Lafzullah

Al-Bahr Al-Muhit — طه 20:71 – طه 20:109

المؤلف / المصدر: Al-Bahr Al-Muhit

المحتويات
  1. طه 20:71
  2. طه 20:72
  3. طه 20:73
  4. طه 20:74
  5. طه 20:75
  6. طه 20:76
  7. طه 20:77
  8. طه 20:78
  9. طه 20:79
  10. طه 20:80
  11. طه 20:81
  12. طه 20:82
  13. طه 20:83
  14. طه 20:84
  15. طه 20:85
  16. طه 20:86
  17. طه 20:87
  18. طه 20:88
  19. طه 20:89
  20. طه 20:90
  21. طه 20:91
  22. طه 20:92
  23. طه 20:93
  24. طه 20:94
  25. طه 20:95
  26. طه 20:96
  27. طه 20:97
  28. طه 20:98
  29. طه 20:99
  30. طه 20:100
  31. طه 20:101
  32. طه 20:102
  33. طه 20:103
  34. طه 20:104
  35. طه 20:105
  36. طه 20:106
  37. طه 20:107
  38. طه 20:108
  39. طه 20:109

طه 20:71

﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ﴾، أيْ: مُعْرِضًا عَنْ قَبُولِ الحَقِّ، أوْ تَوَلّى ذَلِكَ الأمْرَ بِنَفْسِهِ، أوْ فَرَجَعَ إلى أهْلِهِ لِاسْتِعْدادِ مَكايِدِهِ، أوْ أدْبَرَ عَلى عادَةِ المُتَواعِدِينَ أنْ يُوَلِّيَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما صاحِبَهُ ظَهْرَهُ إذا افْتَرَقا. أقْوالٌ ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾، أيْ: ذَوِي كَيْدِهِ وهُمُ السَّحَرَةُ. وكانُوا عِصابَةً لَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ أسْحَرَ مِنها ﴿ثُمَّ أتى﴾ لِلْمَوْعِدِ الَّذِي كانُوا تَواعَدُوهُ. وأتى مُوسى أيْضًا بِمَن مَعَهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، قالَ لَهم مُوسى ﴿ويْلَكم لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ وتَقَدَّمُ تَفْسِيرُ ويْلٍ في سُورَةِ البَقَرَةِ، خاطَبَهم خِطابَ مُحَذِّرٍ ونَدَبَهم إلى قَوْلِ الحَقِّ إذا رَأوْهُ، وأنْ لا يُباهِتُوا بِكَذِبٍ. وعَنْ وهْبٍ لَمّا قالَ لِلسَّحَرَةِ (ويْلَكم) قالُوا: ما هَذا بِقَوْلِ ساحِرٍ ﴿فَيُسْحِتَكُمْ﴾ يُهْلِكَكم ويَسْتَأْصِلَكم، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى عِظَمِ الِافْتِراءِ وأنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ هَلاكُ الِاسْتِئْصالِ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ لا يَظْفَرُ بِالبُغْيَةِ ولا يَنْجَحُ طَلَبُهُ ﴿مَنِ افْتَرى﴾ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ. ولَمّا سَمِعَ السَّحَرَةُ مِنهُ هَذِهِ المَقالَةَ هالَهم ذَلِكَ ووَقَعَتْ في نُفُوسِهِمْ مَهابَتُهُ ﴿فَتَنازَعُوا أمْرَهُمْ﴾، أيْ: تَجاذَبُوهُ، والتَّنازُعُ يَقْتَضِي الِاخْتِلافَ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفَصٌ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وابْنُ جَرِيرٍ ﴿فَيُسْحِتَكُمْ﴾ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الحاءِ مَن أسْحَتَ رُباعِيًّا. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ ورُوَيْسٌ وابْنُ عباسٍ بِفَتْحِهِما مِن سَحَتَ ثُلاثِيًّا. وإسْرارُهُمُ النَّجْوى خِيفَةً مِن فِرْعَوْنَ أنْ يَتَبَيَّنَ فِيهِمْ ضَعْفًا لِأنَّهم (p-٢٥٥)لَمْ يَكُونُوا مُصَمِّمِينَ عَلى غَلَبَةِ مُوسى بَلْ كانَ ظَنًّا مِن بَعْضِهِمْ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ نَجْواهم إنْ غَلَبَنا مُوسى اتَّبَعْناهُ، وعَنْ قَتادَةَ إنْ كانَ ساحِرًا فَسَنَغْلِبُهُ، وإنْ كانَ مِنَ السَّماءِ فَلَهُ أمْرٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والظّاهِرُ أنَّهم تَشاوَرُوا في السِّرِّ وتَجاذَبُوا أهْدابَ القَوْلِ، ثُمَّ ﴿قالُوا إنَّ هَذانِ لَساحِرانِ﴾ فَكانَتْ نَجْواهم في تَلْفِيقِ هَذا الكَلامِ وتَزْوِيرِهِ خَوْفًا مِن غَلَبَتِهِما وتَثْبِيطًا لِلنّاسِ مِنِ اتِّباعِهِما. انْتَهى. وحَكى ابْنُ عَطِيَّةَ قَرِيبًا مِن هَذا القَوْلِ عَنْ فِرْقَةٍ، قالُوا: إنَّما كانَ تَناجِيهِمْ بِالآيَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذا ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾ والأظْهَرُ أنَّ تِلْكَ قِيلَتْ عَلانِيَةً، ولَوْ كانَ تَناجِيهِمْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ تَنازُعٌ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ والحَسَنُ وشَيْبَةُ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وحُمَيْدٌ وأيُّوبُ وخَلَفٌ في اخْتِيارِهِ وأبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ وابْنُ عِيسى الأصْبَهانِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ جُبَيْرٍ الأنْطاكِيُّ والأخَوانِ والصّاحِبانِ مِنَ السَّبْعَةِ (إنَّ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ (هَذانِ) بِألِفٍ ونُونٍ خَفِيفَةٍ ﴿لَساحِرانِ﴾ واخْتُلِفَ في تَخْرِيجِ هَذِهِ القِراءَةِ. فَقالَ القُدَماءُ مِنَ النُّحاةِ إنَّهُ عَلى حَذْفِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ، والتَّقْدِيرُ إنَّهُ هَذانِ لَساحِرانِ، وخَبَرُ (إنَّ) الجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ (هَذانِ لَساحِرانِ) واللّامُ في ﴿لَساحِرانِ﴾ داخِلَةٌ عَلى خَبَرِ المُبْتَدَأِ، وضُعِّفَ هَذا القَوْلُ بِأنَّ حَذْفَ هَذا الضَّمِيرِ لا يَجِيءُ إلّا في الشِّعْرِ، وبِأنَّ دُخُولَ اللّامِ في الخَبَرِ شاذٌّ. وقالَ الزَّجّاجُ: اللّامُ لَمْ تَدْخُلْ عَلى الخَبَرِ بَلِ التَّقْدِيرُ لَهُما ساحِرانِ فَدَخَلَتْ عَلى المُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ، واسْتَحْسَنَ هَذا القَوْلَ شَيْخُهُ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ والقاضِي إسْماعِيلُ بْنُ إسْحاقَ بْنِ حَمّادِ بْنِ زَيْدٍ. وقِيلَ: (ها) ضَمِيرُ القِصَّةِ ولَيْسَ مَحْذُوفًا، وكانَ يُناسِبُ عَلى هَذا أنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً في الخَطِّ فَكانَتْ كِتابَتُها ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾ وضُعِّفَ ذَلِكَ مِن جِهَةِ مُخالَفَتِهِ خَطَّ المُصْحَفِ. وقِيلَ (إنْ) بِمَعْنى نَعَمْ، وثَبَتَ ذَلِكَ في اللُّغَةِ فَتُحْمَلُ الآيَةُ عَلَيْهِ و﴿هَذانِ لَساحِرانِ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، واللّامُ في ﴿لَساحِرانِ﴾ عَلى ذَيْنَكِ التَّقْدِيرَيْنِ في هَذا التَّخْرِيجِ، والتَّخْرِيجُ الَّذِي قَبْلَهُ، وإلى هَذا ذَهَبَ المُبَرِّدُ وإسْماعِيلُ بْنُ إسْحاقَ وأبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ الصَّغِيرُ، والَّذِي نَخْتارُهُ في تَخْرِيجِ هَذِهِ القِراءَةِ أنَّها جاءَتْ عَلى لُغَةِ بَعْضِ العَرَبِ مِن إجْراءِ المُثَنّى بِالألِفِ دائِمًا وهي لُغَةٌ لِكِنانَةَ، حَكى ذَلِكَ أبُو الخَطّابِ، ولِبَنِي الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ، وخَثْعَمٍ وزُبَيْدٍ وأهْلِ تِلْكَ النّاحِيَةِ، حُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الكِسائِيِّ، ولِبَنِي العَنْبَرِ وبَنِي الهُجَيْمِ ومُرادٍ وعُذْرَةَ. وقالَ أبُو زَيْدٍ: سَمِعْتُ مِنَ العَرَبِ مَن يَقْلِبُ كُلَّ ياءٍ يَنْفَتِحُ ما قَبْلَها ألِفًا. وقَرَأ أبُو بَحْرِيَّةَ وأبُو حَيْوَةَ والزُّهْرِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وحُمَيْدٌ وابْنُ سَعْدانَ وحَفْصٌ وابْنُ كَثِيرٍ (إنْ) بِتَخْفِيفِ النُّونِ هَذا بِالألِفِ، وشَدَّدَ نُونَ ﴿هَذانِ﴾ ابْنُ كَثِيرٍ، وتَخْرِيجُ هَذِهِ القِراءَةِ واضِحٌ وهو عَلى أنَّ (إنْ) هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ و(هَذانِ) مُبْتَدَأٌ و﴿لَساحِرانِ﴾ الخَبَرُ واللّامُ لِلْفَرْقِ بَيْنَ إنِ النّافِيَةِ وإنِ المُخَفِّفَةِ مِنَ الثَّقِيلَةِ عَلى رَأْيِ البَصْرِيِّينَ، والكُوفِيُّونَ يَزْعُمُونَ أنَّ: (إنْ) نافِيَةٌ واللّامُ بِمَعْنى إلّا. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: إنْ ذانِ لَساحِرانِ، وتَخْرِيجُها كَتَخْرِيجِ القِراءَةِ الَّتِي قَبْلَها، وقَرَأتْ عائِشَةُ والحَسَنُ والنَّخَعِيُّ والجَحْدَرِيُّ والأعْمَشُ وابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ عُبَيْدٍ وأبُو عَمْرٍو (إنَّ هَذَيْنِ) بِتَشْدِيدِ نُونِ إنَّ وبِالياءِ في هَذَيْنِ بَدَلَ الألِفِ، وإعْرابُ هَذا واضِحٌ إذْ جاءَ عَلى المَهْيَعِ المَعْرُوفِ في التَّثْنِيَةِ لِقَوْلِهِ ﴿فَذانِكَ بُرْهانانِ﴾ [القصص: ٣٢] ﴿إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ﴾ [القصص: ٢٧] بِالألِفِ رَفْعًا والياءِ نَصْبًا وجَرًّا. وقالَ الزَّجّاجُ: لا أُجِيزُ قِراءَةَ أبِي عَمْرٍو لِأنَّها خِلافُ المُصْحَفِ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: رَأيْتُها في الإمامِ مُصْحَفِ عُثْمانَ هَذَنِ لَيْسَ فِيها ألِفٌ، وهَكَذا رَأيْتُ رَفْعَ الِاثْنَيْنِ في ذَلِكَ المُصْحَفِ بِإسْقاطِ الألِفِ، وإذا كَتَبُوا النَّصْبَ والخَفْضَ كَتَبُوهُ بِالياءِ ولا يُسْقِطُونَها، وقالَتْ جَماعَةٌ مِنهم عائِشَةُ وأبُو عَمْرٍو: هَذا مِمّا لَحَنَ الكاتِبُ فِيهِ وأُقِيمَ بِالصَّوابِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (إنْ ذانِ إلّا ساحِرانِ) قالَهُ ابْنُ خالَوَيْهِ وعَزاها الزَّمَخْشَرِيُّ لِأُبَيٍّ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: (أنْ هَذانِ ساحِرانِ) بِفَتْحِ أنْ وبِغَيْرِ لامٍ بَدَلٌ مِنَ ﴿النَّجْوى﴾ انْتَهى. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ (ما هَذا إلّا ساحِرانِ)، وقَوْلُهم ﴿يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِما﴾ تَبِعُوا فِيهِ (p-٢٥٦)مَقالَةَ فِرْعَوْنَ ﴿أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا بِسِحْرِكَ﴾ [طه: ٥٧] ونَسَبُوا السِّحْرَ أيْضًا لِهارُونَ لَمّا كانَ مَشْتَرِكًا مَعَهُ في الرِّسالَةِ وسالِكًا طَرِيقَتَهُ، وعَلَّقُوا الحُكْمَ عَلى الإرادَةِ وهم لا اطِّلاعَ لَهم عَلَيْها تَنْقِيصًا لَهُما وحَطًّا مِن قَدْرِهِما، وقَدْ كانَ ظَهَرَ لَهم مِن أمْرِ اليَدِ والعَصا ما يَدُلُّ عَلى صِدْقِهِما، وعَلِمُوا أنَّهُ لَيْسَ في قُدْرَةِ السّاحِرِ أنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِ ذَلِكَ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿قالُوا﴾ عائِدٌ عَلى السَّحَرَةِ، خاطَبَ بَعْضُهم بَعْضًا. وقِيلَ: خاطَبُوا فِرْعَوْنَ مُخاطَبَةَ التَّعْظِيمِ، والطَّرِيقَةُ السِّيرَةُ والمَمْلَكَةُ والحالُ الَّتِي هم عَلَيْها. و﴿المُثْلى﴾ تَأْنِيثُ الأمْثَلِ، أيِ: الفُضْلى الحُسْنى. وقِيلَ: عَبَّرَ عَنِ السِّيرَةِ بِالطَّرِيقَةِ وأنَّهُ يُرادُ بِها أهْلُ العَقْلِ والسِّنِّ والحِجى، وحَكَوْا أنَّ العَرَبَ تَقُولُ فُلانٌ طَرِيقَةُ قَوْمِهِ، أيْ: سَيِّدُهم، وعَنْ عَلِيٍّ نَحْوُ ذَلِكَ قالَ: وتَصَرُّفاتُ وُجُوهِ النّاسِ إلَيْهِما. وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ﴿ويَذْهَبا﴾ بِأهْلِ طَرِيقَتِكم وهم بَنُو إسْرائِيلَ لِقَوْلِ مُوسى ﴿أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٧] بالَغُوا في التَّنْفِيرِعَنْهُما بِنِسْبَتِهِما إلى السِّحْرِ، وبِالطَّبْعِ يُنْفَرُ عَنِ السِّحْرِ وعَنْ رُؤْيَةِ السّاحِرِ ثُمَّ بِإرادَةِ الإخْراجِ مِن أرْضِهِمْ ثُمَّ بِتَغْيِيرِ حالَتِهِمْ مِنَ المَناصِبِ والرُّتَبِ المَرْغُوبِ فِيها. وحَكى تَعالى عَنْهم في مُتابَعَةِ فِرْعَوْنَ في قَوْلِهِ ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ قَوْلَهُ ﴿فَأجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾ وقِيلَ: هو مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ، والظّاهِرُ أنَّهُ مِن كَلامِ السَّحَرَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فَأجْمِعُوا﴾ بِقَطْعِ الهَمْزَةِ وكَسْرِ المِيمِ مِن أجْمَعَ رُباعِيًّا، أيِ: اعْزِمُوا واجْعَلُوهُ مُجْمَعًا عَلَيْهِ حَتّى لا تَخْتَلِفُوا ولا يَتَخَلَّفَ واحِدٌ مِنكم، كالمَسْألَةِ المُجْمَعِ عَلَيْها. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ في رِوايَةٍ وأبُو حاتِمٍ بِوَصْلِ الألِفِ وفَتْحِ المِيمِ مُوافِقًا لِقَوْلِهِ ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في جَمَعَ وأجْمَعَ في سُورَةِ يُونُسَ في قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. وتَداعَوْا إلى الإتْيانِ ”﴿صَفًّا﴾“ لِأنَّهُ أهْيَبُ في عُيُونِ الرّائِينَ، وأظْهَرُ في التَّمْوِيهِ وانْتَصَبَ ”﴿صَفًّا﴾“ عَلى الحالِ، أيْ: مُصْطَفِّينَ أوْ مَفْعُولًا بِهِ إذْ هو المَكانُ الَّذِي يَجْتَمِعُونَ فِيهِ لِعِيدِهِمْ وصَلَواتِهِمْ. وقَرَأ شِبْلُ بْنُ عَبّادٍ وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةِ شِبْلٍ عَنْهُ (ثُمِّ ايْتُوا) بِكَسْرِ المِيمِ وإبْدالِ الهَمْزَةِ ياءً تَخْفِيفًا. قالَ أبُو عَلِيٍّ وهَذا غَلَطٌ ولا وجْهَ لِكَسْرِ المِيمِ مِن (ثُمِّ) . وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وذَلِكَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ كَما كانَتِ الفَتْحَةُ في العامَّةِ كَذَلِكَ ﴿وقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ﴾، أيْ: ظَفِرَ وفازَ بِبُغْيَتِهِ مَن طَلَبَ العُلُوَّ في أمْرِهِ وسَعى سَعْيَهُ، واخْتَلَفُوا في عَدَدِ السَّحَرَةِ اخْتِلافًا مُضْطَرِبًا جِدًّا؛ فَأقَلُّ ما قِيلَ أنَّهم كانُوا اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ ساحِرًا مَعَ كُلِّ ساحِرٍ عِصِيٌّ وحِبالٌ، وأكْثَرُ ما قِيلَ تِسْعُمِائَةِ ألْفٍ. (p-٢٥٧)﴿قالُوا يامُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ أوَّلَ مَن ألْقى﴾ ﴿قالَ بَلْ ألْقُوا فَإذا حِبالُهم وعِصِيُّهم يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾ ﴿فَأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ ﴿قُلْنا لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾ ﴿وألْقِ ما في يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ ولا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى﴾ ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قالُوا آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ ومُوسى﴾ ﴿قالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ولَأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ ولَتَعْلَمُنَّ أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾ ﴿قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ والَّذِي فَطَرَنا فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ إنَّما تَقْضِي هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ [طه: ٧٢] ﴿إنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ واللَّهُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [طه: ٧٣] ﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ [طه: ٧٤] ﴿ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلا﴾ [طه: ٧٥] ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ مَن تَزَكّى﴾ [طه: ٧٦] . فِي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ فَجاءُوا مُصْطَفِّينَ إلى مَكانِ المَوْعِدِ، وبِيَدِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم عَصًا وحَبْلٌ، وجاءَ مُوسى وأخُوهُ ومَعَهُ عَصاهُ فَوَقَفُوا و﴿قالُوا يامُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ﴾ وذَكَرُوا الإلْقاءَ لِأنَّهم عَلِمُوا أنَّ آيَةَ مُوسى في إلْقاءِ العَصا. قِيلَ: خَيَّرُوهُ ثِقَةً مِنهم بِالغَلَبِ لِمُوسى، وكانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ أحَدًا لا يُقاوِمُهم في السِّحْرِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا التَّخْيِيرُ مِنهُمُ اسْتِعْمالُ أدَبٍ حَسَنٍ مَعَهُ وتَواضُعٌ لَهُ وخَفْضُ جَناحٍ، وتَنْبِيهٌ عَلى إعْطائِهِمُ النَّصَفَةَ مِن أنْفُسِهِمْ، وكانَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - ألْهَمَهم ذَلِكَ وعَلَّمَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - اخْتِيارَ إلْقائِهِمْ أوَّلًا مَعَ ما فِيهِ مِن مُقابَلَةِ الأدَبِ بِأدَبٍ (p-٢٥٨)حَتّى يُبْرِزُوا ما مَعَهم مِن مَكائِدِ السِّحْرِ ويَسْتَنْفِذُوا أقْصى طُرُقِهِمْ ومَجْهُودِهِمْ، فَإذا فَعَلُوا أظْهَرَ اللَّهُ سُلْطانَهُ وقَذَفَ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَدَمَغَهُ وسَلَّطَ المُعْجِزَةَ عَلى السِّحْرِ فَمَحَقَتْهُ، وكانَتْ آيَةً بَيِّنَةً لِلنّاظِرِينَ بَيِّنَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ. انْتَهى. وهو تَكْثِيرٌ وخَطابَةٌ وإنَّ ما بَعْدَهُ يَنْسَبِكُ بِمَصْدَرٍ فَإمّا أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا وإمّا أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا، والمَعْنى أنَّكَ تَخْتارُ أحَدَ الأمْرَيْنِ، وقَدَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ الرَّفْعَ، الأمْرُ إلْقاؤُكَ أوْ إلْقاؤُنا فَجَعَلَهُ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، واخْتارَ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ إلْقاؤُكَ أوَّلُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿وإمّا أنْ نَكُونَ أوَّلَ مَن ألْقى﴾ فَتَحْسُنُ المُقابَلَةُ مِن حَيْثُ المَعْنى وإنْ كانَ مِن حَيْثُ التَّرْكِيبِ اللَّفْظِيِّ لَمْ تَحْصُلِ المُقابَلَةُ لِأنّا قَدَّرْنا: إلْقاؤُكَ أوَّلُ، ومُقابَلَةُ كَوْنِهِمْ يَكُونُونَ أوَّلَ مَن يُلْقِي لَكِنَّهُ يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ إلْقاؤُهم أوَّلَ فَهي مُقابَلَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ. وفي تَقْدِيرِ الزَّمَخْشَرِيِّ الأمْرُ إلْقاؤُكَ لا مُقابَلَةَ فِيهِ. وقَدَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ النَّصْبَ: اخْتَرْ أحَدَ الأمْرَيْنِ وهَذا تَفْسِيرُ مَعْنًى لا تَفْسِيرُ إعْرابٍ، وتَفْسِيرُ الإعْرابِ (إمّا) نَخْتارُ ﴿أنْ تُلْقِيَ﴾ وتَقَدَّمَ نَحْوُ هَذا التَّرْكِيبِ في الأعْرافِ. ﴿قالَ بَلْ ألْقُوا﴾ لا يَكُونُ الأمْرُ بِالإلْقاءِ مِن بابِ تَجْوِيزِ السِّحْرِ والأمْرِ بِهِ؛ لِأنَّ الغَرَضَ في ذَلِكَ الفَرْقُ بَيْنَ إلْقائِهِمْ والمُعْجِزَةِ، وتَعَيَّنَ ذَلِكَ طَرِيقًا إلى كَشْفِ الشُّبْهَةِ إذِ الأمْرُ مَقْرُونٌ بِشَرْطٍ، أيْ: ألْقُوا إنْ كُنْتُمْ مُحِقِّينَ لِقَوْلِهِ ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس: ٣٨] ثُمَّ قالَ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٣٨] وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ فَألْقَوْا فَإذا. قالَ أبُو البَقاءِ: ﴿فَإذا حِبالُهُمْ﴾ الفاءُ جَوابُ ما حُذِفَ، وتَقْدِيرُهُ فَألْقَوْا وإذا في هَذا ظَرْفُ مَكانٍ، والعامِلُ فِيهِ ألْقَوْا. انْتَهى. فَقَوْلُهُ: ”فَإذا الفاءُ جَوابُ ما حُذِفَ وتَقْدِيرُهُ فَألْقَوْا“ لَيْسَتْ هَذِهِ فاءَ جَوابٍ؛ لِأنَّ فَألْقَوْا لا تُجابُ، وإنَّما هي لِلْعَطْفِ؛ عَطَفَتْ جُمْلَةَ المُفاجَأةِ عَلى ذَلِكَ المَحْذُوفِ. وقَوْلُهُ: ”وإذا في هَذا ظَرْفُ مَكانٍ“ يَعْنِي أنَّ إذا الَّتِي لِلْمُفاجَأةِ ظَرْفُ مَكانٍ (p-٢٥٩)وهُوَ مَذْهَبُ المُبَرِّدِ، وظاهِرُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ وقَوْلِهِ: ”والعامِلُ فِيهِ ألْقَوْا“ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ الفاءَ تَمْنَعُ مِنَ العَمَلِ ولِأنَّ إذا هَذِهِ إنَّما هي مَعْمُولَةٌ لِخَبَرِ المُبْتَدَأِ الَّذِي هو ﴿حِبالُهم وعِصِيُّهُمْ﴾ إنْ لَمْ يَجْعَلْها هي في مَوْضِعِ الخَبَرِ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ يُخَيَّلُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ إذا ويُخَيَّلُ في مَوْضِعِ الحالِ، وهَذا نَظِيرُ: خَرَجْتُ فَإذا الأسَدُ رابِضٌ ورابِضًا فَإذا رَفَعْنا رابِضًا كانَتْ إذا مَعْمُولَةً، والتَّقْدِيرُ فَبِالحَضْرَةِ الأسَدُ رابِضٌ أوْ في المَكانِ، وإذا نَصَبْنا كانَتْ إذا خَبَرًا؛ ولِذَلِكَ تَكْتَفِي بِها وبِالمَرْفُوعِ بَعْدَها كَلامًا، نَحْوُ خَرَجْتُ فَإذا الأسَدُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ:، يُقالُ في إذا هَذِهِ إذا المُفاجَأةُ والتَّحْقِيقُ فِيها أنَّها إذا الكائِنَةُ بِمَعْنى الوَقْتِ الطّالِبَةُ ناصِبًا لَها، وجُمْلَةٌ تُضافُ إلَيْها خُصَّتْ في بَعْضِ المَواضِعِ بِأنْ يَكُونَ ناصَبُها فِعْلًا مَخْصُوصًا وهو فِعْلُ المُفاجَأةِ، والجُمْلَةُ ابْتِدائِيَّةٌ لا غَيْرُ، فَتَقْدِيرُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإذا حِبالُهم وعِصِيُّهُمْ﴾ فَفاجَأ مُوسى وقْتَ تَخْيِيلِ حِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ، وهَذا تَمْثِيلٌ والمَعْنى عَلى مُفاجَأتِهِ حِبالَهم وعِصِيَّهم مُخَيِّلَةً إلَيْهِ السَّعْيَ. انْتَهى. فَقَوْلُهُ: والتَّحْقِيقُ فِيها إذا كانَتِ الكائِنَةُ بِمَعْنى الوَقْتِ هَذا مَذْهَبُ الرِّياشِيِّ أنَّ إذا الفُجائِيَّةَ ظَرْفُ زَمانٍ وهو قَوْلٌ مَرْجُوحٌ، وقَوْلُ الكُوفِيِّينَ أنَّها حَرْفٌ قَوْلٌ مَرْجُوحٌ أيْضًا، وقَوْلُهُ الطّالِبَةُ ناصِبًا لَها صَحِيحٌ، وقَوْلُهُ: وجُمْلَةٌ تُضافُ إلَيْها؛ هَذا عِنْدَ أصْحابِنا لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأنَّها إمّا أنْ تَكُونَ هي خَبَرَ المُبْتَدَأِ وإمّا مَعْمُولَةً لِخَبَرِ المُبْتَدَأِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ اسْتَحالَ أنْ تُضافَ إلى الجُمْلَةِ لِأنَّها إمّا أنْ تَكُونَ بَعْضَ جُمْلَةٍ أوْ مَعْمُولَةً لِبَعْضِها، فَلا تُمْكِنُ الإضافَةُ. وقَوْلُهُ خُصَّتْ في بَعْضِ المَواضِعِ بِأنْ يَكُونَ ناصِبُها فِعْلًا مَخْصُوصًا وهو فِعْلُ المُفاجَأةِ قَدْ بَيَّنّا النّاصِبَ لَها، وقَوْلُهُ: ”والجُمْلَةُ ابْتِدائِيَّةٌ لا غَيْرُ“ هَذا الحَصْرُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، بَلْ قَدْ نَصَّ الأخْفَشُ في الأوْسَطِ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ المَصْحُوبَةَ بِقَدْ تَلِيها وهي فِعْلِيَّةٌ، تَقُولُ: خَرَجْتُ فَإذا قَدْ ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا، وبَنى عَلى ذَلِكَ مَسْألَةَ الِاشْتِغالِ، خَرَجْتُ فَإذا زِيدٌ قَدْ ضَرَبَهُ عَمْرٌو، بِرَفْعِ زَيْدٍ ونَصْبِهِ، وأمّا قَوْلُهُ: والمَعْنى عَلى مُفاجَأتِهِ حِبالَهم وعِصِيَّهم مُخَيِّلَةً إلَيْهِ السَّعْيَ فَهَذا بِعَكْسِ ما قُدِّرَ، بَلِ المَعْنى عَلى مُفاجَأةِ حِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ إيّاهُ. فَإذا قُلْتَ: خَرَجْتُ فَإذا السَّبْعُ، فالمَعْنى أنَّهُ فاجَأنِي السَّبْعُ وهَجَمَ ظُهُورُهُ. وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى عُصِيَّهم بِضَمِّ العَيْنِ حَيْثُ كانَ وهو الأصْلُ؛ لِأنَّ الكَسْرَ إتْباعٌ لِحَرَكَةِ الصّادِ، وحَرَكَةُ الصّادِ لِأجْلِ الياءِ. وفي كِتابِ اللَّوامِحِ، الحَسَنُ وعُصْيُهم بِضَمِّ العَيْنِ وإسْكانِ الصّادِ وتَخْفِيفِ الياءِ مَعَ الرَّفْعِ فَهو أيْضًا جَمْعٌ كالعامَّةِ لَكِنَّهُ عَلى فُعْلٍ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ والحَسَنُ وعِيسى وأبُو حَيْوَةَ وقَتادَةُ والجَحْدَرِيُّ ورَوْحٌ والوَلِيدانِ وابْنُ ذَكْوانَ تُخَيَّلُ بِالتّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وفِيهِ ضَمِيرُ الحِبالِ والعِصِيِّ و﴿أنَّها تَسْعى﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن ذَلِكَ الضَّمِيرِ. وقَرَأ أبُو السَّمّاكِ تَخَيَّلُ بِفَتْحِ التّاءِ، أيْ: تَتَخَيَّلُ وفِيها أيْضًا ضَمِيرُ ما ذَكَرُوا ﴿أنَّها تَسْعى﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ أيْضًا مِن ذَلِكَ الضَّمِيرِ لَكِنَّهُ فاعِلٌ مِن جِهَةِ المَعْنى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّها مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ. وقالَ أبُو القاسِمِ بْنُ حُبارَةَ الهُذَلِيُّ الأنْدَلُسِيُّ في كِتابِ الكامِلِ مِن تَأْلِيفِهِ عَنْ أبِي السَّمّاكِ أنَّهُ قَرَأ تُخَيَّلُ بِالتّاءِ مِن فَوْقُ المَضْمُومَةِ وكَسْرِ الياءِ، والضَّمِيرُ فِيهِ فاعِلٌ، و﴿أنَّها تَسْعى﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِ بِهِ. ونَسَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ هَذِهِ القِراءَةَ إلى الحَسَنِ والثَّقَفِيِّ يَعْنِي عِيسى، ومَن بَنى تُخَيَّلُ لِلْمَفْعُولِ، فالمُخَيِّلُ لَهم ذَلِكَ هو اللَّهُ لِلْمِحْنَةِ والِابْتِلاءِ ورَوى الحَسَنُ بْنُ أيْمَنَ عَنْ أبِي حَيْوَةَ نُخَيِّلُ بِالنُّونِ وكَسْرِ الياءِ، فالمُخَيِّلُ لَهم ذَلِكَ هو اللَّهُ والضَّمِيرُ في (إلَيْهِ) الظّاهِرُ أنَّهُ يَعُودُ عَلى مُوسى لِقَوْلِهِ قَبْلُ ﴿قالَ بَلْ ألْقُوا﴾ ولِقَوْلِهِ بَعْدُ ﴿فَأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ وقِيلَ: يَعُودُ عَلى فِرْعَوْنَ، والظّاهِرُ مِنَ القَصَصِ أنَّ الحِبالَ والعِصِيَّ كانَتْ تَتَحَرَّكُ وتَنْتَقِلُ الِانْتِقالَ الَّذِي يُشْبِهُ انْتِقالَ مَن قامَتْ بِهِ الحَياةُ، ولِذَلِكَ ذَكَرَ السَّعْيَ وهو وصْفُ مَن يَمْشِي مِنَ الحَيَوانِ، فَرُوِيَ أنَّهم جَعَلُوا في الحِبالِ والعِصِيَّ زِئْبَقًا وألْقَوْها في الشَّمْسِ فَأصابَ الزِّئْبَقُ حَرارَةَ الشَّمْسِ فَتَحَرَّكَ (p-٢٦٠)فَتَحَرَّكَتِ العِصِيُّ والحِبالُ مَعَهُ. وقِيلَ: حَفَرُوا الأرْضَ وجَعَلُوا تَحْتَها نارًا وكانَتِ العِصِيُّ والحِبالُ مَمْلُوءَةً بِزِئْبَقٍ، فَلَمّا أصابَتْها حَرارَةُ الأرْضِ تَحَرَّكَتْ وكانَ هَذا مِن بابِ الدَّكِّ. وقِيلَ: إنَّها لَمْ تَتَحَرَّكْ وكانَ ذَلِكَ مِن سِحْرِ العُيُونِ وقَدْ صَرَّحَ تَعالى بِهَذا فَقالُوا ﴿سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ [الأعراف: ١١٦] فَكانَ النّاظِرُ يُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّها تَنْتَقِلُ. وتَقَدَّمَ شَرْحُ أوْجَسَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَ ذَلِكَ لِطَبْعِ الجِبِلَّةِ البَشَرِيَّةِ وأنَّهُ لا يَكادُ يُمْكِنُ الخُلُوُّ مِن مِثْلِهِ وهو قَوْلُ الحَسَنِ. وقِيلَ: كانَ خَوْفُهُ عَلى النّاسِ أنْ يَفْتَتِنُوا لِهَوْلِ ما رَأى قَبْلَ أنْ يُلْقِيَ عَصاهُ وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ، والإيجاسُ هو مِنَ الهاجِسِ الَّذِي يَخْطُرُ بِالبالِ ولَيْسَ يُتَمَكَّنُ و﴿خِيفَةً﴾ أصْلُهُ خَوْفَةً قُلِبَتِ الواوُ ياءً لِكَسْرَةِ ما قَبْلَها. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ خَوْفَةً بِفَتْحِ الخاءِ قُلِبَتِ الواوُ ياءً ثُمَّ كُسِرَتِ الخاءُ لِلتَّناسُبِ. ﴿إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾ تَقْرِيرٌ لِغَلَبَتِهِ وقَهْرِهِ وتَوْكِيدٌ بِالِاسْتِئْنافِ وبِكَلِمَةِ التَّوْكِيدِ وبِتَكْرِيرِ الضَّمِيرِ وبِلامِ التَّعْرِيفِ، وبِالأعْلَوِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى التَّفْضِيلِ ﴿وألْقِ ما في يَمِينِكَ﴾ لَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ وألْقِ عَصاكَ لِما في لَفْظِ اليَمِينِ مِن مَعْنى اليُمْنِ والبَرَكَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَوْلُهُ ﴿ما في يَمِينِكَ﴾ ولَمْ يَقُلْ عَصاكَ جائِزٌ أنْ يَكُونَ تَصْغِيرًا لَها، أيْ: لا تُبالِ بِكَثْرَةِ حِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ، وألْقِ العُوَيْدَ الفَرْدَ الصَّغِيرَ الجِرْمِ الَّذِي في يَمِينِكَ فَإنَّهُ بِقُدْرَةِ اللَّهِ يَتَلَقَّفُها عَلى حِدَّتِهِ وكَثْرَتِها وصِغَرِهِ وعِظَمِها، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ تَعْظِيمًا لَها، أيْ: لا تَحْتَفِلُ بِهَذِهِ الأجْرامِ الكَبِيرَةِ الكَثِيرَةِ فَإنَّ في يَمِينِكَ شَيْئًا أعْظَمَ مِنها كُلِّها وهَذِهِ عَلى كَثْرَتِها أقَلُّ شَيْءٍ وأنْزَرُهُ عِنْدَها، فَألْقِهِ تَتَلَقَّفْها بِإذْنِ اللَّهِ وتَمْحَقْها. انْتَهى. وهو تَكْثِيرٌ، وخِطابُهُ لا طائِلَ في ذَلِكَ. وفِي قَوْلِهِ ﴿تَلْقَفْ﴾ حَمْلٌ عَلى مَعْنى ما لا عَلى لَفْظِها إذْ أُطْلِقَتْ ما عَلى العَصا والعَصا مُؤَنَّثَةٌ، ولَوْ حُمِلَ عَلى اللَّفْظِ لَكانَ بِالياءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿تَلْقَفْ﴾ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ مَجْزُومًا عَلى جَوابِ الأمْرِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ كَذَلِكَ وبِرَفْعِ الفاءِ عَلى الِاسْتِئْنافِ أوْ عَلى الحالِ مِنَ المُلْقى. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وحَفْصٌ وعِصْمَةُ عَنْ عاصِمٍ ﴿تَلْقَفْ﴾ بِإسْكانِ اللّامِ والفاءِ وتَخْفِيفِ القافِ وعَنْ قُنْبُلٍ أنَّهُ كانَ يُشَدِّدُ مِن تَلَقَّفْ يُرِيدُ يَتَلَقَّفْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿كَيْدُ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ (ما) مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي والعائِدُ مَحْذُوفٌ، ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ (ما) مَصْدَرِيَّةً، أيْ: أنْ صَنَعْتُمْ كَيْدٌ، ومَعْنى ﴿صَنَعُوا﴾ هُنا زَوَّرُوا وافْتَعَلُوا كَقَوْلِهِ ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ [الشعراء: ٤٥] . وقَرَأ مُجاهِدٌ وحُمَيْدٌ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (كَيْدُ سَحِرٍ) بِالنَّصْبِ مَفْعُولًا لِصَنَعُوا وما مُهَيِّئَةٌ. وقَرَأ أبُو بَحْرِيَّةَ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وابْنُ أبِي لَيْلى وخَلَفٌ في اخْتِيارِهِ وابْنُ عِيسى الأصْبَهانِيُّ وابْنُ جُبَيْرٍ الأنْطاكِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ (سِحْرٍ) بِكَسْرِ السِّينِ وإسْكانِ الحاءِ بِمَعْنى ذِي سِحْرٍ أوْ ذَوِي سِحْرٍ، أوْ هم لِتَوَغُّلِهِمْ في سِحْرِهِمْ كَأنَّهُمُ السِّحْرُ بِعَيْنِهِ أوْ بِذاتِهِ، أوْ بَيِّنُ الكَيْدِ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ سِحْرًا وغَيْرَ سِحْرٍ كَما تَبِينُ المِائَةُ بِدِرْهَمٍ، ونَحْوُهُ عِلْمُ فِقْهٍ وعِلْمُ نَحْوٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ساحِرٍ﴾ اسْمُ فاعِلٍ مِن سَحَرَ، وأُفْرِدَ ساحِرٌ مِن حَيْثُ أنَّ فِعْلَ الجَمِيعِ نَوْعٌ واحِدٌ مِنَ السِّحْرِ، وذَلِكَ الحِبالُ والعِصِيُّ فَكَأنَّهُ صَدَرَ مِن ساحِرٍ واحِدٍ لِعَدَمِ اخْتِلافِ أنْواعِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأنَّ القَصْدَ في هَذا الكَلامِ إلى مَعْنى الجِنْسِيَّةِ لا إلى مَعْنى العَدَدِ، فَلَوْ جُمِعَ لَخُيِّلَ أنَّ المَقْصُودَ هو العَدَدُ ألا تَرى أنَّ قَوْلَهُ ﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُ﴾، أيْ: هَذا الجِنْسُ، انْتَهى. وعَرَّفَ في قَوْلِهِ ﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُ﴾؛ لِأنَّهُ عادَ عَلى ﴿ساحِرٍ﴾ النَّكِرَةِ قَبْلَهُ كَقَوْلِهِ ﴿كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ [المزمل: ١٥] ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٦] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّما نُكِّرَ يَعْنِي أوَّلًا مِن أجْلِ تَنْكِيرِ المُضافِ لا مِن أجْلِ تَنْكِيرِهِ في نَفْسِهِ كَقَوْلِ العَجّاجِ: ؎فِي سَعْيِ دُنْيا طالَ ما قَدْ مُدَّتِ وفِي حَدِيثِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لا في أمْرِ دُنْيا ولا في أمْرِ آخِرَةٍ، المُرادُ تَنْكِيرُ الأمْرِ كَأنَّهُ قالَ: إنَّما صَنَعُوا كَيْدٌ سِحْرِيٌّ وفي سَعْيٍ دُنْياوِيٍّ وأمْرٍ دُنْياوِيٍّ وأُخْراوِيٍّ. انْتَهى. وقَوْلُ العَجّاجِ. في سَعْيِ دُنْيا، مَحْمُولٌ عَلى الضَّرُورَةِ إذْ دُنْيا تَأْنِيثُ الأدْنى، ولا يُسْتَعْمَلُ تَأْنِيثُهُ إلّا (p-٢٦١)بِالألِفِ واللّامِ أوْ بِالإضافَةِ، وأمّا قَوْلُ عُمَرَ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن تَحْرِيفِ الرُّواةِ. ومَعْنى ﴿ولا يُفْلِحُ﴾ لا يَظْفَرُ بِبُغْيَتِهِ ﴿حَيْثُ أتى﴾ أيْ حَيْثُ تَوَجَّهَ وسَلَكَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ أنَّ السّاحِرَ يُقْتَلُ حَيْثُ ثُقِفَ، وهَذا جَزاءُ مَن عُدِمَ الفَلاحَ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: أيْنَ أتى، وبَعْدَ هَذا جُمَلٌ مَحْذُوفَةٌ، والتَّقْدِيرُ: فَزالَ إيجاسُ الخِيفَةِ وألْقى ما في يَمِينِهِ وتَلَقَّفَتْ حِبالَهم وعِصِيَّهم ثُمَّ انْقَلَبَتْ عَصًا، وفَقَدُوا الحِبالَ والعِصِيَّ وعَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ مُعْجِزٌ لَيْسَ في طَوْقِ البَشَرِ ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ وجاءَ التَّرْكِيبُ ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ﴾ ولَمْ يَأْتِ فَسَجَدُوا، كَأنَّهُ جاءَهم أمْرٌ وأزْعَجَهم وأخَذَهم فَصَنَعَ بِهِمْ ذَلِكَ، وهو عِبارَةٌ عَنْ سُرْعَةِ ما تَأثَّرُوا لِذَلِكَ الخارِقِ العَظِيمِ فَلَمْ يَتَمالَكُوا أنْ وقَعُوا ساجِدِينَ. وقَدَّمَ مُوسى في الأعْرافِ وأخَّرَ هارُونَ لِأجْلِ الفَواصِلِ، ولِكَوْنِ مُوسى هو المَنسُوبَ إلَيْهِ العَصا الَّتِي ظَهَرَ فِيها ما ظَهَرَ مِنَ الإعْجازِ، وأخَّرَ مُوسى لِأجْلِ الفَواصِلِ أيْضًا كَقَوْلِهِ ﴿لَكانَ لِزامًا وأجَلٌ مُسَمًّى﴾ [طه: ١٢٩] و﴿أزْواجًا مِن نَباتٍ﴾ [طه: ٥٣] إذا كانَ شَتّى صِفَةً لِقَوْلِهِ ﴿أزْواجًا﴾ [طه: ٥٣] ولا فَرْقَ بَيْنَ قامَ زَيْدٌ وعَمْرٌو، وقامَ عَمْرٌو وزَيْدٌ، إذِ الواوُ لا تَقْتَضِي تَرْتِيبًا، عَلى أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ القَوْلانِ مِن قائِلَيْنِ؛ نَطَقَتْ طائِفَةٌ بِقَوْلِهِمْ: رَبِّ مُوسى وهارُونَ، وطائِفَةٌ بِقَوْلِهِمْ: رَبِّ هارُونَ ومُوسى، ولَمّا اشْتَرَكُوا في المَعْنى صَحَّ نِسْبَةُ كُلٍّ مِنَ القَوْلَيْنِ إلى الجَمِيعِ. وقِيلَ: قَدَّمَ هارُونَ هُنا لِأنَّهُ كانَ أكْبَرَ سِنًّا مِن مُوسى. وقِيلَ: لِأنَّ فِرْعَوْنَ كانَ رَبّى مُوسى فَبَدَءُوا بِهارُونَ لِيَزُولَ تَمْوِيهُ فِرْعَوْنَ أنَّهُ رَبّى مُوسى، فَيَقُولُ: أنا رَبَّيْتُهُ. وقالُوا: رَبِّ هارُونَ ومُوسى، ولَمْ يَكْتَفُوا بِقَوْلِهِمْ: بِرَبِّ العالَمِينَ؛ لِلنَّصِّ عَلى أنَّهم آمَنُوا بِرَبِّ هَذَيْنِ، وكانَ فِيما قَبْلُ يَزْعُمُ أنَّهُ رَبُّ العالَمِينَ. وتَقَدَّمَ الخِلافُ في قِراءَةِ ﴿آمَنتُمْ﴾ وفي ﴿لَأُقَطِّعَنَّ﴾ [الأعراف: ١٢٤] و﴿ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٢٤] في الأعْرافِ. وتَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ فِيها، وجاءَ هُناكَ ﴿آمَنتُمْ لَهُ﴾ وهُنا (لَهُ)، وآمَنَ يُوصَلُ بِالباءِ إذا كانَ بِاللَّهِ، وبِاللّامِ لِغَيْرِهِ في الأكْثَرِ، نَحْوَ ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى﴾ [يونس: ٨٣]، ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ [البقرة: ٥٥]، ﴿وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا﴾ [يوسف: ١٧]، ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦] واحْتَمَلَ الضَّمِيرُ في بِهِ أنْ يَعُودَ عَلى مُوسى، وأنْ يَعُودَ عَلى الرَّبِّ، وأرادَ بِالتَّقْطِيعِ والتَّصْلِيبِ في الجُذُوعِ التَّمْثِيلَ بِهِمْ، ولَمّا كانَ الجِذْعُ مَقَرًّا لِلْمَصْلُوبِ واشْتَمَلَ عَلَيْهِ اشْتِمالَ الظَّرْفِ عَلى المَظْرُوفِ عُدِّيَ الفِعْلُ بِـ (في) الَّتِي لِلْوِعاءِ. وقِيلَ: (في) بِمَعْنى (عَلى) . وقِيلَ: نَقَرَ فِرْعَوْنُ الخَشَبَ وصَلَبَهم في داخِلِهِ فَصارَ ظَرْفًا لَهم حَقِيقَةً حَتّى يَمُوتُوا فِيهِ جُوعًا وعَطَشًا، ومِن تَعْدِيَةِ (صَلَبَ) بِـ (في) قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وهم صَلَبُوا العَبْدِيَّ في جِذْعِ نَخْلَةٍ ∗∗∗ فَلا عَطَسَتْ شَيْبانُ إلّا بِأجْدَعا وفِرْعَوْنُ أوَّلُ مَن صَلَبَ، وأقْسَمَ فِرْعَوْنُ عَلى ذَلِكَ وهو فِعْلُ نَفْسِهِ وعَلى فِعْلِ غَيْرِهِ، وهو ﴿ولَتَعْلَمُنَّ أيُّنا﴾ أيْ أيِّي وأيَّ مَن آمَنتُمْ بِهِ. وقِيلَ: أيِّـي وأيَّ مُوسى، وقالَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، لِأنَّ مُوسى لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ التَّعْذِيبِ، وإلى هَذا القَوْلِ ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿آمَنتُمْ لَهُ﴾ واللّامُ مَعَ الإيمانِ في كِتابِ اللَّهِ لِغَيْرِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦١] وفِيهِ نَفاحَةٌ بِاقْتِدارِهِ وقَهْرِهِ وما ألِفَهُ وضَرِيَ بِهِ مِن تَعْذِيبِ النّاسِ بِأنْواعِ العَذابِ، وتَوْضِيعٍ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ واسْتِضْعافٍ مَعَ الهُزْءِ بِهِ. انْتَهى. وهو قَوْلُ الطَّبَرِيِّ، قالَ: يُرِيدُ نَفْسَهُ ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والقَوْلُ الأوَّلُ أذْهَبُ مَعَ مَخْرَقَةِ فِرْعَوْنَ، ﴿ولَتَعْلَمُنَّ﴾ هُنا مُعَلَّقٌ ﴿أيُّنا أشَدُّ﴾ جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لِقَوْلِهِ ﴿ولَتَعْلَمُنَّ﴾ سَدَّتْ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ أوْ في مَوْضِعِ مَفْعُولٍ واحِدٍ إنْ كانَ ﴿ولَتَعْلَمُنَّ﴾ مُعَدًّى تَعْدِيَةَ عَرَفَ، ويَجُوزُ عَلى الوَجْهِ أنْ يَكُونَ ﴿أيُّنا﴾ مَفْعُولًا ﴿ولَتَعْلَمُنَّ﴾ وهو مَبْنِيٌّ عَلى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ و(أشَدُّ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، و﴿أيُّنا﴾ مَوْصُولَةٌ والجُمْلَةُ بَعْدَها صِلَةٌ، والتَّقْدِيرُ: و﴿ولَتَعْلَمُنَّ﴾ مَن هو ﴿أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾ .

طه 20:72

﴿قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾ أيْ لَنْ نَخْتارَ اتِّباعَكَ وكَوْنَنا مِن حِزْبِكَ وسَلامَتَنا مِن عَذابِكَ ﴿عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ﴾ وهي المُعْجِزَةُ الَّتِي أتَتْنا وعَلِمْنا صِحَّتَها. وفي قَوْلِهِمْ هَذا تَوْهِينٌ لَهُ واسْتِصْغارٌ لَمّا هَدَّدَهم بِهِ وعَدَمُ اكْتِراثٍ بِقَوْلِهِ. وفي نِسْبَةِ المَجِيءِ (p-٢٦٢)إلَيْهِمْ وإنْ كانَتِ البَيِّناتُ جاءَتْ لَهم ولِغَيْرِهِمْ، لِأنَّهم كانُوا أعْرَفَ بِالسِّحْرِ مِن غَيْرِهِمْ، وقَدْ عَلِمُوا أنَّ ما جاءَ بِهِ مُوسى لَيْسَ بِسِحْرٍ فَكانُوا عَلى جَلِيَّةٍ مِنَ العِلْمِ بِالمُعْجِزِ، وغَيْرُهم يُقَلِّدُهم في ذَلِكَ وأيْضًا فَكانُوا هُمُ الَّذِينَ حَصَلَ لَهُمُ النَّفْعُ بِها فَكانَتْ بَيِّناتٍ واضِحَةً في حَقِّهِمْ. والواوُ في ﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾ واوُ عَطْفٍ عَلى ﴿ما جاءَنا﴾ أيْ: وعَلى ﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾ لَمّا لاحَتْ لَهم حُجَّةُ اللَّهِ في المُعْجِزَةِ بَدَءُوا بِها ثُمَّ تَرَقَّوْا إلى القادِرِ عَلى خَرْقِ العادَةِ، وهو اللَّهُ تَعالى، وذَكَرُوا وصْفَ الِاخْتِراعِ وهو قَوْلُهم ﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾ تَبْيِينًا لِعَجْزِ فِرْعَوْنَ وتَكْذِيبِهِ في ادِّعاءِ رُبُوبِيَّتِهِ وإلاهِيَّتِهِ، وهو عاجِزٌ عَنْ صَرْفِ ذُبابَةٍ فَضْلًا عَنِ اخْتِراعِها. وقِيلَ: الواوُ لِلْقَسَمِ وجَوابُهُ مَحْذُوفٌ، ولا يَكُونُ ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾ جَوابًا لِأنَّهُ لا يُجابُ في النَّفْيِ بِـ (لْنَ) إلّا في شاذٍّ مِنَ الشِّعْرِ و(ما) مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي، وصِلَتُهُ ﴿أنْتَ قاضٍ﴾ والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ما أنْتَ قاضِيهِ. قِيلَ: ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ (ما) مَصْدَرِيَّةً لِأنَّ المَصْدَرِيَّةَ تُوصَلُ بِالأفْعالِ، وهَذِهِ مَوْصُولَةٌ بِابْتِداءٍ وخَبَرٍ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ بَلْ قَدْ ذَهَبَ ذاهِبُونَ مِنَ النُّحاةِ إلى أنَّ (ما) المَصْدَرِيَّةَ تُوصَلُ بِالجُمْلَةِ الاسْمِيَّةِ. وانْتَصَبَ ﴿هَذِهِ الحَياةَ﴾ عَلى الظَّرْفِ وما مُهَيِّئَةٌ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، أيْ: إنَّ قَضاءَكَ كائِنٌ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا لا في الآخِرَةِ، بَلْ في الآخِرَةِ لَنا النَّعِيمُ ولَكَ العَذابُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (تَقْضِي) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ خِطابًا لِفِرْعَوْنَ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ (تُقْضى) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، هَذِهِ الحَياةُ بِالرَّفْعِ اتَّسَعَ في الظَّرْفِ فَأجْرى مَجْرى المَفْعُولِ بِهِ، ثُمَّ بُنِيَ الفِعْلُ لِذَلِكَ ورُفِعَ بِهِ، كَما تَقُولُ: صِيمَ يَوْمُ الجُمُعَةِ، ووُلِدَ لَهُ سِتُّونَ عامًا. ولَمْ يُصَرَّحْ في القُرْآنِ بِأنَّهُ أنْفَذَ فِيهِمْ وعِيدَهُ ولا أنَّهُ قَطَعَ أيْدِيَهم وأرْجُلَهم وصَلَبَهم، بَلِ الظّاهِرُ أنَّهُ تَعالى سَلَّمَهم مِنهُ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٥] وقِيلَ: أنْفَذَ فِيهِمْ وعِيدَهُ، وصَلَبَهم عَلى الجُذُوعِ وإكْراهُهُ إيّاهم عَلى السِّحْرِ. قِيلَ: حَمَلَهم عَلى مُعارَضَةِ مُوسى. وقِيلَ: كانَ يَأْخُذُ وِلْدانَ النّاسِ ويُجَرِّبُهم عَلى ذَلِكَ فَأشارَتِ السَّحَرَةُ إلى ذَلِكَ، قالَهُ الحَسَنُ ﴿واللَّهُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ رَدٌّ عَلى قَوْلِهِ ﴿أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾ [طه: ٧١] أيْ: وثَوابُ اللَّهِ وما أعَّدَهُ لِمَن آمَنَ بِهِ، رُوِيَ أنَّهم قالُوا لِفِرْعَوْنَ: أرِنا مُوسى نائِمًا، فَفَعَلَ فَوَجَدُوهُ يَحْرُسُهُ عَصاهُ، فَقالُوا: ما هَذا بِسِحْرٍ السّاحِرُ إذا نامَ بَطَلَ سِحْرُهُ فَأبى إلّا أنْ يُعارِضُوهُ، ويَظْهَرُ مِن قَوْلِهِمْ: (أئِنَّ لَنا لَأجْرًا) عَدَمُ الإكْراهِ. ﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ﴾ - إلى - ﴿مَن تَزَكّى﴾ قِيلَ هو حِكايَةٌ لَهم عِظَةٌ لِفِرْعَوْنَ. وقِيلَ: خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ لا عَلى وجْهِ الحِكايَةِ تَنْبِيهًا عَلى قُبْحِ ما فَعَلَ فِرْعَوْنُ وحُسْنِ ما فَعَلَ السَّحَرَةُ مَوْعِظَةً وتَحْذِيرًا، والمُجْرِمُ هُنا الكافِرُ، لِذِكْرِ مُقابِلِهِ ﴿ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا﴾ ولِقَوْلِهِ ﴿لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ أيْ: يُعَذَّبُ عَذابًا يَنْتَهِي بِهِ إلى المَوْتِ، ثُمَّ لا يُجْهَزُ عَلَيْهِ فَيَسْتَرِيحُ، بَلْ يُعادُ جِلْدُهُ ويُجَدَّدُ عَذابُهُ فَهو لا يَحْيا حَياةً طَيِّبَةً بِخِلافِ المُؤْمِنِ الَّذِي يَدْخُلُ النّارَ فَهم يُقارِبُونَ المَوْتَ ولا يُجْهَزُ عَلَيْهِمْ فَهَذا فَرْقٌ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ. وفي الحَدِيثِ (إنَّهم يَمُاتُونَ إماتَةً)، وهَذا هو مَعْناهُ لِأنَّهُ لا يَمُوتُ في الآخِرَةِ و﴿تَزَكّى﴾ تَطَهَّرَ مِن دَنَسِ الكُفْرِ. وقِيلَ: قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. (p-٢٦٣)﴿ولَقَدْ أوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا لا تَخافُ دَرَكًا ولا تَخْشى﴾ ﴿فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ قَدْ أنْجَيْناكم مِن عَدُوِّكم وواعَدْناكم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ ونَزَّلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ [طه: ٨٠] ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم ولا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبِي ومَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى﴾ [طه: ٨١] ﴿وإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى﴾ [طه: ٨٢] . هَذا اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَنْ شَيْءٍ مِن أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَهُ وبَيْنَ مَقالِ السَّحَرَةِ المُتَقَدِّمِ مُدَّةٌ مِنَ الزَّمانِ، حَدَثَ فِيها لِمُوسى وفِرْعَوْنَ حَوادِثُ، وذَلِكَ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا انْقَضى أمْرُ السَّحَرَةِ وغَلَبَ مُوسى وقَوِيَ أمْرُهُ وعَدَهُ فِرْعَوْنُ أنْ يُرْسِلَ مَعَهُ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأقامَ مُوسى عَلى وعْدِهِ حَتّى غَدَرَهُ فِرْعَوْنُ ونَكَثَ وأعْلَمَهُ أنَّهُ لا يُرْسِلُهم مَعَهُ، فَبَعَثَ اللَّهُ حِينَئِذٍ الآياتِ المَذْكُورَةَ في غَيْرِ هَذِهِ الآياتِ، الجَرادَ والقُمَّلَ إلى آخِرِها كُلَّما جاءَتْ آيَةٌ وعَدَ فِرْعَوْنُ أنْ يُرْسِلَ بَنِي إسْرائِيلَ عِنْدَ انْكِشافِ العَذابِ، فَإذا انْكَشَفَ نَكَثَ حَتّى تَأْتِيَ أُخْرى، فَلَمّا كَمُلَتِ الآياتُ أوْحى اللَّهُ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُخْرِجَ بَنِي إسْرائِيلَ في اللَّيْلِ سارِيًا، والسُّرى مَسِيرُ اللَّيْلِ. ويُحْتَمَلُ أنَّ (أنْ) تَكُونُ مُفَسِّرَةً وأنْ تَكُونَ النّاصِبَةَ لِلْمُضارِعِ و﴿بِعِبادِي﴾ إضافَةُ تَشْرِيفٍ لِقَوْلِهِ ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] والظّاهِرُ أنَّ الإيحاءَ إلَيْهِ بِذَلِكَ وبِأنْ يَضْرِبَ البَحْرَ كانَ مُتَقَدِّمًا بِمِصْرَ عَلى وقْتِ اتِّباعِ فِرْعَوْنَ مُوسى وقَوْمَهُ بِجُنُودِهِ. وقِيلَ: كانَ الوَحْيُ بِالضَّرْبِ حِينَ قارَبَ فِرْعَوْنُ لَحاقَهُ وقَوِيَ فَزَعُ بَنِي إسْرائِيلَ، ويُرْوى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَهَضَ بِبَنِي إسْرائِيلَ وهم سِتُّمِائَةِ ألْفِ إنْسانٍ، فَسارَ بِهِمْ مِن مِصْرَ يُرِيدُ بَحْرَ القُلْزُمِ، واتَّصَلَ الخَبَرُ فِرْعَوْنَ فَجَمَعَ جُنُودَهُ وحَشَرَهم، ونَهَضَ وراءَهُ فَأوْحى اللَّهُ إلى مُوسى أنْ يَقْصِدَ البَحْرَ فَجَزَعَ بَنُو إسْرائِيلَ، ورَأوْا أنَّ العَدُوَّ مِن ورائِهِمْ والبَحْرَ مِن أمامِهِمْ، ومُوسى يَثِقُ بِصُنْعِ اللَّهِ، فَلَمّا رَآهم فِرْعَوْنُ قَدْ نَهَضُوا نَحْوَ البَحْرِ طَمِعَ فِيهِمْ، وكانَ مَقْصِدُهم إلى مَوْضِعٍ يَنْقَطِعُ فِيهِ الفُحُوصُ والطُّرُقُ الواسِعَةُ. قِيلَ: وكانَ في خَيْلِ فِرْعَوْنَ سَبْعُونَ ألْفَ أدْهَمَ، ونِسْبَةُ ذَلِكَ مِن سائِرِ الألْوانِ. وقِيلَ: أكْثَرُ مِن هَذا فَضَرَبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ البَحْرَ فانْفَرَقَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ فِرْقَةً طُرُقًا واسِعَةً بَيْنَها حِيطانُ الماءِ واقِفَةٌ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣] . وقِيلَ: بَلْ هو طَرِيقٌ واحِدٌ لِقَوْلِهِ ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا﴾ . انْتَهى. وقَدْ يُرادُ بِقَوْلِهِ (طَرِيقًا) الجِنْسُ، فَدَخَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ أنْ بَعَثَ اللَّهُ رِيحَ الصَّبا، فَجَفَّفَتْ تِلْكَ الطُّرُقَ حَتّى يَبِسَتْ ودَخَلَ بَنُو إسْرائِيلَ، ووَصَلَ فِرْعَوْنُ إلى المَدْخَلِ وبَنُو إسْرائِيلَ كُلُّهم في البَحْرِ، فَرَأى الماءَ عَلى تِلْكَ الحالِ فَجَزَعَ قَوْمُهُ واسْتَعْظَمُوا الأمْرَ، فَقالَ لَهم: إنَّما انْفَلَقَ مِن هَيْبَتِي، وتَقَدَّمَ غَرَقُ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ في سُورَةِ يُونُسَ. والظّاهِرُ (p-٢٦٤)أنَّ لَفْظَةَ اضْرِبْ هُنا عَلى حَقِيقَتِها مِن مَسِّ العَصا بِقُوَّةٍ وتَحامُلٍ عَلى العَصا، ويُوَضِّحُهُ في آيَةٍ أُخْرى ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣] فالمَعْنى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ لِيَنْفَلِقَ لَهم فَيَصِيرَ طَرِيقًا، فَتَعَدّى إلى الطَّرِيقِ بِدُخُولِ هَذا المَعْنى، لَمّا كانَ الطَّرِيقُ مُتَسَبِّبًا عَنِ الضَّرْبِ جُعِلَ كَأنَّهُ المَضْرُوبُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا﴾ فاجْعَلْ لَهم مِن قَوْلِهِمْ: ضَرَبَ لَهُ في مالِهِ سَهْمًا، وضَرَبَ اللَّبَنَ عَمِلَهُ. انْتَهى. وفِي الحَدِيثِ: (اضْرِبُوا لِي مَعَكم بِسَهْمٍ) . ولَمّا لَمْ يَذْكُرِ المَضْرُوبَ حَقِيقَةً وهو البَحْرُ، ولَوْ كانَ صَرَّحَ بِالمَضْرُوبِ حَقِيقَةً لَكانَ التَّرْكِيبُ طَرِيقًا فِيهِ، فَكانَ يَعُودُ عَلى البَحْرِ المَضْرُوبِ و﴿يَبَسًا﴾ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ الطَّرِيقُ، وصَفَهُ بِما آلَ إلَيْهِ إذْ كانَ حالَةَ الضَّرْبِ لَمْ يَتَّصِفْ بِاليُبْسِ، بَلْ مَرَّتْ عَلَيْهِ الصَّبا فَجَفَّفَتْهُ، كَما رُوِيَ، ويُقالُ: يَبَسَ يُبْسًا ويَبَسًا كالعُدْمِ والعَدَمِ، ومِن كَوْنِهِ مَصْدَرًا وُصِفَ بِهِ المُؤَنَّثُ، قالُوا: شاةٌ يَبَسٌ وناقَةٌ يَبَسٌ إذا جَفَّ لَبَنُها. وقَرَأ الحَسَنُ (يَبْسًا) بِسُكُونِ الباءِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: قَدْ يَكُونُ مَصْدَرًا كالعامَّةِ، وقَدْ يَكُونُ بِالإسْكانِ المَصْدَرَ، وبِالفَتْحِ الِاسْمَ كالنَّفْضِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا يَخْلُو اليَبَسُ مِن أنْ يَكُونَ مُخَفَّفًا عَنِ اليَبْسِ أوْ صِفَةً عَلى فُعْلٍ أوْ جَمْعَ يابِسٍ كَصاحِبٍ وصَحْبٍ، وُصِفَ بِهِ الواحِدُ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ: ومَعًا جِياعًا جَعَلَهُ لِفَرْطِ جُوعِهِ كَجَماعَةِ جِياعٍ. انْتَهى. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: يابِسًا اسْمَ فاعِلٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: لا تَخافُ وهي جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ ﴿فاضْرِبْ﴾ وقِيلَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِلطَّرِيقِ، وحُذِفَ العائِدُ أيْ لا تَخافُ فِيهِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: وحَمْزَةُ وابْنُ أبِي لَيْلى (لا تَخَفْ) بِالجَزْمِ عَلى جَوابِ الأمْرِ أوْ عَلى نَهْيٍ مُسْتَأْنَفٍ قالَهُ الزَّجّاجُ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ ﴿دَرْكًا﴾ بِسُكُونِ الرّاءِ، والجُمْهُورُ بِفَتْحِها، والدَّرْكُ والدَّرَكُ اسْمانِ مِنَ الإدْراكِ أيْ لا يُدْرِكُكَ فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ ولا يَلْحَقُونَكَ ﴿ولا تَخْشى﴾ أنْتَ ولا قَوْمُكَ غَرَقًا، وعَطْفُهُ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ﴿لا تَخافُ﴾ ظاهِرٌ، وأمّا عَلى قِراءَةِ الجَزْمِ فَخُرِّجَ عَلى أنَّ الألِفَ جِيءَ بِها لِأجْلِ أواخِرِ الآيِ فاصِلَةً نَحْوَ قَوْلِهِ ﴿فَأضَلُّونا السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٦٧] وعَلى أنَّهُ إخْبارٌ مُسْتَأْنَفٌ أيْ: وأنْتَ لا تَخْشى، وعَلى أنَّهُ مَجْزُومٌ بِحَذْفِ الحَرَكَةِ المُقَدَّرَةِ عَلى لُغَةِ مَن قالَ: ألَمْ يَأْتِيكَ وهي لُغَةٌ قَلِيلَةٌ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎إذا العَجُوزُ غَضِبَتْ فَطَلِّقِ ولا تَرضّاها ولا تَمَلَّقِ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَأتْبَعَهُمْ﴾ بِسُكُونِ التّاءِ، وأتْبَعَ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى تَبِعَ فَيَتَعَدّى إلى واحِدٍ، كَقَوْلِهِ ﴿فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ﴾ [الأعراف: ١٧٥] وقَدْ يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، كَقَوْلِهِ: وأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتِهِمْ فَتَكُونُ التّاءُ زائِدَةً، أيْ: جُنُودُهُ، أوْ تَكُونُ لِلْحالِ، والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، أيْ: رُؤَساؤُهُ وحَشَمُهُ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ، والحَسَنُ (فاتَّبَعَهم) بِتَشْدِيدِ التّاءِ، وكَذا عَنِ الحَسَنِ في جَمِيعِ ما في القُرْآنِ إلّا ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] والباءُ في بِجُنُودِهِ في مَوْضِعِ الحالِ كَما تَقُولُ: أُخْرِجَ زَيْدٌ بِسِلاحِهِ، أوِ الباءِ لِلتَّعَدِّي لِمَفْعُولٍ ثانٍ بِحَرْفِ جَرٍّ، إذْ لا يَتَعَدّى اتَّبَعَ بِنَفْسِهِ إلّا إلى حَرْفٍ واحِدٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ عَلى وزْنِ فِعْلٍ مُجَرَّدٍ مِنَ الزِّيادَةِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ، مِنهُمُ الأعْمَشُ، فَغَشّاهم مِنَ اليَمِّ ما غَشّاهم بِتَضْعِيفِ العَيْنِ فالفاعِلُ في القِراءَةِ الأُولى (ما) وفي الثّانِيَةِ الفاعِلُ اللَّهُ أيْ فَغَشّاهُمُ اللَّهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ فِرْعَوْنُ لِأنَّهُ الَّذِي ورَّطَ جُنُودَهُ وتَسَبَّبَ لِهَلاكِهِمْ. وقالَ ﴿ما غَشِيَهُمْ﴾ مِن بابِ الِاخْتِصارِ ومِن جَوامِعِ الكَلِمِ الَّتِي تَسْتَقِلُّ مَعَ قِلَّتِها بِالمَعانِي الكَثِيرَةِ، أيْ (غَشِيَهم) ما لا يَعْلَمُ كُنْهَهُ إلّا اللَّهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿ما غَشِيَهُمْ﴾ إبْهامٌ أهَوَلُ مِنَ النَّصِّ عَلى قَدْرِ ما، وهو كَقَوْلِهِ ﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ [النجم: ١٦] والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿غَشِيَهُمْ﴾ في المَوْضِعَيْنِ عائِدٌ عَلى فِرْعَوْنِ وقَوْمِهِ، وقِيلَ: الأوَّلُ عَلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، والثّانِي عَلى مُوسى وقَوْمِهِ: وفي الكَلامِ حَذْفٌ عَلى هَذا القَوْلِ تَقْدِيرُهُ فَنَجا مُوسى وقَوْمُهُ، وغَرِقَ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: وقُرِئَ وجُنُودُهُ عَطْفًا عَلى فِرْعَوْنَ. (p-٢٦٥)﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ﴾ أيْ مِن أوَّلِ مَرَّةٍ إلى هَذِهِ النِّهايَةِ ويَعْنِي الضَّلالَ في الدِّينِ. وقِيلَ: أضَلَّهم في البَحْرِ لِأنَّهم غَرِقُوا فِيهِ، واحْتَجَّ بِهِ القاضِي عَلى مَذْهَبِهِ فَقالَ: لَوْ كانَ الضَّلالُ مِن خَلْقِ اللَّهِ لَما جازَ أنْ يُقالَ: ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ﴾ بَلْ وجَبَ أنْ يُقالَ: اللَّهُ أضَلَّهم لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ذَمَّهُ بِذَلِكَ فَكَيْفَ يَكُونُ خالِقًا لِلْكُفْرِ لِأنَّ مَن ذَمَّ غَيْرَهُ بِفِعْلِ شَيْءٍ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ المَذْمُومُ فاعِلًا لِذَلِكَ الفِعْلِ وإلّا اسْتَحَقَّ الذّامُّ الذَّمَّ. انْتَهى. وهُوَ عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ ﴿وما هَدى﴾ أيْ ما هَداهم إلى الدِّينِ، أوْ ما نَجا مِنَ الغَرَقِ، أوْ ما اهْتَدى في نَفْسِهِ لِأنَّ (هَدى) قَدْ يَأْتِي بِمَعْنى اهْتَدى.

طه 20:73

﴿قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾ أيْ لَنْ نَخْتارَ اتِّباعَكَ وكَوْنَنا مِن حِزْبِكَ وسَلامَتَنا مِن عَذابِكَ ﴿عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ﴾ وهي المُعْجِزَةُ الَّتِي أتَتْنا وعَلِمْنا صِحَّتَها. وفي قَوْلِهِمْ هَذا تَوْهِينٌ لَهُ واسْتِصْغارٌ لَمّا هَدَّدَهم بِهِ وعَدَمُ اكْتِراثٍ بِقَوْلِهِ. وفي نِسْبَةِ المَجِيءِ (p-٢٦٢)إلَيْهِمْ وإنْ كانَتِ البَيِّناتُ جاءَتْ لَهم ولِغَيْرِهِمْ، لِأنَّهم كانُوا أعْرَفَ بِالسِّحْرِ مِن غَيْرِهِمْ، وقَدْ عَلِمُوا أنَّ ما جاءَ بِهِ مُوسى لَيْسَ بِسِحْرٍ فَكانُوا عَلى جَلِيَّةٍ مِنَ العِلْمِ بِالمُعْجِزِ، وغَيْرُهم يُقَلِّدُهم في ذَلِكَ وأيْضًا فَكانُوا هُمُ الَّذِينَ حَصَلَ لَهُمُ النَّفْعُ بِها فَكانَتْ بَيِّناتٍ واضِحَةً في حَقِّهِمْ. والواوُ في ﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾ واوُ عَطْفٍ عَلى ﴿ما جاءَنا﴾ أيْ: وعَلى ﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾ لَمّا لاحَتْ لَهم حُجَّةُ اللَّهِ في المُعْجِزَةِ بَدَءُوا بِها ثُمَّ تَرَقَّوْا إلى القادِرِ عَلى خَرْقِ العادَةِ، وهو اللَّهُ تَعالى، وذَكَرُوا وصْفَ الِاخْتِراعِ وهو قَوْلُهم ﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾ تَبْيِينًا لِعَجْزِ فِرْعَوْنَ وتَكْذِيبِهِ في ادِّعاءِ رُبُوبِيَّتِهِ وإلاهِيَّتِهِ، وهو عاجِزٌ عَنْ صَرْفِ ذُبابَةٍ فَضْلًا عَنِ اخْتِراعِها. وقِيلَ: الواوُ لِلْقَسَمِ وجَوابُهُ مَحْذُوفٌ، ولا يَكُونُ ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾ جَوابًا لِأنَّهُ لا يُجابُ في النَّفْيِ بِـ (لْنَ) إلّا في شاذٍّ مِنَ الشِّعْرِ و(ما) مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي، وصِلَتُهُ ﴿أنْتَ قاضٍ﴾ والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ما أنْتَ قاضِيهِ. قِيلَ: ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ (ما) مَصْدَرِيَّةً لِأنَّ المَصْدَرِيَّةَ تُوصَلُ بِالأفْعالِ، وهَذِهِ مَوْصُولَةٌ بِابْتِداءٍ وخَبَرٍ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ بَلْ قَدْ ذَهَبَ ذاهِبُونَ مِنَ النُّحاةِ إلى أنَّ (ما) المَصْدَرِيَّةَ تُوصَلُ بِالجُمْلَةِ الاسْمِيَّةِ. وانْتَصَبَ ﴿هَذِهِ الحَياةَ﴾ عَلى الظَّرْفِ وما مُهَيِّئَةٌ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، أيْ: إنَّ قَضاءَكَ كائِنٌ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا لا في الآخِرَةِ، بَلْ في الآخِرَةِ لَنا النَّعِيمُ ولَكَ العَذابُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (تَقْضِي) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ خِطابًا لِفِرْعَوْنَ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ (تُقْضى) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، هَذِهِ الحَياةُ بِالرَّفْعِ اتَّسَعَ في الظَّرْفِ فَأجْرى مَجْرى المَفْعُولِ بِهِ، ثُمَّ بُنِيَ الفِعْلُ لِذَلِكَ ورُفِعَ بِهِ، كَما تَقُولُ: صِيمَ يَوْمُ الجُمُعَةِ، ووُلِدَ لَهُ سِتُّونَ عامًا. ولَمْ يُصَرَّحْ في القُرْآنِ بِأنَّهُ أنْفَذَ فِيهِمْ وعِيدَهُ ولا أنَّهُ قَطَعَ أيْدِيَهم وأرْجُلَهم وصَلَبَهم، بَلِ الظّاهِرُ أنَّهُ تَعالى سَلَّمَهم مِنهُ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٥] وقِيلَ: أنْفَذَ فِيهِمْ وعِيدَهُ، وصَلَبَهم عَلى الجُذُوعِ وإكْراهُهُ إيّاهم عَلى السِّحْرِ. قِيلَ: حَمَلَهم عَلى مُعارَضَةِ مُوسى. وقِيلَ: كانَ يَأْخُذُ وِلْدانَ النّاسِ ويُجَرِّبُهم عَلى ذَلِكَ فَأشارَتِ السَّحَرَةُ إلى ذَلِكَ، قالَهُ الحَسَنُ ﴿واللَّهُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ رَدٌّ عَلى قَوْلِهِ ﴿أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾ [طه: ٧١] أيْ: وثَوابُ اللَّهِ وما أعَّدَهُ لِمَن آمَنَ بِهِ، رُوِيَ أنَّهم قالُوا لِفِرْعَوْنَ: أرِنا مُوسى نائِمًا، فَفَعَلَ فَوَجَدُوهُ يَحْرُسُهُ عَصاهُ، فَقالُوا: ما هَذا بِسِحْرٍ السّاحِرُ إذا نامَ بَطَلَ سِحْرُهُ فَأبى إلّا أنْ يُعارِضُوهُ، ويَظْهَرُ مِن قَوْلِهِمْ: (أئِنَّ لَنا لَأجْرًا) عَدَمُ الإكْراهِ. ﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ﴾ - إلى - ﴿مَن تَزَكّى﴾ قِيلَ هو حِكايَةٌ لَهم عِظَةٌ لِفِرْعَوْنَ. وقِيلَ: خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ لا عَلى وجْهِ الحِكايَةِ تَنْبِيهًا عَلى قُبْحِ ما فَعَلَ فِرْعَوْنُ وحُسْنِ ما فَعَلَ السَّحَرَةُ مَوْعِظَةً وتَحْذِيرًا، والمُجْرِمُ هُنا الكافِرُ، لِذِكْرِ مُقابِلِهِ ﴿ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا﴾ ولِقَوْلِهِ ﴿لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ أيْ: يُعَذَّبُ عَذابًا يَنْتَهِي بِهِ إلى المَوْتِ، ثُمَّ لا يُجْهَزُ عَلَيْهِ فَيَسْتَرِيحُ، بَلْ يُعادُ جِلْدُهُ ويُجَدَّدُ عَذابُهُ فَهو لا يَحْيا حَياةً طَيِّبَةً بِخِلافِ المُؤْمِنِ الَّذِي يَدْخُلُ النّارَ فَهم يُقارِبُونَ المَوْتَ ولا يُجْهَزُ عَلَيْهِمْ فَهَذا فَرْقٌ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ. وفي الحَدِيثِ (إنَّهم يَمُاتُونَ إماتَةً)، وهَذا هو مَعْناهُ لِأنَّهُ لا يَمُوتُ في الآخِرَةِ و﴿تَزَكّى﴾ تَطَهَّرَ مِن دَنَسِ الكُفْرِ. وقِيلَ: قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. (p-٢٦٣)﴿ولَقَدْ أوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا لا تَخافُ دَرَكًا ولا تَخْشى﴾ ﴿فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ قَدْ أنْجَيْناكم مِن عَدُوِّكم وواعَدْناكم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ ونَزَّلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ [طه: ٨٠] ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم ولا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبِي ومَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى﴾ [طه: ٨١] ﴿وإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى﴾ [طه: ٨٢] . هَذا اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَنْ شَيْءٍ مِن أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَهُ وبَيْنَ مَقالِ السَّحَرَةِ المُتَقَدِّمِ مُدَّةٌ مِنَ الزَّمانِ، حَدَثَ فِيها لِمُوسى وفِرْعَوْنَ حَوادِثُ، وذَلِكَ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا انْقَضى أمْرُ السَّحَرَةِ وغَلَبَ مُوسى وقَوِيَ أمْرُهُ وعَدَهُ فِرْعَوْنُ أنْ يُرْسِلَ مَعَهُ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأقامَ مُوسى عَلى وعْدِهِ حَتّى غَدَرَهُ فِرْعَوْنُ ونَكَثَ وأعْلَمَهُ أنَّهُ لا يُرْسِلُهم مَعَهُ، فَبَعَثَ اللَّهُ حِينَئِذٍ الآياتِ المَذْكُورَةَ في غَيْرِ هَذِهِ الآياتِ، الجَرادَ والقُمَّلَ إلى آخِرِها كُلَّما جاءَتْ آيَةٌ وعَدَ فِرْعَوْنُ أنْ يُرْسِلَ بَنِي إسْرائِيلَ عِنْدَ انْكِشافِ العَذابِ، فَإذا انْكَشَفَ نَكَثَ حَتّى تَأْتِيَ أُخْرى، فَلَمّا كَمُلَتِ الآياتُ أوْحى اللَّهُ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُخْرِجَ بَنِي إسْرائِيلَ في اللَّيْلِ سارِيًا، والسُّرى مَسِيرُ اللَّيْلِ. ويُحْتَمَلُ أنَّ (أنْ) تَكُونُ مُفَسِّرَةً وأنْ تَكُونَ النّاصِبَةَ لِلْمُضارِعِ و﴿بِعِبادِي﴾ إضافَةُ تَشْرِيفٍ لِقَوْلِهِ ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] والظّاهِرُ أنَّ الإيحاءَ إلَيْهِ بِذَلِكَ وبِأنْ يَضْرِبَ البَحْرَ كانَ مُتَقَدِّمًا بِمِصْرَ عَلى وقْتِ اتِّباعِ فِرْعَوْنَ مُوسى وقَوْمَهُ بِجُنُودِهِ. وقِيلَ: كانَ الوَحْيُ بِالضَّرْبِ حِينَ قارَبَ فِرْعَوْنُ لَحاقَهُ وقَوِيَ فَزَعُ بَنِي إسْرائِيلَ، ويُرْوى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَهَضَ بِبَنِي إسْرائِيلَ وهم سِتُّمِائَةِ ألْفِ إنْسانٍ، فَسارَ بِهِمْ مِن مِصْرَ يُرِيدُ بَحْرَ القُلْزُمِ، واتَّصَلَ الخَبَرُ فِرْعَوْنَ فَجَمَعَ جُنُودَهُ وحَشَرَهم، ونَهَضَ وراءَهُ فَأوْحى اللَّهُ إلى مُوسى أنْ يَقْصِدَ البَحْرَ فَجَزَعَ بَنُو إسْرائِيلَ، ورَأوْا أنَّ العَدُوَّ مِن ورائِهِمْ والبَحْرَ مِن أمامِهِمْ، ومُوسى يَثِقُ بِصُنْعِ اللَّهِ، فَلَمّا رَآهم فِرْعَوْنُ قَدْ نَهَضُوا نَحْوَ البَحْرِ طَمِعَ فِيهِمْ، وكانَ مَقْصِدُهم إلى مَوْضِعٍ يَنْقَطِعُ فِيهِ الفُحُوصُ والطُّرُقُ الواسِعَةُ. قِيلَ: وكانَ في خَيْلِ فِرْعَوْنَ سَبْعُونَ ألْفَ أدْهَمَ، ونِسْبَةُ ذَلِكَ مِن سائِرِ الألْوانِ. وقِيلَ: أكْثَرُ مِن هَذا فَضَرَبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ البَحْرَ فانْفَرَقَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ فِرْقَةً طُرُقًا واسِعَةً بَيْنَها حِيطانُ الماءِ واقِفَةٌ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣] . وقِيلَ: بَلْ هو طَرِيقٌ واحِدٌ لِقَوْلِهِ ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا﴾ . انْتَهى. وقَدْ يُرادُ بِقَوْلِهِ (طَرِيقًا) الجِنْسُ، فَدَخَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ أنْ بَعَثَ اللَّهُ رِيحَ الصَّبا، فَجَفَّفَتْ تِلْكَ الطُّرُقَ حَتّى يَبِسَتْ ودَخَلَ بَنُو إسْرائِيلَ، ووَصَلَ فِرْعَوْنُ إلى المَدْخَلِ وبَنُو إسْرائِيلَ كُلُّهم في البَحْرِ، فَرَأى الماءَ عَلى تِلْكَ الحالِ فَجَزَعَ قَوْمُهُ واسْتَعْظَمُوا الأمْرَ، فَقالَ لَهم: إنَّما انْفَلَقَ مِن هَيْبَتِي، وتَقَدَّمَ غَرَقُ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ في سُورَةِ يُونُسَ. والظّاهِرُ (p-٢٦٤)أنَّ لَفْظَةَ اضْرِبْ هُنا عَلى حَقِيقَتِها مِن مَسِّ العَصا بِقُوَّةٍ وتَحامُلٍ عَلى العَصا، ويُوَضِّحُهُ في آيَةٍ أُخْرى ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣] فالمَعْنى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ لِيَنْفَلِقَ لَهم فَيَصِيرَ طَرِيقًا، فَتَعَدّى إلى الطَّرِيقِ بِدُخُولِ هَذا المَعْنى، لَمّا كانَ الطَّرِيقُ مُتَسَبِّبًا عَنِ الضَّرْبِ جُعِلَ كَأنَّهُ المَضْرُوبُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا﴾ فاجْعَلْ لَهم مِن قَوْلِهِمْ: ضَرَبَ لَهُ في مالِهِ سَهْمًا، وضَرَبَ اللَّبَنَ عَمِلَهُ. انْتَهى. وفِي الحَدِيثِ: (اضْرِبُوا لِي مَعَكم بِسَهْمٍ) . ولَمّا لَمْ يَذْكُرِ المَضْرُوبَ حَقِيقَةً وهو البَحْرُ، ولَوْ كانَ صَرَّحَ بِالمَضْرُوبِ حَقِيقَةً لَكانَ التَّرْكِيبُ طَرِيقًا فِيهِ، فَكانَ يَعُودُ عَلى البَحْرِ المَضْرُوبِ و﴿يَبَسًا﴾ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ الطَّرِيقُ، وصَفَهُ بِما آلَ إلَيْهِ إذْ كانَ حالَةَ الضَّرْبِ لَمْ يَتَّصِفْ بِاليُبْسِ، بَلْ مَرَّتْ عَلَيْهِ الصَّبا فَجَفَّفَتْهُ، كَما رُوِيَ، ويُقالُ: يَبَسَ يُبْسًا ويَبَسًا كالعُدْمِ والعَدَمِ، ومِن كَوْنِهِ مَصْدَرًا وُصِفَ بِهِ المُؤَنَّثُ، قالُوا: شاةٌ يَبَسٌ وناقَةٌ يَبَسٌ إذا جَفَّ لَبَنُها. وقَرَأ الحَسَنُ (يَبْسًا) بِسُكُونِ الباءِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: قَدْ يَكُونُ مَصْدَرًا كالعامَّةِ، وقَدْ يَكُونُ بِالإسْكانِ المَصْدَرَ، وبِالفَتْحِ الِاسْمَ كالنَّفْضِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا يَخْلُو اليَبَسُ مِن أنْ يَكُونَ مُخَفَّفًا عَنِ اليَبْسِ أوْ صِفَةً عَلى فُعْلٍ أوْ جَمْعَ يابِسٍ كَصاحِبٍ وصَحْبٍ، وُصِفَ بِهِ الواحِدُ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ: ومَعًا جِياعًا جَعَلَهُ لِفَرْطِ جُوعِهِ كَجَماعَةِ جِياعٍ. انْتَهى. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: يابِسًا اسْمَ فاعِلٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: لا تَخافُ وهي جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ ﴿فاضْرِبْ﴾ وقِيلَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِلطَّرِيقِ، وحُذِفَ العائِدُ أيْ لا تَخافُ فِيهِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: وحَمْزَةُ وابْنُ أبِي لَيْلى (لا تَخَفْ) بِالجَزْمِ عَلى جَوابِ الأمْرِ أوْ عَلى نَهْيٍ مُسْتَأْنَفٍ قالَهُ الزَّجّاجُ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ ﴿دَرْكًا﴾ بِسُكُونِ الرّاءِ، والجُمْهُورُ بِفَتْحِها، والدَّرْكُ والدَّرَكُ اسْمانِ مِنَ الإدْراكِ أيْ لا يُدْرِكُكَ فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ ولا يَلْحَقُونَكَ ﴿ولا تَخْشى﴾ أنْتَ ولا قَوْمُكَ غَرَقًا، وعَطْفُهُ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ﴿لا تَخافُ﴾ ظاهِرٌ، وأمّا عَلى قِراءَةِ الجَزْمِ فَخُرِّجَ عَلى أنَّ الألِفَ جِيءَ بِها لِأجْلِ أواخِرِ الآيِ فاصِلَةً نَحْوَ قَوْلِهِ ﴿فَأضَلُّونا السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٦٧] وعَلى أنَّهُ إخْبارٌ مُسْتَأْنَفٌ أيْ: وأنْتَ لا تَخْشى، وعَلى أنَّهُ مَجْزُومٌ بِحَذْفِ الحَرَكَةِ المُقَدَّرَةِ عَلى لُغَةِ مَن قالَ: ألَمْ يَأْتِيكَ وهي لُغَةٌ قَلِيلَةٌ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎إذا العَجُوزُ غَضِبَتْ فَطَلِّقِ ولا تَرضّاها ولا تَمَلَّقِ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَأتْبَعَهُمْ﴾ بِسُكُونِ التّاءِ، وأتْبَعَ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى تَبِعَ فَيَتَعَدّى إلى واحِدٍ، كَقَوْلِهِ ﴿فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ﴾ [الأعراف: ١٧٥] وقَدْ يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، كَقَوْلِهِ: وأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتِهِمْ فَتَكُونُ التّاءُ زائِدَةً، أيْ: جُنُودُهُ، أوْ تَكُونُ لِلْحالِ، والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، أيْ: رُؤَساؤُهُ وحَشَمُهُ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ، والحَسَنُ (فاتَّبَعَهم) بِتَشْدِيدِ التّاءِ، وكَذا عَنِ الحَسَنِ في جَمِيعِ ما في القُرْآنِ إلّا ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] والباءُ في بِجُنُودِهِ في مَوْضِعِ الحالِ كَما تَقُولُ: أُخْرِجَ زَيْدٌ بِسِلاحِهِ، أوِ الباءِ لِلتَّعَدِّي لِمَفْعُولٍ ثانٍ بِحَرْفِ جَرٍّ، إذْ لا يَتَعَدّى اتَّبَعَ بِنَفْسِهِ إلّا إلى حَرْفٍ واحِدٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ عَلى وزْنِ فِعْلٍ مُجَرَّدٍ مِنَ الزِّيادَةِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ، مِنهُمُ الأعْمَشُ، فَغَشّاهم مِنَ اليَمِّ ما غَشّاهم بِتَضْعِيفِ العَيْنِ فالفاعِلُ في القِراءَةِ الأُولى (ما) وفي الثّانِيَةِ الفاعِلُ اللَّهُ أيْ فَغَشّاهُمُ اللَّهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ فِرْعَوْنُ لِأنَّهُ الَّذِي ورَّطَ جُنُودَهُ وتَسَبَّبَ لِهَلاكِهِمْ. وقالَ ﴿ما غَشِيَهُمْ﴾ مِن بابِ الِاخْتِصارِ ومِن جَوامِعِ الكَلِمِ الَّتِي تَسْتَقِلُّ مَعَ قِلَّتِها بِالمَعانِي الكَثِيرَةِ، أيْ (غَشِيَهم) ما لا يَعْلَمُ كُنْهَهُ إلّا اللَّهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿ما غَشِيَهُمْ﴾ إبْهامٌ أهَوَلُ مِنَ النَّصِّ عَلى قَدْرِ ما، وهو كَقَوْلِهِ ﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ [النجم: ١٦] والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿غَشِيَهُمْ﴾ في المَوْضِعَيْنِ عائِدٌ عَلى فِرْعَوْنِ وقَوْمِهِ، وقِيلَ: الأوَّلُ عَلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، والثّانِي عَلى مُوسى وقَوْمِهِ: وفي الكَلامِ حَذْفٌ عَلى هَذا القَوْلِ تَقْدِيرُهُ فَنَجا مُوسى وقَوْمُهُ، وغَرِقَ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: وقُرِئَ وجُنُودُهُ عَطْفًا عَلى فِرْعَوْنَ. (p-٢٦٥)﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ﴾ أيْ مِن أوَّلِ مَرَّةٍ إلى هَذِهِ النِّهايَةِ ويَعْنِي الضَّلالَ في الدِّينِ. وقِيلَ: أضَلَّهم في البَحْرِ لِأنَّهم غَرِقُوا فِيهِ، واحْتَجَّ بِهِ القاضِي عَلى مَذْهَبِهِ فَقالَ: لَوْ كانَ الضَّلالُ مِن خَلْقِ اللَّهِ لَما جازَ أنْ يُقالَ: ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ﴾ بَلْ وجَبَ أنْ يُقالَ: اللَّهُ أضَلَّهم لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ذَمَّهُ بِذَلِكَ فَكَيْفَ يَكُونُ خالِقًا لِلْكُفْرِ لِأنَّ مَن ذَمَّ غَيْرَهُ بِفِعْلِ شَيْءٍ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ المَذْمُومُ فاعِلًا لِذَلِكَ الفِعْلِ وإلّا اسْتَحَقَّ الذّامُّ الذَّمَّ. انْتَهى. وهُوَ عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ ﴿وما هَدى﴾ أيْ ما هَداهم إلى الدِّينِ، أوْ ما نَجا مِنَ الغَرَقِ، أوْ ما اهْتَدى في نَفْسِهِ لِأنَّ (هَدى) قَدْ يَأْتِي بِمَعْنى اهْتَدى.

طه 20:74

﴿قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾ أيْ لَنْ نَخْتارَ اتِّباعَكَ وكَوْنَنا مِن حِزْبِكَ وسَلامَتَنا مِن عَذابِكَ ﴿عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ﴾ وهي المُعْجِزَةُ الَّتِي أتَتْنا وعَلِمْنا صِحَّتَها. وفي قَوْلِهِمْ هَذا تَوْهِينٌ لَهُ واسْتِصْغارٌ لَمّا هَدَّدَهم بِهِ وعَدَمُ اكْتِراثٍ بِقَوْلِهِ. وفي نِسْبَةِ المَجِيءِ (p-٢٦٢)إلَيْهِمْ وإنْ كانَتِ البَيِّناتُ جاءَتْ لَهم ولِغَيْرِهِمْ، لِأنَّهم كانُوا أعْرَفَ بِالسِّحْرِ مِن غَيْرِهِمْ، وقَدْ عَلِمُوا أنَّ ما جاءَ بِهِ مُوسى لَيْسَ بِسِحْرٍ فَكانُوا عَلى جَلِيَّةٍ مِنَ العِلْمِ بِالمُعْجِزِ، وغَيْرُهم يُقَلِّدُهم في ذَلِكَ وأيْضًا فَكانُوا هُمُ الَّذِينَ حَصَلَ لَهُمُ النَّفْعُ بِها فَكانَتْ بَيِّناتٍ واضِحَةً في حَقِّهِمْ. والواوُ في ﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾ واوُ عَطْفٍ عَلى ﴿ما جاءَنا﴾ أيْ: وعَلى ﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾ لَمّا لاحَتْ لَهم حُجَّةُ اللَّهِ في المُعْجِزَةِ بَدَءُوا بِها ثُمَّ تَرَقَّوْا إلى القادِرِ عَلى خَرْقِ العادَةِ، وهو اللَّهُ تَعالى، وذَكَرُوا وصْفَ الِاخْتِراعِ وهو قَوْلُهم ﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾ تَبْيِينًا لِعَجْزِ فِرْعَوْنَ وتَكْذِيبِهِ في ادِّعاءِ رُبُوبِيَّتِهِ وإلاهِيَّتِهِ، وهو عاجِزٌ عَنْ صَرْفِ ذُبابَةٍ فَضْلًا عَنِ اخْتِراعِها. وقِيلَ: الواوُ لِلْقَسَمِ وجَوابُهُ مَحْذُوفٌ، ولا يَكُونُ ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾ جَوابًا لِأنَّهُ لا يُجابُ في النَّفْيِ بِـ (لْنَ) إلّا في شاذٍّ مِنَ الشِّعْرِ و(ما) مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي، وصِلَتُهُ ﴿أنْتَ قاضٍ﴾ والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ما أنْتَ قاضِيهِ. قِيلَ: ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ (ما) مَصْدَرِيَّةً لِأنَّ المَصْدَرِيَّةَ تُوصَلُ بِالأفْعالِ، وهَذِهِ مَوْصُولَةٌ بِابْتِداءٍ وخَبَرٍ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ بَلْ قَدْ ذَهَبَ ذاهِبُونَ مِنَ النُّحاةِ إلى أنَّ (ما) المَصْدَرِيَّةَ تُوصَلُ بِالجُمْلَةِ الاسْمِيَّةِ. وانْتَصَبَ ﴿هَذِهِ الحَياةَ﴾ عَلى الظَّرْفِ وما مُهَيِّئَةٌ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، أيْ: إنَّ قَضاءَكَ كائِنٌ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا لا في الآخِرَةِ، بَلْ في الآخِرَةِ لَنا النَّعِيمُ ولَكَ العَذابُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (تَقْضِي) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ خِطابًا لِفِرْعَوْنَ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ (تُقْضى) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، هَذِهِ الحَياةُ بِالرَّفْعِ اتَّسَعَ في الظَّرْفِ فَأجْرى مَجْرى المَفْعُولِ بِهِ، ثُمَّ بُنِيَ الفِعْلُ لِذَلِكَ ورُفِعَ بِهِ، كَما تَقُولُ: صِيمَ يَوْمُ الجُمُعَةِ، ووُلِدَ لَهُ سِتُّونَ عامًا. ولَمْ يُصَرَّحْ في القُرْآنِ بِأنَّهُ أنْفَذَ فِيهِمْ وعِيدَهُ ولا أنَّهُ قَطَعَ أيْدِيَهم وأرْجُلَهم وصَلَبَهم، بَلِ الظّاهِرُ أنَّهُ تَعالى سَلَّمَهم مِنهُ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٥] وقِيلَ: أنْفَذَ فِيهِمْ وعِيدَهُ، وصَلَبَهم عَلى الجُذُوعِ وإكْراهُهُ إيّاهم عَلى السِّحْرِ. قِيلَ: حَمَلَهم عَلى مُعارَضَةِ مُوسى. وقِيلَ: كانَ يَأْخُذُ وِلْدانَ النّاسِ ويُجَرِّبُهم عَلى ذَلِكَ فَأشارَتِ السَّحَرَةُ إلى ذَلِكَ، قالَهُ الحَسَنُ ﴿واللَّهُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ رَدٌّ عَلى قَوْلِهِ ﴿أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾ [طه: ٧١] أيْ: وثَوابُ اللَّهِ وما أعَّدَهُ لِمَن آمَنَ بِهِ، رُوِيَ أنَّهم قالُوا لِفِرْعَوْنَ: أرِنا مُوسى نائِمًا، فَفَعَلَ فَوَجَدُوهُ يَحْرُسُهُ عَصاهُ، فَقالُوا: ما هَذا بِسِحْرٍ السّاحِرُ إذا نامَ بَطَلَ سِحْرُهُ فَأبى إلّا أنْ يُعارِضُوهُ، ويَظْهَرُ مِن قَوْلِهِمْ: (أئِنَّ لَنا لَأجْرًا) عَدَمُ الإكْراهِ. ﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ﴾ - إلى - ﴿مَن تَزَكّى﴾ قِيلَ هو حِكايَةٌ لَهم عِظَةٌ لِفِرْعَوْنَ. وقِيلَ: خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ لا عَلى وجْهِ الحِكايَةِ تَنْبِيهًا عَلى قُبْحِ ما فَعَلَ فِرْعَوْنُ وحُسْنِ ما فَعَلَ السَّحَرَةُ مَوْعِظَةً وتَحْذِيرًا، والمُجْرِمُ هُنا الكافِرُ، لِذِكْرِ مُقابِلِهِ ﴿ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا﴾ ولِقَوْلِهِ ﴿لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ أيْ: يُعَذَّبُ عَذابًا يَنْتَهِي بِهِ إلى المَوْتِ، ثُمَّ لا يُجْهَزُ عَلَيْهِ فَيَسْتَرِيحُ، بَلْ يُعادُ جِلْدُهُ ويُجَدَّدُ عَذابُهُ فَهو لا يَحْيا حَياةً طَيِّبَةً بِخِلافِ المُؤْمِنِ الَّذِي يَدْخُلُ النّارَ فَهم يُقارِبُونَ المَوْتَ ولا يُجْهَزُ عَلَيْهِمْ فَهَذا فَرْقٌ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ. وفي الحَدِيثِ (إنَّهم يَمُاتُونَ إماتَةً)، وهَذا هو مَعْناهُ لِأنَّهُ لا يَمُوتُ في الآخِرَةِ و﴿تَزَكّى﴾ تَطَهَّرَ مِن دَنَسِ الكُفْرِ. وقِيلَ: قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. (p-٢٦٣)﴿ولَقَدْ أوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا لا تَخافُ دَرَكًا ولا تَخْشى﴾ ﴿فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ قَدْ أنْجَيْناكم مِن عَدُوِّكم وواعَدْناكم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ ونَزَّلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ [طه: ٨٠] ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم ولا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبِي ومَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى﴾ [طه: ٨١] ﴿وإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى﴾ [طه: ٨٢] . هَذا اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَنْ شَيْءٍ مِن أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَهُ وبَيْنَ مَقالِ السَّحَرَةِ المُتَقَدِّمِ مُدَّةٌ مِنَ الزَّمانِ، حَدَثَ فِيها لِمُوسى وفِرْعَوْنَ حَوادِثُ، وذَلِكَ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا انْقَضى أمْرُ السَّحَرَةِ وغَلَبَ مُوسى وقَوِيَ أمْرُهُ وعَدَهُ فِرْعَوْنُ أنْ يُرْسِلَ مَعَهُ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأقامَ مُوسى عَلى وعْدِهِ حَتّى غَدَرَهُ فِرْعَوْنُ ونَكَثَ وأعْلَمَهُ أنَّهُ لا يُرْسِلُهم مَعَهُ، فَبَعَثَ اللَّهُ حِينَئِذٍ الآياتِ المَذْكُورَةَ في غَيْرِ هَذِهِ الآياتِ، الجَرادَ والقُمَّلَ إلى آخِرِها كُلَّما جاءَتْ آيَةٌ وعَدَ فِرْعَوْنُ أنْ يُرْسِلَ بَنِي إسْرائِيلَ عِنْدَ انْكِشافِ العَذابِ، فَإذا انْكَشَفَ نَكَثَ حَتّى تَأْتِيَ أُخْرى، فَلَمّا كَمُلَتِ الآياتُ أوْحى اللَّهُ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُخْرِجَ بَنِي إسْرائِيلَ في اللَّيْلِ سارِيًا، والسُّرى مَسِيرُ اللَّيْلِ. ويُحْتَمَلُ أنَّ (أنْ) تَكُونُ مُفَسِّرَةً وأنْ تَكُونَ النّاصِبَةَ لِلْمُضارِعِ و﴿بِعِبادِي﴾ إضافَةُ تَشْرِيفٍ لِقَوْلِهِ ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] والظّاهِرُ أنَّ الإيحاءَ إلَيْهِ بِذَلِكَ وبِأنْ يَضْرِبَ البَحْرَ كانَ مُتَقَدِّمًا بِمِصْرَ عَلى وقْتِ اتِّباعِ فِرْعَوْنَ مُوسى وقَوْمَهُ بِجُنُودِهِ. وقِيلَ: كانَ الوَحْيُ بِالضَّرْبِ حِينَ قارَبَ فِرْعَوْنُ لَحاقَهُ وقَوِيَ فَزَعُ بَنِي إسْرائِيلَ، ويُرْوى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَهَضَ بِبَنِي إسْرائِيلَ وهم سِتُّمِائَةِ ألْفِ إنْسانٍ، فَسارَ بِهِمْ مِن مِصْرَ يُرِيدُ بَحْرَ القُلْزُمِ، واتَّصَلَ الخَبَرُ فِرْعَوْنَ فَجَمَعَ جُنُودَهُ وحَشَرَهم، ونَهَضَ وراءَهُ فَأوْحى اللَّهُ إلى مُوسى أنْ يَقْصِدَ البَحْرَ فَجَزَعَ بَنُو إسْرائِيلَ، ورَأوْا أنَّ العَدُوَّ مِن ورائِهِمْ والبَحْرَ مِن أمامِهِمْ، ومُوسى يَثِقُ بِصُنْعِ اللَّهِ، فَلَمّا رَآهم فِرْعَوْنُ قَدْ نَهَضُوا نَحْوَ البَحْرِ طَمِعَ فِيهِمْ، وكانَ مَقْصِدُهم إلى مَوْضِعٍ يَنْقَطِعُ فِيهِ الفُحُوصُ والطُّرُقُ الواسِعَةُ. قِيلَ: وكانَ في خَيْلِ فِرْعَوْنَ سَبْعُونَ ألْفَ أدْهَمَ، ونِسْبَةُ ذَلِكَ مِن سائِرِ الألْوانِ. وقِيلَ: أكْثَرُ مِن هَذا فَضَرَبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ البَحْرَ فانْفَرَقَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ فِرْقَةً طُرُقًا واسِعَةً بَيْنَها حِيطانُ الماءِ واقِفَةٌ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣] . وقِيلَ: بَلْ هو طَرِيقٌ واحِدٌ لِقَوْلِهِ ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا﴾ . انْتَهى. وقَدْ يُرادُ بِقَوْلِهِ (طَرِيقًا) الجِنْسُ، فَدَخَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ أنْ بَعَثَ اللَّهُ رِيحَ الصَّبا، فَجَفَّفَتْ تِلْكَ الطُّرُقَ حَتّى يَبِسَتْ ودَخَلَ بَنُو إسْرائِيلَ، ووَصَلَ فِرْعَوْنُ إلى المَدْخَلِ وبَنُو إسْرائِيلَ كُلُّهم في البَحْرِ، فَرَأى الماءَ عَلى تِلْكَ الحالِ فَجَزَعَ قَوْمُهُ واسْتَعْظَمُوا الأمْرَ، فَقالَ لَهم: إنَّما انْفَلَقَ مِن هَيْبَتِي، وتَقَدَّمَ غَرَقُ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ في سُورَةِ يُونُسَ. والظّاهِرُ (p-٢٦٤)أنَّ لَفْظَةَ اضْرِبْ هُنا عَلى حَقِيقَتِها مِن مَسِّ العَصا بِقُوَّةٍ وتَحامُلٍ عَلى العَصا، ويُوَضِّحُهُ في آيَةٍ أُخْرى ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣] فالمَعْنى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ لِيَنْفَلِقَ لَهم فَيَصِيرَ طَرِيقًا، فَتَعَدّى إلى الطَّرِيقِ بِدُخُولِ هَذا المَعْنى، لَمّا كانَ الطَّرِيقُ مُتَسَبِّبًا عَنِ الضَّرْبِ جُعِلَ كَأنَّهُ المَضْرُوبُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا﴾ فاجْعَلْ لَهم مِن قَوْلِهِمْ: ضَرَبَ لَهُ في مالِهِ سَهْمًا، وضَرَبَ اللَّبَنَ عَمِلَهُ. انْتَهى. وفِي الحَدِيثِ: (اضْرِبُوا لِي مَعَكم بِسَهْمٍ) . ولَمّا لَمْ يَذْكُرِ المَضْرُوبَ حَقِيقَةً وهو البَحْرُ، ولَوْ كانَ صَرَّحَ بِالمَضْرُوبِ حَقِيقَةً لَكانَ التَّرْكِيبُ طَرِيقًا فِيهِ، فَكانَ يَعُودُ عَلى البَحْرِ المَضْرُوبِ و﴿يَبَسًا﴾ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ الطَّرِيقُ، وصَفَهُ بِما آلَ إلَيْهِ إذْ كانَ حالَةَ الضَّرْبِ لَمْ يَتَّصِفْ بِاليُبْسِ، بَلْ مَرَّتْ عَلَيْهِ الصَّبا فَجَفَّفَتْهُ، كَما رُوِيَ، ويُقالُ: يَبَسَ يُبْسًا ويَبَسًا كالعُدْمِ والعَدَمِ، ومِن كَوْنِهِ مَصْدَرًا وُصِفَ بِهِ المُؤَنَّثُ، قالُوا: شاةٌ يَبَسٌ وناقَةٌ يَبَسٌ إذا جَفَّ لَبَنُها. وقَرَأ الحَسَنُ (يَبْسًا) بِسُكُونِ الباءِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: قَدْ يَكُونُ مَصْدَرًا كالعامَّةِ، وقَدْ يَكُونُ بِالإسْكانِ المَصْدَرَ، وبِالفَتْحِ الِاسْمَ كالنَّفْضِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا يَخْلُو اليَبَسُ مِن أنْ يَكُونَ مُخَفَّفًا عَنِ اليَبْسِ أوْ صِفَةً عَلى فُعْلٍ أوْ جَمْعَ يابِسٍ كَصاحِبٍ وصَحْبٍ، وُصِفَ بِهِ الواحِدُ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ: ومَعًا جِياعًا جَعَلَهُ لِفَرْطِ جُوعِهِ كَجَماعَةِ جِياعٍ. انْتَهى. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: يابِسًا اسْمَ فاعِلٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: لا تَخافُ وهي جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ ﴿فاضْرِبْ﴾ وقِيلَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِلطَّرِيقِ، وحُذِفَ العائِدُ أيْ لا تَخافُ فِيهِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: وحَمْزَةُ وابْنُ أبِي لَيْلى (لا تَخَفْ) بِالجَزْمِ عَلى جَوابِ الأمْرِ أوْ عَلى نَهْيٍ مُسْتَأْنَفٍ قالَهُ الزَّجّاجُ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ ﴿دَرْكًا﴾ بِسُكُونِ الرّاءِ، والجُمْهُورُ بِفَتْحِها، والدَّرْكُ والدَّرَكُ اسْمانِ مِنَ الإدْراكِ أيْ لا يُدْرِكُكَ فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ ولا يَلْحَقُونَكَ ﴿ولا تَخْشى﴾ أنْتَ ولا قَوْمُكَ غَرَقًا، وعَطْفُهُ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ﴿لا تَخافُ﴾ ظاهِرٌ، وأمّا عَلى قِراءَةِ الجَزْمِ فَخُرِّجَ عَلى أنَّ الألِفَ جِيءَ بِها لِأجْلِ أواخِرِ الآيِ فاصِلَةً نَحْوَ قَوْلِهِ ﴿فَأضَلُّونا السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٦٧] وعَلى أنَّهُ إخْبارٌ مُسْتَأْنَفٌ أيْ: وأنْتَ لا تَخْشى، وعَلى أنَّهُ مَجْزُومٌ بِحَذْفِ الحَرَكَةِ المُقَدَّرَةِ عَلى لُغَةِ مَن قالَ: ألَمْ يَأْتِيكَ وهي لُغَةٌ قَلِيلَةٌ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎إذا العَجُوزُ غَضِبَتْ فَطَلِّقِ ولا تَرضّاها ولا تَمَلَّقِ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَأتْبَعَهُمْ﴾ بِسُكُونِ التّاءِ، وأتْبَعَ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى تَبِعَ فَيَتَعَدّى إلى واحِدٍ، كَقَوْلِهِ ﴿فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ﴾ [الأعراف: ١٧٥] وقَدْ يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، كَقَوْلِهِ: وأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتِهِمْ فَتَكُونُ التّاءُ زائِدَةً، أيْ: جُنُودُهُ، أوْ تَكُونُ لِلْحالِ، والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، أيْ: رُؤَساؤُهُ وحَشَمُهُ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ، والحَسَنُ (فاتَّبَعَهم) بِتَشْدِيدِ التّاءِ، وكَذا عَنِ الحَسَنِ في جَمِيعِ ما في القُرْآنِ إلّا ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] والباءُ في بِجُنُودِهِ في مَوْضِعِ الحالِ كَما تَقُولُ: أُخْرِجَ زَيْدٌ بِسِلاحِهِ، أوِ الباءِ لِلتَّعَدِّي لِمَفْعُولٍ ثانٍ بِحَرْفِ جَرٍّ، إذْ لا يَتَعَدّى اتَّبَعَ بِنَفْسِهِ إلّا إلى حَرْفٍ واحِدٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ عَلى وزْنِ فِعْلٍ مُجَرَّدٍ مِنَ الزِّيادَةِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ، مِنهُمُ الأعْمَشُ، فَغَشّاهم مِنَ اليَمِّ ما غَشّاهم بِتَضْعِيفِ العَيْنِ فالفاعِلُ في القِراءَةِ الأُولى (ما) وفي الثّانِيَةِ الفاعِلُ اللَّهُ أيْ فَغَشّاهُمُ اللَّهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ فِرْعَوْنُ لِأنَّهُ الَّذِي ورَّطَ جُنُودَهُ وتَسَبَّبَ لِهَلاكِهِمْ. وقالَ ﴿ما غَشِيَهُمْ﴾ مِن بابِ الِاخْتِصارِ ومِن جَوامِعِ الكَلِمِ الَّتِي تَسْتَقِلُّ مَعَ قِلَّتِها بِالمَعانِي الكَثِيرَةِ، أيْ (غَشِيَهم) ما لا يَعْلَمُ كُنْهَهُ إلّا اللَّهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿ما غَشِيَهُمْ﴾ إبْهامٌ أهَوَلُ مِنَ النَّصِّ عَلى قَدْرِ ما، وهو كَقَوْلِهِ ﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ [النجم: ١٦] والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿غَشِيَهُمْ﴾ في المَوْضِعَيْنِ عائِدٌ عَلى فِرْعَوْنِ وقَوْمِهِ، وقِيلَ: الأوَّلُ عَلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، والثّانِي عَلى مُوسى وقَوْمِهِ: وفي الكَلامِ حَذْفٌ عَلى هَذا القَوْلِ تَقْدِيرُهُ فَنَجا مُوسى وقَوْمُهُ، وغَرِقَ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: وقُرِئَ وجُنُودُهُ عَطْفًا عَلى فِرْعَوْنَ. (p-٢٦٥)﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ﴾ أيْ مِن أوَّلِ مَرَّةٍ إلى هَذِهِ النِّهايَةِ ويَعْنِي الضَّلالَ في الدِّينِ. وقِيلَ: أضَلَّهم في البَحْرِ لِأنَّهم غَرِقُوا فِيهِ، واحْتَجَّ بِهِ القاضِي عَلى مَذْهَبِهِ فَقالَ: لَوْ كانَ الضَّلالُ مِن خَلْقِ اللَّهِ لَما جازَ أنْ يُقالَ: ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ﴾ بَلْ وجَبَ أنْ يُقالَ: اللَّهُ أضَلَّهم لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ذَمَّهُ بِذَلِكَ فَكَيْفَ يَكُونُ خالِقًا لِلْكُفْرِ لِأنَّ مَن ذَمَّ غَيْرَهُ بِفِعْلِ شَيْءٍ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ المَذْمُومُ فاعِلًا لِذَلِكَ الفِعْلِ وإلّا اسْتَحَقَّ الذّامُّ الذَّمَّ. انْتَهى. وهُوَ عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ ﴿وما هَدى﴾ أيْ ما هَداهم إلى الدِّينِ، أوْ ما نَجا مِنَ الغَرَقِ، أوْ ما اهْتَدى في نَفْسِهِ لِأنَّ (هَدى) قَدْ يَأْتِي بِمَعْنى اهْتَدى.

طه 20:75

﴿قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾ أيْ لَنْ نَخْتارَ اتِّباعَكَ وكَوْنَنا مِن حِزْبِكَ وسَلامَتَنا مِن عَذابِكَ ﴿عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ﴾ وهي المُعْجِزَةُ الَّتِي أتَتْنا وعَلِمْنا صِحَّتَها. وفي قَوْلِهِمْ هَذا تَوْهِينٌ لَهُ واسْتِصْغارٌ لَمّا هَدَّدَهم بِهِ وعَدَمُ اكْتِراثٍ بِقَوْلِهِ. وفي نِسْبَةِ المَجِيءِ (p-٢٦٢)إلَيْهِمْ وإنْ كانَتِ البَيِّناتُ جاءَتْ لَهم ولِغَيْرِهِمْ، لِأنَّهم كانُوا أعْرَفَ بِالسِّحْرِ مِن غَيْرِهِمْ، وقَدْ عَلِمُوا أنَّ ما جاءَ بِهِ مُوسى لَيْسَ بِسِحْرٍ فَكانُوا عَلى جَلِيَّةٍ مِنَ العِلْمِ بِالمُعْجِزِ، وغَيْرُهم يُقَلِّدُهم في ذَلِكَ وأيْضًا فَكانُوا هُمُ الَّذِينَ حَصَلَ لَهُمُ النَّفْعُ بِها فَكانَتْ بَيِّناتٍ واضِحَةً في حَقِّهِمْ. والواوُ في ﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾ واوُ عَطْفٍ عَلى ﴿ما جاءَنا﴾ أيْ: وعَلى ﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾ لَمّا لاحَتْ لَهم حُجَّةُ اللَّهِ في المُعْجِزَةِ بَدَءُوا بِها ثُمَّ تَرَقَّوْا إلى القادِرِ عَلى خَرْقِ العادَةِ، وهو اللَّهُ تَعالى، وذَكَرُوا وصْفَ الِاخْتِراعِ وهو قَوْلُهم ﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾ تَبْيِينًا لِعَجْزِ فِرْعَوْنَ وتَكْذِيبِهِ في ادِّعاءِ رُبُوبِيَّتِهِ وإلاهِيَّتِهِ، وهو عاجِزٌ عَنْ صَرْفِ ذُبابَةٍ فَضْلًا عَنِ اخْتِراعِها. وقِيلَ: الواوُ لِلْقَسَمِ وجَوابُهُ مَحْذُوفٌ، ولا يَكُونُ ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾ جَوابًا لِأنَّهُ لا يُجابُ في النَّفْيِ بِـ (لْنَ) إلّا في شاذٍّ مِنَ الشِّعْرِ و(ما) مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي، وصِلَتُهُ ﴿أنْتَ قاضٍ﴾ والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ما أنْتَ قاضِيهِ. قِيلَ: ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ (ما) مَصْدَرِيَّةً لِأنَّ المَصْدَرِيَّةَ تُوصَلُ بِالأفْعالِ، وهَذِهِ مَوْصُولَةٌ بِابْتِداءٍ وخَبَرٍ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ بَلْ قَدْ ذَهَبَ ذاهِبُونَ مِنَ النُّحاةِ إلى أنَّ (ما) المَصْدَرِيَّةَ تُوصَلُ بِالجُمْلَةِ الاسْمِيَّةِ. وانْتَصَبَ ﴿هَذِهِ الحَياةَ﴾ عَلى الظَّرْفِ وما مُهَيِّئَةٌ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، أيْ: إنَّ قَضاءَكَ كائِنٌ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا لا في الآخِرَةِ، بَلْ في الآخِرَةِ لَنا النَّعِيمُ ولَكَ العَذابُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (تَقْضِي) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ خِطابًا لِفِرْعَوْنَ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ (تُقْضى) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، هَذِهِ الحَياةُ بِالرَّفْعِ اتَّسَعَ في الظَّرْفِ فَأجْرى مَجْرى المَفْعُولِ بِهِ، ثُمَّ بُنِيَ الفِعْلُ لِذَلِكَ ورُفِعَ بِهِ، كَما تَقُولُ: صِيمَ يَوْمُ الجُمُعَةِ، ووُلِدَ لَهُ سِتُّونَ عامًا. ولَمْ يُصَرَّحْ في القُرْآنِ بِأنَّهُ أنْفَذَ فِيهِمْ وعِيدَهُ ولا أنَّهُ قَطَعَ أيْدِيَهم وأرْجُلَهم وصَلَبَهم، بَلِ الظّاهِرُ أنَّهُ تَعالى سَلَّمَهم مِنهُ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٥] وقِيلَ: أنْفَذَ فِيهِمْ وعِيدَهُ، وصَلَبَهم عَلى الجُذُوعِ وإكْراهُهُ إيّاهم عَلى السِّحْرِ. قِيلَ: حَمَلَهم عَلى مُعارَضَةِ مُوسى. وقِيلَ: كانَ يَأْخُذُ وِلْدانَ النّاسِ ويُجَرِّبُهم عَلى ذَلِكَ فَأشارَتِ السَّحَرَةُ إلى ذَلِكَ، قالَهُ الحَسَنُ ﴿واللَّهُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ رَدٌّ عَلى قَوْلِهِ ﴿أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾ [طه: ٧١] أيْ: وثَوابُ اللَّهِ وما أعَّدَهُ لِمَن آمَنَ بِهِ، رُوِيَ أنَّهم قالُوا لِفِرْعَوْنَ: أرِنا مُوسى نائِمًا، فَفَعَلَ فَوَجَدُوهُ يَحْرُسُهُ عَصاهُ، فَقالُوا: ما هَذا بِسِحْرٍ السّاحِرُ إذا نامَ بَطَلَ سِحْرُهُ فَأبى إلّا أنْ يُعارِضُوهُ، ويَظْهَرُ مِن قَوْلِهِمْ: (أئِنَّ لَنا لَأجْرًا) عَدَمُ الإكْراهِ. ﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ﴾ - إلى - ﴿مَن تَزَكّى﴾ قِيلَ هو حِكايَةٌ لَهم عِظَةٌ لِفِرْعَوْنَ. وقِيلَ: خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ لا عَلى وجْهِ الحِكايَةِ تَنْبِيهًا عَلى قُبْحِ ما فَعَلَ فِرْعَوْنُ وحُسْنِ ما فَعَلَ السَّحَرَةُ مَوْعِظَةً وتَحْذِيرًا، والمُجْرِمُ هُنا الكافِرُ، لِذِكْرِ مُقابِلِهِ ﴿ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا﴾ ولِقَوْلِهِ ﴿لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ أيْ: يُعَذَّبُ عَذابًا يَنْتَهِي بِهِ إلى المَوْتِ، ثُمَّ لا يُجْهَزُ عَلَيْهِ فَيَسْتَرِيحُ، بَلْ يُعادُ جِلْدُهُ ويُجَدَّدُ عَذابُهُ فَهو لا يَحْيا حَياةً طَيِّبَةً بِخِلافِ المُؤْمِنِ الَّذِي يَدْخُلُ النّارَ فَهم يُقارِبُونَ المَوْتَ ولا يُجْهَزُ عَلَيْهِمْ فَهَذا فَرْقٌ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ. وفي الحَدِيثِ (إنَّهم يَمُاتُونَ إماتَةً)، وهَذا هو مَعْناهُ لِأنَّهُ لا يَمُوتُ في الآخِرَةِ و﴿تَزَكّى﴾ تَطَهَّرَ مِن دَنَسِ الكُفْرِ. وقِيلَ: قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. (p-٢٦٣)﴿ولَقَدْ أوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا لا تَخافُ دَرَكًا ولا تَخْشى﴾ ﴿فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ قَدْ أنْجَيْناكم مِن عَدُوِّكم وواعَدْناكم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ ونَزَّلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ [طه: ٨٠] ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم ولا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبِي ومَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى﴾ [طه: ٨١] ﴿وإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى﴾ [طه: ٨٢] . هَذا اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَنْ شَيْءٍ مِن أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَهُ وبَيْنَ مَقالِ السَّحَرَةِ المُتَقَدِّمِ مُدَّةٌ مِنَ الزَّمانِ، حَدَثَ فِيها لِمُوسى وفِرْعَوْنَ حَوادِثُ، وذَلِكَ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا انْقَضى أمْرُ السَّحَرَةِ وغَلَبَ مُوسى وقَوِيَ أمْرُهُ وعَدَهُ فِرْعَوْنُ أنْ يُرْسِلَ مَعَهُ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأقامَ مُوسى عَلى وعْدِهِ حَتّى غَدَرَهُ فِرْعَوْنُ ونَكَثَ وأعْلَمَهُ أنَّهُ لا يُرْسِلُهم مَعَهُ، فَبَعَثَ اللَّهُ حِينَئِذٍ الآياتِ المَذْكُورَةَ في غَيْرِ هَذِهِ الآياتِ، الجَرادَ والقُمَّلَ إلى آخِرِها كُلَّما جاءَتْ آيَةٌ وعَدَ فِرْعَوْنُ أنْ يُرْسِلَ بَنِي إسْرائِيلَ عِنْدَ انْكِشافِ العَذابِ، فَإذا انْكَشَفَ نَكَثَ حَتّى تَأْتِيَ أُخْرى، فَلَمّا كَمُلَتِ الآياتُ أوْحى اللَّهُ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُخْرِجَ بَنِي إسْرائِيلَ في اللَّيْلِ سارِيًا، والسُّرى مَسِيرُ اللَّيْلِ. ويُحْتَمَلُ أنَّ (أنْ) تَكُونُ مُفَسِّرَةً وأنْ تَكُونَ النّاصِبَةَ لِلْمُضارِعِ و﴿بِعِبادِي﴾ إضافَةُ تَشْرِيفٍ لِقَوْلِهِ ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] والظّاهِرُ أنَّ الإيحاءَ إلَيْهِ بِذَلِكَ وبِأنْ يَضْرِبَ البَحْرَ كانَ مُتَقَدِّمًا بِمِصْرَ عَلى وقْتِ اتِّباعِ فِرْعَوْنَ مُوسى وقَوْمَهُ بِجُنُودِهِ. وقِيلَ: كانَ الوَحْيُ بِالضَّرْبِ حِينَ قارَبَ فِرْعَوْنُ لَحاقَهُ وقَوِيَ فَزَعُ بَنِي إسْرائِيلَ، ويُرْوى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَهَضَ بِبَنِي إسْرائِيلَ وهم سِتُّمِائَةِ ألْفِ إنْسانٍ، فَسارَ بِهِمْ مِن مِصْرَ يُرِيدُ بَحْرَ القُلْزُمِ، واتَّصَلَ الخَبَرُ فِرْعَوْنَ فَجَمَعَ جُنُودَهُ وحَشَرَهم، ونَهَضَ وراءَهُ فَأوْحى اللَّهُ إلى مُوسى أنْ يَقْصِدَ البَحْرَ فَجَزَعَ بَنُو إسْرائِيلَ، ورَأوْا أنَّ العَدُوَّ مِن ورائِهِمْ والبَحْرَ مِن أمامِهِمْ، ومُوسى يَثِقُ بِصُنْعِ اللَّهِ، فَلَمّا رَآهم فِرْعَوْنُ قَدْ نَهَضُوا نَحْوَ البَحْرِ طَمِعَ فِيهِمْ، وكانَ مَقْصِدُهم إلى مَوْضِعٍ يَنْقَطِعُ فِيهِ الفُحُوصُ والطُّرُقُ الواسِعَةُ. قِيلَ: وكانَ في خَيْلِ فِرْعَوْنَ سَبْعُونَ ألْفَ أدْهَمَ، ونِسْبَةُ ذَلِكَ مِن سائِرِ الألْوانِ. وقِيلَ: أكْثَرُ مِن هَذا فَضَرَبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ البَحْرَ فانْفَرَقَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ فِرْقَةً طُرُقًا واسِعَةً بَيْنَها حِيطانُ الماءِ واقِفَةٌ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣] . وقِيلَ: بَلْ هو طَرِيقٌ واحِدٌ لِقَوْلِهِ ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا﴾ . انْتَهى. وقَدْ يُرادُ بِقَوْلِهِ (طَرِيقًا) الجِنْسُ، فَدَخَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ أنْ بَعَثَ اللَّهُ رِيحَ الصَّبا، فَجَفَّفَتْ تِلْكَ الطُّرُقَ حَتّى يَبِسَتْ ودَخَلَ بَنُو إسْرائِيلَ، ووَصَلَ فِرْعَوْنُ إلى المَدْخَلِ وبَنُو إسْرائِيلَ كُلُّهم في البَحْرِ، فَرَأى الماءَ عَلى تِلْكَ الحالِ فَجَزَعَ قَوْمُهُ واسْتَعْظَمُوا الأمْرَ، فَقالَ لَهم: إنَّما انْفَلَقَ مِن هَيْبَتِي، وتَقَدَّمَ غَرَقُ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ في سُورَةِ يُونُسَ. والظّاهِرُ (p-٢٦٤)أنَّ لَفْظَةَ اضْرِبْ هُنا عَلى حَقِيقَتِها مِن مَسِّ العَصا بِقُوَّةٍ وتَحامُلٍ عَلى العَصا، ويُوَضِّحُهُ في آيَةٍ أُخْرى ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣] فالمَعْنى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ لِيَنْفَلِقَ لَهم فَيَصِيرَ طَرِيقًا، فَتَعَدّى إلى الطَّرِيقِ بِدُخُولِ هَذا المَعْنى، لَمّا كانَ الطَّرِيقُ مُتَسَبِّبًا عَنِ الضَّرْبِ جُعِلَ كَأنَّهُ المَضْرُوبُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا﴾ فاجْعَلْ لَهم مِن قَوْلِهِمْ: ضَرَبَ لَهُ في مالِهِ سَهْمًا، وضَرَبَ اللَّبَنَ عَمِلَهُ. انْتَهى. وفِي الحَدِيثِ: (اضْرِبُوا لِي مَعَكم بِسَهْمٍ) . ولَمّا لَمْ يَذْكُرِ المَضْرُوبَ حَقِيقَةً وهو البَحْرُ، ولَوْ كانَ صَرَّحَ بِالمَضْرُوبِ حَقِيقَةً لَكانَ التَّرْكِيبُ طَرِيقًا فِيهِ، فَكانَ يَعُودُ عَلى البَحْرِ المَضْرُوبِ و﴿يَبَسًا﴾ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ الطَّرِيقُ، وصَفَهُ بِما آلَ إلَيْهِ إذْ كانَ حالَةَ الضَّرْبِ لَمْ يَتَّصِفْ بِاليُبْسِ، بَلْ مَرَّتْ عَلَيْهِ الصَّبا فَجَفَّفَتْهُ، كَما رُوِيَ، ويُقالُ: يَبَسَ يُبْسًا ويَبَسًا كالعُدْمِ والعَدَمِ، ومِن كَوْنِهِ مَصْدَرًا وُصِفَ بِهِ المُؤَنَّثُ، قالُوا: شاةٌ يَبَسٌ وناقَةٌ يَبَسٌ إذا جَفَّ لَبَنُها. وقَرَأ الحَسَنُ (يَبْسًا) بِسُكُونِ الباءِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: قَدْ يَكُونُ مَصْدَرًا كالعامَّةِ، وقَدْ يَكُونُ بِالإسْكانِ المَصْدَرَ، وبِالفَتْحِ الِاسْمَ كالنَّفْضِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا يَخْلُو اليَبَسُ مِن أنْ يَكُونَ مُخَفَّفًا عَنِ اليَبْسِ أوْ صِفَةً عَلى فُعْلٍ أوْ جَمْعَ يابِسٍ كَصاحِبٍ وصَحْبٍ، وُصِفَ بِهِ الواحِدُ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ: ومَعًا جِياعًا جَعَلَهُ لِفَرْطِ جُوعِهِ كَجَماعَةِ جِياعٍ. انْتَهى. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: يابِسًا اسْمَ فاعِلٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: لا تَخافُ وهي جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ ﴿فاضْرِبْ﴾ وقِيلَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِلطَّرِيقِ، وحُذِفَ العائِدُ أيْ لا تَخافُ فِيهِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: وحَمْزَةُ وابْنُ أبِي لَيْلى (لا تَخَفْ) بِالجَزْمِ عَلى جَوابِ الأمْرِ أوْ عَلى نَهْيٍ مُسْتَأْنَفٍ قالَهُ الزَّجّاجُ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ ﴿دَرْكًا﴾ بِسُكُونِ الرّاءِ، والجُمْهُورُ بِفَتْحِها، والدَّرْكُ والدَّرَكُ اسْمانِ مِنَ الإدْراكِ أيْ لا يُدْرِكُكَ فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ ولا يَلْحَقُونَكَ ﴿ولا تَخْشى﴾ أنْتَ ولا قَوْمُكَ غَرَقًا، وعَطْفُهُ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ﴿لا تَخافُ﴾ ظاهِرٌ، وأمّا عَلى قِراءَةِ الجَزْمِ فَخُرِّجَ عَلى أنَّ الألِفَ جِيءَ بِها لِأجْلِ أواخِرِ الآيِ فاصِلَةً نَحْوَ قَوْلِهِ ﴿فَأضَلُّونا السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٦٧] وعَلى أنَّهُ إخْبارٌ مُسْتَأْنَفٌ أيْ: وأنْتَ لا تَخْشى، وعَلى أنَّهُ مَجْزُومٌ بِحَذْفِ الحَرَكَةِ المُقَدَّرَةِ عَلى لُغَةِ مَن قالَ: ألَمْ يَأْتِيكَ وهي لُغَةٌ قَلِيلَةٌ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎إذا العَجُوزُ غَضِبَتْ فَطَلِّقِ ولا تَرضّاها ولا تَمَلَّقِ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَأتْبَعَهُمْ﴾ بِسُكُونِ التّاءِ، وأتْبَعَ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى تَبِعَ فَيَتَعَدّى إلى واحِدٍ، كَقَوْلِهِ ﴿فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ﴾ [الأعراف: ١٧٥] وقَدْ يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، كَقَوْلِهِ: وأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتِهِمْ فَتَكُونُ التّاءُ زائِدَةً، أيْ: جُنُودُهُ، أوْ تَكُونُ لِلْحالِ، والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، أيْ: رُؤَساؤُهُ وحَشَمُهُ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ، والحَسَنُ (فاتَّبَعَهم) بِتَشْدِيدِ التّاءِ، وكَذا عَنِ الحَسَنِ في جَمِيعِ ما في القُرْآنِ إلّا ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] والباءُ في بِجُنُودِهِ في مَوْضِعِ الحالِ كَما تَقُولُ: أُخْرِجَ زَيْدٌ بِسِلاحِهِ، أوِ الباءِ لِلتَّعَدِّي لِمَفْعُولٍ ثانٍ بِحَرْفِ جَرٍّ، إذْ لا يَتَعَدّى اتَّبَعَ بِنَفْسِهِ إلّا إلى حَرْفٍ واحِدٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ عَلى وزْنِ فِعْلٍ مُجَرَّدٍ مِنَ الزِّيادَةِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ، مِنهُمُ الأعْمَشُ، فَغَشّاهم مِنَ اليَمِّ ما غَشّاهم بِتَضْعِيفِ العَيْنِ فالفاعِلُ في القِراءَةِ الأُولى (ما) وفي الثّانِيَةِ الفاعِلُ اللَّهُ أيْ فَغَشّاهُمُ اللَّهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ فِرْعَوْنُ لِأنَّهُ الَّذِي ورَّطَ جُنُودَهُ وتَسَبَّبَ لِهَلاكِهِمْ. وقالَ ﴿ما غَشِيَهُمْ﴾ مِن بابِ الِاخْتِصارِ ومِن جَوامِعِ الكَلِمِ الَّتِي تَسْتَقِلُّ مَعَ قِلَّتِها بِالمَعانِي الكَثِيرَةِ، أيْ (غَشِيَهم) ما لا يَعْلَمُ كُنْهَهُ إلّا اللَّهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿ما غَشِيَهُمْ﴾ إبْهامٌ أهَوَلُ مِنَ النَّصِّ عَلى قَدْرِ ما، وهو كَقَوْلِهِ ﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ [النجم: ١٦] والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿غَشِيَهُمْ﴾ في المَوْضِعَيْنِ عائِدٌ عَلى فِرْعَوْنِ وقَوْمِهِ، وقِيلَ: الأوَّلُ عَلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، والثّانِي عَلى مُوسى وقَوْمِهِ: وفي الكَلامِ حَذْفٌ عَلى هَذا القَوْلِ تَقْدِيرُهُ فَنَجا مُوسى وقَوْمُهُ، وغَرِقَ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: وقُرِئَ وجُنُودُهُ عَطْفًا عَلى فِرْعَوْنَ. (p-٢٦٥)﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ﴾ أيْ مِن أوَّلِ مَرَّةٍ إلى هَذِهِ النِّهايَةِ ويَعْنِي الضَّلالَ في الدِّينِ. وقِيلَ: أضَلَّهم في البَحْرِ لِأنَّهم غَرِقُوا فِيهِ، واحْتَجَّ بِهِ القاضِي عَلى مَذْهَبِهِ فَقالَ: لَوْ كانَ الضَّلالُ مِن خَلْقِ اللَّهِ لَما جازَ أنْ يُقالَ: ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ﴾ بَلْ وجَبَ أنْ يُقالَ: اللَّهُ أضَلَّهم لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ذَمَّهُ بِذَلِكَ فَكَيْفَ يَكُونُ خالِقًا لِلْكُفْرِ لِأنَّ مَن ذَمَّ غَيْرَهُ بِفِعْلِ شَيْءٍ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ المَذْمُومُ فاعِلًا لِذَلِكَ الفِعْلِ وإلّا اسْتَحَقَّ الذّامُّ الذَّمَّ. انْتَهى. وهُوَ عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ ﴿وما هَدى﴾ أيْ ما هَداهم إلى الدِّينِ، أوْ ما نَجا مِنَ الغَرَقِ، أوْ ما اهْتَدى في نَفْسِهِ لِأنَّ (هَدى) قَدْ يَأْتِي بِمَعْنى اهْتَدى.

طه 20:76

﴿قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾ أيْ لَنْ نَخْتارَ اتِّباعَكَ وكَوْنَنا مِن حِزْبِكَ وسَلامَتَنا مِن عَذابِكَ ﴿عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ﴾ وهي المُعْجِزَةُ الَّتِي أتَتْنا وعَلِمْنا صِحَّتَها. وفي قَوْلِهِمْ هَذا تَوْهِينٌ لَهُ واسْتِصْغارٌ لَمّا هَدَّدَهم بِهِ وعَدَمُ اكْتِراثٍ بِقَوْلِهِ. وفي نِسْبَةِ المَجِيءِ (p-٢٦٢)إلَيْهِمْ وإنْ كانَتِ البَيِّناتُ جاءَتْ لَهم ولِغَيْرِهِمْ، لِأنَّهم كانُوا أعْرَفَ بِالسِّحْرِ مِن غَيْرِهِمْ، وقَدْ عَلِمُوا أنَّ ما جاءَ بِهِ مُوسى لَيْسَ بِسِحْرٍ فَكانُوا عَلى جَلِيَّةٍ مِنَ العِلْمِ بِالمُعْجِزِ، وغَيْرُهم يُقَلِّدُهم في ذَلِكَ وأيْضًا فَكانُوا هُمُ الَّذِينَ حَصَلَ لَهُمُ النَّفْعُ بِها فَكانَتْ بَيِّناتٍ واضِحَةً في حَقِّهِمْ. والواوُ في ﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾ واوُ عَطْفٍ عَلى ﴿ما جاءَنا﴾ أيْ: وعَلى ﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾ لَمّا لاحَتْ لَهم حُجَّةُ اللَّهِ في المُعْجِزَةِ بَدَءُوا بِها ثُمَّ تَرَقَّوْا إلى القادِرِ عَلى خَرْقِ العادَةِ، وهو اللَّهُ تَعالى، وذَكَرُوا وصْفَ الِاخْتِراعِ وهو قَوْلُهم ﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾ تَبْيِينًا لِعَجْزِ فِرْعَوْنَ وتَكْذِيبِهِ في ادِّعاءِ رُبُوبِيَّتِهِ وإلاهِيَّتِهِ، وهو عاجِزٌ عَنْ صَرْفِ ذُبابَةٍ فَضْلًا عَنِ اخْتِراعِها. وقِيلَ: الواوُ لِلْقَسَمِ وجَوابُهُ مَحْذُوفٌ، ولا يَكُونُ ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾ جَوابًا لِأنَّهُ لا يُجابُ في النَّفْيِ بِـ (لْنَ) إلّا في شاذٍّ مِنَ الشِّعْرِ و(ما) مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي، وصِلَتُهُ ﴿أنْتَ قاضٍ﴾ والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ما أنْتَ قاضِيهِ. قِيلَ: ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ (ما) مَصْدَرِيَّةً لِأنَّ المَصْدَرِيَّةَ تُوصَلُ بِالأفْعالِ، وهَذِهِ مَوْصُولَةٌ بِابْتِداءٍ وخَبَرٍ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ بَلْ قَدْ ذَهَبَ ذاهِبُونَ مِنَ النُّحاةِ إلى أنَّ (ما) المَصْدَرِيَّةَ تُوصَلُ بِالجُمْلَةِ الاسْمِيَّةِ. وانْتَصَبَ ﴿هَذِهِ الحَياةَ﴾ عَلى الظَّرْفِ وما مُهَيِّئَةٌ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، أيْ: إنَّ قَضاءَكَ كائِنٌ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا لا في الآخِرَةِ، بَلْ في الآخِرَةِ لَنا النَّعِيمُ ولَكَ العَذابُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (تَقْضِي) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ خِطابًا لِفِرْعَوْنَ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ (تُقْضى) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، هَذِهِ الحَياةُ بِالرَّفْعِ اتَّسَعَ في الظَّرْفِ فَأجْرى مَجْرى المَفْعُولِ بِهِ، ثُمَّ بُنِيَ الفِعْلُ لِذَلِكَ ورُفِعَ بِهِ، كَما تَقُولُ: صِيمَ يَوْمُ الجُمُعَةِ، ووُلِدَ لَهُ سِتُّونَ عامًا. ولَمْ يُصَرَّحْ في القُرْآنِ بِأنَّهُ أنْفَذَ فِيهِمْ وعِيدَهُ ولا أنَّهُ قَطَعَ أيْدِيَهم وأرْجُلَهم وصَلَبَهم، بَلِ الظّاهِرُ أنَّهُ تَعالى سَلَّمَهم مِنهُ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٥] وقِيلَ: أنْفَذَ فِيهِمْ وعِيدَهُ، وصَلَبَهم عَلى الجُذُوعِ وإكْراهُهُ إيّاهم عَلى السِّحْرِ. قِيلَ: حَمَلَهم عَلى مُعارَضَةِ مُوسى. وقِيلَ: كانَ يَأْخُذُ وِلْدانَ النّاسِ ويُجَرِّبُهم عَلى ذَلِكَ فَأشارَتِ السَّحَرَةُ إلى ذَلِكَ، قالَهُ الحَسَنُ ﴿واللَّهُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ رَدٌّ عَلى قَوْلِهِ ﴿أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾ [طه: ٧١] أيْ: وثَوابُ اللَّهِ وما أعَّدَهُ لِمَن آمَنَ بِهِ، رُوِيَ أنَّهم قالُوا لِفِرْعَوْنَ: أرِنا مُوسى نائِمًا، فَفَعَلَ فَوَجَدُوهُ يَحْرُسُهُ عَصاهُ، فَقالُوا: ما هَذا بِسِحْرٍ السّاحِرُ إذا نامَ بَطَلَ سِحْرُهُ فَأبى إلّا أنْ يُعارِضُوهُ، ويَظْهَرُ مِن قَوْلِهِمْ: (أئِنَّ لَنا لَأجْرًا) عَدَمُ الإكْراهِ. ﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ﴾ - إلى - ﴿مَن تَزَكّى﴾ قِيلَ هو حِكايَةٌ لَهم عِظَةٌ لِفِرْعَوْنَ. وقِيلَ: خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ لا عَلى وجْهِ الحِكايَةِ تَنْبِيهًا عَلى قُبْحِ ما فَعَلَ فِرْعَوْنُ وحُسْنِ ما فَعَلَ السَّحَرَةُ مَوْعِظَةً وتَحْذِيرًا، والمُجْرِمُ هُنا الكافِرُ، لِذِكْرِ مُقابِلِهِ ﴿ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا﴾ ولِقَوْلِهِ ﴿لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ أيْ: يُعَذَّبُ عَذابًا يَنْتَهِي بِهِ إلى المَوْتِ، ثُمَّ لا يُجْهَزُ عَلَيْهِ فَيَسْتَرِيحُ، بَلْ يُعادُ جِلْدُهُ ويُجَدَّدُ عَذابُهُ فَهو لا يَحْيا حَياةً طَيِّبَةً بِخِلافِ المُؤْمِنِ الَّذِي يَدْخُلُ النّارَ فَهم يُقارِبُونَ المَوْتَ ولا يُجْهَزُ عَلَيْهِمْ فَهَذا فَرْقٌ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ. وفي الحَدِيثِ (إنَّهم يَمُاتُونَ إماتَةً)، وهَذا هو مَعْناهُ لِأنَّهُ لا يَمُوتُ في الآخِرَةِ و﴿تَزَكّى﴾ تَطَهَّرَ مِن دَنَسِ الكُفْرِ. وقِيلَ: قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. (p-٢٦٣)﴿ولَقَدْ أوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا لا تَخافُ دَرَكًا ولا تَخْشى﴾ ﴿فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ قَدْ أنْجَيْناكم مِن عَدُوِّكم وواعَدْناكم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ ونَزَّلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ [طه: ٨٠] ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم ولا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبِي ومَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى﴾ [طه: ٨١] ﴿وإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى﴾ [طه: ٨٢] . هَذا اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَنْ شَيْءٍ مِن أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَهُ وبَيْنَ مَقالِ السَّحَرَةِ المُتَقَدِّمِ مُدَّةٌ مِنَ الزَّمانِ، حَدَثَ فِيها لِمُوسى وفِرْعَوْنَ حَوادِثُ، وذَلِكَ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا انْقَضى أمْرُ السَّحَرَةِ وغَلَبَ مُوسى وقَوِيَ أمْرُهُ وعَدَهُ فِرْعَوْنُ أنْ يُرْسِلَ مَعَهُ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأقامَ مُوسى عَلى وعْدِهِ حَتّى غَدَرَهُ فِرْعَوْنُ ونَكَثَ وأعْلَمَهُ أنَّهُ لا يُرْسِلُهم مَعَهُ، فَبَعَثَ اللَّهُ حِينَئِذٍ الآياتِ المَذْكُورَةَ في غَيْرِ هَذِهِ الآياتِ، الجَرادَ والقُمَّلَ إلى آخِرِها كُلَّما جاءَتْ آيَةٌ وعَدَ فِرْعَوْنُ أنْ يُرْسِلَ بَنِي إسْرائِيلَ عِنْدَ انْكِشافِ العَذابِ، فَإذا انْكَشَفَ نَكَثَ حَتّى تَأْتِيَ أُخْرى، فَلَمّا كَمُلَتِ الآياتُ أوْحى اللَّهُ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُخْرِجَ بَنِي إسْرائِيلَ في اللَّيْلِ سارِيًا، والسُّرى مَسِيرُ اللَّيْلِ. ويُحْتَمَلُ أنَّ (أنْ) تَكُونُ مُفَسِّرَةً وأنْ تَكُونَ النّاصِبَةَ لِلْمُضارِعِ و﴿بِعِبادِي﴾ إضافَةُ تَشْرِيفٍ لِقَوْلِهِ ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] والظّاهِرُ أنَّ الإيحاءَ إلَيْهِ بِذَلِكَ وبِأنْ يَضْرِبَ البَحْرَ كانَ مُتَقَدِّمًا بِمِصْرَ عَلى وقْتِ اتِّباعِ فِرْعَوْنَ مُوسى وقَوْمَهُ بِجُنُودِهِ. وقِيلَ: كانَ الوَحْيُ بِالضَّرْبِ حِينَ قارَبَ فِرْعَوْنُ لَحاقَهُ وقَوِيَ فَزَعُ بَنِي إسْرائِيلَ، ويُرْوى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَهَضَ بِبَنِي إسْرائِيلَ وهم سِتُّمِائَةِ ألْفِ إنْسانٍ، فَسارَ بِهِمْ مِن مِصْرَ يُرِيدُ بَحْرَ القُلْزُمِ، واتَّصَلَ الخَبَرُ فِرْعَوْنَ فَجَمَعَ جُنُودَهُ وحَشَرَهم، ونَهَضَ وراءَهُ فَأوْحى اللَّهُ إلى مُوسى أنْ يَقْصِدَ البَحْرَ فَجَزَعَ بَنُو إسْرائِيلَ، ورَأوْا أنَّ العَدُوَّ مِن ورائِهِمْ والبَحْرَ مِن أمامِهِمْ، ومُوسى يَثِقُ بِصُنْعِ اللَّهِ، فَلَمّا رَآهم فِرْعَوْنُ قَدْ نَهَضُوا نَحْوَ البَحْرِ طَمِعَ فِيهِمْ، وكانَ مَقْصِدُهم إلى مَوْضِعٍ يَنْقَطِعُ فِيهِ الفُحُوصُ والطُّرُقُ الواسِعَةُ. قِيلَ: وكانَ في خَيْلِ فِرْعَوْنَ سَبْعُونَ ألْفَ أدْهَمَ، ونِسْبَةُ ذَلِكَ مِن سائِرِ الألْوانِ. وقِيلَ: أكْثَرُ مِن هَذا فَضَرَبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ البَحْرَ فانْفَرَقَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ فِرْقَةً طُرُقًا واسِعَةً بَيْنَها حِيطانُ الماءِ واقِفَةٌ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣] . وقِيلَ: بَلْ هو طَرِيقٌ واحِدٌ لِقَوْلِهِ ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا﴾ . انْتَهى. وقَدْ يُرادُ بِقَوْلِهِ (طَرِيقًا) الجِنْسُ، فَدَخَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ أنْ بَعَثَ اللَّهُ رِيحَ الصَّبا، فَجَفَّفَتْ تِلْكَ الطُّرُقَ حَتّى يَبِسَتْ ودَخَلَ بَنُو إسْرائِيلَ، ووَصَلَ فِرْعَوْنُ إلى المَدْخَلِ وبَنُو إسْرائِيلَ كُلُّهم في البَحْرِ، فَرَأى الماءَ عَلى تِلْكَ الحالِ فَجَزَعَ قَوْمُهُ واسْتَعْظَمُوا الأمْرَ، فَقالَ لَهم: إنَّما انْفَلَقَ مِن هَيْبَتِي، وتَقَدَّمَ غَرَقُ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ في سُورَةِ يُونُسَ. والظّاهِرُ (p-٢٦٤)أنَّ لَفْظَةَ اضْرِبْ هُنا عَلى حَقِيقَتِها مِن مَسِّ العَصا بِقُوَّةٍ وتَحامُلٍ عَلى العَصا، ويُوَضِّحُهُ في آيَةٍ أُخْرى ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣] فالمَعْنى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ لِيَنْفَلِقَ لَهم فَيَصِيرَ طَرِيقًا، فَتَعَدّى إلى الطَّرِيقِ بِدُخُولِ هَذا المَعْنى، لَمّا كانَ الطَّرِيقُ مُتَسَبِّبًا عَنِ الضَّرْبِ جُعِلَ كَأنَّهُ المَضْرُوبُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا﴾ فاجْعَلْ لَهم مِن قَوْلِهِمْ: ضَرَبَ لَهُ في مالِهِ سَهْمًا، وضَرَبَ اللَّبَنَ عَمِلَهُ. انْتَهى. وفِي الحَدِيثِ: (اضْرِبُوا لِي مَعَكم بِسَهْمٍ) . ولَمّا لَمْ يَذْكُرِ المَضْرُوبَ حَقِيقَةً وهو البَحْرُ، ولَوْ كانَ صَرَّحَ بِالمَضْرُوبِ حَقِيقَةً لَكانَ التَّرْكِيبُ طَرِيقًا فِيهِ، فَكانَ يَعُودُ عَلى البَحْرِ المَضْرُوبِ و﴿يَبَسًا﴾ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ الطَّرِيقُ، وصَفَهُ بِما آلَ إلَيْهِ إذْ كانَ حالَةَ الضَّرْبِ لَمْ يَتَّصِفْ بِاليُبْسِ، بَلْ مَرَّتْ عَلَيْهِ الصَّبا فَجَفَّفَتْهُ، كَما رُوِيَ، ويُقالُ: يَبَسَ يُبْسًا ويَبَسًا كالعُدْمِ والعَدَمِ، ومِن كَوْنِهِ مَصْدَرًا وُصِفَ بِهِ المُؤَنَّثُ، قالُوا: شاةٌ يَبَسٌ وناقَةٌ يَبَسٌ إذا جَفَّ لَبَنُها. وقَرَأ الحَسَنُ (يَبْسًا) بِسُكُونِ الباءِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: قَدْ يَكُونُ مَصْدَرًا كالعامَّةِ، وقَدْ يَكُونُ بِالإسْكانِ المَصْدَرَ، وبِالفَتْحِ الِاسْمَ كالنَّفْضِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا يَخْلُو اليَبَسُ مِن أنْ يَكُونَ مُخَفَّفًا عَنِ اليَبْسِ أوْ صِفَةً عَلى فُعْلٍ أوْ جَمْعَ يابِسٍ كَصاحِبٍ وصَحْبٍ، وُصِفَ بِهِ الواحِدُ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ: ومَعًا جِياعًا جَعَلَهُ لِفَرْطِ جُوعِهِ كَجَماعَةِ جِياعٍ. انْتَهى. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: يابِسًا اسْمَ فاعِلٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: لا تَخافُ وهي جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ ﴿فاضْرِبْ﴾ وقِيلَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِلطَّرِيقِ، وحُذِفَ العائِدُ أيْ لا تَخافُ فِيهِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: وحَمْزَةُ وابْنُ أبِي لَيْلى (لا تَخَفْ) بِالجَزْمِ عَلى جَوابِ الأمْرِ أوْ عَلى نَهْيٍ مُسْتَأْنَفٍ قالَهُ الزَّجّاجُ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ ﴿دَرْكًا﴾ بِسُكُونِ الرّاءِ، والجُمْهُورُ بِفَتْحِها، والدَّرْكُ والدَّرَكُ اسْمانِ مِنَ الإدْراكِ أيْ لا يُدْرِكُكَ فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ ولا يَلْحَقُونَكَ ﴿ولا تَخْشى﴾ أنْتَ ولا قَوْمُكَ غَرَقًا، وعَطْفُهُ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ﴿لا تَخافُ﴾ ظاهِرٌ، وأمّا عَلى قِراءَةِ الجَزْمِ فَخُرِّجَ عَلى أنَّ الألِفَ جِيءَ بِها لِأجْلِ أواخِرِ الآيِ فاصِلَةً نَحْوَ قَوْلِهِ ﴿فَأضَلُّونا السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٦٧] وعَلى أنَّهُ إخْبارٌ مُسْتَأْنَفٌ أيْ: وأنْتَ لا تَخْشى، وعَلى أنَّهُ مَجْزُومٌ بِحَذْفِ الحَرَكَةِ المُقَدَّرَةِ عَلى لُغَةِ مَن قالَ: ألَمْ يَأْتِيكَ وهي لُغَةٌ قَلِيلَةٌ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎إذا العَجُوزُ غَضِبَتْ فَطَلِّقِ ولا تَرضّاها ولا تَمَلَّقِ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَأتْبَعَهُمْ﴾ بِسُكُونِ التّاءِ، وأتْبَعَ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى تَبِعَ فَيَتَعَدّى إلى واحِدٍ، كَقَوْلِهِ ﴿فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ﴾ [الأعراف: ١٧٥] وقَدْ يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، كَقَوْلِهِ: وأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتِهِمْ فَتَكُونُ التّاءُ زائِدَةً، أيْ: جُنُودُهُ، أوْ تَكُونُ لِلْحالِ، والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، أيْ: رُؤَساؤُهُ وحَشَمُهُ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ، والحَسَنُ (فاتَّبَعَهم) بِتَشْدِيدِ التّاءِ، وكَذا عَنِ الحَسَنِ في جَمِيعِ ما في القُرْآنِ إلّا ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] والباءُ في بِجُنُودِهِ في مَوْضِعِ الحالِ كَما تَقُولُ: أُخْرِجَ زَيْدٌ بِسِلاحِهِ، أوِ الباءِ لِلتَّعَدِّي لِمَفْعُولٍ ثانٍ بِحَرْفِ جَرٍّ، إذْ لا يَتَعَدّى اتَّبَعَ بِنَفْسِهِ إلّا إلى حَرْفٍ واحِدٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ عَلى وزْنِ فِعْلٍ مُجَرَّدٍ مِنَ الزِّيادَةِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ، مِنهُمُ الأعْمَشُ، فَغَشّاهم مِنَ اليَمِّ ما غَشّاهم بِتَضْعِيفِ العَيْنِ فالفاعِلُ في القِراءَةِ الأُولى (ما) وفي الثّانِيَةِ الفاعِلُ اللَّهُ أيْ فَغَشّاهُمُ اللَّهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ فِرْعَوْنُ لِأنَّهُ الَّذِي ورَّطَ جُنُودَهُ وتَسَبَّبَ لِهَلاكِهِمْ. وقالَ ﴿ما غَشِيَهُمْ﴾ مِن بابِ الِاخْتِصارِ ومِن جَوامِعِ الكَلِمِ الَّتِي تَسْتَقِلُّ مَعَ قِلَّتِها بِالمَعانِي الكَثِيرَةِ، أيْ (غَشِيَهم) ما لا يَعْلَمُ كُنْهَهُ إلّا اللَّهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿ما غَشِيَهُمْ﴾ إبْهامٌ أهَوَلُ مِنَ النَّصِّ عَلى قَدْرِ ما، وهو كَقَوْلِهِ ﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ [النجم: ١٦] والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿غَشِيَهُمْ﴾ في المَوْضِعَيْنِ عائِدٌ عَلى فِرْعَوْنِ وقَوْمِهِ، وقِيلَ: الأوَّلُ عَلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، والثّانِي عَلى مُوسى وقَوْمِهِ: وفي الكَلامِ حَذْفٌ عَلى هَذا القَوْلِ تَقْدِيرُهُ فَنَجا مُوسى وقَوْمُهُ، وغَرِقَ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: وقُرِئَ وجُنُودُهُ عَطْفًا عَلى فِرْعَوْنَ. (p-٢٦٥)﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ﴾ أيْ مِن أوَّلِ مَرَّةٍ إلى هَذِهِ النِّهايَةِ ويَعْنِي الضَّلالَ في الدِّينِ. وقِيلَ: أضَلَّهم في البَحْرِ لِأنَّهم غَرِقُوا فِيهِ، واحْتَجَّ بِهِ القاضِي عَلى مَذْهَبِهِ فَقالَ: لَوْ كانَ الضَّلالُ مِن خَلْقِ اللَّهِ لَما جازَ أنْ يُقالَ: ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ﴾ بَلْ وجَبَ أنْ يُقالَ: اللَّهُ أضَلَّهم لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ذَمَّهُ بِذَلِكَ فَكَيْفَ يَكُونُ خالِقًا لِلْكُفْرِ لِأنَّ مَن ذَمَّ غَيْرَهُ بِفِعْلِ شَيْءٍ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ المَذْمُومُ فاعِلًا لِذَلِكَ الفِعْلِ وإلّا اسْتَحَقَّ الذّامُّ الذَّمَّ. انْتَهى. وهُوَ عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ ﴿وما هَدى﴾ أيْ ما هَداهم إلى الدِّينِ، أوْ ما نَجا مِنَ الغَرَقِ، أوْ ما اهْتَدى في نَفْسِهِ لِأنَّ (هَدى) قَدْ يَأْتِي بِمَعْنى اهْتَدى.

طه 20:77

﴿قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾ أيْ لَنْ نَخْتارَ اتِّباعَكَ وكَوْنَنا مِن حِزْبِكَ وسَلامَتَنا مِن عَذابِكَ ﴿عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ﴾ وهي المُعْجِزَةُ الَّتِي أتَتْنا وعَلِمْنا صِحَّتَها. وفي قَوْلِهِمْ هَذا تَوْهِينٌ لَهُ واسْتِصْغارٌ لَمّا هَدَّدَهم بِهِ وعَدَمُ اكْتِراثٍ بِقَوْلِهِ. وفي نِسْبَةِ المَجِيءِ (p-٢٦٢)إلَيْهِمْ وإنْ كانَتِ البَيِّناتُ جاءَتْ لَهم ولِغَيْرِهِمْ، لِأنَّهم كانُوا أعْرَفَ بِالسِّحْرِ مِن غَيْرِهِمْ، وقَدْ عَلِمُوا أنَّ ما جاءَ بِهِ مُوسى لَيْسَ بِسِحْرٍ فَكانُوا عَلى جَلِيَّةٍ مِنَ العِلْمِ بِالمُعْجِزِ، وغَيْرُهم يُقَلِّدُهم في ذَلِكَ وأيْضًا فَكانُوا هُمُ الَّذِينَ حَصَلَ لَهُمُ النَّفْعُ بِها فَكانَتْ بَيِّناتٍ واضِحَةً في حَقِّهِمْ. والواوُ في ﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾ واوُ عَطْفٍ عَلى ﴿ما جاءَنا﴾ أيْ: وعَلى ﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾ لَمّا لاحَتْ لَهم حُجَّةُ اللَّهِ في المُعْجِزَةِ بَدَءُوا بِها ثُمَّ تَرَقَّوْا إلى القادِرِ عَلى خَرْقِ العادَةِ، وهو اللَّهُ تَعالى، وذَكَرُوا وصْفَ الِاخْتِراعِ وهو قَوْلُهم ﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾ تَبْيِينًا لِعَجْزِ فِرْعَوْنَ وتَكْذِيبِهِ في ادِّعاءِ رُبُوبِيَّتِهِ وإلاهِيَّتِهِ، وهو عاجِزٌ عَنْ صَرْفِ ذُبابَةٍ فَضْلًا عَنِ اخْتِراعِها. وقِيلَ: الواوُ لِلْقَسَمِ وجَوابُهُ مَحْذُوفٌ، ولا يَكُونُ ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾ جَوابًا لِأنَّهُ لا يُجابُ في النَّفْيِ بِـ (لْنَ) إلّا في شاذٍّ مِنَ الشِّعْرِ و(ما) مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي، وصِلَتُهُ ﴿أنْتَ قاضٍ﴾ والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ما أنْتَ قاضِيهِ. قِيلَ: ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ (ما) مَصْدَرِيَّةً لِأنَّ المَصْدَرِيَّةَ تُوصَلُ بِالأفْعالِ، وهَذِهِ مَوْصُولَةٌ بِابْتِداءٍ وخَبَرٍ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ بَلْ قَدْ ذَهَبَ ذاهِبُونَ مِنَ النُّحاةِ إلى أنَّ (ما) المَصْدَرِيَّةَ تُوصَلُ بِالجُمْلَةِ الاسْمِيَّةِ. وانْتَصَبَ ﴿هَذِهِ الحَياةَ﴾ عَلى الظَّرْفِ وما مُهَيِّئَةٌ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، أيْ: إنَّ قَضاءَكَ كائِنٌ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا لا في الآخِرَةِ، بَلْ في الآخِرَةِ لَنا النَّعِيمُ ولَكَ العَذابُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (تَقْضِي) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ خِطابًا لِفِرْعَوْنَ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ (تُقْضى) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، هَذِهِ الحَياةُ بِالرَّفْعِ اتَّسَعَ في الظَّرْفِ فَأجْرى مَجْرى المَفْعُولِ بِهِ، ثُمَّ بُنِيَ الفِعْلُ لِذَلِكَ ورُفِعَ بِهِ، كَما تَقُولُ: صِيمَ يَوْمُ الجُمُعَةِ، ووُلِدَ لَهُ سِتُّونَ عامًا. ولَمْ يُصَرَّحْ في القُرْآنِ بِأنَّهُ أنْفَذَ فِيهِمْ وعِيدَهُ ولا أنَّهُ قَطَعَ أيْدِيَهم وأرْجُلَهم وصَلَبَهم، بَلِ الظّاهِرُ أنَّهُ تَعالى سَلَّمَهم مِنهُ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٥] وقِيلَ: أنْفَذَ فِيهِمْ وعِيدَهُ، وصَلَبَهم عَلى الجُذُوعِ وإكْراهُهُ إيّاهم عَلى السِّحْرِ. قِيلَ: حَمَلَهم عَلى مُعارَضَةِ مُوسى. وقِيلَ: كانَ يَأْخُذُ وِلْدانَ النّاسِ ويُجَرِّبُهم عَلى ذَلِكَ فَأشارَتِ السَّحَرَةُ إلى ذَلِكَ، قالَهُ الحَسَنُ ﴿واللَّهُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ رَدٌّ عَلى قَوْلِهِ ﴿أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾ [طه: ٧١] أيْ: وثَوابُ اللَّهِ وما أعَّدَهُ لِمَن آمَنَ بِهِ، رُوِيَ أنَّهم قالُوا لِفِرْعَوْنَ: أرِنا مُوسى نائِمًا، فَفَعَلَ فَوَجَدُوهُ يَحْرُسُهُ عَصاهُ، فَقالُوا: ما هَذا بِسِحْرٍ السّاحِرُ إذا نامَ بَطَلَ سِحْرُهُ فَأبى إلّا أنْ يُعارِضُوهُ، ويَظْهَرُ مِن قَوْلِهِمْ: (أئِنَّ لَنا لَأجْرًا) عَدَمُ الإكْراهِ. ﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ﴾ - إلى - ﴿مَن تَزَكّى﴾ قِيلَ هو حِكايَةٌ لَهم عِظَةٌ لِفِرْعَوْنَ. وقِيلَ: خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ لا عَلى وجْهِ الحِكايَةِ تَنْبِيهًا عَلى قُبْحِ ما فَعَلَ فِرْعَوْنُ وحُسْنِ ما فَعَلَ السَّحَرَةُ مَوْعِظَةً وتَحْذِيرًا، والمُجْرِمُ هُنا الكافِرُ، لِذِكْرِ مُقابِلِهِ ﴿ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا﴾ ولِقَوْلِهِ ﴿لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ أيْ: يُعَذَّبُ عَذابًا يَنْتَهِي بِهِ إلى المَوْتِ، ثُمَّ لا يُجْهَزُ عَلَيْهِ فَيَسْتَرِيحُ، بَلْ يُعادُ جِلْدُهُ ويُجَدَّدُ عَذابُهُ فَهو لا يَحْيا حَياةً طَيِّبَةً بِخِلافِ المُؤْمِنِ الَّذِي يَدْخُلُ النّارَ فَهم يُقارِبُونَ المَوْتَ ولا يُجْهَزُ عَلَيْهِمْ فَهَذا فَرْقٌ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ. وفي الحَدِيثِ (إنَّهم يَمُاتُونَ إماتَةً)، وهَذا هو مَعْناهُ لِأنَّهُ لا يَمُوتُ في الآخِرَةِ و﴿تَزَكّى﴾ تَطَهَّرَ مِن دَنَسِ الكُفْرِ. وقِيلَ: قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. (p-٢٦٣)﴿ولَقَدْ أوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا لا تَخافُ دَرَكًا ولا تَخْشى﴾ ﴿فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ قَدْ أنْجَيْناكم مِن عَدُوِّكم وواعَدْناكم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ ونَزَّلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ [طه: ٨٠] ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم ولا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبِي ومَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى﴾ [طه: ٨١] ﴿وإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى﴾ [طه: ٨٢] . هَذا اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَنْ شَيْءٍ مِن أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَهُ وبَيْنَ مَقالِ السَّحَرَةِ المُتَقَدِّمِ مُدَّةٌ مِنَ الزَّمانِ، حَدَثَ فِيها لِمُوسى وفِرْعَوْنَ حَوادِثُ، وذَلِكَ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا انْقَضى أمْرُ السَّحَرَةِ وغَلَبَ مُوسى وقَوِيَ أمْرُهُ وعَدَهُ فِرْعَوْنُ أنْ يُرْسِلَ مَعَهُ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأقامَ مُوسى عَلى وعْدِهِ حَتّى غَدَرَهُ فِرْعَوْنُ ونَكَثَ وأعْلَمَهُ أنَّهُ لا يُرْسِلُهم مَعَهُ، فَبَعَثَ اللَّهُ حِينَئِذٍ الآياتِ المَذْكُورَةَ في غَيْرِ هَذِهِ الآياتِ، الجَرادَ والقُمَّلَ إلى آخِرِها كُلَّما جاءَتْ آيَةٌ وعَدَ فِرْعَوْنُ أنْ يُرْسِلَ بَنِي إسْرائِيلَ عِنْدَ انْكِشافِ العَذابِ، فَإذا انْكَشَفَ نَكَثَ حَتّى تَأْتِيَ أُخْرى، فَلَمّا كَمُلَتِ الآياتُ أوْحى اللَّهُ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُخْرِجَ بَنِي إسْرائِيلَ في اللَّيْلِ سارِيًا، والسُّرى مَسِيرُ اللَّيْلِ. ويُحْتَمَلُ أنَّ (أنْ) تَكُونُ مُفَسِّرَةً وأنْ تَكُونَ النّاصِبَةَ لِلْمُضارِعِ و﴿بِعِبادِي﴾ إضافَةُ تَشْرِيفٍ لِقَوْلِهِ ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] والظّاهِرُ أنَّ الإيحاءَ إلَيْهِ بِذَلِكَ وبِأنْ يَضْرِبَ البَحْرَ كانَ مُتَقَدِّمًا بِمِصْرَ عَلى وقْتِ اتِّباعِ فِرْعَوْنَ مُوسى وقَوْمَهُ بِجُنُودِهِ. وقِيلَ: كانَ الوَحْيُ بِالضَّرْبِ حِينَ قارَبَ فِرْعَوْنُ لَحاقَهُ وقَوِيَ فَزَعُ بَنِي إسْرائِيلَ، ويُرْوى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَهَضَ بِبَنِي إسْرائِيلَ وهم سِتُّمِائَةِ ألْفِ إنْسانٍ، فَسارَ بِهِمْ مِن مِصْرَ يُرِيدُ بَحْرَ القُلْزُمِ، واتَّصَلَ الخَبَرُ فِرْعَوْنَ فَجَمَعَ جُنُودَهُ وحَشَرَهم، ونَهَضَ وراءَهُ فَأوْحى اللَّهُ إلى مُوسى أنْ يَقْصِدَ البَحْرَ فَجَزَعَ بَنُو إسْرائِيلَ، ورَأوْا أنَّ العَدُوَّ مِن ورائِهِمْ والبَحْرَ مِن أمامِهِمْ، ومُوسى يَثِقُ بِصُنْعِ اللَّهِ، فَلَمّا رَآهم فِرْعَوْنُ قَدْ نَهَضُوا نَحْوَ البَحْرِ طَمِعَ فِيهِمْ، وكانَ مَقْصِدُهم إلى مَوْضِعٍ يَنْقَطِعُ فِيهِ الفُحُوصُ والطُّرُقُ الواسِعَةُ. قِيلَ: وكانَ في خَيْلِ فِرْعَوْنَ سَبْعُونَ ألْفَ أدْهَمَ، ونِسْبَةُ ذَلِكَ مِن سائِرِ الألْوانِ. وقِيلَ: أكْثَرُ مِن هَذا فَضَرَبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ البَحْرَ فانْفَرَقَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ فِرْقَةً طُرُقًا واسِعَةً بَيْنَها حِيطانُ الماءِ واقِفَةٌ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣] . وقِيلَ: بَلْ هو طَرِيقٌ واحِدٌ لِقَوْلِهِ ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا﴾ . انْتَهى. وقَدْ يُرادُ بِقَوْلِهِ (طَرِيقًا) الجِنْسُ، فَدَخَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ أنْ بَعَثَ اللَّهُ رِيحَ الصَّبا، فَجَفَّفَتْ تِلْكَ الطُّرُقَ حَتّى يَبِسَتْ ودَخَلَ بَنُو إسْرائِيلَ، ووَصَلَ فِرْعَوْنُ إلى المَدْخَلِ وبَنُو إسْرائِيلَ كُلُّهم في البَحْرِ، فَرَأى الماءَ عَلى تِلْكَ الحالِ فَجَزَعَ قَوْمُهُ واسْتَعْظَمُوا الأمْرَ، فَقالَ لَهم: إنَّما انْفَلَقَ مِن هَيْبَتِي، وتَقَدَّمَ غَرَقُ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ في سُورَةِ يُونُسَ. والظّاهِرُ (p-٢٦٤)أنَّ لَفْظَةَ اضْرِبْ هُنا عَلى حَقِيقَتِها مِن مَسِّ العَصا بِقُوَّةٍ وتَحامُلٍ عَلى العَصا، ويُوَضِّحُهُ في آيَةٍ أُخْرى ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣] فالمَعْنى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ لِيَنْفَلِقَ لَهم فَيَصِيرَ طَرِيقًا، فَتَعَدّى إلى الطَّرِيقِ بِدُخُولِ هَذا المَعْنى، لَمّا كانَ الطَّرِيقُ مُتَسَبِّبًا عَنِ الضَّرْبِ جُعِلَ كَأنَّهُ المَضْرُوبُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا﴾ فاجْعَلْ لَهم مِن قَوْلِهِمْ: ضَرَبَ لَهُ في مالِهِ سَهْمًا، وضَرَبَ اللَّبَنَ عَمِلَهُ. انْتَهى. وفِي الحَدِيثِ: (اضْرِبُوا لِي مَعَكم بِسَهْمٍ) . ولَمّا لَمْ يَذْكُرِ المَضْرُوبَ حَقِيقَةً وهو البَحْرُ، ولَوْ كانَ صَرَّحَ بِالمَضْرُوبِ حَقِيقَةً لَكانَ التَّرْكِيبُ طَرِيقًا فِيهِ، فَكانَ يَعُودُ عَلى البَحْرِ المَضْرُوبِ و﴿يَبَسًا﴾ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ الطَّرِيقُ، وصَفَهُ بِما آلَ إلَيْهِ إذْ كانَ حالَةَ الضَّرْبِ لَمْ يَتَّصِفْ بِاليُبْسِ، بَلْ مَرَّتْ عَلَيْهِ الصَّبا فَجَفَّفَتْهُ، كَما رُوِيَ، ويُقالُ: يَبَسَ يُبْسًا ويَبَسًا كالعُدْمِ والعَدَمِ، ومِن كَوْنِهِ مَصْدَرًا وُصِفَ بِهِ المُؤَنَّثُ، قالُوا: شاةٌ يَبَسٌ وناقَةٌ يَبَسٌ إذا جَفَّ لَبَنُها. وقَرَأ الحَسَنُ (يَبْسًا) بِسُكُونِ الباءِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: قَدْ يَكُونُ مَصْدَرًا كالعامَّةِ، وقَدْ يَكُونُ بِالإسْكانِ المَصْدَرَ، وبِالفَتْحِ الِاسْمَ كالنَّفْضِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا يَخْلُو اليَبَسُ مِن أنْ يَكُونَ مُخَفَّفًا عَنِ اليَبْسِ أوْ صِفَةً عَلى فُعْلٍ أوْ جَمْعَ يابِسٍ كَصاحِبٍ وصَحْبٍ، وُصِفَ بِهِ الواحِدُ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ: ومَعًا جِياعًا جَعَلَهُ لِفَرْطِ جُوعِهِ كَجَماعَةِ جِياعٍ. انْتَهى. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: يابِسًا اسْمَ فاعِلٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: لا تَخافُ وهي جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ ﴿فاضْرِبْ﴾ وقِيلَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِلطَّرِيقِ، وحُذِفَ العائِدُ أيْ لا تَخافُ فِيهِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: وحَمْزَةُ وابْنُ أبِي لَيْلى (لا تَخَفْ) بِالجَزْمِ عَلى جَوابِ الأمْرِ أوْ عَلى نَهْيٍ مُسْتَأْنَفٍ قالَهُ الزَّجّاجُ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ ﴿دَرْكًا﴾ بِسُكُونِ الرّاءِ، والجُمْهُورُ بِفَتْحِها، والدَّرْكُ والدَّرَكُ اسْمانِ مِنَ الإدْراكِ أيْ لا يُدْرِكُكَ فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ ولا يَلْحَقُونَكَ ﴿ولا تَخْشى﴾ أنْتَ ولا قَوْمُكَ غَرَقًا، وعَطْفُهُ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ﴿لا تَخافُ﴾ ظاهِرٌ، وأمّا عَلى قِراءَةِ الجَزْمِ فَخُرِّجَ عَلى أنَّ الألِفَ جِيءَ بِها لِأجْلِ أواخِرِ الآيِ فاصِلَةً نَحْوَ قَوْلِهِ ﴿فَأضَلُّونا السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٦٧] وعَلى أنَّهُ إخْبارٌ مُسْتَأْنَفٌ أيْ: وأنْتَ لا تَخْشى، وعَلى أنَّهُ مَجْزُومٌ بِحَذْفِ الحَرَكَةِ المُقَدَّرَةِ عَلى لُغَةِ مَن قالَ: ألَمْ يَأْتِيكَ وهي لُغَةٌ قَلِيلَةٌ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎إذا العَجُوزُ غَضِبَتْ فَطَلِّقِ ولا تَرضّاها ولا تَمَلَّقِ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَأتْبَعَهُمْ﴾ بِسُكُونِ التّاءِ، وأتْبَعَ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى تَبِعَ فَيَتَعَدّى إلى واحِدٍ، كَقَوْلِهِ ﴿فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ﴾ [الأعراف: ١٧٥] وقَدْ يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، كَقَوْلِهِ: وأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتِهِمْ فَتَكُونُ التّاءُ زائِدَةً، أيْ: جُنُودُهُ، أوْ تَكُونُ لِلْحالِ، والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، أيْ: رُؤَساؤُهُ وحَشَمُهُ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ، والحَسَنُ (فاتَّبَعَهم) بِتَشْدِيدِ التّاءِ، وكَذا عَنِ الحَسَنِ في جَمِيعِ ما في القُرْآنِ إلّا ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] والباءُ في بِجُنُودِهِ في مَوْضِعِ الحالِ كَما تَقُولُ: أُخْرِجَ زَيْدٌ بِسِلاحِهِ، أوِ الباءِ لِلتَّعَدِّي لِمَفْعُولٍ ثانٍ بِحَرْفِ جَرٍّ، إذْ لا يَتَعَدّى اتَّبَعَ بِنَفْسِهِ إلّا إلى حَرْفٍ واحِدٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ عَلى وزْنِ فِعْلٍ مُجَرَّدٍ مِنَ الزِّيادَةِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ، مِنهُمُ الأعْمَشُ، فَغَشّاهم مِنَ اليَمِّ ما غَشّاهم بِتَضْعِيفِ العَيْنِ فالفاعِلُ في القِراءَةِ الأُولى (ما) وفي الثّانِيَةِ الفاعِلُ اللَّهُ أيْ فَغَشّاهُمُ اللَّهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ فِرْعَوْنُ لِأنَّهُ الَّذِي ورَّطَ جُنُودَهُ وتَسَبَّبَ لِهَلاكِهِمْ. وقالَ ﴿ما غَشِيَهُمْ﴾ مِن بابِ الِاخْتِصارِ ومِن جَوامِعِ الكَلِمِ الَّتِي تَسْتَقِلُّ مَعَ قِلَّتِها بِالمَعانِي الكَثِيرَةِ، أيْ (غَشِيَهم) ما لا يَعْلَمُ كُنْهَهُ إلّا اللَّهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿ما غَشِيَهُمْ﴾ إبْهامٌ أهَوَلُ مِنَ النَّصِّ عَلى قَدْرِ ما، وهو كَقَوْلِهِ ﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ [النجم: ١٦] والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿غَشِيَهُمْ﴾ في المَوْضِعَيْنِ عائِدٌ عَلى فِرْعَوْنِ وقَوْمِهِ، وقِيلَ: الأوَّلُ عَلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، والثّانِي عَلى مُوسى وقَوْمِهِ: وفي الكَلامِ حَذْفٌ عَلى هَذا القَوْلِ تَقْدِيرُهُ فَنَجا مُوسى وقَوْمُهُ، وغَرِقَ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: وقُرِئَ وجُنُودُهُ عَطْفًا عَلى فِرْعَوْنَ. (p-٢٦٥)﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ﴾ أيْ مِن أوَّلِ مَرَّةٍ إلى هَذِهِ النِّهايَةِ ويَعْنِي الضَّلالَ في الدِّينِ. وقِيلَ: أضَلَّهم في البَحْرِ لِأنَّهم غَرِقُوا فِيهِ، واحْتَجَّ بِهِ القاضِي عَلى مَذْهَبِهِ فَقالَ: لَوْ كانَ الضَّلالُ مِن خَلْقِ اللَّهِ لَما جازَ أنْ يُقالَ: ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ﴾ بَلْ وجَبَ أنْ يُقالَ: اللَّهُ أضَلَّهم لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ذَمَّهُ بِذَلِكَ فَكَيْفَ يَكُونُ خالِقًا لِلْكُفْرِ لِأنَّ مَن ذَمَّ غَيْرَهُ بِفِعْلِ شَيْءٍ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ المَذْمُومُ فاعِلًا لِذَلِكَ الفِعْلِ وإلّا اسْتَحَقَّ الذّامُّ الذَّمَّ. انْتَهى. وهُوَ عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ ﴿وما هَدى﴾ أيْ ما هَداهم إلى الدِّينِ، أوْ ما نَجا مِنَ الغَرَقِ، أوْ ما اهْتَدى في نَفْسِهِ لِأنَّ (هَدى) قَدْ يَأْتِي بِمَعْنى اهْتَدى.

طه 20:78

﴿قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾ أيْ لَنْ نَخْتارَ اتِّباعَكَ وكَوْنَنا مِن حِزْبِكَ وسَلامَتَنا مِن عَذابِكَ ﴿عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ﴾ وهي المُعْجِزَةُ الَّتِي أتَتْنا وعَلِمْنا صِحَّتَها. وفي قَوْلِهِمْ هَذا تَوْهِينٌ لَهُ واسْتِصْغارٌ لَمّا هَدَّدَهم بِهِ وعَدَمُ اكْتِراثٍ بِقَوْلِهِ. وفي نِسْبَةِ المَجِيءِ (p-٢٦٢)إلَيْهِمْ وإنْ كانَتِ البَيِّناتُ جاءَتْ لَهم ولِغَيْرِهِمْ، لِأنَّهم كانُوا أعْرَفَ بِالسِّحْرِ مِن غَيْرِهِمْ، وقَدْ عَلِمُوا أنَّ ما جاءَ بِهِ مُوسى لَيْسَ بِسِحْرٍ فَكانُوا عَلى جَلِيَّةٍ مِنَ العِلْمِ بِالمُعْجِزِ، وغَيْرُهم يُقَلِّدُهم في ذَلِكَ وأيْضًا فَكانُوا هُمُ الَّذِينَ حَصَلَ لَهُمُ النَّفْعُ بِها فَكانَتْ بَيِّناتٍ واضِحَةً في حَقِّهِمْ. والواوُ في ﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾ واوُ عَطْفٍ عَلى ﴿ما جاءَنا﴾ أيْ: وعَلى ﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾ لَمّا لاحَتْ لَهم حُجَّةُ اللَّهِ في المُعْجِزَةِ بَدَءُوا بِها ثُمَّ تَرَقَّوْا إلى القادِرِ عَلى خَرْقِ العادَةِ، وهو اللَّهُ تَعالى، وذَكَرُوا وصْفَ الِاخْتِراعِ وهو قَوْلُهم ﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾ تَبْيِينًا لِعَجْزِ فِرْعَوْنَ وتَكْذِيبِهِ في ادِّعاءِ رُبُوبِيَّتِهِ وإلاهِيَّتِهِ، وهو عاجِزٌ عَنْ صَرْفِ ذُبابَةٍ فَضْلًا عَنِ اخْتِراعِها. وقِيلَ: الواوُ لِلْقَسَمِ وجَوابُهُ مَحْذُوفٌ، ولا يَكُونُ ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾ جَوابًا لِأنَّهُ لا يُجابُ في النَّفْيِ بِـ (لْنَ) إلّا في شاذٍّ مِنَ الشِّعْرِ و(ما) مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي، وصِلَتُهُ ﴿أنْتَ قاضٍ﴾ والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ما أنْتَ قاضِيهِ. قِيلَ: ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ (ما) مَصْدَرِيَّةً لِأنَّ المَصْدَرِيَّةَ تُوصَلُ بِالأفْعالِ، وهَذِهِ مَوْصُولَةٌ بِابْتِداءٍ وخَبَرٍ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ بَلْ قَدْ ذَهَبَ ذاهِبُونَ مِنَ النُّحاةِ إلى أنَّ (ما) المَصْدَرِيَّةَ تُوصَلُ بِالجُمْلَةِ الاسْمِيَّةِ. وانْتَصَبَ ﴿هَذِهِ الحَياةَ﴾ عَلى الظَّرْفِ وما مُهَيِّئَةٌ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، أيْ: إنَّ قَضاءَكَ كائِنٌ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا لا في الآخِرَةِ، بَلْ في الآخِرَةِ لَنا النَّعِيمُ ولَكَ العَذابُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (تَقْضِي) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ خِطابًا لِفِرْعَوْنَ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ (تُقْضى) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، هَذِهِ الحَياةُ بِالرَّفْعِ اتَّسَعَ في الظَّرْفِ فَأجْرى مَجْرى المَفْعُولِ بِهِ، ثُمَّ بُنِيَ الفِعْلُ لِذَلِكَ ورُفِعَ بِهِ، كَما تَقُولُ: صِيمَ يَوْمُ الجُمُعَةِ، ووُلِدَ لَهُ سِتُّونَ عامًا. ولَمْ يُصَرَّحْ في القُرْآنِ بِأنَّهُ أنْفَذَ فِيهِمْ وعِيدَهُ ولا أنَّهُ قَطَعَ أيْدِيَهم وأرْجُلَهم وصَلَبَهم، بَلِ الظّاهِرُ أنَّهُ تَعالى سَلَّمَهم مِنهُ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٥] وقِيلَ: أنْفَذَ فِيهِمْ وعِيدَهُ، وصَلَبَهم عَلى الجُذُوعِ وإكْراهُهُ إيّاهم عَلى السِّحْرِ. قِيلَ: حَمَلَهم عَلى مُعارَضَةِ مُوسى. وقِيلَ: كانَ يَأْخُذُ وِلْدانَ النّاسِ ويُجَرِّبُهم عَلى ذَلِكَ فَأشارَتِ السَّحَرَةُ إلى ذَلِكَ، قالَهُ الحَسَنُ ﴿واللَّهُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ رَدٌّ عَلى قَوْلِهِ ﴿أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾ [طه: ٧١] أيْ: وثَوابُ اللَّهِ وما أعَّدَهُ لِمَن آمَنَ بِهِ، رُوِيَ أنَّهم قالُوا لِفِرْعَوْنَ: أرِنا مُوسى نائِمًا، فَفَعَلَ فَوَجَدُوهُ يَحْرُسُهُ عَصاهُ، فَقالُوا: ما هَذا بِسِحْرٍ السّاحِرُ إذا نامَ بَطَلَ سِحْرُهُ فَأبى إلّا أنْ يُعارِضُوهُ، ويَظْهَرُ مِن قَوْلِهِمْ: (أئِنَّ لَنا لَأجْرًا) عَدَمُ الإكْراهِ. ﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ﴾ - إلى - ﴿مَن تَزَكّى﴾ قِيلَ هو حِكايَةٌ لَهم عِظَةٌ لِفِرْعَوْنَ. وقِيلَ: خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ لا عَلى وجْهِ الحِكايَةِ تَنْبِيهًا عَلى قُبْحِ ما فَعَلَ فِرْعَوْنُ وحُسْنِ ما فَعَلَ السَّحَرَةُ مَوْعِظَةً وتَحْذِيرًا، والمُجْرِمُ هُنا الكافِرُ، لِذِكْرِ مُقابِلِهِ ﴿ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا﴾ ولِقَوْلِهِ ﴿لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ أيْ: يُعَذَّبُ عَذابًا يَنْتَهِي بِهِ إلى المَوْتِ، ثُمَّ لا يُجْهَزُ عَلَيْهِ فَيَسْتَرِيحُ، بَلْ يُعادُ جِلْدُهُ ويُجَدَّدُ عَذابُهُ فَهو لا يَحْيا حَياةً طَيِّبَةً بِخِلافِ المُؤْمِنِ الَّذِي يَدْخُلُ النّارَ فَهم يُقارِبُونَ المَوْتَ ولا يُجْهَزُ عَلَيْهِمْ فَهَذا فَرْقٌ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ. وفي الحَدِيثِ (إنَّهم يَمُاتُونَ إماتَةً)، وهَذا هو مَعْناهُ لِأنَّهُ لا يَمُوتُ في الآخِرَةِ و﴿تَزَكّى﴾ تَطَهَّرَ مِن دَنَسِ الكُفْرِ. وقِيلَ: قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. (p-٢٦٣)﴿ولَقَدْ أوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا لا تَخافُ دَرَكًا ولا تَخْشى﴾ ﴿فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ قَدْ أنْجَيْناكم مِن عَدُوِّكم وواعَدْناكم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ ونَزَّلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ [طه: ٨٠] ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم ولا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبِي ومَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى﴾ [طه: ٨١] ﴿وإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى﴾ [طه: ٨٢] . هَذا اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَنْ شَيْءٍ مِن أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَهُ وبَيْنَ مَقالِ السَّحَرَةِ المُتَقَدِّمِ مُدَّةٌ مِنَ الزَّمانِ، حَدَثَ فِيها لِمُوسى وفِرْعَوْنَ حَوادِثُ، وذَلِكَ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا انْقَضى أمْرُ السَّحَرَةِ وغَلَبَ مُوسى وقَوِيَ أمْرُهُ وعَدَهُ فِرْعَوْنُ أنْ يُرْسِلَ مَعَهُ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأقامَ مُوسى عَلى وعْدِهِ حَتّى غَدَرَهُ فِرْعَوْنُ ونَكَثَ وأعْلَمَهُ أنَّهُ لا يُرْسِلُهم مَعَهُ، فَبَعَثَ اللَّهُ حِينَئِذٍ الآياتِ المَذْكُورَةَ في غَيْرِ هَذِهِ الآياتِ، الجَرادَ والقُمَّلَ إلى آخِرِها كُلَّما جاءَتْ آيَةٌ وعَدَ فِرْعَوْنُ أنْ يُرْسِلَ بَنِي إسْرائِيلَ عِنْدَ انْكِشافِ العَذابِ، فَإذا انْكَشَفَ نَكَثَ حَتّى تَأْتِيَ أُخْرى، فَلَمّا كَمُلَتِ الآياتُ أوْحى اللَّهُ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُخْرِجَ بَنِي إسْرائِيلَ في اللَّيْلِ سارِيًا، والسُّرى مَسِيرُ اللَّيْلِ. ويُحْتَمَلُ أنَّ (أنْ) تَكُونُ مُفَسِّرَةً وأنْ تَكُونَ النّاصِبَةَ لِلْمُضارِعِ و﴿بِعِبادِي﴾ إضافَةُ تَشْرِيفٍ لِقَوْلِهِ ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] والظّاهِرُ أنَّ الإيحاءَ إلَيْهِ بِذَلِكَ وبِأنْ يَضْرِبَ البَحْرَ كانَ مُتَقَدِّمًا بِمِصْرَ عَلى وقْتِ اتِّباعِ فِرْعَوْنَ مُوسى وقَوْمَهُ بِجُنُودِهِ. وقِيلَ: كانَ الوَحْيُ بِالضَّرْبِ حِينَ قارَبَ فِرْعَوْنُ لَحاقَهُ وقَوِيَ فَزَعُ بَنِي إسْرائِيلَ، ويُرْوى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَهَضَ بِبَنِي إسْرائِيلَ وهم سِتُّمِائَةِ ألْفِ إنْسانٍ، فَسارَ بِهِمْ مِن مِصْرَ يُرِيدُ بَحْرَ القُلْزُمِ، واتَّصَلَ الخَبَرُ فِرْعَوْنَ فَجَمَعَ جُنُودَهُ وحَشَرَهم، ونَهَضَ وراءَهُ فَأوْحى اللَّهُ إلى مُوسى أنْ يَقْصِدَ البَحْرَ فَجَزَعَ بَنُو إسْرائِيلَ، ورَأوْا أنَّ العَدُوَّ مِن ورائِهِمْ والبَحْرَ مِن أمامِهِمْ، ومُوسى يَثِقُ بِصُنْعِ اللَّهِ، فَلَمّا رَآهم فِرْعَوْنُ قَدْ نَهَضُوا نَحْوَ البَحْرِ طَمِعَ فِيهِمْ، وكانَ مَقْصِدُهم إلى مَوْضِعٍ يَنْقَطِعُ فِيهِ الفُحُوصُ والطُّرُقُ الواسِعَةُ. قِيلَ: وكانَ في خَيْلِ فِرْعَوْنَ سَبْعُونَ ألْفَ أدْهَمَ، ونِسْبَةُ ذَلِكَ مِن سائِرِ الألْوانِ. وقِيلَ: أكْثَرُ مِن هَذا فَضَرَبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ البَحْرَ فانْفَرَقَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ فِرْقَةً طُرُقًا واسِعَةً بَيْنَها حِيطانُ الماءِ واقِفَةٌ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣] . وقِيلَ: بَلْ هو طَرِيقٌ واحِدٌ لِقَوْلِهِ ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا﴾ . انْتَهى. وقَدْ يُرادُ بِقَوْلِهِ (طَرِيقًا) الجِنْسُ، فَدَخَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ أنْ بَعَثَ اللَّهُ رِيحَ الصَّبا، فَجَفَّفَتْ تِلْكَ الطُّرُقَ حَتّى يَبِسَتْ ودَخَلَ بَنُو إسْرائِيلَ، ووَصَلَ فِرْعَوْنُ إلى المَدْخَلِ وبَنُو إسْرائِيلَ كُلُّهم في البَحْرِ، فَرَأى الماءَ عَلى تِلْكَ الحالِ فَجَزَعَ قَوْمُهُ واسْتَعْظَمُوا الأمْرَ، فَقالَ لَهم: إنَّما انْفَلَقَ مِن هَيْبَتِي، وتَقَدَّمَ غَرَقُ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ في سُورَةِ يُونُسَ. والظّاهِرُ (p-٢٦٤)أنَّ لَفْظَةَ اضْرِبْ هُنا عَلى حَقِيقَتِها مِن مَسِّ العَصا بِقُوَّةٍ وتَحامُلٍ عَلى العَصا، ويُوَضِّحُهُ في آيَةٍ أُخْرى ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣] فالمَعْنى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ لِيَنْفَلِقَ لَهم فَيَصِيرَ طَرِيقًا، فَتَعَدّى إلى الطَّرِيقِ بِدُخُولِ هَذا المَعْنى، لَمّا كانَ الطَّرِيقُ مُتَسَبِّبًا عَنِ الضَّرْبِ جُعِلَ كَأنَّهُ المَضْرُوبُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا﴾ فاجْعَلْ لَهم مِن قَوْلِهِمْ: ضَرَبَ لَهُ في مالِهِ سَهْمًا، وضَرَبَ اللَّبَنَ عَمِلَهُ. انْتَهى. وفِي الحَدِيثِ: (اضْرِبُوا لِي مَعَكم بِسَهْمٍ) . ولَمّا لَمْ يَذْكُرِ المَضْرُوبَ حَقِيقَةً وهو البَحْرُ، ولَوْ كانَ صَرَّحَ بِالمَضْرُوبِ حَقِيقَةً لَكانَ التَّرْكِيبُ طَرِيقًا فِيهِ، فَكانَ يَعُودُ عَلى البَحْرِ المَضْرُوبِ و﴿يَبَسًا﴾ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ الطَّرِيقُ، وصَفَهُ بِما آلَ إلَيْهِ إذْ كانَ حالَةَ الضَّرْبِ لَمْ يَتَّصِفْ بِاليُبْسِ، بَلْ مَرَّتْ عَلَيْهِ الصَّبا فَجَفَّفَتْهُ، كَما رُوِيَ، ويُقالُ: يَبَسَ يُبْسًا ويَبَسًا كالعُدْمِ والعَدَمِ، ومِن كَوْنِهِ مَصْدَرًا وُصِفَ بِهِ المُؤَنَّثُ، قالُوا: شاةٌ يَبَسٌ وناقَةٌ يَبَسٌ إذا جَفَّ لَبَنُها. وقَرَأ الحَسَنُ (يَبْسًا) بِسُكُونِ الباءِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: قَدْ يَكُونُ مَصْدَرًا كالعامَّةِ، وقَدْ يَكُونُ بِالإسْكانِ المَصْدَرَ، وبِالفَتْحِ الِاسْمَ كالنَّفْضِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا يَخْلُو اليَبَسُ مِن أنْ يَكُونَ مُخَفَّفًا عَنِ اليَبْسِ أوْ صِفَةً عَلى فُعْلٍ أوْ جَمْعَ يابِسٍ كَصاحِبٍ وصَحْبٍ، وُصِفَ بِهِ الواحِدُ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ: ومَعًا جِياعًا جَعَلَهُ لِفَرْطِ جُوعِهِ كَجَماعَةِ جِياعٍ. انْتَهى. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: يابِسًا اسْمَ فاعِلٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: لا تَخافُ وهي جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ ﴿فاضْرِبْ﴾ وقِيلَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِلطَّرِيقِ، وحُذِفَ العائِدُ أيْ لا تَخافُ فِيهِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: وحَمْزَةُ وابْنُ أبِي لَيْلى (لا تَخَفْ) بِالجَزْمِ عَلى جَوابِ الأمْرِ أوْ عَلى نَهْيٍ مُسْتَأْنَفٍ قالَهُ الزَّجّاجُ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ ﴿دَرْكًا﴾ بِسُكُونِ الرّاءِ، والجُمْهُورُ بِفَتْحِها، والدَّرْكُ والدَّرَكُ اسْمانِ مِنَ الإدْراكِ أيْ لا يُدْرِكُكَ فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ ولا يَلْحَقُونَكَ ﴿ولا تَخْشى﴾ أنْتَ ولا قَوْمُكَ غَرَقًا، وعَطْفُهُ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ﴿لا تَخافُ﴾ ظاهِرٌ، وأمّا عَلى قِراءَةِ الجَزْمِ فَخُرِّجَ عَلى أنَّ الألِفَ جِيءَ بِها لِأجْلِ أواخِرِ الآيِ فاصِلَةً نَحْوَ قَوْلِهِ ﴿فَأضَلُّونا السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٦٧] وعَلى أنَّهُ إخْبارٌ مُسْتَأْنَفٌ أيْ: وأنْتَ لا تَخْشى، وعَلى أنَّهُ مَجْزُومٌ بِحَذْفِ الحَرَكَةِ المُقَدَّرَةِ عَلى لُغَةِ مَن قالَ: ألَمْ يَأْتِيكَ وهي لُغَةٌ قَلِيلَةٌ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎إذا العَجُوزُ غَضِبَتْ فَطَلِّقِ ولا تَرضّاها ولا تَمَلَّقِ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَأتْبَعَهُمْ﴾ بِسُكُونِ التّاءِ، وأتْبَعَ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى تَبِعَ فَيَتَعَدّى إلى واحِدٍ، كَقَوْلِهِ ﴿فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ﴾ [الأعراف: ١٧٥] وقَدْ يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، كَقَوْلِهِ: وأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتِهِمْ فَتَكُونُ التّاءُ زائِدَةً، أيْ: جُنُودُهُ، أوْ تَكُونُ لِلْحالِ، والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، أيْ: رُؤَساؤُهُ وحَشَمُهُ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ، والحَسَنُ (فاتَّبَعَهم) بِتَشْدِيدِ التّاءِ، وكَذا عَنِ الحَسَنِ في جَمِيعِ ما في القُرْآنِ إلّا ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] والباءُ في بِجُنُودِهِ في مَوْضِعِ الحالِ كَما تَقُولُ: أُخْرِجَ زَيْدٌ بِسِلاحِهِ، أوِ الباءِ لِلتَّعَدِّي لِمَفْعُولٍ ثانٍ بِحَرْفِ جَرٍّ، إذْ لا يَتَعَدّى اتَّبَعَ بِنَفْسِهِ إلّا إلى حَرْفٍ واحِدٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ عَلى وزْنِ فِعْلٍ مُجَرَّدٍ مِنَ الزِّيادَةِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ، مِنهُمُ الأعْمَشُ، فَغَشّاهم مِنَ اليَمِّ ما غَشّاهم بِتَضْعِيفِ العَيْنِ فالفاعِلُ في القِراءَةِ الأُولى (ما) وفي الثّانِيَةِ الفاعِلُ اللَّهُ أيْ فَغَشّاهُمُ اللَّهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ فِرْعَوْنُ لِأنَّهُ الَّذِي ورَّطَ جُنُودَهُ وتَسَبَّبَ لِهَلاكِهِمْ. وقالَ ﴿ما غَشِيَهُمْ﴾ مِن بابِ الِاخْتِصارِ ومِن جَوامِعِ الكَلِمِ الَّتِي تَسْتَقِلُّ مَعَ قِلَّتِها بِالمَعانِي الكَثِيرَةِ، أيْ (غَشِيَهم) ما لا يَعْلَمُ كُنْهَهُ إلّا اللَّهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿ما غَشِيَهُمْ﴾ إبْهامٌ أهَوَلُ مِنَ النَّصِّ عَلى قَدْرِ ما، وهو كَقَوْلِهِ ﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ [النجم: ١٦] والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿غَشِيَهُمْ﴾ في المَوْضِعَيْنِ عائِدٌ عَلى فِرْعَوْنِ وقَوْمِهِ، وقِيلَ: الأوَّلُ عَلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، والثّانِي عَلى مُوسى وقَوْمِهِ: وفي الكَلامِ حَذْفٌ عَلى هَذا القَوْلِ تَقْدِيرُهُ فَنَجا مُوسى وقَوْمُهُ، وغَرِقَ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: وقُرِئَ وجُنُودُهُ عَطْفًا عَلى فِرْعَوْنَ. (p-٢٦٥)﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ﴾ أيْ مِن أوَّلِ مَرَّةٍ إلى هَذِهِ النِّهايَةِ ويَعْنِي الضَّلالَ في الدِّينِ. وقِيلَ: أضَلَّهم في البَحْرِ لِأنَّهم غَرِقُوا فِيهِ، واحْتَجَّ بِهِ القاضِي عَلى مَذْهَبِهِ فَقالَ: لَوْ كانَ الضَّلالُ مِن خَلْقِ اللَّهِ لَما جازَ أنْ يُقالَ: ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ﴾ بَلْ وجَبَ أنْ يُقالَ: اللَّهُ أضَلَّهم لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ذَمَّهُ بِذَلِكَ فَكَيْفَ يَكُونُ خالِقًا لِلْكُفْرِ لِأنَّ مَن ذَمَّ غَيْرَهُ بِفِعْلِ شَيْءٍ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ المَذْمُومُ فاعِلًا لِذَلِكَ الفِعْلِ وإلّا اسْتَحَقَّ الذّامُّ الذَّمَّ. انْتَهى. وهُوَ عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ ﴿وما هَدى﴾ أيْ ما هَداهم إلى الدِّينِ، أوْ ما نَجا مِنَ الغَرَقِ، أوْ ما اهْتَدى في نَفْسِهِ لِأنَّ (هَدى) قَدْ يَأْتِي بِمَعْنى اهْتَدى.

طه 20:79

﴿قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾ أيْ لَنْ نَخْتارَ اتِّباعَكَ وكَوْنَنا مِن حِزْبِكَ وسَلامَتَنا مِن عَذابِكَ ﴿عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ﴾ وهي المُعْجِزَةُ الَّتِي أتَتْنا وعَلِمْنا صِحَّتَها. وفي قَوْلِهِمْ هَذا تَوْهِينٌ لَهُ واسْتِصْغارٌ لَمّا هَدَّدَهم بِهِ وعَدَمُ اكْتِراثٍ بِقَوْلِهِ. وفي نِسْبَةِ المَجِيءِ (p-٢٦٢)إلَيْهِمْ وإنْ كانَتِ البَيِّناتُ جاءَتْ لَهم ولِغَيْرِهِمْ، لِأنَّهم كانُوا أعْرَفَ بِالسِّحْرِ مِن غَيْرِهِمْ، وقَدْ عَلِمُوا أنَّ ما جاءَ بِهِ مُوسى لَيْسَ بِسِحْرٍ فَكانُوا عَلى جَلِيَّةٍ مِنَ العِلْمِ بِالمُعْجِزِ، وغَيْرُهم يُقَلِّدُهم في ذَلِكَ وأيْضًا فَكانُوا هُمُ الَّذِينَ حَصَلَ لَهُمُ النَّفْعُ بِها فَكانَتْ بَيِّناتٍ واضِحَةً في حَقِّهِمْ. والواوُ في ﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾ واوُ عَطْفٍ عَلى ﴿ما جاءَنا﴾ أيْ: وعَلى ﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾ لَمّا لاحَتْ لَهم حُجَّةُ اللَّهِ في المُعْجِزَةِ بَدَءُوا بِها ثُمَّ تَرَقَّوْا إلى القادِرِ عَلى خَرْقِ العادَةِ، وهو اللَّهُ تَعالى، وذَكَرُوا وصْفَ الِاخْتِراعِ وهو قَوْلُهم ﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾ تَبْيِينًا لِعَجْزِ فِرْعَوْنَ وتَكْذِيبِهِ في ادِّعاءِ رُبُوبِيَّتِهِ وإلاهِيَّتِهِ، وهو عاجِزٌ عَنْ صَرْفِ ذُبابَةٍ فَضْلًا عَنِ اخْتِراعِها. وقِيلَ: الواوُ لِلْقَسَمِ وجَوابُهُ مَحْذُوفٌ، ولا يَكُونُ ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾ جَوابًا لِأنَّهُ لا يُجابُ في النَّفْيِ بِـ (لْنَ) إلّا في شاذٍّ مِنَ الشِّعْرِ و(ما) مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي، وصِلَتُهُ ﴿أنْتَ قاضٍ﴾ والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ما أنْتَ قاضِيهِ. قِيلَ: ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ (ما) مَصْدَرِيَّةً لِأنَّ المَصْدَرِيَّةَ تُوصَلُ بِالأفْعالِ، وهَذِهِ مَوْصُولَةٌ بِابْتِداءٍ وخَبَرٍ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ بَلْ قَدْ ذَهَبَ ذاهِبُونَ مِنَ النُّحاةِ إلى أنَّ (ما) المَصْدَرِيَّةَ تُوصَلُ بِالجُمْلَةِ الاسْمِيَّةِ. وانْتَصَبَ ﴿هَذِهِ الحَياةَ﴾ عَلى الظَّرْفِ وما مُهَيِّئَةٌ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، أيْ: إنَّ قَضاءَكَ كائِنٌ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا لا في الآخِرَةِ، بَلْ في الآخِرَةِ لَنا النَّعِيمُ ولَكَ العَذابُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (تَقْضِي) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ خِطابًا لِفِرْعَوْنَ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ (تُقْضى) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، هَذِهِ الحَياةُ بِالرَّفْعِ اتَّسَعَ في الظَّرْفِ فَأجْرى مَجْرى المَفْعُولِ بِهِ، ثُمَّ بُنِيَ الفِعْلُ لِذَلِكَ ورُفِعَ بِهِ، كَما تَقُولُ: صِيمَ يَوْمُ الجُمُعَةِ، ووُلِدَ لَهُ سِتُّونَ عامًا. ولَمْ يُصَرَّحْ في القُرْآنِ بِأنَّهُ أنْفَذَ فِيهِمْ وعِيدَهُ ولا أنَّهُ قَطَعَ أيْدِيَهم وأرْجُلَهم وصَلَبَهم، بَلِ الظّاهِرُ أنَّهُ تَعالى سَلَّمَهم مِنهُ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٥] وقِيلَ: أنْفَذَ فِيهِمْ وعِيدَهُ، وصَلَبَهم عَلى الجُذُوعِ وإكْراهُهُ إيّاهم عَلى السِّحْرِ. قِيلَ: حَمَلَهم عَلى مُعارَضَةِ مُوسى. وقِيلَ: كانَ يَأْخُذُ وِلْدانَ النّاسِ ويُجَرِّبُهم عَلى ذَلِكَ فَأشارَتِ السَّحَرَةُ إلى ذَلِكَ، قالَهُ الحَسَنُ ﴿واللَّهُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ رَدٌّ عَلى قَوْلِهِ ﴿أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾ [طه: ٧١] أيْ: وثَوابُ اللَّهِ وما أعَّدَهُ لِمَن آمَنَ بِهِ، رُوِيَ أنَّهم قالُوا لِفِرْعَوْنَ: أرِنا مُوسى نائِمًا، فَفَعَلَ فَوَجَدُوهُ يَحْرُسُهُ عَصاهُ، فَقالُوا: ما هَذا بِسِحْرٍ السّاحِرُ إذا نامَ بَطَلَ سِحْرُهُ فَأبى إلّا أنْ يُعارِضُوهُ، ويَظْهَرُ مِن قَوْلِهِمْ: (أئِنَّ لَنا لَأجْرًا) عَدَمُ الإكْراهِ. ﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ﴾ - إلى - ﴿مَن تَزَكّى﴾ قِيلَ هو حِكايَةٌ لَهم عِظَةٌ لِفِرْعَوْنَ. وقِيلَ: خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ لا عَلى وجْهِ الحِكايَةِ تَنْبِيهًا عَلى قُبْحِ ما فَعَلَ فِرْعَوْنُ وحُسْنِ ما فَعَلَ السَّحَرَةُ مَوْعِظَةً وتَحْذِيرًا، والمُجْرِمُ هُنا الكافِرُ، لِذِكْرِ مُقابِلِهِ ﴿ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا﴾ ولِقَوْلِهِ ﴿لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ أيْ: يُعَذَّبُ عَذابًا يَنْتَهِي بِهِ إلى المَوْتِ، ثُمَّ لا يُجْهَزُ عَلَيْهِ فَيَسْتَرِيحُ، بَلْ يُعادُ جِلْدُهُ ويُجَدَّدُ عَذابُهُ فَهو لا يَحْيا حَياةً طَيِّبَةً بِخِلافِ المُؤْمِنِ الَّذِي يَدْخُلُ النّارَ فَهم يُقارِبُونَ المَوْتَ ولا يُجْهَزُ عَلَيْهِمْ فَهَذا فَرْقٌ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ. وفي الحَدِيثِ (إنَّهم يَمُاتُونَ إماتَةً)، وهَذا هو مَعْناهُ لِأنَّهُ لا يَمُوتُ في الآخِرَةِ و﴿تَزَكّى﴾ تَطَهَّرَ مِن دَنَسِ الكُفْرِ. وقِيلَ: قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. (p-٢٦٣)﴿ولَقَدْ أوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا لا تَخافُ دَرَكًا ولا تَخْشى﴾ ﴿فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ قَدْ أنْجَيْناكم مِن عَدُوِّكم وواعَدْناكم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ ونَزَّلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ [طه: ٨٠] ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم ولا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبِي ومَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى﴾ [طه: ٨١] ﴿وإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى﴾ [طه: ٨٢] . هَذا اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَنْ شَيْءٍ مِن أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَهُ وبَيْنَ مَقالِ السَّحَرَةِ المُتَقَدِّمِ مُدَّةٌ مِنَ الزَّمانِ، حَدَثَ فِيها لِمُوسى وفِرْعَوْنَ حَوادِثُ، وذَلِكَ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا انْقَضى أمْرُ السَّحَرَةِ وغَلَبَ مُوسى وقَوِيَ أمْرُهُ وعَدَهُ فِرْعَوْنُ أنْ يُرْسِلَ مَعَهُ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأقامَ مُوسى عَلى وعْدِهِ حَتّى غَدَرَهُ فِرْعَوْنُ ونَكَثَ وأعْلَمَهُ أنَّهُ لا يُرْسِلُهم مَعَهُ، فَبَعَثَ اللَّهُ حِينَئِذٍ الآياتِ المَذْكُورَةَ في غَيْرِ هَذِهِ الآياتِ، الجَرادَ والقُمَّلَ إلى آخِرِها كُلَّما جاءَتْ آيَةٌ وعَدَ فِرْعَوْنُ أنْ يُرْسِلَ بَنِي إسْرائِيلَ عِنْدَ انْكِشافِ العَذابِ، فَإذا انْكَشَفَ نَكَثَ حَتّى تَأْتِيَ أُخْرى، فَلَمّا كَمُلَتِ الآياتُ أوْحى اللَّهُ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُخْرِجَ بَنِي إسْرائِيلَ في اللَّيْلِ سارِيًا، والسُّرى مَسِيرُ اللَّيْلِ. ويُحْتَمَلُ أنَّ (أنْ) تَكُونُ مُفَسِّرَةً وأنْ تَكُونَ النّاصِبَةَ لِلْمُضارِعِ و﴿بِعِبادِي﴾ إضافَةُ تَشْرِيفٍ لِقَوْلِهِ ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] والظّاهِرُ أنَّ الإيحاءَ إلَيْهِ بِذَلِكَ وبِأنْ يَضْرِبَ البَحْرَ كانَ مُتَقَدِّمًا بِمِصْرَ عَلى وقْتِ اتِّباعِ فِرْعَوْنَ مُوسى وقَوْمَهُ بِجُنُودِهِ. وقِيلَ: كانَ الوَحْيُ بِالضَّرْبِ حِينَ قارَبَ فِرْعَوْنُ لَحاقَهُ وقَوِيَ فَزَعُ بَنِي إسْرائِيلَ، ويُرْوى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَهَضَ بِبَنِي إسْرائِيلَ وهم سِتُّمِائَةِ ألْفِ إنْسانٍ، فَسارَ بِهِمْ مِن مِصْرَ يُرِيدُ بَحْرَ القُلْزُمِ، واتَّصَلَ الخَبَرُ فِرْعَوْنَ فَجَمَعَ جُنُودَهُ وحَشَرَهم، ونَهَضَ وراءَهُ فَأوْحى اللَّهُ إلى مُوسى أنْ يَقْصِدَ البَحْرَ فَجَزَعَ بَنُو إسْرائِيلَ، ورَأوْا أنَّ العَدُوَّ مِن ورائِهِمْ والبَحْرَ مِن أمامِهِمْ، ومُوسى يَثِقُ بِصُنْعِ اللَّهِ، فَلَمّا رَآهم فِرْعَوْنُ قَدْ نَهَضُوا نَحْوَ البَحْرِ طَمِعَ فِيهِمْ، وكانَ مَقْصِدُهم إلى مَوْضِعٍ يَنْقَطِعُ فِيهِ الفُحُوصُ والطُّرُقُ الواسِعَةُ. قِيلَ: وكانَ في خَيْلِ فِرْعَوْنَ سَبْعُونَ ألْفَ أدْهَمَ، ونِسْبَةُ ذَلِكَ مِن سائِرِ الألْوانِ. وقِيلَ: أكْثَرُ مِن هَذا فَضَرَبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ البَحْرَ فانْفَرَقَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ فِرْقَةً طُرُقًا واسِعَةً بَيْنَها حِيطانُ الماءِ واقِفَةٌ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣] . وقِيلَ: بَلْ هو طَرِيقٌ واحِدٌ لِقَوْلِهِ ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا﴾ . انْتَهى. وقَدْ يُرادُ بِقَوْلِهِ (طَرِيقًا) الجِنْسُ، فَدَخَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ أنْ بَعَثَ اللَّهُ رِيحَ الصَّبا، فَجَفَّفَتْ تِلْكَ الطُّرُقَ حَتّى يَبِسَتْ ودَخَلَ بَنُو إسْرائِيلَ، ووَصَلَ فِرْعَوْنُ إلى المَدْخَلِ وبَنُو إسْرائِيلَ كُلُّهم في البَحْرِ، فَرَأى الماءَ عَلى تِلْكَ الحالِ فَجَزَعَ قَوْمُهُ واسْتَعْظَمُوا الأمْرَ، فَقالَ لَهم: إنَّما انْفَلَقَ مِن هَيْبَتِي، وتَقَدَّمَ غَرَقُ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ في سُورَةِ يُونُسَ. والظّاهِرُ (p-٢٦٤)أنَّ لَفْظَةَ اضْرِبْ هُنا عَلى حَقِيقَتِها مِن مَسِّ العَصا بِقُوَّةٍ وتَحامُلٍ عَلى العَصا، ويُوَضِّحُهُ في آيَةٍ أُخْرى ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣] فالمَعْنى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ لِيَنْفَلِقَ لَهم فَيَصِيرَ طَرِيقًا، فَتَعَدّى إلى الطَّرِيقِ بِدُخُولِ هَذا المَعْنى، لَمّا كانَ الطَّرِيقُ مُتَسَبِّبًا عَنِ الضَّرْبِ جُعِلَ كَأنَّهُ المَضْرُوبُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا﴾ فاجْعَلْ لَهم مِن قَوْلِهِمْ: ضَرَبَ لَهُ في مالِهِ سَهْمًا، وضَرَبَ اللَّبَنَ عَمِلَهُ. انْتَهى. وفِي الحَدِيثِ: (اضْرِبُوا لِي مَعَكم بِسَهْمٍ) . ولَمّا لَمْ يَذْكُرِ المَضْرُوبَ حَقِيقَةً وهو البَحْرُ، ولَوْ كانَ صَرَّحَ بِالمَضْرُوبِ حَقِيقَةً لَكانَ التَّرْكِيبُ طَرِيقًا فِيهِ، فَكانَ يَعُودُ عَلى البَحْرِ المَضْرُوبِ و﴿يَبَسًا﴾ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ الطَّرِيقُ، وصَفَهُ بِما آلَ إلَيْهِ إذْ كانَ حالَةَ الضَّرْبِ لَمْ يَتَّصِفْ بِاليُبْسِ، بَلْ مَرَّتْ عَلَيْهِ الصَّبا فَجَفَّفَتْهُ، كَما رُوِيَ، ويُقالُ: يَبَسَ يُبْسًا ويَبَسًا كالعُدْمِ والعَدَمِ، ومِن كَوْنِهِ مَصْدَرًا وُصِفَ بِهِ المُؤَنَّثُ، قالُوا: شاةٌ يَبَسٌ وناقَةٌ يَبَسٌ إذا جَفَّ لَبَنُها. وقَرَأ الحَسَنُ (يَبْسًا) بِسُكُونِ الباءِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: قَدْ يَكُونُ مَصْدَرًا كالعامَّةِ، وقَدْ يَكُونُ بِالإسْكانِ المَصْدَرَ، وبِالفَتْحِ الِاسْمَ كالنَّفْضِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا يَخْلُو اليَبَسُ مِن أنْ يَكُونَ مُخَفَّفًا عَنِ اليَبْسِ أوْ صِفَةً عَلى فُعْلٍ أوْ جَمْعَ يابِسٍ كَصاحِبٍ وصَحْبٍ، وُصِفَ بِهِ الواحِدُ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ: ومَعًا جِياعًا جَعَلَهُ لِفَرْطِ جُوعِهِ كَجَماعَةِ جِياعٍ. انْتَهى. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: يابِسًا اسْمَ فاعِلٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: لا تَخافُ وهي جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ ﴿فاضْرِبْ﴾ وقِيلَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِلطَّرِيقِ، وحُذِفَ العائِدُ أيْ لا تَخافُ فِيهِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: وحَمْزَةُ وابْنُ أبِي لَيْلى (لا تَخَفْ) بِالجَزْمِ عَلى جَوابِ الأمْرِ أوْ عَلى نَهْيٍ مُسْتَأْنَفٍ قالَهُ الزَّجّاجُ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ ﴿دَرْكًا﴾ بِسُكُونِ الرّاءِ، والجُمْهُورُ بِفَتْحِها، والدَّرْكُ والدَّرَكُ اسْمانِ مِنَ الإدْراكِ أيْ لا يُدْرِكُكَ فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ ولا يَلْحَقُونَكَ ﴿ولا تَخْشى﴾ أنْتَ ولا قَوْمُكَ غَرَقًا، وعَطْفُهُ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ﴿لا تَخافُ﴾ ظاهِرٌ، وأمّا عَلى قِراءَةِ الجَزْمِ فَخُرِّجَ عَلى أنَّ الألِفَ جِيءَ بِها لِأجْلِ أواخِرِ الآيِ فاصِلَةً نَحْوَ قَوْلِهِ ﴿فَأضَلُّونا السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٦٧] وعَلى أنَّهُ إخْبارٌ مُسْتَأْنَفٌ أيْ: وأنْتَ لا تَخْشى، وعَلى أنَّهُ مَجْزُومٌ بِحَذْفِ الحَرَكَةِ المُقَدَّرَةِ عَلى لُغَةِ مَن قالَ: ألَمْ يَأْتِيكَ وهي لُغَةٌ قَلِيلَةٌ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎إذا العَجُوزُ غَضِبَتْ فَطَلِّقِ ولا تَرضّاها ولا تَمَلَّقِ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَأتْبَعَهُمْ﴾ بِسُكُونِ التّاءِ، وأتْبَعَ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى تَبِعَ فَيَتَعَدّى إلى واحِدٍ، كَقَوْلِهِ ﴿فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ﴾ [الأعراف: ١٧٥] وقَدْ يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، كَقَوْلِهِ: وأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتِهِمْ فَتَكُونُ التّاءُ زائِدَةً، أيْ: جُنُودُهُ، أوْ تَكُونُ لِلْحالِ، والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، أيْ: رُؤَساؤُهُ وحَشَمُهُ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ، والحَسَنُ (فاتَّبَعَهم) بِتَشْدِيدِ التّاءِ، وكَذا عَنِ الحَسَنِ في جَمِيعِ ما في القُرْآنِ إلّا ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] والباءُ في بِجُنُودِهِ في مَوْضِعِ الحالِ كَما تَقُولُ: أُخْرِجَ زَيْدٌ بِسِلاحِهِ، أوِ الباءِ لِلتَّعَدِّي لِمَفْعُولٍ ثانٍ بِحَرْفِ جَرٍّ، إذْ لا يَتَعَدّى اتَّبَعَ بِنَفْسِهِ إلّا إلى حَرْفٍ واحِدٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ عَلى وزْنِ فِعْلٍ مُجَرَّدٍ مِنَ الزِّيادَةِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ، مِنهُمُ الأعْمَشُ، فَغَشّاهم مِنَ اليَمِّ ما غَشّاهم بِتَضْعِيفِ العَيْنِ فالفاعِلُ في القِراءَةِ الأُولى (ما) وفي الثّانِيَةِ الفاعِلُ اللَّهُ أيْ فَغَشّاهُمُ اللَّهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ فِرْعَوْنُ لِأنَّهُ الَّذِي ورَّطَ جُنُودَهُ وتَسَبَّبَ لِهَلاكِهِمْ. وقالَ ﴿ما غَشِيَهُمْ﴾ مِن بابِ الِاخْتِصارِ ومِن جَوامِعِ الكَلِمِ الَّتِي تَسْتَقِلُّ مَعَ قِلَّتِها بِالمَعانِي الكَثِيرَةِ، أيْ (غَشِيَهم) ما لا يَعْلَمُ كُنْهَهُ إلّا اللَّهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿ما غَشِيَهُمْ﴾ إبْهامٌ أهَوَلُ مِنَ النَّصِّ عَلى قَدْرِ ما، وهو كَقَوْلِهِ ﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ [النجم: ١٦] والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿غَشِيَهُمْ﴾ في المَوْضِعَيْنِ عائِدٌ عَلى فِرْعَوْنِ وقَوْمِهِ، وقِيلَ: الأوَّلُ عَلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، والثّانِي عَلى مُوسى وقَوْمِهِ: وفي الكَلامِ حَذْفٌ عَلى هَذا القَوْلِ تَقْدِيرُهُ فَنَجا مُوسى وقَوْمُهُ، وغَرِقَ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: وقُرِئَ وجُنُودُهُ عَطْفًا عَلى فِرْعَوْنَ. (p-٢٦٥)﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ﴾ أيْ مِن أوَّلِ مَرَّةٍ إلى هَذِهِ النِّهايَةِ ويَعْنِي الضَّلالَ في الدِّينِ. وقِيلَ: أضَلَّهم في البَحْرِ لِأنَّهم غَرِقُوا فِيهِ، واحْتَجَّ بِهِ القاضِي عَلى مَذْهَبِهِ فَقالَ: لَوْ كانَ الضَّلالُ مِن خَلْقِ اللَّهِ لَما جازَ أنْ يُقالَ: ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ﴾ بَلْ وجَبَ أنْ يُقالَ: اللَّهُ أضَلَّهم لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ذَمَّهُ بِذَلِكَ فَكَيْفَ يَكُونُ خالِقًا لِلْكُفْرِ لِأنَّ مَن ذَمَّ غَيْرَهُ بِفِعْلِ شَيْءٍ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ المَذْمُومُ فاعِلًا لِذَلِكَ الفِعْلِ وإلّا اسْتَحَقَّ الذّامُّ الذَّمَّ. انْتَهى. وهُوَ عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ ﴿وما هَدى﴾ أيْ ما هَداهم إلى الدِّينِ، أوْ ما نَجا مِنَ الغَرَقِ، أوْ ما اهْتَدى في نَفْسِهِ لِأنَّ (هَدى) قَدْ يَأْتِي بِمَعْنى اهْتَدى.

طه 20:80

﴿يابَنِي إسْرائِيلَ قَدْ أنْجَيْناكم مِن عَدُوِّكُمْ﴾ ذَكَّرَهم تَعالى بِأنْواعِ نِعَمِهِ وبَدَأ بِإزالَةِ ما كانُوا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ مِنَ الإذْلالِ والخَراجِ والذَّبْحِ وهي آكَدُ أنْ تَكُونَ مُقَدَّمَةً عَلى المَنفَعَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ لِأنَّ إزالَةَ الضَّرَرِ أعْظَمُ في النِّعْمَةِ مِن إيصالِ تِلْكَ المَنفَعَةِ، ثُمَّ أعْقَبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ المَنفَعَةِ الدِّينِيَّةِ وهو قَوْلُهُ ﴿وواعَدْناكم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ﴾ إذْ أنْزَلَ عَلى نَبِيِّهِمْ مُوسى كِتابًا فِيهِ بَيانُ دِينِهِمْ وشَرْحُ شَرِيعَتِهِمْ، ثُمَّ يَذْكُرُ المَنفَعَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ وهو قَوْلُهُ ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ لِمَن نَجا مَعَ مُوسى بَعْدَ إغْراقِ فِرْعَوْنَ. وقِيلَ: لِمُعاصِرِي الرَّسُولِ ﷺ اعْتِراضًا في أثْناءِ قِصَّةِ مُوسى تَوْبِيخًا لَهم إذْ لَمْ يَصْبِرْ سَلَفُهم عَلى أداءِ شُكْرِ نِعَمِ اللَّهِ فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ أنْجَيْنا آباءَكم مِن تَعْذِيبِ آلِ فِرْعَوْنَ. وخاطَبَ الجَمِيعَ بِواعَدْناكم وإنْ كانَ المَوْعُودُونَ هُمُ السَبْعِينَ الَّذِينَ اخْتارَهم مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِسَماعِ كَلامِ اللَّهِ، لِأنَّ سَماعَ أُولَئِكَ السَبْعِينَ تَعُودُ مَنفَعَتُهُ عَلى جَمِيعِهِمْ إذْ تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم وتَسْكُنُ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ﴾ في سُورَةِ مَرْيَمَ، وعَلى ﴿وأنْزَلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ [البقرة: ٥٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وطَلْحَةُ: قَدْ أنْجَيْتُكم وواعَدْتُكم ما رَزَقَتْكم بِتاءِ الضَّمِيرِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِنُونِ العَظَمَةِ وحُمَيدٌ نَجَّيْناكم بِتَشْدِيدِ الجِيمِ مِن غَيْرِ ألِفٍ قَبْلَها وبِنُونَ العَظَمَةِ وتَقَدَّمَ خِلافُ أبِي عَمْرٍو وفي واعَدَ في البَقَرَةِ. والطَّيِّباتُ هُنا: الحَلالُ اللَّذِيذُ لِأنَّهُ جَمَعَ الوَصْفَيْنِ. وقُرِئَ ﴿الأيْمَنَ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِالجَرِّ عَلى الجِوارِ نَحْوَ جُحْرِ ضَبٍّ خَرِبٍ. انْتَهى. وهَذا مِنَ الشُّذُوذِ والقِلَّةِ بِحَيْثُ يَنْبَغِي أنْ لا تُخَرَّجَ القِراءَةُ عَلَيْهِ، والصَّحِيحُ أنَّهُ نَعْتٌ لِلطُّورِ لِما فِيهِ مِنَ اليُمْنِ وأمّا لِكَوْنِهِ عَلى يَمِينِ مَن يَسْتَقْبِلُ الجَبَلَ، ونَهاهم عَنِ الطُّغْيانِ فِيما رَزَقَهم وهو أنْ يَتَعَدَّوْا حُدُودَ اللَّهِ فِيها بِأنْ يَكْفُرُوها ويَشْغَلَهُمُ اللَّهْوُ والنِّعَمُ عَنِ القِيامِ بِشُكْرِها، وأنْ يُنْفِقُوها في المَعاصِي ويَمْنَعُوا الحُقُوقَ الواجِبَةَ عَلَيْهِمْ فِيها. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ولا تَطْغُوا فِيهِ بِضَمِّ الغَيْنِ. . وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ولا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ لا يَظْلِمْ بَعْضُكم بَعْضًا فَيَأْخُذَهُ مِن صاحِبِهِ يَعْنِي بِغَيْرِ حَقٍّ. وعَنِ الضَّحّاكِ ومُقاتِلٍ: لا تُجاوِزُوا حَدَّ الإباحَةِ. وعَنِ الكَلْبِيِّ: لا تَكْفُرُوا النِّعْمَةَ أيْ لا تَسْتَعِينُوا بِنِعْمَتِي عَلى مُخالَفَتِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فَيَحِلَّ﴾ بِكَسْرِ الحاءِ ﴿ومَن يَحْلِلْ﴾ بِكَسْرِ اللّامِ أيْ فَيَجِبُ ويَلْحَقُ. وقَرَأ الكِسائِيُّ بِضَمِّ الحاءِ ولامِ يَحْلُلْ أيْ يَنْزِلُ وهي قِراءَةُ قَتادَةَ، وأبِي حَيْوَةَ، والأعْمَشِ، وطَلْحَةَ، ووافَقَ ابْنُ عُتَيْبَةَ في يَحْلُلُ فَضَمَّ، وفي الإقْناعِ لِأبِي عَلِيٍّ الأهْوازِيِّ ما نَصَّهُ: ابْنُ غَزْوانَ، عَنْ طَلْحَةَ: لا يَحِلَّنَّ عَلَيْكم ﴿غَضَبِي﴾ بِلامٍ ونُونٍ مُشَدَّدَةٍ وفَتْحِ اللّامِ وكَسْرِ الحاءِ، أيْ: لا تَتَعَرَّضُوا لِلطُّغْيانِ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبِي مِن بابِ لا أرَيَنَّكَ هُنا، وفي كِتابِ اللَّوامِحِ قَتادَةُ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ، وابْنُ وثّابِ، والأعْمَشُ، فَيُحِلُّ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الحاءِ مِنَ الإحْلالِ فَهو مُتَعَدٍّ مِن حَلَّ بِنَفْسِهِ، والفاعِلُ فِيهِ مُقَدَّرٌ تُرِكَ لِشُهْرَتِهِ وتَقْدِيرِهِ فَيَحِلُّ بِهِ طُغْيانُكم ﴿غَضَبِي﴾ عَلَيْكم ودَلَّ عَلى ذَلِكَ ﴿ولا تَطْغَوْا﴾ فَيَصِيرُ ﴿غَضَبِي﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ مَفْعُولٍ بِهِ. وقَدْ يَجُوزُ أنْ يُسْنَدَ الفِعْلُ إلى ﴿غَضَبِي﴾ فَيَصِيرُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِفِعْلِهِ، وقَدْ حُذِفَ مِنهُ المَفْعُولُ لِلدَّلِيلِ عَلَيْهِ وهو العَذابُ أوْ نَحْوُهُ. انْتَهى. ﴿فَقَدْ هَوى﴾ كَنّى بِهِ عَنِ الهَلاكِ، وأصْلُهُ أنْ يَسْقُطَ مِن جَبَلٍ فَيَهْلِكَ يُقالُ هَوى الرَّجُلُ أيْ سَقَطَ، ويُشْبِهُ الَّذِي (p-٢٦٦)يَقَعُ في ورْطَةٍ بَعْدَ أنْ كانَ بِنَجْوَةٍ مِنها بِالسّاقِطِ، أوْ ﴿هَوى﴾ في جَهَنَّمَ، وفي سُخْطِ اللَّهِ وغَضَبُ اللَّهِ عُقُوباتُهُ، ولِذَلِكَ وُصِفَ بِالنُّزُولِ. ولَمّا حَذَّرَ تَعالى مِنَ الطُّغْيانِ فِيما رَزَقَ، وحَذَّرَ مِن حُلُولِ غَضَبِهِ، فَتَحَ بابَ الرَّجاءِ لِلتّائِبِينَ وأتى بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿وإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِنَ الشِّرْكِ ﴿وآمَنَ﴾ أيْ وحَّدَ اللَّهَ ﴿وعَمِلَ صالِحًا﴾ أدّى الفَرائِضَ ﴿ثُمَّ اهْتَدى﴾ لَزِمَ الهِدايَةَ وأدامَها إلى المُوافاةِ عَلى الإسْلامِ. وقِيلَ: مَعْناهُ لَمْ يَشُكَّ في إيمانِهِ. وقِيلَ: ثُمَّ اسْتَقامَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والَّذِي تَقْوى في مَعْنى ﴿ثُمَّ اهْتَدى﴾ أنْ يَكُونَ ثُمَّ حَفِظَ مُعْتَقَداتِهِ مِن أنْ يُخالِفَ الحَقَّ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، فَإنَّ الِاهْتِداءَ عَلى هَذا الوَجْهِ غَيْرُ الإيمانِ وغَيْرُ العَمَلِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الِاهْتِداءُ هو الِاسْتِقامَةُ والثَّباتُ عَلى الهُدى المَذْكُورِ وهو التَّوْبَةُ والإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ، ونَحْوُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] وكَلِمَةُ التَّراخِي دَلَّتْ عَلى تَبايُنِ المَنزِلَتَيْنِ دَلالَتَها عَلى تَبايُنِ الوَقْتَيْنِ في جاءَنِي زَيْدٌ ثُمَّ عُمَرُ، وأعْنِي أنَّ مَنزِلَةَ الِاسْتِقامَةِ عَلى الخَبَرِ مُبايِنَةٌ لِمَنزِلَةِ الخَبَرِ نَفْسِهِ لِأنَّها أعْلى مِنهُ وأفْضَلُ.

طه 20:81

﴿يابَنِي إسْرائِيلَ قَدْ أنْجَيْناكم مِن عَدُوِّكُمْ﴾ ذَكَّرَهم تَعالى بِأنْواعِ نِعَمِهِ وبَدَأ بِإزالَةِ ما كانُوا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ مِنَ الإذْلالِ والخَراجِ والذَّبْحِ وهي آكَدُ أنْ تَكُونَ مُقَدَّمَةً عَلى المَنفَعَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ لِأنَّ إزالَةَ الضَّرَرِ أعْظَمُ في النِّعْمَةِ مِن إيصالِ تِلْكَ المَنفَعَةِ، ثُمَّ أعْقَبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ المَنفَعَةِ الدِّينِيَّةِ وهو قَوْلُهُ ﴿وواعَدْناكم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ﴾ إذْ أنْزَلَ عَلى نَبِيِّهِمْ مُوسى كِتابًا فِيهِ بَيانُ دِينِهِمْ وشَرْحُ شَرِيعَتِهِمْ، ثُمَّ يَذْكُرُ المَنفَعَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ وهو قَوْلُهُ ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ لِمَن نَجا مَعَ مُوسى بَعْدَ إغْراقِ فِرْعَوْنَ. وقِيلَ: لِمُعاصِرِي الرَّسُولِ ﷺ اعْتِراضًا في أثْناءِ قِصَّةِ مُوسى تَوْبِيخًا لَهم إذْ لَمْ يَصْبِرْ سَلَفُهم عَلى أداءِ شُكْرِ نِعَمِ اللَّهِ فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ أنْجَيْنا آباءَكم مِن تَعْذِيبِ آلِ فِرْعَوْنَ. وخاطَبَ الجَمِيعَ بِواعَدْناكم وإنْ كانَ المَوْعُودُونَ هُمُ السَبْعِينَ الَّذِينَ اخْتارَهم مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِسَماعِ كَلامِ اللَّهِ، لِأنَّ سَماعَ أُولَئِكَ السَبْعِينَ تَعُودُ مَنفَعَتُهُ عَلى جَمِيعِهِمْ إذْ تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم وتَسْكُنُ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ﴾ في سُورَةِ مَرْيَمَ، وعَلى ﴿وأنْزَلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ [البقرة: ٥٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وطَلْحَةُ: قَدْ أنْجَيْتُكم وواعَدْتُكم ما رَزَقَتْكم بِتاءِ الضَّمِيرِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِنُونِ العَظَمَةِ وحُمَيدٌ نَجَّيْناكم بِتَشْدِيدِ الجِيمِ مِن غَيْرِ ألِفٍ قَبْلَها وبِنُونَ العَظَمَةِ وتَقَدَّمَ خِلافُ أبِي عَمْرٍو وفي واعَدَ في البَقَرَةِ. والطَّيِّباتُ هُنا: الحَلالُ اللَّذِيذُ لِأنَّهُ جَمَعَ الوَصْفَيْنِ. وقُرِئَ ﴿الأيْمَنَ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِالجَرِّ عَلى الجِوارِ نَحْوَ جُحْرِ ضَبٍّ خَرِبٍ. انْتَهى. وهَذا مِنَ الشُّذُوذِ والقِلَّةِ بِحَيْثُ يَنْبَغِي أنْ لا تُخَرَّجَ القِراءَةُ عَلَيْهِ، والصَّحِيحُ أنَّهُ نَعْتٌ لِلطُّورِ لِما فِيهِ مِنَ اليُمْنِ وأمّا لِكَوْنِهِ عَلى يَمِينِ مَن يَسْتَقْبِلُ الجَبَلَ، ونَهاهم عَنِ الطُّغْيانِ فِيما رَزَقَهم وهو أنْ يَتَعَدَّوْا حُدُودَ اللَّهِ فِيها بِأنْ يَكْفُرُوها ويَشْغَلَهُمُ اللَّهْوُ والنِّعَمُ عَنِ القِيامِ بِشُكْرِها، وأنْ يُنْفِقُوها في المَعاصِي ويَمْنَعُوا الحُقُوقَ الواجِبَةَ عَلَيْهِمْ فِيها. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ولا تَطْغُوا فِيهِ بِضَمِّ الغَيْنِ. . وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ولا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ لا يَظْلِمْ بَعْضُكم بَعْضًا فَيَأْخُذَهُ مِن صاحِبِهِ يَعْنِي بِغَيْرِ حَقٍّ. وعَنِ الضَّحّاكِ ومُقاتِلٍ: لا تُجاوِزُوا حَدَّ الإباحَةِ. وعَنِ الكَلْبِيِّ: لا تَكْفُرُوا النِّعْمَةَ أيْ لا تَسْتَعِينُوا بِنِعْمَتِي عَلى مُخالَفَتِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فَيَحِلَّ﴾ بِكَسْرِ الحاءِ ﴿ومَن يَحْلِلْ﴾ بِكَسْرِ اللّامِ أيْ فَيَجِبُ ويَلْحَقُ. وقَرَأ الكِسائِيُّ بِضَمِّ الحاءِ ولامِ يَحْلُلْ أيْ يَنْزِلُ وهي قِراءَةُ قَتادَةَ، وأبِي حَيْوَةَ، والأعْمَشِ، وطَلْحَةَ، ووافَقَ ابْنُ عُتَيْبَةَ في يَحْلُلُ فَضَمَّ، وفي الإقْناعِ لِأبِي عَلِيٍّ الأهْوازِيِّ ما نَصَّهُ: ابْنُ غَزْوانَ، عَنْ طَلْحَةَ: لا يَحِلَّنَّ عَلَيْكم ﴿غَضَبِي﴾ بِلامٍ ونُونٍ مُشَدَّدَةٍ وفَتْحِ اللّامِ وكَسْرِ الحاءِ، أيْ: لا تَتَعَرَّضُوا لِلطُّغْيانِ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبِي مِن بابِ لا أرَيَنَّكَ هُنا، وفي كِتابِ اللَّوامِحِ قَتادَةُ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ، وابْنُ وثّابِ، والأعْمَشُ، فَيُحِلُّ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الحاءِ مِنَ الإحْلالِ فَهو مُتَعَدٍّ مِن حَلَّ بِنَفْسِهِ، والفاعِلُ فِيهِ مُقَدَّرٌ تُرِكَ لِشُهْرَتِهِ وتَقْدِيرِهِ فَيَحِلُّ بِهِ طُغْيانُكم ﴿غَضَبِي﴾ عَلَيْكم ودَلَّ عَلى ذَلِكَ ﴿ولا تَطْغَوْا﴾ فَيَصِيرُ ﴿غَضَبِي﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ مَفْعُولٍ بِهِ. وقَدْ يَجُوزُ أنْ يُسْنَدَ الفِعْلُ إلى ﴿غَضَبِي﴾ فَيَصِيرُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِفِعْلِهِ، وقَدْ حُذِفَ مِنهُ المَفْعُولُ لِلدَّلِيلِ عَلَيْهِ وهو العَذابُ أوْ نَحْوُهُ. انْتَهى. ﴿فَقَدْ هَوى﴾ كَنّى بِهِ عَنِ الهَلاكِ، وأصْلُهُ أنْ يَسْقُطَ مِن جَبَلٍ فَيَهْلِكَ يُقالُ هَوى الرَّجُلُ أيْ سَقَطَ، ويُشْبِهُ الَّذِي (p-٢٦٦)يَقَعُ في ورْطَةٍ بَعْدَ أنْ كانَ بِنَجْوَةٍ مِنها بِالسّاقِطِ، أوْ ﴿هَوى﴾ في جَهَنَّمَ، وفي سُخْطِ اللَّهِ وغَضَبُ اللَّهِ عُقُوباتُهُ، ولِذَلِكَ وُصِفَ بِالنُّزُولِ. ولَمّا حَذَّرَ تَعالى مِنَ الطُّغْيانِ فِيما رَزَقَ، وحَذَّرَ مِن حُلُولِ غَضَبِهِ، فَتَحَ بابَ الرَّجاءِ لِلتّائِبِينَ وأتى بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿وإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِنَ الشِّرْكِ ﴿وآمَنَ﴾ أيْ وحَّدَ اللَّهَ ﴿وعَمِلَ صالِحًا﴾ أدّى الفَرائِضَ ﴿ثُمَّ اهْتَدى﴾ لَزِمَ الهِدايَةَ وأدامَها إلى المُوافاةِ عَلى الإسْلامِ. وقِيلَ: مَعْناهُ لَمْ يَشُكَّ في إيمانِهِ. وقِيلَ: ثُمَّ اسْتَقامَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والَّذِي تَقْوى في مَعْنى ﴿ثُمَّ اهْتَدى﴾ أنْ يَكُونَ ثُمَّ حَفِظَ مُعْتَقَداتِهِ مِن أنْ يُخالِفَ الحَقَّ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، فَإنَّ الِاهْتِداءَ عَلى هَذا الوَجْهِ غَيْرُ الإيمانِ وغَيْرُ العَمَلِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الِاهْتِداءُ هو الِاسْتِقامَةُ والثَّباتُ عَلى الهُدى المَذْكُورِ وهو التَّوْبَةُ والإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ، ونَحْوُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] وكَلِمَةُ التَّراخِي دَلَّتْ عَلى تَبايُنِ المَنزِلَتَيْنِ دَلالَتَها عَلى تَبايُنِ الوَقْتَيْنِ في جاءَنِي زَيْدٌ ثُمَّ عُمَرُ، وأعْنِي أنَّ مَنزِلَةَ الِاسْتِقامَةِ عَلى الخَبَرِ مُبايِنَةٌ لِمَنزِلَةِ الخَبَرِ نَفْسِهِ لِأنَّها أعْلى مِنهُ وأفْضَلُ.

طه 20:82

﴿يابَنِي إسْرائِيلَ قَدْ أنْجَيْناكم مِن عَدُوِّكُمْ﴾ ذَكَّرَهم تَعالى بِأنْواعِ نِعَمِهِ وبَدَأ بِإزالَةِ ما كانُوا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ مِنَ الإذْلالِ والخَراجِ والذَّبْحِ وهي آكَدُ أنْ تَكُونَ مُقَدَّمَةً عَلى المَنفَعَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ لِأنَّ إزالَةَ الضَّرَرِ أعْظَمُ في النِّعْمَةِ مِن إيصالِ تِلْكَ المَنفَعَةِ، ثُمَّ أعْقَبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ المَنفَعَةِ الدِّينِيَّةِ وهو قَوْلُهُ ﴿وواعَدْناكم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ﴾ إذْ أنْزَلَ عَلى نَبِيِّهِمْ مُوسى كِتابًا فِيهِ بَيانُ دِينِهِمْ وشَرْحُ شَرِيعَتِهِمْ، ثُمَّ يَذْكُرُ المَنفَعَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ وهو قَوْلُهُ ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ لِمَن نَجا مَعَ مُوسى بَعْدَ إغْراقِ فِرْعَوْنَ. وقِيلَ: لِمُعاصِرِي الرَّسُولِ ﷺ اعْتِراضًا في أثْناءِ قِصَّةِ مُوسى تَوْبِيخًا لَهم إذْ لَمْ يَصْبِرْ سَلَفُهم عَلى أداءِ شُكْرِ نِعَمِ اللَّهِ فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ أنْجَيْنا آباءَكم مِن تَعْذِيبِ آلِ فِرْعَوْنَ. وخاطَبَ الجَمِيعَ بِواعَدْناكم وإنْ كانَ المَوْعُودُونَ هُمُ السَبْعِينَ الَّذِينَ اخْتارَهم مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِسَماعِ كَلامِ اللَّهِ، لِأنَّ سَماعَ أُولَئِكَ السَبْعِينَ تَعُودُ مَنفَعَتُهُ عَلى جَمِيعِهِمْ إذْ تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم وتَسْكُنُ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ﴾ في سُورَةِ مَرْيَمَ، وعَلى ﴿وأنْزَلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ [البقرة: ٥٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وطَلْحَةُ: قَدْ أنْجَيْتُكم وواعَدْتُكم ما رَزَقَتْكم بِتاءِ الضَّمِيرِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِنُونِ العَظَمَةِ وحُمَيدٌ نَجَّيْناكم بِتَشْدِيدِ الجِيمِ مِن غَيْرِ ألِفٍ قَبْلَها وبِنُونَ العَظَمَةِ وتَقَدَّمَ خِلافُ أبِي عَمْرٍو وفي واعَدَ في البَقَرَةِ. والطَّيِّباتُ هُنا: الحَلالُ اللَّذِيذُ لِأنَّهُ جَمَعَ الوَصْفَيْنِ. وقُرِئَ ﴿الأيْمَنَ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِالجَرِّ عَلى الجِوارِ نَحْوَ جُحْرِ ضَبٍّ خَرِبٍ. انْتَهى. وهَذا مِنَ الشُّذُوذِ والقِلَّةِ بِحَيْثُ يَنْبَغِي أنْ لا تُخَرَّجَ القِراءَةُ عَلَيْهِ، والصَّحِيحُ أنَّهُ نَعْتٌ لِلطُّورِ لِما فِيهِ مِنَ اليُمْنِ وأمّا لِكَوْنِهِ عَلى يَمِينِ مَن يَسْتَقْبِلُ الجَبَلَ، ونَهاهم عَنِ الطُّغْيانِ فِيما رَزَقَهم وهو أنْ يَتَعَدَّوْا حُدُودَ اللَّهِ فِيها بِأنْ يَكْفُرُوها ويَشْغَلَهُمُ اللَّهْوُ والنِّعَمُ عَنِ القِيامِ بِشُكْرِها، وأنْ يُنْفِقُوها في المَعاصِي ويَمْنَعُوا الحُقُوقَ الواجِبَةَ عَلَيْهِمْ فِيها. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ولا تَطْغُوا فِيهِ بِضَمِّ الغَيْنِ. . وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ولا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ لا يَظْلِمْ بَعْضُكم بَعْضًا فَيَأْخُذَهُ مِن صاحِبِهِ يَعْنِي بِغَيْرِ حَقٍّ. وعَنِ الضَّحّاكِ ومُقاتِلٍ: لا تُجاوِزُوا حَدَّ الإباحَةِ. وعَنِ الكَلْبِيِّ: لا تَكْفُرُوا النِّعْمَةَ أيْ لا تَسْتَعِينُوا بِنِعْمَتِي عَلى مُخالَفَتِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فَيَحِلَّ﴾ بِكَسْرِ الحاءِ ﴿ومَن يَحْلِلْ﴾ بِكَسْرِ اللّامِ أيْ فَيَجِبُ ويَلْحَقُ. وقَرَأ الكِسائِيُّ بِضَمِّ الحاءِ ولامِ يَحْلُلْ أيْ يَنْزِلُ وهي قِراءَةُ قَتادَةَ، وأبِي حَيْوَةَ، والأعْمَشِ، وطَلْحَةَ، ووافَقَ ابْنُ عُتَيْبَةَ في يَحْلُلُ فَضَمَّ، وفي الإقْناعِ لِأبِي عَلِيٍّ الأهْوازِيِّ ما نَصَّهُ: ابْنُ غَزْوانَ، عَنْ طَلْحَةَ: لا يَحِلَّنَّ عَلَيْكم ﴿غَضَبِي﴾ بِلامٍ ونُونٍ مُشَدَّدَةٍ وفَتْحِ اللّامِ وكَسْرِ الحاءِ، أيْ: لا تَتَعَرَّضُوا لِلطُّغْيانِ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبِي مِن بابِ لا أرَيَنَّكَ هُنا، وفي كِتابِ اللَّوامِحِ قَتادَةُ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ، وابْنُ وثّابِ، والأعْمَشُ، فَيُحِلُّ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الحاءِ مِنَ الإحْلالِ فَهو مُتَعَدٍّ مِن حَلَّ بِنَفْسِهِ، والفاعِلُ فِيهِ مُقَدَّرٌ تُرِكَ لِشُهْرَتِهِ وتَقْدِيرِهِ فَيَحِلُّ بِهِ طُغْيانُكم ﴿غَضَبِي﴾ عَلَيْكم ودَلَّ عَلى ذَلِكَ ﴿ولا تَطْغَوْا﴾ فَيَصِيرُ ﴿غَضَبِي﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ مَفْعُولٍ بِهِ. وقَدْ يَجُوزُ أنْ يُسْنَدَ الفِعْلُ إلى ﴿غَضَبِي﴾ فَيَصِيرُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِفِعْلِهِ، وقَدْ حُذِفَ مِنهُ المَفْعُولُ لِلدَّلِيلِ عَلَيْهِ وهو العَذابُ أوْ نَحْوُهُ. انْتَهى. ﴿فَقَدْ هَوى﴾ كَنّى بِهِ عَنِ الهَلاكِ، وأصْلُهُ أنْ يَسْقُطَ مِن جَبَلٍ فَيَهْلِكَ يُقالُ هَوى الرَّجُلُ أيْ سَقَطَ، ويُشْبِهُ الَّذِي (p-٢٦٦)يَقَعُ في ورْطَةٍ بَعْدَ أنْ كانَ بِنَجْوَةٍ مِنها بِالسّاقِطِ، أوْ ﴿هَوى﴾ في جَهَنَّمَ، وفي سُخْطِ اللَّهِ وغَضَبُ اللَّهِ عُقُوباتُهُ، ولِذَلِكَ وُصِفَ بِالنُّزُولِ. ولَمّا حَذَّرَ تَعالى مِنَ الطُّغْيانِ فِيما رَزَقَ، وحَذَّرَ مِن حُلُولِ غَضَبِهِ، فَتَحَ بابَ الرَّجاءِ لِلتّائِبِينَ وأتى بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿وإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِنَ الشِّرْكِ ﴿وآمَنَ﴾ أيْ وحَّدَ اللَّهَ ﴿وعَمِلَ صالِحًا﴾ أدّى الفَرائِضَ ﴿ثُمَّ اهْتَدى﴾ لَزِمَ الهِدايَةَ وأدامَها إلى المُوافاةِ عَلى الإسْلامِ. وقِيلَ: مَعْناهُ لَمْ يَشُكَّ في إيمانِهِ. وقِيلَ: ثُمَّ اسْتَقامَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والَّذِي تَقْوى في مَعْنى ﴿ثُمَّ اهْتَدى﴾ أنْ يَكُونَ ثُمَّ حَفِظَ مُعْتَقَداتِهِ مِن أنْ يُخالِفَ الحَقَّ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، فَإنَّ الِاهْتِداءَ عَلى هَذا الوَجْهِ غَيْرُ الإيمانِ وغَيْرُ العَمَلِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الِاهْتِداءُ هو الِاسْتِقامَةُ والثَّباتُ عَلى الهُدى المَذْكُورِ وهو التَّوْبَةُ والإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ، ونَحْوُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] وكَلِمَةُ التَّراخِي دَلَّتْ عَلى تَبايُنِ المَنزِلَتَيْنِ دَلالَتَها عَلى تَبايُنِ الوَقْتَيْنِ في جاءَنِي زَيْدٌ ثُمَّ عُمَرُ، وأعْنِي أنَّ مَنزِلَةَ الِاسْتِقامَةِ عَلى الخَبَرِ مُبايِنَةٌ لِمَنزِلَةِ الخَبَرِ نَفْسِهِ لِأنَّها أعْلى مِنهُ وأفْضَلُ.

طه 20:83

﴿وما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يامُوسى﴾ ﴿قالَ هم أُولاءِ عَلى أثَرِي وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ ﴿قالَ فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ ﴿فَرَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا قالَ ياقَوْمِ ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكم فَأخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ ﴿قالُوا ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا ولَكِنّا حُمِّلْنا أوْزارًا مِن زِينَةِ القَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذَلِكَ ألْقى السّامِرِيُّ﴾ ﴿فَأخْرَجَ لَهم عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى فَنَسِيَ﴾ ﴿أفَلا يَرَوْنَ ألّا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا ولا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ [طه: ٨٩] . لَمّا نَهَضَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِبَنِي إسْرائِيلَ إلى جانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ حَيْثُ كانَ المَوْعِدُ أنْ يُكَلِّمَ اللَّهُ مُوسى بِما فِيهِ شَرَفُ العاجِلِ والآجِلِ، رَأى عَلى وجْهِ الِاجْتِهادِ أنْ يُقْدِمَ وحْدَهُ مُبادِرًا إلى أمْرِ اللَّهِ وحِرْصًا عَلى القُرْبِ مِنهُ وشَوْقًا إلى مُناجاتِهِ، واسْتَخْلَفَ هارُونَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ وقالَ لَهم مُوسى: تَسِيرُونَ إلى جانِبِ الطُّورِ فَلَمّا (p-٢٦٧)انْتَهى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وناجى رَبَّهُ، زادَهُ في الأجَلِ عَشْرًا وحِينَئِذٍ وقَفَهُ عَلى اسْتِعْجالِهِ دُونَ القَوْمِ لِيُخْبِرَهُ مُوسى أنَّهم عَلى الأثَرِ فَيَقَعُ الإعْلامُ لَهُ بِما صَنَعُوا (وما) اسْتِفْهامٌ أيْ أيُّ شَيْءٍ عَجَّلَ بِكَ عَنْهم ؟ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكانَ قَدْ مَضى مَعَ النُّقَباءِ إلى الطُّورِ عَلى المَوْعِدِ المَضْرُوبِ ثُمَّ تَقَدَّمَهم شَوْقًا إلى كَلامِ رَبِّهِ ويُنْجِزُ ما وعَدَ بِهِ بِناءً عَلى اجْتِهادِهِ، وظَنَّ أنَّ ذَلِكَ أقْرَبُ إلى رِضا اللَّهِ، وزالَ عَنْهُ أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ ما وقَّتَ أفْعالَهُ إلّا نَظَرًا إلى دَواعِي الحِكْمَةِ وعِلْمًا بِالمَصالِحِ المُتَعَلِّقَةِ بِكُلِّ وقْتٍ، فالمُرادُ بِالقَوْمِ النُّقَباءُ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿عَنْ قَوْمِكَ﴾ يُرِيدُ بِهِ جَمِيعَ بَنِي إسْرائِيلَ كَما قَدْ بَيَّنّا قَبْلُ لا السَبْعِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَيْسَ يَقُولُ مَن جَوَّزَ أنْ يُرادَ جَمِيعُ قَوْمِهِ وأنْ يَكُونَ قَدْ فارَقَهم قَبْلَ المِيعادِ وجْهٌ صَحِيحٌ ما يَأْباهُ قَوْلُهُ ﴿هم أُولاءِ عَلى أثَرِي﴾ . انْتَهى. ﴿وما أعْجَلَكَ﴾ سُؤالٌ عَنْ سَبَبِ العَجَلَةِ وأجابَ بِقَوْلِهِ ﴿هم أُولاءِ عَلى أثَرِي وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿وما أعْجَلَكَ﴾ تَضَمَّنَ تَأخُّرَ قَوْمِهِ عَنْهُ، فَأجابَ مُشِيرًا إلَيْهِمْ لِقُرْبِهِمْ مِنهُ إنَّهم عَلى أثَرِهِ جائِينَ لِلْمَوْعِدِ، وذَلِكَ عَلى ما كانَ عَهِدَ إلَيْهِمْ أنْ يَجِيئُوا لِلْمَوْعِدِ. ثُمَّ ذَكَرَ السَّبَبَ الَّذِي حَمَلَهُ عَلى العَجَلَةِ وهو ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ﴿وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِ لِتَرْضى﴾ مِن طَلَبِهِ رِضا اللَّهِ تَعالى في السَّبْقِ إلى ما وعَدَهُ رَبُّهُ ومَعْنى ﴿إلَيْكَ﴾ إلى مَكانِ وعْدِكَ و﴿لِتَرْضى﴾ أيْ لِيَدُومَ رِضاكَ ويَسْتَمِرَّ، لِأنَّهُ تَعالى كانَ عَنْهُ راضِيًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتُ: ﴿وما أعْجَلَكَ﴾ سُؤالٌ عَنْ سَبَبِ العَجَلَةِ، فَكانَ الَّذِي يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ مِنَ الجَوابِ أنْ يُقالَ: طَلَبَ زِيادَةَ رِضاكَ والشَّوْقِ إلى كَلامِكَ ويُنْجِزُ مَوْعِدَكَ وقَوْلُهُ ﴿هم أُولاءِ عَلى أثَرِي﴾ كَما تَرى غَيْرُ مُنْطَبِقٍ عَلَيْهِ. قُلْتُ: قَدْ تَضَمَّنَ ما واجَهَهُ بِهِ رَبُّ العِزَّةِ شَيْئَيْنِ أحَدُهُما إنْكارُ العَجَلَةِ في نَفْسِها، والثّانِي السُّؤالُ عَنْ سَبَبِ المُسْتَنْكَرِ والحامِلِ عَلَيْهِ، فَكانَ أهَمُّ الأمْرَيْنِ إلى مُوسى بَسْطَ العُذْرِ وتَمْهِيدَ العِلَّةِ في نَفْسِ ما أنْكَرَ عَلَيْهِ، فاعْتَلَّ بِأنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنِّي إلّا تَقَدُّمٌ يَسِيرٌ مِثْلُهُ لا يُعْتَدُّ بِهِ في العادَةِ ولا يُحْتَفَلُ بِهِ، ولَيْسَ بَيْنِي وبَيْنَ مَن سَبَقْتُهُ إلّا مَسافَةٌ قَرِيبَةٌ يَتَقَدَّمُ بِمِثْلِها الوَفْدُ رَأسُهم ومُقَدَّمُهم، ثُمَّ عَقَّبَهُ بِجَوابِ السُّؤالِ عَنِ السَّبَبِ فَقالَ ﴿وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: حارَ لِما ورَدَ عَلَيْهِ مِنَ التَّهَيُّبِ لِعِتابِ اللَّهِ فَأذْهَلَهُ ذَلِكَ عَنِ الجَوابِ المُنْطَبِقِ المُتَرَتِّبِ عَلى حُدُودِ الكَلامِ. انْتَهى. وفِيهِ سُوءُ أدَبٍ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ مُعاذٍ عَنْ أبِيهِ أُولائِي بِياءٍ مَكْسُورَةٍ وابْنُ وثّابٍ وعِيسى في رِوايَةٍ ﴿أُولاءِ﴾ بِالقَصْرِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ أُولايَ بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ. وقَرَأ عِيسى ويَعْقُوبُ وعَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو وزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ إثْرِي بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ. وحَكى الكِسائِيُّ أُثْرِي بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ وتُرْوى عَنْ عِيسى. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أُولاءِ﴾ بِالمَدِّ والهَمْزِ عَلى ﴿أثَرِي﴾ بِفَتْحِ الهَمْزِ والثّاءِ و﴿عَلى أثَرِي﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ. قالَ: ﴿فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ أيِ اخْتَبَرْناهم بِما فَعَلَ السّامِرِيُّ أوْ ألْقَيْناهم في فِتْنَةٍ أيْ مَيْلٍ مَعَ الشَّهَواتِ ووُقُوعٍ في اخْتِلافٍ ﴿مِن بَعْدِكَ﴾ أيْ مِن بَعْدِ فِراقِكَ لَهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أرادَ بِالقَوْمِ المَفْتُونِينَ الَّذِينَ خَلَّفَهم مَعَ هارُونَ، وكانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ ما نَجا مِن عِبادَةِ العِجْلِ إلّا اثْنا عَشَرَ ألْفًا فَإنْ قُلْتَ: في القِصَّةِ أنَّهم أقامُوا بَعْدَ مُفارَقَتِهِ عِشْرِينَ لَيْلَةً وحَسَبُوا أرْبَعِينَ مَعَ أيّامِها، وقالُوا قَدْ أكْمَلْنا العِدَّةَ ثُمَّ كانَ أمْرُ العِجْلِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَكَيْفَ التَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذا وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى لِمُوسى عِنْدَ مَقْدَمِهِ ﴿فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ﴾ ؟ قُلْتُ: قَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنِ الفِتْنَةِ المُتَرَقِّبَةِ بِلَفْظِ المَوْجُودَةِ الكائِنَةِ عَلى عادَتِهِ، وافْتَرَضَ السّامِرِيُّ غَيْبَتَهُ فَعَزَمَ عَلى إضْلالِهِمْ غَبَّ انْطِلاقِهِ. وأخَذَ في تَدْبِيرِ ذَلِكَ فَكانَ بَدْءُ الفِتْنَةِ مَوْجُودًا. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وأضَلَّهُمْ﴾ فِعْلًا ماضِيًا. وقَرَأ أبُو مُعاذٍ وفِرْقَةٌ وأضَلُّهم بِرَفْعِ اللّامِ مُبْتَدَأٌ والسّامِرِيُّ خَبَرُهُ وكانَ أشَدَّهم ضَلالًا لِأنَّهُ ضالٌّ في نَفْسِهِ مُضِلٌّ غَيْرَهُ. وفي (p-٢٦٨)القِراءَةِ الشُّهْرى أسْنَدَ الضَّلالَ إلى السّامِرِيِّ لِأنَّهُ كانَ السَّبَبَ في ضَلالِهِمْ، وأسْنَدَ الفِتْنَةَ إلَيْهِ تَعالى لِأنَّهُ هو الَّذِي خَلَقَها في قُلُوبِهِمْ. و(السّامِرِيُّ) قِيلَ اسْمُهُ مُوسى بْنُ ظُفَرَ. وقِيلَ: مَنجا وهو ابْنُ خالَةِ مُوسى أوِ ابْنُ عَمِّهِ أوْ عَظِيمٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِن قَبِيلَةٍ تُعْرَفُ بِالسّامِرَةِ، أوْ عِلْجٌ مِن كِرْمانَ، أوْ مِن باجِرْما أوْ مِنَ اليَهُودِ أوْ مِنَ القِبْطِ آمَنَ بِمُوسى وخَرَجَ مَعَهُ، وكانَ جارَهُ أوْ مِن عُبّادِ البَقَرِ وقَعَ في مِصْرَ فَدَخَلَ في بَنِي اسْرائِيلَ بِظاهِرِهِ وفي قَلْبِهِ عِبادَةُ البَقَرِ أقْوالٌ وتَقُومُ في الأعْرافِ كَيْفِيَّةُ اتِّخاذِ العِجْلِ وقَبْلَ ذَلِكَ في البَقَرَةِ فَأغْنى عَنْ إعادَتِها هُنا.

طه 20:84

﴿وما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يامُوسى﴾ ﴿قالَ هم أُولاءِ عَلى أثَرِي وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ ﴿قالَ فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ ﴿فَرَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا قالَ ياقَوْمِ ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكم فَأخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ ﴿قالُوا ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا ولَكِنّا حُمِّلْنا أوْزارًا مِن زِينَةِ القَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذَلِكَ ألْقى السّامِرِيُّ﴾ ﴿فَأخْرَجَ لَهم عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى فَنَسِيَ﴾ ﴿أفَلا يَرَوْنَ ألّا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا ولا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ [طه: ٨٩] . لَمّا نَهَضَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِبَنِي إسْرائِيلَ إلى جانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ حَيْثُ كانَ المَوْعِدُ أنْ يُكَلِّمَ اللَّهُ مُوسى بِما فِيهِ شَرَفُ العاجِلِ والآجِلِ، رَأى عَلى وجْهِ الِاجْتِهادِ أنْ يُقْدِمَ وحْدَهُ مُبادِرًا إلى أمْرِ اللَّهِ وحِرْصًا عَلى القُرْبِ مِنهُ وشَوْقًا إلى مُناجاتِهِ، واسْتَخْلَفَ هارُونَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ وقالَ لَهم مُوسى: تَسِيرُونَ إلى جانِبِ الطُّورِ فَلَمّا (p-٢٦٧)انْتَهى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وناجى رَبَّهُ، زادَهُ في الأجَلِ عَشْرًا وحِينَئِذٍ وقَفَهُ عَلى اسْتِعْجالِهِ دُونَ القَوْمِ لِيُخْبِرَهُ مُوسى أنَّهم عَلى الأثَرِ فَيَقَعُ الإعْلامُ لَهُ بِما صَنَعُوا (وما) اسْتِفْهامٌ أيْ أيُّ شَيْءٍ عَجَّلَ بِكَ عَنْهم ؟ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكانَ قَدْ مَضى مَعَ النُّقَباءِ إلى الطُّورِ عَلى المَوْعِدِ المَضْرُوبِ ثُمَّ تَقَدَّمَهم شَوْقًا إلى كَلامِ رَبِّهِ ويُنْجِزُ ما وعَدَ بِهِ بِناءً عَلى اجْتِهادِهِ، وظَنَّ أنَّ ذَلِكَ أقْرَبُ إلى رِضا اللَّهِ، وزالَ عَنْهُ أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ ما وقَّتَ أفْعالَهُ إلّا نَظَرًا إلى دَواعِي الحِكْمَةِ وعِلْمًا بِالمَصالِحِ المُتَعَلِّقَةِ بِكُلِّ وقْتٍ، فالمُرادُ بِالقَوْمِ النُّقَباءُ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿عَنْ قَوْمِكَ﴾ يُرِيدُ بِهِ جَمِيعَ بَنِي إسْرائِيلَ كَما قَدْ بَيَّنّا قَبْلُ لا السَبْعِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَيْسَ يَقُولُ مَن جَوَّزَ أنْ يُرادَ جَمِيعُ قَوْمِهِ وأنْ يَكُونَ قَدْ فارَقَهم قَبْلَ المِيعادِ وجْهٌ صَحِيحٌ ما يَأْباهُ قَوْلُهُ ﴿هم أُولاءِ عَلى أثَرِي﴾ . انْتَهى. ﴿وما أعْجَلَكَ﴾ سُؤالٌ عَنْ سَبَبِ العَجَلَةِ وأجابَ بِقَوْلِهِ ﴿هم أُولاءِ عَلى أثَرِي وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿وما أعْجَلَكَ﴾ تَضَمَّنَ تَأخُّرَ قَوْمِهِ عَنْهُ، فَأجابَ مُشِيرًا إلَيْهِمْ لِقُرْبِهِمْ مِنهُ إنَّهم عَلى أثَرِهِ جائِينَ لِلْمَوْعِدِ، وذَلِكَ عَلى ما كانَ عَهِدَ إلَيْهِمْ أنْ يَجِيئُوا لِلْمَوْعِدِ. ثُمَّ ذَكَرَ السَّبَبَ الَّذِي حَمَلَهُ عَلى العَجَلَةِ وهو ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ﴿وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِ لِتَرْضى﴾ مِن طَلَبِهِ رِضا اللَّهِ تَعالى في السَّبْقِ إلى ما وعَدَهُ رَبُّهُ ومَعْنى ﴿إلَيْكَ﴾ إلى مَكانِ وعْدِكَ و﴿لِتَرْضى﴾ أيْ لِيَدُومَ رِضاكَ ويَسْتَمِرَّ، لِأنَّهُ تَعالى كانَ عَنْهُ راضِيًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتُ: ﴿وما أعْجَلَكَ﴾ سُؤالٌ عَنْ سَبَبِ العَجَلَةِ، فَكانَ الَّذِي يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ مِنَ الجَوابِ أنْ يُقالَ: طَلَبَ زِيادَةَ رِضاكَ والشَّوْقِ إلى كَلامِكَ ويُنْجِزُ مَوْعِدَكَ وقَوْلُهُ ﴿هم أُولاءِ عَلى أثَرِي﴾ كَما تَرى غَيْرُ مُنْطَبِقٍ عَلَيْهِ. قُلْتُ: قَدْ تَضَمَّنَ ما واجَهَهُ بِهِ رَبُّ العِزَّةِ شَيْئَيْنِ أحَدُهُما إنْكارُ العَجَلَةِ في نَفْسِها، والثّانِي السُّؤالُ عَنْ سَبَبِ المُسْتَنْكَرِ والحامِلِ عَلَيْهِ، فَكانَ أهَمُّ الأمْرَيْنِ إلى مُوسى بَسْطَ العُذْرِ وتَمْهِيدَ العِلَّةِ في نَفْسِ ما أنْكَرَ عَلَيْهِ، فاعْتَلَّ بِأنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنِّي إلّا تَقَدُّمٌ يَسِيرٌ مِثْلُهُ لا يُعْتَدُّ بِهِ في العادَةِ ولا يُحْتَفَلُ بِهِ، ولَيْسَ بَيْنِي وبَيْنَ مَن سَبَقْتُهُ إلّا مَسافَةٌ قَرِيبَةٌ يَتَقَدَّمُ بِمِثْلِها الوَفْدُ رَأسُهم ومُقَدَّمُهم، ثُمَّ عَقَّبَهُ بِجَوابِ السُّؤالِ عَنِ السَّبَبِ فَقالَ ﴿وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: حارَ لِما ورَدَ عَلَيْهِ مِنَ التَّهَيُّبِ لِعِتابِ اللَّهِ فَأذْهَلَهُ ذَلِكَ عَنِ الجَوابِ المُنْطَبِقِ المُتَرَتِّبِ عَلى حُدُودِ الكَلامِ. انْتَهى. وفِيهِ سُوءُ أدَبٍ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ مُعاذٍ عَنْ أبِيهِ أُولائِي بِياءٍ مَكْسُورَةٍ وابْنُ وثّابٍ وعِيسى في رِوايَةٍ ﴿أُولاءِ﴾ بِالقَصْرِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ أُولايَ بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ. وقَرَأ عِيسى ويَعْقُوبُ وعَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو وزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ إثْرِي بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ. وحَكى الكِسائِيُّ أُثْرِي بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ وتُرْوى عَنْ عِيسى. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أُولاءِ﴾ بِالمَدِّ والهَمْزِ عَلى ﴿أثَرِي﴾ بِفَتْحِ الهَمْزِ والثّاءِ و﴿عَلى أثَرِي﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ. قالَ: ﴿فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ أيِ اخْتَبَرْناهم بِما فَعَلَ السّامِرِيُّ أوْ ألْقَيْناهم في فِتْنَةٍ أيْ مَيْلٍ مَعَ الشَّهَواتِ ووُقُوعٍ في اخْتِلافٍ ﴿مِن بَعْدِكَ﴾ أيْ مِن بَعْدِ فِراقِكَ لَهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أرادَ بِالقَوْمِ المَفْتُونِينَ الَّذِينَ خَلَّفَهم مَعَ هارُونَ، وكانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ ما نَجا مِن عِبادَةِ العِجْلِ إلّا اثْنا عَشَرَ ألْفًا فَإنْ قُلْتَ: في القِصَّةِ أنَّهم أقامُوا بَعْدَ مُفارَقَتِهِ عِشْرِينَ لَيْلَةً وحَسَبُوا أرْبَعِينَ مَعَ أيّامِها، وقالُوا قَدْ أكْمَلْنا العِدَّةَ ثُمَّ كانَ أمْرُ العِجْلِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَكَيْفَ التَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذا وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى لِمُوسى عِنْدَ مَقْدَمِهِ ﴿فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ﴾ ؟ قُلْتُ: قَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنِ الفِتْنَةِ المُتَرَقِّبَةِ بِلَفْظِ المَوْجُودَةِ الكائِنَةِ عَلى عادَتِهِ، وافْتَرَضَ السّامِرِيُّ غَيْبَتَهُ فَعَزَمَ عَلى إضْلالِهِمْ غَبَّ انْطِلاقِهِ. وأخَذَ في تَدْبِيرِ ذَلِكَ فَكانَ بَدْءُ الفِتْنَةِ مَوْجُودًا. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وأضَلَّهُمْ﴾ فِعْلًا ماضِيًا. وقَرَأ أبُو مُعاذٍ وفِرْقَةٌ وأضَلُّهم بِرَفْعِ اللّامِ مُبْتَدَأٌ والسّامِرِيُّ خَبَرُهُ وكانَ أشَدَّهم ضَلالًا لِأنَّهُ ضالٌّ في نَفْسِهِ مُضِلٌّ غَيْرَهُ. وفي (p-٢٦٨)القِراءَةِ الشُّهْرى أسْنَدَ الضَّلالَ إلى السّامِرِيِّ لِأنَّهُ كانَ السَّبَبَ في ضَلالِهِمْ، وأسْنَدَ الفِتْنَةَ إلَيْهِ تَعالى لِأنَّهُ هو الَّذِي خَلَقَها في قُلُوبِهِمْ. و(السّامِرِيُّ) قِيلَ اسْمُهُ مُوسى بْنُ ظُفَرَ. وقِيلَ: مَنجا وهو ابْنُ خالَةِ مُوسى أوِ ابْنُ عَمِّهِ أوْ عَظِيمٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِن قَبِيلَةٍ تُعْرَفُ بِالسّامِرَةِ، أوْ عِلْجٌ مِن كِرْمانَ، أوْ مِن باجِرْما أوْ مِنَ اليَهُودِ أوْ مِنَ القِبْطِ آمَنَ بِمُوسى وخَرَجَ مَعَهُ، وكانَ جارَهُ أوْ مِن عُبّادِ البَقَرِ وقَعَ في مِصْرَ فَدَخَلَ في بَنِي اسْرائِيلَ بِظاهِرِهِ وفي قَلْبِهِ عِبادَةُ البَقَرِ أقْوالٌ وتَقُومُ في الأعْرافِ كَيْفِيَّةُ اتِّخاذِ العِجْلِ وقَبْلَ ذَلِكَ في البَقَرَةِ فَأغْنى عَنْ إعادَتِها هُنا.

طه 20:85

﴿وما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يامُوسى﴾ ﴿قالَ هم أُولاءِ عَلى أثَرِي وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ ﴿قالَ فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ ﴿فَرَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا قالَ ياقَوْمِ ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكم فَأخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ ﴿قالُوا ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا ولَكِنّا حُمِّلْنا أوْزارًا مِن زِينَةِ القَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذَلِكَ ألْقى السّامِرِيُّ﴾ ﴿فَأخْرَجَ لَهم عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى فَنَسِيَ﴾ ﴿أفَلا يَرَوْنَ ألّا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا ولا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ [طه: ٨٩] . لَمّا نَهَضَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِبَنِي إسْرائِيلَ إلى جانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ حَيْثُ كانَ المَوْعِدُ أنْ يُكَلِّمَ اللَّهُ مُوسى بِما فِيهِ شَرَفُ العاجِلِ والآجِلِ، رَأى عَلى وجْهِ الِاجْتِهادِ أنْ يُقْدِمَ وحْدَهُ مُبادِرًا إلى أمْرِ اللَّهِ وحِرْصًا عَلى القُرْبِ مِنهُ وشَوْقًا إلى مُناجاتِهِ، واسْتَخْلَفَ هارُونَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ وقالَ لَهم مُوسى: تَسِيرُونَ إلى جانِبِ الطُّورِ فَلَمّا (p-٢٦٧)انْتَهى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وناجى رَبَّهُ، زادَهُ في الأجَلِ عَشْرًا وحِينَئِذٍ وقَفَهُ عَلى اسْتِعْجالِهِ دُونَ القَوْمِ لِيُخْبِرَهُ مُوسى أنَّهم عَلى الأثَرِ فَيَقَعُ الإعْلامُ لَهُ بِما صَنَعُوا (وما) اسْتِفْهامٌ أيْ أيُّ شَيْءٍ عَجَّلَ بِكَ عَنْهم ؟ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكانَ قَدْ مَضى مَعَ النُّقَباءِ إلى الطُّورِ عَلى المَوْعِدِ المَضْرُوبِ ثُمَّ تَقَدَّمَهم شَوْقًا إلى كَلامِ رَبِّهِ ويُنْجِزُ ما وعَدَ بِهِ بِناءً عَلى اجْتِهادِهِ، وظَنَّ أنَّ ذَلِكَ أقْرَبُ إلى رِضا اللَّهِ، وزالَ عَنْهُ أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ ما وقَّتَ أفْعالَهُ إلّا نَظَرًا إلى دَواعِي الحِكْمَةِ وعِلْمًا بِالمَصالِحِ المُتَعَلِّقَةِ بِكُلِّ وقْتٍ، فالمُرادُ بِالقَوْمِ النُّقَباءُ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿عَنْ قَوْمِكَ﴾ يُرِيدُ بِهِ جَمِيعَ بَنِي إسْرائِيلَ كَما قَدْ بَيَّنّا قَبْلُ لا السَبْعِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَيْسَ يَقُولُ مَن جَوَّزَ أنْ يُرادَ جَمِيعُ قَوْمِهِ وأنْ يَكُونَ قَدْ فارَقَهم قَبْلَ المِيعادِ وجْهٌ صَحِيحٌ ما يَأْباهُ قَوْلُهُ ﴿هم أُولاءِ عَلى أثَرِي﴾ . انْتَهى. ﴿وما أعْجَلَكَ﴾ سُؤالٌ عَنْ سَبَبِ العَجَلَةِ وأجابَ بِقَوْلِهِ ﴿هم أُولاءِ عَلى أثَرِي وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿وما أعْجَلَكَ﴾ تَضَمَّنَ تَأخُّرَ قَوْمِهِ عَنْهُ، فَأجابَ مُشِيرًا إلَيْهِمْ لِقُرْبِهِمْ مِنهُ إنَّهم عَلى أثَرِهِ جائِينَ لِلْمَوْعِدِ، وذَلِكَ عَلى ما كانَ عَهِدَ إلَيْهِمْ أنْ يَجِيئُوا لِلْمَوْعِدِ. ثُمَّ ذَكَرَ السَّبَبَ الَّذِي حَمَلَهُ عَلى العَجَلَةِ وهو ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ﴿وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِ لِتَرْضى﴾ مِن طَلَبِهِ رِضا اللَّهِ تَعالى في السَّبْقِ إلى ما وعَدَهُ رَبُّهُ ومَعْنى ﴿إلَيْكَ﴾ إلى مَكانِ وعْدِكَ و﴿لِتَرْضى﴾ أيْ لِيَدُومَ رِضاكَ ويَسْتَمِرَّ، لِأنَّهُ تَعالى كانَ عَنْهُ راضِيًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتُ: ﴿وما أعْجَلَكَ﴾ سُؤالٌ عَنْ سَبَبِ العَجَلَةِ، فَكانَ الَّذِي يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ مِنَ الجَوابِ أنْ يُقالَ: طَلَبَ زِيادَةَ رِضاكَ والشَّوْقِ إلى كَلامِكَ ويُنْجِزُ مَوْعِدَكَ وقَوْلُهُ ﴿هم أُولاءِ عَلى أثَرِي﴾ كَما تَرى غَيْرُ مُنْطَبِقٍ عَلَيْهِ. قُلْتُ: قَدْ تَضَمَّنَ ما واجَهَهُ بِهِ رَبُّ العِزَّةِ شَيْئَيْنِ أحَدُهُما إنْكارُ العَجَلَةِ في نَفْسِها، والثّانِي السُّؤالُ عَنْ سَبَبِ المُسْتَنْكَرِ والحامِلِ عَلَيْهِ، فَكانَ أهَمُّ الأمْرَيْنِ إلى مُوسى بَسْطَ العُذْرِ وتَمْهِيدَ العِلَّةِ في نَفْسِ ما أنْكَرَ عَلَيْهِ، فاعْتَلَّ بِأنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنِّي إلّا تَقَدُّمٌ يَسِيرٌ مِثْلُهُ لا يُعْتَدُّ بِهِ في العادَةِ ولا يُحْتَفَلُ بِهِ، ولَيْسَ بَيْنِي وبَيْنَ مَن سَبَقْتُهُ إلّا مَسافَةٌ قَرِيبَةٌ يَتَقَدَّمُ بِمِثْلِها الوَفْدُ رَأسُهم ومُقَدَّمُهم، ثُمَّ عَقَّبَهُ بِجَوابِ السُّؤالِ عَنِ السَّبَبِ فَقالَ ﴿وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: حارَ لِما ورَدَ عَلَيْهِ مِنَ التَّهَيُّبِ لِعِتابِ اللَّهِ فَأذْهَلَهُ ذَلِكَ عَنِ الجَوابِ المُنْطَبِقِ المُتَرَتِّبِ عَلى حُدُودِ الكَلامِ. انْتَهى. وفِيهِ سُوءُ أدَبٍ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ مُعاذٍ عَنْ أبِيهِ أُولائِي بِياءٍ مَكْسُورَةٍ وابْنُ وثّابٍ وعِيسى في رِوايَةٍ ﴿أُولاءِ﴾ بِالقَصْرِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ أُولايَ بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ. وقَرَأ عِيسى ويَعْقُوبُ وعَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو وزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ إثْرِي بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ. وحَكى الكِسائِيُّ أُثْرِي بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ وتُرْوى عَنْ عِيسى. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أُولاءِ﴾ بِالمَدِّ والهَمْزِ عَلى ﴿أثَرِي﴾ بِفَتْحِ الهَمْزِ والثّاءِ و﴿عَلى أثَرِي﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ. قالَ: ﴿فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ أيِ اخْتَبَرْناهم بِما فَعَلَ السّامِرِيُّ أوْ ألْقَيْناهم في فِتْنَةٍ أيْ مَيْلٍ مَعَ الشَّهَواتِ ووُقُوعٍ في اخْتِلافٍ ﴿مِن بَعْدِكَ﴾ أيْ مِن بَعْدِ فِراقِكَ لَهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أرادَ بِالقَوْمِ المَفْتُونِينَ الَّذِينَ خَلَّفَهم مَعَ هارُونَ، وكانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ ما نَجا مِن عِبادَةِ العِجْلِ إلّا اثْنا عَشَرَ ألْفًا فَإنْ قُلْتَ: في القِصَّةِ أنَّهم أقامُوا بَعْدَ مُفارَقَتِهِ عِشْرِينَ لَيْلَةً وحَسَبُوا أرْبَعِينَ مَعَ أيّامِها، وقالُوا قَدْ أكْمَلْنا العِدَّةَ ثُمَّ كانَ أمْرُ العِجْلِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَكَيْفَ التَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذا وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى لِمُوسى عِنْدَ مَقْدَمِهِ ﴿فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ﴾ ؟ قُلْتُ: قَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنِ الفِتْنَةِ المُتَرَقِّبَةِ بِلَفْظِ المَوْجُودَةِ الكائِنَةِ عَلى عادَتِهِ، وافْتَرَضَ السّامِرِيُّ غَيْبَتَهُ فَعَزَمَ عَلى إضْلالِهِمْ غَبَّ انْطِلاقِهِ. وأخَذَ في تَدْبِيرِ ذَلِكَ فَكانَ بَدْءُ الفِتْنَةِ مَوْجُودًا. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وأضَلَّهُمْ﴾ فِعْلًا ماضِيًا. وقَرَأ أبُو مُعاذٍ وفِرْقَةٌ وأضَلُّهم بِرَفْعِ اللّامِ مُبْتَدَأٌ والسّامِرِيُّ خَبَرُهُ وكانَ أشَدَّهم ضَلالًا لِأنَّهُ ضالٌّ في نَفْسِهِ مُضِلٌّ غَيْرَهُ. وفي (p-٢٦٨)القِراءَةِ الشُّهْرى أسْنَدَ الضَّلالَ إلى السّامِرِيِّ لِأنَّهُ كانَ السَّبَبَ في ضَلالِهِمْ، وأسْنَدَ الفِتْنَةَ إلَيْهِ تَعالى لِأنَّهُ هو الَّذِي خَلَقَها في قُلُوبِهِمْ. و(السّامِرِيُّ) قِيلَ اسْمُهُ مُوسى بْنُ ظُفَرَ. وقِيلَ: مَنجا وهو ابْنُ خالَةِ مُوسى أوِ ابْنُ عَمِّهِ أوْ عَظِيمٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِن قَبِيلَةٍ تُعْرَفُ بِالسّامِرَةِ، أوْ عِلْجٌ مِن كِرْمانَ، أوْ مِن باجِرْما أوْ مِنَ اليَهُودِ أوْ مِنَ القِبْطِ آمَنَ بِمُوسى وخَرَجَ مَعَهُ، وكانَ جارَهُ أوْ مِن عُبّادِ البَقَرِ وقَعَ في مِصْرَ فَدَخَلَ في بَنِي اسْرائِيلَ بِظاهِرِهِ وفي قَلْبِهِ عِبادَةُ البَقَرِ أقْوالٌ وتَقُومُ في الأعْرافِ كَيْفِيَّةُ اتِّخاذِ العِجْلِ وقَبْلَ ذَلِكَ في البَقَرَةِ فَأغْنى عَنْ إعادَتِها هُنا.

طه 20:86

﴿وما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يامُوسى﴾ ﴿قالَ هم أُولاءِ عَلى أثَرِي وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ ﴿قالَ فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ ﴿فَرَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا قالَ ياقَوْمِ ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكم فَأخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ ﴿قالُوا ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا ولَكِنّا حُمِّلْنا أوْزارًا مِن زِينَةِ القَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذَلِكَ ألْقى السّامِرِيُّ﴾ ﴿فَأخْرَجَ لَهم عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى فَنَسِيَ﴾ ﴿أفَلا يَرَوْنَ ألّا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا ولا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ [طه: ٨٩] . لَمّا نَهَضَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِبَنِي إسْرائِيلَ إلى جانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ حَيْثُ كانَ المَوْعِدُ أنْ يُكَلِّمَ اللَّهُ مُوسى بِما فِيهِ شَرَفُ العاجِلِ والآجِلِ، رَأى عَلى وجْهِ الِاجْتِهادِ أنْ يُقْدِمَ وحْدَهُ مُبادِرًا إلى أمْرِ اللَّهِ وحِرْصًا عَلى القُرْبِ مِنهُ وشَوْقًا إلى مُناجاتِهِ، واسْتَخْلَفَ هارُونَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ وقالَ لَهم مُوسى: تَسِيرُونَ إلى جانِبِ الطُّورِ فَلَمّا (p-٢٦٧)انْتَهى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وناجى رَبَّهُ، زادَهُ في الأجَلِ عَشْرًا وحِينَئِذٍ وقَفَهُ عَلى اسْتِعْجالِهِ دُونَ القَوْمِ لِيُخْبِرَهُ مُوسى أنَّهم عَلى الأثَرِ فَيَقَعُ الإعْلامُ لَهُ بِما صَنَعُوا (وما) اسْتِفْهامٌ أيْ أيُّ شَيْءٍ عَجَّلَ بِكَ عَنْهم ؟ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكانَ قَدْ مَضى مَعَ النُّقَباءِ إلى الطُّورِ عَلى المَوْعِدِ المَضْرُوبِ ثُمَّ تَقَدَّمَهم شَوْقًا إلى كَلامِ رَبِّهِ ويُنْجِزُ ما وعَدَ بِهِ بِناءً عَلى اجْتِهادِهِ، وظَنَّ أنَّ ذَلِكَ أقْرَبُ إلى رِضا اللَّهِ، وزالَ عَنْهُ أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ ما وقَّتَ أفْعالَهُ إلّا نَظَرًا إلى دَواعِي الحِكْمَةِ وعِلْمًا بِالمَصالِحِ المُتَعَلِّقَةِ بِكُلِّ وقْتٍ، فالمُرادُ بِالقَوْمِ النُّقَباءُ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿عَنْ قَوْمِكَ﴾ يُرِيدُ بِهِ جَمِيعَ بَنِي إسْرائِيلَ كَما قَدْ بَيَّنّا قَبْلُ لا السَبْعِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَيْسَ يَقُولُ مَن جَوَّزَ أنْ يُرادَ جَمِيعُ قَوْمِهِ وأنْ يَكُونَ قَدْ فارَقَهم قَبْلَ المِيعادِ وجْهٌ صَحِيحٌ ما يَأْباهُ قَوْلُهُ ﴿هم أُولاءِ عَلى أثَرِي﴾ . انْتَهى. ﴿وما أعْجَلَكَ﴾ سُؤالٌ عَنْ سَبَبِ العَجَلَةِ وأجابَ بِقَوْلِهِ ﴿هم أُولاءِ عَلى أثَرِي وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿وما أعْجَلَكَ﴾ تَضَمَّنَ تَأخُّرَ قَوْمِهِ عَنْهُ، فَأجابَ مُشِيرًا إلَيْهِمْ لِقُرْبِهِمْ مِنهُ إنَّهم عَلى أثَرِهِ جائِينَ لِلْمَوْعِدِ، وذَلِكَ عَلى ما كانَ عَهِدَ إلَيْهِمْ أنْ يَجِيئُوا لِلْمَوْعِدِ. ثُمَّ ذَكَرَ السَّبَبَ الَّذِي حَمَلَهُ عَلى العَجَلَةِ وهو ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ﴿وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِ لِتَرْضى﴾ مِن طَلَبِهِ رِضا اللَّهِ تَعالى في السَّبْقِ إلى ما وعَدَهُ رَبُّهُ ومَعْنى ﴿إلَيْكَ﴾ إلى مَكانِ وعْدِكَ و﴿لِتَرْضى﴾ أيْ لِيَدُومَ رِضاكَ ويَسْتَمِرَّ، لِأنَّهُ تَعالى كانَ عَنْهُ راضِيًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتُ: ﴿وما أعْجَلَكَ﴾ سُؤالٌ عَنْ سَبَبِ العَجَلَةِ، فَكانَ الَّذِي يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ مِنَ الجَوابِ أنْ يُقالَ: طَلَبَ زِيادَةَ رِضاكَ والشَّوْقِ إلى كَلامِكَ ويُنْجِزُ مَوْعِدَكَ وقَوْلُهُ ﴿هم أُولاءِ عَلى أثَرِي﴾ كَما تَرى غَيْرُ مُنْطَبِقٍ عَلَيْهِ. قُلْتُ: قَدْ تَضَمَّنَ ما واجَهَهُ بِهِ رَبُّ العِزَّةِ شَيْئَيْنِ أحَدُهُما إنْكارُ العَجَلَةِ في نَفْسِها، والثّانِي السُّؤالُ عَنْ سَبَبِ المُسْتَنْكَرِ والحامِلِ عَلَيْهِ، فَكانَ أهَمُّ الأمْرَيْنِ إلى مُوسى بَسْطَ العُذْرِ وتَمْهِيدَ العِلَّةِ في نَفْسِ ما أنْكَرَ عَلَيْهِ، فاعْتَلَّ بِأنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنِّي إلّا تَقَدُّمٌ يَسِيرٌ مِثْلُهُ لا يُعْتَدُّ بِهِ في العادَةِ ولا يُحْتَفَلُ بِهِ، ولَيْسَ بَيْنِي وبَيْنَ مَن سَبَقْتُهُ إلّا مَسافَةٌ قَرِيبَةٌ يَتَقَدَّمُ بِمِثْلِها الوَفْدُ رَأسُهم ومُقَدَّمُهم، ثُمَّ عَقَّبَهُ بِجَوابِ السُّؤالِ عَنِ السَّبَبِ فَقالَ ﴿وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: حارَ لِما ورَدَ عَلَيْهِ مِنَ التَّهَيُّبِ لِعِتابِ اللَّهِ فَأذْهَلَهُ ذَلِكَ عَنِ الجَوابِ المُنْطَبِقِ المُتَرَتِّبِ عَلى حُدُودِ الكَلامِ. انْتَهى. وفِيهِ سُوءُ أدَبٍ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ مُعاذٍ عَنْ أبِيهِ أُولائِي بِياءٍ مَكْسُورَةٍ وابْنُ وثّابٍ وعِيسى في رِوايَةٍ ﴿أُولاءِ﴾ بِالقَصْرِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ أُولايَ بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ. وقَرَأ عِيسى ويَعْقُوبُ وعَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو وزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ إثْرِي بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ. وحَكى الكِسائِيُّ أُثْرِي بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ وتُرْوى عَنْ عِيسى. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أُولاءِ﴾ بِالمَدِّ والهَمْزِ عَلى ﴿أثَرِي﴾ بِفَتْحِ الهَمْزِ والثّاءِ و﴿عَلى أثَرِي﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ. قالَ: ﴿فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ أيِ اخْتَبَرْناهم بِما فَعَلَ السّامِرِيُّ أوْ ألْقَيْناهم في فِتْنَةٍ أيْ مَيْلٍ مَعَ الشَّهَواتِ ووُقُوعٍ في اخْتِلافٍ ﴿مِن بَعْدِكَ﴾ أيْ مِن بَعْدِ فِراقِكَ لَهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أرادَ بِالقَوْمِ المَفْتُونِينَ الَّذِينَ خَلَّفَهم مَعَ هارُونَ، وكانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ ما نَجا مِن عِبادَةِ العِجْلِ إلّا اثْنا عَشَرَ ألْفًا فَإنْ قُلْتَ: في القِصَّةِ أنَّهم أقامُوا بَعْدَ مُفارَقَتِهِ عِشْرِينَ لَيْلَةً وحَسَبُوا أرْبَعِينَ مَعَ أيّامِها، وقالُوا قَدْ أكْمَلْنا العِدَّةَ ثُمَّ كانَ أمْرُ العِجْلِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَكَيْفَ التَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذا وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى لِمُوسى عِنْدَ مَقْدَمِهِ ﴿فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ﴾ ؟ قُلْتُ: قَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنِ الفِتْنَةِ المُتَرَقِّبَةِ بِلَفْظِ المَوْجُودَةِ الكائِنَةِ عَلى عادَتِهِ، وافْتَرَضَ السّامِرِيُّ غَيْبَتَهُ فَعَزَمَ عَلى إضْلالِهِمْ غَبَّ انْطِلاقِهِ. وأخَذَ في تَدْبِيرِ ذَلِكَ فَكانَ بَدْءُ الفِتْنَةِ مَوْجُودًا. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وأضَلَّهُمْ﴾ فِعْلًا ماضِيًا. وقَرَأ أبُو مُعاذٍ وفِرْقَةٌ وأضَلُّهم بِرَفْعِ اللّامِ مُبْتَدَأٌ والسّامِرِيُّ خَبَرُهُ وكانَ أشَدَّهم ضَلالًا لِأنَّهُ ضالٌّ في نَفْسِهِ مُضِلٌّ غَيْرَهُ. وفي (p-٢٦٨)القِراءَةِ الشُّهْرى أسْنَدَ الضَّلالَ إلى السّامِرِيِّ لِأنَّهُ كانَ السَّبَبَ في ضَلالِهِمْ، وأسْنَدَ الفِتْنَةَ إلَيْهِ تَعالى لِأنَّهُ هو الَّذِي خَلَقَها في قُلُوبِهِمْ. و(السّامِرِيُّ) قِيلَ اسْمُهُ مُوسى بْنُ ظُفَرَ. وقِيلَ: مَنجا وهو ابْنُ خالَةِ مُوسى أوِ ابْنُ عَمِّهِ أوْ عَظِيمٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِن قَبِيلَةٍ تُعْرَفُ بِالسّامِرَةِ، أوْ عِلْجٌ مِن كِرْمانَ، أوْ مِن باجِرْما أوْ مِنَ اليَهُودِ أوْ مِنَ القِبْطِ آمَنَ بِمُوسى وخَرَجَ مَعَهُ، وكانَ جارَهُ أوْ مِن عُبّادِ البَقَرِ وقَعَ في مِصْرَ فَدَخَلَ في بَنِي اسْرائِيلَ بِظاهِرِهِ وفي قَلْبِهِ عِبادَةُ البَقَرِ أقْوالٌ وتَقُومُ في الأعْرافِ كَيْفِيَّةُ اتِّخاذِ العِجْلِ وقَبْلَ ذَلِكَ في البَقَرَةِ فَأغْنى عَنْ إعادَتِها هُنا.

طه 20:87

﴿وما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يامُوسى﴾ ﴿قالَ هم أُولاءِ عَلى أثَرِي وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ ﴿قالَ فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ ﴿فَرَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا قالَ ياقَوْمِ ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكم فَأخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ ﴿قالُوا ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا ولَكِنّا حُمِّلْنا أوْزارًا مِن زِينَةِ القَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذَلِكَ ألْقى السّامِرِيُّ﴾ ﴿فَأخْرَجَ لَهم عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى فَنَسِيَ﴾ ﴿أفَلا يَرَوْنَ ألّا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا ولا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ [طه: ٨٩] . لَمّا نَهَضَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِبَنِي إسْرائِيلَ إلى جانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ حَيْثُ كانَ المَوْعِدُ أنْ يُكَلِّمَ اللَّهُ مُوسى بِما فِيهِ شَرَفُ العاجِلِ والآجِلِ، رَأى عَلى وجْهِ الِاجْتِهادِ أنْ يُقْدِمَ وحْدَهُ مُبادِرًا إلى أمْرِ اللَّهِ وحِرْصًا عَلى القُرْبِ مِنهُ وشَوْقًا إلى مُناجاتِهِ، واسْتَخْلَفَ هارُونَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ وقالَ لَهم مُوسى: تَسِيرُونَ إلى جانِبِ الطُّورِ فَلَمّا (p-٢٦٧)انْتَهى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وناجى رَبَّهُ، زادَهُ في الأجَلِ عَشْرًا وحِينَئِذٍ وقَفَهُ عَلى اسْتِعْجالِهِ دُونَ القَوْمِ لِيُخْبِرَهُ مُوسى أنَّهم عَلى الأثَرِ فَيَقَعُ الإعْلامُ لَهُ بِما صَنَعُوا (وما) اسْتِفْهامٌ أيْ أيُّ شَيْءٍ عَجَّلَ بِكَ عَنْهم ؟ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكانَ قَدْ مَضى مَعَ النُّقَباءِ إلى الطُّورِ عَلى المَوْعِدِ المَضْرُوبِ ثُمَّ تَقَدَّمَهم شَوْقًا إلى كَلامِ رَبِّهِ ويُنْجِزُ ما وعَدَ بِهِ بِناءً عَلى اجْتِهادِهِ، وظَنَّ أنَّ ذَلِكَ أقْرَبُ إلى رِضا اللَّهِ، وزالَ عَنْهُ أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ ما وقَّتَ أفْعالَهُ إلّا نَظَرًا إلى دَواعِي الحِكْمَةِ وعِلْمًا بِالمَصالِحِ المُتَعَلِّقَةِ بِكُلِّ وقْتٍ، فالمُرادُ بِالقَوْمِ النُّقَباءُ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿عَنْ قَوْمِكَ﴾ يُرِيدُ بِهِ جَمِيعَ بَنِي إسْرائِيلَ كَما قَدْ بَيَّنّا قَبْلُ لا السَبْعِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَيْسَ يَقُولُ مَن جَوَّزَ أنْ يُرادَ جَمِيعُ قَوْمِهِ وأنْ يَكُونَ قَدْ فارَقَهم قَبْلَ المِيعادِ وجْهٌ صَحِيحٌ ما يَأْباهُ قَوْلُهُ ﴿هم أُولاءِ عَلى أثَرِي﴾ . انْتَهى. ﴿وما أعْجَلَكَ﴾ سُؤالٌ عَنْ سَبَبِ العَجَلَةِ وأجابَ بِقَوْلِهِ ﴿هم أُولاءِ عَلى أثَرِي وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿وما أعْجَلَكَ﴾ تَضَمَّنَ تَأخُّرَ قَوْمِهِ عَنْهُ، فَأجابَ مُشِيرًا إلَيْهِمْ لِقُرْبِهِمْ مِنهُ إنَّهم عَلى أثَرِهِ جائِينَ لِلْمَوْعِدِ، وذَلِكَ عَلى ما كانَ عَهِدَ إلَيْهِمْ أنْ يَجِيئُوا لِلْمَوْعِدِ. ثُمَّ ذَكَرَ السَّبَبَ الَّذِي حَمَلَهُ عَلى العَجَلَةِ وهو ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ﴿وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِ لِتَرْضى﴾ مِن طَلَبِهِ رِضا اللَّهِ تَعالى في السَّبْقِ إلى ما وعَدَهُ رَبُّهُ ومَعْنى ﴿إلَيْكَ﴾ إلى مَكانِ وعْدِكَ و﴿لِتَرْضى﴾ أيْ لِيَدُومَ رِضاكَ ويَسْتَمِرَّ، لِأنَّهُ تَعالى كانَ عَنْهُ راضِيًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتُ: ﴿وما أعْجَلَكَ﴾ سُؤالٌ عَنْ سَبَبِ العَجَلَةِ، فَكانَ الَّذِي يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ مِنَ الجَوابِ أنْ يُقالَ: طَلَبَ زِيادَةَ رِضاكَ والشَّوْقِ إلى كَلامِكَ ويُنْجِزُ مَوْعِدَكَ وقَوْلُهُ ﴿هم أُولاءِ عَلى أثَرِي﴾ كَما تَرى غَيْرُ مُنْطَبِقٍ عَلَيْهِ. قُلْتُ: قَدْ تَضَمَّنَ ما واجَهَهُ بِهِ رَبُّ العِزَّةِ شَيْئَيْنِ أحَدُهُما إنْكارُ العَجَلَةِ في نَفْسِها، والثّانِي السُّؤالُ عَنْ سَبَبِ المُسْتَنْكَرِ والحامِلِ عَلَيْهِ، فَكانَ أهَمُّ الأمْرَيْنِ إلى مُوسى بَسْطَ العُذْرِ وتَمْهِيدَ العِلَّةِ في نَفْسِ ما أنْكَرَ عَلَيْهِ، فاعْتَلَّ بِأنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنِّي إلّا تَقَدُّمٌ يَسِيرٌ مِثْلُهُ لا يُعْتَدُّ بِهِ في العادَةِ ولا يُحْتَفَلُ بِهِ، ولَيْسَ بَيْنِي وبَيْنَ مَن سَبَقْتُهُ إلّا مَسافَةٌ قَرِيبَةٌ يَتَقَدَّمُ بِمِثْلِها الوَفْدُ رَأسُهم ومُقَدَّمُهم، ثُمَّ عَقَّبَهُ بِجَوابِ السُّؤالِ عَنِ السَّبَبِ فَقالَ ﴿وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: حارَ لِما ورَدَ عَلَيْهِ مِنَ التَّهَيُّبِ لِعِتابِ اللَّهِ فَأذْهَلَهُ ذَلِكَ عَنِ الجَوابِ المُنْطَبِقِ المُتَرَتِّبِ عَلى حُدُودِ الكَلامِ. انْتَهى. وفِيهِ سُوءُ أدَبٍ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ مُعاذٍ عَنْ أبِيهِ أُولائِي بِياءٍ مَكْسُورَةٍ وابْنُ وثّابٍ وعِيسى في رِوايَةٍ ﴿أُولاءِ﴾ بِالقَصْرِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ أُولايَ بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ. وقَرَأ عِيسى ويَعْقُوبُ وعَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو وزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ إثْرِي بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ. وحَكى الكِسائِيُّ أُثْرِي بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ وتُرْوى عَنْ عِيسى. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أُولاءِ﴾ بِالمَدِّ والهَمْزِ عَلى ﴿أثَرِي﴾ بِفَتْحِ الهَمْزِ والثّاءِ و﴿عَلى أثَرِي﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ. قالَ: ﴿فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ أيِ اخْتَبَرْناهم بِما فَعَلَ السّامِرِيُّ أوْ ألْقَيْناهم في فِتْنَةٍ أيْ مَيْلٍ مَعَ الشَّهَواتِ ووُقُوعٍ في اخْتِلافٍ ﴿مِن بَعْدِكَ﴾ أيْ مِن بَعْدِ فِراقِكَ لَهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أرادَ بِالقَوْمِ المَفْتُونِينَ الَّذِينَ خَلَّفَهم مَعَ هارُونَ، وكانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ ما نَجا مِن عِبادَةِ العِجْلِ إلّا اثْنا عَشَرَ ألْفًا فَإنْ قُلْتَ: في القِصَّةِ أنَّهم أقامُوا بَعْدَ مُفارَقَتِهِ عِشْرِينَ لَيْلَةً وحَسَبُوا أرْبَعِينَ مَعَ أيّامِها، وقالُوا قَدْ أكْمَلْنا العِدَّةَ ثُمَّ كانَ أمْرُ العِجْلِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَكَيْفَ التَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذا وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى لِمُوسى عِنْدَ مَقْدَمِهِ ﴿فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ﴾ ؟ قُلْتُ: قَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنِ الفِتْنَةِ المُتَرَقِّبَةِ بِلَفْظِ المَوْجُودَةِ الكائِنَةِ عَلى عادَتِهِ، وافْتَرَضَ السّامِرِيُّ غَيْبَتَهُ فَعَزَمَ عَلى إضْلالِهِمْ غَبَّ انْطِلاقِهِ. وأخَذَ في تَدْبِيرِ ذَلِكَ فَكانَ بَدْءُ الفِتْنَةِ مَوْجُودًا. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وأضَلَّهُمْ﴾ فِعْلًا ماضِيًا. وقَرَأ أبُو مُعاذٍ وفِرْقَةٌ وأضَلُّهم بِرَفْعِ اللّامِ مُبْتَدَأٌ والسّامِرِيُّ خَبَرُهُ وكانَ أشَدَّهم ضَلالًا لِأنَّهُ ضالٌّ في نَفْسِهِ مُضِلٌّ غَيْرَهُ. وفي (p-٢٦٨)القِراءَةِ الشُّهْرى أسْنَدَ الضَّلالَ إلى السّامِرِيِّ لِأنَّهُ كانَ السَّبَبَ في ضَلالِهِمْ، وأسْنَدَ الفِتْنَةَ إلَيْهِ تَعالى لِأنَّهُ هو الَّذِي خَلَقَها في قُلُوبِهِمْ. و(السّامِرِيُّ) قِيلَ اسْمُهُ مُوسى بْنُ ظُفَرَ. وقِيلَ: مَنجا وهو ابْنُ خالَةِ مُوسى أوِ ابْنُ عَمِّهِ أوْ عَظِيمٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِن قَبِيلَةٍ تُعْرَفُ بِالسّامِرَةِ، أوْ عِلْجٌ مِن كِرْمانَ، أوْ مِن باجِرْما أوْ مِنَ اليَهُودِ أوْ مِنَ القِبْطِ آمَنَ بِمُوسى وخَرَجَ مَعَهُ، وكانَ جارَهُ أوْ مِن عُبّادِ البَقَرِ وقَعَ في مِصْرَ فَدَخَلَ في بَنِي اسْرائِيلَ بِظاهِرِهِ وفي قَلْبِهِ عِبادَةُ البَقَرِ أقْوالٌ وتَقُومُ في الأعْرافِ كَيْفِيَّةُ اتِّخاذِ العِجْلِ وقَبْلَ ذَلِكَ في البَقَرَةِ فَأغْنى عَنْ إعادَتِها هُنا.

طه 20:88

﴿وما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يامُوسى﴾ ﴿قالَ هم أُولاءِ عَلى أثَرِي وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ ﴿قالَ فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ ﴿فَرَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا قالَ ياقَوْمِ ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكم فَأخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ ﴿قالُوا ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا ولَكِنّا حُمِّلْنا أوْزارًا مِن زِينَةِ القَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذَلِكَ ألْقى السّامِرِيُّ﴾ ﴿فَأخْرَجَ لَهم عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى فَنَسِيَ﴾ ﴿أفَلا يَرَوْنَ ألّا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا ولا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ [طه: ٨٩] . لَمّا نَهَضَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِبَنِي إسْرائِيلَ إلى جانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ حَيْثُ كانَ المَوْعِدُ أنْ يُكَلِّمَ اللَّهُ مُوسى بِما فِيهِ شَرَفُ العاجِلِ والآجِلِ، رَأى عَلى وجْهِ الِاجْتِهادِ أنْ يُقْدِمَ وحْدَهُ مُبادِرًا إلى أمْرِ اللَّهِ وحِرْصًا عَلى القُرْبِ مِنهُ وشَوْقًا إلى مُناجاتِهِ، واسْتَخْلَفَ هارُونَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ وقالَ لَهم مُوسى: تَسِيرُونَ إلى جانِبِ الطُّورِ فَلَمّا (p-٢٦٧)انْتَهى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وناجى رَبَّهُ، زادَهُ في الأجَلِ عَشْرًا وحِينَئِذٍ وقَفَهُ عَلى اسْتِعْجالِهِ دُونَ القَوْمِ لِيُخْبِرَهُ مُوسى أنَّهم عَلى الأثَرِ فَيَقَعُ الإعْلامُ لَهُ بِما صَنَعُوا (وما) اسْتِفْهامٌ أيْ أيُّ شَيْءٍ عَجَّلَ بِكَ عَنْهم ؟ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكانَ قَدْ مَضى مَعَ النُّقَباءِ إلى الطُّورِ عَلى المَوْعِدِ المَضْرُوبِ ثُمَّ تَقَدَّمَهم شَوْقًا إلى كَلامِ رَبِّهِ ويُنْجِزُ ما وعَدَ بِهِ بِناءً عَلى اجْتِهادِهِ، وظَنَّ أنَّ ذَلِكَ أقْرَبُ إلى رِضا اللَّهِ، وزالَ عَنْهُ أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ ما وقَّتَ أفْعالَهُ إلّا نَظَرًا إلى دَواعِي الحِكْمَةِ وعِلْمًا بِالمَصالِحِ المُتَعَلِّقَةِ بِكُلِّ وقْتٍ، فالمُرادُ بِالقَوْمِ النُّقَباءُ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿عَنْ قَوْمِكَ﴾ يُرِيدُ بِهِ جَمِيعَ بَنِي إسْرائِيلَ كَما قَدْ بَيَّنّا قَبْلُ لا السَبْعِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَيْسَ يَقُولُ مَن جَوَّزَ أنْ يُرادَ جَمِيعُ قَوْمِهِ وأنْ يَكُونَ قَدْ فارَقَهم قَبْلَ المِيعادِ وجْهٌ صَحِيحٌ ما يَأْباهُ قَوْلُهُ ﴿هم أُولاءِ عَلى أثَرِي﴾ . انْتَهى. ﴿وما أعْجَلَكَ﴾ سُؤالٌ عَنْ سَبَبِ العَجَلَةِ وأجابَ بِقَوْلِهِ ﴿هم أُولاءِ عَلى أثَرِي وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿وما أعْجَلَكَ﴾ تَضَمَّنَ تَأخُّرَ قَوْمِهِ عَنْهُ، فَأجابَ مُشِيرًا إلَيْهِمْ لِقُرْبِهِمْ مِنهُ إنَّهم عَلى أثَرِهِ جائِينَ لِلْمَوْعِدِ، وذَلِكَ عَلى ما كانَ عَهِدَ إلَيْهِمْ أنْ يَجِيئُوا لِلْمَوْعِدِ. ثُمَّ ذَكَرَ السَّبَبَ الَّذِي حَمَلَهُ عَلى العَجَلَةِ وهو ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ﴿وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِ لِتَرْضى﴾ مِن طَلَبِهِ رِضا اللَّهِ تَعالى في السَّبْقِ إلى ما وعَدَهُ رَبُّهُ ومَعْنى ﴿إلَيْكَ﴾ إلى مَكانِ وعْدِكَ و﴿لِتَرْضى﴾ أيْ لِيَدُومَ رِضاكَ ويَسْتَمِرَّ، لِأنَّهُ تَعالى كانَ عَنْهُ راضِيًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتُ: ﴿وما أعْجَلَكَ﴾ سُؤالٌ عَنْ سَبَبِ العَجَلَةِ، فَكانَ الَّذِي يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ مِنَ الجَوابِ أنْ يُقالَ: طَلَبَ زِيادَةَ رِضاكَ والشَّوْقِ إلى كَلامِكَ ويُنْجِزُ مَوْعِدَكَ وقَوْلُهُ ﴿هم أُولاءِ عَلى أثَرِي﴾ كَما تَرى غَيْرُ مُنْطَبِقٍ عَلَيْهِ. قُلْتُ: قَدْ تَضَمَّنَ ما واجَهَهُ بِهِ رَبُّ العِزَّةِ شَيْئَيْنِ أحَدُهُما إنْكارُ العَجَلَةِ في نَفْسِها، والثّانِي السُّؤالُ عَنْ سَبَبِ المُسْتَنْكَرِ والحامِلِ عَلَيْهِ، فَكانَ أهَمُّ الأمْرَيْنِ إلى مُوسى بَسْطَ العُذْرِ وتَمْهِيدَ العِلَّةِ في نَفْسِ ما أنْكَرَ عَلَيْهِ، فاعْتَلَّ بِأنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنِّي إلّا تَقَدُّمٌ يَسِيرٌ مِثْلُهُ لا يُعْتَدُّ بِهِ في العادَةِ ولا يُحْتَفَلُ بِهِ، ولَيْسَ بَيْنِي وبَيْنَ مَن سَبَقْتُهُ إلّا مَسافَةٌ قَرِيبَةٌ يَتَقَدَّمُ بِمِثْلِها الوَفْدُ رَأسُهم ومُقَدَّمُهم، ثُمَّ عَقَّبَهُ بِجَوابِ السُّؤالِ عَنِ السَّبَبِ فَقالَ ﴿وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: حارَ لِما ورَدَ عَلَيْهِ مِنَ التَّهَيُّبِ لِعِتابِ اللَّهِ فَأذْهَلَهُ ذَلِكَ عَنِ الجَوابِ المُنْطَبِقِ المُتَرَتِّبِ عَلى حُدُودِ الكَلامِ. انْتَهى. وفِيهِ سُوءُ أدَبٍ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ مُعاذٍ عَنْ أبِيهِ أُولائِي بِياءٍ مَكْسُورَةٍ وابْنُ وثّابٍ وعِيسى في رِوايَةٍ ﴿أُولاءِ﴾ بِالقَصْرِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ أُولايَ بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ. وقَرَأ عِيسى ويَعْقُوبُ وعَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو وزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ إثْرِي بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ. وحَكى الكِسائِيُّ أُثْرِي بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ وتُرْوى عَنْ عِيسى. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أُولاءِ﴾ بِالمَدِّ والهَمْزِ عَلى ﴿أثَرِي﴾ بِفَتْحِ الهَمْزِ والثّاءِ و﴿عَلى أثَرِي﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ. قالَ: ﴿فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ أيِ اخْتَبَرْناهم بِما فَعَلَ السّامِرِيُّ أوْ ألْقَيْناهم في فِتْنَةٍ أيْ مَيْلٍ مَعَ الشَّهَواتِ ووُقُوعٍ في اخْتِلافٍ ﴿مِن بَعْدِكَ﴾ أيْ مِن بَعْدِ فِراقِكَ لَهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أرادَ بِالقَوْمِ المَفْتُونِينَ الَّذِينَ خَلَّفَهم مَعَ هارُونَ، وكانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ ما نَجا مِن عِبادَةِ العِجْلِ إلّا اثْنا عَشَرَ ألْفًا فَإنْ قُلْتَ: في القِصَّةِ أنَّهم أقامُوا بَعْدَ مُفارَقَتِهِ عِشْرِينَ لَيْلَةً وحَسَبُوا أرْبَعِينَ مَعَ أيّامِها، وقالُوا قَدْ أكْمَلْنا العِدَّةَ ثُمَّ كانَ أمْرُ العِجْلِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَكَيْفَ التَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذا وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى لِمُوسى عِنْدَ مَقْدَمِهِ ﴿فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ﴾ ؟ قُلْتُ: قَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنِ الفِتْنَةِ المُتَرَقِّبَةِ بِلَفْظِ المَوْجُودَةِ الكائِنَةِ عَلى عادَتِهِ، وافْتَرَضَ السّامِرِيُّ غَيْبَتَهُ فَعَزَمَ عَلى إضْلالِهِمْ غَبَّ انْطِلاقِهِ. وأخَذَ في تَدْبِيرِ ذَلِكَ فَكانَ بَدْءُ الفِتْنَةِ مَوْجُودًا. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وأضَلَّهُمْ﴾ فِعْلًا ماضِيًا. وقَرَأ أبُو مُعاذٍ وفِرْقَةٌ وأضَلُّهم بِرَفْعِ اللّامِ مُبْتَدَأٌ والسّامِرِيُّ خَبَرُهُ وكانَ أشَدَّهم ضَلالًا لِأنَّهُ ضالٌّ في نَفْسِهِ مُضِلٌّ غَيْرَهُ. وفي (p-٢٦٨)القِراءَةِ الشُّهْرى أسْنَدَ الضَّلالَ إلى السّامِرِيِّ لِأنَّهُ كانَ السَّبَبَ في ضَلالِهِمْ، وأسْنَدَ الفِتْنَةَ إلَيْهِ تَعالى لِأنَّهُ هو الَّذِي خَلَقَها في قُلُوبِهِمْ. و(السّامِرِيُّ) قِيلَ اسْمُهُ مُوسى بْنُ ظُفَرَ. وقِيلَ: مَنجا وهو ابْنُ خالَةِ مُوسى أوِ ابْنُ عَمِّهِ أوْ عَظِيمٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِن قَبِيلَةٍ تُعْرَفُ بِالسّامِرَةِ، أوْ عِلْجٌ مِن كِرْمانَ، أوْ مِن باجِرْما أوْ مِنَ اليَهُودِ أوْ مِنَ القِبْطِ آمَنَ بِمُوسى وخَرَجَ مَعَهُ، وكانَ جارَهُ أوْ مِن عُبّادِ البَقَرِ وقَعَ في مِصْرَ فَدَخَلَ في بَنِي اسْرائِيلَ بِظاهِرِهِ وفي قَلْبِهِ عِبادَةُ البَقَرِ أقْوالٌ وتَقُومُ في الأعْرافِ كَيْفِيَّةُ اتِّخاذِ العِجْلِ وقَبْلَ ذَلِكَ في البَقَرَةِ فَأغْنى عَنْ إعادَتِها هُنا.

طه 20:89

﴿فَرَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ﴾ [طه: ٨٦] وذَلِكَ بَعْدَما اسْتَوْفى الأرْبَعِينَ وانْتَصَبَ ﴿غَضْبانَ أسِفًا﴾ [طه: ٨٦] عَلى الحالِ، والأسَفُ أشَدُّ الغَضَبِ. وقِيلَ: الحُزْنُ وغَضَبُهُ مِن حَيْثُ لَهُ قُدْرَةٌ عَلى تَغْيِيرِ مُنَكَرِهِمْ، وأسَفُهُ وهو حُزْنُهُ مِن حَيْثُ عَلِمَ أنَّهُ مَوْضِعُ عُقُوبَةٍ لا يَدَ لَهُ بِمَدْفَعِها ولا بُدَّ مِنها. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والأسَفُ في كَلامِ العَرَبِ مَتى كانَ مِن ذِي قُدْرَةٍ عَلى مَن دُونَهُ فَهو غَضَبٌ، ومَتى كانَ مِنَ الأقَلِّ عَلى الأقْوى فَهو حُزْنٌ، وتَأمَّلْ ذَلِكَ فَهو مُطَّرِدٌ، ثُمَّ أخَذَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يُوَبِّخُهم عَلى إضْلالِهِمْ والوَعْدِ الحَسَنِ ما وعَدَهم مِنَ الوُصُولِ إلى جانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ وما بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الفُتُوحِ في الأرْضِ والمَغْفِرَةِ لِمَن تابَ وآمَنَ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا وعَدَ اللَّهُ أهْلَ طاعَتِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعَدَهَمُ اللَّهُ بَعْدَما اسْتَوْفى الأرْبَعِينَ أنْ يُعْطِيَهُمُ التَّوْراةَ الَّتِي فِيها هُدًى ونُورٌ، ولا وعْدٌ أحْسَنُ مِن ذاكَ وأجْمَلُ. وقالَ الحَسَنُ: الوَعْدُ الحَسَنُ الجَنَّةُ. وقِيلَ: أنْ يُسْمِعَهم كَلامَهُ والعَهْدُ الزَّمانُ، يُرِيدُ مُفارَقَتَهُ لَهم يُقالُ طالَ عَهْدِي بِكَذا أيْ طالَ زَمانِي بِسَبَبِ مُفارَقَتِكَ، وعَدُوهُ أنْ يُقِيمُوا عَلى أمْرِهِ وما تَرَكَهم عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ فَأخْلَفُوا مَوْعِدَهُ بِعِبادَتِهِمُ العِجْلَ. انْتَهى. وانْتَصَبَ (وعْدًا) عَلى المَصْدَرِ، والمَفْعُولُ الثّانِي لِيَعِدُكم مَحْذُوفٌ أوْ أطْلَقَ الوَعْدَ ويُرادُ بِهِ المَوْعُودُ فَيَكُونُ هو المَفْعُولَ الثّانِيَ، وفي قَوْلِهِ (أفَطالَ) إلى آخِرِهِ تَوْقِيفٌ عَلى أعْذارٍ لَمْ تَكُنْ، ولا تَصِحُّ لَهم وهو طُولُ العَهْدِ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم خُلْفٌ في المَوْعِدِ وإرادَةُ حُلُولِ غَضَبِ اللَّهِ، وذَلِكَ كُلُّهُ لَمْ يَكُنْ ولَكِنَّهم عَمِلُوا عَمَلَ مَن لَمْ يَتَدَبَّرْ. وسُمِّيَ العَذابُ غَضَبًا مِن حَيْثُ هو ناشِئٌ عَنِ الغَضَبِ، فَإنْ جُعِلَ بِمَعْنى الإرادَةِ فَصِفَةُ ذاتٍ أوْ عَنْ ظُهُورِ النِّقْمَةِ والعَذابِ فَصِفَةُ فِعْلٍ و(مَوْعِدِي) مَصْدَرٌ يُحْتَمَلُ أنْ يُضافَ إلى الفاعِلِ، أيْ: أوَجَدْتُمُونِي أخْلَفْتُ ما وعَدْتُكم، مِن قَوْلِ العَرَبِ ”فُلانٌ أخْلَفَ وعْدَ فُلانٍ“ إذا وجَدَهُ وقْعُ فِيهِ الخُلْفُ، قالَهُ المُفَضَّلُ، وأنْ يُضافَ إلى المَفْعُولِ، وكانُوا وعَدُوهُ أنْ يَتَمَسَّكُوا بِدِينِ اللَّهِ وسُنَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ولا يُخالِفُوا أمْرَ اللَّهِ أبَدًا فَأخْلَفُوا مَوْعِدَهُ بِعِبادَتِهِمُ العِجْلَ. وقَرَأ الأخَوانِ، والحَسَنُ، والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ، وابْنُ أبِي لَيْلى، وقَعْنَبٌ (بِمُلْكِنا) بِضَمِّ المِيمِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وابْنُ سَعْدانَ بِفَتْحِها، وباقِي السَّبْعَةِ بِكَسْرِها. وقَرَأ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (بِمَلَكِنِا) بِفَتْحِ المِيمِ واللّامِ، وحَقِيقَتُهُ بِسُلْطانِنا، فالمَلْكُ والمُلْكُ بِمَنزِلَةِ النَّقْضِ والنُّقْضِ. والظّاهِرُ أنَّها لُغاتٌ والمَعْنى واحِدٌ، وفَرَّقَ أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ بَيْنَ مَعانِيها، فَمَعْنى الضَّمِّ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَنا مُلْكٌ فَنُخْلِفَ مَوْعِدَكَ بِسُلْطانِهِ، وإنَّما أخْلَفْناهُ بِنَظَرٍ أدّى إلَيْهِ ما فَعَلَ السّامِرِيُّ، فَلَيْسَ المَعْنى أنَّ لَهم مُلْكًا، وإنَّما هَذا كَقَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ: ؎لا يَشْتَكِي سَقْطٌ مِنها وقَدْ رَقَصَتْ بِها المَفاوِزُ حَتّى ظَهْرُها حَدِبُ أيْ: لا يَكُونُ مِنها سَقْطَةٌ فَتَشْتَكِيَ، وفَتْحُ المِيمِ مَصْدَرٌ مِن مَلَكَ، والمَعْنى: ما فَعَلْنا ذَلِكَ بِأنّا مَلَكْنا الصَّوابَ ولا وقَفْنا لَهُ، بَلْ غَلَبَتْنا أنْفُسُنا، وكَسْرُ المِيمِ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ فِيما تَحُوزُهُ اليَدُ ولَكِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ في الأُمُورِ الَّتِي يُبْرِمُها الإنْسانُ، ومَعْناها كَمَعْنى الَّتِي قَبْلَها. والمَصْدَرُ في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ مُضافٌ إلى الفاعِلِ، والمَفْعُولُ مُقَدَّرٌ، أيْ (يَمْلِكُنا) الصَّوابُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ (ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ) بِأنْ مَلَكْنا أمْرَنا (p-٢٦٩)أيْ لَوْ مَلَكْنا أمَرْنا وخَلَّيْنا ورَأيْنا لَما أخْلَفْناهُ، ولَكِنْ غُلِبْنا مِن جِهَةِ السّامِرِيِّ وكَيْدِهِ. وقَرَأ الأخَوانِ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِفَتْحِ الحاءِ والمِيمِ، وأبُو رَجاءٍ بِضَمِّ الحاءِ وكَسْرِ المِيمِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وحُمَيدٌ، ويَعْقُوبُ غَيْرَ رَوْحٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهم شَدَّدُوا المِيمَ، والأوْزارُ الأثْقالُ أطْلَقَ عَلى ما كانُوا اسْتَعارُوا مِن لَقِيطٍ بِرَسْمِ التَّزَيُّنِ أوْزارًا لِثِقَلِها، أوْ لِسَبَبِ أنَّهم أثِمُوا في ذَلِكَ فَسُمِّيَتْ أوْزارًا لَمّا حَصَلَتِ الأوْزارُ الَّتِي هي الآثامُ بِسَبَبِها. والقَوْمُ هُنا القِبْطُ. وقِيلَ: أمَرَهم بِالِاسْتِعارَةِ مُوسى. وقِيلَ: أمَرَ اللَّهُ مُوسى بِذَلِكَ. وقِيلَ: هو ما ألْقاهُ البَحْرُ مِمّا كانَ عَلى الَّذِينَ غَرِقُوا. وقِيلَ: الأوْزارُ الَّتِي هي الآثامُ مِن جِهَةِ أنَّهم لَمْ يَرُدُّوها إلى أصْحابِها، ومَعْنى أنَّهم حَمَلُوا الآثامَ وقَذَفُوها عَلى ظُهُورِهِمْ كَما جاؤُهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ. وقِيلَ مَعْنى (فَقَذَفْناهم) أيِ الحُلِيَّ عَلى أنْفُسِنا وأوْلادِنا. وقِيلَ (فَقَذَفْناها) في النّارِ أيْ ذَلِكَ الحُلِيَّ، وكانَ أشارَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ السّامِرِيُّ فَحُفِرَتْ حُفْرَةً وسُجِّرَتْ فِيها النّارُ وقَذَفَ كُلُّ مَن مَعَهُ شَيْءٌ ما عِنْدَهُ مِن ذَلِكَ في النّارِ. وقَذَفَ السّامِرِيُّ ما مَعَهُ. ومَعْنى (فَكَذَلِكَ) أيْ مِثْلُ قَذْفِنا إيّاها ﴿ألْقى السّامِرِيُّ﴾ [طه: ٨٧] ما كانَ مَعَهُ. وظاهِرُ هَذِهِ الألْفاظِ أنَّ العِجْلَ لَمْ يَصْنَعْهُ السّامِرِيُّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فَكَذَلِكَ ألْقى السّامِرِيُّ﴾ [طه: ٨٧] أراهم أنَّهُ يُلْقِي حُلِيًّا في يَدِهِ مِثْلَ ما ألْقَوْا وإنَّما ألْقى التُّرْبَةَ الَّتِي أخَذَها مِن مَوْطِئِ حَيْزُومِ فَرَسِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْحى إلَيْهِ ولَيُّهُ الشَّيْطانُ أنَّها إذا خالَطَتْ مَواتًا صارَ حَيَوانًا فَأخْرَجَ لَهُمُ السّامِرِيُّ مِنَ الحُفْرَةِ عِجْلًا خَلَقَهُ اللَّهُ مِنَ الحُلِيِّ الَّتِي سَبَكَتْها النّارُ تَخُورُ كَخَوْرِ العَجاجِيلِ. والمُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ﴾ [طه: ٨٥] هو خَلْقُ العِجْلِ لِلِامْتِحانِ أيِ امْتَحَنّاهم بِخَلْقِ العِجْلِ وحَمَلَهُمُ السّامِرِيُّ عَلى الضَّلالِ وأوْقَعَهم فِيهِ حِينَ قالَ لَهم ﴿هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى﴾ [طه: ٨٨] . انْتَهى. وقِيلَ: مَعْنى (جَسَدًا) شَخْصًا. وقِيلَ: لا يَتَغَذّى، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ ﴿لَهُ خُوارٌ﴾ [الأعراف: ١٤٨] في الأعْرافِ. والضَّمِيرُ في (فَقالُوا) لِبَنِي إسْرائِيلَ أيْ ضَلُّوا حِينَ قالَ كِبارُهم لِصِغارِهِمْ و(هَذا) إشارَةٌ إلى العِجْلِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (فَقالُوا) عائِدٌ عَلى السّامِرِيِّ أخْبَرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لِجُرْمِهِ. وقِيلَ: عَلَيْهِ وعَلى تابِعِيهِ. وقَرَأ الأعْمَشُ فَنَسِي بِسُكُونِ الياءِ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿فَنَسِيَ﴾ [طه: ٨٨] عائِدٌ عَلى السّامِرِيِّ أيْ ﴿فَنَسِيَ﴾ [طه: ٨٨] إسْلامَهُ وإيمانَهُ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوْ فَتَرَكَ ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ قالَهُ مَكْحُولٌ، وهو كَقَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ أوْ ﴿فَنَسِيَ﴾ [طه: ٨٨] أنَّ العِجْلَ ﴿ألّا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا ولا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ و﴿فَنَسِيَ﴾ [طه: ٨٨] الِاسْتِدْلالَ عَلى حُدُوثِ الأجْسامِ وأنَّ الإلَهَ لا يَحُلُّ في شَيْءٍ ولا يَحُلُّ فِيهِ شَيْءٌ وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ يَكُونُ ﴿فَنَسِيَ﴾ [طه: ٨٨] إخْبارًا مِنَ اللَّهِ عَنِ السّامِرِيِّ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أيْ ﴿فَنَسِيَ﴾ [طه: ٨٨] مُوسى أنْ يَذْكُرَ لَكم أنَّ هَذا إلَهُكم أوْ ﴿فَنَسِيَ﴾ [طه: ٨٨] الطَّرِيقَ إلى رَبِّهِ، وكِلا هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. أوْ ﴿فَنَسِيَ﴾ [طه: ٨٨] مُوسى إلَهَهُ عِنْدَكم وخالَفَهُ في طَرِيقٍ آخَرَ قالَهُ قَتادَةُ، وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ يَكُونُ مِن كَلامِ السّامِرِيِّ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى فَسادَ اعْتِقادِهِمْ بِأنَّ الأُلُوهِيَّةَ لا تَصْلُحُ لِمَن سُلِبَتْ عَنْهُ هَذِهِ الصِّفاتُ فَقالَ: ﴿أفَلا يَرَوْنَ ألّا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا ولا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ وهَذا كَقَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ﴾ [مريم: ٤٢] والرُّؤْيَةُ هُنا بِمَعْنى العِلْمِ، ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَها أنِ المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ كَما جاءَ ﴿ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٤٨] بِأنَّ الثَّقِيلَةَ وبِرَفْعِ يَرْجِعُ قَرَأ الجُمْهُورُ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ (ألّا يَرْجِعَ) بِنَصْبِ العَيْنِ قالَهُ ابْنُ خالَوَيْهِ وفي الكامِلِ ووافَقَهُ عَلى ذَلِكَ وعَلى نَصْبِ (ولا يَمْلِكُ) الزَّعْفَرانِيُّ وابْنُ صُبَيْحٍ وأبانُ والشّافِعِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ الإمامُ المُطَّلِبِيُّ جَعَلُوها أنِ النّاصِبَةَ لِلْمُضارِعِ وتَكُونُ الرُّؤْيَةُ مِنَ الإبْصارِ.

طه 20:90

(p-٢٧٠)﴿ولَقَدْ قالَ لَهم هارُونُ مِن قَبْلُ يا قَوْم إنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فاتَّبِعُونِي وأطِيعُوا أمْرِي﴾ ﴿قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتّى يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسى﴾ ﴿قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا﴾ [طه: ٩٢] ﴿ألّا تَتَّبِعَنِي أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ [طه: ٩٣] ﴿قالَ يا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: ٩٤] ﴿قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ﴾ [طه: ٩٥] ﴿قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ [طه: ٩٦] ﴿قالَ فاذْهَبْ فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ أنْ تَقُولَ لا مِساسَ وإنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وانْظُرْ إلى إلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ في اليَمِّ نَسْفًا﴾ [طه: ٩٧] ﴿إنَّما إلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه: ٩٨] ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وقَدْ آتَيْناكَ مِن لَدُنّا ذِكْرًا﴾ [طه: ٩٩] ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا﴾ [طه: ١٠٠] ﴿خالِدِينَ فِيهِ وساءَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ حِمْلًا﴾ [طه: ١٠١] ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: ١٠٢] ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهم إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا﴾ [طه: ١٠٣] ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إذْ يَقُولُ أمْثَلُهم طَرِيقَةً إنْ لَبِثْتُمْ إلّا يَوْمًا﴾ [طه: ١٠٤] ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه: ١٠٥] ﴿فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا﴾ [طه: ١٠٦] ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ [طه: ١٠٧] ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨] ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ورَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩] ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] ﴿وعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه: ١١١] ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْمًا ولا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢] ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ أوْ يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا﴾ [طه: ١١٣] ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] ﴿ولَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥] ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ أبى﴾ [طه: ١١٦] ﴿فَقُلْنا يا آدَمُ إنَّ هَذا عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ [طه: ١١٧] ﴿إنَّ لَكَ ألّا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ [طه: ١١٨] ﴿وأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾ [طه: ١١٩] ﴿فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى﴾ [طه: ١٢٠] ﴿فَأكَلا مِنها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ [طه: ١٢١] ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى﴾ [طه: ١٢٢] ﴿قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى﴾ [طه: ١٢٣] ﴿ومَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ [طه: ١٢٤] ﴿قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ [طه: ١٢٥] ﴿قالَ كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسى﴾ [طه: ١٢٦] ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي مَن أسْرَفَ ولَمْ يُؤْمِن بِآياتِ رَبِّهِ ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقى﴾ [طه: ١٢٧] ﴿أفَلَمْ يَهْدِ لَهم كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ [طه: ١٢٨] ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَكانَ لِزامًا وأجَلٌ مُسَمًّى﴾ [طه: ١٢٩] ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها ومِن آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وأطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى﴾ [طه: ١٣٠] ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم زَهْرَةَ الحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهم فِيهِ ورِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [طه: ١٣١] ﴿وأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْألُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ والعاقِبَةُ لِلتَّقْوى﴾ [طه: ١٣٢] ﴿وقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِن رَبِّهِ أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى﴾ [طه: ١٣٣] ﴿ولَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِن قَبْلِ أنْ نَذِلَّ ونَخْزى﴾ [طه: ١٣٤] ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَن أصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ ومَنِ اهْتَدى﴾ [طه: ١٣٥] اللِّحْيَةُ مَعْرُوفَةٌ، وتُجْمَعُ عَلى لِحًى بِكَسْرِ اللّامِ وضَمِّها. نَسَفَ يَنْسِفُ بِكَسْرِ سِينِ المُضارِعِ وضَمِّها نَسْفًا فَرَّقَ وذَرى. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: قَلَعَ مِنَ الأصْلِ. الزُّرْقَةُ: لَوْنٌ مَعْرُوفٌ، يُقالُ: زَرَقَتْ عَيْنُهُ وازْرَقَّتْ وازْراقَتْ، القاعُ قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الأرْضُ المَلْساءُ لا نَباتَ فِيها ولا بِناءَ. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: المُسْتَوِي مِنَ الأرْضِ. ومِنهُ قَوْلُ ضِرارِ بْنِ الخَطّابِ: ؎لَيَكُونَنَّ بِالبِطاحِ قُرَيْشٌ فَقُعَّةُ القاعِ في أكُفِّ الإماءِ (p-٢٧١)والجَمْعُ أقْوُعٌ وأقْواعٌ وقِيعانٌ. وحَكى مَكِّيٌّ أنَّ القاعَ في اللُّغَةِ المَكانُ المُنْكَشِفُ. وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: القاعُ مُسْتَنْقَعُ الماءِ. الصَّفْصَفُ: المُسْتَوِي الأمْلَسُ. وقِيلَ: الَّذِي لا نَباتَ فِيهِ، وهو مُضاعَفٌ كالسَّبْسَبِ. الأمْتُ: التَّلُّ. والعِوَجُ: التَّعَوُّجُ في الفِجاجِ قالَهُ ابْنُ الأعْرابِيِّ. الهَمْسُ: الصَّوْتُ الخَفِيُّ قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. وقِيلَ: وطْءُ الأقْدامِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎وهُـنَّ يَمْشِيـنَ بِنَـا هَمِيسًا ويُقالُ لِلْأسَدِ الهَمُوسُ لِخَفاءِ وطْئِهِ، ويُقالُ هَمْسُ الطَّعامِ مَضْغُهُ. عَنا يَعْنُو: ذَلَّ وخَضَعَ، وأعَناهُ غَيْرُهُ أذَلَّهُ. وقالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ: ؎مَلِيكٌ عَلى عَرْشِ السَّماءِ مُهَيْمِنٌ ∗∗∗ لِعِزَّتِهِ تَعْنُو الوُجُوهُ وتَسْجُدُ الهَضْمُ: النَّقْصُ تَقُولُ العَرَبُ: هَضَمْتُ لَكَ حَقِّي أيْ حَطَطْتُ مِنهُ، ومِنهُ هَضِيمُ الكَشْحَيْنِ أيْ ضامِرْهُما وفي الصِّحاحِ: رَجُلٌ هَضِيمٌ ومُتَهَضِّمٌ مَظْلُومٌ وتَهَضَّمُهُ واهْتَضَمَهُ ظَلَمَهُ. وقالَ المُتَوَكِّلُ اللَّيْثِيُّ: ؎إنَّ الأذِلَّةَ واللِّئامَ لَمَعْشَرٌ ∗∗∗ مَوْلاهُمُ المُنْهَضِمُ المَظْلُومُ عَرى يَعْرى لَمْ يَكُنْ عَلى جِلْدِهِ شَيْءٌ يَقِيهِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎وأنْ يَعْرَينَ إنْ كُسِيَ الجَوارِي ∗∗∗ فَتَنْبُو العَيْنُ عَنْ كَرَمٍ عِجافِ ضَحى يَضْحى: بَرَزَ لِلشَّمْسِ. قالَ عَمْرُو بْنُ أبِي رَبِيعَةَ: ؎رَأتْ رَجُلًا أمّا إذا الشَّمْسُ عارَضَتْ ∗∗∗ فَيَضْحى وأمّا بِالعَشِيِّ فَيَحْضُرُ الضَّنْكُ: الضِّيقُ والشِّدَّةُ: ضَنُكَ عِيشَةً يَضْنُكُ ضَناكَةً وضَنْكًا، وامْرَأةٌ ضَناكٌ كَثِيرَةُ اللَّحْمِ صارَ جِلْدُها بِهِ. زَهْرَةَ: بِفَتْحِ الهاءِ وسُكُونِها نَحْوَ نَهْرٍ ونَهَرٍ ما يَرُوقُ مِنَ النَّوْرِ، وسِراجٌ زاهِرٌ لَهُ بَرِيقٌ، والأنْجُمُ الزَّهْرُ المُضِيئَةُ، وأزْهَرَ الشَّجَرُ بَدا زَهْرُهُ وهو النَّوْرُ. * * ﴿ولَقَدْ قالَ لَهم هارُونُ مِن قَبْلُ يا قَوْم إنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فاتَّبِعُونِي وأطِيعُوا أمْرِي﴾ ﴿قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتّى يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسى﴾ ﴿قالَ ياهارُونُ ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا﴾ [طه: ٩٢] ﴿ألّا تَتَّبِعَنِي أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ [طه: ٩٣] ﴿قالَ ياابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: ٩٤] ﴿قالَ فَما خَطْبُكَ ياسامِرِيُّ﴾ [طه: ٩٥] ﴿قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ [طه: ٩٦] ﴿قالَ فاذْهَبْ فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ أنْ تَقُولَ لا مِساسَ وإنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وانْظُرْ إلى إلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ في اليَمِّ نَسْفًا﴾ [طه: ٩٧] ﴿إنَّما إلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه: ٩٨] . (p-٢٧٢)أشْفَقَ هارُونُ عَلى نَفْسِهِ وعَلَيْهِمْ وبَذَلَ لَهُمُ النَّصِيحَةَ، وبَيَّنَ أنَّ ما ذَهَبُوا إلَيْهِ مِن أمْرِ العِجْلِ إنَّما هو فِتْنَةٌ إذْ كانَ مَأْمُورًا مِن عِنْدِ اللَّهِ بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، ومِن أخِيهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿اخْلُفْنِي في قَوْمِي﴾ [الأعراف: ١٤٢] الآيَةَ ولا يُمْكِنُهُ أنْ يُخالِفَ أمْرَ اللَّهِ وأمْرَ أخِيهِ. ورُوِيَ أنَّ اللَّهَ أوْحى إلى يُوشَعٍ إنِّي مُهْلِكٌ مِن قَوْمِكَ أرْبَعِينَ ألْفًا فَقالَ: يا رَبِّ فَما بالُ الأخْيارِ ؟ قالَ: إنَّهم لَمْ يَغْضَبُوا لِغَضَبِي، والمُضافُ إلَيْهِ المَقْطُوعُ عَنْهُ مِن قَبْلُ قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن قَبْلُ أنْ يَقُولَ لَهُمُ السّامِرِيُّ ما قالَ، كَأنَّهم أوَّلُ ما وقَعَتْ عَلَيْهِ أبْصارُهم حِينَ طَلَعَ مِنَ الحُفْرَةِ افْتَتَنُوا بِهِ واسْتَحْسَنُوهُ قَبْلَ أنْ يَنْطِقَ السّامِرِيُّ بادَرَ هارُونُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أخْبَرَ عَزَّ وجَلَّ أنَّ هارُونَ قَدْ كانَ قالَ لَهم في أوَّلِ حالِ العِجْلِ إنَّما هي فِتْنَةٌ وبَلاءٌ وتَمْوِيهٌ مِنَ السّامِرِيِّ، وإنَّما رَبُّكُمُ الرَّحْمَنُ الَّذِي لَهُ القُدْرَةُ والعِلْمُ والخَلْقُ والِاخْتِراعُ (فاتَّبِعُونِي) إلى الطُّورِ الَّذِي واعَدَكُمُ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ ﴿وأطِيعُوا أمْرِي﴾ فِيما ذَكَرْتُهُ لَكم. انْتَهى. والضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدٌ عَلى العِجْلِ، زَجَرَهم أوَّلًا هارُونُ عَنِ الباطِلِ وإزالَةِ الشُّبْهَةِ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّما فُتِنْتُمْ﴾ ثُمَّ نَبَّهَهم عَلى مَعْرِفَةِ رَبِّهِمْ وذَكَرَ وصْفَ الرَّحْمَةِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم مَتى تابُوا قَبِلَهم وتَذْكِيرًا لِتَخْلِيصِهِمْ مِنفِرْعَوْنَ زَمانَ لَمْ يُوجَدِ العِجْلُ، ثُمَّ أمَرَهم بِاتِّباعِهِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ نَبِيٌّ يَجِبُ أنْ يُتَّبَعَ ويُطاعَ أمْرُهُ. وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ وأنَّ رَبَّكم بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والجُمْهُورُ بِكَسْرِها، والمَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مِنها في مَوْضِعِ خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ والأمْرُ ﴿وإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ فَهو مِن عَطْفِ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ، وقَدَّرَهُ أبُو حاتِمٍ ولِأنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ أنَما وأنَّ رَبَّكم بِفَتْحِ الهَمْزَتَيْنِ وتَخْرِيجُ هَذِهِ القِراءَةِ عَلى لُغَةِ سُلَيْمٍ حَيْثُ يَفْتَحُونَ أنَّ بَعْدَ القَوْلِ مُطْلَقًا. ولَمّا وعَظَهم هارُونُ ونَبَّهَهم عَلى ما فِيهِ رُشْدُهُمُ اتَّبَعُوا سَبِيلَ الغَيِّ و﴿قالُوا لَنْ نَبْرَحَ﴾ عَلى عِبادَتِهِ مُقِيمِينَ مُلازِمِينَ لَهُ، وغَيُّوا ذَلِكَ بِرُجُوعِ مُوسى وفي قَوْلِهِمْ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى عَدَمِ رُجُوعِهِمْ إلى الِاسْتِدْلالِ وأخَذَ بِتَقْلِيدِهِمُ السّامِرِيُّ ودَلالَةٌ عَلى أنَّ (لَنْ) لا تَقْتَضِي التَّأْيِيدَ خِلافًا لِلزَّمَخْشَرِيِّ إذْ لَوْ كانَ مِن مَوْضُوعِها التَّأْبِيدُ لَما جازَتِ التَّغْيِيَةُ بِحَتّى لِأنَّ التَّغْيِيَةَ لا تَكُونُ إلّا حَيْثُ يَكُونُ الشَّيْءُ مُحْتَمَلًا فَيُزِيلُ ذَلِكَ الِاحْتِمالَ بِالتَّغْيِيَةِ.

طه 20:91

(p-٢٧٠)﴿ولَقَدْ قالَ لَهم هارُونُ مِن قَبْلُ يا قَوْم إنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فاتَّبِعُونِي وأطِيعُوا أمْرِي﴾ ﴿قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتّى يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسى﴾ ﴿قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا﴾ [طه: ٩٢] ﴿ألّا تَتَّبِعَنِي أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ [طه: ٩٣] ﴿قالَ يا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: ٩٤] ﴿قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ﴾ [طه: ٩٥] ﴿قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ [طه: ٩٦] ﴿قالَ فاذْهَبْ فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ أنْ تَقُولَ لا مِساسَ وإنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وانْظُرْ إلى إلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ في اليَمِّ نَسْفًا﴾ [طه: ٩٧] ﴿إنَّما إلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه: ٩٨] ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وقَدْ آتَيْناكَ مِن لَدُنّا ذِكْرًا﴾ [طه: ٩٩] ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا﴾ [طه: ١٠٠] ﴿خالِدِينَ فِيهِ وساءَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ حِمْلًا﴾ [طه: ١٠١] ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: ١٠٢] ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهم إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا﴾ [طه: ١٠٣] ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إذْ يَقُولُ أمْثَلُهم طَرِيقَةً إنْ لَبِثْتُمْ إلّا يَوْمًا﴾ [طه: ١٠٤] ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه: ١٠٥] ﴿فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا﴾ [طه: ١٠٦] ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ [طه: ١٠٧] ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨] ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ورَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩] ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] ﴿وعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه: ١١١] ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْمًا ولا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢] ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ أوْ يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا﴾ [طه: ١١٣] ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] ﴿ولَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥] ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ أبى﴾ [طه: ١١٦] ﴿فَقُلْنا يا آدَمُ إنَّ هَذا عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ [طه: ١١٧] ﴿إنَّ لَكَ ألّا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ [طه: ١١٨] ﴿وأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾ [طه: ١١٩] ﴿فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى﴾ [طه: ١٢٠] ﴿فَأكَلا مِنها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ [طه: ١٢١] ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى﴾ [طه: ١٢٢] ﴿قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى﴾ [طه: ١٢٣] ﴿ومَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ [طه: ١٢٤] ﴿قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ [طه: ١٢٥] ﴿قالَ كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسى﴾ [طه: ١٢٦] ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي مَن أسْرَفَ ولَمْ يُؤْمِن بِآياتِ رَبِّهِ ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقى﴾ [طه: ١٢٧] ﴿أفَلَمْ يَهْدِ لَهم كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ [طه: ١٢٨] ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَكانَ لِزامًا وأجَلٌ مُسَمًّى﴾ [طه: ١٢٩] ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها ومِن آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وأطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى﴾ [طه: ١٣٠] ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم زَهْرَةَ الحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهم فِيهِ ورِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [طه: ١٣١] ﴿وأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْألُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ والعاقِبَةُ لِلتَّقْوى﴾ [طه: ١٣٢] ﴿وقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِن رَبِّهِ أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى﴾ [طه: ١٣٣] ﴿ولَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِن قَبْلِ أنْ نَذِلَّ ونَخْزى﴾ [طه: ١٣٤] ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَن أصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ ومَنِ اهْتَدى﴾ [طه: ١٣٥] اللِّحْيَةُ مَعْرُوفَةٌ، وتُجْمَعُ عَلى لِحًى بِكَسْرِ اللّامِ وضَمِّها. نَسَفَ يَنْسِفُ بِكَسْرِ سِينِ المُضارِعِ وضَمِّها نَسْفًا فَرَّقَ وذَرى. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: قَلَعَ مِنَ الأصْلِ. الزُّرْقَةُ: لَوْنٌ مَعْرُوفٌ، يُقالُ: زَرَقَتْ عَيْنُهُ وازْرَقَّتْ وازْراقَتْ، القاعُ قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الأرْضُ المَلْساءُ لا نَباتَ فِيها ولا بِناءَ. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: المُسْتَوِي مِنَ الأرْضِ. ومِنهُ قَوْلُ ضِرارِ بْنِ الخَطّابِ: ؎لَيَكُونَنَّ بِالبِطاحِ قُرَيْشٌ فَقُعَّةُ القاعِ في أكُفِّ الإماءِ (p-٢٧١)والجَمْعُ أقْوُعٌ وأقْواعٌ وقِيعانٌ. وحَكى مَكِّيٌّ أنَّ القاعَ في اللُّغَةِ المَكانُ المُنْكَشِفُ. وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: القاعُ مُسْتَنْقَعُ الماءِ. الصَّفْصَفُ: المُسْتَوِي الأمْلَسُ. وقِيلَ: الَّذِي لا نَباتَ فِيهِ، وهو مُضاعَفٌ كالسَّبْسَبِ. الأمْتُ: التَّلُّ. والعِوَجُ: التَّعَوُّجُ في الفِجاجِ قالَهُ ابْنُ الأعْرابِيِّ. الهَمْسُ: الصَّوْتُ الخَفِيُّ قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. وقِيلَ: وطْءُ الأقْدامِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎وهُـنَّ يَمْشِيـنَ بِنَـا هَمِيسًا ويُقالُ لِلْأسَدِ الهَمُوسُ لِخَفاءِ وطْئِهِ، ويُقالُ هَمْسُ الطَّعامِ مَضْغُهُ. عَنا يَعْنُو: ذَلَّ وخَضَعَ، وأعَناهُ غَيْرُهُ أذَلَّهُ. وقالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ: ؎مَلِيكٌ عَلى عَرْشِ السَّماءِ مُهَيْمِنٌ ∗∗∗ لِعِزَّتِهِ تَعْنُو الوُجُوهُ وتَسْجُدُ الهَضْمُ: النَّقْصُ تَقُولُ العَرَبُ: هَضَمْتُ لَكَ حَقِّي أيْ حَطَطْتُ مِنهُ، ومِنهُ هَضِيمُ الكَشْحَيْنِ أيْ ضامِرْهُما وفي الصِّحاحِ: رَجُلٌ هَضِيمٌ ومُتَهَضِّمٌ مَظْلُومٌ وتَهَضَّمُهُ واهْتَضَمَهُ ظَلَمَهُ. وقالَ المُتَوَكِّلُ اللَّيْثِيُّ: ؎إنَّ الأذِلَّةَ واللِّئامَ لَمَعْشَرٌ ∗∗∗ مَوْلاهُمُ المُنْهَضِمُ المَظْلُومُ عَرى يَعْرى لَمْ يَكُنْ عَلى جِلْدِهِ شَيْءٌ يَقِيهِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎وأنْ يَعْرَينَ إنْ كُسِيَ الجَوارِي ∗∗∗ فَتَنْبُو العَيْنُ عَنْ كَرَمٍ عِجافِ ضَحى يَضْحى: بَرَزَ لِلشَّمْسِ. قالَ عَمْرُو بْنُ أبِي رَبِيعَةَ: ؎رَأتْ رَجُلًا أمّا إذا الشَّمْسُ عارَضَتْ ∗∗∗ فَيَضْحى وأمّا بِالعَشِيِّ فَيَحْضُرُ الضَّنْكُ: الضِّيقُ والشِّدَّةُ: ضَنُكَ عِيشَةً يَضْنُكُ ضَناكَةً وضَنْكًا، وامْرَأةٌ ضَناكٌ كَثِيرَةُ اللَّحْمِ صارَ جِلْدُها بِهِ. زَهْرَةَ: بِفَتْحِ الهاءِ وسُكُونِها نَحْوَ نَهْرٍ ونَهَرٍ ما يَرُوقُ مِنَ النَّوْرِ، وسِراجٌ زاهِرٌ لَهُ بَرِيقٌ، والأنْجُمُ الزَّهْرُ المُضِيئَةُ، وأزْهَرَ الشَّجَرُ بَدا زَهْرُهُ وهو النَّوْرُ. * * ﴿ولَقَدْ قالَ لَهم هارُونُ مِن قَبْلُ يا قَوْم إنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فاتَّبِعُونِي وأطِيعُوا أمْرِي﴾ ﴿قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتّى يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسى﴾ ﴿قالَ ياهارُونُ ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا﴾ [طه: ٩٢] ﴿ألّا تَتَّبِعَنِي أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ [طه: ٩٣] ﴿قالَ ياابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: ٩٤] ﴿قالَ فَما خَطْبُكَ ياسامِرِيُّ﴾ [طه: ٩٥] ﴿قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ [طه: ٩٦] ﴿قالَ فاذْهَبْ فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ أنْ تَقُولَ لا مِساسَ وإنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وانْظُرْ إلى إلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ في اليَمِّ نَسْفًا﴾ [طه: ٩٧] ﴿إنَّما إلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه: ٩٨] . (p-٢٧٢)أشْفَقَ هارُونُ عَلى نَفْسِهِ وعَلَيْهِمْ وبَذَلَ لَهُمُ النَّصِيحَةَ، وبَيَّنَ أنَّ ما ذَهَبُوا إلَيْهِ مِن أمْرِ العِجْلِ إنَّما هو فِتْنَةٌ إذْ كانَ مَأْمُورًا مِن عِنْدِ اللَّهِ بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، ومِن أخِيهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿اخْلُفْنِي في قَوْمِي﴾ [الأعراف: ١٤٢] الآيَةَ ولا يُمْكِنُهُ أنْ يُخالِفَ أمْرَ اللَّهِ وأمْرَ أخِيهِ. ورُوِيَ أنَّ اللَّهَ أوْحى إلى يُوشَعٍ إنِّي مُهْلِكٌ مِن قَوْمِكَ أرْبَعِينَ ألْفًا فَقالَ: يا رَبِّ فَما بالُ الأخْيارِ ؟ قالَ: إنَّهم لَمْ يَغْضَبُوا لِغَضَبِي، والمُضافُ إلَيْهِ المَقْطُوعُ عَنْهُ مِن قَبْلُ قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن قَبْلُ أنْ يَقُولَ لَهُمُ السّامِرِيُّ ما قالَ، كَأنَّهم أوَّلُ ما وقَعَتْ عَلَيْهِ أبْصارُهم حِينَ طَلَعَ مِنَ الحُفْرَةِ افْتَتَنُوا بِهِ واسْتَحْسَنُوهُ قَبْلَ أنْ يَنْطِقَ السّامِرِيُّ بادَرَ هارُونُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أخْبَرَ عَزَّ وجَلَّ أنَّ هارُونَ قَدْ كانَ قالَ لَهم في أوَّلِ حالِ العِجْلِ إنَّما هي فِتْنَةٌ وبَلاءٌ وتَمْوِيهٌ مِنَ السّامِرِيِّ، وإنَّما رَبُّكُمُ الرَّحْمَنُ الَّذِي لَهُ القُدْرَةُ والعِلْمُ والخَلْقُ والِاخْتِراعُ (فاتَّبِعُونِي) إلى الطُّورِ الَّذِي واعَدَكُمُ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ ﴿وأطِيعُوا أمْرِي﴾ فِيما ذَكَرْتُهُ لَكم. انْتَهى. والضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدٌ عَلى العِجْلِ، زَجَرَهم أوَّلًا هارُونُ عَنِ الباطِلِ وإزالَةِ الشُّبْهَةِ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّما فُتِنْتُمْ﴾ ثُمَّ نَبَّهَهم عَلى مَعْرِفَةِ رَبِّهِمْ وذَكَرَ وصْفَ الرَّحْمَةِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم مَتى تابُوا قَبِلَهم وتَذْكِيرًا لِتَخْلِيصِهِمْ مِنفِرْعَوْنَ زَمانَ لَمْ يُوجَدِ العِجْلُ، ثُمَّ أمَرَهم بِاتِّباعِهِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ نَبِيٌّ يَجِبُ أنْ يُتَّبَعَ ويُطاعَ أمْرُهُ. وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ وأنَّ رَبَّكم بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والجُمْهُورُ بِكَسْرِها، والمَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مِنها في مَوْضِعِ خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ والأمْرُ ﴿وإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ فَهو مِن عَطْفِ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ، وقَدَّرَهُ أبُو حاتِمٍ ولِأنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ أنَما وأنَّ رَبَّكم بِفَتْحِ الهَمْزَتَيْنِ وتَخْرِيجُ هَذِهِ القِراءَةِ عَلى لُغَةِ سُلَيْمٍ حَيْثُ يَفْتَحُونَ أنَّ بَعْدَ القَوْلِ مُطْلَقًا. ولَمّا وعَظَهم هارُونُ ونَبَّهَهم عَلى ما فِيهِ رُشْدُهُمُ اتَّبَعُوا سَبِيلَ الغَيِّ و﴿قالُوا لَنْ نَبْرَحَ﴾ عَلى عِبادَتِهِ مُقِيمِينَ مُلازِمِينَ لَهُ، وغَيُّوا ذَلِكَ بِرُجُوعِ مُوسى وفي قَوْلِهِمْ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى عَدَمِ رُجُوعِهِمْ إلى الِاسْتِدْلالِ وأخَذَ بِتَقْلِيدِهِمُ السّامِرِيُّ ودَلالَةٌ عَلى أنَّ (لَنْ) لا تَقْتَضِي التَّأْيِيدَ خِلافًا لِلزَّمَخْشَرِيِّ إذْ لَوْ كانَ مِن مَوْضُوعِها التَّأْبِيدُ لَما جازَتِ التَّغْيِيَةُ بِحَتّى لِأنَّ التَّغْيِيَةَ لا تَكُونُ إلّا حَيْثُ يَكُونُ الشَّيْءُ مُحْتَمَلًا فَيُزِيلُ ذَلِكَ الِاحْتِمالَ بِالتَّغْيِيَةِ.

طه 20:92

وقَبْلَ (p-٢٧٣)قَوْلِهِ ﴿قالَ ياهارُونُ﴾ كَلامٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ فَرَجَعَ مُوسى ووَجَدَهم عاكِفِينَ عَلى عِبادَةِ العِجْلِ ﴿قالَ ياهارُونُ﴾ وكانَ ظُهُورُ العِجْلِ في سادِسِ وثَلاثِينَ يَوْمًا وعَبَدُوهُ وجاءَهم مُوسى بَعْدَ اسْتِكْمالِ الأرْبَعِينَ، فَعَتَبَ مُوسى عَلى عَدَمِ اتِّباعِهِ لَمّا رَآهم قَدْ ضَلُّوا و(لا) زائِدَةٌ كَهي في قَوْلِهِ ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] . وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى دَخَلَتْ (لا) هُنا لِأنَّ المَعْنى ما دَعاكَ إلى أنْ لا تَتَّبِعَنِي، وما حَمَلَكَ عَلى أنْ لا تَتَّبِعَنِي بِمَن مَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴿أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ يُرِيدُ قَوْلَهُ ﴿اخْلُفْنِي﴾ [الأعراف: ١٤٢] الآيَةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ما مَنَعَكَ أنْ تَتَّبِعَنِي في الغَضَبِ لِلَّهِ وشِدَّةِ الزَّجْرِ عَلى الكُفْرِ والمَعاصِي، وهَلّا قاتَلَتْ مَن كَفَرَ بِمَن آمَنَ ومالَكَ لَمْ تُباشِرِ الأمْرَ كَما كُنْتُ أُباشِرُهُ أنا لَوْ كُنْتُ شاهِدًا، أوْ مالَكَ لَمْ تَلْحَقْنِي. وفي ذَلِكَ تَحْمِيلٌ لِلَّفْظِ ما لا يَحْتَمِلُهُ وتَكْثِيرٌ ولَمّا كانَ قَوْلُهُ تَتَّبِعَنِي لَمْ يُذْكَرْ مُتَعَلِّقُهُ كانَ الظّاهِرُ أنْ لا تَتَّبِعَنِي إلى جَبَلِ الطُّورِ بِبَنِي إسْرائِيلَ فَيَجِيءُ اعْتِذارُ هارُونَ بِقَوْلِهِ ﴿إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ إذْ كانَ لا يَتَّبِعُهُ إلّا المُؤْمِنُونَ ويَبْقى عُبّادُ العِجْلِ عاكِفِينَ عَلَيْهِ كَما قالُوا ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ﴾ [طه: ٩١] ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى تَتَّبِعَنِي تَسِيرُ بِسَيْرِي في الإصْلاحِ والتَّسْدِيدِ، فَيَجِيءُ اعْتِذارُهُ أنَّ الأمْرَ تَفاقَمَ فَلَوْ تَقَوَّيْتُ عَلَيْهِ تَقاتَلُوا واخْتَلَفُوا فَكانَ تَفْرِيقًا بَيْنَهم وإنَّما لايَنْتُ جُهْدِي. وقَرَأ عِيسى بْنُ سُلَيْمانَ الحِجازِيُّ بِلَحْيَتِي بِفَتْحِ اللّامِ وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ. وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ شَدِيدَ الغَضَبِ لِلَّهِ ولِدِينِهِ، ولَمّا رَأى قَوْمَهُ عَبَدُوا عِجْلًا مِن دُونِ اللَّهِ بَعْدَ ما شاهَدُوا مِنَ الآياتِ العِظامِ لَمْ يَتَمالَكْ أنْ أقْبَلَ عَلى أخِيهِ قابِضًا عَلى شَعْرِ رَأْسِهِ، وكانَ كَثِيرَ الشَّعْرِ وعَلى شَعْرِ وجْهِهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ فَأبْدى عُذْرَهُ فَإنَّهُ لَوْ قاتَلَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لَتّفَرَّقُوا وتَفانَوْا، فانْتَظَرَتُكَ لِتَكُونَ المُتَدَرِاكَ لَهم، وخَشِيتُ عِتابَكَ عَلى اطِّراحِ ما وصَّيْتَنِي بِهِ والعَمَلِ بِمُوجِبِها. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿ابْنَ أُمَّ﴾ [الأعراف: ١٥٠] قِراءَةً وإعْرابًا وغَيْرَ ذَلِكَ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ولَمْ يُرْقِبْ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ القافِ مُضارِعُ أرْقُبُ. ولَمّا اعْتَذَرَ لَهُ أخُوهُ رَجَعَ إلى مُخاطَبَةِ الَّذِي أوْقَعَهم في الضَّلالِ وهو السّامِرِيُّ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الخَطْبِ في سُورَةِ يُوسُفَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ﴿فَما خَطْبُكَ﴾ كَما تَقُولُ ما شَأْنُكَ وما أمْرُكَ، لَكِنَّ لَفْظَةَ الخَطْبِ تَقْتَضِي انْتِهارًا لِأنَّ الخَطْبَ مُسْتَعْمَلٌ في المَكارِهِ فَكَأنَّهُ قالَ: ما نَحْسُكَ وما شُؤْمُكَ، وما هَذا الخَطْبُ الَّذِي جاءَ مِن قِبَلَكَ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ كَما ذَكَرَ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ قالَ ﴿فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ [الحجر: ٥٧] وهو قَوْلُ إبْراهِيمَ لِمَلائِكَةِ اللَّهِ فَلَيْسَ هَذا يَقْتَضِي انْتِهارًا ولا شَيْئًا مِمّا ذَكَرَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: خَطْبٌ مَصْدَرُ خَطَبَ الأمْرَ إذا طَلَبَهُ، فَإذا قِيلَ لِمَن يَفْعَلُ شَيْئًا ما خَطْبُكَ، فَمَعْناهُ ما طَلَبُكَ لَهُ. انْتَهى. ومِنهُ خِطْبَةُ النِّكاحِ وهو طَلَبُهُ. وقِيلَ: هو مُشْتَقٌّ مِنَ الخِطابِ كَأنَّهُ قالَ لَهُ: ما حَمَلَكَ عَلى أنْ خاطَبْتَ بَنِي إسْرائِيلَ بِما خاطَبْتَ وفَعَلْتَ مَعَهم ما فَعَلْتَ ﴿قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ [طه: ٩٦] . قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: عَلِمْتُ ما لَمْ يَعْلَمُوا. وقالَ الزَّجّاجُ: بَصُرَ بِالشَّيْءِ إذا عَلِمَهُ وأبْصَرَ إذا نَظَرَ. وقِيلَ: بَصَرَ بِهِ وأبْصَرَهُ بِمَعْنًى واحِدٍ. وقَرَأ الأعْمَشُ وأبُو السَّمّاكِ: بَصِرْتُ بِكَسْرِ الصّادِ بِما لَمْ تَبْصَرُوا بِفَتْحِ الصّادِ. وقَرَأ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ بُصُرْتُ بِضَمِّ الباءِ وضَمِّ الصّادِ بِما لَمْ تُبْصِرُوا بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الصّادِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ فِيهِما. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿بَصُرْتُ﴾ [طه: ٩٦] بِضَمِّ الصّادِ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَحْرِيَّةَ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وابْنُ أبِي لَيْلى وابْنُ مُناذِرٍ وابْنُ سَعْدانَ وقَعْنَبٌ تَبْصُرُوا بِتاءِ الخِطابِ لِمُوسى وبَنِي إسْرائِيلَ وباقِي السَّبْعَةِ (يَبْصُرُوا) بِياءِ الغَيْبَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً﴾ [طه: ٩٦] بِالضّادِ المُعْجَمَةِ فِيهِما أيْ أخَذْتُ بِكَفِّي مَعَ الأصابِعِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وأُبَيٌّ وابْنُ الزُّبَيْرِ وحُمَيدٌ والحَسَنُ بِالصّادِ فِيهِما، وهو الأخْذُ بِأطْرافِ الأصابِعِ. وقَرَأ الحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ وقَتادَةُ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ بِضَمِّ القافِ والصّادِ المُهْمَلَةِ، وأدْغَمَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ الضّادَ المَنقُوطَةَ في تاءِ المُتَكَلِّمِ وأبْقى الإطْباقَ مَعَ تَشْدِيدِ التّاءِ. وقالَ المُفَسِّرُونَ (الرَّسُولِ) هُنا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ (p-٢٧٤)السَّلامُ، وتَقْدِيرُهُ مِن (أثَرِ) فَرَسِ (الرَّسُولِ) وكَذا قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، والأثَرُ التُّرابُ الَّذِي تَحْتَ حافِرِهِ (فَنَبَذْتُها) أيْ ألْقَيْتُها عَلى الحُلِيِّ الَّذِي تَصَوَّرَ مِنهُ العِجْلُ فَكانَ مِنها ما رَأيْتُ. وقالَ الأكْثَرُونَ رَأى السّامِرِيُّ جِبْرِيلَ يَوْمَ فُلِقَ البَحْرُ، وعَنْ عَلِيٍّ رَآهُ حِينَ ذَهَبَ مُوسى إلى الطُّورِ وجاءَهُ جِبْرِيلُ فَأبْصَرَهُ دُونَ النّاسِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتُ: لِمَ سَمّاهُ (الرَّسُولَ) دُونَ جِبْرِيلَ ورُوحِ القُدُسِ ؟ قُلْتُ: حِينَ حَلَّ مِيعادُ الذِّهابِ إلى الطُّورِ أرْسَلَ اللَّهُ إلى مُوسى جِبْرِيلَ راكِبَ حَيْزُومَ فَرَسِ الحَياةِ لِيَذْهَبَ بِهِ، فَأبْصَرَهُ السّامِرِيُّ فَقالَ: إنَّ لِهَذا لَشَأْنًا فَقَبَضَ القَبْضَةَ مِن تُرْبَةِ مَوْطِئِهِ، فَلَمّا سَألَهُ مُوسى عَنْ قِصَّتِهِ قالَ قَبَضْتُ مِن أثَرِ فَرَسِ المُرْسَلِ إلَيْكَ يَوْمَ حُلُولِ المِيعادِ، ولَعَلَّهُ لَمْ يَعْرِفْ أنَّهُ جِبْرِيلُ. انْتَهى. وهو قَوْلُ عَلِيٍّ مَعَ زِيادَةٍ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْبَهانِيُّ: لَيْسَ في القُرْآنِ تَصْرِيحٌ بِهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ، وهُنا وجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالرَّسُولِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأثَرُهُ سُنَّتُهُ ورَسْمُهُ الَّذِي أمَرَ بِهِ، فَقَدْ يَقُولُ الرَّجُلُ: فُلانٌ يَقْفُو أثَرَ فُلانٍ ويَقْتَصُّ أثَرَهُ إذا كانَ يَمْتَثِلُ رَسْمَهُ، والتَّقْدِيرُ أنَّ مُوسى لَمّا أقْبَلَ عَلى السّامِرِيِّ بِاللَّوْمِ والمَسْألَةِ عَنِ الأمْرِ الَّذِي دَعاهُ إلى إضْلالِ القَوْلِ في العِجْلِ ﴿قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ [طه: ٩٦] أيْ عَرَفْتُ أنَّ الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ لَيْسَ بِحَقٍّ، وقَدْ كُنْتُ قَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِكَ أيُّها الرَّسُولُ أيْ شَيْئًا مِن دِينِكَ (فَنَبَذْتُها) أيْ طَرَحْتُها. فَعِنْدَ ذَلِكَ أُعْلِمَ مُوسى بِما لَهُ مِنَ العَذابِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ وإنَّما أرادَ لَفْظَ الإخْبارِ عَنْ غائِبٍ كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِرَئِيسِهِ وهو مُواجِهٌ لَهُ: ما يَقُولُ الأمِيرُ في كَذا أوْ بِماذا يَأْمُرُ الأمِيرُ، وتَسْمِيَتُهُ رَسُولًا مَعَ جَحْدِهِ وكُفْرِهِ، فَعَلى مَذْهَبِ مَن حَكى اللَّهُ عَنْهُ قَوْلَهُ ﴿ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] فَإنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِالإنْزالِ قِيلَ: وما ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ أقْرَبُ إلى التَّحْقِيقِ إلّا أنَّ فِيهِ مُخالَفَةَ المُفَسِّرِينَ. قِيلَ: ويَبْعُدُ ما قالُوهُ أنَّ جِبْرِيلَ لَيْسَ مَعْهُودًا بِاسْمِ رَسُولٍ، ولَمْ يَجْرِ لَهُ فِيما تَقَدَّمَ ذِكْرٌ حَتّى تَكُونَ اللّامُ في الرَّسُولِ لِسابِقٍ في الذِّكْرِ، ولِأنَّ ما قالُوهُ لا بُدَّ مِن إضْمارِ أيْ مِن أثَرِ حافِرِ فَرَسِ الرَّسُولِ والإضْمارُ خِلافُ الأصْلِ، ولِأنَّ اخْتِصاصَ السّامِرِيِّ بِرُؤْيَةِ جِبْرِيلَ ومَعْرِفَتِهِ مِن بَيْنِ النّاسِ يَبْعُدُ جَدًّا، وكَيْفَ عَرَفَ أنَّ حافِرَ فَرَسِهِ يُؤَثِّرُ هَذا الأثَرَ الغَرِيبَ العَجِيبَ مِن إحْياءِ الجَمادِ بِهِ وصَيْرُورَتِهِ لَحْمًا ودَمًا ؟ وكَيْفَ عَرَفَ جِبْرِيلُ يَتَرَدَّدُ إلى نَبِيٍّ وقَدْ عَرَفَ نُبُوَّتَهُ وصَحَّتْ عِنْدَهُ فَحاوَلَ الإضْلالَ ؟ وكَيْفَ اطَّلَعَ كافِرٌ عَلى تُرابٍ هَذا شَأْنُهُ ؟ فَلِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لَعَلَّ مُوسى اطَّلَعَ عَلى شَيْءٍ آخَرَ يُشْبِهُ هَذا فَلِأجْلِهِ أتى بِالمُعْجِزاتِ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ قادِحًا فِيما أتَوْا بِهِ مِنَ الخَوارِقِ. انْتَهى. ما رَجَّحَ بِهِ هَذا القائِلُ قَوْلَ أبِي مُسْلِمٍ الأصْبَهانِيِّ.

طه 20:93

وقَبْلَ (p-٢٧٣)قَوْلِهِ ﴿قالَ ياهارُونُ﴾ كَلامٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ فَرَجَعَ مُوسى ووَجَدَهم عاكِفِينَ عَلى عِبادَةِ العِجْلِ ﴿قالَ ياهارُونُ﴾ وكانَ ظُهُورُ العِجْلِ في سادِسِ وثَلاثِينَ يَوْمًا وعَبَدُوهُ وجاءَهم مُوسى بَعْدَ اسْتِكْمالِ الأرْبَعِينَ، فَعَتَبَ مُوسى عَلى عَدَمِ اتِّباعِهِ لَمّا رَآهم قَدْ ضَلُّوا و(لا) زائِدَةٌ كَهي في قَوْلِهِ ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] . وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى دَخَلَتْ (لا) هُنا لِأنَّ المَعْنى ما دَعاكَ إلى أنْ لا تَتَّبِعَنِي، وما حَمَلَكَ عَلى أنْ لا تَتَّبِعَنِي بِمَن مَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴿أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ يُرِيدُ قَوْلَهُ ﴿اخْلُفْنِي﴾ [الأعراف: ١٤٢] الآيَةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ما مَنَعَكَ أنْ تَتَّبِعَنِي في الغَضَبِ لِلَّهِ وشِدَّةِ الزَّجْرِ عَلى الكُفْرِ والمَعاصِي، وهَلّا قاتَلَتْ مَن كَفَرَ بِمَن آمَنَ ومالَكَ لَمْ تُباشِرِ الأمْرَ كَما كُنْتُ أُباشِرُهُ أنا لَوْ كُنْتُ شاهِدًا، أوْ مالَكَ لَمْ تَلْحَقْنِي. وفي ذَلِكَ تَحْمِيلٌ لِلَّفْظِ ما لا يَحْتَمِلُهُ وتَكْثِيرٌ ولَمّا كانَ قَوْلُهُ تَتَّبِعَنِي لَمْ يُذْكَرْ مُتَعَلِّقُهُ كانَ الظّاهِرُ أنْ لا تَتَّبِعَنِي إلى جَبَلِ الطُّورِ بِبَنِي إسْرائِيلَ فَيَجِيءُ اعْتِذارُ هارُونَ بِقَوْلِهِ ﴿إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ إذْ كانَ لا يَتَّبِعُهُ إلّا المُؤْمِنُونَ ويَبْقى عُبّادُ العِجْلِ عاكِفِينَ عَلَيْهِ كَما قالُوا ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ﴾ [طه: ٩١] ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى تَتَّبِعَنِي تَسِيرُ بِسَيْرِي في الإصْلاحِ والتَّسْدِيدِ، فَيَجِيءُ اعْتِذارُهُ أنَّ الأمْرَ تَفاقَمَ فَلَوْ تَقَوَّيْتُ عَلَيْهِ تَقاتَلُوا واخْتَلَفُوا فَكانَ تَفْرِيقًا بَيْنَهم وإنَّما لايَنْتُ جُهْدِي. وقَرَأ عِيسى بْنُ سُلَيْمانَ الحِجازِيُّ بِلَحْيَتِي بِفَتْحِ اللّامِ وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ. وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ شَدِيدَ الغَضَبِ لِلَّهِ ولِدِينِهِ، ولَمّا رَأى قَوْمَهُ عَبَدُوا عِجْلًا مِن دُونِ اللَّهِ بَعْدَ ما شاهَدُوا مِنَ الآياتِ العِظامِ لَمْ يَتَمالَكْ أنْ أقْبَلَ عَلى أخِيهِ قابِضًا عَلى شَعْرِ رَأْسِهِ، وكانَ كَثِيرَ الشَّعْرِ وعَلى شَعْرِ وجْهِهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ فَأبْدى عُذْرَهُ فَإنَّهُ لَوْ قاتَلَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لَتّفَرَّقُوا وتَفانَوْا، فانْتَظَرَتُكَ لِتَكُونَ المُتَدَرِاكَ لَهم، وخَشِيتُ عِتابَكَ عَلى اطِّراحِ ما وصَّيْتَنِي بِهِ والعَمَلِ بِمُوجِبِها. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿ابْنَ أُمَّ﴾ [الأعراف: ١٥٠] قِراءَةً وإعْرابًا وغَيْرَ ذَلِكَ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ولَمْ يُرْقِبْ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ القافِ مُضارِعُ أرْقُبُ. ولَمّا اعْتَذَرَ لَهُ أخُوهُ رَجَعَ إلى مُخاطَبَةِ الَّذِي أوْقَعَهم في الضَّلالِ وهو السّامِرِيُّ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الخَطْبِ في سُورَةِ يُوسُفَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ﴿فَما خَطْبُكَ﴾ كَما تَقُولُ ما شَأْنُكَ وما أمْرُكَ، لَكِنَّ لَفْظَةَ الخَطْبِ تَقْتَضِي انْتِهارًا لِأنَّ الخَطْبَ مُسْتَعْمَلٌ في المَكارِهِ فَكَأنَّهُ قالَ: ما نَحْسُكَ وما شُؤْمُكَ، وما هَذا الخَطْبُ الَّذِي جاءَ مِن قِبَلَكَ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ كَما ذَكَرَ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ قالَ ﴿فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ [الحجر: ٥٧] وهو قَوْلُ إبْراهِيمَ لِمَلائِكَةِ اللَّهِ فَلَيْسَ هَذا يَقْتَضِي انْتِهارًا ولا شَيْئًا مِمّا ذَكَرَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: خَطْبٌ مَصْدَرُ خَطَبَ الأمْرَ إذا طَلَبَهُ، فَإذا قِيلَ لِمَن يَفْعَلُ شَيْئًا ما خَطْبُكَ، فَمَعْناهُ ما طَلَبُكَ لَهُ. انْتَهى. ومِنهُ خِطْبَةُ النِّكاحِ وهو طَلَبُهُ. وقِيلَ: هو مُشْتَقٌّ مِنَ الخِطابِ كَأنَّهُ قالَ لَهُ: ما حَمَلَكَ عَلى أنْ خاطَبْتَ بَنِي إسْرائِيلَ بِما خاطَبْتَ وفَعَلْتَ مَعَهم ما فَعَلْتَ ﴿قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ [طه: ٩٦] . قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: عَلِمْتُ ما لَمْ يَعْلَمُوا. وقالَ الزَّجّاجُ: بَصُرَ بِالشَّيْءِ إذا عَلِمَهُ وأبْصَرَ إذا نَظَرَ. وقِيلَ: بَصَرَ بِهِ وأبْصَرَهُ بِمَعْنًى واحِدٍ. وقَرَأ الأعْمَشُ وأبُو السَّمّاكِ: بَصِرْتُ بِكَسْرِ الصّادِ بِما لَمْ تَبْصَرُوا بِفَتْحِ الصّادِ. وقَرَأ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ بُصُرْتُ بِضَمِّ الباءِ وضَمِّ الصّادِ بِما لَمْ تُبْصِرُوا بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الصّادِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ فِيهِما. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿بَصُرْتُ﴾ [طه: ٩٦] بِضَمِّ الصّادِ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَحْرِيَّةَ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وابْنُ أبِي لَيْلى وابْنُ مُناذِرٍ وابْنُ سَعْدانَ وقَعْنَبٌ تَبْصُرُوا بِتاءِ الخِطابِ لِمُوسى وبَنِي إسْرائِيلَ وباقِي السَّبْعَةِ (يَبْصُرُوا) بِياءِ الغَيْبَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً﴾ [طه: ٩٦] بِالضّادِ المُعْجَمَةِ فِيهِما أيْ أخَذْتُ بِكَفِّي مَعَ الأصابِعِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وأُبَيٌّ وابْنُ الزُّبَيْرِ وحُمَيدٌ والحَسَنُ بِالصّادِ فِيهِما، وهو الأخْذُ بِأطْرافِ الأصابِعِ. وقَرَأ الحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ وقَتادَةُ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ بِضَمِّ القافِ والصّادِ المُهْمَلَةِ، وأدْغَمَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ الضّادَ المَنقُوطَةَ في تاءِ المُتَكَلِّمِ وأبْقى الإطْباقَ مَعَ تَشْدِيدِ التّاءِ. وقالَ المُفَسِّرُونَ (الرَّسُولِ) هُنا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ (p-٢٧٤)السَّلامُ، وتَقْدِيرُهُ مِن (أثَرِ) فَرَسِ (الرَّسُولِ) وكَذا قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، والأثَرُ التُّرابُ الَّذِي تَحْتَ حافِرِهِ (فَنَبَذْتُها) أيْ ألْقَيْتُها عَلى الحُلِيِّ الَّذِي تَصَوَّرَ مِنهُ العِجْلُ فَكانَ مِنها ما رَأيْتُ. وقالَ الأكْثَرُونَ رَأى السّامِرِيُّ جِبْرِيلَ يَوْمَ فُلِقَ البَحْرُ، وعَنْ عَلِيٍّ رَآهُ حِينَ ذَهَبَ مُوسى إلى الطُّورِ وجاءَهُ جِبْرِيلُ فَأبْصَرَهُ دُونَ النّاسِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتُ: لِمَ سَمّاهُ (الرَّسُولَ) دُونَ جِبْرِيلَ ورُوحِ القُدُسِ ؟ قُلْتُ: حِينَ حَلَّ مِيعادُ الذِّهابِ إلى الطُّورِ أرْسَلَ اللَّهُ إلى مُوسى جِبْرِيلَ راكِبَ حَيْزُومَ فَرَسِ الحَياةِ لِيَذْهَبَ بِهِ، فَأبْصَرَهُ السّامِرِيُّ فَقالَ: إنَّ لِهَذا لَشَأْنًا فَقَبَضَ القَبْضَةَ مِن تُرْبَةِ مَوْطِئِهِ، فَلَمّا سَألَهُ مُوسى عَنْ قِصَّتِهِ قالَ قَبَضْتُ مِن أثَرِ فَرَسِ المُرْسَلِ إلَيْكَ يَوْمَ حُلُولِ المِيعادِ، ولَعَلَّهُ لَمْ يَعْرِفْ أنَّهُ جِبْرِيلُ. انْتَهى. وهو قَوْلُ عَلِيٍّ مَعَ زِيادَةٍ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْبَهانِيُّ: لَيْسَ في القُرْآنِ تَصْرِيحٌ بِهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ، وهُنا وجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالرَّسُولِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأثَرُهُ سُنَّتُهُ ورَسْمُهُ الَّذِي أمَرَ بِهِ، فَقَدْ يَقُولُ الرَّجُلُ: فُلانٌ يَقْفُو أثَرَ فُلانٍ ويَقْتَصُّ أثَرَهُ إذا كانَ يَمْتَثِلُ رَسْمَهُ، والتَّقْدِيرُ أنَّ مُوسى لَمّا أقْبَلَ عَلى السّامِرِيِّ بِاللَّوْمِ والمَسْألَةِ عَنِ الأمْرِ الَّذِي دَعاهُ إلى إضْلالِ القَوْلِ في العِجْلِ ﴿قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ [طه: ٩٦] أيْ عَرَفْتُ أنَّ الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ لَيْسَ بِحَقٍّ، وقَدْ كُنْتُ قَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِكَ أيُّها الرَّسُولُ أيْ شَيْئًا مِن دِينِكَ (فَنَبَذْتُها) أيْ طَرَحْتُها. فَعِنْدَ ذَلِكَ أُعْلِمَ مُوسى بِما لَهُ مِنَ العَذابِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ وإنَّما أرادَ لَفْظَ الإخْبارِ عَنْ غائِبٍ كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِرَئِيسِهِ وهو مُواجِهٌ لَهُ: ما يَقُولُ الأمِيرُ في كَذا أوْ بِماذا يَأْمُرُ الأمِيرُ، وتَسْمِيَتُهُ رَسُولًا مَعَ جَحْدِهِ وكُفْرِهِ، فَعَلى مَذْهَبِ مَن حَكى اللَّهُ عَنْهُ قَوْلَهُ ﴿ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] فَإنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِالإنْزالِ قِيلَ: وما ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ أقْرَبُ إلى التَّحْقِيقِ إلّا أنَّ فِيهِ مُخالَفَةَ المُفَسِّرِينَ. قِيلَ: ويَبْعُدُ ما قالُوهُ أنَّ جِبْرِيلَ لَيْسَ مَعْهُودًا بِاسْمِ رَسُولٍ، ولَمْ يَجْرِ لَهُ فِيما تَقَدَّمَ ذِكْرٌ حَتّى تَكُونَ اللّامُ في الرَّسُولِ لِسابِقٍ في الذِّكْرِ، ولِأنَّ ما قالُوهُ لا بُدَّ مِن إضْمارِ أيْ مِن أثَرِ حافِرِ فَرَسِ الرَّسُولِ والإضْمارُ خِلافُ الأصْلِ، ولِأنَّ اخْتِصاصَ السّامِرِيِّ بِرُؤْيَةِ جِبْرِيلَ ومَعْرِفَتِهِ مِن بَيْنِ النّاسِ يَبْعُدُ جَدًّا، وكَيْفَ عَرَفَ أنَّ حافِرَ فَرَسِهِ يُؤَثِّرُ هَذا الأثَرَ الغَرِيبَ العَجِيبَ مِن إحْياءِ الجَمادِ بِهِ وصَيْرُورَتِهِ لَحْمًا ودَمًا ؟ وكَيْفَ عَرَفَ جِبْرِيلُ يَتَرَدَّدُ إلى نَبِيٍّ وقَدْ عَرَفَ نُبُوَّتَهُ وصَحَّتْ عِنْدَهُ فَحاوَلَ الإضْلالَ ؟ وكَيْفَ اطَّلَعَ كافِرٌ عَلى تُرابٍ هَذا شَأْنُهُ ؟ فَلِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لَعَلَّ مُوسى اطَّلَعَ عَلى شَيْءٍ آخَرَ يُشْبِهُ هَذا فَلِأجْلِهِ أتى بِالمُعْجِزاتِ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ قادِحًا فِيما أتَوْا بِهِ مِنَ الخَوارِقِ. انْتَهى. ما رَجَّحَ بِهِ هَذا القائِلُ قَوْلَ أبِي مُسْلِمٍ الأصْبَهانِيِّ.

طه 20:94

وقَبْلَ (p-٢٧٣)قَوْلِهِ ﴿قالَ ياهارُونُ﴾ كَلامٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ فَرَجَعَ مُوسى ووَجَدَهم عاكِفِينَ عَلى عِبادَةِ العِجْلِ ﴿قالَ ياهارُونُ﴾ وكانَ ظُهُورُ العِجْلِ في سادِسِ وثَلاثِينَ يَوْمًا وعَبَدُوهُ وجاءَهم مُوسى بَعْدَ اسْتِكْمالِ الأرْبَعِينَ، فَعَتَبَ مُوسى عَلى عَدَمِ اتِّباعِهِ لَمّا رَآهم قَدْ ضَلُّوا و(لا) زائِدَةٌ كَهي في قَوْلِهِ ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] . وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى دَخَلَتْ (لا) هُنا لِأنَّ المَعْنى ما دَعاكَ إلى أنْ لا تَتَّبِعَنِي، وما حَمَلَكَ عَلى أنْ لا تَتَّبِعَنِي بِمَن مَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴿أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ يُرِيدُ قَوْلَهُ ﴿اخْلُفْنِي﴾ [الأعراف: ١٤٢] الآيَةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ما مَنَعَكَ أنْ تَتَّبِعَنِي في الغَضَبِ لِلَّهِ وشِدَّةِ الزَّجْرِ عَلى الكُفْرِ والمَعاصِي، وهَلّا قاتَلَتْ مَن كَفَرَ بِمَن آمَنَ ومالَكَ لَمْ تُباشِرِ الأمْرَ كَما كُنْتُ أُباشِرُهُ أنا لَوْ كُنْتُ شاهِدًا، أوْ مالَكَ لَمْ تَلْحَقْنِي. وفي ذَلِكَ تَحْمِيلٌ لِلَّفْظِ ما لا يَحْتَمِلُهُ وتَكْثِيرٌ ولَمّا كانَ قَوْلُهُ تَتَّبِعَنِي لَمْ يُذْكَرْ مُتَعَلِّقُهُ كانَ الظّاهِرُ أنْ لا تَتَّبِعَنِي إلى جَبَلِ الطُّورِ بِبَنِي إسْرائِيلَ فَيَجِيءُ اعْتِذارُ هارُونَ بِقَوْلِهِ ﴿إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ إذْ كانَ لا يَتَّبِعُهُ إلّا المُؤْمِنُونَ ويَبْقى عُبّادُ العِجْلِ عاكِفِينَ عَلَيْهِ كَما قالُوا ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ﴾ [طه: ٩١] ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى تَتَّبِعَنِي تَسِيرُ بِسَيْرِي في الإصْلاحِ والتَّسْدِيدِ، فَيَجِيءُ اعْتِذارُهُ أنَّ الأمْرَ تَفاقَمَ فَلَوْ تَقَوَّيْتُ عَلَيْهِ تَقاتَلُوا واخْتَلَفُوا فَكانَ تَفْرِيقًا بَيْنَهم وإنَّما لايَنْتُ جُهْدِي. وقَرَأ عِيسى بْنُ سُلَيْمانَ الحِجازِيُّ بِلَحْيَتِي بِفَتْحِ اللّامِ وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ. وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ شَدِيدَ الغَضَبِ لِلَّهِ ولِدِينِهِ، ولَمّا رَأى قَوْمَهُ عَبَدُوا عِجْلًا مِن دُونِ اللَّهِ بَعْدَ ما شاهَدُوا مِنَ الآياتِ العِظامِ لَمْ يَتَمالَكْ أنْ أقْبَلَ عَلى أخِيهِ قابِضًا عَلى شَعْرِ رَأْسِهِ، وكانَ كَثِيرَ الشَّعْرِ وعَلى شَعْرِ وجْهِهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ فَأبْدى عُذْرَهُ فَإنَّهُ لَوْ قاتَلَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لَتّفَرَّقُوا وتَفانَوْا، فانْتَظَرَتُكَ لِتَكُونَ المُتَدَرِاكَ لَهم، وخَشِيتُ عِتابَكَ عَلى اطِّراحِ ما وصَّيْتَنِي بِهِ والعَمَلِ بِمُوجِبِها. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿ابْنَ أُمَّ﴾ [الأعراف: ١٥٠] قِراءَةً وإعْرابًا وغَيْرَ ذَلِكَ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ولَمْ يُرْقِبْ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ القافِ مُضارِعُ أرْقُبُ. ولَمّا اعْتَذَرَ لَهُ أخُوهُ رَجَعَ إلى مُخاطَبَةِ الَّذِي أوْقَعَهم في الضَّلالِ وهو السّامِرِيُّ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الخَطْبِ في سُورَةِ يُوسُفَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ﴿فَما خَطْبُكَ﴾ كَما تَقُولُ ما شَأْنُكَ وما أمْرُكَ، لَكِنَّ لَفْظَةَ الخَطْبِ تَقْتَضِي انْتِهارًا لِأنَّ الخَطْبَ مُسْتَعْمَلٌ في المَكارِهِ فَكَأنَّهُ قالَ: ما نَحْسُكَ وما شُؤْمُكَ، وما هَذا الخَطْبُ الَّذِي جاءَ مِن قِبَلَكَ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ كَما ذَكَرَ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ قالَ ﴿فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ [الحجر: ٥٧] وهو قَوْلُ إبْراهِيمَ لِمَلائِكَةِ اللَّهِ فَلَيْسَ هَذا يَقْتَضِي انْتِهارًا ولا شَيْئًا مِمّا ذَكَرَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: خَطْبٌ مَصْدَرُ خَطَبَ الأمْرَ إذا طَلَبَهُ، فَإذا قِيلَ لِمَن يَفْعَلُ شَيْئًا ما خَطْبُكَ، فَمَعْناهُ ما طَلَبُكَ لَهُ. انْتَهى. ومِنهُ خِطْبَةُ النِّكاحِ وهو طَلَبُهُ. وقِيلَ: هو مُشْتَقٌّ مِنَ الخِطابِ كَأنَّهُ قالَ لَهُ: ما حَمَلَكَ عَلى أنْ خاطَبْتَ بَنِي إسْرائِيلَ بِما خاطَبْتَ وفَعَلْتَ مَعَهم ما فَعَلْتَ ﴿قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ [طه: ٩٦] . قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: عَلِمْتُ ما لَمْ يَعْلَمُوا. وقالَ الزَّجّاجُ: بَصُرَ بِالشَّيْءِ إذا عَلِمَهُ وأبْصَرَ إذا نَظَرَ. وقِيلَ: بَصَرَ بِهِ وأبْصَرَهُ بِمَعْنًى واحِدٍ. وقَرَأ الأعْمَشُ وأبُو السَّمّاكِ: بَصِرْتُ بِكَسْرِ الصّادِ بِما لَمْ تَبْصَرُوا بِفَتْحِ الصّادِ. وقَرَأ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ بُصُرْتُ بِضَمِّ الباءِ وضَمِّ الصّادِ بِما لَمْ تُبْصِرُوا بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الصّادِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ فِيهِما. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿بَصُرْتُ﴾ [طه: ٩٦] بِضَمِّ الصّادِ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَحْرِيَّةَ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وابْنُ أبِي لَيْلى وابْنُ مُناذِرٍ وابْنُ سَعْدانَ وقَعْنَبٌ تَبْصُرُوا بِتاءِ الخِطابِ لِمُوسى وبَنِي إسْرائِيلَ وباقِي السَّبْعَةِ (يَبْصُرُوا) بِياءِ الغَيْبَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً﴾ [طه: ٩٦] بِالضّادِ المُعْجَمَةِ فِيهِما أيْ أخَذْتُ بِكَفِّي مَعَ الأصابِعِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وأُبَيٌّ وابْنُ الزُّبَيْرِ وحُمَيدٌ والحَسَنُ بِالصّادِ فِيهِما، وهو الأخْذُ بِأطْرافِ الأصابِعِ. وقَرَأ الحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ وقَتادَةُ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ بِضَمِّ القافِ والصّادِ المُهْمَلَةِ، وأدْغَمَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ الضّادَ المَنقُوطَةَ في تاءِ المُتَكَلِّمِ وأبْقى الإطْباقَ مَعَ تَشْدِيدِ التّاءِ. وقالَ المُفَسِّرُونَ (الرَّسُولِ) هُنا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ (p-٢٧٤)السَّلامُ، وتَقْدِيرُهُ مِن (أثَرِ) فَرَسِ (الرَّسُولِ) وكَذا قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، والأثَرُ التُّرابُ الَّذِي تَحْتَ حافِرِهِ (فَنَبَذْتُها) أيْ ألْقَيْتُها عَلى الحُلِيِّ الَّذِي تَصَوَّرَ مِنهُ العِجْلُ فَكانَ مِنها ما رَأيْتُ. وقالَ الأكْثَرُونَ رَأى السّامِرِيُّ جِبْرِيلَ يَوْمَ فُلِقَ البَحْرُ، وعَنْ عَلِيٍّ رَآهُ حِينَ ذَهَبَ مُوسى إلى الطُّورِ وجاءَهُ جِبْرِيلُ فَأبْصَرَهُ دُونَ النّاسِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتُ: لِمَ سَمّاهُ (الرَّسُولَ) دُونَ جِبْرِيلَ ورُوحِ القُدُسِ ؟ قُلْتُ: حِينَ حَلَّ مِيعادُ الذِّهابِ إلى الطُّورِ أرْسَلَ اللَّهُ إلى مُوسى جِبْرِيلَ راكِبَ حَيْزُومَ فَرَسِ الحَياةِ لِيَذْهَبَ بِهِ، فَأبْصَرَهُ السّامِرِيُّ فَقالَ: إنَّ لِهَذا لَشَأْنًا فَقَبَضَ القَبْضَةَ مِن تُرْبَةِ مَوْطِئِهِ، فَلَمّا سَألَهُ مُوسى عَنْ قِصَّتِهِ قالَ قَبَضْتُ مِن أثَرِ فَرَسِ المُرْسَلِ إلَيْكَ يَوْمَ حُلُولِ المِيعادِ، ولَعَلَّهُ لَمْ يَعْرِفْ أنَّهُ جِبْرِيلُ. انْتَهى. وهو قَوْلُ عَلِيٍّ مَعَ زِيادَةٍ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْبَهانِيُّ: لَيْسَ في القُرْآنِ تَصْرِيحٌ بِهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ، وهُنا وجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالرَّسُولِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأثَرُهُ سُنَّتُهُ ورَسْمُهُ الَّذِي أمَرَ بِهِ، فَقَدْ يَقُولُ الرَّجُلُ: فُلانٌ يَقْفُو أثَرَ فُلانٍ ويَقْتَصُّ أثَرَهُ إذا كانَ يَمْتَثِلُ رَسْمَهُ، والتَّقْدِيرُ أنَّ مُوسى لَمّا أقْبَلَ عَلى السّامِرِيِّ بِاللَّوْمِ والمَسْألَةِ عَنِ الأمْرِ الَّذِي دَعاهُ إلى إضْلالِ القَوْلِ في العِجْلِ ﴿قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ [طه: ٩٦] أيْ عَرَفْتُ أنَّ الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ لَيْسَ بِحَقٍّ، وقَدْ كُنْتُ قَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِكَ أيُّها الرَّسُولُ أيْ شَيْئًا مِن دِينِكَ (فَنَبَذْتُها) أيْ طَرَحْتُها. فَعِنْدَ ذَلِكَ أُعْلِمَ مُوسى بِما لَهُ مِنَ العَذابِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ وإنَّما أرادَ لَفْظَ الإخْبارِ عَنْ غائِبٍ كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِرَئِيسِهِ وهو مُواجِهٌ لَهُ: ما يَقُولُ الأمِيرُ في كَذا أوْ بِماذا يَأْمُرُ الأمِيرُ، وتَسْمِيَتُهُ رَسُولًا مَعَ جَحْدِهِ وكُفْرِهِ، فَعَلى مَذْهَبِ مَن حَكى اللَّهُ عَنْهُ قَوْلَهُ ﴿ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] فَإنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِالإنْزالِ قِيلَ: وما ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ أقْرَبُ إلى التَّحْقِيقِ إلّا أنَّ فِيهِ مُخالَفَةَ المُفَسِّرِينَ. قِيلَ: ويَبْعُدُ ما قالُوهُ أنَّ جِبْرِيلَ لَيْسَ مَعْهُودًا بِاسْمِ رَسُولٍ، ولَمْ يَجْرِ لَهُ فِيما تَقَدَّمَ ذِكْرٌ حَتّى تَكُونَ اللّامُ في الرَّسُولِ لِسابِقٍ في الذِّكْرِ، ولِأنَّ ما قالُوهُ لا بُدَّ مِن إضْمارِ أيْ مِن أثَرِ حافِرِ فَرَسِ الرَّسُولِ والإضْمارُ خِلافُ الأصْلِ، ولِأنَّ اخْتِصاصَ السّامِرِيِّ بِرُؤْيَةِ جِبْرِيلَ ومَعْرِفَتِهِ مِن بَيْنِ النّاسِ يَبْعُدُ جَدًّا، وكَيْفَ عَرَفَ أنَّ حافِرَ فَرَسِهِ يُؤَثِّرُ هَذا الأثَرَ الغَرِيبَ العَجِيبَ مِن إحْياءِ الجَمادِ بِهِ وصَيْرُورَتِهِ لَحْمًا ودَمًا ؟ وكَيْفَ عَرَفَ جِبْرِيلُ يَتَرَدَّدُ إلى نَبِيٍّ وقَدْ عَرَفَ نُبُوَّتَهُ وصَحَّتْ عِنْدَهُ فَحاوَلَ الإضْلالَ ؟ وكَيْفَ اطَّلَعَ كافِرٌ عَلى تُرابٍ هَذا شَأْنُهُ ؟ فَلِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لَعَلَّ مُوسى اطَّلَعَ عَلى شَيْءٍ آخَرَ يُشْبِهُ هَذا فَلِأجْلِهِ أتى بِالمُعْجِزاتِ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ قادِحًا فِيما أتَوْا بِهِ مِنَ الخَوارِقِ. انْتَهى. ما رَجَّحَ بِهِ هَذا القائِلُ قَوْلَ أبِي مُسْلِمٍ الأصْبَهانِيِّ.

طه 20:95

وقَبْلَ (p-٢٧٣)قَوْلِهِ ﴿قالَ ياهارُونُ﴾ كَلامٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ فَرَجَعَ مُوسى ووَجَدَهم عاكِفِينَ عَلى عِبادَةِ العِجْلِ ﴿قالَ ياهارُونُ﴾ وكانَ ظُهُورُ العِجْلِ في سادِسِ وثَلاثِينَ يَوْمًا وعَبَدُوهُ وجاءَهم مُوسى بَعْدَ اسْتِكْمالِ الأرْبَعِينَ، فَعَتَبَ مُوسى عَلى عَدَمِ اتِّباعِهِ لَمّا رَآهم قَدْ ضَلُّوا و(لا) زائِدَةٌ كَهي في قَوْلِهِ ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] . وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى دَخَلَتْ (لا) هُنا لِأنَّ المَعْنى ما دَعاكَ إلى أنْ لا تَتَّبِعَنِي، وما حَمَلَكَ عَلى أنْ لا تَتَّبِعَنِي بِمَن مَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴿أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ يُرِيدُ قَوْلَهُ ﴿اخْلُفْنِي﴾ [الأعراف: ١٤٢] الآيَةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ما مَنَعَكَ أنْ تَتَّبِعَنِي في الغَضَبِ لِلَّهِ وشِدَّةِ الزَّجْرِ عَلى الكُفْرِ والمَعاصِي، وهَلّا قاتَلَتْ مَن كَفَرَ بِمَن آمَنَ ومالَكَ لَمْ تُباشِرِ الأمْرَ كَما كُنْتُ أُباشِرُهُ أنا لَوْ كُنْتُ شاهِدًا، أوْ مالَكَ لَمْ تَلْحَقْنِي. وفي ذَلِكَ تَحْمِيلٌ لِلَّفْظِ ما لا يَحْتَمِلُهُ وتَكْثِيرٌ ولَمّا كانَ قَوْلُهُ تَتَّبِعَنِي لَمْ يُذْكَرْ مُتَعَلِّقُهُ كانَ الظّاهِرُ أنْ لا تَتَّبِعَنِي إلى جَبَلِ الطُّورِ بِبَنِي إسْرائِيلَ فَيَجِيءُ اعْتِذارُ هارُونَ بِقَوْلِهِ ﴿إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ إذْ كانَ لا يَتَّبِعُهُ إلّا المُؤْمِنُونَ ويَبْقى عُبّادُ العِجْلِ عاكِفِينَ عَلَيْهِ كَما قالُوا ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ﴾ [طه: ٩١] ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى تَتَّبِعَنِي تَسِيرُ بِسَيْرِي في الإصْلاحِ والتَّسْدِيدِ، فَيَجِيءُ اعْتِذارُهُ أنَّ الأمْرَ تَفاقَمَ فَلَوْ تَقَوَّيْتُ عَلَيْهِ تَقاتَلُوا واخْتَلَفُوا فَكانَ تَفْرِيقًا بَيْنَهم وإنَّما لايَنْتُ جُهْدِي. وقَرَأ عِيسى بْنُ سُلَيْمانَ الحِجازِيُّ بِلَحْيَتِي بِفَتْحِ اللّامِ وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ. وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ شَدِيدَ الغَضَبِ لِلَّهِ ولِدِينِهِ، ولَمّا رَأى قَوْمَهُ عَبَدُوا عِجْلًا مِن دُونِ اللَّهِ بَعْدَ ما شاهَدُوا مِنَ الآياتِ العِظامِ لَمْ يَتَمالَكْ أنْ أقْبَلَ عَلى أخِيهِ قابِضًا عَلى شَعْرِ رَأْسِهِ، وكانَ كَثِيرَ الشَّعْرِ وعَلى شَعْرِ وجْهِهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ فَأبْدى عُذْرَهُ فَإنَّهُ لَوْ قاتَلَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لَتّفَرَّقُوا وتَفانَوْا، فانْتَظَرَتُكَ لِتَكُونَ المُتَدَرِاكَ لَهم، وخَشِيتُ عِتابَكَ عَلى اطِّراحِ ما وصَّيْتَنِي بِهِ والعَمَلِ بِمُوجِبِها. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿ابْنَ أُمَّ﴾ [الأعراف: ١٥٠] قِراءَةً وإعْرابًا وغَيْرَ ذَلِكَ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ولَمْ يُرْقِبْ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ القافِ مُضارِعُ أرْقُبُ. ولَمّا اعْتَذَرَ لَهُ أخُوهُ رَجَعَ إلى مُخاطَبَةِ الَّذِي أوْقَعَهم في الضَّلالِ وهو السّامِرِيُّ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الخَطْبِ في سُورَةِ يُوسُفَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ﴿فَما خَطْبُكَ﴾ كَما تَقُولُ ما شَأْنُكَ وما أمْرُكَ، لَكِنَّ لَفْظَةَ الخَطْبِ تَقْتَضِي انْتِهارًا لِأنَّ الخَطْبَ مُسْتَعْمَلٌ في المَكارِهِ فَكَأنَّهُ قالَ: ما نَحْسُكَ وما شُؤْمُكَ، وما هَذا الخَطْبُ الَّذِي جاءَ مِن قِبَلَكَ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ كَما ذَكَرَ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ قالَ ﴿فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ [الحجر: ٥٧] وهو قَوْلُ إبْراهِيمَ لِمَلائِكَةِ اللَّهِ فَلَيْسَ هَذا يَقْتَضِي انْتِهارًا ولا شَيْئًا مِمّا ذَكَرَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: خَطْبٌ مَصْدَرُ خَطَبَ الأمْرَ إذا طَلَبَهُ، فَإذا قِيلَ لِمَن يَفْعَلُ شَيْئًا ما خَطْبُكَ، فَمَعْناهُ ما طَلَبُكَ لَهُ. انْتَهى. ومِنهُ خِطْبَةُ النِّكاحِ وهو طَلَبُهُ. وقِيلَ: هو مُشْتَقٌّ مِنَ الخِطابِ كَأنَّهُ قالَ لَهُ: ما حَمَلَكَ عَلى أنْ خاطَبْتَ بَنِي إسْرائِيلَ بِما خاطَبْتَ وفَعَلْتَ مَعَهم ما فَعَلْتَ ﴿قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ [طه: ٩٦] . قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: عَلِمْتُ ما لَمْ يَعْلَمُوا. وقالَ الزَّجّاجُ: بَصُرَ بِالشَّيْءِ إذا عَلِمَهُ وأبْصَرَ إذا نَظَرَ. وقِيلَ: بَصَرَ بِهِ وأبْصَرَهُ بِمَعْنًى واحِدٍ. وقَرَأ الأعْمَشُ وأبُو السَّمّاكِ: بَصِرْتُ بِكَسْرِ الصّادِ بِما لَمْ تَبْصَرُوا بِفَتْحِ الصّادِ. وقَرَأ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ بُصُرْتُ بِضَمِّ الباءِ وضَمِّ الصّادِ بِما لَمْ تُبْصِرُوا بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الصّادِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ فِيهِما. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿بَصُرْتُ﴾ [طه: ٩٦] بِضَمِّ الصّادِ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَحْرِيَّةَ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وابْنُ أبِي لَيْلى وابْنُ مُناذِرٍ وابْنُ سَعْدانَ وقَعْنَبٌ تَبْصُرُوا بِتاءِ الخِطابِ لِمُوسى وبَنِي إسْرائِيلَ وباقِي السَّبْعَةِ (يَبْصُرُوا) بِياءِ الغَيْبَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً﴾ [طه: ٩٦] بِالضّادِ المُعْجَمَةِ فِيهِما أيْ أخَذْتُ بِكَفِّي مَعَ الأصابِعِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وأُبَيٌّ وابْنُ الزُّبَيْرِ وحُمَيدٌ والحَسَنُ بِالصّادِ فِيهِما، وهو الأخْذُ بِأطْرافِ الأصابِعِ. وقَرَأ الحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ وقَتادَةُ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ بِضَمِّ القافِ والصّادِ المُهْمَلَةِ، وأدْغَمَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ الضّادَ المَنقُوطَةَ في تاءِ المُتَكَلِّمِ وأبْقى الإطْباقَ مَعَ تَشْدِيدِ التّاءِ. وقالَ المُفَسِّرُونَ (الرَّسُولِ) هُنا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ (p-٢٧٤)السَّلامُ، وتَقْدِيرُهُ مِن (أثَرِ) فَرَسِ (الرَّسُولِ) وكَذا قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، والأثَرُ التُّرابُ الَّذِي تَحْتَ حافِرِهِ (فَنَبَذْتُها) أيْ ألْقَيْتُها عَلى الحُلِيِّ الَّذِي تَصَوَّرَ مِنهُ العِجْلُ فَكانَ مِنها ما رَأيْتُ. وقالَ الأكْثَرُونَ رَأى السّامِرِيُّ جِبْرِيلَ يَوْمَ فُلِقَ البَحْرُ، وعَنْ عَلِيٍّ رَآهُ حِينَ ذَهَبَ مُوسى إلى الطُّورِ وجاءَهُ جِبْرِيلُ فَأبْصَرَهُ دُونَ النّاسِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتُ: لِمَ سَمّاهُ (الرَّسُولَ) دُونَ جِبْرِيلَ ورُوحِ القُدُسِ ؟ قُلْتُ: حِينَ حَلَّ مِيعادُ الذِّهابِ إلى الطُّورِ أرْسَلَ اللَّهُ إلى مُوسى جِبْرِيلَ راكِبَ حَيْزُومَ فَرَسِ الحَياةِ لِيَذْهَبَ بِهِ، فَأبْصَرَهُ السّامِرِيُّ فَقالَ: إنَّ لِهَذا لَشَأْنًا فَقَبَضَ القَبْضَةَ مِن تُرْبَةِ مَوْطِئِهِ، فَلَمّا سَألَهُ مُوسى عَنْ قِصَّتِهِ قالَ قَبَضْتُ مِن أثَرِ فَرَسِ المُرْسَلِ إلَيْكَ يَوْمَ حُلُولِ المِيعادِ، ولَعَلَّهُ لَمْ يَعْرِفْ أنَّهُ جِبْرِيلُ. انْتَهى. وهو قَوْلُ عَلِيٍّ مَعَ زِيادَةٍ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْبَهانِيُّ: لَيْسَ في القُرْآنِ تَصْرِيحٌ بِهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ، وهُنا وجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالرَّسُولِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأثَرُهُ سُنَّتُهُ ورَسْمُهُ الَّذِي أمَرَ بِهِ، فَقَدْ يَقُولُ الرَّجُلُ: فُلانٌ يَقْفُو أثَرَ فُلانٍ ويَقْتَصُّ أثَرَهُ إذا كانَ يَمْتَثِلُ رَسْمَهُ، والتَّقْدِيرُ أنَّ مُوسى لَمّا أقْبَلَ عَلى السّامِرِيِّ بِاللَّوْمِ والمَسْألَةِ عَنِ الأمْرِ الَّذِي دَعاهُ إلى إضْلالِ القَوْلِ في العِجْلِ ﴿قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ [طه: ٩٦] أيْ عَرَفْتُ أنَّ الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ لَيْسَ بِحَقٍّ، وقَدْ كُنْتُ قَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِكَ أيُّها الرَّسُولُ أيْ شَيْئًا مِن دِينِكَ (فَنَبَذْتُها) أيْ طَرَحْتُها. فَعِنْدَ ذَلِكَ أُعْلِمَ مُوسى بِما لَهُ مِنَ العَذابِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ وإنَّما أرادَ لَفْظَ الإخْبارِ عَنْ غائِبٍ كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِرَئِيسِهِ وهو مُواجِهٌ لَهُ: ما يَقُولُ الأمِيرُ في كَذا أوْ بِماذا يَأْمُرُ الأمِيرُ، وتَسْمِيَتُهُ رَسُولًا مَعَ جَحْدِهِ وكُفْرِهِ، فَعَلى مَذْهَبِ مَن حَكى اللَّهُ عَنْهُ قَوْلَهُ ﴿ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] فَإنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِالإنْزالِ قِيلَ: وما ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ أقْرَبُ إلى التَّحْقِيقِ إلّا أنَّ فِيهِ مُخالَفَةَ المُفَسِّرِينَ. قِيلَ: ويَبْعُدُ ما قالُوهُ أنَّ جِبْرِيلَ لَيْسَ مَعْهُودًا بِاسْمِ رَسُولٍ، ولَمْ يَجْرِ لَهُ فِيما تَقَدَّمَ ذِكْرٌ حَتّى تَكُونَ اللّامُ في الرَّسُولِ لِسابِقٍ في الذِّكْرِ، ولِأنَّ ما قالُوهُ لا بُدَّ مِن إضْمارِ أيْ مِن أثَرِ حافِرِ فَرَسِ الرَّسُولِ والإضْمارُ خِلافُ الأصْلِ، ولِأنَّ اخْتِصاصَ السّامِرِيِّ بِرُؤْيَةِ جِبْرِيلَ ومَعْرِفَتِهِ مِن بَيْنِ النّاسِ يَبْعُدُ جَدًّا، وكَيْفَ عَرَفَ أنَّ حافِرَ فَرَسِهِ يُؤَثِّرُ هَذا الأثَرَ الغَرِيبَ العَجِيبَ مِن إحْياءِ الجَمادِ بِهِ وصَيْرُورَتِهِ لَحْمًا ودَمًا ؟ وكَيْفَ عَرَفَ جِبْرِيلُ يَتَرَدَّدُ إلى نَبِيٍّ وقَدْ عَرَفَ نُبُوَّتَهُ وصَحَّتْ عِنْدَهُ فَحاوَلَ الإضْلالَ ؟ وكَيْفَ اطَّلَعَ كافِرٌ عَلى تُرابٍ هَذا شَأْنُهُ ؟ فَلِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لَعَلَّ مُوسى اطَّلَعَ عَلى شَيْءٍ آخَرَ يُشْبِهُ هَذا فَلِأجْلِهِ أتى بِالمُعْجِزاتِ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ قادِحًا فِيما أتَوْا بِهِ مِنَ الخَوارِقِ. انْتَهى. ما رَجَّحَ بِهِ هَذا القائِلُ قَوْلَ أبِي مُسْلِمٍ الأصْبَهانِيِّ.

طه 20:96

﴿وكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ أيْ كَما حَدَثَ ووَقَعَ قَرَّبَتْ لِي نَفْسِي وجَعَلَتْهُ لِي رَسُولًا وإرْبًا حَتّى فَعَلْتُهُ، وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لا يَقْتُلُ بَنِي إسْرائِيلَ إلّا في حَدٍّ أوْ وحْيٍ، فَعاقَبَهُ بِاجْتِهادِ نَفْسِهِ بِأنْ أبْعَدَهُ ونَحّاهُ عَنِ النّاسِ وأمَرَ بَنِي إسْرائِيلَ بِاجْتِنابِهِ واجْتِنابِ قَبِيلَتِهِ وأنْ لا يُواكَلُوا ولا يُناكَحُوا، وجَعَلَ لَهُ أنْ يَقُولَ مُدَّةَ حَياتِهِ ﴿لا مِساسَ﴾ أيْ لا مُماسَّةَ ولا إذابَةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عُوقِبَ في الدُّنْيا بِعُقُوبَةٍ لا شَيْءَ أطَمُّ مِنها وأوْحَشُ، وذَلِكَ أنَّهُ مُنِعَ مِن مُخالَطَةِ النّاسِ مَنعًا (p-٢٧٥)كُلِّيًّا، وحُرِّمَ عَلَيْهِمْ مُلاقاتُهُ ومُكالَمَتُهُ ومُبايَعَتُهُ ومُواجَهَتُهُ وكُلُّ ما يُعايِشُ بِهِ النّاسُ بَعْضَهم بَعْضًا، وإذا اتَّفَقَ أنْ يُماسَّ أحَدًا رَجُلًا أوِ امْرَأةً حُمَّ الماسُّ والمَمْسُوسُ فَتَحامى النّاسُ وتَحامَوْهُ، وكانَ يَصِيحُ ﴿لا مِساسَ﴾ ويُقالُ إنَّ قَوْمَهُ باقٍ فِيهِمْ ذَلِكَ إلى اليَوْمِ. انْتَهى. وكَوْنُ الحُمّى تَأْخُذُ الماسَّ والمَمْسُوسَ قَوْلُ قَتادَةَ والأمْرُ بِالذِّهابِ حَقِيقَةٌ ودَخَلَتِ الفاءُ لِلتَّعْقِيبِ إثْرَ المُحاوَرَةِ وطَرْدِهِ بِلا مُهْلَةٍ زَمانِيَّةٍ، وعَبَّرَ بِالمُماسَّةِ عَنِ المُخالَطَةِ لِأنَّها أدْنى أسْبابِ المُخالَطَةِ فَنَبَّهَ بِالأدْنى عَلى الأعْلى، والمَعْنى لا مُخالَطَةَ بَيْنَكَ وبَيْنَ النّاسِ فَنَفَرَ مِنَ النّاسِ ولَزِمَ البَرِّيَّةَ وهَجَرَ البَرِيَّةَ وبَقِيَ مَعَ الوُحُوشِ إلى أنِ اسْتَوْحَشَ وصارَ إذا رَأى أحَدًا يَقُولُ ﴿لا مِساسَ﴾ أيْ لا تَمَسَّنِي ولا أمَسُّكَ. وقِيلَ: ابْتُلِيَ بِعَذابٍ قِيلَ لَهُ ﴿لا مِساسَ﴾ بِالوَسْواسِ وهو الَّذِي عَناهُ الشّاعِرُ بِقَوْلِهِ: ؎فَأصْبَحَ ذَلِكَ كالسّامِرِيِّ إذْ قالَ مُوسى لَهُ لا مِساسا ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ: حَتّى تَقُولَ الأزْدُ لا مِساسا وقِيلَ: أرادَ مُوسى قَتْلَهُ فَمَنَعَهُ اللَّهُ مِن قَتْلِهِ لِأنَّهُ كانَ شَيْخًا. قالَ بَعْضُ شُيُوخِنا وقَدْ وقَعَ مِثْلُ هَذا في شَرْعِنا في قِصَّةِ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خَلَفُوا أمْرَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ لا يُكَلَّمُوا ولا يُخالَطُوا وأنْ يَعْتَزِلُوا نِساءَهم حَتّى تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لا مِساسَ﴾ بِفَتْحِ السِّينِ والمِيمِ المَكْسُورَةِ و﴿مِساسَ﴾ مَصْدَرُ ماسَّ كَقِتالٍ مِن قاتَلَ، وهو مَنفِيٌّ بِلا الَّتِي لِنَفْيِ الجِنْسِ، وهو نَفْيٌ أُرِيدَ بِهِ النَّهْيُ أيْ لا تَمَسَّنِي ولا أمَسَّكَ. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وقُعْنَبٌ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ السِّينِ. فَقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: هو عَلى صُورَةِ نِزالِ ونِظِارِ مِن أسْماءِ الأفْعالِ بِمَعْنى انْزِلْ وانْظُرْ، فَهَذِهِ الأسْماءُ الَّتِي بِهَذِهِ الصِّيغَةِ مَعارِفُ ولا تَدْخُلُ عَلَيْها إلّا النّافِيَةُ الَّتِي تَنْصِبُ النَّكِراتِ نَحْوَ لا مالَ لَكَ، لَكِنَّهُ فِيهِ نَفْيُ الفِعْلِ فَتَقْدِيرُهُ لا يَكُونُ مِنكَ مِساسٌ، ولا أقُولُ مِساسَ ومَعْناهُ النَّهْيُ أيْ لا تَمَسَّنِي. انْتَهى. وظاهِرُ هَذا أنَّ مِساسَ اسْمُ فِعْلٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ﴿لا مِساسَ﴾ بِوَزْنِ فِجارٍ ونَحْوُهُ قَوْلُهم في الظِّباءِ: ؎إنْ ورَدْنَ الماءَ فَلا عُبابَ ∗∗∗ وإنْ فَقَدْنَهُ فَلا إبابَ وهِيَ أعْلامٌ لِلْمَسَّةِ والعَبَّةِ والأبَّةِ وهي المَرَّةُ مِنَ الأبِّ وهو الطَّلَبُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ﴿لا مِساسَ﴾ هو مَعْدُولٌ عَنِ المَصْدَرِ كَفِجارٍ ونَحْوِهِ، وشَبَّهَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ بِنِزالِ ودِراكِ ونَحْوِهِ، والشَّبَهُ صَحِيحٌ مِن حَيْثُ هي مَعْدُولاتٌ، وفارَقَهُ في أنَّ هَذِهِ عُدِلَتْ عَنِ الأمْرِ ومِساسُ وفِجارُ عُدِلَتْ عَنِ المَصْدَرِ. ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎تَمِيمٌ كَرَهْطِ السّامِرِيِّ وقَوْلِهِ ∗∗∗ ألا لا يُرِيدُ السّامِرِيُّ مِساسَ انْتَهى. * * فَكَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ وابْنِ عَطِيَّةَ يَدُلُّ عَلى أنَّ مِساسَ مَعْدُولٌ عَنِ المَصْدَرِ الَّذِي هو المَسَّةُ، كَفِجارِ مَعْدُولًا عَنِ الفَجَرَةِ ﴿وإنَّ لَكَ مَوْعِدًا﴾ أيْ في يَوْمِ القِيامَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ بِالتّاءِ المَضْمُومَةِ وفَتْحِ اللّامِ عَلى مَعْنى لَنْ يَقَعَ فِيهِ خُلْفٌ بَلْ يُنْجِزُهُ لَكَ اللَّهُ في الآخِرَةِ عَلى الشِّرْكِ والفَسادِ بَعْدَما عاقَبَكَ في الدُّنْيا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا مِن أخْلَفْتُ المَوْعِدَ إذا وجَدْتَهُ خُلْفًا. قالَ الأعْشى: ؎أثْوى وقَصَّرَ لَيْلَهُ لِيُزَوِّدا فَمَضى وأخْلَفَ مِن قُتَيْلَةَ مَوْعِدا وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ والأعْمَشُ وأبُو عَمْرٍو بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ اللّامِ أيْ لَنْ تَسْتَطِيعَ الرَّوَغانَ عَنْهُ. والحَيْدَةَ فَتَزُولَ عَنْ مَوْعِدِ العَذابِ. وقَرَأ أبُو نَهِيكٍ: لَنْ تَخْلُفَهُ بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ اللّامِ هَكَذا بِالتّاءِ مَنقُوطَةً مِن فَوْقُ عَنْ أبِي نَهِيكٍ في نَقْلِ ابْنِ خالَوَيْهِ. وفي اللَّوامِحِ أبُو نَهِيكٍ لَنْ يَخْلُفَهُ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ اللّامِ وهو مِن خَلَفَهُ يَخْلُفُهُ إذا جاءَ بَعْدَهُ أيِ المَوْعِدُ الَّذِي لَكَ لا يَدْفَعُ قَوْلَكَ الَّذِي تَقُولُهُ فِيما بَعْدُ ﴿لا مِساسَ﴾ بِالفِعْلِ (p-٢٧٦)فَهُوَ مُسْنَدٌ إلى المَوْعِدِ أوِ المَوْعِدُ لَنْ يَخْتَلِفَ ما قُدِّرَ لَكَ مِنَ العَذابِ في الآخِرَةِ. وقالَ سَهْلٌ يَعْنِي أبا حاتِمٍ لا يُعْرَفُ لِقِراءَةِ أبِي نَهِيكٍ مَذْهَبٌ. انْتَهى. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ نَخْلِفُهُ بِالنُّونِ وكَسْرِ اللّامِ أيْ لا نَنْقُصُ مِمّا وعَدْنا لَكَ مِنَ الزَّمانِ شَيْئًا. وقالَ ابْنُ جِنِّي لَنْ يُصادِفَهُ مُخالِفًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَنْ يَخْلِفَهُ اللَّهُ. حَكى قَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ كَما مَرَّ في ﴿لِأهَبَ لَكِ﴾ [مريم: ١٩] . انْتَهى. * * ثُمَّ وبَّخَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ السّامِرِيَّ بِما أرادَ أنْ يَفْعَلَ بِالعِجْلِ الَّذِي اتَّخَذَهُ إلَهًا مِنَ الِاسْتِطالَةِ عَلَيْهِ بِتَغْيِيرِ هَيْئَتِهِ، فَواجَهَهُ بِقَوْلِهِ ﴿وانْظُرْ إلى إلَهِكَ﴾ وخاطَبَهُ وحْدَهُ إذْ كانَ هو رَأْسَ الضَّلالِ وهو يَنْظُرُ لِقَوْلِهِمْ ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ﴾ [طه: ٩١] وأقْسَمَ ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ وهو أعْظَمُ فَسادِ الصُّورَةِ ﴿ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ في اليَمِّ﴾ حَتّى تَتَفَرَّقَ أجْزاؤُهُ فَلا يَجْتَمِعَ، ويَظْهَرُ أنَّهُ لَمّا كانَ قَدْ أخَذَ السّامِرِيُّ القَبْضَةَ مِن أثَرِ فَرَسِ جِبْرِيلَ وهو داخِلٌ البَحْرَ حالَةَ تَقَدُّمِ فِرْعَوْنَ وتَبِعَهُ فِرْعَوْنُ في الدُّخُولِ ناسَبَ أنْ يُنْسَفَ ذَلِكَ العِجْلُ الَّذِي صاغَهُ السّامِرِيُّ مِنَ الحُلِيِّ الَّذِي كانَ أصْلُهُ لِلْقِبْطِ. وألْقى فِيهِ القَبْضَةَ في البَحْرِ لِيَكُونَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ما كانَ بِهِ قِيامُ الحَياةِ آلَ إلى العَدَمِ. وأُلْقِيَ في مَحَلِّ ما قامَتْ بِهِ الحَياةُ وإنَّ أمْوالَ القِبْطِ قَذَفَها اللَّهُ في البَحْرِ بِحَيْثُ لا يُنْتَفَعُ بِها كَما قَذَفَ اللَّهُ أشْخاصَ مالِكِيها في البَحْرِ وغَرَّقَهم فِيهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ لِابْنِ يَعْمَرَ (ظَلْتَ) بِظاءٍ مَفْتُوحَةٍ ولامٍ ساكِنَةٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ والأعْمَشُ بِخِلافٍ عَنْهُ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ يَعْمَرَ بِخِلافٍ عَنْهُ كَذَلِكَ إلّا أنَّهم كَسَرُوا الظّاءَ، وعَنِ ابْنِ يَعْمَرَ ضَمُّها وعَنْ أُبَيٍّ والأعْمَشِ ظَلِلْتَ بِلامَيْنِ عَلى الأصْلِ، فَأمّا حَذْفُ اللّامِ فَقَدْ ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ في الشُّذُوذِ يَعْنِي شُذُوذَ القِياسِ لا شُذُوذَ الِاسْتِعْمالِ مَعَ مَسَّتْ وأصْلُهُ مَسِسْتُ وأحَسَّتْ أصْلُهُ أحْسَسْتُ، وذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ هَمَّتْ وأصْلُهُ هَمَمْتُ ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا إذا سُكِّنَ آخِرُ الفِعْلِ نَحْوَ ظَلَّتْ إذْ أصْلُهُ ظَلِلْتُ. وذَكَرَ بَعْضُ مَن عاصَرْناهُ أنَّ ذَلِكَ مُنْقاسٌ في كُلِّ مُضاعَفِ العَيْنِ واللّامِ في لُغَةِ بَنِي سُلَيْمٍ حَيْثُ يُسَكَّنُ آخِرُ الفِعْلِ. وقَدْ أمْعَنّا الكَلامَ عَلى هَذِهِ المَسْألَةِ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ مِن تَأْلِيفِنا، فَأمّا مَن كَسَرَ الظّاءِ فَلِأنَّهُ نَقَلَ حَرَكَةَ اللّامِ إلى الظّاءِ بَعْدَ نَزْعِ حَرَكْتِها تَقْدِيرًا ثُمَّ حَذَفَ اللّامَ، وأمّا مَن ضَمَّها فَيَكُونُ عَلى أنَّهُ جاءَ في بَعْضِ اللُّغاتِ عَلى فِعْلٍ بِضَمِّ العَيْنِ فِيهِما، ونُقِلَتْ ضَمَّةُ اللّامِ إلى الظّاءِ كَما نُقِلَتْ في حالَةِ الكَسْرِ عَلى ما تَقَرَّرَ. * * وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ مُشَدَّدًا مُضارِعُ حَرَّقَ مُشَدَّدًا. وقَرَأ الحَسَنُ وقَتادَةُ وأبُو جَعْفَرٍ وأبُو رَجاءٍ والكَلْبِيُّ مُخَفَّفًا مَن أحْرَقَ رُباعِيًّا. وقَرَأ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وحُمَيدٌ وأبُو جَعْفَرٍ في رِوايَةٍ وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ الحاءِ وضَمِّ الرّاءِ، والظّاهِرُ أنَّ حَرَّقَ وأحْرَقَ هو بِالنّارِ. وأمّا القِراءَةُ الثّالِثَةُ فَمَعْناها لَنُبْرِدَنَّهُ بِالمِبْرَدِ يُقالُ حَرَقَ يَحْرُقُ ويَحْرِقُ بِضَمِّ راءِ المُضارِعِ وكَسْرِها. وذَكَرَ أبُو عَلِيٍّ أنَّ التَّشْدِيدَ قَدْ يَكُونُ مُبالَغَةً في حَرَّقَ إذا بُرِدَ بِالمِبْرَدِ. وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ لَنَذْبَحَنَّهُ ثُمَّ لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ وتُوافِقُ هَذِهِ القِراءَةُ مَن رَوى أنَّهُ صارَ لَحْمًا ودَمًا ذا رُوحٍ، ويَتَرَتَّبُ الإحْراقُ بِالنّارِ عَلى هَذا، وأمّا إذا كانَ جَمادًا مَصُوغًا مِنَ الحُلِيِّ فَيَتَرَتَّبُ بَرْدُهُ لا إحْراقُهُ إلّا إنْ عُنِيَ بِهِ إذابَتُهُ. وقالَ السُّدِّيُّ: أُمِرَ مُوسى بِذَبْحِ العِجْلِ فَذُبِحَ وسالَ مِنهُ الدَّمُ ثُمَّ أُحْرِقَ ونُسِفَ رَمادُهُ. وقِيلَ: بُرِدَتْ عِظامَهُ بِالمِبْرَدِ حَتّى صارَتْ بِحَيْثُ يُمْكِنُ نَسْفُها. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَنَنْسِفَنَّهُ﴾ بِكَسْرِ السِّينِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ مِنهم عِيسى بِضَمِّ السِّينِ. وقَرَأ ابْنُ مِقْسَمٍ: لَنُنَسِّفَنَّهُ بِضَمِّ النُّونِ الأُولى وفَتْحِ الثّانِيَةِ وتَشْدِيدِ السِّينِ. والظّاهِرُ وقَوْلُ الجُمْهُورِ أنَّ مُوسى تَعَجَّلَ وحْدَهُ فَوَقَعَ أمْرُ العِجْلِ، ثُمَّ جاءَ مُوسى وصَنَعَ بِالعِجْلِ ما صَنَعَ ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ ذَلِكَ بِالسَبْعِينَ عَلى مَعْنى الشَّفاعَةِ في ذَنْبِ بَنِي إسْرائِيلَ وأنْ يُطْلِعَهم أيْضًا عَلى أمْرِ المُناجاةِ، فَكانَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَهْضَتانِ.

طه 20:97

﴿وكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ أيْ كَما حَدَثَ ووَقَعَ قَرَّبَتْ لِي نَفْسِي وجَعَلَتْهُ لِي رَسُولًا وإرْبًا حَتّى فَعَلْتُهُ، وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لا يَقْتُلُ بَنِي إسْرائِيلَ إلّا في حَدٍّ أوْ وحْيٍ، فَعاقَبَهُ بِاجْتِهادِ نَفْسِهِ بِأنْ أبْعَدَهُ ونَحّاهُ عَنِ النّاسِ وأمَرَ بَنِي إسْرائِيلَ بِاجْتِنابِهِ واجْتِنابِ قَبِيلَتِهِ وأنْ لا يُواكَلُوا ولا يُناكَحُوا، وجَعَلَ لَهُ أنْ يَقُولَ مُدَّةَ حَياتِهِ ﴿لا مِساسَ﴾ أيْ لا مُماسَّةَ ولا إذابَةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عُوقِبَ في الدُّنْيا بِعُقُوبَةٍ لا شَيْءَ أطَمُّ مِنها وأوْحَشُ، وذَلِكَ أنَّهُ مُنِعَ مِن مُخالَطَةِ النّاسِ مَنعًا (p-٢٧٥)كُلِّيًّا، وحُرِّمَ عَلَيْهِمْ مُلاقاتُهُ ومُكالَمَتُهُ ومُبايَعَتُهُ ومُواجَهَتُهُ وكُلُّ ما يُعايِشُ بِهِ النّاسُ بَعْضَهم بَعْضًا، وإذا اتَّفَقَ أنْ يُماسَّ أحَدًا رَجُلًا أوِ امْرَأةً حُمَّ الماسُّ والمَمْسُوسُ فَتَحامى النّاسُ وتَحامَوْهُ، وكانَ يَصِيحُ ﴿لا مِساسَ﴾ ويُقالُ إنَّ قَوْمَهُ باقٍ فِيهِمْ ذَلِكَ إلى اليَوْمِ. انْتَهى. وكَوْنُ الحُمّى تَأْخُذُ الماسَّ والمَمْسُوسَ قَوْلُ قَتادَةَ والأمْرُ بِالذِّهابِ حَقِيقَةٌ ودَخَلَتِ الفاءُ لِلتَّعْقِيبِ إثْرَ المُحاوَرَةِ وطَرْدِهِ بِلا مُهْلَةٍ زَمانِيَّةٍ، وعَبَّرَ بِالمُماسَّةِ عَنِ المُخالَطَةِ لِأنَّها أدْنى أسْبابِ المُخالَطَةِ فَنَبَّهَ بِالأدْنى عَلى الأعْلى، والمَعْنى لا مُخالَطَةَ بَيْنَكَ وبَيْنَ النّاسِ فَنَفَرَ مِنَ النّاسِ ولَزِمَ البَرِّيَّةَ وهَجَرَ البَرِيَّةَ وبَقِيَ مَعَ الوُحُوشِ إلى أنِ اسْتَوْحَشَ وصارَ إذا رَأى أحَدًا يَقُولُ ﴿لا مِساسَ﴾ أيْ لا تَمَسَّنِي ولا أمَسُّكَ. وقِيلَ: ابْتُلِيَ بِعَذابٍ قِيلَ لَهُ ﴿لا مِساسَ﴾ بِالوَسْواسِ وهو الَّذِي عَناهُ الشّاعِرُ بِقَوْلِهِ: ؎فَأصْبَحَ ذَلِكَ كالسّامِرِيِّ إذْ قالَ مُوسى لَهُ لا مِساسا ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ: حَتّى تَقُولَ الأزْدُ لا مِساسا وقِيلَ: أرادَ مُوسى قَتْلَهُ فَمَنَعَهُ اللَّهُ مِن قَتْلِهِ لِأنَّهُ كانَ شَيْخًا. قالَ بَعْضُ شُيُوخِنا وقَدْ وقَعَ مِثْلُ هَذا في شَرْعِنا في قِصَّةِ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خَلَفُوا أمْرَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ لا يُكَلَّمُوا ولا يُخالَطُوا وأنْ يَعْتَزِلُوا نِساءَهم حَتّى تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لا مِساسَ﴾ بِفَتْحِ السِّينِ والمِيمِ المَكْسُورَةِ و﴿مِساسَ﴾ مَصْدَرُ ماسَّ كَقِتالٍ مِن قاتَلَ، وهو مَنفِيٌّ بِلا الَّتِي لِنَفْيِ الجِنْسِ، وهو نَفْيٌ أُرِيدَ بِهِ النَّهْيُ أيْ لا تَمَسَّنِي ولا أمَسَّكَ. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وقُعْنَبٌ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ السِّينِ. فَقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: هو عَلى صُورَةِ نِزالِ ونِظِارِ مِن أسْماءِ الأفْعالِ بِمَعْنى انْزِلْ وانْظُرْ، فَهَذِهِ الأسْماءُ الَّتِي بِهَذِهِ الصِّيغَةِ مَعارِفُ ولا تَدْخُلُ عَلَيْها إلّا النّافِيَةُ الَّتِي تَنْصِبُ النَّكِراتِ نَحْوَ لا مالَ لَكَ، لَكِنَّهُ فِيهِ نَفْيُ الفِعْلِ فَتَقْدِيرُهُ لا يَكُونُ مِنكَ مِساسٌ، ولا أقُولُ مِساسَ ومَعْناهُ النَّهْيُ أيْ لا تَمَسَّنِي. انْتَهى. وظاهِرُ هَذا أنَّ مِساسَ اسْمُ فِعْلٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ﴿لا مِساسَ﴾ بِوَزْنِ فِجارٍ ونَحْوُهُ قَوْلُهم في الظِّباءِ: ؎إنْ ورَدْنَ الماءَ فَلا عُبابَ ∗∗∗ وإنْ فَقَدْنَهُ فَلا إبابَ وهِيَ أعْلامٌ لِلْمَسَّةِ والعَبَّةِ والأبَّةِ وهي المَرَّةُ مِنَ الأبِّ وهو الطَّلَبُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ﴿لا مِساسَ﴾ هو مَعْدُولٌ عَنِ المَصْدَرِ كَفِجارٍ ونَحْوِهِ، وشَبَّهَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ بِنِزالِ ودِراكِ ونَحْوِهِ، والشَّبَهُ صَحِيحٌ مِن حَيْثُ هي مَعْدُولاتٌ، وفارَقَهُ في أنَّ هَذِهِ عُدِلَتْ عَنِ الأمْرِ ومِساسُ وفِجارُ عُدِلَتْ عَنِ المَصْدَرِ. ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎تَمِيمٌ كَرَهْطِ السّامِرِيِّ وقَوْلِهِ ∗∗∗ ألا لا يُرِيدُ السّامِرِيُّ مِساسَ انْتَهى. * * فَكَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ وابْنِ عَطِيَّةَ يَدُلُّ عَلى أنَّ مِساسَ مَعْدُولٌ عَنِ المَصْدَرِ الَّذِي هو المَسَّةُ، كَفِجارِ مَعْدُولًا عَنِ الفَجَرَةِ ﴿وإنَّ لَكَ مَوْعِدًا﴾ أيْ في يَوْمِ القِيامَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ بِالتّاءِ المَضْمُومَةِ وفَتْحِ اللّامِ عَلى مَعْنى لَنْ يَقَعَ فِيهِ خُلْفٌ بَلْ يُنْجِزُهُ لَكَ اللَّهُ في الآخِرَةِ عَلى الشِّرْكِ والفَسادِ بَعْدَما عاقَبَكَ في الدُّنْيا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا مِن أخْلَفْتُ المَوْعِدَ إذا وجَدْتَهُ خُلْفًا. قالَ الأعْشى: ؎أثْوى وقَصَّرَ لَيْلَهُ لِيُزَوِّدا فَمَضى وأخْلَفَ مِن قُتَيْلَةَ مَوْعِدا وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ والأعْمَشُ وأبُو عَمْرٍو بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ اللّامِ أيْ لَنْ تَسْتَطِيعَ الرَّوَغانَ عَنْهُ. والحَيْدَةَ فَتَزُولَ عَنْ مَوْعِدِ العَذابِ. وقَرَأ أبُو نَهِيكٍ: لَنْ تَخْلُفَهُ بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ اللّامِ هَكَذا بِالتّاءِ مَنقُوطَةً مِن فَوْقُ عَنْ أبِي نَهِيكٍ في نَقْلِ ابْنِ خالَوَيْهِ. وفي اللَّوامِحِ أبُو نَهِيكٍ لَنْ يَخْلُفَهُ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ اللّامِ وهو مِن خَلَفَهُ يَخْلُفُهُ إذا جاءَ بَعْدَهُ أيِ المَوْعِدُ الَّذِي لَكَ لا يَدْفَعُ قَوْلَكَ الَّذِي تَقُولُهُ فِيما بَعْدُ ﴿لا مِساسَ﴾ بِالفِعْلِ (p-٢٧٦)فَهُوَ مُسْنَدٌ إلى المَوْعِدِ أوِ المَوْعِدُ لَنْ يَخْتَلِفَ ما قُدِّرَ لَكَ مِنَ العَذابِ في الآخِرَةِ. وقالَ سَهْلٌ يَعْنِي أبا حاتِمٍ لا يُعْرَفُ لِقِراءَةِ أبِي نَهِيكٍ مَذْهَبٌ. انْتَهى. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ نَخْلِفُهُ بِالنُّونِ وكَسْرِ اللّامِ أيْ لا نَنْقُصُ مِمّا وعَدْنا لَكَ مِنَ الزَّمانِ شَيْئًا. وقالَ ابْنُ جِنِّي لَنْ يُصادِفَهُ مُخالِفًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَنْ يَخْلِفَهُ اللَّهُ. حَكى قَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ كَما مَرَّ في ﴿لِأهَبَ لَكِ﴾ [مريم: ١٩] . انْتَهى. * * ثُمَّ وبَّخَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ السّامِرِيَّ بِما أرادَ أنْ يَفْعَلَ بِالعِجْلِ الَّذِي اتَّخَذَهُ إلَهًا مِنَ الِاسْتِطالَةِ عَلَيْهِ بِتَغْيِيرِ هَيْئَتِهِ، فَواجَهَهُ بِقَوْلِهِ ﴿وانْظُرْ إلى إلَهِكَ﴾ وخاطَبَهُ وحْدَهُ إذْ كانَ هو رَأْسَ الضَّلالِ وهو يَنْظُرُ لِقَوْلِهِمْ ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ﴾ [طه: ٩١] وأقْسَمَ ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ وهو أعْظَمُ فَسادِ الصُّورَةِ ﴿ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ في اليَمِّ﴾ حَتّى تَتَفَرَّقَ أجْزاؤُهُ فَلا يَجْتَمِعَ، ويَظْهَرُ أنَّهُ لَمّا كانَ قَدْ أخَذَ السّامِرِيُّ القَبْضَةَ مِن أثَرِ فَرَسِ جِبْرِيلَ وهو داخِلٌ البَحْرَ حالَةَ تَقَدُّمِ فِرْعَوْنَ وتَبِعَهُ فِرْعَوْنُ في الدُّخُولِ ناسَبَ أنْ يُنْسَفَ ذَلِكَ العِجْلُ الَّذِي صاغَهُ السّامِرِيُّ مِنَ الحُلِيِّ الَّذِي كانَ أصْلُهُ لِلْقِبْطِ. وألْقى فِيهِ القَبْضَةَ في البَحْرِ لِيَكُونَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ما كانَ بِهِ قِيامُ الحَياةِ آلَ إلى العَدَمِ. وأُلْقِيَ في مَحَلِّ ما قامَتْ بِهِ الحَياةُ وإنَّ أمْوالَ القِبْطِ قَذَفَها اللَّهُ في البَحْرِ بِحَيْثُ لا يُنْتَفَعُ بِها كَما قَذَفَ اللَّهُ أشْخاصَ مالِكِيها في البَحْرِ وغَرَّقَهم فِيهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ لِابْنِ يَعْمَرَ (ظَلْتَ) بِظاءٍ مَفْتُوحَةٍ ولامٍ ساكِنَةٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ والأعْمَشُ بِخِلافٍ عَنْهُ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ يَعْمَرَ بِخِلافٍ عَنْهُ كَذَلِكَ إلّا أنَّهم كَسَرُوا الظّاءَ، وعَنِ ابْنِ يَعْمَرَ ضَمُّها وعَنْ أُبَيٍّ والأعْمَشِ ظَلِلْتَ بِلامَيْنِ عَلى الأصْلِ، فَأمّا حَذْفُ اللّامِ فَقَدْ ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ في الشُّذُوذِ يَعْنِي شُذُوذَ القِياسِ لا شُذُوذَ الِاسْتِعْمالِ مَعَ مَسَّتْ وأصْلُهُ مَسِسْتُ وأحَسَّتْ أصْلُهُ أحْسَسْتُ، وذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ هَمَّتْ وأصْلُهُ هَمَمْتُ ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا إذا سُكِّنَ آخِرُ الفِعْلِ نَحْوَ ظَلَّتْ إذْ أصْلُهُ ظَلِلْتُ. وذَكَرَ بَعْضُ مَن عاصَرْناهُ أنَّ ذَلِكَ مُنْقاسٌ في كُلِّ مُضاعَفِ العَيْنِ واللّامِ في لُغَةِ بَنِي سُلَيْمٍ حَيْثُ يُسَكَّنُ آخِرُ الفِعْلِ. وقَدْ أمْعَنّا الكَلامَ عَلى هَذِهِ المَسْألَةِ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ مِن تَأْلِيفِنا، فَأمّا مَن كَسَرَ الظّاءِ فَلِأنَّهُ نَقَلَ حَرَكَةَ اللّامِ إلى الظّاءِ بَعْدَ نَزْعِ حَرَكْتِها تَقْدِيرًا ثُمَّ حَذَفَ اللّامَ، وأمّا مَن ضَمَّها فَيَكُونُ عَلى أنَّهُ جاءَ في بَعْضِ اللُّغاتِ عَلى فِعْلٍ بِضَمِّ العَيْنِ فِيهِما، ونُقِلَتْ ضَمَّةُ اللّامِ إلى الظّاءِ كَما نُقِلَتْ في حالَةِ الكَسْرِ عَلى ما تَقَرَّرَ. * * وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ مُشَدَّدًا مُضارِعُ حَرَّقَ مُشَدَّدًا. وقَرَأ الحَسَنُ وقَتادَةُ وأبُو جَعْفَرٍ وأبُو رَجاءٍ والكَلْبِيُّ مُخَفَّفًا مَن أحْرَقَ رُباعِيًّا. وقَرَأ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وحُمَيدٌ وأبُو جَعْفَرٍ في رِوايَةٍ وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ الحاءِ وضَمِّ الرّاءِ، والظّاهِرُ أنَّ حَرَّقَ وأحْرَقَ هو بِالنّارِ. وأمّا القِراءَةُ الثّالِثَةُ فَمَعْناها لَنُبْرِدَنَّهُ بِالمِبْرَدِ يُقالُ حَرَقَ يَحْرُقُ ويَحْرِقُ بِضَمِّ راءِ المُضارِعِ وكَسْرِها. وذَكَرَ أبُو عَلِيٍّ أنَّ التَّشْدِيدَ قَدْ يَكُونُ مُبالَغَةً في حَرَّقَ إذا بُرِدَ بِالمِبْرَدِ. وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ لَنَذْبَحَنَّهُ ثُمَّ لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ وتُوافِقُ هَذِهِ القِراءَةُ مَن رَوى أنَّهُ صارَ لَحْمًا ودَمًا ذا رُوحٍ، ويَتَرَتَّبُ الإحْراقُ بِالنّارِ عَلى هَذا، وأمّا إذا كانَ جَمادًا مَصُوغًا مِنَ الحُلِيِّ فَيَتَرَتَّبُ بَرْدُهُ لا إحْراقُهُ إلّا إنْ عُنِيَ بِهِ إذابَتُهُ. وقالَ السُّدِّيُّ: أُمِرَ مُوسى بِذَبْحِ العِجْلِ فَذُبِحَ وسالَ مِنهُ الدَّمُ ثُمَّ أُحْرِقَ ونُسِفَ رَمادُهُ. وقِيلَ: بُرِدَتْ عِظامَهُ بِالمِبْرَدِ حَتّى صارَتْ بِحَيْثُ يُمْكِنُ نَسْفُها. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَنَنْسِفَنَّهُ﴾ بِكَسْرِ السِّينِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ مِنهم عِيسى بِضَمِّ السِّينِ. وقَرَأ ابْنُ مِقْسَمٍ: لَنُنَسِّفَنَّهُ بِضَمِّ النُّونِ الأُولى وفَتْحِ الثّانِيَةِ وتَشْدِيدِ السِّينِ. والظّاهِرُ وقَوْلُ الجُمْهُورِ أنَّ مُوسى تَعَجَّلَ وحْدَهُ فَوَقَعَ أمْرُ العِجْلِ، ثُمَّ جاءَ مُوسى وصَنَعَ بِالعِجْلِ ما صَنَعَ ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ ذَلِكَ بِالسَبْعِينَ عَلى مَعْنى الشَّفاعَةِ في ذَنْبِ بَنِي إسْرائِيلَ وأنْ يُطْلِعَهم أيْضًا عَلى أمْرِ المُناجاةِ، فَكانَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَهْضَتانِ.

طه 20:98

﴿وكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ أيْ كَما حَدَثَ ووَقَعَ قَرَّبَتْ لِي نَفْسِي وجَعَلَتْهُ لِي رَسُولًا وإرْبًا حَتّى فَعَلْتُهُ، وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لا يَقْتُلُ بَنِي إسْرائِيلَ إلّا في حَدٍّ أوْ وحْيٍ، فَعاقَبَهُ بِاجْتِهادِ نَفْسِهِ بِأنْ أبْعَدَهُ ونَحّاهُ عَنِ النّاسِ وأمَرَ بَنِي إسْرائِيلَ بِاجْتِنابِهِ واجْتِنابِ قَبِيلَتِهِ وأنْ لا يُواكَلُوا ولا يُناكَحُوا، وجَعَلَ لَهُ أنْ يَقُولَ مُدَّةَ حَياتِهِ ﴿لا مِساسَ﴾ أيْ لا مُماسَّةَ ولا إذابَةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عُوقِبَ في الدُّنْيا بِعُقُوبَةٍ لا شَيْءَ أطَمُّ مِنها وأوْحَشُ، وذَلِكَ أنَّهُ مُنِعَ مِن مُخالَطَةِ النّاسِ مَنعًا (p-٢٧٥)كُلِّيًّا، وحُرِّمَ عَلَيْهِمْ مُلاقاتُهُ ومُكالَمَتُهُ ومُبايَعَتُهُ ومُواجَهَتُهُ وكُلُّ ما يُعايِشُ بِهِ النّاسُ بَعْضَهم بَعْضًا، وإذا اتَّفَقَ أنْ يُماسَّ أحَدًا رَجُلًا أوِ امْرَأةً حُمَّ الماسُّ والمَمْسُوسُ فَتَحامى النّاسُ وتَحامَوْهُ، وكانَ يَصِيحُ ﴿لا مِساسَ﴾ ويُقالُ إنَّ قَوْمَهُ باقٍ فِيهِمْ ذَلِكَ إلى اليَوْمِ. انْتَهى. وكَوْنُ الحُمّى تَأْخُذُ الماسَّ والمَمْسُوسَ قَوْلُ قَتادَةَ والأمْرُ بِالذِّهابِ حَقِيقَةٌ ودَخَلَتِ الفاءُ لِلتَّعْقِيبِ إثْرَ المُحاوَرَةِ وطَرْدِهِ بِلا مُهْلَةٍ زَمانِيَّةٍ، وعَبَّرَ بِالمُماسَّةِ عَنِ المُخالَطَةِ لِأنَّها أدْنى أسْبابِ المُخالَطَةِ فَنَبَّهَ بِالأدْنى عَلى الأعْلى، والمَعْنى لا مُخالَطَةَ بَيْنَكَ وبَيْنَ النّاسِ فَنَفَرَ مِنَ النّاسِ ولَزِمَ البَرِّيَّةَ وهَجَرَ البَرِيَّةَ وبَقِيَ مَعَ الوُحُوشِ إلى أنِ اسْتَوْحَشَ وصارَ إذا رَأى أحَدًا يَقُولُ ﴿لا مِساسَ﴾ أيْ لا تَمَسَّنِي ولا أمَسُّكَ. وقِيلَ: ابْتُلِيَ بِعَذابٍ قِيلَ لَهُ ﴿لا مِساسَ﴾ بِالوَسْواسِ وهو الَّذِي عَناهُ الشّاعِرُ بِقَوْلِهِ: ؎فَأصْبَحَ ذَلِكَ كالسّامِرِيِّ إذْ قالَ مُوسى لَهُ لا مِساسا ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ: حَتّى تَقُولَ الأزْدُ لا مِساسا وقِيلَ: أرادَ مُوسى قَتْلَهُ فَمَنَعَهُ اللَّهُ مِن قَتْلِهِ لِأنَّهُ كانَ شَيْخًا. قالَ بَعْضُ شُيُوخِنا وقَدْ وقَعَ مِثْلُ هَذا في شَرْعِنا في قِصَّةِ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خَلَفُوا أمْرَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ لا يُكَلَّمُوا ولا يُخالَطُوا وأنْ يَعْتَزِلُوا نِساءَهم حَتّى تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لا مِساسَ﴾ بِفَتْحِ السِّينِ والمِيمِ المَكْسُورَةِ و﴿مِساسَ﴾ مَصْدَرُ ماسَّ كَقِتالٍ مِن قاتَلَ، وهو مَنفِيٌّ بِلا الَّتِي لِنَفْيِ الجِنْسِ، وهو نَفْيٌ أُرِيدَ بِهِ النَّهْيُ أيْ لا تَمَسَّنِي ولا أمَسَّكَ. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وقُعْنَبٌ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ السِّينِ. فَقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: هو عَلى صُورَةِ نِزالِ ونِظِارِ مِن أسْماءِ الأفْعالِ بِمَعْنى انْزِلْ وانْظُرْ، فَهَذِهِ الأسْماءُ الَّتِي بِهَذِهِ الصِّيغَةِ مَعارِفُ ولا تَدْخُلُ عَلَيْها إلّا النّافِيَةُ الَّتِي تَنْصِبُ النَّكِراتِ نَحْوَ لا مالَ لَكَ، لَكِنَّهُ فِيهِ نَفْيُ الفِعْلِ فَتَقْدِيرُهُ لا يَكُونُ مِنكَ مِساسٌ، ولا أقُولُ مِساسَ ومَعْناهُ النَّهْيُ أيْ لا تَمَسَّنِي. انْتَهى. وظاهِرُ هَذا أنَّ مِساسَ اسْمُ فِعْلٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ﴿لا مِساسَ﴾ بِوَزْنِ فِجارٍ ونَحْوُهُ قَوْلُهم في الظِّباءِ: ؎إنْ ورَدْنَ الماءَ فَلا عُبابَ ∗∗∗ وإنْ فَقَدْنَهُ فَلا إبابَ وهِيَ أعْلامٌ لِلْمَسَّةِ والعَبَّةِ والأبَّةِ وهي المَرَّةُ مِنَ الأبِّ وهو الطَّلَبُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ﴿لا مِساسَ﴾ هو مَعْدُولٌ عَنِ المَصْدَرِ كَفِجارٍ ونَحْوِهِ، وشَبَّهَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ بِنِزالِ ودِراكِ ونَحْوِهِ، والشَّبَهُ صَحِيحٌ مِن حَيْثُ هي مَعْدُولاتٌ، وفارَقَهُ في أنَّ هَذِهِ عُدِلَتْ عَنِ الأمْرِ ومِساسُ وفِجارُ عُدِلَتْ عَنِ المَصْدَرِ. ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎تَمِيمٌ كَرَهْطِ السّامِرِيِّ وقَوْلِهِ ∗∗∗ ألا لا يُرِيدُ السّامِرِيُّ مِساسَ انْتَهى. * * فَكَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ وابْنِ عَطِيَّةَ يَدُلُّ عَلى أنَّ مِساسَ مَعْدُولٌ عَنِ المَصْدَرِ الَّذِي هو المَسَّةُ، كَفِجارِ مَعْدُولًا عَنِ الفَجَرَةِ ﴿وإنَّ لَكَ مَوْعِدًا﴾ أيْ في يَوْمِ القِيامَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ بِالتّاءِ المَضْمُومَةِ وفَتْحِ اللّامِ عَلى مَعْنى لَنْ يَقَعَ فِيهِ خُلْفٌ بَلْ يُنْجِزُهُ لَكَ اللَّهُ في الآخِرَةِ عَلى الشِّرْكِ والفَسادِ بَعْدَما عاقَبَكَ في الدُّنْيا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا مِن أخْلَفْتُ المَوْعِدَ إذا وجَدْتَهُ خُلْفًا. قالَ الأعْشى: ؎أثْوى وقَصَّرَ لَيْلَهُ لِيُزَوِّدا فَمَضى وأخْلَفَ مِن قُتَيْلَةَ مَوْعِدا وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ والأعْمَشُ وأبُو عَمْرٍو بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ اللّامِ أيْ لَنْ تَسْتَطِيعَ الرَّوَغانَ عَنْهُ. والحَيْدَةَ فَتَزُولَ عَنْ مَوْعِدِ العَذابِ. وقَرَأ أبُو نَهِيكٍ: لَنْ تَخْلُفَهُ بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ اللّامِ هَكَذا بِالتّاءِ مَنقُوطَةً مِن فَوْقُ عَنْ أبِي نَهِيكٍ في نَقْلِ ابْنِ خالَوَيْهِ. وفي اللَّوامِحِ أبُو نَهِيكٍ لَنْ يَخْلُفَهُ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ اللّامِ وهو مِن خَلَفَهُ يَخْلُفُهُ إذا جاءَ بَعْدَهُ أيِ المَوْعِدُ الَّذِي لَكَ لا يَدْفَعُ قَوْلَكَ الَّذِي تَقُولُهُ فِيما بَعْدُ ﴿لا مِساسَ﴾ بِالفِعْلِ (p-٢٧٦)فَهُوَ مُسْنَدٌ إلى المَوْعِدِ أوِ المَوْعِدُ لَنْ يَخْتَلِفَ ما قُدِّرَ لَكَ مِنَ العَذابِ في الآخِرَةِ. وقالَ سَهْلٌ يَعْنِي أبا حاتِمٍ لا يُعْرَفُ لِقِراءَةِ أبِي نَهِيكٍ مَذْهَبٌ. انْتَهى. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ نَخْلِفُهُ بِالنُّونِ وكَسْرِ اللّامِ أيْ لا نَنْقُصُ مِمّا وعَدْنا لَكَ مِنَ الزَّمانِ شَيْئًا. وقالَ ابْنُ جِنِّي لَنْ يُصادِفَهُ مُخالِفًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَنْ يَخْلِفَهُ اللَّهُ. حَكى قَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ كَما مَرَّ في ﴿لِأهَبَ لَكِ﴾ [مريم: ١٩] . انْتَهى. * * ثُمَّ وبَّخَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ السّامِرِيَّ بِما أرادَ أنْ يَفْعَلَ بِالعِجْلِ الَّذِي اتَّخَذَهُ إلَهًا مِنَ الِاسْتِطالَةِ عَلَيْهِ بِتَغْيِيرِ هَيْئَتِهِ، فَواجَهَهُ بِقَوْلِهِ ﴿وانْظُرْ إلى إلَهِكَ﴾ وخاطَبَهُ وحْدَهُ إذْ كانَ هو رَأْسَ الضَّلالِ وهو يَنْظُرُ لِقَوْلِهِمْ ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ﴾ [طه: ٩١] وأقْسَمَ ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ وهو أعْظَمُ فَسادِ الصُّورَةِ ﴿ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ في اليَمِّ﴾ حَتّى تَتَفَرَّقَ أجْزاؤُهُ فَلا يَجْتَمِعَ، ويَظْهَرُ أنَّهُ لَمّا كانَ قَدْ أخَذَ السّامِرِيُّ القَبْضَةَ مِن أثَرِ فَرَسِ جِبْرِيلَ وهو داخِلٌ البَحْرَ حالَةَ تَقَدُّمِ فِرْعَوْنَ وتَبِعَهُ فِرْعَوْنُ في الدُّخُولِ ناسَبَ أنْ يُنْسَفَ ذَلِكَ العِجْلُ الَّذِي صاغَهُ السّامِرِيُّ مِنَ الحُلِيِّ الَّذِي كانَ أصْلُهُ لِلْقِبْطِ. وألْقى فِيهِ القَبْضَةَ في البَحْرِ لِيَكُونَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ما كانَ بِهِ قِيامُ الحَياةِ آلَ إلى العَدَمِ. وأُلْقِيَ في مَحَلِّ ما قامَتْ بِهِ الحَياةُ وإنَّ أمْوالَ القِبْطِ قَذَفَها اللَّهُ في البَحْرِ بِحَيْثُ لا يُنْتَفَعُ بِها كَما قَذَفَ اللَّهُ أشْخاصَ مالِكِيها في البَحْرِ وغَرَّقَهم فِيهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ لِابْنِ يَعْمَرَ (ظَلْتَ) بِظاءٍ مَفْتُوحَةٍ ولامٍ ساكِنَةٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ والأعْمَشُ بِخِلافٍ عَنْهُ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ يَعْمَرَ بِخِلافٍ عَنْهُ كَذَلِكَ إلّا أنَّهم كَسَرُوا الظّاءَ، وعَنِ ابْنِ يَعْمَرَ ضَمُّها وعَنْ أُبَيٍّ والأعْمَشِ ظَلِلْتَ بِلامَيْنِ عَلى الأصْلِ، فَأمّا حَذْفُ اللّامِ فَقَدْ ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ في الشُّذُوذِ يَعْنِي شُذُوذَ القِياسِ لا شُذُوذَ الِاسْتِعْمالِ مَعَ مَسَّتْ وأصْلُهُ مَسِسْتُ وأحَسَّتْ أصْلُهُ أحْسَسْتُ، وذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ هَمَّتْ وأصْلُهُ هَمَمْتُ ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا إذا سُكِّنَ آخِرُ الفِعْلِ نَحْوَ ظَلَّتْ إذْ أصْلُهُ ظَلِلْتُ. وذَكَرَ بَعْضُ مَن عاصَرْناهُ أنَّ ذَلِكَ مُنْقاسٌ في كُلِّ مُضاعَفِ العَيْنِ واللّامِ في لُغَةِ بَنِي سُلَيْمٍ حَيْثُ يُسَكَّنُ آخِرُ الفِعْلِ. وقَدْ أمْعَنّا الكَلامَ عَلى هَذِهِ المَسْألَةِ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ مِن تَأْلِيفِنا، فَأمّا مَن كَسَرَ الظّاءِ فَلِأنَّهُ نَقَلَ حَرَكَةَ اللّامِ إلى الظّاءِ بَعْدَ نَزْعِ حَرَكْتِها تَقْدِيرًا ثُمَّ حَذَفَ اللّامَ، وأمّا مَن ضَمَّها فَيَكُونُ عَلى أنَّهُ جاءَ في بَعْضِ اللُّغاتِ عَلى فِعْلٍ بِضَمِّ العَيْنِ فِيهِما، ونُقِلَتْ ضَمَّةُ اللّامِ إلى الظّاءِ كَما نُقِلَتْ في حالَةِ الكَسْرِ عَلى ما تَقَرَّرَ. * * وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ مُشَدَّدًا مُضارِعُ حَرَّقَ مُشَدَّدًا. وقَرَأ الحَسَنُ وقَتادَةُ وأبُو جَعْفَرٍ وأبُو رَجاءٍ والكَلْبِيُّ مُخَفَّفًا مَن أحْرَقَ رُباعِيًّا. وقَرَأ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وحُمَيدٌ وأبُو جَعْفَرٍ في رِوايَةٍ وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ الحاءِ وضَمِّ الرّاءِ، والظّاهِرُ أنَّ حَرَّقَ وأحْرَقَ هو بِالنّارِ. وأمّا القِراءَةُ الثّالِثَةُ فَمَعْناها لَنُبْرِدَنَّهُ بِالمِبْرَدِ يُقالُ حَرَقَ يَحْرُقُ ويَحْرِقُ بِضَمِّ راءِ المُضارِعِ وكَسْرِها. وذَكَرَ أبُو عَلِيٍّ أنَّ التَّشْدِيدَ قَدْ يَكُونُ مُبالَغَةً في حَرَّقَ إذا بُرِدَ بِالمِبْرَدِ. وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ لَنَذْبَحَنَّهُ ثُمَّ لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ وتُوافِقُ هَذِهِ القِراءَةُ مَن رَوى أنَّهُ صارَ لَحْمًا ودَمًا ذا رُوحٍ، ويَتَرَتَّبُ الإحْراقُ بِالنّارِ عَلى هَذا، وأمّا إذا كانَ جَمادًا مَصُوغًا مِنَ الحُلِيِّ فَيَتَرَتَّبُ بَرْدُهُ لا إحْراقُهُ إلّا إنْ عُنِيَ بِهِ إذابَتُهُ. وقالَ السُّدِّيُّ: أُمِرَ مُوسى بِذَبْحِ العِجْلِ فَذُبِحَ وسالَ مِنهُ الدَّمُ ثُمَّ أُحْرِقَ ونُسِفَ رَمادُهُ. وقِيلَ: بُرِدَتْ عِظامَهُ بِالمِبْرَدِ حَتّى صارَتْ بِحَيْثُ يُمْكِنُ نَسْفُها. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَنَنْسِفَنَّهُ﴾ بِكَسْرِ السِّينِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ مِنهم عِيسى بِضَمِّ السِّينِ. وقَرَأ ابْنُ مِقْسَمٍ: لَنُنَسِّفَنَّهُ بِضَمِّ النُّونِ الأُولى وفَتْحِ الثّانِيَةِ وتَشْدِيدِ السِّينِ. والظّاهِرُ وقَوْلُ الجُمْهُورِ أنَّ مُوسى تَعَجَّلَ وحْدَهُ فَوَقَعَ أمْرُ العِجْلِ، ثُمَّ جاءَ مُوسى وصَنَعَ بِالعِجْلِ ما صَنَعَ ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ ذَلِكَ بِالسَبْعِينَ عَلى مَعْنى الشَّفاعَةِ في ذَنْبِ بَنِي إسْرائِيلَ وأنْ يُطْلِعَهم أيْضًا عَلى أمْرِ المُناجاةِ، فَكانَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَهْضَتانِ.

طه 20:99

وأسْنَدَ مَكِّيٌّ خِلافَ هَذا أنَّ مُوسى كانَ مَعَ السَبْعِينَ في المُناجاةِ وحِينَئِذٍ وقَعَ أمْرُ العِجْلِ، وأنَّ (p-٢٧٧)اللَّهَ أعْلَمَ مُوسى بِذَلِكَ فَكَتَمَهُ عَنْهم وجاءَ بِهِمْ حَتّى سَمِعُوا لَغَطَ بَنِي إسْرائِيلَ حَوْلَ العِجْلِ، فَحِينَئِذٍ عَلِمَهم مُوسى. انْتَهى. ولَمّا فَرَغَ مِن إبْطالِ ما عَمِلَهُ السّامِرِيُّ عادَ إلى بَيانِ الدِّينِ الحَقِّ فَقالَ ﴿إنَّما إلَهُكُمُ اللَّهُ﴾ [طه: ٩٨] وقَرَأ الجُمْهُورُ (وسِعَ) فانْتَصَبَ عِلْمًا عَلى التَّمْيِيزِ المَنقُولِ مِنَ الفاعِلِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في الأنْعامِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وسَّعَ بِفَتْحِ السِّينِ مُشَدَّدَةً. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وجْهُهُ أنَّ (وسِعَ) مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ وهو كُلُّ شَيْءٍ. وأمّا (عِلْمًا) فانْتِصابُهُ عَلى التَّمْيِيزِ وهو في المَعْنى فاعِلٌ، فَلَمّا ثُقِّلَ نُقِلَ إلى التَّعْدِيَةِ إلى مَفْعُولَيْنِ فَنَصَبَهُما مَعًا عَلى المَفْعُولِيَّةِ، لِأنَّ المُمَيَّزَ فاعِلٌ في المَعْنى كَما تَقُولُ: خافَ زَيْدٌ عَمْرًا خَوَّفْتُ زَيْدًا عَمْرًا، فَتَرِدُ بِالنَّقْلِ ما كانَ فاعِلًا مَفْعُولًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ (وسِعَ) بِمَعْنى خَلْقِ الأشْياءِ وكَثْرِها بِالِاخْتِراعِ فَوَسِعَها مَوْجُوداتٍ. انْتَهى. ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وقَدْ آتَيْناكَ مِن لَدُنّا ذِكْرًا﴾ ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيهِ وساءَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ حِمْلًا﴾ ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهم إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا﴾ ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إذْ يَقُولُ أمْثَلُهم طَرِيقَةً إنْ لَبِثْتُمْ إلّا يَوْمًا﴾ ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ ﴿فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا﴾ ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ورَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ ﴿وعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه: ١١١] ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْمًا ولا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢] ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ أوْ يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا﴾ [طه: ١١٣] ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] . (p-٢٧٨)ذَلِكَ إشارَةٌ إلى نَبَأِ مُوسى وبَنِي إسْرائِيلَ وفِرْعَوْنَ أيْ كَقَصِّنا هَذا النَّبَأ الغَرِيبَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الأُمَمِ السّابِقَةِ، وهَذا فِيهِ ذِكْرُ نِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ وهي الإعْلامُ بِأخْبارِ الأُمَمِ السّالِفَةِ لِيَتَسَلّى بِذَلِكَ ويَعْلَمَ أنَّ ما صَدَرَ مِنَ الأُمَمِ لِرُسُلِهِمْ وما قاسَتِ الرُّسُلُ مِنهم، والظّاهِرُ أنَّ الذِّكْرَ هُنا القُرْآنُ امْتَنَّ تَعالى عَلَيْهِ بِإيتائِهِ الذِّكْرَ المُشْتَمِلَ عَلى القِصَصِ والأخْبارِ الدّالِّ ذَلِكَ عَلى مُعْجِزاتٍ أُوتِيَها. وقالَ مُقاتِلٌ: ﴿ذِكْرًا﴾ بَيانًا. وقالَ أبُو سَهْلٍ: شَرَفًا وذِكْرًا في النّاسِ. ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ﴾ أيْ عَنِ القُرْآنِ بِكَوْنِهِ لَمْ يُؤْمِن بِهِ ولَمْ يَتَّبِعْ ما فِيهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (يَحْمِلُ) مُضارِعُ حَمَلَ مُخَفَّفًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ مِنهم داوُدُ بْنُ رُفَيْعٍ: يُحَمَّلُ مُشَدَّدُ المِيمِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ لِأنَّهُ يُكَلَّفُ ذَلِكَ لا أنَّهُ يَحْمِلُهُ طَوْعًا و(وِزْرًا) مَفْعُولٌ ثانٍ و(وِزْرًا) ثِقَلًا باهِظًا يُؤَدِّهِ حَمْلُهُ وهو ثِقَلُ العَذابِ. وقالَ مُجاهِد: إثْمًا. وقالَ الثَّوْرِيُّ: شِرْكًا والظّاهِرُ أنَّهُ عَبَّرَ عَنِ العُقُوبَةِ بِالوِزْرِ لِأنَّهُ سَبَبُها ولِذَلِكَ قالَ ﴿خالِدِينَ فِيهِ﴾ أيْ في العَذابِ والعُقُوبَةِ وجَمَعَ خالِدِينَ، والضَّمِيرَ في (لَهم) حَمْلًا عَلى مَعْنى مِن بَعْدِ الحَمْلِ عَلى لَفْظِها في أعْرَضَ وفي فَإنَّهُ يَحْمِلُ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ وِزْرَهم و(لَهم) لِلْبَيانِ كَهي في ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣] لا مُتَعَلِّقَةٌ بِساءٍ (وساءَ) هُنا هي الَّتِي جَرَتْ مَجْرى بِئْسَ لا ساءَ الَّتِي بِمَعْنى أحْزَنَ وأهَمَّ لِفَسادِ المَعْنى. ويَوْمُ نَنْفُخُ بَدَلٌ مِن يَوْمِ القِيامَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُنْفَخُ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ (ونَحْشُرُ) بِالنُّونِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ بِنُونِ العَظَمَةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ مُحَيْصِنٍ وحُمَيدٌ: نَنْفُخُ بِنُونِ العَظَمَةِ كَنَحْشُرُ أسْنَدَ النَّفْخَ إلى الآمِرِ بِهِ، والنّافِخُ هو إسْرافِيلُ ولِكَرامَتِهِ أسْنَدَ ما يَتَوَلّاهُ إلى ذاتِهِ المُقَدَّسَةِ و(الصُّورِ) تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ في الأنْعامِ. وقُرِئَ يَنْفُخُ ويَحْشُرُ بِالياءِ فِيهِما مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ عِياضٍ في جَماعَةٍ ﴿فِي الصُّورِ﴾ عَلى وزْنِ دُرَرٍ، والحَسَنُ: يُحْشَرُ، بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ويَحْشُرُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وبِالياءِ أيْ ويَحْشُرُ اللَّهُ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالزُّرْقِ زُرْقَةُ العُيُونِ، والزُّرْقَةُ أبْغَضُ ألْوانِ العُيُونِ إلى العَرَبِ لِأنَّ الرُّومَ أعْداؤُهم وهم زُرْقُ العُيُونِ، ولِذَلِكَ قالُوا في صِفَةِ العَدُوِّ: أسْوَدُ الكَبِدِ، أصْهَبُ السِّبالِ، أزْرَقُ العَيْنِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎وما كُنْتُ أخْشى أنْ تَكُونَ وفاتُهُ بِكَفِّي سَبَنَتى أزْرَقِ العَيْنِ مُطْرِقِ وقَدْ ذَكَرَ في آيَةٍ أُخْرى أنَّهم يُحْشَرُونَ سُودَ الوُجُوهِ، فالمَعْنى تَشْوِيهُ الصُّورَةِ مِن سَوادِ الوَجْهِ وزُرْقَةِ العَيْنِ وأيْضًا فالعَرَبُ تَتَشاءَمُ بِالزُّرْقَةِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎لَقَدْ زَرَفَتْ عَيْناكَ يا ابْنَ مُكَعْبَرٍ ∗∗∗ ألا كَلُّ ضَبِّيٍّ مِنَ اللُّؤْمِ أزْرَقُ (p-٢٧٩)وقِيلَ: المَعْنى عُمْيًا لِأنَّ العَيْنَ إذا ذَهَبَ نُورُها ازْرَقَّ ناظِرُها، وبِهَذا التَّأْوِيلِ يَقَعُ الجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِهِ (زُرْقًا) في هَذِهِ الآيَةِ و(عُمْيًا) في الآيَةِ الأُخْرى. وقِيلَ: زَرُقَ ألْوانُ أبْدانِهِمْ، وذَلِكَ غايَةٌ في التَّشْوِيهِ إذْ يَجِيئَنَّ كَلَوْنِ الرَّمادِ وفي كَلامِ العَرَبِ يُسَمّى هَذا اللَّوْنُ أزْرَقَ، ولا تَزْرَقُّ الجُلُودُ إلّا مِن مُكابَدَةِ الشَّدائِدِ وجُفُوفِ رُطُوبَتِها. وقِيلَ: (زُرْقًا) عِطاشًا والعَطَشُ الشَّدِيدُ يَرُدُّ سَوادَ العَيْنِ إلى البَياضِ، ومِنهُ قَوْلُهم سِنانٌ أزْرَقُ وقَوْلُهُ: ؎فَلَمّا ورَدْنَ المَـاءَ زُرْقًـا جِمامُـهُ أيِ ابْيَضَّ، وذُكِرَتِ الآيَتانِ لِابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ: لِيَوْمِ القِيامَةِ حالاتٌ فَحالَةٌ يَكُونُونَ فِيها زُرْقًا وحالَةٌ يَكُونُونَ عُمْيًا. ﴿يَتَخافَتُونَ﴾ يَتَسارُّونَ لِهَوْلِ المَطْلَعِ وشِدَّةِ ذَهابِ أذْهانِهِمْ قَدْ عَزَبَ عَنْهم قَدْرَ المُدَّةَ الَّتِي لَبِثُوا فِيها ﴿إنْ لَبِثْتُمْ﴾ أيْ في دارِ الدُّنْيا أوْ في البَرْزَخِ أوْ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ في الصُّورِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: ووَصْفُ ما لَبِثُوا فِيهِ بِالقَصْرِ لِأنَّها لِما يُعايِنُونَ مِنَ الشَّدائِدِ كانَتْ لَهم في الدُّنْيا أيّامُ سُرُورٍ، وأيّامُ السُّرُورِ قِصارٌ أوْ لِذِهابِها عَنْهم وتَقَضِّيها، والذّاهِبُ وإنْ طالَتْ مُدَّتُهُ قَصِيرٌ بِالِانْتِهاءِ، أوْ لاسْتِطالَتِهِمُ الآخِرَةَ وأنَّها أبَدٌ سَرْمَدٌ يُسْتَقْصَرُ إلَيْها عُمْرُ الدُّنْيا، ويُقالُ لَبِثَ أهْلُها فِيها بِالقِياسِ إلى لُبْثِهِمْ في الآخِرَةِ و(إذْ) مَعْمُولَةٌ لِأعْلَمَ. و﴿أمْثَلُهُمْ﴾ أعْدَلُهم. و﴿طَرِيقَةً﴾ مَنصُوبَةً عَلى التَّمْيِيزِ. ﴿إلّا يَوْمًا﴾ إشارَةٌ لِقِصَرِ مُدَّةِ لُبْثِهِمْ. و﴿إلّا عَشْرًا﴾ يُحْتَمَلُ عَشْرُ لَيالٍ أوْ عَشَرَةُ أيّامٍ، لِأنَّ المُذَكَّرَ إذا حُذِفَ وأُبْقِيَ عَدَدُهُ قَدْ لا يَأْتِي بِالتّاءِ. حَكى الكِسائِيُّ عَنْ أبِي الجَرّاحِ: صُمْنا مِنَ الشَّهْرِ خَمْسًا، ومِنهُ ما جاءَ في الحَدِيثِ: «ثُمَّ أتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِن شَوّالٍ»، يُرِيدُ سِتَّةَ أيّامٍ وحَسَّنَ الحَذْفَ هُنا كَوْنُ ذَلِكَ فاصِلَةَ رَأْسِ آيَةٍ ذُكِرَ أوَّلًا مُنْتَهى أقَلِّ العَدَدِ وهو العَشْرُ، وذَكَرَ أعْدَلُهم طَرِيقَةً أقَلَّ العَدَدِ، وهو اليَوْمُ الواحِدُ ودَلَّ ظاهِرُ قَوْلِهِ ﴿إلّا يَوْمًا﴾ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِمْ ﴿عَشْرًا﴾ عَشَرَةُ أيّامٍ. * * وضَمِيرُ الغائِبِ في ﴿ويَسْألُونَكَ﴾ عائِدٌ عَلى قُرَيْشٍ مُنْكِرِي البَعْثِ أوْ عَلى المُؤْمِنِينَ سَألُوا عَنْ ذَلِكَ، أوْ عَلى رَجُلٍ مِن ثَقِيفٍ وجَماعَةٍ مِن قَوْمِهِ أقْوالٌ ثَلاثَةٌ. والكافُ خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، والظّاهِرُ وُجُودُ السُّؤالِ ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن قالَ إنَّهُ لَمْ يَكُنْ سُؤالٌ بَلِ المَعْنى أنْ يَسْألُوكَ ﴿عَنِ الجِبالِ فَقُلْ﴾ فَضُمِّنَ مَعْنى الشَّرْطِ، فَلِذَلِكَ أُجِيبَ بِالفاءِ ورُوِيَ أنَّ اللَّهَ يُرْسِلُ عَلى الجِبالِ رِيحًا فَيَدْكُكُها حَتّى تَكُونَ كالعِهْنِ المَنفُوشِ، ثُمَّ يَتَوالى عَلَيْها حَتّى يُعِيدَها كالهَباءِ المُنْبَثِّ فَذَلِكَ هو النَّسْفُ، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في ﴿فَيَذَرُها﴾ عَلى الجِبالِ أيْ بَعْدَ النَّسْفِ تَبْقى ﴿قاعًا﴾ أيْ مُسْتَوِيًا مِنَ الأرْضِ مُعْتَدِلًا. وقِيلَ فَيَذْرُ مَقارَّها ومَراكِزَها. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الأرْضِ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ لِدَلالَةِ الجِبالِ عَلَيْها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ (عِوَجًا) مَيْلًا ﴿ولا أمْتًا﴾ أثَرًا مِثْلَ الشِّراكِ. وعَنْهُ أيْضًا ﴿عِوَجًا﴾ وادِيًا ﴿ولا أمْتًا﴾ رابِيَةً. وعَنْهُ أيْضًا: الأمْتُ الِارْتِفاعُ. وقالَ قَتادَةُ ﴿عِوَجًا﴾ صَدْعًا ﴿ولا أمْتًا﴾ أكَمَةً. وقِيلَ: الأمْتُ الشُّقُوقُ في الأرْضِ. وقِيلَ: غِلَظُ مَكانٍ في الفَضاءِ والجَبَلِ وبَرْقٌ في مَكانٍ حَكاهُ الصُّولِيُّ. وقِيلَ: كانَ الأمْتُ في الآيَةِ العِوَجَ في السَّماءِ تُجاهَ الهَواءِ، والعِوَجُ في الأرْضِ مُخْتَصٌّ بِالأرْضِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتُ: قَدْ فَرَّقُوا بَيْنَ العِوَجِ والعَوَجِ فَقالُوا: العِوَجُ بِالكَسْرِ في المَعانِي، والعَوَجُ بِالفَتْحِ في الأعْيانِ والأرْضِ، فَكَيْفَ صَحَّ فِيها المَكْسُورُ العَيْنِ ؟ قُلْتُ: اخْتِيارُ هَذا اللَّفْظِ لَهُ مَوْقِعٌ حَسَنٌ بَدِيعٌ في وصْفِ الأرْضِ بِالِاسْتِواءِ والمَلاسَةِ ونَفْيُ الِاعْوِجاجِ عَنْها عَلى أبْلَغِ ما يَكُونُ، وذَلِكَ أنَّكَ لَوْ عَمَدْتَ إلى قِطْعَةِ أرْضٍ فَسَوَّيْتَها وبالَغْتَ في التَّسْوِيَةِ عَلى عَيْنِكَ وعُيُونِ البُصَراءِ مِنَ الفِلاحَةِ، واتَّفَقْتُمْ عَلى أنْ لَمْ يَبْقَ فِيها اعْوِجاجٌ قَطُّ ثُمَّ اسْتَطْلَعْتَ رَأْيَ المُهَنْدِسِ فِيها وأمَرْتَهُ أنْ يَعْرِضَ اسْتِواءَها عَلى المَقايِيسِ الهَنْدَسِيَّةِ لَعَثَرَ فِيها عَلى عِوَجٍ في غَيْرِ مَوْضِعٍ لا يُدْرَكُ بِذَلِكَ بِحاسَّةِ البَصَرِ، ولَكِنْ بِالقِياسِ الهَنْدَسِيِّ فَنَفى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ذَلِكَ العِوَجَ الَّذِي دَقَّ (p-٢٨٠)ولَطَفَ عَنِ الإدْراكِ اللَّهُمَّ إلّا بِالقِياسِ الَّذِي يَعْرِفُهُ صاحِبُ التَّقْدِيرِ والهَنْدَسَةِ، وذَلِكَ الِاعْوِجاجُ لَمّا لَمْ يُدْرَكُ إلّا بِالقِياسِ دُونَ الإحْساسِ لَحِقَ بِالمَعانِي فَقِيلَ فِيهِ عِوَجٌ بِالكَسْرَةِ. الأمْتُ النُّتُوُّ اليَسِيرُ، يُقالُ: مَدَّ حَبْلَهُ حَتّى ما فِيهِ أمْتٌ. انْتَهى. * * (يَوْمَئِذٍ) أيْ يَوْمَ إذْ يَنْسِفُ اللَّهُ الجِبالَ (يَتَّبِعُونَ) أيِ الخَلائِقُ (الدّاعِيَ) داعِيَ اللَّهِ إلى المَحْشَرِ نَحْوَ قَوْلِهِ ﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِي﴾ [القمر: ٨] وهو إسْرافِيلُ يَقُومُ عَلى صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ يَدْعُو النّاسَ فَيُقْبِلُونَ مِن كُلِّ جِهَةٍ يَضَعُ الصُّوَرَ في فِيهِ، ويَقُولُ: أيَّتُها العِظامُ البالِيَةُ والجُلُودُ المُتَمَزِّقَةُ واللُّحُومُ المُتَفَرِّقَةُ هَلُمَّ إلى العَرْضِ عَلى الرَّحْمَنِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: يُجْمَعُونَ في ظُلْمَةٍ قَدْ طُوِيَتِ السَّماءُ وانْتَثَرَتِ النُّجُومُ فَيُنادِي مُنادٍ فَيَمُوتُونَ مَوْتَةً. وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى ﴿الدّاعِيَ﴾ هُنا الرَّسُولُ ﷺ الَّذِي كانَ يَدْعُوهم إلى اللَّهِ فَيَعُوجُونَ عَلى الصِّراطِ يَمِينًا وشِمالًا ويَمِيلُونَ عَنْهُ مَيْلًا عَظِيمًا، فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُهُمُ اتِّباعُهُ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (لَهُ) عائِدٌ عَلى ﴿الدّاعِيَ﴾ نَفى عَنْهُ العِوَجَ أيْ ﴿لا عِوَجَ﴾ لَهم عَنْهُ بَلْ يَأْتُونَ مُقْبِلِينَ إلَيْهِ مُتَّبِعِينَ لِصَوْتِهِ مِن غَيْرِ انْحِرافٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ لا يُعْوَجُّ لَهُ مَدْعُوٌّ بَلْ يَسْتَوُونَ إلَيْهِ. انْتَهى. * * وقِيلَ ﴿لا عِوَجَ لَهُ﴾ في مَوْضِعِ وصْفٍ لِمَنعُوتٍ مَحْذُوفٍ أيِ اتِّباعًا ﴿لا عِوَجَ لَهُ﴾ فَيَكُونُ الضَّمِيرُ في (لَهُ) عائِدًا عَلى ذَلِكَ المَصْدَرِ المَحْذُوفِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الإخْبارَ أيْ لا شَكَّ فِيهِ، ولا يُخالِفُ وُجُودَهُ خَبَرُهُ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ لا مَحِيدَ لِأحَدٍ عَنِ اتِّباعِهِ، والمَشْيِ نَحْوَ صَوْتِهِ والخُشُوعُ التَّطامُنُ والتَّواضُعُ وهو في الأصْواتِ اسْتِعارَةٌ بِمَعْنى الخَفاءِ. والِاسْتِسْرارُ لِلرَّحْمَنِ أيْ لِهَيْبَةِ الرَّحْمَنِ وهو مُطَّلِعٌ قُدْرَتُهُ. وقِيلَ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ وخَشَعَ أهْلُ الأصْواتِ والهَمْسُ الصَّوْتُ الخَفِيُّ الخافِتُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالهَمْسِ المَسْمُوعِ تَخافُتُهم بَيْنَهم وكَلامُهُمُ السِّرُّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ صَوْتَ الأقْدامِ وأنَّ أصْواتَ النُّطْقِ ساكِنَةٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿إلّا هَمْسًا﴾ وهو الرَّكْزُ الخَفِيُّ ومِنهُ الحُرُوفُ المَهْمُوسَةُ. وقِيلَ: هو مِن هَمْسِ الإبِلِ وهو صَوْتُ أخْفافِها إذا مَشَتْ، أيْ لا يُسْمَعُ إلّا خَفْقُ الأقْدامِ ونَقْلُها إلى المَحْشَرِ. انْتَهى. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ وابْنِ جُبَيْرٍ: الهَمْسُ وطْءُ الأقْدامِ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا تَحْرِيكُ الشِّفاهِ بِغَيْرِ نُطْقٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ: الكَلامُ الخَفِيُّ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ (فَلا يَنْطِقُونَ إلّا هَمْسًا) وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ الصَّوْتُ الخَفِيُّ يَوْمَئِذٍ بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ﴾ أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ يَوْمَ إذْ (يَتَّبِعُونَ) ويَكُونُ مَنصُوبًا بِلا تَنْفَعُ و(مَن) مَفْعُولٌ بِقَوْلِهِ ﴿لا تَنْفَعُ﴾ و(لَهُ) مَعْناهُ لِأجْلِهِ وكَذا في ورَضِيَ لَهُ أيْ لِأجْلِهِ، ويَكُونُ مَن لِلْمَشْفُوعِ لَهُ أوْ بَدَلٌ مِنَ الشَّفاعَةِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ إلّا شَفاعَةَ مَن أذِنَ لَهُ أوْ مَنصُوبٌ عَلى الِاسْتِثْناءِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، أوِ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ فَنُصِبَ عَلى لُغَةِ الحِجازِ، ورُفِعَ عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ، ويَكُونُ (مَن) في هَذِهِ الأوْجُهِ لِلشّافِعِ والقَوْلُ المَرْضِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى الخَلْقِ المَحْشُورِينَ وهم مُتَّبِعُو الدّاعِي. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المَلائِكَةِ. وقِيلَ: عَلى النّاسِ لا بِقَيْدِ الحَشْرِ والِاتِّباعِ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في آيَةِ الكُرْسِيِّ في البَقَرَةِ، والضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدٌ عَلى (ما) أيْ ﴿ولا يُحِيطُونَ﴾ بِمَعْلُوماتِهِ (عِلْمًا) والظّاهِرُ عُمُومُ (الوُجُوهِ) أيْ وُجُوهِ الخَلائِقِ، وخَصَّ (الوُجُوهَ) لِأنَّ آثارَ الذُّلِّ إنَّما تَظْهَرُ في أوَّلِ (الوُجُوهِ) . وقالَ طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ: المُرادُ سُجُودُ النّاسِ عَلى الوُجُوهِ والآرابِ السَّبْعَةِ، فَإنْ كانَ رَوى أنَّ هَذا يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ فَتَكُونُ الآيَةُ إخْبارًا عَنْهُ، واسْتَقامَ المَعْنى وإنْ كانَ أرادَ في الدُّنْيا فَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُلائِمٍ لِلْآياتِ الَّتِي قَبْلَها وبَعْدَها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُرادُ بِالوُجُودِ وُجُوهُ العُصاةِ وأنَّهم إذا عايَنُوا يَوْمَ القِيامَةِ الخَيْبَةَ والشِّقْوَةَ وسُوءَ الحِسابِ صارَتْ وُجُوهُهم عانِيَةً أيْ ذَلِيلَةً خاضِعَةً مِثْلَ وُجُوهِ العُناةِ وهُمُ الأسارى ونَحْوُهُ (p-٢٨١)﴿فَلَمّا رَأوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الملك: ٢٧] ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤] و(القَيُّومُ) تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في البَقَرَةِ.

طه 20:100

وأسْنَدَ مَكِّيٌّ خِلافَ هَذا أنَّ مُوسى كانَ مَعَ السَبْعِينَ في المُناجاةِ وحِينَئِذٍ وقَعَ أمْرُ العِجْلِ، وأنَّ (p-٢٧٧)اللَّهَ أعْلَمَ مُوسى بِذَلِكَ فَكَتَمَهُ عَنْهم وجاءَ بِهِمْ حَتّى سَمِعُوا لَغَطَ بَنِي إسْرائِيلَ حَوْلَ العِجْلِ، فَحِينَئِذٍ عَلِمَهم مُوسى. انْتَهى. ولَمّا فَرَغَ مِن إبْطالِ ما عَمِلَهُ السّامِرِيُّ عادَ إلى بَيانِ الدِّينِ الحَقِّ فَقالَ ﴿إنَّما إلَهُكُمُ اللَّهُ﴾ [طه: ٩٨] وقَرَأ الجُمْهُورُ (وسِعَ) فانْتَصَبَ عِلْمًا عَلى التَّمْيِيزِ المَنقُولِ مِنَ الفاعِلِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في الأنْعامِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وسَّعَ بِفَتْحِ السِّينِ مُشَدَّدَةً. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وجْهُهُ أنَّ (وسِعَ) مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ وهو كُلُّ شَيْءٍ. وأمّا (عِلْمًا) فانْتِصابُهُ عَلى التَّمْيِيزِ وهو في المَعْنى فاعِلٌ، فَلَمّا ثُقِّلَ نُقِلَ إلى التَّعْدِيَةِ إلى مَفْعُولَيْنِ فَنَصَبَهُما مَعًا عَلى المَفْعُولِيَّةِ، لِأنَّ المُمَيَّزَ فاعِلٌ في المَعْنى كَما تَقُولُ: خافَ زَيْدٌ عَمْرًا خَوَّفْتُ زَيْدًا عَمْرًا، فَتَرِدُ بِالنَّقْلِ ما كانَ فاعِلًا مَفْعُولًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ (وسِعَ) بِمَعْنى خَلْقِ الأشْياءِ وكَثْرِها بِالِاخْتِراعِ فَوَسِعَها مَوْجُوداتٍ. انْتَهى. ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وقَدْ آتَيْناكَ مِن لَدُنّا ذِكْرًا﴾ ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيهِ وساءَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ حِمْلًا﴾ ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهم إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا﴾ ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إذْ يَقُولُ أمْثَلُهم طَرِيقَةً إنْ لَبِثْتُمْ إلّا يَوْمًا﴾ ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ ﴿فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا﴾ ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ورَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ ﴿وعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه: ١١١] ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْمًا ولا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢] ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ أوْ يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا﴾ [طه: ١١٣] ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] . (p-٢٧٨)ذَلِكَ إشارَةٌ إلى نَبَأِ مُوسى وبَنِي إسْرائِيلَ وفِرْعَوْنَ أيْ كَقَصِّنا هَذا النَّبَأ الغَرِيبَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الأُمَمِ السّابِقَةِ، وهَذا فِيهِ ذِكْرُ نِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ وهي الإعْلامُ بِأخْبارِ الأُمَمِ السّالِفَةِ لِيَتَسَلّى بِذَلِكَ ويَعْلَمَ أنَّ ما صَدَرَ مِنَ الأُمَمِ لِرُسُلِهِمْ وما قاسَتِ الرُّسُلُ مِنهم، والظّاهِرُ أنَّ الذِّكْرَ هُنا القُرْآنُ امْتَنَّ تَعالى عَلَيْهِ بِإيتائِهِ الذِّكْرَ المُشْتَمِلَ عَلى القِصَصِ والأخْبارِ الدّالِّ ذَلِكَ عَلى مُعْجِزاتٍ أُوتِيَها. وقالَ مُقاتِلٌ: ﴿ذِكْرًا﴾ بَيانًا. وقالَ أبُو سَهْلٍ: شَرَفًا وذِكْرًا في النّاسِ. ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ﴾ أيْ عَنِ القُرْآنِ بِكَوْنِهِ لَمْ يُؤْمِن بِهِ ولَمْ يَتَّبِعْ ما فِيهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (يَحْمِلُ) مُضارِعُ حَمَلَ مُخَفَّفًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ مِنهم داوُدُ بْنُ رُفَيْعٍ: يُحَمَّلُ مُشَدَّدُ المِيمِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ لِأنَّهُ يُكَلَّفُ ذَلِكَ لا أنَّهُ يَحْمِلُهُ طَوْعًا و(وِزْرًا) مَفْعُولٌ ثانٍ و(وِزْرًا) ثِقَلًا باهِظًا يُؤَدِّهِ حَمْلُهُ وهو ثِقَلُ العَذابِ. وقالَ مُجاهِد: إثْمًا. وقالَ الثَّوْرِيُّ: شِرْكًا والظّاهِرُ أنَّهُ عَبَّرَ عَنِ العُقُوبَةِ بِالوِزْرِ لِأنَّهُ سَبَبُها ولِذَلِكَ قالَ ﴿خالِدِينَ فِيهِ﴾ أيْ في العَذابِ والعُقُوبَةِ وجَمَعَ خالِدِينَ، والضَّمِيرَ في (لَهم) حَمْلًا عَلى مَعْنى مِن بَعْدِ الحَمْلِ عَلى لَفْظِها في أعْرَضَ وفي فَإنَّهُ يَحْمِلُ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ وِزْرَهم و(لَهم) لِلْبَيانِ كَهي في ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣] لا مُتَعَلِّقَةٌ بِساءٍ (وساءَ) هُنا هي الَّتِي جَرَتْ مَجْرى بِئْسَ لا ساءَ الَّتِي بِمَعْنى أحْزَنَ وأهَمَّ لِفَسادِ المَعْنى. ويَوْمُ نَنْفُخُ بَدَلٌ مِن يَوْمِ القِيامَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُنْفَخُ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ (ونَحْشُرُ) بِالنُّونِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ بِنُونِ العَظَمَةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ مُحَيْصِنٍ وحُمَيدٌ: نَنْفُخُ بِنُونِ العَظَمَةِ كَنَحْشُرُ أسْنَدَ النَّفْخَ إلى الآمِرِ بِهِ، والنّافِخُ هو إسْرافِيلُ ولِكَرامَتِهِ أسْنَدَ ما يَتَوَلّاهُ إلى ذاتِهِ المُقَدَّسَةِ و(الصُّورِ) تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ في الأنْعامِ. وقُرِئَ يَنْفُخُ ويَحْشُرُ بِالياءِ فِيهِما مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ عِياضٍ في جَماعَةٍ ﴿فِي الصُّورِ﴾ عَلى وزْنِ دُرَرٍ، والحَسَنُ: يُحْشَرُ، بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ويَحْشُرُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وبِالياءِ أيْ ويَحْشُرُ اللَّهُ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالزُّرْقِ زُرْقَةُ العُيُونِ، والزُّرْقَةُ أبْغَضُ ألْوانِ العُيُونِ إلى العَرَبِ لِأنَّ الرُّومَ أعْداؤُهم وهم زُرْقُ العُيُونِ، ولِذَلِكَ قالُوا في صِفَةِ العَدُوِّ: أسْوَدُ الكَبِدِ، أصْهَبُ السِّبالِ، أزْرَقُ العَيْنِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎وما كُنْتُ أخْشى أنْ تَكُونَ وفاتُهُ بِكَفِّي سَبَنَتى أزْرَقِ العَيْنِ مُطْرِقِ وقَدْ ذَكَرَ في آيَةٍ أُخْرى أنَّهم يُحْشَرُونَ سُودَ الوُجُوهِ، فالمَعْنى تَشْوِيهُ الصُّورَةِ مِن سَوادِ الوَجْهِ وزُرْقَةِ العَيْنِ وأيْضًا فالعَرَبُ تَتَشاءَمُ بِالزُّرْقَةِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎لَقَدْ زَرَفَتْ عَيْناكَ يا ابْنَ مُكَعْبَرٍ ∗∗∗ ألا كَلُّ ضَبِّيٍّ مِنَ اللُّؤْمِ أزْرَقُ (p-٢٧٩)وقِيلَ: المَعْنى عُمْيًا لِأنَّ العَيْنَ إذا ذَهَبَ نُورُها ازْرَقَّ ناظِرُها، وبِهَذا التَّأْوِيلِ يَقَعُ الجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِهِ (زُرْقًا) في هَذِهِ الآيَةِ و(عُمْيًا) في الآيَةِ الأُخْرى. وقِيلَ: زَرُقَ ألْوانُ أبْدانِهِمْ، وذَلِكَ غايَةٌ في التَّشْوِيهِ إذْ يَجِيئَنَّ كَلَوْنِ الرَّمادِ وفي كَلامِ العَرَبِ يُسَمّى هَذا اللَّوْنُ أزْرَقَ، ولا تَزْرَقُّ الجُلُودُ إلّا مِن مُكابَدَةِ الشَّدائِدِ وجُفُوفِ رُطُوبَتِها. وقِيلَ: (زُرْقًا) عِطاشًا والعَطَشُ الشَّدِيدُ يَرُدُّ سَوادَ العَيْنِ إلى البَياضِ، ومِنهُ قَوْلُهم سِنانٌ أزْرَقُ وقَوْلُهُ: ؎فَلَمّا ورَدْنَ المَـاءَ زُرْقًـا جِمامُـهُ أيِ ابْيَضَّ، وذُكِرَتِ الآيَتانِ لِابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ: لِيَوْمِ القِيامَةِ حالاتٌ فَحالَةٌ يَكُونُونَ فِيها زُرْقًا وحالَةٌ يَكُونُونَ عُمْيًا. ﴿يَتَخافَتُونَ﴾ يَتَسارُّونَ لِهَوْلِ المَطْلَعِ وشِدَّةِ ذَهابِ أذْهانِهِمْ قَدْ عَزَبَ عَنْهم قَدْرَ المُدَّةَ الَّتِي لَبِثُوا فِيها ﴿إنْ لَبِثْتُمْ﴾ أيْ في دارِ الدُّنْيا أوْ في البَرْزَخِ أوْ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ في الصُّورِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: ووَصْفُ ما لَبِثُوا فِيهِ بِالقَصْرِ لِأنَّها لِما يُعايِنُونَ مِنَ الشَّدائِدِ كانَتْ لَهم في الدُّنْيا أيّامُ سُرُورٍ، وأيّامُ السُّرُورِ قِصارٌ أوْ لِذِهابِها عَنْهم وتَقَضِّيها، والذّاهِبُ وإنْ طالَتْ مُدَّتُهُ قَصِيرٌ بِالِانْتِهاءِ، أوْ لاسْتِطالَتِهِمُ الآخِرَةَ وأنَّها أبَدٌ سَرْمَدٌ يُسْتَقْصَرُ إلَيْها عُمْرُ الدُّنْيا، ويُقالُ لَبِثَ أهْلُها فِيها بِالقِياسِ إلى لُبْثِهِمْ في الآخِرَةِ و(إذْ) مَعْمُولَةٌ لِأعْلَمَ. و﴿أمْثَلُهُمْ﴾ أعْدَلُهم. و﴿طَرِيقَةً﴾ مَنصُوبَةً عَلى التَّمْيِيزِ. ﴿إلّا يَوْمًا﴾ إشارَةٌ لِقِصَرِ مُدَّةِ لُبْثِهِمْ. و﴿إلّا عَشْرًا﴾ يُحْتَمَلُ عَشْرُ لَيالٍ أوْ عَشَرَةُ أيّامٍ، لِأنَّ المُذَكَّرَ إذا حُذِفَ وأُبْقِيَ عَدَدُهُ قَدْ لا يَأْتِي بِالتّاءِ. حَكى الكِسائِيُّ عَنْ أبِي الجَرّاحِ: صُمْنا مِنَ الشَّهْرِ خَمْسًا، ومِنهُ ما جاءَ في الحَدِيثِ: «ثُمَّ أتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِن شَوّالٍ»، يُرِيدُ سِتَّةَ أيّامٍ وحَسَّنَ الحَذْفَ هُنا كَوْنُ ذَلِكَ فاصِلَةَ رَأْسِ آيَةٍ ذُكِرَ أوَّلًا مُنْتَهى أقَلِّ العَدَدِ وهو العَشْرُ، وذَكَرَ أعْدَلُهم طَرِيقَةً أقَلَّ العَدَدِ، وهو اليَوْمُ الواحِدُ ودَلَّ ظاهِرُ قَوْلِهِ ﴿إلّا يَوْمًا﴾ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِمْ ﴿عَشْرًا﴾ عَشَرَةُ أيّامٍ. * * وضَمِيرُ الغائِبِ في ﴿ويَسْألُونَكَ﴾ عائِدٌ عَلى قُرَيْشٍ مُنْكِرِي البَعْثِ أوْ عَلى المُؤْمِنِينَ سَألُوا عَنْ ذَلِكَ، أوْ عَلى رَجُلٍ مِن ثَقِيفٍ وجَماعَةٍ مِن قَوْمِهِ أقْوالٌ ثَلاثَةٌ. والكافُ خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، والظّاهِرُ وُجُودُ السُّؤالِ ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن قالَ إنَّهُ لَمْ يَكُنْ سُؤالٌ بَلِ المَعْنى أنْ يَسْألُوكَ ﴿عَنِ الجِبالِ فَقُلْ﴾ فَضُمِّنَ مَعْنى الشَّرْطِ، فَلِذَلِكَ أُجِيبَ بِالفاءِ ورُوِيَ أنَّ اللَّهَ يُرْسِلُ عَلى الجِبالِ رِيحًا فَيَدْكُكُها حَتّى تَكُونَ كالعِهْنِ المَنفُوشِ، ثُمَّ يَتَوالى عَلَيْها حَتّى يُعِيدَها كالهَباءِ المُنْبَثِّ فَذَلِكَ هو النَّسْفُ، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في ﴿فَيَذَرُها﴾ عَلى الجِبالِ أيْ بَعْدَ النَّسْفِ تَبْقى ﴿قاعًا﴾ أيْ مُسْتَوِيًا مِنَ الأرْضِ مُعْتَدِلًا. وقِيلَ فَيَذْرُ مَقارَّها ومَراكِزَها. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الأرْضِ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ لِدَلالَةِ الجِبالِ عَلَيْها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ (عِوَجًا) مَيْلًا ﴿ولا أمْتًا﴾ أثَرًا مِثْلَ الشِّراكِ. وعَنْهُ أيْضًا ﴿عِوَجًا﴾ وادِيًا ﴿ولا أمْتًا﴾ رابِيَةً. وعَنْهُ أيْضًا: الأمْتُ الِارْتِفاعُ. وقالَ قَتادَةُ ﴿عِوَجًا﴾ صَدْعًا ﴿ولا أمْتًا﴾ أكَمَةً. وقِيلَ: الأمْتُ الشُّقُوقُ في الأرْضِ. وقِيلَ: غِلَظُ مَكانٍ في الفَضاءِ والجَبَلِ وبَرْقٌ في مَكانٍ حَكاهُ الصُّولِيُّ. وقِيلَ: كانَ الأمْتُ في الآيَةِ العِوَجَ في السَّماءِ تُجاهَ الهَواءِ، والعِوَجُ في الأرْضِ مُخْتَصٌّ بِالأرْضِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتُ: قَدْ فَرَّقُوا بَيْنَ العِوَجِ والعَوَجِ فَقالُوا: العِوَجُ بِالكَسْرِ في المَعانِي، والعَوَجُ بِالفَتْحِ في الأعْيانِ والأرْضِ، فَكَيْفَ صَحَّ فِيها المَكْسُورُ العَيْنِ ؟ قُلْتُ: اخْتِيارُ هَذا اللَّفْظِ لَهُ مَوْقِعٌ حَسَنٌ بَدِيعٌ في وصْفِ الأرْضِ بِالِاسْتِواءِ والمَلاسَةِ ونَفْيُ الِاعْوِجاجِ عَنْها عَلى أبْلَغِ ما يَكُونُ، وذَلِكَ أنَّكَ لَوْ عَمَدْتَ إلى قِطْعَةِ أرْضٍ فَسَوَّيْتَها وبالَغْتَ في التَّسْوِيَةِ عَلى عَيْنِكَ وعُيُونِ البُصَراءِ مِنَ الفِلاحَةِ، واتَّفَقْتُمْ عَلى أنْ لَمْ يَبْقَ فِيها اعْوِجاجٌ قَطُّ ثُمَّ اسْتَطْلَعْتَ رَأْيَ المُهَنْدِسِ فِيها وأمَرْتَهُ أنْ يَعْرِضَ اسْتِواءَها عَلى المَقايِيسِ الهَنْدَسِيَّةِ لَعَثَرَ فِيها عَلى عِوَجٍ في غَيْرِ مَوْضِعٍ لا يُدْرَكُ بِذَلِكَ بِحاسَّةِ البَصَرِ، ولَكِنْ بِالقِياسِ الهَنْدَسِيِّ فَنَفى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ذَلِكَ العِوَجَ الَّذِي دَقَّ (p-٢٨٠)ولَطَفَ عَنِ الإدْراكِ اللَّهُمَّ إلّا بِالقِياسِ الَّذِي يَعْرِفُهُ صاحِبُ التَّقْدِيرِ والهَنْدَسَةِ، وذَلِكَ الِاعْوِجاجُ لَمّا لَمْ يُدْرَكُ إلّا بِالقِياسِ دُونَ الإحْساسِ لَحِقَ بِالمَعانِي فَقِيلَ فِيهِ عِوَجٌ بِالكَسْرَةِ. الأمْتُ النُّتُوُّ اليَسِيرُ، يُقالُ: مَدَّ حَبْلَهُ حَتّى ما فِيهِ أمْتٌ. انْتَهى. * * (يَوْمَئِذٍ) أيْ يَوْمَ إذْ يَنْسِفُ اللَّهُ الجِبالَ (يَتَّبِعُونَ) أيِ الخَلائِقُ (الدّاعِيَ) داعِيَ اللَّهِ إلى المَحْشَرِ نَحْوَ قَوْلِهِ ﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِي﴾ [القمر: ٨] وهو إسْرافِيلُ يَقُومُ عَلى صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ يَدْعُو النّاسَ فَيُقْبِلُونَ مِن كُلِّ جِهَةٍ يَضَعُ الصُّوَرَ في فِيهِ، ويَقُولُ: أيَّتُها العِظامُ البالِيَةُ والجُلُودُ المُتَمَزِّقَةُ واللُّحُومُ المُتَفَرِّقَةُ هَلُمَّ إلى العَرْضِ عَلى الرَّحْمَنِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: يُجْمَعُونَ في ظُلْمَةٍ قَدْ طُوِيَتِ السَّماءُ وانْتَثَرَتِ النُّجُومُ فَيُنادِي مُنادٍ فَيَمُوتُونَ مَوْتَةً. وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى ﴿الدّاعِيَ﴾ هُنا الرَّسُولُ ﷺ الَّذِي كانَ يَدْعُوهم إلى اللَّهِ فَيَعُوجُونَ عَلى الصِّراطِ يَمِينًا وشِمالًا ويَمِيلُونَ عَنْهُ مَيْلًا عَظِيمًا، فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُهُمُ اتِّباعُهُ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (لَهُ) عائِدٌ عَلى ﴿الدّاعِيَ﴾ نَفى عَنْهُ العِوَجَ أيْ ﴿لا عِوَجَ﴾ لَهم عَنْهُ بَلْ يَأْتُونَ مُقْبِلِينَ إلَيْهِ مُتَّبِعِينَ لِصَوْتِهِ مِن غَيْرِ انْحِرافٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ لا يُعْوَجُّ لَهُ مَدْعُوٌّ بَلْ يَسْتَوُونَ إلَيْهِ. انْتَهى. * * وقِيلَ ﴿لا عِوَجَ لَهُ﴾ في مَوْضِعِ وصْفٍ لِمَنعُوتٍ مَحْذُوفٍ أيِ اتِّباعًا ﴿لا عِوَجَ لَهُ﴾ فَيَكُونُ الضَّمِيرُ في (لَهُ) عائِدًا عَلى ذَلِكَ المَصْدَرِ المَحْذُوفِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الإخْبارَ أيْ لا شَكَّ فِيهِ، ولا يُخالِفُ وُجُودَهُ خَبَرُهُ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ لا مَحِيدَ لِأحَدٍ عَنِ اتِّباعِهِ، والمَشْيِ نَحْوَ صَوْتِهِ والخُشُوعُ التَّطامُنُ والتَّواضُعُ وهو في الأصْواتِ اسْتِعارَةٌ بِمَعْنى الخَفاءِ. والِاسْتِسْرارُ لِلرَّحْمَنِ أيْ لِهَيْبَةِ الرَّحْمَنِ وهو مُطَّلِعٌ قُدْرَتُهُ. وقِيلَ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ وخَشَعَ أهْلُ الأصْواتِ والهَمْسُ الصَّوْتُ الخَفِيُّ الخافِتُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالهَمْسِ المَسْمُوعِ تَخافُتُهم بَيْنَهم وكَلامُهُمُ السِّرُّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ صَوْتَ الأقْدامِ وأنَّ أصْواتَ النُّطْقِ ساكِنَةٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿إلّا هَمْسًا﴾ وهو الرَّكْزُ الخَفِيُّ ومِنهُ الحُرُوفُ المَهْمُوسَةُ. وقِيلَ: هو مِن هَمْسِ الإبِلِ وهو صَوْتُ أخْفافِها إذا مَشَتْ، أيْ لا يُسْمَعُ إلّا خَفْقُ الأقْدامِ ونَقْلُها إلى المَحْشَرِ. انْتَهى. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ وابْنِ جُبَيْرٍ: الهَمْسُ وطْءُ الأقْدامِ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا تَحْرِيكُ الشِّفاهِ بِغَيْرِ نُطْقٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ: الكَلامُ الخَفِيُّ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ (فَلا يَنْطِقُونَ إلّا هَمْسًا) وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ الصَّوْتُ الخَفِيُّ يَوْمَئِذٍ بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ﴾ أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ يَوْمَ إذْ (يَتَّبِعُونَ) ويَكُونُ مَنصُوبًا بِلا تَنْفَعُ و(مَن) مَفْعُولٌ بِقَوْلِهِ ﴿لا تَنْفَعُ﴾ و(لَهُ) مَعْناهُ لِأجْلِهِ وكَذا في ورَضِيَ لَهُ أيْ لِأجْلِهِ، ويَكُونُ مَن لِلْمَشْفُوعِ لَهُ أوْ بَدَلٌ مِنَ الشَّفاعَةِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ إلّا شَفاعَةَ مَن أذِنَ لَهُ أوْ مَنصُوبٌ عَلى الِاسْتِثْناءِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، أوِ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ فَنُصِبَ عَلى لُغَةِ الحِجازِ، ورُفِعَ عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ، ويَكُونُ (مَن) في هَذِهِ الأوْجُهِ لِلشّافِعِ والقَوْلُ المَرْضِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى الخَلْقِ المَحْشُورِينَ وهم مُتَّبِعُو الدّاعِي. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المَلائِكَةِ. وقِيلَ: عَلى النّاسِ لا بِقَيْدِ الحَشْرِ والِاتِّباعِ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في آيَةِ الكُرْسِيِّ في البَقَرَةِ، والضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدٌ عَلى (ما) أيْ ﴿ولا يُحِيطُونَ﴾ بِمَعْلُوماتِهِ (عِلْمًا) والظّاهِرُ عُمُومُ (الوُجُوهِ) أيْ وُجُوهِ الخَلائِقِ، وخَصَّ (الوُجُوهَ) لِأنَّ آثارَ الذُّلِّ إنَّما تَظْهَرُ في أوَّلِ (الوُجُوهِ) . وقالَ طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ: المُرادُ سُجُودُ النّاسِ عَلى الوُجُوهِ والآرابِ السَّبْعَةِ، فَإنْ كانَ رَوى أنَّ هَذا يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ فَتَكُونُ الآيَةُ إخْبارًا عَنْهُ، واسْتَقامَ المَعْنى وإنْ كانَ أرادَ في الدُّنْيا فَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُلائِمٍ لِلْآياتِ الَّتِي قَبْلَها وبَعْدَها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُرادُ بِالوُجُودِ وُجُوهُ العُصاةِ وأنَّهم إذا عايَنُوا يَوْمَ القِيامَةِ الخَيْبَةَ والشِّقْوَةَ وسُوءَ الحِسابِ صارَتْ وُجُوهُهم عانِيَةً أيْ ذَلِيلَةً خاضِعَةً مِثْلَ وُجُوهِ العُناةِ وهُمُ الأسارى ونَحْوُهُ (p-٢٨١)﴿فَلَمّا رَأوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الملك: ٢٧] ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤] و(القَيُّومُ) تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في البَقَرَةِ.

طه 20:101

وأسْنَدَ مَكِّيٌّ خِلافَ هَذا أنَّ مُوسى كانَ مَعَ السَبْعِينَ في المُناجاةِ وحِينَئِذٍ وقَعَ أمْرُ العِجْلِ، وأنَّ (p-٢٧٧)اللَّهَ أعْلَمَ مُوسى بِذَلِكَ فَكَتَمَهُ عَنْهم وجاءَ بِهِمْ حَتّى سَمِعُوا لَغَطَ بَنِي إسْرائِيلَ حَوْلَ العِجْلِ، فَحِينَئِذٍ عَلِمَهم مُوسى. انْتَهى. ولَمّا فَرَغَ مِن إبْطالِ ما عَمِلَهُ السّامِرِيُّ عادَ إلى بَيانِ الدِّينِ الحَقِّ فَقالَ ﴿إنَّما إلَهُكُمُ اللَّهُ﴾ [طه: ٩٨] وقَرَأ الجُمْهُورُ (وسِعَ) فانْتَصَبَ عِلْمًا عَلى التَّمْيِيزِ المَنقُولِ مِنَ الفاعِلِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في الأنْعامِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وسَّعَ بِفَتْحِ السِّينِ مُشَدَّدَةً. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وجْهُهُ أنَّ (وسِعَ) مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ وهو كُلُّ شَيْءٍ. وأمّا (عِلْمًا) فانْتِصابُهُ عَلى التَّمْيِيزِ وهو في المَعْنى فاعِلٌ، فَلَمّا ثُقِّلَ نُقِلَ إلى التَّعْدِيَةِ إلى مَفْعُولَيْنِ فَنَصَبَهُما مَعًا عَلى المَفْعُولِيَّةِ، لِأنَّ المُمَيَّزَ فاعِلٌ في المَعْنى كَما تَقُولُ: خافَ زَيْدٌ عَمْرًا خَوَّفْتُ زَيْدًا عَمْرًا، فَتَرِدُ بِالنَّقْلِ ما كانَ فاعِلًا مَفْعُولًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ (وسِعَ) بِمَعْنى خَلْقِ الأشْياءِ وكَثْرِها بِالِاخْتِراعِ فَوَسِعَها مَوْجُوداتٍ. انْتَهى. ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وقَدْ آتَيْناكَ مِن لَدُنّا ذِكْرًا﴾ ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيهِ وساءَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ حِمْلًا﴾ ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهم إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا﴾ ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إذْ يَقُولُ أمْثَلُهم طَرِيقَةً إنْ لَبِثْتُمْ إلّا يَوْمًا﴾ ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ ﴿فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا﴾ ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ورَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ ﴿وعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه: ١١١] ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْمًا ولا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢] ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ أوْ يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا﴾ [طه: ١١٣] ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] . (p-٢٧٨)ذَلِكَ إشارَةٌ إلى نَبَأِ مُوسى وبَنِي إسْرائِيلَ وفِرْعَوْنَ أيْ كَقَصِّنا هَذا النَّبَأ الغَرِيبَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الأُمَمِ السّابِقَةِ، وهَذا فِيهِ ذِكْرُ نِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ وهي الإعْلامُ بِأخْبارِ الأُمَمِ السّالِفَةِ لِيَتَسَلّى بِذَلِكَ ويَعْلَمَ أنَّ ما صَدَرَ مِنَ الأُمَمِ لِرُسُلِهِمْ وما قاسَتِ الرُّسُلُ مِنهم، والظّاهِرُ أنَّ الذِّكْرَ هُنا القُرْآنُ امْتَنَّ تَعالى عَلَيْهِ بِإيتائِهِ الذِّكْرَ المُشْتَمِلَ عَلى القِصَصِ والأخْبارِ الدّالِّ ذَلِكَ عَلى مُعْجِزاتٍ أُوتِيَها. وقالَ مُقاتِلٌ: ﴿ذِكْرًا﴾ بَيانًا. وقالَ أبُو سَهْلٍ: شَرَفًا وذِكْرًا في النّاسِ. ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ﴾ أيْ عَنِ القُرْآنِ بِكَوْنِهِ لَمْ يُؤْمِن بِهِ ولَمْ يَتَّبِعْ ما فِيهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (يَحْمِلُ) مُضارِعُ حَمَلَ مُخَفَّفًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ مِنهم داوُدُ بْنُ رُفَيْعٍ: يُحَمَّلُ مُشَدَّدُ المِيمِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ لِأنَّهُ يُكَلَّفُ ذَلِكَ لا أنَّهُ يَحْمِلُهُ طَوْعًا و(وِزْرًا) مَفْعُولٌ ثانٍ و(وِزْرًا) ثِقَلًا باهِظًا يُؤَدِّهِ حَمْلُهُ وهو ثِقَلُ العَذابِ. وقالَ مُجاهِد: إثْمًا. وقالَ الثَّوْرِيُّ: شِرْكًا والظّاهِرُ أنَّهُ عَبَّرَ عَنِ العُقُوبَةِ بِالوِزْرِ لِأنَّهُ سَبَبُها ولِذَلِكَ قالَ ﴿خالِدِينَ فِيهِ﴾ أيْ في العَذابِ والعُقُوبَةِ وجَمَعَ خالِدِينَ، والضَّمِيرَ في (لَهم) حَمْلًا عَلى مَعْنى مِن بَعْدِ الحَمْلِ عَلى لَفْظِها في أعْرَضَ وفي فَإنَّهُ يَحْمِلُ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ وِزْرَهم و(لَهم) لِلْبَيانِ كَهي في ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣] لا مُتَعَلِّقَةٌ بِساءٍ (وساءَ) هُنا هي الَّتِي جَرَتْ مَجْرى بِئْسَ لا ساءَ الَّتِي بِمَعْنى أحْزَنَ وأهَمَّ لِفَسادِ المَعْنى. ويَوْمُ نَنْفُخُ بَدَلٌ مِن يَوْمِ القِيامَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُنْفَخُ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ (ونَحْشُرُ) بِالنُّونِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ بِنُونِ العَظَمَةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ مُحَيْصِنٍ وحُمَيدٌ: نَنْفُخُ بِنُونِ العَظَمَةِ كَنَحْشُرُ أسْنَدَ النَّفْخَ إلى الآمِرِ بِهِ، والنّافِخُ هو إسْرافِيلُ ولِكَرامَتِهِ أسْنَدَ ما يَتَوَلّاهُ إلى ذاتِهِ المُقَدَّسَةِ و(الصُّورِ) تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ في الأنْعامِ. وقُرِئَ يَنْفُخُ ويَحْشُرُ بِالياءِ فِيهِما مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ عِياضٍ في جَماعَةٍ ﴿فِي الصُّورِ﴾ عَلى وزْنِ دُرَرٍ، والحَسَنُ: يُحْشَرُ، بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ويَحْشُرُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وبِالياءِ أيْ ويَحْشُرُ اللَّهُ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالزُّرْقِ زُرْقَةُ العُيُونِ، والزُّرْقَةُ أبْغَضُ ألْوانِ العُيُونِ إلى العَرَبِ لِأنَّ الرُّومَ أعْداؤُهم وهم زُرْقُ العُيُونِ، ولِذَلِكَ قالُوا في صِفَةِ العَدُوِّ: أسْوَدُ الكَبِدِ، أصْهَبُ السِّبالِ، أزْرَقُ العَيْنِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎وما كُنْتُ أخْشى أنْ تَكُونَ وفاتُهُ بِكَفِّي سَبَنَتى أزْرَقِ العَيْنِ مُطْرِقِ وقَدْ ذَكَرَ في آيَةٍ أُخْرى أنَّهم يُحْشَرُونَ سُودَ الوُجُوهِ، فالمَعْنى تَشْوِيهُ الصُّورَةِ مِن سَوادِ الوَجْهِ وزُرْقَةِ العَيْنِ وأيْضًا فالعَرَبُ تَتَشاءَمُ بِالزُّرْقَةِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎لَقَدْ زَرَفَتْ عَيْناكَ يا ابْنَ مُكَعْبَرٍ ∗∗∗ ألا كَلُّ ضَبِّيٍّ مِنَ اللُّؤْمِ أزْرَقُ (p-٢٧٩)وقِيلَ: المَعْنى عُمْيًا لِأنَّ العَيْنَ إذا ذَهَبَ نُورُها ازْرَقَّ ناظِرُها، وبِهَذا التَّأْوِيلِ يَقَعُ الجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِهِ (زُرْقًا) في هَذِهِ الآيَةِ و(عُمْيًا) في الآيَةِ الأُخْرى. وقِيلَ: زَرُقَ ألْوانُ أبْدانِهِمْ، وذَلِكَ غايَةٌ في التَّشْوِيهِ إذْ يَجِيئَنَّ كَلَوْنِ الرَّمادِ وفي كَلامِ العَرَبِ يُسَمّى هَذا اللَّوْنُ أزْرَقَ، ولا تَزْرَقُّ الجُلُودُ إلّا مِن مُكابَدَةِ الشَّدائِدِ وجُفُوفِ رُطُوبَتِها. وقِيلَ: (زُرْقًا) عِطاشًا والعَطَشُ الشَّدِيدُ يَرُدُّ سَوادَ العَيْنِ إلى البَياضِ، ومِنهُ قَوْلُهم سِنانٌ أزْرَقُ وقَوْلُهُ: ؎فَلَمّا ورَدْنَ المَـاءَ زُرْقًـا جِمامُـهُ أيِ ابْيَضَّ، وذُكِرَتِ الآيَتانِ لِابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ: لِيَوْمِ القِيامَةِ حالاتٌ فَحالَةٌ يَكُونُونَ فِيها زُرْقًا وحالَةٌ يَكُونُونَ عُمْيًا. ﴿يَتَخافَتُونَ﴾ يَتَسارُّونَ لِهَوْلِ المَطْلَعِ وشِدَّةِ ذَهابِ أذْهانِهِمْ قَدْ عَزَبَ عَنْهم قَدْرَ المُدَّةَ الَّتِي لَبِثُوا فِيها ﴿إنْ لَبِثْتُمْ﴾ أيْ في دارِ الدُّنْيا أوْ في البَرْزَخِ أوْ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ في الصُّورِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: ووَصْفُ ما لَبِثُوا فِيهِ بِالقَصْرِ لِأنَّها لِما يُعايِنُونَ مِنَ الشَّدائِدِ كانَتْ لَهم في الدُّنْيا أيّامُ سُرُورٍ، وأيّامُ السُّرُورِ قِصارٌ أوْ لِذِهابِها عَنْهم وتَقَضِّيها، والذّاهِبُ وإنْ طالَتْ مُدَّتُهُ قَصِيرٌ بِالِانْتِهاءِ، أوْ لاسْتِطالَتِهِمُ الآخِرَةَ وأنَّها أبَدٌ سَرْمَدٌ يُسْتَقْصَرُ إلَيْها عُمْرُ الدُّنْيا، ويُقالُ لَبِثَ أهْلُها فِيها بِالقِياسِ إلى لُبْثِهِمْ في الآخِرَةِ و(إذْ) مَعْمُولَةٌ لِأعْلَمَ. و﴿أمْثَلُهُمْ﴾ أعْدَلُهم. و﴿طَرِيقَةً﴾ مَنصُوبَةً عَلى التَّمْيِيزِ. ﴿إلّا يَوْمًا﴾ إشارَةٌ لِقِصَرِ مُدَّةِ لُبْثِهِمْ. و﴿إلّا عَشْرًا﴾ يُحْتَمَلُ عَشْرُ لَيالٍ أوْ عَشَرَةُ أيّامٍ، لِأنَّ المُذَكَّرَ إذا حُذِفَ وأُبْقِيَ عَدَدُهُ قَدْ لا يَأْتِي بِالتّاءِ. حَكى الكِسائِيُّ عَنْ أبِي الجَرّاحِ: صُمْنا مِنَ الشَّهْرِ خَمْسًا، ومِنهُ ما جاءَ في الحَدِيثِ: «ثُمَّ أتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِن شَوّالٍ»، يُرِيدُ سِتَّةَ أيّامٍ وحَسَّنَ الحَذْفَ هُنا كَوْنُ ذَلِكَ فاصِلَةَ رَأْسِ آيَةٍ ذُكِرَ أوَّلًا مُنْتَهى أقَلِّ العَدَدِ وهو العَشْرُ، وذَكَرَ أعْدَلُهم طَرِيقَةً أقَلَّ العَدَدِ، وهو اليَوْمُ الواحِدُ ودَلَّ ظاهِرُ قَوْلِهِ ﴿إلّا يَوْمًا﴾ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِمْ ﴿عَشْرًا﴾ عَشَرَةُ أيّامٍ. * * وضَمِيرُ الغائِبِ في ﴿ويَسْألُونَكَ﴾ عائِدٌ عَلى قُرَيْشٍ مُنْكِرِي البَعْثِ أوْ عَلى المُؤْمِنِينَ سَألُوا عَنْ ذَلِكَ، أوْ عَلى رَجُلٍ مِن ثَقِيفٍ وجَماعَةٍ مِن قَوْمِهِ أقْوالٌ ثَلاثَةٌ. والكافُ خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، والظّاهِرُ وُجُودُ السُّؤالِ ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن قالَ إنَّهُ لَمْ يَكُنْ سُؤالٌ بَلِ المَعْنى أنْ يَسْألُوكَ ﴿عَنِ الجِبالِ فَقُلْ﴾ فَضُمِّنَ مَعْنى الشَّرْطِ، فَلِذَلِكَ أُجِيبَ بِالفاءِ ورُوِيَ أنَّ اللَّهَ يُرْسِلُ عَلى الجِبالِ رِيحًا فَيَدْكُكُها حَتّى تَكُونَ كالعِهْنِ المَنفُوشِ، ثُمَّ يَتَوالى عَلَيْها حَتّى يُعِيدَها كالهَباءِ المُنْبَثِّ فَذَلِكَ هو النَّسْفُ، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في ﴿فَيَذَرُها﴾ عَلى الجِبالِ أيْ بَعْدَ النَّسْفِ تَبْقى ﴿قاعًا﴾ أيْ مُسْتَوِيًا مِنَ الأرْضِ مُعْتَدِلًا. وقِيلَ فَيَذْرُ مَقارَّها ومَراكِزَها. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الأرْضِ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ لِدَلالَةِ الجِبالِ عَلَيْها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ (عِوَجًا) مَيْلًا ﴿ولا أمْتًا﴾ أثَرًا مِثْلَ الشِّراكِ. وعَنْهُ أيْضًا ﴿عِوَجًا﴾ وادِيًا ﴿ولا أمْتًا﴾ رابِيَةً. وعَنْهُ أيْضًا: الأمْتُ الِارْتِفاعُ. وقالَ قَتادَةُ ﴿عِوَجًا﴾ صَدْعًا ﴿ولا أمْتًا﴾ أكَمَةً. وقِيلَ: الأمْتُ الشُّقُوقُ في الأرْضِ. وقِيلَ: غِلَظُ مَكانٍ في الفَضاءِ والجَبَلِ وبَرْقٌ في مَكانٍ حَكاهُ الصُّولِيُّ. وقِيلَ: كانَ الأمْتُ في الآيَةِ العِوَجَ في السَّماءِ تُجاهَ الهَواءِ، والعِوَجُ في الأرْضِ مُخْتَصٌّ بِالأرْضِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتُ: قَدْ فَرَّقُوا بَيْنَ العِوَجِ والعَوَجِ فَقالُوا: العِوَجُ بِالكَسْرِ في المَعانِي، والعَوَجُ بِالفَتْحِ في الأعْيانِ والأرْضِ، فَكَيْفَ صَحَّ فِيها المَكْسُورُ العَيْنِ ؟ قُلْتُ: اخْتِيارُ هَذا اللَّفْظِ لَهُ مَوْقِعٌ حَسَنٌ بَدِيعٌ في وصْفِ الأرْضِ بِالِاسْتِواءِ والمَلاسَةِ ونَفْيُ الِاعْوِجاجِ عَنْها عَلى أبْلَغِ ما يَكُونُ، وذَلِكَ أنَّكَ لَوْ عَمَدْتَ إلى قِطْعَةِ أرْضٍ فَسَوَّيْتَها وبالَغْتَ في التَّسْوِيَةِ عَلى عَيْنِكَ وعُيُونِ البُصَراءِ مِنَ الفِلاحَةِ، واتَّفَقْتُمْ عَلى أنْ لَمْ يَبْقَ فِيها اعْوِجاجٌ قَطُّ ثُمَّ اسْتَطْلَعْتَ رَأْيَ المُهَنْدِسِ فِيها وأمَرْتَهُ أنْ يَعْرِضَ اسْتِواءَها عَلى المَقايِيسِ الهَنْدَسِيَّةِ لَعَثَرَ فِيها عَلى عِوَجٍ في غَيْرِ مَوْضِعٍ لا يُدْرَكُ بِذَلِكَ بِحاسَّةِ البَصَرِ، ولَكِنْ بِالقِياسِ الهَنْدَسِيِّ فَنَفى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ذَلِكَ العِوَجَ الَّذِي دَقَّ (p-٢٨٠)ولَطَفَ عَنِ الإدْراكِ اللَّهُمَّ إلّا بِالقِياسِ الَّذِي يَعْرِفُهُ صاحِبُ التَّقْدِيرِ والهَنْدَسَةِ، وذَلِكَ الِاعْوِجاجُ لَمّا لَمْ يُدْرَكُ إلّا بِالقِياسِ دُونَ الإحْساسِ لَحِقَ بِالمَعانِي فَقِيلَ فِيهِ عِوَجٌ بِالكَسْرَةِ. الأمْتُ النُّتُوُّ اليَسِيرُ، يُقالُ: مَدَّ حَبْلَهُ حَتّى ما فِيهِ أمْتٌ. انْتَهى. * * (يَوْمَئِذٍ) أيْ يَوْمَ إذْ يَنْسِفُ اللَّهُ الجِبالَ (يَتَّبِعُونَ) أيِ الخَلائِقُ (الدّاعِيَ) داعِيَ اللَّهِ إلى المَحْشَرِ نَحْوَ قَوْلِهِ ﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِي﴾ [القمر: ٨] وهو إسْرافِيلُ يَقُومُ عَلى صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ يَدْعُو النّاسَ فَيُقْبِلُونَ مِن كُلِّ جِهَةٍ يَضَعُ الصُّوَرَ في فِيهِ، ويَقُولُ: أيَّتُها العِظامُ البالِيَةُ والجُلُودُ المُتَمَزِّقَةُ واللُّحُومُ المُتَفَرِّقَةُ هَلُمَّ إلى العَرْضِ عَلى الرَّحْمَنِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: يُجْمَعُونَ في ظُلْمَةٍ قَدْ طُوِيَتِ السَّماءُ وانْتَثَرَتِ النُّجُومُ فَيُنادِي مُنادٍ فَيَمُوتُونَ مَوْتَةً. وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى ﴿الدّاعِيَ﴾ هُنا الرَّسُولُ ﷺ الَّذِي كانَ يَدْعُوهم إلى اللَّهِ فَيَعُوجُونَ عَلى الصِّراطِ يَمِينًا وشِمالًا ويَمِيلُونَ عَنْهُ مَيْلًا عَظِيمًا، فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُهُمُ اتِّباعُهُ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (لَهُ) عائِدٌ عَلى ﴿الدّاعِيَ﴾ نَفى عَنْهُ العِوَجَ أيْ ﴿لا عِوَجَ﴾ لَهم عَنْهُ بَلْ يَأْتُونَ مُقْبِلِينَ إلَيْهِ مُتَّبِعِينَ لِصَوْتِهِ مِن غَيْرِ انْحِرافٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ لا يُعْوَجُّ لَهُ مَدْعُوٌّ بَلْ يَسْتَوُونَ إلَيْهِ. انْتَهى. * * وقِيلَ ﴿لا عِوَجَ لَهُ﴾ في مَوْضِعِ وصْفٍ لِمَنعُوتٍ مَحْذُوفٍ أيِ اتِّباعًا ﴿لا عِوَجَ لَهُ﴾ فَيَكُونُ الضَّمِيرُ في (لَهُ) عائِدًا عَلى ذَلِكَ المَصْدَرِ المَحْذُوفِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الإخْبارَ أيْ لا شَكَّ فِيهِ، ولا يُخالِفُ وُجُودَهُ خَبَرُهُ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ لا مَحِيدَ لِأحَدٍ عَنِ اتِّباعِهِ، والمَشْيِ نَحْوَ صَوْتِهِ والخُشُوعُ التَّطامُنُ والتَّواضُعُ وهو في الأصْواتِ اسْتِعارَةٌ بِمَعْنى الخَفاءِ. والِاسْتِسْرارُ لِلرَّحْمَنِ أيْ لِهَيْبَةِ الرَّحْمَنِ وهو مُطَّلِعٌ قُدْرَتُهُ. وقِيلَ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ وخَشَعَ أهْلُ الأصْواتِ والهَمْسُ الصَّوْتُ الخَفِيُّ الخافِتُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالهَمْسِ المَسْمُوعِ تَخافُتُهم بَيْنَهم وكَلامُهُمُ السِّرُّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ صَوْتَ الأقْدامِ وأنَّ أصْواتَ النُّطْقِ ساكِنَةٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿إلّا هَمْسًا﴾ وهو الرَّكْزُ الخَفِيُّ ومِنهُ الحُرُوفُ المَهْمُوسَةُ. وقِيلَ: هو مِن هَمْسِ الإبِلِ وهو صَوْتُ أخْفافِها إذا مَشَتْ، أيْ لا يُسْمَعُ إلّا خَفْقُ الأقْدامِ ونَقْلُها إلى المَحْشَرِ. انْتَهى. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ وابْنِ جُبَيْرٍ: الهَمْسُ وطْءُ الأقْدامِ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا تَحْرِيكُ الشِّفاهِ بِغَيْرِ نُطْقٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ: الكَلامُ الخَفِيُّ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ (فَلا يَنْطِقُونَ إلّا هَمْسًا) وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ الصَّوْتُ الخَفِيُّ يَوْمَئِذٍ بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ﴾ أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ يَوْمَ إذْ (يَتَّبِعُونَ) ويَكُونُ مَنصُوبًا بِلا تَنْفَعُ و(مَن) مَفْعُولٌ بِقَوْلِهِ ﴿لا تَنْفَعُ﴾ و(لَهُ) مَعْناهُ لِأجْلِهِ وكَذا في ورَضِيَ لَهُ أيْ لِأجْلِهِ، ويَكُونُ مَن لِلْمَشْفُوعِ لَهُ أوْ بَدَلٌ مِنَ الشَّفاعَةِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ إلّا شَفاعَةَ مَن أذِنَ لَهُ أوْ مَنصُوبٌ عَلى الِاسْتِثْناءِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، أوِ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ فَنُصِبَ عَلى لُغَةِ الحِجازِ، ورُفِعَ عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ، ويَكُونُ (مَن) في هَذِهِ الأوْجُهِ لِلشّافِعِ والقَوْلُ المَرْضِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى الخَلْقِ المَحْشُورِينَ وهم مُتَّبِعُو الدّاعِي. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المَلائِكَةِ. وقِيلَ: عَلى النّاسِ لا بِقَيْدِ الحَشْرِ والِاتِّباعِ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في آيَةِ الكُرْسِيِّ في البَقَرَةِ، والضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدٌ عَلى (ما) أيْ ﴿ولا يُحِيطُونَ﴾ بِمَعْلُوماتِهِ (عِلْمًا) والظّاهِرُ عُمُومُ (الوُجُوهِ) أيْ وُجُوهِ الخَلائِقِ، وخَصَّ (الوُجُوهَ) لِأنَّ آثارَ الذُّلِّ إنَّما تَظْهَرُ في أوَّلِ (الوُجُوهِ) . وقالَ طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ: المُرادُ سُجُودُ النّاسِ عَلى الوُجُوهِ والآرابِ السَّبْعَةِ، فَإنْ كانَ رَوى أنَّ هَذا يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ فَتَكُونُ الآيَةُ إخْبارًا عَنْهُ، واسْتَقامَ المَعْنى وإنْ كانَ أرادَ في الدُّنْيا فَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُلائِمٍ لِلْآياتِ الَّتِي قَبْلَها وبَعْدَها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُرادُ بِالوُجُودِ وُجُوهُ العُصاةِ وأنَّهم إذا عايَنُوا يَوْمَ القِيامَةِ الخَيْبَةَ والشِّقْوَةَ وسُوءَ الحِسابِ صارَتْ وُجُوهُهم عانِيَةً أيْ ذَلِيلَةً خاضِعَةً مِثْلَ وُجُوهِ العُناةِ وهُمُ الأسارى ونَحْوُهُ (p-٢٨١)﴿فَلَمّا رَأوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الملك: ٢٧] ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤] و(القَيُّومُ) تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في البَقَرَةِ.

طه 20:102

وأسْنَدَ مَكِّيٌّ خِلافَ هَذا أنَّ مُوسى كانَ مَعَ السَبْعِينَ في المُناجاةِ وحِينَئِذٍ وقَعَ أمْرُ العِجْلِ، وأنَّ (p-٢٧٧)اللَّهَ أعْلَمَ مُوسى بِذَلِكَ فَكَتَمَهُ عَنْهم وجاءَ بِهِمْ حَتّى سَمِعُوا لَغَطَ بَنِي إسْرائِيلَ حَوْلَ العِجْلِ، فَحِينَئِذٍ عَلِمَهم مُوسى. انْتَهى. ولَمّا فَرَغَ مِن إبْطالِ ما عَمِلَهُ السّامِرِيُّ عادَ إلى بَيانِ الدِّينِ الحَقِّ فَقالَ ﴿إنَّما إلَهُكُمُ اللَّهُ﴾ [طه: ٩٨] وقَرَأ الجُمْهُورُ (وسِعَ) فانْتَصَبَ عِلْمًا عَلى التَّمْيِيزِ المَنقُولِ مِنَ الفاعِلِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في الأنْعامِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وسَّعَ بِفَتْحِ السِّينِ مُشَدَّدَةً. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وجْهُهُ أنَّ (وسِعَ) مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ وهو كُلُّ شَيْءٍ. وأمّا (عِلْمًا) فانْتِصابُهُ عَلى التَّمْيِيزِ وهو في المَعْنى فاعِلٌ، فَلَمّا ثُقِّلَ نُقِلَ إلى التَّعْدِيَةِ إلى مَفْعُولَيْنِ فَنَصَبَهُما مَعًا عَلى المَفْعُولِيَّةِ، لِأنَّ المُمَيَّزَ فاعِلٌ في المَعْنى كَما تَقُولُ: خافَ زَيْدٌ عَمْرًا خَوَّفْتُ زَيْدًا عَمْرًا، فَتَرِدُ بِالنَّقْلِ ما كانَ فاعِلًا مَفْعُولًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ (وسِعَ) بِمَعْنى خَلْقِ الأشْياءِ وكَثْرِها بِالِاخْتِراعِ فَوَسِعَها مَوْجُوداتٍ. انْتَهى. ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وقَدْ آتَيْناكَ مِن لَدُنّا ذِكْرًا﴾ ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيهِ وساءَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ حِمْلًا﴾ ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهم إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا﴾ ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إذْ يَقُولُ أمْثَلُهم طَرِيقَةً إنْ لَبِثْتُمْ إلّا يَوْمًا﴾ ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ ﴿فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا﴾ ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ورَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ ﴿وعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه: ١١١] ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْمًا ولا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢] ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ أوْ يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا﴾ [طه: ١١٣] ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] . (p-٢٧٨)ذَلِكَ إشارَةٌ إلى نَبَأِ مُوسى وبَنِي إسْرائِيلَ وفِرْعَوْنَ أيْ كَقَصِّنا هَذا النَّبَأ الغَرِيبَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الأُمَمِ السّابِقَةِ، وهَذا فِيهِ ذِكْرُ نِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ وهي الإعْلامُ بِأخْبارِ الأُمَمِ السّالِفَةِ لِيَتَسَلّى بِذَلِكَ ويَعْلَمَ أنَّ ما صَدَرَ مِنَ الأُمَمِ لِرُسُلِهِمْ وما قاسَتِ الرُّسُلُ مِنهم، والظّاهِرُ أنَّ الذِّكْرَ هُنا القُرْآنُ امْتَنَّ تَعالى عَلَيْهِ بِإيتائِهِ الذِّكْرَ المُشْتَمِلَ عَلى القِصَصِ والأخْبارِ الدّالِّ ذَلِكَ عَلى مُعْجِزاتٍ أُوتِيَها. وقالَ مُقاتِلٌ: ﴿ذِكْرًا﴾ بَيانًا. وقالَ أبُو سَهْلٍ: شَرَفًا وذِكْرًا في النّاسِ. ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ﴾ أيْ عَنِ القُرْآنِ بِكَوْنِهِ لَمْ يُؤْمِن بِهِ ولَمْ يَتَّبِعْ ما فِيهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (يَحْمِلُ) مُضارِعُ حَمَلَ مُخَفَّفًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ مِنهم داوُدُ بْنُ رُفَيْعٍ: يُحَمَّلُ مُشَدَّدُ المِيمِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ لِأنَّهُ يُكَلَّفُ ذَلِكَ لا أنَّهُ يَحْمِلُهُ طَوْعًا و(وِزْرًا) مَفْعُولٌ ثانٍ و(وِزْرًا) ثِقَلًا باهِظًا يُؤَدِّهِ حَمْلُهُ وهو ثِقَلُ العَذابِ. وقالَ مُجاهِد: إثْمًا. وقالَ الثَّوْرِيُّ: شِرْكًا والظّاهِرُ أنَّهُ عَبَّرَ عَنِ العُقُوبَةِ بِالوِزْرِ لِأنَّهُ سَبَبُها ولِذَلِكَ قالَ ﴿خالِدِينَ فِيهِ﴾ أيْ في العَذابِ والعُقُوبَةِ وجَمَعَ خالِدِينَ، والضَّمِيرَ في (لَهم) حَمْلًا عَلى مَعْنى مِن بَعْدِ الحَمْلِ عَلى لَفْظِها في أعْرَضَ وفي فَإنَّهُ يَحْمِلُ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ وِزْرَهم و(لَهم) لِلْبَيانِ كَهي في ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣] لا مُتَعَلِّقَةٌ بِساءٍ (وساءَ) هُنا هي الَّتِي جَرَتْ مَجْرى بِئْسَ لا ساءَ الَّتِي بِمَعْنى أحْزَنَ وأهَمَّ لِفَسادِ المَعْنى. ويَوْمُ نَنْفُخُ بَدَلٌ مِن يَوْمِ القِيامَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُنْفَخُ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ (ونَحْشُرُ) بِالنُّونِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ بِنُونِ العَظَمَةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ مُحَيْصِنٍ وحُمَيدٌ: نَنْفُخُ بِنُونِ العَظَمَةِ كَنَحْشُرُ أسْنَدَ النَّفْخَ إلى الآمِرِ بِهِ، والنّافِخُ هو إسْرافِيلُ ولِكَرامَتِهِ أسْنَدَ ما يَتَوَلّاهُ إلى ذاتِهِ المُقَدَّسَةِ و(الصُّورِ) تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ في الأنْعامِ. وقُرِئَ يَنْفُخُ ويَحْشُرُ بِالياءِ فِيهِما مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ عِياضٍ في جَماعَةٍ ﴿فِي الصُّورِ﴾ عَلى وزْنِ دُرَرٍ، والحَسَنُ: يُحْشَرُ، بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ويَحْشُرُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وبِالياءِ أيْ ويَحْشُرُ اللَّهُ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالزُّرْقِ زُرْقَةُ العُيُونِ، والزُّرْقَةُ أبْغَضُ ألْوانِ العُيُونِ إلى العَرَبِ لِأنَّ الرُّومَ أعْداؤُهم وهم زُرْقُ العُيُونِ، ولِذَلِكَ قالُوا في صِفَةِ العَدُوِّ: أسْوَدُ الكَبِدِ، أصْهَبُ السِّبالِ، أزْرَقُ العَيْنِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎وما كُنْتُ أخْشى أنْ تَكُونَ وفاتُهُ بِكَفِّي سَبَنَتى أزْرَقِ العَيْنِ مُطْرِقِ وقَدْ ذَكَرَ في آيَةٍ أُخْرى أنَّهم يُحْشَرُونَ سُودَ الوُجُوهِ، فالمَعْنى تَشْوِيهُ الصُّورَةِ مِن سَوادِ الوَجْهِ وزُرْقَةِ العَيْنِ وأيْضًا فالعَرَبُ تَتَشاءَمُ بِالزُّرْقَةِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎لَقَدْ زَرَفَتْ عَيْناكَ يا ابْنَ مُكَعْبَرٍ ∗∗∗ ألا كَلُّ ضَبِّيٍّ مِنَ اللُّؤْمِ أزْرَقُ (p-٢٧٩)وقِيلَ: المَعْنى عُمْيًا لِأنَّ العَيْنَ إذا ذَهَبَ نُورُها ازْرَقَّ ناظِرُها، وبِهَذا التَّأْوِيلِ يَقَعُ الجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِهِ (زُرْقًا) في هَذِهِ الآيَةِ و(عُمْيًا) في الآيَةِ الأُخْرى. وقِيلَ: زَرُقَ ألْوانُ أبْدانِهِمْ، وذَلِكَ غايَةٌ في التَّشْوِيهِ إذْ يَجِيئَنَّ كَلَوْنِ الرَّمادِ وفي كَلامِ العَرَبِ يُسَمّى هَذا اللَّوْنُ أزْرَقَ، ولا تَزْرَقُّ الجُلُودُ إلّا مِن مُكابَدَةِ الشَّدائِدِ وجُفُوفِ رُطُوبَتِها. وقِيلَ: (زُرْقًا) عِطاشًا والعَطَشُ الشَّدِيدُ يَرُدُّ سَوادَ العَيْنِ إلى البَياضِ، ومِنهُ قَوْلُهم سِنانٌ أزْرَقُ وقَوْلُهُ: ؎فَلَمّا ورَدْنَ المَـاءَ زُرْقًـا جِمامُـهُ أيِ ابْيَضَّ، وذُكِرَتِ الآيَتانِ لِابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ: لِيَوْمِ القِيامَةِ حالاتٌ فَحالَةٌ يَكُونُونَ فِيها زُرْقًا وحالَةٌ يَكُونُونَ عُمْيًا. ﴿يَتَخافَتُونَ﴾ يَتَسارُّونَ لِهَوْلِ المَطْلَعِ وشِدَّةِ ذَهابِ أذْهانِهِمْ قَدْ عَزَبَ عَنْهم قَدْرَ المُدَّةَ الَّتِي لَبِثُوا فِيها ﴿إنْ لَبِثْتُمْ﴾ أيْ في دارِ الدُّنْيا أوْ في البَرْزَخِ أوْ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ في الصُّورِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: ووَصْفُ ما لَبِثُوا فِيهِ بِالقَصْرِ لِأنَّها لِما يُعايِنُونَ مِنَ الشَّدائِدِ كانَتْ لَهم في الدُّنْيا أيّامُ سُرُورٍ، وأيّامُ السُّرُورِ قِصارٌ أوْ لِذِهابِها عَنْهم وتَقَضِّيها، والذّاهِبُ وإنْ طالَتْ مُدَّتُهُ قَصِيرٌ بِالِانْتِهاءِ، أوْ لاسْتِطالَتِهِمُ الآخِرَةَ وأنَّها أبَدٌ سَرْمَدٌ يُسْتَقْصَرُ إلَيْها عُمْرُ الدُّنْيا، ويُقالُ لَبِثَ أهْلُها فِيها بِالقِياسِ إلى لُبْثِهِمْ في الآخِرَةِ و(إذْ) مَعْمُولَةٌ لِأعْلَمَ. و﴿أمْثَلُهُمْ﴾ أعْدَلُهم. و﴿طَرِيقَةً﴾ مَنصُوبَةً عَلى التَّمْيِيزِ. ﴿إلّا يَوْمًا﴾ إشارَةٌ لِقِصَرِ مُدَّةِ لُبْثِهِمْ. و﴿إلّا عَشْرًا﴾ يُحْتَمَلُ عَشْرُ لَيالٍ أوْ عَشَرَةُ أيّامٍ، لِأنَّ المُذَكَّرَ إذا حُذِفَ وأُبْقِيَ عَدَدُهُ قَدْ لا يَأْتِي بِالتّاءِ. حَكى الكِسائِيُّ عَنْ أبِي الجَرّاحِ: صُمْنا مِنَ الشَّهْرِ خَمْسًا، ومِنهُ ما جاءَ في الحَدِيثِ: «ثُمَّ أتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِن شَوّالٍ»، يُرِيدُ سِتَّةَ أيّامٍ وحَسَّنَ الحَذْفَ هُنا كَوْنُ ذَلِكَ فاصِلَةَ رَأْسِ آيَةٍ ذُكِرَ أوَّلًا مُنْتَهى أقَلِّ العَدَدِ وهو العَشْرُ، وذَكَرَ أعْدَلُهم طَرِيقَةً أقَلَّ العَدَدِ، وهو اليَوْمُ الواحِدُ ودَلَّ ظاهِرُ قَوْلِهِ ﴿إلّا يَوْمًا﴾ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِمْ ﴿عَشْرًا﴾ عَشَرَةُ أيّامٍ. * * وضَمِيرُ الغائِبِ في ﴿ويَسْألُونَكَ﴾ عائِدٌ عَلى قُرَيْشٍ مُنْكِرِي البَعْثِ أوْ عَلى المُؤْمِنِينَ سَألُوا عَنْ ذَلِكَ، أوْ عَلى رَجُلٍ مِن ثَقِيفٍ وجَماعَةٍ مِن قَوْمِهِ أقْوالٌ ثَلاثَةٌ. والكافُ خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، والظّاهِرُ وُجُودُ السُّؤالِ ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن قالَ إنَّهُ لَمْ يَكُنْ سُؤالٌ بَلِ المَعْنى أنْ يَسْألُوكَ ﴿عَنِ الجِبالِ فَقُلْ﴾ فَضُمِّنَ مَعْنى الشَّرْطِ، فَلِذَلِكَ أُجِيبَ بِالفاءِ ورُوِيَ أنَّ اللَّهَ يُرْسِلُ عَلى الجِبالِ رِيحًا فَيَدْكُكُها حَتّى تَكُونَ كالعِهْنِ المَنفُوشِ، ثُمَّ يَتَوالى عَلَيْها حَتّى يُعِيدَها كالهَباءِ المُنْبَثِّ فَذَلِكَ هو النَّسْفُ، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في ﴿فَيَذَرُها﴾ عَلى الجِبالِ أيْ بَعْدَ النَّسْفِ تَبْقى ﴿قاعًا﴾ أيْ مُسْتَوِيًا مِنَ الأرْضِ مُعْتَدِلًا. وقِيلَ فَيَذْرُ مَقارَّها ومَراكِزَها. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الأرْضِ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ لِدَلالَةِ الجِبالِ عَلَيْها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ (عِوَجًا) مَيْلًا ﴿ولا أمْتًا﴾ أثَرًا مِثْلَ الشِّراكِ. وعَنْهُ أيْضًا ﴿عِوَجًا﴾ وادِيًا ﴿ولا أمْتًا﴾ رابِيَةً. وعَنْهُ أيْضًا: الأمْتُ الِارْتِفاعُ. وقالَ قَتادَةُ ﴿عِوَجًا﴾ صَدْعًا ﴿ولا أمْتًا﴾ أكَمَةً. وقِيلَ: الأمْتُ الشُّقُوقُ في الأرْضِ. وقِيلَ: غِلَظُ مَكانٍ في الفَضاءِ والجَبَلِ وبَرْقٌ في مَكانٍ حَكاهُ الصُّولِيُّ. وقِيلَ: كانَ الأمْتُ في الآيَةِ العِوَجَ في السَّماءِ تُجاهَ الهَواءِ، والعِوَجُ في الأرْضِ مُخْتَصٌّ بِالأرْضِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتُ: قَدْ فَرَّقُوا بَيْنَ العِوَجِ والعَوَجِ فَقالُوا: العِوَجُ بِالكَسْرِ في المَعانِي، والعَوَجُ بِالفَتْحِ في الأعْيانِ والأرْضِ، فَكَيْفَ صَحَّ فِيها المَكْسُورُ العَيْنِ ؟ قُلْتُ: اخْتِيارُ هَذا اللَّفْظِ لَهُ مَوْقِعٌ حَسَنٌ بَدِيعٌ في وصْفِ الأرْضِ بِالِاسْتِواءِ والمَلاسَةِ ونَفْيُ الِاعْوِجاجِ عَنْها عَلى أبْلَغِ ما يَكُونُ، وذَلِكَ أنَّكَ لَوْ عَمَدْتَ إلى قِطْعَةِ أرْضٍ فَسَوَّيْتَها وبالَغْتَ في التَّسْوِيَةِ عَلى عَيْنِكَ وعُيُونِ البُصَراءِ مِنَ الفِلاحَةِ، واتَّفَقْتُمْ عَلى أنْ لَمْ يَبْقَ فِيها اعْوِجاجٌ قَطُّ ثُمَّ اسْتَطْلَعْتَ رَأْيَ المُهَنْدِسِ فِيها وأمَرْتَهُ أنْ يَعْرِضَ اسْتِواءَها عَلى المَقايِيسِ الهَنْدَسِيَّةِ لَعَثَرَ فِيها عَلى عِوَجٍ في غَيْرِ مَوْضِعٍ لا يُدْرَكُ بِذَلِكَ بِحاسَّةِ البَصَرِ، ولَكِنْ بِالقِياسِ الهَنْدَسِيِّ فَنَفى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ذَلِكَ العِوَجَ الَّذِي دَقَّ (p-٢٨٠)ولَطَفَ عَنِ الإدْراكِ اللَّهُمَّ إلّا بِالقِياسِ الَّذِي يَعْرِفُهُ صاحِبُ التَّقْدِيرِ والهَنْدَسَةِ، وذَلِكَ الِاعْوِجاجُ لَمّا لَمْ يُدْرَكُ إلّا بِالقِياسِ دُونَ الإحْساسِ لَحِقَ بِالمَعانِي فَقِيلَ فِيهِ عِوَجٌ بِالكَسْرَةِ. الأمْتُ النُّتُوُّ اليَسِيرُ، يُقالُ: مَدَّ حَبْلَهُ حَتّى ما فِيهِ أمْتٌ. انْتَهى. * * (يَوْمَئِذٍ) أيْ يَوْمَ إذْ يَنْسِفُ اللَّهُ الجِبالَ (يَتَّبِعُونَ) أيِ الخَلائِقُ (الدّاعِيَ) داعِيَ اللَّهِ إلى المَحْشَرِ نَحْوَ قَوْلِهِ ﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِي﴾ [القمر: ٨] وهو إسْرافِيلُ يَقُومُ عَلى صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ يَدْعُو النّاسَ فَيُقْبِلُونَ مِن كُلِّ جِهَةٍ يَضَعُ الصُّوَرَ في فِيهِ، ويَقُولُ: أيَّتُها العِظامُ البالِيَةُ والجُلُودُ المُتَمَزِّقَةُ واللُّحُومُ المُتَفَرِّقَةُ هَلُمَّ إلى العَرْضِ عَلى الرَّحْمَنِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: يُجْمَعُونَ في ظُلْمَةٍ قَدْ طُوِيَتِ السَّماءُ وانْتَثَرَتِ النُّجُومُ فَيُنادِي مُنادٍ فَيَمُوتُونَ مَوْتَةً. وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى ﴿الدّاعِيَ﴾ هُنا الرَّسُولُ ﷺ الَّذِي كانَ يَدْعُوهم إلى اللَّهِ فَيَعُوجُونَ عَلى الصِّراطِ يَمِينًا وشِمالًا ويَمِيلُونَ عَنْهُ مَيْلًا عَظِيمًا، فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُهُمُ اتِّباعُهُ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (لَهُ) عائِدٌ عَلى ﴿الدّاعِيَ﴾ نَفى عَنْهُ العِوَجَ أيْ ﴿لا عِوَجَ﴾ لَهم عَنْهُ بَلْ يَأْتُونَ مُقْبِلِينَ إلَيْهِ مُتَّبِعِينَ لِصَوْتِهِ مِن غَيْرِ انْحِرافٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ لا يُعْوَجُّ لَهُ مَدْعُوٌّ بَلْ يَسْتَوُونَ إلَيْهِ. انْتَهى. * * وقِيلَ ﴿لا عِوَجَ لَهُ﴾ في مَوْضِعِ وصْفٍ لِمَنعُوتٍ مَحْذُوفٍ أيِ اتِّباعًا ﴿لا عِوَجَ لَهُ﴾ فَيَكُونُ الضَّمِيرُ في (لَهُ) عائِدًا عَلى ذَلِكَ المَصْدَرِ المَحْذُوفِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الإخْبارَ أيْ لا شَكَّ فِيهِ، ولا يُخالِفُ وُجُودَهُ خَبَرُهُ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ لا مَحِيدَ لِأحَدٍ عَنِ اتِّباعِهِ، والمَشْيِ نَحْوَ صَوْتِهِ والخُشُوعُ التَّطامُنُ والتَّواضُعُ وهو في الأصْواتِ اسْتِعارَةٌ بِمَعْنى الخَفاءِ. والِاسْتِسْرارُ لِلرَّحْمَنِ أيْ لِهَيْبَةِ الرَّحْمَنِ وهو مُطَّلِعٌ قُدْرَتُهُ. وقِيلَ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ وخَشَعَ أهْلُ الأصْواتِ والهَمْسُ الصَّوْتُ الخَفِيُّ الخافِتُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالهَمْسِ المَسْمُوعِ تَخافُتُهم بَيْنَهم وكَلامُهُمُ السِّرُّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ صَوْتَ الأقْدامِ وأنَّ أصْواتَ النُّطْقِ ساكِنَةٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿إلّا هَمْسًا﴾ وهو الرَّكْزُ الخَفِيُّ ومِنهُ الحُرُوفُ المَهْمُوسَةُ. وقِيلَ: هو مِن هَمْسِ الإبِلِ وهو صَوْتُ أخْفافِها إذا مَشَتْ، أيْ لا يُسْمَعُ إلّا خَفْقُ الأقْدامِ ونَقْلُها إلى المَحْشَرِ. انْتَهى. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ وابْنِ جُبَيْرٍ: الهَمْسُ وطْءُ الأقْدامِ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا تَحْرِيكُ الشِّفاهِ بِغَيْرِ نُطْقٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ: الكَلامُ الخَفِيُّ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ (فَلا يَنْطِقُونَ إلّا هَمْسًا) وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ الصَّوْتُ الخَفِيُّ يَوْمَئِذٍ بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ﴾ أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ يَوْمَ إذْ (يَتَّبِعُونَ) ويَكُونُ مَنصُوبًا بِلا تَنْفَعُ و(مَن) مَفْعُولٌ بِقَوْلِهِ ﴿لا تَنْفَعُ﴾ و(لَهُ) مَعْناهُ لِأجْلِهِ وكَذا في ورَضِيَ لَهُ أيْ لِأجْلِهِ، ويَكُونُ مَن لِلْمَشْفُوعِ لَهُ أوْ بَدَلٌ مِنَ الشَّفاعَةِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ إلّا شَفاعَةَ مَن أذِنَ لَهُ أوْ مَنصُوبٌ عَلى الِاسْتِثْناءِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، أوِ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ فَنُصِبَ عَلى لُغَةِ الحِجازِ، ورُفِعَ عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ، ويَكُونُ (مَن) في هَذِهِ الأوْجُهِ لِلشّافِعِ والقَوْلُ المَرْضِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى الخَلْقِ المَحْشُورِينَ وهم مُتَّبِعُو الدّاعِي. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المَلائِكَةِ. وقِيلَ: عَلى النّاسِ لا بِقَيْدِ الحَشْرِ والِاتِّباعِ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في آيَةِ الكُرْسِيِّ في البَقَرَةِ، والضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدٌ عَلى (ما) أيْ ﴿ولا يُحِيطُونَ﴾ بِمَعْلُوماتِهِ (عِلْمًا) والظّاهِرُ عُمُومُ (الوُجُوهِ) أيْ وُجُوهِ الخَلائِقِ، وخَصَّ (الوُجُوهَ) لِأنَّ آثارَ الذُّلِّ إنَّما تَظْهَرُ في أوَّلِ (الوُجُوهِ) . وقالَ طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ: المُرادُ سُجُودُ النّاسِ عَلى الوُجُوهِ والآرابِ السَّبْعَةِ، فَإنْ كانَ رَوى أنَّ هَذا يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ فَتَكُونُ الآيَةُ إخْبارًا عَنْهُ، واسْتَقامَ المَعْنى وإنْ كانَ أرادَ في الدُّنْيا فَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُلائِمٍ لِلْآياتِ الَّتِي قَبْلَها وبَعْدَها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُرادُ بِالوُجُودِ وُجُوهُ العُصاةِ وأنَّهم إذا عايَنُوا يَوْمَ القِيامَةِ الخَيْبَةَ والشِّقْوَةَ وسُوءَ الحِسابِ صارَتْ وُجُوهُهم عانِيَةً أيْ ذَلِيلَةً خاضِعَةً مِثْلَ وُجُوهِ العُناةِ وهُمُ الأسارى ونَحْوُهُ (p-٢٨١)﴿فَلَمّا رَأوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الملك: ٢٧] ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤] و(القَيُّومُ) تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في البَقَرَةِ.

طه 20:103

وأسْنَدَ مَكِّيٌّ خِلافَ هَذا أنَّ مُوسى كانَ مَعَ السَبْعِينَ في المُناجاةِ وحِينَئِذٍ وقَعَ أمْرُ العِجْلِ، وأنَّ (p-٢٧٧)اللَّهَ أعْلَمَ مُوسى بِذَلِكَ فَكَتَمَهُ عَنْهم وجاءَ بِهِمْ حَتّى سَمِعُوا لَغَطَ بَنِي إسْرائِيلَ حَوْلَ العِجْلِ، فَحِينَئِذٍ عَلِمَهم مُوسى. انْتَهى. ولَمّا فَرَغَ مِن إبْطالِ ما عَمِلَهُ السّامِرِيُّ عادَ إلى بَيانِ الدِّينِ الحَقِّ فَقالَ ﴿إنَّما إلَهُكُمُ اللَّهُ﴾ [طه: ٩٨] وقَرَأ الجُمْهُورُ (وسِعَ) فانْتَصَبَ عِلْمًا عَلى التَّمْيِيزِ المَنقُولِ مِنَ الفاعِلِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في الأنْعامِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وسَّعَ بِفَتْحِ السِّينِ مُشَدَّدَةً. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وجْهُهُ أنَّ (وسِعَ) مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ وهو كُلُّ شَيْءٍ. وأمّا (عِلْمًا) فانْتِصابُهُ عَلى التَّمْيِيزِ وهو في المَعْنى فاعِلٌ، فَلَمّا ثُقِّلَ نُقِلَ إلى التَّعْدِيَةِ إلى مَفْعُولَيْنِ فَنَصَبَهُما مَعًا عَلى المَفْعُولِيَّةِ، لِأنَّ المُمَيَّزَ فاعِلٌ في المَعْنى كَما تَقُولُ: خافَ زَيْدٌ عَمْرًا خَوَّفْتُ زَيْدًا عَمْرًا، فَتَرِدُ بِالنَّقْلِ ما كانَ فاعِلًا مَفْعُولًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ (وسِعَ) بِمَعْنى خَلْقِ الأشْياءِ وكَثْرِها بِالِاخْتِراعِ فَوَسِعَها مَوْجُوداتٍ. انْتَهى. ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وقَدْ آتَيْناكَ مِن لَدُنّا ذِكْرًا﴾ ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيهِ وساءَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ حِمْلًا﴾ ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهم إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا﴾ ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إذْ يَقُولُ أمْثَلُهم طَرِيقَةً إنْ لَبِثْتُمْ إلّا يَوْمًا﴾ ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ ﴿فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا﴾ ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ورَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ ﴿وعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه: ١١١] ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْمًا ولا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢] ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ أوْ يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا﴾ [طه: ١١٣] ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] . (p-٢٧٨)ذَلِكَ إشارَةٌ إلى نَبَأِ مُوسى وبَنِي إسْرائِيلَ وفِرْعَوْنَ أيْ كَقَصِّنا هَذا النَّبَأ الغَرِيبَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الأُمَمِ السّابِقَةِ، وهَذا فِيهِ ذِكْرُ نِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ وهي الإعْلامُ بِأخْبارِ الأُمَمِ السّالِفَةِ لِيَتَسَلّى بِذَلِكَ ويَعْلَمَ أنَّ ما صَدَرَ مِنَ الأُمَمِ لِرُسُلِهِمْ وما قاسَتِ الرُّسُلُ مِنهم، والظّاهِرُ أنَّ الذِّكْرَ هُنا القُرْآنُ امْتَنَّ تَعالى عَلَيْهِ بِإيتائِهِ الذِّكْرَ المُشْتَمِلَ عَلى القِصَصِ والأخْبارِ الدّالِّ ذَلِكَ عَلى مُعْجِزاتٍ أُوتِيَها. وقالَ مُقاتِلٌ: ﴿ذِكْرًا﴾ بَيانًا. وقالَ أبُو سَهْلٍ: شَرَفًا وذِكْرًا في النّاسِ. ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ﴾ أيْ عَنِ القُرْآنِ بِكَوْنِهِ لَمْ يُؤْمِن بِهِ ولَمْ يَتَّبِعْ ما فِيهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (يَحْمِلُ) مُضارِعُ حَمَلَ مُخَفَّفًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ مِنهم داوُدُ بْنُ رُفَيْعٍ: يُحَمَّلُ مُشَدَّدُ المِيمِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ لِأنَّهُ يُكَلَّفُ ذَلِكَ لا أنَّهُ يَحْمِلُهُ طَوْعًا و(وِزْرًا) مَفْعُولٌ ثانٍ و(وِزْرًا) ثِقَلًا باهِظًا يُؤَدِّهِ حَمْلُهُ وهو ثِقَلُ العَذابِ. وقالَ مُجاهِد: إثْمًا. وقالَ الثَّوْرِيُّ: شِرْكًا والظّاهِرُ أنَّهُ عَبَّرَ عَنِ العُقُوبَةِ بِالوِزْرِ لِأنَّهُ سَبَبُها ولِذَلِكَ قالَ ﴿خالِدِينَ فِيهِ﴾ أيْ في العَذابِ والعُقُوبَةِ وجَمَعَ خالِدِينَ، والضَّمِيرَ في (لَهم) حَمْلًا عَلى مَعْنى مِن بَعْدِ الحَمْلِ عَلى لَفْظِها في أعْرَضَ وفي فَإنَّهُ يَحْمِلُ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ وِزْرَهم و(لَهم) لِلْبَيانِ كَهي في ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣] لا مُتَعَلِّقَةٌ بِساءٍ (وساءَ) هُنا هي الَّتِي جَرَتْ مَجْرى بِئْسَ لا ساءَ الَّتِي بِمَعْنى أحْزَنَ وأهَمَّ لِفَسادِ المَعْنى. ويَوْمُ نَنْفُخُ بَدَلٌ مِن يَوْمِ القِيامَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُنْفَخُ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ (ونَحْشُرُ) بِالنُّونِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ بِنُونِ العَظَمَةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ مُحَيْصِنٍ وحُمَيدٌ: نَنْفُخُ بِنُونِ العَظَمَةِ كَنَحْشُرُ أسْنَدَ النَّفْخَ إلى الآمِرِ بِهِ، والنّافِخُ هو إسْرافِيلُ ولِكَرامَتِهِ أسْنَدَ ما يَتَوَلّاهُ إلى ذاتِهِ المُقَدَّسَةِ و(الصُّورِ) تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ في الأنْعامِ. وقُرِئَ يَنْفُخُ ويَحْشُرُ بِالياءِ فِيهِما مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ عِياضٍ في جَماعَةٍ ﴿فِي الصُّورِ﴾ عَلى وزْنِ دُرَرٍ، والحَسَنُ: يُحْشَرُ، بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ويَحْشُرُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وبِالياءِ أيْ ويَحْشُرُ اللَّهُ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالزُّرْقِ زُرْقَةُ العُيُونِ، والزُّرْقَةُ أبْغَضُ ألْوانِ العُيُونِ إلى العَرَبِ لِأنَّ الرُّومَ أعْداؤُهم وهم زُرْقُ العُيُونِ، ولِذَلِكَ قالُوا في صِفَةِ العَدُوِّ: أسْوَدُ الكَبِدِ، أصْهَبُ السِّبالِ، أزْرَقُ العَيْنِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎وما كُنْتُ أخْشى أنْ تَكُونَ وفاتُهُ بِكَفِّي سَبَنَتى أزْرَقِ العَيْنِ مُطْرِقِ وقَدْ ذَكَرَ في آيَةٍ أُخْرى أنَّهم يُحْشَرُونَ سُودَ الوُجُوهِ، فالمَعْنى تَشْوِيهُ الصُّورَةِ مِن سَوادِ الوَجْهِ وزُرْقَةِ العَيْنِ وأيْضًا فالعَرَبُ تَتَشاءَمُ بِالزُّرْقَةِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎لَقَدْ زَرَفَتْ عَيْناكَ يا ابْنَ مُكَعْبَرٍ ∗∗∗ ألا كَلُّ ضَبِّيٍّ مِنَ اللُّؤْمِ أزْرَقُ (p-٢٧٩)وقِيلَ: المَعْنى عُمْيًا لِأنَّ العَيْنَ إذا ذَهَبَ نُورُها ازْرَقَّ ناظِرُها، وبِهَذا التَّأْوِيلِ يَقَعُ الجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِهِ (زُرْقًا) في هَذِهِ الآيَةِ و(عُمْيًا) في الآيَةِ الأُخْرى. وقِيلَ: زَرُقَ ألْوانُ أبْدانِهِمْ، وذَلِكَ غايَةٌ في التَّشْوِيهِ إذْ يَجِيئَنَّ كَلَوْنِ الرَّمادِ وفي كَلامِ العَرَبِ يُسَمّى هَذا اللَّوْنُ أزْرَقَ، ولا تَزْرَقُّ الجُلُودُ إلّا مِن مُكابَدَةِ الشَّدائِدِ وجُفُوفِ رُطُوبَتِها. وقِيلَ: (زُرْقًا) عِطاشًا والعَطَشُ الشَّدِيدُ يَرُدُّ سَوادَ العَيْنِ إلى البَياضِ، ومِنهُ قَوْلُهم سِنانٌ أزْرَقُ وقَوْلُهُ: ؎فَلَمّا ورَدْنَ المَـاءَ زُرْقًـا جِمامُـهُ أيِ ابْيَضَّ، وذُكِرَتِ الآيَتانِ لِابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ: لِيَوْمِ القِيامَةِ حالاتٌ فَحالَةٌ يَكُونُونَ فِيها زُرْقًا وحالَةٌ يَكُونُونَ عُمْيًا. ﴿يَتَخافَتُونَ﴾ يَتَسارُّونَ لِهَوْلِ المَطْلَعِ وشِدَّةِ ذَهابِ أذْهانِهِمْ قَدْ عَزَبَ عَنْهم قَدْرَ المُدَّةَ الَّتِي لَبِثُوا فِيها ﴿إنْ لَبِثْتُمْ﴾ أيْ في دارِ الدُّنْيا أوْ في البَرْزَخِ أوْ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ في الصُّورِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: ووَصْفُ ما لَبِثُوا فِيهِ بِالقَصْرِ لِأنَّها لِما يُعايِنُونَ مِنَ الشَّدائِدِ كانَتْ لَهم في الدُّنْيا أيّامُ سُرُورٍ، وأيّامُ السُّرُورِ قِصارٌ أوْ لِذِهابِها عَنْهم وتَقَضِّيها، والذّاهِبُ وإنْ طالَتْ مُدَّتُهُ قَصِيرٌ بِالِانْتِهاءِ، أوْ لاسْتِطالَتِهِمُ الآخِرَةَ وأنَّها أبَدٌ سَرْمَدٌ يُسْتَقْصَرُ إلَيْها عُمْرُ الدُّنْيا، ويُقالُ لَبِثَ أهْلُها فِيها بِالقِياسِ إلى لُبْثِهِمْ في الآخِرَةِ و(إذْ) مَعْمُولَةٌ لِأعْلَمَ. و﴿أمْثَلُهُمْ﴾ أعْدَلُهم. و﴿طَرِيقَةً﴾ مَنصُوبَةً عَلى التَّمْيِيزِ. ﴿إلّا يَوْمًا﴾ إشارَةٌ لِقِصَرِ مُدَّةِ لُبْثِهِمْ. و﴿إلّا عَشْرًا﴾ يُحْتَمَلُ عَشْرُ لَيالٍ أوْ عَشَرَةُ أيّامٍ، لِأنَّ المُذَكَّرَ إذا حُذِفَ وأُبْقِيَ عَدَدُهُ قَدْ لا يَأْتِي بِالتّاءِ. حَكى الكِسائِيُّ عَنْ أبِي الجَرّاحِ: صُمْنا مِنَ الشَّهْرِ خَمْسًا، ومِنهُ ما جاءَ في الحَدِيثِ: «ثُمَّ أتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِن شَوّالٍ»، يُرِيدُ سِتَّةَ أيّامٍ وحَسَّنَ الحَذْفَ هُنا كَوْنُ ذَلِكَ فاصِلَةَ رَأْسِ آيَةٍ ذُكِرَ أوَّلًا مُنْتَهى أقَلِّ العَدَدِ وهو العَشْرُ، وذَكَرَ أعْدَلُهم طَرِيقَةً أقَلَّ العَدَدِ، وهو اليَوْمُ الواحِدُ ودَلَّ ظاهِرُ قَوْلِهِ ﴿إلّا يَوْمًا﴾ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِمْ ﴿عَشْرًا﴾ عَشَرَةُ أيّامٍ. * * وضَمِيرُ الغائِبِ في ﴿ويَسْألُونَكَ﴾ عائِدٌ عَلى قُرَيْشٍ مُنْكِرِي البَعْثِ أوْ عَلى المُؤْمِنِينَ سَألُوا عَنْ ذَلِكَ، أوْ عَلى رَجُلٍ مِن ثَقِيفٍ وجَماعَةٍ مِن قَوْمِهِ أقْوالٌ ثَلاثَةٌ. والكافُ خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، والظّاهِرُ وُجُودُ السُّؤالِ ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن قالَ إنَّهُ لَمْ يَكُنْ سُؤالٌ بَلِ المَعْنى أنْ يَسْألُوكَ ﴿عَنِ الجِبالِ فَقُلْ﴾ فَضُمِّنَ مَعْنى الشَّرْطِ، فَلِذَلِكَ أُجِيبَ بِالفاءِ ورُوِيَ أنَّ اللَّهَ يُرْسِلُ عَلى الجِبالِ رِيحًا فَيَدْكُكُها حَتّى تَكُونَ كالعِهْنِ المَنفُوشِ، ثُمَّ يَتَوالى عَلَيْها حَتّى يُعِيدَها كالهَباءِ المُنْبَثِّ فَذَلِكَ هو النَّسْفُ، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في ﴿فَيَذَرُها﴾ عَلى الجِبالِ أيْ بَعْدَ النَّسْفِ تَبْقى ﴿قاعًا﴾ أيْ مُسْتَوِيًا مِنَ الأرْضِ مُعْتَدِلًا. وقِيلَ فَيَذْرُ مَقارَّها ومَراكِزَها. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الأرْضِ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ لِدَلالَةِ الجِبالِ عَلَيْها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ (عِوَجًا) مَيْلًا ﴿ولا أمْتًا﴾ أثَرًا مِثْلَ الشِّراكِ. وعَنْهُ أيْضًا ﴿عِوَجًا﴾ وادِيًا ﴿ولا أمْتًا﴾ رابِيَةً. وعَنْهُ أيْضًا: الأمْتُ الِارْتِفاعُ. وقالَ قَتادَةُ ﴿عِوَجًا﴾ صَدْعًا ﴿ولا أمْتًا﴾ أكَمَةً. وقِيلَ: الأمْتُ الشُّقُوقُ في الأرْضِ. وقِيلَ: غِلَظُ مَكانٍ في الفَضاءِ والجَبَلِ وبَرْقٌ في مَكانٍ حَكاهُ الصُّولِيُّ. وقِيلَ: كانَ الأمْتُ في الآيَةِ العِوَجَ في السَّماءِ تُجاهَ الهَواءِ، والعِوَجُ في الأرْضِ مُخْتَصٌّ بِالأرْضِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتُ: قَدْ فَرَّقُوا بَيْنَ العِوَجِ والعَوَجِ فَقالُوا: العِوَجُ بِالكَسْرِ في المَعانِي، والعَوَجُ بِالفَتْحِ في الأعْيانِ والأرْضِ، فَكَيْفَ صَحَّ فِيها المَكْسُورُ العَيْنِ ؟ قُلْتُ: اخْتِيارُ هَذا اللَّفْظِ لَهُ مَوْقِعٌ حَسَنٌ بَدِيعٌ في وصْفِ الأرْضِ بِالِاسْتِواءِ والمَلاسَةِ ونَفْيُ الِاعْوِجاجِ عَنْها عَلى أبْلَغِ ما يَكُونُ، وذَلِكَ أنَّكَ لَوْ عَمَدْتَ إلى قِطْعَةِ أرْضٍ فَسَوَّيْتَها وبالَغْتَ في التَّسْوِيَةِ عَلى عَيْنِكَ وعُيُونِ البُصَراءِ مِنَ الفِلاحَةِ، واتَّفَقْتُمْ عَلى أنْ لَمْ يَبْقَ فِيها اعْوِجاجٌ قَطُّ ثُمَّ اسْتَطْلَعْتَ رَأْيَ المُهَنْدِسِ فِيها وأمَرْتَهُ أنْ يَعْرِضَ اسْتِواءَها عَلى المَقايِيسِ الهَنْدَسِيَّةِ لَعَثَرَ فِيها عَلى عِوَجٍ في غَيْرِ مَوْضِعٍ لا يُدْرَكُ بِذَلِكَ بِحاسَّةِ البَصَرِ، ولَكِنْ بِالقِياسِ الهَنْدَسِيِّ فَنَفى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ذَلِكَ العِوَجَ الَّذِي دَقَّ (p-٢٨٠)ولَطَفَ عَنِ الإدْراكِ اللَّهُمَّ إلّا بِالقِياسِ الَّذِي يَعْرِفُهُ صاحِبُ التَّقْدِيرِ والهَنْدَسَةِ، وذَلِكَ الِاعْوِجاجُ لَمّا لَمْ يُدْرَكُ إلّا بِالقِياسِ دُونَ الإحْساسِ لَحِقَ بِالمَعانِي فَقِيلَ فِيهِ عِوَجٌ بِالكَسْرَةِ. الأمْتُ النُّتُوُّ اليَسِيرُ، يُقالُ: مَدَّ حَبْلَهُ حَتّى ما فِيهِ أمْتٌ. انْتَهى. * * (يَوْمَئِذٍ) أيْ يَوْمَ إذْ يَنْسِفُ اللَّهُ الجِبالَ (يَتَّبِعُونَ) أيِ الخَلائِقُ (الدّاعِيَ) داعِيَ اللَّهِ إلى المَحْشَرِ نَحْوَ قَوْلِهِ ﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِي﴾ [القمر: ٨] وهو إسْرافِيلُ يَقُومُ عَلى صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ يَدْعُو النّاسَ فَيُقْبِلُونَ مِن كُلِّ جِهَةٍ يَضَعُ الصُّوَرَ في فِيهِ، ويَقُولُ: أيَّتُها العِظامُ البالِيَةُ والجُلُودُ المُتَمَزِّقَةُ واللُّحُومُ المُتَفَرِّقَةُ هَلُمَّ إلى العَرْضِ عَلى الرَّحْمَنِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: يُجْمَعُونَ في ظُلْمَةٍ قَدْ طُوِيَتِ السَّماءُ وانْتَثَرَتِ النُّجُومُ فَيُنادِي مُنادٍ فَيَمُوتُونَ مَوْتَةً. وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى ﴿الدّاعِيَ﴾ هُنا الرَّسُولُ ﷺ الَّذِي كانَ يَدْعُوهم إلى اللَّهِ فَيَعُوجُونَ عَلى الصِّراطِ يَمِينًا وشِمالًا ويَمِيلُونَ عَنْهُ مَيْلًا عَظِيمًا، فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُهُمُ اتِّباعُهُ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (لَهُ) عائِدٌ عَلى ﴿الدّاعِيَ﴾ نَفى عَنْهُ العِوَجَ أيْ ﴿لا عِوَجَ﴾ لَهم عَنْهُ بَلْ يَأْتُونَ مُقْبِلِينَ إلَيْهِ مُتَّبِعِينَ لِصَوْتِهِ مِن غَيْرِ انْحِرافٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ لا يُعْوَجُّ لَهُ مَدْعُوٌّ بَلْ يَسْتَوُونَ إلَيْهِ. انْتَهى. * * وقِيلَ ﴿لا عِوَجَ لَهُ﴾ في مَوْضِعِ وصْفٍ لِمَنعُوتٍ مَحْذُوفٍ أيِ اتِّباعًا ﴿لا عِوَجَ لَهُ﴾ فَيَكُونُ الضَّمِيرُ في (لَهُ) عائِدًا عَلى ذَلِكَ المَصْدَرِ المَحْذُوفِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الإخْبارَ أيْ لا شَكَّ فِيهِ، ولا يُخالِفُ وُجُودَهُ خَبَرُهُ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ لا مَحِيدَ لِأحَدٍ عَنِ اتِّباعِهِ، والمَشْيِ نَحْوَ صَوْتِهِ والخُشُوعُ التَّطامُنُ والتَّواضُعُ وهو في الأصْواتِ اسْتِعارَةٌ بِمَعْنى الخَفاءِ. والِاسْتِسْرارُ لِلرَّحْمَنِ أيْ لِهَيْبَةِ الرَّحْمَنِ وهو مُطَّلِعٌ قُدْرَتُهُ. وقِيلَ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ وخَشَعَ أهْلُ الأصْواتِ والهَمْسُ الصَّوْتُ الخَفِيُّ الخافِتُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالهَمْسِ المَسْمُوعِ تَخافُتُهم بَيْنَهم وكَلامُهُمُ السِّرُّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ صَوْتَ الأقْدامِ وأنَّ أصْواتَ النُّطْقِ ساكِنَةٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿إلّا هَمْسًا﴾ وهو الرَّكْزُ الخَفِيُّ ومِنهُ الحُرُوفُ المَهْمُوسَةُ. وقِيلَ: هو مِن هَمْسِ الإبِلِ وهو صَوْتُ أخْفافِها إذا مَشَتْ، أيْ لا يُسْمَعُ إلّا خَفْقُ الأقْدامِ ونَقْلُها إلى المَحْشَرِ. انْتَهى. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ وابْنِ جُبَيْرٍ: الهَمْسُ وطْءُ الأقْدامِ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا تَحْرِيكُ الشِّفاهِ بِغَيْرِ نُطْقٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ: الكَلامُ الخَفِيُّ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ (فَلا يَنْطِقُونَ إلّا هَمْسًا) وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ الصَّوْتُ الخَفِيُّ يَوْمَئِذٍ بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ﴾ أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ يَوْمَ إذْ (يَتَّبِعُونَ) ويَكُونُ مَنصُوبًا بِلا تَنْفَعُ و(مَن) مَفْعُولٌ بِقَوْلِهِ ﴿لا تَنْفَعُ﴾ و(لَهُ) مَعْناهُ لِأجْلِهِ وكَذا في ورَضِيَ لَهُ أيْ لِأجْلِهِ، ويَكُونُ مَن لِلْمَشْفُوعِ لَهُ أوْ بَدَلٌ مِنَ الشَّفاعَةِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ إلّا شَفاعَةَ مَن أذِنَ لَهُ أوْ مَنصُوبٌ عَلى الِاسْتِثْناءِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، أوِ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ فَنُصِبَ عَلى لُغَةِ الحِجازِ، ورُفِعَ عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ، ويَكُونُ (مَن) في هَذِهِ الأوْجُهِ لِلشّافِعِ والقَوْلُ المَرْضِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى الخَلْقِ المَحْشُورِينَ وهم مُتَّبِعُو الدّاعِي. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المَلائِكَةِ. وقِيلَ: عَلى النّاسِ لا بِقَيْدِ الحَشْرِ والِاتِّباعِ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في آيَةِ الكُرْسِيِّ في البَقَرَةِ، والضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدٌ عَلى (ما) أيْ ﴿ولا يُحِيطُونَ﴾ بِمَعْلُوماتِهِ (عِلْمًا) والظّاهِرُ عُمُومُ (الوُجُوهِ) أيْ وُجُوهِ الخَلائِقِ، وخَصَّ (الوُجُوهَ) لِأنَّ آثارَ الذُّلِّ إنَّما تَظْهَرُ في أوَّلِ (الوُجُوهِ) . وقالَ طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ: المُرادُ سُجُودُ النّاسِ عَلى الوُجُوهِ والآرابِ السَّبْعَةِ، فَإنْ كانَ رَوى أنَّ هَذا يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ فَتَكُونُ الآيَةُ إخْبارًا عَنْهُ، واسْتَقامَ المَعْنى وإنْ كانَ أرادَ في الدُّنْيا فَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُلائِمٍ لِلْآياتِ الَّتِي قَبْلَها وبَعْدَها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُرادُ بِالوُجُودِ وُجُوهُ العُصاةِ وأنَّهم إذا عايَنُوا يَوْمَ القِيامَةِ الخَيْبَةَ والشِّقْوَةَ وسُوءَ الحِسابِ صارَتْ وُجُوهُهم عانِيَةً أيْ ذَلِيلَةً خاضِعَةً مِثْلَ وُجُوهِ العُناةِ وهُمُ الأسارى ونَحْوُهُ (p-٢٨١)﴿فَلَمّا رَأوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الملك: ٢٧] ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤] و(القَيُّومُ) تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في البَقَرَةِ.

طه 20:104

وأسْنَدَ مَكِّيٌّ خِلافَ هَذا أنَّ مُوسى كانَ مَعَ السَبْعِينَ في المُناجاةِ وحِينَئِذٍ وقَعَ أمْرُ العِجْلِ، وأنَّ (p-٢٧٧)اللَّهَ أعْلَمَ مُوسى بِذَلِكَ فَكَتَمَهُ عَنْهم وجاءَ بِهِمْ حَتّى سَمِعُوا لَغَطَ بَنِي إسْرائِيلَ حَوْلَ العِجْلِ، فَحِينَئِذٍ عَلِمَهم مُوسى. انْتَهى. ولَمّا فَرَغَ مِن إبْطالِ ما عَمِلَهُ السّامِرِيُّ عادَ إلى بَيانِ الدِّينِ الحَقِّ فَقالَ ﴿إنَّما إلَهُكُمُ اللَّهُ﴾ [طه: ٩٨] وقَرَأ الجُمْهُورُ (وسِعَ) فانْتَصَبَ عِلْمًا عَلى التَّمْيِيزِ المَنقُولِ مِنَ الفاعِلِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في الأنْعامِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وسَّعَ بِفَتْحِ السِّينِ مُشَدَّدَةً. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وجْهُهُ أنَّ (وسِعَ) مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ وهو كُلُّ شَيْءٍ. وأمّا (عِلْمًا) فانْتِصابُهُ عَلى التَّمْيِيزِ وهو في المَعْنى فاعِلٌ، فَلَمّا ثُقِّلَ نُقِلَ إلى التَّعْدِيَةِ إلى مَفْعُولَيْنِ فَنَصَبَهُما مَعًا عَلى المَفْعُولِيَّةِ، لِأنَّ المُمَيَّزَ فاعِلٌ في المَعْنى كَما تَقُولُ: خافَ زَيْدٌ عَمْرًا خَوَّفْتُ زَيْدًا عَمْرًا، فَتَرِدُ بِالنَّقْلِ ما كانَ فاعِلًا مَفْعُولًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ (وسِعَ) بِمَعْنى خَلْقِ الأشْياءِ وكَثْرِها بِالِاخْتِراعِ فَوَسِعَها مَوْجُوداتٍ. انْتَهى. ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وقَدْ آتَيْناكَ مِن لَدُنّا ذِكْرًا﴾ ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيهِ وساءَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ حِمْلًا﴾ ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهم إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا﴾ ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إذْ يَقُولُ أمْثَلُهم طَرِيقَةً إنْ لَبِثْتُمْ إلّا يَوْمًا﴾ ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ ﴿فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا﴾ ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ورَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ ﴿وعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه: ١١١] ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْمًا ولا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢] ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ أوْ يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا﴾ [طه: ١١٣] ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] . (p-٢٧٨)ذَلِكَ إشارَةٌ إلى نَبَأِ مُوسى وبَنِي إسْرائِيلَ وفِرْعَوْنَ أيْ كَقَصِّنا هَذا النَّبَأ الغَرِيبَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الأُمَمِ السّابِقَةِ، وهَذا فِيهِ ذِكْرُ نِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ وهي الإعْلامُ بِأخْبارِ الأُمَمِ السّالِفَةِ لِيَتَسَلّى بِذَلِكَ ويَعْلَمَ أنَّ ما صَدَرَ مِنَ الأُمَمِ لِرُسُلِهِمْ وما قاسَتِ الرُّسُلُ مِنهم، والظّاهِرُ أنَّ الذِّكْرَ هُنا القُرْآنُ امْتَنَّ تَعالى عَلَيْهِ بِإيتائِهِ الذِّكْرَ المُشْتَمِلَ عَلى القِصَصِ والأخْبارِ الدّالِّ ذَلِكَ عَلى مُعْجِزاتٍ أُوتِيَها. وقالَ مُقاتِلٌ: ﴿ذِكْرًا﴾ بَيانًا. وقالَ أبُو سَهْلٍ: شَرَفًا وذِكْرًا في النّاسِ. ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ﴾ أيْ عَنِ القُرْآنِ بِكَوْنِهِ لَمْ يُؤْمِن بِهِ ولَمْ يَتَّبِعْ ما فِيهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (يَحْمِلُ) مُضارِعُ حَمَلَ مُخَفَّفًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ مِنهم داوُدُ بْنُ رُفَيْعٍ: يُحَمَّلُ مُشَدَّدُ المِيمِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ لِأنَّهُ يُكَلَّفُ ذَلِكَ لا أنَّهُ يَحْمِلُهُ طَوْعًا و(وِزْرًا) مَفْعُولٌ ثانٍ و(وِزْرًا) ثِقَلًا باهِظًا يُؤَدِّهِ حَمْلُهُ وهو ثِقَلُ العَذابِ. وقالَ مُجاهِد: إثْمًا. وقالَ الثَّوْرِيُّ: شِرْكًا والظّاهِرُ أنَّهُ عَبَّرَ عَنِ العُقُوبَةِ بِالوِزْرِ لِأنَّهُ سَبَبُها ولِذَلِكَ قالَ ﴿خالِدِينَ فِيهِ﴾ أيْ في العَذابِ والعُقُوبَةِ وجَمَعَ خالِدِينَ، والضَّمِيرَ في (لَهم) حَمْلًا عَلى مَعْنى مِن بَعْدِ الحَمْلِ عَلى لَفْظِها في أعْرَضَ وفي فَإنَّهُ يَحْمِلُ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ وِزْرَهم و(لَهم) لِلْبَيانِ كَهي في ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣] لا مُتَعَلِّقَةٌ بِساءٍ (وساءَ) هُنا هي الَّتِي جَرَتْ مَجْرى بِئْسَ لا ساءَ الَّتِي بِمَعْنى أحْزَنَ وأهَمَّ لِفَسادِ المَعْنى. ويَوْمُ نَنْفُخُ بَدَلٌ مِن يَوْمِ القِيامَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُنْفَخُ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ (ونَحْشُرُ) بِالنُّونِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ بِنُونِ العَظَمَةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ مُحَيْصِنٍ وحُمَيدٌ: نَنْفُخُ بِنُونِ العَظَمَةِ كَنَحْشُرُ أسْنَدَ النَّفْخَ إلى الآمِرِ بِهِ، والنّافِخُ هو إسْرافِيلُ ولِكَرامَتِهِ أسْنَدَ ما يَتَوَلّاهُ إلى ذاتِهِ المُقَدَّسَةِ و(الصُّورِ) تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ في الأنْعامِ. وقُرِئَ يَنْفُخُ ويَحْشُرُ بِالياءِ فِيهِما مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ عِياضٍ في جَماعَةٍ ﴿فِي الصُّورِ﴾ عَلى وزْنِ دُرَرٍ، والحَسَنُ: يُحْشَرُ، بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ويَحْشُرُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وبِالياءِ أيْ ويَحْشُرُ اللَّهُ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالزُّرْقِ زُرْقَةُ العُيُونِ، والزُّرْقَةُ أبْغَضُ ألْوانِ العُيُونِ إلى العَرَبِ لِأنَّ الرُّومَ أعْداؤُهم وهم زُرْقُ العُيُونِ، ولِذَلِكَ قالُوا في صِفَةِ العَدُوِّ: أسْوَدُ الكَبِدِ، أصْهَبُ السِّبالِ، أزْرَقُ العَيْنِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎وما كُنْتُ أخْشى أنْ تَكُونَ وفاتُهُ بِكَفِّي سَبَنَتى أزْرَقِ العَيْنِ مُطْرِقِ وقَدْ ذَكَرَ في آيَةٍ أُخْرى أنَّهم يُحْشَرُونَ سُودَ الوُجُوهِ، فالمَعْنى تَشْوِيهُ الصُّورَةِ مِن سَوادِ الوَجْهِ وزُرْقَةِ العَيْنِ وأيْضًا فالعَرَبُ تَتَشاءَمُ بِالزُّرْقَةِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎لَقَدْ زَرَفَتْ عَيْناكَ يا ابْنَ مُكَعْبَرٍ ∗∗∗ ألا كَلُّ ضَبِّيٍّ مِنَ اللُّؤْمِ أزْرَقُ (p-٢٧٩)وقِيلَ: المَعْنى عُمْيًا لِأنَّ العَيْنَ إذا ذَهَبَ نُورُها ازْرَقَّ ناظِرُها، وبِهَذا التَّأْوِيلِ يَقَعُ الجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِهِ (زُرْقًا) في هَذِهِ الآيَةِ و(عُمْيًا) في الآيَةِ الأُخْرى. وقِيلَ: زَرُقَ ألْوانُ أبْدانِهِمْ، وذَلِكَ غايَةٌ في التَّشْوِيهِ إذْ يَجِيئَنَّ كَلَوْنِ الرَّمادِ وفي كَلامِ العَرَبِ يُسَمّى هَذا اللَّوْنُ أزْرَقَ، ولا تَزْرَقُّ الجُلُودُ إلّا مِن مُكابَدَةِ الشَّدائِدِ وجُفُوفِ رُطُوبَتِها. وقِيلَ: (زُرْقًا) عِطاشًا والعَطَشُ الشَّدِيدُ يَرُدُّ سَوادَ العَيْنِ إلى البَياضِ، ومِنهُ قَوْلُهم سِنانٌ أزْرَقُ وقَوْلُهُ: ؎فَلَمّا ورَدْنَ المَـاءَ زُرْقًـا جِمامُـهُ أيِ ابْيَضَّ، وذُكِرَتِ الآيَتانِ لِابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ: لِيَوْمِ القِيامَةِ حالاتٌ فَحالَةٌ يَكُونُونَ فِيها زُرْقًا وحالَةٌ يَكُونُونَ عُمْيًا. ﴿يَتَخافَتُونَ﴾ يَتَسارُّونَ لِهَوْلِ المَطْلَعِ وشِدَّةِ ذَهابِ أذْهانِهِمْ قَدْ عَزَبَ عَنْهم قَدْرَ المُدَّةَ الَّتِي لَبِثُوا فِيها ﴿إنْ لَبِثْتُمْ﴾ أيْ في دارِ الدُّنْيا أوْ في البَرْزَخِ أوْ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ في الصُّورِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: ووَصْفُ ما لَبِثُوا فِيهِ بِالقَصْرِ لِأنَّها لِما يُعايِنُونَ مِنَ الشَّدائِدِ كانَتْ لَهم في الدُّنْيا أيّامُ سُرُورٍ، وأيّامُ السُّرُورِ قِصارٌ أوْ لِذِهابِها عَنْهم وتَقَضِّيها، والذّاهِبُ وإنْ طالَتْ مُدَّتُهُ قَصِيرٌ بِالِانْتِهاءِ، أوْ لاسْتِطالَتِهِمُ الآخِرَةَ وأنَّها أبَدٌ سَرْمَدٌ يُسْتَقْصَرُ إلَيْها عُمْرُ الدُّنْيا، ويُقالُ لَبِثَ أهْلُها فِيها بِالقِياسِ إلى لُبْثِهِمْ في الآخِرَةِ و(إذْ) مَعْمُولَةٌ لِأعْلَمَ. و﴿أمْثَلُهُمْ﴾ أعْدَلُهم. و﴿طَرِيقَةً﴾ مَنصُوبَةً عَلى التَّمْيِيزِ. ﴿إلّا يَوْمًا﴾ إشارَةٌ لِقِصَرِ مُدَّةِ لُبْثِهِمْ. و﴿إلّا عَشْرًا﴾ يُحْتَمَلُ عَشْرُ لَيالٍ أوْ عَشَرَةُ أيّامٍ، لِأنَّ المُذَكَّرَ إذا حُذِفَ وأُبْقِيَ عَدَدُهُ قَدْ لا يَأْتِي بِالتّاءِ. حَكى الكِسائِيُّ عَنْ أبِي الجَرّاحِ: صُمْنا مِنَ الشَّهْرِ خَمْسًا، ومِنهُ ما جاءَ في الحَدِيثِ: «ثُمَّ أتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِن شَوّالٍ»، يُرِيدُ سِتَّةَ أيّامٍ وحَسَّنَ الحَذْفَ هُنا كَوْنُ ذَلِكَ فاصِلَةَ رَأْسِ آيَةٍ ذُكِرَ أوَّلًا مُنْتَهى أقَلِّ العَدَدِ وهو العَشْرُ، وذَكَرَ أعْدَلُهم طَرِيقَةً أقَلَّ العَدَدِ، وهو اليَوْمُ الواحِدُ ودَلَّ ظاهِرُ قَوْلِهِ ﴿إلّا يَوْمًا﴾ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِمْ ﴿عَشْرًا﴾ عَشَرَةُ أيّامٍ. * * وضَمِيرُ الغائِبِ في ﴿ويَسْألُونَكَ﴾ عائِدٌ عَلى قُرَيْشٍ مُنْكِرِي البَعْثِ أوْ عَلى المُؤْمِنِينَ سَألُوا عَنْ ذَلِكَ، أوْ عَلى رَجُلٍ مِن ثَقِيفٍ وجَماعَةٍ مِن قَوْمِهِ أقْوالٌ ثَلاثَةٌ. والكافُ خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، والظّاهِرُ وُجُودُ السُّؤالِ ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن قالَ إنَّهُ لَمْ يَكُنْ سُؤالٌ بَلِ المَعْنى أنْ يَسْألُوكَ ﴿عَنِ الجِبالِ فَقُلْ﴾ فَضُمِّنَ مَعْنى الشَّرْطِ، فَلِذَلِكَ أُجِيبَ بِالفاءِ ورُوِيَ أنَّ اللَّهَ يُرْسِلُ عَلى الجِبالِ رِيحًا فَيَدْكُكُها حَتّى تَكُونَ كالعِهْنِ المَنفُوشِ، ثُمَّ يَتَوالى عَلَيْها حَتّى يُعِيدَها كالهَباءِ المُنْبَثِّ فَذَلِكَ هو النَّسْفُ، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في ﴿فَيَذَرُها﴾ عَلى الجِبالِ أيْ بَعْدَ النَّسْفِ تَبْقى ﴿قاعًا﴾ أيْ مُسْتَوِيًا مِنَ الأرْضِ مُعْتَدِلًا. وقِيلَ فَيَذْرُ مَقارَّها ومَراكِزَها. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الأرْضِ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ لِدَلالَةِ الجِبالِ عَلَيْها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ (عِوَجًا) مَيْلًا ﴿ولا أمْتًا﴾ أثَرًا مِثْلَ الشِّراكِ. وعَنْهُ أيْضًا ﴿عِوَجًا﴾ وادِيًا ﴿ولا أمْتًا﴾ رابِيَةً. وعَنْهُ أيْضًا: الأمْتُ الِارْتِفاعُ. وقالَ قَتادَةُ ﴿عِوَجًا﴾ صَدْعًا ﴿ولا أمْتًا﴾ أكَمَةً. وقِيلَ: الأمْتُ الشُّقُوقُ في الأرْضِ. وقِيلَ: غِلَظُ مَكانٍ في الفَضاءِ والجَبَلِ وبَرْقٌ في مَكانٍ حَكاهُ الصُّولِيُّ. وقِيلَ: كانَ الأمْتُ في الآيَةِ العِوَجَ في السَّماءِ تُجاهَ الهَواءِ، والعِوَجُ في الأرْضِ مُخْتَصٌّ بِالأرْضِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتُ: قَدْ فَرَّقُوا بَيْنَ العِوَجِ والعَوَجِ فَقالُوا: العِوَجُ بِالكَسْرِ في المَعانِي، والعَوَجُ بِالفَتْحِ في الأعْيانِ والأرْضِ، فَكَيْفَ صَحَّ فِيها المَكْسُورُ العَيْنِ ؟ قُلْتُ: اخْتِيارُ هَذا اللَّفْظِ لَهُ مَوْقِعٌ حَسَنٌ بَدِيعٌ في وصْفِ الأرْضِ بِالِاسْتِواءِ والمَلاسَةِ ونَفْيُ الِاعْوِجاجِ عَنْها عَلى أبْلَغِ ما يَكُونُ، وذَلِكَ أنَّكَ لَوْ عَمَدْتَ إلى قِطْعَةِ أرْضٍ فَسَوَّيْتَها وبالَغْتَ في التَّسْوِيَةِ عَلى عَيْنِكَ وعُيُونِ البُصَراءِ مِنَ الفِلاحَةِ، واتَّفَقْتُمْ عَلى أنْ لَمْ يَبْقَ فِيها اعْوِجاجٌ قَطُّ ثُمَّ اسْتَطْلَعْتَ رَأْيَ المُهَنْدِسِ فِيها وأمَرْتَهُ أنْ يَعْرِضَ اسْتِواءَها عَلى المَقايِيسِ الهَنْدَسِيَّةِ لَعَثَرَ فِيها عَلى عِوَجٍ في غَيْرِ مَوْضِعٍ لا يُدْرَكُ بِذَلِكَ بِحاسَّةِ البَصَرِ، ولَكِنْ بِالقِياسِ الهَنْدَسِيِّ فَنَفى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ذَلِكَ العِوَجَ الَّذِي دَقَّ (p-٢٨٠)ولَطَفَ عَنِ الإدْراكِ اللَّهُمَّ إلّا بِالقِياسِ الَّذِي يَعْرِفُهُ صاحِبُ التَّقْدِيرِ والهَنْدَسَةِ، وذَلِكَ الِاعْوِجاجُ لَمّا لَمْ يُدْرَكُ إلّا بِالقِياسِ دُونَ الإحْساسِ لَحِقَ بِالمَعانِي فَقِيلَ فِيهِ عِوَجٌ بِالكَسْرَةِ. الأمْتُ النُّتُوُّ اليَسِيرُ، يُقالُ: مَدَّ حَبْلَهُ حَتّى ما فِيهِ أمْتٌ. انْتَهى. * * (يَوْمَئِذٍ) أيْ يَوْمَ إذْ يَنْسِفُ اللَّهُ الجِبالَ (يَتَّبِعُونَ) أيِ الخَلائِقُ (الدّاعِيَ) داعِيَ اللَّهِ إلى المَحْشَرِ نَحْوَ قَوْلِهِ ﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِي﴾ [القمر: ٨] وهو إسْرافِيلُ يَقُومُ عَلى صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ يَدْعُو النّاسَ فَيُقْبِلُونَ مِن كُلِّ جِهَةٍ يَضَعُ الصُّوَرَ في فِيهِ، ويَقُولُ: أيَّتُها العِظامُ البالِيَةُ والجُلُودُ المُتَمَزِّقَةُ واللُّحُومُ المُتَفَرِّقَةُ هَلُمَّ إلى العَرْضِ عَلى الرَّحْمَنِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: يُجْمَعُونَ في ظُلْمَةٍ قَدْ طُوِيَتِ السَّماءُ وانْتَثَرَتِ النُّجُومُ فَيُنادِي مُنادٍ فَيَمُوتُونَ مَوْتَةً. وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى ﴿الدّاعِيَ﴾ هُنا الرَّسُولُ ﷺ الَّذِي كانَ يَدْعُوهم إلى اللَّهِ فَيَعُوجُونَ عَلى الصِّراطِ يَمِينًا وشِمالًا ويَمِيلُونَ عَنْهُ مَيْلًا عَظِيمًا، فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُهُمُ اتِّباعُهُ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (لَهُ) عائِدٌ عَلى ﴿الدّاعِيَ﴾ نَفى عَنْهُ العِوَجَ أيْ ﴿لا عِوَجَ﴾ لَهم عَنْهُ بَلْ يَأْتُونَ مُقْبِلِينَ إلَيْهِ مُتَّبِعِينَ لِصَوْتِهِ مِن غَيْرِ انْحِرافٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ لا يُعْوَجُّ لَهُ مَدْعُوٌّ بَلْ يَسْتَوُونَ إلَيْهِ. انْتَهى. * * وقِيلَ ﴿لا عِوَجَ لَهُ﴾ في مَوْضِعِ وصْفٍ لِمَنعُوتٍ مَحْذُوفٍ أيِ اتِّباعًا ﴿لا عِوَجَ لَهُ﴾ فَيَكُونُ الضَّمِيرُ في (لَهُ) عائِدًا عَلى ذَلِكَ المَصْدَرِ المَحْذُوفِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الإخْبارَ أيْ لا شَكَّ فِيهِ، ولا يُخالِفُ وُجُودَهُ خَبَرُهُ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ لا مَحِيدَ لِأحَدٍ عَنِ اتِّباعِهِ، والمَشْيِ نَحْوَ صَوْتِهِ والخُشُوعُ التَّطامُنُ والتَّواضُعُ وهو في الأصْواتِ اسْتِعارَةٌ بِمَعْنى الخَفاءِ. والِاسْتِسْرارُ لِلرَّحْمَنِ أيْ لِهَيْبَةِ الرَّحْمَنِ وهو مُطَّلِعٌ قُدْرَتُهُ. وقِيلَ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ وخَشَعَ أهْلُ الأصْواتِ والهَمْسُ الصَّوْتُ الخَفِيُّ الخافِتُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالهَمْسِ المَسْمُوعِ تَخافُتُهم بَيْنَهم وكَلامُهُمُ السِّرُّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ صَوْتَ الأقْدامِ وأنَّ أصْواتَ النُّطْقِ ساكِنَةٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿إلّا هَمْسًا﴾ وهو الرَّكْزُ الخَفِيُّ ومِنهُ الحُرُوفُ المَهْمُوسَةُ. وقِيلَ: هو مِن هَمْسِ الإبِلِ وهو صَوْتُ أخْفافِها إذا مَشَتْ، أيْ لا يُسْمَعُ إلّا خَفْقُ الأقْدامِ ونَقْلُها إلى المَحْشَرِ. انْتَهى. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ وابْنِ جُبَيْرٍ: الهَمْسُ وطْءُ الأقْدامِ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا تَحْرِيكُ الشِّفاهِ بِغَيْرِ نُطْقٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ: الكَلامُ الخَفِيُّ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ (فَلا يَنْطِقُونَ إلّا هَمْسًا) وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ الصَّوْتُ الخَفِيُّ يَوْمَئِذٍ بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ﴾ أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ يَوْمَ إذْ (يَتَّبِعُونَ) ويَكُونُ مَنصُوبًا بِلا تَنْفَعُ و(مَن) مَفْعُولٌ بِقَوْلِهِ ﴿لا تَنْفَعُ﴾ و(لَهُ) مَعْناهُ لِأجْلِهِ وكَذا في ورَضِيَ لَهُ أيْ لِأجْلِهِ، ويَكُونُ مَن لِلْمَشْفُوعِ لَهُ أوْ بَدَلٌ مِنَ الشَّفاعَةِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ إلّا شَفاعَةَ مَن أذِنَ لَهُ أوْ مَنصُوبٌ عَلى الِاسْتِثْناءِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، أوِ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ فَنُصِبَ عَلى لُغَةِ الحِجازِ، ورُفِعَ عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ، ويَكُونُ (مَن) في هَذِهِ الأوْجُهِ لِلشّافِعِ والقَوْلُ المَرْضِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى الخَلْقِ المَحْشُورِينَ وهم مُتَّبِعُو الدّاعِي. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المَلائِكَةِ. وقِيلَ: عَلى النّاسِ لا بِقَيْدِ الحَشْرِ والِاتِّباعِ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في آيَةِ الكُرْسِيِّ في البَقَرَةِ، والضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدٌ عَلى (ما) أيْ ﴿ولا يُحِيطُونَ﴾ بِمَعْلُوماتِهِ (عِلْمًا) والظّاهِرُ عُمُومُ (الوُجُوهِ) أيْ وُجُوهِ الخَلائِقِ، وخَصَّ (الوُجُوهَ) لِأنَّ آثارَ الذُّلِّ إنَّما تَظْهَرُ في أوَّلِ (الوُجُوهِ) . وقالَ طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ: المُرادُ سُجُودُ النّاسِ عَلى الوُجُوهِ والآرابِ السَّبْعَةِ، فَإنْ كانَ رَوى أنَّ هَذا يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ فَتَكُونُ الآيَةُ إخْبارًا عَنْهُ، واسْتَقامَ المَعْنى وإنْ كانَ أرادَ في الدُّنْيا فَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُلائِمٍ لِلْآياتِ الَّتِي قَبْلَها وبَعْدَها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُرادُ بِالوُجُودِ وُجُوهُ العُصاةِ وأنَّهم إذا عايَنُوا يَوْمَ القِيامَةِ الخَيْبَةَ والشِّقْوَةَ وسُوءَ الحِسابِ صارَتْ وُجُوهُهم عانِيَةً أيْ ذَلِيلَةً خاضِعَةً مِثْلَ وُجُوهِ العُناةِ وهُمُ الأسارى ونَحْوُهُ (p-٢٨١)﴿فَلَمّا رَأوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الملك: ٢٧] ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤] و(القَيُّومُ) تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في البَقَرَةِ.

طه 20:105

وأسْنَدَ مَكِّيٌّ خِلافَ هَذا أنَّ مُوسى كانَ مَعَ السَبْعِينَ في المُناجاةِ وحِينَئِذٍ وقَعَ أمْرُ العِجْلِ، وأنَّ (p-٢٧٧)اللَّهَ أعْلَمَ مُوسى بِذَلِكَ فَكَتَمَهُ عَنْهم وجاءَ بِهِمْ حَتّى سَمِعُوا لَغَطَ بَنِي إسْرائِيلَ حَوْلَ العِجْلِ، فَحِينَئِذٍ عَلِمَهم مُوسى. انْتَهى. ولَمّا فَرَغَ مِن إبْطالِ ما عَمِلَهُ السّامِرِيُّ عادَ إلى بَيانِ الدِّينِ الحَقِّ فَقالَ ﴿إنَّما إلَهُكُمُ اللَّهُ﴾ [طه: ٩٨] وقَرَأ الجُمْهُورُ (وسِعَ) فانْتَصَبَ عِلْمًا عَلى التَّمْيِيزِ المَنقُولِ مِنَ الفاعِلِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في الأنْعامِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وسَّعَ بِفَتْحِ السِّينِ مُشَدَّدَةً. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وجْهُهُ أنَّ (وسِعَ) مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ وهو كُلُّ شَيْءٍ. وأمّا (عِلْمًا) فانْتِصابُهُ عَلى التَّمْيِيزِ وهو في المَعْنى فاعِلٌ، فَلَمّا ثُقِّلَ نُقِلَ إلى التَّعْدِيَةِ إلى مَفْعُولَيْنِ فَنَصَبَهُما مَعًا عَلى المَفْعُولِيَّةِ، لِأنَّ المُمَيَّزَ فاعِلٌ في المَعْنى كَما تَقُولُ: خافَ زَيْدٌ عَمْرًا خَوَّفْتُ زَيْدًا عَمْرًا، فَتَرِدُ بِالنَّقْلِ ما كانَ فاعِلًا مَفْعُولًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ (وسِعَ) بِمَعْنى خَلْقِ الأشْياءِ وكَثْرِها بِالِاخْتِراعِ فَوَسِعَها مَوْجُوداتٍ. انْتَهى. ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وقَدْ آتَيْناكَ مِن لَدُنّا ذِكْرًا﴾ ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيهِ وساءَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ حِمْلًا﴾ ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهم إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا﴾ ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إذْ يَقُولُ أمْثَلُهم طَرِيقَةً إنْ لَبِثْتُمْ إلّا يَوْمًا﴾ ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ ﴿فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا﴾ ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ورَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ ﴿وعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه: ١١١] ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْمًا ولا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢] ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ أوْ يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا﴾ [طه: ١١٣] ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] . (p-٢٧٨)ذَلِكَ إشارَةٌ إلى نَبَأِ مُوسى وبَنِي إسْرائِيلَ وفِرْعَوْنَ أيْ كَقَصِّنا هَذا النَّبَأ الغَرِيبَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الأُمَمِ السّابِقَةِ، وهَذا فِيهِ ذِكْرُ نِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ وهي الإعْلامُ بِأخْبارِ الأُمَمِ السّالِفَةِ لِيَتَسَلّى بِذَلِكَ ويَعْلَمَ أنَّ ما صَدَرَ مِنَ الأُمَمِ لِرُسُلِهِمْ وما قاسَتِ الرُّسُلُ مِنهم، والظّاهِرُ أنَّ الذِّكْرَ هُنا القُرْآنُ امْتَنَّ تَعالى عَلَيْهِ بِإيتائِهِ الذِّكْرَ المُشْتَمِلَ عَلى القِصَصِ والأخْبارِ الدّالِّ ذَلِكَ عَلى مُعْجِزاتٍ أُوتِيَها. وقالَ مُقاتِلٌ: ﴿ذِكْرًا﴾ بَيانًا. وقالَ أبُو سَهْلٍ: شَرَفًا وذِكْرًا في النّاسِ. ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ﴾ أيْ عَنِ القُرْآنِ بِكَوْنِهِ لَمْ يُؤْمِن بِهِ ولَمْ يَتَّبِعْ ما فِيهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (يَحْمِلُ) مُضارِعُ حَمَلَ مُخَفَّفًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ مِنهم داوُدُ بْنُ رُفَيْعٍ: يُحَمَّلُ مُشَدَّدُ المِيمِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ لِأنَّهُ يُكَلَّفُ ذَلِكَ لا أنَّهُ يَحْمِلُهُ طَوْعًا و(وِزْرًا) مَفْعُولٌ ثانٍ و(وِزْرًا) ثِقَلًا باهِظًا يُؤَدِّهِ حَمْلُهُ وهو ثِقَلُ العَذابِ. وقالَ مُجاهِد: إثْمًا. وقالَ الثَّوْرِيُّ: شِرْكًا والظّاهِرُ أنَّهُ عَبَّرَ عَنِ العُقُوبَةِ بِالوِزْرِ لِأنَّهُ سَبَبُها ولِذَلِكَ قالَ ﴿خالِدِينَ فِيهِ﴾ أيْ في العَذابِ والعُقُوبَةِ وجَمَعَ خالِدِينَ، والضَّمِيرَ في (لَهم) حَمْلًا عَلى مَعْنى مِن بَعْدِ الحَمْلِ عَلى لَفْظِها في أعْرَضَ وفي فَإنَّهُ يَحْمِلُ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ وِزْرَهم و(لَهم) لِلْبَيانِ كَهي في ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣] لا مُتَعَلِّقَةٌ بِساءٍ (وساءَ) هُنا هي الَّتِي جَرَتْ مَجْرى بِئْسَ لا ساءَ الَّتِي بِمَعْنى أحْزَنَ وأهَمَّ لِفَسادِ المَعْنى. ويَوْمُ نَنْفُخُ بَدَلٌ مِن يَوْمِ القِيامَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُنْفَخُ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ (ونَحْشُرُ) بِالنُّونِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ بِنُونِ العَظَمَةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ مُحَيْصِنٍ وحُمَيدٌ: نَنْفُخُ بِنُونِ العَظَمَةِ كَنَحْشُرُ أسْنَدَ النَّفْخَ إلى الآمِرِ بِهِ، والنّافِخُ هو إسْرافِيلُ ولِكَرامَتِهِ أسْنَدَ ما يَتَوَلّاهُ إلى ذاتِهِ المُقَدَّسَةِ و(الصُّورِ) تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ في الأنْعامِ. وقُرِئَ يَنْفُخُ ويَحْشُرُ بِالياءِ فِيهِما مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ عِياضٍ في جَماعَةٍ ﴿فِي الصُّورِ﴾ عَلى وزْنِ دُرَرٍ، والحَسَنُ: يُحْشَرُ، بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ويَحْشُرُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وبِالياءِ أيْ ويَحْشُرُ اللَّهُ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالزُّرْقِ زُرْقَةُ العُيُونِ، والزُّرْقَةُ أبْغَضُ ألْوانِ العُيُونِ إلى العَرَبِ لِأنَّ الرُّومَ أعْداؤُهم وهم زُرْقُ العُيُونِ، ولِذَلِكَ قالُوا في صِفَةِ العَدُوِّ: أسْوَدُ الكَبِدِ، أصْهَبُ السِّبالِ، أزْرَقُ العَيْنِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎وما كُنْتُ أخْشى أنْ تَكُونَ وفاتُهُ بِكَفِّي سَبَنَتى أزْرَقِ العَيْنِ مُطْرِقِ وقَدْ ذَكَرَ في آيَةٍ أُخْرى أنَّهم يُحْشَرُونَ سُودَ الوُجُوهِ، فالمَعْنى تَشْوِيهُ الصُّورَةِ مِن سَوادِ الوَجْهِ وزُرْقَةِ العَيْنِ وأيْضًا فالعَرَبُ تَتَشاءَمُ بِالزُّرْقَةِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎لَقَدْ زَرَفَتْ عَيْناكَ يا ابْنَ مُكَعْبَرٍ ∗∗∗ ألا كَلُّ ضَبِّيٍّ مِنَ اللُّؤْمِ أزْرَقُ (p-٢٧٩)وقِيلَ: المَعْنى عُمْيًا لِأنَّ العَيْنَ إذا ذَهَبَ نُورُها ازْرَقَّ ناظِرُها، وبِهَذا التَّأْوِيلِ يَقَعُ الجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِهِ (زُرْقًا) في هَذِهِ الآيَةِ و(عُمْيًا) في الآيَةِ الأُخْرى. وقِيلَ: زَرُقَ ألْوانُ أبْدانِهِمْ، وذَلِكَ غايَةٌ في التَّشْوِيهِ إذْ يَجِيئَنَّ كَلَوْنِ الرَّمادِ وفي كَلامِ العَرَبِ يُسَمّى هَذا اللَّوْنُ أزْرَقَ، ولا تَزْرَقُّ الجُلُودُ إلّا مِن مُكابَدَةِ الشَّدائِدِ وجُفُوفِ رُطُوبَتِها. وقِيلَ: (زُرْقًا) عِطاشًا والعَطَشُ الشَّدِيدُ يَرُدُّ سَوادَ العَيْنِ إلى البَياضِ، ومِنهُ قَوْلُهم سِنانٌ أزْرَقُ وقَوْلُهُ: ؎فَلَمّا ورَدْنَ المَـاءَ زُرْقًـا جِمامُـهُ أيِ ابْيَضَّ، وذُكِرَتِ الآيَتانِ لِابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ: لِيَوْمِ القِيامَةِ حالاتٌ فَحالَةٌ يَكُونُونَ فِيها زُرْقًا وحالَةٌ يَكُونُونَ عُمْيًا. ﴿يَتَخافَتُونَ﴾ يَتَسارُّونَ لِهَوْلِ المَطْلَعِ وشِدَّةِ ذَهابِ أذْهانِهِمْ قَدْ عَزَبَ عَنْهم قَدْرَ المُدَّةَ الَّتِي لَبِثُوا فِيها ﴿إنْ لَبِثْتُمْ﴾ أيْ في دارِ الدُّنْيا أوْ في البَرْزَخِ أوْ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ في الصُّورِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: ووَصْفُ ما لَبِثُوا فِيهِ بِالقَصْرِ لِأنَّها لِما يُعايِنُونَ مِنَ الشَّدائِدِ كانَتْ لَهم في الدُّنْيا أيّامُ سُرُورٍ، وأيّامُ السُّرُورِ قِصارٌ أوْ لِذِهابِها عَنْهم وتَقَضِّيها، والذّاهِبُ وإنْ طالَتْ مُدَّتُهُ قَصِيرٌ بِالِانْتِهاءِ، أوْ لاسْتِطالَتِهِمُ الآخِرَةَ وأنَّها أبَدٌ سَرْمَدٌ يُسْتَقْصَرُ إلَيْها عُمْرُ الدُّنْيا، ويُقالُ لَبِثَ أهْلُها فِيها بِالقِياسِ إلى لُبْثِهِمْ في الآخِرَةِ و(إذْ) مَعْمُولَةٌ لِأعْلَمَ. و﴿أمْثَلُهُمْ﴾ أعْدَلُهم. و﴿طَرِيقَةً﴾ مَنصُوبَةً عَلى التَّمْيِيزِ. ﴿إلّا يَوْمًا﴾ إشارَةٌ لِقِصَرِ مُدَّةِ لُبْثِهِمْ. و﴿إلّا عَشْرًا﴾ يُحْتَمَلُ عَشْرُ لَيالٍ أوْ عَشَرَةُ أيّامٍ، لِأنَّ المُذَكَّرَ إذا حُذِفَ وأُبْقِيَ عَدَدُهُ قَدْ لا يَأْتِي بِالتّاءِ. حَكى الكِسائِيُّ عَنْ أبِي الجَرّاحِ: صُمْنا مِنَ الشَّهْرِ خَمْسًا، ومِنهُ ما جاءَ في الحَدِيثِ: «ثُمَّ أتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِن شَوّالٍ»، يُرِيدُ سِتَّةَ أيّامٍ وحَسَّنَ الحَذْفَ هُنا كَوْنُ ذَلِكَ فاصِلَةَ رَأْسِ آيَةٍ ذُكِرَ أوَّلًا مُنْتَهى أقَلِّ العَدَدِ وهو العَشْرُ، وذَكَرَ أعْدَلُهم طَرِيقَةً أقَلَّ العَدَدِ، وهو اليَوْمُ الواحِدُ ودَلَّ ظاهِرُ قَوْلِهِ ﴿إلّا يَوْمًا﴾ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِمْ ﴿عَشْرًا﴾ عَشَرَةُ أيّامٍ. * * وضَمِيرُ الغائِبِ في ﴿ويَسْألُونَكَ﴾ عائِدٌ عَلى قُرَيْشٍ مُنْكِرِي البَعْثِ أوْ عَلى المُؤْمِنِينَ سَألُوا عَنْ ذَلِكَ، أوْ عَلى رَجُلٍ مِن ثَقِيفٍ وجَماعَةٍ مِن قَوْمِهِ أقْوالٌ ثَلاثَةٌ. والكافُ خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، والظّاهِرُ وُجُودُ السُّؤالِ ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن قالَ إنَّهُ لَمْ يَكُنْ سُؤالٌ بَلِ المَعْنى أنْ يَسْألُوكَ ﴿عَنِ الجِبالِ فَقُلْ﴾ فَضُمِّنَ مَعْنى الشَّرْطِ، فَلِذَلِكَ أُجِيبَ بِالفاءِ ورُوِيَ أنَّ اللَّهَ يُرْسِلُ عَلى الجِبالِ رِيحًا فَيَدْكُكُها حَتّى تَكُونَ كالعِهْنِ المَنفُوشِ، ثُمَّ يَتَوالى عَلَيْها حَتّى يُعِيدَها كالهَباءِ المُنْبَثِّ فَذَلِكَ هو النَّسْفُ، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في ﴿فَيَذَرُها﴾ عَلى الجِبالِ أيْ بَعْدَ النَّسْفِ تَبْقى ﴿قاعًا﴾ أيْ مُسْتَوِيًا مِنَ الأرْضِ مُعْتَدِلًا. وقِيلَ فَيَذْرُ مَقارَّها ومَراكِزَها. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الأرْضِ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ لِدَلالَةِ الجِبالِ عَلَيْها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ (عِوَجًا) مَيْلًا ﴿ولا أمْتًا﴾ أثَرًا مِثْلَ الشِّراكِ. وعَنْهُ أيْضًا ﴿عِوَجًا﴾ وادِيًا ﴿ولا أمْتًا﴾ رابِيَةً. وعَنْهُ أيْضًا: الأمْتُ الِارْتِفاعُ. وقالَ قَتادَةُ ﴿عِوَجًا﴾ صَدْعًا ﴿ولا أمْتًا﴾ أكَمَةً. وقِيلَ: الأمْتُ الشُّقُوقُ في الأرْضِ. وقِيلَ: غِلَظُ مَكانٍ في الفَضاءِ والجَبَلِ وبَرْقٌ في مَكانٍ حَكاهُ الصُّولِيُّ. وقِيلَ: كانَ الأمْتُ في الآيَةِ العِوَجَ في السَّماءِ تُجاهَ الهَواءِ، والعِوَجُ في الأرْضِ مُخْتَصٌّ بِالأرْضِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتُ: قَدْ فَرَّقُوا بَيْنَ العِوَجِ والعَوَجِ فَقالُوا: العِوَجُ بِالكَسْرِ في المَعانِي، والعَوَجُ بِالفَتْحِ في الأعْيانِ والأرْضِ، فَكَيْفَ صَحَّ فِيها المَكْسُورُ العَيْنِ ؟ قُلْتُ: اخْتِيارُ هَذا اللَّفْظِ لَهُ مَوْقِعٌ حَسَنٌ بَدِيعٌ في وصْفِ الأرْضِ بِالِاسْتِواءِ والمَلاسَةِ ونَفْيُ الِاعْوِجاجِ عَنْها عَلى أبْلَغِ ما يَكُونُ، وذَلِكَ أنَّكَ لَوْ عَمَدْتَ إلى قِطْعَةِ أرْضٍ فَسَوَّيْتَها وبالَغْتَ في التَّسْوِيَةِ عَلى عَيْنِكَ وعُيُونِ البُصَراءِ مِنَ الفِلاحَةِ، واتَّفَقْتُمْ عَلى أنْ لَمْ يَبْقَ فِيها اعْوِجاجٌ قَطُّ ثُمَّ اسْتَطْلَعْتَ رَأْيَ المُهَنْدِسِ فِيها وأمَرْتَهُ أنْ يَعْرِضَ اسْتِواءَها عَلى المَقايِيسِ الهَنْدَسِيَّةِ لَعَثَرَ فِيها عَلى عِوَجٍ في غَيْرِ مَوْضِعٍ لا يُدْرَكُ بِذَلِكَ بِحاسَّةِ البَصَرِ، ولَكِنْ بِالقِياسِ الهَنْدَسِيِّ فَنَفى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ذَلِكَ العِوَجَ الَّذِي دَقَّ (p-٢٨٠)ولَطَفَ عَنِ الإدْراكِ اللَّهُمَّ إلّا بِالقِياسِ الَّذِي يَعْرِفُهُ صاحِبُ التَّقْدِيرِ والهَنْدَسَةِ، وذَلِكَ الِاعْوِجاجُ لَمّا لَمْ يُدْرَكُ إلّا بِالقِياسِ دُونَ الإحْساسِ لَحِقَ بِالمَعانِي فَقِيلَ فِيهِ عِوَجٌ بِالكَسْرَةِ. الأمْتُ النُّتُوُّ اليَسِيرُ، يُقالُ: مَدَّ حَبْلَهُ حَتّى ما فِيهِ أمْتٌ. انْتَهى. * * (يَوْمَئِذٍ) أيْ يَوْمَ إذْ يَنْسِفُ اللَّهُ الجِبالَ (يَتَّبِعُونَ) أيِ الخَلائِقُ (الدّاعِيَ) داعِيَ اللَّهِ إلى المَحْشَرِ نَحْوَ قَوْلِهِ ﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِي﴾ [القمر: ٨] وهو إسْرافِيلُ يَقُومُ عَلى صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ يَدْعُو النّاسَ فَيُقْبِلُونَ مِن كُلِّ جِهَةٍ يَضَعُ الصُّوَرَ في فِيهِ، ويَقُولُ: أيَّتُها العِظامُ البالِيَةُ والجُلُودُ المُتَمَزِّقَةُ واللُّحُومُ المُتَفَرِّقَةُ هَلُمَّ إلى العَرْضِ عَلى الرَّحْمَنِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: يُجْمَعُونَ في ظُلْمَةٍ قَدْ طُوِيَتِ السَّماءُ وانْتَثَرَتِ النُّجُومُ فَيُنادِي مُنادٍ فَيَمُوتُونَ مَوْتَةً. وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى ﴿الدّاعِيَ﴾ هُنا الرَّسُولُ ﷺ الَّذِي كانَ يَدْعُوهم إلى اللَّهِ فَيَعُوجُونَ عَلى الصِّراطِ يَمِينًا وشِمالًا ويَمِيلُونَ عَنْهُ مَيْلًا عَظِيمًا، فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُهُمُ اتِّباعُهُ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (لَهُ) عائِدٌ عَلى ﴿الدّاعِيَ﴾ نَفى عَنْهُ العِوَجَ أيْ ﴿لا عِوَجَ﴾ لَهم عَنْهُ بَلْ يَأْتُونَ مُقْبِلِينَ إلَيْهِ مُتَّبِعِينَ لِصَوْتِهِ مِن غَيْرِ انْحِرافٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ لا يُعْوَجُّ لَهُ مَدْعُوٌّ بَلْ يَسْتَوُونَ إلَيْهِ. انْتَهى. * * وقِيلَ ﴿لا عِوَجَ لَهُ﴾ في مَوْضِعِ وصْفٍ لِمَنعُوتٍ مَحْذُوفٍ أيِ اتِّباعًا ﴿لا عِوَجَ لَهُ﴾ فَيَكُونُ الضَّمِيرُ في (لَهُ) عائِدًا عَلى ذَلِكَ المَصْدَرِ المَحْذُوفِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الإخْبارَ أيْ لا شَكَّ فِيهِ، ولا يُخالِفُ وُجُودَهُ خَبَرُهُ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ لا مَحِيدَ لِأحَدٍ عَنِ اتِّباعِهِ، والمَشْيِ نَحْوَ صَوْتِهِ والخُشُوعُ التَّطامُنُ والتَّواضُعُ وهو في الأصْواتِ اسْتِعارَةٌ بِمَعْنى الخَفاءِ. والِاسْتِسْرارُ لِلرَّحْمَنِ أيْ لِهَيْبَةِ الرَّحْمَنِ وهو مُطَّلِعٌ قُدْرَتُهُ. وقِيلَ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ وخَشَعَ أهْلُ الأصْواتِ والهَمْسُ الصَّوْتُ الخَفِيُّ الخافِتُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالهَمْسِ المَسْمُوعِ تَخافُتُهم بَيْنَهم وكَلامُهُمُ السِّرُّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ صَوْتَ الأقْدامِ وأنَّ أصْواتَ النُّطْقِ ساكِنَةٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿إلّا هَمْسًا﴾ وهو الرَّكْزُ الخَفِيُّ ومِنهُ الحُرُوفُ المَهْمُوسَةُ. وقِيلَ: هو مِن هَمْسِ الإبِلِ وهو صَوْتُ أخْفافِها إذا مَشَتْ، أيْ لا يُسْمَعُ إلّا خَفْقُ الأقْدامِ ونَقْلُها إلى المَحْشَرِ. انْتَهى. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ وابْنِ جُبَيْرٍ: الهَمْسُ وطْءُ الأقْدامِ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا تَحْرِيكُ الشِّفاهِ بِغَيْرِ نُطْقٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ: الكَلامُ الخَفِيُّ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ (فَلا يَنْطِقُونَ إلّا هَمْسًا) وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ الصَّوْتُ الخَفِيُّ يَوْمَئِذٍ بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ﴾ أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ يَوْمَ إذْ (يَتَّبِعُونَ) ويَكُونُ مَنصُوبًا بِلا تَنْفَعُ و(مَن) مَفْعُولٌ بِقَوْلِهِ ﴿لا تَنْفَعُ﴾ و(لَهُ) مَعْناهُ لِأجْلِهِ وكَذا في ورَضِيَ لَهُ أيْ لِأجْلِهِ، ويَكُونُ مَن لِلْمَشْفُوعِ لَهُ أوْ بَدَلٌ مِنَ الشَّفاعَةِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ إلّا شَفاعَةَ مَن أذِنَ لَهُ أوْ مَنصُوبٌ عَلى الِاسْتِثْناءِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، أوِ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ فَنُصِبَ عَلى لُغَةِ الحِجازِ، ورُفِعَ عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ، ويَكُونُ (مَن) في هَذِهِ الأوْجُهِ لِلشّافِعِ والقَوْلُ المَرْضِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى الخَلْقِ المَحْشُورِينَ وهم مُتَّبِعُو الدّاعِي. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المَلائِكَةِ. وقِيلَ: عَلى النّاسِ لا بِقَيْدِ الحَشْرِ والِاتِّباعِ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في آيَةِ الكُرْسِيِّ في البَقَرَةِ، والضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدٌ عَلى (ما) أيْ ﴿ولا يُحِيطُونَ﴾ بِمَعْلُوماتِهِ (عِلْمًا) والظّاهِرُ عُمُومُ (الوُجُوهِ) أيْ وُجُوهِ الخَلائِقِ، وخَصَّ (الوُجُوهَ) لِأنَّ آثارَ الذُّلِّ إنَّما تَظْهَرُ في أوَّلِ (الوُجُوهِ) . وقالَ طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ: المُرادُ سُجُودُ النّاسِ عَلى الوُجُوهِ والآرابِ السَّبْعَةِ، فَإنْ كانَ رَوى أنَّ هَذا يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ فَتَكُونُ الآيَةُ إخْبارًا عَنْهُ، واسْتَقامَ المَعْنى وإنْ كانَ أرادَ في الدُّنْيا فَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُلائِمٍ لِلْآياتِ الَّتِي قَبْلَها وبَعْدَها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُرادُ بِالوُجُودِ وُجُوهُ العُصاةِ وأنَّهم إذا عايَنُوا يَوْمَ القِيامَةِ الخَيْبَةَ والشِّقْوَةَ وسُوءَ الحِسابِ صارَتْ وُجُوهُهم عانِيَةً أيْ ذَلِيلَةً خاضِعَةً مِثْلَ وُجُوهِ العُناةِ وهُمُ الأسارى ونَحْوُهُ (p-٢٨١)﴿فَلَمّا رَأوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الملك: ٢٧] ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤] و(القَيُّومُ) تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في البَقَرَةِ.

طه 20:106

وأسْنَدَ مَكِّيٌّ خِلافَ هَذا أنَّ مُوسى كانَ مَعَ السَبْعِينَ في المُناجاةِ وحِينَئِذٍ وقَعَ أمْرُ العِجْلِ، وأنَّ (p-٢٧٧)اللَّهَ أعْلَمَ مُوسى بِذَلِكَ فَكَتَمَهُ عَنْهم وجاءَ بِهِمْ حَتّى سَمِعُوا لَغَطَ بَنِي إسْرائِيلَ حَوْلَ العِجْلِ، فَحِينَئِذٍ عَلِمَهم مُوسى. انْتَهى. ولَمّا فَرَغَ مِن إبْطالِ ما عَمِلَهُ السّامِرِيُّ عادَ إلى بَيانِ الدِّينِ الحَقِّ فَقالَ ﴿إنَّما إلَهُكُمُ اللَّهُ﴾ [طه: ٩٨] وقَرَأ الجُمْهُورُ (وسِعَ) فانْتَصَبَ عِلْمًا عَلى التَّمْيِيزِ المَنقُولِ مِنَ الفاعِلِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في الأنْعامِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وسَّعَ بِفَتْحِ السِّينِ مُشَدَّدَةً. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وجْهُهُ أنَّ (وسِعَ) مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ وهو كُلُّ شَيْءٍ. وأمّا (عِلْمًا) فانْتِصابُهُ عَلى التَّمْيِيزِ وهو في المَعْنى فاعِلٌ، فَلَمّا ثُقِّلَ نُقِلَ إلى التَّعْدِيَةِ إلى مَفْعُولَيْنِ فَنَصَبَهُما مَعًا عَلى المَفْعُولِيَّةِ، لِأنَّ المُمَيَّزَ فاعِلٌ في المَعْنى كَما تَقُولُ: خافَ زَيْدٌ عَمْرًا خَوَّفْتُ زَيْدًا عَمْرًا، فَتَرِدُ بِالنَّقْلِ ما كانَ فاعِلًا مَفْعُولًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ (وسِعَ) بِمَعْنى خَلْقِ الأشْياءِ وكَثْرِها بِالِاخْتِراعِ فَوَسِعَها مَوْجُوداتٍ. انْتَهى. ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وقَدْ آتَيْناكَ مِن لَدُنّا ذِكْرًا﴾ ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيهِ وساءَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ حِمْلًا﴾ ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهم إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا﴾ ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إذْ يَقُولُ أمْثَلُهم طَرِيقَةً إنْ لَبِثْتُمْ إلّا يَوْمًا﴾ ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ ﴿فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا﴾ ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ورَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ ﴿وعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه: ١١١] ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْمًا ولا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢] ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ أوْ يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا﴾ [طه: ١١٣] ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] . (p-٢٧٨)ذَلِكَ إشارَةٌ إلى نَبَأِ مُوسى وبَنِي إسْرائِيلَ وفِرْعَوْنَ أيْ كَقَصِّنا هَذا النَّبَأ الغَرِيبَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الأُمَمِ السّابِقَةِ، وهَذا فِيهِ ذِكْرُ نِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ وهي الإعْلامُ بِأخْبارِ الأُمَمِ السّالِفَةِ لِيَتَسَلّى بِذَلِكَ ويَعْلَمَ أنَّ ما صَدَرَ مِنَ الأُمَمِ لِرُسُلِهِمْ وما قاسَتِ الرُّسُلُ مِنهم، والظّاهِرُ أنَّ الذِّكْرَ هُنا القُرْآنُ امْتَنَّ تَعالى عَلَيْهِ بِإيتائِهِ الذِّكْرَ المُشْتَمِلَ عَلى القِصَصِ والأخْبارِ الدّالِّ ذَلِكَ عَلى مُعْجِزاتٍ أُوتِيَها. وقالَ مُقاتِلٌ: ﴿ذِكْرًا﴾ بَيانًا. وقالَ أبُو سَهْلٍ: شَرَفًا وذِكْرًا في النّاسِ. ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ﴾ أيْ عَنِ القُرْآنِ بِكَوْنِهِ لَمْ يُؤْمِن بِهِ ولَمْ يَتَّبِعْ ما فِيهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (يَحْمِلُ) مُضارِعُ حَمَلَ مُخَفَّفًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ مِنهم داوُدُ بْنُ رُفَيْعٍ: يُحَمَّلُ مُشَدَّدُ المِيمِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ لِأنَّهُ يُكَلَّفُ ذَلِكَ لا أنَّهُ يَحْمِلُهُ طَوْعًا و(وِزْرًا) مَفْعُولٌ ثانٍ و(وِزْرًا) ثِقَلًا باهِظًا يُؤَدِّهِ حَمْلُهُ وهو ثِقَلُ العَذابِ. وقالَ مُجاهِد: إثْمًا. وقالَ الثَّوْرِيُّ: شِرْكًا والظّاهِرُ أنَّهُ عَبَّرَ عَنِ العُقُوبَةِ بِالوِزْرِ لِأنَّهُ سَبَبُها ولِذَلِكَ قالَ ﴿خالِدِينَ فِيهِ﴾ أيْ في العَذابِ والعُقُوبَةِ وجَمَعَ خالِدِينَ، والضَّمِيرَ في (لَهم) حَمْلًا عَلى مَعْنى مِن بَعْدِ الحَمْلِ عَلى لَفْظِها في أعْرَضَ وفي فَإنَّهُ يَحْمِلُ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ وِزْرَهم و(لَهم) لِلْبَيانِ كَهي في ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣] لا مُتَعَلِّقَةٌ بِساءٍ (وساءَ) هُنا هي الَّتِي جَرَتْ مَجْرى بِئْسَ لا ساءَ الَّتِي بِمَعْنى أحْزَنَ وأهَمَّ لِفَسادِ المَعْنى. ويَوْمُ نَنْفُخُ بَدَلٌ مِن يَوْمِ القِيامَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُنْفَخُ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ (ونَحْشُرُ) بِالنُّونِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ بِنُونِ العَظَمَةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ مُحَيْصِنٍ وحُمَيدٌ: نَنْفُخُ بِنُونِ العَظَمَةِ كَنَحْشُرُ أسْنَدَ النَّفْخَ إلى الآمِرِ بِهِ، والنّافِخُ هو إسْرافِيلُ ولِكَرامَتِهِ أسْنَدَ ما يَتَوَلّاهُ إلى ذاتِهِ المُقَدَّسَةِ و(الصُّورِ) تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ في الأنْعامِ. وقُرِئَ يَنْفُخُ ويَحْشُرُ بِالياءِ فِيهِما مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ عِياضٍ في جَماعَةٍ ﴿فِي الصُّورِ﴾ عَلى وزْنِ دُرَرٍ، والحَسَنُ: يُحْشَرُ، بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ويَحْشُرُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وبِالياءِ أيْ ويَحْشُرُ اللَّهُ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالزُّرْقِ زُرْقَةُ العُيُونِ، والزُّرْقَةُ أبْغَضُ ألْوانِ العُيُونِ إلى العَرَبِ لِأنَّ الرُّومَ أعْداؤُهم وهم زُرْقُ العُيُونِ، ولِذَلِكَ قالُوا في صِفَةِ العَدُوِّ: أسْوَدُ الكَبِدِ، أصْهَبُ السِّبالِ، أزْرَقُ العَيْنِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎وما كُنْتُ أخْشى أنْ تَكُونَ وفاتُهُ بِكَفِّي سَبَنَتى أزْرَقِ العَيْنِ مُطْرِقِ وقَدْ ذَكَرَ في آيَةٍ أُخْرى أنَّهم يُحْشَرُونَ سُودَ الوُجُوهِ، فالمَعْنى تَشْوِيهُ الصُّورَةِ مِن سَوادِ الوَجْهِ وزُرْقَةِ العَيْنِ وأيْضًا فالعَرَبُ تَتَشاءَمُ بِالزُّرْقَةِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎لَقَدْ زَرَفَتْ عَيْناكَ يا ابْنَ مُكَعْبَرٍ ∗∗∗ ألا كَلُّ ضَبِّيٍّ مِنَ اللُّؤْمِ أزْرَقُ (p-٢٧٩)وقِيلَ: المَعْنى عُمْيًا لِأنَّ العَيْنَ إذا ذَهَبَ نُورُها ازْرَقَّ ناظِرُها، وبِهَذا التَّأْوِيلِ يَقَعُ الجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِهِ (زُرْقًا) في هَذِهِ الآيَةِ و(عُمْيًا) في الآيَةِ الأُخْرى. وقِيلَ: زَرُقَ ألْوانُ أبْدانِهِمْ، وذَلِكَ غايَةٌ في التَّشْوِيهِ إذْ يَجِيئَنَّ كَلَوْنِ الرَّمادِ وفي كَلامِ العَرَبِ يُسَمّى هَذا اللَّوْنُ أزْرَقَ، ولا تَزْرَقُّ الجُلُودُ إلّا مِن مُكابَدَةِ الشَّدائِدِ وجُفُوفِ رُطُوبَتِها. وقِيلَ: (زُرْقًا) عِطاشًا والعَطَشُ الشَّدِيدُ يَرُدُّ سَوادَ العَيْنِ إلى البَياضِ، ومِنهُ قَوْلُهم سِنانٌ أزْرَقُ وقَوْلُهُ: ؎فَلَمّا ورَدْنَ المَـاءَ زُرْقًـا جِمامُـهُ أيِ ابْيَضَّ، وذُكِرَتِ الآيَتانِ لِابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ: لِيَوْمِ القِيامَةِ حالاتٌ فَحالَةٌ يَكُونُونَ فِيها زُرْقًا وحالَةٌ يَكُونُونَ عُمْيًا. ﴿يَتَخافَتُونَ﴾ يَتَسارُّونَ لِهَوْلِ المَطْلَعِ وشِدَّةِ ذَهابِ أذْهانِهِمْ قَدْ عَزَبَ عَنْهم قَدْرَ المُدَّةَ الَّتِي لَبِثُوا فِيها ﴿إنْ لَبِثْتُمْ﴾ أيْ في دارِ الدُّنْيا أوْ في البَرْزَخِ أوْ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ في الصُّورِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: ووَصْفُ ما لَبِثُوا فِيهِ بِالقَصْرِ لِأنَّها لِما يُعايِنُونَ مِنَ الشَّدائِدِ كانَتْ لَهم في الدُّنْيا أيّامُ سُرُورٍ، وأيّامُ السُّرُورِ قِصارٌ أوْ لِذِهابِها عَنْهم وتَقَضِّيها، والذّاهِبُ وإنْ طالَتْ مُدَّتُهُ قَصِيرٌ بِالِانْتِهاءِ، أوْ لاسْتِطالَتِهِمُ الآخِرَةَ وأنَّها أبَدٌ سَرْمَدٌ يُسْتَقْصَرُ إلَيْها عُمْرُ الدُّنْيا، ويُقالُ لَبِثَ أهْلُها فِيها بِالقِياسِ إلى لُبْثِهِمْ في الآخِرَةِ و(إذْ) مَعْمُولَةٌ لِأعْلَمَ. و﴿أمْثَلُهُمْ﴾ أعْدَلُهم. و﴿طَرِيقَةً﴾ مَنصُوبَةً عَلى التَّمْيِيزِ. ﴿إلّا يَوْمًا﴾ إشارَةٌ لِقِصَرِ مُدَّةِ لُبْثِهِمْ. و﴿إلّا عَشْرًا﴾ يُحْتَمَلُ عَشْرُ لَيالٍ أوْ عَشَرَةُ أيّامٍ، لِأنَّ المُذَكَّرَ إذا حُذِفَ وأُبْقِيَ عَدَدُهُ قَدْ لا يَأْتِي بِالتّاءِ. حَكى الكِسائِيُّ عَنْ أبِي الجَرّاحِ: صُمْنا مِنَ الشَّهْرِ خَمْسًا، ومِنهُ ما جاءَ في الحَدِيثِ: «ثُمَّ أتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِن شَوّالٍ»، يُرِيدُ سِتَّةَ أيّامٍ وحَسَّنَ الحَذْفَ هُنا كَوْنُ ذَلِكَ فاصِلَةَ رَأْسِ آيَةٍ ذُكِرَ أوَّلًا مُنْتَهى أقَلِّ العَدَدِ وهو العَشْرُ، وذَكَرَ أعْدَلُهم طَرِيقَةً أقَلَّ العَدَدِ، وهو اليَوْمُ الواحِدُ ودَلَّ ظاهِرُ قَوْلِهِ ﴿إلّا يَوْمًا﴾ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِمْ ﴿عَشْرًا﴾ عَشَرَةُ أيّامٍ. * * وضَمِيرُ الغائِبِ في ﴿ويَسْألُونَكَ﴾ عائِدٌ عَلى قُرَيْشٍ مُنْكِرِي البَعْثِ أوْ عَلى المُؤْمِنِينَ سَألُوا عَنْ ذَلِكَ، أوْ عَلى رَجُلٍ مِن ثَقِيفٍ وجَماعَةٍ مِن قَوْمِهِ أقْوالٌ ثَلاثَةٌ. والكافُ خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، والظّاهِرُ وُجُودُ السُّؤالِ ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن قالَ إنَّهُ لَمْ يَكُنْ سُؤالٌ بَلِ المَعْنى أنْ يَسْألُوكَ ﴿عَنِ الجِبالِ فَقُلْ﴾ فَضُمِّنَ مَعْنى الشَّرْطِ، فَلِذَلِكَ أُجِيبَ بِالفاءِ ورُوِيَ أنَّ اللَّهَ يُرْسِلُ عَلى الجِبالِ رِيحًا فَيَدْكُكُها حَتّى تَكُونَ كالعِهْنِ المَنفُوشِ، ثُمَّ يَتَوالى عَلَيْها حَتّى يُعِيدَها كالهَباءِ المُنْبَثِّ فَذَلِكَ هو النَّسْفُ، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في ﴿فَيَذَرُها﴾ عَلى الجِبالِ أيْ بَعْدَ النَّسْفِ تَبْقى ﴿قاعًا﴾ أيْ مُسْتَوِيًا مِنَ الأرْضِ مُعْتَدِلًا. وقِيلَ فَيَذْرُ مَقارَّها ومَراكِزَها. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الأرْضِ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ لِدَلالَةِ الجِبالِ عَلَيْها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ (عِوَجًا) مَيْلًا ﴿ولا أمْتًا﴾ أثَرًا مِثْلَ الشِّراكِ. وعَنْهُ أيْضًا ﴿عِوَجًا﴾ وادِيًا ﴿ولا أمْتًا﴾ رابِيَةً. وعَنْهُ أيْضًا: الأمْتُ الِارْتِفاعُ. وقالَ قَتادَةُ ﴿عِوَجًا﴾ صَدْعًا ﴿ولا أمْتًا﴾ أكَمَةً. وقِيلَ: الأمْتُ الشُّقُوقُ في الأرْضِ. وقِيلَ: غِلَظُ مَكانٍ في الفَضاءِ والجَبَلِ وبَرْقٌ في مَكانٍ حَكاهُ الصُّولِيُّ. وقِيلَ: كانَ الأمْتُ في الآيَةِ العِوَجَ في السَّماءِ تُجاهَ الهَواءِ، والعِوَجُ في الأرْضِ مُخْتَصٌّ بِالأرْضِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتُ: قَدْ فَرَّقُوا بَيْنَ العِوَجِ والعَوَجِ فَقالُوا: العِوَجُ بِالكَسْرِ في المَعانِي، والعَوَجُ بِالفَتْحِ في الأعْيانِ والأرْضِ، فَكَيْفَ صَحَّ فِيها المَكْسُورُ العَيْنِ ؟ قُلْتُ: اخْتِيارُ هَذا اللَّفْظِ لَهُ مَوْقِعٌ حَسَنٌ بَدِيعٌ في وصْفِ الأرْضِ بِالِاسْتِواءِ والمَلاسَةِ ونَفْيُ الِاعْوِجاجِ عَنْها عَلى أبْلَغِ ما يَكُونُ، وذَلِكَ أنَّكَ لَوْ عَمَدْتَ إلى قِطْعَةِ أرْضٍ فَسَوَّيْتَها وبالَغْتَ في التَّسْوِيَةِ عَلى عَيْنِكَ وعُيُونِ البُصَراءِ مِنَ الفِلاحَةِ، واتَّفَقْتُمْ عَلى أنْ لَمْ يَبْقَ فِيها اعْوِجاجٌ قَطُّ ثُمَّ اسْتَطْلَعْتَ رَأْيَ المُهَنْدِسِ فِيها وأمَرْتَهُ أنْ يَعْرِضَ اسْتِواءَها عَلى المَقايِيسِ الهَنْدَسِيَّةِ لَعَثَرَ فِيها عَلى عِوَجٍ في غَيْرِ مَوْضِعٍ لا يُدْرَكُ بِذَلِكَ بِحاسَّةِ البَصَرِ، ولَكِنْ بِالقِياسِ الهَنْدَسِيِّ فَنَفى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ذَلِكَ العِوَجَ الَّذِي دَقَّ (p-٢٨٠)ولَطَفَ عَنِ الإدْراكِ اللَّهُمَّ إلّا بِالقِياسِ الَّذِي يَعْرِفُهُ صاحِبُ التَّقْدِيرِ والهَنْدَسَةِ، وذَلِكَ الِاعْوِجاجُ لَمّا لَمْ يُدْرَكُ إلّا بِالقِياسِ دُونَ الإحْساسِ لَحِقَ بِالمَعانِي فَقِيلَ فِيهِ عِوَجٌ بِالكَسْرَةِ. الأمْتُ النُّتُوُّ اليَسِيرُ، يُقالُ: مَدَّ حَبْلَهُ حَتّى ما فِيهِ أمْتٌ. انْتَهى. * * (يَوْمَئِذٍ) أيْ يَوْمَ إذْ يَنْسِفُ اللَّهُ الجِبالَ (يَتَّبِعُونَ) أيِ الخَلائِقُ (الدّاعِيَ) داعِيَ اللَّهِ إلى المَحْشَرِ نَحْوَ قَوْلِهِ ﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِي﴾ [القمر: ٨] وهو إسْرافِيلُ يَقُومُ عَلى صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ يَدْعُو النّاسَ فَيُقْبِلُونَ مِن كُلِّ جِهَةٍ يَضَعُ الصُّوَرَ في فِيهِ، ويَقُولُ: أيَّتُها العِظامُ البالِيَةُ والجُلُودُ المُتَمَزِّقَةُ واللُّحُومُ المُتَفَرِّقَةُ هَلُمَّ إلى العَرْضِ عَلى الرَّحْمَنِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: يُجْمَعُونَ في ظُلْمَةٍ قَدْ طُوِيَتِ السَّماءُ وانْتَثَرَتِ النُّجُومُ فَيُنادِي مُنادٍ فَيَمُوتُونَ مَوْتَةً. وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى ﴿الدّاعِيَ﴾ هُنا الرَّسُولُ ﷺ الَّذِي كانَ يَدْعُوهم إلى اللَّهِ فَيَعُوجُونَ عَلى الصِّراطِ يَمِينًا وشِمالًا ويَمِيلُونَ عَنْهُ مَيْلًا عَظِيمًا، فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُهُمُ اتِّباعُهُ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (لَهُ) عائِدٌ عَلى ﴿الدّاعِيَ﴾ نَفى عَنْهُ العِوَجَ أيْ ﴿لا عِوَجَ﴾ لَهم عَنْهُ بَلْ يَأْتُونَ مُقْبِلِينَ إلَيْهِ مُتَّبِعِينَ لِصَوْتِهِ مِن غَيْرِ انْحِرافٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ لا يُعْوَجُّ لَهُ مَدْعُوٌّ بَلْ يَسْتَوُونَ إلَيْهِ. انْتَهى. * * وقِيلَ ﴿لا عِوَجَ لَهُ﴾ في مَوْضِعِ وصْفٍ لِمَنعُوتٍ مَحْذُوفٍ أيِ اتِّباعًا ﴿لا عِوَجَ لَهُ﴾ فَيَكُونُ الضَّمِيرُ في (لَهُ) عائِدًا عَلى ذَلِكَ المَصْدَرِ المَحْذُوفِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الإخْبارَ أيْ لا شَكَّ فِيهِ، ولا يُخالِفُ وُجُودَهُ خَبَرُهُ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ لا مَحِيدَ لِأحَدٍ عَنِ اتِّباعِهِ، والمَشْيِ نَحْوَ صَوْتِهِ والخُشُوعُ التَّطامُنُ والتَّواضُعُ وهو في الأصْواتِ اسْتِعارَةٌ بِمَعْنى الخَفاءِ. والِاسْتِسْرارُ لِلرَّحْمَنِ أيْ لِهَيْبَةِ الرَّحْمَنِ وهو مُطَّلِعٌ قُدْرَتُهُ. وقِيلَ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ وخَشَعَ أهْلُ الأصْواتِ والهَمْسُ الصَّوْتُ الخَفِيُّ الخافِتُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالهَمْسِ المَسْمُوعِ تَخافُتُهم بَيْنَهم وكَلامُهُمُ السِّرُّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ صَوْتَ الأقْدامِ وأنَّ أصْواتَ النُّطْقِ ساكِنَةٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿إلّا هَمْسًا﴾ وهو الرَّكْزُ الخَفِيُّ ومِنهُ الحُرُوفُ المَهْمُوسَةُ. وقِيلَ: هو مِن هَمْسِ الإبِلِ وهو صَوْتُ أخْفافِها إذا مَشَتْ، أيْ لا يُسْمَعُ إلّا خَفْقُ الأقْدامِ ونَقْلُها إلى المَحْشَرِ. انْتَهى. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ وابْنِ جُبَيْرٍ: الهَمْسُ وطْءُ الأقْدامِ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا تَحْرِيكُ الشِّفاهِ بِغَيْرِ نُطْقٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ: الكَلامُ الخَفِيُّ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ (فَلا يَنْطِقُونَ إلّا هَمْسًا) وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ الصَّوْتُ الخَفِيُّ يَوْمَئِذٍ بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ﴾ أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ يَوْمَ إذْ (يَتَّبِعُونَ) ويَكُونُ مَنصُوبًا بِلا تَنْفَعُ و(مَن) مَفْعُولٌ بِقَوْلِهِ ﴿لا تَنْفَعُ﴾ و(لَهُ) مَعْناهُ لِأجْلِهِ وكَذا في ورَضِيَ لَهُ أيْ لِأجْلِهِ، ويَكُونُ مَن لِلْمَشْفُوعِ لَهُ أوْ بَدَلٌ مِنَ الشَّفاعَةِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ إلّا شَفاعَةَ مَن أذِنَ لَهُ أوْ مَنصُوبٌ عَلى الِاسْتِثْناءِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، أوِ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ فَنُصِبَ عَلى لُغَةِ الحِجازِ، ورُفِعَ عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ، ويَكُونُ (مَن) في هَذِهِ الأوْجُهِ لِلشّافِعِ والقَوْلُ المَرْضِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى الخَلْقِ المَحْشُورِينَ وهم مُتَّبِعُو الدّاعِي. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المَلائِكَةِ. وقِيلَ: عَلى النّاسِ لا بِقَيْدِ الحَشْرِ والِاتِّباعِ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في آيَةِ الكُرْسِيِّ في البَقَرَةِ، والضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدٌ عَلى (ما) أيْ ﴿ولا يُحِيطُونَ﴾ بِمَعْلُوماتِهِ (عِلْمًا) والظّاهِرُ عُمُومُ (الوُجُوهِ) أيْ وُجُوهِ الخَلائِقِ، وخَصَّ (الوُجُوهَ) لِأنَّ آثارَ الذُّلِّ إنَّما تَظْهَرُ في أوَّلِ (الوُجُوهِ) . وقالَ طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ: المُرادُ سُجُودُ النّاسِ عَلى الوُجُوهِ والآرابِ السَّبْعَةِ، فَإنْ كانَ رَوى أنَّ هَذا يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ فَتَكُونُ الآيَةُ إخْبارًا عَنْهُ، واسْتَقامَ المَعْنى وإنْ كانَ أرادَ في الدُّنْيا فَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُلائِمٍ لِلْآياتِ الَّتِي قَبْلَها وبَعْدَها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُرادُ بِالوُجُودِ وُجُوهُ العُصاةِ وأنَّهم إذا عايَنُوا يَوْمَ القِيامَةِ الخَيْبَةَ والشِّقْوَةَ وسُوءَ الحِسابِ صارَتْ وُجُوهُهم عانِيَةً أيْ ذَلِيلَةً خاضِعَةً مِثْلَ وُجُوهِ العُناةِ وهُمُ الأسارى ونَحْوُهُ (p-٢٨١)﴿فَلَمّا رَأوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الملك: ٢٧] ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤] و(القَيُّومُ) تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في البَقَرَةِ.

طه 20:107

وأسْنَدَ مَكِّيٌّ خِلافَ هَذا أنَّ مُوسى كانَ مَعَ السَبْعِينَ في المُناجاةِ وحِينَئِذٍ وقَعَ أمْرُ العِجْلِ، وأنَّ (p-٢٧٧)اللَّهَ أعْلَمَ مُوسى بِذَلِكَ فَكَتَمَهُ عَنْهم وجاءَ بِهِمْ حَتّى سَمِعُوا لَغَطَ بَنِي إسْرائِيلَ حَوْلَ العِجْلِ، فَحِينَئِذٍ عَلِمَهم مُوسى. انْتَهى. ولَمّا فَرَغَ مِن إبْطالِ ما عَمِلَهُ السّامِرِيُّ عادَ إلى بَيانِ الدِّينِ الحَقِّ فَقالَ ﴿إنَّما إلَهُكُمُ اللَّهُ﴾ [طه: ٩٨] وقَرَأ الجُمْهُورُ (وسِعَ) فانْتَصَبَ عِلْمًا عَلى التَّمْيِيزِ المَنقُولِ مِنَ الفاعِلِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في الأنْعامِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وسَّعَ بِفَتْحِ السِّينِ مُشَدَّدَةً. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وجْهُهُ أنَّ (وسِعَ) مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ وهو كُلُّ شَيْءٍ. وأمّا (عِلْمًا) فانْتِصابُهُ عَلى التَّمْيِيزِ وهو في المَعْنى فاعِلٌ، فَلَمّا ثُقِّلَ نُقِلَ إلى التَّعْدِيَةِ إلى مَفْعُولَيْنِ فَنَصَبَهُما مَعًا عَلى المَفْعُولِيَّةِ، لِأنَّ المُمَيَّزَ فاعِلٌ في المَعْنى كَما تَقُولُ: خافَ زَيْدٌ عَمْرًا خَوَّفْتُ زَيْدًا عَمْرًا، فَتَرِدُ بِالنَّقْلِ ما كانَ فاعِلًا مَفْعُولًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ (وسِعَ) بِمَعْنى خَلْقِ الأشْياءِ وكَثْرِها بِالِاخْتِراعِ فَوَسِعَها مَوْجُوداتٍ. انْتَهى. ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وقَدْ آتَيْناكَ مِن لَدُنّا ذِكْرًا﴾ ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيهِ وساءَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ حِمْلًا﴾ ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهم إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا﴾ ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إذْ يَقُولُ أمْثَلُهم طَرِيقَةً إنْ لَبِثْتُمْ إلّا يَوْمًا﴾ ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ ﴿فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا﴾ ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ورَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ ﴿وعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه: ١١١] ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْمًا ولا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢] ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ أوْ يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا﴾ [طه: ١١٣] ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] . (p-٢٧٨)ذَلِكَ إشارَةٌ إلى نَبَأِ مُوسى وبَنِي إسْرائِيلَ وفِرْعَوْنَ أيْ كَقَصِّنا هَذا النَّبَأ الغَرِيبَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الأُمَمِ السّابِقَةِ، وهَذا فِيهِ ذِكْرُ نِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ وهي الإعْلامُ بِأخْبارِ الأُمَمِ السّالِفَةِ لِيَتَسَلّى بِذَلِكَ ويَعْلَمَ أنَّ ما صَدَرَ مِنَ الأُمَمِ لِرُسُلِهِمْ وما قاسَتِ الرُّسُلُ مِنهم، والظّاهِرُ أنَّ الذِّكْرَ هُنا القُرْآنُ امْتَنَّ تَعالى عَلَيْهِ بِإيتائِهِ الذِّكْرَ المُشْتَمِلَ عَلى القِصَصِ والأخْبارِ الدّالِّ ذَلِكَ عَلى مُعْجِزاتٍ أُوتِيَها. وقالَ مُقاتِلٌ: ﴿ذِكْرًا﴾ بَيانًا. وقالَ أبُو سَهْلٍ: شَرَفًا وذِكْرًا في النّاسِ. ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ﴾ أيْ عَنِ القُرْآنِ بِكَوْنِهِ لَمْ يُؤْمِن بِهِ ولَمْ يَتَّبِعْ ما فِيهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (يَحْمِلُ) مُضارِعُ حَمَلَ مُخَفَّفًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ مِنهم داوُدُ بْنُ رُفَيْعٍ: يُحَمَّلُ مُشَدَّدُ المِيمِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ لِأنَّهُ يُكَلَّفُ ذَلِكَ لا أنَّهُ يَحْمِلُهُ طَوْعًا و(وِزْرًا) مَفْعُولٌ ثانٍ و(وِزْرًا) ثِقَلًا باهِظًا يُؤَدِّهِ حَمْلُهُ وهو ثِقَلُ العَذابِ. وقالَ مُجاهِد: إثْمًا. وقالَ الثَّوْرِيُّ: شِرْكًا والظّاهِرُ أنَّهُ عَبَّرَ عَنِ العُقُوبَةِ بِالوِزْرِ لِأنَّهُ سَبَبُها ولِذَلِكَ قالَ ﴿خالِدِينَ فِيهِ﴾ أيْ في العَذابِ والعُقُوبَةِ وجَمَعَ خالِدِينَ، والضَّمِيرَ في (لَهم) حَمْلًا عَلى مَعْنى مِن بَعْدِ الحَمْلِ عَلى لَفْظِها في أعْرَضَ وفي فَإنَّهُ يَحْمِلُ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ وِزْرَهم و(لَهم) لِلْبَيانِ كَهي في ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣] لا مُتَعَلِّقَةٌ بِساءٍ (وساءَ) هُنا هي الَّتِي جَرَتْ مَجْرى بِئْسَ لا ساءَ الَّتِي بِمَعْنى أحْزَنَ وأهَمَّ لِفَسادِ المَعْنى. ويَوْمُ نَنْفُخُ بَدَلٌ مِن يَوْمِ القِيامَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُنْفَخُ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ (ونَحْشُرُ) بِالنُّونِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ بِنُونِ العَظَمَةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ مُحَيْصِنٍ وحُمَيدٌ: نَنْفُخُ بِنُونِ العَظَمَةِ كَنَحْشُرُ أسْنَدَ النَّفْخَ إلى الآمِرِ بِهِ، والنّافِخُ هو إسْرافِيلُ ولِكَرامَتِهِ أسْنَدَ ما يَتَوَلّاهُ إلى ذاتِهِ المُقَدَّسَةِ و(الصُّورِ) تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ في الأنْعامِ. وقُرِئَ يَنْفُخُ ويَحْشُرُ بِالياءِ فِيهِما مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ عِياضٍ في جَماعَةٍ ﴿فِي الصُّورِ﴾ عَلى وزْنِ دُرَرٍ، والحَسَنُ: يُحْشَرُ، بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ويَحْشُرُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وبِالياءِ أيْ ويَحْشُرُ اللَّهُ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالزُّرْقِ زُرْقَةُ العُيُونِ، والزُّرْقَةُ أبْغَضُ ألْوانِ العُيُونِ إلى العَرَبِ لِأنَّ الرُّومَ أعْداؤُهم وهم زُرْقُ العُيُونِ، ولِذَلِكَ قالُوا في صِفَةِ العَدُوِّ: أسْوَدُ الكَبِدِ، أصْهَبُ السِّبالِ، أزْرَقُ العَيْنِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎وما كُنْتُ أخْشى أنْ تَكُونَ وفاتُهُ بِكَفِّي سَبَنَتى أزْرَقِ العَيْنِ مُطْرِقِ وقَدْ ذَكَرَ في آيَةٍ أُخْرى أنَّهم يُحْشَرُونَ سُودَ الوُجُوهِ، فالمَعْنى تَشْوِيهُ الصُّورَةِ مِن سَوادِ الوَجْهِ وزُرْقَةِ العَيْنِ وأيْضًا فالعَرَبُ تَتَشاءَمُ بِالزُّرْقَةِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎لَقَدْ زَرَفَتْ عَيْناكَ يا ابْنَ مُكَعْبَرٍ ∗∗∗ ألا كَلُّ ضَبِّيٍّ مِنَ اللُّؤْمِ أزْرَقُ (p-٢٧٩)وقِيلَ: المَعْنى عُمْيًا لِأنَّ العَيْنَ إذا ذَهَبَ نُورُها ازْرَقَّ ناظِرُها، وبِهَذا التَّأْوِيلِ يَقَعُ الجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِهِ (زُرْقًا) في هَذِهِ الآيَةِ و(عُمْيًا) في الآيَةِ الأُخْرى. وقِيلَ: زَرُقَ ألْوانُ أبْدانِهِمْ، وذَلِكَ غايَةٌ في التَّشْوِيهِ إذْ يَجِيئَنَّ كَلَوْنِ الرَّمادِ وفي كَلامِ العَرَبِ يُسَمّى هَذا اللَّوْنُ أزْرَقَ، ولا تَزْرَقُّ الجُلُودُ إلّا مِن مُكابَدَةِ الشَّدائِدِ وجُفُوفِ رُطُوبَتِها. وقِيلَ: (زُرْقًا) عِطاشًا والعَطَشُ الشَّدِيدُ يَرُدُّ سَوادَ العَيْنِ إلى البَياضِ، ومِنهُ قَوْلُهم سِنانٌ أزْرَقُ وقَوْلُهُ: ؎فَلَمّا ورَدْنَ المَـاءَ زُرْقًـا جِمامُـهُ أيِ ابْيَضَّ، وذُكِرَتِ الآيَتانِ لِابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ: لِيَوْمِ القِيامَةِ حالاتٌ فَحالَةٌ يَكُونُونَ فِيها زُرْقًا وحالَةٌ يَكُونُونَ عُمْيًا. ﴿يَتَخافَتُونَ﴾ يَتَسارُّونَ لِهَوْلِ المَطْلَعِ وشِدَّةِ ذَهابِ أذْهانِهِمْ قَدْ عَزَبَ عَنْهم قَدْرَ المُدَّةَ الَّتِي لَبِثُوا فِيها ﴿إنْ لَبِثْتُمْ﴾ أيْ في دارِ الدُّنْيا أوْ في البَرْزَخِ أوْ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ في الصُّورِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: ووَصْفُ ما لَبِثُوا فِيهِ بِالقَصْرِ لِأنَّها لِما يُعايِنُونَ مِنَ الشَّدائِدِ كانَتْ لَهم في الدُّنْيا أيّامُ سُرُورٍ، وأيّامُ السُّرُورِ قِصارٌ أوْ لِذِهابِها عَنْهم وتَقَضِّيها، والذّاهِبُ وإنْ طالَتْ مُدَّتُهُ قَصِيرٌ بِالِانْتِهاءِ، أوْ لاسْتِطالَتِهِمُ الآخِرَةَ وأنَّها أبَدٌ سَرْمَدٌ يُسْتَقْصَرُ إلَيْها عُمْرُ الدُّنْيا، ويُقالُ لَبِثَ أهْلُها فِيها بِالقِياسِ إلى لُبْثِهِمْ في الآخِرَةِ و(إذْ) مَعْمُولَةٌ لِأعْلَمَ. و﴿أمْثَلُهُمْ﴾ أعْدَلُهم. و﴿طَرِيقَةً﴾ مَنصُوبَةً عَلى التَّمْيِيزِ. ﴿إلّا يَوْمًا﴾ إشارَةٌ لِقِصَرِ مُدَّةِ لُبْثِهِمْ. و﴿إلّا عَشْرًا﴾ يُحْتَمَلُ عَشْرُ لَيالٍ أوْ عَشَرَةُ أيّامٍ، لِأنَّ المُذَكَّرَ إذا حُذِفَ وأُبْقِيَ عَدَدُهُ قَدْ لا يَأْتِي بِالتّاءِ. حَكى الكِسائِيُّ عَنْ أبِي الجَرّاحِ: صُمْنا مِنَ الشَّهْرِ خَمْسًا، ومِنهُ ما جاءَ في الحَدِيثِ: «ثُمَّ أتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِن شَوّالٍ»، يُرِيدُ سِتَّةَ أيّامٍ وحَسَّنَ الحَذْفَ هُنا كَوْنُ ذَلِكَ فاصِلَةَ رَأْسِ آيَةٍ ذُكِرَ أوَّلًا مُنْتَهى أقَلِّ العَدَدِ وهو العَشْرُ، وذَكَرَ أعْدَلُهم طَرِيقَةً أقَلَّ العَدَدِ، وهو اليَوْمُ الواحِدُ ودَلَّ ظاهِرُ قَوْلِهِ ﴿إلّا يَوْمًا﴾ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِمْ ﴿عَشْرًا﴾ عَشَرَةُ أيّامٍ. * * وضَمِيرُ الغائِبِ في ﴿ويَسْألُونَكَ﴾ عائِدٌ عَلى قُرَيْشٍ مُنْكِرِي البَعْثِ أوْ عَلى المُؤْمِنِينَ سَألُوا عَنْ ذَلِكَ، أوْ عَلى رَجُلٍ مِن ثَقِيفٍ وجَماعَةٍ مِن قَوْمِهِ أقْوالٌ ثَلاثَةٌ. والكافُ خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، والظّاهِرُ وُجُودُ السُّؤالِ ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن قالَ إنَّهُ لَمْ يَكُنْ سُؤالٌ بَلِ المَعْنى أنْ يَسْألُوكَ ﴿عَنِ الجِبالِ فَقُلْ﴾ فَضُمِّنَ مَعْنى الشَّرْطِ، فَلِذَلِكَ أُجِيبَ بِالفاءِ ورُوِيَ أنَّ اللَّهَ يُرْسِلُ عَلى الجِبالِ رِيحًا فَيَدْكُكُها حَتّى تَكُونَ كالعِهْنِ المَنفُوشِ، ثُمَّ يَتَوالى عَلَيْها حَتّى يُعِيدَها كالهَباءِ المُنْبَثِّ فَذَلِكَ هو النَّسْفُ، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في ﴿فَيَذَرُها﴾ عَلى الجِبالِ أيْ بَعْدَ النَّسْفِ تَبْقى ﴿قاعًا﴾ أيْ مُسْتَوِيًا مِنَ الأرْضِ مُعْتَدِلًا. وقِيلَ فَيَذْرُ مَقارَّها ومَراكِزَها. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الأرْضِ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ لِدَلالَةِ الجِبالِ عَلَيْها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ (عِوَجًا) مَيْلًا ﴿ولا أمْتًا﴾ أثَرًا مِثْلَ الشِّراكِ. وعَنْهُ أيْضًا ﴿عِوَجًا﴾ وادِيًا ﴿ولا أمْتًا﴾ رابِيَةً. وعَنْهُ أيْضًا: الأمْتُ الِارْتِفاعُ. وقالَ قَتادَةُ ﴿عِوَجًا﴾ صَدْعًا ﴿ولا أمْتًا﴾ أكَمَةً. وقِيلَ: الأمْتُ الشُّقُوقُ في الأرْضِ. وقِيلَ: غِلَظُ مَكانٍ في الفَضاءِ والجَبَلِ وبَرْقٌ في مَكانٍ حَكاهُ الصُّولِيُّ. وقِيلَ: كانَ الأمْتُ في الآيَةِ العِوَجَ في السَّماءِ تُجاهَ الهَواءِ، والعِوَجُ في الأرْضِ مُخْتَصٌّ بِالأرْضِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتُ: قَدْ فَرَّقُوا بَيْنَ العِوَجِ والعَوَجِ فَقالُوا: العِوَجُ بِالكَسْرِ في المَعانِي، والعَوَجُ بِالفَتْحِ في الأعْيانِ والأرْضِ، فَكَيْفَ صَحَّ فِيها المَكْسُورُ العَيْنِ ؟ قُلْتُ: اخْتِيارُ هَذا اللَّفْظِ لَهُ مَوْقِعٌ حَسَنٌ بَدِيعٌ في وصْفِ الأرْضِ بِالِاسْتِواءِ والمَلاسَةِ ونَفْيُ الِاعْوِجاجِ عَنْها عَلى أبْلَغِ ما يَكُونُ، وذَلِكَ أنَّكَ لَوْ عَمَدْتَ إلى قِطْعَةِ أرْضٍ فَسَوَّيْتَها وبالَغْتَ في التَّسْوِيَةِ عَلى عَيْنِكَ وعُيُونِ البُصَراءِ مِنَ الفِلاحَةِ، واتَّفَقْتُمْ عَلى أنْ لَمْ يَبْقَ فِيها اعْوِجاجٌ قَطُّ ثُمَّ اسْتَطْلَعْتَ رَأْيَ المُهَنْدِسِ فِيها وأمَرْتَهُ أنْ يَعْرِضَ اسْتِواءَها عَلى المَقايِيسِ الهَنْدَسِيَّةِ لَعَثَرَ فِيها عَلى عِوَجٍ في غَيْرِ مَوْضِعٍ لا يُدْرَكُ بِذَلِكَ بِحاسَّةِ البَصَرِ، ولَكِنْ بِالقِياسِ الهَنْدَسِيِّ فَنَفى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ذَلِكَ العِوَجَ الَّذِي دَقَّ (p-٢٨٠)ولَطَفَ عَنِ الإدْراكِ اللَّهُمَّ إلّا بِالقِياسِ الَّذِي يَعْرِفُهُ صاحِبُ التَّقْدِيرِ والهَنْدَسَةِ، وذَلِكَ الِاعْوِجاجُ لَمّا لَمْ يُدْرَكُ إلّا بِالقِياسِ دُونَ الإحْساسِ لَحِقَ بِالمَعانِي فَقِيلَ فِيهِ عِوَجٌ بِالكَسْرَةِ. الأمْتُ النُّتُوُّ اليَسِيرُ، يُقالُ: مَدَّ حَبْلَهُ حَتّى ما فِيهِ أمْتٌ. انْتَهى. * * (يَوْمَئِذٍ) أيْ يَوْمَ إذْ يَنْسِفُ اللَّهُ الجِبالَ (يَتَّبِعُونَ) أيِ الخَلائِقُ (الدّاعِيَ) داعِيَ اللَّهِ إلى المَحْشَرِ نَحْوَ قَوْلِهِ ﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِي﴾ [القمر: ٨] وهو إسْرافِيلُ يَقُومُ عَلى صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ يَدْعُو النّاسَ فَيُقْبِلُونَ مِن كُلِّ جِهَةٍ يَضَعُ الصُّوَرَ في فِيهِ، ويَقُولُ: أيَّتُها العِظامُ البالِيَةُ والجُلُودُ المُتَمَزِّقَةُ واللُّحُومُ المُتَفَرِّقَةُ هَلُمَّ إلى العَرْضِ عَلى الرَّحْمَنِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: يُجْمَعُونَ في ظُلْمَةٍ قَدْ طُوِيَتِ السَّماءُ وانْتَثَرَتِ النُّجُومُ فَيُنادِي مُنادٍ فَيَمُوتُونَ مَوْتَةً. وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى ﴿الدّاعِيَ﴾ هُنا الرَّسُولُ ﷺ الَّذِي كانَ يَدْعُوهم إلى اللَّهِ فَيَعُوجُونَ عَلى الصِّراطِ يَمِينًا وشِمالًا ويَمِيلُونَ عَنْهُ مَيْلًا عَظِيمًا، فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُهُمُ اتِّباعُهُ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (لَهُ) عائِدٌ عَلى ﴿الدّاعِيَ﴾ نَفى عَنْهُ العِوَجَ أيْ ﴿لا عِوَجَ﴾ لَهم عَنْهُ بَلْ يَأْتُونَ مُقْبِلِينَ إلَيْهِ مُتَّبِعِينَ لِصَوْتِهِ مِن غَيْرِ انْحِرافٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ لا يُعْوَجُّ لَهُ مَدْعُوٌّ بَلْ يَسْتَوُونَ إلَيْهِ. انْتَهى. * * وقِيلَ ﴿لا عِوَجَ لَهُ﴾ في مَوْضِعِ وصْفٍ لِمَنعُوتٍ مَحْذُوفٍ أيِ اتِّباعًا ﴿لا عِوَجَ لَهُ﴾ فَيَكُونُ الضَّمِيرُ في (لَهُ) عائِدًا عَلى ذَلِكَ المَصْدَرِ المَحْذُوفِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الإخْبارَ أيْ لا شَكَّ فِيهِ، ولا يُخالِفُ وُجُودَهُ خَبَرُهُ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ لا مَحِيدَ لِأحَدٍ عَنِ اتِّباعِهِ، والمَشْيِ نَحْوَ صَوْتِهِ والخُشُوعُ التَّطامُنُ والتَّواضُعُ وهو في الأصْواتِ اسْتِعارَةٌ بِمَعْنى الخَفاءِ. والِاسْتِسْرارُ لِلرَّحْمَنِ أيْ لِهَيْبَةِ الرَّحْمَنِ وهو مُطَّلِعٌ قُدْرَتُهُ. وقِيلَ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ وخَشَعَ أهْلُ الأصْواتِ والهَمْسُ الصَّوْتُ الخَفِيُّ الخافِتُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالهَمْسِ المَسْمُوعِ تَخافُتُهم بَيْنَهم وكَلامُهُمُ السِّرُّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ صَوْتَ الأقْدامِ وأنَّ أصْواتَ النُّطْقِ ساكِنَةٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿إلّا هَمْسًا﴾ وهو الرَّكْزُ الخَفِيُّ ومِنهُ الحُرُوفُ المَهْمُوسَةُ. وقِيلَ: هو مِن هَمْسِ الإبِلِ وهو صَوْتُ أخْفافِها إذا مَشَتْ، أيْ لا يُسْمَعُ إلّا خَفْقُ الأقْدامِ ونَقْلُها إلى المَحْشَرِ. انْتَهى. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ وابْنِ جُبَيْرٍ: الهَمْسُ وطْءُ الأقْدامِ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا تَحْرِيكُ الشِّفاهِ بِغَيْرِ نُطْقٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ: الكَلامُ الخَفِيُّ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ (فَلا يَنْطِقُونَ إلّا هَمْسًا) وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ الصَّوْتُ الخَفِيُّ يَوْمَئِذٍ بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ﴾ أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ يَوْمَ إذْ (يَتَّبِعُونَ) ويَكُونُ مَنصُوبًا بِلا تَنْفَعُ و(مَن) مَفْعُولٌ بِقَوْلِهِ ﴿لا تَنْفَعُ﴾ و(لَهُ) مَعْناهُ لِأجْلِهِ وكَذا في ورَضِيَ لَهُ أيْ لِأجْلِهِ، ويَكُونُ مَن لِلْمَشْفُوعِ لَهُ أوْ بَدَلٌ مِنَ الشَّفاعَةِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ إلّا شَفاعَةَ مَن أذِنَ لَهُ أوْ مَنصُوبٌ عَلى الِاسْتِثْناءِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، أوِ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ فَنُصِبَ عَلى لُغَةِ الحِجازِ، ورُفِعَ عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ، ويَكُونُ (مَن) في هَذِهِ الأوْجُهِ لِلشّافِعِ والقَوْلُ المَرْضِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى الخَلْقِ المَحْشُورِينَ وهم مُتَّبِعُو الدّاعِي. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المَلائِكَةِ. وقِيلَ: عَلى النّاسِ لا بِقَيْدِ الحَشْرِ والِاتِّباعِ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في آيَةِ الكُرْسِيِّ في البَقَرَةِ، والضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدٌ عَلى (ما) أيْ ﴿ولا يُحِيطُونَ﴾ بِمَعْلُوماتِهِ (عِلْمًا) والظّاهِرُ عُمُومُ (الوُجُوهِ) أيْ وُجُوهِ الخَلائِقِ، وخَصَّ (الوُجُوهَ) لِأنَّ آثارَ الذُّلِّ إنَّما تَظْهَرُ في أوَّلِ (الوُجُوهِ) . وقالَ طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ: المُرادُ سُجُودُ النّاسِ عَلى الوُجُوهِ والآرابِ السَّبْعَةِ، فَإنْ كانَ رَوى أنَّ هَذا يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ فَتَكُونُ الآيَةُ إخْبارًا عَنْهُ، واسْتَقامَ المَعْنى وإنْ كانَ أرادَ في الدُّنْيا فَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُلائِمٍ لِلْآياتِ الَّتِي قَبْلَها وبَعْدَها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُرادُ بِالوُجُودِ وُجُوهُ العُصاةِ وأنَّهم إذا عايَنُوا يَوْمَ القِيامَةِ الخَيْبَةَ والشِّقْوَةَ وسُوءَ الحِسابِ صارَتْ وُجُوهُهم عانِيَةً أيْ ذَلِيلَةً خاضِعَةً مِثْلَ وُجُوهِ العُناةِ وهُمُ الأسارى ونَحْوُهُ (p-٢٨١)﴿فَلَمّا رَأوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الملك: ٢٧] ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤] و(القَيُّومُ) تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في البَقَرَةِ.

طه 20:108

وأسْنَدَ مَكِّيٌّ خِلافَ هَذا أنَّ مُوسى كانَ مَعَ السَبْعِينَ في المُناجاةِ وحِينَئِذٍ وقَعَ أمْرُ العِجْلِ، وأنَّ (p-٢٧٧)اللَّهَ أعْلَمَ مُوسى بِذَلِكَ فَكَتَمَهُ عَنْهم وجاءَ بِهِمْ حَتّى سَمِعُوا لَغَطَ بَنِي إسْرائِيلَ حَوْلَ العِجْلِ، فَحِينَئِذٍ عَلِمَهم مُوسى. انْتَهى. ولَمّا فَرَغَ مِن إبْطالِ ما عَمِلَهُ السّامِرِيُّ عادَ إلى بَيانِ الدِّينِ الحَقِّ فَقالَ ﴿إنَّما إلَهُكُمُ اللَّهُ﴾ [طه: ٩٨] وقَرَأ الجُمْهُورُ (وسِعَ) فانْتَصَبَ عِلْمًا عَلى التَّمْيِيزِ المَنقُولِ مِنَ الفاعِلِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في الأنْعامِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وسَّعَ بِفَتْحِ السِّينِ مُشَدَّدَةً. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وجْهُهُ أنَّ (وسِعَ) مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ وهو كُلُّ شَيْءٍ. وأمّا (عِلْمًا) فانْتِصابُهُ عَلى التَّمْيِيزِ وهو في المَعْنى فاعِلٌ، فَلَمّا ثُقِّلَ نُقِلَ إلى التَّعْدِيَةِ إلى مَفْعُولَيْنِ فَنَصَبَهُما مَعًا عَلى المَفْعُولِيَّةِ، لِأنَّ المُمَيَّزَ فاعِلٌ في المَعْنى كَما تَقُولُ: خافَ زَيْدٌ عَمْرًا خَوَّفْتُ زَيْدًا عَمْرًا، فَتَرِدُ بِالنَّقْلِ ما كانَ فاعِلًا مَفْعُولًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ (وسِعَ) بِمَعْنى خَلْقِ الأشْياءِ وكَثْرِها بِالِاخْتِراعِ فَوَسِعَها مَوْجُوداتٍ. انْتَهى. ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وقَدْ آتَيْناكَ مِن لَدُنّا ذِكْرًا﴾ ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيهِ وساءَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ حِمْلًا﴾ ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهم إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا﴾ ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إذْ يَقُولُ أمْثَلُهم طَرِيقَةً إنْ لَبِثْتُمْ إلّا يَوْمًا﴾ ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ ﴿فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا﴾ ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ورَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ ﴿وعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه: ١١١] ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْمًا ولا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢] ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ أوْ يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا﴾ [طه: ١١٣] ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] . (p-٢٧٨)ذَلِكَ إشارَةٌ إلى نَبَأِ مُوسى وبَنِي إسْرائِيلَ وفِرْعَوْنَ أيْ كَقَصِّنا هَذا النَّبَأ الغَرِيبَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الأُمَمِ السّابِقَةِ، وهَذا فِيهِ ذِكْرُ نِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ وهي الإعْلامُ بِأخْبارِ الأُمَمِ السّالِفَةِ لِيَتَسَلّى بِذَلِكَ ويَعْلَمَ أنَّ ما صَدَرَ مِنَ الأُمَمِ لِرُسُلِهِمْ وما قاسَتِ الرُّسُلُ مِنهم، والظّاهِرُ أنَّ الذِّكْرَ هُنا القُرْآنُ امْتَنَّ تَعالى عَلَيْهِ بِإيتائِهِ الذِّكْرَ المُشْتَمِلَ عَلى القِصَصِ والأخْبارِ الدّالِّ ذَلِكَ عَلى مُعْجِزاتٍ أُوتِيَها. وقالَ مُقاتِلٌ: ﴿ذِكْرًا﴾ بَيانًا. وقالَ أبُو سَهْلٍ: شَرَفًا وذِكْرًا في النّاسِ. ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ﴾ أيْ عَنِ القُرْآنِ بِكَوْنِهِ لَمْ يُؤْمِن بِهِ ولَمْ يَتَّبِعْ ما فِيهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (يَحْمِلُ) مُضارِعُ حَمَلَ مُخَفَّفًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ مِنهم داوُدُ بْنُ رُفَيْعٍ: يُحَمَّلُ مُشَدَّدُ المِيمِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ لِأنَّهُ يُكَلَّفُ ذَلِكَ لا أنَّهُ يَحْمِلُهُ طَوْعًا و(وِزْرًا) مَفْعُولٌ ثانٍ و(وِزْرًا) ثِقَلًا باهِظًا يُؤَدِّهِ حَمْلُهُ وهو ثِقَلُ العَذابِ. وقالَ مُجاهِد: إثْمًا. وقالَ الثَّوْرِيُّ: شِرْكًا والظّاهِرُ أنَّهُ عَبَّرَ عَنِ العُقُوبَةِ بِالوِزْرِ لِأنَّهُ سَبَبُها ولِذَلِكَ قالَ ﴿خالِدِينَ فِيهِ﴾ أيْ في العَذابِ والعُقُوبَةِ وجَمَعَ خالِدِينَ، والضَّمِيرَ في (لَهم) حَمْلًا عَلى مَعْنى مِن بَعْدِ الحَمْلِ عَلى لَفْظِها في أعْرَضَ وفي فَإنَّهُ يَحْمِلُ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ وِزْرَهم و(لَهم) لِلْبَيانِ كَهي في ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣] لا مُتَعَلِّقَةٌ بِساءٍ (وساءَ) هُنا هي الَّتِي جَرَتْ مَجْرى بِئْسَ لا ساءَ الَّتِي بِمَعْنى أحْزَنَ وأهَمَّ لِفَسادِ المَعْنى. ويَوْمُ نَنْفُخُ بَدَلٌ مِن يَوْمِ القِيامَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُنْفَخُ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ (ونَحْشُرُ) بِالنُّونِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ بِنُونِ العَظَمَةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ مُحَيْصِنٍ وحُمَيدٌ: نَنْفُخُ بِنُونِ العَظَمَةِ كَنَحْشُرُ أسْنَدَ النَّفْخَ إلى الآمِرِ بِهِ، والنّافِخُ هو إسْرافِيلُ ولِكَرامَتِهِ أسْنَدَ ما يَتَوَلّاهُ إلى ذاتِهِ المُقَدَّسَةِ و(الصُّورِ) تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ في الأنْعامِ. وقُرِئَ يَنْفُخُ ويَحْشُرُ بِالياءِ فِيهِما مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ عِياضٍ في جَماعَةٍ ﴿فِي الصُّورِ﴾ عَلى وزْنِ دُرَرٍ، والحَسَنُ: يُحْشَرُ، بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ويَحْشُرُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وبِالياءِ أيْ ويَحْشُرُ اللَّهُ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالزُّرْقِ زُرْقَةُ العُيُونِ، والزُّرْقَةُ أبْغَضُ ألْوانِ العُيُونِ إلى العَرَبِ لِأنَّ الرُّومَ أعْداؤُهم وهم زُرْقُ العُيُونِ، ولِذَلِكَ قالُوا في صِفَةِ العَدُوِّ: أسْوَدُ الكَبِدِ، أصْهَبُ السِّبالِ، أزْرَقُ العَيْنِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎وما كُنْتُ أخْشى أنْ تَكُونَ وفاتُهُ بِكَفِّي سَبَنَتى أزْرَقِ العَيْنِ مُطْرِقِ وقَدْ ذَكَرَ في آيَةٍ أُخْرى أنَّهم يُحْشَرُونَ سُودَ الوُجُوهِ، فالمَعْنى تَشْوِيهُ الصُّورَةِ مِن سَوادِ الوَجْهِ وزُرْقَةِ العَيْنِ وأيْضًا فالعَرَبُ تَتَشاءَمُ بِالزُّرْقَةِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎لَقَدْ زَرَفَتْ عَيْناكَ يا ابْنَ مُكَعْبَرٍ ∗∗∗ ألا كَلُّ ضَبِّيٍّ مِنَ اللُّؤْمِ أزْرَقُ (p-٢٧٩)وقِيلَ: المَعْنى عُمْيًا لِأنَّ العَيْنَ إذا ذَهَبَ نُورُها ازْرَقَّ ناظِرُها، وبِهَذا التَّأْوِيلِ يَقَعُ الجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِهِ (زُرْقًا) في هَذِهِ الآيَةِ و(عُمْيًا) في الآيَةِ الأُخْرى. وقِيلَ: زَرُقَ ألْوانُ أبْدانِهِمْ، وذَلِكَ غايَةٌ في التَّشْوِيهِ إذْ يَجِيئَنَّ كَلَوْنِ الرَّمادِ وفي كَلامِ العَرَبِ يُسَمّى هَذا اللَّوْنُ أزْرَقَ، ولا تَزْرَقُّ الجُلُودُ إلّا مِن مُكابَدَةِ الشَّدائِدِ وجُفُوفِ رُطُوبَتِها. وقِيلَ: (زُرْقًا) عِطاشًا والعَطَشُ الشَّدِيدُ يَرُدُّ سَوادَ العَيْنِ إلى البَياضِ، ومِنهُ قَوْلُهم سِنانٌ أزْرَقُ وقَوْلُهُ: ؎فَلَمّا ورَدْنَ المَـاءَ زُرْقًـا جِمامُـهُ أيِ ابْيَضَّ، وذُكِرَتِ الآيَتانِ لِابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ: لِيَوْمِ القِيامَةِ حالاتٌ فَحالَةٌ يَكُونُونَ فِيها زُرْقًا وحالَةٌ يَكُونُونَ عُمْيًا. ﴿يَتَخافَتُونَ﴾ يَتَسارُّونَ لِهَوْلِ المَطْلَعِ وشِدَّةِ ذَهابِ أذْهانِهِمْ قَدْ عَزَبَ عَنْهم قَدْرَ المُدَّةَ الَّتِي لَبِثُوا فِيها ﴿إنْ لَبِثْتُمْ﴾ أيْ في دارِ الدُّنْيا أوْ في البَرْزَخِ أوْ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ في الصُّورِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: ووَصْفُ ما لَبِثُوا فِيهِ بِالقَصْرِ لِأنَّها لِما يُعايِنُونَ مِنَ الشَّدائِدِ كانَتْ لَهم في الدُّنْيا أيّامُ سُرُورٍ، وأيّامُ السُّرُورِ قِصارٌ أوْ لِذِهابِها عَنْهم وتَقَضِّيها، والذّاهِبُ وإنْ طالَتْ مُدَّتُهُ قَصِيرٌ بِالِانْتِهاءِ، أوْ لاسْتِطالَتِهِمُ الآخِرَةَ وأنَّها أبَدٌ سَرْمَدٌ يُسْتَقْصَرُ إلَيْها عُمْرُ الدُّنْيا، ويُقالُ لَبِثَ أهْلُها فِيها بِالقِياسِ إلى لُبْثِهِمْ في الآخِرَةِ و(إذْ) مَعْمُولَةٌ لِأعْلَمَ. و﴿أمْثَلُهُمْ﴾ أعْدَلُهم. و﴿طَرِيقَةً﴾ مَنصُوبَةً عَلى التَّمْيِيزِ. ﴿إلّا يَوْمًا﴾ إشارَةٌ لِقِصَرِ مُدَّةِ لُبْثِهِمْ. و﴿إلّا عَشْرًا﴾ يُحْتَمَلُ عَشْرُ لَيالٍ أوْ عَشَرَةُ أيّامٍ، لِأنَّ المُذَكَّرَ إذا حُذِفَ وأُبْقِيَ عَدَدُهُ قَدْ لا يَأْتِي بِالتّاءِ. حَكى الكِسائِيُّ عَنْ أبِي الجَرّاحِ: صُمْنا مِنَ الشَّهْرِ خَمْسًا، ومِنهُ ما جاءَ في الحَدِيثِ: «ثُمَّ أتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِن شَوّالٍ»، يُرِيدُ سِتَّةَ أيّامٍ وحَسَّنَ الحَذْفَ هُنا كَوْنُ ذَلِكَ فاصِلَةَ رَأْسِ آيَةٍ ذُكِرَ أوَّلًا مُنْتَهى أقَلِّ العَدَدِ وهو العَشْرُ، وذَكَرَ أعْدَلُهم طَرِيقَةً أقَلَّ العَدَدِ، وهو اليَوْمُ الواحِدُ ودَلَّ ظاهِرُ قَوْلِهِ ﴿إلّا يَوْمًا﴾ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِمْ ﴿عَشْرًا﴾ عَشَرَةُ أيّامٍ. * * وضَمِيرُ الغائِبِ في ﴿ويَسْألُونَكَ﴾ عائِدٌ عَلى قُرَيْشٍ مُنْكِرِي البَعْثِ أوْ عَلى المُؤْمِنِينَ سَألُوا عَنْ ذَلِكَ، أوْ عَلى رَجُلٍ مِن ثَقِيفٍ وجَماعَةٍ مِن قَوْمِهِ أقْوالٌ ثَلاثَةٌ. والكافُ خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، والظّاهِرُ وُجُودُ السُّؤالِ ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن قالَ إنَّهُ لَمْ يَكُنْ سُؤالٌ بَلِ المَعْنى أنْ يَسْألُوكَ ﴿عَنِ الجِبالِ فَقُلْ﴾ فَضُمِّنَ مَعْنى الشَّرْطِ، فَلِذَلِكَ أُجِيبَ بِالفاءِ ورُوِيَ أنَّ اللَّهَ يُرْسِلُ عَلى الجِبالِ رِيحًا فَيَدْكُكُها حَتّى تَكُونَ كالعِهْنِ المَنفُوشِ، ثُمَّ يَتَوالى عَلَيْها حَتّى يُعِيدَها كالهَباءِ المُنْبَثِّ فَذَلِكَ هو النَّسْفُ، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في ﴿فَيَذَرُها﴾ عَلى الجِبالِ أيْ بَعْدَ النَّسْفِ تَبْقى ﴿قاعًا﴾ أيْ مُسْتَوِيًا مِنَ الأرْضِ مُعْتَدِلًا. وقِيلَ فَيَذْرُ مَقارَّها ومَراكِزَها. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الأرْضِ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ لِدَلالَةِ الجِبالِ عَلَيْها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ (عِوَجًا) مَيْلًا ﴿ولا أمْتًا﴾ أثَرًا مِثْلَ الشِّراكِ. وعَنْهُ أيْضًا ﴿عِوَجًا﴾ وادِيًا ﴿ولا أمْتًا﴾ رابِيَةً. وعَنْهُ أيْضًا: الأمْتُ الِارْتِفاعُ. وقالَ قَتادَةُ ﴿عِوَجًا﴾ صَدْعًا ﴿ولا أمْتًا﴾ أكَمَةً. وقِيلَ: الأمْتُ الشُّقُوقُ في الأرْضِ. وقِيلَ: غِلَظُ مَكانٍ في الفَضاءِ والجَبَلِ وبَرْقٌ في مَكانٍ حَكاهُ الصُّولِيُّ. وقِيلَ: كانَ الأمْتُ في الآيَةِ العِوَجَ في السَّماءِ تُجاهَ الهَواءِ، والعِوَجُ في الأرْضِ مُخْتَصٌّ بِالأرْضِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتُ: قَدْ فَرَّقُوا بَيْنَ العِوَجِ والعَوَجِ فَقالُوا: العِوَجُ بِالكَسْرِ في المَعانِي، والعَوَجُ بِالفَتْحِ في الأعْيانِ والأرْضِ، فَكَيْفَ صَحَّ فِيها المَكْسُورُ العَيْنِ ؟ قُلْتُ: اخْتِيارُ هَذا اللَّفْظِ لَهُ مَوْقِعٌ حَسَنٌ بَدِيعٌ في وصْفِ الأرْضِ بِالِاسْتِواءِ والمَلاسَةِ ونَفْيُ الِاعْوِجاجِ عَنْها عَلى أبْلَغِ ما يَكُونُ، وذَلِكَ أنَّكَ لَوْ عَمَدْتَ إلى قِطْعَةِ أرْضٍ فَسَوَّيْتَها وبالَغْتَ في التَّسْوِيَةِ عَلى عَيْنِكَ وعُيُونِ البُصَراءِ مِنَ الفِلاحَةِ، واتَّفَقْتُمْ عَلى أنْ لَمْ يَبْقَ فِيها اعْوِجاجٌ قَطُّ ثُمَّ اسْتَطْلَعْتَ رَأْيَ المُهَنْدِسِ فِيها وأمَرْتَهُ أنْ يَعْرِضَ اسْتِواءَها عَلى المَقايِيسِ الهَنْدَسِيَّةِ لَعَثَرَ فِيها عَلى عِوَجٍ في غَيْرِ مَوْضِعٍ لا يُدْرَكُ بِذَلِكَ بِحاسَّةِ البَصَرِ، ولَكِنْ بِالقِياسِ الهَنْدَسِيِّ فَنَفى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ذَلِكَ العِوَجَ الَّذِي دَقَّ (p-٢٨٠)ولَطَفَ عَنِ الإدْراكِ اللَّهُمَّ إلّا بِالقِياسِ الَّذِي يَعْرِفُهُ صاحِبُ التَّقْدِيرِ والهَنْدَسَةِ، وذَلِكَ الِاعْوِجاجُ لَمّا لَمْ يُدْرَكُ إلّا بِالقِياسِ دُونَ الإحْساسِ لَحِقَ بِالمَعانِي فَقِيلَ فِيهِ عِوَجٌ بِالكَسْرَةِ. الأمْتُ النُّتُوُّ اليَسِيرُ، يُقالُ: مَدَّ حَبْلَهُ حَتّى ما فِيهِ أمْتٌ. انْتَهى. * * (يَوْمَئِذٍ) أيْ يَوْمَ إذْ يَنْسِفُ اللَّهُ الجِبالَ (يَتَّبِعُونَ) أيِ الخَلائِقُ (الدّاعِيَ) داعِيَ اللَّهِ إلى المَحْشَرِ نَحْوَ قَوْلِهِ ﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِي﴾ [القمر: ٨] وهو إسْرافِيلُ يَقُومُ عَلى صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ يَدْعُو النّاسَ فَيُقْبِلُونَ مِن كُلِّ جِهَةٍ يَضَعُ الصُّوَرَ في فِيهِ، ويَقُولُ: أيَّتُها العِظامُ البالِيَةُ والجُلُودُ المُتَمَزِّقَةُ واللُّحُومُ المُتَفَرِّقَةُ هَلُمَّ إلى العَرْضِ عَلى الرَّحْمَنِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: يُجْمَعُونَ في ظُلْمَةٍ قَدْ طُوِيَتِ السَّماءُ وانْتَثَرَتِ النُّجُومُ فَيُنادِي مُنادٍ فَيَمُوتُونَ مَوْتَةً. وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى ﴿الدّاعِيَ﴾ هُنا الرَّسُولُ ﷺ الَّذِي كانَ يَدْعُوهم إلى اللَّهِ فَيَعُوجُونَ عَلى الصِّراطِ يَمِينًا وشِمالًا ويَمِيلُونَ عَنْهُ مَيْلًا عَظِيمًا، فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُهُمُ اتِّباعُهُ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (لَهُ) عائِدٌ عَلى ﴿الدّاعِيَ﴾ نَفى عَنْهُ العِوَجَ أيْ ﴿لا عِوَجَ﴾ لَهم عَنْهُ بَلْ يَأْتُونَ مُقْبِلِينَ إلَيْهِ مُتَّبِعِينَ لِصَوْتِهِ مِن غَيْرِ انْحِرافٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ لا يُعْوَجُّ لَهُ مَدْعُوٌّ بَلْ يَسْتَوُونَ إلَيْهِ. انْتَهى. * * وقِيلَ ﴿لا عِوَجَ لَهُ﴾ في مَوْضِعِ وصْفٍ لِمَنعُوتٍ مَحْذُوفٍ أيِ اتِّباعًا ﴿لا عِوَجَ لَهُ﴾ فَيَكُونُ الضَّمِيرُ في (لَهُ) عائِدًا عَلى ذَلِكَ المَصْدَرِ المَحْذُوفِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الإخْبارَ أيْ لا شَكَّ فِيهِ، ولا يُخالِفُ وُجُودَهُ خَبَرُهُ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ لا مَحِيدَ لِأحَدٍ عَنِ اتِّباعِهِ، والمَشْيِ نَحْوَ صَوْتِهِ والخُشُوعُ التَّطامُنُ والتَّواضُعُ وهو في الأصْواتِ اسْتِعارَةٌ بِمَعْنى الخَفاءِ. والِاسْتِسْرارُ لِلرَّحْمَنِ أيْ لِهَيْبَةِ الرَّحْمَنِ وهو مُطَّلِعٌ قُدْرَتُهُ. وقِيلَ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ وخَشَعَ أهْلُ الأصْواتِ والهَمْسُ الصَّوْتُ الخَفِيُّ الخافِتُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالهَمْسِ المَسْمُوعِ تَخافُتُهم بَيْنَهم وكَلامُهُمُ السِّرُّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ صَوْتَ الأقْدامِ وأنَّ أصْواتَ النُّطْقِ ساكِنَةٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿إلّا هَمْسًا﴾ وهو الرَّكْزُ الخَفِيُّ ومِنهُ الحُرُوفُ المَهْمُوسَةُ. وقِيلَ: هو مِن هَمْسِ الإبِلِ وهو صَوْتُ أخْفافِها إذا مَشَتْ، أيْ لا يُسْمَعُ إلّا خَفْقُ الأقْدامِ ونَقْلُها إلى المَحْشَرِ. انْتَهى. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ وابْنِ جُبَيْرٍ: الهَمْسُ وطْءُ الأقْدامِ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا تَحْرِيكُ الشِّفاهِ بِغَيْرِ نُطْقٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ: الكَلامُ الخَفِيُّ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ (فَلا يَنْطِقُونَ إلّا هَمْسًا) وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ الصَّوْتُ الخَفِيُّ يَوْمَئِذٍ بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ﴾ أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ يَوْمَ إذْ (يَتَّبِعُونَ) ويَكُونُ مَنصُوبًا بِلا تَنْفَعُ و(مَن) مَفْعُولٌ بِقَوْلِهِ ﴿لا تَنْفَعُ﴾ و(لَهُ) مَعْناهُ لِأجْلِهِ وكَذا في ورَضِيَ لَهُ أيْ لِأجْلِهِ، ويَكُونُ مَن لِلْمَشْفُوعِ لَهُ أوْ بَدَلٌ مِنَ الشَّفاعَةِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ إلّا شَفاعَةَ مَن أذِنَ لَهُ أوْ مَنصُوبٌ عَلى الِاسْتِثْناءِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، أوِ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ فَنُصِبَ عَلى لُغَةِ الحِجازِ، ورُفِعَ عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ، ويَكُونُ (مَن) في هَذِهِ الأوْجُهِ لِلشّافِعِ والقَوْلُ المَرْضِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى الخَلْقِ المَحْشُورِينَ وهم مُتَّبِعُو الدّاعِي. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المَلائِكَةِ. وقِيلَ: عَلى النّاسِ لا بِقَيْدِ الحَشْرِ والِاتِّباعِ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في آيَةِ الكُرْسِيِّ في البَقَرَةِ، والضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدٌ عَلى (ما) أيْ ﴿ولا يُحِيطُونَ﴾ بِمَعْلُوماتِهِ (عِلْمًا) والظّاهِرُ عُمُومُ (الوُجُوهِ) أيْ وُجُوهِ الخَلائِقِ، وخَصَّ (الوُجُوهَ) لِأنَّ آثارَ الذُّلِّ إنَّما تَظْهَرُ في أوَّلِ (الوُجُوهِ) . وقالَ طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ: المُرادُ سُجُودُ النّاسِ عَلى الوُجُوهِ والآرابِ السَّبْعَةِ، فَإنْ كانَ رَوى أنَّ هَذا يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ فَتَكُونُ الآيَةُ إخْبارًا عَنْهُ، واسْتَقامَ المَعْنى وإنْ كانَ أرادَ في الدُّنْيا فَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُلائِمٍ لِلْآياتِ الَّتِي قَبْلَها وبَعْدَها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُرادُ بِالوُجُودِ وُجُوهُ العُصاةِ وأنَّهم إذا عايَنُوا يَوْمَ القِيامَةِ الخَيْبَةَ والشِّقْوَةَ وسُوءَ الحِسابِ صارَتْ وُجُوهُهم عانِيَةً أيْ ذَلِيلَةً خاضِعَةً مِثْلَ وُجُوهِ العُناةِ وهُمُ الأسارى ونَحْوُهُ (p-٢٨١)﴿فَلَمّا رَأوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الملك: ٢٧] ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤] و(القَيُّومُ) تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في البَقَرَةِ.

طه 20:109

وأسْنَدَ مَكِّيٌّ خِلافَ هَذا أنَّ مُوسى كانَ مَعَ السَبْعِينَ في المُناجاةِ وحِينَئِذٍ وقَعَ أمْرُ العِجْلِ، وأنَّ (p-٢٧٧)اللَّهَ أعْلَمَ مُوسى بِذَلِكَ فَكَتَمَهُ عَنْهم وجاءَ بِهِمْ حَتّى سَمِعُوا لَغَطَ بَنِي إسْرائِيلَ حَوْلَ العِجْلِ، فَحِينَئِذٍ عَلِمَهم مُوسى. انْتَهى. ولَمّا فَرَغَ مِن إبْطالِ ما عَمِلَهُ السّامِرِيُّ عادَ إلى بَيانِ الدِّينِ الحَقِّ فَقالَ ﴿إنَّما إلَهُكُمُ اللَّهُ﴾ [طه: ٩٨] وقَرَأ الجُمْهُورُ (وسِعَ) فانْتَصَبَ عِلْمًا عَلى التَّمْيِيزِ المَنقُولِ مِنَ الفاعِلِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في الأنْعامِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وسَّعَ بِفَتْحِ السِّينِ مُشَدَّدَةً. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وجْهُهُ أنَّ (وسِعَ) مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ وهو كُلُّ شَيْءٍ. وأمّا (عِلْمًا) فانْتِصابُهُ عَلى التَّمْيِيزِ وهو في المَعْنى فاعِلٌ، فَلَمّا ثُقِّلَ نُقِلَ إلى التَّعْدِيَةِ إلى مَفْعُولَيْنِ فَنَصَبَهُما مَعًا عَلى المَفْعُولِيَّةِ، لِأنَّ المُمَيَّزَ فاعِلٌ في المَعْنى كَما تَقُولُ: خافَ زَيْدٌ عَمْرًا خَوَّفْتُ زَيْدًا عَمْرًا، فَتَرِدُ بِالنَّقْلِ ما كانَ فاعِلًا مَفْعُولًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ (وسِعَ) بِمَعْنى خَلْقِ الأشْياءِ وكَثْرِها بِالِاخْتِراعِ فَوَسِعَها مَوْجُوداتٍ. انْتَهى. ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وقَدْ آتَيْناكَ مِن لَدُنّا ذِكْرًا﴾ ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيهِ وساءَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ حِمْلًا﴾ ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهم إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا﴾ ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إذْ يَقُولُ أمْثَلُهم طَرِيقَةً إنْ لَبِثْتُمْ إلّا يَوْمًا﴾ ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ ﴿فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا﴾ ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ورَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ ﴿وعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه: ١١١] ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْمًا ولا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢] ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ أوْ يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا﴾ [طه: ١١٣] ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] . (p-٢٧٨)ذَلِكَ إشارَةٌ إلى نَبَأِ مُوسى وبَنِي إسْرائِيلَ وفِرْعَوْنَ أيْ كَقَصِّنا هَذا النَّبَأ الغَرِيبَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الأُمَمِ السّابِقَةِ، وهَذا فِيهِ ذِكْرُ نِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ وهي الإعْلامُ بِأخْبارِ الأُمَمِ السّالِفَةِ لِيَتَسَلّى بِذَلِكَ ويَعْلَمَ أنَّ ما صَدَرَ مِنَ الأُمَمِ لِرُسُلِهِمْ وما قاسَتِ الرُّسُلُ مِنهم، والظّاهِرُ أنَّ الذِّكْرَ هُنا القُرْآنُ امْتَنَّ تَعالى عَلَيْهِ بِإيتائِهِ الذِّكْرَ المُشْتَمِلَ عَلى القِصَصِ والأخْبارِ الدّالِّ ذَلِكَ عَلى مُعْجِزاتٍ أُوتِيَها. وقالَ مُقاتِلٌ: ﴿ذِكْرًا﴾ بَيانًا. وقالَ أبُو سَهْلٍ: شَرَفًا وذِكْرًا في النّاسِ. ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ﴾ أيْ عَنِ القُرْآنِ بِكَوْنِهِ لَمْ يُؤْمِن بِهِ ولَمْ يَتَّبِعْ ما فِيهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (يَحْمِلُ) مُضارِعُ حَمَلَ مُخَفَّفًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ مِنهم داوُدُ بْنُ رُفَيْعٍ: يُحَمَّلُ مُشَدَّدُ المِيمِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ لِأنَّهُ يُكَلَّفُ ذَلِكَ لا أنَّهُ يَحْمِلُهُ طَوْعًا و(وِزْرًا) مَفْعُولٌ ثانٍ و(وِزْرًا) ثِقَلًا باهِظًا يُؤَدِّهِ حَمْلُهُ وهو ثِقَلُ العَذابِ. وقالَ مُجاهِد: إثْمًا. وقالَ الثَّوْرِيُّ: شِرْكًا والظّاهِرُ أنَّهُ عَبَّرَ عَنِ العُقُوبَةِ بِالوِزْرِ لِأنَّهُ سَبَبُها ولِذَلِكَ قالَ ﴿خالِدِينَ فِيهِ﴾ أيْ في العَذابِ والعُقُوبَةِ وجَمَعَ خالِدِينَ، والضَّمِيرَ في (لَهم) حَمْلًا عَلى مَعْنى مِن بَعْدِ الحَمْلِ عَلى لَفْظِها في أعْرَضَ وفي فَإنَّهُ يَحْمِلُ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ وِزْرَهم و(لَهم) لِلْبَيانِ كَهي في ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣] لا مُتَعَلِّقَةٌ بِساءٍ (وساءَ) هُنا هي الَّتِي جَرَتْ مَجْرى بِئْسَ لا ساءَ الَّتِي بِمَعْنى أحْزَنَ وأهَمَّ لِفَسادِ المَعْنى. ويَوْمُ نَنْفُخُ بَدَلٌ مِن يَوْمِ القِيامَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُنْفَخُ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ (ونَحْشُرُ) بِالنُّونِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ بِنُونِ العَظَمَةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ مُحَيْصِنٍ وحُمَيدٌ: نَنْفُخُ بِنُونِ العَظَمَةِ كَنَحْشُرُ أسْنَدَ النَّفْخَ إلى الآمِرِ بِهِ، والنّافِخُ هو إسْرافِيلُ ولِكَرامَتِهِ أسْنَدَ ما يَتَوَلّاهُ إلى ذاتِهِ المُقَدَّسَةِ و(الصُّورِ) تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ في الأنْعامِ. وقُرِئَ يَنْفُخُ ويَحْشُرُ بِالياءِ فِيهِما مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ عِياضٍ في جَماعَةٍ ﴿فِي الصُّورِ﴾ عَلى وزْنِ دُرَرٍ، والحَسَنُ: يُحْشَرُ، بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ويَحْشُرُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وبِالياءِ أيْ ويَحْشُرُ اللَّهُ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالزُّرْقِ زُرْقَةُ العُيُونِ، والزُّرْقَةُ أبْغَضُ ألْوانِ العُيُونِ إلى العَرَبِ لِأنَّ الرُّومَ أعْداؤُهم وهم زُرْقُ العُيُونِ، ولِذَلِكَ قالُوا في صِفَةِ العَدُوِّ: أسْوَدُ الكَبِدِ، أصْهَبُ السِّبالِ، أزْرَقُ العَيْنِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎وما كُنْتُ أخْشى أنْ تَكُونَ وفاتُهُ بِكَفِّي سَبَنَتى أزْرَقِ العَيْنِ مُطْرِقِ وقَدْ ذَكَرَ في آيَةٍ أُخْرى أنَّهم يُحْشَرُونَ سُودَ الوُجُوهِ، فالمَعْنى تَشْوِيهُ الصُّورَةِ مِن سَوادِ الوَجْهِ وزُرْقَةِ العَيْنِ وأيْضًا فالعَرَبُ تَتَشاءَمُ بِالزُّرْقَةِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎لَقَدْ زَرَفَتْ عَيْناكَ يا ابْنَ مُكَعْبَرٍ ∗∗∗ ألا كَلُّ ضَبِّيٍّ مِنَ اللُّؤْمِ أزْرَقُ (p-٢٧٩)وقِيلَ: المَعْنى عُمْيًا لِأنَّ العَيْنَ إذا ذَهَبَ نُورُها ازْرَقَّ ناظِرُها، وبِهَذا التَّأْوِيلِ يَقَعُ الجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِهِ (زُرْقًا) في هَذِهِ الآيَةِ و(عُمْيًا) في الآيَةِ الأُخْرى. وقِيلَ: زَرُقَ ألْوانُ أبْدانِهِمْ، وذَلِكَ غايَةٌ في التَّشْوِيهِ إذْ يَجِيئَنَّ كَلَوْنِ الرَّمادِ وفي كَلامِ العَرَبِ يُسَمّى هَذا اللَّوْنُ أزْرَقَ، ولا تَزْرَقُّ الجُلُودُ إلّا مِن مُكابَدَةِ الشَّدائِدِ وجُفُوفِ رُطُوبَتِها. وقِيلَ: (زُرْقًا) عِطاشًا والعَطَشُ الشَّدِيدُ يَرُدُّ سَوادَ العَيْنِ إلى البَياضِ، ومِنهُ قَوْلُهم سِنانٌ أزْرَقُ وقَوْلُهُ: ؎فَلَمّا ورَدْنَ المَـاءَ زُرْقًـا جِمامُـهُ أيِ ابْيَضَّ، وذُكِرَتِ الآيَتانِ لِابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ: لِيَوْمِ القِيامَةِ حالاتٌ فَحالَةٌ يَكُونُونَ فِيها زُرْقًا وحالَةٌ يَكُونُونَ عُمْيًا. ﴿يَتَخافَتُونَ﴾ يَتَسارُّونَ لِهَوْلِ المَطْلَعِ وشِدَّةِ ذَهابِ أذْهانِهِمْ قَدْ عَزَبَ عَنْهم قَدْرَ المُدَّةَ الَّتِي لَبِثُوا فِيها ﴿إنْ لَبِثْتُمْ﴾ أيْ في دارِ الدُّنْيا أوْ في البَرْزَخِ أوْ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ في الصُّورِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: ووَصْفُ ما لَبِثُوا فِيهِ بِالقَصْرِ لِأنَّها لِما يُعايِنُونَ مِنَ الشَّدائِدِ كانَتْ لَهم في الدُّنْيا أيّامُ سُرُورٍ، وأيّامُ السُّرُورِ قِصارٌ أوْ لِذِهابِها عَنْهم وتَقَضِّيها، والذّاهِبُ وإنْ طالَتْ مُدَّتُهُ قَصِيرٌ بِالِانْتِهاءِ، أوْ لاسْتِطالَتِهِمُ الآخِرَةَ وأنَّها أبَدٌ سَرْمَدٌ يُسْتَقْصَرُ إلَيْها عُمْرُ الدُّنْيا، ويُقالُ لَبِثَ أهْلُها فِيها بِالقِياسِ إلى لُبْثِهِمْ في الآخِرَةِ و(إذْ) مَعْمُولَةٌ لِأعْلَمَ. و﴿أمْثَلُهُمْ﴾ أعْدَلُهم. و﴿طَرِيقَةً﴾ مَنصُوبَةً عَلى التَّمْيِيزِ. ﴿إلّا يَوْمًا﴾ إشارَةٌ لِقِصَرِ مُدَّةِ لُبْثِهِمْ. و﴿إلّا عَشْرًا﴾ يُحْتَمَلُ عَشْرُ لَيالٍ أوْ عَشَرَةُ أيّامٍ، لِأنَّ المُذَكَّرَ إذا حُذِفَ وأُبْقِيَ عَدَدُهُ قَدْ لا يَأْتِي بِالتّاءِ. حَكى الكِسائِيُّ عَنْ أبِي الجَرّاحِ: صُمْنا مِنَ الشَّهْرِ خَمْسًا، ومِنهُ ما جاءَ في الحَدِيثِ: «ثُمَّ أتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِن شَوّالٍ»، يُرِيدُ سِتَّةَ أيّامٍ وحَسَّنَ الحَذْفَ هُنا كَوْنُ ذَلِكَ فاصِلَةَ رَأْسِ آيَةٍ ذُكِرَ أوَّلًا مُنْتَهى أقَلِّ العَدَدِ وهو العَشْرُ، وذَكَرَ أعْدَلُهم طَرِيقَةً أقَلَّ العَدَدِ، وهو اليَوْمُ الواحِدُ ودَلَّ ظاهِرُ قَوْلِهِ ﴿إلّا يَوْمًا﴾ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِمْ ﴿عَشْرًا﴾ عَشَرَةُ أيّامٍ. * * وضَمِيرُ الغائِبِ في ﴿ويَسْألُونَكَ﴾ عائِدٌ عَلى قُرَيْشٍ مُنْكِرِي البَعْثِ أوْ عَلى المُؤْمِنِينَ سَألُوا عَنْ ذَلِكَ، أوْ عَلى رَجُلٍ مِن ثَقِيفٍ وجَماعَةٍ مِن قَوْمِهِ أقْوالٌ ثَلاثَةٌ. والكافُ خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، والظّاهِرُ وُجُودُ السُّؤالِ ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن قالَ إنَّهُ لَمْ يَكُنْ سُؤالٌ بَلِ المَعْنى أنْ يَسْألُوكَ ﴿عَنِ الجِبالِ فَقُلْ﴾ فَضُمِّنَ مَعْنى الشَّرْطِ، فَلِذَلِكَ أُجِيبَ بِالفاءِ ورُوِيَ أنَّ اللَّهَ يُرْسِلُ عَلى الجِبالِ رِيحًا فَيَدْكُكُها حَتّى تَكُونَ كالعِهْنِ المَنفُوشِ، ثُمَّ يَتَوالى عَلَيْها حَتّى يُعِيدَها كالهَباءِ المُنْبَثِّ فَذَلِكَ هو النَّسْفُ، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في ﴿فَيَذَرُها﴾ عَلى الجِبالِ أيْ بَعْدَ النَّسْفِ تَبْقى ﴿قاعًا﴾ أيْ مُسْتَوِيًا مِنَ الأرْضِ مُعْتَدِلًا. وقِيلَ فَيَذْرُ مَقارَّها ومَراكِزَها. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الأرْضِ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ لِدَلالَةِ الجِبالِ عَلَيْها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ (عِوَجًا) مَيْلًا ﴿ولا أمْتًا﴾ أثَرًا مِثْلَ الشِّراكِ. وعَنْهُ أيْضًا ﴿عِوَجًا﴾ وادِيًا ﴿ولا أمْتًا﴾ رابِيَةً. وعَنْهُ أيْضًا: الأمْتُ الِارْتِفاعُ. وقالَ قَتادَةُ ﴿عِوَجًا﴾ صَدْعًا ﴿ولا أمْتًا﴾ أكَمَةً. وقِيلَ: الأمْتُ الشُّقُوقُ في الأرْضِ. وقِيلَ: غِلَظُ مَكانٍ في الفَضاءِ والجَبَلِ وبَرْقٌ في مَكانٍ حَكاهُ الصُّولِيُّ. وقِيلَ: كانَ الأمْتُ في الآيَةِ العِوَجَ في السَّماءِ تُجاهَ الهَواءِ، والعِوَجُ في الأرْضِ مُخْتَصٌّ بِالأرْضِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتُ: قَدْ فَرَّقُوا بَيْنَ العِوَجِ والعَوَجِ فَقالُوا: العِوَجُ بِالكَسْرِ في المَعانِي، والعَوَجُ بِالفَتْحِ في الأعْيانِ والأرْضِ، فَكَيْفَ صَحَّ فِيها المَكْسُورُ العَيْنِ ؟ قُلْتُ: اخْتِيارُ هَذا اللَّفْظِ لَهُ مَوْقِعٌ حَسَنٌ بَدِيعٌ في وصْفِ الأرْضِ بِالِاسْتِواءِ والمَلاسَةِ ونَفْيُ الِاعْوِجاجِ عَنْها عَلى أبْلَغِ ما يَكُونُ، وذَلِكَ أنَّكَ لَوْ عَمَدْتَ إلى قِطْعَةِ أرْضٍ فَسَوَّيْتَها وبالَغْتَ في التَّسْوِيَةِ عَلى عَيْنِكَ وعُيُونِ البُصَراءِ مِنَ الفِلاحَةِ، واتَّفَقْتُمْ عَلى أنْ لَمْ يَبْقَ فِيها اعْوِجاجٌ قَطُّ ثُمَّ اسْتَطْلَعْتَ رَأْيَ المُهَنْدِسِ فِيها وأمَرْتَهُ أنْ يَعْرِضَ اسْتِواءَها عَلى المَقايِيسِ الهَنْدَسِيَّةِ لَعَثَرَ فِيها عَلى عِوَجٍ في غَيْرِ مَوْضِعٍ لا يُدْرَكُ بِذَلِكَ بِحاسَّةِ البَصَرِ، ولَكِنْ بِالقِياسِ الهَنْدَسِيِّ فَنَفى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ذَلِكَ العِوَجَ الَّذِي دَقَّ (p-٢٨٠)ولَطَفَ عَنِ الإدْراكِ اللَّهُمَّ إلّا بِالقِياسِ الَّذِي يَعْرِفُهُ صاحِبُ التَّقْدِيرِ والهَنْدَسَةِ، وذَلِكَ الِاعْوِجاجُ لَمّا لَمْ يُدْرَكُ إلّا بِالقِياسِ دُونَ الإحْساسِ لَحِقَ بِالمَعانِي فَقِيلَ فِيهِ عِوَجٌ بِالكَسْرَةِ. الأمْتُ النُّتُوُّ اليَسِيرُ، يُقالُ: مَدَّ حَبْلَهُ حَتّى ما فِيهِ أمْتٌ. انْتَهى. * * (يَوْمَئِذٍ) أيْ يَوْمَ إذْ يَنْسِفُ اللَّهُ الجِبالَ (يَتَّبِعُونَ) أيِ الخَلائِقُ (الدّاعِيَ) داعِيَ اللَّهِ إلى المَحْشَرِ نَحْوَ قَوْلِهِ ﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِي﴾ [القمر: ٨] وهو إسْرافِيلُ يَقُومُ عَلى صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ يَدْعُو النّاسَ فَيُقْبِلُونَ مِن كُلِّ جِهَةٍ يَضَعُ الصُّوَرَ في فِيهِ، ويَقُولُ: أيَّتُها العِظامُ البالِيَةُ والجُلُودُ المُتَمَزِّقَةُ واللُّحُومُ المُتَفَرِّقَةُ هَلُمَّ إلى العَرْضِ عَلى الرَّحْمَنِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: يُجْمَعُونَ في ظُلْمَةٍ قَدْ طُوِيَتِ السَّماءُ وانْتَثَرَتِ النُّجُومُ فَيُنادِي مُنادٍ فَيَمُوتُونَ مَوْتَةً. وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى ﴿الدّاعِيَ﴾ هُنا الرَّسُولُ ﷺ الَّذِي كانَ يَدْعُوهم إلى اللَّهِ فَيَعُوجُونَ عَلى الصِّراطِ يَمِينًا وشِمالًا ويَمِيلُونَ عَنْهُ مَيْلًا عَظِيمًا، فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُهُمُ اتِّباعُهُ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (لَهُ) عائِدٌ عَلى ﴿الدّاعِيَ﴾ نَفى عَنْهُ العِوَجَ أيْ ﴿لا عِوَجَ﴾ لَهم عَنْهُ بَلْ يَأْتُونَ مُقْبِلِينَ إلَيْهِ مُتَّبِعِينَ لِصَوْتِهِ مِن غَيْرِ انْحِرافٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ لا يُعْوَجُّ لَهُ مَدْعُوٌّ بَلْ يَسْتَوُونَ إلَيْهِ. انْتَهى. * * وقِيلَ ﴿لا عِوَجَ لَهُ﴾ في مَوْضِعِ وصْفٍ لِمَنعُوتٍ مَحْذُوفٍ أيِ اتِّباعًا ﴿لا عِوَجَ لَهُ﴾ فَيَكُونُ الضَّمِيرُ في (لَهُ) عائِدًا عَلى ذَلِكَ المَصْدَرِ المَحْذُوفِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الإخْبارَ أيْ لا شَكَّ فِيهِ، ولا يُخالِفُ وُجُودَهُ خَبَرُهُ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ لا مَحِيدَ لِأحَدٍ عَنِ اتِّباعِهِ، والمَشْيِ نَحْوَ صَوْتِهِ والخُشُوعُ التَّطامُنُ والتَّواضُعُ وهو في الأصْواتِ اسْتِعارَةٌ بِمَعْنى الخَفاءِ. والِاسْتِسْرارُ لِلرَّحْمَنِ أيْ لِهَيْبَةِ الرَّحْمَنِ وهو مُطَّلِعٌ قُدْرَتُهُ. وقِيلَ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ وخَشَعَ أهْلُ الأصْواتِ والهَمْسُ الصَّوْتُ الخَفِيُّ الخافِتُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالهَمْسِ المَسْمُوعِ تَخافُتُهم بَيْنَهم وكَلامُهُمُ السِّرُّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ صَوْتَ الأقْدامِ وأنَّ أصْواتَ النُّطْقِ ساكِنَةٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿إلّا هَمْسًا﴾ وهو الرَّكْزُ الخَفِيُّ ومِنهُ الحُرُوفُ المَهْمُوسَةُ. وقِيلَ: هو مِن هَمْسِ الإبِلِ وهو صَوْتُ أخْفافِها إذا مَشَتْ، أيْ لا يُسْمَعُ إلّا خَفْقُ الأقْدامِ ونَقْلُها إلى المَحْشَرِ. انْتَهى. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ وابْنِ جُبَيْرٍ: الهَمْسُ وطْءُ الأقْدامِ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا تَحْرِيكُ الشِّفاهِ بِغَيْرِ نُطْقٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ: الكَلامُ الخَفِيُّ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ (فَلا يَنْطِقُونَ إلّا هَمْسًا) وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ الصَّوْتُ الخَفِيُّ يَوْمَئِذٍ بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ﴾ أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ يَوْمَ إذْ (يَتَّبِعُونَ) ويَكُونُ مَنصُوبًا بِلا تَنْفَعُ و(مَن) مَفْعُولٌ بِقَوْلِهِ ﴿لا تَنْفَعُ﴾ و(لَهُ) مَعْناهُ لِأجْلِهِ وكَذا في ورَضِيَ لَهُ أيْ لِأجْلِهِ، ويَكُونُ مَن لِلْمَشْفُوعِ لَهُ أوْ بَدَلٌ مِنَ الشَّفاعَةِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ إلّا شَفاعَةَ مَن أذِنَ لَهُ أوْ مَنصُوبٌ عَلى الِاسْتِثْناءِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، أوِ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ فَنُصِبَ عَلى لُغَةِ الحِجازِ، ورُفِعَ عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ، ويَكُونُ (مَن) في هَذِهِ الأوْجُهِ لِلشّافِعِ والقَوْلُ المَرْضِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى الخَلْقِ المَحْشُورِينَ وهم مُتَّبِعُو الدّاعِي. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المَلائِكَةِ. وقِيلَ: عَلى النّاسِ لا بِقَيْدِ الحَشْرِ والِاتِّباعِ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في آيَةِ الكُرْسِيِّ في البَقَرَةِ، والضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدٌ عَلى (ما) أيْ ﴿ولا يُحِيطُونَ﴾ بِمَعْلُوماتِهِ (عِلْمًا) والظّاهِرُ عُمُومُ (الوُجُوهِ) أيْ وُجُوهِ الخَلائِقِ، وخَصَّ (الوُجُوهَ) لِأنَّ آثارَ الذُّلِّ إنَّما تَظْهَرُ في أوَّلِ (الوُجُوهِ) . وقالَ طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ: المُرادُ سُجُودُ النّاسِ عَلى الوُجُوهِ والآرابِ السَّبْعَةِ، فَإنْ كانَ رَوى أنَّ هَذا يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ فَتَكُونُ الآيَةُ إخْبارًا عَنْهُ، واسْتَقامَ المَعْنى وإنْ كانَ أرادَ في الدُّنْيا فَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُلائِمٍ لِلْآياتِ الَّتِي قَبْلَها وبَعْدَها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُرادُ بِالوُجُودِ وُجُوهُ العُصاةِ وأنَّهم إذا عايَنُوا يَوْمَ القِيامَةِ الخَيْبَةَ والشِّقْوَةَ وسُوءَ الحِسابِ صارَتْ وُجُوهُهم عانِيَةً أيْ ذَلِيلَةً خاضِعَةً مِثْلَ وُجُوهِ العُناةِ وهُمُ الأسارى ونَحْوُهُ (p-٢٨١)﴿فَلَمّا رَأوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الملك: ٢٧] ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤] و(القَيُّومُ) تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في البَقَرَةِ.