Lafzullah

Al-Bahr Al-Muhit — القصص 28:73 – القصص 28:88

المؤلف / المصدر: Al-Bahr Al-Muhit

المحتويات
  1. القصص 28:73
  2. القصص 28:74
  3. القصص 28:75
  4. القصص 28:76
  5. القصص 28:77
  6. القصص 28:78
  7. القصص 28:79
  8. القصص 28:80
  9. القصص 28:81
  10. القصص 28:82
  11. القصص 28:83
  12. القصص 28:84
  13. القصص 28:85
  14. القصص 28:86
  15. القصص 28:87
  16. القصص 28:88

القصص 28:73

﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ﴿قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿وقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكم فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهم ورَأوُا العَذابَ لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهم لا يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿فَأمّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَعَسى أنْ يَكُونَ مِنَ المُفْلِحِينَ﴾ ﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿ورَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ ﴿وهُوَ اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو لَهُ الحَمْدُ في الأُولى والآخِرَةِ ولَهُ الحُكْمُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِضِياءٍ أفَلا تَسْمَعُونَ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿ومِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ . (p-١٢٨)لَمّا ذَكَرَ أنَّ المُمَتَّعِينَ في الدُّنْيا يُحْضَرُونَ إلى النّارِ، ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، أيْ واذْكُرْ حالَهم يَوْمَ يُنادِيهِمُ اللَّهُ، ونِداؤُهُ إيّاهم يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِواسِطَةٍ وبِغَيْرِ واسِطَةٍ ﴿فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِي﴾ ؟ أيْ عَلى زَعْمِكم، وهَذا الِاسْتِفْهامُ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، والشُّرَكاءُ هم مَن عَبَدُوهُ مِن دُونِ اللَّهِ، مِن مَلَكٍ، أوْ جِنٍّ، أوْ إنْسٍ، أوْ كَوْكَبٍ، أوْ صَنَمٍ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ. ومَفْعُولا ﴿تَزْعُمُونَ﴾ مَحْذُوفانِ، أحَدُهُما العائِدُ عَلى المَوْصُولِ، والتَّقْدِيرُ: تَزْعُمُونَهم شُرَكاءَ. ولَمّا كانَ هَذا السُّؤالُ مُسْكِتًا لَهم، إذْ تِلْكَ الشُّرَكاءُ الَّتِي عَبَدُوها مَفْقُودُونَ هم أُوجِدُوا هم في الآخِرَةِ حادُوا عَنِ الجَوابِ إلى كَلامٍ لا يُجْدِي. ﴿قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ أيِ الشَّياطِينُ، وأئِمَّةُ الكُفْرِ ورُءُوسُهُ. و”حَقَّ“: أيْ وجَبَ عَلَيْهِمُ القَوْلُ، أيْ مُقْتَضاهُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩] . و﴿هَؤُلاءِ﴾ مُبْتَدَأٌ، و﴿الَّذِينَ أغْوَيْنا﴾ هم صِفَةٌ، و﴿أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا﴾ الخَبَرُ، و﴿كَما غَوَيْنا﴾ صِفَةٌ لِمُطاوِعِ أغْوَيْناهم، أيْ فَغَوَوْا كَما غَوَيْنا، أيْ تَسَبَّبْنا لَهم في الغَيِّ فَقَبِلُوا مِنّا. وهَذا الإعْرابُ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: ولا يَجُوزُ هَذا الوَجْهُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الخَبَرِ زِيادَةٌ عَلى ما في صِفَةِ المُبْتَدَإ. قالَ: (فَإنْ قُلْتَ): قَدْ وُصِلَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿كَما غَوَيْنا﴾ وفِيهِ زِيادَةٌ. قِيلَ: الزِّيادَةُ بِالظَّرْفِ لا تُصَيِّرُهُ أصْلًا في الجُمْلَةِ؛ لِأنَّ الظُّرُوفَ صِلاتٌ، وقالَ هو: ﴿الَّذِينَ أغْوَيْنا﴾ هو الخَبَرُ، و﴿أغْوَيْناهُمْ﴾ مُسْتَأْنَفٌ. وقالَ غَيْرُ أبِي عَلِيٍّ: لا يَمْتَنِعُ الوَجْهُ الأوَّلُ؛ لِأنَّ الفَضَلاتِ في بَعْضِ المَواضِعِ تَلْزَمُ، كَقَوْلِكَ: زَيْدٌ عَمْرٌو قائِمٌ في دارِهِ. انْتَهى. والمَعْنى: هَؤُلاءِ أتْباعُنا آثَرُوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ، كَما آثَرْناهُ نَحْنُ، ونَحْنُ كُنّا السَّبَبَ في كُفْرِهِمْ، فَقَبِلُوا مِنّا. وقَرَأ أبانٌ، عَنْ عاصِمٍ وبَعْضُ الشّامِيِّينَ: ”كَما غَوِينا“ بِكَسْرِ الواوِ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: ولَيْسَ ذَلِكَ مُخْتارًا؛ لِأنَّ كَلامَ العَرَبِ: غَوَيْتُ مِنَ الضَّلالَةِ، وغَوِيتَ مِنَ البَشَمِ. ثُمَّ قالُوا: ﴿تَبَرَّأْنا إلَيْكَ﴾ مِنهم ما كانُوا يَعْبُدُونَنا، إنَّما عَبَدُوا غَيْرَنا، و﴿إيّانا﴾ مَفْعُولُ ﴿يَعْبُدُونَ﴾ لَمّا تَقَدَّمَ انْفَصَلَ، وانْفِصالُهُ لِكَوْنِ ”يَعْبُدُونَ“ فاصِلَةً، ولَوِ اتَّصَلَ ثُمَّ لَمْ يَكُنْ فاصِلَةً. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّما كانُوا يَعْبُدُونَ أهْواءَهم ويُطِيعُونَ شَهَواتِهِمْ؛ وإخْلاءُ الجُمْلَتَيْنِ مِنَ العاطِفِ، لِكَوْنِهِما مَقْرُونَتَيْنِ لِمَعْنى الجُمْلَةِ الأُولى. انْتَهى. ﴿وقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ لَمّا سُئِلُوا أيْنَ شُرَكاؤُكم وأجابُوا بِغَيْرِ جَوابٍ، سُئِلُوا ثانِيًا فَقِيلَ: ادْعُوا شُرَكاءَكم، وأضافَ الشُّرَكاءَ إلَيْهِمْ، أيِ الَّذِينَ جَعَلْتُمُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ. وقَوْلُهُ: ﴿ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ؛ لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّهُ لا فائِدَةَ في دُعائِهِمْ ﴿فَدَعَوْهُمْ﴾ هَذا لِسَخافَةِ عُقُولِهِمْ في ذَلِكَ المَوْطِنِ أيْضًا؛ إذْ لَمْ يَعْلَمُوا أنَّ مَن كانَ مَوْجُودًا مِنهم في ذَلِكَ المَوْطِنِ لا يُجِيبُهم، والضَّمِيرُ في ﴿ورَأوُا﴾ . قالَ الضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ: هو لِلتّابِعِ والمَتْبُوعِ، وجَوابُ ”لَوْ“ مَحْذُوفٌ، والظّاهِرُ أنْ يُقَدَّرَ مِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِمّا يَلِيهِ، أيْ لَوْ كانُوا مُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا، ما رَأوُا العَذابَ في الآخِرَةِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: لَوْ كانُوا مُهْتَدِينَ بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ الحِيَلِ، لَدَفَعُوا بِهِ العَذابَ. وقِيلَ: لَعَلِمُوا أنَّ العَذابَ حَقٌّ. وقِيلَ: لَتَحَيَّرُوا عِنْدَ رُؤْيَتِهِ مِن فَظاعَتِهِ، وإنْ لَمْ يُعَذَّبُوا بِهِ، وقِيلَ: ما كانُوا في الدُّنْيا عابِدِينَ الأصْنامَ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: وعِنْدِي أنَّ الجَوابَ غَيْرُ مَحْذُوفٍ، وفي تَقْرِيرِهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ اللَّهَ إذا خاطَبَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ اشْتَدَّ خَوْفُهم ولَحِقَهم شَيْءٌ بِحَيْثُ لا يُبْصِرُونَ شَيْئًا، لاَ جَرَمَ ما رَأوُا العَذابَ. وثانِيها: لَمّا ذَكَرَ الشُّرَكاءَ، وهي الأصْنامُ، وأنَّهم لا يُجِيبُونَ الَّذِينَ دَعَوْهم، قالَ في حَقِّهِمْ: ﴿ورَأوُا العَذابَ﴾ لَوْ كانُوا مِنَ الأحْياءِ المُهْتَدِينَ، ولَكِنَّها (p-١٢٩)لَيْسَتْ كَذَلِكَ، ولا جَرَمَ ما رَأتِ العَذابَ. والضَّمِيرُ في ”رَأوُا“ - وإنْ كانَ لِلْعُقَلاءِ - فَقَدْ قالَ: ودَعَوْهم وهم لِلْعُقَلاءِ، انْتَهى. وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. وقَدْ أثْنى عَلى هَذا الَّذِي اخْتارَهُ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهُ بَناهُ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ في ”رَأوُا“ عائِدٌ عَلى المَدْعُوِّينَ، قالَ: وهُمُ الأصْنامُ. والظّاهِرُ أنَّهُ عائِدٌ عَلى الدّاعِينَ، كَقَوْلِهِ: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ورَأوُا العَذابَ﴾ [البقرة: ١٦٦]؛ ولِأنَّ حَمْلَ مُهْتَدِينَ عَلى الأحْياءِ في غايَةِ البُعْدِ؛ لِأنَّ ما قَدَّرَهُ هو جَوابٌ، ولا يُشْعَرُ بِهِ أنَّهُ جَوابٌ؛ إذْ صارَ التَّقْدِيرُ عِنْدَهُ: لَوْ كانُوا مِنَ الأحْياءِ رَأوُا العَذابَ، لَكِنَّها لَيْسَتْ مِنَ الأحْياءِ، فَلا تَرى العَذابَ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: فَلا جَرَمَ ما رَأتِ العَذابَ. ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ﴾ هَذا النِّداءُ أيْضًا قَدْ يَكُونُ بِواسِطَةٍ مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ بِغَيْرِ واسِطَةٍ. حَكى أوَّلًا ما يُوَبِّخُهم مِنَ اتِّخاذِهِمْ لَهُ شُرَكاءَ، ثُمَّ ما يَقُولُهُ رُءُوسُ الكُفْرِ عِنْدَ تَوْبِيخِهِمْ، ثُمَّ اسْتِعانَتِهِمْ بِشُرَكائِهِمْ وخِذْلانِهِمْ لَهم وعَجْزِهِمْ عَنْ نُصْرَتِهِمْ، ثُمَّ ما يُبَكَّتُونَ بِهِ مِن الِاحْتِجاجِ عَلَيْهِمْ بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإزالَةِ العِلَلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَعَمِيَتْ﴾ بِفَتْحِ العَيْنِ وتَخْفِيفِ المِيمِ. وقَرَأ الأعْمَشُ، وجَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ، وأبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ: بِضَمِّ العَيْنِ وتَشْدِيدِ المِيمِ، والمَعْنى: أظَلَمَتْ عَلَيْهِمُ الأُمُورُ، فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا أنْ يُخْبِرُوا بِما فِيهِ نَجاةٌ لَهم، وأتى بِلَفْظِ الماضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ. ﴿فَهم لا يَتَساءَلُونَ﴾ وقَرَأ طَلْحَةُ: يَسّاءَلُونَ، بِإدْغامِ التّاءِ في السِّينِ: أيْ لا يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا فِيما يَتَحاجُّونَ بِهِ؛ إذْ أيْقَنُوا أنَّهُ لا حُجَّةَ لَهم، فَهم في عَمًى وعَجْزٍ عَنِ الجَوابِ. والمُرادُ بِالنَّبَأِ: الخَبَرُ عَمّا أجابَ بِهِ المُرْسَلُ إلَيْهِ رَسُولَهُ. ولَمّا ذَكَرَ - تَعالى - أحْوالَ الكُفّارِ يَوْمَ القِيامَةِ، وما يَكُونُ مِنهم فِيهِ، أخْبَرَ بِأنَّ مَن تابَ مِنَ الشِّرْكِ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا، فَإنَّهُ مَرْجُوٌّ لَهُ الفَلاحُ والفَوْزُ في الآخِرَةِ، وهَذا تَرْغِيبٌ لِلْكافِرِ في الإسْلامِ، وضَمانٌ لَهُ لِلْفَلاحِ. ويُقالُ: إنَّ عَسى مِنَ اللَّهِ واجِبَةٌ. ﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ﴾ نَزَلَتْ بِسَبَبِ ما تَكَلَّمَتْ بِهِ قُرَيْشٌ مِنَ اسْتِغْرابِ أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ وقَوْلِ بَعْضِهِمْ: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] وقائِلُ ذَلِكَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: هَذا مُتَّصِلٌ بِذِكْرِ الشُّرَكاءِ الَّذِينَ دَعَوْهم واخْتارُوهم لِلشَّفاعَةِ، أيْ الِاخْتِيارُ إلى اللَّهِ - تَعالى - في الشُّفَعاءِ، لا إلى المُشْرِكِينَ. وقِيلَ: هو جَوابٌ لِلْيَهُودِ؛ إذْ قالُوا: لَوْ كانَ الرَّسُولُ إلى مُحَمَّدٍ غَيْرَ جِبْرِيلَ؛ لَآمَنّا بِهِ، ونَصَّ الزَّجّاجُ، وعَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ، والنَّحّاسُ: عَلى أنَّ الوَقْفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ويَخْتارُ﴾ تامٌّ، والظّاهِرُ أنَّ ”ما“ نافِيَةٌ، أيْ لَيْسَ لَهُمُ الخِيَرَةُ، إنَّما هي لِلَّهِ تَعالى، كَقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ﴾ . وذَهَبَ الطَّبَرِيُّ إلى أنَّ ”ما“ مَوْصُولَةٌ مَنصُوبَةٌ بِـ ”يَخْتارُ“، أيْ ويَخْتارُ مِنَ الرُّسُلِ والشَّرائِعِ ما كانَ خِيَرَةً لِلنّاسِ، كَما لا يَخْتارُونَ هم ما لَيْسَ إلَيْهِمْ، ويَفْعَلُونَ ما لَمْ يُؤْمَرُوا بِهِ. وأُنْكِرُ أنْ تَكُونَ ”ما“ نافِيَةً، لِئَلّا يَكُونُ المَعْنى: إنَّهُ لَمْ تَكُنْ لَهُمُ الخِيرَةُ فِيما مَضى، وهي لَهم فِيما يُسْتَقْبَلُ، ولِأنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ كَلامٌ يَنْفِي. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَعْنى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الطَّبَرِيُّ، وقَدْ رَدَّ هَذا القَوْلَ تَقَدُّمُ العائِدِ عَلى المَوْصُولِ، وأُجِيبَ بِأنَّ التَّقْدِيرَ: ما كانَ لَهم فِيهِ الخِيَرَةُ، وحُذِفَ لِدَلالَةِ المَعْنى. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَما حُذِفَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣] يَعْنِي: أنَّ التَّقْدِيرَ أنَّ ذَلِكَ فِيهِ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ. وأنْشَدَ القاسِمُ ابْنُ مَعْنٍ بَيْتَ عَنْتَرَةَ: ؎أمِن سُمَيَّةَ دَمْعُ العَيْنِ تَذْرِيفُ لَوْ كانَ ذا مِنكَ قَبْلَ اليَوْمِ مَعْرُوفُ وقَرَنَ الآيَةَ بِهَذا البَيْتِ. والرِّوايَةُ في البَيْتِ: لَوْ أنَّ ذا، ولَكِنْ عَلى ما رَواهُ القاسِمُ يَتَّجِهُ في بَيْتِ عَنْتَرَةَ أنْ يَكُونَ في كانَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ. فَأمّا في الآيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَفْسِيرُ الأمْرِ والشَّأْنِ لا يَكُونُ بِجُمْلَةٍ فِيها مَحْذُوفٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَتَّجِهُ عِنْدِي أنْ تَكُونَ ما مُفَعْولَةٌ، إذا قَدَّرْنا كانَ تامَّةً، أيْ أنَّ اللَّهَ - تَعالى - يَخْتارُ كُلَّ كائِنٍ، ولا يَكُونُ شَيْءٌ إلّا بِإذْنِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مَعْناها: تَعْدِيدُ النِّعْمَةِ (p-١٣٠)عَلَيْهِمْ في اخْتِيارِ اللَّهِ لَهم، لَوْ قَبِلُوا وفَهِمُوا. انْتَهى. يَعْنِي: واللَّهُ أعْلَمُ خِيرَةُ اللَّهِ لَهم، أيْ لِمَصْلَحَتِهِمْ. والخِيرَةُ مِنَ التَّخَيُّرِ، كالطِّيَرَةِ مِنَ التَّطَيُّرِ، يُسْتَعْمَلانِ بِمَعْنى المَصْدَرِ، والجُمَلُ الَّتِي بَعْدَ هَذا تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها. والحَمْدُ في الآخِرَةِ قَوْلُهم: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤] ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤] ﴿الحَمْدُ للَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥] والتَّحْمِيدُ هُنالِكَ عَلى سَبِيلِ اللَّذَّةِ، لا التَّكْلِيفِ. وفي الحَدِيثِ: ”يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ والتَّقْدِيسَ“ . وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: ما تَكُنُّ، بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الكافِ. ﴿ولَهُ الحُكْمُ﴾ أيِ القَضاءُ بَيْنَ عِبادِهِ والفَصْلُ. و﴿أرَأيْتُمْ﴾ بِمَعْنى أخْبِرُونِي، وقَدْ يُسَلَّطُ عَلى اللَّيْلِ ﴿أرَأيْتُمْ﴾ و﴿جَعَلَ﴾ إذْ كُلٌّ مِنهُما يَقْتَضِيهِ، فَأُعْمِلَ الثّانِي. وجُمْلَةُ ”أرَأيْتُمْ“ الثّانِيَةُ هي جُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ، والعائِدُ عَلى اللَّيْلِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِضِياءٍ بَعْدَهُ، ولا يَلْزَمُ في بابِ التَّنازُعِ أنْ يَسْتَوِيَ المُتَنازِعانِ في جِهَةِ التَّعَدِّي مُطْلَقًا، بَلْ قَدْ يَخْتَلِفُ الطَّلَبُ، فَيَطْلُبُهُ هَذا عَلى جِهَةِ الفاعِلِيَّةِ، وهَذا عَلى جِهَةِ المَفْعُولِيَّةِ، وهَذا عَلى جِهَةِ المَفْعُولِ، وهَذا عَلى جِهَةِ الظَّرْفِ. وكَذَلِكَ ”أرَأيْتُمْ“ ثانِي مَفْعُولَيْهِ جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ غالِبًا، وثانِي ”جَعَلَ“ إنْ كانَتْ بِمَعْنى صَيَّرَ لا يَكُونُ اسْتِفْهامًا، وإنْ كانَتْ بِمَعْنى خَلَقَ وأوْجَدَ وانْتَصَبَ ما بَعْدَ مَفْعُولِها، كانَ ذَلِكَ المُنْتَصِبُ حالًا. و﴿سَرْمَدًا﴾ قِيلَ: مِنَ السَّرْمَدِ، فَمِيمُهُ زائِدَةٌ، ووَزْنُهُ ”فَعْمَلُ“، ولا يُزادُ وسَطًا ولا آخِرًا بِقِياسٍ، وإنَّما هي ألْفاظٌ تُحْفَظُ مَذْكُورَةٌ في عِلْمِ التَّصْرِيفِ. وأتى ﴿بِضِياءٍ﴾ وهو نُورُ الشَّمْسِ، ولَمْ يَجِئِ التَّرْكِيبُ بِنَهارٍ يَتَصَرَّفُونَ فِيهِ، كَما جاءَ ﴿بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾؛ لِأنَّ مَنافِعَ الضِّياءِ مُتَكاثِرَةٌ، لَيْسَ التَّصَرُّفُ في المَعاشِ وحْدَهُ، والظَّلامُ لَيْسَ بِتِلْكَ المَنزِلَةِ، ومِن ثَمَّ قُرِنَ بِالضِّياءِ. ﴿أفَلا تَسْمَعُونَ﴾ ؟ لِأنَّ السَّمْعَ يُدْرِكُ ما يُدْرِكُهُ البَصَرُ مِن ذِكْرِ مَنافِعِهِ ووَصْفِ فَوائِدِهِ، وقُرِنَ بِاللَّيْلِ. ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ؟ لِأنَّ غَيْرَكَ يُبْصِرُ مِن مَنفَعَةِ الظَّلامِ ما تُبْصِرُهُ أنْتَ مِنَ السُّكُونِ ونَحْوِهِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ. و(مِن رَحْمَتِهِ) مِن هُنا لِلسَّبَبِ، أيْ وبِسَبَبِ رَحْمَتِهِ إيّاكم ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ ثُمَّ عَلَّلَ جَعْلَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، فَبَدَأ بِعِلَّةِ الأوَّلِ، وهو اللَّيْلُ وهو: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ ثُمَّ بِعِلَّةِ الثّانِي وهو: ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ، ثُمَّ بِما يُشْبِهُ العِلَّةَ لِجَعْلِ هَذَيْنِ الشَّيْئَيْنِ وهو: ﴿ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ ثُمَّ بِما يُشْبِهُ العِلَّةَ لِجَعْلِ هَذَيْنِ الشَّيْئَيْنِ وهو: (لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ) أيْ هَذِهِ الرَّحْمَةَ والنِّعْمَةَ. وهَذا النَّوْعُ مِن عِلْمِ البَدِيعِ يُسَمّى التَّفْسِيرَ، وهو أنْ تَذْكُرَ أشْياءَ ثُمَّ تُفَسِّرَها بِما يُناسِبُها، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ جُيُوشٍ: ؎ومُقَرْطَقٌ يُغْنِي النَّدِيمَ بِوَجْهِهِ ∗∗∗ عَنْ كَأْسِهِ المَلْأى وعَنْ إبْرِيقِهِ ؎فِعْلُ المُدامِ ولَوْنُها ومَذاقُها ∗∗∗ في مُقْلَتَيْهِ ووَجْنَتَيْهِ ورِيقِهِ والضَّمِيرُ في (فِيهِ) عائِدٌ عَلى اللَّيْلِ، وفي (فَضْلِهِ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى اللَّهِ، والتَّقْدِيرُ: مِن فَضْلِهِ، أيْ مِن فَضْلِ اللَّهِ فِيهِ، أيْ في النَّهارِ؛ وحُذِفَ لِدَلالَةِ المَعْنى، ولِدَلالَةِ لَفْظِ ”فِيهِ“ السّابِقِ عَلَيْهِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى النَّهارِ، أيْ مِن فَضْلِ النَّهارِ، ويَكُونُ أضافَهُ إلى ضَمِير النَّهارِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، لَمّا كانَ الفَضْلُ حاصِلًا فِيهِ أُضِيفَ إلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [سبإ: ٣٣] .

القصص 28:74

(p-١٣١)﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ﴿ونَزَعْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكم فَعَلِمُوا أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ ما إنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ أُولِي القُوَّةِ إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ ﴿وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدّارَ الآخِرَةَ ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ ولا تَبْغِ الفَسادَ في الأرْضِ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أوَلَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَن هو أشَدُّ مِنهُ قُوَّةً وأكْثَرُ جَمْعًا ولا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَياةَ الدُّنْيا يالَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ويْلَكم ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ولا يُلَقّاها إلّا الصّابِرُونَ﴾ ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ فَما كانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ ﴿وأصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالأمْسِ يَقُولُونَ ويْكَأنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَوْلا أنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا ويْكَأنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ . تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ: (ويَوْمَ يُنادِيهِمْ) وكُرِّرَ هُنا عَلى جِهَةِ الإبْلاغِ والتَّأْكِيدِ. (ونَزَعْنا) أيْ: مَيَّزْنا وأخْرَجْنا بِسُرْعَةٍ مِن كُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ. (شَهِيدًا) وهو نَبِيُّ تِلْكَ الأُمَّةِ؛ لِأنَّهُ هو الشَّهِيدُ عَلَيْها، كَما قالَ: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] . وقِيلَ: عَدُولًا وخِيارًا. والشَّهِيدُ عَلى هَذا اسْمُ الجِنْسِ، والشَّهِيدُ يَشْهَدُ عَلى تِلْكَ الأُمَّةِ بِما صَدَرَ مِنها، وما أجابَتْ بِهِ؛ لَمّا دُعِيَتْ إلى التَّوْحِيدِ، وأنَّهُ قَدْ بَلَّغَهم رِسالَةَ رَبِّهِمْ. (فَقُلْنا) أيْ: لِلْمَلَأِ ﴿هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ أيْ: حُجَّتَكم فِيما كُنْتُمْ عَلَيْهِ في الدُّنْيا مِنَ الكُفْرِ ومُخالَفَةِ هَذا الشَّهِيدِ ﴿فَعَلِمُوا أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ﴾ لا لِأصْنامِهِمْ وما عَبَدُوا مِن دُونِ اللَّهِ. (وضَلَّ عَنْهم) أيْ: وغابَ عَنْهم غَيْبَةَ الشَّيْءِ الضّائِعِ ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مِنَ الكَذِبِ والباطِلِ. وقارُونُ أعْجَمِيٌّ: مُنِعَ الصَّرْفَ لِلْعُجْمَةِ والعَلَمِيَّةِ. وقِيلَ: ومَعْنى كانَ مِن قَوْمِهِ أيْ: مِمَّنْ آمَنَ بِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو إسْرائِيلِيٌّ بِإجْماعٍ. انْتَهى. واخْتُلِفَ في قَرابَتِهِ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، اخْتِلافًا مُضْطَرِبًا مُتَكاذِبًا، وأوْلاها ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّهُ ابْنُ عَمِّهِ، وهو قارُونُ بْنُ يَصْهُرَ بْنِ قاهِثَ، جَدِّ مُوسى؛ لِأنَّ النَّسّابِينَ ذَكَرُوا نَسَبَهُ كَذَلِكَ، وكانَ يُسَمّى المُنَوَّرَ لِحُسْنِ صُورَتِهِ، وكانَ أحْفَظَ بَنِي إسْرائِيلَ لِلتَّوْراةِ وأقْرَأهم، فَنافَقَ كَما نافَقَ السّامِرِيُّ. ﴿فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ ذَكَرُوا مِن أنْواعِ بَغْيِهِ الكُفْرَ، والكِبْرَ، وحَسَدَهُ لِمُوسى عَلى النُّبُوَّةِ، ولِهارُونَ عَلى الذَّبْحِ والقُرْبانِ، وظُلْمَهُ لِبَنِي إسْرائِيلَ حِينَ مَلَّكَهُ فِرْعَوْنُ عَلَيْهِمْ، ودَسَّهُ بَغِيًّا تَكْذِبُ عَلى مُوسى أنَّهُ تَعَرَّضَ لَها، وتَفْضَحُهُ بِذَلِكَ في مَلَأٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ. ومِن تَكَبُّرِهِ أنْ زادَ في ثِيابِهِ شِبْرًا. ﴿وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ﴾ قِيلَ: أظْفَرَهُ اللَّهُ بِكَنْزٍ مِن كُنُوزِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ: سُمِّيَتْ أمْوالُهُ كُنُوزًا، إذْ كانَ مُمْتَنِعًا مِن أداءِ الزَّكاةِ، وبِسَبَبِ ذَلِكَ عادى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أوَّلَ عَداوَتِهِ. و(ما) مَوْصُولَةٌ، صِلَتُها ”إنَّ“ ومَعْمُولاها. وقالَ النَّحّاسُ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ سُلَيْمانَ، يَعْنِي الأخْفَشَ الصَّغِيرَ، يَقُولُ: ما أقْبَحَ ما يَقُولُهُ الكُوفِيُّونَ في الصِّلاتِ، أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِلَةُ ”الَّذِي“ ”إنَّ“ وما عَمِلَتْ (p-١٣٢)فِيهِ، وفي القُرْآنِ: ﴿ما إنَّ مَفاتِحَهُ﴾ . انْتَهى. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ”مَفاتِحَ“ في سُورَةِ الأنْعامِ، وقالُوا هُنا: مَقالِيدُ خَزائِنِهِ. وقالَ السُّدِّيُّ: هي الخَزائِنُ نَفْسُها. وقالَ الضَّحّاكُ: ظُرُوفُهُ وأوْعِيَتُهُ. وقَرَأ الأعْمَشُ: ”مَفاتِيحَهُ“، بِياءٍ، جَمْعُ مِفْتاحٍ، وذَكَرُوا مِن كَثْرَةِ مَفاتِحِهِ ما هو كَذِبٌ، أوْ يُقارِبُ الكَذِبَ، فَلَمْ أكْتُبْهُ. قالَ أبُو زَيْدٍ: نُؤْتُ بِالعَمَلِ، إذا نَهَضْتَ بِهِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎إذا وجَدْنا خَلَفًا بِئْسَ الخَلَفْ عَبْدًا إذا ما ناءَ بِالحِمْلِ وقَفْ ويَقُولُ: ناءَ يَنُوءُ، إذا نَهَضَ بِثِقَلٍ. قالَ الشّاعِرُ: ؎تَنُوءُ بِأُخْراها فَلَأْيًا قِيامُها ∗∗∗ وتَمْشِي الهُوَيْنى عَنْ قَرِيبٍ فَتَبْهَرُ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو مَقْلُوبٌ وأصْلُهُ: لَتَنُوءُ بِها العُصْبَةُ، أيْ: تَنْهَضُ، والقَلْبُ عِنْدَ أصْحابِنا بابُهُ الشِّعْرُ. والصَّحِيحُ أنَّ الباءَ لِلتَّعْدِيَةِ، أيْ: لَتُنِيءُ العُصْبَةَ، كَما تَقُولُ: ذَهَبْتُ بِهِ وأذْهَبْتُهُ، وجِئْتُ بِهِ وأجَأْتُهُ. ونُقِلَ هَذا عَنِ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ والفَرّاءِ، واخْتارَهُ النَّحّاسُ، ورُوِيَ مَعْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي صالِحٍ والسُّدِّيِّ، وتَقُولُ العَرَبُ: ناءَ الحِمْلُ بِالبَعِيرِ إذا أثْقَلَهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُمْكِنُ أنْ يُسْنَدَ ”تَنُوءُ“ إلى المَفاتِحِ؛ لِأنَّها تَنْهَضُ بِتَحامُلٍ إذا فَعَلَ ذَلِكَ الَّذِي يَنْهَضُ بِها، وذا مُطَّرِدٌ في ناءَ الحِمْلُ بِالبَعِيرِ ونَحْوِهِ، فَتَأمَّلْهُ. وقَرَأ بُدَيْلُ بْنُ مَيْسَرَةَ: ”لَيَنُوءُ“ بِالياءِ وتَذْكِيرِهِ، راعى المُضافَ المَحْذُوفَ، التَّقْدِيرُ: ما إنَّ حَمْلَ مَفاتِحِهِ، أوْ مِقْدارِها، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ووَجْهُهُ أنْ يُفَسَّرَ المَفاتِحُ بِالخَزائِنِ، ويُعْطِيَها حُكْمَ ما أُضِيفَ إلَيْهِ لِلْمُلابَسَةِ والإيصالِ، كَقَوْلِهِ: ذَهَبَتْ أهْلُ اليَمامَةِ. انْتَهى. يَعْنِي: أنَّهُ اكْتَسَبَ المَفاتِحُ التَّذْكِيرَ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي لِقارُونَ، كَما اكْتَسَبَ أهْلٌ التَّأْنِيثَ مِن إضافَتِهِ إلى اليَمامَةِ، فَقِيلَ فِيهِ: ذَهَبَتْ. وذَكَرَ أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ أنَّ بُدَيْلَ بْنَ مَيْسَرَةَ قَرَأ: ”ما إنَّ مِفْتاحَهُ“ عَلى الإفْرادِ، فَلا تَحْتاجُ قِراءَتُهُ ”لَيَنُوءُ“ بِالياءِ إلى تَأْوِيلٍ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ العُصْبَةِ في سُورَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وتَقَدَّمَ قَبْلَ تَفْسِيرِ المَفاتِحِ، أهِيَ المَقالِيدُ، أوِ الخَزائِنُ نَفْسُها، أوِ الظُّرُوفُ والأوْعِيَةُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ: أنَّ المَفاتِحَ هي الأمْوالُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتْ خَزائِنُهُ تَحْمِلُها أرْبَعُونَ أقْوِياءُ، وكانَتْ أرْبَعَمِائَةِ ألْفٍ، يَحْمِلُ كُلُّ رَجُلٍ عَشَرَةَ آلافٍ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ مِنَ المَفاتِحِ: العِلْمُ والإحاطَةُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٥٩] والمُرادُ: وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ، ما إنَّ حِفْظَها والِاطِّلاعَ عَلَيْها لَيَثْقُلُ عَلى العُصْبَةِ، أيْ: هَذِهِ الكُنُوزُ لِكَثْرَتِها واخْتِلافِ أصْنافِها، يُتْعِبُ حِفْظُها القائِمِينَ عَلى حِفْظِها. ﴿إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ﴾ نَهَوْهُ عَنِ الفَرَحِ المُطْغِي الَّذِي هو انْهِماكٌ وانْحِلالُ نَفْسٍ وأشَرٌ وإعْجابٌ، وإنَّما يَفْرَحُ بِإقْبالِ الدُّنْيا عَلَيْهِ مَنِ اطْمَأنَّ إلَيْها وغَفَلَ عَنْ أمْرِ الآخِرَةِ، ومَن جَعَلَ أنَّهُ مُفارِقُ زَهْرَةِ الدُّنْيا عَنْ قَرِيبٍ، فَلا يَفْرَحُ بِها. وقالَ أبُو الطَّيِّبِ: ؎أشَدُّ الغَمِّ عِنْدِي في سُرُورٍ ∗∗∗ تَيَقَّنَ عَنْهُ صاحِبُهُ انْتِقالًا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَحَلٌّ ”إذْ“ مَنصُوبٌ بِـ: ”تُنُوءُ“ . انْتَهى، وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا؛ لِأنَّ إثْقالَ المَفاتِحِ العُصْبَةَ لَيْسَ مُقَيَّدًا بِوَقْتِ قَوْلِ قَوْمِهِ لَهُ: ﴿لا تَفْرَحْ﴾ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ وهو ضَعِيفٌ أيْضًا؛ لِأنَّ بَغْيَهُ عَلَيْهِمْ لَمْ يَكُنْ مُقَيَّدًا بِذَلِكَ الوَقْتِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: النّاصِبُ لَهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ. وقالَ أبُو البَقاءِ: (إذْ قالَ لَهُ) ظَرْفٌ لِـ: ”آتَيْناهُ“، وهو ضَعِيفٌ أيْضًا؛ لِأنَّ الإيتاءَ لَمْ يَكُنْ وقْتَ ذَلِكَ القَوْلِ. وقالَ أيْضًا: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ: بَغى عَلَيْهِمْ ﴿إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ﴾ . انْتَهى. ويَظْهَرُ أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُهُ: فَأظْهَرَ التَّفاخُرَ والفَرَحَ بِما أُوتِيَ مِنَ الكُنُوزِ ﴿إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ﴾ . وقالَ تَعالى: ﴿ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣] والعَرَبُ تَمْدَحُ بِتَرْكِ الفَرَحِ عِنْدَ إقْبالِ الخَيْرِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎ولَسْتُ بِمِفْراحٍ إذا الدَّهْرُ سَرَّنِي ∗∗∗ ولا جازِعٍ مِن صَرْفِهِ المُتَحَوِّلِ (p-١٣٣)وقالَ الآخَرُ: ؎إنْ نُلاقِ مُنْفِسًا لا تُلْفِنا ∗∗∗ فُرُحَ الخَيْرِ ولا نَكْبُو لِضُرِّ وقُرِئَ: الفارِحِينَ، حَكاهُ عِيسى بْنُ سُلَيْمانَ الحِجازِيُّ. و(لا يُحِبُّ) صِفَةُ فِعْلٍ، لا صِفَةُ ذاتٍ، بِمَعْنى الإرادَةِ؛ لِأنَّ الفَرَحَ أمْرٌ قَدْ وقَعَ، فالمَعْنى: لا يُظْهِرُ عَلَيْهِمْ بَرَكَتَهُ، ولا يَعُمُّهم رَحْمَتُهُ. ولَمّا نَهَوْهُ عَنِ الفَرَحِ المُطْغِي أمَرُوهُ بِأنْ يَطْلُبَ فِيما آتاهُ اللَّهُ مِنَ الكُنُوزِ وسَعَةِ الرِّزْقِ ثَوابَ الدّارِ الآخِرَةِ، بِأنْ يَفْعَلَ فِيهِ أفْعالَ البِرِّ، وتَجْعَلَهُ زادَكَ إلى الآخِرَةِ. ﴿ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والجُمْهُورُ: مَعْناهُ: ولا تُضَيِّعْ عُمُرَكَ في أنْ لا تَعْمَلَ صالِحًا في دُنْياكَ، إذِ الآخِرَةُ إنَّما يُعْمَلُ لَها في الدُّنْيا، فَنَصِيبُ الإنْسانِ عُمُرُهُ وعَمَلُهُ الصّالِحُ فِيها، وهَذا التَّأْوِيلُ فِيهِ عِظَةٌ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ مَعْناهُ: لا تُضَيِّعْ حَظَّكَ مِنَ الدُّنْيا في تَمَتُّعِكَ بِالحَلالِ وطَلَبِكَ، أيْ: إيّاهُ، ونَظَرِكَ لِعاقِبَةِ دُنْياكَ، وفي هَذا التَّأْوِيلِ بَعْضُ رِفْقٍ. وقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: قَدِّمِ الفَضْلَ وأمْسِكْ ما تَبْلُغُ بِهِ. وقالَ مالِكٌ: هو الأكْلُ والشُّرْبُ بِلا سَرَفٍ. وقِيلَ: أرادُوا بِنَصِيبِهِ الكَفَنَ، وهَذا وعْظٌ مُتَّصِلٌ، كَأنَّهم قالُوا: تَتْرُكُ جَمِيعَ مالِكَ، لا يَكُونُ نَصِيبُكَ مِنهُ إلّا الكَفَنَ؛ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎نَصِيبُكَ مِمّا تَجْمَعُ الدَّهْرَ كُلَّهُ ∗∗∗ رِداءانِ تَأْوِي فِيهِما وحَنُوطُ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنْ تَأْخُذَ مِنهُ ما يَكْفِيكَ ويُصْلِحُكَ، وهَذا قَرِيبٌ مِن قَوْلِ الحَسَنِ (وأحْسِنْ) إلى عِبادِ اللَّهِ، أوْ بِشُكْرِكَ وطاعَتِكَ لِلَّهِ. ﴿كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ بِتِلْكَ النِّعَمِ الَّتِي خَوَّلَكَها، والكافُ لِلتَّشْبِيهِ، وهو يَكُونُ في بَعْضِ الأوْصافِ؛ لِأنَّ مُماثَلَةَ إحْسانِ العَبْدِ لِإحْسانِ اللَّهِ مِن جَمِيعِ الصِّفاتِ يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ، فالتَّشْبِيهُ وقَعَ في مُطْلَقِ الإحْسانِ، أوْ تَكُونُ الكافُ لِلتَّعْلِيلِ، أيْ: أحْسِنْ لِأجْلِ إحْسانِ اللَّهِ إلَيْكَ. ﴿ولا تَبْغِ الفَسادَ﴾ أيْ: ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ البَغْيِ والظُّلْمِ. (عَلى عِلْمٍ) عِلْمٍ: مَصْدَرٌ، يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مُضافًا إلَيْهِ ومُضافًا إلى اللَّهِ. فَقالَ الجُمْهُورُ: ادَّعى أنَّ عِنْدَهُ عِلْمًا اسْتَوْجَبَ بِهِ أنْ يَكُونَ صاحِبَ تِلْكَ الكُنُوزِ. فَقِيلَ: عِلْمُ التَّوْراةِ وحِفْظُها، وكانَ أحَدَ السَّبْعِينَ الَّذِينَ اخْتارَهم مُوسى لِلْمِيقاتِ، وكانَتْ هَذِهِ مُغالَطَةً. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدّانِيُّ: أيْ عِلْمُ التِّجارَةِ ووُجُوهِ المَكاسِبِ، أيْ: أُوتِيتُهُ بِإدْراكِي وسَعْيِي. وقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: عِلْمُ الكِيمْياءِ، قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَعْلَمُ الكِيمْياءَ، وهي جَعْلُ الرَّصاصِ والنُّحاسِ ذَهَبًا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: عَلى عِلْمٍ لِصَنْعَةِ الذَّهَبِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ لا يَصِحُّ عَنْهُ ولا عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ. وأنْكَرَ الزَّجّاجُ عِلْمَ الكِيمْياءِ وقالَ: باطِلٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ. انْتَهى. وكَثِيرًا ما تُولَعُ أهْلُ مِصْرَ بِطَلَبِ أشْياءَ مِنَ المُسْتَحِيلاتِ والخُرافاتِ؛ مِن ذَلِكَ: تَغْوِيرُ الماءِ، وخِدْمَةُ الصُّوَرِ المُمَثَّلَةِ في الجُدُرِ خُطُوطًا، وادِّعاؤُهم أنَّ تِلْكَ الخُطُوطَ تَتَحَرَّكُ إذا خُدِمَتْ بِأنْواعٍ مِنَ الخَدَمِ لَهم والكِيمْياءِ حَتّى أنَّ مَشايِخَ العِلْمِ عِنْدَهم، الَّذِينَ هم عِنْدَهم بِصُورَةِ الوِلايَةِ، يَتَطَلَّبُ ذَلِكَ مِن أجْهَلِ وارِدٍ مِنَ المَغارِبَةِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: أرادَ ﴿أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ﴾ مِنَ اللَّهِ وتَخْصِيصٍ مِن لَدُنْهُ قَصَدَنِي بِهِ، أيْ: فَلا يَلْزَمُنِي فِيهِ شَيْءٌ مِمّا قُلْتُمْ، ثُمَّ جَعَلَ قَوْلَهُ: (عِنْدِي) كَما يَقُولُ: في مُعْتَقَدِي وعَلى ما أراهُ. وقالَ مُقاتِلٌ: (عَلى عِلْمٍ) أيْ: عَلى خَيْرٍ عَلِمَهُ اللَّهُ عِنْدِي. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أوَلَمْ يَعْلَمْ﴾ تَقْرِيرٌ لِعِلْمِهِ ذَلِكَ، وتَنْبِيهٌ عَلى خَطَئِهِ في اغْتِرارِهِ أيْ: قَدْ عَلِمَ أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مِنَ القُرُونِ قَبْلَهُ مَن هو أقْوى مِنهُ وأغْنى؛ لِأنَّهُ قَدْ قَرَأهُ في التَّوْراةِ، وأخْبَرَ بِهِ مُوسى، وسَمِعَهُ في التَّوارِيخِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أوَلَمْ يَعْلَمْ في جُمْلَةِ ما عِنْدَهُ مِنَ العِلْمِ ؟ هَذا حَتّى لا يَغْتَرَّ بِكَثْرَةِ مالِهِ وقُوَّتِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِعِلْمِهِ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ فَتَنَفَّحَ بِالعِلْمِ وتَعَظَّمَ بِهِ، قِيلَ: أعِنْدَهُ مِثْلُ ذَلِكَ العِلْمِ الَّذِي ادَّعاهُ ؟ وأُرِيَ نَفْسَهُ بِهِ مُسْتَوْجِبَةً لِكُلِّ نِعْمَةٍ، ولَمْ يَعْلَمْ هَذا العِلْمَ النّافِعَ حَتّى يَقِيَ نَفْسَهُ مَصارِعَ الهالِكِينَ. انْتَهى. ﴿وأكْثَرُ جَمْعًا﴾ إمّا لِلْمالِ، أوْ جَماعَةٍ يَحُوطُونَهُ ويَخْدِمُونَهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿أوَلَمْ يَعْلَمْ﴾ بِرُجْحِ أنَّ (p-١٣٤)قارُونَ تَشَبَّعَ بِعِلْمِ نَفْسِهِ عَلى زَعْمِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ولا يُسْألُ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ و(المُجْرِمُونَ) رُفِعَ بِهِ، وهو مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ. والضَّمِيرُ في (ذُنُوبِهِمْ) عائِدٌ عَلى مَن أُهْلِكَ مِنَ القُرُونِ، أيْ: لا يُسْألُ غَيْرُهم مِمَّنْ أجْرَمَ، ولا مِمَّنْ لَمْ يُجْرِمْ عَمَّنْ أهْلَكَهُ اللَّهُ بَلْ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨] . وقِيلَ: أهْلَكَ مَن أهْلَكَ مِنَ القُرُونِ، عَنْ عِلْمٍ مِنهُ بِذُنُوبِهِمْ، فَلَمْ يَحْتَجْ إلى مَسْألَتِهِمْ عَنْها. وقِيلَ: هو مُسْتَأْنَفٌ عَنْ حالِ يَوْمِ القِيامَةِ. قالَ قَتادَةُ: لا يُسْألُونَ عَنْ ذُنُوبِهِمْ لِظُهُورِها وكَثْرَتِها؛ لِأنَّهم يَدْخُلُونَ النّارَ بِغَيْرِ حِسابٍ. وقالَ قَتادَةُ أيْضًا ومُجاهِدٌ: لا تَسْألُهُمُ المَلائِكَةُ عَنْ ذُنُوبِهِمْ؛ لِأنَّهم يَعْرِفُونَهم بِسِيماهم مِنَ السَّوادِ والتَّشْوِيهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] . وقِيلَ: لا يُسْألُونَ سُؤالَ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ في رِوايَتِهِ: ”ولا تَسْألْ“، بِالتّاءِ والجَزْمِ، ”المُجْرِمِينَ“: نُصِبَ. وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ، وأبُو العالِيَةِ كَذَلِكَ في ”ولا تَسْألْ“ عَلى النَّهْيِ لِلْمُخاطَبِ، وكانَ ابْنُ أبِي إسْحاقَ لا يُجَوِّزُ ذَلِكَ إلّا أنْ يَكُونَ ”المُجْرِمِينَ“ بِالياءِ في مَحَلِّ النَّصْبِ، بِوُقُوعِ الفِعْلِ عَلَيْهِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: فالظّاهِرُ ما قالَهُ، ولَمْ يَبْلُغْنِي في نَصْبِ المُجْرِمِينَ شَيْءٌ، فَإنْ تَرَكاهُ عَلى رَفْعِهِ، فَلَهُ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ الهاءُ والمِيمُ في ﴿عَنْ ذُنُوبِهِمْ﴾ راجِعَةً إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ القُرُونِ، وارْتِفاعُ ”المُجْرِمِينَ“ بِإضْمارِ المُبْتَدَأِ، وتَقْدِيرُهُ: هُمُ المُجْرِمُونَ، أوْ: أُولَئِكَ المُجْرِمُونَ، ومِثْلُهُ ﴿التّائِبُونَ العابِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢] في التَّوْبَةِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن أصْلِ الهاءِ والمِيمِ في (ذُنُوبِهِمْ)؛ لِأنَّها - وإنْ كانَتْ في مَحَلِّ الجَرِّ بِالإضافَةِ إلَيْها - فَإنَّ أصْلَها الرَّفْعُ؛ لِأنَّ الإضافَةَ إلَيْها بِمَنزِلَةِ إضافَةِ المَصْدَرِ إلى اسْمِ الفاعِلِ؛ فَعَلى ذَلِكَ (المُجْرِمُونَ) مَحْمُولٌ عَلى الأصْلِ، عَلى ما تَقَدَّمَ لَنا مِن أنَّ بَعْضَهم قَرَأ: ﴿أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً﴾ [البقرة: ٢٦] بِالجَرِّ، عَلى أنَّها بَدَلٌ مِن أصْلِ المَثَلِ، و(ما) زائِدَةٌ فِيهِ، وتَقْدِيرُهُ: لا يَسْتَحِي بِضَرْبِ مَثَلِ بَعُوضَةٍ، أيْ: بِضَرْبِ بَعُوضَةٍ. في ذَلِكَ فَسَّرَ أنَّ مَعَ الفَصْلِ بِالمَصْدَرِ ناصِبٌ إلى المَفْعُولِ بِهِ، ثُمَّ أبْدَلَ مِنهُ البَعُوضَةَ مِن غَيْرِ أنْ أعْرِفَ فِيها أثَرًا لِحالٍ. فَأمّا قَوْلُهُ: مِن ذُنُوبِهِمْ، فَذُنُوبٌ جَمْعٌ، فَإنْ كانَ جَمْعَ مَصْدَرٍ فَفي إعْمالِهِ خِلافٌ. وأمّا قَوْلُهُ عَلى ما تَقَدَّمَ لَنا مِن أنَّ بَعْضَهم قَرَأ، فَقَدْ ذَكَرَ في البَقَرَةِ أنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ، ولا نَعْرِفُ فِيها أثَرًا، فَيَنْبَغِي أنْ لا يَجْعَلَها قِراءَةً. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى قارُونَ ونَعَتَهُ، وما آتاهُ مِنَ الكُنُوزِ، وفَرَحَهُ بِذَلِكَ فَرَحَ البَطِرِينَ، وادِّعاءَهُ أنَّ ما أُوتِيَ مِن ذَلِكَ إنَّما أُوتِيَهُ عَلى عِلْمٍ، ذَكَرَ ما هو ناشِئٌ عَنِ التَّكَبُّرِ والسُّرُورِ بِما أُوتِيَ، فَقالَ: ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ﴾ وكانَ يَوْمَ السَّبْتِ: أيْ: أظْهَرَ ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ المَلابِسِ والمَراكِبِ وزِينَةِ الدُّنْيا. قالَ جابِرٌ، ومُجاهِدٌ: في ثِيابٍ حُمْرٍ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو وحَشَمُهُ في ثِيابٍ مُعَصْفَرَةٍ. وقِيلَ: في ثِيابِ الأُرْجُوانِ. وقِيلَ: عَلى بَغْلَةٍ شَهْباءَ عَلَيْها الأُرْجُوانُ، وعَلَيْها سَرْجٌ مِن ذَهَبٍ، ومَعَهُ أرْبَعَةُ آلافٍ عَلى زِيِّهِ. وقِيلَ: عَلَيْهِمْ وعَلى خُيُولِهِمُ الدِّيباجُ الأحْمَرُ، وعَلى يَمِينِهِ ثَلاثُمِائَةِ غُلامٍ، وعَلى يَسارِهِ ثَلاثُمِائَةِ جارِيَةٍ بِيضٍ عَلَيْهِمُ الحُلِيُّ والدِّيباجُ. وقِيلَ: في تِسْعِينَ ألْفًا عَلَيْهِمُ المُعَصْفَراتُ، وهو أوَّلُ يَوْمٍ رُؤِيَ فِيهِ المُعَصْفَرُ. وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الكَيْفِيّاتِ. ﴿قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ قِيلَ: كانُوا مُؤْمِنِينَ. وقالَ قَتادَةُ: تَمَنَّوْهُ لِيَتَقَرَّبُوا بِهِ إلى اللَّهِ. وقِيلَ: رَغْبَةً في اليَسارَةِ والثَّرْوَةِ. وقِيلَ: كانُوا كُفّارًا، وتَمَنَّوْا ﴿مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ﴾ ولَمْ يَذْكُرُوا زَوالَ نِعْمَتِهِ، وهَذا مِنَ الغِبْطَةِ. ﴿إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ أيْ: دَرَجَةٍ عَظِيمَةٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ. وقِيلَ: نَصِيبٍ كَثِيرٍ مِنَ الدُّنْيا، والحَظُّ البَخْتُ والسَّعْدُ، يُقالُ: فُلانٌ ذُو حَظٍّ وحَظِيظٌ ومَحْظُوظٌ. ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ مِنهم: يُوشَعُ، والعِلْمُ: مَعْرِفَةُ الثَّوابِ والعِقابِ، أوِ التَّوَكُّلُ، أوِ الإخْبارُ، أقْوالٌ. (ويْلَكم) دُعاءٌ بِالشَّرِّ. ﴿ثَوابُ اللَّهِ﴾ وهو ما أعَدَّهُ في الآخِرَةِ لِلْمُؤْمِنِ (خَيْرٌ) مِمّا أُوتِيَ قارُونُ. ﴿ولا يُلَقّاها﴾ أيْ: هَذِهِ الحِكْمَةُ، وهي مَعْرِفَةُ ثَوابِ اللَّهِ، وقِيلَ: الجَنَّةُ ونَعِيمُها. وقِيلَ: هَذِهِ المَقالَةُ، وهي قَوْلُهم: ﴿ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ وبَّخَهم بِها. ﴿إلّا الصّابِرُونَ﴾ عَلى الطّاعاتِ وعَلى قَمْعِ أنْفُسِهِمْ عَنِ الشَّهَواتِ. تَقَدَّمَ (p-١٣٥)طَرَفٌ مِن خَبَرِ قارُونَ وحَسَدِهِ لِمُوسى. ومِن حَسَدِهِ أنَّهُ جَعَلَ لِبَغِيٍّ جُعْلًا، عَلى أنْ تَرْمِيَ مُوسى بِطَلَبِها وبِزِنائِها، وأنَّها تابَتْ إلى اللَّهِ، وأقَرَّتْ أنَّ قارُونَ هو الَّذِي جَعَلَ لَها جُعْلًا عَلى رَمْيِ مُوسى بِذَلِكَ، فَأمَرَ اللَّهُ الأرْضَ أنْ تُطِيعَهُ، فَقالَ: يا أرْضُ، خُذِيهِ وأتْباعَهُ، فَخُسِفَ بِهِمْ في حِكايَةٍ طَوِيلَةٍ، اللَّهُ أعْلَمُ بِها. ولَمّا خُسِفَ بِقارُونَ ومَن مَعَهُ، فَقالَ بَنُو إسْرائِيلَ: إنَّما دَعا مُوسى عَلى قارُونَ لِيَسْتَبِدَّ بِدارِهِ وكُنُوزِهِ، فَدَعا اللَّهَ حَتّى خَسَفَ بِدارِهِ وأمْوالِهِ. و”مِن“ زائِدَةٌ، أيْ: مِن جَماعَةٍ تُفِيدُ اسْتِغْراقَ الفِئاتِ. وإذا انْتَفَتِ الجُمْلَةُ، ولَمْ يَقْدِرْ عَلى نَصْرِهِ، فانْتِفاءُ الواحِدِ عَنْ نُصْرَتِهِ أبْلَغُ. ﴿وما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ في نَفْسِهِ مِمَّنْ يَمْتَنِعُ مِن عَذابِ اللَّهِ. ﴿وأصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالأمْسِ﴾ بَدَلٌ، وأصْبَحَ، إذا حُمِلَ عَلى ظاهِرِهِ، أنَّ الخَسْفَ بِهِ وبِدارِهِ كانَ لَيْلًا، وهو أفْظَعُ العَذابِ، إذِ اللَّيْلُ مَقَرُّ الرّاحَةِ والسُّكُونِ، والأمْسُ يَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِهِ الزَّمانُ الماضِي، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِهِ ما قَبْلَ يَوْمِ الخَسْفِ، وهو يَوْمُ التَّمَنِّي، ويَدُلُّ عَلَيْهِ العَطْفُ بِالفاءِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّعْقِيبَ في قَوْلِهِ: ﴿فَخَسَفْنا﴾ فَيَكُونُ فِيهِ اعْتِقابُ العَذابِ خُرُوجُهُ في زِينَتِهِ، وفي ذَلِكَ تَعْجِيلُ العَذابِ. ومَكانَهُ: مَنزِلَتَهُ في الدُّنْيا مِنَ الثَّرْوَةِ والحَشَمِ والأتْباعِ. و”ويْ“ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ: اسْمُ فِعْلٍ مِثْلُ: صَهْ ومَهْ، ومَعْناها: أعْجَبُ. قالَ الخَلِيلُ: وذَلِكَ أنَّ القَوْمَ نَدِمُوا فَقالُوا: مُتَنَدِّمِينَ عَلى ما سَلَفَ مِنهم: ويْ، وكُلُّ مَن نَدِمَ فَأظْهَرَ نَدامَتَهُ قالَ: ويْ. وكَأنَّ: هي كافُ التَّشْبِيهِ الدّاخِلَةُ عَلى ”أنَّ“، وكُتِبَتْ مُتَّصِلَةً بِكافِ التَّشْبِيهِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ؎ويْ كَأنَّ مَن يَكُنْ لَهُ نَشَبٌ يُحْ ∗∗∗ بَبْ ومَن يَفْتَقِرْ يَعِشْ عَيْشَ ضُرِّ والبَيْتُ لِزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ. وحَكى الفَرّاءُ أنَّ امْرَأةً قالَتْ لِزَوْجِها: أيْنَ ابْنُكَ ؟ فَقالَ: ويْكَأنَّهُ وراءَ البَيْتِ، وعَلى هَذا المَذْهَبِ يَكُونُ الوَقْفُ عَلى ويْ. وقالالأخْفَشُ: هي ويْكَ، ويَنْبَغِي أنْ تَكُونَ الكافُ حَرْفَ خِطابٍ، ولا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، والوَقْفُ عَلَيْهِ ويْكَ، ومِنهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ: ؎ولَقَدْ شَفا نَفْسِي وأبْرَأ سُقْمَها ∗∗∗ قِيلُ الفَوارِسِ ويْكَ عَنْتَرَ أقْدِمِ قالَ الأخْفَشُ: وأنَّ عِنْدَهُ مَفْتُوحٌ بِتَقْدِيرِ العِلْمِ، أيْ: أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎ألا ويْكَ المَضَرَّةَ لا تَدُومُ ∗∗∗ ولا يُبْقِي عَلى البُؤْسِ النَّعِيمُ وذَهَبُ الكِسائِيُّ ويُونُسُ وأبُو حاتِمٍ وغَيْرُهم إلى أنَّ أصْلَهُ ويْلَكَ، فَحُذِفَتِ اللّامُ والكافُ في مَوْضِعِ جَرٍّ بِالإضافَةِ. فَعَلى المَذْهَبِ الأوَّلِ قِيلَ: تَكُونُ الكافُ خالِيَةً مِن مَعْنى التَّشْبِيهِ، كَما قِيلَ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] . وعَلى المَذْهَبِ الثّانِي، فالمَعْنى: أعْجَبُ لِأنَّ اللَّهَ. وعَلى المَذْهَبِ الثّالِثِ تَكُونُ ويْلَكَ كَلِمَةَ تَحَزُّنٍ، والمَعْنى أيْضًا: لِأنَّ اللَّهَ. وقالَ أبُو زَيْدٍ وفِرْقَةٌ مَعَهُ: ويْكَأنَّ، حَرْفٌ واحِدٌ بِجُمْلَتِهِ، وهو بِمَعْنى: ألَمْ تَرَ. وبِمَعْنى: ألَمْ تَرَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والكِسائِيُّ وأبُو عُبَيْدٍ. وقالَ الفَرّاءُ: ويْكَ في كَلامِ العَرَبِ كَقَوْلِ الرَّجُلِ: أما تَرى إلى صُنْعِ اللَّهِ ؟ وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، عَنْ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ أنَّهُ قالَ: مَعْنى ويْكَ: رَحْمَةً لَكَ، بِلُغَةِ حِمْيَرَ. ولَمّا صَدَرَ مِنهم تَمَنِّي حالِ قارُونَ، وشاهَدُوا الخَسْفَ، كانَ ذَلِكَ زاجِرًا لَهم عَنْ حُبِّ الدُّنْيا، وداعِيًا إلى الرِّضا بِقَدَرِ اللَّهِ، فَتَنَبَّهُوا لِخَطَئِهِمْ فَقالُوا: ويْ، ثُمَّ قالُوا: ﴿كَأنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ بِحَسَبِ مَشِيئَتِهِ وحِكْمَتِهِ، لا لِكَرامَتِهِ عَلَيْهِ، ويُضَيِّقُ عَلى مَن يَشاءُ، لا لِهَوانِهِ، بَلْ لِحِكْمَتِهِ وقَضائِهِ ابْتِلاءً. وقَرَأ الأعْمَشُ: ”لَوْلا مَنَّ اللَّهُ“، بِحَذْفِ ”أنْ“، وهي مُزادَةٌ. ورُوِيَ عَنْهُ: ”مَنُّ اللَّهِ“ بِرَفْعِ النُّونِ والإضافَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لَخُسِفَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وحَفْصٌ، وعِصْمَةُ، وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ، وابْنُ أبِي حَمّادٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ: مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وابْنُ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: ”لانْخَسَفَ بِنا“، كَقَوْلِكَ: انْقَطَعَ بِنا، كَأنَّهُ فِعْلٌ مُطاوِعٌ، والمَقامُ مَقامُ الفاعِلِ هو (بِنا) . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَصْدَرَ أيْ: لانْخَسَفَ الِانْخِسافُ، ومُطاوِعُ فَعَلَ لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ بِهِ، فَلِذَلِكَ بُنِيَ (p-١٣٦)إمّا لِلْبِناءِ وإمّا لِلْمَصْدَرِ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أيْضًا: ”لَتُخُسِّفَ“، بِتاءٍ وشَدِّ السِّينِ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.

القصص 28:75

(p-١٣١)﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ﴿ونَزَعْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكم فَعَلِمُوا أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ ما إنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ أُولِي القُوَّةِ إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ ﴿وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدّارَ الآخِرَةَ ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ ولا تَبْغِ الفَسادَ في الأرْضِ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أوَلَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَن هو أشَدُّ مِنهُ قُوَّةً وأكْثَرُ جَمْعًا ولا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَياةَ الدُّنْيا يالَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ويْلَكم ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ولا يُلَقّاها إلّا الصّابِرُونَ﴾ ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ فَما كانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ ﴿وأصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالأمْسِ يَقُولُونَ ويْكَأنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَوْلا أنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا ويْكَأنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ . تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ: (ويَوْمَ يُنادِيهِمْ) وكُرِّرَ هُنا عَلى جِهَةِ الإبْلاغِ والتَّأْكِيدِ. (ونَزَعْنا) أيْ: مَيَّزْنا وأخْرَجْنا بِسُرْعَةٍ مِن كُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ. (شَهِيدًا) وهو نَبِيُّ تِلْكَ الأُمَّةِ؛ لِأنَّهُ هو الشَّهِيدُ عَلَيْها، كَما قالَ: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] . وقِيلَ: عَدُولًا وخِيارًا. والشَّهِيدُ عَلى هَذا اسْمُ الجِنْسِ، والشَّهِيدُ يَشْهَدُ عَلى تِلْكَ الأُمَّةِ بِما صَدَرَ مِنها، وما أجابَتْ بِهِ؛ لَمّا دُعِيَتْ إلى التَّوْحِيدِ، وأنَّهُ قَدْ بَلَّغَهم رِسالَةَ رَبِّهِمْ. (فَقُلْنا) أيْ: لِلْمَلَأِ ﴿هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ أيْ: حُجَّتَكم فِيما كُنْتُمْ عَلَيْهِ في الدُّنْيا مِنَ الكُفْرِ ومُخالَفَةِ هَذا الشَّهِيدِ ﴿فَعَلِمُوا أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ﴾ لا لِأصْنامِهِمْ وما عَبَدُوا مِن دُونِ اللَّهِ. (وضَلَّ عَنْهم) أيْ: وغابَ عَنْهم غَيْبَةَ الشَّيْءِ الضّائِعِ ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مِنَ الكَذِبِ والباطِلِ. وقارُونُ أعْجَمِيٌّ: مُنِعَ الصَّرْفَ لِلْعُجْمَةِ والعَلَمِيَّةِ. وقِيلَ: ومَعْنى كانَ مِن قَوْمِهِ أيْ: مِمَّنْ آمَنَ بِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو إسْرائِيلِيٌّ بِإجْماعٍ. انْتَهى. واخْتُلِفَ في قَرابَتِهِ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، اخْتِلافًا مُضْطَرِبًا مُتَكاذِبًا، وأوْلاها ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّهُ ابْنُ عَمِّهِ، وهو قارُونُ بْنُ يَصْهُرَ بْنِ قاهِثَ، جَدِّ مُوسى؛ لِأنَّ النَّسّابِينَ ذَكَرُوا نَسَبَهُ كَذَلِكَ، وكانَ يُسَمّى المُنَوَّرَ لِحُسْنِ صُورَتِهِ، وكانَ أحْفَظَ بَنِي إسْرائِيلَ لِلتَّوْراةِ وأقْرَأهم، فَنافَقَ كَما نافَقَ السّامِرِيُّ. ﴿فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ ذَكَرُوا مِن أنْواعِ بَغْيِهِ الكُفْرَ، والكِبْرَ، وحَسَدَهُ لِمُوسى عَلى النُّبُوَّةِ، ولِهارُونَ عَلى الذَّبْحِ والقُرْبانِ، وظُلْمَهُ لِبَنِي إسْرائِيلَ حِينَ مَلَّكَهُ فِرْعَوْنُ عَلَيْهِمْ، ودَسَّهُ بَغِيًّا تَكْذِبُ عَلى مُوسى أنَّهُ تَعَرَّضَ لَها، وتَفْضَحُهُ بِذَلِكَ في مَلَأٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ. ومِن تَكَبُّرِهِ أنْ زادَ في ثِيابِهِ شِبْرًا. ﴿وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ﴾ قِيلَ: أظْفَرَهُ اللَّهُ بِكَنْزٍ مِن كُنُوزِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ: سُمِّيَتْ أمْوالُهُ كُنُوزًا، إذْ كانَ مُمْتَنِعًا مِن أداءِ الزَّكاةِ، وبِسَبَبِ ذَلِكَ عادى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أوَّلَ عَداوَتِهِ. و(ما) مَوْصُولَةٌ، صِلَتُها ”إنَّ“ ومَعْمُولاها. وقالَ النَّحّاسُ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ سُلَيْمانَ، يَعْنِي الأخْفَشَ الصَّغِيرَ، يَقُولُ: ما أقْبَحَ ما يَقُولُهُ الكُوفِيُّونَ في الصِّلاتِ، أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِلَةُ ”الَّذِي“ ”إنَّ“ وما عَمِلَتْ (p-١٣٢)فِيهِ، وفي القُرْآنِ: ﴿ما إنَّ مَفاتِحَهُ﴾ . انْتَهى. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ”مَفاتِحَ“ في سُورَةِ الأنْعامِ، وقالُوا هُنا: مَقالِيدُ خَزائِنِهِ. وقالَ السُّدِّيُّ: هي الخَزائِنُ نَفْسُها. وقالَ الضَّحّاكُ: ظُرُوفُهُ وأوْعِيَتُهُ. وقَرَأ الأعْمَشُ: ”مَفاتِيحَهُ“، بِياءٍ، جَمْعُ مِفْتاحٍ، وذَكَرُوا مِن كَثْرَةِ مَفاتِحِهِ ما هو كَذِبٌ، أوْ يُقارِبُ الكَذِبَ، فَلَمْ أكْتُبْهُ. قالَ أبُو زَيْدٍ: نُؤْتُ بِالعَمَلِ، إذا نَهَضْتَ بِهِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎إذا وجَدْنا خَلَفًا بِئْسَ الخَلَفْ عَبْدًا إذا ما ناءَ بِالحِمْلِ وقَفْ ويَقُولُ: ناءَ يَنُوءُ، إذا نَهَضَ بِثِقَلٍ. قالَ الشّاعِرُ: ؎تَنُوءُ بِأُخْراها فَلَأْيًا قِيامُها ∗∗∗ وتَمْشِي الهُوَيْنى عَنْ قَرِيبٍ فَتَبْهَرُ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو مَقْلُوبٌ وأصْلُهُ: لَتَنُوءُ بِها العُصْبَةُ، أيْ: تَنْهَضُ، والقَلْبُ عِنْدَ أصْحابِنا بابُهُ الشِّعْرُ. والصَّحِيحُ أنَّ الباءَ لِلتَّعْدِيَةِ، أيْ: لَتُنِيءُ العُصْبَةَ، كَما تَقُولُ: ذَهَبْتُ بِهِ وأذْهَبْتُهُ، وجِئْتُ بِهِ وأجَأْتُهُ. ونُقِلَ هَذا عَنِ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ والفَرّاءِ، واخْتارَهُ النَّحّاسُ، ورُوِيَ مَعْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي صالِحٍ والسُّدِّيِّ، وتَقُولُ العَرَبُ: ناءَ الحِمْلُ بِالبَعِيرِ إذا أثْقَلَهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُمْكِنُ أنْ يُسْنَدَ ”تَنُوءُ“ إلى المَفاتِحِ؛ لِأنَّها تَنْهَضُ بِتَحامُلٍ إذا فَعَلَ ذَلِكَ الَّذِي يَنْهَضُ بِها، وذا مُطَّرِدٌ في ناءَ الحِمْلُ بِالبَعِيرِ ونَحْوِهِ، فَتَأمَّلْهُ. وقَرَأ بُدَيْلُ بْنُ مَيْسَرَةَ: ”لَيَنُوءُ“ بِالياءِ وتَذْكِيرِهِ، راعى المُضافَ المَحْذُوفَ، التَّقْدِيرُ: ما إنَّ حَمْلَ مَفاتِحِهِ، أوْ مِقْدارِها، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ووَجْهُهُ أنْ يُفَسَّرَ المَفاتِحُ بِالخَزائِنِ، ويُعْطِيَها حُكْمَ ما أُضِيفَ إلَيْهِ لِلْمُلابَسَةِ والإيصالِ، كَقَوْلِهِ: ذَهَبَتْ أهْلُ اليَمامَةِ. انْتَهى. يَعْنِي: أنَّهُ اكْتَسَبَ المَفاتِحُ التَّذْكِيرَ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي لِقارُونَ، كَما اكْتَسَبَ أهْلٌ التَّأْنِيثَ مِن إضافَتِهِ إلى اليَمامَةِ، فَقِيلَ فِيهِ: ذَهَبَتْ. وذَكَرَ أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ أنَّ بُدَيْلَ بْنَ مَيْسَرَةَ قَرَأ: ”ما إنَّ مِفْتاحَهُ“ عَلى الإفْرادِ، فَلا تَحْتاجُ قِراءَتُهُ ”لَيَنُوءُ“ بِالياءِ إلى تَأْوِيلٍ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ العُصْبَةِ في سُورَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وتَقَدَّمَ قَبْلَ تَفْسِيرِ المَفاتِحِ، أهِيَ المَقالِيدُ، أوِ الخَزائِنُ نَفْسُها، أوِ الظُّرُوفُ والأوْعِيَةُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ: أنَّ المَفاتِحَ هي الأمْوالُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتْ خَزائِنُهُ تَحْمِلُها أرْبَعُونَ أقْوِياءُ، وكانَتْ أرْبَعَمِائَةِ ألْفٍ، يَحْمِلُ كُلُّ رَجُلٍ عَشَرَةَ آلافٍ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ مِنَ المَفاتِحِ: العِلْمُ والإحاطَةُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٥٩] والمُرادُ: وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ، ما إنَّ حِفْظَها والِاطِّلاعَ عَلَيْها لَيَثْقُلُ عَلى العُصْبَةِ، أيْ: هَذِهِ الكُنُوزُ لِكَثْرَتِها واخْتِلافِ أصْنافِها، يُتْعِبُ حِفْظُها القائِمِينَ عَلى حِفْظِها. ﴿إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ﴾ نَهَوْهُ عَنِ الفَرَحِ المُطْغِي الَّذِي هو انْهِماكٌ وانْحِلالُ نَفْسٍ وأشَرٌ وإعْجابٌ، وإنَّما يَفْرَحُ بِإقْبالِ الدُّنْيا عَلَيْهِ مَنِ اطْمَأنَّ إلَيْها وغَفَلَ عَنْ أمْرِ الآخِرَةِ، ومَن جَعَلَ أنَّهُ مُفارِقُ زَهْرَةِ الدُّنْيا عَنْ قَرِيبٍ، فَلا يَفْرَحُ بِها. وقالَ أبُو الطَّيِّبِ: ؎أشَدُّ الغَمِّ عِنْدِي في سُرُورٍ ∗∗∗ تَيَقَّنَ عَنْهُ صاحِبُهُ انْتِقالًا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَحَلٌّ ”إذْ“ مَنصُوبٌ بِـ: ”تُنُوءُ“ . انْتَهى، وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا؛ لِأنَّ إثْقالَ المَفاتِحِ العُصْبَةَ لَيْسَ مُقَيَّدًا بِوَقْتِ قَوْلِ قَوْمِهِ لَهُ: ﴿لا تَفْرَحْ﴾ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ وهو ضَعِيفٌ أيْضًا؛ لِأنَّ بَغْيَهُ عَلَيْهِمْ لَمْ يَكُنْ مُقَيَّدًا بِذَلِكَ الوَقْتِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: النّاصِبُ لَهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ. وقالَ أبُو البَقاءِ: (إذْ قالَ لَهُ) ظَرْفٌ لِـ: ”آتَيْناهُ“، وهو ضَعِيفٌ أيْضًا؛ لِأنَّ الإيتاءَ لَمْ يَكُنْ وقْتَ ذَلِكَ القَوْلِ. وقالَ أيْضًا: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ: بَغى عَلَيْهِمْ ﴿إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ﴾ . انْتَهى. ويَظْهَرُ أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُهُ: فَأظْهَرَ التَّفاخُرَ والفَرَحَ بِما أُوتِيَ مِنَ الكُنُوزِ ﴿إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ﴾ . وقالَ تَعالى: ﴿ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣] والعَرَبُ تَمْدَحُ بِتَرْكِ الفَرَحِ عِنْدَ إقْبالِ الخَيْرِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎ولَسْتُ بِمِفْراحٍ إذا الدَّهْرُ سَرَّنِي ∗∗∗ ولا جازِعٍ مِن صَرْفِهِ المُتَحَوِّلِ (p-١٣٣)وقالَ الآخَرُ: ؎إنْ نُلاقِ مُنْفِسًا لا تُلْفِنا ∗∗∗ فُرُحَ الخَيْرِ ولا نَكْبُو لِضُرِّ وقُرِئَ: الفارِحِينَ، حَكاهُ عِيسى بْنُ سُلَيْمانَ الحِجازِيُّ. و(لا يُحِبُّ) صِفَةُ فِعْلٍ، لا صِفَةُ ذاتٍ، بِمَعْنى الإرادَةِ؛ لِأنَّ الفَرَحَ أمْرٌ قَدْ وقَعَ، فالمَعْنى: لا يُظْهِرُ عَلَيْهِمْ بَرَكَتَهُ، ولا يَعُمُّهم رَحْمَتُهُ. ولَمّا نَهَوْهُ عَنِ الفَرَحِ المُطْغِي أمَرُوهُ بِأنْ يَطْلُبَ فِيما آتاهُ اللَّهُ مِنَ الكُنُوزِ وسَعَةِ الرِّزْقِ ثَوابَ الدّارِ الآخِرَةِ، بِأنْ يَفْعَلَ فِيهِ أفْعالَ البِرِّ، وتَجْعَلَهُ زادَكَ إلى الآخِرَةِ. ﴿ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والجُمْهُورُ: مَعْناهُ: ولا تُضَيِّعْ عُمُرَكَ في أنْ لا تَعْمَلَ صالِحًا في دُنْياكَ، إذِ الآخِرَةُ إنَّما يُعْمَلُ لَها في الدُّنْيا، فَنَصِيبُ الإنْسانِ عُمُرُهُ وعَمَلُهُ الصّالِحُ فِيها، وهَذا التَّأْوِيلُ فِيهِ عِظَةٌ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ مَعْناهُ: لا تُضَيِّعْ حَظَّكَ مِنَ الدُّنْيا في تَمَتُّعِكَ بِالحَلالِ وطَلَبِكَ، أيْ: إيّاهُ، ونَظَرِكَ لِعاقِبَةِ دُنْياكَ، وفي هَذا التَّأْوِيلِ بَعْضُ رِفْقٍ. وقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: قَدِّمِ الفَضْلَ وأمْسِكْ ما تَبْلُغُ بِهِ. وقالَ مالِكٌ: هو الأكْلُ والشُّرْبُ بِلا سَرَفٍ. وقِيلَ: أرادُوا بِنَصِيبِهِ الكَفَنَ، وهَذا وعْظٌ مُتَّصِلٌ، كَأنَّهم قالُوا: تَتْرُكُ جَمِيعَ مالِكَ، لا يَكُونُ نَصِيبُكَ مِنهُ إلّا الكَفَنَ؛ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎نَصِيبُكَ مِمّا تَجْمَعُ الدَّهْرَ كُلَّهُ ∗∗∗ رِداءانِ تَأْوِي فِيهِما وحَنُوطُ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنْ تَأْخُذَ مِنهُ ما يَكْفِيكَ ويُصْلِحُكَ، وهَذا قَرِيبٌ مِن قَوْلِ الحَسَنِ (وأحْسِنْ) إلى عِبادِ اللَّهِ، أوْ بِشُكْرِكَ وطاعَتِكَ لِلَّهِ. ﴿كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ بِتِلْكَ النِّعَمِ الَّتِي خَوَّلَكَها، والكافُ لِلتَّشْبِيهِ، وهو يَكُونُ في بَعْضِ الأوْصافِ؛ لِأنَّ مُماثَلَةَ إحْسانِ العَبْدِ لِإحْسانِ اللَّهِ مِن جَمِيعِ الصِّفاتِ يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ، فالتَّشْبِيهُ وقَعَ في مُطْلَقِ الإحْسانِ، أوْ تَكُونُ الكافُ لِلتَّعْلِيلِ، أيْ: أحْسِنْ لِأجْلِ إحْسانِ اللَّهِ إلَيْكَ. ﴿ولا تَبْغِ الفَسادَ﴾ أيْ: ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ البَغْيِ والظُّلْمِ. (عَلى عِلْمٍ) عِلْمٍ: مَصْدَرٌ، يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مُضافًا إلَيْهِ ومُضافًا إلى اللَّهِ. فَقالَ الجُمْهُورُ: ادَّعى أنَّ عِنْدَهُ عِلْمًا اسْتَوْجَبَ بِهِ أنْ يَكُونَ صاحِبَ تِلْكَ الكُنُوزِ. فَقِيلَ: عِلْمُ التَّوْراةِ وحِفْظُها، وكانَ أحَدَ السَّبْعِينَ الَّذِينَ اخْتارَهم مُوسى لِلْمِيقاتِ، وكانَتْ هَذِهِ مُغالَطَةً. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدّانِيُّ: أيْ عِلْمُ التِّجارَةِ ووُجُوهِ المَكاسِبِ، أيْ: أُوتِيتُهُ بِإدْراكِي وسَعْيِي. وقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: عِلْمُ الكِيمْياءِ، قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَعْلَمُ الكِيمْياءَ، وهي جَعْلُ الرَّصاصِ والنُّحاسِ ذَهَبًا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: عَلى عِلْمٍ لِصَنْعَةِ الذَّهَبِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ لا يَصِحُّ عَنْهُ ولا عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ. وأنْكَرَ الزَّجّاجُ عِلْمَ الكِيمْياءِ وقالَ: باطِلٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ. انْتَهى. وكَثِيرًا ما تُولَعُ أهْلُ مِصْرَ بِطَلَبِ أشْياءَ مِنَ المُسْتَحِيلاتِ والخُرافاتِ؛ مِن ذَلِكَ: تَغْوِيرُ الماءِ، وخِدْمَةُ الصُّوَرِ المُمَثَّلَةِ في الجُدُرِ خُطُوطًا، وادِّعاؤُهم أنَّ تِلْكَ الخُطُوطَ تَتَحَرَّكُ إذا خُدِمَتْ بِأنْواعٍ مِنَ الخَدَمِ لَهم والكِيمْياءِ حَتّى أنَّ مَشايِخَ العِلْمِ عِنْدَهم، الَّذِينَ هم عِنْدَهم بِصُورَةِ الوِلايَةِ، يَتَطَلَّبُ ذَلِكَ مِن أجْهَلِ وارِدٍ مِنَ المَغارِبَةِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: أرادَ ﴿أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ﴾ مِنَ اللَّهِ وتَخْصِيصٍ مِن لَدُنْهُ قَصَدَنِي بِهِ، أيْ: فَلا يَلْزَمُنِي فِيهِ شَيْءٌ مِمّا قُلْتُمْ، ثُمَّ جَعَلَ قَوْلَهُ: (عِنْدِي) كَما يَقُولُ: في مُعْتَقَدِي وعَلى ما أراهُ. وقالَ مُقاتِلٌ: (عَلى عِلْمٍ) أيْ: عَلى خَيْرٍ عَلِمَهُ اللَّهُ عِنْدِي. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أوَلَمْ يَعْلَمْ﴾ تَقْرِيرٌ لِعِلْمِهِ ذَلِكَ، وتَنْبِيهٌ عَلى خَطَئِهِ في اغْتِرارِهِ أيْ: قَدْ عَلِمَ أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مِنَ القُرُونِ قَبْلَهُ مَن هو أقْوى مِنهُ وأغْنى؛ لِأنَّهُ قَدْ قَرَأهُ في التَّوْراةِ، وأخْبَرَ بِهِ مُوسى، وسَمِعَهُ في التَّوارِيخِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أوَلَمْ يَعْلَمْ في جُمْلَةِ ما عِنْدَهُ مِنَ العِلْمِ ؟ هَذا حَتّى لا يَغْتَرَّ بِكَثْرَةِ مالِهِ وقُوَّتِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِعِلْمِهِ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ فَتَنَفَّحَ بِالعِلْمِ وتَعَظَّمَ بِهِ، قِيلَ: أعِنْدَهُ مِثْلُ ذَلِكَ العِلْمِ الَّذِي ادَّعاهُ ؟ وأُرِيَ نَفْسَهُ بِهِ مُسْتَوْجِبَةً لِكُلِّ نِعْمَةٍ، ولَمْ يَعْلَمْ هَذا العِلْمَ النّافِعَ حَتّى يَقِيَ نَفْسَهُ مَصارِعَ الهالِكِينَ. انْتَهى. ﴿وأكْثَرُ جَمْعًا﴾ إمّا لِلْمالِ، أوْ جَماعَةٍ يَحُوطُونَهُ ويَخْدِمُونَهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿أوَلَمْ يَعْلَمْ﴾ بِرُجْحِ أنَّ (p-١٣٤)قارُونَ تَشَبَّعَ بِعِلْمِ نَفْسِهِ عَلى زَعْمِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ولا يُسْألُ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ و(المُجْرِمُونَ) رُفِعَ بِهِ، وهو مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ. والضَّمِيرُ في (ذُنُوبِهِمْ) عائِدٌ عَلى مَن أُهْلِكَ مِنَ القُرُونِ، أيْ: لا يُسْألُ غَيْرُهم مِمَّنْ أجْرَمَ، ولا مِمَّنْ لَمْ يُجْرِمْ عَمَّنْ أهْلَكَهُ اللَّهُ بَلْ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨] . وقِيلَ: أهْلَكَ مَن أهْلَكَ مِنَ القُرُونِ، عَنْ عِلْمٍ مِنهُ بِذُنُوبِهِمْ، فَلَمْ يَحْتَجْ إلى مَسْألَتِهِمْ عَنْها. وقِيلَ: هو مُسْتَأْنَفٌ عَنْ حالِ يَوْمِ القِيامَةِ. قالَ قَتادَةُ: لا يُسْألُونَ عَنْ ذُنُوبِهِمْ لِظُهُورِها وكَثْرَتِها؛ لِأنَّهم يَدْخُلُونَ النّارَ بِغَيْرِ حِسابٍ. وقالَ قَتادَةُ أيْضًا ومُجاهِدٌ: لا تَسْألُهُمُ المَلائِكَةُ عَنْ ذُنُوبِهِمْ؛ لِأنَّهم يَعْرِفُونَهم بِسِيماهم مِنَ السَّوادِ والتَّشْوِيهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] . وقِيلَ: لا يُسْألُونَ سُؤالَ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ في رِوايَتِهِ: ”ولا تَسْألْ“، بِالتّاءِ والجَزْمِ، ”المُجْرِمِينَ“: نُصِبَ. وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ، وأبُو العالِيَةِ كَذَلِكَ في ”ولا تَسْألْ“ عَلى النَّهْيِ لِلْمُخاطَبِ، وكانَ ابْنُ أبِي إسْحاقَ لا يُجَوِّزُ ذَلِكَ إلّا أنْ يَكُونَ ”المُجْرِمِينَ“ بِالياءِ في مَحَلِّ النَّصْبِ، بِوُقُوعِ الفِعْلِ عَلَيْهِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: فالظّاهِرُ ما قالَهُ، ولَمْ يَبْلُغْنِي في نَصْبِ المُجْرِمِينَ شَيْءٌ، فَإنْ تَرَكاهُ عَلى رَفْعِهِ، فَلَهُ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ الهاءُ والمِيمُ في ﴿عَنْ ذُنُوبِهِمْ﴾ راجِعَةً إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ القُرُونِ، وارْتِفاعُ ”المُجْرِمِينَ“ بِإضْمارِ المُبْتَدَأِ، وتَقْدِيرُهُ: هُمُ المُجْرِمُونَ، أوْ: أُولَئِكَ المُجْرِمُونَ، ومِثْلُهُ ﴿التّائِبُونَ العابِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢] في التَّوْبَةِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن أصْلِ الهاءِ والمِيمِ في (ذُنُوبِهِمْ)؛ لِأنَّها - وإنْ كانَتْ في مَحَلِّ الجَرِّ بِالإضافَةِ إلَيْها - فَإنَّ أصْلَها الرَّفْعُ؛ لِأنَّ الإضافَةَ إلَيْها بِمَنزِلَةِ إضافَةِ المَصْدَرِ إلى اسْمِ الفاعِلِ؛ فَعَلى ذَلِكَ (المُجْرِمُونَ) مَحْمُولٌ عَلى الأصْلِ، عَلى ما تَقَدَّمَ لَنا مِن أنَّ بَعْضَهم قَرَأ: ﴿أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً﴾ [البقرة: ٢٦] بِالجَرِّ، عَلى أنَّها بَدَلٌ مِن أصْلِ المَثَلِ، و(ما) زائِدَةٌ فِيهِ، وتَقْدِيرُهُ: لا يَسْتَحِي بِضَرْبِ مَثَلِ بَعُوضَةٍ، أيْ: بِضَرْبِ بَعُوضَةٍ. في ذَلِكَ فَسَّرَ أنَّ مَعَ الفَصْلِ بِالمَصْدَرِ ناصِبٌ إلى المَفْعُولِ بِهِ، ثُمَّ أبْدَلَ مِنهُ البَعُوضَةَ مِن غَيْرِ أنْ أعْرِفَ فِيها أثَرًا لِحالٍ. فَأمّا قَوْلُهُ: مِن ذُنُوبِهِمْ، فَذُنُوبٌ جَمْعٌ، فَإنْ كانَ جَمْعَ مَصْدَرٍ فَفي إعْمالِهِ خِلافٌ. وأمّا قَوْلُهُ عَلى ما تَقَدَّمَ لَنا مِن أنَّ بَعْضَهم قَرَأ، فَقَدْ ذَكَرَ في البَقَرَةِ أنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ، ولا نَعْرِفُ فِيها أثَرًا، فَيَنْبَغِي أنْ لا يَجْعَلَها قِراءَةً. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى قارُونَ ونَعَتَهُ، وما آتاهُ مِنَ الكُنُوزِ، وفَرَحَهُ بِذَلِكَ فَرَحَ البَطِرِينَ، وادِّعاءَهُ أنَّ ما أُوتِيَ مِن ذَلِكَ إنَّما أُوتِيَهُ عَلى عِلْمٍ، ذَكَرَ ما هو ناشِئٌ عَنِ التَّكَبُّرِ والسُّرُورِ بِما أُوتِيَ، فَقالَ: ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ﴾ وكانَ يَوْمَ السَّبْتِ: أيْ: أظْهَرَ ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ المَلابِسِ والمَراكِبِ وزِينَةِ الدُّنْيا. قالَ جابِرٌ، ومُجاهِدٌ: في ثِيابٍ حُمْرٍ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو وحَشَمُهُ في ثِيابٍ مُعَصْفَرَةٍ. وقِيلَ: في ثِيابِ الأُرْجُوانِ. وقِيلَ: عَلى بَغْلَةٍ شَهْباءَ عَلَيْها الأُرْجُوانُ، وعَلَيْها سَرْجٌ مِن ذَهَبٍ، ومَعَهُ أرْبَعَةُ آلافٍ عَلى زِيِّهِ. وقِيلَ: عَلَيْهِمْ وعَلى خُيُولِهِمُ الدِّيباجُ الأحْمَرُ، وعَلى يَمِينِهِ ثَلاثُمِائَةِ غُلامٍ، وعَلى يَسارِهِ ثَلاثُمِائَةِ جارِيَةٍ بِيضٍ عَلَيْهِمُ الحُلِيُّ والدِّيباجُ. وقِيلَ: في تِسْعِينَ ألْفًا عَلَيْهِمُ المُعَصْفَراتُ، وهو أوَّلُ يَوْمٍ رُؤِيَ فِيهِ المُعَصْفَرُ. وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الكَيْفِيّاتِ. ﴿قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ قِيلَ: كانُوا مُؤْمِنِينَ. وقالَ قَتادَةُ: تَمَنَّوْهُ لِيَتَقَرَّبُوا بِهِ إلى اللَّهِ. وقِيلَ: رَغْبَةً في اليَسارَةِ والثَّرْوَةِ. وقِيلَ: كانُوا كُفّارًا، وتَمَنَّوْا ﴿مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ﴾ ولَمْ يَذْكُرُوا زَوالَ نِعْمَتِهِ، وهَذا مِنَ الغِبْطَةِ. ﴿إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ أيْ: دَرَجَةٍ عَظِيمَةٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ. وقِيلَ: نَصِيبٍ كَثِيرٍ مِنَ الدُّنْيا، والحَظُّ البَخْتُ والسَّعْدُ، يُقالُ: فُلانٌ ذُو حَظٍّ وحَظِيظٌ ومَحْظُوظٌ. ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ مِنهم: يُوشَعُ، والعِلْمُ: مَعْرِفَةُ الثَّوابِ والعِقابِ، أوِ التَّوَكُّلُ، أوِ الإخْبارُ، أقْوالٌ. (ويْلَكم) دُعاءٌ بِالشَّرِّ. ﴿ثَوابُ اللَّهِ﴾ وهو ما أعَدَّهُ في الآخِرَةِ لِلْمُؤْمِنِ (خَيْرٌ) مِمّا أُوتِيَ قارُونُ. ﴿ولا يُلَقّاها﴾ أيْ: هَذِهِ الحِكْمَةُ، وهي مَعْرِفَةُ ثَوابِ اللَّهِ، وقِيلَ: الجَنَّةُ ونَعِيمُها. وقِيلَ: هَذِهِ المَقالَةُ، وهي قَوْلُهم: ﴿ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ وبَّخَهم بِها. ﴿إلّا الصّابِرُونَ﴾ عَلى الطّاعاتِ وعَلى قَمْعِ أنْفُسِهِمْ عَنِ الشَّهَواتِ. تَقَدَّمَ (p-١٣٥)طَرَفٌ مِن خَبَرِ قارُونَ وحَسَدِهِ لِمُوسى. ومِن حَسَدِهِ أنَّهُ جَعَلَ لِبَغِيٍّ جُعْلًا، عَلى أنْ تَرْمِيَ مُوسى بِطَلَبِها وبِزِنائِها، وأنَّها تابَتْ إلى اللَّهِ، وأقَرَّتْ أنَّ قارُونَ هو الَّذِي جَعَلَ لَها جُعْلًا عَلى رَمْيِ مُوسى بِذَلِكَ، فَأمَرَ اللَّهُ الأرْضَ أنْ تُطِيعَهُ، فَقالَ: يا أرْضُ، خُذِيهِ وأتْباعَهُ، فَخُسِفَ بِهِمْ في حِكايَةٍ طَوِيلَةٍ، اللَّهُ أعْلَمُ بِها. ولَمّا خُسِفَ بِقارُونَ ومَن مَعَهُ، فَقالَ بَنُو إسْرائِيلَ: إنَّما دَعا مُوسى عَلى قارُونَ لِيَسْتَبِدَّ بِدارِهِ وكُنُوزِهِ، فَدَعا اللَّهَ حَتّى خَسَفَ بِدارِهِ وأمْوالِهِ. و”مِن“ زائِدَةٌ، أيْ: مِن جَماعَةٍ تُفِيدُ اسْتِغْراقَ الفِئاتِ. وإذا انْتَفَتِ الجُمْلَةُ، ولَمْ يَقْدِرْ عَلى نَصْرِهِ، فانْتِفاءُ الواحِدِ عَنْ نُصْرَتِهِ أبْلَغُ. ﴿وما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ في نَفْسِهِ مِمَّنْ يَمْتَنِعُ مِن عَذابِ اللَّهِ. ﴿وأصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالأمْسِ﴾ بَدَلٌ، وأصْبَحَ، إذا حُمِلَ عَلى ظاهِرِهِ، أنَّ الخَسْفَ بِهِ وبِدارِهِ كانَ لَيْلًا، وهو أفْظَعُ العَذابِ، إذِ اللَّيْلُ مَقَرُّ الرّاحَةِ والسُّكُونِ، والأمْسُ يَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِهِ الزَّمانُ الماضِي، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِهِ ما قَبْلَ يَوْمِ الخَسْفِ، وهو يَوْمُ التَّمَنِّي، ويَدُلُّ عَلَيْهِ العَطْفُ بِالفاءِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّعْقِيبَ في قَوْلِهِ: ﴿فَخَسَفْنا﴾ فَيَكُونُ فِيهِ اعْتِقابُ العَذابِ خُرُوجُهُ في زِينَتِهِ، وفي ذَلِكَ تَعْجِيلُ العَذابِ. ومَكانَهُ: مَنزِلَتَهُ في الدُّنْيا مِنَ الثَّرْوَةِ والحَشَمِ والأتْباعِ. و”ويْ“ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ: اسْمُ فِعْلٍ مِثْلُ: صَهْ ومَهْ، ومَعْناها: أعْجَبُ. قالَ الخَلِيلُ: وذَلِكَ أنَّ القَوْمَ نَدِمُوا فَقالُوا: مُتَنَدِّمِينَ عَلى ما سَلَفَ مِنهم: ويْ، وكُلُّ مَن نَدِمَ فَأظْهَرَ نَدامَتَهُ قالَ: ويْ. وكَأنَّ: هي كافُ التَّشْبِيهِ الدّاخِلَةُ عَلى ”أنَّ“، وكُتِبَتْ مُتَّصِلَةً بِكافِ التَّشْبِيهِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ؎ويْ كَأنَّ مَن يَكُنْ لَهُ نَشَبٌ يُحْ ∗∗∗ بَبْ ومَن يَفْتَقِرْ يَعِشْ عَيْشَ ضُرِّ والبَيْتُ لِزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ. وحَكى الفَرّاءُ أنَّ امْرَأةً قالَتْ لِزَوْجِها: أيْنَ ابْنُكَ ؟ فَقالَ: ويْكَأنَّهُ وراءَ البَيْتِ، وعَلى هَذا المَذْهَبِ يَكُونُ الوَقْفُ عَلى ويْ. وقالالأخْفَشُ: هي ويْكَ، ويَنْبَغِي أنْ تَكُونَ الكافُ حَرْفَ خِطابٍ، ولا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، والوَقْفُ عَلَيْهِ ويْكَ، ومِنهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ: ؎ولَقَدْ شَفا نَفْسِي وأبْرَأ سُقْمَها ∗∗∗ قِيلُ الفَوارِسِ ويْكَ عَنْتَرَ أقْدِمِ قالَ الأخْفَشُ: وأنَّ عِنْدَهُ مَفْتُوحٌ بِتَقْدِيرِ العِلْمِ، أيْ: أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎ألا ويْكَ المَضَرَّةَ لا تَدُومُ ∗∗∗ ولا يُبْقِي عَلى البُؤْسِ النَّعِيمُ وذَهَبُ الكِسائِيُّ ويُونُسُ وأبُو حاتِمٍ وغَيْرُهم إلى أنَّ أصْلَهُ ويْلَكَ، فَحُذِفَتِ اللّامُ والكافُ في مَوْضِعِ جَرٍّ بِالإضافَةِ. فَعَلى المَذْهَبِ الأوَّلِ قِيلَ: تَكُونُ الكافُ خالِيَةً مِن مَعْنى التَّشْبِيهِ، كَما قِيلَ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] . وعَلى المَذْهَبِ الثّانِي، فالمَعْنى: أعْجَبُ لِأنَّ اللَّهَ. وعَلى المَذْهَبِ الثّالِثِ تَكُونُ ويْلَكَ كَلِمَةَ تَحَزُّنٍ، والمَعْنى أيْضًا: لِأنَّ اللَّهَ. وقالَ أبُو زَيْدٍ وفِرْقَةٌ مَعَهُ: ويْكَأنَّ، حَرْفٌ واحِدٌ بِجُمْلَتِهِ، وهو بِمَعْنى: ألَمْ تَرَ. وبِمَعْنى: ألَمْ تَرَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والكِسائِيُّ وأبُو عُبَيْدٍ. وقالَ الفَرّاءُ: ويْكَ في كَلامِ العَرَبِ كَقَوْلِ الرَّجُلِ: أما تَرى إلى صُنْعِ اللَّهِ ؟ وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، عَنْ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ أنَّهُ قالَ: مَعْنى ويْكَ: رَحْمَةً لَكَ، بِلُغَةِ حِمْيَرَ. ولَمّا صَدَرَ مِنهم تَمَنِّي حالِ قارُونَ، وشاهَدُوا الخَسْفَ، كانَ ذَلِكَ زاجِرًا لَهم عَنْ حُبِّ الدُّنْيا، وداعِيًا إلى الرِّضا بِقَدَرِ اللَّهِ، فَتَنَبَّهُوا لِخَطَئِهِمْ فَقالُوا: ويْ، ثُمَّ قالُوا: ﴿كَأنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ بِحَسَبِ مَشِيئَتِهِ وحِكْمَتِهِ، لا لِكَرامَتِهِ عَلَيْهِ، ويُضَيِّقُ عَلى مَن يَشاءُ، لا لِهَوانِهِ، بَلْ لِحِكْمَتِهِ وقَضائِهِ ابْتِلاءً. وقَرَأ الأعْمَشُ: ”لَوْلا مَنَّ اللَّهُ“، بِحَذْفِ ”أنْ“، وهي مُزادَةٌ. ورُوِيَ عَنْهُ: ”مَنُّ اللَّهِ“ بِرَفْعِ النُّونِ والإضافَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لَخُسِفَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وحَفْصٌ، وعِصْمَةُ، وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ، وابْنُ أبِي حَمّادٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ: مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وابْنُ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: ”لانْخَسَفَ بِنا“، كَقَوْلِكَ: انْقَطَعَ بِنا، كَأنَّهُ فِعْلٌ مُطاوِعٌ، والمَقامُ مَقامُ الفاعِلِ هو (بِنا) . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَصْدَرَ أيْ: لانْخَسَفَ الِانْخِسافُ، ومُطاوِعُ فَعَلَ لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ بِهِ، فَلِذَلِكَ بُنِيَ (p-١٣٦)إمّا لِلْبِناءِ وإمّا لِلْمَصْدَرِ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أيْضًا: ”لَتُخُسِّفَ“، بِتاءٍ وشَدِّ السِّينِ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.

القصص 28:76

(p-١٣١)﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ﴿ونَزَعْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكم فَعَلِمُوا أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ ما إنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ أُولِي القُوَّةِ إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ ﴿وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدّارَ الآخِرَةَ ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ ولا تَبْغِ الفَسادَ في الأرْضِ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أوَلَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَن هو أشَدُّ مِنهُ قُوَّةً وأكْثَرُ جَمْعًا ولا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَياةَ الدُّنْيا يالَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ويْلَكم ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ولا يُلَقّاها إلّا الصّابِرُونَ﴾ ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ فَما كانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ ﴿وأصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالأمْسِ يَقُولُونَ ويْكَأنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَوْلا أنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا ويْكَأنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ . تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ: (ويَوْمَ يُنادِيهِمْ) وكُرِّرَ هُنا عَلى جِهَةِ الإبْلاغِ والتَّأْكِيدِ. (ونَزَعْنا) أيْ: مَيَّزْنا وأخْرَجْنا بِسُرْعَةٍ مِن كُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ. (شَهِيدًا) وهو نَبِيُّ تِلْكَ الأُمَّةِ؛ لِأنَّهُ هو الشَّهِيدُ عَلَيْها، كَما قالَ: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] . وقِيلَ: عَدُولًا وخِيارًا. والشَّهِيدُ عَلى هَذا اسْمُ الجِنْسِ، والشَّهِيدُ يَشْهَدُ عَلى تِلْكَ الأُمَّةِ بِما صَدَرَ مِنها، وما أجابَتْ بِهِ؛ لَمّا دُعِيَتْ إلى التَّوْحِيدِ، وأنَّهُ قَدْ بَلَّغَهم رِسالَةَ رَبِّهِمْ. (فَقُلْنا) أيْ: لِلْمَلَأِ ﴿هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ أيْ: حُجَّتَكم فِيما كُنْتُمْ عَلَيْهِ في الدُّنْيا مِنَ الكُفْرِ ومُخالَفَةِ هَذا الشَّهِيدِ ﴿فَعَلِمُوا أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ﴾ لا لِأصْنامِهِمْ وما عَبَدُوا مِن دُونِ اللَّهِ. (وضَلَّ عَنْهم) أيْ: وغابَ عَنْهم غَيْبَةَ الشَّيْءِ الضّائِعِ ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مِنَ الكَذِبِ والباطِلِ. وقارُونُ أعْجَمِيٌّ: مُنِعَ الصَّرْفَ لِلْعُجْمَةِ والعَلَمِيَّةِ. وقِيلَ: ومَعْنى كانَ مِن قَوْمِهِ أيْ: مِمَّنْ آمَنَ بِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو إسْرائِيلِيٌّ بِإجْماعٍ. انْتَهى. واخْتُلِفَ في قَرابَتِهِ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، اخْتِلافًا مُضْطَرِبًا مُتَكاذِبًا، وأوْلاها ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّهُ ابْنُ عَمِّهِ، وهو قارُونُ بْنُ يَصْهُرَ بْنِ قاهِثَ، جَدِّ مُوسى؛ لِأنَّ النَّسّابِينَ ذَكَرُوا نَسَبَهُ كَذَلِكَ، وكانَ يُسَمّى المُنَوَّرَ لِحُسْنِ صُورَتِهِ، وكانَ أحْفَظَ بَنِي إسْرائِيلَ لِلتَّوْراةِ وأقْرَأهم، فَنافَقَ كَما نافَقَ السّامِرِيُّ. ﴿فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ ذَكَرُوا مِن أنْواعِ بَغْيِهِ الكُفْرَ، والكِبْرَ، وحَسَدَهُ لِمُوسى عَلى النُّبُوَّةِ، ولِهارُونَ عَلى الذَّبْحِ والقُرْبانِ، وظُلْمَهُ لِبَنِي إسْرائِيلَ حِينَ مَلَّكَهُ فِرْعَوْنُ عَلَيْهِمْ، ودَسَّهُ بَغِيًّا تَكْذِبُ عَلى مُوسى أنَّهُ تَعَرَّضَ لَها، وتَفْضَحُهُ بِذَلِكَ في مَلَأٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ. ومِن تَكَبُّرِهِ أنْ زادَ في ثِيابِهِ شِبْرًا. ﴿وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ﴾ قِيلَ: أظْفَرَهُ اللَّهُ بِكَنْزٍ مِن كُنُوزِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ: سُمِّيَتْ أمْوالُهُ كُنُوزًا، إذْ كانَ مُمْتَنِعًا مِن أداءِ الزَّكاةِ، وبِسَبَبِ ذَلِكَ عادى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أوَّلَ عَداوَتِهِ. و(ما) مَوْصُولَةٌ، صِلَتُها ”إنَّ“ ومَعْمُولاها. وقالَ النَّحّاسُ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ سُلَيْمانَ، يَعْنِي الأخْفَشَ الصَّغِيرَ، يَقُولُ: ما أقْبَحَ ما يَقُولُهُ الكُوفِيُّونَ في الصِّلاتِ، أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِلَةُ ”الَّذِي“ ”إنَّ“ وما عَمِلَتْ (p-١٣٢)فِيهِ، وفي القُرْآنِ: ﴿ما إنَّ مَفاتِحَهُ﴾ . انْتَهى. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ”مَفاتِحَ“ في سُورَةِ الأنْعامِ، وقالُوا هُنا: مَقالِيدُ خَزائِنِهِ. وقالَ السُّدِّيُّ: هي الخَزائِنُ نَفْسُها. وقالَ الضَّحّاكُ: ظُرُوفُهُ وأوْعِيَتُهُ. وقَرَأ الأعْمَشُ: ”مَفاتِيحَهُ“، بِياءٍ، جَمْعُ مِفْتاحٍ، وذَكَرُوا مِن كَثْرَةِ مَفاتِحِهِ ما هو كَذِبٌ، أوْ يُقارِبُ الكَذِبَ، فَلَمْ أكْتُبْهُ. قالَ أبُو زَيْدٍ: نُؤْتُ بِالعَمَلِ، إذا نَهَضْتَ بِهِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎إذا وجَدْنا خَلَفًا بِئْسَ الخَلَفْ عَبْدًا إذا ما ناءَ بِالحِمْلِ وقَفْ ويَقُولُ: ناءَ يَنُوءُ، إذا نَهَضَ بِثِقَلٍ. قالَ الشّاعِرُ: ؎تَنُوءُ بِأُخْراها فَلَأْيًا قِيامُها ∗∗∗ وتَمْشِي الهُوَيْنى عَنْ قَرِيبٍ فَتَبْهَرُ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو مَقْلُوبٌ وأصْلُهُ: لَتَنُوءُ بِها العُصْبَةُ، أيْ: تَنْهَضُ، والقَلْبُ عِنْدَ أصْحابِنا بابُهُ الشِّعْرُ. والصَّحِيحُ أنَّ الباءَ لِلتَّعْدِيَةِ، أيْ: لَتُنِيءُ العُصْبَةَ، كَما تَقُولُ: ذَهَبْتُ بِهِ وأذْهَبْتُهُ، وجِئْتُ بِهِ وأجَأْتُهُ. ونُقِلَ هَذا عَنِ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ والفَرّاءِ، واخْتارَهُ النَّحّاسُ، ورُوِيَ مَعْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي صالِحٍ والسُّدِّيِّ، وتَقُولُ العَرَبُ: ناءَ الحِمْلُ بِالبَعِيرِ إذا أثْقَلَهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُمْكِنُ أنْ يُسْنَدَ ”تَنُوءُ“ إلى المَفاتِحِ؛ لِأنَّها تَنْهَضُ بِتَحامُلٍ إذا فَعَلَ ذَلِكَ الَّذِي يَنْهَضُ بِها، وذا مُطَّرِدٌ في ناءَ الحِمْلُ بِالبَعِيرِ ونَحْوِهِ، فَتَأمَّلْهُ. وقَرَأ بُدَيْلُ بْنُ مَيْسَرَةَ: ”لَيَنُوءُ“ بِالياءِ وتَذْكِيرِهِ، راعى المُضافَ المَحْذُوفَ، التَّقْدِيرُ: ما إنَّ حَمْلَ مَفاتِحِهِ، أوْ مِقْدارِها، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ووَجْهُهُ أنْ يُفَسَّرَ المَفاتِحُ بِالخَزائِنِ، ويُعْطِيَها حُكْمَ ما أُضِيفَ إلَيْهِ لِلْمُلابَسَةِ والإيصالِ، كَقَوْلِهِ: ذَهَبَتْ أهْلُ اليَمامَةِ. انْتَهى. يَعْنِي: أنَّهُ اكْتَسَبَ المَفاتِحُ التَّذْكِيرَ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي لِقارُونَ، كَما اكْتَسَبَ أهْلٌ التَّأْنِيثَ مِن إضافَتِهِ إلى اليَمامَةِ، فَقِيلَ فِيهِ: ذَهَبَتْ. وذَكَرَ أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ أنَّ بُدَيْلَ بْنَ مَيْسَرَةَ قَرَأ: ”ما إنَّ مِفْتاحَهُ“ عَلى الإفْرادِ، فَلا تَحْتاجُ قِراءَتُهُ ”لَيَنُوءُ“ بِالياءِ إلى تَأْوِيلٍ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ العُصْبَةِ في سُورَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وتَقَدَّمَ قَبْلَ تَفْسِيرِ المَفاتِحِ، أهِيَ المَقالِيدُ، أوِ الخَزائِنُ نَفْسُها، أوِ الظُّرُوفُ والأوْعِيَةُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ: أنَّ المَفاتِحَ هي الأمْوالُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتْ خَزائِنُهُ تَحْمِلُها أرْبَعُونَ أقْوِياءُ، وكانَتْ أرْبَعَمِائَةِ ألْفٍ، يَحْمِلُ كُلُّ رَجُلٍ عَشَرَةَ آلافٍ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ مِنَ المَفاتِحِ: العِلْمُ والإحاطَةُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٥٩] والمُرادُ: وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ، ما إنَّ حِفْظَها والِاطِّلاعَ عَلَيْها لَيَثْقُلُ عَلى العُصْبَةِ، أيْ: هَذِهِ الكُنُوزُ لِكَثْرَتِها واخْتِلافِ أصْنافِها، يُتْعِبُ حِفْظُها القائِمِينَ عَلى حِفْظِها. ﴿إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ﴾ نَهَوْهُ عَنِ الفَرَحِ المُطْغِي الَّذِي هو انْهِماكٌ وانْحِلالُ نَفْسٍ وأشَرٌ وإعْجابٌ، وإنَّما يَفْرَحُ بِإقْبالِ الدُّنْيا عَلَيْهِ مَنِ اطْمَأنَّ إلَيْها وغَفَلَ عَنْ أمْرِ الآخِرَةِ، ومَن جَعَلَ أنَّهُ مُفارِقُ زَهْرَةِ الدُّنْيا عَنْ قَرِيبٍ، فَلا يَفْرَحُ بِها. وقالَ أبُو الطَّيِّبِ: ؎أشَدُّ الغَمِّ عِنْدِي في سُرُورٍ ∗∗∗ تَيَقَّنَ عَنْهُ صاحِبُهُ انْتِقالًا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَحَلٌّ ”إذْ“ مَنصُوبٌ بِـ: ”تُنُوءُ“ . انْتَهى، وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا؛ لِأنَّ إثْقالَ المَفاتِحِ العُصْبَةَ لَيْسَ مُقَيَّدًا بِوَقْتِ قَوْلِ قَوْمِهِ لَهُ: ﴿لا تَفْرَحْ﴾ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ وهو ضَعِيفٌ أيْضًا؛ لِأنَّ بَغْيَهُ عَلَيْهِمْ لَمْ يَكُنْ مُقَيَّدًا بِذَلِكَ الوَقْتِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: النّاصِبُ لَهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ. وقالَ أبُو البَقاءِ: (إذْ قالَ لَهُ) ظَرْفٌ لِـ: ”آتَيْناهُ“، وهو ضَعِيفٌ أيْضًا؛ لِأنَّ الإيتاءَ لَمْ يَكُنْ وقْتَ ذَلِكَ القَوْلِ. وقالَ أيْضًا: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ: بَغى عَلَيْهِمْ ﴿إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ﴾ . انْتَهى. ويَظْهَرُ أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُهُ: فَأظْهَرَ التَّفاخُرَ والفَرَحَ بِما أُوتِيَ مِنَ الكُنُوزِ ﴿إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ﴾ . وقالَ تَعالى: ﴿ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣] والعَرَبُ تَمْدَحُ بِتَرْكِ الفَرَحِ عِنْدَ إقْبالِ الخَيْرِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎ولَسْتُ بِمِفْراحٍ إذا الدَّهْرُ سَرَّنِي ∗∗∗ ولا جازِعٍ مِن صَرْفِهِ المُتَحَوِّلِ (p-١٣٣)وقالَ الآخَرُ: ؎إنْ نُلاقِ مُنْفِسًا لا تُلْفِنا ∗∗∗ فُرُحَ الخَيْرِ ولا نَكْبُو لِضُرِّ وقُرِئَ: الفارِحِينَ، حَكاهُ عِيسى بْنُ سُلَيْمانَ الحِجازِيُّ. و(لا يُحِبُّ) صِفَةُ فِعْلٍ، لا صِفَةُ ذاتٍ، بِمَعْنى الإرادَةِ؛ لِأنَّ الفَرَحَ أمْرٌ قَدْ وقَعَ، فالمَعْنى: لا يُظْهِرُ عَلَيْهِمْ بَرَكَتَهُ، ولا يَعُمُّهم رَحْمَتُهُ. ولَمّا نَهَوْهُ عَنِ الفَرَحِ المُطْغِي أمَرُوهُ بِأنْ يَطْلُبَ فِيما آتاهُ اللَّهُ مِنَ الكُنُوزِ وسَعَةِ الرِّزْقِ ثَوابَ الدّارِ الآخِرَةِ، بِأنْ يَفْعَلَ فِيهِ أفْعالَ البِرِّ، وتَجْعَلَهُ زادَكَ إلى الآخِرَةِ. ﴿ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والجُمْهُورُ: مَعْناهُ: ولا تُضَيِّعْ عُمُرَكَ في أنْ لا تَعْمَلَ صالِحًا في دُنْياكَ، إذِ الآخِرَةُ إنَّما يُعْمَلُ لَها في الدُّنْيا، فَنَصِيبُ الإنْسانِ عُمُرُهُ وعَمَلُهُ الصّالِحُ فِيها، وهَذا التَّأْوِيلُ فِيهِ عِظَةٌ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ مَعْناهُ: لا تُضَيِّعْ حَظَّكَ مِنَ الدُّنْيا في تَمَتُّعِكَ بِالحَلالِ وطَلَبِكَ، أيْ: إيّاهُ، ونَظَرِكَ لِعاقِبَةِ دُنْياكَ، وفي هَذا التَّأْوِيلِ بَعْضُ رِفْقٍ. وقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: قَدِّمِ الفَضْلَ وأمْسِكْ ما تَبْلُغُ بِهِ. وقالَ مالِكٌ: هو الأكْلُ والشُّرْبُ بِلا سَرَفٍ. وقِيلَ: أرادُوا بِنَصِيبِهِ الكَفَنَ، وهَذا وعْظٌ مُتَّصِلٌ، كَأنَّهم قالُوا: تَتْرُكُ جَمِيعَ مالِكَ، لا يَكُونُ نَصِيبُكَ مِنهُ إلّا الكَفَنَ؛ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎نَصِيبُكَ مِمّا تَجْمَعُ الدَّهْرَ كُلَّهُ ∗∗∗ رِداءانِ تَأْوِي فِيهِما وحَنُوطُ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنْ تَأْخُذَ مِنهُ ما يَكْفِيكَ ويُصْلِحُكَ، وهَذا قَرِيبٌ مِن قَوْلِ الحَسَنِ (وأحْسِنْ) إلى عِبادِ اللَّهِ، أوْ بِشُكْرِكَ وطاعَتِكَ لِلَّهِ. ﴿كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ بِتِلْكَ النِّعَمِ الَّتِي خَوَّلَكَها، والكافُ لِلتَّشْبِيهِ، وهو يَكُونُ في بَعْضِ الأوْصافِ؛ لِأنَّ مُماثَلَةَ إحْسانِ العَبْدِ لِإحْسانِ اللَّهِ مِن جَمِيعِ الصِّفاتِ يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ، فالتَّشْبِيهُ وقَعَ في مُطْلَقِ الإحْسانِ، أوْ تَكُونُ الكافُ لِلتَّعْلِيلِ، أيْ: أحْسِنْ لِأجْلِ إحْسانِ اللَّهِ إلَيْكَ. ﴿ولا تَبْغِ الفَسادَ﴾ أيْ: ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ البَغْيِ والظُّلْمِ. (عَلى عِلْمٍ) عِلْمٍ: مَصْدَرٌ، يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مُضافًا إلَيْهِ ومُضافًا إلى اللَّهِ. فَقالَ الجُمْهُورُ: ادَّعى أنَّ عِنْدَهُ عِلْمًا اسْتَوْجَبَ بِهِ أنْ يَكُونَ صاحِبَ تِلْكَ الكُنُوزِ. فَقِيلَ: عِلْمُ التَّوْراةِ وحِفْظُها، وكانَ أحَدَ السَّبْعِينَ الَّذِينَ اخْتارَهم مُوسى لِلْمِيقاتِ، وكانَتْ هَذِهِ مُغالَطَةً. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدّانِيُّ: أيْ عِلْمُ التِّجارَةِ ووُجُوهِ المَكاسِبِ، أيْ: أُوتِيتُهُ بِإدْراكِي وسَعْيِي. وقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: عِلْمُ الكِيمْياءِ، قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَعْلَمُ الكِيمْياءَ، وهي جَعْلُ الرَّصاصِ والنُّحاسِ ذَهَبًا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: عَلى عِلْمٍ لِصَنْعَةِ الذَّهَبِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ لا يَصِحُّ عَنْهُ ولا عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ. وأنْكَرَ الزَّجّاجُ عِلْمَ الكِيمْياءِ وقالَ: باطِلٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ. انْتَهى. وكَثِيرًا ما تُولَعُ أهْلُ مِصْرَ بِطَلَبِ أشْياءَ مِنَ المُسْتَحِيلاتِ والخُرافاتِ؛ مِن ذَلِكَ: تَغْوِيرُ الماءِ، وخِدْمَةُ الصُّوَرِ المُمَثَّلَةِ في الجُدُرِ خُطُوطًا، وادِّعاؤُهم أنَّ تِلْكَ الخُطُوطَ تَتَحَرَّكُ إذا خُدِمَتْ بِأنْواعٍ مِنَ الخَدَمِ لَهم والكِيمْياءِ حَتّى أنَّ مَشايِخَ العِلْمِ عِنْدَهم، الَّذِينَ هم عِنْدَهم بِصُورَةِ الوِلايَةِ، يَتَطَلَّبُ ذَلِكَ مِن أجْهَلِ وارِدٍ مِنَ المَغارِبَةِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: أرادَ ﴿أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ﴾ مِنَ اللَّهِ وتَخْصِيصٍ مِن لَدُنْهُ قَصَدَنِي بِهِ، أيْ: فَلا يَلْزَمُنِي فِيهِ شَيْءٌ مِمّا قُلْتُمْ، ثُمَّ جَعَلَ قَوْلَهُ: (عِنْدِي) كَما يَقُولُ: في مُعْتَقَدِي وعَلى ما أراهُ. وقالَ مُقاتِلٌ: (عَلى عِلْمٍ) أيْ: عَلى خَيْرٍ عَلِمَهُ اللَّهُ عِنْدِي. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أوَلَمْ يَعْلَمْ﴾ تَقْرِيرٌ لِعِلْمِهِ ذَلِكَ، وتَنْبِيهٌ عَلى خَطَئِهِ في اغْتِرارِهِ أيْ: قَدْ عَلِمَ أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مِنَ القُرُونِ قَبْلَهُ مَن هو أقْوى مِنهُ وأغْنى؛ لِأنَّهُ قَدْ قَرَأهُ في التَّوْراةِ، وأخْبَرَ بِهِ مُوسى، وسَمِعَهُ في التَّوارِيخِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أوَلَمْ يَعْلَمْ في جُمْلَةِ ما عِنْدَهُ مِنَ العِلْمِ ؟ هَذا حَتّى لا يَغْتَرَّ بِكَثْرَةِ مالِهِ وقُوَّتِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِعِلْمِهِ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ فَتَنَفَّحَ بِالعِلْمِ وتَعَظَّمَ بِهِ، قِيلَ: أعِنْدَهُ مِثْلُ ذَلِكَ العِلْمِ الَّذِي ادَّعاهُ ؟ وأُرِيَ نَفْسَهُ بِهِ مُسْتَوْجِبَةً لِكُلِّ نِعْمَةٍ، ولَمْ يَعْلَمْ هَذا العِلْمَ النّافِعَ حَتّى يَقِيَ نَفْسَهُ مَصارِعَ الهالِكِينَ. انْتَهى. ﴿وأكْثَرُ جَمْعًا﴾ إمّا لِلْمالِ، أوْ جَماعَةٍ يَحُوطُونَهُ ويَخْدِمُونَهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿أوَلَمْ يَعْلَمْ﴾ بِرُجْحِ أنَّ (p-١٣٤)قارُونَ تَشَبَّعَ بِعِلْمِ نَفْسِهِ عَلى زَعْمِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ولا يُسْألُ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ و(المُجْرِمُونَ) رُفِعَ بِهِ، وهو مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ. والضَّمِيرُ في (ذُنُوبِهِمْ) عائِدٌ عَلى مَن أُهْلِكَ مِنَ القُرُونِ، أيْ: لا يُسْألُ غَيْرُهم مِمَّنْ أجْرَمَ، ولا مِمَّنْ لَمْ يُجْرِمْ عَمَّنْ أهْلَكَهُ اللَّهُ بَلْ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨] . وقِيلَ: أهْلَكَ مَن أهْلَكَ مِنَ القُرُونِ، عَنْ عِلْمٍ مِنهُ بِذُنُوبِهِمْ، فَلَمْ يَحْتَجْ إلى مَسْألَتِهِمْ عَنْها. وقِيلَ: هو مُسْتَأْنَفٌ عَنْ حالِ يَوْمِ القِيامَةِ. قالَ قَتادَةُ: لا يُسْألُونَ عَنْ ذُنُوبِهِمْ لِظُهُورِها وكَثْرَتِها؛ لِأنَّهم يَدْخُلُونَ النّارَ بِغَيْرِ حِسابٍ. وقالَ قَتادَةُ أيْضًا ومُجاهِدٌ: لا تَسْألُهُمُ المَلائِكَةُ عَنْ ذُنُوبِهِمْ؛ لِأنَّهم يَعْرِفُونَهم بِسِيماهم مِنَ السَّوادِ والتَّشْوِيهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] . وقِيلَ: لا يُسْألُونَ سُؤالَ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ في رِوايَتِهِ: ”ولا تَسْألْ“، بِالتّاءِ والجَزْمِ، ”المُجْرِمِينَ“: نُصِبَ. وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ، وأبُو العالِيَةِ كَذَلِكَ في ”ولا تَسْألْ“ عَلى النَّهْيِ لِلْمُخاطَبِ، وكانَ ابْنُ أبِي إسْحاقَ لا يُجَوِّزُ ذَلِكَ إلّا أنْ يَكُونَ ”المُجْرِمِينَ“ بِالياءِ في مَحَلِّ النَّصْبِ، بِوُقُوعِ الفِعْلِ عَلَيْهِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: فالظّاهِرُ ما قالَهُ، ولَمْ يَبْلُغْنِي في نَصْبِ المُجْرِمِينَ شَيْءٌ، فَإنْ تَرَكاهُ عَلى رَفْعِهِ، فَلَهُ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ الهاءُ والمِيمُ في ﴿عَنْ ذُنُوبِهِمْ﴾ راجِعَةً إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ القُرُونِ، وارْتِفاعُ ”المُجْرِمِينَ“ بِإضْمارِ المُبْتَدَأِ، وتَقْدِيرُهُ: هُمُ المُجْرِمُونَ، أوْ: أُولَئِكَ المُجْرِمُونَ، ومِثْلُهُ ﴿التّائِبُونَ العابِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢] في التَّوْبَةِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن أصْلِ الهاءِ والمِيمِ في (ذُنُوبِهِمْ)؛ لِأنَّها - وإنْ كانَتْ في مَحَلِّ الجَرِّ بِالإضافَةِ إلَيْها - فَإنَّ أصْلَها الرَّفْعُ؛ لِأنَّ الإضافَةَ إلَيْها بِمَنزِلَةِ إضافَةِ المَصْدَرِ إلى اسْمِ الفاعِلِ؛ فَعَلى ذَلِكَ (المُجْرِمُونَ) مَحْمُولٌ عَلى الأصْلِ، عَلى ما تَقَدَّمَ لَنا مِن أنَّ بَعْضَهم قَرَأ: ﴿أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً﴾ [البقرة: ٢٦] بِالجَرِّ، عَلى أنَّها بَدَلٌ مِن أصْلِ المَثَلِ، و(ما) زائِدَةٌ فِيهِ، وتَقْدِيرُهُ: لا يَسْتَحِي بِضَرْبِ مَثَلِ بَعُوضَةٍ، أيْ: بِضَرْبِ بَعُوضَةٍ. في ذَلِكَ فَسَّرَ أنَّ مَعَ الفَصْلِ بِالمَصْدَرِ ناصِبٌ إلى المَفْعُولِ بِهِ، ثُمَّ أبْدَلَ مِنهُ البَعُوضَةَ مِن غَيْرِ أنْ أعْرِفَ فِيها أثَرًا لِحالٍ. فَأمّا قَوْلُهُ: مِن ذُنُوبِهِمْ، فَذُنُوبٌ جَمْعٌ، فَإنْ كانَ جَمْعَ مَصْدَرٍ فَفي إعْمالِهِ خِلافٌ. وأمّا قَوْلُهُ عَلى ما تَقَدَّمَ لَنا مِن أنَّ بَعْضَهم قَرَأ، فَقَدْ ذَكَرَ في البَقَرَةِ أنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ، ولا نَعْرِفُ فِيها أثَرًا، فَيَنْبَغِي أنْ لا يَجْعَلَها قِراءَةً. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى قارُونَ ونَعَتَهُ، وما آتاهُ مِنَ الكُنُوزِ، وفَرَحَهُ بِذَلِكَ فَرَحَ البَطِرِينَ، وادِّعاءَهُ أنَّ ما أُوتِيَ مِن ذَلِكَ إنَّما أُوتِيَهُ عَلى عِلْمٍ، ذَكَرَ ما هو ناشِئٌ عَنِ التَّكَبُّرِ والسُّرُورِ بِما أُوتِيَ، فَقالَ: ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ﴾ وكانَ يَوْمَ السَّبْتِ: أيْ: أظْهَرَ ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ المَلابِسِ والمَراكِبِ وزِينَةِ الدُّنْيا. قالَ جابِرٌ، ومُجاهِدٌ: في ثِيابٍ حُمْرٍ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو وحَشَمُهُ في ثِيابٍ مُعَصْفَرَةٍ. وقِيلَ: في ثِيابِ الأُرْجُوانِ. وقِيلَ: عَلى بَغْلَةٍ شَهْباءَ عَلَيْها الأُرْجُوانُ، وعَلَيْها سَرْجٌ مِن ذَهَبٍ، ومَعَهُ أرْبَعَةُ آلافٍ عَلى زِيِّهِ. وقِيلَ: عَلَيْهِمْ وعَلى خُيُولِهِمُ الدِّيباجُ الأحْمَرُ، وعَلى يَمِينِهِ ثَلاثُمِائَةِ غُلامٍ، وعَلى يَسارِهِ ثَلاثُمِائَةِ جارِيَةٍ بِيضٍ عَلَيْهِمُ الحُلِيُّ والدِّيباجُ. وقِيلَ: في تِسْعِينَ ألْفًا عَلَيْهِمُ المُعَصْفَراتُ، وهو أوَّلُ يَوْمٍ رُؤِيَ فِيهِ المُعَصْفَرُ. وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الكَيْفِيّاتِ. ﴿قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ قِيلَ: كانُوا مُؤْمِنِينَ. وقالَ قَتادَةُ: تَمَنَّوْهُ لِيَتَقَرَّبُوا بِهِ إلى اللَّهِ. وقِيلَ: رَغْبَةً في اليَسارَةِ والثَّرْوَةِ. وقِيلَ: كانُوا كُفّارًا، وتَمَنَّوْا ﴿مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ﴾ ولَمْ يَذْكُرُوا زَوالَ نِعْمَتِهِ، وهَذا مِنَ الغِبْطَةِ. ﴿إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ أيْ: دَرَجَةٍ عَظِيمَةٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ. وقِيلَ: نَصِيبٍ كَثِيرٍ مِنَ الدُّنْيا، والحَظُّ البَخْتُ والسَّعْدُ، يُقالُ: فُلانٌ ذُو حَظٍّ وحَظِيظٌ ومَحْظُوظٌ. ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ مِنهم: يُوشَعُ، والعِلْمُ: مَعْرِفَةُ الثَّوابِ والعِقابِ، أوِ التَّوَكُّلُ، أوِ الإخْبارُ، أقْوالٌ. (ويْلَكم) دُعاءٌ بِالشَّرِّ. ﴿ثَوابُ اللَّهِ﴾ وهو ما أعَدَّهُ في الآخِرَةِ لِلْمُؤْمِنِ (خَيْرٌ) مِمّا أُوتِيَ قارُونُ. ﴿ولا يُلَقّاها﴾ أيْ: هَذِهِ الحِكْمَةُ، وهي مَعْرِفَةُ ثَوابِ اللَّهِ، وقِيلَ: الجَنَّةُ ونَعِيمُها. وقِيلَ: هَذِهِ المَقالَةُ، وهي قَوْلُهم: ﴿ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ وبَّخَهم بِها. ﴿إلّا الصّابِرُونَ﴾ عَلى الطّاعاتِ وعَلى قَمْعِ أنْفُسِهِمْ عَنِ الشَّهَواتِ. تَقَدَّمَ (p-١٣٥)طَرَفٌ مِن خَبَرِ قارُونَ وحَسَدِهِ لِمُوسى. ومِن حَسَدِهِ أنَّهُ جَعَلَ لِبَغِيٍّ جُعْلًا، عَلى أنْ تَرْمِيَ مُوسى بِطَلَبِها وبِزِنائِها، وأنَّها تابَتْ إلى اللَّهِ، وأقَرَّتْ أنَّ قارُونَ هو الَّذِي جَعَلَ لَها جُعْلًا عَلى رَمْيِ مُوسى بِذَلِكَ، فَأمَرَ اللَّهُ الأرْضَ أنْ تُطِيعَهُ، فَقالَ: يا أرْضُ، خُذِيهِ وأتْباعَهُ، فَخُسِفَ بِهِمْ في حِكايَةٍ طَوِيلَةٍ، اللَّهُ أعْلَمُ بِها. ولَمّا خُسِفَ بِقارُونَ ومَن مَعَهُ، فَقالَ بَنُو إسْرائِيلَ: إنَّما دَعا مُوسى عَلى قارُونَ لِيَسْتَبِدَّ بِدارِهِ وكُنُوزِهِ، فَدَعا اللَّهَ حَتّى خَسَفَ بِدارِهِ وأمْوالِهِ. و”مِن“ زائِدَةٌ، أيْ: مِن جَماعَةٍ تُفِيدُ اسْتِغْراقَ الفِئاتِ. وإذا انْتَفَتِ الجُمْلَةُ، ولَمْ يَقْدِرْ عَلى نَصْرِهِ، فانْتِفاءُ الواحِدِ عَنْ نُصْرَتِهِ أبْلَغُ. ﴿وما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ في نَفْسِهِ مِمَّنْ يَمْتَنِعُ مِن عَذابِ اللَّهِ. ﴿وأصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالأمْسِ﴾ بَدَلٌ، وأصْبَحَ، إذا حُمِلَ عَلى ظاهِرِهِ، أنَّ الخَسْفَ بِهِ وبِدارِهِ كانَ لَيْلًا، وهو أفْظَعُ العَذابِ، إذِ اللَّيْلُ مَقَرُّ الرّاحَةِ والسُّكُونِ، والأمْسُ يَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِهِ الزَّمانُ الماضِي، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِهِ ما قَبْلَ يَوْمِ الخَسْفِ، وهو يَوْمُ التَّمَنِّي، ويَدُلُّ عَلَيْهِ العَطْفُ بِالفاءِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّعْقِيبَ في قَوْلِهِ: ﴿فَخَسَفْنا﴾ فَيَكُونُ فِيهِ اعْتِقابُ العَذابِ خُرُوجُهُ في زِينَتِهِ، وفي ذَلِكَ تَعْجِيلُ العَذابِ. ومَكانَهُ: مَنزِلَتَهُ في الدُّنْيا مِنَ الثَّرْوَةِ والحَشَمِ والأتْباعِ. و”ويْ“ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ: اسْمُ فِعْلٍ مِثْلُ: صَهْ ومَهْ، ومَعْناها: أعْجَبُ. قالَ الخَلِيلُ: وذَلِكَ أنَّ القَوْمَ نَدِمُوا فَقالُوا: مُتَنَدِّمِينَ عَلى ما سَلَفَ مِنهم: ويْ، وكُلُّ مَن نَدِمَ فَأظْهَرَ نَدامَتَهُ قالَ: ويْ. وكَأنَّ: هي كافُ التَّشْبِيهِ الدّاخِلَةُ عَلى ”أنَّ“، وكُتِبَتْ مُتَّصِلَةً بِكافِ التَّشْبِيهِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ؎ويْ كَأنَّ مَن يَكُنْ لَهُ نَشَبٌ يُحْ ∗∗∗ بَبْ ومَن يَفْتَقِرْ يَعِشْ عَيْشَ ضُرِّ والبَيْتُ لِزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ. وحَكى الفَرّاءُ أنَّ امْرَأةً قالَتْ لِزَوْجِها: أيْنَ ابْنُكَ ؟ فَقالَ: ويْكَأنَّهُ وراءَ البَيْتِ، وعَلى هَذا المَذْهَبِ يَكُونُ الوَقْفُ عَلى ويْ. وقالالأخْفَشُ: هي ويْكَ، ويَنْبَغِي أنْ تَكُونَ الكافُ حَرْفَ خِطابٍ، ولا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، والوَقْفُ عَلَيْهِ ويْكَ، ومِنهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ: ؎ولَقَدْ شَفا نَفْسِي وأبْرَأ سُقْمَها ∗∗∗ قِيلُ الفَوارِسِ ويْكَ عَنْتَرَ أقْدِمِ قالَ الأخْفَشُ: وأنَّ عِنْدَهُ مَفْتُوحٌ بِتَقْدِيرِ العِلْمِ، أيْ: أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎ألا ويْكَ المَضَرَّةَ لا تَدُومُ ∗∗∗ ولا يُبْقِي عَلى البُؤْسِ النَّعِيمُ وذَهَبُ الكِسائِيُّ ويُونُسُ وأبُو حاتِمٍ وغَيْرُهم إلى أنَّ أصْلَهُ ويْلَكَ، فَحُذِفَتِ اللّامُ والكافُ في مَوْضِعِ جَرٍّ بِالإضافَةِ. فَعَلى المَذْهَبِ الأوَّلِ قِيلَ: تَكُونُ الكافُ خالِيَةً مِن مَعْنى التَّشْبِيهِ، كَما قِيلَ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] . وعَلى المَذْهَبِ الثّانِي، فالمَعْنى: أعْجَبُ لِأنَّ اللَّهَ. وعَلى المَذْهَبِ الثّالِثِ تَكُونُ ويْلَكَ كَلِمَةَ تَحَزُّنٍ، والمَعْنى أيْضًا: لِأنَّ اللَّهَ. وقالَ أبُو زَيْدٍ وفِرْقَةٌ مَعَهُ: ويْكَأنَّ، حَرْفٌ واحِدٌ بِجُمْلَتِهِ، وهو بِمَعْنى: ألَمْ تَرَ. وبِمَعْنى: ألَمْ تَرَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والكِسائِيُّ وأبُو عُبَيْدٍ. وقالَ الفَرّاءُ: ويْكَ في كَلامِ العَرَبِ كَقَوْلِ الرَّجُلِ: أما تَرى إلى صُنْعِ اللَّهِ ؟ وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، عَنْ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ أنَّهُ قالَ: مَعْنى ويْكَ: رَحْمَةً لَكَ، بِلُغَةِ حِمْيَرَ. ولَمّا صَدَرَ مِنهم تَمَنِّي حالِ قارُونَ، وشاهَدُوا الخَسْفَ، كانَ ذَلِكَ زاجِرًا لَهم عَنْ حُبِّ الدُّنْيا، وداعِيًا إلى الرِّضا بِقَدَرِ اللَّهِ، فَتَنَبَّهُوا لِخَطَئِهِمْ فَقالُوا: ويْ، ثُمَّ قالُوا: ﴿كَأنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ بِحَسَبِ مَشِيئَتِهِ وحِكْمَتِهِ، لا لِكَرامَتِهِ عَلَيْهِ، ويُضَيِّقُ عَلى مَن يَشاءُ، لا لِهَوانِهِ، بَلْ لِحِكْمَتِهِ وقَضائِهِ ابْتِلاءً. وقَرَأ الأعْمَشُ: ”لَوْلا مَنَّ اللَّهُ“، بِحَذْفِ ”أنْ“، وهي مُزادَةٌ. ورُوِيَ عَنْهُ: ”مَنُّ اللَّهِ“ بِرَفْعِ النُّونِ والإضافَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لَخُسِفَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وحَفْصٌ، وعِصْمَةُ، وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ، وابْنُ أبِي حَمّادٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ: مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وابْنُ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: ”لانْخَسَفَ بِنا“، كَقَوْلِكَ: انْقَطَعَ بِنا، كَأنَّهُ فِعْلٌ مُطاوِعٌ، والمَقامُ مَقامُ الفاعِلِ هو (بِنا) . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَصْدَرَ أيْ: لانْخَسَفَ الِانْخِسافُ، ومُطاوِعُ فَعَلَ لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ بِهِ، فَلِذَلِكَ بُنِيَ (p-١٣٦)إمّا لِلْبِناءِ وإمّا لِلْمَصْدَرِ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أيْضًا: ”لَتُخُسِّفَ“، بِتاءٍ وشَدِّ السِّينِ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.

القصص 28:77

(p-١٣١)﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ﴿ونَزَعْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكم فَعَلِمُوا أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ ما إنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ أُولِي القُوَّةِ إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ ﴿وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدّارَ الآخِرَةَ ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ ولا تَبْغِ الفَسادَ في الأرْضِ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أوَلَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَن هو أشَدُّ مِنهُ قُوَّةً وأكْثَرُ جَمْعًا ولا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَياةَ الدُّنْيا يالَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ويْلَكم ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ولا يُلَقّاها إلّا الصّابِرُونَ﴾ ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ فَما كانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ ﴿وأصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالأمْسِ يَقُولُونَ ويْكَأنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَوْلا أنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا ويْكَأنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ . تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ: (ويَوْمَ يُنادِيهِمْ) وكُرِّرَ هُنا عَلى جِهَةِ الإبْلاغِ والتَّأْكِيدِ. (ونَزَعْنا) أيْ: مَيَّزْنا وأخْرَجْنا بِسُرْعَةٍ مِن كُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ. (شَهِيدًا) وهو نَبِيُّ تِلْكَ الأُمَّةِ؛ لِأنَّهُ هو الشَّهِيدُ عَلَيْها، كَما قالَ: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] . وقِيلَ: عَدُولًا وخِيارًا. والشَّهِيدُ عَلى هَذا اسْمُ الجِنْسِ، والشَّهِيدُ يَشْهَدُ عَلى تِلْكَ الأُمَّةِ بِما صَدَرَ مِنها، وما أجابَتْ بِهِ؛ لَمّا دُعِيَتْ إلى التَّوْحِيدِ، وأنَّهُ قَدْ بَلَّغَهم رِسالَةَ رَبِّهِمْ. (فَقُلْنا) أيْ: لِلْمَلَأِ ﴿هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ أيْ: حُجَّتَكم فِيما كُنْتُمْ عَلَيْهِ في الدُّنْيا مِنَ الكُفْرِ ومُخالَفَةِ هَذا الشَّهِيدِ ﴿فَعَلِمُوا أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ﴾ لا لِأصْنامِهِمْ وما عَبَدُوا مِن دُونِ اللَّهِ. (وضَلَّ عَنْهم) أيْ: وغابَ عَنْهم غَيْبَةَ الشَّيْءِ الضّائِعِ ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مِنَ الكَذِبِ والباطِلِ. وقارُونُ أعْجَمِيٌّ: مُنِعَ الصَّرْفَ لِلْعُجْمَةِ والعَلَمِيَّةِ. وقِيلَ: ومَعْنى كانَ مِن قَوْمِهِ أيْ: مِمَّنْ آمَنَ بِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو إسْرائِيلِيٌّ بِإجْماعٍ. انْتَهى. واخْتُلِفَ في قَرابَتِهِ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، اخْتِلافًا مُضْطَرِبًا مُتَكاذِبًا، وأوْلاها ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّهُ ابْنُ عَمِّهِ، وهو قارُونُ بْنُ يَصْهُرَ بْنِ قاهِثَ، جَدِّ مُوسى؛ لِأنَّ النَّسّابِينَ ذَكَرُوا نَسَبَهُ كَذَلِكَ، وكانَ يُسَمّى المُنَوَّرَ لِحُسْنِ صُورَتِهِ، وكانَ أحْفَظَ بَنِي إسْرائِيلَ لِلتَّوْراةِ وأقْرَأهم، فَنافَقَ كَما نافَقَ السّامِرِيُّ. ﴿فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ ذَكَرُوا مِن أنْواعِ بَغْيِهِ الكُفْرَ، والكِبْرَ، وحَسَدَهُ لِمُوسى عَلى النُّبُوَّةِ، ولِهارُونَ عَلى الذَّبْحِ والقُرْبانِ، وظُلْمَهُ لِبَنِي إسْرائِيلَ حِينَ مَلَّكَهُ فِرْعَوْنُ عَلَيْهِمْ، ودَسَّهُ بَغِيًّا تَكْذِبُ عَلى مُوسى أنَّهُ تَعَرَّضَ لَها، وتَفْضَحُهُ بِذَلِكَ في مَلَأٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ. ومِن تَكَبُّرِهِ أنْ زادَ في ثِيابِهِ شِبْرًا. ﴿وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ﴾ قِيلَ: أظْفَرَهُ اللَّهُ بِكَنْزٍ مِن كُنُوزِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ: سُمِّيَتْ أمْوالُهُ كُنُوزًا، إذْ كانَ مُمْتَنِعًا مِن أداءِ الزَّكاةِ، وبِسَبَبِ ذَلِكَ عادى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أوَّلَ عَداوَتِهِ. و(ما) مَوْصُولَةٌ، صِلَتُها ”إنَّ“ ومَعْمُولاها. وقالَ النَّحّاسُ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ سُلَيْمانَ، يَعْنِي الأخْفَشَ الصَّغِيرَ، يَقُولُ: ما أقْبَحَ ما يَقُولُهُ الكُوفِيُّونَ في الصِّلاتِ، أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِلَةُ ”الَّذِي“ ”إنَّ“ وما عَمِلَتْ (p-١٣٢)فِيهِ، وفي القُرْآنِ: ﴿ما إنَّ مَفاتِحَهُ﴾ . انْتَهى. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ”مَفاتِحَ“ في سُورَةِ الأنْعامِ، وقالُوا هُنا: مَقالِيدُ خَزائِنِهِ. وقالَ السُّدِّيُّ: هي الخَزائِنُ نَفْسُها. وقالَ الضَّحّاكُ: ظُرُوفُهُ وأوْعِيَتُهُ. وقَرَأ الأعْمَشُ: ”مَفاتِيحَهُ“، بِياءٍ، جَمْعُ مِفْتاحٍ، وذَكَرُوا مِن كَثْرَةِ مَفاتِحِهِ ما هو كَذِبٌ، أوْ يُقارِبُ الكَذِبَ، فَلَمْ أكْتُبْهُ. قالَ أبُو زَيْدٍ: نُؤْتُ بِالعَمَلِ، إذا نَهَضْتَ بِهِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎إذا وجَدْنا خَلَفًا بِئْسَ الخَلَفْ عَبْدًا إذا ما ناءَ بِالحِمْلِ وقَفْ ويَقُولُ: ناءَ يَنُوءُ، إذا نَهَضَ بِثِقَلٍ. قالَ الشّاعِرُ: ؎تَنُوءُ بِأُخْراها فَلَأْيًا قِيامُها ∗∗∗ وتَمْشِي الهُوَيْنى عَنْ قَرِيبٍ فَتَبْهَرُ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو مَقْلُوبٌ وأصْلُهُ: لَتَنُوءُ بِها العُصْبَةُ، أيْ: تَنْهَضُ، والقَلْبُ عِنْدَ أصْحابِنا بابُهُ الشِّعْرُ. والصَّحِيحُ أنَّ الباءَ لِلتَّعْدِيَةِ، أيْ: لَتُنِيءُ العُصْبَةَ، كَما تَقُولُ: ذَهَبْتُ بِهِ وأذْهَبْتُهُ، وجِئْتُ بِهِ وأجَأْتُهُ. ونُقِلَ هَذا عَنِ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ والفَرّاءِ، واخْتارَهُ النَّحّاسُ، ورُوِيَ مَعْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي صالِحٍ والسُّدِّيِّ، وتَقُولُ العَرَبُ: ناءَ الحِمْلُ بِالبَعِيرِ إذا أثْقَلَهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُمْكِنُ أنْ يُسْنَدَ ”تَنُوءُ“ إلى المَفاتِحِ؛ لِأنَّها تَنْهَضُ بِتَحامُلٍ إذا فَعَلَ ذَلِكَ الَّذِي يَنْهَضُ بِها، وذا مُطَّرِدٌ في ناءَ الحِمْلُ بِالبَعِيرِ ونَحْوِهِ، فَتَأمَّلْهُ. وقَرَأ بُدَيْلُ بْنُ مَيْسَرَةَ: ”لَيَنُوءُ“ بِالياءِ وتَذْكِيرِهِ، راعى المُضافَ المَحْذُوفَ، التَّقْدِيرُ: ما إنَّ حَمْلَ مَفاتِحِهِ، أوْ مِقْدارِها، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ووَجْهُهُ أنْ يُفَسَّرَ المَفاتِحُ بِالخَزائِنِ، ويُعْطِيَها حُكْمَ ما أُضِيفَ إلَيْهِ لِلْمُلابَسَةِ والإيصالِ، كَقَوْلِهِ: ذَهَبَتْ أهْلُ اليَمامَةِ. انْتَهى. يَعْنِي: أنَّهُ اكْتَسَبَ المَفاتِحُ التَّذْكِيرَ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي لِقارُونَ، كَما اكْتَسَبَ أهْلٌ التَّأْنِيثَ مِن إضافَتِهِ إلى اليَمامَةِ، فَقِيلَ فِيهِ: ذَهَبَتْ. وذَكَرَ أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ أنَّ بُدَيْلَ بْنَ مَيْسَرَةَ قَرَأ: ”ما إنَّ مِفْتاحَهُ“ عَلى الإفْرادِ، فَلا تَحْتاجُ قِراءَتُهُ ”لَيَنُوءُ“ بِالياءِ إلى تَأْوِيلٍ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ العُصْبَةِ في سُورَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وتَقَدَّمَ قَبْلَ تَفْسِيرِ المَفاتِحِ، أهِيَ المَقالِيدُ، أوِ الخَزائِنُ نَفْسُها، أوِ الظُّرُوفُ والأوْعِيَةُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ: أنَّ المَفاتِحَ هي الأمْوالُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتْ خَزائِنُهُ تَحْمِلُها أرْبَعُونَ أقْوِياءُ، وكانَتْ أرْبَعَمِائَةِ ألْفٍ، يَحْمِلُ كُلُّ رَجُلٍ عَشَرَةَ آلافٍ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ مِنَ المَفاتِحِ: العِلْمُ والإحاطَةُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٥٩] والمُرادُ: وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ، ما إنَّ حِفْظَها والِاطِّلاعَ عَلَيْها لَيَثْقُلُ عَلى العُصْبَةِ، أيْ: هَذِهِ الكُنُوزُ لِكَثْرَتِها واخْتِلافِ أصْنافِها، يُتْعِبُ حِفْظُها القائِمِينَ عَلى حِفْظِها. ﴿إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ﴾ نَهَوْهُ عَنِ الفَرَحِ المُطْغِي الَّذِي هو انْهِماكٌ وانْحِلالُ نَفْسٍ وأشَرٌ وإعْجابٌ، وإنَّما يَفْرَحُ بِإقْبالِ الدُّنْيا عَلَيْهِ مَنِ اطْمَأنَّ إلَيْها وغَفَلَ عَنْ أمْرِ الآخِرَةِ، ومَن جَعَلَ أنَّهُ مُفارِقُ زَهْرَةِ الدُّنْيا عَنْ قَرِيبٍ، فَلا يَفْرَحُ بِها. وقالَ أبُو الطَّيِّبِ: ؎أشَدُّ الغَمِّ عِنْدِي في سُرُورٍ ∗∗∗ تَيَقَّنَ عَنْهُ صاحِبُهُ انْتِقالًا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَحَلٌّ ”إذْ“ مَنصُوبٌ بِـ: ”تُنُوءُ“ . انْتَهى، وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا؛ لِأنَّ إثْقالَ المَفاتِحِ العُصْبَةَ لَيْسَ مُقَيَّدًا بِوَقْتِ قَوْلِ قَوْمِهِ لَهُ: ﴿لا تَفْرَحْ﴾ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ وهو ضَعِيفٌ أيْضًا؛ لِأنَّ بَغْيَهُ عَلَيْهِمْ لَمْ يَكُنْ مُقَيَّدًا بِذَلِكَ الوَقْتِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: النّاصِبُ لَهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ. وقالَ أبُو البَقاءِ: (إذْ قالَ لَهُ) ظَرْفٌ لِـ: ”آتَيْناهُ“، وهو ضَعِيفٌ أيْضًا؛ لِأنَّ الإيتاءَ لَمْ يَكُنْ وقْتَ ذَلِكَ القَوْلِ. وقالَ أيْضًا: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ: بَغى عَلَيْهِمْ ﴿إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ﴾ . انْتَهى. ويَظْهَرُ أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُهُ: فَأظْهَرَ التَّفاخُرَ والفَرَحَ بِما أُوتِيَ مِنَ الكُنُوزِ ﴿إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ﴾ . وقالَ تَعالى: ﴿ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣] والعَرَبُ تَمْدَحُ بِتَرْكِ الفَرَحِ عِنْدَ إقْبالِ الخَيْرِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎ولَسْتُ بِمِفْراحٍ إذا الدَّهْرُ سَرَّنِي ∗∗∗ ولا جازِعٍ مِن صَرْفِهِ المُتَحَوِّلِ (p-١٣٣)وقالَ الآخَرُ: ؎إنْ نُلاقِ مُنْفِسًا لا تُلْفِنا ∗∗∗ فُرُحَ الخَيْرِ ولا نَكْبُو لِضُرِّ وقُرِئَ: الفارِحِينَ، حَكاهُ عِيسى بْنُ سُلَيْمانَ الحِجازِيُّ. و(لا يُحِبُّ) صِفَةُ فِعْلٍ، لا صِفَةُ ذاتٍ، بِمَعْنى الإرادَةِ؛ لِأنَّ الفَرَحَ أمْرٌ قَدْ وقَعَ، فالمَعْنى: لا يُظْهِرُ عَلَيْهِمْ بَرَكَتَهُ، ولا يَعُمُّهم رَحْمَتُهُ. ولَمّا نَهَوْهُ عَنِ الفَرَحِ المُطْغِي أمَرُوهُ بِأنْ يَطْلُبَ فِيما آتاهُ اللَّهُ مِنَ الكُنُوزِ وسَعَةِ الرِّزْقِ ثَوابَ الدّارِ الآخِرَةِ، بِأنْ يَفْعَلَ فِيهِ أفْعالَ البِرِّ، وتَجْعَلَهُ زادَكَ إلى الآخِرَةِ. ﴿ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والجُمْهُورُ: مَعْناهُ: ولا تُضَيِّعْ عُمُرَكَ في أنْ لا تَعْمَلَ صالِحًا في دُنْياكَ، إذِ الآخِرَةُ إنَّما يُعْمَلُ لَها في الدُّنْيا، فَنَصِيبُ الإنْسانِ عُمُرُهُ وعَمَلُهُ الصّالِحُ فِيها، وهَذا التَّأْوِيلُ فِيهِ عِظَةٌ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ مَعْناهُ: لا تُضَيِّعْ حَظَّكَ مِنَ الدُّنْيا في تَمَتُّعِكَ بِالحَلالِ وطَلَبِكَ، أيْ: إيّاهُ، ونَظَرِكَ لِعاقِبَةِ دُنْياكَ، وفي هَذا التَّأْوِيلِ بَعْضُ رِفْقٍ. وقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: قَدِّمِ الفَضْلَ وأمْسِكْ ما تَبْلُغُ بِهِ. وقالَ مالِكٌ: هو الأكْلُ والشُّرْبُ بِلا سَرَفٍ. وقِيلَ: أرادُوا بِنَصِيبِهِ الكَفَنَ، وهَذا وعْظٌ مُتَّصِلٌ، كَأنَّهم قالُوا: تَتْرُكُ جَمِيعَ مالِكَ، لا يَكُونُ نَصِيبُكَ مِنهُ إلّا الكَفَنَ؛ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎نَصِيبُكَ مِمّا تَجْمَعُ الدَّهْرَ كُلَّهُ ∗∗∗ رِداءانِ تَأْوِي فِيهِما وحَنُوطُ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنْ تَأْخُذَ مِنهُ ما يَكْفِيكَ ويُصْلِحُكَ، وهَذا قَرِيبٌ مِن قَوْلِ الحَسَنِ (وأحْسِنْ) إلى عِبادِ اللَّهِ، أوْ بِشُكْرِكَ وطاعَتِكَ لِلَّهِ. ﴿كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ بِتِلْكَ النِّعَمِ الَّتِي خَوَّلَكَها، والكافُ لِلتَّشْبِيهِ، وهو يَكُونُ في بَعْضِ الأوْصافِ؛ لِأنَّ مُماثَلَةَ إحْسانِ العَبْدِ لِإحْسانِ اللَّهِ مِن جَمِيعِ الصِّفاتِ يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ، فالتَّشْبِيهُ وقَعَ في مُطْلَقِ الإحْسانِ، أوْ تَكُونُ الكافُ لِلتَّعْلِيلِ، أيْ: أحْسِنْ لِأجْلِ إحْسانِ اللَّهِ إلَيْكَ. ﴿ولا تَبْغِ الفَسادَ﴾ أيْ: ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ البَغْيِ والظُّلْمِ. (عَلى عِلْمٍ) عِلْمٍ: مَصْدَرٌ، يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مُضافًا إلَيْهِ ومُضافًا إلى اللَّهِ. فَقالَ الجُمْهُورُ: ادَّعى أنَّ عِنْدَهُ عِلْمًا اسْتَوْجَبَ بِهِ أنْ يَكُونَ صاحِبَ تِلْكَ الكُنُوزِ. فَقِيلَ: عِلْمُ التَّوْراةِ وحِفْظُها، وكانَ أحَدَ السَّبْعِينَ الَّذِينَ اخْتارَهم مُوسى لِلْمِيقاتِ، وكانَتْ هَذِهِ مُغالَطَةً. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدّانِيُّ: أيْ عِلْمُ التِّجارَةِ ووُجُوهِ المَكاسِبِ، أيْ: أُوتِيتُهُ بِإدْراكِي وسَعْيِي. وقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: عِلْمُ الكِيمْياءِ، قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَعْلَمُ الكِيمْياءَ، وهي جَعْلُ الرَّصاصِ والنُّحاسِ ذَهَبًا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: عَلى عِلْمٍ لِصَنْعَةِ الذَّهَبِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ لا يَصِحُّ عَنْهُ ولا عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ. وأنْكَرَ الزَّجّاجُ عِلْمَ الكِيمْياءِ وقالَ: باطِلٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ. انْتَهى. وكَثِيرًا ما تُولَعُ أهْلُ مِصْرَ بِطَلَبِ أشْياءَ مِنَ المُسْتَحِيلاتِ والخُرافاتِ؛ مِن ذَلِكَ: تَغْوِيرُ الماءِ، وخِدْمَةُ الصُّوَرِ المُمَثَّلَةِ في الجُدُرِ خُطُوطًا، وادِّعاؤُهم أنَّ تِلْكَ الخُطُوطَ تَتَحَرَّكُ إذا خُدِمَتْ بِأنْواعٍ مِنَ الخَدَمِ لَهم والكِيمْياءِ حَتّى أنَّ مَشايِخَ العِلْمِ عِنْدَهم، الَّذِينَ هم عِنْدَهم بِصُورَةِ الوِلايَةِ، يَتَطَلَّبُ ذَلِكَ مِن أجْهَلِ وارِدٍ مِنَ المَغارِبَةِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: أرادَ ﴿أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ﴾ مِنَ اللَّهِ وتَخْصِيصٍ مِن لَدُنْهُ قَصَدَنِي بِهِ، أيْ: فَلا يَلْزَمُنِي فِيهِ شَيْءٌ مِمّا قُلْتُمْ، ثُمَّ جَعَلَ قَوْلَهُ: (عِنْدِي) كَما يَقُولُ: في مُعْتَقَدِي وعَلى ما أراهُ. وقالَ مُقاتِلٌ: (عَلى عِلْمٍ) أيْ: عَلى خَيْرٍ عَلِمَهُ اللَّهُ عِنْدِي. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أوَلَمْ يَعْلَمْ﴾ تَقْرِيرٌ لِعِلْمِهِ ذَلِكَ، وتَنْبِيهٌ عَلى خَطَئِهِ في اغْتِرارِهِ أيْ: قَدْ عَلِمَ أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مِنَ القُرُونِ قَبْلَهُ مَن هو أقْوى مِنهُ وأغْنى؛ لِأنَّهُ قَدْ قَرَأهُ في التَّوْراةِ، وأخْبَرَ بِهِ مُوسى، وسَمِعَهُ في التَّوارِيخِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أوَلَمْ يَعْلَمْ في جُمْلَةِ ما عِنْدَهُ مِنَ العِلْمِ ؟ هَذا حَتّى لا يَغْتَرَّ بِكَثْرَةِ مالِهِ وقُوَّتِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِعِلْمِهِ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ فَتَنَفَّحَ بِالعِلْمِ وتَعَظَّمَ بِهِ، قِيلَ: أعِنْدَهُ مِثْلُ ذَلِكَ العِلْمِ الَّذِي ادَّعاهُ ؟ وأُرِيَ نَفْسَهُ بِهِ مُسْتَوْجِبَةً لِكُلِّ نِعْمَةٍ، ولَمْ يَعْلَمْ هَذا العِلْمَ النّافِعَ حَتّى يَقِيَ نَفْسَهُ مَصارِعَ الهالِكِينَ. انْتَهى. ﴿وأكْثَرُ جَمْعًا﴾ إمّا لِلْمالِ، أوْ جَماعَةٍ يَحُوطُونَهُ ويَخْدِمُونَهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿أوَلَمْ يَعْلَمْ﴾ بِرُجْحِ أنَّ (p-١٣٤)قارُونَ تَشَبَّعَ بِعِلْمِ نَفْسِهِ عَلى زَعْمِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ولا يُسْألُ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ و(المُجْرِمُونَ) رُفِعَ بِهِ، وهو مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ. والضَّمِيرُ في (ذُنُوبِهِمْ) عائِدٌ عَلى مَن أُهْلِكَ مِنَ القُرُونِ، أيْ: لا يُسْألُ غَيْرُهم مِمَّنْ أجْرَمَ، ولا مِمَّنْ لَمْ يُجْرِمْ عَمَّنْ أهْلَكَهُ اللَّهُ بَلْ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨] . وقِيلَ: أهْلَكَ مَن أهْلَكَ مِنَ القُرُونِ، عَنْ عِلْمٍ مِنهُ بِذُنُوبِهِمْ، فَلَمْ يَحْتَجْ إلى مَسْألَتِهِمْ عَنْها. وقِيلَ: هو مُسْتَأْنَفٌ عَنْ حالِ يَوْمِ القِيامَةِ. قالَ قَتادَةُ: لا يُسْألُونَ عَنْ ذُنُوبِهِمْ لِظُهُورِها وكَثْرَتِها؛ لِأنَّهم يَدْخُلُونَ النّارَ بِغَيْرِ حِسابٍ. وقالَ قَتادَةُ أيْضًا ومُجاهِدٌ: لا تَسْألُهُمُ المَلائِكَةُ عَنْ ذُنُوبِهِمْ؛ لِأنَّهم يَعْرِفُونَهم بِسِيماهم مِنَ السَّوادِ والتَّشْوِيهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] . وقِيلَ: لا يُسْألُونَ سُؤالَ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ في رِوايَتِهِ: ”ولا تَسْألْ“، بِالتّاءِ والجَزْمِ، ”المُجْرِمِينَ“: نُصِبَ. وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ، وأبُو العالِيَةِ كَذَلِكَ في ”ولا تَسْألْ“ عَلى النَّهْيِ لِلْمُخاطَبِ، وكانَ ابْنُ أبِي إسْحاقَ لا يُجَوِّزُ ذَلِكَ إلّا أنْ يَكُونَ ”المُجْرِمِينَ“ بِالياءِ في مَحَلِّ النَّصْبِ، بِوُقُوعِ الفِعْلِ عَلَيْهِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: فالظّاهِرُ ما قالَهُ، ولَمْ يَبْلُغْنِي في نَصْبِ المُجْرِمِينَ شَيْءٌ، فَإنْ تَرَكاهُ عَلى رَفْعِهِ، فَلَهُ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ الهاءُ والمِيمُ في ﴿عَنْ ذُنُوبِهِمْ﴾ راجِعَةً إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ القُرُونِ، وارْتِفاعُ ”المُجْرِمِينَ“ بِإضْمارِ المُبْتَدَأِ، وتَقْدِيرُهُ: هُمُ المُجْرِمُونَ، أوْ: أُولَئِكَ المُجْرِمُونَ، ومِثْلُهُ ﴿التّائِبُونَ العابِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢] في التَّوْبَةِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن أصْلِ الهاءِ والمِيمِ في (ذُنُوبِهِمْ)؛ لِأنَّها - وإنْ كانَتْ في مَحَلِّ الجَرِّ بِالإضافَةِ إلَيْها - فَإنَّ أصْلَها الرَّفْعُ؛ لِأنَّ الإضافَةَ إلَيْها بِمَنزِلَةِ إضافَةِ المَصْدَرِ إلى اسْمِ الفاعِلِ؛ فَعَلى ذَلِكَ (المُجْرِمُونَ) مَحْمُولٌ عَلى الأصْلِ، عَلى ما تَقَدَّمَ لَنا مِن أنَّ بَعْضَهم قَرَأ: ﴿أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً﴾ [البقرة: ٢٦] بِالجَرِّ، عَلى أنَّها بَدَلٌ مِن أصْلِ المَثَلِ، و(ما) زائِدَةٌ فِيهِ، وتَقْدِيرُهُ: لا يَسْتَحِي بِضَرْبِ مَثَلِ بَعُوضَةٍ، أيْ: بِضَرْبِ بَعُوضَةٍ. في ذَلِكَ فَسَّرَ أنَّ مَعَ الفَصْلِ بِالمَصْدَرِ ناصِبٌ إلى المَفْعُولِ بِهِ، ثُمَّ أبْدَلَ مِنهُ البَعُوضَةَ مِن غَيْرِ أنْ أعْرِفَ فِيها أثَرًا لِحالٍ. فَأمّا قَوْلُهُ: مِن ذُنُوبِهِمْ، فَذُنُوبٌ جَمْعٌ، فَإنْ كانَ جَمْعَ مَصْدَرٍ فَفي إعْمالِهِ خِلافٌ. وأمّا قَوْلُهُ عَلى ما تَقَدَّمَ لَنا مِن أنَّ بَعْضَهم قَرَأ، فَقَدْ ذَكَرَ في البَقَرَةِ أنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ، ولا نَعْرِفُ فِيها أثَرًا، فَيَنْبَغِي أنْ لا يَجْعَلَها قِراءَةً. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى قارُونَ ونَعَتَهُ، وما آتاهُ مِنَ الكُنُوزِ، وفَرَحَهُ بِذَلِكَ فَرَحَ البَطِرِينَ، وادِّعاءَهُ أنَّ ما أُوتِيَ مِن ذَلِكَ إنَّما أُوتِيَهُ عَلى عِلْمٍ، ذَكَرَ ما هو ناشِئٌ عَنِ التَّكَبُّرِ والسُّرُورِ بِما أُوتِيَ، فَقالَ: ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ﴾ وكانَ يَوْمَ السَّبْتِ: أيْ: أظْهَرَ ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ المَلابِسِ والمَراكِبِ وزِينَةِ الدُّنْيا. قالَ جابِرٌ، ومُجاهِدٌ: في ثِيابٍ حُمْرٍ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو وحَشَمُهُ في ثِيابٍ مُعَصْفَرَةٍ. وقِيلَ: في ثِيابِ الأُرْجُوانِ. وقِيلَ: عَلى بَغْلَةٍ شَهْباءَ عَلَيْها الأُرْجُوانُ، وعَلَيْها سَرْجٌ مِن ذَهَبٍ، ومَعَهُ أرْبَعَةُ آلافٍ عَلى زِيِّهِ. وقِيلَ: عَلَيْهِمْ وعَلى خُيُولِهِمُ الدِّيباجُ الأحْمَرُ، وعَلى يَمِينِهِ ثَلاثُمِائَةِ غُلامٍ، وعَلى يَسارِهِ ثَلاثُمِائَةِ جارِيَةٍ بِيضٍ عَلَيْهِمُ الحُلِيُّ والدِّيباجُ. وقِيلَ: في تِسْعِينَ ألْفًا عَلَيْهِمُ المُعَصْفَراتُ، وهو أوَّلُ يَوْمٍ رُؤِيَ فِيهِ المُعَصْفَرُ. وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الكَيْفِيّاتِ. ﴿قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ قِيلَ: كانُوا مُؤْمِنِينَ. وقالَ قَتادَةُ: تَمَنَّوْهُ لِيَتَقَرَّبُوا بِهِ إلى اللَّهِ. وقِيلَ: رَغْبَةً في اليَسارَةِ والثَّرْوَةِ. وقِيلَ: كانُوا كُفّارًا، وتَمَنَّوْا ﴿مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ﴾ ولَمْ يَذْكُرُوا زَوالَ نِعْمَتِهِ، وهَذا مِنَ الغِبْطَةِ. ﴿إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ أيْ: دَرَجَةٍ عَظِيمَةٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ. وقِيلَ: نَصِيبٍ كَثِيرٍ مِنَ الدُّنْيا، والحَظُّ البَخْتُ والسَّعْدُ، يُقالُ: فُلانٌ ذُو حَظٍّ وحَظِيظٌ ومَحْظُوظٌ. ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ مِنهم: يُوشَعُ، والعِلْمُ: مَعْرِفَةُ الثَّوابِ والعِقابِ، أوِ التَّوَكُّلُ، أوِ الإخْبارُ، أقْوالٌ. (ويْلَكم) دُعاءٌ بِالشَّرِّ. ﴿ثَوابُ اللَّهِ﴾ وهو ما أعَدَّهُ في الآخِرَةِ لِلْمُؤْمِنِ (خَيْرٌ) مِمّا أُوتِيَ قارُونُ. ﴿ولا يُلَقّاها﴾ أيْ: هَذِهِ الحِكْمَةُ، وهي مَعْرِفَةُ ثَوابِ اللَّهِ، وقِيلَ: الجَنَّةُ ونَعِيمُها. وقِيلَ: هَذِهِ المَقالَةُ، وهي قَوْلُهم: ﴿ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ وبَّخَهم بِها. ﴿إلّا الصّابِرُونَ﴾ عَلى الطّاعاتِ وعَلى قَمْعِ أنْفُسِهِمْ عَنِ الشَّهَواتِ. تَقَدَّمَ (p-١٣٥)طَرَفٌ مِن خَبَرِ قارُونَ وحَسَدِهِ لِمُوسى. ومِن حَسَدِهِ أنَّهُ جَعَلَ لِبَغِيٍّ جُعْلًا، عَلى أنْ تَرْمِيَ مُوسى بِطَلَبِها وبِزِنائِها، وأنَّها تابَتْ إلى اللَّهِ، وأقَرَّتْ أنَّ قارُونَ هو الَّذِي جَعَلَ لَها جُعْلًا عَلى رَمْيِ مُوسى بِذَلِكَ، فَأمَرَ اللَّهُ الأرْضَ أنْ تُطِيعَهُ، فَقالَ: يا أرْضُ، خُذِيهِ وأتْباعَهُ، فَخُسِفَ بِهِمْ في حِكايَةٍ طَوِيلَةٍ، اللَّهُ أعْلَمُ بِها. ولَمّا خُسِفَ بِقارُونَ ومَن مَعَهُ، فَقالَ بَنُو إسْرائِيلَ: إنَّما دَعا مُوسى عَلى قارُونَ لِيَسْتَبِدَّ بِدارِهِ وكُنُوزِهِ، فَدَعا اللَّهَ حَتّى خَسَفَ بِدارِهِ وأمْوالِهِ. و”مِن“ زائِدَةٌ، أيْ: مِن جَماعَةٍ تُفِيدُ اسْتِغْراقَ الفِئاتِ. وإذا انْتَفَتِ الجُمْلَةُ، ولَمْ يَقْدِرْ عَلى نَصْرِهِ، فانْتِفاءُ الواحِدِ عَنْ نُصْرَتِهِ أبْلَغُ. ﴿وما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ في نَفْسِهِ مِمَّنْ يَمْتَنِعُ مِن عَذابِ اللَّهِ. ﴿وأصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالأمْسِ﴾ بَدَلٌ، وأصْبَحَ، إذا حُمِلَ عَلى ظاهِرِهِ، أنَّ الخَسْفَ بِهِ وبِدارِهِ كانَ لَيْلًا، وهو أفْظَعُ العَذابِ، إذِ اللَّيْلُ مَقَرُّ الرّاحَةِ والسُّكُونِ، والأمْسُ يَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِهِ الزَّمانُ الماضِي، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِهِ ما قَبْلَ يَوْمِ الخَسْفِ، وهو يَوْمُ التَّمَنِّي، ويَدُلُّ عَلَيْهِ العَطْفُ بِالفاءِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّعْقِيبَ في قَوْلِهِ: ﴿فَخَسَفْنا﴾ فَيَكُونُ فِيهِ اعْتِقابُ العَذابِ خُرُوجُهُ في زِينَتِهِ، وفي ذَلِكَ تَعْجِيلُ العَذابِ. ومَكانَهُ: مَنزِلَتَهُ في الدُّنْيا مِنَ الثَّرْوَةِ والحَشَمِ والأتْباعِ. و”ويْ“ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ: اسْمُ فِعْلٍ مِثْلُ: صَهْ ومَهْ، ومَعْناها: أعْجَبُ. قالَ الخَلِيلُ: وذَلِكَ أنَّ القَوْمَ نَدِمُوا فَقالُوا: مُتَنَدِّمِينَ عَلى ما سَلَفَ مِنهم: ويْ، وكُلُّ مَن نَدِمَ فَأظْهَرَ نَدامَتَهُ قالَ: ويْ. وكَأنَّ: هي كافُ التَّشْبِيهِ الدّاخِلَةُ عَلى ”أنَّ“، وكُتِبَتْ مُتَّصِلَةً بِكافِ التَّشْبِيهِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ؎ويْ كَأنَّ مَن يَكُنْ لَهُ نَشَبٌ يُحْ ∗∗∗ بَبْ ومَن يَفْتَقِرْ يَعِشْ عَيْشَ ضُرِّ والبَيْتُ لِزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ. وحَكى الفَرّاءُ أنَّ امْرَأةً قالَتْ لِزَوْجِها: أيْنَ ابْنُكَ ؟ فَقالَ: ويْكَأنَّهُ وراءَ البَيْتِ، وعَلى هَذا المَذْهَبِ يَكُونُ الوَقْفُ عَلى ويْ. وقالالأخْفَشُ: هي ويْكَ، ويَنْبَغِي أنْ تَكُونَ الكافُ حَرْفَ خِطابٍ، ولا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، والوَقْفُ عَلَيْهِ ويْكَ، ومِنهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ: ؎ولَقَدْ شَفا نَفْسِي وأبْرَأ سُقْمَها ∗∗∗ قِيلُ الفَوارِسِ ويْكَ عَنْتَرَ أقْدِمِ قالَ الأخْفَشُ: وأنَّ عِنْدَهُ مَفْتُوحٌ بِتَقْدِيرِ العِلْمِ، أيْ: أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎ألا ويْكَ المَضَرَّةَ لا تَدُومُ ∗∗∗ ولا يُبْقِي عَلى البُؤْسِ النَّعِيمُ وذَهَبُ الكِسائِيُّ ويُونُسُ وأبُو حاتِمٍ وغَيْرُهم إلى أنَّ أصْلَهُ ويْلَكَ، فَحُذِفَتِ اللّامُ والكافُ في مَوْضِعِ جَرٍّ بِالإضافَةِ. فَعَلى المَذْهَبِ الأوَّلِ قِيلَ: تَكُونُ الكافُ خالِيَةً مِن مَعْنى التَّشْبِيهِ، كَما قِيلَ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] . وعَلى المَذْهَبِ الثّانِي، فالمَعْنى: أعْجَبُ لِأنَّ اللَّهَ. وعَلى المَذْهَبِ الثّالِثِ تَكُونُ ويْلَكَ كَلِمَةَ تَحَزُّنٍ، والمَعْنى أيْضًا: لِأنَّ اللَّهَ. وقالَ أبُو زَيْدٍ وفِرْقَةٌ مَعَهُ: ويْكَأنَّ، حَرْفٌ واحِدٌ بِجُمْلَتِهِ، وهو بِمَعْنى: ألَمْ تَرَ. وبِمَعْنى: ألَمْ تَرَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والكِسائِيُّ وأبُو عُبَيْدٍ. وقالَ الفَرّاءُ: ويْكَ في كَلامِ العَرَبِ كَقَوْلِ الرَّجُلِ: أما تَرى إلى صُنْعِ اللَّهِ ؟ وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، عَنْ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ أنَّهُ قالَ: مَعْنى ويْكَ: رَحْمَةً لَكَ، بِلُغَةِ حِمْيَرَ. ولَمّا صَدَرَ مِنهم تَمَنِّي حالِ قارُونَ، وشاهَدُوا الخَسْفَ، كانَ ذَلِكَ زاجِرًا لَهم عَنْ حُبِّ الدُّنْيا، وداعِيًا إلى الرِّضا بِقَدَرِ اللَّهِ، فَتَنَبَّهُوا لِخَطَئِهِمْ فَقالُوا: ويْ، ثُمَّ قالُوا: ﴿كَأنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ بِحَسَبِ مَشِيئَتِهِ وحِكْمَتِهِ، لا لِكَرامَتِهِ عَلَيْهِ، ويُضَيِّقُ عَلى مَن يَشاءُ، لا لِهَوانِهِ، بَلْ لِحِكْمَتِهِ وقَضائِهِ ابْتِلاءً. وقَرَأ الأعْمَشُ: ”لَوْلا مَنَّ اللَّهُ“، بِحَذْفِ ”أنْ“، وهي مُزادَةٌ. ورُوِيَ عَنْهُ: ”مَنُّ اللَّهِ“ بِرَفْعِ النُّونِ والإضافَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لَخُسِفَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وحَفْصٌ، وعِصْمَةُ، وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ، وابْنُ أبِي حَمّادٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ: مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وابْنُ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: ”لانْخَسَفَ بِنا“، كَقَوْلِكَ: انْقَطَعَ بِنا، كَأنَّهُ فِعْلٌ مُطاوِعٌ، والمَقامُ مَقامُ الفاعِلِ هو (بِنا) . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَصْدَرَ أيْ: لانْخَسَفَ الِانْخِسافُ، ومُطاوِعُ فَعَلَ لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ بِهِ، فَلِذَلِكَ بُنِيَ (p-١٣٦)إمّا لِلْبِناءِ وإمّا لِلْمَصْدَرِ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أيْضًا: ”لَتُخُسِّفَ“، بِتاءٍ وشَدِّ السِّينِ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.

القصص 28:78

(p-١٣١)﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ﴿ونَزَعْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكم فَعَلِمُوا أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ ما إنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ أُولِي القُوَّةِ إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ ﴿وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدّارَ الآخِرَةَ ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ ولا تَبْغِ الفَسادَ في الأرْضِ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أوَلَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَن هو أشَدُّ مِنهُ قُوَّةً وأكْثَرُ جَمْعًا ولا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَياةَ الدُّنْيا يالَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ويْلَكم ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ولا يُلَقّاها إلّا الصّابِرُونَ﴾ ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ فَما كانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ ﴿وأصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالأمْسِ يَقُولُونَ ويْكَأنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَوْلا أنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا ويْكَأنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ . تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ: (ويَوْمَ يُنادِيهِمْ) وكُرِّرَ هُنا عَلى جِهَةِ الإبْلاغِ والتَّأْكِيدِ. (ونَزَعْنا) أيْ: مَيَّزْنا وأخْرَجْنا بِسُرْعَةٍ مِن كُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ. (شَهِيدًا) وهو نَبِيُّ تِلْكَ الأُمَّةِ؛ لِأنَّهُ هو الشَّهِيدُ عَلَيْها، كَما قالَ: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] . وقِيلَ: عَدُولًا وخِيارًا. والشَّهِيدُ عَلى هَذا اسْمُ الجِنْسِ، والشَّهِيدُ يَشْهَدُ عَلى تِلْكَ الأُمَّةِ بِما صَدَرَ مِنها، وما أجابَتْ بِهِ؛ لَمّا دُعِيَتْ إلى التَّوْحِيدِ، وأنَّهُ قَدْ بَلَّغَهم رِسالَةَ رَبِّهِمْ. (فَقُلْنا) أيْ: لِلْمَلَأِ ﴿هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ أيْ: حُجَّتَكم فِيما كُنْتُمْ عَلَيْهِ في الدُّنْيا مِنَ الكُفْرِ ومُخالَفَةِ هَذا الشَّهِيدِ ﴿فَعَلِمُوا أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ﴾ لا لِأصْنامِهِمْ وما عَبَدُوا مِن دُونِ اللَّهِ. (وضَلَّ عَنْهم) أيْ: وغابَ عَنْهم غَيْبَةَ الشَّيْءِ الضّائِعِ ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مِنَ الكَذِبِ والباطِلِ. وقارُونُ أعْجَمِيٌّ: مُنِعَ الصَّرْفَ لِلْعُجْمَةِ والعَلَمِيَّةِ. وقِيلَ: ومَعْنى كانَ مِن قَوْمِهِ أيْ: مِمَّنْ آمَنَ بِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو إسْرائِيلِيٌّ بِإجْماعٍ. انْتَهى. واخْتُلِفَ في قَرابَتِهِ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، اخْتِلافًا مُضْطَرِبًا مُتَكاذِبًا، وأوْلاها ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّهُ ابْنُ عَمِّهِ، وهو قارُونُ بْنُ يَصْهُرَ بْنِ قاهِثَ، جَدِّ مُوسى؛ لِأنَّ النَّسّابِينَ ذَكَرُوا نَسَبَهُ كَذَلِكَ، وكانَ يُسَمّى المُنَوَّرَ لِحُسْنِ صُورَتِهِ، وكانَ أحْفَظَ بَنِي إسْرائِيلَ لِلتَّوْراةِ وأقْرَأهم، فَنافَقَ كَما نافَقَ السّامِرِيُّ. ﴿فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ ذَكَرُوا مِن أنْواعِ بَغْيِهِ الكُفْرَ، والكِبْرَ، وحَسَدَهُ لِمُوسى عَلى النُّبُوَّةِ، ولِهارُونَ عَلى الذَّبْحِ والقُرْبانِ، وظُلْمَهُ لِبَنِي إسْرائِيلَ حِينَ مَلَّكَهُ فِرْعَوْنُ عَلَيْهِمْ، ودَسَّهُ بَغِيًّا تَكْذِبُ عَلى مُوسى أنَّهُ تَعَرَّضَ لَها، وتَفْضَحُهُ بِذَلِكَ في مَلَأٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ. ومِن تَكَبُّرِهِ أنْ زادَ في ثِيابِهِ شِبْرًا. ﴿وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ﴾ قِيلَ: أظْفَرَهُ اللَّهُ بِكَنْزٍ مِن كُنُوزِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ: سُمِّيَتْ أمْوالُهُ كُنُوزًا، إذْ كانَ مُمْتَنِعًا مِن أداءِ الزَّكاةِ، وبِسَبَبِ ذَلِكَ عادى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أوَّلَ عَداوَتِهِ. و(ما) مَوْصُولَةٌ، صِلَتُها ”إنَّ“ ومَعْمُولاها. وقالَ النَّحّاسُ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ سُلَيْمانَ، يَعْنِي الأخْفَشَ الصَّغِيرَ، يَقُولُ: ما أقْبَحَ ما يَقُولُهُ الكُوفِيُّونَ في الصِّلاتِ، أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِلَةُ ”الَّذِي“ ”إنَّ“ وما عَمِلَتْ (p-١٣٢)فِيهِ، وفي القُرْآنِ: ﴿ما إنَّ مَفاتِحَهُ﴾ . انْتَهى. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ”مَفاتِحَ“ في سُورَةِ الأنْعامِ، وقالُوا هُنا: مَقالِيدُ خَزائِنِهِ. وقالَ السُّدِّيُّ: هي الخَزائِنُ نَفْسُها. وقالَ الضَّحّاكُ: ظُرُوفُهُ وأوْعِيَتُهُ. وقَرَأ الأعْمَشُ: ”مَفاتِيحَهُ“، بِياءٍ، جَمْعُ مِفْتاحٍ، وذَكَرُوا مِن كَثْرَةِ مَفاتِحِهِ ما هو كَذِبٌ، أوْ يُقارِبُ الكَذِبَ، فَلَمْ أكْتُبْهُ. قالَ أبُو زَيْدٍ: نُؤْتُ بِالعَمَلِ، إذا نَهَضْتَ بِهِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎إذا وجَدْنا خَلَفًا بِئْسَ الخَلَفْ عَبْدًا إذا ما ناءَ بِالحِمْلِ وقَفْ ويَقُولُ: ناءَ يَنُوءُ، إذا نَهَضَ بِثِقَلٍ. قالَ الشّاعِرُ: ؎تَنُوءُ بِأُخْراها فَلَأْيًا قِيامُها ∗∗∗ وتَمْشِي الهُوَيْنى عَنْ قَرِيبٍ فَتَبْهَرُ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو مَقْلُوبٌ وأصْلُهُ: لَتَنُوءُ بِها العُصْبَةُ، أيْ: تَنْهَضُ، والقَلْبُ عِنْدَ أصْحابِنا بابُهُ الشِّعْرُ. والصَّحِيحُ أنَّ الباءَ لِلتَّعْدِيَةِ، أيْ: لَتُنِيءُ العُصْبَةَ، كَما تَقُولُ: ذَهَبْتُ بِهِ وأذْهَبْتُهُ، وجِئْتُ بِهِ وأجَأْتُهُ. ونُقِلَ هَذا عَنِ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ والفَرّاءِ، واخْتارَهُ النَّحّاسُ، ورُوِيَ مَعْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي صالِحٍ والسُّدِّيِّ، وتَقُولُ العَرَبُ: ناءَ الحِمْلُ بِالبَعِيرِ إذا أثْقَلَهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُمْكِنُ أنْ يُسْنَدَ ”تَنُوءُ“ إلى المَفاتِحِ؛ لِأنَّها تَنْهَضُ بِتَحامُلٍ إذا فَعَلَ ذَلِكَ الَّذِي يَنْهَضُ بِها، وذا مُطَّرِدٌ في ناءَ الحِمْلُ بِالبَعِيرِ ونَحْوِهِ، فَتَأمَّلْهُ. وقَرَأ بُدَيْلُ بْنُ مَيْسَرَةَ: ”لَيَنُوءُ“ بِالياءِ وتَذْكِيرِهِ، راعى المُضافَ المَحْذُوفَ، التَّقْدِيرُ: ما إنَّ حَمْلَ مَفاتِحِهِ، أوْ مِقْدارِها، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ووَجْهُهُ أنْ يُفَسَّرَ المَفاتِحُ بِالخَزائِنِ، ويُعْطِيَها حُكْمَ ما أُضِيفَ إلَيْهِ لِلْمُلابَسَةِ والإيصالِ، كَقَوْلِهِ: ذَهَبَتْ أهْلُ اليَمامَةِ. انْتَهى. يَعْنِي: أنَّهُ اكْتَسَبَ المَفاتِحُ التَّذْكِيرَ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي لِقارُونَ، كَما اكْتَسَبَ أهْلٌ التَّأْنِيثَ مِن إضافَتِهِ إلى اليَمامَةِ، فَقِيلَ فِيهِ: ذَهَبَتْ. وذَكَرَ أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ أنَّ بُدَيْلَ بْنَ مَيْسَرَةَ قَرَأ: ”ما إنَّ مِفْتاحَهُ“ عَلى الإفْرادِ، فَلا تَحْتاجُ قِراءَتُهُ ”لَيَنُوءُ“ بِالياءِ إلى تَأْوِيلٍ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ العُصْبَةِ في سُورَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وتَقَدَّمَ قَبْلَ تَفْسِيرِ المَفاتِحِ، أهِيَ المَقالِيدُ، أوِ الخَزائِنُ نَفْسُها، أوِ الظُّرُوفُ والأوْعِيَةُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ: أنَّ المَفاتِحَ هي الأمْوالُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتْ خَزائِنُهُ تَحْمِلُها أرْبَعُونَ أقْوِياءُ، وكانَتْ أرْبَعَمِائَةِ ألْفٍ، يَحْمِلُ كُلُّ رَجُلٍ عَشَرَةَ آلافٍ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ مِنَ المَفاتِحِ: العِلْمُ والإحاطَةُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٥٩] والمُرادُ: وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ، ما إنَّ حِفْظَها والِاطِّلاعَ عَلَيْها لَيَثْقُلُ عَلى العُصْبَةِ، أيْ: هَذِهِ الكُنُوزُ لِكَثْرَتِها واخْتِلافِ أصْنافِها، يُتْعِبُ حِفْظُها القائِمِينَ عَلى حِفْظِها. ﴿إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ﴾ نَهَوْهُ عَنِ الفَرَحِ المُطْغِي الَّذِي هو انْهِماكٌ وانْحِلالُ نَفْسٍ وأشَرٌ وإعْجابٌ، وإنَّما يَفْرَحُ بِإقْبالِ الدُّنْيا عَلَيْهِ مَنِ اطْمَأنَّ إلَيْها وغَفَلَ عَنْ أمْرِ الآخِرَةِ، ومَن جَعَلَ أنَّهُ مُفارِقُ زَهْرَةِ الدُّنْيا عَنْ قَرِيبٍ، فَلا يَفْرَحُ بِها. وقالَ أبُو الطَّيِّبِ: ؎أشَدُّ الغَمِّ عِنْدِي في سُرُورٍ ∗∗∗ تَيَقَّنَ عَنْهُ صاحِبُهُ انْتِقالًا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَحَلٌّ ”إذْ“ مَنصُوبٌ بِـ: ”تُنُوءُ“ . انْتَهى، وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا؛ لِأنَّ إثْقالَ المَفاتِحِ العُصْبَةَ لَيْسَ مُقَيَّدًا بِوَقْتِ قَوْلِ قَوْمِهِ لَهُ: ﴿لا تَفْرَحْ﴾ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ وهو ضَعِيفٌ أيْضًا؛ لِأنَّ بَغْيَهُ عَلَيْهِمْ لَمْ يَكُنْ مُقَيَّدًا بِذَلِكَ الوَقْتِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: النّاصِبُ لَهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ. وقالَ أبُو البَقاءِ: (إذْ قالَ لَهُ) ظَرْفٌ لِـ: ”آتَيْناهُ“، وهو ضَعِيفٌ أيْضًا؛ لِأنَّ الإيتاءَ لَمْ يَكُنْ وقْتَ ذَلِكَ القَوْلِ. وقالَ أيْضًا: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ: بَغى عَلَيْهِمْ ﴿إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ﴾ . انْتَهى. ويَظْهَرُ أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُهُ: فَأظْهَرَ التَّفاخُرَ والفَرَحَ بِما أُوتِيَ مِنَ الكُنُوزِ ﴿إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ﴾ . وقالَ تَعالى: ﴿ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣] والعَرَبُ تَمْدَحُ بِتَرْكِ الفَرَحِ عِنْدَ إقْبالِ الخَيْرِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎ولَسْتُ بِمِفْراحٍ إذا الدَّهْرُ سَرَّنِي ∗∗∗ ولا جازِعٍ مِن صَرْفِهِ المُتَحَوِّلِ (p-١٣٣)وقالَ الآخَرُ: ؎إنْ نُلاقِ مُنْفِسًا لا تُلْفِنا ∗∗∗ فُرُحَ الخَيْرِ ولا نَكْبُو لِضُرِّ وقُرِئَ: الفارِحِينَ، حَكاهُ عِيسى بْنُ سُلَيْمانَ الحِجازِيُّ. و(لا يُحِبُّ) صِفَةُ فِعْلٍ، لا صِفَةُ ذاتٍ، بِمَعْنى الإرادَةِ؛ لِأنَّ الفَرَحَ أمْرٌ قَدْ وقَعَ، فالمَعْنى: لا يُظْهِرُ عَلَيْهِمْ بَرَكَتَهُ، ولا يَعُمُّهم رَحْمَتُهُ. ولَمّا نَهَوْهُ عَنِ الفَرَحِ المُطْغِي أمَرُوهُ بِأنْ يَطْلُبَ فِيما آتاهُ اللَّهُ مِنَ الكُنُوزِ وسَعَةِ الرِّزْقِ ثَوابَ الدّارِ الآخِرَةِ، بِأنْ يَفْعَلَ فِيهِ أفْعالَ البِرِّ، وتَجْعَلَهُ زادَكَ إلى الآخِرَةِ. ﴿ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والجُمْهُورُ: مَعْناهُ: ولا تُضَيِّعْ عُمُرَكَ في أنْ لا تَعْمَلَ صالِحًا في دُنْياكَ، إذِ الآخِرَةُ إنَّما يُعْمَلُ لَها في الدُّنْيا، فَنَصِيبُ الإنْسانِ عُمُرُهُ وعَمَلُهُ الصّالِحُ فِيها، وهَذا التَّأْوِيلُ فِيهِ عِظَةٌ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ مَعْناهُ: لا تُضَيِّعْ حَظَّكَ مِنَ الدُّنْيا في تَمَتُّعِكَ بِالحَلالِ وطَلَبِكَ، أيْ: إيّاهُ، ونَظَرِكَ لِعاقِبَةِ دُنْياكَ، وفي هَذا التَّأْوِيلِ بَعْضُ رِفْقٍ. وقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: قَدِّمِ الفَضْلَ وأمْسِكْ ما تَبْلُغُ بِهِ. وقالَ مالِكٌ: هو الأكْلُ والشُّرْبُ بِلا سَرَفٍ. وقِيلَ: أرادُوا بِنَصِيبِهِ الكَفَنَ، وهَذا وعْظٌ مُتَّصِلٌ، كَأنَّهم قالُوا: تَتْرُكُ جَمِيعَ مالِكَ، لا يَكُونُ نَصِيبُكَ مِنهُ إلّا الكَفَنَ؛ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎نَصِيبُكَ مِمّا تَجْمَعُ الدَّهْرَ كُلَّهُ ∗∗∗ رِداءانِ تَأْوِي فِيهِما وحَنُوطُ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنْ تَأْخُذَ مِنهُ ما يَكْفِيكَ ويُصْلِحُكَ، وهَذا قَرِيبٌ مِن قَوْلِ الحَسَنِ (وأحْسِنْ) إلى عِبادِ اللَّهِ، أوْ بِشُكْرِكَ وطاعَتِكَ لِلَّهِ. ﴿كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ بِتِلْكَ النِّعَمِ الَّتِي خَوَّلَكَها، والكافُ لِلتَّشْبِيهِ، وهو يَكُونُ في بَعْضِ الأوْصافِ؛ لِأنَّ مُماثَلَةَ إحْسانِ العَبْدِ لِإحْسانِ اللَّهِ مِن جَمِيعِ الصِّفاتِ يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ، فالتَّشْبِيهُ وقَعَ في مُطْلَقِ الإحْسانِ، أوْ تَكُونُ الكافُ لِلتَّعْلِيلِ، أيْ: أحْسِنْ لِأجْلِ إحْسانِ اللَّهِ إلَيْكَ. ﴿ولا تَبْغِ الفَسادَ﴾ أيْ: ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ البَغْيِ والظُّلْمِ. (عَلى عِلْمٍ) عِلْمٍ: مَصْدَرٌ، يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مُضافًا إلَيْهِ ومُضافًا إلى اللَّهِ. فَقالَ الجُمْهُورُ: ادَّعى أنَّ عِنْدَهُ عِلْمًا اسْتَوْجَبَ بِهِ أنْ يَكُونَ صاحِبَ تِلْكَ الكُنُوزِ. فَقِيلَ: عِلْمُ التَّوْراةِ وحِفْظُها، وكانَ أحَدَ السَّبْعِينَ الَّذِينَ اخْتارَهم مُوسى لِلْمِيقاتِ، وكانَتْ هَذِهِ مُغالَطَةً. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدّانِيُّ: أيْ عِلْمُ التِّجارَةِ ووُجُوهِ المَكاسِبِ، أيْ: أُوتِيتُهُ بِإدْراكِي وسَعْيِي. وقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: عِلْمُ الكِيمْياءِ، قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَعْلَمُ الكِيمْياءَ، وهي جَعْلُ الرَّصاصِ والنُّحاسِ ذَهَبًا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: عَلى عِلْمٍ لِصَنْعَةِ الذَّهَبِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ لا يَصِحُّ عَنْهُ ولا عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ. وأنْكَرَ الزَّجّاجُ عِلْمَ الكِيمْياءِ وقالَ: باطِلٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ. انْتَهى. وكَثِيرًا ما تُولَعُ أهْلُ مِصْرَ بِطَلَبِ أشْياءَ مِنَ المُسْتَحِيلاتِ والخُرافاتِ؛ مِن ذَلِكَ: تَغْوِيرُ الماءِ، وخِدْمَةُ الصُّوَرِ المُمَثَّلَةِ في الجُدُرِ خُطُوطًا، وادِّعاؤُهم أنَّ تِلْكَ الخُطُوطَ تَتَحَرَّكُ إذا خُدِمَتْ بِأنْواعٍ مِنَ الخَدَمِ لَهم والكِيمْياءِ حَتّى أنَّ مَشايِخَ العِلْمِ عِنْدَهم، الَّذِينَ هم عِنْدَهم بِصُورَةِ الوِلايَةِ، يَتَطَلَّبُ ذَلِكَ مِن أجْهَلِ وارِدٍ مِنَ المَغارِبَةِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: أرادَ ﴿أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ﴾ مِنَ اللَّهِ وتَخْصِيصٍ مِن لَدُنْهُ قَصَدَنِي بِهِ، أيْ: فَلا يَلْزَمُنِي فِيهِ شَيْءٌ مِمّا قُلْتُمْ، ثُمَّ جَعَلَ قَوْلَهُ: (عِنْدِي) كَما يَقُولُ: في مُعْتَقَدِي وعَلى ما أراهُ. وقالَ مُقاتِلٌ: (عَلى عِلْمٍ) أيْ: عَلى خَيْرٍ عَلِمَهُ اللَّهُ عِنْدِي. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أوَلَمْ يَعْلَمْ﴾ تَقْرِيرٌ لِعِلْمِهِ ذَلِكَ، وتَنْبِيهٌ عَلى خَطَئِهِ في اغْتِرارِهِ أيْ: قَدْ عَلِمَ أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مِنَ القُرُونِ قَبْلَهُ مَن هو أقْوى مِنهُ وأغْنى؛ لِأنَّهُ قَدْ قَرَأهُ في التَّوْراةِ، وأخْبَرَ بِهِ مُوسى، وسَمِعَهُ في التَّوارِيخِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أوَلَمْ يَعْلَمْ في جُمْلَةِ ما عِنْدَهُ مِنَ العِلْمِ ؟ هَذا حَتّى لا يَغْتَرَّ بِكَثْرَةِ مالِهِ وقُوَّتِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِعِلْمِهِ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ فَتَنَفَّحَ بِالعِلْمِ وتَعَظَّمَ بِهِ، قِيلَ: أعِنْدَهُ مِثْلُ ذَلِكَ العِلْمِ الَّذِي ادَّعاهُ ؟ وأُرِيَ نَفْسَهُ بِهِ مُسْتَوْجِبَةً لِكُلِّ نِعْمَةٍ، ولَمْ يَعْلَمْ هَذا العِلْمَ النّافِعَ حَتّى يَقِيَ نَفْسَهُ مَصارِعَ الهالِكِينَ. انْتَهى. ﴿وأكْثَرُ جَمْعًا﴾ إمّا لِلْمالِ، أوْ جَماعَةٍ يَحُوطُونَهُ ويَخْدِمُونَهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿أوَلَمْ يَعْلَمْ﴾ بِرُجْحِ أنَّ (p-١٣٤)قارُونَ تَشَبَّعَ بِعِلْمِ نَفْسِهِ عَلى زَعْمِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ولا يُسْألُ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ و(المُجْرِمُونَ) رُفِعَ بِهِ، وهو مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ. والضَّمِيرُ في (ذُنُوبِهِمْ) عائِدٌ عَلى مَن أُهْلِكَ مِنَ القُرُونِ، أيْ: لا يُسْألُ غَيْرُهم مِمَّنْ أجْرَمَ، ولا مِمَّنْ لَمْ يُجْرِمْ عَمَّنْ أهْلَكَهُ اللَّهُ بَلْ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨] . وقِيلَ: أهْلَكَ مَن أهْلَكَ مِنَ القُرُونِ، عَنْ عِلْمٍ مِنهُ بِذُنُوبِهِمْ، فَلَمْ يَحْتَجْ إلى مَسْألَتِهِمْ عَنْها. وقِيلَ: هو مُسْتَأْنَفٌ عَنْ حالِ يَوْمِ القِيامَةِ. قالَ قَتادَةُ: لا يُسْألُونَ عَنْ ذُنُوبِهِمْ لِظُهُورِها وكَثْرَتِها؛ لِأنَّهم يَدْخُلُونَ النّارَ بِغَيْرِ حِسابٍ. وقالَ قَتادَةُ أيْضًا ومُجاهِدٌ: لا تَسْألُهُمُ المَلائِكَةُ عَنْ ذُنُوبِهِمْ؛ لِأنَّهم يَعْرِفُونَهم بِسِيماهم مِنَ السَّوادِ والتَّشْوِيهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] . وقِيلَ: لا يُسْألُونَ سُؤالَ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ في رِوايَتِهِ: ”ولا تَسْألْ“، بِالتّاءِ والجَزْمِ، ”المُجْرِمِينَ“: نُصِبَ. وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ، وأبُو العالِيَةِ كَذَلِكَ في ”ولا تَسْألْ“ عَلى النَّهْيِ لِلْمُخاطَبِ، وكانَ ابْنُ أبِي إسْحاقَ لا يُجَوِّزُ ذَلِكَ إلّا أنْ يَكُونَ ”المُجْرِمِينَ“ بِالياءِ في مَحَلِّ النَّصْبِ، بِوُقُوعِ الفِعْلِ عَلَيْهِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: فالظّاهِرُ ما قالَهُ، ولَمْ يَبْلُغْنِي في نَصْبِ المُجْرِمِينَ شَيْءٌ، فَإنْ تَرَكاهُ عَلى رَفْعِهِ، فَلَهُ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ الهاءُ والمِيمُ في ﴿عَنْ ذُنُوبِهِمْ﴾ راجِعَةً إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ القُرُونِ، وارْتِفاعُ ”المُجْرِمِينَ“ بِإضْمارِ المُبْتَدَأِ، وتَقْدِيرُهُ: هُمُ المُجْرِمُونَ، أوْ: أُولَئِكَ المُجْرِمُونَ، ومِثْلُهُ ﴿التّائِبُونَ العابِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢] في التَّوْبَةِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن أصْلِ الهاءِ والمِيمِ في (ذُنُوبِهِمْ)؛ لِأنَّها - وإنْ كانَتْ في مَحَلِّ الجَرِّ بِالإضافَةِ إلَيْها - فَإنَّ أصْلَها الرَّفْعُ؛ لِأنَّ الإضافَةَ إلَيْها بِمَنزِلَةِ إضافَةِ المَصْدَرِ إلى اسْمِ الفاعِلِ؛ فَعَلى ذَلِكَ (المُجْرِمُونَ) مَحْمُولٌ عَلى الأصْلِ، عَلى ما تَقَدَّمَ لَنا مِن أنَّ بَعْضَهم قَرَأ: ﴿أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً﴾ [البقرة: ٢٦] بِالجَرِّ، عَلى أنَّها بَدَلٌ مِن أصْلِ المَثَلِ، و(ما) زائِدَةٌ فِيهِ، وتَقْدِيرُهُ: لا يَسْتَحِي بِضَرْبِ مَثَلِ بَعُوضَةٍ، أيْ: بِضَرْبِ بَعُوضَةٍ. في ذَلِكَ فَسَّرَ أنَّ مَعَ الفَصْلِ بِالمَصْدَرِ ناصِبٌ إلى المَفْعُولِ بِهِ، ثُمَّ أبْدَلَ مِنهُ البَعُوضَةَ مِن غَيْرِ أنْ أعْرِفَ فِيها أثَرًا لِحالٍ. فَأمّا قَوْلُهُ: مِن ذُنُوبِهِمْ، فَذُنُوبٌ جَمْعٌ، فَإنْ كانَ جَمْعَ مَصْدَرٍ فَفي إعْمالِهِ خِلافٌ. وأمّا قَوْلُهُ عَلى ما تَقَدَّمَ لَنا مِن أنَّ بَعْضَهم قَرَأ، فَقَدْ ذَكَرَ في البَقَرَةِ أنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ، ولا نَعْرِفُ فِيها أثَرًا، فَيَنْبَغِي أنْ لا يَجْعَلَها قِراءَةً. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى قارُونَ ونَعَتَهُ، وما آتاهُ مِنَ الكُنُوزِ، وفَرَحَهُ بِذَلِكَ فَرَحَ البَطِرِينَ، وادِّعاءَهُ أنَّ ما أُوتِيَ مِن ذَلِكَ إنَّما أُوتِيَهُ عَلى عِلْمٍ، ذَكَرَ ما هو ناشِئٌ عَنِ التَّكَبُّرِ والسُّرُورِ بِما أُوتِيَ، فَقالَ: ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ﴾ وكانَ يَوْمَ السَّبْتِ: أيْ: أظْهَرَ ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ المَلابِسِ والمَراكِبِ وزِينَةِ الدُّنْيا. قالَ جابِرٌ، ومُجاهِدٌ: في ثِيابٍ حُمْرٍ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو وحَشَمُهُ في ثِيابٍ مُعَصْفَرَةٍ. وقِيلَ: في ثِيابِ الأُرْجُوانِ. وقِيلَ: عَلى بَغْلَةٍ شَهْباءَ عَلَيْها الأُرْجُوانُ، وعَلَيْها سَرْجٌ مِن ذَهَبٍ، ومَعَهُ أرْبَعَةُ آلافٍ عَلى زِيِّهِ. وقِيلَ: عَلَيْهِمْ وعَلى خُيُولِهِمُ الدِّيباجُ الأحْمَرُ، وعَلى يَمِينِهِ ثَلاثُمِائَةِ غُلامٍ، وعَلى يَسارِهِ ثَلاثُمِائَةِ جارِيَةٍ بِيضٍ عَلَيْهِمُ الحُلِيُّ والدِّيباجُ. وقِيلَ: في تِسْعِينَ ألْفًا عَلَيْهِمُ المُعَصْفَراتُ، وهو أوَّلُ يَوْمٍ رُؤِيَ فِيهِ المُعَصْفَرُ. وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الكَيْفِيّاتِ. ﴿قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ قِيلَ: كانُوا مُؤْمِنِينَ. وقالَ قَتادَةُ: تَمَنَّوْهُ لِيَتَقَرَّبُوا بِهِ إلى اللَّهِ. وقِيلَ: رَغْبَةً في اليَسارَةِ والثَّرْوَةِ. وقِيلَ: كانُوا كُفّارًا، وتَمَنَّوْا ﴿مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ﴾ ولَمْ يَذْكُرُوا زَوالَ نِعْمَتِهِ، وهَذا مِنَ الغِبْطَةِ. ﴿إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ أيْ: دَرَجَةٍ عَظِيمَةٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ. وقِيلَ: نَصِيبٍ كَثِيرٍ مِنَ الدُّنْيا، والحَظُّ البَخْتُ والسَّعْدُ، يُقالُ: فُلانٌ ذُو حَظٍّ وحَظِيظٌ ومَحْظُوظٌ. ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ مِنهم: يُوشَعُ، والعِلْمُ: مَعْرِفَةُ الثَّوابِ والعِقابِ، أوِ التَّوَكُّلُ، أوِ الإخْبارُ، أقْوالٌ. (ويْلَكم) دُعاءٌ بِالشَّرِّ. ﴿ثَوابُ اللَّهِ﴾ وهو ما أعَدَّهُ في الآخِرَةِ لِلْمُؤْمِنِ (خَيْرٌ) مِمّا أُوتِيَ قارُونُ. ﴿ولا يُلَقّاها﴾ أيْ: هَذِهِ الحِكْمَةُ، وهي مَعْرِفَةُ ثَوابِ اللَّهِ، وقِيلَ: الجَنَّةُ ونَعِيمُها. وقِيلَ: هَذِهِ المَقالَةُ، وهي قَوْلُهم: ﴿ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ وبَّخَهم بِها. ﴿إلّا الصّابِرُونَ﴾ عَلى الطّاعاتِ وعَلى قَمْعِ أنْفُسِهِمْ عَنِ الشَّهَواتِ. تَقَدَّمَ (p-١٣٥)طَرَفٌ مِن خَبَرِ قارُونَ وحَسَدِهِ لِمُوسى. ومِن حَسَدِهِ أنَّهُ جَعَلَ لِبَغِيٍّ جُعْلًا، عَلى أنْ تَرْمِيَ مُوسى بِطَلَبِها وبِزِنائِها، وأنَّها تابَتْ إلى اللَّهِ، وأقَرَّتْ أنَّ قارُونَ هو الَّذِي جَعَلَ لَها جُعْلًا عَلى رَمْيِ مُوسى بِذَلِكَ، فَأمَرَ اللَّهُ الأرْضَ أنْ تُطِيعَهُ، فَقالَ: يا أرْضُ، خُذِيهِ وأتْباعَهُ، فَخُسِفَ بِهِمْ في حِكايَةٍ طَوِيلَةٍ، اللَّهُ أعْلَمُ بِها. ولَمّا خُسِفَ بِقارُونَ ومَن مَعَهُ، فَقالَ بَنُو إسْرائِيلَ: إنَّما دَعا مُوسى عَلى قارُونَ لِيَسْتَبِدَّ بِدارِهِ وكُنُوزِهِ، فَدَعا اللَّهَ حَتّى خَسَفَ بِدارِهِ وأمْوالِهِ. و”مِن“ زائِدَةٌ، أيْ: مِن جَماعَةٍ تُفِيدُ اسْتِغْراقَ الفِئاتِ. وإذا انْتَفَتِ الجُمْلَةُ، ولَمْ يَقْدِرْ عَلى نَصْرِهِ، فانْتِفاءُ الواحِدِ عَنْ نُصْرَتِهِ أبْلَغُ. ﴿وما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ في نَفْسِهِ مِمَّنْ يَمْتَنِعُ مِن عَذابِ اللَّهِ. ﴿وأصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالأمْسِ﴾ بَدَلٌ، وأصْبَحَ، إذا حُمِلَ عَلى ظاهِرِهِ، أنَّ الخَسْفَ بِهِ وبِدارِهِ كانَ لَيْلًا، وهو أفْظَعُ العَذابِ، إذِ اللَّيْلُ مَقَرُّ الرّاحَةِ والسُّكُونِ، والأمْسُ يَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِهِ الزَّمانُ الماضِي، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِهِ ما قَبْلَ يَوْمِ الخَسْفِ، وهو يَوْمُ التَّمَنِّي، ويَدُلُّ عَلَيْهِ العَطْفُ بِالفاءِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّعْقِيبَ في قَوْلِهِ: ﴿فَخَسَفْنا﴾ فَيَكُونُ فِيهِ اعْتِقابُ العَذابِ خُرُوجُهُ في زِينَتِهِ، وفي ذَلِكَ تَعْجِيلُ العَذابِ. ومَكانَهُ: مَنزِلَتَهُ في الدُّنْيا مِنَ الثَّرْوَةِ والحَشَمِ والأتْباعِ. و”ويْ“ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ: اسْمُ فِعْلٍ مِثْلُ: صَهْ ومَهْ، ومَعْناها: أعْجَبُ. قالَ الخَلِيلُ: وذَلِكَ أنَّ القَوْمَ نَدِمُوا فَقالُوا: مُتَنَدِّمِينَ عَلى ما سَلَفَ مِنهم: ويْ، وكُلُّ مَن نَدِمَ فَأظْهَرَ نَدامَتَهُ قالَ: ويْ. وكَأنَّ: هي كافُ التَّشْبِيهِ الدّاخِلَةُ عَلى ”أنَّ“، وكُتِبَتْ مُتَّصِلَةً بِكافِ التَّشْبِيهِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ؎ويْ كَأنَّ مَن يَكُنْ لَهُ نَشَبٌ يُحْ ∗∗∗ بَبْ ومَن يَفْتَقِرْ يَعِشْ عَيْشَ ضُرِّ والبَيْتُ لِزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ. وحَكى الفَرّاءُ أنَّ امْرَأةً قالَتْ لِزَوْجِها: أيْنَ ابْنُكَ ؟ فَقالَ: ويْكَأنَّهُ وراءَ البَيْتِ، وعَلى هَذا المَذْهَبِ يَكُونُ الوَقْفُ عَلى ويْ. وقالالأخْفَشُ: هي ويْكَ، ويَنْبَغِي أنْ تَكُونَ الكافُ حَرْفَ خِطابٍ، ولا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، والوَقْفُ عَلَيْهِ ويْكَ، ومِنهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ: ؎ولَقَدْ شَفا نَفْسِي وأبْرَأ سُقْمَها ∗∗∗ قِيلُ الفَوارِسِ ويْكَ عَنْتَرَ أقْدِمِ قالَ الأخْفَشُ: وأنَّ عِنْدَهُ مَفْتُوحٌ بِتَقْدِيرِ العِلْمِ، أيْ: أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎ألا ويْكَ المَضَرَّةَ لا تَدُومُ ∗∗∗ ولا يُبْقِي عَلى البُؤْسِ النَّعِيمُ وذَهَبُ الكِسائِيُّ ويُونُسُ وأبُو حاتِمٍ وغَيْرُهم إلى أنَّ أصْلَهُ ويْلَكَ، فَحُذِفَتِ اللّامُ والكافُ في مَوْضِعِ جَرٍّ بِالإضافَةِ. فَعَلى المَذْهَبِ الأوَّلِ قِيلَ: تَكُونُ الكافُ خالِيَةً مِن مَعْنى التَّشْبِيهِ، كَما قِيلَ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] . وعَلى المَذْهَبِ الثّانِي، فالمَعْنى: أعْجَبُ لِأنَّ اللَّهَ. وعَلى المَذْهَبِ الثّالِثِ تَكُونُ ويْلَكَ كَلِمَةَ تَحَزُّنٍ، والمَعْنى أيْضًا: لِأنَّ اللَّهَ. وقالَ أبُو زَيْدٍ وفِرْقَةٌ مَعَهُ: ويْكَأنَّ، حَرْفٌ واحِدٌ بِجُمْلَتِهِ، وهو بِمَعْنى: ألَمْ تَرَ. وبِمَعْنى: ألَمْ تَرَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والكِسائِيُّ وأبُو عُبَيْدٍ. وقالَ الفَرّاءُ: ويْكَ في كَلامِ العَرَبِ كَقَوْلِ الرَّجُلِ: أما تَرى إلى صُنْعِ اللَّهِ ؟ وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، عَنْ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ أنَّهُ قالَ: مَعْنى ويْكَ: رَحْمَةً لَكَ، بِلُغَةِ حِمْيَرَ. ولَمّا صَدَرَ مِنهم تَمَنِّي حالِ قارُونَ، وشاهَدُوا الخَسْفَ، كانَ ذَلِكَ زاجِرًا لَهم عَنْ حُبِّ الدُّنْيا، وداعِيًا إلى الرِّضا بِقَدَرِ اللَّهِ، فَتَنَبَّهُوا لِخَطَئِهِمْ فَقالُوا: ويْ، ثُمَّ قالُوا: ﴿كَأنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ بِحَسَبِ مَشِيئَتِهِ وحِكْمَتِهِ، لا لِكَرامَتِهِ عَلَيْهِ، ويُضَيِّقُ عَلى مَن يَشاءُ، لا لِهَوانِهِ، بَلْ لِحِكْمَتِهِ وقَضائِهِ ابْتِلاءً. وقَرَأ الأعْمَشُ: ”لَوْلا مَنَّ اللَّهُ“، بِحَذْفِ ”أنْ“، وهي مُزادَةٌ. ورُوِيَ عَنْهُ: ”مَنُّ اللَّهِ“ بِرَفْعِ النُّونِ والإضافَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لَخُسِفَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وحَفْصٌ، وعِصْمَةُ، وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ، وابْنُ أبِي حَمّادٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ: مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وابْنُ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: ”لانْخَسَفَ بِنا“، كَقَوْلِكَ: انْقَطَعَ بِنا، كَأنَّهُ فِعْلٌ مُطاوِعٌ، والمَقامُ مَقامُ الفاعِلِ هو (بِنا) . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَصْدَرَ أيْ: لانْخَسَفَ الِانْخِسافُ، ومُطاوِعُ فَعَلَ لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ بِهِ، فَلِذَلِكَ بُنِيَ (p-١٣٦)إمّا لِلْبِناءِ وإمّا لِلْمَصْدَرِ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أيْضًا: ”لَتُخُسِّفَ“، بِتاءٍ وشَدِّ السِّينِ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.

القصص 28:79

(p-١٣١)﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ﴿ونَزَعْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكم فَعَلِمُوا أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ ما إنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ أُولِي القُوَّةِ إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ ﴿وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدّارَ الآخِرَةَ ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ ولا تَبْغِ الفَسادَ في الأرْضِ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أوَلَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَن هو أشَدُّ مِنهُ قُوَّةً وأكْثَرُ جَمْعًا ولا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَياةَ الدُّنْيا يالَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ويْلَكم ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ولا يُلَقّاها إلّا الصّابِرُونَ﴾ ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ فَما كانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ ﴿وأصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالأمْسِ يَقُولُونَ ويْكَأنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَوْلا أنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا ويْكَأنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ . تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ: (ويَوْمَ يُنادِيهِمْ) وكُرِّرَ هُنا عَلى جِهَةِ الإبْلاغِ والتَّأْكِيدِ. (ونَزَعْنا) أيْ: مَيَّزْنا وأخْرَجْنا بِسُرْعَةٍ مِن كُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ. (شَهِيدًا) وهو نَبِيُّ تِلْكَ الأُمَّةِ؛ لِأنَّهُ هو الشَّهِيدُ عَلَيْها، كَما قالَ: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] . وقِيلَ: عَدُولًا وخِيارًا. والشَّهِيدُ عَلى هَذا اسْمُ الجِنْسِ، والشَّهِيدُ يَشْهَدُ عَلى تِلْكَ الأُمَّةِ بِما صَدَرَ مِنها، وما أجابَتْ بِهِ؛ لَمّا دُعِيَتْ إلى التَّوْحِيدِ، وأنَّهُ قَدْ بَلَّغَهم رِسالَةَ رَبِّهِمْ. (فَقُلْنا) أيْ: لِلْمَلَأِ ﴿هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ أيْ: حُجَّتَكم فِيما كُنْتُمْ عَلَيْهِ في الدُّنْيا مِنَ الكُفْرِ ومُخالَفَةِ هَذا الشَّهِيدِ ﴿فَعَلِمُوا أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ﴾ لا لِأصْنامِهِمْ وما عَبَدُوا مِن دُونِ اللَّهِ. (وضَلَّ عَنْهم) أيْ: وغابَ عَنْهم غَيْبَةَ الشَّيْءِ الضّائِعِ ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مِنَ الكَذِبِ والباطِلِ. وقارُونُ أعْجَمِيٌّ: مُنِعَ الصَّرْفَ لِلْعُجْمَةِ والعَلَمِيَّةِ. وقِيلَ: ومَعْنى كانَ مِن قَوْمِهِ أيْ: مِمَّنْ آمَنَ بِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو إسْرائِيلِيٌّ بِإجْماعٍ. انْتَهى. واخْتُلِفَ في قَرابَتِهِ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، اخْتِلافًا مُضْطَرِبًا مُتَكاذِبًا، وأوْلاها ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّهُ ابْنُ عَمِّهِ، وهو قارُونُ بْنُ يَصْهُرَ بْنِ قاهِثَ، جَدِّ مُوسى؛ لِأنَّ النَّسّابِينَ ذَكَرُوا نَسَبَهُ كَذَلِكَ، وكانَ يُسَمّى المُنَوَّرَ لِحُسْنِ صُورَتِهِ، وكانَ أحْفَظَ بَنِي إسْرائِيلَ لِلتَّوْراةِ وأقْرَأهم، فَنافَقَ كَما نافَقَ السّامِرِيُّ. ﴿فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ ذَكَرُوا مِن أنْواعِ بَغْيِهِ الكُفْرَ، والكِبْرَ، وحَسَدَهُ لِمُوسى عَلى النُّبُوَّةِ، ولِهارُونَ عَلى الذَّبْحِ والقُرْبانِ، وظُلْمَهُ لِبَنِي إسْرائِيلَ حِينَ مَلَّكَهُ فِرْعَوْنُ عَلَيْهِمْ، ودَسَّهُ بَغِيًّا تَكْذِبُ عَلى مُوسى أنَّهُ تَعَرَّضَ لَها، وتَفْضَحُهُ بِذَلِكَ في مَلَأٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ. ومِن تَكَبُّرِهِ أنْ زادَ في ثِيابِهِ شِبْرًا. ﴿وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ﴾ قِيلَ: أظْفَرَهُ اللَّهُ بِكَنْزٍ مِن كُنُوزِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ: سُمِّيَتْ أمْوالُهُ كُنُوزًا، إذْ كانَ مُمْتَنِعًا مِن أداءِ الزَّكاةِ، وبِسَبَبِ ذَلِكَ عادى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أوَّلَ عَداوَتِهِ. و(ما) مَوْصُولَةٌ، صِلَتُها ”إنَّ“ ومَعْمُولاها. وقالَ النَّحّاسُ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ سُلَيْمانَ، يَعْنِي الأخْفَشَ الصَّغِيرَ، يَقُولُ: ما أقْبَحَ ما يَقُولُهُ الكُوفِيُّونَ في الصِّلاتِ، أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِلَةُ ”الَّذِي“ ”إنَّ“ وما عَمِلَتْ (p-١٣٢)فِيهِ، وفي القُرْآنِ: ﴿ما إنَّ مَفاتِحَهُ﴾ . انْتَهى. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ”مَفاتِحَ“ في سُورَةِ الأنْعامِ، وقالُوا هُنا: مَقالِيدُ خَزائِنِهِ. وقالَ السُّدِّيُّ: هي الخَزائِنُ نَفْسُها. وقالَ الضَّحّاكُ: ظُرُوفُهُ وأوْعِيَتُهُ. وقَرَأ الأعْمَشُ: ”مَفاتِيحَهُ“، بِياءٍ، جَمْعُ مِفْتاحٍ، وذَكَرُوا مِن كَثْرَةِ مَفاتِحِهِ ما هو كَذِبٌ، أوْ يُقارِبُ الكَذِبَ، فَلَمْ أكْتُبْهُ. قالَ أبُو زَيْدٍ: نُؤْتُ بِالعَمَلِ، إذا نَهَضْتَ بِهِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎إذا وجَدْنا خَلَفًا بِئْسَ الخَلَفْ عَبْدًا إذا ما ناءَ بِالحِمْلِ وقَفْ ويَقُولُ: ناءَ يَنُوءُ، إذا نَهَضَ بِثِقَلٍ. قالَ الشّاعِرُ: ؎تَنُوءُ بِأُخْراها فَلَأْيًا قِيامُها ∗∗∗ وتَمْشِي الهُوَيْنى عَنْ قَرِيبٍ فَتَبْهَرُ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو مَقْلُوبٌ وأصْلُهُ: لَتَنُوءُ بِها العُصْبَةُ، أيْ: تَنْهَضُ، والقَلْبُ عِنْدَ أصْحابِنا بابُهُ الشِّعْرُ. والصَّحِيحُ أنَّ الباءَ لِلتَّعْدِيَةِ، أيْ: لَتُنِيءُ العُصْبَةَ، كَما تَقُولُ: ذَهَبْتُ بِهِ وأذْهَبْتُهُ، وجِئْتُ بِهِ وأجَأْتُهُ. ونُقِلَ هَذا عَنِ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ والفَرّاءِ، واخْتارَهُ النَّحّاسُ، ورُوِيَ مَعْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي صالِحٍ والسُّدِّيِّ، وتَقُولُ العَرَبُ: ناءَ الحِمْلُ بِالبَعِيرِ إذا أثْقَلَهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُمْكِنُ أنْ يُسْنَدَ ”تَنُوءُ“ إلى المَفاتِحِ؛ لِأنَّها تَنْهَضُ بِتَحامُلٍ إذا فَعَلَ ذَلِكَ الَّذِي يَنْهَضُ بِها، وذا مُطَّرِدٌ في ناءَ الحِمْلُ بِالبَعِيرِ ونَحْوِهِ، فَتَأمَّلْهُ. وقَرَأ بُدَيْلُ بْنُ مَيْسَرَةَ: ”لَيَنُوءُ“ بِالياءِ وتَذْكِيرِهِ، راعى المُضافَ المَحْذُوفَ، التَّقْدِيرُ: ما إنَّ حَمْلَ مَفاتِحِهِ، أوْ مِقْدارِها، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ووَجْهُهُ أنْ يُفَسَّرَ المَفاتِحُ بِالخَزائِنِ، ويُعْطِيَها حُكْمَ ما أُضِيفَ إلَيْهِ لِلْمُلابَسَةِ والإيصالِ، كَقَوْلِهِ: ذَهَبَتْ أهْلُ اليَمامَةِ. انْتَهى. يَعْنِي: أنَّهُ اكْتَسَبَ المَفاتِحُ التَّذْكِيرَ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي لِقارُونَ، كَما اكْتَسَبَ أهْلٌ التَّأْنِيثَ مِن إضافَتِهِ إلى اليَمامَةِ، فَقِيلَ فِيهِ: ذَهَبَتْ. وذَكَرَ أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ أنَّ بُدَيْلَ بْنَ مَيْسَرَةَ قَرَأ: ”ما إنَّ مِفْتاحَهُ“ عَلى الإفْرادِ، فَلا تَحْتاجُ قِراءَتُهُ ”لَيَنُوءُ“ بِالياءِ إلى تَأْوِيلٍ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ العُصْبَةِ في سُورَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وتَقَدَّمَ قَبْلَ تَفْسِيرِ المَفاتِحِ، أهِيَ المَقالِيدُ، أوِ الخَزائِنُ نَفْسُها، أوِ الظُّرُوفُ والأوْعِيَةُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ: أنَّ المَفاتِحَ هي الأمْوالُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتْ خَزائِنُهُ تَحْمِلُها أرْبَعُونَ أقْوِياءُ، وكانَتْ أرْبَعَمِائَةِ ألْفٍ، يَحْمِلُ كُلُّ رَجُلٍ عَشَرَةَ آلافٍ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ مِنَ المَفاتِحِ: العِلْمُ والإحاطَةُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٥٩] والمُرادُ: وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ، ما إنَّ حِفْظَها والِاطِّلاعَ عَلَيْها لَيَثْقُلُ عَلى العُصْبَةِ، أيْ: هَذِهِ الكُنُوزُ لِكَثْرَتِها واخْتِلافِ أصْنافِها، يُتْعِبُ حِفْظُها القائِمِينَ عَلى حِفْظِها. ﴿إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ﴾ نَهَوْهُ عَنِ الفَرَحِ المُطْغِي الَّذِي هو انْهِماكٌ وانْحِلالُ نَفْسٍ وأشَرٌ وإعْجابٌ، وإنَّما يَفْرَحُ بِإقْبالِ الدُّنْيا عَلَيْهِ مَنِ اطْمَأنَّ إلَيْها وغَفَلَ عَنْ أمْرِ الآخِرَةِ، ومَن جَعَلَ أنَّهُ مُفارِقُ زَهْرَةِ الدُّنْيا عَنْ قَرِيبٍ، فَلا يَفْرَحُ بِها. وقالَ أبُو الطَّيِّبِ: ؎أشَدُّ الغَمِّ عِنْدِي في سُرُورٍ ∗∗∗ تَيَقَّنَ عَنْهُ صاحِبُهُ انْتِقالًا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَحَلٌّ ”إذْ“ مَنصُوبٌ بِـ: ”تُنُوءُ“ . انْتَهى، وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا؛ لِأنَّ إثْقالَ المَفاتِحِ العُصْبَةَ لَيْسَ مُقَيَّدًا بِوَقْتِ قَوْلِ قَوْمِهِ لَهُ: ﴿لا تَفْرَحْ﴾ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ وهو ضَعِيفٌ أيْضًا؛ لِأنَّ بَغْيَهُ عَلَيْهِمْ لَمْ يَكُنْ مُقَيَّدًا بِذَلِكَ الوَقْتِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: النّاصِبُ لَهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ. وقالَ أبُو البَقاءِ: (إذْ قالَ لَهُ) ظَرْفٌ لِـ: ”آتَيْناهُ“، وهو ضَعِيفٌ أيْضًا؛ لِأنَّ الإيتاءَ لَمْ يَكُنْ وقْتَ ذَلِكَ القَوْلِ. وقالَ أيْضًا: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ: بَغى عَلَيْهِمْ ﴿إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ﴾ . انْتَهى. ويَظْهَرُ أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُهُ: فَأظْهَرَ التَّفاخُرَ والفَرَحَ بِما أُوتِيَ مِنَ الكُنُوزِ ﴿إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ﴾ . وقالَ تَعالى: ﴿ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣] والعَرَبُ تَمْدَحُ بِتَرْكِ الفَرَحِ عِنْدَ إقْبالِ الخَيْرِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎ولَسْتُ بِمِفْراحٍ إذا الدَّهْرُ سَرَّنِي ∗∗∗ ولا جازِعٍ مِن صَرْفِهِ المُتَحَوِّلِ (p-١٣٣)وقالَ الآخَرُ: ؎إنْ نُلاقِ مُنْفِسًا لا تُلْفِنا ∗∗∗ فُرُحَ الخَيْرِ ولا نَكْبُو لِضُرِّ وقُرِئَ: الفارِحِينَ، حَكاهُ عِيسى بْنُ سُلَيْمانَ الحِجازِيُّ. و(لا يُحِبُّ) صِفَةُ فِعْلٍ، لا صِفَةُ ذاتٍ، بِمَعْنى الإرادَةِ؛ لِأنَّ الفَرَحَ أمْرٌ قَدْ وقَعَ، فالمَعْنى: لا يُظْهِرُ عَلَيْهِمْ بَرَكَتَهُ، ولا يَعُمُّهم رَحْمَتُهُ. ولَمّا نَهَوْهُ عَنِ الفَرَحِ المُطْغِي أمَرُوهُ بِأنْ يَطْلُبَ فِيما آتاهُ اللَّهُ مِنَ الكُنُوزِ وسَعَةِ الرِّزْقِ ثَوابَ الدّارِ الآخِرَةِ، بِأنْ يَفْعَلَ فِيهِ أفْعالَ البِرِّ، وتَجْعَلَهُ زادَكَ إلى الآخِرَةِ. ﴿ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والجُمْهُورُ: مَعْناهُ: ولا تُضَيِّعْ عُمُرَكَ في أنْ لا تَعْمَلَ صالِحًا في دُنْياكَ، إذِ الآخِرَةُ إنَّما يُعْمَلُ لَها في الدُّنْيا، فَنَصِيبُ الإنْسانِ عُمُرُهُ وعَمَلُهُ الصّالِحُ فِيها، وهَذا التَّأْوِيلُ فِيهِ عِظَةٌ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ مَعْناهُ: لا تُضَيِّعْ حَظَّكَ مِنَ الدُّنْيا في تَمَتُّعِكَ بِالحَلالِ وطَلَبِكَ، أيْ: إيّاهُ، ونَظَرِكَ لِعاقِبَةِ دُنْياكَ، وفي هَذا التَّأْوِيلِ بَعْضُ رِفْقٍ. وقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: قَدِّمِ الفَضْلَ وأمْسِكْ ما تَبْلُغُ بِهِ. وقالَ مالِكٌ: هو الأكْلُ والشُّرْبُ بِلا سَرَفٍ. وقِيلَ: أرادُوا بِنَصِيبِهِ الكَفَنَ، وهَذا وعْظٌ مُتَّصِلٌ، كَأنَّهم قالُوا: تَتْرُكُ جَمِيعَ مالِكَ، لا يَكُونُ نَصِيبُكَ مِنهُ إلّا الكَفَنَ؛ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎نَصِيبُكَ مِمّا تَجْمَعُ الدَّهْرَ كُلَّهُ ∗∗∗ رِداءانِ تَأْوِي فِيهِما وحَنُوطُ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنْ تَأْخُذَ مِنهُ ما يَكْفِيكَ ويُصْلِحُكَ، وهَذا قَرِيبٌ مِن قَوْلِ الحَسَنِ (وأحْسِنْ) إلى عِبادِ اللَّهِ، أوْ بِشُكْرِكَ وطاعَتِكَ لِلَّهِ. ﴿كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ بِتِلْكَ النِّعَمِ الَّتِي خَوَّلَكَها، والكافُ لِلتَّشْبِيهِ، وهو يَكُونُ في بَعْضِ الأوْصافِ؛ لِأنَّ مُماثَلَةَ إحْسانِ العَبْدِ لِإحْسانِ اللَّهِ مِن جَمِيعِ الصِّفاتِ يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ، فالتَّشْبِيهُ وقَعَ في مُطْلَقِ الإحْسانِ، أوْ تَكُونُ الكافُ لِلتَّعْلِيلِ، أيْ: أحْسِنْ لِأجْلِ إحْسانِ اللَّهِ إلَيْكَ. ﴿ولا تَبْغِ الفَسادَ﴾ أيْ: ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ البَغْيِ والظُّلْمِ. (عَلى عِلْمٍ) عِلْمٍ: مَصْدَرٌ، يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مُضافًا إلَيْهِ ومُضافًا إلى اللَّهِ. فَقالَ الجُمْهُورُ: ادَّعى أنَّ عِنْدَهُ عِلْمًا اسْتَوْجَبَ بِهِ أنْ يَكُونَ صاحِبَ تِلْكَ الكُنُوزِ. فَقِيلَ: عِلْمُ التَّوْراةِ وحِفْظُها، وكانَ أحَدَ السَّبْعِينَ الَّذِينَ اخْتارَهم مُوسى لِلْمِيقاتِ، وكانَتْ هَذِهِ مُغالَطَةً. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدّانِيُّ: أيْ عِلْمُ التِّجارَةِ ووُجُوهِ المَكاسِبِ، أيْ: أُوتِيتُهُ بِإدْراكِي وسَعْيِي. وقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: عِلْمُ الكِيمْياءِ، قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَعْلَمُ الكِيمْياءَ، وهي جَعْلُ الرَّصاصِ والنُّحاسِ ذَهَبًا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: عَلى عِلْمٍ لِصَنْعَةِ الذَّهَبِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ لا يَصِحُّ عَنْهُ ولا عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ. وأنْكَرَ الزَّجّاجُ عِلْمَ الكِيمْياءِ وقالَ: باطِلٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ. انْتَهى. وكَثِيرًا ما تُولَعُ أهْلُ مِصْرَ بِطَلَبِ أشْياءَ مِنَ المُسْتَحِيلاتِ والخُرافاتِ؛ مِن ذَلِكَ: تَغْوِيرُ الماءِ، وخِدْمَةُ الصُّوَرِ المُمَثَّلَةِ في الجُدُرِ خُطُوطًا، وادِّعاؤُهم أنَّ تِلْكَ الخُطُوطَ تَتَحَرَّكُ إذا خُدِمَتْ بِأنْواعٍ مِنَ الخَدَمِ لَهم والكِيمْياءِ حَتّى أنَّ مَشايِخَ العِلْمِ عِنْدَهم، الَّذِينَ هم عِنْدَهم بِصُورَةِ الوِلايَةِ، يَتَطَلَّبُ ذَلِكَ مِن أجْهَلِ وارِدٍ مِنَ المَغارِبَةِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: أرادَ ﴿أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ﴾ مِنَ اللَّهِ وتَخْصِيصٍ مِن لَدُنْهُ قَصَدَنِي بِهِ، أيْ: فَلا يَلْزَمُنِي فِيهِ شَيْءٌ مِمّا قُلْتُمْ، ثُمَّ جَعَلَ قَوْلَهُ: (عِنْدِي) كَما يَقُولُ: في مُعْتَقَدِي وعَلى ما أراهُ. وقالَ مُقاتِلٌ: (عَلى عِلْمٍ) أيْ: عَلى خَيْرٍ عَلِمَهُ اللَّهُ عِنْدِي. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أوَلَمْ يَعْلَمْ﴾ تَقْرِيرٌ لِعِلْمِهِ ذَلِكَ، وتَنْبِيهٌ عَلى خَطَئِهِ في اغْتِرارِهِ أيْ: قَدْ عَلِمَ أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مِنَ القُرُونِ قَبْلَهُ مَن هو أقْوى مِنهُ وأغْنى؛ لِأنَّهُ قَدْ قَرَأهُ في التَّوْراةِ، وأخْبَرَ بِهِ مُوسى، وسَمِعَهُ في التَّوارِيخِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أوَلَمْ يَعْلَمْ في جُمْلَةِ ما عِنْدَهُ مِنَ العِلْمِ ؟ هَذا حَتّى لا يَغْتَرَّ بِكَثْرَةِ مالِهِ وقُوَّتِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِعِلْمِهِ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ فَتَنَفَّحَ بِالعِلْمِ وتَعَظَّمَ بِهِ، قِيلَ: أعِنْدَهُ مِثْلُ ذَلِكَ العِلْمِ الَّذِي ادَّعاهُ ؟ وأُرِيَ نَفْسَهُ بِهِ مُسْتَوْجِبَةً لِكُلِّ نِعْمَةٍ، ولَمْ يَعْلَمْ هَذا العِلْمَ النّافِعَ حَتّى يَقِيَ نَفْسَهُ مَصارِعَ الهالِكِينَ. انْتَهى. ﴿وأكْثَرُ جَمْعًا﴾ إمّا لِلْمالِ، أوْ جَماعَةٍ يَحُوطُونَهُ ويَخْدِمُونَهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿أوَلَمْ يَعْلَمْ﴾ بِرُجْحِ أنَّ (p-١٣٤)قارُونَ تَشَبَّعَ بِعِلْمِ نَفْسِهِ عَلى زَعْمِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ولا يُسْألُ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ و(المُجْرِمُونَ) رُفِعَ بِهِ، وهو مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ. والضَّمِيرُ في (ذُنُوبِهِمْ) عائِدٌ عَلى مَن أُهْلِكَ مِنَ القُرُونِ، أيْ: لا يُسْألُ غَيْرُهم مِمَّنْ أجْرَمَ، ولا مِمَّنْ لَمْ يُجْرِمْ عَمَّنْ أهْلَكَهُ اللَّهُ بَلْ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨] . وقِيلَ: أهْلَكَ مَن أهْلَكَ مِنَ القُرُونِ، عَنْ عِلْمٍ مِنهُ بِذُنُوبِهِمْ، فَلَمْ يَحْتَجْ إلى مَسْألَتِهِمْ عَنْها. وقِيلَ: هو مُسْتَأْنَفٌ عَنْ حالِ يَوْمِ القِيامَةِ. قالَ قَتادَةُ: لا يُسْألُونَ عَنْ ذُنُوبِهِمْ لِظُهُورِها وكَثْرَتِها؛ لِأنَّهم يَدْخُلُونَ النّارَ بِغَيْرِ حِسابٍ. وقالَ قَتادَةُ أيْضًا ومُجاهِدٌ: لا تَسْألُهُمُ المَلائِكَةُ عَنْ ذُنُوبِهِمْ؛ لِأنَّهم يَعْرِفُونَهم بِسِيماهم مِنَ السَّوادِ والتَّشْوِيهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] . وقِيلَ: لا يُسْألُونَ سُؤالَ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ في رِوايَتِهِ: ”ولا تَسْألْ“، بِالتّاءِ والجَزْمِ، ”المُجْرِمِينَ“: نُصِبَ. وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ، وأبُو العالِيَةِ كَذَلِكَ في ”ولا تَسْألْ“ عَلى النَّهْيِ لِلْمُخاطَبِ، وكانَ ابْنُ أبِي إسْحاقَ لا يُجَوِّزُ ذَلِكَ إلّا أنْ يَكُونَ ”المُجْرِمِينَ“ بِالياءِ في مَحَلِّ النَّصْبِ، بِوُقُوعِ الفِعْلِ عَلَيْهِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: فالظّاهِرُ ما قالَهُ، ولَمْ يَبْلُغْنِي في نَصْبِ المُجْرِمِينَ شَيْءٌ، فَإنْ تَرَكاهُ عَلى رَفْعِهِ، فَلَهُ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ الهاءُ والمِيمُ في ﴿عَنْ ذُنُوبِهِمْ﴾ راجِعَةً إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ القُرُونِ، وارْتِفاعُ ”المُجْرِمِينَ“ بِإضْمارِ المُبْتَدَأِ، وتَقْدِيرُهُ: هُمُ المُجْرِمُونَ، أوْ: أُولَئِكَ المُجْرِمُونَ، ومِثْلُهُ ﴿التّائِبُونَ العابِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢] في التَّوْبَةِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن أصْلِ الهاءِ والمِيمِ في (ذُنُوبِهِمْ)؛ لِأنَّها - وإنْ كانَتْ في مَحَلِّ الجَرِّ بِالإضافَةِ إلَيْها - فَإنَّ أصْلَها الرَّفْعُ؛ لِأنَّ الإضافَةَ إلَيْها بِمَنزِلَةِ إضافَةِ المَصْدَرِ إلى اسْمِ الفاعِلِ؛ فَعَلى ذَلِكَ (المُجْرِمُونَ) مَحْمُولٌ عَلى الأصْلِ، عَلى ما تَقَدَّمَ لَنا مِن أنَّ بَعْضَهم قَرَأ: ﴿أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً﴾ [البقرة: ٢٦] بِالجَرِّ، عَلى أنَّها بَدَلٌ مِن أصْلِ المَثَلِ، و(ما) زائِدَةٌ فِيهِ، وتَقْدِيرُهُ: لا يَسْتَحِي بِضَرْبِ مَثَلِ بَعُوضَةٍ، أيْ: بِضَرْبِ بَعُوضَةٍ. في ذَلِكَ فَسَّرَ أنَّ مَعَ الفَصْلِ بِالمَصْدَرِ ناصِبٌ إلى المَفْعُولِ بِهِ، ثُمَّ أبْدَلَ مِنهُ البَعُوضَةَ مِن غَيْرِ أنْ أعْرِفَ فِيها أثَرًا لِحالٍ. فَأمّا قَوْلُهُ: مِن ذُنُوبِهِمْ، فَذُنُوبٌ جَمْعٌ، فَإنْ كانَ جَمْعَ مَصْدَرٍ فَفي إعْمالِهِ خِلافٌ. وأمّا قَوْلُهُ عَلى ما تَقَدَّمَ لَنا مِن أنَّ بَعْضَهم قَرَأ، فَقَدْ ذَكَرَ في البَقَرَةِ أنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ، ولا نَعْرِفُ فِيها أثَرًا، فَيَنْبَغِي أنْ لا يَجْعَلَها قِراءَةً. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى قارُونَ ونَعَتَهُ، وما آتاهُ مِنَ الكُنُوزِ، وفَرَحَهُ بِذَلِكَ فَرَحَ البَطِرِينَ، وادِّعاءَهُ أنَّ ما أُوتِيَ مِن ذَلِكَ إنَّما أُوتِيَهُ عَلى عِلْمٍ، ذَكَرَ ما هو ناشِئٌ عَنِ التَّكَبُّرِ والسُّرُورِ بِما أُوتِيَ، فَقالَ: ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ﴾ وكانَ يَوْمَ السَّبْتِ: أيْ: أظْهَرَ ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ المَلابِسِ والمَراكِبِ وزِينَةِ الدُّنْيا. قالَ جابِرٌ، ومُجاهِدٌ: في ثِيابٍ حُمْرٍ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو وحَشَمُهُ في ثِيابٍ مُعَصْفَرَةٍ. وقِيلَ: في ثِيابِ الأُرْجُوانِ. وقِيلَ: عَلى بَغْلَةٍ شَهْباءَ عَلَيْها الأُرْجُوانُ، وعَلَيْها سَرْجٌ مِن ذَهَبٍ، ومَعَهُ أرْبَعَةُ آلافٍ عَلى زِيِّهِ. وقِيلَ: عَلَيْهِمْ وعَلى خُيُولِهِمُ الدِّيباجُ الأحْمَرُ، وعَلى يَمِينِهِ ثَلاثُمِائَةِ غُلامٍ، وعَلى يَسارِهِ ثَلاثُمِائَةِ جارِيَةٍ بِيضٍ عَلَيْهِمُ الحُلِيُّ والدِّيباجُ. وقِيلَ: في تِسْعِينَ ألْفًا عَلَيْهِمُ المُعَصْفَراتُ، وهو أوَّلُ يَوْمٍ رُؤِيَ فِيهِ المُعَصْفَرُ. وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الكَيْفِيّاتِ. ﴿قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ قِيلَ: كانُوا مُؤْمِنِينَ. وقالَ قَتادَةُ: تَمَنَّوْهُ لِيَتَقَرَّبُوا بِهِ إلى اللَّهِ. وقِيلَ: رَغْبَةً في اليَسارَةِ والثَّرْوَةِ. وقِيلَ: كانُوا كُفّارًا، وتَمَنَّوْا ﴿مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ﴾ ولَمْ يَذْكُرُوا زَوالَ نِعْمَتِهِ، وهَذا مِنَ الغِبْطَةِ. ﴿إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ أيْ: دَرَجَةٍ عَظِيمَةٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ. وقِيلَ: نَصِيبٍ كَثِيرٍ مِنَ الدُّنْيا، والحَظُّ البَخْتُ والسَّعْدُ، يُقالُ: فُلانٌ ذُو حَظٍّ وحَظِيظٌ ومَحْظُوظٌ. ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ مِنهم: يُوشَعُ، والعِلْمُ: مَعْرِفَةُ الثَّوابِ والعِقابِ، أوِ التَّوَكُّلُ، أوِ الإخْبارُ، أقْوالٌ. (ويْلَكم) دُعاءٌ بِالشَّرِّ. ﴿ثَوابُ اللَّهِ﴾ وهو ما أعَدَّهُ في الآخِرَةِ لِلْمُؤْمِنِ (خَيْرٌ) مِمّا أُوتِيَ قارُونُ. ﴿ولا يُلَقّاها﴾ أيْ: هَذِهِ الحِكْمَةُ، وهي مَعْرِفَةُ ثَوابِ اللَّهِ، وقِيلَ: الجَنَّةُ ونَعِيمُها. وقِيلَ: هَذِهِ المَقالَةُ، وهي قَوْلُهم: ﴿ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ وبَّخَهم بِها. ﴿إلّا الصّابِرُونَ﴾ عَلى الطّاعاتِ وعَلى قَمْعِ أنْفُسِهِمْ عَنِ الشَّهَواتِ. تَقَدَّمَ (p-١٣٥)طَرَفٌ مِن خَبَرِ قارُونَ وحَسَدِهِ لِمُوسى. ومِن حَسَدِهِ أنَّهُ جَعَلَ لِبَغِيٍّ جُعْلًا، عَلى أنْ تَرْمِيَ مُوسى بِطَلَبِها وبِزِنائِها، وأنَّها تابَتْ إلى اللَّهِ، وأقَرَّتْ أنَّ قارُونَ هو الَّذِي جَعَلَ لَها جُعْلًا عَلى رَمْيِ مُوسى بِذَلِكَ، فَأمَرَ اللَّهُ الأرْضَ أنْ تُطِيعَهُ، فَقالَ: يا أرْضُ، خُذِيهِ وأتْباعَهُ، فَخُسِفَ بِهِمْ في حِكايَةٍ طَوِيلَةٍ، اللَّهُ أعْلَمُ بِها. ولَمّا خُسِفَ بِقارُونَ ومَن مَعَهُ، فَقالَ بَنُو إسْرائِيلَ: إنَّما دَعا مُوسى عَلى قارُونَ لِيَسْتَبِدَّ بِدارِهِ وكُنُوزِهِ، فَدَعا اللَّهَ حَتّى خَسَفَ بِدارِهِ وأمْوالِهِ. و”مِن“ زائِدَةٌ، أيْ: مِن جَماعَةٍ تُفِيدُ اسْتِغْراقَ الفِئاتِ. وإذا انْتَفَتِ الجُمْلَةُ، ولَمْ يَقْدِرْ عَلى نَصْرِهِ، فانْتِفاءُ الواحِدِ عَنْ نُصْرَتِهِ أبْلَغُ. ﴿وما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ في نَفْسِهِ مِمَّنْ يَمْتَنِعُ مِن عَذابِ اللَّهِ. ﴿وأصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالأمْسِ﴾ بَدَلٌ، وأصْبَحَ، إذا حُمِلَ عَلى ظاهِرِهِ، أنَّ الخَسْفَ بِهِ وبِدارِهِ كانَ لَيْلًا، وهو أفْظَعُ العَذابِ، إذِ اللَّيْلُ مَقَرُّ الرّاحَةِ والسُّكُونِ، والأمْسُ يَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِهِ الزَّمانُ الماضِي، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِهِ ما قَبْلَ يَوْمِ الخَسْفِ، وهو يَوْمُ التَّمَنِّي، ويَدُلُّ عَلَيْهِ العَطْفُ بِالفاءِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّعْقِيبَ في قَوْلِهِ: ﴿فَخَسَفْنا﴾ فَيَكُونُ فِيهِ اعْتِقابُ العَذابِ خُرُوجُهُ في زِينَتِهِ، وفي ذَلِكَ تَعْجِيلُ العَذابِ. ومَكانَهُ: مَنزِلَتَهُ في الدُّنْيا مِنَ الثَّرْوَةِ والحَشَمِ والأتْباعِ. و”ويْ“ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ: اسْمُ فِعْلٍ مِثْلُ: صَهْ ومَهْ، ومَعْناها: أعْجَبُ. قالَ الخَلِيلُ: وذَلِكَ أنَّ القَوْمَ نَدِمُوا فَقالُوا: مُتَنَدِّمِينَ عَلى ما سَلَفَ مِنهم: ويْ، وكُلُّ مَن نَدِمَ فَأظْهَرَ نَدامَتَهُ قالَ: ويْ. وكَأنَّ: هي كافُ التَّشْبِيهِ الدّاخِلَةُ عَلى ”أنَّ“، وكُتِبَتْ مُتَّصِلَةً بِكافِ التَّشْبِيهِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ؎ويْ كَأنَّ مَن يَكُنْ لَهُ نَشَبٌ يُحْ ∗∗∗ بَبْ ومَن يَفْتَقِرْ يَعِشْ عَيْشَ ضُرِّ والبَيْتُ لِزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ. وحَكى الفَرّاءُ أنَّ امْرَأةً قالَتْ لِزَوْجِها: أيْنَ ابْنُكَ ؟ فَقالَ: ويْكَأنَّهُ وراءَ البَيْتِ، وعَلى هَذا المَذْهَبِ يَكُونُ الوَقْفُ عَلى ويْ. وقالالأخْفَشُ: هي ويْكَ، ويَنْبَغِي أنْ تَكُونَ الكافُ حَرْفَ خِطابٍ، ولا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، والوَقْفُ عَلَيْهِ ويْكَ، ومِنهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ: ؎ولَقَدْ شَفا نَفْسِي وأبْرَأ سُقْمَها ∗∗∗ قِيلُ الفَوارِسِ ويْكَ عَنْتَرَ أقْدِمِ قالَ الأخْفَشُ: وأنَّ عِنْدَهُ مَفْتُوحٌ بِتَقْدِيرِ العِلْمِ، أيْ: أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎ألا ويْكَ المَضَرَّةَ لا تَدُومُ ∗∗∗ ولا يُبْقِي عَلى البُؤْسِ النَّعِيمُ وذَهَبُ الكِسائِيُّ ويُونُسُ وأبُو حاتِمٍ وغَيْرُهم إلى أنَّ أصْلَهُ ويْلَكَ، فَحُذِفَتِ اللّامُ والكافُ في مَوْضِعِ جَرٍّ بِالإضافَةِ. فَعَلى المَذْهَبِ الأوَّلِ قِيلَ: تَكُونُ الكافُ خالِيَةً مِن مَعْنى التَّشْبِيهِ، كَما قِيلَ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] . وعَلى المَذْهَبِ الثّانِي، فالمَعْنى: أعْجَبُ لِأنَّ اللَّهَ. وعَلى المَذْهَبِ الثّالِثِ تَكُونُ ويْلَكَ كَلِمَةَ تَحَزُّنٍ، والمَعْنى أيْضًا: لِأنَّ اللَّهَ. وقالَ أبُو زَيْدٍ وفِرْقَةٌ مَعَهُ: ويْكَأنَّ، حَرْفٌ واحِدٌ بِجُمْلَتِهِ، وهو بِمَعْنى: ألَمْ تَرَ. وبِمَعْنى: ألَمْ تَرَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والكِسائِيُّ وأبُو عُبَيْدٍ. وقالَ الفَرّاءُ: ويْكَ في كَلامِ العَرَبِ كَقَوْلِ الرَّجُلِ: أما تَرى إلى صُنْعِ اللَّهِ ؟ وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، عَنْ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ أنَّهُ قالَ: مَعْنى ويْكَ: رَحْمَةً لَكَ، بِلُغَةِ حِمْيَرَ. ولَمّا صَدَرَ مِنهم تَمَنِّي حالِ قارُونَ، وشاهَدُوا الخَسْفَ، كانَ ذَلِكَ زاجِرًا لَهم عَنْ حُبِّ الدُّنْيا، وداعِيًا إلى الرِّضا بِقَدَرِ اللَّهِ، فَتَنَبَّهُوا لِخَطَئِهِمْ فَقالُوا: ويْ، ثُمَّ قالُوا: ﴿كَأنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ بِحَسَبِ مَشِيئَتِهِ وحِكْمَتِهِ، لا لِكَرامَتِهِ عَلَيْهِ، ويُضَيِّقُ عَلى مَن يَشاءُ، لا لِهَوانِهِ، بَلْ لِحِكْمَتِهِ وقَضائِهِ ابْتِلاءً. وقَرَأ الأعْمَشُ: ”لَوْلا مَنَّ اللَّهُ“، بِحَذْفِ ”أنْ“، وهي مُزادَةٌ. ورُوِيَ عَنْهُ: ”مَنُّ اللَّهِ“ بِرَفْعِ النُّونِ والإضافَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لَخُسِفَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وحَفْصٌ، وعِصْمَةُ، وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ، وابْنُ أبِي حَمّادٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ: مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وابْنُ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: ”لانْخَسَفَ بِنا“، كَقَوْلِكَ: انْقَطَعَ بِنا، كَأنَّهُ فِعْلٌ مُطاوِعٌ، والمَقامُ مَقامُ الفاعِلِ هو (بِنا) . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَصْدَرَ أيْ: لانْخَسَفَ الِانْخِسافُ، ومُطاوِعُ فَعَلَ لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ بِهِ، فَلِذَلِكَ بُنِيَ (p-١٣٦)إمّا لِلْبِناءِ وإمّا لِلْمَصْدَرِ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أيْضًا: ”لَتُخُسِّفَ“، بِتاءٍ وشَدِّ السِّينِ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.

القصص 28:80

(p-١٣١)﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ﴿ونَزَعْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكم فَعَلِمُوا أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ ما إنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ أُولِي القُوَّةِ إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ ﴿وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدّارَ الآخِرَةَ ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ ولا تَبْغِ الفَسادَ في الأرْضِ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أوَلَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَن هو أشَدُّ مِنهُ قُوَّةً وأكْثَرُ جَمْعًا ولا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَياةَ الدُّنْيا يالَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ويْلَكم ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ولا يُلَقّاها إلّا الصّابِرُونَ﴾ ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ فَما كانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ ﴿وأصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالأمْسِ يَقُولُونَ ويْكَأنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَوْلا أنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا ويْكَأنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ . تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ: (ويَوْمَ يُنادِيهِمْ) وكُرِّرَ هُنا عَلى جِهَةِ الإبْلاغِ والتَّأْكِيدِ. (ونَزَعْنا) أيْ: مَيَّزْنا وأخْرَجْنا بِسُرْعَةٍ مِن كُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ. (شَهِيدًا) وهو نَبِيُّ تِلْكَ الأُمَّةِ؛ لِأنَّهُ هو الشَّهِيدُ عَلَيْها، كَما قالَ: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] . وقِيلَ: عَدُولًا وخِيارًا. والشَّهِيدُ عَلى هَذا اسْمُ الجِنْسِ، والشَّهِيدُ يَشْهَدُ عَلى تِلْكَ الأُمَّةِ بِما صَدَرَ مِنها، وما أجابَتْ بِهِ؛ لَمّا دُعِيَتْ إلى التَّوْحِيدِ، وأنَّهُ قَدْ بَلَّغَهم رِسالَةَ رَبِّهِمْ. (فَقُلْنا) أيْ: لِلْمَلَأِ ﴿هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ أيْ: حُجَّتَكم فِيما كُنْتُمْ عَلَيْهِ في الدُّنْيا مِنَ الكُفْرِ ومُخالَفَةِ هَذا الشَّهِيدِ ﴿فَعَلِمُوا أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ﴾ لا لِأصْنامِهِمْ وما عَبَدُوا مِن دُونِ اللَّهِ. (وضَلَّ عَنْهم) أيْ: وغابَ عَنْهم غَيْبَةَ الشَّيْءِ الضّائِعِ ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مِنَ الكَذِبِ والباطِلِ. وقارُونُ أعْجَمِيٌّ: مُنِعَ الصَّرْفَ لِلْعُجْمَةِ والعَلَمِيَّةِ. وقِيلَ: ومَعْنى كانَ مِن قَوْمِهِ أيْ: مِمَّنْ آمَنَ بِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو إسْرائِيلِيٌّ بِإجْماعٍ. انْتَهى. واخْتُلِفَ في قَرابَتِهِ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، اخْتِلافًا مُضْطَرِبًا مُتَكاذِبًا، وأوْلاها ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّهُ ابْنُ عَمِّهِ، وهو قارُونُ بْنُ يَصْهُرَ بْنِ قاهِثَ، جَدِّ مُوسى؛ لِأنَّ النَّسّابِينَ ذَكَرُوا نَسَبَهُ كَذَلِكَ، وكانَ يُسَمّى المُنَوَّرَ لِحُسْنِ صُورَتِهِ، وكانَ أحْفَظَ بَنِي إسْرائِيلَ لِلتَّوْراةِ وأقْرَأهم، فَنافَقَ كَما نافَقَ السّامِرِيُّ. ﴿فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ ذَكَرُوا مِن أنْواعِ بَغْيِهِ الكُفْرَ، والكِبْرَ، وحَسَدَهُ لِمُوسى عَلى النُّبُوَّةِ، ولِهارُونَ عَلى الذَّبْحِ والقُرْبانِ، وظُلْمَهُ لِبَنِي إسْرائِيلَ حِينَ مَلَّكَهُ فِرْعَوْنُ عَلَيْهِمْ، ودَسَّهُ بَغِيًّا تَكْذِبُ عَلى مُوسى أنَّهُ تَعَرَّضَ لَها، وتَفْضَحُهُ بِذَلِكَ في مَلَأٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ. ومِن تَكَبُّرِهِ أنْ زادَ في ثِيابِهِ شِبْرًا. ﴿وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ﴾ قِيلَ: أظْفَرَهُ اللَّهُ بِكَنْزٍ مِن كُنُوزِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ: سُمِّيَتْ أمْوالُهُ كُنُوزًا، إذْ كانَ مُمْتَنِعًا مِن أداءِ الزَّكاةِ، وبِسَبَبِ ذَلِكَ عادى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أوَّلَ عَداوَتِهِ. و(ما) مَوْصُولَةٌ، صِلَتُها ”إنَّ“ ومَعْمُولاها. وقالَ النَّحّاسُ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ سُلَيْمانَ، يَعْنِي الأخْفَشَ الصَّغِيرَ، يَقُولُ: ما أقْبَحَ ما يَقُولُهُ الكُوفِيُّونَ في الصِّلاتِ، أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِلَةُ ”الَّذِي“ ”إنَّ“ وما عَمِلَتْ (p-١٣٢)فِيهِ، وفي القُرْآنِ: ﴿ما إنَّ مَفاتِحَهُ﴾ . انْتَهى. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ”مَفاتِحَ“ في سُورَةِ الأنْعامِ، وقالُوا هُنا: مَقالِيدُ خَزائِنِهِ. وقالَ السُّدِّيُّ: هي الخَزائِنُ نَفْسُها. وقالَ الضَّحّاكُ: ظُرُوفُهُ وأوْعِيَتُهُ. وقَرَأ الأعْمَشُ: ”مَفاتِيحَهُ“، بِياءٍ، جَمْعُ مِفْتاحٍ، وذَكَرُوا مِن كَثْرَةِ مَفاتِحِهِ ما هو كَذِبٌ، أوْ يُقارِبُ الكَذِبَ، فَلَمْ أكْتُبْهُ. قالَ أبُو زَيْدٍ: نُؤْتُ بِالعَمَلِ، إذا نَهَضْتَ بِهِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎إذا وجَدْنا خَلَفًا بِئْسَ الخَلَفْ عَبْدًا إذا ما ناءَ بِالحِمْلِ وقَفْ ويَقُولُ: ناءَ يَنُوءُ، إذا نَهَضَ بِثِقَلٍ. قالَ الشّاعِرُ: ؎تَنُوءُ بِأُخْراها فَلَأْيًا قِيامُها ∗∗∗ وتَمْشِي الهُوَيْنى عَنْ قَرِيبٍ فَتَبْهَرُ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو مَقْلُوبٌ وأصْلُهُ: لَتَنُوءُ بِها العُصْبَةُ، أيْ: تَنْهَضُ، والقَلْبُ عِنْدَ أصْحابِنا بابُهُ الشِّعْرُ. والصَّحِيحُ أنَّ الباءَ لِلتَّعْدِيَةِ، أيْ: لَتُنِيءُ العُصْبَةَ، كَما تَقُولُ: ذَهَبْتُ بِهِ وأذْهَبْتُهُ، وجِئْتُ بِهِ وأجَأْتُهُ. ونُقِلَ هَذا عَنِ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ والفَرّاءِ، واخْتارَهُ النَّحّاسُ، ورُوِيَ مَعْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي صالِحٍ والسُّدِّيِّ، وتَقُولُ العَرَبُ: ناءَ الحِمْلُ بِالبَعِيرِ إذا أثْقَلَهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُمْكِنُ أنْ يُسْنَدَ ”تَنُوءُ“ إلى المَفاتِحِ؛ لِأنَّها تَنْهَضُ بِتَحامُلٍ إذا فَعَلَ ذَلِكَ الَّذِي يَنْهَضُ بِها، وذا مُطَّرِدٌ في ناءَ الحِمْلُ بِالبَعِيرِ ونَحْوِهِ، فَتَأمَّلْهُ. وقَرَأ بُدَيْلُ بْنُ مَيْسَرَةَ: ”لَيَنُوءُ“ بِالياءِ وتَذْكِيرِهِ، راعى المُضافَ المَحْذُوفَ، التَّقْدِيرُ: ما إنَّ حَمْلَ مَفاتِحِهِ، أوْ مِقْدارِها، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ووَجْهُهُ أنْ يُفَسَّرَ المَفاتِحُ بِالخَزائِنِ، ويُعْطِيَها حُكْمَ ما أُضِيفَ إلَيْهِ لِلْمُلابَسَةِ والإيصالِ، كَقَوْلِهِ: ذَهَبَتْ أهْلُ اليَمامَةِ. انْتَهى. يَعْنِي: أنَّهُ اكْتَسَبَ المَفاتِحُ التَّذْكِيرَ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي لِقارُونَ، كَما اكْتَسَبَ أهْلٌ التَّأْنِيثَ مِن إضافَتِهِ إلى اليَمامَةِ، فَقِيلَ فِيهِ: ذَهَبَتْ. وذَكَرَ أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ أنَّ بُدَيْلَ بْنَ مَيْسَرَةَ قَرَأ: ”ما إنَّ مِفْتاحَهُ“ عَلى الإفْرادِ، فَلا تَحْتاجُ قِراءَتُهُ ”لَيَنُوءُ“ بِالياءِ إلى تَأْوِيلٍ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ العُصْبَةِ في سُورَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وتَقَدَّمَ قَبْلَ تَفْسِيرِ المَفاتِحِ، أهِيَ المَقالِيدُ، أوِ الخَزائِنُ نَفْسُها، أوِ الظُّرُوفُ والأوْعِيَةُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ: أنَّ المَفاتِحَ هي الأمْوالُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتْ خَزائِنُهُ تَحْمِلُها أرْبَعُونَ أقْوِياءُ، وكانَتْ أرْبَعَمِائَةِ ألْفٍ، يَحْمِلُ كُلُّ رَجُلٍ عَشَرَةَ آلافٍ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ مِنَ المَفاتِحِ: العِلْمُ والإحاطَةُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٥٩] والمُرادُ: وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ، ما إنَّ حِفْظَها والِاطِّلاعَ عَلَيْها لَيَثْقُلُ عَلى العُصْبَةِ، أيْ: هَذِهِ الكُنُوزُ لِكَثْرَتِها واخْتِلافِ أصْنافِها، يُتْعِبُ حِفْظُها القائِمِينَ عَلى حِفْظِها. ﴿إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ﴾ نَهَوْهُ عَنِ الفَرَحِ المُطْغِي الَّذِي هو انْهِماكٌ وانْحِلالُ نَفْسٍ وأشَرٌ وإعْجابٌ، وإنَّما يَفْرَحُ بِإقْبالِ الدُّنْيا عَلَيْهِ مَنِ اطْمَأنَّ إلَيْها وغَفَلَ عَنْ أمْرِ الآخِرَةِ، ومَن جَعَلَ أنَّهُ مُفارِقُ زَهْرَةِ الدُّنْيا عَنْ قَرِيبٍ، فَلا يَفْرَحُ بِها. وقالَ أبُو الطَّيِّبِ: ؎أشَدُّ الغَمِّ عِنْدِي في سُرُورٍ ∗∗∗ تَيَقَّنَ عَنْهُ صاحِبُهُ انْتِقالًا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَحَلٌّ ”إذْ“ مَنصُوبٌ بِـ: ”تُنُوءُ“ . انْتَهى، وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا؛ لِأنَّ إثْقالَ المَفاتِحِ العُصْبَةَ لَيْسَ مُقَيَّدًا بِوَقْتِ قَوْلِ قَوْمِهِ لَهُ: ﴿لا تَفْرَحْ﴾ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ وهو ضَعِيفٌ أيْضًا؛ لِأنَّ بَغْيَهُ عَلَيْهِمْ لَمْ يَكُنْ مُقَيَّدًا بِذَلِكَ الوَقْتِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: النّاصِبُ لَهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ. وقالَ أبُو البَقاءِ: (إذْ قالَ لَهُ) ظَرْفٌ لِـ: ”آتَيْناهُ“، وهو ضَعِيفٌ أيْضًا؛ لِأنَّ الإيتاءَ لَمْ يَكُنْ وقْتَ ذَلِكَ القَوْلِ. وقالَ أيْضًا: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ: بَغى عَلَيْهِمْ ﴿إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ﴾ . انْتَهى. ويَظْهَرُ أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُهُ: فَأظْهَرَ التَّفاخُرَ والفَرَحَ بِما أُوتِيَ مِنَ الكُنُوزِ ﴿إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ﴾ . وقالَ تَعالى: ﴿ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣] والعَرَبُ تَمْدَحُ بِتَرْكِ الفَرَحِ عِنْدَ إقْبالِ الخَيْرِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎ولَسْتُ بِمِفْراحٍ إذا الدَّهْرُ سَرَّنِي ∗∗∗ ولا جازِعٍ مِن صَرْفِهِ المُتَحَوِّلِ (p-١٣٣)وقالَ الآخَرُ: ؎إنْ نُلاقِ مُنْفِسًا لا تُلْفِنا ∗∗∗ فُرُحَ الخَيْرِ ولا نَكْبُو لِضُرِّ وقُرِئَ: الفارِحِينَ، حَكاهُ عِيسى بْنُ سُلَيْمانَ الحِجازِيُّ. و(لا يُحِبُّ) صِفَةُ فِعْلٍ، لا صِفَةُ ذاتٍ، بِمَعْنى الإرادَةِ؛ لِأنَّ الفَرَحَ أمْرٌ قَدْ وقَعَ، فالمَعْنى: لا يُظْهِرُ عَلَيْهِمْ بَرَكَتَهُ، ولا يَعُمُّهم رَحْمَتُهُ. ولَمّا نَهَوْهُ عَنِ الفَرَحِ المُطْغِي أمَرُوهُ بِأنْ يَطْلُبَ فِيما آتاهُ اللَّهُ مِنَ الكُنُوزِ وسَعَةِ الرِّزْقِ ثَوابَ الدّارِ الآخِرَةِ، بِأنْ يَفْعَلَ فِيهِ أفْعالَ البِرِّ، وتَجْعَلَهُ زادَكَ إلى الآخِرَةِ. ﴿ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والجُمْهُورُ: مَعْناهُ: ولا تُضَيِّعْ عُمُرَكَ في أنْ لا تَعْمَلَ صالِحًا في دُنْياكَ، إذِ الآخِرَةُ إنَّما يُعْمَلُ لَها في الدُّنْيا، فَنَصِيبُ الإنْسانِ عُمُرُهُ وعَمَلُهُ الصّالِحُ فِيها، وهَذا التَّأْوِيلُ فِيهِ عِظَةٌ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ مَعْناهُ: لا تُضَيِّعْ حَظَّكَ مِنَ الدُّنْيا في تَمَتُّعِكَ بِالحَلالِ وطَلَبِكَ، أيْ: إيّاهُ، ونَظَرِكَ لِعاقِبَةِ دُنْياكَ، وفي هَذا التَّأْوِيلِ بَعْضُ رِفْقٍ. وقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: قَدِّمِ الفَضْلَ وأمْسِكْ ما تَبْلُغُ بِهِ. وقالَ مالِكٌ: هو الأكْلُ والشُّرْبُ بِلا سَرَفٍ. وقِيلَ: أرادُوا بِنَصِيبِهِ الكَفَنَ، وهَذا وعْظٌ مُتَّصِلٌ، كَأنَّهم قالُوا: تَتْرُكُ جَمِيعَ مالِكَ، لا يَكُونُ نَصِيبُكَ مِنهُ إلّا الكَفَنَ؛ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎نَصِيبُكَ مِمّا تَجْمَعُ الدَّهْرَ كُلَّهُ ∗∗∗ رِداءانِ تَأْوِي فِيهِما وحَنُوطُ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنْ تَأْخُذَ مِنهُ ما يَكْفِيكَ ويُصْلِحُكَ، وهَذا قَرِيبٌ مِن قَوْلِ الحَسَنِ (وأحْسِنْ) إلى عِبادِ اللَّهِ، أوْ بِشُكْرِكَ وطاعَتِكَ لِلَّهِ. ﴿كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ بِتِلْكَ النِّعَمِ الَّتِي خَوَّلَكَها، والكافُ لِلتَّشْبِيهِ، وهو يَكُونُ في بَعْضِ الأوْصافِ؛ لِأنَّ مُماثَلَةَ إحْسانِ العَبْدِ لِإحْسانِ اللَّهِ مِن جَمِيعِ الصِّفاتِ يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ، فالتَّشْبِيهُ وقَعَ في مُطْلَقِ الإحْسانِ، أوْ تَكُونُ الكافُ لِلتَّعْلِيلِ، أيْ: أحْسِنْ لِأجْلِ إحْسانِ اللَّهِ إلَيْكَ. ﴿ولا تَبْغِ الفَسادَ﴾ أيْ: ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ البَغْيِ والظُّلْمِ. (عَلى عِلْمٍ) عِلْمٍ: مَصْدَرٌ، يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مُضافًا إلَيْهِ ومُضافًا إلى اللَّهِ. فَقالَ الجُمْهُورُ: ادَّعى أنَّ عِنْدَهُ عِلْمًا اسْتَوْجَبَ بِهِ أنْ يَكُونَ صاحِبَ تِلْكَ الكُنُوزِ. فَقِيلَ: عِلْمُ التَّوْراةِ وحِفْظُها، وكانَ أحَدَ السَّبْعِينَ الَّذِينَ اخْتارَهم مُوسى لِلْمِيقاتِ، وكانَتْ هَذِهِ مُغالَطَةً. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدّانِيُّ: أيْ عِلْمُ التِّجارَةِ ووُجُوهِ المَكاسِبِ، أيْ: أُوتِيتُهُ بِإدْراكِي وسَعْيِي. وقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: عِلْمُ الكِيمْياءِ، قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَعْلَمُ الكِيمْياءَ، وهي جَعْلُ الرَّصاصِ والنُّحاسِ ذَهَبًا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: عَلى عِلْمٍ لِصَنْعَةِ الذَّهَبِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ لا يَصِحُّ عَنْهُ ولا عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ. وأنْكَرَ الزَّجّاجُ عِلْمَ الكِيمْياءِ وقالَ: باطِلٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ. انْتَهى. وكَثِيرًا ما تُولَعُ أهْلُ مِصْرَ بِطَلَبِ أشْياءَ مِنَ المُسْتَحِيلاتِ والخُرافاتِ؛ مِن ذَلِكَ: تَغْوِيرُ الماءِ، وخِدْمَةُ الصُّوَرِ المُمَثَّلَةِ في الجُدُرِ خُطُوطًا، وادِّعاؤُهم أنَّ تِلْكَ الخُطُوطَ تَتَحَرَّكُ إذا خُدِمَتْ بِأنْواعٍ مِنَ الخَدَمِ لَهم والكِيمْياءِ حَتّى أنَّ مَشايِخَ العِلْمِ عِنْدَهم، الَّذِينَ هم عِنْدَهم بِصُورَةِ الوِلايَةِ، يَتَطَلَّبُ ذَلِكَ مِن أجْهَلِ وارِدٍ مِنَ المَغارِبَةِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: أرادَ ﴿أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ﴾ مِنَ اللَّهِ وتَخْصِيصٍ مِن لَدُنْهُ قَصَدَنِي بِهِ، أيْ: فَلا يَلْزَمُنِي فِيهِ شَيْءٌ مِمّا قُلْتُمْ، ثُمَّ جَعَلَ قَوْلَهُ: (عِنْدِي) كَما يَقُولُ: في مُعْتَقَدِي وعَلى ما أراهُ. وقالَ مُقاتِلٌ: (عَلى عِلْمٍ) أيْ: عَلى خَيْرٍ عَلِمَهُ اللَّهُ عِنْدِي. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أوَلَمْ يَعْلَمْ﴾ تَقْرِيرٌ لِعِلْمِهِ ذَلِكَ، وتَنْبِيهٌ عَلى خَطَئِهِ في اغْتِرارِهِ أيْ: قَدْ عَلِمَ أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مِنَ القُرُونِ قَبْلَهُ مَن هو أقْوى مِنهُ وأغْنى؛ لِأنَّهُ قَدْ قَرَأهُ في التَّوْراةِ، وأخْبَرَ بِهِ مُوسى، وسَمِعَهُ في التَّوارِيخِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أوَلَمْ يَعْلَمْ في جُمْلَةِ ما عِنْدَهُ مِنَ العِلْمِ ؟ هَذا حَتّى لا يَغْتَرَّ بِكَثْرَةِ مالِهِ وقُوَّتِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِعِلْمِهِ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ فَتَنَفَّحَ بِالعِلْمِ وتَعَظَّمَ بِهِ، قِيلَ: أعِنْدَهُ مِثْلُ ذَلِكَ العِلْمِ الَّذِي ادَّعاهُ ؟ وأُرِيَ نَفْسَهُ بِهِ مُسْتَوْجِبَةً لِكُلِّ نِعْمَةٍ، ولَمْ يَعْلَمْ هَذا العِلْمَ النّافِعَ حَتّى يَقِيَ نَفْسَهُ مَصارِعَ الهالِكِينَ. انْتَهى. ﴿وأكْثَرُ جَمْعًا﴾ إمّا لِلْمالِ، أوْ جَماعَةٍ يَحُوطُونَهُ ويَخْدِمُونَهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿أوَلَمْ يَعْلَمْ﴾ بِرُجْحِ أنَّ (p-١٣٤)قارُونَ تَشَبَّعَ بِعِلْمِ نَفْسِهِ عَلى زَعْمِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ولا يُسْألُ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ و(المُجْرِمُونَ) رُفِعَ بِهِ، وهو مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ. والضَّمِيرُ في (ذُنُوبِهِمْ) عائِدٌ عَلى مَن أُهْلِكَ مِنَ القُرُونِ، أيْ: لا يُسْألُ غَيْرُهم مِمَّنْ أجْرَمَ، ولا مِمَّنْ لَمْ يُجْرِمْ عَمَّنْ أهْلَكَهُ اللَّهُ بَلْ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨] . وقِيلَ: أهْلَكَ مَن أهْلَكَ مِنَ القُرُونِ، عَنْ عِلْمٍ مِنهُ بِذُنُوبِهِمْ، فَلَمْ يَحْتَجْ إلى مَسْألَتِهِمْ عَنْها. وقِيلَ: هو مُسْتَأْنَفٌ عَنْ حالِ يَوْمِ القِيامَةِ. قالَ قَتادَةُ: لا يُسْألُونَ عَنْ ذُنُوبِهِمْ لِظُهُورِها وكَثْرَتِها؛ لِأنَّهم يَدْخُلُونَ النّارَ بِغَيْرِ حِسابٍ. وقالَ قَتادَةُ أيْضًا ومُجاهِدٌ: لا تَسْألُهُمُ المَلائِكَةُ عَنْ ذُنُوبِهِمْ؛ لِأنَّهم يَعْرِفُونَهم بِسِيماهم مِنَ السَّوادِ والتَّشْوِيهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] . وقِيلَ: لا يُسْألُونَ سُؤالَ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ في رِوايَتِهِ: ”ولا تَسْألْ“، بِالتّاءِ والجَزْمِ، ”المُجْرِمِينَ“: نُصِبَ. وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ، وأبُو العالِيَةِ كَذَلِكَ في ”ولا تَسْألْ“ عَلى النَّهْيِ لِلْمُخاطَبِ، وكانَ ابْنُ أبِي إسْحاقَ لا يُجَوِّزُ ذَلِكَ إلّا أنْ يَكُونَ ”المُجْرِمِينَ“ بِالياءِ في مَحَلِّ النَّصْبِ، بِوُقُوعِ الفِعْلِ عَلَيْهِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: فالظّاهِرُ ما قالَهُ، ولَمْ يَبْلُغْنِي في نَصْبِ المُجْرِمِينَ شَيْءٌ، فَإنْ تَرَكاهُ عَلى رَفْعِهِ، فَلَهُ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ الهاءُ والمِيمُ في ﴿عَنْ ذُنُوبِهِمْ﴾ راجِعَةً إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ القُرُونِ، وارْتِفاعُ ”المُجْرِمِينَ“ بِإضْمارِ المُبْتَدَأِ، وتَقْدِيرُهُ: هُمُ المُجْرِمُونَ، أوْ: أُولَئِكَ المُجْرِمُونَ، ومِثْلُهُ ﴿التّائِبُونَ العابِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢] في التَّوْبَةِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن أصْلِ الهاءِ والمِيمِ في (ذُنُوبِهِمْ)؛ لِأنَّها - وإنْ كانَتْ في مَحَلِّ الجَرِّ بِالإضافَةِ إلَيْها - فَإنَّ أصْلَها الرَّفْعُ؛ لِأنَّ الإضافَةَ إلَيْها بِمَنزِلَةِ إضافَةِ المَصْدَرِ إلى اسْمِ الفاعِلِ؛ فَعَلى ذَلِكَ (المُجْرِمُونَ) مَحْمُولٌ عَلى الأصْلِ، عَلى ما تَقَدَّمَ لَنا مِن أنَّ بَعْضَهم قَرَأ: ﴿أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً﴾ [البقرة: ٢٦] بِالجَرِّ، عَلى أنَّها بَدَلٌ مِن أصْلِ المَثَلِ، و(ما) زائِدَةٌ فِيهِ، وتَقْدِيرُهُ: لا يَسْتَحِي بِضَرْبِ مَثَلِ بَعُوضَةٍ، أيْ: بِضَرْبِ بَعُوضَةٍ. في ذَلِكَ فَسَّرَ أنَّ مَعَ الفَصْلِ بِالمَصْدَرِ ناصِبٌ إلى المَفْعُولِ بِهِ، ثُمَّ أبْدَلَ مِنهُ البَعُوضَةَ مِن غَيْرِ أنْ أعْرِفَ فِيها أثَرًا لِحالٍ. فَأمّا قَوْلُهُ: مِن ذُنُوبِهِمْ، فَذُنُوبٌ جَمْعٌ، فَإنْ كانَ جَمْعَ مَصْدَرٍ فَفي إعْمالِهِ خِلافٌ. وأمّا قَوْلُهُ عَلى ما تَقَدَّمَ لَنا مِن أنَّ بَعْضَهم قَرَأ، فَقَدْ ذَكَرَ في البَقَرَةِ أنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ، ولا نَعْرِفُ فِيها أثَرًا، فَيَنْبَغِي أنْ لا يَجْعَلَها قِراءَةً. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى قارُونَ ونَعَتَهُ، وما آتاهُ مِنَ الكُنُوزِ، وفَرَحَهُ بِذَلِكَ فَرَحَ البَطِرِينَ، وادِّعاءَهُ أنَّ ما أُوتِيَ مِن ذَلِكَ إنَّما أُوتِيَهُ عَلى عِلْمٍ، ذَكَرَ ما هو ناشِئٌ عَنِ التَّكَبُّرِ والسُّرُورِ بِما أُوتِيَ، فَقالَ: ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ﴾ وكانَ يَوْمَ السَّبْتِ: أيْ: أظْهَرَ ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ المَلابِسِ والمَراكِبِ وزِينَةِ الدُّنْيا. قالَ جابِرٌ، ومُجاهِدٌ: في ثِيابٍ حُمْرٍ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو وحَشَمُهُ في ثِيابٍ مُعَصْفَرَةٍ. وقِيلَ: في ثِيابِ الأُرْجُوانِ. وقِيلَ: عَلى بَغْلَةٍ شَهْباءَ عَلَيْها الأُرْجُوانُ، وعَلَيْها سَرْجٌ مِن ذَهَبٍ، ومَعَهُ أرْبَعَةُ آلافٍ عَلى زِيِّهِ. وقِيلَ: عَلَيْهِمْ وعَلى خُيُولِهِمُ الدِّيباجُ الأحْمَرُ، وعَلى يَمِينِهِ ثَلاثُمِائَةِ غُلامٍ، وعَلى يَسارِهِ ثَلاثُمِائَةِ جارِيَةٍ بِيضٍ عَلَيْهِمُ الحُلِيُّ والدِّيباجُ. وقِيلَ: في تِسْعِينَ ألْفًا عَلَيْهِمُ المُعَصْفَراتُ، وهو أوَّلُ يَوْمٍ رُؤِيَ فِيهِ المُعَصْفَرُ. وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الكَيْفِيّاتِ. ﴿قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ قِيلَ: كانُوا مُؤْمِنِينَ. وقالَ قَتادَةُ: تَمَنَّوْهُ لِيَتَقَرَّبُوا بِهِ إلى اللَّهِ. وقِيلَ: رَغْبَةً في اليَسارَةِ والثَّرْوَةِ. وقِيلَ: كانُوا كُفّارًا، وتَمَنَّوْا ﴿مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ﴾ ولَمْ يَذْكُرُوا زَوالَ نِعْمَتِهِ، وهَذا مِنَ الغِبْطَةِ. ﴿إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ أيْ: دَرَجَةٍ عَظِيمَةٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ. وقِيلَ: نَصِيبٍ كَثِيرٍ مِنَ الدُّنْيا، والحَظُّ البَخْتُ والسَّعْدُ، يُقالُ: فُلانٌ ذُو حَظٍّ وحَظِيظٌ ومَحْظُوظٌ. ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ مِنهم: يُوشَعُ، والعِلْمُ: مَعْرِفَةُ الثَّوابِ والعِقابِ، أوِ التَّوَكُّلُ، أوِ الإخْبارُ، أقْوالٌ. (ويْلَكم) دُعاءٌ بِالشَّرِّ. ﴿ثَوابُ اللَّهِ﴾ وهو ما أعَدَّهُ في الآخِرَةِ لِلْمُؤْمِنِ (خَيْرٌ) مِمّا أُوتِيَ قارُونُ. ﴿ولا يُلَقّاها﴾ أيْ: هَذِهِ الحِكْمَةُ، وهي مَعْرِفَةُ ثَوابِ اللَّهِ، وقِيلَ: الجَنَّةُ ونَعِيمُها. وقِيلَ: هَذِهِ المَقالَةُ، وهي قَوْلُهم: ﴿ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ وبَّخَهم بِها. ﴿إلّا الصّابِرُونَ﴾ عَلى الطّاعاتِ وعَلى قَمْعِ أنْفُسِهِمْ عَنِ الشَّهَواتِ. تَقَدَّمَ (p-١٣٥)طَرَفٌ مِن خَبَرِ قارُونَ وحَسَدِهِ لِمُوسى. ومِن حَسَدِهِ أنَّهُ جَعَلَ لِبَغِيٍّ جُعْلًا، عَلى أنْ تَرْمِيَ مُوسى بِطَلَبِها وبِزِنائِها، وأنَّها تابَتْ إلى اللَّهِ، وأقَرَّتْ أنَّ قارُونَ هو الَّذِي جَعَلَ لَها جُعْلًا عَلى رَمْيِ مُوسى بِذَلِكَ، فَأمَرَ اللَّهُ الأرْضَ أنْ تُطِيعَهُ، فَقالَ: يا أرْضُ، خُذِيهِ وأتْباعَهُ، فَخُسِفَ بِهِمْ في حِكايَةٍ طَوِيلَةٍ، اللَّهُ أعْلَمُ بِها. ولَمّا خُسِفَ بِقارُونَ ومَن مَعَهُ، فَقالَ بَنُو إسْرائِيلَ: إنَّما دَعا مُوسى عَلى قارُونَ لِيَسْتَبِدَّ بِدارِهِ وكُنُوزِهِ، فَدَعا اللَّهَ حَتّى خَسَفَ بِدارِهِ وأمْوالِهِ. و”مِن“ زائِدَةٌ، أيْ: مِن جَماعَةٍ تُفِيدُ اسْتِغْراقَ الفِئاتِ. وإذا انْتَفَتِ الجُمْلَةُ، ولَمْ يَقْدِرْ عَلى نَصْرِهِ، فانْتِفاءُ الواحِدِ عَنْ نُصْرَتِهِ أبْلَغُ. ﴿وما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ في نَفْسِهِ مِمَّنْ يَمْتَنِعُ مِن عَذابِ اللَّهِ. ﴿وأصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالأمْسِ﴾ بَدَلٌ، وأصْبَحَ، إذا حُمِلَ عَلى ظاهِرِهِ، أنَّ الخَسْفَ بِهِ وبِدارِهِ كانَ لَيْلًا، وهو أفْظَعُ العَذابِ، إذِ اللَّيْلُ مَقَرُّ الرّاحَةِ والسُّكُونِ، والأمْسُ يَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِهِ الزَّمانُ الماضِي، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِهِ ما قَبْلَ يَوْمِ الخَسْفِ، وهو يَوْمُ التَّمَنِّي، ويَدُلُّ عَلَيْهِ العَطْفُ بِالفاءِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّعْقِيبَ في قَوْلِهِ: ﴿فَخَسَفْنا﴾ فَيَكُونُ فِيهِ اعْتِقابُ العَذابِ خُرُوجُهُ في زِينَتِهِ، وفي ذَلِكَ تَعْجِيلُ العَذابِ. ومَكانَهُ: مَنزِلَتَهُ في الدُّنْيا مِنَ الثَّرْوَةِ والحَشَمِ والأتْباعِ. و”ويْ“ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ: اسْمُ فِعْلٍ مِثْلُ: صَهْ ومَهْ، ومَعْناها: أعْجَبُ. قالَ الخَلِيلُ: وذَلِكَ أنَّ القَوْمَ نَدِمُوا فَقالُوا: مُتَنَدِّمِينَ عَلى ما سَلَفَ مِنهم: ويْ، وكُلُّ مَن نَدِمَ فَأظْهَرَ نَدامَتَهُ قالَ: ويْ. وكَأنَّ: هي كافُ التَّشْبِيهِ الدّاخِلَةُ عَلى ”أنَّ“، وكُتِبَتْ مُتَّصِلَةً بِكافِ التَّشْبِيهِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ؎ويْ كَأنَّ مَن يَكُنْ لَهُ نَشَبٌ يُحْ ∗∗∗ بَبْ ومَن يَفْتَقِرْ يَعِشْ عَيْشَ ضُرِّ والبَيْتُ لِزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ. وحَكى الفَرّاءُ أنَّ امْرَأةً قالَتْ لِزَوْجِها: أيْنَ ابْنُكَ ؟ فَقالَ: ويْكَأنَّهُ وراءَ البَيْتِ، وعَلى هَذا المَذْهَبِ يَكُونُ الوَقْفُ عَلى ويْ. وقالالأخْفَشُ: هي ويْكَ، ويَنْبَغِي أنْ تَكُونَ الكافُ حَرْفَ خِطابٍ، ولا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، والوَقْفُ عَلَيْهِ ويْكَ، ومِنهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ: ؎ولَقَدْ شَفا نَفْسِي وأبْرَأ سُقْمَها ∗∗∗ قِيلُ الفَوارِسِ ويْكَ عَنْتَرَ أقْدِمِ قالَ الأخْفَشُ: وأنَّ عِنْدَهُ مَفْتُوحٌ بِتَقْدِيرِ العِلْمِ، أيْ: أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎ألا ويْكَ المَضَرَّةَ لا تَدُومُ ∗∗∗ ولا يُبْقِي عَلى البُؤْسِ النَّعِيمُ وذَهَبُ الكِسائِيُّ ويُونُسُ وأبُو حاتِمٍ وغَيْرُهم إلى أنَّ أصْلَهُ ويْلَكَ، فَحُذِفَتِ اللّامُ والكافُ في مَوْضِعِ جَرٍّ بِالإضافَةِ. فَعَلى المَذْهَبِ الأوَّلِ قِيلَ: تَكُونُ الكافُ خالِيَةً مِن مَعْنى التَّشْبِيهِ، كَما قِيلَ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] . وعَلى المَذْهَبِ الثّانِي، فالمَعْنى: أعْجَبُ لِأنَّ اللَّهَ. وعَلى المَذْهَبِ الثّالِثِ تَكُونُ ويْلَكَ كَلِمَةَ تَحَزُّنٍ، والمَعْنى أيْضًا: لِأنَّ اللَّهَ. وقالَ أبُو زَيْدٍ وفِرْقَةٌ مَعَهُ: ويْكَأنَّ، حَرْفٌ واحِدٌ بِجُمْلَتِهِ، وهو بِمَعْنى: ألَمْ تَرَ. وبِمَعْنى: ألَمْ تَرَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والكِسائِيُّ وأبُو عُبَيْدٍ. وقالَ الفَرّاءُ: ويْكَ في كَلامِ العَرَبِ كَقَوْلِ الرَّجُلِ: أما تَرى إلى صُنْعِ اللَّهِ ؟ وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، عَنْ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ أنَّهُ قالَ: مَعْنى ويْكَ: رَحْمَةً لَكَ، بِلُغَةِ حِمْيَرَ. ولَمّا صَدَرَ مِنهم تَمَنِّي حالِ قارُونَ، وشاهَدُوا الخَسْفَ، كانَ ذَلِكَ زاجِرًا لَهم عَنْ حُبِّ الدُّنْيا، وداعِيًا إلى الرِّضا بِقَدَرِ اللَّهِ، فَتَنَبَّهُوا لِخَطَئِهِمْ فَقالُوا: ويْ، ثُمَّ قالُوا: ﴿كَأنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ بِحَسَبِ مَشِيئَتِهِ وحِكْمَتِهِ، لا لِكَرامَتِهِ عَلَيْهِ، ويُضَيِّقُ عَلى مَن يَشاءُ، لا لِهَوانِهِ، بَلْ لِحِكْمَتِهِ وقَضائِهِ ابْتِلاءً. وقَرَأ الأعْمَشُ: ”لَوْلا مَنَّ اللَّهُ“، بِحَذْفِ ”أنْ“، وهي مُزادَةٌ. ورُوِيَ عَنْهُ: ”مَنُّ اللَّهِ“ بِرَفْعِ النُّونِ والإضافَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لَخُسِفَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وحَفْصٌ، وعِصْمَةُ، وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ، وابْنُ أبِي حَمّادٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ: مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وابْنُ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: ”لانْخَسَفَ بِنا“، كَقَوْلِكَ: انْقَطَعَ بِنا، كَأنَّهُ فِعْلٌ مُطاوِعٌ، والمَقامُ مَقامُ الفاعِلِ هو (بِنا) . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَصْدَرَ أيْ: لانْخَسَفَ الِانْخِسافُ، ومُطاوِعُ فَعَلَ لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ بِهِ، فَلِذَلِكَ بُنِيَ (p-١٣٦)إمّا لِلْبِناءِ وإمّا لِلْمَصْدَرِ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أيْضًا: ”لَتُخُسِّفَ“، بِتاءٍ وشَدِّ السِّينِ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.

القصص 28:81

(p-١٣١)﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ﴿ونَزَعْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكم فَعَلِمُوا أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ ما إنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ أُولِي القُوَّةِ إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ ﴿وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدّارَ الآخِرَةَ ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ ولا تَبْغِ الفَسادَ في الأرْضِ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أوَلَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَن هو أشَدُّ مِنهُ قُوَّةً وأكْثَرُ جَمْعًا ولا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَياةَ الدُّنْيا يالَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ويْلَكم ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ولا يُلَقّاها إلّا الصّابِرُونَ﴾ ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ فَما كانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ ﴿وأصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالأمْسِ يَقُولُونَ ويْكَأنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَوْلا أنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا ويْكَأنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ . تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ: (ويَوْمَ يُنادِيهِمْ) وكُرِّرَ هُنا عَلى جِهَةِ الإبْلاغِ والتَّأْكِيدِ. (ونَزَعْنا) أيْ: مَيَّزْنا وأخْرَجْنا بِسُرْعَةٍ مِن كُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ. (شَهِيدًا) وهو نَبِيُّ تِلْكَ الأُمَّةِ؛ لِأنَّهُ هو الشَّهِيدُ عَلَيْها، كَما قالَ: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] . وقِيلَ: عَدُولًا وخِيارًا. والشَّهِيدُ عَلى هَذا اسْمُ الجِنْسِ، والشَّهِيدُ يَشْهَدُ عَلى تِلْكَ الأُمَّةِ بِما صَدَرَ مِنها، وما أجابَتْ بِهِ؛ لَمّا دُعِيَتْ إلى التَّوْحِيدِ، وأنَّهُ قَدْ بَلَّغَهم رِسالَةَ رَبِّهِمْ. (فَقُلْنا) أيْ: لِلْمَلَأِ ﴿هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ أيْ: حُجَّتَكم فِيما كُنْتُمْ عَلَيْهِ في الدُّنْيا مِنَ الكُفْرِ ومُخالَفَةِ هَذا الشَّهِيدِ ﴿فَعَلِمُوا أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ﴾ لا لِأصْنامِهِمْ وما عَبَدُوا مِن دُونِ اللَّهِ. (وضَلَّ عَنْهم) أيْ: وغابَ عَنْهم غَيْبَةَ الشَّيْءِ الضّائِعِ ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مِنَ الكَذِبِ والباطِلِ. وقارُونُ أعْجَمِيٌّ: مُنِعَ الصَّرْفَ لِلْعُجْمَةِ والعَلَمِيَّةِ. وقِيلَ: ومَعْنى كانَ مِن قَوْمِهِ أيْ: مِمَّنْ آمَنَ بِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو إسْرائِيلِيٌّ بِإجْماعٍ. انْتَهى. واخْتُلِفَ في قَرابَتِهِ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، اخْتِلافًا مُضْطَرِبًا مُتَكاذِبًا، وأوْلاها ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّهُ ابْنُ عَمِّهِ، وهو قارُونُ بْنُ يَصْهُرَ بْنِ قاهِثَ، جَدِّ مُوسى؛ لِأنَّ النَّسّابِينَ ذَكَرُوا نَسَبَهُ كَذَلِكَ، وكانَ يُسَمّى المُنَوَّرَ لِحُسْنِ صُورَتِهِ، وكانَ أحْفَظَ بَنِي إسْرائِيلَ لِلتَّوْراةِ وأقْرَأهم، فَنافَقَ كَما نافَقَ السّامِرِيُّ. ﴿فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ ذَكَرُوا مِن أنْواعِ بَغْيِهِ الكُفْرَ، والكِبْرَ، وحَسَدَهُ لِمُوسى عَلى النُّبُوَّةِ، ولِهارُونَ عَلى الذَّبْحِ والقُرْبانِ، وظُلْمَهُ لِبَنِي إسْرائِيلَ حِينَ مَلَّكَهُ فِرْعَوْنُ عَلَيْهِمْ، ودَسَّهُ بَغِيًّا تَكْذِبُ عَلى مُوسى أنَّهُ تَعَرَّضَ لَها، وتَفْضَحُهُ بِذَلِكَ في مَلَأٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ. ومِن تَكَبُّرِهِ أنْ زادَ في ثِيابِهِ شِبْرًا. ﴿وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ﴾ قِيلَ: أظْفَرَهُ اللَّهُ بِكَنْزٍ مِن كُنُوزِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ: سُمِّيَتْ أمْوالُهُ كُنُوزًا، إذْ كانَ مُمْتَنِعًا مِن أداءِ الزَّكاةِ، وبِسَبَبِ ذَلِكَ عادى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أوَّلَ عَداوَتِهِ. و(ما) مَوْصُولَةٌ، صِلَتُها ”إنَّ“ ومَعْمُولاها. وقالَ النَّحّاسُ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ سُلَيْمانَ، يَعْنِي الأخْفَشَ الصَّغِيرَ، يَقُولُ: ما أقْبَحَ ما يَقُولُهُ الكُوفِيُّونَ في الصِّلاتِ، أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِلَةُ ”الَّذِي“ ”إنَّ“ وما عَمِلَتْ (p-١٣٢)فِيهِ، وفي القُرْآنِ: ﴿ما إنَّ مَفاتِحَهُ﴾ . انْتَهى. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ”مَفاتِحَ“ في سُورَةِ الأنْعامِ، وقالُوا هُنا: مَقالِيدُ خَزائِنِهِ. وقالَ السُّدِّيُّ: هي الخَزائِنُ نَفْسُها. وقالَ الضَّحّاكُ: ظُرُوفُهُ وأوْعِيَتُهُ. وقَرَأ الأعْمَشُ: ”مَفاتِيحَهُ“، بِياءٍ، جَمْعُ مِفْتاحٍ، وذَكَرُوا مِن كَثْرَةِ مَفاتِحِهِ ما هو كَذِبٌ، أوْ يُقارِبُ الكَذِبَ، فَلَمْ أكْتُبْهُ. قالَ أبُو زَيْدٍ: نُؤْتُ بِالعَمَلِ، إذا نَهَضْتَ بِهِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎إذا وجَدْنا خَلَفًا بِئْسَ الخَلَفْ عَبْدًا إذا ما ناءَ بِالحِمْلِ وقَفْ ويَقُولُ: ناءَ يَنُوءُ، إذا نَهَضَ بِثِقَلٍ. قالَ الشّاعِرُ: ؎تَنُوءُ بِأُخْراها فَلَأْيًا قِيامُها ∗∗∗ وتَمْشِي الهُوَيْنى عَنْ قَرِيبٍ فَتَبْهَرُ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو مَقْلُوبٌ وأصْلُهُ: لَتَنُوءُ بِها العُصْبَةُ، أيْ: تَنْهَضُ، والقَلْبُ عِنْدَ أصْحابِنا بابُهُ الشِّعْرُ. والصَّحِيحُ أنَّ الباءَ لِلتَّعْدِيَةِ، أيْ: لَتُنِيءُ العُصْبَةَ، كَما تَقُولُ: ذَهَبْتُ بِهِ وأذْهَبْتُهُ، وجِئْتُ بِهِ وأجَأْتُهُ. ونُقِلَ هَذا عَنِ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ والفَرّاءِ، واخْتارَهُ النَّحّاسُ، ورُوِيَ مَعْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي صالِحٍ والسُّدِّيِّ، وتَقُولُ العَرَبُ: ناءَ الحِمْلُ بِالبَعِيرِ إذا أثْقَلَهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُمْكِنُ أنْ يُسْنَدَ ”تَنُوءُ“ إلى المَفاتِحِ؛ لِأنَّها تَنْهَضُ بِتَحامُلٍ إذا فَعَلَ ذَلِكَ الَّذِي يَنْهَضُ بِها، وذا مُطَّرِدٌ في ناءَ الحِمْلُ بِالبَعِيرِ ونَحْوِهِ، فَتَأمَّلْهُ. وقَرَأ بُدَيْلُ بْنُ مَيْسَرَةَ: ”لَيَنُوءُ“ بِالياءِ وتَذْكِيرِهِ، راعى المُضافَ المَحْذُوفَ، التَّقْدِيرُ: ما إنَّ حَمْلَ مَفاتِحِهِ، أوْ مِقْدارِها، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ووَجْهُهُ أنْ يُفَسَّرَ المَفاتِحُ بِالخَزائِنِ، ويُعْطِيَها حُكْمَ ما أُضِيفَ إلَيْهِ لِلْمُلابَسَةِ والإيصالِ، كَقَوْلِهِ: ذَهَبَتْ أهْلُ اليَمامَةِ. انْتَهى. يَعْنِي: أنَّهُ اكْتَسَبَ المَفاتِحُ التَّذْكِيرَ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي لِقارُونَ، كَما اكْتَسَبَ أهْلٌ التَّأْنِيثَ مِن إضافَتِهِ إلى اليَمامَةِ، فَقِيلَ فِيهِ: ذَهَبَتْ. وذَكَرَ أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ أنَّ بُدَيْلَ بْنَ مَيْسَرَةَ قَرَأ: ”ما إنَّ مِفْتاحَهُ“ عَلى الإفْرادِ، فَلا تَحْتاجُ قِراءَتُهُ ”لَيَنُوءُ“ بِالياءِ إلى تَأْوِيلٍ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ العُصْبَةِ في سُورَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وتَقَدَّمَ قَبْلَ تَفْسِيرِ المَفاتِحِ، أهِيَ المَقالِيدُ، أوِ الخَزائِنُ نَفْسُها، أوِ الظُّرُوفُ والأوْعِيَةُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ: أنَّ المَفاتِحَ هي الأمْوالُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتْ خَزائِنُهُ تَحْمِلُها أرْبَعُونَ أقْوِياءُ، وكانَتْ أرْبَعَمِائَةِ ألْفٍ، يَحْمِلُ كُلُّ رَجُلٍ عَشَرَةَ آلافٍ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ مِنَ المَفاتِحِ: العِلْمُ والإحاطَةُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٥٩] والمُرادُ: وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ، ما إنَّ حِفْظَها والِاطِّلاعَ عَلَيْها لَيَثْقُلُ عَلى العُصْبَةِ، أيْ: هَذِهِ الكُنُوزُ لِكَثْرَتِها واخْتِلافِ أصْنافِها، يُتْعِبُ حِفْظُها القائِمِينَ عَلى حِفْظِها. ﴿إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ﴾ نَهَوْهُ عَنِ الفَرَحِ المُطْغِي الَّذِي هو انْهِماكٌ وانْحِلالُ نَفْسٍ وأشَرٌ وإعْجابٌ، وإنَّما يَفْرَحُ بِإقْبالِ الدُّنْيا عَلَيْهِ مَنِ اطْمَأنَّ إلَيْها وغَفَلَ عَنْ أمْرِ الآخِرَةِ، ومَن جَعَلَ أنَّهُ مُفارِقُ زَهْرَةِ الدُّنْيا عَنْ قَرِيبٍ، فَلا يَفْرَحُ بِها. وقالَ أبُو الطَّيِّبِ: ؎أشَدُّ الغَمِّ عِنْدِي في سُرُورٍ ∗∗∗ تَيَقَّنَ عَنْهُ صاحِبُهُ انْتِقالًا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَحَلٌّ ”إذْ“ مَنصُوبٌ بِـ: ”تُنُوءُ“ . انْتَهى، وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا؛ لِأنَّ إثْقالَ المَفاتِحِ العُصْبَةَ لَيْسَ مُقَيَّدًا بِوَقْتِ قَوْلِ قَوْمِهِ لَهُ: ﴿لا تَفْرَحْ﴾ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ وهو ضَعِيفٌ أيْضًا؛ لِأنَّ بَغْيَهُ عَلَيْهِمْ لَمْ يَكُنْ مُقَيَّدًا بِذَلِكَ الوَقْتِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: النّاصِبُ لَهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ. وقالَ أبُو البَقاءِ: (إذْ قالَ لَهُ) ظَرْفٌ لِـ: ”آتَيْناهُ“، وهو ضَعِيفٌ أيْضًا؛ لِأنَّ الإيتاءَ لَمْ يَكُنْ وقْتَ ذَلِكَ القَوْلِ. وقالَ أيْضًا: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ: بَغى عَلَيْهِمْ ﴿إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ﴾ . انْتَهى. ويَظْهَرُ أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُهُ: فَأظْهَرَ التَّفاخُرَ والفَرَحَ بِما أُوتِيَ مِنَ الكُنُوزِ ﴿إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ﴾ . وقالَ تَعالى: ﴿ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣] والعَرَبُ تَمْدَحُ بِتَرْكِ الفَرَحِ عِنْدَ إقْبالِ الخَيْرِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎ولَسْتُ بِمِفْراحٍ إذا الدَّهْرُ سَرَّنِي ∗∗∗ ولا جازِعٍ مِن صَرْفِهِ المُتَحَوِّلِ (p-١٣٣)وقالَ الآخَرُ: ؎إنْ نُلاقِ مُنْفِسًا لا تُلْفِنا ∗∗∗ فُرُحَ الخَيْرِ ولا نَكْبُو لِضُرِّ وقُرِئَ: الفارِحِينَ، حَكاهُ عِيسى بْنُ سُلَيْمانَ الحِجازِيُّ. و(لا يُحِبُّ) صِفَةُ فِعْلٍ، لا صِفَةُ ذاتٍ، بِمَعْنى الإرادَةِ؛ لِأنَّ الفَرَحَ أمْرٌ قَدْ وقَعَ، فالمَعْنى: لا يُظْهِرُ عَلَيْهِمْ بَرَكَتَهُ، ولا يَعُمُّهم رَحْمَتُهُ. ولَمّا نَهَوْهُ عَنِ الفَرَحِ المُطْغِي أمَرُوهُ بِأنْ يَطْلُبَ فِيما آتاهُ اللَّهُ مِنَ الكُنُوزِ وسَعَةِ الرِّزْقِ ثَوابَ الدّارِ الآخِرَةِ، بِأنْ يَفْعَلَ فِيهِ أفْعالَ البِرِّ، وتَجْعَلَهُ زادَكَ إلى الآخِرَةِ. ﴿ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والجُمْهُورُ: مَعْناهُ: ولا تُضَيِّعْ عُمُرَكَ في أنْ لا تَعْمَلَ صالِحًا في دُنْياكَ، إذِ الآخِرَةُ إنَّما يُعْمَلُ لَها في الدُّنْيا، فَنَصِيبُ الإنْسانِ عُمُرُهُ وعَمَلُهُ الصّالِحُ فِيها، وهَذا التَّأْوِيلُ فِيهِ عِظَةٌ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ مَعْناهُ: لا تُضَيِّعْ حَظَّكَ مِنَ الدُّنْيا في تَمَتُّعِكَ بِالحَلالِ وطَلَبِكَ، أيْ: إيّاهُ، ونَظَرِكَ لِعاقِبَةِ دُنْياكَ، وفي هَذا التَّأْوِيلِ بَعْضُ رِفْقٍ. وقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: قَدِّمِ الفَضْلَ وأمْسِكْ ما تَبْلُغُ بِهِ. وقالَ مالِكٌ: هو الأكْلُ والشُّرْبُ بِلا سَرَفٍ. وقِيلَ: أرادُوا بِنَصِيبِهِ الكَفَنَ، وهَذا وعْظٌ مُتَّصِلٌ، كَأنَّهم قالُوا: تَتْرُكُ جَمِيعَ مالِكَ، لا يَكُونُ نَصِيبُكَ مِنهُ إلّا الكَفَنَ؛ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎نَصِيبُكَ مِمّا تَجْمَعُ الدَّهْرَ كُلَّهُ ∗∗∗ رِداءانِ تَأْوِي فِيهِما وحَنُوطُ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنْ تَأْخُذَ مِنهُ ما يَكْفِيكَ ويُصْلِحُكَ، وهَذا قَرِيبٌ مِن قَوْلِ الحَسَنِ (وأحْسِنْ) إلى عِبادِ اللَّهِ، أوْ بِشُكْرِكَ وطاعَتِكَ لِلَّهِ. ﴿كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ بِتِلْكَ النِّعَمِ الَّتِي خَوَّلَكَها، والكافُ لِلتَّشْبِيهِ، وهو يَكُونُ في بَعْضِ الأوْصافِ؛ لِأنَّ مُماثَلَةَ إحْسانِ العَبْدِ لِإحْسانِ اللَّهِ مِن جَمِيعِ الصِّفاتِ يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ، فالتَّشْبِيهُ وقَعَ في مُطْلَقِ الإحْسانِ، أوْ تَكُونُ الكافُ لِلتَّعْلِيلِ، أيْ: أحْسِنْ لِأجْلِ إحْسانِ اللَّهِ إلَيْكَ. ﴿ولا تَبْغِ الفَسادَ﴾ أيْ: ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ البَغْيِ والظُّلْمِ. (عَلى عِلْمٍ) عِلْمٍ: مَصْدَرٌ، يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مُضافًا إلَيْهِ ومُضافًا إلى اللَّهِ. فَقالَ الجُمْهُورُ: ادَّعى أنَّ عِنْدَهُ عِلْمًا اسْتَوْجَبَ بِهِ أنْ يَكُونَ صاحِبَ تِلْكَ الكُنُوزِ. فَقِيلَ: عِلْمُ التَّوْراةِ وحِفْظُها، وكانَ أحَدَ السَّبْعِينَ الَّذِينَ اخْتارَهم مُوسى لِلْمِيقاتِ، وكانَتْ هَذِهِ مُغالَطَةً. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدّانِيُّ: أيْ عِلْمُ التِّجارَةِ ووُجُوهِ المَكاسِبِ، أيْ: أُوتِيتُهُ بِإدْراكِي وسَعْيِي. وقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: عِلْمُ الكِيمْياءِ، قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَعْلَمُ الكِيمْياءَ، وهي جَعْلُ الرَّصاصِ والنُّحاسِ ذَهَبًا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: عَلى عِلْمٍ لِصَنْعَةِ الذَّهَبِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ لا يَصِحُّ عَنْهُ ولا عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ. وأنْكَرَ الزَّجّاجُ عِلْمَ الكِيمْياءِ وقالَ: باطِلٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ. انْتَهى. وكَثِيرًا ما تُولَعُ أهْلُ مِصْرَ بِطَلَبِ أشْياءَ مِنَ المُسْتَحِيلاتِ والخُرافاتِ؛ مِن ذَلِكَ: تَغْوِيرُ الماءِ، وخِدْمَةُ الصُّوَرِ المُمَثَّلَةِ في الجُدُرِ خُطُوطًا، وادِّعاؤُهم أنَّ تِلْكَ الخُطُوطَ تَتَحَرَّكُ إذا خُدِمَتْ بِأنْواعٍ مِنَ الخَدَمِ لَهم والكِيمْياءِ حَتّى أنَّ مَشايِخَ العِلْمِ عِنْدَهم، الَّذِينَ هم عِنْدَهم بِصُورَةِ الوِلايَةِ، يَتَطَلَّبُ ذَلِكَ مِن أجْهَلِ وارِدٍ مِنَ المَغارِبَةِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: أرادَ ﴿أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ﴾ مِنَ اللَّهِ وتَخْصِيصٍ مِن لَدُنْهُ قَصَدَنِي بِهِ، أيْ: فَلا يَلْزَمُنِي فِيهِ شَيْءٌ مِمّا قُلْتُمْ، ثُمَّ جَعَلَ قَوْلَهُ: (عِنْدِي) كَما يَقُولُ: في مُعْتَقَدِي وعَلى ما أراهُ. وقالَ مُقاتِلٌ: (عَلى عِلْمٍ) أيْ: عَلى خَيْرٍ عَلِمَهُ اللَّهُ عِنْدِي. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أوَلَمْ يَعْلَمْ﴾ تَقْرِيرٌ لِعِلْمِهِ ذَلِكَ، وتَنْبِيهٌ عَلى خَطَئِهِ في اغْتِرارِهِ أيْ: قَدْ عَلِمَ أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مِنَ القُرُونِ قَبْلَهُ مَن هو أقْوى مِنهُ وأغْنى؛ لِأنَّهُ قَدْ قَرَأهُ في التَّوْراةِ، وأخْبَرَ بِهِ مُوسى، وسَمِعَهُ في التَّوارِيخِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أوَلَمْ يَعْلَمْ في جُمْلَةِ ما عِنْدَهُ مِنَ العِلْمِ ؟ هَذا حَتّى لا يَغْتَرَّ بِكَثْرَةِ مالِهِ وقُوَّتِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِعِلْمِهِ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ فَتَنَفَّحَ بِالعِلْمِ وتَعَظَّمَ بِهِ، قِيلَ: أعِنْدَهُ مِثْلُ ذَلِكَ العِلْمِ الَّذِي ادَّعاهُ ؟ وأُرِيَ نَفْسَهُ بِهِ مُسْتَوْجِبَةً لِكُلِّ نِعْمَةٍ، ولَمْ يَعْلَمْ هَذا العِلْمَ النّافِعَ حَتّى يَقِيَ نَفْسَهُ مَصارِعَ الهالِكِينَ. انْتَهى. ﴿وأكْثَرُ جَمْعًا﴾ إمّا لِلْمالِ، أوْ جَماعَةٍ يَحُوطُونَهُ ويَخْدِمُونَهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿أوَلَمْ يَعْلَمْ﴾ بِرُجْحِ أنَّ (p-١٣٤)قارُونَ تَشَبَّعَ بِعِلْمِ نَفْسِهِ عَلى زَعْمِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ولا يُسْألُ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ و(المُجْرِمُونَ) رُفِعَ بِهِ، وهو مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ. والضَّمِيرُ في (ذُنُوبِهِمْ) عائِدٌ عَلى مَن أُهْلِكَ مِنَ القُرُونِ، أيْ: لا يُسْألُ غَيْرُهم مِمَّنْ أجْرَمَ، ولا مِمَّنْ لَمْ يُجْرِمْ عَمَّنْ أهْلَكَهُ اللَّهُ بَلْ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨] . وقِيلَ: أهْلَكَ مَن أهْلَكَ مِنَ القُرُونِ، عَنْ عِلْمٍ مِنهُ بِذُنُوبِهِمْ، فَلَمْ يَحْتَجْ إلى مَسْألَتِهِمْ عَنْها. وقِيلَ: هو مُسْتَأْنَفٌ عَنْ حالِ يَوْمِ القِيامَةِ. قالَ قَتادَةُ: لا يُسْألُونَ عَنْ ذُنُوبِهِمْ لِظُهُورِها وكَثْرَتِها؛ لِأنَّهم يَدْخُلُونَ النّارَ بِغَيْرِ حِسابٍ. وقالَ قَتادَةُ أيْضًا ومُجاهِدٌ: لا تَسْألُهُمُ المَلائِكَةُ عَنْ ذُنُوبِهِمْ؛ لِأنَّهم يَعْرِفُونَهم بِسِيماهم مِنَ السَّوادِ والتَّشْوِيهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] . وقِيلَ: لا يُسْألُونَ سُؤالَ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ في رِوايَتِهِ: ”ولا تَسْألْ“، بِالتّاءِ والجَزْمِ، ”المُجْرِمِينَ“: نُصِبَ. وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ، وأبُو العالِيَةِ كَذَلِكَ في ”ولا تَسْألْ“ عَلى النَّهْيِ لِلْمُخاطَبِ، وكانَ ابْنُ أبِي إسْحاقَ لا يُجَوِّزُ ذَلِكَ إلّا أنْ يَكُونَ ”المُجْرِمِينَ“ بِالياءِ في مَحَلِّ النَّصْبِ، بِوُقُوعِ الفِعْلِ عَلَيْهِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: فالظّاهِرُ ما قالَهُ، ولَمْ يَبْلُغْنِي في نَصْبِ المُجْرِمِينَ شَيْءٌ، فَإنْ تَرَكاهُ عَلى رَفْعِهِ، فَلَهُ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ الهاءُ والمِيمُ في ﴿عَنْ ذُنُوبِهِمْ﴾ راجِعَةً إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ القُرُونِ، وارْتِفاعُ ”المُجْرِمِينَ“ بِإضْمارِ المُبْتَدَأِ، وتَقْدِيرُهُ: هُمُ المُجْرِمُونَ، أوْ: أُولَئِكَ المُجْرِمُونَ، ومِثْلُهُ ﴿التّائِبُونَ العابِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢] في التَّوْبَةِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن أصْلِ الهاءِ والمِيمِ في (ذُنُوبِهِمْ)؛ لِأنَّها - وإنْ كانَتْ في مَحَلِّ الجَرِّ بِالإضافَةِ إلَيْها - فَإنَّ أصْلَها الرَّفْعُ؛ لِأنَّ الإضافَةَ إلَيْها بِمَنزِلَةِ إضافَةِ المَصْدَرِ إلى اسْمِ الفاعِلِ؛ فَعَلى ذَلِكَ (المُجْرِمُونَ) مَحْمُولٌ عَلى الأصْلِ، عَلى ما تَقَدَّمَ لَنا مِن أنَّ بَعْضَهم قَرَأ: ﴿أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً﴾ [البقرة: ٢٦] بِالجَرِّ، عَلى أنَّها بَدَلٌ مِن أصْلِ المَثَلِ، و(ما) زائِدَةٌ فِيهِ، وتَقْدِيرُهُ: لا يَسْتَحِي بِضَرْبِ مَثَلِ بَعُوضَةٍ، أيْ: بِضَرْبِ بَعُوضَةٍ. في ذَلِكَ فَسَّرَ أنَّ مَعَ الفَصْلِ بِالمَصْدَرِ ناصِبٌ إلى المَفْعُولِ بِهِ، ثُمَّ أبْدَلَ مِنهُ البَعُوضَةَ مِن غَيْرِ أنْ أعْرِفَ فِيها أثَرًا لِحالٍ. فَأمّا قَوْلُهُ: مِن ذُنُوبِهِمْ، فَذُنُوبٌ جَمْعٌ، فَإنْ كانَ جَمْعَ مَصْدَرٍ فَفي إعْمالِهِ خِلافٌ. وأمّا قَوْلُهُ عَلى ما تَقَدَّمَ لَنا مِن أنَّ بَعْضَهم قَرَأ، فَقَدْ ذَكَرَ في البَقَرَةِ أنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ، ولا نَعْرِفُ فِيها أثَرًا، فَيَنْبَغِي أنْ لا يَجْعَلَها قِراءَةً. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى قارُونَ ونَعَتَهُ، وما آتاهُ مِنَ الكُنُوزِ، وفَرَحَهُ بِذَلِكَ فَرَحَ البَطِرِينَ، وادِّعاءَهُ أنَّ ما أُوتِيَ مِن ذَلِكَ إنَّما أُوتِيَهُ عَلى عِلْمٍ، ذَكَرَ ما هو ناشِئٌ عَنِ التَّكَبُّرِ والسُّرُورِ بِما أُوتِيَ، فَقالَ: ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ﴾ وكانَ يَوْمَ السَّبْتِ: أيْ: أظْهَرَ ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ المَلابِسِ والمَراكِبِ وزِينَةِ الدُّنْيا. قالَ جابِرٌ، ومُجاهِدٌ: في ثِيابٍ حُمْرٍ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو وحَشَمُهُ في ثِيابٍ مُعَصْفَرَةٍ. وقِيلَ: في ثِيابِ الأُرْجُوانِ. وقِيلَ: عَلى بَغْلَةٍ شَهْباءَ عَلَيْها الأُرْجُوانُ، وعَلَيْها سَرْجٌ مِن ذَهَبٍ، ومَعَهُ أرْبَعَةُ آلافٍ عَلى زِيِّهِ. وقِيلَ: عَلَيْهِمْ وعَلى خُيُولِهِمُ الدِّيباجُ الأحْمَرُ، وعَلى يَمِينِهِ ثَلاثُمِائَةِ غُلامٍ، وعَلى يَسارِهِ ثَلاثُمِائَةِ جارِيَةٍ بِيضٍ عَلَيْهِمُ الحُلِيُّ والدِّيباجُ. وقِيلَ: في تِسْعِينَ ألْفًا عَلَيْهِمُ المُعَصْفَراتُ، وهو أوَّلُ يَوْمٍ رُؤِيَ فِيهِ المُعَصْفَرُ. وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الكَيْفِيّاتِ. ﴿قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ قِيلَ: كانُوا مُؤْمِنِينَ. وقالَ قَتادَةُ: تَمَنَّوْهُ لِيَتَقَرَّبُوا بِهِ إلى اللَّهِ. وقِيلَ: رَغْبَةً في اليَسارَةِ والثَّرْوَةِ. وقِيلَ: كانُوا كُفّارًا، وتَمَنَّوْا ﴿مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ﴾ ولَمْ يَذْكُرُوا زَوالَ نِعْمَتِهِ، وهَذا مِنَ الغِبْطَةِ. ﴿إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ أيْ: دَرَجَةٍ عَظِيمَةٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ. وقِيلَ: نَصِيبٍ كَثِيرٍ مِنَ الدُّنْيا، والحَظُّ البَخْتُ والسَّعْدُ، يُقالُ: فُلانٌ ذُو حَظٍّ وحَظِيظٌ ومَحْظُوظٌ. ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ مِنهم: يُوشَعُ، والعِلْمُ: مَعْرِفَةُ الثَّوابِ والعِقابِ، أوِ التَّوَكُّلُ، أوِ الإخْبارُ، أقْوالٌ. (ويْلَكم) دُعاءٌ بِالشَّرِّ. ﴿ثَوابُ اللَّهِ﴾ وهو ما أعَدَّهُ في الآخِرَةِ لِلْمُؤْمِنِ (خَيْرٌ) مِمّا أُوتِيَ قارُونُ. ﴿ولا يُلَقّاها﴾ أيْ: هَذِهِ الحِكْمَةُ، وهي مَعْرِفَةُ ثَوابِ اللَّهِ، وقِيلَ: الجَنَّةُ ونَعِيمُها. وقِيلَ: هَذِهِ المَقالَةُ، وهي قَوْلُهم: ﴿ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ وبَّخَهم بِها. ﴿إلّا الصّابِرُونَ﴾ عَلى الطّاعاتِ وعَلى قَمْعِ أنْفُسِهِمْ عَنِ الشَّهَواتِ. تَقَدَّمَ (p-١٣٥)طَرَفٌ مِن خَبَرِ قارُونَ وحَسَدِهِ لِمُوسى. ومِن حَسَدِهِ أنَّهُ جَعَلَ لِبَغِيٍّ جُعْلًا، عَلى أنْ تَرْمِيَ مُوسى بِطَلَبِها وبِزِنائِها، وأنَّها تابَتْ إلى اللَّهِ، وأقَرَّتْ أنَّ قارُونَ هو الَّذِي جَعَلَ لَها جُعْلًا عَلى رَمْيِ مُوسى بِذَلِكَ، فَأمَرَ اللَّهُ الأرْضَ أنْ تُطِيعَهُ، فَقالَ: يا أرْضُ، خُذِيهِ وأتْباعَهُ، فَخُسِفَ بِهِمْ في حِكايَةٍ طَوِيلَةٍ، اللَّهُ أعْلَمُ بِها. ولَمّا خُسِفَ بِقارُونَ ومَن مَعَهُ، فَقالَ بَنُو إسْرائِيلَ: إنَّما دَعا مُوسى عَلى قارُونَ لِيَسْتَبِدَّ بِدارِهِ وكُنُوزِهِ، فَدَعا اللَّهَ حَتّى خَسَفَ بِدارِهِ وأمْوالِهِ. و”مِن“ زائِدَةٌ، أيْ: مِن جَماعَةٍ تُفِيدُ اسْتِغْراقَ الفِئاتِ. وإذا انْتَفَتِ الجُمْلَةُ، ولَمْ يَقْدِرْ عَلى نَصْرِهِ، فانْتِفاءُ الواحِدِ عَنْ نُصْرَتِهِ أبْلَغُ. ﴿وما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ في نَفْسِهِ مِمَّنْ يَمْتَنِعُ مِن عَذابِ اللَّهِ. ﴿وأصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالأمْسِ﴾ بَدَلٌ، وأصْبَحَ، إذا حُمِلَ عَلى ظاهِرِهِ، أنَّ الخَسْفَ بِهِ وبِدارِهِ كانَ لَيْلًا، وهو أفْظَعُ العَذابِ، إذِ اللَّيْلُ مَقَرُّ الرّاحَةِ والسُّكُونِ، والأمْسُ يَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِهِ الزَّمانُ الماضِي، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِهِ ما قَبْلَ يَوْمِ الخَسْفِ، وهو يَوْمُ التَّمَنِّي، ويَدُلُّ عَلَيْهِ العَطْفُ بِالفاءِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّعْقِيبَ في قَوْلِهِ: ﴿فَخَسَفْنا﴾ فَيَكُونُ فِيهِ اعْتِقابُ العَذابِ خُرُوجُهُ في زِينَتِهِ، وفي ذَلِكَ تَعْجِيلُ العَذابِ. ومَكانَهُ: مَنزِلَتَهُ في الدُّنْيا مِنَ الثَّرْوَةِ والحَشَمِ والأتْباعِ. و”ويْ“ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ: اسْمُ فِعْلٍ مِثْلُ: صَهْ ومَهْ، ومَعْناها: أعْجَبُ. قالَ الخَلِيلُ: وذَلِكَ أنَّ القَوْمَ نَدِمُوا فَقالُوا: مُتَنَدِّمِينَ عَلى ما سَلَفَ مِنهم: ويْ، وكُلُّ مَن نَدِمَ فَأظْهَرَ نَدامَتَهُ قالَ: ويْ. وكَأنَّ: هي كافُ التَّشْبِيهِ الدّاخِلَةُ عَلى ”أنَّ“، وكُتِبَتْ مُتَّصِلَةً بِكافِ التَّشْبِيهِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ؎ويْ كَأنَّ مَن يَكُنْ لَهُ نَشَبٌ يُحْ ∗∗∗ بَبْ ومَن يَفْتَقِرْ يَعِشْ عَيْشَ ضُرِّ والبَيْتُ لِزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ. وحَكى الفَرّاءُ أنَّ امْرَأةً قالَتْ لِزَوْجِها: أيْنَ ابْنُكَ ؟ فَقالَ: ويْكَأنَّهُ وراءَ البَيْتِ، وعَلى هَذا المَذْهَبِ يَكُونُ الوَقْفُ عَلى ويْ. وقالالأخْفَشُ: هي ويْكَ، ويَنْبَغِي أنْ تَكُونَ الكافُ حَرْفَ خِطابٍ، ولا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، والوَقْفُ عَلَيْهِ ويْكَ، ومِنهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ: ؎ولَقَدْ شَفا نَفْسِي وأبْرَأ سُقْمَها ∗∗∗ قِيلُ الفَوارِسِ ويْكَ عَنْتَرَ أقْدِمِ قالَ الأخْفَشُ: وأنَّ عِنْدَهُ مَفْتُوحٌ بِتَقْدِيرِ العِلْمِ، أيْ: أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎ألا ويْكَ المَضَرَّةَ لا تَدُومُ ∗∗∗ ولا يُبْقِي عَلى البُؤْسِ النَّعِيمُ وذَهَبُ الكِسائِيُّ ويُونُسُ وأبُو حاتِمٍ وغَيْرُهم إلى أنَّ أصْلَهُ ويْلَكَ، فَحُذِفَتِ اللّامُ والكافُ في مَوْضِعِ جَرٍّ بِالإضافَةِ. فَعَلى المَذْهَبِ الأوَّلِ قِيلَ: تَكُونُ الكافُ خالِيَةً مِن مَعْنى التَّشْبِيهِ، كَما قِيلَ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] . وعَلى المَذْهَبِ الثّانِي، فالمَعْنى: أعْجَبُ لِأنَّ اللَّهَ. وعَلى المَذْهَبِ الثّالِثِ تَكُونُ ويْلَكَ كَلِمَةَ تَحَزُّنٍ، والمَعْنى أيْضًا: لِأنَّ اللَّهَ. وقالَ أبُو زَيْدٍ وفِرْقَةٌ مَعَهُ: ويْكَأنَّ، حَرْفٌ واحِدٌ بِجُمْلَتِهِ، وهو بِمَعْنى: ألَمْ تَرَ. وبِمَعْنى: ألَمْ تَرَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والكِسائِيُّ وأبُو عُبَيْدٍ. وقالَ الفَرّاءُ: ويْكَ في كَلامِ العَرَبِ كَقَوْلِ الرَّجُلِ: أما تَرى إلى صُنْعِ اللَّهِ ؟ وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، عَنْ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ أنَّهُ قالَ: مَعْنى ويْكَ: رَحْمَةً لَكَ، بِلُغَةِ حِمْيَرَ. ولَمّا صَدَرَ مِنهم تَمَنِّي حالِ قارُونَ، وشاهَدُوا الخَسْفَ، كانَ ذَلِكَ زاجِرًا لَهم عَنْ حُبِّ الدُّنْيا، وداعِيًا إلى الرِّضا بِقَدَرِ اللَّهِ، فَتَنَبَّهُوا لِخَطَئِهِمْ فَقالُوا: ويْ، ثُمَّ قالُوا: ﴿كَأنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ بِحَسَبِ مَشِيئَتِهِ وحِكْمَتِهِ، لا لِكَرامَتِهِ عَلَيْهِ، ويُضَيِّقُ عَلى مَن يَشاءُ، لا لِهَوانِهِ، بَلْ لِحِكْمَتِهِ وقَضائِهِ ابْتِلاءً. وقَرَأ الأعْمَشُ: ”لَوْلا مَنَّ اللَّهُ“، بِحَذْفِ ”أنْ“، وهي مُزادَةٌ. ورُوِيَ عَنْهُ: ”مَنُّ اللَّهِ“ بِرَفْعِ النُّونِ والإضافَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لَخُسِفَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وحَفْصٌ، وعِصْمَةُ، وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ، وابْنُ أبِي حَمّادٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ: مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وابْنُ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: ”لانْخَسَفَ بِنا“، كَقَوْلِكَ: انْقَطَعَ بِنا، كَأنَّهُ فِعْلٌ مُطاوِعٌ، والمَقامُ مَقامُ الفاعِلِ هو (بِنا) . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَصْدَرَ أيْ: لانْخَسَفَ الِانْخِسافُ، ومُطاوِعُ فَعَلَ لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ بِهِ، فَلِذَلِكَ بُنِيَ (p-١٣٦)إمّا لِلْبِناءِ وإمّا لِلْمَصْدَرِ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أيْضًا: ”لَتُخُسِّفَ“، بِتاءٍ وشَدِّ السِّينِ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.

القصص 28:82

(p-١٣١)﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ﴿ونَزَعْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكم فَعَلِمُوا أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ ما إنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ أُولِي القُوَّةِ إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ ﴿وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدّارَ الآخِرَةَ ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ ولا تَبْغِ الفَسادَ في الأرْضِ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أوَلَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَن هو أشَدُّ مِنهُ قُوَّةً وأكْثَرُ جَمْعًا ولا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَياةَ الدُّنْيا يالَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ويْلَكم ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ولا يُلَقّاها إلّا الصّابِرُونَ﴾ ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ فَما كانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ ﴿وأصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالأمْسِ يَقُولُونَ ويْكَأنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَوْلا أنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا ويْكَأنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ . تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ: (ويَوْمَ يُنادِيهِمْ) وكُرِّرَ هُنا عَلى جِهَةِ الإبْلاغِ والتَّأْكِيدِ. (ونَزَعْنا) أيْ: مَيَّزْنا وأخْرَجْنا بِسُرْعَةٍ مِن كُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ. (شَهِيدًا) وهو نَبِيُّ تِلْكَ الأُمَّةِ؛ لِأنَّهُ هو الشَّهِيدُ عَلَيْها، كَما قالَ: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] . وقِيلَ: عَدُولًا وخِيارًا. والشَّهِيدُ عَلى هَذا اسْمُ الجِنْسِ، والشَّهِيدُ يَشْهَدُ عَلى تِلْكَ الأُمَّةِ بِما صَدَرَ مِنها، وما أجابَتْ بِهِ؛ لَمّا دُعِيَتْ إلى التَّوْحِيدِ، وأنَّهُ قَدْ بَلَّغَهم رِسالَةَ رَبِّهِمْ. (فَقُلْنا) أيْ: لِلْمَلَأِ ﴿هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ أيْ: حُجَّتَكم فِيما كُنْتُمْ عَلَيْهِ في الدُّنْيا مِنَ الكُفْرِ ومُخالَفَةِ هَذا الشَّهِيدِ ﴿فَعَلِمُوا أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ﴾ لا لِأصْنامِهِمْ وما عَبَدُوا مِن دُونِ اللَّهِ. (وضَلَّ عَنْهم) أيْ: وغابَ عَنْهم غَيْبَةَ الشَّيْءِ الضّائِعِ ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مِنَ الكَذِبِ والباطِلِ. وقارُونُ أعْجَمِيٌّ: مُنِعَ الصَّرْفَ لِلْعُجْمَةِ والعَلَمِيَّةِ. وقِيلَ: ومَعْنى كانَ مِن قَوْمِهِ أيْ: مِمَّنْ آمَنَ بِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو إسْرائِيلِيٌّ بِإجْماعٍ. انْتَهى. واخْتُلِفَ في قَرابَتِهِ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، اخْتِلافًا مُضْطَرِبًا مُتَكاذِبًا، وأوْلاها ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّهُ ابْنُ عَمِّهِ، وهو قارُونُ بْنُ يَصْهُرَ بْنِ قاهِثَ، جَدِّ مُوسى؛ لِأنَّ النَّسّابِينَ ذَكَرُوا نَسَبَهُ كَذَلِكَ، وكانَ يُسَمّى المُنَوَّرَ لِحُسْنِ صُورَتِهِ، وكانَ أحْفَظَ بَنِي إسْرائِيلَ لِلتَّوْراةِ وأقْرَأهم، فَنافَقَ كَما نافَقَ السّامِرِيُّ. ﴿فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ ذَكَرُوا مِن أنْواعِ بَغْيِهِ الكُفْرَ، والكِبْرَ، وحَسَدَهُ لِمُوسى عَلى النُّبُوَّةِ، ولِهارُونَ عَلى الذَّبْحِ والقُرْبانِ، وظُلْمَهُ لِبَنِي إسْرائِيلَ حِينَ مَلَّكَهُ فِرْعَوْنُ عَلَيْهِمْ، ودَسَّهُ بَغِيًّا تَكْذِبُ عَلى مُوسى أنَّهُ تَعَرَّضَ لَها، وتَفْضَحُهُ بِذَلِكَ في مَلَأٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ. ومِن تَكَبُّرِهِ أنْ زادَ في ثِيابِهِ شِبْرًا. ﴿وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ﴾ قِيلَ: أظْفَرَهُ اللَّهُ بِكَنْزٍ مِن كُنُوزِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ: سُمِّيَتْ أمْوالُهُ كُنُوزًا، إذْ كانَ مُمْتَنِعًا مِن أداءِ الزَّكاةِ، وبِسَبَبِ ذَلِكَ عادى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أوَّلَ عَداوَتِهِ. و(ما) مَوْصُولَةٌ، صِلَتُها ”إنَّ“ ومَعْمُولاها. وقالَ النَّحّاسُ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ سُلَيْمانَ، يَعْنِي الأخْفَشَ الصَّغِيرَ، يَقُولُ: ما أقْبَحَ ما يَقُولُهُ الكُوفِيُّونَ في الصِّلاتِ، أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِلَةُ ”الَّذِي“ ”إنَّ“ وما عَمِلَتْ (p-١٣٢)فِيهِ، وفي القُرْآنِ: ﴿ما إنَّ مَفاتِحَهُ﴾ . انْتَهى. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ”مَفاتِحَ“ في سُورَةِ الأنْعامِ، وقالُوا هُنا: مَقالِيدُ خَزائِنِهِ. وقالَ السُّدِّيُّ: هي الخَزائِنُ نَفْسُها. وقالَ الضَّحّاكُ: ظُرُوفُهُ وأوْعِيَتُهُ. وقَرَأ الأعْمَشُ: ”مَفاتِيحَهُ“، بِياءٍ، جَمْعُ مِفْتاحٍ، وذَكَرُوا مِن كَثْرَةِ مَفاتِحِهِ ما هو كَذِبٌ، أوْ يُقارِبُ الكَذِبَ، فَلَمْ أكْتُبْهُ. قالَ أبُو زَيْدٍ: نُؤْتُ بِالعَمَلِ، إذا نَهَضْتَ بِهِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎إذا وجَدْنا خَلَفًا بِئْسَ الخَلَفْ عَبْدًا إذا ما ناءَ بِالحِمْلِ وقَفْ ويَقُولُ: ناءَ يَنُوءُ، إذا نَهَضَ بِثِقَلٍ. قالَ الشّاعِرُ: ؎تَنُوءُ بِأُخْراها فَلَأْيًا قِيامُها ∗∗∗ وتَمْشِي الهُوَيْنى عَنْ قَرِيبٍ فَتَبْهَرُ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو مَقْلُوبٌ وأصْلُهُ: لَتَنُوءُ بِها العُصْبَةُ، أيْ: تَنْهَضُ، والقَلْبُ عِنْدَ أصْحابِنا بابُهُ الشِّعْرُ. والصَّحِيحُ أنَّ الباءَ لِلتَّعْدِيَةِ، أيْ: لَتُنِيءُ العُصْبَةَ، كَما تَقُولُ: ذَهَبْتُ بِهِ وأذْهَبْتُهُ، وجِئْتُ بِهِ وأجَأْتُهُ. ونُقِلَ هَذا عَنِ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ والفَرّاءِ، واخْتارَهُ النَّحّاسُ، ورُوِيَ مَعْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي صالِحٍ والسُّدِّيِّ، وتَقُولُ العَرَبُ: ناءَ الحِمْلُ بِالبَعِيرِ إذا أثْقَلَهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُمْكِنُ أنْ يُسْنَدَ ”تَنُوءُ“ إلى المَفاتِحِ؛ لِأنَّها تَنْهَضُ بِتَحامُلٍ إذا فَعَلَ ذَلِكَ الَّذِي يَنْهَضُ بِها، وذا مُطَّرِدٌ في ناءَ الحِمْلُ بِالبَعِيرِ ونَحْوِهِ، فَتَأمَّلْهُ. وقَرَأ بُدَيْلُ بْنُ مَيْسَرَةَ: ”لَيَنُوءُ“ بِالياءِ وتَذْكِيرِهِ، راعى المُضافَ المَحْذُوفَ، التَّقْدِيرُ: ما إنَّ حَمْلَ مَفاتِحِهِ، أوْ مِقْدارِها، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ووَجْهُهُ أنْ يُفَسَّرَ المَفاتِحُ بِالخَزائِنِ، ويُعْطِيَها حُكْمَ ما أُضِيفَ إلَيْهِ لِلْمُلابَسَةِ والإيصالِ، كَقَوْلِهِ: ذَهَبَتْ أهْلُ اليَمامَةِ. انْتَهى. يَعْنِي: أنَّهُ اكْتَسَبَ المَفاتِحُ التَّذْكِيرَ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي لِقارُونَ، كَما اكْتَسَبَ أهْلٌ التَّأْنِيثَ مِن إضافَتِهِ إلى اليَمامَةِ، فَقِيلَ فِيهِ: ذَهَبَتْ. وذَكَرَ أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ أنَّ بُدَيْلَ بْنَ مَيْسَرَةَ قَرَأ: ”ما إنَّ مِفْتاحَهُ“ عَلى الإفْرادِ، فَلا تَحْتاجُ قِراءَتُهُ ”لَيَنُوءُ“ بِالياءِ إلى تَأْوِيلٍ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ العُصْبَةِ في سُورَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وتَقَدَّمَ قَبْلَ تَفْسِيرِ المَفاتِحِ، أهِيَ المَقالِيدُ، أوِ الخَزائِنُ نَفْسُها، أوِ الظُّرُوفُ والأوْعِيَةُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ: أنَّ المَفاتِحَ هي الأمْوالُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتْ خَزائِنُهُ تَحْمِلُها أرْبَعُونَ أقْوِياءُ، وكانَتْ أرْبَعَمِائَةِ ألْفٍ، يَحْمِلُ كُلُّ رَجُلٍ عَشَرَةَ آلافٍ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ مِنَ المَفاتِحِ: العِلْمُ والإحاطَةُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٥٩] والمُرادُ: وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ، ما إنَّ حِفْظَها والِاطِّلاعَ عَلَيْها لَيَثْقُلُ عَلى العُصْبَةِ، أيْ: هَذِهِ الكُنُوزُ لِكَثْرَتِها واخْتِلافِ أصْنافِها، يُتْعِبُ حِفْظُها القائِمِينَ عَلى حِفْظِها. ﴿إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ﴾ نَهَوْهُ عَنِ الفَرَحِ المُطْغِي الَّذِي هو انْهِماكٌ وانْحِلالُ نَفْسٍ وأشَرٌ وإعْجابٌ، وإنَّما يَفْرَحُ بِإقْبالِ الدُّنْيا عَلَيْهِ مَنِ اطْمَأنَّ إلَيْها وغَفَلَ عَنْ أمْرِ الآخِرَةِ، ومَن جَعَلَ أنَّهُ مُفارِقُ زَهْرَةِ الدُّنْيا عَنْ قَرِيبٍ، فَلا يَفْرَحُ بِها. وقالَ أبُو الطَّيِّبِ: ؎أشَدُّ الغَمِّ عِنْدِي في سُرُورٍ ∗∗∗ تَيَقَّنَ عَنْهُ صاحِبُهُ انْتِقالًا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَحَلٌّ ”إذْ“ مَنصُوبٌ بِـ: ”تُنُوءُ“ . انْتَهى، وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا؛ لِأنَّ إثْقالَ المَفاتِحِ العُصْبَةَ لَيْسَ مُقَيَّدًا بِوَقْتِ قَوْلِ قَوْمِهِ لَهُ: ﴿لا تَفْرَحْ﴾ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ وهو ضَعِيفٌ أيْضًا؛ لِأنَّ بَغْيَهُ عَلَيْهِمْ لَمْ يَكُنْ مُقَيَّدًا بِذَلِكَ الوَقْتِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: النّاصِبُ لَهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ. وقالَ أبُو البَقاءِ: (إذْ قالَ لَهُ) ظَرْفٌ لِـ: ”آتَيْناهُ“، وهو ضَعِيفٌ أيْضًا؛ لِأنَّ الإيتاءَ لَمْ يَكُنْ وقْتَ ذَلِكَ القَوْلِ. وقالَ أيْضًا: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ: بَغى عَلَيْهِمْ ﴿إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ﴾ . انْتَهى. ويَظْهَرُ أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُهُ: فَأظْهَرَ التَّفاخُرَ والفَرَحَ بِما أُوتِيَ مِنَ الكُنُوزِ ﴿إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ﴾ . وقالَ تَعالى: ﴿ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣] والعَرَبُ تَمْدَحُ بِتَرْكِ الفَرَحِ عِنْدَ إقْبالِ الخَيْرِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎ولَسْتُ بِمِفْراحٍ إذا الدَّهْرُ سَرَّنِي ∗∗∗ ولا جازِعٍ مِن صَرْفِهِ المُتَحَوِّلِ (p-١٣٣)وقالَ الآخَرُ: ؎إنْ نُلاقِ مُنْفِسًا لا تُلْفِنا ∗∗∗ فُرُحَ الخَيْرِ ولا نَكْبُو لِضُرِّ وقُرِئَ: الفارِحِينَ، حَكاهُ عِيسى بْنُ سُلَيْمانَ الحِجازِيُّ. و(لا يُحِبُّ) صِفَةُ فِعْلٍ، لا صِفَةُ ذاتٍ، بِمَعْنى الإرادَةِ؛ لِأنَّ الفَرَحَ أمْرٌ قَدْ وقَعَ، فالمَعْنى: لا يُظْهِرُ عَلَيْهِمْ بَرَكَتَهُ، ولا يَعُمُّهم رَحْمَتُهُ. ولَمّا نَهَوْهُ عَنِ الفَرَحِ المُطْغِي أمَرُوهُ بِأنْ يَطْلُبَ فِيما آتاهُ اللَّهُ مِنَ الكُنُوزِ وسَعَةِ الرِّزْقِ ثَوابَ الدّارِ الآخِرَةِ، بِأنْ يَفْعَلَ فِيهِ أفْعالَ البِرِّ، وتَجْعَلَهُ زادَكَ إلى الآخِرَةِ. ﴿ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والجُمْهُورُ: مَعْناهُ: ولا تُضَيِّعْ عُمُرَكَ في أنْ لا تَعْمَلَ صالِحًا في دُنْياكَ، إذِ الآخِرَةُ إنَّما يُعْمَلُ لَها في الدُّنْيا، فَنَصِيبُ الإنْسانِ عُمُرُهُ وعَمَلُهُ الصّالِحُ فِيها، وهَذا التَّأْوِيلُ فِيهِ عِظَةٌ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ مَعْناهُ: لا تُضَيِّعْ حَظَّكَ مِنَ الدُّنْيا في تَمَتُّعِكَ بِالحَلالِ وطَلَبِكَ، أيْ: إيّاهُ، ونَظَرِكَ لِعاقِبَةِ دُنْياكَ، وفي هَذا التَّأْوِيلِ بَعْضُ رِفْقٍ. وقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: قَدِّمِ الفَضْلَ وأمْسِكْ ما تَبْلُغُ بِهِ. وقالَ مالِكٌ: هو الأكْلُ والشُّرْبُ بِلا سَرَفٍ. وقِيلَ: أرادُوا بِنَصِيبِهِ الكَفَنَ، وهَذا وعْظٌ مُتَّصِلٌ، كَأنَّهم قالُوا: تَتْرُكُ جَمِيعَ مالِكَ، لا يَكُونُ نَصِيبُكَ مِنهُ إلّا الكَفَنَ؛ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎نَصِيبُكَ مِمّا تَجْمَعُ الدَّهْرَ كُلَّهُ ∗∗∗ رِداءانِ تَأْوِي فِيهِما وحَنُوطُ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنْ تَأْخُذَ مِنهُ ما يَكْفِيكَ ويُصْلِحُكَ، وهَذا قَرِيبٌ مِن قَوْلِ الحَسَنِ (وأحْسِنْ) إلى عِبادِ اللَّهِ، أوْ بِشُكْرِكَ وطاعَتِكَ لِلَّهِ. ﴿كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ بِتِلْكَ النِّعَمِ الَّتِي خَوَّلَكَها، والكافُ لِلتَّشْبِيهِ، وهو يَكُونُ في بَعْضِ الأوْصافِ؛ لِأنَّ مُماثَلَةَ إحْسانِ العَبْدِ لِإحْسانِ اللَّهِ مِن جَمِيعِ الصِّفاتِ يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ، فالتَّشْبِيهُ وقَعَ في مُطْلَقِ الإحْسانِ، أوْ تَكُونُ الكافُ لِلتَّعْلِيلِ، أيْ: أحْسِنْ لِأجْلِ إحْسانِ اللَّهِ إلَيْكَ. ﴿ولا تَبْغِ الفَسادَ﴾ أيْ: ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ البَغْيِ والظُّلْمِ. (عَلى عِلْمٍ) عِلْمٍ: مَصْدَرٌ، يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مُضافًا إلَيْهِ ومُضافًا إلى اللَّهِ. فَقالَ الجُمْهُورُ: ادَّعى أنَّ عِنْدَهُ عِلْمًا اسْتَوْجَبَ بِهِ أنْ يَكُونَ صاحِبَ تِلْكَ الكُنُوزِ. فَقِيلَ: عِلْمُ التَّوْراةِ وحِفْظُها، وكانَ أحَدَ السَّبْعِينَ الَّذِينَ اخْتارَهم مُوسى لِلْمِيقاتِ، وكانَتْ هَذِهِ مُغالَطَةً. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدّانِيُّ: أيْ عِلْمُ التِّجارَةِ ووُجُوهِ المَكاسِبِ، أيْ: أُوتِيتُهُ بِإدْراكِي وسَعْيِي. وقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: عِلْمُ الكِيمْياءِ، قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَعْلَمُ الكِيمْياءَ، وهي جَعْلُ الرَّصاصِ والنُّحاسِ ذَهَبًا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: عَلى عِلْمٍ لِصَنْعَةِ الذَّهَبِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ لا يَصِحُّ عَنْهُ ولا عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ. وأنْكَرَ الزَّجّاجُ عِلْمَ الكِيمْياءِ وقالَ: باطِلٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ. انْتَهى. وكَثِيرًا ما تُولَعُ أهْلُ مِصْرَ بِطَلَبِ أشْياءَ مِنَ المُسْتَحِيلاتِ والخُرافاتِ؛ مِن ذَلِكَ: تَغْوِيرُ الماءِ، وخِدْمَةُ الصُّوَرِ المُمَثَّلَةِ في الجُدُرِ خُطُوطًا، وادِّعاؤُهم أنَّ تِلْكَ الخُطُوطَ تَتَحَرَّكُ إذا خُدِمَتْ بِأنْواعٍ مِنَ الخَدَمِ لَهم والكِيمْياءِ حَتّى أنَّ مَشايِخَ العِلْمِ عِنْدَهم، الَّذِينَ هم عِنْدَهم بِصُورَةِ الوِلايَةِ، يَتَطَلَّبُ ذَلِكَ مِن أجْهَلِ وارِدٍ مِنَ المَغارِبَةِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: أرادَ ﴿أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ﴾ مِنَ اللَّهِ وتَخْصِيصٍ مِن لَدُنْهُ قَصَدَنِي بِهِ، أيْ: فَلا يَلْزَمُنِي فِيهِ شَيْءٌ مِمّا قُلْتُمْ، ثُمَّ جَعَلَ قَوْلَهُ: (عِنْدِي) كَما يَقُولُ: في مُعْتَقَدِي وعَلى ما أراهُ. وقالَ مُقاتِلٌ: (عَلى عِلْمٍ) أيْ: عَلى خَيْرٍ عَلِمَهُ اللَّهُ عِنْدِي. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أوَلَمْ يَعْلَمْ﴾ تَقْرِيرٌ لِعِلْمِهِ ذَلِكَ، وتَنْبِيهٌ عَلى خَطَئِهِ في اغْتِرارِهِ أيْ: قَدْ عَلِمَ أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مِنَ القُرُونِ قَبْلَهُ مَن هو أقْوى مِنهُ وأغْنى؛ لِأنَّهُ قَدْ قَرَأهُ في التَّوْراةِ، وأخْبَرَ بِهِ مُوسى، وسَمِعَهُ في التَّوارِيخِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أوَلَمْ يَعْلَمْ في جُمْلَةِ ما عِنْدَهُ مِنَ العِلْمِ ؟ هَذا حَتّى لا يَغْتَرَّ بِكَثْرَةِ مالِهِ وقُوَّتِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِعِلْمِهِ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ فَتَنَفَّحَ بِالعِلْمِ وتَعَظَّمَ بِهِ، قِيلَ: أعِنْدَهُ مِثْلُ ذَلِكَ العِلْمِ الَّذِي ادَّعاهُ ؟ وأُرِيَ نَفْسَهُ بِهِ مُسْتَوْجِبَةً لِكُلِّ نِعْمَةٍ، ولَمْ يَعْلَمْ هَذا العِلْمَ النّافِعَ حَتّى يَقِيَ نَفْسَهُ مَصارِعَ الهالِكِينَ. انْتَهى. ﴿وأكْثَرُ جَمْعًا﴾ إمّا لِلْمالِ، أوْ جَماعَةٍ يَحُوطُونَهُ ويَخْدِمُونَهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿أوَلَمْ يَعْلَمْ﴾ بِرُجْحِ أنَّ (p-١٣٤)قارُونَ تَشَبَّعَ بِعِلْمِ نَفْسِهِ عَلى زَعْمِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ولا يُسْألُ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ و(المُجْرِمُونَ) رُفِعَ بِهِ، وهو مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ. والضَّمِيرُ في (ذُنُوبِهِمْ) عائِدٌ عَلى مَن أُهْلِكَ مِنَ القُرُونِ، أيْ: لا يُسْألُ غَيْرُهم مِمَّنْ أجْرَمَ، ولا مِمَّنْ لَمْ يُجْرِمْ عَمَّنْ أهْلَكَهُ اللَّهُ بَلْ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨] . وقِيلَ: أهْلَكَ مَن أهْلَكَ مِنَ القُرُونِ، عَنْ عِلْمٍ مِنهُ بِذُنُوبِهِمْ، فَلَمْ يَحْتَجْ إلى مَسْألَتِهِمْ عَنْها. وقِيلَ: هو مُسْتَأْنَفٌ عَنْ حالِ يَوْمِ القِيامَةِ. قالَ قَتادَةُ: لا يُسْألُونَ عَنْ ذُنُوبِهِمْ لِظُهُورِها وكَثْرَتِها؛ لِأنَّهم يَدْخُلُونَ النّارَ بِغَيْرِ حِسابٍ. وقالَ قَتادَةُ أيْضًا ومُجاهِدٌ: لا تَسْألُهُمُ المَلائِكَةُ عَنْ ذُنُوبِهِمْ؛ لِأنَّهم يَعْرِفُونَهم بِسِيماهم مِنَ السَّوادِ والتَّشْوِيهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] . وقِيلَ: لا يُسْألُونَ سُؤالَ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ في رِوايَتِهِ: ”ولا تَسْألْ“، بِالتّاءِ والجَزْمِ، ”المُجْرِمِينَ“: نُصِبَ. وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ، وأبُو العالِيَةِ كَذَلِكَ في ”ولا تَسْألْ“ عَلى النَّهْيِ لِلْمُخاطَبِ، وكانَ ابْنُ أبِي إسْحاقَ لا يُجَوِّزُ ذَلِكَ إلّا أنْ يَكُونَ ”المُجْرِمِينَ“ بِالياءِ في مَحَلِّ النَّصْبِ، بِوُقُوعِ الفِعْلِ عَلَيْهِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: فالظّاهِرُ ما قالَهُ، ولَمْ يَبْلُغْنِي في نَصْبِ المُجْرِمِينَ شَيْءٌ، فَإنْ تَرَكاهُ عَلى رَفْعِهِ، فَلَهُ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ الهاءُ والمِيمُ في ﴿عَنْ ذُنُوبِهِمْ﴾ راجِعَةً إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ القُرُونِ، وارْتِفاعُ ”المُجْرِمِينَ“ بِإضْمارِ المُبْتَدَأِ، وتَقْدِيرُهُ: هُمُ المُجْرِمُونَ، أوْ: أُولَئِكَ المُجْرِمُونَ، ومِثْلُهُ ﴿التّائِبُونَ العابِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢] في التَّوْبَةِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن أصْلِ الهاءِ والمِيمِ في (ذُنُوبِهِمْ)؛ لِأنَّها - وإنْ كانَتْ في مَحَلِّ الجَرِّ بِالإضافَةِ إلَيْها - فَإنَّ أصْلَها الرَّفْعُ؛ لِأنَّ الإضافَةَ إلَيْها بِمَنزِلَةِ إضافَةِ المَصْدَرِ إلى اسْمِ الفاعِلِ؛ فَعَلى ذَلِكَ (المُجْرِمُونَ) مَحْمُولٌ عَلى الأصْلِ، عَلى ما تَقَدَّمَ لَنا مِن أنَّ بَعْضَهم قَرَأ: ﴿أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً﴾ [البقرة: ٢٦] بِالجَرِّ، عَلى أنَّها بَدَلٌ مِن أصْلِ المَثَلِ، و(ما) زائِدَةٌ فِيهِ، وتَقْدِيرُهُ: لا يَسْتَحِي بِضَرْبِ مَثَلِ بَعُوضَةٍ، أيْ: بِضَرْبِ بَعُوضَةٍ. في ذَلِكَ فَسَّرَ أنَّ مَعَ الفَصْلِ بِالمَصْدَرِ ناصِبٌ إلى المَفْعُولِ بِهِ، ثُمَّ أبْدَلَ مِنهُ البَعُوضَةَ مِن غَيْرِ أنْ أعْرِفَ فِيها أثَرًا لِحالٍ. فَأمّا قَوْلُهُ: مِن ذُنُوبِهِمْ، فَذُنُوبٌ جَمْعٌ، فَإنْ كانَ جَمْعَ مَصْدَرٍ فَفي إعْمالِهِ خِلافٌ. وأمّا قَوْلُهُ عَلى ما تَقَدَّمَ لَنا مِن أنَّ بَعْضَهم قَرَأ، فَقَدْ ذَكَرَ في البَقَرَةِ أنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ، ولا نَعْرِفُ فِيها أثَرًا، فَيَنْبَغِي أنْ لا يَجْعَلَها قِراءَةً. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى قارُونَ ونَعَتَهُ، وما آتاهُ مِنَ الكُنُوزِ، وفَرَحَهُ بِذَلِكَ فَرَحَ البَطِرِينَ، وادِّعاءَهُ أنَّ ما أُوتِيَ مِن ذَلِكَ إنَّما أُوتِيَهُ عَلى عِلْمٍ، ذَكَرَ ما هو ناشِئٌ عَنِ التَّكَبُّرِ والسُّرُورِ بِما أُوتِيَ، فَقالَ: ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ﴾ وكانَ يَوْمَ السَّبْتِ: أيْ: أظْهَرَ ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ المَلابِسِ والمَراكِبِ وزِينَةِ الدُّنْيا. قالَ جابِرٌ، ومُجاهِدٌ: في ثِيابٍ حُمْرٍ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو وحَشَمُهُ في ثِيابٍ مُعَصْفَرَةٍ. وقِيلَ: في ثِيابِ الأُرْجُوانِ. وقِيلَ: عَلى بَغْلَةٍ شَهْباءَ عَلَيْها الأُرْجُوانُ، وعَلَيْها سَرْجٌ مِن ذَهَبٍ، ومَعَهُ أرْبَعَةُ آلافٍ عَلى زِيِّهِ. وقِيلَ: عَلَيْهِمْ وعَلى خُيُولِهِمُ الدِّيباجُ الأحْمَرُ، وعَلى يَمِينِهِ ثَلاثُمِائَةِ غُلامٍ، وعَلى يَسارِهِ ثَلاثُمِائَةِ جارِيَةٍ بِيضٍ عَلَيْهِمُ الحُلِيُّ والدِّيباجُ. وقِيلَ: في تِسْعِينَ ألْفًا عَلَيْهِمُ المُعَصْفَراتُ، وهو أوَّلُ يَوْمٍ رُؤِيَ فِيهِ المُعَصْفَرُ. وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الكَيْفِيّاتِ. ﴿قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ قِيلَ: كانُوا مُؤْمِنِينَ. وقالَ قَتادَةُ: تَمَنَّوْهُ لِيَتَقَرَّبُوا بِهِ إلى اللَّهِ. وقِيلَ: رَغْبَةً في اليَسارَةِ والثَّرْوَةِ. وقِيلَ: كانُوا كُفّارًا، وتَمَنَّوْا ﴿مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ﴾ ولَمْ يَذْكُرُوا زَوالَ نِعْمَتِهِ، وهَذا مِنَ الغِبْطَةِ. ﴿إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ أيْ: دَرَجَةٍ عَظِيمَةٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ. وقِيلَ: نَصِيبٍ كَثِيرٍ مِنَ الدُّنْيا، والحَظُّ البَخْتُ والسَّعْدُ، يُقالُ: فُلانٌ ذُو حَظٍّ وحَظِيظٌ ومَحْظُوظٌ. ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ مِنهم: يُوشَعُ، والعِلْمُ: مَعْرِفَةُ الثَّوابِ والعِقابِ، أوِ التَّوَكُّلُ، أوِ الإخْبارُ، أقْوالٌ. (ويْلَكم) دُعاءٌ بِالشَّرِّ. ﴿ثَوابُ اللَّهِ﴾ وهو ما أعَدَّهُ في الآخِرَةِ لِلْمُؤْمِنِ (خَيْرٌ) مِمّا أُوتِيَ قارُونُ. ﴿ولا يُلَقّاها﴾ أيْ: هَذِهِ الحِكْمَةُ، وهي مَعْرِفَةُ ثَوابِ اللَّهِ، وقِيلَ: الجَنَّةُ ونَعِيمُها. وقِيلَ: هَذِهِ المَقالَةُ، وهي قَوْلُهم: ﴿ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ وبَّخَهم بِها. ﴿إلّا الصّابِرُونَ﴾ عَلى الطّاعاتِ وعَلى قَمْعِ أنْفُسِهِمْ عَنِ الشَّهَواتِ. تَقَدَّمَ (p-١٣٥)طَرَفٌ مِن خَبَرِ قارُونَ وحَسَدِهِ لِمُوسى. ومِن حَسَدِهِ أنَّهُ جَعَلَ لِبَغِيٍّ جُعْلًا، عَلى أنْ تَرْمِيَ مُوسى بِطَلَبِها وبِزِنائِها، وأنَّها تابَتْ إلى اللَّهِ، وأقَرَّتْ أنَّ قارُونَ هو الَّذِي جَعَلَ لَها جُعْلًا عَلى رَمْيِ مُوسى بِذَلِكَ، فَأمَرَ اللَّهُ الأرْضَ أنْ تُطِيعَهُ، فَقالَ: يا أرْضُ، خُذِيهِ وأتْباعَهُ، فَخُسِفَ بِهِمْ في حِكايَةٍ طَوِيلَةٍ، اللَّهُ أعْلَمُ بِها. ولَمّا خُسِفَ بِقارُونَ ومَن مَعَهُ، فَقالَ بَنُو إسْرائِيلَ: إنَّما دَعا مُوسى عَلى قارُونَ لِيَسْتَبِدَّ بِدارِهِ وكُنُوزِهِ، فَدَعا اللَّهَ حَتّى خَسَفَ بِدارِهِ وأمْوالِهِ. و”مِن“ زائِدَةٌ، أيْ: مِن جَماعَةٍ تُفِيدُ اسْتِغْراقَ الفِئاتِ. وإذا انْتَفَتِ الجُمْلَةُ، ولَمْ يَقْدِرْ عَلى نَصْرِهِ، فانْتِفاءُ الواحِدِ عَنْ نُصْرَتِهِ أبْلَغُ. ﴿وما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ في نَفْسِهِ مِمَّنْ يَمْتَنِعُ مِن عَذابِ اللَّهِ. ﴿وأصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالأمْسِ﴾ بَدَلٌ، وأصْبَحَ، إذا حُمِلَ عَلى ظاهِرِهِ، أنَّ الخَسْفَ بِهِ وبِدارِهِ كانَ لَيْلًا، وهو أفْظَعُ العَذابِ، إذِ اللَّيْلُ مَقَرُّ الرّاحَةِ والسُّكُونِ، والأمْسُ يَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِهِ الزَّمانُ الماضِي، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِهِ ما قَبْلَ يَوْمِ الخَسْفِ، وهو يَوْمُ التَّمَنِّي، ويَدُلُّ عَلَيْهِ العَطْفُ بِالفاءِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّعْقِيبَ في قَوْلِهِ: ﴿فَخَسَفْنا﴾ فَيَكُونُ فِيهِ اعْتِقابُ العَذابِ خُرُوجُهُ في زِينَتِهِ، وفي ذَلِكَ تَعْجِيلُ العَذابِ. ومَكانَهُ: مَنزِلَتَهُ في الدُّنْيا مِنَ الثَّرْوَةِ والحَشَمِ والأتْباعِ. و”ويْ“ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ: اسْمُ فِعْلٍ مِثْلُ: صَهْ ومَهْ، ومَعْناها: أعْجَبُ. قالَ الخَلِيلُ: وذَلِكَ أنَّ القَوْمَ نَدِمُوا فَقالُوا: مُتَنَدِّمِينَ عَلى ما سَلَفَ مِنهم: ويْ، وكُلُّ مَن نَدِمَ فَأظْهَرَ نَدامَتَهُ قالَ: ويْ. وكَأنَّ: هي كافُ التَّشْبِيهِ الدّاخِلَةُ عَلى ”أنَّ“، وكُتِبَتْ مُتَّصِلَةً بِكافِ التَّشْبِيهِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ؎ويْ كَأنَّ مَن يَكُنْ لَهُ نَشَبٌ يُحْ ∗∗∗ بَبْ ومَن يَفْتَقِرْ يَعِشْ عَيْشَ ضُرِّ والبَيْتُ لِزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ. وحَكى الفَرّاءُ أنَّ امْرَأةً قالَتْ لِزَوْجِها: أيْنَ ابْنُكَ ؟ فَقالَ: ويْكَأنَّهُ وراءَ البَيْتِ، وعَلى هَذا المَذْهَبِ يَكُونُ الوَقْفُ عَلى ويْ. وقالالأخْفَشُ: هي ويْكَ، ويَنْبَغِي أنْ تَكُونَ الكافُ حَرْفَ خِطابٍ، ولا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، والوَقْفُ عَلَيْهِ ويْكَ، ومِنهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ: ؎ولَقَدْ شَفا نَفْسِي وأبْرَأ سُقْمَها ∗∗∗ قِيلُ الفَوارِسِ ويْكَ عَنْتَرَ أقْدِمِ قالَ الأخْفَشُ: وأنَّ عِنْدَهُ مَفْتُوحٌ بِتَقْدِيرِ العِلْمِ، أيْ: أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎ألا ويْكَ المَضَرَّةَ لا تَدُومُ ∗∗∗ ولا يُبْقِي عَلى البُؤْسِ النَّعِيمُ وذَهَبُ الكِسائِيُّ ويُونُسُ وأبُو حاتِمٍ وغَيْرُهم إلى أنَّ أصْلَهُ ويْلَكَ، فَحُذِفَتِ اللّامُ والكافُ في مَوْضِعِ جَرٍّ بِالإضافَةِ. فَعَلى المَذْهَبِ الأوَّلِ قِيلَ: تَكُونُ الكافُ خالِيَةً مِن مَعْنى التَّشْبِيهِ، كَما قِيلَ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] . وعَلى المَذْهَبِ الثّانِي، فالمَعْنى: أعْجَبُ لِأنَّ اللَّهَ. وعَلى المَذْهَبِ الثّالِثِ تَكُونُ ويْلَكَ كَلِمَةَ تَحَزُّنٍ، والمَعْنى أيْضًا: لِأنَّ اللَّهَ. وقالَ أبُو زَيْدٍ وفِرْقَةٌ مَعَهُ: ويْكَأنَّ، حَرْفٌ واحِدٌ بِجُمْلَتِهِ، وهو بِمَعْنى: ألَمْ تَرَ. وبِمَعْنى: ألَمْ تَرَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والكِسائِيُّ وأبُو عُبَيْدٍ. وقالَ الفَرّاءُ: ويْكَ في كَلامِ العَرَبِ كَقَوْلِ الرَّجُلِ: أما تَرى إلى صُنْعِ اللَّهِ ؟ وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، عَنْ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ أنَّهُ قالَ: مَعْنى ويْكَ: رَحْمَةً لَكَ، بِلُغَةِ حِمْيَرَ. ولَمّا صَدَرَ مِنهم تَمَنِّي حالِ قارُونَ، وشاهَدُوا الخَسْفَ، كانَ ذَلِكَ زاجِرًا لَهم عَنْ حُبِّ الدُّنْيا، وداعِيًا إلى الرِّضا بِقَدَرِ اللَّهِ، فَتَنَبَّهُوا لِخَطَئِهِمْ فَقالُوا: ويْ، ثُمَّ قالُوا: ﴿كَأنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ بِحَسَبِ مَشِيئَتِهِ وحِكْمَتِهِ، لا لِكَرامَتِهِ عَلَيْهِ، ويُضَيِّقُ عَلى مَن يَشاءُ، لا لِهَوانِهِ، بَلْ لِحِكْمَتِهِ وقَضائِهِ ابْتِلاءً. وقَرَأ الأعْمَشُ: ”لَوْلا مَنَّ اللَّهُ“، بِحَذْفِ ”أنْ“، وهي مُزادَةٌ. ورُوِيَ عَنْهُ: ”مَنُّ اللَّهِ“ بِرَفْعِ النُّونِ والإضافَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لَخُسِفَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وحَفْصٌ، وعِصْمَةُ، وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ، وابْنُ أبِي حَمّادٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ: مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وابْنُ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: ”لانْخَسَفَ بِنا“، كَقَوْلِكَ: انْقَطَعَ بِنا، كَأنَّهُ فِعْلٌ مُطاوِعٌ، والمَقامُ مَقامُ الفاعِلِ هو (بِنا) . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَصْدَرَ أيْ: لانْخَسَفَ الِانْخِسافُ، ومُطاوِعُ فَعَلَ لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ بِهِ، فَلِذَلِكَ بُنِيَ (p-١٣٦)إمّا لِلْبِناءِ وإمّا لِلْمَصْدَرِ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أيْضًا: ”لَتُخُسِّفَ“، بِتاءٍ وشَدِّ السِّينِ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.

القصص 28:83

﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أعْلَمُ مَن جاءَ بِالهُدى ومَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ﴾ ﴿ولا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إذْ أُنْزِلَتْ إلَيْكَ وادْعُ إلى رَبِّكَ ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿ولا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لا إلَهَ إلّا هو كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ لَهُ الحُكْمُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ . لَمّا كانَ مِن قَوْلِ أهْلِ العِلْمِ والإيمانِ: ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ، ذَكَرَ مَحَلَّ الثَّوابِ، وهو الدّارُ الآخِرَةُ. والمَعْنى: تِلْكَ الَّتِي سَمِعْتَ بِذِكْرِها، وبَلَغَكَ وصْفُها. (الدّارُ الآخِرَةُ) أيْ: نَعِيمُ الدّارِ الآخِرَةِ، وهي الجَنَّةُ، والبَقاءُ فِيها سَرْمَدًا، وعَلَّقَ حُصُولَها عَلى مُجَرَّدِ الإرادَةِ، فَكَيْفَ بِمَن باشَرَ العُلُوَّ والفَسادَ ؟ ثُمَّ جاءَ التَّرْكِيبُ بِلا في قَوْلِهِ: ﴿ولا فَسادًا﴾ فَدَلَّ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ العُلُوِّ والفَسادِ مَقْصُودٌ، لا مَجْمُوعَهُما. قالَ الحَسَنُ: العُلُوُّ: العِزُّ والشَّرَفُ إنْ جَرَّ البَغْيَ. الضَّحّاكُ: الظُّلْمُ والفَسادُ يَعُمُّ أنْواعَ الشَّرِّ. وعَنْ عَلِيٍّ، كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ: أنَّ الرَّجُلَ لَيُعْجِبُهُ أنْ يَكُونَ شِراكُ نَعْلِهِ أجْوَدَ مِن شِراكِ نَعْلِ صاحِبِهِ، فَيَدْخُلُ تَحْتَها. وعَنِ الفُضَيْلِ، أنَّهُ قَرَأها ثُمَّ قالَ: ذَهَبَتِ الأمانِيُّ. وعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ: أنَّهُ كانَ يُرَدِّدُها حَتّى قُبِضَ. ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ (خَيْرٌ) أفْعَلَ التَّفْضِيلِ، وأنْ يَكُونَ واحِدَ الخُيُورِ، أيْ: فَلَهُ خَيْرٌ بِسَبَبِ فِعْلِها، ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا يُجْزى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ﴾ تَهْجِينًا لِحالِهِمْ وتَبْغِيضًا لِلسَّيِّئَةِ إلى قُلُوبِ السّامِعِينَ، فَفِيهِ بِتَكْرارِهِ ما لَيْسَ فِيهِ لَوْ كانَ: فَلا يُجْزَوْنَ بِالصَّهْرِ وما كانُوا، عَلى حَذْفِ: مِثْلَ، أيْ: إلّا مِثْلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ؛ لِأنَّ جَزاءَ السَّيِّئَةِ سَيِّئَةٌ مِثْلُها، والحَسَنَةُ بِعَشْرِ أمْثالِها. ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ قالَ عَطاءٌ: العَمَلَ بِهِ؛ ومُجاهِدٌ: أعْطاكَهُ؛ ومُقاتِلٌ: أنْزَلَهُ عَلَيْكَ، وكَذا قالَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْجَبَ عَلَيْكَ تِلاوَتَهُ وتَبْلِيغَهُ والعَمَلَ بِما فِيهِ؛ يَعْنِي أنَّ الَّذِي حَمَّلَكَ صُعُوبَةَ هَذا التَّكْلِيفِ لَيُثِيبُكَ عَلَيْها ثَوابًا لا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ. والمَعادُ قالَ الجُمْهُورُ: في الآخِرَةِ أيْ: باعِثُكَ بَعْدَ المَوْتِ، فَفِيهِ إثْباتُ الجَزاءِ والإعْلامِ بِوُقُوعِهِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: المَعادُ: المَوْتُ. وقِيلَ: بَيْتُ المَقْدِسِ. وقِيلَ: الجَنَّةُ، وكانَ قَدْ دَخَلَها لَيْلَةَ المِعْراجِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا ومُجاهِدٌ: المَعادُ: مَكَّةُ، أرادَ رَدَّهُ إلَيْها يَوْمَ الفَتْحِ. ونَكَّرَهُ والمَقْصُودُ: التَّعْظِيمُ، أيْ مَعادٍ أيِّ مَعادٍ، أيْ: لَهُ شَأْنٌ لِغَلَبَةِ الرَّسُولِ ﷺ عَلَيْها وقَهْرِهِ لِأهْلِها، ولِظُهُورِ عِزِّ الإسْلامِ وأهْلِهِ، فَكَأنَّ اللَّهَ وعَدَهُ وهو بِمَكَّةَ أنَّهُ يُهاجِرُ مِنها ويَعُودُ إلَيْها ظافِرًا ظاهِرًا. وقِيلَ: نَزَلَتْ عَلَيْهِ حِينَ بَلَغَ الجُحْفَةَ في مُهاجَرِهِ، وقَدِ اشْتاقَ إلَيْها، فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ: أتَشْتاقُ إلَيْها ؟ قالَ: نَعَمْ، فَأوْحاها إلَيْهِ. و”مَن“ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: يَعْلَمُ مَن جاءَ بِالهُدى، ومَن أجازَ أنْ يَأْتِيَ ”أفْعَلُ“ بِمَعْنى ”فاعِلٌ“، وأجازَ مَعَ ذَلِكَ أنْ يَنْصِبَ بِهِ جازَ أنْ يَنْتَصِبَ بِهِ، إذْ يُؤَوِّلُهُ بِمَعْنى عالِمٍ، ويُعْطِيهِ حُكْمَهُ مِنَ العَمَلِ. ولَمّا وعَدَهُ تَعالى أنَّهُ يَرُدُّهُ إلى مَعادٍ، وأنَّهُ تَعالى فَرَضَ عَلَيْهِ القُرْآنَ أمَرَهُ أنْ يَقُولَ لِلْمُشْرِكِينَ ذَلِكَ أيْ: هو تَعالى عالِمٌ بِمَن جاءَ بِالهُدى، وهو مُحَمَّدٌ، وبِما يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الثَّوابِ في مَعادِهِ، وهَذا إذا عَنى بِالمَعادِ ما بَعْدَ المَوْتِ. ويَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ أمَرَهُ اللَّهُ بِأنْ يُبَلِّغَهم ذَلِكَ، هو عالِمٌ بِهِمْ، وبِما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العِقابِ في مَعادِهِمْ، وفي ذَلِكَ مُتارَكَةٌ لِلْكُفّارِ وتَوْبِيخٌ. ﴿وما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ﴾ هَذا تَذْكِيرٌ لِنِعَمِهِ تَعالى عَلى رَسُولِهِ، وأنَّهُ تَعالى رَحِمَهُ رَحْمَةً لَمْ يَتَعَلَّقْ بِها رَجاؤُهُ. وقِيلَ: بَلْ هو مُعَلَّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ وأنْتَ بِحالِ مَن لا يَرْجُو ذَلِكَ، وانْتَصَبَ (رَحْمَةً) عَلى (p-١٣٧)الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، أيْ: لَكِنَّ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ سَبَقَتْ، فَألْقى إلَيْكَ الكِتابَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا كَلامٌ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ: وما أُلْقِيَ عَلَيْكَ الكِتابُ إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ. انْتَهى. فَيَكُونُ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا، إمّا مِنَ الأحْوالِ، وإمّا مِنَ المَفْعُولِ لَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَصُدُّنَّكَ) مُضارِعُ صَدَّ وشَدُّوا النُّونَ، ويَعْقُوبُ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ خَفَّفَها. وقُرِئَ: ”يُصِدُّنَّكَ“ مُضارِعَ أصَدَّ بِمَعْنى صَدَّ، حَكاهُ أبُو زَيْدٍ عَنْ رَجُلٍ مِن كَلْبٍ قالَ: وهي لُغَةُ قَوْمِهِ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎أُناسٌ أصَدُّوا النّاسَ بِالسَّيْفِ عَنْهُمُ صُدُودَ السَّواقِي عَنْ أُنُوفِ الحَوائِمِ ﴿بَعْدَ إذْ أُنْزِلَتْ إلَيْكَ﴾ أيْ: بَعْدَ وقْتِ إنْزالِها، و”إذْ“ تُضافُ إلَيْها أسْماءُ الزَّمانِ كَقَوْلِهِ: ﴿بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا﴾ [آل عمران: ٨] ويَوْمَئِذٍ، وحِينَئِذٍ. قالَ الضَّحّاكُ: وذَلِكَ حِينَ دَعَوْهُ إلى دِينِ آبائِهِ، أيْ: لا تَلْتَفِتْ إلى هَؤُلاءِ ولا تَرْكَنْ إلى قَوْلِهِمْ، فَيَصُدُّونَكَ عَنِ اتِّباعِ آياتِ اللَّهِ. ﴿وادْعُ إلى رَبِّكَ﴾ أيْ: دِينِ رَبِّكَ، وهَذِهِ المَناهِي كُلُّها ظاهِرُها أنَّها لِلرَّسُولِ، وهي في الحَقِيقَةِ لِأتْباعِهِ، والهَلاكُ يُطْلَقُ بِإزاءِ العَدَمِ المَحْضِ، فالمَعْنى: أنَّ اللَّهَ يَعْدَمُ كُلُّ شَيْءٍ سِواهُ. وبِإزاءِ نَفْيِ الِانْتِفاعِ بِهِ، إمّا لِلْإماتَةِ، أوْ بِتَفْرِيقِ الأجْزاءِ، وإنْ كانَتْ نافِيَةً يُقالُ: هَلَكَ الثَّوْبُ، لا يُرِيدُونَ فَناءَ أجْزائِهِ، ولَكِنْ خُرُوجَهُ عَنِ الِانْتِفاعِ بِهِ. ومَعْنى: ﴿إلّا وجْهَهُ﴾ إلّا إيّاهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: هالِكٌ بِالمَوْتِ إلّا العُلَماءَ، فَإنَّ عِلْمَهم باقٍ. انْتَهى. ويُرِيدُونَ إلّا ما قُصِدَ بِهِ وجْهُهُ مِنَ العِلْمِ، فَإنَّهُ باقٍ. وقالَ الضَّحّاكُ: إلّا اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، والعَرْشَ، والجَنَّةَ، والنّارَ. وقِيلَ: مُلْكَهُ، ومِنهُ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ [غافر: ١٦] . وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المُرادُ بِالوَجْهِ جاهُهُ الَّذِي جَعَلَهُ في النّاسِ. وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: إلّا وجْهَهُ: ما عُمِلَ لِذاتِهِ ومِن طاعَتِهِ وتُوُجِّهَ بِهِ نَحْوَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎رَبُّ العِبادِ إلَيْهِ الوَجْهُ والعَمَلُ . وقَوْلُهُ: (يُرِيدُونَ وجْهَهُ) . (لَهُ الحُكْمُ) أيْ: فَصْلُ القَضاءِ. (وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ) أيْ: إلى جَزائِهِ. وقَرَأ عِيسى: ”تَرْجِعُونَ“ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، والجُمْهُورُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.

القصص 28:84

﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أعْلَمُ مَن جاءَ بِالهُدى ومَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ﴾ ﴿ولا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إذْ أُنْزِلَتْ إلَيْكَ وادْعُ إلى رَبِّكَ ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿ولا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لا إلَهَ إلّا هو كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ لَهُ الحُكْمُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ . لَمّا كانَ مِن قَوْلِ أهْلِ العِلْمِ والإيمانِ: ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ، ذَكَرَ مَحَلَّ الثَّوابِ، وهو الدّارُ الآخِرَةُ. والمَعْنى: تِلْكَ الَّتِي سَمِعْتَ بِذِكْرِها، وبَلَغَكَ وصْفُها. (الدّارُ الآخِرَةُ) أيْ: نَعِيمُ الدّارِ الآخِرَةِ، وهي الجَنَّةُ، والبَقاءُ فِيها سَرْمَدًا، وعَلَّقَ حُصُولَها عَلى مُجَرَّدِ الإرادَةِ، فَكَيْفَ بِمَن باشَرَ العُلُوَّ والفَسادَ ؟ ثُمَّ جاءَ التَّرْكِيبُ بِلا في قَوْلِهِ: ﴿ولا فَسادًا﴾ فَدَلَّ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ العُلُوِّ والفَسادِ مَقْصُودٌ، لا مَجْمُوعَهُما. قالَ الحَسَنُ: العُلُوُّ: العِزُّ والشَّرَفُ إنْ جَرَّ البَغْيَ. الضَّحّاكُ: الظُّلْمُ والفَسادُ يَعُمُّ أنْواعَ الشَّرِّ. وعَنْ عَلِيٍّ، كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ: أنَّ الرَّجُلَ لَيُعْجِبُهُ أنْ يَكُونَ شِراكُ نَعْلِهِ أجْوَدَ مِن شِراكِ نَعْلِ صاحِبِهِ، فَيَدْخُلُ تَحْتَها. وعَنِ الفُضَيْلِ، أنَّهُ قَرَأها ثُمَّ قالَ: ذَهَبَتِ الأمانِيُّ. وعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ: أنَّهُ كانَ يُرَدِّدُها حَتّى قُبِضَ. ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ (خَيْرٌ) أفْعَلَ التَّفْضِيلِ، وأنْ يَكُونَ واحِدَ الخُيُورِ، أيْ: فَلَهُ خَيْرٌ بِسَبَبِ فِعْلِها، ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا يُجْزى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ﴾ تَهْجِينًا لِحالِهِمْ وتَبْغِيضًا لِلسَّيِّئَةِ إلى قُلُوبِ السّامِعِينَ، فَفِيهِ بِتَكْرارِهِ ما لَيْسَ فِيهِ لَوْ كانَ: فَلا يُجْزَوْنَ بِالصَّهْرِ وما كانُوا، عَلى حَذْفِ: مِثْلَ، أيْ: إلّا مِثْلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ؛ لِأنَّ جَزاءَ السَّيِّئَةِ سَيِّئَةٌ مِثْلُها، والحَسَنَةُ بِعَشْرِ أمْثالِها. ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ قالَ عَطاءٌ: العَمَلَ بِهِ؛ ومُجاهِدٌ: أعْطاكَهُ؛ ومُقاتِلٌ: أنْزَلَهُ عَلَيْكَ، وكَذا قالَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْجَبَ عَلَيْكَ تِلاوَتَهُ وتَبْلِيغَهُ والعَمَلَ بِما فِيهِ؛ يَعْنِي أنَّ الَّذِي حَمَّلَكَ صُعُوبَةَ هَذا التَّكْلِيفِ لَيُثِيبُكَ عَلَيْها ثَوابًا لا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ. والمَعادُ قالَ الجُمْهُورُ: في الآخِرَةِ أيْ: باعِثُكَ بَعْدَ المَوْتِ، فَفِيهِ إثْباتُ الجَزاءِ والإعْلامِ بِوُقُوعِهِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: المَعادُ: المَوْتُ. وقِيلَ: بَيْتُ المَقْدِسِ. وقِيلَ: الجَنَّةُ، وكانَ قَدْ دَخَلَها لَيْلَةَ المِعْراجِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا ومُجاهِدٌ: المَعادُ: مَكَّةُ، أرادَ رَدَّهُ إلَيْها يَوْمَ الفَتْحِ. ونَكَّرَهُ والمَقْصُودُ: التَّعْظِيمُ، أيْ مَعادٍ أيِّ مَعادٍ، أيْ: لَهُ شَأْنٌ لِغَلَبَةِ الرَّسُولِ ﷺ عَلَيْها وقَهْرِهِ لِأهْلِها، ولِظُهُورِ عِزِّ الإسْلامِ وأهْلِهِ، فَكَأنَّ اللَّهَ وعَدَهُ وهو بِمَكَّةَ أنَّهُ يُهاجِرُ مِنها ويَعُودُ إلَيْها ظافِرًا ظاهِرًا. وقِيلَ: نَزَلَتْ عَلَيْهِ حِينَ بَلَغَ الجُحْفَةَ في مُهاجَرِهِ، وقَدِ اشْتاقَ إلَيْها، فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ: أتَشْتاقُ إلَيْها ؟ قالَ: نَعَمْ، فَأوْحاها إلَيْهِ. و”مَن“ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: يَعْلَمُ مَن جاءَ بِالهُدى، ومَن أجازَ أنْ يَأْتِيَ ”أفْعَلُ“ بِمَعْنى ”فاعِلٌ“، وأجازَ مَعَ ذَلِكَ أنْ يَنْصِبَ بِهِ جازَ أنْ يَنْتَصِبَ بِهِ، إذْ يُؤَوِّلُهُ بِمَعْنى عالِمٍ، ويُعْطِيهِ حُكْمَهُ مِنَ العَمَلِ. ولَمّا وعَدَهُ تَعالى أنَّهُ يَرُدُّهُ إلى مَعادٍ، وأنَّهُ تَعالى فَرَضَ عَلَيْهِ القُرْآنَ أمَرَهُ أنْ يَقُولَ لِلْمُشْرِكِينَ ذَلِكَ أيْ: هو تَعالى عالِمٌ بِمَن جاءَ بِالهُدى، وهو مُحَمَّدٌ، وبِما يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الثَّوابِ في مَعادِهِ، وهَذا إذا عَنى بِالمَعادِ ما بَعْدَ المَوْتِ. ويَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ أمَرَهُ اللَّهُ بِأنْ يُبَلِّغَهم ذَلِكَ، هو عالِمٌ بِهِمْ، وبِما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العِقابِ في مَعادِهِمْ، وفي ذَلِكَ مُتارَكَةٌ لِلْكُفّارِ وتَوْبِيخٌ. ﴿وما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ﴾ هَذا تَذْكِيرٌ لِنِعَمِهِ تَعالى عَلى رَسُولِهِ، وأنَّهُ تَعالى رَحِمَهُ رَحْمَةً لَمْ يَتَعَلَّقْ بِها رَجاؤُهُ. وقِيلَ: بَلْ هو مُعَلَّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ وأنْتَ بِحالِ مَن لا يَرْجُو ذَلِكَ، وانْتَصَبَ (رَحْمَةً) عَلى (p-١٣٧)الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، أيْ: لَكِنَّ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ سَبَقَتْ، فَألْقى إلَيْكَ الكِتابَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا كَلامٌ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ: وما أُلْقِيَ عَلَيْكَ الكِتابُ إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ. انْتَهى. فَيَكُونُ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا، إمّا مِنَ الأحْوالِ، وإمّا مِنَ المَفْعُولِ لَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَصُدُّنَّكَ) مُضارِعُ صَدَّ وشَدُّوا النُّونَ، ويَعْقُوبُ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ خَفَّفَها. وقُرِئَ: ”يُصِدُّنَّكَ“ مُضارِعَ أصَدَّ بِمَعْنى صَدَّ، حَكاهُ أبُو زَيْدٍ عَنْ رَجُلٍ مِن كَلْبٍ قالَ: وهي لُغَةُ قَوْمِهِ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎أُناسٌ أصَدُّوا النّاسَ بِالسَّيْفِ عَنْهُمُ صُدُودَ السَّواقِي عَنْ أُنُوفِ الحَوائِمِ ﴿بَعْدَ إذْ أُنْزِلَتْ إلَيْكَ﴾ أيْ: بَعْدَ وقْتِ إنْزالِها، و”إذْ“ تُضافُ إلَيْها أسْماءُ الزَّمانِ كَقَوْلِهِ: ﴿بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا﴾ [آل عمران: ٨] ويَوْمَئِذٍ، وحِينَئِذٍ. قالَ الضَّحّاكُ: وذَلِكَ حِينَ دَعَوْهُ إلى دِينِ آبائِهِ، أيْ: لا تَلْتَفِتْ إلى هَؤُلاءِ ولا تَرْكَنْ إلى قَوْلِهِمْ، فَيَصُدُّونَكَ عَنِ اتِّباعِ آياتِ اللَّهِ. ﴿وادْعُ إلى رَبِّكَ﴾ أيْ: دِينِ رَبِّكَ، وهَذِهِ المَناهِي كُلُّها ظاهِرُها أنَّها لِلرَّسُولِ، وهي في الحَقِيقَةِ لِأتْباعِهِ، والهَلاكُ يُطْلَقُ بِإزاءِ العَدَمِ المَحْضِ، فالمَعْنى: أنَّ اللَّهَ يَعْدَمُ كُلُّ شَيْءٍ سِواهُ. وبِإزاءِ نَفْيِ الِانْتِفاعِ بِهِ، إمّا لِلْإماتَةِ، أوْ بِتَفْرِيقِ الأجْزاءِ، وإنْ كانَتْ نافِيَةً يُقالُ: هَلَكَ الثَّوْبُ، لا يُرِيدُونَ فَناءَ أجْزائِهِ، ولَكِنْ خُرُوجَهُ عَنِ الِانْتِفاعِ بِهِ. ومَعْنى: ﴿إلّا وجْهَهُ﴾ إلّا إيّاهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: هالِكٌ بِالمَوْتِ إلّا العُلَماءَ، فَإنَّ عِلْمَهم باقٍ. انْتَهى. ويُرِيدُونَ إلّا ما قُصِدَ بِهِ وجْهُهُ مِنَ العِلْمِ، فَإنَّهُ باقٍ. وقالَ الضَّحّاكُ: إلّا اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، والعَرْشَ، والجَنَّةَ، والنّارَ. وقِيلَ: مُلْكَهُ، ومِنهُ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ [غافر: ١٦] . وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المُرادُ بِالوَجْهِ جاهُهُ الَّذِي جَعَلَهُ في النّاسِ. وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: إلّا وجْهَهُ: ما عُمِلَ لِذاتِهِ ومِن طاعَتِهِ وتُوُجِّهَ بِهِ نَحْوَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎رَبُّ العِبادِ إلَيْهِ الوَجْهُ والعَمَلُ . وقَوْلُهُ: (يُرِيدُونَ وجْهَهُ) . (لَهُ الحُكْمُ) أيْ: فَصْلُ القَضاءِ. (وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ) أيْ: إلى جَزائِهِ. وقَرَأ عِيسى: ”تَرْجِعُونَ“ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، والجُمْهُورُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.

القصص 28:85

﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أعْلَمُ مَن جاءَ بِالهُدى ومَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ﴾ ﴿ولا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إذْ أُنْزِلَتْ إلَيْكَ وادْعُ إلى رَبِّكَ ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿ولا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لا إلَهَ إلّا هو كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ لَهُ الحُكْمُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ . لَمّا كانَ مِن قَوْلِ أهْلِ العِلْمِ والإيمانِ: ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ، ذَكَرَ مَحَلَّ الثَّوابِ، وهو الدّارُ الآخِرَةُ. والمَعْنى: تِلْكَ الَّتِي سَمِعْتَ بِذِكْرِها، وبَلَغَكَ وصْفُها. (الدّارُ الآخِرَةُ) أيْ: نَعِيمُ الدّارِ الآخِرَةِ، وهي الجَنَّةُ، والبَقاءُ فِيها سَرْمَدًا، وعَلَّقَ حُصُولَها عَلى مُجَرَّدِ الإرادَةِ، فَكَيْفَ بِمَن باشَرَ العُلُوَّ والفَسادَ ؟ ثُمَّ جاءَ التَّرْكِيبُ بِلا في قَوْلِهِ: ﴿ولا فَسادًا﴾ فَدَلَّ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ العُلُوِّ والفَسادِ مَقْصُودٌ، لا مَجْمُوعَهُما. قالَ الحَسَنُ: العُلُوُّ: العِزُّ والشَّرَفُ إنْ جَرَّ البَغْيَ. الضَّحّاكُ: الظُّلْمُ والفَسادُ يَعُمُّ أنْواعَ الشَّرِّ. وعَنْ عَلِيٍّ، كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ: أنَّ الرَّجُلَ لَيُعْجِبُهُ أنْ يَكُونَ شِراكُ نَعْلِهِ أجْوَدَ مِن شِراكِ نَعْلِ صاحِبِهِ، فَيَدْخُلُ تَحْتَها. وعَنِ الفُضَيْلِ، أنَّهُ قَرَأها ثُمَّ قالَ: ذَهَبَتِ الأمانِيُّ. وعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ: أنَّهُ كانَ يُرَدِّدُها حَتّى قُبِضَ. ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ (خَيْرٌ) أفْعَلَ التَّفْضِيلِ، وأنْ يَكُونَ واحِدَ الخُيُورِ، أيْ: فَلَهُ خَيْرٌ بِسَبَبِ فِعْلِها، ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا يُجْزى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ﴾ تَهْجِينًا لِحالِهِمْ وتَبْغِيضًا لِلسَّيِّئَةِ إلى قُلُوبِ السّامِعِينَ، فَفِيهِ بِتَكْرارِهِ ما لَيْسَ فِيهِ لَوْ كانَ: فَلا يُجْزَوْنَ بِالصَّهْرِ وما كانُوا، عَلى حَذْفِ: مِثْلَ، أيْ: إلّا مِثْلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ؛ لِأنَّ جَزاءَ السَّيِّئَةِ سَيِّئَةٌ مِثْلُها، والحَسَنَةُ بِعَشْرِ أمْثالِها. ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ قالَ عَطاءٌ: العَمَلَ بِهِ؛ ومُجاهِدٌ: أعْطاكَهُ؛ ومُقاتِلٌ: أنْزَلَهُ عَلَيْكَ، وكَذا قالَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْجَبَ عَلَيْكَ تِلاوَتَهُ وتَبْلِيغَهُ والعَمَلَ بِما فِيهِ؛ يَعْنِي أنَّ الَّذِي حَمَّلَكَ صُعُوبَةَ هَذا التَّكْلِيفِ لَيُثِيبُكَ عَلَيْها ثَوابًا لا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ. والمَعادُ قالَ الجُمْهُورُ: في الآخِرَةِ أيْ: باعِثُكَ بَعْدَ المَوْتِ، فَفِيهِ إثْباتُ الجَزاءِ والإعْلامِ بِوُقُوعِهِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: المَعادُ: المَوْتُ. وقِيلَ: بَيْتُ المَقْدِسِ. وقِيلَ: الجَنَّةُ، وكانَ قَدْ دَخَلَها لَيْلَةَ المِعْراجِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا ومُجاهِدٌ: المَعادُ: مَكَّةُ، أرادَ رَدَّهُ إلَيْها يَوْمَ الفَتْحِ. ونَكَّرَهُ والمَقْصُودُ: التَّعْظِيمُ، أيْ مَعادٍ أيِّ مَعادٍ، أيْ: لَهُ شَأْنٌ لِغَلَبَةِ الرَّسُولِ ﷺ عَلَيْها وقَهْرِهِ لِأهْلِها، ولِظُهُورِ عِزِّ الإسْلامِ وأهْلِهِ، فَكَأنَّ اللَّهَ وعَدَهُ وهو بِمَكَّةَ أنَّهُ يُهاجِرُ مِنها ويَعُودُ إلَيْها ظافِرًا ظاهِرًا. وقِيلَ: نَزَلَتْ عَلَيْهِ حِينَ بَلَغَ الجُحْفَةَ في مُهاجَرِهِ، وقَدِ اشْتاقَ إلَيْها، فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ: أتَشْتاقُ إلَيْها ؟ قالَ: نَعَمْ، فَأوْحاها إلَيْهِ. و”مَن“ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: يَعْلَمُ مَن جاءَ بِالهُدى، ومَن أجازَ أنْ يَأْتِيَ ”أفْعَلُ“ بِمَعْنى ”فاعِلٌ“، وأجازَ مَعَ ذَلِكَ أنْ يَنْصِبَ بِهِ جازَ أنْ يَنْتَصِبَ بِهِ، إذْ يُؤَوِّلُهُ بِمَعْنى عالِمٍ، ويُعْطِيهِ حُكْمَهُ مِنَ العَمَلِ. ولَمّا وعَدَهُ تَعالى أنَّهُ يَرُدُّهُ إلى مَعادٍ، وأنَّهُ تَعالى فَرَضَ عَلَيْهِ القُرْآنَ أمَرَهُ أنْ يَقُولَ لِلْمُشْرِكِينَ ذَلِكَ أيْ: هو تَعالى عالِمٌ بِمَن جاءَ بِالهُدى، وهو مُحَمَّدٌ، وبِما يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الثَّوابِ في مَعادِهِ، وهَذا إذا عَنى بِالمَعادِ ما بَعْدَ المَوْتِ. ويَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ أمَرَهُ اللَّهُ بِأنْ يُبَلِّغَهم ذَلِكَ، هو عالِمٌ بِهِمْ، وبِما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العِقابِ في مَعادِهِمْ، وفي ذَلِكَ مُتارَكَةٌ لِلْكُفّارِ وتَوْبِيخٌ. ﴿وما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ﴾ هَذا تَذْكِيرٌ لِنِعَمِهِ تَعالى عَلى رَسُولِهِ، وأنَّهُ تَعالى رَحِمَهُ رَحْمَةً لَمْ يَتَعَلَّقْ بِها رَجاؤُهُ. وقِيلَ: بَلْ هو مُعَلَّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ وأنْتَ بِحالِ مَن لا يَرْجُو ذَلِكَ، وانْتَصَبَ (رَحْمَةً) عَلى (p-١٣٧)الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، أيْ: لَكِنَّ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ سَبَقَتْ، فَألْقى إلَيْكَ الكِتابَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا كَلامٌ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ: وما أُلْقِيَ عَلَيْكَ الكِتابُ إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ. انْتَهى. فَيَكُونُ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا، إمّا مِنَ الأحْوالِ، وإمّا مِنَ المَفْعُولِ لَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَصُدُّنَّكَ) مُضارِعُ صَدَّ وشَدُّوا النُّونَ، ويَعْقُوبُ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ خَفَّفَها. وقُرِئَ: ”يُصِدُّنَّكَ“ مُضارِعَ أصَدَّ بِمَعْنى صَدَّ، حَكاهُ أبُو زَيْدٍ عَنْ رَجُلٍ مِن كَلْبٍ قالَ: وهي لُغَةُ قَوْمِهِ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎أُناسٌ أصَدُّوا النّاسَ بِالسَّيْفِ عَنْهُمُ صُدُودَ السَّواقِي عَنْ أُنُوفِ الحَوائِمِ ﴿بَعْدَ إذْ أُنْزِلَتْ إلَيْكَ﴾ أيْ: بَعْدَ وقْتِ إنْزالِها، و”إذْ“ تُضافُ إلَيْها أسْماءُ الزَّمانِ كَقَوْلِهِ: ﴿بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا﴾ [آل عمران: ٨] ويَوْمَئِذٍ، وحِينَئِذٍ. قالَ الضَّحّاكُ: وذَلِكَ حِينَ دَعَوْهُ إلى دِينِ آبائِهِ، أيْ: لا تَلْتَفِتْ إلى هَؤُلاءِ ولا تَرْكَنْ إلى قَوْلِهِمْ، فَيَصُدُّونَكَ عَنِ اتِّباعِ آياتِ اللَّهِ. ﴿وادْعُ إلى رَبِّكَ﴾ أيْ: دِينِ رَبِّكَ، وهَذِهِ المَناهِي كُلُّها ظاهِرُها أنَّها لِلرَّسُولِ، وهي في الحَقِيقَةِ لِأتْباعِهِ، والهَلاكُ يُطْلَقُ بِإزاءِ العَدَمِ المَحْضِ، فالمَعْنى: أنَّ اللَّهَ يَعْدَمُ كُلُّ شَيْءٍ سِواهُ. وبِإزاءِ نَفْيِ الِانْتِفاعِ بِهِ، إمّا لِلْإماتَةِ، أوْ بِتَفْرِيقِ الأجْزاءِ، وإنْ كانَتْ نافِيَةً يُقالُ: هَلَكَ الثَّوْبُ، لا يُرِيدُونَ فَناءَ أجْزائِهِ، ولَكِنْ خُرُوجَهُ عَنِ الِانْتِفاعِ بِهِ. ومَعْنى: ﴿إلّا وجْهَهُ﴾ إلّا إيّاهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: هالِكٌ بِالمَوْتِ إلّا العُلَماءَ، فَإنَّ عِلْمَهم باقٍ. انْتَهى. ويُرِيدُونَ إلّا ما قُصِدَ بِهِ وجْهُهُ مِنَ العِلْمِ، فَإنَّهُ باقٍ. وقالَ الضَّحّاكُ: إلّا اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، والعَرْشَ، والجَنَّةَ، والنّارَ. وقِيلَ: مُلْكَهُ، ومِنهُ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ [غافر: ١٦] . وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المُرادُ بِالوَجْهِ جاهُهُ الَّذِي جَعَلَهُ في النّاسِ. وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: إلّا وجْهَهُ: ما عُمِلَ لِذاتِهِ ومِن طاعَتِهِ وتُوُجِّهَ بِهِ نَحْوَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎رَبُّ العِبادِ إلَيْهِ الوَجْهُ والعَمَلُ . وقَوْلُهُ: (يُرِيدُونَ وجْهَهُ) . (لَهُ الحُكْمُ) أيْ: فَصْلُ القَضاءِ. (وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ) أيْ: إلى جَزائِهِ. وقَرَأ عِيسى: ”تَرْجِعُونَ“ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، والجُمْهُورُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.

القصص 28:86

﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أعْلَمُ مَن جاءَ بِالهُدى ومَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ﴾ ﴿ولا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إذْ أُنْزِلَتْ إلَيْكَ وادْعُ إلى رَبِّكَ ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿ولا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لا إلَهَ إلّا هو كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ لَهُ الحُكْمُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ . لَمّا كانَ مِن قَوْلِ أهْلِ العِلْمِ والإيمانِ: ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ، ذَكَرَ مَحَلَّ الثَّوابِ، وهو الدّارُ الآخِرَةُ. والمَعْنى: تِلْكَ الَّتِي سَمِعْتَ بِذِكْرِها، وبَلَغَكَ وصْفُها. (الدّارُ الآخِرَةُ) أيْ: نَعِيمُ الدّارِ الآخِرَةِ، وهي الجَنَّةُ، والبَقاءُ فِيها سَرْمَدًا، وعَلَّقَ حُصُولَها عَلى مُجَرَّدِ الإرادَةِ، فَكَيْفَ بِمَن باشَرَ العُلُوَّ والفَسادَ ؟ ثُمَّ جاءَ التَّرْكِيبُ بِلا في قَوْلِهِ: ﴿ولا فَسادًا﴾ فَدَلَّ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ العُلُوِّ والفَسادِ مَقْصُودٌ، لا مَجْمُوعَهُما. قالَ الحَسَنُ: العُلُوُّ: العِزُّ والشَّرَفُ إنْ جَرَّ البَغْيَ. الضَّحّاكُ: الظُّلْمُ والفَسادُ يَعُمُّ أنْواعَ الشَّرِّ. وعَنْ عَلِيٍّ، كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ: أنَّ الرَّجُلَ لَيُعْجِبُهُ أنْ يَكُونَ شِراكُ نَعْلِهِ أجْوَدَ مِن شِراكِ نَعْلِ صاحِبِهِ، فَيَدْخُلُ تَحْتَها. وعَنِ الفُضَيْلِ، أنَّهُ قَرَأها ثُمَّ قالَ: ذَهَبَتِ الأمانِيُّ. وعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ: أنَّهُ كانَ يُرَدِّدُها حَتّى قُبِضَ. ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ (خَيْرٌ) أفْعَلَ التَّفْضِيلِ، وأنْ يَكُونَ واحِدَ الخُيُورِ، أيْ: فَلَهُ خَيْرٌ بِسَبَبِ فِعْلِها، ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا يُجْزى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ﴾ تَهْجِينًا لِحالِهِمْ وتَبْغِيضًا لِلسَّيِّئَةِ إلى قُلُوبِ السّامِعِينَ، فَفِيهِ بِتَكْرارِهِ ما لَيْسَ فِيهِ لَوْ كانَ: فَلا يُجْزَوْنَ بِالصَّهْرِ وما كانُوا، عَلى حَذْفِ: مِثْلَ، أيْ: إلّا مِثْلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ؛ لِأنَّ جَزاءَ السَّيِّئَةِ سَيِّئَةٌ مِثْلُها، والحَسَنَةُ بِعَشْرِ أمْثالِها. ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ قالَ عَطاءٌ: العَمَلَ بِهِ؛ ومُجاهِدٌ: أعْطاكَهُ؛ ومُقاتِلٌ: أنْزَلَهُ عَلَيْكَ، وكَذا قالَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْجَبَ عَلَيْكَ تِلاوَتَهُ وتَبْلِيغَهُ والعَمَلَ بِما فِيهِ؛ يَعْنِي أنَّ الَّذِي حَمَّلَكَ صُعُوبَةَ هَذا التَّكْلِيفِ لَيُثِيبُكَ عَلَيْها ثَوابًا لا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ. والمَعادُ قالَ الجُمْهُورُ: في الآخِرَةِ أيْ: باعِثُكَ بَعْدَ المَوْتِ، فَفِيهِ إثْباتُ الجَزاءِ والإعْلامِ بِوُقُوعِهِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: المَعادُ: المَوْتُ. وقِيلَ: بَيْتُ المَقْدِسِ. وقِيلَ: الجَنَّةُ، وكانَ قَدْ دَخَلَها لَيْلَةَ المِعْراجِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا ومُجاهِدٌ: المَعادُ: مَكَّةُ، أرادَ رَدَّهُ إلَيْها يَوْمَ الفَتْحِ. ونَكَّرَهُ والمَقْصُودُ: التَّعْظِيمُ، أيْ مَعادٍ أيِّ مَعادٍ، أيْ: لَهُ شَأْنٌ لِغَلَبَةِ الرَّسُولِ ﷺ عَلَيْها وقَهْرِهِ لِأهْلِها، ولِظُهُورِ عِزِّ الإسْلامِ وأهْلِهِ، فَكَأنَّ اللَّهَ وعَدَهُ وهو بِمَكَّةَ أنَّهُ يُهاجِرُ مِنها ويَعُودُ إلَيْها ظافِرًا ظاهِرًا. وقِيلَ: نَزَلَتْ عَلَيْهِ حِينَ بَلَغَ الجُحْفَةَ في مُهاجَرِهِ، وقَدِ اشْتاقَ إلَيْها، فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ: أتَشْتاقُ إلَيْها ؟ قالَ: نَعَمْ، فَأوْحاها إلَيْهِ. و”مَن“ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: يَعْلَمُ مَن جاءَ بِالهُدى، ومَن أجازَ أنْ يَأْتِيَ ”أفْعَلُ“ بِمَعْنى ”فاعِلٌ“، وأجازَ مَعَ ذَلِكَ أنْ يَنْصِبَ بِهِ جازَ أنْ يَنْتَصِبَ بِهِ، إذْ يُؤَوِّلُهُ بِمَعْنى عالِمٍ، ويُعْطِيهِ حُكْمَهُ مِنَ العَمَلِ. ولَمّا وعَدَهُ تَعالى أنَّهُ يَرُدُّهُ إلى مَعادٍ، وأنَّهُ تَعالى فَرَضَ عَلَيْهِ القُرْآنَ أمَرَهُ أنْ يَقُولَ لِلْمُشْرِكِينَ ذَلِكَ أيْ: هو تَعالى عالِمٌ بِمَن جاءَ بِالهُدى، وهو مُحَمَّدٌ، وبِما يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الثَّوابِ في مَعادِهِ، وهَذا إذا عَنى بِالمَعادِ ما بَعْدَ المَوْتِ. ويَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ أمَرَهُ اللَّهُ بِأنْ يُبَلِّغَهم ذَلِكَ، هو عالِمٌ بِهِمْ، وبِما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العِقابِ في مَعادِهِمْ، وفي ذَلِكَ مُتارَكَةٌ لِلْكُفّارِ وتَوْبِيخٌ. ﴿وما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ﴾ هَذا تَذْكِيرٌ لِنِعَمِهِ تَعالى عَلى رَسُولِهِ، وأنَّهُ تَعالى رَحِمَهُ رَحْمَةً لَمْ يَتَعَلَّقْ بِها رَجاؤُهُ. وقِيلَ: بَلْ هو مُعَلَّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ وأنْتَ بِحالِ مَن لا يَرْجُو ذَلِكَ، وانْتَصَبَ (رَحْمَةً) عَلى (p-١٣٧)الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، أيْ: لَكِنَّ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ سَبَقَتْ، فَألْقى إلَيْكَ الكِتابَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا كَلامٌ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ: وما أُلْقِيَ عَلَيْكَ الكِتابُ إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ. انْتَهى. فَيَكُونُ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا، إمّا مِنَ الأحْوالِ، وإمّا مِنَ المَفْعُولِ لَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَصُدُّنَّكَ) مُضارِعُ صَدَّ وشَدُّوا النُّونَ، ويَعْقُوبُ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ خَفَّفَها. وقُرِئَ: ”يُصِدُّنَّكَ“ مُضارِعَ أصَدَّ بِمَعْنى صَدَّ، حَكاهُ أبُو زَيْدٍ عَنْ رَجُلٍ مِن كَلْبٍ قالَ: وهي لُغَةُ قَوْمِهِ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎أُناسٌ أصَدُّوا النّاسَ بِالسَّيْفِ عَنْهُمُ صُدُودَ السَّواقِي عَنْ أُنُوفِ الحَوائِمِ ﴿بَعْدَ إذْ أُنْزِلَتْ إلَيْكَ﴾ أيْ: بَعْدَ وقْتِ إنْزالِها، و”إذْ“ تُضافُ إلَيْها أسْماءُ الزَّمانِ كَقَوْلِهِ: ﴿بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا﴾ [آل عمران: ٨] ويَوْمَئِذٍ، وحِينَئِذٍ. قالَ الضَّحّاكُ: وذَلِكَ حِينَ دَعَوْهُ إلى دِينِ آبائِهِ، أيْ: لا تَلْتَفِتْ إلى هَؤُلاءِ ولا تَرْكَنْ إلى قَوْلِهِمْ، فَيَصُدُّونَكَ عَنِ اتِّباعِ آياتِ اللَّهِ. ﴿وادْعُ إلى رَبِّكَ﴾ أيْ: دِينِ رَبِّكَ، وهَذِهِ المَناهِي كُلُّها ظاهِرُها أنَّها لِلرَّسُولِ، وهي في الحَقِيقَةِ لِأتْباعِهِ، والهَلاكُ يُطْلَقُ بِإزاءِ العَدَمِ المَحْضِ، فالمَعْنى: أنَّ اللَّهَ يَعْدَمُ كُلُّ شَيْءٍ سِواهُ. وبِإزاءِ نَفْيِ الِانْتِفاعِ بِهِ، إمّا لِلْإماتَةِ، أوْ بِتَفْرِيقِ الأجْزاءِ، وإنْ كانَتْ نافِيَةً يُقالُ: هَلَكَ الثَّوْبُ، لا يُرِيدُونَ فَناءَ أجْزائِهِ، ولَكِنْ خُرُوجَهُ عَنِ الِانْتِفاعِ بِهِ. ومَعْنى: ﴿إلّا وجْهَهُ﴾ إلّا إيّاهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: هالِكٌ بِالمَوْتِ إلّا العُلَماءَ، فَإنَّ عِلْمَهم باقٍ. انْتَهى. ويُرِيدُونَ إلّا ما قُصِدَ بِهِ وجْهُهُ مِنَ العِلْمِ، فَإنَّهُ باقٍ. وقالَ الضَّحّاكُ: إلّا اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، والعَرْشَ، والجَنَّةَ، والنّارَ. وقِيلَ: مُلْكَهُ، ومِنهُ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ [غافر: ١٦] . وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المُرادُ بِالوَجْهِ جاهُهُ الَّذِي جَعَلَهُ في النّاسِ. وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: إلّا وجْهَهُ: ما عُمِلَ لِذاتِهِ ومِن طاعَتِهِ وتُوُجِّهَ بِهِ نَحْوَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎رَبُّ العِبادِ إلَيْهِ الوَجْهُ والعَمَلُ . وقَوْلُهُ: (يُرِيدُونَ وجْهَهُ) . (لَهُ الحُكْمُ) أيْ: فَصْلُ القَضاءِ. (وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ) أيْ: إلى جَزائِهِ. وقَرَأ عِيسى: ”تَرْجِعُونَ“ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، والجُمْهُورُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.

القصص 28:87

﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أعْلَمُ مَن جاءَ بِالهُدى ومَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ﴾ ﴿ولا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إذْ أُنْزِلَتْ إلَيْكَ وادْعُ إلى رَبِّكَ ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿ولا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لا إلَهَ إلّا هو كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ لَهُ الحُكْمُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ . لَمّا كانَ مِن قَوْلِ أهْلِ العِلْمِ والإيمانِ: ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ، ذَكَرَ مَحَلَّ الثَّوابِ، وهو الدّارُ الآخِرَةُ. والمَعْنى: تِلْكَ الَّتِي سَمِعْتَ بِذِكْرِها، وبَلَغَكَ وصْفُها. (الدّارُ الآخِرَةُ) أيْ: نَعِيمُ الدّارِ الآخِرَةِ، وهي الجَنَّةُ، والبَقاءُ فِيها سَرْمَدًا، وعَلَّقَ حُصُولَها عَلى مُجَرَّدِ الإرادَةِ، فَكَيْفَ بِمَن باشَرَ العُلُوَّ والفَسادَ ؟ ثُمَّ جاءَ التَّرْكِيبُ بِلا في قَوْلِهِ: ﴿ولا فَسادًا﴾ فَدَلَّ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ العُلُوِّ والفَسادِ مَقْصُودٌ، لا مَجْمُوعَهُما. قالَ الحَسَنُ: العُلُوُّ: العِزُّ والشَّرَفُ إنْ جَرَّ البَغْيَ. الضَّحّاكُ: الظُّلْمُ والفَسادُ يَعُمُّ أنْواعَ الشَّرِّ. وعَنْ عَلِيٍّ، كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ: أنَّ الرَّجُلَ لَيُعْجِبُهُ أنْ يَكُونَ شِراكُ نَعْلِهِ أجْوَدَ مِن شِراكِ نَعْلِ صاحِبِهِ، فَيَدْخُلُ تَحْتَها. وعَنِ الفُضَيْلِ، أنَّهُ قَرَأها ثُمَّ قالَ: ذَهَبَتِ الأمانِيُّ. وعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ: أنَّهُ كانَ يُرَدِّدُها حَتّى قُبِضَ. ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ (خَيْرٌ) أفْعَلَ التَّفْضِيلِ، وأنْ يَكُونَ واحِدَ الخُيُورِ، أيْ: فَلَهُ خَيْرٌ بِسَبَبِ فِعْلِها، ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا يُجْزى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ﴾ تَهْجِينًا لِحالِهِمْ وتَبْغِيضًا لِلسَّيِّئَةِ إلى قُلُوبِ السّامِعِينَ، فَفِيهِ بِتَكْرارِهِ ما لَيْسَ فِيهِ لَوْ كانَ: فَلا يُجْزَوْنَ بِالصَّهْرِ وما كانُوا، عَلى حَذْفِ: مِثْلَ، أيْ: إلّا مِثْلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ؛ لِأنَّ جَزاءَ السَّيِّئَةِ سَيِّئَةٌ مِثْلُها، والحَسَنَةُ بِعَشْرِ أمْثالِها. ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ قالَ عَطاءٌ: العَمَلَ بِهِ؛ ومُجاهِدٌ: أعْطاكَهُ؛ ومُقاتِلٌ: أنْزَلَهُ عَلَيْكَ، وكَذا قالَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْجَبَ عَلَيْكَ تِلاوَتَهُ وتَبْلِيغَهُ والعَمَلَ بِما فِيهِ؛ يَعْنِي أنَّ الَّذِي حَمَّلَكَ صُعُوبَةَ هَذا التَّكْلِيفِ لَيُثِيبُكَ عَلَيْها ثَوابًا لا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ. والمَعادُ قالَ الجُمْهُورُ: في الآخِرَةِ أيْ: باعِثُكَ بَعْدَ المَوْتِ، فَفِيهِ إثْباتُ الجَزاءِ والإعْلامِ بِوُقُوعِهِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: المَعادُ: المَوْتُ. وقِيلَ: بَيْتُ المَقْدِسِ. وقِيلَ: الجَنَّةُ، وكانَ قَدْ دَخَلَها لَيْلَةَ المِعْراجِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا ومُجاهِدٌ: المَعادُ: مَكَّةُ، أرادَ رَدَّهُ إلَيْها يَوْمَ الفَتْحِ. ونَكَّرَهُ والمَقْصُودُ: التَّعْظِيمُ، أيْ مَعادٍ أيِّ مَعادٍ، أيْ: لَهُ شَأْنٌ لِغَلَبَةِ الرَّسُولِ ﷺ عَلَيْها وقَهْرِهِ لِأهْلِها، ولِظُهُورِ عِزِّ الإسْلامِ وأهْلِهِ، فَكَأنَّ اللَّهَ وعَدَهُ وهو بِمَكَّةَ أنَّهُ يُهاجِرُ مِنها ويَعُودُ إلَيْها ظافِرًا ظاهِرًا. وقِيلَ: نَزَلَتْ عَلَيْهِ حِينَ بَلَغَ الجُحْفَةَ في مُهاجَرِهِ، وقَدِ اشْتاقَ إلَيْها، فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ: أتَشْتاقُ إلَيْها ؟ قالَ: نَعَمْ، فَأوْحاها إلَيْهِ. و”مَن“ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: يَعْلَمُ مَن جاءَ بِالهُدى، ومَن أجازَ أنْ يَأْتِيَ ”أفْعَلُ“ بِمَعْنى ”فاعِلٌ“، وأجازَ مَعَ ذَلِكَ أنْ يَنْصِبَ بِهِ جازَ أنْ يَنْتَصِبَ بِهِ، إذْ يُؤَوِّلُهُ بِمَعْنى عالِمٍ، ويُعْطِيهِ حُكْمَهُ مِنَ العَمَلِ. ولَمّا وعَدَهُ تَعالى أنَّهُ يَرُدُّهُ إلى مَعادٍ، وأنَّهُ تَعالى فَرَضَ عَلَيْهِ القُرْآنَ أمَرَهُ أنْ يَقُولَ لِلْمُشْرِكِينَ ذَلِكَ أيْ: هو تَعالى عالِمٌ بِمَن جاءَ بِالهُدى، وهو مُحَمَّدٌ، وبِما يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الثَّوابِ في مَعادِهِ، وهَذا إذا عَنى بِالمَعادِ ما بَعْدَ المَوْتِ. ويَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ أمَرَهُ اللَّهُ بِأنْ يُبَلِّغَهم ذَلِكَ، هو عالِمٌ بِهِمْ، وبِما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العِقابِ في مَعادِهِمْ، وفي ذَلِكَ مُتارَكَةٌ لِلْكُفّارِ وتَوْبِيخٌ. ﴿وما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ﴾ هَذا تَذْكِيرٌ لِنِعَمِهِ تَعالى عَلى رَسُولِهِ، وأنَّهُ تَعالى رَحِمَهُ رَحْمَةً لَمْ يَتَعَلَّقْ بِها رَجاؤُهُ. وقِيلَ: بَلْ هو مُعَلَّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ وأنْتَ بِحالِ مَن لا يَرْجُو ذَلِكَ، وانْتَصَبَ (رَحْمَةً) عَلى (p-١٣٧)الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، أيْ: لَكِنَّ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ سَبَقَتْ، فَألْقى إلَيْكَ الكِتابَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا كَلامٌ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ: وما أُلْقِيَ عَلَيْكَ الكِتابُ إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ. انْتَهى. فَيَكُونُ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا، إمّا مِنَ الأحْوالِ، وإمّا مِنَ المَفْعُولِ لَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَصُدُّنَّكَ) مُضارِعُ صَدَّ وشَدُّوا النُّونَ، ويَعْقُوبُ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ خَفَّفَها. وقُرِئَ: ”يُصِدُّنَّكَ“ مُضارِعَ أصَدَّ بِمَعْنى صَدَّ، حَكاهُ أبُو زَيْدٍ عَنْ رَجُلٍ مِن كَلْبٍ قالَ: وهي لُغَةُ قَوْمِهِ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎أُناسٌ أصَدُّوا النّاسَ بِالسَّيْفِ عَنْهُمُ صُدُودَ السَّواقِي عَنْ أُنُوفِ الحَوائِمِ ﴿بَعْدَ إذْ أُنْزِلَتْ إلَيْكَ﴾ أيْ: بَعْدَ وقْتِ إنْزالِها، و”إذْ“ تُضافُ إلَيْها أسْماءُ الزَّمانِ كَقَوْلِهِ: ﴿بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا﴾ [آل عمران: ٨] ويَوْمَئِذٍ، وحِينَئِذٍ. قالَ الضَّحّاكُ: وذَلِكَ حِينَ دَعَوْهُ إلى دِينِ آبائِهِ، أيْ: لا تَلْتَفِتْ إلى هَؤُلاءِ ولا تَرْكَنْ إلى قَوْلِهِمْ، فَيَصُدُّونَكَ عَنِ اتِّباعِ آياتِ اللَّهِ. ﴿وادْعُ إلى رَبِّكَ﴾ أيْ: دِينِ رَبِّكَ، وهَذِهِ المَناهِي كُلُّها ظاهِرُها أنَّها لِلرَّسُولِ، وهي في الحَقِيقَةِ لِأتْباعِهِ، والهَلاكُ يُطْلَقُ بِإزاءِ العَدَمِ المَحْضِ، فالمَعْنى: أنَّ اللَّهَ يَعْدَمُ كُلُّ شَيْءٍ سِواهُ. وبِإزاءِ نَفْيِ الِانْتِفاعِ بِهِ، إمّا لِلْإماتَةِ، أوْ بِتَفْرِيقِ الأجْزاءِ، وإنْ كانَتْ نافِيَةً يُقالُ: هَلَكَ الثَّوْبُ، لا يُرِيدُونَ فَناءَ أجْزائِهِ، ولَكِنْ خُرُوجَهُ عَنِ الِانْتِفاعِ بِهِ. ومَعْنى: ﴿إلّا وجْهَهُ﴾ إلّا إيّاهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: هالِكٌ بِالمَوْتِ إلّا العُلَماءَ، فَإنَّ عِلْمَهم باقٍ. انْتَهى. ويُرِيدُونَ إلّا ما قُصِدَ بِهِ وجْهُهُ مِنَ العِلْمِ، فَإنَّهُ باقٍ. وقالَ الضَّحّاكُ: إلّا اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، والعَرْشَ، والجَنَّةَ، والنّارَ. وقِيلَ: مُلْكَهُ، ومِنهُ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ [غافر: ١٦] . وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المُرادُ بِالوَجْهِ جاهُهُ الَّذِي جَعَلَهُ في النّاسِ. وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: إلّا وجْهَهُ: ما عُمِلَ لِذاتِهِ ومِن طاعَتِهِ وتُوُجِّهَ بِهِ نَحْوَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎رَبُّ العِبادِ إلَيْهِ الوَجْهُ والعَمَلُ . وقَوْلُهُ: (يُرِيدُونَ وجْهَهُ) . (لَهُ الحُكْمُ) أيْ: فَصْلُ القَضاءِ. (وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ) أيْ: إلى جَزائِهِ. وقَرَأ عِيسى: ”تَرْجِعُونَ“ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، والجُمْهُورُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.

القصص 28:88

﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أعْلَمُ مَن جاءَ بِالهُدى ومَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ﴾ ﴿ولا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إذْ أُنْزِلَتْ إلَيْكَ وادْعُ إلى رَبِّكَ ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿ولا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لا إلَهَ إلّا هو كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ لَهُ الحُكْمُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ . لَمّا كانَ مِن قَوْلِ أهْلِ العِلْمِ والإيمانِ: ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ، ذَكَرَ مَحَلَّ الثَّوابِ، وهو الدّارُ الآخِرَةُ. والمَعْنى: تِلْكَ الَّتِي سَمِعْتَ بِذِكْرِها، وبَلَغَكَ وصْفُها. (الدّارُ الآخِرَةُ) أيْ: نَعِيمُ الدّارِ الآخِرَةِ، وهي الجَنَّةُ، والبَقاءُ فِيها سَرْمَدًا، وعَلَّقَ حُصُولَها عَلى مُجَرَّدِ الإرادَةِ، فَكَيْفَ بِمَن باشَرَ العُلُوَّ والفَسادَ ؟ ثُمَّ جاءَ التَّرْكِيبُ بِلا في قَوْلِهِ: ﴿ولا فَسادًا﴾ فَدَلَّ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ العُلُوِّ والفَسادِ مَقْصُودٌ، لا مَجْمُوعَهُما. قالَ الحَسَنُ: العُلُوُّ: العِزُّ والشَّرَفُ إنْ جَرَّ البَغْيَ. الضَّحّاكُ: الظُّلْمُ والفَسادُ يَعُمُّ أنْواعَ الشَّرِّ. وعَنْ عَلِيٍّ، كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ: أنَّ الرَّجُلَ لَيُعْجِبُهُ أنْ يَكُونَ شِراكُ نَعْلِهِ أجْوَدَ مِن شِراكِ نَعْلِ صاحِبِهِ، فَيَدْخُلُ تَحْتَها. وعَنِ الفُضَيْلِ، أنَّهُ قَرَأها ثُمَّ قالَ: ذَهَبَتِ الأمانِيُّ. وعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ: أنَّهُ كانَ يُرَدِّدُها حَتّى قُبِضَ. ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ (خَيْرٌ) أفْعَلَ التَّفْضِيلِ، وأنْ يَكُونَ واحِدَ الخُيُورِ، أيْ: فَلَهُ خَيْرٌ بِسَبَبِ فِعْلِها، ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا يُجْزى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ﴾ تَهْجِينًا لِحالِهِمْ وتَبْغِيضًا لِلسَّيِّئَةِ إلى قُلُوبِ السّامِعِينَ، فَفِيهِ بِتَكْرارِهِ ما لَيْسَ فِيهِ لَوْ كانَ: فَلا يُجْزَوْنَ بِالصَّهْرِ وما كانُوا، عَلى حَذْفِ: مِثْلَ، أيْ: إلّا مِثْلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ؛ لِأنَّ جَزاءَ السَّيِّئَةِ سَيِّئَةٌ مِثْلُها، والحَسَنَةُ بِعَشْرِ أمْثالِها. ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ قالَ عَطاءٌ: العَمَلَ بِهِ؛ ومُجاهِدٌ: أعْطاكَهُ؛ ومُقاتِلٌ: أنْزَلَهُ عَلَيْكَ، وكَذا قالَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْجَبَ عَلَيْكَ تِلاوَتَهُ وتَبْلِيغَهُ والعَمَلَ بِما فِيهِ؛ يَعْنِي أنَّ الَّذِي حَمَّلَكَ صُعُوبَةَ هَذا التَّكْلِيفِ لَيُثِيبُكَ عَلَيْها ثَوابًا لا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ. والمَعادُ قالَ الجُمْهُورُ: في الآخِرَةِ أيْ: باعِثُكَ بَعْدَ المَوْتِ، فَفِيهِ إثْباتُ الجَزاءِ والإعْلامِ بِوُقُوعِهِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: المَعادُ: المَوْتُ. وقِيلَ: بَيْتُ المَقْدِسِ. وقِيلَ: الجَنَّةُ، وكانَ قَدْ دَخَلَها لَيْلَةَ المِعْراجِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا ومُجاهِدٌ: المَعادُ: مَكَّةُ، أرادَ رَدَّهُ إلَيْها يَوْمَ الفَتْحِ. ونَكَّرَهُ والمَقْصُودُ: التَّعْظِيمُ، أيْ مَعادٍ أيِّ مَعادٍ، أيْ: لَهُ شَأْنٌ لِغَلَبَةِ الرَّسُولِ ﷺ عَلَيْها وقَهْرِهِ لِأهْلِها، ولِظُهُورِ عِزِّ الإسْلامِ وأهْلِهِ، فَكَأنَّ اللَّهَ وعَدَهُ وهو بِمَكَّةَ أنَّهُ يُهاجِرُ مِنها ويَعُودُ إلَيْها ظافِرًا ظاهِرًا. وقِيلَ: نَزَلَتْ عَلَيْهِ حِينَ بَلَغَ الجُحْفَةَ في مُهاجَرِهِ، وقَدِ اشْتاقَ إلَيْها، فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ: أتَشْتاقُ إلَيْها ؟ قالَ: نَعَمْ، فَأوْحاها إلَيْهِ. و”مَن“ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: يَعْلَمُ مَن جاءَ بِالهُدى، ومَن أجازَ أنْ يَأْتِيَ ”أفْعَلُ“ بِمَعْنى ”فاعِلٌ“، وأجازَ مَعَ ذَلِكَ أنْ يَنْصِبَ بِهِ جازَ أنْ يَنْتَصِبَ بِهِ، إذْ يُؤَوِّلُهُ بِمَعْنى عالِمٍ، ويُعْطِيهِ حُكْمَهُ مِنَ العَمَلِ. ولَمّا وعَدَهُ تَعالى أنَّهُ يَرُدُّهُ إلى مَعادٍ، وأنَّهُ تَعالى فَرَضَ عَلَيْهِ القُرْآنَ أمَرَهُ أنْ يَقُولَ لِلْمُشْرِكِينَ ذَلِكَ أيْ: هو تَعالى عالِمٌ بِمَن جاءَ بِالهُدى، وهو مُحَمَّدٌ، وبِما يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الثَّوابِ في مَعادِهِ، وهَذا إذا عَنى بِالمَعادِ ما بَعْدَ المَوْتِ. ويَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ أمَرَهُ اللَّهُ بِأنْ يُبَلِّغَهم ذَلِكَ، هو عالِمٌ بِهِمْ، وبِما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العِقابِ في مَعادِهِمْ، وفي ذَلِكَ مُتارَكَةٌ لِلْكُفّارِ وتَوْبِيخٌ. ﴿وما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ﴾ هَذا تَذْكِيرٌ لِنِعَمِهِ تَعالى عَلى رَسُولِهِ، وأنَّهُ تَعالى رَحِمَهُ رَحْمَةً لَمْ يَتَعَلَّقْ بِها رَجاؤُهُ. وقِيلَ: بَلْ هو مُعَلَّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ وأنْتَ بِحالِ مَن لا يَرْجُو ذَلِكَ، وانْتَصَبَ (رَحْمَةً) عَلى (p-١٣٧)الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، أيْ: لَكِنَّ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ سَبَقَتْ، فَألْقى إلَيْكَ الكِتابَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا كَلامٌ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ: وما أُلْقِيَ عَلَيْكَ الكِتابُ إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ. انْتَهى. فَيَكُونُ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا، إمّا مِنَ الأحْوالِ، وإمّا مِنَ المَفْعُولِ لَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَصُدُّنَّكَ) مُضارِعُ صَدَّ وشَدُّوا النُّونَ، ويَعْقُوبُ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ خَفَّفَها. وقُرِئَ: ”يُصِدُّنَّكَ“ مُضارِعَ أصَدَّ بِمَعْنى صَدَّ، حَكاهُ أبُو زَيْدٍ عَنْ رَجُلٍ مِن كَلْبٍ قالَ: وهي لُغَةُ قَوْمِهِ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎أُناسٌ أصَدُّوا النّاسَ بِالسَّيْفِ عَنْهُمُ صُدُودَ السَّواقِي عَنْ أُنُوفِ الحَوائِمِ ﴿بَعْدَ إذْ أُنْزِلَتْ إلَيْكَ﴾ أيْ: بَعْدَ وقْتِ إنْزالِها، و”إذْ“ تُضافُ إلَيْها أسْماءُ الزَّمانِ كَقَوْلِهِ: ﴿بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا﴾ [آل عمران: ٨] ويَوْمَئِذٍ، وحِينَئِذٍ. قالَ الضَّحّاكُ: وذَلِكَ حِينَ دَعَوْهُ إلى دِينِ آبائِهِ، أيْ: لا تَلْتَفِتْ إلى هَؤُلاءِ ولا تَرْكَنْ إلى قَوْلِهِمْ، فَيَصُدُّونَكَ عَنِ اتِّباعِ آياتِ اللَّهِ. ﴿وادْعُ إلى رَبِّكَ﴾ أيْ: دِينِ رَبِّكَ، وهَذِهِ المَناهِي كُلُّها ظاهِرُها أنَّها لِلرَّسُولِ، وهي في الحَقِيقَةِ لِأتْباعِهِ، والهَلاكُ يُطْلَقُ بِإزاءِ العَدَمِ المَحْضِ، فالمَعْنى: أنَّ اللَّهَ يَعْدَمُ كُلُّ شَيْءٍ سِواهُ. وبِإزاءِ نَفْيِ الِانْتِفاعِ بِهِ، إمّا لِلْإماتَةِ، أوْ بِتَفْرِيقِ الأجْزاءِ، وإنْ كانَتْ نافِيَةً يُقالُ: هَلَكَ الثَّوْبُ، لا يُرِيدُونَ فَناءَ أجْزائِهِ، ولَكِنْ خُرُوجَهُ عَنِ الِانْتِفاعِ بِهِ. ومَعْنى: ﴿إلّا وجْهَهُ﴾ إلّا إيّاهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: هالِكٌ بِالمَوْتِ إلّا العُلَماءَ، فَإنَّ عِلْمَهم باقٍ. انْتَهى. ويُرِيدُونَ إلّا ما قُصِدَ بِهِ وجْهُهُ مِنَ العِلْمِ، فَإنَّهُ باقٍ. وقالَ الضَّحّاكُ: إلّا اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، والعَرْشَ، والجَنَّةَ، والنّارَ. وقِيلَ: مُلْكَهُ، ومِنهُ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ [غافر: ١٦] . وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المُرادُ بِالوَجْهِ جاهُهُ الَّذِي جَعَلَهُ في النّاسِ. وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: إلّا وجْهَهُ: ما عُمِلَ لِذاتِهِ ومِن طاعَتِهِ وتُوُجِّهَ بِهِ نَحْوَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎رَبُّ العِبادِ إلَيْهِ الوَجْهُ والعَمَلُ . وقَوْلُهُ: (يُرِيدُونَ وجْهَهُ) . (لَهُ الحُكْمُ) أيْ: فَصْلُ القَضاءِ. (وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ) أيْ: إلى جَزائِهِ. وقَرَأ عِيسى: ”تَرْجِعُونَ“ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، والجُمْهُورُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.