاسُ شَرُّهم ما دُونَهُ وزَرُ ؎كَمْ مَعْشَرٍ سَلِمُوا لَمْ يُؤْذِهِمْ سَبْعُ ∗∗∗ وما نَرى بَشَرًا لَمْ يُؤْذِهِمْ بَشَرُ فالمَلِكُ يَعْتَصِمُ بِرَأْيِهِ ويَلْتَجِئُ إلَيْهِ في أُمُورِهِ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: هو مِنَ المُؤازَرَةِ وهي المُعاوَنَةُ والمُساعَدَةُ، والقِياسُ أزِيرٌ، وكَذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: وكانَ القِياسُ أزِيرًا فَقُلِبَتِ الهَمْزَةُ إلى الواوِ ووَجْهُ قَلْبِها أنَّ فَعِيلًا جاءَ في مَعْنى مُفاعِلٍ مَجِيأً صالِحًا، كَعَشِيرٍ وجَلِيسٍ وقَعِيدٍ وخَلِيلٍ وصَدِيقٍ ونَدِيمٍ، فَلَمّا قُلِبَ في أخِيهِ قُلِبَتْ فِيهِ، وحَمْلُ الشَّيْءِ عَلى نَظِيرِهِ لَيْسَ بِعَزِيزٍ. ونَظَرًا إلى يُوازِرُ وأخَواتِهِ وإلى المُوازَرَةِ انْتَهى. ولا حاجَةَ إلى ادِّعاءِ قَلْبِ الهَمْزَةِ واوًا؛ لِأنَّ لَنا اشْتِقاقًا واضِحًا وهو الوِزْرُ، وأمّا قَلْبُها في يُؤازِرُ فَلِأجْلِ (p-٢٤٠)ضَمَّةِ ما قَبْلَ الواوِ وهو أيْضًا إبْدالٌ غَيْرُ لازِمٍ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿لِي وزِيرًا﴾ مَفْعُولَيْنِ لِاجْعَلْ و(هارُونَ) بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ، وأنْ يَكُونَ ﴿وزِيرًا﴾ و(هارُونَ) مَفْعُولَيْهِ، وقَدَّمَ الثّانِيَ اعْتِناءً بِأمْرِ الوِزارَةِ و﴿أخِي﴾ بَدَلٌ مِن (هارُونَ) في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنْ جُعِلَ عَطْفَ بَيانٍ آخَرَ جازَ وحَسُنَ انْتَهى. ويَبْعُدُ فِيهِ عَطْفُ البَيانِ؛ لِأنَّ الأكْثَرَ في عَطْفِ البَيانِ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ دُونَهُ في الشُّهْرَةِ، والأمْرُ هُنا بِالعَكْسِ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ هُما المَفْعُولانِ و(لِي) مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] يَعْنُونَ أنَّهُ بِهِ يَتِمُّ المَعْنى. و(هارُونَ) عَلى ما تَقَدَّمَ. وجَوَّزُوا أنْ يَنْتَصِبَ (هارُونَ) بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيِ: اضْمُمْ إلَيَّ هارُونَ وهَذا لا حاجَةَ إلَيْهِ؛ لِأنَّ الكَلامَ تامٌّ بِدُونِ هَذا المَحْذُوفِ. وقَرَأ الحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ عامِرٍ (أشْدُدْ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ (وأُشْرِكْهُ) بِضَمِّها فِعْلًا مُضارِعًا مَجْزُومًا عَلى جَوابِ الأمْرِ وعُطِفَ عَلَيْهِ (وأُشْرِكْهُ) . وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ عَنِ الحَسَنِ: أنَّهُ قَرَأ أُشْدِدْ بِهِ مُضارِعُ شَدَّدَ لِلتَّكْثِيرِ والتَّكْرِيرِ، أيْ: كُلَّما حَزَنَنِي أمْرٌ شَدَدْتُ ﴿بِهِ أزْرِي﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿اشْدُدْ﴾ ﴿وأشْرِكْهُ﴾ عَلى مَعْنى الدُّعاءِ في شَدِّ الأزْرِ وتَشْرِيكِ هارُونَ في النُّبُوَّةِ، وكانَ الأمْرُ في قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ لا يُرِيدُ بِهِ النُّبُوَّةَ بَلْ يُرِيدُ تَدْبِيرَهُ ومُساعَدَتَهُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ لِمُوسى أنْ يُشْرِكَ في النُّبُوَّةِ أحَدًا. وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ (أخِي واشْدُدْ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ فِيمَن قَرَأ عَلى لَفْظِ الأمْرِ أنْ يَجْعَلَ ﴿أخِي﴾ مَرْفُوعًا عَلى الِابْتِداءِ و﴿اشْدُدْ بِهِ﴾ خَبَرُهُ ويُوقَفُ عَلى (هارُونَ) انْتَهى. وهو خِلافُ الظّاهِرِ فَلا يُصارُ إلَيْهِ لِغَيْرِ حاجَةٍ، وكانَ هارُونُ أكْبَرَ مِن مُوسى بِأرْبَعَةِ أعْوامٍ، وجَعَلَ مُوسى ما رَغِبَ فِيهِ وطَلَبَهُ مِن نِعَمٍ سَبَبًا تَلْزَمُ مِنهُ العِبادَةُ والِاجْتِهادُ في أمْرِ اللَّهِ، والتَّظافُرُ عَلى العِبادَةِ والتَّعاوُنُ فِيها مُثِيرٌ لِلرَّغْبَةِ والتَّزَيُّدِ مِنَ الخَيْرِ. ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ﴾ نُنَزِّهَكَ عَمّا لا يَلِيقُ بِكَ ﴿ونَذْكُرَكَ﴾ بِالدُّعاءِ والثَّناءِ عَلَيْكَ وقُدِّمَ التَّسْبِيحُ؛ لِأنَّهُ تَنْزِيهُهُ تَعالى في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وبَراءَتُهُ عَنِ النَّقائِصِ، ومَحَلُّ ذَلِكَ القَلْبُ، والذِّكْرُ والثَّناءُ عَلى اللَّهِ بِصِفاتِ الكَمالِ ومَحَلُّهُ اللِّسانُ، فَلِذَلِكَ قُدِّمَ ما مَحَلُّهُ القَلْبُ عَلى ما مَحَلُّهُ اللِّسانُ. و(كَثِيرًا) نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، أيْ: نُسَبِّحُكَ التَّسْبِيحَ في حالِ كَثْرَتِهِمْ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ عالِمًا بِأحْوالِنا. والسُّؤْلُ فِعْلٌ بِمَعْنى المَسْئُولِ كالخُبْزِ والأكْلِ بِمَعْنى المَخْبُوزِ والمَأْكُولِ، والمَعْنى أُعْطِيتَ طِلْبَتَكَ وما سَألْتَهُ مِن شَرْحِ الصَّدْرِ وتَيَسُّرِ الأمْرِ وحَلِّ العُقْدَةِ، وجَعْلِ أخِيكَ وزِيرًا وذَلِكَ مِنَ المِنَّةِ عَلَيْهِ. ثُمَّ ذَكَّرَهُ تَعالى تَقْدِيمَ مِنَّتِهِ عَلَيْهِ عَلى سَبِيلِ التَّوْقِيفِ لِيَعْظُمَ اجْتِهادُهُ وتَقْوى بَصِيرَتُهُ و(مَرَّةً) مَعْناهُ مِنَّةً و(أُخْرى) تَأْنِيثُ آخَرَ بِمَعْنى (غَيْرَ) أيْ: مِنَّةً غَيْرَ هَذِهِ المِنَّةِ، ولَيْسَتْ (أُخْرى) هُنا بِمَعْنى (آخِرَةً) فَتَكُونَ مُقابِلَةً لِلْأُولى، وتَخَيَّلَ ذَلِكَ بَعْضُهم فَقالَ: سَمّاها (أُخْرى) وهي أُولى لِأنَّها (أُخْرى) في الذَّكَرِ، والأُخْرى لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ يَكُونُ تَأْنِيثُ الآخَرِ بِفَتْحِ الخاءِ، وتَأْنِيثُ الآخَرِ بِمَعْنى آخِرِهِ فَهَذِهِ يُلْحَظُ فِيها مَعْنى التَّأخُّرِ. والمَعْنى أنِّي قَدْ حَفِظْتُكَ وأنْتَ طِفْلٌ رَضِيعٌ فَكَيْفَ لا أحْفَظُكَ وقَدْ أهَّلْتُكَ لِلرِّسالَةِ. وفي قَوْلِهِ ﴿مَرَّةً أُخْرى﴾ إجْمالٌ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ ﴿إذْ أوْحَيْنا إلى أُمِّكَ﴾ . قالَ الجُمْهُورُ: هي وحْيُ إلْهامٍ كَقَوْلِهِ ﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨] . وقِيلَ: وحْيُ إعْلامٍ إمّا بِإراءَةِ ذَلِكَ في مَنامٍ، وإمّا بِبَعْثِ مَلَكٍ إلَيْها لا عَلى جِهَةِ النُّبُوَّةِ كَما بُعِثَ إلى مَرْيَمَ، وهَذا هو الظّاهِرُ لِظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ﴾ ولِظاهِرِ آيَةِ القَصَصِ ﴿إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] ويَبْعُدُ ما صَدَّرَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلَهُ: مِن يَرُدُّ يَدَهُ، إمّا أنْ يَكُونَ عَلى لِسانِ نَبِيٍّ في وقْتِها كَقَوْلِهِ: ﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ﴾ [المائدة: ١١١]؛ لِأنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أنَّهُ كانَ في زَمَنِ فِرْعَوْنَ، وكانَ في زَمَنِ الحَوارِيِّينَ زَكَرِيّا ويَحْيى. وفي قَوْلِهِ ﴿ما يُوحى﴾ إبْهامٌ وإجْمالٌ كَقَوْلِهِ ﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ [النجم: ١٦] ﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨] وفِيهِ تَهْوِيلٌ وقَدْ فُسِّرَ هُنا بِقَوْلِهِ ﴿أنِ اقْذِفِيهِ في التّابُوتِ﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (p-٢٤١)و(أنْ) هي المُفَسِّرَةُ؛ لِأنَّ الوَحْيَ بِمَعْنى القَوْلِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: و(أنْ) في قَوْلِهِ ﴿أنِ اقْذِفِيهِ﴾ بَدَلٌ مِن ما يَعْنِي أنَّ (أنْ) مَصْدَرِيَّةٌ فَلِذَلِكَ كانَ لَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ. والوَجْهانِ سائِغانِ، والظّاهِرُ أنَّ ﴿التّابُوتِ﴾ كانَ مِن خَشَبٍ. وقِيلَ: مِن بَرْدِيِّ شَجَرِ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ سَدَّتْ خُرُوقَهُ وفَرَشَتْ فِيهِ نِطْعًا - وقِيلَ: قُطْنًا مَحْلُوجًا - وسَدَّتْ فَمَهُ وجَصَّصَتْهُ وقَيَّرَتْهُ وألْقَتْهُ في (اليَمِّ)، وهو اسْمٌ لِلْبَحْرِ العَذْبِ. وقِيلَ: اسْمٌ لِلنِّيلِ خاصَّةً. والأوَّلُ هو الصَّوابُ كَقَوْلِهِ: ﴿فَأغْرَقْناهم في اليَمِّ﴾ [الأعراف: ١٣٦] ولَمْ يُغْرَقُوا في النِّيلِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾ عائِدٌ عَلى مُوسى، وكَذَلِكَ الضَّمِيرانِ بَعْدَهُ إذْ هو المُحَدَّثُ عَنْهُ لا التّابُوتُ، إنَّما ذُكِرَ التّابُوتُ عَلى سَبِيلِ الوِعاءِ والفَضْلَةِ. وقالابْنُ عَطِيَّةَ: والضَّمِيرُ الأوَّلُ في ﴿اقْذِفِيهِ﴾ عائِدٌ عَلى مُوسى وفي الثّانِي عائِدٌ عَلى ﴿التّابُوتِ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى مُوسى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والضَّمائِرُ كُلُّها راجِعَةٌ إلى مُوسى، ورُجُوعُ بَعْضِها إلَيْهِ، وبَعْضِها إلى التّابُوتِ فِيهِ هُجْنَةٌ لِما يُؤَدِّي إلَيْهِ مِن تَنافُرِ النَّظْمِ، فَإنْ قُلْتَ: المَقْذُوفُ في البَحْرِ هو التّابُوتُ وكَذَلِكَ المُلْقى إلى السّاحِلِ ؟ قُلْتُ: ما ضَرَّكَ لَوْ قُلْتَ المَقْذُوفُ والمُلْقى هو مُوسى في جَوْفِ التّابُوتِ حَتّى لا تَتَفَرَّقَ الضَّمائِرُ فَيَتَنافَرَ عَلَيْكَ النَّظْمُ، الَّذِي هو أُمُّ إعْجازِ القُرْآنِ، والقانُونُ الَّذِي وقَعَ عَلَيْهِ التَّحَدِّي ومُراعاتُهُ أهَمُّ ما يَجِبُ عَلى المُفَسِّرِ. انْتَهى. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ الضَّمِيرَ إذا كانَ صالِحًا لِأنْ يَعُودَ عَلى الأقْرَبِ وعَلى الأبْعَدِ كانَ عَوْدُهُ عَلى الأقْرَبِ راجِحًا، وقَدْ نَصَّ النَّحْوِيُّونَ عَلى هَذا فَعَوْدُهُ عَلى ﴿التّابُوتِ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ﴾ راجِحٌ، والجَوابُ أنَّهُ إذا كانَ أحَدُهُما هو المُحَدَّثَ عَنْهُ والآخَرُ فَضْلَةً كانَ عَوْدُهُ عَلى المُحَدَّثِ عَنْهُ أرْجَحَ، ولا يُلْتَفَتُ إلى القُرْبِ، ولِهَذا رَدَدْنا عَلى أبِي مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ في دَعْواهُ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ ﴿فَإنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] عائِدٌ عَلى خِنْزِيرٍ لا عَلى لَحْمٍ لِكَوْنِهِ أقْرَبَ مَذْكُورٍ، فَيَحْرُمُ بِذَلِكَ شَحْمُهُ وغُضْرُوفُهُ وعَظْمُهُ وجِلْدُهُ، بِأنَّ المُحَدَّثَ عَنْهُ هو لَحْمُ خِنْزِيرٍ لا خِنْزِيرٌ. و﴿فَلْيُلْقِهِ﴾ أمْرٌ مَعْناهُ الخَبَرُ، وجاءَ بِصِيغَةِ الأمْرِ مُبالَغَةً إذِ الأمْرُ أقْطَعُ الأفْعالِ وأوْجَبُها، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «قُومُوا فَلْأُصَلِّ لَكم» . أخْرَجَ الخَبَرِ في صِيغَةِ الأمْرِ لِنَفْسِهِ مُبالَغَةً، ومِن حَيْثُ خَرَجَ الفِعْلُ مَخْرَجَ الأمْرِ حَسُنَ جَوابُهُ كَذَلِكَ وهو قَوْلُهُ ﴿يَأْخُذْهُ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا كانَتْ مَشِيئَةُ اللَّهِ وإرادَتُهُ أنْ لا يُخْطِئَ جَرْيَةُ ماءِ اليَمِّ الوُصُولَ بِهِ إلى السّاحِلِ وإلْقاءَهُ إلَيْهِ سَلَكَ في ذَلِكَ سُبُلَ المَجازِ، وجَعَلَ اليَمَّ كَأنَّهُ ذُو تَمْيِيزٍ أمَرَ بِذَلِكَ لِيُطِيعَ الأمْرَ ويَمْتَثِلَ رَسْمَهُ فَقِيلَ ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ﴾ انْتَهى. وقالَ التِّرْمِذِيُّ: إنَّما ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الأمْرِ لِسابِقِ عِلْمِهِ بِوُقُوعِ المُخْبَرِ بِهِ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ، فَكَأنَّ البَحْرَ مَأْمُورٌ مُمْتَثِلٌ لِلْأمْرِ. وقالَ الفَرّاءُ: ﴿فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾ أمْرٌ وفِيهِ مَعْنى المُجازاةِ، أيِ: اقْذِفِيهِ يُلْقِهِ اليَمُّ، والظّاهِرُ أنَّ البَحْرَ ألْقاهُ بِالسّاحِلِ فالتَقَطَهُ مِنهُ. ورُوِيَ أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يَشْرَبُ في مَوْضِعٍ مِنَ النِّيلِ إذْ رَأى التّابُوتَ فَأمَرَ بِهِ فَسِيقَ إلَيْهِ وامْرَأتُهُ مَعَهُ، فَفَتَحَ فَرَأوْهُ، فَرَحِمَتْهُ امْرَأتُهُ وطَلَبَتْهُ لِتَتَّخِذَهُ ابْنًا فَأباحَ لَها ذَلِكَ. ورُوِيَ أنَّ التّابُوتَ جاءَ في الماءِ إلى المَشْرَعَةِ الَّتِي كانَتْ جَوارِي امْرَأةِ فِرْعَوْنَ يَسْتَقِينَ مِنها الماءَ. فَأخَذَتِ التّابُوتَ وجَلَبَتْهُ إلَيْها فَأخْرَجَتْهُ وأعْلَمَتْهُ فِرْعَوْنَ، والعَدُوُّ الَّذِي لِلَّهِ ولِمُوسى هو فِرْعَوْنُ، وأُخْبِرَتْ بِهِ أُمُّ مُوسى عَلى طَرِيقِ الإلْهامِ؛ ولِذَلِكَ قالَتْ لِأُخْتِهِ ﴿قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١] وهي لا تَدْرِي أيْنَ اسْتَقَرَّ. ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ قِيلَ: مَحَبَّةَ آسِيَةَ وفِرْعَوْنَ، وكانَ فِرْعَوْنُ قَدْ أحَبَّهُ حُبًّا شَدِيدًا حَتّى لا يَتَمالَكَ أنْ يَصْبِرَ عَنْهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أحَبَّهُ اللَّهُ وحَبَّبَهُ إلى خَلْقِهِ. وقالَ عَطِيَّةُ: جُعِلَتْ عَلَيْهِ مَسْحَةٌ مِن جَمالٍ لا يَكادُ يَصْبِرُ عَنْهُ مَن رَآهُ. وقالَ قَتادَةُ: كانَ في عَيْنَيْهِ مَلاحَةٌ ما رَآهُ أحَدٌ إلّا أحَبَّهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأقْوى الأقْوالِ أنَّهُ القَبُولُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (مِنِّي) لا يَخْلُوا أنْ يَتَعَلَّقَ بِألْقَيْتُ فَيَكُونُ المَعْنى عَلى أحْبَبْتُكَ، ومَن أحَبَّهُ اللَّهُ أحَبَّتْهُ القُلُوبُ، وإمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ (p-٢٤٢)هُوَ صِفَةٌ لِمَحَبَّةٍ، أيْ: مَحَبَّةً خالِصَةً أوْ واقِعَةً مِنِّي قَدْ رَكَّزْتُها أنا فِيها في القُلُوبِ وزَرَعْتُها فِيها، فَلِذَلِكَ أحَبَّكَ فِرْعَوْنُ وكُلُّ مَن أبْصَرَكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ولِتُصْنَعَ﴾: بِكَسْرِ لامِ كَيْ وضَمِّ التّاءِ ونَصْبِ الفِعْلِ، أيْ: ولِتُرَبّى ويُحْسَنَ إلَيْكَ. وأنا مُراعِيكَ وراقِبُكَ كَما يُراعِي الرَّجُلُ الشَّيْءَ بِعَيْنَيْهِ إذا اعْتَنى بِهِ. قالَ قَرِيبًا مِنهُ قَتادَةُ. وقالَ النَّحّاسُ:، يُقالُ صَنَعْتُ الفَرَسَ إذا أحْسَنْتُ إلَيْهِ وهو مَعْطُوفٌ عَلى عِلَّةِ مَحْذُوفٍ، أيْ: لِيَتَلَطَّفَ بِكَ (ولِتُصْنَعَ) أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُتَأخِّرٍ تَقْدِيرُهُ فَعَلْتُ ذَلِكَ. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو نَهِيكٍ بِفَتْحِ التّاءِ. قالَ ثَعْلَبٌ: مَعْناهُ لِتَكُونَ حَرَكَتُكَ وتَصَرُّفُكَ عَلى عَيْنٍ مِنِّي. وقَرَأ شَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ في رِوايَةٍ بِإسْكانِ اللّامِ والعَيْنِ وضَمِّ التّاءِ فِعْلُ أمْرٍ، وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ كَسَرَ اللّامَ. ﴿إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ﴾ قِيلَ اسْمُها مَرْيَمُ، سَبَبُ ذَلِكَ أنَّ آسِيَةَ عَرَّضَتْهُ لِلرَّضاعِ فَلَمْ يَقْبَلِ امْرَأةً، فَجَعَلَتْ تُنادِي عَلَيْهِ في المَدِينَةِ ويُطافُ بِهِ ويُعْرَضُ لِلْمَراضِعِ فَيَأْبى، وبَقِيَتْ أُمُّهُ بَعْدَ قَذْفِهِ في اليَمِّ مَغْمُومَةً، فَأمَرَتْ أُخْتَهُ بِالتَّفْتِيشِ في المَدِينَةِ لَعَلَّها تَقَعُ عَلى خَبَرِهِ، فَبَصُرَتْ بِهِ في طَوافِها، فَقالَتْ: أنا أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ لَكم وهم لَهُ ناصِحُونَ فَتَعَلَّقُوا بِها، وقالُوا: أنْتِ تَعْرِفِينَ هَذا الصَّبِيَّ ؟ فَقالَتْ: لا، ولَكِنْ أعْلَمُ مِن أهْلِ هَذا البَيْتِ الحِرْصَ عَلى التَّقَرُّبِ إلى المَلِكَةِ والجَدِّ في خِدْمَتِها ورِضاها، فَتَرَكُوها وسَألُوها الدَّلّالَةَ، فَجاءَتْ بِأُمِّ مُوسى فَلَمّا قَرَّبَتْهُ شَرِبَ ثَدْيَها فَسُرَّتْ آسِيَةُ، وقالَتْ لَها: كُونِي مَعَنا في القَصْرِ، فَقالَتْ: ما كُنْتُ لِأدَعَ بَيْتِي ووَلَدِي ولَكِنَّهُ يَكُونُ عِنْدِي قالَتْ: نَعَمْ، فَأحْسَنَتْ إلى أهْلِ ذَلِكَ البَيْتِ غايَةَ الإحْسانِ واعْتَزَّ بَنُو إسْرائِيلَ بِهَذا الرَّضاعِ والنَّسَبِ مِنَ المَلِكَةِ، ولَمّا كَمُلَ رِضاعُهُ أرْسَلَتْ آسِيَةُ إلَيْها أنْ جِيئِينِي بِوَلَدِي لِيَوْمِ كَذا، وأمَرَتْ خَدَمَها ومَن لَها أنْ يَلْقَيْنَهُ بِالتُّحَفِ والهَدايا واللِّباسِ، فَوَصَلَ إلَيْها عَلى ذَلِكَ وهو بِخَيْرِ حالٍ وأجْمَلِ شَبابٍ، فَسُرَّتْ بِهِ ودَخَلَتْ بِهِ عَلى فِرْعَوْنَ لِيَراهُ ولِيَهِبَهُ فَأعْجَبَهُ وقَرَّبَهُ، فَأخَذَ مُوسى بِلِحْيَةِ فِرْعَوْنَ وتَقَدَّمَ ما جَرى لَهُ عِنْدَ ذِكْرِ العُقْدَةِ. والعامِلُ في (إذْ) قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ ومَنَنّا إذْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ العامِلُ في ﴿إذْ تَمْشِي﴾ (ألْقَيْتُ) أوْ (تُصْنَعَ) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ﴿إذْ أوْحَيْنا﴾ فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَصِحُّ البَدَلُ والوَقْتانِ مُخْتَلِفانِ مُتَباعِدانِ ؟ قُلْتُ: كَما يَصِحُّ وإنِ اتَّسَعَ الوَقْتُ وتَباعَدَ طَرَفاهُ أنْ يَقُولَ لَكَ الرَّجُلُ لَقِيتُ فُلانًا سَنَةَ كَذا، فَتَقُولُ: وأنا لَقِيتُهُ إذْ ذاكَ. ورُبَّما لَقِيَهُ هو في أوَّلِها وأنْتَ في آخِرِها انْتَهى. ولَيْسَ كَما ذَكَرَ؛ لِأنَّ السَّنَةَ تَقْبَلُ الِاتِّساعَ فَإذا وقَعَ لُقِيُّهُما فِيها بِخِلافِ هَذَيْنِ الطَّرَفَيْنِ فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما ضَيِّقٌ لَيْسَ بِمُتَّسِعٍ لِتَخْصِيصِهِما بِما أُضِيفا إلَيْهِ فَلا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ الثّانِي في الطَّرَفِ الَّذِي وقَعَ فِيهِ الأوَّلُ، إذِ الأوَّلُ لَيْسَ مُتَّسِعًا لِوُقُوعِ الوَحْيِ فِيهِ ووُقُوعِ مَشْيِ الأُخْتِ، فَلَيْسَ وقْتُ وُقُوعِ الوَحْيِ مُشْتَمِلًا عَلى أجْزاءٍ وقَعَ في بَعْضِها المَشْيُ بِخِلافِ السَّنَةِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: (إذْ) مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (تُصْنَعَ)، ولَكَ أنْ تَنْصِبَ (إذْ) بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ واذْكُرْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿كَيْ تَقَرَّ﴾ بِفَتْحِ التّاءِ والقافِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِكَسْرِ القافِ، وتَقَدَّمَ أنَّهُما لُغَتانِ في قَوْلِهِ ﴿وقَرِّي عَيْنًا﴾ [مريم: ٢٦] . وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ القافِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. و﴿قَتَلْتَ نَفْسًا﴾ [القصص: ١٩] هو القِبْطِيُّ الَّذِي اسْتَغاثَهُ عَلَيْهِ الإسْرائِيلِيُّ قَتَلَهُ وهو ابْنُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، واغْتَمَّ بِسَبَبِ القَتْلِ خَوْفًا مِن عِقابِ اللَّهِ ومِنِ اقْتِصاصِ فِرْعَوْنَ، فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ بِاسْتِغْفارِهِ حِينَ قالَ ﴿رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦] ونَجّاهُ مِن فِرْعَوْنَ حِينَ هاجَرَ بِهِ إلى مَدْيَنَ، والغَمُّ ما يَغُمُّ عَلى القَلْبِ بِسَبَبِ خَوْفٍ أوْ فَواتِ مَقْصُودٍ، والغَمُّ - بِلُغَةِ قُرَيْشٍ - القَتْلُ، وقِيلَ: مِن غَمَّ التّابُوتُ. وقِيلَ: مِن غَمَّ البَحْرُ، والظّاهِرُ أنَّهُ مِن غَمَّ القَتْلُ حِينَ ذَهَبْنا بِكَ مِن مِصْرَ إلى مَدْيَنَ. والفُتُونُ مَصْدَرٌ جَمْعُ فِتَنٍ أوْ فِتْنَةٍ عَلى تَرْكِ الِاعْتِدادِ بِالتّاءِ كَحُجُوزٍ وبُدُورٍ في حُجْزَةٍ وبُدْرَةٍ، أيْ: (فَتَنّاكَ) ضُرُوبًا مِنَ الفِتَنِ، والفِتْنَةُ المِحْنَةُ وما يَشُقُّ عَلى الإنْسانِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ خَلَّصْناكَ مِن مِحْنَةٍ بَعْدَ مِحْنَةٍ. وُلِدَ في عامٍ (p-٢٤٣)كانَ يُقْتَلُ فِيهِ الوِلْدانُ، وألْقَتْهُ أُمُّهُ في البَحْرِ وهَمَّ فِرْعَوْنُ بِقَتْلِهِ، وقَتَلَ قِبْطِيًّا وآجَرَ نَفْسَهُ عَشْرَ سِنِينَ وضَلَّ الطَّرِيقَ وتَفَرَّقَتْ غَنَمُهُ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ انْتَهى. وهَذِهِ الفُتُونُ اخْتَبَرَهُ بِها وخَلَّصَهُ حَتّى صَلُحَ لِلنُّبُوَّةِ وسَلِمَ لَها، والسُّنُونُ الَّتِي لَبِثَها في مَدْيَنَ عَشْرُ سِنِينَ. وقالَ وهْبٌ: ثَمانٍ وعِشْرُونَ سَنَةً مِنها مَهْرُ ابْنَتِهِ، وبَيْنَ مِصْرَ ومَدْيَنَ ثَمانِ مَراحِلَ وفي الكَلامِ حَذْفٌ والتَّقْدِيرُ ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ فَخَرَجْتَ خائِفًا إلى ﴿أهْلِ مَدْيَنَ﴾ فَلَبِثْتَ سِنِينَ وكانَ عُمْرُهُ حِينَ ذَهَبَ إلى مَدْيَنَ اثْنَيْ عَشَرَ عامًا، وأقامَ عَشَرَةَ أعْوامٍ في رَعْيِ غَنَمِ شُعَيْبٍ، ثُمَّ ثَمانِيَةَ عَشَرَ عامًا بَعْدَ بِنائِهِ بِامْرَأتِهِ بِنْتِ شُعَيْبٍ، ووُلِدَ لَهُ فِيها فَكَمُلَ لَهُ أرْبَعُونَ سَنَةً وهي المُدَّةُ الَّتِي عادَةُ اللَّهِ إرْسالُ الأنْبِياءِ عَلى رَأْسِها. ”﴿ثُمَّ جِئْتَ﴾“ إلى المَكانِ الَّذِي ناجَيْتُكَ فِيهِ وكَلَّمْتُكَ واسْتَنْبَأْتُكَ. ”﴿عَلى قَدَرٍ﴾“، أيْ: وقْتٍ مُعَيَّنٍ قَدَّرْتُهُ لَمْ تَتَقَدَّمْهُ ولَمْ تَتَأخَّرْ عَنْهُ. وقِيلَ عَلى مِقْدارٍ مِنَ الزَّمانِ يُوحى إلى الأنْبِياءِ فِيهِ وهو الأرْبَعُونَ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎نالَ الخِلافَةَ أوْ جاءَتْ عَلى قَدَرٍ ∗∗∗ كَما أتى رَبَّهُ مُوسى عَلى قَدَرِ ﴿واصْطَنَعَتْكَ لِنَفْسِي﴾، أيْ: جَعَلْتُكَ مَوْضِعَ الصَّنِيعَةِ ومَقَرَّ الإكْمالِ والإحْسانِ، وأخْلَصْتُكَ بِالألْطافِ واخْتَرْتُكَ لِمَحَبَّتِي، يُقالُ: اصْطَنَعَ فُلانٌ فُلانًا اتَّخَذَهُ صَنِيعَةً، وهو افْتِعالٌ مِنَ الصُّنْعِ وهو الإحْسانُ إلى الشَّخْصِ حَتّى يُضافَ إلَيْهِ فَيُقالَ هَذا صَنِيعُ فُلانٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا تَمْثِيلٌ لِما خَوَّلَهُ مِن مَنزِلَةِ التَّقْرِيبِ والتَّكْرِيمِ والتَّكْلِيمِ، مَثَّلَ حالَهُ بِحالِ مَن يَراهُ المُلُوكُ بِجَمِيعِ خِصالٍ فِيهِ وخَصائِصَ أهْلًا لِأنْ يَكُونَ أقْرَبَ مَنزِلَةً إلَيْهِ وألْطَفَ مَحَلًّا، فَيَصْطَنِعُهُ بِالكَرامَةِ والأثَرَةِ ويَسْتَخْلِصُهُ لِنَفْسِهِ. انْتَهى. ومَعْنى ﴿لِنَفْسِي﴾، أيْ: لِأوامِرِي وإقامَةِ حُجَجِي وتَبْلِيغِ رِسالَتِي، فَحَرَكاتُكَ وسَكَناتُكَ لِي لا لِنَفْسِكَ ولا لِأحَدٍ غَيْرِكَ.

طه 20:31

(p-٢٣٨)﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى﴾ ﴿إذْ أوْحَيْنا إلى أُمِّكَ ما يُوحى﴾ ﴿أنِ اقْذِفِيهِ في التّابُوتِ فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ ﴿إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ولا تَحْزَنَ وقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ وفَتَنّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ في أهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يامُوسى﴾ ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ . لَمّا أمَرَهُ تَعالى بِالذَّهابِ إلى فِرْعَوْنَ (p-٢٣٩)عَرَفَ أنَّهُ كُلِّفَ أمْرًا عَظِيمًا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى احْتِمالِ ما لا يَحْتَمِلُهُ إلّا ذُو جَأْشٍ رابِطٍ وصَدْرٍ فَسِيحٍ، فَسَألَ رَبَّهُ ورَغِبَ في أنْ يَشْرَحَ صَدْرَهُ لِيَحْتَمِلَ ما يَرِدُ عَلَيْهِ مِنَ الشَّدائِدِ الَّتِي يَضِيقُ لَها الصَّدْرُ، وأنْ يُسَهِّلَ عَلَيْهِ أمْرَهُ لَلَّذِي هو خِلافَةُ اللَّهِ في أرْضِهِ وما يَصْحَبُها مِن مُزاوَلَةِ جَلائِلِ الخُطُوبِ، وقَدْ عَلِمَ ما عَلَيْهِ فِرْعَوْنُ مِنَ الجَبَرُوتِ والتَّمَرُّدِ والتَّسَلُّطِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: مَعْناهُ وسِّعْ لِي صَدْرِي لِأعِيَ عَنْكَ ما تُودِعُهُ مِن وحْيِكَ. وقالَ الكَرْمانِيُّ: وسِّعْ قَلْبِي ولَيِّنْهُ لِفَهْمِ خِطابِكَ وأداءِ رِسالَتِكَ. والقِيامِ بِما كَلَّفْتَنِيهِ مِن أعْبائِها. والعُقْدَةُ اسْتِعارَةٌ لِثِقَلٍ كانَ في لِسانِهِ خِلْقَةً. وقالَ مُجاهِدٌ: كانَتْ مِنَ الجَمْرَةِ الَّتِي أدْخَلَها فاهُ وكانَتْ آسِيَةُ قَدْ ألْقى اللَّهُ مَحَبَّتَهُ في قَلْبِها وسَألَتْ فِرْعَوْنَ أنْ لا يَذْبَحَهُ، فَبَيْنا هي تُرَقِّصُهُ يَوْمًا أخَذَهُ فِرْعَوْنُ في حِجْرِهِ، فَأخَذَ خَصْلَةً مِن لِحْيَتِهِ. وقِيلَ: لَطَمَهُ. وقِيلَ: ضَرَبَهُ بِقَضِيبٍ كانَ في يَدِهِ. فَغَضِبَ فِرْعَوْنُ فَدَعا بِالسَّيّافِ، فَقالَتْ: إنَّما هو صَبِيٌّ لا يُفَرِّقُ بَيْنَ الياقُوتِ والجَمْرِ. فَأحْضَرَ أوْ أرادَ أنْ يَمُدَّ يَدَهُ إلى الياقُوتِ، فَحَوَّلَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَدَهُ إلى الجَمْرَةِ فَأخَذَها ووَضَعَها في فِيهِ فاحْتَرَقَ لِسانُهُ، انْتَهى. وإحْراقُ النّارِ وتَأْثِيرُها في لِسانِهِ لا في يَدِهِ دَلِيلٌ عَلى فَسادِ قَوْلِ القائِلِينَ بِالطَّبِيعَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كانَتْ في لِسانِهِ رَتَّةٌ. وقِيلَ: حَدَثَتِ العُقْدَةُ بَعْدَ المُناجاةِ حَتّى لا يُكَلِّمَ أحَدًا بَعْدَها. وقالَ قُطْرُبٌ: كانَتْ فِيهِ مُسْكَةٌ عَنِ الكَلامِ. وقالَ ابْنُ عِيسى: العُقْدَةُ كالتَّمْتَمَةِ والفَأْفَأةِ. وطَلَبُ مُوسى مِن حَلِّ العُقْدَةِ قَدْرَ ما يُفْقَهُ قَوْلُهُ، قِيلَ: وبَقِيَ بَعْضُها لِقَوْلِهِ ﴿وأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا﴾ [القصص: ٣٤]، وقَوْلِهِ ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] . وقِيلَ: زالَتْ لِقَوْلِهِ ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ وهو قَوْلُ الحَسَنِ، قِيلَ: وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ: واحْلُلِ العُقْدَةَ، بَلْ قالَ: ﴿عُقْدَةً﴾ فَإذا حَلَّ عُقْدَةً فَقَدْ آتاهُ اللَّهُ سُؤْلَهُ. وقِيلَ في قَوْلِهِ ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] أنَّ مَعْناهُ لا يَأْتِي بِبَيانٍ وحُجَّةٍ، وإنَّما قالَ ذَلِكَ فِرْعَوْنُ تَمْوِيهًا، وقَدْ خاطَبَهُ وقَوْمَهُ، وكانُوا يَفْهَمُونَ عَنْهُ فَكَيْفَ يُمْكِنُ نَفْيُ البَيانِ أوْ مُقارَبَتُهُ ؟ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ لِي في قَوْلِهِ ﴿اشْرَحْ لِي صَدْرِي ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾: ما جَدْواهُ والكَلامُ بِدُونِهِ مُسْتَتِبٌّ ؟ قُلْتُ: قَدْ أبْهَمَ الكَلامَ أوَّلًا، فَقالَ: ﴿اشْرَحْ لِي﴾ ﴿ويَسِّرْ لِي﴾ فَعَلِمَ أنَّ ثَمَّ مَشْرُوحًا ومُيَسَّرًا، ثُمَّ بَيَّنَ ورَفَعَ الإبْهامَ فَذَكَرَهُما، فَكانَ آكَدَ لِطَلَبِ الشَّرْحِ والتَّيْسِيرِ لِصَدْرِهِ، وأمَرَهُ مِن أنْ يَقُولَ: اشْرَحْ صَدْرِي ويَسِّرْ أمْرِي، عَلى الإيضاحِ الشّارِحِ؛ لِأنَّهُ تَكْرِيرٌ لِلْمَعْنى الواحِدِ مِن طَرِيقَيِ الإجْمالِ والتَّفْصِيلِ. وقالَ أيْضًا: وفي تَنْكِيرِ العُقْدَةِ وإنْ لَمْ يَقُلْ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً﴾ ﴿لِسانِي﴾ أنَّهُ طَلَبَ حَلَّ بَعْضِها إرادَةَ أنْ يُفْهَمَ عَنْهُ فَهْمًا جَيِّدًا ولَمْ يَطْلُبِ الفَصاحَةَ الكامِلَةَ، و﴿مِن لِسانِي﴾ صِفَةٌ لِلْعُقْدَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: عُقْدَةً مِن عُقَدِ لِسانِي. انْتَهى. ويَظْهَرُ أنَّ ﴿مِن لِسانِي﴾ مُتَعَلِّقٌ بِاحْلُلْ؛ لِأنَّ مَوْضِعَ الصِّفَةِ لِعُقْدَةٍ، وكَذا قالَ الحَوْفِيُّ. وأجازَ أبُو البَقاءِ الوَجْهَيْنِ، والوَزِيرُ المُعِينُ القائِمُ بِوِزْرِ الأُمُورِ، أيْ: بِثِقَلِها، فَوَزِيرُ المَلِكِ يَتَحَمَّلُ عَنْهُ أوْزارَهُ ومُؤَنَهُ. وقِيلَ: مِنَ الوَزَرِ وهو المَلْجَأُ يَلْتَجِئُ إلَيْهِ الإنْسانُ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎مِنَ السِّباعِ الضَّوارِي دُونَهُ وزَرُ والنّاسُ شَرُّهم ما دُونَهُ وزَرُ ؎كَمْ مَعْشَرٍ سَلِمُوا لَمْ يُؤْذِهِمْ سَبْعُ ∗∗∗ وما نَرى بَشَرًا لَمْ يُؤْذِهِمْ بَشَرُ فالمَلِكُ يَعْتَصِمُ بِرَأْيِهِ ويَلْتَجِئُ إلَيْهِ في أُمُورِهِ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: هو مِنَ المُؤازَرَةِ وهي المُعاوَنَةُ والمُساعَدَةُ، والقِياسُ أزِيرٌ، وكَذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: وكانَ القِياسُ أزِيرًا فَقُلِبَتِ الهَمْزَةُ إلى الواوِ ووَجْهُ قَلْبِها أنَّ فَعِيلًا جاءَ في مَعْنى مُفاعِلٍ مَجِيأً صالِحًا، كَعَشِيرٍ وجَلِيسٍ وقَعِيدٍ وخَلِيلٍ وصَدِيقٍ ونَدِيمٍ، فَلَمّا قُلِبَ في أخِيهِ قُلِبَتْ فِيهِ، وحَمْلُ الشَّيْءِ عَلى نَظِيرِهِ لَيْسَ بِعَزِيزٍ. ونَظَرًا إلى يُوازِرُ وأخَواتِهِ وإلى المُوازَرَةِ انْتَهى. ولا حاجَةَ إلى ادِّعاءِ قَلْبِ الهَمْزَةِ واوًا؛ لِأنَّ لَنا اشْتِقاقًا واضِحًا وهو الوِزْرُ، وأمّا قَلْبُها في يُؤازِرُ فَلِأجْلِ (p-٢٤٠)ضَمَّةِ ما قَبْلَ الواوِ وهو أيْضًا إبْدالٌ غَيْرُ لازِمٍ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿لِي وزِيرًا﴾ مَفْعُولَيْنِ لِاجْعَلْ و(هارُونَ) بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ، وأنْ يَكُونَ ﴿وزِيرًا﴾ و(هارُونَ) مَفْعُولَيْهِ، وقَدَّمَ الثّانِيَ اعْتِناءً بِأمْرِ الوِزارَةِ و﴿أخِي﴾ بَدَلٌ مِن (هارُونَ) في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنْ جُعِلَ عَطْفَ بَيانٍ آخَرَ جازَ وحَسُنَ انْتَهى. ويَبْعُدُ فِيهِ عَطْفُ البَيانِ؛ لِأنَّ الأكْثَرَ في عَطْفِ البَيانِ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ دُونَهُ في الشُّهْرَةِ، والأمْرُ هُنا بِالعَكْسِ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ هُما المَفْعُولانِ و(لِي) مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] يَعْنُونَ أنَّهُ بِهِ يَتِمُّ المَعْنى. و(هارُونَ) عَلى ما تَقَدَّمَ. وجَوَّزُوا أنْ يَنْتَصِبَ (هارُونَ) بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيِ: اضْمُمْ إلَيَّ هارُونَ وهَذا لا حاجَةَ إلَيْهِ؛ لِأنَّ الكَلامَ تامٌّ بِدُونِ هَذا المَحْذُوفِ. وقَرَأ الحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ عامِرٍ (أشْدُدْ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ (وأُشْرِكْهُ) بِضَمِّها فِعْلًا مُضارِعًا مَجْزُومًا عَلى جَوابِ الأمْرِ وعُطِفَ عَلَيْهِ (وأُشْرِكْهُ) . وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ عَنِ الحَسَنِ: أنَّهُ قَرَأ أُشْدِدْ بِهِ مُضارِعُ شَدَّدَ لِلتَّكْثِيرِ والتَّكْرِيرِ، أيْ: كُلَّما حَزَنَنِي أمْرٌ شَدَدْتُ ﴿بِهِ أزْرِي﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿اشْدُدْ﴾ ﴿وأشْرِكْهُ﴾ عَلى مَعْنى الدُّعاءِ في شَدِّ الأزْرِ وتَشْرِيكِ هارُونَ في النُّبُوَّةِ، وكانَ الأمْرُ في قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ لا يُرِيدُ بِهِ النُّبُوَّةَ بَلْ يُرِيدُ تَدْبِيرَهُ ومُساعَدَتَهُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ لِمُوسى أنْ يُشْرِكَ في النُّبُوَّةِ أحَدًا. وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ (أخِي واشْدُدْ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ فِيمَن قَرَأ عَلى لَفْظِ الأمْرِ أنْ يَجْعَلَ ﴿أخِي﴾ مَرْفُوعًا عَلى الِابْتِداءِ و﴿اشْدُدْ بِهِ﴾ خَبَرُهُ ويُوقَفُ عَلى (هارُونَ) انْتَهى. وهو خِلافُ الظّاهِرِ فَلا يُصارُ إلَيْهِ لِغَيْرِ حاجَةٍ، وكانَ هارُونُ أكْبَرَ مِن مُوسى بِأرْبَعَةِ أعْوامٍ، وجَعَلَ مُوسى ما رَغِبَ فِيهِ وطَلَبَهُ مِن نِعَمٍ سَبَبًا تَلْزَمُ مِنهُ العِبادَةُ والِاجْتِهادُ في أمْرِ اللَّهِ، والتَّظافُرُ عَلى العِبادَةِ والتَّعاوُنُ فِيها مُثِيرٌ لِلرَّغْبَةِ والتَّزَيُّدِ مِنَ الخَيْرِ. ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ﴾ نُنَزِّهَكَ عَمّا لا يَلِيقُ بِكَ ﴿ونَذْكُرَكَ﴾ بِالدُّعاءِ والثَّناءِ عَلَيْكَ وقُدِّمَ التَّسْبِيحُ؛ لِأنَّهُ تَنْزِيهُهُ تَعالى في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وبَراءَتُهُ عَنِ النَّقائِصِ، ومَحَلُّ ذَلِكَ القَلْبُ، والذِّكْرُ والثَّناءُ عَلى اللَّهِ بِصِفاتِ الكَمالِ ومَحَلُّهُ اللِّسانُ، فَلِذَلِكَ قُدِّمَ ما مَحَلُّهُ القَلْبُ عَلى ما مَحَلُّهُ اللِّسانُ. و(كَثِيرًا) نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، أيْ: نُسَبِّحُكَ التَّسْبِيحَ في حالِ كَثْرَتِهِمْ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ عالِمًا بِأحْوالِنا. والسُّؤْلُ فِعْلٌ بِمَعْنى المَسْئُولِ كالخُبْزِ والأكْلِ بِمَعْنى المَخْبُوزِ والمَأْكُولِ، والمَعْنى أُعْطِيتَ طِلْبَتَكَ وما سَألْتَهُ مِن شَرْحِ الصَّدْرِ وتَيَسُّرِ الأمْرِ وحَلِّ العُقْدَةِ، وجَعْلِ أخِيكَ وزِيرًا وذَلِكَ مِنَ المِنَّةِ عَلَيْهِ. ثُمَّ ذَكَّرَهُ تَعالى تَقْدِيمَ مِنَّتِهِ عَلَيْهِ عَلى سَبِيلِ التَّوْقِيفِ لِيَعْظُمَ اجْتِهادُهُ وتَقْوى بَصِيرَتُهُ و(مَرَّةً) مَعْناهُ مِنَّةً و(أُخْرى) تَأْنِيثُ آخَرَ بِمَعْنى (غَيْرَ) أيْ: مِنَّةً غَيْرَ هَذِهِ المِنَّةِ، ولَيْسَتْ (أُخْرى) هُنا بِمَعْنى (آخِرَةً) فَتَكُونَ مُقابِلَةً لِلْأُولى، وتَخَيَّلَ ذَلِكَ بَعْضُهم فَقالَ: سَمّاها (أُخْرى) وهي أُولى لِأنَّها (أُخْرى) في الذَّكَرِ، والأُخْرى لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ يَكُونُ تَأْنِيثُ الآخَرِ بِفَتْحِ الخاءِ، وتَأْنِيثُ الآخَرِ بِمَعْنى آخِرِهِ فَهَذِهِ يُلْحَظُ فِيها مَعْنى التَّأخُّرِ. والمَعْنى أنِّي قَدْ حَفِظْتُكَ وأنْتَ طِفْلٌ رَضِيعٌ فَكَيْفَ لا أحْفَظُكَ وقَدْ أهَّلْتُكَ لِلرِّسالَةِ. وفي قَوْلِهِ ﴿مَرَّةً أُخْرى﴾ إجْمالٌ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ ﴿إذْ أوْحَيْنا إلى أُمِّكَ﴾ . قالَ الجُمْهُورُ: هي وحْيُ إلْهامٍ كَقَوْلِهِ ﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨] . وقِيلَ: وحْيُ إعْلامٍ إمّا بِإراءَةِ ذَلِكَ في مَنامٍ، وإمّا بِبَعْثِ مَلَكٍ إلَيْها لا عَلى جِهَةِ النُّبُوَّةِ كَما بُعِثَ إلى مَرْيَمَ، وهَذا هو الظّاهِرُ لِظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ﴾ ولِظاهِرِ آيَةِ القَصَصِ ﴿إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] ويَبْعُدُ ما صَدَّرَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلَهُ: مِن يَرُدُّ يَدَهُ، إمّا أنْ يَكُونَ عَلى لِسانِ نَبِيٍّ في وقْتِها كَقَوْلِهِ: ﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ﴾ [المائدة: ١١١]؛ لِأنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أنَّهُ كانَ في زَمَنِ فِرْعَوْنَ، وكانَ في زَمَنِ الحَوارِيِّينَ زَكَرِيّا ويَحْيى. وفي قَوْلِهِ ﴿ما يُوحى﴾ إبْهامٌ وإجْمالٌ كَقَوْلِهِ ﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ [النجم: ١٦] ﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨] وفِيهِ تَهْوِيلٌ وقَدْ فُسِّرَ هُنا بِقَوْلِهِ ﴿أنِ اقْذِفِيهِ في التّابُوتِ﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (p-٢٤١)و(أنْ) هي المُفَسِّرَةُ؛ لِأنَّ الوَحْيَ بِمَعْنى القَوْلِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: و(أنْ) في قَوْلِهِ ﴿أنِ اقْذِفِيهِ﴾ بَدَلٌ مِن ما يَعْنِي أنَّ (أنْ) مَصْدَرِيَّةٌ فَلِذَلِكَ كانَ لَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ. والوَجْهانِ سائِغانِ، والظّاهِرُ أنَّ ﴿التّابُوتِ﴾ كانَ مِن خَشَبٍ. وقِيلَ: مِن بَرْدِيِّ شَجَرِ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ سَدَّتْ خُرُوقَهُ وفَرَشَتْ فِيهِ نِطْعًا - وقِيلَ: قُطْنًا مَحْلُوجًا - وسَدَّتْ فَمَهُ وجَصَّصَتْهُ وقَيَّرَتْهُ وألْقَتْهُ في (اليَمِّ)، وهو اسْمٌ لِلْبَحْرِ العَذْبِ. وقِيلَ: اسْمٌ لِلنِّيلِ خاصَّةً. والأوَّلُ هو الصَّوابُ كَقَوْلِهِ: ﴿فَأغْرَقْناهم في اليَمِّ﴾ [الأعراف: ١٣٦] ولَمْ يُغْرَقُوا في النِّيلِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾ عائِدٌ عَلى مُوسى، وكَذَلِكَ الضَّمِيرانِ بَعْدَهُ إذْ هو المُحَدَّثُ عَنْهُ لا التّابُوتُ، إنَّما ذُكِرَ التّابُوتُ عَلى سَبِيلِ الوِعاءِ والفَضْلَةِ. وقالابْنُ عَطِيَّةَ: والضَّمِيرُ الأوَّلُ في ﴿اقْذِفِيهِ﴾ عائِدٌ عَلى مُوسى وفي الثّانِي عائِدٌ عَلى ﴿التّابُوتِ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى مُوسى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والضَّمائِرُ كُلُّها راجِعَةٌ إلى مُوسى، ورُجُوعُ بَعْضِها إلَيْهِ، وبَعْضِها إلى التّابُوتِ فِيهِ هُجْنَةٌ لِما يُؤَدِّي إلَيْهِ مِن تَنافُرِ النَّظْمِ، فَإنْ قُلْتَ: المَقْذُوفُ في البَحْرِ هو التّابُوتُ وكَذَلِكَ المُلْقى إلى السّاحِلِ ؟ قُلْتُ: ما ضَرَّكَ لَوْ قُلْتَ المَقْذُوفُ والمُلْقى هو مُوسى في جَوْفِ التّابُوتِ حَتّى لا تَتَفَرَّقَ الضَّمائِرُ فَيَتَنافَرَ عَلَيْكَ النَّظْمُ، الَّذِي هو أُمُّ إعْجازِ القُرْآنِ، والقانُونُ الَّذِي وقَعَ عَلَيْهِ التَّحَدِّي ومُراعاتُهُ أهَمُّ ما يَجِبُ عَلى المُفَسِّرِ. انْتَهى. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ الضَّمِيرَ إذا كانَ صالِحًا لِأنْ يَعُودَ عَلى الأقْرَبِ وعَلى الأبْعَدِ كانَ عَوْدُهُ عَلى الأقْرَبِ راجِحًا، وقَدْ نَصَّ النَّحْوِيُّونَ عَلى هَذا فَعَوْدُهُ عَلى ﴿التّابُوتِ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ﴾ راجِحٌ، والجَوابُ أنَّهُ إذا كانَ أحَدُهُما هو المُحَدَّثَ عَنْهُ والآخَرُ فَضْلَةً كانَ عَوْدُهُ عَلى المُحَدَّثِ عَنْهُ أرْجَحَ، ولا يُلْتَفَتُ إلى القُرْبِ، ولِهَذا رَدَدْنا عَلى أبِي مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ في دَعْواهُ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ ﴿فَإنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] عائِدٌ عَلى خِنْزِيرٍ لا عَلى لَحْمٍ لِكَوْنِهِ أقْرَبَ مَذْكُورٍ، فَيَحْرُمُ بِذَلِكَ شَحْمُهُ وغُضْرُوفُهُ وعَظْمُهُ وجِلْدُهُ، بِأنَّ المُحَدَّثَ عَنْهُ هو لَحْمُ خِنْزِيرٍ لا خِنْزِيرٌ. و﴿فَلْيُلْقِهِ﴾ أمْرٌ مَعْناهُ الخَبَرُ، وجاءَ بِصِيغَةِ الأمْرِ مُبالَغَةً إذِ الأمْرُ أقْطَعُ الأفْعالِ وأوْجَبُها، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «قُومُوا فَلْأُصَلِّ لَكم» . أخْرَجَ الخَبَرِ في صِيغَةِ الأمْرِ لِنَفْسِهِ مُبالَغَةً، ومِن حَيْثُ خَرَجَ الفِعْلُ مَخْرَجَ الأمْرِ حَسُنَ جَوابُهُ كَذَلِكَ وهو قَوْلُهُ ﴿يَأْخُذْهُ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا كانَتْ مَشِيئَةُ اللَّهِ وإرادَتُهُ أنْ لا يُخْطِئَ جَرْيَةُ ماءِ اليَمِّ الوُصُولَ بِهِ إلى السّاحِلِ وإلْقاءَهُ إلَيْهِ سَلَكَ في ذَلِكَ سُبُلَ المَجازِ، وجَعَلَ اليَمَّ كَأنَّهُ ذُو تَمْيِيزٍ أمَرَ بِذَلِكَ لِيُطِيعَ الأمْرَ ويَمْتَثِلَ رَسْمَهُ فَقِيلَ ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ﴾ انْتَهى. وقالَ التِّرْمِذِيُّ: إنَّما ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الأمْرِ لِسابِقِ عِلْمِهِ بِوُقُوعِ المُخْبَرِ بِهِ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ، فَكَأنَّ البَحْرَ مَأْمُورٌ مُمْتَثِلٌ لِلْأمْرِ. وقالَ الفَرّاءُ: ﴿فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾ أمْرٌ وفِيهِ مَعْنى المُجازاةِ، أيِ: اقْذِفِيهِ يُلْقِهِ اليَمُّ، والظّاهِرُ أنَّ البَحْرَ ألْقاهُ بِالسّاحِلِ فالتَقَطَهُ مِنهُ. ورُوِيَ أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يَشْرَبُ في مَوْضِعٍ مِنَ النِّيلِ إذْ رَأى التّابُوتَ فَأمَرَ بِهِ فَسِيقَ إلَيْهِ وامْرَأتُهُ مَعَهُ، فَفَتَحَ فَرَأوْهُ، فَرَحِمَتْهُ امْرَأتُهُ وطَلَبَتْهُ لِتَتَّخِذَهُ ابْنًا فَأباحَ لَها ذَلِكَ. ورُوِيَ أنَّ التّابُوتَ جاءَ في الماءِ إلى المَشْرَعَةِ الَّتِي كانَتْ جَوارِي امْرَأةِ فِرْعَوْنَ يَسْتَقِينَ مِنها الماءَ. فَأخَذَتِ التّابُوتَ وجَلَبَتْهُ إلَيْها فَأخْرَجَتْهُ وأعْلَمَتْهُ فِرْعَوْنَ، والعَدُوُّ الَّذِي لِلَّهِ ولِمُوسى هو فِرْعَوْنُ، وأُخْبِرَتْ بِهِ أُمُّ مُوسى عَلى طَرِيقِ الإلْهامِ؛ ولِذَلِكَ قالَتْ لِأُخْتِهِ ﴿قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١] وهي لا تَدْرِي أيْنَ اسْتَقَرَّ. ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ قِيلَ: مَحَبَّةَ آسِيَةَ وفِرْعَوْنَ، وكانَ فِرْعَوْنُ قَدْ أحَبَّهُ حُبًّا شَدِيدًا حَتّى لا يَتَمالَكَ أنْ يَصْبِرَ عَنْهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أحَبَّهُ اللَّهُ وحَبَّبَهُ إلى خَلْقِهِ. وقالَ عَطِيَّةُ: جُعِلَتْ عَلَيْهِ مَسْحَةٌ مِن جَمالٍ لا يَكادُ يَصْبِرُ عَنْهُ مَن رَآهُ. وقالَ قَتادَةُ: كانَ في عَيْنَيْهِ مَلاحَةٌ ما رَآهُ أحَدٌ إلّا أحَبَّهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأقْوى الأقْوالِ أنَّهُ القَبُولُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (مِنِّي) لا يَخْلُوا أنْ يَتَعَلَّقَ بِألْقَيْتُ فَيَكُونُ المَعْنى عَلى أحْبَبْتُكَ، ومَن أحَبَّهُ اللَّهُ أحَبَّتْهُ القُلُوبُ، وإمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ (p-٢٤٢)هُوَ صِفَةٌ لِمَحَبَّةٍ، أيْ: مَحَبَّةً خالِصَةً أوْ واقِعَةً مِنِّي قَدْ رَكَّزْتُها أنا فِيها في القُلُوبِ وزَرَعْتُها فِيها، فَلِذَلِكَ أحَبَّكَ فِرْعَوْنُ وكُلُّ مَن أبْصَرَكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ولِتُصْنَعَ﴾: بِكَسْرِ لامِ كَيْ وضَمِّ التّاءِ ونَصْبِ الفِعْلِ، أيْ: ولِتُرَبّى ويُحْسَنَ إلَيْكَ. وأنا مُراعِيكَ وراقِبُكَ كَما يُراعِي الرَّجُلُ الشَّيْءَ بِعَيْنَيْهِ إذا اعْتَنى بِهِ. قالَ قَرِيبًا مِنهُ قَتادَةُ. وقالَ النَّحّاسُ:، يُقالُ صَنَعْتُ الفَرَسَ إذا أحْسَنْتُ إلَيْهِ وهو مَعْطُوفٌ عَلى عِلَّةِ مَحْذُوفٍ، أيْ: لِيَتَلَطَّفَ بِكَ (ولِتُصْنَعَ) أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُتَأخِّرٍ تَقْدِيرُهُ فَعَلْتُ ذَلِكَ. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو نَهِيكٍ بِفَتْحِ التّاءِ. قالَ ثَعْلَبٌ: مَعْناهُ لِتَكُونَ حَرَكَتُكَ وتَصَرُّفُكَ عَلى عَيْنٍ مِنِّي. وقَرَأ شَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ في رِوايَةٍ بِإسْكانِ اللّامِ والعَيْنِ وضَمِّ التّاءِ فِعْلُ أمْرٍ، وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ كَسَرَ اللّامَ. ﴿إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ﴾ قِيلَ اسْمُها مَرْيَمُ، سَبَبُ ذَلِكَ أنَّ آسِيَةَ عَرَّضَتْهُ لِلرَّضاعِ فَلَمْ يَقْبَلِ امْرَأةً، فَجَعَلَتْ تُنادِي عَلَيْهِ في المَدِينَةِ ويُطافُ بِهِ ويُعْرَضُ لِلْمَراضِعِ فَيَأْبى، وبَقِيَتْ أُمُّهُ بَعْدَ قَذْفِهِ في اليَمِّ مَغْمُومَةً، فَأمَرَتْ أُخْتَهُ بِالتَّفْتِيشِ في المَدِينَةِ لَعَلَّها تَقَعُ عَلى خَبَرِهِ، فَبَصُرَتْ بِهِ في طَوافِها، فَقالَتْ: أنا أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ لَكم وهم لَهُ ناصِحُونَ فَتَعَلَّقُوا بِها، وقالُوا: أنْتِ تَعْرِفِينَ هَذا الصَّبِيَّ ؟ فَقالَتْ: لا، ولَكِنْ أعْلَمُ مِن أهْلِ هَذا البَيْتِ الحِرْصَ عَلى التَّقَرُّبِ إلى المَلِكَةِ والجَدِّ في خِدْمَتِها ورِضاها، فَتَرَكُوها وسَألُوها الدَّلّالَةَ، فَجاءَتْ بِأُمِّ مُوسى فَلَمّا قَرَّبَتْهُ شَرِبَ ثَدْيَها فَسُرَّتْ آسِيَةُ، وقالَتْ لَها: كُونِي مَعَنا في القَصْرِ، فَقالَتْ: ما كُنْتُ لِأدَعَ بَيْتِي ووَلَدِي ولَكِنَّهُ يَكُونُ عِنْدِي قالَتْ: نَعَمْ، فَأحْسَنَتْ إلى أهْلِ ذَلِكَ البَيْتِ غايَةَ الإحْسانِ واعْتَزَّ بَنُو إسْرائِيلَ بِهَذا الرَّضاعِ والنَّسَبِ مِنَ المَلِكَةِ، ولَمّا كَمُلَ رِضاعُهُ أرْسَلَتْ آسِيَةُ إلَيْها أنْ جِيئِينِي بِوَلَدِي لِيَوْمِ كَذا، وأمَرَتْ خَدَمَها ومَن لَها أنْ يَلْقَيْنَهُ بِالتُّحَفِ والهَدايا واللِّباسِ، فَوَصَلَ إلَيْها عَلى ذَلِكَ وهو بِخَيْرِ حالٍ وأجْمَلِ شَبابٍ، فَسُرَّتْ بِهِ ودَخَلَتْ بِهِ عَلى فِرْعَوْنَ لِيَراهُ ولِيَهِبَهُ فَأعْجَبَهُ وقَرَّبَهُ، فَأخَذَ مُوسى بِلِحْيَةِ فِرْعَوْنَ وتَقَدَّمَ ما جَرى لَهُ عِنْدَ ذِكْرِ العُقْدَةِ. والعامِلُ في (إذْ) قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ ومَنَنّا إذْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ العامِلُ في ﴿إذْ تَمْشِي﴾ (ألْقَيْتُ) أوْ (تُصْنَعَ) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ﴿إذْ أوْحَيْنا﴾ فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَصِحُّ البَدَلُ والوَقْتانِ مُخْتَلِفانِ مُتَباعِدانِ ؟ قُلْتُ: كَما يَصِحُّ وإنِ اتَّسَعَ الوَقْتُ وتَباعَدَ طَرَفاهُ أنْ يَقُولَ لَكَ الرَّجُلُ لَقِيتُ فُلانًا سَنَةَ كَذا، فَتَقُولُ: وأنا لَقِيتُهُ إذْ ذاكَ. ورُبَّما لَقِيَهُ هو في أوَّلِها وأنْتَ في آخِرِها انْتَهى. ولَيْسَ كَما ذَكَرَ؛ لِأنَّ السَّنَةَ تَقْبَلُ الِاتِّساعَ فَإذا وقَعَ لُقِيُّهُما فِيها بِخِلافِ هَذَيْنِ الطَّرَفَيْنِ فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما ضَيِّقٌ لَيْسَ بِمُتَّسِعٍ لِتَخْصِيصِهِما بِما أُضِيفا إلَيْهِ فَلا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ الثّانِي في الطَّرَفِ الَّذِي وقَعَ فِيهِ الأوَّلُ، إذِ الأوَّلُ لَيْسَ مُتَّسِعًا لِوُقُوعِ الوَحْيِ فِيهِ ووُقُوعِ مَشْيِ الأُخْتِ، فَلَيْسَ وقْتُ وُقُوعِ الوَحْيِ مُشْتَمِلًا عَلى أجْزاءٍ وقَعَ في بَعْضِها المَشْيُ بِخِلافِ السَّنَةِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: (إذْ) مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (تُصْنَعَ)، ولَكَ أنْ تَنْصِبَ (إذْ) بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ واذْكُرْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿كَيْ تَقَرَّ﴾ بِفَتْحِ التّاءِ والقافِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِكَسْرِ القافِ، وتَقَدَّمَ أنَّهُما لُغَتانِ في قَوْلِهِ ﴿وقَرِّي عَيْنًا﴾ [مريم: ٢٦] . وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ القافِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. و﴿قَتَلْتَ نَفْسًا﴾ [القصص: ١٩] هو القِبْطِيُّ الَّذِي اسْتَغاثَهُ عَلَيْهِ الإسْرائِيلِيُّ قَتَلَهُ وهو ابْنُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، واغْتَمَّ بِسَبَبِ القَتْلِ خَوْفًا مِن عِقابِ اللَّهِ ومِنِ اقْتِصاصِ فِرْعَوْنَ، فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ بِاسْتِغْفارِهِ حِينَ قالَ ﴿رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦] ونَجّاهُ مِن فِرْعَوْنَ حِينَ هاجَرَ بِهِ إلى مَدْيَنَ، والغَمُّ ما يَغُمُّ عَلى القَلْبِ بِسَبَبِ خَوْفٍ أوْ فَواتِ مَقْصُودٍ، والغَمُّ - بِلُغَةِ قُرَيْشٍ - القَتْلُ، وقِيلَ: مِن غَمَّ التّابُوتُ. وقِيلَ: مِن غَمَّ البَحْرُ، والظّاهِرُ أنَّهُ مِن غَمَّ القَتْلُ حِينَ ذَهَبْنا بِكَ مِن مِصْرَ إلى مَدْيَنَ. والفُتُونُ مَصْدَرٌ جَمْعُ فِتَنٍ أوْ فِتْنَةٍ عَلى تَرْكِ الِاعْتِدادِ بِالتّاءِ كَحُجُوزٍ وبُدُورٍ في حُجْزَةٍ وبُدْرَةٍ، أيْ: (فَتَنّاكَ) ضُرُوبًا مِنَ الفِتَنِ، والفِتْنَةُ المِحْنَةُ وما يَشُقُّ عَلى الإنْسانِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ خَلَّصْناكَ مِن مِحْنَةٍ بَعْدَ مِحْنَةٍ. وُلِدَ في عامٍ (p-٢٤٣)كانَ يُقْتَلُ فِيهِ الوِلْدانُ، وألْقَتْهُ أُمُّهُ في البَحْرِ وهَمَّ فِرْعَوْنُ بِقَتْلِهِ، وقَتَلَ قِبْطِيًّا وآجَرَ نَفْسَهُ عَشْرَ سِنِينَ وضَلَّ الطَّرِيقَ وتَفَرَّقَتْ غَنَمُهُ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ انْتَهى. وهَذِهِ الفُتُونُ اخْتَبَرَهُ بِها وخَلَّصَهُ حَتّى صَلُحَ لِلنُّبُوَّةِ وسَلِمَ لَها، والسُّنُونُ الَّتِي لَبِثَها في مَدْيَنَ عَشْرُ سِنِينَ. وقالَ وهْبٌ: ثَمانٍ وعِشْرُونَ سَنَةً مِنها مَهْرُ ابْنَتِهِ، وبَيْنَ مِصْرَ ومَدْيَنَ ثَمانِ مَراحِلَ وفي الكَلامِ حَذْفٌ والتَّقْدِيرُ ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ فَخَرَجْتَ خائِفًا إلى ﴿أهْلِ مَدْيَنَ﴾ فَلَبِثْتَ سِنِينَ وكانَ عُمْرُهُ حِينَ ذَهَبَ إلى مَدْيَنَ اثْنَيْ عَشَرَ عامًا، وأقامَ عَشَرَةَ أعْوامٍ في رَعْيِ غَنَمِ شُعَيْبٍ، ثُمَّ ثَمانِيَةَ عَشَرَ عامًا بَعْدَ بِنائِهِ بِامْرَأتِهِ بِنْتِ شُعَيْبٍ، ووُلِدَ لَهُ فِيها فَكَمُلَ لَهُ أرْبَعُونَ سَنَةً وهي المُدَّةُ الَّتِي عادَةُ اللَّهِ إرْسالُ الأنْبِياءِ عَلى رَأْسِها. ”﴿ثُمَّ جِئْتَ﴾“ إلى المَكانِ الَّذِي ناجَيْتُكَ فِيهِ وكَلَّمْتُكَ واسْتَنْبَأْتُكَ. ”﴿عَلى قَدَرٍ﴾“، أيْ: وقْتٍ مُعَيَّنٍ قَدَّرْتُهُ لَمْ تَتَقَدَّمْهُ ولَمْ تَتَأخَّرْ عَنْهُ. وقِيلَ عَلى مِقْدارٍ مِنَ الزَّمانِ يُوحى إلى الأنْبِياءِ فِيهِ وهو الأرْبَعُونَ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎نالَ الخِلافَةَ أوْ جاءَتْ عَلى قَدَرٍ ∗∗∗ كَما أتى رَبَّهُ مُوسى عَلى قَدَرِ ﴿واصْطَنَعَتْكَ لِنَفْسِي﴾، أيْ: جَعَلْتُكَ مَوْضِعَ الصَّنِيعَةِ ومَقَرَّ الإكْمالِ والإحْسانِ، وأخْلَصْتُكَ بِالألْطافِ واخْتَرْتُكَ لِمَحَبَّتِي، يُقالُ: اصْطَنَعَ فُلانٌ فُلانًا اتَّخَذَهُ صَنِيعَةً، وهو افْتِعالٌ مِنَ الصُّنْعِ وهو الإحْسانُ إلى الشَّخْصِ حَتّى يُضافَ إلَيْهِ فَيُقالَ هَذا صَنِيعُ فُلانٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا تَمْثِيلٌ لِما خَوَّلَهُ مِن مَنزِلَةِ التَّقْرِيبِ والتَّكْرِيمِ والتَّكْلِيمِ، مَثَّلَ حالَهُ بِحالِ مَن يَراهُ المُلُوكُ بِجَمِيعِ خِصالٍ فِيهِ وخَصائِصَ أهْلًا لِأنْ يَكُونَ أقْرَبَ مَنزِلَةً إلَيْهِ وألْطَفَ مَحَلًّا، فَيَصْطَنِعُهُ بِالكَرامَةِ والأثَرَةِ ويَسْتَخْلِصُهُ لِنَفْسِهِ. انْتَهى. ومَعْنى ﴿لِنَفْسِي﴾، أيْ: لِأوامِرِي وإقامَةِ حُجَجِي وتَبْلِيغِ رِسالَتِي، فَحَرَكاتُكَ وسَكَناتُكَ لِي لا لِنَفْسِكَ ولا لِأحَدٍ غَيْرِكَ.

طه 20:32

(p-٢٣٨)﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى﴾ ﴿إذْ أوْحَيْنا إلى أُمِّكَ ما يُوحى﴾ ﴿أنِ اقْذِفِيهِ في التّابُوتِ فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ ﴿إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ولا تَحْزَنَ وقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ وفَتَنّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ في أهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يامُوسى﴾ ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ . لَمّا أمَرَهُ تَعالى بِالذَّهابِ إلى فِرْعَوْنَ (p-٢٣٩)عَرَفَ أنَّهُ كُلِّفَ أمْرًا عَظِيمًا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى احْتِمالِ ما لا يَحْتَمِلُهُ إلّا ذُو جَأْشٍ رابِطٍ وصَدْرٍ فَسِيحٍ، فَسَألَ رَبَّهُ ورَغِبَ في أنْ يَشْرَحَ صَدْرَهُ لِيَحْتَمِلَ ما يَرِدُ عَلَيْهِ مِنَ الشَّدائِدِ الَّتِي يَضِيقُ لَها الصَّدْرُ، وأنْ يُسَهِّلَ عَلَيْهِ أمْرَهُ لَلَّذِي هو خِلافَةُ اللَّهِ في أرْضِهِ وما يَصْحَبُها مِن مُزاوَلَةِ جَلائِلِ الخُطُوبِ، وقَدْ عَلِمَ ما عَلَيْهِ فِرْعَوْنُ مِنَ الجَبَرُوتِ والتَّمَرُّدِ والتَّسَلُّطِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: مَعْناهُ وسِّعْ لِي صَدْرِي لِأعِيَ عَنْكَ ما تُودِعُهُ مِن وحْيِكَ. وقالَ الكَرْمانِيُّ: وسِّعْ قَلْبِي ولَيِّنْهُ لِفَهْمِ خِطابِكَ وأداءِ رِسالَتِكَ. والقِيامِ بِما كَلَّفْتَنِيهِ مِن أعْبائِها. والعُقْدَةُ اسْتِعارَةٌ لِثِقَلٍ كانَ في لِسانِهِ خِلْقَةً. وقالَ مُجاهِدٌ: كانَتْ مِنَ الجَمْرَةِ الَّتِي أدْخَلَها فاهُ وكانَتْ آسِيَةُ قَدْ ألْقى اللَّهُ مَحَبَّتَهُ في قَلْبِها وسَألَتْ فِرْعَوْنَ أنْ لا يَذْبَحَهُ، فَبَيْنا هي تُرَقِّصُهُ يَوْمًا أخَذَهُ فِرْعَوْنُ في حِجْرِهِ، فَأخَذَ خَصْلَةً مِن لِحْيَتِهِ. وقِيلَ: لَطَمَهُ. وقِيلَ: ضَرَبَهُ بِقَضِيبٍ كانَ في يَدِهِ. فَغَضِبَ فِرْعَوْنُ فَدَعا بِالسَّيّافِ، فَقالَتْ: إنَّما هو صَبِيٌّ لا يُفَرِّقُ بَيْنَ الياقُوتِ والجَمْرِ. فَأحْضَرَ أوْ أرادَ أنْ يَمُدَّ يَدَهُ إلى الياقُوتِ، فَحَوَّلَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَدَهُ إلى الجَمْرَةِ فَأخَذَها ووَضَعَها في فِيهِ فاحْتَرَقَ لِسانُهُ، انْتَهى. وإحْراقُ النّارِ وتَأْثِيرُها في لِسانِهِ لا في يَدِهِ دَلِيلٌ عَلى فَسادِ قَوْلِ القائِلِينَ بِالطَّبِيعَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كانَتْ في لِسانِهِ رَتَّةٌ. وقِيلَ: حَدَثَتِ العُقْدَةُ بَعْدَ المُناجاةِ حَتّى لا يُكَلِّمَ أحَدًا بَعْدَها. وقالَ قُطْرُبٌ: كانَتْ فِيهِ مُسْكَةٌ عَنِ الكَلامِ. وقالَ ابْنُ عِيسى: العُقْدَةُ كالتَّمْتَمَةِ والفَأْفَأةِ. وطَلَبُ مُوسى مِن حَلِّ العُقْدَةِ قَدْرَ ما يُفْقَهُ قَوْلُهُ، قِيلَ: وبَقِيَ بَعْضُها لِقَوْلِهِ ﴿وأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا﴾ [القصص: ٣٤]، وقَوْلِهِ ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] . وقِيلَ: زالَتْ لِقَوْلِهِ ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ وهو قَوْلُ الحَسَنِ، قِيلَ: وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ: واحْلُلِ العُقْدَةَ، بَلْ قالَ: ﴿عُقْدَةً﴾ فَإذا حَلَّ عُقْدَةً فَقَدْ آتاهُ اللَّهُ سُؤْلَهُ. وقِيلَ في قَوْلِهِ ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] أنَّ مَعْناهُ لا يَأْتِي بِبَيانٍ وحُجَّةٍ، وإنَّما قالَ ذَلِكَ فِرْعَوْنُ تَمْوِيهًا، وقَدْ خاطَبَهُ وقَوْمَهُ، وكانُوا يَفْهَمُونَ عَنْهُ فَكَيْفَ يُمْكِنُ نَفْيُ البَيانِ أوْ مُقارَبَتُهُ ؟ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ لِي في قَوْلِهِ ﴿اشْرَحْ لِي صَدْرِي ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾: ما جَدْواهُ والكَلامُ بِدُونِهِ مُسْتَتِبٌّ ؟ قُلْتُ: قَدْ أبْهَمَ الكَلامَ أوَّلًا، فَقالَ: ﴿اشْرَحْ لِي﴾ ﴿ويَسِّرْ لِي﴾ فَعَلِمَ أنَّ ثَمَّ مَشْرُوحًا ومُيَسَّرًا، ثُمَّ بَيَّنَ ورَفَعَ الإبْهامَ فَذَكَرَهُما، فَكانَ آكَدَ لِطَلَبِ الشَّرْحِ والتَّيْسِيرِ لِصَدْرِهِ، وأمَرَهُ مِن أنْ يَقُولَ: اشْرَحْ صَدْرِي ويَسِّرْ أمْرِي، عَلى الإيضاحِ الشّارِحِ؛ لِأنَّهُ تَكْرِيرٌ لِلْمَعْنى الواحِدِ مِن طَرِيقَيِ الإجْمالِ والتَّفْصِيلِ. وقالَ أيْضًا: وفي تَنْكِيرِ العُقْدَةِ وإنْ لَمْ يَقُلْ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً﴾ ﴿لِسانِي﴾ أنَّهُ طَلَبَ حَلَّ بَعْضِها إرادَةَ أنْ يُفْهَمَ عَنْهُ فَهْمًا جَيِّدًا ولَمْ يَطْلُبِ الفَصاحَةَ الكامِلَةَ، و﴿مِن لِسانِي﴾ صِفَةٌ لِلْعُقْدَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: عُقْدَةً مِن عُقَدِ لِسانِي. انْتَهى. ويَظْهَرُ أنَّ ﴿مِن لِسانِي﴾ مُتَعَلِّقٌ بِاحْلُلْ؛ لِأنَّ مَوْضِعَ الصِّفَةِ لِعُقْدَةٍ، وكَذا قالَ الحَوْفِيُّ. وأجازَ أبُو البَقاءِ الوَجْهَيْنِ، والوَزِيرُ المُعِينُ القائِمُ بِوِزْرِ الأُمُورِ، أيْ: بِثِقَلِها، فَوَزِيرُ المَلِكِ يَتَحَمَّلُ عَنْهُ أوْزارَهُ ومُؤَنَهُ. وقِيلَ: مِنَ الوَزَرِ وهو المَلْجَأُ يَلْتَجِئُ إلَيْهِ الإنْسانُ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎مِنَ السِّباعِ الضَّوارِي دُونَهُ وزَرُ والنّاسُ شَرُّهم ما دُونَهُ وزَرُ ؎كَمْ مَعْشَرٍ سَلِمُوا لَمْ يُؤْذِهِمْ سَبْعُ ∗∗∗ وما نَرى بَشَرًا لَمْ يُؤْذِهِمْ بَشَرُ فالمَلِكُ يَعْتَصِمُ بِرَأْيِهِ ويَلْتَجِئُ إلَيْهِ في أُمُورِهِ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: هو مِنَ المُؤازَرَةِ وهي المُعاوَنَةُ والمُساعَدَةُ، والقِياسُ أزِيرٌ، وكَذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: وكانَ القِياسُ أزِيرًا فَقُلِبَتِ الهَمْزَةُ إلى الواوِ ووَجْهُ قَلْبِها أنَّ فَعِيلًا جاءَ في مَعْنى مُفاعِلٍ مَجِيأً صالِحًا، كَعَشِيرٍ وجَلِيسٍ وقَعِيدٍ وخَلِيلٍ وصَدِيقٍ ونَدِيمٍ، فَلَمّا قُلِبَ في أخِيهِ قُلِبَتْ فِيهِ، وحَمْلُ الشَّيْءِ عَلى نَظِيرِهِ لَيْسَ بِعَزِيزٍ. ونَظَرًا إلى يُوازِرُ وأخَواتِهِ وإلى المُوازَرَةِ انْتَهى. ولا حاجَةَ إلى ادِّعاءِ قَلْبِ الهَمْزَةِ واوًا؛ لِأنَّ لَنا اشْتِقاقًا واضِحًا وهو الوِزْرُ، وأمّا قَلْبُها في يُؤازِرُ فَلِأجْلِ (p-٢٤٠)ضَمَّةِ ما قَبْلَ الواوِ وهو أيْضًا إبْدالٌ غَيْرُ لازِمٍ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿لِي وزِيرًا﴾ مَفْعُولَيْنِ لِاجْعَلْ و(هارُونَ) بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ، وأنْ يَكُونَ ﴿وزِيرًا﴾ و(هارُونَ) مَفْعُولَيْهِ، وقَدَّمَ الثّانِيَ اعْتِناءً بِأمْرِ الوِزارَةِ و﴿أخِي﴾ بَدَلٌ مِن (هارُونَ) في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنْ جُعِلَ عَطْفَ بَيانٍ آخَرَ جازَ وحَسُنَ انْتَهى. ويَبْعُدُ فِيهِ عَطْفُ البَيانِ؛ لِأنَّ الأكْثَرَ في عَطْفِ البَيانِ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ دُونَهُ في الشُّهْرَةِ، والأمْرُ هُنا بِالعَكْسِ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ هُما المَفْعُولانِ و(لِي) مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] يَعْنُونَ أنَّهُ بِهِ يَتِمُّ المَعْنى. و(هارُونَ) عَلى ما تَقَدَّمَ. وجَوَّزُوا أنْ يَنْتَصِبَ (هارُونَ) بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيِ: اضْمُمْ إلَيَّ هارُونَ وهَذا لا حاجَةَ إلَيْهِ؛ لِأنَّ الكَلامَ تامٌّ بِدُونِ هَذا المَحْذُوفِ. وقَرَأ الحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ عامِرٍ (أشْدُدْ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ (وأُشْرِكْهُ) بِضَمِّها فِعْلًا مُضارِعًا مَجْزُومًا عَلى جَوابِ الأمْرِ وعُطِفَ عَلَيْهِ (وأُشْرِكْهُ) . وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ عَنِ الحَسَنِ: أنَّهُ قَرَأ أُشْدِدْ بِهِ مُضارِعُ شَدَّدَ لِلتَّكْثِيرِ والتَّكْرِيرِ، أيْ: كُلَّما حَزَنَنِي أمْرٌ شَدَدْتُ ﴿بِهِ أزْرِي﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿اشْدُدْ﴾ ﴿وأشْرِكْهُ﴾ عَلى مَعْنى الدُّعاءِ في شَدِّ الأزْرِ وتَشْرِيكِ هارُونَ في النُّبُوَّةِ، وكانَ الأمْرُ في قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ لا يُرِيدُ بِهِ النُّبُوَّةَ بَلْ يُرِيدُ تَدْبِيرَهُ ومُساعَدَتَهُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ لِمُوسى أنْ يُشْرِكَ في النُّبُوَّةِ أحَدًا. وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ (أخِي واشْدُدْ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ فِيمَن قَرَأ عَلى لَفْظِ الأمْرِ أنْ يَجْعَلَ ﴿أخِي﴾ مَرْفُوعًا عَلى الِابْتِداءِ و﴿اشْدُدْ بِهِ﴾ خَبَرُهُ ويُوقَفُ عَلى (هارُونَ) انْتَهى. وهو خِلافُ الظّاهِرِ فَلا يُصارُ إلَيْهِ لِغَيْرِ حاجَةٍ، وكانَ هارُونُ أكْبَرَ مِن مُوسى بِأرْبَعَةِ أعْوامٍ، وجَعَلَ مُوسى ما رَغِبَ فِيهِ وطَلَبَهُ مِن نِعَمٍ سَبَبًا تَلْزَمُ مِنهُ العِبادَةُ والِاجْتِهادُ في أمْرِ اللَّهِ، والتَّظافُرُ عَلى العِبادَةِ والتَّعاوُنُ فِيها مُثِيرٌ لِلرَّغْبَةِ والتَّزَيُّدِ مِنَ الخَيْرِ. ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ﴾ نُنَزِّهَكَ عَمّا لا يَلِيقُ بِكَ ﴿ونَذْكُرَكَ﴾ بِالدُّعاءِ والثَّناءِ عَلَيْكَ وقُدِّمَ التَّسْبِيحُ؛ لِأنَّهُ تَنْزِيهُهُ تَعالى في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وبَراءَتُهُ عَنِ النَّقائِصِ، ومَحَلُّ ذَلِكَ القَلْبُ، والذِّكْرُ والثَّناءُ عَلى اللَّهِ بِصِفاتِ الكَمالِ ومَحَلُّهُ اللِّسانُ، فَلِذَلِكَ قُدِّمَ ما مَحَلُّهُ القَلْبُ عَلى ما مَحَلُّهُ اللِّسانُ. و(كَثِيرًا) نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، أيْ: نُسَبِّحُكَ التَّسْبِيحَ في حالِ كَثْرَتِهِمْ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ عالِمًا بِأحْوالِنا. والسُّؤْلُ فِعْلٌ بِمَعْنى المَسْئُولِ كالخُبْزِ والأكْلِ بِمَعْنى المَخْبُوزِ والمَأْكُولِ، والمَعْنى أُعْطِيتَ طِلْبَتَكَ وما سَألْتَهُ مِن شَرْحِ الصَّدْرِ وتَيَسُّرِ الأمْرِ وحَلِّ العُقْدَةِ، وجَعْلِ أخِيكَ وزِيرًا وذَلِكَ مِنَ المِنَّةِ عَلَيْهِ. ثُمَّ ذَكَّرَهُ تَعالى تَقْدِيمَ مِنَّتِهِ عَلَيْهِ عَلى سَبِيلِ التَّوْقِيفِ لِيَعْظُمَ اجْتِهادُهُ وتَقْوى بَصِيرَتُهُ و(مَرَّةً) مَعْناهُ مِنَّةً و(أُخْرى) تَأْنِيثُ آخَرَ بِمَعْنى (غَيْرَ) أيْ: مِنَّةً غَيْرَ هَذِهِ المِنَّةِ، ولَيْسَتْ (أُخْرى) هُنا بِمَعْنى (آخِرَةً) فَتَكُونَ مُقابِلَةً لِلْأُولى، وتَخَيَّلَ ذَلِكَ بَعْضُهم فَقالَ: سَمّاها (أُخْرى) وهي أُولى لِأنَّها (أُخْرى) في الذَّكَرِ، والأُخْرى لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ يَكُونُ تَأْنِيثُ الآخَرِ بِفَتْحِ الخاءِ، وتَأْنِيثُ الآخَرِ بِمَعْنى آخِرِهِ فَهَذِهِ يُلْحَظُ فِيها مَعْنى التَّأخُّرِ. والمَعْنى أنِّي قَدْ حَفِظْتُكَ وأنْتَ طِفْلٌ رَضِيعٌ فَكَيْفَ لا أحْفَظُكَ وقَدْ أهَّلْتُكَ لِلرِّسالَةِ. وفي قَوْلِهِ ﴿مَرَّةً أُخْرى﴾ إجْمالٌ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ ﴿إذْ أوْحَيْنا إلى أُمِّكَ﴾ . قالَ الجُمْهُورُ: هي وحْيُ إلْهامٍ كَقَوْلِهِ ﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨] . وقِيلَ: وحْيُ إعْلامٍ إمّا بِإراءَةِ ذَلِكَ في مَنامٍ، وإمّا بِبَعْثِ مَلَكٍ إلَيْها لا عَلى جِهَةِ النُّبُوَّةِ كَما بُعِثَ إلى مَرْيَمَ، وهَذا هو الظّاهِرُ لِظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ﴾ ولِظاهِرِ آيَةِ القَصَصِ ﴿إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] ويَبْعُدُ ما صَدَّرَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلَهُ: مِن يَرُدُّ يَدَهُ، إمّا أنْ يَكُونَ عَلى لِسانِ نَبِيٍّ في وقْتِها كَقَوْلِهِ: ﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ﴾ [المائدة: ١١١]؛ لِأنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أنَّهُ كانَ في زَمَنِ فِرْعَوْنَ، وكانَ في زَمَنِ الحَوارِيِّينَ زَكَرِيّا ويَحْيى. وفي قَوْلِهِ ﴿ما يُوحى﴾ إبْهامٌ وإجْمالٌ كَقَوْلِهِ ﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ [النجم: ١٦] ﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨] وفِيهِ تَهْوِيلٌ وقَدْ فُسِّرَ هُنا بِقَوْلِهِ ﴿أنِ اقْذِفِيهِ في التّابُوتِ﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (p-٢٤١)و(أنْ) هي المُفَسِّرَةُ؛ لِأنَّ الوَحْيَ بِمَعْنى القَوْلِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: و(أنْ) في قَوْلِهِ ﴿أنِ اقْذِفِيهِ﴾ بَدَلٌ مِن ما يَعْنِي أنَّ (أنْ) مَصْدَرِيَّةٌ فَلِذَلِكَ كانَ لَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ. والوَجْهانِ سائِغانِ، والظّاهِرُ أنَّ ﴿التّابُوتِ﴾ كانَ مِن خَشَبٍ. وقِيلَ: مِن بَرْدِيِّ شَجَرِ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ سَدَّتْ خُرُوقَهُ وفَرَشَتْ فِيهِ نِطْعًا - وقِيلَ: قُطْنًا مَحْلُوجًا - وسَدَّتْ فَمَهُ وجَصَّصَتْهُ وقَيَّرَتْهُ وألْقَتْهُ في (اليَمِّ)، وهو اسْمٌ لِلْبَحْرِ العَذْبِ. وقِيلَ: اسْمٌ لِلنِّيلِ خاصَّةً. والأوَّلُ هو الصَّوابُ كَقَوْلِهِ: ﴿فَأغْرَقْناهم في اليَمِّ﴾ [الأعراف: ١٣٦] ولَمْ يُغْرَقُوا في النِّيلِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾ عائِدٌ عَلى مُوسى، وكَذَلِكَ الضَّمِيرانِ بَعْدَهُ إذْ هو المُحَدَّثُ عَنْهُ لا التّابُوتُ، إنَّما ذُكِرَ التّابُوتُ عَلى سَبِيلِ الوِعاءِ والفَضْلَةِ. وقالابْنُ عَطِيَّةَ: والضَّمِيرُ الأوَّلُ في ﴿اقْذِفِيهِ﴾ عائِدٌ عَلى مُوسى وفي الثّانِي عائِدٌ عَلى ﴿التّابُوتِ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى مُوسى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والضَّمائِرُ كُلُّها راجِعَةٌ إلى مُوسى، ورُجُوعُ بَعْضِها إلَيْهِ، وبَعْضِها إلى التّابُوتِ فِيهِ هُجْنَةٌ لِما يُؤَدِّي إلَيْهِ مِن تَنافُرِ النَّظْمِ، فَإنْ قُلْتَ: المَقْذُوفُ في البَحْرِ هو التّابُوتُ وكَذَلِكَ المُلْقى إلى السّاحِلِ ؟ قُلْتُ: ما ضَرَّكَ لَوْ قُلْتَ المَقْذُوفُ والمُلْقى هو مُوسى في جَوْفِ التّابُوتِ حَتّى لا تَتَفَرَّقَ الضَّمائِرُ فَيَتَنافَرَ عَلَيْكَ النَّظْمُ، الَّذِي هو أُمُّ إعْجازِ القُرْآنِ، والقانُونُ الَّذِي وقَعَ عَلَيْهِ التَّحَدِّي ومُراعاتُهُ أهَمُّ ما يَجِبُ عَلى المُفَسِّرِ. انْتَهى. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ الضَّمِيرَ إذا كانَ صالِحًا لِأنْ يَعُودَ عَلى الأقْرَبِ وعَلى الأبْعَدِ كانَ عَوْدُهُ عَلى الأقْرَبِ راجِحًا، وقَدْ نَصَّ النَّحْوِيُّونَ عَلى هَذا فَعَوْدُهُ عَلى ﴿التّابُوتِ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ﴾ راجِحٌ، والجَوابُ أنَّهُ إذا كانَ أحَدُهُما هو المُحَدَّثَ عَنْهُ والآخَرُ فَضْلَةً كانَ عَوْدُهُ عَلى المُحَدَّثِ عَنْهُ أرْجَحَ، ولا يُلْتَفَتُ إلى القُرْبِ، ولِهَذا رَدَدْنا عَلى أبِي مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ في دَعْواهُ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ ﴿فَإنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] عائِدٌ عَلى خِنْزِيرٍ لا عَلى لَحْمٍ لِكَوْنِهِ أقْرَبَ مَذْكُورٍ، فَيَحْرُمُ بِذَلِكَ شَحْمُهُ وغُضْرُوفُهُ وعَظْمُهُ وجِلْدُهُ، بِأنَّ المُحَدَّثَ عَنْهُ هو لَحْمُ خِنْزِيرٍ لا خِنْزِيرٌ. و﴿فَلْيُلْقِهِ﴾ أمْرٌ مَعْناهُ الخَبَرُ، وجاءَ بِصِيغَةِ الأمْرِ مُبالَغَةً إذِ الأمْرُ أقْطَعُ الأفْعالِ وأوْجَبُها، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «قُومُوا فَلْأُصَلِّ لَكم» . أخْرَجَ الخَبَرِ في صِيغَةِ الأمْرِ لِنَفْسِهِ مُبالَغَةً، ومِن حَيْثُ خَرَجَ الفِعْلُ مَخْرَجَ الأمْرِ حَسُنَ جَوابُهُ كَذَلِكَ وهو قَوْلُهُ ﴿يَأْخُذْهُ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا كانَتْ مَشِيئَةُ اللَّهِ وإرادَتُهُ أنْ لا يُخْطِئَ جَرْيَةُ ماءِ اليَمِّ الوُصُولَ بِهِ إلى السّاحِلِ وإلْقاءَهُ إلَيْهِ سَلَكَ في ذَلِكَ سُبُلَ المَجازِ، وجَعَلَ اليَمَّ كَأنَّهُ ذُو تَمْيِيزٍ أمَرَ بِذَلِكَ لِيُطِيعَ الأمْرَ ويَمْتَثِلَ رَسْمَهُ فَقِيلَ ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ﴾ انْتَهى. وقالَ التِّرْمِذِيُّ: إنَّما ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الأمْرِ لِسابِقِ عِلْمِهِ بِوُقُوعِ المُخْبَرِ بِهِ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ، فَكَأنَّ البَحْرَ مَأْمُورٌ مُمْتَثِلٌ لِلْأمْرِ. وقالَ الفَرّاءُ: ﴿فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾ أمْرٌ وفِيهِ مَعْنى المُجازاةِ، أيِ: اقْذِفِيهِ يُلْقِهِ اليَمُّ، والظّاهِرُ أنَّ البَحْرَ ألْقاهُ بِالسّاحِلِ فالتَقَطَهُ مِنهُ. ورُوِيَ أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يَشْرَبُ في مَوْضِعٍ مِنَ النِّيلِ إذْ رَأى التّابُوتَ فَأمَرَ بِهِ فَسِيقَ إلَيْهِ وامْرَأتُهُ مَعَهُ، فَفَتَحَ فَرَأوْهُ، فَرَحِمَتْهُ امْرَأتُهُ وطَلَبَتْهُ لِتَتَّخِذَهُ ابْنًا فَأباحَ لَها ذَلِكَ. ورُوِيَ أنَّ التّابُوتَ جاءَ في الماءِ إلى المَشْرَعَةِ الَّتِي كانَتْ جَوارِي امْرَأةِ فِرْعَوْنَ يَسْتَقِينَ مِنها الماءَ. فَأخَذَتِ التّابُوتَ وجَلَبَتْهُ إلَيْها فَأخْرَجَتْهُ وأعْلَمَتْهُ فِرْعَوْنَ، والعَدُوُّ الَّذِي لِلَّهِ ولِمُوسى هو فِرْعَوْنُ، وأُخْبِرَتْ بِهِ أُمُّ مُوسى عَلى طَرِيقِ الإلْهامِ؛ ولِذَلِكَ قالَتْ لِأُخْتِهِ ﴿قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١] وهي لا تَدْرِي أيْنَ اسْتَقَرَّ. ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ قِيلَ: مَحَبَّةَ آسِيَةَ وفِرْعَوْنَ، وكانَ فِرْعَوْنُ قَدْ أحَبَّهُ حُبًّا شَدِيدًا حَتّى لا يَتَمالَكَ أنْ يَصْبِرَ عَنْهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أحَبَّهُ اللَّهُ وحَبَّبَهُ إلى خَلْقِهِ. وقالَ عَطِيَّةُ: جُعِلَتْ عَلَيْهِ مَسْحَةٌ مِن جَمالٍ لا يَكادُ يَصْبِرُ عَنْهُ مَن رَآهُ. وقالَ قَتادَةُ: كانَ في عَيْنَيْهِ مَلاحَةٌ ما رَآهُ أحَدٌ إلّا أحَبَّهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأقْوى الأقْوالِ أنَّهُ القَبُولُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (مِنِّي) لا يَخْلُوا أنْ يَتَعَلَّقَ بِألْقَيْتُ فَيَكُونُ المَعْنى عَلى أحْبَبْتُكَ، ومَن أحَبَّهُ اللَّهُ أحَبَّتْهُ القُلُوبُ، وإمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ (p-٢٤٢)هُوَ صِفَةٌ لِمَحَبَّةٍ، أيْ: مَحَبَّةً خالِصَةً أوْ واقِعَةً مِنِّي قَدْ رَكَّزْتُها أنا فِيها في القُلُوبِ وزَرَعْتُها فِيها، فَلِذَلِكَ أحَبَّكَ فِرْعَوْنُ وكُلُّ مَن أبْصَرَكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ولِتُصْنَعَ﴾: بِكَسْرِ لامِ كَيْ وضَمِّ التّاءِ ونَصْبِ الفِعْلِ، أيْ: ولِتُرَبّى ويُحْسَنَ إلَيْكَ. وأنا مُراعِيكَ وراقِبُكَ كَما يُراعِي الرَّجُلُ الشَّيْءَ بِعَيْنَيْهِ إذا اعْتَنى بِهِ. قالَ قَرِيبًا مِنهُ قَتادَةُ. وقالَ النَّحّاسُ:، يُقالُ صَنَعْتُ الفَرَسَ إذا أحْسَنْتُ إلَيْهِ وهو مَعْطُوفٌ عَلى عِلَّةِ مَحْذُوفٍ، أيْ: لِيَتَلَطَّفَ بِكَ (ولِتُصْنَعَ) أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُتَأخِّرٍ تَقْدِيرُهُ فَعَلْتُ ذَلِكَ. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو نَهِيكٍ بِفَتْحِ التّاءِ. قالَ ثَعْلَبٌ: مَعْناهُ لِتَكُونَ حَرَكَتُكَ وتَصَرُّفُكَ عَلى عَيْنٍ مِنِّي. وقَرَأ شَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ في رِوايَةٍ بِإسْكانِ اللّامِ والعَيْنِ وضَمِّ التّاءِ فِعْلُ أمْرٍ، وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ كَسَرَ اللّامَ. ﴿إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ﴾ قِيلَ اسْمُها مَرْيَمُ، سَبَبُ ذَلِكَ أنَّ آسِيَةَ عَرَّضَتْهُ لِلرَّضاعِ فَلَمْ يَقْبَلِ امْرَأةً، فَجَعَلَتْ تُنادِي عَلَيْهِ في المَدِينَةِ ويُطافُ بِهِ ويُعْرَضُ لِلْمَراضِعِ فَيَأْبى، وبَقِيَتْ أُمُّهُ بَعْدَ قَذْفِهِ في اليَمِّ مَغْمُومَةً، فَأمَرَتْ أُخْتَهُ بِالتَّفْتِيشِ في المَدِينَةِ لَعَلَّها تَقَعُ عَلى خَبَرِهِ، فَبَصُرَتْ بِهِ في طَوافِها، فَقالَتْ: أنا أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ لَكم وهم لَهُ ناصِحُونَ فَتَعَلَّقُوا بِها، وقالُوا: أنْتِ تَعْرِفِينَ هَذا الصَّبِيَّ ؟ فَقالَتْ: لا، ولَكِنْ أعْلَمُ مِن أهْلِ هَذا البَيْتِ الحِرْصَ عَلى التَّقَرُّبِ إلى المَلِكَةِ والجَدِّ في خِدْمَتِها ورِضاها، فَتَرَكُوها وسَألُوها الدَّلّالَةَ، فَجاءَتْ بِأُمِّ مُوسى فَلَمّا قَرَّبَتْهُ شَرِبَ ثَدْيَها فَسُرَّتْ آسِيَةُ، وقالَتْ لَها: كُونِي مَعَنا في القَصْرِ، فَقالَتْ: ما كُنْتُ لِأدَعَ بَيْتِي ووَلَدِي ولَكِنَّهُ يَكُونُ عِنْدِي قالَتْ: نَعَمْ، فَأحْسَنَتْ إلى أهْلِ ذَلِكَ البَيْتِ غايَةَ الإحْسانِ واعْتَزَّ بَنُو إسْرائِيلَ بِهَذا الرَّضاعِ والنَّسَبِ مِنَ المَلِكَةِ، ولَمّا كَمُلَ رِضاعُهُ أرْسَلَتْ آسِيَةُ إلَيْها أنْ جِيئِينِي بِوَلَدِي لِيَوْمِ كَذا، وأمَرَتْ خَدَمَها ومَن لَها أنْ يَلْقَيْنَهُ بِالتُّحَفِ والهَدايا واللِّباسِ، فَوَصَلَ إلَيْها عَلى ذَلِكَ وهو بِخَيْرِ حالٍ وأجْمَلِ شَبابٍ، فَسُرَّتْ بِهِ ودَخَلَتْ بِهِ عَلى فِرْعَوْنَ لِيَراهُ ولِيَهِبَهُ فَأعْجَبَهُ وقَرَّبَهُ، فَأخَذَ مُوسى بِلِحْيَةِ فِرْعَوْنَ وتَقَدَّمَ ما جَرى لَهُ عِنْدَ ذِكْرِ العُقْدَةِ. والعامِلُ في (إذْ) قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ ومَنَنّا إذْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ العامِلُ في ﴿إذْ تَمْشِي﴾ (ألْقَيْتُ) أوْ (تُصْنَعَ) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ﴿إذْ أوْحَيْنا﴾ فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَصِحُّ البَدَلُ والوَقْتانِ مُخْتَلِفانِ مُتَباعِدانِ ؟ قُلْتُ: كَما يَصِحُّ وإنِ اتَّسَعَ الوَقْتُ وتَباعَدَ طَرَفاهُ أنْ يَقُولَ لَكَ الرَّجُلُ لَقِيتُ فُلانًا سَنَةَ كَذا، فَتَقُولُ: وأنا لَقِيتُهُ إذْ ذاكَ. ورُبَّما لَقِيَهُ هو في أوَّلِها وأنْتَ في آخِرِها انْتَهى. ولَيْسَ كَما ذَكَرَ؛ لِأنَّ السَّنَةَ تَقْبَلُ الِاتِّساعَ فَإذا وقَعَ لُقِيُّهُما فِيها بِخِلافِ هَذَيْنِ الطَّرَفَيْنِ فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما ضَيِّقٌ لَيْسَ بِمُتَّسِعٍ لِتَخْصِيصِهِما بِما أُضِيفا إلَيْهِ فَلا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ الثّانِي في الطَّرَفِ الَّذِي وقَعَ فِيهِ الأوَّلُ، إذِ الأوَّلُ لَيْسَ مُتَّسِعًا لِوُقُوعِ الوَحْيِ فِيهِ ووُقُوعِ مَشْيِ الأُخْتِ، فَلَيْسَ وقْتُ وُقُوعِ الوَحْيِ مُشْتَمِلًا عَلى أجْزاءٍ وقَعَ في بَعْضِها المَشْيُ بِخِلافِ السَّنَةِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: (إذْ) مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (تُصْنَعَ)، ولَكَ أنْ تَنْصِبَ (إذْ) بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ واذْكُرْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿كَيْ تَقَرَّ﴾ بِفَتْحِ التّاءِ والقافِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِكَسْرِ القافِ، وتَقَدَّمَ أنَّهُما لُغَتانِ في قَوْلِهِ ﴿وقَرِّي عَيْنًا﴾ [مريم: ٢٦] . وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ القافِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. و﴿قَتَلْتَ نَفْسًا﴾ [القصص: ١٩] هو القِبْطِيُّ الَّذِي اسْتَغاثَهُ عَلَيْهِ الإسْرائِيلِيُّ قَتَلَهُ وهو ابْنُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، واغْتَمَّ بِسَبَبِ القَتْلِ خَوْفًا مِن عِقابِ اللَّهِ ومِنِ اقْتِصاصِ فِرْعَوْنَ، فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ بِاسْتِغْفارِهِ حِينَ قالَ ﴿رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦] ونَجّاهُ مِن فِرْعَوْنَ حِينَ هاجَرَ بِهِ إلى مَدْيَنَ، والغَمُّ ما يَغُمُّ عَلى القَلْبِ بِسَبَبِ خَوْفٍ أوْ فَواتِ مَقْصُودٍ، والغَمُّ - بِلُغَةِ قُرَيْشٍ - القَتْلُ، وقِيلَ: مِن غَمَّ التّابُوتُ. وقِيلَ: مِن غَمَّ البَحْرُ، والظّاهِرُ أنَّهُ مِن غَمَّ القَتْلُ حِينَ ذَهَبْنا بِكَ مِن مِصْرَ إلى مَدْيَنَ. والفُتُونُ مَصْدَرٌ جَمْعُ فِتَنٍ أوْ فِتْنَةٍ عَلى تَرْكِ الِاعْتِدادِ بِالتّاءِ كَحُجُوزٍ وبُدُورٍ في حُجْزَةٍ وبُدْرَةٍ، أيْ: (فَتَنّاكَ) ضُرُوبًا مِنَ الفِتَنِ، والفِتْنَةُ المِحْنَةُ وما يَشُقُّ عَلى الإنْسانِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ خَلَّصْناكَ مِن مِحْنَةٍ بَعْدَ مِحْنَةٍ. وُلِدَ في عامٍ (p-٢٤٣)كانَ يُقْتَلُ فِيهِ الوِلْدانُ، وألْقَتْهُ أُمُّهُ في البَحْرِ وهَمَّ فِرْعَوْنُ بِقَتْلِهِ، وقَتَلَ قِبْطِيًّا وآجَرَ نَفْسَهُ عَشْرَ سِنِينَ وضَلَّ الطَّرِيقَ وتَفَرَّقَتْ غَنَمُهُ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ انْتَهى. وهَذِهِ الفُتُونُ اخْتَبَرَهُ بِها وخَلَّصَهُ حَتّى صَلُحَ لِلنُّبُوَّةِ وسَلِمَ لَها، والسُّنُونُ الَّتِي لَبِثَها في مَدْيَنَ عَشْرُ سِنِينَ. وقالَ وهْبٌ: ثَمانٍ وعِشْرُونَ سَنَةً مِنها مَهْرُ ابْنَتِهِ، وبَيْنَ مِصْرَ ومَدْيَنَ ثَمانِ مَراحِلَ وفي الكَلامِ حَذْفٌ والتَّقْدِيرُ ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ فَخَرَجْتَ خائِفًا إلى ﴿أهْلِ مَدْيَنَ﴾ فَلَبِثْتَ سِنِينَ وكانَ عُمْرُهُ حِينَ ذَهَبَ إلى مَدْيَنَ اثْنَيْ عَشَرَ عامًا، وأقامَ عَشَرَةَ أعْوامٍ في رَعْيِ غَنَمِ شُعَيْبٍ، ثُمَّ ثَمانِيَةَ عَشَرَ عامًا بَعْدَ بِنائِهِ بِامْرَأتِهِ بِنْتِ شُعَيْبٍ، ووُلِدَ لَهُ فِيها فَكَمُلَ لَهُ أرْبَعُونَ سَنَةً وهي المُدَّةُ الَّتِي عادَةُ اللَّهِ إرْسالُ الأنْبِياءِ عَلى رَأْسِها. ”﴿ثُمَّ جِئْتَ﴾“ إلى المَكانِ الَّذِي ناجَيْتُكَ فِيهِ وكَلَّمْتُكَ واسْتَنْبَأْتُكَ. ”﴿عَلى قَدَرٍ﴾“، أيْ: وقْتٍ مُعَيَّنٍ قَدَّرْتُهُ لَمْ تَتَقَدَّمْهُ ولَمْ تَتَأخَّرْ عَنْهُ. وقِيلَ عَلى مِقْدارٍ مِنَ الزَّمانِ يُوحى إلى الأنْبِياءِ فِيهِ وهو الأرْبَعُونَ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎نالَ الخِلافَةَ أوْ جاءَتْ عَلى قَدَرٍ ∗∗∗ كَما أتى رَبَّهُ مُوسى عَلى قَدَرِ ﴿واصْطَنَعَتْكَ لِنَفْسِي﴾، أيْ: جَعَلْتُكَ مَوْضِعَ الصَّنِيعَةِ ومَقَرَّ الإكْمالِ والإحْسانِ، وأخْلَصْتُكَ بِالألْطافِ واخْتَرْتُكَ لِمَحَبَّتِي، يُقالُ: اصْطَنَعَ فُلانٌ فُلانًا اتَّخَذَهُ صَنِيعَةً، وهو افْتِعالٌ مِنَ الصُّنْعِ وهو الإحْسانُ إلى الشَّخْصِ حَتّى يُضافَ إلَيْهِ فَيُقالَ هَذا صَنِيعُ فُلانٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا تَمْثِيلٌ لِما خَوَّلَهُ مِن مَنزِلَةِ التَّقْرِيبِ والتَّكْرِيمِ والتَّكْلِيمِ، مَثَّلَ حالَهُ بِحالِ مَن يَراهُ المُلُوكُ بِجَمِيعِ خِصالٍ فِيهِ وخَصائِصَ أهْلًا لِأنْ يَكُونَ أقْرَبَ مَنزِلَةً إلَيْهِ وألْطَفَ مَحَلًّا، فَيَصْطَنِعُهُ بِالكَرامَةِ والأثَرَةِ ويَسْتَخْلِصُهُ لِنَفْسِهِ. انْتَهى. ومَعْنى ﴿لِنَفْسِي﴾، أيْ: لِأوامِرِي وإقامَةِ حُجَجِي وتَبْلِيغِ رِسالَتِي، فَحَرَكاتُكَ وسَكَناتُكَ لِي لا لِنَفْسِكَ ولا لِأحَدٍ غَيْرِكَ.

طه 20:33

(p-٢٣٨)﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى﴾ ﴿إذْ أوْحَيْنا إلى أُمِّكَ ما يُوحى﴾ ﴿أنِ اقْذِفِيهِ في التّابُوتِ فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ ﴿إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ولا تَحْزَنَ وقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ وفَتَنّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ في أهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يامُوسى﴾ ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ . لَمّا أمَرَهُ تَعالى بِالذَّهابِ إلى فِرْعَوْنَ (p-٢٣٩)عَرَفَ أنَّهُ كُلِّفَ أمْرًا عَظِيمًا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى احْتِمالِ ما لا يَحْتَمِلُهُ إلّا ذُو جَأْشٍ رابِطٍ وصَدْرٍ فَسِيحٍ، فَسَألَ رَبَّهُ ورَغِبَ في أنْ يَشْرَحَ صَدْرَهُ لِيَحْتَمِلَ ما يَرِدُ عَلَيْهِ مِنَ الشَّدائِدِ الَّتِي يَضِيقُ لَها الصَّدْرُ، وأنْ يُسَهِّلَ عَلَيْهِ أمْرَهُ لَلَّذِي هو خِلافَةُ اللَّهِ في أرْضِهِ وما يَصْحَبُها مِن مُزاوَلَةِ جَلائِلِ الخُطُوبِ، وقَدْ عَلِمَ ما عَلَيْهِ فِرْعَوْنُ مِنَ الجَبَرُوتِ والتَّمَرُّدِ والتَّسَلُّطِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: مَعْناهُ وسِّعْ لِي صَدْرِي لِأعِيَ عَنْكَ ما تُودِعُهُ مِن وحْيِكَ. وقالَ الكَرْمانِيُّ: وسِّعْ قَلْبِي ولَيِّنْهُ لِفَهْمِ خِطابِكَ وأداءِ رِسالَتِكَ. والقِيامِ بِما كَلَّفْتَنِيهِ مِن أعْبائِها. والعُقْدَةُ اسْتِعارَةٌ لِثِقَلٍ كانَ في لِسانِهِ خِلْقَةً. وقالَ مُجاهِدٌ: كانَتْ مِنَ الجَمْرَةِ الَّتِي أدْخَلَها فاهُ وكانَتْ آسِيَةُ قَدْ ألْقى اللَّهُ مَحَبَّتَهُ في قَلْبِها وسَألَتْ فِرْعَوْنَ أنْ لا يَذْبَحَهُ، فَبَيْنا هي تُرَقِّصُهُ يَوْمًا أخَذَهُ فِرْعَوْنُ في حِجْرِهِ، فَأخَذَ خَصْلَةً مِن لِحْيَتِهِ. وقِيلَ: لَطَمَهُ. وقِيلَ: ضَرَبَهُ بِقَضِيبٍ كانَ في يَدِهِ. فَغَضِبَ فِرْعَوْنُ فَدَعا بِالسَّيّافِ، فَقالَتْ: إنَّما هو صَبِيٌّ لا يُفَرِّقُ بَيْنَ الياقُوتِ والجَمْرِ. فَأحْضَرَ أوْ أرادَ أنْ يَمُدَّ يَدَهُ إلى الياقُوتِ، فَحَوَّلَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَدَهُ إلى الجَمْرَةِ فَأخَذَها ووَضَعَها في فِيهِ فاحْتَرَقَ لِسانُهُ، انْتَهى. وإحْراقُ النّارِ وتَأْثِيرُها في لِسانِهِ لا في يَدِهِ دَلِيلٌ عَلى فَسادِ قَوْلِ القائِلِينَ بِالطَّبِيعَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كانَتْ في لِسانِهِ رَتَّةٌ. وقِيلَ: حَدَثَتِ العُقْدَةُ بَعْدَ المُناجاةِ حَتّى لا يُكَلِّمَ أحَدًا بَعْدَها. وقالَ قُطْرُبٌ: كانَتْ فِيهِ مُسْكَةٌ عَنِ الكَلامِ. وقالَ ابْنُ عِيسى: العُقْدَةُ كالتَّمْتَمَةِ والفَأْفَأةِ. وطَلَبُ مُوسى مِن حَلِّ العُقْدَةِ قَدْرَ ما يُفْقَهُ قَوْلُهُ، قِيلَ: وبَقِيَ بَعْضُها لِقَوْلِهِ ﴿وأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا﴾ [القصص: ٣٤]، وقَوْلِهِ ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] . وقِيلَ: زالَتْ لِقَوْلِهِ ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ وهو قَوْلُ الحَسَنِ، قِيلَ: وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ: واحْلُلِ العُقْدَةَ، بَلْ قالَ: ﴿عُقْدَةً﴾ فَإذا حَلَّ عُقْدَةً فَقَدْ آتاهُ اللَّهُ سُؤْلَهُ. وقِيلَ في قَوْلِهِ ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] أنَّ مَعْناهُ لا يَأْتِي بِبَيانٍ وحُجَّةٍ، وإنَّما قالَ ذَلِكَ فِرْعَوْنُ تَمْوِيهًا، وقَدْ خاطَبَهُ وقَوْمَهُ، وكانُوا يَفْهَمُونَ عَنْهُ فَكَيْفَ يُمْكِنُ نَفْيُ البَيانِ أوْ مُقارَبَتُهُ ؟ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ لِي في قَوْلِهِ ﴿اشْرَحْ لِي صَدْرِي ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾: ما جَدْواهُ والكَلامُ بِدُونِهِ مُسْتَتِبٌّ ؟ قُلْتُ: قَدْ أبْهَمَ الكَلامَ أوَّلًا، فَقالَ: ﴿اشْرَحْ لِي﴾ ﴿ويَسِّرْ لِي﴾ فَعَلِمَ أنَّ ثَمَّ مَشْرُوحًا ومُيَسَّرًا، ثُمَّ بَيَّنَ ورَفَعَ الإبْهامَ فَذَكَرَهُما، فَكانَ آكَدَ لِطَلَبِ الشَّرْحِ والتَّيْسِيرِ لِصَدْرِهِ، وأمَرَهُ مِن أنْ يَقُولَ: اشْرَحْ صَدْرِي ويَسِّرْ أمْرِي، عَلى الإيضاحِ الشّارِحِ؛ لِأنَّهُ تَكْرِيرٌ لِلْمَعْنى الواحِدِ مِن طَرِيقَيِ الإجْمالِ والتَّفْصِيلِ. وقالَ أيْضًا: وفي تَنْكِيرِ العُقْدَةِ وإنْ لَمْ يَقُلْ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً﴾ ﴿لِسانِي﴾ أنَّهُ طَلَبَ حَلَّ بَعْضِها إرادَةَ أنْ يُفْهَمَ عَنْهُ فَهْمًا جَيِّدًا ولَمْ يَطْلُبِ الفَصاحَةَ الكامِلَةَ، و﴿مِن لِسانِي﴾ صِفَةٌ لِلْعُقْدَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: عُقْدَةً مِن عُقَدِ لِسانِي. انْتَهى. ويَظْهَرُ أنَّ ﴿مِن لِسانِي﴾ مُتَعَلِّقٌ بِاحْلُلْ؛ لِأنَّ مَوْضِعَ الصِّفَةِ لِعُقْدَةٍ، وكَذا قالَ الحَوْفِيُّ. وأجازَ أبُو البَقاءِ الوَجْهَيْنِ، والوَزِيرُ المُعِينُ القائِمُ بِوِزْرِ الأُمُورِ، أيْ: بِثِقَلِها، فَوَزِيرُ المَلِكِ يَتَحَمَّلُ عَنْهُ أوْزارَهُ ومُؤَنَهُ. وقِيلَ: مِنَ الوَزَرِ وهو المَلْجَأُ يَلْتَجِئُ إلَيْهِ الإنْسانُ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎مِنَ السِّباعِ الضَّوارِي دُونَهُ وزَرُ والنّاسُ شَرُّهم ما دُونَهُ وزَرُ ؎كَمْ مَعْشَرٍ سَلِمُوا لَمْ يُؤْذِهِمْ سَبْعُ ∗∗∗ وما نَرى بَشَرًا لَمْ يُؤْذِهِمْ بَشَرُ فالمَلِكُ يَعْتَصِمُ بِرَأْيِهِ ويَلْتَجِئُ إلَيْهِ في أُمُورِهِ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: هو مِنَ المُؤازَرَةِ وهي المُعاوَنَةُ والمُساعَدَةُ، والقِياسُ أزِيرٌ، وكَذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: وكانَ القِياسُ أزِيرًا فَقُلِبَتِ الهَمْزَةُ إلى الواوِ ووَجْهُ قَلْبِها أنَّ فَعِيلًا جاءَ في مَعْنى مُفاعِلٍ مَجِيأً صالِحًا، كَعَشِيرٍ وجَلِيسٍ وقَعِيدٍ وخَلِيلٍ وصَدِيقٍ ونَدِيمٍ، فَلَمّا قُلِبَ في أخِيهِ قُلِبَتْ فِيهِ، وحَمْلُ الشَّيْءِ عَلى نَظِيرِهِ لَيْسَ بِعَزِيزٍ. ونَظَرًا إلى يُوازِرُ وأخَواتِهِ وإلى المُوازَرَةِ انْتَهى. ولا حاجَةَ إلى ادِّعاءِ قَلْبِ الهَمْزَةِ واوًا؛ لِأنَّ لَنا اشْتِقاقًا واضِحًا وهو الوِزْرُ، وأمّا قَلْبُها في يُؤازِرُ فَلِأجْلِ (p-٢٤٠)ضَمَّةِ ما قَبْلَ الواوِ وهو أيْضًا إبْدالٌ غَيْرُ لازِمٍ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿لِي وزِيرًا﴾ مَفْعُولَيْنِ لِاجْعَلْ و(هارُونَ) بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ، وأنْ يَكُونَ ﴿وزِيرًا﴾ و(هارُونَ) مَفْعُولَيْهِ، وقَدَّمَ الثّانِيَ اعْتِناءً بِأمْرِ الوِزارَةِ و﴿أخِي﴾ بَدَلٌ مِن (هارُونَ) في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنْ جُعِلَ عَطْفَ بَيانٍ آخَرَ جازَ وحَسُنَ انْتَهى. ويَبْعُدُ فِيهِ عَطْفُ البَيانِ؛ لِأنَّ الأكْثَرَ في عَطْفِ البَيانِ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ دُونَهُ في الشُّهْرَةِ، والأمْرُ هُنا بِالعَكْسِ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ هُما المَفْعُولانِ و(لِي) مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] يَعْنُونَ أنَّهُ بِهِ يَتِمُّ المَعْنى. و(هارُونَ) عَلى ما تَقَدَّمَ. وجَوَّزُوا أنْ يَنْتَصِبَ (هارُونَ) بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيِ: اضْمُمْ إلَيَّ هارُونَ وهَذا لا حاجَةَ إلَيْهِ؛ لِأنَّ الكَلامَ تامٌّ بِدُونِ هَذا المَحْذُوفِ. وقَرَأ الحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ عامِرٍ (أشْدُدْ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ (وأُشْرِكْهُ) بِضَمِّها فِعْلًا مُضارِعًا مَجْزُومًا عَلى جَوابِ الأمْرِ وعُطِفَ عَلَيْهِ (وأُشْرِكْهُ) . وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ عَنِ الحَسَنِ: أنَّهُ قَرَأ أُشْدِدْ بِهِ مُضارِعُ شَدَّدَ لِلتَّكْثِيرِ والتَّكْرِيرِ، أيْ: كُلَّما حَزَنَنِي أمْرٌ شَدَدْتُ ﴿بِهِ أزْرِي﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿اشْدُدْ﴾ ﴿وأشْرِكْهُ﴾ عَلى مَعْنى الدُّعاءِ في شَدِّ الأزْرِ وتَشْرِيكِ هارُونَ في النُّبُوَّةِ، وكانَ الأمْرُ في قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ لا يُرِيدُ بِهِ النُّبُوَّةَ بَلْ يُرِيدُ تَدْبِيرَهُ ومُساعَدَتَهُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ لِمُوسى أنْ يُشْرِكَ في النُّبُوَّةِ أحَدًا. وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ (أخِي واشْدُدْ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ فِيمَن قَرَأ عَلى لَفْظِ الأمْرِ أنْ يَجْعَلَ ﴿أخِي﴾ مَرْفُوعًا عَلى الِابْتِداءِ و﴿اشْدُدْ بِهِ﴾ خَبَرُهُ ويُوقَفُ عَلى (هارُونَ) انْتَهى. وهو خِلافُ الظّاهِرِ فَلا يُصارُ إلَيْهِ لِغَيْرِ حاجَةٍ، وكانَ هارُونُ أكْبَرَ مِن مُوسى بِأرْبَعَةِ أعْوامٍ، وجَعَلَ مُوسى ما رَغِبَ فِيهِ وطَلَبَهُ مِن نِعَمٍ سَبَبًا تَلْزَمُ مِنهُ العِبادَةُ والِاجْتِهادُ في أمْرِ اللَّهِ، والتَّظافُرُ عَلى العِبادَةِ والتَّعاوُنُ فِيها مُثِيرٌ لِلرَّغْبَةِ والتَّزَيُّدِ مِنَ الخَيْرِ. ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ﴾ نُنَزِّهَكَ عَمّا لا يَلِيقُ بِكَ ﴿ونَذْكُرَكَ﴾ بِالدُّعاءِ والثَّناءِ عَلَيْكَ وقُدِّمَ التَّسْبِيحُ؛ لِأنَّهُ تَنْزِيهُهُ تَعالى في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وبَراءَتُهُ عَنِ النَّقائِصِ، ومَحَلُّ ذَلِكَ القَلْبُ، والذِّكْرُ والثَّناءُ عَلى اللَّهِ بِصِفاتِ الكَمالِ ومَحَلُّهُ اللِّسانُ، فَلِذَلِكَ قُدِّمَ ما مَحَلُّهُ القَلْبُ عَلى ما مَحَلُّهُ اللِّسانُ. و(كَثِيرًا) نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، أيْ: نُسَبِّحُكَ التَّسْبِيحَ في حالِ كَثْرَتِهِمْ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ عالِمًا بِأحْوالِنا. والسُّؤْلُ فِعْلٌ بِمَعْنى المَسْئُولِ كالخُبْزِ والأكْلِ بِمَعْنى المَخْبُوزِ والمَأْكُولِ، والمَعْنى أُعْطِيتَ طِلْبَتَكَ وما سَألْتَهُ مِن شَرْحِ الصَّدْرِ وتَيَسُّرِ الأمْرِ وحَلِّ العُقْدَةِ، وجَعْلِ أخِيكَ وزِيرًا وذَلِكَ مِنَ المِنَّةِ عَلَيْهِ. ثُمَّ ذَكَّرَهُ تَعالى تَقْدِيمَ مِنَّتِهِ عَلَيْهِ عَلى سَبِيلِ التَّوْقِيفِ لِيَعْظُمَ اجْتِهادُهُ وتَقْوى بَصِيرَتُهُ و(مَرَّةً) مَعْناهُ مِنَّةً و(أُخْرى) تَأْنِيثُ آخَرَ بِمَعْنى (غَيْرَ) أيْ: مِنَّةً غَيْرَ هَذِهِ المِنَّةِ، ولَيْسَتْ (أُخْرى) هُنا بِمَعْنى (آخِرَةً) فَتَكُونَ مُقابِلَةً لِلْأُولى، وتَخَيَّلَ ذَلِكَ بَعْضُهم فَقالَ: سَمّاها (أُخْرى) وهي أُولى لِأنَّها (أُخْرى) في الذَّكَرِ، والأُخْرى لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ يَكُونُ تَأْنِيثُ الآخَرِ بِفَتْحِ الخاءِ، وتَأْنِيثُ الآخَرِ بِمَعْنى آخِرِهِ فَهَذِهِ يُلْحَظُ فِيها مَعْنى التَّأخُّرِ. والمَعْنى أنِّي قَدْ حَفِظْتُكَ وأنْتَ طِفْلٌ رَضِيعٌ فَكَيْفَ لا أحْفَظُكَ وقَدْ أهَّلْتُكَ لِلرِّسالَةِ. وفي قَوْلِهِ ﴿مَرَّةً أُخْرى﴾ إجْمالٌ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ ﴿إذْ أوْحَيْنا إلى أُمِّكَ﴾ . قالَ الجُمْهُورُ: هي وحْيُ إلْهامٍ كَقَوْلِهِ ﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨] . وقِيلَ: وحْيُ إعْلامٍ إمّا بِإراءَةِ ذَلِكَ في مَنامٍ، وإمّا بِبَعْثِ مَلَكٍ إلَيْها لا عَلى جِهَةِ النُّبُوَّةِ كَما بُعِثَ إلى مَرْيَمَ، وهَذا هو الظّاهِرُ لِظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ﴾ ولِظاهِرِ آيَةِ القَصَصِ ﴿إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] ويَبْعُدُ ما صَدَّرَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلَهُ: مِن يَرُدُّ يَدَهُ، إمّا أنْ يَكُونَ عَلى لِسانِ نَبِيٍّ في وقْتِها كَقَوْلِهِ: ﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ﴾ [المائدة: ١١١]؛ لِأنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أنَّهُ كانَ في زَمَنِ فِرْعَوْنَ، وكانَ في زَمَنِ الحَوارِيِّينَ زَكَرِيّا ويَحْيى. وفي قَوْلِهِ ﴿ما يُوحى﴾ إبْهامٌ وإجْمالٌ كَقَوْلِهِ ﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ [النجم: ١٦] ﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨] وفِيهِ تَهْوِيلٌ وقَدْ فُسِّرَ هُنا بِقَوْلِهِ ﴿أنِ اقْذِفِيهِ في التّابُوتِ﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (p-٢٤١)و(أنْ) هي المُفَسِّرَةُ؛ لِأنَّ الوَحْيَ بِمَعْنى القَوْلِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: و(أنْ) في قَوْلِهِ ﴿أنِ اقْذِفِيهِ﴾ بَدَلٌ مِن ما يَعْنِي أنَّ (أنْ) مَصْدَرِيَّةٌ فَلِذَلِكَ كانَ لَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ. والوَجْهانِ سائِغانِ، والظّاهِرُ أنَّ ﴿التّابُوتِ﴾ كانَ مِن خَشَبٍ. وقِيلَ: مِن بَرْدِيِّ شَجَرِ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ سَدَّتْ خُرُوقَهُ وفَرَشَتْ فِيهِ نِطْعًا - وقِيلَ: قُطْنًا مَحْلُوجًا - وسَدَّتْ فَمَهُ وجَصَّصَتْهُ وقَيَّرَتْهُ وألْقَتْهُ في (اليَمِّ)، وهو اسْمٌ لِلْبَحْرِ العَذْبِ. وقِيلَ: اسْمٌ لِلنِّيلِ خاصَّةً. والأوَّلُ هو الصَّوابُ كَقَوْلِهِ: ﴿فَأغْرَقْناهم في اليَمِّ﴾ [الأعراف: ١٣٦] ولَمْ يُغْرَقُوا في النِّيلِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾ عائِدٌ عَلى مُوسى، وكَذَلِكَ الضَّمِيرانِ بَعْدَهُ إذْ هو المُحَدَّثُ عَنْهُ لا التّابُوتُ، إنَّما ذُكِرَ التّابُوتُ عَلى سَبِيلِ الوِعاءِ والفَضْلَةِ. وقالابْنُ عَطِيَّةَ: والضَّمِيرُ الأوَّلُ في ﴿اقْذِفِيهِ﴾ عائِدٌ عَلى مُوسى وفي الثّانِي عائِدٌ عَلى ﴿التّابُوتِ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى مُوسى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والضَّمائِرُ كُلُّها راجِعَةٌ إلى مُوسى، ورُجُوعُ بَعْضِها إلَيْهِ، وبَعْضِها إلى التّابُوتِ فِيهِ هُجْنَةٌ لِما يُؤَدِّي إلَيْهِ مِن تَنافُرِ النَّظْمِ، فَإنْ قُلْتَ: المَقْذُوفُ في البَحْرِ هو التّابُوتُ وكَذَلِكَ المُلْقى إلى السّاحِلِ ؟ قُلْتُ: ما ضَرَّكَ لَوْ قُلْتَ المَقْذُوفُ والمُلْقى هو مُوسى في جَوْفِ التّابُوتِ حَتّى لا تَتَفَرَّقَ الضَّمائِرُ فَيَتَنافَرَ عَلَيْكَ النَّظْمُ، الَّذِي هو أُمُّ إعْجازِ القُرْآنِ، والقانُونُ الَّذِي وقَعَ عَلَيْهِ التَّحَدِّي ومُراعاتُهُ أهَمُّ ما يَجِبُ عَلى المُفَسِّرِ. انْتَهى. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ الضَّمِيرَ إذا كانَ صالِحًا لِأنْ يَعُودَ عَلى الأقْرَبِ وعَلى الأبْعَدِ كانَ عَوْدُهُ عَلى الأقْرَبِ راجِحًا، وقَدْ نَصَّ النَّحْوِيُّونَ عَلى هَذا فَعَوْدُهُ عَلى ﴿التّابُوتِ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ﴾ راجِحٌ، والجَوابُ أنَّهُ إذا كانَ أحَدُهُما هو المُحَدَّثَ عَنْهُ والآخَرُ فَضْلَةً كانَ عَوْدُهُ عَلى المُحَدَّثِ عَنْهُ أرْجَحَ، ولا يُلْتَفَتُ إلى القُرْبِ، ولِهَذا رَدَدْنا عَلى أبِي مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ في دَعْواهُ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ ﴿فَإنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] عائِدٌ عَلى خِنْزِيرٍ لا عَلى لَحْمٍ لِكَوْنِهِ أقْرَبَ مَذْكُورٍ، فَيَحْرُمُ بِذَلِكَ شَحْمُهُ وغُضْرُوفُهُ وعَظْمُهُ وجِلْدُهُ، بِأنَّ المُحَدَّثَ عَنْهُ هو لَحْمُ خِنْزِيرٍ لا خِنْزِيرٌ. و﴿فَلْيُلْقِهِ﴾ أمْرٌ مَعْناهُ الخَبَرُ، وجاءَ بِصِيغَةِ الأمْرِ مُبالَغَةً إذِ الأمْرُ أقْطَعُ الأفْعالِ وأوْجَبُها، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «قُومُوا فَلْأُصَلِّ لَكم» . أخْرَجَ الخَبَرِ في صِيغَةِ الأمْرِ لِنَفْسِهِ مُبالَغَةً، ومِن حَيْثُ خَرَجَ الفِعْلُ مَخْرَجَ الأمْرِ حَسُنَ جَوابُهُ كَذَلِكَ وهو قَوْلُهُ ﴿يَأْخُذْهُ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا كانَتْ مَشِيئَةُ اللَّهِ وإرادَتُهُ أنْ لا يُخْطِئَ جَرْيَةُ ماءِ اليَمِّ الوُصُولَ بِهِ إلى السّاحِلِ وإلْقاءَهُ إلَيْهِ سَلَكَ في ذَلِكَ سُبُلَ المَجازِ، وجَعَلَ اليَمَّ كَأنَّهُ ذُو تَمْيِيزٍ أمَرَ بِذَلِكَ لِيُطِيعَ الأمْرَ ويَمْتَثِلَ رَسْمَهُ فَقِيلَ ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ﴾ انْتَهى. وقالَ التِّرْمِذِيُّ: إنَّما ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الأمْرِ لِسابِقِ عِلْمِهِ بِوُقُوعِ المُخْبَرِ بِهِ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ، فَكَأنَّ البَحْرَ مَأْمُورٌ مُمْتَثِلٌ لِلْأمْرِ. وقالَ الفَرّاءُ: ﴿فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾ أمْرٌ وفِيهِ مَعْنى المُجازاةِ، أيِ: اقْذِفِيهِ يُلْقِهِ اليَمُّ، والظّاهِرُ أنَّ البَحْرَ ألْقاهُ بِالسّاحِلِ فالتَقَطَهُ مِنهُ. ورُوِيَ أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يَشْرَبُ في مَوْضِعٍ مِنَ النِّيلِ إذْ رَأى التّابُوتَ فَأمَرَ بِهِ فَسِيقَ إلَيْهِ وامْرَأتُهُ مَعَهُ، فَفَتَحَ فَرَأوْهُ، فَرَحِمَتْهُ امْرَأتُهُ وطَلَبَتْهُ لِتَتَّخِذَهُ ابْنًا فَأباحَ لَها ذَلِكَ. ورُوِيَ أنَّ التّابُوتَ جاءَ في الماءِ إلى المَشْرَعَةِ الَّتِي كانَتْ جَوارِي امْرَأةِ فِرْعَوْنَ يَسْتَقِينَ مِنها الماءَ. فَأخَذَتِ التّابُوتَ وجَلَبَتْهُ إلَيْها فَأخْرَجَتْهُ وأعْلَمَتْهُ فِرْعَوْنَ، والعَدُوُّ الَّذِي لِلَّهِ ولِمُوسى هو فِرْعَوْنُ، وأُخْبِرَتْ بِهِ أُمُّ مُوسى عَلى طَرِيقِ الإلْهامِ؛ ولِذَلِكَ قالَتْ لِأُخْتِهِ ﴿قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١] وهي لا تَدْرِي أيْنَ اسْتَقَرَّ. ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ قِيلَ: مَحَبَّةَ آسِيَةَ وفِرْعَوْنَ، وكانَ فِرْعَوْنُ قَدْ أحَبَّهُ حُبًّا شَدِيدًا حَتّى لا يَتَمالَكَ أنْ يَصْبِرَ عَنْهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أحَبَّهُ اللَّهُ وحَبَّبَهُ إلى خَلْقِهِ. وقالَ عَطِيَّةُ: جُعِلَتْ عَلَيْهِ مَسْحَةٌ مِن جَمالٍ لا يَكادُ يَصْبِرُ عَنْهُ مَن رَآهُ. وقالَ قَتادَةُ: كانَ في عَيْنَيْهِ مَلاحَةٌ ما رَآهُ أحَدٌ إلّا أحَبَّهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأقْوى الأقْوالِ أنَّهُ القَبُولُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (مِنِّي) لا يَخْلُوا أنْ يَتَعَلَّقَ بِألْقَيْتُ فَيَكُونُ المَعْنى عَلى أحْبَبْتُكَ، ومَن أحَبَّهُ اللَّهُ أحَبَّتْهُ القُلُوبُ، وإمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ (p-٢٤٢)هُوَ صِفَةٌ لِمَحَبَّةٍ، أيْ: مَحَبَّةً خالِصَةً أوْ واقِعَةً مِنِّي قَدْ رَكَّزْتُها أنا فِيها في القُلُوبِ وزَرَعْتُها فِيها، فَلِذَلِكَ أحَبَّكَ فِرْعَوْنُ وكُلُّ مَن أبْصَرَكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ولِتُصْنَعَ﴾: بِكَسْرِ لامِ كَيْ وضَمِّ التّاءِ ونَصْبِ الفِعْلِ، أيْ: ولِتُرَبّى ويُحْسَنَ إلَيْكَ. وأنا مُراعِيكَ وراقِبُكَ كَما يُراعِي الرَّجُلُ الشَّيْءَ بِعَيْنَيْهِ إذا اعْتَنى بِهِ. قالَ قَرِيبًا مِنهُ قَتادَةُ. وقالَ النَّحّاسُ:، يُقالُ صَنَعْتُ الفَرَسَ إذا أحْسَنْتُ إلَيْهِ وهو مَعْطُوفٌ عَلى عِلَّةِ مَحْذُوفٍ، أيْ: لِيَتَلَطَّفَ بِكَ (ولِتُصْنَعَ) أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُتَأخِّرٍ تَقْدِيرُهُ فَعَلْتُ ذَلِكَ. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو نَهِيكٍ بِفَتْحِ التّاءِ. قالَ ثَعْلَبٌ: مَعْناهُ لِتَكُونَ حَرَكَتُكَ وتَصَرُّفُكَ عَلى عَيْنٍ مِنِّي. وقَرَأ شَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ في رِوايَةٍ بِإسْكانِ اللّامِ والعَيْنِ وضَمِّ التّاءِ فِعْلُ أمْرٍ، وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ كَسَرَ اللّامَ. ﴿إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ﴾ قِيلَ اسْمُها مَرْيَمُ، سَبَبُ ذَلِكَ أنَّ آسِيَةَ عَرَّضَتْهُ لِلرَّضاعِ فَلَمْ يَقْبَلِ امْرَأةً، فَجَعَلَتْ تُنادِي عَلَيْهِ في المَدِينَةِ ويُطافُ بِهِ ويُعْرَضُ لِلْمَراضِعِ فَيَأْبى، وبَقِيَتْ أُمُّهُ بَعْدَ قَذْفِهِ في اليَمِّ مَغْمُومَةً، فَأمَرَتْ أُخْتَهُ بِالتَّفْتِيشِ في المَدِينَةِ لَعَلَّها تَقَعُ عَلى خَبَرِهِ، فَبَصُرَتْ بِهِ في طَوافِها، فَقالَتْ: أنا أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ لَكم وهم لَهُ ناصِحُونَ فَتَعَلَّقُوا بِها، وقالُوا: أنْتِ تَعْرِفِينَ هَذا الصَّبِيَّ ؟ فَقالَتْ: لا، ولَكِنْ أعْلَمُ مِن أهْلِ هَذا البَيْتِ الحِرْصَ عَلى التَّقَرُّبِ إلى المَلِكَةِ والجَدِّ في خِدْمَتِها ورِضاها، فَتَرَكُوها وسَألُوها الدَّلّالَةَ، فَجاءَتْ بِأُمِّ مُوسى فَلَمّا قَرَّبَتْهُ شَرِبَ ثَدْيَها فَسُرَّتْ آسِيَةُ، وقالَتْ لَها: كُونِي مَعَنا في القَصْرِ، فَقالَتْ: ما كُنْتُ لِأدَعَ بَيْتِي ووَلَدِي ولَكِنَّهُ يَكُونُ عِنْدِي قالَتْ: نَعَمْ، فَأحْسَنَتْ إلى أهْلِ ذَلِكَ البَيْتِ غايَةَ الإحْسانِ واعْتَزَّ بَنُو إسْرائِيلَ بِهَذا الرَّضاعِ والنَّسَبِ مِنَ المَلِكَةِ، ولَمّا كَمُلَ رِضاعُهُ أرْسَلَتْ آسِيَةُ إلَيْها أنْ جِيئِينِي بِوَلَدِي لِيَوْمِ كَذا، وأمَرَتْ خَدَمَها ومَن لَها أنْ يَلْقَيْنَهُ بِالتُّحَفِ والهَدايا واللِّباسِ، فَوَصَلَ إلَيْها عَلى ذَلِكَ وهو بِخَيْرِ حالٍ وأجْمَلِ شَبابٍ، فَسُرَّتْ بِهِ ودَخَلَتْ بِهِ عَلى فِرْعَوْنَ لِيَراهُ ولِيَهِبَهُ فَأعْجَبَهُ وقَرَّبَهُ، فَأخَذَ مُوسى بِلِحْيَةِ فِرْعَوْنَ وتَقَدَّمَ ما جَرى لَهُ عِنْدَ ذِكْرِ العُقْدَةِ. والعامِلُ في (إذْ) قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ ومَنَنّا إذْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ العامِلُ في ﴿إذْ تَمْشِي﴾ (ألْقَيْتُ) أوْ (تُصْنَعَ) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ﴿إذْ أوْحَيْنا﴾ فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَصِحُّ البَدَلُ والوَقْتانِ مُخْتَلِفانِ مُتَباعِدانِ ؟ قُلْتُ: كَما يَصِحُّ وإنِ اتَّسَعَ الوَقْتُ وتَباعَدَ طَرَفاهُ أنْ يَقُولَ لَكَ الرَّجُلُ لَقِيتُ فُلانًا سَنَةَ كَذا، فَتَقُولُ: وأنا لَقِيتُهُ إذْ ذاكَ. ورُبَّما لَقِيَهُ هو في أوَّلِها وأنْتَ في آخِرِها انْتَهى. ولَيْسَ كَما ذَكَرَ؛ لِأنَّ السَّنَةَ تَقْبَلُ الِاتِّساعَ فَإذا وقَعَ لُقِيُّهُما فِيها بِخِلافِ هَذَيْنِ الطَّرَفَيْنِ فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما ضَيِّقٌ لَيْسَ بِمُتَّسِعٍ لِتَخْصِيصِهِما بِما أُضِيفا إلَيْهِ فَلا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ الثّانِي في الطَّرَفِ الَّذِي وقَعَ فِيهِ الأوَّلُ، إذِ الأوَّلُ لَيْسَ مُتَّسِعًا لِوُقُوعِ الوَحْيِ فِيهِ ووُقُوعِ مَشْيِ الأُخْتِ، فَلَيْسَ وقْتُ وُقُوعِ الوَحْيِ مُشْتَمِلًا عَلى أجْزاءٍ وقَعَ في بَعْضِها المَشْيُ بِخِلافِ السَّنَةِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: (إذْ) مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (تُصْنَعَ)، ولَكَ أنْ تَنْصِبَ (إذْ) بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ واذْكُرْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿كَيْ تَقَرَّ﴾ بِفَتْحِ التّاءِ والقافِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِكَسْرِ القافِ، وتَقَدَّمَ أنَّهُما لُغَتانِ في قَوْلِهِ ﴿وقَرِّي عَيْنًا﴾ [مريم: ٢٦] . وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ القافِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. و﴿قَتَلْتَ نَفْسًا﴾ [القصص: ١٩] هو القِبْطِيُّ الَّذِي اسْتَغاثَهُ عَلَيْهِ الإسْرائِيلِيُّ قَتَلَهُ وهو ابْنُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، واغْتَمَّ بِسَبَبِ القَتْلِ خَوْفًا مِن عِقابِ اللَّهِ ومِنِ اقْتِصاصِ فِرْعَوْنَ، فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ بِاسْتِغْفارِهِ حِينَ قالَ ﴿رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦] ونَجّاهُ مِن فِرْعَوْنَ حِينَ هاجَرَ بِهِ إلى مَدْيَنَ، والغَمُّ ما يَغُمُّ عَلى القَلْبِ بِسَبَبِ خَوْفٍ أوْ فَواتِ مَقْصُودٍ، والغَمُّ - بِلُغَةِ قُرَيْشٍ - القَتْلُ، وقِيلَ: مِن غَمَّ التّابُوتُ. وقِيلَ: مِن غَمَّ البَحْرُ، والظّاهِرُ أنَّهُ مِن غَمَّ القَتْلُ حِينَ ذَهَبْنا بِكَ مِن مِصْرَ إلى مَدْيَنَ. والفُتُونُ مَصْدَرٌ جَمْعُ فِتَنٍ أوْ فِتْنَةٍ عَلى تَرْكِ الِاعْتِدادِ بِالتّاءِ كَحُجُوزٍ وبُدُورٍ في حُجْزَةٍ وبُدْرَةٍ، أيْ: (فَتَنّاكَ) ضُرُوبًا مِنَ الفِتَنِ، والفِتْنَةُ المِحْنَةُ وما يَشُقُّ عَلى الإنْسانِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ خَلَّصْناكَ مِن مِحْنَةٍ بَعْدَ مِحْنَةٍ. وُلِدَ في عامٍ (p-٢٤٣)كانَ يُقْتَلُ فِيهِ الوِلْدانُ، وألْقَتْهُ أُمُّهُ في البَحْرِ وهَمَّ فِرْعَوْنُ بِقَتْلِهِ، وقَتَلَ قِبْطِيًّا وآجَرَ نَفْسَهُ عَشْرَ سِنِينَ وضَلَّ الطَّرِيقَ وتَفَرَّقَتْ غَنَمُهُ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ انْتَهى. وهَذِهِ الفُتُونُ اخْتَبَرَهُ بِها وخَلَّصَهُ حَتّى صَلُحَ لِلنُّبُوَّةِ وسَلِمَ لَها، والسُّنُونُ الَّتِي لَبِثَها في مَدْيَنَ عَشْرُ سِنِينَ. وقالَ وهْبٌ: ثَمانٍ وعِشْرُونَ سَنَةً مِنها مَهْرُ ابْنَتِهِ، وبَيْنَ مِصْرَ ومَدْيَنَ ثَمانِ مَراحِلَ وفي الكَلامِ حَذْفٌ والتَّقْدِيرُ ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ فَخَرَجْتَ خائِفًا إلى ﴿أهْلِ مَدْيَنَ﴾ فَلَبِثْتَ سِنِينَ وكانَ عُمْرُهُ حِينَ ذَهَبَ إلى مَدْيَنَ اثْنَيْ عَشَرَ عامًا، وأقامَ عَشَرَةَ أعْوامٍ في رَعْيِ غَنَمِ شُعَيْبٍ، ثُمَّ ثَمانِيَةَ عَشَرَ عامًا بَعْدَ بِنائِهِ بِامْرَأتِهِ بِنْتِ شُعَيْبٍ، ووُلِدَ لَهُ فِيها فَكَمُلَ لَهُ أرْبَعُونَ سَنَةً وهي المُدَّةُ الَّتِي عادَةُ اللَّهِ إرْسالُ الأنْبِياءِ عَلى رَأْسِها. ”﴿ثُمَّ جِئْتَ﴾“ إلى المَكانِ الَّذِي ناجَيْتُكَ فِيهِ وكَلَّمْتُكَ واسْتَنْبَأْتُكَ. ”﴿عَلى قَدَرٍ﴾“، أيْ: وقْتٍ مُعَيَّنٍ قَدَّرْتُهُ لَمْ تَتَقَدَّمْهُ ولَمْ تَتَأخَّرْ عَنْهُ. وقِيلَ عَلى مِقْدارٍ مِنَ الزَّمانِ يُوحى إلى الأنْبِياءِ فِيهِ وهو الأرْبَعُونَ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎نالَ الخِلافَةَ أوْ جاءَتْ عَلى قَدَرٍ ∗∗∗ كَما أتى رَبَّهُ مُوسى عَلى قَدَرِ ﴿واصْطَنَعَتْكَ لِنَفْسِي﴾، أيْ: جَعَلْتُكَ مَوْضِعَ الصَّنِيعَةِ ومَقَرَّ الإكْمالِ والإحْسانِ، وأخْلَصْتُكَ بِالألْطافِ واخْتَرْتُكَ لِمَحَبَّتِي، يُقالُ: اصْطَنَعَ فُلانٌ فُلانًا اتَّخَذَهُ صَنِيعَةً، وهو افْتِعالٌ مِنَ الصُّنْعِ وهو الإحْسانُ إلى الشَّخْصِ حَتّى يُضافَ إلَيْهِ فَيُقالَ هَذا صَنِيعُ فُلانٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا تَمْثِيلٌ لِما خَوَّلَهُ مِن مَنزِلَةِ التَّقْرِيبِ والتَّكْرِيمِ والتَّكْلِيمِ، مَثَّلَ حالَهُ بِحالِ مَن يَراهُ المُلُوكُ بِجَمِيعِ خِصالٍ فِيهِ وخَصائِصَ أهْلًا لِأنْ يَكُونَ أقْرَبَ مَنزِلَةً إلَيْهِ وألْطَفَ مَحَلًّا، فَيَصْطَنِعُهُ بِالكَرامَةِ والأثَرَةِ ويَسْتَخْلِصُهُ لِنَفْسِهِ. انْتَهى. ومَعْنى ﴿لِنَفْسِي﴾، أيْ: لِأوامِرِي وإقامَةِ حُجَجِي وتَبْلِيغِ رِسالَتِي، فَحَرَكاتُكَ وسَكَناتُكَ لِي لا لِنَفْسِكَ ولا لِأحَدٍ غَيْرِكَ.

طه 20:34

(p-٢٣٨)﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى﴾ ﴿إذْ أوْحَيْنا إلى أُمِّكَ ما يُوحى﴾ ﴿أنِ اقْذِفِيهِ في التّابُوتِ فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ ﴿إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ولا تَحْزَنَ وقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ وفَتَنّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ في أهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يامُوسى﴾ ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ . لَمّا أمَرَهُ تَعالى بِالذَّهابِ إلى فِرْعَوْنَ (p-٢٣٩)عَرَفَ أنَّهُ كُلِّفَ أمْرًا عَظِيمًا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى احْتِمالِ ما لا يَحْتَمِلُهُ إلّا ذُو جَأْشٍ رابِطٍ وصَدْرٍ فَسِيحٍ، فَسَألَ رَبَّهُ ورَغِبَ في أنْ يَشْرَحَ صَدْرَهُ لِيَحْتَمِلَ ما يَرِدُ عَلَيْهِ مِنَ الشَّدائِدِ الَّتِي يَضِيقُ لَها الصَّدْرُ، وأنْ يُسَهِّلَ عَلَيْهِ أمْرَهُ لَلَّذِي هو خِلافَةُ اللَّهِ في أرْضِهِ وما يَصْحَبُها مِن مُزاوَلَةِ جَلائِلِ الخُطُوبِ، وقَدْ عَلِمَ ما عَلَيْهِ فِرْعَوْنُ مِنَ الجَبَرُوتِ والتَّمَرُّدِ والتَّسَلُّطِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: مَعْناهُ وسِّعْ لِي صَدْرِي لِأعِيَ عَنْكَ ما تُودِعُهُ مِن وحْيِكَ. وقالَ الكَرْمانِيُّ: وسِّعْ قَلْبِي ولَيِّنْهُ لِفَهْمِ خِطابِكَ وأداءِ رِسالَتِكَ. والقِيامِ بِما كَلَّفْتَنِيهِ مِن أعْبائِها. والعُقْدَةُ اسْتِعارَةٌ لِثِقَلٍ كانَ في لِسانِهِ خِلْقَةً. وقالَ مُجاهِدٌ: كانَتْ مِنَ الجَمْرَةِ الَّتِي أدْخَلَها فاهُ وكانَتْ آسِيَةُ قَدْ ألْقى اللَّهُ مَحَبَّتَهُ في قَلْبِها وسَألَتْ فِرْعَوْنَ أنْ لا يَذْبَحَهُ، فَبَيْنا هي تُرَقِّصُهُ يَوْمًا أخَذَهُ فِرْعَوْنُ في حِجْرِهِ، فَأخَذَ خَصْلَةً مِن لِحْيَتِهِ. وقِيلَ: لَطَمَهُ. وقِيلَ: ضَرَبَهُ بِقَضِيبٍ كانَ في يَدِهِ. فَغَضِبَ فِرْعَوْنُ فَدَعا بِالسَّيّافِ، فَقالَتْ: إنَّما هو صَبِيٌّ لا يُفَرِّقُ بَيْنَ الياقُوتِ والجَمْرِ. فَأحْضَرَ أوْ أرادَ أنْ يَمُدَّ يَدَهُ إلى الياقُوتِ، فَحَوَّلَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَدَهُ إلى الجَمْرَةِ فَأخَذَها ووَضَعَها في فِيهِ فاحْتَرَقَ لِسانُهُ، انْتَهى. وإحْراقُ النّارِ وتَأْثِيرُها في لِسانِهِ لا في يَدِهِ دَلِيلٌ عَلى فَسادِ قَوْلِ القائِلِينَ بِالطَّبِيعَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كانَتْ في لِسانِهِ رَتَّةٌ. وقِيلَ: حَدَثَتِ العُقْدَةُ بَعْدَ المُناجاةِ حَتّى لا يُكَلِّمَ أحَدًا بَعْدَها. وقالَ قُطْرُبٌ: كانَتْ فِيهِ مُسْكَةٌ عَنِ الكَلامِ. وقالَ ابْنُ عِيسى: العُقْدَةُ كالتَّمْتَمَةِ والفَأْفَأةِ. وطَلَبُ مُوسى مِن حَلِّ العُقْدَةِ قَدْرَ ما يُفْقَهُ قَوْلُهُ، قِيلَ: وبَقِيَ بَعْضُها لِقَوْلِهِ ﴿وأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا﴾ [القصص: ٣٤]، وقَوْلِهِ ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] . وقِيلَ: زالَتْ لِقَوْلِهِ ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ وهو قَوْلُ الحَسَنِ، قِيلَ: وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ: واحْلُلِ العُقْدَةَ، بَلْ قالَ: ﴿عُقْدَةً﴾ فَإذا حَلَّ عُقْدَةً فَقَدْ آتاهُ اللَّهُ سُؤْلَهُ. وقِيلَ في قَوْلِهِ ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] أنَّ مَعْناهُ لا يَأْتِي بِبَيانٍ وحُجَّةٍ، وإنَّما قالَ ذَلِكَ فِرْعَوْنُ تَمْوِيهًا، وقَدْ خاطَبَهُ وقَوْمَهُ، وكانُوا يَفْهَمُونَ عَنْهُ فَكَيْفَ يُمْكِنُ نَفْيُ البَيانِ أوْ مُقارَبَتُهُ ؟ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ لِي في قَوْلِهِ ﴿اشْرَحْ لِي صَدْرِي ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾: ما جَدْواهُ والكَلامُ بِدُونِهِ مُسْتَتِبٌّ ؟ قُلْتُ: قَدْ أبْهَمَ الكَلامَ أوَّلًا، فَقالَ: ﴿اشْرَحْ لِي﴾ ﴿ويَسِّرْ لِي﴾ فَعَلِمَ أنَّ ثَمَّ مَشْرُوحًا ومُيَسَّرًا، ثُمَّ بَيَّنَ ورَفَعَ الإبْهامَ فَذَكَرَهُما، فَكانَ آكَدَ لِطَلَبِ الشَّرْحِ والتَّيْسِيرِ لِصَدْرِهِ، وأمَرَهُ مِن أنْ يَقُولَ: اشْرَحْ صَدْرِي ويَسِّرْ أمْرِي، عَلى الإيضاحِ الشّارِحِ؛ لِأنَّهُ تَكْرِيرٌ لِلْمَعْنى الواحِدِ مِن طَرِيقَيِ الإجْمالِ والتَّفْصِيلِ. وقالَ أيْضًا: وفي تَنْكِيرِ العُقْدَةِ وإنْ لَمْ يَقُلْ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً﴾ ﴿لِسانِي﴾ أنَّهُ طَلَبَ حَلَّ بَعْضِها إرادَةَ أنْ يُفْهَمَ عَنْهُ فَهْمًا جَيِّدًا ولَمْ يَطْلُبِ الفَصاحَةَ الكامِلَةَ، و﴿مِن لِسانِي﴾ صِفَةٌ لِلْعُقْدَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: عُقْدَةً مِن عُقَدِ لِسانِي. انْتَهى. ويَظْهَرُ أنَّ ﴿مِن لِسانِي﴾ مُتَعَلِّقٌ بِاحْلُلْ؛ لِأنَّ مَوْضِعَ الصِّفَةِ لِعُقْدَةٍ، وكَذا قالَ الحَوْفِيُّ. وأجازَ أبُو البَقاءِ الوَجْهَيْنِ، والوَزِيرُ المُعِينُ القائِمُ بِوِزْرِ الأُمُورِ، أيْ: بِثِقَلِها، فَوَزِيرُ المَلِكِ يَتَحَمَّلُ عَنْهُ أوْزارَهُ ومُؤَنَهُ. وقِيلَ: مِنَ الوَزَرِ وهو المَلْجَأُ يَلْتَجِئُ إلَيْهِ الإنْسانُ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎مِنَ السِّباعِ الضَّوارِي دُونَهُ وزَرُ والنّاسُ شَرُّهم ما دُونَهُ وزَرُ ؎كَمْ مَعْشَرٍ سَلِمُوا لَمْ يُؤْذِهِمْ سَبْعُ ∗∗∗ وما نَرى بَشَرًا لَمْ يُؤْذِهِمْ بَشَرُ فالمَلِكُ يَعْتَصِمُ بِرَأْيِهِ ويَلْتَجِئُ إلَيْهِ في أُمُورِهِ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: هو مِنَ المُؤازَرَةِ وهي المُعاوَنَةُ والمُساعَدَةُ، والقِياسُ أزِيرٌ، وكَذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: وكانَ القِياسُ أزِيرًا فَقُلِبَتِ الهَمْزَةُ إلى الواوِ ووَجْهُ قَلْبِها أنَّ فَعِيلًا جاءَ في مَعْنى مُفاعِلٍ مَجِيأً صالِحًا، كَعَشِيرٍ وجَلِيسٍ وقَعِيدٍ وخَلِيلٍ وصَدِيقٍ ونَدِيمٍ، فَلَمّا قُلِبَ في أخِيهِ قُلِبَتْ فِيهِ، وحَمْلُ الشَّيْءِ عَلى نَظِيرِهِ لَيْسَ بِعَزِيزٍ. ونَظَرًا إلى يُوازِرُ وأخَواتِهِ وإلى المُوازَرَةِ انْتَهى. ولا حاجَةَ إلى ادِّعاءِ قَلْبِ الهَمْزَةِ واوًا؛ لِأنَّ لَنا اشْتِقاقًا واضِحًا وهو الوِزْرُ، وأمّا قَلْبُها في يُؤازِرُ فَلِأجْلِ (p-٢٤٠)ضَمَّةِ ما قَبْلَ الواوِ وهو أيْضًا إبْدالٌ غَيْرُ لازِمٍ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿لِي وزِيرًا﴾ مَفْعُولَيْنِ لِاجْعَلْ و(هارُونَ) بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ، وأنْ يَكُونَ ﴿وزِيرًا﴾ و(هارُونَ) مَفْعُولَيْهِ، وقَدَّمَ الثّانِيَ اعْتِناءً بِأمْرِ الوِزارَةِ و﴿أخِي﴾ بَدَلٌ مِن (هارُونَ) في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنْ جُعِلَ عَطْفَ بَيانٍ آخَرَ جازَ وحَسُنَ انْتَهى. ويَبْعُدُ فِيهِ عَطْفُ البَيانِ؛ لِأنَّ الأكْثَرَ في عَطْفِ البَيانِ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ دُونَهُ في الشُّهْرَةِ، والأمْرُ هُنا بِالعَكْسِ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ هُما المَفْعُولانِ و(لِي) مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] يَعْنُونَ أنَّهُ بِهِ يَتِمُّ المَعْنى. و(هارُونَ) عَلى ما تَقَدَّمَ. وجَوَّزُوا أنْ يَنْتَصِبَ (هارُونَ) بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيِ: اضْمُمْ إلَيَّ هارُونَ وهَذا لا حاجَةَ إلَيْهِ؛ لِأنَّ الكَلامَ تامٌّ بِدُونِ هَذا المَحْذُوفِ. وقَرَأ الحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ عامِرٍ (أشْدُدْ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ (وأُشْرِكْهُ) بِضَمِّها فِعْلًا مُضارِعًا مَجْزُومًا عَلى جَوابِ الأمْرِ وعُطِفَ عَلَيْهِ (وأُشْرِكْهُ) . وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ عَنِ الحَسَنِ: أنَّهُ قَرَأ أُشْدِدْ بِهِ مُضارِعُ شَدَّدَ لِلتَّكْثِيرِ والتَّكْرِيرِ، أيْ: كُلَّما حَزَنَنِي أمْرٌ شَدَدْتُ ﴿بِهِ أزْرِي﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿اشْدُدْ﴾ ﴿وأشْرِكْهُ﴾ عَلى مَعْنى الدُّعاءِ في شَدِّ الأزْرِ وتَشْرِيكِ هارُونَ في النُّبُوَّةِ، وكانَ الأمْرُ في قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ لا يُرِيدُ بِهِ النُّبُوَّةَ بَلْ يُرِيدُ تَدْبِيرَهُ ومُساعَدَتَهُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ لِمُوسى أنْ يُشْرِكَ في النُّبُوَّةِ أحَدًا. وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ (أخِي واشْدُدْ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ فِيمَن قَرَأ عَلى لَفْظِ الأمْرِ أنْ يَجْعَلَ ﴿أخِي﴾ مَرْفُوعًا عَلى الِابْتِداءِ و﴿اشْدُدْ بِهِ﴾ خَبَرُهُ ويُوقَفُ عَلى (هارُونَ) انْتَهى. وهو خِلافُ الظّاهِرِ فَلا يُصارُ إلَيْهِ لِغَيْرِ حاجَةٍ، وكانَ هارُونُ أكْبَرَ مِن مُوسى بِأرْبَعَةِ أعْوامٍ، وجَعَلَ مُوسى ما رَغِبَ فِيهِ وطَلَبَهُ مِن نِعَمٍ سَبَبًا تَلْزَمُ مِنهُ العِبادَةُ والِاجْتِهادُ في أمْرِ اللَّهِ، والتَّظافُرُ عَلى العِبادَةِ والتَّعاوُنُ فِيها مُثِيرٌ لِلرَّغْبَةِ والتَّزَيُّدِ مِنَ الخَيْرِ. ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ﴾ نُنَزِّهَكَ عَمّا لا يَلِيقُ بِكَ ﴿ونَذْكُرَكَ﴾ بِالدُّعاءِ والثَّناءِ عَلَيْكَ وقُدِّمَ التَّسْبِيحُ؛ لِأنَّهُ تَنْزِيهُهُ تَعالى في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وبَراءَتُهُ عَنِ النَّقائِصِ، ومَحَلُّ ذَلِكَ القَلْبُ، والذِّكْرُ والثَّناءُ عَلى اللَّهِ بِصِفاتِ الكَمالِ ومَحَلُّهُ اللِّسانُ، فَلِذَلِكَ قُدِّمَ ما مَحَلُّهُ القَلْبُ عَلى ما مَحَلُّهُ اللِّسانُ. و(كَثِيرًا) نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، أيْ: نُسَبِّحُكَ التَّسْبِيحَ في حالِ كَثْرَتِهِمْ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ عالِمًا بِأحْوالِنا. والسُّؤْلُ فِعْلٌ بِمَعْنى المَسْئُولِ كالخُبْزِ والأكْلِ بِمَعْنى المَخْبُوزِ والمَأْكُولِ، والمَعْنى أُعْطِيتَ طِلْبَتَكَ وما سَألْتَهُ مِن شَرْحِ الصَّدْرِ وتَيَسُّرِ الأمْرِ وحَلِّ العُقْدَةِ، وجَعْلِ أخِيكَ وزِيرًا وذَلِكَ مِنَ المِنَّةِ عَلَيْهِ. ثُمَّ ذَكَّرَهُ تَعالى تَقْدِيمَ مِنَّتِهِ عَلَيْهِ عَلى سَبِيلِ التَّوْقِيفِ لِيَعْظُمَ اجْتِهادُهُ وتَقْوى بَصِيرَتُهُ و(مَرَّةً) مَعْناهُ مِنَّةً و(أُخْرى) تَأْنِيثُ آخَرَ بِمَعْنى (غَيْرَ) أيْ: مِنَّةً غَيْرَ هَذِهِ المِنَّةِ، ولَيْسَتْ (أُخْرى) هُنا بِمَعْنى (آخِرَةً) فَتَكُونَ مُقابِلَةً لِلْأُولى، وتَخَيَّلَ ذَلِكَ بَعْضُهم فَقالَ: سَمّاها (أُخْرى) وهي أُولى لِأنَّها (أُخْرى) في الذَّكَرِ، والأُخْرى لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ يَكُونُ تَأْنِيثُ الآخَرِ بِفَتْحِ الخاءِ، وتَأْنِيثُ الآخَرِ بِمَعْنى آخِرِهِ فَهَذِهِ يُلْحَظُ فِيها مَعْنى التَّأخُّرِ. والمَعْنى أنِّي قَدْ حَفِظْتُكَ وأنْتَ طِفْلٌ رَضِيعٌ فَكَيْفَ لا أحْفَظُكَ وقَدْ أهَّلْتُكَ لِلرِّسالَةِ. وفي قَوْلِهِ ﴿مَرَّةً أُخْرى﴾ إجْمالٌ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ ﴿إذْ أوْحَيْنا إلى أُمِّكَ﴾ . قالَ الجُمْهُورُ: هي وحْيُ إلْهامٍ كَقَوْلِهِ ﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨] . وقِيلَ: وحْيُ إعْلامٍ إمّا بِإراءَةِ ذَلِكَ في مَنامٍ، وإمّا بِبَعْثِ مَلَكٍ إلَيْها لا عَلى جِهَةِ النُّبُوَّةِ كَما بُعِثَ إلى مَرْيَمَ، وهَذا هو الظّاهِرُ لِظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ﴾ ولِظاهِرِ آيَةِ القَصَصِ ﴿إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] ويَبْعُدُ ما صَدَّرَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلَهُ: مِن يَرُدُّ يَدَهُ، إمّا أنْ يَكُونَ عَلى لِسانِ نَبِيٍّ في وقْتِها كَقَوْلِهِ: ﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ﴾ [المائدة: ١١١]؛ لِأنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أنَّهُ كانَ في زَمَنِ فِرْعَوْنَ، وكانَ في زَمَنِ الحَوارِيِّينَ زَكَرِيّا ويَحْيى. وفي قَوْلِهِ ﴿ما يُوحى﴾ إبْهامٌ وإجْمالٌ كَقَوْلِهِ ﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ [النجم: ١٦] ﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨] وفِيهِ تَهْوِيلٌ وقَدْ فُسِّرَ هُنا بِقَوْلِهِ ﴿أنِ اقْذِفِيهِ في التّابُوتِ﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (p-٢٤١)و(أنْ) هي المُفَسِّرَةُ؛ لِأنَّ الوَحْيَ بِمَعْنى القَوْلِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: و(أنْ) في قَوْلِهِ ﴿أنِ اقْذِفِيهِ﴾ بَدَلٌ مِن ما يَعْنِي أنَّ (أنْ) مَصْدَرِيَّةٌ فَلِذَلِكَ كانَ لَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ. والوَجْهانِ سائِغانِ، والظّاهِرُ أنَّ ﴿التّابُوتِ﴾ كانَ مِن خَشَبٍ. وقِيلَ: مِن بَرْدِيِّ شَجَرِ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ سَدَّتْ خُرُوقَهُ وفَرَشَتْ فِيهِ نِطْعًا - وقِيلَ: قُطْنًا مَحْلُوجًا - وسَدَّتْ فَمَهُ وجَصَّصَتْهُ وقَيَّرَتْهُ وألْقَتْهُ في (اليَمِّ)، وهو اسْمٌ لِلْبَحْرِ العَذْبِ. وقِيلَ: اسْمٌ لِلنِّيلِ خاصَّةً. والأوَّلُ هو الصَّوابُ كَقَوْلِهِ: ﴿فَأغْرَقْناهم في اليَمِّ﴾ [الأعراف: ١٣٦] ولَمْ يُغْرَقُوا في النِّيلِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾ عائِدٌ عَلى مُوسى، وكَذَلِكَ الضَّمِيرانِ بَعْدَهُ إذْ هو المُحَدَّثُ عَنْهُ لا التّابُوتُ، إنَّما ذُكِرَ التّابُوتُ عَلى سَبِيلِ الوِعاءِ والفَضْلَةِ. وقالابْنُ عَطِيَّةَ: والضَّمِيرُ الأوَّلُ في ﴿اقْذِفِيهِ﴾ عائِدٌ عَلى مُوسى وفي الثّانِي عائِدٌ عَلى ﴿التّابُوتِ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى مُوسى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والضَّمائِرُ كُلُّها راجِعَةٌ إلى مُوسى، ورُجُوعُ بَعْضِها إلَيْهِ، وبَعْضِها إلى التّابُوتِ فِيهِ هُجْنَةٌ لِما يُؤَدِّي إلَيْهِ مِن تَنافُرِ النَّظْمِ، فَإنْ قُلْتَ: المَقْذُوفُ في البَحْرِ هو التّابُوتُ وكَذَلِكَ المُلْقى إلى السّاحِلِ ؟ قُلْتُ: ما ضَرَّكَ لَوْ قُلْتَ المَقْذُوفُ والمُلْقى هو مُوسى في جَوْفِ التّابُوتِ حَتّى لا تَتَفَرَّقَ الضَّمائِرُ فَيَتَنافَرَ عَلَيْكَ النَّظْمُ، الَّذِي هو أُمُّ إعْجازِ القُرْآنِ، والقانُونُ الَّذِي وقَعَ عَلَيْهِ التَّحَدِّي ومُراعاتُهُ أهَمُّ ما يَجِبُ عَلى المُفَسِّرِ. انْتَهى. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ الضَّمِيرَ إذا كانَ صالِحًا لِأنْ يَعُودَ عَلى الأقْرَبِ وعَلى الأبْعَدِ كانَ عَوْدُهُ عَلى الأقْرَبِ راجِحًا، وقَدْ نَصَّ النَّحْوِيُّونَ عَلى هَذا فَعَوْدُهُ عَلى ﴿التّابُوتِ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ﴾ راجِحٌ، والجَوابُ أنَّهُ إذا كانَ أحَدُهُما هو المُحَدَّثَ عَنْهُ والآخَرُ فَضْلَةً كانَ عَوْدُهُ عَلى المُحَدَّثِ عَنْهُ أرْجَحَ، ولا يُلْتَفَتُ إلى القُرْبِ، ولِهَذا رَدَدْنا عَلى أبِي مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ في دَعْواهُ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ ﴿فَإنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] عائِدٌ عَلى خِنْزِيرٍ لا عَلى لَحْمٍ لِكَوْنِهِ أقْرَبَ مَذْكُورٍ، فَيَحْرُمُ بِذَلِكَ شَحْمُهُ وغُضْرُوفُهُ وعَظْمُهُ وجِلْدُهُ، بِأنَّ المُحَدَّثَ عَنْهُ هو لَحْمُ خِنْزِيرٍ لا خِنْزِيرٌ. و﴿فَلْيُلْقِهِ﴾ أمْرٌ مَعْناهُ الخَبَرُ، وجاءَ بِصِيغَةِ الأمْرِ مُبالَغَةً إذِ الأمْرُ أقْطَعُ الأفْعالِ وأوْجَبُها، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «قُومُوا فَلْأُصَلِّ لَكم» . أخْرَجَ الخَبَرِ في صِيغَةِ الأمْرِ لِنَفْسِهِ مُبالَغَةً، ومِن حَيْثُ خَرَجَ الفِعْلُ مَخْرَجَ الأمْرِ حَسُنَ جَوابُهُ كَذَلِكَ وهو قَوْلُهُ ﴿يَأْخُذْهُ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا كانَتْ مَشِيئَةُ اللَّهِ وإرادَتُهُ أنْ لا يُخْطِئَ جَرْيَةُ ماءِ اليَمِّ الوُصُولَ بِهِ إلى السّاحِلِ وإلْقاءَهُ إلَيْهِ سَلَكَ في ذَلِكَ سُبُلَ المَجازِ، وجَعَلَ اليَمَّ كَأنَّهُ ذُو تَمْيِيزٍ أمَرَ بِذَلِكَ لِيُطِيعَ الأمْرَ ويَمْتَثِلَ رَسْمَهُ فَقِيلَ ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ﴾ انْتَهى. وقالَ التِّرْمِذِيُّ: إنَّما ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الأمْرِ لِسابِقِ عِلْمِهِ بِوُقُوعِ المُخْبَرِ بِهِ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ، فَكَأنَّ البَحْرَ مَأْمُورٌ مُمْتَثِلٌ لِلْأمْرِ. وقالَ الفَرّاءُ: ﴿فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾ أمْرٌ وفِيهِ مَعْنى المُجازاةِ، أيِ: اقْذِفِيهِ يُلْقِهِ اليَمُّ، والظّاهِرُ أنَّ البَحْرَ ألْقاهُ بِالسّاحِلِ فالتَقَطَهُ مِنهُ. ورُوِيَ أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يَشْرَبُ في مَوْضِعٍ مِنَ النِّيلِ إذْ رَأى التّابُوتَ فَأمَرَ بِهِ فَسِيقَ إلَيْهِ وامْرَأتُهُ مَعَهُ، فَفَتَحَ فَرَأوْهُ، فَرَحِمَتْهُ امْرَأتُهُ وطَلَبَتْهُ لِتَتَّخِذَهُ ابْنًا فَأباحَ لَها ذَلِكَ. ورُوِيَ أنَّ التّابُوتَ جاءَ في الماءِ إلى المَشْرَعَةِ الَّتِي كانَتْ جَوارِي امْرَأةِ فِرْعَوْنَ يَسْتَقِينَ مِنها الماءَ. فَأخَذَتِ التّابُوتَ وجَلَبَتْهُ إلَيْها فَأخْرَجَتْهُ وأعْلَمَتْهُ فِرْعَوْنَ، والعَدُوُّ الَّذِي لِلَّهِ ولِمُوسى هو فِرْعَوْنُ، وأُخْبِرَتْ بِهِ أُمُّ مُوسى عَلى طَرِيقِ الإلْهامِ؛ ولِذَلِكَ قالَتْ لِأُخْتِهِ ﴿قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١] وهي لا تَدْرِي أيْنَ اسْتَقَرَّ. ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ قِيلَ: مَحَبَّةَ آسِيَةَ وفِرْعَوْنَ، وكانَ فِرْعَوْنُ قَدْ أحَبَّهُ حُبًّا شَدِيدًا حَتّى لا يَتَمالَكَ أنْ يَصْبِرَ عَنْهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أحَبَّهُ اللَّهُ وحَبَّبَهُ إلى خَلْقِهِ. وقالَ عَطِيَّةُ: جُعِلَتْ عَلَيْهِ مَسْحَةٌ مِن جَمالٍ لا يَكادُ يَصْبِرُ عَنْهُ مَن رَآهُ. وقالَ قَتادَةُ: كانَ في عَيْنَيْهِ مَلاحَةٌ ما رَآهُ أحَدٌ إلّا أحَبَّهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأقْوى الأقْوالِ أنَّهُ القَبُولُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (مِنِّي) لا يَخْلُوا أنْ يَتَعَلَّقَ بِألْقَيْتُ فَيَكُونُ المَعْنى عَلى أحْبَبْتُكَ، ومَن أحَبَّهُ اللَّهُ أحَبَّتْهُ القُلُوبُ، وإمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ (p-٢٤٢)هُوَ صِفَةٌ لِمَحَبَّةٍ، أيْ: مَحَبَّةً خالِصَةً أوْ واقِعَةً مِنِّي قَدْ رَكَّزْتُها أنا فِيها في القُلُوبِ وزَرَعْتُها فِيها، فَلِذَلِكَ أحَبَّكَ فِرْعَوْنُ وكُلُّ مَن أبْصَرَكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ولِتُصْنَعَ﴾: بِكَسْرِ لامِ كَيْ وضَمِّ التّاءِ ونَصْبِ الفِعْلِ، أيْ: ولِتُرَبّى ويُحْسَنَ إلَيْكَ. وأنا مُراعِيكَ وراقِبُكَ كَما يُراعِي الرَّجُلُ الشَّيْءَ بِعَيْنَيْهِ إذا اعْتَنى بِهِ. قالَ قَرِيبًا مِنهُ قَتادَةُ. وقالَ النَّحّاسُ:، يُقالُ صَنَعْتُ الفَرَسَ إذا أحْسَنْتُ إلَيْهِ وهو مَعْطُوفٌ عَلى عِلَّةِ مَحْذُوفٍ، أيْ: لِيَتَلَطَّفَ بِكَ (ولِتُصْنَعَ) أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُتَأخِّرٍ تَقْدِيرُهُ فَعَلْتُ ذَلِكَ. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو نَهِيكٍ بِفَتْحِ التّاءِ. قالَ ثَعْلَبٌ: مَعْناهُ لِتَكُونَ حَرَكَتُكَ وتَصَرُّفُكَ عَلى عَيْنٍ مِنِّي. وقَرَأ شَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ في رِوايَةٍ بِإسْكانِ اللّامِ والعَيْنِ وضَمِّ التّاءِ فِعْلُ أمْرٍ، وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ كَسَرَ اللّامَ. ﴿إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ﴾ قِيلَ اسْمُها مَرْيَمُ، سَبَبُ ذَلِكَ أنَّ آسِيَةَ عَرَّضَتْهُ لِلرَّضاعِ فَلَمْ يَقْبَلِ امْرَأةً، فَجَعَلَتْ تُنادِي عَلَيْهِ في المَدِينَةِ ويُطافُ بِهِ ويُعْرَضُ لِلْمَراضِعِ فَيَأْبى، وبَقِيَتْ أُمُّهُ بَعْدَ قَذْفِهِ في اليَمِّ مَغْمُومَةً، فَأمَرَتْ أُخْتَهُ بِالتَّفْتِيشِ في المَدِينَةِ لَعَلَّها تَقَعُ عَلى خَبَرِهِ، فَبَصُرَتْ بِهِ في طَوافِها، فَقالَتْ: أنا أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ لَكم وهم لَهُ ناصِحُونَ فَتَعَلَّقُوا بِها، وقالُوا: أنْتِ تَعْرِفِينَ هَذا الصَّبِيَّ ؟ فَقالَتْ: لا، ولَكِنْ أعْلَمُ مِن أهْلِ هَذا البَيْتِ الحِرْصَ عَلى التَّقَرُّبِ إلى المَلِكَةِ والجَدِّ في خِدْمَتِها ورِضاها، فَتَرَكُوها وسَألُوها الدَّلّالَةَ، فَجاءَتْ بِأُمِّ مُوسى فَلَمّا قَرَّبَتْهُ شَرِبَ ثَدْيَها فَسُرَّتْ آسِيَةُ، وقالَتْ لَها: كُونِي مَعَنا في القَصْرِ، فَقالَتْ: ما كُنْتُ لِأدَعَ بَيْتِي ووَلَدِي ولَكِنَّهُ يَكُونُ عِنْدِي قالَتْ: نَعَمْ، فَأحْسَنَتْ إلى أهْلِ ذَلِكَ البَيْتِ غايَةَ الإحْسانِ واعْتَزَّ بَنُو إسْرائِيلَ بِهَذا الرَّضاعِ والنَّسَبِ مِنَ المَلِكَةِ، ولَمّا كَمُلَ رِضاعُهُ أرْسَلَتْ آسِيَةُ إلَيْها أنْ جِيئِينِي بِوَلَدِي لِيَوْمِ كَذا، وأمَرَتْ خَدَمَها ومَن لَها أنْ يَلْقَيْنَهُ بِالتُّحَفِ والهَدايا واللِّباسِ، فَوَصَلَ إلَيْها عَلى ذَلِكَ وهو بِخَيْرِ حالٍ وأجْمَلِ شَبابٍ، فَسُرَّتْ بِهِ ودَخَلَتْ بِهِ عَلى فِرْعَوْنَ لِيَراهُ ولِيَهِبَهُ فَأعْجَبَهُ وقَرَّبَهُ، فَأخَذَ مُوسى بِلِحْيَةِ فِرْعَوْنَ وتَقَدَّمَ ما جَرى لَهُ عِنْدَ ذِكْرِ العُقْدَةِ. والعامِلُ في (إذْ) قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ ومَنَنّا إذْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ العامِلُ في ﴿إذْ تَمْشِي﴾ (ألْقَيْتُ) أوْ (تُصْنَعَ) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ﴿إذْ أوْحَيْنا﴾ فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَصِحُّ البَدَلُ والوَقْتانِ مُخْتَلِفانِ مُتَباعِدانِ ؟ قُلْتُ: كَما يَصِحُّ وإنِ اتَّسَعَ الوَقْتُ وتَباعَدَ طَرَفاهُ أنْ يَقُولَ لَكَ الرَّجُلُ لَقِيتُ فُلانًا سَنَةَ كَذا، فَتَقُولُ: وأنا لَقِيتُهُ إذْ ذاكَ. ورُبَّما لَقِيَهُ هو في أوَّلِها وأنْتَ في آخِرِها انْتَهى. ولَيْسَ كَما ذَكَرَ؛ لِأنَّ السَّنَةَ تَقْبَلُ الِاتِّساعَ فَإذا وقَعَ لُقِيُّهُما فِيها بِخِلافِ هَذَيْنِ الطَّرَفَيْنِ فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما ضَيِّقٌ لَيْسَ بِمُتَّسِعٍ لِتَخْصِيصِهِما بِما أُضِيفا إلَيْهِ فَلا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ الثّانِي في الطَّرَفِ الَّذِي وقَعَ فِيهِ الأوَّلُ، إذِ الأوَّلُ لَيْسَ مُتَّسِعًا لِوُقُوعِ الوَحْيِ فِيهِ ووُقُوعِ مَشْيِ الأُخْتِ، فَلَيْسَ وقْتُ وُقُوعِ الوَحْيِ مُشْتَمِلًا عَلى أجْزاءٍ وقَعَ في بَعْضِها المَشْيُ بِخِلافِ السَّنَةِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: (إذْ) مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (تُصْنَعَ)، ولَكَ أنْ تَنْصِبَ (إذْ) بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ واذْكُرْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿كَيْ تَقَرَّ﴾ بِفَتْحِ التّاءِ والقافِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِكَسْرِ القافِ، وتَقَدَّمَ أنَّهُما لُغَتانِ في قَوْلِهِ ﴿وقَرِّي عَيْنًا﴾ [مريم: ٢٦] . وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ القافِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. و﴿قَتَلْتَ نَفْسًا﴾ [القصص: ١٩] هو القِبْطِيُّ الَّذِي اسْتَغاثَهُ عَلَيْهِ الإسْرائِيلِيُّ قَتَلَهُ وهو ابْنُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، واغْتَمَّ بِسَبَبِ القَتْلِ خَوْفًا مِن عِقابِ اللَّهِ ومِنِ اقْتِصاصِ فِرْعَوْنَ، فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ بِاسْتِغْفارِهِ حِينَ قالَ ﴿رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦] ونَجّاهُ مِن فِرْعَوْنَ حِينَ هاجَرَ بِهِ إلى مَدْيَنَ، والغَمُّ ما يَغُمُّ عَلى القَلْبِ بِسَبَبِ خَوْفٍ أوْ فَواتِ مَقْصُودٍ، والغَمُّ - بِلُغَةِ قُرَيْشٍ - القَتْلُ، وقِيلَ: مِن غَمَّ التّابُوتُ. وقِيلَ: مِن غَمَّ البَحْرُ، والظّاهِرُ أنَّهُ مِن غَمَّ القَتْلُ حِينَ ذَهَبْنا بِكَ مِن مِصْرَ إلى مَدْيَنَ. والفُتُونُ مَصْدَرٌ جَمْعُ فِتَنٍ أوْ فِتْنَةٍ عَلى تَرْكِ الِاعْتِدادِ بِالتّاءِ كَحُجُوزٍ وبُدُورٍ في حُجْزَةٍ وبُدْرَةٍ، أيْ: (فَتَنّاكَ) ضُرُوبًا مِنَ الفِتَنِ، والفِتْنَةُ المِحْنَةُ وما يَشُقُّ عَلى الإنْسانِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ خَلَّصْناكَ مِن مِحْنَةٍ بَعْدَ مِحْنَةٍ. وُلِدَ في عامٍ (p-٢٤٣)كانَ يُقْتَلُ فِيهِ الوِلْدانُ، وألْقَتْهُ أُمُّهُ في البَحْرِ وهَمَّ فِرْعَوْنُ بِقَتْلِهِ، وقَتَلَ قِبْطِيًّا وآجَرَ نَفْسَهُ عَشْرَ سِنِينَ وضَلَّ الطَّرِيقَ وتَفَرَّقَتْ غَنَمُهُ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ انْتَهى. وهَذِهِ الفُتُونُ اخْتَبَرَهُ بِها وخَلَّصَهُ حَتّى صَلُحَ لِلنُّبُوَّةِ وسَلِمَ لَها، والسُّنُونُ الَّتِي لَبِثَها في مَدْيَنَ عَشْرُ سِنِينَ. وقالَ وهْبٌ: ثَمانٍ وعِشْرُونَ سَنَةً مِنها مَهْرُ ابْنَتِهِ، وبَيْنَ مِصْرَ ومَدْيَنَ ثَمانِ مَراحِلَ وفي الكَلامِ حَذْفٌ والتَّقْدِيرُ ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ فَخَرَجْتَ خائِفًا إلى ﴿أهْلِ مَدْيَنَ﴾ فَلَبِثْتَ سِنِينَ وكانَ عُمْرُهُ حِينَ ذَهَبَ إلى مَدْيَنَ اثْنَيْ عَشَرَ عامًا، وأقامَ عَشَرَةَ أعْوامٍ في رَعْيِ غَنَمِ شُعَيْبٍ، ثُمَّ ثَمانِيَةَ عَشَرَ عامًا بَعْدَ بِنائِهِ بِامْرَأتِهِ بِنْتِ شُعَيْبٍ، ووُلِدَ لَهُ فِيها فَكَمُلَ لَهُ أرْبَعُونَ سَنَةً وهي المُدَّةُ الَّتِي عادَةُ اللَّهِ إرْسالُ الأنْبِياءِ عَلى رَأْسِها. ”﴿ثُمَّ جِئْتَ﴾“ إلى المَكانِ الَّذِي ناجَيْتُكَ فِيهِ وكَلَّمْتُكَ واسْتَنْبَأْتُكَ. ”﴿عَلى قَدَرٍ﴾“، أيْ: وقْتٍ مُعَيَّنٍ قَدَّرْتُهُ لَمْ تَتَقَدَّمْهُ ولَمْ تَتَأخَّرْ عَنْهُ. وقِيلَ عَلى مِقْدارٍ مِنَ الزَّمانِ يُوحى إلى الأنْبِياءِ فِيهِ وهو الأرْبَعُونَ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎نالَ الخِلافَةَ أوْ جاءَتْ عَلى قَدَرٍ ∗∗∗ كَما أتى رَبَّهُ مُوسى عَلى قَدَرِ ﴿واصْطَنَعَتْكَ لِنَفْسِي﴾، أيْ: جَعَلْتُكَ مَوْضِعَ الصَّنِيعَةِ ومَقَرَّ الإكْمالِ والإحْسانِ، وأخْلَصْتُكَ بِالألْطافِ واخْتَرْتُكَ لِمَحَبَّتِي، يُقالُ: اصْطَنَعَ فُلانٌ فُلانًا اتَّخَذَهُ صَنِيعَةً، وهو افْتِعالٌ مِنَ الصُّنْعِ وهو الإحْسانُ إلى الشَّخْصِ حَتّى يُضافَ إلَيْهِ فَيُقالَ هَذا صَنِيعُ فُلانٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا تَمْثِيلٌ لِما خَوَّلَهُ مِن مَنزِلَةِ التَّقْرِيبِ والتَّكْرِيمِ والتَّكْلِيمِ، مَثَّلَ حالَهُ بِحالِ مَن يَراهُ المُلُوكُ بِجَمِيعِ خِصالٍ فِيهِ وخَصائِصَ أهْلًا لِأنْ يَكُونَ أقْرَبَ مَنزِلَةً إلَيْهِ وألْطَفَ مَحَلًّا، فَيَصْطَنِعُهُ بِالكَرامَةِ والأثَرَةِ ويَسْتَخْلِصُهُ لِنَفْسِهِ. انْتَهى. ومَعْنى ﴿لِنَفْسِي﴾، أيْ: لِأوامِرِي وإقامَةِ حُجَجِي وتَبْلِيغِ رِسالَتِي، فَحَرَكاتُكَ وسَكَناتُكَ لِي لا لِنَفْسِكَ ولا لِأحَدٍ غَيْرِكَ.

طه 20:35

(p-٢٣٨)﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى﴾ ﴿إذْ أوْحَيْنا إلى أُمِّكَ ما يُوحى﴾ ﴿أنِ اقْذِفِيهِ في التّابُوتِ فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ ﴿إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ولا تَحْزَنَ وقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ وفَتَنّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ في أهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يامُوسى﴾ ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ . لَمّا أمَرَهُ تَعالى بِالذَّهابِ إلى فِرْعَوْنَ (p-٢٣٩)عَرَفَ أنَّهُ كُلِّفَ أمْرًا عَظِيمًا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى احْتِمالِ ما لا يَحْتَمِلُهُ إلّا ذُو جَأْشٍ رابِطٍ وصَدْرٍ فَسِيحٍ، فَسَألَ رَبَّهُ ورَغِبَ في أنْ يَشْرَحَ صَدْرَهُ لِيَحْتَمِلَ ما يَرِدُ عَلَيْهِ مِنَ الشَّدائِدِ الَّتِي يَضِيقُ لَها الصَّدْرُ، وأنْ يُسَهِّلَ عَلَيْهِ أمْرَهُ لَلَّذِي هو خِلافَةُ اللَّهِ في أرْضِهِ وما يَصْحَبُها مِن مُزاوَلَةِ جَلائِلِ الخُطُوبِ، وقَدْ عَلِمَ ما عَلَيْهِ فِرْعَوْنُ مِنَ الجَبَرُوتِ والتَّمَرُّدِ والتَّسَلُّطِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: مَعْناهُ وسِّعْ لِي صَدْرِي لِأعِيَ عَنْكَ ما تُودِعُهُ مِن وحْيِكَ. وقالَ الكَرْمانِيُّ: وسِّعْ قَلْبِي ولَيِّنْهُ لِفَهْمِ خِطابِكَ وأداءِ رِسالَتِكَ. والقِيامِ بِما كَلَّفْتَنِيهِ مِن أعْبائِها. والعُقْدَةُ اسْتِعارَةٌ لِثِقَلٍ كانَ في لِسانِهِ خِلْقَةً. وقالَ مُجاهِدٌ: كانَتْ مِنَ الجَمْرَةِ الَّتِي أدْخَلَها فاهُ وكانَتْ آسِيَةُ قَدْ ألْقى اللَّهُ مَحَبَّتَهُ في قَلْبِها وسَألَتْ فِرْعَوْنَ أنْ لا يَذْبَحَهُ، فَبَيْنا هي تُرَقِّصُهُ يَوْمًا أخَذَهُ فِرْعَوْنُ في حِجْرِهِ، فَأخَذَ خَصْلَةً مِن لِحْيَتِهِ. وقِيلَ: لَطَمَهُ. وقِيلَ: ضَرَبَهُ بِقَضِيبٍ كانَ في يَدِهِ. فَغَضِبَ فِرْعَوْنُ فَدَعا بِالسَّيّافِ، فَقالَتْ: إنَّما هو صَبِيٌّ لا يُفَرِّقُ بَيْنَ الياقُوتِ والجَمْرِ. فَأحْضَرَ أوْ أرادَ أنْ يَمُدَّ يَدَهُ إلى الياقُوتِ، فَحَوَّلَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَدَهُ إلى الجَمْرَةِ فَأخَذَها ووَضَعَها في فِيهِ فاحْتَرَقَ لِسانُهُ، انْتَهى. وإحْراقُ النّارِ وتَأْثِيرُها في لِسانِهِ لا في يَدِهِ دَلِيلٌ عَلى فَسادِ قَوْلِ القائِلِينَ بِالطَّبِيعَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كانَتْ في لِسانِهِ رَتَّةٌ. وقِيلَ: حَدَثَتِ العُقْدَةُ بَعْدَ المُناجاةِ حَتّى لا يُكَلِّمَ أحَدًا بَعْدَها. وقالَ قُطْرُبٌ: كانَتْ فِيهِ مُسْكَةٌ عَنِ الكَلامِ. وقالَ ابْنُ عِيسى: العُقْدَةُ كالتَّمْتَمَةِ والفَأْفَأةِ. وطَلَبُ مُوسى مِن حَلِّ العُقْدَةِ قَدْرَ ما يُفْقَهُ قَوْلُهُ، قِيلَ: وبَقِيَ بَعْضُها لِقَوْلِهِ ﴿وأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا﴾ [القصص: ٣٤]، وقَوْلِهِ ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] . وقِيلَ: زالَتْ لِقَوْلِهِ ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ وهو قَوْلُ الحَسَنِ، قِيلَ: وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ: واحْلُلِ العُقْدَةَ، بَلْ قالَ: ﴿عُقْدَةً﴾ فَإذا حَلَّ عُقْدَةً فَقَدْ آتاهُ اللَّهُ سُؤْلَهُ. وقِيلَ في قَوْلِهِ ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] أنَّ مَعْناهُ لا يَأْتِي بِبَيانٍ وحُجَّةٍ، وإنَّما قالَ ذَلِكَ فِرْعَوْنُ تَمْوِيهًا، وقَدْ خاطَبَهُ وقَوْمَهُ، وكانُوا يَفْهَمُونَ عَنْهُ فَكَيْفَ يُمْكِنُ نَفْيُ البَيانِ أوْ مُقارَبَتُهُ ؟ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ لِي في قَوْلِهِ ﴿اشْرَحْ لِي صَدْرِي ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾: ما جَدْواهُ والكَلامُ بِدُونِهِ مُسْتَتِبٌّ ؟ قُلْتُ: قَدْ أبْهَمَ الكَلامَ أوَّلًا، فَقالَ: ﴿اشْرَحْ لِي﴾ ﴿ويَسِّرْ لِي﴾ فَعَلِمَ أنَّ ثَمَّ مَشْرُوحًا ومُيَسَّرًا، ثُمَّ بَيَّنَ ورَفَعَ الإبْهامَ فَذَكَرَهُما، فَكانَ آكَدَ لِطَلَبِ الشَّرْحِ والتَّيْسِيرِ لِصَدْرِهِ، وأمَرَهُ مِن أنْ يَقُولَ: اشْرَحْ صَدْرِي ويَسِّرْ أمْرِي، عَلى الإيضاحِ الشّارِحِ؛ لِأنَّهُ تَكْرِيرٌ لِلْمَعْنى الواحِدِ مِن طَرِيقَيِ الإجْمالِ والتَّفْصِيلِ. وقالَ أيْضًا: وفي تَنْكِيرِ العُقْدَةِ وإنْ لَمْ يَقُلْ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً﴾ ﴿لِسانِي﴾ أنَّهُ طَلَبَ حَلَّ بَعْضِها إرادَةَ أنْ يُفْهَمَ عَنْهُ فَهْمًا جَيِّدًا ولَمْ يَطْلُبِ الفَصاحَةَ الكامِلَةَ، و﴿مِن لِسانِي﴾ صِفَةٌ لِلْعُقْدَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: عُقْدَةً مِن عُقَدِ لِسانِي. انْتَهى. ويَظْهَرُ أنَّ ﴿مِن لِسانِي﴾ مُتَعَلِّقٌ بِاحْلُلْ؛ لِأنَّ مَوْضِعَ الصِّفَةِ لِعُقْدَةٍ، وكَذا قالَ الحَوْفِيُّ. وأجازَ أبُو البَقاءِ الوَجْهَيْنِ، والوَزِيرُ المُعِينُ القائِمُ بِوِزْرِ الأُمُورِ، أيْ: بِثِقَلِها، فَوَزِيرُ المَلِكِ يَتَحَمَّلُ عَنْهُ أوْزارَهُ ومُؤَنَهُ. وقِيلَ: مِنَ الوَزَرِ وهو المَلْجَأُ يَلْتَجِئُ إلَيْهِ الإنْسانُ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎مِنَ السِّباعِ الضَّوارِي دُونَهُ وزَرُ والنّاسُ شَرُّهم ما دُونَهُ وزَرُ ؎كَمْ مَعْشَرٍ سَلِمُوا لَمْ يُؤْذِهِمْ سَبْعُ ∗∗∗ وما نَرى بَشَرًا لَمْ يُؤْذِهِمْ بَشَرُ فالمَلِكُ يَعْتَصِمُ بِرَأْيِهِ ويَلْتَجِئُ إلَيْهِ في أُمُورِهِ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: هو مِنَ المُؤازَرَةِ وهي المُعاوَنَةُ والمُساعَدَةُ، والقِياسُ أزِيرٌ، وكَذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: وكانَ القِياسُ أزِيرًا فَقُلِبَتِ الهَمْزَةُ إلى الواوِ ووَجْهُ قَلْبِها أنَّ فَعِيلًا جاءَ في مَعْنى مُفاعِلٍ مَجِيأً صالِحًا، كَعَشِيرٍ وجَلِيسٍ وقَعِيدٍ وخَلِيلٍ وصَدِيقٍ ونَدِيمٍ، فَلَمّا قُلِبَ في أخِيهِ قُلِبَتْ فِيهِ، وحَمْلُ الشَّيْءِ عَلى نَظِيرِهِ لَيْسَ بِعَزِيزٍ. ونَظَرًا إلى يُوازِرُ وأخَواتِهِ وإلى المُوازَرَةِ انْتَهى. ولا حاجَةَ إلى ادِّعاءِ قَلْبِ الهَمْزَةِ واوًا؛ لِأنَّ لَنا اشْتِقاقًا واضِحًا وهو الوِزْرُ، وأمّا قَلْبُها في يُؤازِرُ فَلِأجْلِ (p-٢٤٠)ضَمَّةِ ما قَبْلَ الواوِ وهو أيْضًا إبْدالٌ غَيْرُ لازِمٍ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿لِي وزِيرًا﴾ مَفْعُولَيْنِ لِاجْعَلْ و(هارُونَ) بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ، وأنْ يَكُونَ ﴿وزِيرًا﴾ و(هارُونَ) مَفْعُولَيْهِ، وقَدَّمَ الثّانِيَ اعْتِناءً بِأمْرِ الوِزارَةِ و﴿أخِي﴾ بَدَلٌ مِن (هارُونَ) في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنْ جُعِلَ عَطْفَ بَيانٍ آخَرَ جازَ وحَسُنَ انْتَهى. ويَبْعُدُ فِيهِ عَطْفُ البَيانِ؛ لِأنَّ الأكْثَرَ في عَطْفِ البَيانِ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ دُونَهُ في الشُّهْرَةِ، والأمْرُ هُنا بِالعَكْسِ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ هُما المَفْعُولانِ و(لِي) مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] يَعْنُونَ أنَّهُ بِهِ يَتِمُّ المَعْنى. و(هارُونَ) عَلى ما تَقَدَّمَ. وجَوَّزُوا أنْ يَنْتَصِبَ (هارُونَ) بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيِ: اضْمُمْ إلَيَّ هارُونَ وهَذا لا حاجَةَ إلَيْهِ؛ لِأنَّ الكَلامَ تامٌّ بِدُونِ هَذا المَحْذُوفِ. وقَرَأ الحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ عامِرٍ (أشْدُدْ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ (وأُشْرِكْهُ) بِضَمِّها فِعْلًا مُضارِعًا مَجْزُومًا عَلى جَوابِ الأمْرِ وعُطِفَ عَلَيْهِ (وأُشْرِكْهُ) . وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ عَنِ الحَسَنِ: أنَّهُ قَرَأ أُشْدِدْ بِهِ مُضارِعُ شَدَّدَ لِلتَّكْثِيرِ والتَّكْرِيرِ، أيْ: كُلَّما حَزَنَنِي أمْرٌ شَدَدْتُ ﴿بِهِ أزْرِي﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿اشْدُدْ﴾ ﴿وأشْرِكْهُ﴾ عَلى مَعْنى الدُّعاءِ في شَدِّ الأزْرِ وتَشْرِيكِ هارُونَ في النُّبُوَّةِ، وكانَ الأمْرُ في قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ لا يُرِيدُ بِهِ النُّبُوَّةَ بَلْ يُرِيدُ تَدْبِيرَهُ ومُساعَدَتَهُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ لِمُوسى أنْ يُشْرِكَ في النُّبُوَّةِ أحَدًا. وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ (أخِي واشْدُدْ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ فِيمَن قَرَأ عَلى لَفْظِ الأمْرِ أنْ يَجْعَلَ ﴿أخِي﴾ مَرْفُوعًا عَلى الِابْتِداءِ و﴿اشْدُدْ بِهِ﴾ خَبَرُهُ ويُوقَفُ عَلى (هارُونَ) انْتَهى. وهو خِلافُ الظّاهِرِ فَلا يُصارُ إلَيْهِ لِغَيْرِ حاجَةٍ، وكانَ هارُونُ أكْبَرَ مِن مُوسى بِأرْبَعَةِ أعْوامٍ، وجَعَلَ مُوسى ما رَغِبَ فِيهِ وطَلَبَهُ مِن نِعَمٍ سَبَبًا تَلْزَمُ مِنهُ العِبادَةُ والِاجْتِهادُ في أمْرِ اللَّهِ، والتَّظافُرُ عَلى العِبادَةِ والتَّعاوُنُ فِيها مُثِيرٌ لِلرَّغْبَةِ والتَّزَيُّدِ مِنَ الخَيْرِ. ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ﴾ نُنَزِّهَكَ عَمّا لا يَلِيقُ بِكَ ﴿ونَذْكُرَكَ﴾ بِالدُّعاءِ والثَّناءِ عَلَيْكَ وقُدِّمَ التَّسْبِيحُ؛ لِأنَّهُ تَنْزِيهُهُ تَعالى في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وبَراءَتُهُ عَنِ النَّقائِصِ، ومَحَلُّ ذَلِكَ القَلْبُ، والذِّكْرُ والثَّناءُ عَلى اللَّهِ بِصِفاتِ الكَمالِ ومَحَلُّهُ اللِّسانُ، فَلِذَلِكَ قُدِّمَ ما مَحَلُّهُ القَلْبُ عَلى ما مَحَلُّهُ اللِّسانُ. و(كَثِيرًا) نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، أيْ: نُسَبِّحُكَ التَّسْبِيحَ في حالِ كَثْرَتِهِمْ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ عالِمًا بِأحْوالِنا. والسُّؤْلُ فِعْلٌ بِمَعْنى المَسْئُولِ كالخُبْزِ والأكْلِ بِمَعْنى المَخْبُوزِ والمَأْكُولِ، والمَعْنى أُعْطِيتَ طِلْبَتَكَ وما سَألْتَهُ مِن شَرْحِ الصَّدْرِ وتَيَسُّرِ الأمْرِ وحَلِّ العُقْدَةِ، وجَعْلِ أخِيكَ وزِيرًا وذَلِكَ مِنَ المِنَّةِ عَلَيْهِ. ثُمَّ ذَكَّرَهُ تَعالى تَقْدِيمَ مِنَّتِهِ عَلَيْهِ عَلى سَبِيلِ التَّوْقِيفِ لِيَعْظُمَ اجْتِهادُهُ وتَقْوى بَصِيرَتُهُ و(مَرَّةً) مَعْناهُ مِنَّةً و(أُخْرى) تَأْنِيثُ آخَرَ بِمَعْنى (غَيْرَ) أيْ: مِنَّةً غَيْرَ هَذِهِ المِنَّةِ، ولَيْسَتْ (أُخْرى) هُنا بِمَعْنى (آخِرَةً) فَتَكُونَ مُقابِلَةً لِلْأُولى، وتَخَيَّلَ ذَلِكَ بَعْضُهم فَقالَ: سَمّاها (أُخْرى) وهي أُولى لِأنَّها (أُخْرى) في الذَّكَرِ، والأُخْرى لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ يَكُونُ تَأْنِيثُ الآخَرِ بِفَتْحِ الخاءِ، وتَأْنِيثُ الآخَرِ بِمَعْنى آخِرِهِ فَهَذِهِ يُلْحَظُ فِيها مَعْنى التَّأخُّرِ. والمَعْنى أنِّي قَدْ حَفِظْتُكَ وأنْتَ طِفْلٌ رَضِيعٌ فَكَيْفَ لا أحْفَظُكَ وقَدْ أهَّلْتُكَ لِلرِّسالَةِ. وفي قَوْلِهِ ﴿مَرَّةً أُخْرى﴾ إجْمالٌ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ ﴿إذْ أوْحَيْنا إلى أُمِّكَ﴾ . قالَ الجُمْهُورُ: هي وحْيُ إلْهامٍ كَقَوْلِهِ ﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨] . وقِيلَ: وحْيُ إعْلامٍ إمّا بِإراءَةِ ذَلِكَ في مَنامٍ، وإمّا بِبَعْثِ مَلَكٍ إلَيْها لا عَلى جِهَةِ النُّبُوَّةِ كَما بُعِثَ إلى مَرْيَمَ، وهَذا هو الظّاهِرُ لِظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ﴾ ولِظاهِرِ آيَةِ القَصَصِ ﴿إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] ويَبْعُدُ ما صَدَّرَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلَهُ: مِن يَرُدُّ يَدَهُ، إمّا أنْ يَكُونَ عَلى لِسانِ نَبِيٍّ في وقْتِها كَقَوْلِهِ: ﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ﴾ [المائدة: ١١١]؛ لِأنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أنَّهُ كانَ في زَمَنِ فِرْعَوْنَ، وكانَ في زَمَنِ الحَوارِيِّينَ زَكَرِيّا ويَحْيى. وفي قَوْلِهِ ﴿ما يُوحى﴾ إبْهامٌ وإجْمالٌ كَقَوْلِهِ ﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ [النجم: ١٦] ﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨] وفِيهِ تَهْوِيلٌ وقَدْ فُسِّرَ هُنا بِقَوْلِهِ ﴿أنِ اقْذِفِيهِ في التّابُوتِ﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (p-٢٤١)و(أنْ) هي المُفَسِّرَةُ؛ لِأنَّ الوَحْيَ بِمَعْنى القَوْلِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: و(أنْ) في قَوْلِهِ ﴿أنِ اقْذِفِيهِ﴾ بَدَلٌ مِن ما يَعْنِي أنَّ (أنْ) مَصْدَرِيَّةٌ فَلِذَلِكَ كانَ لَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ. والوَجْهانِ سائِغانِ، والظّاهِرُ أنَّ ﴿التّابُوتِ﴾ كانَ مِن خَشَبٍ. وقِيلَ: مِن بَرْدِيِّ شَجَرِ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ سَدَّتْ خُرُوقَهُ وفَرَشَتْ فِيهِ نِطْعًا - وقِيلَ: قُطْنًا مَحْلُوجًا - وسَدَّتْ فَمَهُ وجَصَّصَتْهُ وقَيَّرَتْهُ وألْقَتْهُ في (اليَمِّ)، وهو اسْمٌ لِلْبَحْرِ العَذْبِ. وقِيلَ: اسْمٌ لِلنِّيلِ خاصَّةً. والأوَّلُ هو الصَّوابُ كَقَوْلِهِ: ﴿فَأغْرَقْناهم في اليَمِّ﴾ [الأعراف: ١٣٦] ولَمْ يُغْرَقُوا في النِّيلِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾ عائِدٌ عَلى مُوسى، وكَذَلِكَ الضَّمِيرانِ بَعْدَهُ إذْ هو المُحَدَّثُ عَنْهُ لا التّابُوتُ، إنَّما ذُكِرَ التّابُوتُ عَلى سَبِيلِ الوِعاءِ والفَضْلَةِ. وقالابْنُ عَطِيَّةَ: والضَّمِيرُ الأوَّلُ في ﴿اقْذِفِيهِ﴾ عائِدٌ عَلى مُوسى وفي الثّانِي عائِدٌ عَلى ﴿التّابُوتِ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى مُوسى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والضَّمائِرُ كُلُّها راجِعَةٌ إلى مُوسى، ورُجُوعُ بَعْضِها إلَيْهِ، وبَعْضِها إلى التّابُوتِ فِيهِ هُجْنَةٌ لِما يُؤَدِّي إلَيْهِ مِن تَنافُرِ النَّظْمِ، فَإنْ قُلْتَ: المَقْذُوفُ في البَحْرِ هو التّابُوتُ وكَذَلِكَ المُلْقى إلى السّاحِلِ ؟ قُلْتُ: ما ضَرَّكَ لَوْ قُلْتَ المَقْذُوفُ والمُلْقى هو مُوسى في جَوْفِ التّابُوتِ حَتّى لا تَتَفَرَّقَ الضَّمائِرُ فَيَتَنافَرَ عَلَيْكَ النَّظْمُ، الَّذِي هو أُمُّ إعْجازِ القُرْآنِ، والقانُونُ الَّذِي وقَعَ عَلَيْهِ التَّحَدِّي ومُراعاتُهُ أهَمُّ ما يَجِبُ عَلى المُفَسِّرِ. انْتَهى. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ الضَّمِيرَ إذا كانَ صالِحًا لِأنْ يَعُودَ عَلى الأقْرَبِ وعَلى الأبْعَدِ كانَ عَوْدُهُ عَلى الأقْرَبِ راجِحًا، وقَدْ نَصَّ النَّحْوِيُّونَ عَلى هَذا فَعَوْدُهُ عَلى ﴿التّابُوتِ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ﴾ راجِحٌ، والجَوابُ أنَّهُ إذا كانَ أحَدُهُما هو المُحَدَّثَ عَنْهُ والآخَرُ فَضْلَةً كانَ عَوْدُهُ عَلى المُحَدَّثِ عَنْهُ أرْجَحَ، ولا يُلْتَفَتُ إلى القُرْبِ، ولِهَذا رَدَدْنا عَلى أبِي مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ في دَعْواهُ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ ﴿فَإنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] عائِدٌ عَلى خِنْزِيرٍ لا عَلى لَحْمٍ لِكَوْنِهِ أقْرَبَ مَذْكُورٍ، فَيَحْرُمُ بِذَلِكَ شَحْمُهُ وغُضْرُوفُهُ وعَظْمُهُ وجِلْدُهُ، بِأنَّ المُحَدَّثَ عَنْهُ هو لَحْمُ خِنْزِيرٍ لا خِنْزِيرٌ. و﴿فَلْيُلْقِهِ﴾ أمْرٌ مَعْناهُ الخَبَرُ، وجاءَ بِصِيغَةِ الأمْرِ مُبالَغَةً إذِ الأمْرُ أقْطَعُ الأفْعالِ وأوْجَبُها، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «قُومُوا فَلْأُصَلِّ لَكم» . أخْرَجَ الخَبَرِ في صِيغَةِ الأمْرِ لِنَفْسِهِ مُبالَغَةً، ومِن حَيْثُ خَرَجَ الفِعْلُ مَخْرَجَ الأمْرِ حَسُنَ جَوابُهُ كَذَلِكَ وهو قَوْلُهُ ﴿يَأْخُذْهُ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا كانَتْ مَشِيئَةُ اللَّهِ وإرادَتُهُ أنْ لا يُخْطِئَ جَرْيَةُ ماءِ اليَمِّ الوُصُولَ بِهِ إلى السّاحِلِ وإلْقاءَهُ إلَيْهِ سَلَكَ في ذَلِكَ سُبُلَ المَجازِ، وجَعَلَ اليَمَّ كَأنَّهُ ذُو تَمْيِيزٍ أمَرَ بِذَلِكَ لِيُطِيعَ الأمْرَ ويَمْتَثِلَ رَسْمَهُ فَقِيلَ ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ﴾ انْتَهى. وقالَ التِّرْمِذِيُّ: إنَّما ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الأمْرِ لِسابِقِ عِلْمِهِ بِوُقُوعِ المُخْبَرِ بِهِ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ، فَكَأنَّ البَحْرَ مَأْمُورٌ مُمْتَثِلٌ لِلْأمْرِ. وقالَ الفَرّاءُ: ﴿فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾ أمْرٌ وفِيهِ مَعْنى المُجازاةِ، أيِ: اقْذِفِيهِ يُلْقِهِ اليَمُّ، والظّاهِرُ أنَّ البَحْرَ ألْقاهُ بِالسّاحِلِ فالتَقَطَهُ مِنهُ. ورُوِيَ أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يَشْرَبُ في مَوْضِعٍ مِنَ النِّيلِ إذْ رَأى التّابُوتَ فَأمَرَ بِهِ فَسِيقَ إلَيْهِ وامْرَأتُهُ مَعَهُ، فَفَتَحَ فَرَأوْهُ، فَرَحِمَتْهُ امْرَأتُهُ وطَلَبَتْهُ لِتَتَّخِذَهُ ابْنًا فَأباحَ لَها ذَلِكَ. ورُوِيَ أنَّ التّابُوتَ جاءَ في الماءِ إلى المَشْرَعَةِ الَّتِي كانَتْ جَوارِي امْرَأةِ فِرْعَوْنَ يَسْتَقِينَ مِنها الماءَ. فَأخَذَتِ التّابُوتَ وجَلَبَتْهُ إلَيْها فَأخْرَجَتْهُ وأعْلَمَتْهُ فِرْعَوْنَ، والعَدُوُّ الَّذِي لِلَّهِ ولِمُوسى هو فِرْعَوْنُ، وأُخْبِرَتْ بِهِ أُمُّ مُوسى عَلى طَرِيقِ الإلْهامِ؛ ولِذَلِكَ قالَتْ لِأُخْتِهِ ﴿قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١] وهي لا تَدْرِي أيْنَ اسْتَقَرَّ. ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ قِيلَ: مَحَبَّةَ آسِيَةَ وفِرْعَوْنَ، وكانَ فِرْعَوْنُ قَدْ أحَبَّهُ حُبًّا شَدِيدًا حَتّى لا يَتَمالَكَ أنْ يَصْبِرَ عَنْهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أحَبَّهُ اللَّهُ وحَبَّبَهُ إلى خَلْقِهِ. وقالَ عَطِيَّةُ: جُعِلَتْ عَلَيْهِ مَسْحَةٌ مِن جَمالٍ لا يَكادُ يَصْبِرُ عَنْهُ مَن رَآهُ. وقالَ قَتادَةُ: كانَ في عَيْنَيْهِ مَلاحَةٌ ما رَآهُ أحَدٌ إلّا أحَبَّهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأقْوى الأقْوالِ أنَّهُ القَبُولُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (مِنِّي) لا يَخْلُوا أنْ يَتَعَلَّقَ بِألْقَيْتُ فَيَكُونُ المَعْنى عَلى أحْبَبْتُكَ، ومَن أحَبَّهُ اللَّهُ أحَبَّتْهُ القُلُوبُ، وإمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ (p-٢٤٢)هُوَ صِفَةٌ لِمَحَبَّةٍ، أيْ: مَحَبَّةً خالِصَةً أوْ واقِعَةً مِنِّي قَدْ رَكَّزْتُها أنا فِيها في القُلُوبِ وزَرَعْتُها فِيها، فَلِذَلِكَ أحَبَّكَ فِرْعَوْنُ وكُلُّ مَن أبْصَرَكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ولِتُصْنَعَ﴾: بِكَسْرِ لامِ كَيْ وضَمِّ التّاءِ ونَصْبِ الفِعْلِ، أيْ: ولِتُرَبّى ويُحْسَنَ إلَيْكَ. وأنا مُراعِيكَ وراقِبُكَ كَما يُراعِي الرَّجُلُ الشَّيْءَ بِعَيْنَيْهِ إذا اعْتَنى بِهِ. قالَ قَرِيبًا مِنهُ قَتادَةُ. وقالَ النَّحّاسُ:، يُقالُ صَنَعْتُ الفَرَسَ إذا أحْسَنْتُ إلَيْهِ وهو مَعْطُوفٌ عَلى عِلَّةِ مَحْذُوفٍ، أيْ: لِيَتَلَطَّفَ بِكَ (ولِتُصْنَعَ) أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُتَأخِّرٍ تَقْدِيرُهُ فَعَلْتُ ذَلِكَ. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو نَهِيكٍ بِفَتْحِ التّاءِ. قالَ ثَعْلَبٌ: مَعْناهُ لِتَكُونَ حَرَكَتُكَ وتَصَرُّفُكَ عَلى عَيْنٍ مِنِّي. وقَرَأ شَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ في رِوايَةٍ بِإسْكانِ اللّامِ والعَيْنِ وضَمِّ التّاءِ فِعْلُ أمْرٍ، وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ كَسَرَ اللّامَ. ﴿إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ﴾ قِيلَ اسْمُها مَرْيَمُ، سَبَبُ ذَلِكَ أنَّ آسِيَةَ عَرَّضَتْهُ لِلرَّضاعِ فَلَمْ يَقْبَلِ امْرَأةً، فَجَعَلَتْ تُنادِي عَلَيْهِ في المَدِينَةِ ويُطافُ بِهِ ويُعْرَضُ لِلْمَراضِعِ فَيَأْبى، وبَقِيَتْ أُمُّهُ بَعْدَ قَذْفِهِ في اليَمِّ مَغْمُومَةً، فَأمَرَتْ أُخْتَهُ بِالتَّفْتِيشِ في المَدِينَةِ لَعَلَّها تَقَعُ عَلى خَبَرِهِ، فَبَصُرَتْ بِهِ في طَوافِها، فَقالَتْ: أنا أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ لَكم وهم لَهُ ناصِحُونَ فَتَعَلَّقُوا بِها، وقالُوا: أنْتِ تَعْرِفِينَ هَذا الصَّبِيَّ ؟ فَقالَتْ: لا، ولَكِنْ أعْلَمُ مِن أهْلِ هَذا البَيْتِ الحِرْصَ عَلى التَّقَرُّبِ إلى المَلِكَةِ والجَدِّ في خِدْمَتِها ورِضاها، فَتَرَكُوها وسَألُوها الدَّلّالَةَ، فَجاءَتْ بِأُمِّ مُوسى فَلَمّا قَرَّبَتْهُ شَرِبَ ثَدْيَها فَسُرَّتْ آسِيَةُ، وقالَتْ لَها: كُونِي مَعَنا في القَصْرِ، فَقالَتْ: ما كُنْتُ لِأدَعَ بَيْتِي ووَلَدِي ولَكِنَّهُ يَكُونُ عِنْدِي قالَتْ: نَعَمْ، فَأحْسَنَتْ إلى أهْلِ ذَلِكَ البَيْتِ غايَةَ الإحْسانِ واعْتَزَّ بَنُو إسْرائِيلَ بِهَذا الرَّضاعِ والنَّسَبِ مِنَ المَلِكَةِ، ولَمّا كَمُلَ رِضاعُهُ أرْسَلَتْ آسِيَةُ إلَيْها أنْ جِيئِينِي بِوَلَدِي لِيَوْمِ كَذا، وأمَرَتْ خَدَمَها ومَن لَها أنْ يَلْقَيْنَهُ بِالتُّحَفِ والهَدايا واللِّباسِ، فَوَصَلَ إلَيْها عَلى ذَلِكَ وهو بِخَيْرِ حالٍ وأجْمَلِ شَبابٍ، فَسُرَّتْ بِهِ ودَخَلَتْ بِهِ عَلى فِرْعَوْنَ لِيَراهُ ولِيَهِبَهُ فَأعْجَبَهُ وقَرَّبَهُ، فَأخَذَ مُوسى بِلِحْيَةِ فِرْعَوْنَ وتَقَدَّمَ ما جَرى لَهُ عِنْدَ ذِكْرِ العُقْدَةِ. والعامِلُ في (إذْ) قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ ومَنَنّا إذْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ العامِلُ في ﴿إذْ تَمْشِي﴾ (ألْقَيْتُ) أوْ (تُصْنَعَ) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ﴿إذْ أوْحَيْنا﴾ فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَصِحُّ البَدَلُ والوَقْتانِ مُخْتَلِفانِ مُتَباعِدانِ ؟ قُلْتُ: كَما يَصِحُّ وإنِ اتَّسَعَ الوَقْتُ وتَباعَدَ طَرَفاهُ أنْ يَقُولَ لَكَ الرَّجُلُ لَقِيتُ فُلانًا سَنَةَ كَذا، فَتَقُولُ: وأنا لَقِيتُهُ إذْ ذاكَ. ورُبَّما لَقِيَهُ هو في أوَّلِها وأنْتَ في آخِرِها انْتَهى. ولَيْسَ كَما ذَكَرَ؛ لِأنَّ السَّنَةَ تَقْبَلُ الِاتِّساعَ فَإذا وقَعَ لُقِيُّهُما فِيها بِخِلافِ هَذَيْنِ الطَّرَفَيْنِ فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما ضَيِّقٌ لَيْسَ بِمُتَّسِعٍ لِتَخْصِيصِهِما بِما أُضِيفا إلَيْهِ فَلا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ الثّانِي في الطَّرَفِ الَّذِي وقَعَ فِيهِ الأوَّلُ، إذِ الأوَّلُ لَيْسَ مُتَّسِعًا لِوُقُوعِ الوَحْيِ فِيهِ ووُقُوعِ مَشْيِ الأُخْتِ، فَلَيْسَ وقْتُ وُقُوعِ الوَحْيِ مُشْتَمِلًا عَلى أجْزاءٍ وقَعَ في بَعْضِها المَشْيُ بِخِلافِ السَّنَةِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: (إذْ) مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (تُصْنَعَ)، ولَكَ أنْ تَنْصِبَ (إذْ) بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ واذْكُرْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿كَيْ تَقَرَّ﴾ بِفَتْحِ التّاءِ والقافِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِكَسْرِ القافِ، وتَقَدَّمَ أنَّهُما لُغَتانِ في قَوْلِهِ ﴿وقَرِّي عَيْنًا﴾ [مريم: ٢٦] . وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ القافِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. و﴿قَتَلْتَ نَفْسًا﴾ [القصص: ١٩] هو القِبْطِيُّ الَّذِي اسْتَغاثَهُ عَلَيْهِ الإسْرائِيلِيُّ قَتَلَهُ وهو ابْنُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، واغْتَمَّ بِسَبَبِ القَتْلِ خَوْفًا مِن عِقابِ اللَّهِ ومِنِ اقْتِصاصِ فِرْعَوْنَ، فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ بِاسْتِغْفارِهِ حِينَ قالَ ﴿رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦] ونَجّاهُ مِن فِرْعَوْنَ حِينَ هاجَرَ بِهِ إلى مَدْيَنَ، والغَمُّ ما يَغُمُّ عَلى القَلْبِ بِسَبَبِ خَوْفٍ أوْ فَواتِ مَقْصُودٍ، والغَمُّ - بِلُغَةِ قُرَيْشٍ - القَتْلُ، وقِيلَ: مِن غَمَّ التّابُوتُ. وقِيلَ: مِن غَمَّ البَحْرُ، والظّاهِرُ أنَّهُ مِن غَمَّ القَتْلُ حِينَ ذَهَبْنا بِكَ مِن مِصْرَ إلى مَدْيَنَ. والفُتُونُ مَصْدَرٌ جَمْعُ فِتَنٍ أوْ فِتْنَةٍ عَلى تَرْكِ الِاعْتِدادِ بِالتّاءِ كَحُجُوزٍ وبُدُورٍ في حُجْزَةٍ وبُدْرَةٍ، أيْ: (فَتَنّاكَ) ضُرُوبًا مِنَ الفِتَنِ، والفِتْنَةُ المِحْنَةُ وما يَشُقُّ عَلى الإنْسانِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ خَلَّصْناكَ مِن مِحْنَةٍ بَعْدَ مِحْنَةٍ. وُلِدَ في عامٍ (p-٢٤٣)كانَ يُقْتَلُ فِيهِ الوِلْدانُ، وألْقَتْهُ أُمُّهُ في البَحْرِ وهَمَّ فِرْعَوْنُ بِقَتْلِهِ، وقَتَلَ قِبْطِيًّا وآجَرَ نَفْسَهُ عَشْرَ سِنِينَ وضَلَّ الطَّرِيقَ وتَفَرَّقَتْ غَنَمُهُ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ انْتَهى. وهَذِهِ الفُتُونُ اخْتَبَرَهُ بِها وخَلَّصَهُ حَتّى صَلُحَ لِلنُّبُوَّةِ وسَلِمَ لَها، والسُّنُونُ الَّتِي لَبِثَها في مَدْيَنَ عَشْرُ سِنِينَ. وقالَ وهْبٌ: ثَمانٍ وعِشْرُونَ سَنَةً مِنها مَهْرُ ابْنَتِهِ، وبَيْنَ مِصْرَ ومَدْيَنَ ثَمانِ مَراحِلَ وفي الكَلامِ حَذْفٌ والتَّقْدِيرُ ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ فَخَرَجْتَ خائِفًا إلى ﴿أهْلِ مَدْيَنَ﴾ فَلَبِثْتَ سِنِينَ وكانَ عُمْرُهُ حِينَ ذَهَبَ إلى مَدْيَنَ اثْنَيْ عَشَرَ عامًا، وأقامَ عَشَرَةَ أعْوامٍ في رَعْيِ غَنَمِ شُعَيْبٍ، ثُمَّ ثَمانِيَةَ عَشَرَ عامًا بَعْدَ بِنائِهِ بِامْرَأتِهِ بِنْتِ شُعَيْبٍ، ووُلِدَ لَهُ فِيها فَكَمُلَ لَهُ أرْبَعُونَ سَنَةً وهي المُدَّةُ الَّتِي عادَةُ اللَّهِ إرْسالُ الأنْبِياءِ عَلى رَأْسِها. ”﴿ثُمَّ جِئْتَ﴾“ إلى المَكانِ الَّذِي ناجَيْتُكَ فِيهِ وكَلَّمْتُكَ واسْتَنْبَأْتُكَ. ”﴿عَلى قَدَرٍ﴾“، أيْ: وقْتٍ مُعَيَّنٍ قَدَّرْتُهُ لَمْ تَتَقَدَّمْهُ ولَمْ تَتَأخَّرْ عَنْهُ. وقِيلَ عَلى مِقْدارٍ مِنَ الزَّمانِ يُوحى إلى الأنْبِياءِ فِيهِ وهو الأرْبَعُونَ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎نالَ الخِلافَةَ أوْ جاءَتْ عَلى قَدَرٍ ∗∗∗ كَما أتى رَبَّهُ مُوسى عَلى قَدَرِ ﴿واصْطَنَعَتْكَ لِنَفْسِي﴾، أيْ: جَعَلْتُكَ مَوْضِعَ الصَّنِيعَةِ ومَقَرَّ الإكْمالِ والإحْسانِ، وأخْلَصْتُكَ بِالألْطافِ واخْتَرْتُكَ لِمَحَبَّتِي، يُقالُ: اصْطَنَعَ فُلانٌ فُلانًا اتَّخَذَهُ صَنِيعَةً، وهو افْتِعالٌ مِنَ الصُّنْعِ وهو الإحْسانُ إلى الشَّخْصِ حَتّى يُضافَ إلَيْهِ فَيُقالَ هَذا صَنِيعُ فُلانٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا تَمْثِيلٌ لِما خَوَّلَهُ مِن مَنزِلَةِ التَّقْرِيبِ والتَّكْرِيمِ والتَّكْلِيمِ، مَثَّلَ حالَهُ بِحالِ مَن يَراهُ المُلُوكُ بِجَمِيعِ خِصالٍ فِيهِ وخَصائِصَ أهْلًا لِأنْ يَكُونَ أقْرَبَ مَنزِلَةً إلَيْهِ وألْطَفَ مَحَلًّا، فَيَصْطَنِعُهُ بِالكَرامَةِ والأثَرَةِ ويَسْتَخْلِصُهُ لِنَفْسِهِ. انْتَهى. ومَعْنى ﴿لِنَفْسِي﴾، أيْ: لِأوامِرِي وإقامَةِ حُجَجِي وتَبْلِيغِ رِسالَتِي، فَحَرَكاتُكَ وسَكَناتُكَ لِي لا لِنَفْسِكَ ولا لِأحَدٍ غَيْرِكَ.

طه 20:36

(p-٢٣٨)﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى﴾ ﴿إذْ أوْحَيْنا إلى أُمِّكَ ما يُوحى﴾ ﴿أنِ اقْذِفِيهِ في التّابُوتِ فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ ﴿إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ولا تَحْزَنَ وقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ وفَتَنّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ في أهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يامُوسى﴾ ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ . لَمّا أمَرَهُ تَعالى بِالذَّهابِ إلى فِرْعَوْنَ (p-٢٣٩)عَرَفَ أنَّهُ كُلِّفَ أمْرًا عَظِيمًا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى احْتِمالِ ما لا يَحْتَمِلُهُ إلّا ذُو جَأْشٍ رابِطٍ وصَدْرٍ فَسِيحٍ، فَسَألَ رَبَّهُ ورَغِبَ في أنْ يَشْرَحَ صَدْرَهُ لِيَحْتَمِلَ ما يَرِدُ عَلَيْهِ مِنَ الشَّدائِدِ الَّتِي يَضِيقُ لَها الصَّدْرُ، وأنْ يُسَهِّلَ عَلَيْهِ أمْرَهُ لَلَّذِي هو خِلافَةُ اللَّهِ في أرْضِهِ وما يَصْحَبُها مِن مُزاوَلَةِ جَلائِلِ الخُطُوبِ، وقَدْ عَلِمَ ما عَلَيْهِ فِرْعَوْنُ مِنَ الجَبَرُوتِ والتَّمَرُّدِ والتَّسَلُّطِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: مَعْناهُ وسِّعْ لِي صَدْرِي لِأعِيَ عَنْكَ ما تُودِعُهُ مِن وحْيِكَ. وقالَ الكَرْمانِيُّ: وسِّعْ قَلْبِي ولَيِّنْهُ لِفَهْمِ خِطابِكَ وأداءِ رِسالَتِكَ. والقِيامِ بِما كَلَّفْتَنِيهِ مِن أعْبائِها. والعُقْدَةُ اسْتِعارَةٌ لِثِقَلٍ كانَ في لِسانِهِ خِلْقَةً. وقالَ مُجاهِدٌ: كانَتْ مِنَ الجَمْرَةِ الَّتِي أدْخَلَها فاهُ وكانَتْ آسِيَةُ قَدْ ألْقى اللَّهُ مَحَبَّتَهُ في قَلْبِها وسَألَتْ فِرْعَوْنَ أنْ لا يَذْبَحَهُ، فَبَيْنا هي تُرَقِّصُهُ يَوْمًا أخَذَهُ فِرْعَوْنُ في حِجْرِهِ، فَأخَذَ خَصْلَةً مِن لِحْيَتِهِ. وقِيلَ: لَطَمَهُ. وقِيلَ: ضَرَبَهُ بِقَضِيبٍ كانَ في يَدِهِ. فَغَضِبَ فِرْعَوْنُ فَدَعا بِالسَّيّافِ، فَقالَتْ: إنَّما هو صَبِيٌّ لا يُفَرِّقُ بَيْنَ الياقُوتِ والجَمْرِ. فَأحْضَرَ أوْ أرادَ أنْ يَمُدَّ يَدَهُ إلى الياقُوتِ، فَحَوَّلَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَدَهُ إلى الجَمْرَةِ فَأخَذَها ووَضَعَها في فِيهِ فاحْتَرَقَ لِسانُهُ، انْتَهى. وإحْراقُ النّارِ وتَأْثِيرُها في لِسانِهِ لا في يَدِهِ دَلِيلٌ عَلى فَسادِ قَوْلِ القائِلِينَ بِالطَّبِيعَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كانَتْ في لِسانِهِ رَتَّةٌ. وقِيلَ: حَدَثَتِ العُقْدَةُ بَعْدَ المُناجاةِ حَتّى لا يُكَلِّمَ أحَدًا بَعْدَها. وقالَ قُطْرُبٌ: كانَتْ فِيهِ مُسْكَةٌ عَنِ الكَلامِ. وقالَ ابْنُ عِيسى: العُقْدَةُ كالتَّمْتَمَةِ والفَأْفَأةِ. وطَلَبُ مُوسى مِن حَلِّ العُقْدَةِ قَدْرَ ما يُفْقَهُ قَوْلُهُ، قِيلَ: وبَقِيَ بَعْضُها لِقَوْلِهِ ﴿وأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا﴾ [القصص: ٣٤]، وقَوْلِهِ ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] . وقِيلَ: زالَتْ لِقَوْلِهِ ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ وهو قَوْلُ الحَسَنِ، قِيلَ: وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ: واحْلُلِ العُقْدَةَ، بَلْ قالَ: ﴿عُقْدَةً﴾ فَإذا حَلَّ عُقْدَةً فَقَدْ آتاهُ اللَّهُ سُؤْلَهُ. وقِيلَ في قَوْلِهِ ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] أنَّ مَعْناهُ لا يَأْتِي بِبَيانٍ وحُجَّةٍ، وإنَّما قالَ ذَلِكَ فِرْعَوْنُ تَمْوِيهًا، وقَدْ خاطَبَهُ وقَوْمَهُ، وكانُوا يَفْهَمُونَ عَنْهُ فَكَيْفَ يُمْكِنُ نَفْيُ البَيانِ أوْ مُقارَبَتُهُ ؟ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ لِي في قَوْلِهِ ﴿اشْرَحْ لِي صَدْرِي ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾: ما جَدْواهُ والكَلامُ بِدُونِهِ مُسْتَتِبٌّ ؟ قُلْتُ: قَدْ أبْهَمَ الكَلامَ أوَّلًا، فَقالَ: ﴿اشْرَحْ لِي﴾ ﴿ويَسِّرْ لِي﴾ فَعَلِمَ أنَّ ثَمَّ مَشْرُوحًا ومُيَسَّرًا، ثُمَّ بَيَّنَ ورَفَعَ الإبْهامَ فَذَكَرَهُما، فَكانَ آكَدَ لِطَلَبِ الشَّرْحِ والتَّيْسِيرِ لِصَدْرِهِ، وأمَرَهُ مِن أنْ يَقُولَ: اشْرَحْ صَدْرِي ويَسِّرْ أمْرِي، عَلى الإيضاحِ الشّارِحِ؛ لِأنَّهُ تَكْرِيرٌ لِلْمَعْنى الواحِدِ مِن طَرِيقَيِ الإجْمالِ والتَّفْصِيلِ. وقالَ أيْضًا: وفي تَنْكِيرِ العُقْدَةِ وإنْ لَمْ يَقُلْ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً﴾ ﴿لِسانِي﴾ أنَّهُ طَلَبَ حَلَّ بَعْضِها إرادَةَ أنْ يُفْهَمَ عَنْهُ فَهْمًا جَيِّدًا ولَمْ يَطْلُبِ الفَصاحَةَ الكامِلَةَ، و﴿مِن لِسانِي﴾ صِفَةٌ لِلْعُقْدَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: عُقْدَةً مِن عُقَدِ لِسانِي. انْتَهى. ويَظْهَرُ أنَّ ﴿مِن لِسانِي﴾ مُتَعَلِّقٌ بِاحْلُلْ؛ لِأنَّ مَوْضِعَ الصِّفَةِ لِعُقْدَةٍ، وكَذا قالَ الحَوْفِيُّ. وأجازَ أبُو البَقاءِ الوَجْهَيْنِ، والوَزِيرُ المُعِينُ القائِمُ بِوِزْرِ الأُمُورِ، أيْ: بِثِقَلِها، فَوَزِيرُ المَلِكِ يَتَحَمَّلُ عَنْهُ أوْزارَهُ ومُؤَنَهُ. وقِيلَ: مِنَ الوَزَرِ وهو المَلْجَأُ يَلْتَجِئُ إلَيْهِ الإنْسانُ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎مِنَ السِّباعِ الضَّوارِي دُونَهُ وزَرُ والنّاسُ شَرُّهم ما دُونَهُ وزَرُ ؎كَمْ مَعْشَرٍ سَلِمُوا لَمْ يُؤْذِهِمْ سَبْعُ ∗∗∗ وما نَرى بَشَرًا لَمْ يُؤْذِهِمْ بَشَرُ فالمَلِكُ يَعْتَصِمُ بِرَأْيِهِ ويَلْتَجِئُ إلَيْهِ في أُمُورِهِ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: هو مِنَ المُؤازَرَةِ وهي المُعاوَنَةُ والمُساعَدَةُ، والقِياسُ أزِيرٌ، وكَذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: وكانَ القِياسُ أزِيرًا فَقُلِبَتِ الهَمْزَةُ إلى الواوِ ووَجْهُ قَلْبِها أنَّ فَعِيلًا جاءَ في مَعْنى مُفاعِلٍ مَجِيأً صالِحًا، كَعَشِيرٍ وجَلِيسٍ وقَعِيدٍ وخَلِيلٍ وصَدِيقٍ ونَدِيمٍ، فَلَمّا قُلِبَ في أخِيهِ قُلِبَتْ فِيهِ، وحَمْلُ الشَّيْءِ عَلى نَظِيرِهِ لَيْسَ بِعَزِيزٍ. ونَظَرًا إلى يُوازِرُ وأخَواتِهِ وإلى المُوازَرَةِ انْتَهى. ولا حاجَةَ إلى ادِّعاءِ قَلْبِ الهَمْزَةِ واوًا؛ لِأنَّ لَنا اشْتِقاقًا واضِحًا وهو الوِزْرُ، وأمّا قَلْبُها في يُؤازِرُ فَلِأجْلِ (p-٢٤٠)ضَمَّةِ ما قَبْلَ الواوِ وهو أيْضًا إبْدالٌ غَيْرُ لازِمٍ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿لِي وزِيرًا﴾ مَفْعُولَيْنِ لِاجْعَلْ و(هارُونَ) بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ، وأنْ يَكُونَ ﴿وزِيرًا﴾ و(هارُونَ) مَفْعُولَيْهِ، وقَدَّمَ الثّانِيَ اعْتِناءً بِأمْرِ الوِزارَةِ و﴿أخِي﴾ بَدَلٌ مِن (هارُونَ) في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنْ جُعِلَ عَطْفَ بَيانٍ آخَرَ جازَ وحَسُنَ انْتَهى. ويَبْعُدُ فِيهِ عَطْفُ البَيانِ؛ لِأنَّ الأكْثَرَ في عَطْفِ البَيانِ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ دُونَهُ في الشُّهْرَةِ، والأمْرُ هُنا بِالعَكْسِ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ هُما المَفْعُولانِ و(لِي) مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] يَعْنُونَ أنَّهُ بِهِ يَتِمُّ المَعْنى. و(هارُونَ) عَلى ما تَقَدَّمَ. وجَوَّزُوا أنْ يَنْتَصِبَ (هارُونَ) بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيِ: اضْمُمْ إلَيَّ هارُونَ وهَذا لا حاجَةَ إلَيْهِ؛ لِأنَّ الكَلامَ تامٌّ بِدُونِ هَذا المَحْذُوفِ. وقَرَأ الحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ عامِرٍ (أشْدُدْ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ (وأُشْرِكْهُ) بِضَمِّها فِعْلًا مُضارِعًا مَجْزُومًا عَلى جَوابِ الأمْرِ وعُطِفَ عَلَيْهِ (وأُشْرِكْهُ) . وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ عَنِ الحَسَنِ: أنَّهُ قَرَأ أُشْدِدْ بِهِ مُضارِعُ شَدَّدَ لِلتَّكْثِيرِ والتَّكْرِيرِ، أيْ: كُلَّما حَزَنَنِي أمْرٌ شَدَدْتُ ﴿بِهِ أزْرِي﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿اشْدُدْ﴾ ﴿وأشْرِكْهُ﴾ عَلى مَعْنى الدُّعاءِ في شَدِّ الأزْرِ وتَشْرِيكِ هارُونَ في النُّبُوَّةِ، وكانَ الأمْرُ في قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ لا يُرِيدُ بِهِ النُّبُوَّةَ بَلْ يُرِيدُ تَدْبِيرَهُ ومُساعَدَتَهُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ لِمُوسى أنْ يُشْرِكَ في النُّبُوَّةِ أحَدًا. وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ (أخِي واشْدُدْ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ فِيمَن قَرَأ عَلى لَفْظِ الأمْرِ أنْ يَجْعَلَ ﴿أخِي﴾ مَرْفُوعًا عَلى الِابْتِداءِ و﴿اشْدُدْ بِهِ﴾ خَبَرُهُ ويُوقَفُ عَلى (هارُونَ) انْتَهى. وهو خِلافُ الظّاهِرِ فَلا يُصارُ إلَيْهِ لِغَيْرِ حاجَةٍ، وكانَ هارُونُ أكْبَرَ مِن مُوسى بِأرْبَعَةِ أعْوامٍ، وجَعَلَ مُوسى ما رَغِبَ فِيهِ وطَلَبَهُ مِن نِعَمٍ سَبَبًا تَلْزَمُ مِنهُ العِبادَةُ والِاجْتِهادُ في أمْرِ اللَّهِ، والتَّظافُرُ عَلى العِبادَةِ والتَّعاوُنُ فِيها مُثِيرٌ لِلرَّغْبَةِ والتَّزَيُّدِ مِنَ الخَيْرِ. ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ﴾ نُنَزِّهَكَ عَمّا لا يَلِيقُ بِكَ ﴿ونَذْكُرَكَ﴾ بِالدُّعاءِ والثَّناءِ عَلَيْكَ وقُدِّمَ التَّسْبِيحُ؛ لِأنَّهُ تَنْزِيهُهُ تَعالى في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وبَراءَتُهُ عَنِ النَّقائِصِ، ومَحَلُّ ذَلِكَ القَلْبُ، والذِّكْرُ والثَّناءُ عَلى اللَّهِ بِصِفاتِ الكَمالِ ومَحَلُّهُ اللِّسانُ، فَلِذَلِكَ قُدِّمَ ما مَحَلُّهُ القَلْبُ عَلى ما مَحَلُّهُ اللِّسانُ. و(كَثِيرًا) نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، أيْ: نُسَبِّحُكَ التَّسْبِيحَ في حالِ كَثْرَتِهِمْ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ عالِمًا بِأحْوالِنا. والسُّؤْلُ فِعْلٌ بِمَعْنى المَسْئُولِ كالخُبْزِ والأكْلِ بِمَعْنى المَخْبُوزِ والمَأْكُولِ، والمَعْنى أُعْطِيتَ طِلْبَتَكَ وما سَألْتَهُ مِن شَرْحِ الصَّدْرِ وتَيَسُّرِ الأمْرِ وحَلِّ العُقْدَةِ، وجَعْلِ أخِيكَ وزِيرًا وذَلِكَ مِنَ المِنَّةِ عَلَيْهِ. ثُمَّ ذَكَّرَهُ تَعالى تَقْدِيمَ مِنَّتِهِ عَلَيْهِ عَلى سَبِيلِ التَّوْقِيفِ لِيَعْظُمَ اجْتِهادُهُ وتَقْوى بَصِيرَتُهُ و(مَرَّةً) مَعْناهُ مِنَّةً و(أُخْرى) تَأْنِيثُ آخَرَ بِمَعْنى (غَيْرَ) أيْ: مِنَّةً غَيْرَ هَذِهِ المِنَّةِ، ولَيْسَتْ (أُخْرى) هُنا بِمَعْنى (آخِرَةً) فَتَكُونَ مُقابِلَةً لِلْأُولى، وتَخَيَّلَ ذَلِكَ بَعْضُهم فَقالَ: سَمّاها (أُخْرى) وهي أُولى لِأنَّها (أُخْرى) في الذَّكَرِ، والأُخْرى لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ يَكُونُ تَأْنِيثُ الآخَرِ بِفَتْحِ الخاءِ، وتَأْنِيثُ الآخَرِ بِمَعْنى آخِرِهِ فَهَذِهِ يُلْحَظُ فِيها مَعْنى التَّأخُّرِ. والمَعْنى أنِّي قَدْ حَفِظْتُكَ وأنْتَ طِفْلٌ رَضِيعٌ فَكَيْفَ لا أحْفَظُكَ وقَدْ أهَّلْتُكَ لِلرِّسالَةِ. وفي قَوْلِهِ ﴿مَرَّةً أُخْرى﴾ إجْمالٌ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ ﴿إذْ أوْحَيْنا إلى أُمِّكَ﴾ . قالَ الجُمْهُورُ: هي وحْيُ إلْهامٍ كَقَوْلِهِ ﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨] . وقِيلَ: وحْيُ إعْلامٍ إمّا بِإراءَةِ ذَلِكَ في مَنامٍ، وإمّا بِبَعْثِ مَلَكٍ إلَيْها لا عَلى جِهَةِ النُّبُوَّةِ كَما بُعِثَ إلى مَرْيَمَ، وهَذا هو الظّاهِرُ لِظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ﴾ ولِظاهِرِ آيَةِ القَصَصِ ﴿إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] ويَبْعُدُ ما صَدَّرَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلَهُ: مِن يَرُدُّ يَدَهُ، إمّا أنْ يَكُونَ عَلى لِسانِ نَبِيٍّ في وقْتِها كَقَوْلِهِ: ﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ﴾ [المائدة: ١١١]؛ لِأنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أنَّهُ كانَ في زَمَنِ فِرْعَوْنَ، وكانَ في زَمَنِ الحَوارِيِّينَ زَكَرِيّا ويَحْيى. وفي قَوْلِهِ ﴿ما يُوحى﴾ إبْهامٌ وإجْمالٌ كَقَوْلِهِ ﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ [النجم: ١٦] ﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨] وفِيهِ تَهْوِيلٌ وقَدْ فُسِّرَ هُنا بِقَوْلِهِ ﴿أنِ اقْذِفِيهِ في التّابُوتِ﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (p-٢٤١)و(أنْ) هي المُفَسِّرَةُ؛ لِأنَّ الوَحْيَ بِمَعْنى القَوْلِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: و(أنْ) في قَوْلِهِ ﴿أنِ اقْذِفِيهِ﴾ بَدَلٌ مِن ما يَعْنِي أنَّ (أنْ) مَصْدَرِيَّةٌ فَلِذَلِكَ كانَ لَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ. والوَجْهانِ سائِغانِ، والظّاهِرُ أنَّ ﴿التّابُوتِ﴾ كانَ مِن خَشَبٍ. وقِيلَ: مِن بَرْدِيِّ شَجَرِ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ سَدَّتْ خُرُوقَهُ وفَرَشَتْ فِيهِ نِطْعًا - وقِيلَ: قُطْنًا مَحْلُوجًا - وسَدَّتْ فَمَهُ وجَصَّصَتْهُ وقَيَّرَتْهُ وألْقَتْهُ في (اليَمِّ)، وهو اسْمٌ لِلْبَحْرِ العَذْبِ. وقِيلَ: اسْمٌ لِلنِّيلِ خاصَّةً. والأوَّلُ هو الصَّوابُ كَقَوْلِهِ: ﴿فَأغْرَقْناهم في اليَمِّ﴾ [الأعراف: ١٣٦] ولَمْ يُغْرَقُوا في النِّيلِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾ عائِدٌ عَلى مُوسى، وكَذَلِكَ الضَّمِيرانِ بَعْدَهُ إذْ هو المُحَدَّثُ عَنْهُ لا التّابُوتُ، إنَّما ذُكِرَ التّابُوتُ عَلى سَبِيلِ الوِعاءِ والفَضْلَةِ. وقالابْنُ عَطِيَّةَ: والضَّمِيرُ الأوَّلُ في ﴿اقْذِفِيهِ﴾ عائِدٌ عَلى مُوسى وفي الثّانِي عائِدٌ عَلى ﴿التّابُوتِ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى مُوسى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والضَّمائِرُ كُلُّها راجِعَةٌ إلى مُوسى، ورُجُوعُ بَعْضِها إلَيْهِ، وبَعْضِها إلى التّابُوتِ فِيهِ هُجْنَةٌ لِما يُؤَدِّي إلَيْهِ مِن تَنافُرِ النَّظْمِ، فَإنْ قُلْتَ: المَقْذُوفُ في البَحْرِ هو التّابُوتُ وكَذَلِكَ المُلْقى إلى السّاحِلِ ؟ قُلْتُ: ما ضَرَّكَ لَوْ قُلْتَ المَقْذُوفُ والمُلْقى هو مُوسى في جَوْفِ التّابُوتِ حَتّى لا تَتَفَرَّقَ الضَّمائِرُ فَيَتَنافَرَ عَلَيْكَ النَّظْمُ، الَّذِي هو أُمُّ إعْجازِ القُرْآنِ، والقانُونُ الَّذِي وقَعَ عَلَيْهِ التَّحَدِّي ومُراعاتُهُ أهَمُّ ما يَجِبُ عَلى المُفَسِّرِ. انْتَهى. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ الضَّمِيرَ إذا كانَ صالِحًا لِأنْ يَعُودَ عَلى الأقْرَبِ وعَلى الأبْعَدِ كانَ عَوْدُهُ عَلى الأقْرَبِ راجِحًا، وقَدْ نَصَّ النَّحْوِيُّونَ عَلى هَذا فَعَوْدُهُ عَلى ﴿التّابُوتِ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ﴾ راجِحٌ، والجَوابُ أنَّهُ إذا كانَ أحَدُهُما هو المُحَدَّثَ عَنْهُ والآخَرُ فَضْلَةً كانَ عَوْدُهُ عَلى المُحَدَّثِ عَنْهُ أرْجَحَ، ولا يُلْتَفَتُ إلى القُرْبِ، ولِهَذا رَدَدْنا عَلى أبِي مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ في دَعْواهُ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ ﴿فَإنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] عائِدٌ عَلى خِنْزِيرٍ لا عَلى لَحْمٍ لِكَوْنِهِ أقْرَبَ مَذْكُورٍ، فَيَحْرُمُ بِذَلِكَ شَحْمُهُ وغُضْرُوفُهُ وعَظْمُهُ وجِلْدُهُ، بِأنَّ المُحَدَّثَ عَنْهُ هو لَحْمُ خِنْزِيرٍ لا خِنْزِيرٌ. و﴿فَلْيُلْقِهِ﴾ أمْرٌ مَعْناهُ الخَبَرُ، وجاءَ بِصِيغَةِ الأمْرِ مُبالَغَةً إذِ الأمْرُ أقْطَعُ الأفْعالِ وأوْجَبُها، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «قُومُوا فَلْأُصَلِّ لَكم» . أخْرَجَ الخَبَرِ في صِيغَةِ الأمْرِ لِنَفْسِهِ مُبالَغَةً، ومِن حَيْثُ خَرَجَ الفِعْلُ مَخْرَجَ الأمْرِ حَسُنَ جَوابُهُ كَذَلِكَ وهو قَوْلُهُ ﴿يَأْخُذْهُ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا كانَتْ مَشِيئَةُ اللَّهِ وإرادَتُهُ أنْ لا يُخْطِئَ جَرْيَةُ ماءِ اليَمِّ الوُصُولَ بِهِ إلى السّاحِلِ وإلْقاءَهُ إلَيْهِ سَلَكَ في ذَلِكَ سُبُلَ المَجازِ، وجَعَلَ اليَمَّ كَأنَّهُ ذُو تَمْيِيزٍ أمَرَ بِذَلِكَ لِيُطِيعَ الأمْرَ ويَمْتَثِلَ رَسْمَهُ فَقِيلَ ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ﴾ انْتَهى. وقالَ التِّرْمِذِيُّ: إنَّما ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الأمْرِ لِسابِقِ عِلْمِهِ بِوُقُوعِ المُخْبَرِ بِهِ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ، فَكَأنَّ البَحْرَ مَأْمُورٌ مُمْتَثِلٌ لِلْأمْرِ. وقالَ الفَرّاءُ: ﴿فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾ أمْرٌ وفِيهِ مَعْنى المُجازاةِ، أيِ: اقْذِفِيهِ يُلْقِهِ اليَمُّ، والظّاهِرُ أنَّ البَحْرَ ألْقاهُ بِالسّاحِلِ فالتَقَطَهُ مِنهُ. ورُوِيَ أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يَشْرَبُ في مَوْضِعٍ مِنَ النِّيلِ إذْ رَأى التّابُوتَ فَأمَرَ بِهِ فَسِيقَ إلَيْهِ وامْرَأتُهُ مَعَهُ، فَفَتَحَ فَرَأوْهُ، فَرَحِمَتْهُ امْرَأتُهُ وطَلَبَتْهُ لِتَتَّخِذَهُ ابْنًا فَأباحَ لَها ذَلِكَ. ورُوِيَ أنَّ التّابُوتَ جاءَ في الماءِ إلى المَشْرَعَةِ الَّتِي كانَتْ جَوارِي امْرَأةِ فِرْعَوْنَ يَسْتَقِينَ مِنها الماءَ. فَأخَذَتِ التّابُوتَ وجَلَبَتْهُ إلَيْها فَأخْرَجَتْهُ وأعْلَمَتْهُ فِرْعَوْنَ، والعَدُوُّ الَّذِي لِلَّهِ ولِمُوسى هو فِرْعَوْنُ، وأُخْبِرَتْ بِهِ أُمُّ مُوسى عَلى طَرِيقِ الإلْهامِ؛ ولِذَلِكَ قالَتْ لِأُخْتِهِ ﴿قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١] وهي لا تَدْرِي أيْنَ اسْتَقَرَّ. ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ قِيلَ: مَحَبَّةَ آسِيَةَ وفِرْعَوْنَ، وكانَ فِرْعَوْنُ قَدْ أحَبَّهُ حُبًّا شَدِيدًا حَتّى لا يَتَمالَكَ أنْ يَصْبِرَ عَنْهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أحَبَّهُ اللَّهُ وحَبَّبَهُ إلى خَلْقِهِ. وقالَ عَطِيَّةُ: جُعِلَتْ عَلَيْهِ مَسْحَةٌ مِن جَمالٍ لا يَكادُ يَصْبِرُ عَنْهُ مَن رَآهُ. وقالَ قَتادَةُ: كانَ في عَيْنَيْهِ مَلاحَةٌ ما رَآهُ أحَدٌ إلّا أحَبَّهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأقْوى الأقْوالِ أنَّهُ القَبُولُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (مِنِّي) لا يَخْلُوا أنْ يَتَعَلَّقَ بِألْقَيْتُ فَيَكُونُ المَعْنى عَلى أحْبَبْتُكَ، ومَن أحَبَّهُ اللَّهُ أحَبَّتْهُ القُلُوبُ، وإمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ (p-٢٤٢)هُوَ صِفَةٌ لِمَحَبَّةٍ، أيْ: مَحَبَّةً خالِصَةً أوْ واقِعَةً مِنِّي قَدْ رَكَّزْتُها أنا فِيها في القُلُوبِ وزَرَعْتُها فِيها، فَلِذَلِكَ أحَبَّكَ فِرْعَوْنُ وكُلُّ مَن أبْصَرَكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ولِتُصْنَعَ﴾: بِكَسْرِ لامِ كَيْ وضَمِّ التّاءِ ونَصْبِ الفِعْلِ، أيْ: ولِتُرَبّى ويُحْسَنَ إلَيْكَ. وأنا مُراعِيكَ وراقِبُكَ كَما يُراعِي الرَّجُلُ الشَّيْءَ بِعَيْنَيْهِ إذا اعْتَنى بِهِ. قالَ قَرِيبًا مِنهُ قَتادَةُ. وقالَ النَّحّاسُ:، يُقالُ صَنَعْتُ الفَرَسَ إذا أحْسَنْتُ إلَيْهِ وهو مَعْطُوفٌ عَلى عِلَّةِ مَحْذُوفٍ، أيْ: لِيَتَلَطَّفَ بِكَ (ولِتُصْنَعَ) أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُتَأخِّرٍ تَقْدِيرُهُ فَعَلْتُ ذَلِكَ. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو نَهِيكٍ بِفَتْحِ التّاءِ. قالَ ثَعْلَبٌ: مَعْناهُ لِتَكُونَ حَرَكَتُكَ وتَصَرُّفُكَ عَلى عَيْنٍ مِنِّي. وقَرَأ شَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ في رِوايَةٍ بِإسْكانِ اللّامِ والعَيْنِ وضَمِّ التّاءِ فِعْلُ أمْرٍ، وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ كَسَرَ اللّامَ. ﴿إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ﴾ قِيلَ اسْمُها مَرْيَمُ، سَبَبُ ذَلِكَ أنَّ آسِيَةَ عَرَّضَتْهُ لِلرَّضاعِ فَلَمْ يَقْبَلِ امْرَأةً، فَجَعَلَتْ تُنادِي عَلَيْهِ في المَدِينَةِ ويُطافُ بِهِ ويُعْرَضُ لِلْمَراضِعِ فَيَأْبى، وبَقِيَتْ أُمُّهُ بَعْدَ قَذْفِهِ في اليَمِّ مَغْمُومَةً، فَأمَرَتْ أُخْتَهُ بِالتَّفْتِيشِ في المَدِينَةِ لَعَلَّها تَقَعُ عَلى خَبَرِهِ، فَبَصُرَتْ بِهِ في طَوافِها، فَقالَتْ: أنا أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ لَكم وهم لَهُ ناصِحُونَ فَتَعَلَّقُوا بِها، وقالُوا: أنْتِ تَعْرِفِينَ هَذا الصَّبِيَّ ؟ فَقالَتْ: لا، ولَكِنْ أعْلَمُ مِن أهْلِ هَذا البَيْتِ الحِرْصَ عَلى التَّقَرُّبِ إلى المَلِكَةِ والجَدِّ في خِدْمَتِها ورِضاها، فَتَرَكُوها وسَألُوها الدَّلّالَةَ، فَجاءَتْ بِأُمِّ مُوسى فَلَمّا قَرَّبَتْهُ شَرِبَ ثَدْيَها فَسُرَّتْ آسِيَةُ، وقالَتْ لَها: كُونِي مَعَنا في القَصْرِ، فَقالَتْ: ما كُنْتُ لِأدَعَ بَيْتِي ووَلَدِي ولَكِنَّهُ يَكُونُ عِنْدِي قالَتْ: نَعَمْ، فَأحْسَنَتْ إلى أهْلِ ذَلِكَ البَيْتِ غايَةَ الإحْسانِ واعْتَزَّ بَنُو إسْرائِيلَ بِهَذا الرَّضاعِ والنَّسَبِ مِنَ المَلِكَةِ، ولَمّا كَمُلَ رِضاعُهُ أرْسَلَتْ آسِيَةُ إلَيْها أنْ جِيئِينِي بِوَلَدِي لِيَوْمِ كَذا، وأمَرَتْ خَدَمَها ومَن لَها أنْ يَلْقَيْنَهُ بِالتُّحَفِ والهَدايا واللِّباسِ، فَوَصَلَ إلَيْها عَلى ذَلِكَ وهو بِخَيْرِ حالٍ وأجْمَلِ شَبابٍ، فَسُرَّتْ بِهِ ودَخَلَتْ بِهِ عَلى فِرْعَوْنَ لِيَراهُ ولِيَهِبَهُ فَأعْجَبَهُ وقَرَّبَهُ، فَأخَذَ مُوسى بِلِحْيَةِ فِرْعَوْنَ وتَقَدَّمَ ما جَرى لَهُ عِنْدَ ذِكْرِ العُقْدَةِ. والعامِلُ في (إذْ) قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ ومَنَنّا إذْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ العامِلُ في ﴿إذْ تَمْشِي﴾ (ألْقَيْتُ) أوْ (تُصْنَعَ) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ﴿إذْ أوْحَيْنا﴾ فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَصِحُّ البَدَلُ والوَقْتانِ مُخْتَلِفانِ مُتَباعِدانِ ؟ قُلْتُ: كَما يَصِحُّ وإنِ اتَّسَعَ الوَقْتُ وتَباعَدَ طَرَفاهُ أنْ يَقُولَ لَكَ الرَّجُلُ لَقِيتُ فُلانًا سَنَةَ كَذا، فَتَقُولُ: وأنا لَقِيتُهُ إذْ ذاكَ. ورُبَّما لَقِيَهُ هو في أوَّلِها وأنْتَ في آخِرِها انْتَهى. ولَيْسَ كَما ذَكَرَ؛ لِأنَّ السَّنَةَ تَقْبَلُ الِاتِّساعَ فَإذا وقَعَ لُقِيُّهُما فِيها بِخِلافِ هَذَيْنِ الطَّرَفَيْنِ فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما ضَيِّقٌ لَيْسَ بِمُتَّسِعٍ لِتَخْصِيصِهِما بِما أُضِيفا إلَيْهِ فَلا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ الثّانِي في الطَّرَفِ الَّذِي وقَعَ فِيهِ الأوَّلُ، إذِ الأوَّلُ لَيْسَ مُتَّسِعًا لِوُقُوعِ الوَحْيِ فِيهِ ووُقُوعِ مَشْيِ الأُخْتِ، فَلَيْسَ وقْتُ وُقُوعِ الوَحْيِ مُشْتَمِلًا عَلى أجْزاءٍ وقَعَ في بَعْضِها المَشْيُ بِخِلافِ السَّنَةِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: (إذْ) مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (تُصْنَعَ)، ولَكَ أنْ تَنْصِبَ (إذْ) بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ واذْكُرْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿كَيْ تَقَرَّ﴾ بِفَتْحِ التّاءِ والقافِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِكَسْرِ القافِ، وتَقَدَّمَ أنَّهُما لُغَتانِ في قَوْلِهِ ﴿وقَرِّي عَيْنًا﴾ [مريم: ٢٦] . وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ القافِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. و﴿قَتَلْتَ نَفْسًا﴾ [القصص: ١٩] هو القِبْطِيُّ الَّذِي اسْتَغاثَهُ عَلَيْهِ الإسْرائِيلِيُّ قَتَلَهُ وهو ابْنُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، واغْتَمَّ بِسَبَبِ القَتْلِ خَوْفًا مِن عِقابِ اللَّهِ ومِنِ اقْتِصاصِ فِرْعَوْنَ، فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ بِاسْتِغْفارِهِ حِينَ قالَ ﴿رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦] ونَجّاهُ مِن فِرْعَوْنَ حِينَ هاجَرَ بِهِ إلى مَدْيَنَ، والغَمُّ ما يَغُمُّ عَلى القَلْبِ بِسَبَبِ خَوْفٍ أوْ فَواتِ مَقْصُودٍ، والغَمُّ - بِلُغَةِ قُرَيْشٍ - القَتْلُ، وقِيلَ: مِن غَمَّ التّابُوتُ. وقِيلَ: مِن غَمَّ البَحْرُ، والظّاهِرُ أنَّهُ مِن غَمَّ القَتْلُ حِينَ ذَهَبْنا بِكَ مِن مِصْرَ إلى مَدْيَنَ. والفُتُونُ مَصْدَرٌ جَمْعُ فِتَنٍ أوْ فِتْنَةٍ عَلى تَرْكِ الِاعْتِدادِ بِالتّاءِ كَحُجُوزٍ وبُدُورٍ في حُجْزَةٍ وبُدْرَةٍ، أيْ: (فَتَنّاكَ) ضُرُوبًا مِنَ الفِتَنِ، والفِتْنَةُ المِحْنَةُ وما يَشُقُّ عَلى الإنْسانِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ خَلَّصْناكَ مِن مِحْنَةٍ بَعْدَ مِحْنَةٍ. وُلِدَ في عامٍ (p-٢٤٣)كانَ يُقْتَلُ فِيهِ الوِلْدانُ، وألْقَتْهُ أُمُّهُ في البَحْرِ وهَمَّ فِرْعَوْنُ بِقَتْلِهِ، وقَتَلَ قِبْطِيًّا وآجَرَ نَفْسَهُ عَشْرَ سِنِينَ وضَلَّ الطَّرِيقَ وتَفَرَّقَتْ غَنَمُهُ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ انْتَهى. وهَذِهِ الفُتُونُ اخْتَبَرَهُ بِها وخَلَّصَهُ حَتّى صَلُحَ لِلنُّبُوَّةِ وسَلِمَ لَها، والسُّنُونُ الَّتِي لَبِثَها في مَدْيَنَ عَشْرُ سِنِينَ. وقالَ وهْبٌ: ثَمانٍ وعِشْرُونَ سَنَةً مِنها مَهْرُ ابْنَتِهِ، وبَيْنَ مِصْرَ ومَدْيَنَ ثَمانِ مَراحِلَ وفي الكَلامِ حَذْفٌ والتَّقْدِيرُ ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ فَخَرَجْتَ خائِفًا إلى ﴿أهْلِ مَدْيَنَ﴾ فَلَبِثْتَ سِنِينَ وكانَ عُمْرُهُ حِينَ ذَهَبَ إلى مَدْيَنَ اثْنَيْ عَشَرَ عامًا، وأقامَ عَشَرَةَ أعْوامٍ في رَعْيِ غَنَمِ شُعَيْبٍ، ثُمَّ ثَمانِيَةَ عَشَرَ عامًا بَعْدَ بِنائِهِ بِامْرَأتِهِ بِنْتِ شُعَيْبٍ، ووُلِدَ لَهُ فِيها فَكَمُلَ لَهُ أرْبَعُونَ سَنَةً وهي المُدَّةُ الَّتِي عادَةُ اللَّهِ إرْسالُ الأنْبِياءِ عَلى رَأْسِها. ”﴿ثُمَّ جِئْتَ﴾“ إلى المَكانِ الَّذِي ناجَيْتُكَ فِيهِ وكَلَّمْتُكَ واسْتَنْبَأْتُكَ. ”﴿عَلى قَدَرٍ﴾“، أيْ: وقْتٍ مُعَيَّنٍ قَدَّرْتُهُ لَمْ تَتَقَدَّمْهُ ولَمْ تَتَأخَّرْ عَنْهُ. وقِيلَ عَلى مِقْدارٍ مِنَ الزَّمانِ يُوحى إلى الأنْبِياءِ فِيهِ وهو الأرْبَعُونَ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎نالَ الخِلافَةَ أوْ جاءَتْ عَلى قَدَرٍ ∗∗∗ كَما أتى رَبَّهُ مُوسى عَلى قَدَرِ ﴿واصْطَنَعَتْكَ لِنَفْسِي﴾، أيْ: جَعَلْتُكَ مَوْضِعَ الصَّنِيعَةِ ومَقَرَّ الإكْمالِ والإحْسانِ، وأخْلَصْتُكَ بِالألْطافِ واخْتَرْتُكَ لِمَحَبَّتِي، يُقالُ: اصْطَنَعَ فُلانٌ فُلانًا اتَّخَذَهُ صَنِيعَةً، وهو افْتِعالٌ مِنَ الصُّنْعِ وهو الإحْسانُ إلى الشَّخْصِ حَتّى يُضافَ إلَيْهِ فَيُقالَ هَذا صَنِيعُ فُلانٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا تَمْثِيلٌ لِما خَوَّلَهُ مِن مَنزِلَةِ التَّقْرِيبِ والتَّكْرِيمِ والتَّكْلِيمِ، مَثَّلَ حالَهُ بِحالِ مَن يَراهُ المُلُوكُ بِجَمِيعِ خِصالٍ فِيهِ وخَصائِصَ أهْلًا لِأنْ يَكُونَ أقْرَبَ مَنزِلَةً إلَيْهِ وألْطَفَ مَحَلًّا، فَيَصْطَنِعُهُ بِالكَرامَةِ والأثَرَةِ ويَسْتَخْلِصُهُ لِنَفْسِهِ. انْتَهى. ومَعْنى ﴿لِنَفْسِي﴾، أيْ: لِأوامِرِي وإقامَةِ حُجَجِي وتَبْلِيغِ رِسالَتِي، فَحَرَكاتُكَ وسَكَناتُكَ لِي لا لِنَفْسِكَ ولا لِأحَدٍ غَيْرِكَ.

طه 20:37

(p-٢٣٨)﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى﴾ ﴿إذْ أوْحَيْنا إلى أُمِّكَ ما يُوحى﴾ ﴿أنِ اقْذِفِيهِ في التّابُوتِ فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ ﴿إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ولا تَحْزَنَ وقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ وفَتَنّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ في أهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يامُوسى﴾ ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ . لَمّا أمَرَهُ تَعالى بِالذَّهابِ إلى فِرْعَوْنَ (p-٢٣٩)عَرَفَ أنَّهُ كُلِّفَ أمْرًا عَظِيمًا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى احْتِمالِ ما لا يَحْتَمِلُهُ إلّا ذُو جَأْشٍ رابِطٍ وصَدْرٍ فَسِيحٍ، فَسَألَ رَبَّهُ ورَغِبَ في أنْ يَشْرَحَ صَدْرَهُ لِيَحْتَمِلَ ما يَرِدُ عَلَيْهِ مِنَ الشَّدائِدِ الَّتِي يَضِيقُ لَها الصَّدْرُ، وأنْ يُسَهِّلَ عَلَيْهِ أمْرَهُ لَلَّذِي هو خِلافَةُ اللَّهِ في أرْضِهِ وما يَصْحَبُها مِن مُزاوَلَةِ جَلائِلِ الخُطُوبِ، وقَدْ عَلِمَ ما عَلَيْهِ فِرْعَوْنُ مِنَ الجَبَرُوتِ والتَّمَرُّدِ والتَّسَلُّطِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: مَعْناهُ وسِّعْ لِي صَدْرِي لِأعِيَ عَنْكَ ما تُودِعُهُ مِن وحْيِكَ. وقالَ الكَرْمانِيُّ: وسِّعْ قَلْبِي ولَيِّنْهُ لِفَهْمِ خِطابِكَ وأداءِ رِسالَتِكَ. والقِيامِ بِما كَلَّفْتَنِيهِ مِن أعْبائِها. والعُقْدَةُ اسْتِعارَةٌ لِثِقَلٍ كانَ في لِسانِهِ خِلْقَةً. وقالَ مُجاهِدٌ: كانَتْ مِنَ الجَمْرَةِ الَّتِي أدْخَلَها فاهُ وكانَتْ آسِيَةُ قَدْ ألْقى اللَّهُ مَحَبَّتَهُ في قَلْبِها وسَألَتْ فِرْعَوْنَ أنْ لا يَذْبَحَهُ، فَبَيْنا هي تُرَقِّصُهُ يَوْمًا أخَذَهُ فِرْعَوْنُ في حِجْرِهِ، فَأخَذَ خَصْلَةً مِن لِحْيَتِهِ. وقِيلَ: لَطَمَهُ. وقِيلَ: ضَرَبَهُ بِقَضِيبٍ كانَ في يَدِهِ. فَغَضِبَ فِرْعَوْنُ فَدَعا بِالسَّيّافِ، فَقالَتْ: إنَّما هو صَبِيٌّ لا يُفَرِّقُ بَيْنَ الياقُوتِ والجَمْرِ. فَأحْضَرَ أوْ أرادَ أنْ يَمُدَّ يَدَهُ إلى الياقُوتِ، فَحَوَّلَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَدَهُ إلى الجَمْرَةِ فَأخَذَها ووَضَعَها في فِيهِ فاحْتَرَقَ لِسانُهُ، انْتَهى. وإحْراقُ النّارِ وتَأْثِيرُها في لِسانِهِ لا في يَدِهِ دَلِيلٌ عَلى فَسادِ قَوْلِ القائِلِينَ بِالطَّبِيعَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كانَتْ في لِسانِهِ رَتَّةٌ. وقِيلَ: حَدَثَتِ العُقْدَةُ بَعْدَ المُناجاةِ حَتّى لا يُكَلِّمَ أحَدًا بَعْدَها. وقالَ قُطْرُبٌ: كانَتْ فِيهِ مُسْكَةٌ عَنِ الكَلامِ. وقالَ ابْنُ عِيسى: العُقْدَةُ كالتَّمْتَمَةِ والفَأْفَأةِ. وطَلَبُ مُوسى مِن حَلِّ العُقْدَةِ قَدْرَ ما يُفْقَهُ قَوْلُهُ، قِيلَ: وبَقِيَ بَعْضُها لِقَوْلِهِ ﴿وأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا﴾ [القصص: ٣٤]، وقَوْلِهِ ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] . وقِيلَ: زالَتْ لِقَوْلِهِ ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ وهو قَوْلُ الحَسَنِ، قِيلَ: وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ: واحْلُلِ العُقْدَةَ، بَلْ قالَ: ﴿عُقْدَةً﴾ فَإذا حَلَّ عُقْدَةً فَقَدْ آتاهُ اللَّهُ سُؤْلَهُ. وقِيلَ في قَوْلِهِ ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] أنَّ مَعْناهُ لا يَأْتِي بِبَيانٍ وحُجَّةٍ، وإنَّما قالَ ذَلِكَ فِرْعَوْنُ تَمْوِيهًا، وقَدْ خاطَبَهُ وقَوْمَهُ، وكانُوا يَفْهَمُونَ عَنْهُ فَكَيْفَ يُمْكِنُ نَفْيُ البَيانِ أوْ مُقارَبَتُهُ ؟ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ لِي في قَوْلِهِ ﴿اشْرَحْ لِي صَدْرِي ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾: ما جَدْواهُ والكَلامُ بِدُونِهِ مُسْتَتِبٌّ ؟ قُلْتُ: قَدْ أبْهَمَ الكَلامَ أوَّلًا، فَقالَ: ﴿اشْرَحْ لِي﴾ ﴿ويَسِّرْ لِي﴾ فَعَلِمَ أنَّ ثَمَّ مَشْرُوحًا ومُيَسَّرًا، ثُمَّ بَيَّنَ ورَفَعَ الإبْهامَ فَذَكَرَهُما، فَكانَ آكَدَ لِطَلَبِ الشَّرْحِ والتَّيْسِيرِ لِصَدْرِهِ، وأمَرَهُ مِن أنْ يَقُولَ: اشْرَحْ صَدْرِي ويَسِّرْ أمْرِي، عَلى الإيضاحِ الشّارِحِ؛ لِأنَّهُ تَكْرِيرٌ لِلْمَعْنى الواحِدِ مِن طَرِيقَيِ الإجْمالِ والتَّفْصِيلِ. وقالَ أيْضًا: وفي تَنْكِيرِ العُقْدَةِ وإنْ لَمْ يَقُلْ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً﴾ ﴿لِسانِي﴾ أنَّهُ طَلَبَ حَلَّ بَعْضِها إرادَةَ أنْ يُفْهَمَ عَنْهُ فَهْمًا جَيِّدًا ولَمْ يَطْلُبِ الفَصاحَةَ الكامِلَةَ، و﴿مِن لِسانِي﴾ صِفَةٌ لِلْعُقْدَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: عُقْدَةً مِن عُقَدِ لِسانِي. انْتَهى. ويَظْهَرُ أنَّ ﴿مِن لِسانِي﴾ مُتَعَلِّقٌ بِاحْلُلْ؛ لِأنَّ مَوْضِعَ الصِّفَةِ لِعُقْدَةٍ، وكَذا قالَ الحَوْفِيُّ. وأجازَ أبُو البَقاءِ الوَجْهَيْنِ، والوَزِيرُ المُعِينُ القائِمُ بِوِزْرِ الأُمُورِ، أيْ: بِثِقَلِها، فَوَزِيرُ المَلِكِ يَتَحَمَّلُ عَنْهُ أوْزارَهُ ومُؤَنَهُ. وقِيلَ: مِنَ الوَزَرِ وهو المَلْجَأُ يَلْتَجِئُ إلَيْهِ الإنْسانُ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎مِنَ السِّباعِ الضَّوارِي دُونَهُ وزَرُ والنّاسُ شَرُّهم ما دُونَهُ وزَرُ ؎كَمْ مَعْشَرٍ سَلِمُوا لَمْ يُؤْذِهِمْ سَبْعُ ∗∗∗ وما نَرى بَشَرًا لَمْ يُؤْذِهِمْ بَشَرُ فالمَلِكُ يَعْتَصِمُ بِرَأْيِهِ ويَلْتَجِئُ إلَيْهِ في أُمُورِهِ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: هو مِنَ المُؤازَرَةِ وهي المُعاوَنَةُ والمُساعَدَةُ، والقِياسُ أزِيرٌ، وكَذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: وكانَ القِياسُ أزِيرًا فَقُلِبَتِ الهَمْزَةُ إلى الواوِ ووَجْهُ قَلْبِها أنَّ فَعِيلًا جاءَ في مَعْنى مُفاعِلٍ مَجِيأً صالِحًا، كَعَشِيرٍ وجَلِيسٍ وقَعِيدٍ وخَلِيلٍ وصَدِيقٍ ونَدِيمٍ، فَلَمّا قُلِبَ في أخِيهِ قُلِبَتْ فِيهِ، وحَمْلُ الشَّيْءِ عَلى نَظِيرِهِ لَيْسَ بِعَزِيزٍ. ونَظَرًا إلى يُوازِرُ وأخَواتِهِ وإلى المُوازَرَةِ انْتَهى. ولا حاجَةَ إلى ادِّعاءِ قَلْبِ الهَمْزَةِ واوًا؛ لِأنَّ لَنا اشْتِقاقًا واضِحًا وهو الوِزْرُ، وأمّا قَلْبُها في يُؤازِرُ فَلِأجْلِ (p-٢٤٠)ضَمَّةِ ما قَبْلَ الواوِ وهو أيْضًا إبْدالٌ غَيْرُ لازِمٍ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿لِي وزِيرًا﴾ مَفْعُولَيْنِ لِاجْعَلْ و(هارُونَ) بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ، وأنْ يَكُونَ ﴿وزِيرًا﴾ و(هارُونَ) مَفْعُولَيْهِ، وقَدَّمَ الثّانِيَ اعْتِناءً بِأمْرِ الوِزارَةِ و﴿أخِي﴾ بَدَلٌ مِن (هارُونَ) في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنْ جُعِلَ عَطْفَ بَيانٍ آخَرَ جازَ وحَسُنَ انْتَهى. ويَبْعُدُ فِيهِ عَطْفُ البَيانِ؛ لِأنَّ الأكْثَرَ في عَطْفِ البَيانِ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ دُونَهُ في الشُّهْرَةِ، والأمْرُ هُنا بِالعَكْسِ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ هُما المَفْعُولانِ و(لِي) مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] يَعْنُونَ أنَّهُ بِهِ يَتِمُّ المَعْنى. و(هارُونَ) عَلى ما تَقَدَّمَ. وجَوَّزُوا أنْ يَنْتَصِبَ (هارُونَ) بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيِ: اضْمُمْ إلَيَّ هارُونَ وهَذا لا حاجَةَ إلَيْهِ؛ لِأنَّ الكَلامَ تامٌّ بِدُونِ هَذا المَحْذُوفِ. وقَرَأ الحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ عامِرٍ (أشْدُدْ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ (وأُشْرِكْهُ) بِضَمِّها فِعْلًا مُضارِعًا مَجْزُومًا عَلى جَوابِ الأمْرِ وعُطِفَ عَلَيْهِ (وأُشْرِكْهُ) . وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ عَنِ الحَسَنِ: أنَّهُ قَرَأ أُشْدِدْ بِهِ مُضارِعُ شَدَّدَ لِلتَّكْثِيرِ والتَّكْرِيرِ، أيْ: كُلَّما حَزَنَنِي أمْرٌ شَدَدْتُ ﴿بِهِ أزْرِي﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿اشْدُدْ﴾ ﴿وأشْرِكْهُ﴾ عَلى مَعْنى الدُّعاءِ في شَدِّ الأزْرِ وتَشْرِيكِ هارُونَ في النُّبُوَّةِ، وكانَ الأمْرُ في قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ لا يُرِيدُ بِهِ النُّبُوَّةَ بَلْ يُرِيدُ تَدْبِيرَهُ ومُساعَدَتَهُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ لِمُوسى أنْ يُشْرِكَ في النُّبُوَّةِ أحَدًا. وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ (أخِي واشْدُدْ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ فِيمَن قَرَأ عَلى لَفْظِ الأمْرِ أنْ يَجْعَلَ ﴿أخِي﴾ مَرْفُوعًا عَلى الِابْتِداءِ و﴿اشْدُدْ بِهِ﴾ خَبَرُهُ ويُوقَفُ عَلى (هارُونَ) انْتَهى. وهو خِلافُ الظّاهِرِ فَلا يُصارُ إلَيْهِ لِغَيْرِ حاجَةٍ، وكانَ هارُونُ أكْبَرَ مِن مُوسى بِأرْبَعَةِ أعْوامٍ، وجَعَلَ مُوسى ما رَغِبَ فِيهِ وطَلَبَهُ مِن نِعَمٍ سَبَبًا تَلْزَمُ مِنهُ العِبادَةُ والِاجْتِهادُ في أمْرِ اللَّهِ، والتَّظافُرُ عَلى العِبادَةِ والتَّعاوُنُ فِيها مُثِيرٌ لِلرَّغْبَةِ والتَّزَيُّدِ مِنَ الخَيْرِ. ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ﴾ نُنَزِّهَكَ عَمّا لا يَلِيقُ بِكَ ﴿ونَذْكُرَكَ﴾ بِالدُّعاءِ والثَّناءِ عَلَيْكَ وقُدِّمَ التَّسْبِيحُ؛ لِأنَّهُ تَنْزِيهُهُ تَعالى في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وبَراءَتُهُ عَنِ النَّقائِصِ، ومَحَلُّ ذَلِكَ القَلْبُ، والذِّكْرُ والثَّناءُ عَلى اللَّهِ بِصِفاتِ الكَمالِ ومَحَلُّهُ اللِّسانُ، فَلِذَلِكَ قُدِّمَ ما مَحَلُّهُ القَلْبُ عَلى ما مَحَلُّهُ اللِّسانُ. و(كَثِيرًا) نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، أيْ: نُسَبِّحُكَ التَّسْبِيحَ في حالِ كَثْرَتِهِمْ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ عالِمًا بِأحْوالِنا. والسُّؤْلُ فِعْلٌ بِمَعْنى المَسْئُولِ كالخُبْزِ والأكْلِ بِمَعْنى المَخْبُوزِ والمَأْكُولِ، والمَعْنى أُعْطِيتَ طِلْبَتَكَ وما سَألْتَهُ مِن شَرْحِ الصَّدْرِ وتَيَسُّرِ الأمْرِ وحَلِّ العُقْدَةِ، وجَعْلِ أخِيكَ وزِيرًا وذَلِكَ مِنَ المِنَّةِ عَلَيْهِ. ثُمَّ ذَكَّرَهُ تَعالى تَقْدِيمَ مِنَّتِهِ عَلَيْهِ عَلى سَبِيلِ التَّوْقِيفِ لِيَعْظُمَ اجْتِهادُهُ وتَقْوى بَصِيرَتُهُ و(مَرَّةً) مَعْناهُ مِنَّةً و(أُخْرى) تَأْنِيثُ آخَرَ بِمَعْنى (غَيْرَ) أيْ: مِنَّةً غَيْرَ هَذِهِ المِنَّةِ، ولَيْسَتْ (أُخْرى) هُنا بِمَعْنى (آخِرَةً) فَتَكُونَ مُقابِلَةً لِلْأُولى، وتَخَيَّلَ ذَلِكَ بَعْضُهم فَقالَ: سَمّاها (أُخْرى) وهي أُولى لِأنَّها (أُخْرى) في الذَّكَرِ، والأُخْرى لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ يَكُونُ تَأْنِيثُ الآخَرِ بِفَتْحِ الخاءِ، وتَأْنِيثُ الآخَرِ بِمَعْنى آخِرِهِ فَهَذِهِ يُلْحَظُ فِيها مَعْنى التَّأخُّرِ. والمَعْنى أنِّي قَدْ حَفِظْتُكَ وأنْتَ طِفْلٌ رَضِيعٌ فَكَيْفَ لا أحْفَظُكَ وقَدْ أهَّلْتُكَ لِلرِّسالَةِ. وفي قَوْلِهِ ﴿مَرَّةً أُخْرى﴾ إجْمالٌ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ ﴿إذْ أوْحَيْنا إلى أُمِّكَ﴾ . قالَ الجُمْهُورُ: هي وحْيُ إلْهامٍ كَقَوْلِهِ ﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨] . وقِيلَ: وحْيُ إعْلامٍ إمّا بِإراءَةِ ذَلِكَ في مَنامٍ، وإمّا بِبَعْثِ مَلَكٍ إلَيْها لا عَلى جِهَةِ النُّبُوَّةِ كَما بُعِثَ إلى مَرْيَمَ، وهَذا هو الظّاهِرُ لِظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ﴾ ولِظاهِرِ آيَةِ القَصَصِ ﴿إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] ويَبْعُدُ ما صَدَّرَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلَهُ: مِن يَرُدُّ يَدَهُ، إمّا أنْ يَكُونَ عَلى لِسانِ نَبِيٍّ في وقْتِها كَقَوْلِهِ: ﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ﴾ [المائدة: ١١١]؛ لِأنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أنَّهُ كانَ في زَمَنِ فِرْعَوْنَ، وكانَ في زَمَنِ الحَوارِيِّينَ زَكَرِيّا ويَحْيى. وفي قَوْلِهِ ﴿ما يُوحى﴾ إبْهامٌ وإجْمالٌ كَقَوْلِهِ ﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ [النجم: ١٦] ﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨] وفِيهِ تَهْوِيلٌ وقَدْ فُسِّرَ هُنا بِقَوْلِهِ ﴿أنِ اقْذِفِيهِ في التّابُوتِ﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (p-٢٤١)و(أنْ) هي المُفَسِّرَةُ؛ لِأنَّ الوَحْيَ بِمَعْنى القَوْلِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: و(أنْ) في قَوْلِهِ ﴿أنِ اقْذِفِيهِ﴾ بَدَلٌ مِن ما يَعْنِي أنَّ (أنْ) مَصْدَرِيَّةٌ فَلِذَلِكَ كانَ لَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ. والوَجْهانِ سائِغانِ، والظّاهِرُ أنَّ ﴿التّابُوتِ﴾ كانَ مِن خَشَبٍ. وقِيلَ: مِن بَرْدِيِّ شَجَرِ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ سَدَّتْ خُرُوقَهُ وفَرَشَتْ فِيهِ نِطْعًا - وقِيلَ: قُطْنًا مَحْلُوجًا - وسَدَّتْ فَمَهُ وجَصَّصَتْهُ وقَيَّرَتْهُ وألْقَتْهُ في (اليَمِّ)، وهو اسْمٌ لِلْبَحْرِ العَذْبِ. وقِيلَ: اسْمٌ لِلنِّيلِ خاصَّةً. والأوَّلُ هو الصَّوابُ كَقَوْلِهِ: ﴿فَأغْرَقْناهم في اليَمِّ﴾ [الأعراف: ١٣٦] ولَمْ يُغْرَقُوا في النِّيلِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾ عائِدٌ عَلى مُوسى، وكَذَلِكَ الضَّمِيرانِ بَعْدَهُ إذْ هو المُحَدَّثُ عَنْهُ لا التّابُوتُ، إنَّما ذُكِرَ التّابُوتُ عَلى سَبِيلِ الوِعاءِ والفَضْلَةِ. وقالابْنُ عَطِيَّةَ: والضَّمِيرُ الأوَّلُ في ﴿اقْذِفِيهِ﴾ عائِدٌ عَلى مُوسى وفي الثّانِي عائِدٌ عَلى ﴿التّابُوتِ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى مُوسى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والضَّمائِرُ كُلُّها راجِعَةٌ إلى مُوسى، ورُجُوعُ بَعْضِها إلَيْهِ، وبَعْضِها إلى التّابُوتِ فِيهِ هُجْنَةٌ لِما يُؤَدِّي إلَيْهِ مِن تَنافُرِ النَّظْمِ، فَإنْ قُلْتَ: المَقْذُوفُ في البَحْرِ هو التّابُوتُ وكَذَلِكَ المُلْقى إلى السّاحِلِ ؟ قُلْتُ: ما ضَرَّكَ لَوْ قُلْتَ المَقْذُوفُ والمُلْقى هو مُوسى في جَوْفِ التّابُوتِ حَتّى لا تَتَفَرَّقَ الضَّمائِرُ فَيَتَنافَرَ عَلَيْكَ النَّظْمُ، الَّذِي هو أُمُّ إعْجازِ القُرْآنِ، والقانُونُ الَّذِي وقَعَ عَلَيْهِ التَّحَدِّي ومُراعاتُهُ أهَمُّ ما يَجِبُ عَلى المُفَسِّرِ. انْتَهى. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ الضَّمِيرَ إذا كانَ صالِحًا لِأنْ يَعُودَ عَلى الأقْرَبِ وعَلى الأبْعَدِ كانَ عَوْدُهُ عَلى الأقْرَبِ راجِحًا، وقَدْ نَصَّ النَّحْوِيُّونَ عَلى هَذا فَعَوْدُهُ عَلى ﴿التّابُوتِ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ﴾ راجِحٌ، والجَوابُ أنَّهُ إذا كانَ أحَدُهُما هو المُحَدَّثَ عَنْهُ والآخَرُ فَضْلَةً كانَ عَوْدُهُ عَلى المُحَدَّثِ عَنْهُ أرْجَحَ، ولا يُلْتَفَتُ إلى القُرْبِ، ولِهَذا رَدَدْنا عَلى أبِي مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ في دَعْواهُ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ ﴿فَإنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] عائِدٌ عَلى خِنْزِيرٍ لا عَلى لَحْمٍ لِكَوْنِهِ أقْرَبَ مَذْكُورٍ، فَيَحْرُمُ بِذَلِكَ شَحْمُهُ وغُضْرُوفُهُ وعَظْمُهُ وجِلْدُهُ، بِأنَّ المُحَدَّثَ عَنْهُ هو لَحْمُ خِنْزِيرٍ لا خِنْزِيرٌ. و﴿فَلْيُلْقِهِ﴾ أمْرٌ مَعْناهُ الخَبَرُ، وجاءَ بِصِيغَةِ الأمْرِ مُبالَغَةً إذِ الأمْرُ أقْطَعُ الأفْعالِ وأوْجَبُها، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «قُومُوا فَلْأُصَلِّ لَكم» . أخْرَجَ الخَبَرِ في صِيغَةِ الأمْرِ لِنَفْسِهِ مُبالَغَةً، ومِن حَيْثُ خَرَجَ الفِعْلُ مَخْرَجَ الأمْرِ حَسُنَ جَوابُهُ كَذَلِكَ وهو قَوْلُهُ ﴿يَأْخُذْهُ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا كانَتْ مَشِيئَةُ اللَّهِ وإرادَتُهُ أنْ لا يُخْطِئَ جَرْيَةُ ماءِ اليَمِّ الوُصُولَ بِهِ إلى السّاحِلِ وإلْقاءَهُ إلَيْهِ سَلَكَ في ذَلِكَ سُبُلَ المَجازِ، وجَعَلَ اليَمَّ كَأنَّهُ ذُو تَمْيِيزٍ أمَرَ بِذَلِكَ لِيُطِيعَ الأمْرَ ويَمْتَثِلَ رَسْمَهُ فَقِيلَ ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ﴾ انْتَهى. وقالَ التِّرْمِذِيُّ: إنَّما ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الأمْرِ لِسابِقِ عِلْمِهِ بِوُقُوعِ المُخْبَرِ بِهِ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ، فَكَأنَّ البَحْرَ مَأْمُورٌ مُمْتَثِلٌ لِلْأمْرِ. وقالَ الفَرّاءُ: ﴿فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾ أمْرٌ وفِيهِ مَعْنى المُجازاةِ، أيِ: اقْذِفِيهِ يُلْقِهِ اليَمُّ، والظّاهِرُ أنَّ البَحْرَ ألْقاهُ بِالسّاحِلِ فالتَقَطَهُ مِنهُ. ورُوِيَ أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يَشْرَبُ في مَوْضِعٍ مِنَ النِّيلِ إذْ رَأى التّابُوتَ فَأمَرَ بِهِ فَسِيقَ إلَيْهِ وامْرَأتُهُ مَعَهُ، فَفَتَحَ فَرَأوْهُ، فَرَحِمَتْهُ امْرَأتُهُ وطَلَبَتْهُ لِتَتَّخِذَهُ ابْنًا فَأباحَ لَها ذَلِكَ. ورُوِيَ أنَّ التّابُوتَ جاءَ في الماءِ إلى المَشْرَعَةِ الَّتِي كانَتْ جَوارِي امْرَأةِ فِرْعَوْنَ يَسْتَقِينَ مِنها الماءَ. فَأخَذَتِ التّابُوتَ وجَلَبَتْهُ إلَيْها فَأخْرَجَتْهُ وأعْلَمَتْهُ فِرْعَوْنَ، والعَدُوُّ الَّذِي لِلَّهِ ولِمُوسى هو فِرْعَوْنُ، وأُخْبِرَتْ بِهِ أُمُّ مُوسى عَلى طَرِيقِ الإلْهامِ؛ ولِذَلِكَ قالَتْ لِأُخْتِهِ ﴿قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١] وهي لا تَدْرِي أيْنَ اسْتَقَرَّ. ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ قِيلَ: مَحَبَّةَ آسِيَةَ وفِرْعَوْنَ، وكانَ فِرْعَوْنُ قَدْ أحَبَّهُ حُبًّا شَدِيدًا حَتّى لا يَتَمالَكَ أنْ يَصْبِرَ عَنْهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أحَبَّهُ اللَّهُ وحَبَّبَهُ إلى خَلْقِهِ. وقالَ عَطِيَّةُ: جُعِلَتْ عَلَيْهِ مَسْحَةٌ مِن جَمالٍ لا يَكادُ يَصْبِرُ عَنْهُ مَن رَآهُ. وقالَ قَتادَةُ: كانَ في عَيْنَيْهِ مَلاحَةٌ ما رَآهُ أحَدٌ إلّا أحَبَّهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأقْوى الأقْوالِ أنَّهُ القَبُولُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (مِنِّي) لا يَخْلُوا أنْ يَتَعَلَّقَ بِألْقَيْتُ فَيَكُونُ المَعْنى عَلى أحْبَبْتُكَ، ومَن أحَبَّهُ اللَّهُ أحَبَّتْهُ القُلُوبُ، وإمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ (p-٢٤٢)هُوَ صِفَةٌ لِمَحَبَّةٍ، أيْ: مَحَبَّةً خالِصَةً أوْ واقِعَةً مِنِّي قَدْ رَكَّزْتُها أنا فِيها في القُلُوبِ وزَرَعْتُها فِيها، فَلِذَلِكَ أحَبَّكَ فِرْعَوْنُ وكُلُّ مَن أبْصَرَكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ولِتُصْنَعَ﴾: بِكَسْرِ لامِ كَيْ وضَمِّ التّاءِ ونَصْبِ الفِعْلِ، أيْ: ولِتُرَبّى ويُحْسَنَ إلَيْكَ. وأنا مُراعِيكَ وراقِبُكَ كَما يُراعِي الرَّجُلُ الشَّيْءَ بِعَيْنَيْهِ إذا اعْتَنى بِهِ. قالَ قَرِيبًا مِنهُ قَتادَةُ. وقالَ النَّحّاسُ:، يُقالُ صَنَعْتُ الفَرَسَ إذا أحْسَنْتُ إلَيْهِ وهو مَعْطُوفٌ عَلى عِلَّةِ مَحْذُوفٍ، أيْ: لِيَتَلَطَّفَ بِكَ (ولِتُصْنَعَ) أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُتَأخِّرٍ تَقْدِيرُهُ فَعَلْتُ ذَلِكَ. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو نَهِيكٍ بِفَتْحِ التّاءِ. قالَ ثَعْلَبٌ: مَعْناهُ لِتَكُونَ حَرَكَتُكَ وتَصَرُّفُكَ عَلى عَيْنٍ مِنِّي. وقَرَأ شَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ في رِوايَةٍ بِإسْكانِ اللّامِ والعَيْنِ وضَمِّ التّاءِ فِعْلُ أمْرٍ، وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ كَسَرَ اللّامَ. ﴿إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ﴾ قِيلَ اسْمُها مَرْيَمُ، سَبَبُ ذَلِكَ أنَّ آسِيَةَ عَرَّضَتْهُ لِلرَّضاعِ فَلَمْ يَقْبَلِ امْرَأةً، فَجَعَلَتْ تُنادِي عَلَيْهِ في المَدِينَةِ ويُطافُ بِهِ ويُعْرَضُ لِلْمَراضِعِ فَيَأْبى، وبَقِيَتْ أُمُّهُ بَعْدَ قَذْفِهِ في اليَمِّ مَغْمُومَةً، فَأمَرَتْ أُخْتَهُ بِالتَّفْتِيشِ في المَدِينَةِ لَعَلَّها تَقَعُ عَلى خَبَرِهِ، فَبَصُرَتْ بِهِ في طَوافِها، فَقالَتْ: أنا أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ لَكم وهم لَهُ ناصِحُونَ فَتَعَلَّقُوا بِها، وقالُوا: أنْتِ تَعْرِفِينَ هَذا الصَّبِيَّ ؟ فَقالَتْ: لا، ولَكِنْ أعْلَمُ مِن أهْلِ هَذا البَيْتِ الحِرْصَ عَلى التَّقَرُّبِ إلى المَلِكَةِ والجَدِّ في خِدْمَتِها ورِضاها، فَتَرَكُوها وسَألُوها الدَّلّالَةَ، فَجاءَتْ بِأُمِّ مُوسى فَلَمّا قَرَّبَتْهُ شَرِبَ ثَدْيَها فَسُرَّتْ آسِيَةُ، وقالَتْ لَها: كُونِي مَعَنا في القَصْرِ، فَقالَتْ: ما كُنْتُ لِأدَعَ بَيْتِي ووَلَدِي ولَكِنَّهُ يَكُونُ عِنْدِي قالَتْ: نَعَمْ، فَأحْسَنَتْ إلى أهْلِ ذَلِكَ البَيْتِ غايَةَ الإحْسانِ واعْتَزَّ بَنُو إسْرائِيلَ بِهَذا الرَّضاعِ والنَّسَبِ مِنَ المَلِكَةِ، ولَمّا كَمُلَ رِضاعُهُ أرْسَلَتْ آسِيَةُ إلَيْها أنْ جِيئِينِي بِوَلَدِي لِيَوْمِ كَذا، وأمَرَتْ خَدَمَها ومَن لَها أنْ يَلْقَيْنَهُ بِالتُّحَفِ والهَدايا واللِّباسِ، فَوَصَلَ إلَيْها عَلى ذَلِكَ وهو بِخَيْرِ حالٍ وأجْمَلِ شَبابٍ، فَسُرَّتْ بِهِ ودَخَلَتْ بِهِ عَلى فِرْعَوْنَ لِيَراهُ ولِيَهِبَهُ فَأعْجَبَهُ وقَرَّبَهُ، فَأخَذَ مُوسى بِلِحْيَةِ فِرْعَوْنَ وتَقَدَّمَ ما جَرى لَهُ عِنْدَ ذِكْرِ العُقْدَةِ. والعامِلُ في (إذْ) قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ ومَنَنّا إذْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ العامِلُ في ﴿إذْ تَمْشِي﴾ (ألْقَيْتُ) أوْ (تُصْنَعَ) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ﴿إذْ أوْحَيْنا﴾ فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَصِحُّ البَدَلُ والوَقْتانِ مُخْتَلِفانِ مُتَباعِدانِ ؟ قُلْتُ: كَما يَصِحُّ وإنِ اتَّسَعَ الوَقْتُ وتَباعَدَ طَرَفاهُ أنْ يَقُولَ لَكَ الرَّجُلُ لَقِيتُ فُلانًا سَنَةَ كَذا، فَتَقُولُ: وأنا لَقِيتُهُ إذْ ذاكَ. ورُبَّما لَقِيَهُ هو في أوَّلِها وأنْتَ في آخِرِها انْتَهى. ولَيْسَ كَما ذَكَرَ؛ لِأنَّ السَّنَةَ تَقْبَلُ الِاتِّساعَ فَإذا وقَعَ لُقِيُّهُما فِيها بِخِلافِ هَذَيْنِ الطَّرَفَيْنِ فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما ضَيِّقٌ لَيْسَ بِمُتَّسِعٍ لِتَخْصِيصِهِما بِما أُضِيفا إلَيْهِ فَلا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ الثّانِي في الطَّرَفِ الَّذِي وقَعَ فِيهِ الأوَّلُ، إذِ الأوَّلُ لَيْسَ مُتَّسِعًا لِوُقُوعِ الوَحْيِ فِيهِ ووُقُوعِ مَشْيِ الأُخْتِ، فَلَيْسَ وقْتُ وُقُوعِ الوَحْيِ مُشْتَمِلًا عَلى أجْزاءٍ وقَعَ في بَعْضِها المَشْيُ بِخِلافِ السَّنَةِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: (إذْ) مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (تُصْنَعَ)، ولَكَ أنْ تَنْصِبَ (إذْ) بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ واذْكُرْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿كَيْ تَقَرَّ﴾ بِفَتْحِ التّاءِ والقافِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِكَسْرِ القافِ، وتَقَدَّمَ أنَّهُما لُغَتانِ في قَوْلِهِ ﴿وقَرِّي عَيْنًا﴾ [مريم: ٢٦] . وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ القافِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. و﴿قَتَلْتَ نَفْسًا﴾ [القصص: ١٩] هو القِبْطِيُّ الَّذِي اسْتَغاثَهُ عَلَيْهِ الإسْرائِيلِيُّ قَتَلَهُ وهو ابْنُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، واغْتَمَّ بِسَبَبِ القَتْلِ خَوْفًا مِن عِقابِ اللَّهِ ومِنِ اقْتِصاصِ فِرْعَوْنَ، فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ بِاسْتِغْفارِهِ حِينَ قالَ ﴿رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦] ونَجّاهُ مِن فِرْعَوْنَ حِينَ هاجَرَ بِهِ إلى مَدْيَنَ، والغَمُّ ما يَغُمُّ عَلى القَلْبِ بِسَبَبِ خَوْفٍ أوْ فَواتِ مَقْصُودٍ، والغَمُّ - بِلُغَةِ قُرَيْشٍ - القَتْلُ، وقِيلَ: مِن غَمَّ التّابُوتُ. وقِيلَ: مِن غَمَّ البَحْرُ، والظّاهِرُ أنَّهُ مِن غَمَّ القَتْلُ حِينَ ذَهَبْنا بِكَ مِن مِصْرَ إلى مَدْيَنَ. والفُتُونُ مَصْدَرٌ جَمْعُ فِتَنٍ أوْ فِتْنَةٍ عَلى تَرْكِ الِاعْتِدادِ بِالتّاءِ كَحُجُوزٍ وبُدُورٍ في حُجْزَةٍ وبُدْرَةٍ، أيْ: (فَتَنّاكَ) ضُرُوبًا مِنَ الفِتَنِ، والفِتْنَةُ المِحْنَةُ وما يَشُقُّ عَلى الإنْسانِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ خَلَّصْناكَ مِن مِحْنَةٍ بَعْدَ مِحْنَةٍ. وُلِدَ في عامٍ (p-٢٤٣)كانَ يُقْتَلُ فِيهِ الوِلْدانُ، وألْقَتْهُ أُمُّهُ في البَحْرِ وهَمَّ فِرْعَوْنُ بِقَتْلِهِ، وقَتَلَ قِبْطِيًّا وآجَرَ نَفْسَهُ عَشْرَ سِنِينَ وضَلَّ الطَّرِيقَ وتَفَرَّقَتْ غَنَمُهُ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ انْتَهى. وهَذِهِ الفُتُونُ اخْتَبَرَهُ بِها وخَلَّصَهُ حَتّى صَلُحَ لِلنُّبُوَّةِ وسَلِمَ لَها، والسُّنُونُ الَّتِي لَبِثَها في مَدْيَنَ عَشْرُ سِنِينَ. وقالَ وهْبٌ: ثَمانٍ وعِشْرُونَ سَنَةً مِنها مَهْرُ ابْنَتِهِ، وبَيْنَ مِصْرَ ومَدْيَنَ ثَمانِ مَراحِلَ وفي الكَلامِ حَذْفٌ والتَّقْدِيرُ ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ فَخَرَجْتَ خائِفًا إلى ﴿أهْلِ مَدْيَنَ﴾ فَلَبِثْتَ سِنِينَ وكانَ عُمْرُهُ حِينَ ذَهَبَ إلى مَدْيَنَ اثْنَيْ عَشَرَ عامًا، وأقامَ عَشَرَةَ أعْوامٍ في رَعْيِ غَنَمِ شُعَيْبٍ، ثُمَّ ثَمانِيَةَ عَشَرَ عامًا بَعْدَ بِنائِهِ بِامْرَأتِهِ بِنْتِ شُعَيْبٍ، ووُلِدَ لَهُ فِيها فَكَمُلَ لَهُ أرْبَعُونَ سَنَةً وهي المُدَّةُ الَّتِي عادَةُ اللَّهِ إرْسالُ الأنْبِياءِ عَلى رَأْسِها. ”﴿ثُمَّ جِئْتَ﴾“ إلى المَكانِ الَّذِي ناجَيْتُكَ فِيهِ وكَلَّمْتُكَ واسْتَنْبَأْتُكَ. ”﴿عَلى قَدَرٍ﴾“، أيْ: وقْتٍ مُعَيَّنٍ قَدَّرْتُهُ لَمْ تَتَقَدَّمْهُ ولَمْ تَتَأخَّرْ عَنْهُ. وقِيلَ عَلى مِقْدارٍ مِنَ الزَّمانِ يُوحى إلى الأنْبِياءِ فِيهِ وهو الأرْبَعُونَ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎نالَ الخِلافَةَ أوْ جاءَتْ عَلى قَدَرٍ ∗∗∗ كَما أتى رَبَّهُ مُوسى عَلى قَدَرِ ﴿واصْطَنَعَتْكَ لِنَفْسِي﴾، أيْ: جَعَلْتُكَ مَوْضِعَ الصَّنِيعَةِ ومَقَرَّ الإكْمالِ والإحْسانِ، وأخْلَصْتُكَ بِالألْطافِ واخْتَرْتُكَ لِمَحَبَّتِي، يُقالُ: اصْطَنَعَ فُلانٌ فُلانًا اتَّخَذَهُ صَنِيعَةً، وهو افْتِعالٌ مِنَ الصُّنْعِ وهو الإحْسانُ إلى الشَّخْصِ حَتّى يُضافَ إلَيْهِ فَيُقالَ هَذا صَنِيعُ فُلانٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا تَمْثِيلٌ لِما خَوَّلَهُ مِن مَنزِلَةِ التَّقْرِيبِ والتَّكْرِيمِ والتَّكْلِيمِ، مَثَّلَ حالَهُ بِحالِ مَن يَراهُ المُلُوكُ بِجَمِيعِ خِصالٍ فِيهِ وخَصائِصَ أهْلًا لِأنْ يَكُونَ أقْرَبَ مَنزِلَةً إلَيْهِ وألْطَفَ مَحَلًّا، فَيَصْطَنِعُهُ بِالكَرامَةِ والأثَرَةِ ويَسْتَخْلِصُهُ لِنَفْسِهِ. انْتَهى. ومَعْنى ﴿لِنَفْسِي﴾، أيْ: لِأوامِرِي وإقامَةِ حُجَجِي وتَبْلِيغِ رِسالَتِي، فَحَرَكاتُكَ وسَكَناتُكَ لِي لا لِنَفْسِكَ ولا لِأحَدٍ غَيْرِكَ.

طه 20:38

(p-٢٣٨)﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى﴾ ﴿إذْ أوْحَيْنا إلى أُمِّكَ ما يُوحى﴾ ﴿أنِ اقْذِفِيهِ في التّابُوتِ فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ ﴿إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ولا تَحْزَنَ وقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ وفَتَنّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ في أهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يامُوسى﴾ ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ . لَمّا أمَرَهُ تَعالى بِالذَّهابِ إلى فِرْعَوْنَ (p-٢٣٩)عَرَفَ أنَّهُ كُلِّفَ أمْرًا عَظِيمًا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى احْتِمالِ ما لا يَحْتَمِلُهُ إلّا ذُو جَأْشٍ رابِطٍ وصَدْرٍ فَسِيحٍ، فَسَألَ رَبَّهُ ورَغِبَ في أنْ يَشْرَحَ صَدْرَهُ لِيَحْتَمِلَ ما يَرِدُ عَلَيْهِ مِنَ الشَّدائِدِ الَّتِي يَضِيقُ لَها الصَّدْرُ، وأنْ يُسَهِّلَ عَلَيْهِ أمْرَهُ لَلَّذِي هو خِلافَةُ اللَّهِ في أرْضِهِ وما يَصْحَبُها مِن مُزاوَلَةِ جَلائِلِ الخُطُوبِ، وقَدْ عَلِمَ ما عَلَيْهِ فِرْعَوْنُ مِنَ الجَبَرُوتِ والتَّمَرُّدِ والتَّسَلُّطِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: مَعْناهُ وسِّعْ لِي صَدْرِي لِأعِيَ عَنْكَ ما تُودِعُهُ مِن وحْيِكَ. وقالَ الكَرْمانِيُّ: وسِّعْ قَلْبِي ولَيِّنْهُ لِفَهْمِ خِطابِكَ وأداءِ رِسالَتِكَ. والقِيامِ بِما كَلَّفْتَنِيهِ مِن أعْبائِها. والعُقْدَةُ اسْتِعارَةٌ لِثِقَلٍ كانَ في لِسانِهِ خِلْقَةً. وقالَ مُجاهِدٌ: كانَتْ مِنَ الجَمْرَةِ الَّتِي أدْخَلَها فاهُ وكانَتْ آسِيَةُ قَدْ ألْقى اللَّهُ مَحَبَّتَهُ في قَلْبِها وسَألَتْ فِرْعَوْنَ أنْ لا يَذْبَحَهُ، فَبَيْنا هي تُرَقِّصُهُ يَوْمًا أخَذَهُ فِرْعَوْنُ في حِجْرِهِ، فَأخَذَ خَصْلَةً مِن لِحْيَتِهِ. وقِيلَ: لَطَمَهُ. وقِيلَ: ضَرَبَهُ بِقَضِيبٍ كانَ في يَدِهِ. فَغَضِبَ فِرْعَوْنُ فَدَعا بِالسَّيّافِ، فَقالَتْ: إنَّما هو صَبِيٌّ لا يُفَرِّقُ بَيْنَ الياقُوتِ والجَمْرِ. فَأحْضَرَ أوْ أرادَ أنْ يَمُدَّ يَدَهُ إلى الياقُوتِ، فَحَوَّلَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَدَهُ إلى الجَمْرَةِ فَأخَذَها ووَضَعَها في فِيهِ فاحْتَرَقَ لِسانُهُ، انْتَهى. وإحْراقُ النّارِ وتَأْثِيرُها في لِسانِهِ لا في يَدِهِ دَلِيلٌ عَلى فَسادِ قَوْلِ القائِلِينَ بِالطَّبِيعَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كانَتْ في لِسانِهِ رَتَّةٌ. وقِيلَ: حَدَثَتِ العُقْدَةُ بَعْدَ المُناجاةِ حَتّى لا يُكَلِّمَ أحَدًا بَعْدَها. وقالَ قُطْرُبٌ: كانَتْ فِيهِ مُسْكَةٌ عَنِ الكَلامِ. وقالَ ابْنُ عِيسى: العُقْدَةُ كالتَّمْتَمَةِ والفَأْفَأةِ. وطَلَبُ مُوسى مِن حَلِّ العُقْدَةِ قَدْرَ ما يُفْقَهُ قَوْلُهُ، قِيلَ: وبَقِيَ بَعْضُها لِقَوْلِهِ ﴿وأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا﴾ [القصص: ٣٤]، وقَوْلِهِ ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] . وقِيلَ: زالَتْ لِقَوْلِهِ ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ وهو قَوْلُ الحَسَنِ، قِيلَ: وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ: واحْلُلِ العُقْدَةَ، بَلْ قالَ: ﴿عُقْدَةً﴾ فَإذا حَلَّ عُقْدَةً فَقَدْ آتاهُ اللَّهُ سُؤْلَهُ. وقِيلَ في قَوْلِهِ ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] أنَّ مَعْناهُ لا يَأْتِي بِبَيانٍ وحُجَّةٍ، وإنَّما قالَ ذَلِكَ فِرْعَوْنُ تَمْوِيهًا، وقَدْ خاطَبَهُ وقَوْمَهُ، وكانُوا يَفْهَمُونَ عَنْهُ فَكَيْفَ يُمْكِنُ نَفْيُ البَيانِ أوْ مُقارَبَتُهُ ؟ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ لِي في قَوْلِهِ ﴿اشْرَحْ لِي صَدْرِي ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾: ما جَدْواهُ والكَلامُ بِدُونِهِ مُسْتَتِبٌّ ؟ قُلْتُ: قَدْ أبْهَمَ الكَلامَ أوَّلًا، فَقالَ: ﴿اشْرَحْ لِي﴾ ﴿ويَسِّرْ لِي﴾ فَعَلِمَ أنَّ ثَمَّ مَشْرُوحًا ومُيَسَّرًا، ثُمَّ بَيَّنَ ورَفَعَ الإبْهامَ فَذَكَرَهُما، فَكانَ آكَدَ لِطَلَبِ الشَّرْحِ والتَّيْسِيرِ لِصَدْرِهِ، وأمَرَهُ مِن أنْ يَقُولَ: اشْرَحْ صَدْرِي ويَسِّرْ أمْرِي، عَلى الإيضاحِ الشّارِحِ؛ لِأنَّهُ تَكْرِيرٌ لِلْمَعْنى الواحِدِ مِن طَرِيقَيِ الإجْمالِ والتَّفْصِيلِ. وقالَ أيْضًا: وفي تَنْكِيرِ العُقْدَةِ وإنْ لَمْ يَقُلْ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً﴾ ﴿لِسانِي﴾ أنَّهُ طَلَبَ حَلَّ بَعْضِها إرادَةَ أنْ يُفْهَمَ عَنْهُ فَهْمًا جَيِّدًا ولَمْ يَطْلُبِ الفَصاحَةَ الكامِلَةَ، و﴿مِن لِسانِي﴾ صِفَةٌ لِلْعُقْدَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: عُقْدَةً مِن عُقَدِ لِسانِي. انْتَهى. ويَظْهَرُ أنَّ ﴿مِن لِسانِي﴾ مُتَعَلِّقٌ بِاحْلُلْ؛ لِأنَّ مَوْضِعَ الصِّفَةِ لِعُقْدَةٍ، وكَذا قالَ الحَوْفِيُّ. وأجازَ أبُو البَقاءِ الوَجْهَيْنِ، والوَزِيرُ المُعِينُ القائِمُ بِوِزْرِ الأُمُورِ، أيْ: بِثِقَلِها، فَوَزِيرُ المَلِكِ يَتَحَمَّلُ عَنْهُ أوْزارَهُ ومُؤَنَهُ. وقِيلَ: مِنَ الوَزَرِ وهو المَلْجَأُ يَلْتَجِئُ إلَيْهِ الإنْسانُ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎مِنَ السِّباعِ الضَّوارِي دُونَهُ وزَرُ والنّاسُ شَرُّهم ما دُونَهُ وزَرُ ؎كَمْ مَعْشَرٍ سَلِمُوا لَمْ يُؤْذِهِمْ سَبْعُ ∗∗∗ وما نَرى بَشَرًا لَمْ يُؤْذِهِمْ بَشَرُ فالمَلِكُ يَعْتَصِمُ بِرَأْيِهِ ويَلْتَجِئُ إلَيْهِ في أُمُورِهِ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: هو مِنَ المُؤازَرَةِ وهي المُعاوَنَةُ والمُساعَدَةُ، والقِياسُ أزِيرٌ، وكَذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: وكانَ القِياسُ أزِيرًا فَقُلِبَتِ الهَمْزَةُ إلى الواوِ ووَجْهُ قَلْبِها أنَّ فَعِيلًا جاءَ في مَعْنى مُفاعِلٍ مَجِيأً صالِحًا، كَعَشِيرٍ وجَلِيسٍ وقَعِيدٍ وخَلِيلٍ وصَدِيقٍ ونَدِيمٍ، فَلَمّا قُلِبَ في أخِيهِ قُلِبَتْ فِيهِ، وحَمْلُ الشَّيْءِ عَلى نَظِيرِهِ لَيْسَ بِعَزِيزٍ. ونَظَرًا إلى يُوازِرُ وأخَواتِهِ وإلى المُوازَرَةِ انْتَهى. ولا حاجَةَ إلى ادِّعاءِ قَلْبِ الهَمْزَةِ واوًا؛ لِأنَّ لَنا اشْتِقاقًا واضِحًا وهو الوِزْرُ، وأمّا قَلْبُها في يُؤازِرُ فَلِأجْلِ (p-٢٤٠)ضَمَّةِ ما قَبْلَ الواوِ وهو أيْضًا إبْدالٌ غَيْرُ لازِمٍ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿لِي وزِيرًا﴾ مَفْعُولَيْنِ لِاجْعَلْ و(هارُونَ) بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ، وأنْ يَكُونَ ﴿وزِيرًا﴾ و(هارُونَ) مَفْعُولَيْهِ، وقَدَّمَ الثّانِيَ اعْتِناءً بِأمْرِ الوِزارَةِ و﴿أخِي﴾ بَدَلٌ مِن (هارُونَ) في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنْ جُعِلَ عَطْفَ بَيانٍ آخَرَ جازَ وحَسُنَ انْتَهى. ويَبْعُدُ فِيهِ عَطْفُ البَيانِ؛ لِأنَّ الأكْثَرَ في عَطْفِ البَيانِ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ دُونَهُ في الشُّهْرَةِ، والأمْرُ هُنا بِالعَكْسِ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ هُما المَفْعُولانِ و(لِي) مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] يَعْنُونَ أنَّهُ بِهِ يَتِمُّ المَعْنى. و(هارُونَ) عَلى ما تَقَدَّمَ. وجَوَّزُوا أنْ يَنْتَصِبَ (هارُونَ) بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيِ: اضْمُمْ إلَيَّ هارُونَ وهَذا لا حاجَةَ إلَيْهِ؛ لِأنَّ الكَلامَ تامٌّ بِدُونِ هَذا المَحْذُوفِ. وقَرَأ الحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ عامِرٍ (أشْدُدْ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ (وأُشْرِكْهُ) بِضَمِّها فِعْلًا مُضارِعًا مَجْزُومًا عَلى جَوابِ الأمْرِ وعُطِفَ عَلَيْهِ (وأُشْرِكْهُ) . وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ عَنِ الحَسَنِ: أنَّهُ قَرَأ أُشْدِدْ بِهِ مُضارِعُ شَدَّدَ لِلتَّكْثِيرِ والتَّكْرِيرِ، أيْ: كُلَّما حَزَنَنِي أمْرٌ شَدَدْتُ ﴿بِهِ أزْرِي﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿اشْدُدْ﴾ ﴿وأشْرِكْهُ﴾ عَلى مَعْنى الدُّعاءِ في شَدِّ الأزْرِ وتَشْرِيكِ هارُونَ في النُّبُوَّةِ، وكانَ الأمْرُ في قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ لا يُرِيدُ بِهِ النُّبُوَّةَ بَلْ يُرِيدُ تَدْبِيرَهُ ومُساعَدَتَهُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ لِمُوسى أنْ يُشْرِكَ في النُّبُوَّةِ أحَدًا. وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ (أخِي واشْدُدْ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ فِيمَن قَرَأ عَلى لَفْظِ الأمْرِ أنْ يَجْعَلَ ﴿أخِي﴾ مَرْفُوعًا عَلى الِابْتِداءِ و﴿اشْدُدْ بِهِ﴾ خَبَرُهُ ويُوقَفُ عَلى (هارُونَ) انْتَهى. وهو خِلافُ الظّاهِرِ فَلا يُصارُ إلَيْهِ لِغَيْرِ حاجَةٍ، وكانَ هارُونُ أكْبَرَ مِن مُوسى بِأرْبَعَةِ أعْوامٍ، وجَعَلَ مُوسى ما رَغِبَ فِيهِ وطَلَبَهُ مِن نِعَمٍ سَبَبًا تَلْزَمُ مِنهُ العِبادَةُ والِاجْتِهادُ في أمْرِ اللَّهِ، والتَّظافُرُ عَلى العِبادَةِ والتَّعاوُنُ فِيها مُثِيرٌ لِلرَّغْبَةِ والتَّزَيُّدِ مِنَ الخَيْرِ. ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ﴾ نُنَزِّهَكَ عَمّا لا يَلِيقُ بِكَ ﴿ونَذْكُرَكَ﴾ بِالدُّعاءِ والثَّناءِ عَلَيْكَ وقُدِّمَ التَّسْبِيحُ؛ لِأنَّهُ تَنْزِيهُهُ تَعالى في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وبَراءَتُهُ عَنِ النَّقائِصِ، ومَحَلُّ ذَلِكَ القَلْبُ، والذِّكْرُ والثَّناءُ عَلى اللَّهِ بِصِفاتِ الكَمالِ ومَحَلُّهُ اللِّسانُ، فَلِذَلِكَ قُدِّمَ ما مَحَلُّهُ القَلْبُ عَلى ما مَحَلُّهُ اللِّسانُ. و(كَثِيرًا) نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، أيْ: نُسَبِّحُكَ التَّسْبِيحَ في حالِ كَثْرَتِهِمْ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ عالِمًا بِأحْوالِنا. والسُّؤْلُ فِعْلٌ بِمَعْنى المَسْئُولِ كالخُبْزِ والأكْلِ بِمَعْنى المَخْبُوزِ والمَأْكُولِ، والمَعْنى أُعْطِيتَ طِلْبَتَكَ وما سَألْتَهُ مِن شَرْحِ الصَّدْرِ وتَيَسُّرِ الأمْرِ وحَلِّ العُقْدَةِ، وجَعْلِ أخِيكَ وزِيرًا وذَلِكَ مِنَ المِنَّةِ عَلَيْهِ. ثُمَّ ذَكَّرَهُ تَعالى تَقْدِيمَ مِنَّتِهِ عَلَيْهِ عَلى سَبِيلِ التَّوْقِيفِ لِيَعْظُمَ اجْتِهادُهُ وتَقْوى بَصِيرَتُهُ و(مَرَّةً) مَعْناهُ مِنَّةً و(أُخْرى) تَأْنِيثُ آخَرَ بِمَعْنى (غَيْرَ) أيْ: مِنَّةً غَيْرَ هَذِهِ المِنَّةِ، ولَيْسَتْ (أُخْرى) هُنا بِمَعْنى (آخِرَةً) فَتَكُونَ مُقابِلَةً لِلْأُولى، وتَخَيَّلَ ذَلِكَ بَعْضُهم فَقالَ: سَمّاها (أُخْرى) وهي أُولى لِأنَّها (أُخْرى) في الذَّكَرِ، والأُخْرى لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ يَكُونُ تَأْنِيثُ الآخَرِ بِفَتْحِ الخاءِ، وتَأْنِيثُ الآخَرِ بِمَعْنى آخِرِهِ فَهَذِهِ يُلْحَظُ فِيها مَعْنى التَّأخُّرِ. والمَعْنى أنِّي قَدْ حَفِظْتُكَ وأنْتَ طِفْلٌ رَضِيعٌ فَكَيْفَ لا أحْفَظُكَ وقَدْ أهَّلْتُكَ لِلرِّسالَةِ. وفي قَوْلِهِ ﴿مَرَّةً أُخْرى﴾ إجْمالٌ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ ﴿إذْ أوْحَيْنا إلى أُمِّكَ﴾ . قالَ الجُمْهُورُ: هي وحْيُ إلْهامٍ كَقَوْلِهِ ﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨] . وقِيلَ: وحْيُ إعْلامٍ إمّا بِإراءَةِ ذَلِكَ في مَنامٍ، وإمّا بِبَعْثِ مَلَكٍ إلَيْها لا عَلى جِهَةِ النُّبُوَّةِ كَما بُعِثَ إلى مَرْيَمَ، وهَذا هو الظّاهِرُ لِظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ﴾ ولِظاهِرِ آيَةِ القَصَصِ ﴿إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] ويَبْعُدُ ما صَدَّرَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلَهُ: مِن يَرُدُّ يَدَهُ، إمّا أنْ يَكُونَ عَلى لِسانِ نَبِيٍّ في وقْتِها كَقَوْلِهِ: ﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ﴾ [المائدة: ١١١]؛ لِأنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أنَّهُ كانَ في زَمَنِ فِرْعَوْنَ، وكانَ في زَمَنِ الحَوارِيِّينَ زَكَرِيّا ويَحْيى. وفي قَوْلِهِ ﴿ما يُوحى﴾ إبْهامٌ وإجْمالٌ كَقَوْلِهِ ﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ [النجم: ١٦] ﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨] وفِيهِ تَهْوِيلٌ وقَدْ فُسِّرَ هُنا بِقَوْلِهِ ﴿أنِ اقْذِفِيهِ في التّابُوتِ﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (p-٢٤١)و(أنْ) هي المُفَسِّرَةُ؛ لِأنَّ الوَحْيَ بِمَعْنى القَوْلِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: و(أنْ) في قَوْلِهِ ﴿أنِ اقْذِفِيهِ﴾ بَدَلٌ مِن ما يَعْنِي أنَّ (أنْ) مَصْدَرِيَّةٌ فَلِذَلِكَ كانَ لَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ. والوَجْهانِ سائِغانِ، والظّاهِرُ أنَّ ﴿التّابُوتِ﴾ كانَ مِن خَشَبٍ. وقِيلَ: مِن بَرْدِيِّ شَجَرِ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ سَدَّتْ خُرُوقَهُ وفَرَشَتْ فِيهِ نِطْعًا - وقِيلَ: قُطْنًا مَحْلُوجًا - وسَدَّتْ فَمَهُ وجَصَّصَتْهُ وقَيَّرَتْهُ وألْقَتْهُ في (اليَمِّ)، وهو اسْمٌ لِلْبَحْرِ العَذْبِ. وقِيلَ: اسْمٌ لِلنِّيلِ خاصَّةً. والأوَّلُ هو الصَّوابُ كَقَوْلِهِ: ﴿فَأغْرَقْناهم في اليَمِّ﴾ [الأعراف: ١٣٦] ولَمْ يُغْرَقُوا في النِّيلِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾ عائِدٌ عَلى مُوسى، وكَذَلِكَ الضَّمِيرانِ بَعْدَهُ إذْ هو المُحَدَّثُ عَنْهُ لا التّابُوتُ، إنَّما ذُكِرَ التّابُوتُ عَلى سَبِيلِ الوِعاءِ والفَضْلَةِ. وقالابْنُ عَطِيَّةَ: والضَّمِيرُ الأوَّلُ في ﴿اقْذِفِيهِ﴾ عائِدٌ عَلى مُوسى وفي الثّانِي عائِدٌ عَلى ﴿التّابُوتِ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى مُوسى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والضَّمائِرُ كُلُّها راجِعَةٌ إلى مُوسى، ورُجُوعُ بَعْضِها إلَيْهِ، وبَعْضِها إلى التّابُوتِ فِيهِ هُجْنَةٌ لِما يُؤَدِّي إلَيْهِ مِن تَنافُرِ النَّظْمِ، فَإنْ قُلْتَ: المَقْذُوفُ في البَحْرِ هو التّابُوتُ وكَذَلِكَ المُلْقى إلى السّاحِلِ ؟ قُلْتُ: ما ضَرَّكَ لَوْ قُلْتَ المَقْذُوفُ والمُلْقى هو مُوسى في جَوْفِ التّابُوتِ حَتّى لا تَتَفَرَّقَ الضَّمائِرُ فَيَتَنافَرَ عَلَيْكَ النَّظْمُ، الَّذِي هو أُمُّ إعْجازِ القُرْآنِ، والقانُونُ الَّذِي وقَعَ عَلَيْهِ التَّحَدِّي ومُراعاتُهُ أهَمُّ ما يَجِبُ عَلى المُفَسِّرِ. انْتَهى. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ الضَّمِيرَ إذا كانَ صالِحًا لِأنْ يَعُودَ عَلى الأقْرَبِ وعَلى الأبْعَدِ كانَ عَوْدُهُ عَلى الأقْرَبِ راجِحًا، وقَدْ نَصَّ النَّحْوِيُّونَ عَلى هَذا فَعَوْدُهُ عَلى ﴿التّابُوتِ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ﴾ راجِحٌ، والجَوابُ أنَّهُ إذا كانَ أحَدُهُما هو المُحَدَّثَ عَنْهُ والآخَرُ فَضْلَةً كانَ عَوْدُهُ عَلى المُحَدَّثِ عَنْهُ أرْجَحَ، ولا يُلْتَفَتُ إلى القُرْبِ، ولِهَذا رَدَدْنا عَلى أبِي مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ في دَعْواهُ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ ﴿فَإنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] عائِدٌ عَلى خِنْزِيرٍ لا عَلى لَحْمٍ لِكَوْنِهِ أقْرَبَ مَذْكُورٍ، فَيَحْرُمُ بِذَلِكَ شَحْمُهُ وغُضْرُوفُهُ وعَظْمُهُ وجِلْدُهُ، بِأنَّ المُحَدَّثَ عَنْهُ هو لَحْمُ خِنْزِيرٍ لا خِنْزِيرٌ. و﴿فَلْيُلْقِهِ﴾ أمْرٌ مَعْناهُ الخَبَرُ، وجاءَ بِصِيغَةِ الأمْرِ مُبالَغَةً إذِ الأمْرُ أقْطَعُ الأفْعالِ وأوْجَبُها، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «قُومُوا فَلْأُصَلِّ لَكم» . أخْرَجَ الخَبَرِ في صِيغَةِ الأمْرِ لِنَفْسِهِ مُبالَغَةً، ومِن حَيْثُ خَرَجَ الفِعْلُ مَخْرَجَ الأمْرِ حَسُنَ جَوابُهُ كَذَلِكَ وهو قَوْلُهُ ﴿يَأْخُذْهُ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا كانَتْ مَشِيئَةُ اللَّهِ وإرادَتُهُ أنْ لا يُخْطِئَ جَرْيَةُ ماءِ اليَمِّ الوُصُولَ بِهِ إلى السّاحِلِ وإلْقاءَهُ إلَيْهِ سَلَكَ في ذَلِكَ سُبُلَ المَجازِ، وجَعَلَ اليَمَّ كَأنَّهُ ذُو تَمْيِيزٍ أمَرَ بِذَلِكَ لِيُطِيعَ الأمْرَ ويَمْتَثِلَ رَسْمَهُ فَقِيلَ ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ﴾ انْتَهى. وقالَ التِّرْمِذِيُّ: إنَّما ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الأمْرِ لِسابِقِ عِلْمِهِ بِوُقُوعِ المُخْبَرِ بِهِ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ، فَكَأنَّ البَحْرَ مَأْمُورٌ مُمْتَثِلٌ لِلْأمْرِ. وقالَ الفَرّاءُ: ﴿فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾ أمْرٌ وفِيهِ مَعْنى المُجازاةِ، أيِ: اقْذِفِيهِ يُلْقِهِ اليَمُّ، والظّاهِرُ أنَّ البَحْرَ ألْقاهُ بِالسّاحِلِ فالتَقَطَهُ مِنهُ. ورُوِيَ أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يَشْرَبُ في مَوْضِعٍ مِنَ النِّيلِ إذْ رَأى التّابُوتَ فَأمَرَ بِهِ فَسِيقَ إلَيْهِ وامْرَأتُهُ مَعَهُ، فَفَتَحَ فَرَأوْهُ، فَرَحِمَتْهُ امْرَأتُهُ وطَلَبَتْهُ لِتَتَّخِذَهُ ابْنًا فَأباحَ لَها ذَلِكَ. ورُوِيَ أنَّ التّابُوتَ جاءَ في الماءِ إلى المَشْرَعَةِ الَّتِي كانَتْ جَوارِي امْرَأةِ فِرْعَوْنَ يَسْتَقِينَ مِنها الماءَ. فَأخَذَتِ التّابُوتَ وجَلَبَتْهُ إلَيْها فَأخْرَجَتْهُ وأعْلَمَتْهُ فِرْعَوْنَ، والعَدُوُّ الَّذِي لِلَّهِ ولِمُوسى هو فِرْعَوْنُ، وأُخْبِرَتْ بِهِ أُمُّ مُوسى عَلى طَرِيقِ الإلْهامِ؛ ولِذَلِكَ قالَتْ لِأُخْتِهِ ﴿قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١] وهي لا تَدْرِي أيْنَ اسْتَقَرَّ. ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ قِيلَ: مَحَبَّةَ آسِيَةَ وفِرْعَوْنَ، وكانَ فِرْعَوْنُ قَدْ أحَبَّهُ حُبًّا شَدِيدًا حَتّى لا يَتَمالَكَ أنْ يَصْبِرَ عَنْهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أحَبَّهُ اللَّهُ وحَبَّبَهُ إلى خَلْقِهِ. وقالَ عَطِيَّةُ: جُعِلَتْ عَلَيْهِ مَسْحَةٌ مِن جَمالٍ لا يَكادُ يَصْبِرُ عَنْهُ مَن رَآهُ. وقالَ قَتادَةُ: كانَ في عَيْنَيْهِ مَلاحَةٌ ما رَآهُ أحَدٌ إلّا أحَبَّهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأقْوى الأقْوالِ أنَّهُ القَبُولُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (مِنِّي) لا يَخْلُوا أنْ يَتَعَلَّقَ بِألْقَيْتُ فَيَكُونُ المَعْنى عَلى أحْبَبْتُكَ، ومَن أحَبَّهُ اللَّهُ أحَبَّتْهُ القُلُوبُ، وإمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ (p-٢٤٢)هُوَ صِفَةٌ لِمَحَبَّةٍ، أيْ: مَحَبَّةً خالِصَةً أوْ واقِعَةً مِنِّي قَدْ رَكَّزْتُها أنا فِيها في القُلُوبِ وزَرَعْتُها فِيها، فَلِذَلِكَ أحَبَّكَ فِرْعَوْنُ وكُلُّ مَن أبْصَرَكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ولِتُصْنَعَ﴾: بِكَسْرِ لامِ كَيْ وضَمِّ التّاءِ ونَصْبِ الفِعْلِ، أيْ: ولِتُرَبّى ويُحْسَنَ إلَيْكَ. وأنا مُراعِيكَ وراقِبُكَ كَما يُراعِي الرَّجُلُ الشَّيْءَ بِعَيْنَيْهِ إذا اعْتَنى بِهِ. قالَ قَرِيبًا مِنهُ قَتادَةُ. وقالَ النَّحّاسُ:، يُقالُ صَنَعْتُ الفَرَسَ إذا أحْسَنْتُ إلَيْهِ وهو مَعْطُوفٌ عَلى عِلَّةِ مَحْذُوفٍ، أيْ: لِيَتَلَطَّفَ بِكَ (ولِتُصْنَعَ) أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُتَأخِّرٍ تَقْدِيرُهُ فَعَلْتُ ذَلِكَ. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو نَهِيكٍ بِفَتْحِ التّاءِ. قالَ ثَعْلَبٌ: مَعْناهُ لِتَكُونَ حَرَكَتُكَ وتَصَرُّفُكَ عَلى عَيْنٍ مِنِّي. وقَرَأ شَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ في رِوايَةٍ بِإسْكانِ اللّامِ والعَيْنِ وضَمِّ التّاءِ فِعْلُ أمْرٍ، وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ كَسَرَ اللّامَ. ﴿إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ﴾ قِيلَ اسْمُها مَرْيَمُ، سَبَبُ ذَلِكَ أنَّ آسِيَةَ عَرَّضَتْهُ لِلرَّضاعِ فَلَمْ يَقْبَلِ امْرَأةً، فَجَعَلَتْ تُنادِي عَلَيْهِ في المَدِينَةِ ويُطافُ بِهِ ويُعْرَضُ لِلْمَراضِعِ فَيَأْبى، وبَقِيَتْ أُمُّهُ بَعْدَ قَذْفِهِ في اليَمِّ مَغْمُومَةً، فَأمَرَتْ أُخْتَهُ بِالتَّفْتِيشِ في المَدِينَةِ لَعَلَّها تَقَعُ عَلى خَبَرِهِ، فَبَصُرَتْ بِهِ في طَوافِها، فَقالَتْ: أنا أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ لَكم وهم لَهُ ناصِحُونَ فَتَعَلَّقُوا بِها، وقالُوا: أنْتِ تَعْرِفِينَ هَذا الصَّبِيَّ ؟ فَقالَتْ: لا، ولَكِنْ أعْلَمُ مِن أهْلِ هَذا البَيْتِ الحِرْصَ عَلى التَّقَرُّبِ إلى المَلِكَةِ والجَدِّ في خِدْمَتِها ورِضاها، فَتَرَكُوها وسَألُوها الدَّلّالَةَ، فَجاءَتْ بِأُمِّ مُوسى فَلَمّا قَرَّبَتْهُ شَرِبَ ثَدْيَها فَسُرَّتْ آسِيَةُ، وقالَتْ لَها: كُونِي مَعَنا في القَصْرِ، فَقالَتْ: ما كُنْتُ لِأدَعَ بَيْتِي ووَلَدِي ولَكِنَّهُ يَكُونُ عِنْدِي قالَتْ: نَعَمْ، فَأحْسَنَتْ إلى أهْلِ ذَلِكَ البَيْتِ غايَةَ الإحْسانِ واعْتَزَّ بَنُو إسْرائِيلَ بِهَذا الرَّضاعِ والنَّسَبِ مِنَ المَلِكَةِ، ولَمّا كَمُلَ رِضاعُهُ أرْسَلَتْ آسِيَةُ إلَيْها أنْ جِيئِينِي بِوَلَدِي لِيَوْمِ كَذا، وأمَرَتْ خَدَمَها ومَن لَها أنْ يَلْقَيْنَهُ بِالتُّحَفِ والهَدايا واللِّباسِ، فَوَصَلَ إلَيْها عَلى ذَلِكَ وهو بِخَيْرِ حالٍ وأجْمَلِ شَبابٍ، فَسُرَّتْ بِهِ ودَخَلَتْ بِهِ عَلى فِرْعَوْنَ لِيَراهُ ولِيَهِبَهُ فَأعْجَبَهُ وقَرَّبَهُ، فَأخَذَ مُوسى بِلِحْيَةِ فِرْعَوْنَ وتَقَدَّمَ ما جَرى لَهُ عِنْدَ ذِكْرِ العُقْدَةِ. والعامِلُ في (إذْ) قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ ومَنَنّا إذْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ العامِلُ في ﴿إذْ تَمْشِي﴾ (ألْقَيْتُ) أوْ (تُصْنَعَ) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ﴿إذْ أوْحَيْنا﴾ فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَصِحُّ البَدَلُ والوَقْتانِ مُخْتَلِفانِ مُتَباعِدانِ ؟ قُلْتُ: كَما يَصِحُّ وإنِ اتَّسَعَ الوَقْتُ وتَباعَدَ طَرَفاهُ أنْ يَقُولَ لَكَ الرَّجُلُ لَقِيتُ فُلانًا سَنَةَ كَذا، فَتَقُولُ: وأنا لَقِيتُهُ إذْ ذاكَ. ورُبَّما لَقِيَهُ هو في أوَّلِها وأنْتَ في آخِرِها انْتَهى. ولَيْسَ كَما ذَكَرَ؛ لِأنَّ السَّنَةَ تَقْبَلُ الِاتِّساعَ فَإذا وقَعَ لُقِيُّهُما فِيها بِخِلافِ هَذَيْنِ الطَّرَفَيْنِ فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما ضَيِّقٌ لَيْسَ بِمُتَّسِعٍ لِتَخْصِيصِهِما بِما أُضِيفا إلَيْهِ فَلا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ الثّانِي في الطَّرَفِ الَّذِي وقَعَ فِيهِ الأوَّلُ، إذِ الأوَّلُ لَيْسَ مُتَّسِعًا لِوُقُوعِ الوَحْيِ فِيهِ ووُقُوعِ مَشْيِ الأُخْتِ، فَلَيْسَ وقْتُ وُقُوعِ الوَحْيِ مُشْتَمِلًا عَلى أجْزاءٍ وقَعَ في بَعْضِها المَشْيُ بِخِلافِ السَّنَةِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: (إذْ) مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (تُصْنَعَ)، ولَكَ أنْ تَنْصِبَ (إذْ) بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ واذْكُرْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿كَيْ تَقَرَّ﴾ بِفَتْحِ التّاءِ والقافِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِكَسْرِ القافِ، وتَقَدَّمَ أنَّهُما لُغَتانِ في قَوْلِهِ ﴿وقَرِّي عَيْنًا﴾ [مريم: ٢٦] . وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ القافِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. و﴿قَتَلْتَ نَفْسًا﴾ [القصص: ١٩] هو القِبْطِيُّ الَّذِي اسْتَغاثَهُ عَلَيْهِ الإسْرائِيلِيُّ قَتَلَهُ وهو ابْنُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، واغْتَمَّ بِسَبَبِ القَتْلِ خَوْفًا مِن عِقابِ اللَّهِ ومِنِ اقْتِصاصِ فِرْعَوْنَ، فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ بِاسْتِغْفارِهِ حِينَ قالَ ﴿رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦] ونَجّاهُ مِن فِرْعَوْنَ حِينَ هاجَرَ بِهِ إلى مَدْيَنَ، والغَمُّ ما يَغُمُّ عَلى القَلْبِ بِسَبَبِ خَوْفٍ أوْ فَواتِ مَقْصُودٍ، والغَمُّ - بِلُغَةِ قُرَيْشٍ - القَتْلُ، وقِيلَ: مِن غَمَّ التّابُوتُ. وقِيلَ: مِن غَمَّ البَحْرُ، والظّاهِرُ أنَّهُ مِن غَمَّ القَتْلُ حِينَ ذَهَبْنا بِكَ مِن مِصْرَ إلى مَدْيَنَ. والفُتُونُ مَصْدَرٌ جَمْعُ فِتَنٍ أوْ فِتْنَةٍ عَلى تَرْكِ الِاعْتِدادِ بِالتّاءِ كَحُجُوزٍ وبُدُورٍ في حُجْزَةٍ وبُدْرَةٍ، أيْ: (فَتَنّاكَ) ضُرُوبًا مِنَ الفِتَنِ، والفِتْنَةُ المِحْنَةُ وما يَشُقُّ عَلى الإنْسانِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ خَلَّصْناكَ مِن مِحْنَةٍ بَعْدَ مِحْنَةٍ. وُلِدَ في عامٍ (p-٢٤٣)كانَ يُقْتَلُ فِيهِ الوِلْدانُ، وألْقَتْهُ أُمُّهُ في البَحْرِ وهَمَّ فِرْعَوْنُ بِقَتْلِهِ، وقَتَلَ قِبْطِيًّا وآجَرَ نَفْسَهُ عَشْرَ سِنِينَ وضَلَّ الطَّرِيقَ وتَفَرَّقَتْ غَنَمُهُ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ انْتَهى. وهَذِهِ الفُتُونُ اخْتَبَرَهُ بِها وخَلَّصَهُ حَتّى صَلُحَ لِلنُّبُوَّةِ وسَلِمَ لَها، والسُّنُونُ الَّتِي لَبِثَها في مَدْيَنَ عَشْرُ سِنِينَ. وقالَ وهْبٌ: ثَمانٍ وعِشْرُونَ سَنَةً مِنها مَهْرُ ابْنَتِهِ، وبَيْنَ مِصْرَ ومَدْيَنَ ثَمانِ مَراحِلَ وفي الكَلامِ حَذْفٌ والتَّقْدِيرُ ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ فَخَرَجْتَ خائِفًا إلى ﴿أهْلِ مَدْيَنَ﴾ فَلَبِثْتَ سِنِينَ وكانَ عُمْرُهُ حِينَ ذَهَبَ إلى مَدْيَنَ اثْنَيْ عَشَرَ عامًا، وأقامَ عَشَرَةَ أعْوامٍ في رَعْيِ غَنَمِ شُعَيْبٍ، ثُمَّ ثَمانِيَةَ عَشَرَ عامًا بَعْدَ بِنائِهِ بِامْرَأتِهِ بِنْتِ شُعَيْبٍ، ووُلِدَ لَهُ فِيها فَكَمُلَ لَهُ أرْبَعُونَ سَنَةً وهي المُدَّةُ الَّتِي عادَةُ اللَّهِ إرْسالُ الأنْبِياءِ عَلى رَأْسِها. ”﴿ثُمَّ جِئْتَ﴾“ إلى المَكانِ الَّذِي ناجَيْتُكَ فِيهِ وكَلَّمْتُكَ واسْتَنْبَأْتُكَ. ”﴿عَلى قَدَرٍ﴾“، أيْ: وقْتٍ مُعَيَّنٍ قَدَّرْتُهُ لَمْ تَتَقَدَّمْهُ ولَمْ تَتَأخَّرْ عَنْهُ. وقِيلَ عَلى مِقْدارٍ مِنَ الزَّمانِ يُوحى إلى الأنْبِياءِ فِيهِ وهو الأرْبَعُونَ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎نالَ الخِلافَةَ أوْ جاءَتْ عَلى قَدَرٍ ∗∗∗ كَما أتى رَبَّهُ مُوسى عَلى قَدَرِ ﴿واصْطَنَعَتْكَ لِنَفْسِي﴾، أيْ: جَعَلْتُكَ مَوْضِعَ الصَّنِيعَةِ ومَقَرَّ الإكْمالِ والإحْسانِ، وأخْلَصْتُكَ بِالألْطافِ واخْتَرْتُكَ لِمَحَبَّتِي، يُقالُ: اصْطَنَعَ فُلانٌ فُلانًا اتَّخَذَهُ صَنِيعَةً، وهو افْتِعالٌ مِنَ الصُّنْعِ وهو الإحْسانُ إلى الشَّخْصِ حَتّى يُضافَ إلَيْهِ فَيُقالَ هَذا صَنِيعُ فُلانٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا تَمْثِيلٌ لِما خَوَّلَهُ مِن مَنزِلَةِ التَّقْرِيبِ والتَّكْرِيمِ والتَّكْلِيمِ، مَثَّلَ حالَهُ بِحالِ مَن يَراهُ المُلُوكُ بِجَمِيعِ خِصالٍ فِيهِ وخَصائِصَ أهْلًا لِأنْ يَكُونَ أقْرَبَ مَنزِلَةً إلَيْهِ وألْطَفَ مَحَلًّا، فَيَصْطَنِعُهُ بِالكَرامَةِ والأثَرَةِ ويَسْتَخْلِصُهُ لِنَفْسِهِ. انْتَهى. ومَعْنى ﴿لِنَفْسِي﴾، أيْ: لِأوامِرِي وإقامَةِ حُجَجِي وتَبْلِيغِ رِسالَتِي، فَحَرَكاتُكَ وسَكَناتُكَ لِي لا لِنَفْسِكَ ولا لِأحَدٍ غَيْرِكَ.

طه 20:39

(p-٢٣٨)﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى﴾ ﴿إذْ أوْحَيْنا إلى أُمِّكَ ما يُوحى﴾ ﴿أنِ اقْذِفِيهِ في التّابُوتِ فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ ﴿إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ولا تَحْزَنَ وقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ وفَتَنّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ في أهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يامُوسى﴾ ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ . لَمّا أمَرَهُ تَعالى بِالذَّهابِ إلى فِرْعَوْنَ (p-٢٣٩)عَرَفَ أنَّهُ كُلِّفَ أمْرًا عَظِيمًا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى احْتِمالِ ما لا يَحْتَمِلُهُ إلّا ذُو جَأْشٍ رابِطٍ وصَدْرٍ فَسِيحٍ، فَسَألَ رَبَّهُ ورَغِبَ في أنْ يَشْرَحَ صَدْرَهُ لِيَحْتَمِلَ ما يَرِدُ عَلَيْهِ مِنَ الشَّدائِدِ الَّتِي يَضِيقُ لَها الصَّدْرُ، وأنْ يُسَهِّلَ عَلَيْهِ أمْرَهُ لَلَّذِي هو خِلافَةُ اللَّهِ في أرْضِهِ وما يَصْحَبُها مِن مُزاوَلَةِ جَلائِلِ الخُطُوبِ، وقَدْ عَلِمَ ما عَلَيْهِ فِرْعَوْنُ مِنَ الجَبَرُوتِ والتَّمَرُّدِ والتَّسَلُّطِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: مَعْناهُ وسِّعْ لِي صَدْرِي لِأعِيَ عَنْكَ ما تُودِعُهُ مِن وحْيِكَ. وقالَ الكَرْمانِيُّ: وسِّعْ قَلْبِي ولَيِّنْهُ لِفَهْمِ خِطابِكَ وأداءِ رِسالَتِكَ. والقِيامِ بِما كَلَّفْتَنِيهِ مِن أعْبائِها. والعُقْدَةُ اسْتِعارَةٌ لِثِقَلٍ كانَ في لِسانِهِ خِلْقَةً. وقالَ مُجاهِدٌ: كانَتْ مِنَ الجَمْرَةِ الَّتِي أدْخَلَها فاهُ وكانَتْ آسِيَةُ قَدْ ألْقى اللَّهُ مَحَبَّتَهُ في قَلْبِها وسَألَتْ فِرْعَوْنَ أنْ لا يَذْبَحَهُ، فَبَيْنا هي تُرَقِّصُهُ يَوْمًا أخَذَهُ فِرْعَوْنُ في حِجْرِهِ، فَأخَذَ خَصْلَةً مِن لِحْيَتِهِ. وقِيلَ: لَطَمَهُ. وقِيلَ: ضَرَبَهُ بِقَضِيبٍ كانَ في يَدِهِ. فَغَضِبَ فِرْعَوْنُ فَدَعا بِالسَّيّافِ، فَقالَتْ: إنَّما هو صَبِيٌّ لا يُفَرِّقُ بَيْنَ الياقُوتِ والجَمْرِ. فَأحْضَرَ أوْ أرادَ أنْ يَمُدَّ يَدَهُ إلى الياقُوتِ، فَحَوَّلَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَدَهُ إلى الجَمْرَةِ فَأخَذَها ووَضَعَها في فِيهِ فاحْتَرَقَ لِسانُهُ، انْتَهى. وإحْراقُ النّارِ وتَأْثِيرُها في لِسانِهِ لا في يَدِهِ دَلِيلٌ عَلى فَسادِ قَوْلِ القائِلِينَ بِالطَّبِيعَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كانَتْ في لِسانِهِ رَتَّةٌ. وقِيلَ: حَدَثَتِ العُقْدَةُ بَعْدَ المُناجاةِ حَتّى لا يُكَلِّمَ أحَدًا بَعْدَها. وقالَ قُطْرُبٌ: كانَتْ فِيهِ مُسْكَةٌ عَنِ الكَلامِ. وقالَ ابْنُ عِيسى: العُقْدَةُ كالتَّمْتَمَةِ والفَأْفَأةِ. وطَلَبُ مُوسى مِن حَلِّ العُقْدَةِ قَدْرَ ما يُفْقَهُ قَوْلُهُ، قِيلَ: وبَقِيَ بَعْضُها لِقَوْلِهِ ﴿وأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا﴾ [القصص: ٣٤]، وقَوْلِهِ ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] . وقِيلَ: زالَتْ لِقَوْلِهِ ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ وهو قَوْلُ الحَسَنِ، قِيلَ: وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ: واحْلُلِ العُقْدَةَ، بَلْ قالَ: ﴿عُقْدَةً﴾ فَإذا حَلَّ عُقْدَةً فَقَدْ آتاهُ اللَّهُ سُؤْلَهُ. وقِيلَ في قَوْلِهِ ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] أنَّ مَعْناهُ لا يَأْتِي بِبَيانٍ وحُجَّةٍ، وإنَّما قالَ ذَلِكَ فِرْعَوْنُ تَمْوِيهًا، وقَدْ خاطَبَهُ وقَوْمَهُ، وكانُوا يَفْهَمُونَ عَنْهُ فَكَيْفَ يُمْكِنُ نَفْيُ البَيانِ أوْ مُقارَبَتُهُ ؟ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ لِي في قَوْلِهِ ﴿اشْرَحْ لِي صَدْرِي ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾: ما جَدْواهُ والكَلامُ بِدُونِهِ مُسْتَتِبٌّ ؟ قُلْتُ: قَدْ أبْهَمَ الكَلامَ أوَّلًا، فَقالَ: ﴿اشْرَحْ لِي﴾ ﴿ويَسِّرْ لِي﴾ فَعَلِمَ أنَّ ثَمَّ مَشْرُوحًا ومُيَسَّرًا، ثُمَّ بَيَّنَ ورَفَعَ الإبْهامَ فَذَكَرَهُما، فَكانَ آكَدَ لِطَلَبِ الشَّرْحِ والتَّيْسِيرِ لِصَدْرِهِ، وأمَرَهُ مِن أنْ يَقُولَ: اشْرَحْ صَدْرِي ويَسِّرْ أمْرِي، عَلى الإيضاحِ الشّارِحِ؛ لِأنَّهُ تَكْرِيرٌ لِلْمَعْنى الواحِدِ مِن طَرِيقَيِ الإجْمالِ والتَّفْصِيلِ. وقالَ أيْضًا: وفي تَنْكِيرِ العُقْدَةِ وإنْ لَمْ يَقُلْ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً﴾ ﴿لِسانِي﴾ أنَّهُ طَلَبَ حَلَّ بَعْضِها إرادَةَ أنْ يُفْهَمَ عَنْهُ فَهْمًا جَيِّدًا ولَمْ يَطْلُبِ الفَصاحَةَ الكامِلَةَ، و﴿مِن لِسانِي﴾ صِفَةٌ لِلْعُقْدَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: عُقْدَةً مِن عُقَدِ لِسانِي. انْتَهى. ويَظْهَرُ أنَّ ﴿مِن لِسانِي﴾ مُتَعَلِّقٌ بِاحْلُلْ؛ لِأنَّ مَوْضِعَ الصِّفَةِ لِعُقْدَةٍ، وكَذا قالَ الحَوْفِيُّ. وأجازَ أبُو البَقاءِ الوَجْهَيْنِ، والوَزِيرُ المُعِينُ القائِمُ بِوِزْرِ الأُمُورِ، أيْ: بِثِقَلِها، فَوَزِيرُ المَلِكِ يَتَحَمَّلُ عَنْهُ أوْزارَهُ ومُؤَنَهُ. وقِيلَ: مِنَ الوَزَرِ وهو المَلْجَأُ يَلْتَجِئُ إلَيْهِ الإنْسانُ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎مِنَ السِّباعِ الضَّوارِي دُونَهُ وزَرُ والنّاسُ شَرُّهم ما دُونَهُ وزَرُ ؎كَمْ مَعْشَرٍ سَلِمُوا لَمْ يُؤْذِهِمْ سَبْعُ ∗∗∗ وما نَرى بَشَرًا لَمْ يُؤْذِهِمْ بَشَرُ فالمَلِكُ يَعْتَصِمُ بِرَأْيِهِ ويَلْتَجِئُ إلَيْهِ في أُمُورِهِ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: هو مِنَ المُؤازَرَةِ وهي المُعاوَنَةُ والمُساعَدَةُ، والقِياسُ أزِيرٌ، وكَذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: وكانَ القِياسُ أزِيرًا فَقُلِبَتِ الهَمْزَةُ إلى الواوِ ووَجْهُ قَلْبِها أنَّ فَعِيلًا جاءَ في مَعْنى مُفاعِلٍ مَجِيأً صالِحًا، كَعَشِيرٍ وجَلِيسٍ وقَعِيدٍ وخَلِيلٍ وصَدِيقٍ ونَدِيمٍ، فَلَمّا قُلِبَ في أخِيهِ قُلِبَتْ فِيهِ، وحَمْلُ الشَّيْءِ عَلى نَظِيرِهِ لَيْسَ بِعَزِيزٍ. ونَظَرًا إلى يُوازِرُ وأخَواتِهِ وإلى المُوازَرَةِ انْتَهى. ولا حاجَةَ إلى ادِّعاءِ قَلْبِ الهَمْزَةِ واوًا؛ لِأنَّ لَنا اشْتِقاقًا واضِحًا وهو الوِزْرُ، وأمّا قَلْبُها في يُؤازِرُ فَلِأجْلِ (p-٢٤٠)ضَمَّةِ ما قَبْلَ الواوِ وهو أيْضًا إبْدالٌ غَيْرُ لازِمٍ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿لِي وزِيرًا﴾ مَفْعُولَيْنِ لِاجْعَلْ و(هارُونَ) بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ، وأنْ يَكُونَ ﴿وزِيرًا﴾ و(هارُونَ) مَفْعُولَيْهِ، وقَدَّمَ الثّانِيَ اعْتِناءً بِأمْرِ الوِزارَةِ و﴿أخِي﴾ بَدَلٌ مِن (هارُونَ) في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنْ جُعِلَ عَطْفَ بَيانٍ آخَرَ جازَ وحَسُنَ انْتَهى. ويَبْعُدُ فِيهِ عَطْفُ البَيانِ؛ لِأنَّ الأكْثَرَ في عَطْفِ البَيانِ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ دُونَهُ في الشُّهْرَةِ، والأمْرُ هُنا بِالعَكْسِ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ هُما المَفْعُولانِ و(لِي) مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] يَعْنُونَ أنَّهُ بِهِ يَتِمُّ المَعْنى. و(هارُونَ) عَلى ما تَقَدَّمَ. وجَوَّزُوا أنْ يَنْتَصِبَ (هارُونَ) بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيِ: اضْمُمْ إلَيَّ هارُونَ وهَذا لا حاجَةَ إلَيْهِ؛ لِأنَّ الكَلامَ تامٌّ بِدُونِ هَذا المَحْذُوفِ. وقَرَأ الحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ عامِرٍ (أشْدُدْ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ (وأُشْرِكْهُ) بِضَمِّها فِعْلًا مُضارِعًا مَجْزُومًا عَلى جَوابِ الأمْرِ وعُطِفَ عَلَيْهِ (وأُشْرِكْهُ) . وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ عَنِ الحَسَنِ: أنَّهُ قَرَأ أُشْدِدْ بِهِ مُضارِعُ شَدَّدَ لِلتَّكْثِيرِ والتَّكْرِيرِ، أيْ: كُلَّما حَزَنَنِي أمْرٌ شَدَدْتُ ﴿بِهِ أزْرِي﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿اشْدُدْ﴾ ﴿وأشْرِكْهُ﴾ عَلى مَعْنى الدُّعاءِ في شَدِّ الأزْرِ وتَشْرِيكِ هارُونَ في النُّبُوَّةِ، وكانَ الأمْرُ في قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ لا يُرِيدُ بِهِ النُّبُوَّةَ بَلْ يُرِيدُ تَدْبِيرَهُ ومُساعَدَتَهُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ لِمُوسى أنْ يُشْرِكَ في النُّبُوَّةِ أحَدًا. وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ (أخِي واشْدُدْ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ فِيمَن قَرَأ عَلى لَفْظِ الأمْرِ أنْ يَجْعَلَ ﴿أخِي﴾ مَرْفُوعًا عَلى الِابْتِداءِ و﴿اشْدُدْ بِهِ﴾ خَبَرُهُ ويُوقَفُ عَلى (هارُونَ) انْتَهى. وهو خِلافُ الظّاهِرِ فَلا يُصارُ إلَيْهِ لِغَيْرِ حاجَةٍ، وكانَ هارُونُ أكْبَرَ مِن مُوسى بِأرْبَعَةِ أعْوامٍ، وجَعَلَ مُوسى ما رَغِبَ فِيهِ وطَلَبَهُ مِن نِعَمٍ سَبَبًا تَلْزَمُ مِنهُ العِبادَةُ والِاجْتِهادُ في أمْرِ اللَّهِ، والتَّظافُرُ عَلى العِبادَةِ والتَّعاوُنُ فِيها مُثِيرٌ لِلرَّغْبَةِ والتَّزَيُّدِ مِنَ الخَيْرِ. ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ﴾ نُنَزِّهَكَ عَمّا لا يَلِيقُ بِكَ ﴿ونَذْكُرَكَ﴾ بِالدُّعاءِ والثَّناءِ عَلَيْكَ وقُدِّمَ التَّسْبِيحُ؛ لِأنَّهُ تَنْزِيهُهُ تَعالى في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وبَراءَتُهُ عَنِ النَّقائِصِ، ومَحَلُّ ذَلِكَ القَلْبُ، والذِّكْرُ والثَّناءُ عَلى اللَّهِ بِصِفاتِ الكَمالِ ومَحَلُّهُ اللِّسانُ، فَلِذَلِكَ قُدِّمَ ما مَحَلُّهُ القَلْبُ عَلى ما مَحَلُّهُ اللِّسانُ. و(كَثِيرًا) نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، أيْ: نُسَبِّحُكَ التَّسْبِيحَ في حالِ كَثْرَتِهِمْ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ عالِمًا بِأحْوالِنا. والسُّؤْلُ فِعْلٌ بِمَعْنى المَسْئُولِ كالخُبْزِ والأكْلِ بِمَعْنى المَخْبُوزِ والمَأْكُولِ، والمَعْنى أُعْطِيتَ طِلْبَتَكَ وما سَألْتَهُ مِن شَرْحِ الصَّدْرِ وتَيَسُّرِ الأمْرِ وحَلِّ العُقْدَةِ، وجَعْلِ أخِيكَ وزِيرًا وذَلِكَ مِنَ المِنَّةِ عَلَيْهِ. ثُمَّ ذَكَّرَهُ تَعالى تَقْدِيمَ مِنَّتِهِ عَلَيْهِ عَلى سَبِيلِ التَّوْقِيفِ لِيَعْظُمَ اجْتِهادُهُ وتَقْوى بَصِيرَتُهُ و(مَرَّةً) مَعْناهُ مِنَّةً و(أُخْرى) تَأْنِيثُ آخَرَ بِمَعْنى (غَيْرَ) أيْ: مِنَّةً غَيْرَ هَذِهِ المِنَّةِ، ولَيْسَتْ (أُخْرى) هُنا بِمَعْنى (آخِرَةً) فَتَكُونَ مُقابِلَةً لِلْأُولى، وتَخَيَّلَ ذَلِكَ بَعْضُهم فَقالَ: سَمّاها (أُخْرى) وهي أُولى لِأنَّها (أُخْرى) في الذَّكَرِ، والأُخْرى لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ يَكُونُ تَأْنِيثُ الآخَرِ بِفَتْحِ الخاءِ، وتَأْنِيثُ الآخَرِ بِمَعْنى آخِرِهِ فَهَذِهِ يُلْحَظُ فِيها مَعْنى التَّأخُّرِ. والمَعْنى أنِّي قَدْ حَفِظْتُكَ وأنْتَ طِفْلٌ رَضِيعٌ فَكَيْفَ لا أحْفَظُكَ وقَدْ أهَّلْتُكَ لِلرِّسالَةِ. وفي قَوْلِهِ ﴿مَرَّةً أُخْرى﴾ إجْمالٌ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ ﴿إذْ أوْحَيْنا إلى أُمِّكَ﴾ . قالَ الجُمْهُورُ: هي وحْيُ إلْهامٍ كَقَوْلِهِ ﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨] . وقِيلَ: وحْيُ إعْلامٍ إمّا بِإراءَةِ ذَلِكَ في مَنامٍ، وإمّا بِبَعْثِ مَلَكٍ إلَيْها لا عَلى جِهَةِ النُّبُوَّةِ كَما بُعِثَ إلى مَرْيَمَ، وهَذا هو الظّاهِرُ لِظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ﴾ ولِظاهِرِ آيَةِ القَصَصِ ﴿إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] ويَبْعُدُ ما صَدَّرَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلَهُ: مِن يَرُدُّ يَدَهُ، إمّا أنْ يَكُونَ عَلى لِسانِ نَبِيٍّ في وقْتِها كَقَوْلِهِ: ﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ﴾ [المائدة: ١١١]؛ لِأنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أنَّهُ كانَ في زَمَنِ فِرْعَوْنَ، وكانَ في زَمَنِ الحَوارِيِّينَ زَكَرِيّا ويَحْيى. وفي قَوْلِهِ ﴿ما يُوحى﴾ إبْهامٌ وإجْمالٌ كَقَوْلِهِ ﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ [النجم: ١٦] ﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨] وفِيهِ تَهْوِيلٌ وقَدْ فُسِّرَ هُنا بِقَوْلِهِ ﴿أنِ اقْذِفِيهِ في التّابُوتِ﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (p-٢٤١)و(أنْ) هي المُفَسِّرَةُ؛ لِأنَّ الوَحْيَ بِمَعْنى القَوْلِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: و(أنْ) في قَوْلِهِ ﴿أنِ اقْذِفِيهِ﴾ بَدَلٌ مِن ما يَعْنِي أنَّ (أنْ) مَصْدَرِيَّةٌ فَلِذَلِكَ كانَ لَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ. والوَجْهانِ سائِغانِ، والظّاهِرُ أنَّ ﴿التّابُوتِ﴾ كانَ مِن خَشَبٍ. وقِيلَ: مِن بَرْدِيِّ شَجَرِ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ سَدَّتْ خُرُوقَهُ وفَرَشَتْ فِيهِ نِطْعًا - وقِيلَ: قُطْنًا مَحْلُوجًا - وسَدَّتْ فَمَهُ وجَصَّصَتْهُ وقَيَّرَتْهُ وألْقَتْهُ في (اليَمِّ)، وهو اسْمٌ لِلْبَحْرِ العَذْبِ. وقِيلَ: اسْمٌ لِلنِّيلِ خاصَّةً. والأوَّلُ هو الصَّوابُ كَقَوْلِهِ: ﴿فَأغْرَقْناهم في اليَمِّ﴾ [الأعراف: ١٣٦] ولَمْ يُغْرَقُوا في النِّيلِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾ عائِدٌ عَلى مُوسى، وكَذَلِكَ الضَّمِيرانِ بَعْدَهُ إذْ هو المُحَدَّثُ عَنْهُ لا التّابُوتُ، إنَّما ذُكِرَ التّابُوتُ عَلى سَبِيلِ الوِعاءِ والفَضْلَةِ. وقالابْنُ عَطِيَّةَ: والضَّمِيرُ الأوَّلُ في ﴿اقْذِفِيهِ﴾ عائِدٌ عَلى مُوسى وفي الثّانِي عائِدٌ عَلى ﴿التّابُوتِ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى مُوسى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والضَّمائِرُ كُلُّها راجِعَةٌ إلى مُوسى، ورُجُوعُ بَعْضِها إلَيْهِ، وبَعْضِها إلى التّابُوتِ فِيهِ هُجْنَةٌ لِما يُؤَدِّي إلَيْهِ مِن تَنافُرِ النَّظْمِ، فَإنْ قُلْتَ: المَقْذُوفُ في البَحْرِ هو التّابُوتُ وكَذَلِكَ المُلْقى إلى السّاحِلِ ؟ قُلْتُ: ما ضَرَّكَ لَوْ قُلْتَ المَقْذُوفُ والمُلْقى هو مُوسى في جَوْفِ التّابُوتِ حَتّى لا تَتَفَرَّقَ الضَّمائِرُ فَيَتَنافَرَ عَلَيْكَ النَّظْمُ، الَّذِي هو أُمُّ إعْجازِ القُرْآنِ، والقانُونُ الَّذِي وقَعَ عَلَيْهِ التَّحَدِّي ومُراعاتُهُ أهَمُّ ما يَجِبُ عَلى المُفَسِّرِ. انْتَهى. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ الضَّمِيرَ إذا كانَ صالِحًا لِأنْ يَعُودَ عَلى الأقْرَبِ وعَلى الأبْعَدِ كانَ عَوْدُهُ عَلى الأقْرَبِ راجِحًا، وقَدْ نَصَّ النَّحْوِيُّونَ عَلى هَذا فَعَوْدُهُ عَلى ﴿التّابُوتِ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ﴾ راجِحٌ، والجَوابُ أنَّهُ إذا كانَ أحَدُهُما هو المُحَدَّثَ عَنْهُ والآخَرُ فَضْلَةً كانَ عَوْدُهُ عَلى المُحَدَّثِ عَنْهُ أرْجَحَ، ولا يُلْتَفَتُ إلى القُرْبِ، ولِهَذا رَدَدْنا عَلى أبِي مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ في دَعْواهُ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ ﴿فَإنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] عائِدٌ عَلى خِنْزِيرٍ لا عَلى لَحْمٍ لِكَوْنِهِ أقْرَبَ مَذْكُورٍ، فَيَحْرُمُ بِذَلِكَ شَحْمُهُ وغُضْرُوفُهُ وعَظْمُهُ وجِلْدُهُ، بِأنَّ المُحَدَّثَ عَنْهُ هو لَحْمُ خِنْزِيرٍ لا خِنْزِيرٌ. و﴿فَلْيُلْقِهِ﴾ أمْرٌ مَعْناهُ الخَبَرُ، وجاءَ بِصِيغَةِ الأمْرِ مُبالَغَةً إذِ الأمْرُ أقْطَعُ الأفْعالِ وأوْجَبُها، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «قُومُوا فَلْأُصَلِّ لَكم» . أخْرَجَ الخَبَرِ في صِيغَةِ الأمْرِ لِنَفْسِهِ مُبالَغَةً، ومِن حَيْثُ خَرَجَ الفِعْلُ مَخْرَجَ الأمْرِ حَسُنَ جَوابُهُ كَذَلِكَ وهو قَوْلُهُ ﴿يَأْخُذْهُ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا كانَتْ مَشِيئَةُ اللَّهِ وإرادَتُهُ أنْ لا يُخْطِئَ جَرْيَةُ ماءِ اليَمِّ الوُصُولَ بِهِ إلى السّاحِلِ وإلْقاءَهُ إلَيْهِ سَلَكَ في ذَلِكَ سُبُلَ المَجازِ، وجَعَلَ اليَمَّ كَأنَّهُ ذُو تَمْيِيزٍ أمَرَ بِذَلِكَ لِيُطِيعَ الأمْرَ ويَمْتَثِلَ رَسْمَهُ فَقِيلَ ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ﴾ انْتَهى. وقالَ التِّرْمِذِيُّ: إنَّما ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الأمْرِ لِسابِقِ عِلْمِهِ بِوُقُوعِ المُخْبَرِ بِهِ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ، فَكَأنَّ البَحْرَ مَأْمُورٌ مُمْتَثِلٌ لِلْأمْرِ. وقالَ الفَرّاءُ: ﴿فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾ أمْرٌ وفِيهِ مَعْنى المُجازاةِ، أيِ: اقْذِفِيهِ يُلْقِهِ اليَمُّ، والظّاهِرُ أنَّ البَحْرَ ألْقاهُ بِالسّاحِلِ فالتَقَطَهُ مِنهُ. ورُوِيَ أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يَشْرَبُ في مَوْضِعٍ مِنَ النِّيلِ إذْ رَأى التّابُوتَ فَأمَرَ بِهِ فَسِيقَ إلَيْهِ وامْرَأتُهُ مَعَهُ، فَفَتَحَ فَرَأوْهُ، فَرَحِمَتْهُ امْرَأتُهُ وطَلَبَتْهُ لِتَتَّخِذَهُ ابْنًا فَأباحَ لَها ذَلِكَ. ورُوِيَ أنَّ التّابُوتَ جاءَ في الماءِ إلى المَشْرَعَةِ الَّتِي كانَتْ جَوارِي امْرَأةِ فِرْعَوْنَ يَسْتَقِينَ مِنها الماءَ. فَأخَذَتِ التّابُوتَ وجَلَبَتْهُ إلَيْها فَأخْرَجَتْهُ وأعْلَمَتْهُ فِرْعَوْنَ، والعَدُوُّ الَّذِي لِلَّهِ ولِمُوسى هو فِرْعَوْنُ، وأُخْبِرَتْ بِهِ أُمُّ مُوسى عَلى طَرِيقِ الإلْهامِ؛ ولِذَلِكَ قالَتْ لِأُخْتِهِ ﴿قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١] وهي لا تَدْرِي أيْنَ اسْتَقَرَّ. ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ قِيلَ: مَحَبَّةَ آسِيَةَ وفِرْعَوْنَ، وكانَ فِرْعَوْنُ قَدْ أحَبَّهُ حُبًّا شَدِيدًا حَتّى لا يَتَمالَكَ أنْ يَصْبِرَ عَنْهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أحَبَّهُ اللَّهُ وحَبَّبَهُ إلى خَلْقِهِ. وقالَ عَطِيَّةُ: جُعِلَتْ عَلَيْهِ مَسْحَةٌ مِن جَمالٍ لا يَكادُ يَصْبِرُ عَنْهُ مَن رَآهُ. وقالَ قَتادَةُ: كانَ في عَيْنَيْهِ مَلاحَةٌ ما رَآهُ أحَدٌ إلّا أحَبَّهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأقْوى الأقْوالِ أنَّهُ القَبُولُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (مِنِّي) لا يَخْلُوا أنْ يَتَعَلَّقَ بِألْقَيْتُ فَيَكُونُ المَعْنى عَلى أحْبَبْتُكَ، ومَن أحَبَّهُ اللَّهُ أحَبَّتْهُ القُلُوبُ، وإمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ (p-٢٤٢)هُوَ صِفَةٌ لِمَحَبَّةٍ، أيْ: مَحَبَّةً خالِصَةً أوْ واقِعَةً مِنِّي قَدْ رَكَّزْتُها أنا فِيها في القُلُوبِ وزَرَعْتُها فِيها، فَلِذَلِكَ أحَبَّكَ فِرْعَوْنُ وكُلُّ مَن أبْصَرَكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ولِتُصْنَعَ﴾: بِكَسْرِ لامِ كَيْ وضَمِّ التّاءِ ونَصْبِ الفِعْلِ، أيْ: ولِتُرَبّى ويُحْسَنَ إلَيْكَ. وأنا مُراعِيكَ وراقِبُكَ كَما يُراعِي الرَّجُلُ الشَّيْءَ بِعَيْنَيْهِ إذا اعْتَنى بِهِ. قالَ قَرِيبًا مِنهُ قَتادَةُ. وقالَ النَّحّاسُ:، يُقالُ صَنَعْتُ الفَرَسَ إذا أحْسَنْتُ إلَيْهِ وهو مَعْطُوفٌ عَلى عِلَّةِ مَحْذُوفٍ، أيْ: لِيَتَلَطَّفَ بِكَ (ولِتُصْنَعَ) أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُتَأخِّرٍ تَقْدِيرُهُ فَعَلْتُ ذَلِكَ. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو نَهِيكٍ بِفَتْحِ التّاءِ. قالَ ثَعْلَبٌ: مَعْناهُ لِتَكُونَ حَرَكَتُكَ وتَصَرُّفُكَ عَلى عَيْنٍ مِنِّي. وقَرَأ شَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ في رِوايَةٍ بِإسْكانِ اللّامِ والعَيْنِ وضَمِّ التّاءِ فِعْلُ أمْرٍ، وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ كَسَرَ اللّامَ. ﴿إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ﴾ قِيلَ اسْمُها مَرْيَمُ، سَبَبُ ذَلِكَ أنَّ آسِيَةَ عَرَّضَتْهُ لِلرَّضاعِ فَلَمْ يَقْبَلِ امْرَأةً، فَجَعَلَتْ تُنادِي عَلَيْهِ في المَدِينَةِ ويُطافُ بِهِ ويُعْرَضُ لِلْمَراضِعِ فَيَأْبى، وبَقِيَتْ أُمُّهُ بَعْدَ قَذْفِهِ في اليَمِّ مَغْمُومَةً، فَأمَرَتْ أُخْتَهُ بِالتَّفْتِيشِ في المَدِينَةِ لَعَلَّها تَقَعُ عَلى خَبَرِهِ، فَبَصُرَتْ بِهِ في طَوافِها، فَقالَتْ: أنا أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ لَكم وهم لَهُ ناصِحُونَ فَتَعَلَّقُوا بِها، وقالُوا: أنْتِ تَعْرِفِينَ هَذا الصَّبِيَّ ؟ فَقالَتْ: لا، ولَكِنْ أعْلَمُ مِن أهْلِ هَذا البَيْتِ الحِرْصَ عَلى التَّقَرُّبِ إلى المَلِكَةِ والجَدِّ في خِدْمَتِها ورِضاها، فَتَرَكُوها وسَألُوها الدَّلّالَةَ، فَجاءَتْ بِأُمِّ مُوسى فَلَمّا قَرَّبَتْهُ شَرِبَ ثَدْيَها فَسُرَّتْ آسِيَةُ، وقالَتْ لَها: كُونِي مَعَنا في القَصْرِ، فَقالَتْ: ما كُنْتُ لِأدَعَ بَيْتِي ووَلَدِي ولَكِنَّهُ يَكُونُ عِنْدِي قالَتْ: نَعَمْ، فَأحْسَنَتْ إلى أهْلِ ذَلِكَ البَيْتِ غايَةَ الإحْسانِ واعْتَزَّ بَنُو إسْرائِيلَ بِهَذا الرَّضاعِ والنَّسَبِ مِنَ المَلِكَةِ، ولَمّا كَمُلَ رِضاعُهُ أرْسَلَتْ آسِيَةُ إلَيْها أنْ جِيئِينِي بِوَلَدِي لِيَوْمِ كَذا، وأمَرَتْ خَدَمَها ومَن لَها أنْ يَلْقَيْنَهُ بِالتُّحَفِ والهَدايا واللِّباسِ، فَوَصَلَ إلَيْها عَلى ذَلِكَ وهو بِخَيْرِ حالٍ وأجْمَلِ شَبابٍ، فَسُرَّتْ بِهِ ودَخَلَتْ بِهِ عَلى فِرْعَوْنَ لِيَراهُ ولِيَهِبَهُ فَأعْجَبَهُ وقَرَّبَهُ، فَأخَذَ مُوسى بِلِحْيَةِ فِرْعَوْنَ وتَقَدَّمَ ما جَرى لَهُ عِنْدَ ذِكْرِ العُقْدَةِ. والعامِلُ في (إذْ) قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ ومَنَنّا إذْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ العامِلُ في ﴿إذْ تَمْشِي﴾ (ألْقَيْتُ) أوْ (تُصْنَعَ) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ﴿إذْ أوْحَيْنا﴾ فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَصِحُّ البَدَلُ والوَقْتانِ مُخْتَلِفانِ مُتَباعِدانِ ؟ قُلْتُ: كَما يَصِحُّ وإنِ اتَّسَعَ الوَقْتُ وتَباعَدَ طَرَفاهُ أنْ يَقُولَ لَكَ الرَّجُلُ لَقِيتُ فُلانًا سَنَةَ كَذا، فَتَقُولُ: وأنا لَقِيتُهُ إذْ ذاكَ. ورُبَّما لَقِيَهُ هو في أوَّلِها وأنْتَ في آخِرِها انْتَهى. ولَيْسَ كَما ذَكَرَ؛ لِأنَّ السَّنَةَ تَقْبَلُ الِاتِّساعَ فَإذا وقَعَ لُقِيُّهُما فِيها بِخِلافِ هَذَيْنِ الطَّرَفَيْنِ فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما ضَيِّقٌ لَيْسَ بِمُتَّسِعٍ لِتَخْصِيصِهِما بِما أُضِيفا إلَيْهِ فَلا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ الثّانِي في الطَّرَفِ الَّذِي وقَعَ فِيهِ الأوَّلُ، إذِ الأوَّلُ لَيْسَ مُتَّسِعًا لِوُقُوعِ الوَحْيِ فِيهِ ووُقُوعِ مَشْيِ الأُخْتِ، فَلَيْسَ وقْتُ وُقُوعِ الوَحْيِ مُشْتَمِلًا عَلى أجْزاءٍ وقَعَ في بَعْضِها المَشْيُ بِخِلافِ السَّنَةِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: (إذْ) مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (تُصْنَعَ)، ولَكَ أنْ تَنْصِبَ (إذْ) بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ واذْكُرْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿كَيْ تَقَرَّ﴾ بِفَتْحِ التّاءِ والقافِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِكَسْرِ القافِ، وتَقَدَّمَ أنَّهُما لُغَتانِ في قَوْلِهِ ﴿وقَرِّي عَيْنًا﴾ [مريم: ٢٦] . وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ القافِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. و﴿قَتَلْتَ نَفْسًا﴾ [القصص: ١٩] هو القِبْطِيُّ الَّذِي اسْتَغاثَهُ عَلَيْهِ الإسْرائِيلِيُّ قَتَلَهُ وهو ابْنُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، واغْتَمَّ بِسَبَبِ القَتْلِ خَوْفًا مِن عِقابِ اللَّهِ ومِنِ اقْتِصاصِ فِرْعَوْنَ، فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ بِاسْتِغْفارِهِ حِينَ قالَ ﴿رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦] ونَجّاهُ مِن فِرْعَوْنَ حِينَ هاجَرَ بِهِ إلى مَدْيَنَ، والغَمُّ ما يَغُمُّ عَلى القَلْبِ بِسَبَبِ خَوْفٍ أوْ فَواتِ مَقْصُودٍ، والغَمُّ - بِلُغَةِ قُرَيْشٍ - القَتْلُ، وقِيلَ: مِن غَمَّ التّابُوتُ. وقِيلَ: مِن غَمَّ البَحْرُ، والظّاهِرُ أنَّهُ مِن غَمَّ القَتْلُ حِينَ ذَهَبْنا بِكَ مِن مِصْرَ إلى مَدْيَنَ. والفُتُونُ مَصْدَرٌ جَمْعُ فِتَنٍ أوْ فِتْنَةٍ عَلى تَرْكِ الِاعْتِدادِ بِالتّاءِ كَحُجُوزٍ وبُدُورٍ في حُجْزَةٍ وبُدْرَةٍ، أيْ: (فَتَنّاكَ) ضُرُوبًا مِنَ الفِتَنِ، والفِتْنَةُ المِحْنَةُ وما يَشُقُّ عَلى الإنْسانِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ خَلَّصْناكَ مِن مِحْنَةٍ بَعْدَ مِحْنَةٍ. وُلِدَ في عامٍ (p-٢٤٣)كانَ يُقْتَلُ فِيهِ الوِلْدانُ، وألْقَتْهُ أُمُّهُ في البَحْرِ وهَمَّ فِرْعَوْنُ بِقَتْلِهِ، وقَتَلَ قِبْطِيًّا وآجَرَ نَفْسَهُ عَشْرَ سِنِينَ وضَلَّ الطَّرِيقَ وتَفَرَّقَتْ غَنَمُهُ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ انْتَهى. وهَذِهِ الفُتُونُ اخْتَبَرَهُ بِها وخَلَّصَهُ حَتّى صَلُحَ لِلنُّبُوَّةِ وسَلِمَ لَها، والسُّنُونُ الَّتِي لَبِثَها في مَدْيَنَ عَشْرُ سِنِينَ. وقالَ وهْبٌ: ثَمانٍ وعِشْرُونَ سَنَةً مِنها مَهْرُ ابْنَتِهِ، وبَيْنَ مِصْرَ ومَدْيَنَ ثَمانِ مَراحِلَ وفي الكَلامِ حَذْفٌ والتَّقْدِيرُ ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ فَخَرَجْتَ خائِفًا إلى ﴿أهْلِ مَدْيَنَ﴾ فَلَبِثْتَ سِنِينَ وكانَ عُمْرُهُ حِينَ ذَهَبَ إلى مَدْيَنَ اثْنَيْ عَشَرَ عامًا، وأقامَ عَشَرَةَ أعْوامٍ في رَعْيِ غَنَمِ شُعَيْبٍ، ثُمَّ ثَمانِيَةَ عَشَرَ عامًا بَعْدَ بِنائِهِ بِامْرَأتِهِ بِنْتِ شُعَيْبٍ، ووُلِدَ لَهُ فِيها فَكَمُلَ لَهُ أرْبَعُونَ سَنَةً وهي المُدَّةُ الَّتِي عادَةُ اللَّهِ إرْسالُ الأنْبِياءِ عَلى رَأْسِها. ”﴿ثُمَّ جِئْتَ﴾“ إلى المَكانِ الَّذِي ناجَيْتُكَ فِيهِ وكَلَّمْتُكَ واسْتَنْبَأْتُكَ. ”﴿عَلى قَدَرٍ﴾“، أيْ: وقْتٍ مُعَيَّنٍ قَدَّرْتُهُ لَمْ تَتَقَدَّمْهُ ولَمْ تَتَأخَّرْ عَنْهُ. وقِيلَ عَلى مِقْدارٍ مِنَ الزَّمانِ يُوحى إلى الأنْبِياءِ فِيهِ وهو الأرْبَعُونَ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎نالَ الخِلافَةَ أوْ جاءَتْ عَلى قَدَرٍ ∗∗∗ كَما أتى رَبَّهُ مُوسى عَلى قَدَرِ ﴿واصْطَنَعَتْكَ لِنَفْسِي﴾، أيْ: جَعَلْتُكَ مَوْضِعَ الصَّنِيعَةِ ومَقَرَّ الإكْمالِ والإحْسانِ، وأخْلَصْتُكَ بِالألْطافِ واخْتَرْتُكَ لِمَحَبَّتِي، يُقالُ: اصْطَنَعَ فُلانٌ فُلانًا اتَّخَذَهُ صَنِيعَةً، وهو افْتِعالٌ مِنَ الصُّنْعِ وهو الإحْسانُ إلى الشَّخْصِ حَتّى يُضافَ إلَيْهِ فَيُقالَ هَذا صَنِيعُ فُلانٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا تَمْثِيلٌ لِما خَوَّلَهُ مِن مَنزِلَةِ التَّقْرِيبِ والتَّكْرِيمِ والتَّكْلِيمِ، مَثَّلَ حالَهُ بِحالِ مَن يَراهُ المُلُوكُ بِجَمِيعِ خِصالٍ فِيهِ وخَصائِصَ أهْلًا لِأنْ يَكُونَ أقْرَبَ مَنزِلَةً إلَيْهِ وألْطَفَ مَحَلًّا، فَيَصْطَنِعُهُ بِالكَرامَةِ والأثَرَةِ ويَسْتَخْلِصُهُ لِنَفْسِهِ. انْتَهى. ومَعْنى ﴿لِنَفْسِي﴾، أيْ: لِأوامِرِي وإقامَةِ حُجَجِي وتَبْلِيغِ رِسالَتِي، فَحَرَكاتُكَ وسَكَناتُكَ لِي لا لِنَفْسِكَ ولا لِأحَدٍ غَيْرِكَ.

طه 20:40

(p-٢٣٨)﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى﴾ ﴿إذْ أوْحَيْنا إلى أُمِّكَ ما يُوحى﴾ ﴿أنِ اقْذِفِيهِ في التّابُوتِ فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ ﴿إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ولا تَحْزَنَ وقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ وفَتَنّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ في أهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يامُوسى﴾ ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ . لَمّا أمَرَهُ تَعالى بِالذَّهابِ إلى فِرْعَوْنَ (p-٢٣٩)عَرَفَ أنَّهُ كُلِّفَ أمْرًا عَظِيمًا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى احْتِمالِ ما لا يَحْتَمِلُهُ إلّا ذُو جَأْشٍ رابِطٍ وصَدْرٍ فَسِيحٍ، فَسَألَ رَبَّهُ ورَغِبَ في أنْ يَشْرَحَ صَدْرَهُ لِيَحْتَمِلَ ما يَرِدُ عَلَيْهِ مِنَ الشَّدائِدِ الَّتِي يَضِيقُ لَها الصَّدْرُ، وأنْ يُسَهِّلَ عَلَيْهِ أمْرَهُ لَلَّذِي هو خِلافَةُ اللَّهِ في أرْضِهِ وما يَصْحَبُها مِن مُزاوَلَةِ جَلائِلِ الخُطُوبِ، وقَدْ عَلِمَ ما عَلَيْهِ فِرْعَوْنُ مِنَ الجَبَرُوتِ والتَّمَرُّدِ والتَّسَلُّطِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: مَعْناهُ وسِّعْ لِي صَدْرِي لِأعِيَ عَنْكَ ما تُودِعُهُ مِن وحْيِكَ. وقالَ الكَرْمانِيُّ: وسِّعْ قَلْبِي ولَيِّنْهُ لِفَهْمِ خِطابِكَ وأداءِ رِسالَتِكَ. والقِيامِ بِما كَلَّفْتَنِيهِ مِن أعْبائِها. والعُقْدَةُ اسْتِعارَةٌ لِثِقَلٍ كانَ في لِسانِهِ خِلْقَةً. وقالَ مُجاهِدٌ: كانَتْ مِنَ الجَمْرَةِ الَّتِي أدْخَلَها فاهُ وكانَتْ آسِيَةُ قَدْ ألْقى اللَّهُ مَحَبَّتَهُ في قَلْبِها وسَألَتْ فِرْعَوْنَ أنْ لا يَذْبَحَهُ، فَبَيْنا هي تُرَقِّصُهُ يَوْمًا أخَذَهُ فِرْعَوْنُ في حِجْرِهِ، فَأخَذَ خَصْلَةً مِن لِحْيَتِهِ. وقِيلَ: لَطَمَهُ. وقِيلَ: ضَرَبَهُ بِقَضِيبٍ كانَ في يَدِهِ. فَغَضِبَ فِرْعَوْنُ فَدَعا بِالسَّيّافِ، فَقالَتْ: إنَّما هو صَبِيٌّ لا يُفَرِّقُ بَيْنَ الياقُوتِ والجَمْرِ. فَأحْضَرَ أوْ أرادَ أنْ يَمُدَّ يَدَهُ إلى الياقُوتِ، فَحَوَّلَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَدَهُ إلى الجَمْرَةِ فَأخَذَها ووَضَعَها في فِيهِ فاحْتَرَقَ لِسانُهُ، انْتَهى. وإحْراقُ النّارِ وتَأْثِيرُها في لِسانِهِ لا في يَدِهِ دَلِيلٌ عَلى فَسادِ قَوْلِ القائِلِينَ بِالطَّبِيعَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كانَتْ في لِسانِهِ رَتَّةٌ. وقِيلَ: حَدَثَتِ العُقْدَةُ بَعْدَ المُناجاةِ حَتّى لا يُكَلِّمَ أحَدًا بَعْدَها. وقالَ قُطْرُبٌ: كانَتْ فِيهِ مُسْكَةٌ عَنِ الكَلامِ. وقالَ ابْنُ عِيسى: العُقْدَةُ كالتَّمْتَمَةِ والفَأْفَأةِ. وطَلَبُ مُوسى مِن حَلِّ العُقْدَةِ قَدْرَ ما يُفْقَهُ قَوْلُهُ، قِيلَ: وبَقِيَ بَعْضُها لِقَوْلِهِ ﴿وأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا﴾ [القصص: ٣٤]، وقَوْلِهِ ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] . وقِيلَ: زالَتْ لِقَوْلِهِ ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ وهو قَوْلُ الحَسَنِ، قِيلَ: وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ: واحْلُلِ العُقْدَةَ، بَلْ قالَ: ﴿عُقْدَةً﴾ فَإذا حَلَّ عُقْدَةً فَقَدْ آتاهُ اللَّهُ سُؤْلَهُ. وقِيلَ في قَوْلِهِ ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] أنَّ مَعْناهُ لا يَأْتِي بِبَيانٍ وحُجَّةٍ، وإنَّما قالَ ذَلِكَ فِرْعَوْنُ تَمْوِيهًا، وقَدْ خاطَبَهُ وقَوْمَهُ، وكانُوا يَفْهَمُونَ عَنْهُ فَكَيْفَ يُمْكِنُ نَفْيُ البَيانِ أوْ مُقارَبَتُهُ ؟ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ لِي في قَوْلِهِ ﴿اشْرَحْ لِي صَدْرِي ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾: ما جَدْواهُ والكَلامُ بِدُونِهِ مُسْتَتِبٌّ ؟ قُلْتُ: قَدْ أبْهَمَ الكَلامَ أوَّلًا، فَقالَ: ﴿اشْرَحْ لِي﴾ ﴿ويَسِّرْ لِي﴾ فَعَلِمَ أنَّ ثَمَّ مَشْرُوحًا ومُيَسَّرًا، ثُمَّ بَيَّنَ ورَفَعَ الإبْهامَ فَذَكَرَهُما، فَكانَ آكَدَ لِطَلَبِ الشَّرْحِ والتَّيْسِيرِ لِصَدْرِهِ، وأمَرَهُ مِن أنْ يَقُولَ: اشْرَحْ صَدْرِي ويَسِّرْ أمْرِي، عَلى الإيضاحِ الشّارِحِ؛ لِأنَّهُ تَكْرِيرٌ لِلْمَعْنى الواحِدِ مِن طَرِيقَيِ الإجْمالِ والتَّفْصِيلِ. وقالَ أيْضًا: وفي تَنْكِيرِ العُقْدَةِ وإنْ لَمْ يَقُلْ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً﴾ ﴿لِسانِي﴾ أنَّهُ طَلَبَ حَلَّ بَعْضِها إرادَةَ أنْ يُفْهَمَ عَنْهُ فَهْمًا جَيِّدًا ولَمْ يَطْلُبِ الفَصاحَةَ الكامِلَةَ، و﴿مِن لِسانِي﴾ صِفَةٌ لِلْعُقْدَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: عُقْدَةً مِن عُقَدِ لِسانِي. انْتَهى. ويَظْهَرُ أنَّ ﴿مِن لِسانِي﴾ مُتَعَلِّقٌ بِاحْلُلْ؛ لِأنَّ مَوْضِعَ الصِّفَةِ لِعُقْدَةٍ، وكَذا قالَ الحَوْفِيُّ. وأجازَ أبُو البَقاءِ الوَجْهَيْنِ، والوَزِيرُ المُعِينُ القائِمُ بِوِزْرِ الأُمُورِ، أيْ: بِثِقَلِها، فَوَزِيرُ المَلِكِ يَتَحَمَّلُ عَنْهُ أوْزارَهُ ومُؤَنَهُ. وقِيلَ: مِنَ الوَزَرِ وهو المَلْجَأُ يَلْتَجِئُ إلَيْهِ الإنْسانُ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎مِنَ السِّباعِ الضَّوارِي دُونَهُ وزَرُ والنّاسُ شَرُّهم ما دُونَهُ وزَرُ ؎كَمْ مَعْشَرٍ سَلِمُوا لَمْ يُؤْذِهِمْ سَبْعُ ∗∗∗ وما نَرى بَشَرًا لَمْ يُؤْذِهِمْ بَشَرُ فالمَلِكُ يَعْتَصِمُ بِرَأْيِهِ ويَلْتَجِئُ إلَيْهِ في أُمُورِهِ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: هو مِنَ المُؤازَرَةِ وهي المُعاوَنَةُ والمُساعَدَةُ، والقِياسُ أزِيرٌ، وكَذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: وكانَ القِياسُ أزِيرًا فَقُلِبَتِ الهَمْزَةُ إلى الواوِ ووَجْهُ قَلْبِها أنَّ فَعِيلًا جاءَ في مَعْنى مُفاعِلٍ مَجِيأً صالِحًا، كَعَشِيرٍ وجَلِيسٍ وقَعِيدٍ وخَلِيلٍ وصَدِيقٍ ونَدِيمٍ، فَلَمّا قُلِبَ في أخِيهِ قُلِبَتْ فِيهِ، وحَمْلُ الشَّيْءِ عَلى نَظِيرِهِ لَيْسَ بِعَزِيزٍ. ونَظَرًا إلى يُوازِرُ وأخَواتِهِ وإلى المُوازَرَةِ انْتَهى. ولا حاجَةَ إلى ادِّعاءِ قَلْبِ الهَمْزَةِ واوًا؛ لِأنَّ لَنا اشْتِقاقًا واضِحًا وهو الوِزْرُ، وأمّا قَلْبُها في يُؤازِرُ فَلِأجْلِ (p-٢٤٠)ضَمَّةِ ما قَبْلَ الواوِ وهو أيْضًا إبْدالٌ غَيْرُ لازِمٍ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿لِي وزِيرًا﴾ مَفْعُولَيْنِ لِاجْعَلْ و(هارُونَ) بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ، وأنْ يَكُونَ ﴿وزِيرًا﴾ و(هارُونَ) مَفْعُولَيْهِ، وقَدَّمَ الثّانِيَ اعْتِناءً بِأمْرِ الوِزارَةِ و﴿أخِي﴾ بَدَلٌ مِن (هارُونَ) في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنْ جُعِلَ عَطْفَ بَيانٍ آخَرَ جازَ وحَسُنَ انْتَهى. ويَبْعُدُ فِيهِ عَطْفُ البَيانِ؛ لِأنَّ الأكْثَرَ في عَطْفِ البَيانِ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ دُونَهُ في الشُّهْرَةِ، والأمْرُ هُنا بِالعَكْسِ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ هُما المَفْعُولانِ و(لِي) مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] يَعْنُونَ أنَّهُ بِهِ يَتِمُّ المَعْنى. و(هارُونَ) عَلى ما تَقَدَّمَ. وجَوَّزُوا أنْ يَنْتَصِبَ (هارُونَ) بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيِ: اضْمُمْ إلَيَّ هارُونَ وهَذا لا حاجَةَ إلَيْهِ؛ لِأنَّ الكَلامَ تامٌّ بِدُونِ هَذا المَحْذُوفِ. وقَرَأ الحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ عامِرٍ (أشْدُدْ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ (وأُشْرِكْهُ) بِضَمِّها فِعْلًا مُضارِعًا مَجْزُومًا عَلى جَوابِ الأمْرِ وعُطِفَ عَلَيْهِ (وأُشْرِكْهُ) . وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ عَنِ الحَسَنِ: أنَّهُ قَرَأ أُشْدِدْ بِهِ مُضارِعُ شَدَّدَ لِلتَّكْثِيرِ والتَّكْرِيرِ، أيْ: كُلَّما حَزَنَنِي أمْرٌ شَدَدْتُ ﴿بِهِ أزْرِي﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿اشْدُدْ﴾ ﴿وأشْرِكْهُ﴾ عَلى مَعْنى الدُّعاءِ في شَدِّ الأزْرِ وتَشْرِيكِ هارُونَ في النُّبُوَّةِ، وكانَ الأمْرُ في قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ لا يُرِيدُ بِهِ النُّبُوَّةَ بَلْ يُرِيدُ تَدْبِيرَهُ ومُساعَدَتَهُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ لِمُوسى أنْ يُشْرِكَ في النُّبُوَّةِ أحَدًا. وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ (أخِي واشْدُدْ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ فِيمَن قَرَأ عَلى لَفْظِ الأمْرِ أنْ يَجْعَلَ ﴿أخِي﴾ مَرْفُوعًا عَلى الِابْتِداءِ و﴿اشْدُدْ بِهِ﴾ خَبَرُهُ ويُوقَفُ عَلى (هارُونَ) انْتَهى. وهو خِلافُ الظّاهِرِ فَلا يُصارُ إلَيْهِ لِغَيْرِ حاجَةٍ، وكانَ هارُونُ أكْبَرَ مِن مُوسى بِأرْبَعَةِ أعْوامٍ، وجَعَلَ مُوسى ما رَغِبَ فِيهِ وطَلَبَهُ مِن نِعَمٍ سَبَبًا تَلْزَمُ مِنهُ العِبادَةُ والِاجْتِهادُ في أمْرِ اللَّهِ، والتَّظافُرُ عَلى العِبادَةِ والتَّعاوُنُ فِيها مُثِيرٌ لِلرَّغْبَةِ والتَّزَيُّدِ مِنَ الخَيْرِ. ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ﴾ نُنَزِّهَكَ عَمّا لا يَلِيقُ بِكَ ﴿ونَذْكُرَكَ﴾ بِالدُّعاءِ والثَّناءِ عَلَيْكَ وقُدِّمَ التَّسْبِيحُ؛ لِأنَّهُ تَنْزِيهُهُ تَعالى في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وبَراءَتُهُ عَنِ النَّقائِصِ، ومَحَلُّ ذَلِكَ القَلْبُ، والذِّكْرُ والثَّناءُ عَلى اللَّهِ بِصِفاتِ الكَمالِ ومَحَلُّهُ اللِّسانُ، فَلِذَلِكَ قُدِّمَ ما مَحَلُّهُ القَلْبُ عَلى ما مَحَلُّهُ اللِّسانُ. و(كَثِيرًا) نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، أيْ: نُسَبِّحُكَ التَّسْبِيحَ في حالِ كَثْرَتِهِمْ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ عالِمًا بِأحْوالِنا. والسُّؤْلُ فِعْلٌ بِمَعْنى المَسْئُولِ كالخُبْزِ والأكْلِ بِمَعْنى المَخْبُوزِ والمَأْكُولِ، والمَعْنى أُعْطِيتَ طِلْبَتَكَ وما سَألْتَهُ مِن شَرْحِ الصَّدْرِ وتَيَسُّرِ الأمْرِ وحَلِّ العُقْدَةِ، وجَعْلِ أخِيكَ وزِيرًا وذَلِكَ مِنَ المِنَّةِ عَلَيْهِ. ثُمَّ ذَكَّرَهُ تَعالى تَقْدِيمَ مِنَّتِهِ عَلَيْهِ عَلى سَبِيلِ التَّوْقِيفِ لِيَعْظُمَ اجْتِهادُهُ وتَقْوى بَصِيرَتُهُ و(مَرَّةً) مَعْناهُ مِنَّةً و(أُخْرى) تَأْنِيثُ آخَرَ بِمَعْنى (غَيْرَ) أيْ: مِنَّةً غَيْرَ هَذِهِ المِنَّةِ، ولَيْسَتْ (أُخْرى) هُنا بِمَعْنى (آخِرَةً) فَتَكُونَ مُقابِلَةً لِلْأُولى، وتَخَيَّلَ ذَلِكَ بَعْضُهم فَقالَ: سَمّاها (أُخْرى) وهي أُولى لِأنَّها (أُخْرى) في الذَّكَرِ، والأُخْرى لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ يَكُونُ تَأْنِيثُ الآخَرِ بِفَتْحِ الخاءِ، وتَأْنِيثُ الآخَرِ بِمَعْنى آخِرِهِ فَهَذِهِ يُلْحَظُ فِيها مَعْنى التَّأخُّرِ. والمَعْنى أنِّي قَدْ حَفِظْتُكَ وأنْتَ طِفْلٌ رَضِيعٌ فَكَيْفَ لا أحْفَظُكَ وقَدْ أهَّلْتُكَ لِلرِّسالَةِ. وفي قَوْلِهِ ﴿مَرَّةً أُخْرى﴾ إجْمالٌ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ ﴿إذْ أوْحَيْنا إلى أُمِّكَ﴾ . قالَ الجُمْهُورُ: هي وحْيُ إلْهامٍ كَقَوْلِهِ ﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨] . وقِيلَ: وحْيُ إعْلامٍ إمّا بِإراءَةِ ذَلِكَ في مَنامٍ، وإمّا بِبَعْثِ مَلَكٍ إلَيْها لا عَلى جِهَةِ النُّبُوَّةِ كَما بُعِثَ إلى مَرْيَمَ، وهَذا هو الظّاهِرُ لِظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ﴾ ولِظاهِرِ آيَةِ القَصَصِ ﴿إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] ويَبْعُدُ ما صَدَّرَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلَهُ: مِن يَرُدُّ يَدَهُ، إمّا أنْ يَكُونَ عَلى لِسانِ نَبِيٍّ في وقْتِها كَقَوْلِهِ: ﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ﴾ [المائدة: ١١١]؛ لِأنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أنَّهُ كانَ في زَمَنِ فِرْعَوْنَ، وكانَ في زَمَنِ الحَوارِيِّينَ زَكَرِيّا ويَحْيى. وفي قَوْلِهِ ﴿ما يُوحى﴾ إبْهامٌ وإجْمالٌ كَقَوْلِهِ ﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ [النجم: ١٦] ﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨] وفِيهِ تَهْوِيلٌ وقَدْ فُسِّرَ هُنا بِقَوْلِهِ ﴿أنِ اقْذِفِيهِ في التّابُوتِ﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (p-٢٤١)و(أنْ) هي المُفَسِّرَةُ؛ لِأنَّ الوَحْيَ بِمَعْنى القَوْلِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: و(أنْ) في قَوْلِهِ ﴿أنِ اقْذِفِيهِ﴾ بَدَلٌ مِن ما يَعْنِي أنَّ (أنْ) مَصْدَرِيَّةٌ فَلِذَلِكَ كانَ لَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ. والوَجْهانِ سائِغانِ، والظّاهِرُ أنَّ ﴿التّابُوتِ﴾ كانَ مِن خَشَبٍ. وقِيلَ: مِن بَرْدِيِّ شَجَرِ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ سَدَّتْ خُرُوقَهُ وفَرَشَتْ فِيهِ نِطْعًا - وقِيلَ: قُطْنًا مَحْلُوجًا - وسَدَّتْ فَمَهُ وجَصَّصَتْهُ وقَيَّرَتْهُ وألْقَتْهُ في (اليَمِّ)، وهو اسْمٌ لِلْبَحْرِ العَذْبِ. وقِيلَ: اسْمٌ لِلنِّيلِ خاصَّةً. والأوَّلُ هو الصَّوابُ كَقَوْلِهِ: ﴿فَأغْرَقْناهم في اليَمِّ﴾ [الأعراف: ١٣٦] ولَمْ يُغْرَقُوا في النِّيلِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾ عائِدٌ عَلى مُوسى، وكَذَلِكَ الضَّمِيرانِ بَعْدَهُ إذْ هو المُحَدَّثُ عَنْهُ لا التّابُوتُ، إنَّما ذُكِرَ التّابُوتُ عَلى سَبِيلِ الوِعاءِ والفَضْلَةِ. وقالابْنُ عَطِيَّةَ: والضَّمِيرُ الأوَّلُ في ﴿اقْذِفِيهِ﴾ عائِدٌ عَلى مُوسى وفي الثّانِي عائِدٌ عَلى ﴿التّابُوتِ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى مُوسى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والضَّمائِرُ كُلُّها راجِعَةٌ إلى مُوسى، ورُجُوعُ بَعْضِها إلَيْهِ، وبَعْضِها إلى التّابُوتِ فِيهِ هُجْنَةٌ لِما يُؤَدِّي إلَيْهِ مِن تَنافُرِ النَّظْمِ، فَإنْ قُلْتَ: المَقْذُوفُ في البَحْرِ هو التّابُوتُ وكَذَلِكَ المُلْقى إلى السّاحِلِ ؟ قُلْتُ: ما ضَرَّكَ لَوْ قُلْتَ المَقْذُوفُ والمُلْقى هو مُوسى في جَوْفِ التّابُوتِ حَتّى لا تَتَفَرَّقَ الضَّمائِرُ فَيَتَنافَرَ عَلَيْكَ النَّظْمُ، الَّذِي هو أُمُّ إعْجازِ القُرْآنِ، والقانُونُ الَّذِي وقَعَ عَلَيْهِ التَّحَدِّي ومُراعاتُهُ أهَمُّ ما يَجِبُ عَلى المُفَسِّرِ. انْتَهى. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ الضَّمِيرَ إذا كانَ صالِحًا لِأنْ يَعُودَ عَلى الأقْرَبِ وعَلى الأبْعَدِ كانَ عَوْدُهُ عَلى الأقْرَبِ راجِحًا، وقَدْ نَصَّ النَّحْوِيُّونَ عَلى هَذا فَعَوْدُهُ عَلى ﴿التّابُوتِ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ﴾ راجِحٌ، والجَوابُ أنَّهُ إذا كانَ أحَدُهُما هو المُحَدَّثَ عَنْهُ والآخَرُ فَضْلَةً كانَ عَوْدُهُ عَلى المُحَدَّثِ عَنْهُ أرْجَحَ، ولا يُلْتَفَتُ إلى القُرْبِ، ولِهَذا رَدَدْنا عَلى أبِي مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ في دَعْواهُ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ ﴿فَإنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] عائِدٌ عَلى خِنْزِيرٍ لا عَلى لَحْمٍ لِكَوْنِهِ أقْرَبَ مَذْكُورٍ، فَيَحْرُمُ بِذَلِكَ شَحْمُهُ وغُضْرُوفُهُ وعَظْمُهُ وجِلْدُهُ، بِأنَّ المُحَدَّثَ عَنْهُ هو لَحْمُ خِنْزِيرٍ لا خِنْزِيرٌ. و﴿فَلْيُلْقِهِ﴾ أمْرٌ مَعْناهُ الخَبَرُ، وجاءَ بِصِيغَةِ الأمْرِ مُبالَغَةً إذِ الأمْرُ أقْطَعُ الأفْعالِ وأوْجَبُها، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «قُومُوا فَلْأُصَلِّ لَكم» . أخْرَجَ الخَبَرِ في صِيغَةِ الأمْرِ لِنَفْسِهِ مُبالَغَةً، ومِن حَيْثُ خَرَجَ الفِعْلُ مَخْرَجَ الأمْرِ حَسُنَ جَوابُهُ كَذَلِكَ وهو قَوْلُهُ ﴿يَأْخُذْهُ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا كانَتْ مَشِيئَةُ اللَّهِ وإرادَتُهُ أنْ لا يُخْطِئَ جَرْيَةُ ماءِ اليَمِّ الوُصُولَ بِهِ إلى السّاحِلِ وإلْقاءَهُ إلَيْهِ سَلَكَ في ذَلِكَ سُبُلَ المَجازِ، وجَعَلَ اليَمَّ كَأنَّهُ ذُو تَمْيِيزٍ أمَرَ بِذَلِكَ لِيُطِيعَ الأمْرَ ويَمْتَثِلَ رَسْمَهُ فَقِيلَ ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ﴾ انْتَهى. وقالَ التِّرْمِذِيُّ: إنَّما ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الأمْرِ لِسابِقِ عِلْمِهِ بِوُقُوعِ المُخْبَرِ بِهِ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ، فَكَأنَّ البَحْرَ مَأْمُورٌ مُمْتَثِلٌ لِلْأمْرِ. وقالَ الفَرّاءُ: ﴿فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾ أمْرٌ وفِيهِ مَعْنى المُجازاةِ، أيِ: اقْذِفِيهِ يُلْقِهِ اليَمُّ، والظّاهِرُ أنَّ البَحْرَ ألْقاهُ بِالسّاحِلِ فالتَقَطَهُ مِنهُ. ورُوِيَ أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يَشْرَبُ في مَوْضِعٍ مِنَ النِّيلِ إذْ رَأى التّابُوتَ فَأمَرَ بِهِ فَسِيقَ إلَيْهِ وامْرَأتُهُ مَعَهُ، فَفَتَحَ فَرَأوْهُ، فَرَحِمَتْهُ امْرَأتُهُ وطَلَبَتْهُ لِتَتَّخِذَهُ ابْنًا فَأباحَ لَها ذَلِكَ. ورُوِيَ أنَّ التّابُوتَ جاءَ في الماءِ إلى المَشْرَعَةِ الَّتِي كانَتْ جَوارِي امْرَأةِ فِرْعَوْنَ يَسْتَقِينَ مِنها الماءَ. فَأخَذَتِ التّابُوتَ وجَلَبَتْهُ إلَيْها فَأخْرَجَتْهُ وأعْلَمَتْهُ فِرْعَوْنَ، والعَدُوُّ الَّذِي لِلَّهِ ولِمُوسى هو فِرْعَوْنُ، وأُخْبِرَتْ بِهِ أُمُّ مُوسى عَلى طَرِيقِ الإلْهامِ؛ ولِذَلِكَ قالَتْ لِأُخْتِهِ ﴿قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١] وهي لا تَدْرِي أيْنَ اسْتَقَرَّ. ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ قِيلَ: مَحَبَّةَ آسِيَةَ وفِرْعَوْنَ، وكانَ فِرْعَوْنُ قَدْ أحَبَّهُ حُبًّا شَدِيدًا حَتّى لا يَتَمالَكَ أنْ يَصْبِرَ عَنْهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أحَبَّهُ اللَّهُ وحَبَّبَهُ إلى خَلْقِهِ. وقالَ عَطِيَّةُ: جُعِلَتْ عَلَيْهِ مَسْحَةٌ مِن جَمالٍ لا يَكادُ يَصْبِرُ عَنْهُ مَن رَآهُ. وقالَ قَتادَةُ: كانَ في عَيْنَيْهِ مَلاحَةٌ ما رَآهُ أحَدٌ إلّا أحَبَّهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأقْوى الأقْوالِ أنَّهُ القَبُولُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (مِنِّي) لا يَخْلُوا أنْ يَتَعَلَّقَ بِألْقَيْتُ فَيَكُونُ المَعْنى عَلى أحْبَبْتُكَ، ومَن أحَبَّهُ اللَّهُ أحَبَّتْهُ القُلُوبُ، وإمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ (p-٢٤٢)هُوَ صِفَةٌ لِمَحَبَّةٍ، أيْ: مَحَبَّةً خالِصَةً أوْ واقِعَةً مِنِّي قَدْ رَكَّزْتُها أنا فِيها في القُلُوبِ وزَرَعْتُها فِيها، فَلِذَلِكَ أحَبَّكَ فِرْعَوْنُ وكُلُّ مَن أبْصَرَكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ولِتُصْنَعَ﴾: بِكَسْرِ لامِ كَيْ وضَمِّ التّاءِ ونَصْبِ الفِعْلِ، أيْ: ولِتُرَبّى ويُحْسَنَ إلَيْكَ. وأنا مُراعِيكَ وراقِبُكَ كَما يُراعِي الرَّجُلُ الشَّيْءَ بِعَيْنَيْهِ إذا اعْتَنى بِهِ. قالَ قَرِيبًا مِنهُ قَتادَةُ. وقالَ النَّحّاسُ:، يُقالُ صَنَعْتُ الفَرَسَ إذا أحْسَنْتُ إلَيْهِ وهو مَعْطُوفٌ عَلى عِلَّةِ مَحْذُوفٍ، أيْ: لِيَتَلَطَّفَ بِكَ (ولِتُصْنَعَ) أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُتَأخِّرٍ تَقْدِيرُهُ فَعَلْتُ ذَلِكَ. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو نَهِيكٍ بِفَتْحِ التّاءِ. قالَ ثَعْلَبٌ: مَعْناهُ لِتَكُونَ حَرَكَتُكَ وتَصَرُّفُكَ عَلى عَيْنٍ مِنِّي. وقَرَأ شَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ في رِوايَةٍ بِإسْكانِ اللّامِ والعَيْنِ وضَمِّ التّاءِ فِعْلُ أمْرٍ، وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ كَسَرَ اللّامَ. ﴿إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ﴾ قِيلَ اسْمُها مَرْيَمُ، سَبَبُ ذَلِكَ أنَّ آسِيَةَ عَرَّضَتْهُ لِلرَّضاعِ فَلَمْ يَقْبَلِ امْرَأةً، فَجَعَلَتْ تُنادِي عَلَيْهِ في المَدِينَةِ ويُطافُ بِهِ ويُعْرَضُ لِلْمَراضِعِ فَيَأْبى، وبَقِيَتْ أُمُّهُ بَعْدَ قَذْفِهِ في اليَمِّ مَغْمُومَةً، فَأمَرَتْ أُخْتَهُ بِالتَّفْتِيشِ في المَدِينَةِ لَعَلَّها تَقَعُ عَلى خَبَرِهِ، فَبَصُرَتْ بِهِ في طَوافِها، فَقالَتْ: أنا أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ لَكم وهم لَهُ ناصِحُونَ فَتَعَلَّقُوا بِها، وقالُوا: أنْتِ تَعْرِفِينَ هَذا الصَّبِيَّ ؟ فَقالَتْ: لا، ولَكِنْ أعْلَمُ مِن أهْلِ هَذا البَيْتِ الحِرْصَ عَلى التَّقَرُّبِ إلى المَلِكَةِ والجَدِّ في خِدْمَتِها ورِضاها، فَتَرَكُوها وسَألُوها الدَّلّالَةَ، فَجاءَتْ بِأُمِّ مُوسى فَلَمّا قَرَّبَتْهُ شَرِبَ ثَدْيَها فَسُرَّتْ آسِيَةُ، وقالَتْ لَها: كُونِي مَعَنا في القَصْرِ، فَقالَتْ: ما كُنْتُ لِأدَعَ بَيْتِي ووَلَدِي ولَكِنَّهُ يَكُونُ عِنْدِي قالَتْ: نَعَمْ، فَأحْسَنَتْ إلى أهْلِ ذَلِكَ البَيْتِ غايَةَ الإحْسانِ واعْتَزَّ بَنُو إسْرائِيلَ بِهَذا الرَّضاعِ والنَّسَبِ مِنَ المَلِكَةِ، ولَمّا كَمُلَ رِضاعُهُ أرْسَلَتْ آسِيَةُ إلَيْها أنْ جِيئِينِي بِوَلَدِي لِيَوْمِ كَذا، وأمَرَتْ خَدَمَها ومَن لَها أنْ يَلْقَيْنَهُ بِالتُّحَفِ والهَدايا واللِّباسِ، فَوَصَلَ إلَيْها عَلى ذَلِكَ وهو بِخَيْرِ حالٍ وأجْمَلِ شَبابٍ، فَسُرَّتْ بِهِ ودَخَلَتْ بِهِ عَلى فِرْعَوْنَ لِيَراهُ ولِيَهِبَهُ فَأعْجَبَهُ وقَرَّبَهُ، فَأخَذَ مُوسى بِلِحْيَةِ فِرْعَوْنَ وتَقَدَّمَ ما جَرى لَهُ عِنْدَ ذِكْرِ العُقْدَةِ. والعامِلُ في (إذْ) قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ ومَنَنّا إذْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ العامِلُ في ﴿إذْ تَمْشِي﴾ (ألْقَيْتُ) أوْ (تُصْنَعَ) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ﴿إذْ أوْحَيْنا﴾ فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَصِحُّ البَدَلُ والوَقْتانِ مُخْتَلِفانِ مُتَباعِدانِ ؟ قُلْتُ: كَما يَصِحُّ وإنِ اتَّسَعَ الوَقْتُ وتَباعَدَ طَرَفاهُ أنْ يَقُولَ لَكَ الرَّجُلُ لَقِيتُ فُلانًا سَنَةَ كَذا، فَتَقُولُ: وأنا لَقِيتُهُ إذْ ذاكَ. ورُبَّما لَقِيَهُ هو في أوَّلِها وأنْتَ في آخِرِها انْتَهى. ولَيْسَ كَما ذَكَرَ؛ لِأنَّ السَّنَةَ تَقْبَلُ الِاتِّساعَ فَإذا وقَعَ لُقِيُّهُما فِيها بِخِلافِ هَذَيْنِ الطَّرَفَيْنِ فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما ضَيِّقٌ لَيْسَ بِمُتَّسِعٍ لِتَخْصِيصِهِما بِما أُضِيفا إلَيْهِ فَلا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ الثّانِي في الطَّرَفِ الَّذِي وقَعَ فِيهِ الأوَّلُ، إذِ الأوَّلُ لَيْسَ مُتَّسِعًا لِوُقُوعِ الوَحْيِ فِيهِ ووُقُوعِ مَشْيِ الأُخْتِ، فَلَيْسَ وقْتُ وُقُوعِ الوَحْيِ مُشْتَمِلًا عَلى أجْزاءٍ وقَعَ في بَعْضِها المَشْيُ بِخِلافِ السَّنَةِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: (إذْ) مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (تُصْنَعَ)، ولَكَ أنْ تَنْصِبَ (إذْ) بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ واذْكُرْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿كَيْ تَقَرَّ﴾ بِفَتْحِ التّاءِ والقافِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِكَسْرِ القافِ، وتَقَدَّمَ أنَّهُما لُغَتانِ في قَوْلِهِ ﴿وقَرِّي عَيْنًا﴾ [مريم: ٢٦] . وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ القافِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. و﴿قَتَلْتَ نَفْسًا﴾ [القصص: ١٩] هو القِبْطِيُّ الَّذِي اسْتَغاثَهُ عَلَيْهِ الإسْرائِيلِيُّ قَتَلَهُ وهو ابْنُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، واغْتَمَّ بِسَبَبِ القَتْلِ خَوْفًا مِن عِقابِ اللَّهِ ومِنِ اقْتِصاصِ فِرْعَوْنَ، فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ بِاسْتِغْفارِهِ حِينَ قالَ ﴿رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦] ونَجّاهُ مِن فِرْعَوْنَ حِينَ هاجَرَ بِهِ إلى مَدْيَنَ، والغَمُّ ما يَغُمُّ عَلى القَلْبِ بِسَبَبِ خَوْفٍ أوْ فَواتِ مَقْصُودٍ، والغَمُّ - بِلُغَةِ قُرَيْشٍ - القَتْلُ، وقِيلَ: مِن غَمَّ التّابُوتُ. وقِيلَ: مِن غَمَّ البَحْرُ، والظّاهِرُ أنَّهُ مِن غَمَّ القَتْلُ حِينَ ذَهَبْنا بِكَ مِن مِصْرَ إلى مَدْيَنَ. والفُتُونُ مَصْدَرٌ جَمْعُ فِتَنٍ أوْ فِتْنَةٍ عَلى تَرْكِ الِاعْتِدادِ بِالتّاءِ كَحُجُوزٍ وبُدُورٍ في حُجْزَةٍ وبُدْرَةٍ، أيْ: (فَتَنّاكَ) ضُرُوبًا مِنَ الفِتَنِ، والفِتْنَةُ المِحْنَةُ وما يَشُقُّ عَلى الإنْسانِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ خَلَّصْناكَ مِن مِحْنَةٍ بَعْدَ مِحْنَةٍ. وُلِدَ في عامٍ (p-٢٤٣)كانَ يُقْتَلُ فِيهِ الوِلْدانُ، وألْقَتْهُ أُمُّهُ في البَحْرِ وهَمَّ فِرْعَوْنُ بِقَتْلِهِ، وقَتَلَ قِبْطِيًّا وآجَرَ نَفْسَهُ عَشْرَ سِنِينَ وضَلَّ الطَّرِيقَ وتَفَرَّقَتْ غَنَمُهُ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ انْتَهى. وهَذِهِ الفُتُونُ اخْتَبَرَهُ بِها وخَلَّصَهُ حَتّى صَلُحَ لِلنُّبُوَّةِ وسَلِمَ لَها، والسُّنُونُ الَّتِي لَبِثَها في مَدْيَنَ عَشْرُ سِنِينَ. وقالَ وهْبٌ: ثَمانٍ وعِشْرُونَ سَنَةً مِنها مَهْرُ ابْنَتِهِ، وبَيْنَ مِصْرَ ومَدْيَنَ ثَمانِ مَراحِلَ وفي الكَلامِ حَذْفٌ والتَّقْدِيرُ ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ فَخَرَجْتَ خائِفًا إلى ﴿أهْلِ مَدْيَنَ﴾ فَلَبِثْتَ سِنِينَ وكانَ عُمْرُهُ حِينَ ذَهَبَ إلى مَدْيَنَ اثْنَيْ عَشَرَ عامًا، وأقامَ عَشَرَةَ أعْوامٍ في رَعْيِ غَنَمِ شُعَيْبٍ، ثُمَّ ثَمانِيَةَ عَشَرَ عامًا بَعْدَ بِنائِهِ بِامْرَأتِهِ بِنْتِ شُعَيْبٍ، ووُلِدَ لَهُ فِيها فَكَمُلَ لَهُ أرْبَعُونَ سَنَةً وهي المُدَّةُ الَّتِي عادَةُ اللَّهِ إرْسالُ الأنْبِياءِ عَلى رَأْسِها. ”﴿ثُمَّ جِئْتَ﴾“ إلى المَكانِ الَّذِي ناجَيْتُكَ فِيهِ وكَلَّمْتُكَ واسْتَنْبَأْتُكَ. ”﴿عَلى قَدَرٍ﴾“، أيْ: وقْتٍ مُعَيَّنٍ قَدَّرْتُهُ لَمْ تَتَقَدَّمْهُ ولَمْ تَتَأخَّرْ عَنْهُ. وقِيلَ عَلى مِقْدارٍ مِنَ الزَّمانِ يُوحى إلى الأنْبِياءِ فِيهِ وهو الأرْبَعُونَ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎نالَ الخِلافَةَ أوْ جاءَتْ عَلى قَدَرٍ ∗∗∗ كَما أتى رَبَّهُ مُوسى عَلى قَدَرِ ﴿واصْطَنَعَتْكَ لِنَفْسِي﴾، أيْ: جَعَلْتُكَ مَوْضِعَ الصَّنِيعَةِ ومَقَرَّ الإكْمالِ والإحْسانِ، وأخْلَصْتُكَ بِالألْطافِ واخْتَرْتُكَ لِمَحَبَّتِي، يُقالُ: اصْطَنَعَ فُلانٌ فُلانًا اتَّخَذَهُ صَنِيعَةً، وهو افْتِعالٌ مِنَ الصُّنْعِ وهو الإحْسانُ إلى الشَّخْصِ حَتّى يُضافَ إلَيْهِ فَيُقالَ هَذا صَنِيعُ فُلانٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا تَمْثِيلٌ لِما خَوَّلَهُ مِن مَنزِلَةِ التَّقْرِيبِ والتَّكْرِيمِ والتَّكْلِيمِ، مَثَّلَ حالَهُ بِحالِ مَن يَراهُ المُلُوكُ بِجَمِيعِ خِصالٍ فِيهِ وخَصائِصَ أهْلًا لِأنْ يَكُونَ أقْرَبَ مَنزِلَةً إلَيْهِ وألْطَفَ مَحَلًّا، فَيَصْطَنِعُهُ بِالكَرامَةِ والأثَرَةِ ويَسْتَخْلِصُهُ لِنَفْسِهِ. انْتَهى. ومَعْنى ﴿لِنَفْسِي﴾، أيْ: لِأوامِرِي وإقامَةِ حُجَجِي وتَبْلِيغِ رِسالَتِي، فَحَرَكاتُكَ وسَكَناتُكَ لِي لا لِنَفْسِكَ ولا لِأحَدٍ غَيْرِكَ.

طه 20:41

(p-٢٣٨)﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى﴾ ﴿إذْ أوْحَيْنا إلى أُمِّكَ ما يُوحى﴾ ﴿أنِ اقْذِفِيهِ في التّابُوتِ فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ ﴿إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ولا تَحْزَنَ وقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ وفَتَنّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ في أهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يامُوسى﴾ ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ . لَمّا أمَرَهُ تَعالى بِالذَّهابِ إلى فِرْعَوْنَ (p-٢٣٩)عَرَفَ أنَّهُ كُلِّفَ أمْرًا عَظِيمًا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى احْتِمالِ ما لا يَحْتَمِلُهُ إلّا ذُو جَأْشٍ رابِطٍ وصَدْرٍ فَسِيحٍ، فَسَألَ رَبَّهُ ورَغِبَ في أنْ يَشْرَحَ صَدْرَهُ لِيَحْتَمِلَ ما يَرِدُ عَلَيْهِ مِنَ الشَّدائِدِ الَّتِي يَضِيقُ لَها الصَّدْرُ، وأنْ يُسَهِّلَ عَلَيْهِ أمْرَهُ لَلَّذِي هو خِلافَةُ اللَّهِ في أرْضِهِ وما يَصْحَبُها مِن مُزاوَلَةِ جَلائِلِ الخُطُوبِ، وقَدْ عَلِمَ ما عَلَيْهِ فِرْعَوْنُ مِنَ الجَبَرُوتِ والتَّمَرُّدِ والتَّسَلُّطِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: مَعْناهُ وسِّعْ لِي صَدْرِي لِأعِيَ عَنْكَ ما تُودِعُهُ مِن وحْيِكَ. وقالَ الكَرْمانِيُّ: وسِّعْ قَلْبِي ولَيِّنْهُ لِفَهْمِ خِطابِكَ وأداءِ رِسالَتِكَ. والقِيامِ بِما كَلَّفْتَنِيهِ مِن أعْبائِها. والعُقْدَةُ اسْتِعارَةٌ لِثِقَلٍ كانَ في لِسانِهِ خِلْقَةً. وقالَ مُجاهِدٌ: كانَتْ مِنَ الجَمْرَةِ الَّتِي أدْخَلَها فاهُ وكانَتْ آسِيَةُ قَدْ ألْقى اللَّهُ مَحَبَّتَهُ في قَلْبِها وسَألَتْ فِرْعَوْنَ أنْ لا يَذْبَحَهُ، فَبَيْنا هي تُرَقِّصُهُ يَوْمًا أخَذَهُ فِرْعَوْنُ في حِجْرِهِ، فَأخَذَ خَصْلَةً مِن لِحْيَتِهِ. وقِيلَ: لَطَمَهُ. وقِيلَ: ضَرَبَهُ بِقَضِيبٍ كانَ في يَدِهِ. فَغَضِبَ فِرْعَوْنُ فَدَعا بِالسَّيّافِ، فَقالَتْ: إنَّما هو صَبِيٌّ لا يُفَرِّقُ بَيْنَ الياقُوتِ والجَمْرِ. فَأحْضَرَ أوْ أرادَ أنْ يَمُدَّ يَدَهُ إلى الياقُوتِ، فَحَوَّلَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَدَهُ إلى الجَمْرَةِ فَأخَذَها ووَضَعَها في فِيهِ فاحْتَرَقَ لِسانُهُ، انْتَهى. وإحْراقُ النّارِ وتَأْثِيرُها في لِسانِهِ لا في يَدِهِ دَلِيلٌ عَلى فَسادِ قَوْلِ القائِلِينَ بِالطَّبِيعَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كانَتْ في لِسانِهِ رَتَّةٌ. وقِيلَ: حَدَثَتِ العُقْدَةُ بَعْدَ المُناجاةِ حَتّى لا يُكَلِّمَ أحَدًا بَعْدَها. وقالَ قُطْرُبٌ: كانَتْ فِيهِ مُسْكَةٌ عَنِ الكَلامِ. وقالَ ابْنُ عِيسى: العُقْدَةُ كالتَّمْتَمَةِ والفَأْفَأةِ. وطَلَبُ مُوسى مِن حَلِّ العُقْدَةِ قَدْرَ ما يُفْقَهُ قَوْلُهُ، قِيلَ: وبَقِيَ بَعْضُها لِقَوْلِهِ ﴿وأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا﴾ [القصص: ٣٤]، وقَوْلِهِ ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] . وقِيلَ: زالَتْ لِقَوْلِهِ ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ وهو قَوْلُ الحَسَنِ، قِيلَ: وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ: واحْلُلِ العُقْدَةَ، بَلْ قالَ: ﴿عُقْدَةً﴾ فَإذا حَلَّ عُقْدَةً فَقَدْ آتاهُ اللَّهُ سُؤْلَهُ. وقِيلَ في قَوْلِهِ ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] أنَّ مَعْناهُ لا يَأْتِي بِبَيانٍ وحُجَّةٍ، وإنَّما قالَ ذَلِكَ فِرْعَوْنُ تَمْوِيهًا، وقَدْ خاطَبَهُ وقَوْمَهُ، وكانُوا يَفْهَمُونَ عَنْهُ فَكَيْفَ يُمْكِنُ نَفْيُ البَيانِ أوْ مُقارَبَتُهُ ؟ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ لِي في قَوْلِهِ ﴿اشْرَحْ لِي صَدْرِي ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾: ما جَدْواهُ والكَلامُ بِدُونِهِ مُسْتَتِبٌّ ؟ قُلْتُ: قَدْ أبْهَمَ الكَلامَ أوَّلًا، فَقالَ: ﴿اشْرَحْ لِي﴾ ﴿ويَسِّرْ لِي﴾ فَعَلِمَ أنَّ ثَمَّ مَشْرُوحًا ومُيَسَّرًا، ثُمَّ بَيَّنَ ورَفَعَ الإبْهامَ فَذَكَرَهُما، فَكانَ آكَدَ لِطَلَبِ الشَّرْحِ والتَّيْسِيرِ لِصَدْرِهِ، وأمَرَهُ مِن أنْ يَقُولَ: اشْرَحْ صَدْرِي ويَسِّرْ أمْرِي، عَلى الإيضاحِ الشّارِحِ؛ لِأنَّهُ تَكْرِيرٌ لِلْمَعْنى الواحِدِ مِن طَرِيقَيِ الإجْمالِ والتَّفْصِيلِ. وقالَ أيْضًا: وفي تَنْكِيرِ العُقْدَةِ وإنْ لَمْ يَقُلْ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً﴾ ﴿لِسانِي﴾ أنَّهُ طَلَبَ حَلَّ بَعْضِها إرادَةَ أنْ يُفْهَمَ عَنْهُ فَهْمًا جَيِّدًا ولَمْ يَطْلُبِ الفَصاحَةَ الكامِلَةَ، و﴿مِن لِسانِي﴾ صِفَةٌ لِلْعُقْدَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: عُقْدَةً مِن عُقَدِ لِسانِي. انْتَهى. ويَظْهَرُ أنَّ ﴿مِن لِسانِي﴾ مُتَعَلِّقٌ بِاحْلُلْ؛ لِأنَّ مَوْضِعَ الصِّفَةِ لِعُقْدَةٍ، وكَذا قالَ الحَوْفِيُّ. وأجازَ أبُو البَقاءِ الوَجْهَيْنِ، والوَزِيرُ المُعِينُ القائِمُ بِوِزْرِ الأُمُورِ، أيْ: بِثِقَلِها، فَوَزِيرُ المَلِكِ يَتَحَمَّلُ عَنْهُ أوْزارَهُ ومُؤَنَهُ. وقِيلَ: مِنَ الوَزَرِ وهو المَلْجَأُ يَلْتَجِئُ إلَيْهِ الإنْسانُ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎مِنَ السِّباعِ الضَّوارِي دُونَهُ وزَرُ والنّاسُ شَرُّهم ما دُونَهُ وزَرُ ؎كَمْ مَعْشَرٍ سَلِمُوا لَمْ يُؤْذِهِمْ سَبْعُ ∗∗∗ وما نَرى بَشَرًا لَمْ يُؤْذِهِمْ بَشَرُ فالمَلِكُ يَعْتَصِمُ بِرَأْيِهِ ويَلْتَجِئُ إلَيْهِ في أُمُورِهِ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: هو مِنَ المُؤازَرَةِ وهي المُعاوَنَةُ والمُساعَدَةُ، والقِياسُ أزِيرٌ، وكَذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: وكانَ القِياسُ أزِيرًا فَقُلِبَتِ الهَمْزَةُ إلى الواوِ ووَجْهُ قَلْبِها أنَّ فَعِيلًا جاءَ في مَعْنى مُفاعِلٍ مَجِيأً صالِحًا، كَعَشِيرٍ وجَلِيسٍ وقَعِيدٍ وخَلِيلٍ وصَدِيقٍ ونَدِيمٍ، فَلَمّا قُلِبَ في أخِيهِ قُلِبَتْ فِيهِ، وحَمْلُ الشَّيْءِ عَلى نَظِيرِهِ لَيْسَ بِعَزِيزٍ. ونَظَرًا إلى يُوازِرُ وأخَواتِهِ وإلى المُوازَرَةِ انْتَهى. ولا حاجَةَ إلى ادِّعاءِ قَلْبِ الهَمْزَةِ واوًا؛ لِأنَّ لَنا اشْتِقاقًا واضِحًا وهو الوِزْرُ، وأمّا قَلْبُها في يُؤازِرُ فَلِأجْلِ (p-٢٤٠)ضَمَّةِ ما قَبْلَ الواوِ وهو أيْضًا إبْدالٌ غَيْرُ لازِمٍ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿لِي وزِيرًا﴾ مَفْعُولَيْنِ لِاجْعَلْ و(هارُونَ) بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ، وأنْ يَكُونَ ﴿وزِيرًا﴾ و(هارُونَ) مَفْعُولَيْهِ، وقَدَّمَ الثّانِيَ اعْتِناءً بِأمْرِ الوِزارَةِ و﴿أخِي﴾ بَدَلٌ مِن (هارُونَ) في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنْ جُعِلَ عَطْفَ بَيانٍ آخَرَ جازَ وحَسُنَ انْتَهى. ويَبْعُدُ فِيهِ عَطْفُ البَيانِ؛ لِأنَّ الأكْثَرَ في عَطْفِ البَيانِ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ دُونَهُ في الشُّهْرَةِ، والأمْرُ هُنا بِالعَكْسِ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ هُما المَفْعُولانِ و(لِي) مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] يَعْنُونَ أنَّهُ بِهِ يَتِمُّ المَعْنى. و(هارُونَ) عَلى ما تَقَدَّمَ. وجَوَّزُوا أنْ يَنْتَصِبَ (هارُونَ) بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيِ: اضْمُمْ إلَيَّ هارُونَ وهَذا لا حاجَةَ إلَيْهِ؛ لِأنَّ الكَلامَ تامٌّ بِدُونِ هَذا المَحْذُوفِ. وقَرَأ الحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ عامِرٍ (أشْدُدْ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ (وأُشْرِكْهُ) بِضَمِّها فِعْلًا مُضارِعًا مَجْزُومًا عَلى جَوابِ الأمْرِ وعُطِفَ عَلَيْهِ (وأُشْرِكْهُ) . وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ عَنِ الحَسَنِ: أنَّهُ قَرَأ أُشْدِدْ بِهِ مُضارِعُ شَدَّدَ لِلتَّكْثِيرِ والتَّكْرِيرِ، أيْ: كُلَّما حَزَنَنِي أمْرٌ شَدَدْتُ ﴿بِهِ أزْرِي﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿اشْدُدْ﴾ ﴿وأشْرِكْهُ﴾ عَلى مَعْنى الدُّعاءِ في شَدِّ الأزْرِ وتَشْرِيكِ هارُونَ في النُّبُوَّةِ، وكانَ الأمْرُ في قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ لا يُرِيدُ بِهِ النُّبُوَّةَ بَلْ يُرِيدُ تَدْبِيرَهُ ومُساعَدَتَهُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ لِمُوسى أنْ يُشْرِكَ في النُّبُوَّةِ أحَدًا. وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ (أخِي واشْدُدْ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ فِيمَن قَرَأ عَلى لَفْظِ الأمْرِ أنْ يَجْعَلَ ﴿أخِي﴾ مَرْفُوعًا عَلى الِابْتِداءِ و﴿اشْدُدْ بِهِ﴾ خَبَرُهُ ويُوقَفُ عَلى (هارُونَ) انْتَهى. وهو خِلافُ الظّاهِرِ فَلا يُصارُ إلَيْهِ لِغَيْرِ حاجَةٍ، وكانَ هارُونُ أكْبَرَ مِن مُوسى بِأرْبَعَةِ أعْوامٍ، وجَعَلَ مُوسى ما رَغِبَ فِيهِ وطَلَبَهُ مِن نِعَمٍ سَبَبًا تَلْزَمُ مِنهُ العِبادَةُ والِاجْتِهادُ في أمْرِ اللَّهِ، والتَّظافُرُ عَلى العِبادَةِ والتَّعاوُنُ فِيها مُثِيرٌ لِلرَّغْبَةِ والتَّزَيُّدِ مِنَ الخَيْرِ. ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ﴾ نُنَزِّهَكَ عَمّا لا يَلِيقُ بِكَ ﴿ونَذْكُرَكَ﴾ بِالدُّعاءِ والثَّناءِ عَلَيْكَ وقُدِّمَ التَّسْبِيحُ؛ لِأنَّهُ تَنْزِيهُهُ تَعالى في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وبَراءَتُهُ عَنِ النَّقائِصِ، ومَحَلُّ ذَلِكَ القَلْبُ، والذِّكْرُ والثَّناءُ عَلى اللَّهِ بِصِفاتِ الكَمالِ ومَحَلُّهُ اللِّسانُ، فَلِذَلِكَ قُدِّمَ ما مَحَلُّهُ القَلْبُ عَلى ما مَحَلُّهُ اللِّسانُ. و(كَثِيرًا) نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، أيْ: نُسَبِّحُكَ التَّسْبِيحَ في حالِ كَثْرَتِهِمْ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ عالِمًا بِأحْوالِنا. والسُّؤْلُ فِعْلٌ بِمَعْنى المَسْئُولِ كالخُبْزِ والأكْلِ بِمَعْنى المَخْبُوزِ والمَأْكُولِ، والمَعْنى أُعْطِيتَ طِلْبَتَكَ وما سَألْتَهُ مِن شَرْحِ الصَّدْرِ وتَيَسُّرِ الأمْرِ وحَلِّ العُقْدَةِ، وجَعْلِ أخِيكَ وزِيرًا وذَلِكَ مِنَ المِنَّةِ عَلَيْهِ. ثُمَّ ذَكَّرَهُ تَعالى تَقْدِيمَ مِنَّتِهِ عَلَيْهِ عَلى سَبِيلِ التَّوْقِيفِ لِيَعْظُمَ اجْتِهادُهُ وتَقْوى بَصِيرَتُهُ و(مَرَّةً) مَعْناهُ مِنَّةً و(أُخْرى) تَأْنِيثُ آخَرَ بِمَعْنى (غَيْرَ) أيْ: مِنَّةً غَيْرَ هَذِهِ المِنَّةِ، ولَيْسَتْ (أُخْرى) هُنا بِمَعْنى (آخِرَةً) فَتَكُونَ مُقابِلَةً لِلْأُولى، وتَخَيَّلَ ذَلِكَ بَعْضُهم فَقالَ: سَمّاها (أُخْرى) وهي أُولى لِأنَّها (أُخْرى) في الذَّكَرِ، والأُخْرى لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ يَكُونُ تَأْنِيثُ الآخَرِ بِفَتْحِ الخاءِ، وتَأْنِيثُ الآخَرِ بِمَعْنى آخِرِهِ فَهَذِهِ يُلْحَظُ فِيها مَعْنى التَّأخُّرِ. والمَعْنى أنِّي قَدْ حَفِظْتُكَ وأنْتَ طِفْلٌ رَضِيعٌ فَكَيْفَ لا أحْفَظُكَ وقَدْ أهَّلْتُكَ لِلرِّسالَةِ. وفي قَوْلِهِ ﴿مَرَّةً أُخْرى﴾ إجْمالٌ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ ﴿إذْ أوْحَيْنا إلى أُمِّكَ﴾ . قالَ الجُمْهُورُ: هي وحْيُ إلْهامٍ كَقَوْلِهِ ﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨] . وقِيلَ: وحْيُ إعْلامٍ إمّا بِإراءَةِ ذَلِكَ في مَنامٍ، وإمّا بِبَعْثِ مَلَكٍ إلَيْها لا عَلى جِهَةِ النُّبُوَّةِ كَما بُعِثَ إلى مَرْيَمَ، وهَذا هو الظّاهِرُ لِظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ﴾ ولِظاهِرِ آيَةِ القَصَصِ ﴿إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] ويَبْعُدُ ما صَدَّرَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلَهُ: مِن يَرُدُّ يَدَهُ، إمّا أنْ يَكُونَ عَلى لِسانِ نَبِيٍّ في وقْتِها كَقَوْلِهِ: ﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ﴾ [المائدة: ١١١]؛ لِأنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أنَّهُ كانَ في زَمَنِ فِرْعَوْنَ، وكانَ في زَمَنِ الحَوارِيِّينَ زَكَرِيّا ويَحْيى. وفي قَوْلِهِ ﴿ما يُوحى﴾ إبْهامٌ وإجْمالٌ كَقَوْلِهِ ﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ [النجم: ١٦] ﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨] وفِيهِ تَهْوِيلٌ وقَدْ فُسِّرَ هُنا بِقَوْلِهِ ﴿أنِ اقْذِفِيهِ في التّابُوتِ﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (p-٢٤١)و(أنْ) هي المُفَسِّرَةُ؛ لِأنَّ الوَحْيَ بِمَعْنى القَوْلِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: و(أنْ) في قَوْلِهِ ﴿أنِ اقْذِفِيهِ﴾ بَدَلٌ مِن ما يَعْنِي أنَّ (أنْ) مَصْدَرِيَّةٌ فَلِذَلِكَ كانَ لَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ. والوَجْهانِ سائِغانِ، والظّاهِرُ أنَّ ﴿التّابُوتِ﴾ كانَ مِن خَشَبٍ. وقِيلَ: مِن بَرْدِيِّ شَجَرِ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ سَدَّتْ خُرُوقَهُ وفَرَشَتْ فِيهِ نِطْعًا - وقِيلَ: قُطْنًا مَحْلُوجًا - وسَدَّتْ فَمَهُ وجَصَّصَتْهُ وقَيَّرَتْهُ وألْقَتْهُ في (اليَمِّ)، وهو اسْمٌ لِلْبَحْرِ العَذْبِ. وقِيلَ: اسْمٌ لِلنِّيلِ خاصَّةً. والأوَّلُ هو الصَّوابُ كَقَوْلِهِ: ﴿فَأغْرَقْناهم في اليَمِّ﴾ [الأعراف: ١٣٦] ولَمْ يُغْرَقُوا في النِّيلِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾ عائِدٌ عَلى مُوسى، وكَذَلِكَ الضَّمِيرانِ بَعْدَهُ إذْ هو المُحَدَّثُ عَنْهُ لا التّابُوتُ، إنَّما ذُكِرَ التّابُوتُ عَلى سَبِيلِ الوِعاءِ والفَضْلَةِ. وقالابْنُ عَطِيَّةَ: والضَّمِيرُ الأوَّلُ في ﴿اقْذِفِيهِ﴾ عائِدٌ عَلى مُوسى وفي الثّانِي عائِدٌ عَلى ﴿التّابُوتِ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى مُوسى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والضَّمائِرُ كُلُّها راجِعَةٌ إلى مُوسى، ورُجُوعُ بَعْضِها إلَيْهِ، وبَعْضِها إلى التّابُوتِ فِيهِ هُجْنَةٌ لِما يُؤَدِّي إلَيْهِ مِن تَنافُرِ النَّظْمِ، فَإنْ قُلْتَ: المَقْذُوفُ في البَحْرِ هو التّابُوتُ وكَذَلِكَ المُلْقى إلى السّاحِلِ ؟ قُلْتُ: ما ضَرَّكَ لَوْ قُلْتَ المَقْذُوفُ والمُلْقى هو مُوسى في جَوْفِ التّابُوتِ حَتّى لا تَتَفَرَّقَ الضَّمائِرُ فَيَتَنافَرَ عَلَيْكَ النَّظْمُ، الَّذِي هو أُمُّ إعْجازِ القُرْآنِ، والقانُونُ الَّذِي وقَعَ عَلَيْهِ التَّحَدِّي ومُراعاتُهُ أهَمُّ ما يَجِبُ عَلى المُفَسِّرِ. انْتَهى. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ الضَّمِيرَ إذا كانَ صالِحًا لِأنْ يَعُودَ عَلى الأقْرَبِ وعَلى الأبْعَدِ كانَ عَوْدُهُ عَلى الأقْرَبِ راجِحًا، وقَدْ نَصَّ النَّحْوِيُّونَ عَلى هَذا فَعَوْدُهُ عَلى ﴿التّابُوتِ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ﴾ راجِحٌ، والجَوابُ أنَّهُ إذا كانَ أحَدُهُما هو المُحَدَّثَ عَنْهُ والآخَرُ فَضْلَةً كانَ عَوْدُهُ عَلى المُحَدَّثِ عَنْهُ أرْجَحَ، ولا يُلْتَفَتُ إلى القُرْبِ، ولِهَذا رَدَدْنا عَلى أبِي مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ في دَعْواهُ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ ﴿فَإنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] عائِدٌ عَلى خِنْزِيرٍ لا عَلى لَحْمٍ لِكَوْنِهِ أقْرَبَ مَذْكُورٍ، فَيَحْرُمُ بِذَلِكَ شَحْمُهُ وغُضْرُوفُهُ وعَظْمُهُ وجِلْدُهُ، بِأنَّ المُحَدَّثَ عَنْهُ هو لَحْمُ خِنْزِيرٍ لا خِنْزِيرٌ. و﴿فَلْيُلْقِهِ﴾ أمْرٌ مَعْناهُ الخَبَرُ، وجاءَ بِصِيغَةِ الأمْرِ مُبالَغَةً إذِ الأمْرُ أقْطَعُ الأفْعالِ وأوْجَبُها، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «قُومُوا فَلْأُصَلِّ لَكم» . أخْرَجَ الخَبَرِ في صِيغَةِ الأمْرِ لِنَفْسِهِ مُبالَغَةً، ومِن حَيْثُ خَرَجَ الفِعْلُ مَخْرَجَ الأمْرِ حَسُنَ جَوابُهُ كَذَلِكَ وهو قَوْلُهُ ﴿يَأْخُذْهُ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا كانَتْ مَشِيئَةُ اللَّهِ وإرادَتُهُ أنْ لا يُخْطِئَ جَرْيَةُ ماءِ اليَمِّ الوُصُولَ بِهِ إلى السّاحِلِ وإلْقاءَهُ إلَيْهِ سَلَكَ في ذَلِكَ سُبُلَ المَجازِ، وجَعَلَ اليَمَّ كَأنَّهُ ذُو تَمْيِيزٍ أمَرَ بِذَلِكَ لِيُطِيعَ الأمْرَ ويَمْتَثِلَ رَسْمَهُ فَقِيلَ ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ﴾ انْتَهى. وقالَ التِّرْمِذِيُّ: إنَّما ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الأمْرِ لِسابِقِ عِلْمِهِ بِوُقُوعِ المُخْبَرِ بِهِ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ، فَكَأنَّ البَحْرَ مَأْمُورٌ مُمْتَثِلٌ لِلْأمْرِ. وقالَ الفَرّاءُ: ﴿فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾ أمْرٌ وفِيهِ مَعْنى المُجازاةِ، أيِ: اقْذِفِيهِ يُلْقِهِ اليَمُّ، والظّاهِرُ أنَّ البَحْرَ ألْقاهُ بِالسّاحِلِ فالتَقَطَهُ مِنهُ. ورُوِيَ أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يَشْرَبُ في مَوْضِعٍ مِنَ النِّيلِ إذْ رَأى التّابُوتَ فَأمَرَ بِهِ فَسِيقَ إلَيْهِ وامْرَأتُهُ مَعَهُ، فَفَتَحَ فَرَأوْهُ، فَرَحِمَتْهُ امْرَأتُهُ وطَلَبَتْهُ لِتَتَّخِذَهُ ابْنًا فَأباحَ لَها ذَلِكَ. ورُوِيَ أنَّ التّابُوتَ جاءَ في الماءِ إلى المَشْرَعَةِ الَّتِي كانَتْ جَوارِي امْرَأةِ فِرْعَوْنَ يَسْتَقِينَ مِنها الماءَ. فَأخَذَتِ التّابُوتَ وجَلَبَتْهُ إلَيْها فَأخْرَجَتْهُ وأعْلَمَتْهُ فِرْعَوْنَ، والعَدُوُّ الَّذِي لِلَّهِ ولِمُوسى هو فِرْعَوْنُ، وأُخْبِرَتْ بِهِ أُمُّ مُوسى عَلى طَرِيقِ الإلْهامِ؛ ولِذَلِكَ قالَتْ لِأُخْتِهِ ﴿قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١] وهي لا تَدْرِي أيْنَ اسْتَقَرَّ. ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ قِيلَ: مَحَبَّةَ آسِيَةَ وفِرْعَوْنَ، وكانَ فِرْعَوْنُ قَدْ أحَبَّهُ حُبًّا شَدِيدًا حَتّى لا يَتَمالَكَ أنْ يَصْبِرَ عَنْهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أحَبَّهُ اللَّهُ وحَبَّبَهُ إلى خَلْقِهِ. وقالَ عَطِيَّةُ: جُعِلَتْ عَلَيْهِ مَسْحَةٌ مِن جَمالٍ لا يَكادُ يَصْبِرُ عَنْهُ مَن رَآهُ. وقالَ قَتادَةُ: كانَ في عَيْنَيْهِ مَلاحَةٌ ما رَآهُ أحَدٌ إلّا أحَبَّهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأقْوى الأقْوالِ أنَّهُ القَبُولُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (مِنِّي) لا يَخْلُوا أنْ يَتَعَلَّقَ بِألْقَيْتُ فَيَكُونُ المَعْنى عَلى أحْبَبْتُكَ، ومَن أحَبَّهُ اللَّهُ أحَبَّتْهُ القُلُوبُ، وإمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ (p-٢٤٢)هُوَ صِفَةٌ لِمَحَبَّةٍ، أيْ: مَحَبَّةً خالِصَةً أوْ واقِعَةً مِنِّي قَدْ رَكَّزْتُها أنا فِيها في القُلُوبِ وزَرَعْتُها فِيها، فَلِذَلِكَ أحَبَّكَ فِرْعَوْنُ وكُلُّ مَن أبْصَرَكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ولِتُصْنَعَ﴾: بِكَسْرِ لامِ كَيْ وضَمِّ التّاءِ ونَصْبِ الفِعْلِ، أيْ: ولِتُرَبّى ويُحْسَنَ إلَيْكَ. وأنا مُراعِيكَ وراقِبُكَ كَما يُراعِي الرَّجُلُ الشَّيْءَ بِعَيْنَيْهِ إذا اعْتَنى بِهِ. قالَ قَرِيبًا مِنهُ قَتادَةُ. وقالَ النَّحّاسُ:، يُقالُ صَنَعْتُ الفَرَسَ إذا أحْسَنْتُ إلَيْهِ وهو مَعْطُوفٌ عَلى عِلَّةِ مَحْذُوفٍ، أيْ: لِيَتَلَطَّفَ بِكَ (ولِتُصْنَعَ) أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُتَأخِّرٍ تَقْدِيرُهُ فَعَلْتُ ذَلِكَ. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو نَهِيكٍ بِفَتْحِ التّاءِ. قالَ ثَعْلَبٌ: مَعْناهُ لِتَكُونَ حَرَكَتُكَ وتَصَرُّفُكَ عَلى عَيْنٍ مِنِّي. وقَرَأ شَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ في رِوايَةٍ بِإسْكانِ اللّامِ والعَيْنِ وضَمِّ التّاءِ فِعْلُ أمْرٍ، وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ كَسَرَ اللّامَ. ﴿إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ﴾ قِيلَ اسْمُها مَرْيَمُ، سَبَبُ ذَلِكَ أنَّ آسِيَةَ عَرَّضَتْهُ لِلرَّضاعِ فَلَمْ يَقْبَلِ امْرَأةً، فَجَعَلَتْ تُنادِي عَلَيْهِ في المَدِينَةِ ويُطافُ بِهِ ويُعْرَضُ لِلْمَراضِعِ فَيَأْبى، وبَقِيَتْ أُمُّهُ بَعْدَ قَذْفِهِ في اليَمِّ مَغْمُومَةً، فَأمَرَتْ أُخْتَهُ بِالتَّفْتِيشِ في المَدِينَةِ لَعَلَّها تَقَعُ عَلى خَبَرِهِ، فَبَصُرَتْ بِهِ في طَوافِها، فَقالَتْ: أنا أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ لَكم وهم لَهُ ناصِحُونَ فَتَعَلَّقُوا بِها، وقالُوا: أنْتِ تَعْرِفِينَ هَذا الصَّبِيَّ ؟ فَقالَتْ: لا، ولَكِنْ أعْلَمُ مِن أهْلِ هَذا البَيْتِ الحِرْصَ عَلى التَّقَرُّبِ إلى المَلِكَةِ والجَدِّ في خِدْمَتِها ورِضاها، فَتَرَكُوها وسَألُوها الدَّلّالَةَ، فَجاءَتْ بِأُمِّ مُوسى فَلَمّا قَرَّبَتْهُ شَرِبَ ثَدْيَها فَسُرَّتْ آسِيَةُ، وقالَتْ لَها: كُونِي مَعَنا في القَصْرِ، فَقالَتْ: ما كُنْتُ لِأدَعَ بَيْتِي ووَلَدِي ولَكِنَّهُ يَكُونُ عِنْدِي قالَتْ: نَعَمْ، فَأحْسَنَتْ إلى أهْلِ ذَلِكَ البَيْتِ غايَةَ الإحْسانِ واعْتَزَّ بَنُو إسْرائِيلَ بِهَذا الرَّضاعِ والنَّسَبِ مِنَ المَلِكَةِ، ولَمّا كَمُلَ رِضاعُهُ أرْسَلَتْ آسِيَةُ إلَيْها أنْ جِيئِينِي بِوَلَدِي لِيَوْمِ كَذا، وأمَرَتْ خَدَمَها ومَن لَها أنْ يَلْقَيْنَهُ بِالتُّحَفِ والهَدايا واللِّباسِ، فَوَصَلَ إلَيْها عَلى ذَلِكَ وهو بِخَيْرِ حالٍ وأجْمَلِ شَبابٍ، فَسُرَّتْ بِهِ ودَخَلَتْ بِهِ عَلى فِرْعَوْنَ لِيَراهُ ولِيَهِبَهُ فَأعْجَبَهُ وقَرَّبَهُ، فَأخَذَ مُوسى بِلِحْيَةِ فِرْعَوْنَ وتَقَدَّمَ ما جَرى لَهُ عِنْدَ ذِكْرِ العُقْدَةِ. والعامِلُ في (إذْ) قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ ومَنَنّا إذْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ العامِلُ في ﴿إذْ تَمْشِي﴾ (ألْقَيْتُ) أوْ (تُصْنَعَ) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ﴿إذْ أوْحَيْنا﴾ فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَصِحُّ البَدَلُ والوَقْتانِ مُخْتَلِفانِ مُتَباعِدانِ ؟ قُلْتُ: كَما يَصِحُّ وإنِ اتَّسَعَ الوَقْتُ وتَباعَدَ طَرَفاهُ أنْ يَقُولَ لَكَ الرَّجُلُ لَقِيتُ فُلانًا سَنَةَ كَذا، فَتَقُولُ: وأنا لَقِيتُهُ إذْ ذاكَ. ورُبَّما لَقِيَهُ هو في أوَّلِها وأنْتَ في آخِرِها انْتَهى. ولَيْسَ كَما ذَكَرَ؛ لِأنَّ السَّنَةَ تَقْبَلُ الِاتِّساعَ فَإذا وقَعَ لُقِيُّهُما فِيها بِخِلافِ هَذَيْنِ الطَّرَفَيْنِ فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما ضَيِّقٌ لَيْسَ بِمُتَّسِعٍ لِتَخْصِيصِهِما بِما أُضِيفا إلَيْهِ فَلا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ الثّانِي في الطَّرَفِ الَّذِي وقَعَ فِيهِ الأوَّلُ، إذِ الأوَّلُ لَيْسَ مُتَّسِعًا لِوُقُوعِ الوَحْيِ فِيهِ ووُقُوعِ مَشْيِ الأُخْتِ، فَلَيْسَ وقْتُ وُقُوعِ الوَحْيِ مُشْتَمِلًا عَلى أجْزاءٍ وقَعَ في بَعْضِها المَشْيُ بِخِلافِ السَّنَةِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: (إذْ) مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (تُصْنَعَ)، ولَكَ أنْ تَنْصِبَ (إذْ) بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ واذْكُرْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿كَيْ تَقَرَّ﴾ بِفَتْحِ التّاءِ والقافِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِكَسْرِ القافِ، وتَقَدَّمَ أنَّهُما لُغَتانِ في قَوْلِهِ ﴿وقَرِّي عَيْنًا﴾ [مريم: ٢٦] . وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ القافِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. و﴿قَتَلْتَ نَفْسًا﴾ [القصص: ١٩] هو القِبْطِيُّ الَّذِي اسْتَغاثَهُ عَلَيْهِ الإسْرائِيلِيُّ قَتَلَهُ وهو ابْنُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، واغْتَمَّ بِسَبَبِ القَتْلِ خَوْفًا مِن عِقابِ اللَّهِ ومِنِ اقْتِصاصِ فِرْعَوْنَ، فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ بِاسْتِغْفارِهِ حِينَ قالَ ﴿رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦] ونَجّاهُ مِن فِرْعَوْنَ حِينَ هاجَرَ بِهِ إلى مَدْيَنَ، والغَمُّ ما يَغُمُّ عَلى القَلْبِ بِسَبَبِ خَوْفٍ أوْ فَواتِ مَقْصُودٍ، والغَمُّ - بِلُغَةِ قُرَيْشٍ - القَتْلُ، وقِيلَ: مِن غَمَّ التّابُوتُ. وقِيلَ: مِن غَمَّ البَحْرُ، والظّاهِرُ أنَّهُ مِن غَمَّ القَتْلُ حِينَ ذَهَبْنا بِكَ مِن مِصْرَ إلى مَدْيَنَ. والفُتُونُ مَصْدَرٌ جَمْعُ فِتَنٍ أوْ فِتْنَةٍ عَلى تَرْكِ الِاعْتِدادِ بِالتّاءِ كَحُجُوزٍ وبُدُورٍ في حُجْزَةٍ وبُدْرَةٍ، أيْ: (فَتَنّاكَ) ضُرُوبًا مِنَ الفِتَنِ، والفِتْنَةُ المِحْنَةُ وما يَشُقُّ عَلى الإنْسانِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ خَلَّصْناكَ مِن مِحْنَةٍ بَعْدَ مِحْنَةٍ. وُلِدَ في عامٍ (p-٢٤٣)كانَ يُقْتَلُ فِيهِ الوِلْدانُ، وألْقَتْهُ أُمُّهُ في البَحْرِ وهَمَّ فِرْعَوْنُ بِقَتْلِهِ، وقَتَلَ قِبْطِيًّا وآجَرَ نَفْسَهُ عَشْرَ سِنِينَ وضَلَّ الطَّرِيقَ وتَفَرَّقَتْ غَنَمُهُ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ انْتَهى. وهَذِهِ الفُتُونُ اخْتَبَرَهُ بِها وخَلَّصَهُ حَتّى صَلُحَ لِلنُّبُوَّةِ وسَلِمَ لَها، والسُّنُونُ الَّتِي لَبِثَها في مَدْيَنَ عَشْرُ سِنِينَ. وقالَ وهْبٌ: ثَمانٍ وعِشْرُونَ سَنَةً مِنها مَهْرُ ابْنَتِهِ، وبَيْنَ مِصْرَ ومَدْيَنَ ثَمانِ مَراحِلَ وفي الكَلامِ حَذْفٌ والتَّقْدِيرُ ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ فَخَرَجْتَ خائِفًا إلى ﴿أهْلِ مَدْيَنَ﴾ فَلَبِثْتَ سِنِينَ وكانَ عُمْرُهُ حِينَ ذَهَبَ إلى مَدْيَنَ اثْنَيْ عَشَرَ عامًا، وأقامَ عَشَرَةَ أعْوامٍ في رَعْيِ غَنَمِ شُعَيْبٍ، ثُمَّ ثَمانِيَةَ عَشَرَ عامًا بَعْدَ بِنائِهِ بِامْرَأتِهِ بِنْتِ شُعَيْبٍ، ووُلِدَ لَهُ فِيها فَكَمُلَ لَهُ أرْبَعُونَ سَنَةً وهي المُدَّةُ الَّتِي عادَةُ اللَّهِ إرْسالُ الأنْبِياءِ عَلى رَأْسِها. ”﴿ثُمَّ جِئْتَ﴾“ إلى المَكانِ الَّذِي ناجَيْتُكَ فِيهِ وكَلَّمْتُكَ واسْتَنْبَأْتُكَ. ”﴿عَلى قَدَرٍ﴾“، أيْ: وقْتٍ مُعَيَّنٍ قَدَّرْتُهُ لَمْ تَتَقَدَّمْهُ ولَمْ تَتَأخَّرْ عَنْهُ. وقِيلَ عَلى مِقْدارٍ مِنَ الزَّمانِ يُوحى إلى الأنْبِياءِ فِيهِ وهو الأرْبَعُونَ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎نالَ الخِلافَةَ أوْ جاءَتْ عَلى قَدَرٍ ∗∗∗ كَما أتى رَبَّهُ مُوسى عَلى قَدَرِ ﴿واصْطَنَعَتْكَ لِنَفْسِي﴾، أيْ: جَعَلْتُكَ مَوْضِعَ الصَّنِيعَةِ ومَقَرَّ الإكْمالِ والإحْسانِ، وأخْلَصْتُكَ بِالألْطافِ واخْتَرْتُكَ لِمَحَبَّتِي، يُقالُ: اصْطَنَعَ فُلانٌ فُلانًا اتَّخَذَهُ صَنِيعَةً، وهو افْتِعالٌ مِنَ الصُّنْعِ وهو الإحْسانُ إلى الشَّخْصِ حَتّى يُضافَ إلَيْهِ فَيُقالَ هَذا صَنِيعُ فُلانٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا تَمْثِيلٌ لِما خَوَّلَهُ مِن مَنزِلَةِ التَّقْرِيبِ والتَّكْرِيمِ والتَّكْلِيمِ، مَثَّلَ حالَهُ بِحالِ مَن يَراهُ المُلُوكُ بِجَمِيعِ خِصالٍ فِيهِ وخَصائِصَ أهْلًا لِأنْ يَكُونَ أقْرَبَ مَنزِلَةً إلَيْهِ وألْطَفَ مَحَلًّا، فَيَصْطَنِعُهُ بِالكَرامَةِ والأثَرَةِ ويَسْتَخْلِصُهُ لِنَفْسِهِ. انْتَهى. ومَعْنى ﴿لِنَفْسِي﴾، أيْ: لِأوامِرِي وإقامَةِ حُجَجِي وتَبْلِيغِ رِسالَتِي، فَحَرَكاتُكَ وسَكَناتُكَ لِي لا لِنَفْسِكَ ولا لِأحَدٍ غَيْرِكَ.

طه 20:42

﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى﴾ ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ ﴿فَأْتِياهُ فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهم قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿قالَ فَمَن رَبُّكُما يامُوسى﴾ ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ [طه: ٥١] ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ [طه: ٥٢] ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وسَلَكَ لَكم فِيها سُبُلًا وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ [طه: ٥٣] ﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكم إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ [طه: ٥٤] ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكم ومِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾ [طه: ٥٥] ﴿ولَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وأبى﴾ [طه: ٥٦] ﴿قالَ أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا بِسِحْرِكَ يامُوسى﴾ [طه: ٥٧] ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ ولا أنْتَ مَكانًا سُوًى﴾ [طه: ٥٨] ﴿قالَ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩] ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أتى﴾ [طه: ٦٠] ﴿قالَ لَهم مُوسى ويْلَكم لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكم بِعَذابٍ وقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى﴾ [طه: ٦١] ﴿فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهم وأسَرُّوا النَّجْوى﴾ [طه: ٦٢] ﴿قالُوا إنْ هَذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِما ويَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ المُثْلى﴾ [طه: ٦٣] ﴿فَأجْمِعُوا كَيْدَكم ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى﴾ [طه: ٦٤] ﴿قالُوا يامُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ أوَّلَ مَن ألْقى﴾ [طه: ٦٥] ﴿قالَ بَلْ ألْقُوا فَإذا حِبالُهم وعِصِيُّهم يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾ [طه: ٦٦] الوَنْيُ: الفُتُورُ، يُقالُ: ونِيَ يَنِي وهو فِعْلٌ لازِمٌ، وإذا عُدِّيَ فَبِعَنْ وبِفِي، وزَعَمَ بَعْضُ البَغْدادِيِّينَ أنَّهُ يَأْتِي فِعْلًا ناقِصًا مِن أخَواتِ ما زالَ وبِمَعْناها، واخْتارَهُ ابْنُ مالِكٍ وأنْشَدَ: ؎لا الخِبُّ شِيمَةَ الحُبِّ ما دامَ فَلا تَحْسَبَنَّهُ ذا ارْعِواءِ وقالُوا: امْرَأةٌ أنْآةٌ، أيْ: فاتِرَةٌ عَنِ النُّهُوضِ، أبْدَلُوا مِن واوِها هَمْزَةً عَلى غَيْرِ قِياسٍ. قالَ الشّاعِرُ:(p-٢٤٤) ؎فَما أنا بِالوانِي ولا الضَّرَعِ الغُمْرِ شَتَّ الأمْرُ شَتًّا وشَتاتًا تَفَرَّقَ، وأمْرٌ شَتٌّ مُتَفَرِّقٌ، وشَتّى فَعْلى مَنِ الشَّتِّ وألِفُهُ لِلتَّأْنِيثِ جَمْعُ شَتِيتٍ كَمَرِيضٍ ومَرْضى، ومَعْناهُ مُتَفَرِّقَةٌ، وشَتّانَ اسْمُ فاعِلٍ، سَحَتَ لُغَةُ الحِجازِ، وأسْحَتَ لُغَةُ نَجْدٍ وتَمِيمٍ، وأصْلُهُ اسْتِقْصاءُ الحَلْقِ لِلشِّعْرِ. وقالَ الفَرَزْدَقُ وهو تَمِيمِيٌّ: ؎وعَضُّ زَمانٍ يابْنَ مَرْوانَ لَمْ يَكُ ∗∗∗ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتٌ أوْ مُجَلَّفُ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الإهْلاكِ والإذْهابِ. الخَيْبَةُ: عَدَمُ الظَّفَرِ بِالمَطْلُوبِ. الصَّفُّ: مَوْضِعُ المَجْمَعِ قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وسُمِّيَ المُصَلّى الصَّفَّ وعَنْ بَعْضِ العَرَبِ الفُصَحاءِ ما اسْتَطَعْتُ أنْ آتِيَ الصَّفَّ، أيِ: المُصَلّى، وقَدْ يَكُونُ مَصْدَرًا، ويُقالُ جاءُوا صَفًّا، أيْ: مُصْطَفِّينَ. التَّخْيِيلُ: إبْداءُ أمْرٍ لا حَقِيقَةَ لَهُ، ومِنهُ الخَيالُ وهو الطَّيْفُ الطّارِقُ في النَّوْمِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎ألا يا لَقَوْمِي لِلْخَيالِ المُشَوِّقِ ∗∗∗ ولِلدّارِ تَنْأى بِالحَبِيبِ ونَلْتَقِي ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى﴾ ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ ﴿فَأْتِياهُ فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهم قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿قالَ فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾ ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ [طه: ٥١] ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ [طه: ٥٢] . (p-٢٤٥)أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِالذَّهابِ إلى فِرْعَوْنَ فَلَمّا دَعا رَبَّهُ وطَلَبَ مِنهُ أشْياءَ كانَ فِيها أنْ يُشْرِكَ أخاهُ هارُونَ فَذَكَرَ اللَّهُ أنَّهُ آتاهُ سُؤْلَهُ وكانَ مِنهُ إشْراكُ أخِيهِ، فَأمَرَهُ هُنا وأخاهُ بِالذَّهابِ و﴿أخُوكَ﴾ [يوسف: ٦٩] مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ﴾ في سُورَةِ المائِدَةِ، وقَوْلُ بَعْضِ النُّحاةِ، أنَّ (ورَبُّكَ) مَرْفُوعٌ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: ولْيَذْهَبْ رَبُّكَ وذَلِكَ البَحْثُ جارٍ هُنا. ورُوِيَ أنَّ اللَّهَ أوْحى إلى هارُونَ وهو بِمِصْرَ أنْ يَتَلَقّى مُوسى. وقِيلَ: سَمِعَ بِمَقْدَمِهِ. وقِيلَ: أُلْهِمَ ذَلِكَ وظاهِرُ (بِآياتِي) الجَمْعُ. فَقِيلَ: هي العَصا، واليَدُ، وعُقْدَةُ لِسانِهِ. وقِيلَ: اليَدُ، والعَصا. وقَدْ يُطْلَقُ الجَمْعُ عَلى المُثَنّى وهُما اللَّتانِ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُما؛ ولِذَلِكَ لَمّا قالَ: (فَأْتِ بِآيَةٍ)، ألْقى العَصا ونَزَعَ اليَدَ، وقالَ: فَذانِكَ بُرْهانانِ. وقِيلَ العَصا مُشْتَمِلَةٌ عَلى آياتِ انْقِلابِها حَيَوانًا، ثُمَّ في أوَّلِ الأمْرِ كانَتْ صَغِيرَةً ثُمَّ عَظُمَتْ حَتّى صارَتْ ثُعْبانًا، ثُمَّ إدْخالُ مُوسى يَدَهُ في فَمِها فَلا تَضُرُّهُ. وقِيلَ: ما أُعْطِيَ مِن مُعْجِزَةٍ ووَحْيٍ. ﴿ولا تَنِيا﴾، أيْ: لا تَضْعُفا ولا تَقْصُرا. وقِيلَ: تَنْسِيانِي ولا أزالُ مِنكُما عَلى ذِكْرٍ حَيْثُما تَقَلَّبْتُما، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالذِّكْرِ تَبْلِيغُ الرِّسالَةِ فَإنَّ الذِّكْرَ يَقَعُ عَلى سائِرِ العِباداتِ، وتَبْلِيغُ الرِّسالَةِ مِن أجَلِّها وأعْظَمِها، فَكانَ جَدِيرًا أنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ الذِّكْرِ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: ولا تِنِيا بِكَسْرِ التّاءِ إتْباعًا لِحَرَكَةِ النُّونِ. وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ ولا تَهِنا، أيْ: ولا تَلِنا مِن قَوْلِهِمْ هَيِّنٌ لَيِّنٌ، ولَمّا حَذَفَ مَن يَذْهَبُ إلَيْهِ في الأمْرِ قَبْلَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ في هَذا الأمْرِ الثّانِي. فَقِيلَ: ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ﴾، أيْ: بِالرِّسالَةِ وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُما أُمِرا بِالذَّهابِ أوَّلًا إلى النّاسِ وثانِيًا إلى فِرْعَوْنَ، فَكَرَّرَ الأمْرَ بِالذَّهابِ لِاخْتِلافِ المُتَعَلِّقِ، ونَبَّهَ عَلى سَبَبِ الذَّهابِ إلَيْهِ بِالرِّسالَةِ مِن عِنْدِهِ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّهُ طَغى﴾ [طه: ٢٤]، أيْ: تَجاوَزَ الحَدَّ في الفَسادِ ودَعَواهُ الرُّبُوبِيَّةَ والإلَهِيَّةَ مِن دُونِ اللَّهِ. والقَوْلُ اللَّيِّنُ هو مِثْلُ ما في النّازِعاتِ ﴿هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى وأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ [النازعات: ١٨] وهَذا مِن لَطِيفِ الكَلامِ إذْ أبْرَزَ ذَلِكَ في صُورَةِ الِاسْتِفْهامِ والمَشُورَةِ والعَرْضِ لِما فِيهِ مِنَ الفَوْزِ العَظِيمِ، وقِيلَ: عَدّاهُ شَبابًا لا يَهْرَمُ بَعْدَهُ ومُلْكًا لا يُنْزَعُ مِنهُ إلّا بِالمَوْتِ وأنْ يَبْقى لَهُ لَذَّةُ المَطْعَمِ والمَشْرَبِ والمَنكَحِ إلى حِينِ مَوْتِهِ. وقِيلَ: لا تُجِبْهاهُ بِما يَكْرَهُ وألْطِفا لَهُ في القَوْلِ لِما لَهُ مِن حَقِّ تَرْبِيَةِ مُوسى. وقِيلَ: كَنَّياهُ وهو ذُو الكُنى الأرْبَعِ أبُو مُرَّةَ، وأبُو مُصْعَبٍ، وأبُو الوَلِيدِ، وأبُو العَبّاسِ. وقِيلَ: القَوْلُ اللَّيِّنُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، ولِينُها خِفَّتُها عَلى اللِّسانِ. وقالَ الحَسَنُ: هو قَوْلُهُما إنَّ لَكَ رَبًّا وإنَّ لَكَ مَعادًا وإنَّ بَيْنَ يَدَيْكَ جَنَّةً ونارًا فَآمِن بِاللَّهِ يُدْخِلْكَ الجَنَّةَ ويَقِكَ عَذابَ النّارِ. وقِيلَ: أمَرَهُما تَعالى أنْ يُقَدِّما المَواعِيدَ عَلى الوَعِيدِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎أقْدِمْ بِالوَعْدِ قَبْلَ الوَعِيدِ ∗∗∗ لِيَنْهى القَبائِلَ جُهّالُها وقِيلَ: حِينَ عَرَضَ عَلَيْهِ مُوسى وهارُونُ - عَلَيْهِما السَّلامُ - ما عَرَضا، شاوَرَ آسِيَةَ فَقالَتْ: ما يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنَّ يَرُدَّ هَذا، فَشاوَرَ هامانَ وكانَ لا يَبُتُّ أمْرًا دُونَ رَأْيِهِ، فَقالَ لَهُ: كُنْتُ أعْتَقِدُ أنَّكَ ذُو عَقْلٍ ! تَكُونُ مالِكًا فَتَصِيرُ مَمْلُوكًا ورَبًّا فَتَصِيرُ مَرْبُوبًا ! فامْتَنَعَ مِن قَبُولِ ما عَرَضَ عَلَيْهِ مُوسى، والتَّرَجِّي بِالنِّسْبَةِ لَهُما إذْ هو مُسْتَحِيلٌ وُقُوعُهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أيِ: اذْهَبا عَلى رَجائِكُما وطَمَعِكُما وباشِرا الأمْرَ مُباشَرَةَ مَن يَرْجُو ويَطْمَعُ أنْ يُثْمِرَ عَمَلُهُ ولا يَخِيبَ سَعْيُهُ، وفائِدَةُ إرْسالِهِما مَعَ عِلْمِهِ تَعالى أنَّهُ لا يُؤْمِنُ إقامَةُ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، وإزالَةُ (p-٢٤٦)المَعْذِرَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ﴾ [طه: ١٣٤] الآيَةَ. وقِيلَ: القَوْلُ اللَّيِّنُ ما حَكاهُ اللَّهُ هُنا وهو ﴿فَأْتِياهُ فَقَوْلا إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ وقالَ أبُو مُعاذٍ: ﴿قَوْلًا لَيِّنًا﴾ وقالَ الفَرّاءُ لَعَلَّ هُنا بِمَعْنى كَيْ، أيْ: كَيْ يَتَذَكَّرَ أوْ يَخْشى، كَما تَقُولُ: اعْمَلْ لَعَلَّكَ تَأْخُذُ أجْرَكَ، أيْ: كَيْ تَأْخُذَ أجْرَكَ. وقِيلَ: لَعَلَّ هُنا اسْتِفْهامٌ، أيْ: هَلْ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى ؟، والصَّحِيحُ أنَّها عَلى بابِها مِنَ التَّرَجِّي وذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى البَشَرِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ شاكًّا في اللَّهِ. وقِيلَ: (يَتَذَكَّرُ) حالَهُ حِينَ احْتُبِسَ النِّيلُ فَسارَ إلى شاطِئِهِ وأبْعَدَ وخَرَّ ساجِدًا لِلَّهِ راغِبًا أنْ لا يُخْجِلَهُ، ثُمَّ رَكِبَ فَأخَذَ النِّيلُ يَتْبَعُ حافِرَ فَرَسِهِ فَرَجا أنْ يَتَذَكَّرَ حِلْمَ اللَّهِ وكَرَمَهُ وأنْ يَحْذَرَ مِن عَذابِ اللَّهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: (يَتَذَكَّرُ) ويَتَأمَّلُ فَيَبْذُلُ النَّصَفَةَ مِن نَفْسِهِ والإذْعانَ لِلْحَقِّ ﴿أوْ يَخْشى﴾ أنْ يَكُونَ الأمْرُ كَما يَصِفانِ فَيَجُرُّهُ إنْكارُهُ إلى الهَلَكَةِ. فَرَطَ سَبَقَ وتَقَدَّمَ ومِنهُ الفارِطُ الَّذِي يَتَقَدَّمُ الوارِدَةَ وفَرَسٌ فَرْطٌ تَسْبِقُ الخَيْلَ. انْتَهى. وقالَ الشّاعِرُ: ؎واسْتَعْجَلُونا وكانُوا مِن صَحابَتِنا ∗∗∗ كَما تَقَدَّمَ فارِطُ الوُرّادِ وفِي الحَدِيثِ: «أنا فَرَطُكم عَلى الحَوْضِ» .، أيْ: مُتَقَدِّمُكم وسابِقُكم، والمَعْنى إنَّنا نَخافُ أنْ يُعَجَّلَ عَلَيْنا بِالعُقُوبَةِ ويُبادِرَنا بِها. وقَرَأ يَحْيى وأبُو نَوْفَلٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ في رِوايَتِهِ ﴿أنْ يُفْرَطَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ: يُسْبَقَ في العُقُوبَةِ ويُسْرَعَ بِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الإفْراطِ ومُجاوَزَةِ الحَدِّ في العُقُوبَةِ، خافا أنْ يَحْمِلَهُ حامِلٌ عَلى المُعاجَلَةِ بِالعَذابِ مِن شَيْطانٍ، أوْ مِن جَبَرُوتِهِ واسْتِكْبارِهِ وادِّعائِهِ الرُّبُوبِيَّةَ، أوْ مِن حُبِّهِ الرِّياسَةَ، أوْ مِن قَوْمِهِ القِبْطِ المُتَمَرِّدِينَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ [الأعراف: ١٠٩] ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ﴾ [المؤمنون: ٣٣] . وقَرَأتْ فِرْقَةٌ والزَّعْفَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ: (يُفْرِطَ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الرّاءِ مِنَ الإفْراطِ في الأذِيَّةِ ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾ في التَّخَطِّي إلى أنْ يَقُولَ فِيكَ ما لا يَنْبَغِي تَجْرِئَةً عَلَيْكَ وقَسْوَةَ قَلْبِهِ، وفي المَجِيءِ بِهِ هَكَذا عَلى سَبِيلِ الإطْلاقِ والرَّمْزِ بابٌ مِن حُسْنِ الأدَبِ والتَّجافِي عَنِ التَّفَوُّهِ بِالعَظِيمَةِ. والمَعِيَّةُ هُنا بِالنُّصْرَةِ والعَوْنِ أسْمَعُ أقْوالَكُما وأرى أفْعالَكُما. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿أسْمَعُ﴾ جَوابَهُ لَكُما ﴿وأرى﴾ ما يَفْعَلُ بِكُما، وهُما كِنايَةٌ عَنِ العِلْمِ ﴿فَأْتِياهُ﴾ كَرَّرَ الأمْرَ بِالإتْيانِ ﴿فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ وخاطَباهُ بِقَوْلِهِما (رَبِّكَ) تَحْقِيرًا لَهُ وإعْلامًا أنَّهُ مَرْبُوبٌ مَمْلُوكٌ إذْ كانَ هو يَدَّعِي الرُّبُوبِيَّةَ. وأُمِرا بِدَعْوَتِهِ إلى أنْ يَبْعَثَ مَعَهُما بَنِي إسْرائِيلَ ويُخْرِجَهم مِن ذُلِّ خِدْمَةِ القِبْطِ، وكانُوا يُعَذِّبُونَهم بِتَكْلِيفِ الأعْمالِ الشّاقَّةِ مِنَ الحَفْرِ والبِناءِ ونَقْلِ الحِجارَةِ والسُّخْرَةِ في كُلِّ شَيْءٍ مَعَ قَتْلِ الوِلْدانِ واسْتِخْدامِ النِّساءِ. وقَدْ ذُكِرَ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ دُعاؤُهُ إلى الإيمانِ فَجُمْلَةُ ما دُعِيَ إلَيْهِ فِرْعَوْنُ الإيمانُ وإرْسالُ بَنِي إسْرائِيلَ. * * ثُمَّ ذَكَرا ما يَدُلُّ عَلى صِدْقِهِما في إرْسالِهِما إلَيْهِ فَقالا ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾ وتَكَرَّرَ أيْضًا قَوْلُهُما ﴿مِن رَبِّكَ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ بِأنَّهُ مَرْبُوبٌ مَقْهُورٌ، والآيَةُ الَّتِي أحالا عَلَيْها هي العَصا واليَدُ، ولَمّا كانا مُشْتَرِكَيْنِ في الرِّسالَةِ صَحَّ نِسْبَةُ المَجِيءِ بِالآيَةِ إلَيْهِما وإنْ كانَتْ صادِرَةً مِن أحَدِهِما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾ جارِيَةٌ مِنَ الجُمْلَةِ الأُولى وهي ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ مَجْرى البَيانِ والتَّفْسِيرِ؛ لِأنَّ دَعْوى الرِّسالَةِ لا تَثْبُتُ إلّا بِبَيِّنَتِها الَّتِي هي المَجِيءُ بِالآيَةِ، وإنَّما وحَّدَ بِآيَةٍ ولَمْ يُثَنِّ ومَعَهُ آيَتانِ؛ لِأنَّ المُرادَ في هَذا المَوْضِعِ تَثْبِيتُ الدَّعْوى بِبُرْهانِها، فَكَأنَّهُ قالَ: قَدْ جِئْناكَ بِمُعْجِزَةٍ وبُرْهانٍ وحُجَّةٍ عَلى ما ادَّعَيْناهُ مِنَ الرِّسالَةِ وكَذَلِكَ ﴿قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٠٥] ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٤] ﴿أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ٣٠] انْتَهى. وقِيلَ: الآيَةُ اليَدُ. وقِيلَ: العَصا، والمَعْنى بِآيَةٍ تَشْهَدُ لَنا بِأنّا رَسُولا رَبِّكَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ فَصْلٌ لِلْكَلامِ، فالسَّلامُ بِمَعْنى التَّحِيَّةِ رَغِبا بِهِ عَنْهُ وجَرَيا عَلى العادَةِ في التَّسْلِيمِ عِنْدَ الفَراغِ (p-٢٤٧)مِنَ القَوْلِ، فَسَلَّما عَلى مُتَّبِعِي الهُدى وفي هَذا تَوْبِيخٌ لَهُ. وفي هَذا المَعْنى اسْتَعْمَلَ النّاسُ هَذِهِ الآيَةَ في مُخاطَباتِهِمْ ومُحاوَراتِهِمْ. وقِيلَ: هو مُدْرَجٌ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا﴾ فَيَكُونُ إذْ ذاكَ خَبَرًا بِسَلامَةِ المُهْتَدِينَ مِنَ العَذابِ. وقِيلَ (عَلى) بِمَعْنى اللّامِ، أيْ: والسَّلامَةُ (لِمَنِ اتَّبَعَ الهُدى) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وسَلامُ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم خَزَنَةُ الجَنَّةِ عَلى المُهْتَدِينَ، وتَوْبِيخُ خَزَنَةِ النّارِ والعَذابِ عَلى المُكَذِّبِينَ انْتَهى. وهو تَفْسِيرٌ غَرِيبٌ. وقَدْ، يُقالُ: السَّلامُ هُنا السَّلامَةُ مِنَ العَذابِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ وبُنِيَ (أُوحِيَ) لَمّا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، ولَمْ يَذْكُرِ المُوحى؛ لِأنَّ فِرْعَوْنَ كانَتْ لَهُ بادِرَةٌ فَرُبَّما صَدَرَ مِنهُ في حَقِّ المُوحِي ما لا يَلِيقُ بِهِ، والمَعْنى عَلى مَن كَذَّبَ الأنْبِياءَ وتَوَلّى عَنِ الإيمانِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ هَذِهِ أرْجى آيَةٍ في القُرْآنِ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ ما كَذَّبَ وتَوَلّى فَلا يَنالُهُ شَيْءٌ مِنَ العَذابِ. وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ فَأتَيا فِرْعَوْنَ وقالا لَهُ ما أمَرَهُما اللَّهُ أنْ يُبَلِّغاهُ قالَ: ﴿فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾ خاطَبَهُما مَعًا وأفْرَدَ بِالنِّداءِ مُوسى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إذْ كانَ صاحِبَ عِظَمِ الرِّسالَةِ وكَرِيمِ الآياتِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأنَّهُ الأصْلُ في النُّبُوَّةِ وهارُونُ وزِيرُهُ وتابِعُهُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَحْمِلَهُ خُبْثُهُ وذَعارَتُهُ عَلى اسْتِدْعاءِ كَلامِ مُوسى دُونَ كَلامِ أخِيهِ لِما عُرِفَ مِن فَصاحَةِ هارُونَ والرُّتَّةِ في لِسانِ مُوسى، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] انْتَهى. واسْتَبَدَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِجَوابِ فِرْعَوْنَ مِن حَيْثُ خَصَّهُ بِالسُّؤالِ والنِّداءِ مَعًا، ثُمَّ أعْلَمَهُ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى بِالصِّفَةِ الَّتِي لا شِرْكَ لِفِرْعَوْنَ فِيها ولا بِوَجْهِ مَجازٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولِلَّهِ دَرُّ هَذا الجَوابِ ما أخْصَرَهُ وما أجْمَعَهُ وما أبَيْنَهُ لِمَن ألْقى الذِّهْنَ ونَظَرَ بِعَيْنِ الإنْصافِ وكانَ طالِبًا لِلْحَقِّ. انْتَهى. والمَعْنى أعْطى كُلَّ ما خَلَقَ خِلْقَتَهُ وصُورَتَهُ عَلى ما يُناسِبُهُ مِنَ الإتْقانِ لَمْ يَجْعَلْ خَلْقَ الإنْسانِ في خَلْقِ البَهائِمِ، ولا خَلْقَ البَهائِمِ في خَلْقِ الإنْسانِ ولَكِنْ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا. وقالَ الشّاعِرُ: ؎ولَهُ في كُلِّ شَيْءٍ خِلْقَةٌ وكَذَلِكَ اللَّهُ ما شاءَ فَعَلْ وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وعَطِيَّةَ ومُقاتِلٍ، وقالَ الضَّحّاكُ (خَلْقَهُ) مِنَ المَنفَعَةِ المَنُوطَةِ بِهِ المُطابِقَةِ لَهُ ﴿ثُمَّ هَدى﴾، أيْ: يَسَّرَ كُلَّ شَيْءٍ لِمَنافِعِهِ ومَرافِقِهِ، فَأعْطى العَيْنَ الهَيْئَةَ الَّتِي تُطابِقُ الإبْصارَ، والأُذُنَ الشَّكْلَ الَّذِي يُوافِقُ الِاسْتِماعَ، وكَذَلِكَ الأنْفُ واليَدُ والرِّجْلُ واللِّسانُ كُلُّ واحِدٍ مِنها مُطابِقٌ لِما عُلِّقَ بِهِ مِنَ المَنفَعَةِ غَيْرُ نابٍ عَنْهُ. قالَ القُشَيْرِيُّ: والخَلْقُ المَخْلُوقُ؛ لِأنَّ البَطْشَ والمَشْيَ والرُّؤْيَةَ والنُّطْقَ مَعانٍ مَخْلُوقَةٌ أوْدَعَها اللَّهُ لِلْأعْضاءِ، وعَلى هَذا مَفْعُولُ (أعْطى) الأوَّلُ ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ والثّانِي (خَلْقَهُ) وكَذا في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ والسُّدِّيِّ وهو أنَّ المَعْنى ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ﴾ مَخْلُوقَهُ مِن جِنْسِهِ، أيْ: كُلَّ حَيَوانٍ ذَكَرٍ نَظِيرَهُ أُنْثى في الصُّورَةِ. فَلَمْ يُزاوِجْ مِنهُما غَيْرَ جِنْسِهِ، ثُمَّ هَداهُ إلى مَنكَحِهِ ومَطْعَمِهِ ومَشْرَبِهِ ومَسْكَنِهِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ هَداهُ إلى إلْفِهِ والِاجْتِماعِ بِهِ والمُناكَحَةِ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ﴾ صَلاحَهُ وهَداهُ لِما يُصْلِحُهُ. وقِيلَ: ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ هو المَفْعُولُ الثّانِي لِأعْطى و(خَلْقَهُ) المَفْعُولُ الأوَّلُ، أيْ: (أعْطى) خَلِيقَتَهُ ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ يَحْتاجُونَ إلَيْهِ ويَرْتَفِقُونَ بِهِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وأُناسٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبُو نَهِيكٍ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والأعْمَشُ والحَسَنُ ونُصَيْرٌ عَنِ الكِسائِيِّ، وابْنُ نُوحٍ عَنْ قُتَيْبَةَ وسَلّامٌ ﴿خَلْقَهُ﴾ بِفَتْحِ اللّامِ فِعْلًا ماضِيًا في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِكُلِّ شَيْءٍ أوْ لِشَيْءٍ، ومَفْعُولُ (أعْطى) الثّانِي حُذِفَ اقْتِصارًا، أيْ: ﴿كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ لَمْ يُخْلِهِ مِن عَطائِهِ وإنْعامِهِ ﴿ثُمَّ هَدى﴾، أيْ: عَرَفَ كَيْفَ يَرْتَفِقُ بِما أعْطى وكَيْفَ يَتَوَصَّلُ إلَيْهِ. وقِيلَ: حُذِفَ اخْتِصارًا لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، أيْ: ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ، وقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ كَمالَهُ أوْ مَصْلَحَتَهُ.

طه 20:43

﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى﴾ ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ ﴿فَأْتِياهُ فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهم قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿قالَ فَمَن رَبُّكُما يامُوسى﴾ ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ [طه: ٥١] ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ [طه: ٥٢] ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وسَلَكَ لَكم فِيها سُبُلًا وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ [طه: ٥٣] ﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكم إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ [طه: ٥٤] ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكم ومِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾ [طه: ٥٥] ﴿ولَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وأبى﴾ [طه: ٥٦] ﴿قالَ أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا بِسِحْرِكَ يامُوسى﴾ [طه: ٥٧] ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ ولا أنْتَ مَكانًا سُوًى﴾ [طه: ٥٨] ﴿قالَ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩] ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أتى﴾ [طه: ٦٠] ﴿قالَ لَهم مُوسى ويْلَكم لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكم بِعَذابٍ وقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى﴾ [طه: ٦١] ﴿فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهم وأسَرُّوا النَّجْوى﴾ [طه: ٦٢] ﴿قالُوا إنْ هَذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِما ويَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ المُثْلى﴾ [طه: ٦٣] ﴿فَأجْمِعُوا كَيْدَكم ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى﴾ [طه: ٦٤] ﴿قالُوا يامُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ أوَّلَ مَن ألْقى﴾ [طه: ٦٥] ﴿قالَ بَلْ ألْقُوا فَإذا حِبالُهم وعِصِيُّهم يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾ [طه: ٦٦] الوَنْيُ: الفُتُورُ، يُقالُ: ونِيَ يَنِي وهو فِعْلٌ لازِمٌ، وإذا عُدِّيَ فَبِعَنْ وبِفِي، وزَعَمَ بَعْضُ البَغْدادِيِّينَ أنَّهُ يَأْتِي فِعْلًا ناقِصًا مِن أخَواتِ ما زالَ وبِمَعْناها، واخْتارَهُ ابْنُ مالِكٍ وأنْشَدَ: ؎لا الخِبُّ شِيمَةَ الحُبِّ ما دامَ فَلا تَحْسَبَنَّهُ ذا ارْعِواءِ وقالُوا: امْرَأةٌ أنْآةٌ، أيْ: فاتِرَةٌ عَنِ النُّهُوضِ، أبْدَلُوا مِن واوِها هَمْزَةً عَلى غَيْرِ قِياسٍ. قالَ الشّاعِرُ:(p-٢٤٤) ؎فَما أنا بِالوانِي ولا الضَّرَعِ الغُمْرِ شَتَّ الأمْرُ شَتًّا وشَتاتًا تَفَرَّقَ، وأمْرٌ شَتٌّ مُتَفَرِّقٌ، وشَتّى فَعْلى مَنِ الشَّتِّ وألِفُهُ لِلتَّأْنِيثِ جَمْعُ شَتِيتٍ كَمَرِيضٍ ومَرْضى، ومَعْناهُ مُتَفَرِّقَةٌ، وشَتّانَ اسْمُ فاعِلٍ، سَحَتَ لُغَةُ الحِجازِ، وأسْحَتَ لُغَةُ نَجْدٍ وتَمِيمٍ، وأصْلُهُ اسْتِقْصاءُ الحَلْقِ لِلشِّعْرِ. وقالَ الفَرَزْدَقُ وهو تَمِيمِيٌّ: ؎وعَضُّ زَمانٍ يابْنَ مَرْوانَ لَمْ يَكُ ∗∗∗ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتٌ أوْ مُجَلَّفُ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الإهْلاكِ والإذْهابِ. الخَيْبَةُ: عَدَمُ الظَّفَرِ بِالمَطْلُوبِ. الصَّفُّ: مَوْضِعُ المَجْمَعِ قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وسُمِّيَ المُصَلّى الصَّفَّ وعَنْ بَعْضِ العَرَبِ الفُصَحاءِ ما اسْتَطَعْتُ أنْ آتِيَ الصَّفَّ، أيِ: المُصَلّى، وقَدْ يَكُونُ مَصْدَرًا، ويُقالُ جاءُوا صَفًّا، أيْ: مُصْطَفِّينَ. التَّخْيِيلُ: إبْداءُ أمْرٍ لا حَقِيقَةَ لَهُ، ومِنهُ الخَيالُ وهو الطَّيْفُ الطّارِقُ في النَّوْمِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎ألا يا لَقَوْمِي لِلْخَيالِ المُشَوِّقِ ∗∗∗ ولِلدّارِ تَنْأى بِالحَبِيبِ ونَلْتَقِي ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى﴾ ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ ﴿فَأْتِياهُ فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهم قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿قالَ فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾ ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ [طه: ٥١] ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ [طه: ٥٢] . (p-٢٤٥)أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِالذَّهابِ إلى فِرْعَوْنَ فَلَمّا دَعا رَبَّهُ وطَلَبَ مِنهُ أشْياءَ كانَ فِيها أنْ يُشْرِكَ أخاهُ هارُونَ فَذَكَرَ اللَّهُ أنَّهُ آتاهُ سُؤْلَهُ وكانَ مِنهُ إشْراكُ أخِيهِ، فَأمَرَهُ هُنا وأخاهُ بِالذَّهابِ و﴿أخُوكَ﴾ [يوسف: ٦٩] مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ﴾ في سُورَةِ المائِدَةِ، وقَوْلُ بَعْضِ النُّحاةِ، أنَّ (ورَبُّكَ) مَرْفُوعٌ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: ولْيَذْهَبْ رَبُّكَ وذَلِكَ البَحْثُ جارٍ هُنا. ورُوِيَ أنَّ اللَّهَ أوْحى إلى هارُونَ وهو بِمِصْرَ أنْ يَتَلَقّى مُوسى. وقِيلَ: سَمِعَ بِمَقْدَمِهِ. وقِيلَ: أُلْهِمَ ذَلِكَ وظاهِرُ (بِآياتِي) الجَمْعُ. فَقِيلَ: هي العَصا، واليَدُ، وعُقْدَةُ لِسانِهِ. وقِيلَ: اليَدُ، والعَصا. وقَدْ يُطْلَقُ الجَمْعُ عَلى المُثَنّى وهُما اللَّتانِ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُما؛ ولِذَلِكَ لَمّا قالَ: (فَأْتِ بِآيَةٍ)، ألْقى العَصا ونَزَعَ اليَدَ، وقالَ: فَذانِكَ بُرْهانانِ. وقِيلَ العَصا مُشْتَمِلَةٌ عَلى آياتِ انْقِلابِها حَيَوانًا، ثُمَّ في أوَّلِ الأمْرِ كانَتْ صَغِيرَةً ثُمَّ عَظُمَتْ حَتّى صارَتْ ثُعْبانًا، ثُمَّ إدْخالُ مُوسى يَدَهُ في فَمِها فَلا تَضُرُّهُ. وقِيلَ: ما أُعْطِيَ مِن مُعْجِزَةٍ ووَحْيٍ. ﴿ولا تَنِيا﴾، أيْ: لا تَضْعُفا ولا تَقْصُرا. وقِيلَ: تَنْسِيانِي ولا أزالُ مِنكُما عَلى ذِكْرٍ حَيْثُما تَقَلَّبْتُما، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالذِّكْرِ تَبْلِيغُ الرِّسالَةِ فَإنَّ الذِّكْرَ يَقَعُ عَلى سائِرِ العِباداتِ، وتَبْلِيغُ الرِّسالَةِ مِن أجَلِّها وأعْظَمِها، فَكانَ جَدِيرًا أنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ الذِّكْرِ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: ولا تِنِيا بِكَسْرِ التّاءِ إتْباعًا لِحَرَكَةِ النُّونِ. وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ ولا تَهِنا، أيْ: ولا تَلِنا مِن قَوْلِهِمْ هَيِّنٌ لَيِّنٌ، ولَمّا حَذَفَ مَن يَذْهَبُ إلَيْهِ في الأمْرِ قَبْلَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ في هَذا الأمْرِ الثّانِي. فَقِيلَ: ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ﴾، أيْ: بِالرِّسالَةِ وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُما أُمِرا بِالذَّهابِ أوَّلًا إلى النّاسِ وثانِيًا إلى فِرْعَوْنَ، فَكَرَّرَ الأمْرَ بِالذَّهابِ لِاخْتِلافِ المُتَعَلِّقِ، ونَبَّهَ عَلى سَبَبِ الذَّهابِ إلَيْهِ بِالرِّسالَةِ مِن عِنْدِهِ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّهُ طَغى﴾ [طه: ٢٤]، أيْ: تَجاوَزَ الحَدَّ في الفَسادِ ودَعَواهُ الرُّبُوبِيَّةَ والإلَهِيَّةَ مِن دُونِ اللَّهِ. والقَوْلُ اللَّيِّنُ هو مِثْلُ ما في النّازِعاتِ ﴿هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى وأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ [النازعات: ١٨] وهَذا مِن لَطِيفِ الكَلامِ إذْ أبْرَزَ ذَلِكَ في صُورَةِ الِاسْتِفْهامِ والمَشُورَةِ والعَرْضِ لِما فِيهِ مِنَ الفَوْزِ العَظِيمِ، وقِيلَ: عَدّاهُ شَبابًا لا يَهْرَمُ بَعْدَهُ ومُلْكًا لا يُنْزَعُ مِنهُ إلّا بِالمَوْتِ وأنْ يَبْقى لَهُ لَذَّةُ المَطْعَمِ والمَشْرَبِ والمَنكَحِ إلى حِينِ مَوْتِهِ. وقِيلَ: لا تُجِبْهاهُ بِما يَكْرَهُ وألْطِفا لَهُ في القَوْلِ لِما لَهُ مِن حَقِّ تَرْبِيَةِ مُوسى. وقِيلَ: كَنَّياهُ وهو ذُو الكُنى الأرْبَعِ أبُو مُرَّةَ، وأبُو مُصْعَبٍ، وأبُو الوَلِيدِ، وأبُو العَبّاسِ. وقِيلَ: القَوْلُ اللَّيِّنُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، ولِينُها خِفَّتُها عَلى اللِّسانِ. وقالَ الحَسَنُ: هو قَوْلُهُما إنَّ لَكَ رَبًّا وإنَّ لَكَ مَعادًا وإنَّ بَيْنَ يَدَيْكَ جَنَّةً ونارًا فَآمِن بِاللَّهِ يُدْخِلْكَ الجَنَّةَ ويَقِكَ عَذابَ النّارِ. وقِيلَ: أمَرَهُما تَعالى أنْ يُقَدِّما المَواعِيدَ عَلى الوَعِيدِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎أقْدِمْ بِالوَعْدِ قَبْلَ الوَعِيدِ ∗∗∗ لِيَنْهى القَبائِلَ جُهّالُها وقِيلَ: حِينَ عَرَضَ عَلَيْهِ مُوسى وهارُونُ - عَلَيْهِما السَّلامُ - ما عَرَضا، شاوَرَ آسِيَةَ فَقالَتْ: ما يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنَّ يَرُدَّ هَذا، فَشاوَرَ هامانَ وكانَ لا يَبُتُّ أمْرًا دُونَ رَأْيِهِ، فَقالَ لَهُ: كُنْتُ أعْتَقِدُ أنَّكَ ذُو عَقْلٍ ! تَكُونُ مالِكًا فَتَصِيرُ مَمْلُوكًا ورَبًّا فَتَصِيرُ مَرْبُوبًا ! فامْتَنَعَ مِن قَبُولِ ما عَرَضَ عَلَيْهِ مُوسى، والتَّرَجِّي بِالنِّسْبَةِ لَهُما إذْ هو مُسْتَحِيلٌ وُقُوعُهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أيِ: اذْهَبا عَلى رَجائِكُما وطَمَعِكُما وباشِرا الأمْرَ مُباشَرَةَ مَن يَرْجُو ويَطْمَعُ أنْ يُثْمِرَ عَمَلُهُ ولا يَخِيبَ سَعْيُهُ، وفائِدَةُ إرْسالِهِما مَعَ عِلْمِهِ تَعالى أنَّهُ لا يُؤْمِنُ إقامَةُ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، وإزالَةُ (p-٢٤٦)المَعْذِرَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ﴾ [طه: ١٣٤] الآيَةَ. وقِيلَ: القَوْلُ اللَّيِّنُ ما حَكاهُ اللَّهُ هُنا وهو ﴿فَأْتِياهُ فَقَوْلا إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ وقالَ أبُو مُعاذٍ: ﴿قَوْلًا لَيِّنًا﴾ وقالَ الفَرّاءُ لَعَلَّ هُنا بِمَعْنى كَيْ، أيْ: كَيْ يَتَذَكَّرَ أوْ يَخْشى، كَما تَقُولُ: اعْمَلْ لَعَلَّكَ تَأْخُذُ أجْرَكَ، أيْ: كَيْ تَأْخُذَ أجْرَكَ. وقِيلَ: لَعَلَّ هُنا اسْتِفْهامٌ، أيْ: هَلْ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى ؟، والصَّحِيحُ أنَّها عَلى بابِها مِنَ التَّرَجِّي وذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى البَشَرِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ شاكًّا في اللَّهِ. وقِيلَ: (يَتَذَكَّرُ) حالَهُ حِينَ احْتُبِسَ النِّيلُ فَسارَ إلى شاطِئِهِ وأبْعَدَ وخَرَّ ساجِدًا لِلَّهِ راغِبًا أنْ لا يُخْجِلَهُ، ثُمَّ رَكِبَ فَأخَذَ النِّيلُ يَتْبَعُ حافِرَ فَرَسِهِ فَرَجا أنْ يَتَذَكَّرَ حِلْمَ اللَّهِ وكَرَمَهُ وأنْ يَحْذَرَ مِن عَذابِ اللَّهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: (يَتَذَكَّرُ) ويَتَأمَّلُ فَيَبْذُلُ النَّصَفَةَ مِن نَفْسِهِ والإذْعانَ لِلْحَقِّ ﴿أوْ يَخْشى﴾ أنْ يَكُونَ الأمْرُ كَما يَصِفانِ فَيَجُرُّهُ إنْكارُهُ إلى الهَلَكَةِ. فَرَطَ سَبَقَ وتَقَدَّمَ ومِنهُ الفارِطُ الَّذِي يَتَقَدَّمُ الوارِدَةَ وفَرَسٌ فَرْطٌ تَسْبِقُ الخَيْلَ. انْتَهى. وقالَ الشّاعِرُ: ؎واسْتَعْجَلُونا وكانُوا مِن صَحابَتِنا ∗∗∗ كَما تَقَدَّمَ فارِطُ الوُرّادِ وفِي الحَدِيثِ: «أنا فَرَطُكم عَلى الحَوْضِ» .، أيْ: مُتَقَدِّمُكم وسابِقُكم، والمَعْنى إنَّنا نَخافُ أنْ يُعَجَّلَ عَلَيْنا بِالعُقُوبَةِ ويُبادِرَنا بِها. وقَرَأ يَحْيى وأبُو نَوْفَلٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ في رِوايَتِهِ ﴿أنْ يُفْرَطَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ: يُسْبَقَ في العُقُوبَةِ ويُسْرَعَ بِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الإفْراطِ ومُجاوَزَةِ الحَدِّ في العُقُوبَةِ، خافا أنْ يَحْمِلَهُ حامِلٌ عَلى المُعاجَلَةِ بِالعَذابِ مِن شَيْطانٍ، أوْ مِن جَبَرُوتِهِ واسْتِكْبارِهِ وادِّعائِهِ الرُّبُوبِيَّةَ، أوْ مِن حُبِّهِ الرِّياسَةَ، أوْ مِن قَوْمِهِ القِبْطِ المُتَمَرِّدِينَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ [الأعراف: ١٠٩] ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ﴾ [المؤمنون: ٣٣] . وقَرَأتْ فِرْقَةٌ والزَّعْفَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ: (يُفْرِطَ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الرّاءِ مِنَ الإفْراطِ في الأذِيَّةِ ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾ في التَّخَطِّي إلى أنْ يَقُولَ فِيكَ ما لا يَنْبَغِي تَجْرِئَةً عَلَيْكَ وقَسْوَةَ قَلْبِهِ، وفي المَجِيءِ بِهِ هَكَذا عَلى سَبِيلِ الإطْلاقِ والرَّمْزِ بابٌ مِن حُسْنِ الأدَبِ والتَّجافِي عَنِ التَّفَوُّهِ بِالعَظِيمَةِ. والمَعِيَّةُ هُنا بِالنُّصْرَةِ والعَوْنِ أسْمَعُ أقْوالَكُما وأرى أفْعالَكُما. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿أسْمَعُ﴾ جَوابَهُ لَكُما ﴿وأرى﴾ ما يَفْعَلُ بِكُما، وهُما كِنايَةٌ عَنِ العِلْمِ ﴿فَأْتِياهُ﴾ كَرَّرَ الأمْرَ بِالإتْيانِ ﴿فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ وخاطَباهُ بِقَوْلِهِما (رَبِّكَ) تَحْقِيرًا لَهُ وإعْلامًا أنَّهُ مَرْبُوبٌ مَمْلُوكٌ إذْ كانَ هو يَدَّعِي الرُّبُوبِيَّةَ. وأُمِرا بِدَعْوَتِهِ إلى أنْ يَبْعَثَ مَعَهُما بَنِي إسْرائِيلَ ويُخْرِجَهم مِن ذُلِّ خِدْمَةِ القِبْطِ، وكانُوا يُعَذِّبُونَهم بِتَكْلِيفِ الأعْمالِ الشّاقَّةِ مِنَ الحَفْرِ والبِناءِ ونَقْلِ الحِجارَةِ والسُّخْرَةِ في كُلِّ شَيْءٍ مَعَ قَتْلِ الوِلْدانِ واسْتِخْدامِ النِّساءِ. وقَدْ ذُكِرَ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ دُعاؤُهُ إلى الإيمانِ فَجُمْلَةُ ما دُعِيَ إلَيْهِ فِرْعَوْنُ الإيمانُ وإرْسالُ بَنِي إسْرائِيلَ. * * ثُمَّ ذَكَرا ما يَدُلُّ عَلى صِدْقِهِما في إرْسالِهِما إلَيْهِ فَقالا ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾ وتَكَرَّرَ أيْضًا قَوْلُهُما ﴿مِن رَبِّكَ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ بِأنَّهُ مَرْبُوبٌ مَقْهُورٌ، والآيَةُ الَّتِي أحالا عَلَيْها هي العَصا واليَدُ، ولَمّا كانا مُشْتَرِكَيْنِ في الرِّسالَةِ صَحَّ نِسْبَةُ المَجِيءِ بِالآيَةِ إلَيْهِما وإنْ كانَتْ صادِرَةً مِن أحَدِهِما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾ جارِيَةٌ مِنَ الجُمْلَةِ الأُولى وهي ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ مَجْرى البَيانِ والتَّفْسِيرِ؛ لِأنَّ دَعْوى الرِّسالَةِ لا تَثْبُتُ إلّا بِبَيِّنَتِها الَّتِي هي المَجِيءُ بِالآيَةِ، وإنَّما وحَّدَ بِآيَةٍ ولَمْ يُثَنِّ ومَعَهُ آيَتانِ؛ لِأنَّ المُرادَ في هَذا المَوْضِعِ تَثْبِيتُ الدَّعْوى بِبُرْهانِها، فَكَأنَّهُ قالَ: قَدْ جِئْناكَ بِمُعْجِزَةٍ وبُرْهانٍ وحُجَّةٍ عَلى ما ادَّعَيْناهُ مِنَ الرِّسالَةِ وكَذَلِكَ ﴿قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٠٥] ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٤] ﴿أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ٣٠] انْتَهى. وقِيلَ: الآيَةُ اليَدُ. وقِيلَ: العَصا، والمَعْنى بِآيَةٍ تَشْهَدُ لَنا بِأنّا رَسُولا رَبِّكَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ فَصْلٌ لِلْكَلامِ، فالسَّلامُ بِمَعْنى التَّحِيَّةِ رَغِبا بِهِ عَنْهُ وجَرَيا عَلى العادَةِ في التَّسْلِيمِ عِنْدَ الفَراغِ (p-٢٤٧)مِنَ القَوْلِ، فَسَلَّما عَلى مُتَّبِعِي الهُدى وفي هَذا تَوْبِيخٌ لَهُ. وفي هَذا المَعْنى اسْتَعْمَلَ النّاسُ هَذِهِ الآيَةَ في مُخاطَباتِهِمْ ومُحاوَراتِهِمْ. وقِيلَ: هو مُدْرَجٌ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا﴾ فَيَكُونُ إذْ ذاكَ خَبَرًا بِسَلامَةِ المُهْتَدِينَ مِنَ العَذابِ. وقِيلَ (عَلى) بِمَعْنى اللّامِ، أيْ: والسَّلامَةُ (لِمَنِ اتَّبَعَ الهُدى) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وسَلامُ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم خَزَنَةُ الجَنَّةِ عَلى المُهْتَدِينَ، وتَوْبِيخُ خَزَنَةِ النّارِ والعَذابِ عَلى المُكَذِّبِينَ انْتَهى. وهو تَفْسِيرٌ غَرِيبٌ. وقَدْ، يُقالُ: السَّلامُ هُنا السَّلامَةُ مِنَ العَذابِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ وبُنِيَ (أُوحِيَ) لَمّا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، ولَمْ يَذْكُرِ المُوحى؛ لِأنَّ فِرْعَوْنَ كانَتْ لَهُ بادِرَةٌ فَرُبَّما صَدَرَ مِنهُ في حَقِّ المُوحِي ما لا يَلِيقُ بِهِ، والمَعْنى عَلى مَن كَذَّبَ الأنْبِياءَ وتَوَلّى عَنِ الإيمانِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ هَذِهِ أرْجى آيَةٍ في القُرْآنِ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ ما كَذَّبَ وتَوَلّى فَلا يَنالُهُ شَيْءٌ مِنَ العَذابِ. وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ فَأتَيا فِرْعَوْنَ وقالا لَهُ ما أمَرَهُما اللَّهُ أنْ يُبَلِّغاهُ قالَ: ﴿فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾ خاطَبَهُما مَعًا وأفْرَدَ بِالنِّداءِ مُوسى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إذْ كانَ صاحِبَ عِظَمِ الرِّسالَةِ وكَرِيمِ الآياتِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأنَّهُ الأصْلُ في النُّبُوَّةِ وهارُونُ وزِيرُهُ وتابِعُهُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَحْمِلَهُ خُبْثُهُ وذَعارَتُهُ عَلى اسْتِدْعاءِ كَلامِ مُوسى دُونَ كَلامِ أخِيهِ لِما عُرِفَ مِن فَصاحَةِ هارُونَ والرُّتَّةِ في لِسانِ مُوسى، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] انْتَهى. واسْتَبَدَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِجَوابِ فِرْعَوْنَ مِن حَيْثُ خَصَّهُ بِالسُّؤالِ والنِّداءِ مَعًا، ثُمَّ أعْلَمَهُ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى بِالصِّفَةِ الَّتِي لا شِرْكَ لِفِرْعَوْنَ فِيها ولا بِوَجْهِ مَجازٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولِلَّهِ دَرُّ هَذا الجَوابِ ما أخْصَرَهُ وما أجْمَعَهُ وما أبَيْنَهُ لِمَن ألْقى الذِّهْنَ ونَظَرَ بِعَيْنِ الإنْصافِ وكانَ طالِبًا لِلْحَقِّ. انْتَهى. والمَعْنى أعْطى كُلَّ ما خَلَقَ خِلْقَتَهُ وصُورَتَهُ عَلى ما يُناسِبُهُ مِنَ الإتْقانِ لَمْ يَجْعَلْ خَلْقَ الإنْسانِ في خَلْقِ البَهائِمِ، ولا خَلْقَ البَهائِمِ في خَلْقِ الإنْسانِ ولَكِنْ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا. وقالَ الشّاعِرُ: ؎ولَهُ في كُلِّ شَيْءٍ خِلْقَةٌ وكَذَلِكَ اللَّهُ ما شاءَ فَعَلْ وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وعَطِيَّةَ ومُقاتِلٍ، وقالَ الضَّحّاكُ (خَلْقَهُ) مِنَ المَنفَعَةِ المَنُوطَةِ بِهِ المُطابِقَةِ لَهُ ﴿ثُمَّ هَدى﴾، أيْ: يَسَّرَ كُلَّ شَيْءٍ لِمَنافِعِهِ ومَرافِقِهِ، فَأعْطى العَيْنَ الهَيْئَةَ الَّتِي تُطابِقُ الإبْصارَ، والأُذُنَ الشَّكْلَ الَّذِي يُوافِقُ الِاسْتِماعَ، وكَذَلِكَ الأنْفُ واليَدُ والرِّجْلُ واللِّسانُ كُلُّ واحِدٍ مِنها مُطابِقٌ لِما عُلِّقَ بِهِ مِنَ المَنفَعَةِ غَيْرُ نابٍ عَنْهُ. قالَ القُشَيْرِيُّ: والخَلْقُ المَخْلُوقُ؛ لِأنَّ البَطْشَ والمَشْيَ والرُّؤْيَةَ والنُّطْقَ مَعانٍ مَخْلُوقَةٌ أوْدَعَها اللَّهُ لِلْأعْضاءِ، وعَلى هَذا مَفْعُولُ (أعْطى) الأوَّلُ ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ والثّانِي (خَلْقَهُ) وكَذا في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ والسُّدِّيِّ وهو أنَّ المَعْنى ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ﴾ مَخْلُوقَهُ مِن جِنْسِهِ، أيْ: كُلَّ حَيَوانٍ ذَكَرٍ نَظِيرَهُ أُنْثى في الصُّورَةِ. فَلَمْ يُزاوِجْ مِنهُما غَيْرَ جِنْسِهِ، ثُمَّ هَداهُ إلى مَنكَحِهِ ومَطْعَمِهِ ومَشْرَبِهِ ومَسْكَنِهِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ هَداهُ إلى إلْفِهِ والِاجْتِماعِ بِهِ والمُناكَحَةِ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ﴾ صَلاحَهُ وهَداهُ لِما يُصْلِحُهُ. وقِيلَ: ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ هو المَفْعُولُ الثّانِي لِأعْطى و(خَلْقَهُ) المَفْعُولُ الأوَّلُ، أيْ: (أعْطى) خَلِيقَتَهُ ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ يَحْتاجُونَ إلَيْهِ ويَرْتَفِقُونَ بِهِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وأُناسٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبُو نَهِيكٍ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والأعْمَشُ والحَسَنُ ونُصَيْرٌ عَنِ الكِسائِيِّ، وابْنُ نُوحٍ عَنْ قُتَيْبَةَ وسَلّامٌ ﴿خَلْقَهُ﴾ بِفَتْحِ اللّامِ فِعْلًا ماضِيًا في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِكُلِّ شَيْءٍ أوْ لِشَيْءٍ، ومَفْعُولُ (أعْطى) الثّانِي حُذِفَ اقْتِصارًا، أيْ: ﴿كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ لَمْ يُخْلِهِ مِن عَطائِهِ وإنْعامِهِ ﴿ثُمَّ هَدى﴾، أيْ: عَرَفَ كَيْفَ يَرْتَفِقُ بِما أعْطى وكَيْفَ يَتَوَصَّلُ إلَيْهِ. وقِيلَ: حُذِفَ اخْتِصارًا لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، أيْ: ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ، وقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ كَمالَهُ أوْ مَصْلَحَتَهُ.

طه 20:44

﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى﴾ ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ ﴿فَأْتِياهُ فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهم قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿قالَ فَمَن رَبُّكُما يامُوسى﴾ ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ [طه: ٥١] ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ [طه: ٥٢] ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وسَلَكَ لَكم فِيها سُبُلًا وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ [طه: ٥٣] ﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكم إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ [طه: ٥٤] ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكم ومِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾ [طه: ٥٥] ﴿ولَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وأبى﴾ [طه: ٥٦] ﴿قالَ أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا بِسِحْرِكَ يامُوسى﴾ [طه: ٥٧] ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ ولا أنْتَ مَكانًا سُوًى﴾ [طه: ٥٨] ﴿قالَ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩] ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أتى﴾ [طه: ٦٠] ﴿قالَ لَهم مُوسى ويْلَكم لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكم بِعَذابٍ وقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى﴾ [طه: ٦١] ﴿فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهم وأسَرُّوا النَّجْوى﴾ [طه: ٦٢] ﴿قالُوا إنْ هَذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِما ويَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ المُثْلى﴾ [طه: ٦٣] ﴿فَأجْمِعُوا كَيْدَكم ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى﴾ [طه: ٦٤] ﴿قالُوا يامُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ أوَّلَ مَن ألْقى﴾ [طه: ٦٥] ﴿قالَ بَلْ ألْقُوا فَإذا حِبالُهم وعِصِيُّهم يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾ [طه: ٦٦] الوَنْيُ: الفُتُورُ، يُقالُ: ونِيَ يَنِي وهو فِعْلٌ لازِمٌ، وإذا عُدِّيَ فَبِعَنْ وبِفِي، وزَعَمَ بَعْضُ البَغْدادِيِّينَ أنَّهُ يَأْتِي فِعْلًا ناقِصًا مِن أخَواتِ ما زالَ وبِمَعْناها، واخْتارَهُ ابْنُ مالِكٍ وأنْشَدَ: ؎لا الخِبُّ شِيمَةَ الحُبِّ ما دامَ فَلا تَحْسَبَنَّهُ ذا ارْعِواءِ وقالُوا: امْرَأةٌ أنْآةٌ، أيْ: فاتِرَةٌ عَنِ النُّهُوضِ، أبْدَلُوا مِن واوِها هَمْزَةً عَلى غَيْرِ قِياسٍ. قالَ الشّاعِرُ:(p-٢٤٤) ؎فَما أنا بِالوانِي ولا الضَّرَعِ الغُمْرِ شَتَّ الأمْرُ شَتًّا وشَتاتًا تَفَرَّقَ، وأمْرٌ شَتٌّ مُتَفَرِّقٌ، وشَتّى فَعْلى مَنِ الشَّتِّ وألِفُهُ لِلتَّأْنِيثِ جَمْعُ شَتِيتٍ كَمَرِيضٍ ومَرْضى، ومَعْناهُ مُتَفَرِّقَةٌ، وشَتّانَ اسْمُ فاعِلٍ، سَحَتَ لُغَةُ الحِجازِ، وأسْحَتَ لُغَةُ نَجْدٍ وتَمِيمٍ، وأصْلُهُ اسْتِقْصاءُ الحَلْقِ لِلشِّعْرِ. وقالَ الفَرَزْدَقُ وهو تَمِيمِيٌّ: ؎وعَضُّ زَمانٍ يابْنَ مَرْوانَ لَمْ يَكُ ∗∗∗ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتٌ أوْ مُجَلَّفُ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الإهْلاكِ والإذْهابِ. الخَيْبَةُ: عَدَمُ الظَّفَرِ بِالمَطْلُوبِ. الصَّفُّ: مَوْضِعُ المَجْمَعِ قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وسُمِّيَ المُصَلّى الصَّفَّ وعَنْ بَعْضِ العَرَبِ الفُصَحاءِ ما اسْتَطَعْتُ أنْ آتِيَ الصَّفَّ، أيِ: المُصَلّى، وقَدْ يَكُونُ مَصْدَرًا، ويُقالُ جاءُوا صَفًّا، أيْ: مُصْطَفِّينَ. التَّخْيِيلُ: إبْداءُ أمْرٍ لا حَقِيقَةَ لَهُ، ومِنهُ الخَيالُ وهو الطَّيْفُ الطّارِقُ في النَّوْمِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎ألا يا لَقَوْمِي لِلْخَيالِ المُشَوِّقِ ∗∗∗ ولِلدّارِ تَنْأى بِالحَبِيبِ ونَلْتَقِي ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى﴾ ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ ﴿فَأْتِياهُ فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهم قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿قالَ فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾ ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ [طه: ٥١] ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ [طه: ٥٢] . (p-٢٤٥)أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِالذَّهابِ إلى فِرْعَوْنَ فَلَمّا دَعا رَبَّهُ وطَلَبَ مِنهُ أشْياءَ كانَ فِيها أنْ يُشْرِكَ أخاهُ هارُونَ فَذَكَرَ اللَّهُ أنَّهُ آتاهُ سُؤْلَهُ وكانَ مِنهُ إشْراكُ أخِيهِ، فَأمَرَهُ هُنا وأخاهُ بِالذَّهابِ و﴿أخُوكَ﴾ [يوسف: ٦٩] مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ﴾ في سُورَةِ المائِدَةِ، وقَوْلُ بَعْضِ النُّحاةِ، أنَّ (ورَبُّكَ) مَرْفُوعٌ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: ولْيَذْهَبْ رَبُّكَ وذَلِكَ البَحْثُ جارٍ هُنا. ورُوِيَ أنَّ اللَّهَ أوْحى إلى هارُونَ وهو بِمِصْرَ أنْ يَتَلَقّى مُوسى. وقِيلَ: سَمِعَ بِمَقْدَمِهِ. وقِيلَ: أُلْهِمَ ذَلِكَ وظاهِرُ (بِآياتِي) الجَمْعُ. فَقِيلَ: هي العَصا، واليَدُ، وعُقْدَةُ لِسانِهِ. وقِيلَ: اليَدُ، والعَصا. وقَدْ يُطْلَقُ الجَمْعُ عَلى المُثَنّى وهُما اللَّتانِ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُما؛ ولِذَلِكَ لَمّا قالَ: (فَأْتِ بِآيَةٍ)، ألْقى العَصا ونَزَعَ اليَدَ، وقالَ: فَذانِكَ بُرْهانانِ. وقِيلَ العَصا مُشْتَمِلَةٌ عَلى آياتِ انْقِلابِها حَيَوانًا، ثُمَّ في أوَّلِ الأمْرِ كانَتْ صَغِيرَةً ثُمَّ عَظُمَتْ حَتّى صارَتْ ثُعْبانًا، ثُمَّ إدْخالُ مُوسى يَدَهُ في فَمِها فَلا تَضُرُّهُ. وقِيلَ: ما أُعْطِيَ مِن مُعْجِزَةٍ ووَحْيٍ. ﴿ولا تَنِيا﴾، أيْ: لا تَضْعُفا ولا تَقْصُرا. وقِيلَ: تَنْسِيانِي ولا أزالُ مِنكُما عَلى ذِكْرٍ حَيْثُما تَقَلَّبْتُما، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالذِّكْرِ تَبْلِيغُ الرِّسالَةِ فَإنَّ الذِّكْرَ يَقَعُ عَلى سائِرِ العِباداتِ، وتَبْلِيغُ الرِّسالَةِ مِن أجَلِّها وأعْظَمِها، فَكانَ جَدِيرًا أنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ الذِّكْرِ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: ولا تِنِيا بِكَسْرِ التّاءِ إتْباعًا لِحَرَكَةِ النُّونِ. وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ ولا تَهِنا، أيْ: ولا تَلِنا مِن قَوْلِهِمْ هَيِّنٌ لَيِّنٌ، ولَمّا حَذَفَ مَن يَذْهَبُ إلَيْهِ في الأمْرِ قَبْلَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ في هَذا الأمْرِ الثّانِي. فَقِيلَ: ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ﴾، أيْ: بِالرِّسالَةِ وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُما أُمِرا بِالذَّهابِ أوَّلًا إلى النّاسِ وثانِيًا إلى فِرْعَوْنَ، فَكَرَّرَ الأمْرَ بِالذَّهابِ لِاخْتِلافِ المُتَعَلِّقِ، ونَبَّهَ عَلى سَبَبِ الذَّهابِ إلَيْهِ بِالرِّسالَةِ مِن عِنْدِهِ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّهُ طَغى﴾ [طه: ٢٤]، أيْ: تَجاوَزَ الحَدَّ في الفَسادِ ودَعَواهُ الرُّبُوبِيَّةَ والإلَهِيَّةَ مِن دُونِ اللَّهِ. والقَوْلُ اللَّيِّنُ هو مِثْلُ ما في النّازِعاتِ ﴿هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى وأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ [النازعات: ١٨] وهَذا مِن لَطِيفِ الكَلامِ إذْ أبْرَزَ ذَلِكَ في صُورَةِ الِاسْتِفْهامِ والمَشُورَةِ والعَرْضِ لِما فِيهِ مِنَ الفَوْزِ العَظِيمِ، وقِيلَ: عَدّاهُ شَبابًا لا يَهْرَمُ بَعْدَهُ ومُلْكًا لا يُنْزَعُ مِنهُ إلّا بِالمَوْتِ وأنْ يَبْقى لَهُ لَذَّةُ المَطْعَمِ والمَشْرَبِ والمَنكَحِ إلى حِينِ مَوْتِهِ. وقِيلَ: لا تُجِبْهاهُ بِما يَكْرَهُ وألْطِفا لَهُ في القَوْلِ لِما لَهُ مِن حَقِّ تَرْبِيَةِ مُوسى. وقِيلَ: كَنَّياهُ وهو ذُو الكُنى الأرْبَعِ أبُو مُرَّةَ، وأبُو مُصْعَبٍ، وأبُو الوَلِيدِ، وأبُو العَبّاسِ. وقِيلَ: القَوْلُ اللَّيِّنُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، ولِينُها خِفَّتُها عَلى اللِّسانِ. وقالَ الحَسَنُ: هو قَوْلُهُما إنَّ لَكَ رَبًّا وإنَّ لَكَ مَعادًا وإنَّ بَيْنَ يَدَيْكَ جَنَّةً ونارًا فَآمِن بِاللَّهِ يُدْخِلْكَ الجَنَّةَ ويَقِكَ عَذابَ النّارِ. وقِيلَ: أمَرَهُما تَعالى أنْ يُقَدِّما المَواعِيدَ عَلى الوَعِيدِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎أقْدِمْ بِالوَعْدِ قَبْلَ الوَعِيدِ ∗∗∗ لِيَنْهى القَبائِلَ جُهّالُها وقِيلَ: حِينَ عَرَضَ عَلَيْهِ مُوسى وهارُونُ - عَلَيْهِما السَّلامُ - ما عَرَضا، شاوَرَ آسِيَةَ فَقالَتْ: ما يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنَّ يَرُدَّ هَذا، فَشاوَرَ هامانَ وكانَ لا يَبُتُّ أمْرًا دُونَ رَأْيِهِ، فَقالَ لَهُ: كُنْتُ أعْتَقِدُ أنَّكَ ذُو عَقْلٍ ! تَكُونُ مالِكًا فَتَصِيرُ مَمْلُوكًا ورَبًّا فَتَصِيرُ مَرْبُوبًا ! فامْتَنَعَ مِن قَبُولِ ما عَرَضَ عَلَيْهِ مُوسى، والتَّرَجِّي بِالنِّسْبَةِ لَهُما إذْ هو مُسْتَحِيلٌ وُقُوعُهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أيِ: اذْهَبا عَلى رَجائِكُما وطَمَعِكُما وباشِرا الأمْرَ مُباشَرَةَ مَن يَرْجُو ويَطْمَعُ أنْ يُثْمِرَ عَمَلُهُ ولا يَخِيبَ سَعْيُهُ، وفائِدَةُ إرْسالِهِما مَعَ عِلْمِهِ تَعالى أنَّهُ لا يُؤْمِنُ إقامَةُ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، وإزالَةُ (p-٢٤٦)المَعْذِرَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ﴾ [طه: ١٣٤] الآيَةَ. وقِيلَ: القَوْلُ اللَّيِّنُ ما حَكاهُ اللَّهُ هُنا وهو ﴿فَأْتِياهُ فَقَوْلا إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ وقالَ أبُو مُعاذٍ: ﴿قَوْلًا لَيِّنًا﴾ وقالَ الفَرّاءُ لَعَلَّ هُنا بِمَعْنى كَيْ، أيْ: كَيْ يَتَذَكَّرَ أوْ يَخْشى، كَما تَقُولُ: اعْمَلْ لَعَلَّكَ تَأْخُذُ أجْرَكَ، أيْ: كَيْ تَأْخُذَ أجْرَكَ. وقِيلَ: لَعَلَّ هُنا اسْتِفْهامٌ، أيْ: هَلْ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى ؟، والصَّحِيحُ أنَّها عَلى بابِها مِنَ التَّرَجِّي وذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى البَشَرِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ شاكًّا في اللَّهِ. وقِيلَ: (يَتَذَكَّرُ) حالَهُ حِينَ احْتُبِسَ النِّيلُ فَسارَ إلى شاطِئِهِ وأبْعَدَ وخَرَّ ساجِدًا لِلَّهِ راغِبًا أنْ لا يُخْجِلَهُ، ثُمَّ رَكِبَ فَأخَذَ النِّيلُ يَتْبَعُ حافِرَ فَرَسِهِ فَرَجا أنْ يَتَذَكَّرَ حِلْمَ اللَّهِ وكَرَمَهُ وأنْ يَحْذَرَ مِن عَذابِ اللَّهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: (يَتَذَكَّرُ) ويَتَأمَّلُ فَيَبْذُلُ النَّصَفَةَ مِن نَفْسِهِ والإذْعانَ لِلْحَقِّ ﴿أوْ يَخْشى﴾ أنْ يَكُونَ الأمْرُ كَما يَصِفانِ فَيَجُرُّهُ إنْكارُهُ إلى الهَلَكَةِ. فَرَطَ سَبَقَ وتَقَدَّمَ ومِنهُ الفارِطُ الَّذِي يَتَقَدَّمُ الوارِدَةَ وفَرَسٌ فَرْطٌ تَسْبِقُ الخَيْلَ. انْتَهى. وقالَ الشّاعِرُ: ؎واسْتَعْجَلُونا وكانُوا مِن صَحابَتِنا ∗∗∗ كَما تَقَدَّمَ فارِطُ الوُرّادِ وفِي الحَدِيثِ: «أنا فَرَطُكم عَلى الحَوْضِ» .، أيْ: مُتَقَدِّمُكم وسابِقُكم، والمَعْنى إنَّنا نَخافُ أنْ يُعَجَّلَ عَلَيْنا بِالعُقُوبَةِ ويُبادِرَنا بِها. وقَرَأ يَحْيى وأبُو نَوْفَلٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ في رِوايَتِهِ ﴿أنْ يُفْرَطَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ: يُسْبَقَ في العُقُوبَةِ ويُسْرَعَ بِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الإفْراطِ ومُجاوَزَةِ الحَدِّ في العُقُوبَةِ، خافا أنْ يَحْمِلَهُ حامِلٌ عَلى المُعاجَلَةِ بِالعَذابِ مِن شَيْطانٍ، أوْ مِن جَبَرُوتِهِ واسْتِكْبارِهِ وادِّعائِهِ الرُّبُوبِيَّةَ، أوْ مِن حُبِّهِ الرِّياسَةَ، أوْ مِن قَوْمِهِ القِبْطِ المُتَمَرِّدِينَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ [الأعراف: ١٠٩] ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ﴾ [المؤمنون: ٣٣] . وقَرَأتْ فِرْقَةٌ والزَّعْفَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ: (يُفْرِطَ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الرّاءِ مِنَ الإفْراطِ في الأذِيَّةِ ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾ في التَّخَطِّي إلى أنْ يَقُولَ فِيكَ ما لا يَنْبَغِي تَجْرِئَةً عَلَيْكَ وقَسْوَةَ قَلْبِهِ، وفي المَجِيءِ بِهِ هَكَذا عَلى سَبِيلِ الإطْلاقِ والرَّمْزِ بابٌ مِن حُسْنِ الأدَبِ والتَّجافِي عَنِ التَّفَوُّهِ بِالعَظِيمَةِ. والمَعِيَّةُ هُنا بِالنُّصْرَةِ والعَوْنِ أسْمَعُ أقْوالَكُما وأرى أفْعالَكُما. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿أسْمَعُ﴾ جَوابَهُ لَكُما ﴿وأرى﴾ ما يَفْعَلُ بِكُما، وهُما كِنايَةٌ عَنِ العِلْمِ ﴿فَأْتِياهُ﴾ كَرَّرَ الأمْرَ بِالإتْيانِ ﴿فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ وخاطَباهُ بِقَوْلِهِما (رَبِّكَ) تَحْقِيرًا لَهُ وإعْلامًا أنَّهُ مَرْبُوبٌ مَمْلُوكٌ إذْ كانَ هو يَدَّعِي الرُّبُوبِيَّةَ. وأُمِرا بِدَعْوَتِهِ إلى أنْ يَبْعَثَ مَعَهُما بَنِي إسْرائِيلَ ويُخْرِجَهم مِن ذُلِّ خِدْمَةِ القِبْطِ، وكانُوا يُعَذِّبُونَهم بِتَكْلِيفِ الأعْمالِ الشّاقَّةِ مِنَ الحَفْرِ والبِناءِ ونَقْلِ الحِجارَةِ والسُّخْرَةِ في كُلِّ شَيْءٍ مَعَ قَتْلِ الوِلْدانِ واسْتِخْدامِ النِّساءِ. وقَدْ ذُكِرَ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ دُعاؤُهُ إلى الإيمانِ فَجُمْلَةُ ما دُعِيَ إلَيْهِ فِرْعَوْنُ الإيمانُ وإرْسالُ بَنِي إسْرائِيلَ. * * ثُمَّ ذَكَرا ما يَدُلُّ عَلى صِدْقِهِما في إرْسالِهِما إلَيْهِ فَقالا ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾ وتَكَرَّرَ أيْضًا قَوْلُهُما ﴿مِن رَبِّكَ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ بِأنَّهُ مَرْبُوبٌ مَقْهُورٌ، والآيَةُ الَّتِي أحالا عَلَيْها هي العَصا واليَدُ، ولَمّا كانا مُشْتَرِكَيْنِ في الرِّسالَةِ صَحَّ نِسْبَةُ المَجِيءِ بِالآيَةِ إلَيْهِما وإنْ كانَتْ صادِرَةً مِن أحَدِهِما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾ جارِيَةٌ مِنَ الجُمْلَةِ الأُولى وهي ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ مَجْرى البَيانِ والتَّفْسِيرِ؛ لِأنَّ دَعْوى الرِّسالَةِ لا تَثْبُتُ إلّا بِبَيِّنَتِها الَّتِي هي المَجِيءُ بِالآيَةِ، وإنَّما وحَّدَ بِآيَةٍ ولَمْ يُثَنِّ ومَعَهُ آيَتانِ؛ لِأنَّ المُرادَ في هَذا المَوْضِعِ تَثْبِيتُ الدَّعْوى بِبُرْهانِها، فَكَأنَّهُ قالَ: قَدْ جِئْناكَ بِمُعْجِزَةٍ وبُرْهانٍ وحُجَّةٍ عَلى ما ادَّعَيْناهُ مِنَ الرِّسالَةِ وكَذَلِكَ ﴿قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٠٥] ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٤] ﴿أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ٣٠] انْتَهى. وقِيلَ: الآيَةُ اليَدُ. وقِيلَ: العَصا، والمَعْنى بِآيَةٍ تَشْهَدُ لَنا بِأنّا رَسُولا رَبِّكَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ فَصْلٌ لِلْكَلامِ، فالسَّلامُ بِمَعْنى التَّحِيَّةِ رَغِبا بِهِ عَنْهُ وجَرَيا عَلى العادَةِ في التَّسْلِيمِ عِنْدَ الفَراغِ (p-٢٤٧)مِنَ القَوْلِ، فَسَلَّما عَلى مُتَّبِعِي الهُدى وفي هَذا تَوْبِيخٌ لَهُ. وفي هَذا المَعْنى اسْتَعْمَلَ النّاسُ هَذِهِ الآيَةَ في مُخاطَباتِهِمْ ومُحاوَراتِهِمْ. وقِيلَ: هو مُدْرَجٌ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا﴾ فَيَكُونُ إذْ ذاكَ خَبَرًا بِسَلامَةِ المُهْتَدِينَ مِنَ العَذابِ. وقِيلَ (عَلى) بِمَعْنى اللّامِ، أيْ: والسَّلامَةُ (لِمَنِ اتَّبَعَ الهُدى) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وسَلامُ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم خَزَنَةُ الجَنَّةِ عَلى المُهْتَدِينَ، وتَوْبِيخُ خَزَنَةِ النّارِ والعَذابِ عَلى المُكَذِّبِينَ انْتَهى. وهو تَفْسِيرٌ غَرِيبٌ. وقَدْ، يُقالُ: السَّلامُ هُنا السَّلامَةُ مِنَ العَذابِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ وبُنِيَ (أُوحِيَ) لَمّا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، ولَمْ يَذْكُرِ المُوحى؛ لِأنَّ فِرْعَوْنَ كانَتْ لَهُ بادِرَةٌ فَرُبَّما صَدَرَ مِنهُ في حَقِّ المُوحِي ما لا يَلِيقُ بِهِ، والمَعْنى عَلى مَن كَذَّبَ الأنْبِياءَ وتَوَلّى عَنِ الإيمانِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ هَذِهِ أرْجى آيَةٍ في القُرْآنِ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ ما كَذَّبَ وتَوَلّى فَلا يَنالُهُ شَيْءٌ مِنَ العَذابِ. وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ فَأتَيا فِرْعَوْنَ وقالا لَهُ ما أمَرَهُما اللَّهُ أنْ يُبَلِّغاهُ قالَ: ﴿فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾ خاطَبَهُما مَعًا وأفْرَدَ بِالنِّداءِ مُوسى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إذْ كانَ صاحِبَ عِظَمِ الرِّسالَةِ وكَرِيمِ الآياتِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأنَّهُ الأصْلُ في النُّبُوَّةِ وهارُونُ وزِيرُهُ وتابِعُهُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَحْمِلَهُ خُبْثُهُ وذَعارَتُهُ عَلى اسْتِدْعاءِ كَلامِ مُوسى دُونَ كَلامِ أخِيهِ لِما عُرِفَ مِن فَصاحَةِ هارُونَ والرُّتَّةِ في لِسانِ مُوسى، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] انْتَهى. واسْتَبَدَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِجَوابِ فِرْعَوْنَ مِن حَيْثُ خَصَّهُ بِالسُّؤالِ والنِّداءِ مَعًا، ثُمَّ أعْلَمَهُ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى بِالصِّفَةِ الَّتِي لا شِرْكَ لِفِرْعَوْنَ فِيها ولا بِوَجْهِ مَجازٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولِلَّهِ دَرُّ هَذا الجَوابِ ما أخْصَرَهُ وما أجْمَعَهُ وما أبَيْنَهُ لِمَن ألْقى الذِّهْنَ ونَظَرَ بِعَيْنِ الإنْصافِ وكانَ طالِبًا لِلْحَقِّ. انْتَهى. والمَعْنى أعْطى كُلَّ ما خَلَقَ خِلْقَتَهُ وصُورَتَهُ عَلى ما يُناسِبُهُ مِنَ الإتْقانِ لَمْ يَجْعَلْ خَلْقَ الإنْسانِ في خَلْقِ البَهائِمِ، ولا خَلْقَ البَهائِمِ في خَلْقِ الإنْسانِ ولَكِنْ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا. وقالَ الشّاعِرُ: ؎ولَهُ في كُلِّ شَيْءٍ خِلْقَةٌ وكَذَلِكَ اللَّهُ ما شاءَ فَعَلْ وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وعَطِيَّةَ ومُقاتِلٍ، وقالَ الضَّحّاكُ (خَلْقَهُ) مِنَ المَنفَعَةِ المَنُوطَةِ بِهِ المُطابِقَةِ لَهُ ﴿ثُمَّ هَدى﴾، أيْ: يَسَّرَ كُلَّ شَيْءٍ لِمَنافِعِهِ ومَرافِقِهِ، فَأعْطى العَيْنَ الهَيْئَةَ الَّتِي تُطابِقُ الإبْصارَ، والأُذُنَ الشَّكْلَ الَّذِي يُوافِقُ الِاسْتِماعَ، وكَذَلِكَ الأنْفُ واليَدُ والرِّجْلُ واللِّسانُ كُلُّ واحِدٍ مِنها مُطابِقٌ لِما عُلِّقَ بِهِ مِنَ المَنفَعَةِ غَيْرُ نابٍ عَنْهُ. قالَ القُشَيْرِيُّ: والخَلْقُ المَخْلُوقُ؛ لِأنَّ البَطْشَ والمَشْيَ والرُّؤْيَةَ والنُّطْقَ مَعانٍ مَخْلُوقَةٌ أوْدَعَها اللَّهُ لِلْأعْضاءِ، وعَلى هَذا مَفْعُولُ (أعْطى) الأوَّلُ ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ والثّانِي (خَلْقَهُ) وكَذا في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ والسُّدِّيِّ وهو أنَّ المَعْنى ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ﴾ مَخْلُوقَهُ مِن جِنْسِهِ، أيْ: كُلَّ حَيَوانٍ ذَكَرٍ نَظِيرَهُ أُنْثى في الصُّورَةِ. فَلَمْ يُزاوِجْ مِنهُما غَيْرَ جِنْسِهِ، ثُمَّ هَداهُ إلى مَنكَحِهِ ومَطْعَمِهِ ومَشْرَبِهِ ومَسْكَنِهِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ هَداهُ إلى إلْفِهِ والِاجْتِماعِ بِهِ والمُناكَحَةِ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ﴾ صَلاحَهُ وهَداهُ لِما يُصْلِحُهُ. وقِيلَ: ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ هو المَفْعُولُ الثّانِي لِأعْطى و(خَلْقَهُ) المَفْعُولُ الأوَّلُ، أيْ: (أعْطى) خَلِيقَتَهُ ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ يَحْتاجُونَ إلَيْهِ ويَرْتَفِقُونَ بِهِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وأُناسٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبُو نَهِيكٍ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والأعْمَشُ والحَسَنُ ونُصَيْرٌ عَنِ الكِسائِيِّ، وابْنُ نُوحٍ عَنْ قُتَيْبَةَ وسَلّامٌ ﴿خَلْقَهُ﴾ بِفَتْحِ اللّامِ فِعْلًا ماضِيًا في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِكُلِّ شَيْءٍ أوْ لِشَيْءٍ، ومَفْعُولُ (أعْطى) الثّانِي حُذِفَ اقْتِصارًا، أيْ: ﴿كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ لَمْ يُخْلِهِ مِن عَطائِهِ وإنْعامِهِ ﴿ثُمَّ هَدى﴾، أيْ: عَرَفَ كَيْفَ يَرْتَفِقُ بِما أعْطى وكَيْفَ يَتَوَصَّلُ إلَيْهِ. وقِيلَ: حُذِفَ اخْتِصارًا لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، أيْ: ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ، وقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ كَمالَهُ أوْ مَصْلَحَتَهُ.

طه 20:45

﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى﴾ ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ ﴿فَأْتِياهُ فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهم قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿قالَ فَمَن رَبُّكُما يامُوسى﴾ ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ [طه: ٥١] ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ [طه: ٥٢] ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وسَلَكَ لَكم فِيها سُبُلًا وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ [طه: ٥٣] ﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكم إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ [طه: ٥٤] ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكم ومِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾ [طه: ٥٥] ﴿ولَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وأبى﴾ [طه: ٥٦] ﴿قالَ أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا بِسِحْرِكَ يامُوسى﴾ [طه: ٥٧] ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ ولا أنْتَ مَكانًا سُوًى﴾ [طه: ٥٨] ﴿قالَ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩] ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أتى﴾ [طه: ٦٠] ﴿قالَ لَهم مُوسى ويْلَكم لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكم بِعَذابٍ وقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى﴾ [طه: ٦١] ﴿فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهم وأسَرُّوا النَّجْوى﴾ [طه: ٦٢] ﴿قالُوا إنْ هَذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِما ويَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ المُثْلى﴾ [طه: ٦٣] ﴿فَأجْمِعُوا كَيْدَكم ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى﴾ [طه: ٦٤] ﴿قالُوا يامُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ أوَّلَ مَن ألْقى﴾ [طه: ٦٥] ﴿قالَ بَلْ ألْقُوا فَإذا حِبالُهم وعِصِيُّهم يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾ [طه: ٦٦] الوَنْيُ: الفُتُورُ، يُقالُ: ونِيَ يَنِي وهو فِعْلٌ لازِمٌ، وإذا عُدِّيَ فَبِعَنْ وبِفِي، وزَعَمَ بَعْضُ البَغْدادِيِّينَ أنَّهُ يَأْتِي فِعْلًا ناقِصًا مِن أخَواتِ ما زالَ وبِمَعْناها، واخْتارَهُ ابْنُ مالِكٍ وأنْشَدَ: ؎لا الخِبُّ شِيمَةَ الحُبِّ ما دامَ فَلا تَحْسَبَنَّهُ ذا ارْعِواءِ وقالُوا: امْرَأةٌ أنْآةٌ، أيْ: فاتِرَةٌ عَنِ النُّهُوضِ، أبْدَلُوا مِن واوِها هَمْزَةً عَلى غَيْرِ قِياسٍ. قالَ الشّاعِرُ:(p-٢٤٤) ؎فَما أنا بِالوانِي ولا الضَّرَعِ الغُمْرِ شَتَّ الأمْرُ شَتًّا وشَتاتًا تَفَرَّقَ، وأمْرٌ شَتٌّ مُتَفَرِّقٌ، وشَتّى فَعْلى مَنِ الشَّتِّ وألِفُهُ لِلتَّأْنِيثِ جَمْعُ شَتِيتٍ كَمَرِيضٍ ومَرْضى، ومَعْناهُ مُتَفَرِّقَةٌ، وشَتّانَ اسْمُ فاعِلٍ، سَحَتَ لُغَةُ الحِجازِ، وأسْحَتَ لُغَةُ نَجْدٍ وتَمِيمٍ، وأصْلُهُ اسْتِقْصاءُ الحَلْقِ لِلشِّعْرِ. وقالَ الفَرَزْدَقُ وهو تَمِيمِيٌّ: ؎وعَضُّ زَمانٍ يابْنَ مَرْوانَ لَمْ يَكُ ∗∗∗ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتٌ أوْ مُجَلَّفُ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الإهْلاكِ والإذْهابِ. الخَيْبَةُ: عَدَمُ الظَّفَرِ بِالمَطْلُوبِ. الصَّفُّ: مَوْضِعُ المَجْمَعِ قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وسُمِّيَ المُصَلّى الصَّفَّ وعَنْ بَعْضِ العَرَبِ الفُصَحاءِ ما اسْتَطَعْتُ أنْ آتِيَ الصَّفَّ، أيِ: المُصَلّى، وقَدْ يَكُونُ مَصْدَرًا، ويُقالُ جاءُوا صَفًّا، أيْ: مُصْطَفِّينَ. التَّخْيِيلُ: إبْداءُ أمْرٍ لا حَقِيقَةَ لَهُ، ومِنهُ الخَيالُ وهو الطَّيْفُ الطّارِقُ في النَّوْمِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎ألا يا لَقَوْمِي لِلْخَيالِ المُشَوِّقِ ∗∗∗ ولِلدّارِ تَنْأى بِالحَبِيبِ ونَلْتَقِي ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى﴾ ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ ﴿فَأْتِياهُ فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهم قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿قالَ فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾ ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ [طه: ٥١] ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ [طه: ٥٢] . (p-٢٤٥)أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِالذَّهابِ إلى فِرْعَوْنَ فَلَمّا دَعا رَبَّهُ وطَلَبَ مِنهُ أشْياءَ كانَ فِيها أنْ يُشْرِكَ أخاهُ هارُونَ فَذَكَرَ اللَّهُ أنَّهُ آتاهُ سُؤْلَهُ وكانَ مِنهُ إشْراكُ أخِيهِ، فَأمَرَهُ هُنا وأخاهُ بِالذَّهابِ و﴿أخُوكَ﴾ [يوسف: ٦٩] مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ﴾ في سُورَةِ المائِدَةِ، وقَوْلُ بَعْضِ النُّحاةِ، أنَّ (ورَبُّكَ) مَرْفُوعٌ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: ولْيَذْهَبْ رَبُّكَ وذَلِكَ البَحْثُ جارٍ هُنا. ورُوِيَ أنَّ اللَّهَ أوْحى إلى هارُونَ وهو بِمِصْرَ أنْ يَتَلَقّى مُوسى. وقِيلَ: سَمِعَ بِمَقْدَمِهِ. وقِيلَ: أُلْهِمَ ذَلِكَ وظاهِرُ (بِآياتِي) الجَمْعُ. فَقِيلَ: هي العَصا، واليَدُ، وعُقْدَةُ لِسانِهِ. وقِيلَ: اليَدُ، والعَصا. وقَدْ يُطْلَقُ الجَمْعُ عَلى المُثَنّى وهُما اللَّتانِ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُما؛ ولِذَلِكَ لَمّا قالَ: (فَأْتِ بِآيَةٍ)، ألْقى العَصا ونَزَعَ اليَدَ، وقالَ: فَذانِكَ بُرْهانانِ. وقِيلَ العَصا مُشْتَمِلَةٌ عَلى آياتِ انْقِلابِها حَيَوانًا، ثُمَّ في أوَّلِ الأمْرِ كانَتْ صَغِيرَةً ثُمَّ عَظُمَتْ حَتّى صارَتْ ثُعْبانًا، ثُمَّ إدْخالُ مُوسى يَدَهُ في فَمِها فَلا تَضُرُّهُ. وقِيلَ: ما أُعْطِيَ مِن مُعْجِزَةٍ ووَحْيٍ. ﴿ولا تَنِيا﴾، أيْ: لا تَضْعُفا ولا تَقْصُرا. وقِيلَ: تَنْسِيانِي ولا أزالُ مِنكُما عَلى ذِكْرٍ حَيْثُما تَقَلَّبْتُما، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالذِّكْرِ تَبْلِيغُ الرِّسالَةِ فَإنَّ الذِّكْرَ يَقَعُ عَلى سائِرِ العِباداتِ، وتَبْلِيغُ الرِّسالَةِ مِن أجَلِّها وأعْظَمِها، فَكانَ جَدِيرًا أنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ الذِّكْرِ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: ولا تِنِيا بِكَسْرِ التّاءِ إتْباعًا لِحَرَكَةِ النُّونِ. وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ ولا تَهِنا، أيْ: ولا تَلِنا مِن قَوْلِهِمْ هَيِّنٌ لَيِّنٌ، ولَمّا حَذَفَ مَن يَذْهَبُ إلَيْهِ في الأمْرِ قَبْلَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ في هَذا الأمْرِ الثّانِي. فَقِيلَ: ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ﴾، أيْ: بِالرِّسالَةِ وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُما أُمِرا بِالذَّهابِ أوَّلًا إلى النّاسِ وثانِيًا إلى فِرْعَوْنَ، فَكَرَّرَ الأمْرَ بِالذَّهابِ لِاخْتِلافِ المُتَعَلِّقِ، ونَبَّهَ عَلى سَبَبِ الذَّهابِ إلَيْهِ بِالرِّسالَةِ مِن عِنْدِهِ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّهُ طَغى﴾ [طه: ٢٤]، أيْ: تَجاوَزَ الحَدَّ في الفَسادِ ودَعَواهُ الرُّبُوبِيَّةَ والإلَهِيَّةَ مِن دُونِ اللَّهِ. والقَوْلُ اللَّيِّنُ هو مِثْلُ ما في النّازِعاتِ ﴿هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى وأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ [النازعات: ١٨] وهَذا مِن لَطِيفِ الكَلامِ إذْ أبْرَزَ ذَلِكَ في صُورَةِ الِاسْتِفْهامِ والمَشُورَةِ والعَرْضِ لِما فِيهِ مِنَ الفَوْزِ العَظِيمِ، وقِيلَ: عَدّاهُ شَبابًا لا يَهْرَمُ بَعْدَهُ ومُلْكًا لا يُنْزَعُ مِنهُ إلّا بِالمَوْتِ وأنْ يَبْقى لَهُ لَذَّةُ المَطْعَمِ والمَشْرَبِ والمَنكَحِ إلى حِينِ مَوْتِهِ. وقِيلَ: لا تُجِبْهاهُ بِما يَكْرَهُ وألْطِفا لَهُ في القَوْلِ لِما لَهُ مِن حَقِّ تَرْبِيَةِ مُوسى. وقِيلَ: كَنَّياهُ وهو ذُو الكُنى الأرْبَعِ أبُو مُرَّةَ، وأبُو مُصْعَبٍ، وأبُو الوَلِيدِ، وأبُو العَبّاسِ. وقِيلَ: القَوْلُ اللَّيِّنُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، ولِينُها خِفَّتُها عَلى اللِّسانِ. وقالَ الحَسَنُ: هو قَوْلُهُما إنَّ لَكَ رَبًّا وإنَّ لَكَ مَعادًا وإنَّ بَيْنَ يَدَيْكَ جَنَّةً ونارًا فَآمِن بِاللَّهِ يُدْخِلْكَ الجَنَّةَ ويَقِكَ عَذابَ النّارِ. وقِيلَ: أمَرَهُما تَعالى أنْ يُقَدِّما المَواعِيدَ عَلى الوَعِيدِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎أقْدِمْ بِالوَعْدِ قَبْلَ الوَعِيدِ ∗∗∗ لِيَنْهى القَبائِلَ جُهّالُها وقِيلَ: حِينَ عَرَضَ عَلَيْهِ مُوسى وهارُونُ - عَلَيْهِما السَّلامُ - ما عَرَضا، شاوَرَ آسِيَةَ فَقالَتْ: ما يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنَّ يَرُدَّ هَذا، فَشاوَرَ هامانَ وكانَ لا يَبُتُّ أمْرًا دُونَ رَأْيِهِ، فَقالَ لَهُ: كُنْتُ أعْتَقِدُ أنَّكَ ذُو عَقْلٍ ! تَكُونُ مالِكًا فَتَصِيرُ مَمْلُوكًا ورَبًّا فَتَصِيرُ مَرْبُوبًا ! فامْتَنَعَ مِن قَبُولِ ما عَرَضَ عَلَيْهِ مُوسى، والتَّرَجِّي بِالنِّسْبَةِ لَهُما إذْ هو مُسْتَحِيلٌ وُقُوعُهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أيِ: اذْهَبا عَلى رَجائِكُما وطَمَعِكُما وباشِرا الأمْرَ مُباشَرَةَ مَن يَرْجُو ويَطْمَعُ أنْ يُثْمِرَ عَمَلُهُ ولا يَخِيبَ سَعْيُهُ، وفائِدَةُ إرْسالِهِما مَعَ عِلْمِهِ تَعالى أنَّهُ لا يُؤْمِنُ إقامَةُ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، وإزالَةُ (p-٢٤٦)المَعْذِرَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ﴾ [طه: ١٣٤] الآيَةَ. وقِيلَ: القَوْلُ اللَّيِّنُ ما حَكاهُ اللَّهُ هُنا وهو ﴿فَأْتِياهُ فَقَوْلا إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ وقالَ أبُو مُعاذٍ: ﴿قَوْلًا لَيِّنًا﴾ وقالَ الفَرّاءُ لَعَلَّ هُنا بِمَعْنى كَيْ، أيْ: كَيْ يَتَذَكَّرَ أوْ يَخْشى، كَما تَقُولُ: اعْمَلْ لَعَلَّكَ تَأْخُذُ أجْرَكَ، أيْ: كَيْ تَأْخُذَ أجْرَكَ. وقِيلَ: لَعَلَّ هُنا اسْتِفْهامٌ، أيْ: هَلْ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى ؟، والصَّحِيحُ أنَّها عَلى بابِها مِنَ التَّرَجِّي وذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى البَشَرِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ شاكًّا في اللَّهِ. وقِيلَ: (يَتَذَكَّرُ) حالَهُ حِينَ احْتُبِسَ النِّيلُ فَسارَ إلى شاطِئِهِ وأبْعَدَ وخَرَّ ساجِدًا لِلَّهِ راغِبًا أنْ لا يُخْجِلَهُ، ثُمَّ رَكِبَ فَأخَذَ النِّيلُ يَتْبَعُ حافِرَ فَرَسِهِ فَرَجا أنْ يَتَذَكَّرَ حِلْمَ اللَّهِ وكَرَمَهُ وأنْ يَحْذَرَ مِن عَذابِ اللَّهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: (يَتَذَكَّرُ) ويَتَأمَّلُ فَيَبْذُلُ النَّصَفَةَ مِن نَفْسِهِ والإذْعانَ لِلْحَقِّ ﴿أوْ يَخْشى﴾ أنْ يَكُونَ الأمْرُ كَما يَصِفانِ فَيَجُرُّهُ إنْكارُهُ إلى الهَلَكَةِ. فَرَطَ سَبَقَ وتَقَدَّمَ ومِنهُ الفارِطُ الَّذِي يَتَقَدَّمُ الوارِدَةَ وفَرَسٌ فَرْطٌ تَسْبِقُ الخَيْلَ. انْتَهى. وقالَ الشّاعِرُ: ؎واسْتَعْجَلُونا وكانُوا مِن صَحابَتِنا ∗∗∗ كَما تَقَدَّمَ فارِطُ الوُرّادِ وفِي الحَدِيثِ: «أنا فَرَطُكم عَلى الحَوْضِ» .، أيْ: مُتَقَدِّمُكم وسابِقُكم، والمَعْنى إنَّنا نَخافُ أنْ يُعَجَّلَ عَلَيْنا بِالعُقُوبَةِ ويُبادِرَنا بِها. وقَرَأ يَحْيى وأبُو نَوْفَلٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ في رِوايَتِهِ ﴿أنْ يُفْرَطَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ: يُسْبَقَ في العُقُوبَةِ ويُسْرَعَ بِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الإفْراطِ ومُجاوَزَةِ الحَدِّ في العُقُوبَةِ، خافا أنْ يَحْمِلَهُ حامِلٌ عَلى المُعاجَلَةِ بِالعَذابِ مِن شَيْطانٍ، أوْ مِن جَبَرُوتِهِ واسْتِكْبارِهِ وادِّعائِهِ الرُّبُوبِيَّةَ، أوْ مِن حُبِّهِ الرِّياسَةَ، أوْ مِن قَوْمِهِ القِبْطِ المُتَمَرِّدِينَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ [الأعراف: ١٠٩] ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ﴾ [المؤمنون: ٣٣] . وقَرَأتْ فِرْقَةٌ والزَّعْفَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ: (يُفْرِطَ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الرّاءِ مِنَ الإفْراطِ في الأذِيَّةِ ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾ في التَّخَطِّي إلى أنْ يَقُولَ فِيكَ ما لا يَنْبَغِي تَجْرِئَةً عَلَيْكَ وقَسْوَةَ قَلْبِهِ، وفي المَجِيءِ بِهِ هَكَذا عَلى سَبِيلِ الإطْلاقِ والرَّمْزِ بابٌ مِن حُسْنِ الأدَبِ والتَّجافِي عَنِ التَّفَوُّهِ بِالعَظِيمَةِ. والمَعِيَّةُ هُنا بِالنُّصْرَةِ والعَوْنِ أسْمَعُ أقْوالَكُما وأرى أفْعالَكُما. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿أسْمَعُ﴾ جَوابَهُ لَكُما ﴿وأرى﴾ ما يَفْعَلُ بِكُما، وهُما كِنايَةٌ عَنِ العِلْمِ ﴿فَأْتِياهُ﴾ كَرَّرَ الأمْرَ بِالإتْيانِ ﴿فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ وخاطَباهُ بِقَوْلِهِما (رَبِّكَ) تَحْقِيرًا لَهُ وإعْلامًا أنَّهُ مَرْبُوبٌ مَمْلُوكٌ إذْ كانَ هو يَدَّعِي الرُّبُوبِيَّةَ. وأُمِرا بِدَعْوَتِهِ إلى أنْ يَبْعَثَ مَعَهُما بَنِي إسْرائِيلَ ويُخْرِجَهم مِن ذُلِّ خِدْمَةِ القِبْطِ، وكانُوا يُعَذِّبُونَهم بِتَكْلِيفِ الأعْمالِ الشّاقَّةِ مِنَ الحَفْرِ والبِناءِ ونَقْلِ الحِجارَةِ والسُّخْرَةِ في كُلِّ شَيْءٍ مَعَ قَتْلِ الوِلْدانِ واسْتِخْدامِ النِّساءِ. وقَدْ ذُكِرَ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ دُعاؤُهُ إلى الإيمانِ فَجُمْلَةُ ما دُعِيَ إلَيْهِ فِرْعَوْنُ الإيمانُ وإرْسالُ بَنِي إسْرائِيلَ. * * ثُمَّ ذَكَرا ما يَدُلُّ عَلى صِدْقِهِما في إرْسالِهِما إلَيْهِ فَقالا ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾ وتَكَرَّرَ أيْضًا قَوْلُهُما ﴿مِن رَبِّكَ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ بِأنَّهُ مَرْبُوبٌ مَقْهُورٌ، والآيَةُ الَّتِي أحالا عَلَيْها هي العَصا واليَدُ، ولَمّا كانا مُشْتَرِكَيْنِ في الرِّسالَةِ صَحَّ نِسْبَةُ المَجِيءِ بِالآيَةِ إلَيْهِما وإنْ كانَتْ صادِرَةً مِن أحَدِهِما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾ جارِيَةٌ مِنَ الجُمْلَةِ الأُولى وهي ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ مَجْرى البَيانِ والتَّفْسِيرِ؛ لِأنَّ دَعْوى الرِّسالَةِ لا تَثْبُتُ إلّا بِبَيِّنَتِها الَّتِي هي المَجِيءُ بِالآيَةِ، وإنَّما وحَّدَ بِآيَةٍ ولَمْ يُثَنِّ ومَعَهُ آيَتانِ؛ لِأنَّ المُرادَ في هَذا المَوْضِعِ تَثْبِيتُ الدَّعْوى بِبُرْهانِها، فَكَأنَّهُ قالَ: قَدْ جِئْناكَ بِمُعْجِزَةٍ وبُرْهانٍ وحُجَّةٍ عَلى ما ادَّعَيْناهُ مِنَ الرِّسالَةِ وكَذَلِكَ ﴿قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٠٥] ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٤] ﴿أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ٣٠] انْتَهى. وقِيلَ: الآيَةُ اليَدُ. وقِيلَ: العَصا، والمَعْنى بِآيَةٍ تَشْهَدُ لَنا بِأنّا رَسُولا رَبِّكَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ فَصْلٌ لِلْكَلامِ، فالسَّلامُ بِمَعْنى التَّحِيَّةِ رَغِبا بِهِ عَنْهُ وجَرَيا عَلى العادَةِ في التَّسْلِيمِ عِنْدَ الفَراغِ (p-٢٤٧)مِنَ القَوْلِ، فَسَلَّما عَلى مُتَّبِعِي الهُدى وفي هَذا تَوْبِيخٌ لَهُ. وفي هَذا المَعْنى اسْتَعْمَلَ النّاسُ هَذِهِ الآيَةَ في مُخاطَباتِهِمْ ومُحاوَراتِهِمْ. وقِيلَ: هو مُدْرَجٌ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا﴾ فَيَكُونُ إذْ ذاكَ خَبَرًا بِسَلامَةِ المُهْتَدِينَ مِنَ العَذابِ. وقِيلَ (عَلى) بِمَعْنى اللّامِ، أيْ: والسَّلامَةُ (لِمَنِ اتَّبَعَ الهُدى) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وسَلامُ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم خَزَنَةُ الجَنَّةِ عَلى المُهْتَدِينَ، وتَوْبِيخُ خَزَنَةِ النّارِ والعَذابِ عَلى المُكَذِّبِينَ انْتَهى. وهو تَفْسِيرٌ غَرِيبٌ. وقَدْ، يُقالُ: السَّلامُ هُنا السَّلامَةُ مِنَ العَذابِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ وبُنِيَ (أُوحِيَ) لَمّا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، ولَمْ يَذْكُرِ المُوحى؛ لِأنَّ فِرْعَوْنَ كانَتْ لَهُ بادِرَةٌ فَرُبَّما صَدَرَ مِنهُ في حَقِّ المُوحِي ما لا يَلِيقُ بِهِ، والمَعْنى عَلى مَن كَذَّبَ الأنْبِياءَ وتَوَلّى عَنِ الإيمانِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ هَذِهِ أرْجى آيَةٍ في القُرْآنِ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ ما كَذَّبَ وتَوَلّى فَلا يَنالُهُ شَيْءٌ مِنَ العَذابِ. وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ فَأتَيا فِرْعَوْنَ وقالا لَهُ ما أمَرَهُما اللَّهُ أنْ يُبَلِّغاهُ قالَ: ﴿فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾ خاطَبَهُما مَعًا وأفْرَدَ بِالنِّداءِ مُوسى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إذْ كانَ صاحِبَ عِظَمِ الرِّسالَةِ وكَرِيمِ الآياتِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأنَّهُ الأصْلُ في النُّبُوَّةِ وهارُونُ وزِيرُهُ وتابِعُهُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَحْمِلَهُ خُبْثُهُ وذَعارَتُهُ عَلى اسْتِدْعاءِ كَلامِ مُوسى دُونَ كَلامِ أخِيهِ لِما عُرِفَ مِن فَصاحَةِ هارُونَ والرُّتَّةِ في لِسانِ مُوسى، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] انْتَهى. واسْتَبَدَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِجَوابِ فِرْعَوْنَ مِن حَيْثُ خَصَّهُ بِالسُّؤالِ والنِّداءِ مَعًا، ثُمَّ أعْلَمَهُ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى بِالصِّفَةِ الَّتِي لا شِرْكَ لِفِرْعَوْنَ فِيها ولا بِوَجْهِ مَجازٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولِلَّهِ دَرُّ هَذا الجَوابِ ما أخْصَرَهُ وما أجْمَعَهُ وما أبَيْنَهُ لِمَن ألْقى الذِّهْنَ ونَظَرَ بِعَيْنِ الإنْصافِ وكانَ طالِبًا لِلْحَقِّ. انْتَهى. والمَعْنى أعْطى كُلَّ ما خَلَقَ خِلْقَتَهُ وصُورَتَهُ عَلى ما يُناسِبُهُ مِنَ الإتْقانِ لَمْ يَجْعَلْ خَلْقَ الإنْسانِ في خَلْقِ البَهائِمِ، ولا خَلْقَ البَهائِمِ في خَلْقِ الإنْسانِ ولَكِنْ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا. وقالَ الشّاعِرُ: ؎ولَهُ في كُلِّ شَيْءٍ خِلْقَةٌ وكَذَلِكَ اللَّهُ ما شاءَ فَعَلْ وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وعَطِيَّةَ ومُقاتِلٍ، وقالَ الضَّحّاكُ (خَلْقَهُ) مِنَ المَنفَعَةِ المَنُوطَةِ بِهِ المُطابِقَةِ لَهُ ﴿ثُمَّ هَدى﴾، أيْ: يَسَّرَ كُلَّ شَيْءٍ لِمَنافِعِهِ ومَرافِقِهِ، فَأعْطى العَيْنَ الهَيْئَةَ الَّتِي تُطابِقُ الإبْصارَ، والأُذُنَ الشَّكْلَ الَّذِي يُوافِقُ الِاسْتِماعَ، وكَذَلِكَ الأنْفُ واليَدُ والرِّجْلُ واللِّسانُ كُلُّ واحِدٍ مِنها مُطابِقٌ لِما عُلِّقَ بِهِ مِنَ المَنفَعَةِ غَيْرُ نابٍ عَنْهُ. قالَ القُشَيْرِيُّ: والخَلْقُ المَخْلُوقُ؛ لِأنَّ البَطْشَ والمَشْيَ والرُّؤْيَةَ والنُّطْقَ مَعانٍ مَخْلُوقَةٌ أوْدَعَها اللَّهُ لِلْأعْضاءِ، وعَلى هَذا مَفْعُولُ (أعْطى) الأوَّلُ ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ والثّانِي (خَلْقَهُ) وكَذا في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ والسُّدِّيِّ وهو أنَّ المَعْنى ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ﴾ مَخْلُوقَهُ مِن جِنْسِهِ، أيْ: كُلَّ حَيَوانٍ ذَكَرٍ نَظِيرَهُ أُنْثى في الصُّورَةِ. فَلَمْ يُزاوِجْ مِنهُما غَيْرَ جِنْسِهِ، ثُمَّ هَداهُ إلى مَنكَحِهِ ومَطْعَمِهِ ومَشْرَبِهِ ومَسْكَنِهِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ هَداهُ إلى إلْفِهِ والِاجْتِماعِ بِهِ والمُناكَحَةِ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ﴾ صَلاحَهُ وهَداهُ لِما يُصْلِحُهُ. وقِيلَ: ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ هو المَفْعُولُ الثّانِي لِأعْطى و(خَلْقَهُ) المَفْعُولُ الأوَّلُ، أيْ: (أعْطى) خَلِيقَتَهُ ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ يَحْتاجُونَ إلَيْهِ ويَرْتَفِقُونَ بِهِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وأُناسٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبُو نَهِيكٍ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والأعْمَشُ والحَسَنُ ونُصَيْرٌ عَنِ الكِسائِيِّ، وابْنُ نُوحٍ عَنْ قُتَيْبَةَ وسَلّامٌ ﴿خَلْقَهُ﴾ بِفَتْحِ اللّامِ فِعْلًا ماضِيًا في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِكُلِّ شَيْءٍ أوْ لِشَيْءٍ، ومَفْعُولُ (أعْطى) الثّانِي حُذِفَ اقْتِصارًا، أيْ: ﴿كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ لَمْ يُخْلِهِ مِن عَطائِهِ وإنْعامِهِ ﴿ثُمَّ هَدى﴾، أيْ: عَرَفَ كَيْفَ يَرْتَفِقُ بِما أعْطى وكَيْفَ يَتَوَصَّلُ إلَيْهِ. وقِيلَ: حُذِفَ اخْتِصارًا لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، أيْ: ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ، وقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ كَمالَهُ أوْ مَصْلَحَتَهُ.

طه 20:46

﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى﴾ ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ ﴿فَأْتِياهُ فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهم قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿قالَ فَمَن رَبُّكُما يامُوسى﴾ ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ [طه: ٥١] ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ [طه: ٥٢] ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وسَلَكَ لَكم فِيها سُبُلًا وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ [طه: ٥٣] ﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكم إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ [طه: ٥٤] ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكم ومِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾ [طه: ٥٥] ﴿ولَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وأبى﴾ [طه: ٥٦] ﴿قالَ أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا بِسِحْرِكَ يامُوسى﴾ [طه: ٥٧] ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ ولا أنْتَ مَكانًا سُوًى﴾ [طه: ٥٨] ﴿قالَ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩] ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أتى﴾ [طه: ٦٠] ﴿قالَ لَهم مُوسى ويْلَكم لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكم بِعَذابٍ وقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى﴾ [طه: ٦١] ﴿فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهم وأسَرُّوا النَّجْوى﴾ [طه: ٦٢] ﴿قالُوا إنْ هَذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِما ويَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ المُثْلى﴾ [طه: ٦٣] ﴿فَأجْمِعُوا كَيْدَكم ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى﴾ [طه: ٦٤] ﴿قالُوا يامُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ أوَّلَ مَن ألْقى﴾ [طه: ٦٥] ﴿قالَ بَلْ ألْقُوا فَإذا حِبالُهم وعِصِيُّهم يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾ [طه: ٦٦] الوَنْيُ: الفُتُورُ، يُقالُ: ونِيَ يَنِي وهو فِعْلٌ لازِمٌ، وإذا عُدِّيَ فَبِعَنْ وبِفِي، وزَعَمَ بَعْضُ البَغْدادِيِّينَ أنَّهُ يَأْتِي فِعْلًا ناقِصًا مِن أخَواتِ ما زالَ وبِمَعْناها، واخْتارَهُ ابْنُ مالِكٍ وأنْشَدَ: ؎لا الخِبُّ شِيمَةَ الحُبِّ ما دامَ فَلا تَحْسَبَنَّهُ ذا ارْعِواءِ وقالُوا: امْرَأةٌ أنْآةٌ، أيْ: فاتِرَةٌ عَنِ النُّهُوضِ، أبْدَلُوا مِن واوِها هَمْزَةً عَلى غَيْرِ قِياسٍ. قالَ الشّاعِرُ:(p-٢٤٤) ؎فَما أنا بِالوانِي ولا الضَّرَعِ الغُمْرِ شَتَّ الأمْرُ شَتًّا وشَتاتًا تَفَرَّقَ، وأمْرٌ شَتٌّ مُتَفَرِّقٌ، وشَتّى فَعْلى مَنِ الشَّتِّ وألِفُهُ لِلتَّأْنِيثِ جَمْعُ شَتِيتٍ كَمَرِيضٍ ومَرْضى، ومَعْناهُ مُتَفَرِّقَةٌ، وشَتّانَ اسْمُ فاعِلٍ، سَحَتَ لُغَةُ الحِجازِ، وأسْحَتَ لُغَةُ نَجْدٍ وتَمِيمٍ، وأصْلُهُ اسْتِقْصاءُ الحَلْقِ لِلشِّعْرِ. وقالَ الفَرَزْدَقُ وهو تَمِيمِيٌّ: ؎وعَضُّ زَمانٍ يابْنَ مَرْوانَ لَمْ يَكُ ∗∗∗ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتٌ أوْ مُجَلَّفُ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الإهْلاكِ والإذْهابِ. الخَيْبَةُ: عَدَمُ الظَّفَرِ بِالمَطْلُوبِ. الصَّفُّ: مَوْضِعُ المَجْمَعِ قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وسُمِّيَ المُصَلّى الصَّفَّ وعَنْ بَعْضِ العَرَبِ الفُصَحاءِ ما اسْتَطَعْتُ أنْ آتِيَ الصَّفَّ، أيِ: المُصَلّى، وقَدْ يَكُونُ مَصْدَرًا، ويُقالُ جاءُوا صَفًّا، أيْ: مُصْطَفِّينَ. التَّخْيِيلُ: إبْداءُ أمْرٍ لا حَقِيقَةَ لَهُ، ومِنهُ الخَيالُ وهو الطَّيْفُ الطّارِقُ في النَّوْمِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎ألا يا لَقَوْمِي لِلْخَيالِ المُشَوِّقِ ∗∗∗ ولِلدّارِ تَنْأى بِالحَبِيبِ ونَلْتَقِي ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى﴾ ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ ﴿فَأْتِياهُ فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهم قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿قالَ فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾ ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ [طه: ٥١] ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ [طه: ٥٢] . (p-٢٤٥)أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِالذَّهابِ إلى فِرْعَوْنَ فَلَمّا دَعا رَبَّهُ وطَلَبَ مِنهُ أشْياءَ كانَ فِيها أنْ يُشْرِكَ أخاهُ هارُونَ فَذَكَرَ اللَّهُ أنَّهُ آتاهُ سُؤْلَهُ وكانَ مِنهُ إشْراكُ أخِيهِ، فَأمَرَهُ هُنا وأخاهُ بِالذَّهابِ و﴿أخُوكَ﴾ [يوسف: ٦٩] مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ﴾ في سُورَةِ المائِدَةِ، وقَوْلُ بَعْضِ النُّحاةِ، أنَّ (ورَبُّكَ) مَرْفُوعٌ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: ولْيَذْهَبْ رَبُّكَ وذَلِكَ البَحْثُ جارٍ هُنا. ورُوِيَ أنَّ اللَّهَ أوْحى إلى هارُونَ وهو بِمِصْرَ أنْ يَتَلَقّى مُوسى. وقِيلَ: سَمِعَ بِمَقْدَمِهِ. وقِيلَ: أُلْهِمَ ذَلِكَ وظاهِرُ (بِآياتِي) الجَمْعُ. فَقِيلَ: هي العَصا، واليَدُ، وعُقْدَةُ لِسانِهِ. وقِيلَ: اليَدُ، والعَصا. وقَدْ يُطْلَقُ الجَمْعُ عَلى المُثَنّى وهُما اللَّتانِ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُما؛ ولِذَلِكَ لَمّا قالَ: (فَأْتِ بِآيَةٍ)، ألْقى العَصا ونَزَعَ اليَدَ، وقالَ: فَذانِكَ بُرْهانانِ. وقِيلَ العَصا مُشْتَمِلَةٌ عَلى آياتِ انْقِلابِها حَيَوانًا، ثُمَّ في أوَّلِ الأمْرِ كانَتْ صَغِيرَةً ثُمَّ عَظُمَتْ حَتّى صارَتْ ثُعْبانًا، ثُمَّ إدْخالُ مُوسى يَدَهُ في فَمِها فَلا تَضُرُّهُ. وقِيلَ: ما أُعْطِيَ مِن مُعْجِزَةٍ ووَحْيٍ. ﴿ولا تَنِيا﴾، أيْ: لا تَضْعُفا ولا تَقْصُرا. وقِيلَ: تَنْسِيانِي ولا أزالُ مِنكُما عَلى ذِكْرٍ حَيْثُما تَقَلَّبْتُما، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالذِّكْرِ تَبْلِيغُ الرِّسالَةِ فَإنَّ الذِّكْرَ يَقَعُ عَلى سائِرِ العِباداتِ، وتَبْلِيغُ الرِّسالَةِ مِن أجَلِّها وأعْظَمِها، فَكانَ جَدِيرًا أنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ الذِّكْرِ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: ولا تِنِيا بِكَسْرِ التّاءِ إتْباعًا لِحَرَكَةِ النُّونِ. وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ ولا تَهِنا، أيْ: ولا تَلِنا مِن قَوْلِهِمْ هَيِّنٌ لَيِّنٌ، ولَمّا حَذَفَ مَن يَذْهَبُ إلَيْهِ في الأمْرِ قَبْلَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ في هَذا الأمْرِ الثّانِي. فَقِيلَ: ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ﴾، أيْ: بِالرِّسالَةِ وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُما أُمِرا بِالذَّهابِ أوَّلًا إلى النّاسِ وثانِيًا إلى فِرْعَوْنَ، فَكَرَّرَ الأمْرَ بِالذَّهابِ لِاخْتِلافِ المُتَعَلِّقِ، ونَبَّهَ عَلى سَبَبِ الذَّهابِ إلَيْهِ بِالرِّسالَةِ مِن عِنْدِهِ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّهُ طَغى﴾ [طه: ٢٤]، أيْ: تَجاوَزَ الحَدَّ في الفَسادِ ودَعَواهُ الرُّبُوبِيَّةَ والإلَهِيَّةَ مِن دُونِ اللَّهِ. والقَوْلُ اللَّيِّنُ هو مِثْلُ ما في النّازِعاتِ ﴿هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى وأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ [النازعات: ١٨] وهَذا مِن لَطِيفِ الكَلامِ إذْ أبْرَزَ ذَلِكَ في صُورَةِ الِاسْتِفْهامِ والمَشُورَةِ والعَرْضِ لِما فِيهِ مِنَ الفَوْزِ العَظِيمِ، وقِيلَ: عَدّاهُ شَبابًا لا يَهْرَمُ بَعْدَهُ ومُلْكًا لا يُنْزَعُ مِنهُ إلّا بِالمَوْتِ وأنْ يَبْقى لَهُ لَذَّةُ المَطْعَمِ والمَشْرَبِ والمَنكَحِ إلى حِينِ مَوْتِهِ. وقِيلَ: لا تُجِبْهاهُ بِما يَكْرَهُ وألْطِفا لَهُ في القَوْلِ لِما لَهُ مِن حَقِّ تَرْبِيَةِ مُوسى. وقِيلَ: كَنَّياهُ وهو ذُو الكُنى الأرْبَعِ أبُو مُرَّةَ، وأبُو مُصْعَبٍ، وأبُو الوَلِيدِ، وأبُو العَبّاسِ. وقِيلَ: القَوْلُ اللَّيِّنُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، ولِينُها خِفَّتُها عَلى اللِّسانِ. وقالَ الحَسَنُ: هو قَوْلُهُما إنَّ لَكَ رَبًّا وإنَّ لَكَ مَعادًا وإنَّ بَيْنَ يَدَيْكَ جَنَّةً ونارًا فَآمِن بِاللَّهِ يُدْخِلْكَ الجَنَّةَ ويَقِكَ عَذابَ النّارِ. وقِيلَ: أمَرَهُما تَعالى أنْ يُقَدِّما المَواعِيدَ عَلى الوَعِيدِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎أقْدِمْ بِالوَعْدِ قَبْلَ الوَعِيدِ ∗∗∗ لِيَنْهى القَبائِلَ جُهّالُها وقِيلَ: حِينَ عَرَضَ عَلَيْهِ مُوسى وهارُونُ - عَلَيْهِما السَّلامُ - ما عَرَضا، شاوَرَ آسِيَةَ فَقالَتْ: ما يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنَّ يَرُدَّ هَذا، فَشاوَرَ هامانَ وكانَ لا يَبُتُّ أمْرًا دُونَ رَأْيِهِ، فَقالَ لَهُ: كُنْتُ أعْتَقِدُ أنَّكَ ذُو عَقْلٍ ! تَكُونُ مالِكًا فَتَصِيرُ مَمْلُوكًا ورَبًّا فَتَصِيرُ مَرْبُوبًا ! فامْتَنَعَ مِن قَبُولِ ما عَرَضَ عَلَيْهِ مُوسى، والتَّرَجِّي بِالنِّسْبَةِ لَهُما إذْ هو مُسْتَحِيلٌ وُقُوعُهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أيِ: اذْهَبا عَلى رَجائِكُما وطَمَعِكُما وباشِرا الأمْرَ مُباشَرَةَ مَن يَرْجُو ويَطْمَعُ أنْ يُثْمِرَ عَمَلُهُ ولا يَخِيبَ سَعْيُهُ، وفائِدَةُ إرْسالِهِما مَعَ عِلْمِهِ تَعالى أنَّهُ لا يُؤْمِنُ إقامَةُ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، وإزالَةُ (p-٢٤٦)المَعْذِرَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ﴾ [طه: ١٣٤] الآيَةَ. وقِيلَ: القَوْلُ اللَّيِّنُ ما حَكاهُ اللَّهُ هُنا وهو ﴿فَأْتِياهُ فَقَوْلا إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ وقالَ أبُو مُعاذٍ: ﴿قَوْلًا لَيِّنًا﴾ وقالَ الفَرّاءُ لَعَلَّ هُنا بِمَعْنى كَيْ، أيْ: كَيْ يَتَذَكَّرَ أوْ يَخْشى، كَما تَقُولُ: اعْمَلْ لَعَلَّكَ تَأْخُذُ أجْرَكَ، أيْ: كَيْ تَأْخُذَ أجْرَكَ. وقِيلَ: لَعَلَّ هُنا اسْتِفْهامٌ، أيْ: هَلْ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى ؟، والصَّحِيحُ أنَّها عَلى بابِها مِنَ التَّرَجِّي وذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى البَشَرِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ شاكًّا في اللَّهِ. وقِيلَ: (يَتَذَكَّرُ) حالَهُ حِينَ احْتُبِسَ النِّيلُ فَسارَ إلى شاطِئِهِ وأبْعَدَ وخَرَّ ساجِدًا لِلَّهِ راغِبًا أنْ لا يُخْجِلَهُ، ثُمَّ رَكِبَ فَأخَذَ النِّيلُ يَتْبَعُ حافِرَ فَرَسِهِ فَرَجا أنْ يَتَذَكَّرَ حِلْمَ اللَّهِ وكَرَمَهُ وأنْ يَحْذَرَ مِن عَذابِ اللَّهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: (يَتَذَكَّرُ) ويَتَأمَّلُ فَيَبْذُلُ النَّصَفَةَ مِن نَفْسِهِ والإذْعانَ لِلْحَقِّ ﴿أوْ يَخْشى﴾ أنْ يَكُونَ الأمْرُ كَما يَصِفانِ فَيَجُرُّهُ إنْكارُهُ إلى الهَلَكَةِ. فَرَطَ سَبَقَ وتَقَدَّمَ ومِنهُ الفارِطُ الَّذِي يَتَقَدَّمُ الوارِدَةَ وفَرَسٌ فَرْطٌ تَسْبِقُ الخَيْلَ. انْتَهى. وقالَ الشّاعِرُ: ؎واسْتَعْجَلُونا وكانُوا مِن صَحابَتِنا ∗∗∗ كَما تَقَدَّمَ فارِطُ الوُرّادِ وفِي الحَدِيثِ: «أنا فَرَطُكم عَلى الحَوْضِ» .، أيْ: مُتَقَدِّمُكم وسابِقُكم، والمَعْنى إنَّنا نَخافُ أنْ يُعَجَّلَ عَلَيْنا بِالعُقُوبَةِ ويُبادِرَنا بِها. وقَرَأ يَحْيى وأبُو نَوْفَلٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ في رِوايَتِهِ ﴿أنْ يُفْرَطَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ: يُسْبَقَ في العُقُوبَةِ ويُسْرَعَ بِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الإفْراطِ ومُجاوَزَةِ الحَدِّ في العُقُوبَةِ، خافا أنْ يَحْمِلَهُ حامِلٌ عَلى المُعاجَلَةِ بِالعَذابِ مِن شَيْطانٍ، أوْ مِن جَبَرُوتِهِ واسْتِكْبارِهِ وادِّعائِهِ الرُّبُوبِيَّةَ، أوْ مِن حُبِّهِ الرِّياسَةَ، أوْ مِن قَوْمِهِ القِبْطِ المُتَمَرِّدِينَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ [الأعراف: ١٠٩] ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ﴾ [المؤمنون: ٣٣] . وقَرَأتْ فِرْقَةٌ والزَّعْفَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ: (يُفْرِطَ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الرّاءِ مِنَ الإفْراطِ في الأذِيَّةِ ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾ في التَّخَطِّي إلى أنْ يَقُولَ فِيكَ ما لا يَنْبَغِي تَجْرِئَةً عَلَيْكَ وقَسْوَةَ قَلْبِهِ، وفي المَجِيءِ بِهِ هَكَذا عَلى سَبِيلِ الإطْلاقِ والرَّمْزِ بابٌ مِن حُسْنِ الأدَبِ والتَّجافِي عَنِ التَّفَوُّهِ بِالعَظِيمَةِ. والمَعِيَّةُ هُنا بِالنُّصْرَةِ والعَوْنِ أسْمَعُ أقْوالَكُما وأرى أفْعالَكُما. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿أسْمَعُ﴾ جَوابَهُ لَكُما ﴿وأرى﴾ ما يَفْعَلُ بِكُما، وهُما كِنايَةٌ عَنِ العِلْمِ ﴿فَأْتِياهُ﴾ كَرَّرَ الأمْرَ بِالإتْيانِ ﴿فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ وخاطَباهُ بِقَوْلِهِما (رَبِّكَ) تَحْقِيرًا لَهُ وإعْلامًا أنَّهُ مَرْبُوبٌ مَمْلُوكٌ إذْ كانَ هو يَدَّعِي الرُّبُوبِيَّةَ. وأُمِرا بِدَعْوَتِهِ إلى أنْ يَبْعَثَ مَعَهُما بَنِي إسْرائِيلَ ويُخْرِجَهم مِن ذُلِّ خِدْمَةِ القِبْطِ، وكانُوا يُعَذِّبُونَهم بِتَكْلِيفِ الأعْمالِ الشّاقَّةِ مِنَ الحَفْرِ والبِناءِ ونَقْلِ الحِجارَةِ والسُّخْرَةِ في كُلِّ شَيْءٍ مَعَ قَتْلِ الوِلْدانِ واسْتِخْدامِ النِّساءِ. وقَدْ ذُكِرَ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ دُعاؤُهُ إلى الإيمانِ فَجُمْلَةُ ما دُعِيَ إلَيْهِ فِرْعَوْنُ الإيمانُ وإرْسالُ بَنِي إسْرائِيلَ. * * ثُمَّ ذَكَرا ما يَدُلُّ عَلى صِدْقِهِما في إرْسالِهِما إلَيْهِ فَقالا ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾ وتَكَرَّرَ أيْضًا قَوْلُهُما ﴿مِن رَبِّكَ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ بِأنَّهُ مَرْبُوبٌ مَقْهُورٌ، والآيَةُ الَّتِي أحالا عَلَيْها هي العَصا واليَدُ، ولَمّا كانا مُشْتَرِكَيْنِ في الرِّسالَةِ صَحَّ نِسْبَةُ المَجِيءِ بِالآيَةِ إلَيْهِما وإنْ كانَتْ صادِرَةً مِن أحَدِهِما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾ جارِيَةٌ مِنَ الجُمْلَةِ الأُولى وهي ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ مَجْرى البَيانِ والتَّفْسِيرِ؛ لِأنَّ دَعْوى الرِّسالَةِ لا تَثْبُتُ إلّا بِبَيِّنَتِها الَّتِي هي المَجِيءُ بِالآيَةِ، وإنَّما وحَّدَ بِآيَةٍ ولَمْ يُثَنِّ ومَعَهُ آيَتانِ؛ لِأنَّ المُرادَ في هَذا المَوْضِعِ تَثْبِيتُ الدَّعْوى بِبُرْهانِها، فَكَأنَّهُ قالَ: قَدْ جِئْناكَ بِمُعْجِزَةٍ وبُرْهانٍ وحُجَّةٍ عَلى ما ادَّعَيْناهُ مِنَ الرِّسالَةِ وكَذَلِكَ ﴿قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٠٥] ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٤] ﴿أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ٣٠] انْتَهى. وقِيلَ: الآيَةُ اليَدُ. وقِيلَ: العَصا، والمَعْنى بِآيَةٍ تَشْهَدُ لَنا بِأنّا رَسُولا رَبِّكَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ فَصْلٌ لِلْكَلامِ، فالسَّلامُ بِمَعْنى التَّحِيَّةِ رَغِبا بِهِ عَنْهُ وجَرَيا عَلى العادَةِ في التَّسْلِيمِ عِنْدَ الفَراغِ (p-٢٤٧)مِنَ القَوْلِ، فَسَلَّما عَلى مُتَّبِعِي الهُدى وفي هَذا تَوْبِيخٌ لَهُ. وفي هَذا المَعْنى اسْتَعْمَلَ النّاسُ هَذِهِ الآيَةَ في مُخاطَباتِهِمْ ومُحاوَراتِهِمْ. وقِيلَ: هو مُدْرَجٌ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا﴾ فَيَكُونُ إذْ ذاكَ خَبَرًا بِسَلامَةِ المُهْتَدِينَ مِنَ العَذابِ. وقِيلَ (عَلى) بِمَعْنى اللّامِ، أيْ: والسَّلامَةُ (لِمَنِ اتَّبَعَ الهُدى) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وسَلامُ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم خَزَنَةُ الجَنَّةِ عَلى المُهْتَدِينَ، وتَوْبِيخُ خَزَنَةِ النّارِ والعَذابِ عَلى المُكَذِّبِينَ انْتَهى. وهو تَفْسِيرٌ غَرِيبٌ. وقَدْ، يُقالُ: السَّلامُ هُنا السَّلامَةُ مِنَ العَذابِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ وبُنِيَ (أُوحِيَ) لَمّا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، ولَمْ يَذْكُرِ المُوحى؛ لِأنَّ فِرْعَوْنَ كانَتْ لَهُ بادِرَةٌ فَرُبَّما صَدَرَ مِنهُ في حَقِّ المُوحِي ما لا يَلِيقُ بِهِ، والمَعْنى عَلى مَن كَذَّبَ الأنْبِياءَ وتَوَلّى عَنِ الإيمانِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ هَذِهِ أرْجى آيَةٍ في القُرْآنِ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ ما كَذَّبَ وتَوَلّى فَلا يَنالُهُ شَيْءٌ مِنَ العَذابِ. وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ فَأتَيا فِرْعَوْنَ وقالا لَهُ ما أمَرَهُما اللَّهُ أنْ يُبَلِّغاهُ قالَ: ﴿فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾ خاطَبَهُما مَعًا وأفْرَدَ بِالنِّداءِ مُوسى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إذْ كانَ صاحِبَ عِظَمِ الرِّسالَةِ وكَرِيمِ الآياتِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأنَّهُ الأصْلُ في النُّبُوَّةِ وهارُونُ وزِيرُهُ وتابِعُهُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَحْمِلَهُ خُبْثُهُ وذَعارَتُهُ عَلى اسْتِدْعاءِ كَلامِ مُوسى دُونَ كَلامِ أخِيهِ لِما عُرِفَ مِن فَصاحَةِ هارُونَ والرُّتَّةِ في لِسانِ مُوسى، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] انْتَهى. واسْتَبَدَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِجَوابِ فِرْعَوْنَ مِن حَيْثُ خَصَّهُ بِالسُّؤالِ والنِّداءِ مَعًا، ثُمَّ أعْلَمَهُ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى بِالصِّفَةِ الَّتِي لا شِرْكَ لِفِرْعَوْنَ فِيها ولا بِوَجْهِ مَجازٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولِلَّهِ دَرُّ هَذا الجَوابِ ما أخْصَرَهُ وما أجْمَعَهُ وما أبَيْنَهُ لِمَن ألْقى الذِّهْنَ ونَظَرَ بِعَيْنِ الإنْصافِ وكانَ طالِبًا لِلْحَقِّ. انْتَهى. والمَعْنى أعْطى كُلَّ ما خَلَقَ خِلْقَتَهُ وصُورَتَهُ عَلى ما يُناسِبُهُ مِنَ الإتْقانِ لَمْ يَجْعَلْ خَلْقَ الإنْسانِ في خَلْقِ البَهائِمِ، ولا خَلْقَ البَهائِمِ في خَلْقِ الإنْسانِ ولَكِنْ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا. وقالَ الشّاعِرُ: ؎ولَهُ في كُلِّ شَيْءٍ خِلْقَةٌ وكَذَلِكَ اللَّهُ ما شاءَ فَعَلْ وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وعَطِيَّةَ ومُقاتِلٍ، وقالَ الضَّحّاكُ (خَلْقَهُ) مِنَ المَنفَعَةِ المَنُوطَةِ بِهِ المُطابِقَةِ لَهُ ﴿ثُمَّ هَدى﴾، أيْ: يَسَّرَ كُلَّ شَيْءٍ لِمَنافِعِهِ ومَرافِقِهِ، فَأعْطى العَيْنَ الهَيْئَةَ الَّتِي تُطابِقُ الإبْصارَ، والأُذُنَ الشَّكْلَ الَّذِي يُوافِقُ الِاسْتِماعَ، وكَذَلِكَ الأنْفُ واليَدُ والرِّجْلُ واللِّسانُ كُلُّ واحِدٍ مِنها مُطابِقٌ لِما عُلِّقَ بِهِ مِنَ المَنفَعَةِ غَيْرُ نابٍ عَنْهُ. قالَ القُشَيْرِيُّ: والخَلْقُ المَخْلُوقُ؛ لِأنَّ البَطْشَ والمَشْيَ والرُّؤْيَةَ والنُّطْقَ مَعانٍ مَخْلُوقَةٌ أوْدَعَها اللَّهُ لِلْأعْضاءِ، وعَلى هَذا مَفْعُولُ (أعْطى) الأوَّلُ ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ والثّانِي (خَلْقَهُ) وكَذا في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ والسُّدِّيِّ وهو أنَّ المَعْنى ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ﴾ مَخْلُوقَهُ مِن جِنْسِهِ، أيْ: كُلَّ حَيَوانٍ ذَكَرٍ نَظِيرَهُ أُنْثى في الصُّورَةِ. فَلَمْ يُزاوِجْ مِنهُما غَيْرَ جِنْسِهِ، ثُمَّ هَداهُ إلى مَنكَحِهِ ومَطْعَمِهِ ومَشْرَبِهِ ومَسْكَنِهِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ هَداهُ إلى إلْفِهِ والِاجْتِماعِ بِهِ والمُناكَحَةِ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ﴾ صَلاحَهُ وهَداهُ لِما يُصْلِحُهُ. وقِيلَ: ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ هو المَفْعُولُ الثّانِي لِأعْطى و(خَلْقَهُ) المَفْعُولُ الأوَّلُ، أيْ: (أعْطى) خَلِيقَتَهُ ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ يَحْتاجُونَ إلَيْهِ ويَرْتَفِقُونَ بِهِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وأُناسٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبُو نَهِيكٍ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والأعْمَشُ والحَسَنُ ونُصَيْرٌ عَنِ الكِسائِيِّ، وابْنُ نُوحٍ عَنْ قُتَيْبَةَ وسَلّامٌ ﴿خَلْقَهُ﴾ بِفَتْحِ اللّامِ فِعْلًا ماضِيًا في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِكُلِّ شَيْءٍ أوْ لِشَيْءٍ، ومَفْعُولُ (أعْطى) الثّانِي حُذِفَ اقْتِصارًا، أيْ: ﴿كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ لَمْ يُخْلِهِ مِن عَطائِهِ وإنْعامِهِ ﴿ثُمَّ هَدى﴾، أيْ: عَرَفَ كَيْفَ يَرْتَفِقُ بِما أعْطى وكَيْفَ يَتَوَصَّلُ إلَيْهِ. وقِيلَ: حُذِفَ اخْتِصارًا لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، أيْ: ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ، وقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ كَمالَهُ أوْ مَصْلَحَتَهُ.

طه 20:47

﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى﴾ ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ ﴿فَأْتِياهُ فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهم قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿قالَ فَمَن رَبُّكُما يامُوسى﴾ ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ [طه: ٥١] ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ [طه: ٥٢] ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وسَلَكَ لَكم فِيها سُبُلًا وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ [طه: ٥٣] ﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكم إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ [طه: ٥٤] ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكم ومِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾ [طه: ٥٥] ﴿ولَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وأبى﴾ [طه: ٥٦] ﴿قالَ أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا بِسِحْرِكَ يامُوسى﴾ [طه: ٥٧] ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ ولا أنْتَ مَكانًا سُوًى﴾ [طه: ٥٨] ﴿قالَ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩] ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أتى﴾ [طه: ٦٠] ﴿قالَ لَهم مُوسى ويْلَكم لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكم بِعَذابٍ وقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى﴾ [طه: ٦١] ﴿فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهم وأسَرُّوا النَّجْوى﴾ [طه: ٦٢] ﴿قالُوا إنْ هَذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِما ويَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ المُثْلى﴾ [طه: ٦٣] ﴿فَأجْمِعُوا كَيْدَكم ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى﴾ [طه: ٦٤] ﴿قالُوا يامُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ أوَّلَ مَن ألْقى﴾ [طه: ٦٥] ﴿قالَ بَلْ ألْقُوا فَإذا حِبالُهم وعِصِيُّهم يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾ [طه: ٦٦] الوَنْيُ: الفُتُورُ، يُقالُ: ونِيَ يَنِي وهو فِعْلٌ لازِمٌ، وإذا عُدِّيَ فَبِعَنْ وبِفِي، وزَعَمَ بَعْضُ البَغْدادِيِّينَ أنَّهُ يَأْتِي فِعْلًا ناقِصًا مِن أخَواتِ ما زالَ وبِمَعْناها، واخْتارَهُ ابْنُ مالِكٍ وأنْشَدَ: ؎لا الخِبُّ شِيمَةَ الحُبِّ ما دامَ فَلا تَحْسَبَنَّهُ ذا ارْعِواءِ وقالُوا: امْرَأةٌ أنْآةٌ، أيْ: فاتِرَةٌ عَنِ النُّهُوضِ، أبْدَلُوا مِن واوِها هَمْزَةً عَلى غَيْرِ قِياسٍ. قالَ الشّاعِرُ:(p-٢٤٤) ؎فَما أنا بِالوانِي ولا الضَّرَعِ الغُمْرِ شَتَّ الأمْرُ شَتًّا وشَتاتًا تَفَرَّقَ، وأمْرٌ شَتٌّ مُتَفَرِّقٌ، وشَتّى فَعْلى مَنِ الشَّتِّ وألِفُهُ لِلتَّأْنِيثِ جَمْعُ شَتِيتٍ كَمَرِيضٍ ومَرْضى، ومَعْناهُ مُتَفَرِّقَةٌ، وشَتّانَ اسْمُ فاعِلٍ، سَحَتَ لُغَةُ الحِجازِ، وأسْحَتَ لُغَةُ نَجْدٍ وتَمِيمٍ، وأصْلُهُ اسْتِقْصاءُ الحَلْقِ لِلشِّعْرِ. وقالَ الفَرَزْدَقُ وهو تَمِيمِيٌّ: ؎وعَضُّ زَمانٍ يابْنَ مَرْوانَ لَمْ يَكُ ∗∗∗ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتٌ أوْ مُجَلَّفُ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الإهْلاكِ والإذْهابِ. الخَيْبَةُ: عَدَمُ الظَّفَرِ بِالمَطْلُوبِ. الصَّفُّ: مَوْضِعُ المَجْمَعِ قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وسُمِّيَ المُصَلّى الصَّفَّ وعَنْ بَعْضِ العَرَبِ الفُصَحاءِ ما اسْتَطَعْتُ أنْ آتِيَ الصَّفَّ، أيِ: المُصَلّى، وقَدْ يَكُونُ مَصْدَرًا، ويُقالُ جاءُوا صَفًّا، أيْ: مُصْطَفِّينَ. التَّخْيِيلُ: إبْداءُ أمْرٍ لا حَقِيقَةَ لَهُ، ومِنهُ الخَيالُ وهو الطَّيْفُ الطّارِقُ في النَّوْمِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎ألا يا لَقَوْمِي لِلْخَيالِ المُشَوِّقِ ∗∗∗ ولِلدّارِ تَنْأى بِالحَبِيبِ ونَلْتَقِي ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى﴾ ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ ﴿فَأْتِياهُ فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهم قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿قالَ فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾ ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ [طه: ٥١] ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ [طه: ٥٢] . (p-٢٤٥)أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِالذَّهابِ إلى فِرْعَوْنَ فَلَمّا دَعا رَبَّهُ وطَلَبَ مِنهُ أشْياءَ كانَ فِيها أنْ يُشْرِكَ أخاهُ هارُونَ فَذَكَرَ اللَّهُ أنَّهُ آتاهُ سُؤْلَهُ وكانَ مِنهُ إشْراكُ أخِيهِ، فَأمَرَهُ هُنا وأخاهُ بِالذَّهابِ و﴿أخُوكَ﴾ [يوسف: ٦٩] مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ﴾ في سُورَةِ المائِدَةِ، وقَوْلُ بَعْضِ النُّحاةِ، أنَّ (ورَبُّكَ) مَرْفُوعٌ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: ولْيَذْهَبْ رَبُّكَ وذَلِكَ البَحْثُ جارٍ هُنا. ورُوِيَ أنَّ اللَّهَ أوْحى إلى هارُونَ وهو بِمِصْرَ أنْ يَتَلَقّى مُوسى. وقِيلَ: سَمِعَ بِمَقْدَمِهِ. وقِيلَ: أُلْهِمَ ذَلِكَ وظاهِرُ (بِآياتِي) الجَمْعُ. فَقِيلَ: هي العَصا، واليَدُ، وعُقْدَةُ لِسانِهِ. وقِيلَ: اليَدُ، والعَصا. وقَدْ يُطْلَقُ الجَمْعُ عَلى المُثَنّى وهُما اللَّتانِ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُما؛ ولِذَلِكَ لَمّا قالَ: (فَأْتِ بِآيَةٍ)، ألْقى العَصا ونَزَعَ اليَدَ، وقالَ: فَذانِكَ بُرْهانانِ. وقِيلَ العَصا مُشْتَمِلَةٌ عَلى آياتِ انْقِلابِها حَيَوانًا، ثُمَّ في أوَّلِ الأمْرِ كانَتْ صَغِيرَةً ثُمَّ عَظُمَتْ حَتّى صارَتْ ثُعْبانًا، ثُمَّ إدْخالُ مُوسى يَدَهُ في فَمِها فَلا تَضُرُّهُ. وقِيلَ: ما أُعْطِيَ مِن مُعْجِزَةٍ ووَحْيٍ. ﴿ولا تَنِيا﴾، أيْ: لا تَضْعُفا ولا تَقْصُرا. وقِيلَ: تَنْسِيانِي ولا أزالُ مِنكُما عَلى ذِكْرٍ حَيْثُما تَقَلَّبْتُما، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالذِّكْرِ تَبْلِيغُ الرِّسالَةِ فَإنَّ الذِّكْرَ يَقَعُ عَلى سائِرِ العِباداتِ، وتَبْلِيغُ الرِّسالَةِ مِن أجَلِّها وأعْظَمِها، فَكانَ جَدِيرًا أنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ الذِّكْرِ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: ولا تِنِيا بِكَسْرِ التّاءِ إتْباعًا لِحَرَكَةِ النُّونِ. وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ ولا تَهِنا، أيْ: ولا تَلِنا مِن قَوْلِهِمْ هَيِّنٌ لَيِّنٌ، ولَمّا حَذَفَ مَن يَذْهَبُ إلَيْهِ في الأمْرِ قَبْلَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ في هَذا الأمْرِ الثّانِي. فَقِيلَ: ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ﴾، أيْ: بِالرِّسالَةِ وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُما أُمِرا بِالذَّهابِ أوَّلًا إلى النّاسِ وثانِيًا إلى فِرْعَوْنَ، فَكَرَّرَ الأمْرَ بِالذَّهابِ لِاخْتِلافِ المُتَعَلِّقِ، ونَبَّهَ عَلى سَبَبِ الذَّهابِ إلَيْهِ بِالرِّسالَةِ مِن عِنْدِهِ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّهُ طَغى﴾ [طه: ٢٤]، أيْ: تَجاوَزَ الحَدَّ في الفَسادِ ودَعَواهُ الرُّبُوبِيَّةَ والإلَهِيَّةَ مِن دُونِ اللَّهِ. والقَوْلُ اللَّيِّنُ هو مِثْلُ ما في النّازِعاتِ ﴿هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى وأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ [النازعات: ١٨] وهَذا مِن لَطِيفِ الكَلامِ إذْ أبْرَزَ ذَلِكَ في صُورَةِ الِاسْتِفْهامِ والمَشُورَةِ والعَرْضِ لِما فِيهِ مِنَ الفَوْزِ العَظِيمِ، وقِيلَ: عَدّاهُ شَبابًا لا يَهْرَمُ بَعْدَهُ ومُلْكًا لا يُنْزَعُ مِنهُ إلّا بِالمَوْتِ وأنْ يَبْقى لَهُ لَذَّةُ المَطْعَمِ والمَشْرَبِ والمَنكَحِ إلى حِينِ مَوْتِهِ. وقِيلَ: لا تُجِبْهاهُ بِما يَكْرَهُ وألْطِفا لَهُ في القَوْلِ لِما لَهُ مِن حَقِّ تَرْبِيَةِ مُوسى. وقِيلَ: كَنَّياهُ وهو ذُو الكُنى الأرْبَعِ أبُو مُرَّةَ، وأبُو مُصْعَبٍ، وأبُو الوَلِيدِ، وأبُو العَبّاسِ. وقِيلَ: القَوْلُ اللَّيِّنُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، ولِينُها خِفَّتُها عَلى اللِّسانِ. وقالَ الحَسَنُ: هو قَوْلُهُما إنَّ لَكَ رَبًّا وإنَّ لَكَ مَعادًا وإنَّ بَيْنَ يَدَيْكَ جَنَّةً ونارًا فَآمِن بِاللَّهِ يُدْخِلْكَ الجَنَّةَ ويَقِكَ عَذابَ النّارِ. وقِيلَ: أمَرَهُما تَعالى أنْ يُقَدِّما المَواعِيدَ عَلى الوَعِيدِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎أقْدِمْ بِالوَعْدِ قَبْلَ الوَعِيدِ ∗∗∗ لِيَنْهى القَبائِلَ جُهّالُها وقِيلَ: حِينَ عَرَضَ عَلَيْهِ مُوسى وهارُونُ - عَلَيْهِما السَّلامُ - ما عَرَضا، شاوَرَ آسِيَةَ فَقالَتْ: ما يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنَّ يَرُدَّ هَذا، فَشاوَرَ هامانَ وكانَ لا يَبُتُّ أمْرًا دُونَ رَأْيِهِ، فَقالَ لَهُ: كُنْتُ أعْتَقِدُ أنَّكَ ذُو عَقْلٍ ! تَكُونُ مالِكًا فَتَصِيرُ مَمْلُوكًا ورَبًّا فَتَصِيرُ مَرْبُوبًا ! فامْتَنَعَ مِن قَبُولِ ما عَرَضَ عَلَيْهِ مُوسى، والتَّرَجِّي بِالنِّسْبَةِ لَهُما إذْ هو مُسْتَحِيلٌ وُقُوعُهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أيِ: اذْهَبا عَلى رَجائِكُما وطَمَعِكُما وباشِرا الأمْرَ مُباشَرَةَ مَن يَرْجُو ويَطْمَعُ أنْ يُثْمِرَ عَمَلُهُ ولا يَخِيبَ سَعْيُهُ، وفائِدَةُ إرْسالِهِما مَعَ عِلْمِهِ تَعالى أنَّهُ لا يُؤْمِنُ إقامَةُ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، وإزالَةُ (p-٢٤٦)المَعْذِرَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ﴾ [طه: ١٣٤] الآيَةَ. وقِيلَ: القَوْلُ اللَّيِّنُ ما حَكاهُ اللَّهُ هُنا وهو ﴿فَأْتِياهُ فَقَوْلا إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ وقالَ أبُو مُعاذٍ: ﴿قَوْلًا لَيِّنًا﴾ وقالَ الفَرّاءُ لَعَلَّ هُنا بِمَعْنى كَيْ، أيْ: كَيْ يَتَذَكَّرَ أوْ يَخْشى، كَما تَقُولُ: اعْمَلْ لَعَلَّكَ تَأْخُذُ أجْرَكَ، أيْ: كَيْ تَأْخُذَ أجْرَكَ. وقِيلَ: لَعَلَّ هُنا اسْتِفْهامٌ، أيْ: هَلْ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى ؟، والصَّحِيحُ أنَّها عَلى بابِها مِنَ التَّرَجِّي وذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى البَشَرِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ شاكًّا في اللَّهِ. وقِيلَ: (يَتَذَكَّرُ) حالَهُ حِينَ احْتُبِسَ النِّيلُ فَسارَ إلى شاطِئِهِ وأبْعَدَ وخَرَّ ساجِدًا لِلَّهِ راغِبًا أنْ لا يُخْجِلَهُ، ثُمَّ رَكِبَ فَأخَذَ النِّيلُ يَتْبَعُ حافِرَ فَرَسِهِ فَرَجا أنْ يَتَذَكَّرَ حِلْمَ اللَّهِ وكَرَمَهُ وأنْ يَحْذَرَ مِن عَذابِ اللَّهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: (يَتَذَكَّرُ) ويَتَأمَّلُ فَيَبْذُلُ النَّصَفَةَ مِن نَفْسِهِ والإذْعانَ لِلْحَقِّ ﴿أوْ يَخْشى﴾ أنْ يَكُونَ الأمْرُ كَما يَصِفانِ فَيَجُرُّهُ إنْكارُهُ إلى الهَلَكَةِ. فَرَطَ سَبَقَ وتَقَدَّمَ ومِنهُ الفارِطُ الَّذِي يَتَقَدَّمُ الوارِدَةَ وفَرَسٌ فَرْطٌ تَسْبِقُ الخَيْلَ. انْتَهى. وقالَ الشّاعِرُ: ؎واسْتَعْجَلُونا وكانُوا مِن صَحابَتِنا ∗∗∗ كَما تَقَدَّمَ فارِطُ الوُرّادِ وفِي الحَدِيثِ: «أنا فَرَطُكم عَلى الحَوْضِ» .، أيْ: مُتَقَدِّمُكم وسابِقُكم، والمَعْنى إنَّنا نَخافُ أنْ يُعَجَّلَ عَلَيْنا بِالعُقُوبَةِ ويُبادِرَنا بِها. وقَرَأ يَحْيى وأبُو نَوْفَلٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ في رِوايَتِهِ ﴿أنْ يُفْرَطَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ: يُسْبَقَ في العُقُوبَةِ ويُسْرَعَ بِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الإفْراطِ ومُجاوَزَةِ الحَدِّ في العُقُوبَةِ، خافا أنْ يَحْمِلَهُ حامِلٌ عَلى المُعاجَلَةِ بِالعَذابِ مِن شَيْطانٍ، أوْ مِن جَبَرُوتِهِ واسْتِكْبارِهِ وادِّعائِهِ الرُّبُوبِيَّةَ، أوْ مِن حُبِّهِ الرِّياسَةَ، أوْ مِن قَوْمِهِ القِبْطِ المُتَمَرِّدِينَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ [الأعراف: ١٠٩] ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ﴾ [المؤمنون: ٣٣] . وقَرَأتْ فِرْقَةٌ والزَّعْفَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ: (يُفْرِطَ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الرّاءِ مِنَ الإفْراطِ في الأذِيَّةِ ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾ في التَّخَطِّي إلى أنْ يَقُولَ فِيكَ ما لا يَنْبَغِي تَجْرِئَةً عَلَيْكَ وقَسْوَةَ قَلْبِهِ، وفي المَجِيءِ بِهِ هَكَذا عَلى سَبِيلِ الإطْلاقِ والرَّمْزِ بابٌ مِن حُسْنِ الأدَبِ والتَّجافِي عَنِ التَّفَوُّهِ بِالعَظِيمَةِ. والمَعِيَّةُ هُنا بِالنُّصْرَةِ والعَوْنِ أسْمَعُ أقْوالَكُما وأرى أفْعالَكُما. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿أسْمَعُ﴾ جَوابَهُ لَكُما ﴿وأرى﴾ ما يَفْعَلُ بِكُما، وهُما كِنايَةٌ عَنِ العِلْمِ ﴿فَأْتِياهُ﴾ كَرَّرَ الأمْرَ بِالإتْيانِ ﴿فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ وخاطَباهُ بِقَوْلِهِما (رَبِّكَ) تَحْقِيرًا لَهُ وإعْلامًا أنَّهُ مَرْبُوبٌ مَمْلُوكٌ إذْ كانَ هو يَدَّعِي الرُّبُوبِيَّةَ. وأُمِرا بِدَعْوَتِهِ إلى أنْ يَبْعَثَ مَعَهُما بَنِي إسْرائِيلَ ويُخْرِجَهم مِن ذُلِّ خِدْمَةِ القِبْطِ، وكانُوا يُعَذِّبُونَهم بِتَكْلِيفِ الأعْمالِ الشّاقَّةِ مِنَ الحَفْرِ والبِناءِ ونَقْلِ الحِجارَةِ والسُّخْرَةِ في كُلِّ شَيْءٍ مَعَ قَتْلِ الوِلْدانِ واسْتِخْدامِ النِّساءِ. وقَدْ ذُكِرَ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ دُعاؤُهُ إلى الإيمانِ فَجُمْلَةُ ما دُعِيَ إلَيْهِ فِرْعَوْنُ الإيمانُ وإرْسالُ بَنِي إسْرائِيلَ. * * ثُمَّ ذَكَرا ما يَدُلُّ عَلى صِدْقِهِما في إرْسالِهِما إلَيْهِ فَقالا ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾ وتَكَرَّرَ أيْضًا قَوْلُهُما ﴿مِن رَبِّكَ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ بِأنَّهُ مَرْبُوبٌ مَقْهُورٌ، والآيَةُ الَّتِي أحالا عَلَيْها هي العَصا واليَدُ، ولَمّا كانا مُشْتَرِكَيْنِ في الرِّسالَةِ صَحَّ نِسْبَةُ المَجِيءِ بِالآيَةِ إلَيْهِما وإنْ كانَتْ صادِرَةً مِن أحَدِهِما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾ جارِيَةٌ مِنَ الجُمْلَةِ الأُولى وهي ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ مَجْرى البَيانِ والتَّفْسِيرِ؛ لِأنَّ دَعْوى الرِّسالَةِ لا تَثْبُتُ إلّا بِبَيِّنَتِها الَّتِي هي المَجِيءُ بِالآيَةِ، وإنَّما وحَّدَ بِآيَةٍ ولَمْ يُثَنِّ ومَعَهُ آيَتانِ؛ لِأنَّ المُرادَ في هَذا المَوْضِعِ تَثْبِيتُ الدَّعْوى بِبُرْهانِها، فَكَأنَّهُ قالَ: قَدْ جِئْناكَ بِمُعْجِزَةٍ وبُرْهانٍ وحُجَّةٍ عَلى ما ادَّعَيْناهُ مِنَ الرِّسالَةِ وكَذَلِكَ ﴿قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٠٥] ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٤] ﴿أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ٣٠] انْتَهى. وقِيلَ: الآيَةُ اليَدُ. وقِيلَ: العَصا، والمَعْنى بِآيَةٍ تَشْهَدُ لَنا بِأنّا رَسُولا رَبِّكَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ فَصْلٌ لِلْكَلامِ، فالسَّلامُ بِمَعْنى التَّحِيَّةِ رَغِبا بِهِ عَنْهُ وجَرَيا عَلى العادَةِ في التَّسْلِيمِ عِنْدَ الفَراغِ (p-٢٤٧)مِنَ القَوْلِ، فَسَلَّما عَلى مُتَّبِعِي الهُدى وفي هَذا تَوْبِيخٌ لَهُ. وفي هَذا المَعْنى اسْتَعْمَلَ النّاسُ هَذِهِ الآيَةَ في مُخاطَباتِهِمْ ومُحاوَراتِهِمْ. وقِيلَ: هو مُدْرَجٌ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا﴾ فَيَكُونُ إذْ ذاكَ خَبَرًا بِسَلامَةِ المُهْتَدِينَ مِنَ العَذابِ. وقِيلَ (عَلى) بِمَعْنى اللّامِ، أيْ: والسَّلامَةُ (لِمَنِ اتَّبَعَ الهُدى) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وسَلامُ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم خَزَنَةُ الجَنَّةِ عَلى المُهْتَدِينَ، وتَوْبِيخُ خَزَنَةِ النّارِ والعَذابِ عَلى المُكَذِّبِينَ انْتَهى. وهو تَفْسِيرٌ غَرِيبٌ. وقَدْ، يُقالُ: السَّلامُ هُنا السَّلامَةُ مِنَ العَذابِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ وبُنِيَ (أُوحِيَ) لَمّا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، ولَمْ يَذْكُرِ المُوحى؛ لِأنَّ فِرْعَوْنَ كانَتْ لَهُ بادِرَةٌ فَرُبَّما صَدَرَ مِنهُ في حَقِّ المُوحِي ما لا يَلِيقُ بِهِ، والمَعْنى عَلى مَن كَذَّبَ الأنْبِياءَ وتَوَلّى عَنِ الإيمانِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ هَذِهِ أرْجى آيَةٍ في القُرْآنِ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ ما كَذَّبَ وتَوَلّى فَلا يَنالُهُ شَيْءٌ مِنَ العَذابِ. وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ فَأتَيا فِرْعَوْنَ وقالا لَهُ ما أمَرَهُما اللَّهُ أنْ يُبَلِّغاهُ قالَ: ﴿فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾ خاطَبَهُما مَعًا وأفْرَدَ بِالنِّداءِ مُوسى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إذْ كانَ صاحِبَ عِظَمِ الرِّسالَةِ وكَرِيمِ الآياتِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأنَّهُ الأصْلُ في النُّبُوَّةِ وهارُونُ وزِيرُهُ وتابِعُهُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَحْمِلَهُ خُبْثُهُ وذَعارَتُهُ عَلى اسْتِدْعاءِ كَلامِ مُوسى دُونَ كَلامِ أخِيهِ لِما عُرِفَ مِن فَصاحَةِ هارُونَ والرُّتَّةِ في لِسانِ مُوسى، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] انْتَهى. واسْتَبَدَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِجَوابِ فِرْعَوْنَ مِن حَيْثُ خَصَّهُ بِالسُّؤالِ والنِّداءِ مَعًا، ثُمَّ أعْلَمَهُ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى بِالصِّفَةِ الَّتِي لا شِرْكَ لِفِرْعَوْنَ فِيها ولا بِوَجْهِ مَجازٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولِلَّهِ دَرُّ هَذا الجَوابِ ما أخْصَرَهُ وما أجْمَعَهُ وما أبَيْنَهُ لِمَن ألْقى الذِّهْنَ ونَظَرَ بِعَيْنِ الإنْصافِ وكانَ طالِبًا لِلْحَقِّ. انْتَهى. والمَعْنى أعْطى كُلَّ ما خَلَقَ خِلْقَتَهُ وصُورَتَهُ عَلى ما يُناسِبُهُ مِنَ الإتْقانِ لَمْ يَجْعَلْ خَلْقَ الإنْسانِ في خَلْقِ البَهائِمِ، ولا خَلْقَ البَهائِمِ في خَلْقِ الإنْسانِ ولَكِنْ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا. وقالَ الشّاعِرُ: ؎ولَهُ في كُلِّ شَيْءٍ خِلْقَةٌ وكَذَلِكَ اللَّهُ ما شاءَ فَعَلْ وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وعَطِيَّةَ ومُقاتِلٍ، وقالَ الضَّحّاكُ (خَلْقَهُ) مِنَ المَنفَعَةِ المَنُوطَةِ بِهِ المُطابِقَةِ لَهُ ﴿ثُمَّ هَدى﴾، أيْ: يَسَّرَ كُلَّ شَيْءٍ لِمَنافِعِهِ ومَرافِقِهِ، فَأعْطى العَيْنَ الهَيْئَةَ الَّتِي تُطابِقُ الإبْصارَ، والأُذُنَ الشَّكْلَ الَّذِي يُوافِقُ الِاسْتِماعَ، وكَذَلِكَ الأنْفُ واليَدُ والرِّجْلُ واللِّسانُ كُلُّ واحِدٍ مِنها مُطابِقٌ لِما عُلِّقَ بِهِ مِنَ المَنفَعَةِ غَيْرُ نابٍ عَنْهُ. قالَ القُشَيْرِيُّ: والخَلْقُ المَخْلُوقُ؛ لِأنَّ البَطْشَ والمَشْيَ والرُّؤْيَةَ والنُّطْقَ مَعانٍ مَخْلُوقَةٌ أوْدَعَها اللَّهُ لِلْأعْضاءِ، وعَلى هَذا مَفْعُولُ (أعْطى) الأوَّلُ ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ والثّانِي (خَلْقَهُ) وكَذا في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ والسُّدِّيِّ وهو أنَّ المَعْنى ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ﴾ مَخْلُوقَهُ مِن جِنْسِهِ، أيْ: كُلَّ حَيَوانٍ ذَكَرٍ نَظِيرَهُ أُنْثى في الصُّورَةِ. فَلَمْ يُزاوِجْ مِنهُما غَيْرَ جِنْسِهِ، ثُمَّ هَداهُ إلى مَنكَحِهِ ومَطْعَمِهِ ومَشْرَبِهِ ومَسْكَنِهِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ هَداهُ إلى إلْفِهِ والِاجْتِماعِ بِهِ والمُناكَحَةِ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ﴾ صَلاحَهُ وهَداهُ لِما يُصْلِحُهُ. وقِيلَ: ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ هو المَفْعُولُ الثّانِي لِأعْطى و(خَلْقَهُ) المَفْعُولُ الأوَّلُ، أيْ: (أعْطى) خَلِيقَتَهُ ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ يَحْتاجُونَ إلَيْهِ ويَرْتَفِقُونَ بِهِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وأُناسٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبُو نَهِيكٍ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والأعْمَشُ والحَسَنُ ونُصَيْرٌ عَنِ الكِسائِيِّ، وابْنُ نُوحٍ عَنْ قُتَيْبَةَ وسَلّامٌ ﴿خَلْقَهُ﴾ بِفَتْحِ اللّامِ فِعْلًا ماضِيًا في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِكُلِّ شَيْءٍ أوْ لِشَيْءٍ، ومَفْعُولُ (أعْطى) الثّانِي حُذِفَ اقْتِصارًا، أيْ: ﴿كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ لَمْ يُخْلِهِ مِن عَطائِهِ وإنْعامِهِ ﴿ثُمَّ هَدى﴾، أيْ: عَرَفَ كَيْفَ يَرْتَفِقُ بِما أعْطى وكَيْفَ يَتَوَصَّلُ إلَيْهِ. وقِيلَ: حُذِفَ اخْتِصارًا لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، أيْ: ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ، وقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ كَمالَهُ أوْ مَصْلَحَتَهُ.

طه 20:48

﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى﴾ ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ ﴿فَأْتِياهُ فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهم قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿قالَ فَمَن رَبُّكُما يامُوسى﴾ ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ [طه: ٥١] ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ [طه: ٥٢] ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وسَلَكَ لَكم فِيها سُبُلًا وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ [طه: ٥٣] ﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكم إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ [طه: ٥٤] ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكم ومِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾ [طه: ٥٥] ﴿ولَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وأبى﴾ [طه: ٥٦] ﴿قالَ أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا بِسِحْرِكَ يامُوسى﴾ [طه: ٥٧] ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ ولا أنْتَ مَكانًا سُوًى﴾ [طه: ٥٨] ﴿قالَ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩] ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أتى﴾ [طه: ٦٠] ﴿قالَ لَهم مُوسى ويْلَكم لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكم بِعَذابٍ وقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى﴾ [طه: ٦١] ﴿فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهم وأسَرُّوا النَّجْوى﴾ [طه: ٦٢] ﴿قالُوا إنْ هَذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِما ويَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ المُثْلى﴾ [طه: ٦٣] ﴿فَأجْمِعُوا كَيْدَكم ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى﴾ [طه: ٦٤] ﴿قالُوا يامُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ أوَّلَ مَن ألْقى﴾ [طه: ٦٥] ﴿قالَ بَلْ ألْقُوا فَإذا حِبالُهم وعِصِيُّهم يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾ [طه: ٦٦] الوَنْيُ: الفُتُورُ، يُقالُ: ونِيَ يَنِي وهو فِعْلٌ لازِمٌ، وإذا عُدِّيَ فَبِعَنْ وبِفِي، وزَعَمَ بَعْضُ البَغْدادِيِّينَ أنَّهُ يَأْتِي فِعْلًا ناقِصًا مِن أخَواتِ ما زالَ وبِمَعْناها، واخْتارَهُ ابْنُ مالِكٍ وأنْشَدَ: ؎لا الخِبُّ شِيمَةَ الحُبِّ ما دامَ فَلا تَحْسَبَنَّهُ ذا ارْعِواءِ وقالُوا: امْرَأةٌ أنْآةٌ، أيْ: فاتِرَةٌ عَنِ النُّهُوضِ، أبْدَلُوا مِن واوِها هَمْزَةً عَلى غَيْرِ قِياسٍ. قالَ الشّاعِرُ:(p-٢٤٤) ؎فَما أنا بِالوانِي ولا الضَّرَعِ الغُمْرِ شَتَّ الأمْرُ شَتًّا وشَتاتًا تَفَرَّقَ، وأمْرٌ شَتٌّ مُتَفَرِّقٌ، وشَتّى فَعْلى مَنِ الشَّتِّ وألِفُهُ لِلتَّأْنِيثِ جَمْعُ شَتِيتٍ كَمَرِيضٍ ومَرْضى، ومَعْناهُ مُتَفَرِّقَةٌ، وشَتّانَ اسْمُ فاعِلٍ، سَحَتَ لُغَةُ الحِجازِ، وأسْحَتَ لُغَةُ نَجْدٍ وتَمِيمٍ، وأصْلُهُ اسْتِقْصاءُ الحَلْقِ لِلشِّعْرِ. وقالَ الفَرَزْدَقُ وهو تَمِيمِيٌّ: ؎وعَضُّ زَمانٍ يابْنَ مَرْوانَ لَمْ يَكُ ∗∗∗ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتٌ أوْ مُجَلَّفُ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الإهْلاكِ والإذْهابِ. الخَيْبَةُ: عَدَمُ الظَّفَرِ بِالمَطْلُوبِ. الصَّفُّ: مَوْضِعُ المَجْمَعِ قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وسُمِّيَ المُصَلّى الصَّفَّ وعَنْ بَعْضِ العَرَبِ الفُصَحاءِ ما اسْتَطَعْتُ أنْ آتِيَ الصَّفَّ، أيِ: المُصَلّى، وقَدْ يَكُونُ مَصْدَرًا، ويُقالُ جاءُوا صَفًّا، أيْ: مُصْطَفِّينَ. التَّخْيِيلُ: إبْداءُ أمْرٍ لا حَقِيقَةَ لَهُ، ومِنهُ الخَيالُ وهو الطَّيْفُ الطّارِقُ في النَّوْمِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎ألا يا لَقَوْمِي لِلْخَيالِ المُشَوِّقِ ∗∗∗ ولِلدّارِ تَنْأى بِالحَبِيبِ ونَلْتَقِي ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى﴾ ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ ﴿فَأْتِياهُ فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهم قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿قالَ فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾ ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ [طه: ٥١] ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ [طه: ٥٢] . (p-٢٤٥)أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِالذَّهابِ إلى فِرْعَوْنَ فَلَمّا دَعا رَبَّهُ وطَلَبَ مِنهُ أشْياءَ كانَ فِيها أنْ يُشْرِكَ أخاهُ هارُونَ فَذَكَرَ اللَّهُ أنَّهُ آتاهُ سُؤْلَهُ وكانَ مِنهُ إشْراكُ أخِيهِ، فَأمَرَهُ هُنا وأخاهُ بِالذَّهابِ و﴿أخُوكَ﴾ [يوسف: ٦٩] مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ﴾ في سُورَةِ المائِدَةِ، وقَوْلُ بَعْضِ النُّحاةِ، أنَّ (ورَبُّكَ) مَرْفُوعٌ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: ولْيَذْهَبْ رَبُّكَ وذَلِكَ البَحْثُ جارٍ هُنا. ورُوِيَ أنَّ اللَّهَ أوْحى إلى هارُونَ وهو بِمِصْرَ أنْ يَتَلَقّى مُوسى. وقِيلَ: سَمِعَ بِمَقْدَمِهِ. وقِيلَ: أُلْهِمَ ذَلِكَ وظاهِرُ (بِآياتِي) الجَمْعُ. فَقِيلَ: هي العَصا، واليَدُ، وعُقْدَةُ لِسانِهِ. وقِيلَ: اليَدُ، والعَصا. وقَدْ يُطْلَقُ الجَمْعُ عَلى المُثَنّى وهُما اللَّتانِ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُما؛ ولِذَلِكَ لَمّا قالَ: (فَأْتِ بِآيَةٍ)، ألْقى العَصا ونَزَعَ اليَدَ، وقالَ: فَذانِكَ بُرْهانانِ. وقِيلَ العَصا مُشْتَمِلَةٌ عَلى آياتِ انْقِلابِها حَيَوانًا، ثُمَّ في أوَّلِ الأمْرِ كانَتْ صَغِيرَةً ثُمَّ عَظُمَتْ حَتّى صارَتْ ثُعْبانًا، ثُمَّ إدْخالُ مُوسى يَدَهُ في فَمِها فَلا تَضُرُّهُ. وقِيلَ: ما أُعْطِيَ مِن مُعْجِزَةٍ ووَحْيٍ. ﴿ولا تَنِيا﴾، أيْ: لا تَضْعُفا ولا تَقْصُرا. وقِيلَ: تَنْسِيانِي ولا أزالُ مِنكُما عَلى ذِكْرٍ حَيْثُما تَقَلَّبْتُما، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالذِّكْرِ تَبْلِيغُ الرِّسالَةِ فَإنَّ الذِّكْرَ يَقَعُ عَلى سائِرِ العِباداتِ، وتَبْلِيغُ الرِّسالَةِ مِن أجَلِّها وأعْظَمِها، فَكانَ جَدِيرًا أنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ الذِّكْرِ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: ولا تِنِيا بِكَسْرِ التّاءِ إتْباعًا لِحَرَكَةِ النُّونِ. وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ ولا تَهِنا، أيْ: ولا تَلِنا مِن قَوْلِهِمْ هَيِّنٌ لَيِّنٌ، ولَمّا حَذَفَ مَن يَذْهَبُ إلَيْهِ في الأمْرِ قَبْلَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ في هَذا الأمْرِ الثّانِي. فَقِيلَ: ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ﴾، أيْ: بِالرِّسالَةِ وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُما أُمِرا بِالذَّهابِ أوَّلًا إلى النّاسِ وثانِيًا إلى فِرْعَوْنَ، فَكَرَّرَ الأمْرَ بِالذَّهابِ لِاخْتِلافِ المُتَعَلِّقِ، ونَبَّهَ عَلى سَبَبِ الذَّهابِ إلَيْهِ بِالرِّسالَةِ مِن عِنْدِهِ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّهُ طَغى﴾ [طه: ٢٤]، أيْ: تَجاوَزَ الحَدَّ في الفَسادِ ودَعَواهُ الرُّبُوبِيَّةَ والإلَهِيَّةَ مِن دُونِ اللَّهِ. والقَوْلُ اللَّيِّنُ هو مِثْلُ ما في النّازِعاتِ ﴿هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى وأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ [النازعات: ١٨] وهَذا مِن لَطِيفِ الكَلامِ إذْ أبْرَزَ ذَلِكَ في صُورَةِ الِاسْتِفْهامِ والمَشُورَةِ والعَرْضِ لِما فِيهِ مِنَ الفَوْزِ العَظِيمِ، وقِيلَ: عَدّاهُ شَبابًا لا يَهْرَمُ بَعْدَهُ ومُلْكًا لا يُنْزَعُ مِنهُ إلّا بِالمَوْتِ وأنْ يَبْقى لَهُ لَذَّةُ المَطْعَمِ والمَشْرَبِ والمَنكَحِ إلى حِينِ مَوْتِهِ. وقِيلَ: لا تُجِبْهاهُ بِما يَكْرَهُ وألْطِفا لَهُ في القَوْلِ لِما لَهُ مِن حَقِّ تَرْبِيَةِ مُوسى. وقِيلَ: كَنَّياهُ وهو ذُو الكُنى الأرْبَعِ أبُو مُرَّةَ، وأبُو مُصْعَبٍ، وأبُو الوَلِيدِ، وأبُو العَبّاسِ. وقِيلَ: القَوْلُ اللَّيِّنُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، ولِينُها خِفَّتُها عَلى اللِّسانِ. وقالَ الحَسَنُ: هو قَوْلُهُما إنَّ لَكَ رَبًّا وإنَّ لَكَ مَعادًا وإنَّ بَيْنَ يَدَيْكَ جَنَّةً ونارًا فَآمِن بِاللَّهِ يُدْخِلْكَ الجَنَّةَ ويَقِكَ عَذابَ النّارِ. وقِيلَ: أمَرَهُما تَعالى أنْ يُقَدِّما المَواعِيدَ عَلى الوَعِيدِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎أقْدِمْ بِالوَعْدِ قَبْلَ الوَعِيدِ ∗∗∗ لِيَنْهى القَبائِلَ جُهّالُها وقِيلَ: حِينَ عَرَضَ عَلَيْهِ مُوسى وهارُونُ - عَلَيْهِما السَّلامُ - ما عَرَضا، شاوَرَ آسِيَةَ فَقالَتْ: ما يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنَّ يَرُدَّ هَذا، فَشاوَرَ هامانَ وكانَ لا يَبُتُّ أمْرًا دُونَ رَأْيِهِ، فَقالَ لَهُ: كُنْتُ أعْتَقِدُ أنَّكَ ذُو عَقْلٍ ! تَكُونُ مالِكًا فَتَصِيرُ مَمْلُوكًا ورَبًّا فَتَصِيرُ مَرْبُوبًا ! فامْتَنَعَ مِن قَبُولِ ما عَرَضَ عَلَيْهِ مُوسى، والتَّرَجِّي بِالنِّسْبَةِ لَهُما إذْ هو مُسْتَحِيلٌ وُقُوعُهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أيِ: اذْهَبا عَلى رَجائِكُما وطَمَعِكُما وباشِرا الأمْرَ مُباشَرَةَ مَن يَرْجُو ويَطْمَعُ أنْ يُثْمِرَ عَمَلُهُ ولا يَخِيبَ سَعْيُهُ، وفائِدَةُ إرْسالِهِما مَعَ عِلْمِهِ تَعالى أنَّهُ لا يُؤْمِنُ إقامَةُ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، وإزالَةُ (p-٢٤٦)المَعْذِرَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ﴾ [طه: ١٣٤] الآيَةَ. وقِيلَ: القَوْلُ اللَّيِّنُ ما حَكاهُ اللَّهُ هُنا وهو ﴿فَأْتِياهُ فَقَوْلا إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ وقالَ أبُو مُعاذٍ: ﴿قَوْلًا لَيِّنًا﴾ وقالَ الفَرّاءُ لَعَلَّ هُنا بِمَعْنى كَيْ، أيْ: كَيْ يَتَذَكَّرَ أوْ يَخْشى، كَما تَقُولُ: اعْمَلْ لَعَلَّكَ تَأْخُذُ أجْرَكَ، أيْ: كَيْ تَأْخُذَ أجْرَكَ. وقِيلَ: لَعَلَّ هُنا اسْتِفْهامٌ، أيْ: هَلْ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى ؟، والصَّحِيحُ أنَّها عَلى بابِها مِنَ التَّرَجِّي وذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى البَشَرِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ شاكًّا في اللَّهِ. وقِيلَ: (يَتَذَكَّرُ) حالَهُ حِينَ احْتُبِسَ النِّيلُ فَسارَ إلى شاطِئِهِ وأبْعَدَ وخَرَّ ساجِدًا لِلَّهِ راغِبًا أنْ لا يُخْجِلَهُ، ثُمَّ رَكِبَ فَأخَذَ النِّيلُ يَتْبَعُ حافِرَ فَرَسِهِ فَرَجا أنْ يَتَذَكَّرَ حِلْمَ اللَّهِ وكَرَمَهُ وأنْ يَحْذَرَ مِن عَذابِ اللَّهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: (يَتَذَكَّرُ) ويَتَأمَّلُ فَيَبْذُلُ النَّصَفَةَ مِن نَفْسِهِ والإذْعانَ لِلْحَقِّ ﴿أوْ يَخْشى﴾ أنْ يَكُونَ الأمْرُ كَما يَصِفانِ فَيَجُرُّهُ إنْكارُهُ إلى الهَلَكَةِ. فَرَطَ سَبَقَ وتَقَدَّمَ ومِنهُ الفارِطُ الَّذِي يَتَقَدَّمُ الوارِدَةَ وفَرَسٌ فَرْطٌ تَسْبِقُ الخَيْلَ. انْتَهى. وقالَ الشّاعِرُ: ؎واسْتَعْجَلُونا وكانُوا مِن صَحابَتِنا ∗∗∗ كَما تَقَدَّمَ فارِطُ الوُرّادِ وفِي الحَدِيثِ: «أنا فَرَطُكم عَلى الحَوْضِ» .، أيْ: مُتَقَدِّمُكم وسابِقُكم، والمَعْنى إنَّنا نَخافُ أنْ يُعَجَّلَ عَلَيْنا بِالعُقُوبَةِ ويُبادِرَنا بِها. وقَرَأ يَحْيى وأبُو نَوْفَلٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ في رِوايَتِهِ ﴿أنْ يُفْرَطَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ: يُسْبَقَ في العُقُوبَةِ ويُسْرَعَ بِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الإفْراطِ ومُجاوَزَةِ الحَدِّ في العُقُوبَةِ، خافا أنْ يَحْمِلَهُ حامِلٌ عَلى المُعاجَلَةِ بِالعَذابِ مِن شَيْطانٍ، أوْ مِن جَبَرُوتِهِ واسْتِكْبارِهِ وادِّعائِهِ الرُّبُوبِيَّةَ، أوْ مِن حُبِّهِ الرِّياسَةَ، أوْ مِن قَوْمِهِ القِبْطِ المُتَمَرِّدِينَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ [الأعراف: ١٠٩] ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ﴾ [المؤمنون: ٣٣] . وقَرَأتْ فِرْقَةٌ والزَّعْفَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ: (يُفْرِطَ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الرّاءِ مِنَ الإفْراطِ في الأذِيَّةِ ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾ في التَّخَطِّي إلى أنْ يَقُولَ فِيكَ ما لا يَنْبَغِي تَجْرِئَةً عَلَيْكَ وقَسْوَةَ قَلْبِهِ، وفي المَجِيءِ بِهِ هَكَذا عَلى سَبِيلِ الإطْلاقِ والرَّمْزِ بابٌ مِن حُسْنِ الأدَبِ والتَّجافِي عَنِ التَّفَوُّهِ بِالعَظِيمَةِ. والمَعِيَّةُ هُنا بِالنُّصْرَةِ والعَوْنِ أسْمَعُ أقْوالَكُما وأرى أفْعالَكُما. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿أسْمَعُ﴾ جَوابَهُ لَكُما ﴿وأرى﴾ ما يَفْعَلُ بِكُما، وهُما كِنايَةٌ عَنِ العِلْمِ ﴿فَأْتِياهُ﴾ كَرَّرَ الأمْرَ بِالإتْيانِ ﴿فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ وخاطَباهُ بِقَوْلِهِما (رَبِّكَ) تَحْقِيرًا لَهُ وإعْلامًا أنَّهُ مَرْبُوبٌ مَمْلُوكٌ إذْ كانَ هو يَدَّعِي الرُّبُوبِيَّةَ. وأُمِرا بِدَعْوَتِهِ إلى أنْ يَبْعَثَ مَعَهُما بَنِي إسْرائِيلَ ويُخْرِجَهم مِن ذُلِّ خِدْمَةِ القِبْطِ، وكانُوا يُعَذِّبُونَهم بِتَكْلِيفِ الأعْمالِ الشّاقَّةِ مِنَ الحَفْرِ والبِناءِ ونَقْلِ الحِجارَةِ والسُّخْرَةِ في كُلِّ شَيْءٍ مَعَ قَتْلِ الوِلْدانِ واسْتِخْدامِ النِّساءِ. وقَدْ ذُكِرَ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ دُعاؤُهُ إلى الإيمانِ فَجُمْلَةُ ما دُعِيَ إلَيْهِ فِرْعَوْنُ الإيمانُ وإرْسالُ بَنِي إسْرائِيلَ. * * ثُمَّ ذَكَرا ما يَدُلُّ عَلى صِدْقِهِما في إرْسالِهِما إلَيْهِ فَقالا ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾ وتَكَرَّرَ أيْضًا قَوْلُهُما ﴿مِن رَبِّكَ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ بِأنَّهُ مَرْبُوبٌ مَقْهُورٌ، والآيَةُ الَّتِي أحالا عَلَيْها هي العَصا واليَدُ، ولَمّا كانا مُشْتَرِكَيْنِ في الرِّسالَةِ صَحَّ نِسْبَةُ المَجِيءِ بِالآيَةِ إلَيْهِما وإنْ كانَتْ صادِرَةً مِن أحَدِهِما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾ جارِيَةٌ مِنَ الجُمْلَةِ الأُولى وهي ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ مَجْرى البَيانِ والتَّفْسِيرِ؛ لِأنَّ دَعْوى الرِّسالَةِ لا تَثْبُتُ إلّا بِبَيِّنَتِها الَّتِي هي المَجِيءُ بِالآيَةِ، وإنَّما وحَّدَ بِآيَةٍ ولَمْ يُثَنِّ ومَعَهُ آيَتانِ؛ لِأنَّ المُرادَ في هَذا المَوْضِعِ تَثْبِيتُ الدَّعْوى بِبُرْهانِها، فَكَأنَّهُ قالَ: قَدْ جِئْناكَ بِمُعْجِزَةٍ وبُرْهانٍ وحُجَّةٍ عَلى ما ادَّعَيْناهُ مِنَ الرِّسالَةِ وكَذَلِكَ ﴿قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٠٥] ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٤] ﴿أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ٣٠] انْتَهى. وقِيلَ: الآيَةُ اليَدُ. وقِيلَ: العَصا، والمَعْنى بِآيَةٍ تَشْهَدُ لَنا بِأنّا رَسُولا رَبِّكَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ فَصْلٌ لِلْكَلامِ، فالسَّلامُ بِمَعْنى التَّحِيَّةِ رَغِبا بِهِ عَنْهُ وجَرَيا عَلى العادَةِ في التَّسْلِيمِ عِنْدَ الفَراغِ (p-٢٤٧)مِنَ القَوْلِ، فَسَلَّما عَلى مُتَّبِعِي الهُدى وفي هَذا تَوْبِيخٌ لَهُ. وفي هَذا المَعْنى اسْتَعْمَلَ النّاسُ هَذِهِ الآيَةَ في مُخاطَباتِهِمْ ومُحاوَراتِهِمْ. وقِيلَ: هو مُدْرَجٌ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا﴾ فَيَكُونُ إذْ ذاكَ خَبَرًا بِسَلامَةِ المُهْتَدِينَ مِنَ العَذابِ. وقِيلَ (عَلى) بِمَعْنى اللّامِ، أيْ: والسَّلامَةُ (لِمَنِ اتَّبَعَ الهُدى) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وسَلامُ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم خَزَنَةُ الجَنَّةِ عَلى المُهْتَدِينَ، وتَوْبِيخُ خَزَنَةِ النّارِ والعَذابِ عَلى المُكَذِّبِينَ انْتَهى. وهو تَفْسِيرٌ غَرِيبٌ. وقَدْ، يُقالُ: السَّلامُ هُنا السَّلامَةُ مِنَ العَذابِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ وبُنِيَ (أُوحِيَ) لَمّا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، ولَمْ يَذْكُرِ المُوحى؛ لِأنَّ فِرْعَوْنَ كانَتْ لَهُ بادِرَةٌ فَرُبَّما صَدَرَ مِنهُ في حَقِّ المُوحِي ما لا يَلِيقُ بِهِ، والمَعْنى عَلى مَن كَذَّبَ الأنْبِياءَ وتَوَلّى عَنِ الإيمانِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ هَذِهِ أرْجى آيَةٍ في القُرْآنِ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ ما كَذَّبَ وتَوَلّى فَلا يَنالُهُ شَيْءٌ مِنَ العَذابِ. وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ فَأتَيا فِرْعَوْنَ وقالا لَهُ ما أمَرَهُما اللَّهُ أنْ يُبَلِّغاهُ قالَ: ﴿فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾ خاطَبَهُما مَعًا وأفْرَدَ بِالنِّداءِ مُوسى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إذْ كانَ صاحِبَ عِظَمِ الرِّسالَةِ وكَرِيمِ الآياتِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأنَّهُ الأصْلُ في النُّبُوَّةِ وهارُونُ وزِيرُهُ وتابِعُهُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَحْمِلَهُ خُبْثُهُ وذَعارَتُهُ عَلى اسْتِدْعاءِ كَلامِ مُوسى دُونَ كَلامِ أخِيهِ لِما عُرِفَ مِن فَصاحَةِ هارُونَ والرُّتَّةِ في لِسانِ مُوسى، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] انْتَهى. واسْتَبَدَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِجَوابِ فِرْعَوْنَ مِن حَيْثُ خَصَّهُ بِالسُّؤالِ والنِّداءِ مَعًا، ثُمَّ أعْلَمَهُ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى بِالصِّفَةِ الَّتِي لا شِرْكَ لِفِرْعَوْنَ فِيها ولا بِوَجْهِ مَجازٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولِلَّهِ دَرُّ هَذا الجَوابِ ما أخْصَرَهُ وما أجْمَعَهُ وما أبَيْنَهُ لِمَن ألْقى الذِّهْنَ ونَظَرَ بِعَيْنِ الإنْصافِ وكانَ طالِبًا لِلْحَقِّ. انْتَهى. والمَعْنى أعْطى كُلَّ ما خَلَقَ خِلْقَتَهُ وصُورَتَهُ عَلى ما يُناسِبُهُ مِنَ الإتْقانِ لَمْ يَجْعَلْ خَلْقَ الإنْسانِ في خَلْقِ البَهائِمِ، ولا خَلْقَ البَهائِمِ في خَلْقِ الإنْسانِ ولَكِنْ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا. وقالَ الشّاعِرُ: ؎ولَهُ في كُلِّ شَيْءٍ خِلْقَةٌ وكَذَلِكَ اللَّهُ ما شاءَ فَعَلْ وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وعَطِيَّةَ ومُقاتِلٍ، وقالَ الضَّحّاكُ (خَلْقَهُ) مِنَ المَنفَعَةِ المَنُوطَةِ بِهِ المُطابِقَةِ لَهُ ﴿ثُمَّ هَدى﴾، أيْ: يَسَّرَ كُلَّ شَيْءٍ لِمَنافِعِهِ ومَرافِقِهِ، فَأعْطى العَيْنَ الهَيْئَةَ الَّتِي تُطابِقُ الإبْصارَ، والأُذُنَ الشَّكْلَ الَّذِي يُوافِقُ الِاسْتِماعَ، وكَذَلِكَ الأنْفُ واليَدُ والرِّجْلُ واللِّسانُ كُلُّ واحِدٍ مِنها مُطابِقٌ لِما عُلِّقَ بِهِ مِنَ المَنفَعَةِ غَيْرُ نابٍ عَنْهُ. قالَ القُشَيْرِيُّ: والخَلْقُ المَخْلُوقُ؛ لِأنَّ البَطْشَ والمَشْيَ والرُّؤْيَةَ والنُّطْقَ مَعانٍ مَخْلُوقَةٌ أوْدَعَها اللَّهُ لِلْأعْضاءِ، وعَلى هَذا مَفْعُولُ (أعْطى) الأوَّلُ ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ والثّانِي (خَلْقَهُ) وكَذا في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ والسُّدِّيِّ وهو أنَّ المَعْنى ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ﴾ مَخْلُوقَهُ مِن جِنْسِهِ، أيْ: كُلَّ حَيَوانٍ ذَكَرٍ نَظِيرَهُ أُنْثى في الصُّورَةِ. فَلَمْ يُزاوِجْ مِنهُما غَيْرَ جِنْسِهِ، ثُمَّ هَداهُ إلى مَنكَحِهِ ومَطْعَمِهِ ومَشْرَبِهِ ومَسْكَنِهِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ هَداهُ إلى إلْفِهِ والِاجْتِماعِ بِهِ والمُناكَحَةِ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ﴾ صَلاحَهُ وهَداهُ لِما يُصْلِحُهُ. وقِيلَ: ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ هو المَفْعُولُ الثّانِي لِأعْطى و(خَلْقَهُ) المَفْعُولُ الأوَّلُ، أيْ: (أعْطى) خَلِيقَتَهُ ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ يَحْتاجُونَ إلَيْهِ ويَرْتَفِقُونَ بِهِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وأُناسٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبُو نَهِيكٍ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والأعْمَشُ والحَسَنُ ونُصَيْرٌ عَنِ الكِسائِيِّ، وابْنُ نُوحٍ عَنْ قُتَيْبَةَ وسَلّامٌ ﴿خَلْقَهُ﴾ بِفَتْحِ اللّامِ فِعْلًا ماضِيًا في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِكُلِّ شَيْءٍ أوْ لِشَيْءٍ، ومَفْعُولُ (أعْطى) الثّانِي حُذِفَ اقْتِصارًا، أيْ: ﴿كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ لَمْ يُخْلِهِ مِن عَطائِهِ وإنْعامِهِ ﴿ثُمَّ هَدى﴾، أيْ: عَرَفَ كَيْفَ يَرْتَفِقُ بِما أعْطى وكَيْفَ يَتَوَصَّلُ إلَيْهِ. وقِيلَ: حُذِفَ اخْتِصارًا لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، أيْ: ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ، وقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ كَمالَهُ أوْ مَصْلَحَتَهُ.

طه 20:49

﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى﴾ ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ ﴿فَأْتِياهُ فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهم قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿قالَ فَمَن رَبُّكُما يامُوسى﴾ ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ [طه: ٥١] ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ [طه: ٥٢] ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وسَلَكَ لَكم فِيها سُبُلًا وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ [طه: ٥٣] ﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكم إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ [طه: ٥٤] ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكم ومِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾ [طه: ٥٥] ﴿ولَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وأبى﴾ [طه: ٥٦] ﴿قالَ أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا بِسِحْرِكَ يامُوسى﴾ [طه: ٥٧] ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ ولا أنْتَ مَكانًا سُوًى﴾ [طه: ٥٨] ﴿قالَ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩] ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أتى﴾ [طه: ٦٠] ﴿قالَ لَهم مُوسى ويْلَكم لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكم بِعَذابٍ وقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى﴾ [طه: ٦١] ﴿فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهم وأسَرُّوا النَّجْوى﴾ [طه: ٦٢] ﴿قالُوا إنْ هَذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِما ويَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ المُثْلى﴾ [طه: ٦٣] ﴿فَأجْمِعُوا كَيْدَكم ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى﴾ [طه: ٦٤] ﴿قالُوا يامُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ أوَّلَ مَن ألْقى﴾ [طه: ٦٥] ﴿قالَ بَلْ ألْقُوا فَإذا حِبالُهم وعِصِيُّهم يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾ [طه: ٦٦] الوَنْيُ: الفُتُورُ، يُقالُ: ونِيَ يَنِي وهو فِعْلٌ لازِمٌ، وإذا عُدِّيَ فَبِعَنْ وبِفِي، وزَعَمَ بَعْضُ البَغْدادِيِّينَ أنَّهُ يَأْتِي فِعْلًا ناقِصًا مِن أخَواتِ ما زالَ وبِمَعْناها، واخْتارَهُ ابْنُ مالِكٍ وأنْشَدَ: ؎لا الخِبُّ شِيمَةَ الحُبِّ ما دامَ فَلا تَحْسَبَنَّهُ ذا ارْعِواءِ وقالُوا: امْرَأةٌ أنْآةٌ، أيْ: فاتِرَةٌ عَنِ النُّهُوضِ، أبْدَلُوا مِن واوِها هَمْزَةً عَلى غَيْرِ قِياسٍ. قالَ الشّاعِرُ:(p-٢٤٤) ؎فَما أنا بِالوانِي ولا الضَّرَعِ الغُمْرِ شَتَّ الأمْرُ شَتًّا وشَتاتًا تَفَرَّقَ، وأمْرٌ شَتٌّ مُتَفَرِّقٌ، وشَتّى فَعْلى مَنِ الشَّتِّ وألِفُهُ لِلتَّأْنِيثِ جَمْعُ شَتِيتٍ كَمَرِيضٍ ومَرْضى، ومَعْناهُ مُتَفَرِّقَةٌ، وشَتّانَ اسْمُ فاعِلٍ، سَحَتَ لُغَةُ الحِجازِ، وأسْحَتَ لُغَةُ نَجْدٍ وتَمِيمٍ، وأصْلُهُ اسْتِقْصاءُ الحَلْقِ لِلشِّعْرِ. وقالَ الفَرَزْدَقُ وهو تَمِيمِيٌّ: ؎وعَضُّ زَمانٍ يابْنَ مَرْوانَ لَمْ يَكُ ∗∗∗ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتٌ أوْ مُجَلَّفُ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الإهْلاكِ والإذْهابِ. الخَيْبَةُ: عَدَمُ الظَّفَرِ بِالمَطْلُوبِ. الصَّفُّ: مَوْضِعُ المَجْمَعِ قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وسُمِّيَ المُصَلّى الصَّفَّ وعَنْ بَعْضِ العَرَبِ الفُصَحاءِ ما اسْتَطَعْتُ أنْ آتِيَ الصَّفَّ، أيِ: المُصَلّى، وقَدْ يَكُونُ مَصْدَرًا، ويُقالُ جاءُوا صَفًّا، أيْ: مُصْطَفِّينَ. التَّخْيِيلُ: إبْداءُ أمْرٍ لا حَقِيقَةَ لَهُ، ومِنهُ الخَيالُ وهو الطَّيْفُ الطّارِقُ في النَّوْمِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎ألا يا لَقَوْمِي لِلْخَيالِ المُشَوِّقِ ∗∗∗ ولِلدّارِ تَنْأى بِالحَبِيبِ ونَلْتَقِي ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى﴾ ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ ﴿فَأْتِياهُ فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهم قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿قالَ فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾ ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ [طه: ٥١] ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ [طه: ٥٢] . (p-٢٤٥)أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِالذَّهابِ إلى فِرْعَوْنَ فَلَمّا دَعا رَبَّهُ وطَلَبَ مِنهُ أشْياءَ كانَ فِيها أنْ يُشْرِكَ أخاهُ هارُونَ فَذَكَرَ اللَّهُ أنَّهُ آتاهُ سُؤْلَهُ وكانَ مِنهُ إشْراكُ أخِيهِ، فَأمَرَهُ هُنا وأخاهُ بِالذَّهابِ و﴿أخُوكَ﴾ [يوسف: ٦٩] مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ﴾ في سُورَةِ المائِدَةِ، وقَوْلُ بَعْضِ النُّحاةِ، أنَّ (ورَبُّكَ) مَرْفُوعٌ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: ولْيَذْهَبْ رَبُّكَ وذَلِكَ البَحْثُ جارٍ هُنا. ورُوِيَ أنَّ اللَّهَ أوْحى إلى هارُونَ وهو بِمِصْرَ أنْ يَتَلَقّى مُوسى. وقِيلَ: سَمِعَ بِمَقْدَمِهِ. وقِيلَ: أُلْهِمَ ذَلِكَ وظاهِرُ (بِآياتِي) الجَمْعُ. فَقِيلَ: هي العَصا، واليَدُ، وعُقْدَةُ لِسانِهِ. وقِيلَ: اليَدُ، والعَصا. وقَدْ يُطْلَقُ الجَمْعُ عَلى المُثَنّى وهُما اللَّتانِ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُما؛ ولِذَلِكَ لَمّا قالَ: (فَأْتِ بِآيَةٍ)، ألْقى العَصا ونَزَعَ اليَدَ، وقالَ: فَذانِكَ بُرْهانانِ. وقِيلَ العَصا مُشْتَمِلَةٌ عَلى آياتِ انْقِلابِها حَيَوانًا، ثُمَّ في أوَّلِ الأمْرِ كانَتْ صَغِيرَةً ثُمَّ عَظُمَتْ حَتّى صارَتْ ثُعْبانًا، ثُمَّ إدْخالُ مُوسى يَدَهُ في فَمِها فَلا تَضُرُّهُ. وقِيلَ: ما أُعْطِيَ مِن مُعْجِزَةٍ ووَحْيٍ. ﴿ولا تَنِيا﴾، أيْ: لا تَضْعُفا ولا تَقْصُرا. وقِيلَ: تَنْسِيانِي ولا أزالُ مِنكُما عَلى ذِكْرٍ حَيْثُما تَقَلَّبْتُما، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالذِّكْرِ تَبْلِيغُ الرِّسالَةِ فَإنَّ الذِّكْرَ يَقَعُ عَلى سائِرِ العِباداتِ، وتَبْلِيغُ الرِّسالَةِ مِن أجَلِّها وأعْظَمِها، فَكانَ جَدِيرًا أنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ الذِّكْرِ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: ولا تِنِيا بِكَسْرِ التّاءِ إتْباعًا لِحَرَكَةِ النُّونِ. وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ ولا تَهِنا، أيْ: ولا تَلِنا مِن قَوْلِهِمْ هَيِّنٌ لَيِّنٌ، ولَمّا حَذَفَ مَن يَذْهَبُ إلَيْهِ في الأمْرِ قَبْلَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ في هَذا الأمْرِ الثّانِي. فَقِيلَ: ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ﴾، أيْ: بِالرِّسالَةِ وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُما أُمِرا بِالذَّهابِ أوَّلًا إلى النّاسِ وثانِيًا إلى فِرْعَوْنَ، فَكَرَّرَ الأمْرَ بِالذَّهابِ لِاخْتِلافِ المُتَعَلِّقِ، ونَبَّهَ عَلى سَبَبِ الذَّهابِ إلَيْهِ بِالرِّسالَةِ مِن عِنْدِهِ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّهُ طَغى﴾ [طه: ٢٤]، أيْ: تَجاوَزَ الحَدَّ في الفَسادِ ودَعَواهُ الرُّبُوبِيَّةَ والإلَهِيَّةَ مِن دُونِ اللَّهِ. والقَوْلُ اللَّيِّنُ هو مِثْلُ ما في النّازِعاتِ ﴿هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى وأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ [النازعات: ١٨] وهَذا مِن لَطِيفِ الكَلامِ إذْ أبْرَزَ ذَلِكَ في صُورَةِ الِاسْتِفْهامِ والمَشُورَةِ والعَرْضِ لِما فِيهِ مِنَ الفَوْزِ العَظِيمِ، وقِيلَ: عَدّاهُ شَبابًا لا يَهْرَمُ بَعْدَهُ ومُلْكًا لا يُنْزَعُ مِنهُ إلّا بِالمَوْتِ وأنْ يَبْقى لَهُ لَذَّةُ المَطْعَمِ والمَشْرَبِ والمَنكَحِ إلى حِينِ مَوْتِهِ. وقِيلَ: لا تُجِبْهاهُ بِما يَكْرَهُ وألْطِفا لَهُ في القَوْلِ لِما لَهُ مِن حَقِّ تَرْبِيَةِ مُوسى. وقِيلَ: كَنَّياهُ وهو ذُو الكُنى الأرْبَعِ أبُو مُرَّةَ، وأبُو مُصْعَبٍ، وأبُو الوَلِيدِ، وأبُو العَبّاسِ. وقِيلَ: القَوْلُ اللَّيِّنُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، ولِينُها خِفَّتُها عَلى اللِّسانِ. وقالَ الحَسَنُ: هو قَوْلُهُما إنَّ لَكَ رَبًّا وإنَّ لَكَ مَعادًا وإنَّ بَيْنَ يَدَيْكَ جَنَّةً ونارًا فَآمِن بِاللَّهِ يُدْخِلْكَ الجَنَّةَ ويَقِكَ عَذابَ النّارِ. وقِيلَ: أمَرَهُما تَعالى أنْ يُقَدِّما المَواعِيدَ عَلى الوَعِيدِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎أقْدِمْ بِالوَعْدِ قَبْلَ الوَعِيدِ ∗∗∗ لِيَنْهى القَبائِلَ جُهّالُها وقِيلَ: حِينَ عَرَضَ عَلَيْهِ مُوسى وهارُونُ - عَلَيْهِما السَّلامُ - ما عَرَضا، شاوَرَ آسِيَةَ فَقالَتْ: ما يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنَّ يَرُدَّ هَذا، فَشاوَرَ هامانَ وكانَ لا يَبُتُّ أمْرًا دُونَ رَأْيِهِ، فَقالَ لَهُ: كُنْتُ أعْتَقِدُ أنَّكَ ذُو عَقْلٍ ! تَكُونُ مالِكًا فَتَصِيرُ مَمْلُوكًا ورَبًّا فَتَصِيرُ مَرْبُوبًا ! فامْتَنَعَ مِن قَبُولِ ما عَرَضَ عَلَيْهِ مُوسى، والتَّرَجِّي بِالنِّسْبَةِ لَهُما إذْ هو مُسْتَحِيلٌ وُقُوعُهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أيِ: اذْهَبا عَلى رَجائِكُما وطَمَعِكُما وباشِرا الأمْرَ مُباشَرَةَ مَن يَرْجُو ويَطْمَعُ أنْ يُثْمِرَ عَمَلُهُ ولا يَخِيبَ سَعْيُهُ، وفائِدَةُ إرْسالِهِما مَعَ عِلْمِهِ تَعالى أنَّهُ لا يُؤْمِنُ إقامَةُ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، وإزالَةُ (p-٢٤٦)المَعْذِرَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ﴾ [طه: ١٣٤] الآيَةَ. وقِيلَ: القَوْلُ اللَّيِّنُ ما حَكاهُ اللَّهُ هُنا وهو ﴿فَأْتِياهُ فَقَوْلا إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ وقالَ أبُو مُعاذٍ: ﴿قَوْلًا لَيِّنًا﴾ وقالَ الفَرّاءُ لَعَلَّ هُنا بِمَعْنى كَيْ، أيْ: كَيْ يَتَذَكَّرَ أوْ يَخْشى، كَما تَقُولُ: اعْمَلْ لَعَلَّكَ تَأْخُذُ أجْرَكَ، أيْ: كَيْ تَأْخُذَ أجْرَكَ. وقِيلَ: لَعَلَّ هُنا اسْتِفْهامٌ، أيْ: هَلْ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى ؟، والصَّحِيحُ أنَّها عَلى بابِها مِنَ التَّرَجِّي وذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى البَشَرِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ شاكًّا في اللَّهِ. وقِيلَ: (يَتَذَكَّرُ) حالَهُ حِينَ احْتُبِسَ النِّيلُ فَسارَ إلى شاطِئِهِ وأبْعَدَ وخَرَّ ساجِدًا لِلَّهِ راغِبًا أنْ لا يُخْجِلَهُ، ثُمَّ رَكِبَ فَأخَذَ النِّيلُ يَتْبَعُ حافِرَ فَرَسِهِ فَرَجا أنْ يَتَذَكَّرَ حِلْمَ اللَّهِ وكَرَمَهُ وأنْ يَحْذَرَ مِن عَذابِ اللَّهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: (يَتَذَكَّرُ) ويَتَأمَّلُ فَيَبْذُلُ النَّصَفَةَ مِن نَفْسِهِ والإذْعانَ لِلْحَقِّ ﴿أوْ يَخْشى﴾ أنْ يَكُونَ الأمْرُ كَما يَصِفانِ فَيَجُرُّهُ إنْكارُهُ إلى الهَلَكَةِ. فَرَطَ سَبَقَ وتَقَدَّمَ ومِنهُ الفارِطُ الَّذِي يَتَقَدَّمُ الوارِدَةَ وفَرَسٌ فَرْطٌ تَسْبِقُ الخَيْلَ. انْتَهى. وقالَ الشّاعِرُ: ؎واسْتَعْجَلُونا وكانُوا مِن صَحابَتِنا ∗∗∗ كَما تَقَدَّمَ فارِطُ الوُرّادِ وفِي الحَدِيثِ: «أنا فَرَطُكم عَلى الحَوْضِ» .، أيْ: مُتَقَدِّمُكم وسابِقُكم، والمَعْنى إنَّنا نَخافُ أنْ يُعَجَّلَ عَلَيْنا بِالعُقُوبَةِ ويُبادِرَنا بِها. وقَرَأ يَحْيى وأبُو نَوْفَلٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ في رِوايَتِهِ ﴿أنْ يُفْرَطَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ: يُسْبَقَ في العُقُوبَةِ ويُسْرَعَ بِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الإفْراطِ ومُجاوَزَةِ الحَدِّ في العُقُوبَةِ، خافا أنْ يَحْمِلَهُ حامِلٌ عَلى المُعاجَلَةِ بِالعَذابِ مِن شَيْطانٍ، أوْ مِن جَبَرُوتِهِ واسْتِكْبارِهِ وادِّعائِهِ الرُّبُوبِيَّةَ، أوْ مِن حُبِّهِ الرِّياسَةَ، أوْ مِن قَوْمِهِ القِبْطِ المُتَمَرِّدِينَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ [الأعراف: ١٠٩] ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ﴾ [المؤمنون: ٣٣] . وقَرَأتْ فِرْقَةٌ والزَّعْفَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ: (يُفْرِطَ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الرّاءِ مِنَ الإفْراطِ في الأذِيَّةِ ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾ في التَّخَطِّي إلى أنْ يَقُولَ فِيكَ ما لا يَنْبَغِي تَجْرِئَةً عَلَيْكَ وقَسْوَةَ قَلْبِهِ، وفي المَجِيءِ بِهِ هَكَذا عَلى سَبِيلِ الإطْلاقِ والرَّمْزِ بابٌ مِن حُسْنِ الأدَبِ والتَّجافِي عَنِ التَّفَوُّهِ بِالعَظِيمَةِ. والمَعِيَّةُ هُنا بِالنُّصْرَةِ والعَوْنِ أسْمَعُ أقْوالَكُما وأرى أفْعالَكُما. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿أسْمَعُ﴾ جَوابَهُ لَكُما ﴿وأرى﴾ ما يَفْعَلُ بِكُما، وهُما كِنايَةٌ عَنِ العِلْمِ ﴿فَأْتِياهُ﴾ كَرَّرَ الأمْرَ بِالإتْيانِ ﴿فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ وخاطَباهُ بِقَوْلِهِما (رَبِّكَ) تَحْقِيرًا لَهُ وإعْلامًا أنَّهُ مَرْبُوبٌ مَمْلُوكٌ إذْ كانَ هو يَدَّعِي الرُّبُوبِيَّةَ. وأُمِرا بِدَعْوَتِهِ إلى أنْ يَبْعَثَ مَعَهُما بَنِي إسْرائِيلَ ويُخْرِجَهم مِن ذُلِّ خِدْمَةِ القِبْطِ، وكانُوا يُعَذِّبُونَهم بِتَكْلِيفِ الأعْمالِ الشّاقَّةِ مِنَ الحَفْرِ والبِناءِ ونَقْلِ الحِجارَةِ والسُّخْرَةِ في كُلِّ شَيْءٍ مَعَ قَتْلِ الوِلْدانِ واسْتِخْدامِ النِّساءِ. وقَدْ ذُكِرَ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ دُعاؤُهُ إلى الإيمانِ فَجُمْلَةُ ما دُعِيَ إلَيْهِ فِرْعَوْنُ الإيمانُ وإرْسالُ بَنِي إسْرائِيلَ. * * ثُمَّ ذَكَرا ما يَدُلُّ عَلى صِدْقِهِما في إرْسالِهِما إلَيْهِ فَقالا ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾ وتَكَرَّرَ أيْضًا قَوْلُهُما ﴿مِن رَبِّكَ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ بِأنَّهُ مَرْبُوبٌ مَقْهُورٌ، والآيَةُ الَّتِي أحالا عَلَيْها هي العَصا واليَدُ، ولَمّا كانا مُشْتَرِكَيْنِ في الرِّسالَةِ صَحَّ نِسْبَةُ المَجِيءِ بِالآيَةِ إلَيْهِما وإنْ كانَتْ صادِرَةً مِن أحَدِهِما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾ جارِيَةٌ مِنَ الجُمْلَةِ الأُولى وهي ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ مَجْرى البَيانِ والتَّفْسِيرِ؛ لِأنَّ دَعْوى الرِّسالَةِ لا تَثْبُتُ إلّا بِبَيِّنَتِها الَّتِي هي المَجِيءُ بِالآيَةِ، وإنَّما وحَّدَ بِآيَةٍ ولَمْ يُثَنِّ ومَعَهُ آيَتانِ؛ لِأنَّ المُرادَ في هَذا المَوْضِعِ تَثْبِيتُ الدَّعْوى بِبُرْهانِها، فَكَأنَّهُ قالَ: قَدْ جِئْناكَ بِمُعْجِزَةٍ وبُرْهانٍ وحُجَّةٍ عَلى ما ادَّعَيْناهُ مِنَ الرِّسالَةِ وكَذَلِكَ ﴿قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٠٥] ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٤] ﴿أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ٣٠] انْتَهى. وقِيلَ: الآيَةُ اليَدُ. وقِيلَ: العَصا، والمَعْنى بِآيَةٍ تَشْهَدُ لَنا بِأنّا رَسُولا رَبِّكَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ فَصْلٌ لِلْكَلامِ، فالسَّلامُ بِمَعْنى التَّحِيَّةِ رَغِبا بِهِ عَنْهُ وجَرَيا عَلى العادَةِ في التَّسْلِيمِ عِنْدَ الفَراغِ (p-٢٤٧)مِنَ القَوْلِ، فَسَلَّما عَلى مُتَّبِعِي الهُدى وفي هَذا تَوْبِيخٌ لَهُ. وفي هَذا المَعْنى اسْتَعْمَلَ النّاسُ هَذِهِ الآيَةَ في مُخاطَباتِهِمْ ومُحاوَراتِهِمْ. وقِيلَ: هو مُدْرَجٌ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا﴾ فَيَكُونُ إذْ ذاكَ خَبَرًا بِسَلامَةِ المُهْتَدِينَ مِنَ العَذابِ. وقِيلَ (عَلى) بِمَعْنى اللّامِ، أيْ: والسَّلامَةُ (لِمَنِ اتَّبَعَ الهُدى) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وسَلامُ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم خَزَنَةُ الجَنَّةِ عَلى المُهْتَدِينَ، وتَوْبِيخُ خَزَنَةِ النّارِ والعَذابِ عَلى المُكَذِّبِينَ انْتَهى. وهو تَفْسِيرٌ غَرِيبٌ. وقَدْ، يُقالُ: السَّلامُ هُنا السَّلامَةُ مِنَ العَذابِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ وبُنِيَ (أُوحِيَ) لَمّا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، ولَمْ يَذْكُرِ المُوحى؛ لِأنَّ فِرْعَوْنَ كانَتْ لَهُ بادِرَةٌ فَرُبَّما صَدَرَ مِنهُ في حَقِّ المُوحِي ما لا يَلِيقُ بِهِ، والمَعْنى عَلى مَن كَذَّبَ الأنْبِياءَ وتَوَلّى عَنِ الإيمانِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ هَذِهِ أرْجى آيَةٍ في القُرْآنِ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ ما كَذَّبَ وتَوَلّى فَلا يَنالُهُ شَيْءٌ مِنَ العَذابِ. وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ فَأتَيا فِرْعَوْنَ وقالا لَهُ ما أمَرَهُما اللَّهُ أنْ يُبَلِّغاهُ قالَ: ﴿فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾ خاطَبَهُما مَعًا وأفْرَدَ بِالنِّداءِ مُوسى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إذْ كانَ صاحِبَ عِظَمِ الرِّسالَةِ وكَرِيمِ الآياتِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأنَّهُ الأصْلُ في النُّبُوَّةِ وهارُونُ وزِيرُهُ وتابِعُهُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَحْمِلَهُ خُبْثُهُ وذَعارَتُهُ عَلى اسْتِدْعاءِ كَلامِ مُوسى دُونَ كَلامِ أخِيهِ لِما عُرِفَ مِن فَصاحَةِ هارُونَ والرُّتَّةِ في لِسانِ مُوسى، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] انْتَهى. واسْتَبَدَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِجَوابِ فِرْعَوْنَ مِن حَيْثُ خَصَّهُ بِالسُّؤالِ والنِّداءِ مَعًا، ثُمَّ أعْلَمَهُ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى بِالصِّفَةِ الَّتِي لا شِرْكَ لِفِرْعَوْنَ فِيها ولا بِوَجْهِ مَجازٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولِلَّهِ دَرُّ هَذا الجَوابِ ما أخْصَرَهُ وما أجْمَعَهُ وما أبَيْنَهُ لِمَن ألْقى الذِّهْنَ ونَظَرَ بِعَيْنِ الإنْصافِ وكانَ طالِبًا لِلْحَقِّ. انْتَهى. والمَعْنى أعْطى كُلَّ ما خَلَقَ خِلْقَتَهُ وصُورَتَهُ عَلى ما يُناسِبُهُ مِنَ الإتْقانِ لَمْ يَجْعَلْ خَلْقَ الإنْسانِ في خَلْقِ البَهائِمِ، ولا خَلْقَ البَهائِمِ في خَلْقِ الإنْسانِ ولَكِنْ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا. وقالَ الشّاعِرُ: ؎ولَهُ في كُلِّ شَيْءٍ خِلْقَةٌ وكَذَلِكَ اللَّهُ ما شاءَ فَعَلْ وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وعَطِيَّةَ ومُقاتِلٍ، وقالَ الضَّحّاكُ (خَلْقَهُ) مِنَ المَنفَعَةِ المَنُوطَةِ بِهِ المُطابِقَةِ لَهُ ﴿ثُمَّ هَدى﴾، أيْ: يَسَّرَ كُلَّ شَيْءٍ لِمَنافِعِهِ ومَرافِقِهِ، فَأعْطى العَيْنَ الهَيْئَةَ الَّتِي تُطابِقُ الإبْصارَ، والأُذُنَ الشَّكْلَ الَّذِي يُوافِقُ الِاسْتِماعَ، وكَذَلِكَ الأنْفُ واليَدُ والرِّجْلُ واللِّسانُ كُلُّ واحِدٍ مِنها مُطابِقٌ لِما عُلِّقَ بِهِ مِنَ المَنفَعَةِ غَيْرُ نابٍ عَنْهُ. قالَ القُشَيْرِيُّ: والخَلْقُ المَخْلُوقُ؛ لِأنَّ البَطْشَ والمَشْيَ والرُّؤْيَةَ والنُّطْقَ مَعانٍ مَخْلُوقَةٌ أوْدَعَها اللَّهُ لِلْأعْضاءِ، وعَلى هَذا مَفْعُولُ (أعْطى) الأوَّلُ ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ والثّانِي (خَلْقَهُ) وكَذا في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ والسُّدِّيِّ وهو أنَّ المَعْنى ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ﴾ مَخْلُوقَهُ مِن جِنْسِهِ، أيْ: كُلَّ حَيَوانٍ ذَكَرٍ نَظِيرَهُ أُنْثى في الصُّورَةِ. فَلَمْ يُزاوِجْ مِنهُما غَيْرَ جِنْسِهِ، ثُمَّ هَداهُ إلى مَنكَحِهِ ومَطْعَمِهِ ومَشْرَبِهِ ومَسْكَنِهِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ هَداهُ إلى إلْفِهِ والِاجْتِماعِ بِهِ والمُناكَحَةِ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ﴾ صَلاحَهُ وهَداهُ لِما يُصْلِحُهُ. وقِيلَ: ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ هو المَفْعُولُ الثّانِي لِأعْطى و(خَلْقَهُ) المَفْعُولُ الأوَّلُ، أيْ: (أعْطى) خَلِيقَتَهُ ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ يَحْتاجُونَ إلَيْهِ ويَرْتَفِقُونَ بِهِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وأُناسٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبُو نَهِيكٍ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والأعْمَشُ والحَسَنُ ونُصَيْرٌ عَنِ الكِسائِيِّ، وابْنُ نُوحٍ عَنْ قُتَيْبَةَ وسَلّامٌ ﴿خَلْقَهُ﴾ بِفَتْحِ اللّامِ فِعْلًا ماضِيًا في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِكُلِّ شَيْءٍ أوْ لِشَيْءٍ، ومَفْعُولُ (أعْطى) الثّانِي حُذِفَ اقْتِصارًا، أيْ: ﴿كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ لَمْ يُخْلِهِ مِن عَطائِهِ وإنْعامِهِ ﴿ثُمَّ هَدى﴾، أيْ: عَرَفَ كَيْفَ يَرْتَفِقُ بِما أعْطى وكَيْفَ يَتَوَصَّلُ إلَيْهِ. وقِيلَ: حُذِفَ اخْتِصارًا لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، أيْ: ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ، وقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ كَمالَهُ أوْ مَصْلَحَتَهُ.

طه 20:50

﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى﴾ ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ ﴿فَأْتِياهُ فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهم قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿قالَ فَمَن رَبُّكُما يامُوسى﴾ ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ [طه: ٥١] ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ [طه: ٥٢] ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وسَلَكَ لَكم فِيها سُبُلًا وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ [طه: ٥٣] ﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكم إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ [طه: ٥٤] ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكم ومِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾ [طه: ٥٥] ﴿ولَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وأبى﴾ [طه: ٥٦] ﴿قالَ أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا بِسِحْرِكَ يامُوسى﴾ [طه: ٥٧] ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ ولا أنْتَ مَكانًا سُوًى﴾ [طه: ٥٨] ﴿قالَ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩] ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أتى﴾ [طه: ٦٠] ﴿قالَ لَهم مُوسى ويْلَكم لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكم بِعَذابٍ وقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى﴾ [طه: ٦١] ﴿فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهم وأسَرُّوا النَّجْوى﴾ [طه: ٦٢] ﴿قالُوا إنْ هَذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِما ويَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ المُثْلى﴾ [طه: ٦٣] ﴿فَأجْمِعُوا كَيْدَكم ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى﴾ [طه: ٦٤] ﴿قالُوا يامُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ أوَّلَ مَن ألْقى﴾ [طه: ٦٥] ﴿قالَ بَلْ ألْقُوا فَإذا حِبالُهم وعِصِيُّهم يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾ [طه: ٦٦] الوَنْيُ: الفُتُورُ، يُقالُ: ونِيَ يَنِي وهو فِعْلٌ لازِمٌ، وإذا عُدِّيَ فَبِعَنْ وبِفِي، وزَعَمَ بَعْضُ البَغْدادِيِّينَ أنَّهُ يَأْتِي فِعْلًا ناقِصًا مِن أخَواتِ ما زالَ وبِمَعْناها، واخْتارَهُ ابْنُ مالِكٍ وأنْشَدَ: ؎لا الخِبُّ شِيمَةَ الحُبِّ ما دامَ فَلا تَحْسَبَنَّهُ ذا ارْعِواءِ وقالُوا: امْرَأةٌ أنْآةٌ، أيْ: فاتِرَةٌ عَنِ النُّهُوضِ، أبْدَلُوا مِن واوِها هَمْزَةً عَلى غَيْرِ قِياسٍ. قالَ الشّاعِرُ:(p-٢٤٤) ؎فَما أنا بِالوانِي ولا الضَّرَعِ الغُمْرِ شَتَّ الأمْرُ شَتًّا وشَتاتًا تَفَرَّقَ، وأمْرٌ شَتٌّ مُتَفَرِّقٌ، وشَتّى فَعْلى مَنِ الشَّتِّ وألِفُهُ لِلتَّأْنِيثِ جَمْعُ شَتِيتٍ كَمَرِيضٍ ومَرْضى، ومَعْناهُ مُتَفَرِّقَةٌ، وشَتّانَ اسْمُ فاعِلٍ، سَحَتَ لُغَةُ الحِجازِ، وأسْحَتَ لُغَةُ نَجْدٍ وتَمِيمٍ، وأصْلُهُ اسْتِقْصاءُ الحَلْقِ لِلشِّعْرِ. وقالَ الفَرَزْدَقُ وهو تَمِيمِيٌّ: ؎وعَضُّ زَمانٍ يابْنَ مَرْوانَ لَمْ يَكُ ∗∗∗ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتٌ أوْ مُجَلَّفُ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الإهْلاكِ والإذْهابِ. الخَيْبَةُ: عَدَمُ الظَّفَرِ بِالمَطْلُوبِ. الصَّفُّ: مَوْضِعُ المَجْمَعِ قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وسُمِّيَ المُصَلّى الصَّفَّ وعَنْ بَعْضِ العَرَبِ الفُصَحاءِ ما اسْتَطَعْتُ أنْ آتِيَ الصَّفَّ، أيِ: المُصَلّى، وقَدْ يَكُونُ مَصْدَرًا، ويُقالُ جاءُوا صَفًّا، أيْ: مُصْطَفِّينَ. التَّخْيِيلُ: إبْداءُ أمْرٍ لا حَقِيقَةَ لَهُ، ومِنهُ الخَيالُ وهو الطَّيْفُ الطّارِقُ في النَّوْمِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎ألا يا لَقَوْمِي لِلْخَيالِ المُشَوِّقِ ∗∗∗ ولِلدّارِ تَنْأى بِالحَبِيبِ ونَلْتَقِي ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى﴾ ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ ﴿فَأْتِياهُ فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهم قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿قالَ فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾ ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ [طه: ٥١] ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ [طه: ٥٢] . (p-٢٤٥)أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِالذَّهابِ إلى فِرْعَوْنَ فَلَمّا دَعا رَبَّهُ وطَلَبَ مِنهُ أشْياءَ كانَ فِيها أنْ يُشْرِكَ أخاهُ هارُونَ فَذَكَرَ اللَّهُ أنَّهُ آتاهُ سُؤْلَهُ وكانَ مِنهُ إشْراكُ أخِيهِ، فَأمَرَهُ هُنا وأخاهُ بِالذَّهابِ و﴿أخُوكَ﴾ [يوسف: ٦٩] مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ﴾ في سُورَةِ المائِدَةِ، وقَوْلُ بَعْضِ النُّحاةِ، أنَّ (ورَبُّكَ) مَرْفُوعٌ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: ولْيَذْهَبْ رَبُّكَ وذَلِكَ البَحْثُ جارٍ هُنا. ورُوِيَ أنَّ اللَّهَ أوْحى إلى هارُونَ وهو بِمِصْرَ أنْ يَتَلَقّى مُوسى. وقِيلَ: سَمِعَ بِمَقْدَمِهِ. وقِيلَ: أُلْهِمَ ذَلِكَ وظاهِرُ (بِآياتِي) الجَمْعُ. فَقِيلَ: هي العَصا، واليَدُ، وعُقْدَةُ لِسانِهِ. وقِيلَ: اليَدُ، والعَصا. وقَدْ يُطْلَقُ الجَمْعُ عَلى المُثَنّى وهُما اللَّتانِ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُما؛ ولِذَلِكَ لَمّا قالَ: (فَأْتِ بِآيَةٍ)، ألْقى العَصا ونَزَعَ اليَدَ، وقالَ: فَذانِكَ بُرْهانانِ. وقِيلَ العَصا مُشْتَمِلَةٌ عَلى آياتِ انْقِلابِها حَيَوانًا، ثُمَّ في أوَّلِ الأمْرِ كانَتْ صَغِيرَةً ثُمَّ عَظُمَتْ حَتّى صارَتْ ثُعْبانًا، ثُمَّ إدْخالُ مُوسى يَدَهُ في فَمِها فَلا تَضُرُّهُ. وقِيلَ: ما أُعْطِيَ مِن مُعْجِزَةٍ ووَحْيٍ. ﴿ولا تَنِيا﴾، أيْ: لا تَضْعُفا ولا تَقْصُرا. وقِيلَ: تَنْسِيانِي ولا أزالُ مِنكُما عَلى ذِكْرٍ حَيْثُما تَقَلَّبْتُما، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالذِّكْرِ تَبْلِيغُ الرِّسالَةِ فَإنَّ الذِّكْرَ يَقَعُ عَلى سائِرِ العِباداتِ، وتَبْلِيغُ الرِّسالَةِ مِن أجَلِّها وأعْظَمِها، فَكانَ جَدِيرًا أنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ الذِّكْرِ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: ولا تِنِيا بِكَسْرِ التّاءِ إتْباعًا لِحَرَكَةِ النُّونِ. وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ ولا تَهِنا، أيْ: ولا تَلِنا مِن قَوْلِهِمْ هَيِّنٌ لَيِّنٌ، ولَمّا حَذَفَ مَن يَذْهَبُ إلَيْهِ في الأمْرِ قَبْلَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ في هَذا الأمْرِ الثّانِي. فَقِيلَ: ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ﴾، أيْ: بِالرِّسالَةِ وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُما أُمِرا بِالذَّهابِ أوَّلًا إلى النّاسِ وثانِيًا إلى فِرْعَوْنَ، فَكَرَّرَ الأمْرَ بِالذَّهابِ لِاخْتِلافِ المُتَعَلِّقِ، ونَبَّهَ عَلى سَبَبِ الذَّهابِ إلَيْهِ بِالرِّسالَةِ مِن عِنْدِهِ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّهُ طَغى﴾ [طه: ٢٤]، أيْ: تَجاوَزَ الحَدَّ في الفَسادِ ودَعَواهُ الرُّبُوبِيَّةَ والإلَهِيَّةَ مِن دُونِ اللَّهِ. والقَوْلُ اللَّيِّنُ هو مِثْلُ ما في النّازِعاتِ ﴿هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى وأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ [النازعات: ١٨] وهَذا مِن لَطِيفِ الكَلامِ إذْ أبْرَزَ ذَلِكَ في صُورَةِ الِاسْتِفْهامِ والمَشُورَةِ والعَرْضِ لِما فِيهِ مِنَ الفَوْزِ العَظِيمِ، وقِيلَ: عَدّاهُ شَبابًا لا يَهْرَمُ بَعْدَهُ ومُلْكًا لا يُنْزَعُ مِنهُ إلّا بِالمَوْتِ وأنْ يَبْقى لَهُ لَذَّةُ المَطْعَمِ والمَشْرَبِ والمَنكَحِ إلى حِينِ مَوْتِهِ. وقِيلَ: لا تُجِبْهاهُ بِما يَكْرَهُ وألْطِفا لَهُ في القَوْلِ لِما لَهُ مِن حَقِّ تَرْبِيَةِ مُوسى. وقِيلَ: كَنَّياهُ وهو ذُو الكُنى الأرْبَعِ أبُو مُرَّةَ، وأبُو مُصْعَبٍ، وأبُو الوَلِيدِ، وأبُو العَبّاسِ. وقِيلَ: القَوْلُ اللَّيِّنُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، ولِينُها خِفَّتُها عَلى اللِّسانِ. وقالَ الحَسَنُ: هو قَوْلُهُما إنَّ لَكَ رَبًّا وإنَّ لَكَ مَعادًا وإنَّ بَيْنَ يَدَيْكَ جَنَّةً ونارًا فَآمِن بِاللَّهِ يُدْخِلْكَ الجَنَّةَ ويَقِكَ عَذابَ النّارِ. وقِيلَ: أمَرَهُما تَعالى أنْ يُقَدِّما المَواعِيدَ عَلى الوَعِيدِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎أقْدِمْ بِالوَعْدِ قَبْلَ الوَعِيدِ ∗∗∗ لِيَنْهى القَبائِلَ جُهّالُها وقِيلَ: حِينَ عَرَضَ عَلَيْهِ مُوسى وهارُونُ - عَلَيْهِما السَّلامُ - ما عَرَضا، شاوَرَ آسِيَةَ فَقالَتْ: ما يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنَّ يَرُدَّ هَذا، فَشاوَرَ هامانَ وكانَ لا يَبُتُّ أمْرًا دُونَ رَأْيِهِ، فَقالَ لَهُ: كُنْتُ أعْتَقِدُ أنَّكَ ذُو عَقْلٍ ! تَكُونُ مالِكًا فَتَصِيرُ مَمْلُوكًا ورَبًّا فَتَصِيرُ مَرْبُوبًا ! فامْتَنَعَ مِن قَبُولِ ما عَرَضَ عَلَيْهِ مُوسى، والتَّرَجِّي بِالنِّسْبَةِ لَهُما إذْ هو مُسْتَحِيلٌ وُقُوعُهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أيِ: اذْهَبا عَلى رَجائِكُما وطَمَعِكُما وباشِرا الأمْرَ مُباشَرَةَ مَن يَرْجُو ويَطْمَعُ أنْ يُثْمِرَ عَمَلُهُ ولا يَخِيبَ سَعْيُهُ، وفائِدَةُ إرْسالِهِما مَعَ عِلْمِهِ تَعالى أنَّهُ لا يُؤْمِنُ إقامَةُ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، وإزالَةُ (p-٢٤٦)المَعْذِرَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ﴾ [طه: ١٣٤] الآيَةَ. وقِيلَ: القَوْلُ اللَّيِّنُ ما حَكاهُ اللَّهُ هُنا وهو ﴿فَأْتِياهُ فَقَوْلا إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ وقالَ أبُو مُعاذٍ: ﴿قَوْلًا لَيِّنًا﴾ وقالَ الفَرّاءُ لَعَلَّ هُنا بِمَعْنى كَيْ، أيْ: كَيْ يَتَذَكَّرَ أوْ يَخْشى، كَما تَقُولُ: اعْمَلْ لَعَلَّكَ تَأْخُذُ أجْرَكَ، أيْ: كَيْ تَأْخُذَ أجْرَكَ. وقِيلَ: لَعَلَّ هُنا اسْتِفْهامٌ، أيْ: هَلْ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى ؟، والصَّحِيحُ أنَّها عَلى بابِها مِنَ التَّرَجِّي وذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى البَشَرِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ شاكًّا في اللَّهِ. وقِيلَ: (يَتَذَكَّرُ) حالَهُ حِينَ احْتُبِسَ النِّيلُ فَسارَ إلى شاطِئِهِ وأبْعَدَ وخَرَّ ساجِدًا لِلَّهِ راغِبًا أنْ لا يُخْجِلَهُ، ثُمَّ رَكِبَ فَأخَذَ النِّيلُ يَتْبَعُ حافِرَ فَرَسِهِ فَرَجا أنْ يَتَذَكَّرَ حِلْمَ اللَّهِ وكَرَمَهُ وأنْ يَحْذَرَ مِن عَذابِ اللَّهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: (يَتَذَكَّرُ) ويَتَأمَّلُ فَيَبْذُلُ النَّصَفَةَ مِن نَفْسِهِ والإذْعانَ لِلْحَقِّ ﴿أوْ يَخْشى﴾ أنْ يَكُونَ الأمْرُ كَما يَصِفانِ فَيَجُرُّهُ إنْكارُهُ إلى الهَلَكَةِ. فَرَطَ سَبَقَ وتَقَدَّمَ ومِنهُ الفارِطُ الَّذِي يَتَقَدَّمُ الوارِدَةَ وفَرَسٌ فَرْطٌ تَسْبِقُ الخَيْلَ. انْتَهى. وقالَ الشّاعِرُ: ؎واسْتَعْجَلُونا وكانُوا مِن صَحابَتِنا ∗∗∗ كَما تَقَدَّمَ فارِطُ الوُرّادِ وفِي الحَدِيثِ: «أنا فَرَطُكم عَلى الحَوْضِ» .، أيْ: مُتَقَدِّمُكم وسابِقُكم، والمَعْنى إنَّنا نَخافُ أنْ يُعَجَّلَ عَلَيْنا بِالعُقُوبَةِ ويُبادِرَنا بِها. وقَرَأ يَحْيى وأبُو نَوْفَلٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ في رِوايَتِهِ ﴿أنْ يُفْرَطَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ: يُسْبَقَ في العُقُوبَةِ ويُسْرَعَ بِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الإفْراطِ ومُجاوَزَةِ الحَدِّ في العُقُوبَةِ، خافا أنْ يَحْمِلَهُ حامِلٌ عَلى المُعاجَلَةِ بِالعَذابِ مِن شَيْطانٍ، أوْ مِن جَبَرُوتِهِ واسْتِكْبارِهِ وادِّعائِهِ الرُّبُوبِيَّةَ، أوْ مِن حُبِّهِ الرِّياسَةَ، أوْ مِن قَوْمِهِ القِبْطِ المُتَمَرِّدِينَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ [الأعراف: ١٠٩] ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ﴾ [المؤمنون: ٣٣] . وقَرَأتْ فِرْقَةٌ والزَّعْفَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ: (يُفْرِطَ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الرّاءِ مِنَ الإفْراطِ في الأذِيَّةِ ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾ في التَّخَطِّي إلى أنْ يَقُولَ فِيكَ ما لا يَنْبَغِي تَجْرِئَةً عَلَيْكَ وقَسْوَةَ قَلْبِهِ، وفي المَجِيءِ بِهِ هَكَذا عَلى سَبِيلِ الإطْلاقِ والرَّمْزِ بابٌ مِن حُسْنِ الأدَبِ والتَّجافِي عَنِ التَّفَوُّهِ بِالعَظِيمَةِ. والمَعِيَّةُ هُنا بِالنُّصْرَةِ والعَوْنِ أسْمَعُ أقْوالَكُما وأرى أفْعالَكُما. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿أسْمَعُ﴾ جَوابَهُ لَكُما ﴿وأرى﴾ ما يَفْعَلُ بِكُما، وهُما كِنايَةٌ عَنِ العِلْمِ ﴿فَأْتِياهُ﴾ كَرَّرَ الأمْرَ بِالإتْيانِ ﴿فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ وخاطَباهُ بِقَوْلِهِما (رَبِّكَ) تَحْقِيرًا لَهُ وإعْلامًا أنَّهُ مَرْبُوبٌ مَمْلُوكٌ إذْ كانَ هو يَدَّعِي الرُّبُوبِيَّةَ. وأُمِرا بِدَعْوَتِهِ إلى أنْ يَبْعَثَ مَعَهُما بَنِي إسْرائِيلَ ويُخْرِجَهم مِن ذُلِّ خِدْمَةِ القِبْطِ، وكانُوا يُعَذِّبُونَهم بِتَكْلِيفِ الأعْمالِ الشّاقَّةِ مِنَ الحَفْرِ والبِناءِ ونَقْلِ الحِجارَةِ والسُّخْرَةِ في كُلِّ شَيْءٍ مَعَ قَتْلِ الوِلْدانِ واسْتِخْدامِ النِّساءِ. وقَدْ ذُكِرَ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ دُعاؤُهُ إلى الإيمانِ فَجُمْلَةُ ما دُعِيَ إلَيْهِ فِرْعَوْنُ الإيمانُ وإرْسالُ بَنِي إسْرائِيلَ. * * ثُمَّ ذَكَرا ما يَدُلُّ عَلى صِدْقِهِما في إرْسالِهِما إلَيْهِ فَقالا ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾ وتَكَرَّرَ أيْضًا قَوْلُهُما ﴿مِن رَبِّكَ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ بِأنَّهُ مَرْبُوبٌ مَقْهُورٌ، والآيَةُ الَّتِي أحالا عَلَيْها هي العَصا واليَدُ، ولَمّا كانا مُشْتَرِكَيْنِ في الرِّسالَةِ صَحَّ نِسْبَةُ المَجِيءِ بِالآيَةِ إلَيْهِما وإنْ كانَتْ صادِرَةً مِن أحَدِهِما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾ جارِيَةٌ مِنَ الجُمْلَةِ الأُولى وهي ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ مَجْرى البَيانِ والتَّفْسِيرِ؛ لِأنَّ دَعْوى الرِّسالَةِ لا تَثْبُتُ إلّا بِبَيِّنَتِها الَّتِي هي المَجِيءُ بِالآيَةِ، وإنَّما وحَّدَ بِآيَةٍ ولَمْ يُثَنِّ ومَعَهُ آيَتانِ؛ لِأنَّ المُرادَ في هَذا المَوْضِعِ تَثْبِيتُ الدَّعْوى بِبُرْهانِها، فَكَأنَّهُ قالَ: قَدْ جِئْناكَ بِمُعْجِزَةٍ وبُرْهانٍ وحُجَّةٍ عَلى ما ادَّعَيْناهُ مِنَ الرِّسالَةِ وكَذَلِكَ ﴿قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٠٥] ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٤] ﴿أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ٣٠] انْتَهى. وقِيلَ: الآيَةُ اليَدُ. وقِيلَ: العَصا، والمَعْنى بِآيَةٍ تَشْهَدُ لَنا بِأنّا رَسُولا رَبِّكَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ فَصْلٌ لِلْكَلامِ، فالسَّلامُ بِمَعْنى التَّحِيَّةِ رَغِبا بِهِ عَنْهُ وجَرَيا عَلى العادَةِ في التَّسْلِيمِ عِنْدَ الفَراغِ (p-٢٤٧)مِنَ القَوْلِ، فَسَلَّما عَلى مُتَّبِعِي الهُدى وفي هَذا تَوْبِيخٌ لَهُ. وفي هَذا المَعْنى اسْتَعْمَلَ النّاسُ هَذِهِ الآيَةَ في مُخاطَباتِهِمْ ومُحاوَراتِهِمْ. وقِيلَ: هو مُدْرَجٌ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا﴾ فَيَكُونُ إذْ ذاكَ خَبَرًا بِسَلامَةِ المُهْتَدِينَ مِنَ العَذابِ. وقِيلَ (عَلى) بِمَعْنى اللّامِ، أيْ: والسَّلامَةُ (لِمَنِ اتَّبَعَ الهُدى) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وسَلامُ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم خَزَنَةُ الجَنَّةِ عَلى المُهْتَدِينَ، وتَوْبِيخُ خَزَنَةِ النّارِ والعَذابِ عَلى المُكَذِّبِينَ انْتَهى. وهو تَفْسِيرٌ غَرِيبٌ. وقَدْ، يُقالُ: السَّلامُ هُنا السَّلامَةُ مِنَ العَذابِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ وبُنِيَ (أُوحِيَ) لَمّا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، ولَمْ يَذْكُرِ المُوحى؛ لِأنَّ فِرْعَوْنَ كانَتْ لَهُ بادِرَةٌ فَرُبَّما صَدَرَ مِنهُ في حَقِّ المُوحِي ما لا يَلِيقُ بِهِ، والمَعْنى عَلى مَن كَذَّبَ الأنْبِياءَ وتَوَلّى عَنِ الإيمانِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ هَذِهِ أرْجى آيَةٍ في القُرْآنِ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ ما كَذَّبَ وتَوَلّى فَلا يَنالُهُ شَيْءٌ مِنَ العَذابِ. وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ فَأتَيا فِرْعَوْنَ وقالا لَهُ ما أمَرَهُما اللَّهُ أنْ يُبَلِّغاهُ قالَ: ﴿فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾ خاطَبَهُما مَعًا وأفْرَدَ بِالنِّداءِ مُوسى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إذْ كانَ صاحِبَ عِظَمِ الرِّسالَةِ وكَرِيمِ الآياتِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأنَّهُ الأصْلُ في النُّبُوَّةِ وهارُونُ وزِيرُهُ وتابِعُهُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَحْمِلَهُ خُبْثُهُ وذَعارَتُهُ عَلى اسْتِدْعاءِ كَلامِ مُوسى دُونَ كَلامِ أخِيهِ لِما عُرِفَ مِن فَصاحَةِ هارُونَ والرُّتَّةِ في لِسانِ مُوسى، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] انْتَهى. واسْتَبَدَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِجَوابِ فِرْعَوْنَ مِن حَيْثُ خَصَّهُ بِالسُّؤالِ والنِّداءِ مَعًا، ثُمَّ أعْلَمَهُ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى بِالصِّفَةِ الَّتِي لا شِرْكَ لِفِرْعَوْنَ فِيها ولا بِوَجْهِ مَجازٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولِلَّهِ دَرُّ هَذا الجَوابِ ما أخْصَرَهُ وما أجْمَعَهُ وما أبَيْنَهُ لِمَن ألْقى الذِّهْنَ ونَظَرَ بِعَيْنِ الإنْصافِ وكانَ طالِبًا لِلْحَقِّ. انْتَهى. والمَعْنى أعْطى كُلَّ ما خَلَقَ خِلْقَتَهُ وصُورَتَهُ عَلى ما يُناسِبُهُ مِنَ الإتْقانِ لَمْ يَجْعَلْ خَلْقَ الإنْسانِ في خَلْقِ البَهائِمِ، ولا خَلْقَ البَهائِمِ في خَلْقِ الإنْسانِ ولَكِنْ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا. وقالَ الشّاعِرُ: ؎ولَهُ في كُلِّ شَيْءٍ خِلْقَةٌ وكَذَلِكَ اللَّهُ ما شاءَ فَعَلْ وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وعَطِيَّةَ ومُقاتِلٍ، وقالَ الضَّحّاكُ (خَلْقَهُ) مِنَ المَنفَعَةِ المَنُوطَةِ بِهِ المُطابِقَةِ لَهُ ﴿ثُمَّ هَدى﴾، أيْ: يَسَّرَ كُلَّ شَيْءٍ لِمَنافِعِهِ ومَرافِقِهِ، فَأعْطى العَيْنَ الهَيْئَةَ الَّتِي تُطابِقُ الإبْصارَ، والأُذُنَ الشَّكْلَ الَّذِي يُوافِقُ الِاسْتِماعَ، وكَذَلِكَ الأنْفُ واليَدُ والرِّجْلُ واللِّسانُ كُلُّ واحِدٍ مِنها مُطابِقٌ لِما عُلِّقَ بِهِ مِنَ المَنفَعَةِ غَيْرُ نابٍ عَنْهُ. قالَ القُشَيْرِيُّ: والخَلْقُ المَخْلُوقُ؛ لِأنَّ البَطْشَ والمَشْيَ والرُّؤْيَةَ والنُّطْقَ مَعانٍ مَخْلُوقَةٌ أوْدَعَها اللَّهُ لِلْأعْضاءِ، وعَلى هَذا مَفْعُولُ (أعْطى) الأوَّلُ ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ والثّانِي (خَلْقَهُ) وكَذا في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ والسُّدِّيِّ وهو أنَّ المَعْنى ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ﴾ مَخْلُوقَهُ مِن جِنْسِهِ، أيْ: كُلَّ حَيَوانٍ ذَكَرٍ نَظِيرَهُ أُنْثى في الصُّورَةِ. فَلَمْ يُزاوِجْ مِنهُما غَيْرَ جِنْسِهِ، ثُمَّ هَداهُ إلى مَنكَحِهِ ومَطْعَمِهِ ومَشْرَبِهِ ومَسْكَنِهِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ هَداهُ إلى إلْفِهِ والِاجْتِماعِ بِهِ والمُناكَحَةِ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ﴾ صَلاحَهُ وهَداهُ لِما يُصْلِحُهُ. وقِيلَ: ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ هو المَفْعُولُ الثّانِي لِأعْطى و(خَلْقَهُ) المَفْعُولُ الأوَّلُ، أيْ: (أعْطى) خَلِيقَتَهُ ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ يَحْتاجُونَ إلَيْهِ ويَرْتَفِقُونَ بِهِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وأُناسٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبُو نَهِيكٍ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والأعْمَشُ والحَسَنُ ونُصَيْرٌ عَنِ الكِسائِيِّ، وابْنُ نُوحٍ عَنْ قُتَيْبَةَ وسَلّامٌ ﴿خَلْقَهُ﴾ بِفَتْحِ اللّامِ فِعْلًا ماضِيًا في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِكُلِّ شَيْءٍ أوْ لِشَيْءٍ، ومَفْعُولُ (أعْطى) الثّانِي حُذِفَ اقْتِصارًا، أيْ: ﴿كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ لَمْ يُخْلِهِ مِن عَطائِهِ وإنْعامِهِ ﴿ثُمَّ هَدى﴾، أيْ: عَرَفَ كَيْفَ يَرْتَفِقُ بِما أعْطى وكَيْفَ يَتَوَصَّلُ إلَيْهِ. وقِيلَ: حُذِفَ اخْتِصارًا لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، أيْ: ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ، وقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ كَمالَهُ أوْ مَصْلَحَتَهُ.

طه 20:51

﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ لَمّا أجابَهُ مُوسى بِجَوابٍ مُسْكِتٍ، ولَمْ يَقْدِرْ فِرْعَوْنُ عَلى مُعارَضَتِهِ فِيهِ انْتَقَلَ (p-٢٤٨)إلى سُؤالٍ آخَرَ وهو ما حالُ مَن هَلَكَ مِنَ القُرُونِ ؟ وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الرَّوَغانِ عَنِ الِاعْتِرافِ بِما قالَ مُوسى وما أجابَهُ بِهِ، والحَيْدَةِ والمُغالَطَةِ. قِيلَ: سَألَهُ عَنْ أخْبارِها وأحادِيثِها لِيَخْتَبِرَ أهُما نَبِيّانِ أوْ هُما مِن جُمْلَةِ القُصّاصِ الَّذِينَ دارَسُوا قِصَصَ الأُمَمِ السّالِفَةِ، ولَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عِلْمٌ بِالتَّوْراةِ، إنَّما أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ بَعْدَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ، فَقالَ ﴿عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ . وقِيلَ: مُرادُهُ مِنَ السُّؤالِ عَنْها: لِمَ عَبَدْتَ الأصْنامَ ولَمْ تَعْبُدِ اللَّهَ إنْ كانَ الحَقُّ ما وصَفْتَ ؟ وقِيلَ: مُرادُهُ ما لَها لا تَبْعَثُ ولا تُحاسِبُ ولا تُجازِي فَقالَ ﴿عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ فَأجابَهُ بِأنَّ هَذا سُؤالٌ عَنِ الغَيْبِ وقَدِ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِهِ لا يَعْلَمُهُ إلّا هو. وقالَ النَّقّاشُ: إنَّما سَألَ لَمّا سَمِعَ وعْظَ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ ﴿يا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ [غافر: ٣٠] الآيَةَ فَرَدَّ عِلْمَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ التَّوْراةُ. وقِيلَ لَمّا قالَ ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [طه: ٤٨] قالَ فِرْعَوْنُ ﴿فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ فَإنَّها كَذَّبَتْ ثُمَّ إنَّهم ما عُذِّبُوا. وقِيلَ: لَمّا قَرَّرَ أمْرَ المَبْدَأِ والدَّلالَةِ القاطِعَةِ عَلى إثْباتِ الصّانِعِ قالَ فِرْعَوْنُ: إنْ كانَ ما ذَكَرْتَ في غايَةِ الظُّهُورِ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى نَسَوْهُ وتَرَكُوهُ، فَلَوْ كانَتِ الدَّلالَةُ واضِحَةً وجَبَ عَلى القُرُونِ الماضِيَةِ أنْ لا يَكُونُوا غافِلِينَ عَنْها. فَعارَضَ الحُجَّةَ النَّقْلِيَّةَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِرْعَوْنُ قَدْ نازَعَهُ في إحاطَةِ اللَّهِ بِكُلِّ شَيْءٍ وتَبَيُّنِهِ لِكُلِّ مَعْلُومٍ فَتَعَنَّتَ وقالَ: ما تَقُولُ في سَوالِفِ القُرُونِ وتَمادِي كَثْرَتِهِمْ وتَباعُدِ أطْرافِ عَدَدِهِمْ، كَيْفَ أحاطَ بِهِمْ وبِأجْزائِهِمْ وجَواهِرِهِمْ، فَأجابَ بِأنَّ كُلَّ كائِنٍ مُحِيطٌ بِهِ عِلْمُهُ وهو مُثْبَتٌ عِنْدَهُ ﴿فِي كِتابٍ﴾ ولا يَجُوزُ عَلَيْهِ الخَطَأُ والنِّسْيانُ كَما يَجُوزُ عَلَيْكَ أيُّها العَبْدُ الذَّلِيلُ والبَشَرُ الضَّئِيلُ، أيْ: ﴿لا يَضِلُّ﴾ كَما تَضِلُّ أنْتَ ﴿ولا يَنْسى﴾ كَما تَنْسى يا مُدَّعِي الرُّبُوبِيَّةِ بِالجَهْلِ والوَقاحَةِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في (عِلْمُها) إلى ﴿القُرُونِ الأُولى﴾، أيْ: مَكْتُوبٌ عِنْدَ رَبِّي في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ أنْ يُخْطِئَ شَيْئًا أوْ يَنْساهُ، يُقالُ: ضَلَلْتُ الشَّيْءَ إذا أخْطَأْتُهُ في مَكانِهِ، وضَلِلْتُهُ لُغَتانِ فَلَمْ يَهْتَدِ إلَيْهِ، كَقَوْلِكَ: ضَلَلْتُ الطَّرِيقَ والمَنزِلَ، ولا يُقالُ: أضْلَلْتُهُ، إلّا إذا ضاعَ مِنكَ كالدّابَّةِ إذا انْفَلَتَتْ وشِبْهِها قالَهُ الفَرّاءُ. وقالَ الزَّجّاجُ: ضَلَلْتُهُ أضِلُّهُ إذا جَعَلْتَهُ في مَكانٍ ولَمْ تَدْرِ أيْنَ هو، وأضْلَلْتُهُ، والكِتابُ هُنا اللَّوْحُ المَحْفُوظُ. وقِيلَ ﴿فِي كِتابٍ﴾ فِيما كَتَبَتْهُ المَلائِكَةُ مِن أحْوالِ البَشَرِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ﴿عِلْمُها﴾ عائِدٌ عَلى القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ سَألَهُ عَنْ بَعْثِ الأُمَمِ. وقالَ السُّدِّيُّ ﴿لا يَضِلُّ﴾ لا يَغْفُلُ. وقالَ ابْنُ عِيسى ﴿لا يَضِلُّ﴾ لا يَذْهَبُ عَلَيْهِ، تَقُولُ العَرَبُ: ضَلَّ مَنزِلَهُ بِغَيْرِ ألِفٍ. وفي الحَيَوانِ أضَلَّ بَعِيرَهُ بِالألَفِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي﴾ الكِتابَ ﴿ولا يَنْسى﴾ ما فِيهِ قالَهُ مُقاتِلٌ. وقالَ القَفّالُ ﴿لا يَضِلُّ﴾ عَنْ مَعْرِفَةِ الأشْياءِ فَيُحِيطُ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ ﴿ولا يَنْسى﴾ إشارَةٌ إلى بَقاءِ ذَلِكَ العِلْمِ أبَدَ الآبادِ عَلى حالِهِ لا يَتَغَيَّرُ. وقالَ الحَسَنُ: لا يُخْطِئُ وقْتَ البَعْثِ ولا يَنْساهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْنى الجُمْلَتَيْنِ واحِدٌ وهو إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَعْرِضُ في عِلْمِهِ ما يُغَيِّرُهُ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: لا يُخْطِئُ في التَّدْبِيرِ فَيَعْتَقِدُ في غَيْرِ الصَّوابِ صَوابًا وإذا عَرَفَهُ لا يَنْساهُ، وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: عِلْمُ اللَّهِ صِفَةٌ قائِمَةٌ بِهِ ولا تَكُونُ حاصِلَةً في الكِتابِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يُعْقَلُ، فالمَعْنى أنَّ بَقاءَ تِلْكَ المَعْلُوماتِ في عِلْمِهِ كَبَقاءِ المَكْتُوباتِ في الكِتابِ، فالغَرَضُ التَّوْكِيدُ بِأنَّ أسْرارَها مَعْلُومَةٌ لَهُ لا يَزُولُ شَيْءٌ مِنها، ويَتَأكَّدُ هَذا بِقَوْلِهِ ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ أوِ المَعْنى أنَّهُ أثْبَتَ تِلْكَ الأحْكامَ في كِتابٍ عِنْدَهُ يَظْهَرُ لِلْمَلائِكَةِ زِيادَةً لَهم في الِاسْتِدْلالِ عَلى أنَّهُ عالِمٌ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ مُنَزَّهٌ عَنِ السَّهْوِ والغَفْلَةِ. انْتَهى. وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. وقَرَأ الحَسَنُ وقَتادَةُ والجَحْدَرِيُّ وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وعِيسى الثَّقَفِيُّ لا يُضِلُّ بِضَمِّ الياءِ، أيْ: لا يُضِلُّ اللَّهُ ذَلِكَ الكِتابَ فَيَضِيعَ ولا يَنْسى ما أثْبَتَهُ فِيهِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ ﴿لا يُضَلُّ رَبِّي ولا يُنْسى﴾ مَبْنِيَّتَيْنِ لِلْمَفْعُولِ، والظّاهِرُ أنَّ الجُمْلَتَيْنِ اسْتِئْنافٌ وإخْبارٌ عَنْهُ تَعالى بِانْتِفاءِ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ عَنْهُ. وقِيلَ: هُما في مَوْضِعِ وصْفٍ لِقَوْلِهِ (في كِتابٍ) والضَّمِيرُ (p-٢٤٩)العائِدُ عَلى المَوْصُوفِ مَحْذُوفٌ، أيْ: لا يَضِلُّهُ رَبِّي ولا يَنْساهُ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿ولا يَنْسى﴾ عائِدٌ عَلى اللَّهِ. وقِيلَ: يَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ عَلى (كِتابٍ)، أيْ: لا يَدَعُ شَيْئًا فالنِّسْيانُ اسْتِعارَةٌ كَما قالَ ﴿إلّا أحْصاها﴾ [الكهف: ٤٩] فَأسْنَدَ الإحْصاءَ إلَيْهِ مِن حَيْثُ الحَصْرُ فِيهِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لا يَتْرُكُ مَن كَفَرَ بِهِ حَتّى يَنْتَقِمَ مِنهُ ولا يَتْرُكُ مَن وحَّدَهُ حَتّى يُجازِيَهُ.

طه 20:52

﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ لَمّا أجابَهُ مُوسى بِجَوابٍ مُسْكِتٍ، ولَمْ يَقْدِرْ فِرْعَوْنُ عَلى مُعارَضَتِهِ فِيهِ انْتَقَلَ (p-٢٤٨)إلى سُؤالٍ آخَرَ وهو ما حالُ مَن هَلَكَ مِنَ القُرُونِ ؟ وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الرَّوَغانِ عَنِ الِاعْتِرافِ بِما قالَ مُوسى وما أجابَهُ بِهِ، والحَيْدَةِ والمُغالَطَةِ. قِيلَ: سَألَهُ عَنْ أخْبارِها وأحادِيثِها لِيَخْتَبِرَ أهُما نَبِيّانِ أوْ هُما مِن جُمْلَةِ القُصّاصِ الَّذِينَ دارَسُوا قِصَصَ الأُمَمِ السّالِفَةِ، ولَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عِلْمٌ بِالتَّوْراةِ، إنَّما أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ بَعْدَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ، فَقالَ ﴿عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ . وقِيلَ: مُرادُهُ مِنَ السُّؤالِ عَنْها: لِمَ عَبَدْتَ الأصْنامَ ولَمْ تَعْبُدِ اللَّهَ إنْ كانَ الحَقُّ ما وصَفْتَ ؟ وقِيلَ: مُرادُهُ ما لَها لا تَبْعَثُ ولا تُحاسِبُ ولا تُجازِي فَقالَ ﴿عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ فَأجابَهُ بِأنَّ هَذا سُؤالٌ عَنِ الغَيْبِ وقَدِ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِهِ لا يَعْلَمُهُ إلّا هو. وقالَ النَّقّاشُ: إنَّما سَألَ لَمّا سَمِعَ وعْظَ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ ﴿يا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ [غافر: ٣٠] الآيَةَ فَرَدَّ عِلْمَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ التَّوْراةُ. وقِيلَ لَمّا قالَ ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [طه: ٤٨] قالَ فِرْعَوْنُ ﴿فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ فَإنَّها كَذَّبَتْ ثُمَّ إنَّهم ما عُذِّبُوا. وقِيلَ: لَمّا قَرَّرَ أمْرَ المَبْدَأِ والدَّلالَةِ القاطِعَةِ عَلى إثْباتِ الصّانِعِ قالَ فِرْعَوْنُ: إنْ كانَ ما ذَكَرْتَ في غايَةِ الظُّهُورِ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى نَسَوْهُ وتَرَكُوهُ، فَلَوْ كانَتِ الدَّلالَةُ واضِحَةً وجَبَ عَلى القُرُونِ الماضِيَةِ أنْ لا يَكُونُوا غافِلِينَ عَنْها. فَعارَضَ الحُجَّةَ النَّقْلِيَّةَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِرْعَوْنُ قَدْ نازَعَهُ في إحاطَةِ اللَّهِ بِكُلِّ شَيْءٍ وتَبَيُّنِهِ لِكُلِّ مَعْلُومٍ فَتَعَنَّتَ وقالَ: ما تَقُولُ في سَوالِفِ القُرُونِ وتَمادِي كَثْرَتِهِمْ وتَباعُدِ أطْرافِ عَدَدِهِمْ، كَيْفَ أحاطَ بِهِمْ وبِأجْزائِهِمْ وجَواهِرِهِمْ، فَأجابَ بِأنَّ كُلَّ كائِنٍ مُحِيطٌ بِهِ عِلْمُهُ وهو مُثْبَتٌ عِنْدَهُ ﴿فِي كِتابٍ﴾ ولا يَجُوزُ عَلَيْهِ الخَطَأُ والنِّسْيانُ كَما يَجُوزُ عَلَيْكَ أيُّها العَبْدُ الذَّلِيلُ والبَشَرُ الضَّئِيلُ، أيْ: ﴿لا يَضِلُّ﴾ كَما تَضِلُّ أنْتَ ﴿ولا يَنْسى﴾ كَما تَنْسى يا مُدَّعِي الرُّبُوبِيَّةِ بِالجَهْلِ والوَقاحَةِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في (عِلْمُها) إلى ﴿القُرُونِ الأُولى﴾، أيْ: مَكْتُوبٌ عِنْدَ رَبِّي في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ أنْ يُخْطِئَ شَيْئًا أوْ يَنْساهُ، يُقالُ: ضَلَلْتُ الشَّيْءَ إذا أخْطَأْتُهُ في مَكانِهِ، وضَلِلْتُهُ لُغَتانِ فَلَمْ يَهْتَدِ إلَيْهِ، كَقَوْلِكَ: ضَلَلْتُ الطَّرِيقَ والمَنزِلَ، ولا يُقالُ: أضْلَلْتُهُ، إلّا إذا ضاعَ مِنكَ كالدّابَّةِ إذا انْفَلَتَتْ وشِبْهِها قالَهُ الفَرّاءُ. وقالَ الزَّجّاجُ: ضَلَلْتُهُ أضِلُّهُ إذا جَعَلْتَهُ في مَكانٍ ولَمْ تَدْرِ أيْنَ هو، وأضْلَلْتُهُ، والكِتابُ هُنا اللَّوْحُ المَحْفُوظُ. وقِيلَ ﴿فِي كِتابٍ﴾ فِيما كَتَبَتْهُ المَلائِكَةُ مِن أحْوالِ البَشَرِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ﴿عِلْمُها﴾ عائِدٌ عَلى القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ سَألَهُ عَنْ بَعْثِ الأُمَمِ. وقالَ السُّدِّيُّ ﴿لا يَضِلُّ﴾ لا يَغْفُلُ. وقالَ ابْنُ عِيسى ﴿لا يَضِلُّ﴾ لا يَذْهَبُ عَلَيْهِ، تَقُولُ العَرَبُ: ضَلَّ مَنزِلَهُ بِغَيْرِ ألِفٍ. وفي الحَيَوانِ أضَلَّ بَعِيرَهُ بِالألَفِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي﴾ الكِتابَ ﴿ولا يَنْسى﴾ ما فِيهِ قالَهُ مُقاتِلٌ. وقالَ القَفّالُ ﴿لا يَضِلُّ﴾ عَنْ مَعْرِفَةِ الأشْياءِ فَيُحِيطُ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ ﴿ولا يَنْسى﴾ إشارَةٌ إلى بَقاءِ ذَلِكَ العِلْمِ أبَدَ الآبادِ عَلى حالِهِ لا يَتَغَيَّرُ. وقالَ الحَسَنُ: لا يُخْطِئُ وقْتَ البَعْثِ ولا يَنْساهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْنى الجُمْلَتَيْنِ واحِدٌ وهو إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَعْرِضُ في عِلْمِهِ ما يُغَيِّرُهُ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: لا يُخْطِئُ في التَّدْبِيرِ فَيَعْتَقِدُ في غَيْرِ الصَّوابِ صَوابًا وإذا عَرَفَهُ لا يَنْساهُ، وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: عِلْمُ اللَّهِ صِفَةٌ قائِمَةٌ بِهِ ولا تَكُونُ حاصِلَةً في الكِتابِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يُعْقَلُ، فالمَعْنى أنَّ بَقاءَ تِلْكَ المَعْلُوماتِ في عِلْمِهِ كَبَقاءِ المَكْتُوباتِ في الكِتابِ، فالغَرَضُ التَّوْكِيدُ بِأنَّ أسْرارَها مَعْلُومَةٌ لَهُ لا يَزُولُ شَيْءٌ مِنها، ويَتَأكَّدُ هَذا بِقَوْلِهِ ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ أوِ المَعْنى أنَّهُ أثْبَتَ تِلْكَ الأحْكامَ في كِتابٍ عِنْدَهُ يَظْهَرُ لِلْمَلائِكَةِ زِيادَةً لَهم في الِاسْتِدْلالِ عَلى أنَّهُ عالِمٌ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ مُنَزَّهٌ عَنِ السَّهْوِ والغَفْلَةِ. انْتَهى. وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. وقَرَأ الحَسَنُ وقَتادَةُ والجَحْدَرِيُّ وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وعِيسى الثَّقَفِيُّ لا يُضِلُّ بِضَمِّ الياءِ، أيْ: لا يُضِلُّ اللَّهُ ذَلِكَ الكِتابَ فَيَضِيعَ ولا يَنْسى ما أثْبَتَهُ فِيهِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ ﴿لا يُضَلُّ رَبِّي ولا يُنْسى﴾ مَبْنِيَّتَيْنِ لِلْمَفْعُولِ، والظّاهِرُ أنَّ الجُمْلَتَيْنِ اسْتِئْنافٌ وإخْبارٌ عَنْهُ تَعالى بِانْتِفاءِ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ عَنْهُ. وقِيلَ: هُما في مَوْضِعِ وصْفٍ لِقَوْلِهِ (في كِتابٍ) والضَّمِيرُ (p-٢٤٩)العائِدُ عَلى المَوْصُوفِ مَحْذُوفٌ، أيْ: لا يَضِلُّهُ رَبِّي ولا يَنْساهُ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿ولا يَنْسى﴾ عائِدٌ عَلى اللَّهِ. وقِيلَ: يَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ عَلى (كِتابٍ)، أيْ: لا يَدَعُ شَيْئًا فالنِّسْيانُ اسْتِعارَةٌ كَما قالَ ﴿إلّا أحْصاها﴾ [الكهف: ٤٩] فَأسْنَدَ الإحْصاءَ إلَيْهِ مِن حَيْثُ الحَصْرُ فِيهِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لا يَتْرُكُ مَن كَفَرَ بِهِ حَتّى يَنْتَقِمَ مِنهُ ولا يَتْرُكُ مَن وحَّدَهُ حَتّى يُجازِيَهُ.