Al-Bahr Al-Muhit — الفرقان 25:21 – الفرقان 25:43
المحتويات
الفرقان 25:21
(p-٤٨٧)﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ أمْ هم ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ ﴿قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ ولَكِنْ مَتَّعْتَهم وآباءَهم حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ وكانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكم بِما تَقُولُونَ فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا ولا نَصْرًا ومَن يَظْلِمْ مِنكم نُذِقْهُ عَذابًا كَبِيرًا﴾ ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً أتَصْبِرُونَ وكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ .
قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ والأعْرَجُ وابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ (يَحْشُرُهم) و(فَيَقُولُ) بِالياءِ فِيهِما. وقَرَأ الحَسَنُ وطَلْحَةُ وابْنُ عامِرٍ بِالنُّونِ فِيهِما. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ في (نَحْشُرُهم) بِالنُّونِ (p-٤٨٨)وفِي (فَيَقُولُ) بِالياءِ. وقَرَأ الأعْرَجُ (يَحْشِرُهم) بِكَسْرِ الشِّينِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ في كُلِّ القُرْآنِ وهو القِياسُ في الأفْعالِ المُتَعَدِّيَةِ الثُّلاثِيَّةِ؛ لِأنَّ يَفْعُلُ بِضَمِّ العَيْنِ قَدْ يَكُونُ مِنَ اللّازِمِ الَّذِي هو فَعُلَ بِضَمِّها في الماضِي. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي قَلِيلَةٌ في الِاسْتِعْمالِ قَوِيَّةٌ في القِياسِ؛ لِأنَّ يَفْعِلُ بِكَسْرِ العَيْنِ في المُتَعَدِّي أقْيَسُ مَن يَفْعُلُ بِضَمِّ العَيْنِ، انْتَهى. وهَذا لَيْسَ كَما ذَكَرا بَلْ فَعُلَ المُتَعَدِّي الصَّحِيحُ جَمِيعُ حُرُوفِهِ إذا لَمْ يَكُنْ لِلْمُبالَغَةِ ولا حَلْقِيَّ عَيْنٍ ولا لامٍ فَإنَّهُ جاءَ عَلى يَفْعُلُ ويَفْعِلُ كَثِيرًا، فَإنْ شُهِرَ أحَدُ الِاسْتِعْمالَيْنِ اتُّبِعَ، وإلّا فالخِيارُ حَتّى إنَّ بَعْضَ أصْحابِنا خَيَّرَ فِيهِما سَمِعا لِلْكَلِمَةِ أوْ لَمْ يَسْمَعا.
(وما يَعْبُدُونَ)، قالَ الضَّحّاكُ وعِكْرِمَةُ: الأصْنامُ الَّتِي لا تَعْقِلُ يُقْدِرُها اللَّهُ عَلى هَذِهِ المَقالَةِ مِنَ الجَوابِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: يُحْيِي اللَّهُ الأصْنامَ يَوْمَئِذٍ لِتَكْذِيبِ عابِدِيها. وقالَ الجُمْهُورُ: مَن عُبِدَ مِمَّنْ يَعْقِلُ مِمَّنْ لَمْ يَأْمُرْ بِعِبادَتِهِ كالمَلائِكَةِ وعِيسى، وعُزَيْرٍ، وهو الأظْهَرُ كَقَوْلِهِ: (أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ) وما بَعْدَهُ مِنَ المُحاوَرَةِ الَّتِي ظاهِرُها أنَّها لا تَصْدُرُ إلّا مِنَ العُقَلاءِ، وجاءَ ما يُشْبِهُ ذَلِكَ مَنصُوصًا في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبإ: ٤٠] ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦] وسُؤالُهُ تَعالى، وهو عالِمٌ بِالمَسْئُولِ عَنْهُ، لِيُجِيبُوا بِما أجابُوا بِهِ فَيُبَكِّتَ عَبَدَتَهم بِتَكْذِيبِهِمْ إيّاهم فَيَزِيدَ حَسْرَتَهم ويُسَرُّ المُؤْمِنُونَ بِحالِهِمْ ونَجاتِهِمْ مِن فَضِيحَةِ أُولَئِكَ، ولِيَكُونَ حِكايَةُ ذَلِكَ في القُرْآنِ لُطْفًا لِلْمُكَلَّفِينَ. وجاءَ الِاسْتِفْهامُ مُقَدَّمًا فِيهِ الِاسْمُ عَلى الفِعْلِ، ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ (أأضْلَلْتُمْ) ولا أضَلُّوا؛ لِأنَّ كُلًّا مِنَ الإضْلالِ والضَّلالِ واقِعٌ والسُّؤالُ إنَّما هو مِن فاعِلِهِ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا في ﴿أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا بِآلِهَتِنا يا إبْراهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٢] وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ كَسْرٌ بَيِّنٌ لِقَوْلِ مَن يَزْعُمُ أنَّ اللَّهَ يُضِلُّ عِبادَهُ عَلى الحَقِيقَةِ حَيْثُ يَقُولُ لِلْمَعْبُودِينَ مِن دُونِهِ: (أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ) أمْ ضَلُّوا بِأنْفُسِهِمْ فَيَتَبَرَّءُونَ مِن ضَلالِهِمْ ويَسْتَعِيذُونَ بِهِ أنْ يَكُونُوا مُضِلِّينَ، ويَقُولُونَ: بَلْ أنْتَ تَفَضَّلْتَ مِن غَيْرِ سابِقَةٍ عَلى هَؤُلاءِ وآبائِهِمْ تَفَضُّلَ جَوادٍ كَرِيمٍ، فَجَعَلُوا الرَّحْمَةَ الَّتِي حَقُّها أنْ تَكُونَ سَبَبَ الشُّكْرِ سَبَبَ الكُفْرِ ونِسْيانِ الذِّكْرِ، وكانَ ذَلِكَ سَبَبَ هَلاكِهِمْ، فَإذا تَبَرَّأتِ المَلائِكَةُ والرُّسُلُ أنْفُسُهم مِن نِسْبَةِ الضَّلالِ، الَّذِي هو عَمَلُ الشَّياطِينِ إلَيْهِمْ، واسْتَعاذُوا مِنهم فَهم لِرَبِّهِمِ الغِنِيِّ العَدْلِ أشَدُّ تَبْرِئَةً وتَنْزِيهًا مِنهُ، ولَقَدْ نَزَّهُوهُ حِينَ أضافُوا إلَيْهِ التَّفَضُّلَ بِالنِّعْمَةِ والتَّمْتِيعَ بِها. وأسْنَدُوا نِسْيانَ الذِّكْرِ والتَّسَبُّبَ بِهِ لِلْبَوارِ إلى الكَفَرَةِ، فَشَرَحُوا الإضْلالَ المَجازِيَّ الَّذِي أسْنَدَهُ اللَّهُ إلى ذاتِهِ في قَوْلِهِ: ﴿يُضِلُّ مَن يَشاءُ﴾ [الرعد: ٢٧]، ولَوْ كانَ هو المُضِلَّ عَلى الحَقِيقَةِ؛ لَكانَ الجَوابُ العَتِيدُ أنْ يَقُولُوا: بَلْ أنْتَ أضْلَلْتَهُمُ، انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ المُعْتَزِلَةِ.
والمَعْنى (أأنْتُمْ) أوْقَعْتُمْ هَؤُلاءِ ونُسِبْتُمْ لَهم في إضْلالِهِمْ عَنِ الحَقِّ، أمْ (ضَلُّوا) بِأنْفُسِهِمْ عَنْهُ. وضَلَّ أصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى بِعَنْ كَقَوْلِهِ: ﴿مَن يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١١٧]، ثُمَّ اتُّسِعَ فَحُذِفَ، وأضَلَّهُ عَنِ السَّبِيلِ كَما أنَّ هَدى يَتَعَدّى بِإلى ثُمَّ يُحْذَفُ، ويَضِلُّ مُطاوِعُ أضَلَّ كَما تَقُولُ: أقْعَدْتُهُ فَقَعَدَ. و(سُبْحانَكَ) تَنْزِيهٌ لِلَّهِ تَعالى أنْ يُشْرَكَ مَعَهُ في العِبادَةِ أحَدٌ أوْ يُفْرَدَ بِعِبادَةٍ فَأنّى لَهم أنْ يَقَعَ مِنهم إضْلالُ أحَدٍ وهُمُ المُنَزَّهُونَ المُقَدَّسُونَ، أنْ يَكُونَ أحَدٌ مِنهم نِدًّا وهو المُنَزَّهُ عَنِ النِّدِّ والنَّظِيرِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (سُبْحانَكَ) تَعَجُّبٌ مِنهم مِمّا قِيلَ؛ لِأنَّهم مَلائِكَةٌ وأنْبِياءُ مَعْصُومُونَ، فَما أبْعَدَهم عَنِ الإضْلالِ، الَّذِي هو مُخْتَصٌّ بِإبْلِيسَ وحِزْبِهِ، انْتَهى.
وقَرَأ عَلْقَمَةُ (ما يَنْبَغِي) بِسُقُوطِ (كانَ) وقِراءَةُ الجُمْهُورِ بِثُبُوتِها أمْكَنُ في المَعْنى؛ لِأنَّهم أخْبَرُوا عَنْ حالٍ كانَتْ في الدُّنْيا، ووَقْتُ الإخْبارِ لا عَمَلَ فِيهِ. وقَرَأ أبُو عِيسى الأسْوَدُ القارِيُّ (يُنْبَغى لَنا) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: زَعَمَ سِيبَوَيْهِ أنَّ يُنْبَغى لُغَةٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أنْ نَتَّخِذَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، و(مِن أوْلِياءَ) مَفْعُولٌ عَلى زِيادَةِ (مِن) وحَسَّنَ زِيادَتَها انْسِحابُ النَّفْيِ عَلى (نَتَّخِذَ)؛ لِأنَّهُ مَعْمُولٌ لِـ (يَنْبَغِي) . وإذا انْتَفى الِابْتِغاءُ لَزِمَ مِنهُ انْتِفاءُ مُتَعَلِّقِهِ، وهو اتِّخاذُ ولِيٍّ مِن دُونِ اللَّهِ. ونَظِيرُهُ ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكم مِن خَيْرٍ﴾ [البقرة: ١٠٥] (p-٤٨٩)أيْ: خَيْرٌ، والمَعْنى ما كانَ يَصِحُّ لَنا ولا يَسْتَقِيمُ ونَحْنُ مَعْصُومُونَ أنْ نَتَوَلّى أحَدًا دُونَكَ، فَكَيْفَ يَصِحُّ لَنا أنْ نَحْمِلَ غَيْرَنا عَلى أنْ يَتَوَلَّوْنا دُونَكَ ؟ ! . وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: ﴿ما كانَ يَنْبَغِي لَنا﴾ أنْ نَكُونَ أمْثالَ الشَّياطِينِ نُرِيدُ الكُفْرَ فَنَتَوَلّى الكُفّارَ، قالَ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ﴾ [البقرة: ٢٥٧] . وقَرَأ أبُو الدَّرْداءِ وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وأبُو رَجاءٍ، ونَصْرُ بْنُ عَلْقَمَةَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأخُوهُ الباقِرُ، ومَكْحُولٌ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وحَفْصُ بْنُ عُبَيْدٍ، والنَّخَعِيُّ، والسُّلَمِيُّ، وشَيْبَةُ، وأبُو بِشْرٍ، والزَّعْفَرانِيُّ: (أنْ يُتَّخَذَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ واتَّخَذَ مِمّا يَتَعَدّى تارَةً لِواحِدٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿أمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأرْضِ﴾ [الأنبياء: ٢١]، وعَلَيْهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وتارَةً إلى اثْنَيْنِ كَقَوْلِهِ: ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ [الجاثية: ٢٣]، فَقِيلَ: هَذِهِ القِراءَةُ مِنهُ، فالأوَّلُ الضَّمِيرُ في (نَتَّخِذَ)، والثّانِي (مِن أوْلِياءَ)، و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: لا يُتَّخَذُ بَعْضُ أوْلِياءَ، وهَذا قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُضْعِفُ هَذِهِ القِراءَةَ دُخُولُ (مِن) في قَوْلِهِ: (مِن أوْلِياءَ)، اعْتَرَضَ بِذَلِكَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُ. وقالَ أبُو الفَتْحِ: (مِن أوْلِياءَ) في مَوْضِعِ الحالِ، ودَخَلَتْ (مِن) زِيادَةً لِمَكانِ النَّفْيِ المُتَقَدِّمِ، كَما تَقُولُ: ما اتَّخَذْتُ زَيْدًا مِن وكِيلٍ. وقِيلَ: (مِن أوْلِياءَ) هو الثّانِي عَلى زِيادَةِ (مِن)، وهَذا لا يَجُوزُ عِنْدَ أكْثَرِ النَّحْوِيِّينَ، إنَّما يَجُوزُ دُخُولُها زائِدَةً عَلى المَفْعُولِ الأوَّلِ بِشَرْطِهِ. وقَرَأ الحَجّاجُ: أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ أوْلِياءَ، فَبَلَغَ عاصِمًا فَقالَ: مُقِتَ المُخَدَّجُ أوَما عَلِمَ أنَّ فِيها (مِن) ولَمّا تَضَمَّنَ قَوْلُهم: ﴿ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ﴾ أنّا لَمْ نُضِلُّهم ولَمْ نَحْمِلْهم عَلى الِامْتِناعِ مِنَ الإيمانِ صَلُحَ أنْ يَسْتَدْرِكَ بَلَكِنْ، والمَعْنى لَكِنْ أكْثَرْتَ عَلَيْهِمْ وعَلى آبائِهِمُ النِّعَمَ، وأطَلْتَ أعْمارَهم، وكانَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ شُكْرُها والإيمانُ بِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْإعْراضِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ. قِيلَ: ولَكِنْ مَتَّعْتَهم كالرَّمْزِ إلى ما صَرَّحَ بِهِ مُوسى مِن قَوْلِهِ: ﴿إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ﴾ [الأعراف: ١٥٥]، أيْ: أنْتَ الَّذِي أعْطَيْتَهم مَطالِبَهم مِنَ الدُّنْيا حَتّى صارُوا غَرْقى في بَحْرِ الشَّهَواتِ، فَكانَ صارِفًا لَهم عَنِ التَّوَجُّهِ إلى طاعَتِكَ والِاشْتِغالِ بِخِدْمَتِكَ، والذِّكْرُ ما ذُكِّرَ بِهِ النّاسُ عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ أوِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ أوِ القُرْآنِ. والبُورُ: قِيلَ مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ الواحِدُ والجُمَعُ. وقِيلَ: جَمْعُ بائِرٍ كَعائِذٍ وعُوذٍ. قِيلَ: مَعْناهُ هَلْكى. وقِيلَ: فَسْدى، وهي لُغَةُ الأزْدِ يَقُولُونَ: أمْرٌ بائِرٌ، أيْ: فاسِدٌ، وبارَتِ البِضاعَةُ: فَسَدَتْ. وقالَ الحَسَنُ: لا خَيْرَ فِيهِمْ، مِن قَوْلِهِمْ: أرْضٌ بُورٌ، أيْ: مُعَطَّلَةٌ لا نَباتَ فِيها. وقِيلَ: (بُورًا) عُمْيًا عَنِ الحَقِّ.
(فَقَدْ كَذَّبُوكم) هَذا مِن قَوْلِ اللَّهِ بِلا خِلافٍ وهي مُفاجَأةٌ، فالِاحْتِجاجُ والإلْزامُ حَسَنَةٌ رابِعَةٌ وخاصَّةٌ إذا انْضَمَّ إلَيْها الِالتِفاتُ، وهو عَلى إضْمارِ القَوْلِ كَقَوْلِهِ: (يا أهْلَ الكِتابِ) إلى قَوْلِهِ (فَقَدْ جاءَكم)، أيْ فَقُلْنا: قَدْ جاءَكم. وقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎قالُوا خُراسانُ أقْصى ما يُرادُ بِنا ثُمَّ القُفُولُ فَقَدْ جِئْنا خُراسانا
أيْ: فَقُلْنا قَدْ جِئْنا، وكَذَلِكَ هَذا، أيْ: فَقُلْنا قَدْ كَذَّبُوكم، فَإنْ كانَ المُجِيبُ الأصْنامَ فالخِطابُ لِلْكُفّارِ، أيْ: قَدْ كَذَّبَتْكم مَعْبُوداتُكم مِنَ الأصْنامِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ما كانَ يَنْبَغِي لَنا﴾، وإنْ كانَ الخِطابُ لِلْمَعْبُودِينَ مِنَ العُقَلاءِ عِيسى والمَلائِكَةِ وعُزَيْرٍ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -، وهو الظّاهِرُ؛ لَتَناسَقَ الخِطابُ مَعَ قَوْلِهِ: (أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ)، أيْ: كَذَّبَكُمُ المَعْبُودُونَ (بِما تَقُولُونَ) أيْ: بِقَوْلِهِمْ: إنَّكم أضْلَلْتُمُوهم، وزَعْمِهِمْ أنَّكم أوْلِياؤُهم مِن دُونِ اللَّهِ. ومَن قَرَأ (بِما تَقُولُونَ) بِتاءِ الخِطابِ، فالمَعْنى فِيما تَقُولُونَ، أيْ: ﴿سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ﴾ . وقِيلَ: الخِطابُ لِلْكُفّارِ العابِدِينَ، أيْ: كَذَّبَكُمُ المَعْبُودُونَ بِما تَقُولُونَ مِنَ الجَوابِ.
﴿سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا﴾ أوْ فِيما تَقُولُونَ أنْتُمْ مِنَ الِافْتِراءِ عَلَيْهِمْ خُوطِبُوا عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا، أيْ: قَدْ كَذَّبَكم أيُّها المُؤْمِنُونَ الكُفّارُ في الدُّنْيا فِيما تَقُولُونَهُ مِنَ التَّوْحِيدِ والشَّرْعِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (بِما تَقُولُونَ) بِالتّاءِ مِن فَوْقُ. وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ الصَّلْتِ عَنْ قُنْبُلٍ بِالياءِ مِن تَحْتُ.
وقَرَأ حَفْصٌ، وأبُو حَيْوَةَ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ (فَما تَسْتَطِيعُونَ) بِتاءِ الخِطابِ، ويُؤَيِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ (p-٤٩٠)أنَّ الخِطابَ في (كَذَّبُوكم) لِلْكُفّارِ العابِدِينَ. وذُكِرَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي بَكْرٍ أنَّهُما قَرَآ (بِما يَقُولُونَ فَما يَسْتَطِيعُونَ) بِالياءِ فِيهِما، أيْ: هم. (صَرْفًا) أيْ: صَرْفَ العَذابِ أوْ تَوْبَةً أوْ حِيلَةً مِن قَوْلِهِمْ إنَّهُ لَيَتَصَرَّفُ، أيْ: يَحْتالُ، هَذا إنْ كانَ الخِطابُ في (كَذَّبُوكم) لِلْكُفّارِ، فالتّاءُ جارِيَةٌ عَلى ذَلِكَ، والياءُ التِفاتٌ، وإنْ كانَ لِلْمَعْبُودِينَ فالتّاءُ التِفاتٌ. والياءُ جارِيَةٌ عَلى ضَمِيرِ (كَذَّبُوكم) المَرْفُوعِ، وإنْ كانَ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ أُمَّةِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْلِهِ: (فَقَدْ كَذَّبُوكم) فالمَعْنى أنَّهم شَدِيدُو الشَّكِيمَةِ في التَّكْذِيبِ. (فَما تَسْتَطِيعُونَ) أنْتُمْ صَرْفَهم عَمّا هم عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ. وبِالياءِ فَما يَسْتَطِيعُونَ (صَرْفًا) لِأنْفُسِهِمْ عَمّا هم عَلَيْهِ. أوْ ما يَسْتَطِيعُونَ صَرْفَكم عَنِ الحَقِّ الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ. (ولا نَصْرًا) لِأنْفُسِهِمْ مِنَ البَلاءِ الَّذِي اسْتَوْجَبُوهُ بِتَكْذِيبِهِمْ.
(ومَن يَظْلِمْ مِنكم) الظّاهِرُ أنَّهُ عامٌّ. وقِيلَ: خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. وقِيلَ: خِطابٌ لِلْكافِرِينَ. والظُّلْمُ هُنا الشِّرْكُ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ وابْنُ جُرَيْجٍ، ويُحْتَمَلُ دُخُولُ المَعاصِي غَيْرِ الشِّرْكِ في الظُّلْمِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: العَذابُ الكَبِيرُ لاحِقٌ لِكُلِّ مَن ظَلَمَ والكافِرُ ظالِمٌ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] والفاسِقُ ظالِمٌ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ومَن لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١]، انْتَهى، وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. وقُرِئَ: ”يُذِقْهُ“ بِياءِ الغَيْبَةِ، أيِ: اللَّهُ وهو الظّاهِرُ. وقِيلَ: هو، أيِ: الظُّلْمُ، وهو المَصْدَرُ المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ: (بِظُلْمٍ)، أيْ: يُذِقْهُ الظُّلْمُ.
ولَمّا تَقَدَّمَ الطَّعْنُ عَلى الرَّسُولِ بِأكْلِ الطَّعامِ والمَشْيِ في الأسْواقِ أخْبَرَ تَعالى أنَّها عادَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ في كُلِّ رِسالَةٍ، ومَفْعُولُ (أرْسَلْنا) عِنْدَ الزَّجّاجِ والزَّمَخْشَرِيِّ ومَن تَبِعَهُما مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ أحَدًا. وقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ رِجالًا أوْ رُسُلًا. وعادَ الضَّمِيرُ في (إنَّهم) عَلى ذَلِكَ المَحْذُوفِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] أيْ: وما مَنّا أحَدٌ، والجُمْلَةُ عِنْدَ هَؤُلاءِ صِفَةٌ، أعْنِي قَوْلَهُ: (إلّا إنَّهم) كَأنَّهُ قالَ: إلّا آكِلِينَ وماشِينَ. وعِنْدَ الفَرّاءِ المَفْعُولُ مَحْذُوفٌ وهو مَوْصُولٌ مُقَدَّرٌ بَعْدَ إلّا أيْ إلّا مَن. (إنَّهم) والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى (مِن) عَلى مَعْناها، فَيَكُونُ اسْتِثْناءً مُفَرَّغًا، وقِيلَ: (إنَّهم) قَبْلَهُ قَوْلٌ مَحْذُوفٌ، أيْ: (إلّا) قِيلَ: (إنَّهم)، وهَذانِ القَوْلانِ مَرْجُوحانِ في العَرَبِيَّةِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: التَّقْدِيرُ إلّا وإنَّهم، يَعْنِي أنَّ الجُمْلَةَ حالِيَّةٌ، وهَذا هو المُخْتارُ. وقَدْ رَدَّ عَلى مَن قالَ: إنَّ ما بَعْدَ إلّا قَدْ يَجِيءُ صِفَةً، وأمّا حَذْفُ المَوْصُولِ فَضَعِيفٌ، وقَدْ ذَهَبَ إلى حِكايَةِ الحالِ أيْضًا أبُو البَقاءِ، قالَ: وقِيلَ لَوْ لَمْ تَكُنِ اللّامُ لَكُسِرَتْ؛ لَأنَّ الجُمْلَةَ حالِيَّةٌ إذِ المَعْنى إلّا وهم يَأْكُلُونَ. وقُرِئَ (أنَّهم) بِالفَتْحِ عَلى زِيادَةِ اللّامِ وأنَّ مَصْدَرِيَّةٌ التَّقْدِيرُ إلّا أنَّهم يَأْكُلُونَ، أيْ: ما جَعَلْناهم رُسُلًا إلى النّاسِ إلّا لِكَوْنِهِمْ مِثْلَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ويَمْشُونَ) مُضارِعُ مَشى خَفِيفًا. وقَرَأ عَلِيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ (يُمَشَّوْنَ) مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ: يُمَشِّيهِمْ حَوائِجُهم والنّاسُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَوْ قُرِئَ (يُمَشَّوْنَ)؛ لَكانَ أوْجَهَ لَوْلا الرِّوايَةُ، انْتَهى. وقَدْ قَرَأ كَذَلِكَ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وهي بِمَعْنى (يَمْشُونَ) قِراءَةُ الجُمْهُورِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎ومَشى بِأعْطانِ المَباءَةِ وابْتَغى ∗∗∗ قَلائِصَ مِنها صَعْبَةٌ ورَكُوبُ
(وجَعَلْنا بَعْضَكم) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو عامٌّ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، فالصَّحِيحُ فِتْنَةٌ لِلْمَرِيضِ، والغَنِيُّ فِتْنَةٌ لِلْفَقِيرِ، والفَقِيرُ الشّاكِرُ فِتْنَةٌ لِلْغَنِيِّ، والرَّسُولُ المَخْصُوصُ بِكَرامَةِ النُّبُوَّةِ فِتْنَةٌ لِأشْرافِ النّاسِ الكُفّارِ في عَصْرِهِ، وكَذَلِكَ العُلَماءُ وحُكّامُ العَدْلِ. وقَدْ تَلا ابْنُ القاسِمِ هَذِهِ الآيَةَ حِينَ رَأى أشْهَبَ، انْتَهى. ورُوِيَ قَرِيبٌ مِن هَذِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والتَّوْقِيفُ بِأتَصْبِرُونَ خاصٌّ لِلْمُؤْمِنِينَ المُحِقِّينَ فَهو لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ، كَأنَّهُ جَعَلَ إمْهالَ الكُفّارِ فِتْنَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، أيِ: اخْتِبارًا ثُمَّ وقَّفَهم. هَلْ تَصْبِرُونَ أمْ لا ؟ ثُمَّ أعْرَبَ قَوْلَهُ: ﴿وكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ عَنِ الوَعْدِ لِلصّابِرِينَ والوَعِيدِ لِلْعاصِينَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فِتْنَةً) أيْ: مِحْنَةً وبَلاءً، وهَذا تَصَبُّرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى ما قالُوهُ واسْتَبْعَدُوهُ (p-٤٩١)مِن أكْلِهِ الطَّعامَ ومَشْيِهِ في الأسْواقِ بَعْدَما احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِسائِرِ الرُّسُلِ، يَقُولُ: جَرَتْ عادَتِي ومُوجَبُ حِكْمَتِي عَلى ابْتِلاءِ بَعْضِكم أيُّها النّاسُ بِبَعْضٍ. والمَعْنى أنَّهُ ابْتَلى المُرْسَلِينَ بِالمُرْسَلِ إلَيْهِمْ ومُناصَبَتِهِمْ لَهُمُ العَداوَةَ وأقاوِيلِهِمُ الخارِجَةِ عَنْ حَدِّ الإنْصافِ وأنْواعِ أذاهم، وطَلَبَ مِنهُمُ الصَّبْرَ الجَمِيلَ، ونَحْوُهُ ﴿ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ١٨٦] الآيَةَ. ومَوْقِعُ (أتَصْبِرُونَ) بَعْدَ ذِكْرِ الفِتْنَةِ مَوْقِعُ (أيُّكم) بَعْدَ الِابْتِلاءِ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] .
(بَصِيرًا) عالِمًا بِالصَّوابِ فِيما يَبْتِلِي بِهِ وبِغَيْرِهِ، فَلا يَضِيقَنَّ صَدْرُكَ ولا تَسْتَخِفَّنَّكَ أقاوِيلُهم، فَإنَّ في صَبْرِكَ عَلَيْهِمْ سَعادَةً وفَوْزَكَ في الدّارَيْنِ. وقِيلَ: هو تَسْلِيَةٌ عَمّا عَيَّرُوهُ بِهِ مِنَ الفَقْرِ حِينَ قالُوا: ﴿أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ أوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾ [الفرقان: ٨] وأنَّهُ جَعَلَ الأغْنِياءَ فِتْنَةً لِلْفُقَراءِ؛ لِيَنْظُرَ هَلْ تَصْبِرُونَ ؟ وأنَّها حِكْمَتُهُ ومَشِيئَتُهُ يُغْنِي مَن يَشاءُ ويُفْقِرُ مَن يَشاءُ. وقِيلَ: جَعَلْناكَ فِتْنَةً لَهم؛ لِأنَّكَ لَوْ كُنْتَ غَنِيًّا صاحِبَ كُنُوزٍ وجَنّاتٍ؛ لَكانَ مَيْلُهم إلَيْكَ وطاعَتُهم لَكَ لِلدُّنْيا أوْ مَمْزُوجَةً بِالدُّنْيا، وإنَّما بَعَثْناكَ فَقِيرًا؛ لِتَكُونَ طاعَةُ مَن يُطِيعُكَ مِنهم خالِصَةً لِوَجْهِ اللَّهِ مِن غَيْرِ طَمَعٍ دُنْيَوِيٍّ. وقِيلَ: كانَ أبُو جَهْلٍ والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ والعاصِي بْنُ وائِلٍ ومَن في طَبَقَتِهِمْ يَقُولُونَ: إنْ أسْلَمْنا وقَدْ أسْلَمَ قَبْلَنا عَمّارٌ وصُهَيْبٌ وبِلالٌ وفُلانٌ وفُلانٌ، فَرُفِعُوا عَلَيْنا إدْلالًا بِالسّابِقَةِ، فَهو افْتِتانُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، انْتَهى. وفِيهِ تَكْثِيرٌ، وهَذا القَوْلُ الأخِيرُ قَوْلُ الكَلْبِيِّ، والفَرّاءِ والزَّجّاجِ. والأوْلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ يَشْمَلُ مَعانِيَ هَذِهِ الألْفاظِ كُلِّها؛ لِأنَّ بَيْنَ الجَمِيعِ قَدْرًا مُشْتَرَكًا. وقِيلَ: في قَوْلِهِ: (أتَصْبِرُونَ) إنَّهُ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الأمْرِ، أيِ: اصْبِرُوا، والظّاهِرُ حَمْلُ الرَّجاءِ عَلى المَشْهُورِ مِنِ اسْتِعْمالِهِ، والمَعْنى لا يَأْمُلُونَ لِقاءَنا بِالخَيْرِ وثَوابَنا عَلى الطّاعَةِ لِتَكْذِيبِهِمْ بِالبَعْثِ لِكُفْرِهِمْ بِما جِئْتُ بِهِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وقَوْمٌ: مَعْناهُ لا يَخافُونَ. وقالَ الفَرّاءُ: (لا يَرْجُونَ نُشُورًا) لا يَخافُونَ، وهَذِهِ الكَلِمَةُ تِهامِيَّةٌ، وهي أيْضًا مِن لُغَةِ هُذَيْلٍ إذا كانَ مَعَ الرَّجاءِ جَحْدٌ ذَهَبُوا بِهِ إلى مَعْنى الخَوْفِ. فَتَقُولُ: فُلانٌ لا يَرْجُو رَبَّهُ يُرِيدُونَ لا يَخافُ رَبَّهُ، ومِن ذَلِكَ ﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾ [نوح: ١٣]، أيْ: لا تَخافُونَ لِلَّهِ عَظَمَةً، وإذا قالُوا: فُلانٌ يَرْجُو رَبَّهُ فَهَذا مَعْنى الرَّجاءِ لا عَلى الخَوْفِ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎إذا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَها ∗∗∗ وحالَفَها في بَيْتِ نَوْبٍ عَوامِلِ
وقالَ آخَرُ:
؎لا تَرْتَجِي حِينَ تُلاقِي الذّائِدا ∗∗∗ أسَبْعَةً لاقَتْ مَعًا أمْ واحِدا
انْتَهى. ومِن لازِمِ الرَّجاءِ لِلثَّوابِ الخَوْفُ مِنَ العِقابِ، ومَن كانَ مُكَذِّبًا بِالبَعْثِ لا يَرْجُو ثَوابًا ولا يَخافُ عِقابًا، ومَن تَأوَّلَ لَمْ يَرْجُ لَسْعَها عَلى مَعْنى لَمْ يَرْجُ دَفْعَها ولا الِانْفِكاكَ عَنْها. فَهو لِذَلِكَ يُوَطَّنُ عَلى الصَّبْرِ ويُجِدُّ في شُغْلِهِ، فَتَأْوِيلُهُ مُمْكِنٌ، لَكِنَّ الفَرّاءَ وغَيْرَهُ نَقَلُوا ذَلِكَ لُغَةً لِهُذَيْلٍ في النَّفْيِ، والشّاعِرُ هُذَلِيٌّ؛ فَيَنْبَغِي أنْ لا يُتَكَلَّفَ لِلتَّأْوِيلِ وأنْ يُحْمَلَ عَلى لُغَتِهِ.
﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ﴾ فَتُخْبِرَنا أنَّكَ رَسُولٌ حَقًّا. (أوْ نَرى رَبَّنا) فَيُخْبِرَنا بِذَلِكَ؛ قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهُ. وهَذِهِ كَما قالَتِ اليَهُودُ: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥]، وكَقَوْلِهِمْ - أعْنِي المُشْرِكِينَ -: ﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢]، وهَذا كُلُّهُ في سَبِيلِ التَّعَنُّتِ، وإلّا فَما جاءَهم بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ كافٍ لَوْ وُفِّقُوا. (لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا)، أيْ: تَكَبَّرُوا. (في أنْفُسِهِمْ)، أيْ: عَظَّمُوا أنْفُسَهم بِسُؤالِ رُؤْيَةِ اللَّهِ، وهم لَيْسُوا بِأهْلٍ لَها. والمَعْنى أنَّ سُؤالَ ذَلِكَ إنَّما هو لِما أضْمَرُوا في أنْفُسِهِمْ مِنَ الِاسْتِكْبارِ عَنِ الحَقِّ وهو الكُفْرُ والعِنادُ الكامِنُ في قُلُوبِهِمُ الظّاهِرُ عَنْهُ ما لا يَقَعُ لَهم، كَما قالَ: ﴿إنْ في صُدُورِهِمْ إلّا كِبْرٌ ما هم بِبالِغِيهِ﴾ [غافر: ٥٦]، واللّامُ في (لَقَدِ) جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، و(عَتَوْا) تَجاوَزُوا الحَدَّ في الظُّلْمِ ووَصَفَهُ بِكَبِيرٍ مُبالَغَةً في إفْراطِهِ، أيْ لَمْ يَجْسُرُوا عَلى هَذا القَوْلِ العَظِيمِ إلّا لِأنَّهم بَلَغُوا غايَةَ الِاسْتِكْبارِ وأقْصى العُتُوِّ. وجاءَ هُنا (p-٤٩٢)(عُتُوًّا) عَلى الأصْلِ، وفي مَرْيَمَ (عِتِيًّا) عَلى اسْتِثْقالِ اجْتِماعِ الواوَيْنِ والقَلْبِ لِمُناسَبَةِ الفَواصِلِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (عَتَوْا) كَفَرُوا أشَدَّ الكُفْرِ وأفْحَشُوا. وقالَ عِكْرِمَةُ: تَجَبَّرُوا. وقالَ ابْنُ سَلامٍ: عَصَوْا. وقالَ ابْنُ عِيسى: أسْرَفُوا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذِهِ الجُمْلَةُ في حُسْنِ اسْتِيفائِها غايَةٌ في أُسْلُوبِها. ونَحْوُهُ قَوْلُ القائِلِ:
؎وجارَةِ جَسّاسٍ أبَأْنا بِنابِها كُلَيْبًا ∗∗∗ غَلَتْ نابٌ كُلَيْبٌ بَواؤُها
فِي نَحْوِ هَذا الفِعْلِ دَلِيلٌ عَلى التَّعَجُّبِ مِن غَيْرِ لَفْظِ تَعَجُّبٍ، ألا تَرى أنَّ المَعْنى ما أشَدَّ اسْتِكْبارَهم، وما أكْثَرَ عُتُوَّهم، وما أغْلى نابًا بَواؤُها كُلَيْبٌ.
﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ﴾ (يَوْمَ) مَنصُوبٌ بِـ (اذْكُرْ)، وهو أقْرَبُ أوْ بِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ (لا بُشْرى)، أيْ: يَمْنَعُونَ البُشْرى ولا يَعْمَلُ فِيهِ (لا بُشْرى)؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ؛ ولِأنَّهُ مَنفِيٌّ بِلا الَّتِي لِنَفْيِ الجِنْسِ؛ لِأنَّهُ لا يَعْمَلُ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها، وكَذا الدّاخِلَةُ عَلى الأسْماءِ عامِلَةٌ عَمَلَ لَيْسَ، ودُخُولُ (لا) عَلى (بُشْرى)؛ لِانْتِفاءِ أنْواعِ البُشْرى، وهَذا اليَوْمُ الظّاهِرُ أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ؛ لِقَوْلِهِ بَعْدُ (وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا) . وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: عِنْدَ المَوْتِ، والمَعْنى أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ اقْتَرَحُوا نُزُولَ المَلائِكَةِ لا يَعْرِفُونَ ما يَكُونُ لَهم إذا رَأوْهم مِنَ الشَّرِّ، وانْتِفاءِ البِشارَةِ، وحُصُولِ الخَسارِ والمَكْرُوهِ. واحْتَمَلَ (بُشْرى) أنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا مَعَ (لا)، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ في نِيَّةِ التَّنْوِينِ مَنصُوبَ اللَّفْظِ، ومُنِعَ مِنَ الصَّرْفِ لِلتَّأْنِيثِ اللّازِمِ، فَإنْ كانَ مَبْنِيًّا مَعَ (لا) احْتَمَلَ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ (يَوْمَئِذٍ) و(لِلْمُجْرِمِينَ) خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أوْ نَعْتٌ لِبُشْرى، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ، وأنْ يَكُونَ (يَوْمَئِذٍ) صِفَةً لِبُشْرى، والخَبَرُ (لِلْمُجْرِمِينَ) ويَجِيءُ خِلافُ سِيبَوَيْهِ، والأخْفَشِ هَلِ الخَبَرُ لِنَفْسِ (لا) أوِ الخَبَرُ لِلْمُبْتَدَأِ الَّذِي هو مَجْمُوعُ (لا) وما بُنِيَ مَعَها ؟ وإنْ كانَ في نِيَّةِ التَّنْوِينِ وهو مُعْرَبٌ، جازَ أنْ يَكُونَ (يَوْمَئِذٍ) مَعْمُولًا لِبُشْرى، وأنْ يَكُونَ صِفَةً، والخَبَرُ مِنَ الخَبَرِ. وأجازَ أنْ يَكُونَ (يَوْمَئِذٍ) و(لِلْمُجْرِمِينَ) خَبَرٌ، وجازَ أنْ يَكُونَ (يَوْمَئِذٍ) خَبَرًا و(لِلْمُجْرِمِينَ) صِفَةً، والخَبَرُ إذا كانَ الِاسْمَ لَيْسَ مَبْنِيًّا لِنَفْسِ لا بِإجْماعٍ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: و(يَوْمَئِذٍ) لِلتَّكْرِيرِ وتَبِعَهُ أبُو البَقاءِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَكْرِيرًا، سَواءٌ أُرِيدَ بِهِ التَّوْكِيدُ اللَّفْظِيُّ أمْ أُرِيدَ بِهِ البَدَلُ؛ لِأنَّ (يَوْمَ) مَنصُوبٌ بِما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مَنِ اذْكُرْ أوْ مِن يَعْدَمُونَ البُشْرى، وما بَعْدَ (لا) العامِلَةِ في الِاسْمِ لا يَعْمَلُ فِيهِ ما قَبْلَها، وعَلى تَقْدِيرِهِ يَكُونُ العامِلُ فِيهِ ما قَبْلَ إلّا، والظّاهِرُ عُمُومُ المُجْرِمِينَ فَيَنْدَرِجُ هَؤُلاءِ القائِلُونَ فِيهِمْ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (ويَقُولُونَ) عائِدٌ عَلى القائِلِينَ؛ لِأنَّ المُحَدَّثَ عَنْهم كانُوا يَطْلُبُونَ نُزُولَ المَلائِكَةِ،، ثُمَّ إذا رَأوْهم كَرِهُوا لِقاءَهم وفَزِعُوا مِنهم؛ لِأنَّهم لا يَلْقَوْنَهم إلّا بِما يَكْرَهُونَ، فَقالُوا عِنْدَ رُؤْيَتِهِمْ ما كانُوا يَقُولُونَهُ عِنْدَ لِقاءِ العَدُوِّ ونُزُولِ الشِّدَّةِ، وقالَ مَعْناهُ مُجاهِدٌ، قالَ: (حِجْرًا) عَواذًا يَسْتَعِيذُونَ مِنَ المَلائِكَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ: كانَتِ العَرَبُ إذا كَرِهَتْ شَيْئًا قالُوا: حِجْرًا. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هاتانِ اللَّفْظَتانِ عُوذَةٌ لِلْعَرَبِ يَقُولُهُما مَن خافَ آخَرَ في الحَرَمِ أوْ في شَهْرٍ حَرامٍ إذا لَقِيَهُ وبَيْنَهُما تِرَةٌ، انْتَهى. ومِنهُ قَوْلُ المُتَلَمِّسِ:
؎حَنَّتْ إلى النَّخْلَةِ القُصْوى فَقُلْتُ لَها ∗∗∗ حِجْرٌ حَرامٌ ألا تِلْكَ الدَّهالِيسُ
أيْ: هَذا الَّذِي حَنَنْتِ إلَيْهِ هو مَمْنُوعٌ، وذَكَرَ سِيبَوَيْهِ (حِجْرًا) في المَصادِرِ المَنصُوبَةِ غَيْرِ المُتَصَرِّفَةِ. وقالَ بَعْضُ الرُّجّازِ:
قالَتْ وفِيها حَيْرَةٌ وذُعْرُ عَوَذٌ يُرى مِنكم وحِجْرُ
وأنَّهُ واجِبٌ إضْمارُ ناصِبِها. قالَ سِيبَوَيْهِ: ويَقُولُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ أتَفْعَلُ كَذا ؟ فَيَقُولُ: حِجْرًا، وهي مِن حَجَرَهُ إذا مَنَعَهُ؛ لِأنَّ المُسْتَعِيذَ طالِبٌ مِنَ اللَّهِ أنْ يَمْنَعَ المَكْرُوهَ لا يَلْحَقَهُ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ (p-٤٩٣)والضَّحّاكُ (حُجْرًا) بِضَمِّ الحاءِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (ويَقُولُونَ) عائِدٌ عَلى المَلائِكَةِ، أيْ: تَقُولُ المَلائِكَةُ لِلْمُجْرِمِينَ: (حِجْرًا مَحْجُورًا) عَلَيْكُمُ البُشْرى، و(مَحْجُورًا) صِفَةٌ تُؤَكِّدُ مَعْنى (حِجْرًا)، كَما قالُوا: مَوْتٌ مائِتٌ، وذَيْلٌ ذائِلٌ، والقُدُومُ الحَقِيقِيُّ مُسْتَحِيلٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، فَهو عِبارَةٌ عَنْ حُكْمِهِ بِذَلِكَ وإنْفاذِهِ. قِيلَ: أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ قَدِمَتْ مَلائِكَتُنا، وأسْنَدَ ذَلِكَ إلَيْهِ لِأنَّهُ عَنْ أمْرِهِ، وحَسُنَتْ لَفْظَةُ (قَدِمْنا)؛ لِأنَّ القادِمَ عَلى شَيْءٍ مَكْرُوهٍ لَمْ يُقَرِّرْهُ ولا أمَرَ بِهِ مُغَيِّرٌ لَهُ ومُذْهِبٌ، فَمَثَّلَتْ حالَ هَؤُلاءِ وأعْمالَهُمُ الَّتِي عَمِلُوها في كُفْرِهِمْ، مِن صِلَةِ رَحِمٍ، وإغاثَةِ مَلْهُوفٍ، وقِرى ضَيْفٍ، ومَنٍّ عَلى أسِيرٍ. وغَيْرِ ذَلِكَ مِن مَكارِمِهِمْ، بِحالِ قَوْمٍ خالَفُوا سُلْطانَهم فَقَصَدَ إلى ما تَحْتَ أيْدِيهِمْ فَمَزَّقَها بِحَيْثُ لَمْ يَتْرُكْ لَها أثَرًا، وفي أمْثالِهِمْ: أقَلُّ مِنَ الهَباءِ، و﴿هَباءً مَنثُورًا﴾ صِفَةٌ لِلْهَباءِ، شَبَّهَهُ بِالهَباءِ لِقِلَّتِهِ وأنَّهُ لا يُنْتَفَعُ بِهِ، ثُمَّ وصَفَهُ بِمَنثُورًا؛ لِأنَّ الهَباءَ تَراهُ مُنْتَظِمًا مَعَ الضَّوْءِ فَإذا حَرَّكَتْهُ الرِّيحُ رَأيْتَهُ قَدْ تَناثَرَ وذَهَبَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ جَعَلَهُ - يَعْنِي (مَنثُورًا) - مَفْعُولًا ثالِثًا لِجَعَلْناهُ، أيْ: (فَجَعَلْناهُ) جامِعًا لِحَقارَةِ الهَباءِ والتَّناثُرِ. كَقَوْلِهِ: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥]، أيْ: جامِعِينَ لِلْمَسْخِ والخَسْءِ، انْتَهى. وخالَفَ ابْنُ دُرُسْتُوَيْهِ فَخالَفَ النَّحْوِيِّينَ في مَنعِهِ أنْ يَكُونَ لِكانَ خَبَرانِ وأزْيَدُ. وقِياسُ قَوْلِهِ في جَعَلَ أنْ يُمْنَعَ أنْ يَكُونَ لَها خَبَرٌ ثالِثٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الهَباءُ المَنثُورُ ما تَسْفِي بِهِ الرِّياحُ وتَبُثُّهُ. وعَنْهُ أيْضًا: الهَباءُ الماءُ المُهْراقُ، والمُسْتَقَرُّ مَكانُ الِاسْتِقْرارِ في أكْثَرِ الأوْقاتِ. والمَقِيلُ المَكانُ الَّذِي يَأْوُونَ إلَيْهِ في الِاسْتِرْواحِ إلى الأزْواجِ والتَّمَتُّعِ، ولا نَوْمَ في الجَنَّةِ فَسُمِّيَ مَكانُ اسْتِرْواحِهِمْ إلى الحُورِ (مَقِيلًا)، عَلى طَرِيقِ التَّشْبِيهِ؛ إذِ المَكانُ المُتَخَيَّرُ لِلْقَيْلُولَةِ يَكُونُ أطْيَبَ المَواضِعِ. وفي لَفْظِ (أحْسَنُ) رَمْزٌ إلى ما يَتَزَيَّنُ بِهِ مُقِيلُهم مِن حُسْنِ الوُجُوهِ ومَلاحَةِ الصُّوَرِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ التَّحاسِينِ. و(خَيْرٌ) قِيلَ: لَيْسَتْ عَلى بابِها مِنِ اسْتِعْمالِها دَلالَةً عَلى الأفْضَلِيَّةِ، فَيَلْزَمُ مِن ذَلِكَ خَيْرٌ في مُسْتَقَرِّ أهْلِ النّارِ، ويُمْكِنُ إبْقاؤُها عَلى بابِها ويَكُونُ التَّفْضِيلُ وقَعَ بَيْنَ المُسْتَقِرِّينَ والمُقِيلِينَ بِاعْتِبارِ الزَّمانِ الواقِعِ ذَلِكَ فِيهِ. فالمَعْنى (خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا) في الآخِرَةِ مِنَ الكُفّارِ المُتْرَفِينَ في الدُّنْيا، ﴿وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ في الآخِرَةِ مِن أُولَئِكَ في الدُّنْيا. وقِيلَ: (خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا) مِنهم لَوْ كانَ لَهم مُسْتَقَرٌّ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ وُجُودُ مُسْتَقَرٍّ لَهم فِيهِ خَيْرٌ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، والنَّخَعِيِّ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وابْنِ جُرَيْجٍ، ومُقاتِلٍ: إنَّ الحِسابَ يَكْمُلُ في مِقْدارِ نِصْفِ يَوْمٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا، ويُقِيلُ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ في النّارِ.
الفرقان 25:22
(p-٤٨٧)﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ أمْ هم ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ ﴿قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ ولَكِنْ مَتَّعْتَهم وآباءَهم حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ وكانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكم بِما تَقُولُونَ فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا ولا نَصْرًا ومَن يَظْلِمْ مِنكم نُذِقْهُ عَذابًا كَبِيرًا﴾ ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً أتَصْبِرُونَ وكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ .
قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ والأعْرَجُ وابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ (يَحْشُرُهم) و(فَيَقُولُ) بِالياءِ فِيهِما. وقَرَأ الحَسَنُ وطَلْحَةُ وابْنُ عامِرٍ بِالنُّونِ فِيهِما. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ في (نَحْشُرُهم) بِالنُّونِ (p-٤٨٨)وفِي (فَيَقُولُ) بِالياءِ. وقَرَأ الأعْرَجُ (يَحْشِرُهم) بِكَسْرِ الشِّينِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ في كُلِّ القُرْآنِ وهو القِياسُ في الأفْعالِ المُتَعَدِّيَةِ الثُّلاثِيَّةِ؛ لِأنَّ يَفْعُلُ بِضَمِّ العَيْنِ قَدْ يَكُونُ مِنَ اللّازِمِ الَّذِي هو فَعُلَ بِضَمِّها في الماضِي. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي قَلِيلَةٌ في الِاسْتِعْمالِ قَوِيَّةٌ في القِياسِ؛ لِأنَّ يَفْعِلُ بِكَسْرِ العَيْنِ في المُتَعَدِّي أقْيَسُ مَن يَفْعُلُ بِضَمِّ العَيْنِ، انْتَهى. وهَذا لَيْسَ كَما ذَكَرا بَلْ فَعُلَ المُتَعَدِّي الصَّحِيحُ جَمِيعُ حُرُوفِهِ إذا لَمْ يَكُنْ لِلْمُبالَغَةِ ولا حَلْقِيَّ عَيْنٍ ولا لامٍ فَإنَّهُ جاءَ عَلى يَفْعُلُ ويَفْعِلُ كَثِيرًا، فَإنْ شُهِرَ أحَدُ الِاسْتِعْمالَيْنِ اتُّبِعَ، وإلّا فالخِيارُ حَتّى إنَّ بَعْضَ أصْحابِنا خَيَّرَ فِيهِما سَمِعا لِلْكَلِمَةِ أوْ لَمْ يَسْمَعا.
(وما يَعْبُدُونَ)، قالَ الضَّحّاكُ وعِكْرِمَةُ: الأصْنامُ الَّتِي لا تَعْقِلُ يُقْدِرُها اللَّهُ عَلى هَذِهِ المَقالَةِ مِنَ الجَوابِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: يُحْيِي اللَّهُ الأصْنامَ يَوْمَئِذٍ لِتَكْذِيبِ عابِدِيها. وقالَ الجُمْهُورُ: مَن عُبِدَ مِمَّنْ يَعْقِلُ مِمَّنْ لَمْ يَأْمُرْ بِعِبادَتِهِ كالمَلائِكَةِ وعِيسى، وعُزَيْرٍ، وهو الأظْهَرُ كَقَوْلِهِ: (أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ) وما بَعْدَهُ مِنَ المُحاوَرَةِ الَّتِي ظاهِرُها أنَّها لا تَصْدُرُ إلّا مِنَ العُقَلاءِ، وجاءَ ما يُشْبِهُ ذَلِكَ مَنصُوصًا في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبإ: ٤٠] ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦] وسُؤالُهُ تَعالى، وهو عالِمٌ بِالمَسْئُولِ عَنْهُ، لِيُجِيبُوا بِما أجابُوا بِهِ فَيُبَكِّتَ عَبَدَتَهم بِتَكْذِيبِهِمْ إيّاهم فَيَزِيدَ حَسْرَتَهم ويُسَرُّ المُؤْمِنُونَ بِحالِهِمْ ونَجاتِهِمْ مِن فَضِيحَةِ أُولَئِكَ، ولِيَكُونَ حِكايَةُ ذَلِكَ في القُرْآنِ لُطْفًا لِلْمُكَلَّفِينَ. وجاءَ الِاسْتِفْهامُ مُقَدَّمًا فِيهِ الِاسْمُ عَلى الفِعْلِ، ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ (أأضْلَلْتُمْ) ولا أضَلُّوا؛ لِأنَّ كُلًّا مِنَ الإضْلالِ والضَّلالِ واقِعٌ والسُّؤالُ إنَّما هو مِن فاعِلِهِ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا في ﴿أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا بِآلِهَتِنا يا إبْراهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٢] وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ كَسْرٌ بَيِّنٌ لِقَوْلِ مَن يَزْعُمُ أنَّ اللَّهَ يُضِلُّ عِبادَهُ عَلى الحَقِيقَةِ حَيْثُ يَقُولُ لِلْمَعْبُودِينَ مِن دُونِهِ: (أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ) أمْ ضَلُّوا بِأنْفُسِهِمْ فَيَتَبَرَّءُونَ مِن ضَلالِهِمْ ويَسْتَعِيذُونَ بِهِ أنْ يَكُونُوا مُضِلِّينَ، ويَقُولُونَ: بَلْ أنْتَ تَفَضَّلْتَ مِن غَيْرِ سابِقَةٍ عَلى هَؤُلاءِ وآبائِهِمْ تَفَضُّلَ جَوادٍ كَرِيمٍ، فَجَعَلُوا الرَّحْمَةَ الَّتِي حَقُّها أنْ تَكُونَ سَبَبَ الشُّكْرِ سَبَبَ الكُفْرِ ونِسْيانِ الذِّكْرِ، وكانَ ذَلِكَ سَبَبَ هَلاكِهِمْ، فَإذا تَبَرَّأتِ المَلائِكَةُ والرُّسُلُ أنْفُسُهم مِن نِسْبَةِ الضَّلالِ، الَّذِي هو عَمَلُ الشَّياطِينِ إلَيْهِمْ، واسْتَعاذُوا مِنهم فَهم لِرَبِّهِمِ الغِنِيِّ العَدْلِ أشَدُّ تَبْرِئَةً وتَنْزِيهًا مِنهُ، ولَقَدْ نَزَّهُوهُ حِينَ أضافُوا إلَيْهِ التَّفَضُّلَ بِالنِّعْمَةِ والتَّمْتِيعَ بِها. وأسْنَدُوا نِسْيانَ الذِّكْرِ والتَّسَبُّبَ بِهِ لِلْبَوارِ إلى الكَفَرَةِ، فَشَرَحُوا الإضْلالَ المَجازِيَّ الَّذِي أسْنَدَهُ اللَّهُ إلى ذاتِهِ في قَوْلِهِ: ﴿يُضِلُّ مَن يَشاءُ﴾ [الرعد: ٢٧]، ولَوْ كانَ هو المُضِلَّ عَلى الحَقِيقَةِ؛ لَكانَ الجَوابُ العَتِيدُ أنْ يَقُولُوا: بَلْ أنْتَ أضْلَلْتَهُمُ، انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ المُعْتَزِلَةِ.
والمَعْنى (أأنْتُمْ) أوْقَعْتُمْ هَؤُلاءِ ونُسِبْتُمْ لَهم في إضْلالِهِمْ عَنِ الحَقِّ، أمْ (ضَلُّوا) بِأنْفُسِهِمْ عَنْهُ. وضَلَّ أصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى بِعَنْ كَقَوْلِهِ: ﴿مَن يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١١٧]، ثُمَّ اتُّسِعَ فَحُذِفَ، وأضَلَّهُ عَنِ السَّبِيلِ كَما أنَّ هَدى يَتَعَدّى بِإلى ثُمَّ يُحْذَفُ، ويَضِلُّ مُطاوِعُ أضَلَّ كَما تَقُولُ: أقْعَدْتُهُ فَقَعَدَ. و(سُبْحانَكَ) تَنْزِيهٌ لِلَّهِ تَعالى أنْ يُشْرَكَ مَعَهُ في العِبادَةِ أحَدٌ أوْ يُفْرَدَ بِعِبادَةٍ فَأنّى لَهم أنْ يَقَعَ مِنهم إضْلالُ أحَدٍ وهُمُ المُنَزَّهُونَ المُقَدَّسُونَ، أنْ يَكُونَ أحَدٌ مِنهم نِدًّا وهو المُنَزَّهُ عَنِ النِّدِّ والنَّظِيرِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (سُبْحانَكَ) تَعَجُّبٌ مِنهم مِمّا قِيلَ؛ لِأنَّهم مَلائِكَةٌ وأنْبِياءُ مَعْصُومُونَ، فَما أبْعَدَهم عَنِ الإضْلالِ، الَّذِي هو مُخْتَصٌّ بِإبْلِيسَ وحِزْبِهِ، انْتَهى.
وقَرَأ عَلْقَمَةُ (ما يَنْبَغِي) بِسُقُوطِ (كانَ) وقِراءَةُ الجُمْهُورِ بِثُبُوتِها أمْكَنُ في المَعْنى؛ لِأنَّهم أخْبَرُوا عَنْ حالٍ كانَتْ في الدُّنْيا، ووَقْتُ الإخْبارِ لا عَمَلَ فِيهِ. وقَرَأ أبُو عِيسى الأسْوَدُ القارِيُّ (يُنْبَغى لَنا) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: زَعَمَ سِيبَوَيْهِ أنَّ يُنْبَغى لُغَةٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أنْ نَتَّخِذَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، و(مِن أوْلِياءَ) مَفْعُولٌ عَلى زِيادَةِ (مِن) وحَسَّنَ زِيادَتَها انْسِحابُ النَّفْيِ عَلى (نَتَّخِذَ)؛ لِأنَّهُ مَعْمُولٌ لِـ (يَنْبَغِي) . وإذا انْتَفى الِابْتِغاءُ لَزِمَ مِنهُ انْتِفاءُ مُتَعَلِّقِهِ، وهو اتِّخاذُ ولِيٍّ مِن دُونِ اللَّهِ. ونَظِيرُهُ ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكم مِن خَيْرٍ﴾ [البقرة: ١٠٥] (p-٤٨٩)أيْ: خَيْرٌ، والمَعْنى ما كانَ يَصِحُّ لَنا ولا يَسْتَقِيمُ ونَحْنُ مَعْصُومُونَ أنْ نَتَوَلّى أحَدًا دُونَكَ، فَكَيْفَ يَصِحُّ لَنا أنْ نَحْمِلَ غَيْرَنا عَلى أنْ يَتَوَلَّوْنا دُونَكَ ؟ ! . وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: ﴿ما كانَ يَنْبَغِي لَنا﴾ أنْ نَكُونَ أمْثالَ الشَّياطِينِ نُرِيدُ الكُفْرَ فَنَتَوَلّى الكُفّارَ، قالَ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ﴾ [البقرة: ٢٥٧] . وقَرَأ أبُو الدَّرْداءِ وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وأبُو رَجاءٍ، ونَصْرُ بْنُ عَلْقَمَةَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأخُوهُ الباقِرُ، ومَكْحُولٌ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وحَفْصُ بْنُ عُبَيْدٍ، والنَّخَعِيُّ، والسُّلَمِيُّ، وشَيْبَةُ، وأبُو بِشْرٍ، والزَّعْفَرانِيُّ: (أنْ يُتَّخَذَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ واتَّخَذَ مِمّا يَتَعَدّى تارَةً لِواحِدٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿أمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأرْضِ﴾ [الأنبياء: ٢١]، وعَلَيْهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وتارَةً إلى اثْنَيْنِ كَقَوْلِهِ: ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ [الجاثية: ٢٣]، فَقِيلَ: هَذِهِ القِراءَةُ مِنهُ، فالأوَّلُ الضَّمِيرُ في (نَتَّخِذَ)، والثّانِي (مِن أوْلِياءَ)، و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: لا يُتَّخَذُ بَعْضُ أوْلِياءَ، وهَذا قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُضْعِفُ هَذِهِ القِراءَةَ دُخُولُ (مِن) في قَوْلِهِ: (مِن أوْلِياءَ)، اعْتَرَضَ بِذَلِكَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُ. وقالَ أبُو الفَتْحِ: (مِن أوْلِياءَ) في مَوْضِعِ الحالِ، ودَخَلَتْ (مِن) زِيادَةً لِمَكانِ النَّفْيِ المُتَقَدِّمِ، كَما تَقُولُ: ما اتَّخَذْتُ زَيْدًا مِن وكِيلٍ. وقِيلَ: (مِن أوْلِياءَ) هو الثّانِي عَلى زِيادَةِ (مِن)، وهَذا لا يَجُوزُ عِنْدَ أكْثَرِ النَّحْوِيِّينَ، إنَّما يَجُوزُ دُخُولُها زائِدَةً عَلى المَفْعُولِ الأوَّلِ بِشَرْطِهِ. وقَرَأ الحَجّاجُ: أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ أوْلِياءَ، فَبَلَغَ عاصِمًا فَقالَ: مُقِتَ المُخَدَّجُ أوَما عَلِمَ أنَّ فِيها (مِن) ولَمّا تَضَمَّنَ قَوْلُهم: ﴿ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ﴾ أنّا لَمْ نُضِلُّهم ولَمْ نَحْمِلْهم عَلى الِامْتِناعِ مِنَ الإيمانِ صَلُحَ أنْ يَسْتَدْرِكَ بَلَكِنْ، والمَعْنى لَكِنْ أكْثَرْتَ عَلَيْهِمْ وعَلى آبائِهِمُ النِّعَمَ، وأطَلْتَ أعْمارَهم، وكانَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ شُكْرُها والإيمانُ بِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْإعْراضِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ. قِيلَ: ولَكِنْ مَتَّعْتَهم كالرَّمْزِ إلى ما صَرَّحَ بِهِ مُوسى مِن قَوْلِهِ: ﴿إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ﴾ [الأعراف: ١٥٥]، أيْ: أنْتَ الَّذِي أعْطَيْتَهم مَطالِبَهم مِنَ الدُّنْيا حَتّى صارُوا غَرْقى في بَحْرِ الشَّهَواتِ، فَكانَ صارِفًا لَهم عَنِ التَّوَجُّهِ إلى طاعَتِكَ والِاشْتِغالِ بِخِدْمَتِكَ، والذِّكْرُ ما ذُكِّرَ بِهِ النّاسُ عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ أوِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ أوِ القُرْآنِ. والبُورُ: قِيلَ مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ الواحِدُ والجُمَعُ. وقِيلَ: جَمْعُ بائِرٍ كَعائِذٍ وعُوذٍ. قِيلَ: مَعْناهُ هَلْكى. وقِيلَ: فَسْدى، وهي لُغَةُ الأزْدِ يَقُولُونَ: أمْرٌ بائِرٌ، أيْ: فاسِدٌ، وبارَتِ البِضاعَةُ: فَسَدَتْ. وقالَ الحَسَنُ: لا خَيْرَ فِيهِمْ، مِن قَوْلِهِمْ: أرْضٌ بُورٌ، أيْ: مُعَطَّلَةٌ لا نَباتَ فِيها. وقِيلَ: (بُورًا) عُمْيًا عَنِ الحَقِّ.
(فَقَدْ كَذَّبُوكم) هَذا مِن قَوْلِ اللَّهِ بِلا خِلافٍ وهي مُفاجَأةٌ، فالِاحْتِجاجُ والإلْزامُ حَسَنَةٌ رابِعَةٌ وخاصَّةٌ إذا انْضَمَّ إلَيْها الِالتِفاتُ، وهو عَلى إضْمارِ القَوْلِ كَقَوْلِهِ: (يا أهْلَ الكِتابِ) إلى قَوْلِهِ (فَقَدْ جاءَكم)، أيْ فَقُلْنا: قَدْ جاءَكم. وقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎قالُوا خُراسانُ أقْصى ما يُرادُ بِنا ثُمَّ القُفُولُ فَقَدْ جِئْنا خُراسانا
أيْ: فَقُلْنا قَدْ جِئْنا، وكَذَلِكَ هَذا، أيْ: فَقُلْنا قَدْ كَذَّبُوكم، فَإنْ كانَ المُجِيبُ الأصْنامَ فالخِطابُ لِلْكُفّارِ، أيْ: قَدْ كَذَّبَتْكم مَعْبُوداتُكم مِنَ الأصْنامِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ما كانَ يَنْبَغِي لَنا﴾، وإنْ كانَ الخِطابُ لِلْمَعْبُودِينَ مِنَ العُقَلاءِ عِيسى والمَلائِكَةِ وعُزَيْرٍ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -، وهو الظّاهِرُ؛ لَتَناسَقَ الخِطابُ مَعَ قَوْلِهِ: (أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ)، أيْ: كَذَّبَكُمُ المَعْبُودُونَ (بِما تَقُولُونَ) أيْ: بِقَوْلِهِمْ: إنَّكم أضْلَلْتُمُوهم، وزَعْمِهِمْ أنَّكم أوْلِياؤُهم مِن دُونِ اللَّهِ. ومَن قَرَأ (بِما تَقُولُونَ) بِتاءِ الخِطابِ، فالمَعْنى فِيما تَقُولُونَ، أيْ: ﴿سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ﴾ . وقِيلَ: الخِطابُ لِلْكُفّارِ العابِدِينَ، أيْ: كَذَّبَكُمُ المَعْبُودُونَ بِما تَقُولُونَ مِنَ الجَوابِ.
﴿سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا﴾ أوْ فِيما تَقُولُونَ أنْتُمْ مِنَ الِافْتِراءِ عَلَيْهِمْ خُوطِبُوا عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا، أيْ: قَدْ كَذَّبَكم أيُّها المُؤْمِنُونَ الكُفّارُ في الدُّنْيا فِيما تَقُولُونَهُ مِنَ التَّوْحِيدِ والشَّرْعِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (بِما تَقُولُونَ) بِالتّاءِ مِن فَوْقُ. وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ الصَّلْتِ عَنْ قُنْبُلٍ بِالياءِ مِن تَحْتُ.
وقَرَأ حَفْصٌ، وأبُو حَيْوَةَ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ (فَما تَسْتَطِيعُونَ) بِتاءِ الخِطابِ، ويُؤَيِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ (p-٤٩٠)أنَّ الخِطابَ في (كَذَّبُوكم) لِلْكُفّارِ العابِدِينَ. وذُكِرَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي بَكْرٍ أنَّهُما قَرَآ (بِما يَقُولُونَ فَما يَسْتَطِيعُونَ) بِالياءِ فِيهِما، أيْ: هم. (صَرْفًا) أيْ: صَرْفَ العَذابِ أوْ تَوْبَةً أوْ حِيلَةً مِن قَوْلِهِمْ إنَّهُ لَيَتَصَرَّفُ، أيْ: يَحْتالُ، هَذا إنْ كانَ الخِطابُ في (كَذَّبُوكم) لِلْكُفّارِ، فالتّاءُ جارِيَةٌ عَلى ذَلِكَ، والياءُ التِفاتٌ، وإنْ كانَ لِلْمَعْبُودِينَ فالتّاءُ التِفاتٌ. والياءُ جارِيَةٌ عَلى ضَمِيرِ (كَذَّبُوكم) المَرْفُوعِ، وإنْ كانَ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ أُمَّةِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْلِهِ: (فَقَدْ كَذَّبُوكم) فالمَعْنى أنَّهم شَدِيدُو الشَّكِيمَةِ في التَّكْذِيبِ. (فَما تَسْتَطِيعُونَ) أنْتُمْ صَرْفَهم عَمّا هم عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ. وبِالياءِ فَما يَسْتَطِيعُونَ (صَرْفًا) لِأنْفُسِهِمْ عَمّا هم عَلَيْهِ. أوْ ما يَسْتَطِيعُونَ صَرْفَكم عَنِ الحَقِّ الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ. (ولا نَصْرًا) لِأنْفُسِهِمْ مِنَ البَلاءِ الَّذِي اسْتَوْجَبُوهُ بِتَكْذِيبِهِمْ.
(ومَن يَظْلِمْ مِنكم) الظّاهِرُ أنَّهُ عامٌّ. وقِيلَ: خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. وقِيلَ: خِطابٌ لِلْكافِرِينَ. والظُّلْمُ هُنا الشِّرْكُ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ وابْنُ جُرَيْجٍ، ويُحْتَمَلُ دُخُولُ المَعاصِي غَيْرِ الشِّرْكِ في الظُّلْمِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: العَذابُ الكَبِيرُ لاحِقٌ لِكُلِّ مَن ظَلَمَ والكافِرُ ظالِمٌ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] والفاسِقُ ظالِمٌ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ومَن لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١]، انْتَهى، وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. وقُرِئَ: ”يُذِقْهُ“ بِياءِ الغَيْبَةِ، أيِ: اللَّهُ وهو الظّاهِرُ. وقِيلَ: هو، أيِ: الظُّلْمُ، وهو المَصْدَرُ المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ: (بِظُلْمٍ)، أيْ: يُذِقْهُ الظُّلْمُ.
ولَمّا تَقَدَّمَ الطَّعْنُ عَلى الرَّسُولِ بِأكْلِ الطَّعامِ والمَشْيِ في الأسْواقِ أخْبَرَ تَعالى أنَّها عادَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ في كُلِّ رِسالَةٍ، ومَفْعُولُ (أرْسَلْنا) عِنْدَ الزَّجّاجِ والزَّمَخْشَرِيِّ ومَن تَبِعَهُما مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ أحَدًا. وقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ رِجالًا أوْ رُسُلًا. وعادَ الضَّمِيرُ في (إنَّهم) عَلى ذَلِكَ المَحْذُوفِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] أيْ: وما مَنّا أحَدٌ، والجُمْلَةُ عِنْدَ هَؤُلاءِ صِفَةٌ، أعْنِي قَوْلَهُ: (إلّا إنَّهم) كَأنَّهُ قالَ: إلّا آكِلِينَ وماشِينَ. وعِنْدَ الفَرّاءِ المَفْعُولُ مَحْذُوفٌ وهو مَوْصُولٌ مُقَدَّرٌ بَعْدَ إلّا أيْ إلّا مَن. (إنَّهم) والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى (مِن) عَلى مَعْناها، فَيَكُونُ اسْتِثْناءً مُفَرَّغًا، وقِيلَ: (إنَّهم) قَبْلَهُ قَوْلٌ مَحْذُوفٌ، أيْ: (إلّا) قِيلَ: (إنَّهم)، وهَذانِ القَوْلانِ مَرْجُوحانِ في العَرَبِيَّةِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: التَّقْدِيرُ إلّا وإنَّهم، يَعْنِي أنَّ الجُمْلَةَ حالِيَّةٌ، وهَذا هو المُخْتارُ. وقَدْ رَدَّ عَلى مَن قالَ: إنَّ ما بَعْدَ إلّا قَدْ يَجِيءُ صِفَةً، وأمّا حَذْفُ المَوْصُولِ فَضَعِيفٌ، وقَدْ ذَهَبَ إلى حِكايَةِ الحالِ أيْضًا أبُو البَقاءِ، قالَ: وقِيلَ لَوْ لَمْ تَكُنِ اللّامُ لَكُسِرَتْ؛ لَأنَّ الجُمْلَةَ حالِيَّةٌ إذِ المَعْنى إلّا وهم يَأْكُلُونَ. وقُرِئَ (أنَّهم) بِالفَتْحِ عَلى زِيادَةِ اللّامِ وأنَّ مَصْدَرِيَّةٌ التَّقْدِيرُ إلّا أنَّهم يَأْكُلُونَ، أيْ: ما جَعَلْناهم رُسُلًا إلى النّاسِ إلّا لِكَوْنِهِمْ مِثْلَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ويَمْشُونَ) مُضارِعُ مَشى خَفِيفًا. وقَرَأ عَلِيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ (يُمَشَّوْنَ) مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ: يُمَشِّيهِمْ حَوائِجُهم والنّاسُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَوْ قُرِئَ (يُمَشَّوْنَ)؛ لَكانَ أوْجَهَ لَوْلا الرِّوايَةُ، انْتَهى. وقَدْ قَرَأ كَذَلِكَ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وهي بِمَعْنى (يَمْشُونَ) قِراءَةُ الجُمْهُورِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎ومَشى بِأعْطانِ المَباءَةِ وابْتَغى ∗∗∗ قَلائِصَ مِنها صَعْبَةٌ ورَكُوبُ
(وجَعَلْنا بَعْضَكم) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو عامٌّ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، فالصَّحِيحُ فِتْنَةٌ لِلْمَرِيضِ، والغَنِيُّ فِتْنَةٌ لِلْفَقِيرِ، والفَقِيرُ الشّاكِرُ فِتْنَةٌ لِلْغَنِيِّ، والرَّسُولُ المَخْصُوصُ بِكَرامَةِ النُّبُوَّةِ فِتْنَةٌ لِأشْرافِ النّاسِ الكُفّارِ في عَصْرِهِ، وكَذَلِكَ العُلَماءُ وحُكّامُ العَدْلِ. وقَدْ تَلا ابْنُ القاسِمِ هَذِهِ الآيَةَ حِينَ رَأى أشْهَبَ، انْتَهى. ورُوِيَ قَرِيبٌ مِن هَذِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والتَّوْقِيفُ بِأتَصْبِرُونَ خاصٌّ لِلْمُؤْمِنِينَ المُحِقِّينَ فَهو لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ، كَأنَّهُ جَعَلَ إمْهالَ الكُفّارِ فِتْنَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، أيِ: اخْتِبارًا ثُمَّ وقَّفَهم. هَلْ تَصْبِرُونَ أمْ لا ؟ ثُمَّ أعْرَبَ قَوْلَهُ: ﴿وكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ عَنِ الوَعْدِ لِلصّابِرِينَ والوَعِيدِ لِلْعاصِينَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فِتْنَةً) أيْ: مِحْنَةً وبَلاءً، وهَذا تَصَبُّرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى ما قالُوهُ واسْتَبْعَدُوهُ (p-٤٩١)مِن أكْلِهِ الطَّعامَ ومَشْيِهِ في الأسْواقِ بَعْدَما احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِسائِرِ الرُّسُلِ، يَقُولُ: جَرَتْ عادَتِي ومُوجَبُ حِكْمَتِي عَلى ابْتِلاءِ بَعْضِكم أيُّها النّاسُ بِبَعْضٍ. والمَعْنى أنَّهُ ابْتَلى المُرْسَلِينَ بِالمُرْسَلِ إلَيْهِمْ ومُناصَبَتِهِمْ لَهُمُ العَداوَةَ وأقاوِيلِهِمُ الخارِجَةِ عَنْ حَدِّ الإنْصافِ وأنْواعِ أذاهم، وطَلَبَ مِنهُمُ الصَّبْرَ الجَمِيلَ، ونَحْوُهُ ﴿ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ١٨٦] الآيَةَ. ومَوْقِعُ (أتَصْبِرُونَ) بَعْدَ ذِكْرِ الفِتْنَةِ مَوْقِعُ (أيُّكم) بَعْدَ الِابْتِلاءِ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] .
(بَصِيرًا) عالِمًا بِالصَّوابِ فِيما يَبْتِلِي بِهِ وبِغَيْرِهِ، فَلا يَضِيقَنَّ صَدْرُكَ ولا تَسْتَخِفَّنَّكَ أقاوِيلُهم، فَإنَّ في صَبْرِكَ عَلَيْهِمْ سَعادَةً وفَوْزَكَ في الدّارَيْنِ. وقِيلَ: هو تَسْلِيَةٌ عَمّا عَيَّرُوهُ بِهِ مِنَ الفَقْرِ حِينَ قالُوا: ﴿أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ أوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾ [الفرقان: ٨] وأنَّهُ جَعَلَ الأغْنِياءَ فِتْنَةً لِلْفُقَراءِ؛ لِيَنْظُرَ هَلْ تَصْبِرُونَ ؟ وأنَّها حِكْمَتُهُ ومَشِيئَتُهُ يُغْنِي مَن يَشاءُ ويُفْقِرُ مَن يَشاءُ. وقِيلَ: جَعَلْناكَ فِتْنَةً لَهم؛ لِأنَّكَ لَوْ كُنْتَ غَنِيًّا صاحِبَ كُنُوزٍ وجَنّاتٍ؛ لَكانَ مَيْلُهم إلَيْكَ وطاعَتُهم لَكَ لِلدُّنْيا أوْ مَمْزُوجَةً بِالدُّنْيا، وإنَّما بَعَثْناكَ فَقِيرًا؛ لِتَكُونَ طاعَةُ مَن يُطِيعُكَ مِنهم خالِصَةً لِوَجْهِ اللَّهِ مِن غَيْرِ طَمَعٍ دُنْيَوِيٍّ. وقِيلَ: كانَ أبُو جَهْلٍ والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ والعاصِي بْنُ وائِلٍ ومَن في طَبَقَتِهِمْ يَقُولُونَ: إنْ أسْلَمْنا وقَدْ أسْلَمَ قَبْلَنا عَمّارٌ وصُهَيْبٌ وبِلالٌ وفُلانٌ وفُلانٌ، فَرُفِعُوا عَلَيْنا إدْلالًا بِالسّابِقَةِ، فَهو افْتِتانُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، انْتَهى. وفِيهِ تَكْثِيرٌ، وهَذا القَوْلُ الأخِيرُ قَوْلُ الكَلْبِيِّ، والفَرّاءِ والزَّجّاجِ. والأوْلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ يَشْمَلُ مَعانِيَ هَذِهِ الألْفاظِ كُلِّها؛ لِأنَّ بَيْنَ الجَمِيعِ قَدْرًا مُشْتَرَكًا. وقِيلَ: في قَوْلِهِ: (أتَصْبِرُونَ) إنَّهُ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الأمْرِ، أيِ: اصْبِرُوا، والظّاهِرُ حَمْلُ الرَّجاءِ عَلى المَشْهُورِ مِنِ اسْتِعْمالِهِ، والمَعْنى لا يَأْمُلُونَ لِقاءَنا بِالخَيْرِ وثَوابَنا عَلى الطّاعَةِ لِتَكْذِيبِهِمْ بِالبَعْثِ لِكُفْرِهِمْ بِما جِئْتُ بِهِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وقَوْمٌ: مَعْناهُ لا يَخافُونَ. وقالَ الفَرّاءُ: (لا يَرْجُونَ نُشُورًا) لا يَخافُونَ، وهَذِهِ الكَلِمَةُ تِهامِيَّةٌ، وهي أيْضًا مِن لُغَةِ هُذَيْلٍ إذا كانَ مَعَ الرَّجاءِ جَحْدٌ ذَهَبُوا بِهِ إلى مَعْنى الخَوْفِ. فَتَقُولُ: فُلانٌ لا يَرْجُو رَبَّهُ يُرِيدُونَ لا يَخافُ رَبَّهُ، ومِن ذَلِكَ ﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾ [نوح: ١٣]، أيْ: لا تَخافُونَ لِلَّهِ عَظَمَةً، وإذا قالُوا: فُلانٌ يَرْجُو رَبَّهُ فَهَذا مَعْنى الرَّجاءِ لا عَلى الخَوْفِ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎إذا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَها ∗∗∗ وحالَفَها في بَيْتِ نَوْبٍ عَوامِلِ
وقالَ آخَرُ:
؎لا تَرْتَجِي حِينَ تُلاقِي الذّائِدا ∗∗∗ أسَبْعَةً لاقَتْ مَعًا أمْ واحِدا
انْتَهى. ومِن لازِمِ الرَّجاءِ لِلثَّوابِ الخَوْفُ مِنَ العِقابِ، ومَن كانَ مُكَذِّبًا بِالبَعْثِ لا يَرْجُو ثَوابًا ولا يَخافُ عِقابًا، ومَن تَأوَّلَ لَمْ يَرْجُ لَسْعَها عَلى مَعْنى لَمْ يَرْجُ دَفْعَها ولا الِانْفِكاكَ عَنْها. فَهو لِذَلِكَ يُوَطَّنُ عَلى الصَّبْرِ ويُجِدُّ في شُغْلِهِ، فَتَأْوِيلُهُ مُمْكِنٌ، لَكِنَّ الفَرّاءَ وغَيْرَهُ نَقَلُوا ذَلِكَ لُغَةً لِهُذَيْلٍ في النَّفْيِ، والشّاعِرُ هُذَلِيٌّ؛ فَيَنْبَغِي أنْ لا يُتَكَلَّفَ لِلتَّأْوِيلِ وأنْ يُحْمَلَ عَلى لُغَتِهِ.
﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ﴾ فَتُخْبِرَنا أنَّكَ رَسُولٌ حَقًّا. (أوْ نَرى رَبَّنا) فَيُخْبِرَنا بِذَلِكَ؛ قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهُ. وهَذِهِ كَما قالَتِ اليَهُودُ: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥]، وكَقَوْلِهِمْ - أعْنِي المُشْرِكِينَ -: ﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢]، وهَذا كُلُّهُ في سَبِيلِ التَّعَنُّتِ، وإلّا فَما جاءَهم بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ كافٍ لَوْ وُفِّقُوا. (لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا)، أيْ: تَكَبَّرُوا. (في أنْفُسِهِمْ)، أيْ: عَظَّمُوا أنْفُسَهم بِسُؤالِ رُؤْيَةِ اللَّهِ، وهم لَيْسُوا بِأهْلٍ لَها. والمَعْنى أنَّ سُؤالَ ذَلِكَ إنَّما هو لِما أضْمَرُوا في أنْفُسِهِمْ مِنَ الِاسْتِكْبارِ عَنِ الحَقِّ وهو الكُفْرُ والعِنادُ الكامِنُ في قُلُوبِهِمُ الظّاهِرُ عَنْهُ ما لا يَقَعُ لَهم، كَما قالَ: ﴿إنْ في صُدُورِهِمْ إلّا كِبْرٌ ما هم بِبالِغِيهِ﴾ [غافر: ٥٦]، واللّامُ في (لَقَدِ) جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، و(عَتَوْا) تَجاوَزُوا الحَدَّ في الظُّلْمِ ووَصَفَهُ بِكَبِيرٍ مُبالَغَةً في إفْراطِهِ، أيْ لَمْ يَجْسُرُوا عَلى هَذا القَوْلِ العَظِيمِ إلّا لِأنَّهم بَلَغُوا غايَةَ الِاسْتِكْبارِ وأقْصى العُتُوِّ. وجاءَ هُنا (p-٤٩٢)(عُتُوًّا) عَلى الأصْلِ، وفي مَرْيَمَ (عِتِيًّا) عَلى اسْتِثْقالِ اجْتِماعِ الواوَيْنِ والقَلْبِ لِمُناسَبَةِ الفَواصِلِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (عَتَوْا) كَفَرُوا أشَدَّ الكُفْرِ وأفْحَشُوا. وقالَ عِكْرِمَةُ: تَجَبَّرُوا. وقالَ ابْنُ سَلامٍ: عَصَوْا. وقالَ ابْنُ عِيسى: أسْرَفُوا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذِهِ الجُمْلَةُ في حُسْنِ اسْتِيفائِها غايَةٌ في أُسْلُوبِها. ونَحْوُهُ قَوْلُ القائِلِ:
؎وجارَةِ جَسّاسٍ أبَأْنا بِنابِها كُلَيْبًا ∗∗∗ غَلَتْ نابٌ كُلَيْبٌ بَواؤُها
فِي نَحْوِ هَذا الفِعْلِ دَلِيلٌ عَلى التَّعَجُّبِ مِن غَيْرِ لَفْظِ تَعَجُّبٍ، ألا تَرى أنَّ المَعْنى ما أشَدَّ اسْتِكْبارَهم، وما أكْثَرَ عُتُوَّهم، وما أغْلى نابًا بَواؤُها كُلَيْبٌ.
﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ﴾ (يَوْمَ) مَنصُوبٌ بِـ (اذْكُرْ)، وهو أقْرَبُ أوْ بِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ (لا بُشْرى)، أيْ: يَمْنَعُونَ البُشْرى ولا يَعْمَلُ فِيهِ (لا بُشْرى)؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ؛ ولِأنَّهُ مَنفِيٌّ بِلا الَّتِي لِنَفْيِ الجِنْسِ؛ لِأنَّهُ لا يَعْمَلُ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها، وكَذا الدّاخِلَةُ عَلى الأسْماءِ عامِلَةٌ عَمَلَ لَيْسَ، ودُخُولُ (لا) عَلى (بُشْرى)؛ لِانْتِفاءِ أنْواعِ البُشْرى، وهَذا اليَوْمُ الظّاهِرُ أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ؛ لِقَوْلِهِ بَعْدُ (وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا) . وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: عِنْدَ المَوْتِ، والمَعْنى أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ اقْتَرَحُوا نُزُولَ المَلائِكَةِ لا يَعْرِفُونَ ما يَكُونُ لَهم إذا رَأوْهم مِنَ الشَّرِّ، وانْتِفاءِ البِشارَةِ، وحُصُولِ الخَسارِ والمَكْرُوهِ. واحْتَمَلَ (بُشْرى) أنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا مَعَ (لا)، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ في نِيَّةِ التَّنْوِينِ مَنصُوبَ اللَّفْظِ، ومُنِعَ مِنَ الصَّرْفِ لِلتَّأْنِيثِ اللّازِمِ، فَإنْ كانَ مَبْنِيًّا مَعَ (لا) احْتَمَلَ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ (يَوْمَئِذٍ) و(لِلْمُجْرِمِينَ) خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أوْ نَعْتٌ لِبُشْرى، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ، وأنْ يَكُونَ (يَوْمَئِذٍ) صِفَةً لِبُشْرى، والخَبَرُ (لِلْمُجْرِمِينَ) ويَجِيءُ خِلافُ سِيبَوَيْهِ، والأخْفَشِ هَلِ الخَبَرُ لِنَفْسِ (لا) أوِ الخَبَرُ لِلْمُبْتَدَأِ الَّذِي هو مَجْمُوعُ (لا) وما بُنِيَ مَعَها ؟ وإنْ كانَ في نِيَّةِ التَّنْوِينِ وهو مُعْرَبٌ، جازَ أنْ يَكُونَ (يَوْمَئِذٍ) مَعْمُولًا لِبُشْرى، وأنْ يَكُونَ صِفَةً، والخَبَرُ مِنَ الخَبَرِ. وأجازَ أنْ يَكُونَ (يَوْمَئِذٍ) و(لِلْمُجْرِمِينَ) خَبَرٌ، وجازَ أنْ يَكُونَ (يَوْمَئِذٍ) خَبَرًا و(لِلْمُجْرِمِينَ) صِفَةً، والخَبَرُ إذا كانَ الِاسْمَ لَيْسَ مَبْنِيًّا لِنَفْسِ لا بِإجْماعٍ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: و(يَوْمَئِذٍ) لِلتَّكْرِيرِ وتَبِعَهُ أبُو البَقاءِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَكْرِيرًا، سَواءٌ أُرِيدَ بِهِ التَّوْكِيدُ اللَّفْظِيُّ أمْ أُرِيدَ بِهِ البَدَلُ؛ لِأنَّ (يَوْمَ) مَنصُوبٌ بِما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مَنِ اذْكُرْ أوْ مِن يَعْدَمُونَ البُشْرى، وما بَعْدَ (لا) العامِلَةِ في الِاسْمِ لا يَعْمَلُ فِيهِ ما قَبْلَها، وعَلى تَقْدِيرِهِ يَكُونُ العامِلُ فِيهِ ما قَبْلَ إلّا، والظّاهِرُ عُمُومُ المُجْرِمِينَ فَيَنْدَرِجُ هَؤُلاءِ القائِلُونَ فِيهِمْ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (ويَقُولُونَ) عائِدٌ عَلى القائِلِينَ؛ لِأنَّ المُحَدَّثَ عَنْهم كانُوا يَطْلُبُونَ نُزُولَ المَلائِكَةِ،، ثُمَّ إذا رَأوْهم كَرِهُوا لِقاءَهم وفَزِعُوا مِنهم؛ لِأنَّهم لا يَلْقَوْنَهم إلّا بِما يَكْرَهُونَ، فَقالُوا عِنْدَ رُؤْيَتِهِمْ ما كانُوا يَقُولُونَهُ عِنْدَ لِقاءِ العَدُوِّ ونُزُولِ الشِّدَّةِ، وقالَ مَعْناهُ مُجاهِدٌ، قالَ: (حِجْرًا) عَواذًا يَسْتَعِيذُونَ مِنَ المَلائِكَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ: كانَتِ العَرَبُ إذا كَرِهَتْ شَيْئًا قالُوا: حِجْرًا. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هاتانِ اللَّفْظَتانِ عُوذَةٌ لِلْعَرَبِ يَقُولُهُما مَن خافَ آخَرَ في الحَرَمِ أوْ في شَهْرٍ حَرامٍ إذا لَقِيَهُ وبَيْنَهُما تِرَةٌ، انْتَهى. ومِنهُ قَوْلُ المُتَلَمِّسِ:
؎حَنَّتْ إلى النَّخْلَةِ القُصْوى فَقُلْتُ لَها ∗∗∗ حِجْرٌ حَرامٌ ألا تِلْكَ الدَّهالِيسُ
أيْ: هَذا الَّذِي حَنَنْتِ إلَيْهِ هو مَمْنُوعٌ، وذَكَرَ سِيبَوَيْهِ (حِجْرًا) في المَصادِرِ المَنصُوبَةِ غَيْرِ المُتَصَرِّفَةِ. وقالَ بَعْضُ الرُّجّازِ:
قالَتْ وفِيها حَيْرَةٌ وذُعْرُ عَوَذٌ يُرى مِنكم وحِجْرُ
وأنَّهُ واجِبٌ إضْمارُ ناصِبِها. قالَ سِيبَوَيْهِ: ويَقُولُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ أتَفْعَلُ كَذا ؟ فَيَقُولُ: حِجْرًا، وهي مِن حَجَرَهُ إذا مَنَعَهُ؛ لِأنَّ المُسْتَعِيذَ طالِبٌ مِنَ اللَّهِ أنْ يَمْنَعَ المَكْرُوهَ لا يَلْحَقَهُ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ (p-٤٩٣)والضَّحّاكُ (حُجْرًا) بِضَمِّ الحاءِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (ويَقُولُونَ) عائِدٌ عَلى المَلائِكَةِ، أيْ: تَقُولُ المَلائِكَةُ لِلْمُجْرِمِينَ: (حِجْرًا مَحْجُورًا) عَلَيْكُمُ البُشْرى، و(مَحْجُورًا) صِفَةٌ تُؤَكِّدُ مَعْنى (حِجْرًا)، كَما قالُوا: مَوْتٌ مائِتٌ، وذَيْلٌ ذائِلٌ، والقُدُومُ الحَقِيقِيُّ مُسْتَحِيلٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، فَهو عِبارَةٌ عَنْ حُكْمِهِ بِذَلِكَ وإنْفاذِهِ. قِيلَ: أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ قَدِمَتْ مَلائِكَتُنا، وأسْنَدَ ذَلِكَ إلَيْهِ لِأنَّهُ عَنْ أمْرِهِ، وحَسُنَتْ لَفْظَةُ (قَدِمْنا)؛ لِأنَّ القادِمَ عَلى شَيْءٍ مَكْرُوهٍ لَمْ يُقَرِّرْهُ ولا أمَرَ بِهِ مُغَيِّرٌ لَهُ ومُذْهِبٌ، فَمَثَّلَتْ حالَ هَؤُلاءِ وأعْمالَهُمُ الَّتِي عَمِلُوها في كُفْرِهِمْ، مِن صِلَةِ رَحِمٍ، وإغاثَةِ مَلْهُوفٍ، وقِرى ضَيْفٍ، ومَنٍّ عَلى أسِيرٍ. وغَيْرِ ذَلِكَ مِن مَكارِمِهِمْ، بِحالِ قَوْمٍ خالَفُوا سُلْطانَهم فَقَصَدَ إلى ما تَحْتَ أيْدِيهِمْ فَمَزَّقَها بِحَيْثُ لَمْ يَتْرُكْ لَها أثَرًا، وفي أمْثالِهِمْ: أقَلُّ مِنَ الهَباءِ، و﴿هَباءً مَنثُورًا﴾ صِفَةٌ لِلْهَباءِ، شَبَّهَهُ بِالهَباءِ لِقِلَّتِهِ وأنَّهُ لا يُنْتَفَعُ بِهِ، ثُمَّ وصَفَهُ بِمَنثُورًا؛ لِأنَّ الهَباءَ تَراهُ مُنْتَظِمًا مَعَ الضَّوْءِ فَإذا حَرَّكَتْهُ الرِّيحُ رَأيْتَهُ قَدْ تَناثَرَ وذَهَبَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ جَعَلَهُ - يَعْنِي (مَنثُورًا) - مَفْعُولًا ثالِثًا لِجَعَلْناهُ، أيْ: (فَجَعَلْناهُ) جامِعًا لِحَقارَةِ الهَباءِ والتَّناثُرِ. كَقَوْلِهِ: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥]، أيْ: جامِعِينَ لِلْمَسْخِ والخَسْءِ، انْتَهى. وخالَفَ ابْنُ دُرُسْتُوَيْهِ فَخالَفَ النَّحْوِيِّينَ في مَنعِهِ أنْ يَكُونَ لِكانَ خَبَرانِ وأزْيَدُ. وقِياسُ قَوْلِهِ في جَعَلَ أنْ يُمْنَعَ أنْ يَكُونَ لَها خَبَرٌ ثالِثٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الهَباءُ المَنثُورُ ما تَسْفِي بِهِ الرِّياحُ وتَبُثُّهُ. وعَنْهُ أيْضًا: الهَباءُ الماءُ المُهْراقُ، والمُسْتَقَرُّ مَكانُ الِاسْتِقْرارِ في أكْثَرِ الأوْقاتِ. والمَقِيلُ المَكانُ الَّذِي يَأْوُونَ إلَيْهِ في الِاسْتِرْواحِ إلى الأزْواجِ والتَّمَتُّعِ، ولا نَوْمَ في الجَنَّةِ فَسُمِّيَ مَكانُ اسْتِرْواحِهِمْ إلى الحُورِ (مَقِيلًا)، عَلى طَرِيقِ التَّشْبِيهِ؛ إذِ المَكانُ المُتَخَيَّرُ لِلْقَيْلُولَةِ يَكُونُ أطْيَبَ المَواضِعِ. وفي لَفْظِ (أحْسَنُ) رَمْزٌ إلى ما يَتَزَيَّنُ بِهِ مُقِيلُهم مِن حُسْنِ الوُجُوهِ ومَلاحَةِ الصُّوَرِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ التَّحاسِينِ. و(خَيْرٌ) قِيلَ: لَيْسَتْ عَلى بابِها مِنِ اسْتِعْمالِها دَلالَةً عَلى الأفْضَلِيَّةِ، فَيَلْزَمُ مِن ذَلِكَ خَيْرٌ في مُسْتَقَرِّ أهْلِ النّارِ، ويُمْكِنُ إبْقاؤُها عَلى بابِها ويَكُونُ التَّفْضِيلُ وقَعَ بَيْنَ المُسْتَقِرِّينَ والمُقِيلِينَ بِاعْتِبارِ الزَّمانِ الواقِعِ ذَلِكَ فِيهِ. فالمَعْنى (خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا) في الآخِرَةِ مِنَ الكُفّارِ المُتْرَفِينَ في الدُّنْيا، ﴿وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ في الآخِرَةِ مِن أُولَئِكَ في الدُّنْيا. وقِيلَ: (خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا) مِنهم لَوْ كانَ لَهم مُسْتَقَرٌّ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ وُجُودُ مُسْتَقَرٍّ لَهم فِيهِ خَيْرٌ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، والنَّخَعِيِّ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وابْنِ جُرَيْجٍ، ومُقاتِلٍ: إنَّ الحِسابَ يَكْمُلُ في مِقْدارِ نِصْفِ يَوْمٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا، ويُقِيلُ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ في النّارِ.
الفرقان 25:23
(p-٤٨٧)﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ أمْ هم ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ ﴿قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ ولَكِنْ مَتَّعْتَهم وآباءَهم حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ وكانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكم بِما تَقُولُونَ فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا ولا نَصْرًا ومَن يَظْلِمْ مِنكم نُذِقْهُ عَذابًا كَبِيرًا﴾ ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً أتَصْبِرُونَ وكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ .
قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ والأعْرَجُ وابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ (يَحْشُرُهم) و(فَيَقُولُ) بِالياءِ فِيهِما. وقَرَأ الحَسَنُ وطَلْحَةُ وابْنُ عامِرٍ بِالنُّونِ فِيهِما. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ في (نَحْشُرُهم) بِالنُّونِ (p-٤٨٨)وفِي (فَيَقُولُ) بِالياءِ. وقَرَأ الأعْرَجُ (يَحْشِرُهم) بِكَسْرِ الشِّينِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ في كُلِّ القُرْآنِ وهو القِياسُ في الأفْعالِ المُتَعَدِّيَةِ الثُّلاثِيَّةِ؛ لِأنَّ يَفْعُلُ بِضَمِّ العَيْنِ قَدْ يَكُونُ مِنَ اللّازِمِ الَّذِي هو فَعُلَ بِضَمِّها في الماضِي. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي قَلِيلَةٌ في الِاسْتِعْمالِ قَوِيَّةٌ في القِياسِ؛ لِأنَّ يَفْعِلُ بِكَسْرِ العَيْنِ في المُتَعَدِّي أقْيَسُ مَن يَفْعُلُ بِضَمِّ العَيْنِ، انْتَهى. وهَذا لَيْسَ كَما ذَكَرا بَلْ فَعُلَ المُتَعَدِّي الصَّحِيحُ جَمِيعُ حُرُوفِهِ إذا لَمْ يَكُنْ لِلْمُبالَغَةِ ولا حَلْقِيَّ عَيْنٍ ولا لامٍ فَإنَّهُ جاءَ عَلى يَفْعُلُ ويَفْعِلُ كَثِيرًا، فَإنْ شُهِرَ أحَدُ الِاسْتِعْمالَيْنِ اتُّبِعَ، وإلّا فالخِيارُ حَتّى إنَّ بَعْضَ أصْحابِنا خَيَّرَ فِيهِما سَمِعا لِلْكَلِمَةِ أوْ لَمْ يَسْمَعا.
(وما يَعْبُدُونَ)، قالَ الضَّحّاكُ وعِكْرِمَةُ: الأصْنامُ الَّتِي لا تَعْقِلُ يُقْدِرُها اللَّهُ عَلى هَذِهِ المَقالَةِ مِنَ الجَوابِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: يُحْيِي اللَّهُ الأصْنامَ يَوْمَئِذٍ لِتَكْذِيبِ عابِدِيها. وقالَ الجُمْهُورُ: مَن عُبِدَ مِمَّنْ يَعْقِلُ مِمَّنْ لَمْ يَأْمُرْ بِعِبادَتِهِ كالمَلائِكَةِ وعِيسى، وعُزَيْرٍ، وهو الأظْهَرُ كَقَوْلِهِ: (أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ) وما بَعْدَهُ مِنَ المُحاوَرَةِ الَّتِي ظاهِرُها أنَّها لا تَصْدُرُ إلّا مِنَ العُقَلاءِ، وجاءَ ما يُشْبِهُ ذَلِكَ مَنصُوصًا في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبإ: ٤٠] ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦] وسُؤالُهُ تَعالى، وهو عالِمٌ بِالمَسْئُولِ عَنْهُ، لِيُجِيبُوا بِما أجابُوا بِهِ فَيُبَكِّتَ عَبَدَتَهم بِتَكْذِيبِهِمْ إيّاهم فَيَزِيدَ حَسْرَتَهم ويُسَرُّ المُؤْمِنُونَ بِحالِهِمْ ونَجاتِهِمْ مِن فَضِيحَةِ أُولَئِكَ، ولِيَكُونَ حِكايَةُ ذَلِكَ في القُرْآنِ لُطْفًا لِلْمُكَلَّفِينَ. وجاءَ الِاسْتِفْهامُ مُقَدَّمًا فِيهِ الِاسْمُ عَلى الفِعْلِ، ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ (أأضْلَلْتُمْ) ولا أضَلُّوا؛ لِأنَّ كُلًّا مِنَ الإضْلالِ والضَّلالِ واقِعٌ والسُّؤالُ إنَّما هو مِن فاعِلِهِ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا في ﴿أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا بِآلِهَتِنا يا إبْراهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٢] وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ كَسْرٌ بَيِّنٌ لِقَوْلِ مَن يَزْعُمُ أنَّ اللَّهَ يُضِلُّ عِبادَهُ عَلى الحَقِيقَةِ حَيْثُ يَقُولُ لِلْمَعْبُودِينَ مِن دُونِهِ: (أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ) أمْ ضَلُّوا بِأنْفُسِهِمْ فَيَتَبَرَّءُونَ مِن ضَلالِهِمْ ويَسْتَعِيذُونَ بِهِ أنْ يَكُونُوا مُضِلِّينَ، ويَقُولُونَ: بَلْ أنْتَ تَفَضَّلْتَ مِن غَيْرِ سابِقَةٍ عَلى هَؤُلاءِ وآبائِهِمْ تَفَضُّلَ جَوادٍ كَرِيمٍ، فَجَعَلُوا الرَّحْمَةَ الَّتِي حَقُّها أنْ تَكُونَ سَبَبَ الشُّكْرِ سَبَبَ الكُفْرِ ونِسْيانِ الذِّكْرِ، وكانَ ذَلِكَ سَبَبَ هَلاكِهِمْ، فَإذا تَبَرَّأتِ المَلائِكَةُ والرُّسُلُ أنْفُسُهم مِن نِسْبَةِ الضَّلالِ، الَّذِي هو عَمَلُ الشَّياطِينِ إلَيْهِمْ، واسْتَعاذُوا مِنهم فَهم لِرَبِّهِمِ الغِنِيِّ العَدْلِ أشَدُّ تَبْرِئَةً وتَنْزِيهًا مِنهُ، ولَقَدْ نَزَّهُوهُ حِينَ أضافُوا إلَيْهِ التَّفَضُّلَ بِالنِّعْمَةِ والتَّمْتِيعَ بِها. وأسْنَدُوا نِسْيانَ الذِّكْرِ والتَّسَبُّبَ بِهِ لِلْبَوارِ إلى الكَفَرَةِ، فَشَرَحُوا الإضْلالَ المَجازِيَّ الَّذِي أسْنَدَهُ اللَّهُ إلى ذاتِهِ في قَوْلِهِ: ﴿يُضِلُّ مَن يَشاءُ﴾ [الرعد: ٢٧]، ولَوْ كانَ هو المُضِلَّ عَلى الحَقِيقَةِ؛ لَكانَ الجَوابُ العَتِيدُ أنْ يَقُولُوا: بَلْ أنْتَ أضْلَلْتَهُمُ، انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ المُعْتَزِلَةِ.
والمَعْنى (أأنْتُمْ) أوْقَعْتُمْ هَؤُلاءِ ونُسِبْتُمْ لَهم في إضْلالِهِمْ عَنِ الحَقِّ، أمْ (ضَلُّوا) بِأنْفُسِهِمْ عَنْهُ. وضَلَّ أصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى بِعَنْ كَقَوْلِهِ: ﴿مَن يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١١٧]، ثُمَّ اتُّسِعَ فَحُذِفَ، وأضَلَّهُ عَنِ السَّبِيلِ كَما أنَّ هَدى يَتَعَدّى بِإلى ثُمَّ يُحْذَفُ، ويَضِلُّ مُطاوِعُ أضَلَّ كَما تَقُولُ: أقْعَدْتُهُ فَقَعَدَ. و(سُبْحانَكَ) تَنْزِيهٌ لِلَّهِ تَعالى أنْ يُشْرَكَ مَعَهُ في العِبادَةِ أحَدٌ أوْ يُفْرَدَ بِعِبادَةٍ فَأنّى لَهم أنْ يَقَعَ مِنهم إضْلالُ أحَدٍ وهُمُ المُنَزَّهُونَ المُقَدَّسُونَ، أنْ يَكُونَ أحَدٌ مِنهم نِدًّا وهو المُنَزَّهُ عَنِ النِّدِّ والنَّظِيرِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (سُبْحانَكَ) تَعَجُّبٌ مِنهم مِمّا قِيلَ؛ لِأنَّهم مَلائِكَةٌ وأنْبِياءُ مَعْصُومُونَ، فَما أبْعَدَهم عَنِ الإضْلالِ، الَّذِي هو مُخْتَصٌّ بِإبْلِيسَ وحِزْبِهِ، انْتَهى.
وقَرَأ عَلْقَمَةُ (ما يَنْبَغِي) بِسُقُوطِ (كانَ) وقِراءَةُ الجُمْهُورِ بِثُبُوتِها أمْكَنُ في المَعْنى؛ لِأنَّهم أخْبَرُوا عَنْ حالٍ كانَتْ في الدُّنْيا، ووَقْتُ الإخْبارِ لا عَمَلَ فِيهِ. وقَرَأ أبُو عِيسى الأسْوَدُ القارِيُّ (يُنْبَغى لَنا) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: زَعَمَ سِيبَوَيْهِ أنَّ يُنْبَغى لُغَةٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أنْ نَتَّخِذَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، و(مِن أوْلِياءَ) مَفْعُولٌ عَلى زِيادَةِ (مِن) وحَسَّنَ زِيادَتَها انْسِحابُ النَّفْيِ عَلى (نَتَّخِذَ)؛ لِأنَّهُ مَعْمُولٌ لِـ (يَنْبَغِي) . وإذا انْتَفى الِابْتِغاءُ لَزِمَ مِنهُ انْتِفاءُ مُتَعَلِّقِهِ، وهو اتِّخاذُ ولِيٍّ مِن دُونِ اللَّهِ. ونَظِيرُهُ ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكم مِن خَيْرٍ﴾ [البقرة: ١٠٥] (p-٤٨٩)أيْ: خَيْرٌ، والمَعْنى ما كانَ يَصِحُّ لَنا ولا يَسْتَقِيمُ ونَحْنُ مَعْصُومُونَ أنْ نَتَوَلّى أحَدًا دُونَكَ، فَكَيْفَ يَصِحُّ لَنا أنْ نَحْمِلَ غَيْرَنا عَلى أنْ يَتَوَلَّوْنا دُونَكَ ؟ ! . وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: ﴿ما كانَ يَنْبَغِي لَنا﴾ أنْ نَكُونَ أمْثالَ الشَّياطِينِ نُرِيدُ الكُفْرَ فَنَتَوَلّى الكُفّارَ، قالَ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ﴾ [البقرة: ٢٥٧] . وقَرَأ أبُو الدَّرْداءِ وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وأبُو رَجاءٍ، ونَصْرُ بْنُ عَلْقَمَةَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأخُوهُ الباقِرُ، ومَكْحُولٌ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وحَفْصُ بْنُ عُبَيْدٍ، والنَّخَعِيُّ، والسُّلَمِيُّ، وشَيْبَةُ، وأبُو بِشْرٍ، والزَّعْفَرانِيُّ: (أنْ يُتَّخَذَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ واتَّخَذَ مِمّا يَتَعَدّى تارَةً لِواحِدٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿أمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأرْضِ﴾ [الأنبياء: ٢١]، وعَلَيْهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وتارَةً إلى اثْنَيْنِ كَقَوْلِهِ: ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ [الجاثية: ٢٣]، فَقِيلَ: هَذِهِ القِراءَةُ مِنهُ، فالأوَّلُ الضَّمِيرُ في (نَتَّخِذَ)، والثّانِي (مِن أوْلِياءَ)، و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: لا يُتَّخَذُ بَعْضُ أوْلِياءَ، وهَذا قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُضْعِفُ هَذِهِ القِراءَةَ دُخُولُ (مِن) في قَوْلِهِ: (مِن أوْلِياءَ)، اعْتَرَضَ بِذَلِكَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُ. وقالَ أبُو الفَتْحِ: (مِن أوْلِياءَ) في مَوْضِعِ الحالِ، ودَخَلَتْ (مِن) زِيادَةً لِمَكانِ النَّفْيِ المُتَقَدِّمِ، كَما تَقُولُ: ما اتَّخَذْتُ زَيْدًا مِن وكِيلٍ. وقِيلَ: (مِن أوْلِياءَ) هو الثّانِي عَلى زِيادَةِ (مِن)، وهَذا لا يَجُوزُ عِنْدَ أكْثَرِ النَّحْوِيِّينَ، إنَّما يَجُوزُ دُخُولُها زائِدَةً عَلى المَفْعُولِ الأوَّلِ بِشَرْطِهِ. وقَرَأ الحَجّاجُ: أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ أوْلِياءَ، فَبَلَغَ عاصِمًا فَقالَ: مُقِتَ المُخَدَّجُ أوَما عَلِمَ أنَّ فِيها (مِن) ولَمّا تَضَمَّنَ قَوْلُهم: ﴿ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ﴾ أنّا لَمْ نُضِلُّهم ولَمْ نَحْمِلْهم عَلى الِامْتِناعِ مِنَ الإيمانِ صَلُحَ أنْ يَسْتَدْرِكَ بَلَكِنْ، والمَعْنى لَكِنْ أكْثَرْتَ عَلَيْهِمْ وعَلى آبائِهِمُ النِّعَمَ، وأطَلْتَ أعْمارَهم، وكانَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ شُكْرُها والإيمانُ بِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْإعْراضِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ. قِيلَ: ولَكِنْ مَتَّعْتَهم كالرَّمْزِ إلى ما صَرَّحَ بِهِ مُوسى مِن قَوْلِهِ: ﴿إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ﴾ [الأعراف: ١٥٥]، أيْ: أنْتَ الَّذِي أعْطَيْتَهم مَطالِبَهم مِنَ الدُّنْيا حَتّى صارُوا غَرْقى في بَحْرِ الشَّهَواتِ، فَكانَ صارِفًا لَهم عَنِ التَّوَجُّهِ إلى طاعَتِكَ والِاشْتِغالِ بِخِدْمَتِكَ، والذِّكْرُ ما ذُكِّرَ بِهِ النّاسُ عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ أوِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ أوِ القُرْآنِ. والبُورُ: قِيلَ مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ الواحِدُ والجُمَعُ. وقِيلَ: جَمْعُ بائِرٍ كَعائِذٍ وعُوذٍ. قِيلَ: مَعْناهُ هَلْكى. وقِيلَ: فَسْدى، وهي لُغَةُ الأزْدِ يَقُولُونَ: أمْرٌ بائِرٌ، أيْ: فاسِدٌ، وبارَتِ البِضاعَةُ: فَسَدَتْ. وقالَ الحَسَنُ: لا خَيْرَ فِيهِمْ، مِن قَوْلِهِمْ: أرْضٌ بُورٌ، أيْ: مُعَطَّلَةٌ لا نَباتَ فِيها. وقِيلَ: (بُورًا) عُمْيًا عَنِ الحَقِّ.
(فَقَدْ كَذَّبُوكم) هَذا مِن قَوْلِ اللَّهِ بِلا خِلافٍ وهي مُفاجَأةٌ، فالِاحْتِجاجُ والإلْزامُ حَسَنَةٌ رابِعَةٌ وخاصَّةٌ إذا انْضَمَّ إلَيْها الِالتِفاتُ، وهو عَلى إضْمارِ القَوْلِ كَقَوْلِهِ: (يا أهْلَ الكِتابِ) إلى قَوْلِهِ (فَقَدْ جاءَكم)، أيْ فَقُلْنا: قَدْ جاءَكم. وقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎قالُوا خُراسانُ أقْصى ما يُرادُ بِنا ثُمَّ القُفُولُ فَقَدْ جِئْنا خُراسانا
أيْ: فَقُلْنا قَدْ جِئْنا، وكَذَلِكَ هَذا، أيْ: فَقُلْنا قَدْ كَذَّبُوكم، فَإنْ كانَ المُجِيبُ الأصْنامَ فالخِطابُ لِلْكُفّارِ، أيْ: قَدْ كَذَّبَتْكم مَعْبُوداتُكم مِنَ الأصْنامِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ما كانَ يَنْبَغِي لَنا﴾، وإنْ كانَ الخِطابُ لِلْمَعْبُودِينَ مِنَ العُقَلاءِ عِيسى والمَلائِكَةِ وعُزَيْرٍ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -، وهو الظّاهِرُ؛ لَتَناسَقَ الخِطابُ مَعَ قَوْلِهِ: (أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ)، أيْ: كَذَّبَكُمُ المَعْبُودُونَ (بِما تَقُولُونَ) أيْ: بِقَوْلِهِمْ: إنَّكم أضْلَلْتُمُوهم، وزَعْمِهِمْ أنَّكم أوْلِياؤُهم مِن دُونِ اللَّهِ. ومَن قَرَأ (بِما تَقُولُونَ) بِتاءِ الخِطابِ، فالمَعْنى فِيما تَقُولُونَ، أيْ: ﴿سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ﴾ . وقِيلَ: الخِطابُ لِلْكُفّارِ العابِدِينَ، أيْ: كَذَّبَكُمُ المَعْبُودُونَ بِما تَقُولُونَ مِنَ الجَوابِ.
﴿سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا﴾ أوْ فِيما تَقُولُونَ أنْتُمْ مِنَ الِافْتِراءِ عَلَيْهِمْ خُوطِبُوا عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا، أيْ: قَدْ كَذَّبَكم أيُّها المُؤْمِنُونَ الكُفّارُ في الدُّنْيا فِيما تَقُولُونَهُ مِنَ التَّوْحِيدِ والشَّرْعِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (بِما تَقُولُونَ) بِالتّاءِ مِن فَوْقُ. وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ الصَّلْتِ عَنْ قُنْبُلٍ بِالياءِ مِن تَحْتُ.
وقَرَأ حَفْصٌ، وأبُو حَيْوَةَ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ (فَما تَسْتَطِيعُونَ) بِتاءِ الخِطابِ، ويُؤَيِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ (p-٤٩٠)أنَّ الخِطابَ في (كَذَّبُوكم) لِلْكُفّارِ العابِدِينَ. وذُكِرَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي بَكْرٍ أنَّهُما قَرَآ (بِما يَقُولُونَ فَما يَسْتَطِيعُونَ) بِالياءِ فِيهِما، أيْ: هم. (صَرْفًا) أيْ: صَرْفَ العَذابِ أوْ تَوْبَةً أوْ حِيلَةً مِن قَوْلِهِمْ إنَّهُ لَيَتَصَرَّفُ، أيْ: يَحْتالُ، هَذا إنْ كانَ الخِطابُ في (كَذَّبُوكم) لِلْكُفّارِ، فالتّاءُ جارِيَةٌ عَلى ذَلِكَ، والياءُ التِفاتٌ، وإنْ كانَ لِلْمَعْبُودِينَ فالتّاءُ التِفاتٌ. والياءُ جارِيَةٌ عَلى ضَمِيرِ (كَذَّبُوكم) المَرْفُوعِ، وإنْ كانَ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ أُمَّةِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْلِهِ: (فَقَدْ كَذَّبُوكم) فالمَعْنى أنَّهم شَدِيدُو الشَّكِيمَةِ في التَّكْذِيبِ. (فَما تَسْتَطِيعُونَ) أنْتُمْ صَرْفَهم عَمّا هم عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ. وبِالياءِ فَما يَسْتَطِيعُونَ (صَرْفًا) لِأنْفُسِهِمْ عَمّا هم عَلَيْهِ. أوْ ما يَسْتَطِيعُونَ صَرْفَكم عَنِ الحَقِّ الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ. (ولا نَصْرًا) لِأنْفُسِهِمْ مِنَ البَلاءِ الَّذِي اسْتَوْجَبُوهُ بِتَكْذِيبِهِمْ.
(ومَن يَظْلِمْ مِنكم) الظّاهِرُ أنَّهُ عامٌّ. وقِيلَ: خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. وقِيلَ: خِطابٌ لِلْكافِرِينَ. والظُّلْمُ هُنا الشِّرْكُ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ وابْنُ جُرَيْجٍ، ويُحْتَمَلُ دُخُولُ المَعاصِي غَيْرِ الشِّرْكِ في الظُّلْمِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: العَذابُ الكَبِيرُ لاحِقٌ لِكُلِّ مَن ظَلَمَ والكافِرُ ظالِمٌ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] والفاسِقُ ظالِمٌ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ومَن لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١]، انْتَهى، وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. وقُرِئَ: ”يُذِقْهُ“ بِياءِ الغَيْبَةِ، أيِ: اللَّهُ وهو الظّاهِرُ. وقِيلَ: هو، أيِ: الظُّلْمُ، وهو المَصْدَرُ المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ: (بِظُلْمٍ)، أيْ: يُذِقْهُ الظُّلْمُ.
ولَمّا تَقَدَّمَ الطَّعْنُ عَلى الرَّسُولِ بِأكْلِ الطَّعامِ والمَشْيِ في الأسْواقِ أخْبَرَ تَعالى أنَّها عادَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ في كُلِّ رِسالَةٍ، ومَفْعُولُ (أرْسَلْنا) عِنْدَ الزَّجّاجِ والزَّمَخْشَرِيِّ ومَن تَبِعَهُما مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ أحَدًا. وقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ رِجالًا أوْ رُسُلًا. وعادَ الضَّمِيرُ في (إنَّهم) عَلى ذَلِكَ المَحْذُوفِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] أيْ: وما مَنّا أحَدٌ، والجُمْلَةُ عِنْدَ هَؤُلاءِ صِفَةٌ، أعْنِي قَوْلَهُ: (إلّا إنَّهم) كَأنَّهُ قالَ: إلّا آكِلِينَ وماشِينَ. وعِنْدَ الفَرّاءِ المَفْعُولُ مَحْذُوفٌ وهو مَوْصُولٌ مُقَدَّرٌ بَعْدَ إلّا أيْ إلّا مَن. (إنَّهم) والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى (مِن) عَلى مَعْناها، فَيَكُونُ اسْتِثْناءً مُفَرَّغًا، وقِيلَ: (إنَّهم) قَبْلَهُ قَوْلٌ مَحْذُوفٌ، أيْ: (إلّا) قِيلَ: (إنَّهم)، وهَذانِ القَوْلانِ مَرْجُوحانِ في العَرَبِيَّةِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: التَّقْدِيرُ إلّا وإنَّهم، يَعْنِي أنَّ الجُمْلَةَ حالِيَّةٌ، وهَذا هو المُخْتارُ. وقَدْ رَدَّ عَلى مَن قالَ: إنَّ ما بَعْدَ إلّا قَدْ يَجِيءُ صِفَةً، وأمّا حَذْفُ المَوْصُولِ فَضَعِيفٌ، وقَدْ ذَهَبَ إلى حِكايَةِ الحالِ أيْضًا أبُو البَقاءِ، قالَ: وقِيلَ لَوْ لَمْ تَكُنِ اللّامُ لَكُسِرَتْ؛ لَأنَّ الجُمْلَةَ حالِيَّةٌ إذِ المَعْنى إلّا وهم يَأْكُلُونَ. وقُرِئَ (أنَّهم) بِالفَتْحِ عَلى زِيادَةِ اللّامِ وأنَّ مَصْدَرِيَّةٌ التَّقْدِيرُ إلّا أنَّهم يَأْكُلُونَ، أيْ: ما جَعَلْناهم رُسُلًا إلى النّاسِ إلّا لِكَوْنِهِمْ مِثْلَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ويَمْشُونَ) مُضارِعُ مَشى خَفِيفًا. وقَرَأ عَلِيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ (يُمَشَّوْنَ) مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ: يُمَشِّيهِمْ حَوائِجُهم والنّاسُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَوْ قُرِئَ (يُمَشَّوْنَ)؛ لَكانَ أوْجَهَ لَوْلا الرِّوايَةُ، انْتَهى. وقَدْ قَرَأ كَذَلِكَ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وهي بِمَعْنى (يَمْشُونَ) قِراءَةُ الجُمْهُورِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎ومَشى بِأعْطانِ المَباءَةِ وابْتَغى ∗∗∗ قَلائِصَ مِنها صَعْبَةٌ ورَكُوبُ
(وجَعَلْنا بَعْضَكم) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو عامٌّ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، فالصَّحِيحُ فِتْنَةٌ لِلْمَرِيضِ، والغَنِيُّ فِتْنَةٌ لِلْفَقِيرِ، والفَقِيرُ الشّاكِرُ فِتْنَةٌ لِلْغَنِيِّ، والرَّسُولُ المَخْصُوصُ بِكَرامَةِ النُّبُوَّةِ فِتْنَةٌ لِأشْرافِ النّاسِ الكُفّارِ في عَصْرِهِ، وكَذَلِكَ العُلَماءُ وحُكّامُ العَدْلِ. وقَدْ تَلا ابْنُ القاسِمِ هَذِهِ الآيَةَ حِينَ رَأى أشْهَبَ، انْتَهى. ورُوِيَ قَرِيبٌ مِن هَذِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والتَّوْقِيفُ بِأتَصْبِرُونَ خاصٌّ لِلْمُؤْمِنِينَ المُحِقِّينَ فَهو لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ، كَأنَّهُ جَعَلَ إمْهالَ الكُفّارِ فِتْنَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، أيِ: اخْتِبارًا ثُمَّ وقَّفَهم. هَلْ تَصْبِرُونَ أمْ لا ؟ ثُمَّ أعْرَبَ قَوْلَهُ: ﴿وكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ عَنِ الوَعْدِ لِلصّابِرِينَ والوَعِيدِ لِلْعاصِينَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فِتْنَةً) أيْ: مِحْنَةً وبَلاءً، وهَذا تَصَبُّرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى ما قالُوهُ واسْتَبْعَدُوهُ (p-٤٩١)مِن أكْلِهِ الطَّعامَ ومَشْيِهِ في الأسْواقِ بَعْدَما احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِسائِرِ الرُّسُلِ، يَقُولُ: جَرَتْ عادَتِي ومُوجَبُ حِكْمَتِي عَلى ابْتِلاءِ بَعْضِكم أيُّها النّاسُ بِبَعْضٍ. والمَعْنى أنَّهُ ابْتَلى المُرْسَلِينَ بِالمُرْسَلِ إلَيْهِمْ ومُناصَبَتِهِمْ لَهُمُ العَداوَةَ وأقاوِيلِهِمُ الخارِجَةِ عَنْ حَدِّ الإنْصافِ وأنْواعِ أذاهم، وطَلَبَ مِنهُمُ الصَّبْرَ الجَمِيلَ، ونَحْوُهُ ﴿ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ١٨٦] الآيَةَ. ومَوْقِعُ (أتَصْبِرُونَ) بَعْدَ ذِكْرِ الفِتْنَةِ مَوْقِعُ (أيُّكم) بَعْدَ الِابْتِلاءِ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] .
(بَصِيرًا) عالِمًا بِالصَّوابِ فِيما يَبْتِلِي بِهِ وبِغَيْرِهِ، فَلا يَضِيقَنَّ صَدْرُكَ ولا تَسْتَخِفَّنَّكَ أقاوِيلُهم، فَإنَّ في صَبْرِكَ عَلَيْهِمْ سَعادَةً وفَوْزَكَ في الدّارَيْنِ. وقِيلَ: هو تَسْلِيَةٌ عَمّا عَيَّرُوهُ بِهِ مِنَ الفَقْرِ حِينَ قالُوا: ﴿أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ أوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾ [الفرقان: ٨] وأنَّهُ جَعَلَ الأغْنِياءَ فِتْنَةً لِلْفُقَراءِ؛ لِيَنْظُرَ هَلْ تَصْبِرُونَ ؟ وأنَّها حِكْمَتُهُ ومَشِيئَتُهُ يُغْنِي مَن يَشاءُ ويُفْقِرُ مَن يَشاءُ. وقِيلَ: جَعَلْناكَ فِتْنَةً لَهم؛ لِأنَّكَ لَوْ كُنْتَ غَنِيًّا صاحِبَ كُنُوزٍ وجَنّاتٍ؛ لَكانَ مَيْلُهم إلَيْكَ وطاعَتُهم لَكَ لِلدُّنْيا أوْ مَمْزُوجَةً بِالدُّنْيا، وإنَّما بَعَثْناكَ فَقِيرًا؛ لِتَكُونَ طاعَةُ مَن يُطِيعُكَ مِنهم خالِصَةً لِوَجْهِ اللَّهِ مِن غَيْرِ طَمَعٍ دُنْيَوِيٍّ. وقِيلَ: كانَ أبُو جَهْلٍ والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ والعاصِي بْنُ وائِلٍ ومَن في طَبَقَتِهِمْ يَقُولُونَ: إنْ أسْلَمْنا وقَدْ أسْلَمَ قَبْلَنا عَمّارٌ وصُهَيْبٌ وبِلالٌ وفُلانٌ وفُلانٌ، فَرُفِعُوا عَلَيْنا إدْلالًا بِالسّابِقَةِ، فَهو افْتِتانُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، انْتَهى. وفِيهِ تَكْثِيرٌ، وهَذا القَوْلُ الأخِيرُ قَوْلُ الكَلْبِيِّ، والفَرّاءِ والزَّجّاجِ. والأوْلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ يَشْمَلُ مَعانِيَ هَذِهِ الألْفاظِ كُلِّها؛ لِأنَّ بَيْنَ الجَمِيعِ قَدْرًا مُشْتَرَكًا. وقِيلَ: في قَوْلِهِ: (أتَصْبِرُونَ) إنَّهُ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الأمْرِ، أيِ: اصْبِرُوا، والظّاهِرُ حَمْلُ الرَّجاءِ عَلى المَشْهُورِ مِنِ اسْتِعْمالِهِ، والمَعْنى لا يَأْمُلُونَ لِقاءَنا بِالخَيْرِ وثَوابَنا عَلى الطّاعَةِ لِتَكْذِيبِهِمْ بِالبَعْثِ لِكُفْرِهِمْ بِما جِئْتُ بِهِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وقَوْمٌ: مَعْناهُ لا يَخافُونَ. وقالَ الفَرّاءُ: (لا يَرْجُونَ نُشُورًا) لا يَخافُونَ، وهَذِهِ الكَلِمَةُ تِهامِيَّةٌ، وهي أيْضًا مِن لُغَةِ هُذَيْلٍ إذا كانَ مَعَ الرَّجاءِ جَحْدٌ ذَهَبُوا بِهِ إلى مَعْنى الخَوْفِ. فَتَقُولُ: فُلانٌ لا يَرْجُو رَبَّهُ يُرِيدُونَ لا يَخافُ رَبَّهُ، ومِن ذَلِكَ ﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾ [نوح: ١٣]، أيْ: لا تَخافُونَ لِلَّهِ عَظَمَةً، وإذا قالُوا: فُلانٌ يَرْجُو رَبَّهُ فَهَذا مَعْنى الرَّجاءِ لا عَلى الخَوْفِ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎إذا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَها ∗∗∗ وحالَفَها في بَيْتِ نَوْبٍ عَوامِلِ
وقالَ آخَرُ:
؎لا تَرْتَجِي حِينَ تُلاقِي الذّائِدا ∗∗∗ أسَبْعَةً لاقَتْ مَعًا أمْ واحِدا
انْتَهى. ومِن لازِمِ الرَّجاءِ لِلثَّوابِ الخَوْفُ مِنَ العِقابِ، ومَن كانَ مُكَذِّبًا بِالبَعْثِ لا يَرْجُو ثَوابًا ولا يَخافُ عِقابًا، ومَن تَأوَّلَ لَمْ يَرْجُ لَسْعَها عَلى مَعْنى لَمْ يَرْجُ دَفْعَها ولا الِانْفِكاكَ عَنْها. فَهو لِذَلِكَ يُوَطَّنُ عَلى الصَّبْرِ ويُجِدُّ في شُغْلِهِ، فَتَأْوِيلُهُ مُمْكِنٌ، لَكِنَّ الفَرّاءَ وغَيْرَهُ نَقَلُوا ذَلِكَ لُغَةً لِهُذَيْلٍ في النَّفْيِ، والشّاعِرُ هُذَلِيٌّ؛ فَيَنْبَغِي أنْ لا يُتَكَلَّفَ لِلتَّأْوِيلِ وأنْ يُحْمَلَ عَلى لُغَتِهِ.
﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ﴾ فَتُخْبِرَنا أنَّكَ رَسُولٌ حَقًّا. (أوْ نَرى رَبَّنا) فَيُخْبِرَنا بِذَلِكَ؛ قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهُ. وهَذِهِ كَما قالَتِ اليَهُودُ: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥]، وكَقَوْلِهِمْ - أعْنِي المُشْرِكِينَ -: ﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢]، وهَذا كُلُّهُ في سَبِيلِ التَّعَنُّتِ، وإلّا فَما جاءَهم بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ كافٍ لَوْ وُفِّقُوا. (لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا)، أيْ: تَكَبَّرُوا. (في أنْفُسِهِمْ)، أيْ: عَظَّمُوا أنْفُسَهم بِسُؤالِ رُؤْيَةِ اللَّهِ، وهم لَيْسُوا بِأهْلٍ لَها. والمَعْنى أنَّ سُؤالَ ذَلِكَ إنَّما هو لِما أضْمَرُوا في أنْفُسِهِمْ مِنَ الِاسْتِكْبارِ عَنِ الحَقِّ وهو الكُفْرُ والعِنادُ الكامِنُ في قُلُوبِهِمُ الظّاهِرُ عَنْهُ ما لا يَقَعُ لَهم، كَما قالَ: ﴿إنْ في صُدُورِهِمْ إلّا كِبْرٌ ما هم بِبالِغِيهِ﴾ [غافر: ٥٦]، واللّامُ في (لَقَدِ) جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، و(عَتَوْا) تَجاوَزُوا الحَدَّ في الظُّلْمِ ووَصَفَهُ بِكَبِيرٍ مُبالَغَةً في إفْراطِهِ، أيْ لَمْ يَجْسُرُوا عَلى هَذا القَوْلِ العَظِيمِ إلّا لِأنَّهم بَلَغُوا غايَةَ الِاسْتِكْبارِ وأقْصى العُتُوِّ. وجاءَ هُنا (p-٤٩٢)(عُتُوًّا) عَلى الأصْلِ، وفي مَرْيَمَ (عِتِيًّا) عَلى اسْتِثْقالِ اجْتِماعِ الواوَيْنِ والقَلْبِ لِمُناسَبَةِ الفَواصِلِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (عَتَوْا) كَفَرُوا أشَدَّ الكُفْرِ وأفْحَشُوا. وقالَ عِكْرِمَةُ: تَجَبَّرُوا. وقالَ ابْنُ سَلامٍ: عَصَوْا. وقالَ ابْنُ عِيسى: أسْرَفُوا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذِهِ الجُمْلَةُ في حُسْنِ اسْتِيفائِها غايَةٌ في أُسْلُوبِها. ونَحْوُهُ قَوْلُ القائِلِ:
؎وجارَةِ جَسّاسٍ أبَأْنا بِنابِها كُلَيْبًا ∗∗∗ غَلَتْ نابٌ كُلَيْبٌ بَواؤُها
فِي نَحْوِ هَذا الفِعْلِ دَلِيلٌ عَلى التَّعَجُّبِ مِن غَيْرِ لَفْظِ تَعَجُّبٍ، ألا تَرى أنَّ المَعْنى ما أشَدَّ اسْتِكْبارَهم، وما أكْثَرَ عُتُوَّهم، وما أغْلى نابًا بَواؤُها كُلَيْبٌ.
﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ﴾ (يَوْمَ) مَنصُوبٌ بِـ (اذْكُرْ)، وهو أقْرَبُ أوْ بِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ (لا بُشْرى)، أيْ: يَمْنَعُونَ البُشْرى ولا يَعْمَلُ فِيهِ (لا بُشْرى)؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ؛ ولِأنَّهُ مَنفِيٌّ بِلا الَّتِي لِنَفْيِ الجِنْسِ؛ لِأنَّهُ لا يَعْمَلُ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها، وكَذا الدّاخِلَةُ عَلى الأسْماءِ عامِلَةٌ عَمَلَ لَيْسَ، ودُخُولُ (لا) عَلى (بُشْرى)؛ لِانْتِفاءِ أنْواعِ البُشْرى، وهَذا اليَوْمُ الظّاهِرُ أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ؛ لِقَوْلِهِ بَعْدُ (وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا) . وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: عِنْدَ المَوْتِ، والمَعْنى أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ اقْتَرَحُوا نُزُولَ المَلائِكَةِ لا يَعْرِفُونَ ما يَكُونُ لَهم إذا رَأوْهم مِنَ الشَّرِّ، وانْتِفاءِ البِشارَةِ، وحُصُولِ الخَسارِ والمَكْرُوهِ. واحْتَمَلَ (بُشْرى) أنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا مَعَ (لا)، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ في نِيَّةِ التَّنْوِينِ مَنصُوبَ اللَّفْظِ، ومُنِعَ مِنَ الصَّرْفِ لِلتَّأْنِيثِ اللّازِمِ، فَإنْ كانَ مَبْنِيًّا مَعَ (لا) احْتَمَلَ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ (يَوْمَئِذٍ) و(لِلْمُجْرِمِينَ) خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أوْ نَعْتٌ لِبُشْرى، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ، وأنْ يَكُونَ (يَوْمَئِذٍ) صِفَةً لِبُشْرى، والخَبَرُ (لِلْمُجْرِمِينَ) ويَجِيءُ خِلافُ سِيبَوَيْهِ، والأخْفَشِ هَلِ الخَبَرُ لِنَفْسِ (لا) أوِ الخَبَرُ لِلْمُبْتَدَأِ الَّذِي هو مَجْمُوعُ (لا) وما بُنِيَ مَعَها ؟ وإنْ كانَ في نِيَّةِ التَّنْوِينِ وهو مُعْرَبٌ، جازَ أنْ يَكُونَ (يَوْمَئِذٍ) مَعْمُولًا لِبُشْرى، وأنْ يَكُونَ صِفَةً، والخَبَرُ مِنَ الخَبَرِ. وأجازَ أنْ يَكُونَ (يَوْمَئِذٍ) و(لِلْمُجْرِمِينَ) خَبَرٌ، وجازَ أنْ يَكُونَ (يَوْمَئِذٍ) خَبَرًا و(لِلْمُجْرِمِينَ) صِفَةً، والخَبَرُ إذا كانَ الِاسْمَ لَيْسَ مَبْنِيًّا لِنَفْسِ لا بِإجْماعٍ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: و(يَوْمَئِذٍ) لِلتَّكْرِيرِ وتَبِعَهُ أبُو البَقاءِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَكْرِيرًا، سَواءٌ أُرِيدَ بِهِ التَّوْكِيدُ اللَّفْظِيُّ أمْ أُرِيدَ بِهِ البَدَلُ؛ لِأنَّ (يَوْمَ) مَنصُوبٌ بِما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مَنِ اذْكُرْ أوْ مِن يَعْدَمُونَ البُشْرى، وما بَعْدَ (لا) العامِلَةِ في الِاسْمِ لا يَعْمَلُ فِيهِ ما قَبْلَها، وعَلى تَقْدِيرِهِ يَكُونُ العامِلُ فِيهِ ما قَبْلَ إلّا، والظّاهِرُ عُمُومُ المُجْرِمِينَ فَيَنْدَرِجُ هَؤُلاءِ القائِلُونَ فِيهِمْ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (ويَقُولُونَ) عائِدٌ عَلى القائِلِينَ؛ لِأنَّ المُحَدَّثَ عَنْهم كانُوا يَطْلُبُونَ نُزُولَ المَلائِكَةِ،، ثُمَّ إذا رَأوْهم كَرِهُوا لِقاءَهم وفَزِعُوا مِنهم؛ لِأنَّهم لا يَلْقَوْنَهم إلّا بِما يَكْرَهُونَ، فَقالُوا عِنْدَ رُؤْيَتِهِمْ ما كانُوا يَقُولُونَهُ عِنْدَ لِقاءِ العَدُوِّ ونُزُولِ الشِّدَّةِ، وقالَ مَعْناهُ مُجاهِدٌ، قالَ: (حِجْرًا) عَواذًا يَسْتَعِيذُونَ مِنَ المَلائِكَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ: كانَتِ العَرَبُ إذا كَرِهَتْ شَيْئًا قالُوا: حِجْرًا. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هاتانِ اللَّفْظَتانِ عُوذَةٌ لِلْعَرَبِ يَقُولُهُما مَن خافَ آخَرَ في الحَرَمِ أوْ في شَهْرٍ حَرامٍ إذا لَقِيَهُ وبَيْنَهُما تِرَةٌ، انْتَهى. ومِنهُ قَوْلُ المُتَلَمِّسِ:
؎حَنَّتْ إلى النَّخْلَةِ القُصْوى فَقُلْتُ لَها ∗∗∗ حِجْرٌ حَرامٌ ألا تِلْكَ الدَّهالِيسُ
أيْ: هَذا الَّذِي حَنَنْتِ إلَيْهِ هو مَمْنُوعٌ، وذَكَرَ سِيبَوَيْهِ (حِجْرًا) في المَصادِرِ المَنصُوبَةِ غَيْرِ المُتَصَرِّفَةِ. وقالَ بَعْضُ الرُّجّازِ:
قالَتْ وفِيها حَيْرَةٌ وذُعْرُ عَوَذٌ يُرى مِنكم وحِجْرُ
وأنَّهُ واجِبٌ إضْمارُ ناصِبِها. قالَ سِيبَوَيْهِ: ويَقُولُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ أتَفْعَلُ كَذا ؟ فَيَقُولُ: حِجْرًا، وهي مِن حَجَرَهُ إذا مَنَعَهُ؛ لِأنَّ المُسْتَعِيذَ طالِبٌ مِنَ اللَّهِ أنْ يَمْنَعَ المَكْرُوهَ لا يَلْحَقَهُ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ (p-٤٩٣)والضَّحّاكُ (حُجْرًا) بِضَمِّ الحاءِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (ويَقُولُونَ) عائِدٌ عَلى المَلائِكَةِ، أيْ: تَقُولُ المَلائِكَةُ لِلْمُجْرِمِينَ: (حِجْرًا مَحْجُورًا) عَلَيْكُمُ البُشْرى، و(مَحْجُورًا) صِفَةٌ تُؤَكِّدُ مَعْنى (حِجْرًا)، كَما قالُوا: مَوْتٌ مائِتٌ، وذَيْلٌ ذائِلٌ، والقُدُومُ الحَقِيقِيُّ مُسْتَحِيلٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، فَهو عِبارَةٌ عَنْ حُكْمِهِ بِذَلِكَ وإنْفاذِهِ. قِيلَ: أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ قَدِمَتْ مَلائِكَتُنا، وأسْنَدَ ذَلِكَ إلَيْهِ لِأنَّهُ عَنْ أمْرِهِ، وحَسُنَتْ لَفْظَةُ (قَدِمْنا)؛ لِأنَّ القادِمَ عَلى شَيْءٍ مَكْرُوهٍ لَمْ يُقَرِّرْهُ ولا أمَرَ بِهِ مُغَيِّرٌ لَهُ ومُذْهِبٌ، فَمَثَّلَتْ حالَ هَؤُلاءِ وأعْمالَهُمُ الَّتِي عَمِلُوها في كُفْرِهِمْ، مِن صِلَةِ رَحِمٍ، وإغاثَةِ مَلْهُوفٍ، وقِرى ضَيْفٍ، ومَنٍّ عَلى أسِيرٍ. وغَيْرِ ذَلِكَ مِن مَكارِمِهِمْ، بِحالِ قَوْمٍ خالَفُوا سُلْطانَهم فَقَصَدَ إلى ما تَحْتَ أيْدِيهِمْ فَمَزَّقَها بِحَيْثُ لَمْ يَتْرُكْ لَها أثَرًا، وفي أمْثالِهِمْ: أقَلُّ مِنَ الهَباءِ، و﴿هَباءً مَنثُورًا﴾ صِفَةٌ لِلْهَباءِ، شَبَّهَهُ بِالهَباءِ لِقِلَّتِهِ وأنَّهُ لا يُنْتَفَعُ بِهِ، ثُمَّ وصَفَهُ بِمَنثُورًا؛ لِأنَّ الهَباءَ تَراهُ مُنْتَظِمًا مَعَ الضَّوْءِ فَإذا حَرَّكَتْهُ الرِّيحُ رَأيْتَهُ قَدْ تَناثَرَ وذَهَبَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ جَعَلَهُ - يَعْنِي (مَنثُورًا) - مَفْعُولًا ثالِثًا لِجَعَلْناهُ، أيْ: (فَجَعَلْناهُ) جامِعًا لِحَقارَةِ الهَباءِ والتَّناثُرِ. كَقَوْلِهِ: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥]، أيْ: جامِعِينَ لِلْمَسْخِ والخَسْءِ، انْتَهى. وخالَفَ ابْنُ دُرُسْتُوَيْهِ فَخالَفَ النَّحْوِيِّينَ في مَنعِهِ أنْ يَكُونَ لِكانَ خَبَرانِ وأزْيَدُ. وقِياسُ قَوْلِهِ في جَعَلَ أنْ يُمْنَعَ أنْ يَكُونَ لَها خَبَرٌ ثالِثٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الهَباءُ المَنثُورُ ما تَسْفِي بِهِ الرِّياحُ وتَبُثُّهُ. وعَنْهُ أيْضًا: الهَباءُ الماءُ المُهْراقُ، والمُسْتَقَرُّ مَكانُ الِاسْتِقْرارِ في أكْثَرِ الأوْقاتِ. والمَقِيلُ المَكانُ الَّذِي يَأْوُونَ إلَيْهِ في الِاسْتِرْواحِ إلى الأزْواجِ والتَّمَتُّعِ، ولا نَوْمَ في الجَنَّةِ فَسُمِّيَ مَكانُ اسْتِرْواحِهِمْ إلى الحُورِ (مَقِيلًا)، عَلى طَرِيقِ التَّشْبِيهِ؛ إذِ المَكانُ المُتَخَيَّرُ لِلْقَيْلُولَةِ يَكُونُ أطْيَبَ المَواضِعِ. وفي لَفْظِ (أحْسَنُ) رَمْزٌ إلى ما يَتَزَيَّنُ بِهِ مُقِيلُهم مِن حُسْنِ الوُجُوهِ ومَلاحَةِ الصُّوَرِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ التَّحاسِينِ. و(خَيْرٌ) قِيلَ: لَيْسَتْ عَلى بابِها مِنِ اسْتِعْمالِها دَلالَةً عَلى الأفْضَلِيَّةِ، فَيَلْزَمُ مِن ذَلِكَ خَيْرٌ في مُسْتَقَرِّ أهْلِ النّارِ، ويُمْكِنُ إبْقاؤُها عَلى بابِها ويَكُونُ التَّفْضِيلُ وقَعَ بَيْنَ المُسْتَقِرِّينَ والمُقِيلِينَ بِاعْتِبارِ الزَّمانِ الواقِعِ ذَلِكَ فِيهِ. فالمَعْنى (خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا) في الآخِرَةِ مِنَ الكُفّارِ المُتْرَفِينَ في الدُّنْيا، ﴿وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ في الآخِرَةِ مِن أُولَئِكَ في الدُّنْيا. وقِيلَ: (خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا) مِنهم لَوْ كانَ لَهم مُسْتَقَرٌّ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ وُجُودُ مُسْتَقَرٍّ لَهم فِيهِ خَيْرٌ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، والنَّخَعِيِّ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وابْنِ جُرَيْجٍ، ومُقاتِلٍ: إنَّ الحِسابَ يَكْمُلُ في مِقْدارِ نِصْفِ يَوْمٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا، ويُقِيلُ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ في النّارِ.
الفرقان 25:24
(p-٤٨٧)﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ أمْ هم ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ ﴿قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ ولَكِنْ مَتَّعْتَهم وآباءَهم حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ وكانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكم بِما تَقُولُونَ فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا ولا نَصْرًا ومَن يَظْلِمْ مِنكم نُذِقْهُ عَذابًا كَبِيرًا﴾ ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً أتَصْبِرُونَ وكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ .
قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ والأعْرَجُ وابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ (يَحْشُرُهم) و(فَيَقُولُ) بِالياءِ فِيهِما. وقَرَأ الحَسَنُ وطَلْحَةُ وابْنُ عامِرٍ بِالنُّونِ فِيهِما. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ في (نَحْشُرُهم) بِالنُّونِ (p-٤٨٨)وفِي (فَيَقُولُ) بِالياءِ. وقَرَأ الأعْرَجُ (يَحْشِرُهم) بِكَسْرِ الشِّينِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ في كُلِّ القُرْآنِ وهو القِياسُ في الأفْعالِ المُتَعَدِّيَةِ الثُّلاثِيَّةِ؛ لِأنَّ يَفْعُلُ بِضَمِّ العَيْنِ قَدْ يَكُونُ مِنَ اللّازِمِ الَّذِي هو فَعُلَ بِضَمِّها في الماضِي. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي قَلِيلَةٌ في الِاسْتِعْمالِ قَوِيَّةٌ في القِياسِ؛ لِأنَّ يَفْعِلُ بِكَسْرِ العَيْنِ في المُتَعَدِّي أقْيَسُ مَن يَفْعُلُ بِضَمِّ العَيْنِ، انْتَهى. وهَذا لَيْسَ كَما ذَكَرا بَلْ فَعُلَ المُتَعَدِّي الصَّحِيحُ جَمِيعُ حُرُوفِهِ إذا لَمْ يَكُنْ لِلْمُبالَغَةِ ولا حَلْقِيَّ عَيْنٍ ولا لامٍ فَإنَّهُ جاءَ عَلى يَفْعُلُ ويَفْعِلُ كَثِيرًا، فَإنْ شُهِرَ أحَدُ الِاسْتِعْمالَيْنِ اتُّبِعَ، وإلّا فالخِيارُ حَتّى إنَّ بَعْضَ أصْحابِنا خَيَّرَ فِيهِما سَمِعا لِلْكَلِمَةِ أوْ لَمْ يَسْمَعا.
(وما يَعْبُدُونَ)، قالَ الضَّحّاكُ وعِكْرِمَةُ: الأصْنامُ الَّتِي لا تَعْقِلُ يُقْدِرُها اللَّهُ عَلى هَذِهِ المَقالَةِ مِنَ الجَوابِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: يُحْيِي اللَّهُ الأصْنامَ يَوْمَئِذٍ لِتَكْذِيبِ عابِدِيها. وقالَ الجُمْهُورُ: مَن عُبِدَ مِمَّنْ يَعْقِلُ مِمَّنْ لَمْ يَأْمُرْ بِعِبادَتِهِ كالمَلائِكَةِ وعِيسى، وعُزَيْرٍ، وهو الأظْهَرُ كَقَوْلِهِ: (أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ) وما بَعْدَهُ مِنَ المُحاوَرَةِ الَّتِي ظاهِرُها أنَّها لا تَصْدُرُ إلّا مِنَ العُقَلاءِ، وجاءَ ما يُشْبِهُ ذَلِكَ مَنصُوصًا في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبإ: ٤٠] ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦] وسُؤالُهُ تَعالى، وهو عالِمٌ بِالمَسْئُولِ عَنْهُ، لِيُجِيبُوا بِما أجابُوا بِهِ فَيُبَكِّتَ عَبَدَتَهم بِتَكْذِيبِهِمْ إيّاهم فَيَزِيدَ حَسْرَتَهم ويُسَرُّ المُؤْمِنُونَ بِحالِهِمْ ونَجاتِهِمْ مِن فَضِيحَةِ أُولَئِكَ، ولِيَكُونَ حِكايَةُ ذَلِكَ في القُرْآنِ لُطْفًا لِلْمُكَلَّفِينَ. وجاءَ الِاسْتِفْهامُ مُقَدَّمًا فِيهِ الِاسْمُ عَلى الفِعْلِ، ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ (أأضْلَلْتُمْ) ولا أضَلُّوا؛ لِأنَّ كُلًّا مِنَ الإضْلالِ والضَّلالِ واقِعٌ والسُّؤالُ إنَّما هو مِن فاعِلِهِ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا في ﴿أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا بِآلِهَتِنا يا إبْراهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٢] وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ كَسْرٌ بَيِّنٌ لِقَوْلِ مَن يَزْعُمُ أنَّ اللَّهَ يُضِلُّ عِبادَهُ عَلى الحَقِيقَةِ حَيْثُ يَقُولُ لِلْمَعْبُودِينَ مِن دُونِهِ: (أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ) أمْ ضَلُّوا بِأنْفُسِهِمْ فَيَتَبَرَّءُونَ مِن ضَلالِهِمْ ويَسْتَعِيذُونَ بِهِ أنْ يَكُونُوا مُضِلِّينَ، ويَقُولُونَ: بَلْ أنْتَ تَفَضَّلْتَ مِن غَيْرِ سابِقَةٍ عَلى هَؤُلاءِ وآبائِهِمْ تَفَضُّلَ جَوادٍ كَرِيمٍ، فَجَعَلُوا الرَّحْمَةَ الَّتِي حَقُّها أنْ تَكُونَ سَبَبَ الشُّكْرِ سَبَبَ الكُفْرِ ونِسْيانِ الذِّكْرِ، وكانَ ذَلِكَ سَبَبَ هَلاكِهِمْ، فَإذا تَبَرَّأتِ المَلائِكَةُ والرُّسُلُ أنْفُسُهم مِن نِسْبَةِ الضَّلالِ، الَّذِي هو عَمَلُ الشَّياطِينِ إلَيْهِمْ، واسْتَعاذُوا مِنهم فَهم لِرَبِّهِمِ الغِنِيِّ العَدْلِ أشَدُّ تَبْرِئَةً وتَنْزِيهًا مِنهُ، ولَقَدْ نَزَّهُوهُ حِينَ أضافُوا إلَيْهِ التَّفَضُّلَ بِالنِّعْمَةِ والتَّمْتِيعَ بِها. وأسْنَدُوا نِسْيانَ الذِّكْرِ والتَّسَبُّبَ بِهِ لِلْبَوارِ إلى الكَفَرَةِ، فَشَرَحُوا الإضْلالَ المَجازِيَّ الَّذِي أسْنَدَهُ اللَّهُ إلى ذاتِهِ في قَوْلِهِ: ﴿يُضِلُّ مَن يَشاءُ﴾ [الرعد: ٢٧]، ولَوْ كانَ هو المُضِلَّ عَلى الحَقِيقَةِ؛ لَكانَ الجَوابُ العَتِيدُ أنْ يَقُولُوا: بَلْ أنْتَ أضْلَلْتَهُمُ، انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ المُعْتَزِلَةِ.
والمَعْنى (أأنْتُمْ) أوْقَعْتُمْ هَؤُلاءِ ونُسِبْتُمْ لَهم في إضْلالِهِمْ عَنِ الحَقِّ، أمْ (ضَلُّوا) بِأنْفُسِهِمْ عَنْهُ. وضَلَّ أصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى بِعَنْ كَقَوْلِهِ: ﴿مَن يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١١٧]، ثُمَّ اتُّسِعَ فَحُذِفَ، وأضَلَّهُ عَنِ السَّبِيلِ كَما أنَّ هَدى يَتَعَدّى بِإلى ثُمَّ يُحْذَفُ، ويَضِلُّ مُطاوِعُ أضَلَّ كَما تَقُولُ: أقْعَدْتُهُ فَقَعَدَ. و(سُبْحانَكَ) تَنْزِيهٌ لِلَّهِ تَعالى أنْ يُشْرَكَ مَعَهُ في العِبادَةِ أحَدٌ أوْ يُفْرَدَ بِعِبادَةٍ فَأنّى لَهم أنْ يَقَعَ مِنهم إضْلالُ أحَدٍ وهُمُ المُنَزَّهُونَ المُقَدَّسُونَ، أنْ يَكُونَ أحَدٌ مِنهم نِدًّا وهو المُنَزَّهُ عَنِ النِّدِّ والنَّظِيرِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (سُبْحانَكَ) تَعَجُّبٌ مِنهم مِمّا قِيلَ؛ لِأنَّهم مَلائِكَةٌ وأنْبِياءُ مَعْصُومُونَ، فَما أبْعَدَهم عَنِ الإضْلالِ، الَّذِي هو مُخْتَصٌّ بِإبْلِيسَ وحِزْبِهِ، انْتَهى.
وقَرَأ عَلْقَمَةُ (ما يَنْبَغِي) بِسُقُوطِ (كانَ) وقِراءَةُ الجُمْهُورِ بِثُبُوتِها أمْكَنُ في المَعْنى؛ لِأنَّهم أخْبَرُوا عَنْ حالٍ كانَتْ في الدُّنْيا، ووَقْتُ الإخْبارِ لا عَمَلَ فِيهِ. وقَرَأ أبُو عِيسى الأسْوَدُ القارِيُّ (يُنْبَغى لَنا) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: زَعَمَ سِيبَوَيْهِ أنَّ يُنْبَغى لُغَةٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أنْ نَتَّخِذَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، و(مِن أوْلِياءَ) مَفْعُولٌ عَلى زِيادَةِ (مِن) وحَسَّنَ زِيادَتَها انْسِحابُ النَّفْيِ عَلى (نَتَّخِذَ)؛ لِأنَّهُ مَعْمُولٌ لِـ (يَنْبَغِي) . وإذا انْتَفى الِابْتِغاءُ لَزِمَ مِنهُ انْتِفاءُ مُتَعَلِّقِهِ، وهو اتِّخاذُ ولِيٍّ مِن دُونِ اللَّهِ. ونَظِيرُهُ ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكم مِن خَيْرٍ﴾ [البقرة: ١٠٥] (p-٤٨٩)أيْ: خَيْرٌ، والمَعْنى ما كانَ يَصِحُّ لَنا ولا يَسْتَقِيمُ ونَحْنُ مَعْصُومُونَ أنْ نَتَوَلّى أحَدًا دُونَكَ، فَكَيْفَ يَصِحُّ لَنا أنْ نَحْمِلَ غَيْرَنا عَلى أنْ يَتَوَلَّوْنا دُونَكَ ؟ ! . وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: ﴿ما كانَ يَنْبَغِي لَنا﴾ أنْ نَكُونَ أمْثالَ الشَّياطِينِ نُرِيدُ الكُفْرَ فَنَتَوَلّى الكُفّارَ، قالَ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ﴾ [البقرة: ٢٥٧] . وقَرَأ أبُو الدَّرْداءِ وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وأبُو رَجاءٍ، ونَصْرُ بْنُ عَلْقَمَةَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأخُوهُ الباقِرُ، ومَكْحُولٌ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وحَفْصُ بْنُ عُبَيْدٍ، والنَّخَعِيُّ، والسُّلَمِيُّ، وشَيْبَةُ، وأبُو بِشْرٍ، والزَّعْفَرانِيُّ: (أنْ يُتَّخَذَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ واتَّخَذَ مِمّا يَتَعَدّى تارَةً لِواحِدٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿أمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأرْضِ﴾ [الأنبياء: ٢١]، وعَلَيْهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وتارَةً إلى اثْنَيْنِ كَقَوْلِهِ: ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ [الجاثية: ٢٣]، فَقِيلَ: هَذِهِ القِراءَةُ مِنهُ، فالأوَّلُ الضَّمِيرُ في (نَتَّخِذَ)، والثّانِي (مِن أوْلِياءَ)، و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: لا يُتَّخَذُ بَعْضُ أوْلِياءَ، وهَذا قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُضْعِفُ هَذِهِ القِراءَةَ دُخُولُ (مِن) في قَوْلِهِ: (مِن أوْلِياءَ)، اعْتَرَضَ بِذَلِكَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُ. وقالَ أبُو الفَتْحِ: (مِن أوْلِياءَ) في مَوْضِعِ الحالِ، ودَخَلَتْ (مِن) زِيادَةً لِمَكانِ النَّفْيِ المُتَقَدِّمِ، كَما تَقُولُ: ما اتَّخَذْتُ زَيْدًا مِن وكِيلٍ. وقِيلَ: (مِن أوْلِياءَ) هو الثّانِي عَلى زِيادَةِ (مِن)، وهَذا لا يَجُوزُ عِنْدَ أكْثَرِ النَّحْوِيِّينَ، إنَّما يَجُوزُ دُخُولُها زائِدَةً عَلى المَفْعُولِ الأوَّلِ بِشَرْطِهِ. وقَرَأ الحَجّاجُ: أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ أوْلِياءَ، فَبَلَغَ عاصِمًا فَقالَ: مُقِتَ المُخَدَّجُ أوَما عَلِمَ أنَّ فِيها (مِن) ولَمّا تَضَمَّنَ قَوْلُهم: ﴿ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ﴾ أنّا لَمْ نُضِلُّهم ولَمْ نَحْمِلْهم عَلى الِامْتِناعِ مِنَ الإيمانِ صَلُحَ أنْ يَسْتَدْرِكَ بَلَكِنْ، والمَعْنى لَكِنْ أكْثَرْتَ عَلَيْهِمْ وعَلى آبائِهِمُ النِّعَمَ، وأطَلْتَ أعْمارَهم، وكانَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ شُكْرُها والإيمانُ بِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْإعْراضِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ. قِيلَ: ولَكِنْ مَتَّعْتَهم كالرَّمْزِ إلى ما صَرَّحَ بِهِ مُوسى مِن قَوْلِهِ: ﴿إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ﴾ [الأعراف: ١٥٥]، أيْ: أنْتَ الَّذِي أعْطَيْتَهم مَطالِبَهم مِنَ الدُّنْيا حَتّى صارُوا غَرْقى في بَحْرِ الشَّهَواتِ، فَكانَ صارِفًا لَهم عَنِ التَّوَجُّهِ إلى طاعَتِكَ والِاشْتِغالِ بِخِدْمَتِكَ، والذِّكْرُ ما ذُكِّرَ بِهِ النّاسُ عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ أوِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ أوِ القُرْآنِ. والبُورُ: قِيلَ مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ الواحِدُ والجُمَعُ. وقِيلَ: جَمْعُ بائِرٍ كَعائِذٍ وعُوذٍ. قِيلَ: مَعْناهُ هَلْكى. وقِيلَ: فَسْدى، وهي لُغَةُ الأزْدِ يَقُولُونَ: أمْرٌ بائِرٌ، أيْ: فاسِدٌ، وبارَتِ البِضاعَةُ: فَسَدَتْ. وقالَ الحَسَنُ: لا خَيْرَ فِيهِمْ، مِن قَوْلِهِمْ: أرْضٌ بُورٌ، أيْ: مُعَطَّلَةٌ لا نَباتَ فِيها. وقِيلَ: (بُورًا) عُمْيًا عَنِ الحَقِّ.
(فَقَدْ كَذَّبُوكم) هَذا مِن قَوْلِ اللَّهِ بِلا خِلافٍ وهي مُفاجَأةٌ، فالِاحْتِجاجُ والإلْزامُ حَسَنَةٌ رابِعَةٌ وخاصَّةٌ إذا انْضَمَّ إلَيْها الِالتِفاتُ، وهو عَلى إضْمارِ القَوْلِ كَقَوْلِهِ: (يا أهْلَ الكِتابِ) إلى قَوْلِهِ (فَقَدْ جاءَكم)، أيْ فَقُلْنا: قَدْ جاءَكم. وقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎قالُوا خُراسانُ أقْصى ما يُرادُ بِنا ثُمَّ القُفُولُ فَقَدْ جِئْنا خُراسانا
أيْ: فَقُلْنا قَدْ جِئْنا، وكَذَلِكَ هَذا، أيْ: فَقُلْنا قَدْ كَذَّبُوكم، فَإنْ كانَ المُجِيبُ الأصْنامَ فالخِطابُ لِلْكُفّارِ، أيْ: قَدْ كَذَّبَتْكم مَعْبُوداتُكم مِنَ الأصْنامِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ما كانَ يَنْبَغِي لَنا﴾، وإنْ كانَ الخِطابُ لِلْمَعْبُودِينَ مِنَ العُقَلاءِ عِيسى والمَلائِكَةِ وعُزَيْرٍ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -، وهو الظّاهِرُ؛ لَتَناسَقَ الخِطابُ مَعَ قَوْلِهِ: (أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ)، أيْ: كَذَّبَكُمُ المَعْبُودُونَ (بِما تَقُولُونَ) أيْ: بِقَوْلِهِمْ: إنَّكم أضْلَلْتُمُوهم، وزَعْمِهِمْ أنَّكم أوْلِياؤُهم مِن دُونِ اللَّهِ. ومَن قَرَأ (بِما تَقُولُونَ) بِتاءِ الخِطابِ، فالمَعْنى فِيما تَقُولُونَ، أيْ: ﴿سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ﴾ . وقِيلَ: الخِطابُ لِلْكُفّارِ العابِدِينَ، أيْ: كَذَّبَكُمُ المَعْبُودُونَ بِما تَقُولُونَ مِنَ الجَوابِ.
﴿سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا﴾ أوْ فِيما تَقُولُونَ أنْتُمْ مِنَ الِافْتِراءِ عَلَيْهِمْ خُوطِبُوا عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا، أيْ: قَدْ كَذَّبَكم أيُّها المُؤْمِنُونَ الكُفّارُ في الدُّنْيا فِيما تَقُولُونَهُ مِنَ التَّوْحِيدِ والشَّرْعِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (بِما تَقُولُونَ) بِالتّاءِ مِن فَوْقُ. وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ الصَّلْتِ عَنْ قُنْبُلٍ بِالياءِ مِن تَحْتُ.
وقَرَأ حَفْصٌ، وأبُو حَيْوَةَ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ (فَما تَسْتَطِيعُونَ) بِتاءِ الخِطابِ، ويُؤَيِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ (p-٤٩٠)أنَّ الخِطابَ في (كَذَّبُوكم) لِلْكُفّارِ العابِدِينَ. وذُكِرَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي بَكْرٍ أنَّهُما قَرَآ (بِما يَقُولُونَ فَما يَسْتَطِيعُونَ) بِالياءِ فِيهِما، أيْ: هم. (صَرْفًا) أيْ: صَرْفَ العَذابِ أوْ تَوْبَةً أوْ حِيلَةً مِن قَوْلِهِمْ إنَّهُ لَيَتَصَرَّفُ، أيْ: يَحْتالُ، هَذا إنْ كانَ الخِطابُ في (كَذَّبُوكم) لِلْكُفّارِ، فالتّاءُ جارِيَةٌ عَلى ذَلِكَ، والياءُ التِفاتٌ، وإنْ كانَ لِلْمَعْبُودِينَ فالتّاءُ التِفاتٌ. والياءُ جارِيَةٌ عَلى ضَمِيرِ (كَذَّبُوكم) المَرْفُوعِ، وإنْ كانَ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ أُمَّةِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْلِهِ: (فَقَدْ كَذَّبُوكم) فالمَعْنى أنَّهم شَدِيدُو الشَّكِيمَةِ في التَّكْذِيبِ. (فَما تَسْتَطِيعُونَ) أنْتُمْ صَرْفَهم عَمّا هم عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ. وبِالياءِ فَما يَسْتَطِيعُونَ (صَرْفًا) لِأنْفُسِهِمْ عَمّا هم عَلَيْهِ. أوْ ما يَسْتَطِيعُونَ صَرْفَكم عَنِ الحَقِّ الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ. (ولا نَصْرًا) لِأنْفُسِهِمْ مِنَ البَلاءِ الَّذِي اسْتَوْجَبُوهُ بِتَكْذِيبِهِمْ.
(ومَن يَظْلِمْ مِنكم) الظّاهِرُ أنَّهُ عامٌّ. وقِيلَ: خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. وقِيلَ: خِطابٌ لِلْكافِرِينَ. والظُّلْمُ هُنا الشِّرْكُ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ وابْنُ جُرَيْجٍ، ويُحْتَمَلُ دُخُولُ المَعاصِي غَيْرِ الشِّرْكِ في الظُّلْمِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: العَذابُ الكَبِيرُ لاحِقٌ لِكُلِّ مَن ظَلَمَ والكافِرُ ظالِمٌ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] والفاسِقُ ظالِمٌ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ومَن لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١]، انْتَهى، وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. وقُرِئَ: ”يُذِقْهُ“ بِياءِ الغَيْبَةِ، أيِ: اللَّهُ وهو الظّاهِرُ. وقِيلَ: هو، أيِ: الظُّلْمُ، وهو المَصْدَرُ المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ: (بِظُلْمٍ)، أيْ: يُذِقْهُ الظُّلْمُ.
ولَمّا تَقَدَّمَ الطَّعْنُ عَلى الرَّسُولِ بِأكْلِ الطَّعامِ والمَشْيِ في الأسْواقِ أخْبَرَ تَعالى أنَّها عادَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ في كُلِّ رِسالَةٍ، ومَفْعُولُ (أرْسَلْنا) عِنْدَ الزَّجّاجِ والزَّمَخْشَرِيِّ ومَن تَبِعَهُما مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ أحَدًا. وقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ رِجالًا أوْ رُسُلًا. وعادَ الضَّمِيرُ في (إنَّهم) عَلى ذَلِكَ المَحْذُوفِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] أيْ: وما مَنّا أحَدٌ، والجُمْلَةُ عِنْدَ هَؤُلاءِ صِفَةٌ، أعْنِي قَوْلَهُ: (إلّا إنَّهم) كَأنَّهُ قالَ: إلّا آكِلِينَ وماشِينَ. وعِنْدَ الفَرّاءِ المَفْعُولُ مَحْذُوفٌ وهو مَوْصُولٌ مُقَدَّرٌ بَعْدَ إلّا أيْ إلّا مَن. (إنَّهم) والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى (مِن) عَلى مَعْناها، فَيَكُونُ اسْتِثْناءً مُفَرَّغًا، وقِيلَ: (إنَّهم) قَبْلَهُ قَوْلٌ مَحْذُوفٌ، أيْ: (إلّا) قِيلَ: (إنَّهم)، وهَذانِ القَوْلانِ مَرْجُوحانِ في العَرَبِيَّةِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: التَّقْدِيرُ إلّا وإنَّهم، يَعْنِي أنَّ الجُمْلَةَ حالِيَّةٌ، وهَذا هو المُخْتارُ. وقَدْ رَدَّ عَلى مَن قالَ: إنَّ ما بَعْدَ إلّا قَدْ يَجِيءُ صِفَةً، وأمّا حَذْفُ المَوْصُولِ فَضَعِيفٌ، وقَدْ ذَهَبَ إلى حِكايَةِ الحالِ أيْضًا أبُو البَقاءِ، قالَ: وقِيلَ لَوْ لَمْ تَكُنِ اللّامُ لَكُسِرَتْ؛ لَأنَّ الجُمْلَةَ حالِيَّةٌ إذِ المَعْنى إلّا وهم يَأْكُلُونَ. وقُرِئَ (أنَّهم) بِالفَتْحِ عَلى زِيادَةِ اللّامِ وأنَّ مَصْدَرِيَّةٌ التَّقْدِيرُ إلّا أنَّهم يَأْكُلُونَ، أيْ: ما جَعَلْناهم رُسُلًا إلى النّاسِ إلّا لِكَوْنِهِمْ مِثْلَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ويَمْشُونَ) مُضارِعُ مَشى خَفِيفًا. وقَرَأ عَلِيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ (يُمَشَّوْنَ) مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ: يُمَشِّيهِمْ حَوائِجُهم والنّاسُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَوْ قُرِئَ (يُمَشَّوْنَ)؛ لَكانَ أوْجَهَ لَوْلا الرِّوايَةُ، انْتَهى. وقَدْ قَرَأ كَذَلِكَ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وهي بِمَعْنى (يَمْشُونَ) قِراءَةُ الجُمْهُورِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎ومَشى بِأعْطانِ المَباءَةِ وابْتَغى ∗∗∗ قَلائِصَ مِنها صَعْبَةٌ ورَكُوبُ
(وجَعَلْنا بَعْضَكم) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو عامٌّ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، فالصَّحِيحُ فِتْنَةٌ لِلْمَرِيضِ، والغَنِيُّ فِتْنَةٌ لِلْفَقِيرِ، والفَقِيرُ الشّاكِرُ فِتْنَةٌ لِلْغَنِيِّ، والرَّسُولُ المَخْصُوصُ بِكَرامَةِ النُّبُوَّةِ فِتْنَةٌ لِأشْرافِ النّاسِ الكُفّارِ في عَصْرِهِ، وكَذَلِكَ العُلَماءُ وحُكّامُ العَدْلِ. وقَدْ تَلا ابْنُ القاسِمِ هَذِهِ الآيَةَ حِينَ رَأى أشْهَبَ، انْتَهى. ورُوِيَ قَرِيبٌ مِن هَذِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والتَّوْقِيفُ بِأتَصْبِرُونَ خاصٌّ لِلْمُؤْمِنِينَ المُحِقِّينَ فَهو لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ، كَأنَّهُ جَعَلَ إمْهالَ الكُفّارِ فِتْنَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، أيِ: اخْتِبارًا ثُمَّ وقَّفَهم. هَلْ تَصْبِرُونَ أمْ لا ؟ ثُمَّ أعْرَبَ قَوْلَهُ: ﴿وكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ عَنِ الوَعْدِ لِلصّابِرِينَ والوَعِيدِ لِلْعاصِينَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فِتْنَةً) أيْ: مِحْنَةً وبَلاءً، وهَذا تَصَبُّرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى ما قالُوهُ واسْتَبْعَدُوهُ (p-٤٩١)مِن أكْلِهِ الطَّعامَ ومَشْيِهِ في الأسْواقِ بَعْدَما احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِسائِرِ الرُّسُلِ، يَقُولُ: جَرَتْ عادَتِي ومُوجَبُ حِكْمَتِي عَلى ابْتِلاءِ بَعْضِكم أيُّها النّاسُ بِبَعْضٍ. والمَعْنى أنَّهُ ابْتَلى المُرْسَلِينَ بِالمُرْسَلِ إلَيْهِمْ ومُناصَبَتِهِمْ لَهُمُ العَداوَةَ وأقاوِيلِهِمُ الخارِجَةِ عَنْ حَدِّ الإنْصافِ وأنْواعِ أذاهم، وطَلَبَ مِنهُمُ الصَّبْرَ الجَمِيلَ، ونَحْوُهُ ﴿ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ١٨٦] الآيَةَ. ومَوْقِعُ (أتَصْبِرُونَ) بَعْدَ ذِكْرِ الفِتْنَةِ مَوْقِعُ (أيُّكم) بَعْدَ الِابْتِلاءِ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] .
(بَصِيرًا) عالِمًا بِالصَّوابِ فِيما يَبْتِلِي بِهِ وبِغَيْرِهِ، فَلا يَضِيقَنَّ صَدْرُكَ ولا تَسْتَخِفَّنَّكَ أقاوِيلُهم، فَإنَّ في صَبْرِكَ عَلَيْهِمْ سَعادَةً وفَوْزَكَ في الدّارَيْنِ. وقِيلَ: هو تَسْلِيَةٌ عَمّا عَيَّرُوهُ بِهِ مِنَ الفَقْرِ حِينَ قالُوا: ﴿أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ أوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾ [الفرقان: ٨] وأنَّهُ جَعَلَ الأغْنِياءَ فِتْنَةً لِلْفُقَراءِ؛ لِيَنْظُرَ هَلْ تَصْبِرُونَ ؟ وأنَّها حِكْمَتُهُ ومَشِيئَتُهُ يُغْنِي مَن يَشاءُ ويُفْقِرُ مَن يَشاءُ. وقِيلَ: جَعَلْناكَ فِتْنَةً لَهم؛ لِأنَّكَ لَوْ كُنْتَ غَنِيًّا صاحِبَ كُنُوزٍ وجَنّاتٍ؛ لَكانَ مَيْلُهم إلَيْكَ وطاعَتُهم لَكَ لِلدُّنْيا أوْ مَمْزُوجَةً بِالدُّنْيا، وإنَّما بَعَثْناكَ فَقِيرًا؛ لِتَكُونَ طاعَةُ مَن يُطِيعُكَ مِنهم خالِصَةً لِوَجْهِ اللَّهِ مِن غَيْرِ طَمَعٍ دُنْيَوِيٍّ. وقِيلَ: كانَ أبُو جَهْلٍ والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ والعاصِي بْنُ وائِلٍ ومَن في طَبَقَتِهِمْ يَقُولُونَ: إنْ أسْلَمْنا وقَدْ أسْلَمَ قَبْلَنا عَمّارٌ وصُهَيْبٌ وبِلالٌ وفُلانٌ وفُلانٌ، فَرُفِعُوا عَلَيْنا إدْلالًا بِالسّابِقَةِ، فَهو افْتِتانُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، انْتَهى. وفِيهِ تَكْثِيرٌ، وهَذا القَوْلُ الأخِيرُ قَوْلُ الكَلْبِيِّ، والفَرّاءِ والزَّجّاجِ. والأوْلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ يَشْمَلُ مَعانِيَ هَذِهِ الألْفاظِ كُلِّها؛ لِأنَّ بَيْنَ الجَمِيعِ قَدْرًا مُشْتَرَكًا. وقِيلَ: في قَوْلِهِ: (أتَصْبِرُونَ) إنَّهُ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الأمْرِ، أيِ: اصْبِرُوا، والظّاهِرُ حَمْلُ الرَّجاءِ عَلى المَشْهُورِ مِنِ اسْتِعْمالِهِ، والمَعْنى لا يَأْمُلُونَ لِقاءَنا بِالخَيْرِ وثَوابَنا عَلى الطّاعَةِ لِتَكْذِيبِهِمْ بِالبَعْثِ لِكُفْرِهِمْ بِما جِئْتُ بِهِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وقَوْمٌ: مَعْناهُ لا يَخافُونَ. وقالَ الفَرّاءُ: (لا يَرْجُونَ نُشُورًا) لا يَخافُونَ، وهَذِهِ الكَلِمَةُ تِهامِيَّةٌ، وهي أيْضًا مِن لُغَةِ هُذَيْلٍ إذا كانَ مَعَ الرَّجاءِ جَحْدٌ ذَهَبُوا بِهِ إلى مَعْنى الخَوْفِ. فَتَقُولُ: فُلانٌ لا يَرْجُو رَبَّهُ يُرِيدُونَ لا يَخافُ رَبَّهُ، ومِن ذَلِكَ ﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾ [نوح: ١٣]، أيْ: لا تَخافُونَ لِلَّهِ عَظَمَةً، وإذا قالُوا: فُلانٌ يَرْجُو رَبَّهُ فَهَذا مَعْنى الرَّجاءِ لا عَلى الخَوْفِ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎إذا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَها ∗∗∗ وحالَفَها في بَيْتِ نَوْبٍ عَوامِلِ
وقالَ آخَرُ:
؎لا تَرْتَجِي حِينَ تُلاقِي الذّائِدا ∗∗∗ أسَبْعَةً لاقَتْ مَعًا أمْ واحِدا
انْتَهى. ومِن لازِمِ الرَّجاءِ لِلثَّوابِ الخَوْفُ مِنَ العِقابِ، ومَن كانَ مُكَذِّبًا بِالبَعْثِ لا يَرْجُو ثَوابًا ولا يَخافُ عِقابًا، ومَن تَأوَّلَ لَمْ يَرْجُ لَسْعَها عَلى مَعْنى لَمْ يَرْجُ دَفْعَها ولا الِانْفِكاكَ عَنْها. فَهو لِذَلِكَ يُوَطَّنُ عَلى الصَّبْرِ ويُجِدُّ في شُغْلِهِ، فَتَأْوِيلُهُ مُمْكِنٌ، لَكِنَّ الفَرّاءَ وغَيْرَهُ نَقَلُوا ذَلِكَ لُغَةً لِهُذَيْلٍ في النَّفْيِ، والشّاعِرُ هُذَلِيٌّ؛ فَيَنْبَغِي أنْ لا يُتَكَلَّفَ لِلتَّأْوِيلِ وأنْ يُحْمَلَ عَلى لُغَتِهِ.
﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ﴾ فَتُخْبِرَنا أنَّكَ رَسُولٌ حَقًّا. (أوْ نَرى رَبَّنا) فَيُخْبِرَنا بِذَلِكَ؛ قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهُ. وهَذِهِ كَما قالَتِ اليَهُودُ: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥]، وكَقَوْلِهِمْ - أعْنِي المُشْرِكِينَ -: ﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢]، وهَذا كُلُّهُ في سَبِيلِ التَّعَنُّتِ، وإلّا فَما جاءَهم بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ كافٍ لَوْ وُفِّقُوا. (لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا)، أيْ: تَكَبَّرُوا. (في أنْفُسِهِمْ)، أيْ: عَظَّمُوا أنْفُسَهم بِسُؤالِ رُؤْيَةِ اللَّهِ، وهم لَيْسُوا بِأهْلٍ لَها. والمَعْنى أنَّ سُؤالَ ذَلِكَ إنَّما هو لِما أضْمَرُوا في أنْفُسِهِمْ مِنَ الِاسْتِكْبارِ عَنِ الحَقِّ وهو الكُفْرُ والعِنادُ الكامِنُ في قُلُوبِهِمُ الظّاهِرُ عَنْهُ ما لا يَقَعُ لَهم، كَما قالَ: ﴿إنْ في صُدُورِهِمْ إلّا كِبْرٌ ما هم بِبالِغِيهِ﴾ [غافر: ٥٦]، واللّامُ في (لَقَدِ) جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، و(عَتَوْا) تَجاوَزُوا الحَدَّ في الظُّلْمِ ووَصَفَهُ بِكَبِيرٍ مُبالَغَةً في إفْراطِهِ، أيْ لَمْ يَجْسُرُوا عَلى هَذا القَوْلِ العَظِيمِ إلّا لِأنَّهم بَلَغُوا غايَةَ الِاسْتِكْبارِ وأقْصى العُتُوِّ. وجاءَ هُنا (p-٤٩٢)(عُتُوًّا) عَلى الأصْلِ، وفي مَرْيَمَ (عِتِيًّا) عَلى اسْتِثْقالِ اجْتِماعِ الواوَيْنِ والقَلْبِ لِمُناسَبَةِ الفَواصِلِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (عَتَوْا) كَفَرُوا أشَدَّ الكُفْرِ وأفْحَشُوا. وقالَ عِكْرِمَةُ: تَجَبَّرُوا. وقالَ ابْنُ سَلامٍ: عَصَوْا. وقالَ ابْنُ عِيسى: أسْرَفُوا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذِهِ الجُمْلَةُ في حُسْنِ اسْتِيفائِها غايَةٌ في أُسْلُوبِها. ونَحْوُهُ قَوْلُ القائِلِ:
؎وجارَةِ جَسّاسٍ أبَأْنا بِنابِها كُلَيْبًا ∗∗∗ غَلَتْ نابٌ كُلَيْبٌ بَواؤُها
فِي نَحْوِ هَذا الفِعْلِ دَلِيلٌ عَلى التَّعَجُّبِ مِن غَيْرِ لَفْظِ تَعَجُّبٍ، ألا تَرى أنَّ المَعْنى ما أشَدَّ اسْتِكْبارَهم، وما أكْثَرَ عُتُوَّهم، وما أغْلى نابًا بَواؤُها كُلَيْبٌ.
﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ﴾ (يَوْمَ) مَنصُوبٌ بِـ (اذْكُرْ)، وهو أقْرَبُ أوْ بِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ (لا بُشْرى)، أيْ: يَمْنَعُونَ البُشْرى ولا يَعْمَلُ فِيهِ (لا بُشْرى)؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ؛ ولِأنَّهُ مَنفِيٌّ بِلا الَّتِي لِنَفْيِ الجِنْسِ؛ لِأنَّهُ لا يَعْمَلُ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها، وكَذا الدّاخِلَةُ عَلى الأسْماءِ عامِلَةٌ عَمَلَ لَيْسَ، ودُخُولُ (لا) عَلى (بُشْرى)؛ لِانْتِفاءِ أنْواعِ البُشْرى، وهَذا اليَوْمُ الظّاهِرُ أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ؛ لِقَوْلِهِ بَعْدُ (وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا) . وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: عِنْدَ المَوْتِ، والمَعْنى أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ اقْتَرَحُوا نُزُولَ المَلائِكَةِ لا يَعْرِفُونَ ما يَكُونُ لَهم إذا رَأوْهم مِنَ الشَّرِّ، وانْتِفاءِ البِشارَةِ، وحُصُولِ الخَسارِ والمَكْرُوهِ. واحْتَمَلَ (بُشْرى) أنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا مَعَ (لا)، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ في نِيَّةِ التَّنْوِينِ مَنصُوبَ اللَّفْظِ، ومُنِعَ مِنَ الصَّرْفِ لِلتَّأْنِيثِ اللّازِمِ، فَإنْ كانَ مَبْنِيًّا مَعَ (لا) احْتَمَلَ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ (يَوْمَئِذٍ) و(لِلْمُجْرِمِينَ) خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أوْ نَعْتٌ لِبُشْرى، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ، وأنْ يَكُونَ (يَوْمَئِذٍ) صِفَةً لِبُشْرى، والخَبَرُ (لِلْمُجْرِمِينَ) ويَجِيءُ خِلافُ سِيبَوَيْهِ، والأخْفَشِ هَلِ الخَبَرُ لِنَفْسِ (لا) أوِ الخَبَرُ لِلْمُبْتَدَأِ الَّذِي هو مَجْمُوعُ (لا) وما بُنِيَ مَعَها ؟ وإنْ كانَ في نِيَّةِ التَّنْوِينِ وهو مُعْرَبٌ، جازَ أنْ يَكُونَ (يَوْمَئِذٍ) مَعْمُولًا لِبُشْرى، وأنْ يَكُونَ صِفَةً، والخَبَرُ مِنَ الخَبَرِ. وأجازَ أنْ يَكُونَ (يَوْمَئِذٍ) و(لِلْمُجْرِمِينَ) خَبَرٌ، وجازَ أنْ يَكُونَ (يَوْمَئِذٍ) خَبَرًا و(لِلْمُجْرِمِينَ) صِفَةً، والخَبَرُ إذا كانَ الِاسْمَ لَيْسَ مَبْنِيًّا لِنَفْسِ لا بِإجْماعٍ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: و(يَوْمَئِذٍ) لِلتَّكْرِيرِ وتَبِعَهُ أبُو البَقاءِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَكْرِيرًا، سَواءٌ أُرِيدَ بِهِ التَّوْكِيدُ اللَّفْظِيُّ أمْ أُرِيدَ بِهِ البَدَلُ؛ لِأنَّ (يَوْمَ) مَنصُوبٌ بِما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مَنِ اذْكُرْ أوْ مِن يَعْدَمُونَ البُشْرى، وما بَعْدَ (لا) العامِلَةِ في الِاسْمِ لا يَعْمَلُ فِيهِ ما قَبْلَها، وعَلى تَقْدِيرِهِ يَكُونُ العامِلُ فِيهِ ما قَبْلَ إلّا، والظّاهِرُ عُمُومُ المُجْرِمِينَ فَيَنْدَرِجُ هَؤُلاءِ القائِلُونَ فِيهِمْ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (ويَقُولُونَ) عائِدٌ عَلى القائِلِينَ؛ لِأنَّ المُحَدَّثَ عَنْهم كانُوا يَطْلُبُونَ نُزُولَ المَلائِكَةِ،، ثُمَّ إذا رَأوْهم كَرِهُوا لِقاءَهم وفَزِعُوا مِنهم؛ لِأنَّهم لا يَلْقَوْنَهم إلّا بِما يَكْرَهُونَ، فَقالُوا عِنْدَ رُؤْيَتِهِمْ ما كانُوا يَقُولُونَهُ عِنْدَ لِقاءِ العَدُوِّ ونُزُولِ الشِّدَّةِ، وقالَ مَعْناهُ مُجاهِدٌ، قالَ: (حِجْرًا) عَواذًا يَسْتَعِيذُونَ مِنَ المَلائِكَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ: كانَتِ العَرَبُ إذا كَرِهَتْ شَيْئًا قالُوا: حِجْرًا. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هاتانِ اللَّفْظَتانِ عُوذَةٌ لِلْعَرَبِ يَقُولُهُما مَن خافَ آخَرَ في الحَرَمِ أوْ في شَهْرٍ حَرامٍ إذا لَقِيَهُ وبَيْنَهُما تِرَةٌ، انْتَهى. ومِنهُ قَوْلُ المُتَلَمِّسِ:
؎حَنَّتْ إلى النَّخْلَةِ القُصْوى فَقُلْتُ لَها ∗∗∗ حِجْرٌ حَرامٌ ألا تِلْكَ الدَّهالِيسُ
أيْ: هَذا الَّذِي حَنَنْتِ إلَيْهِ هو مَمْنُوعٌ، وذَكَرَ سِيبَوَيْهِ (حِجْرًا) في المَصادِرِ المَنصُوبَةِ غَيْرِ المُتَصَرِّفَةِ. وقالَ بَعْضُ الرُّجّازِ:
قالَتْ وفِيها حَيْرَةٌ وذُعْرُ عَوَذٌ يُرى مِنكم وحِجْرُ
وأنَّهُ واجِبٌ إضْمارُ ناصِبِها. قالَ سِيبَوَيْهِ: ويَقُولُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ أتَفْعَلُ كَذا ؟ فَيَقُولُ: حِجْرًا، وهي مِن حَجَرَهُ إذا مَنَعَهُ؛ لِأنَّ المُسْتَعِيذَ طالِبٌ مِنَ اللَّهِ أنْ يَمْنَعَ المَكْرُوهَ لا يَلْحَقَهُ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ (p-٤٩٣)والضَّحّاكُ (حُجْرًا) بِضَمِّ الحاءِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (ويَقُولُونَ) عائِدٌ عَلى المَلائِكَةِ، أيْ: تَقُولُ المَلائِكَةُ لِلْمُجْرِمِينَ: (حِجْرًا مَحْجُورًا) عَلَيْكُمُ البُشْرى، و(مَحْجُورًا) صِفَةٌ تُؤَكِّدُ مَعْنى (حِجْرًا)، كَما قالُوا: مَوْتٌ مائِتٌ، وذَيْلٌ ذائِلٌ، والقُدُومُ الحَقِيقِيُّ مُسْتَحِيلٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، فَهو عِبارَةٌ عَنْ حُكْمِهِ بِذَلِكَ وإنْفاذِهِ. قِيلَ: أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ قَدِمَتْ مَلائِكَتُنا، وأسْنَدَ ذَلِكَ إلَيْهِ لِأنَّهُ عَنْ أمْرِهِ، وحَسُنَتْ لَفْظَةُ (قَدِمْنا)؛ لِأنَّ القادِمَ عَلى شَيْءٍ مَكْرُوهٍ لَمْ يُقَرِّرْهُ ولا أمَرَ بِهِ مُغَيِّرٌ لَهُ ومُذْهِبٌ، فَمَثَّلَتْ حالَ هَؤُلاءِ وأعْمالَهُمُ الَّتِي عَمِلُوها في كُفْرِهِمْ، مِن صِلَةِ رَحِمٍ، وإغاثَةِ مَلْهُوفٍ، وقِرى ضَيْفٍ، ومَنٍّ عَلى أسِيرٍ. وغَيْرِ ذَلِكَ مِن مَكارِمِهِمْ، بِحالِ قَوْمٍ خالَفُوا سُلْطانَهم فَقَصَدَ إلى ما تَحْتَ أيْدِيهِمْ فَمَزَّقَها بِحَيْثُ لَمْ يَتْرُكْ لَها أثَرًا، وفي أمْثالِهِمْ: أقَلُّ مِنَ الهَباءِ، و﴿هَباءً مَنثُورًا﴾ صِفَةٌ لِلْهَباءِ، شَبَّهَهُ بِالهَباءِ لِقِلَّتِهِ وأنَّهُ لا يُنْتَفَعُ بِهِ، ثُمَّ وصَفَهُ بِمَنثُورًا؛ لِأنَّ الهَباءَ تَراهُ مُنْتَظِمًا مَعَ الضَّوْءِ فَإذا حَرَّكَتْهُ الرِّيحُ رَأيْتَهُ قَدْ تَناثَرَ وذَهَبَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ جَعَلَهُ - يَعْنِي (مَنثُورًا) - مَفْعُولًا ثالِثًا لِجَعَلْناهُ، أيْ: (فَجَعَلْناهُ) جامِعًا لِحَقارَةِ الهَباءِ والتَّناثُرِ. كَقَوْلِهِ: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥]، أيْ: جامِعِينَ لِلْمَسْخِ والخَسْءِ، انْتَهى. وخالَفَ ابْنُ دُرُسْتُوَيْهِ فَخالَفَ النَّحْوِيِّينَ في مَنعِهِ أنْ يَكُونَ لِكانَ خَبَرانِ وأزْيَدُ. وقِياسُ قَوْلِهِ في جَعَلَ أنْ يُمْنَعَ أنْ يَكُونَ لَها خَبَرٌ ثالِثٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الهَباءُ المَنثُورُ ما تَسْفِي بِهِ الرِّياحُ وتَبُثُّهُ. وعَنْهُ أيْضًا: الهَباءُ الماءُ المُهْراقُ، والمُسْتَقَرُّ مَكانُ الِاسْتِقْرارِ في أكْثَرِ الأوْقاتِ. والمَقِيلُ المَكانُ الَّذِي يَأْوُونَ إلَيْهِ في الِاسْتِرْواحِ إلى الأزْواجِ والتَّمَتُّعِ، ولا نَوْمَ في الجَنَّةِ فَسُمِّيَ مَكانُ اسْتِرْواحِهِمْ إلى الحُورِ (مَقِيلًا)، عَلى طَرِيقِ التَّشْبِيهِ؛ إذِ المَكانُ المُتَخَيَّرُ لِلْقَيْلُولَةِ يَكُونُ أطْيَبَ المَواضِعِ. وفي لَفْظِ (أحْسَنُ) رَمْزٌ إلى ما يَتَزَيَّنُ بِهِ مُقِيلُهم مِن حُسْنِ الوُجُوهِ ومَلاحَةِ الصُّوَرِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ التَّحاسِينِ. و(خَيْرٌ) قِيلَ: لَيْسَتْ عَلى بابِها مِنِ اسْتِعْمالِها دَلالَةً عَلى الأفْضَلِيَّةِ، فَيَلْزَمُ مِن ذَلِكَ خَيْرٌ في مُسْتَقَرِّ أهْلِ النّارِ، ويُمْكِنُ إبْقاؤُها عَلى بابِها ويَكُونُ التَّفْضِيلُ وقَعَ بَيْنَ المُسْتَقِرِّينَ والمُقِيلِينَ بِاعْتِبارِ الزَّمانِ الواقِعِ ذَلِكَ فِيهِ. فالمَعْنى (خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا) في الآخِرَةِ مِنَ الكُفّارِ المُتْرَفِينَ في الدُّنْيا، ﴿وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ في الآخِرَةِ مِن أُولَئِكَ في الدُّنْيا. وقِيلَ: (خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا) مِنهم لَوْ كانَ لَهم مُسْتَقَرٌّ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ وُجُودُ مُسْتَقَرٍّ لَهم فِيهِ خَيْرٌ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، والنَّخَعِيِّ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وابْنِ جُرَيْجٍ، ومُقاتِلٍ: إنَّ الحِسابَ يَكْمُلُ في مِقْدارِ نِصْفِ يَوْمٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا، ويُقِيلُ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ في النّارِ.
الفرقان 25:25
﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وكانَ يَوْمًا عَلى الكافِرِينَ عَسِيرًا﴾ ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ ﴿ياوَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ ﴿لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جاءَنِي وكانَ الشَّيْطانُ لِلْإنْسانِ خَذُولًا﴾ ﴿وقالَ الرَّسُولُ يارَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ وكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا ونَصِيرًا﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ ﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلّا جِئْناكَ بِالحَقِّ وأحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ .
(p-٤٩٤)قَرَأ الحَرَمِيّانِ وابْنُ عامِرٍ (تَشَّقَّقُ) بِإدْغامِ التّاءِ مِن تَتَشَقَّقُ في الشِّينِ هُنا. وفي (ق) وباقِي السَّبْعَةِ بِحَذْفِ تِلْكَ التّاءِ، ويَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ونُزِّلَ) ماضِيًا مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو رَجاءٍ (ونَزَلَ) ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وعَنْهُ أيْضًا وأنْزَلَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وجاءَ مَصْدَرُهُ (تَنْزِيلًا)، وقِياسُهُ إنْزالًا إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ مَعْنى أنْزَلَ ونَزَّلَ واحِدًا جازَ مَجِيءُ مَصْدَرِ أحَدِهِما لِلْآخَرِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎حَتّى تَطَوَّيْتُ انْطِواءَ الخِصْبِ
كَأنَّهُ قالَ: حَتّى انْطَوَيْتُ. وقَرَأ الأعْمَشُ وعَبْدُ اللَّهِ في نَقْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ ”وأُنْزِلَ“ ماضِيًا رُباعِيًّا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، مُضارِعُهُ يُنَزَّلُ. وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ والخَفّافُ عَنْ أبِي عَمْرٍو (ونَزَلَ) ثُلاثِيًّا مُخَفَّفًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو وتُنَزَّلُ بِالتّاءِ مِن فَوْقُ مُضارِعَ نَزَّلَ مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وأبُو مُعاذٍ وخارِجَةُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو (ونُزِّلَ المَلائِكَةُ) بِضَمِّ النُّونِ وشَدِّ الزّايِ، أسْقَطَ النُّونَ مِن ونُنَزِّلُ، وفي بَعْضِ المَصاحِفِ ”ونُنَزِّلُ“ بِالنُّونِ مُضارِعَ نَزَّلَ مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. ونَسَبَها ابْنُ عَطِيَّةَ لِابْنِ كَثِيرٍ وحْدَهُ، قالَ: وهي قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عَمْرٍو. وعَنْ أُبَيٍّ أيْضًا و(تَنَزَّلَتِ) . وقَرَأ أُبَيٌّ و(نُزِّلَتِ) ماضِيًا مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ بِتاءِ التَّأْنِيثِ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ عَنِ الخَفّافِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: (ونُزِلَ) مُخَفَّفًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ (المَلائِكَةُ) رَفْعًا، فَإنْ صَحَّتِ القِراءَةُ فَإنَّهُ حُذِفَ مِنها المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مُقامَهُ، وتَقْدِيرُهُ: ونَزَلَ نُزُولُ المَلائِكَةِ فَحُذِفَ النُّزُولُ، ونُقِلَ إعْرابُهُ إلى (المَلائِكَةُ) بِمَعْنى نَزَلَ نازِلُ المَلائِكَةِ؛ لِأنَّ المَصْدَرَ يَكُونُ بِمَعْنى الِاسْمِ، وهَذا مِمّا يَجِيءُ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ في تَرْتِيبِ اللّازِمِ لِلْمَفْعُولِ بِهِ؛ لِأنَّ الفِعْلَ يَدُلُّ عَلى مَصْدَرِهِ، انْتَهى.
وقالَ أبُو الفَتْحِ: وهَذا غَيْرُ مَعْرُوفٍ؛ لِأنَّ (نَزَلَ) لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ فَيُبْنى هُنا لِلْمَلائِكَةِ، ووَجْهُهُ أنْ يَكُونَ مِثْلَ زُكِمَ الرَّجُلُ وجُنَّ فَإنَّهُ لا يُقالُ إلّا أزْكَمَهُ اللَّهُ وأجَنَّهُ. وهَذا بابُ سَماعٍ لا قِياسٍ، انْتَهى. فَهَذِهِ إحْدى عَشْرَةَ قِراءَةً. والظّاهِرُ أنَّ الغَمامَ هو السَّحابُ المَعْهُودُ. وقِيلَ هو اللَّهُ في قَوْلِهِ: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] . وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الغَمامُ الَّذِي يَأْتِي اللَّهُ فِيهِ في الجَنَّةِ زَعَمُوا. وقالَ الحَسَنُ: سُتْرَةٌ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ تَعْرُجُ المَلائِكَةُ فِيهِ تَنْسَخُ أعْمالَ بَنِي آدَمَ لِيُحاسَبُوا. وقِيلَ: غَمامٌ أبْيَضُ رَقِيقٌ مِثْلُ الضَّبابَةِ ولَمْ يَكُنْ لِبَنِي إسْرائِيلَ في تِيهِهِمْ، والظّاهِرُ أنَّ السَّماءَ هي المُظِلَّةُ لَنا. وقِيلَ: تَتَشَقَّقُ سَماءً سَماءً؛ قالَهُ مُقاتِلٌ. والباءُ باءُ الحالِ، أيْ: مُتَغَيِّمَةً، أوْ باءُ السَّبَبِ، أيْ: بِسَبَبِ طُلُوعِ الغَمامِ مِنهُ كَأنَّهُ الَّذِي تَتَشَقَّقُ بِهِ السَّماءُ، كَما تَقُولُ: شُقَّ السَّنامُ بِالشَّفْرَةِ وانْشَقَّ بِها، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨]، أوْ بِمَعْنى عَنْ أقْوالٍ ثَلاثَةٍ. والفَرْقُ بَيْنَ الباءِ السَّبَبِيَّةِ وعَنْ أنَّ انْشَقَّ عَنْ (p-٤٩٥)كَذا تَفَتَّحَ عَنْهُ وانْشَقَّ بِكَذا أنَّهُ هو الشّاقُّ لَهُ.
(ونُزِّلَ المَلائِكَةُ)، أيْ: إلى الأرْضِ لِوُقُوعِ الجَزاءِ والحِسابِ. و(الحَقُّ) صِفَةٌ لِلْمُلْكِ، أيِ: الثّابِتُ؛ لِأنَّ كُلَّ مُلْكٍ يَوْمَئِذٍ يَبْطُلُ، ولا يَبْقى إلّا مُلْكُهُ تَعالى وخَبَرُ المُلْكِ (يَوْمَئِذٍ) . والرَّحْمَنُ مُتَعَلِّقٌ بِالحَقِّ أوْ لِلْبَيانِ، أعْنِي: (لِلرَّحْمَنِ) . وقِيلَ: الخَبَرُ (لِلرَّحْمَنِ) و(يَوْمَئِذٍ) مَعْمُولٌ لِلْمُلْكِ. وقِيلَ: الخَبَرُ (الحَقُّ) و(لِلرَّحْمَنِ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ لِلْبَيانِ، وعَسُرَ ذَلِكَ اليَوْمُ عَلى الكافِرِينَ بِدُخُولِهِمُ النّارَ وما في خِلالِ ذَلِكَ مِنَ المَخاوِفِ. ودَلَّ قَوْلُهُ: (عَلى الكافِرِينَ) عَلى تَيْسِيرِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ، فَفي الحَدِيثِ أنَّهُ يُهَوَّنُ حَتّى يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِ أخَفَّ عَلَيْهِ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ صَلّاها في الدُّنْيا، والظّاهِرُ عُمُومُ الظّالِمِ؛ إذِ اللّامُ فِيهِ لِلْجِنْسِ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ وأبُو رَجاءٍ، وقالا: فُلانٌ هو كِنايَةٌ عَنِ الشَّيْطانِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ: (الظّالِمُ) هُنا عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ؛ إذْ كانَ جَنَحَ إلى الإسْلامِ وأُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ هو المَكْنِيُّ عَنْهُ بِفُلانٍ، وكانَ بَيْنَهُما مُخالَّةٌ فَنَهاهُ عَنِ الإسْلامِ فَقَبِلَ مِنهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. عَكْسُ هَذا القَوْلِ. قِيلَ: وسَبَبُ نُزُولِها هو عُقْبَةُ وأُبَيٌّ. وقِيلَ: كانَ عُقْبَةُ خَلِيلًا لِأُمَيَّةَ فَأسْلَمَ عُقْبَةُ، فَقالَ أُمَيَّةُ: وجْهِي مِن وجْهِكَ حَرامٌ إنْ بايَعْتَ مُحَمَّدًا، فَكَفَرَ وارْتَدَّ لِرِضا أُمَيَّةَ، فَنَزَلَتْ؛ قالَهُ الشَّعْبِيُّ. وذَكَرَ مِن إساءَةِ عُقْبَةَ عَلى الرَّسُولِ ما كانَ سَبَبَ أنْ قالَ لَهُ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «لا ألْقاكَ خارِجًا مِن مَكَّةَ إلّا عَلَوْتُ رَأْسَكَ بِالسَّيْفِ» . فَقُتِلَ عُقْبَةُ يَوْمِ بَدْرٍ صَبْرًا أمَرَ عَلِيًّا فَضَرَبَ عُنُقَهُ، وقُتِلَ أبَيُّ بْنُ خَلَفٍ يَوْمَ أُحُدٍ في المُبارَزَةِ. والمَقْصُودُ ذِكْرُ هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ بِتَنَدُّمِ الظّالِمِ وتَمَنِّيهِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ أطاعَ خَلِيلَهُ الَّذِي كانَ يَأْمُرُهُ بِالظُّلْمِ، وما مِن ظالِمٍ إلّا ولَهُ في الغالِبِ خَلِيلٌ خاصٌّ بِهِ يُعَبِّرُ عَنْهُ بِفُلانٍ. والظّاهِرُ أنَّ الظّالِمَ (يَعَضُّ عَلى يَدَيْهِ) فِعْلَ النّادِمِ المُتَفَجِّعِ. وقالَ الضَّحّاكُ: يَأْكُلُ يَدَيْهِ إلى المِرْفَقِ ثُمَّ تَنْبُتُ، ولا يَزالُ كَذَلِكَ كُلَّما أكَلَها نَبَتَتْ. وقِيلَ: هو مَجازٌ عُبِّرَ بِهِ عَنِ التَّحَيُّرِ والغَمِّ والنَّدَمِ والتَّفَجُّعِ، ونَقَلَ أئِمَّةُ اللُّغَةِ أنَّ المُتَأسِّفَ المُتَحَزِّنَ المُتَنَدِّمَ يَعَضُّ عَلى إبْهامِهِ نَدَمًا، وقالَ الشّاعِرُ:
؎لَطَمَتْ خَدَّها بِحُمْرٍ لِطافٍ ∗∗∗ نِلْنَ مِنها عَذابَ بِيضٍ عِذابِ
؎فَتَشَكّى العُنّابُ نَوْرَ أقاحٍ ∗∗∗ واشْتَكى الوَرْدُ ناضِرَ العُنّابِ
وفِي المَثَلِ: يَأْكُلُ يَدَيْهِ نَدَمًا ويُسِيلُ دَمْعَهُ دَمًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَضُّ الأنامِلِ واليَدَيْنِ والسُّقُوطُ في اليَدِ وأكْلُ البَنانِ وحَرْقُ الأسْنانِ والأرَمُ وفُرُوعُها، كِناياتٌ عَنِ الغَيْظِ والحَسْرَةِ؛ لِأنَّها مِن رَوادِفِها فَتُذْكَرُ الرّادِفَةُ ويُدَلُّ بِها عَلى المَرْدُوفِ فَيَرْتَفِعُ الكَلامُ بِهِ في طَبَقَةِ الفَصاحَةِ، ويَجِدُ السّامِعُ عِنْدَهُ في نَفْسِهِ مِنَ الرَّوْعَةِ والِاسْتِحْسانِ ما لا يَجِدُ عِنْدَ لَفْظِ المُكَنّى عَنْهُ، انْتَهى. وقالَ الشّاعِرُ في حَرْقِ النّابِ:
؎أبى الضَّيْمَ والنُّعْمانُ يَحْرِقُ نابُهُ ∗∗∗ عَلَيْهِ فَأفْضى والسُّيُوفُ مَعاقِلُهْ
(يَقُولُ) في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: قائِلًا: (يا لَيْتَنِي)، فَإنْ كانَتِ اللّامُ لِلْعَهْدِ فالمَعْنى أنَّهُ تَمَنّى عُقْبَةُ أنْ لَوْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ وسَلَكَ طَرِيقَ الحَقِّ، وإنْ كانَتِ اللّامُ لِلْجِنْسِ فالمَعْنى أنَّهُ تَمَنّى سُلُوكَ طَرِيقِ الرَّسُولِ، وهو الإيمانُ، ويَكُونُ الرَّسُولُ لِلْجِنْسِ؛ لِأنَّ كُلَّ ظالِمٍ قَدْ كُلِّفَ اتِّباعَ ما جاءَ بِهِ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ، إلى أنْ جاءَتِ المِلَّةُ المُحَمَّدِيَّةُ فَنَسَخَتْ جَمِيعَ المِلَلِ، فَلا يُقْبَلُ بَعْدَ مَجِيئِهِ دِينٌ غَيْرُ الَّذِي جاءَ بِهِ. ثُمَّ يُنادِي بِالوَيْلِ والحَسْرَةِ يَقُولُ: (يا ويْلَتى)، أيْ: يا هَلَكاهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] . وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ قُطَيْبٍ (يا ويْلَتِي) بِكَسْرِ التّاءِ، والياءُ ياءُ الإضافَةِ، وهو الأصْلُ؛ لِأنَّ الرَّجُلَ يُنادِي ويْلَتَهُ وهي هَلَكَتُهُ، يَقُولُ لَها: تَعالَيْ فَهَذا أوانُكِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِالإمالَةِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وتَرْكُ الإمالَةِ أحْسَنُ؛ لِأنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ الياءُ فَبُدِّلَتِ الكَسْرَةُ فَتْحَةً والياءُ ألِفًا؛ فِرارًا مِنَ الياءِ، فَمَن أمالَ رَجَعَ إلى الَّذِي عَنْهُ فَرَّ أوَّلًا. وفُلانٌ كِنايَةٌ (p-٤٩٦)عَنِ العَلَمِ، وهو مُتَصَرِّفٌ، وفُلُ كِنايَةٌ عَنْ نَكِرَةِ الإنْسانِ نَحْوُ: يا رَجُلُ، وهو مُخْتَصٌّ بِالنِّداءِ، وفُلَةُ بِمَعْنى يا امْرَأةُ كَذَلِكَ، ولامُ فُلُ ياءٌ أوْ واوٌ، ولَيْسَ مُرَخَّمًا مِن فُلانٍ، خِلافًا لِلْفَرّاءِ. ووَهَمَ ابْنُ عُصْفُورٍ وابْنُ مالِكٍ وصاحِبُ البَسِيطِ في قَوْلِهِمْ: فُلُ كِنايَةٌ عَنِ العَلَمِ كَفُلانٍ. وفي كِتابِ سِيبَوَيْهِ ما قُلْناهُ بِالنَّقْلِ عَنِ العَرَبِ.
والذِّكْرُ ذِكْرُ اللَّهِ أوِ القُرْآنُ أوِ المَوْعِظَةُ، والظّاهِرُ حَمْلُ الشَّيْطانِ عَلى ظاهِرِهِ؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي وسْوَسَ إلَيْهِ في مُخالَّةِ مَن أضَلَّهُ سَمّاهُ شَيْطانًا؛ لِأنَّهُ يُضِلُّ كَما يُضِلُّ الشَّيْطانُ، ثُمَّ خَذَلَهُ ولَمْ يَنْفَعْهُ في العاقِبَةِ. وتَحْتَمِلُ هَذِهِ الجُمْلَةُ أنْ تَكُونَ مِن تَمامِ كَلامِ الظّالِمَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إخْبارًا مِن كَلامِ اللَّهِ عَلى جِهَةِ الدَّلالَةِ عَلى وجْهِ ضَلالِهِمْ، والتَّحْذِيرِ مِنَ الشَّيْطانِ الَّذِي بَلَّغَهم ذَلِكَ المَبْلَغَ. وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ تَمْثِيلُ الجَلِيسِ الصّالِحِ بِالمِسْكِ والجَلِيسِ السُّوءِ بِنافِخِ الكِيرِ. والظّاهِرُ أنَّ دُعاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَبَّهُ، وإخْبارَهُ بِهَجْرِ قَوْمِهِ قُرَيْشٍ القُرْآنَ، هو مِمّا جَرى لَهُ في الدُّنْيا؛ بِدَلِيلِ إقْبالِهِ عَلَيْهِ مُسَلِّيًا مُؤانِسًا بِقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾، وأنَّهُ هو الكافِي في هِدايَتِهِ ونَصْرِهِ، فَهو وعْدٌ مِنهُ بِالنَّصْرِ، وهَذا القَوْلُ مِنَ الرَّسُولِ وشِكايَتُهُ فِيهِ تَخْوِيفٌ لِقَوْمِهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنهم أبُو مُسْلِمٍ إنَّهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الآخِرَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، والظّاهِرُ أنَّ (مَهْجُورًا) بِمَعْنى مَتْرُوكًا مِنَ الإيمانِ بِهِ، مُبْعَدًا مَقْصِيًّا مِنَ الهَجْرِ، بِفَتْحِ الهاءِ. وقالَهُ مُجاهِدٌ والنَّخَعِيُّ وأتْباعُهُ. وقِيلَ: مِنَ الهُجْرِ، والتَّقْدِيرُ (مَهْجُورًا) فِيهِ، بِمَعْنى أنَّهُ باطِلٌ. وأساطِيرُ الأوَّلِينَ أنَّهم إذا سَمِعُوهُ هَجَرُوا فِيهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] .
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَهْجُورُ بِمَعْنى الهَجْرِ كالمَلْحُودِ والمَعْقُولِ، والمَعْنى اتَّخَذُوهُ هَجْرًا، والعَدُوُّ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ واحِدًا وجَمْعًا، انْتَهى.
وانْتَصَبَ (هادِيًا) و(نَصِيرًا) عَلى الحالِ أوْ عَلى التَّمْيِيزِ. وقالُوا - أيِ الكُفّارُ - عَلى سَبِيلِ الِاقْتِراحِ والِاعْتِراضِ الدّالِّ عَلى نُفُورِهِمْ عَنِ الحَقِّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (نُزِّلَ) هاهُنا بِمَعْنى أُنْزِلَ لا غَيْرُ، كَخُبِّرَ بِمَعْنى أُخْبِرَ، وإلّا كانَ مُتَدافِعًا، انْتَهى. وإنَّما قالَ إنَّ (نُزِّلَ) بِمَعْنى أُنْزِلَ؛ لِأنَّ نُزِّلَ عِنْدَهُ أصْلُها أنْ تَكُونَ لِلتَّفْرِيقِ، فَلَوْ أقَرَّهُ عَلى أصْلِهِ عِنْدَهُ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّفْرِيقِ تَدافَعَ هو. وقَوْلُهُ: (جُمْلَةً واحِدَةً)، وقَدْ قَرَّرْنا أنَّ (نُزِّلَ) لا تَقْتَضِي التَّفْرِيقَ؛ لِأنَّ التَّضْعِيفَ فِيهِ عِنْدَنا مُرادِفٌ لِلْهَمْزَةِ. وقَدْ بَيَّنا ذَلِكَ في أوَّلِ آلِ عِمْرانَ، وقائِلُ ذَلِكَ كُفّارُ قُرَيْشٍ، قالُوا: لَوْ كانَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ لَنَزَلَ جُمْلَةً كَما نَزَلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ. وقِيلَ: قائِلُو ذَلِكَ اليَهُودُ، وهَذا قَوْلٌ لا طائِلَ تَحْتَهُ؛ لِأنَّ أمْرَ الِاحْتِجاجِ بِهِ والإعْجازِ لا يَخْتَلِفُ بِنُزُولِهِ جُمْلَةً واحِدَةً أوْ مُفَرَّقًا، بَلِ الإعْجازُ في نُزُولِهِ مُفَرَّقًا أظْهَرُ؛ إذْ يُطالَبُونَ بِمُعارَضَةِ سُورَةٍ مِنهُ، فَلَوْ نَزَلَ جُمْلَةً واحِدَةً وطُولِبُوا بِمُعارَضَتِهِ مِثْلَ ما نَزَلْ لَكانُوا أعْجَزَ مِنهم حِينَ طُولِبُوا بِمُعارَضَةِ سُورَةٍ مِنهُ فَعَجَزُوا، والمُشارُ إلَيْهِ غَيْرُ مَذْكُورٍ. فَقِيلَ: هو مِن كَلامِ الكُفّارِ وأشارُوا إلى التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، أيْ: تَنْزِيلًا مِثْلَ تَنْزِيلِ تِلْكَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ جُمْلَةً واحِدَةً، ويَبْقى ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ تَعْلِيلًا لِمَحْذُوفٍ، أيْ: فَرَّقْناهُ في أوْقاتٍ ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ . وقِيلَ: هو مُسْتَأْنَفٌ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى لا مِن كَلامِهِمْ، ولَمّا تَضَمَّنَ كَلامُهم مَعْنى لِمَ أُنْزِلَ مُفَرَّقًا أُشِيرَ بِقَوْلِهِ (كَذَلِكَ) إلى التَّفْرِيقِ، أيْ: (كَذَلِكَ) أُنْزِلَ مُفَرَّقًا.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والحِكْمَةُ فِيهِ أنْ نُقَوِّيَ بِتَفْرِيقِهِ فُؤادَكَ حَتّى تَعِيَهُ وتَحْفَظَهُ؛ لِأنَّ المُتَلَقِّنَ إنَّما يَقْوى قَلْبُهُ عَلى حِفْظِ العِلْمِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وجُزْءًا عَقِيبَ جُزْءٍ، ولَوْ أُلْقِيَ عَلَيْهِ جُمْلَةً واحِدَةً لَكانَ يَعْيا في حِفْظِهِ، والرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فارَقَتْ حالُهُ حالَ داوُدَ ومُوسى وعِيسى - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - حَيْثُ كانَ أُمِّيًّا لا يَكْتُبُ وهم كانُوا قارِئِينَ كاتِبِينَ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنَ التَّلَقُّنِ والتَّحَفُّظِ، فَأُنْزِلَ عَلَيْهِ مُنَجَّمًا في عِشْرِينَ سَنَةً. وقِيلَ: في ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وأيْضًا فَكانَ يَنْزِلُ عَلى حَسَبِ الحَوادِثِ وجَوابِ السّائِلِينَ؛ ولِأنَّ (p-٤٩٧)بَعْضَهُ مَنسُوخٌ وبَعْضَهُ ناسِخٌ، ولا يَتَأتّى ذَلِكَ إلّا فِيما أُنْزِلَ مُفَرَّقًا، انْتَهى.
واللّامُ في (لِنُثَبِّتَ بِهِ) لامُ العِلَّةِ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: هي لامُ القَسَمِ، والتَّقْدِيرُ واللَّهِ لَيُثَبِّتَنَّ، فَحُذِفَتِ النُّونُ وكُسِرَتِ اللّامُ، انْتَهى. وهَذا قَوْلٌ في غايَةِ الضَّعْفِ، وكانَ يَنْحُو إلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ أنَّ جَوابَ القَسَمِ يُتَلَقّى بِلامِ كَيْ، وجُعِلَ مِنهُ ﴿ولِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ﴾ [الأنعام: ١١٣]، وهو مَذْهَبٌ مَرْجُوحٌ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ”لِيُثَبِّتَ“ بِالياءِ، أيْ: لِيُثَبِّتَ اللَّهُ، (ورَتَّلْناهُ) أيْ: فَصَّلْناهُ. وقِيلَ: بَيَّنّاهُ. وقِيلَ: فَسَّرْناهُ.
﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ يَضْرِبُونَهُ عَلى جِهَةِ المُعارَضَةِ مِنهم كَتَمْثِيلِهِمْ في هَذِهِ بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ إلّا جاءَ القُرْآنُ بِالحَقِّ في ذَلِكَ، ثُمَّ هو أوْضَحُ بَيانًا وتَفْصِيلًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ بِسُؤالٍ عَجِيبٍ مِن سُؤالاتِهِمُ الباطِلَةِ، كَأنَّهُ مَثَلٌ في البُطْلانِ إلّا أتَيْناكَ نَحْنُ بِالجَوابِ الحَقِّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ، وبِما هو أحْسَنُ مَعْنًى ومُؤَدًّى مِن سُؤالِهِمْ. ولَمّا كانَ التَّفْسِيرُ هو الكَشْفَ عَمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ وُضِعَ مَوْضِعَ مَعْناهُ، فَقالُوا: تَفْسِيرُ هَذا الكَلامِ كَيْتَ وكَيْتَ، كَما قِيلَ مَعْناهُ كَذا أوْ (ولا يَأْتُونَكَ) بِحالٍ وصِفَةٍ عَجِيبَةٍ، يَقُولُونَ: هَلّا كانَتْ هَذِهِ صَفَتَكَ وحالَكَ، نَحْوَ أنْ يُقْرَنَ بِكَ مَلَكٌ يُنْذِرُ مَعَكَ، أوْ يُلْقى إلَيْكَ كَنْزٌ، أوْ تَكُونُ لَكَ جَنَّةٌ، أوْ يَنْزِلُ عَلَيْكَ القُرْآنُ جُمْلَةً، إلّا أعْطَيْناكَ ما يَحِقُّ لَكَ في حِكْمَتِنا ومَشِيئَتِنا أنْ تُعْطاهُ، وما هو أحْسَنُ تَكْشِيفًا لِما بُعِثْتَ عَلَيْهِ ودَلالَةً عَلى صِحَّتِهِ، انْتَهى. وقِيلَ: (ولا يَأْتُونَكَ) بِشُبْهَةٍ في إبْطالِ أمْرِكَ إلّا جِئْناكَ بِالحَقِّ الَّذِي يَدْحَضُ شُبْهَةَ أهْلِ الجَهْلِ ويُبْطِلُ كَلامَ أهْلِ الزَّيْغِ، والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ، أيْ: ﴿وأحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ مِن مَثَلِهِمْ، ومَثَلُهم قَوْلُهم: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ .
و(الَّذِينَ يُحْشَرُونَ) . قالَ الكَرْمانِيُّ: مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ﴾ [الفرقان: ٢٤] الآيَةَ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهم لَمّا اعْتَرَضُوا في حَدِيثِ القُرْآنِ وإنْزالِهِ مُفَرَّقًا كانَ في ضِمْنِ كَلامِهِمْ أنَّهم ذَوُو رُشْدٍ وخَيْرٍ، وأنَّهم عَلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ، ولِذَلِكَ اعْتَرَضُوا فَأخْبَرَ تَعالى بِحالِهِمْ وما يَئُولُ إلَيْهِ أمْرُهم في الآخِرَةِ بِكَوْنِهِمْ ﴿شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ سَبِيلًا﴾، والظّاهِرُ أنَّهُ يُحْشَرُ الكافِرُ عَلى وجْهِهِ بِأنْ يُسْحَبَ عَلى وجْهِهِ. وفي الحَدِيثِ: ”إنَّ الَّذِي أمْشاهم عَلى أرْجُلِهِمْ قادِرٌ أنْ يُمْشِيَهم عَلى وُجُوهِهِمْ“، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقِيلَ: هو مَجازٌ لِلذِّلَّةِ المُفْرِطَةِ والهَوانِ والخِزْيِ. وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ العَرَبِ مَرَّ فُلانٌ عَلى وجْهِهِ إذا لَمْ يَدْرِ أيْنَ ذَهَبَ. ويُقالُ: مَضى عَلى وجْهِهِ إذا أسْرَعَ مُتَوَجِّهًا لِقَصْدِهِ، و(شَرٌّ) و(أضَلُّ) لَيْسا عَلى بابِهِما مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّفْضِيلِ. وقَوْلُهُ: (شَرٌّ مَكانًا) أيْ: مُسْتَقَرًّا، وهو مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ: (خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا)، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالمَكانِ المَكانَةُ والشَّرَفُ لا المُسْتَقَرُّ. وأعْرَبُوا (الَّذِينَ) مُبْتَدَأً والجُمْلَةَ مِن (أُوْلَئِكَ) في مَوْضِعِ الخَبَرِ، ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ (الَّذِينَ) خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، لَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ الكافِرِينَ وما قالُوا قالَ إبْعادًا لَهم وتَسْمِيعًا بِما يَئُولُ إلَيْهِ حالُهم، هُمُ (الَّذِينَ يُحْشَرُونَ) ثُمَّ اسْتَأْنَفَ إخْبارًا أخْبَرَ عَنْهم فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا﴾ .
الفرقان 25:26
﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وكانَ يَوْمًا عَلى الكافِرِينَ عَسِيرًا﴾ ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ ﴿ياوَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ ﴿لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جاءَنِي وكانَ الشَّيْطانُ لِلْإنْسانِ خَذُولًا﴾ ﴿وقالَ الرَّسُولُ يارَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ وكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا ونَصِيرًا﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ ﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلّا جِئْناكَ بِالحَقِّ وأحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ .
(p-٤٩٤)قَرَأ الحَرَمِيّانِ وابْنُ عامِرٍ (تَشَّقَّقُ) بِإدْغامِ التّاءِ مِن تَتَشَقَّقُ في الشِّينِ هُنا. وفي (ق) وباقِي السَّبْعَةِ بِحَذْفِ تِلْكَ التّاءِ، ويَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ونُزِّلَ) ماضِيًا مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو رَجاءٍ (ونَزَلَ) ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وعَنْهُ أيْضًا وأنْزَلَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وجاءَ مَصْدَرُهُ (تَنْزِيلًا)، وقِياسُهُ إنْزالًا إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ مَعْنى أنْزَلَ ونَزَّلَ واحِدًا جازَ مَجِيءُ مَصْدَرِ أحَدِهِما لِلْآخَرِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎حَتّى تَطَوَّيْتُ انْطِواءَ الخِصْبِ
كَأنَّهُ قالَ: حَتّى انْطَوَيْتُ. وقَرَأ الأعْمَشُ وعَبْدُ اللَّهِ في نَقْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ ”وأُنْزِلَ“ ماضِيًا رُباعِيًّا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، مُضارِعُهُ يُنَزَّلُ. وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ والخَفّافُ عَنْ أبِي عَمْرٍو (ونَزَلَ) ثُلاثِيًّا مُخَفَّفًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو وتُنَزَّلُ بِالتّاءِ مِن فَوْقُ مُضارِعَ نَزَّلَ مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وأبُو مُعاذٍ وخارِجَةُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو (ونُزِّلَ المَلائِكَةُ) بِضَمِّ النُّونِ وشَدِّ الزّايِ، أسْقَطَ النُّونَ مِن ونُنَزِّلُ، وفي بَعْضِ المَصاحِفِ ”ونُنَزِّلُ“ بِالنُّونِ مُضارِعَ نَزَّلَ مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. ونَسَبَها ابْنُ عَطِيَّةَ لِابْنِ كَثِيرٍ وحْدَهُ، قالَ: وهي قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عَمْرٍو. وعَنْ أُبَيٍّ أيْضًا و(تَنَزَّلَتِ) . وقَرَأ أُبَيٌّ و(نُزِّلَتِ) ماضِيًا مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ بِتاءِ التَّأْنِيثِ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ عَنِ الخَفّافِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: (ونُزِلَ) مُخَفَّفًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ (المَلائِكَةُ) رَفْعًا، فَإنْ صَحَّتِ القِراءَةُ فَإنَّهُ حُذِفَ مِنها المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مُقامَهُ، وتَقْدِيرُهُ: ونَزَلَ نُزُولُ المَلائِكَةِ فَحُذِفَ النُّزُولُ، ونُقِلَ إعْرابُهُ إلى (المَلائِكَةُ) بِمَعْنى نَزَلَ نازِلُ المَلائِكَةِ؛ لِأنَّ المَصْدَرَ يَكُونُ بِمَعْنى الِاسْمِ، وهَذا مِمّا يَجِيءُ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ في تَرْتِيبِ اللّازِمِ لِلْمَفْعُولِ بِهِ؛ لِأنَّ الفِعْلَ يَدُلُّ عَلى مَصْدَرِهِ، انْتَهى.
وقالَ أبُو الفَتْحِ: وهَذا غَيْرُ مَعْرُوفٍ؛ لِأنَّ (نَزَلَ) لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ فَيُبْنى هُنا لِلْمَلائِكَةِ، ووَجْهُهُ أنْ يَكُونَ مِثْلَ زُكِمَ الرَّجُلُ وجُنَّ فَإنَّهُ لا يُقالُ إلّا أزْكَمَهُ اللَّهُ وأجَنَّهُ. وهَذا بابُ سَماعٍ لا قِياسٍ، انْتَهى. فَهَذِهِ إحْدى عَشْرَةَ قِراءَةً. والظّاهِرُ أنَّ الغَمامَ هو السَّحابُ المَعْهُودُ. وقِيلَ هو اللَّهُ في قَوْلِهِ: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] . وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الغَمامُ الَّذِي يَأْتِي اللَّهُ فِيهِ في الجَنَّةِ زَعَمُوا. وقالَ الحَسَنُ: سُتْرَةٌ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ تَعْرُجُ المَلائِكَةُ فِيهِ تَنْسَخُ أعْمالَ بَنِي آدَمَ لِيُحاسَبُوا. وقِيلَ: غَمامٌ أبْيَضُ رَقِيقٌ مِثْلُ الضَّبابَةِ ولَمْ يَكُنْ لِبَنِي إسْرائِيلَ في تِيهِهِمْ، والظّاهِرُ أنَّ السَّماءَ هي المُظِلَّةُ لَنا. وقِيلَ: تَتَشَقَّقُ سَماءً سَماءً؛ قالَهُ مُقاتِلٌ. والباءُ باءُ الحالِ، أيْ: مُتَغَيِّمَةً، أوْ باءُ السَّبَبِ، أيْ: بِسَبَبِ طُلُوعِ الغَمامِ مِنهُ كَأنَّهُ الَّذِي تَتَشَقَّقُ بِهِ السَّماءُ، كَما تَقُولُ: شُقَّ السَّنامُ بِالشَّفْرَةِ وانْشَقَّ بِها، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨]، أوْ بِمَعْنى عَنْ أقْوالٍ ثَلاثَةٍ. والفَرْقُ بَيْنَ الباءِ السَّبَبِيَّةِ وعَنْ أنَّ انْشَقَّ عَنْ (p-٤٩٥)كَذا تَفَتَّحَ عَنْهُ وانْشَقَّ بِكَذا أنَّهُ هو الشّاقُّ لَهُ.
(ونُزِّلَ المَلائِكَةُ)، أيْ: إلى الأرْضِ لِوُقُوعِ الجَزاءِ والحِسابِ. و(الحَقُّ) صِفَةٌ لِلْمُلْكِ، أيِ: الثّابِتُ؛ لِأنَّ كُلَّ مُلْكٍ يَوْمَئِذٍ يَبْطُلُ، ولا يَبْقى إلّا مُلْكُهُ تَعالى وخَبَرُ المُلْكِ (يَوْمَئِذٍ) . والرَّحْمَنُ مُتَعَلِّقٌ بِالحَقِّ أوْ لِلْبَيانِ، أعْنِي: (لِلرَّحْمَنِ) . وقِيلَ: الخَبَرُ (لِلرَّحْمَنِ) و(يَوْمَئِذٍ) مَعْمُولٌ لِلْمُلْكِ. وقِيلَ: الخَبَرُ (الحَقُّ) و(لِلرَّحْمَنِ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ لِلْبَيانِ، وعَسُرَ ذَلِكَ اليَوْمُ عَلى الكافِرِينَ بِدُخُولِهِمُ النّارَ وما في خِلالِ ذَلِكَ مِنَ المَخاوِفِ. ودَلَّ قَوْلُهُ: (عَلى الكافِرِينَ) عَلى تَيْسِيرِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ، فَفي الحَدِيثِ أنَّهُ يُهَوَّنُ حَتّى يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِ أخَفَّ عَلَيْهِ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ صَلّاها في الدُّنْيا، والظّاهِرُ عُمُومُ الظّالِمِ؛ إذِ اللّامُ فِيهِ لِلْجِنْسِ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ وأبُو رَجاءٍ، وقالا: فُلانٌ هو كِنايَةٌ عَنِ الشَّيْطانِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ: (الظّالِمُ) هُنا عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ؛ إذْ كانَ جَنَحَ إلى الإسْلامِ وأُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ هو المَكْنِيُّ عَنْهُ بِفُلانٍ، وكانَ بَيْنَهُما مُخالَّةٌ فَنَهاهُ عَنِ الإسْلامِ فَقَبِلَ مِنهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. عَكْسُ هَذا القَوْلِ. قِيلَ: وسَبَبُ نُزُولِها هو عُقْبَةُ وأُبَيٌّ. وقِيلَ: كانَ عُقْبَةُ خَلِيلًا لِأُمَيَّةَ فَأسْلَمَ عُقْبَةُ، فَقالَ أُمَيَّةُ: وجْهِي مِن وجْهِكَ حَرامٌ إنْ بايَعْتَ مُحَمَّدًا، فَكَفَرَ وارْتَدَّ لِرِضا أُمَيَّةَ، فَنَزَلَتْ؛ قالَهُ الشَّعْبِيُّ. وذَكَرَ مِن إساءَةِ عُقْبَةَ عَلى الرَّسُولِ ما كانَ سَبَبَ أنْ قالَ لَهُ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «لا ألْقاكَ خارِجًا مِن مَكَّةَ إلّا عَلَوْتُ رَأْسَكَ بِالسَّيْفِ» . فَقُتِلَ عُقْبَةُ يَوْمِ بَدْرٍ صَبْرًا أمَرَ عَلِيًّا فَضَرَبَ عُنُقَهُ، وقُتِلَ أبَيُّ بْنُ خَلَفٍ يَوْمَ أُحُدٍ في المُبارَزَةِ. والمَقْصُودُ ذِكْرُ هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ بِتَنَدُّمِ الظّالِمِ وتَمَنِّيهِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ أطاعَ خَلِيلَهُ الَّذِي كانَ يَأْمُرُهُ بِالظُّلْمِ، وما مِن ظالِمٍ إلّا ولَهُ في الغالِبِ خَلِيلٌ خاصٌّ بِهِ يُعَبِّرُ عَنْهُ بِفُلانٍ. والظّاهِرُ أنَّ الظّالِمَ (يَعَضُّ عَلى يَدَيْهِ) فِعْلَ النّادِمِ المُتَفَجِّعِ. وقالَ الضَّحّاكُ: يَأْكُلُ يَدَيْهِ إلى المِرْفَقِ ثُمَّ تَنْبُتُ، ولا يَزالُ كَذَلِكَ كُلَّما أكَلَها نَبَتَتْ. وقِيلَ: هو مَجازٌ عُبِّرَ بِهِ عَنِ التَّحَيُّرِ والغَمِّ والنَّدَمِ والتَّفَجُّعِ، ونَقَلَ أئِمَّةُ اللُّغَةِ أنَّ المُتَأسِّفَ المُتَحَزِّنَ المُتَنَدِّمَ يَعَضُّ عَلى إبْهامِهِ نَدَمًا، وقالَ الشّاعِرُ:
؎لَطَمَتْ خَدَّها بِحُمْرٍ لِطافٍ ∗∗∗ نِلْنَ مِنها عَذابَ بِيضٍ عِذابِ
؎فَتَشَكّى العُنّابُ نَوْرَ أقاحٍ ∗∗∗ واشْتَكى الوَرْدُ ناضِرَ العُنّابِ
وفِي المَثَلِ: يَأْكُلُ يَدَيْهِ نَدَمًا ويُسِيلُ دَمْعَهُ دَمًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَضُّ الأنامِلِ واليَدَيْنِ والسُّقُوطُ في اليَدِ وأكْلُ البَنانِ وحَرْقُ الأسْنانِ والأرَمُ وفُرُوعُها، كِناياتٌ عَنِ الغَيْظِ والحَسْرَةِ؛ لِأنَّها مِن رَوادِفِها فَتُذْكَرُ الرّادِفَةُ ويُدَلُّ بِها عَلى المَرْدُوفِ فَيَرْتَفِعُ الكَلامُ بِهِ في طَبَقَةِ الفَصاحَةِ، ويَجِدُ السّامِعُ عِنْدَهُ في نَفْسِهِ مِنَ الرَّوْعَةِ والِاسْتِحْسانِ ما لا يَجِدُ عِنْدَ لَفْظِ المُكَنّى عَنْهُ، انْتَهى. وقالَ الشّاعِرُ في حَرْقِ النّابِ:
؎أبى الضَّيْمَ والنُّعْمانُ يَحْرِقُ نابُهُ ∗∗∗ عَلَيْهِ فَأفْضى والسُّيُوفُ مَعاقِلُهْ
(يَقُولُ) في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: قائِلًا: (يا لَيْتَنِي)، فَإنْ كانَتِ اللّامُ لِلْعَهْدِ فالمَعْنى أنَّهُ تَمَنّى عُقْبَةُ أنْ لَوْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ وسَلَكَ طَرِيقَ الحَقِّ، وإنْ كانَتِ اللّامُ لِلْجِنْسِ فالمَعْنى أنَّهُ تَمَنّى سُلُوكَ طَرِيقِ الرَّسُولِ، وهو الإيمانُ، ويَكُونُ الرَّسُولُ لِلْجِنْسِ؛ لِأنَّ كُلَّ ظالِمٍ قَدْ كُلِّفَ اتِّباعَ ما جاءَ بِهِ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ، إلى أنْ جاءَتِ المِلَّةُ المُحَمَّدِيَّةُ فَنَسَخَتْ جَمِيعَ المِلَلِ، فَلا يُقْبَلُ بَعْدَ مَجِيئِهِ دِينٌ غَيْرُ الَّذِي جاءَ بِهِ. ثُمَّ يُنادِي بِالوَيْلِ والحَسْرَةِ يَقُولُ: (يا ويْلَتى)، أيْ: يا هَلَكاهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] . وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ قُطَيْبٍ (يا ويْلَتِي) بِكَسْرِ التّاءِ، والياءُ ياءُ الإضافَةِ، وهو الأصْلُ؛ لِأنَّ الرَّجُلَ يُنادِي ويْلَتَهُ وهي هَلَكَتُهُ، يَقُولُ لَها: تَعالَيْ فَهَذا أوانُكِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِالإمالَةِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وتَرْكُ الإمالَةِ أحْسَنُ؛ لِأنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ الياءُ فَبُدِّلَتِ الكَسْرَةُ فَتْحَةً والياءُ ألِفًا؛ فِرارًا مِنَ الياءِ، فَمَن أمالَ رَجَعَ إلى الَّذِي عَنْهُ فَرَّ أوَّلًا. وفُلانٌ كِنايَةٌ (p-٤٩٦)عَنِ العَلَمِ، وهو مُتَصَرِّفٌ، وفُلُ كِنايَةٌ عَنْ نَكِرَةِ الإنْسانِ نَحْوُ: يا رَجُلُ، وهو مُخْتَصٌّ بِالنِّداءِ، وفُلَةُ بِمَعْنى يا امْرَأةُ كَذَلِكَ، ولامُ فُلُ ياءٌ أوْ واوٌ، ولَيْسَ مُرَخَّمًا مِن فُلانٍ، خِلافًا لِلْفَرّاءِ. ووَهَمَ ابْنُ عُصْفُورٍ وابْنُ مالِكٍ وصاحِبُ البَسِيطِ في قَوْلِهِمْ: فُلُ كِنايَةٌ عَنِ العَلَمِ كَفُلانٍ. وفي كِتابِ سِيبَوَيْهِ ما قُلْناهُ بِالنَّقْلِ عَنِ العَرَبِ.
والذِّكْرُ ذِكْرُ اللَّهِ أوِ القُرْآنُ أوِ المَوْعِظَةُ، والظّاهِرُ حَمْلُ الشَّيْطانِ عَلى ظاهِرِهِ؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي وسْوَسَ إلَيْهِ في مُخالَّةِ مَن أضَلَّهُ سَمّاهُ شَيْطانًا؛ لِأنَّهُ يُضِلُّ كَما يُضِلُّ الشَّيْطانُ، ثُمَّ خَذَلَهُ ولَمْ يَنْفَعْهُ في العاقِبَةِ. وتَحْتَمِلُ هَذِهِ الجُمْلَةُ أنْ تَكُونَ مِن تَمامِ كَلامِ الظّالِمَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إخْبارًا مِن كَلامِ اللَّهِ عَلى جِهَةِ الدَّلالَةِ عَلى وجْهِ ضَلالِهِمْ، والتَّحْذِيرِ مِنَ الشَّيْطانِ الَّذِي بَلَّغَهم ذَلِكَ المَبْلَغَ. وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ تَمْثِيلُ الجَلِيسِ الصّالِحِ بِالمِسْكِ والجَلِيسِ السُّوءِ بِنافِخِ الكِيرِ. والظّاهِرُ أنَّ دُعاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَبَّهُ، وإخْبارَهُ بِهَجْرِ قَوْمِهِ قُرَيْشٍ القُرْآنَ، هو مِمّا جَرى لَهُ في الدُّنْيا؛ بِدَلِيلِ إقْبالِهِ عَلَيْهِ مُسَلِّيًا مُؤانِسًا بِقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾، وأنَّهُ هو الكافِي في هِدايَتِهِ ونَصْرِهِ، فَهو وعْدٌ مِنهُ بِالنَّصْرِ، وهَذا القَوْلُ مِنَ الرَّسُولِ وشِكايَتُهُ فِيهِ تَخْوِيفٌ لِقَوْمِهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنهم أبُو مُسْلِمٍ إنَّهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الآخِرَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، والظّاهِرُ أنَّ (مَهْجُورًا) بِمَعْنى مَتْرُوكًا مِنَ الإيمانِ بِهِ، مُبْعَدًا مَقْصِيًّا مِنَ الهَجْرِ، بِفَتْحِ الهاءِ. وقالَهُ مُجاهِدٌ والنَّخَعِيُّ وأتْباعُهُ. وقِيلَ: مِنَ الهُجْرِ، والتَّقْدِيرُ (مَهْجُورًا) فِيهِ، بِمَعْنى أنَّهُ باطِلٌ. وأساطِيرُ الأوَّلِينَ أنَّهم إذا سَمِعُوهُ هَجَرُوا فِيهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] .
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَهْجُورُ بِمَعْنى الهَجْرِ كالمَلْحُودِ والمَعْقُولِ، والمَعْنى اتَّخَذُوهُ هَجْرًا، والعَدُوُّ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ واحِدًا وجَمْعًا، انْتَهى.
وانْتَصَبَ (هادِيًا) و(نَصِيرًا) عَلى الحالِ أوْ عَلى التَّمْيِيزِ. وقالُوا - أيِ الكُفّارُ - عَلى سَبِيلِ الِاقْتِراحِ والِاعْتِراضِ الدّالِّ عَلى نُفُورِهِمْ عَنِ الحَقِّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (نُزِّلَ) هاهُنا بِمَعْنى أُنْزِلَ لا غَيْرُ، كَخُبِّرَ بِمَعْنى أُخْبِرَ، وإلّا كانَ مُتَدافِعًا، انْتَهى. وإنَّما قالَ إنَّ (نُزِّلَ) بِمَعْنى أُنْزِلَ؛ لِأنَّ نُزِّلَ عِنْدَهُ أصْلُها أنْ تَكُونَ لِلتَّفْرِيقِ، فَلَوْ أقَرَّهُ عَلى أصْلِهِ عِنْدَهُ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّفْرِيقِ تَدافَعَ هو. وقَوْلُهُ: (جُمْلَةً واحِدَةً)، وقَدْ قَرَّرْنا أنَّ (نُزِّلَ) لا تَقْتَضِي التَّفْرِيقَ؛ لِأنَّ التَّضْعِيفَ فِيهِ عِنْدَنا مُرادِفٌ لِلْهَمْزَةِ. وقَدْ بَيَّنا ذَلِكَ في أوَّلِ آلِ عِمْرانَ، وقائِلُ ذَلِكَ كُفّارُ قُرَيْشٍ، قالُوا: لَوْ كانَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ لَنَزَلَ جُمْلَةً كَما نَزَلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ. وقِيلَ: قائِلُو ذَلِكَ اليَهُودُ، وهَذا قَوْلٌ لا طائِلَ تَحْتَهُ؛ لِأنَّ أمْرَ الِاحْتِجاجِ بِهِ والإعْجازِ لا يَخْتَلِفُ بِنُزُولِهِ جُمْلَةً واحِدَةً أوْ مُفَرَّقًا، بَلِ الإعْجازُ في نُزُولِهِ مُفَرَّقًا أظْهَرُ؛ إذْ يُطالَبُونَ بِمُعارَضَةِ سُورَةٍ مِنهُ، فَلَوْ نَزَلَ جُمْلَةً واحِدَةً وطُولِبُوا بِمُعارَضَتِهِ مِثْلَ ما نَزَلْ لَكانُوا أعْجَزَ مِنهم حِينَ طُولِبُوا بِمُعارَضَةِ سُورَةٍ مِنهُ فَعَجَزُوا، والمُشارُ إلَيْهِ غَيْرُ مَذْكُورٍ. فَقِيلَ: هو مِن كَلامِ الكُفّارِ وأشارُوا إلى التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، أيْ: تَنْزِيلًا مِثْلَ تَنْزِيلِ تِلْكَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ جُمْلَةً واحِدَةً، ويَبْقى ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ تَعْلِيلًا لِمَحْذُوفٍ، أيْ: فَرَّقْناهُ في أوْقاتٍ ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ . وقِيلَ: هو مُسْتَأْنَفٌ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى لا مِن كَلامِهِمْ، ولَمّا تَضَمَّنَ كَلامُهم مَعْنى لِمَ أُنْزِلَ مُفَرَّقًا أُشِيرَ بِقَوْلِهِ (كَذَلِكَ) إلى التَّفْرِيقِ، أيْ: (كَذَلِكَ) أُنْزِلَ مُفَرَّقًا.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والحِكْمَةُ فِيهِ أنْ نُقَوِّيَ بِتَفْرِيقِهِ فُؤادَكَ حَتّى تَعِيَهُ وتَحْفَظَهُ؛ لِأنَّ المُتَلَقِّنَ إنَّما يَقْوى قَلْبُهُ عَلى حِفْظِ العِلْمِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وجُزْءًا عَقِيبَ جُزْءٍ، ولَوْ أُلْقِيَ عَلَيْهِ جُمْلَةً واحِدَةً لَكانَ يَعْيا في حِفْظِهِ، والرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فارَقَتْ حالُهُ حالَ داوُدَ ومُوسى وعِيسى - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - حَيْثُ كانَ أُمِّيًّا لا يَكْتُبُ وهم كانُوا قارِئِينَ كاتِبِينَ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنَ التَّلَقُّنِ والتَّحَفُّظِ، فَأُنْزِلَ عَلَيْهِ مُنَجَّمًا في عِشْرِينَ سَنَةً. وقِيلَ: في ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وأيْضًا فَكانَ يَنْزِلُ عَلى حَسَبِ الحَوادِثِ وجَوابِ السّائِلِينَ؛ ولِأنَّ (p-٤٩٧)بَعْضَهُ مَنسُوخٌ وبَعْضَهُ ناسِخٌ، ولا يَتَأتّى ذَلِكَ إلّا فِيما أُنْزِلَ مُفَرَّقًا، انْتَهى.
واللّامُ في (لِنُثَبِّتَ بِهِ) لامُ العِلَّةِ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: هي لامُ القَسَمِ، والتَّقْدِيرُ واللَّهِ لَيُثَبِّتَنَّ، فَحُذِفَتِ النُّونُ وكُسِرَتِ اللّامُ، انْتَهى. وهَذا قَوْلٌ في غايَةِ الضَّعْفِ، وكانَ يَنْحُو إلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ أنَّ جَوابَ القَسَمِ يُتَلَقّى بِلامِ كَيْ، وجُعِلَ مِنهُ ﴿ولِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ﴾ [الأنعام: ١١٣]، وهو مَذْهَبٌ مَرْجُوحٌ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ”لِيُثَبِّتَ“ بِالياءِ، أيْ: لِيُثَبِّتَ اللَّهُ، (ورَتَّلْناهُ) أيْ: فَصَّلْناهُ. وقِيلَ: بَيَّنّاهُ. وقِيلَ: فَسَّرْناهُ.
﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ يَضْرِبُونَهُ عَلى جِهَةِ المُعارَضَةِ مِنهم كَتَمْثِيلِهِمْ في هَذِهِ بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ إلّا جاءَ القُرْآنُ بِالحَقِّ في ذَلِكَ، ثُمَّ هو أوْضَحُ بَيانًا وتَفْصِيلًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ بِسُؤالٍ عَجِيبٍ مِن سُؤالاتِهِمُ الباطِلَةِ، كَأنَّهُ مَثَلٌ في البُطْلانِ إلّا أتَيْناكَ نَحْنُ بِالجَوابِ الحَقِّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ، وبِما هو أحْسَنُ مَعْنًى ومُؤَدًّى مِن سُؤالِهِمْ. ولَمّا كانَ التَّفْسِيرُ هو الكَشْفَ عَمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ وُضِعَ مَوْضِعَ مَعْناهُ، فَقالُوا: تَفْسِيرُ هَذا الكَلامِ كَيْتَ وكَيْتَ، كَما قِيلَ مَعْناهُ كَذا أوْ (ولا يَأْتُونَكَ) بِحالٍ وصِفَةٍ عَجِيبَةٍ، يَقُولُونَ: هَلّا كانَتْ هَذِهِ صَفَتَكَ وحالَكَ، نَحْوَ أنْ يُقْرَنَ بِكَ مَلَكٌ يُنْذِرُ مَعَكَ، أوْ يُلْقى إلَيْكَ كَنْزٌ، أوْ تَكُونُ لَكَ جَنَّةٌ، أوْ يَنْزِلُ عَلَيْكَ القُرْآنُ جُمْلَةً، إلّا أعْطَيْناكَ ما يَحِقُّ لَكَ في حِكْمَتِنا ومَشِيئَتِنا أنْ تُعْطاهُ، وما هو أحْسَنُ تَكْشِيفًا لِما بُعِثْتَ عَلَيْهِ ودَلالَةً عَلى صِحَّتِهِ، انْتَهى. وقِيلَ: (ولا يَأْتُونَكَ) بِشُبْهَةٍ في إبْطالِ أمْرِكَ إلّا جِئْناكَ بِالحَقِّ الَّذِي يَدْحَضُ شُبْهَةَ أهْلِ الجَهْلِ ويُبْطِلُ كَلامَ أهْلِ الزَّيْغِ، والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ، أيْ: ﴿وأحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ مِن مَثَلِهِمْ، ومَثَلُهم قَوْلُهم: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ .
و(الَّذِينَ يُحْشَرُونَ) . قالَ الكَرْمانِيُّ: مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ﴾ [الفرقان: ٢٤] الآيَةَ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهم لَمّا اعْتَرَضُوا في حَدِيثِ القُرْآنِ وإنْزالِهِ مُفَرَّقًا كانَ في ضِمْنِ كَلامِهِمْ أنَّهم ذَوُو رُشْدٍ وخَيْرٍ، وأنَّهم عَلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ، ولِذَلِكَ اعْتَرَضُوا فَأخْبَرَ تَعالى بِحالِهِمْ وما يَئُولُ إلَيْهِ أمْرُهم في الآخِرَةِ بِكَوْنِهِمْ ﴿شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ سَبِيلًا﴾، والظّاهِرُ أنَّهُ يُحْشَرُ الكافِرُ عَلى وجْهِهِ بِأنْ يُسْحَبَ عَلى وجْهِهِ. وفي الحَدِيثِ: ”إنَّ الَّذِي أمْشاهم عَلى أرْجُلِهِمْ قادِرٌ أنْ يُمْشِيَهم عَلى وُجُوهِهِمْ“، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقِيلَ: هو مَجازٌ لِلذِّلَّةِ المُفْرِطَةِ والهَوانِ والخِزْيِ. وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ العَرَبِ مَرَّ فُلانٌ عَلى وجْهِهِ إذا لَمْ يَدْرِ أيْنَ ذَهَبَ. ويُقالُ: مَضى عَلى وجْهِهِ إذا أسْرَعَ مُتَوَجِّهًا لِقَصْدِهِ، و(شَرٌّ) و(أضَلُّ) لَيْسا عَلى بابِهِما مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّفْضِيلِ. وقَوْلُهُ: (شَرٌّ مَكانًا) أيْ: مُسْتَقَرًّا، وهو مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ: (خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا)، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالمَكانِ المَكانَةُ والشَّرَفُ لا المُسْتَقَرُّ. وأعْرَبُوا (الَّذِينَ) مُبْتَدَأً والجُمْلَةَ مِن (أُوْلَئِكَ) في مَوْضِعِ الخَبَرِ، ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ (الَّذِينَ) خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، لَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ الكافِرِينَ وما قالُوا قالَ إبْعادًا لَهم وتَسْمِيعًا بِما يَئُولُ إلَيْهِ حالُهم، هُمُ (الَّذِينَ يُحْشَرُونَ) ثُمَّ اسْتَأْنَفَ إخْبارًا أخْبَرَ عَنْهم فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا﴾ .
الفرقان 25:27
﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وكانَ يَوْمًا عَلى الكافِرِينَ عَسِيرًا﴾ ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ ﴿ياوَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ ﴿لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جاءَنِي وكانَ الشَّيْطانُ لِلْإنْسانِ خَذُولًا﴾ ﴿وقالَ الرَّسُولُ يارَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ وكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا ونَصِيرًا﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ ﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلّا جِئْناكَ بِالحَقِّ وأحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ .
(p-٤٩٤)قَرَأ الحَرَمِيّانِ وابْنُ عامِرٍ (تَشَّقَّقُ) بِإدْغامِ التّاءِ مِن تَتَشَقَّقُ في الشِّينِ هُنا. وفي (ق) وباقِي السَّبْعَةِ بِحَذْفِ تِلْكَ التّاءِ، ويَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ونُزِّلَ) ماضِيًا مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو رَجاءٍ (ونَزَلَ) ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وعَنْهُ أيْضًا وأنْزَلَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وجاءَ مَصْدَرُهُ (تَنْزِيلًا)، وقِياسُهُ إنْزالًا إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ مَعْنى أنْزَلَ ونَزَّلَ واحِدًا جازَ مَجِيءُ مَصْدَرِ أحَدِهِما لِلْآخَرِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎حَتّى تَطَوَّيْتُ انْطِواءَ الخِصْبِ
كَأنَّهُ قالَ: حَتّى انْطَوَيْتُ. وقَرَأ الأعْمَشُ وعَبْدُ اللَّهِ في نَقْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ ”وأُنْزِلَ“ ماضِيًا رُباعِيًّا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، مُضارِعُهُ يُنَزَّلُ. وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ والخَفّافُ عَنْ أبِي عَمْرٍو (ونَزَلَ) ثُلاثِيًّا مُخَفَّفًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو وتُنَزَّلُ بِالتّاءِ مِن فَوْقُ مُضارِعَ نَزَّلَ مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وأبُو مُعاذٍ وخارِجَةُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو (ونُزِّلَ المَلائِكَةُ) بِضَمِّ النُّونِ وشَدِّ الزّايِ، أسْقَطَ النُّونَ مِن ونُنَزِّلُ، وفي بَعْضِ المَصاحِفِ ”ونُنَزِّلُ“ بِالنُّونِ مُضارِعَ نَزَّلَ مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. ونَسَبَها ابْنُ عَطِيَّةَ لِابْنِ كَثِيرٍ وحْدَهُ، قالَ: وهي قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عَمْرٍو. وعَنْ أُبَيٍّ أيْضًا و(تَنَزَّلَتِ) . وقَرَأ أُبَيٌّ و(نُزِّلَتِ) ماضِيًا مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ بِتاءِ التَّأْنِيثِ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ عَنِ الخَفّافِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: (ونُزِلَ) مُخَفَّفًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ (المَلائِكَةُ) رَفْعًا، فَإنْ صَحَّتِ القِراءَةُ فَإنَّهُ حُذِفَ مِنها المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مُقامَهُ، وتَقْدِيرُهُ: ونَزَلَ نُزُولُ المَلائِكَةِ فَحُذِفَ النُّزُولُ، ونُقِلَ إعْرابُهُ إلى (المَلائِكَةُ) بِمَعْنى نَزَلَ نازِلُ المَلائِكَةِ؛ لِأنَّ المَصْدَرَ يَكُونُ بِمَعْنى الِاسْمِ، وهَذا مِمّا يَجِيءُ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ في تَرْتِيبِ اللّازِمِ لِلْمَفْعُولِ بِهِ؛ لِأنَّ الفِعْلَ يَدُلُّ عَلى مَصْدَرِهِ، انْتَهى.
وقالَ أبُو الفَتْحِ: وهَذا غَيْرُ مَعْرُوفٍ؛ لِأنَّ (نَزَلَ) لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ فَيُبْنى هُنا لِلْمَلائِكَةِ، ووَجْهُهُ أنْ يَكُونَ مِثْلَ زُكِمَ الرَّجُلُ وجُنَّ فَإنَّهُ لا يُقالُ إلّا أزْكَمَهُ اللَّهُ وأجَنَّهُ. وهَذا بابُ سَماعٍ لا قِياسٍ، انْتَهى. فَهَذِهِ إحْدى عَشْرَةَ قِراءَةً. والظّاهِرُ أنَّ الغَمامَ هو السَّحابُ المَعْهُودُ. وقِيلَ هو اللَّهُ في قَوْلِهِ: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] . وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الغَمامُ الَّذِي يَأْتِي اللَّهُ فِيهِ في الجَنَّةِ زَعَمُوا. وقالَ الحَسَنُ: سُتْرَةٌ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ تَعْرُجُ المَلائِكَةُ فِيهِ تَنْسَخُ أعْمالَ بَنِي آدَمَ لِيُحاسَبُوا. وقِيلَ: غَمامٌ أبْيَضُ رَقِيقٌ مِثْلُ الضَّبابَةِ ولَمْ يَكُنْ لِبَنِي إسْرائِيلَ في تِيهِهِمْ، والظّاهِرُ أنَّ السَّماءَ هي المُظِلَّةُ لَنا. وقِيلَ: تَتَشَقَّقُ سَماءً سَماءً؛ قالَهُ مُقاتِلٌ. والباءُ باءُ الحالِ، أيْ: مُتَغَيِّمَةً، أوْ باءُ السَّبَبِ، أيْ: بِسَبَبِ طُلُوعِ الغَمامِ مِنهُ كَأنَّهُ الَّذِي تَتَشَقَّقُ بِهِ السَّماءُ، كَما تَقُولُ: شُقَّ السَّنامُ بِالشَّفْرَةِ وانْشَقَّ بِها، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨]، أوْ بِمَعْنى عَنْ أقْوالٍ ثَلاثَةٍ. والفَرْقُ بَيْنَ الباءِ السَّبَبِيَّةِ وعَنْ أنَّ انْشَقَّ عَنْ (p-٤٩٥)كَذا تَفَتَّحَ عَنْهُ وانْشَقَّ بِكَذا أنَّهُ هو الشّاقُّ لَهُ.
(ونُزِّلَ المَلائِكَةُ)، أيْ: إلى الأرْضِ لِوُقُوعِ الجَزاءِ والحِسابِ. و(الحَقُّ) صِفَةٌ لِلْمُلْكِ، أيِ: الثّابِتُ؛ لِأنَّ كُلَّ مُلْكٍ يَوْمَئِذٍ يَبْطُلُ، ولا يَبْقى إلّا مُلْكُهُ تَعالى وخَبَرُ المُلْكِ (يَوْمَئِذٍ) . والرَّحْمَنُ مُتَعَلِّقٌ بِالحَقِّ أوْ لِلْبَيانِ، أعْنِي: (لِلرَّحْمَنِ) . وقِيلَ: الخَبَرُ (لِلرَّحْمَنِ) و(يَوْمَئِذٍ) مَعْمُولٌ لِلْمُلْكِ. وقِيلَ: الخَبَرُ (الحَقُّ) و(لِلرَّحْمَنِ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ لِلْبَيانِ، وعَسُرَ ذَلِكَ اليَوْمُ عَلى الكافِرِينَ بِدُخُولِهِمُ النّارَ وما في خِلالِ ذَلِكَ مِنَ المَخاوِفِ. ودَلَّ قَوْلُهُ: (عَلى الكافِرِينَ) عَلى تَيْسِيرِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ، فَفي الحَدِيثِ أنَّهُ يُهَوَّنُ حَتّى يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِ أخَفَّ عَلَيْهِ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ صَلّاها في الدُّنْيا، والظّاهِرُ عُمُومُ الظّالِمِ؛ إذِ اللّامُ فِيهِ لِلْجِنْسِ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ وأبُو رَجاءٍ، وقالا: فُلانٌ هو كِنايَةٌ عَنِ الشَّيْطانِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ: (الظّالِمُ) هُنا عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ؛ إذْ كانَ جَنَحَ إلى الإسْلامِ وأُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ هو المَكْنِيُّ عَنْهُ بِفُلانٍ، وكانَ بَيْنَهُما مُخالَّةٌ فَنَهاهُ عَنِ الإسْلامِ فَقَبِلَ مِنهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. عَكْسُ هَذا القَوْلِ. قِيلَ: وسَبَبُ نُزُولِها هو عُقْبَةُ وأُبَيٌّ. وقِيلَ: كانَ عُقْبَةُ خَلِيلًا لِأُمَيَّةَ فَأسْلَمَ عُقْبَةُ، فَقالَ أُمَيَّةُ: وجْهِي مِن وجْهِكَ حَرامٌ إنْ بايَعْتَ مُحَمَّدًا، فَكَفَرَ وارْتَدَّ لِرِضا أُمَيَّةَ، فَنَزَلَتْ؛ قالَهُ الشَّعْبِيُّ. وذَكَرَ مِن إساءَةِ عُقْبَةَ عَلى الرَّسُولِ ما كانَ سَبَبَ أنْ قالَ لَهُ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «لا ألْقاكَ خارِجًا مِن مَكَّةَ إلّا عَلَوْتُ رَأْسَكَ بِالسَّيْفِ» . فَقُتِلَ عُقْبَةُ يَوْمِ بَدْرٍ صَبْرًا أمَرَ عَلِيًّا فَضَرَبَ عُنُقَهُ، وقُتِلَ أبَيُّ بْنُ خَلَفٍ يَوْمَ أُحُدٍ في المُبارَزَةِ. والمَقْصُودُ ذِكْرُ هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ بِتَنَدُّمِ الظّالِمِ وتَمَنِّيهِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ أطاعَ خَلِيلَهُ الَّذِي كانَ يَأْمُرُهُ بِالظُّلْمِ، وما مِن ظالِمٍ إلّا ولَهُ في الغالِبِ خَلِيلٌ خاصٌّ بِهِ يُعَبِّرُ عَنْهُ بِفُلانٍ. والظّاهِرُ أنَّ الظّالِمَ (يَعَضُّ عَلى يَدَيْهِ) فِعْلَ النّادِمِ المُتَفَجِّعِ. وقالَ الضَّحّاكُ: يَأْكُلُ يَدَيْهِ إلى المِرْفَقِ ثُمَّ تَنْبُتُ، ولا يَزالُ كَذَلِكَ كُلَّما أكَلَها نَبَتَتْ. وقِيلَ: هو مَجازٌ عُبِّرَ بِهِ عَنِ التَّحَيُّرِ والغَمِّ والنَّدَمِ والتَّفَجُّعِ، ونَقَلَ أئِمَّةُ اللُّغَةِ أنَّ المُتَأسِّفَ المُتَحَزِّنَ المُتَنَدِّمَ يَعَضُّ عَلى إبْهامِهِ نَدَمًا، وقالَ الشّاعِرُ:
؎لَطَمَتْ خَدَّها بِحُمْرٍ لِطافٍ ∗∗∗ نِلْنَ مِنها عَذابَ بِيضٍ عِذابِ
؎فَتَشَكّى العُنّابُ نَوْرَ أقاحٍ ∗∗∗ واشْتَكى الوَرْدُ ناضِرَ العُنّابِ
وفِي المَثَلِ: يَأْكُلُ يَدَيْهِ نَدَمًا ويُسِيلُ دَمْعَهُ دَمًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَضُّ الأنامِلِ واليَدَيْنِ والسُّقُوطُ في اليَدِ وأكْلُ البَنانِ وحَرْقُ الأسْنانِ والأرَمُ وفُرُوعُها، كِناياتٌ عَنِ الغَيْظِ والحَسْرَةِ؛ لِأنَّها مِن رَوادِفِها فَتُذْكَرُ الرّادِفَةُ ويُدَلُّ بِها عَلى المَرْدُوفِ فَيَرْتَفِعُ الكَلامُ بِهِ في طَبَقَةِ الفَصاحَةِ، ويَجِدُ السّامِعُ عِنْدَهُ في نَفْسِهِ مِنَ الرَّوْعَةِ والِاسْتِحْسانِ ما لا يَجِدُ عِنْدَ لَفْظِ المُكَنّى عَنْهُ، انْتَهى. وقالَ الشّاعِرُ في حَرْقِ النّابِ:
؎أبى الضَّيْمَ والنُّعْمانُ يَحْرِقُ نابُهُ ∗∗∗ عَلَيْهِ فَأفْضى والسُّيُوفُ مَعاقِلُهْ
(يَقُولُ) في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: قائِلًا: (يا لَيْتَنِي)، فَإنْ كانَتِ اللّامُ لِلْعَهْدِ فالمَعْنى أنَّهُ تَمَنّى عُقْبَةُ أنْ لَوْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ وسَلَكَ طَرِيقَ الحَقِّ، وإنْ كانَتِ اللّامُ لِلْجِنْسِ فالمَعْنى أنَّهُ تَمَنّى سُلُوكَ طَرِيقِ الرَّسُولِ، وهو الإيمانُ، ويَكُونُ الرَّسُولُ لِلْجِنْسِ؛ لِأنَّ كُلَّ ظالِمٍ قَدْ كُلِّفَ اتِّباعَ ما جاءَ بِهِ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ، إلى أنْ جاءَتِ المِلَّةُ المُحَمَّدِيَّةُ فَنَسَخَتْ جَمِيعَ المِلَلِ، فَلا يُقْبَلُ بَعْدَ مَجِيئِهِ دِينٌ غَيْرُ الَّذِي جاءَ بِهِ. ثُمَّ يُنادِي بِالوَيْلِ والحَسْرَةِ يَقُولُ: (يا ويْلَتى)، أيْ: يا هَلَكاهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] . وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ قُطَيْبٍ (يا ويْلَتِي) بِكَسْرِ التّاءِ، والياءُ ياءُ الإضافَةِ، وهو الأصْلُ؛ لِأنَّ الرَّجُلَ يُنادِي ويْلَتَهُ وهي هَلَكَتُهُ، يَقُولُ لَها: تَعالَيْ فَهَذا أوانُكِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِالإمالَةِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وتَرْكُ الإمالَةِ أحْسَنُ؛ لِأنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ الياءُ فَبُدِّلَتِ الكَسْرَةُ فَتْحَةً والياءُ ألِفًا؛ فِرارًا مِنَ الياءِ، فَمَن أمالَ رَجَعَ إلى الَّذِي عَنْهُ فَرَّ أوَّلًا. وفُلانٌ كِنايَةٌ (p-٤٩٦)عَنِ العَلَمِ، وهو مُتَصَرِّفٌ، وفُلُ كِنايَةٌ عَنْ نَكِرَةِ الإنْسانِ نَحْوُ: يا رَجُلُ، وهو مُخْتَصٌّ بِالنِّداءِ، وفُلَةُ بِمَعْنى يا امْرَأةُ كَذَلِكَ، ولامُ فُلُ ياءٌ أوْ واوٌ، ولَيْسَ مُرَخَّمًا مِن فُلانٍ، خِلافًا لِلْفَرّاءِ. ووَهَمَ ابْنُ عُصْفُورٍ وابْنُ مالِكٍ وصاحِبُ البَسِيطِ في قَوْلِهِمْ: فُلُ كِنايَةٌ عَنِ العَلَمِ كَفُلانٍ. وفي كِتابِ سِيبَوَيْهِ ما قُلْناهُ بِالنَّقْلِ عَنِ العَرَبِ.
والذِّكْرُ ذِكْرُ اللَّهِ أوِ القُرْآنُ أوِ المَوْعِظَةُ، والظّاهِرُ حَمْلُ الشَّيْطانِ عَلى ظاهِرِهِ؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي وسْوَسَ إلَيْهِ في مُخالَّةِ مَن أضَلَّهُ سَمّاهُ شَيْطانًا؛ لِأنَّهُ يُضِلُّ كَما يُضِلُّ الشَّيْطانُ، ثُمَّ خَذَلَهُ ولَمْ يَنْفَعْهُ في العاقِبَةِ. وتَحْتَمِلُ هَذِهِ الجُمْلَةُ أنْ تَكُونَ مِن تَمامِ كَلامِ الظّالِمَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إخْبارًا مِن كَلامِ اللَّهِ عَلى جِهَةِ الدَّلالَةِ عَلى وجْهِ ضَلالِهِمْ، والتَّحْذِيرِ مِنَ الشَّيْطانِ الَّذِي بَلَّغَهم ذَلِكَ المَبْلَغَ. وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ تَمْثِيلُ الجَلِيسِ الصّالِحِ بِالمِسْكِ والجَلِيسِ السُّوءِ بِنافِخِ الكِيرِ. والظّاهِرُ أنَّ دُعاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَبَّهُ، وإخْبارَهُ بِهَجْرِ قَوْمِهِ قُرَيْشٍ القُرْآنَ، هو مِمّا جَرى لَهُ في الدُّنْيا؛ بِدَلِيلِ إقْبالِهِ عَلَيْهِ مُسَلِّيًا مُؤانِسًا بِقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾، وأنَّهُ هو الكافِي في هِدايَتِهِ ونَصْرِهِ، فَهو وعْدٌ مِنهُ بِالنَّصْرِ، وهَذا القَوْلُ مِنَ الرَّسُولِ وشِكايَتُهُ فِيهِ تَخْوِيفٌ لِقَوْمِهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنهم أبُو مُسْلِمٍ إنَّهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الآخِرَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، والظّاهِرُ أنَّ (مَهْجُورًا) بِمَعْنى مَتْرُوكًا مِنَ الإيمانِ بِهِ، مُبْعَدًا مَقْصِيًّا مِنَ الهَجْرِ، بِفَتْحِ الهاءِ. وقالَهُ مُجاهِدٌ والنَّخَعِيُّ وأتْباعُهُ. وقِيلَ: مِنَ الهُجْرِ، والتَّقْدِيرُ (مَهْجُورًا) فِيهِ، بِمَعْنى أنَّهُ باطِلٌ. وأساطِيرُ الأوَّلِينَ أنَّهم إذا سَمِعُوهُ هَجَرُوا فِيهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] .
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَهْجُورُ بِمَعْنى الهَجْرِ كالمَلْحُودِ والمَعْقُولِ، والمَعْنى اتَّخَذُوهُ هَجْرًا، والعَدُوُّ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ واحِدًا وجَمْعًا، انْتَهى.
وانْتَصَبَ (هادِيًا) و(نَصِيرًا) عَلى الحالِ أوْ عَلى التَّمْيِيزِ. وقالُوا - أيِ الكُفّارُ - عَلى سَبِيلِ الِاقْتِراحِ والِاعْتِراضِ الدّالِّ عَلى نُفُورِهِمْ عَنِ الحَقِّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (نُزِّلَ) هاهُنا بِمَعْنى أُنْزِلَ لا غَيْرُ، كَخُبِّرَ بِمَعْنى أُخْبِرَ، وإلّا كانَ مُتَدافِعًا، انْتَهى. وإنَّما قالَ إنَّ (نُزِّلَ) بِمَعْنى أُنْزِلَ؛ لِأنَّ نُزِّلَ عِنْدَهُ أصْلُها أنْ تَكُونَ لِلتَّفْرِيقِ، فَلَوْ أقَرَّهُ عَلى أصْلِهِ عِنْدَهُ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّفْرِيقِ تَدافَعَ هو. وقَوْلُهُ: (جُمْلَةً واحِدَةً)، وقَدْ قَرَّرْنا أنَّ (نُزِّلَ) لا تَقْتَضِي التَّفْرِيقَ؛ لِأنَّ التَّضْعِيفَ فِيهِ عِنْدَنا مُرادِفٌ لِلْهَمْزَةِ. وقَدْ بَيَّنا ذَلِكَ في أوَّلِ آلِ عِمْرانَ، وقائِلُ ذَلِكَ كُفّارُ قُرَيْشٍ، قالُوا: لَوْ كانَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ لَنَزَلَ جُمْلَةً كَما نَزَلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ. وقِيلَ: قائِلُو ذَلِكَ اليَهُودُ، وهَذا قَوْلٌ لا طائِلَ تَحْتَهُ؛ لِأنَّ أمْرَ الِاحْتِجاجِ بِهِ والإعْجازِ لا يَخْتَلِفُ بِنُزُولِهِ جُمْلَةً واحِدَةً أوْ مُفَرَّقًا، بَلِ الإعْجازُ في نُزُولِهِ مُفَرَّقًا أظْهَرُ؛ إذْ يُطالَبُونَ بِمُعارَضَةِ سُورَةٍ مِنهُ، فَلَوْ نَزَلَ جُمْلَةً واحِدَةً وطُولِبُوا بِمُعارَضَتِهِ مِثْلَ ما نَزَلْ لَكانُوا أعْجَزَ مِنهم حِينَ طُولِبُوا بِمُعارَضَةِ سُورَةٍ مِنهُ فَعَجَزُوا، والمُشارُ إلَيْهِ غَيْرُ مَذْكُورٍ. فَقِيلَ: هو مِن كَلامِ الكُفّارِ وأشارُوا إلى التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، أيْ: تَنْزِيلًا مِثْلَ تَنْزِيلِ تِلْكَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ جُمْلَةً واحِدَةً، ويَبْقى ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ تَعْلِيلًا لِمَحْذُوفٍ، أيْ: فَرَّقْناهُ في أوْقاتٍ ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ . وقِيلَ: هو مُسْتَأْنَفٌ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى لا مِن كَلامِهِمْ، ولَمّا تَضَمَّنَ كَلامُهم مَعْنى لِمَ أُنْزِلَ مُفَرَّقًا أُشِيرَ بِقَوْلِهِ (كَذَلِكَ) إلى التَّفْرِيقِ، أيْ: (كَذَلِكَ) أُنْزِلَ مُفَرَّقًا.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والحِكْمَةُ فِيهِ أنْ نُقَوِّيَ بِتَفْرِيقِهِ فُؤادَكَ حَتّى تَعِيَهُ وتَحْفَظَهُ؛ لِأنَّ المُتَلَقِّنَ إنَّما يَقْوى قَلْبُهُ عَلى حِفْظِ العِلْمِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وجُزْءًا عَقِيبَ جُزْءٍ، ولَوْ أُلْقِيَ عَلَيْهِ جُمْلَةً واحِدَةً لَكانَ يَعْيا في حِفْظِهِ، والرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فارَقَتْ حالُهُ حالَ داوُدَ ومُوسى وعِيسى - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - حَيْثُ كانَ أُمِّيًّا لا يَكْتُبُ وهم كانُوا قارِئِينَ كاتِبِينَ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنَ التَّلَقُّنِ والتَّحَفُّظِ، فَأُنْزِلَ عَلَيْهِ مُنَجَّمًا في عِشْرِينَ سَنَةً. وقِيلَ: في ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وأيْضًا فَكانَ يَنْزِلُ عَلى حَسَبِ الحَوادِثِ وجَوابِ السّائِلِينَ؛ ولِأنَّ (p-٤٩٧)بَعْضَهُ مَنسُوخٌ وبَعْضَهُ ناسِخٌ، ولا يَتَأتّى ذَلِكَ إلّا فِيما أُنْزِلَ مُفَرَّقًا، انْتَهى.
واللّامُ في (لِنُثَبِّتَ بِهِ) لامُ العِلَّةِ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: هي لامُ القَسَمِ، والتَّقْدِيرُ واللَّهِ لَيُثَبِّتَنَّ، فَحُذِفَتِ النُّونُ وكُسِرَتِ اللّامُ، انْتَهى. وهَذا قَوْلٌ في غايَةِ الضَّعْفِ، وكانَ يَنْحُو إلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ أنَّ جَوابَ القَسَمِ يُتَلَقّى بِلامِ كَيْ، وجُعِلَ مِنهُ ﴿ولِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ﴾ [الأنعام: ١١٣]، وهو مَذْهَبٌ مَرْجُوحٌ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ”لِيُثَبِّتَ“ بِالياءِ، أيْ: لِيُثَبِّتَ اللَّهُ، (ورَتَّلْناهُ) أيْ: فَصَّلْناهُ. وقِيلَ: بَيَّنّاهُ. وقِيلَ: فَسَّرْناهُ.
﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ يَضْرِبُونَهُ عَلى جِهَةِ المُعارَضَةِ مِنهم كَتَمْثِيلِهِمْ في هَذِهِ بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ إلّا جاءَ القُرْآنُ بِالحَقِّ في ذَلِكَ، ثُمَّ هو أوْضَحُ بَيانًا وتَفْصِيلًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ بِسُؤالٍ عَجِيبٍ مِن سُؤالاتِهِمُ الباطِلَةِ، كَأنَّهُ مَثَلٌ في البُطْلانِ إلّا أتَيْناكَ نَحْنُ بِالجَوابِ الحَقِّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ، وبِما هو أحْسَنُ مَعْنًى ومُؤَدًّى مِن سُؤالِهِمْ. ولَمّا كانَ التَّفْسِيرُ هو الكَشْفَ عَمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ وُضِعَ مَوْضِعَ مَعْناهُ، فَقالُوا: تَفْسِيرُ هَذا الكَلامِ كَيْتَ وكَيْتَ، كَما قِيلَ مَعْناهُ كَذا أوْ (ولا يَأْتُونَكَ) بِحالٍ وصِفَةٍ عَجِيبَةٍ، يَقُولُونَ: هَلّا كانَتْ هَذِهِ صَفَتَكَ وحالَكَ، نَحْوَ أنْ يُقْرَنَ بِكَ مَلَكٌ يُنْذِرُ مَعَكَ، أوْ يُلْقى إلَيْكَ كَنْزٌ، أوْ تَكُونُ لَكَ جَنَّةٌ، أوْ يَنْزِلُ عَلَيْكَ القُرْآنُ جُمْلَةً، إلّا أعْطَيْناكَ ما يَحِقُّ لَكَ في حِكْمَتِنا ومَشِيئَتِنا أنْ تُعْطاهُ، وما هو أحْسَنُ تَكْشِيفًا لِما بُعِثْتَ عَلَيْهِ ودَلالَةً عَلى صِحَّتِهِ، انْتَهى. وقِيلَ: (ولا يَأْتُونَكَ) بِشُبْهَةٍ في إبْطالِ أمْرِكَ إلّا جِئْناكَ بِالحَقِّ الَّذِي يَدْحَضُ شُبْهَةَ أهْلِ الجَهْلِ ويُبْطِلُ كَلامَ أهْلِ الزَّيْغِ، والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ، أيْ: ﴿وأحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ مِن مَثَلِهِمْ، ومَثَلُهم قَوْلُهم: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ .
و(الَّذِينَ يُحْشَرُونَ) . قالَ الكَرْمانِيُّ: مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ﴾ [الفرقان: ٢٤] الآيَةَ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهم لَمّا اعْتَرَضُوا في حَدِيثِ القُرْآنِ وإنْزالِهِ مُفَرَّقًا كانَ في ضِمْنِ كَلامِهِمْ أنَّهم ذَوُو رُشْدٍ وخَيْرٍ، وأنَّهم عَلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ، ولِذَلِكَ اعْتَرَضُوا فَأخْبَرَ تَعالى بِحالِهِمْ وما يَئُولُ إلَيْهِ أمْرُهم في الآخِرَةِ بِكَوْنِهِمْ ﴿شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ سَبِيلًا﴾، والظّاهِرُ أنَّهُ يُحْشَرُ الكافِرُ عَلى وجْهِهِ بِأنْ يُسْحَبَ عَلى وجْهِهِ. وفي الحَدِيثِ: ”إنَّ الَّذِي أمْشاهم عَلى أرْجُلِهِمْ قادِرٌ أنْ يُمْشِيَهم عَلى وُجُوهِهِمْ“، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقِيلَ: هو مَجازٌ لِلذِّلَّةِ المُفْرِطَةِ والهَوانِ والخِزْيِ. وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ العَرَبِ مَرَّ فُلانٌ عَلى وجْهِهِ إذا لَمْ يَدْرِ أيْنَ ذَهَبَ. ويُقالُ: مَضى عَلى وجْهِهِ إذا أسْرَعَ مُتَوَجِّهًا لِقَصْدِهِ، و(شَرٌّ) و(أضَلُّ) لَيْسا عَلى بابِهِما مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّفْضِيلِ. وقَوْلُهُ: (شَرٌّ مَكانًا) أيْ: مُسْتَقَرًّا، وهو مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ: (خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا)، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالمَكانِ المَكانَةُ والشَّرَفُ لا المُسْتَقَرُّ. وأعْرَبُوا (الَّذِينَ) مُبْتَدَأً والجُمْلَةَ مِن (أُوْلَئِكَ) في مَوْضِعِ الخَبَرِ، ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ (الَّذِينَ) خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، لَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ الكافِرِينَ وما قالُوا قالَ إبْعادًا لَهم وتَسْمِيعًا بِما يَئُولُ إلَيْهِ حالُهم، هُمُ (الَّذِينَ يُحْشَرُونَ) ثُمَّ اسْتَأْنَفَ إخْبارًا أخْبَرَ عَنْهم فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا﴾ .
الفرقان 25:28
﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وكانَ يَوْمًا عَلى الكافِرِينَ عَسِيرًا﴾ ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ ﴿ياوَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ ﴿لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جاءَنِي وكانَ الشَّيْطانُ لِلْإنْسانِ خَذُولًا﴾ ﴿وقالَ الرَّسُولُ يارَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ وكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا ونَصِيرًا﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ ﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلّا جِئْناكَ بِالحَقِّ وأحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ .
(p-٤٩٤)قَرَأ الحَرَمِيّانِ وابْنُ عامِرٍ (تَشَّقَّقُ) بِإدْغامِ التّاءِ مِن تَتَشَقَّقُ في الشِّينِ هُنا. وفي (ق) وباقِي السَّبْعَةِ بِحَذْفِ تِلْكَ التّاءِ، ويَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ونُزِّلَ) ماضِيًا مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو رَجاءٍ (ونَزَلَ) ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وعَنْهُ أيْضًا وأنْزَلَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وجاءَ مَصْدَرُهُ (تَنْزِيلًا)، وقِياسُهُ إنْزالًا إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ مَعْنى أنْزَلَ ونَزَّلَ واحِدًا جازَ مَجِيءُ مَصْدَرِ أحَدِهِما لِلْآخَرِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎حَتّى تَطَوَّيْتُ انْطِواءَ الخِصْبِ
كَأنَّهُ قالَ: حَتّى انْطَوَيْتُ. وقَرَأ الأعْمَشُ وعَبْدُ اللَّهِ في نَقْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ ”وأُنْزِلَ“ ماضِيًا رُباعِيًّا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، مُضارِعُهُ يُنَزَّلُ. وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ والخَفّافُ عَنْ أبِي عَمْرٍو (ونَزَلَ) ثُلاثِيًّا مُخَفَّفًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو وتُنَزَّلُ بِالتّاءِ مِن فَوْقُ مُضارِعَ نَزَّلَ مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وأبُو مُعاذٍ وخارِجَةُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو (ونُزِّلَ المَلائِكَةُ) بِضَمِّ النُّونِ وشَدِّ الزّايِ، أسْقَطَ النُّونَ مِن ونُنَزِّلُ، وفي بَعْضِ المَصاحِفِ ”ونُنَزِّلُ“ بِالنُّونِ مُضارِعَ نَزَّلَ مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. ونَسَبَها ابْنُ عَطِيَّةَ لِابْنِ كَثِيرٍ وحْدَهُ، قالَ: وهي قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عَمْرٍو. وعَنْ أُبَيٍّ أيْضًا و(تَنَزَّلَتِ) . وقَرَأ أُبَيٌّ و(نُزِّلَتِ) ماضِيًا مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ بِتاءِ التَّأْنِيثِ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ عَنِ الخَفّافِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: (ونُزِلَ) مُخَفَّفًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ (المَلائِكَةُ) رَفْعًا، فَإنْ صَحَّتِ القِراءَةُ فَإنَّهُ حُذِفَ مِنها المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مُقامَهُ، وتَقْدِيرُهُ: ونَزَلَ نُزُولُ المَلائِكَةِ فَحُذِفَ النُّزُولُ، ونُقِلَ إعْرابُهُ إلى (المَلائِكَةُ) بِمَعْنى نَزَلَ نازِلُ المَلائِكَةِ؛ لِأنَّ المَصْدَرَ يَكُونُ بِمَعْنى الِاسْمِ، وهَذا مِمّا يَجِيءُ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ في تَرْتِيبِ اللّازِمِ لِلْمَفْعُولِ بِهِ؛ لِأنَّ الفِعْلَ يَدُلُّ عَلى مَصْدَرِهِ، انْتَهى.
وقالَ أبُو الفَتْحِ: وهَذا غَيْرُ مَعْرُوفٍ؛ لِأنَّ (نَزَلَ) لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ فَيُبْنى هُنا لِلْمَلائِكَةِ، ووَجْهُهُ أنْ يَكُونَ مِثْلَ زُكِمَ الرَّجُلُ وجُنَّ فَإنَّهُ لا يُقالُ إلّا أزْكَمَهُ اللَّهُ وأجَنَّهُ. وهَذا بابُ سَماعٍ لا قِياسٍ، انْتَهى. فَهَذِهِ إحْدى عَشْرَةَ قِراءَةً. والظّاهِرُ أنَّ الغَمامَ هو السَّحابُ المَعْهُودُ. وقِيلَ هو اللَّهُ في قَوْلِهِ: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] . وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الغَمامُ الَّذِي يَأْتِي اللَّهُ فِيهِ في الجَنَّةِ زَعَمُوا. وقالَ الحَسَنُ: سُتْرَةٌ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ تَعْرُجُ المَلائِكَةُ فِيهِ تَنْسَخُ أعْمالَ بَنِي آدَمَ لِيُحاسَبُوا. وقِيلَ: غَمامٌ أبْيَضُ رَقِيقٌ مِثْلُ الضَّبابَةِ ولَمْ يَكُنْ لِبَنِي إسْرائِيلَ في تِيهِهِمْ، والظّاهِرُ أنَّ السَّماءَ هي المُظِلَّةُ لَنا. وقِيلَ: تَتَشَقَّقُ سَماءً سَماءً؛ قالَهُ مُقاتِلٌ. والباءُ باءُ الحالِ، أيْ: مُتَغَيِّمَةً، أوْ باءُ السَّبَبِ، أيْ: بِسَبَبِ طُلُوعِ الغَمامِ مِنهُ كَأنَّهُ الَّذِي تَتَشَقَّقُ بِهِ السَّماءُ، كَما تَقُولُ: شُقَّ السَّنامُ بِالشَّفْرَةِ وانْشَقَّ بِها، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨]، أوْ بِمَعْنى عَنْ أقْوالٍ ثَلاثَةٍ. والفَرْقُ بَيْنَ الباءِ السَّبَبِيَّةِ وعَنْ أنَّ انْشَقَّ عَنْ (p-٤٩٥)كَذا تَفَتَّحَ عَنْهُ وانْشَقَّ بِكَذا أنَّهُ هو الشّاقُّ لَهُ.
(ونُزِّلَ المَلائِكَةُ)، أيْ: إلى الأرْضِ لِوُقُوعِ الجَزاءِ والحِسابِ. و(الحَقُّ) صِفَةٌ لِلْمُلْكِ، أيِ: الثّابِتُ؛ لِأنَّ كُلَّ مُلْكٍ يَوْمَئِذٍ يَبْطُلُ، ولا يَبْقى إلّا مُلْكُهُ تَعالى وخَبَرُ المُلْكِ (يَوْمَئِذٍ) . والرَّحْمَنُ مُتَعَلِّقٌ بِالحَقِّ أوْ لِلْبَيانِ، أعْنِي: (لِلرَّحْمَنِ) . وقِيلَ: الخَبَرُ (لِلرَّحْمَنِ) و(يَوْمَئِذٍ) مَعْمُولٌ لِلْمُلْكِ. وقِيلَ: الخَبَرُ (الحَقُّ) و(لِلرَّحْمَنِ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ لِلْبَيانِ، وعَسُرَ ذَلِكَ اليَوْمُ عَلى الكافِرِينَ بِدُخُولِهِمُ النّارَ وما في خِلالِ ذَلِكَ مِنَ المَخاوِفِ. ودَلَّ قَوْلُهُ: (عَلى الكافِرِينَ) عَلى تَيْسِيرِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ، فَفي الحَدِيثِ أنَّهُ يُهَوَّنُ حَتّى يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِ أخَفَّ عَلَيْهِ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ صَلّاها في الدُّنْيا، والظّاهِرُ عُمُومُ الظّالِمِ؛ إذِ اللّامُ فِيهِ لِلْجِنْسِ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ وأبُو رَجاءٍ، وقالا: فُلانٌ هو كِنايَةٌ عَنِ الشَّيْطانِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ: (الظّالِمُ) هُنا عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ؛ إذْ كانَ جَنَحَ إلى الإسْلامِ وأُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ هو المَكْنِيُّ عَنْهُ بِفُلانٍ، وكانَ بَيْنَهُما مُخالَّةٌ فَنَهاهُ عَنِ الإسْلامِ فَقَبِلَ مِنهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. عَكْسُ هَذا القَوْلِ. قِيلَ: وسَبَبُ نُزُولِها هو عُقْبَةُ وأُبَيٌّ. وقِيلَ: كانَ عُقْبَةُ خَلِيلًا لِأُمَيَّةَ فَأسْلَمَ عُقْبَةُ، فَقالَ أُمَيَّةُ: وجْهِي مِن وجْهِكَ حَرامٌ إنْ بايَعْتَ مُحَمَّدًا، فَكَفَرَ وارْتَدَّ لِرِضا أُمَيَّةَ، فَنَزَلَتْ؛ قالَهُ الشَّعْبِيُّ. وذَكَرَ مِن إساءَةِ عُقْبَةَ عَلى الرَّسُولِ ما كانَ سَبَبَ أنْ قالَ لَهُ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «لا ألْقاكَ خارِجًا مِن مَكَّةَ إلّا عَلَوْتُ رَأْسَكَ بِالسَّيْفِ» . فَقُتِلَ عُقْبَةُ يَوْمِ بَدْرٍ صَبْرًا أمَرَ عَلِيًّا فَضَرَبَ عُنُقَهُ، وقُتِلَ أبَيُّ بْنُ خَلَفٍ يَوْمَ أُحُدٍ في المُبارَزَةِ. والمَقْصُودُ ذِكْرُ هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ بِتَنَدُّمِ الظّالِمِ وتَمَنِّيهِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ أطاعَ خَلِيلَهُ الَّذِي كانَ يَأْمُرُهُ بِالظُّلْمِ، وما مِن ظالِمٍ إلّا ولَهُ في الغالِبِ خَلِيلٌ خاصٌّ بِهِ يُعَبِّرُ عَنْهُ بِفُلانٍ. والظّاهِرُ أنَّ الظّالِمَ (يَعَضُّ عَلى يَدَيْهِ) فِعْلَ النّادِمِ المُتَفَجِّعِ. وقالَ الضَّحّاكُ: يَأْكُلُ يَدَيْهِ إلى المِرْفَقِ ثُمَّ تَنْبُتُ، ولا يَزالُ كَذَلِكَ كُلَّما أكَلَها نَبَتَتْ. وقِيلَ: هو مَجازٌ عُبِّرَ بِهِ عَنِ التَّحَيُّرِ والغَمِّ والنَّدَمِ والتَّفَجُّعِ، ونَقَلَ أئِمَّةُ اللُّغَةِ أنَّ المُتَأسِّفَ المُتَحَزِّنَ المُتَنَدِّمَ يَعَضُّ عَلى إبْهامِهِ نَدَمًا، وقالَ الشّاعِرُ:
؎لَطَمَتْ خَدَّها بِحُمْرٍ لِطافٍ ∗∗∗ نِلْنَ مِنها عَذابَ بِيضٍ عِذابِ
؎فَتَشَكّى العُنّابُ نَوْرَ أقاحٍ ∗∗∗ واشْتَكى الوَرْدُ ناضِرَ العُنّابِ
وفِي المَثَلِ: يَأْكُلُ يَدَيْهِ نَدَمًا ويُسِيلُ دَمْعَهُ دَمًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَضُّ الأنامِلِ واليَدَيْنِ والسُّقُوطُ في اليَدِ وأكْلُ البَنانِ وحَرْقُ الأسْنانِ والأرَمُ وفُرُوعُها، كِناياتٌ عَنِ الغَيْظِ والحَسْرَةِ؛ لِأنَّها مِن رَوادِفِها فَتُذْكَرُ الرّادِفَةُ ويُدَلُّ بِها عَلى المَرْدُوفِ فَيَرْتَفِعُ الكَلامُ بِهِ في طَبَقَةِ الفَصاحَةِ، ويَجِدُ السّامِعُ عِنْدَهُ في نَفْسِهِ مِنَ الرَّوْعَةِ والِاسْتِحْسانِ ما لا يَجِدُ عِنْدَ لَفْظِ المُكَنّى عَنْهُ، انْتَهى. وقالَ الشّاعِرُ في حَرْقِ النّابِ:
؎أبى الضَّيْمَ والنُّعْمانُ يَحْرِقُ نابُهُ ∗∗∗ عَلَيْهِ فَأفْضى والسُّيُوفُ مَعاقِلُهْ
(يَقُولُ) في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: قائِلًا: (يا لَيْتَنِي)، فَإنْ كانَتِ اللّامُ لِلْعَهْدِ فالمَعْنى أنَّهُ تَمَنّى عُقْبَةُ أنْ لَوْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ وسَلَكَ طَرِيقَ الحَقِّ، وإنْ كانَتِ اللّامُ لِلْجِنْسِ فالمَعْنى أنَّهُ تَمَنّى سُلُوكَ طَرِيقِ الرَّسُولِ، وهو الإيمانُ، ويَكُونُ الرَّسُولُ لِلْجِنْسِ؛ لِأنَّ كُلَّ ظالِمٍ قَدْ كُلِّفَ اتِّباعَ ما جاءَ بِهِ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ، إلى أنْ جاءَتِ المِلَّةُ المُحَمَّدِيَّةُ فَنَسَخَتْ جَمِيعَ المِلَلِ، فَلا يُقْبَلُ بَعْدَ مَجِيئِهِ دِينٌ غَيْرُ الَّذِي جاءَ بِهِ. ثُمَّ يُنادِي بِالوَيْلِ والحَسْرَةِ يَقُولُ: (يا ويْلَتى)، أيْ: يا هَلَكاهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] . وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ قُطَيْبٍ (يا ويْلَتِي) بِكَسْرِ التّاءِ، والياءُ ياءُ الإضافَةِ، وهو الأصْلُ؛ لِأنَّ الرَّجُلَ يُنادِي ويْلَتَهُ وهي هَلَكَتُهُ، يَقُولُ لَها: تَعالَيْ فَهَذا أوانُكِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِالإمالَةِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وتَرْكُ الإمالَةِ أحْسَنُ؛ لِأنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ الياءُ فَبُدِّلَتِ الكَسْرَةُ فَتْحَةً والياءُ ألِفًا؛ فِرارًا مِنَ الياءِ، فَمَن أمالَ رَجَعَ إلى الَّذِي عَنْهُ فَرَّ أوَّلًا. وفُلانٌ كِنايَةٌ (p-٤٩٦)عَنِ العَلَمِ، وهو مُتَصَرِّفٌ، وفُلُ كِنايَةٌ عَنْ نَكِرَةِ الإنْسانِ نَحْوُ: يا رَجُلُ، وهو مُخْتَصٌّ بِالنِّداءِ، وفُلَةُ بِمَعْنى يا امْرَأةُ كَذَلِكَ، ولامُ فُلُ ياءٌ أوْ واوٌ، ولَيْسَ مُرَخَّمًا مِن فُلانٍ، خِلافًا لِلْفَرّاءِ. ووَهَمَ ابْنُ عُصْفُورٍ وابْنُ مالِكٍ وصاحِبُ البَسِيطِ في قَوْلِهِمْ: فُلُ كِنايَةٌ عَنِ العَلَمِ كَفُلانٍ. وفي كِتابِ سِيبَوَيْهِ ما قُلْناهُ بِالنَّقْلِ عَنِ العَرَبِ.
والذِّكْرُ ذِكْرُ اللَّهِ أوِ القُرْآنُ أوِ المَوْعِظَةُ، والظّاهِرُ حَمْلُ الشَّيْطانِ عَلى ظاهِرِهِ؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي وسْوَسَ إلَيْهِ في مُخالَّةِ مَن أضَلَّهُ سَمّاهُ شَيْطانًا؛ لِأنَّهُ يُضِلُّ كَما يُضِلُّ الشَّيْطانُ، ثُمَّ خَذَلَهُ ولَمْ يَنْفَعْهُ في العاقِبَةِ. وتَحْتَمِلُ هَذِهِ الجُمْلَةُ أنْ تَكُونَ مِن تَمامِ كَلامِ الظّالِمَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إخْبارًا مِن كَلامِ اللَّهِ عَلى جِهَةِ الدَّلالَةِ عَلى وجْهِ ضَلالِهِمْ، والتَّحْذِيرِ مِنَ الشَّيْطانِ الَّذِي بَلَّغَهم ذَلِكَ المَبْلَغَ. وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ تَمْثِيلُ الجَلِيسِ الصّالِحِ بِالمِسْكِ والجَلِيسِ السُّوءِ بِنافِخِ الكِيرِ. والظّاهِرُ أنَّ دُعاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَبَّهُ، وإخْبارَهُ بِهَجْرِ قَوْمِهِ قُرَيْشٍ القُرْآنَ، هو مِمّا جَرى لَهُ في الدُّنْيا؛ بِدَلِيلِ إقْبالِهِ عَلَيْهِ مُسَلِّيًا مُؤانِسًا بِقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾، وأنَّهُ هو الكافِي في هِدايَتِهِ ونَصْرِهِ، فَهو وعْدٌ مِنهُ بِالنَّصْرِ، وهَذا القَوْلُ مِنَ الرَّسُولِ وشِكايَتُهُ فِيهِ تَخْوِيفٌ لِقَوْمِهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنهم أبُو مُسْلِمٍ إنَّهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الآخِرَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، والظّاهِرُ أنَّ (مَهْجُورًا) بِمَعْنى مَتْرُوكًا مِنَ الإيمانِ بِهِ، مُبْعَدًا مَقْصِيًّا مِنَ الهَجْرِ، بِفَتْحِ الهاءِ. وقالَهُ مُجاهِدٌ والنَّخَعِيُّ وأتْباعُهُ. وقِيلَ: مِنَ الهُجْرِ، والتَّقْدِيرُ (مَهْجُورًا) فِيهِ، بِمَعْنى أنَّهُ باطِلٌ. وأساطِيرُ الأوَّلِينَ أنَّهم إذا سَمِعُوهُ هَجَرُوا فِيهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] .
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَهْجُورُ بِمَعْنى الهَجْرِ كالمَلْحُودِ والمَعْقُولِ، والمَعْنى اتَّخَذُوهُ هَجْرًا، والعَدُوُّ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ واحِدًا وجَمْعًا، انْتَهى.
وانْتَصَبَ (هادِيًا) و(نَصِيرًا) عَلى الحالِ أوْ عَلى التَّمْيِيزِ. وقالُوا - أيِ الكُفّارُ - عَلى سَبِيلِ الِاقْتِراحِ والِاعْتِراضِ الدّالِّ عَلى نُفُورِهِمْ عَنِ الحَقِّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (نُزِّلَ) هاهُنا بِمَعْنى أُنْزِلَ لا غَيْرُ، كَخُبِّرَ بِمَعْنى أُخْبِرَ، وإلّا كانَ مُتَدافِعًا، انْتَهى. وإنَّما قالَ إنَّ (نُزِّلَ) بِمَعْنى أُنْزِلَ؛ لِأنَّ نُزِّلَ عِنْدَهُ أصْلُها أنْ تَكُونَ لِلتَّفْرِيقِ، فَلَوْ أقَرَّهُ عَلى أصْلِهِ عِنْدَهُ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّفْرِيقِ تَدافَعَ هو. وقَوْلُهُ: (جُمْلَةً واحِدَةً)، وقَدْ قَرَّرْنا أنَّ (نُزِّلَ) لا تَقْتَضِي التَّفْرِيقَ؛ لِأنَّ التَّضْعِيفَ فِيهِ عِنْدَنا مُرادِفٌ لِلْهَمْزَةِ. وقَدْ بَيَّنا ذَلِكَ في أوَّلِ آلِ عِمْرانَ، وقائِلُ ذَلِكَ كُفّارُ قُرَيْشٍ، قالُوا: لَوْ كانَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ لَنَزَلَ جُمْلَةً كَما نَزَلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ. وقِيلَ: قائِلُو ذَلِكَ اليَهُودُ، وهَذا قَوْلٌ لا طائِلَ تَحْتَهُ؛ لِأنَّ أمْرَ الِاحْتِجاجِ بِهِ والإعْجازِ لا يَخْتَلِفُ بِنُزُولِهِ جُمْلَةً واحِدَةً أوْ مُفَرَّقًا، بَلِ الإعْجازُ في نُزُولِهِ مُفَرَّقًا أظْهَرُ؛ إذْ يُطالَبُونَ بِمُعارَضَةِ سُورَةٍ مِنهُ، فَلَوْ نَزَلَ جُمْلَةً واحِدَةً وطُولِبُوا بِمُعارَضَتِهِ مِثْلَ ما نَزَلْ لَكانُوا أعْجَزَ مِنهم حِينَ طُولِبُوا بِمُعارَضَةِ سُورَةٍ مِنهُ فَعَجَزُوا، والمُشارُ إلَيْهِ غَيْرُ مَذْكُورٍ. فَقِيلَ: هو مِن كَلامِ الكُفّارِ وأشارُوا إلى التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، أيْ: تَنْزِيلًا مِثْلَ تَنْزِيلِ تِلْكَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ جُمْلَةً واحِدَةً، ويَبْقى ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ تَعْلِيلًا لِمَحْذُوفٍ، أيْ: فَرَّقْناهُ في أوْقاتٍ ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ . وقِيلَ: هو مُسْتَأْنَفٌ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى لا مِن كَلامِهِمْ، ولَمّا تَضَمَّنَ كَلامُهم مَعْنى لِمَ أُنْزِلَ مُفَرَّقًا أُشِيرَ بِقَوْلِهِ (كَذَلِكَ) إلى التَّفْرِيقِ، أيْ: (كَذَلِكَ) أُنْزِلَ مُفَرَّقًا.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والحِكْمَةُ فِيهِ أنْ نُقَوِّيَ بِتَفْرِيقِهِ فُؤادَكَ حَتّى تَعِيَهُ وتَحْفَظَهُ؛ لِأنَّ المُتَلَقِّنَ إنَّما يَقْوى قَلْبُهُ عَلى حِفْظِ العِلْمِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وجُزْءًا عَقِيبَ جُزْءٍ، ولَوْ أُلْقِيَ عَلَيْهِ جُمْلَةً واحِدَةً لَكانَ يَعْيا في حِفْظِهِ، والرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فارَقَتْ حالُهُ حالَ داوُدَ ومُوسى وعِيسى - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - حَيْثُ كانَ أُمِّيًّا لا يَكْتُبُ وهم كانُوا قارِئِينَ كاتِبِينَ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنَ التَّلَقُّنِ والتَّحَفُّظِ، فَأُنْزِلَ عَلَيْهِ مُنَجَّمًا في عِشْرِينَ سَنَةً. وقِيلَ: في ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وأيْضًا فَكانَ يَنْزِلُ عَلى حَسَبِ الحَوادِثِ وجَوابِ السّائِلِينَ؛ ولِأنَّ (p-٤٩٧)بَعْضَهُ مَنسُوخٌ وبَعْضَهُ ناسِخٌ، ولا يَتَأتّى ذَلِكَ إلّا فِيما أُنْزِلَ مُفَرَّقًا، انْتَهى.
واللّامُ في (لِنُثَبِّتَ بِهِ) لامُ العِلَّةِ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: هي لامُ القَسَمِ، والتَّقْدِيرُ واللَّهِ لَيُثَبِّتَنَّ، فَحُذِفَتِ النُّونُ وكُسِرَتِ اللّامُ، انْتَهى. وهَذا قَوْلٌ في غايَةِ الضَّعْفِ، وكانَ يَنْحُو إلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ أنَّ جَوابَ القَسَمِ يُتَلَقّى بِلامِ كَيْ، وجُعِلَ مِنهُ ﴿ولِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ﴾ [الأنعام: ١١٣]، وهو مَذْهَبٌ مَرْجُوحٌ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ”لِيُثَبِّتَ“ بِالياءِ، أيْ: لِيُثَبِّتَ اللَّهُ، (ورَتَّلْناهُ) أيْ: فَصَّلْناهُ. وقِيلَ: بَيَّنّاهُ. وقِيلَ: فَسَّرْناهُ.
﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ يَضْرِبُونَهُ عَلى جِهَةِ المُعارَضَةِ مِنهم كَتَمْثِيلِهِمْ في هَذِهِ بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ إلّا جاءَ القُرْآنُ بِالحَقِّ في ذَلِكَ، ثُمَّ هو أوْضَحُ بَيانًا وتَفْصِيلًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ بِسُؤالٍ عَجِيبٍ مِن سُؤالاتِهِمُ الباطِلَةِ، كَأنَّهُ مَثَلٌ في البُطْلانِ إلّا أتَيْناكَ نَحْنُ بِالجَوابِ الحَقِّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ، وبِما هو أحْسَنُ مَعْنًى ومُؤَدًّى مِن سُؤالِهِمْ. ولَمّا كانَ التَّفْسِيرُ هو الكَشْفَ عَمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ وُضِعَ مَوْضِعَ مَعْناهُ، فَقالُوا: تَفْسِيرُ هَذا الكَلامِ كَيْتَ وكَيْتَ، كَما قِيلَ مَعْناهُ كَذا أوْ (ولا يَأْتُونَكَ) بِحالٍ وصِفَةٍ عَجِيبَةٍ، يَقُولُونَ: هَلّا كانَتْ هَذِهِ صَفَتَكَ وحالَكَ، نَحْوَ أنْ يُقْرَنَ بِكَ مَلَكٌ يُنْذِرُ مَعَكَ، أوْ يُلْقى إلَيْكَ كَنْزٌ، أوْ تَكُونُ لَكَ جَنَّةٌ، أوْ يَنْزِلُ عَلَيْكَ القُرْآنُ جُمْلَةً، إلّا أعْطَيْناكَ ما يَحِقُّ لَكَ في حِكْمَتِنا ومَشِيئَتِنا أنْ تُعْطاهُ، وما هو أحْسَنُ تَكْشِيفًا لِما بُعِثْتَ عَلَيْهِ ودَلالَةً عَلى صِحَّتِهِ، انْتَهى. وقِيلَ: (ولا يَأْتُونَكَ) بِشُبْهَةٍ في إبْطالِ أمْرِكَ إلّا جِئْناكَ بِالحَقِّ الَّذِي يَدْحَضُ شُبْهَةَ أهْلِ الجَهْلِ ويُبْطِلُ كَلامَ أهْلِ الزَّيْغِ، والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ، أيْ: ﴿وأحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ مِن مَثَلِهِمْ، ومَثَلُهم قَوْلُهم: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ .
و(الَّذِينَ يُحْشَرُونَ) . قالَ الكَرْمانِيُّ: مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ﴾ [الفرقان: ٢٤] الآيَةَ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهم لَمّا اعْتَرَضُوا في حَدِيثِ القُرْآنِ وإنْزالِهِ مُفَرَّقًا كانَ في ضِمْنِ كَلامِهِمْ أنَّهم ذَوُو رُشْدٍ وخَيْرٍ، وأنَّهم عَلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ، ولِذَلِكَ اعْتَرَضُوا فَأخْبَرَ تَعالى بِحالِهِمْ وما يَئُولُ إلَيْهِ أمْرُهم في الآخِرَةِ بِكَوْنِهِمْ ﴿شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ سَبِيلًا﴾، والظّاهِرُ أنَّهُ يُحْشَرُ الكافِرُ عَلى وجْهِهِ بِأنْ يُسْحَبَ عَلى وجْهِهِ. وفي الحَدِيثِ: ”إنَّ الَّذِي أمْشاهم عَلى أرْجُلِهِمْ قادِرٌ أنْ يُمْشِيَهم عَلى وُجُوهِهِمْ“، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقِيلَ: هو مَجازٌ لِلذِّلَّةِ المُفْرِطَةِ والهَوانِ والخِزْيِ. وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ العَرَبِ مَرَّ فُلانٌ عَلى وجْهِهِ إذا لَمْ يَدْرِ أيْنَ ذَهَبَ. ويُقالُ: مَضى عَلى وجْهِهِ إذا أسْرَعَ مُتَوَجِّهًا لِقَصْدِهِ، و(شَرٌّ) و(أضَلُّ) لَيْسا عَلى بابِهِما مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّفْضِيلِ. وقَوْلُهُ: (شَرٌّ مَكانًا) أيْ: مُسْتَقَرًّا، وهو مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ: (خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا)، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالمَكانِ المَكانَةُ والشَّرَفُ لا المُسْتَقَرُّ. وأعْرَبُوا (الَّذِينَ) مُبْتَدَأً والجُمْلَةَ مِن (أُوْلَئِكَ) في مَوْضِعِ الخَبَرِ، ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ (الَّذِينَ) خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، لَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ الكافِرِينَ وما قالُوا قالَ إبْعادًا لَهم وتَسْمِيعًا بِما يَئُولُ إلَيْهِ حالُهم، هُمُ (الَّذِينَ يُحْشَرُونَ) ثُمَّ اسْتَأْنَفَ إخْبارًا أخْبَرَ عَنْهم فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا﴾ .
الفرقان 25:29
﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وكانَ يَوْمًا عَلى الكافِرِينَ عَسِيرًا﴾ ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ ﴿ياوَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ ﴿لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جاءَنِي وكانَ الشَّيْطانُ لِلْإنْسانِ خَذُولًا﴾ ﴿وقالَ الرَّسُولُ يارَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ وكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا ونَصِيرًا﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ ﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلّا جِئْناكَ بِالحَقِّ وأحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ .
(p-٤٩٤)قَرَأ الحَرَمِيّانِ وابْنُ عامِرٍ (تَشَّقَّقُ) بِإدْغامِ التّاءِ مِن تَتَشَقَّقُ في الشِّينِ هُنا. وفي (ق) وباقِي السَّبْعَةِ بِحَذْفِ تِلْكَ التّاءِ، ويَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ونُزِّلَ) ماضِيًا مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو رَجاءٍ (ونَزَلَ) ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وعَنْهُ أيْضًا وأنْزَلَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وجاءَ مَصْدَرُهُ (تَنْزِيلًا)، وقِياسُهُ إنْزالًا إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ مَعْنى أنْزَلَ ونَزَّلَ واحِدًا جازَ مَجِيءُ مَصْدَرِ أحَدِهِما لِلْآخَرِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎حَتّى تَطَوَّيْتُ انْطِواءَ الخِصْبِ
كَأنَّهُ قالَ: حَتّى انْطَوَيْتُ. وقَرَأ الأعْمَشُ وعَبْدُ اللَّهِ في نَقْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ ”وأُنْزِلَ“ ماضِيًا رُباعِيًّا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، مُضارِعُهُ يُنَزَّلُ. وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ والخَفّافُ عَنْ أبِي عَمْرٍو (ونَزَلَ) ثُلاثِيًّا مُخَفَّفًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو وتُنَزَّلُ بِالتّاءِ مِن فَوْقُ مُضارِعَ نَزَّلَ مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وأبُو مُعاذٍ وخارِجَةُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو (ونُزِّلَ المَلائِكَةُ) بِضَمِّ النُّونِ وشَدِّ الزّايِ، أسْقَطَ النُّونَ مِن ونُنَزِّلُ، وفي بَعْضِ المَصاحِفِ ”ونُنَزِّلُ“ بِالنُّونِ مُضارِعَ نَزَّلَ مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. ونَسَبَها ابْنُ عَطِيَّةَ لِابْنِ كَثِيرٍ وحْدَهُ، قالَ: وهي قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عَمْرٍو. وعَنْ أُبَيٍّ أيْضًا و(تَنَزَّلَتِ) . وقَرَأ أُبَيٌّ و(نُزِّلَتِ) ماضِيًا مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ بِتاءِ التَّأْنِيثِ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ عَنِ الخَفّافِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: (ونُزِلَ) مُخَفَّفًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ (المَلائِكَةُ) رَفْعًا، فَإنْ صَحَّتِ القِراءَةُ فَإنَّهُ حُذِفَ مِنها المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مُقامَهُ، وتَقْدِيرُهُ: ونَزَلَ نُزُولُ المَلائِكَةِ فَحُذِفَ النُّزُولُ، ونُقِلَ إعْرابُهُ إلى (المَلائِكَةُ) بِمَعْنى نَزَلَ نازِلُ المَلائِكَةِ؛ لِأنَّ المَصْدَرَ يَكُونُ بِمَعْنى الِاسْمِ، وهَذا مِمّا يَجِيءُ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ في تَرْتِيبِ اللّازِمِ لِلْمَفْعُولِ بِهِ؛ لِأنَّ الفِعْلَ يَدُلُّ عَلى مَصْدَرِهِ، انْتَهى.
وقالَ أبُو الفَتْحِ: وهَذا غَيْرُ مَعْرُوفٍ؛ لِأنَّ (نَزَلَ) لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ فَيُبْنى هُنا لِلْمَلائِكَةِ، ووَجْهُهُ أنْ يَكُونَ مِثْلَ زُكِمَ الرَّجُلُ وجُنَّ فَإنَّهُ لا يُقالُ إلّا أزْكَمَهُ اللَّهُ وأجَنَّهُ. وهَذا بابُ سَماعٍ لا قِياسٍ، انْتَهى. فَهَذِهِ إحْدى عَشْرَةَ قِراءَةً. والظّاهِرُ أنَّ الغَمامَ هو السَّحابُ المَعْهُودُ. وقِيلَ هو اللَّهُ في قَوْلِهِ: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] . وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الغَمامُ الَّذِي يَأْتِي اللَّهُ فِيهِ في الجَنَّةِ زَعَمُوا. وقالَ الحَسَنُ: سُتْرَةٌ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ تَعْرُجُ المَلائِكَةُ فِيهِ تَنْسَخُ أعْمالَ بَنِي آدَمَ لِيُحاسَبُوا. وقِيلَ: غَمامٌ أبْيَضُ رَقِيقٌ مِثْلُ الضَّبابَةِ ولَمْ يَكُنْ لِبَنِي إسْرائِيلَ في تِيهِهِمْ، والظّاهِرُ أنَّ السَّماءَ هي المُظِلَّةُ لَنا. وقِيلَ: تَتَشَقَّقُ سَماءً سَماءً؛ قالَهُ مُقاتِلٌ. والباءُ باءُ الحالِ، أيْ: مُتَغَيِّمَةً، أوْ باءُ السَّبَبِ، أيْ: بِسَبَبِ طُلُوعِ الغَمامِ مِنهُ كَأنَّهُ الَّذِي تَتَشَقَّقُ بِهِ السَّماءُ، كَما تَقُولُ: شُقَّ السَّنامُ بِالشَّفْرَةِ وانْشَقَّ بِها، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨]، أوْ بِمَعْنى عَنْ أقْوالٍ ثَلاثَةٍ. والفَرْقُ بَيْنَ الباءِ السَّبَبِيَّةِ وعَنْ أنَّ انْشَقَّ عَنْ (p-٤٩٥)كَذا تَفَتَّحَ عَنْهُ وانْشَقَّ بِكَذا أنَّهُ هو الشّاقُّ لَهُ.
(ونُزِّلَ المَلائِكَةُ)، أيْ: إلى الأرْضِ لِوُقُوعِ الجَزاءِ والحِسابِ. و(الحَقُّ) صِفَةٌ لِلْمُلْكِ، أيِ: الثّابِتُ؛ لِأنَّ كُلَّ مُلْكٍ يَوْمَئِذٍ يَبْطُلُ، ولا يَبْقى إلّا مُلْكُهُ تَعالى وخَبَرُ المُلْكِ (يَوْمَئِذٍ) . والرَّحْمَنُ مُتَعَلِّقٌ بِالحَقِّ أوْ لِلْبَيانِ، أعْنِي: (لِلرَّحْمَنِ) . وقِيلَ: الخَبَرُ (لِلرَّحْمَنِ) و(يَوْمَئِذٍ) مَعْمُولٌ لِلْمُلْكِ. وقِيلَ: الخَبَرُ (الحَقُّ) و(لِلرَّحْمَنِ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ لِلْبَيانِ، وعَسُرَ ذَلِكَ اليَوْمُ عَلى الكافِرِينَ بِدُخُولِهِمُ النّارَ وما في خِلالِ ذَلِكَ مِنَ المَخاوِفِ. ودَلَّ قَوْلُهُ: (عَلى الكافِرِينَ) عَلى تَيْسِيرِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ، فَفي الحَدِيثِ أنَّهُ يُهَوَّنُ حَتّى يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِ أخَفَّ عَلَيْهِ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ صَلّاها في الدُّنْيا، والظّاهِرُ عُمُومُ الظّالِمِ؛ إذِ اللّامُ فِيهِ لِلْجِنْسِ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ وأبُو رَجاءٍ، وقالا: فُلانٌ هو كِنايَةٌ عَنِ الشَّيْطانِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ: (الظّالِمُ) هُنا عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ؛ إذْ كانَ جَنَحَ إلى الإسْلامِ وأُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ هو المَكْنِيُّ عَنْهُ بِفُلانٍ، وكانَ بَيْنَهُما مُخالَّةٌ فَنَهاهُ عَنِ الإسْلامِ فَقَبِلَ مِنهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. عَكْسُ هَذا القَوْلِ. قِيلَ: وسَبَبُ نُزُولِها هو عُقْبَةُ وأُبَيٌّ. وقِيلَ: كانَ عُقْبَةُ خَلِيلًا لِأُمَيَّةَ فَأسْلَمَ عُقْبَةُ، فَقالَ أُمَيَّةُ: وجْهِي مِن وجْهِكَ حَرامٌ إنْ بايَعْتَ مُحَمَّدًا، فَكَفَرَ وارْتَدَّ لِرِضا أُمَيَّةَ، فَنَزَلَتْ؛ قالَهُ الشَّعْبِيُّ. وذَكَرَ مِن إساءَةِ عُقْبَةَ عَلى الرَّسُولِ ما كانَ سَبَبَ أنْ قالَ لَهُ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «لا ألْقاكَ خارِجًا مِن مَكَّةَ إلّا عَلَوْتُ رَأْسَكَ بِالسَّيْفِ» . فَقُتِلَ عُقْبَةُ يَوْمِ بَدْرٍ صَبْرًا أمَرَ عَلِيًّا فَضَرَبَ عُنُقَهُ، وقُتِلَ أبَيُّ بْنُ خَلَفٍ يَوْمَ أُحُدٍ في المُبارَزَةِ. والمَقْصُودُ ذِكْرُ هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ بِتَنَدُّمِ الظّالِمِ وتَمَنِّيهِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ أطاعَ خَلِيلَهُ الَّذِي كانَ يَأْمُرُهُ بِالظُّلْمِ، وما مِن ظالِمٍ إلّا ولَهُ في الغالِبِ خَلِيلٌ خاصٌّ بِهِ يُعَبِّرُ عَنْهُ بِفُلانٍ. والظّاهِرُ أنَّ الظّالِمَ (يَعَضُّ عَلى يَدَيْهِ) فِعْلَ النّادِمِ المُتَفَجِّعِ. وقالَ الضَّحّاكُ: يَأْكُلُ يَدَيْهِ إلى المِرْفَقِ ثُمَّ تَنْبُتُ، ولا يَزالُ كَذَلِكَ كُلَّما أكَلَها نَبَتَتْ. وقِيلَ: هو مَجازٌ عُبِّرَ بِهِ عَنِ التَّحَيُّرِ والغَمِّ والنَّدَمِ والتَّفَجُّعِ، ونَقَلَ أئِمَّةُ اللُّغَةِ أنَّ المُتَأسِّفَ المُتَحَزِّنَ المُتَنَدِّمَ يَعَضُّ عَلى إبْهامِهِ نَدَمًا، وقالَ الشّاعِرُ:
؎لَطَمَتْ خَدَّها بِحُمْرٍ لِطافٍ ∗∗∗ نِلْنَ مِنها عَذابَ بِيضٍ عِذابِ
؎فَتَشَكّى العُنّابُ نَوْرَ أقاحٍ ∗∗∗ واشْتَكى الوَرْدُ ناضِرَ العُنّابِ
وفِي المَثَلِ: يَأْكُلُ يَدَيْهِ نَدَمًا ويُسِيلُ دَمْعَهُ دَمًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَضُّ الأنامِلِ واليَدَيْنِ والسُّقُوطُ في اليَدِ وأكْلُ البَنانِ وحَرْقُ الأسْنانِ والأرَمُ وفُرُوعُها، كِناياتٌ عَنِ الغَيْظِ والحَسْرَةِ؛ لِأنَّها مِن رَوادِفِها فَتُذْكَرُ الرّادِفَةُ ويُدَلُّ بِها عَلى المَرْدُوفِ فَيَرْتَفِعُ الكَلامُ بِهِ في طَبَقَةِ الفَصاحَةِ، ويَجِدُ السّامِعُ عِنْدَهُ في نَفْسِهِ مِنَ الرَّوْعَةِ والِاسْتِحْسانِ ما لا يَجِدُ عِنْدَ لَفْظِ المُكَنّى عَنْهُ، انْتَهى. وقالَ الشّاعِرُ في حَرْقِ النّابِ:
؎أبى الضَّيْمَ والنُّعْمانُ يَحْرِقُ نابُهُ ∗∗∗ عَلَيْهِ فَأفْضى والسُّيُوفُ مَعاقِلُهْ
(يَقُولُ) في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: قائِلًا: (يا لَيْتَنِي)، فَإنْ كانَتِ اللّامُ لِلْعَهْدِ فالمَعْنى أنَّهُ تَمَنّى عُقْبَةُ أنْ لَوْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ وسَلَكَ طَرِيقَ الحَقِّ، وإنْ كانَتِ اللّامُ لِلْجِنْسِ فالمَعْنى أنَّهُ تَمَنّى سُلُوكَ طَرِيقِ الرَّسُولِ، وهو الإيمانُ، ويَكُونُ الرَّسُولُ لِلْجِنْسِ؛ لِأنَّ كُلَّ ظالِمٍ قَدْ كُلِّفَ اتِّباعَ ما جاءَ بِهِ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ، إلى أنْ جاءَتِ المِلَّةُ المُحَمَّدِيَّةُ فَنَسَخَتْ جَمِيعَ المِلَلِ، فَلا يُقْبَلُ بَعْدَ مَجِيئِهِ دِينٌ غَيْرُ الَّذِي جاءَ بِهِ. ثُمَّ يُنادِي بِالوَيْلِ والحَسْرَةِ يَقُولُ: (يا ويْلَتى)، أيْ: يا هَلَكاهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] . وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ قُطَيْبٍ (يا ويْلَتِي) بِكَسْرِ التّاءِ، والياءُ ياءُ الإضافَةِ، وهو الأصْلُ؛ لِأنَّ الرَّجُلَ يُنادِي ويْلَتَهُ وهي هَلَكَتُهُ، يَقُولُ لَها: تَعالَيْ فَهَذا أوانُكِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِالإمالَةِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وتَرْكُ الإمالَةِ أحْسَنُ؛ لِأنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ الياءُ فَبُدِّلَتِ الكَسْرَةُ فَتْحَةً والياءُ ألِفًا؛ فِرارًا مِنَ الياءِ، فَمَن أمالَ رَجَعَ إلى الَّذِي عَنْهُ فَرَّ أوَّلًا. وفُلانٌ كِنايَةٌ (p-٤٩٦)عَنِ العَلَمِ، وهو مُتَصَرِّفٌ، وفُلُ كِنايَةٌ عَنْ نَكِرَةِ الإنْسانِ نَحْوُ: يا رَجُلُ، وهو مُخْتَصٌّ بِالنِّداءِ، وفُلَةُ بِمَعْنى يا امْرَأةُ كَذَلِكَ، ولامُ فُلُ ياءٌ أوْ واوٌ، ولَيْسَ مُرَخَّمًا مِن فُلانٍ، خِلافًا لِلْفَرّاءِ. ووَهَمَ ابْنُ عُصْفُورٍ وابْنُ مالِكٍ وصاحِبُ البَسِيطِ في قَوْلِهِمْ: فُلُ كِنايَةٌ عَنِ العَلَمِ كَفُلانٍ. وفي كِتابِ سِيبَوَيْهِ ما قُلْناهُ بِالنَّقْلِ عَنِ العَرَبِ.
والذِّكْرُ ذِكْرُ اللَّهِ أوِ القُرْآنُ أوِ المَوْعِظَةُ، والظّاهِرُ حَمْلُ الشَّيْطانِ عَلى ظاهِرِهِ؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي وسْوَسَ إلَيْهِ في مُخالَّةِ مَن أضَلَّهُ سَمّاهُ شَيْطانًا؛ لِأنَّهُ يُضِلُّ كَما يُضِلُّ الشَّيْطانُ، ثُمَّ خَذَلَهُ ولَمْ يَنْفَعْهُ في العاقِبَةِ. وتَحْتَمِلُ هَذِهِ الجُمْلَةُ أنْ تَكُونَ مِن تَمامِ كَلامِ الظّالِمَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إخْبارًا مِن كَلامِ اللَّهِ عَلى جِهَةِ الدَّلالَةِ عَلى وجْهِ ضَلالِهِمْ، والتَّحْذِيرِ مِنَ الشَّيْطانِ الَّذِي بَلَّغَهم ذَلِكَ المَبْلَغَ. وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ تَمْثِيلُ الجَلِيسِ الصّالِحِ بِالمِسْكِ والجَلِيسِ السُّوءِ بِنافِخِ الكِيرِ. والظّاهِرُ أنَّ دُعاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَبَّهُ، وإخْبارَهُ بِهَجْرِ قَوْمِهِ قُرَيْشٍ القُرْآنَ، هو مِمّا جَرى لَهُ في الدُّنْيا؛ بِدَلِيلِ إقْبالِهِ عَلَيْهِ مُسَلِّيًا مُؤانِسًا بِقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾، وأنَّهُ هو الكافِي في هِدايَتِهِ ونَصْرِهِ، فَهو وعْدٌ مِنهُ بِالنَّصْرِ، وهَذا القَوْلُ مِنَ الرَّسُولِ وشِكايَتُهُ فِيهِ تَخْوِيفٌ لِقَوْمِهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنهم أبُو مُسْلِمٍ إنَّهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الآخِرَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، والظّاهِرُ أنَّ (مَهْجُورًا) بِمَعْنى مَتْرُوكًا مِنَ الإيمانِ بِهِ، مُبْعَدًا مَقْصِيًّا مِنَ الهَجْرِ، بِفَتْحِ الهاءِ. وقالَهُ مُجاهِدٌ والنَّخَعِيُّ وأتْباعُهُ. وقِيلَ: مِنَ الهُجْرِ، والتَّقْدِيرُ (مَهْجُورًا) فِيهِ، بِمَعْنى أنَّهُ باطِلٌ. وأساطِيرُ الأوَّلِينَ أنَّهم إذا سَمِعُوهُ هَجَرُوا فِيهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] .
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَهْجُورُ بِمَعْنى الهَجْرِ كالمَلْحُودِ والمَعْقُولِ، والمَعْنى اتَّخَذُوهُ هَجْرًا، والعَدُوُّ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ واحِدًا وجَمْعًا، انْتَهى.
وانْتَصَبَ (هادِيًا) و(نَصِيرًا) عَلى الحالِ أوْ عَلى التَّمْيِيزِ. وقالُوا - أيِ الكُفّارُ - عَلى سَبِيلِ الِاقْتِراحِ والِاعْتِراضِ الدّالِّ عَلى نُفُورِهِمْ عَنِ الحَقِّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (نُزِّلَ) هاهُنا بِمَعْنى أُنْزِلَ لا غَيْرُ، كَخُبِّرَ بِمَعْنى أُخْبِرَ، وإلّا كانَ مُتَدافِعًا، انْتَهى. وإنَّما قالَ إنَّ (نُزِّلَ) بِمَعْنى أُنْزِلَ؛ لِأنَّ نُزِّلَ عِنْدَهُ أصْلُها أنْ تَكُونَ لِلتَّفْرِيقِ، فَلَوْ أقَرَّهُ عَلى أصْلِهِ عِنْدَهُ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّفْرِيقِ تَدافَعَ هو. وقَوْلُهُ: (جُمْلَةً واحِدَةً)، وقَدْ قَرَّرْنا أنَّ (نُزِّلَ) لا تَقْتَضِي التَّفْرِيقَ؛ لِأنَّ التَّضْعِيفَ فِيهِ عِنْدَنا مُرادِفٌ لِلْهَمْزَةِ. وقَدْ بَيَّنا ذَلِكَ في أوَّلِ آلِ عِمْرانَ، وقائِلُ ذَلِكَ كُفّارُ قُرَيْشٍ، قالُوا: لَوْ كانَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ لَنَزَلَ جُمْلَةً كَما نَزَلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ. وقِيلَ: قائِلُو ذَلِكَ اليَهُودُ، وهَذا قَوْلٌ لا طائِلَ تَحْتَهُ؛ لِأنَّ أمْرَ الِاحْتِجاجِ بِهِ والإعْجازِ لا يَخْتَلِفُ بِنُزُولِهِ جُمْلَةً واحِدَةً أوْ مُفَرَّقًا، بَلِ الإعْجازُ في نُزُولِهِ مُفَرَّقًا أظْهَرُ؛ إذْ يُطالَبُونَ بِمُعارَضَةِ سُورَةٍ مِنهُ، فَلَوْ نَزَلَ جُمْلَةً واحِدَةً وطُولِبُوا بِمُعارَضَتِهِ مِثْلَ ما نَزَلْ لَكانُوا أعْجَزَ مِنهم حِينَ طُولِبُوا بِمُعارَضَةِ سُورَةٍ مِنهُ فَعَجَزُوا، والمُشارُ إلَيْهِ غَيْرُ مَذْكُورٍ. فَقِيلَ: هو مِن كَلامِ الكُفّارِ وأشارُوا إلى التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، أيْ: تَنْزِيلًا مِثْلَ تَنْزِيلِ تِلْكَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ جُمْلَةً واحِدَةً، ويَبْقى ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ تَعْلِيلًا لِمَحْذُوفٍ، أيْ: فَرَّقْناهُ في أوْقاتٍ ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ . وقِيلَ: هو مُسْتَأْنَفٌ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى لا مِن كَلامِهِمْ، ولَمّا تَضَمَّنَ كَلامُهم مَعْنى لِمَ أُنْزِلَ مُفَرَّقًا أُشِيرَ بِقَوْلِهِ (كَذَلِكَ) إلى التَّفْرِيقِ، أيْ: (كَذَلِكَ) أُنْزِلَ مُفَرَّقًا.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والحِكْمَةُ فِيهِ أنْ نُقَوِّيَ بِتَفْرِيقِهِ فُؤادَكَ حَتّى تَعِيَهُ وتَحْفَظَهُ؛ لِأنَّ المُتَلَقِّنَ إنَّما يَقْوى قَلْبُهُ عَلى حِفْظِ العِلْمِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وجُزْءًا عَقِيبَ جُزْءٍ، ولَوْ أُلْقِيَ عَلَيْهِ جُمْلَةً واحِدَةً لَكانَ يَعْيا في حِفْظِهِ، والرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فارَقَتْ حالُهُ حالَ داوُدَ ومُوسى وعِيسى - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - حَيْثُ كانَ أُمِّيًّا لا يَكْتُبُ وهم كانُوا قارِئِينَ كاتِبِينَ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنَ التَّلَقُّنِ والتَّحَفُّظِ، فَأُنْزِلَ عَلَيْهِ مُنَجَّمًا في عِشْرِينَ سَنَةً. وقِيلَ: في ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وأيْضًا فَكانَ يَنْزِلُ عَلى حَسَبِ الحَوادِثِ وجَوابِ السّائِلِينَ؛ ولِأنَّ (p-٤٩٧)بَعْضَهُ مَنسُوخٌ وبَعْضَهُ ناسِخٌ، ولا يَتَأتّى ذَلِكَ إلّا فِيما أُنْزِلَ مُفَرَّقًا، انْتَهى.
واللّامُ في (لِنُثَبِّتَ بِهِ) لامُ العِلَّةِ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: هي لامُ القَسَمِ، والتَّقْدِيرُ واللَّهِ لَيُثَبِّتَنَّ، فَحُذِفَتِ النُّونُ وكُسِرَتِ اللّامُ، انْتَهى. وهَذا قَوْلٌ في غايَةِ الضَّعْفِ، وكانَ يَنْحُو إلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ أنَّ جَوابَ القَسَمِ يُتَلَقّى بِلامِ كَيْ، وجُعِلَ مِنهُ ﴿ولِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ﴾ [الأنعام: ١١٣]، وهو مَذْهَبٌ مَرْجُوحٌ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ”لِيُثَبِّتَ“ بِالياءِ، أيْ: لِيُثَبِّتَ اللَّهُ، (ورَتَّلْناهُ) أيْ: فَصَّلْناهُ. وقِيلَ: بَيَّنّاهُ. وقِيلَ: فَسَّرْناهُ.
﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ يَضْرِبُونَهُ عَلى جِهَةِ المُعارَضَةِ مِنهم كَتَمْثِيلِهِمْ في هَذِهِ بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ إلّا جاءَ القُرْآنُ بِالحَقِّ في ذَلِكَ، ثُمَّ هو أوْضَحُ بَيانًا وتَفْصِيلًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ بِسُؤالٍ عَجِيبٍ مِن سُؤالاتِهِمُ الباطِلَةِ، كَأنَّهُ مَثَلٌ في البُطْلانِ إلّا أتَيْناكَ نَحْنُ بِالجَوابِ الحَقِّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ، وبِما هو أحْسَنُ مَعْنًى ومُؤَدًّى مِن سُؤالِهِمْ. ولَمّا كانَ التَّفْسِيرُ هو الكَشْفَ عَمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ وُضِعَ مَوْضِعَ مَعْناهُ، فَقالُوا: تَفْسِيرُ هَذا الكَلامِ كَيْتَ وكَيْتَ، كَما قِيلَ مَعْناهُ كَذا أوْ (ولا يَأْتُونَكَ) بِحالٍ وصِفَةٍ عَجِيبَةٍ، يَقُولُونَ: هَلّا كانَتْ هَذِهِ صَفَتَكَ وحالَكَ، نَحْوَ أنْ يُقْرَنَ بِكَ مَلَكٌ يُنْذِرُ مَعَكَ، أوْ يُلْقى إلَيْكَ كَنْزٌ، أوْ تَكُونُ لَكَ جَنَّةٌ، أوْ يَنْزِلُ عَلَيْكَ القُرْآنُ جُمْلَةً، إلّا أعْطَيْناكَ ما يَحِقُّ لَكَ في حِكْمَتِنا ومَشِيئَتِنا أنْ تُعْطاهُ، وما هو أحْسَنُ تَكْشِيفًا لِما بُعِثْتَ عَلَيْهِ ودَلالَةً عَلى صِحَّتِهِ، انْتَهى. وقِيلَ: (ولا يَأْتُونَكَ) بِشُبْهَةٍ في إبْطالِ أمْرِكَ إلّا جِئْناكَ بِالحَقِّ الَّذِي يَدْحَضُ شُبْهَةَ أهْلِ الجَهْلِ ويُبْطِلُ كَلامَ أهْلِ الزَّيْغِ، والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ، أيْ: ﴿وأحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ مِن مَثَلِهِمْ، ومَثَلُهم قَوْلُهم: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ .
و(الَّذِينَ يُحْشَرُونَ) . قالَ الكَرْمانِيُّ: مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ﴾ [الفرقان: ٢٤] الآيَةَ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهم لَمّا اعْتَرَضُوا في حَدِيثِ القُرْآنِ وإنْزالِهِ مُفَرَّقًا كانَ في ضِمْنِ كَلامِهِمْ أنَّهم ذَوُو رُشْدٍ وخَيْرٍ، وأنَّهم عَلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ، ولِذَلِكَ اعْتَرَضُوا فَأخْبَرَ تَعالى بِحالِهِمْ وما يَئُولُ إلَيْهِ أمْرُهم في الآخِرَةِ بِكَوْنِهِمْ ﴿شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ سَبِيلًا﴾، والظّاهِرُ أنَّهُ يُحْشَرُ الكافِرُ عَلى وجْهِهِ بِأنْ يُسْحَبَ عَلى وجْهِهِ. وفي الحَدِيثِ: ”إنَّ الَّذِي أمْشاهم عَلى أرْجُلِهِمْ قادِرٌ أنْ يُمْشِيَهم عَلى وُجُوهِهِمْ“، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقِيلَ: هو مَجازٌ لِلذِّلَّةِ المُفْرِطَةِ والهَوانِ والخِزْيِ. وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ العَرَبِ مَرَّ فُلانٌ عَلى وجْهِهِ إذا لَمْ يَدْرِ أيْنَ ذَهَبَ. ويُقالُ: مَضى عَلى وجْهِهِ إذا أسْرَعَ مُتَوَجِّهًا لِقَصْدِهِ، و(شَرٌّ) و(أضَلُّ) لَيْسا عَلى بابِهِما مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّفْضِيلِ. وقَوْلُهُ: (شَرٌّ مَكانًا) أيْ: مُسْتَقَرًّا، وهو مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ: (خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا)، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالمَكانِ المَكانَةُ والشَّرَفُ لا المُسْتَقَرُّ. وأعْرَبُوا (الَّذِينَ) مُبْتَدَأً والجُمْلَةَ مِن (أُوْلَئِكَ) في مَوْضِعِ الخَبَرِ، ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ (الَّذِينَ) خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، لَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ الكافِرِينَ وما قالُوا قالَ إبْعادًا لَهم وتَسْمِيعًا بِما يَئُولُ إلَيْهِ حالُهم، هُمُ (الَّذِينَ يُحْشَرُونَ) ثُمَّ اسْتَأْنَفَ إخْبارًا أخْبَرَ عَنْهم فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا﴾ .
الفرقان 25:30
﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وكانَ يَوْمًا عَلى الكافِرِينَ عَسِيرًا﴾ ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ ﴿ياوَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ ﴿لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جاءَنِي وكانَ الشَّيْطانُ لِلْإنْسانِ خَذُولًا﴾ ﴿وقالَ الرَّسُولُ يارَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ وكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا ونَصِيرًا﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ ﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلّا جِئْناكَ بِالحَقِّ وأحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ .
(p-٤٩٤)قَرَأ الحَرَمِيّانِ وابْنُ عامِرٍ (تَشَّقَّقُ) بِإدْغامِ التّاءِ مِن تَتَشَقَّقُ في الشِّينِ هُنا. وفي (ق) وباقِي السَّبْعَةِ بِحَذْفِ تِلْكَ التّاءِ، ويَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ونُزِّلَ) ماضِيًا مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو رَجاءٍ (ونَزَلَ) ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وعَنْهُ أيْضًا وأنْزَلَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وجاءَ مَصْدَرُهُ (تَنْزِيلًا)، وقِياسُهُ إنْزالًا إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ مَعْنى أنْزَلَ ونَزَّلَ واحِدًا جازَ مَجِيءُ مَصْدَرِ أحَدِهِما لِلْآخَرِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎حَتّى تَطَوَّيْتُ انْطِواءَ الخِصْبِ
كَأنَّهُ قالَ: حَتّى انْطَوَيْتُ. وقَرَأ الأعْمَشُ وعَبْدُ اللَّهِ في نَقْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ ”وأُنْزِلَ“ ماضِيًا رُباعِيًّا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، مُضارِعُهُ يُنَزَّلُ. وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ والخَفّافُ عَنْ أبِي عَمْرٍو (ونَزَلَ) ثُلاثِيًّا مُخَفَّفًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو وتُنَزَّلُ بِالتّاءِ مِن فَوْقُ مُضارِعَ نَزَّلَ مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وأبُو مُعاذٍ وخارِجَةُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو (ونُزِّلَ المَلائِكَةُ) بِضَمِّ النُّونِ وشَدِّ الزّايِ، أسْقَطَ النُّونَ مِن ونُنَزِّلُ، وفي بَعْضِ المَصاحِفِ ”ونُنَزِّلُ“ بِالنُّونِ مُضارِعَ نَزَّلَ مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. ونَسَبَها ابْنُ عَطِيَّةَ لِابْنِ كَثِيرٍ وحْدَهُ، قالَ: وهي قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عَمْرٍو. وعَنْ أُبَيٍّ أيْضًا و(تَنَزَّلَتِ) . وقَرَأ أُبَيٌّ و(نُزِّلَتِ) ماضِيًا مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ بِتاءِ التَّأْنِيثِ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ عَنِ الخَفّافِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: (ونُزِلَ) مُخَفَّفًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ (المَلائِكَةُ) رَفْعًا، فَإنْ صَحَّتِ القِراءَةُ فَإنَّهُ حُذِفَ مِنها المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مُقامَهُ، وتَقْدِيرُهُ: ونَزَلَ نُزُولُ المَلائِكَةِ فَحُذِفَ النُّزُولُ، ونُقِلَ إعْرابُهُ إلى (المَلائِكَةُ) بِمَعْنى نَزَلَ نازِلُ المَلائِكَةِ؛ لِأنَّ المَصْدَرَ يَكُونُ بِمَعْنى الِاسْمِ، وهَذا مِمّا يَجِيءُ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ في تَرْتِيبِ اللّازِمِ لِلْمَفْعُولِ بِهِ؛ لِأنَّ الفِعْلَ يَدُلُّ عَلى مَصْدَرِهِ، انْتَهى.
وقالَ أبُو الفَتْحِ: وهَذا غَيْرُ مَعْرُوفٍ؛ لِأنَّ (نَزَلَ) لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ فَيُبْنى هُنا لِلْمَلائِكَةِ، ووَجْهُهُ أنْ يَكُونَ مِثْلَ زُكِمَ الرَّجُلُ وجُنَّ فَإنَّهُ لا يُقالُ إلّا أزْكَمَهُ اللَّهُ وأجَنَّهُ. وهَذا بابُ سَماعٍ لا قِياسٍ، انْتَهى. فَهَذِهِ إحْدى عَشْرَةَ قِراءَةً. والظّاهِرُ أنَّ الغَمامَ هو السَّحابُ المَعْهُودُ. وقِيلَ هو اللَّهُ في قَوْلِهِ: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] . وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الغَمامُ الَّذِي يَأْتِي اللَّهُ فِيهِ في الجَنَّةِ زَعَمُوا. وقالَ الحَسَنُ: سُتْرَةٌ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ تَعْرُجُ المَلائِكَةُ فِيهِ تَنْسَخُ أعْمالَ بَنِي آدَمَ لِيُحاسَبُوا. وقِيلَ: غَمامٌ أبْيَضُ رَقِيقٌ مِثْلُ الضَّبابَةِ ولَمْ يَكُنْ لِبَنِي إسْرائِيلَ في تِيهِهِمْ، والظّاهِرُ أنَّ السَّماءَ هي المُظِلَّةُ لَنا. وقِيلَ: تَتَشَقَّقُ سَماءً سَماءً؛ قالَهُ مُقاتِلٌ. والباءُ باءُ الحالِ، أيْ: مُتَغَيِّمَةً، أوْ باءُ السَّبَبِ، أيْ: بِسَبَبِ طُلُوعِ الغَمامِ مِنهُ كَأنَّهُ الَّذِي تَتَشَقَّقُ بِهِ السَّماءُ، كَما تَقُولُ: شُقَّ السَّنامُ بِالشَّفْرَةِ وانْشَقَّ بِها، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨]، أوْ بِمَعْنى عَنْ أقْوالٍ ثَلاثَةٍ. والفَرْقُ بَيْنَ الباءِ السَّبَبِيَّةِ وعَنْ أنَّ انْشَقَّ عَنْ (p-٤٩٥)كَذا تَفَتَّحَ عَنْهُ وانْشَقَّ بِكَذا أنَّهُ هو الشّاقُّ لَهُ.
(ونُزِّلَ المَلائِكَةُ)، أيْ: إلى الأرْضِ لِوُقُوعِ الجَزاءِ والحِسابِ. و(الحَقُّ) صِفَةٌ لِلْمُلْكِ، أيِ: الثّابِتُ؛ لِأنَّ كُلَّ مُلْكٍ يَوْمَئِذٍ يَبْطُلُ، ولا يَبْقى إلّا مُلْكُهُ تَعالى وخَبَرُ المُلْكِ (يَوْمَئِذٍ) . والرَّحْمَنُ مُتَعَلِّقٌ بِالحَقِّ أوْ لِلْبَيانِ، أعْنِي: (لِلرَّحْمَنِ) . وقِيلَ: الخَبَرُ (لِلرَّحْمَنِ) و(يَوْمَئِذٍ) مَعْمُولٌ لِلْمُلْكِ. وقِيلَ: الخَبَرُ (الحَقُّ) و(لِلرَّحْمَنِ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ لِلْبَيانِ، وعَسُرَ ذَلِكَ اليَوْمُ عَلى الكافِرِينَ بِدُخُولِهِمُ النّارَ وما في خِلالِ ذَلِكَ مِنَ المَخاوِفِ. ودَلَّ قَوْلُهُ: (عَلى الكافِرِينَ) عَلى تَيْسِيرِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ، فَفي الحَدِيثِ أنَّهُ يُهَوَّنُ حَتّى يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِ أخَفَّ عَلَيْهِ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ صَلّاها في الدُّنْيا، والظّاهِرُ عُمُومُ الظّالِمِ؛ إذِ اللّامُ فِيهِ لِلْجِنْسِ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ وأبُو رَجاءٍ، وقالا: فُلانٌ هو كِنايَةٌ عَنِ الشَّيْطانِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ: (الظّالِمُ) هُنا عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ؛ إذْ كانَ جَنَحَ إلى الإسْلامِ وأُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ هو المَكْنِيُّ عَنْهُ بِفُلانٍ، وكانَ بَيْنَهُما مُخالَّةٌ فَنَهاهُ عَنِ الإسْلامِ فَقَبِلَ مِنهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. عَكْسُ هَذا القَوْلِ. قِيلَ: وسَبَبُ نُزُولِها هو عُقْبَةُ وأُبَيٌّ. وقِيلَ: كانَ عُقْبَةُ خَلِيلًا لِأُمَيَّةَ فَأسْلَمَ عُقْبَةُ، فَقالَ أُمَيَّةُ: وجْهِي مِن وجْهِكَ حَرامٌ إنْ بايَعْتَ مُحَمَّدًا، فَكَفَرَ وارْتَدَّ لِرِضا أُمَيَّةَ، فَنَزَلَتْ؛ قالَهُ الشَّعْبِيُّ. وذَكَرَ مِن إساءَةِ عُقْبَةَ عَلى الرَّسُولِ ما كانَ سَبَبَ أنْ قالَ لَهُ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «لا ألْقاكَ خارِجًا مِن مَكَّةَ إلّا عَلَوْتُ رَأْسَكَ بِالسَّيْفِ» . فَقُتِلَ عُقْبَةُ يَوْمِ بَدْرٍ صَبْرًا أمَرَ عَلِيًّا فَضَرَبَ عُنُقَهُ، وقُتِلَ أبَيُّ بْنُ خَلَفٍ يَوْمَ أُحُدٍ في المُبارَزَةِ. والمَقْصُودُ ذِكْرُ هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ بِتَنَدُّمِ الظّالِمِ وتَمَنِّيهِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ أطاعَ خَلِيلَهُ الَّذِي كانَ يَأْمُرُهُ بِالظُّلْمِ، وما مِن ظالِمٍ إلّا ولَهُ في الغالِبِ خَلِيلٌ خاصٌّ بِهِ يُعَبِّرُ عَنْهُ بِفُلانٍ. والظّاهِرُ أنَّ الظّالِمَ (يَعَضُّ عَلى يَدَيْهِ) فِعْلَ النّادِمِ المُتَفَجِّعِ. وقالَ الضَّحّاكُ: يَأْكُلُ يَدَيْهِ إلى المِرْفَقِ ثُمَّ تَنْبُتُ، ولا يَزالُ كَذَلِكَ كُلَّما أكَلَها نَبَتَتْ. وقِيلَ: هو مَجازٌ عُبِّرَ بِهِ عَنِ التَّحَيُّرِ والغَمِّ والنَّدَمِ والتَّفَجُّعِ، ونَقَلَ أئِمَّةُ اللُّغَةِ أنَّ المُتَأسِّفَ المُتَحَزِّنَ المُتَنَدِّمَ يَعَضُّ عَلى إبْهامِهِ نَدَمًا، وقالَ الشّاعِرُ:
؎لَطَمَتْ خَدَّها بِحُمْرٍ لِطافٍ ∗∗∗ نِلْنَ مِنها عَذابَ بِيضٍ عِذابِ
؎فَتَشَكّى العُنّابُ نَوْرَ أقاحٍ ∗∗∗ واشْتَكى الوَرْدُ ناضِرَ العُنّابِ
وفِي المَثَلِ: يَأْكُلُ يَدَيْهِ نَدَمًا ويُسِيلُ دَمْعَهُ دَمًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَضُّ الأنامِلِ واليَدَيْنِ والسُّقُوطُ في اليَدِ وأكْلُ البَنانِ وحَرْقُ الأسْنانِ والأرَمُ وفُرُوعُها، كِناياتٌ عَنِ الغَيْظِ والحَسْرَةِ؛ لِأنَّها مِن رَوادِفِها فَتُذْكَرُ الرّادِفَةُ ويُدَلُّ بِها عَلى المَرْدُوفِ فَيَرْتَفِعُ الكَلامُ بِهِ في طَبَقَةِ الفَصاحَةِ، ويَجِدُ السّامِعُ عِنْدَهُ في نَفْسِهِ مِنَ الرَّوْعَةِ والِاسْتِحْسانِ ما لا يَجِدُ عِنْدَ لَفْظِ المُكَنّى عَنْهُ، انْتَهى. وقالَ الشّاعِرُ في حَرْقِ النّابِ:
؎أبى الضَّيْمَ والنُّعْمانُ يَحْرِقُ نابُهُ ∗∗∗ عَلَيْهِ فَأفْضى والسُّيُوفُ مَعاقِلُهْ
(يَقُولُ) في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: قائِلًا: (يا لَيْتَنِي)، فَإنْ كانَتِ اللّامُ لِلْعَهْدِ فالمَعْنى أنَّهُ تَمَنّى عُقْبَةُ أنْ لَوْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ وسَلَكَ طَرِيقَ الحَقِّ، وإنْ كانَتِ اللّامُ لِلْجِنْسِ فالمَعْنى أنَّهُ تَمَنّى سُلُوكَ طَرِيقِ الرَّسُولِ، وهو الإيمانُ، ويَكُونُ الرَّسُولُ لِلْجِنْسِ؛ لِأنَّ كُلَّ ظالِمٍ قَدْ كُلِّفَ اتِّباعَ ما جاءَ بِهِ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ، إلى أنْ جاءَتِ المِلَّةُ المُحَمَّدِيَّةُ فَنَسَخَتْ جَمِيعَ المِلَلِ، فَلا يُقْبَلُ بَعْدَ مَجِيئِهِ دِينٌ غَيْرُ الَّذِي جاءَ بِهِ. ثُمَّ يُنادِي بِالوَيْلِ والحَسْرَةِ يَقُولُ: (يا ويْلَتى)، أيْ: يا هَلَكاهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] . وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ قُطَيْبٍ (يا ويْلَتِي) بِكَسْرِ التّاءِ، والياءُ ياءُ الإضافَةِ، وهو الأصْلُ؛ لِأنَّ الرَّجُلَ يُنادِي ويْلَتَهُ وهي هَلَكَتُهُ، يَقُولُ لَها: تَعالَيْ فَهَذا أوانُكِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِالإمالَةِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وتَرْكُ الإمالَةِ أحْسَنُ؛ لِأنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ الياءُ فَبُدِّلَتِ الكَسْرَةُ فَتْحَةً والياءُ ألِفًا؛ فِرارًا مِنَ الياءِ، فَمَن أمالَ رَجَعَ إلى الَّذِي عَنْهُ فَرَّ أوَّلًا. وفُلانٌ كِنايَةٌ (p-٤٩٦)عَنِ العَلَمِ، وهو مُتَصَرِّفٌ، وفُلُ كِنايَةٌ عَنْ نَكِرَةِ الإنْسانِ نَحْوُ: يا رَجُلُ، وهو مُخْتَصٌّ بِالنِّداءِ، وفُلَةُ بِمَعْنى يا امْرَأةُ كَذَلِكَ، ولامُ فُلُ ياءٌ أوْ واوٌ، ولَيْسَ مُرَخَّمًا مِن فُلانٍ، خِلافًا لِلْفَرّاءِ. ووَهَمَ ابْنُ عُصْفُورٍ وابْنُ مالِكٍ وصاحِبُ البَسِيطِ في قَوْلِهِمْ: فُلُ كِنايَةٌ عَنِ العَلَمِ كَفُلانٍ. وفي كِتابِ سِيبَوَيْهِ ما قُلْناهُ بِالنَّقْلِ عَنِ العَرَبِ.
والذِّكْرُ ذِكْرُ اللَّهِ أوِ القُرْآنُ أوِ المَوْعِظَةُ، والظّاهِرُ حَمْلُ الشَّيْطانِ عَلى ظاهِرِهِ؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي وسْوَسَ إلَيْهِ في مُخالَّةِ مَن أضَلَّهُ سَمّاهُ شَيْطانًا؛ لِأنَّهُ يُضِلُّ كَما يُضِلُّ الشَّيْطانُ، ثُمَّ خَذَلَهُ ولَمْ يَنْفَعْهُ في العاقِبَةِ. وتَحْتَمِلُ هَذِهِ الجُمْلَةُ أنْ تَكُونَ مِن تَمامِ كَلامِ الظّالِمَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إخْبارًا مِن كَلامِ اللَّهِ عَلى جِهَةِ الدَّلالَةِ عَلى وجْهِ ضَلالِهِمْ، والتَّحْذِيرِ مِنَ الشَّيْطانِ الَّذِي بَلَّغَهم ذَلِكَ المَبْلَغَ. وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ تَمْثِيلُ الجَلِيسِ الصّالِحِ بِالمِسْكِ والجَلِيسِ السُّوءِ بِنافِخِ الكِيرِ. والظّاهِرُ أنَّ دُعاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَبَّهُ، وإخْبارَهُ بِهَجْرِ قَوْمِهِ قُرَيْشٍ القُرْآنَ، هو مِمّا جَرى لَهُ في الدُّنْيا؛ بِدَلِيلِ إقْبالِهِ عَلَيْهِ مُسَلِّيًا مُؤانِسًا بِقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾، وأنَّهُ هو الكافِي في هِدايَتِهِ ونَصْرِهِ، فَهو وعْدٌ مِنهُ بِالنَّصْرِ، وهَذا القَوْلُ مِنَ الرَّسُولِ وشِكايَتُهُ فِيهِ تَخْوِيفٌ لِقَوْمِهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنهم أبُو مُسْلِمٍ إنَّهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الآخِرَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، والظّاهِرُ أنَّ (مَهْجُورًا) بِمَعْنى مَتْرُوكًا مِنَ الإيمانِ بِهِ، مُبْعَدًا مَقْصِيًّا مِنَ الهَجْرِ، بِفَتْحِ الهاءِ. وقالَهُ مُجاهِدٌ والنَّخَعِيُّ وأتْباعُهُ. وقِيلَ: مِنَ الهُجْرِ، والتَّقْدِيرُ (مَهْجُورًا) فِيهِ، بِمَعْنى أنَّهُ باطِلٌ. وأساطِيرُ الأوَّلِينَ أنَّهم إذا سَمِعُوهُ هَجَرُوا فِيهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] .
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَهْجُورُ بِمَعْنى الهَجْرِ كالمَلْحُودِ والمَعْقُولِ، والمَعْنى اتَّخَذُوهُ هَجْرًا، والعَدُوُّ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ واحِدًا وجَمْعًا، انْتَهى.
وانْتَصَبَ (هادِيًا) و(نَصِيرًا) عَلى الحالِ أوْ عَلى التَّمْيِيزِ. وقالُوا - أيِ الكُفّارُ - عَلى سَبِيلِ الِاقْتِراحِ والِاعْتِراضِ الدّالِّ عَلى نُفُورِهِمْ عَنِ الحَقِّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (نُزِّلَ) هاهُنا بِمَعْنى أُنْزِلَ لا غَيْرُ، كَخُبِّرَ بِمَعْنى أُخْبِرَ، وإلّا كانَ مُتَدافِعًا، انْتَهى. وإنَّما قالَ إنَّ (نُزِّلَ) بِمَعْنى أُنْزِلَ؛ لِأنَّ نُزِّلَ عِنْدَهُ أصْلُها أنْ تَكُونَ لِلتَّفْرِيقِ، فَلَوْ أقَرَّهُ عَلى أصْلِهِ عِنْدَهُ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّفْرِيقِ تَدافَعَ هو. وقَوْلُهُ: (جُمْلَةً واحِدَةً)، وقَدْ قَرَّرْنا أنَّ (نُزِّلَ) لا تَقْتَضِي التَّفْرِيقَ؛ لِأنَّ التَّضْعِيفَ فِيهِ عِنْدَنا مُرادِفٌ لِلْهَمْزَةِ. وقَدْ بَيَّنا ذَلِكَ في أوَّلِ آلِ عِمْرانَ، وقائِلُ ذَلِكَ كُفّارُ قُرَيْشٍ، قالُوا: لَوْ كانَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ لَنَزَلَ جُمْلَةً كَما نَزَلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ. وقِيلَ: قائِلُو ذَلِكَ اليَهُودُ، وهَذا قَوْلٌ لا طائِلَ تَحْتَهُ؛ لِأنَّ أمْرَ الِاحْتِجاجِ بِهِ والإعْجازِ لا يَخْتَلِفُ بِنُزُولِهِ جُمْلَةً واحِدَةً أوْ مُفَرَّقًا، بَلِ الإعْجازُ في نُزُولِهِ مُفَرَّقًا أظْهَرُ؛ إذْ يُطالَبُونَ بِمُعارَضَةِ سُورَةٍ مِنهُ، فَلَوْ نَزَلَ جُمْلَةً واحِدَةً وطُولِبُوا بِمُعارَضَتِهِ مِثْلَ ما نَزَلْ لَكانُوا أعْجَزَ مِنهم حِينَ طُولِبُوا بِمُعارَضَةِ سُورَةٍ مِنهُ فَعَجَزُوا، والمُشارُ إلَيْهِ غَيْرُ مَذْكُورٍ. فَقِيلَ: هو مِن كَلامِ الكُفّارِ وأشارُوا إلى التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، أيْ: تَنْزِيلًا مِثْلَ تَنْزِيلِ تِلْكَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ جُمْلَةً واحِدَةً، ويَبْقى ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ تَعْلِيلًا لِمَحْذُوفٍ، أيْ: فَرَّقْناهُ في أوْقاتٍ ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ . وقِيلَ: هو مُسْتَأْنَفٌ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى لا مِن كَلامِهِمْ، ولَمّا تَضَمَّنَ كَلامُهم مَعْنى لِمَ أُنْزِلَ مُفَرَّقًا أُشِيرَ بِقَوْلِهِ (كَذَلِكَ) إلى التَّفْرِيقِ، أيْ: (كَذَلِكَ) أُنْزِلَ مُفَرَّقًا.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والحِكْمَةُ فِيهِ أنْ نُقَوِّيَ بِتَفْرِيقِهِ فُؤادَكَ حَتّى تَعِيَهُ وتَحْفَظَهُ؛ لِأنَّ المُتَلَقِّنَ إنَّما يَقْوى قَلْبُهُ عَلى حِفْظِ العِلْمِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وجُزْءًا عَقِيبَ جُزْءٍ، ولَوْ أُلْقِيَ عَلَيْهِ جُمْلَةً واحِدَةً لَكانَ يَعْيا في حِفْظِهِ، والرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فارَقَتْ حالُهُ حالَ داوُدَ ومُوسى وعِيسى - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - حَيْثُ كانَ أُمِّيًّا لا يَكْتُبُ وهم كانُوا قارِئِينَ كاتِبِينَ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنَ التَّلَقُّنِ والتَّحَفُّظِ، فَأُنْزِلَ عَلَيْهِ مُنَجَّمًا في عِشْرِينَ سَنَةً. وقِيلَ: في ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وأيْضًا فَكانَ يَنْزِلُ عَلى حَسَبِ الحَوادِثِ وجَوابِ السّائِلِينَ؛ ولِأنَّ (p-٤٩٧)بَعْضَهُ مَنسُوخٌ وبَعْضَهُ ناسِخٌ، ولا يَتَأتّى ذَلِكَ إلّا فِيما أُنْزِلَ مُفَرَّقًا، انْتَهى.
واللّامُ في (لِنُثَبِّتَ بِهِ) لامُ العِلَّةِ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: هي لامُ القَسَمِ، والتَّقْدِيرُ واللَّهِ لَيُثَبِّتَنَّ، فَحُذِفَتِ النُّونُ وكُسِرَتِ اللّامُ، انْتَهى. وهَذا قَوْلٌ في غايَةِ الضَّعْفِ، وكانَ يَنْحُو إلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ أنَّ جَوابَ القَسَمِ يُتَلَقّى بِلامِ كَيْ، وجُعِلَ مِنهُ ﴿ولِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ﴾ [الأنعام: ١١٣]، وهو مَذْهَبٌ مَرْجُوحٌ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ”لِيُثَبِّتَ“ بِالياءِ، أيْ: لِيُثَبِّتَ اللَّهُ، (ورَتَّلْناهُ) أيْ: فَصَّلْناهُ. وقِيلَ: بَيَّنّاهُ. وقِيلَ: فَسَّرْناهُ.
﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ يَضْرِبُونَهُ عَلى جِهَةِ المُعارَضَةِ مِنهم كَتَمْثِيلِهِمْ في هَذِهِ بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ إلّا جاءَ القُرْآنُ بِالحَقِّ في ذَلِكَ، ثُمَّ هو أوْضَحُ بَيانًا وتَفْصِيلًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ بِسُؤالٍ عَجِيبٍ مِن سُؤالاتِهِمُ الباطِلَةِ، كَأنَّهُ مَثَلٌ في البُطْلانِ إلّا أتَيْناكَ نَحْنُ بِالجَوابِ الحَقِّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ، وبِما هو أحْسَنُ مَعْنًى ومُؤَدًّى مِن سُؤالِهِمْ. ولَمّا كانَ التَّفْسِيرُ هو الكَشْفَ عَمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ وُضِعَ مَوْضِعَ مَعْناهُ، فَقالُوا: تَفْسِيرُ هَذا الكَلامِ كَيْتَ وكَيْتَ، كَما قِيلَ مَعْناهُ كَذا أوْ (ولا يَأْتُونَكَ) بِحالٍ وصِفَةٍ عَجِيبَةٍ، يَقُولُونَ: هَلّا كانَتْ هَذِهِ صَفَتَكَ وحالَكَ، نَحْوَ أنْ يُقْرَنَ بِكَ مَلَكٌ يُنْذِرُ مَعَكَ، أوْ يُلْقى إلَيْكَ كَنْزٌ، أوْ تَكُونُ لَكَ جَنَّةٌ، أوْ يَنْزِلُ عَلَيْكَ القُرْآنُ جُمْلَةً، إلّا أعْطَيْناكَ ما يَحِقُّ لَكَ في حِكْمَتِنا ومَشِيئَتِنا أنْ تُعْطاهُ، وما هو أحْسَنُ تَكْشِيفًا لِما بُعِثْتَ عَلَيْهِ ودَلالَةً عَلى صِحَّتِهِ، انْتَهى. وقِيلَ: (ولا يَأْتُونَكَ) بِشُبْهَةٍ في إبْطالِ أمْرِكَ إلّا جِئْناكَ بِالحَقِّ الَّذِي يَدْحَضُ شُبْهَةَ أهْلِ الجَهْلِ ويُبْطِلُ كَلامَ أهْلِ الزَّيْغِ، والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ، أيْ: ﴿وأحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ مِن مَثَلِهِمْ، ومَثَلُهم قَوْلُهم: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ .
و(الَّذِينَ يُحْشَرُونَ) . قالَ الكَرْمانِيُّ: مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ﴾ [الفرقان: ٢٤] الآيَةَ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهم لَمّا اعْتَرَضُوا في حَدِيثِ القُرْآنِ وإنْزالِهِ مُفَرَّقًا كانَ في ضِمْنِ كَلامِهِمْ أنَّهم ذَوُو رُشْدٍ وخَيْرٍ، وأنَّهم عَلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ، ولِذَلِكَ اعْتَرَضُوا فَأخْبَرَ تَعالى بِحالِهِمْ وما يَئُولُ إلَيْهِ أمْرُهم في الآخِرَةِ بِكَوْنِهِمْ ﴿شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ سَبِيلًا﴾، والظّاهِرُ أنَّهُ يُحْشَرُ الكافِرُ عَلى وجْهِهِ بِأنْ يُسْحَبَ عَلى وجْهِهِ. وفي الحَدِيثِ: ”إنَّ الَّذِي أمْشاهم عَلى أرْجُلِهِمْ قادِرٌ أنْ يُمْشِيَهم عَلى وُجُوهِهِمْ“، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقِيلَ: هو مَجازٌ لِلذِّلَّةِ المُفْرِطَةِ والهَوانِ والخِزْيِ. وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ العَرَبِ مَرَّ فُلانٌ عَلى وجْهِهِ إذا لَمْ يَدْرِ أيْنَ ذَهَبَ. ويُقالُ: مَضى عَلى وجْهِهِ إذا أسْرَعَ مُتَوَجِّهًا لِقَصْدِهِ، و(شَرٌّ) و(أضَلُّ) لَيْسا عَلى بابِهِما مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّفْضِيلِ. وقَوْلُهُ: (شَرٌّ مَكانًا) أيْ: مُسْتَقَرًّا، وهو مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ: (خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا)، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالمَكانِ المَكانَةُ والشَّرَفُ لا المُسْتَقَرُّ. وأعْرَبُوا (الَّذِينَ) مُبْتَدَأً والجُمْلَةَ مِن (أُوْلَئِكَ) في مَوْضِعِ الخَبَرِ، ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ (الَّذِينَ) خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، لَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ الكافِرِينَ وما قالُوا قالَ إبْعادًا لَهم وتَسْمِيعًا بِما يَئُولُ إلَيْهِ حالُهم، هُمُ (الَّذِينَ يُحْشَرُونَ) ثُمَّ اسْتَأْنَفَ إخْبارًا أخْبَرَ عَنْهم فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا﴾ .
الفرقان 25:31
﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وكانَ يَوْمًا عَلى الكافِرِينَ عَسِيرًا﴾ ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ ﴿ياوَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ ﴿لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جاءَنِي وكانَ الشَّيْطانُ لِلْإنْسانِ خَذُولًا﴾ ﴿وقالَ الرَّسُولُ يارَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ وكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا ونَصِيرًا﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ ﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلّا جِئْناكَ بِالحَقِّ وأحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ .
(p-٤٩٤)قَرَأ الحَرَمِيّانِ وابْنُ عامِرٍ (تَشَّقَّقُ) بِإدْغامِ التّاءِ مِن تَتَشَقَّقُ في الشِّينِ هُنا. وفي (ق) وباقِي السَّبْعَةِ بِحَذْفِ تِلْكَ التّاءِ، ويَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ونُزِّلَ) ماضِيًا مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو رَجاءٍ (ونَزَلَ) ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وعَنْهُ أيْضًا وأنْزَلَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وجاءَ مَصْدَرُهُ (تَنْزِيلًا)، وقِياسُهُ إنْزالًا إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ مَعْنى أنْزَلَ ونَزَّلَ واحِدًا جازَ مَجِيءُ مَصْدَرِ أحَدِهِما لِلْآخَرِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎حَتّى تَطَوَّيْتُ انْطِواءَ الخِصْبِ
كَأنَّهُ قالَ: حَتّى انْطَوَيْتُ. وقَرَأ الأعْمَشُ وعَبْدُ اللَّهِ في نَقْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ ”وأُنْزِلَ“ ماضِيًا رُباعِيًّا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، مُضارِعُهُ يُنَزَّلُ. وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ والخَفّافُ عَنْ أبِي عَمْرٍو (ونَزَلَ) ثُلاثِيًّا مُخَفَّفًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو وتُنَزَّلُ بِالتّاءِ مِن فَوْقُ مُضارِعَ نَزَّلَ مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وأبُو مُعاذٍ وخارِجَةُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو (ونُزِّلَ المَلائِكَةُ) بِضَمِّ النُّونِ وشَدِّ الزّايِ، أسْقَطَ النُّونَ مِن ونُنَزِّلُ، وفي بَعْضِ المَصاحِفِ ”ونُنَزِّلُ“ بِالنُّونِ مُضارِعَ نَزَّلَ مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. ونَسَبَها ابْنُ عَطِيَّةَ لِابْنِ كَثِيرٍ وحْدَهُ، قالَ: وهي قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عَمْرٍو. وعَنْ أُبَيٍّ أيْضًا و(تَنَزَّلَتِ) . وقَرَأ أُبَيٌّ و(نُزِّلَتِ) ماضِيًا مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ بِتاءِ التَّأْنِيثِ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ عَنِ الخَفّافِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: (ونُزِلَ) مُخَفَّفًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ (المَلائِكَةُ) رَفْعًا، فَإنْ صَحَّتِ القِراءَةُ فَإنَّهُ حُذِفَ مِنها المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مُقامَهُ، وتَقْدِيرُهُ: ونَزَلَ نُزُولُ المَلائِكَةِ فَحُذِفَ النُّزُولُ، ونُقِلَ إعْرابُهُ إلى (المَلائِكَةُ) بِمَعْنى نَزَلَ نازِلُ المَلائِكَةِ؛ لِأنَّ المَصْدَرَ يَكُونُ بِمَعْنى الِاسْمِ، وهَذا مِمّا يَجِيءُ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ في تَرْتِيبِ اللّازِمِ لِلْمَفْعُولِ بِهِ؛ لِأنَّ الفِعْلَ يَدُلُّ عَلى مَصْدَرِهِ، انْتَهى.
وقالَ أبُو الفَتْحِ: وهَذا غَيْرُ مَعْرُوفٍ؛ لِأنَّ (نَزَلَ) لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ فَيُبْنى هُنا لِلْمَلائِكَةِ، ووَجْهُهُ أنْ يَكُونَ مِثْلَ زُكِمَ الرَّجُلُ وجُنَّ فَإنَّهُ لا يُقالُ إلّا أزْكَمَهُ اللَّهُ وأجَنَّهُ. وهَذا بابُ سَماعٍ لا قِياسٍ، انْتَهى. فَهَذِهِ إحْدى عَشْرَةَ قِراءَةً. والظّاهِرُ أنَّ الغَمامَ هو السَّحابُ المَعْهُودُ. وقِيلَ هو اللَّهُ في قَوْلِهِ: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] . وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الغَمامُ الَّذِي يَأْتِي اللَّهُ فِيهِ في الجَنَّةِ زَعَمُوا. وقالَ الحَسَنُ: سُتْرَةٌ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ تَعْرُجُ المَلائِكَةُ فِيهِ تَنْسَخُ أعْمالَ بَنِي آدَمَ لِيُحاسَبُوا. وقِيلَ: غَمامٌ أبْيَضُ رَقِيقٌ مِثْلُ الضَّبابَةِ ولَمْ يَكُنْ لِبَنِي إسْرائِيلَ في تِيهِهِمْ، والظّاهِرُ أنَّ السَّماءَ هي المُظِلَّةُ لَنا. وقِيلَ: تَتَشَقَّقُ سَماءً سَماءً؛ قالَهُ مُقاتِلٌ. والباءُ باءُ الحالِ، أيْ: مُتَغَيِّمَةً، أوْ باءُ السَّبَبِ، أيْ: بِسَبَبِ طُلُوعِ الغَمامِ مِنهُ كَأنَّهُ الَّذِي تَتَشَقَّقُ بِهِ السَّماءُ، كَما تَقُولُ: شُقَّ السَّنامُ بِالشَّفْرَةِ وانْشَقَّ بِها، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨]، أوْ بِمَعْنى عَنْ أقْوالٍ ثَلاثَةٍ. والفَرْقُ بَيْنَ الباءِ السَّبَبِيَّةِ وعَنْ أنَّ انْشَقَّ عَنْ (p-٤٩٥)كَذا تَفَتَّحَ عَنْهُ وانْشَقَّ بِكَذا أنَّهُ هو الشّاقُّ لَهُ.
(ونُزِّلَ المَلائِكَةُ)، أيْ: إلى الأرْضِ لِوُقُوعِ الجَزاءِ والحِسابِ. و(الحَقُّ) صِفَةٌ لِلْمُلْكِ، أيِ: الثّابِتُ؛ لِأنَّ كُلَّ مُلْكٍ يَوْمَئِذٍ يَبْطُلُ، ولا يَبْقى إلّا مُلْكُهُ تَعالى وخَبَرُ المُلْكِ (يَوْمَئِذٍ) . والرَّحْمَنُ مُتَعَلِّقٌ بِالحَقِّ أوْ لِلْبَيانِ، أعْنِي: (لِلرَّحْمَنِ) . وقِيلَ: الخَبَرُ (لِلرَّحْمَنِ) و(يَوْمَئِذٍ) مَعْمُولٌ لِلْمُلْكِ. وقِيلَ: الخَبَرُ (الحَقُّ) و(لِلرَّحْمَنِ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ لِلْبَيانِ، وعَسُرَ ذَلِكَ اليَوْمُ عَلى الكافِرِينَ بِدُخُولِهِمُ النّارَ وما في خِلالِ ذَلِكَ مِنَ المَخاوِفِ. ودَلَّ قَوْلُهُ: (عَلى الكافِرِينَ) عَلى تَيْسِيرِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ، فَفي الحَدِيثِ أنَّهُ يُهَوَّنُ حَتّى يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِ أخَفَّ عَلَيْهِ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ صَلّاها في الدُّنْيا، والظّاهِرُ عُمُومُ الظّالِمِ؛ إذِ اللّامُ فِيهِ لِلْجِنْسِ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ وأبُو رَجاءٍ، وقالا: فُلانٌ هو كِنايَةٌ عَنِ الشَّيْطانِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ: (الظّالِمُ) هُنا عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ؛ إذْ كانَ جَنَحَ إلى الإسْلامِ وأُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ هو المَكْنِيُّ عَنْهُ بِفُلانٍ، وكانَ بَيْنَهُما مُخالَّةٌ فَنَهاهُ عَنِ الإسْلامِ فَقَبِلَ مِنهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. عَكْسُ هَذا القَوْلِ. قِيلَ: وسَبَبُ نُزُولِها هو عُقْبَةُ وأُبَيٌّ. وقِيلَ: كانَ عُقْبَةُ خَلِيلًا لِأُمَيَّةَ فَأسْلَمَ عُقْبَةُ، فَقالَ أُمَيَّةُ: وجْهِي مِن وجْهِكَ حَرامٌ إنْ بايَعْتَ مُحَمَّدًا، فَكَفَرَ وارْتَدَّ لِرِضا أُمَيَّةَ، فَنَزَلَتْ؛ قالَهُ الشَّعْبِيُّ. وذَكَرَ مِن إساءَةِ عُقْبَةَ عَلى الرَّسُولِ ما كانَ سَبَبَ أنْ قالَ لَهُ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «لا ألْقاكَ خارِجًا مِن مَكَّةَ إلّا عَلَوْتُ رَأْسَكَ بِالسَّيْفِ» . فَقُتِلَ عُقْبَةُ يَوْمِ بَدْرٍ صَبْرًا أمَرَ عَلِيًّا فَضَرَبَ عُنُقَهُ، وقُتِلَ أبَيُّ بْنُ خَلَفٍ يَوْمَ أُحُدٍ في المُبارَزَةِ. والمَقْصُودُ ذِكْرُ هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ بِتَنَدُّمِ الظّالِمِ وتَمَنِّيهِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ أطاعَ خَلِيلَهُ الَّذِي كانَ يَأْمُرُهُ بِالظُّلْمِ، وما مِن ظالِمٍ إلّا ولَهُ في الغالِبِ خَلِيلٌ خاصٌّ بِهِ يُعَبِّرُ عَنْهُ بِفُلانٍ. والظّاهِرُ أنَّ الظّالِمَ (يَعَضُّ عَلى يَدَيْهِ) فِعْلَ النّادِمِ المُتَفَجِّعِ. وقالَ الضَّحّاكُ: يَأْكُلُ يَدَيْهِ إلى المِرْفَقِ ثُمَّ تَنْبُتُ، ولا يَزالُ كَذَلِكَ كُلَّما أكَلَها نَبَتَتْ. وقِيلَ: هو مَجازٌ عُبِّرَ بِهِ عَنِ التَّحَيُّرِ والغَمِّ والنَّدَمِ والتَّفَجُّعِ، ونَقَلَ أئِمَّةُ اللُّغَةِ أنَّ المُتَأسِّفَ المُتَحَزِّنَ المُتَنَدِّمَ يَعَضُّ عَلى إبْهامِهِ نَدَمًا، وقالَ الشّاعِرُ:
؎لَطَمَتْ خَدَّها بِحُمْرٍ لِطافٍ ∗∗∗ نِلْنَ مِنها عَذابَ بِيضٍ عِذابِ
؎فَتَشَكّى العُنّابُ نَوْرَ أقاحٍ ∗∗∗ واشْتَكى الوَرْدُ ناضِرَ العُنّابِ
وفِي المَثَلِ: يَأْكُلُ يَدَيْهِ نَدَمًا ويُسِيلُ دَمْعَهُ دَمًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَضُّ الأنامِلِ واليَدَيْنِ والسُّقُوطُ في اليَدِ وأكْلُ البَنانِ وحَرْقُ الأسْنانِ والأرَمُ وفُرُوعُها، كِناياتٌ عَنِ الغَيْظِ والحَسْرَةِ؛ لِأنَّها مِن رَوادِفِها فَتُذْكَرُ الرّادِفَةُ ويُدَلُّ بِها عَلى المَرْدُوفِ فَيَرْتَفِعُ الكَلامُ بِهِ في طَبَقَةِ الفَصاحَةِ، ويَجِدُ السّامِعُ عِنْدَهُ في نَفْسِهِ مِنَ الرَّوْعَةِ والِاسْتِحْسانِ ما لا يَجِدُ عِنْدَ لَفْظِ المُكَنّى عَنْهُ، انْتَهى. وقالَ الشّاعِرُ في حَرْقِ النّابِ:
؎أبى الضَّيْمَ والنُّعْمانُ يَحْرِقُ نابُهُ ∗∗∗ عَلَيْهِ فَأفْضى والسُّيُوفُ مَعاقِلُهْ
(يَقُولُ) في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: قائِلًا: (يا لَيْتَنِي)، فَإنْ كانَتِ اللّامُ لِلْعَهْدِ فالمَعْنى أنَّهُ تَمَنّى عُقْبَةُ أنْ لَوْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ وسَلَكَ طَرِيقَ الحَقِّ، وإنْ كانَتِ اللّامُ لِلْجِنْسِ فالمَعْنى أنَّهُ تَمَنّى سُلُوكَ طَرِيقِ الرَّسُولِ، وهو الإيمانُ، ويَكُونُ الرَّسُولُ لِلْجِنْسِ؛ لِأنَّ كُلَّ ظالِمٍ قَدْ كُلِّفَ اتِّباعَ ما جاءَ بِهِ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ، إلى أنْ جاءَتِ المِلَّةُ المُحَمَّدِيَّةُ فَنَسَخَتْ جَمِيعَ المِلَلِ، فَلا يُقْبَلُ بَعْدَ مَجِيئِهِ دِينٌ غَيْرُ الَّذِي جاءَ بِهِ. ثُمَّ يُنادِي بِالوَيْلِ والحَسْرَةِ يَقُولُ: (يا ويْلَتى)، أيْ: يا هَلَكاهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] . وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ قُطَيْبٍ (يا ويْلَتِي) بِكَسْرِ التّاءِ، والياءُ ياءُ الإضافَةِ، وهو الأصْلُ؛ لِأنَّ الرَّجُلَ يُنادِي ويْلَتَهُ وهي هَلَكَتُهُ، يَقُولُ لَها: تَعالَيْ فَهَذا أوانُكِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِالإمالَةِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وتَرْكُ الإمالَةِ أحْسَنُ؛ لِأنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ الياءُ فَبُدِّلَتِ الكَسْرَةُ فَتْحَةً والياءُ ألِفًا؛ فِرارًا مِنَ الياءِ، فَمَن أمالَ رَجَعَ إلى الَّذِي عَنْهُ فَرَّ أوَّلًا. وفُلانٌ كِنايَةٌ (p-٤٩٦)عَنِ العَلَمِ، وهو مُتَصَرِّفٌ، وفُلُ كِنايَةٌ عَنْ نَكِرَةِ الإنْسانِ نَحْوُ: يا رَجُلُ، وهو مُخْتَصٌّ بِالنِّداءِ، وفُلَةُ بِمَعْنى يا امْرَأةُ كَذَلِكَ، ولامُ فُلُ ياءٌ أوْ واوٌ، ولَيْسَ مُرَخَّمًا مِن فُلانٍ، خِلافًا لِلْفَرّاءِ. ووَهَمَ ابْنُ عُصْفُورٍ وابْنُ مالِكٍ وصاحِبُ البَسِيطِ في قَوْلِهِمْ: فُلُ كِنايَةٌ عَنِ العَلَمِ كَفُلانٍ. وفي كِتابِ سِيبَوَيْهِ ما قُلْناهُ بِالنَّقْلِ عَنِ العَرَبِ.
والذِّكْرُ ذِكْرُ اللَّهِ أوِ القُرْآنُ أوِ المَوْعِظَةُ، والظّاهِرُ حَمْلُ الشَّيْطانِ عَلى ظاهِرِهِ؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي وسْوَسَ إلَيْهِ في مُخالَّةِ مَن أضَلَّهُ سَمّاهُ شَيْطانًا؛ لِأنَّهُ يُضِلُّ كَما يُضِلُّ الشَّيْطانُ، ثُمَّ خَذَلَهُ ولَمْ يَنْفَعْهُ في العاقِبَةِ. وتَحْتَمِلُ هَذِهِ الجُمْلَةُ أنْ تَكُونَ مِن تَمامِ كَلامِ الظّالِمَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إخْبارًا مِن كَلامِ اللَّهِ عَلى جِهَةِ الدَّلالَةِ عَلى وجْهِ ضَلالِهِمْ، والتَّحْذِيرِ مِنَ الشَّيْطانِ الَّذِي بَلَّغَهم ذَلِكَ المَبْلَغَ. وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ تَمْثِيلُ الجَلِيسِ الصّالِحِ بِالمِسْكِ والجَلِيسِ السُّوءِ بِنافِخِ الكِيرِ. والظّاهِرُ أنَّ دُعاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَبَّهُ، وإخْبارَهُ بِهَجْرِ قَوْمِهِ قُرَيْشٍ القُرْآنَ، هو مِمّا جَرى لَهُ في الدُّنْيا؛ بِدَلِيلِ إقْبالِهِ عَلَيْهِ مُسَلِّيًا مُؤانِسًا بِقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾، وأنَّهُ هو الكافِي في هِدايَتِهِ ونَصْرِهِ، فَهو وعْدٌ مِنهُ بِالنَّصْرِ، وهَذا القَوْلُ مِنَ الرَّسُولِ وشِكايَتُهُ فِيهِ تَخْوِيفٌ لِقَوْمِهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنهم أبُو مُسْلِمٍ إنَّهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الآخِرَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، والظّاهِرُ أنَّ (مَهْجُورًا) بِمَعْنى مَتْرُوكًا مِنَ الإيمانِ بِهِ، مُبْعَدًا مَقْصِيًّا مِنَ الهَجْرِ، بِفَتْحِ الهاءِ. وقالَهُ مُجاهِدٌ والنَّخَعِيُّ وأتْباعُهُ. وقِيلَ: مِنَ الهُجْرِ، والتَّقْدِيرُ (مَهْجُورًا) فِيهِ، بِمَعْنى أنَّهُ باطِلٌ. وأساطِيرُ الأوَّلِينَ أنَّهم إذا سَمِعُوهُ هَجَرُوا فِيهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] .
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَهْجُورُ بِمَعْنى الهَجْرِ كالمَلْحُودِ والمَعْقُولِ، والمَعْنى اتَّخَذُوهُ هَجْرًا، والعَدُوُّ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ واحِدًا وجَمْعًا، انْتَهى.
وانْتَصَبَ (هادِيًا) و(نَصِيرًا) عَلى الحالِ أوْ عَلى التَّمْيِيزِ. وقالُوا - أيِ الكُفّارُ - عَلى سَبِيلِ الِاقْتِراحِ والِاعْتِراضِ الدّالِّ عَلى نُفُورِهِمْ عَنِ الحَقِّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (نُزِّلَ) هاهُنا بِمَعْنى أُنْزِلَ لا غَيْرُ، كَخُبِّرَ بِمَعْنى أُخْبِرَ، وإلّا كانَ مُتَدافِعًا، انْتَهى. وإنَّما قالَ إنَّ (نُزِّلَ) بِمَعْنى أُنْزِلَ؛ لِأنَّ نُزِّلَ عِنْدَهُ أصْلُها أنْ تَكُونَ لِلتَّفْرِيقِ، فَلَوْ أقَرَّهُ عَلى أصْلِهِ عِنْدَهُ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّفْرِيقِ تَدافَعَ هو. وقَوْلُهُ: (جُمْلَةً واحِدَةً)، وقَدْ قَرَّرْنا أنَّ (نُزِّلَ) لا تَقْتَضِي التَّفْرِيقَ؛ لِأنَّ التَّضْعِيفَ فِيهِ عِنْدَنا مُرادِفٌ لِلْهَمْزَةِ. وقَدْ بَيَّنا ذَلِكَ في أوَّلِ آلِ عِمْرانَ، وقائِلُ ذَلِكَ كُفّارُ قُرَيْشٍ، قالُوا: لَوْ كانَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ لَنَزَلَ جُمْلَةً كَما نَزَلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ. وقِيلَ: قائِلُو ذَلِكَ اليَهُودُ، وهَذا قَوْلٌ لا طائِلَ تَحْتَهُ؛ لِأنَّ أمْرَ الِاحْتِجاجِ بِهِ والإعْجازِ لا يَخْتَلِفُ بِنُزُولِهِ جُمْلَةً واحِدَةً أوْ مُفَرَّقًا، بَلِ الإعْجازُ في نُزُولِهِ مُفَرَّقًا أظْهَرُ؛ إذْ يُطالَبُونَ بِمُعارَضَةِ سُورَةٍ مِنهُ، فَلَوْ نَزَلَ جُمْلَةً واحِدَةً وطُولِبُوا بِمُعارَضَتِهِ مِثْلَ ما نَزَلْ لَكانُوا أعْجَزَ مِنهم حِينَ طُولِبُوا بِمُعارَضَةِ سُورَةٍ مِنهُ فَعَجَزُوا، والمُشارُ إلَيْهِ غَيْرُ مَذْكُورٍ. فَقِيلَ: هو مِن كَلامِ الكُفّارِ وأشارُوا إلى التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، أيْ: تَنْزِيلًا مِثْلَ تَنْزِيلِ تِلْكَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ جُمْلَةً واحِدَةً، ويَبْقى ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ تَعْلِيلًا لِمَحْذُوفٍ، أيْ: فَرَّقْناهُ في أوْقاتٍ ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ . وقِيلَ: هو مُسْتَأْنَفٌ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى لا مِن كَلامِهِمْ، ولَمّا تَضَمَّنَ كَلامُهم مَعْنى لِمَ أُنْزِلَ مُفَرَّقًا أُشِيرَ بِقَوْلِهِ (كَذَلِكَ) إلى التَّفْرِيقِ، أيْ: (كَذَلِكَ) أُنْزِلَ مُفَرَّقًا.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والحِكْمَةُ فِيهِ أنْ نُقَوِّيَ بِتَفْرِيقِهِ فُؤادَكَ حَتّى تَعِيَهُ وتَحْفَظَهُ؛ لِأنَّ المُتَلَقِّنَ إنَّما يَقْوى قَلْبُهُ عَلى حِفْظِ العِلْمِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وجُزْءًا عَقِيبَ جُزْءٍ، ولَوْ أُلْقِيَ عَلَيْهِ جُمْلَةً واحِدَةً لَكانَ يَعْيا في حِفْظِهِ، والرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فارَقَتْ حالُهُ حالَ داوُدَ ومُوسى وعِيسى - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - حَيْثُ كانَ أُمِّيًّا لا يَكْتُبُ وهم كانُوا قارِئِينَ كاتِبِينَ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنَ التَّلَقُّنِ والتَّحَفُّظِ، فَأُنْزِلَ عَلَيْهِ مُنَجَّمًا في عِشْرِينَ سَنَةً. وقِيلَ: في ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وأيْضًا فَكانَ يَنْزِلُ عَلى حَسَبِ الحَوادِثِ وجَوابِ السّائِلِينَ؛ ولِأنَّ (p-٤٩٧)بَعْضَهُ مَنسُوخٌ وبَعْضَهُ ناسِخٌ، ولا يَتَأتّى ذَلِكَ إلّا فِيما أُنْزِلَ مُفَرَّقًا، انْتَهى.
واللّامُ في (لِنُثَبِّتَ بِهِ) لامُ العِلَّةِ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: هي لامُ القَسَمِ، والتَّقْدِيرُ واللَّهِ لَيُثَبِّتَنَّ، فَحُذِفَتِ النُّونُ وكُسِرَتِ اللّامُ، انْتَهى. وهَذا قَوْلٌ في غايَةِ الضَّعْفِ، وكانَ يَنْحُو إلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ أنَّ جَوابَ القَسَمِ يُتَلَقّى بِلامِ كَيْ، وجُعِلَ مِنهُ ﴿ولِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ﴾ [الأنعام: ١١٣]، وهو مَذْهَبٌ مَرْجُوحٌ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ”لِيُثَبِّتَ“ بِالياءِ، أيْ: لِيُثَبِّتَ اللَّهُ، (ورَتَّلْناهُ) أيْ: فَصَّلْناهُ. وقِيلَ: بَيَّنّاهُ. وقِيلَ: فَسَّرْناهُ.
﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ يَضْرِبُونَهُ عَلى جِهَةِ المُعارَضَةِ مِنهم كَتَمْثِيلِهِمْ في هَذِهِ بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ إلّا جاءَ القُرْآنُ بِالحَقِّ في ذَلِكَ، ثُمَّ هو أوْضَحُ بَيانًا وتَفْصِيلًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ بِسُؤالٍ عَجِيبٍ مِن سُؤالاتِهِمُ الباطِلَةِ، كَأنَّهُ مَثَلٌ في البُطْلانِ إلّا أتَيْناكَ نَحْنُ بِالجَوابِ الحَقِّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ، وبِما هو أحْسَنُ مَعْنًى ومُؤَدًّى مِن سُؤالِهِمْ. ولَمّا كانَ التَّفْسِيرُ هو الكَشْفَ عَمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ وُضِعَ مَوْضِعَ مَعْناهُ، فَقالُوا: تَفْسِيرُ هَذا الكَلامِ كَيْتَ وكَيْتَ، كَما قِيلَ مَعْناهُ كَذا أوْ (ولا يَأْتُونَكَ) بِحالٍ وصِفَةٍ عَجِيبَةٍ، يَقُولُونَ: هَلّا كانَتْ هَذِهِ صَفَتَكَ وحالَكَ، نَحْوَ أنْ يُقْرَنَ بِكَ مَلَكٌ يُنْذِرُ مَعَكَ، أوْ يُلْقى إلَيْكَ كَنْزٌ، أوْ تَكُونُ لَكَ جَنَّةٌ، أوْ يَنْزِلُ عَلَيْكَ القُرْآنُ جُمْلَةً، إلّا أعْطَيْناكَ ما يَحِقُّ لَكَ في حِكْمَتِنا ومَشِيئَتِنا أنْ تُعْطاهُ، وما هو أحْسَنُ تَكْشِيفًا لِما بُعِثْتَ عَلَيْهِ ودَلالَةً عَلى صِحَّتِهِ، انْتَهى. وقِيلَ: (ولا يَأْتُونَكَ) بِشُبْهَةٍ في إبْطالِ أمْرِكَ إلّا جِئْناكَ بِالحَقِّ الَّذِي يَدْحَضُ شُبْهَةَ أهْلِ الجَهْلِ ويُبْطِلُ كَلامَ أهْلِ الزَّيْغِ، والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ، أيْ: ﴿وأحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ مِن مَثَلِهِمْ، ومَثَلُهم قَوْلُهم: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ .
و(الَّذِينَ يُحْشَرُونَ) . قالَ الكَرْمانِيُّ: مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ﴾ [الفرقان: ٢٤] الآيَةَ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهم لَمّا اعْتَرَضُوا في حَدِيثِ القُرْآنِ وإنْزالِهِ مُفَرَّقًا كانَ في ضِمْنِ كَلامِهِمْ أنَّهم ذَوُو رُشْدٍ وخَيْرٍ، وأنَّهم عَلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ، ولِذَلِكَ اعْتَرَضُوا فَأخْبَرَ تَعالى بِحالِهِمْ وما يَئُولُ إلَيْهِ أمْرُهم في الآخِرَةِ بِكَوْنِهِمْ ﴿شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ سَبِيلًا﴾، والظّاهِرُ أنَّهُ يُحْشَرُ الكافِرُ عَلى وجْهِهِ بِأنْ يُسْحَبَ عَلى وجْهِهِ. وفي الحَدِيثِ: ”إنَّ الَّذِي أمْشاهم عَلى أرْجُلِهِمْ قادِرٌ أنْ يُمْشِيَهم عَلى وُجُوهِهِمْ“، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقِيلَ: هو مَجازٌ لِلذِّلَّةِ المُفْرِطَةِ والهَوانِ والخِزْيِ. وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ العَرَبِ مَرَّ فُلانٌ عَلى وجْهِهِ إذا لَمْ يَدْرِ أيْنَ ذَهَبَ. ويُقالُ: مَضى عَلى وجْهِهِ إذا أسْرَعَ مُتَوَجِّهًا لِقَصْدِهِ، و(شَرٌّ) و(أضَلُّ) لَيْسا عَلى بابِهِما مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّفْضِيلِ. وقَوْلُهُ: (شَرٌّ مَكانًا) أيْ: مُسْتَقَرًّا، وهو مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ: (خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا)، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالمَكانِ المَكانَةُ والشَّرَفُ لا المُسْتَقَرُّ. وأعْرَبُوا (الَّذِينَ) مُبْتَدَأً والجُمْلَةَ مِن (أُوْلَئِكَ) في مَوْضِعِ الخَبَرِ، ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ (الَّذِينَ) خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، لَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ الكافِرِينَ وما قالُوا قالَ إبْعادًا لَهم وتَسْمِيعًا بِما يَئُولُ إلَيْهِ حالُهم، هُمُ (الَّذِينَ يُحْشَرُونَ) ثُمَّ اسْتَأْنَفَ إخْبارًا أخْبَرَ عَنْهم فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا﴾ .
الفرقان 25:32
﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وكانَ يَوْمًا عَلى الكافِرِينَ عَسِيرًا﴾ ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ ﴿ياوَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ ﴿لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جاءَنِي وكانَ الشَّيْطانُ لِلْإنْسانِ خَذُولًا﴾ ﴿وقالَ الرَّسُولُ يارَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ وكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا ونَصِيرًا﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ ﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلّا جِئْناكَ بِالحَقِّ وأحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ .
(p-٤٩٤)قَرَأ الحَرَمِيّانِ وابْنُ عامِرٍ (تَشَّقَّقُ) بِإدْغامِ التّاءِ مِن تَتَشَقَّقُ في الشِّينِ هُنا. وفي (ق) وباقِي السَّبْعَةِ بِحَذْفِ تِلْكَ التّاءِ، ويَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ونُزِّلَ) ماضِيًا مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو رَجاءٍ (ونَزَلَ) ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وعَنْهُ أيْضًا وأنْزَلَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وجاءَ مَصْدَرُهُ (تَنْزِيلًا)، وقِياسُهُ إنْزالًا إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ مَعْنى أنْزَلَ ونَزَّلَ واحِدًا جازَ مَجِيءُ مَصْدَرِ أحَدِهِما لِلْآخَرِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎حَتّى تَطَوَّيْتُ انْطِواءَ الخِصْبِ
كَأنَّهُ قالَ: حَتّى انْطَوَيْتُ. وقَرَأ الأعْمَشُ وعَبْدُ اللَّهِ في نَقْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ ”وأُنْزِلَ“ ماضِيًا رُباعِيًّا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، مُضارِعُهُ يُنَزَّلُ. وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ والخَفّافُ عَنْ أبِي عَمْرٍو (ونَزَلَ) ثُلاثِيًّا مُخَفَّفًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو وتُنَزَّلُ بِالتّاءِ مِن فَوْقُ مُضارِعَ نَزَّلَ مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وأبُو مُعاذٍ وخارِجَةُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو (ونُزِّلَ المَلائِكَةُ) بِضَمِّ النُّونِ وشَدِّ الزّايِ، أسْقَطَ النُّونَ مِن ونُنَزِّلُ، وفي بَعْضِ المَصاحِفِ ”ونُنَزِّلُ“ بِالنُّونِ مُضارِعَ نَزَّلَ مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. ونَسَبَها ابْنُ عَطِيَّةَ لِابْنِ كَثِيرٍ وحْدَهُ، قالَ: وهي قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عَمْرٍو. وعَنْ أُبَيٍّ أيْضًا و(تَنَزَّلَتِ) . وقَرَأ أُبَيٌّ و(نُزِّلَتِ) ماضِيًا مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ بِتاءِ التَّأْنِيثِ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ عَنِ الخَفّافِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: (ونُزِلَ) مُخَفَّفًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ (المَلائِكَةُ) رَفْعًا، فَإنْ صَحَّتِ القِراءَةُ فَإنَّهُ حُذِفَ مِنها المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مُقامَهُ، وتَقْدِيرُهُ: ونَزَلَ نُزُولُ المَلائِكَةِ فَحُذِفَ النُّزُولُ، ونُقِلَ إعْرابُهُ إلى (المَلائِكَةُ) بِمَعْنى نَزَلَ نازِلُ المَلائِكَةِ؛ لِأنَّ المَصْدَرَ يَكُونُ بِمَعْنى الِاسْمِ، وهَذا مِمّا يَجِيءُ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ في تَرْتِيبِ اللّازِمِ لِلْمَفْعُولِ بِهِ؛ لِأنَّ الفِعْلَ يَدُلُّ عَلى مَصْدَرِهِ، انْتَهى.
وقالَ أبُو الفَتْحِ: وهَذا غَيْرُ مَعْرُوفٍ؛ لِأنَّ (نَزَلَ) لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ فَيُبْنى هُنا لِلْمَلائِكَةِ، ووَجْهُهُ أنْ يَكُونَ مِثْلَ زُكِمَ الرَّجُلُ وجُنَّ فَإنَّهُ لا يُقالُ إلّا أزْكَمَهُ اللَّهُ وأجَنَّهُ. وهَذا بابُ سَماعٍ لا قِياسٍ، انْتَهى. فَهَذِهِ إحْدى عَشْرَةَ قِراءَةً. والظّاهِرُ أنَّ الغَمامَ هو السَّحابُ المَعْهُودُ. وقِيلَ هو اللَّهُ في قَوْلِهِ: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] . وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الغَمامُ الَّذِي يَأْتِي اللَّهُ فِيهِ في الجَنَّةِ زَعَمُوا. وقالَ الحَسَنُ: سُتْرَةٌ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ تَعْرُجُ المَلائِكَةُ فِيهِ تَنْسَخُ أعْمالَ بَنِي آدَمَ لِيُحاسَبُوا. وقِيلَ: غَمامٌ أبْيَضُ رَقِيقٌ مِثْلُ الضَّبابَةِ ولَمْ يَكُنْ لِبَنِي إسْرائِيلَ في تِيهِهِمْ، والظّاهِرُ أنَّ السَّماءَ هي المُظِلَّةُ لَنا. وقِيلَ: تَتَشَقَّقُ سَماءً سَماءً؛ قالَهُ مُقاتِلٌ. والباءُ باءُ الحالِ، أيْ: مُتَغَيِّمَةً، أوْ باءُ السَّبَبِ، أيْ: بِسَبَبِ طُلُوعِ الغَمامِ مِنهُ كَأنَّهُ الَّذِي تَتَشَقَّقُ بِهِ السَّماءُ، كَما تَقُولُ: شُقَّ السَّنامُ بِالشَّفْرَةِ وانْشَقَّ بِها، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨]، أوْ بِمَعْنى عَنْ أقْوالٍ ثَلاثَةٍ. والفَرْقُ بَيْنَ الباءِ السَّبَبِيَّةِ وعَنْ أنَّ انْشَقَّ عَنْ (p-٤٩٥)كَذا تَفَتَّحَ عَنْهُ وانْشَقَّ بِكَذا أنَّهُ هو الشّاقُّ لَهُ.
(ونُزِّلَ المَلائِكَةُ)، أيْ: إلى الأرْضِ لِوُقُوعِ الجَزاءِ والحِسابِ. و(الحَقُّ) صِفَةٌ لِلْمُلْكِ، أيِ: الثّابِتُ؛ لِأنَّ كُلَّ مُلْكٍ يَوْمَئِذٍ يَبْطُلُ، ولا يَبْقى إلّا مُلْكُهُ تَعالى وخَبَرُ المُلْكِ (يَوْمَئِذٍ) . والرَّحْمَنُ مُتَعَلِّقٌ بِالحَقِّ أوْ لِلْبَيانِ، أعْنِي: (لِلرَّحْمَنِ) . وقِيلَ: الخَبَرُ (لِلرَّحْمَنِ) و(يَوْمَئِذٍ) مَعْمُولٌ لِلْمُلْكِ. وقِيلَ: الخَبَرُ (الحَقُّ) و(لِلرَّحْمَنِ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ لِلْبَيانِ، وعَسُرَ ذَلِكَ اليَوْمُ عَلى الكافِرِينَ بِدُخُولِهِمُ النّارَ وما في خِلالِ ذَلِكَ مِنَ المَخاوِفِ. ودَلَّ قَوْلُهُ: (عَلى الكافِرِينَ) عَلى تَيْسِيرِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ، فَفي الحَدِيثِ أنَّهُ يُهَوَّنُ حَتّى يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِ أخَفَّ عَلَيْهِ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ صَلّاها في الدُّنْيا، والظّاهِرُ عُمُومُ الظّالِمِ؛ إذِ اللّامُ فِيهِ لِلْجِنْسِ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ وأبُو رَجاءٍ، وقالا: فُلانٌ هو كِنايَةٌ عَنِ الشَّيْطانِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ: (الظّالِمُ) هُنا عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ؛ إذْ كانَ جَنَحَ إلى الإسْلامِ وأُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ هو المَكْنِيُّ عَنْهُ بِفُلانٍ، وكانَ بَيْنَهُما مُخالَّةٌ فَنَهاهُ عَنِ الإسْلامِ فَقَبِلَ مِنهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. عَكْسُ هَذا القَوْلِ. قِيلَ: وسَبَبُ نُزُولِها هو عُقْبَةُ وأُبَيٌّ. وقِيلَ: كانَ عُقْبَةُ خَلِيلًا لِأُمَيَّةَ فَأسْلَمَ عُقْبَةُ، فَقالَ أُمَيَّةُ: وجْهِي مِن وجْهِكَ حَرامٌ إنْ بايَعْتَ مُحَمَّدًا، فَكَفَرَ وارْتَدَّ لِرِضا أُمَيَّةَ، فَنَزَلَتْ؛ قالَهُ الشَّعْبِيُّ. وذَكَرَ مِن إساءَةِ عُقْبَةَ عَلى الرَّسُولِ ما كانَ سَبَبَ أنْ قالَ لَهُ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «لا ألْقاكَ خارِجًا مِن مَكَّةَ إلّا عَلَوْتُ رَأْسَكَ بِالسَّيْفِ» . فَقُتِلَ عُقْبَةُ يَوْمِ بَدْرٍ صَبْرًا أمَرَ عَلِيًّا فَضَرَبَ عُنُقَهُ، وقُتِلَ أبَيُّ بْنُ خَلَفٍ يَوْمَ أُحُدٍ في المُبارَزَةِ. والمَقْصُودُ ذِكْرُ هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ بِتَنَدُّمِ الظّالِمِ وتَمَنِّيهِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ أطاعَ خَلِيلَهُ الَّذِي كانَ يَأْمُرُهُ بِالظُّلْمِ، وما مِن ظالِمٍ إلّا ولَهُ في الغالِبِ خَلِيلٌ خاصٌّ بِهِ يُعَبِّرُ عَنْهُ بِفُلانٍ. والظّاهِرُ أنَّ الظّالِمَ (يَعَضُّ عَلى يَدَيْهِ) فِعْلَ النّادِمِ المُتَفَجِّعِ. وقالَ الضَّحّاكُ: يَأْكُلُ يَدَيْهِ إلى المِرْفَقِ ثُمَّ تَنْبُتُ، ولا يَزالُ كَذَلِكَ كُلَّما أكَلَها نَبَتَتْ. وقِيلَ: هو مَجازٌ عُبِّرَ بِهِ عَنِ التَّحَيُّرِ والغَمِّ والنَّدَمِ والتَّفَجُّعِ، ونَقَلَ أئِمَّةُ اللُّغَةِ أنَّ المُتَأسِّفَ المُتَحَزِّنَ المُتَنَدِّمَ يَعَضُّ عَلى إبْهامِهِ نَدَمًا، وقالَ الشّاعِرُ:
؎لَطَمَتْ خَدَّها بِحُمْرٍ لِطافٍ ∗∗∗ نِلْنَ مِنها عَذابَ بِيضٍ عِذابِ
؎فَتَشَكّى العُنّابُ نَوْرَ أقاحٍ ∗∗∗ واشْتَكى الوَرْدُ ناضِرَ العُنّابِ
وفِي المَثَلِ: يَأْكُلُ يَدَيْهِ نَدَمًا ويُسِيلُ دَمْعَهُ دَمًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَضُّ الأنامِلِ واليَدَيْنِ والسُّقُوطُ في اليَدِ وأكْلُ البَنانِ وحَرْقُ الأسْنانِ والأرَمُ وفُرُوعُها، كِناياتٌ عَنِ الغَيْظِ والحَسْرَةِ؛ لِأنَّها مِن رَوادِفِها فَتُذْكَرُ الرّادِفَةُ ويُدَلُّ بِها عَلى المَرْدُوفِ فَيَرْتَفِعُ الكَلامُ بِهِ في طَبَقَةِ الفَصاحَةِ، ويَجِدُ السّامِعُ عِنْدَهُ في نَفْسِهِ مِنَ الرَّوْعَةِ والِاسْتِحْسانِ ما لا يَجِدُ عِنْدَ لَفْظِ المُكَنّى عَنْهُ، انْتَهى. وقالَ الشّاعِرُ في حَرْقِ النّابِ:
؎أبى الضَّيْمَ والنُّعْمانُ يَحْرِقُ نابُهُ ∗∗∗ عَلَيْهِ فَأفْضى والسُّيُوفُ مَعاقِلُهْ
(يَقُولُ) في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: قائِلًا: (يا لَيْتَنِي)، فَإنْ كانَتِ اللّامُ لِلْعَهْدِ فالمَعْنى أنَّهُ تَمَنّى عُقْبَةُ أنْ لَوْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ وسَلَكَ طَرِيقَ الحَقِّ، وإنْ كانَتِ اللّامُ لِلْجِنْسِ فالمَعْنى أنَّهُ تَمَنّى سُلُوكَ طَرِيقِ الرَّسُولِ، وهو الإيمانُ، ويَكُونُ الرَّسُولُ لِلْجِنْسِ؛ لِأنَّ كُلَّ ظالِمٍ قَدْ كُلِّفَ اتِّباعَ ما جاءَ بِهِ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ، إلى أنْ جاءَتِ المِلَّةُ المُحَمَّدِيَّةُ فَنَسَخَتْ جَمِيعَ المِلَلِ، فَلا يُقْبَلُ بَعْدَ مَجِيئِهِ دِينٌ غَيْرُ الَّذِي جاءَ بِهِ. ثُمَّ يُنادِي بِالوَيْلِ والحَسْرَةِ يَقُولُ: (يا ويْلَتى)، أيْ: يا هَلَكاهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] . وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ قُطَيْبٍ (يا ويْلَتِي) بِكَسْرِ التّاءِ، والياءُ ياءُ الإضافَةِ، وهو الأصْلُ؛ لِأنَّ الرَّجُلَ يُنادِي ويْلَتَهُ وهي هَلَكَتُهُ، يَقُولُ لَها: تَعالَيْ فَهَذا أوانُكِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِالإمالَةِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وتَرْكُ الإمالَةِ أحْسَنُ؛ لِأنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ الياءُ فَبُدِّلَتِ الكَسْرَةُ فَتْحَةً والياءُ ألِفًا؛ فِرارًا مِنَ الياءِ، فَمَن أمالَ رَجَعَ إلى الَّذِي عَنْهُ فَرَّ أوَّلًا. وفُلانٌ كِنايَةٌ (p-٤٩٦)عَنِ العَلَمِ، وهو مُتَصَرِّفٌ، وفُلُ كِنايَةٌ عَنْ نَكِرَةِ الإنْسانِ نَحْوُ: يا رَجُلُ، وهو مُخْتَصٌّ بِالنِّداءِ، وفُلَةُ بِمَعْنى يا امْرَأةُ كَذَلِكَ، ولامُ فُلُ ياءٌ أوْ واوٌ، ولَيْسَ مُرَخَّمًا مِن فُلانٍ، خِلافًا لِلْفَرّاءِ. ووَهَمَ ابْنُ عُصْفُورٍ وابْنُ مالِكٍ وصاحِبُ البَسِيطِ في قَوْلِهِمْ: فُلُ كِنايَةٌ عَنِ العَلَمِ كَفُلانٍ. وفي كِتابِ سِيبَوَيْهِ ما قُلْناهُ بِالنَّقْلِ عَنِ العَرَبِ.
والذِّكْرُ ذِكْرُ اللَّهِ أوِ القُرْآنُ أوِ المَوْعِظَةُ، والظّاهِرُ حَمْلُ الشَّيْطانِ عَلى ظاهِرِهِ؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي وسْوَسَ إلَيْهِ في مُخالَّةِ مَن أضَلَّهُ سَمّاهُ شَيْطانًا؛ لِأنَّهُ يُضِلُّ كَما يُضِلُّ الشَّيْطانُ، ثُمَّ خَذَلَهُ ولَمْ يَنْفَعْهُ في العاقِبَةِ. وتَحْتَمِلُ هَذِهِ الجُمْلَةُ أنْ تَكُونَ مِن تَمامِ كَلامِ الظّالِمَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إخْبارًا مِن كَلامِ اللَّهِ عَلى جِهَةِ الدَّلالَةِ عَلى وجْهِ ضَلالِهِمْ، والتَّحْذِيرِ مِنَ الشَّيْطانِ الَّذِي بَلَّغَهم ذَلِكَ المَبْلَغَ. وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ تَمْثِيلُ الجَلِيسِ الصّالِحِ بِالمِسْكِ والجَلِيسِ السُّوءِ بِنافِخِ الكِيرِ. والظّاهِرُ أنَّ دُعاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَبَّهُ، وإخْبارَهُ بِهَجْرِ قَوْمِهِ قُرَيْشٍ القُرْآنَ، هو مِمّا جَرى لَهُ في الدُّنْيا؛ بِدَلِيلِ إقْبالِهِ عَلَيْهِ مُسَلِّيًا مُؤانِسًا بِقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾، وأنَّهُ هو الكافِي في هِدايَتِهِ ونَصْرِهِ، فَهو وعْدٌ مِنهُ بِالنَّصْرِ، وهَذا القَوْلُ مِنَ الرَّسُولِ وشِكايَتُهُ فِيهِ تَخْوِيفٌ لِقَوْمِهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنهم أبُو مُسْلِمٍ إنَّهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الآخِرَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، والظّاهِرُ أنَّ (مَهْجُورًا) بِمَعْنى مَتْرُوكًا مِنَ الإيمانِ بِهِ، مُبْعَدًا مَقْصِيًّا مِنَ الهَجْرِ، بِفَتْحِ الهاءِ. وقالَهُ مُجاهِدٌ والنَّخَعِيُّ وأتْباعُهُ. وقِيلَ: مِنَ الهُجْرِ، والتَّقْدِيرُ (مَهْجُورًا) فِيهِ، بِمَعْنى أنَّهُ باطِلٌ. وأساطِيرُ الأوَّلِينَ أنَّهم إذا سَمِعُوهُ هَجَرُوا فِيهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] .
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَهْجُورُ بِمَعْنى الهَجْرِ كالمَلْحُودِ والمَعْقُولِ، والمَعْنى اتَّخَذُوهُ هَجْرًا، والعَدُوُّ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ واحِدًا وجَمْعًا، انْتَهى.
وانْتَصَبَ (هادِيًا) و(نَصِيرًا) عَلى الحالِ أوْ عَلى التَّمْيِيزِ. وقالُوا - أيِ الكُفّارُ - عَلى سَبِيلِ الِاقْتِراحِ والِاعْتِراضِ الدّالِّ عَلى نُفُورِهِمْ عَنِ الحَقِّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (نُزِّلَ) هاهُنا بِمَعْنى أُنْزِلَ لا غَيْرُ، كَخُبِّرَ بِمَعْنى أُخْبِرَ، وإلّا كانَ مُتَدافِعًا، انْتَهى. وإنَّما قالَ إنَّ (نُزِّلَ) بِمَعْنى أُنْزِلَ؛ لِأنَّ نُزِّلَ عِنْدَهُ أصْلُها أنْ تَكُونَ لِلتَّفْرِيقِ، فَلَوْ أقَرَّهُ عَلى أصْلِهِ عِنْدَهُ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّفْرِيقِ تَدافَعَ هو. وقَوْلُهُ: (جُمْلَةً واحِدَةً)، وقَدْ قَرَّرْنا أنَّ (نُزِّلَ) لا تَقْتَضِي التَّفْرِيقَ؛ لِأنَّ التَّضْعِيفَ فِيهِ عِنْدَنا مُرادِفٌ لِلْهَمْزَةِ. وقَدْ بَيَّنا ذَلِكَ في أوَّلِ آلِ عِمْرانَ، وقائِلُ ذَلِكَ كُفّارُ قُرَيْشٍ، قالُوا: لَوْ كانَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ لَنَزَلَ جُمْلَةً كَما نَزَلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ. وقِيلَ: قائِلُو ذَلِكَ اليَهُودُ، وهَذا قَوْلٌ لا طائِلَ تَحْتَهُ؛ لِأنَّ أمْرَ الِاحْتِجاجِ بِهِ والإعْجازِ لا يَخْتَلِفُ بِنُزُولِهِ جُمْلَةً واحِدَةً أوْ مُفَرَّقًا، بَلِ الإعْجازُ في نُزُولِهِ مُفَرَّقًا أظْهَرُ؛ إذْ يُطالَبُونَ بِمُعارَضَةِ سُورَةٍ مِنهُ، فَلَوْ نَزَلَ جُمْلَةً واحِدَةً وطُولِبُوا بِمُعارَضَتِهِ مِثْلَ ما نَزَلْ لَكانُوا أعْجَزَ مِنهم حِينَ طُولِبُوا بِمُعارَضَةِ سُورَةٍ مِنهُ فَعَجَزُوا، والمُشارُ إلَيْهِ غَيْرُ مَذْكُورٍ. فَقِيلَ: هو مِن كَلامِ الكُفّارِ وأشارُوا إلى التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، أيْ: تَنْزِيلًا مِثْلَ تَنْزِيلِ تِلْكَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ جُمْلَةً واحِدَةً، ويَبْقى ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ تَعْلِيلًا لِمَحْذُوفٍ، أيْ: فَرَّقْناهُ في أوْقاتٍ ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ . وقِيلَ: هو مُسْتَأْنَفٌ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى لا مِن كَلامِهِمْ، ولَمّا تَضَمَّنَ كَلامُهم مَعْنى لِمَ أُنْزِلَ مُفَرَّقًا أُشِيرَ بِقَوْلِهِ (كَذَلِكَ) إلى التَّفْرِيقِ، أيْ: (كَذَلِكَ) أُنْزِلَ مُفَرَّقًا.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والحِكْمَةُ فِيهِ أنْ نُقَوِّيَ بِتَفْرِيقِهِ فُؤادَكَ حَتّى تَعِيَهُ وتَحْفَظَهُ؛ لِأنَّ المُتَلَقِّنَ إنَّما يَقْوى قَلْبُهُ عَلى حِفْظِ العِلْمِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وجُزْءًا عَقِيبَ جُزْءٍ، ولَوْ أُلْقِيَ عَلَيْهِ جُمْلَةً واحِدَةً لَكانَ يَعْيا في حِفْظِهِ، والرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فارَقَتْ حالُهُ حالَ داوُدَ ومُوسى وعِيسى - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - حَيْثُ كانَ أُمِّيًّا لا يَكْتُبُ وهم كانُوا قارِئِينَ كاتِبِينَ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنَ التَّلَقُّنِ والتَّحَفُّظِ، فَأُنْزِلَ عَلَيْهِ مُنَجَّمًا في عِشْرِينَ سَنَةً. وقِيلَ: في ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وأيْضًا فَكانَ يَنْزِلُ عَلى حَسَبِ الحَوادِثِ وجَوابِ السّائِلِينَ؛ ولِأنَّ (p-٤٩٧)بَعْضَهُ مَنسُوخٌ وبَعْضَهُ ناسِخٌ، ولا يَتَأتّى ذَلِكَ إلّا فِيما أُنْزِلَ مُفَرَّقًا، انْتَهى.
واللّامُ في (لِنُثَبِّتَ بِهِ) لامُ العِلَّةِ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: هي لامُ القَسَمِ، والتَّقْدِيرُ واللَّهِ لَيُثَبِّتَنَّ، فَحُذِفَتِ النُّونُ وكُسِرَتِ اللّامُ، انْتَهى. وهَذا قَوْلٌ في غايَةِ الضَّعْفِ، وكانَ يَنْحُو إلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ أنَّ جَوابَ القَسَمِ يُتَلَقّى بِلامِ كَيْ، وجُعِلَ مِنهُ ﴿ولِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ﴾ [الأنعام: ١١٣]، وهو مَذْهَبٌ مَرْجُوحٌ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ”لِيُثَبِّتَ“ بِالياءِ، أيْ: لِيُثَبِّتَ اللَّهُ، (ورَتَّلْناهُ) أيْ: فَصَّلْناهُ. وقِيلَ: بَيَّنّاهُ. وقِيلَ: فَسَّرْناهُ.
﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ يَضْرِبُونَهُ عَلى جِهَةِ المُعارَضَةِ مِنهم كَتَمْثِيلِهِمْ في هَذِهِ بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ إلّا جاءَ القُرْآنُ بِالحَقِّ في ذَلِكَ، ثُمَّ هو أوْضَحُ بَيانًا وتَفْصِيلًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ بِسُؤالٍ عَجِيبٍ مِن سُؤالاتِهِمُ الباطِلَةِ، كَأنَّهُ مَثَلٌ في البُطْلانِ إلّا أتَيْناكَ نَحْنُ بِالجَوابِ الحَقِّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ، وبِما هو أحْسَنُ مَعْنًى ومُؤَدًّى مِن سُؤالِهِمْ. ولَمّا كانَ التَّفْسِيرُ هو الكَشْفَ عَمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ وُضِعَ مَوْضِعَ مَعْناهُ، فَقالُوا: تَفْسِيرُ هَذا الكَلامِ كَيْتَ وكَيْتَ، كَما قِيلَ مَعْناهُ كَذا أوْ (ولا يَأْتُونَكَ) بِحالٍ وصِفَةٍ عَجِيبَةٍ، يَقُولُونَ: هَلّا كانَتْ هَذِهِ صَفَتَكَ وحالَكَ، نَحْوَ أنْ يُقْرَنَ بِكَ مَلَكٌ يُنْذِرُ مَعَكَ، أوْ يُلْقى إلَيْكَ كَنْزٌ، أوْ تَكُونُ لَكَ جَنَّةٌ، أوْ يَنْزِلُ عَلَيْكَ القُرْآنُ جُمْلَةً، إلّا أعْطَيْناكَ ما يَحِقُّ لَكَ في حِكْمَتِنا ومَشِيئَتِنا أنْ تُعْطاهُ، وما هو أحْسَنُ تَكْشِيفًا لِما بُعِثْتَ عَلَيْهِ ودَلالَةً عَلى صِحَّتِهِ، انْتَهى. وقِيلَ: (ولا يَأْتُونَكَ) بِشُبْهَةٍ في إبْطالِ أمْرِكَ إلّا جِئْناكَ بِالحَقِّ الَّذِي يَدْحَضُ شُبْهَةَ أهْلِ الجَهْلِ ويُبْطِلُ كَلامَ أهْلِ الزَّيْغِ، والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ، أيْ: ﴿وأحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ مِن مَثَلِهِمْ، ومَثَلُهم قَوْلُهم: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ .
و(الَّذِينَ يُحْشَرُونَ) . قالَ الكَرْمانِيُّ: مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ﴾ [الفرقان: ٢٤] الآيَةَ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهم لَمّا اعْتَرَضُوا في حَدِيثِ القُرْآنِ وإنْزالِهِ مُفَرَّقًا كانَ في ضِمْنِ كَلامِهِمْ أنَّهم ذَوُو رُشْدٍ وخَيْرٍ، وأنَّهم عَلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ، ولِذَلِكَ اعْتَرَضُوا فَأخْبَرَ تَعالى بِحالِهِمْ وما يَئُولُ إلَيْهِ أمْرُهم في الآخِرَةِ بِكَوْنِهِمْ ﴿شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ سَبِيلًا﴾، والظّاهِرُ أنَّهُ يُحْشَرُ الكافِرُ عَلى وجْهِهِ بِأنْ يُسْحَبَ عَلى وجْهِهِ. وفي الحَدِيثِ: ”إنَّ الَّذِي أمْشاهم عَلى أرْجُلِهِمْ قادِرٌ أنْ يُمْشِيَهم عَلى وُجُوهِهِمْ“، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقِيلَ: هو مَجازٌ لِلذِّلَّةِ المُفْرِطَةِ والهَوانِ والخِزْيِ. وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ العَرَبِ مَرَّ فُلانٌ عَلى وجْهِهِ إذا لَمْ يَدْرِ أيْنَ ذَهَبَ. ويُقالُ: مَضى عَلى وجْهِهِ إذا أسْرَعَ مُتَوَجِّهًا لِقَصْدِهِ، و(شَرٌّ) و(أضَلُّ) لَيْسا عَلى بابِهِما مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّفْضِيلِ. وقَوْلُهُ: (شَرٌّ مَكانًا) أيْ: مُسْتَقَرًّا، وهو مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ: (خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا)، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالمَكانِ المَكانَةُ والشَّرَفُ لا المُسْتَقَرُّ. وأعْرَبُوا (الَّذِينَ) مُبْتَدَأً والجُمْلَةَ مِن (أُوْلَئِكَ) في مَوْضِعِ الخَبَرِ، ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ (الَّذِينَ) خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، لَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ الكافِرِينَ وما قالُوا قالَ إبْعادًا لَهم وتَسْمِيعًا بِما يَئُولُ إلَيْهِ حالُهم، هُمُ (الَّذِينَ يُحْشَرُونَ) ثُمَّ اسْتَأْنَفَ إخْبارًا أخْبَرَ عَنْهم فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا﴾ .
الفرقان 25:33
﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وكانَ يَوْمًا عَلى الكافِرِينَ عَسِيرًا﴾ ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ ﴿ياوَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ ﴿لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جاءَنِي وكانَ الشَّيْطانُ لِلْإنْسانِ خَذُولًا﴾ ﴿وقالَ الرَّسُولُ يارَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ وكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا ونَصِيرًا﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ ﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلّا جِئْناكَ بِالحَقِّ وأحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ .
(p-٤٩٤)قَرَأ الحَرَمِيّانِ وابْنُ عامِرٍ (تَشَّقَّقُ) بِإدْغامِ التّاءِ مِن تَتَشَقَّقُ في الشِّينِ هُنا. وفي (ق) وباقِي السَّبْعَةِ بِحَذْفِ تِلْكَ التّاءِ، ويَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ونُزِّلَ) ماضِيًا مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو رَجاءٍ (ونَزَلَ) ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وعَنْهُ أيْضًا وأنْزَلَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وجاءَ مَصْدَرُهُ (تَنْزِيلًا)، وقِياسُهُ إنْزالًا إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ مَعْنى أنْزَلَ ونَزَّلَ واحِدًا جازَ مَجِيءُ مَصْدَرِ أحَدِهِما لِلْآخَرِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎حَتّى تَطَوَّيْتُ انْطِواءَ الخِصْبِ
كَأنَّهُ قالَ: حَتّى انْطَوَيْتُ. وقَرَأ الأعْمَشُ وعَبْدُ اللَّهِ في نَقْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ ”وأُنْزِلَ“ ماضِيًا رُباعِيًّا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، مُضارِعُهُ يُنَزَّلُ. وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ والخَفّافُ عَنْ أبِي عَمْرٍو (ونَزَلَ) ثُلاثِيًّا مُخَفَّفًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو وتُنَزَّلُ بِالتّاءِ مِن فَوْقُ مُضارِعَ نَزَّلَ مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وأبُو مُعاذٍ وخارِجَةُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو (ونُزِّلَ المَلائِكَةُ) بِضَمِّ النُّونِ وشَدِّ الزّايِ، أسْقَطَ النُّونَ مِن ونُنَزِّلُ، وفي بَعْضِ المَصاحِفِ ”ونُنَزِّلُ“ بِالنُّونِ مُضارِعَ نَزَّلَ مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. ونَسَبَها ابْنُ عَطِيَّةَ لِابْنِ كَثِيرٍ وحْدَهُ، قالَ: وهي قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عَمْرٍو. وعَنْ أُبَيٍّ أيْضًا و(تَنَزَّلَتِ) . وقَرَأ أُبَيٌّ و(نُزِّلَتِ) ماضِيًا مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ بِتاءِ التَّأْنِيثِ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ عَنِ الخَفّافِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: (ونُزِلَ) مُخَفَّفًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ (المَلائِكَةُ) رَفْعًا، فَإنْ صَحَّتِ القِراءَةُ فَإنَّهُ حُذِفَ مِنها المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مُقامَهُ، وتَقْدِيرُهُ: ونَزَلَ نُزُولُ المَلائِكَةِ فَحُذِفَ النُّزُولُ، ونُقِلَ إعْرابُهُ إلى (المَلائِكَةُ) بِمَعْنى نَزَلَ نازِلُ المَلائِكَةِ؛ لِأنَّ المَصْدَرَ يَكُونُ بِمَعْنى الِاسْمِ، وهَذا مِمّا يَجِيءُ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ في تَرْتِيبِ اللّازِمِ لِلْمَفْعُولِ بِهِ؛ لِأنَّ الفِعْلَ يَدُلُّ عَلى مَصْدَرِهِ، انْتَهى.
وقالَ أبُو الفَتْحِ: وهَذا غَيْرُ مَعْرُوفٍ؛ لِأنَّ (نَزَلَ) لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ فَيُبْنى هُنا لِلْمَلائِكَةِ، ووَجْهُهُ أنْ يَكُونَ مِثْلَ زُكِمَ الرَّجُلُ وجُنَّ فَإنَّهُ لا يُقالُ إلّا أزْكَمَهُ اللَّهُ وأجَنَّهُ. وهَذا بابُ سَماعٍ لا قِياسٍ، انْتَهى. فَهَذِهِ إحْدى عَشْرَةَ قِراءَةً. والظّاهِرُ أنَّ الغَمامَ هو السَّحابُ المَعْهُودُ. وقِيلَ هو اللَّهُ في قَوْلِهِ: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] . وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الغَمامُ الَّذِي يَأْتِي اللَّهُ فِيهِ في الجَنَّةِ زَعَمُوا. وقالَ الحَسَنُ: سُتْرَةٌ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ تَعْرُجُ المَلائِكَةُ فِيهِ تَنْسَخُ أعْمالَ بَنِي آدَمَ لِيُحاسَبُوا. وقِيلَ: غَمامٌ أبْيَضُ رَقِيقٌ مِثْلُ الضَّبابَةِ ولَمْ يَكُنْ لِبَنِي إسْرائِيلَ في تِيهِهِمْ، والظّاهِرُ أنَّ السَّماءَ هي المُظِلَّةُ لَنا. وقِيلَ: تَتَشَقَّقُ سَماءً سَماءً؛ قالَهُ مُقاتِلٌ. والباءُ باءُ الحالِ، أيْ: مُتَغَيِّمَةً، أوْ باءُ السَّبَبِ، أيْ: بِسَبَبِ طُلُوعِ الغَمامِ مِنهُ كَأنَّهُ الَّذِي تَتَشَقَّقُ بِهِ السَّماءُ، كَما تَقُولُ: شُقَّ السَّنامُ بِالشَّفْرَةِ وانْشَقَّ بِها، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨]، أوْ بِمَعْنى عَنْ أقْوالٍ ثَلاثَةٍ. والفَرْقُ بَيْنَ الباءِ السَّبَبِيَّةِ وعَنْ أنَّ انْشَقَّ عَنْ (p-٤٩٥)كَذا تَفَتَّحَ عَنْهُ وانْشَقَّ بِكَذا أنَّهُ هو الشّاقُّ لَهُ.
(ونُزِّلَ المَلائِكَةُ)، أيْ: إلى الأرْضِ لِوُقُوعِ الجَزاءِ والحِسابِ. و(الحَقُّ) صِفَةٌ لِلْمُلْكِ، أيِ: الثّابِتُ؛ لِأنَّ كُلَّ مُلْكٍ يَوْمَئِذٍ يَبْطُلُ، ولا يَبْقى إلّا مُلْكُهُ تَعالى وخَبَرُ المُلْكِ (يَوْمَئِذٍ) . والرَّحْمَنُ مُتَعَلِّقٌ بِالحَقِّ أوْ لِلْبَيانِ، أعْنِي: (لِلرَّحْمَنِ) . وقِيلَ: الخَبَرُ (لِلرَّحْمَنِ) و(يَوْمَئِذٍ) مَعْمُولٌ لِلْمُلْكِ. وقِيلَ: الخَبَرُ (الحَقُّ) و(لِلرَّحْمَنِ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ لِلْبَيانِ، وعَسُرَ ذَلِكَ اليَوْمُ عَلى الكافِرِينَ بِدُخُولِهِمُ النّارَ وما في خِلالِ ذَلِكَ مِنَ المَخاوِفِ. ودَلَّ قَوْلُهُ: (عَلى الكافِرِينَ) عَلى تَيْسِيرِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ، فَفي الحَدِيثِ أنَّهُ يُهَوَّنُ حَتّى يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِ أخَفَّ عَلَيْهِ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ صَلّاها في الدُّنْيا، والظّاهِرُ عُمُومُ الظّالِمِ؛ إذِ اللّامُ فِيهِ لِلْجِنْسِ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ وأبُو رَجاءٍ، وقالا: فُلانٌ هو كِنايَةٌ عَنِ الشَّيْطانِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ: (الظّالِمُ) هُنا عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ؛ إذْ كانَ جَنَحَ إلى الإسْلامِ وأُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ هو المَكْنِيُّ عَنْهُ بِفُلانٍ، وكانَ بَيْنَهُما مُخالَّةٌ فَنَهاهُ عَنِ الإسْلامِ فَقَبِلَ مِنهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. عَكْسُ هَذا القَوْلِ. قِيلَ: وسَبَبُ نُزُولِها هو عُقْبَةُ وأُبَيٌّ. وقِيلَ: كانَ عُقْبَةُ خَلِيلًا لِأُمَيَّةَ فَأسْلَمَ عُقْبَةُ، فَقالَ أُمَيَّةُ: وجْهِي مِن وجْهِكَ حَرامٌ إنْ بايَعْتَ مُحَمَّدًا، فَكَفَرَ وارْتَدَّ لِرِضا أُمَيَّةَ، فَنَزَلَتْ؛ قالَهُ الشَّعْبِيُّ. وذَكَرَ مِن إساءَةِ عُقْبَةَ عَلى الرَّسُولِ ما كانَ سَبَبَ أنْ قالَ لَهُ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «لا ألْقاكَ خارِجًا مِن مَكَّةَ إلّا عَلَوْتُ رَأْسَكَ بِالسَّيْفِ» . فَقُتِلَ عُقْبَةُ يَوْمِ بَدْرٍ صَبْرًا أمَرَ عَلِيًّا فَضَرَبَ عُنُقَهُ، وقُتِلَ أبَيُّ بْنُ خَلَفٍ يَوْمَ أُحُدٍ في المُبارَزَةِ. والمَقْصُودُ ذِكْرُ هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ بِتَنَدُّمِ الظّالِمِ وتَمَنِّيهِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ أطاعَ خَلِيلَهُ الَّذِي كانَ يَأْمُرُهُ بِالظُّلْمِ، وما مِن ظالِمٍ إلّا ولَهُ في الغالِبِ خَلِيلٌ خاصٌّ بِهِ يُعَبِّرُ عَنْهُ بِفُلانٍ. والظّاهِرُ أنَّ الظّالِمَ (يَعَضُّ عَلى يَدَيْهِ) فِعْلَ النّادِمِ المُتَفَجِّعِ. وقالَ الضَّحّاكُ: يَأْكُلُ يَدَيْهِ إلى المِرْفَقِ ثُمَّ تَنْبُتُ، ولا يَزالُ كَذَلِكَ كُلَّما أكَلَها نَبَتَتْ. وقِيلَ: هو مَجازٌ عُبِّرَ بِهِ عَنِ التَّحَيُّرِ والغَمِّ والنَّدَمِ والتَّفَجُّعِ، ونَقَلَ أئِمَّةُ اللُّغَةِ أنَّ المُتَأسِّفَ المُتَحَزِّنَ المُتَنَدِّمَ يَعَضُّ عَلى إبْهامِهِ نَدَمًا، وقالَ الشّاعِرُ:
؎لَطَمَتْ خَدَّها بِحُمْرٍ لِطافٍ ∗∗∗ نِلْنَ مِنها عَذابَ بِيضٍ عِذابِ
؎فَتَشَكّى العُنّابُ نَوْرَ أقاحٍ ∗∗∗ واشْتَكى الوَرْدُ ناضِرَ العُنّابِ
وفِي المَثَلِ: يَأْكُلُ يَدَيْهِ نَدَمًا ويُسِيلُ دَمْعَهُ دَمًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَضُّ الأنامِلِ واليَدَيْنِ والسُّقُوطُ في اليَدِ وأكْلُ البَنانِ وحَرْقُ الأسْنانِ والأرَمُ وفُرُوعُها، كِناياتٌ عَنِ الغَيْظِ والحَسْرَةِ؛ لِأنَّها مِن رَوادِفِها فَتُذْكَرُ الرّادِفَةُ ويُدَلُّ بِها عَلى المَرْدُوفِ فَيَرْتَفِعُ الكَلامُ بِهِ في طَبَقَةِ الفَصاحَةِ، ويَجِدُ السّامِعُ عِنْدَهُ في نَفْسِهِ مِنَ الرَّوْعَةِ والِاسْتِحْسانِ ما لا يَجِدُ عِنْدَ لَفْظِ المُكَنّى عَنْهُ، انْتَهى. وقالَ الشّاعِرُ في حَرْقِ النّابِ:
؎أبى الضَّيْمَ والنُّعْمانُ يَحْرِقُ نابُهُ ∗∗∗ عَلَيْهِ فَأفْضى والسُّيُوفُ مَعاقِلُهْ
(يَقُولُ) في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: قائِلًا: (يا لَيْتَنِي)، فَإنْ كانَتِ اللّامُ لِلْعَهْدِ فالمَعْنى أنَّهُ تَمَنّى عُقْبَةُ أنْ لَوْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ وسَلَكَ طَرِيقَ الحَقِّ، وإنْ كانَتِ اللّامُ لِلْجِنْسِ فالمَعْنى أنَّهُ تَمَنّى سُلُوكَ طَرِيقِ الرَّسُولِ، وهو الإيمانُ، ويَكُونُ الرَّسُولُ لِلْجِنْسِ؛ لِأنَّ كُلَّ ظالِمٍ قَدْ كُلِّفَ اتِّباعَ ما جاءَ بِهِ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ، إلى أنْ جاءَتِ المِلَّةُ المُحَمَّدِيَّةُ فَنَسَخَتْ جَمِيعَ المِلَلِ، فَلا يُقْبَلُ بَعْدَ مَجِيئِهِ دِينٌ غَيْرُ الَّذِي جاءَ بِهِ. ثُمَّ يُنادِي بِالوَيْلِ والحَسْرَةِ يَقُولُ: (يا ويْلَتى)، أيْ: يا هَلَكاهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] . وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ قُطَيْبٍ (يا ويْلَتِي) بِكَسْرِ التّاءِ، والياءُ ياءُ الإضافَةِ، وهو الأصْلُ؛ لِأنَّ الرَّجُلَ يُنادِي ويْلَتَهُ وهي هَلَكَتُهُ، يَقُولُ لَها: تَعالَيْ فَهَذا أوانُكِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِالإمالَةِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وتَرْكُ الإمالَةِ أحْسَنُ؛ لِأنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ الياءُ فَبُدِّلَتِ الكَسْرَةُ فَتْحَةً والياءُ ألِفًا؛ فِرارًا مِنَ الياءِ، فَمَن أمالَ رَجَعَ إلى الَّذِي عَنْهُ فَرَّ أوَّلًا. وفُلانٌ كِنايَةٌ (p-٤٩٦)عَنِ العَلَمِ، وهو مُتَصَرِّفٌ، وفُلُ كِنايَةٌ عَنْ نَكِرَةِ الإنْسانِ نَحْوُ: يا رَجُلُ، وهو مُخْتَصٌّ بِالنِّداءِ، وفُلَةُ بِمَعْنى يا امْرَأةُ كَذَلِكَ، ولامُ فُلُ ياءٌ أوْ واوٌ، ولَيْسَ مُرَخَّمًا مِن فُلانٍ، خِلافًا لِلْفَرّاءِ. ووَهَمَ ابْنُ عُصْفُورٍ وابْنُ مالِكٍ وصاحِبُ البَسِيطِ في قَوْلِهِمْ: فُلُ كِنايَةٌ عَنِ العَلَمِ كَفُلانٍ. وفي كِتابِ سِيبَوَيْهِ ما قُلْناهُ بِالنَّقْلِ عَنِ العَرَبِ.
والذِّكْرُ ذِكْرُ اللَّهِ أوِ القُرْآنُ أوِ المَوْعِظَةُ، والظّاهِرُ حَمْلُ الشَّيْطانِ عَلى ظاهِرِهِ؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي وسْوَسَ إلَيْهِ في مُخالَّةِ مَن أضَلَّهُ سَمّاهُ شَيْطانًا؛ لِأنَّهُ يُضِلُّ كَما يُضِلُّ الشَّيْطانُ، ثُمَّ خَذَلَهُ ولَمْ يَنْفَعْهُ في العاقِبَةِ. وتَحْتَمِلُ هَذِهِ الجُمْلَةُ أنْ تَكُونَ مِن تَمامِ كَلامِ الظّالِمَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إخْبارًا مِن كَلامِ اللَّهِ عَلى جِهَةِ الدَّلالَةِ عَلى وجْهِ ضَلالِهِمْ، والتَّحْذِيرِ مِنَ الشَّيْطانِ الَّذِي بَلَّغَهم ذَلِكَ المَبْلَغَ. وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ تَمْثِيلُ الجَلِيسِ الصّالِحِ بِالمِسْكِ والجَلِيسِ السُّوءِ بِنافِخِ الكِيرِ. والظّاهِرُ أنَّ دُعاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَبَّهُ، وإخْبارَهُ بِهَجْرِ قَوْمِهِ قُرَيْشٍ القُرْآنَ، هو مِمّا جَرى لَهُ في الدُّنْيا؛ بِدَلِيلِ إقْبالِهِ عَلَيْهِ مُسَلِّيًا مُؤانِسًا بِقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾، وأنَّهُ هو الكافِي في هِدايَتِهِ ونَصْرِهِ، فَهو وعْدٌ مِنهُ بِالنَّصْرِ، وهَذا القَوْلُ مِنَ الرَّسُولِ وشِكايَتُهُ فِيهِ تَخْوِيفٌ لِقَوْمِهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنهم أبُو مُسْلِمٍ إنَّهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الآخِرَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، والظّاهِرُ أنَّ (مَهْجُورًا) بِمَعْنى مَتْرُوكًا مِنَ الإيمانِ بِهِ، مُبْعَدًا مَقْصِيًّا مِنَ الهَجْرِ، بِفَتْحِ الهاءِ. وقالَهُ مُجاهِدٌ والنَّخَعِيُّ وأتْباعُهُ. وقِيلَ: مِنَ الهُجْرِ، والتَّقْدِيرُ (مَهْجُورًا) فِيهِ، بِمَعْنى أنَّهُ باطِلٌ. وأساطِيرُ الأوَّلِينَ أنَّهم إذا سَمِعُوهُ هَجَرُوا فِيهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] .
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَهْجُورُ بِمَعْنى الهَجْرِ كالمَلْحُودِ والمَعْقُولِ، والمَعْنى اتَّخَذُوهُ هَجْرًا، والعَدُوُّ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ واحِدًا وجَمْعًا، انْتَهى.
وانْتَصَبَ (هادِيًا) و(نَصِيرًا) عَلى الحالِ أوْ عَلى التَّمْيِيزِ. وقالُوا - أيِ الكُفّارُ - عَلى سَبِيلِ الِاقْتِراحِ والِاعْتِراضِ الدّالِّ عَلى نُفُورِهِمْ عَنِ الحَقِّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (نُزِّلَ) هاهُنا بِمَعْنى أُنْزِلَ لا غَيْرُ، كَخُبِّرَ بِمَعْنى أُخْبِرَ، وإلّا كانَ مُتَدافِعًا، انْتَهى. وإنَّما قالَ إنَّ (نُزِّلَ) بِمَعْنى أُنْزِلَ؛ لِأنَّ نُزِّلَ عِنْدَهُ أصْلُها أنْ تَكُونَ لِلتَّفْرِيقِ، فَلَوْ أقَرَّهُ عَلى أصْلِهِ عِنْدَهُ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّفْرِيقِ تَدافَعَ هو. وقَوْلُهُ: (جُمْلَةً واحِدَةً)، وقَدْ قَرَّرْنا أنَّ (نُزِّلَ) لا تَقْتَضِي التَّفْرِيقَ؛ لِأنَّ التَّضْعِيفَ فِيهِ عِنْدَنا مُرادِفٌ لِلْهَمْزَةِ. وقَدْ بَيَّنا ذَلِكَ في أوَّلِ آلِ عِمْرانَ، وقائِلُ ذَلِكَ كُفّارُ قُرَيْشٍ، قالُوا: لَوْ كانَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ لَنَزَلَ جُمْلَةً كَما نَزَلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ. وقِيلَ: قائِلُو ذَلِكَ اليَهُودُ، وهَذا قَوْلٌ لا طائِلَ تَحْتَهُ؛ لِأنَّ أمْرَ الِاحْتِجاجِ بِهِ والإعْجازِ لا يَخْتَلِفُ بِنُزُولِهِ جُمْلَةً واحِدَةً أوْ مُفَرَّقًا، بَلِ الإعْجازُ في نُزُولِهِ مُفَرَّقًا أظْهَرُ؛ إذْ يُطالَبُونَ بِمُعارَضَةِ سُورَةٍ مِنهُ، فَلَوْ نَزَلَ جُمْلَةً واحِدَةً وطُولِبُوا بِمُعارَضَتِهِ مِثْلَ ما نَزَلْ لَكانُوا أعْجَزَ مِنهم حِينَ طُولِبُوا بِمُعارَضَةِ سُورَةٍ مِنهُ فَعَجَزُوا، والمُشارُ إلَيْهِ غَيْرُ مَذْكُورٍ. فَقِيلَ: هو مِن كَلامِ الكُفّارِ وأشارُوا إلى التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، أيْ: تَنْزِيلًا مِثْلَ تَنْزِيلِ تِلْكَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ جُمْلَةً واحِدَةً، ويَبْقى ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ تَعْلِيلًا لِمَحْذُوفٍ، أيْ: فَرَّقْناهُ في أوْقاتٍ ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ . وقِيلَ: هو مُسْتَأْنَفٌ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى لا مِن كَلامِهِمْ، ولَمّا تَضَمَّنَ كَلامُهم مَعْنى لِمَ أُنْزِلَ مُفَرَّقًا أُشِيرَ بِقَوْلِهِ (كَذَلِكَ) إلى التَّفْرِيقِ، أيْ: (كَذَلِكَ) أُنْزِلَ مُفَرَّقًا.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والحِكْمَةُ فِيهِ أنْ نُقَوِّيَ بِتَفْرِيقِهِ فُؤادَكَ حَتّى تَعِيَهُ وتَحْفَظَهُ؛ لِأنَّ المُتَلَقِّنَ إنَّما يَقْوى قَلْبُهُ عَلى حِفْظِ العِلْمِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وجُزْءًا عَقِيبَ جُزْءٍ، ولَوْ أُلْقِيَ عَلَيْهِ جُمْلَةً واحِدَةً لَكانَ يَعْيا في حِفْظِهِ، والرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فارَقَتْ حالُهُ حالَ داوُدَ ومُوسى وعِيسى - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - حَيْثُ كانَ أُمِّيًّا لا يَكْتُبُ وهم كانُوا قارِئِينَ كاتِبِينَ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنَ التَّلَقُّنِ والتَّحَفُّظِ، فَأُنْزِلَ عَلَيْهِ مُنَجَّمًا في عِشْرِينَ سَنَةً. وقِيلَ: في ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وأيْضًا فَكانَ يَنْزِلُ عَلى حَسَبِ الحَوادِثِ وجَوابِ السّائِلِينَ؛ ولِأنَّ (p-٤٩٧)بَعْضَهُ مَنسُوخٌ وبَعْضَهُ ناسِخٌ، ولا يَتَأتّى ذَلِكَ إلّا فِيما أُنْزِلَ مُفَرَّقًا، انْتَهى.
واللّامُ في (لِنُثَبِّتَ بِهِ) لامُ العِلَّةِ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: هي لامُ القَسَمِ، والتَّقْدِيرُ واللَّهِ لَيُثَبِّتَنَّ، فَحُذِفَتِ النُّونُ وكُسِرَتِ اللّامُ، انْتَهى. وهَذا قَوْلٌ في غايَةِ الضَّعْفِ، وكانَ يَنْحُو إلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ أنَّ جَوابَ القَسَمِ يُتَلَقّى بِلامِ كَيْ، وجُعِلَ مِنهُ ﴿ولِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ﴾ [الأنعام: ١١٣]، وهو مَذْهَبٌ مَرْجُوحٌ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ”لِيُثَبِّتَ“ بِالياءِ، أيْ: لِيُثَبِّتَ اللَّهُ، (ورَتَّلْناهُ) أيْ: فَصَّلْناهُ. وقِيلَ: بَيَّنّاهُ. وقِيلَ: فَسَّرْناهُ.
﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ يَضْرِبُونَهُ عَلى جِهَةِ المُعارَضَةِ مِنهم كَتَمْثِيلِهِمْ في هَذِهِ بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ إلّا جاءَ القُرْآنُ بِالحَقِّ في ذَلِكَ، ثُمَّ هو أوْضَحُ بَيانًا وتَفْصِيلًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ بِسُؤالٍ عَجِيبٍ مِن سُؤالاتِهِمُ الباطِلَةِ، كَأنَّهُ مَثَلٌ في البُطْلانِ إلّا أتَيْناكَ نَحْنُ بِالجَوابِ الحَقِّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ، وبِما هو أحْسَنُ مَعْنًى ومُؤَدًّى مِن سُؤالِهِمْ. ولَمّا كانَ التَّفْسِيرُ هو الكَشْفَ عَمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ وُضِعَ مَوْضِعَ مَعْناهُ، فَقالُوا: تَفْسِيرُ هَذا الكَلامِ كَيْتَ وكَيْتَ، كَما قِيلَ مَعْناهُ كَذا أوْ (ولا يَأْتُونَكَ) بِحالٍ وصِفَةٍ عَجِيبَةٍ، يَقُولُونَ: هَلّا كانَتْ هَذِهِ صَفَتَكَ وحالَكَ، نَحْوَ أنْ يُقْرَنَ بِكَ مَلَكٌ يُنْذِرُ مَعَكَ، أوْ يُلْقى إلَيْكَ كَنْزٌ، أوْ تَكُونُ لَكَ جَنَّةٌ، أوْ يَنْزِلُ عَلَيْكَ القُرْآنُ جُمْلَةً، إلّا أعْطَيْناكَ ما يَحِقُّ لَكَ في حِكْمَتِنا ومَشِيئَتِنا أنْ تُعْطاهُ، وما هو أحْسَنُ تَكْشِيفًا لِما بُعِثْتَ عَلَيْهِ ودَلالَةً عَلى صِحَّتِهِ، انْتَهى. وقِيلَ: (ولا يَأْتُونَكَ) بِشُبْهَةٍ في إبْطالِ أمْرِكَ إلّا جِئْناكَ بِالحَقِّ الَّذِي يَدْحَضُ شُبْهَةَ أهْلِ الجَهْلِ ويُبْطِلُ كَلامَ أهْلِ الزَّيْغِ، والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ، أيْ: ﴿وأحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ مِن مَثَلِهِمْ، ومَثَلُهم قَوْلُهم: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ .
و(الَّذِينَ يُحْشَرُونَ) . قالَ الكَرْمانِيُّ: مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ﴾ [الفرقان: ٢٤] الآيَةَ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهم لَمّا اعْتَرَضُوا في حَدِيثِ القُرْآنِ وإنْزالِهِ مُفَرَّقًا كانَ في ضِمْنِ كَلامِهِمْ أنَّهم ذَوُو رُشْدٍ وخَيْرٍ، وأنَّهم عَلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ، ولِذَلِكَ اعْتَرَضُوا فَأخْبَرَ تَعالى بِحالِهِمْ وما يَئُولُ إلَيْهِ أمْرُهم في الآخِرَةِ بِكَوْنِهِمْ ﴿شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ سَبِيلًا﴾، والظّاهِرُ أنَّهُ يُحْشَرُ الكافِرُ عَلى وجْهِهِ بِأنْ يُسْحَبَ عَلى وجْهِهِ. وفي الحَدِيثِ: ”إنَّ الَّذِي أمْشاهم عَلى أرْجُلِهِمْ قادِرٌ أنْ يُمْشِيَهم عَلى وُجُوهِهِمْ“، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقِيلَ: هو مَجازٌ لِلذِّلَّةِ المُفْرِطَةِ والهَوانِ والخِزْيِ. وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ العَرَبِ مَرَّ فُلانٌ عَلى وجْهِهِ إذا لَمْ يَدْرِ أيْنَ ذَهَبَ. ويُقالُ: مَضى عَلى وجْهِهِ إذا أسْرَعَ مُتَوَجِّهًا لِقَصْدِهِ، و(شَرٌّ) و(أضَلُّ) لَيْسا عَلى بابِهِما مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّفْضِيلِ. وقَوْلُهُ: (شَرٌّ مَكانًا) أيْ: مُسْتَقَرًّا، وهو مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ: (خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا)، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالمَكانِ المَكانَةُ والشَّرَفُ لا المُسْتَقَرُّ. وأعْرَبُوا (الَّذِينَ) مُبْتَدَأً والجُمْلَةَ مِن (أُوْلَئِكَ) في مَوْضِعِ الخَبَرِ، ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ (الَّذِينَ) خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، لَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ الكافِرِينَ وما قالُوا قالَ إبْعادًا لَهم وتَسْمِيعًا بِما يَئُولُ إلَيْهِ حالُهم، هُمُ (الَّذِينَ يُحْشَرُونَ) ثُمَّ اسْتَأْنَفَ إخْبارًا أخْبَرَ عَنْهم فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا﴾ .
الفرقان 25:34
﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وكانَ يَوْمًا عَلى الكافِرِينَ عَسِيرًا﴾ ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ ﴿ياوَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ ﴿لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جاءَنِي وكانَ الشَّيْطانُ لِلْإنْسانِ خَذُولًا﴾ ﴿وقالَ الرَّسُولُ يارَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ وكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا ونَصِيرًا﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ ﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلّا جِئْناكَ بِالحَقِّ وأحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ .
(p-٤٩٤)قَرَأ الحَرَمِيّانِ وابْنُ عامِرٍ (تَشَّقَّقُ) بِإدْغامِ التّاءِ مِن تَتَشَقَّقُ في الشِّينِ هُنا. وفي (ق) وباقِي السَّبْعَةِ بِحَذْفِ تِلْكَ التّاءِ، ويَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ونُزِّلَ) ماضِيًا مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو رَجاءٍ (ونَزَلَ) ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وعَنْهُ أيْضًا وأنْزَلَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وجاءَ مَصْدَرُهُ (تَنْزِيلًا)، وقِياسُهُ إنْزالًا إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ مَعْنى أنْزَلَ ونَزَّلَ واحِدًا جازَ مَجِيءُ مَصْدَرِ أحَدِهِما لِلْآخَرِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎حَتّى تَطَوَّيْتُ انْطِواءَ الخِصْبِ
كَأنَّهُ قالَ: حَتّى انْطَوَيْتُ. وقَرَأ الأعْمَشُ وعَبْدُ اللَّهِ في نَقْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ ”وأُنْزِلَ“ ماضِيًا رُباعِيًّا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، مُضارِعُهُ يُنَزَّلُ. وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ والخَفّافُ عَنْ أبِي عَمْرٍو (ونَزَلَ) ثُلاثِيًّا مُخَفَّفًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو وتُنَزَّلُ بِالتّاءِ مِن فَوْقُ مُضارِعَ نَزَّلَ مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وأبُو مُعاذٍ وخارِجَةُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو (ونُزِّلَ المَلائِكَةُ) بِضَمِّ النُّونِ وشَدِّ الزّايِ، أسْقَطَ النُّونَ مِن ونُنَزِّلُ، وفي بَعْضِ المَصاحِفِ ”ونُنَزِّلُ“ بِالنُّونِ مُضارِعَ نَزَّلَ مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. ونَسَبَها ابْنُ عَطِيَّةَ لِابْنِ كَثِيرٍ وحْدَهُ، قالَ: وهي قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عَمْرٍو. وعَنْ أُبَيٍّ أيْضًا و(تَنَزَّلَتِ) . وقَرَأ أُبَيٌّ و(نُزِّلَتِ) ماضِيًا مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ بِتاءِ التَّأْنِيثِ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ عَنِ الخَفّافِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: (ونُزِلَ) مُخَفَّفًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ (المَلائِكَةُ) رَفْعًا، فَإنْ صَحَّتِ القِراءَةُ فَإنَّهُ حُذِفَ مِنها المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مُقامَهُ، وتَقْدِيرُهُ: ونَزَلَ نُزُولُ المَلائِكَةِ فَحُذِفَ النُّزُولُ، ونُقِلَ إعْرابُهُ إلى (المَلائِكَةُ) بِمَعْنى نَزَلَ نازِلُ المَلائِكَةِ؛ لِأنَّ المَصْدَرَ يَكُونُ بِمَعْنى الِاسْمِ، وهَذا مِمّا يَجِيءُ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ في تَرْتِيبِ اللّازِمِ لِلْمَفْعُولِ بِهِ؛ لِأنَّ الفِعْلَ يَدُلُّ عَلى مَصْدَرِهِ، انْتَهى.
وقالَ أبُو الفَتْحِ: وهَذا غَيْرُ مَعْرُوفٍ؛ لِأنَّ (نَزَلَ) لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ فَيُبْنى هُنا لِلْمَلائِكَةِ، ووَجْهُهُ أنْ يَكُونَ مِثْلَ زُكِمَ الرَّجُلُ وجُنَّ فَإنَّهُ لا يُقالُ إلّا أزْكَمَهُ اللَّهُ وأجَنَّهُ. وهَذا بابُ سَماعٍ لا قِياسٍ، انْتَهى. فَهَذِهِ إحْدى عَشْرَةَ قِراءَةً. والظّاهِرُ أنَّ الغَمامَ هو السَّحابُ المَعْهُودُ. وقِيلَ هو اللَّهُ في قَوْلِهِ: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] . وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الغَمامُ الَّذِي يَأْتِي اللَّهُ فِيهِ في الجَنَّةِ زَعَمُوا. وقالَ الحَسَنُ: سُتْرَةٌ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ تَعْرُجُ المَلائِكَةُ فِيهِ تَنْسَخُ أعْمالَ بَنِي آدَمَ لِيُحاسَبُوا. وقِيلَ: غَمامٌ أبْيَضُ رَقِيقٌ مِثْلُ الضَّبابَةِ ولَمْ يَكُنْ لِبَنِي إسْرائِيلَ في تِيهِهِمْ، والظّاهِرُ أنَّ السَّماءَ هي المُظِلَّةُ لَنا. وقِيلَ: تَتَشَقَّقُ سَماءً سَماءً؛ قالَهُ مُقاتِلٌ. والباءُ باءُ الحالِ، أيْ: مُتَغَيِّمَةً، أوْ باءُ السَّبَبِ، أيْ: بِسَبَبِ طُلُوعِ الغَمامِ مِنهُ كَأنَّهُ الَّذِي تَتَشَقَّقُ بِهِ السَّماءُ، كَما تَقُولُ: شُقَّ السَّنامُ بِالشَّفْرَةِ وانْشَقَّ بِها، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨]، أوْ بِمَعْنى عَنْ أقْوالٍ ثَلاثَةٍ. والفَرْقُ بَيْنَ الباءِ السَّبَبِيَّةِ وعَنْ أنَّ انْشَقَّ عَنْ (p-٤٩٥)كَذا تَفَتَّحَ عَنْهُ وانْشَقَّ بِكَذا أنَّهُ هو الشّاقُّ لَهُ.
(ونُزِّلَ المَلائِكَةُ)، أيْ: إلى الأرْضِ لِوُقُوعِ الجَزاءِ والحِسابِ. و(الحَقُّ) صِفَةٌ لِلْمُلْكِ، أيِ: الثّابِتُ؛ لِأنَّ كُلَّ مُلْكٍ يَوْمَئِذٍ يَبْطُلُ، ولا يَبْقى إلّا مُلْكُهُ تَعالى وخَبَرُ المُلْكِ (يَوْمَئِذٍ) . والرَّحْمَنُ مُتَعَلِّقٌ بِالحَقِّ أوْ لِلْبَيانِ، أعْنِي: (لِلرَّحْمَنِ) . وقِيلَ: الخَبَرُ (لِلرَّحْمَنِ) و(يَوْمَئِذٍ) مَعْمُولٌ لِلْمُلْكِ. وقِيلَ: الخَبَرُ (الحَقُّ) و(لِلرَّحْمَنِ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ لِلْبَيانِ، وعَسُرَ ذَلِكَ اليَوْمُ عَلى الكافِرِينَ بِدُخُولِهِمُ النّارَ وما في خِلالِ ذَلِكَ مِنَ المَخاوِفِ. ودَلَّ قَوْلُهُ: (عَلى الكافِرِينَ) عَلى تَيْسِيرِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ، فَفي الحَدِيثِ أنَّهُ يُهَوَّنُ حَتّى يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِ أخَفَّ عَلَيْهِ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ صَلّاها في الدُّنْيا، والظّاهِرُ عُمُومُ الظّالِمِ؛ إذِ اللّامُ فِيهِ لِلْجِنْسِ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ وأبُو رَجاءٍ، وقالا: فُلانٌ هو كِنايَةٌ عَنِ الشَّيْطانِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ: (الظّالِمُ) هُنا عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ؛ إذْ كانَ جَنَحَ إلى الإسْلامِ وأُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ هو المَكْنِيُّ عَنْهُ بِفُلانٍ، وكانَ بَيْنَهُما مُخالَّةٌ فَنَهاهُ عَنِ الإسْلامِ فَقَبِلَ مِنهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. عَكْسُ هَذا القَوْلِ. قِيلَ: وسَبَبُ نُزُولِها هو عُقْبَةُ وأُبَيٌّ. وقِيلَ: كانَ عُقْبَةُ خَلِيلًا لِأُمَيَّةَ فَأسْلَمَ عُقْبَةُ، فَقالَ أُمَيَّةُ: وجْهِي مِن وجْهِكَ حَرامٌ إنْ بايَعْتَ مُحَمَّدًا، فَكَفَرَ وارْتَدَّ لِرِضا أُمَيَّةَ، فَنَزَلَتْ؛ قالَهُ الشَّعْبِيُّ. وذَكَرَ مِن إساءَةِ عُقْبَةَ عَلى الرَّسُولِ ما كانَ سَبَبَ أنْ قالَ لَهُ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «لا ألْقاكَ خارِجًا مِن مَكَّةَ إلّا عَلَوْتُ رَأْسَكَ بِالسَّيْفِ» . فَقُتِلَ عُقْبَةُ يَوْمِ بَدْرٍ صَبْرًا أمَرَ عَلِيًّا فَضَرَبَ عُنُقَهُ، وقُتِلَ أبَيُّ بْنُ خَلَفٍ يَوْمَ أُحُدٍ في المُبارَزَةِ. والمَقْصُودُ ذِكْرُ هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ بِتَنَدُّمِ الظّالِمِ وتَمَنِّيهِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ أطاعَ خَلِيلَهُ الَّذِي كانَ يَأْمُرُهُ بِالظُّلْمِ، وما مِن ظالِمٍ إلّا ولَهُ في الغالِبِ خَلِيلٌ خاصٌّ بِهِ يُعَبِّرُ عَنْهُ بِفُلانٍ. والظّاهِرُ أنَّ الظّالِمَ (يَعَضُّ عَلى يَدَيْهِ) فِعْلَ النّادِمِ المُتَفَجِّعِ. وقالَ الضَّحّاكُ: يَأْكُلُ يَدَيْهِ إلى المِرْفَقِ ثُمَّ تَنْبُتُ، ولا يَزالُ كَذَلِكَ كُلَّما أكَلَها نَبَتَتْ. وقِيلَ: هو مَجازٌ عُبِّرَ بِهِ عَنِ التَّحَيُّرِ والغَمِّ والنَّدَمِ والتَّفَجُّعِ، ونَقَلَ أئِمَّةُ اللُّغَةِ أنَّ المُتَأسِّفَ المُتَحَزِّنَ المُتَنَدِّمَ يَعَضُّ عَلى إبْهامِهِ نَدَمًا، وقالَ الشّاعِرُ:
؎لَطَمَتْ خَدَّها بِحُمْرٍ لِطافٍ ∗∗∗ نِلْنَ مِنها عَذابَ بِيضٍ عِذابِ
؎فَتَشَكّى العُنّابُ نَوْرَ أقاحٍ ∗∗∗ واشْتَكى الوَرْدُ ناضِرَ العُنّابِ
وفِي المَثَلِ: يَأْكُلُ يَدَيْهِ نَدَمًا ويُسِيلُ دَمْعَهُ دَمًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَضُّ الأنامِلِ واليَدَيْنِ والسُّقُوطُ في اليَدِ وأكْلُ البَنانِ وحَرْقُ الأسْنانِ والأرَمُ وفُرُوعُها، كِناياتٌ عَنِ الغَيْظِ والحَسْرَةِ؛ لِأنَّها مِن رَوادِفِها فَتُذْكَرُ الرّادِفَةُ ويُدَلُّ بِها عَلى المَرْدُوفِ فَيَرْتَفِعُ الكَلامُ بِهِ في طَبَقَةِ الفَصاحَةِ، ويَجِدُ السّامِعُ عِنْدَهُ في نَفْسِهِ مِنَ الرَّوْعَةِ والِاسْتِحْسانِ ما لا يَجِدُ عِنْدَ لَفْظِ المُكَنّى عَنْهُ، انْتَهى. وقالَ الشّاعِرُ في حَرْقِ النّابِ:
؎أبى الضَّيْمَ والنُّعْمانُ يَحْرِقُ نابُهُ ∗∗∗ عَلَيْهِ فَأفْضى والسُّيُوفُ مَعاقِلُهْ
(يَقُولُ) في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: قائِلًا: (يا لَيْتَنِي)، فَإنْ كانَتِ اللّامُ لِلْعَهْدِ فالمَعْنى أنَّهُ تَمَنّى عُقْبَةُ أنْ لَوْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ وسَلَكَ طَرِيقَ الحَقِّ، وإنْ كانَتِ اللّامُ لِلْجِنْسِ فالمَعْنى أنَّهُ تَمَنّى سُلُوكَ طَرِيقِ الرَّسُولِ، وهو الإيمانُ، ويَكُونُ الرَّسُولُ لِلْجِنْسِ؛ لِأنَّ كُلَّ ظالِمٍ قَدْ كُلِّفَ اتِّباعَ ما جاءَ بِهِ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ، إلى أنْ جاءَتِ المِلَّةُ المُحَمَّدِيَّةُ فَنَسَخَتْ جَمِيعَ المِلَلِ، فَلا يُقْبَلُ بَعْدَ مَجِيئِهِ دِينٌ غَيْرُ الَّذِي جاءَ بِهِ. ثُمَّ يُنادِي بِالوَيْلِ والحَسْرَةِ يَقُولُ: (يا ويْلَتى)، أيْ: يا هَلَكاهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] . وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ قُطَيْبٍ (يا ويْلَتِي) بِكَسْرِ التّاءِ، والياءُ ياءُ الإضافَةِ، وهو الأصْلُ؛ لِأنَّ الرَّجُلَ يُنادِي ويْلَتَهُ وهي هَلَكَتُهُ، يَقُولُ لَها: تَعالَيْ فَهَذا أوانُكِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِالإمالَةِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وتَرْكُ الإمالَةِ أحْسَنُ؛ لِأنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ الياءُ فَبُدِّلَتِ الكَسْرَةُ فَتْحَةً والياءُ ألِفًا؛ فِرارًا مِنَ الياءِ، فَمَن أمالَ رَجَعَ إلى الَّذِي عَنْهُ فَرَّ أوَّلًا. وفُلانٌ كِنايَةٌ (p-٤٩٦)عَنِ العَلَمِ، وهو مُتَصَرِّفٌ، وفُلُ كِنايَةٌ عَنْ نَكِرَةِ الإنْسانِ نَحْوُ: يا رَجُلُ، وهو مُخْتَصٌّ بِالنِّداءِ، وفُلَةُ بِمَعْنى يا امْرَأةُ كَذَلِكَ، ولامُ فُلُ ياءٌ أوْ واوٌ، ولَيْسَ مُرَخَّمًا مِن فُلانٍ، خِلافًا لِلْفَرّاءِ. ووَهَمَ ابْنُ عُصْفُورٍ وابْنُ مالِكٍ وصاحِبُ البَسِيطِ في قَوْلِهِمْ: فُلُ كِنايَةٌ عَنِ العَلَمِ كَفُلانٍ. وفي كِتابِ سِيبَوَيْهِ ما قُلْناهُ بِالنَّقْلِ عَنِ العَرَبِ.
والذِّكْرُ ذِكْرُ اللَّهِ أوِ القُرْآنُ أوِ المَوْعِظَةُ، والظّاهِرُ حَمْلُ الشَّيْطانِ عَلى ظاهِرِهِ؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي وسْوَسَ إلَيْهِ في مُخالَّةِ مَن أضَلَّهُ سَمّاهُ شَيْطانًا؛ لِأنَّهُ يُضِلُّ كَما يُضِلُّ الشَّيْطانُ، ثُمَّ خَذَلَهُ ولَمْ يَنْفَعْهُ في العاقِبَةِ. وتَحْتَمِلُ هَذِهِ الجُمْلَةُ أنْ تَكُونَ مِن تَمامِ كَلامِ الظّالِمَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إخْبارًا مِن كَلامِ اللَّهِ عَلى جِهَةِ الدَّلالَةِ عَلى وجْهِ ضَلالِهِمْ، والتَّحْذِيرِ مِنَ الشَّيْطانِ الَّذِي بَلَّغَهم ذَلِكَ المَبْلَغَ. وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ تَمْثِيلُ الجَلِيسِ الصّالِحِ بِالمِسْكِ والجَلِيسِ السُّوءِ بِنافِخِ الكِيرِ. والظّاهِرُ أنَّ دُعاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَبَّهُ، وإخْبارَهُ بِهَجْرِ قَوْمِهِ قُرَيْشٍ القُرْآنَ، هو مِمّا جَرى لَهُ في الدُّنْيا؛ بِدَلِيلِ إقْبالِهِ عَلَيْهِ مُسَلِّيًا مُؤانِسًا بِقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾، وأنَّهُ هو الكافِي في هِدايَتِهِ ونَصْرِهِ، فَهو وعْدٌ مِنهُ بِالنَّصْرِ، وهَذا القَوْلُ مِنَ الرَّسُولِ وشِكايَتُهُ فِيهِ تَخْوِيفٌ لِقَوْمِهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنهم أبُو مُسْلِمٍ إنَّهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الآخِرَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، والظّاهِرُ أنَّ (مَهْجُورًا) بِمَعْنى مَتْرُوكًا مِنَ الإيمانِ بِهِ، مُبْعَدًا مَقْصِيًّا مِنَ الهَجْرِ، بِفَتْحِ الهاءِ. وقالَهُ مُجاهِدٌ والنَّخَعِيُّ وأتْباعُهُ. وقِيلَ: مِنَ الهُجْرِ، والتَّقْدِيرُ (مَهْجُورًا) فِيهِ، بِمَعْنى أنَّهُ باطِلٌ. وأساطِيرُ الأوَّلِينَ أنَّهم إذا سَمِعُوهُ هَجَرُوا فِيهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] .
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَهْجُورُ بِمَعْنى الهَجْرِ كالمَلْحُودِ والمَعْقُولِ، والمَعْنى اتَّخَذُوهُ هَجْرًا، والعَدُوُّ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ واحِدًا وجَمْعًا، انْتَهى.
وانْتَصَبَ (هادِيًا) و(نَصِيرًا) عَلى الحالِ أوْ عَلى التَّمْيِيزِ. وقالُوا - أيِ الكُفّارُ - عَلى سَبِيلِ الِاقْتِراحِ والِاعْتِراضِ الدّالِّ عَلى نُفُورِهِمْ عَنِ الحَقِّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (نُزِّلَ) هاهُنا بِمَعْنى أُنْزِلَ لا غَيْرُ، كَخُبِّرَ بِمَعْنى أُخْبِرَ، وإلّا كانَ مُتَدافِعًا، انْتَهى. وإنَّما قالَ إنَّ (نُزِّلَ) بِمَعْنى أُنْزِلَ؛ لِأنَّ نُزِّلَ عِنْدَهُ أصْلُها أنْ تَكُونَ لِلتَّفْرِيقِ، فَلَوْ أقَرَّهُ عَلى أصْلِهِ عِنْدَهُ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّفْرِيقِ تَدافَعَ هو. وقَوْلُهُ: (جُمْلَةً واحِدَةً)، وقَدْ قَرَّرْنا أنَّ (نُزِّلَ) لا تَقْتَضِي التَّفْرِيقَ؛ لِأنَّ التَّضْعِيفَ فِيهِ عِنْدَنا مُرادِفٌ لِلْهَمْزَةِ. وقَدْ بَيَّنا ذَلِكَ في أوَّلِ آلِ عِمْرانَ، وقائِلُ ذَلِكَ كُفّارُ قُرَيْشٍ، قالُوا: لَوْ كانَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ لَنَزَلَ جُمْلَةً كَما نَزَلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ. وقِيلَ: قائِلُو ذَلِكَ اليَهُودُ، وهَذا قَوْلٌ لا طائِلَ تَحْتَهُ؛ لِأنَّ أمْرَ الِاحْتِجاجِ بِهِ والإعْجازِ لا يَخْتَلِفُ بِنُزُولِهِ جُمْلَةً واحِدَةً أوْ مُفَرَّقًا، بَلِ الإعْجازُ في نُزُولِهِ مُفَرَّقًا أظْهَرُ؛ إذْ يُطالَبُونَ بِمُعارَضَةِ سُورَةٍ مِنهُ، فَلَوْ نَزَلَ جُمْلَةً واحِدَةً وطُولِبُوا بِمُعارَضَتِهِ مِثْلَ ما نَزَلْ لَكانُوا أعْجَزَ مِنهم حِينَ طُولِبُوا بِمُعارَضَةِ سُورَةٍ مِنهُ فَعَجَزُوا، والمُشارُ إلَيْهِ غَيْرُ مَذْكُورٍ. فَقِيلَ: هو مِن كَلامِ الكُفّارِ وأشارُوا إلى التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، أيْ: تَنْزِيلًا مِثْلَ تَنْزِيلِ تِلْكَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ جُمْلَةً واحِدَةً، ويَبْقى ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ تَعْلِيلًا لِمَحْذُوفٍ، أيْ: فَرَّقْناهُ في أوْقاتٍ ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ . وقِيلَ: هو مُسْتَأْنَفٌ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى لا مِن كَلامِهِمْ، ولَمّا تَضَمَّنَ كَلامُهم مَعْنى لِمَ أُنْزِلَ مُفَرَّقًا أُشِيرَ بِقَوْلِهِ (كَذَلِكَ) إلى التَّفْرِيقِ، أيْ: (كَذَلِكَ) أُنْزِلَ مُفَرَّقًا.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والحِكْمَةُ فِيهِ أنْ نُقَوِّيَ بِتَفْرِيقِهِ فُؤادَكَ حَتّى تَعِيَهُ وتَحْفَظَهُ؛ لِأنَّ المُتَلَقِّنَ إنَّما يَقْوى قَلْبُهُ عَلى حِفْظِ العِلْمِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وجُزْءًا عَقِيبَ جُزْءٍ، ولَوْ أُلْقِيَ عَلَيْهِ جُمْلَةً واحِدَةً لَكانَ يَعْيا في حِفْظِهِ، والرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فارَقَتْ حالُهُ حالَ داوُدَ ومُوسى وعِيسى - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - حَيْثُ كانَ أُمِّيًّا لا يَكْتُبُ وهم كانُوا قارِئِينَ كاتِبِينَ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنَ التَّلَقُّنِ والتَّحَفُّظِ، فَأُنْزِلَ عَلَيْهِ مُنَجَّمًا في عِشْرِينَ سَنَةً. وقِيلَ: في ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وأيْضًا فَكانَ يَنْزِلُ عَلى حَسَبِ الحَوادِثِ وجَوابِ السّائِلِينَ؛ ولِأنَّ (p-٤٩٧)بَعْضَهُ مَنسُوخٌ وبَعْضَهُ ناسِخٌ، ولا يَتَأتّى ذَلِكَ إلّا فِيما أُنْزِلَ مُفَرَّقًا، انْتَهى.
واللّامُ في (لِنُثَبِّتَ بِهِ) لامُ العِلَّةِ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: هي لامُ القَسَمِ، والتَّقْدِيرُ واللَّهِ لَيُثَبِّتَنَّ، فَحُذِفَتِ النُّونُ وكُسِرَتِ اللّامُ، انْتَهى. وهَذا قَوْلٌ في غايَةِ الضَّعْفِ، وكانَ يَنْحُو إلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ أنَّ جَوابَ القَسَمِ يُتَلَقّى بِلامِ كَيْ، وجُعِلَ مِنهُ ﴿ولِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ﴾ [الأنعام: ١١٣]، وهو مَذْهَبٌ مَرْجُوحٌ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ”لِيُثَبِّتَ“ بِالياءِ، أيْ: لِيُثَبِّتَ اللَّهُ، (ورَتَّلْناهُ) أيْ: فَصَّلْناهُ. وقِيلَ: بَيَّنّاهُ. وقِيلَ: فَسَّرْناهُ.
﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ يَضْرِبُونَهُ عَلى جِهَةِ المُعارَضَةِ مِنهم كَتَمْثِيلِهِمْ في هَذِهِ بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ إلّا جاءَ القُرْآنُ بِالحَقِّ في ذَلِكَ، ثُمَّ هو أوْضَحُ بَيانًا وتَفْصِيلًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ بِسُؤالٍ عَجِيبٍ مِن سُؤالاتِهِمُ الباطِلَةِ، كَأنَّهُ مَثَلٌ في البُطْلانِ إلّا أتَيْناكَ نَحْنُ بِالجَوابِ الحَقِّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ، وبِما هو أحْسَنُ مَعْنًى ومُؤَدًّى مِن سُؤالِهِمْ. ولَمّا كانَ التَّفْسِيرُ هو الكَشْفَ عَمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ وُضِعَ مَوْضِعَ مَعْناهُ، فَقالُوا: تَفْسِيرُ هَذا الكَلامِ كَيْتَ وكَيْتَ، كَما قِيلَ مَعْناهُ كَذا أوْ (ولا يَأْتُونَكَ) بِحالٍ وصِفَةٍ عَجِيبَةٍ، يَقُولُونَ: هَلّا كانَتْ هَذِهِ صَفَتَكَ وحالَكَ، نَحْوَ أنْ يُقْرَنَ بِكَ مَلَكٌ يُنْذِرُ مَعَكَ، أوْ يُلْقى إلَيْكَ كَنْزٌ، أوْ تَكُونُ لَكَ جَنَّةٌ، أوْ يَنْزِلُ عَلَيْكَ القُرْآنُ جُمْلَةً، إلّا أعْطَيْناكَ ما يَحِقُّ لَكَ في حِكْمَتِنا ومَشِيئَتِنا أنْ تُعْطاهُ، وما هو أحْسَنُ تَكْشِيفًا لِما بُعِثْتَ عَلَيْهِ ودَلالَةً عَلى صِحَّتِهِ، انْتَهى. وقِيلَ: (ولا يَأْتُونَكَ) بِشُبْهَةٍ في إبْطالِ أمْرِكَ إلّا جِئْناكَ بِالحَقِّ الَّذِي يَدْحَضُ شُبْهَةَ أهْلِ الجَهْلِ ويُبْطِلُ كَلامَ أهْلِ الزَّيْغِ، والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ، أيْ: ﴿وأحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ مِن مَثَلِهِمْ، ومَثَلُهم قَوْلُهم: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ .
و(الَّذِينَ يُحْشَرُونَ) . قالَ الكَرْمانِيُّ: مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ﴾ [الفرقان: ٢٤] الآيَةَ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهم لَمّا اعْتَرَضُوا في حَدِيثِ القُرْآنِ وإنْزالِهِ مُفَرَّقًا كانَ في ضِمْنِ كَلامِهِمْ أنَّهم ذَوُو رُشْدٍ وخَيْرٍ، وأنَّهم عَلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ، ولِذَلِكَ اعْتَرَضُوا فَأخْبَرَ تَعالى بِحالِهِمْ وما يَئُولُ إلَيْهِ أمْرُهم في الآخِرَةِ بِكَوْنِهِمْ ﴿شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ سَبِيلًا﴾، والظّاهِرُ أنَّهُ يُحْشَرُ الكافِرُ عَلى وجْهِهِ بِأنْ يُسْحَبَ عَلى وجْهِهِ. وفي الحَدِيثِ: ”إنَّ الَّذِي أمْشاهم عَلى أرْجُلِهِمْ قادِرٌ أنْ يُمْشِيَهم عَلى وُجُوهِهِمْ“، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقِيلَ: هو مَجازٌ لِلذِّلَّةِ المُفْرِطَةِ والهَوانِ والخِزْيِ. وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ العَرَبِ مَرَّ فُلانٌ عَلى وجْهِهِ إذا لَمْ يَدْرِ أيْنَ ذَهَبَ. ويُقالُ: مَضى عَلى وجْهِهِ إذا أسْرَعَ مُتَوَجِّهًا لِقَصْدِهِ، و(شَرٌّ) و(أضَلُّ) لَيْسا عَلى بابِهِما مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّفْضِيلِ. وقَوْلُهُ: (شَرٌّ مَكانًا) أيْ: مُسْتَقَرًّا، وهو مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ: (خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا)، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالمَكانِ المَكانَةُ والشَّرَفُ لا المُسْتَقَرُّ. وأعْرَبُوا (الَّذِينَ) مُبْتَدَأً والجُمْلَةَ مِن (أُوْلَئِكَ) في مَوْضِعِ الخَبَرِ، ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ (الَّذِينَ) خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، لَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ الكافِرِينَ وما قالُوا قالَ إبْعادًا لَهم وتَسْمِيعًا بِما يَئُولُ إلَيْهِ حالُهم، هُمُ (الَّذِينَ يُحْشَرُونَ) ثُمَّ اسْتَأْنَفَ إخْبارًا أخْبَرَ عَنْهم فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا﴾ .
الفرقان 25:35
(p-٤٩٨)﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ وجَعَلْنا مَعَهُ أخاهُ هارُونَ وزِيرًا﴾ ﴿فَقُلْنا اذْهَبا إلى القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهم تَدْمِيرًا﴾ ﴿وقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهم وجَعَلْناهم لِلنّاسِ آيَةً وأعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿وعادًا وثَمُودَ وأصْحابَ الرَّسِّ وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ ﴿وكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ وكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيرًا﴾ ﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ ﴿وإذا رَأوْكَ إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ ﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها وسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ مَن أضَلُّ سَبِيلًا﴾ ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلًا﴾ ﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ إنْ هم إلّا كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا﴾
لَمّا تَقَدَّمَ تَكْذِيبُ قُرَيْشٍ والكَفّارِ لِما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ تَعالى ما فِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ وإرْهابٌ لِلْمُكَذِّبِينَ، وتَذْكِيرٌ لَهم أنْ يُصِيبَهم ما أصابَ الأُمَمَ السّابِقَةَ مِن هَلاكِ الِاسْتِئْصالِ لَمّا كَذَّبُوا رُسُلَهم، فَناسَبَ أنْ ذَكَرَ أوَّلًا مَن نَزَلَ عَلَيْهِ كِتابُهُ جُمْلَةً واحِدَةً، ومَعَ ذَلِكَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِهِ، فَكَذَلِكَ هَؤُلاءِ لَوْ نَزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ دُفْعَةً لَكَذَّبُوا وكَفَرُوا كَما كَذَّبَ قَوْمُ مُوسى.
والكِتابُ هُنا التَّوْراةُ، و(هارُونَ) بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَعَهُ المَفْعُولُ الثّانِي لِجَعَلْنا. وأنْ يَكُونَ (وزِيرًا)، والوِزارَةُ لا تُنافِي النُّبُوَّةَ؛ فَقَدْ كانَ في الزَّمانِ الواحِدِ أنْبِياءُ يُؤازِرُ بَعْضُهم بَعْضًا، والمَذْهُوبُ إلَيْهِمُ القِبْطُ وفِرْعَوْنُ. وفي الكَلامِ حَذْفٌ، أيْ: فَذَهَبا وأدَّيا الرِّسالَةَ فَكَذَّبُوهُما، (فَدَمَّرْناهم)، والتَّدْمِيرُ أشَدُّ الإهْلاكِ، وأصْلُهُ كَسْرُ الشَّيْءِ عَلى وجْهٍ لا يُمْكِنُ إصْلاحُهُ. وقِصَّةُ مُوسى ومَن أُرْسِلَ إلَيْهِ ذُكِرَتْ مُنْتَهِيَةً في غَيْرِ ما مَوْضِعٍ، وهُنا اخْتُصِرَتْ فَأوْجَزَ بِذِكْرِ أوَّلِها وآخِرِها؛ لِأنَّهُ بِذَلِكَ يُلْزِمُ الحُجَّةَ بِبَعْثَةِ الرُّسُلِ واسْتِحْقاقَ التَّدْمِيرِ بِتَكْذِيبِهِمْ.
وقَرَأ عَلِيٌّ، والحَسَنُ ومَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ: (فَدَمِّراهم)، عَلى الأمْرِ لِمُوسى وهارُونَ، وعَنْ عَلِيٍّ أيْضًا كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ مُؤَكَّدٌ بِالنُّونِ الشَّدِيدَةِ. وعَنْهُ أيْضًا (فَدَمِّرا) أمْرًا لَهُما (بِهِمْ) بِباءِ الجَرِّ، ومَعْنى الأمْرِ كُونا سَبَبَ تَدْمِيرِهِمْ.
وانْتَصَبَ (وقَوْمَ نُوحٍ) عَلى الِاشْتِغالِ، وكانَ النَّصْبُ أرْجَحَ لِتَقَدُّمِ الجُمَلِ الفِعْلِيَّةِ قَبْلَ ذَلِكَ، ويَكُونُ (لَمّا) في هَذا الإعْرابِ ظَرْفًا عَلى مَذْهَبِ الفارِسِيِّ. وأمّا إنْ كانَتْ حَرْفَ وُجُوبٍ لِوُجُوبٍ فالظّاهِرُ أنَّ (أغْرَقْناهم) جَوابُ (لَمّا) فَلا يُفَسَّرُ ناصِبًا لِـ (قَوْمَ) فَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى المَفْعُولِ في (فَدَمَّرْناهم)، أوْ مَنصُوبًا عَلى مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ اذْكُرْ. وقَدْ جَوَّزَ الوُجُوهَ الثَّلاثَةَ الحَوْفِيُّ.
(لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ) كَذَّبُوا نُوحًا ومَن قَبْلَهُ أوْ جَعَلَ تَكْذِيبَهم لِنُوحٍ تَكْذِيبًا لِلْجَمِيعِ، أوْ لَمْ يَرَوْا بَعْثَةَ الرُّسُلِ كالبَراهِمَةِ، والظّاهِرُ عَطْفُ (وعادًا) عَلى (وقَوْمَ) . وقالَ أبُو إسْحاقَ: يَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى الهاءِ والمِيمِ في ﴿وجَعَلْناهم لِلنّاسِ آيَةً﴾ . قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (الظّالِمِينَ)؛ لِأنَّ التَّأْوِيلَ وعَدْنا الظّالِمِينَ بِالعَذابِ ووَعَدْنا (عادًا وثَمُودَ)، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ والحَسَنُ وعِيسى (وثَمُودَ) غَيْرَ مَصْرُوفٍ.
﴿وأصْحابَ الرَّسِّ﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم قَوْمُ ثَمُودَ، ويُبَعِّدُهُ عَطْفُهُ عَلى ثَمُودَ؛ لِأنَّ العَطْفَ يَقْتَضِي التَّغايُرَ. وقالَ قَتادَةُ: أهْلُ قَرْيَةٍ مِنَ اليَمامَةِ يُقالُ لَها: (p-٤٩٩)الرَّسُّ، والفَلَجُ. قِيلَ: قَتَلُوا نَبِيَّهم فَهَلَكُوا وهم بَقِيَّةُ ثَمُودَ وقَوْمِ صالِحٍ. وقالَ كَعْبٌ ومُقاتِلٌ والسُّدِّيُّ: بِئْرٌ بِأنْطاكِيَةِ الشّامِ قُتِلَ فِيها صاحِبُ ياسِينَ وهو حَبِيبٌ النَّجّارُ. وقِيلَ: قَتَلُوا نَبِيَّهم ورَسُّوهُ في بِئْرٍ، أيْ: دَسُّوهُ فِيهِ.
وقالَ وهْبٌ والكَلْبِيُّ: أصْحابُ الرَّسِّ وأصْحابُ الأيْكَةِ قَوْمانِ أُرْسِلَ إلَيْهِما، شُعَيْبٌ أُرْسِلَ إلى أصْحابِ الرَّسِّ، وكانُوا قَوْمًا مِن عَبَدَةِ الأصْنامِ وأصْحابَ آبارٍ ومَواشٍ، فَدَعاهم إلى الإسْلامِ فَتَمادَوْا في طُغْيانِهِمْ وفي إيذائِهِ، فَبَيْنَما هم حَوْلَ الرَّسِّ وهي البِئْرُ غَيْرُ المَطْوِيَّةِ. وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ انْهارَتْ بِهِمْ فَخُسِفَ بِهِمْ وبِدارِهِمْ. وقالَ عَلِيٌّ فِيما نَقَلَهُ الثَّعْلَبِيُّ: قَوْمٌ عَبَدُوا شَجَرَةَ صَنَوْبَرٍ يُقالُ: لَها شاهْ دَرَخْتَ، رَسُّوا نَبِيَّهم في بِئْرٍ حَفَرُوهُ لَهُ في حَدِيثٍ طَوِيلٍ. وقِيلَ: هم أصْحابُ النَّبِيِّ حَنْظَلَةَ بْنِ صَفْوانَ ﷺ كانُوا مُبْتَلَيْنَ بِالعَنْقاءِ، وهي أعْظَمُ ما يَكُونُ مِنَ الطَّيْرِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِطُولِ عُنُقِها وكانَتْ تَسْكُنُ جَبَلَهُمُ الَّذِي يُقالُ لَهُ فَجٌّ، وهي تَنْقَضُّ عَلى صِبْيانِهِمْ فَتَخْطِفُهم إنْ أعْوَزَها الصَّيْدُ فَدَعا عَلَيْها حَنْظَلَةُ فَأصابَتْها الصّاعِقَةُ، ثُمَّ إنَّهم قَتَلُوا حَنْظَلَةَ فَأُهْلِكُوا. وقِيلَ: هم أصْحابُ الأُخْدُودِ، والرَّسُّ هو الأُخْدُودُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الرَّسُّ بِئْرُ أذْرَبِيجانَ. وقِيلَ: الرَّسُّ ما بَيْنَ نَجْرانَ إلى اليَمَنِ إلى حَضْرَمَوْتَ. وقِيلَ: قَوْمٌ بَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِمْ أنْبِياءَ فَقَتَلُوهم ورَسُّوا عِظامَهم في بِئْرٍ. وقِيلَ: قَوْمٌ بُعِثَ إلَيْهِمْ نَبِيٌّ فَأكَلُوهُ. وقِيلَ: قَوْمٌ نِساؤُهم سَواحِقُ. وقِيلَ: الرَّسُّ ماءٌ ونَخْلٌ لِبَنِي أسَدٍ. وقِيلَ: الرَّسُّ نَهْرٌ مِن بِلادِ المَشْرِقِ بَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِمْ نَبِيًّا مِن أوْلادِ يَهُوذا ابْنِ يَعْقُوبَ فَكَذَّبُوهُ، فَلَبِثَ فِيهِمْ زَمانًا فَشَكا إلى اللَّهِ مِنهم، فَحَفَرُوا لَهُ بِئْرًا وأرْسَلُوهُ فِيها، وقالُوا: نَرْجُو أنْ يَرْضى عَنّا إلَهُنا، فَكانُوا عامَّةَ يَوْمِهِمْ يَسْمَعُونَ أنِينَ نَبِيِّهِمْ، فَدَعا بِتَعْجِيلِ قَبْضِ رُوحِهِ فَماتَ وأظَلَّتْهم سَحابَةٌ سَوْداءُ أذابَتْهم كَما يَذُوبُ الرَّصاصُ.
ورَوى عِكْرِمَةُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ”أنَّ أهْلَ الرَّسِّ أخَذُوا نَبِيَّهم فَرَسُّوهُ في بِئْرٍ وأطْبَقُوا عَلَيْهِ صَخْرَةً، فَكانَ عَبْدٌ أسْوَدُ قَدْ آمَنَ بِهِ يَجِيءُ بِطَعامٍ إلى تِلْكَ البِئْرِ فَيُعِينُهُ اللَّهُ عَلى تِلْكَ الصَّخْرَةِ فَيَقْلَعُها فَيُعْطِيهِ ما يُغَذِّيهِ بِهِ. ثُمَّ يَرُدُّ الصَّخْرَةَ، إلى أنْ ضَرَبَ اللَّهُ يَوْمًا عَلى أُذُنِ ذَلِكَ الأسْوَدِ بِالنَّوْمِ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وأخْرَجَ أهْلُ القَرْيَةِ نَبِيَّهم فَآمَنُوا بِهِ“ . في حَدِيثٍ طَوِيلٍ. قالَ الطَّبَرِيُّ: فَيُمْكِنُ أنَّهم كَفَرُوا بَعْدَ ذَلِكَ فَذَكَرَهُمُ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ، وكَثُرَ الِاخْتِلافُ في أصْحابِ الرَّسِّ، فَلَوْ صَحَّ ما نَقَلَهُ عِكْرِمَةُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ كانَ هو القَوْلَ الَّذِي لا يُمْكِنُ خِلافُهُ (ومُلَخَّصُ هَذِهِ الأقْوالِ) أنَّهم قَوْمٌ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِتَكْذِيبِ مَن أرْسَلَ إلَيْهِمْ.
(وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ) هَذا إبْهامٌ لا يَعْلَمُ حَقِيقَةَ ذَلِكَ إلّا اللَّهُ، و(ذَلِكَ) إشارَةٌ إلى أُولَئِكَ المُتَقَدِّمِي الذِّكْرِ؛ فَلِذَلِكَ حَسُنَ دُخُولُ (بَيْنَ) عَلَيْهِ مِن غَيْرِ أنْ يُعْطَفَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، كَأنَّهُ قِيلَ بَيْنَ المَذْكُورِينَ، وقَدْ يَذْكُرُ الذّاكِرُ أشْياءَ مُخْتَلِفَةً. ثُمَّ يُشِيرُ إلَيْها. وانْتَصَبَ (كُلًّا) الأوَّلُ عَلى الِاشْتِغالِ، أيْ: وأنْذَرْنا كُلًّا أوْ حَذَّرْنا كُلًّا، والثّانِي عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِتَبَّرْنا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ مَفْعُولًا، وهَذا مِن واضِحِ الإعْرابِ. ومَعْنى ضَرَبَ الأمْثالَ، أيْ: بَيَّنَ لَهُمُ القِصَصَ العَجِيبَةَ مِن قَصَصِ الأوَّلِينَ ووَصَفْنا لَهم ما أدّى إلَيْهِ تَكْذِيبُهم بِأنْبِيائِهِمْ مِن عَذابِ اللَّهِ وتَدْمِيرِهِ إيّاهم لِيَهْتَدُوا بِضَرْبِ الأمْثالِ فَلَمْ يَهْتَدُوا، وأبْعَدَ مَن جَعَلَ الضَّمِيرَ في (لَهُ) لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: والمَعْنى وكُلَّ الأمْثالِ ضَرَبْنا لِلرَّسُولِ وعَلى هَذا و(كُلًّا) مَنصُوبٌ بِضَرَبْنا، و(الأمْثالَ) بَدَلٌ مِن (كُلًّا)، والضَّمِيرُ في (ولَقَدْ أتَوْا) لِقُرَيْشٍ كانُوا يَمُرُّونَ عَلى سَدُومَ مِن قُرى قَوْمِ لُوطٍ في مَتاجِرِهِمْ إلى الشّامِ، وكانَتْ قُرًى خَمْسَةً، أهْلَكَ اللَّهُ مِنها أرْبَعًا وبَقِيَتْ واحِدَةٌ، وهي زُغَرُ لَمْ يَكُنْ أهْلُها يَعْمَلُونَ ذَلِكَ العَمَلَ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: و(مَطَرَ السَّوْءِ) الحِجارَةُ الَّتِي أُمْطِرَتْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ فَهَلَكُوا. وكانَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يُنادِي نَصِيحَةً لَكم: يا سَدُومُ، يَوْمٌ لَكم مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - أنْهاكم أنْ تَتَعَرَّضُوا لِلْعُقُوبَةِ مِنَ اللَّهِ، ومَعْنى (أتَوْا) مَرُّوا فَلِذَلِكَ عَدّاهُ بِعَلى. وأفْرَدَ لَفْظَ القَرْيَةِ وإنْ كانَتْ قُرًى؛ لِأنَّ سَدُومَ هي أُمُّ تِلْكَ (p-٥٠٠)القُرى وأعْظَمُها. وقالَ مَكِّيٌّ: الضَّمِيرُ في أتَوْا عائِدٌ عَلى الَّذِينَ اتَّخَذُوا القُرْآنَ مَهْجُورًا. انْتَهى، وهم قُرَيْشٌ، وانْتَصَبَ (مَطَرَ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لَأُمْطِرَتْ، عَلى مَعْنى أُولِيَتْ، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مَحْذُوفُ الزَّوائِدِ، أيْ: إمْطارَ السَّوْءِ.
﴿أفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها﴾ أيْ: يَنْظُرُونَ إلى ما فِيها مِنَ العِبَرِ والآثارِ الدّالَّةِ عَلى ما حَلَّ بِها مِنَ النِّقَمِ كَما قالَ: ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ وبِاللَيْلِ﴾ [الصافات: ١٣٧]، وقالَ: ﴿وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩]، وهو اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّعَجُّبُ، ومَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَعْتَبِرُوا بِرُؤْيَتِها أنْ يَحِلَّ بِهِمْ في الدُّنْيا ما حَلَّ بِأُولَئِكَ، بَلْ كانُوا كَفَرَةً لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ فَلَمْ يَتَوَقَّعُوا عَذابَ الآخِرَةِ، وضَعَ الرَّجاءَ مَوْضِعَ التَّوَقُّعِ؛ لِأنَّهُ إنَّما يَتَوَقَّعُ العاقِبَةَ مَن يُؤْمِنُ، فَمِن ثَمَّ لَمْ يَنْظُرُوا ولَمْ يَتَفَكَّرُوا ومَرُّوا بِها كَما مَرَّتْ رِكابُهم، أوْ لا يَأْمُلُونَ (نُشُورًا) كَما يَأْمُلُهُ المُؤْمِنُونَ لِطَمَعِهِمْ إلى ثَوابِ أعْمالِهِمْ، أوْ لا يَخافُونَ عَلى اللُّغَةِ التِّهامِيَّةِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ”مُطِرَتْ“ ثُلاثِيًّا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ومَطَرَ مُتَعَدٍّ. قالَ الشّاعِرُ:
؎كَمَن بَوادِيهِ بَعْدَ المَحْلِ مَمْطُورِ
وقَرَأ أبُو السِّماكِ: (مَطَرَ السُّوءِ) بِضَمِّ السِّينِ.
﴿وإذا رَأوْكَ إنَّ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾، لَمْ يَقْتَصِرِ المُشْرِكُونَ عَلى إنْكارِ نُبُوَّةِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وتَرْكِ الإيمانِ بِهِ، بَلْ زادُوا عَلى ذَلِكَ بِالِاسْتِهْزاءِ والِاحْتِقارِ. حَتّى يَقُولَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿أهَذا الَّذِى بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾، و(إنْ) نافِيَةٌ جَوابُ (إذا)، وانْفَرَدَتْ (إذا) بِأنَّهُ إذا كانَ جَوابُها مَنفِيًّا بِما أوْ بِلا لا تَدْخُلُهُ الفاءُ، بِخِلافِ أدَواتِ الشَّرْطِ غَيْرِها فَلا بُدَّ مِنَ الفاءِ مَعَ ما ومَعَ لا إذا ارْتَفَعَ المُضارِعُ، فَلَوْ وقَعَتْ إنِ النّافِيَةُ في جَوابِ غَيْرِ إذا فَلا بُدَّ مِنَ الفاءِ كَما النّافِيَةِ، ومَعْنى (هُزُؤًا) مَوْضِعَ هُزْءٍ أوْ مَهْزُوًّا بِهِ، (أهَذا) قَبْلَهُ قَوْلٌ مَحْذُوفٌ، أيْ: يَقُولُونَ، وقالَ: جَوابُ (إذا) ما أُضْمِرُ مِنَ القَوْلِ، أيْ: (وإذا رَأوْكَ) قالُوا: ﴿أهَذا الَّذِى بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾، و(إنْ يَتَّخِذُونَكَ) جُمْلَةٌ اعْتِراضِيَّةٌ بَيْنَ (إذا) وجَوابِها. قِيلَ: ونَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ؛ كانَ إذا رَأى الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ: ﴿أهَذا الَّذِى بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ ؟ وأخْبَرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لِقُبْحِ صُنْعِهِ أوْ لِكَوْنِ جَماعَةٍ مَعَهُ قالُوا ذَلِكَ، والظّاهِرُ أنَّ قائِلَ ذَلِكَ جَماعَةٌ كَثِيرَةٌ، وهَذا الِاسْتِفْهامُ اسْتِصْغارٌ واحْتِقارٌ مِنهم أخْرَجُوهُ بِقَوْلِهِمْ: بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا في مَعْرِضِ التَّسْلِيمِ والإقْرارِ، وهم عَلى غايَةِ الجُحُودِ والإنْكارِ سُخْرِيَةً واسْتِهْزاءً، ولَوْ لَمْ يَسْتَهْزِئُوا لَقالُوا هَذا زَعَمَ أوِ ادَّعى أنَّهُ مَبْعُوثٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ رَسُولًا. وقَوْلُهم: (إنْ كادَ لَيُضِلُّنا) دَلِيلٌ عَلى فَرْطِ مُجاهَدَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في دَعْوَتِهِمْ، وبَذْلِهِ قُصارى الوُسْعِ والطّاقَةِ في اسْتِعْطافِهِمْ مَعَ عَرْضِ الآياتِ والمُعْجِزاتِ، حَتّى شارَفُوا بِزَعْمِهِمْ أنْ يَتْرُكُوا دِينَهم إلى دِينِ الإسْلامِ، لَوْلا فَرْطُ لَجاجِهِمْ واسْتِمْساكِهِمْ بِعِبادَةِ آلِهَتِهِمْ. و(لَوْلا) في مِثْلِ هَذا الكَلامِ جارٍ - مِن حَيْثُ المَعْنى لا مِن حَيْثُ اللَّفْظُ - مَجْرى التَّقْيِيدِ لِلْحُكْمِ المُطْلَقِ؛ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: الِاسْتِهْزاءُ إمّا بِالصُّورَةِ فَكانَ أحْسَنَ مِنهم خِلْقَةً، أوْ بِالصِّفَةِ فَلا يُمْكِنُ؛ لِأنَّ الصِّفَةَ الَّتِي تَمَيَّزَ بِها عَنْهم ظُهُورُ المُعْجِزِ عَلَيْهِ دُونَهم، وما قَدَرُوا عَلى القَدْحِ في حُجَّتِهِ فَفي الحَقِيقَةِ هُمُ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ أنْ يُهْزَأ بِهِمْ، ثُمَّ لِوَقاحَتِهِمْ قَلَبُوا القِصَّةَ واسْتَهْزَءُوا بِالرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - انْتَهى. قِيلَ: وتَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّهم صارُوا في ظُهُورِ حُجَّتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلَيْهِمْ كالمَجانِينِ اسْتَهْزَءُوا بِهِ أوَّلًا، ثُمَّ إنَّهم وصَفُوهُ بِأنَّهُ (كادَ لَيُضِلُّنا) عَنْ مَذْهَبِنا (لَوْلا) أنّا قابَلْناهُ بِالجُمُودِ والإصْرارِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم سَلَّمُوا لَهُ قُوَّةَ الحُجَّةِ وكَمالَ العَقْلِ، فَكَوْنُهم جَمَعُوا بَيْنَ الِاسْتِهْزاءِ وبَيْنَ هَذِهِ الكَيْدُودَةِ دَلَّ عَلى أنَّهم كانُوا كالمُتَحَيِّرِينَ في أمْرِهِ، تارَةً يَسْتَهْزِئُونَ مِنهُ وتارَةً يَصِفُونَهُ بِما لا يَلِيقُ إلّا بِالعالِمِ الكامِلِ.
﴿وسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ وعِيدٌ ودَلالَةٌ عَلى أنَّهم لا يَفُوتُونَهُ وإنْ طالَتْ مُدَّةُ الإمْهالِ، فَلا بُدَّ لِلْوَعِيدِ أنْ يَلْحَقَهم فَلا يَغُرَّنَّهُمُ التَّأْخِيرُ، ولَمّا قالُوا (إنْ كادَ لَيُضِلُّنا) جاءَ قَوْلُهُ: ﴿مَن أضَلُّ سَبِيلًا﴾ أيْ: سَيَظْهَرُ لَهم مَنِ المُضِلُّ ومَنِ الضّالُّ بِمُشاهَدَةِ العَذابِ الَّذِي لا مُخَلِّصَ لَهم مِنهُ. والظّاهِرُ أنَّ (مَن) اسْتِفْهامِيَّةٌ، و(أضَلُّ) خَبَرُهُ، والجُمْلَةَ في مَوْضِعِ مَفْعُولِ (يَعْلَمُونَ) إنْ كانَتْ (p-٥٠١)مُتَعَدِّيَةً إلى واحِدٍ، أوْ في مَوْضِعِ مَفْعُولَيْنِ إنْ كانَتْ تَعَدَّتْ إلى اثْنَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (مَن) مَوْصُولَةً مَفْعُولَةً بِيَعْلَمُونَ، و(أضَلُّ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو أضَلُّ، وصارَ حَذْفُ هَذا المُضْمَرِ لِلِاسْتِطالَةِ الَّتِي حَصَلَتْ في قَوْلِ العَرَبِ: ما أنا بِالَّذِي قائِلٌ لَكَ سَواءٌ.
﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ هَذا يَأْسٌ عَنْ إيمانِهِمْ وإشارَةٌ إلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ لا يَتَأسَّفَ عَلَيْهِمْ، وإعْلامٌ أنَّهم في الجَهْلِ بِالمَنافِعِ وقِلَّةِ النَّظَرِ في العَواقِبِ مِثْلُ البَهائِمِ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهم (أضَلُّ سَبِيلًا) مِنَ الأنْعامِ مِن حَيْثُ لَهم فَهْمٌ وتَرَكُوا اسْتِعْمالَهُ فِيما يُخَلِّصُهم مِن عَذابِ اللَّهِ. والأنْعامُ لا سَبِيلَ لَها إلى فَهْمِ المَصالِحِ. و(أرَأيْتَ) اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ مِن جَهْلِ مَن هَذِهِ حالُهُ، و(إلَهَهُ) المَفْعُولُ الأوَّلُ لِاتَّخَذَ، و(هَواهُ) الثّانِي، أيْ: أقامَ مُقامَ الإلَهِ الَّذِي يَعْبُدُهُ هَواهُ فَهو جارٍ عَلى ما يَكُونُ في (هَواهُ)، والمَعْنى أنَّهُ لَمْ يَتَّخِذْ إلَهًا إلّا هَواهُ، وادِّعاءُ القَلْبِ لَيْسَ بِجَيِّدٍ إذْ يُقَدِّرُهُ مَنِ اتَّخَذَ هَواهُ إلَهَهُ، والبَيْتُ مِن ضَرائِرِ الشِّعْرِ ونادِرِ الكَلامِ فَيُنَزَّهُ كَلامُ اللَّهِ عَنْهُ، كانَ الرَّجُلُ يَعْبُدُ الصَّنَمَ فَإذا رَأى أحْسَنَ مِنهُ رَماهُ وأخَذَ الأحْسَنَ. قِيلَ: نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ قَيْسٍ السَّهْمِيِّ، كانَ إذا هَوِيَ شَيْئًا عَبَدَهُ، والهَوى مَيْلُ القَلْبِ إلى الشَّيْءِ (أفَأنْتَ) تُجْبِرُهُ عَلى تَرْكِ هَواهُ، أوْ (أفَأنْتَ) تَحْفَظُهُ مِن عَظِيمِ جَهْلِهِ. وقَرَأ بَعْضُ أهْلِ المَدِينَةِ ”مَنِ اتَّخَذَ آلِهَةً“ مُنَوَّنَةً عَلى الجَمْعِ، وفِيهِ تَقْدِيمٌ جَعَلَ هَواهُ أنْواعًا أسْماءً لِأجْناسٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَجَعَلَ كُلَّ جِنْسٍ مِن هَواهُ إلَهًا آخَرَ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ: (إلاهَةً) عَلى وزْنِ فِعالَةٍ، وفِيهِ أيْضًا تَقْدِيمٌ أيْ: هَواهُ إلاهَةً، بِمَعْنى مَعْبُودٍ؛ لِأنَّها بِمَعْنى المَأْلُوهَةِ. فالهاءُ فِيها لِلْمُبالَغَةِ فَلِذَلِكَ صُرِفَتْ. وقِيلَ: بَلِ الإلاهَةُ الشَّمْسُ، ويُقالُ لَها أُلاهَةٌ بِضَمِّ الهَمْزَةِ، وهي غَيْرُ مَصْرُوفَةٍ لِلْعَلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ، لَكِنَّها لَمّا كانَتْ مِمّا يَدْخُلُها لامُ المَعْرِفَةِ في بَعْضِ اللُّغاتِ صارَتْ بِمَنزِلَةِ ما كانَ فِيهِ اللّامُ ثُمَّ نُزِعَتْ؛ فَلِذَلِكَ صُرِفَتْ وصارَتْ بِمَنزِلَةِ النُّعُوتِ فَتَنَكَّرَتْ؛ قالَهُ صاحِبُ اللَّوامِحِ. ومَفْعُولُ (أرَأيْتَ) الأوَّلُ هو (مَنِ)، والجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في (أرَأيْتَ) في أوائِلِ الأنْعامِ، ومَعْنى (وكِيلًا) أيْ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَدْعُوَ إلى الهُدى فَتَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ وتُجْبِرَهُ عَلى الإسْلامِ. و(أمْ) مُنْقَطِعَةٌ تَتَقَدَّرُ بِبَلْ والهَمْزَةِ عَلى المَذْهَبِ الصَّحِيحِ، كَأنَّهُ قالَ: بَلْ أتَحْسَبُ كَأنَّ هَذِهِ المَذَمَّةَ أشَدُّ مِنَ الَّتِي تَقَدَّمَتْها حَتّى حُفَّتْ بِالإضْرابِ عَنْها إلَيْها، وهو كَوْنُهم مَسْلُوبِي الأسْماعِ والعُقُولِ؛ لِأنَّهم لا يُلْقُونَ إلى اسْتِماعِ الحَقِّ أُذُنًا ولا إلى تَدَبُّرِهِ عَقْلًا، ومُشَبَّهِينَ بِالأنْعامِ الَّتِي هي مَثَلٌ في الغَفْلَةِ والضَّلالَةِ، ونُفِيَ ذَلِكَ عَنْ أكْثَرِهِمْ؛ لِأنَّ فِيهِمْ مَن سَبَقَتْ لَهُ السَّعادَةُ فَأسْلَمَ، وجُعِلُوا أضَلَّ مِنَ الأنْعامِ؛ لِأنَّها تَنْقادُ لِأرْبابِها وتَعْرِفُ مَن يُحْسِنُ إلَيْها مِمَّنْ يُسِيءُ إلَيْها، وتَطْلُبُ مَنفَعَتَها وتَتَجَنَّبُ مَضَرَّتَها، وتَهْتَدِي إلى مَراعِيها ومَشارِبِها، وهم لا يَنْقادُونَ لِرَبِّهِمْ، ولا يَعْرِفُونَ إحْسانَهُ إلَيْهِمْ، ولا يَرْغَبُونَ في الثَّوابِ الَّذِي هو أعْظَمُ المَنافِعِ، ولا يَتَّقُونَ العِقابَ الَّذِي هو أشَدُّ المَضارِّ، ولا يَهْتَدُونَ لِلْحَقِّ.
الفرقان 25:36
(p-٤٩٨)﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ وجَعَلْنا مَعَهُ أخاهُ هارُونَ وزِيرًا﴾ ﴿فَقُلْنا اذْهَبا إلى القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهم تَدْمِيرًا﴾ ﴿وقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهم وجَعَلْناهم لِلنّاسِ آيَةً وأعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿وعادًا وثَمُودَ وأصْحابَ الرَّسِّ وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ ﴿وكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ وكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيرًا﴾ ﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ ﴿وإذا رَأوْكَ إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ ﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها وسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ مَن أضَلُّ سَبِيلًا﴾ ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلًا﴾ ﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ إنْ هم إلّا كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا﴾
لَمّا تَقَدَّمَ تَكْذِيبُ قُرَيْشٍ والكَفّارِ لِما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ تَعالى ما فِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ وإرْهابٌ لِلْمُكَذِّبِينَ، وتَذْكِيرٌ لَهم أنْ يُصِيبَهم ما أصابَ الأُمَمَ السّابِقَةَ مِن هَلاكِ الِاسْتِئْصالِ لَمّا كَذَّبُوا رُسُلَهم، فَناسَبَ أنْ ذَكَرَ أوَّلًا مَن نَزَلَ عَلَيْهِ كِتابُهُ جُمْلَةً واحِدَةً، ومَعَ ذَلِكَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِهِ، فَكَذَلِكَ هَؤُلاءِ لَوْ نَزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ دُفْعَةً لَكَذَّبُوا وكَفَرُوا كَما كَذَّبَ قَوْمُ مُوسى.
والكِتابُ هُنا التَّوْراةُ، و(هارُونَ) بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَعَهُ المَفْعُولُ الثّانِي لِجَعَلْنا. وأنْ يَكُونَ (وزِيرًا)، والوِزارَةُ لا تُنافِي النُّبُوَّةَ؛ فَقَدْ كانَ في الزَّمانِ الواحِدِ أنْبِياءُ يُؤازِرُ بَعْضُهم بَعْضًا، والمَذْهُوبُ إلَيْهِمُ القِبْطُ وفِرْعَوْنُ. وفي الكَلامِ حَذْفٌ، أيْ: فَذَهَبا وأدَّيا الرِّسالَةَ فَكَذَّبُوهُما، (فَدَمَّرْناهم)، والتَّدْمِيرُ أشَدُّ الإهْلاكِ، وأصْلُهُ كَسْرُ الشَّيْءِ عَلى وجْهٍ لا يُمْكِنُ إصْلاحُهُ. وقِصَّةُ مُوسى ومَن أُرْسِلَ إلَيْهِ ذُكِرَتْ مُنْتَهِيَةً في غَيْرِ ما مَوْضِعٍ، وهُنا اخْتُصِرَتْ فَأوْجَزَ بِذِكْرِ أوَّلِها وآخِرِها؛ لِأنَّهُ بِذَلِكَ يُلْزِمُ الحُجَّةَ بِبَعْثَةِ الرُّسُلِ واسْتِحْقاقَ التَّدْمِيرِ بِتَكْذِيبِهِمْ.
وقَرَأ عَلِيٌّ، والحَسَنُ ومَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ: (فَدَمِّراهم)، عَلى الأمْرِ لِمُوسى وهارُونَ، وعَنْ عَلِيٍّ أيْضًا كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ مُؤَكَّدٌ بِالنُّونِ الشَّدِيدَةِ. وعَنْهُ أيْضًا (فَدَمِّرا) أمْرًا لَهُما (بِهِمْ) بِباءِ الجَرِّ، ومَعْنى الأمْرِ كُونا سَبَبَ تَدْمِيرِهِمْ.
وانْتَصَبَ (وقَوْمَ نُوحٍ) عَلى الِاشْتِغالِ، وكانَ النَّصْبُ أرْجَحَ لِتَقَدُّمِ الجُمَلِ الفِعْلِيَّةِ قَبْلَ ذَلِكَ، ويَكُونُ (لَمّا) في هَذا الإعْرابِ ظَرْفًا عَلى مَذْهَبِ الفارِسِيِّ. وأمّا إنْ كانَتْ حَرْفَ وُجُوبٍ لِوُجُوبٍ فالظّاهِرُ أنَّ (أغْرَقْناهم) جَوابُ (لَمّا) فَلا يُفَسَّرُ ناصِبًا لِـ (قَوْمَ) فَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى المَفْعُولِ في (فَدَمَّرْناهم)، أوْ مَنصُوبًا عَلى مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ اذْكُرْ. وقَدْ جَوَّزَ الوُجُوهَ الثَّلاثَةَ الحَوْفِيُّ.
(لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ) كَذَّبُوا نُوحًا ومَن قَبْلَهُ أوْ جَعَلَ تَكْذِيبَهم لِنُوحٍ تَكْذِيبًا لِلْجَمِيعِ، أوْ لَمْ يَرَوْا بَعْثَةَ الرُّسُلِ كالبَراهِمَةِ، والظّاهِرُ عَطْفُ (وعادًا) عَلى (وقَوْمَ) . وقالَ أبُو إسْحاقَ: يَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى الهاءِ والمِيمِ في ﴿وجَعَلْناهم لِلنّاسِ آيَةً﴾ . قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (الظّالِمِينَ)؛ لِأنَّ التَّأْوِيلَ وعَدْنا الظّالِمِينَ بِالعَذابِ ووَعَدْنا (عادًا وثَمُودَ)، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ والحَسَنُ وعِيسى (وثَمُودَ) غَيْرَ مَصْرُوفٍ.
﴿وأصْحابَ الرَّسِّ﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم قَوْمُ ثَمُودَ، ويُبَعِّدُهُ عَطْفُهُ عَلى ثَمُودَ؛ لِأنَّ العَطْفَ يَقْتَضِي التَّغايُرَ. وقالَ قَتادَةُ: أهْلُ قَرْيَةٍ مِنَ اليَمامَةِ يُقالُ لَها: (p-٤٩٩)الرَّسُّ، والفَلَجُ. قِيلَ: قَتَلُوا نَبِيَّهم فَهَلَكُوا وهم بَقِيَّةُ ثَمُودَ وقَوْمِ صالِحٍ. وقالَ كَعْبٌ ومُقاتِلٌ والسُّدِّيُّ: بِئْرٌ بِأنْطاكِيَةِ الشّامِ قُتِلَ فِيها صاحِبُ ياسِينَ وهو حَبِيبٌ النَّجّارُ. وقِيلَ: قَتَلُوا نَبِيَّهم ورَسُّوهُ في بِئْرٍ، أيْ: دَسُّوهُ فِيهِ.
وقالَ وهْبٌ والكَلْبِيُّ: أصْحابُ الرَّسِّ وأصْحابُ الأيْكَةِ قَوْمانِ أُرْسِلَ إلَيْهِما، شُعَيْبٌ أُرْسِلَ إلى أصْحابِ الرَّسِّ، وكانُوا قَوْمًا مِن عَبَدَةِ الأصْنامِ وأصْحابَ آبارٍ ومَواشٍ، فَدَعاهم إلى الإسْلامِ فَتَمادَوْا في طُغْيانِهِمْ وفي إيذائِهِ، فَبَيْنَما هم حَوْلَ الرَّسِّ وهي البِئْرُ غَيْرُ المَطْوِيَّةِ. وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ انْهارَتْ بِهِمْ فَخُسِفَ بِهِمْ وبِدارِهِمْ. وقالَ عَلِيٌّ فِيما نَقَلَهُ الثَّعْلَبِيُّ: قَوْمٌ عَبَدُوا شَجَرَةَ صَنَوْبَرٍ يُقالُ: لَها شاهْ دَرَخْتَ، رَسُّوا نَبِيَّهم في بِئْرٍ حَفَرُوهُ لَهُ في حَدِيثٍ طَوِيلٍ. وقِيلَ: هم أصْحابُ النَّبِيِّ حَنْظَلَةَ بْنِ صَفْوانَ ﷺ كانُوا مُبْتَلَيْنَ بِالعَنْقاءِ، وهي أعْظَمُ ما يَكُونُ مِنَ الطَّيْرِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِطُولِ عُنُقِها وكانَتْ تَسْكُنُ جَبَلَهُمُ الَّذِي يُقالُ لَهُ فَجٌّ، وهي تَنْقَضُّ عَلى صِبْيانِهِمْ فَتَخْطِفُهم إنْ أعْوَزَها الصَّيْدُ فَدَعا عَلَيْها حَنْظَلَةُ فَأصابَتْها الصّاعِقَةُ، ثُمَّ إنَّهم قَتَلُوا حَنْظَلَةَ فَأُهْلِكُوا. وقِيلَ: هم أصْحابُ الأُخْدُودِ، والرَّسُّ هو الأُخْدُودُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الرَّسُّ بِئْرُ أذْرَبِيجانَ. وقِيلَ: الرَّسُّ ما بَيْنَ نَجْرانَ إلى اليَمَنِ إلى حَضْرَمَوْتَ. وقِيلَ: قَوْمٌ بَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِمْ أنْبِياءَ فَقَتَلُوهم ورَسُّوا عِظامَهم في بِئْرٍ. وقِيلَ: قَوْمٌ بُعِثَ إلَيْهِمْ نَبِيٌّ فَأكَلُوهُ. وقِيلَ: قَوْمٌ نِساؤُهم سَواحِقُ. وقِيلَ: الرَّسُّ ماءٌ ونَخْلٌ لِبَنِي أسَدٍ. وقِيلَ: الرَّسُّ نَهْرٌ مِن بِلادِ المَشْرِقِ بَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِمْ نَبِيًّا مِن أوْلادِ يَهُوذا ابْنِ يَعْقُوبَ فَكَذَّبُوهُ، فَلَبِثَ فِيهِمْ زَمانًا فَشَكا إلى اللَّهِ مِنهم، فَحَفَرُوا لَهُ بِئْرًا وأرْسَلُوهُ فِيها، وقالُوا: نَرْجُو أنْ يَرْضى عَنّا إلَهُنا، فَكانُوا عامَّةَ يَوْمِهِمْ يَسْمَعُونَ أنِينَ نَبِيِّهِمْ، فَدَعا بِتَعْجِيلِ قَبْضِ رُوحِهِ فَماتَ وأظَلَّتْهم سَحابَةٌ سَوْداءُ أذابَتْهم كَما يَذُوبُ الرَّصاصُ.
ورَوى عِكْرِمَةُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ”أنَّ أهْلَ الرَّسِّ أخَذُوا نَبِيَّهم فَرَسُّوهُ في بِئْرٍ وأطْبَقُوا عَلَيْهِ صَخْرَةً، فَكانَ عَبْدٌ أسْوَدُ قَدْ آمَنَ بِهِ يَجِيءُ بِطَعامٍ إلى تِلْكَ البِئْرِ فَيُعِينُهُ اللَّهُ عَلى تِلْكَ الصَّخْرَةِ فَيَقْلَعُها فَيُعْطِيهِ ما يُغَذِّيهِ بِهِ. ثُمَّ يَرُدُّ الصَّخْرَةَ، إلى أنْ ضَرَبَ اللَّهُ يَوْمًا عَلى أُذُنِ ذَلِكَ الأسْوَدِ بِالنَّوْمِ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وأخْرَجَ أهْلُ القَرْيَةِ نَبِيَّهم فَآمَنُوا بِهِ“ . في حَدِيثٍ طَوِيلٍ. قالَ الطَّبَرِيُّ: فَيُمْكِنُ أنَّهم كَفَرُوا بَعْدَ ذَلِكَ فَذَكَرَهُمُ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ، وكَثُرَ الِاخْتِلافُ في أصْحابِ الرَّسِّ، فَلَوْ صَحَّ ما نَقَلَهُ عِكْرِمَةُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ كانَ هو القَوْلَ الَّذِي لا يُمْكِنُ خِلافُهُ (ومُلَخَّصُ هَذِهِ الأقْوالِ) أنَّهم قَوْمٌ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِتَكْذِيبِ مَن أرْسَلَ إلَيْهِمْ.
(وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ) هَذا إبْهامٌ لا يَعْلَمُ حَقِيقَةَ ذَلِكَ إلّا اللَّهُ، و(ذَلِكَ) إشارَةٌ إلى أُولَئِكَ المُتَقَدِّمِي الذِّكْرِ؛ فَلِذَلِكَ حَسُنَ دُخُولُ (بَيْنَ) عَلَيْهِ مِن غَيْرِ أنْ يُعْطَفَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، كَأنَّهُ قِيلَ بَيْنَ المَذْكُورِينَ، وقَدْ يَذْكُرُ الذّاكِرُ أشْياءَ مُخْتَلِفَةً. ثُمَّ يُشِيرُ إلَيْها. وانْتَصَبَ (كُلًّا) الأوَّلُ عَلى الِاشْتِغالِ، أيْ: وأنْذَرْنا كُلًّا أوْ حَذَّرْنا كُلًّا، والثّانِي عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِتَبَّرْنا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ مَفْعُولًا، وهَذا مِن واضِحِ الإعْرابِ. ومَعْنى ضَرَبَ الأمْثالَ، أيْ: بَيَّنَ لَهُمُ القِصَصَ العَجِيبَةَ مِن قَصَصِ الأوَّلِينَ ووَصَفْنا لَهم ما أدّى إلَيْهِ تَكْذِيبُهم بِأنْبِيائِهِمْ مِن عَذابِ اللَّهِ وتَدْمِيرِهِ إيّاهم لِيَهْتَدُوا بِضَرْبِ الأمْثالِ فَلَمْ يَهْتَدُوا، وأبْعَدَ مَن جَعَلَ الضَّمِيرَ في (لَهُ) لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: والمَعْنى وكُلَّ الأمْثالِ ضَرَبْنا لِلرَّسُولِ وعَلى هَذا و(كُلًّا) مَنصُوبٌ بِضَرَبْنا، و(الأمْثالَ) بَدَلٌ مِن (كُلًّا)، والضَّمِيرُ في (ولَقَدْ أتَوْا) لِقُرَيْشٍ كانُوا يَمُرُّونَ عَلى سَدُومَ مِن قُرى قَوْمِ لُوطٍ في مَتاجِرِهِمْ إلى الشّامِ، وكانَتْ قُرًى خَمْسَةً، أهْلَكَ اللَّهُ مِنها أرْبَعًا وبَقِيَتْ واحِدَةٌ، وهي زُغَرُ لَمْ يَكُنْ أهْلُها يَعْمَلُونَ ذَلِكَ العَمَلَ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: و(مَطَرَ السَّوْءِ) الحِجارَةُ الَّتِي أُمْطِرَتْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ فَهَلَكُوا. وكانَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يُنادِي نَصِيحَةً لَكم: يا سَدُومُ، يَوْمٌ لَكم مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - أنْهاكم أنْ تَتَعَرَّضُوا لِلْعُقُوبَةِ مِنَ اللَّهِ، ومَعْنى (أتَوْا) مَرُّوا فَلِذَلِكَ عَدّاهُ بِعَلى. وأفْرَدَ لَفْظَ القَرْيَةِ وإنْ كانَتْ قُرًى؛ لِأنَّ سَدُومَ هي أُمُّ تِلْكَ (p-٥٠٠)القُرى وأعْظَمُها. وقالَ مَكِّيٌّ: الضَّمِيرُ في أتَوْا عائِدٌ عَلى الَّذِينَ اتَّخَذُوا القُرْآنَ مَهْجُورًا. انْتَهى، وهم قُرَيْشٌ، وانْتَصَبَ (مَطَرَ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لَأُمْطِرَتْ، عَلى مَعْنى أُولِيَتْ، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مَحْذُوفُ الزَّوائِدِ، أيْ: إمْطارَ السَّوْءِ.
﴿أفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها﴾ أيْ: يَنْظُرُونَ إلى ما فِيها مِنَ العِبَرِ والآثارِ الدّالَّةِ عَلى ما حَلَّ بِها مِنَ النِّقَمِ كَما قالَ: ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ وبِاللَيْلِ﴾ [الصافات: ١٣٧]، وقالَ: ﴿وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩]، وهو اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّعَجُّبُ، ومَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَعْتَبِرُوا بِرُؤْيَتِها أنْ يَحِلَّ بِهِمْ في الدُّنْيا ما حَلَّ بِأُولَئِكَ، بَلْ كانُوا كَفَرَةً لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ فَلَمْ يَتَوَقَّعُوا عَذابَ الآخِرَةِ، وضَعَ الرَّجاءَ مَوْضِعَ التَّوَقُّعِ؛ لِأنَّهُ إنَّما يَتَوَقَّعُ العاقِبَةَ مَن يُؤْمِنُ، فَمِن ثَمَّ لَمْ يَنْظُرُوا ولَمْ يَتَفَكَّرُوا ومَرُّوا بِها كَما مَرَّتْ رِكابُهم، أوْ لا يَأْمُلُونَ (نُشُورًا) كَما يَأْمُلُهُ المُؤْمِنُونَ لِطَمَعِهِمْ إلى ثَوابِ أعْمالِهِمْ، أوْ لا يَخافُونَ عَلى اللُّغَةِ التِّهامِيَّةِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ”مُطِرَتْ“ ثُلاثِيًّا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ومَطَرَ مُتَعَدٍّ. قالَ الشّاعِرُ:
؎كَمَن بَوادِيهِ بَعْدَ المَحْلِ مَمْطُورِ
وقَرَأ أبُو السِّماكِ: (مَطَرَ السُّوءِ) بِضَمِّ السِّينِ.
﴿وإذا رَأوْكَ إنَّ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾، لَمْ يَقْتَصِرِ المُشْرِكُونَ عَلى إنْكارِ نُبُوَّةِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وتَرْكِ الإيمانِ بِهِ، بَلْ زادُوا عَلى ذَلِكَ بِالِاسْتِهْزاءِ والِاحْتِقارِ. حَتّى يَقُولَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿أهَذا الَّذِى بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾، و(إنْ) نافِيَةٌ جَوابُ (إذا)، وانْفَرَدَتْ (إذا) بِأنَّهُ إذا كانَ جَوابُها مَنفِيًّا بِما أوْ بِلا لا تَدْخُلُهُ الفاءُ، بِخِلافِ أدَواتِ الشَّرْطِ غَيْرِها فَلا بُدَّ مِنَ الفاءِ مَعَ ما ومَعَ لا إذا ارْتَفَعَ المُضارِعُ، فَلَوْ وقَعَتْ إنِ النّافِيَةُ في جَوابِ غَيْرِ إذا فَلا بُدَّ مِنَ الفاءِ كَما النّافِيَةِ، ومَعْنى (هُزُؤًا) مَوْضِعَ هُزْءٍ أوْ مَهْزُوًّا بِهِ، (أهَذا) قَبْلَهُ قَوْلٌ مَحْذُوفٌ، أيْ: يَقُولُونَ، وقالَ: جَوابُ (إذا) ما أُضْمِرُ مِنَ القَوْلِ، أيْ: (وإذا رَأوْكَ) قالُوا: ﴿أهَذا الَّذِى بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾، و(إنْ يَتَّخِذُونَكَ) جُمْلَةٌ اعْتِراضِيَّةٌ بَيْنَ (إذا) وجَوابِها. قِيلَ: ونَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ؛ كانَ إذا رَأى الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ: ﴿أهَذا الَّذِى بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ ؟ وأخْبَرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لِقُبْحِ صُنْعِهِ أوْ لِكَوْنِ جَماعَةٍ مَعَهُ قالُوا ذَلِكَ، والظّاهِرُ أنَّ قائِلَ ذَلِكَ جَماعَةٌ كَثِيرَةٌ، وهَذا الِاسْتِفْهامُ اسْتِصْغارٌ واحْتِقارٌ مِنهم أخْرَجُوهُ بِقَوْلِهِمْ: بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا في مَعْرِضِ التَّسْلِيمِ والإقْرارِ، وهم عَلى غايَةِ الجُحُودِ والإنْكارِ سُخْرِيَةً واسْتِهْزاءً، ولَوْ لَمْ يَسْتَهْزِئُوا لَقالُوا هَذا زَعَمَ أوِ ادَّعى أنَّهُ مَبْعُوثٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ رَسُولًا. وقَوْلُهم: (إنْ كادَ لَيُضِلُّنا) دَلِيلٌ عَلى فَرْطِ مُجاهَدَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في دَعْوَتِهِمْ، وبَذْلِهِ قُصارى الوُسْعِ والطّاقَةِ في اسْتِعْطافِهِمْ مَعَ عَرْضِ الآياتِ والمُعْجِزاتِ، حَتّى شارَفُوا بِزَعْمِهِمْ أنْ يَتْرُكُوا دِينَهم إلى دِينِ الإسْلامِ، لَوْلا فَرْطُ لَجاجِهِمْ واسْتِمْساكِهِمْ بِعِبادَةِ آلِهَتِهِمْ. و(لَوْلا) في مِثْلِ هَذا الكَلامِ جارٍ - مِن حَيْثُ المَعْنى لا مِن حَيْثُ اللَّفْظُ - مَجْرى التَّقْيِيدِ لِلْحُكْمِ المُطْلَقِ؛ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: الِاسْتِهْزاءُ إمّا بِالصُّورَةِ فَكانَ أحْسَنَ مِنهم خِلْقَةً، أوْ بِالصِّفَةِ فَلا يُمْكِنُ؛ لِأنَّ الصِّفَةَ الَّتِي تَمَيَّزَ بِها عَنْهم ظُهُورُ المُعْجِزِ عَلَيْهِ دُونَهم، وما قَدَرُوا عَلى القَدْحِ في حُجَّتِهِ فَفي الحَقِيقَةِ هُمُ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ أنْ يُهْزَأ بِهِمْ، ثُمَّ لِوَقاحَتِهِمْ قَلَبُوا القِصَّةَ واسْتَهْزَءُوا بِالرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - انْتَهى. قِيلَ: وتَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّهم صارُوا في ظُهُورِ حُجَّتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلَيْهِمْ كالمَجانِينِ اسْتَهْزَءُوا بِهِ أوَّلًا، ثُمَّ إنَّهم وصَفُوهُ بِأنَّهُ (كادَ لَيُضِلُّنا) عَنْ مَذْهَبِنا (لَوْلا) أنّا قابَلْناهُ بِالجُمُودِ والإصْرارِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم سَلَّمُوا لَهُ قُوَّةَ الحُجَّةِ وكَمالَ العَقْلِ، فَكَوْنُهم جَمَعُوا بَيْنَ الِاسْتِهْزاءِ وبَيْنَ هَذِهِ الكَيْدُودَةِ دَلَّ عَلى أنَّهم كانُوا كالمُتَحَيِّرِينَ في أمْرِهِ، تارَةً يَسْتَهْزِئُونَ مِنهُ وتارَةً يَصِفُونَهُ بِما لا يَلِيقُ إلّا بِالعالِمِ الكامِلِ.
﴿وسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ وعِيدٌ ودَلالَةٌ عَلى أنَّهم لا يَفُوتُونَهُ وإنْ طالَتْ مُدَّةُ الإمْهالِ، فَلا بُدَّ لِلْوَعِيدِ أنْ يَلْحَقَهم فَلا يَغُرَّنَّهُمُ التَّأْخِيرُ، ولَمّا قالُوا (إنْ كادَ لَيُضِلُّنا) جاءَ قَوْلُهُ: ﴿مَن أضَلُّ سَبِيلًا﴾ أيْ: سَيَظْهَرُ لَهم مَنِ المُضِلُّ ومَنِ الضّالُّ بِمُشاهَدَةِ العَذابِ الَّذِي لا مُخَلِّصَ لَهم مِنهُ. والظّاهِرُ أنَّ (مَن) اسْتِفْهامِيَّةٌ، و(أضَلُّ) خَبَرُهُ، والجُمْلَةَ في مَوْضِعِ مَفْعُولِ (يَعْلَمُونَ) إنْ كانَتْ (p-٥٠١)مُتَعَدِّيَةً إلى واحِدٍ، أوْ في مَوْضِعِ مَفْعُولَيْنِ إنْ كانَتْ تَعَدَّتْ إلى اثْنَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (مَن) مَوْصُولَةً مَفْعُولَةً بِيَعْلَمُونَ، و(أضَلُّ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو أضَلُّ، وصارَ حَذْفُ هَذا المُضْمَرِ لِلِاسْتِطالَةِ الَّتِي حَصَلَتْ في قَوْلِ العَرَبِ: ما أنا بِالَّذِي قائِلٌ لَكَ سَواءٌ.
﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ هَذا يَأْسٌ عَنْ إيمانِهِمْ وإشارَةٌ إلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ لا يَتَأسَّفَ عَلَيْهِمْ، وإعْلامٌ أنَّهم في الجَهْلِ بِالمَنافِعِ وقِلَّةِ النَّظَرِ في العَواقِبِ مِثْلُ البَهائِمِ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهم (أضَلُّ سَبِيلًا) مِنَ الأنْعامِ مِن حَيْثُ لَهم فَهْمٌ وتَرَكُوا اسْتِعْمالَهُ فِيما يُخَلِّصُهم مِن عَذابِ اللَّهِ. والأنْعامُ لا سَبِيلَ لَها إلى فَهْمِ المَصالِحِ. و(أرَأيْتَ) اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ مِن جَهْلِ مَن هَذِهِ حالُهُ، و(إلَهَهُ) المَفْعُولُ الأوَّلُ لِاتَّخَذَ، و(هَواهُ) الثّانِي، أيْ: أقامَ مُقامَ الإلَهِ الَّذِي يَعْبُدُهُ هَواهُ فَهو جارٍ عَلى ما يَكُونُ في (هَواهُ)، والمَعْنى أنَّهُ لَمْ يَتَّخِذْ إلَهًا إلّا هَواهُ، وادِّعاءُ القَلْبِ لَيْسَ بِجَيِّدٍ إذْ يُقَدِّرُهُ مَنِ اتَّخَذَ هَواهُ إلَهَهُ، والبَيْتُ مِن ضَرائِرِ الشِّعْرِ ونادِرِ الكَلامِ فَيُنَزَّهُ كَلامُ اللَّهِ عَنْهُ، كانَ الرَّجُلُ يَعْبُدُ الصَّنَمَ فَإذا رَأى أحْسَنَ مِنهُ رَماهُ وأخَذَ الأحْسَنَ. قِيلَ: نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ قَيْسٍ السَّهْمِيِّ، كانَ إذا هَوِيَ شَيْئًا عَبَدَهُ، والهَوى مَيْلُ القَلْبِ إلى الشَّيْءِ (أفَأنْتَ) تُجْبِرُهُ عَلى تَرْكِ هَواهُ، أوْ (أفَأنْتَ) تَحْفَظُهُ مِن عَظِيمِ جَهْلِهِ. وقَرَأ بَعْضُ أهْلِ المَدِينَةِ ”مَنِ اتَّخَذَ آلِهَةً“ مُنَوَّنَةً عَلى الجَمْعِ، وفِيهِ تَقْدِيمٌ جَعَلَ هَواهُ أنْواعًا أسْماءً لِأجْناسٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَجَعَلَ كُلَّ جِنْسٍ مِن هَواهُ إلَهًا آخَرَ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ: (إلاهَةً) عَلى وزْنِ فِعالَةٍ، وفِيهِ أيْضًا تَقْدِيمٌ أيْ: هَواهُ إلاهَةً، بِمَعْنى مَعْبُودٍ؛ لِأنَّها بِمَعْنى المَأْلُوهَةِ. فالهاءُ فِيها لِلْمُبالَغَةِ فَلِذَلِكَ صُرِفَتْ. وقِيلَ: بَلِ الإلاهَةُ الشَّمْسُ، ويُقالُ لَها أُلاهَةٌ بِضَمِّ الهَمْزَةِ، وهي غَيْرُ مَصْرُوفَةٍ لِلْعَلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ، لَكِنَّها لَمّا كانَتْ مِمّا يَدْخُلُها لامُ المَعْرِفَةِ في بَعْضِ اللُّغاتِ صارَتْ بِمَنزِلَةِ ما كانَ فِيهِ اللّامُ ثُمَّ نُزِعَتْ؛ فَلِذَلِكَ صُرِفَتْ وصارَتْ بِمَنزِلَةِ النُّعُوتِ فَتَنَكَّرَتْ؛ قالَهُ صاحِبُ اللَّوامِحِ. ومَفْعُولُ (أرَأيْتَ) الأوَّلُ هو (مَنِ)، والجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في (أرَأيْتَ) في أوائِلِ الأنْعامِ، ومَعْنى (وكِيلًا) أيْ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَدْعُوَ إلى الهُدى فَتَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ وتُجْبِرَهُ عَلى الإسْلامِ. و(أمْ) مُنْقَطِعَةٌ تَتَقَدَّرُ بِبَلْ والهَمْزَةِ عَلى المَذْهَبِ الصَّحِيحِ، كَأنَّهُ قالَ: بَلْ أتَحْسَبُ كَأنَّ هَذِهِ المَذَمَّةَ أشَدُّ مِنَ الَّتِي تَقَدَّمَتْها حَتّى حُفَّتْ بِالإضْرابِ عَنْها إلَيْها، وهو كَوْنُهم مَسْلُوبِي الأسْماعِ والعُقُولِ؛ لِأنَّهم لا يُلْقُونَ إلى اسْتِماعِ الحَقِّ أُذُنًا ولا إلى تَدَبُّرِهِ عَقْلًا، ومُشَبَّهِينَ بِالأنْعامِ الَّتِي هي مَثَلٌ في الغَفْلَةِ والضَّلالَةِ، ونُفِيَ ذَلِكَ عَنْ أكْثَرِهِمْ؛ لِأنَّ فِيهِمْ مَن سَبَقَتْ لَهُ السَّعادَةُ فَأسْلَمَ، وجُعِلُوا أضَلَّ مِنَ الأنْعامِ؛ لِأنَّها تَنْقادُ لِأرْبابِها وتَعْرِفُ مَن يُحْسِنُ إلَيْها مِمَّنْ يُسِيءُ إلَيْها، وتَطْلُبُ مَنفَعَتَها وتَتَجَنَّبُ مَضَرَّتَها، وتَهْتَدِي إلى مَراعِيها ومَشارِبِها، وهم لا يَنْقادُونَ لِرَبِّهِمْ، ولا يَعْرِفُونَ إحْسانَهُ إلَيْهِمْ، ولا يَرْغَبُونَ في الثَّوابِ الَّذِي هو أعْظَمُ المَنافِعِ، ولا يَتَّقُونَ العِقابَ الَّذِي هو أشَدُّ المَضارِّ، ولا يَهْتَدُونَ لِلْحَقِّ.
الفرقان 25:37
(p-٤٩٨)﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ وجَعَلْنا مَعَهُ أخاهُ هارُونَ وزِيرًا﴾ ﴿فَقُلْنا اذْهَبا إلى القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهم تَدْمِيرًا﴾ ﴿وقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهم وجَعَلْناهم لِلنّاسِ آيَةً وأعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿وعادًا وثَمُودَ وأصْحابَ الرَّسِّ وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ ﴿وكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ وكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيرًا﴾ ﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ ﴿وإذا رَأوْكَ إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ ﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها وسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ مَن أضَلُّ سَبِيلًا﴾ ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلًا﴾ ﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ إنْ هم إلّا كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا﴾
لَمّا تَقَدَّمَ تَكْذِيبُ قُرَيْشٍ والكَفّارِ لِما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ تَعالى ما فِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ وإرْهابٌ لِلْمُكَذِّبِينَ، وتَذْكِيرٌ لَهم أنْ يُصِيبَهم ما أصابَ الأُمَمَ السّابِقَةَ مِن هَلاكِ الِاسْتِئْصالِ لَمّا كَذَّبُوا رُسُلَهم، فَناسَبَ أنْ ذَكَرَ أوَّلًا مَن نَزَلَ عَلَيْهِ كِتابُهُ جُمْلَةً واحِدَةً، ومَعَ ذَلِكَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِهِ، فَكَذَلِكَ هَؤُلاءِ لَوْ نَزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ دُفْعَةً لَكَذَّبُوا وكَفَرُوا كَما كَذَّبَ قَوْمُ مُوسى.
والكِتابُ هُنا التَّوْراةُ، و(هارُونَ) بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَعَهُ المَفْعُولُ الثّانِي لِجَعَلْنا. وأنْ يَكُونَ (وزِيرًا)، والوِزارَةُ لا تُنافِي النُّبُوَّةَ؛ فَقَدْ كانَ في الزَّمانِ الواحِدِ أنْبِياءُ يُؤازِرُ بَعْضُهم بَعْضًا، والمَذْهُوبُ إلَيْهِمُ القِبْطُ وفِرْعَوْنُ. وفي الكَلامِ حَذْفٌ، أيْ: فَذَهَبا وأدَّيا الرِّسالَةَ فَكَذَّبُوهُما، (فَدَمَّرْناهم)، والتَّدْمِيرُ أشَدُّ الإهْلاكِ، وأصْلُهُ كَسْرُ الشَّيْءِ عَلى وجْهٍ لا يُمْكِنُ إصْلاحُهُ. وقِصَّةُ مُوسى ومَن أُرْسِلَ إلَيْهِ ذُكِرَتْ مُنْتَهِيَةً في غَيْرِ ما مَوْضِعٍ، وهُنا اخْتُصِرَتْ فَأوْجَزَ بِذِكْرِ أوَّلِها وآخِرِها؛ لِأنَّهُ بِذَلِكَ يُلْزِمُ الحُجَّةَ بِبَعْثَةِ الرُّسُلِ واسْتِحْقاقَ التَّدْمِيرِ بِتَكْذِيبِهِمْ.
وقَرَأ عَلِيٌّ، والحَسَنُ ومَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ: (فَدَمِّراهم)، عَلى الأمْرِ لِمُوسى وهارُونَ، وعَنْ عَلِيٍّ أيْضًا كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ مُؤَكَّدٌ بِالنُّونِ الشَّدِيدَةِ. وعَنْهُ أيْضًا (فَدَمِّرا) أمْرًا لَهُما (بِهِمْ) بِباءِ الجَرِّ، ومَعْنى الأمْرِ كُونا سَبَبَ تَدْمِيرِهِمْ.
وانْتَصَبَ (وقَوْمَ نُوحٍ) عَلى الِاشْتِغالِ، وكانَ النَّصْبُ أرْجَحَ لِتَقَدُّمِ الجُمَلِ الفِعْلِيَّةِ قَبْلَ ذَلِكَ، ويَكُونُ (لَمّا) في هَذا الإعْرابِ ظَرْفًا عَلى مَذْهَبِ الفارِسِيِّ. وأمّا إنْ كانَتْ حَرْفَ وُجُوبٍ لِوُجُوبٍ فالظّاهِرُ أنَّ (أغْرَقْناهم) جَوابُ (لَمّا) فَلا يُفَسَّرُ ناصِبًا لِـ (قَوْمَ) فَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى المَفْعُولِ في (فَدَمَّرْناهم)، أوْ مَنصُوبًا عَلى مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ اذْكُرْ. وقَدْ جَوَّزَ الوُجُوهَ الثَّلاثَةَ الحَوْفِيُّ.
(لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ) كَذَّبُوا نُوحًا ومَن قَبْلَهُ أوْ جَعَلَ تَكْذِيبَهم لِنُوحٍ تَكْذِيبًا لِلْجَمِيعِ، أوْ لَمْ يَرَوْا بَعْثَةَ الرُّسُلِ كالبَراهِمَةِ، والظّاهِرُ عَطْفُ (وعادًا) عَلى (وقَوْمَ) . وقالَ أبُو إسْحاقَ: يَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى الهاءِ والمِيمِ في ﴿وجَعَلْناهم لِلنّاسِ آيَةً﴾ . قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (الظّالِمِينَ)؛ لِأنَّ التَّأْوِيلَ وعَدْنا الظّالِمِينَ بِالعَذابِ ووَعَدْنا (عادًا وثَمُودَ)، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ والحَسَنُ وعِيسى (وثَمُودَ) غَيْرَ مَصْرُوفٍ.
﴿وأصْحابَ الرَّسِّ﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم قَوْمُ ثَمُودَ، ويُبَعِّدُهُ عَطْفُهُ عَلى ثَمُودَ؛ لِأنَّ العَطْفَ يَقْتَضِي التَّغايُرَ. وقالَ قَتادَةُ: أهْلُ قَرْيَةٍ مِنَ اليَمامَةِ يُقالُ لَها: (p-٤٩٩)الرَّسُّ، والفَلَجُ. قِيلَ: قَتَلُوا نَبِيَّهم فَهَلَكُوا وهم بَقِيَّةُ ثَمُودَ وقَوْمِ صالِحٍ. وقالَ كَعْبٌ ومُقاتِلٌ والسُّدِّيُّ: بِئْرٌ بِأنْطاكِيَةِ الشّامِ قُتِلَ فِيها صاحِبُ ياسِينَ وهو حَبِيبٌ النَّجّارُ. وقِيلَ: قَتَلُوا نَبِيَّهم ورَسُّوهُ في بِئْرٍ، أيْ: دَسُّوهُ فِيهِ.
وقالَ وهْبٌ والكَلْبِيُّ: أصْحابُ الرَّسِّ وأصْحابُ الأيْكَةِ قَوْمانِ أُرْسِلَ إلَيْهِما، شُعَيْبٌ أُرْسِلَ إلى أصْحابِ الرَّسِّ، وكانُوا قَوْمًا مِن عَبَدَةِ الأصْنامِ وأصْحابَ آبارٍ ومَواشٍ، فَدَعاهم إلى الإسْلامِ فَتَمادَوْا في طُغْيانِهِمْ وفي إيذائِهِ، فَبَيْنَما هم حَوْلَ الرَّسِّ وهي البِئْرُ غَيْرُ المَطْوِيَّةِ. وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ انْهارَتْ بِهِمْ فَخُسِفَ بِهِمْ وبِدارِهِمْ. وقالَ عَلِيٌّ فِيما نَقَلَهُ الثَّعْلَبِيُّ: قَوْمٌ عَبَدُوا شَجَرَةَ صَنَوْبَرٍ يُقالُ: لَها شاهْ دَرَخْتَ، رَسُّوا نَبِيَّهم في بِئْرٍ حَفَرُوهُ لَهُ في حَدِيثٍ طَوِيلٍ. وقِيلَ: هم أصْحابُ النَّبِيِّ حَنْظَلَةَ بْنِ صَفْوانَ ﷺ كانُوا مُبْتَلَيْنَ بِالعَنْقاءِ، وهي أعْظَمُ ما يَكُونُ مِنَ الطَّيْرِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِطُولِ عُنُقِها وكانَتْ تَسْكُنُ جَبَلَهُمُ الَّذِي يُقالُ لَهُ فَجٌّ، وهي تَنْقَضُّ عَلى صِبْيانِهِمْ فَتَخْطِفُهم إنْ أعْوَزَها الصَّيْدُ فَدَعا عَلَيْها حَنْظَلَةُ فَأصابَتْها الصّاعِقَةُ، ثُمَّ إنَّهم قَتَلُوا حَنْظَلَةَ فَأُهْلِكُوا. وقِيلَ: هم أصْحابُ الأُخْدُودِ، والرَّسُّ هو الأُخْدُودُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الرَّسُّ بِئْرُ أذْرَبِيجانَ. وقِيلَ: الرَّسُّ ما بَيْنَ نَجْرانَ إلى اليَمَنِ إلى حَضْرَمَوْتَ. وقِيلَ: قَوْمٌ بَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِمْ أنْبِياءَ فَقَتَلُوهم ورَسُّوا عِظامَهم في بِئْرٍ. وقِيلَ: قَوْمٌ بُعِثَ إلَيْهِمْ نَبِيٌّ فَأكَلُوهُ. وقِيلَ: قَوْمٌ نِساؤُهم سَواحِقُ. وقِيلَ: الرَّسُّ ماءٌ ونَخْلٌ لِبَنِي أسَدٍ. وقِيلَ: الرَّسُّ نَهْرٌ مِن بِلادِ المَشْرِقِ بَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِمْ نَبِيًّا مِن أوْلادِ يَهُوذا ابْنِ يَعْقُوبَ فَكَذَّبُوهُ، فَلَبِثَ فِيهِمْ زَمانًا فَشَكا إلى اللَّهِ مِنهم، فَحَفَرُوا لَهُ بِئْرًا وأرْسَلُوهُ فِيها، وقالُوا: نَرْجُو أنْ يَرْضى عَنّا إلَهُنا، فَكانُوا عامَّةَ يَوْمِهِمْ يَسْمَعُونَ أنِينَ نَبِيِّهِمْ، فَدَعا بِتَعْجِيلِ قَبْضِ رُوحِهِ فَماتَ وأظَلَّتْهم سَحابَةٌ سَوْداءُ أذابَتْهم كَما يَذُوبُ الرَّصاصُ.
ورَوى عِكْرِمَةُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ”أنَّ أهْلَ الرَّسِّ أخَذُوا نَبِيَّهم فَرَسُّوهُ في بِئْرٍ وأطْبَقُوا عَلَيْهِ صَخْرَةً، فَكانَ عَبْدٌ أسْوَدُ قَدْ آمَنَ بِهِ يَجِيءُ بِطَعامٍ إلى تِلْكَ البِئْرِ فَيُعِينُهُ اللَّهُ عَلى تِلْكَ الصَّخْرَةِ فَيَقْلَعُها فَيُعْطِيهِ ما يُغَذِّيهِ بِهِ. ثُمَّ يَرُدُّ الصَّخْرَةَ، إلى أنْ ضَرَبَ اللَّهُ يَوْمًا عَلى أُذُنِ ذَلِكَ الأسْوَدِ بِالنَّوْمِ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وأخْرَجَ أهْلُ القَرْيَةِ نَبِيَّهم فَآمَنُوا بِهِ“ . في حَدِيثٍ طَوِيلٍ. قالَ الطَّبَرِيُّ: فَيُمْكِنُ أنَّهم كَفَرُوا بَعْدَ ذَلِكَ فَذَكَرَهُمُ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ، وكَثُرَ الِاخْتِلافُ في أصْحابِ الرَّسِّ، فَلَوْ صَحَّ ما نَقَلَهُ عِكْرِمَةُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ كانَ هو القَوْلَ الَّذِي لا يُمْكِنُ خِلافُهُ (ومُلَخَّصُ هَذِهِ الأقْوالِ) أنَّهم قَوْمٌ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِتَكْذِيبِ مَن أرْسَلَ إلَيْهِمْ.
(وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ) هَذا إبْهامٌ لا يَعْلَمُ حَقِيقَةَ ذَلِكَ إلّا اللَّهُ، و(ذَلِكَ) إشارَةٌ إلى أُولَئِكَ المُتَقَدِّمِي الذِّكْرِ؛ فَلِذَلِكَ حَسُنَ دُخُولُ (بَيْنَ) عَلَيْهِ مِن غَيْرِ أنْ يُعْطَفَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، كَأنَّهُ قِيلَ بَيْنَ المَذْكُورِينَ، وقَدْ يَذْكُرُ الذّاكِرُ أشْياءَ مُخْتَلِفَةً. ثُمَّ يُشِيرُ إلَيْها. وانْتَصَبَ (كُلًّا) الأوَّلُ عَلى الِاشْتِغالِ، أيْ: وأنْذَرْنا كُلًّا أوْ حَذَّرْنا كُلًّا، والثّانِي عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِتَبَّرْنا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ مَفْعُولًا، وهَذا مِن واضِحِ الإعْرابِ. ومَعْنى ضَرَبَ الأمْثالَ، أيْ: بَيَّنَ لَهُمُ القِصَصَ العَجِيبَةَ مِن قَصَصِ الأوَّلِينَ ووَصَفْنا لَهم ما أدّى إلَيْهِ تَكْذِيبُهم بِأنْبِيائِهِمْ مِن عَذابِ اللَّهِ وتَدْمِيرِهِ إيّاهم لِيَهْتَدُوا بِضَرْبِ الأمْثالِ فَلَمْ يَهْتَدُوا، وأبْعَدَ مَن جَعَلَ الضَّمِيرَ في (لَهُ) لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: والمَعْنى وكُلَّ الأمْثالِ ضَرَبْنا لِلرَّسُولِ وعَلى هَذا و(كُلًّا) مَنصُوبٌ بِضَرَبْنا، و(الأمْثالَ) بَدَلٌ مِن (كُلًّا)، والضَّمِيرُ في (ولَقَدْ أتَوْا) لِقُرَيْشٍ كانُوا يَمُرُّونَ عَلى سَدُومَ مِن قُرى قَوْمِ لُوطٍ في مَتاجِرِهِمْ إلى الشّامِ، وكانَتْ قُرًى خَمْسَةً، أهْلَكَ اللَّهُ مِنها أرْبَعًا وبَقِيَتْ واحِدَةٌ، وهي زُغَرُ لَمْ يَكُنْ أهْلُها يَعْمَلُونَ ذَلِكَ العَمَلَ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: و(مَطَرَ السَّوْءِ) الحِجارَةُ الَّتِي أُمْطِرَتْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ فَهَلَكُوا. وكانَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يُنادِي نَصِيحَةً لَكم: يا سَدُومُ، يَوْمٌ لَكم مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - أنْهاكم أنْ تَتَعَرَّضُوا لِلْعُقُوبَةِ مِنَ اللَّهِ، ومَعْنى (أتَوْا) مَرُّوا فَلِذَلِكَ عَدّاهُ بِعَلى. وأفْرَدَ لَفْظَ القَرْيَةِ وإنْ كانَتْ قُرًى؛ لِأنَّ سَدُومَ هي أُمُّ تِلْكَ (p-٥٠٠)القُرى وأعْظَمُها. وقالَ مَكِّيٌّ: الضَّمِيرُ في أتَوْا عائِدٌ عَلى الَّذِينَ اتَّخَذُوا القُرْآنَ مَهْجُورًا. انْتَهى، وهم قُرَيْشٌ، وانْتَصَبَ (مَطَرَ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لَأُمْطِرَتْ، عَلى مَعْنى أُولِيَتْ، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مَحْذُوفُ الزَّوائِدِ، أيْ: إمْطارَ السَّوْءِ.
﴿أفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها﴾ أيْ: يَنْظُرُونَ إلى ما فِيها مِنَ العِبَرِ والآثارِ الدّالَّةِ عَلى ما حَلَّ بِها مِنَ النِّقَمِ كَما قالَ: ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ وبِاللَيْلِ﴾ [الصافات: ١٣٧]، وقالَ: ﴿وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩]، وهو اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّعَجُّبُ، ومَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَعْتَبِرُوا بِرُؤْيَتِها أنْ يَحِلَّ بِهِمْ في الدُّنْيا ما حَلَّ بِأُولَئِكَ، بَلْ كانُوا كَفَرَةً لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ فَلَمْ يَتَوَقَّعُوا عَذابَ الآخِرَةِ، وضَعَ الرَّجاءَ مَوْضِعَ التَّوَقُّعِ؛ لِأنَّهُ إنَّما يَتَوَقَّعُ العاقِبَةَ مَن يُؤْمِنُ، فَمِن ثَمَّ لَمْ يَنْظُرُوا ولَمْ يَتَفَكَّرُوا ومَرُّوا بِها كَما مَرَّتْ رِكابُهم، أوْ لا يَأْمُلُونَ (نُشُورًا) كَما يَأْمُلُهُ المُؤْمِنُونَ لِطَمَعِهِمْ إلى ثَوابِ أعْمالِهِمْ، أوْ لا يَخافُونَ عَلى اللُّغَةِ التِّهامِيَّةِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ”مُطِرَتْ“ ثُلاثِيًّا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ومَطَرَ مُتَعَدٍّ. قالَ الشّاعِرُ:
؎كَمَن بَوادِيهِ بَعْدَ المَحْلِ مَمْطُورِ
وقَرَأ أبُو السِّماكِ: (مَطَرَ السُّوءِ) بِضَمِّ السِّينِ.
﴿وإذا رَأوْكَ إنَّ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾، لَمْ يَقْتَصِرِ المُشْرِكُونَ عَلى إنْكارِ نُبُوَّةِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وتَرْكِ الإيمانِ بِهِ، بَلْ زادُوا عَلى ذَلِكَ بِالِاسْتِهْزاءِ والِاحْتِقارِ. حَتّى يَقُولَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿أهَذا الَّذِى بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾، و(إنْ) نافِيَةٌ جَوابُ (إذا)، وانْفَرَدَتْ (إذا) بِأنَّهُ إذا كانَ جَوابُها مَنفِيًّا بِما أوْ بِلا لا تَدْخُلُهُ الفاءُ، بِخِلافِ أدَواتِ الشَّرْطِ غَيْرِها فَلا بُدَّ مِنَ الفاءِ مَعَ ما ومَعَ لا إذا ارْتَفَعَ المُضارِعُ، فَلَوْ وقَعَتْ إنِ النّافِيَةُ في جَوابِ غَيْرِ إذا فَلا بُدَّ مِنَ الفاءِ كَما النّافِيَةِ، ومَعْنى (هُزُؤًا) مَوْضِعَ هُزْءٍ أوْ مَهْزُوًّا بِهِ، (أهَذا) قَبْلَهُ قَوْلٌ مَحْذُوفٌ، أيْ: يَقُولُونَ، وقالَ: جَوابُ (إذا) ما أُضْمِرُ مِنَ القَوْلِ، أيْ: (وإذا رَأوْكَ) قالُوا: ﴿أهَذا الَّذِى بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾، و(إنْ يَتَّخِذُونَكَ) جُمْلَةٌ اعْتِراضِيَّةٌ بَيْنَ (إذا) وجَوابِها. قِيلَ: ونَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ؛ كانَ إذا رَأى الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ: ﴿أهَذا الَّذِى بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ ؟ وأخْبَرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لِقُبْحِ صُنْعِهِ أوْ لِكَوْنِ جَماعَةٍ مَعَهُ قالُوا ذَلِكَ، والظّاهِرُ أنَّ قائِلَ ذَلِكَ جَماعَةٌ كَثِيرَةٌ، وهَذا الِاسْتِفْهامُ اسْتِصْغارٌ واحْتِقارٌ مِنهم أخْرَجُوهُ بِقَوْلِهِمْ: بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا في مَعْرِضِ التَّسْلِيمِ والإقْرارِ، وهم عَلى غايَةِ الجُحُودِ والإنْكارِ سُخْرِيَةً واسْتِهْزاءً، ولَوْ لَمْ يَسْتَهْزِئُوا لَقالُوا هَذا زَعَمَ أوِ ادَّعى أنَّهُ مَبْعُوثٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ رَسُولًا. وقَوْلُهم: (إنْ كادَ لَيُضِلُّنا) دَلِيلٌ عَلى فَرْطِ مُجاهَدَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في دَعْوَتِهِمْ، وبَذْلِهِ قُصارى الوُسْعِ والطّاقَةِ في اسْتِعْطافِهِمْ مَعَ عَرْضِ الآياتِ والمُعْجِزاتِ، حَتّى شارَفُوا بِزَعْمِهِمْ أنْ يَتْرُكُوا دِينَهم إلى دِينِ الإسْلامِ، لَوْلا فَرْطُ لَجاجِهِمْ واسْتِمْساكِهِمْ بِعِبادَةِ آلِهَتِهِمْ. و(لَوْلا) في مِثْلِ هَذا الكَلامِ جارٍ - مِن حَيْثُ المَعْنى لا مِن حَيْثُ اللَّفْظُ - مَجْرى التَّقْيِيدِ لِلْحُكْمِ المُطْلَقِ؛ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: الِاسْتِهْزاءُ إمّا بِالصُّورَةِ فَكانَ أحْسَنَ مِنهم خِلْقَةً، أوْ بِالصِّفَةِ فَلا يُمْكِنُ؛ لِأنَّ الصِّفَةَ الَّتِي تَمَيَّزَ بِها عَنْهم ظُهُورُ المُعْجِزِ عَلَيْهِ دُونَهم، وما قَدَرُوا عَلى القَدْحِ في حُجَّتِهِ فَفي الحَقِيقَةِ هُمُ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ أنْ يُهْزَأ بِهِمْ، ثُمَّ لِوَقاحَتِهِمْ قَلَبُوا القِصَّةَ واسْتَهْزَءُوا بِالرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - انْتَهى. قِيلَ: وتَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّهم صارُوا في ظُهُورِ حُجَّتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلَيْهِمْ كالمَجانِينِ اسْتَهْزَءُوا بِهِ أوَّلًا، ثُمَّ إنَّهم وصَفُوهُ بِأنَّهُ (كادَ لَيُضِلُّنا) عَنْ مَذْهَبِنا (لَوْلا) أنّا قابَلْناهُ بِالجُمُودِ والإصْرارِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم سَلَّمُوا لَهُ قُوَّةَ الحُجَّةِ وكَمالَ العَقْلِ، فَكَوْنُهم جَمَعُوا بَيْنَ الِاسْتِهْزاءِ وبَيْنَ هَذِهِ الكَيْدُودَةِ دَلَّ عَلى أنَّهم كانُوا كالمُتَحَيِّرِينَ في أمْرِهِ، تارَةً يَسْتَهْزِئُونَ مِنهُ وتارَةً يَصِفُونَهُ بِما لا يَلِيقُ إلّا بِالعالِمِ الكامِلِ.
﴿وسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ وعِيدٌ ودَلالَةٌ عَلى أنَّهم لا يَفُوتُونَهُ وإنْ طالَتْ مُدَّةُ الإمْهالِ، فَلا بُدَّ لِلْوَعِيدِ أنْ يَلْحَقَهم فَلا يَغُرَّنَّهُمُ التَّأْخِيرُ، ولَمّا قالُوا (إنْ كادَ لَيُضِلُّنا) جاءَ قَوْلُهُ: ﴿مَن أضَلُّ سَبِيلًا﴾ أيْ: سَيَظْهَرُ لَهم مَنِ المُضِلُّ ومَنِ الضّالُّ بِمُشاهَدَةِ العَذابِ الَّذِي لا مُخَلِّصَ لَهم مِنهُ. والظّاهِرُ أنَّ (مَن) اسْتِفْهامِيَّةٌ، و(أضَلُّ) خَبَرُهُ، والجُمْلَةَ في مَوْضِعِ مَفْعُولِ (يَعْلَمُونَ) إنْ كانَتْ (p-٥٠١)مُتَعَدِّيَةً إلى واحِدٍ، أوْ في مَوْضِعِ مَفْعُولَيْنِ إنْ كانَتْ تَعَدَّتْ إلى اثْنَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (مَن) مَوْصُولَةً مَفْعُولَةً بِيَعْلَمُونَ، و(أضَلُّ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو أضَلُّ، وصارَ حَذْفُ هَذا المُضْمَرِ لِلِاسْتِطالَةِ الَّتِي حَصَلَتْ في قَوْلِ العَرَبِ: ما أنا بِالَّذِي قائِلٌ لَكَ سَواءٌ.
﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ هَذا يَأْسٌ عَنْ إيمانِهِمْ وإشارَةٌ إلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ لا يَتَأسَّفَ عَلَيْهِمْ، وإعْلامٌ أنَّهم في الجَهْلِ بِالمَنافِعِ وقِلَّةِ النَّظَرِ في العَواقِبِ مِثْلُ البَهائِمِ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهم (أضَلُّ سَبِيلًا) مِنَ الأنْعامِ مِن حَيْثُ لَهم فَهْمٌ وتَرَكُوا اسْتِعْمالَهُ فِيما يُخَلِّصُهم مِن عَذابِ اللَّهِ. والأنْعامُ لا سَبِيلَ لَها إلى فَهْمِ المَصالِحِ. و(أرَأيْتَ) اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ مِن جَهْلِ مَن هَذِهِ حالُهُ، و(إلَهَهُ) المَفْعُولُ الأوَّلُ لِاتَّخَذَ، و(هَواهُ) الثّانِي، أيْ: أقامَ مُقامَ الإلَهِ الَّذِي يَعْبُدُهُ هَواهُ فَهو جارٍ عَلى ما يَكُونُ في (هَواهُ)، والمَعْنى أنَّهُ لَمْ يَتَّخِذْ إلَهًا إلّا هَواهُ، وادِّعاءُ القَلْبِ لَيْسَ بِجَيِّدٍ إذْ يُقَدِّرُهُ مَنِ اتَّخَذَ هَواهُ إلَهَهُ، والبَيْتُ مِن ضَرائِرِ الشِّعْرِ ونادِرِ الكَلامِ فَيُنَزَّهُ كَلامُ اللَّهِ عَنْهُ، كانَ الرَّجُلُ يَعْبُدُ الصَّنَمَ فَإذا رَأى أحْسَنَ مِنهُ رَماهُ وأخَذَ الأحْسَنَ. قِيلَ: نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ قَيْسٍ السَّهْمِيِّ، كانَ إذا هَوِيَ شَيْئًا عَبَدَهُ، والهَوى مَيْلُ القَلْبِ إلى الشَّيْءِ (أفَأنْتَ) تُجْبِرُهُ عَلى تَرْكِ هَواهُ، أوْ (أفَأنْتَ) تَحْفَظُهُ مِن عَظِيمِ جَهْلِهِ. وقَرَأ بَعْضُ أهْلِ المَدِينَةِ ”مَنِ اتَّخَذَ آلِهَةً“ مُنَوَّنَةً عَلى الجَمْعِ، وفِيهِ تَقْدِيمٌ جَعَلَ هَواهُ أنْواعًا أسْماءً لِأجْناسٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَجَعَلَ كُلَّ جِنْسٍ مِن هَواهُ إلَهًا آخَرَ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ: (إلاهَةً) عَلى وزْنِ فِعالَةٍ، وفِيهِ أيْضًا تَقْدِيمٌ أيْ: هَواهُ إلاهَةً، بِمَعْنى مَعْبُودٍ؛ لِأنَّها بِمَعْنى المَأْلُوهَةِ. فالهاءُ فِيها لِلْمُبالَغَةِ فَلِذَلِكَ صُرِفَتْ. وقِيلَ: بَلِ الإلاهَةُ الشَّمْسُ، ويُقالُ لَها أُلاهَةٌ بِضَمِّ الهَمْزَةِ، وهي غَيْرُ مَصْرُوفَةٍ لِلْعَلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ، لَكِنَّها لَمّا كانَتْ مِمّا يَدْخُلُها لامُ المَعْرِفَةِ في بَعْضِ اللُّغاتِ صارَتْ بِمَنزِلَةِ ما كانَ فِيهِ اللّامُ ثُمَّ نُزِعَتْ؛ فَلِذَلِكَ صُرِفَتْ وصارَتْ بِمَنزِلَةِ النُّعُوتِ فَتَنَكَّرَتْ؛ قالَهُ صاحِبُ اللَّوامِحِ. ومَفْعُولُ (أرَأيْتَ) الأوَّلُ هو (مَنِ)، والجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في (أرَأيْتَ) في أوائِلِ الأنْعامِ، ومَعْنى (وكِيلًا) أيْ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَدْعُوَ إلى الهُدى فَتَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ وتُجْبِرَهُ عَلى الإسْلامِ. و(أمْ) مُنْقَطِعَةٌ تَتَقَدَّرُ بِبَلْ والهَمْزَةِ عَلى المَذْهَبِ الصَّحِيحِ، كَأنَّهُ قالَ: بَلْ أتَحْسَبُ كَأنَّ هَذِهِ المَذَمَّةَ أشَدُّ مِنَ الَّتِي تَقَدَّمَتْها حَتّى حُفَّتْ بِالإضْرابِ عَنْها إلَيْها، وهو كَوْنُهم مَسْلُوبِي الأسْماعِ والعُقُولِ؛ لِأنَّهم لا يُلْقُونَ إلى اسْتِماعِ الحَقِّ أُذُنًا ولا إلى تَدَبُّرِهِ عَقْلًا، ومُشَبَّهِينَ بِالأنْعامِ الَّتِي هي مَثَلٌ في الغَفْلَةِ والضَّلالَةِ، ونُفِيَ ذَلِكَ عَنْ أكْثَرِهِمْ؛ لِأنَّ فِيهِمْ مَن سَبَقَتْ لَهُ السَّعادَةُ فَأسْلَمَ، وجُعِلُوا أضَلَّ مِنَ الأنْعامِ؛ لِأنَّها تَنْقادُ لِأرْبابِها وتَعْرِفُ مَن يُحْسِنُ إلَيْها مِمَّنْ يُسِيءُ إلَيْها، وتَطْلُبُ مَنفَعَتَها وتَتَجَنَّبُ مَضَرَّتَها، وتَهْتَدِي إلى مَراعِيها ومَشارِبِها، وهم لا يَنْقادُونَ لِرَبِّهِمْ، ولا يَعْرِفُونَ إحْسانَهُ إلَيْهِمْ، ولا يَرْغَبُونَ في الثَّوابِ الَّذِي هو أعْظَمُ المَنافِعِ، ولا يَتَّقُونَ العِقابَ الَّذِي هو أشَدُّ المَضارِّ، ولا يَهْتَدُونَ لِلْحَقِّ.
الفرقان 25:38
(p-٤٩٨)﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ وجَعَلْنا مَعَهُ أخاهُ هارُونَ وزِيرًا﴾ ﴿فَقُلْنا اذْهَبا إلى القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهم تَدْمِيرًا﴾ ﴿وقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهم وجَعَلْناهم لِلنّاسِ آيَةً وأعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿وعادًا وثَمُودَ وأصْحابَ الرَّسِّ وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ ﴿وكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ وكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيرًا﴾ ﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ ﴿وإذا رَأوْكَ إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ ﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها وسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ مَن أضَلُّ سَبِيلًا﴾ ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلًا﴾ ﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ إنْ هم إلّا كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا﴾
لَمّا تَقَدَّمَ تَكْذِيبُ قُرَيْشٍ والكَفّارِ لِما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ تَعالى ما فِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ وإرْهابٌ لِلْمُكَذِّبِينَ، وتَذْكِيرٌ لَهم أنْ يُصِيبَهم ما أصابَ الأُمَمَ السّابِقَةَ مِن هَلاكِ الِاسْتِئْصالِ لَمّا كَذَّبُوا رُسُلَهم، فَناسَبَ أنْ ذَكَرَ أوَّلًا مَن نَزَلَ عَلَيْهِ كِتابُهُ جُمْلَةً واحِدَةً، ومَعَ ذَلِكَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِهِ، فَكَذَلِكَ هَؤُلاءِ لَوْ نَزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ دُفْعَةً لَكَذَّبُوا وكَفَرُوا كَما كَذَّبَ قَوْمُ مُوسى.
والكِتابُ هُنا التَّوْراةُ، و(هارُونَ) بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَعَهُ المَفْعُولُ الثّانِي لِجَعَلْنا. وأنْ يَكُونَ (وزِيرًا)، والوِزارَةُ لا تُنافِي النُّبُوَّةَ؛ فَقَدْ كانَ في الزَّمانِ الواحِدِ أنْبِياءُ يُؤازِرُ بَعْضُهم بَعْضًا، والمَذْهُوبُ إلَيْهِمُ القِبْطُ وفِرْعَوْنُ. وفي الكَلامِ حَذْفٌ، أيْ: فَذَهَبا وأدَّيا الرِّسالَةَ فَكَذَّبُوهُما، (فَدَمَّرْناهم)، والتَّدْمِيرُ أشَدُّ الإهْلاكِ، وأصْلُهُ كَسْرُ الشَّيْءِ عَلى وجْهٍ لا يُمْكِنُ إصْلاحُهُ. وقِصَّةُ مُوسى ومَن أُرْسِلَ إلَيْهِ ذُكِرَتْ مُنْتَهِيَةً في غَيْرِ ما مَوْضِعٍ، وهُنا اخْتُصِرَتْ فَأوْجَزَ بِذِكْرِ أوَّلِها وآخِرِها؛ لِأنَّهُ بِذَلِكَ يُلْزِمُ الحُجَّةَ بِبَعْثَةِ الرُّسُلِ واسْتِحْقاقَ التَّدْمِيرِ بِتَكْذِيبِهِمْ.
وقَرَأ عَلِيٌّ، والحَسَنُ ومَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ: (فَدَمِّراهم)، عَلى الأمْرِ لِمُوسى وهارُونَ، وعَنْ عَلِيٍّ أيْضًا كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ مُؤَكَّدٌ بِالنُّونِ الشَّدِيدَةِ. وعَنْهُ أيْضًا (فَدَمِّرا) أمْرًا لَهُما (بِهِمْ) بِباءِ الجَرِّ، ومَعْنى الأمْرِ كُونا سَبَبَ تَدْمِيرِهِمْ.
وانْتَصَبَ (وقَوْمَ نُوحٍ) عَلى الِاشْتِغالِ، وكانَ النَّصْبُ أرْجَحَ لِتَقَدُّمِ الجُمَلِ الفِعْلِيَّةِ قَبْلَ ذَلِكَ، ويَكُونُ (لَمّا) في هَذا الإعْرابِ ظَرْفًا عَلى مَذْهَبِ الفارِسِيِّ. وأمّا إنْ كانَتْ حَرْفَ وُجُوبٍ لِوُجُوبٍ فالظّاهِرُ أنَّ (أغْرَقْناهم) جَوابُ (لَمّا) فَلا يُفَسَّرُ ناصِبًا لِـ (قَوْمَ) فَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى المَفْعُولِ في (فَدَمَّرْناهم)، أوْ مَنصُوبًا عَلى مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ اذْكُرْ. وقَدْ جَوَّزَ الوُجُوهَ الثَّلاثَةَ الحَوْفِيُّ.
(لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ) كَذَّبُوا نُوحًا ومَن قَبْلَهُ أوْ جَعَلَ تَكْذِيبَهم لِنُوحٍ تَكْذِيبًا لِلْجَمِيعِ، أوْ لَمْ يَرَوْا بَعْثَةَ الرُّسُلِ كالبَراهِمَةِ، والظّاهِرُ عَطْفُ (وعادًا) عَلى (وقَوْمَ) . وقالَ أبُو إسْحاقَ: يَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى الهاءِ والمِيمِ في ﴿وجَعَلْناهم لِلنّاسِ آيَةً﴾ . قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (الظّالِمِينَ)؛ لِأنَّ التَّأْوِيلَ وعَدْنا الظّالِمِينَ بِالعَذابِ ووَعَدْنا (عادًا وثَمُودَ)، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ والحَسَنُ وعِيسى (وثَمُودَ) غَيْرَ مَصْرُوفٍ.
﴿وأصْحابَ الرَّسِّ﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم قَوْمُ ثَمُودَ، ويُبَعِّدُهُ عَطْفُهُ عَلى ثَمُودَ؛ لِأنَّ العَطْفَ يَقْتَضِي التَّغايُرَ. وقالَ قَتادَةُ: أهْلُ قَرْيَةٍ مِنَ اليَمامَةِ يُقالُ لَها: (p-٤٩٩)الرَّسُّ، والفَلَجُ. قِيلَ: قَتَلُوا نَبِيَّهم فَهَلَكُوا وهم بَقِيَّةُ ثَمُودَ وقَوْمِ صالِحٍ. وقالَ كَعْبٌ ومُقاتِلٌ والسُّدِّيُّ: بِئْرٌ بِأنْطاكِيَةِ الشّامِ قُتِلَ فِيها صاحِبُ ياسِينَ وهو حَبِيبٌ النَّجّارُ. وقِيلَ: قَتَلُوا نَبِيَّهم ورَسُّوهُ في بِئْرٍ، أيْ: دَسُّوهُ فِيهِ.
وقالَ وهْبٌ والكَلْبِيُّ: أصْحابُ الرَّسِّ وأصْحابُ الأيْكَةِ قَوْمانِ أُرْسِلَ إلَيْهِما، شُعَيْبٌ أُرْسِلَ إلى أصْحابِ الرَّسِّ، وكانُوا قَوْمًا مِن عَبَدَةِ الأصْنامِ وأصْحابَ آبارٍ ومَواشٍ، فَدَعاهم إلى الإسْلامِ فَتَمادَوْا في طُغْيانِهِمْ وفي إيذائِهِ، فَبَيْنَما هم حَوْلَ الرَّسِّ وهي البِئْرُ غَيْرُ المَطْوِيَّةِ. وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ انْهارَتْ بِهِمْ فَخُسِفَ بِهِمْ وبِدارِهِمْ. وقالَ عَلِيٌّ فِيما نَقَلَهُ الثَّعْلَبِيُّ: قَوْمٌ عَبَدُوا شَجَرَةَ صَنَوْبَرٍ يُقالُ: لَها شاهْ دَرَخْتَ، رَسُّوا نَبِيَّهم في بِئْرٍ حَفَرُوهُ لَهُ في حَدِيثٍ طَوِيلٍ. وقِيلَ: هم أصْحابُ النَّبِيِّ حَنْظَلَةَ بْنِ صَفْوانَ ﷺ كانُوا مُبْتَلَيْنَ بِالعَنْقاءِ، وهي أعْظَمُ ما يَكُونُ مِنَ الطَّيْرِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِطُولِ عُنُقِها وكانَتْ تَسْكُنُ جَبَلَهُمُ الَّذِي يُقالُ لَهُ فَجٌّ، وهي تَنْقَضُّ عَلى صِبْيانِهِمْ فَتَخْطِفُهم إنْ أعْوَزَها الصَّيْدُ فَدَعا عَلَيْها حَنْظَلَةُ فَأصابَتْها الصّاعِقَةُ، ثُمَّ إنَّهم قَتَلُوا حَنْظَلَةَ فَأُهْلِكُوا. وقِيلَ: هم أصْحابُ الأُخْدُودِ، والرَّسُّ هو الأُخْدُودُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الرَّسُّ بِئْرُ أذْرَبِيجانَ. وقِيلَ: الرَّسُّ ما بَيْنَ نَجْرانَ إلى اليَمَنِ إلى حَضْرَمَوْتَ. وقِيلَ: قَوْمٌ بَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِمْ أنْبِياءَ فَقَتَلُوهم ورَسُّوا عِظامَهم في بِئْرٍ. وقِيلَ: قَوْمٌ بُعِثَ إلَيْهِمْ نَبِيٌّ فَأكَلُوهُ. وقِيلَ: قَوْمٌ نِساؤُهم سَواحِقُ. وقِيلَ: الرَّسُّ ماءٌ ونَخْلٌ لِبَنِي أسَدٍ. وقِيلَ: الرَّسُّ نَهْرٌ مِن بِلادِ المَشْرِقِ بَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِمْ نَبِيًّا مِن أوْلادِ يَهُوذا ابْنِ يَعْقُوبَ فَكَذَّبُوهُ، فَلَبِثَ فِيهِمْ زَمانًا فَشَكا إلى اللَّهِ مِنهم، فَحَفَرُوا لَهُ بِئْرًا وأرْسَلُوهُ فِيها، وقالُوا: نَرْجُو أنْ يَرْضى عَنّا إلَهُنا، فَكانُوا عامَّةَ يَوْمِهِمْ يَسْمَعُونَ أنِينَ نَبِيِّهِمْ، فَدَعا بِتَعْجِيلِ قَبْضِ رُوحِهِ فَماتَ وأظَلَّتْهم سَحابَةٌ سَوْداءُ أذابَتْهم كَما يَذُوبُ الرَّصاصُ.
ورَوى عِكْرِمَةُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ”أنَّ أهْلَ الرَّسِّ أخَذُوا نَبِيَّهم فَرَسُّوهُ في بِئْرٍ وأطْبَقُوا عَلَيْهِ صَخْرَةً، فَكانَ عَبْدٌ أسْوَدُ قَدْ آمَنَ بِهِ يَجِيءُ بِطَعامٍ إلى تِلْكَ البِئْرِ فَيُعِينُهُ اللَّهُ عَلى تِلْكَ الصَّخْرَةِ فَيَقْلَعُها فَيُعْطِيهِ ما يُغَذِّيهِ بِهِ. ثُمَّ يَرُدُّ الصَّخْرَةَ، إلى أنْ ضَرَبَ اللَّهُ يَوْمًا عَلى أُذُنِ ذَلِكَ الأسْوَدِ بِالنَّوْمِ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وأخْرَجَ أهْلُ القَرْيَةِ نَبِيَّهم فَآمَنُوا بِهِ“ . في حَدِيثٍ طَوِيلٍ. قالَ الطَّبَرِيُّ: فَيُمْكِنُ أنَّهم كَفَرُوا بَعْدَ ذَلِكَ فَذَكَرَهُمُ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ، وكَثُرَ الِاخْتِلافُ في أصْحابِ الرَّسِّ، فَلَوْ صَحَّ ما نَقَلَهُ عِكْرِمَةُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ كانَ هو القَوْلَ الَّذِي لا يُمْكِنُ خِلافُهُ (ومُلَخَّصُ هَذِهِ الأقْوالِ) أنَّهم قَوْمٌ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِتَكْذِيبِ مَن أرْسَلَ إلَيْهِمْ.
(وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ) هَذا إبْهامٌ لا يَعْلَمُ حَقِيقَةَ ذَلِكَ إلّا اللَّهُ، و(ذَلِكَ) إشارَةٌ إلى أُولَئِكَ المُتَقَدِّمِي الذِّكْرِ؛ فَلِذَلِكَ حَسُنَ دُخُولُ (بَيْنَ) عَلَيْهِ مِن غَيْرِ أنْ يُعْطَفَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، كَأنَّهُ قِيلَ بَيْنَ المَذْكُورِينَ، وقَدْ يَذْكُرُ الذّاكِرُ أشْياءَ مُخْتَلِفَةً. ثُمَّ يُشِيرُ إلَيْها. وانْتَصَبَ (كُلًّا) الأوَّلُ عَلى الِاشْتِغالِ، أيْ: وأنْذَرْنا كُلًّا أوْ حَذَّرْنا كُلًّا، والثّانِي عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِتَبَّرْنا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ مَفْعُولًا، وهَذا مِن واضِحِ الإعْرابِ. ومَعْنى ضَرَبَ الأمْثالَ، أيْ: بَيَّنَ لَهُمُ القِصَصَ العَجِيبَةَ مِن قَصَصِ الأوَّلِينَ ووَصَفْنا لَهم ما أدّى إلَيْهِ تَكْذِيبُهم بِأنْبِيائِهِمْ مِن عَذابِ اللَّهِ وتَدْمِيرِهِ إيّاهم لِيَهْتَدُوا بِضَرْبِ الأمْثالِ فَلَمْ يَهْتَدُوا، وأبْعَدَ مَن جَعَلَ الضَّمِيرَ في (لَهُ) لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: والمَعْنى وكُلَّ الأمْثالِ ضَرَبْنا لِلرَّسُولِ وعَلى هَذا و(كُلًّا) مَنصُوبٌ بِضَرَبْنا، و(الأمْثالَ) بَدَلٌ مِن (كُلًّا)، والضَّمِيرُ في (ولَقَدْ أتَوْا) لِقُرَيْشٍ كانُوا يَمُرُّونَ عَلى سَدُومَ مِن قُرى قَوْمِ لُوطٍ في مَتاجِرِهِمْ إلى الشّامِ، وكانَتْ قُرًى خَمْسَةً، أهْلَكَ اللَّهُ مِنها أرْبَعًا وبَقِيَتْ واحِدَةٌ، وهي زُغَرُ لَمْ يَكُنْ أهْلُها يَعْمَلُونَ ذَلِكَ العَمَلَ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: و(مَطَرَ السَّوْءِ) الحِجارَةُ الَّتِي أُمْطِرَتْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ فَهَلَكُوا. وكانَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يُنادِي نَصِيحَةً لَكم: يا سَدُومُ، يَوْمٌ لَكم مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - أنْهاكم أنْ تَتَعَرَّضُوا لِلْعُقُوبَةِ مِنَ اللَّهِ، ومَعْنى (أتَوْا) مَرُّوا فَلِذَلِكَ عَدّاهُ بِعَلى. وأفْرَدَ لَفْظَ القَرْيَةِ وإنْ كانَتْ قُرًى؛ لِأنَّ سَدُومَ هي أُمُّ تِلْكَ (p-٥٠٠)القُرى وأعْظَمُها. وقالَ مَكِّيٌّ: الضَّمِيرُ في أتَوْا عائِدٌ عَلى الَّذِينَ اتَّخَذُوا القُرْآنَ مَهْجُورًا. انْتَهى، وهم قُرَيْشٌ، وانْتَصَبَ (مَطَرَ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لَأُمْطِرَتْ، عَلى مَعْنى أُولِيَتْ، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مَحْذُوفُ الزَّوائِدِ، أيْ: إمْطارَ السَّوْءِ.
﴿أفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها﴾ أيْ: يَنْظُرُونَ إلى ما فِيها مِنَ العِبَرِ والآثارِ الدّالَّةِ عَلى ما حَلَّ بِها مِنَ النِّقَمِ كَما قالَ: ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ وبِاللَيْلِ﴾ [الصافات: ١٣٧]، وقالَ: ﴿وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩]، وهو اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّعَجُّبُ، ومَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَعْتَبِرُوا بِرُؤْيَتِها أنْ يَحِلَّ بِهِمْ في الدُّنْيا ما حَلَّ بِأُولَئِكَ، بَلْ كانُوا كَفَرَةً لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ فَلَمْ يَتَوَقَّعُوا عَذابَ الآخِرَةِ، وضَعَ الرَّجاءَ مَوْضِعَ التَّوَقُّعِ؛ لِأنَّهُ إنَّما يَتَوَقَّعُ العاقِبَةَ مَن يُؤْمِنُ، فَمِن ثَمَّ لَمْ يَنْظُرُوا ولَمْ يَتَفَكَّرُوا ومَرُّوا بِها كَما مَرَّتْ رِكابُهم، أوْ لا يَأْمُلُونَ (نُشُورًا) كَما يَأْمُلُهُ المُؤْمِنُونَ لِطَمَعِهِمْ إلى ثَوابِ أعْمالِهِمْ، أوْ لا يَخافُونَ عَلى اللُّغَةِ التِّهامِيَّةِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ”مُطِرَتْ“ ثُلاثِيًّا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ومَطَرَ مُتَعَدٍّ. قالَ الشّاعِرُ:
؎كَمَن بَوادِيهِ بَعْدَ المَحْلِ مَمْطُورِ
وقَرَأ أبُو السِّماكِ: (مَطَرَ السُّوءِ) بِضَمِّ السِّينِ.
﴿وإذا رَأوْكَ إنَّ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾، لَمْ يَقْتَصِرِ المُشْرِكُونَ عَلى إنْكارِ نُبُوَّةِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وتَرْكِ الإيمانِ بِهِ، بَلْ زادُوا عَلى ذَلِكَ بِالِاسْتِهْزاءِ والِاحْتِقارِ. حَتّى يَقُولَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿أهَذا الَّذِى بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾، و(إنْ) نافِيَةٌ جَوابُ (إذا)، وانْفَرَدَتْ (إذا) بِأنَّهُ إذا كانَ جَوابُها مَنفِيًّا بِما أوْ بِلا لا تَدْخُلُهُ الفاءُ، بِخِلافِ أدَواتِ الشَّرْطِ غَيْرِها فَلا بُدَّ مِنَ الفاءِ مَعَ ما ومَعَ لا إذا ارْتَفَعَ المُضارِعُ، فَلَوْ وقَعَتْ إنِ النّافِيَةُ في جَوابِ غَيْرِ إذا فَلا بُدَّ مِنَ الفاءِ كَما النّافِيَةِ، ومَعْنى (هُزُؤًا) مَوْضِعَ هُزْءٍ أوْ مَهْزُوًّا بِهِ، (أهَذا) قَبْلَهُ قَوْلٌ مَحْذُوفٌ، أيْ: يَقُولُونَ، وقالَ: جَوابُ (إذا) ما أُضْمِرُ مِنَ القَوْلِ، أيْ: (وإذا رَأوْكَ) قالُوا: ﴿أهَذا الَّذِى بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾، و(إنْ يَتَّخِذُونَكَ) جُمْلَةٌ اعْتِراضِيَّةٌ بَيْنَ (إذا) وجَوابِها. قِيلَ: ونَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ؛ كانَ إذا رَأى الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ: ﴿أهَذا الَّذِى بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ ؟ وأخْبَرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لِقُبْحِ صُنْعِهِ أوْ لِكَوْنِ جَماعَةٍ مَعَهُ قالُوا ذَلِكَ، والظّاهِرُ أنَّ قائِلَ ذَلِكَ جَماعَةٌ كَثِيرَةٌ، وهَذا الِاسْتِفْهامُ اسْتِصْغارٌ واحْتِقارٌ مِنهم أخْرَجُوهُ بِقَوْلِهِمْ: بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا في مَعْرِضِ التَّسْلِيمِ والإقْرارِ، وهم عَلى غايَةِ الجُحُودِ والإنْكارِ سُخْرِيَةً واسْتِهْزاءً، ولَوْ لَمْ يَسْتَهْزِئُوا لَقالُوا هَذا زَعَمَ أوِ ادَّعى أنَّهُ مَبْعُوثٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ رَسُولًا. وقَوْلُهم: (إنْ كادَ لَيُضِلُّنا) دَلِيلٌ عَلى فَرْطِ مُجاهَدَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في دَعْوَتِهِمْ، وبَذْلِهِ قُصارى الوُسْعِ والطّاقَةِ في اسْتِعْطافِهِمْ مَعَ عَرْضِ الآياتِ والمُعْجِزاتِ، حَتّى شارَفُوا بِزَعْمِهِمْ أنْ يَتْرُكُوا دِينَهم إلى دِينِ الإسْلامِ، لَوْلا فَرْطُ لَجاجِهِمْ واسْتِمْساكِهِمْ بِعِبادَةِ آلِهَتِهِمْ. و(لَوْلا) في مِثْلِ هَذا الكَلامِ جارٍ - مِن حَيْثُ المَعْنى لا مِن حَيْثُ اللَّفْظُ - مَجْرى التَّقْيِيدِ لِلْحُكْمِ المُطْلَقِ؛ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: الِاسْتِهْزاءُ إمّا بِالصُّورَةِ فَكانَ أحْسَنَ مِنهم خِلْقَةً، أوْ بِالصِّفَةِ فَلا يُمْكِنُ؛ لِأنَّ الصِّفَةَ الَّتِي تَمَيَّزَ بِها عَنْهم ظُهُورُ المُعْجِزِ عَلَيْهِ دُونَهم، وما قَدَرُوا عَلى القَدْحِ في حُجَّتِهِ فَفي الحَقِيقَةِ هُمُ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ أنْ يُهْزَأ بِهِمْ، ثُمَّ لِوَقاحَتِهِمْ قَلَبُوا القِصَّةَ واسْتَهْزَءُوا بِالرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - انْتَهى. قِيلَ: وتَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّهم صارُوا في ظُهُورِ حُجَّتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلَيْهِمْ كالمَجانِينِ اسْتَهْزَءُوا بِهِ أوَّلًا، ثُمَّ إنَّهم وصَفُوهُ بِأنَّهُ (كادَ لَيُضِلُّنا) عَنْ مَذْهَبِنا (لَوْلا) أنّا قابَلْناهُ بِالجُمُودِ والإصْرارِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم سَلَّمُوا لَهُ قُوَّةَ الحُجَّةِ وكَمالَ العَقْلِ، فَكَوْنُهم جَمَعُوا بَيْنَ الِاسْتِهْزاءِ وبَيْنَ هَذِهِ الكَيْدُودَةِ دَلَّ عَلى أنَّهم كانُوا كالمُتَحَيِّرِينَ في أمْرِهِ، تارَةً يَسْتَهْزِئُونَ مِنهُ وتارَةً يَصِفُونَهُ بِما لا يَلِيقُ إلّا بِالعالِمِ الكامِلِ.
﴿وسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ وعِيدٌ ودَلالَةٌ عَلى أنَّهم لا يَفُوتُونَهُ وإنْ طالَتْ مُدَّةُ الإمْهالِ، فَلا بُدَّ لِلْوَعِيدِ أنْ يَلْحَقَهم فَلا يَغُرَّنَّهُمُ التَّأْخِيرُ، ولَمّا قالُوا (إنْ كادَ لَيُضِلُّنا) جاءَ قَوْلُهُ: ﴿مَن أضَلُّ سَبِيلًا﴾ أيْ: سَيَظْهَرُ لَهم مَنِ المُضِلُّ ومَنِ الضّالُّ بِمُشاهَدَةِ العَذابِ الَّذِي لا مُخَلِّصَ لَهم مِنهُ. والظّاهِرُ أنَّ (مَن) اسْتِفْهامِيَّةٌ، و(أضَلُّ) خَبَرُهُ، والجُمْلَةَ في مَوْضِعِ مَفْعُولِ (يَعْلَمُونَ) إنْ كانَتْ (p-٥٠١)مُتَعَدِّيَةً إلى واحِدٍ، أوْ في مَوْضِعِ مَفْعُولَيْنِ إنْ كانَتْ تَعَدَّتْ إلى اثْنَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (مَن) مَوْصُولَةً مَفْعُولَةً بِيَعْلَمُونَ، و(أضَلُّ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو أضَلُّ، وصارَ حَذْفُ هَذا المُضْمَرِ لِلِاسْتِطالَةِ الَّتِي حَصَلَتْ في قَوْلِ العَرَبِ: ما أنا بِالَّذِي قائِلٌ لَكَ سَواءٌ.
﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ هَذا يَأْسٌ عَنْ إيمانِهِمْ وإشارَةٌ إلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ لا يَتَأسَّفَ عَلَيْهِمْ، وإعْلامٌ أنَّهم في الجَهْلِ بِالمَنافِعِ وقِلَّةِ النَّظَرِ في العَواقِبِ مِثْلُ البَهائِمِ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهم (أضَلُّ سَبِيلًا) مِنَ الأنْعامِ مِن حَيْثُ لَهم فَهْمٌ وتَرَكُوا اسْتِعْمالَهُ فِيما يُخَلِّصُهم مِن عَذابِ اللَّهِ. والأنْعامُ لا سَبِيلَ لَها إلى فَهْمِ المَصالِحِ. و(أرَأيْتَ) اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ مِن جَهْلِ مَن هَذِهِ حالُهُ، و(إلَهَهُ) المَفْعُولُ الأوَّلُ لِاتَّخَذَ، و(هَواهُ) الثّانِي، أيْ: أقامَ مُقامَ الإلَهِ الَّذِي يَعْبُدُهُ هَواهُ فَهو جارٍ عَلى ما يَكُونُ في (هَواهُ)، والمَعْنى أنَّهُ لَمْ يَتَّخِذْ إلَهًا إلّا هَواهُ، وادِّعاءُ القَلْبِ لَيْسَ بِجَيِّدٍ إذْ يُقَدِّرُهُ مَنِ اتَّخَذَ هَواهُ إلَهَهُ، والبَيْتُ مِن ضَرائِرِ الشِّعْرِ ونادِرِ الكَلامِ فَيُنَزَّهُ كَلامُ اللَّهِ عَنْهُ، كانَ الرَّجُلُ يَعْبُدُ الصَّنَمَ فَإذا رَأى أحْسَنَ مِنهُ رَماهُ وأخَذَ الأحْسَنَ. قِيلَ: نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ قَيْسٍ السَّهْمِيِّ، كانَ إذا هَوِيَ شَيْئًا عَبَدَهُ، والهَوى مَيْلُ القَلْبِ إلى الشَّيْءِ (أفَأنْتَ) تُجْبِرُهُ عَلى تَرْكِ هَواهُ، أوْ (أفَأنْتَ) تَحْفَظُهُ مِن عَظِيمِ جَهْلِهِ. وقَرَأ بَعْضُ أهْلِ المَدِينَةِ ”مَنِ اتَّخَذَ آلِهَةً“ مُنَوَّنَةً عَلى الجَمْعِ، وفِيهِ تَقْدِيمٌ جَعَلَ هَواهُ أنْواعًا أسْماءً لِأجْناسٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَجَعَلَ كُلَّ جِنْسٍ مِن هَواهُ إلَهًا آخَرَ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ: (إلاهَةً) عَلى وزْنِ فِعالَةٍ، وفِيهِ أيْضًا تَقْدِيمٌ أيْ: هَواهُ إلاهَةً، بِمَعْنى مَعْبُودٍ؛ لِأنَّها بِمَعْنى المَأْلُوهَةِ. فالهاءُ فِيها لِلْمُبالَغَةِ فَلِذَلِكَ صُرِفَتْ. وقِيلَ: بَلِ الإلاهَةُ الشَّمْسُ، ويُقالُ لَها أُلاهَةٌ بِضَمِّ الهَمْزَةِ، وهي غَيْرُ مَصْرُوفَةٍ لِلْعَلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ، لَكِنَّها لَمّا كانَتْ مِمّا يَدْخُلُها لامُ المَعْرِفَةِ في بَعْضِ اللُّغاتِ صارَتْ بِمَنزِلَةِ ما كانَ فِيهِ اللّامُ ثُمَّ نُزِعَتْ؛ فَلِذَلِكَ صُرِفَتْ وصارَتْ بِمَنزِلَةِ النُّعُوتِ فَتَنَكَّرَتْ؛ قالَهُ صاحِبُ اللَّوامِحِ. ومَفْعُولُ (أرَأيْتَ) الأوَّلُ هو (مَنِ)، والجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في (أرَأيْتَ) في أوائِلِ الأنْعامِ، ومَعْنى (وكِيلًا) أيْ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَدْعُوَ إلى الهُدى فَتَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ وتُجْبِرَهُ عَلى الإسْلامِ. و(أمْ) مُنْقَطِعَةٌ تَتَقَدَّرُ بِبَلْ والهَمْزَةِ عَلى المَذْهَبِ الصَّحِيحِ، كَأنَّهُ قالَ: بَلْ أتَحْسَبُ كَأنَّ هَذِهِ المَذَمَّةَ أشَدُّ مِنَ الَّتِي تَقَدَّمَتْها حَتّى حُفَّتْ بِالإضْرابِ عَنْها إلَيْها، وهو كَوْنُهم مَسْلُوبِي الأسْماعِ والعُقُولِ؛ لِأنَّهم لا يُلْقُونَ إلى اسْتِماعِ الحَقِّ أُذُنًا ولا إلى تَدَبُّرِهِ عَقْلًا، ومُشَبَّهِينَ بِالأنْعامِ الَّتِي هي مَثَلٌ في الغَفْلَةِ والضَّلالَةِ، ونُفِيَ ذَلِكَ عَنْ أكْثَرِهِمْ؛ لِأنَّ فِيهِمْ مَن سَبَقَتْ لَهُ السَّعادَةُ فَأسْلَمَ، وجُعِلُوا أضَلَّ مِنَ الأنْعامِ؛ لِأنَّها تَنْقادُ لِأرْبابِها وتَعْرِفُ مَن يُحْسِنُ إلَيْها مِمَّنْ يُسِيءُ إلَيْها، وتَطْلُبُ مَنفَعَتَها وتَتَجَنَّبُ مَضَرَّتَها، وتَهْتَدِي إلى مَراعِيها ومَشارِبِها، وهم لا يَنْقادُونَ لِرَبِّهِمْ، ولا يَعْرِفُونَ إحْسانَهُ إلَيْهِمْ، ولا يَرْغَبُونَ في الثَّوابِ الَّذِي هو أعْظَمُ المَنافِعِ، ولا يَتَّقُونَ العِقابَ الَّذِي هو أشَدُّ المَضارِّ، ولا يَهْتَدُونَ لِلْحَقِّ.
الفرقان 25:39
(p-٤٩٨)﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ وجَعَلْنا مَعَهُ أخاهُ هارُونَ وزِيرًا﴾ ﴿فَقُلْنا اذْهَبا إلى القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهم تَدْمِيرًا﴾ ﴿وقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهم وجَعَلْناهم لِلنّاسِ آيَةً وأعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿وعادًا وثَمُودَ وأصْحابَ الرَّسِّ وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ ﴿وكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ وكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيرًا﴾ ﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ ﴿وإذا رَأوْكَ إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ ﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها وسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ مَن أضَلُّ سَبِيلًا﴾ ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلًا﴾ ﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ إنْ هم إلّا كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا﴾
لَمّا تَقَدَّمَ تَكْذِيبُ قُرَيْشٍ والكَفّارِ لِما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ تَعالى ما فِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ وإرْهابٌ لِلْمُكَذِّبِينَ، وتَذْكِيرٌ لَهم أنْ يُصِيبَهم ما أصابَ الأُمَمَ السّابِقَةَ مِن هَلاكِ الِاسْتِئْصالِ لَمّا كَذَّبُوا رُسُلَهم، فَناسَبَ أنْ ذَكَرَ أوَّلًا مَن نَزَلَ عَلَيْهِ كِتابُهُ جُمْلَةً واحِدَةً، ومَعَ ذَلِكَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِهِ، فَكَذَلِكَ هَؤُلاءِ لَوْ نَزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ دُفْعَةً لَكَذَّبُوا وكَفَرُوا كَما كَذَّبَ قَوْمُ مُوسى.
والكِتابُ هُنا التَّوْراةُ، و(هارُونَ) بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَعَهُ المَفْعُولُ الثّانِي لِجَعَلْنا. وأنْ يَكُونَ (وزِيرًا)، والوِزارَةُ لا تُنافِي النُّبُوَّةَ؛ فَقَدْ كانَ في الزَّمانِ الواحِدِ أنْبِياءُ يُؤازِرُ بَعْضُهم بَعْضًا، والمَذْهُوبُ إلَيْهِمُ القِبْطُ وفِرْعَوْنُ. وفي الكَلامِ حَذْفٌ، أيْ: فَذَهَبا وأدَّيا الرِّسالَةَ فَكَذَّبُوهُما، (فَدَمَّرْناهم)، والتَّدْمِيرُ أشَدُّ الإهْلاكِ، وأصْلُهُ كَسْرُ الشَّيْءِ عَلى وجْهٍ لا يُمْكِنُ إصْلاحُهُ. وقِصَّةُ مُوسى ومَن أُرْسِلَ إلَيْهِ ذُكِرَتْ مُنْتَهِيَةً في غَيْرِ ما مَوْضِعٍ، وهُنا اخْتُصِرَتْ فَأوْجَزَ بِذِكْرِ أوَّلِها وآخِرِها؛ لِأنَّهُ بِذَلِكَ يُلْزِمُ الحُجَّةَ بِبَعْثَةِ الرُّسُلِ واسْتِحْقاقَ التَّدْمِيرِ بِتَكْذِيبِهِمْ.
وقَرَأ عَلِيٌّ، والحَسَنُ ومَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ: (فَدَمِّراهم)، عَلى الأمْرِ لِمُوسى وهارُونَ، وعَنْ عَلِيٍّ أيْضًا كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ مُؤَكَّدٌ بِالنُّونِ الشَّدِيدَةِ. وعَنْهُ أيْضًا (فَدَمِّرا) أمْرًا لَهُما (بِهِمْ) بِباءِ الجَرِّ، ومَعْنى الأمْرِ كُونا سَبَبَ تَدْمِيرِهِمْ.
وانْتَصَبَ (وقَوْمَ نُوحٍ) عَلى الِاشْتِغالِ، وكانَ النَّصْبُ أرْجَحَ لِتَقَدُّمِ الجُمَلِ الفِعْلِيَّةِ قَبْلَ ذَلِكَ، ويَكُونُ (لَمّا) في هَذا الإعْرابِ ظَرْفًا عَلى مَذْهَبِ الفارِسِيِّ. وأمّا إنْ كانَتْ حَرْفَ وُجُوبٍ لِوُجُوبٍ فالظّاهِرُ أنَّ (أغْرَقْناهم) جَوابُ (لَمّا) فَلا يُفَسَّرُ ناصِبًا لِـ (قَوْمَ) فَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى المَفْعُولِ في (فَدَمَّرْناهم)، أوْ مَنصُوبًا عَلى مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ اذْكُرْ. وقَدْ جَوَّزَ الوُجُوهَ الثَّلاثَةَ الحَوْفِيُّ.
(لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ) كَذَّبُوا نُوحًا ومَن قَبْلَهُ أوْ جَعَلَ تَكْذِيبَهم لِنُوحٍ تَكْذِيبًا لِلْجَمِيعِ، أوْ لَمْ يَرَوْا بَعْثَةَ الرُّسُلِ كالبَراهِمَةِ، والظّاهِرُ عَطْفُ (وعادًا) عَلى (وقَوْمَ) . وقالَ أبُو إسْحاقَ: يَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى الهاءِ والمِيمِ في ﴿وجَعَلْناهم لِلنّاسِ آيَةً﴾ . قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (الظّالِمِينَ)؛ لِأنَّ التَّأْوِيلَ وعَدْنا الظّالِمِينَ بِالعَذابِ ووَعَدْنا (عادًا وثَمُودَ)، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ والحَسَنُ وعِيسى (وثَمُودَ) غَيْرَ مَصْرُوفٍ.
﴿وأصْحابَ الرَّسِّ﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم قَوْمُ ثَمُودَ، ويُبَعِّدُهُ عَطْفُهُ عَلى ثَمُودَ؛ لِأنَّ العَطْفَ يَقْتَضِي التَّغايُرَ. وقالَ قَتادَةُ: أهْلُ قَرْيَةٍ مِنَ اليَمامَةِ يُقالُ لَها: (p-٤٩٩)الرَّسُّ، والفَلَجُ. قِيلَ: قَتَلُوا نَبِيَّهم فَهَلَكُوا وهم بَقِيَّةُ ثَمُودَ وقَوْمِ صالِحٍ. وقالَ كَعْبٌ ومُقاتِلٌ والسُّدِّيُّ: بِئْرٌ بِأنْطاكِيَةِ الشّامِ قُتِلَ فِيها صاحِبُ ياسِينَ وهو حَبِيبٌ النَّجّارُ. وقِيلَ: قَتَلُوا نَبِيَّهم ورَسُّوهُ في بِئْرٍ، أيْ: دَسُّوهُ فِيهِ.
وقالَ وهْبٌ والكَلْبِيُّ: أصْحابُ الرَّسِّ وأصْحابُ الأيْكَةِ قَوْمانِ أُرْسِلَ إلَيْهِما، شُعَيْبٌ أُرْسِلَ إلى أصْحابِ الرَّسِّ، وكانُوا قَوْمًا مِن عَبَدَةِ الأصْنامِ وأصْحابَ آبارٍ ومَواشٍ، فَدَعاهم إلى الإسْلامِ فَتَمادَوْا في طُغْيانِهِمْ وفي إيذائِهِ، فَبَيْنَما هم حَوْلَ الرَّسِّ وهي البِئْرُ غَيْرُ المَطْوِيَّةِ. وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ انْهارَتْ بِهِمْ فَخُسِفَ بِهِمْ وبِدارِهِمْ. وقالَ عَلِيٌّ فِيما نَقَلَهُ الثَّعْلَبِيُّ: قَوْمٌ عَبَدُوا شَجَرَةَ صَنَوْبَرٍ يُقالُ: لَها شاهْ دَرَخْتَ، رَسُّوا نَبِيَّهم في بِئْرٍ حَفَرُوهُ لَهُ في حَدِيثٍ طَوِيلٍ. وقِيلَ: هم أصْحابُ النَّبِيِّ حَنْظَلَةَ بْنِ صَفْوانَ ﷺ كانُوا مُبْتَلَيْنَ بِالعَنْقاءِ، وهي أعْظَمُ ما يَكُونُ مِنَ الطَّيْرِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِطُولِ عُنُقِها وكانَتْ تَسْكُنُ جَبَلَهُمُ الَّذِي يُقالُ لَهُ فَجٌّ، وهي تَنْقَضُّ عَلى صِبْيانِهِمْ فَتَخْطِفُهم إنْ أعْوَزَها الصَّيْدُ فَدَعا عَلَيْها حَنْظَلَةُ فَأصابَتْها الصّاعِقَةُ، ثُمَّ إنَّهم قَتَلُوا حَنْظَلَةَ فَأُهْلِكُوا. وقِيلَ: هم أصْحابُ الأُخْدُودِ، والرَّسُّ هو الأُخْدُودُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الرَّسُّ بِئْرُ أذْرَبِيجانَ. وقِيلَ: الرَّسُّ ما بَيْنَ نَجْرانَ إلى اليَمَنِ إلى حَضْرَمَوْتَ. وقِيلَ: قَوْمٌ بَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِمْ أنْبِياءَ فَقَتَلُوهم ورَسُّوا عِظامَهم في بِئْرٍ. وقِيلَ: قَوْمٌ بُعِثَ إلَيْهِمْ نَبِيٌّ فَأكَلُوهُ. وقِيلَ: قَوْمٌ نِساؤُهم سَواحِقُ. وقِيلَ: الرَّسُّ ماءٌ ونَخْلٌ لِبَنِي أسَدٍ. وقِيلَ: الرَّسُّ نَهْرٌ مِن بِلادِ المَشْرِقِ بَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِمْ نَبِيًّا مِن أوْلادِ يَهُوذا ابْنِ يَعْقُوبَ فَكَذَّبُوهُ، فَلَبِثَ فِيهِمْ زَمانًا فَشَكا إلى اللَّهِ مِنهم، فَحَفَرُوا لَهُ بِئْرًا وأرْسَلُوهُ فِيها، وقالُوا: نَرْجُو أنْ يَرْضى عَنّا إلَهُنا، فَكانُوا عامَّةَ يَوْمِهِمْ يَسْمَعُونَ أنِينَ نَبِيِّهِمْ، فَدَعا بِتَعْجِيلِ قَبْضِ رُوحِهِ فَماتَ وأظَلَّتْهم سَحابَةٌ سَوْداءُ أذابَتْهم كَما يَذُوبُ الرَّصاصُ.
ورَوى عِكْرِمَةُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ”أنَّ أهْلَ الرَّسِّ أخَذُوا نَبِيَّهم فَرَسُّوهُ في بِئْرٍ وأطْبَقُوا عَلَيْهِ صَخْرَةً، فَكانَ عَبْدٌ أسْوَدُ قَدْ آمَنَ بِهِ يَجِيءُ بِطَعامٍ إلى تِلْكَ البِئْرِ فَيُعِينُهُ اللَّهُ عَلى تِلْكَ الصَّخْرَةِ فَيَقْلَعُها فَيُعْطِيهِ ما يُغَذِّيهِ بِهِ. ثُمَّ يَرُدُّ الصَّخْرَةَ، إلى أنْ ضَرَبَ اللَّهُ يَوْمًا عَلى أُذُنِ ذَلِكَ الأسْوَدِ بِالنَّوْمِ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وأخْرَجَ أهْلُ القَرْيَةِ نَبِيَّهم فَآمَنُوا بِهِ“ . في حَدِيثٍ طَوِيلٍ. قالَ الطَّبَرِيُّ: فَيُمْكِنُ أنَّهم كَفَرُوا بَعْدَ ذَلِكَ فَذَكَرَهُمُ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ، وكَثُرَ الِاخْتِلافُ في أصْحابِ الرَّسِّ، فَلَوْ صَحَّ ما نَقَلَهُ عِكْرِمَةُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ كانَ هو القَوْلَ الَّذِي لا يُمْكِنُ خِلافُهُ (ومُلَخَّصُ هَذِهِ الأقْوالِ) أنَّهم قَوْمٌ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِتَكْذِيبِ مَن أرْسَلَ إلَيْهِمْ.
(وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ) هَذا إبْهامٌ لا يَعْلَمُ حَقِيقَةَ ذَلِكَ إلّا اللَّهُ، و(ذَلِكَ) إشارَةٌ إلى أُولَئِكَ المُتَقَدِّمِي الذِّكْرِ؛ فَلِذَلِكَ حَسُنَ دُخُولُ (بَيْنَ) عَلَيْهِ مِن غَيْرِ أنْ يُعْطَفَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، كَأنَّهُ قِيلَ بَيْنَ المَذْكُورِينَ، وقَدْ يَذْكُرُ الذّاكِرُ أشْياءَ مُخْتَلِفَةً. ثُمَّ يُشِيرُ إلَيْها. وانْتَصَبَ (كُلًّا) الأوَّلُ عَلى الِاشْتِغالِ، أيْ: وأنْذَرْنا كُلًّا أوْ حَذَّرْنا كُلًّا، والثّانِي عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِتَبَّرْنا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ مَفْعُولًا، وهَذا مِن واضِحِ الإعْرابِ. ومَعْنى ضَرَبَ الأمْثالَ، أيْ: بَيَّنَ لَهُمُ القِصَصَ العَجِيبَةَ مِن قَصَصِ الأوَّلِينَ ووَصَفْنا لَهم ما أدّى إلَيْهِ تَكْذِيبُهم بِأنْبِيائِهِمْ مِن عَذابِ اللَّهِ وتَدْمِيرِهِ إيّاهم لِيَهْتَدُوا بِضَرْبِ الأمْثالِ فَلَمْ يَهْتَدُوا، وأبْعَدَ مَن جَعَلَ الضَّمِيرَ في (لَهُ) لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: والمَعْنى وكُلَّ الأمْثالِ ضَرَبْنا لِلرَّسُولِ وعَلى هَذا و(كُلًّا) مَنصُوبٌ بِضَرَبْنا، و(الأمْثالَ) بَدَلٌ مِن (كُلًّا)، والضَّمِيرُ في (ولَقَدْ أتَوْا) لِقُرَيْشٍ كانُوا يَمُرُّونَ عَلى سَدُومَ مِن قُرى قَوْمِ لُوطٍ في مَتاجِرِهِمْ إلى الشّامِ، وكانَتْ قُرًى خَمْسَةً، أهْلَكَ اللَّهُ مِنها أرْبَعًا وبَقِيَتْ واحِدَةٌ، وهي زُغَرُ لَمْ يَكُنْ أهْلُها يَعْمَلُونَ ذَلِكَ العَمَلَ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: و(مَطَرَ السَّوْءِ) الحِجارَةُ الَّتِي أُمْطِرَتْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ فَهَلَكُوا. وكانَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يُنادِي نَصِيحَةً لَكم: يا سَدُومُ، يَوْمٌ لَكم مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - أنْهاكم أنْ تَتَعَرَّضُوا لِلْعُقُوبَةِ مِنَ اللَّهِ، ومَعْنى (أتَوْا) مَرُّوا فَلِذَلِكَ عَدّاهُ بِعَلى. وأفْرَدَ لَفْظَ القَرْيَةِ وإنْ كانَتْ قُرًى؛ لِأنَّ سَدُومَ هي أُمُّ تِلْكَ (p-٥٠٠)القُرى وأعْظَمُها. وقالَ مَكِّيٌّ: الضَّمِيرُ في أتَوْا عائِدٌ عَلى الَّذِينَ اتَّخَذُوا القُرْآنَ مَهْجُورًا. انْتَهى، وهم قُرَيْشٌ، وانْتَصَبَ (مَطَرَ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لَأُمْطِرَتْ، عَلى مَعْنى أُولِيَتْ، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مَحْذُوفُ الزَّوائِدِ، أيْ: إمْطارَ السَّوْءِ.
﴿أفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها﴾ أيْ: يَنْظُرُونَ إلى ما فِيها مِنَ العِبَرِ والآثارِ الدّالَّةِ عَلى ما حَلَّ بِها مِنَ النِّقَمِ كَما قالَ: ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ وبِاللَيْلِ﴾ [الصافات: ١٣٧]، وقالَ: ﴿وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩]، وهو اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّعَجُّبُ، ومَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَعْتَبِرُوا بِرُؤْيَتِها أنْ يَحِلَّ بِهِمْ في الدُّنْيا ما حَلَّ بِأُولَئِكَ، بَلْ كانُوا كَفَرَةً لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ فَلَمْ يَتَوَقَّعُوا عَذابَ الآخِرَةِ، وضَعَ الرَّجاءَ مَوْضِعَ التَّوَقُّعِ؛ لِأنَّهُ إنَّما يَتَوَقَّعُ العاقِبَةَ مَن يُؤْمِنُ، فَمِن ثَمَّ لَمْ يَنْظُرُوا ولَمْ يَتَفَكَّرُوا ومَرُّوا بِها كَما مَرَّتْ رِكابُهم، أوْ لا يَأْمُلُونَ (نُشُورًا) كَما يَأْمُلُهُ المُؤْمِنُونَ لِطَمَعِهِمْ إلى ثَوابِ أعْمالِهِمْ، أوْ لا يَخافُونَ عَلى اللُّغَةِ التِّهامِيَّةِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ”مُطِرَتْ“ ثُلاثِيًّا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ومَطَرَ مُتَعَدٍّ. قالَ الشّاعِرُ:
؎كَمَن بَوادِيهِ بَعْدَ المَحْلِ مَمْطُورِ
وقَرَأ أبُو السِّماكِ: (مَطَرَ السُّوءِ) بِضَمِّ السِّينِ.
﴿وإذا رَأوْكَ إنَّ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾، لَمْ يَقْتَصِرِ المُشْرِكُونَ عَلى إنْكارِ نُبُوَّةِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وتَرْكِ الإيمانِ بِهِ، بَلْ زادُوا عَلى ذَلِكَ بِالِاسْتِهْزاءِ والِاحْتِقارِ. حَتّى يَقُولَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿أهَذا الَّذِى بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾، و(إنْ) نافِيَةٌ جَوابُ (إذا)، وانْفَرَدَتْ (إذا) بِأنَّهُ إذا كانَ جَوابُها مَنفِيًّا بِما أوْ بِلا لا تَدْخُلُهُ الفاءُ، بِخِلافِ أدَواتِ الشَّرْطِ غَيْرِها فَلا بُدَّ مِنَ الفاءِ مَعَ ما ومَعَ لا إذا ارْتَفَعَ المُضارِعُ، فَلَوْ وقَعَتْ إنِ النّافِيَةُ في جَوابِ غَيْرِ إذا فَلا بُدَّ مِنَ الفاءِ كَما النّافِيَةِ، ومَعْنى (هُزُؤًا) مَوْضِعَ هُزْءٍ أوْ مَهْزُوًّا بِهِ، (أهَذا) قَبْلَهُ قَوْلٌ مَحْذُوفٌ، أيْ: يَقُولُونَ، وقالَ: جَوابُ (إذا) ما أُضْمِرُ مِنَ القَوْلِ، أيْ: (وإذا رَأوْكَ) قالُوا: ﴿أهَذا الَّذِى بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾، و(إنْ يَتَّخِذُونَكَ) جُمْلَةٌ اعْتِراضِيَّةٌ بَيْنَ (إذا) وجَوابِها. قِيلَ: ونَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ؛ كانَ إذا رَأى الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ: ﴿أهَذا الَّذِى بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ ؟ وأخْبَرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لِقُبْحِ صُنْعِهِ أوْ لِكَوْنِ جَماعَةٍ مَعَهُ قالُوا ذَلِكَ، والظّاهِرُ أنَّ قائِلَ ذَلِكَ جَماعَةٌ كَثِيرَةٌ، وهَذا الِاسْتِفْهامُ اسْتِصْغارٌ واحْتِقارٌ مِنهم أخْرَجُوهُ بِقَوْلِهِمْ: بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا في مَعْرِضِ التَّسْلِيمِ والإقْرارِ، وهم عَلى غايَةِ الجُحُودِ والإنْكارِ سُخْرِيَةً واسْتِهْزاءً، ولَوْ لَمْ يَسْتَهْزِئُوا لَقالُوا هَذا زَعَمَ أوِ ادَّعى أنَّهُ مَبْعُوثٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ رَسُولًا. وقَوْلُهم: (إنْ كادَ لَيُضِلُّنا) دَلِيلٌ عَلى فَرْطِ مُجاهَدَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في دَعْوَتِهِمْ، وبَذْلِهِ قُصارى الوُسْعِ والطّاقَةِ في اسْتِعْطافِهِمْ مَعَ عَرْضِ الآياتِ والمُعْجِزاتِ، حَتّى شارَفُوا بِزَعْمِهِمْ أنْ يَتْرُكُوا دِينَهم إلى دِينِ الإسْلامِ، لَوْلا فَرْطُ لَجاجِهِمْ واسْتِمْساكِهِمْ بِعِبادَةِ آلِهَتِهِمْ. و(لَوْلا) في مِثْلِ هَذا الكَلامِ جارٍ - مِن حَيْثُ المَعْنى لا مِن حَيْثُ اللَّفْظُ - مَجْرى التَّقْيِيدِ لِلْحُكْمِ المُطْلَقِ؛ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: الِاسْتِهْزاءُ إمّا بِالصُّورَةِ فَكانَ أحْسَنَ مِنهم خِلْقَةً، أوْ بِالصِّفَةِ فَلا يُمْكِنُ؛ لِأنَّ الصِّفَةَ الَّتِي تَمَيَّزَ بِها عَنْهم ظُهُورُ المُعْجِزِ عَلَيْهِ دُونَهم، وما قَدَرُوا عَلى القَدْحِ في حُجَّتِهِ فَفي الحَقِيقَةِ هُمُ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ أنْ يُهْزَأ بِهِمْ، ثُمَّ لِوَقاحَتِهِمْ قَلَبُوا القِصَّةَ واسْتَهْزَءُوا بِالرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - انْتَهى. قِيلَ: وتَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّهم صارُوا في ظُهُورِ حُجَّتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلَيْهِمْ كالمَجانِينِ اسْتَهْزَءُوا بِهِ أوَّلًا، ثُمَّ إنَّهم وصَفُوهُ بِأنَّهُ (كادَ لَيُضِلُّنا) عَنْ مَذْهَبِنا (لَوْلا) أنّا قابَلْناهُ بِالجُمُودِ والإصْرارِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم سَلَّمُوا لَهُ قُوَّةَ الحُجَّةِ وكَمالَ العَقْلِ، فَكَوْنُهم جَمَعُوا بَيْنَ الِاسْتِهْزاءِ وبَيْنَ هَذِهِ الكَيْدُودَةِ دَلَّ عَلى أنَّهم كانُوا كالمُتَحَيِّرِينَ في أمْرِهِ، تارَةً يَسْتَهْزِئُونَ مِنهُ وتارَةً يَصِفُونَهُ بِما لا يَلِيقُ إلّا بِالعالِمِ الكامِلِ.
﴿وسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ وعِيدٌ ودَلالَةٌ عَلى أنَّهم لا يَفُوتُونَهُ وإنْ طالَتْ مُدَّةُ الإمْهالِ، فَلا بُدَّ لِلْوَعِيدِ أنْ يَلْحَقَهم فَلا يَغُرَّنَّهُمُ التَّأْخِيرُ، ولَمّا قالُوا (إنْ كادَ لَيُضِلُّنا) جاءَ قَوْلُهُ: ﴿مَن أضَلُّ سَبِيلًا﴾ أيْ: سَيَظْهَرُ لَهم مَنِ المُضِلُّ ومَنِ الضّالُّ بِمُشاهَدَةِ العَذابِ الَّذِي لا مُخَلِّصَ لَهم مِنهُ. والظّاهِرُ أنَّ (مَن) اسْتِفْهامِيَّةٌ، و(أضَلُّ) خَبَرُهُ، والجُمْلَةَ في مَوْضِعِ مَفْعُولِ (يَعْلَمُونَ) إنْ كانَتْ (p-٥٠١)مُتَعَدِّيَةً إلى واحِدٍ، أوْ في مَوْضِعِ مَفْعُولَيْنِ إنْ كانَتْ تَعَدَّتْ إلى اثْنَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (مَن) مَوْصُولَةً مَفْعُولَةً بِيَعْلَمُونَ، و(أضَلُّ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو أضَلُّ، وصارَ حَذْفُ هَذا المُضْمَرِ لِلِاسْتِطالَةِ الَّتِي حَصَلَتْ في قَوْلِ العَرَبِ: ما أنا بِالَّذِي قائِلٌ لَكَ سَواءٌ.
﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ هَذا يَأْسٌ عَنْ إيمانِهِمْ وإشارَةٌ إلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ لا يَتَأسَّفَ عَلَيْهِمْ، وإعْلامٌ أنَّهم في الجَهْلِ بِالمَنافِعِ وقِلَّةِ النَّظَرِ في العَواقِبِ مِثْلُ البَهائِمِ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهم (أضَلُّ سَبِيلًا) مِنَ الأنْعامِ مِن حَيْثُ لَهم فَهْمٌ وتَرَكُوا اسْتِعْمالَهُ فِيما يُخَلِّصُهم مِن عَذابِ اللَّهِ. والأنْعامُ لا سَبِيلَ لَها إلى فَهْمِ المَصالِحِ. و(أرَأيْتَ) اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ مِن جَهْلِ مَن هَذِهِ حالُهُ، و(إلَهَهُ) المَفْعُولُ الأوَّلُ لِاتَّخَذَ، و(هَواهُ) الثّانِي، أيْ: أقامَ مُقامَ الإلَهِ الَّذِي يَعْبُدُهُ هَواهُ فَهو جارٍ عَلى ما يَكُونُ في (هَواهُ)، والمَعْنى أنَّهُ لَمْ يَتَّخِذْ إلَهًا إلّا هَواهُ، وادِّعاءُ القَلْبِ لَيْسَ بِجَيِّدٍ إذْ يُقَدِّرُهُ مَنِ اتَّخَذَ هَواهُ إلَهَهُ، والبَيْتُ مِن ضَرائِرِ الشِّعْرِ ونادِرِ الكَلامِ فَيُنَزَّهُ كَلامُ اللَّهِ عَنْهُ، كانَ الرَّجُلُ يَعْبُدُ الصَّنَمَ فَإذا رَأى أحْسَنَ مِنهُ رَماهُ وأخَذَ الأحْسَنَ. قِيلَ: نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ قَيْسٍ السَّهْمِيِّ، كانَ إذا هَوِيَ شَيْئًا عَبَدَهُ، والهَوى مَيْلُ القَلْبِ إلى الشَّيْءِ (أفَأنْتَ) تُجْبِرُهُ عَلى تَرْكِ هَواهُ، أوْ (أفَأنْتَ) تَحْفَظُهُ مِن عَظِيمِ جَهْلِهِ. وقَرَأ بَعْضُ أهْلِ المَدِينَةِ ”مَنِ اتَّخَذَ آلِهَةً“ مُنَوَّنَةً عَلى الجَمْعِ، وفِيهِ تَقْدِيمٌ جَعَلَ هَواهُ أنْواعًا أسْماءً لِأجْناسٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَجَعَلَ كُلَّ جِنْسٍ مِن هَواهُ إلَهًا آخَرَ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ: (إلاهَةً) عَلى وزْنِ فِعالَةٍ، وفِيهِ أيْضًا تَقْدِيمٌ أيْ: هَواهُ إلاهَةً، بِمَعْنى مَعْبُودٍ؛ لِأنَّها بِمَعْنى المَأْلُوهَةِ. فالهاءُ فِيها لِلْمُبالَغَةِ فَلِذَلِكَ صُرِفَتْ. وقِيلَ: بَلِ الإلاهَةُ الشَّمْسُ، ويُقالُ لَها أُلاهَةٌ بِضَمِّ الهَمْزَةِ، وهي غَيْرُ مَصْرُوفَةٍ لِلْعَلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ، لَكِنَّها لَمّا كانَتْ مِمّا يَدْخُلُها لامُ المَعْرِفَةِ في بَعْضِ اللُّغاتِ صارَتْ بِمَنزِلَةِ ما كانَ فِيهِ اللّامُ ثُمَّ نُزِعَتْ؛ فَلِذَلِكَ صُرِفَتْ وصارَتْ بِمَنزِلَةِ النُّعُوتِ فَتَنَكَّرَتْ؛ قالَهُ صاحِبُ اللَّوامِحِ. ومَفْعُولُ (أرَأيْتَ) الأوَّلُ هو (مَنِ)، والجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في (أرَأيْتَ) في أوائِلِ الأنْعامِ، ومَعْنى (وكِيلًا) أيْ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَدْعُوَ إلى الهُدى فَتَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ وتُجْبِرَهُ عَلى الإسْلامِ. و(أمْ) مُنْقَطِعَةٌ تَتَقَدَّرُ بِبَلْ والهَمْزَةِ عَلى المَذْهَبِ الصَّحِيحِ، كَأنَّهُ قالَ: بَلْ أتَحْسَبُ كَأنَّ هَذِهِ المَذَمَّةَ أشَدُّ مِنَ الَّتِي تَقَدَّمَتْها حَتّى حُفَّتْ بِالإضْرابِ عَنْها إلَيْها، وهو كَوْنُهم مَسْلُوبِي الأسْماعِ والعُقُولِ؛ لِأنَّهم لا يُلْقُونَ إلى اسْتِماعِ الحَقِّ أُذُنًا ولا إلى تَدَبُّرِهِ عَقْلًا، ومُشَبَّهِينَ بِالأنْعامِ الَّتِي هي مَثَلٌ في الغَفْلَةِ والضَّلالَةِ، ونُفِيَ ذَلِكَ عَنْ أكْثَرِهِمْ؛ لِأنَّ فِيهِمْ مَن سَبَقَتْ لَهُ السَّعادَةُ فَأسْلَمَ، وجُعِلُوا أضَلَّ مِنَ الأنْعامِ؛ لِأنَّها تَنْقادُ لِأرْبابِها وتَعْرِفُ مَن يُحْسِنُ إلَيْها مِمَّنْ يُسِيءُ إلَيْها، وتَطْلُبُ مَنفَعَتَها وتَتَجَنَّبُ مَضَرَّتَها، وتَهْتَدِي إلى مَراعِيها ومَشارِبِها، وهم لا يَنْقادُونَ لِرَبِّهِمْ، ولا يَعْرِفُونَ إحْسانَهُ إلَيْهِمْ، ولا يَرْغَبُونَ في الثَّوابِ الَّذِي هو أعْظَمُ المَنافِعِ، ولا يَتَّقُونَ العِقابَ الَّذِي هو أشَدُّ المَضارِّ، ولا يَهْتَدُونَ لِلْحَقِّ.
الفرقان 25:40
(p-٤٩٨)﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ وجَعَلْنا مَعَهُ أخاهُ هارُونَ وزِيرًا﴾ ﴿فَقُلْنا اذْهَبا إلى القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهم تَدْمِيرًا﴾ ﴿وقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهم وجَعَلْناهم لِلنّاسِ آيَةً وأعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿وعادًا وثَمُودَ وأصْحابَ الرَّسِّ وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ ﴿وكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ وكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيرًا﴾ ﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ ﴿وإذا رَأوْكَ إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ ﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها وسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ مَن أضَلُّ سَبِيلًا﴾ ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلًا﴾ ﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ إنْ هم إلّا كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا﴾
لَمّا تَقَدَّمَ تَكْذِيبُ قُرَيْشٍ والكَفّارِ لِما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ تَعالى ما فِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ وإرْهابٌ لِلْمُكَذِّبِينَ، وتَذْكِيرٌ لَهم أنْ يُصِيبَهم ما أصابَ الأُمَمَ السّابِقَةَ مِن هَلاكِ الِاسْتِئْصالِ لَمّا كَذَّبُوا رُسُلَهم، فَناسَبَ أنْ ذَكَرَ أوَّلًا مَن نَزَلَ عَلَيْهِ كِتابُهُ جُمْلَةً واحِدَةً، ومَعَ ذَلِكَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِهِ، فَكَذَلِكَ هَؤُلاءِ لَوْ نَزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ دُفْعَةً لَكَذَّبُوا وكَفَرُوا كَما كَذَّبَ قَوْمُ مُوسى.
والكِتابُ هُنا التَّوْراةُ، و(هارُونَ) بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَعَهُ المَفْعُولُ الثّانِي لِجَعَلْنا. وأنْ يَكُونَ (وزِيرًا)، والوِزارَةُ لا تُنافِي النُّبُوَّةَ؛ فَقَدْ كانَ في الزَّمانِ الواحِدِ أنْبِياءُ يُؤازِرُ بَعْضُهم بَعْضًا، والمَذْهُوبُ إلَيْهِمُ القِبْطُ وفِرْعَوْنُ. وفي الكَلامِ حَذْفٌ، أيْ: فَذَهَبا وأدَّيا الرِّسالَةَ فَكَذَّبُوهُما، (فَدَمَّرْناهم)، والتَّدْمِيرُ أشَدُّ الإهْلاكِ، وأصْلُهُ كَسْرُ الشَّيْءِ عَلى وجْهٍ لا يُمْكِنُ إصْلاحُهُ. وقِصَّةُ مُوسى ومَن أُرْسِلَ إلَيْهِ ذُكِرَتْ مُنْتَهِيَةً في غَيْرِ ما مَوْضِعٍ، وهُنا اخْتُصِرَتْ فَأوْجَزَ بِذِكْرِ أوَّلِها وآخِرِها؛ لِأنَّهُ بِذَلِكَ يُلْزِمُ الحُجَّةَ بِبَعْثَةِ الرُّسُلِ واسْتِحْقاقَ التَّدْمِيرِ بِتَكْذِيبِهِمْ.
وقَرَأ عَلِيٌّ، والحَسَنُ ومَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ: (فَدَمِّراهم)، عَلى الأمْرِ لِمُوسى وهارُونَ، وعَنْ عَلِيٍّ أيْضًا كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ مُؤَكَّدٌ بِالنُّونِ الشَّدِيدَةِ. وعَنْهُ أيْضًا (فَدَمِّرا) أمْرًا لَهُما (بِهِمْ) بِباءِ الجَرِّ، ومَعْنى الأمْرِ كُونا سَبَبَ تَدْمِيرِهِمْ.
وانْتَصَبَ (وقَوْمَ نُوحٍ) عَلى الِاشْتِغالِ، وكانَ النَّصْبُ أرْجَحَ لِتَقَدُّمِ الجُمَلِ الفِعْلِيَّةِ قَبْلَ ذَلِكَ، ويَكُونُ (لَمّا) في هَذا الإعْرابِ ظَرْفًا عَلى مَذْهَبِ الفارِسِيِّ. وأمّا إنْ كانَتْ حَرْفَ وُجُوبٍ لِوُجُوبٍ فالظّاهِرُ أنَّ (أغْرَقْناهم) جَوابُ (لَمّا) فَلا يُفَسَّرُ ناصِبًا لِـ (قَوْمَ) فَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى المَفْعُولِ في (فَدَمَّرْناهم)، أوْ مَنصُوبًا عَلى مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ اذْكُرْ. وقَدْ جَوَّزَ الوُجُوهَ الثَّلاثَةَ الحَوْفِيُّ.
(لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ) كَذَّبُوا نُوحًا ومَن قَبْلَهُ أوْ جَعَلَ تَكْذِيبَهم لِنُوحٍ تَكْذِيبًا لِلْجَمِيعِ، أوْ لَمْ يَرَوْا بَعْثَةَ الرُّسُلِ كالبَراهِمَةِ، والظّاهِرُ عَطْفُ (وعادًا) عَلى (وقَوْمَ) . وقالَ أبُو إسْحاقَ: يَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى الهاءِ والمِيمِ في ﴿وجَعَلْناهم لِلنّاسِ آيَةً﴾ . قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (الظّالِمِينَ)؛ لِأنَّ التَّأْوِيلَ وعَدْنا الظّالِمِينَ بِالعَذابِ ووَعَدْنا (عادًا وثَمُودَ)، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ والحَسَنُ وعِيسى (وثَمُودَ) غَيْرَ مَصْرُوفٍ.
﴿وأصْحابَ الرَّسِّ﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم قَوْمُ ثَمُودَ، ويُبَعِّدُهُ عَطْفُهُ عَلى ثَمُودَ؛ لِأنَّ العَطْفَ يَقْتَضِي التَّغايُرَ. وقالَ قَتادَةُ: أهْلُ قَرْيَةٍ مِنَ اليَمامَةِ يُقالُ لَها: (p-٤٩٩)الرَّسُّ، والفَلَجُ. قِيلَ: قَتَلُوا نَبِيَّهم فَهَلَكُوا وهم بَقِيَّةُ ثَمُودَ وقَوْمِ صالِحٍ. وقالَ كَعْبٌ ومُقاتِلٌ والسُّدِّيُّ: بِئْرٌ بِأنْطاكِيَةِ الشّامِ قُتِلَ فِيها صاحِبُ ياسِينَ وهو حَبِيبٌ النَّجّارُ. وقِيلَ: قَتَلُوا نَبِيَّهم ورَسُّوهُ في بِئْرٍ، أيْ: دَسُّوهُ فِيهِ.
وقالَ وهْبٌ والكَلْبِيُّ: أصْحابُ الرَّسِّ وأصْحابُ الأيْكَةِ قَوْمانِ أُرْسِلَ إلَيْهِما، شُعَيْبٌ أُرْسِلَ إلى أصْحابِ الرَّسِّ، وكانُوا قَوْمًا مِن عَبَدَةِ الأصْنامِ وأصْحابَ آبارٍ ومَواشٍ، فَدَعاهم إلى الإسْلامِ فَتَمادَوْا في طُغْيانِهِمْ وفي إيذائِهِ، فَبَيْنَما هم حَوْلَ الرَّسِّ وهي البِئْرُ غَيْرُ المَطْوِيَّةِ. وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ انْهارَتْ بِهِمْ فَخُسِفَ بِهِمْ وبِدارِهِمْ. وقالَ عَلِيٌّ فِيما نَقَلَهُ الثَّعْلَبِيُّ: قَوْمٌ عَبَدُوا شَجَرَةَ صَنَوْبَرٍ يُقالُ: لَها شاهْ دَرَخْتَ، رَسُّوا نَبِيَّهم في بِئْرٍ حَفَرُوهُ لَهُ في حَدِيثٍ طَوِيلٍ. وقِيلَ: هم أصْحابُ النَّبِيِّ حَنْظَلَةَ بْنِ صَفْوانَ ﷺ كانُوا مُبْتَلَيْنَ بِالعَنْقاءِ، وهي أعْظَمُ ما يَكُونُ مِنَ الطَّيْرِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِطُولِ عُنُقِها وكانَتْ تَسْكُنُ جَبَلَهُمُ الَّذِي يُقالُ لَهُ فَجٌّ، وهي تَنْقَضُّ عَلى صِبْيانِهِمْ فَتَخْطِفُهم إنْ أعْوَزَها الصَّيْدُ فَدَعا عَلَيْها حَنْظَلَةُ فَأصابَتْها الصّاعِقَةُ، ثُمَّ إنَّهم قَتَلُوا حَنْظَلَةَ فَأُهْلِكُوا. وقِيلَ: هم أصْحابُ الأُخْدُودِ، والرَّسُّ هو الأُخْدُودُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الرَّسُّ بِئْرُ أذْرَبِيجانَ. وقِيلَ: الرَّسُّ ما بَيْنَ نَجْرانَ إلى اليَمَنِ إلى حَضْرَمَوْتَ. وقِيلَ: قَوْمٌ بَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِمْ أنْبِياءَ فَقَتَلُوهم ورَسُّوا عِظامَهم في بِئْرٍ. وقِيلَ: قَوْمٌ بُعِثَ إلَيْهِمْ نَبِيٌّ فَأكَلُوهُ. وقِيلَ: قَوْمٌ نِساؤُهم سَواحِقُ. وقِيلَ: الرَّسُّ ماءٌ ونَخْلٌ لِبَنِي أسَدٍ. وقِيلَ: الرَّسُّ نَهْرٌ مِن بِلادِ المَشْرِقِ بَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِمْ نَبِيًّا مِن أوْلادِ يَهُوذا ابْنِ يَعْقُوبَ فَكَذَّبُوهُ، فَلَبِثَ فِيهِمْ زَمانًا فَشَكا إلى اللَّهِ مِنهم، فَحَفَرُوا لَهُ بِئْرًا وأرْسَلُوهُ فِيها، وقالُوا: نَرْجُو أنْ يَرْضى عَنّا إلَهُنا، فَكانُوا عامَّةَ يَوْمِهِمْ يَسْمَعُونَ أنِينَ نَبِيِّهِمْ، فَدَعا بِتَعْجِيلِ قَبْضِ رُوحِهِ فَماتَ وأظَلَّتْهم سَحابَةٌ سَوْداءُ أذابَتْهم كَما يَذُوبُ الرَّصاصُ.
ورَوى عِكْرِمَةُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ”أنَّ أهْلَ الرَّسِّ أخَذُوا نَبِيَّهم فَرَسُّوهُ في بِئْرٍ وأطْبَقُوا عَلَيْهِ صَخْرَةً، فَكانَ عَبْدٌ أسْوَدُ قَدْ آمَنَ بِهِ يَجِيءُ بِطَعامٍ إلى تِلْكَ البِئْرِ فَيُعِينُهُ اللَّهُ عَلى تِلْكَ الصَّخْرَةِ فَيَقْلَعُها فَيُعْطِيهِ ما يُغَذِّيهِ بِهِ. ثُمَّ يَرُدُّ الصَّخْرَةَ، إلى أنْ ضَرَبَ اللَّهُ يَوْمًا عَلى أُذُنِ ذَلِكَ الأسْوَدِ بِالنَّوْمِ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وأخْرَجَ أهْلُ القَرْيَةِ نَبِيَّهم فَآمَنُوا بِهِ“ . في حَدِيثٍ طَوِيلٍ. قالَ الطَّبَرِيُّ: فَيُمْكِنُ أنَّهم كَفَرُوا بَعْدَ ذَلِكَ فَذَكَرَهُمُ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ، وكَثُرَ الِاخْتِلافُ في أصْحابِ الرَّسِّ، فَلَوْ صَحَّ ما نَقَلَهُ عِكْرِمَةُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ كانَ هو القَوْلَ الَّذِي لا يُمْكِنُ خِلافُهُ (ومُلَخَّصُ هَذِهِ الأقْوالِ) أنَّهم قَوْمٌ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِتَكْذِيبِ مَن أرْسَلَ إلَيْهِمْ.
(وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ) هَذا إبْهامٌ لا يَعْلَمُ حَقِيقَةَ ذَلِكَ إلّا اللَّهُ، و(ذَلِكَ) إشارَةٌ إلى أُولَئِكَ المُتَقَدِّمِي الذِّكْرِ؛ فَلِذَلِكَ حَسُنَ دُخُولُ (بَيْنَ) عَلَيْهِ مِن غَيْرِ أنْ يُعْطَفَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، كَأنَّهُ قِيلَ بَيْنَ المَذْكُورِينَ، وقَدْ يَذْكُرُ الذّاكِرُ أشْياءَ مُخْتَلِفَةً. ثُمَّ يُشِيرُ إلَيْها. وانْتَصَبَ (كُلًّا) الأوَّلُ عَلى الِاشْتِغالِ، أيْ: وأنْذَرْنا كُلًّا أوْ حَذَّرْنا كُلًّا، والثّانِي عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِتَبَّرْنا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ مَفْعُولًا، وهَذا مِن واضِحِ الإعْرابِ. ومَعْنى ضَرَبَ الأمْثالَ، أيْ: بَيَّنَ لَهُمُ القِصَصَ العَجِيبَةَ مِن قَصَصِ الأوَّلِينَ ووَصَفْنا لَهم ما أدّى إلَيْهِ تَكْذِيبُهم بِأنْبِيائِهِمْ مِن عَذابِ اللَّهِ وتَدْمِيرِهِ إيّاهم لِيَهْتَدُوا بِضَرْبِ الأمْثالِ فَلَمْ يَهْتَدُوا، وأبْعَدَ مَن جَعَلَ الضَّمِيرَ في (لَهُ) لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: والمَعْنى وكُلَّ الأمْثالِ ضَرَبْنا لِلرَّسُولِ وعَلى هَذا و(كُلًّا) مَنصُوبٌ بِضَرَبْنا، و(الأمْثالَ) بَدَلٌ مِن (كُلًّا)، والضَّمِيرُ في (ولَقَدْ أتَوْا) لِقُرَيْشٍ كانُوا يَمُرُّونَ عَلى سَدُومَ مِن قُرى قَوْمِ لُوطٍ في مَتاجِرِهِمْ إلى الشّامِ، وكانَتْ قُرًى خَمْسَةً، أهْلَكَ اللَّهُ مِنها أرْبَعًا وبَقِيَتْ واحِدَةٌ، وهي زُغَرُ لَمْ يَكُنْ أهْلُها يَعْمَلُونَ ذَلِكَ العَمَلَ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: و(مَطَرَ السَّوْءِ) الحِجارَةُ الَّتِي أُمْطِرَتْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ فَهَلَكُوا. وكانَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يُنادِي نَصِيحَةً لَكم: يا سَدُومُ، يَوْمٌ لَكم مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - أنْهاكم أنْ تَتَعَرَّضُوا لِلْعُقُوبَةِ مِنَ اللَّهِ، ومَعْنى (أتَوْا) مَرُّوا فَلِذَلِكَ عَدّاهُ بِعَلى. وأفْرَدَ لَفْظَ القَرْيَةِ وإنْ كانَتْ قُرًى؛ لِأنَّ سَدُومَ هي أُمُّ تِلْكَ (p-٥٠٠)القُرى وأعْظَمُها. وقالَ مَكِّيٌّ: الضَّمِيرُ في أتَوْا عائِدٌ عَلى الَّذِينَ اتَّخَذُوا القُرْآنَ مَهْجُورًا. انْتَهى، وهم قُرَيْشٌ، وانْتَصَبَ (مَطَرَ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لَأُمْطِرَتْ، عَلى مَعْنى أُولِيَتْ، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مَحْذُوفُ الزَّوائِدِ، أيْ: إمْطارَ السَّوْءِ.
﴿أفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها﴾ أيْ: يَنْظُرُونَ إلى ما فِيها مِنَ العِبَرِ والآثارِ الدّالَّةِ عَلى ما حَلَّ بِها مِنَ النِّقَمِ كَما قالَ: ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ وبِاللَيْلِ﴾ [الصافات: ١٣٧]، وقالَ: ﴿وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩]، وهو اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّعَجُّبُ، ومَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَعْتَبِرُوا بِرُؤْيَتِها أنْ يَحِلَّ بِهِمْ في الدُّنْيا ما حَلَّ بِأُولَئِكَ، بَلْ كانُوا كَفَرَةً لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ فَلَمْ يَتَوَقَّعُوا عَذابَ الآخِرَةِ، وضَعَ الرَّجاءَ مَوْضِعَ التَّوَقُّعِ؛ لِأنَّهُ إنَّما يَتَوَقَّعُ العاقِبَةَ مَن يُؤْمِنُ، فَمِن ثَمَّ لَمْ يَنْظُرُوا ولَمْ يَتَفَكَّرُوا ومَرُّوا بِها كَما مَرَّتْ رِكابُهم، أوْ لا يَأْمُلُونَ (نُشُورًا) كَما يَأْمُلُهُ المُؤْمِنُونَ لِطَمَعِهِمْ إلى ثَوابِ أعْمالِهِمْ، أوْ لا يَخافُونَ عَلى اللُّغَةِ التِّهامِيَّةِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ”مُطِرَتْ“ ثُلاثِيًّا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ومَطَرَ مُتَعَدٍّ. قالَ الشّاعِرُ:
؎كَمَن بَوادِيهِ بَعْدَ المَحْلِ مَمْطُورِ
وقَرَأ أبُو السِّماكِ: (مَطَرَ السُّوءِ) بِضَمِّ السِّينِ.
﴿وإذا رَأوْكَ إنَّ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾، لَمْ يَقْتَصِرِ المُشْرِكُونَ عَلى إنْكارِ نُبُوَّةِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وتَرْكِ الإيمانِ بِهِ، بَلْ زادُوا عَلى ذَلِكَ بِالِاسْتِهْزاءِ والِاحْتِقارِ. حَتّى يَقُولَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿أهَذا الَّذِى بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾، و(إنْ) نافِيَةٌ جَوابُ (إذا)، وانْفَرَدَتْ (إذا) بِأنَّهُ إذا كانَ جَوابُها مَنفِيًّا بِما أوْ بِلا لا تَدْخُلُهُ الفاءُ، بِخِلافِ أدَواتِ الشَّرْطِ غَيْرِها فَلا بُدَّ مِنَ الفاءِ مَعَ ما ومَعَ لا إذا ارْتَفَعَ المُضارِعُ، فَلَوْ وقَعَتْ إنِ النّافِيَةُ في جَوابِ غَيْرِ إذا فَلا بُدَّ مِنَ الفاءِ كَما النّافِيَةِ، ومَعْنى (هُزُؤًا) مَوْضِعَ هُزْءٍ أوْ مَهْزُوًّا بِهِ، (أهَذا) قَبْلَهُ قَوْلٌ مَحْذُوفٌ، أيْ: يَقُولُونَ، وقالَ: جَوابُ (إذا) ما أُضْمِرُ مِنَ القَوْلِ، أيْ: (وإذا رَأوْكَ) قالُوا: ﴿أهَذا الَّذِى بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾، و(إنْ يَتَّخِذُونَكَ) جُمْلَةٌ اعْتِراضِيَّةٌ بَيْنَ (إذا) وجَوابِها. قِيلَ: ونَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ؛ كانَ إذا رَأى الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ: ﴿أهَذا الَّذِى بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ ؟ وأخْبَرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لِقُبْحِ صُنْعِهِ أوْ لِكَوْنِ جَماعَةٍ مَعَهُ قالُوا ذَلِكَ، والظّاهِرُ أنَّ قائِلَ ذَلِكَ جَماعَةٌ كَثِيرَةٌ، وهَذا الِاسْتِفْهامُ اسْتِصْغارٌ واحْتِقارٌ مِنهم أخْرَجُوهُ بِقَوْلِهِمْ: بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا في مَعْرِضِ التَّسْلِيمِ والإقْرارِ، وهم عَلى غايَةِ الجُحُودِ والإنْكارِ سُخْرِيَةً واسْتِهْزاءً، ولَوْ لَمْ يَسْتَهْزِئُوا لَقالُوا هَذا زَعَمَ أوِ ادَّعى أنَّهُ مَبْعُوثٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ رَسُولًا. وقَوْلُهم: (إنْ كادَ لَيُضِلُّنا) دَلِيلٌ عَلى فَرْطِ مُجاهَدَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في دَعْوَتِهِمْ، وبَذْلِهِ قُصارى الوُسْعِ والطّاقَةِ في اسْتِعْطافِهِمْ مَعَ عَرْضِ الآياتِ والمُعْجِزاتِ، حَتّى شارَفُوا بِزَعْمِهِمْ أنْ يَتْرُكُوا دِينَهم إلى دِينِ الإسْلامِ، لَوْلا فَرْطُ لَجاجِهِمْ واسْتِمْساكِهِمْ بِعِبادَةِ آلِهَتِهِمْ. و(لَوْلا) في مِثْلِ هَذا الكَلامِ جارٍ - مِن حَيْثُ المَعْنى لا مِن حَيْثُ اللَّفْظُ - مَجْرى التَّقْيِيدِ لِلْحُكْمِ المُطْلَقِ؛ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: الِاسْتِهْزاءُ إمّا بِالصُّورَةِ فَكانَ أحْسَنَ مِنهم خِلْقَةً، أوْ بِالصِّفَةِ فَلا يُمْكِنُ؛ لِأنَّ الصِّفَةَ الَّتِي تَمَيَّزَ بِها عَنْهم ظُهُورُ المُعْجِزِ عَلَيْهِ دُونَهم، وما قَدَرُوا عَلى القَدْحِ في حُجَّتِهِ فَفي الحَقِيقَةِ هُمُ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ أنْ يُهْزَأ بِهِمْ، ثُمَّ لِوَقاحَتِهِمْ قَلَبُوا القِصَّةَ واسْتَهْزَءُوا بِالرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - انْتَهى. قِيلَ: وتَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّهم صارُوا في ظُهُورِ حُجَّتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلَيْهِمْ كالمَجانِينِ اسْتَهْزَءُوا بِهِ أوَّلًا، ثُمَّ إنَّهم وصَفُوهُ بِأنَّهُ (كادَ لَيُضِلُّنا) عَنْ مَذْهَبِنا (لَوْلا) أنّا قابَلْناهُ بِالجُمُودِ والإصْرارِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم سَلَّمُوا لَهُ قُوَّةَ الحُجَّةِ وكَمالَ العَقْلِ، فَكَوْنُهم جَمَعُوا بَيْنَ الِاسْتِهْزاءِ وبَيْنَ هَذِهِ الكَيْدُودَةِ دَلَّ عَلى أنَّهم كانُوا كالمُتَحَيِّرِينَ في أمْرِهِ، تارَةً يَسْتَهْزِئُونَ مِنهُ وتارَةً يَصِفُونَهُ بِما لا يَلِيقُ إلّا بِالعالِمِ الكامِلِ.
﴿وسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ وعِيدٌ ودَلالَةٌ عَلى أنَّهم لا يَفُوتُونَهُ وإنْ طالَتْ مُدَّةُ الإمْهالِ، فَلا بُدَّ لِلْوَعِيدِ أنْ يَلْحَقَهم فَلا يَغُرَّنَّهُمُ التَّأْخِيرُ، ولَمّا قالُوا (إنْ كادَ لَيُضِلُّنا) جاءَ قَوْلُهُ: ﴿مَن أضَلُّ سَبِيلًا﴾ أيْ: سَيَظْهَرُ لَهم مَنِ المُضِلُّ ومَنِ الضّالُّ بِمُشاهَدَةِ العَذابِ الَّذِي لا مُخَلِّصَ لَهم مِنهُ. والظّاهِرُ أنَّ (مَن) اسْتِفْهامِيَّةٌ، و(أضَلُّ) خَبَرُهُ، والجُمْلَةَ في مَوْضِعِ مَفْعُولِ (يَعْلَمُونَ) إنْ كانَتْ (p-٥٠١)مُتَعَدِّيَةً إلى واحِدٍ، أوْ في مَوْضِعِ مَفْعُولَيْنِ إنْ كانَتْ تَعَدَّتْ إلى اثْنَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (مَن) مَوْصُولَةً مَفْعُولَةً بِيَعْلَمُونَ، و(أضَلُّ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو أضَلُّ، وصارَ حَذْفُ هَذا المُضْمَرِ لِلِاسْتِطالَةِ الَّتِي حَصَلَتْ في قَوْلِ العَرَبِ: ما أنا بِالَّذِي قائِلٌ لَكَ سَواءٌ.
﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ هَذا يَأْسٌ عَنْ إيمانِهِمْ وإشارَةٌ إلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ لا يَتَأسَّفَ عَلَيْهِمْ، وإعْلامٌ أنَّهم في الجَهْلِ بِالمَنافِعِ وقِلَّةِ النَّظَرِ في العَواقِبِ مِثْلُ البَهائِمِ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهم (أضَلُّ سَبِيلًا) مِنَ الأنْعامِ مِن حَيْثُ لَهم فَهْمٌ وتَرَكُوا اسْتِعْمالَهُ فِيما يُخَلِّصُهم مِن عَذابِ اللَّهِ. والأنْعامُ لا سَبِيلَ لَها إلى فَهْمِ المَصالِحِ. و(أرَأيْتَ) اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ مِن جَهْلِ مَن هَذِهِ حالُهُ، و(إلَهَهُ) المَفْعُولُ الأوَّلُ لِاتَّخَذَ، و(هَواهُ) الثّانِي، أيْ: أقامَ مُقامَ الإلَهِ الَّذِي يَعْبُدُهُ هَواهُ فَهو جارٍ عَلى ما يَكُونُ في (هَواهُ)، والمَعْنى أنَّهُ لَمْ يَتَّخِذْ إلَهًا إلّا هَواهُ، وادِّعاءُ القَلْبِ لَيْسَ بِجَيِّدٍ إذْ يُقَدِّرُهُ مَنِ اتَّخَذَ هَواهُ إلَهَهُ، والبَيْتُ مِن ضَرائِرِ الشِّعْرِ ونادِرِ الكَلامِ فَيُنَزَّهُ كَلامُ اللَّهِ عَنْهُ، كانَ الرَّجُلُ يَعْبُدُ الصَّنَمَ فَإذا رَأى أحْسَنَ مِنهُ رَماهُ وأخَذَ الأحْسَنَ. قِيلَ: نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ قَيْسٍ السَّهْمِيِّ، كانَ إذا هَوِيَ شَيْئًا عَبَدَهُ، والهَوى مَيْلُ القَلْبِ إلى الشَّيْءِ (أفَأنْتَ) تُجْبِرُهُ عَلى تَرْكِ هَواهُ، أوْ (أفَأنْتَ) تَحْفَظُهُ مِن عَظِيمِ جَهْلِهِ. وقَرَأ بَعْضُ أهْلِ المَدِينَةِ ”مَنِ اتَّخَذَ آلِهَةً“ مُنَوَّنَةً عَلى الجَمْعِ، وفِيهِ تَقْدِيمٌ جَعَلَ هَواهُ أنْواعًا أسْماءً لِأجْناسٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَجَعَلَ كُلَّ جِنْسٍ مِن هَواهُ إلَهًا آخَرَ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ: (إلاهَةً) عَلى وزْنِ فِعالَةٍ، وفِيهِ أيْضًا تَقْدِيمٌ أيْ: هَواهُ إلاهَةً، بِمَعْنى مَعْبُودٍ؛ لِأنَّها بِمَعْنى المَأْلُوهَةِ. فالهاءُ فِيها لِلْمُبالَغَةِ فَلِذَلِكَ صُرِفَتْ. وقِيلَ: بَلِ الإلاهَةُ الشَّمْسُ، ويُقالُ لَها أُلاهَةٌ بِضَمِّ الهَمْزَةِ، وهي غَيْرُ مَصْرُوفَةٍ لِلْعَلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ، لَكِنَّها لَمّا كانَتْ مِمّا يَدْخُلُها لامُ المَعْرِفَةِ في بَعْضِ اللُّغاتِ صارَتْ بِمَنزِلَةِ ما كانَ فِيهِ اللّامُ ثُمَّ نُزِعَتْ؛ فَلِذَلِكَ صُرِفَتْ وصارَتْ بِمَنزِلَةِ النُّعُوتِ فَتَنَكَّرَتْ؛ قالَهُ صاحِبُ اللَّوامِحِ. ومَفْعُولُ (أرَأيْتَ) الأوَّلُ هو (مَنِ)، والجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في (أرَأيْتَ) في أوائِلِ الأنْعامِ، ومَعْنى (وكِيلًا) أيْ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَدْعُوَ إلى الهُدى فَتَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ وتُجْبِرَهُ عَلى الإسْلامِ. و(أمْ) مُنْقَطِعَةٌ تَتَقَدَّرُ بِبَلْ والهَمْزَةِ عَلى المَذْهَبِ الصَّحِيحِ، كَأنَّهُ قالَ: بَلْ أتَحْسَبُ كَأنَّ هَذِهِ المَذَمَّةَ أشَدُّ مِنَ الَّتِي تَقَدَّمَتْها حَتّى حُفَّتْ بِالإضْرابِ عَنْها إلَيْها، وهو كَوْنُهم مَسْلُوبِي الأسْماعِ والعُقُولِ؛ لِأنَّهم لا يُلْقُونَ إلى اسْتِماعِ الحَقِّ أُذُنًا ولا إلى تَدَبُّرِهِ عَقْلًا، ومُشَبَّهِينَ بِالأنْعامِ الَّتِي هي مَثَلٌ في الغَفْلَةِ والضَّلالَةِ، ونُفِيَ ذَلِكَ عَنْ أكْثَرِهِمْ؛ لِأنَّ فِيهِمْ مَن سَبَقَتْ لَهُ السَّعادَةُ فَأسْلَمَ، وجُعِلُوا أضَلَّ مِنَ الأنْعامِ؛ لِأنَّها تَنْقادُ لِأرْبابِها وتَعْرِفُ مَن يُحْسِنُ إلَيْها مِمَّنْ يُسِيءُ إلَيْها، وتَطْلُبُ مَنفَعَتَها وتَتَجَنَّبُ مَضَرَّتَها، وتَهْتَدِي إلى مَراعِيها ومَشارِبِها، وهم لا يَنْقادُونَ لِرَبِّهِمْ، ولا يَعْرِفُونَ إحْسانَهُ إلَيْهِمْ، ولا يَرْغَبُونَ في الثَّوابِ الَّذِي هو أعْظَمُ المَنافِعِ، ولا يَتَّقُونَ العِقابَ الَّذِي هو أشَدُّ المَضارِّ، ولا يَهْتَدُونَ لِلْحَقِّ.
الفرقان 25:41
(p-٤٩٨)﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ وجَعَلْنا مَعَهُ أخاهُ هارُونَ وزِيرًا﴾ ﴿فَقُلْنا اذْهَبا إلى القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهم تَدْمِيرًا﴾ ﴿وقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهم وجَعَلْناهم لِلنّاسِ آيَةً وأعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿وعادًا وثَمُودَ وأصْحابَ الرَّسِّ وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ ﴿وكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ وكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيرًا﴾ ﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ ﴿وإذا رَأوْكَ إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ ﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها وسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ مَن أضَلُّ سَبِيلًا﴾ ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلًا﴾ ﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ إنْ هم إلّا كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا﴾
لَمّا تَقَدَّمَ تَكْذِيبُ قُرَيْشٍ والكَفّارِ لِما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ تَعالى ما فِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ وإرْهابٌ لِلْمُكَذِّبِينَ، وتَذْكِيرٌ لَهم أنْ يُصِيبَهم ما أصابَ الأُمَمَ السّابِقَةَ مِن هَلاكِ الِاسْتِئْصالِ لَمّا كَذَّبُوا رُسُلَهم، فَناسَبَ أنْ ذَكَرَ أوَّلًا مَن نَزَلَ عَلَيْهِ كِتابُهُ جُمْلَةً واحِدَةً، ومَعَ ذَلِكَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِهِ، فَكَذَلِكَ هَؤُلاءِ لَوْ نَزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ دُفْعَةً لَكَذَّبُوا وكَفَرُوا كَما كَذَّبَ قَوْمُ مُوسى.
والكِتابُ هُنا التَّوْراةُ، و(هارُونَ) بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَعَهُ المَفْعُولُ الثّانِي لِجَعَلْنا. وأنْ يَكُونَ (وزِيرًا)، والوِزارَةُ لا تُنافِي النُّبُوَّةَ؛ فَقَدْ كانَ في الزَّمانِ الواحِدِ أنْبِياءُ يُؤازِرُ بَعْضُهم بَعْضًا، والمَذْهُوبُ إلَيْهِمُ القِبْطُ وفِرْعَوْنُ. وفي الكَلامِ حَذْفٌ، أيْ: فَذَهَبا وأدَّيا الرِّسالَةَ فَكَذَّبُوهُما، (فَدَمَّرْناهم)، والتَّدْمِيرُ أشَدُّ الإهْلاكِ، وأصْلُهُ كَسْرُ الشَّيْءِ عَلى وجْهٍ لا يُمْكِنُ إصْلاحُهُ. وقِصَّةُ مُوسى ومَن أُرْسِلَ إلَيْهِ ذُكِرَتْ مُنْتَهِيَةً في غَيْرِ ما مَوْضِعٍ، وهُنا اخْتُصِرَتْ فَأوْجَزَ بِذِكْرِ أوَّلِها وآخِرِها؛ لِأنَّهُ بِذَلِكَ يُلْزِمُ الحُجَّةَ بِبَعْثَةِ الرُّسُلِ واسْتِحْقاقَ التَّدْمِيرِ بِتَكْذِيبِهِمْ.
وقَرَأ عَلِيٌّ، والحَسَنُ ومَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ: (فَدَمِّراهم)، عَلى الأمْرِ لِمُوسى وهارُونَ، وعَنْ عَلِيٍّ أيْضًا كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ مُؤَكَّدٌ بِالنُّونِ الشَّدِيدَةِ. وعَنْهُ أيْضًا (فَدَمِّرا) أمْرًا لَهُما (بِهِمْ) بِباءِ الجَرِّ، ومَعْنى الأمْرِ كُونا سَبَبَ تَدْمِيرِهِمْ.
وانْتَصَبَ (وقَوْمَ نُوحٍ) عَلى الِاشْتِغالِ، وكانَ النَّصْبُ أرْجَحَ لِتَقَدُّمِ الجُمَلِ الفِعْلِيَّةِ قَبْلَ ذَلِكَ، ويَكُونُ (لَمّا) في هَذا الإعْرابِ ظَرْفًا عَلى مَذْهَبِ الفارِسِيِّ. وأمّا إنْ كانَتْ حَرْفَ وُجُوبٍ لِوُجُوبٍ فالظّاهِرُ أنَّ (أغْرَقْناهم) جَوابُ (لَمّا) فَلا يُفَسَّرُ ناصِبًا لِـ (قَوْمَ) فَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى المَفْعُولِ في (فَدَمَّرْناهم)، أوْ مَنصُوبًا عَلى مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ اذْكُرْ. وقَدْ جَوَّزَ الوُجُوهَ الثَّلاثَةَ الحَوْفِيُّ.
(لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ) كَذَّبُوا نُوحًا ومَن قَبْلَهُ أوْ جَعَلَ تَكْذِيبَهم لِنُوحٍ تَكْذِيبًا لِلْجَمِيعِ، أوْ لَمْ يَرَوْا بَعْثَةَ الرُّسُلِ كالبَراهِمَةِ، والظّاهِرُ عَطْفُ (وعادًا) عَلى (وقَوْمَ) . وقالَ أبُو إسْحاقَ: يَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى الهاءِ والمِيمِ في ﴿وجَعَلْناهم لِلنّاسِ آيَةً﴾ . قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (الظّالِمِينَ)؛ لِأنَّ التَّأْوِيلَ وعَدْنا الظّالِمِينَ بِالعَذابِ ووَعَدْنا (عادًا وثَمُودَ)، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ والحَسَنُ وعِيسى (وثَمُودَ) غَيْرَ مَصْرُوفٍ.
﴿وأصْحابَ الرَّسِّ﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم قَوْمُ ثَمُودَ، ويُبَعِّدُهُ عَطْفُهُ عَلى ثَمُودَ؛ لِأنَّ العَطْفَ يَقْتَضِي التَّغايُرَ. وقالَ قَتادَةُ: أهْلُ قَرْيَةٍ مِنَ اليَمامَةِ يُقالُ لَها: (p-٤٩٩)الرَّسُّ، والفَلَجُ. قِيلَ: قَتَلُوا نَبِيَّهم فَهَلَكُوا وهم بَقِيَّةُ ثَمُودَ وقَوْمِ صالِحٍ. وقالَ كَعْبٌ ومُقاتِلٌ والسُّدِّيُّ: بِئْرٌ بِأنْطاكِيَةِ الشّامِ قُتِلَ فِيها صاحِبُ ياسِينَ وهو حَبِيبٌ النَّجّارُ. وقِيلَ: قَتَلُوا نَبِيَّهم ورَسُّوهُ في بِئْرٍ، أيْ: دَسُّوهُ فِيهِ.
وقالَ وهْبٌ والكَلْبِيُّ: أصْحابُ الرَّسِّ وأصْحابُ الأيْكَةِ قَوْمانِ أُرْسِلَ إلَيْهِما، شُعَيْبٌ أُرْسِلَ إلى أصْحابِ الرَّسِّ، وكانُوا قَوْمًا مِن عَبَدَةِ الأصْنامِ وأصْحابَ آبارٍ ومَواشٍ، فَدَعاهم إلى الإسْلامِ فَتَمادَوْا في طُغْيانِهِمْ وفي إيذائِهِ، فَبَيْنَما هم حَوْلَ الرَّسِّ وهي البِئْرُ غَيْرُ المَطْوِيَّةِ. وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ انْهارَتْ بِهِمْ فَخُسِفَ بِهِمْ وبِدارِهِمْ. وقالَ عَلِيٌّ فِيما نَقَلَهُ الثَّعْلَبِيُّ: قَوْمٌ عَبَدُوا شَجَرَةَ صَنَوْبَرٍ يُقالُ: لَها شاهْ دَرَخْتَ، رَسُّوا نَبِيَّهم في بِئْرٍ حَفَرُوهُ لَهُ في حَدِيثٍ طَوِيلٍ. وقِيلَ: هم أصْحابُ النَّبِيِّ حَنْظَلَةَ بْنِ صَفْوانَ ﷺ كانُوا مُبْتَلَيْنَ بِالعَنْقاءِ، وهي أعْظَمُ ما يَكُونُ مِنَ الطَّيْرِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِطُولِ عُنُقِها وكانَتْ تَسْكُنُ جَبَلَهُمُ الَّذِي يُقالُ لَهُ فَجٌّ، وهي تَنْقَضُّ عَلى صِبْيانِهِمْ فَتَخْطِفُهم إنْ أعْوَزَها الصَّيْدُ فَدَعا عَلَيْها حَنْظَلَةُ فَأصابَتْها الصّاعِقَةُ، ثُمَّ إنَّهم قَتَلُوا حَنْظَلَةَ فَأُهْلِكُوا. وقِيلَ: هم أصْحابُ الأُخْدُودِ، والرَّسُّ هو الأُخْدُودُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الرَّسُّ بِئْرُ أذْرَبِيجانَ. وقِيلَ: الرَّسُّ ما بَيْنَ نَجْرانَ إلى اليَمَنِ إلى حَضْرَمَوْتَ. وقِيلَ: قَوْمٌ بَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِمْ أنْبِياءَ فَقَتَلُوهم ورَسُّوا عِظامَهم في بِئْرٍ. وقِيلَ: قَوْمٌ بُعِثَ إلَيْهِمْ نَبِيٌّ فَأكَلُوهُ. وقِيلَ: قَوْمٌ نِساؤُهم سَواحِقُ. وقِيلَ: الرَّسُّ ماءٌ ونَخْلٌ لِبَنِي أسَدٍ. وقِيلَ: الرَّسُّ نَهْرٌ مِن بِلادِ المَشْرِقِ بَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِمْ نَبِيًّا مِن أوْلادِ يَهُوذا ابْنِ يَعْقُوبَ فَكَذَّبُوهُ، فَلَبِثَ فِيهِمْ زَمانًا فَشَكا إلى اللَّهِ مِنهم، فَحَفَرُوا لَهُ بِئْرًا وأرْسَلُوهُ فِيها، وقالُوا: نَرْجُو أنْ يَرْضى عَنّا إلَهُنا، فَكانُوا عامَّةَ يَوْمِهِمْ يَسْمَعُونَ أنِينَ نَبِيِّهِمْ، فَدَعا بِتَعْجِيلِ قَبْضِ رُوحِهِ فَماتَ وأظَلَّتْهم سَحابَةٌ سَوْداءُ أذابَتْهم كَما يَذُوبُ الرَّصاصُ.
ورَوى عِكْرِمَةُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ”أنَّ أهْلَ الرَّسِّ أخَذُوا نَبِيَّهم فَرَسُّوهُ في بِئْرٍ وأطْبَقُوا عَلَيْهِ صَخْرَةً، فَكانَ عَبْدٌ أسْوَدُ قَدْ آمَنَ بِهِ يَجِيءُ بِطَعامٍ إلى تِلْكَ البِئْرِ فَيُعِينُهُ اللَّهُ عَلى تِلْكَ الصَّخْرَةِ فَيَقْلَعُها فَيُعْطِيهِ ما يُغَذِّيهِ بِهِ. ثُمَّ يَرُدُّ الصَّخْرَةَ، إلى أنْ ضَرَبَ اللَّهُ يَوْمًا عَلى أُذُنِ ذَلِكَ الأسْوَدِ بِالنَّوْمِ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وأخْرَجَ أهْلُ القَرْيَةِ نَبِيَّهم فَآمَنُوا بِهِ“ . في حَدِيثٍ طَوِيلٍ. قالَ الطَّبَرِيُّ: فَيُمْكِنُ أنَّهم كَفَرُوا بَعْدَ ذَلِكَ فَذَكَرَهُمُ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ، وكَثُرَ الِاخْتِلافُ في أصْحابِ الرَّسِّ، فَلَوْ صَحَّ ما نَقَلَهُ عِكْرِمَةُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ كانَ هو القَوْلَ الَّذِي لا يُمْكِنُ خِلافُهُ (ومُلَخَّصُ هَذِهِ الأقْوالِ) أنَّهم قَوْمٌ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِتَكْذِيبِ مَن أرْسَلَ إلَيْهِمْ.
(وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ) هَذا إبْهامٌ لا يَعْلَمُ حَقِيقَةَ ذَلِكَ إلّا اللَّهُ، و(ذَلِكَ) إشارَةٌ إلى أُولَئِكَ المُتَقَدِّمِي الذِّكْرِ؛ فَلِذَلِكَ حَسُنَ دُخُولُ (بَيْنَ) عَلَيْهِ مِن غَيْرِ أنْ يُعْطَفَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، كَأنَّهُ قِيلَ بَيْنَ المَذْكُورِينَ، وقَدْ يَذْكُرُ الذّاكِرُ أشْياءَ مُخْتَلِفَةً. ثُمَّ يُشِيرُ إلَيْها. وانْتَصَبَ (كُلًّا) الأوَّلُ عَلى الِاشْتِغالِ، أيْ: وأنْذَرْنا كُلًّا أوْ حَذَّرْنا كُلًّا، والثّانِي عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِتَبَّرْنا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ مَفْعُولًا، وهَذا مِن واضِحِ الإعْرابِ. ومَعْنى ضَرَبَ الأمْثالَ، أيْ: بَيَّنَ لَهُمُ القِصَصَ العَجِيبَةَ مِن قَصَصِ الأوَّلِينَ ووَصَفْنا لَهم ما أدّى إلَيْهِ تَكْذِيبُهم بِأنْبِيائِهِمْ مِن عَذابِ اللَّهِ وتَدْمِيرِهِ إيّاهم لِيَهْتَدُوا بِضَرْبِ الأمْثالِ فَلَمْ يَهْتَدُوا، وأبْعَدَ مَن جَعَلَ الضَّمِيرَ في (لَهُ) لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: والمَعْنى وكُلَّ الأمْثالِ ضَرَبْنا لِلرَّسُولِ وعَلى هَذا و(كُلًّا) مَنصُوبٌ بِضَرَبْنا، و(الأمْثالَ) بَدَلٌ مِن (كُلًّا)، والضَّمِيرُ في (ولَقَدْ أتَوْا) لِقُرَيْشٍ كانُوا يَمُرُّونَ عَلى سَدُومَ مِن قُرى قَوْمِ لُوطٍ في مَتاجِرِهِمْ إلى الشّامِ، وكانَتْ قُرًى خَمْسَةً، أهْلَكَ اللَّهُ مِنها أرْبَعًا وبَقِيَتْ واحِدَةٌ، وهي زُغَرُ لَمْ يَكُنْ أهْلُها يَعْمَلُونَ ذَلِكَ العَمَلَ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: و(مَطَرَ السَّوْءِ) الحِجارَةُ الَّتِي أُمْطِرَتْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ فَهَلَكُوا. وكانَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يُنادِي نَصِيحَةً لَكم: يا سَدُومُ، يَوْمٌ لَكم مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - أنْهاكم أنْ تَتَعَرَّضُوا لِلْعُقُوبَةِ مِنَ اللَّهِ، ومَعْنى (أتَوْا) مَرُّوا فَلِذَلِكَ عَدّاهُ بِعَلى. وأفْرَدَ لَفْظَ القَرْيَةِ وإنْ كانَتْ قُرًى؛ لِأنَّ سَدُومَ هي أُمُّ تِلْكَ (p-٥٠٠)القُرى وأعْظَمُها. وقالَ مَكِّيٌّ: الضَّمِيرُ في أتَوْا عائِدٌ عَلى الَّذِينَ اتَّخَذُوا القُرْآنَ مَهْجُورًا. انْتَهى، وهم قُرَيْشٌ، وانْتَصَبَ (مَطَرَ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لَأُمْطِرَتْ، عَلى مَعْنى أُولِيَتْ، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مَحْذُوفُ الزَّوائِدِ، أيْ: إمْطارَ السَّوْءِ.
﴿أفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها﴾ أيْ: يَنْظُرُونَ إلى ما فِيها مِنَ العِبَرِ والآثارِ الدّالَّةِ عَلى ما حَلَّ بِها مِنَ النِّقَمِ كَما قالَ: ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ وبِاللَيْلِ﴾ [الصافات: ١٣٧]، وقالَ: ﴿وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩]، وهو اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّعَجُّبُ، ومَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَعْتَبِرُوا بِرُؤْيَتِها أنْ يَحِلَّ بِهِمْ في الدُّنْيا ما حَلَّ بِأُولَئِكَ، بَلْ كانُوا كَفَرَةً لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ فَلَمْ يَتَوَقَّعُوا عَذابَ الآخِرَةِ، وضَعَ الرَّجاءَ مَوْضِعَ التَّوَقُّعِ؛ لِأنَّهُ إنَّما يَتَوَقَّعُ العاقِبَةَ مَن يُؤْمِنُ، فَمِن ثَمَّ لَمْ يَنْظُرُوا ولَمْ يَتَفَكَّرُوا ومَرُّوا بِها كَما مَرَّتْ رِكابُهم، أوْ لا يَأْمُلُونَ (نُشُورًا) كَما يَأْمُلُهُ المُؤْمِنُونَ لِطَمَعِهِمْ إلى ثَوابِ أعْمالِهِمْ، أوْ لا يَخافُونَ عَلى اللُّغَةِ التِّهامِيَّةِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ”مُطِرَتْ“ ثُلاثِيًّا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ومَطَرَ مُتَعَدٍّ. قالَ الشّاعِرُ:
؎كَمَن بَوادِيهِ بَعْدَ المَحْلِ مَمْطُورِ
وقَرَأ أبُو السِّماكِ: (مَطَرَ السُّوءِ) بِضَمِّ السِّينِ.
﴿وإذا رَأوْكَ إنَّ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾، لَمْ يَقْتَصِرِ المُشْرِكُونَ عَلى إنْكارِ نُبُوَّةِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وتَرْكِ الإيمانِ بِهِ، بَلْ زادُوا عَلى ذَلِكَ بِالِاسْتِهْزاءِ والِاحْتِقارِ. حَتّى يَقُولَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿أهَذا الَّذِى بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾، و(إنْ) نافِيَةٌ جَوابُ (إذا)، وانْفَرَدَتْ (إذا) بِأنَّهُ إذا كانَ جَوابُها مَنفِيًّا بِما أوْ بِلا لا تَدْخُلُهُ الفاءُ، بِخِلافِ أدَواتِ الشَّرْطِ غَيْرِها فَلا بُدَّ مِنَ الفاءِ مَعَ ما ومَعَ لا إذا ارْتَفَعَ المُضارِعُ، فَلَوْ وقَعَتْ إنِ النّافِيَةُ في جَوابِ غَيْرِ إذا فَلا بُدَّ مِنَ الفاءِ كَما النّافِيَةِ، ومَعْنى (هُزُؤًا) مَوْضِعَ هُزْءٍ أوْ مَهْزُوًّا بِهِ، (أهَذا) قَبْلَهُ قَوْلٌ مَحْذُوفٌ، أيْ: يَقُولُونَ، وقالَ: جَوابُ (إذا) ما أُضْمِرُ مِنَ القَوْلِ، أيْ: (وإذا رَأوْكَ) قالُوا: ﴿أهَذا الَّذِى بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾، و(إنْ يَتَّخِذُونَكَ) جُمْلَةٌ اعْتِراضِيَّةٌ بَيْنَ (إذا) وجَوابِها. قِيلَ: ونَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ؛ كانَ إذا رَأى الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ: ﴿أهَذا الَّذِى بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ ؟ وأخْبَرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لِقُبْحِ صُنْعِهِ أوْ لِكَوْنِ جَماعَةٍ مَعَهُ قالُوا ذَلِكَ، والظّاهِرُ أنَّ قائِلَ ذَلِكَ جَماعَةٌ كَثِيرَةٌ، وهَذا الِاسْتِفْهامُ اسْتِصْغارٌ واحْتِقارٌ مِنهم أخْرَجُوهُ بِقَوْلِهِمْ: بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا في مَعْرِضِ التَّسْلِيمِ والإقْرارِ، وهم عَلى غايَةِ الجُحُودِ والإنْكارِ سُخْرِيَةً واسْتِهْزاءً، ولَوْ لَمْ يَسْتَهْزِئُوا لَقالُوا هَذا زَعَمَ أوِ ادَّعى أنَّهُ مَبْعُوثٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ رَسُولًا. وقَوْلُهم: (إنْ كادَ لَيُضِلُّنا) دَلِيلٌ عَلى فَرْطِ مُجاهَدَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في دَعْوَتِهِمْ، وبَذْلِهِ قُصارى الوُسْعِ والطّاقَةِ في اسْتِعْطافِهِمْ مَعَ عَرْضِ الآياتِ والمُعْجِزاتِ، حَتّى شارَفُوا بِزَعْمِهِمْ أنْ يَتْرُكُوا دِينَهم إلى دِينِ الإسْلامِ، لَوْلا فَرْطُ لَجاجِهِمْ واسْتِمْساكِهِمْ بِعِبادَةِ آلِهَتِهِمْ. و(لَوْلا) في مِثْلِ هَذا الكَلامِ جارٍ - مِن حَيْثُ المَعْنى لا مِن حَيْثُ اللَّفْظُ - مَجْرى التَّقْيِيدِ لِلْحُكْمِ المُطْلَقِ؛ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: الِاسْتِهْزاءُ إمّا بِالصُّورَةِ فَكانَ أحْسَنَ مِنهم خِلْقَةً، أوْ بِالصِّفَةِ فَلا يُمْكِنُ؛ لِأنَّ الصِّفَةَ الَّتِي تَمَيَّزَ بِها عَنْهم ظُهُورُ المُعْجِزِ عَلَيْهِ دُونَهم، وما قَدَرُوا عَلى القَدْحِ في حُجَّتِهِ فَفي الحَقِيقَةِ هُمُ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ أنْ يُهْزَأ بِهِمْ، ثُمَّ لِوَقاحَتِهِمْ قَلَبُوا القِصَّةَ واسْتَهْزَءُوا بِالرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - انْتَهى. قِيلَ: وتَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّهم صارُوا في ظُهُورِ حُجَّتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلَيْهِمْ كالمَجانِينِ اسْتَهْزَءُوا بِهِ أوَّلًا، ثُمَّ إنَّهم وصَفُوهُ بِأنَّهُ (كادَ لَيُضِلُّنا) عَنْ مَذْهَبِنا (لَوْلا) أنّا قابَلْناهُ بِالجُمُودِ والإصْرارِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم سَلَّمُوا لَهُ قُوَّةَ الحُجَّةِ وكَمالَ العَقْلِ، فَكَوْنُهم جَمَعُوا بَيْنَ الِاسْتِهْزاءِ وبَيْنَ هَذِهِ الكَيْدُودَةِ دَلَّ عَلى أنَّهم كانُوا كالمُتَحَيِّرِينَ في أمْرِهِ، تارَةً يَسْتَهْزِئُونَ مِنهُ وتارَةً يَصِفُونَهُ بِما لا يَلِيقُ إلّا بِالعالِمِ الكامِلِ.
﴿وسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ وعِيدٌ ودَلالَةٌ عَلى أنَّهم لا يَفُوتُونَهُ وإنْ طالَتْ مُدَّةُ الإمْهالِ، فَلا بُدَّ لِلْوَعِيدِ أنْ يَلْحَقَهم فَلا يَغُرَّنَّهُمُ التَّأْخِيرُ، ولَمّا قالُوا (إنْ كادَ لَيُضِلُّنا) جاءَ قَوْلُهُ: ﴿مَن أضَلُّ سَبِيلًا﴾ أيْ: سَيَظْهَرُ لَهم مَنِ المُضِلُّ ومَنِ الضّالُّ بِمُشاهَدَةِ العَذابِ الَّذِي لا مُخَلِّصَ لَهم مِنهُ. والظّاهِرُ أنَّ (مَن) اسْتِفْهامِيَّةٌ، و(أضَلُّ) خَبَرُهُ، والجُمْلَةَ في مَوْضِعِ مَفْعُولِ (يَعْلَمُونَ) إنْ كانَتْ (p-٥٠١)مُتَعَدِّيَةً إلى واحِدٍ، أوْ في مَوْضِعِ مَفْعُولَيْنِ إنْ كانَتْ تَعَدَّتْ إلى اثْنَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (مَن) مَوْصُولَةً مَفْعُولَةً بِيَعْلَمُونَ، و(أضَلُّ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو أضَلُّ، وصارَ حَذْفُ هَذا المُضْمَرِ لِلِاسْتِطالَةِ الَّتِي حَصَلَتْ في قَوْلِ العَرَبِ: ما أنا بِالَّذِي قائِلٌ لَكَ سَواءٌ.
﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ هَذا يَأْسٌ عَنْ إيمانِهِمْ وإشارَةٌ إلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ لا يَتَأسَّفَ عَلَيْهِمْ، وإعْلامٌ أنَّهم في الجَهْلِ بِالمَنافِعِ وقِلَّةِ النَّظَرِ في العَواقِبِ مِثْلُ البَهائِمِ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهم (أضَلُّ سَبِيلًا) مِنَ الأنْعامِ مِن حَيْثُ لَهم فَهْمٌ وتَرَكُوا اسْتِعْمالَهُ فِيما يُخَلِّصُهم مِن عَذابِ اللَّهِ. والأنْعامُ لا سَبِيلَ لَها إلى فَهْمِ المَصالِحِ. و(أرَأيْتَ) اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ مِن جَهْلِ مَن هَذِهِ حالُهُ، و(إلَهَهُ) المَفْعُولُ الأوَّلُ لِاتَّخَذَ، و(هَواهُ) الثّانِي، أيْ: أقامَ مُقامَ الإلَهِ الَّذِي يَعْبُدُهُ هَواهُ فَهو جارٍ عَلى ما يَكُونُ في (هَواهُ)، والمَعْنى أنَّهُ لَمْ يَتَّخِذْ إلَهًا إلّا هَواهُ، وادِّعاءُ القَلْبِ لَيْسَ بِجَيِّدٍ إذْ يُقَدِّرُهُ مَنِ اتَّخَذَ هَواهُ إلَهَهُ، والبَيْتُ مِن ضَرائِرِ الشِّعْرِ ونادِرِ الكَلامِ فَيُنَزَّهُ كَلامُ اللَّهِ عَنْهُ، كانَ الرَّجُلُ يَعْبُدُ الصَّنَمَ فَإذا رَأى أحْسَنَ مِنهُ رَماهُ وأخَذَ الأحْسَنَ. قِيلَ: نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ قَيْسٍ السَّهْمِيِّ، كانَ إذا هَوِيَ شَيْئًا عَبَدَهُ، والهَوى مَيْلُ القَلْبِ إلى الشَّيْءِ (أفَأنْتَ) تُجْبِرُهُ عَلى تَرْكِ هَواهُ، أوْ (أفَأنْتَ) تَحْفَظُهُ مِن عَظِيمِ جَهْلِهِ. وقَرَأ بَعْضُ أهْلِ المَدِينَةِ ”مَنِ اتَّخَذَ آلِهَةً“ مُنَوَّنَةً عَلى الجَمْعِ، وفِيهِ تَقْدِيمٌ جَعَلَ هَواهُ أنْواعًا أسْماءً لِأجْناسٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَجَعَلَ كُلَّ جِنْسٍ مِن هَواهُ إلَهًا آخَرَ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ: (إلاهَةً) عَلى وزْنِ فِعالَةٍ، وفِيهِ أيْضًا تَقْدِيمٌ أيْ: هَواهُ إلاهَةً، بِمَعْنى مَعْبُودٍ؛ لِأنَّها بِمَعْنى المَأْلُوهَةِ. فالهاءُ فِيها لِلْمُبالَغَةِ فَلِذَلِكَ صُرِفَتْ. وقِيلَ: بَلِ الإلاهَةُ الشَّمْسُ، ويُقالُ لَها أُلاهَةٌ بِضَمِّ الهَمْزَةِ، وهي غَيْرُ مَصْرُوفَةٍ لِلْعَلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ، لَكِنَّها لَمّا كانَتْ مِمّا يَدْخُلُها لامُ المَعْرِفَةِ في بَعْضِ اللُّغاتِ صارَتْ بِمَنزِلَةِ ما كانَ فِيهِ اللّامُ ثُمَّ نُزِعَتْ؛ فَلِذَلِكَ صُرِفَتْ وصارَتْ بِمَنزِلَةِ النُّعُوتِ فَتَنَكَّرَتْ؛ قالَهُ صاحِبُ اللَّوامِحِ. ومَفْعُولُ (أرَأيْتَ) الأوَّلُ هو (مَنِ)، والجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في (أرَأيْتَ) في أوائِلِ الأنْعامِ، ومَعْنى (وكِيلًا) أيْ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَدْعُوَ إلى الهُدى فَتَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ وتُجْبِرَهُ عَلى الإسْلامِ. و(أمْ) مُنْقَطِعَةٌ تَتَقَدَّرُ بِبَلْ والهَمْزَةِ عَلى المَذْهَبِ الصَّحِيحِ، كَأنَّهُ قالَ: بَلْ أتَحْسَبُ كَأنَّ هَذِهِ المَذَمَّةَ أشَدُّ مِنَ الَّتِي تَقَدَّمَتْها حَتّى حُفَّتْ بِالإضْرابِ عَنْها إلَيْها، وهو كَوْنُهم مَسْلُوبِي الأسْماعِ والعُقُولِ؛ لِأنَّهم لا يُلْقُونَ إلى اسْتِماعِ الحَقِّ أُذُنًا ولا إلى تَدَبُّرِهِ عَقْلًا، ومُشَبَّهِينَ بِالأنْعامِ الَّتِي هي مَثَلٌ في الغَفْلَةِ والضَّلالَةِ، ونُفِيَ ذَلِكَ عَنْ أكْثَرِهِمْ؛ لِأنَّ فِيهِمْ مَن سَبَقَتْ لَهُ السَّعادَةُ فَأسْلَمَ، وجُعِلُوا أضَلَّ مِنَ الأنْعامِ؛ لِأنَّها تَنْقادُ لِأرْبابِها وتَعْرِفُ مَن يُحْسِنُ إلَيْها مِمَّنْ يُسِيءُ إلَيْها، وتَطْلُبُ مَنفَعَتَها وتَتَجَنَّبُ مَضَرَّتَها، وتَهْتَدِي إلى مَراعِيها ومَشارِبِها، وهم لا يَنْقادُونَ لِرَبِّهِمْ، ولا يَعْرِفُونَ إحْسانَهُ إلَيْهِمْ، ولا يَرْغَبُونَ في الثَّوابِ الَّذِي هو أعْظَمُ المَنافِعِ، ولا يَتَّقُونَ العِقابَ الَّذِي هو أشَدُّ المَضارِّ، ولا يَهْتَدُونَ لِلْحَقِّ.
الفرقان 25:42
(p-٤٩٨)﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ وجَعَلْنا مَعَهُ أخاهُ هارُونَ وزِيرًا﴾ ﴿فَقُلْنا اذْهَبا إلى القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهم تَدْمِيرًا﴾ ﴿وقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهم وجَعَلْناهم لِلنّاسِ آيَةً وأعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿وعادًا وثَمُودَ وأصْحابَ الرَّسِّ وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ ﴿وكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ وكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيرًا﴾ ﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ ﴿وإذا رَأوْكَ إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ ﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها وسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ مَن أضَلُّ سَبِيلًا﴾ ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلًا﴾ ﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ إنْ هم إلّا كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا﴾
لَمّا تَقَدَّمَ تَكْذِيبُ قُرَيْشٍ والكَفّارِ لِما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ تَعالى ما فِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ وإرْهابٌ لِلْمُكَذِّبِينَ، وتَذْكِيرٌ لَهم أنْ يُصِيبَهم ما أصابَ الأُمَمَ السّابِقَةَ مِن هَلاكِ الِاسْتِئْصالِ لَمّا كَذَّبُوا رُسُلَهم، فَناسَبَ أنْ ذَكَرَ أوَّلًا مَن نَزَلَ عَلَيْهِ كِتابُهُ جُمْلَةً واحِدَةً، ومَعَ ذَلِكَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِهِ، فَكَذَلِكَ هَؤُلاءِ لَوْ نَزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ دُفْعَةً لَكَذَّبُوا وكَفَرُوا كَما كَذَّبَ قَوْمُ مُوسى.
والكِتابُ هُنا التَّوْراةُ، و(هارُونَ) بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَعَهُ المَفْعُولُ الثّانِي لِجَعَلْنا. وأنْ يَكُونَ (وزِيرًا)، والوِزارَةُ لا تُنافِي النُّبُوَّةَ؛ فَقَدْ كانَ في الزَّمانِ الواحِدِ أنْبِياءُ يُؤازِرُ بَعْضُهم بَعْضًا، والمَذْهُوبُ إلَيْهِمُ القِبْطُ وفِرْعَوْنُ. وفي الكَلامِ حَذْفٌ، أيْ: فَذَهَبا وأدَّيا الرِّسالَةَ فَكَذَّبُوهُما، (فَدَمَّرْناهم)، والتَّدْمِيرُ أشَدُّ الإهْلاكِ، وأصْلُهُ كَسْرُ الشَّيْءِ عَلى وجْهٍ لا يُمْكِنُ إصْلاحُهُ. وقِصَّةُ مُوسى ومَن أُرْسِلَ إلَيْهِ ذُكِرَتْ مُنْتَهِيَةً في غَيْرِ ما مَوْضِعٍ، وهُنا اخْتُصِرَتْ فَأوْجَزَ بِذِكْرِ أوَّلِها وآخِرِها؛ لِأنَّهُ بِذَلِكَ يُلْزِمُ الحُجَّةَ بِبَعْثَةِ الرُّسُلِ واسْتِحْقاقَ التَّدْمِيرِ بِتَكْذِيبِهِمْ.
وقَرَأ عَلِيٌّ، والحَسَنُ ومَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ: (فَدَمِّراهم)، عَلى الأمْرِ لِمُوسى وهارُونَ، وعَنْ عَلِيٍّ أيْضًا كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ مُؤَكَّدٌ بِالنُّونِ الشَّدِيدَةِ. وعَنْهُ أيْضًا (فَدَمِّرا) أمْرًا لَهُما (بِهِمْ) بِباءِ الجَرِّ، ومَعْنى الأمْرِ كُونا سَبَبَ تَدْمِيرِهِمْ.
وانْتَصَبَ (وقَوْمَ نُوحٍ) عَلى الِاشْتِغالِ، وكانَ النَّصْبُ أرْجَحَ لِتَقَدُّمِ الجُمَلِ الفِعْلِيَّةِ قَبْلَ ذَلِكَ، ويَكُونُ (لَمّا) في هَذا الإعْرابِ ظَرْفًا عَلى مَذْهَبِ الفارِسِيِّ. وأمّا إنْ كانَتْ حَرْفَ وُجُوبٍ لِوُجُوبٍ فالظّاهِرُ أنَّ (أغْرَقْناهم) جَوابُ (لَمّا) فَلا يُفَسَّرُ ناصِبًا لِـ (قَوْمَ) فَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى المَفْعُولِ في (فَدَمَّرْناهم)، أوْ مَنصُوبًا عَلى مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ اذْكُرْ. وقَدْ جَوَّزَ الوُجُوهَ الثَّلاثَةَ الحَوْفِيُّ.
(لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ) كَذَّبُوا نُوحًا ومَن قَبْلَهُ أوْ جَعَلَ تَكْذِيبَهم لِنُوحٍ تَكْذِيبًا لِلْجَمِيعِ، أوْ لَمْ يَرَوْا بَعْثَةَ الرُّسُلِ كالبَراهِمَةِ، والظّاهِرُ عَطْفُ (وعادًا) عَلى (وقَوْمَ) . وقالَ أبُو إسْحاقَ: يَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى الهاءِ والمِيمِ في ﴿وجَعَلْناهم لِلنّاسِ آيَةً﴾ . قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (الظّالِمِينَ)؛ لِأنَّ التَّأْوِيلَ وعَدْنا الظّالِمِينَ بِالعَذابِ ووَعَدْنا (عادًا وثَمُودَ)، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ والحَسَنُ وعِيسى (وثَمُودَ) غَيْرَ مَصْرُوفٍ.
﴿وأصْحابَ الرَّسِّ﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم قَوْمُ ثَمُودَ، ويُبَعِّدُهُ عَطْفُهُ عَلى ثَمُودَ؛ لِأنَّ العَطْفَ يَقْتَضِي التَّغايُرَ. وقالَ قَتادَةُ: أهْلُ قَرْيَةٍ مِنَ اليَمامَةِ يُقالُ لَها: (p-٤٩٩)الرَّسُّ، والفَلَجُ. قِيلَ: قَتَلُوا نَبِيَّهم فَهَلَكُوا وهم بَقِيَّةُ ثَمُودَ وقَوْمِ صالِحٍ. وقالَ كَعْبٌ ومُقاتِلٌ والسُّدِّيُّ: بِئْرٌ بِأنْطاكِيَةِ الشّامِ قُتِلَ فِيها صاحِبُ ياسِينَ وهو حَبِيبٌ النَّجّارُ. وقِيلَ: قَتَلُوا نَبِيَّهم ورَسُّوهُ في بِئْرٍ، أيْ: دَسُّوهُ فِيهِ.
وقالَ وهْبٌ والكَلْبِيُّ: أصْحابُ الرَّسِّ وأصْحابُ الأيْكَةِ قَوْمانِ أُرْسِلَ إلَيْهِما، شُعَيْبٌ أُرْسِلَ إلى أصْحابِ الرَّسِّ، وكانُوا قَوْمًا مِن عَبَدَةِ الأصْنامِ وأصْحابَ آبارٍ ومَواشٍ، فَدَعاهم إلى الإسْلامِ فَتَمادَوْا في طُغْيانِهِمْ وفي إيذائِهِ، فَبَيْنَما هم حَوْلَ الرَّسِّ وهي البِئْرُ غَيْرُ المَطْوِيَّةِ. وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ انْهارَتْ بِهِمْ فَخُسِفَ بِهِمْ وبِدارِهِمْ. وقالَ عَلِيٌّ فِيما نَقَلَهُ الثَّعْلَبِيُّ: قَوْمٌ عَبَدُوا شَجَرَةَ صَنَوْبَرٍ يُقالُ: لَها شاهْ دَرَخْتَ، رَسُّوا نَبِيَّهم في بِئْرٍ حَفَرُوهُ لَهُ في حَدِيثٍ طَوِيلٍ. وقِيلَ: هم أصْحابُ النَّبِيِّ حَنْظَلَةَ بْنِ صَفْوانَ ﷺ كانُوا مُبْتَلَيْنَ بِالعَنْقاءِ، وهي أعْظَمُ ما يَكُونُ مِنَ الطَّيْرِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِطُولِ عُنُقِها وكانَتْ تَسْكُنُ جَبَلَهُمُ الَّذِي يُقالُ لَهُ فَجٌّ، وهي تَنْقَضُّ عَلى صِبْيانِهِمْ فَتَخْطِفُهم إنْ أعْوَزَها الصَّيْدُ فَدَعا عَلَيْها حَنْظَلَةُ فَأصابَتْها الصّاعِقَةُ، ثُمَّ إنَّهم قَتَلُوا حَنْظَلَةَ فَأُهْلِكُوا. وقِيلَ: هم أصْحابُ الأُخْدُودِ، والرَّسُّ هو الأُخْدُودُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الرَّسُّ بِئْرُ أذْرَبِيجانَ. وقِيلَ: الرَّسُّ ما بَيْنَ نَجْرانَ إلى اليَمَنِ إلى حَضْرَمَوْتَ. وقِيلَ: قَوْمٌ بَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِمْ أنْبِياءَ فَقَتَلُوهم ورَسُّوا عِظامَهم في بِئْرٍ. وقِيلَ: قَوْمٌ بُعِثَ إلَيْهِمْ نَبِيٌّ فَأكَلُوهُ. وقِيلَ: قَوْمٌ نِساؤُهم سَواحِقُ. وقِيلَ: الرَّسُّ ماءٌ ونَخْلٌ لِبَنِي أسَدٍ. وقِيلَ: الرَّسُّ نَهْرٌ مِن بِلادِ المَشْرِقِ بَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِمْ نَبِيًّا مِن أوْلادِ يَهُوذا ابْنِ يَعْقُوبَ فَكَذَّبُوهُ، فَلَبِثَ فِيهِمْ زَمانًا فَشَكا إلى اللَّهِ مِنهم، فَحَفَرُوا لَهُ بِئْرًا وأرْسَلُوهُ فِيها، وقالُوا: نَرْجُو أنْ يَرْضى عَنّا إلَهُنا، فَكانُوا عامَّةَ يَوْمِهِمْ يَسْمَعُونَ أنِينَ نَبِيِّهِمْ، فَدَعا بِتَعْجِيلِ قَبْضِ رُوحِهِ فَماتَ وأظَلَّتْهم سَحابَةٌ سَوْداءُ أذابَتْهم كَما يَذُوبُ الرَّصاصُ.
ورَوى عِكْرِمَةُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ”أنَّ أهْلَ الرَّسِّ أخَذُوا نَبِيَّهم فَرَسُّوهُ في بِئْرٍ وأطْبَقُوا عَلَيْهِ صَخْرَةً، فَكانَ عَبْدٌ أسْوَدُ قَدْ آمَنَ بِهِ يَجِيءُ بِطَعامٍ إلى تِلْكَ البِئْرِ فَيُعِينُهُ اللَّهُ عَلى تِلْكَ الصَّخْرَةِ فَيَقْلَعُها فَيُعْطِيهِ ما يُغَذِّيهِ بِهِ. ثُمَّ يَرُدُّ الصَّخْرَةَ، إلى أنْ ضَرَبَ اللَّهُ يَوْمًا عَلى أُذُنِ ذَلِكَ الأسْوَدِ بِالنَّوْمِ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وأخْرَجَ أهْلُ القَرْيَةِ نَبِيَّهم فَآمَنُوا بِهِ“ . في حَدِيثٍ طَوِيلٍ. قالَ الطَّبَرِيُّ: فَيُمْكِنُ أنَّهم كَفَرُوا بَعْدَ ذَلِكَ فَذَكَرَهُمُ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ، وكَثُرَ الِاخْتِلافُ في أصْحابِ الرَّسِّ، فَلَوْ صَحَّ ما نَقَلَهُ عِكْرِمَةُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ كانَ هو القَوْلَ الَّذِي لا يُمْكِنُ خِلافُهُ (ومُلَخَّصُ هَذِهِ الأقْوالِ) أنَّهم قَوْمٌ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِتَكْذِيبِ مَن أرْسَلَ إلَيْهِمْ.
(وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ) هَذا إبْهامٌ لا يَعْلَمُ حَقِيقَةَ ذَلِكَ إلّا اللَّهُ، و(ذَلِكَ) إشارَةٌ إلى أُولَئِكَ المُتَقَدِّمِي الذِّكْرِ؛ فَلِذَلِكَ حَسُنَ دُخُولُ (بَيْنَ) عَلَيْهِ مِن غَيْرِ أنْ يُعْطَفَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، كَأنَّهُ قِيلَ بَيْنَ المَذْكُورِينَ، وقَدْ يَذْكُرُ الذّاكِرُ أشْياءَ مُخْتَلِفَةً. ثُمَّ يُشِيرُ إلَيْها. وانْتَصَبَ (كُلًّا) الأوَّلُ عَلى الِاشْتِغالِ، أيْ: وأنْذَرْنا كُلًّا أوْ حَذَّرْنا كُلًّا، والثّانِي عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِتَبَّرْنا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ مَفْعُولًا، وهَذا مِن واضِحِ الإعْرابِ. ومَعْنى ضَرَبَ الأمْثالَ، أيْ: بَيَّنَ لَهُمُ القِصَصَ العَجِيبَةَ مِن قَصَصِ الأوَّلِينَ ووَصَفْنا لَهم ما أدّى إلَيْهِ تَكْذِيبُهم بِأنْبِيائِهِمْ مِن عَذابِ اللَّهِ وتَدْمِيرِهِ إيّاهم لِيَهْتَدُوا بِضَرْبِ الأمْثالِ فَلَمْ يَهْتَدُوا، وأبْعَدَ مَن جَعَلَ الضَّمِيرَ في (لَهُ) لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: والمَعْنى وكُلَّ الأمْثالِ ضَرَبْنا لِلرَّسُولِ وعَلى هَذا و(كُلًّا) مَنصُوبٌ بِضَرَبْنا، و(الأمْثالَ) بَدَلٌ مِن (كُلًّا)، والضَّمِيرُ في (ولَقَدْ أتَوْا) لِقُرَيْشٍ كانُوا يَمُرُّونَ عَلى سَدُومَ مِن قُرى قَوْمِ لُوطٍ في مَتاجِرِهِمْ إلى الشّامِ، وكانَتْ قُرًى خَمْسَةً، أهْلَكَ اللَّهُ مِنها أرْبَعًا وبَقِيَتْ واحِدَةٌ، وهي زُغَرُ لَمْ يَكُنْ أهْلُها يَعْمَلُونَ ذَلِكَ العَمَلَ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: و(مَطَرَ السَّوْءِ) الحِجارَةُ الَّتِي أُمْطِرَتْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ فَهَلَكُوا. وكانَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يُنادِي نَصِيحَةً لَكم: يا سَدُومُ، يَوْمٌ لَكم مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - أنْهاكم أنْ تَتَعَرَّضُوا لِلْعُقُوبَةِ مِنَ اللَّهِ، ومَعْنى (أتَوْا) مَرُّوا فَلِذَلِكَ عَدّاهُ بِعَلى. وأفْرَدَ لَفْظَ القَرْيَةِ وإنْ كانَتْ قُرًى؛ لِأنَّ سَدُومَ هي أُمُّ تِلْكَ (p-٥٠٠)القُرى وأعْظَمُها. وقالَ مَكِّيٌّ: الضَّمِيرُ في أتَوْا عائِدٌ عَلى الَّذِينَ اتَّخَذُوا القُرْآنَ مَهْجُورًا. انْتَهى، وهم قُرَيْشٌ، وانْتَصَبَ (مَطَرَ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لَأُمْطِرَتْ، عَلى مَعْنى أُولِيَتْ، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مَحْذُوفُ الزَّوائِدِ، أيْ: إمْطارَ السَّوْءِ.
﴿أفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها﴾ أيْ: يَنْظُرُونَ إلى ما فِيها مِنَ العِبَرِ والآثارِ الدّالَّةِ عَلى ما حَلَّ بِها مِنَ النِّقَمِ كَما قالَ: ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ وبِاللَيْلِ﴾ [الصافات: ١٣٧]، وقالَ: ﴿وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩]، وهو اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّعَجُّبُ، ومَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَعْتَبِرُوا بِرُؤْيَتِها أنْ يَحِلَّ بِهِمْ في الدُّنْيا ما حَلَّ بِأُولَئِكَ، بَلْ كانُوا كَفَرَةً لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ فَلَمْ يَتَوَقَّعُوا عَذابَ الآخِرَةِ، وضَعَ الرَّجاءَ مَوْضِعَ التَّوَقُّعِ؛ لِأنَّهُ إنَّما يَتَوَقَّعُ العاقِبَةَ مَن يُؤْمِنُ، فَمِن ثَمَّ لَمْ يَنْظُرُوا ولَمْ يَتَفَكَّرُوا ومَرُّوا بِها كَما مَرَّتْ رِكابُهم، أوْ لا يَأْمُلُونَ (نُشُورًا) كَما يَأْمُلُهُ المُؤْمِنُونَ لِطَمَعِهِمْ إلى ثَوابِ أعْمالِهِمْ، أوْ لا يَخافُونَ عَلى اللُّغَةِ التِّهامِيَّةِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ”مُطِرَتْ“ ثُلاثِيًّا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ومَطَرَ مُتَعَدٍّ. قالَ الشّاعِرُ:
؎كَمَن بَوادِيهِ بَعْدَ المَحْلِ مَمْطُورِ
وقَرَأ أبُو السِّماكِ: (مَطَرَ السُّوءِ) بِضَمِّ السِّينِ.
﴿وإذا رَأوْكَ إنَّ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾، لَمْ يَقْتَصِرِ المُشْرِكُونَ عَلى إنْكارِ نُبُوَّةِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وتَرْكِ الإيمانِ بِهِ، بَلْ زادُوا عَلى ذَلِكَ بِالِاسْتِهْزاءِ والِاحْتِقارِ. حَتّى يَقُولَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿أهَذا الَّذِى بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾، و(إنْ) نافِيَةٌ جَوابُ (إذا)، وانْفَرَدَتْ (إذا) بِأنَّهُ إذا كانَ جَوابُها مَنفِيًّا بِما أوْ بِلا لا تَدْخُلُهُ الفاءُ، بِخِلافِ أدَواتِ الشَّرْطِ غَيْرِها فَلا بُدَّ مِنَ الفاءِ مَعَ ما ومَعَ لا إذا ارْتَفَعَ المُضارِعُ، فَلَوْ وقَعَتْ إنِ النّافِيَةُ في جَوابِ غَيْرِ إذا فَلا بُدَّ مِنَ الفاءِ كَما النّافِيَةِ، ومَعْنى (هُزُؤًا) مَوْضِعَ هُزْءٍ أوْ مَهْزُوًّا بِهِ، (أهَذا) قَبْلَهُ قَوْلٌ مَحْذُوفٌ، أيْ: يَقُولُونَ، وقالَ: جَوابُ (إذا) ما أُضْمِرُ مِنَ القَوْلِ، أيْ: (وإذا رَأوْكَ) قالُوا: ﴿أهَذا الَّذِى بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾، و(إنْ يَتَّخِذُونَكَ) جُمْلَةٌ اعْتِراضِيَّةٌ بَيْنَ (إذا) وجَوابِها. قِيلَ: ونَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ؛ كانَ إذا رَأى الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ: ﴿أهَذا الَّذِى بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ ؟ وأخْبَرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لِقُبْحِ صُنْعِهِ أوْ لِكَوْنِ جَماعَةٍ مَعَهُ قالُوا ذَلِكَ، والظّاهِرُ أنَّ قائِلَ ذَلِكَ جَماعَةٌ كَثِيرَةٌ، وهَذا الِاسْتِفْهامُ اسْتِصْغارٌ واحْتِقارٌ مِنهم أخْرَجُوهُ بِقَوْلِهِمْ: بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا في مَعْرِضِ التَّسْلِيمِ والإقْرارِ، وهم عَلى غايَةِ الجُحُودِ والإنْكارِ سُخْرِيَةً واسْتِهْزاءً، ولَوْ لَمْ يَسْتَهْزِئُوا لَقالُوا هَذا زَعَمَ أوِ ادَّعى أنَّهُ مَبْعُوثٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ رَسُولًا. وقَوْلُهم: (إنْ كادَ لَيُضِلُّنا) دَلِيلٌ عَلى فَرْطِ مُجاهَدَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في دَعْوَتِهِمْ، وبَذْلِهِ قُصارى الوُسْعِ والطّاقَةِ في اسْتِعْطافِهِمْ مَعَ عَرْضِ الآياتِ والمُعْجِزاتِ، حَتّى شارَفُوا بِزَعْمِهِمْ أنْ يَتْرُكُوا دِينَهم إلى دِينِ الإسْلامِ، لَوْلا فَرْطُ لَجاجِهِمْ واسْتِمْساكِهِمْ بِعِبادَةِ آلِهَتِهِمْ. و(لَوْلا) في مِثْلِ هَذا الكَلامِ جارٍ - مِن حَيْثُ المَعْنى لا مِن حَيْثُ اللَّفْظُ - مَجْرى التَّقْيِيدِ لِلْحُكْمِ المُطْلَقِ؛ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: الِاسْتِهْزاءُ إمّا بِالصُّورَةِ فَكانَ أحْسَنَ مِنهم خِلْقَةً، أوْ بِالصِّفَةِ فَلا يُمْكِنُ؛ لِأنَّ الصِّفَةَ الَّتِي تَمَيَّزَ بِها عَنْهم ظُهُورُ المُعْجِزِ عَلَيْهِ دُونَهم، وما قَدَرُوا عَلى القَدْحِ في حُجَّتِهِ فَفي الحَقِيقَةِ هُمُ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ أنْ يُهْزَأ بِهِمْ، ثُمَّ لِوَقاحَتِهِمْ قَلَبُوا القِصَّةَ واسْتَهْزَءُوا بِالرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - انْتَهى. قِيلَ: وتَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّهم صارُوا في ظُهُورِ حُجَّتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلَيْهِمْ كالمَجانِينِ اسْتَهْزَءُوا بِهِ أوَّلًا، ثُمَّ إنَّهم وصَفُوهُ بِأنَّهُ (كادَ لَيُضِلُّنا) عَنْ مَذْهَبِنا (لَوْلا) أنّا قابَلْناهُ بِالجُمُودِ والإصْرارِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم سَلَّمُوا لَهُ قُوَّةَ الحُجَّةِ وكَمالَ العَقْلِ، فَكَوْنُهم جَمَعُوا بَيْنَ الِاسْتِهْزاءِ وبَيْنَ هَذِهِ الكَيْدُودَةِ دَلَّ عَلى أنَّهم كانُوا كالمُتَحَيِّرِينَ في أمْرِهِ، تارَةً يَسْتَهْزِئُونَ مِنهُ وتارَةً يَصِفُونَهُ بِما لا يَلِيقُ إلّا بِالعالِمِ الكامِلِ.
﴿وسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ وعِيدٌ ودَلالَةٌ عَلى أنَّهم لا يَفُوتُونَهُ وإنْ طالَتْ مُدَّةُ الإمْهالِ، فَلا بُدَّ لِلْوَعِيدِ أنْ يَلْحَقَهم فَلا يَغُرَّنَّهُمُ التَّأْخِيرُ، ولَمّا قالُوا (إنْ كادَ لَيُضِلُّنا) جاءَ قَوْلُهُ: ﴿مَن أضَلُّ سَبِيلًا﴾ أيْ: سَيَظْهَرُ لَهم مَنِ المُضِلُّ ومَنِ الضّالُّ بِمُشاهَدَةِ العَذابِ الَّذِي لا مُخَلِّصَ لَهم مِنهُ. والظّاهِرُ أنَّ (مَن) اسْتِفْهامِيَّةٌ، و(أضَلُّ) خَبَرُهُ، والجُمْلَةَ في مَوْضِعِ مَفْعُولِ (يَعْلَمُونَ) إنْ كانَتْ (p-٥٠١)مُتَعَدِّيَةً إلى واحِدٍ، أوْ في مَوْضِعِ مَفْعُولَيْنِ إنْ كانَتْ تَعَدَّتْ إلى اثْنَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (مَن) مَوْصُولَةً مَفْعُولَةً بِيَعْلَمُونَ، و(أضَلُّ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو أضَلُّ، وصارَ حَذْفُ هَذا المُضْمَرِ لِلِاسْتِطالَةِ الَّتِي حَصَلَتْ في قَوْلِ العَرَبِ: ما أنا بِالَّذِي قائِلٌ لَكَ سَواءٌ.
﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ هَذا يَأْسٌ عَنْ إيمانِهِمْ وإشارَةٌ إلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ لا يَتَأسَّفَ عَلَيْهِمْ، وإعْلامٌ أنَّهم في الجَهْلِ بِالمَنافِعِ وقِلَّةِ النَّظَرِ في العَواقِبِ مِثْلُ البَهائِمِ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهم (أضَلُّ سَبِيلًا) مِنَ الأنْعامِ مِن حَيْثُ لَهم فَهْمٌ وتَرَكُوا اسْتِعْمالَهُ فِيما يُخَلِّصُهم مِن عَذابِ اللَّهِ. والأنْعامُ لا سَبِيلَ لَها إلى فَهْمِ المَصالِحِ. و(أرَأيْتَ) اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ مِن جَهْلِ مَن هَذِهِ حالُهُ، و(إلَهَهُ) المَفْعُولُ الأوَّلُ لِاتَّخَذَ، و(هَواهُ) الثّانِي، أيْ: أقامَ مُقامَ الإلَهِ الَّذِي يَعْبُدُهُ هَواهُ فَهو جارٍ عَلى ما يَكُونُ في (هَواهُ)، والمَعْنى أنَّهُ لَمْ يَتَّخِذْ إلَهًا إلّا هَواهُ، وادِّعاءُ القَلْبِ لَيْسَ بِجَيِّدٍ إذْ يُقَدِّرُهُ مَنِ اتَّخَذَ هَواهُ إلَهَهُ، والبَيْتُ مِن ضَرائِرِ الشِّعْرِ ونادِرِ الكَلامِ فَيُنَزَّهُ كَلامُ اللَّهِ عَنْهُ، كانَ الرَّجُلُ يَعْبُدُ الصَّنَمَ فَإذا رَأى أحْسَنَ مِنهُ رَماهُ وأخَذَ الأحْسَنَ. قِيلَ: نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ قَيْسٍ السَّهْمِيِّ، كانَ إذا هَوِيَ شَيْئًا عَبَدَهُ، والهَوى مَيْلُ القَلْبِ إلى الشَّيْءِ (أفَأنْتَ) تُجْبِرُهُ عَلى تَرْكِ هَواهُ، أوْ (أفَأنْتَ) تَحْفَظُهُ مِن عَظِيمِ جَهْلِهِ. وقَرَأ بَعْضُ أهْلِ المَدِينَةِ ”مَنِ اتَّخَذَ آلِهَةً“ مُنَوَّنَةً عَلى الجَمْعِ، وفِيهِ تَقْدِيمٌ جَعَلَ هَواهُ أنْواعًا أسْماءً لِأجْناسٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَجَعَلَ كُلَّ جِنْسٍ مِن هَواهُ إلَهًا آخَرَ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ: (إلاهَةً) عَلى وزْنِ فِعالَةٍ، وفِيهِ أيْضًا تَقْدِيمٌ أيْ: هَواهُ إلاهَةً، بِمَعْنى مَعْبُودٍ؛ لِأنَّها بِمَعْنى المَأْلُوهَةِ. فالهاءُ فِيها لِلْمُبالَغَةِ فَلِذَلِكَ صُرِفَتْ. وقِيلَ: بَلِ الإلاهَةُ الشَّمْسُ، ويُقالُ لَها أُلاهَةٌ بِضَمِّ الهَمْزَةِ، وهي غَيْرُ مَصْرُوفَةٍ لِلْعَلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ، لَكِنَّها لَمّا كانَتْ مِمّا يَدْخُلُها لامُ المَعْرِفَةِ في بَعْضِ اللُّغاتِ صارَتْ بِمَنزِلَةِ ما كانَ فِيهِ اللّامُ ثُمَّ نُزِعَتْ؛ فَلِذَلِكَ صُرِفَتْ وصارَتْ بِمَنزِلَةِ النُّعُوتِ فَتَنَكَّرَتْ؛ قالَهُ صاحِبُ اللَّوامِحِ. ومَفْعُولُ (أرَأيْتَ) الأوَّلُ هو (مَنِ)، والجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في (أرَأيْتَ) في أوائِلِ الأنْعامِ، ومَعْنى (وكِيلًا) أيْ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَدْعُوَ إلى الهُدى فَتَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ وتُجْبِرَهُ عَلى الإسْلامِ. و(أمْ) مُنْقَطِعَةٌ تَتَقَدَّرُ بِبَلْ والهَمْزَةِ عَلى المَذْهَبِ الصَّحِيحِ، كَأنَّهُ قالَ: بَلْ أتَحْسَبُ كَأنَّ هَذِهِ المَذَمَّةَ أشَدُّ مِنَ الَّتِي تَقَدَّمَتْها حَتّى حُفَّتْ بِالإضْرابِ عَنْها إلَيْها، وهو كَوْنُهم مَسْلُوبِي الأسْماعِ والعُقُولِ؛ لِأنَّهم لا يُلْقُونَ إلى اسْتِماعِ الحَقِّ أُذُنًا ولا إلى تَدَبُّرِهِ عَقْلًا، ومُشَبَّهِينَ بِالأنْعامِ الَّتِي هي مَثَلٌ في الغَفْلَةِ والضَّلالَةِ، ونُفِيَ ذَلِكَ عَنْ أكْثَرِهِمْ؛ لِأنَّ فِيهِمْ مَن سَبَقَتْ لَهُ السَّعادَةُ فَأسْلَمَ، وجُعِلُوا أضَلَّ مِنَ الأنْعامِ؛ لِأنَّها تَنْقادُ لِأرْبابِها وتَعْرِفُ مَن يُحْسِنُ إلَيْها مِمَّنْ يُسِيءُ إلَيْها، وتَطْلُبُ مَنفَعَتَها وتَتَجَنَّبُ مَضَرَّتَها، وتَهْتَدِي إلى مَراعِيها ومَشارِبِها، وهم لا يَنْقادُونَ لِرَبِّهِمْ، ولا يَعْرِفُونَ إحْسانَهُ إلَيْهِمْ، ولا يَرْغَبُونَ في الثَّوابِ الَّذِي هو أعْظَمُ المَنافِعِ، ولا يَتَّقُونَ العِقابَ الَّذِي هو أشَدُّ المَضارِّ، ولا يَهْتَدُونَ لِلْحَقِّ.
الفرقان 25:43
(p-٤٩٨)﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ وجَعَلْنا مَعَهُ أخاهُ هارُونَ وزِيرًا﴾ ﴿فَقُلْنا اذْهَبا إلى القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهم تَدْمِيرًا﴾ ﴿وقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهم وجَعَلْناهم لِلنّاسِ آيَةً وأعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿وعادًا وثَمُودَ وأصْحابَ الرَّسِّ وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ ﴿وكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ وكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيرًا﴾ ﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ ﴿وإذا رَأوْكَ إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ ﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها وسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ مَن أضَلُّ سَبِيلًا﴾ ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلًا﴾ ﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ إنْ هم إلّا كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا﴾
لَمّا تَقَدَّمَ تَكْذِيبُ قُرَيْشٍ والكَفّارِ لِما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ تَعالى ما فِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ وإرْهابٌ لِلْمُكَذِّبِينَ، وتَذْكِيرٌ لَهم أنْ يُصِيبَهم ما أصابَ الأُمَمَ السّابِقَةَ مِن هَلاكِ الِاسْتِئْصالِ لَمّا كَذَّبُوا رُسُلَهم، فَناسَبَ أنْ ذَكَرَ أوَّلًا مَن نَزَلَ عَلَيْهِ كِتابُهُ جُمْلَةً واحِدَةً، ومَعَ ذَلِكَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِهِ، فَكَذَلِكَ هَؤُلاءِ لَوْ نَزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ دُفْعَةً لَكَذَّبُوا وكَفَرُوا كَما كَذَّبَ قَوْمُ مُوسى.
والكِتابُ هُنا التَّوْراةُ، و(هارُونَ) بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَعَهُ المَفْعُولُ الثّانِي لِجَعَلْنا. وأنْ يَكُونَ (وزِيرًا)، والوِزارَةُ لا تُنافِي النُّبُوَّةَ؛ فَقَدْ كانَ في الزَّمانِ الواحِدِ أنْبِياءُ يُؤازِرُ بَعْضُهم بَعْضًا، والمَذْهُوبُ إلَيْهِمُ القِبْطُ وفِرْعَوْنُ. وفي الكَلامِ حَذْفٌ، أيْ: فَذَهَبا وأدَّيا الرِّسالَةَ فَكَذَّبُوهُما، (فَدَمَّرْناهم)، والتَّدْمِيرُ أشَدُّ الإهْلاكِ، وأصْلُهُ كَسْرُ الشَّيْءِ عَلى وجْهٍ لا يُمْكِنُ إصْلاحُهُ. وقِصَّةُ مُوسى ومَن أُرْسِلَ إلَيْهِ ذُكِرَتْ مُنْتَهِيَةً في غَيْرِ ما مَوْضِعٍ، وهُنا اخْتُصِرَتْ فَأوْجَزَ بِذِكْرِ أوَّلِها وآخِرِها؛ لِأنَّهُ بِذَلِكَ يُلْزِمُ الحُجَّةَ بِبَعْثَةِ الرُّسُلِ واسْتِحْقاقَ التَّدْمِيرِ بِتَكْذِيبِهِمْ.
وقَرَأ عَلِيٌّ، والحَسَنُ ومَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ: (فَدَمِّراهم)، عَلى الأمْرِ لِمُوسى وهارُونَ، وعَنْ عَلِيٍّ أيْضًا كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ مُؤَكَّدٌ بِالنُّونِ الشَّدِيدَةِ. وعَنْهُ أيْضًا (فَدَمِّرا) أمْرًا لَهُما (بِهِمْ) بِباءِ الجَرِّ، ومَعْنى الأمْرِ كُونا سَبَبَ تَدْمِيرِهِمْ.
وانْتَصَبَ (وقَوْمَ نُوحٍ) عَلى الِاشْتِغالِ، وكانَ النَّصْبُ أرْجَحَ لِتَقَدُّمِ الجُمَلِ الفِعْلِيَّةِ قَبْلَ ذَلِكَ، ويَكُونُ (لَمّا) في هَذا الإعْرابِ ظَرْفًا عَلى مَذْهَبِ الفارِسِيِّ. وأمّا إنْ كانَتْ حَرْفَ وُجُوبٍ لِوُجُوبٍ فالظّاهِرُ أنَّ (أغْرَقْناهم) جَوابُ (لَمّا) فَلا يُفَسَّرُ ناصِبًا لِـ (قَوْمَ) فَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى المَفْعُولِ في (فَدَمَّرْناهم)، أوْ مَنصُوبًا عَلى مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ اذْكُرْ. وقَدْ جَوَّزَ الوُجُوهَ الثَّلاثَةَ الحَوْفِيُّ.
(لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ) كَذَّبُوا نُوحًا ومَن قَبْلَهُ أوْ جَعَلَ تَكْذِيبَهم لِنُوحٍ تَكْذِيبًا لِلْجَمِيعِ، أوْ لَمْ يَرَوْا بَعْثَةَ الرُّسُلِ كالبَراهِمَةِ، والظّاهِرُ عَطْفُ (وعادًا) عَلى (وقَوْمَ) . وقالَ أبُو إسْحاقَ: يَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى الهاءِ والمِيمِ في ﴿وجَعَلْناهم لِلنّاسِ آيَةً﴾ . قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (الظّالِمِينَ)؛ لِأنَّ التَّأْوِيلَ وعَدْنا الظّالِمِينَ بِالعَذابِ ووَعَدْنا (عادًا وثَمُودَ)، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ والحَسَنُ وعِيسى (وثَمُودَ) غَيْرَ مَصْرُوفٍ.
﴿وأصْحابَ الرَّسِّ﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم قَوْمُ ثَمُودَ، ويُبَعِّدُهُ عَطْفُهُ عَلى ثَمُودَ؛ لِأنَّ العَطْفَ يَقْتَضِي التَّغايُرَ. وقالَ قَتادَةُ: أهْلُ قَرْيَةٍ مِنَ اليَمامَةِ يُقالُ لَها: (p-٤٩٩)الرَّسُّ، والفَلَجُ. قِيلَ: قَتَلُوا نَبِيَّهم فَهَلَكُوا وهم بَقِيَّةُ ثَمُودَ وقَوْمِ صالِحٍ. وقالَ كَعْبٌ ومُقاتِلٌ والسُّدِّيُّ: بِئْرٌ بِأنْطاكِيَةِ الشّامِ قُتِلَ فِيها صاحِبُ ياسِينَ وهو حَبِيبٌ النَّجّارُ. وقِيلَ: قَتَلُوا نَبِيَّهم ورَسُّوهُ في بِئْرٍ، أيْ: دَسُّوهُ فِيهِ.
وقالَ وهْبٌ والكَلْبِيُّ: أصْحابُ الرَّسِّ وأصْحابُ الأيْكَةِ قَوْمانِ أُرْسِلَ إلَيْهِما، شُعَيْبٌ أُرْسِلَ إلى أصْحابِ الرَّسِّ، وكانُوا قَوْمًا مِن عَبَدَةِ الأصْنامِ وأصْحابَ آبارٍ ومَواشٍ، فَدَعاهم إلى الإسْلامِ فَتَمادَوْا في طُغْيانِهِمْ وفي إيذائِهِ، فَبَيْنَما هم حَوْلَ الرَّسِّ وهي البِئْرُ غَيْرُ المَطْوِيَّةِ. وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ انْهارَتْ بِهِمْ فَخُسِفَ بِهِمْ وبِدارِهِمْ. وقالَ عَلِيٌّ فِيما نَقَلَهُ الثَّعْلَبِيُّ: قَوْمٌ عَبَدُوا شَجَرَةَ صَنَوْبَرٍ يُقالُ: لَها شاهْ دَرَخْتَ، رَسُّوا نَبِيَّهم في بِئْرٍ حَفَرُوهُ لَهُ في حَدِيثٍ طَوِيلٍ. وقِيلَ: هم أصْحابُ النَّبِيِّ حَنْظَلَةَ بْنِ صَفْوانَ ﷺ كانُوا مُبْتَلَيْنَ بِالعَنْقاءِ، وهي أعْظَمُ ما يَكُونُ مِنَ الطَّيْرِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِطُولِ عُنُقِها وكانَتْ تَسْكُنُ جَبَلَهُمُ الَّذِي يُقالُ لَهُ فَجٌّ، وهي تَنْقَضُّ عَلى صِبْيانِهِمْ فَتَخْطِفُهم إنْ أعْوَزَها الصَّيْدُ فَدَعا عَلَيْها حَنْظَلَةُ فَأصابَتْها الصّاعِقَةُ، ثُمَّ إنَّهم قَتَلُوا حَنْظَلَةَ فَأُهْلِكُوا. وقِيلَ: هم أصْحابُ الأُخْدُودِ، والرَّسُّ هو الأُخْدُودُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الرَّسُّ بِئْرُ أذْرَبِيجانَ. وقِيلَ: الرَّسُّ ما بَيْنَ نَجْرانَ إلى اليَمَنِ إلى حَضْرَمَوْتَ. وقِيلَ: قَوْمٌ بَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِمْ أنْبِياءَ فَقَتَلُوهم ورَسُّوا عِظامَهم في بِئْرٍ. وقِيلَ: قَوْمٌ بُعِثَ إلَيْهِمْ نَبِيٌّ فَأكَلُوهُ. وقِيلَ: قَوْمٌ نِساؤُهم سَواحِقُ. وقِيلَ: الرَّسُّ ماءٌ ونَخْلٌ لِبَنِي أسَدٍ. وقِيلَ: الرَّسُّ نَهْرٌ مِن بِلادِ المَشْرِقِ بَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِمْ نَبِيًّا مِن أوْلادِ يَهُوذا ابْنِ يَعْقُوبَ فَكَذَّبُوهُ، فَلَبِثَ فِيهِمْ زَمانًا فَشَكا إلى اللَّهِ مِنهم، فَحَفَرُوا لَهُ بِئْرًا وأرْسَلُوهُ فِيها، وقالُوا: نَرْجُو أنْ يَرْضى عَنّا إلَهُنا، فَكانُوا عامَّةَ يَوْمِهِمْ يَسْمَعُونَ أنِينَ نَبِيِّهِمْ، فَدَعا بِتَعْجِيلِ قَبْضِ رُوحِهِ فَماتَ وأظَلَّتْهم سَحابَةٌ سَوْداءُ أذابَتْهم كَما يَذُوبُ الرَّصاصُ.
ورَوى عِكْرِمَةُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ”أنَّ أهْلَ الرَّسِّ أخَذُوا نَبِيَّهم فَرَسُّوهُ في بِئْرٍ وأطْبَقُوا عَلَيْهِ صَخْرَةً، فَكانَ عَبْدٌ أسْوَدُ قَدْ آمَنَ بِهِ يَجِيءُ بِطَعامٍ إلى تِلْكَ البِئْرِ فَيُعِينُهُ اللَّهُ عَلى تِلْكَ الصَّخْرَةِ فَيَقْلَعُها فَيُعْطِيهِ ما يُغَذِّيهِ بِهِ. ثُمَّ يَرُدُّ الصَّخْرَةَ، إلى أنْ ضَرَبَ اللَّهُ يَوْمًا عَلى أُذُنِ ذَلِكَ الأسْوَدِ بِالنَّوْمِ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وأخْرَجَ أهْلُ القَرْيَةِ نَبِيَّهم فَآمَنُوا بِهِ“ . في حَدِيثٍ طَوِيلٍ. قالَ الطَّبَرِيُّ: فَيُمْكِنُ أنَّهم كَفَرُوا بَعْدَ ذَلِكَ فَذَكَرَهُمُ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ، وكَثُرَ الِاخْتِلافُ في أصْحابِ الرَّسِّ، فَلَوْ صَحَّ ما نَقَلَهُ عِكْرِمَةُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ كانَ هو القَوْلَ الَّذِي لا يُمْكِنُ خِلافُهُ (ومُلَخَّصُ هَذِهِ الأقْوالِ) أنَّهم قَوْمٌ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِتَكْذِيبِ مَن أرْسَلَ إلَيْهِمْ.
(وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ) هَذا إبْهامٌ لا يَعْلَمُ حَقِيقَةَ ذَلِكَ إلّا اللَّهُ، و(ذَلِكَ) إشارَةٌ إلى أُولَئِكَ المُتَقَدِّمِي الذِّكْرِ؛ فَلِذَلِكَ حَسُنَ دُخُولُ (بَيْنَ) عَلَيْهِ مِن غَيْرِ أنْ يُعْطَفَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، كَأنَّهُ قِيلَ بَيْنَ المَذْكُورِينَ، وقَدْ يَذْكُرُ الذّاكِرُ أشْياءَ مُخْتَلِفَةً. ثُمَّ يُشِيرُ إلَيْها. وانْتَصَبَ (كُلًّا) الأوَّلُ عَلى الِاشْتِغالِ، أيْ: وأنْذَرْنا كُلًّا أوْ حَذَّرْنا كُلًّا، والثّانِي عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِتَبَّرْنا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ مَفْعُولًا، وهَذا مِن واضِحِ الإعْرابِ. ومَعْنى ضَرَبَ الأمْثالَ، أيْ: بَيَّنَ لَهُمُ القِصَصَ العَجِيبَةَ مِن قَصَصِ الأوَّلِينَ ووَصَفْنا لَهم ما أدّى إلَيْهِ تَكْذِيبُهم بِأنْبِيائِهِمْ مِن عَذابِ اللَّهِ وتَدْمِيرِهِ إيّاهم لِيَهْتَدُوا بِضَرْبِ الأمْثالِ فَلَمْ يَهْتَدُوا، وأبْعَدَ مَن جَعَلَ الضَّمِيرَ في (لَهُ) لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: والمَعْنى وكُلَّ الأمْثالِ ضَرَبْنا لِلرَّسُولِ وعَلى هَذا و(كُلًّا) مَنصُوبٌ بِضَرَبْنا، و(الأمْثالَ) بَدَلٌ مِن (كُلًّا)، والضَّمِيرُ في (ولَقَدْ أتَوْا) لِقُرَيْشٍ كانُوا يَمُرُّونَ عَلى سَدُومَ مِن قُرى قَوْمِ لُوطٍ في مَتاجِرِهِمْ إلى الشّامِ، وكانَتْ قُرًى خَمْسَةً، أهْلَكَ اللَّهُ مِنها أرْبَعًا وبَقِيَتْ واحِدَةٌ، وهي زُغَرُ لَمْ يَكُنْ أهْلُها يَعْمَلُونَ ذَلِكَ العَمَلَ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: و(مَطَرَ السَّوْءِ) الحِجارَةُ الَّتِي أُمْطِرَتْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ فَهَلَكُوا. وكانَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يُنادِي نَصِيحَةً لَكم: يا سَدُومُ، يَوْمٌ لَكم مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - أنْهاكم أنْ تَتَعَرَّضُوا لِلْعُقُوبَةِ مِنَ اللَّهِ، ومَعْنى (أتَوْا) مَرُّوا فَلِذَلِكَ عَدّاهُ بِعَلى. وأفْرَدَ لَفْظَ القَرْيَةِ وإنْ كانَتْ قُرًى؛ لِأنَّ سَدُومَ هي أُمُّ تِلْكَ (p-٥٠٠)القُرى وأعْظَمُها. وقالَ مَكِّيٌّ: الضَّمِيرُ في أتَوْا عائِدٌ عَلى الَّذِينَ اتَّخَذُوا القُرْآنَ مَهْجُورًا. انْتَهى، وهم قُرَيْشٌ، وانْتَصَبَ (مَطَرَ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لَأُمْطِرَتْ، عَلى مَعْنى أُولِيَتْ، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مَحْذُوفُ الزَّوائِدِ، أيْ: إمْطارَ السَّوْءِ.
﴿أفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها﴾ أيْ: يَنْظُرُونَ إلى ما فِيها مِنَ العِبَرِ والآثارِ الدّالَّةِ عَلى ما حَلَّ بِها مِنَ النِّقَمِ كَما قالَ: ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ وبِاللَيْلِ﴾ [الصافات: ١٣٧]، وقالَ: ﴿وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩]، وهو اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّعَجُّبُ، ومَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَعْتَبِرُوا بِرُؤْيَتِها أنْ يَحِلَّ بِهِمْ في الدُّنْيا ما حَلَّ بِأُولَئِكَ، بَلْ كانُوا كَفَرَةً لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ فَلَمْ يَتَوَقَّعُوا عَذابَ الآخِرَةِ، وضَعَ الرَّجاءَ مَوْضِعَ التَّوَقُّعِ؛ لِأنَّهُ إنَّما يَتَوَقَّعُ العاقِبَةَ مَن يُؤْمِنُ، فَمِن ثَمَّ لَمْ يَنْظُرُوا ولَمْ يَتَفَكَّرُوا ومَرُّوا بِها كَما مَرَّتْ رِكابُهم، أوْ لا يَأْمُلُونَ (نُشُورًا) كَما يَأْمُلُهُ المُؤْمِنُونَ لِطَمَعِهِمْ إلى ثَوابِ أعْمالِهِمْ، أوْ لا يَخافُونَ عَلى اللُّغَةِ التِّهامِيَّةِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ”مُطِرَتْ“ ثُلاثِيًّا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ومَطَرَ مُتَعَدٍّ. قالَ الشّاعِرُ:
؎كَمَن بَوادِيهِ بَعْدَ المَحْلِ مَمْطُورِ
وقَرَأ أبُو السِّماكِ: (مَطَرَ السُّوءِ) بِضَمِّ السِّينِ.
﴿وإذا رَأوْكَ إنَّ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾، لَمْ يَقْتَصِرِ المُشْرِكُونَ عَلى إنْكارِ نُبُوَّةِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وتَرْكِ الإيمانِ بِهِ، بَلْ زادُوا عَلى ذَلِكَ بِالِاسْتِهْزاءِ والِاحْتِقارِ. حَتّى يَقُولَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿أهَذا الَّذِى بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾، و(إنْ) نافِيَةٌ جَوابُ (إذا)، وانْفَرَدَتْ (إذا) بِأنَّهُ إذا كانَ جَوابُها مَنفِيًّا بِما أوْ بِلا لا تَدْخُلُهُ الفاءُ، بِخِلافِ أدَواتِ الشَّرْطِ غَيْرِها فَلا بُدَّ مِنَ الفاءِ مَعَ ما ومَعَ لا إذا ارْتَفَعَ المُضارِعُ، فَلَوْ وقَعَتْ إنِ النّافِيَةُ في جَوابِ غَيْرِ إذا فَلا بُدَّ مِنَ الفاءِ كَما النّافِيَةِ، ومَعْنى (هُزُؤًا) مَوْضِعَ هُزْءٍ أوْ مَهْزُوًّا بِهِ، (أهَذا) قَبْلَهُ قَوْلٌ مَحْذُوفٌ، أيْ: يَقُولُونَ، وقالَ: جَوابُ (إذا) ما أُضْمِرُ مِنَ القَوْلِ، أيْ: (وإذا رَأوْكَ) قالُوا: ﴿أهَذا الَّذِى بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾، و(إنْ يَتَّخِذُونَكَ) جُمْلَةٌ اعْتِراضِيَّةٌ بَيْنَ (إذا) وجَوابِها. قِيلَ: ونَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ؛ كانَ إذا رَأى الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ: ﴿أهَذا الَّذِى بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ ؟ وأخْبَرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لِقُبْحِ صُنْعِهِ أوْ لِكَوْنِ جَماعَةٍ مَعَهُ قالُوا ذَلِكَ، والظّاهِرُ أنَّ قائِلَ ذَلِكَ جَماعَةٌ كَثِيرَةٌ، وهَذا الِاسْتِفْهامُ اسْتِصْغارٌ واحْتِقارٌ مِنهم أخْرَجُوهُ بِقَوْلِهِمْ: بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا في مَعْرِضِ التَّسْلِيمِ والإقْرارِ، وهم عَلى غايَةِ الجُحُودِ والإنْكارِ سُخْرِيَةً واسْتِهْزاءً، ولَوْ لَمْ يَسْتَهْزِئُوا لَقالُوا هَذا زَعَمَ أوِ ادَّعى أنَّهُ مَبْعُوثٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ رَسُولًا. وقَوْلُهم: (إنْ كادَ لَيُضِلُّنا) دَلِيلٌ عَلى فَرْطِ مُجاهَدَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في دَعْوَتِهِمْ، وبَذْلِهِ قُصارى الوُسْعِ والطّاقَةِ في اسْتِعْطافِهِمْ مَعَ عَرْضِ الآياتِ والمُعْجِزاتِ، حَتّى شارَفُوا بِزَعْمِهِمْ أنْ يَتْرُكُوا دِينَهم إلى دِينِ الإسْلامِ، لَوْلا فَرْطُ لَجاجِهِمْ واسْتِمْساكِهِمْ بِعِبادَةِ آلِهَتِهِمْ. و(لَوْلا) في مِثْلِ هَذا الكَلامِ جارٍ - مِن حَيْثُ المَعْنى لا مِن حَيْثُ اللَّفْظُ - مَجْرى التَّقْيِيدِ لِلْحُكْمِ المُطْلَقِ؛ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: الِاسْتِهْزاءُ إمّا بِالصُّورَةِ فَكانَ أحْسَنَ مِنهم خِلْقَةً، أوْ بِالصِّفَةِ فَلا يُمْكِنُ؛ لِأنَّ الصِّفَةَ الَّتِي تَمَيَّزَ بِها عَنْهم ظُهُورُ المُعْجِزِ عَلَيْهِ دُونَهم، وما قَدَرُوا عَلى القَدْحِ في حُجَّتِهِ فَفي الحَقِيقَةِ هُمُ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ أنْ يُهْزَأ بِهِمْ، ثُمَّ لِوَقاحَتِهِمْ قَلَبُوا القِصَّةَ واسْتَهْزَءُوا بِالرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - انْتَهى. قِيلَ: وتَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّهم صارُوا في ظُهُورِ حُجَّتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلَيْهِمْ كالمَجانِينِ اسْتَهْزَءُوا بِهِ أوَّلًا، ثُمَّ إنَّهم وصَفُوهُ بِأنَّهُ (كادَ لَيُضِلُّنا) عَنْ مَذْهَبِنا (لَوْلا) أنّا قابَلْناهُ بِالجُمُودِ والإصْرارِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم سَلَّمُوا لَهُ قُوَّةَ الحُجَّةِ وكَمالَ العَقْلِ، فَكَوْنُهم جَمَعُوا بَيْنَ الِاسْتِهْزاءِ وبَيْنَ هَذِهِ الكَيْدُودَةِ دَلَّ عَلى أنَّهم كانُوا كالمُتَحَيِّرِينَ في أمْرِهِ، تارَةً يَسْتَهْزِئُونَ مِنهُ وتارَةً يَصِفُونَهُ بِما لا يَلِيقُ إلّا بِالعالِمِ الكامِلِ.
﴿وسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ وعِيدٌ ودَلالَةٌ عَلى أنَّهم لا يَفُوتُونَهُ وإنْ طالَتْ مُدَّةُ الإمْهالِ، فَلا بُدَّ لِلْوَعِيدِ أنْ يَلْحَقَهم فَلا يَغُرَّنَّهُمُ التَّأْخِيرُ، ولَمّا قالُوا (إنْ كادَ لَيُضِلُّنا) جاءَ قَوْلُهُ: ﴿مَن أضَلُّ سَبِيلًا﴾ أيْ: سَيَظْهَرُ لَهم مَنِ المُضِلُّ ومَنِ الضّالُّ بِمُشاهَدَةِ العَذابِ الَّذِي لا مُخَلِّصَ لَهم مِنهُ. والظّاهِرُ أنَّ (مَن) اسْتِفْهامِيَّةٌ، و(أضَلُّ) خَبَرُهُ، والجُمْلَةَ في مَوْضِعِ مَفْعُولِ (يَعْلَمُونَ) إنْ كانَتْ (p-٥٠١)مُتَعَدِّيَةً إلى واحِدٍ، أوْ في مَوْضِعِ مَفْعُولَيْنِ إنْ كانَتْ تَعَدَّتْ إلى اثْنَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (مَن) مَوْصُولَةً مَفْعُولَةً بِيَعْلَمُونَ، و(أضَلُّ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو أضَلُّ، وصارَ حَذْفُ هَذا المُضْمَرِ لِلِاسْتِطالَةِ الَّتِي حَصَلَتْ في قَوْلِ العَرَبِ: ما أنا بِالَّذِي قائِلٌ لَكَ سَواءٌ.
﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ هَذا يَأْسٌ عَنْ إيمانِهِمْ وإشارَةٌ إلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ لا يَتَأسَّفَ عَلَيْهِمْ، وإعْلامٌ أنَّهم في الجَهْلِ بِالمَنافِعِ وقِلَّةِ النَّظَرِ في العَواقِبِ مِثْلُ البَهائِمِ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهم (أضَلُّ سَبِيلًا) مِنَ الأنْعامِ مِن حَيْثُ لَهم فَهْمٌ وتَرَكُوا اسْتِعْمالَهُ فِيما يُخَلِّصُهم مِن عَذابِ اللَّهِ. والأنْعامُ لا سَبِيلَ لَها إلى فَهْمِ المَصالِحِ. و(أرَأيْتَ) اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ مِن جَهْلِ مَن هَذِهِ حالُهُ، و(إلَهَهُ) المَفْعُولُ الأوَّلُ لِاتَّخَذَ، و(هَواهُ) الثّانِي، أيْ: أقامَ مُقامَ الإلَهِ الَّذِي يَعْبُدُهُ هَواهُ فَهو جارٍ عَلى ما يَكُونُ في (هَواهُ)، والمَعْنى أنَّهُ لَمْ يَتَّخِذْ إلَهًا إلّا هَواهُ، وادِّعاءُ القَلْبِ لَيْسَ بِجَيِّدٍ إذْ يُقَدِّرُهُ مَنِ اتَّخَذَ هَواهُ إلَهَهُ، والبَيْتُ مِن ضَرائِرِ الشِّعْرِ ونادِرِ الكَلامِ فَيُنَزَّهُ كَلامُ اللَّهِ عَنْهُ، كانَ الرَّجُلُ يَعْبُدُ الصَّنَمَ فَإذا رَأى أحْسَنَ مِنهُ رَماهُ وأخَذَ الأحْسَنَ. قِيلَ: نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ قَيْسٍ السَّهْمِيِّ، كانَ إذا هَوِيَ شَيْئًا عَبَدَهُ، والهَوى مَيْلُ القَلْبِ إلى الشَّيْءِ (أفَأنْتَ) تُجْبِرُهُ عَلى تَرْكِ هَواهُ، أوْ (أفَأنْتَ) تَحْفَظُهُ مِن عَظِيمِ جَهْلِهِ. وقَرَأ بَعْضُ أهْلِ المَدِينَةِ ”مَنِ اتَّخَذَ آلِهَةً“ مُنَوَّنَةً عَلى الجَمْعِ، وفِيهِ تَقْدِيمٌ جَعَلَ هَواهُ أنْواعًا أسْماءً لِأجْناسٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَجَعَلَ كُلَّ جِنْسٍ مِن هَواهُ إلَهًا آخَرَ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ: (إلاهَةً) عَلى وزْنِ فِعالَةٍ، وفِيهِ أيْضًا تَقْدِيمٌ أيْ: هَواهُ إلاهَةً، بِمَعْنى مَعْبُودٍ؛ لِأنَّها بِمَعْنى المَأْلُوهَةِ. فالهاءُ فِيها لِلْمُبالَغَةِ فَلِذَلِكَ صُرِفَتْ. وقِيلَ: بَلِ الإلاهَةُ الشَّمْسُ، ويُقالُ لَها أُلاهَةٌ بِضَمِّ الهَمْزَةِ، وهي غَيْرُ مَصْرُوفَةٍ لِلْعَلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ، لَكِنَّها لَمّا كانَتْ مِمّا يَدْخُلُها لامُ المَعْرِفَةِ في بَعْضِ اللُّغاتِ صارَتْ بِمَنزِلَةِ ما كانَ فِيهِ اللّامُ ثُمَّ نُزِعَتْ؛ فَلِذَلِكَ صُرِفَتْ وصارَتْ بِمَنزِلَةِ النُّعُوتِ فَتَنَكَّرَتْ؛ قالَهُ صاحِبُ اللَّوامِحِ. ومَفْعُولُ (أرَأيْتَ) الأوَّلُ هو (مَنِ)، والجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في (أرَأيْتَ) في أوائِلِ الأنْعامِ، ومَعْنى (وكِيلًا) أيْ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَدْعُوَ إلى الهُدى فَتَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ وتُجْبِرَهُ عَلى الإسْلامِ. و(أمْ) مُنْقَطِعَةٌ تَتَقَدَّرُ بِبَلْ والهَمْزَةِ عَلى المَذْهَبِ الصَّحِيحِ، كَأنَّهُ قالَ: بَلْ أتَحْسَبُ كَأنَّ هَذِهِ المَذَمَّةَ أشَدُّ مِنَ الَّتِي تَقَدَّمَتْها حَتّى حُفَّتْ بِالإضْرابِ عَنْها إلَيْها، وهو كَوْنُهم مَسْلُوبِي الأسْماعِ والعُقُولِ؛ لِأنَّهم لا يُلْقُونَ إلى اسْتِماعِ الحَقِّ أُذُنًا ولا إلى تَدَبُّرِهِ عَقْلًا، ومُشَبَّهِينَ بِالأنْعامِ الَّتِي هي مَثَلٌ في الغَفْلَةِ والضَّلالَةِ، ونُفِيَ ذَلِكَ عَنْ أكْثَرِهِمْ؛ لِأنَّ فِيهِمْ مَن سَبَقَتْ لَهُ السَّعادَةُ فَأسْلَمَ، وجُعِلُوا أضَلَّ مِنَ الأنْعامِ؛ لِأنَّها تَنْقادُ لِأرْبابِها وتَعْرِفُ مَن يُحْسِنُ إلَيْها مِمَّنْ يُسِيءُ إلَيْها، وتَطْلُبُ مَنفَعَتَها وتَتَجَنَّبُ مَضَرَّتَها، وتَهْتَدِي إلى مَراعِيها ومَشارِبِها، وهم لا يَنْقادُونَ لِرَبِّهِمْ، ولا يَعْرِفُونَ إحْسانَهُ إلَيْهِمْ، ولا يَرْغَبُونَ في الثَّوابِ الَّذِي هو أعْظَمُ المَنافِعِ، ولا يَتَّقُونَ العِقابَ الَّذِي هو أشَدُّ المَضارِّ، ولا يَهْتَدُونَ لِلْحَقِّ.