Lafzullah

Al-Bahr Al-Muhit — العنكبوت 29:21 – العنكبوت 29:51

المؤلف / المصدر: Al-Bahr Al-Muhit

المحتويات
  1. العنكبوت 29:21
  2. العنكبوت 29:22
  3. العنكبوت 29:23
  4. العنكبوت 29:24
  5. العنكبوت 29:25
  6. العنكبوت 29:26
  7. العنكبوت 29:27
  8. العنكبوت 29:28
  9. العنكبوت 29:29
  10. العنكبوت 29:30
  11. العنكبوت 29:31
  12. العنكبوت 29:32
  13. العنكبوت 29:33
  14. العنكبوت 29:34
  15. العنكبوت 29:35
  16. العنكبوت 29:36
  17. العنكبوت 29:37
  18. العنكبوت 29:38
  19. العنكبوت 29:39
  20. العنكبوت 29:40
  21. العنكبوت 29:41
  22. العنكبوت 29:42
  23. العنكبوت 29:43
  24. العنكبوت 29:44
  25. العنكبوت 29:45
  26. العنكبوت 29:46
  27. العنكبوت 29:47
  28. العنكبوت 29:48
  29. العنكبوت 29:49
  30. العنكبوت 29:50
  31. العنكبوت 29:51

العنكبوت 29:21

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا فَأخَذَهُمُ الطُّوفانُ وهم ظالِمُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأصْحابَ السَّفِينَةِ وجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿وإبْراهِيمَ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿إنَّما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا وتَخْلُقُونَ إفْكًا إنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا فابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ واعْبُدُوهُ واشْكُرُوا لَهُ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿وإنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِن قَبْلِكم وما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأ الخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأةَ الآخِرَةَ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ وإلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ ولِقائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِن رَحْمَتِي وأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢٤] ﴿وقالَ إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا ومَأْواكُمُ النّارُ وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٥] . (p-١٤٥)ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ تَسْلِيَةً لِرَسُولِ اللَّهِ، لِما كانَ يَلْقى مِن أذى الكُفّارِ. فَذَكَرَ ما لَقِيَ أوَّلُ الرُّسُلِ، وهو نُوحٌ، مِن أذى قَوْمِهِ، المُدَدَ المُتَطاوِلَةَ، تَسْلِيَةً لِخاتَمِ الرُّسُلِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ. والواوُ في (ولَقَدْ) واوُ عَطْفٍ، عَطَفَتْ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والقَسَمُ فِيها بِعِيدٌ، يَعْنِي أنْ يَكُونَ المُقْسَمُ بِهِ قَدْ حُذِفَ وبَقِيَ حَرْفُهُ وجَوابُهُ، وفِيهِ حَذْفُ المَجْرُورِ وإبْقاءُ حَرْفِ الجارِّ، وحَرْفُ الجَرِّ لا يُعَلَّقُ عَنْ عَمَلِهِ، بَلْ لا بُدَّ لَهُ مِن ذِكْرِهِ. والظّاهِرُ أنَّهُ أقامَ في قَوْمِهِ هَذِهِ المُدَّةَ المَذْكُورَةَ يَدْعُوهم إلى اللَّهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ المُدَّةُ المَذْكُورَةُ مُدَّةَ إقامَتِهِ في قَوْمِهِ، مِن لَدُنْ مَوْلِدِهِ إلى غَرَقِ قَوْمِهِ. انْتَهى. ولَيْسَ عِنْدِي مُحْتَمَلًا؛ لِأنَّ اللُّبْثَ مُتَعَقِّبٌ بِالفاءِ الدّالَّةِ عَلى التَّعْقِيبِ، واخْتُلِفَ في مِقْدارِ عُمُرِهِ، حِينَ كانَ بُعِثَ وحِينَ ماتَ، اخْتِلافًا مُضْطَرِبًا مُتَكاذِبًا، تَرَكْنا حِكايَتَهُ في كِتابِنا، وهو في كُتُبِ التَّفْسِيرِ. والِاسْتِثْناءُ مِنَ الألْفِ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى جَوازِ الِاسْتِثْناءِ مِنَ العَدَدِ، وفي كَوْنِهِ ثابِتًا مِن لِسانِ العَرَبِ خِلافٌ مَذْكُورٌ في النَّحْوِ، وقَدْ عَمِلَ الفُقَهاءُ المَسائِلَ عَلى جَوازِ ذَلِكَ، وغايَرَ بَيْنَ تَمْيِيزِ المُسْتَثْنى مِنهُ وتَمْيِيزِ المُسْتَثْنى؛ لِأنَّ التَّكْرارَ في الكَلامِ الواحِدِ مُجْتَنَبٌ في البَلاغَةِ، إلّا إذا كانَ لِغَرَضٍ مِن تَفْخِيمٍ، أوْ تَهْوِيلٍ، أوْ تَنْوِيهٍ. ولِأنَّ التَّعْبِيرَ عَنِ المُدَّةِ المَذْكُورَةِ بِما عُبِّرَ بِهِ؛ لِأنَّ ذِكْرَ رَأْسِ العَدَدِ الَّذِي لا رَأْسَ أكْبَرُ مِنهُ أوْقَعُ وأوْصَلُ إلى الغَرَضِ مِنَ اسْتِطالَةِ السّامِعِ مُدَّةَ صَبْرِهِ، ولِإزالَةِ التَّوَهُّمِ الَّذِي يَجِيءُ مَعَ قَوْلِهِ: تِسْعُمِائَةٍ وخَمْسُونَ عامًا، بِأنَّ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ لا التَّمامِ، والِاسْتِثْناءُ يَرْفَعُ ذَلِكَ التَّوَهُّمَ المَجازِيَّ. وتَقَدَّمَتْ وقْعَةُ نُوحٍ بِأكْمَلِ مِمّا هُنا، والخِلافُ في عَدَدِ مَن آمَنَ ودَخَلَ السَّفِينَةَ. والضَّمِيرُ في (وجَعَلْناها) يَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ عَلى (السَّفِينَةِ) وأنْ يَعُودَ عَلى الحادِثَةِ والقِصَّةِ، وأفْرَدَ (آيَةً) وجاءَ بِالفاصِلَةِ (لِلْعالَمِينَ) لِأنَّ إنْجاءَ السُّفُنِ أمْرٌ مَعْهُودٌ. فالآيَةُ إنْجاؤُهُ تَعالى أصْحابَ السَّفِينَةِ وقْتَ الحاجَةِ، ولِأنَّها بَقِيَتْ أعْوامًا حَتّى مَرَّ عَلَيْها النّاسُ ورَأوْها، فَحَصَلَ العِلْمُ بِها لَهم، فَناسَبَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: (لِلْعالَمِينَ) وانْتَصَبَ (إبْراهِيمَ) عَطْفًا عَلى (نُوحًا) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أوْ عَلى الضَّمِيرِ في (فَأنْجَيْناهُ) . وقالَ هو والزَّمَخْشَرِيُّ: بِتَقْدِيرِ ”اذْكُرُوا“ بَدَلٍ مِنهُ، إذْ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنهُ؛ لِأنَّ الأحْيانَ تَشْتَمِلُ عَلى ما فِيها، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا أنَّ إذْ ظَرْفٌ لا يَتَطَرَّفُ، فَلا يَكُونُ مَفْعُولًا بِهِ، وقَدْ كَثُرَ تَمْثِيلُ المُعْرِبِينَ، إذْ في القُرْآنِ بِأنَّ العامِلَ فِيها اذْكُرْ، وإذا كانَتْ ظَرْفًا لِما مَضى، فَهو لَوْ كانَ مُنْصَرِفًا، لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِـ: ”اذْكُرْ“؛ لِأنَّ المُسْتَقْبَلَ لا يَقَعُ في الماضِي، لا يَجُوزُ: ثُمَّ أمْسِ، فَإنْ كانَ خُلِعَ مِنَ الظَّرْفِيَّةِ الماضِيَةِ وتَصَرَّفَ فِيهِ، جازَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ ومَعْمُولًا لِـ: اذْكُرْ. وقَرَأ النَّخَعِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ، وأبُو حَنِيفَةَ، وإبْراهِيمُ: بِالرَّفْعِ، أيْ: ومِنَ المُرْسَلِينَ إبْراهِيمُ. وهَذِهِ القِصَّةُ تَمْثِيلٌ لِقُرَيْشٍ، وتَذْكِيرٌ لِحالِ أبِيهِمْ إبْراهِيمَ مِن رَفْضِ الأصْنامِ، والدَّعْوى إلى عِبادَةِ اللَّهِ، وكانَ نَمْرُوذُ وأهْلُ مَدِينَتِهِ عُبّادَ أصْنامٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وتَخْلُقُونَ﴾ مُضارِعَ خَلَقَ ﴿إفْكًا﴾ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الفاءِ. وقَرَأ عَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، وعَوْنٌ العُقَيْلِيُّ، وعُبادَةُ، وابْنُ أبِي لَيْلى، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِفَتْحِ التّاءِ والخاءِ واللّامِ مُشَدَّدَةً. قالَ ابْنُ مُجاهِدٍ: رُوِيَتْ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، أصْلُهُ: تَتَخَلَّقُونَ، بِتاءَيْنِ، فَحُذِفَتْ إحْداهُما عَلى الخِلافِ الَّذِي في المَحْذُوفَةِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ أيْضًا، فِيما ذَكَرَ الأهْوازِيُّ: ”تُخَلِّقُونَ“، مِن خَلَّقَ المُشَدَّدِ. وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ، وفُضَيْلُ بْنُ زُرْقانَ: ”أفِكًا“، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وكَسْرِ الفاءِ، وهو مَصْدَرٌ مِثْلُ الكَذِبِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿وتَخْلُقُونَ إفْكًا﴾ هو نَحْتُ الأصْنامِ وخَلْقُها، سَمّاها إفْكًا تَوَسُّعًا مِن حَيْثُ يَفْتَرُونَ بِها الإفْكَ في أنَّها آلِهَةٌ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو اخْتِلاقُ الكَذِبِ في أمْرِ (p-١٤٦)الأوْثانِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ”إفْكًا“ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ مَصْدَرًا نَحْوَ: كِذْبٍ ولِعْبٍ، والإفْكُ مُخَفَّفٌ مِنهُ، كالكِذْبِ واللِّعْبِ مِن أصْلِهِما، وأنْ تَكُونَ صِفَةً عَلى فِعْلٍ، أيْ: خَلْقًا إفْكًا، ذا إفْكٍ وباطِلٍ، واخْتِلاقُهُمُ الإفْكَ تَسْمِيَةُ الأوْثانِ آلِهَةً وشُرَكاءَ لِلَّهِ وشُفَعاءَ إلَيْهِ، أوْ سَمّى الأصْنامَ إفْكًا، وعَمَلَهم لَها ونَحْتَهم خَلْقًا لِلْإفْكِ. انْتَهى. وهَذا التَّرْدِيدُ مِنهُ في نَحْوِ: ﴿وتَخْلُقُونَ إفْكًا﴾ قَوْلانِ لِابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا نَقْلُهُما عَنْهُما ونَفْيُهم بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا﴾ عَلى جِهَةِ الِاحْتِجاجِ بِأمْرٍ يَفْهَمُهُ عامَّتُهم وخاصَّتُهم، فَقَرَّرَ أنَّ الأصْنامَ لا تُرْزَقُ، والرِّزْقُ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ المَصْدَرَ: لا يَمْلِكُونَ أنْ يَرْزُقُوكم شَيْئًا مِنَ الرِّزْقِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمَ المَرْزُوقِ، أيْ: لا يَمْلِكُونَ لَكم إيتاءَ رِزْقٍ ولا تَحْصِيلَهُ، وخُصَّ الرِّزْقُ لِمَكانَتِهِ مِنَ الخَلْقِ. ثُمَّ أمَرَهم بِابْتِغاءِ الرِّزْقِ مِمَّنْ هو يَمْلِكُهُ ويُؤْتِيهِ، وذَكَرَ الرِّزْقَ لِأنَّ المَقْصُودَ أنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنهُ، وعَرَّفَهُ بَعْدُ؛ لِدَلالَتِهِ عَلى العُمُومِ؛ لِأنَّهُ تَعالى عِنْدَهُ الأرْزاقُ كُلُّها. ﴿واشْكُرُوا لَهُ﴾ عَلى نِعَمِهِ السّابِغَةِ مِنَ الرِّزْقِ وغَيْرِهِ. ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٥] أيْ: إلى جَزائِهِ، أخْبَرَ بِالمَعادِ والحَشْرِ. ثُمَّ قالَ: ﴿وإنْ تُكَذِّبُوا﴾ أيْ: لَيْسَ هَذا مُبْتَكَرًا مِنكم، وقَدْ سَبَقَ ذَلِكَ مِن أُمَمِ الرُّسُلِ، قِيلَ: قَوْمُ شِيثَ وإدْرِيسَ وغَيْرِهِمْ. ورُوِيَ أنَّ إدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلامُ عاشَ في قَوْمِهِ ألْفَ سَنَةٍ، فَآمَنَ بِهِ ألْفُ إنْسانٍ عَلى عَدَدِ سِنِينِهِ، وباقِيهِمْ عَلى التَّكْذِيبِ. ﴿وما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ، بِخِلافٍ عَنْهُ: تَرَوْا، بِتاءِ الخِطابِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِالياءِ. والجُمْهُورُ: (يُبْدِئُ)، مُضارِعَ أبْدَأ؛ والزُّبَيْرُ، وعِيسى، وأبُو عَمْرٍو: بِخِلافٍ عَنْهُ: ”يَبْدَأُ“، مُضارِعَ بَدَأ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: ﴿كَيْفَ بَدَأ الخَلْقَ﴾ بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ بِإبْدالِها ألِفًا، فَذَهَبَتْ في الوَصْلِ، وهو تَخْفِيفٌ غَيْرُ قِياسِيٍّ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎فارْعَيْ فَزارَةُ لا هَناكِ المَرْتَعُ وقِياسُ تَخْفِيفِ هَذا التَّسْهِيلِ بَيْنَ بَيْنَ، وتَقْرِيرُهم عَلى رُؤْيَةِ بَدْءِ الخَلْقِ في قَوْلِهِ: (أوَلَمْ يَرَوْا) وفي: ﴿فانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأ الخَلْقَ﴾ إنَّما هو لِمُشاهَدَتِهِمْ إحْياءَ الأرْضِ بِالنَّباتِ، وإخْراجَ أشْياءَ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، وقَوْلُهُ: (ثُمَّ يُعِيدُهُ) وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ﴾ لَيْسَ داخِلًا تَحْتَ الرُّؤْيَةِ ولا تَحْتَ النَّظَرِ، فَلَيْسَ (ثُمَّ يُعِيدُهُ) مَعْطُوفًا عَلى (يُبْدِئُ)، ولا (ثُمَّ يُنْشِئُ) داخِلًا تَحْتَ كَيْفِيَّةِ النَّظَرِ في البَدْءِ، بَلْ هُما جُمْلَتانِ مُسْتَأْنَفَتانِ، إخْبارًا مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالإعادَةِ بَعْدَ المَوْتِ. وقُدِّمَ ما قَبْلَ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ عَلى سَبِيلِ الدَّلالَةِ عَلى إمْكانِ ذَلِكَ، فَإذا أمْكَنَ ذَلِكَ وأخْبَرَ الصّادِقُ بِوُقُوعِهِ، صارَ واجِبًا مَقْطُوعًا بِعامَّةٍ، ولا شَكَّ فِيهِ. وقالَ قَتادَةُ: (أوَلَمْ يَرَوْا) بِالدَّلائِلِ والنَّظَرِ كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُعِيدَ اللَّهُ الأجْسامَ بَعْدَ المَوْتِ ؟ وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: المَعْنى: كَيْفَ يَبْدَأُ خَلْقَ الإنْسانِ ثُمَّ يُعِيدُهُ إلى أحْوالٍ أُخَرَ، حَتّى إلى التُّرابِ ؟ وقالَ مُقاتِلٌ: الخَلْقُ هُنا اللَّيْلُ والنَّهارُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: النَّشاءَةُ هُنا، وفي النَّجْمِ والواقِعَةِ عَلى وزْنِ فَعالَةٍ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: النَّشْأةُ، عَلى وزْنِ فَعْلَةٍ، وهُما كالرَّآفَةِ والرَّأْفَةِ، وهُما لُغَتانِ، والقَصْرُ أشْهَرُ، وانْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِ، إمّا عَلى غَيْرِ المَصْدَرِ قامَ مَقامَ الإنْشاءِ، وإمّا عَلى إضْمارِ فِعْلِهِ، أيْ: فَتُنَشَّئُونَ النَّشْأةَ. وفِي الآيَةِ الأُولى صَرَّحَ بِاسْمِهِ تَعالى في قَوْلِهِ: (كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الخَلْقَ، ثُمَّ أُضْمِرَ في قَوْلِهِ ( ثُمَّ يُعِيدُهُ) وهُنا عَكَسَ أُضْمِرُ في ”بَدَأ“ ثُمَّ أبْرَزَهُ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ﴾ حَتّى لا تَخْلُوَ الجُمْلَتانِ مِن صَرِيحِ اسْمِهِ. ودَلَّ إبْرازُهُ هُنا عَلى تَفْخِيمِ النَّشْأةِ الآخِرَةِ، وتَعْظِيمِ أمْرِها، وتَقْرِيرِ وجُودِها، إذْ كانَ نِزاعُ الكُفّارِ فِيها، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ ذَلِكَ الَّذِي بَدَأ الخَلْقَ هو الَّذِي ﴿يُنْشِئُ النَّشْأةَ الآخِرَةَ﴾ فَكانَ التَّصْرِيحُ بِاسْمِهِ أفْخَمَ في إسْنادِ النَّشْأةِ إلَيْهِ. والآخِرَةُ صِفَةٌ لِلنَّشْأةِ، فَهُما نَشْأتانِ: نَشْأةُ اخْتِراعٍ مِنَ العَدَمِ، ونَشْأةُ إعادَةٍ. ثُمَّ ذَكَرَ الصِّفَةَ الَّتِي النَّشْأةُ هي بَعْضُ مَقْدُوراتِها. ثُمَّ أخْبَرَ بِأنَّهُ ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ أيْ: تَعْذِيبَهُ ﴿ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ﴾ رَحْمَتَهُ، وبَدَأ بِالعَذابِ؛ لِأنَّ الكَلامَ هو مَعَ الكُفّارِ مُكَذِّبِي الرُّسُلِ. ﴿وإلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ أيْ: تُرَدُّونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومُتَعَلَّقُ (p-١٤٧)المَشِيئَتَيْنِ مُفَسَّرٌ مُبَيَّنٌ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ، وهو يَسْتَوْجِبُهُما مِنَ الكافِرِ والفاسِقِ إذا لَمْ يَتُوبا، ومِنَ المَعْصُومِ والتّائِبِ. انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أيْ: فائِتِينَ ما أرادَ اللَّهُ لَكم. (في الأرْضِ ولا في السَّماءِ) إنْ حُمِلَ (السَّماءِ) عَلى العُلُوِّ فَجائِزٌ، أيْ: في البُرُوجِ والقِلاعِ الذّاهِبَةِ في العُلُوِّ، ويَكُونُ تَخْصِيصًا بَعْدَ تَعْمِيمٍ، أوْ عَلى المِظَلَّةِ، فَيَحْتاجُ إلى تَقْرِيرٍ، أيْ: لَوْ صِرْتُمْ فِيها، ونَظِيرُهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎ولَوْ كُنْتَ في جُبٍّ ثَمانِينَ قامَةً ∗∗∗ ورُقِّيتَ أسْبابَ السَّماءِ بِسُلَّمِ ؎لَيَعْتَوِرَنْكَ القَوْلُ حَتّى تَهُرَّهُ ∗∗∗ وتَعْلَمَ أنِّي فِيكَ لَسْتُ بِمُحْرِمِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الرحمن: ٣٣] عَلى تَقْدِيرِ الحُكْمِ لَوْ كُنْتُمْ فِيها ﴿والأرْضِ فانْفُذُوا﴾ [الرحمن: ٣٣] . وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، والفَرّاءُ: التَّقْدِيرُ: ولا مَن في السَّماءِ، أيْ: يَعْجِزُ إنْ عَصى. وقالَ الفَرّاءُ: وهَذا مِن غَوامِضِ العَرَبِيَّةِ، وأنْشَدَ قَوْلَ حَسّانَ: ؎فَمَن يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنكم ∗∗∗ ويَمْدَحُهُ ويَنْصُرُهُ سَواءُ أيْ: ومَن يَنْصُرُهُ، وهَذا عِنْدَ البَصْرِيِّينَ لا يَكُونُ إلّا في الشِّعْرِ؛ لِأنَّ فِيهِ حَذْفَ المَوْصُولِ وإبْقاءَ صِلَتِهِ. وأبْعَدُ مِن هَذا القَوْلِ قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ التَّقْدِيرَ: وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ مَن في الأرْضِ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ، ولا مَن في السَّماءِ مِنَ المَلائِكَةِ، فَكَيْفَ تُعْجِزُونَ اللَّهَ ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَئِسُوا) بِالهَمْزِ؛ والذِّمارِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ: بِغَيْرِ هَمْزٍ، بَلْ بِياءٍ بَدَلَ الهَمْزَةِ، وهو وعِيدٌ، أيْ: يَيْئَسُونَ يَوْمَ القِيامَةِ. وقِيلَ: ﴿مِن رَحْمَتِي﴾ . وقِيلَ: مِن دِينِي، فَلا أهْدِيهِمْ. وقِيلَ: هو وصْفٌ بِحالِهِمْ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ يَكُونُ دائِمًا راجِيًا خائِفًا، والكافِرَ لا يَخْطُرُ بِبالِهِ ذَلِكَ. شَبَّهَ حالَهم في انْتِفاءِ رَحْمَتِهِ عَنْهم بِحالِ مَن يَئِسَ مِنَ الرَّحْمَةِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَ: ﴿وإنْ تُكَذِّبُوا﴾ مِن كَلامِ اللَّهِ، حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ، إلى قَوْلِهِ: (عَذابٌ ألِيمٌ) . وقِيلَ: هَذِهِ الآياتُ اعْتِراضٌ مِن كَلامِ اللَّهِ بَيْنَ كَلامِ إبْراهِيمَ، والإخْبارُ عَنْ جَوابِ قَوْمِهِ، أيْ: وإنْ تُكَذِّبُوا مُحَمَّدًا، فَتَقْدِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ اعْتِراضًا يَرُدُّ عَلى أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ، حَيْثُ زَعَمَ أنَّ الِاعْتِراضَ لا يَكُونُ جُمْلَتَيْنِ فَأكْثَرَ، وفائِدَةُ هَذا الِاعْتِراضِ أنَّهُ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، حَيْثُ كانَ قَدِ ابْتُلِيَ بِمِثْلِ ما كانَ أبُوهُ إبْراهِيمُ قَدِ ابْتُلِيَ مِن شِرْكِ قَوْمِهِ وعِبادَتِهِمُ الأوْثانَ وتَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ ومُحاوَلَتِهِمْ قَتْلَهُ. وجاءَتِ الآياتُ بَعْدَ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ مُقَرِّرَةً لِما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ ودَلائِلِهِ وذِكْرِ آثارِ قُدْرَتِهِ والمَعادِ.

العنكبوت 29:22

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا فَأخَذَهُمُ الطُّوفانُ وهم ظالِمُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأصْحابَ السَّفِينَةِ وجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿وإبْراهِيمَ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿إنَّما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا وتَخْلُقُونَ إفْكًا إنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا فابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ واعْبُدُوهُ واشْكُرُوا لَهُ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿وإنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِن قَبْلِكم وما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأ الخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأةَ الآخِرَةَ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ وإلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ ولِقائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِن رَحْمَتِي وأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢٤] ﴿وقالَ إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا ومَأْواكُمُ النّارُ وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٥] . (p-١٤٥)ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ تَسْلِيَةً لِرَسُولِ اللَّهِ، لِما كانَ يَلْقى مِن أذى الكُفّارِ. فَذَكَرَ ما لَقِيَ أوَّلُ الرُّسُلِ، وهو نُوحٌ، مِن أذى قَوْمِهِ، المُدَدَ المُتَطاوِلَةَ، تَسْلِيَةً لِخاتَمِ الرُّسُلِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ. والواوُ في (ولَقَدْ) واوُ عَطْفٍ، عَطَفَتْ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والقَسَمُ فِيها بِعِيدٌ، يَعْنِي أنْ يَكُونَ المُقْسَمُ بِهِ قَدْ حُذِفَ وبَقِيَ حَرْفُهُ وجَوابُهُ، وفِيهِ حَذْفُ المَجْرُورِ وإبْقاءُ حَرْفِ الجارِّ، وحَرْفُ الجَرِّ لا يُعَلَّقُ عَنْ عَمَلِهِ، بَلْ لا بُدَّ لَهُ مِن ذِكْرِهِ. والظّاهِرُ أنَّهُ أقامَ في قَوْمِهِ هَذِهِ المُدَّةَ المَذْكُورَةَ يَدْعُوهم إلى اللَّهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ المُدَّةُ المَذْكُورَةُ مُدَّةَ إقامَتِهِ في قَوْمِهِ، مِن لَدُنْ مَوْلِدِهِ إلى غَرَقِ قَوْمِهِ. انْتَهى. ولَيْسَ عِنْدِي مُحْتَمَلًا؛ لِأنَّ اللُّبْثَ مُتَعَقِّبٌ بِالفاءِ الدّالَّةِ عَلى التَّعْقِيبِ، واخْتُلِفَ في مِقْدارِ عُمُرِهِ، حِينَ كانَ بُعِثَ وحِينَ ماتَ، اخْتِلافًا مُضْطَرِبًا مُتَكاذِبًا، تَرَكْنا حِكايَتَهُ في كِتابِنا، وهو في كُتُبِ التَّفْسِيرِ. والِاسْتِثْناءُ مِنَ الألْفِ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى جَوازِ الِاسْتِثْناءِ مِنَ العَدَدِ، وفي كَوْنِهِ ثابِتًا مِن لِسانِ العَرَبِ خِلافٌ مَذْكُورٌ في النَّحْوِ، وقَدْ عَمِلَ الفُقَهاءُ المَسائِلَ عَلى جَوازِ ذَلِكَ، وغايَرَ بَيْنَ تَمْيِيزِ المُسْتَثْنى مِنهُ وتَمْيِيزِ المُسْتَثْنى؛ لِأنَّ التَّكْرارَ في الكَلامِ الواحِدِ مُجْتَنَبٌ في البَلاغَةِ، إلّا إذا كانَ لِغَرَضٍ مِن تَفْخِيمٍ، أوْ تَهْوِيلٍ، أوْ تَنْوِيهٍ. ولِأنَّ التَّعْبِيرَ عَنِ المُدَّةِ المَذْكُورَةِ بِما عُبِّرَ بِهِ؛ لِأنَّ ذِكْرَ رَأْسِ العَدَدِ الَّذِي لا رَأْسَ أكْبَرُ مِنهُ أوْقَعُ وأوْصَلُ إلى الغَرَضِ مِنَ اسْتِطالَةِ السّامِعِ مُدَّةَ صَبْرِهِ، ولِإزالَةِ التَّوَهُّمِ الَّذِي يَجِيءُ مَعَ قَوْلِهِ: تِسْعُمِائَةٍ وخَمْسُونَ عامًا، بِأنَّ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ لا التَّمامِ، والِاسْتِثْناءُ يَرْفَعُ ذَلِكَ التَّوَهُّمَ المَجازِيَّ. وتَقَدَّمَتْ وقْعَةُ نُوحٍ بِأكْمَلِ مِمّا هُنا، والخِلافُ في عَدَدِ مَن آمَنَ ودَخَلَ السَّفِينَةَ. والضَّمِيرُ في (وجَعَلْناها) يَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ عَلى (السَّفِينَةِ) وأنْ يَعُودَ عَلى الحادِثَةِ والقِصَّةِ، وأفْرَدَ (آيَةً) وجاءَ بِالفاصِلَةِ (لِلْعالَمِينَ) لِأنَّ إنْجاءَ السُّفُنِ أمْرٌ مَعْهُودٌ. فالآيَةُ إنْجاؤُهُ تَعالى أصْحابَ السَّفِينَةِ وقْتَ الحاجَةِ، ولِأنَّها بَقِيَتْ أعْوامًا حَتّى مَرَّ عَلَيْها النّاسُ ورَأوْها، فَحَصَلَ العِلْمُ بِها لَهم، فَناسَبَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: (لِلْعالَمِينَ) وانْتَصَبَ (إبْراهِيمَ) عَطْفًا عَلى (نُوحًا) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أوْ عَلى الضَّمِيرِ في (فَأنْجَيْناهُ) . وقالَ هو والزَّمَخْشَرِيُّ: بِتَقْدِيرِ ”اذْكُرُوا“ بَدَلٍ مِنهُ، إذْ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنهُ؛ لِأنَّ الأحْيانَ تَشْتَمِلُ عَلى ما فِيها، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا أنَّ إذْ ظَرْفٌ لا يَتَطَرَّفُ، فَلا يَكُونُ مَفْعُولًا بِهِ، وقَدْ كَثُرَ تَمْثِيلُ المُعْرِبِينَ، إذْ في القُرْآنِ بِأنَّ العامِلَ فِيها اذْكُرْ، وإذا كانَتْ ظَرْفًا لِما مَضى، فَهو لَوْ كانَ مُنْصَرِفًا، لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِـ: ”اذْكُرْ“؛ لِأنَّ المُسْتَقْبَلَ لا يَقَعُ في الماضِي، لا يَجُوزُ: ثُمَّ أمْسِ، فَإنْ كانَ خُلِعَ مِنَ الظَّرْفِيَّةِ الماضِيَةِ وتَصَرَّفَ فِيهِ، جازَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ ومَعْمُولًا لِـ: اذْكُرْ. وقَرَأ النَّخَعِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ، وأبُو حَنِيفَةَ، وإبْراهِيمُ: بِالرَّفْعِ، أيْ: ومِنَ المُرْسَلِينَ إبْراهِيمُ. وهَذِهِ القِصَّةُ تَمْثِيلٌ لِقُرَيْشٍ، وتَذْكِيرٌ لِحالِ أبِيهِمْ إبْراهِيمَ مِن رَفْضِ الأصْنامِ، والدَّعْوى إلى عِبادَةِ اللَّهِ، وكانَ نَمْرُوذُ وأهْلُ مَدِينَتِهِ عُبّادَ أصْنامٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وتَخْلُقُونَ﴾ مُضارِعَ خَلَقَ ﴿إفْكًا﴾ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الفاءِ. وقَرَأ عَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، وعَوْنٌ العُقَيْلِيُّ، وعُبادَةُ، وابْنُ أبِي لَيْلى، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِفَتْحِ التّاءِ والخاءِ واللّامِ مُشَدَّدَةً. قالَ ابْنُ مُجاهِدٍ: رُوِيَتْ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، أصْلُهُ: تَتَخَلَّقُونَ، بِتاءَيْنِ، فَحُذِفَتْ إحْداهُما عَلى الخِلافِ الَّذِي في المَحْذُوفَةِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ أيْضًا، فِيما ذَكَرَ الأهْوازِيُّ: ”تُخَلِّقُونَ“، مِن خَلَّقَ المُشَدَّدِ. وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ، وفُضَيْلُ بْنُ زُرْقانَ: ”أفِكًا“، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وكَسْرِ الفاءِ، وهو مَصْدَرٌ مِثْلُ الكَذِبِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿وتَخْلُقُونَ إفْكًا﴾ هو نَحْتُ الأصْنامِ وخَلْقُها، سَمّاها إفْكًا تَوَسُّعًا مِن حَيْثُ يَفْتَرُونَ بِها الإفْكَ في أنَّها آلِهَةٌ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو اخْتِلاقُ الكَذِبِ في أمْرِ (p-١٤٦)الأوْثانِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ”إفْكًا“ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ مَصْدَرًا نَحْوَ: كِذْبٍ ولِعْبٍ، والإفْكُ مُخَفَّفٌ مِنهُ، كالكِذْبِ واللِّعْبِ مِن أصْلِهِما، وأنْ تَكُونَ صِفَةً عَلى فِعْلٍ، أيْ: خَلْقًا إفْكًا، ذا إفْكٍ وباطِلٍ، واخْتِلاقُهُمُ الإفْكَ تَسْمِيَةُ الأوْثانِ آلِهَةً وشُرَكاءَ لِلَّهِ وشُفَعاءَ إلَيْهِ، أوْ سَمّى الأصْنامَ إفْكًا، وعَمَلَهم لَها ونَحْتَهم خَلْقًا لِلْإفْكِ. انْتَهى. وهَذا التَّرْدِيدُ مِنهُ في نَحْوِ: ﴿وتَخْلُقُونَ إفْكًا﴾ قَوْلانِ لِابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا نَقْلُهُما عَنْهُما ونَفْيُهم بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا﴾ عَلى جِهَةِ الِاحْتِجاجِ بِأمْرٍ يَفْهَمُهُ عامَّتُهم وخاصَّتُهم، فَقَرَّرَ أنَّ الأصْنامَ لا تُرْزَقُ، والرِّزْقُ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ المَصْدَرَ: لا يَمْلِكُونَ أنْ يَرْزُقُوكم شَيْئًا مِنَ الرِّزْقِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمَ المَرْزُوقِ، أيْ: لا يَمْلِكُونَ لَكم إيتاءَ رِزْقٍ ولا تَحْصِيلَهُ، وخُصَّ الرِّزْقُ لِمَكانَتِهِ مِنَ الخَلْقِ. ثُمَّ أمَرَهم بِابْتِغاءِ الرِّزْقِ مِمَّنْ هو يَمْلِكُهُ ويُؤْتِيهِ، وذَكَرَ الرِّزْقَ لِأنَّ المَقْصُودَ أنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنهُ، وعَرَّفَهُ بَعْدُ؛ لِدَلالَتِهِ عَلى العُمُومِ؛ لِأنَّهُ تَعالى عِنْدَهُ الأرْزاقُ كُلُّها. ﴿واشْكُرُوا لَهُ﴾ عَلى نِعَمِهِ السّابِغَةِ مِنَ الرِّزْقِ وغَيْرِهِ. ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٥] أيْ: إلى جَزائِهِ، أخْبَرَ بِالمَعادِ والحَشْرِ. ثُمَّ قالَ: ﴿وإنْ تُكَذِّبُوا﴾ أيْ: لَيْسَ هَذا مُبْتَكَرًا مِنكم، وقَدْ سَبَقَ ذَلِكَ مِن أُمَمِ الرُّسُلِ، قِيلَ: قَوْمُ شِيثَ وإدْرِيسَ وغَيْرِهِمْ. ورُوِيَ أنَّ إدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلامُ عاشَ في قَوْمِهِ ألْفَ سَنَةٍ، فَآمَنَ بِهِ ألْفُ إنْسانٍ عَلى عَدَدِ سِنِينِهِ، وباقِيهِمْ عَلى التَّكْذِيبِ. ﴿وما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ، بِخِلافٍ عَنْهُ: تَرَوْا، بِتاءِ الخِطابِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِالياءِ. والجُمْهُورُ: (يُبْدِئُ)، مُضارِعَ أبْدَأ؛ والزُّبَيْرُ، وعِيسى، وأبُو عَمْرٍو: بِخِلافٍ عَنْهُ: ”يَبْدَأُ“، مُضارِعَ بَدَأ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: ﴿كَيْفَ بَدَأ الخَلْقَ﴾ بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ بِإبْدالِها ألِفًا، فَذَهَبَتْ في الوَصْلِ، وهو تَخْفِيفٌ غَيْرُ قِياسِيٍّ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎فارْعَيْ فَزارَةُ لا هَناكِ المَرْتَعُ وقِياسُ تَخْفِيفِ هَذا التَّسْهِيلِ بَيْنَ بَيْنَ، وتَقْرِيرُهم عَلى رُؤْيَةِ بَدْءِ الخَلْقِ في قَوْلِهِ: (أوَلَمْ يَرَوْا) وفي: ﴿فانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأ الخَلْقَ﴾ إنَّما هو لِمُشاهَدَتِهِمْ إحْياءَ الأرْضِ بِالنَّباتِ، وإخْراجَ أشْياءَ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، وقَوْلُهُ: (ثُمَّ يُعِيدُهُ) وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ﴾ لَيْسَ داخِلًا تَحْتَ الرُّؤْيَةِ ولا تَحْتَ النَّظَرِ، فَلَيْسَ (ثُمَّ يُعِيدُهُ) مَعْطُوفًا عَلى (يُبْدِئُ)، ولا (ثُمَّ يُنْشِئُ) داخِلًا تَحْتَ كَيْفِيَّةِ النَّظَرِ في البَدْءِ، بَلْ هُما جُمْلَتانِ مُسْتَأْنَفَتانِ، إخْبارًا مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالإعادَةِ بَعْدَ المَوْتِ. وقُدِّمَ ما قَبْلَ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ عَلى سَبِيلِ الدَّلالَةِ عَلى إمْكانِ ذَلِكَ، فَإذا أمْكَنَ ذَلِكَ وأخْبَرَ الصّادِقُ بِوُقُوعِهِ، صارَ واجِبًا مَقْطُوعًا بِعامَّةٍ، ولا شَكَّ فِيهِ. وقالَ قَتادَةُ: (أوَلَمْ يَرَوْا) بِالدَّلائِلِ والنَّظَرِ كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُعِيدَ اللَّهُ الأجْسامَ بَعْدَ المَوْتِ ؟ وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: المَعْنى: كَيْفَ يَبْدَأُ خَلْقَ الإنْسانِ ثُمَّ يُعِيدُهُ إلى أحْوالٍ أُخَرَ، حَتّى إلى التُّرابِ ؟ وقالَ مُقاتِلٌ: الخَلْقُ هُنا اللَّيْلُ والنَّهارُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: النَّشاءَةُ هُنا، وفي النَّجْمِ والواقِعَةِ عَلى وزْنِ فَعالَةٍ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: النَّشْأةُ، عَلى وزْنِ فَعْلَةٍ، وهُما كالرَّآفَةِ والرَّأْفَةِ، وهُما لُغَتانِ، والقَصْرُ أشْهَرُ، وانْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِ، إمّا عَلى غَيْرِ المَصْدَرِ قامَ مَقامَ الإنْشاءِ، وإمّا عَلى إضْمارِ فِعْلِهِ، أيْ: فَتُنَشَّئُونَ النَّشْأةَ. وفِي الآيَةِ الأُولى صَرَّحَ بِاسْمِهِ تَعالى في قَوْلِهِ: (كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الخَلْقَ، ثُمَّ أُضْمِرَ في قَوْلِهِ ( ثُمَّ يُعِيدُهُ) وهُنا عَكَسَ أُضْمِرُ في ”بَدَأ“ ثُمَّ أبْرَزَهُ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ﴾ حَتّى لا تَخْلُوَ الجُمْلَتانِ مِن صَرِيحِ اسْمِهِ. ودَلَّ إبْرازُهُ هُنا عَلى تَفْخِيمِ النَّشْأةِ الآخِرَةِ، وتَعْظِيمِ أمْرِها، وتَقْرِيرِ وجُودِها، إذْ كانَ نِزاعُ الكُفّارِ فِيها، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ ذَلِكَ الَّذِي بَدَأ الخَلْقَ هو الَّذِي ﴿يُنْشِئُ النَّشْأةَ الآخِرَةَ﴾ فَكانَ التَّصْرِيحُ بِاسْمِهِ أفْخَمَ في إسْنادِ النَّشْأةِ إلَيْهِ. والآخِرَةُ صِفَةٌ لِلنَّشْأةِ، فَهُما نَشْأتانِ: نَشْأةُ اخْتِراعٍ مِنَ العَدَمِ، ونَشْأةُ إعادَةٍ. ثُمَّ ذَكَرَ الصِّفَةَ الَّتِي النَّشْأةُ هي بَعْضُ مَقْدُوراتِها. ثُمَّ أخْبَرَ بِأنَّهُ ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ أيْ: تَعْذِيبَهُ ﴿ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ﴾ رَحْمَتَهُ، وبَدَأ بِالعَذابِ؛ لِأنَّ الكَلامَ هو مَعَ الكُفّارِ مُكَذِّبِي الرُّسُلِ. ﴿وإلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ أيْ: تُرَدُّونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومُتَعَلَّقُ (p-١٤٧)المَشِيئَتَيْنِ مُفَسَّرٌ مُبَيَّنٌ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ، وهو يَسْتَوْجِبُهُما مِنَ الكافِرِ والفاسِقِ إذا لَمْ يَتُوبا، ومِنَ المَعْصُومِ والتّائِبِ. انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أيْ: فائِتِينَ ما أرادَ اللَّهُ لَكم. (في الأرْضِ ولا في السَّماءِ) إنْ حُمِلَ (السَّماءِ) عَلى العُلُوِّ فَجائِزٌ، أيْ: في البُرُوجِ والقِلاعِ الذّاهِبَةِ في العُلُوِّ، ويَكُونُ تَخْصِيصًا بَعْدَ تَعْمِيمٍ، أوْ عَلى المِظَلَّةِ، فَيَحْتاجُ إلى تَقْرِيرٍ، أيْ: لَوْ صِرْتُمْ فِيها، ونَظِيرُهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎ولَوْ كُنْتَ في جُبٍّ ثَمانِينَ قامَةً ∗∗∗ ورُقِّيتَ أسْبابَ السَّماءِ بِسُلَّمِ ؎لَيَعْتَوِرَنْكَ القَوْلُ حَتّى تَهُرَّهُ ∗∗∗ وتَعْلَمَ أنِّي فِيكَ لَسْتُ بِمُحْرِمِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الرحمن: ٣٣] عَلى تَقْدِيرِ الحُكْمِ لَوْ كُنْتُمْ فِيها ﴿والأرْضِ فانْفُذُوا﴾ [الرحمن: ٣٣] . وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، والفَرّاءُ: التَّقْدِيرُ: ولا مَن في السَّماءِ، أيْ: يَعْجِزُ إنْ عَصى. وقالَ الفَرّاءُ: وهَذا مِن غَوامِضِ العَرَبِيَّةِ، وأنْشَدَ قَوْلَ حَسّانَ: ؎فَمَن يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنكم ∗∗∗ ويَمْدَحُهُ ويَنْصُرُهُ سَواءُ أيْ: ومَن يَنْصُرُهُ، وهَذا عِنْدَ البَصْرِيِّينَ لا يَكُونُ إلّا في الشِّعْرِ؛ لِأنَّ فِيهِ حَذْفَ المَوْصُولِ وإبْقاءَ صِلَتِهِ. وأبْعَدُ مِن هَذا القَوْلِ قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ التَّقْدِيرَ: وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ مَن في الأرْضِ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ، ولا مَن في السَّماءِ مِنَ المَلائِكَةِ، فَكَيْفَ تُعْجِزُونَ اللَّهَ ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَئِسُوا) بِالهَمْزِ؛ والذِّمارِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ: بِغَيْرِ هَمْزٍ، بَلْ بِياءٍ بَدَلَ الهَمْزَةِ، وهو وعِيدٌ، أيْ: يَيْئَسُونَ يَوْمَ القِيامَةِ. وقِيلَ: ﴿مِن رَحْمَتِي﴾ . وقِيلَ: مِن دِينِي، فَلا أهْدِيهِمْ. وقِيلَ: هو وصْفٌ بِحالِهِمْ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ يَكُونُ دائِمًا راجِيًا خائِفًا، والكافِرَ لا يَخْطُرُ بِبالِهِ ذَلِكَ. شَبَّهَ حالَهم في انْتِفاءِ رَحْمَتِهِ عَنْهم بِحالِ مَن يَئِسَ مِنَ الرَّحْمَةِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَ: ﴿وإنْ تُكَذِّبُوا﴾ مِن كَلامِ اللَّهِ، حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ، إلى قَوْلِهِ: (عَذابٌ ألِيمٌ) . وقِيلَ: هَذِهِ الآياتُ اعْتِراضٌ مِن كَلامِ اللَّهِ بَيْنَ كَلامِ إبْراهِيمَ، والإخْبارُ عَنْ جَوابِ قَوْمِهِ، أيْ: وإنْ تُكَذِّبُوا مُحَمَّدًا، فَتَقْدِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ اعْتِراضًا يَرُدُّ عَلى أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ، حَيْثُ زَعَمَ أنَّ الِاعْتِراضَ لا يَكُونُ جُمْلَتَيْنِ فَأكْثَرَ، وفائِدَةُ هَذا الِاعْتِراضِ أنَّهُ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، حَيْثُ كانَ قَدِ ابْتُلِيَ بِمِثْلِ ما كانَ أبُوهُ إبْراهِيمُ قَدِ ابْتُلِيَ مِن شِرْكِ قَوْمِهِ وعِبادَتِهِمُ الأوْثانَ وتَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ ومُحاوَلَتِهِمْ قَتْلَهُ. وجاءَتِ الآياتُ بَعْدَ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ مُقَرِّرَةً لِما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ ودَلائِلِهِ وذِكْرِ آثارِ قُدْرَتِهِ والمَعادِ.

العنكبوت 29:23

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا فَأخَذَهُمُ الطُّوفانُ وهم ظالِمُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأصْحابَ السَّفِينَةِ وجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿وإبْراهِيمَ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿إنَّما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا وتَخْلُقُونَ إفْكًا إنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا فابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ واعْبُدُوهُ واشْكُرُوا لَهُ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿وإنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِن قَبْلِكم وما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأ الخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأةَ الآخِرَةَ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ وإلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ ولِقائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِن رَحْمَتِي وأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢٤] ﴿وقالَ إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا ومَأْواكُمُ النّارُ وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٥] . (p-١٤٥)ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ تَسْلِيَةً لِرَسُولِ اللَّهِ، لِما كانَ يَلْقى مِن أذى الكُفّارِ. فَذَكَرَ ما لَقِيَ أوَّلُ الرُّسُلِ، وهو نُوحٌ، مِن أذى قَوْمِهِ، المُدَدَ المُتَطاوِلَةَ، تَسْلِيَةً لِخاتَمِ الرُّسُلِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ. والواوُ في (ولَقَدْ) واوُ عَطْفٍ، عَطَفَتْ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والقَسَمُ فِيها بِعِيدٌ، يَعْنِي أنْ يَكُونَ المُقْسَمُ بِهِ قَدْ حُذِفَ وبَقِيَ حَرْفُهُ وجَوابُهُ، وفِيهِ حَذْفُ المَجْرُورِ وإبْقاءُ حَرْفِ الجارِّ، وحَرْفُ الجَرِّ لا يُعَلَّقُ عَنْ عَمَلِهِ، بَلْ لا بُدَّ لَهُ مِن ذِكْرِهِ. والظّاهِرُ أنَّهُ أقامَ في قَوْمِهِ هَذِهِ المُدَّةَ المَذْكُورَةَ يَدْعُوهم إلى اللَّهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ المُدَّةُ المَذْكُورَةُ مُدَّةَ إقامَتِهِ في قَوْمِهِ، مِن لَدُنْ مَوْلِدِهِ إلى غَرَقِ قَوْمِهِ. انْتَهى. ولَيْسَ عِنْدِي مُحْتَمَلًا؛ لِأنَّ اللُّبْثَ مُتَعَقِّبٌ بِالفاءِ الدّالَّةِ عَلى التَّعْقِيبِ، واخْتُلِفَ في مِقْدارِ عُمُرِهِ، حِينَ كانَ بُعِثَ وحِينَ ماتَ، اخْتِلافًا مُضْطَرِبًا مُتَكاذِبًا، تَرَكْنا حِكايَتَهُ في كِتابِنا، وهو في كُتُبِ التَّفْسِيرِ. والِاسْتِثْناءُ مِنَ الألْفِ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى جَوازِ الِاسْتِثْناءِ مِنَ العَدَدِ، وفي كَوْنِهِ ثابِتًا مِن لِسانِ العَرَبِ خِلافٌ مَذْكُورٌ في النَّحْوِ، وقَدْ عَمِلَ الفُقَهاءُ المَسائِلَ عَلى جَوازِ ذَلِكَ، وغايَرَ بَيْنَ تَمْيِيزِ المُسْتَثْنى مِنهُ وتَمْيِيزِ المُسْتَثْنى؛ لِأنَّ التَّكْرارَ في الكَلامِ الواحِدِ مُجْتَنَبٌ في البَلاغَةِ، إلّا إذا كانَ لِغَرَضٍ مِن تَفْخِيمٍ، أوْ تَهْوِيلٍ، أوْ تَنْوِيهٍ. ولِأنَّ التَّعْبِيرَ عَنِ المُدَّةِ المَذْكُورَةِ بِما عُبِّرَ بِهِ؛ لِأنَّ ذِكْرَ رَأْسِ العَدَدِ الَّذِي لا رَأْسَ أكْبَرُ مِنهُ أوْقَعُ وأوْصَلُ إلى الغَرَضِ مِنَ اسْتِطالَةِ السّامِعِ مُدَّةَ صَبْرِهِ، ولِإزالَةِ التَّوَهُّمِ الَّذِي يَجِيءُ مَعَ قَوْلِهِ: تِسْعُمِائَةٍ وخَمْسُونَ عامًا، بِأنَّ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ لا التَّمامِ، والِاسْتِثْناءُ يَرْفَعُ ذَلِكَ التَّوَهُّمَ المَجازِيَّ. وتَقَدَّمَتْ وقْعَةُ نُوحٍ بِأكْمَلِ مِمّا هُنا، والخِلافُ في عَدَدِ مَن آمَنَ ودَخَلَ السَّفِينَةَ. والضَّمِيرُ في (وجَعَلْناها) يَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ عَلى (السَّفِينَةِ) وأنْ يَعُودَ عَلى الحادِثَةِ والقِصَّةِ، وأفْرَدَ (آيَةً) وجاءَ بِالفاصِلَةِ (لِلْعالَمِينَ) لِأنَّ إنْجاءَ السُّفُنِ أمْرٌ مَعْهُودٌ. فالآيَةُ إنْجاؤُهُ تَعالى أصْحابَ السَّفِينَةِ وقْتَ الحاجَةِ، ولِأنَّها بَقِيَتْ أعْوامًا حَتّى مَرَّ عَلَيْها النّاسُ ورَأوْها، فَحَصَلَ العِلْمُ بِها لَهم، فَناسَبَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: (لِلْعالَمِينَ) وانْتَصَبَ (إبْراهِيمَ) عَطْفًا عَلى (نُوحًا) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أوْ عَلى الضَّمِيرِ في (فَأنْجَيْناهُ) . وقالَ هو والزَّمَخْشَرِيُّ: بِتَقْدِيرِ ”اذْكُرُوا“ بَدَلٍ مِنهُ، إذْ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنهُ؛ لِأنَّ الأحْيانَ تَشْتَمِلُ عَلى ما فِيها، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا أنَّ إذْ ظَرْفٌ لا يَتَطَرَّفُ، فَلا يَكُونُ مَفْعُولًا بِهِ، وقَدْ كَثُرَ تَمْثِيلُ المُعْرِبِينَ، إذْ في القُرْآنِ بِأنَّ العامِلَ فِيها اذْكُرْ، وإذا كانَتْ ظَرْفًا لِما مَضى، فَهو لَوْ كانَ مُنْصَرِفًا، لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِـ: ”اذْكُرْ“؛ لِأنَّ المُسْتَقْبَلَ لا يَقَعُ في الماضِي، لا يَجُوزُ: ثُمَّ أمْسِ، فَإنْ كانَ خُلِعَ مِنَ الظَّرْفِيَّةِ الماضِيَةِ وتَصَرَّفَ فِيهِ، جازَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ ومَعْمُولًا لِـ: اذْكُرْ. وقَرَأ النَّخَعِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ، وأبُو حَنِيفَةَ، وإبْراهِيمُ: بِالرَّفْعِ، أيْ: ومِنَ المُرْسَلِينَ إبْراهِيمُ. وهَذِهِ القِصَّةُ تَمْثِيلٌ لِقُرَيْشٍ، وتَذْكِيرٌ لِحالِ أبِيهِمْ إبْراهِيمَ مِن رَفْضِ الأصْنامِ، والدَّعْوى إلى عِبادَةِ اللَّهِ، وكانَ نَمْرُوذُ وأهْلُ مَدِينَتِهِ عُبّادَ أصْنامٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وتَخْلُقُونَ﴾ مُضارِعَ خَلَقَ ﴿إفْكًا﴾ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الفاءِ. وقَرَأ عَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، وعَوْنٌ العُقَيْلِيُّ، وعُبادَةُ، وابْنُ أبِي لَيْلى، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِفَتْحِ التّاءِ والخاءِ واللّامِ مُشَدَّدَةً. قالَ ابْنُ مُجاهِدٍ: رُوِيَتْ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، أصْلُهُ: تَتَخَلَّقُونَ، بِتاءَيْنِ، فَحُذِفَتْ إحْداهُما عَلى الخِلافِ الَّذِي في المَحْذُوفَةِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ أيْضًا، فِيما ذَكَرَ الأهْوازِيُّ: ”تُخَلِّقُونَ“، مِن خَلَّقَ المُشَدَّدِ. وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ، وفُضَيْلُ بْنُ زُرْقانَ: ”أفِكًا“، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وكَسْرِ الفاءِ، وهو مَصْدَرٌ مِثْلُ الكَذِبِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿وتَخْلُقُونَ إفْكًا﴾ هو نَحْتُ الأصْنامِ وخَلْقُها، سَمّاها إفْكًا تَوَسُّعًا مِن حَيْثُ يَفْتَرُونَ بِها الإفْكَ في أنَّها آلِهَةٌ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو اخْتِلاقُ الكَذِبِ في أمْرِ (p-١٤٦)الأوْثانِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ”إفْكًا“ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ مَصْدَرًا نَحْوَ: كِذْبٍ ولِعْبٍ، والإفْكُ مُخَفَّفٌ مِنهُ، كالكِذْبِ واللِّعْبِ مِن أصْلِهِما، وأنْ تَكُونَ صِفَةً عَلى فِعْلٍ، أيْ: خَلْقًا إفْكًا، ذا إفْكٍ وباطِلٍ، واخْتِلاقُهُمُ الإفْكَ تَسْمِيَةُ الأوْثانِ آلِهَةً وشُرَكاءَ لِلَّهِ وشُفَعاءَ إلَيْهِ، أوْ سَمّى الأصْنامَ إفْكًا، وعَمَلَهم لَها ونَحْتَهم خَلْقًا لِلْإفْكِ. انْتَهى. وهَذا التَّرْدِيدُ مِنهُ في نَحْوِ: ﴿وتَخْلُقُونَ إفْكًا﴾ قَوْلانِ لِابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا نَقْلُهُما عَنْهُما ونَفْيُهم بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا﴾ عَلى جِهَةِ الِاحْتِجاجِ بِأمْرٍ يَفْهَمُهُ عامَّتُهم وخاصَّتُهم، فَقَرَّرَ أنَّ الأصْنامَ لا تُرْزَقُ، والرِّزْقُ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ المَصْدَرَ: لا يَمْلِكُونَ أنْ يَرْزُقُوكم شَيْئًا مِنَ الرِّزْقِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمَ المَرْزُوقِ، أيْ: لا يَمْلِكُونَ لَكم إيتاءَ رِزْقٍ ولا تَحْصِيلَهُ، وخُصَّ الرِّزْقُ لِمَكانَتِهِ مِنَ الخَلْقِ. ثُمَّ أمَرَهم بِابْتِغاءِ الرِّزْقِ مِمَّنْ هو يَمْلِكُهُ ويُؤْتِيهِ، وذَكَرَ الرِّزْقَ لِأنَّ المَقْصُودَ أنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنهُ، وعَرَّفَهُ بَعْدُ؛ لِدَلالَتِهِ عَلى العُمُومِ؛ لِأنَّهُ تَعالى عِنْدَهُ الأرْزاقُ كُلُّها. ﴿واشْكُرُوا لَهُ﴾ عَلى نِعَمِهِ السّابِغَةِ مِنَ الرِّزْقِ وغَيْرِهِ. ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٥] أيْ: إلى جَزائِهِ، أخْبَرَ بِالمَعادِ والحَشْرِ. ثُمَّ قالَ: ﴿وإنْ تُكَذِّبُوا﴾ أيْ: لَيْسَ هَذا مُبْتَكَرًا مِنكم، وقَدْ سَبَقَ ذَلِكَ مِن أُمَمِ الرُّسُلِ، قِيلَ: قَوْمُ شِيثَ وإدْرِيسَ وغَيْرِهِمْ. ورُوِيَ أنَّ إدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلامُ عاشَ في قَوْمِهِ ألْفَ سَنَةٍ، فَآمَنَ بِهِ ألْفُ إنْسانٍ عَلى عَدَدِ سِنِينِهِ، وباقِيهِمْ عَلى التَّكْذِيبِ. ﴿وما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ، بِخِلافٍ عَنْهُ: تَرَوْا، بِتاءِ الخِطابِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِالياءِ. والجُمْهُورُ: (يُبْدِئُ)، مُضارِعَ أبْدَأ؛ والزُّبَيْرُ، وعِيسى، وأبُو عَمْرٍو: بِخِلافٍ عَنْهُ: ”يَبْدَأُ“، مُضارِعَ بَدَأ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: ﴿كَيْفَ بَدَأ الخَلْقَ﴾ بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ بِإبْدالِها ألِفًا، فَذَهَبَتْ في الوَصْلِ، وهو تَخْفِيفٌ غَيْرُ قِياسِيٍّ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎فارْعَيْ فَزارَةُ لا هَناكِ المَرْتَعُ وقِياسُ تَخْفِيفِ هَذا التَّسْهِيلِ بَيْنَ بَيْنَ، وتَقْرِيرُهم عَلى رُؤْيَةِ بَدْءِ الخَلْقِ في قَوْلِهِ: (أوَلَمْ يَرَوْا) وفي: ﴿فانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأ الخَلْقَ﴾ إنَّما هو لِمُشاهَدَتِهِمْ إحْياءَ الأرْضِ بِالنَّباتِ، وإخْراجَ أشْياءَ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، وقَوْلُهُ: (ثُمَّ يُعِيدُهُ) وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ﴾ لَيْسَ داخِلًا تَحْتَ الرُّؤْيَةِ ولا تَحْتَ النَّظَرِ، فَلَيْسَ (ثُمَّ يُعِيدُهُ) مَعْطُوفًا عَلى (يُبْدِئُ)، ولا (ثُمَّ يُنْشِئُ) داخِلًا تَحْتَ كَيْفِيَّةِ النَّظَرِ في البَدْءِ، بَلْ هُما جُمْلَتانِ مُسْتَأْنَفَتانِ، إخْبارًا مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالإعادَةِ بَعْدَ المَوْتِ. وقُدِّمَ ما قَبْلَ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ عَلى سَبِيلِ الدَّلالَةِ عَلى إمْكانِ ذَلِكَ، فَإذا أمْكَنَ ذَلِكَ وأخْبَرَ الصّادِقُ بِوُقُوعِهِ، صارَ واجِبًا مَقْطُوعًا بِعامَّةٍ، ولا شَكَّ فِيهِ. وقالَ قَتادَةُ: (أوَلَمْ يَرَوْا) بِالدَّلائِلِ والنَّظَرِ كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُعِيدَ اللَّهُ الأجْسامَ بَعْدَ المَوْتِ ؟ وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: المَعْنى: كَيْفَ يَبْدَأُ خَلْقَ الإنْسانِ ثُمَّ يُعِيدُهُ إلى أحْوالٍ أُخَرَ، حَتّى إلى التُّرابِ ؟ وقالَ مُقاتِلٌ: الخَلْقُ هُنا اللَّيْلُ والنَّهارُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: النَّشاءَةُ هُنا، وفي النَّجْمِ والواقِعَةِ عَلى وزْنِ فَعالَةٍ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: النَّشْأةُ، عَلى وزْنِ فَعْلَةٍ، وهُما كالرَّآفَةِ والرَّأْفَةِ، وهُما لُغَتانِ، والقَصْرُ أشْهَرُ، وانْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِ، إمّا عَلى غَيْرِ المَصْدَرِ قامَ مَقامَ الإنْشاءِ، وإمّا عَلى إضْمارِ فِعْلِهِ، أيْ: فَتُنَشَّئُونَ النَّشْأةَ. وفِي الآيَةِ الأُولى صَرَّحَ بِاسْمِهِ تَعالى في قَوْلِهِ: (كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الخَلْقَ، ثُمَّ أُضْمِرَ في قَوْلِهِ ( ثُمَّ يُعِيدُهُ) وهُنا عَكَسَ أُضْمِرُ في ”بَدَأ“ ثُمَّ أبْرَزَهُ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ﴾ حَتّى لا تَخْلُوَ الجُمْلَتانِ مِن صَرِيحِ اسْمِهِ. ودَلَّ إبْرازُهُ هُنا عَلى تَفْخِيمِ النَّشْأةِ الآخِرَةِ، وتَعْظِيمِ أمْرِها، وتَقْرِيرِ وجُودِها، إذْ كانَ نِزاعُ الكُفّارِ فِيها، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ ذَلِكَ الَّذِي بَدَأ الخَلْقَ هو الَّذِي ﴿يُنْشِئُ النَّشْأةَ الآخِرَةَ﴾ فَكانَ التَّصْرِيحُ بِاسْمِهِ أفْخَمَ في إسْنادِ النَّشْأةِ إلَيْهِ. والآخِرَةُ صِفَةٌ لِلنَّشْأةِ، فَهُما نَشْأتانِ: نَشْأةُ اخْتِراعٍ مِنَ العَدَمِ، ونَشْأةُ إعادَةٍ. ثُمَّ ذَكَرَ الصِّفَةَ الَّتِي النَّشْأةُ هي بَعْضُ مَقْدُوراتِها. ثُمَّ أخْبَرَ بِأنَّهُ ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ أيْ: تَعْذِيبَهُ ﴿ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ﴾ رَحْمَتَهُ، وبَدَأ بِالعَذابِ؛ لِأنَّ الكَلامَ هو مَعَ الكُفّارِ مُكَذِّبِي الرُّسُلِ. ﴿وإلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ أيْ: تُرَدُّونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومُتَعَلَّقُ (p-١٤٧)المَشِيئَتَيْنِ مُفَسَّرٌ مُبَيَّنٌ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ، وهو يَسْتَوْجِبُهُما مِنَ الكافِرِ والفاسِقِ إذا لَمْ يَتُوبا، ومِنَ المَعْصُومِ والتّائِبِ. انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أيْ: فائِتِينَ ما أرادَ اللَّهُ لَكم. (في الأرْضِ ولا في السَّماءِ) إنْ حُمِلَ (السَّماءِ) عَلى العُلُوِّ فَجائِزٌ، أيْ: في البُرُوجِ والقِلاعِ الذّاهِبَةِ في العُلُوِّ، ويَكُونُ تَخْصِيصًا بَعْدَ تَعْمِيمٍ، أوْ عَلى المِظَلَّةِ، فَيَحْتاجُ إلى تَقْرِيرٍ، أيْ: لَوْ صِرْتُمْ فِيها، ونَظِيرُهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎ولَوْ كُنْتَ في جُبٍّ ثَمانِينَ قامَةً ∗∗∗ ورُقِّيتَ أسْبابَ السَّماءِ بِسُلَّمِ ؎لَيَعْتَوِرَنْكَ القَوْلُ حَتّى تَهُرَّهُ ∗∗∗ وتَعْلَمَ أنِّي فِيكَ لَسْتُ بِمُحْرِمِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الرحمن: ٣٣] عَلى تَقْدِيرِ الحُكْمِ لَوْ كُنْتُمْ فِيها ﴿والأرْضِ فانْفُذُوا﴾ [الرحمن: ٣٣] . وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، والفَرّاءُ: التَّقْدِيرُ: ولا مَن في السَّماءِ، أيْ: يَعْجِزُ إنْ عَصى. وقالَ الفَرّاءُ: وهَذا مِن غَوامِضِ العَرَبِيَّةِ، وأنْشَدَ قَوْلَ حَسّانَ: ؎فَمَن يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنكم ∗∗∗ ويَمْدَحُهُ ويَنْصُرُهُ سَواءُ أيْ: ومَن يَنْصُرُهُ، وهَذا عِنْدَ البَصْرِيِّينَ لا يَكُونُ إلّا في الشِّعْرِ؛ لِأنَّ فِيهِ حَذْفَ المَوْصُولِ وإبْقاءَ صِلَتِهِ. وأبْعَدُ مِن هَذا القَوْلِ قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ التَّقْدِيرَ: وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ مَن في الأرْضِ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ، ولا مَن في السَّماءِ مِنَ المَلائِكَةِ، فَكَيْفَ تُعْجِزُونَ اللَّهَ ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَئِسُوا) بِالهَمْزِ؛ والذِّمارِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ: بِغَيْرِ هَمْزٍ، بَلْ بِياءٍ بَدَلَ الهَمْزَةِ، وهو وعِيدٌ، أيْ: يَيْئَسُونَ يَوْمَ القِيامَةِ. وقِيلَ: ﴿مِن رَحْمَتِي﴾ . وقِيلَ: مِن دِينِي، فَلا أهْدِيهِمْ. وقِيلَ: هو وصْفٌ بِحالِهِمْ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ يَكُونُ دائِمًا راجِيًا خائِفًا، والكافِرَ لا يَخْطُرُ بِبالِهِ ذَلِكَ. شَبَّهَ حالَهم في انْتِفاءِ رَحْمَتِهِ عَنْهم بِحالِ مَن يَئِسَ مِنَ الرَّحْمَةِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَ: ﴿وإنْ تُكَذِّبُوا﴾ مِن كَلامِ اللَّهِ، حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ، إلى قَوْلِهِ: (عَذابٌ ألِيمٌ) . وقِيلَ: هَذِهِ الآياتُ اعْتِراضٌ مِن كَلامِ اللَّهِ بَيْنَ كَلامِ إبْراهِيمَ، والإخْبارُ عَنْ جَوابِ قَوْمِهِ، أيْ: وإنْ تُكَذِّبُوا مُحَمَّدًا، فَتَقْدِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ اعْتِراضًا يَرُدُّ عَلى أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ، حَيْثُ زَعَمَ أنَّ الِاعْتِراضَ لا يَكُونُ جُمْلَتَيْنِ فَأكْثَرَ، وفائِدَةُ هَذا الِاعْتِراضِ أنَّهُ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، حَيْثُ كانَ قَدِ ابْتُلِيَ بِمِثْلِ ما كانَ أبُوهُ إبْراهِيمُ قَدِ ابْتُلِيَ مِن شِرْكِ قَوْمِهِ وعِبادَتِهِمُ الأوْثانَ وتَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ ومُحاوَلَتِهِمْ قَتْلَهُ. وجاءَتِ الآياتُ بَعْدَ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ مُقَرِّرَةً لِما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ ودَلائِلِهِ وذِكْرِ آثارِ قُدْرَتِهِ والمَعادِ.

العنكبوت 29:24

﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وقالَ إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا ومَأْواكُمُ النّارُ ومالَكم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وقالَ إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي إنَّهُ هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ والكِتابَ وآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلى القَوْمِ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿ولَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وقالُوا لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ إلّا امْرَأتَكَ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿إنّا مُنْزِلُونَ عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ تَرَكْنا مِنها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ . (p-١٤٨)لَمّا أمَرَهم بِعِبادَةِ اللَّهِ، وبَيَّنَ سَفَهَهم في عِبادَةِ الأوْثانِ، وظَهَرَتْ حُجَّتُهُ عَلَيْهِمْ، رَجَعُوا إلى الغَلَبَةِ، فَجَعَلُوا القائِمَ مَقامَ جَوابِهِ فِيما أمَرَهم بِهِ قَوْلَهم: ﴿اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ﴾ . والآمِرُونَ بِذَلِكَ، إمّا بَعْضُهم لِبَعْضٍ، أوْ كُبَراؤُهم قالُوا لِأتْباعِهِمُ: اقْتُلُوهُ، فَتَسْتَرِيحُوا مِنهُ عاجِلًا، أوْ حَرِّقُوهُ بِالنّارِ؛ فَإمّا أنْ يَرْجِعَ إلى دِينِكم، إذا أمْضَتْهُ النّارُ؛ وإمّا أنْ يَمُوتَ بِها، إنْ أصَرَّ عَلى قَوْلِهِ ودِينِهِ. وفي الكَلامِ حَذْفٌ، أيْ: حَرِّقُوهُ في النّارِ ﴿فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ﴾ . وتَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُ في تَحْرِيقِهِ في سُورَةِ ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١] . وجَمَعَ هُنا فَقالَ الآياتِ؛ لِأنَّ الإنْجاءَ مِنَ النّارِ، وجَعْلَها بَرْدًا وسَلامًا، وأنَّها في الحَبْلِ الَّذِي كانُوا أوْثَقُوهُ بِهِ دُونَ الجِسْمِ، وإنْ صَحَّ ما نُقِلَ مِن أنَّ مَكانَها، حالَةَ الرَّمْيِ، صارَ بُسْتانًا يانِعًا، هو مَجْمُوعُ آياتٍ، فَناسَبَ الجَمْعَ، بِخِلافِ الإنْجاءِ مِنَ السَّفِينَةِ، فَإنَّهُ آيَةٌ واحِدَةٌ، وتَقَدَّمُ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ مِنَ النّارِ بَعْدَ إلْقائِهِ؛ فِيما قالَ كَعْبٌ: لَمْ يَحْتَرِقْ بِالنّارِ إلّا الحَبْلُ الَّذِي أوْثَقُوهُ بِهِ. وجاءَ هُنا التَّرْدِيدُ بَيْنَ قَتْلِهِ وإحْراقِهِ، فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مِن قائِلِينَ: ناسٌ أشارُوا بِالقَتْلِ، وناسٌ أشارُوا بِالإحْراقِ. وفي (اقْتَرَبَ) قالُوا: (حَرِّقُوهُ) اقْتَصَرُوا عَلى أحَدِ الشَّيْئَيْنِ، وهو الَّذِي فَعَلُوهُ، رَمَوْهُ في النّارِ ولَمْ يَقْتُلُوهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (جَوابَ) بِالنَّصْبِ؛ والحَسَنُ، وسالِمٌ الأفْطَسُ: بِالرَّفْعِ، اسْمًا لِـ: كانَ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ الأصْمَعِيِّ، والأعْمَشُ عَنْ أبِي بَكْرٍ: ”مَوَدَّةٌ“ بِالرَّفْعِ، و”بَيْنَكم“ بِالنَّصْبِ. فالرَّفْعُ عَلى خَبَرِ إنَّ، و”ما“ مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي، أيْ: إنَّ الأوْثانَ الَّتِي اتَّخَذْتُمُوها مَوْدُودًا، أوْ سَبَبَ مَوَدَّةٍ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: إنَّ اتِّخاذَكم أوْثانًا مَوَدَّةً، أوْ عَلى خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هي مَوَدَّةُ بَيْنِكم، وما إذْ ذاكَ مُهَيِّئَةٌ. ورُوِيَ عَنْ عاصِمٍ: ”مَوَدَّةُ“، بِالرَّفْعِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ؛ و”بَيْنَكم“ بِالفَتْحِ، أيْ: بِفَتْحِ النُّونِ، جَعَلَهُ مَبْنِيًّا لِإضافَتِهِ إلى مَبْنِيٍّ، وهو مَوْضِعُ خَفْضٍ بِالإضافَةِ، ولِذَلِكَ سَقَطَ التَّنْوِينُ مِن ”مَوَدَّةُ“ . وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وابْنُ كَثِيرٍ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ خَفَضَ نُونَ (بَيْنِكم) . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ بِنَصْبِ ”مَوَدَّةً“ مُنَوَّنًا ونَصْبِ ”بَيْنَكم“؛ وحَمْزَةُ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ أضافَ ”مَوَدَّةً“ إلى ”بَيْنَكم“ وخَفَضَ، كَما في قِراءَةِ مَن نَصَبَ ”مَوَدَّةً“ مُهَيِّئَةً. و”اتَّخَذَ“ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِمّا تَعَدَّتْ إلى اثْنَيْنِ، والثّانِي هو (مَوَدَّةَ)، أيِ: اتَّخَذْتُمُ الأوْثانَ بِسَبَبِ المَوَدَّةِ بَيْنَكم، عَلى حَذْفِ المُضافِ، أوِ اتَّخَذْتُمُوها مَوَدَّةَ بَيْنِكم، كَقَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] أوْ مِمّا تَعَدَّتْ إلى واحِدٍ، وانْتَصَبَ ”مَوَدَّةَ“ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: لِيَتَوادُّوا ويَتَواصَلُوا ويَجْتَمِعُوا عَلى عِبادَتِها، كَما يَجْتَمِعُ ناسٌ عَلى مَذْهَبٍ، فَيَقَعُ التَّحابُّ بَيْنَهم. وذَكَرُوا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قِراءَةً شاذَّةً تُخالِفُ سَوادَ المُصْحَفِ، مَعَ أنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ ما في سَوادِ المُصْحَفِ بِالنَّقْلِ الصَّحِيحِ المُسْتَفِيضِ، فَلِذَلِكَ لَمْ أذْكُرْ تِلْكَ القِراءَةَ. ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ يَقَعُ بَيْنَكُمُ التَّلاعُنُ، أيْ: فَيُلاعِنُ العَبَدَةُ والمَعْبُوداتُ الأصْنامَ، كَقَوْلِهِ: و﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢] . و(بَيْنَكم) و(في الحَياةِ) يَجُوزُ تَعْلِيقُهُما بِلَفْظِ ”مَوَدَّةَ“ وعَمِلَ في ظَرْفَيْنِ لِاخْتِلافِهِما، إذْ هُما ظَرْفا مَكانٍ وزَمانٍ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقا بِمَحْذُوفَيْنِ، فَيَكُونانِ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، أيْ: كائِنَةً بَيْنَكم في الحَياةِ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ (p-١٤٩)المُسْتَكِنِّ في (بَيْنِكم) . وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَتَعَلَّقَ (في الحَياةِ) . بِـ: ”اتَّخَذْتُمْ“ عَلى جَعْلِ ما كافَّةً، ونَصْبِ (مَوَدَّةَ)، لا عَلى جَعْلِ ما مَوْصُولَةً بِمَعْنى الَّذِي، أوْ مَصْدَرِيَّةً ورَفْعِ ”مَوَدَّةَ“، لِئَلّا يُؤَدِّيَ إلى الفَصْلِ بَيْنَ المَوْصُولِ وما في الصِّلَةِ بِالخَبَرِ. وأجازَ قَوْمٌ مِنهُمُ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَتَعَلَّقَ (في الحَياةِ) بِـ: (مَوَدَّةَ)، وأنْ يَكُونَ (بَيْنِكم) صِفَةً لِـ: (مَوَدَّةَ)، وهو لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ المَصْدَرَ إذا وُصِفَ قَبْلَ أخْذِ مُتَعَلِّقاتِهِ لا يَعْمَلُ، وشُبْهَتُهم في هَذا أنَّهُ يَتَّسِعُ في الظَّرْفِ، بِخِلافِ المَفْعُولِ بِهِ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَتَعَلَّقَ بِنَفْسِ (بَيْنِكم)، قالَ: لِأنَّ مَعْناهُ: اجْتِماعُكم أوْ وصْلُكم. وأجازَ أيْضًا أنْ يَجْعَلَهُ حالًا مِن (بَيْنِكم)، قالَ: لِتَعَرُّفِهِ بِالإضافَةِ. انْتَهى، وهُما إعْرابانِ لا يَتَعَقَّلانِ. ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ لَمْ يُؤْمِن بِإبْراهِيمَ أحَدٌ مِن قَوْمِهِ إلّا لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، حِينَ رَأى النّارَ لَمْ تُحْرِقْهُ، وكانَ ابْنُ أخِي سارَّةَ، أوْ كانَتْ بِنْتَ عَمِّهِ. والضَّمِيرُ في (وقالَ) عائِدٌ عَلى إبْراهِيمَ، وهو الظّاهِرُ، لِيَتَناسَقَ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ﴾ وهو قَوْلُ قَتادَةَ والنَّخَعِيِّ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: يَعُودُ عَلى لُوطٍ، وهاجَرَ، وإبْراهِيمَ، عَلَيْهِمُ السَّلامُ، مِن قَرْيَتِهِما كُوثى، وهي في سَوادِ العِراقِ، مِن أرْضِ بابِلَ، إلى فِلَسْطِينَ مِن أرْضِ الشّامِ. وكانَ إبْراهِيمُ ابْنَ خَمْسٍ وسَبْعِينَ سَنَةً، وهو أوَّلُ مَن هاجَرَ في اللَّهِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هاجَرَ إلى حَرّانَ، ثُمَّ إلى الشّامِ، وفي هِجْرَتِهِ هَذِهِ كانَتْ مَعَهُ سارَّةُ. والمُهاجِرُ: الفارِغُ عَنِ الشَّيْءِ، وهو في عُرْفِ الشَّرِيعَةِ: مَن تَرَكَ وطَنَهُ رَغْبَةً في رِضا اللَّهِ. وعُرِفَ بِهَذا الِاسْمِ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، المُهاجِرُونَ، قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ. (إلى رَبِّي) أيْ: إلى الجِهَةِ الَّتِي أمَرَنِي رَبِّي بِالهِجْرَةِ إلَيْها. وقِيلَ: إلى حَيْثُ لا أُمْنَعُ عِبادَةَ رَبِّي. وقِيلَ: مُهاجِرًا مَن خالَفَنِي مِن قَوْمِي، مُتَقَرِّبًا إلى رَبِّي. ونَزَلَ إبْراهِيمُ قَرْيَةً مِن أرْضِ فِلَسْطِينَ، وتَرَكَ لُوطًا في سَدُومَ، وهي المُؤْتَفِكَةُ، عَلى مَسِيرَةِ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ مِن قَرْيَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ. ﴿إنَّهُ هو العَزِيزُ﴾ الَّذِي لا يُذَلُّ مَن عَبَدَهُ (الحَكِيمُ) الَّذِي يَضَعُ الأشْياءَ مَواضِعَها. والضَّمِيرُ في (ذُرِّيَّتِهِ) عائِدٌ عَلى إبْراهِيمَ. (النُّبُوَّةَ) إسْحاقُ، ويَعْقُوبُ، وأنْبِياءُ بَنِي إسْرائِيلَ، وإسْماعِيلُ، ومُحَمَّدٌ خاتَمُهم، صَلّى اللَّهُ وسَلَّمَ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ. (والكِتابَ) اسْمُ جِنْسٍ يَدْخُلُ فِيهِ التَّوْراةُ، والزَّبُورُ، والإنْجِيلُ، والفُرْقانُ. ﴿وآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا﴾ أيْ: في حَياتِهِ، قالَ مُجاهِدٌ: نَجاتُهُ مِنَ النّارِ، ومِنَ المَلِكِ الجَبّارِ، والعَمَلُ الصّالِحُ: والثَّناءُ الحَسَنُ، بِحَيْثُ يَتَوَلّاهُ كُلُّ أُمَّةٍ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: والوَلَدُ الَّذِي قَرَّتْ بِهِ عَيْنُهُ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ السُّدِّيُّ: إنَّهُ رَأى مَكانَهُ مِنَ الجَنَّةِ. وقالَ ابْنُ أبِي بُرْدَةَ: ما وُفِّقَ لَهُ مِن عَمَلِ الآخِرَةِ. وقالَ الماوَرْدِيُّ: بَقاءُ ضِيافَتِهِ عِنْدَ قَبْرِهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِنَبِيٍّ غَيْرِهِ. وقِيلَ: النُّبُوَّةُ والحِكْمَةُ. وقِيلَ: الصَّلاةُ عَلَيْهِ إلى آخِرِ الدَّهْرِ. وانْتَصَبَ لُوطًا بِإضْمارِ اذْكُرْ، أوْ بِالعَطْفِ عَلى إبْراهِيمَ، أوْ بِالعَطْفِ عَلى ما عُطِفَ عَلَيْهِ إبْراهِيمُ. والجُمْهُورُ: عَلى الِاسْتِفْهامِ في أئِنَّكم مَعًا. وقُرِئَ: أنَّكم عَلى الخَبَرِ، والثّانِي عَلى الِاسْتِفْهامِ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: وجَدْتُهُ في الإمامِ بِحَرْفٍ واحِدٍ بِغَيْرِ ياءٍ، ورَأيْتُ الثّانِيَ بِحَرْفَيْنِ، الياءِ والنُّونِ. ولَمْ يَأْتِ في قِصَّةِ لُوطٍ أنَّهُ دَعا قَوْمَهُ إلى عِبادَةِ اللَّهِ، كَما جاءَ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ وقِصَّةِ شُعَيْبٍ؛ لِأنَّ لُوطًا كانَ مِن قَوْمِ إبْراهِيمَ وفي زَمانِهِ، وسَبَقَهُ إبْراهِيمُ إلى الدُّعاءِ لِعِبادَةِ اللَّهِ وتَوْحِيدِهِ، واشْتُهِرَ أمْرُهُ بِذَلِكَ عِنْدَ الخَلْقِ، فَذَكَرَ لُوطٌ ما اخْتُصَّ بِهِ مِنَ المَنعِ مِنَ الفَحْشاءِ وغَيْرِها. وأمّا إبْراهِيمُ وشُعَيْبٌ فَجاءا بَعْدَ انْقِراضِ مَن كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ، فَلِذَلِكَ دَعَوا إلى عِبادَةِ اللَّهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ما سَبَقَكم بِها﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِفاحِشَةِ تِلْكَ الفَعْلَةِ، كَأنَّ قائِلًا قالَ: لِمَ كانَتْ فاحِشَةً ؟ فَقِيلَ: لِأنَّ أحَدًا قَبْلَهم لَمْ يُقْدِمْ عَلَيْها اشْمِئْزازًا مِنها في طِباعِهِمْ لِإفْراطِ قُبْحِها، حَتّى قَدَمَ عَلَيْها قَوْمُ لُوطٍ لِخُبْثِ طِينَتِهِمْ، قالُوا: لَمْ يَنْزُ ذَكَرٌ عَلى ذَكَرٍ قَبْلَ قَوْمِ لُوطٍ. انْتَهى. ويَظْهَرُ أنَّ ﴿ما سَبَقَكم بِها﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، كَأنَّهُ قالَ: أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ مُبْتَدِعِينَ لَها غَيْرَ مَسْبُوقِينَ بِها ؟ واسْتَفْهَمَ أوَّلًا وثانِيًا اسْتِفْهامَ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، وبَيَّنَ ما تِلْكَ الفاحِشَةُ المُبْهَمَةُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ وإنْ كانَتْ مُعَيَّنَةً أنَّها إتْيانُ الذُّكُورِ (p-١٥٠)فِي الأدْبارِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما سَبَقَكم بِها﴾ فَقالَ: ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ﴾ يَعْنِي في الأدْبارِ ﴿وتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ الوَلَدَ، بِتَعْطِيلِ الفَرْجِ ووَطْءِ أدْبارِ الرِّجالِ، أوْ بِإمْساكِ الغُرَباءِ لِذَلِكَ الفِعْلِ حَتّى انْقَطَعَتِ الطُّرُقُ، أوْ بِالقَتْلِ وأخْذِ المالِ، أوْ بِقُبْحِ الأُحْدُوثَةِ حَتّى تَنْقَطِعَ سُبُلُ النّاسِ في التِّجاراتِ. ﴿وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ﴾ أيْ: في مَجْلِسِكُمُ الَّذِي تَجْتَمِعُونَ فِيهِ، وهو اسْمُ جِنْسٍ، إذْ أنْدِيَتُهم في مَدائِنِهِمْ كَثِيرَةٌ، ولا يُسَمّى نادِيًا إلّا ما دامَ فِيهِ أهْلُهُ، فَإذا قامُوا عَنْهُ، لَمْ يُطْلَقْ عَلَيْهِ نادٍ إلّا مَجازًا. والمُنْكَرُ ما تُنْكِرُهُ العُقُولُ والشَّرائِعُ والمُرُوءاتُ: حَذْفُ النّاسِ بِالحَصْباءِ، والِاسْتِخْفافُ بِالغَرِيبِ الخاطِرِ، «ورَوَتْ أُمُّ هانِئٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أوْ إتْيانُ الرِّجالِ في مَجالِسِهِمْ يَرى بَعْضُهم بَعْضًا»، قالَهُ مَنصُورٌ ومُجاهِدٌ والقاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وقَتادَةُ بْنُ زَيْدٍ؛ أوْ تَضارُطُهم؛ أوْ تَصافُعُهم فِيها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ أوْ لَعِبُ الحَمامِ؛ أوْ تَطْرِيفُ الأصابِعِ بِالحِنّاءِ، والصَّفِيرُ، والحَذْفُ، ونَبْذُ الحَياءِ في جَمِيعِ أُمُورِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ أيْضًا، أوِ الحَذْفُ بِالحَصى، والرَّمْيُ بِالبَنادِقِ، والفَرْقَعَةُ، ومَضْغُ العَلَكِ، والسِّواكُ بَيْنَ النّاسِ، وحَلُّ الأزْرارِ، والسِّبابَةُ، والفُحْشُ في المِزاحِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا مَعَ شِرْكِهِمْ بِاللَّهِ. كانَتْ فِيهِمْ ذُنُوبٌ غَيْرُ الفاحِشَةِ: تَظالُمٌ فِيما بَيْنَهم، وبَشاعَةٌ، ومَضارِيطُ في مَجالِسِهِمْ، وحَذْفٌ، ولَعِبٌ بِالنَّرْدِ والشِّطْرَنْجِ، ولُبْسُ المُصَبَّغاتِ، ولِباسُ النِّساءِ لِلرِّجالِ، والمُكُوسُ عَلى كُلِّ عابِرٍ؛ وهم أوَّلُ مَن لاطَ ومَن ساحَقَ. ولَمّا وقَّفَهم لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى هَذِهِ القَبائِحِ، أصَرُّوا عَلى اللِّجاجِ في التَّكْذِيبِ، فَكانَ جَوابُهم لَهُ: ﴿أنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ فِيما تَعِدُنا بِهِ مِن نُزُولِ العَذابِ، قالُوا ذَلِكَ وهم مُصَمِّمُونَ عَلى اعْتِقادِ كَذِبِهِ فِيما وعَدَهم بِهِ. وفي آيَةٍ أُخْرى: ﴿إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾ [النمل: ٥٦] الجَمْعُ بَيْنَهُما أنَّهم أوَّلًا قالُوا: ﴿ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ﴾ ثُمَّ أنَّهُ كَثُرَ مِنهُ الإنْكارُ، وتَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنهُ نَهْيًا ووَعْظًا ووَعِيدًا ﴿قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾ [النمل: ٥٦] . ولَمّا كانَ إنَّما يَأْمُرُهم بِتَرْكِ الفَواحِشِ وما كانُوا يَصْنَعُونَهُ مِن قَبِيحِ المَعاصِي، ويَعِدُ عَلى ذَلِكَ بِالعَذابِ، وكانُوا يَقُولُونَ إنَّ اللَّهَ لَمْ يُحَرِّمْ هَذا ولا يُعَذِّبُ عَلَيْهِ، وهو يَقُولُ إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُ ويُعَذِّبُ عَلَيْهِ ﴿قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ﴾ فَكانُوا ألْطَفَ في الجَوابِ مِن قَوْمِ إبْراهِيمَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ﴾ لِأنَّهُ كانَ لا يَذُمُّ آلِهَتَهم، وعَهِدَ إلى أصْنامِهِمْ فَكَسَرَها، فَكانَ فِعْلُهُ هَذا مَعَهم أعْظَمَ مِن قَوْلِ لُوطٍ لِقَوْمِهِ، فَكانَ جَوابُهم لَهُ: ﴿أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ﴾ . ثُمَّ اسْتَنْصَرَ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَبُعِثَ مَلائِكَةٌ لِعَذابِهِمْ، ورَجْمِهِمْ بِالحاصِبِ، وإفْسادِهِمْ بِحَمْلِ النّاسِ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ المَعاصِي طَوْعًا وكَرْهًا، وخُصُوصًا تِلْكَ المَعْصِيَةَ المُبْتَدَعَةَ. (بِالبُشْرى) هي بِشارَتُهُ بِوَلَدِهِ إسْحاقَ، وبِنافِلَتِهِ يَعْقُوبَ، وبِنَصْرِ لُوطٍ عَلى قَوْمِهِ وإهْلاكِهِمْ، و(القَرْيَةَ) سَدُومُ، وفِيها قِيلَ: أجْوَرُ مِن قاضِي سَدُومَ. (كانُوا ظالِمِينَ) أيْ: قَدْ سَبَقَ مِنهُمُ الظُّلْمُ. واسْتَمَرَّ عَلى الأيّامِ السّالِفَةِ وهم مُصِرُّونَ، وظُلْمُهم: كُفْرُهم وأنْواعُ مَعاصِيهِمْ. ولَمّا ذَكَرُوا لِإبْراهِيمَ: ﴿إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ أشْفَقَ عَلى لُوطٍ فَقالَ: ﴿إنَّ فِيها لُوطًا﴾ . ولَمّا عَلَّلُوا الإهْلاكَ بِالظُّلْمِ، قالَ لَهم: فِيها مَن هو بَرِيءٌ مِنَ الظُّلْمِ ﴿قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها﴾ أيْ: مِنكَ، وأُخْبِرَ بِحالِهِ. ثُمَّ أخْبَرُوهُ بِإنْجائِهِمْ إيّاهُ ﴿وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ﴾ . وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ﴾ مُضارِعَ أنْجى؛ وباقِي السَّبْعَةِ: مُضارِعَ نَجّى؛ والجُمْهُورُ: بِشَدِّ النُّونِ؛ وفِرْقَةٌ: بِتَخْفِيفِها. ﴿ولَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، إلّا أنَّ هُنا زِيدَتْ ”أنْ“ بَعْدَ ”لَمّا“، وهو قِياسٌ مُطَّرِدٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنْ صِلَةٌ أكَّدَتْ وُجُودَ الفِعْلَيْنِ مُتَرَتِّبًا أحَدُهُما عَلى الآخَرِ في وقْتَيْنِ مُتَجاوِرَيْنِ لا فاصِلَ بَيْنَهُما، كَأنَّهُما وُجِدا في جُزْءٍ واحِدٍ مِنَ الزَّمانِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَمّا أحَسَّ بِمَجِيئِهِمْ، فاجَأتِ المَساءَةُ مِن غَيْرِ وقْتٍ خِيفَةً عَلَيْهِمْ مِن قَوْمِهِ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ في التَّرْتِيبِ هو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، إذْ مَذْهَبُهُ. أنَّ لَمّا: حَرْفٌ لا ظَرْفٌ، خِلافًا لِلْفارِسِيِّ، وهَذا مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. وقَرَأ العَرَبِيّانِ، ونافِعٌ، وحَفْصٌ: ﴿مُنَجُّوكَ﴾ مُشَدَّدًا؛ وباقِي (p-١٥١)السَّبْعَةِ: مُخَفَّفًا، والكافُ في مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ في مَوْضِعِ جَرٍّ. (وأهْلَكَ) مَنصُوبٌ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: ونُنَجِّي أهْلَكَ. ومَن راعى هَذا المَوْضِعَ، عَطَفَهُ عَلى مَوْضِعِ الكافِ، والكافُ عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ وهِشامٍ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، و”أهْلَكَ“ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ هَذِهِ النُّونَ كالتَّنْوِينِ، وهُما عَلى مَذْهَبِهِما يُحْذَفانِ لِلَطافَةِ الضَّمِيرِ وشِدَّةِ طَلَبِهِ الِاتِّصالَ بِما قَبْلَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (سِيءَ)، بِكَسْرِ السِّينِ، وضَمَّها نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ. وقَرَأ عِيسى، وطَلْحَةُ: ”سُوءَ“، بِضَمِّها، وهي لُغَةُ بَنِي هُذَيْلٍ. وبَنِي وُبَيْرٍ يَقُولُونَ في قِيلَ وبِيعَ ونَحْوِهِما: قُولَ وبُوعَ. وقُرِئَ: ”مُنْزِلُونَ“، مُخَفَّفًا ومُشَدَّدًا؛ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ”رُجْزًا“، بِضَمِّ الرّاءِ؛ وأبُو حَيْوَةَ والأعْمَشُ: بِكَسْرِ سِينِ (يَفْسُقُونَ) . والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في مِنها عائِدٌ عَلى القَرْيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَنازِلُهُمُ الخَرِبَةُ. وحَكى أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ أنَّ الآيَةَ في قَرْيَتِهِمْ، إلّا أنَّ أساسَها أعْلاها، وسُقُوفَها أسْفَلُها إلى الآنَ. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى تَرَكْناها آيَةً، يَقُولُ: إنَّ في السَّماءِ لَآيَةً، يُرِيدُ أنَّها آيَةٌ. انْتَهى، وهَذا لا يَتَّجِهُ إلّا عَلى زِيادَةِ مِن في الواجِبِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: أمْهَرْتُ مِنها جُبَّةً وتَيْسًا، يُرِيدُ: أمْهَرْتُها؛ وكَذَلِكَ: ولَقَدْ تَرَكْناها آيَةً، وقِيلَ: الهاءُ في ”مِنها“ عائِدَةٌ عَلى الفِعْلَةِ الَّتِي فُعِلَتْ بِهِمْ، فَقِيلَ: الآيَةُ: الحِجارَةُ الَّتِي أدْرَكَتْها أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ وقِيلَ: الماءُ الأسْوَدُ عَلى وجْهِ الأرْضِ، قالَهُ مُجاهِدٌ؛ وقِيلَ: أنْجَزَ ما صَنَعَ بِهِمْ. و(لِقَوْمٍ) مُتَعَلِّقٌ بِـ: (تَرَكْنا)، أوْ (بَيِّنَةً) .

العنكبوت 29:25

﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وقالَ إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا ومَأْواكُمُ النّارُ ومالَكم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وقالَ إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي إنَّهُ هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ والكِتابَ وآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلى القَوْمِ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿ولَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وقالُوا لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ إلّا امْرَأتَكَ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿إنّا مُنْزِلُونَ عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ تَرَكْنا مِنها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ . (p-١٤٨)لَمّا أمَرَهم بِعِبادَةِ اللَّهِ، وبَيَّنَ سَفَهَهم في عِبادَةِ الأوْثانِ، وظَهَرَتْ حُجَّتُهُ عَلَيْهِمْ، رَجَعُوا إلى الغَلَبَةِ، فَجَعَلُوا القائِمَ مَقامَ جَوابِهِ فِيما أمَرَهم بِهِ قَوْلَهم: ﴿اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ﴾ . والآمِرُونَ بِذَلِكَ، إمّا بَعْضُهم لِبَعْضٍ، أوْ كُبَراؤُهم قالُوا لِأتْباعِهِمُ: اقْتُلُوهُ، فَتَسْتَرِيحُوا مِنهُ عاجِلًا، أوْ حَرِّقُوهُ بِالنّارِ؛ فَإمّا أنْ يَرْجِعَ إلى دِينِكم، إذا أمْضَتْهُ النّارُ؛ وإمّا أنْ يَمُوتَ بِها، إنْ أصَرَّ عَلى قَوْلِهِ ودِينِهِ. وفي الكَلامِ حَذْفٌ، أيْ: حَرِّقُوهُ في النّارِ ﴿فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ﴾ . وتَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُ في تَحْرِيقِهِ في سُورَةِ ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١] . وجَمَعَ هُنا فَقالَ الآياتِ؛ لِأنَّ الإنْجاءَ مِنَ النّارِ، وجَعْلَها بَرْدًا وسَلامًا، وأنَّها في الحَبْلِ الَّذِي كانُوا أوْثَقُوهُ بِهِ دُونَ الجِسْمِ، وإنْ صَحَّ ما نُقِلَ مِن أنَّ مَكانَها، حالَةَ الرَّمْيِ، صارَ بُسْتانًا يانِعًا، هو مَجْمُوعُ آياتٍ، فَناسَبَ الجَمْعَ، بِخِلافِ الإنْجاءِ مِنَ السَّفِينَةِ، فَإنَّهُ آيَةٌ واحِدَةٌ، وتَقَدَّمُ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ مِنَ النّارِ بَعْدَ إلْقائِهِ؛ فِيما قالَ كَعْبٌ: لَمْ يَحْتَرِقْ بِالنّارِ إلّا الحَبْلُ الَّذِي أوْثَقُوهُ بِهِ. وجاءَ هُنا التَّرْدِيدُ بَيْنَ قَتْلِهِ وإحْراقِهِ، فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مِن قائِلِينَ: ناسٌ أشارُوا بِالقَتْلِ، وناسٌ أشارُوا بِالإحْراقِ. وفي (اقْتَرَبَ) قالُوا: (حَرِّقُوهُ) اقْتَصَرُوا عَلى أحَدِ الشَّيْئَيْنِ، وهو الَّذِي فَعَلُوهُ، رَمَوْهُ في النّارِ ولَمْ يَقْتُلُوهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (جَوابَ) بِالنَّصْبِ؛ والحَسَنُ، وسالِمٌ الأفْطَسُ: بِالرَّفْعِ، اسْمًا لِـ: كانَ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ الأصْمَعِيِّ، والأعْمَشُ عَنْ أبِي بَكْرٍ: ”مَوَدَّةٌ“ بِالرَّفْعِ، و”بَيْنَكم“ بِالنَّصْبِ. فالرَّفْعُ عَلى خَبَرِ إنَّ، و”ما“ مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي، أيْ: إنَّ الأوْثانَ الَّتِي اتَّخَذْتُمُوها مَوْدُودًا، أوْ سَبَبَ مَوَدَّةٍ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: إنَّ اتِّخاذَكم أوْثانًا مَوَدَّةً، أوْ عَلى خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هي مَوَدَّةُ بَيْنِكم، وما إذْ ذاكَ مُهَيِّئَةٌ. ورُوِيَ عَنْ عاصِمٍ: ”مَوَدَّةُ“، بِالرَّفْعِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ؛ و”بَيْنَكم“ بِالفَتْحِ، أيْ: بِفَتْحِ النُّونِ، جَعَلَهُ مَبْنِيًّا لِإضافَتِهِ إلى مَبْنِيٍّ، وهو مَوْضِعُ خَفْضٍ بِالإضافَةِ، ولِذَلِكَ سَقَطَ التَّنْوِينُ مِن ”مَوَدَّةُ“ . وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وابْنُ كَثِيرٍ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ خَفَضَ نُونَ (بَيْنِكم) . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ بِنَصْبِ ”مَوَدَّةً“ مُنَوَّنًا ونَصْبِ ”بَيْنَكم“؛ وحَمْزَةُ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ أضافَ ”مَوَدَّةً“ إلى ”بَيْنَكم“ وخَفَضَ، كَما في قِراءَةِ مَن نَصَبَ ”مَوَدَّةً“ مُهَيِّئَةً. و”اتَّخَذَ“ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِمّا تَعَدَّتْ إلى اثْنَيْنِ، والثّانِي هو (مَوَدَّةَ)، أيِ: اتَّخَذْتُمُ الأوْثانَ بِسَبَبِ المَوَدَّةِ بَيْنَكم، عَلى حَذْفِ المُضافِ، أوِ اتَّخَذْتُمُوها مَوَدَّةَ بَيْنِكم، كَقَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] أوْ مِمّا تَعَدَّتْ إلى واحِدٍ، وانْتَصَبَ ”مَوَدَّةَ“ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: لِيَتَوادُّوا ويَتَواصَلُوا ويَجْتَمِعُوا عَلى عِبادَتِها، كَما يَجْتَمِعُ ناسٌ عَلى مَذْهَبٍ، فَيَقَعُ التَّحابُّ بَيْنَهم. وذَكَرُوا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قِراءَةً شاذَّةً تُخالِفُ سَوادَ المُصْحَفِ، مَعَ أنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ ما في سَوادِ المُصْحَفِ بِالنَّقْلِ الصَّحِيحِ المُسْتَفِيضِ، فَلِذَلِكَ لَمْ أذْكُرْ تِلْكَ القِراءَةَ. ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ يَقَعُ بَيْنَكُمُ التَّلاعُنُ، أيْ: فَيُلاعِنُ العَبَدَةُ والمَعْبُوداتُ الأصْنامَ، كَقَوْلِهِ: و﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢] . و(بَيْنَكم) و(في الحَياةِ) يَجُوزُ تَعْلِيقُهُما بِلَفْظِ ”مَوَدَّةَ“ وعَمِلَ في ظَرْفَيْنِ لِاخْتِلافِهِما، إذْ هُما ظَرْفا مَكانٍ وزَمانٍ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقا بِمَحْذُوفَيْنِ، فَيَكُونانِ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، أيْ: كائِنَةً بَيْنَكم في الحَياةِ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ (p-١٤٩)المُسْتَكِنِّ في (بَيْنِكم) . وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَتَعَلَّقَ (في الحَياةِ) . بِـ: ”اتَّخَذْتُمْ“ عَلى جَعْلِ ما كافَّةً، ونَصْبِ (مَوَدَّةَ)، لا عَلى جَعْلِ ما مَوْصُولَةً بِمَعْنى الَّذِي، أوْ مَصْدَرِيَّةً ورَفْعِ ”مَوَدَّةَ“، لِئَلّا يُؤَدِّيَ إلى الفَصْلِ بَيْنَ المَوْصُولِ وما في الصِّلَةِ بِالخَبَرِ. وأجازَ قَوْمٌ مِنهُمُ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَتَعَلَّقَ (في الحَياةِ) بِـ: (مَوَدَّةَ)، وأنْ يَكُونَ (بَيْنِكم) صِفَةً لِـ: (مَوَدَّةَ)، وهو لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ المَصْدَرَ إذا وُصِفَ قَبْلَ أخْذِ مُتَعَلِّقاتِهِ لا يَعْمَلُ، وشُبْهَتُهم في هَذا أنَّهُ يَتَّسِعُ في الظَّرْفِ، بِخِلافِ المَفْعُولِ بِهِ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَتَعَلَّقَ بِنَفْسِ (بَيْنِكم)، قالَ: لِأنَّ مَعْناهُ: اجْتِماعُكم أوْ وصْلُكم. وأجازَ أيْضًا أنْ يَجْعَلَهُ حالًا مِن (بَيْنِكم)، قالَ: لِتَعَرُّفِهِ بِالإضافَةِ. انْتَهى، وهُما إعْرابانِ لا يَتَعَقَّلانِ. ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ لَمْ يُؤْمِن بِإبْراهِيمَ أحَدٌ مِن قَوْمِهِ إلّا لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، حِينَ رَأى النّارَ لَمْ تُحْرِقْهُ، وكانَ ابْنُ أخِي سارَّةَ، أوْ كانَتْ بِنْتَ عَمِّهِ. والضَّمِيرُ في (وقالَ) عائِدٌ عَلى إبْراهِيمَ، وهو الظّاهِرُ، لِيَتَناسَقَ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ﴾ وهو قَوْلُ قَتادَةَ والنَّخَعِيِّ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: يَعُودُ عَلى لُوطٍ، وهاجَرَ، وإبْراهِيمَ، عَلَيْهِمُ السَّلامُ، مِن قَرْيَتِهِما كُوثى، وهي في سَوادِ العِراقِ، مِن أرْضِ بابِلَ، إلى فِلَسْطِينَ مِن أرْضِ الشّامِ. وكانَ إبْراهِيمُ ابْنَ خَمْسٍ وسَبْعِينَ سَنَةً، وهو أوَّلُ مَن هاجَرَ في اللَّهِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هاجَرَ إلى حَرّانَ، ثُمَّ إلى الشّامِ، وفي هِجْرَتِهِ هَذِهِ كانَتْ مَعَهُ سارَّةُ. والمُهاجِرُ: الفارِغُ عَنِ الشَّيْءِ، وهو في عُرْفِ الشَّرِيعَةِ: مَن تَرَكَ وطَنَهُ رَغْبَةً في رِضا اللَّهِ. وعُرِفَ بِهَذا الِاسْمِ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، المُهاجِرُونَ، قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ. (إلى رَبِّي) أيْ: إلى الجِهَةِ الَّتِي أمَرَنِي رَبِّي بِالهِجْرَةِ إلَيْها. وقِيلَ: إلى حَيْثُ لا أُمْنَعُ عِبادَةَ رَبِّي. وقِيلَ: مُهاجِرًا مَن خالَفَنِي مِن قَوْمِي، مُتَقَرِّبًا إلى رَبِّي. ونَزَلَ إبْراهِيمُ قَرْيَةً مِن أرْضِ فِلَسْطِينَ، وتَرَكَ لُوطًا في سَدُومَ، وهي المُؤْتَفِكَةُ، عَلى مَسِيرَةِ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ مِن قَرْيَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ. ﴿إنَّهُ هو العَزِيزُ﴾ الَّذِي لا يُذَلُّ مَن عَبَدَهُ (الحَكِيمُ) الَّذِي يَضَعُ الأشْياءَ مَواضِعَها. والضَّمِيرُ في (ذُرِّيَّتِهِ) عائِدٌ عَلى إبْراهِيمَ. (النُّبُوَّةَ) إسْحاقُ، ويَعْقُوبُ، وأنْبِياءُ بَنِي إسْرائِيلَ، وإسْماعِيلُ، ومُحَمَّدٌ خاتَمُهم، صَلّى اللَّهُ وسَلَّمَ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ. (والكِتابَ) اسْمُ جِنْسٍ يَدْخُلُ فِيهِ التَّوْراةُ، والزَّبُورُ، والإنْجِيلُ، والفُرْقانُ. ﴿وآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا﴾ أيْ: في حَياتِهِ، قالَ مُجاهِدٌ: نَجاتُهُ مِنَ النّارِ، ومِنَ المَلِكِ الجَبّارِ، والعَمَلُ الصّالِحُ: والثَّناءُ الحَسَنُ، بِحَيْثُ يَتَوَلّاهُ كُلُّ أُمَّةٍ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: والوَلَدُ الَّذِي قَرَّتْ بِهِ عَيْنُهُ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ السُّدِّيُّ: إنَّهُ رَأى مَكانَهُ مِنَ الجَنَّةِ. وقالَ ابْنُ أبِي بُرْدَةَ: ما وُفِّقَ لَهُ مِن عَمَلِ الآخِرَةِ. وقالَ الماوَرْدِيُّ: بَقاءُ ضِيافَتِهِ عِنْدَ قَبْرِهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِنَبِيٍّ غَيْرِهِ. وقِيلَ: النُّبُوَّةُ والحِكْمَةُ. وقِيلَ: الصَّلاةُ عَلَيْهِ إلى آخِرِ الدَّهْرِ. وانْتَصَبَ لُوطًا بِإضْمارِ اذْكُرْ، أوْ بِالعَطْفِ عَلى إبْراهِيمَ، أوْ بِالعَطْفِ عَلى ما عُطِفَ عَلَيْهِ إبْراهِيمُ. والجُمْهُورُ: عَلى الِاسْتِفْهامِ في أئِنَّكم مَعًا. وقُرِئَ: أنَّكم عَلى الخَبَرِ، والثّانِي عَلى الِاسْتِفْهامِ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: وجَدْتُهُ في الإمامِ بِحَرْفٍ واحِدٍ بِغَيْرِ ياءٍ، ورَأيْتُ الثّانِيَ بِحَرْفَيْنِ، الياءِ والنُّونِ. ولَمْ يَأْتِ في قِصَّةِ لُوطٍ أنَّهُ دَعا قَوْمَهُ إلى عِبادَةِ اللَّهِ، كَما جاءَ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ وقِصَّةِ شُعَيْبٍ؛ لِأنَّ لُوطًا كانَ مِن قَوْمِ إبْراهِيمَ وفي زَمانِهِ، وسَبَقَهُ إبْراهِيمُ إلى الدُّعاءِ لِعِبادَةِ اللَّهِ وتَوْحِيدِهِ، واشْتُهِرَ أمْرُهُ بِذَلِكَ عِنْدَ الخَلْقِ، فَذَكَرَ لُوطٌ ما اخْتُصَّ بِهِ مِنَ المَنعِ مِنَ الفَحْشاءِ وغَيْرِها. وأمّا إبْراهِيمُ وشُعَيْبٌ فَجاءا بَعْدَ انْقِراضِ مَن كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ، فَلِذَلِكَ دَعَوا إلى عِبادَةِ اللَّهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ما سَبَقَكم بِها﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِفاحِشَةِ تِلْكَ الفَعْلَةِ، كَأنَّ قائِلًا قالَ: لِمَ كانَتْ فاحِشَةً ؟ فَقِيلَ: لِأنَّ أحَدًا قَبْلَهم لَمْ يُقْدِمْ عَلَيْها اشْمِئْزازًا مِنها في طِباعِهِمْ لِإفْراطِ قُبْحِها، حَتّى قَدَمَ عَلَيْها قَوْمُ لُوطٍ لِخُبْثِ طِينَتِهِمْ، قالُوا: لَمْ يَنْزُ ذَكَرٌ عَلى ذَكَرٍ قَبْلَ قَوْمِ لُوطٍ. انْتَهى. ويَظْهَرُ أنَّ ﴿ما سَبَقَكم بِها﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، كَأنَّهُ قالَ: أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ مُبْتَدِعِينَ لَها غَيْرَ مَسْبُوقِينَ بِها ؟ واسْتَفْهَمَ أوَّلًا وثانِيًا اسْتِفْهامَ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، وبَيَّنَ ما تِلْكَ الفاحِشَةُ المُبْهَمَةُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ وإنْ كانَتْ مُعَيَّنَةً أنَّها إتْيانُ الذُّكُورِ (p-١٥٠)فِي الأدْبارِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما سَبَقَكم بِها﴾ فَقالَ: ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ﴾ يَعْنِي في الأدْبارِ ﴿وتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ الوَلَدَ، بِتَعْطِيلِ الفَرْجِ ووَطْءِ أدْبارِ الرِّجالِ، أوْ بِإمْساكِ الغُرَباءِ لِذَلِكَ الفِعْلِ حَتّى انْقَطَعَتِ الطُّرُقُ، أوْ بِالقَتْلِ وأخْذِ المالِ، أوْ بِقُبْحِ الأُحْدُوثَةِ حَتّى تَنْقَطِعَ سُبُلُ النّاسِ في التِّجاراتِ. ﴿وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ﴾ أيْ: في مَجْلِسِكُمُ الَّذِي تَجْتَمِعُونَ فِيهِ، وهو اسْمُ جِنْسٍ، إذْ أنْدِيَتُهم في مَدائِنِهِمْ كَثِيرَةٌ، ولا يُسَمّى نادِيًا إلّا ما دامَ فِيهِ أهْلُهُ، فَإذا قامُوا عَنْهُ، لَمْ يُطْلَقْ عَلَيْهِ نادٍ إلّا مَجازًا. والمُنْكَرُ ما تُنْكِرُهُ العُقُولُ والشَّرائِعُ والمُرُوءاتُ: حَذْفُ النّاسِ بِالحَصْباءِ، والِاسْتِخْفافُ بِالغَرِيبِ الخاطِرِ، «ورَوَتْ أُمُّ هانِئٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أوْ إتْيانُ الرِّجالِ في مَجالِسِهِمْ يَرى بَعْضُهم بَعْضًا»، قالَهُ مَنصُورٌ ومُجاهِدٌ والقاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وقَتادَةُ بْنُ زَيْدٍ؛ أوْ تَضارُطُهم؛ أوْ تَصافُعُهم فِيها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ أوْ لَعِبُ الحَمامِ؛ أوْ تَطْرِيفُ الأصابِعِ بِالحِنّاءِ، والصَّفِيرُ، والحَذْفُ، ونَبْذُ الحَياءِ في جَمِيعِ أُمُورِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ أيْضًا، أوِ الحَذْفُ بِالحَصى، والرَّمْيُ بِالبَنادِقِ، والفَرْقَعَةُ، ومَضْغُ العَلَكِ، والسِّواكُ بَيْنَ النّاسِ، وحَلُّ الأزْرارِ، والسِّبابَةُ، والفُحْشُ في المِزاحِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا مَعَ شِرْكِهِمْ بِاللَّهِ. كانَتْ فِيهِمْ ذُنُوبٌ غَيْرُ الفاحِشَةِ: تَظالُمٌ فِيما بَيْنَهم، وبَشاعَةٌ، ومَضارِيطُ في مَجالِسِهِمْ، وحَذْفٌ، ولَعِبٌ بِالنَّرْدِ والشِّطْرَنْجِ، ولُبْسُ المُصَبَّغاتِ، ولِباسُ النِّساءِ لِلرِّجالِ، والمُكُوسُ عَلى كُلِّ عابِرٍ؛ وهم أوَّلُ مَن لاطَ ومَن ساحَقَ. ولَمّا وقَّفَهم لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى هَذِهِ القَبائِحِ، أصَرُّوا عَلى اللِّجاجِ في التَّكْذِيبِ، فَكانَ جَوابُهم لَهُ: ﴿أنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ فِيما تَعِدُنا بِهِ مِن نُزُولِ العَذابِ، قالُوا ذَلِكَ وهم مُصَمِّمُونَ عَلى اعْتِقادِ كَذِبِهِ فِيما وعَدَهم بِهِ. وفي آيَةٍ أُخْرى: ﴿إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾ [النمل: ٥٦] الجَمْعُ بَيْنَهُما أنَّهم أوَّلًا قالُوا: ﴿ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ﴾ ثُمَّ أنَّهُ كَثُرَ مِنهُ الإنْكارُ، وتَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنهُ نَهْيًا ووَعْظًا ووَعِيدًا ﴿قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾ [النمل: ٥٦] . ولَمّا كانَ إنَّما يَأْمُرُهم بِتَرْكِ الفَواحِشِ وما كانُوا يَصْنَعُونَهُ مِن قَبِيحِ المَعاصِي، ويَعِدُ عَلى ذَلِكَ بِالعَذابِ، وكانُوا يَقُولُونَ إنَّ اللَّهَ لَمْ يُحَرِّمْ هَذا ولا يُعَذِّبُ عَلَيْهِ، وهو يَقُولُ إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُ ويُعَذِّبُ عَلَيْهِ ﴿قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ﴾ فَكانُوا ألْطَفَ في الجَوابِ مِن قَوْمِ إبْراهِيمَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ﴾ لِأنَّهُ كانَ لا يَذُمُّ آلِهَتَهم، وعَهِدَ إلى أصْنامِهِمْ فَكَسَرَها، فَكانَ فِعْلُهُ هَذا مَعَهم أعْظَمَ مِن قَوْلِ لُوطٍ لِقَوْمِهِ، فَكانَ جَوابُهم لَهُ: ﴿أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ﴾ . ثُمَّ اسْتَنْصَرَ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَبُعِثَ مَلائِكَةٌ لِعَذابِهِمْ، ورَجْمِهِمْ بِالحاصِبِ، وإفْسادِهِمْ بِحَمْلِ النّاسِ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ المَعاصِي طَوْعًا وكَرْهًا، وخُصُوصًا تِلْكَ المَعْصِيَةَ المُبْتَدَعَةَ. (بِالبُشْرى) هي بِشارَتُهُ بِوَلَدِهِ إسْحاقَ، وبِنافِلَتِهِ يَعْقُوبَ، وبِنَصْرِ لُوطٍ عَلى قَوْمِهِ وإهْلاكِهِمْ، و(القَرْيَةَ) سَدُومُ، وفِيها قِيلَ: أجْوَرُ مِن قاضِي سَدُومَ. (كانُوا ظالِمِينَ) أيْ: قَدْ سَبَقَ مِنهُمُ الظُّلْمُ. واسْتَمَرَّ عَلى الأيّامِ السّالِفَةِ وهم مُصِرُّونَ، وظُلْمُهم: كُفْرُهم وأنْواعُ مَعاصِيهِمْ. ولَمّا ذَكَرُوا لِإبْراهِيمَ: ﴿إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ أشْفَقَ عَلى لُوطٍ فَقالَ: ﴿إنَّ فِيها لُوطًا﴾ . ولَمّا عَلَّلُوا الإهْلاكَ بِالظُّلْمِ، قالَ لَهم: فِيها مَن هو بَرِيءٌ مِنَ الظُّلْمِ ﴿قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها﴾ أيْ: مِنكَ، وأُخْبِرَ بِحالِهِ. ثُمَّ أخْبَرُوهُ بِإنْجائِهِمْ إيّاهُ ﴿وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ﴾ . وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ﴾ مُضارِعَ أنْجى؛ وباقِي السَّبْعَةِ: مُضارِعَ نَجّى؛ والجُمْهُورُ: بِشَدِّ النُّونِ؛ وفِرْقَةٌ: بِتَخْفِيفِها. ﴿ولَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، إلّا أنَّ هُنا زِيدَتْ ”أنْ“ بَعْدَ ”لَمّا“، وهو قِياسٌ مُطَّرِدٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنْ صِلَةٌ أكَّدَتْ وُجُودَ الفِعْلَيْنِ مُتَرَتِّبًا أحَدُهُما عَلى الآخَرِ في وقْتَيْنِ مُتَجاوِرَيْنِ لا فاصِلَ بَيْنَهُما، كَأنَّهُما وُجِدا في جُزْءٍ واحِدٍ مِنَ الزَّمانِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَمّا أحَسَّ بِمَجِيئِهِمْ، فاجَأتِ المَساءَةُ مِن غَيْرِ وقْتٍ خِيفَةً عَلَيْهِمْ مِن قَوْمِهِ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ في التَّرْتِيبِ هو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، إذْ مَذْهَبُهُ. أنَّ لَمّا: حَرْفٌ لا ظَرْفٌ، خِلافًا لِلْفارِسِيِّ، وهَذا مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. وقَرَأ العَرَبِيّانِ، ونافِعٌ، وحَفْصٌ: ﴿مُنَجُّوكَ﴾ مُشَدَّدًا؛ وباقِي (p-١٥١)السَّبْعَةِ: مُخَفَّفًا، والكافُ في مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ في مَوْضِعِ جَرٍّ. (وأهْلَكَ) مَنصُوبٌ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: ونُنَجِّي أهْلَكَ. ومَن راعى هَذا المَوْضِعَ، عَطَفَهُ عَلى مَوْضِعِ الكافِ، والكافُ عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ وهِشامٍ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، و”أهْلَكَ“ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ هَذِهِ النُّونَ كالتَّنْوِينِ، وهُما عَلى مَذْهَبِهِما يُحْذَفانِ لِلَطافَةِ الضَّمِيرِ وشِدَّةِ طَلَبِهِ الِاتِّصالَ بِما قَبْلَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (سِيءَ)، بِكَسْرِ السِّينِ، وضَمَّها نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ. وقَرَأ عِيسى، وطَلْحَةُ: ”سُوءَ“، بِضَمِّها، وهي لُغَةُ بَنِي هُذَيْلٍ. وبَنِي وُبَيْرٍ يَقُولُونَ في قِيلَ وبِيعَ ونَحْوِهِما: قُولَ وبُوعَ. وقُرِئَ: ”مُنْزِلُونَ“، مُخَفَّفًا ومُشَدَّدًا؛ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ”رُجْزًا“، بِضَمِّ الرّاءِ؛ وأبُو حَيْوَةَ والأعْمَشُ: بِكَسْرِ سِينِ (يَفْسُقُونَ) . والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في مِنها عائِدٌ عَلى القَرْيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَنازِلُهُمُ الخَرِبَةُ. وحَكى أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ أنَّ الآيَةَ في قَرْيَتِهِمْ، إلّا أنَّ أساسَها أعْلاها، وسُقُوفَها أسْفَلُها إلى الآنَ. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى تَرَكْناها آيَةً، يَقُولُ: إنَّ في السَّماءِ لَآيَةً، يُرِيدُ أنَّها آيَةٌ. انْتَهى، وهَذا لا يَتَّجِهُ إلّا عَلى زِيادَةِ مِن في الواجِبِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: أمْهَرْتُ مِنها جُبَّةً وتَيْسًا، يُرِيدُ: أمْهَرْتُها؛ وكَذَلِكَ: ولَقَدْ تَرَكْناها آيَةً، وقِيلَ: الهاءُ في ”مِنها“ عائِدَةٌ عَلى الفِعْلَةِ الَّتِي فُعِلَتْ بِهِمْ، فَقِيلَ: الآيَةُ: الحِجارَةُ الَّتِي أدْرَكَتْها أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ وقِيلَ: الماءُ الأسْوَدُ عَلى وجْهِ الأرْضِ، قالَهُ مُجاهِدٌ؛ وقِيلَ: أنْجَزَ ما صَنَعَ بِهِمْ. و(لِقَوْمٍ) مُتَعَلِّقٌ بِـ: (تَرَكْنا)، أوْ (بَيِّنَةً) .

العنكبوت 29:26

﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وقالَ إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا ومَأْواكُمُ النّارُ ومالَكم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وقالَ إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي إنَّهُ هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ والكِتابَ وآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلى القَوْمِ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿ولَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وقالُوا لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ إلّا امْرَأتَكَ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿إنّا مُنْزِلُونَ عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ تَرَكْنا مِنها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ . (p-١٤٨)لَمّا أمَرَهم بِعِبادَةِ اللَّهِ، وبَيَّنَ سَفَهَهم في عِبادَةِ الأوْثانِ، وظَهَرَتْ حُجَّتُهُ عَلَيْهِمْ، رَجَعُوا إلى الغَلَبَةِ، فَجَعَلُوا القائِمَ مَقامَ جَوابِهِ فِيما أمَرَهم بِهِ قَوْلَهم: ﴿اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ﴾ . والآمِرُونَ بِذَلِكَ، إمّا بَعْضُهم لِبَعْضٍ، أوْ كُبَراؤُهم قالُوا لِأتْباعِهِمُ: اقْتُلُوهُ، فَتَسْتَرِيحُوا مِنهُ عاجِلًا، أوْ حَرِّقُوهُ بِالنّارِ؛ فَإمّا أنْ يَرْجِعَ إلى دِينِكم، إذا أمْضَتْهُ النّارُ؛ وإمّا أنْ يَمُوتَ بِها، إنْ أصَرَّ عَلى قَوْلِهِ ودِينِهِ. وفي الكَلامِ حَذْفٌ، أيْ: حَرِّقُوهُ في النّارِ ﴿فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ﴾ . وتَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُ في تَحْرِيقِهِ في سُورَةِ ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١] . وجَمَعَ هُنا فَقالَ الآياتِ؛ لِأنَّ الإنْجاءَ مِنَ النّارِ، وجَعْلَها بَرْدًا وسَلامًا، وأنَّها في الحَبْلِ الَّذِي كانُوا أوْثَقُوهُ بِهِ دُونَ الجِسْمِ، وإنْ صَحَّ ما نُقِلَ مِن أنَّ مَكانَها، حالَةَ الرَّمْيِ، صارَ بُسْتانًا يانِعًا، هو مَجْمُوعُ آياتٍ، فَناسَبَ الجَمْعَ، بِخِلافِ الإنْجاءِ مِنَ السَّفِينَةِ، فَإنَّهُ آيَةٌ واحِدَةٌ، وتَقَدَّمُ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ مِنَ النّارِ بَعْدَ إلْقائِهِ؛ فِيما قالَ كَعْبٌ: لَمْ يَحْتَرِقْ بِالنّارِ إلّا الحَبْلُ الَّذِي أوْثَقُوهُ بِهِ. وجاءَ هُنا التَّرْدِيدُ بَيْنَ قَتْلِهِ وإحْراقِهِ، فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مِن قائِلِينَ: ناسٌ أشارُوا بِالقَتْلِ، وناسٌ أشارُوا بِالإحْراقِ. وفي (اقْتَرَبَ) قالُوا: (حَرِّقُوهُ) اقْتَصَرُوا عَلى أحَدِ الشَّيْئَيْنِ، وهو الَّذِي فَعَلُوهُ، رَمَوْهُ في النّارِ ولَمْ يَقْتُلُوهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (جَوابَ) بِالنَّصْبِ؛ والحَسَنُ، وسالِمٌ الأفْطَسُ: بِالرَّفْعِ، اسْمًا لِـ: كانَ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ الأصْمَعِيِّ، والأعْمَشُ عَنْ أبِي بَكْرٍ: ”مَوَدَّةٌ“ بِالرَّفْعِ، و”بَيْنَكم“ بِالنَّصْبِ. فالرَّفْعُ عَلى خَبَرِ إنَّ، و”ما“ مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي، أيْ: إنَّ الأوْثانَ الَّتِي اتَّخَذْتُمُوها مَوْدُودًا، أوْ سَبَبَ مَوَدَّةٍ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: إنَّ اتِّخاذَكم أوْثانًا مَوَدَّةً، أوْ عَلى خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هي مَوَدَّةُ بَيْنِكم، وما إذْ ذاكَ مُهَيِّئَةٌ. ورُوِيَ عَنْ عاصِمٍ: ”مَوَدَّةُ“، بِالرَّفْعِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ؛ و”بَيْنَكم“ بِالفَتْحِ، أيْ: بِفَتْحِ النُّونِ، جَعَلَهُ مَبْنِيًّا لِإضافَتِهِ إلى مَبْنِيٍّ، وهو مَوْضِعُ خَفْضٍ بِالإضافَةِ، ولِذَلِكَ سَقَطَ التَّنْوِينُ مِن ”مَوَدَّةُ“ . وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وابْنُ كَثِيرٍ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ خَفَضَ نُونَ (بَيْنِكم) . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ بِنَصْبِ ”مَوَدَّةً“ مُنَوَّنًا ونَصْبِ ”بَيْنَكم“؛ وحَمْزَةُ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ أضافَ ”مَوَدَّةً“ إلى ”بَيْنَكم“ وخَفَضَ، كَما في قِراءَةِ مَن نَصَبَ ”مَوَدَّةً“ مُهَيِّئَةً. و”اتَّخَذَ“ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِمّا تَعَدَّتْ إلى اثْنَيْنِ، والثّانِي هو (مَوَدَّةَ)، أيِ: اتَّخَذْتُمُ الأوْثانَ بِسَبَبِ المَوَدَّةِ بَيْنَكم، عَلى حَذْفِ المُضافِ، أوِ اتَّخَذْتُمُوها مَوَدَّةَ بَيْنِكم، كَقَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] أوْ مِمّا تَعَدَّتْ إلى واحِدٍ، وانْتَصَبَ ”مَوَدَّةَ“ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: لِيَتَوادُّوا ويَتَواصَلُوا ويَجْتَمِعُوا عَلى عِبادَتِها، كَما يَجْتَمِعُ ناسٌ عَلى مَذْهَبٍ، فَيَقَعُ التَّحابُّ بَيْنَهم. وذَكَرُوا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قِراءَةً شاذَّةً تُخالِفُ سَوادَ المُصْحَفِ، مَعَ أنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ ما في سَوادِ المُصْحَفِ بِالنَّقْلِ الصَّحِيحِ المُسْتَفِيضِ، فَلِذَلِكَ لَمْ أذْكُرْ تِلْكَ القِراءَةَ. ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ يَقَعُ بَيْنَكُمُ التَّلاعُنُ، أيْ: فَيُلاعِنُ العَبَدَةُ والمَعْبُوداتُ الأصْنامَ، كَقَوْلِهِ: و﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢] . و(بَيْنَكم) و(في الحَياةِ) يَجُوزُ تَعْلِيقُهُما بِلَفْظِ ”مَوَدَّةَ“ وعَمِلَ في ظَرْفَيْنِ لِاخْتِلافِهِما، إذْ هُما ظَرْفا مَكانٍ وزَمانٍ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقا بِمَحْذُوفَيْنِ، فَيَكُونانِ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، أيْ: كائِنَةً بَيْنَكم في الحَياةِ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ (p-١٤٩)المُسْتَكِنِّ في (بَيْنِكم) . وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَتَعَلَّقَ (في الحَياةِ) . بِـ: ”اتَّخَذْتُمْ“ عَلى جَعْلِ ما كافَّةً، ونَصْبِ (مَوَدَّةَ)، لا عَلى جَعْلِ ما مَوْصُولَةً بِمَعْنى الَّذِي، أوْ مَصْدَرِيَّةً ورَفْعِ ”مَوَدَّةَ“، لِئَلّا يُؤَدِّيَ إلى الفَصْلِ بَيْنَ المَوْصُولِ وما في الصِّلَةِ بِالخَبَرِ. وأجازَ قَوْمٌ مِنهُمُ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَتَعَلَّقَ (في الحَياةِ) بِـ: (مَوَدَّةَ)، وأنْ يَكُونَ (بَيْنِكم) صِفَةً لِـ: (مَوَدَّةَ)، وهو لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ المَصْدَرَ إذا وُصِفَ قَبْلَ أخْذِ مُتَعَلِّقاتِهِ لا يَعْمَلُ، وشُبْهَتُهم في هَذا أنَّهُ يَتَّسِعُ في الظَّرْفِ، بِخِلافِ المَفْعُولِ بِهِ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَتَعَلَّقَ بِنَفْسِ (بَيْنِكم)، قالَ: لِأنَّ مَعْناهُ: اجْتِماعُكم أوْ وصْلُكم. وأجازَ أيْضًا أنْ يَجْعَلَهُ حالًا مِن (بَيْنِكم)، قالَ: لِتَعَرُّفِهِ بِالإضافَةِ. انْتَهى، وهُما إعْرابانِ لا يَتَعَقَّلانِ. ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ لَمْ يُؤْمِن بِإبْراهِيمَ أحَدٌ مِن قَوْمِهِ إلّا لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، حِينَ رَأى النّارَ لَمْ تُحْرِقْهُ، وكانَ ابْنُ أخِي سارَّةَ، أوْ كانَتْ بِنْتَ عَمِّهِ. والضَّمِيرُ في (وقالَ) عائِدٌ عَلى إبْراهِيمَ، وهو الظّاهِرُ، لِيَتَناسَقَ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ﴾ وهو قَوْلُ قَتادَةَ والنَّخَعِيِّ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: يَعُودُ عَلى لُوطٍ، وهاجَرَ، وإبْراهِيمَ، عَلَيْهِمُ السَّلامُ، مِن قَرْيَتِهِما كُوثى، وهي في سَوادِ العِراقِ، مِن أرْضِ بابِلَ، إلى فِلَسْطِينَ مِن أرْضِ الشّامِ. وكانَ إبْراهِيمُ ابْنَ خَمْسٍ وسَبْعِينَ سَنَةً، وهو أوَّلُ مَن هاجَرَ في اللَّهِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هاجَرَ إلى حَرّانَ، ثُمَّ إلى الشّامِ، وفي هِجْرَتِهِ هَذِهِ كانَتْ مَعَهُ سارَّةُ. والمُهاجِرُ: الفارِغُ عَنِ الشَّيْءِ، وهو في عُرْفِ الشَّرِيعَةِ: مَن تَرَكَ وطَنَهُ رَغْبَةً في رِضا اللَّهِ. وعُرِفَ بِهَذا الِاسْمِ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، المُهاجِرُونَ، قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ. (إلى رَبِّي) أيْ: إلى الجِهَةِ الَّتِي أمَرَنِي رَبِّي بِالهِجْرَةِ إلَيْها. وقِيلَ: إلى حَيْثُ لا أُمْنَعُ عِبادَةَ رَبِّي. وقِيلَ: مُهاجِرًا مَن خالَفَنِي مِن قَوْمِي، مُتَقَرِّبًا إلى رَبِّي. ونَزَلَ إبْراهِيمُ قَرْيَةً مِن أرْضِ فِلَسْطِينَ، وتَرَكَ لُوطًا في سَدُومَ، وهي المُؤْتَفِكَةُ، عَلى مَسِيرَةِ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ مِن قَرْيَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ. ﴿إنَّهُ هو العَزِيزُ﴾ الَّذِي لا يُذَلُّ مَن عَبَدَهُ (الحَكِيمُ) الَّذِي يَضَعُ الأشْياءَ مَواضِعَها. والضَّمِيرُ في (ذُرِّيَّتِهِ) عائِدٌ عَلى إبْراهِيمَ. (النُّبُوَّةَ) إسْحاقُ، ويَعْقُوبُ، وأنْبِياءُ بَنِي إسْرائِيلَ، وإسْماعِيلُ، ومُحَمَّدٌ خاتَمُهم، صَلّى اللَّهُ وسَلَّمَ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ. (والكِتابَ) اسْمُ جِنْسٍ يَدْخُلُ فِيهِ التَّوْراةُ، والزَّبُورُ، والإنْجِيلُ، والفُرْقانُ. ﴿وآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا﴾ أيْ: في حَياتِهِ، قالَ مُجاهِدٌ: نَجاتُهُ مِنَ النّارِ، ومِنَ المَلِكِ الجَبّارِ، والعَمَلُ الصّالِحُ: والثَّناءُ الحَسَنُ، بِحَيْثُ يَتَوَلّاهُ كُلُّ أُمَّةٍ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: والوَلَدُ الَّذِي قَرَّتْ بِهِ عَيْنُهُ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ السُّدِّيُّ: إنَّهُ رَأى مَكانَهُ مِنَ الجَنَّةِ. وقالَ ابْنُ أبِي بُرْدَةَ: ما وُفِّقَ لَهُ مِن عَمَلِ الآخِرَةِ. وقالَ الماوَرْدِيُّ: بَقاءُ ضِيافَتِهِ عِنْدَ قَبْرِهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِنَبِيٍّ غَيْرِهِ. وقِيلَ: النُّبُوَّةُ والحِكْمَةُ. وقِيلَ: الصَّلاةُ عَلَيْهِ إلى آخِرِ الدَّهْرِ. وانْتَصَبَ لُوطًا بِإضْمارِ اذْكُرْ، أوْ بِالعَطْفِ عَلى إبْراهِيمَ، أوْ بِالعَطْفِ عَلى ما عُطِفَ عَلَيْهِ إبْراهِيمُ. والجُمْهُورُ: عَلى الِاسْتِفْهامِ في أئِنَّكم مَعًا. وقُرِئَ: أنَّكم عَلى الخَبَرِ، والثّانِي عَلى الِاسْتِفْهامِ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: وجَدْتُهُ في الإمامِ بِحَرْفٍ واحِدٍ بِغَيْرِ ياءٍ، ورَأيْتُ الثّانِيَ بِحَرْفَيْنِ، الياءِ والنُّونِ. ولَمْ يَأْتِ في قِصَّةِ لُوطٍ أنَّهُ دَعا قَوْمَهُ إلى عِبادَةِ اللَّهِ، كَما جاءَ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ وقِصَّةِ شُعَيْبٍ؛ لِأنَّ لُوطًا كانَ مِن قَوْمِ إبْراهِيمَ وفي زَمانِهِ، وسَبَقَهُ إبْراهِيمُ إلى الدُّعاءِ لِعِبادَةِ اللَّهِ وتَوْحِيدِهِ، واشْتُهِرَ أمْرُهُ بِذَلِكَ عِنْدَ الخَلْقِ، فَذَكَرَ لُوطٌ ما اخْتُصَّ بِهِ مِنَ المَنعِ مِنَ الفَحْشاءِ وغَيْرِها. وأمّا إبْراهِيمُ وشُعَيْبٌ فَجاءا بَعْدَ انْقِراضِ مَن كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ، فَلِذَلِكَ دَعَوا إلى عِبادَةِ اللَّهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ما سَبَقَكم بِها﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِفاحِشَةِ تِلْكَ الفَعْلَةِ، كَأنَّ قائِلًا قالَ: لِمَ كانَتْ فاحِشَةً ؟ فَقِيلَ: لِأنَّ أحَدًا قَبْلَهم لَمْ يُقْدِمْ عَلَيْها اشْمِئْزازًا مِنها في طِباعِهِمْ لِإفْراطِ قُبْحِها، حَتّى قَدَمَ عَلَيْها قَوْمُ لُوطٍ لِخُبْثِ طِينَتِهِمْ، قالُوا: لَمْ يَنْزُ ذَكَرٌ عَلى ذَكَرٍ قَبْلَ قَوْمِ لُوطٍ. انْتَهى. ويَظْهَرُ أنَّ ﴿ما سَبَقَكم بِها﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، كَأنَّهُ قالَ: أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ مُبْتَدِعِينَ لَها غَيْرَ مَسْبُوقِينَ بِها ؟ واسْتَفْهَمَ أوَّلًا وثانِيًا اسْتِفْهامَ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، وبَيَّنَ ما تِلْكَ الفاحِشَةُ المُبْهَمَةُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ وإنْ كانَتْ مُعَيَّنَةً أنَّها إتْيانُ الذُّكُورِ (p-١٥٠)فِي الأدْبارِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما سَبَقَكم بِها﴾ فَقالَ: ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ﴾ يَعْنِي في الأدْبارِ ﴿وتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ الوَلَدَ، بِتَعْطِيلِ الفَرْجِ ووَطْءِ أدْبارِ الرِّجالِ، أوْ بِإمْساكِ الغُرَباءِ لِذَلِكَ الفِعْلِ حَتّى انْقَطَعَتِ الطُّرُقُ، أوْ بِالقَتْلِ وأخْذِ المالِ، أوْ بِقُبْحِ الأُحْدُوثَةِ حَتّى تَنْقَطِعَ سُبُلُ النّاسِ في التِّجاراتِ. ﴿وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ﴾ أيْ: في مَجْلِسِكُمُ الَّذِي تَجْتَمِعُونَ فِيهِ، وهو اسْمُ جِنْسٍ، إذْ أنْدِيَتُهم في مَدائِنِهِمْ كَثِيرَةٌ، ولا يُسَمّى نادِيًا إلّا ما دامَ فِيهِ أهْلُهُ، فَإذا قامُوا عَنْهُ، لَمْ يُطْلَقْ عَلَيْهِ نادٍ إلّا مَجازًا. والمُنْكَرُ ما تُنْكِرُهُ العُقُولُ والشَّرائِعُ والمُرُوءاتُ: حَذْفُ النّاسِ بِالحَصْباءِ، والِاسْتِخْفافُ بِالغَرِيبِ الخاطِرِ، «ورَوَتْ أُمُّ هانِئٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أوْ إتْيانُ الرِّجالِ في مَجالِسِهِمْ يَرى بَعْضُهم بَعْضًا»، قالَهُ مَنصُورٌ ومُجاهِدٌ والقاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وقَتادَةُ بْنُ زَيْدٍ؛ أوْ تَضارُطُهم؛ أوْ تَصافُعُهم فِيها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ أوْ لَعِبُ الحَمامِ؛ أوْ تَطْرِيفُ الأصابِعِ بِالحِنّاءِ، والصَّفِيرُ، والحَذْفُ، ونَبْذُ الحَياءِ في جَمِيعِ أُمُورِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ أيْضًا، أوِ الحَذْفُ بِالحَصى، والرَّمْيُ بِالبَنادِقِ، والفَرْقَعَةُ، ومَضْغُ العَلَكِ، والسِّواكُ بَيْنَ النّاسِ، وحَلُّ الأزْرارِ، والسِّبابَةُ، والفُحْشُ في المِزاحِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا مَعَ شِرْكِهِمْ بِاللَّهِ. كانَتْ فِيهِمْ ذُنُوبٌ غَيْرُ الفاحِشَةِ: تَظالُمٌ فِيما بَيْنَهم، وبَشاعَةٌ، ومَضارِيطُ في مَجالِسِهِمْ، وحَذْفٌ، ولَعِبٌ بِالنَّرْدِ والشِّطْرَنْجِ، ولُبْسُ المُصَبَّغاتِ، ولِباسُ النِّساءِ لِلرِّجالِ، والمُكُوسُ عَلى كُلِّ عابِرٍ؛ وهم أوَّلُ مَن لاطَ ومَن ساحَقَ. ولَمّا وقَّفَهم لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى هَذِهِ القَبائِحِ، أصَرُّوا عَلى اللِّجاجِ في التَّكْذِيبِ، فَكانَ جَوابُهم لَهُ: ﴿أنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ فِيما تَعِدُنا بِهِ مِن نُزُولِ العَذابِ، قالُوا ذَلِكَ وهم مُصَمِّمُونَ عَلى اعْتِقادِ كَذِبِهِ فِيما وعَدَهم بِهِ. وفي آيَةٍ أُخْرى: ﴿إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾ [النمل: ٥٦] الجَمْعُ بَيْنَهُما أنَّهم أوَّلًا قالُوا: ﴿ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ﴾ ثُمَّ أنَّهُ كَثُرَ مِنهُ الإنْكارُ، وتَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنهُ نَهْيًا ووَعْظًا ووَعِيدًا ﴿قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾ [النمل: ٥٦] . ولَمّا كانَ إنَّما يَأْمُرُهم بِتَرْكِ الفَواحِشِ وما كانُوا يَصْنَعُونَهُ مِن قَبِيحِ المَعاصِي، ويَعِدُ عَلى ذَلِكَ بِالعَذابِ، وكانُوا يَقُولُونَ إنَّ اللَّهَ لَمْ يُحَرِّمْ هَذا ولا يُعَذِّبُ عَلَيْهِ، وهو يَقُولُ إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُ ويُعَذِّبُ عَلَيْهِ ﴿قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ﴾ فَكانُوا ألْطَفَ في الجَوابِ مِن قَوْمِ إبْراهِيمَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ﴾ لِأنَّهُ كانَ لا يَذُمُّ آلِهَتَهم، وعَهِدَ إلى أصْنامِهِمْ فَكَسَرَها، فَكانَ فِعْلُهُ هَذا مَعَهم أعْظَمَ مِن قَوْلِ لُوطٍ لِقَوْمِهِ، فَكانَ جَوابُهم لَهُ: ﴿أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ﴾ . ثُمَّ اسْتَنْصَرَ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَبُعِثَ مَلائِكَةٌ لِعَذابِهِمْ، ورَجْمِهِمْ بِالحاصِبِ، وإفْسادِهِمْ بِحَمْلِ النّاسِ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ المَعاصِي طَوْعًا وكَرْهًا، وخُصُوصًا تِلْكَ المَعْصِيَةَ المُبْتَدَعَةَ. (بِالبُشْرى) هي بِشارَتُهُ بِوَلَدِهِ إسْحاقَ، وبِنافِلَتِهِ يَعْقُوبَ، وبِنَصْرِ لُوطٍ عَلى قَوْمِهِ وإهْلاكِهِمْ، و(القَرْيَةَ) سَدُومُ، وفِيها قِيلَ: أجْوَرُ مِن قاضِي سَدُومَ. (كانُوا ظالِمِينَ) أيْ: قَدْ سَبَقَ مِنهُمُ الظُّلْمُ. واسْتَمَرَّ عَلى الأيّامِ السّالِفَةِ وهم مُصِرُّونَ، وظُلْمُهم: كُفْرُهم وأنْواعُ مَعاصِيهِمْ. ولَمّا ذَكَرُوا لِإبْراهِيمَ: ﴿إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ أشْفَقَ عَلى لُوطٍ فَقالَ: ﴿إنَّ فِيها لُوطًا﴾ . ولَمّا عَلَّلُوا الإهْلاكَ بِالظُّلْمِ، قالَ لَهم: فِيها مَن هو بَرِيءٌ مِنَ الظُّلْمِ ﴿قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها﴾ أيْ: مِنكَ، وأُخْبِرَ بِحالِهِ. ثُمَّ أخْبَرُوهُ بِإنْجائِهِمْ إيّاهُ ﴿وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ﴾ . وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ﴾ مُضارِعَ أنْجى؛ وباقِي السَّبْعَةِ: مُضارِعَ نَجّى؛ والجُمْهُورُ: بِشَدِّ النُّونِ؛ وفِرْقَةٌ: بِتَخْفِيفِها. ﴿ولَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، إلّا أنَّ هُنا زِيدَتْ ”أنْ“ بَعْدَ ”لَمّا“، وهو قِياسٌ مُطَّرِدٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنْ صِلَةٌ أكَّدَتْ وُجُودَ الفِعْلَيْنِ مُتَرَتِّبًا أحَدُهُما عَلى الآخَرِ في وقْتَيْنِ مُتَجاوِرَيْنِ لا فاصِلَ بَيْنَهُما، كَأنَّهُما وُجِدا في جُزْءٍ واحِدٍ مِنَ الزَّمانِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَمّا أحَسَّ بِمَجِيئِهِمْ، فاجَأتِ المَساءَةُ مِن غَيْرِ وقْتٍ خِيفَةً عَلَيْهِمْ مِن قَوْمِهِ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ في التَّرْتِيبِ هو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، إذْ مَذْهَبُهُ. أنَّ لَمّا: حَرْفٌ لا ظَرْفٌ، خِلافًا لِلْفارِسِيِّ، وهَذا مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. وقَرَأ العَرَبِيّانِ، ونافِعٌ، وحَفْصٌ: ﴿مُنَجُّوكَ﴾ مُشَدَّدًا؛ وباقِي (p-١٥١)السَّبْعَةِ: مُخَفَّفًا، والكافُ في مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ في مَوْضِعِ جَرٍّ. (وأهْلَكَ) مَنصُوبٌ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: ونُنَجِّي أهْلَكَ. ومَن راعى هَذا المَوْضِعَ، عَطَفَهُ عَلى مَوْضِعِ الكافِ، والكافُ عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ وهِشامٍ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، و”أهْلَكَ“ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ هَذِهِ النُّونَ كالتَّنْوِينِ، وهُما عَلى مَذْهَبِهِما يُحْذَفانِ لِلَطافَةِ الضَّمِيرِ وشِدَّةِ طَلَبِهِ الِاتِّصالَ بِما قَبْلَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (سِيءَ)، بِكَسْرِ السِّينِ، وضَمَّها نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ. وقَرَأ عِيسى، وطَلْحَةُ: ”سُوءَ“، بِضَمِّها، وهي لُغَةُ بَنِي هُذَيْلٍ. وبَنِي وُبَيْرٍ يَقُولُونَ في قِيلَ وبِيعَ ونَحْوِهِما: قُولَ وبُوعَ. وقُرِئَ: ”مُنْزِلُونَ“، مُخَفَّفًا ومُشَدَّدًا؛ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ”رُجْزًا“، بِضَمِّ الرّاءِ؛ وأبُو حَيْوَةَ والأعْمَشُ: بِكَسْرِ سِينِ (يَفْسُقُونَ) . والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في مِنها عائِدٌ عَلى القَرْيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَنازِلُهُمُ الخَرِبَةُ. وحَكى أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ أنَّ الآيَةَ في قَرْيَتِهِمْ، إلّا أنَّ أساسَها أعْلاها، وسُقُوفَها أسْفَلُها إلى الآنَ. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى تَرَكْناها آيَةً، يَقُولُ: إنَّ في السَّماءِ لَآيَةً، يُرِيدُ أنَّها آيَةٌ. انْتَهى، وهَذا لا يَتَّجِهُ إلّا عَلى زِيادَةِ مِن في الواجِبِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: أمْهَرْتُ مِنها جُبَّةً وتَيْسًا، يُرِيدُ: أمْهَرْتُها؛ وكَذَلِكَ: ولَقَدْ تَرَكْناها آيَةً، وقِيلَ: الهاءُ في ”مِنها“ عائِدَةٌ عَلى الفِعْلَةِ الَّتِي فُعِلَتْ بِهِمْ، فَقِيلَ: الآيَةُ: الحِجارَةُ الَّتِي أدْرَكَتْها أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ وقِيلَ: الماءُ الأسْوَدُ عَلى وجْهِ الأرْضِ، قالَهُ مُجاهِدٌ؛ وقِيلَ: أنْجَزَ ما صَنَعَ بِهِمْ. و(لِقَوْمٍ) مُتَعَلِّقٌ بِـ: (تَرَكْنا)، أوْ (بَيِّنَةً) .

العنكبوت 29:27

﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وقالَ إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا ومَأْواكُمُ النّارُ ومالَكم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وقالَ إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي إنَّهُ هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ والكِتابَ وآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلى القَوْمِ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿ولَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وقالُوا لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ إلّا امْرَأتَكَ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿إنّا مُنْزِلُونَ عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ تَرَكْنا مِنها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ . (p-١٤٨)لَمّا أمَرَهم بِعِبادَةِ اللَّهِ، وبَيَّنَ سَفَهَهم في عِبادَةِ الأوْثانِ، وظَهَرَتْ حُجَّتُهُ عَلَيْهِمْ، رَجَعُوا إلى الغَلَبَةِ، فَجَعَلُوا القائِمَ مَقامَ جَوابِهِ فِيما أمَرَهم بِهِ قَوْلَهم: ﴿اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ﴾ . والآمِرُونَ بِذَلِكَ، إمّا بَعْضُهم لِبَعْضٍ، أوْ كُبَراؤُهم قالُوا لِأتْباعِهِمُ: اقْتُلُوهُ، فَتَسْتَرِيحُوا مِنهُ عاجِلًا، أوْ حَرِّقُوهُ بِالنّارِ؛ فَإمّا أنْ يَرْجِعَ إلى دِينِكم، إذا أمْضَتْهُ النّارُ؛ وإمّا أنْ يَمُوتَ بِها، إنْ أصَرَّ عَلى قَوْلِهِ ودِينِهِ. وفي الكَلامِ حَذْفٌ، أيْ: حَرِّقُوهُ في النّارِ ﴿فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ﴾ . وتَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُ في تَحْرِيقِهِ في سُورَةِ ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١] . وجَمَعَ هُنا فَقالَ الآياتِ؛ لِأنَّ الإنْجاءَ مِنَ النّارِ، وجَعْلَها بَرْدًا وسَلامًا، وأنَّها في الحَبْلِ الَّذِي كانُوا أوْثَقُوهُ بِهِ دُونَ الجِسْمِ، وإنْ صَحَّ ما نُقِلَ مِن أنَّ مَكانَها، حالَةَ الرَّمْيِ، صارَ بُسْتانًا يانِعًا، هو مَجْمُوعُ آياتٍ، فَناسَبَ الجَمْعَ، بِخِلافِ الإنْجاءِ مِنَ السَّفِينَةِ، فَإنَّهُ آيَةٌ واحِدَةٌ، وتَقَدَّمُ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ مِنَ النّارِ بَعْدَ إلْقائِهِ؛ فِيما قالَ كَعْبٌ: لَمْ يَحْتَرِقْ بِالنّارِ إلّا الحَبْلُ الَّذِي أوْثَقُوهُ بِهِ. وجاءَ هُنا التَّرْدِيدُ بَيْنَ قَتْلِهِ وإحْراقِهِ، فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مِن قائِلِينَ: ناسٌ أشارُوا بِالقَتْلِ، وناسٌ أشارُوا بِالإحْراقِ. وفي (اقْتَرَبَ) قالُوا: (حَرِّقُوهُ) اقْتَصَرُوا عَلى أحَدِ الشَّيْئَيْنِ، وهو الَّذِي فَعَلُوهُ، رَمَوْهُ في النّارِ ولَمْ يَقْتُلُوهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (جَوابَ) بِالنَّصْبِ؛ والحَسَنُ، وسالِمٌ الأفْطَسُ: بِالرَّفْعِ، اسْمًا لِـ: كانَ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ الأصْمَعِيِّ، والأعْمَشُ عَنْ أبِي بَكْرٍ: ”مَوَدَّةٌ“ بِالرَّفْعِ، و”بَيْنَكم“ بِالنَّصْبِ. فالرَّفْعُ عَلى خَبَرِ إنَّ، و”ما“ مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي، أيْ: إنَّ الأوْثانَ الَّتِي اتَّخَذْتُمُوها مَوْدُودًا، أوْ سَبَبَ مَوَدَّةٍ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: إنَّ اتِّخاذَكم أوْثانًا مَوَدَّةً، أوْ عَلى خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هي مَوَدَّةُ بَيْنِكم، وما إذْ ذاكَ مُهَيِّئَةٌ. ورُوِيَ عَنْ عاصِمٍ: ”مَوَدَّةُ“، بِالرَّفْعِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ؛ و”بَيْنَكم“ بِالفَتْحِ، أيْ: بِفَتْحِ النُّونِ، جَعَلَهُ مَبْنِيًّا لِإضافَتِهِ إلى مَبْنِيٍّ، وهو مَوْضِعُ خَفْضٍ بِالإضافَةِ، ولِذَلِكَ سَقَطَ التَّنْوِينُ مِن ”مَوَدَّةُ“ . وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وابْنُ كَثِيرٍ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ خَفَضَ نُونَ (بَيْنِكم) . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ بِنَصْبِ ”مَوَدَّةً“ مُنَوَّنًا ونَصْبِ ”بَيْنَكم“؛ وحَمْزَةُ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ أضافَ ”مَوَدَّةً“ إلى ”بَيْنَكم“ وخَفَضَ، كَما في قِراءَةِ مَن نَصَبَ ”مَوَدَّةً“ مُهَيِّئَةً. و”اتَّخَذَ“ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِمّا تَعَدَّتْ إلى اثْنَيْنِ، والثّانِي هو (مَوَدَّةَ)، أيِ: اتَّخَذْتُمُ الأوْثانَ بِسَبَبِ المَوَدَّةِ بَيْنَكم، عَلى حَذْفِ المُضافِ، أوِ اتَّخَذْتُمُوها مَوَدَّةَ بَيْنِكم، كَقَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] أوْ مِمّا تَعَدَّتْ إلى واحِدٍ، وانْتَصَبَ ”مَوَدَّةَ“ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: لِيَتَوادُّوا ويَتَواصَلُوا ويَجْتَمِعُوا عَلى عِبادَتِها، كَما يَجْتَمِعُ ناسٌ عَلى مَذْهَبٍ، فَيَقَعُ التَّحابُّ بَيْنَهم. وذَكَرُوا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قِراءَةً شاذَّةً تُخالِفُ سَوادَ المُصْحَفِ، مَعَ أنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ ما في سَوادِ المُصْحَفِ بِالنَّقْلِ الصَّحِيحِ المُسْتَفِيضِ، فَلِذَلِكَ لَمْ أذْكُرْ تِلْكَ القِراءَةَ. ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ يَقَعُ بَيْنَكُمُ التَّلاعُنُ، أيْ: فَيُلاعِنُ العَبَدَةُ والمَعْبُوداتُ الأصْنامَ، كَقَوْلِهِ: و﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢] . و(بَيْنَكم) و(في الحَياةِ) يَجُوزُ تَعْلِيقُهُما بِلَفْظِ ”مَوَدَّةَ“ وعَمِلَ في ظَرْفَيْنِ لِاخْتِلافِهِما، إذْ هُما ظَرْفا مَكانٍ وزَمانٍ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقا بِمَحْذُوفَيْنِ، فَيَكُونانِ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، أيْ: كائِنَةً بَيْنَكم في الحَياةِ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ (p-١٤٩)المُسْتَكِنِّ في (بَيْنِكم) . وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَتَعَلَّقَ (في الحَياةِ) . بِـ: ”اتَّخَذْتُمْ“ عَلى جَعْلِ ما كافَّةً، ونَصْبِ (مَوَدَّةَ)، لا عَلى جَعْلِ ما مَوْصُولَةً بِمَعْنى الَّذِي، أوْ مَصْدَرِيَّةً ورَفْعِ ”مَوَدَّةَ“، لِئَلّا يُؤَدِّيَ إلى الفَصْلِ بَيْنَ المَوْصُولِ وما في الصِّلَةِ بِالخَبَرِ. وأجازَ قَوْمٌ مِنهُمُ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَتَعَلَّقَ (في الحَياةِ) بِـ: (مَوَدَّةَ)، وأنْ يَكُونَ (بَيْنِكم) صِفَةً لِـ: (مَوَدَّةَ)، وهو لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ المَصْدَرَ إذا وُصِفَ قَبْلَ أخْذِ مُتَعَلِّقاتِهِ لا يَعْمَلُ، وشُبْهَتُهم في هَذا أنَّهُ يَتَّسِعُ في الظَّرْفِ، بِخِلافِ المَفْعُولِ بِهِ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَتَعَلَّقَ بِنَفْسِ (بَيْنِكم)، قالَ: لِأنَّ مَعْناهُ: اجْتِماعُكم أوْ وصْلُكم. وأجازَ أيْضًا أنْ يَجْعَلَهُ حالًا مِن (بَيْنِكم)، قالَ: لِتَعَرُّفِهِ بِالإضافَةِ. انْتَهى، وهُما إعْرابانِ لا يَتَعَقَّلانِ. ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ لَمْ يُؤْمِن بِإبْراهِيمَ أحَدٌ مِن قَوْمِهِ إلّا لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، حِينَ رَأى النّارَ لَمْ تُحْرِقْهُ، وكانَ ابْنُ أخِي سارَّةَ، أوْ كانَتْ بِنْتَ عَمِّهِ. والضَّمِيرُ في (وقالَ) عائِدٌ عَلى إبْراهِيمَ، وهو الظّاهِرُ، لِيَتَناسَقَ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ﴾ وهو قَوْلُ قَتادَةَ والنَّخَعِيِّ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: يَعُودُ عَلى لُوطٍ، وهاجَرَ، وإبْراهِيمَ، عَلَيْهِمُ السَّلامُ، مِن قَرْيَتِهِما كُوثى، وهي في سَوادِ العِراقِ، مِن أرْضِ بابِلَ، إلى فِلَسْطِينَ مِن أرْضِ الشّامِ. وكانَ إبْراهِيمُ ابْنَ خَمْسٍ وسَبْعِينَ سَنَةً، وهو أوَّلُ مَن هاجَرَ في اللَّهِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هاجَرَ إلى حَرّانَ، ثُمَّ إلى الشّامِ، وفي هِجْرَتِهِ هَذِهِ كانَتْ مَعَهُ سارَّةُ. والمُهاجِرُ: الفارِغُ عَنِ الشَّيْءِ، وهو في عُرْفِ الشَّرِيعَةِ: مَن تَرَكَ وطَنَهُ رَغْبَةً في رِضا اللَّهِ. وعُرِفَ بِهَذا الِاسْمِ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، المُهاجِرُونَ، قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ. (إلى رَبِّي) أيْ: إلى الجِهَةِ الَّتِي أمَرَنِي رَبِّي بِالهِجْرَةِ إلَيْها. وقِيلَ: إلى حَيْثُ لا أُمْنَعُ عِبادَةَ رَبِّي. وقِيلَ: مُهاجِرًا مَن خالَفَنِي مِن قَوْمِي، مُتَقَرِّبًا إلى رَبِّي. ونَزَلَ إبْراهِيمُ قَرْيَةً مِن أرْضِ فِلَسْطِينَ، وتَرَكَ لُوطًا في سَدُومَ، وهي المُؤْتَفِكَةُ، عَلى مَسِيرَةِ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ مِن قَرْيَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ. ﴿إنَّهُ هو العَزِيزُ﴾ الَّذِي لا يُذَلُّ مَن عَبَدَهُ (الحَكِيمُ) الَّذِي يَضَعُ الأشْياءَ مَواضِعَها. والضَّمِيرُ في (ذُرِّيَّتِهِ) عائِدٌ عَلى إبْراهِيمَ. (النُّبُوَّةَ) إسْحاقُ، ويَعْقُوبُ، وأنْبِياءُ بَنِي إسْرائِيلَ، وإسْماعِيلُ، ومُحَمَّدٌ خاتَمُهم، صَلّى اللَّهُ وسَلَّمَ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ. (والكِتابَ) اسْمُ جِنْسٍ يَدْخُلُ فِيهِ التَّوْراةُ، والزَّبُورُ، والإنْجِيلُ، والفُرْقانُ. ﴿وآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا﴾ أيْ: في حَياتِهِ، قالَ مُجاهِدٌ: نَجاتُهُ مِنَ النّارِ، ومِنَ المَلِكِ الجَبّارِ، والعَمَلُ الصّالِحُ: والثَّناءُ الحَسَنُ، بِحَيْثُ يَتَوَلّاهُ كُلُّ أُمَّةٍ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: والوَلَدُ الَّذِي قَرَّتْ بِهِ عَيْنُهُ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ السُّدِّيُّ: إنَّهُ رَأى مَكانَهُ مِنَ الجَنَّةِ. وقالَ ابْنُ أبِي بُرْدَةَ: ما وُفِّقَ لَهُ مِن عَمَلِ الآخِرَةِ. وقالَ الماوَرْدِيُّ: بَقاءُ ضِيافَتِهِ عِنْدَ قَبْرِهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِنَبِيٍّ غَيْرِهِ. وقِيلَ: النُّبُوَّةُ والحِكْمَةُ. وقِيلَ: الصَّلاةُ عَلَيْهِ إلى آخِرِ الدَّهْرِ. وانْتَصَبَ لُوطًا بِإضْمارِ اذْكُرْ، أوْ بِالعَطْفِ عَلى إبْراهِيمَ، أوْ بِالعَطْفِ عَلى ما عُطِفَ عَلَيْهِ إبْراهِيمُ. والجُمْهُورُ: عَلى الِاسْتِفْهامِ في أئِنَّكم مَعًا. وقُرِئَ: أنَّكم عَلى الخَبَرِ، والثّانِي عَلى الِاسْتِفْهامِ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: وجَدْتُهُ في الإمامِ بِحَرْفٍ واحِدٍ بِغَيْرِ ياءٍ، ورَأيْتُ الثّانِيَ بِحَرْفَيْنِ، الياءِ والنُّونِ. ولَمْ يَأْتِ في قِصَّةِ لُوطٍ أنَّهُ دَعا قَوْمَهُ إلى عِبادَةِ اللَّهِ، كَما جاءَ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ وقِصَّةِ شُعَيْبٍ؛ لِأنَّ لُوطًا كانَ مِن قَوْمِ إبْراهِيمَ وفي زَمانِهِ، وسَبَقَهُ إبْراهِيمُ إلى الدُّعاءِ لِعِبادَةِ اللَّهِ وتَوْحِيدِهِ، واشْتُهِرَ أمْرُهُ بِذَلِكَ عِنْدَ الخَلْقِ، فَذَكَرَ لُوطٌ ما اخْتُصَّ بِهِ مِنَ المَنعِ مِنَ الفَحْشاءِ وغَيْرِها. وأمّا إبْراهِيمُ وشُعَيْبٌ فَجاءا بَعْدَ انْقِراضِ مَن كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ، فَلِذَلِكَ دَعَوا إلى عِبادَةِ اللَّهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ما سَبَقَكم بِها﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِفاحِشَةِ تِلْكَ الفَعْلَةِ، كَأنَّ قائِلًا قالَ: لِمَ كانَتْ فاحِشَةً ؟ فَقِيلَ: لِأنَّ أحَدًا قَبْلَهم لَمْ يُقْدِمْ عَلَيْها اشْمِئْزازًا مِنها في طِباعِهِمْ لِإفْراطِ قُبْحِها، حَتّى قَدَمَ عَلَيْها قَوْمُ لُوطٍ لِخُبْثِ طِينَتِهِمْ، قالُوا: لَمْ يَنْزُ ذَكَرٌ عَلى ذَكَرٍ قَبْلَ قَوْمِ لُوطٍ. انْتَهى. ويَظْهَرُ أنَّ ﴿ما سَبَقَكم بِها﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، كَأنَّهُ قالَ: أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ مُبْتَدِعِينَ لَها غَيْرَ مَسْبُوقِينَ بِها ؟ واسْتَفْهَمَ أوَّلًا وثانِيًا اسْتِفْهامَ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، وبَيَّنَ ما تِلْكَ الفاحِشَةُ المُبْهَمَةُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ وإنْ كانَتْ مُعَيَّنَةً أنَّها إتْيانُ الذُّكُورِ (p-١٥٠)فِي الأدْبارِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما سَبَقَكم بِها﴾ فَقالَ: ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ﴾ يَعْنِي في الأدْبارِ ﴿وتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ الوَلَدَ، بِتَعْطِيلِ الفَرْجِ ووَطْءِ أدْبارِ الرِّجالِ، أوْ بِإمْساكِ الغُرَباءِ لِذَلِكَ الفِعْلِ حَتّى انْقَطَعَتِ الطُّرُقُ، أوْ بِالقَتْلِ وأخْذِ المالِ، أوْ بِقُبْحِ الأُحْدُوثَةِ حَتّى تَنْقَطِعَ سُبُلُ النّاسِ في التِّجاراتِ. ﴿وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ﴾ أيْ: في مَجْلِسِكُمُ الَّذِي تَجْتَمِعُونَ فِيهِ، وهو اسْمُ جِنْسٍ، إذْ أنْدِيَتُهم في مَدائِنِهِمْ كَثِيرَةٌ، ولا يُسَمّى نادِيًا إلّا ما دامَ فِيهِ أهْلُهُ، فَإذا قامُوا عَنْهُ، لَمْ يُطْلَقْ عَلَيْهِ نادٍ إلّا مَجازًا. والمُنْكَرُ ما تُنْكِرُهُ العُقُولُ والشَّرائِعُ والمُرُوءاتُ: حَذْفُ النّاسِ بِالحَصْباءِ، والِاسْتِخْفافُ بِالغَرِيبِ الخاطِرِ، «ورَوَتْ أُمُّ هانِئٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أوْ إتْيانُ الرِّجالِ في مَجالِسِهِمْ يَرى بَعْضُهم بَعْضًا»، قالَهُ مَنصُورٌ ومُجاهِدٌ والقاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وقَتادَةُ بْنُ زَيْدٍ؛ أوْ تَضارُطُهم؛ أوْ تَصافُعُهم فِيها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ أوْ لَعِبُ الحَمامِ؛ أوْ تَطْرِيفُ الأصابِعِ بِالحِنّاءِ، والصَّفِيرُ، والحَذْفُ، ونَبْذُ الحَياءِ في جَمِيعِ أُمُورِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ أيْضًا، أوِ الحَذْفُ بِالحَصى، والرَّمْيُ بِالبَنادِقِ، والفَرْقَعَةُ، ومَضْغُ العَلَكِ، والسِّواكُ بَيْنَ النّاسِ، وحَلُّ الأزْرارِ، والسِّبابَةُ، والفُحْشُ في المِزاحِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا مَعَ شِرْكِهِمْ بِاللَّهِ. كانَتْ فِيهِمْ ذُنُوبٌ غَيْرُ الفاحِشَةِ: تَظالُمٌ فِيما بَيْنَهم، وبَشاعَةٌ، ومَضارِيطُ في مَجالِسِهِمْ، وحَذْفٌ، ولَعِبٌ بِالنَّرْدِ والشِّطْرَنْجِ، ولُبْسُ المُصَبَّغاتِ، ولِباسُ النِّساءِ لِلرِّجالِ، والمُكُوسُ عَلى كُلِّ عابِرٍ؛ وهم أوَّلُ مَن لاطَ ومَن ساحَقَ. ولَمّا وقَّفَهم لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى هَذِهِ القَبائِحِ، أصَرُّوا عَلى اللِّجاجِ في التَّكْذِيبِ، فَكانَ جَوابُهم لَهُ: ﴿أنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ فِيما تَعِدُنا بِهِ مِن نُزُولِ العَذابِ، قالُوا ذَلِكَ وهم مُصَمِّمُونَ عَلى اعْتِقادِ كَذِبِهِ فِيما وعَدَهم بِهِ. وفي آيَةٍ أُخْرى: ﴿إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾ [النمل: ٥٦] الجَمْعُ بَيْنَهُما أنَّهم أوَّلًا قالُوا: ﴿ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ﴾ ثُمَّ أنَّهُ كَثُرَ مِنهُ الإنْكارُ، وتَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنهُ نَهْيًا ووَعْظًا ووَعِيدًا ﴿قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾ [النمل: ٥٦] . ولَمّا كانَ إنَّما يَأْمُرُهم بِتَرْكِ الفَواحِشِ وما كانُوا يَصْنَعُونَهُ مِن قَبِيحِ المَعاصِي، ويَعِدُ عَلى ذَلِكَ بِالعَذابِ، وكانُوا يَقُولُونَ إنَّ اللَّهَ لَمْ يُحَرِّمْ هَذا ولا يُعَذِّبُ عَلَيْهِ، وهو يَقُولُ إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُ ويُعَذِّبُ عَلَيْهِ ﴿قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ﴾ فَكانُوا ألْطَفَ في الجَوابِ مِن قَوْمِ إبْراهِيمَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ﴾ لِأنَّهُ كانَ لا يَذُمُّ آلِهَتَهم، وعَهِدَ إلى أصْنامِهِمْ فَكَسَرَها، فَكانَ فِعْلُهُ هَذا مَعَهم أعْظَمَ مِن قَوْلِ لُوطٍ لِقَوْمِهِ، فَكانَ جَوابُهم لَهُ: ﴿أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ﴾ . ثُمَّ اسْتَنْصَرَ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَبُعِثَ مَلائِكَةٌ لِعَذابِهِمْ، ورَجْمِهِمْ بِالحاصِبِ، وإفْسادِهِمْ بِحَمْلِ النّاسِ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ المَعاصِي طَوْعًا وكَرْهًا، وخُصُوصًا تِلْكَ المَعْصِيَةَ المُبْتَدَعَةَ. (بِالبُشْرى) هي بِشارَتُهُ بِوَلَدِهِ إسْحاقَ، وبِنافِلَتِهِ يَعْقُوبَ، وبِنَصْرِ لُوطٍ عَلى قَوْمِهِ وإهْلاكِهِمْ، و(القَرْيَةَ) سَدُومُ، وفِيها قِيلَ: أجْوَرُ مِن قاضِي سَدُومَ. (كانُوا ظالِمِينَ) أيْ: قَدْ سَبَقَ مِنهُمُ الظُّلْمُ. واسْتَمَرَّ عَلى الأيّامِ السّالِفَةِ وهم مُصِرُّونَ، وظُلْمُهم: كُفْرُهم وأنْواعُ مَعاصِيهِمْ. ولَمّا ذَكَرُوا لِإبْراهِيمَ: ﴿إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ أشْفَقَ عَلى لُوطٍ فَقالَ: ﴿إنَّ فِيها لُوطًا﴾ . ولَمّا عَلَّلُوا الإهْلاكَ بِالظُّلْمِ، قالَ لَهم: فِيها مَن هو بَرِيءٌ مِنَ الظُّلْمِ ﴿قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها﴾ أيْ: مِنكَ، وأُخْبِرَ بِحالِهِ. ثُمَّ أخْبَرُوهُ بِإنْجائِهِمْ إيّاهُ ﴿وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ﴾ . وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ﴾ مُضارِعَ أنْجى؛ وباقِي السَّبْعَةِ: مُضارِعَ نَجّى؛ والجُمْهُورُ: بِشَدِّ النُّونِ؛ وفِرْقَةٌ: بِتَخْفِيفِها. ﴿ولَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، إلّا أنَّ هُنا زِيدَتْ ”أنْ“ بَعْدَ ”لَمّا“، وهو قِياسٌ مُطَّرِدٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنْ صِلَةٌ أكَّدَتْ وُجُودَ الفِعْلَيْنِ مُتَرَتِّبًا أحَدُهُما عَلى الآخَرِ في وقْتَيْنِ مُتَجاوِرَيْنِ لا فاصِلَ بَيْنَهُما، كَأنَّهُما وُجِدا في جُزْءٍ واحِدٍ مِنَ الزَّمانِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَمّا أحَسَّ بِمَجِيئِهِمْ، فاجَأتِ المَساءَةُ مِن غَيْرِ وقْتٍ خِيفَةً عَلَيْهِمْ مِن قَوْمِهِ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ في التَّرْتِيبِ هو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، إذْ مَذْهَبُهُ. أنَّ لَمّا: حَرْفٌ لا ظَرْفٌ، خِلافًا لِلْفارِسِيِّ، وهَذا مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. وقَرَأ العَرَبِيّانِ، ونافِعٌ، وحَفْصٌ: ﴿مُنَجُّوكَ﴾ مُشَدَّدًا؛ وباقِي (p-١٥١)السَّبْعَةِ: مُخَفَّفًا، والكافُ في مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ في مَوْضِعِ جَرٍّ. (وأهْلَكَ) مَنصُوبٌ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: ونُنَجِّي أهْلَكَ. ومَن راعى هَذا المَوْضِعَ، عَطَفَهُ عَلى مَوْضِعِ الكافِ، والكافُ عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ وهِشامٍ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، و”أهْلَكَ“ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ هَذِهِ النُّونَ كالتَّنْوِينِ، وهُما عَلى مَذْهَبِهِما يُحْذَفانِ لِلَطافَةِ الضَّمِيرِ وشِدَّةِ طَلَبِهِ الِاتِّصالَ بِما قَبْلَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (سِيءَ)، بِكَسْرِ السِّينِ، وضَمَّها نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ. وقَرَأ عِيسى، وطَلْحَةُ: ”سُوءَ“، بِضَمِّها، وهي لُغَةُ بَنِي هُذَيْلٍ. وبَنِي وُبَيْرٍ يَقُولُونَ في قِيلَ وبِيعَ ونَحْوِهِما: قُولَ وبُوعَ. وقُرِئَ: ”مُنْزِلُونَ“، مُخَفَّفًا ومُشَدَّدًا؛ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ”رُجْزًا“، بِضَمِّ الرّاءِ؛ وأبُو حَيْوَةَ والأعْمَشُ: بِكَسْرِ سِينِ (يَفْسُقُونَ) . والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في مِنها عائِدٌ عَلى القَرْيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَنازِلُهُمُ الخَرِبَةُ. وحَكى أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ أنَّ الآيَةَ في قَرْيَتِهِمْ، إلّا أنَّ أساسَها أعْلاها، وسُقُوفَها أسْفَلُها إلى الآنَ. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى تَرَكْناها آيَةً، يَقُولُ: إنَّ في السَّماءِ لَآيَةً، يُرِيدُ أنَّها آيَةٌ. انْتَهى، وهَذا لا يَتَّجِهُ إلّا عَلى زِيادَةِ مِن في الواجِبِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: أمْهَرْتُ مِنها جُبَّةً وتَيْسًا، يُرِيدُ: أمْهَرْتُها؛ وكَذَلِكَ: ولَقَدْ تَرَكْناها آيَةً، وقِيلَ: الهاءُ في ”مِنها“ عائِدَةٌ عَلى الفِعْلَةِ الَّتِي فُعِلَتْ بِهِمْ، فَقِيلَ: الآيَةُ: الحِجارَةُ الَّتِي أدْرَكَتْها أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ وقِيلَ: الماءُ الأسْوَدُ عَلى وجْهِ الأرْضِ، قالَهُ مُجاهِدٌ؛ وقِيلَ: أنْجَزَ ما صَنَعَ بِهِمْ. و(لِقَوْمٍ) مُتَعَلِّقٌ بِـ: (تَرَكْنا)، أوْ (بَيِّنَةً) .

العنكبوت 29:28

﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وقالَ إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا ومَأْواكُمُ النّارُ ومالَكم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وقالَ إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي إنَّهُ هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ والكِتابَ وآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلى القَوْمِ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿ولَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وقالُوا لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ إلّا امْرَأتَكَ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿إنّا مُنْزِلُونَ عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ تَرَكْنا مِنها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ . (p-١٤٨)لَمّا أمَرَهم بِعِبادَةِ اللَّهِ، وبَيَّنَ سَفَهَهم في عِبادَةِ الأوْثانِ، وظَهَرَتْ حُجَّتُهُ عَلَيْهِمْ، رَجَعُوا إلى الغَلَبَةِ، فَجَعَلُوا القائِمَ مَقامَ جَوابِهِ فِيما أمَرَهم بِهِ قَوْلَهم: ﴿اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ﴾ . والآمِرُونَ بِذَلِكَ، إمّا بَعْضُهم لِبَعْضٍ، أوْ كُبَراؤُهم قالُوا لِأتْباعِهِمُ: اقْتُلُوهُ، فَتَسْتَرِيحُوا مِنهُ عاجِلًا، أوْ حَرِّقُوهُ بِالنّارِ؛ فَإمّا أنْ يَرْجِعَ إلى دِينِكم، إذا أمْضَتْهُ النّارُ؛ وإمّا أنْ يَمُوتَ بِها، إنْ أصَرَّ عَلى قَوْلِهِ ودِينِهِ. وفي الكَلامِ حَذْفٌ، أيْ: حَرِّقُوهُ في النّارِ ﴿فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ﴾ . وتَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُ في تَحْرِيقِهِ في سُورَةِ ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١] . وجَمَعَ هُنا فَقالَ الآياتِ؛ لِأنَّ الإنْجاءَ مِنَ النّارِ، وجَعْلَها بَرْدًا وسَلامًا، وأنَّها في الحَبْلِ الَّذِي كانُوا أوْثَقُوهُ بِهِ دُونَ الجِسْمِ، وإنْ صَحَّ ما نُقِلَ مِن أنَّ مَكانَها، حالَةَ الرَّمْيِ، صارَ بُسْتانًا يانِعًا، هو مَجْمُوعُ آياتٍ، فَناسَبَ الجَمْعَ، بِخِلافِ الإنْجاءِ مِنَ السَّفِينَةِ، فَإنَّهُ آيَةٌ واحِدَةٌ، وتَقَدَّمُ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ مِنَ النّارِ بَعْدَ إلْقائِهِ؛ فِيما قالَ كَعْبٌ: لَمْ يَحْتَرِقْ بِالنّارِ إلّا الحَبْلُ الَّذِي أوْثَقُوهُ بِهِ. وجاءَ هُنا التَّرْدِيدُ بَيْنَ قَتْلِهِ وإحْراقِهِ، فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مِن قائِلِينَ: ناسٌ أشارُوا بِالقَتْلِ، وناسٌ أشارُوا بِالإحْراقِ. وفي (اقْتَرَبَ) قالُوا: (حَرِّقُوهُ) اقْتَصَرُوا عَلى أحَدِ الشَّيْئَيْنِ، وهو الَّذِي فَعَلُوهُ، رَمَوْهُ في النّارِ ولَمْ يَقْتُلُوهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (جَوابَ) بِالنَّصْبِ؛ والحَسَنُ، وسالِمٌ الأفْطَسُ: بِالرَّفْعِ، اسْمًا لِـ: كانَ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ الأصْمَعِيِّ، والأعْمَشُ عَنْ أبِي بَكْرٍ: ”مَوَدَّةٌ“ بِالرَّفْعِ، و”بَيْنَكم“ بِالنَّصْبِ. فالرَّفْعُ عَلى خَبَرِ إنَّ، و”ما“ مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي، أيْ: إنَّ الأوْثانَ الَّتِي اتَّخَذْتُمُوها مَوْدُودًا، أوْ سَبَبَ مَوَدَّةٍ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: إنَّ اتِّخاذَكم أوْثانًا مَوَدَّةً، أوْ عَلى خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هي مَوَدَّةُ بَيْنِكم، وما إذْ ذاكَ مُهَيِّئَةٌ. ورُوِيَ عَنْ عاصِمٍ: ”مَوَدَّةُ“، بِالرَّفْعِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ؛ و”بَيْنَكم“ بِالفَتْحِ، أيْ: بِفَتْحِ النُّونِ، جَعَلَهُ مَبْنِيًّا لِإضافَتِهِ إلى مَبْنِيٍّ، وهو مَوْضِعُ خَفْضٍ بِالإضافَةِ، ولِذَلِكَ سَقَطَ التَّنْوِينُ مِن ”مَوَدَّةُ“ . وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وابْنُ كَثِيرٍ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ خَفَضَ نُونَ (بَيْنِكم) . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ بِنَصْبِ ”مَوَدَّةً“ مُنَوَّنًا ونَصْبِ ”بَيْنَكم“؛ وحَمْزَةُ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ أضافَ ”مَوَدَّةً“ إلى ”بَيْنَكم“ وخَفَضَ، كَما في قِراءَةِ مَن نَصَبَ ”مَوَدَّةً“ مُهَيِّئَةً. و”اتَّخَذَ“ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِمّا تَعَدَّتْ إلى اثْنَيْنِ، والثّانِي هو (مَوَدَّةَ)، أيِ: اتَّخَذْتُمُ الأوْثانَ بِسَبَبِ المَوَدَّةِ بَيْنَكم، عَلى حَذْفِ المُضافِ، أوِ اتَّخَذْتُمُوها مَوَدَّةَ بَيْنِكم، كَقَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] أوْ مِمّا تَعَدَّتْ إلى واحِدٍ، وانْتَصَبَ ”مَوَدَّةَ“ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: لِيَتَوادُّوا ويَتَواصَلُوا ويَجْتَمِعُوا عَلى عِبادَتِها، كَما يَجْتَمِعُ ناسٌ عَلى مَذْهَبٍ، فَيَقَعُ التَّحابُّ بَيْنَهم. وذَكَرُوا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قِراءَةً شاذَّةً تُخالِفُ سَوادَ المُصْحَفِ، مَعَ أنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ ما في سَوادِ المُصْحَفِ بِالنَّقْلِ الصَّحِيحِ المُسْتَفِيضِ، فَلِذَلِكَ لَمْ أذْكُرْ تِلْكَ القِراءَةَ. ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ يَقَعُ بَيْنَكُمُ التَّلاعُنُ، أيْ: فَيُلاعِنُ العَبَدَةُ والمَعْبُوداتُ الأصْنامَ، كَقَوْلِهِ: و﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢] . و(بَيْنَكم) و(في الحَياةِ) يَجُوزُ تَعْلِيقُهُما بِلَفْظِ ”مَوَدَّةَ“ وعَمِلَ في ظَرْفَيْنِ لِاخْتِلافِهِما، إذْ هُما ظَرْفا مَكانٍ وزَمانٍ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقا بِمَحْذُوفَيْنِ، فَيَكُونانِ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، أيْ: كائِنَةً بَيْنَكم في الحَياةِ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ (p-١٤٩)المُسْتَكِنِّ في (بَيْنِكم) . وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَتَعَلَّقَ (في الحَياةِ) . بِـ: ”اتَّخَذْتُمْ“ عَلى جَعْلِ ما كافَّةً، ونَصْبِ (مَوَدَّةَ)، لا عَلى جَعْلِ ما مَوْصُولَةً بِمَعْنى الَّذِي، أوْ مَصْدَرِيَّةً ورَفْعِ ”مَوَدَّةَ“، لِئَلّا يُؤَدِّيَ إلى الفَصْلِ بَيْنَ المَوْصُولِ وما في الصِّلَةِ بِالخَبَرِ. وأجازَ قَوْمٌ مِنهُمُ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَتَعَلَّقَ (في الحَياةِ) بِـ: (مَوَدَّةَ)، وأنْ يَكُونَ (بَيْنِكم) صِفَةً لِـ: (مَوَدَّةَ)، وهو لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ المَصْدَرَ إذا وُصِفَ قَبْلَ أخْذِ مُتَعَلِّقاتِهِ لا يَعْمَلُ، وشُبْهَتُهم في هَذا أنَّهُ يَتَّسِعُ في الظَّرْفِ، بِخِلافِ المَفْعُولِ بِهِ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَتَعَلَّقَ بِنَفْسِ (بَيْنِكم)، قالَ: لِأنَّ مَعْناهُ: اجْتِماعُكم أوْ وصْلُكم. وأجازَ أيْضًا أنْ يَجْعَلَهُ حالًا مِن (بَيْنِكم)، قالَ: لِتَعَرُّفِهِ بِالإضافَةِ. انْتَهى، وهُما إعْرابانِ لا يَتَعَقَّلانِ. ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ لَمْ يُؤْمِن بِإبْراهِيمَ أحَدٌ مِن قَوْمِهِ إلّا لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، حِينَ رَأى النّارَ لَمْ تُحْرِقْهُ، وكانَ ابْنُ أخِي سارَّةَ، أوْ كانَتْ بِنْتَ عَمِّهِ. والضَّمِيرُ في (وقالَ) عائِدٌ عَلى إبْراهِيمَ، وهو الظّاهِرُ، لِيَتَناسَقَ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ﴾ وهو قَوْلُ قَتادَةَ والنَّخَعِيِّ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: يَعُودُ عَلى لُوطٍ، وهاجَرَ، وإبْراهِيمَ، عَلَيْهِمُ السَّلامُ، مِن قَرْيَتِهِما كُوثى، وهي في سَوادِ العِراقِ، مِن أرْضِ بابِلَ، إلى فِلَسْطِينَ مِن أرْضِ الشّامِ. وكانَ إبْراهِيمُ ابْنَ خَمْسٍ وسَبْعِينَ سَنَةً، وهو أوَّلُ مَن هاجَرَ في اللَّهِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هاجَرَ إلى حَرّانَ، ثُمَّ إلى الشّامِ، وفي هِجْرَتِهِ هَذِهِ كانَتْ مَعَهُ سارَّةُ. والمُهاجِرُ: الفارِغُ عَنِ الشَّيْءِ، وهو في عُرْفِ الشَّرِيعَةِ: مَن تَرَكَ وطَنَهُ رَغْبَةً في رِضا اللَّهِ. وعُرِفَ بِهَذا الِاسْمِ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، المُهاجِرُونَ، قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ. (إلى رَبِّي) أيْ: إلى الجِهَةِ الَّتِي أمَرَنِي رَبِّي بِالهِجْرَةِ إلَيْها. وقِيلَ: إلى حَيْثُ لا أُمْنَعُ عِبادَةَ رَبِّي. وقِيلَ: مُهاجِرًا مَن خالَفَنِي مِن قَوْمِي، مُتَقَرِّبًا إلى رَبِّي. ونَزَلَ إبْراهِيمُ قَرْيَةً مِن أرْضِ فِلَسْطِينَ، وتَرَكَ لُوطًا في سَدُومَ، وهي المُؤْتَفِكَةُ، عَلى مَسِيرَةِ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ مِن قَرْيَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ. ﴿إنَّهُ هو العَزِيزُ﴾ الَّذِي لا يُذَلُّ مَن عَبَدَهُ (الحَكِيمُ) الَّذِي يَضَعُ الأشْياءَ مَواضِعَها. والضَّمِيرُ في (ذُرِّيَّتِهِ) عائِدٌ عَلى إبْراهِيمَ. (النُّبُوَّةَ) إسْحاقُ، ويَعْقُوبُ، وأنْبِياءُ بَنِي إسْرائِيلَ، وإسْماعِيلُ، ومُحَمَّدٌ خاتَمُهم، صَلّى اللَّهُ وسَلَّمَ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ. (والكِتابَ) اسْمُ جِنْسٍ يَدْخُلُ فِيهِ التَّوْراةُ، والزَّبُورُ، والإنْجِيلُ، والفُرْقانُ. ﴿وآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا﴾ أيْ: في حَياتِهِ، قالَ مُجاهِدٌ: نَجاتُهُ مِنَ النّارِ، ومِنَ المَلِكِ الجَبّارِ، والعَمَلُ الصّالِحُ: والثَّناءُ الحَسَنُ، بِحَيْثُ يَتَوَلّاهُ كُلُّ أُمَّةٍ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: والوَلَدُ الَّذِي قَرَّتْ بِهِ عَيْنُهُ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ السُّدِّيُّ: إنَّهُ رَأى مَكانَهُ مِنَ الجَنَّةِ. وقالَ ابْنُ أبِي بُرْدَةَ: ما وُفِّقَ لَهُ مِن عَمَلِ الآخِرَةِ. وقالَ الماوَرْدِيُّ: بَقاءُ ضِيافَتِهِ عِنْدَ قَبْرِهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِنَبِيٍّ غَيْرِهِ. وقِيلَ: النُّبُوَّةُ والحِكْمَةُ. وقِيلَ: الصَّلاةُ عَلَيْهِ إلى آخِرِ الدَّهْرِ. وانْتَصَبَ لُوطًا بِإضْمارِ اذْكُرْ، أوْ بِالعَطْفِ عَلى إبْراهِيمَ، أوْ بِالعَطْفِ عَلى ما عُطِفَ عَلَيْهِ إبْراهِيمُ. والجُمْهُورُ: عَلى الِاسْتِفْهامِ في أئِنَّكم مَعًا. وقُرِئَ: أنَّكم عَلى الخَبَرِ، والثّانِي عَلى الِاسْتِفْهامِ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: وجَدْتُهُ في الإمامِ بِحَرْفٍ واحِدٍ بِغَيْرِ ياءٍ، ورَأيْتُ الثّانِيَ بِحَرْفَيْنِ، الياءِ والنُّونِ. ولَمْ يَأْتِ في قِصَّةِ لُوطٍ أنَّهُ دَعا قَوْمَهُ إلى عِبادَةِ اللَّهِ، كَما جاءَ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ وقِصَّةِ شُعَيْبٍ؛ لِأنَّ لُوطًا كانَ مِن قَوْمِ إبْراهِيمَ وفي زَمانِهِ، وسَبَقَهُ إبْراهِيمُ إلى الدُّعاءِ لِعِبادَةِ اللَّهِ وتَوْحِيدِهِ، واشْتُهِرَ أمْرُهُ بِذَلِكَ عِنْدَ الخَلْقِ، فَذَكَرَ لُوطٌ ما اخْتُصَّ بِهِ مِنَ المَنعِ مِنَ الفَحْشاءِ وغَيْرِها. وأمّا إبْراهِيمُ وشُعَيْبٌ فَجاءا بَعْدَ انْقِراضِ مَن كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ، فَلِذَلِكَ دَعَوا إلى عِبادَةِ اللَّهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ما سَبَقَكم بِها﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِفاحِشَةِ تِلْكَ الفَعْلَةِ، كَأنَّ قائِلًا قالَ: لِمَ كانَتْ فاحِشَةً ؟ فَقِيلَ: لِأنَّ أحَدًا قَبْلَهم لَمْ يُقْدِمْ عَلَيْها اشْمِئْزازًا مِنها في طِباعِهِمْ لِإفْراطِ قُبْحِها، حَتّى قَدَمَ عَلَيْها قَوْمُ لُوطٍ لِخُبْثِ طِينَتِهِمْ، قالُوا: لَمْ يَنْزُ ذَكَرٌ عَلى ذَكَرٍ قَبْلَ قَوْمِ لُوطٍ. انْتَهى. ويَظْهَرُ أنَّ ﴿ما سَبَقَكم بِها﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، كَأنَّهُ قالَ: أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ مُبْتَدِعِينَ لَها غَيْرَ مَسْبُوقِينَ بِها ؟ واسْتَفْهَمَ أوَّلًا وثانِيًا اسْتِفْهامَ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، وبَيَّنَ ما تِلْكَ الفاحِشَةُ المُبْهَمَةُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ وإنْ كانَتْ مُعَيَّنَةً أنَّها إتْيانُ الذُّكُورِ (p-١٥٠)فِي الأدْبارِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما سَبَقَكم بِها﴾ فَقالَ: ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ﴾ يَعْنِي في الأدْبارِ ﴿وتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ الوَلَدَ، بِتَعْطِيلِ الفَرْجِ ووَطْءِ أدْبارِ الرِّجالِ، أوْ بِإمْساكِ الغُرَباءِ لِذَلِكَ الفِعْلِ حَتّى انْقَطَعَتِ الطُّرُقُ، أوْ بِالقَتْلِ وأخْذِ المالِ، أوْ بِقُبْحِ الأُحْدُوثَةِ حَتّى تَنْقَطِعَ سُبُلُ النّاسِ في التِّجاراتِ. ﴿وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ﴾ أيْ: في مَجْلِسِكُمُ الَّذِي تَجْتَمِعُونَ فِيهِ، وهو اسْمُ جِنْسٍ، إذْ أنْدِيَتُهم في مَدائِنِهِمْ كَثِيرَةٌ، ولا يُسَمّى نادِيًا إلّا ما دامَ فِيهِ أهْلُهُ، فَإذا قامُوا عَنْهُ، لَمْ يُطْلَقْ عَلَيْهِ نادٍ إلّا مَجازًا. والمُنْكَرُ ما تُنْكِرُهُ العُقُولُ والشَّرائِعُ والمُرُوءاتُ: حَذْفُ النّاسِ بِالحَصْباءِ، والِاسْتِخْفافُ بِالغَرِيبِ الخاطِرِ، «ورَوَتْ أُمُّ هانِئٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أوْ إتْيانُ الرِّجالِ في مَجالِسِهِمْ يَرى بَعْضُهم بَعْضًا»، قالَهُ مَنصُورٌ ومُجاهِدٌ والقاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وقَتادَةُ بْنُ زَيْدٍ؛ أوْ تَضارُطُهم؛ أوْ تَصافُعُهم فِيها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ أوْ لَعِبُ الحَمامِ؛ أوْ تَطْرِيفُ الأصابِعِ بِالحِنّاءِ، والصَّفِيرُ، والحَذْفُ، ونَبْذُ الحَياءِ في جَمِيعِ أُمُورِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ أيْضًا، أوِ الحَذْفُ بِالحَصى، والرَّمْيُ بِالبَنادِقِ، والفَرْقَعَةُ، ومَضْغُ العَلَكِ، والسِّواكُ بَيْنَ النّاسِ، وحَلُّ الأزْرارِ، والسِّبابَةُ، والفُحْشُ في المِزاحِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا مَعَ شِرْكِهِمْ بِاللَّهِ. كانَتْ فِيهِمْ ذُنُوبٌ غَيْرُ الفاحِشَةِ: تَظالُمٌ فِيما بَيْنَهم، وبَشاعَةٌ، ومَضارِيطُ في مَجالِسِهِمْ، وحَذْفٌ، ولَعِبٌ بِالنَّرْدِ والشِّطْرَنْجِ، ولُبْسُ المُصَبَّغاتِ، ولِباسُ النِّساءِ لِلرِّجالِ، والمُكُوسُ عَلى كُلِّ عابِرٍ؛ وهم أوَّلُ مَن لاطَ ومَن ساحَقَ. ولَمّا وقَّفَهم لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى هَذِهِ القَبائِحِ، أصَرُّوا عَلى اللِّجاجِ في التَّكْذِيبِ، فَكانَ جَوابُهم لَهُ: ﴿أنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ فِيما تَعِدُنا بِهِ مِن نُزُولِ العَذابِ، قالُوا ذَلِكَ وهم مُصَمِّمُونَ عَلى اعْتِقادِ كَذِبِهِ فِيما وعَدَهم بِهِ. وفي آيَةٍ أُخْرى: ﴿إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾ [النمل: ٥٦] الجَمْعُ بَيْنَهُما أنَّهم أوَّلًا قالُوا: ﴿ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ﴾ ثُمَّ أنَّهُ كَثُرَ مِنهُ الإنْكارُ، وتَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنهُ نَهْيًا ووَعْظًا ووَعِيدًا ﴿قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾ [النمل: ٥٦] . ولَمّا كانَ إنَّما يَأْمُرُهم بِتَرْكِ الفَواحِشِ وما كانُوا يَصْنَعُونَهُ مِن قَبِيحِ المَعاصِي، ويَعِدُ عَلى ذَلِكَ بِالعَذابِ، وكانُوا يَقُولُونَ إنَّ اللَّهَ لَمْ يُحَرِّمْ هَذا ولا يُعَذِّبُ عَلَيْهِ، وهو يَقُولُ إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُ ويُعَذِّبُ عَلَيْهِ ﴿قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ﴾ فَكانُوا ألْطَفَ في الجَوابِ مِن قَوْمِ إبْراهِيمَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ﴾ لِأنَّهُ كانَ لا يَذُمُّ آلِهَتَهم، وعَهِدَ إلى أصْنامِهِمْ فَكَسَرَها، فَكانَ فِعْلُهُ هَذا مَعَهم أعْظَمَ مِن قَوْلِ لُوطٍ لِقَوْمِهِ، فَكانَ جَوابُهم لَهُ: ﴿أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ﴾ . ثُمَّ اسْتَنْصَرَ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَبُعِثَ مَلائِكَةٌ لِعَذابِهِمْ، ورَجْمِهِمْ بِالحاصِبِ، وإفْسادِهِمْ بِحَمْلِ النّاسِ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ المَعاصِي طَوْعًا وكَرْهًا، وخُصُوصًا تِلْكَ المَعْصِيَةَ المُبْتَدَعَةَ. (بِالبُشْرى) هي بِشارَتُهُ بِوَلَدِهِ إسْحاقَ، وبِنافِلَتِهِ يَعْقُوبَ، وبِنَصْرِ لُوطٍ عَلى قَوْمِهِ وإهْلاكِهِمْ، و(القَرْيَةَ) سَدُومُ، وفِيها قِيلَ: أجْوَرُ مِن قاضِي سَدُومَ. (كانُوا ظالِمِينَ) أيْ: قَدْ سَبَقَ مِنهُمُ الظُّلْمُ. واسْتَمَرَّ عَلى الأيّامِ السّالِفَةِ وهم مُصِرُّونَ، وظُلْمُهم: كُفْرُهم وأنْواعُ مَعاصِيهِمْ. ولَمّا ذَكَرُوا لِإبْراهِيمَ: ﴿إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ أشْفَقَ عَلى لُوطٍ فَقالَ: ﴿إنَّ فِيها لُوطًا﴾ . ولَمّا عَلَّلُوا الإهْلاكَ بِالظُّلْمِ، قالَ لَهم: فِيها مَن هو بَرِيءٌ مِنَ الظُّلْمِ ﴿قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها﴾ أيْ: مِنكَ، وأُخْبِرَ بِحالِهِ. ثُمَّ أخْبَرُوهُ بِإنْجائِهِمْ إيّاهُ ﴿وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ﴾ . وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ﴾ مُضارِعَ أنْجى؛ وباقِي السَّبْعَةِ: مُضارِعَ نَجّى؛ والجُمْهُورُ: بِشَدِّ النُّونِ؛ وفِرْقَةٌ: بِتَخْفِيفِها. ﴿ولَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، إلّا أنَّ هُنا زِيدَتْ ”أنْ“ بَعْدَ ”لَمّا“، وهو قِياسٌ مُطَّرِدٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنْ صِلَةٌ أكَّدَتْ وُجُودَ الفِعْلَيْنِ مُتَرَتِّبًا أحَدُهُما عَلى الآخَرِ في وقْتَيْنِ مُتَجاوِرَيْنِ لا فاصِلَ بَيْنَهُما، كَأنَّهُما وُجِدا في جُزْءٍ واحِدٍ مِنَ الزَّمانِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَمّا أحَسَّ بِمَجِيئِهِمْ، فاجَأتِ المَساءَةُ مِن غَيْرِ وقْتٍ خِيفَةً عَلَيْهِمْ مِن قَوْمِهِ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ في التَّرْتِيبِ هو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، إذْ مَذْهَبُهُ. أنَّ لَمّا: حَرْفٌ لا ظَرْفٌ، خِلافًا لِلْفارِسِيِّ، وهَذا مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. وقَرَأ العَرَبِيّانِ، ونافِعٌ، وحَفْصٌ: ﴿مُنَجُّوكَ﴾ مُشَدَّدًا؛ وباقِي (p-١٥١)السَّبْعَةِ: مُخَفَّفًا، والكافُ في مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ في مَوْضِعِ جَرٍّ. (وأهْلَكَ) مَنصُوبٌ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: ونُنَجِّي أهْلَكَ. ومَن راعى هَذا المَوْضِعَ، عَطَفَهُ عَلى مَوْضِعِ الكافِ، والكافُ عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ وهِشامٍ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، و”أهْلَكَ“ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ هَذِهِ النُّونَ كالتَّنْوِينِ، وهُما عَلى مَذْهَبِهِما يُحْذَفانِ لِلَطافَةِ الضَّمِيرِ وشِدَّةِ طَلَبِهِ الِاتِّصالَ بِما قَبْلَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (سِيءَ)، بِكَسْرِ السِّينِ، وضَمَّها نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ. وقَرَأ عِيسى، وطَلْحَةُ: ”سُوءَ“، بِضَمِّها، وهي لُغَةُ بَنِي هُذَيْلٍ. وبَنِي وُبَيْرٍ يَقُولُونَ في قِيلَ وبِيعَ ونَحْوِهِما: قُولَ وبُوعَ. وقُرِئَ: ”مُنْزِلُونَ“، مُخَفَّفًا ومُشَدَّدًا؛ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ”رُجْزًا“، بِضَمِّ الرّاءِ؛ وأبُو حَيْوَةَ والأعْمَشُ: بِكَسْرِ سِينِ (يَفْسُقُونَ) . والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في مِنها عائِدٌ عَلى القَرْيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَنازِلُهُمُ الخَرِبَةُ. وحَكى أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ أنَّ الآيَةَ في قَرْيَتِهِمْ، إلّا أنَّ أساسَها أعْلاها، وسُقُوفَها أسْفَلُها إلى الآنَ. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى تَرَكْناها آيَةً، يَقُولُ: إنَّ في السَّماءِ لَآيَةً، يُرِيدُ أنَّها آيَةٌ. انْتَهى، وهَذا لا يَتَّجِهُ إلّا عَلى زِيادَةِ مِن في الواجِبِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: أمْهَرْتُ مِنها جُبَّةً وتَيْسًا، يُرِيدُ: أمْهَرْتُها؛ وكَذَلِكَ: ولَقَدْ تَرَكْناها آيَةً، وقِيلَ: الهاءُ في ”مِنها“ عائِدَةٌ عَلى الفِعْلَةِ الَّتِي فُعِلَتْ بِهِمْ، فَقِيلَ: الآيَةُ: الحِجارَةُ الَّتِي أدْرَكَتْها أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ وقِيلَ: الماءُ الأسْوَدُ عَلى وجْهِ الأرْضِ، قالَهُ مُجاهِدٌ؛ وقِيلَ: أنْجَزَ ما صَنَعَ بِهِمْ. و(لِقَوْمٍ) مُتَعَلِّقٌ بِـ: (تَرَكْنا)، أوْ (بَيِّنَةً) .

العنكبوت 29:29

﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وقالَ إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا ومَأْواكُمُ النّارُ ومالَكم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وقالَ إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي إنَّهُ هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ والكِتابَ وآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلى القَوْمِ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿ولَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وقالُوا لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ إلّا امْرَأتَكَ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿إنّا مُنْزِلُونَ عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ تَرَكْنا مِنها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ . (p-١٤٨)لَمّا أمَرَهم بِعِبادَةِ اللَّهِ، وبَيَّنَ سَفَهَهم في عِبادَةِ الأوْثانِ، وظَهَرَتْ حُجَّتُهُ عَلَيْهِمْ، رَجَعُوا إلى الغَلَبَةِ، فَجَعَلُوا القائِمَ مَقامَ جَوابِهِ فِيما أمَرَهم بِهِ قَوْلَهم: ﴿اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ﴾ . والآمِرُونَ بِذَلِكَ، إمّا بَعْضُهم لِبَعْضٍ، أوْ كُبَراؤُهم قالُوا لِأتْباعِهِمُ: اقْتُلُوهُ، فَتَسْتَرِيحُوا مِنهُ عاجِلًا، أوْ حَرِّقُوهُ بِالنّارِ؛ فَإمّا أنْ يَرْجِعَ إلى دِينِكم، إذا أمْضَتْهُ النّارُ؛ وإمّا أنْ يَمُوتَ بِها، إنْ أصَرَّ عَلى قَوْلِهِ ودِينِهِ. وفي الكَلامِ حَذْفٌ، أيْ: حَرِّقُوهُ في النّارِ ﴿فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ﴾ . وتَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُ في تَحْرِيقِهِ في سُورَةِ ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١] . وجَمَعَ هُنا فَقالَ الآياتِ؛ لِأنَّ الإنْجاءَ مِنَ النّارِ، وجَعْلَها بَرْدًا وسَلامًا، وأنَّها في الحَبْلِ الَّذِي كانُوا أوْثَقُوهُ بِهِ دُونَ الجِسْمِ، وإنْ صَحَّ ما نُقِلَ مِن أنَّ مَكانَها، حالَةَ الرَّمْيِ، صارَ بُسْتانًا يانِعًا، هو مَجْمُوعُ آياتٍ، فَناسَبَ الجَمْعَ، بِخِلافِ الإنْجاءِ مِنَ السَّفِينَةِ، فَإنَّهُ آيَةٌ واحِدَةٌ، وتَقَدَّمُ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ مِنَ النّارِ بَعْدَ إلْقائِهِ؛ فِيما قالَ كَعْبٌ: لَمْ يَحْتَرِقْ بِالنّارِ إلّا الحَبْلُ الَّذِي أوْثَقُوهُ بِهِ. وجاءَ هُنا التَّرْدِيدُ بَيْنَ قَتْلِهِ وإحْراقِهِ، فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مِن قائِلِينَ: ناسٌ أشارُوا بِالقَتْلِ، وناسٌ أشارُوا بِالإحْراقِ. وفي (اقْتَرَبَ) قالُوا: (حَرِّقُوهُ) اقْتَصَرُوا عَلى أحَدِ الشَّيْئَيْنِ، وهو الَّذِي فَعَلُوهُ، رَمَوْهُ في النّارِ ولَمْ يَقْتُلُوهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (جَوابَ) بِالنَّصْبِ؛ والحَسَنُ، وسالِمٌ الأفْطَسُ: بِالرَّفْعِ، اسْمًا لِـ: كانَ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ الأصْمَعِيِّ، والأعْمَشُ عَنْ أبِي بَكْرٍ: ”مَوَدَّةٌ“ بِالرَّفْعِ، و”بَيْنَكم“ بِالنَّصْبِ. فالرَّفْعُ عَلى خَبَرِ إنَّ، و”ما“ مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي، أيْ: إنَّ الأوْثانَ الَّتِي اتَّخَذْتُمُوها مَوْدُودًا، أوْ سَبَبَ مَوَدَّةٍ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: إنَّ اتِّخاذَكم أوْثانًا مَوَدَّةً، أوْ عَلى خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هي مَوَدَّةُ بَيْنِكم، وما إذْ ذاكَ مُهَيِّئَةٌ. ورُوِيَ عَنْ عاصِمٍ: ”مَوَدَّةُ“، بِالرَّفْعِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ؛ و”بَيْنَكم“ بِالفَتْحِ، أيْ: بِفَتْحِ النُّونِ، جَعَلَهُ مَبْنِيًّا لِإضافَتِهِ إلى مَبْنِيٍّ، وهو مَوْضِعُ خَفْضٍ بِالإضافَةِ، ولِذَلِكَ سَقَطَ التَّنْوِينُ مِن ”مَوَدَّةُ“ . وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وابْنُ كَثِيرٍ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ خَفَضَ نُونَ (بَيْنِكم) . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ بِنَصْبِ ”مَوَدَّةً“ مُنَوَّنًا ونَصْبِ ”بَيْنَكم“؛ وحَمْزَةُ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ أضافَ ”مَوَدَّةً“ إلى ”بَيْنَكم“ وخَفَضَ، كَما في قِراءَةِ مَن نَصَبَ ”مَوَدَّةً“ مُهَيِّئَةً. و”اتَّخَذَ“ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِمّا تَعَدَّتْ إلى اثْنَيْنِ، والثّانِي هو (مَوَدَّةَ)، أيِ: اتَّخَذْتُمُ الأوْثانَ بِسَبَبِ المَوَدَّةِ بَيْنَكم، عَلى حَذْفِ المُضافِ، أوِ اتَّخَذْتُمُوها مَوَدَّةَ بَيْنِكم، كَقَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] أوْ مِمّا تَعَدَّتْ إلى واحِدٍ، وانْتَصَبَ ”مَوَدَّةَ“ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: لِيَتَوادُّوا ويَتَواصَلُوا ويَجْتَمِعُوا عَلى عِبادَتِها، كَما يَجْتَمِعُ ناسٌ عَلى مَذْهَبٍ، فَيَقَعُ التَّحابُّ بَيْنَهم. وذَكَرُوا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قِراءَةً شاذَّةً تُخالِفُ سَوادَ المُصْحَفِ، مَعَ أنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ ما في سَوادِ المُصْحَفِ بِالنَّقْلِ الصَّحِيحِ المُسْتَفِيضِ، فَلِذَلِكَ لَمْ أذْكُرْ تِلْكَ القِراءَةَ. ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ يَقَعُ بَيْنَكُمُ التَّلاعُنُ، أيْ: فَيُلاعِنُ العَبَدَةُ والمَعْبُوداتُ الأصْنامَ، كَقَوْلِهِ: و﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢] . و(بَيْنَكم) و(في الحَياةِ) يَجُوزُ تَعْلِيقُهُما بِلَفْظِ ”مَوَدَّةَ“ وعَمِلَ في ظَرْفَيْنِ لِاخْتِلافِهِما، إذْ هُما ظَرْفا مَكانٍ وزَمانٍ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقا بِمَحْذُوفَيْنِ، فَيَكُونانِ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، أيْ: كائِنَةً بَيْنَكم في الحَياةِ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ (p-١٤٩)المُسْتَكِنِّ في (بَيْنِكم) . وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَتَعَلَّقَ (في الحَياةِ) . بِـ: ”اتَّخَذْتُمْ“ عَلى جَعْلِ ما كافَّةً، ونَصْبِ (مَوَدَّةَ)، لا عَلى جَعْلِ ما مَوْصُولَةً بِمَعْنى الَّذِي، أوْ مَصْدَرِيَّةً ورَفْعِ ”مَوَدَّةَ“، لِئَلّا يُؤَدِّيَ إلى الفَصْلِ بَيْنَ المَوْصُولِ وما في الصِّلَةِ بِالخَبَرِ. وأجازَ قَوْمٌ مِنهُمُ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَتَعَلَّقَ (في الحَياةِ) بِـ: (مَوَدَّةَ)، وأنْ يَكُونَ (بَيْنِكم) صِفَةً لِـ: (مَوَدَّةَ)، وهو لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ المَصْدَرَ إذا وُصِفَ قَبْلَ أخْذِ مُتَعَلِّقاتِهِ لا يَعْمَلُ، وشُبْهَتُهم في هَذا أنَّهُ يَتَّسِعُ في الظَّرْفِ، بِخِلافِ المَفْعُولِ بِهِ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَتَعَلَّقَ بِنَفْسِ (بَيْنِكم)، قالَ: لِأنَّ مَعْناهُ: اجْتِماعُكم أوْ وصْلُكم. وأجازَ أيْضًا أنْ يَجْعَلَهُ حالًا مِن (بَيْنِكم)، قالَ: لِتَعَرُّفِهِ بِالإضافَةِ. انْتَهى، وهُما إعْرابانِ لا يَتَعَقَّلانِ. ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ لَمْ يُؤْمِن بِإبْراهِيمَ أحَدٌ مِن قَوْمِهِ إلّا لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، حِينَ رَأى النّارَ لَمْ تُحْرِقْهُ، وكانَ ابْنُ أخِي سارَّةَ، أوْ كانَتْ بِنْتَ عَمِّهِ. والضَّمِيرُ في (وقالَ) عائِدٌ عَلى إبْراهِيمَ، وهو الظّاهِرُ، لِيَتَناسَقَ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ﴾ وهو قَوْلُ قَتادَةَ والنَّخَعِيِّ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: يَعُودُ عَلى لُوطٍ، وهاجَرَ، وإبْراهِيمَ، عَلَيْهِمُ السَّلامُ، مِن قَرْيَتِهِما كُوثى، وهي في سَوادِ العِراقِ، مِن أرْضِ بابِلَ، إلى فِلَسْطِينَ مِن أرْضِ الشّامِ. وكانَ إبْراهِيمُ ابْنَ خَمْسٍ وسَبْعِينَ سَنَةً، وهو أوَّلُ مَن هاجَرَ في اللَّهِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هاجَرَ إلى حَرّانَ، ثُمَّ إلى الشّامِ، وفي هِجْرَتِهِ هَذِهِ كانَتْ مَعَهُ سارَّةُ. والمُهاجِرُ: الفارِغُ عَنِ الشَّيْءِ، وهو في عُرْفِ الشَّرِيعَةِ: مَن تَرَكَ وطَنَهُ رَغْبَةً في رِضا اللَّهِ. وعُرِفَ بِهَذا الِاسْمِ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، المُهاجِرُونَ، قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ. (إلى رَبِّي) أيْ: إلى الجِهَةِ الَّتِي أمَرَنِي رَبِّي بِالهِجْرَةِ إلَيْها. وقِيلَ: إلى حَيْثُ لا أُمْنَعُ عِبادَةَ رَبِّي. وقِيلَ: مُهاجِرًا مَن خالَفَنِي مِن قَوْمِي، مُتَقَرِّبًا إلى رَبِّي. ونَزَلَ إبْراهِيمُ قَرْيَةً مِن أرْضِ فِلَسْطِينَ، وتَرَكَ لُوطًا في سَدُومَ، وهي المُؤْتَفِكَةُ، عَلى مَسِيرَةِ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ مِن قَرْيَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ. ﴿إنَّهُ هو العَزِيزُ﴾ الَّذِي لا يُذَلُّ مَن عَبَدَهُ (الحَكِيمُ) الَّذِي يَضَعُ الأشْياءَ مَواضِعَها. والضَّمِيرُ في (ذُرِّيَّتِهِ) عائِدٌ عَلى إبْراهِيمَ. (النُّبُوَّةَ) إسْحاقُ، ويَعْقُوبُ، وأنْبِياءُ بَنِي إسْرائِيلَ، وإسْماعِيلُ، ومُحَمَّدٌ خاتَمُهم، صَلّى اللَّهُ وسَلَّمَ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ. (والكِتابَ) اسْمُ جِنْسٍ يَدْخُلُ فِيهِ التَّوْراةُ، والزَّبُورُ، والإنْجِيلُ، والفُرْقانُ. ﴿وآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا﴾ أيْ: في حَياتِهِ، قالَ مُجاهِدٌ: نَجاتُهُ مِنَ النّارِ، ومِنَ المَلِكِ الجَبّارِ، والعَمَلُ الصّالِحُ: والثَّناءُ الحَسَنُ، بِحَيْثُ يَتَوَلّاهُ كُلُّ أُمَّةٍ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: والوَلَدُ الَّذِي قَرَّتْ بِهِ عَيْنُهُ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ السُّدِّيُّ: إنَّهُ رَأى مَكانَهُ مِنَ الجَنَّةِ. وقالَ ابْنُ أبِي بُرْدَةَ: ما وُفِّقَ لَهُ مِن عَمَلِ الآخِرَةِ. وقالَ الماوَرْدِيُّ: بَقاءُ ضِيافَتِهِ عِنْدَ قَبْرِهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِنَبِيٍّ غَيْرِهِ. وقِيلَ: النُّبُوَّةُ والحِكْمَةُ. وقِيلَ: الصَّلاةُ عَلَيْهِ إلى آخِرِ الدَّهْرِ. وانْتَصَبَ لُوطًا بِإضْمارِ اذْكُرْ، أوْ بِالعَطْفِ عَلى إبْراهِيمَ، أوْ بِالعَطْفِ عَلى ما عُطِفَ عَلَيْهِ إبْراهِيمُ. والجُمْهُورُ: عَلى الِاسْتِفْهامِ في أئِنَّكم مَعًا. وقُرِئَ: أنَّكم عَلى الخَبَرِ، والثّانِي عَلى الِاسْتِفْهامِ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: وجَدْتُهُ في الإمامِ بِحَرْفٍ واحِدٍ بِغَيْرِ ياءٍ، ورَأيْتُ الثّانِيَ بِحَرْفَيْنِ، الياءِ والنُّونِ. ولَمْ يَأْتِ في قِصَّةِ لُوطٍ أنَّهُ دَعا قَوْمَهُ إلى عِبادَةِ اللَّهِ، كَما جاءَ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ وقِصَّةِ شُعَيْبٍ؛ لِأنَّ لُوطًا كانَ مِن قَوْمِ إبْراهِيمَ وفي زَمانِهِ، وسَبَقَهُ إبْراهِيمُ إلى الدُّعاءِ لِعِبادَةِ اللَّهِ وتَوْحِيدِهِ، واشْتُهِرَ أمْرُهُ بِذَلِكَ عِنْدَ الخَلْقِ، فَذَكَرَ لُوطٌ ما اخْتُصَّ بِهِ مِنَ المَنعِ مِنَ الفَحْشاءِ وغَيْرِها. وأمّا إبْراهِيمُ وشُعَيْبٌ فَجاءا بَعْدَ انْقِراضِ مَن كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ، فَلِذَلِكَ دَعَوا إلى عِبادَةِ اللَّهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ما سَبَقَكم بِها﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِفاحِشَةِ تِلْكَ الفَعْلَةِ، كَأنَّ قائِلًا قالَ: لِمَ كانَتْ فاحِشَةً ؟ فَقِيلَ: لِأنَّ أحَدًا قَبْلَهم لَمْ يُقْدِمْ عَلَيْها اشْمِئْزازًا مِنها في طِباعِهِمْ لِإفْراطِ قُبْحِها، حَتّى قَدَمَ عَلَيْها قَوْمُ لُوطٍ لِخُبْثِ طِينَتِهِمْ، قالُوا: لَمْ يَنْزُ ذَكَرٌ عَلى ذَكَرٍ قَبْلَ قَوْمِ لُوطٍ. انْتَهى. ويَظْهَرُ أنَّ ﴿ما سَبَقَكم بِها﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، كَأنَّهُ قالَ: أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ مُبْتَدِعِينَ لَها غَيْرَ مَسْبُوقِينَ بِها ؟ واسْتَفْهَمَ أوَّلًا وثانِيًا اسْتِفْهامَ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، وبَيَّنَ ما تِلْكَ الفاحِشَةُ المُبْهَمَةُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ وإنْ كانَتْ مُعَيَّنَةً أنَّها إتْيانُ الذُّكُورِ (p-١٥٠)فِي الأدْبارِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما سَبَقَكم بِها﴾ فَقالَ: ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ﴾ يَعْنِي في الأدْبارِ ﴿وتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ الوَلَدَ، بِتَعْطِيلِ الفَرْجِ ووَطْءِ أدْبارِ الرِّجالِ، أوْ بِإمْساكِ الغُرَباءِ لِذَلِكَ الفِعْلِ حَتّى انْقَطَعَتِ الطُّرُقُ، أوْ بِالقَتْلِ وأخْذِ المالِ، أوْ بِقُبْحِ الأُحْدُوثَةِ حَتّى تَنْقَطِعَ سُبُلُ النّاسِ في التِّجاراتِ. ﴿وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ﴾ أيْ: في مَجْلِسِكُمُ الَّذِي تَجْتَمِعُونَ فِيهِ، وهو اسْمُ جِنْسٍ، إذْ أنْدِيَتُهم في مَدائِنِهِمْ كَثِيرَةٌ، ولا يُسَمّى نادِيًا إلّا ما دامَ فِيهِ أهْلُهُ، فَإذا قامُوا عَنْهُ، لَمْ يُطْلَقْ عَلَيْهِ نادٍ إلّا مَجازًا. والمُنْكَرُ ما تُنْكِرُهُ العُقُولُ والشَّرائِعُ والمُرُوءاتُ: حَذْفُ النّاسِ بِالحَصْباءِ، والِاسْتِخْفافُ بِالغَرِيبِ الخاطِرِ، «ورَوَتْ أُمُّ هانِئٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أوْ إتْيانُ الرِّجالِ في مَجالِسِهِمْ يَرى بَعْضُهم بَعْضًا»، قالَهُ مَنصُورٌ ومُجاهِدٌ والقاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وقَتادَةُ بْنُ زَيْدٍ؛ أوْ تَضارُطُهم؛ أوْ تَصافُعُهم فِيها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ أوْ لَعِبُ الحَمامِ؛ أوْ تَطْرِيفُ الأصابِعِ بِالحِنّاءِ، والصَّفِيرُ، والحَذْفُ، ونَبْذُ الحَياءِ في جَمِيعِ أُمُورِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ أيْضًا، أوِ الحَذْفُ بِالحَصى، والرَّمْيُ بِالبَنادِقِ، والفَرْقَعَةُ، ومَضْغُ العَلَكِ، والسِّواكُ بَيْنَ النّاسِ، وحَلُّ الأزْرارِ، والسِّبابَةُ، والفُحْشُ في المِزاحِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا مَعَ شِرْكِهِمْ بِاللَّهِ. كانَتْ فِيهِمْ ذُنُوبٌ غَيْرُ الفاحِشَةِ: تَظالُمٌ فِيما بَيْنَهم، وبَشاعَةٌ، ومَضارِيطُ في مَجالِسِهِمْ، وحَذْفٌ، ولَعِبٌ بِالنَّرْدِ والشِّطْرَنْجِ، ولُبْسُ المُصَبَّغاتِ، ولِباسُ النِّساءِ لِلرِّجالِ، والمُكُوسُ عَلى كُلِّ عابِرٍ؛ وهم أوَّلُ مَن لاطَ ومَن ساحَقَ. ولَمّا وقَّفَهم لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى هَذِهِ القَبائِحِ، أصَرُّوا عَلى اللِّجاجِ في التَّكْذِيبِ، فَكانَ جَوابُهم لَهُ: ﴿أنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ فِيما تَعِدُنا بِهِ مِن نُزُولِ العَذابِ، قالُوا ذَلِكَ وهم مُصَمِّمُونَ عَلى اعْتِقادِ كَذِبِهِ فِيما وعَدَهم بِهِ. وفي آيَةٍ أُخْرى: ﴿إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾ [النمل: ٥٦] الجَمْعُ بَيْنَهُما أنَّهم أوَّلًا قالُوا: ﴿ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ﴾ ثُمَّ أنَّهُ كَثُرَ مِنهُ الإنْكارُ، وتَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنهُ نَهْيًا ووَعْظًا ووَعِيدًا ﴿قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾ [النمل: ٥٦] . ولَمّا كانَ إنَّما يَأْمُرُهم بِتَرْكِ الفَواحِشِ وما كانُوا يَصْنَعُونَهُ مِن قَبِيحِ المَعاصِي، ويَعِدُ عَلى ذَلِكَ بِالعَذابِ، وكانُوا يَقُولُونَ إنَّ اللَّهَ لَمْ يُحَرِّمْ هَذا ولا يُعَذِّبُ عَلَيْهِ، وهو يَقُولُ إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُ ويُعَذِّبُ عَلَيْهِ ﴿قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ﴾ فَكانُوا ألْطَفَ في الجَوابِ مِن قَوْمِ إبْراهِيمَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ﴾ لِأنَّهُ كانَ لا يَذُمُّ آلِهَتَهم، وعَهِدَ إلى أصْنامِهِمْ فَكَسَرَها، فَكانَ فِعْلُهُ هَذا مَعَهم أعْظَمَ مِن قَوْلِ لُوطٍ لِقَوْمِهِ، فَكانَ جَوابُهم لَهُ: ﴿أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ﴾ . ثُمَّ اسْتَنْصَرَ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَبُعِثَ مَلائِكَةٌ لِعَذابِهِمْ، ورَجْمِهِمْ بِالحاصِبِ، وإفْسادِهِمْ بِحَمْلِ النّاسِ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ المَعاصِي طَوْعًا وكَرْهًا، وخُصُوصًا تِلْكَ المَعْصِيَةَ المُبْتَدَعَةَ. (بِالبُشْرى) هي بِشارَتُهُ بِوَلَدِهِ إسْحاقَ، وبِنافِلَتِهِ يَعْقُوبَ، وبِنَصْرِ لُوطٍ عَلى قَوْمِهِ وإهْلاكِهِمْ، و(القَرْيَةَ) سَدُومُ، وفِيها قِيلَ: أجْوَرُ مِن قاضِي سَدُومَ. (كانُوا ظالِمِينَ) أيْ: قَدْ سَبَقَ مِنهُمُ الظُّلْمُ. واسْتَمَرَّ عَلى الأيّامِ السّالِفَةِ وهم مُصِرُّونَ، وظُلْمُهم: كُفْرُهم وأنْواعُ مَعاصِيهِمْ. ولَمّا ذَكَرُوا لِإبْراهِيمَ: ﴿إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ أشْفَقَ عَلى لُوطٍ فَقالَ: ﴿إنَّ فِيها لُوطًا﴾ . ولَمّا عَلَّلُوا الإهْلاكَ بِالظُّلْمِ، قالَ لَهم: فِيها مَن هو بَرِيءٌ مِنَ الظُّلْمِ ﴿قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها﴾ أيْ: مِنكَ، وأُخْبِرَ بِحالِهِ. ثُمَّ أخْبَرُوهُ بِإنْجائِهِمْ إيّاهُ ﴿وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ﴾ . وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ﴾ مُضارِعَ أنْجى؛ وباقِي السَّبْعَةِ: مُضارِعَ نَجّى؛ والجُمْهُورُ: بِشَدِّ النُّونِ؛ وفِرْقَةٌ: بِتَخْفِيفِها. ﴿ولَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، إلّا أنَّ هُنا زِيدَتْ ”أنْ“ بَعْدَ ”لَمّا“، وهو قِياسٌ مُطَّرِدٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنْ صِلَةٌ أكَّدَتْ وُجُودَ الفِعْلَيْنِ مُتَرَتِّبًا أحَدُهُما عَلى الآخَرِ في وقْتَيْنِ مُتَجاوِرَيْنِ لا فاصِلَ بَيْنَهُما، كَأنَّهُما وُجِدا في جُزْءٍ واحِدٍ مِنَ الزَّمانِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَمّا أحَسَّ بِمَجِيئِهِمْ، فاجَأتِ المَساءَةُ مِن غَيْرِ وقْتٍ خِيفَةً عَلَيْهِمْ مِن قَوْمِهِ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ في التَّرْتِيبِ هو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، إذْ مَذْهَبُهُ. أنَّ لَمّا: حَرْفٌ لا ظَرْفٌ، خِلافًا لِلْفارِسِيِّ، وهَذا مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. وقَرَأ العَرَبِيّانِ، ونافِعٌ، وحَفْصٌ: ﴿مُنَجُّوكَ﴾ مُشَدَّدًا؛ وباقِي (p-١٥١)السَّبْعَةِ: مُخَفَّفًا، والكافُ في مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ في مَوْضِعِ جَرٍّ. (وأهْلَكَ) مَنصُوبٌ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: ونُنَجِّي أهْلَكَ. ومَن راعى هَذا المَوْضِعَ، عَطَفَهُ عَلى مَوْضِعِ الكافِ، والكافُ عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ وهِشامٍ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، و”أهْلَكَ“ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ هَذِهِ النُّونَ كالتَّنْوِينِ، وهُما عَلى مَذْهَبِهِما يُحْذَفانِ لِلَطافَةِ الضَّمِيرِ وشِدَّةِ طَلَبِهِ الِاتِّصالَ بِما قَبْلَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (سِيءَ)، بِكَسْرِ السِّينِ، وضَمَّها نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ. وقَرَأ عِيسى، وطَلْحَةُ: ”سُوءَ“، بِضَمِّها، وهي لُغَةُ بَنِي هُذَيْلٍ. وبَنِي وُبَيْرٍ يَقُولُونَ في قِيلَ وبِيعَ ونَحْوِهِما: قُولَ وبُوعَ. وقُرِئَ: ”مُنْزِلُونَ“، مُخَفَّفًا ومُشَدَّدًا؛ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ”رُجْزًا“، بِضَمِّ الرّاءِ؛ وأبُو حَيْوَةَ والأعْمَشُ: بِكَسْرِ سِينِ (يَفْسُقُونَ) . والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في مِنها عائِدٌ عَلى القَرْيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَنازِلُهُمُ الخَرِبَةُ. وحَكى أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ أنَّ الآيَةَ في قَرْيَتِهِمْ، إلّا أنَّ أساسَها أعْلاها، وسُقُوفَها أسْفَلُها إلى الآنَ. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى تَرَكْناها آيَةً، يَقُولُ: إنَّ في السَّماءِ لَآيَةً، يُرِيدُ أنَّها آيَةٌ. انْتَهى، وهَذا لا يَتَّجِهُ إلّا عَلى زِيادَةِ مِن في الواجِبِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: أمْهَرْتُ مِنها جُبَّةً وتَيْسًا، يُرِيدُ: أمْهَرْتُها؛ وكَذَلِكَ: ولَقَدْ تَرَكْناها آيَةً، وقِيلَ: الهاءُ في ”مِنها“ عائِدَةٌ عَلى الفِعْلَةِ الَّتِي فُعِلَتْ بِهِمْ، فَقِيلَ: الآيَةُ: الحِجارَةُ الَّتِي أدْرَكَتْها أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ وقِيلَ: الماءُ الأسْوَدُ عَلى وجْهِ الأرْضِ، قالَهُ مُجاهِدٌ؛ وقِيلَ: أنْجَزَ ما صَنَعَ بِهِمْ. و(لِقَوْمٍ) مُتَعَلِّقٌ بِـ: (تَرَكْنا)، أوْ (بَيِّنَةً) .

العنكبوت 29:30

﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وقالَ إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا ومَأْواكُمُ النّارُ ومالَكم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وقالَ إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي إنَّهُ هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ والكِتابَ وآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلى القَوْمِ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿ولَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وقالُوا لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ إلّا امْرَأتَكَ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿إنّا مُنْزِلُونَ عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ تَرَكْنا مِنها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ . (p-١٤٨)لَمّا أمَرَهم بِعِبادَةِ اللَّهِ، وبَيَّنَ سَفَهَهم في عِبادَةِ الأوْثانِ، وظَهَرَتْ حُجَّتُهُ عَلَيْهِمْ، رَجَعُوا إلى الغَلَبَةِ، فَجَعَلُوا القائِمَ مَقامَ جَوابِهِ فِيما أمَرَهم بِهِ قَوْلَهم: ﴿اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ﴾ . والآمِرُونَ بِذَلِكَ، إمّا بَعْضُهم لِبَعْضٍ، أوْ كُبَراؤُهم قالُوا لِأتْباعِهِمُ: اقْتُلُوهُ، فَتَسْتَرِيحُوا مِنهُ عاجِلًا، أوْ حَرِّقُوهُ بِالنّارِ؛ فَإمّا أنْ يَرْجِعَ إلى دِينِكم، إذا أمْضَتْهُ النّارُ؛ وإمّا أنْ يَمُوتَ بِها، إنْ أصَرَّ عَلى قَوْلِهِ ودِينِهِ. وفي الكَلامِ حَذْفٌ، أيْ: حَرِّقُوهُ في النّارِ ﴿فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ﴾ . وتَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُ في تَحْرِيقِهِ في سُورَةِ ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١] . وجَمَعَ هُنا فَقالَ الآياتِ؛ لِأنَّ الإنْجاءَ مِنَ النّارِ، وجَعْلَها بَرْدًا وسَلامًا، وأنَّها في الحَبْلِ الَّذِي كانُوا أوْثَقُوهُ بِهِ دُونَ الجِسْمِ، وإنْ صَحَّ ما نُقِلَ مِن أنَّ مَكانَها، حالَةَ الرَّمْيِ، صارَ بُسْتانًا يانِعًا، هو مَجْمُوعُ آياتٍ، فَناسَبَ الجَمْعَ، بِخِلافِ الإنْجاءِ مِنَ السَّفِينَةِ، فَإنَّهُ آيَةٌ واحِدَةٌ، وتَقَدَّمُ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ مِنَ النّارِ بَعْدَ إلْقائِهِ؛ فِيما قالَ كَعْبٌ: لَمْ يَحْتَرِقْ بِالنّارِ إلّا الحَبْلُ الَّذِي أوْثَقُوهُ بِهِ. وجاءَ هُنا التَّرْدِيدُ بَيْنَ قَتْلِهِ وإحْراقِهِ، فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مِن قائِلِينَ: ناسٌ أشارُوا بِالقَتْلِ، وناسٌ أشارُوا بِالإحْراقِ. وفي (اقْتَرَبَ) قالُوا: (حَرِّقُوهُ) اقْتَصَرُوا عَلى أحَدِ الشَّيْئَيْنِ، وهو الَّذِي فَعَلُوهُ، رَمَوْهُ في النّارِ ولَمْ يَقْتُلُوهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (جَوابَ) بِالنَّصْبِ؛ والحَسَنُ، وسالِمٌ الأفْطَسُ: بِالرَّفْعِ، اسْمًا لِـ: كانَ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ الأصْمَعِيِّ، والأعْمَشُ عَنْ أبِي بَكْرٍ: ”مَوَدَّةٌ“ بِالرَّفْعِ، و”بَيْنَكم“ بِالنَّصْبِ. فالرَّفْعُ عَلى خَبَرِ إنَّ، و”ما“ مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي، أيْ: إنَّ الأوْثانَ الَّتِي اتَّخَذْتُمُوها مَوْدُودًا، أوْ سَبَبَ مَوَدَّةٍ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: إنَّ اتِّخاذَكم أوْثانًا مَوَدَّةً، أوْ عَلى خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هي مَوَدَّةُ بَيْنِكم، وما إذْ ذاكَ مُهَيِّئَةٌ. ورُوِيَ عَنْ عاصِمٍ: ”مَوَدَّةُ“، بِالرَّفْعِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ؛ و”بَيْنَكم“ بِالفَتْحِ، أيْ: بِفَتْحِ النُّونِ، جَعَلَهُ مَبْنِيًّا لِإضافَتِهِ إلى مَبْنِيٍّ، وهو مَوْضِعُ خَفْضٍ بِالإضافَةِ، ولِذَلِكَ سَقَطَ التَّنْوِينُ مِن ”مَوَدَّةُ“ . وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وابْنُ كَثِيرٍ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ خَفَضَ نُونَ (بَيْنِكم) . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ بِنَصْبِ ”مَوَدَّةً“ مُنَوَّنًا ونَصْبِ ”بَيْنَكم“؛ وحَمْزَةُ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ أضافَ ”مَوَدَّةً“ إلى ”بَيْنَكم“ وخَفَضَ، كَما في قِراءَةِ مَن نَصَبَ ”مَوَدَّةً“ مُهَيِّئَةً. و”اتَّخَذَ“ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِمّا تَعَدَّتْ إلى اثْنَيْنِ، والثّانِي هو (مَوَدَّةَ)، أيِ: اتَّخَذْتُمُ الأوْثانَ بِسَبَبِ المَوَدَّةِ بَيْنَكم، عَلى حَذْفِ المُضافِ، أوِ اتَّخَذْتُمُوها مَوَدَّةَ بَيْنِكم، كَقَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] أوْ مِمّا تَعَدَّتْ إلى واحِدٍ، وانْتَصَبَ ”مَوَدَّةَ“ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: لِيَتَوادُّوا ويَتَواصَلُوا ويَجْتَمِعُوا عَلى عِبادَتِها، كَما يَجْتَمِعُ ناسٌ عَلى مَذْهَبٍ، فَيَقَعُ التَّحابُّ بَيْنَهم. وذَكَرُوا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قِراءَةً شاذَّةً تُخالِفُ سَوادَ المُصْحَفِ، مَعَ أنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ ما في سَوادِ المُصْحَفِ بِالنَّقْلِ الصَّحِيحِ المُسْتَفِيضِ، فَلِذَلِكَ لَمْ أذْكُرْ تِلْكَ القِراءَةَ. ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ يَقَعُ بَيْنَكُمُ التَّلاعُنُ، أيْ: فَيُلاعِنُ العَبَدَةُ والمَعْبُوداتُ الأصْنامَ، كَقَوْلِهِ: و﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢] . و(بَيْنَكم) و(في الحَياةِ) يَجُوزُ تَعْلِيقُهُما بِلَفْظِ ”مَوَدَّةَ“ وعَمِلَ في ظَرْفَيْنِ لِاخْتِلافِهِما، إذْ هُما ظَرْفا مَكانٍ وزَمانٍ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقا بِمَحْذُوفَيْنِ، فَيَكُونانِ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، أيْ: كائِنَةً بَيْنَكم في الحَياةِ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ (p-١٤٩)المُسْتَكِنِّ في (بَيْنِكم) . وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَتَعَلَّقَ (في الحَياةِ) . بِـ: ”اتَّخَذْتُمْ“ عَلى جَعْلِ ما كافَّةً، ونَصْبِ (مَوَدَّةَ)، لا عَلى جَعْلِ ما مَوْصُولَةً بِمَعْنى الَّذِي، أوْ مَصْدَرِيَّةً ورَفْعِ ”مَوَدَّةَ“، لِئَلّا يُؤَدِّيَ إلى الفَصْلِ بَيْنَ المَوْصُولِ وما في الصِّلَةِ بِالخَبَرِ. وأجازَ قَوْمٌ مِنهُمُ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَتَعَلَّقَ (في الحَياةِ) بِـ: (مَوَدَّةَ)، وأنْ يَكُونَ (بَيْنِكم) صِفَةً لِـ: (مَوَدَّةَ)، وهو لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ المَصْدَرَ إذا وُصِفَ قَبْلَ أخْذِ مُتَعَلِّقاتِهِ لا يَعْمَلُ، وشُبْهَتُهم في هَذا أنَّهُ يَتَّسِعُ في الظَّرْفِ، بِخِلافِ المَفْعُولِ بِهِ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَتَعَلَّقَ بِنَفْسِ (بَيْنِكم)، قالَ: لِأنَّ مَعْناهُ: اجْتِماعُكم أوْ وصْلُكم. وأجازَ أيْضًا أنْ يَجْعَلَهُ حالًا مِن (بَيْنِكم)، قالَ: لِتَعَرُّفِهِ بِالإضافَةِ. انْتَهى، وهُما إعْرابانِ لا يَتَعَقَّلانِ. ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ لَمْ يُؤْمِن بِإبْراهِيمَ أحَدٌ مِن قَوْمِهِ إلّا لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، حِينَ رَأى النّارَ لَمْ تُحْرِقْهُ، وكانَ ابْنُ أخِي سارَّةَ، أوْ كانَتْ بِنْتَ عَمِّهِ. والضَّمِيرُ في (وقالَ) عائِدٌ عَلى إبْراهِيمَ، وهو الظّاهِرُ، لِيَتَناسَقَ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ﴾ وهو قَوْلُ قَتادَةَ والنَّخَعِيِّ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: يَعُودُ عَلى لُوطٍ، وهاجَرَ، وإبْراهِيمَ، عَلَيْهِمُ السَّلامُ، مِن قَرْيَتِهِما كُوثى، وهي في سَوادِ العِراقِ، مِن أرْضِ بابِلَ، إلى فِلَسْطِينَ مِن أرْضِ الشّامِ. وكانَ إبْراهِيمُ ابْنَ خَمْسٍ وسَبْعِينَ سَنَةً، وهو أوَّلُ مَن هاجَرَ في اللَّهِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هاجَرَ إلى حَرّانَ، ثُمَّ إلى الشّامِ، وفي هِجْرَتِهِ هَذِهِ كانَتْ مَعَهُ سارَّةُ. والمُهاجِرُ: الفارِغُ عَنِ الشَّيْءِ، وهو في عُرْفِ الشَّرِيعَةِ: مَن تَرَكَ وطَنَهُ رَغْبَةً في رِضا اللَّهِ. وعُرِفَ بِهَذا الِاسْمِ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، المُهاجِرُونَ، قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ. (إلى رَبِّي) أيْ: إلى الجِهَةِ الَّتِي أمَرَنِي رَبِّي بِالهِجْرَةِ إلَيْها. وقِيلَ: إلى حَيْثُ لا أُمْنَعُ عِبادَةَ رَبِّي. وقِيلَ: مُهاجِرًا مَن خالَفَنِي مِن قَوْمِي، مُتَقَرِّبًا إلى رَبِّي. ونَزَلَ إبْراهِيمُ قَرْيَةً مِن أرْضِ فِلَسْطِينَ، وتَرَكَ لُوطًا في سَدُومَ، وهي المُؤْتَفِكَةُ، عَلى مَسِيرَةِ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ مِن قَرْيَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ. ﴿إنَّهُ هو العَزِيزُ﴾ الَّذِي لا يُذَلُّ مَن عَبَدَهُ (الحَكِيمُ) الَّذِي يَضَعُ الأشْياءَ مَواضِعَها. والضَّمِيرُ في (ذُرِّيَّتِهِ) عائِدٌ عَلى إبْراهِيمَ. (النُّبُوَّةَ) إسْحاقُ، ويَعْقُوبُ، وأنْبِياءُ بَنِي إسْرائِيلَ، وإسْماعِيلُ، ومُحَمَّدٌ خاتَمُهم، صَلّى اللَّهُ وسَلَّمَ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ. (والكِتابَ) اسْمُ جِنْسٍ يَدْخُلُ فِيهِ التَّوْراةُ، والزَّبُورُ، والإنْجِيلُ، والفُرْقانُ. ﴿وآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا﴾ أيْ: في حَياتِهِ، قالَ مُجاهِدٌ: نَجاتُهُ مِنَ النّارِ، ومِنَ المَلِكِ الجَبّارِ، والعَمَلُ الصّالِحُ: والثَّناءُ الحَسَنُ، بِحَيْثُ يَتَوَلّاهُ كُلُّ أُمَّةٍ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: والوَلَدُ الَّذِي قَرَّتْ بِهِ عَيْنُهُ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ السُّدِّيُّ: إنَّهُ رَأى مَكانَهُ مِنَ الجَنَّةِ. وقالَ ابْنُ أبِي بُرْدَةَ: ما وُفِّقَ لَهُ مِن عَمَلِ الآخِرَةِ. وقالَ الماوَرْدِيُّ: بَقاءُ ضِيافَتِهِ عِنْدَ قَبْرِهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِنَبِيٍّ غَيْرِهِ. وقِيلَ: النُّبُوَّةُ والحِكْمَةُ. وقِيلَ: الصَّلاةُ عَلَيْهِ إلى آخِرِ الدَّهْرِ. وانْتَصَبَ لُوطًا بِإضْمارِ اذْكُرْ، أوْ بِالعَطْفِ عَلى إبْراهِيمَ، أوْ بِالعَطْفِ عَلى ما عُطِفَ عَلَيْهِ إبْراهِيمُ. والجُمْهُورُ: عَلى الِاسْتِفْهامِ في أئِنَّكم مَعًا. وقُرِئَ: أنَّكم عَلى الخَبَرِ، والثّانِي عَلى الِاسْتِفْهامِ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: وجَدْتُهُ في الإمامِ بِحَرْفٍ واحِدٍ بِغَيْرِ ياءٍ، ورَأيْتُ الثّانِيَ بِحَرْفَيْنِ، الياءِ والنُّونِ. ولَمْ يَأْتِ في قِصَّةِ لُوطٍ أنَّهُ دَعا قَوْمَهُ إلى عِبادَةِ اللَّهِ، كَما جاءَ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ وقِصَّةِ شُعَيْبٍ؛ لِأنَّ لُوطًا كانَ مِن قَوْمِ إبْراهِيمَ وفي زَمانِهِ، وسَبَقَهُ إبْراهِيمُ إلى الدُّعاءِ لِعِبادَةِ اللَّهِ وتَوْحِيدِهِ، واشْتُهِرَ أمْرُهُ بِذَلِكَ عِنْدَ الخَلْقِ، فَذَكَرَ لُوطٌ ما اخْتُصَّ بِهِ مِنَ المَنعِ مِنَ الفَحْشاءِ وغَيْرِها. وأمّا إبْراهِيمُ وشُعَيْبٌ فَجاءا بَعْدَ انْقِراضِ مَن كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ، فَلِذَلِكَ دَعَوا إلى عِبادَةِ اللَّهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ما سَبَقَكم بِها﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِفاحِشَةِ تِلْكَ الفَعْلَةِ، كَأنَّ قائِلًا قالَ: لِمَ كانَتْ فاحِشَةً ؟ فَقِيلَ: لِأنَّ أحَدًا قَبْلَهم لَمْ يُقْدِمْ عَلَيْها اشْمِئْزازًا مِنها في طِباعِهِمْ لِإفْراطِ قُبْحِها، حَتّى قَدَمَ عَلَيْها قَوْمُ لُوطٍ لِخُبْثِ طِينَتِهِمْ، قالُوا: لَمْ يَنْزُ ذَكَرٌ عَلى ذَكَرٍ قَبْلَ قَوْمِ لُوطٍ. انْتَهى. ويَظْهَرُ أنَّ ﴿ما سَبَقَكم بِها﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، كَأنَّهُ قالَ: أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ مُبْتَدِعِينَ لَها غَيْرَ مَسْبُوقِينَ بِها ؟ واسْتَفْهَمَ أوَّلًا وثانِيًا اسْتِفْهامَ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، وبَيَّنَ ما تِلْكَ الفاحِشَةُ المُبْهَمَةُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ وإنْ كانَتْ مُعَيَّنَةً أنَّها إتْيانُ الذُّكُورِ (p-١٥٠)فِي الأدْبارِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما سَبَقَكم بِها﴾ فَقالَ: ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ﴾ يَعْنِي في الأدْبارِ ﴿وتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ الوَلَدَ، بِتَعْطِيلِ الفَرْجِ ووَطْءِ أدْبارِ الرِّجالِ، أوْ بِإمْساكِ الغُرَباءِ لِذَلِكَ الفِعْلِ حَتّى انْقَطَعَتِ الطُّرُقُ، أوْ بِالقَتْلِ وأخْذِ المالِ، أوْ بِقُبْحِ الأُحْدُوثَةِ حَتّى تَنْقَطِعَ سُبُلُ النّاسِ في التِّجاراتِ. ﴿وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ﴾ أيْ: في مَجْلِسِكُمُ الَّذِي تَجْتَمِعُونَ فِيهِ، وهو اسْمُ جِنْسٍ، إذْ أنْدِيَتُهم في مَدائِنِهِمْ كَثِيرَةٌ، ولا يُسَمّى نادِيًا إلّا ما دامَ فِيهِ أهْلُهُ، فَإذا قامُوا عَنْهُ، لَمْ يُطْلَقْ عَلَيْهِ نادٍ إلّا مَجازًا. والمُنْكَرُ ما تُنْكِرُهُ العُقُولُ والشَّرائِعُ والمُرُوءاتُ: حَذْفُ النّاسِ بِالحَصْباءِ، والِاسْتِخْفافُ بِالغَرِيبِ الخاطِرِ، «ورَوَتْ أُمُّ هانِئٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أوْ إتْيانُ الرِّجالِ في مَجالِسِهِمْ يَرى بَعْضُهم بَعْضًا»، قالَهُ مَنصُورٌ ومُجاهِدٌ والقاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وقَتادَةُ بْنُ زَيْدٍ؛ أوْ تَضارُطُهم؛ أوْ تَصافُعُهم فِيها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ أوْ لَعِبُ الحَمامِ؛ أوْ تَطْرِيفُ الأصابِعِ بِالحِنّاءِ، والصَّفِيرُ، والحَذْفُ، ونَبْذُ الحَياءِ في جَمِيعِ أُمُورِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ أيْضًا، أوِ الحَذْفُ بِالحَصى، والرَّمْيُ بِالبَنادِقِ، والفَرْقَعَةُ، ومَضْغُ العَلَكِ، والسِّواكُ بَيْنَ النّاسِ، وحَلُّ الأزْرارِ، والسِّبابَةُ، والفُحْشُ في المِزاحِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا مَعَ شِرْكِهِمْ بِاللَّهِ. كانَتْ فِيهِمْ ذُنُوبٌ غَيْرُ الفاحِشَةِ: تَظالُمٌ فِيما بَيْنَهم، وبَشاعَةٌ، ومَضارِيطُ في مَجالِسِهِمْ، وحَذْفٌ، ولَعِبٌ بِالنَّرْدِ والشِّطْرَنْجِ، ولُبْسُ المُصَبَّغاتِ، ولِباسُ النِّساءِ لِلرِّجالِ، والمُكُوسُ عَلى كُلِّ عابِرٍ؛ وهم أوَّلُ مَن لاطَ ومَن ساحَقَ. ولَمّا وقَّفَهم لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى هَذِهِ القَبائِحِ، أصَرُّوا عَلى اللِّجاجِ في التَّكْذِيبِ، فَكانَ جَوابُهم لَهُ: ﴿أنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ فِيما تَعِدُنا بِهِ مِن نُزُولِ العَذابِ، قالُوا ذَلِكَ وهم مُصَمِّمُونَ عَلى اعْتِقادِ كَذِبِهِ فِيما وعَدَهم بِهِ. وفي آيَةٍ أُخْرى: ﴿إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾ [النمل: ٥٦] الجَمْعُ بَيْنَهُما أنَّهم أوَّلًا قالُوا: ﴿ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ﴾ ثُمَّ أنَّهُ كَثُرَ مِنهُ الإنْكارُ، وتَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنهُ نَهْيًا ووَعْظًا ووَعِيدًا ﴿قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾ [النمل: ٥٦] . ولَمّا كانَ إنَّما يَأْمُرُهم بِتَرْكِ الفَواحِشِ وما كانُوا يَصْنَعُونَهُ مِن قَبِيحِ المَعاصِي، ويَعِدُ عَلى ذَلِكَ بِالعَذابِ، وكانُوا يَقُولُونَ إنَّ اللَّهَ لَمْ يُحَرِّمْ هَذا ولا يُعَذِّبُ عَلَيْهِ، وهو يَقُولُ إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُ ويُعَذِّبُ عَلَيْهِ ﴿قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ﴾ فَكانُوا ألْطَفَ في الجَوابِ مِن قَوْمِ إبْراهِيمَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ﴾ لِأنَّهُ كانَ لا يَذُمُّ آلِهَتَهم، وعَهِدَ إلى أصْنامِهِمْ فَكَسَرَها، فَكانَ فِعْلُهُ هَذا مَعَهم أعْظَمَ مِن قَوْلِ لُوطٍ لِقَوْمِهِ، فَكانَ جَوابُهم لَهُ: ﴿أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ﴾ . ثُمَّ اسْتَنْصَرَ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَبُعِثَ مَلائِكَةٌ لِعَذابِهِمْ، ورَجْمِهِمْ بِالحاصِبِ، وإفْسادِهِمْ بِحَمْلِ النّاسِ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ المَعاصِي طَوْعًا وكَرْهًا، وخُصُوصًا تِلْكَ المَعْصِيَةَ المُبْتَدَعَةَ. (بِالبُشْرى) هي بِشارَتُهُ بِوَلَدِهِ إسْحاقَ، وبِنافِلَتِهِ يَعْقُوبَ، وبِنَصْرِ لُوطٍ عَلى قَوْمِهِ وإهْلاكِهِمْ، و(القَرْيَةَ) سَدُومُ، وفِيها قِيلَ: أجْوَرُ مِن قاضِي سَدُومَ. (كانُوا ظالِمِينَ) أيْ: قَدْ سَبَقَ مِنهُمُ الظُّلْمُ. واسْتَمَرَّ عَلى الأيّامِ السّالِفَةِ وهم مُصِرُّونَ، وظُلْمُهم: كُفْرُهم وأنْواعُ مَعاصِيهِمْ. ولَمّا ذَكَرُوا لِإبْراهِيمَ: ﴿إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ أشْفَقَ عَلى لُوطٍ فَقالَ: ﴿إنَّ فِيها لُوطًا﴾ . ولَمّا عَلَّلُوا الإهْلاكَ بِالظُّلْمِ، قالَ لَهم: فِيها مَن هو بَرِيءٌ مِنَ الظُّلْمِ ﴿قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها﴾ أيْ: مِنكَ، وأُخْبِرَ بِحالِهِ. ثُمَّ أخْبَرُوهُ بِإنْجائِهِمْ إيّاهُ ﴿وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ﴾ . وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ﴾ مُضارِعَ أنْجى؛ وباقِي السَّبْعَةِ: مُضارِعَ نَجّى؛ والجُمْهُورُ: بِشَدِّ النُّونِ؛ وفِرْقَةٌ: بِتَخْفِيفِها. ﴿ولَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، إلّا أنَّ هُنا زِيدَتْ ”أنْ“ بَعْدَ ”لَمّا“، وهو قِياسٌ مُطَّرِدٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنْ صِلَةٌ أكَّدَتْ وُجُودَ الفِعْلَيْنِ مُتَرَتِّبًا أحَدُهُما عَلى الآخَرِ في وقْتَيْنِ مُتَجاوِرَيْنِ لا فاصِلَ بَيْنَهُما، كَأنَّهُما وُجِدا في جُزْءٍ واحِدٍ مِنَ الزَّمانِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَمّا أحَسَّ بِمَجِيئِهِمْ، فاجَأتِ المَساءَةُ مِن غَيْرِ وقْتٍ خِيفَةً عَلَيْهِمْ مِن قَوْمِهِ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ في التَّرْتِيبِ هو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، إذْ مَذْهَبُهُ. أنَّ لَمّا: حَرْفٌ لا ظَرْفٌ، خِلافًا لِلْفارِسِيِّ، وهَذا مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. وقَرَأ العَرَبِيّانِ، ونافِعٌ، وحَفْصٌ: ﴿مُنَجُّوكَ﴾ مُشَدَّدًا؛ وباقِي (p-١٥١)السَّبْعَةِ: مُخَفَّفًا، والكافُ في مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ في مَوْضِعِ جَرٍّ. (وأهْلَكَ) مَنصُوبٌ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: ونُنَجِّي أهْلَكَ. ومَن راعى هَذا المَوْضِعَ، عَطَفَهُ عَلى مَوْضِعِ الكافِ، والكافُ عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ وهِشامٍ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، و”أهْلَكَ“ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ هَذِهِ النُّونَ كالتَّنْوِينِ، وهُما عَلى مَذْهَبِهِما يُحْذَفانِ لِلَطافَةِ الضَّمِيرِ وشِدَّةِ طَلَبِهِ الِاتِّصالَ بِما قَبْلَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (سِيءَ)، بِكَسْرِ السِّينِ، وضَمَّها نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ. وقَرَأ عِيسى، وطَلْحَةُ: ”سُوءَ“، بِضَمِّها، وهي لُغَةُ بَنِي هُذَيْلٍ. وبَنِي وُبَيْرٍ يَقُولُونَ في قِيلَ وبِيعَ ونَحْوِهِما: قُولَ وبُوعَ. وقُرِئَ: ”مُنْزِلُونَ“، مُخَفَّفًا ومُشَدَّدًا؛ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ”رُجْزًا“، بِضَمِّ الرّاءِ؛ وأبُو حَيْوَةَ والأعْمَشُ: بِكَسْرِ سِينِ (يَفْسُقُونَ) . والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في مِنها عائِدٌ عَلى القَرْيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَنازِلُهُمُ الخَرِبَةُ. وحَكى أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ أنَّ الآيَةَ في قَرْيَتِهِمْ، إلّا أنَّ أساسَها أعْلاها، وسُقُوفَها أسْفَلُها إلى الآنَ. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى تَرَكْناها آيَةً، يَقُولُ: إنَّ في السَّماءِ لَآيَةً، يُرِيدُ أنَّها آيَةٌ. انْتَهى، وهَذا لا يَتَّجِهُ إلّا عَلى زِيادَةِ مِن في الواجِبِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: أمْهَرْتُ مِنها جُبَّةً وتَيْسًا، يُرِيدُ: أمْهَرْتُها؛ وكَذَلِكَ: ولَقَدْ تَرَكْناها آيَةً، وقِيلَ: الهاءُ في ”مِنها“ عائِدَةٌ عَلى الفِعْلَةِ الَّتِي فُعِلَتْ بِهِمْ، فَقِيلَ: الآيَةُ: الحِجارَةُ الَّتِي أدْرَكَتْها أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ وقِيلَ: الماءُ الأسْوَدُ عَلى وجْهِ الأرْضِ، قالَهُ مُجاهِدٌ؛ وقِيلَ: أنْجَزَ ما صَنَعَ بِهِمْ. و(لِقَوْمٍ) مُتَعَلِّقٌ بِـ: (تَرَكْنا)، أوْ (بَيِّنَةً) .

العنكبوت 29:31

﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وقالَ إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا ومَأْواكُمُ النّارُ ومالَكم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وقالَ إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي إنَّهُ هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ والكِتابَ وآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلى القَوْمِ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿ولَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وقالُوا لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ إلّا امْرَأتَكَ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿إنّا مُنْزِلُونَ عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ تَرَكْنا مِنها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ . (p-١٤٨)لَمّا أمَرَهم بِعِبادَةِ اللَّهِ، وبَيَّنَ سَفَهَهم في عِبادَةِ الأوْثانِ، وظَهَرَتْ حُجَّتُهُ عَلَيْهِمْ، رَجَعُوا إلى الغَلَبَةِ، فَجَعَلُوا القائِمَ مَقامَ جَوابِهِ فِيما أمَرَهم بِهِ قَوْلَهم: ﴿اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ﴾ . والآمِرُونَ بِذَلِكَ، إمّا بَعْضُهم لِبَعْضٍ، أوْ كُبَراؤُهم قالُوا لِأتْباعِهِمُ: اقْتُلُوهُ، فَتَسْتَرِيحُوا مِنهُ عاجِلًا، أوْ حَرِّقُوهُ بِالنّارِ؛ فَإمّا أنْ يَرْجِعَ إلى دِينِكم، إذا أمْضَتْهُ النّارُ؛ وإمّا أنْ يَمُوتَ بِها، إنْ أصَرَّ عَلى قَوْلِهِ ودِينِهِ. وفي الكَلامِ حَذْفٌ، أيْ: حَرِّقُوهُ في النّارِ ﴿فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ﴾ . وتَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُ في تَحْرِيقِهِ في سُورَةِ ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١] . وجَمَعَ هُنا فَقالَ الآياتِ؛ لِأنَّ الإنْجاءَ مِنَ النّارِ، وجَعْلَها بَرْدًا وسَلامًا، وأنَّها في الحَبْلِ الَّذِي كانُوا أوْثَقُوهُ بِهِ دُونَ الجِسْمِ، وإنْ صَحَّ ما نُقِلَ مِن أنَّ مَكانَها، حالَةَ الرَّمْيِ، صارَ بُسْتانًا يانِعًا، هو مَجْمُوعُ آياتٍ، فَناسَبَ الجَمْعَ، بِخِلافِ الإنْجاءِ مِنَ السَّفِينَةِ، فَإنَّهُ آيَةٌ واحِدَةٌ، وتَقَدَّمُ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ مِنَ النّارِ بَعْدَ إلْقائِهِ؛ فِيما قالَ كَعْبٌ: لَمْ يَحْتَرِقْ بِالنّارِ إلّا الحَبْلُ الَّذِي أوْثَقُوهُ بِهِ. وجاءَ هُنا التَّرْدِيدُ بَيْنَ قَتْلِهِ وإحْراقِهِ، فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مِن قائِلِينَ: ناسٌ أشارُوا بِالقَتْلِ، وناسٌ أشارُوا بِالإحْراقِ. وفي (اقْتَرَبَ) قالُوا: (حَرِّقُوهُ) اقْتَصَرُوا عَلى أحَدِ الشَّيْئَيْنِ، وهو الَّذِي فَعَلُوهُ، رَمَوْهُ في النّارِ ولَمْ يَقْتُلُوهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (جَوابَ) بِالنَّصْبِ؛ والحَسَنُ، وسالِمٌ الأفْطَسُ: بِالرَّفْعِ، اسْمًا لِـ: كانَ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ الأصْمَعِيِّ، والأعْمَشُ عَنْ أبِي بَكْرٍ: ”مَوَدَّةٌ“ بِالرَّفْعِ، و”بَيْنَكم“ بِالنَّصْبِ. فالرَّفْعُ عَلى خَبَرِ إنَّ، و”ما“ مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي، أيْ: إنَّ الأوْثانَ الَّتِي اتَّخَذْتُمُوها مَوْدُودًا، أوْ سَبَبَ مَوَدَّةٍ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: إنَّ اتِّخاذَكم أوْثانًا مَوَدَّةً، أوْ عَلى خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هي مَوَدَّةُ بَيْنِكم، وما إذْ ذاكَ مُهَيِّئَةٌ. ورُوِيَ عَنْ عاصِمٍ: ”مَوَدَّةُ“، بِالرَّفْعِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ؛ و”بَيْنَكم“ بِالفَتْحِ، أيْ: بِفَتْحِ النُّونِ، جَعَلَهُ مَبْنِيًّا لِإضافَتِهِ إلى مَبْنِيٍّ، وهو مَوْضِعُ خَفْضٍ بِالإضافَةِ، ولِذَلِكَ سَقَطَ التَّنْوِينُ مِن ”مَوَدَّةُ“ . وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وابْنُ كَثِيرٍ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ خَفَضَ نُونَ (بَيْنِكم) . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ بِنَصْبِ ”مَوَدَّةً“ مُنَوَّنًا ونَصْبِ ”بَيْنَكم“؛ وحَمْزَةُ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ أضافَ ”مَوَدَّةً“ إلى ”بَيْنَكم“ وخَفَضَ، كَما في قِراءَةِ مَن نَصَبَ ”مَوَدَّةً“ مُهَيِّئَةً. و”اتَّخَذَ“ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِمّا تَعَدَّتْ إلى اثْنَيْنِ، والثّانِي هو (مَوَدَّةَ)، أيِ: اتَّخَذْتُمُ الأوْثانَ بِسَبَبِ المَوَدَّةِ بَيْنَكم، عَلى حَذْفِ المُضافِ، أوِ اتَّخَذْتُمُوها مَوَدَّةَ بَيْنِكم، كَقَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] أوْ مِمّا تَعَدَّتْ إلى واحِدٍ، وانْتَصَبَ ”مَوَدَّةَ“ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: لِيَتَوادُّوا ويَتَواصَلُوا ويَجْتَمِعُوا عَلى عِبادَتِها، كَما يَجْتَمِعُ ناسٌ عَلى مَذْهَبٍ، فَيَقَعُ التَّحابُّ بَيْنَهم. وذَكَرُوا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قِراءَةً شاذَّةً تُخالِفُ سَوادَ المُصْحَفِ، مَعَ أنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ ما في سَوادِ المُصْحَفِ بِالنَّقْلِ الصَّحِيحِ المُسْتَفِيضِ، فَلِذَلِكَ لَمْ أذْكُرْ تِلْكَ القِراءَةَ. ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ يَقَعُ بَيْنَكُمُ التَّلاعُنُ، أيْ: فَيُلاعِنُ العَبَدَةُ والمَعْبُوداتُ الأصْنامَ، كَقَوْلِهِ: و﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢] . و(بَيْنَكم) و(في الحَياةِ) يَجُوزُ تَعْلِيقُهُما بِلَفْظِ ”مَوَدَّةَ“ وعَمِلَ في ظَرْفَيْنِ لِاخْتِلافِهِما، إذْ هُما ظَرْفا مَكانٍ وزَمانٍ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقا بِمَحْذُوفَيْنِ، فَيَكُونانِ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، أيْ: كائِنَةً بَيْنَكم في الحَياةِ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ (p-١٤٩)المُسْتَكِنِّ في (بَيْنِكم) . وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَتَعَلَّقَ (في الحَياةِ) . بِـ: ”اتَّخَذْتُمْ“ عَلى جَعْلِ ما كافَّةً، ونَصْبِ (مَوَدَّةَ)، لا عَلى جَعْلِ ما مَوْصُولَةً بِمَعْنى الَّذِي، أوْ مَصْدَرِيَّةً ورَفْعِ ”مَوَدَّةَ“، لِئَلّا يُؤَدِّيَ إلى الفَصْلِ بَيْنَ المَوْصُولِ وما في الصِّلَةِ بِالخَبَرِ. وأجازَ قَوْمٌ مِنهُمُ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَتَعَلَّقَ (في الحَياةِ) بِـ: (مَوَدَّةَ)، وأنْ يَكُونَ (بَيْنِكم) صِفَةً لِـ: (مَوَدَّةَ)، وهو لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ المَصْدَرَ إذا وُصِفَ قَبْلَ أخْذِ مُتَعَلِّقاتِهِ لا يَعْمَلُ، وشُبْهَتُهم في هَذا أنَّهُ يَتَّسِعُ في الظَّرْفِ، بِخِلافِ المَفْعُولِ بِهِ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَتَعَلَّقَ بِنَفْسِ (بَيْنِكم)، قالَ: لِأنَّ مَعْناهُ: اجْتِماعُكم أوْ وصْلُكم. وأجازَ أيْضًا أنْ يَجْعَلَهُ حالًا مِن (بَيْنِكم)، قالَ: لِتَعَرُّفِهِ بِالإضافَةِ. انْتَهى، وهُما إعْرابانِ لا يَتَعَقَّلانِ. ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ لَمْ يُؤْمِن بِإبْراهِيمَ أحَدٌ مِن قَوْمِهِ إلّا لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، حِينَ رَأى النّارَ لَمْ تُحْرِقْهُ، وكانَ ابْنُ أخِي سارَّةَ، أوْ كانَتْ بِنْتَ عَمِّهِ. والضَّمِيرُ في (وقالَ) عائِدٌ عَلى إبْراهِيمَ، وهو الظّاهِرُ، لِيَتَناسَقَ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ﴾ وهو قَوْلُ قَتادَةَ والنَّخَعِيِّ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: يَعُودُ عَلى لُوطٍ، وهاجَرَ، وإبْراهِيمَ، عَلَيْهِمُ السَّلامُ، مِن قَرْيَتِهِما كُوثى، وهي في سَوادِ العِراقِ، مِن أرْضِ بابِلَ، إلى فِلَسْطِينَ مِن أرْضِ الشّامِ. وكانَ إبْراهِيمُ ابْنَ خَمْسٍ وسَبْعِينَ سَنَةً، وهو أوَّلُ مَن هاجَرَ في اللَّهِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هاجَرَ إلى حَرّانَ، ثُمَّ إلى الشّامِ، وفي هِجْرَتِهِ هَذِهِ كانَتْ مَعَهُ سارَّةُ. والمُهاجِرُ: الفارِغُ عَنِ الشَّيْءِ، وهو في عُرْفِ الشَّرِيعَةِ: مَن تَرَكَ وطَنَهُ رَغْبَةً في رِضا اللَّهِ. وعُرِفَ بِهَذا الِاسْمِ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، المُهاجِرُونَ، قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ. (إلى رَبِّي) أيْ: إلى الجِهَةِ الَّتِي أمَرَنِي رَبِّي بِالهِجْرَةِ إلَيْها. وقِيلَ: إلى حَيْثُ لا أُمْنَعُ عِبادَةَ رَبِّي. وقِيلَ: مُهاجِرًا مَن خالَفَنِي مِن قَوْمِي، مُتَقَرِّبًا إلى رَبِّي. ونَزَلَ إبْراهِيمُ قَرْيَةً مِن أرْضِ فِلَسْطِينَ، وتَرَكَ لُوطًا في سَدُومَ، وهي المُؤْتَفِكَةُ، عَلى مَسِيرَةِ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ مِن قَرْيَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ. ﴿إنَّهُ هو العَزِيزُ﴾ الَّذِي لا يُذَلُّ مَن عَبَدَهُ (الحَكِيمُ) الَّذِي يَضَعُ الأشْياءَ مَواضِعَها. والضَّمِيرُ في (ذُرِّيَّتِهِ) عائِدٌ عَلى إبْراهِيمَ. (النُّبُوَّةَ) إسْحاقُ، ويَعْقُوبُ، وأنْبِياءُ بَنِي إسْرائِيلَ، وإسْماعِيلُ، ومُحَمَّدٌ خاتَمُهم، صَلّى اللَّهُ وسَلَّمَ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ. (والكِتابَ) اسْمُ جِنْسٍ يَدْخُلُ فِيهِ التَّوْراةُ، والزَّبُورُ، والإنْجِيلُ، والفُرْقانُ. ﴿وآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا﴾ أيْ: في حَياتِهِ، قالَ مُجاهِدٌ: نَجاتُهُ مِنَ النّارِ، ومِنَ المَلِكِ الجَبّارِ، والعَمَلُ الصّالِحُ: والثَّناءُ الحَسَنُ، بِحَيْثُ يَتَوَلّاهُ كُلُّ أُمَّةٍ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: والوَلَدُ الَّذِي قَرَّتْ بِهِ عَيْنُهُ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ السُّدِّيُّ: إنَّهُ رَأى مَكانَهُ مِنَ الجَنَّةِ. وقالَ ابْنُ أبِي بُرْدَةَ: ما وُفِّقَ لَهُ مِن عَمَلِ الآخِرَةِ. وقالَ الماوَرْدِيُّ: بَقاءُ ضِيافَتِهِ عِنْدَ قَبْرِهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِنَبِيٍّ غَيْرِهِ. وقِيلَ: النُّبُوَّةُ والحِكْمَةُ. وقِيلَ: الصَّلاةُ عَلَيْهِ إلى آخِرِ الدَّهْرِ. وانْتَصَبَ لُوطًا بِإضْمارِ اذْكُرْ، أوْ بِالعَطْفِ عَلى إبْراهِيمَ، أوْ بِالعَطْفِ عَلى ما عُطِفَ عَلَيْهِ إبْراهِيمُ. والجُمْهُورُ: عَلى الِاسْتِفْهامِ في أئِنَّكم مَعًا. وقُرِئَ: أنَّكم عَلى الخَبَرِ، والثّانِي عَلى الِاسْتِفْهامِ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: وجَدْتُهُ في الإمامِ بِحَرْفٍ واحِدٍ بِغَيْرِ ياءٍ، ورَأيْتُ الثّانِيَ بِحَرْفَيْنِ، الياءِ والنُّونِ. ولَمْ يَأْتِ في قِصَّةِ لُوطٍ أنَّهُ دَعا قَوْمَهُ إلى عِبادَةِ اللَّهِ، كَما جاءَ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ وقِصَّةِ شُعَيْبٍ؛ لِأنَّ لُوطًا كانَ مِن قَوْمِ إبْراهِيمَ وفي زَمانِهِ، وسَبَقَهُ إبْراهِيمُ إلى الدُّعاءِ لِعِبادَةِ اللَّهِ وتَوْحِيدِهِ، واشْتُهِرَ أمْرُهُ بِذَلِكَ عِنْدَ الخَلْقِ، فَذَكَرَ لُوطٌ ما اخْتُصَّ بِهِ مِنَ المَنعِ مِنَ الفَحْشاءِ وغَيْرِها. وأمّا إبْراهِيمُ وشُعَيْبٌ فَجاءا بَعْدَ انْقِراضِ مَن كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ، فَلِذَلِكَ دَعَوا إلى عِبادَةِ اللَّهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ما سَبَقَكم بِها﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِفاحِشَةِ تِلْكَ الفَعْلَةِ، كَأنَّ قائِلًا قالَ: لِمَ كانَتْ فاحِشَةً ؟ فَقِيلَ: لِأنَّ أحَدًا قَبْلَهم لَمْ يُقْدِمْ عَلَيْها اشْمِئْزازًا مِنها في طِباعِهِمْ لِإفْراطِ قُبْحِها، حَتّى قَدَمَ عَلَيْها قَوْمُ لُوطٍ لِخُبْثِ طِينَتِهِمْ، قالُوا: لَمْ يَنْزُ ذَكَرٌ عَلى ذَكَرٍ قَبْلَ قَوْمِ لُوطٍ. انْتَهى. ويَظْهَرُ أنَّ ﴿ما سَبَقَكم بِها﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، كَأنَّهُ قالَ: أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ مُبْتَدِعِينَ لَها غَيْرَ مَسْبُوقِينَ بِها ؟ واسْتَفْهَمَ أوَّلًا وثانِيًا اسْتِفْهامَ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، وبَيَّنَ ما تِلْكَ الفاحِشَةُ المُبْهَمَةُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ وإنْ كانَتْ مُعَيَّنَةً أنَّها إتْيانُ الذُّكُورِ (p-١٥٠)فِي الأدْبارِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما سَبَقَكم بِها﴾ فَقالَ: ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ﴾ يَعْنِي في الأدْبارِ ﴿وتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ الوَلَدَ، بِتَعْطِيلِ الفَرْجِ ووَطْءِ أدْبارِ الرِّجالِ، أوْ بِإمْساكِ الغُرَباءِ لِذَلِكَ الفِعْلِ حَتّى انْقَطَعَتِ الطُّرُقُ، أوْ بِالقَتْلِ وأخْذِ المالِ، أوْ بِقُبْحِ الأُحْدُوثَةِ حَتّى تَنْقَطِعَ سُبُلُ النّاسِ في التِّجاراتِ. ﴿وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ﴾ أيْ: في مَجْلِسِكُمُ الَّذِي تَجْتَمِعُونَ فِيهِ، وهو اسْمُ جِنْسٍ، إذْ أنْدِيَتُهم في مَدائِنِهِمْ كَثِيرَةٌ، ولا يُسَمّى نادِيًا إلّا ما دامَ فِيهِ أهْلُهُ، فَإذا قامُوا عَنْهُ، لَمْ يُطْلَقْ عَلَيْهِ نادٍ إلّا مَجازًا. والمُنْكَرُ ما تُنْكِرُهُ العُقُولُ والشَّرائِعُ والمُرُوءاتُ: حَذْفُ النّاسِ بِالحَصْباءِ، والِاسْتِخْفافُ بِالغَرِيبِ الخاطِرِ، «ورَوَتْ أُمُّ هانِئٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أوْ إتْيانُ الرِّجالِ في مَجالِسِهِمْ يَرى بَعْضُهم بَعْضًا»، قالَهُ مَنصُورٌ ومُجاهِدٌ والقاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وقَتادَةُ بْنُ زَيْدٍ؛ أوْ تَضارُطُهم؛ أوْ تَصافُعُهم فِيها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ أوْ لَعِبُ الحَمامِ؛ أوْ تَطْرِيفُ الأصابِعِ بِالحِنّاءِ، والصَّفِيرُ، والحَذْفُ، ونَبْذُ الحَياءِ في جَمِيعِ أُمُورِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ أيْضًا، أوِ الحَذْفُ بِالحَصى، والرَّمْيُ بِالبَنادِقِ، والفَرْقَعَةُ، ومَضْغُ العَلَكِ، والسِّواكُ بَيْنَ النّاسِ، وحَلُّ الأزْرارِ، والسِّبابَةُ، والفُحْشُ في المِزاحِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا مَعَ شِرْكِهِمْ بِاللَّهِ. كانَتْ فِيهِمْ ذُنُوبٌ غَيْرُ الفاحِشَةِ: تَظالُمٌ فِيما بَيْنَهم، وبَشاعَةٌ، ومَضارِيطُ في مَجالِسِهِمْ، وحَذْفٌ، ولَعِبٌ بِالنَّرْدِ والشِّطْرَنْجِ، ولُبْسُ المُصَبَّغاتِ، ولِباسُ النِّساءِ لِلرِّجالِ، والمُكُوسُ عَلى كُلِّ عابِرٍ؛ وهم أوَّلُ مَن لاطَ ومَن ساحَقَ. ولَمّا وقَّفَهم لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى هَذِهِ القَبائِحِ، أصَرُّوا عَلى اللِّجاجِ في التَّكْذِيبِ، فَكانَ جَوابُهم لَهُ: ﴿أنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ فِيما تَعِدُنا بِهِ مِن نُزُولِ العَذابِ، قالُوا ذَلِكَ وهم مُصَمِّمُونَ عَلى اعْتِقادِ كَذِبِهِ فِيما وعَدَهم بِهِ. وفي آيَةٍ أُخْرى: ﴿إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾ [النمل: ٥٦] الجَمْعُ بَيْنَهُما أنَّهم أوَّلًا قالُوا: ﴿ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ﴾ ثُمَّ أنَّهُ كَثُرَ مِنهُ الإنْكارُ، وتَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنهُ نَهْيًا ووَعْظًا ووَعِيدًا ﴿قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾ [النمل: ٥٦] . ولَمّا كانَ إنَّما يَأْمُرُهم بِتَرْكِ الفَواحِشِ وما كانُوا يَصْنَعُونَهُ مِن قَبِيحِ المَعاصِي، ويَعِدُ عَلى ذَلِكَ بِالعَذابِ، وكانُوا يَقُولُونَ إنَّ اللَّهَ لَمْ يُحَرِّمْ هَذا ولا يُعَذِّبُ عَلَيْهِ، وهو يَقُولُ إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُ ويُعَذِّبُ عَلَيْهِ ﴿قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ﴾ فَكانُوا ألْطَفَ في الجَوابِ مِن قَوْمِ إبْراهِيمَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ﴾ لِأنَّهُ كانَ لا يَذُمُّ آلِهَتَهم، وعَهِدَ إلى أصْنامِهِمْ فَكَسَرَها، فَكانَ فِعْلُهُ هَذا مَعَهم أعْظَمَ مِن قَوْلِ لُوطٍ لِقَوْمِهِ، فَكانَ جَوابُهم لَهُ: ﴿أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ﴾ . ثُمَّ اسْتَنْصَرَ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَبُعِثَ مَلائِكَةٌ لِعَذابِهِمْ، ورَجْمِهِمْ بِالحاصِبِ، وإفْسادِهِمْ بِحَمْلِ النّاسِ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ المَعاصِي طَوْعًا وكَرْهًا، وخُصُوصًا تِلْكَ المَعْصِيَةَ المُبْتَدَعَةَ. (بِالبُشْرى) هي بِشارَتُهُ بِوَلَدِهِ إسْحاقَ، وبِنافِلَتِهِ يَعْقُوبَ، وبِنَصْرِ لُوطٍ عَلى قَوْمِهِ وإهْلاكِهِمْ، و(القَرْيَةَ) سَدُومُ، وفِيها قِيلَ: أجْوَرُ مِن قاضِي سَدُومَ. (كانُوا ظالِمِينَ) أيْ: قَدْ سَبَقَ مِنهُمُ الظُّلْمُ. واسْتَمَرَّ عَلى الأيّامِ السّالِفَةِ وهم مُصِرُّونَ، وظُلْمُهم: كُفْرُهم وأنْواعُ مَعاصِيهِمْ. ولَمّا ذَكَرُوا لِإبْراهِيمَ: ﴿إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ أشْفَقَ عَلى لُوطٍ فَقالَ: ﴿إنَّ فِيها لُوطًا﴾ . ولَمّا عَلَّلُوا الإهْلاكَ بِالظُّلْمِ، قالَ لَهم: فِيها مَن هو بَرِيءٌ مِنَ الظُّلْمِ ﴿قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها﴾ أيْ: مِنكَ، وأُخْبِرَ بِحالِهِ. ثُمَّ أخْبَرُوهُ بِإنْجائِهِمْ إيّاهُ ﴿وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ﴾ . وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ﴾ مُضارِعَ أنْجى؛ وباقِي السَّبْعَةِ: مُضارِعَ نَجّى؛ والجُمْهُورُ: بِشَدِّ النُّونِ؛ وفِرْقَةٌ: بِتَخْفِيفِها. ﴿ولَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، إلّا أنَّ هُنا زِيدَتْ ”أنْ“ بَعْدَ ”لَمّا“، وهو قِياسٌ مُطَّرِدٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنْ صِلَةٌ أكَّدَتْ وُجُودَ الفِعْلَيْنِ مُتَرَتِّبًا أحَدُهُما عَلى الآخَرِ في وقْتَيْنِ مُتَجاوِرَيْنِ لا فاصِلَ بَيْنَهُما، كَأنَّهُما وُجِدا في جُزْءٍ واحِدٍ مِنَ الزَّمانِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَمّا أحَسَّ بِمَجِيئِهِمْ، فاجَأتِ المَساءَةُ مِن غَيْرِ وقْتٍ خِيفَةً عَلَيْهِمْ مِن قَوْمِهِ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ في التَّرْتِيبِ هو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، إذْ مَذْهَبُهُ. أنَّ لَمّا: حَرْفٌ لا ظَرْفٌ، خِلافًا لِلْفارِسِيِّ، وهَذا مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. وقَرَأ العَرَبِيّانِ، ونافِعٌ، وحَفْصٌ: ﴿مُنَجُّوكَ﴾ مُشَدَّدًا؛ وباقِي (p-١٥١)السَّبْعَةِ: مُخَفَّفًا، والكافُ في مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ في مَوْضِعِ جَرٍّ. (وأهْلَكَ) مَنصُوبٌ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: ونُنَجِّي أهْلَكَ. ومَن راعى هَذا المَوْضِعَ، عَطَفَهُ عَلى مَوْضِعِ الكافِ، والكافُ عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ وهِشامٍ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، و”أهْلَكَ“ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ هَذِهِ النُّونَ كالتَّنْوِينِ، وهُما عَلى مَذْهَبِهِما يُحْذَفانِ لِلَطافَةِ الضَّمِيرِ وشِدَّةِ طَلَبِهِ الِاتِّصالَ بِما قَبْلَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (سِيءَ)، بِكَسْرِ السِّينِ، وضَمَّها نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ. وقَرَأ عِيسى، وطَلْحَةُ: ”سُوءَ“، بِضَمِّها، وهي لُغَةُ بَنِي هُذَيْلٍ. وبَنِي وُبَيْرٍ يَقُولُونَ في قِيلَ وبِيعَ ونَحْوِهِما: قُولَ وبُوعَ. وقُرِئَ: ”مُنْزِلُونَ“، مُخَفَّفًا ومُشَدَّدًا؛ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ”رُجْزًا“، بِضَمِّ الرّاءِ؛ وأبُو حَيْوَةَ والأعْمَشُ: بِكَسْرِ سِينِ (يَفْسُقُونَ) . والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في مِنها عائِدٌ عَلى القَرْيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَنازِلُهُمُ الخَرِبَةُ. وحَكى أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ أنَّ الآيَةَ في قَرْيَتِهِمْ، إلّا أنَّ أساسَها أعْلاها، وسُقُوفَها أسْفَلُها إلى الآنَ. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى تَرَكْناها آيَةً، يَقُولُ: إنَّ في السَّماءِ لَآيَةً، يُرِيدُ أنَّها آيَةٌ. انْتَهى، وهَذا لا يَتَّجِهُ إلّا عَلى زِيادَةِ مِن في الواجِبِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: أمْهَرْتُ مِنها جُبَّةً وتَيْسًا، يُرِيدُ: أمْهَرْتُها؛ وكَذَلِكَ: ولَقَدْ تَرَكْناها آيَةً، وقِيلَ: الهاءُ في ”مِنها“ عائِدَةٌ عَلى الفِعْلَةِ الَّتِي فُعِلَتْ بِهِمْ، فَقِيلَ: الآيَةُ: الحِجارَةُ الَّتِي أدْرَكَتْها أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ وقِيلَ: الماءُ الأسْوَدُ عَلى وجْهِ الأرْضِ، قالَهُ مُجاهِدٌ؛ وقِيلَ: أنْجَزَ ما صَنَعَ بِهِمْ. و(لِقَوْمٍ) مُتَعَلِّقٌ بِـ: (تَرَكْنا)، أوْ (بَيِّنَةً) .

العنكبوت 29:32

﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وقالَ إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا ومَأْواكُمُ النّارُ ومالَكم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وقالَ إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي إنَّهُ هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ والكِتابَ وآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلى القَوْمِ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿ولَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وقالُوا لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ إلّا امْرَأتَكَ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿إنّا مُنْزِلُونَ عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ تَرَكْنا مِنها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ . (p-١٤٨)لَمّا أمَرَهم بِعِبادَةِ اللَّهِ، وبَيَّنَ سَفَهَهم في عِبادَةِ الأوْثانِ، وظَهَرَتْ حُجَّتُهُ عَلَيْهِمْ، رَجَعُوا إلى الغَلَبَةِ، فَجَعَلُوا القائِمَ مَقامَ جَوابِهِ فِيما أمَرَهم بِهِ قَوْلَهم: ﴿اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ﴾ . والآمِرُونَ بِذَلِكَ، إمّا بَعْضُهم لِبَعْضٍ، أوْ كُبَراؤُهم قالُوا لِأتْباعِهِمُ: اقْتُلُوهُ، فَتَسْتَرِيحُوا مِنهُ عاجِلًا، أوْ حَرِّقُوهُ بِالنّارِ؛ فَإمّا أنْ يَرْجِعَ إلى دِينِكم، إذا أمْضَتْهُ النّارُ؛ وإمّا أنْ يَمُوتَ بِها، إنْ أصَرَّ عَلى قَوْلِهِ ودِينِهِ. وفي الكَلامِ حَذْفٌ، أيْ: حَرِّقُوهُ في النّارِ ﴿فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ﴾ . وتَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُ في تَحْرِيقِهِ في سُورَةِ ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١] . وجَمَعَ هُنا فَقالَ الآياتِ؛ لِأنَّ الإنْجاءَ مِنَ النّارِ، وجَعْلَها بَرْدًا وسَلامًا، وأنَّها في الحَبْلِ الَّذِي كانُوا أوْثَقُوهُ بِهِ دُونَ الجِسْمِ، وإنْ صَحَّ ما نُقِلَ مِن أنَّ مَكانَها، حالَةَ الرَّمْيِ، صارَ بُسْتانًا يانِعًا، هو مَجْمُوعُ آياتٍ، فَناسَبَ الجَمْعَ، بِخِلافِ الإنْجاءِ مِنَ السَّفِينَةِ، فَإنَّهُ آيَةٌ واحِدَةٌ، وتَقَدَّمُ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ مِنَ النّارِ بَعْدَ إلْقائِهِ؛ فِيما قالَ كَعْبٌ: لَمْ يَحْتَرِقْ بِالنّارِ إلّا الحَبْلُ الَّذِي أوْثَقُوهُ بِهِ. وجاءَ هُنا التَّرْدِيدُ بَيْنَ قَتْلِهِ وإحْراقِهِ، فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مِن قائِلِينَ: ناسٌ أشارُوا بِالقَتْلِ، وناسٌ أشارُوا بِالإحْراقِ. وفي (اقْتَرَبَ) قالُوا: (حَرِّقُوهُ) اقْتَصَرُوا عَلى أحَدِ الشَّيْئَيْنِ، وهو الَّذِي فَعَلُوهُ، رَمَوْهُ في النّارِ ولَمْ يَقْتُلُوهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (جَوابَ) بِالنَّصْبِ؛ والحَسَنُ، وسالِمٌ الأفْطَسُ: بِالرَّفْعِ، اسْمًا لِـ: كانَ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ الأصْمَعِيِّ، والأعْمَشُ عَنْ أبِي بَكْرٍ: ”مَوَدَّةٌ“ بِالرَّفْعِ، و”بَيْنَكم“ بِالنَّصْبِ. فالرَّفْعُ عَلى خَبَرِ إنَّ، و”ما“ مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي، أيْ: إنَّ الأوْثانَ الَّتِي اتَّخَذْتُمُوها مَوْدُودًا، أوْ سَبَبَ مَوَدَّةٍ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: إنَّ اتِّخاذَكم أوْثانًا مَوَدَّةً، أوْ عَلى خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هي مَوَدَّةُ بَيْنِكم، وما إذْ ذاكَ مُهَيِّئَةٌ. ورُوِيَ عَنْ عاصِمٍ: ”مَوَدَّةُ“، بِالرَّفْعِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ؛ و”بَيْنَكم“ بِالفَتْحِ، أيْ: بِفَتْحِ النُّونِ، جَعَلَهُ مَبْنِيًّا لِإضافَتِهِ إلى مَبْنِيٍّ، وهو مَوْضِعُ خَفْضٍ بِالإضافَةِ، ولِذَلِكَ سَقَطَ التَّنْوِينُ مِن ”مَوَدَّةُ“ . وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وابْنُ كَثِيرٍ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ خَفَضَ نُونَ (بَيْنِكم) . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ بِنَصْبِ ”مَوَدَّةً“ مُنَوَّنًا ونَصْبِ ”بَيْنَكم“؛ وحَمْزَةُ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ أضافَ ”مَوَدَّةً“ إلى ”بَيْنَكم“ وخَفَضَ، كَما في قِراءَةِ مَن نَصَبَ ”مَوَدَّةً“ مُهَيِّئَةً. و”اتَّخَذَ“ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِمّا تَعَدَّتْ إلى اثْنَيْنِ، والثّانِي هو (مَوَدَّةَ)، أيِ: اتَّخَذْتُمُ الأوْثانَ بِسَبَبِ المَوَدَّةِ بَيْنَكم، عَلى حَذْفِ المُضافِ، أوِ اتَّخَذْتُمُوها مَوَدَّةَ بَيْنِكم، كَقَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] أوْ مِمّا تَعَدَّتْ إلى واحِدٍ، وانْتَصَبَ ”مَوَدَّةَ“ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: لِيَتَوادُّوا ويَتَواصَلُوا ويَجْتَمِعُوا عَلى عِبادَتِها، كَما يَجْتَمِعُ ناسٌ عَلى مَذْهَبٍ، فَيَقَعُ التَّحابُّ بَيْنَهم. وذَكَرُوا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قِراءَةً شاذَّةً تُخالِفُ سَوادَ المُصْحَفِ، مَعَ أنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ ما في سَوادِ المُصْحَفِ بِالنَّقْلِ الصَّحِيحِ المُسْتَفِيضِ، فَلِذَلِكَ لَمْ أذْكُرْ تِلْكَ القِراءَةَ. ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ يَقَعُ بَيْنَكُمُ التَّلاعُنُ، أيْ: فَيُلاعِنُ العَبَدَةُ والمَعْبُوداتُ الأصْنامَ، كَقَوْلِهِ: و﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢] . و(بَيْنَكم) و(في الحَياةِ) يَجُوزُ تَعْلِيقُهُما بِلَفْظِ ”مَوَدَّةَ“ وعَمِلَ في ظَرْفَيْنِ لِاخْتِلافِهِما، إذْ هُما ظَرْفا مَكانٍ وزَمانٍ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقا بِمَحْذُوفَيْنِ، فَيَكُونانِ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، أيْ: كائِنَةً بَيْنَكم في الحَياةِ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ (p-١٤٩)المُسْتَكِنِّ في (بَيْنِكم) . وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَتَعَلَّقَ (في الحَياةِ) . بِـ: ”اتَّخَذْتُمْ“ عَلى جَعْلِ ما كافَّةً، ونَصْبِ (مَوَدَّةَ)، لا عَلى جَعْلِ ما مَوْصُولَةً بِمَعْنى الَّذِي، أوْ مَصْدَرِيَّةً ورَفْعِ ”مَوَدَّةَ“، لِئَلّا يُؤَدِّيَ إلى الفَصْلِ بَيْنَ المَوْصُولِ وما في الصِّلَةِ بِالخَبَرِ. وأجازَ قَوْمٌ مِنهُمُ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَتَعَلَّقَ (في الحَياةِ) بِـ: (مَوَدَّةَ)، وأنْ يَكُونَ (بَيْنِكم) صِفَةً لِـ: (مَوَدَّةَ)، وهو لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ المَصْدَرَ إذا وُصِفَ قَبْلَ أخْذِ مُتَعَلِّقاتِهِ لا يَعْمَلُ، وشُبْهَتُهم في هَذا أنَّهُ يَتَّسِعُ في الظَّرْفِ، بِخِلافِ المَفْعُولِ بِهِ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَتَعَلَّقَ بِنَفْسِ (بَيْنِكم)، قالَ: لِأنَّ مَعْناهُ: اجْتِماعُكم أوْ وصْلُكم. وأجازَ أيْضًا أنْ يَجْعَلَهُ حالًا مِن (بَيْنِكم)، قالَ: لِتَعَرُّفِهِ بِالإضافَةِ. انْتَهى، وهُما إعْرابانِ لا يَتَعَقَّلانِ. ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ لَمْ يُؤْمِن بِإبْراهِيمَ أحَدٌ مِن قَوْمِهِ إلّا لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، حِينَ رَأى النّارَ لَمْ تُحْرِقْهُ، وكانَ ابْنُ أخِي سارَّةَ، أوْ كانَتْ بِنْتَ عَمِّهِ. والضَّمِيرُ في (وقالَ) عائِدٌ عَلى إبْراهِيمَ، وهو الظّاهِرُ، لِيَتَناسَقَ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ﴾ وهو قَوْلُ قَتادَةَ والنَّخَعِيِّ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: يَعُودُ عَلى لُوطٍ، وهاجَرَ، وإبْراهِيمَ، عَلَيْهِمُ السَّلامُ، مِن قَرْيَتِهِما كُوثى، وهي في سَوادِ العِراقِ، مِن أرْضِ بابِلَ، إلى فِلَسْطِينَ مِن أرْضِ الشّامِ. وكانَ إبْراهِيمُ ابْنَ خَمْسٍ وسَبْعِينَ سَنَةً، وهو أوَّلُ مَن هاجَرَ في اللَّهِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هاجَرَ إلى حَرّانَ، ثُمَّ إلى الشّامِ، وفي هِجْرَتِهِ هَذِهِ كانَتْ مَعَهُ سارَّةُ. والمُهاجِرُ: الفارِغُ عَنِ الشَّيْءِ، وهو في عُرْفِ الشَّرِيعَةِ: مَن تَرَكَ وطَنَهُ رَغْبَةً في رِضا اللَّهِ. وعُرِفَ بِهَذا الِاسْمِ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، المُهاجِرُونَ، قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ. (إلى رَبِّي) أيْ: إلى الجِهَةِ الَّتِي أمَرَنِي رَبِّي بِالهِجْرَةِ إلَيْها. وقِيلَ: إلى حَيْثُ لا أُمْنَعُ عِبادَةَ رَبِّي. وقِيلَ: مُهاجِرًا مَن خالَفَنِي مِن قَوْمِي، مُتَقَرِّبًا إلى رَبِّي. ونَزَلَ إبْراهِيمُ قَرْيَةً مِن أرْضِ فِلَسْطِينَ، وتَرَكَ لُوطًا في سَدُومَ، وهي المُؤْتَفِكَةُ، عَلى مَسِيرَةِ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ مِن قَرْيَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ. ﴿إنَّهُ هو العَزِيزُ﴾ الَّذِي لا يُذَلُّ مَن عَبَدَهُ (الحَكِيمُ) الَّذِي يَضَعُ الأشْياءَ مَواضِعَها. والضَّمِيرُ في (ذُرِّيَّتِهِ) عائِدٌ عَلى إبْراهِيمَ. (النُّبُوَّةَ) إسْحاقُ، ويَعْقُوبُ، وأنْبِياءُ بَنِي إسْرائِيلَ، وإسْماعِيلُ، ومُحَمَّدٌ خاتَمُهم، صَلّى اللَّهُ وسَلَّمَ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ. (والكِتابَ) اسْمُ جِنْسٍ يَدْخُلُ فِيهِ التَّوْراةُ، والزَّبُورُ، والإنْجِيلُ، والفُرْقانُ. ﴿وآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا﴾ أيْ: في حَياتِهِ، قالَ مُجاهِدٌ: نَجاتُهُ مِنَ النّارِ، ومِنَ المَلِكِ الجَبّارِ، والعَمَلُ الصّالِحُ: والثَّناءُ الحَسَنُ، بِحَيْثُ يَتَوَلّاهُ كُلُّ أُمَّةٍ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: والوَلَدُ الَّذِي قَرَّتْ بِهِ عَيْنُهُ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ السُّدِّيُّ: إنَّهُ رَأى مَكانَهُ مِنَ الجَنَّةِ. وقالَ ابْنُ أبِي بُرْدَةَ: ما وُفِّقَ لَهُ مِن عَمَلِ الآخِرَةِ. وقالَ الماوَرْدِيُّ: بَقاءُ ضِيافَتِهِ عِنْدَ قَبْرِهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِنَبِيٍّ غَيْرِهِ. وقِيلَ: النُّبُوَّةُ والحِكْمَةُ. وقِيلَ: الصَّلاةُ عَلَيْهِ إلى آخِرِ الدَّهْرِ. وانْتَصَبَ لُوطًا بِإضْمارِ اذْكُرْ، أوْ بِالعَطْفِ عَلى إبْراهِيمَ، أوْ بِالعَطْفِ عَلى ما عُطِفَ عَلَيْهِ إبْراهِيمُ. والجُمْهُورُ: عَلى الِاسْتِفْهامِ في أئِنَّكم مَعًا. وقُرِئَ: أنَّكم عَلى الخَبَرِ، والثّانِي عَلى الِاسْتِفْهامِ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: وجَدْتُهُ في الإمامِ بِحَرْفٍ واحِدٍ بِغَيْرِ ياءٍ، ورَأيْتُ الثّانِيَ بِحَرْفَيْنِ، الياءِ والنُّونِ. ولَمْ يَأْتِ في قِصَّةِ لُوطٍ أنَّهُ دَعا قَوْمَهُ إلى عِبادَةِ اللَّهِ، كَما جاءَ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ وقِصَّةِ شُعَيْبٍ؛ لِأنَّ لُوطًا كانَ مِن قَوْمِ إبْراهِيمَ وفي زَمانِهِ، وسَبَقَهُ إبْراهِيمُ إلى الدُّعاءِ لِعِبادَةِ اللَّهِ وتَوْحِيدِهِ، واشْتُهِرَ أمْرُهُ بِذَلِكَ عِنْدَ الخَلْقِ، فَذَكَرَ لُوطٌ ما اخْتُصَّ بِهِ مِنَ المَنعِ مِنَ الفَحْشاءِ وغَيْرِها. وأمّا إبْراهِيمُ وشُعَيْبٌ فَجاءا بَعْدَ انْقِراضِ مَن كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ، فَلِذَلِكَ دَعَوا إلى عِبادَةِ اللَّهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ما سَبَقَكم بِها﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِفاحِشَةِ تِلْكَ الفَعْلَةِ، كَأنَّ قائِلًا قالَ: لِمَ كانَتْ فاحِشَةً ؟ فَقِيلَ: لِأنَّ أحَدًا قَبْلَهم لَمْ يُقْدِمْ عَلَيْها اشْمِئْزازًا مِنها في طِباعِهِمْ لِإفْراطِ قُبْحِها، حَتّى قَدَمَ عَلَيْها قَوْمُ لُوطٍ لِخُبْثِ طِينَتِهِمْ، قالُوا: لَمْ يَنْزُ ذَكَرٌ عَلى ذَكَرٍ قَبْلَ قَوْمِ لُوطٍ. انْتَهى. ويَظْهَرُ أنَّ ﴿ما سَبَقَكم بِها﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، كَأنَّهُ قالَ: أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ مُبْتَدِعِينَ لَها غَيْرَ مَسْبُوقِينَ بِها ؟ واسْتَفْهَمَ أوَّلًا وثانِيًا اسْتِفْهامَ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، وبَيَّنَ ما تِلْكَ الفاحِشَةُ المُبْهَمَةُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ وإنْ كانَتْ مُعَيَّنَةً أنَّها إتْيانُ الذُّكُورِ (p-١٥٠)فِي الأدْبارِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما سَبَقَكم بِها﴾ فَقالَ: ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ﴾ يَعْنِي في الأدْبارِ ﴿وتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ الوَلَدَ، بِتَعْطِيلِ الفَرْجِ ووَطْءِ أدْبارِ الرِّجالِ، أوْ بِإمْساكِ الغُرَباءِ لِذَلِكَ الفِعْلِ حَتّى انْقَطَعَتِ الطُّرُقُ، أوْ بِالقَتْلِ وأخْذِ المالِ، أوْ بِقُبْحِ الأُحْدُوثَةِ حَتّى تَنْقَطِعَ سُبُلُ النّاسِ في التِّجاراتِ. ﴿وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ﴾ أيْ: في مَجْلِسِكُمُ الَّذِي تَجْتَمِعُونَ فِيهِ، وهو اسْمُ جِنْسٍ، إذْ أنْدِيَتُهم في مَدائِنِهِمْ كَثِيرَةٌ، ولا يُسَمّى نادِيًا إلّا ما دامَ فِيهِ أهْلُهُ، فَإذا قامُوا عَنْهُ، لَمْ يُطْلَقْ عَلَيْهِ نادٍ إلّا مَجازًا. والمُنْكَرُ ما تُنْكِرُهُ العُقُولُ والشَّرائِعُ والمُرُوءاتُ: حَذْفُ النّاسِ بِالحَصْباءِ، والِاسْتِخْفافُ بِالغَرِيبِ الخاطِرِ، «ورَوَتْ أُمُّ هانِئٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أوْ إتْيانُ الرِّجالِ في مَجالِسِهِمْ يَرى بَعْضُهم بَعْضًا»، قالَهُ مَنصُورٌ ومُجاهِدٌ والقاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وقَتادَةُ بْنُ زَيْدٍ؛ أوْ تَضارُطُهم؛ أوْ تَصافُعُهم فِيها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ أوْ لَعِبُ الحَمامِ؛ أوْ تَطْرِيفُ الأصابِعِ بِالحِنّاءِ، والصَّفِيرُ، والحَذْفُ، ونَبْذُ الحَياءِ في جَمِيعِ أُمُورِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ أيْضًا، أوِ الحَذْفُ بِالحَصى، والرَّمْيُ بِالبَنادِقِ، والفَرْقَعَةُ، ومَضْغُ العَلَكِ، والسِّواكُ بَيْنَ النّاسِ، وحَلُّ الأزْرارِ، والسِّبابَةُ، والفُحْشُ في المِزاحِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا مَعَ شِرْكِهِمْ بِاللَّهِ. كانَتْ فِيهِمْ ذُنُوبٌ غَيْرُ الفاحِشَةِ: تَظالُمٌ فِيما بَيْنَهم، وبَشاعَةٌ، ومَضارِيطُ في مَجالِسِهِمْ، وحَذْفٌ، ولَعِبٌ بِالنَّرْدِ والشِّطْرَنْجِ، ولُبْسُ المُصَبَّغاتِ، ولِباسُ النِّساءِ لِلرِّجالِ، والمُكُوسُ عَلى كُلِّ عابِرٍ؛ وهم أوَّلُ مَن لاطَ ومَن ساحَقَ. ولَمّا وقَّفَهم لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى هَذِهِ القَبائِحِ، أصَرُّوا عَلى اللِّجاجِ في التَّكْذِيبِ، فَكانَ جَوابُهم لَهُ: ﴿أنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ فِيما تَعِدُنا بِهِ مِن نُزُولِ العَذابِ، قالُوا ذَلِكَ وهم مُصَمِّمُونَ عَلى اعْتِقادِ كَذِبِهِ فِيما وعَدَهم بِهِ. وفي آيَةٍ أُخْرى: ﴿إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾ [النمل: ٥٦] الجَمْعُ بَيْنَهُما أنَّهم أوَّلًا قالُوا: ﴿ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ﴾ ثُمَّ أنَّهُ كَثُرَ مِنهُ الإنْكارُ، وتَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنهُ نَهْيًا ووَعْظًا ووَعِيدًا ﴿قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾ [النمل: ٥٦] . ولَمّا كانَ إنَّما يَأْمُرُهم بِتَرْكِ الفَواحِشِ وما كانُوا يَصْنَعُونَهُ مِن قَبِيحِ المَعاصِي، ويَعِدُ عَلى ذَلِكَ بِالعَذابِ، وكانُوا يَقُولُونَ إنَّ اللَّهَ لَمْ يُحَرِّمْ هَذا ولا يُعَذِّبُ عَلَيْهِ، وهو يَقُولُ إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُ ويُعَذِّبُ عَلَيْهِ ﴿قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ﴾ فَكانُوا ألْطَفَ في الجَوابِ مِن قَوْمِ إبْراهِيمَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ﴾ لِأنَّهُ كانَ لا يَذُمُّ آلِهَتَهم، وعَهِدَ إلى أصْنامِهِمْ فَكَسَرَها، فَكانَ فِعْلُهُ هَذا مَعَهم أعْظَمَ مِن قَوْلِ لُوطٍ لِقَوْمِهِ، فَكانَ جَوابُهم لَهُ: ﴿أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ﴾ . ثُمَّ اسْتَنْصَرَ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَبُعِثَ مَلائِكَةٌ لِعَذابِهِمْ، ورَجْمِهِمْ بِالحاصِبِ، وإفْسادِهِمْ بِحَمْلِ النّاسِ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ المَعاصِي طَوْعًا وكَرْهًا، وخُصُوصًا تِلْكَ المَعْصِيَةَ المُبْتَدَعَةَ. (بِالبُشْرى) هي بِشارَتُهُ بِوَلَدِهِ إسْحاقَ، وبِنافِلَتِهِ يَعْقُوبَ، وبِنَصْرِ لُوطٍ عَلى قَوْمِهِ وإهْلاكِهِمْ، و(القَرْيَةَ) سَدُومُ، وفِيها قِيلَ: أجْوَرُ مِن قاضِي سَدُومَ. (كانُوا ظالِمِينَ) أيْ: قَدْ سَبَقَ مِنهُمُ الظُّلْمُ. واسْتَمَرَّ عَلى الأيّامِ السّالِفَةِ وهم مُصِرُّونَ، وظُلْمُهم: كُفْرُهم وأنْواعُ مَعاصِيهِمْ. ولَمّا ذَكَرُوا لِإبْراهِيمَ: ﴿إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ أشْفَقَ عَلى لُوطٍ فَقالَ: ﴿إنَّ فِيها لُوطًا﴾ . ولَمّا عَلَّلُوا الإهْلاكَ بِالظُّلْمِ، قالَ لَهم: فِيها مَن هو بَرِيءٌ مِنَ الظُّلْمِ ﴿قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها﴾ أيْ: مِنكَ، وأُخْبِرَ بِحالِهِ. ثُمَّ أخْبَرُوهُ بِإنْجائِهِمْ إيّاهُ ﴿وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ﴾ . وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ﴾ مُضارِعَ أنْجى؛ وباقِي السَّبْعَةِ: مُضارِعَ نَجّى؛ والجُمْهُورُ: بِشَدِّ النُّونِ؛ وفِرْقَةٌ: بِتَخْفِيفِها. ﴿ولَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، إلّا أنَّ هُنا زِيدَتْ ”أنْ“ بَعْدَ ”لَمّا“، وهو قِياسٌ مُطَّرِدٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنْ صِلَةٌ أكَّدَتْ وُجُودَ الفِعْلَيْنِ مُتَرَتِّبًا أحَدُهُما عَلى الآخَرِ في وقْتَيْنِ مُتَجاوِرَيْنِ لا فاصِلَ بَيْنَهُما، كَأنَّهُما وُجِدا في جُزْءٍ واحِدٍ مِنَ الزَّمانِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَمّا أحَسَّ بِمَجِيئِهِمْ، فاجَأتِ المَساءَةُ مِن غَيْرِ وقْتٍ خِيفَةً عَلَيْهِمْ مِن قَوْمِهِ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ في التَّرْتِيبِ هو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، إذْ مَذْهَبُهُ. أنَّ لَمّا: حَرْفٌ لا ظَرْفٌ، خِلافًا لِلْفارِسِيِّ، وهَذا مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. وقَرَأ العَرَبِيّانِ، ونافِعٌ، وحَفْصٌ: ﴿مُنَجُّوكَ﴾ مُشَدَّدًا؛ وباقِي (p-١٥١)السَّبْعَةِ: مُخَفَّفًا، والكافُ في مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ في مَوْضِعِ جَرٍّ. (وأهْلَكَ) مَنصُوبٌ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: ونُنَجِّي أهْلَكَ. ومَن راعى هَذا المَوْضِعَ، عَطَفَهُ عَلى مَوْضِعِ الكافِ، والكافُ عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ وهِشامٍ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، و”أهْلَكَ“ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ هَذِهِ النُّونَ كالتَّنْوِينِ، وهُما عَلى مَذْهَبِهِما يُحْذَفانِ لِلَطافَةِ الضَّمِيرِ وشِدَّةِ طَلَبِهِ الِاتِّصالَ بِما قَبْلَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (سِيءَ)، بِكَسْرِ السِّينِ، وضَمَّها نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ. وقَرَأ عِيسى، وطَلْحَةُ: ”سُوءَ“، بِضَمِّها، وهي لُغَةُ بَنِي هُذَيْلٍ. وبَنِي وُبَيْرٍ يَقُولُونَ في قِيلَ وبِيعَ ونَحْوِهِما: قُولَ وبُوعَ. وقُرِئَ: ”مُنْزِلُونَ“، مُخَفَّفًا ومُشَدَّدًا؛ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ”رُجْزًا“، بِضَمِّ الرّاءِ؛ وأبُو حَيْوَةَ والأعْمَشُ: بِكَسْرِ سِينِ (يَفْسُقُونَ) . والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في مِنها عائِدٌ عَلى القَرْيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَنازِلُهُمُ الخَرِبَةُ. وحَكى أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ أنَّ الآيَةَ في قَرْيَتِهِمْ، إلّا أنَّ أساسَها أعْلاها، وسُقُوفَها أسْفَلُها إلى الآنَ. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى تَرَكْناها آيَةً، يَقُولُ: إنَّ في السَّماءِ لَآيَةً، يُرِيدُ أنَّها آيَةٌ. انْتَهى، وهَذا لا يَتَّجِهُ إلّا عَلى زِيادَةِ مِن في الواجِبِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: أمْهَرْتُ مِنها جُبَّةً وتَيْسًا، يُرِيدُ: أمْهَرْتُها؛ وكَذَلِكَ: ولَقَدْ تَرَكْناها آيَةً، وقِيلَ: الهاءُ في ”مِنها“ عائِدَةٌ عَلى الفِعْلَةِ الَّتِي فُعِلَتْ بِهِمْ، فَقِيلَ: الآيَةُ: الحِجارَةُ الَّتِي أدْرَكَتْها أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ وقِيلَ: الماءُ الأسْوَدُ عَلى وجْهِ الأرْضِ، قالَهُ مُجاهِدٌ؛ وقِيلَ: أنْجَزَ ما صَنَعَ بِهِمْ. و(لِقَوْمٍ) مُتَعَلِّقٌ بِـ: (تَرَكْنا)، أوْ (بَيِّنَةً) .

العنكبوت 29:33

﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وقالَ إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا ومَأْواكُمُ النّارُ ومالَكم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وقالَ إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي إنَّهُ هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ والكِتابَ وآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلى القَوْمِ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿ولَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وقالُوا لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ إلّا امْرَأتَكَ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿إنّا مُنْزِلُونَ عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ تَرَكْنا مِنها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ . (p-١٤٨)لَمّا أمَرَهم بِعِبادَةِ اللَّهِ، وبَيَّنَ سَفَهَهم في عِبادَةِ الأوْثانِ، وظَهَرَتْ حُجَّتُهُ عَلَيْهِمْ، رَجَعُوا إلى الغَلَبَةِ، فَجَعَلُوا القائِمَ مَقامَ جَوابِهِ فِيما أمَرَهم بِهِ قَوْلَهم: ﴿اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ﴾ . والآمِرُونَ بِذَلِكَ، إمّا بَعْضُهم لِبَعْضٍ، أوْ كُبَراؤُهم قالُوا لِأتْباعِهِمُ: اقْتُلُوهُ، فَتَسْتَرِيحُوا مِنهُ عاجِلًا، أوْ حَرِّقُوهُ بِالنّارِ؛ فَإمّا أنْ يَرْجِعَ إلى دِينِكم، إذا أمْضَتْهُ النّارُ؛ وإمّا أنْ يَمُوتَ بِها، إنْ أصَرَّ عَلى قَوْلِهِ ودِينِهِ. وفي الكَلامِ حَذْفٌ، أيْ: حَرِّقُوهُ في النّارِ ﴿فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ﴾ . وتَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُ في تَحْرِيقِهِ في سُورَةِ ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١] . وجَمَعَ هُنا فَقالَ الآياتِ؛ لِأنَّ الإنْجاءَ مِنَ النّارِ، وجَعْلَها بَرْدًا وسَلامًا، وأنَّها في الحَبْلِ الَّذِي كانُوا أوْثَقُوهُ بِهِ دُونَ الجِسْمِ، وإنْ صَحَّ ما نُقِلَ مِن أنَّ مَكانَها، حالَةَ الرَّمْيِ، صارَ بُسْتانًا يانِعًا، هو مَجْمُوعُ آياتٍ، فَناسَبَ الجَمْعَ، بِخِلافِ الإنْجاءِ مِنَ السَّفِينَةِ، فَإنَّهُ آيَةٌ واحِدَةٌ، وتَقَدَّمُ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ مِنَ النّارِ بَعْدَ إلْقائِهِ؛ فِيما قالَ كَعْبٌ: لَمْ يَحْتَرِقْ بِالنّارِ إلّا الحَبْلُ الَّذِي أوْثَقُوهُ بِهِ. وجاءَ هُنا التَّرْدِيدُ بَيْنَ قَتْلِهِ وإحْراقِهِ، فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مِن قائِلِينَ: ناسٌ أشارُوا بِالقَتْلِ، وناسٌ أشارُوا بِالإحْراقِ. وفي (اقْتَرَبَ) قالُوا: (حَرِّقُوهُ) اقْتَصَرُوا عَلى أحَدِ الشَّيْئَيْنِ، وهو الَّذِي فَعَلُوهُ، رَمَوْهُ في النّارِ ولَمْ يَقْتُلُوهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (جَوابَ) بِالنَّصْبِ؛ والحَسَنُ، وسالِمٌ الأفْطَسُ: بِالرَّفْعِ، اسْمًا لِـ: كانَ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ الأصْمَعِيِّ، والأعْمَشُ عَنْ أبِي بَكْرٍ: ”مَوَدَّةٌ“ بِالرَّفْعِ، و”بَيْنَكم“ بِالنَّصْبِ. فالرَّفْعُ عَلى خَبَرِ إنَّ، و”ما“ مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي، أيْ: إنَّ الأوْثانَ الَّتِي اتَّخَذْتُمُوها مَوْدُودًا، أوْ سَبَبَ مَوَدَّةٍ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: إنَّ اتِّخاذَكم أوْثانًا مَوَدَّةً، أوْ عَلى خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هي مَوَدَّةُ بَيْنِكم، وما إذْ ذاكَ مُهَيِّئَةٌ. ورُوِيَ عَنْ عاصِمٍ: ”مَوَدَّةُ“، بِالرَّفْعِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ؛ و”بَيْنَكم“ بِالفَتْحِ، أيْ: بِفَتْحِ النُّونِ، جَعَلَهُ مَبْنِيًّا لِإضافَتِهِ إلى مَبْنِيٍّ، وهو مَوْضِعُ خَفْضٍ بِالإضافَةِ، ولِذَلِكَ سَقَطَ التَّنْوِينُ مِن ”مَوَدَّةُ“ . وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وابْنُ كَثِيرٍ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ خَفَضَ نُونَ (بَيْنِكم) . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ بِنَصْبِ ”مَوَدَّةً“ مُنَوَّنًا ونَصْبِ ”بَيْنَكم“؛ وحَمْزَةُ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ أضافَ ”مَوَدَّةً“ إلى ”بَيْنَكم“ وخَفَضَ، كَما في قِراءَةِ مَن نَصَبَ ”مَوَدَّةً“ مُهَيِّئَةً. و”اتَّخَذَ“ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِمّا تَعَدَّتْ إلى اثْنَيْنِ، والثّانِي هو (مَوَدَّةَ)، أيِ: اتَّخَذْتُمُ الأوْثانَ بِسَبَبِ المَوَدَّةِ بَيْنَكم، عَلى حَذْفِ المُضافِ، أوِ اتَّخَذْتُمُوها مَوَدَّةَ بَيْنِكم، كَقَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] أوْ مِمّا تَعَدَّتْ إلى واحِدٍ، وانْتَصَبَ ”مَوَدَّةَ“ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: لِيَتَوادُّوا ويَتَواصَلُوا ويَجْتَمِعُوا عَلى عِبادَتِها، كَما يَجْتَمِعُ ناسٌ عَلى مَذْهَبٍ، فَيَقَعُ التَّحابُّ بَيْنَهم. وذَكَرُوا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قِراءَةً شاذَّةً تُخالِفُ سَوادَ المُصْحَفِ، مَعَ أنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ ما في سَوادِ المُصْحَفِ بِالنَّقْلِ الصَّحِيحِ المُسْتَفِيضِ، فَلِذَلِكَ لَمْ أذْكُرْ تِلْكَ القِراءَةَ. ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ يَقَعُ بَيْنَكُمُ التَّلاعُنُ، أيْ: فَيُلاعِنُ العَبَدَةُ والمَعْبُوداتُ الأصْنامَ، كَقَوْلِهِ: و﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢] . و(بَيْنَكم) و(في الحَياةِ) يَجُوزُ تَعْلِيقُهُما بِلَفْظِ ”مَوَدَّةَ“ وعَمِلَ في ظَرْفَيْنِ لِاخْتِلافِهِما، إذْ هُما ظَرْفا مَكانٍ وزَمانٍ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقا بِمَحْذُوفَيْنِ، فَيَكُونانِ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، أيْ: كائِنَةً بَيْنَكم في الحَياةِ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ (p-١٤٩)المُسْتَكِنِّ في (بَيْنِكم) . وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَتَعَلَّقَ (في الحَياةِ) . بِـ: ”اتَّخَذْتُمْ“ عَلى جَعْلِ ما كافَّةً، ونَصْبِ (مَوَدَّةَ)، لا عَلى جَعْلِ ما مَوْصُولَةً بِمَعْنى الَّذِي، أوْ مَصْدَرِيَّةً ورَفْعِ ”مَوَدَّةَ“، لِئَلّا يُؤَدِّيَ إلى الفَصْلِ بَيْنَ المَوْصُولِ وما في الصِّلَةِ بِالخَبَرِ. وأجازَ قَوْمٌ مِنهُمُ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَتَعَلَّقَ (في الحَياةِ) بِـ: (مَوَدَّةَ)، وأنْ يَكُونَ (بَيْنِكم) صِفَةً لِـ: (مَوَدَّةَ)، وهو لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ المَصْدَرَ إذا وُصِفَ قَبْلَ أخْذِ مُتَعَلِّقاتِهِ لا يَعْمَلُ، وشُبْهَتُهم في هَذا أنَّهُ يَتَّسِعُ في الظَّرْفِ، بِخِلافِ المَفْعُولِ بِهِ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَتَعَلَّقَ بِنَفْسِ (بَيْنِكم)، قالَ: لِأنَّ مَعْناهُ: اجْتِماعُكم أوْ وصْلُكم. وأجازَ أيْضًا أنْ يَجْعَلَهُ حالًا مِن (بَيْنِكم)، قالَ: لِتَعَرُّفِهِ بِالإضافَةِ. انْتَهى، وهُما إعْرابانِ لا يَتَعَقَّلانِ. ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ لَمْ يُؤْمِن بِإبْراهِيمَ أحَدٌ مِن قَوْمِهِ إلّا لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، حِينَ رَأى النّارَ لَمْ تُحْرِقْهُ، وكانَ ابْنُ أخِي سارَّةَ، أوْ كانَتْ بِنْتَ عَمِّهِ. والضَّمِيرُ في (وقالَ) عائِدٌ عَلى إبْراهِيمَ، وهو الظّاهِرُ، لِيَتَناسَقَ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ﴾ وهو قَوْلُ قَتادَةَ والنَّخَعِيِّ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: يَعُودُ عَلى لُوطٍ، وهاجَرَ، وإبْراهِيمَ، عَلَيْهِمُ السَّلامُ، مِن قَرْيَتِهِما كُوثى، وهي في سَوادِ العِراقِ، مِن أرْضِ بابِلَ، إلى فِلَسْطِينَ مِن أرْضِ الشّامِ. وكانَ إبْراهِيمُ ابْنَ خَمْسٍ وسَبْعِينَ سَنَةً، وهو أوَّلُ مَن هاجَرَ في اللَّهِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هاجَرَ إلى حَرّانَ، ثُمَّ إلى الشّامِ، وفي هِجْرَتِهِ هَذِهِ كانَتْ مَعَهُ سارَّةُ. والمُهاجِرُ: الفارِغُ عَنِ الشَّيْءِ، وهو في عُرْفِ الشَّرِيعَةِ: مَن تَرَكَ وطَنَهُ رَغْبَةً في رِضا اللَّهِ. وعُرِفَ بِهَذا الِاسْمِ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، المُهاجِرُونَ، قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ. (إلى رَبِّي) أيْ: إلى الجِهَةِ الَّتِي أمَرَنِي رَبِّي بِالهِجْرَةِ إلَيْها. وقِيلَ: إلى حَيْثُ لا أُمْنَعُ عِبادَةَ رَبِّي. وقِيلَ: مُهاجِرًا مَن خالَفَنِي مِن قَوْمِي، مُتَقَرِّبًا إلى رَبِّي. ونَزَلَ إبْراهِيمُ قَرْيَةً مِن أرْضِ فِلَسْطِينَ، وتَرَكَ لُوطًا في سَدُومَ، وهي المُؤْتَفِكَةُ، عَلى مَسِيرَةِ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ مِن قَرْيَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ. ﴿إنَّهُ هو العَزِيزُ﴾ الَّذِي لا يُذَلُّ مَن عَبَدَهُ (الحَكِيمُ) الَّذِي يَضَعُ الأشْياءَ مَواضِعَها. والضَّمِيرُ في (ذُرِّيَّتِهِ) عائِدٌ عَلى إبْراهِيمَ. (النُّبُوَّةَ) إسْحاقُ، ويَعْقُوبُ، وأنْبِياءُ بَنِي إسْرائِيلَ، وإسْماعِيلُ، ومُحَمَّدٌ خاتَمُهم، صَلّى اللَّهُ وسَلَّمَ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ. (والكِتابَ) اسْمُ جِنْسٍ يَدْخُلُ فِيهِ التَّوْراةُ، والزَّبُورُ، والإنْجِيلُ، والفُرْقانُ. ﴿وآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا﴾ أيْ: في حَياتِهِ، قالَ مُجاهِدٌ: نَجاتُهُ مِنَ النّارِ، ومِنَ المَلِكِ الجَبّارِ، والعَمَلُ الصّالِحُ: والثَّناءُ الحَسَنُ، بِحَيْثُ يَتَوَلّاهُ كُلُّ أُمَّةٍ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: والوَلَدُ الَّذِي قَرَّتْ بِهِ عَيْنُهُ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ السُّدِّيُّ: إنَّهُ رَأى مَكانَهُ مِنَ الجَنَّةِ. وقالَ ابْنُ أبِي بُرْدَةَ: ما وُفِّقَ لَهُ مِن عَمَلِ الآخِرَةِ. وقالَ الماوَرْدِيُّ: بَقاءُ ضِيافَتِهِ عِنْدَ قَبْرِهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِنَبِيٍّ غَيْرِهِ. وقِيلَ: النُّبُوَّةُ والحِكْمَةُ. وقِيلَ: الصَّلاةُ عَلَيْهِ إلى آخِرِ الدَّهْرِ. وانْتَصَبَ لُوطًا بِإضْمارِ اذْكُرْ، أوْ بِالعَطْفِ عَلى إبْراهِيمَ، أوْ بِالعَطْفِ عَلى ما عُطِفَ عَلَيْهِ إبْراهِيمُ. والجُمْهُورُ: عَلى الِاسْتِفْهامِ في أئِنَّكم مَعًا. وقُرِئَ: أنَّكم عَلى الخَبَرِ، والثّانِي عَلى الِاسْتِفْهامِ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: وجَدْتُهُ في الإمامِ بِحَرْفٍ واحِدٍ بِغَيْرِ ياءٍ، ورَأيْتُ الثّانِيَ بِحَرْفَيْنِ، الياءِ والنُّونِ. ولَمْ يَأْتِ في قِصَّةِ لُوطٍ أنَّهُ دَعا قَوْمَهُ إلى عِبادَةِ اللَّهِ، كَما جاءَ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ وقِصَّةِ شُعَيْبٍ؛ لِأنَّ لُوطًا كانَ مِن قَوْمِ إبْراهِيمَ وفي زَمانِهِ، وسَبَقَهُ إبْراهِيمُ إلى الدُّعاءِ لِعِبادَةِ اللَّهِ وتَوْحِيدِهِ، واشْتُهِرَ أمْرُهُ بِذَلِكَ عِنْدَ الخَلْقِ، فَذَكَرَ لُوطٌ ما اخْتُصَّ بِهِ مِنَ المَنعِ مِنَ الفَحْشاءِ وغَيْرِها. وأمّا إبْراهِيمُ وشُعَيْبٌ فَجاءا بَعْدَ انْقِراضِ مَن كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ، فَلِذَلِكَ دَعَوا إلى عِبادَةِ اللَّهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ما سَبَقَكم بِها﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِفاحِشَةِ تِلْكَ الفَعْلَةِ، كَأنَّ قائِلًا قالَ: لِمَ كانَتْ فاحِشَةً ؟ فَقِيلَ: لِأنَّ أحَدًا قَبْلَهم لَمْ يُقْدِمْ عَلَيْها اشْمِئْزازًا مِنها في طِباعِهِمْ لِإفْراطِ قُبْحِها، حَتّى قَدَمَ عَلَيْها قَوْمُ لُوطٍ لِخُبْثِ طِينَتِهِمْ، قالُوا: لَمْ يَنْزُ ذَكَرٌ عَلى ذَكَرٍ قَبْلَ قَوْمِ لُوطٍ. انْتَهى. ويَظْهَرُ أنَّ ﴿ما سَبَقَكم بِها﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، كَأنَّهُ قالَ: أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ مُبْتَدِعِينَ لَها غَيْرَ مَسْبُوقِينَ بِها ؟ واسْتَفْهَمَ أوَّلًا وثانِيًا اسْتِفْهامَ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، وبَيَّنَ ما تِلْكَ الفاحِشَةُ المُبْهَمَةُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ وإنْ كانَتْ مُعَيَّنَةً أنَّها إتْيانُ الذُّكُورِ (p-١٥٠)فِي الأدْبارِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما سَبَقَكم بِها﴾ فَقالَ: ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ﴾ يَعْنِي في الأدْبارِ ﴿وتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ الوَلَدَ، بِتَعْطِيلِ الفَرْجِ ووَطْءِ أدْبارِ الرِّجالِ، أوْ بِإمْساكِ الغُرَباءِ لِذَلِكَ الفِعْلِ حَتّى انْقَطَعَتِ الطُّرُقُ، أوْ بِالقَتْلِ وأخْذِ المالِ، أوْ بِقُبْحِ الأُحْدُوثَةِ حَتّى تَنْقَطِعَ سُبُلُ النّاسِ في التِّجاراتِ. ﴿وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ﴾ أيْ: في مَجْلِسِكُمُ الَّذِي تَجْتَمِعُونَ فِيهِ، وهو اسْمُ جِنْسٍ، إذْ أنْدِيَتُهم في مَدائِنِهِمْ كَثِيرَةٌ، ولا يُسَمّى نادِيًا إلّا ما دامَ فِيهِ أهْلُهُ، فَإذا قامُوا عَنْهُ، لَمْ يُطْلَقْ عَلَيْهِ نادٍ إلّا مَجازًا. والمُنْكَرُ ما تُنْكِرُهُ العُقُولُ والشَّرائِعُ والمُرُوءاتُ: حَذْفُ النّاسِ بِالحَصْباءِ، والِاسْتِخْفافُ بِالغَرِيبِ الخاطِرِ، «ورَوَتْ أُمُّ هانِئٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أوْ إتْيانُ الرِّجالِ في مَجالِسِهِمْ يَرى بَعْضُهم بَعْضًا»، قالَهُ مَنصُورٌ ومُجاهِدٌ والقاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وقَتادَةُ بْنُ زَيْدٍ؛ أوْ تَضارُطُهم؛ أوْ تَصافُعُهم فِيها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ أوْ لَعِبُ الحَمامِ؛ أوْ تَطْرِيفُ الأصابِعِ بِالحِنّاءِ، والصَّفِيرُ، والحَذْفُ، ونَبْذُ الحَياءِ في جَمِيعِ أُمُورِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ أيْضًا، أوِ الحَذْفُ بِالحَصى، والرَّمْيُ بِالبَنادِقِ، والفَرْقَعَةُ، ومَضْغُ العَلَكِ، والسِّواكُ بَيْنَ النّاسِ، وحَلُّ الأزْرارِ، والسِّبابَةُ، والفُحْشُ في المِزاحِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا مَعَ شِرْكِهِمْ بِاللَّهِ. كانَتْ فِيهِمْ ذُنُوبٌ غَيْرُ الفاحِشَةِ: تَظالُمٌ فِيما بَيْنَهم، وبَشاعَةٌ، ومَضارِيطُ في مَجالِسِهِمْ، وحَذْفٌ، ولَعِبٌ بِالنَّرْدِ والشِّطْرَنْجِ، ولُبْسُ المُصَبَّغاتِ، ولِباسُ النِّساءِ لِلرِّجالِ، والمُكُوسُ عَلى كُلِّ عابِرٍ؛ وهم أوَّلُ مَن لاطَ ومَن ساحَقَ. ولَمّا وقَّفَهم لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى هَذِهِ القَبائِحِ، أصَرُّوا عَلى اللِّجاجِ في التَّكْذِيبِ، فَكانَ جَوابُهم لَهُ: ﴿أنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ فِيما تَعِدُنا بِهِ مِن نُزُولِ العَذابِ، قالُوا ذَلِكَ وهم مُصَمِّمُونَ عَلى اعْتِقادِ كَذِبِهِ فِيما وعَدَهم بِهِ. وفي آيَةٍ أُخْرى: ﴿إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾ [النمل: ٥٦] الجَمْعُ بَيْنَهُما أنَّهم أوَّلًا قالُوا: ﴿ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ﴾ ثُمَّ أنَّهُ كَثُرَ مِنهُ الإنْكارُ، وتَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنهُ نَهْيًا ووَعْظًا ووَعِيدًا ﴿قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾ [النمل: ٥٦] . ولَمّا كانَ إنَّما يَأْمُرُهم بِتَرْكِ الفَواحِشِ وما كانُوا يَصْنَعُونَهُ مِن قَبِيحِ المَعاصِي، ويَعِدُ عَلى ذَلِكَ بِالعَذابِ، وكانُوا يَقُولُونَ إنَّ اللَّهَ لَمْ يُحَرِّمْ هَذا ولا يُعَذِّبُ عَلَيْهِ، وهو يَقُولُ إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُ ويُعَذِّبُ عَلَيْهِ ﴿قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ﴾ فَكانُوا ألْطَفَ في الجَوابِ مِن قَوْمِ إبْراهِيمَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ﴾ لِأنَّهُ كانَ لا يَذُمُّ آلِهَتَهم، وعَهِدَ إلى أصْنامِهِمْ فَكَسَرَها، فَكانَ فِعْلُهُ هَذا مَعَهم أعْظَمَ مِن قَوْلِ لُوطٍ لِقَوْمِهِ، فَكانَ جَوابُهم لَهُ: ﴿أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ﴾ . ثُمَّ اسْتَنْصَرَ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَبُعِثَ مَلائِكَةٌ لِعَذابِهِمْ، ورَجْمِهِمْ بِالحاصِبِ، وإفْسادِهِمْ بِحَمْلِ النّاسِ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ المَعاصِي طَوْعًا وكَرْهًا، وخُصُوصًا تِلْكَ المَعْصِيَةَ المُبْتَدَعَةَ. (بِالبُشْرى) هي بِشارَتُهُ بِوَلَدِهِ إسْحاقَ، وبِنافِلَتِهِ يَعْقُوبَ، وبِنَصْرِ لُوطٍ عَلى قَوْمِهِ وإهْلاكِهِمْ، و(القَرْيَةَ) سَدُومُ، وفِيها قِيلَ: أجْوَرُ مِن قاضِي سَدُومَ. (كانُوا ظالِمِينَ) أيْ: قَدْ سَبَقَ مِنهُمُ الظُّلْمُ. واسْتَمَرَّ عَلى الأيّامِ السّالِفَةِ وهم مُصِرُّونَ، وظُلْمُهم: كُفْرُهم وأنْواعُ مَعاصِيهِمْ. ولَمّا ذَكَرُوا لِإبْراهِيمَ: ﴿إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ أشْفَقَ عَلى لُوطٍ فَقالَ: ﴿إنَّ فِيها لُوطًا﴾ . ولَمّا عَلَّلُوا الإهْلاكَ بِالظُّلْمِ، قالَ لَهم: فِيها مَن هو بَرِيءٌ مِنَ الظُّلْمِ ﴿قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها﴾ أيْ: مِنكَ، وأُخْبِرَ بِحالِهِ. ثُمَّ أخْبَرُوهُ بِإنْجائِهِمْ إيّاهُ ﴿وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ﴾ . وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ﴾ مُضارِعَ أنْجى؛ وباقِي السَّبْعَةِ: مُضارِعَ نَجّى؛ والجُمْهُورُ: بِشَدِّ النُّونِ؛ وفِرْقَةٌ: بِتَخْفِيفِها. ﴿ولَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، إلّا أنَّ هُنا زِيدَتْ ”أنْ“ بَعْدَ ”لَمّا“، وهو قِياسٌ مُطَّرِدٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنْ صِلَةٌ أكَّدَتْ وُجُودَ الفِعْلَيْنِ مُتَرَتِّبًا أحَدُهُما عَلى الآخَرِ في وقْتَيْنِ مُتَجاوِرَيْنِ لا فاصِلَ بَيْنَهُما، كَأنَّهُما وُجِدا في جُزْءٍ واحِدٍ مِنَ الزَّمانِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَمّا أحَسَّ بِمَجِيئِهِمْ، فاجَأتِ المَساءَةُ مِن غَيْرِ وقْتٍ خِيفَةً عَلَيْهِمْ مِن قَوْمِهِ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ في التَّرْتِيبِ هو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، إذْ مَذْهَبُهُ. أنَّ لَمّا: حَرْفٌ لا ظَرْفٌ، خِلافًا لِلْفارِسِيِّ، وهَذا مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. وقَرَأ العَرَبِيّانِ، ونافِعٌ، وحَفْصٌ: ﴿مُنَجُّوكَ﴾ مُشَدَّدًا؛ وباقِي (p-١٥١)السَّبْعَةِ: مُخَفَّفًا، والكافُ في مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ في مَوْضِعِ جَرٍّ. (وأهْلَكَ) مَنصُوبٌ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: ونُنَجِّي أهْلَكَ. ومَن راعى هَذا المَوْضِعَ، عَطَفَهُ عَلى مَوْضِعِ الكافِ، والكافُ عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ وهِشامٍ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، و”أهْلَكَ“ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ هَذِهِ النُّونَ كالتَّنْوِينِ، وهُما عَلى مَذْهَبِهِما يُحْذَفانِ لِلَطافَةِ الضَّمِيرِ وشِدَّةِ طَلَبِهِ الِاتِّصالَ بِما قَبْلَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (سِيءَ)، بِكَسْرِ السِّينِ، وضَمَّها نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ. وقَرَأ عِيسى، وطَلْحَةُ: ”سُوءَ“، بِضَمِّها، وهي لُغَةُ بَنِي هُذَيْلٍ. وبَنِي وُبَيْرٍ يَقُولُونَ في قِيلَ وبِيعَ ونَحْوِهِما: قُولَ وبُوعَ. وقُرِئَ: ”مُنْزِلُونَ“، مُخَفَّفًا ومُشَدَّدًا؛ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ”رُجْزًا“، بِضَمِّ الرّاءِ؛ وأبُو حَيْوَةَ والأعْمَشُ: بِكَسْرِ سِينِ (يَفْسُقُونَ) . والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في مِنها عائِدٌ عَلى القَرْيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَنازِلُهُمُ الخَرِبَةُ. وحَكى أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ أنَّ الآيَةَ في قَرْيَتِهِمْ، إلّا أنَّ أساسَها أعْلاها، وسُقُوفَها أسْفَلُها إلى الآنَ. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى تَرَكْناها آيَةً، يَقُولُ: إنَّ في السَّماءِ لَآيَةً، يُرِيدُ أنَّها آيَةٌ. انْتَهى، وهَذا لا يَتَّجِهُ إلّا عَلى زِيادَةِ مِن في الواجِبِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: أمْهَرْتُ مِنها جُبَّةً وتَيْسًا، يُرِيدُ: أمْهَرْتُها؛ وكَذَلِكَ: ولَقَدْ تَرَكْناها آيَةً، وقِيلَ: الهاءُ في ”مِنها“ عائِدَةٌ عَلى الفِعْلَةِ الَّتِي فُعِلَتْ بِهِمْ، فَقِيلَ: الآيَةُ: الحِجارَةُ الَّتِي أدْرَكَتْها أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ وقِيلَ: الماءُ الأسْوَدُ عَلى وجْهِ الأرْضِ، قالَهُ مُجاهِدٌ؛ وقِيلَ: أنْجَزَ ما صَنَعَ بِهِمْ. و(لِقَوْمٍ) مُتَعَلِّقٌ بِـ: (تَرَكْنا)، أوْ (بَيِّنَةً) .

العنكبوت 29:34

﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وقالَ إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا ومَأْواكُمُ النّارُ ومالَكم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وقالَ إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي إنَّهُ هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ والكِتابَ وآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلى القَوْمِ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿ولَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وقالُوا لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ إلّا امْرَأتَكَ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿إنّا مُنْزِلُونَ عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ تَرَكْنا مِنها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ . (p-١٤٨)لَمّا أمَرَهم بِعِبادَةِ اللَّهِ، وبَيَّنَ سَفَهَهم في عِبادَةِ الأوْثانِ، وظَهَرَتْ حُجَّتُهُ عَلَيْهِمْ، رَجَعُوا إلى الغَلَبَةِ، فَجَعَلُوا القائِمَ مَقامَ جَوابِهِ فِيما أمَرَهم بِهِ قَوْلَهم: ﴿اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ﴾ . والآمِرُونَ بِذَلِكَ، إمّا بَعْضُهم لِبَعْضٍ، أوْ كُبَراؤُهم قالُوا لِأتْباعِهِمُ: اقْتُلُوهُ، فَتَسْتَرِيحُوا مِنهُ عاجِلًا، أوْ حَرِّقُوهُ بِالنّارِ؛ فَإمّا أنْ يَرْجِعَ إلى دِينِكم، إذا أمْضَتْهُ النّارُ؛ وإمّا أنْ يَمُوتَ بِها، إنْ أصَرَّ عَلى قَوْلِهِ ودِينِهِ. وفي الكَلامِ حَذْفٌ، أيْ: حَرِّقُوهُ في النّارِ ﴿فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ﴾ . وتَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُ في تَحْرِيقِهِ في سُورَةِ ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١] . وجَمَعَ هُنا فَقالَ الآياتِ؛ لِأنَّ الإنْجاءَ مِنَ النّارِ، وجَعْلَها بَرْدًا وسَلامًا، وأنَّها في الحَبْلِ الَّذِي كانُوا أوْثَقُوهُ بِهِ دُونَ الجِسْمِ، وإنْ صَحَّ ما نُقِلَ مِن أنَّ مَكانَها، حالَةَ الرَّمْيِ، صارَ بُسْتانًا يانِعًا، هو مَجْمُوعُ آياتٍ، فَناسَبَ الجَمْعَ، بِخِلافِ الإنْجاءِ مِنَ السَّفِينَةِ، فَإنَّهُ آيَةٌ واحِدَةٌ، وتَقَدَّمُ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ مِنَ النّارِ بَعْدَ إلْقائِهِ؛ فِيما قالَ كَعْبٌ: لَمْ يَحْتَرِقْ بِالنّارِ إلّا الحَبْلُ الَّذِي أوْثَقُوهُ بِهِ. وجاءَ هُنا التَّرْدِيدُ بَيْنَ قَتْلِهِ وإحْراقِهِ، فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مِن قائِلِينَ: ناسٌ أشارُوا بِالقَتْلِ، وناسٌ أشارُوا بِالإحْراقِ. وفي (اقْتَرَبَ) قالُوا: (حَرِّقُوهُ) اقْتَصَرُوا عَلى أحَدِ الشَّيْئَيْنِ، وهو الَّذِي فَعَلُوهُ، رَمَوْهُ في النّارِ ولَمْ يَقْتُلُوهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (جَوابَ) بِالنَّصْبِ؛ والحَسَنُ، وسالِمٌ الأفْطَسُ: بِالرَّفْعِ، اسْمًا لِـ: كانَ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ الأصْمَعِيِّ، والأعْمَشُ عَنْ أبِي بَكْرٍ: ”مَوَدَّةٌ“ بِالرَّفْعِ، و”بَيْنَكم“ بِالنَّصْبِ. فالرَّفْعُ عَلى خَبَرِ إنَّ، و”ما“ مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي، أيْ: إنَّ الأوْثانَ الَّتِي اتَّخَذْتُمُوها مَوْدُودًا، أوْ سَبَبَ مَوَدَّةٍ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: إنَّ اتِّخاذَكم أوْثانًا مَوَدَّةً، أوْ عَلى خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هي مَوَدَّةُ بَيْنِكم، وما إذْ ذاكَ مُهَيِّئَةٌ. ورُوِيَ عَنْ عاصِمٍ: ”مَوَدَّةُ“، بِالرَّفْعِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ؛ و”بَيْنَكم“ بِالفَتْحِ، أيْ: بِفَتْحِ النُّونِ، جَعَلَهُ مَبْنِيًّا لِإضافَتِهِ إلى مَبْنِيٍّ، وهو مَوْضِعُ خَفْضٍ بِالإضافَةِ، ولِذَلِكَ سَقَطَ التَّنْوِينُ مِن ”مَوَدَّةُ“ . وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وابْنُ كَثِيرٍ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ خَفَضَ نُونَ (بَيْنِكم) . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ بِنَصْبِ ”مَوَدَّةً“ مُنَوَّنًا ونَصْبِ ”بَيْنَكم“؛ وحَمْزَةُ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ أضافَ ”مَوَدَّةً“ إلى ”بَيْنَكم“ وخَفَضَ، كَما في قِراءَةِ مَن نَصَبَ ”مَوَدَّةً“ مُهَيِّئَةً. و”اتَّخَذَ“ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِمّا تَعَدَّتْ إلى اثْنَيْنِ، والثّانِي هو (مَوَدَّةَ)، أيِ: اتَّخَذْتُمُ الأوْثانَ بِسَبَبِ المَوَدَّةِ بَيْنَكم، عَلى حَذْفِ المُضافِ، أوِ اتَّخَذْتُمُوها مَوَدَّةَ بَيْنِكم، كَقَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] أوْ مِمّا تَعَدَّتْ إلى واحِدٍ، وانْتَصَبَ ”مَوَدَّةَ“ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: لِيَتَوادُّوا ويَتَواصَلُوا ويَجْتَمِعُوا عَلى عِبادَتِها، كَما يَجْتَمِعُ ناسٌ عَلى مَذْهَبٍ، فَيَقَعُ التَّحابُّ بَيْنَهم. وذَكَرُوا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قِراءَةً شاذَّةً تُخالِفُ سَوادَ المُصْحَفِ، مَعَ أنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ ما في سَوادِ المُصْحَفِ بِالنَّقْلِ الصَّحِيحِ المُسْتَفِيضِ، فَلِذَلِكَ لَمْ أذْكُرْ تِلْكَ القِراءَةَ. ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ يَقَعُ بَيْنَكُمُ التَّلاعُنُ، أيْ: فَيُلاعِنُ العَبَدَةُ والمَعْبُوداتُ الأصْنامَ، كَقَوْلِهِ: و﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢] . و(بَيْنَكم) و(في الحَياةِ) يَجُوزُ تَعْلِيقُهُما بِلَفْظِ ”مَوَدَّةَ“ وعَمِلَ في ظَرْفَيْنِ لِاخْتِلافِهِما، إذْ هُما ظَرْفا مَكانٍ وزَمانٍ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقا بِمَحْذُوفَيْنِ، فَيَكُونانِ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، أيْ: كائِنَةً بَيْنَكم في الحَياةِ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ (p-١٤٩)المُسْتَكِنِّ في (بَيْنِكم) . وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَتَعَلَّقَ (في الحَياةِ) . بِـ: ”اتَّخَذْتُمْ“ عَلى جَعْلِ ما كافَّةً، ونَصْبِ (مَوَدَّةَ)، لا عَلى جَعْلِ ما مَوْصُولَةً بِمَعْنى الَّذِي، أوْ مَصْدَرِيَّةً ورَفْعِ ”مَوَدَّةَ“، لِئَلّا يُؤَدِّيَ إلى الفَصْلِ بَيْنَ المَوْصُولِ وما في الصِّلَةِ بِالخَبَرِ. وأجازَ قَوْمٌ مِنهُمُ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَتَعَلَّقَ (في الحَياةِ) بِـ: (مَوَدَّةَ)، وأنْ يَكُونَ (بَيْنِكم) صِفَةً لِـ: (مَوَدَّةَ)، وهو لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ المَصْدَرَ إذا وُصِفَ قَبْلَ أخْذِ مُتَعَلِّقاتِهِ لا يَعْمَلُ، وشُبْهَتُهم في هَذا أنَّهُ يَتَّسِعُ في الظَّرْفِ، بِخِلافِ المَفْعُولِ بِهِ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَتَعَلَّقَ بِنَفْسِ (بَيْنِكم)، قالَ: لِأنَّ مَعْناهُ: اجْتِماعُكم أوْ وصْلُكم. وأجازَ أيْضًا أنْ يَجْعَلَهُ حالًا مِن (بَيْنِكم)، قالَ: لِتَعَرُّفِهِ بِالإضافَةِ. انْتَهى، وهُما إعْرابانِ لا يَتَعَقَّلانِ. ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ لَمْ يُؤْمِن بِإبْراهِيمَ أحَدٌ مِن قَوْمِهِ إلّا لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، حِينَ رَأى النّارَ لَمْ تُحْرِقْهُ، وكانَ ابْنُ أخِي سارَّةَ، أوْ كانَتْ بِنْتَ عَمِّهِ. والضَّمِيرُ في (وقالَ) عائِدٌ عَلى إبْراهِيمَ، وهو الظّاهِرُ، لِيَتَناسَقَ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ﴾ وهو قَوْلُ قَتادَةَ والنَّخَعِيِّ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: يَعُودُ عَلى لُوطٍ، وهاجَرَ، وإبْراهِيمَ، عَلَيْهِمُ السَّلامُ، مِن قَرْيَتِهِما كُوثى، وهي في سَوادِ العِراقِ، مِن أرْضِ بابِلَ، إلى فِلَسْطِينَ مِن أرْضِ الشّامِ. وكانَ إبْراهِيمُ ابْنَ خَمْسٍ وسَبْعِينَ سَنَةً، وهو أوَّلُ مَن هاجَرَ في اللَّهِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هاجَرَ إلى حَرّانَ، ثُمَّ إلى الشّامِ، وفي هِجْرَتِهِ هَذِهِ كانَتْ مَعَهُ سارَّةُ. والمُهاجِرُ: الفارِغُ عَنِ الشَّيْءِ، وهو في عُرْفِ الشَّرِيعَةِ: مَن تَرَكَ وطَنَهُ رَغْبَةً في رِضا اللَّهِ. وعُرِفَ بِهَذا الِاسْمِ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، المُهاجِرُونَ، قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ. (إلى رَبِّي) أيْ: إلى الجِهَةِ الَّتِي أمَرَنِي رَبِّي بِالهِجْرَةِ إلَيْها. وقِيلَ: إلى حَيْثُ لا أُمْنَعُ عِبادَةَ رَبِّي. وقِيلَ: مُهاجِرًا مَن خالَفَنِي مِن قَوْمِي، مُتَقَرِّبًا إلى رَبِّي. ونَزَلَ إبْراهِيمُ قَرْيَةً مِن أرْضِ فِلَسْطِينَ، وتَرَكَ لُوطًا في سَدُومَ، وهي المُؤْتَفِكَةُ، عَلى مَسِيرَةِ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ مِن قَرْيَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ. ﴿إنَّهُ هو العَزِيزُ﴾ الَّذِي لا يُذَلُّ مَن عَبَدَهُ (الحَكِيمُ) الَّذِي يَضَعُ الأشْياءَ مَواضِعَها. والضَّمِيرُ في (ذُرِّيَّتِهِ) عائِدٌ عَلى إبْراهِيمَ. (النُّبُوَّةَ) إسْحاقُ، ويَعْقُوبُ، وأنْبِياءُ بَنِي إسْرائِيلَ، وإسْماعِيلُ، ومُحَمَّدٌ خاتَمُهم، صَلّى اللَّهُ وسَلَّمَ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ. (والكِتابَ) اسْمُ جِنْسٍ يَدْخُلُ فِيهِ التَّوْراةُ، والزَّبُورُ، والإنْجِيلُ، والفُرْقانُ. ﴿وآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا﴾ أيْ: في حَياتِهِ، قالَ مُجاهِدٌ: نَجاتُهُ مِنَ النّارِ، ومِنَ المَلِكِ الجَبّارِ، والعَمَلُ الصّالِحُ: والثَّناءُ الحَسَنُ، بِحَيْثُ يَتَوَلّاهُ كُلُّ أُمَّةٍ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: والوَلَدُ الَّذِي قَرَّتْ بِهِ عَيْنُهُ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ السُّدِّيُّ: إنَّهُ رَأى مَكانَهُ مِنَ الجَنَّةِ. وقالَ ابْنُ أبِي بُرْدَةَ: ما وُفِّقَ لَهُ مِن عَمَلِ الآخِرَةِ. وقالَ الماوَرْدِيُّ: بَقاءُ ضِيافَتِهِ عِنْدَ قَبْرِهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِنَبِيٍّ غَيْرِهِ. وقِيلَ: النُّبُوَّةُ والحِكْمَةُ. وقِيلَ: الصَّلاةُ عَلَيْهِ إلى آخِرِ الدَّهْرِ. وانْتَصَبَ لُوطًا بِإضْمارِ اذْكُرْ، أوْ بِالعَطْفِ عَلى إبْراهِيمَ، أوْ بِالعَطْفِ عَلى ما عُطِفَ عَلَيْهِ إبْراهِيمُ. والجُمْهُورُ: عَلى الِاسْتِفْهامِ في أئِنَّكم مَعًا. وقُرِئَ: أنَّكم عَلى الخَبَرِ، والثّانِي عَلى الِاسْتِفْهامِ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: وجَدْتُهُ في الإمامِ بِحَرْفٍ واحِدٍ بِغَيْرِ ياءٍ، ورَأيْتُ الثّانِيَ بِحَرْفَيْنِ، الياءِ والنُّونِ. ولَمْ يَأْتِ في قِصَّةِ لُوطٍ أنَّهُ دَعا قَوْمَهُ إلى عِبادَةِ اللَّهِ، كَما جاءَ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ وقِصَّةِ شُعَيْبٍ؛ لِأنَّ لُوطًا كانَ مِن قَوْمِ إبْراهِيمَ وفي زَمانِهِ، وسَبَقَهُ إبْراهِيمُ إلى الدُّعاءِ لِعِبادَةِ اللَّهِ وتَوْحِيدِهِ، واشْتُهِرَ أمْرُهُ بِذَلِكَ عِنْدَ الخَلْقِ، فَذَكَرَ لُوطٌ ما اخْتُصَّ بِهِ مِنَ المَنعِ مِنَ الفَحْشاءِ وغَيْرِها. وأمّا إبْراهِيمُ وشُعَيْبٌ فَجاءا بَعْدَ انْقِراضِ مَن كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ، فَلِذَلِكَ دَعَوا إلى عِبادَةِ اللَّهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ما سَبَقَكم بِها﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِفاحِشَةِ تِلْكَ الفَعْلَةِ، كَأنَّ قائِلًا قالَ: لِمَ كانَتْ فاحِشَةً ؟ فَقِيلَ: لِأنَّ أحَدًا قَبْلَهم لَمْ يُقْدِمْ عَلَيْها اشْمِئْزازًا مِنها في طِباعِهِمْ لِإفْراطِ قُبْحِها، حَتّى قَدَمَ عَلَيْها قَوْمُ لُوطٍ لِخُبْثِ طِينَتِهِمْ، قالُوا: لَمْ يَنْزُ ذَكَرٌ عَلى ذَكَرٍ قَبْلَ قَوْمِ لُوطٍ. انْتَهى. ويَظْهَرُ أنَّ ﴿ما سَبَقَكم بِها﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، كَأنَّهُ قالَ: أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ مُبْتَدِعِينَ لَها غَيْرَ مَسْبُوقِينَ بِها ؟ واسْتَفْهَمَ أوَّلًا وثانِيًا اسْتِفْهامَ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، وبَيَّنَ ما تِلْكَ الفاحِشَةُ المُبْهَمَةُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ وإنْ كانَتْ مُعَيَّنَةً أنَّها إتْيانُ الذُّكُورِ (p-١٥٠)فِي الأدْبارِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما سَبَقَكم بِها﴾ فَقالَ: ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ﴾ يَعْنِي في الأدْبارِ ﴿وتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ الوَلَدَ، بِتَعْطِيلِ الفَرْجِ ووَطْءِ أدْبارِ الرِّجالِ، أوْ بِإمْساكِ الغُرَباءِ لِذَلِكَ الفِعْلِ حَتّى انْقَطَعَتِ الطُّرُقُ، أوْ بِالقَتْلِ وأخْذِ المالِ، أوْ بِقُبْحِ الأُحْدُوثَةِ حَتّى تَنْقَطِعَ سُبُلُ النّاسِ في التِّجاراتِ. ﴿وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ﴾ أيْ: في مَجْلِسِكُمُ الَّذِي تَجْتَمِعُونَ فِيهِ، وهو اسْمُ جِنْسٍ، إذْ أنْدِيَتُهم في مَدائِنِهِمْ كَثِيرَةٌ، ولا يُسَمّى نادِيًا إلّا ما دامَ فِيهِ أهْلُهُ، فَإذا قامُوا عَنْهُ، لَمْ يُطْلَقْ عَلَيْهِ نادٍ إلّا مَجازًا. والمُنْكَرُ ما تُنْكِرُهُ العُقُولُ والشَّرائِعُ والمُرُوءاتُ: حَذْفُ النّاسِ بِالحَصْباءِ، والِاسْتِخْفافُ بِالغَرِيبِ الخاطِرِ، «ورَوَتْ أُمُّ هانِئٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أوْ إتْيانُ الرِّجالِ في مَجالِسِهِمْ يَرى بَعْضُهم بَعْضًا»، قالَهُ مَنصُورٌ ومُجاهِدٌ والقاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وقَتادَةُ بْنُ زَيْدٍ؛ أوْ تَضارُطُهم؛ أوْ تَصافُعُهم فِيها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ أوْ لَعِبُ الحَمامِ؛ أوْ تَطْرِيفُ الأصابِعِ بِالحِنّاءِ، والصَّفِيرُ، والحَذْفُ، ونَبْذُ الحَياءِ في جَمِيعِ أُمُورِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ أيْضًا، أوِ الحَذْفُ بِالحَصى، والرَّمْيُ بِالبَنادِقِ، والفَرْقَعَةُ، ومَضْغُ العَلَكِ، والسِّواكُ بَيْنَ النّاسِ، وحَلُّ الأزْرارِ، والسِّبابَةُ، والفُحْشُ في المِزاحِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا مَعَ شِرْكِهِمْ بِاللَّهِ. كانَتْ فِيهِمْ ذُنُوبٌ غَيْرُ الفاحِشَةِ: تَظالُمٌ فِيما بَيْنَهم، وبَشاعَةٌ، ومَضارِيطُ في مَجالِسِهِمْ، وحَذْفٌ، ولَعِبٌ بِالنَّرْدِ والشِّطْرَنْجِ، ولُبْسُ المُصَبَّغاتِ، ولِباسُ النِّساءِ لِلرِّجالِ، والمُكُوسُ عَلى كُلِّ عابِرٍ؛ وهم أوَّلُ مَن لاطَ ومَن ساحَقَ. ولَمّا وقَّفَهم لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى هَذِهِ القَبائِحِ، أصَرُّوا عَلى اللِّجاجِ في التَّكْذِيبِ، فَكانَ جَوابُهم لَهُ: ﴿أنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ فِيما تَعِدُنا بِهِ مِن نُزُولِ العَذابِ، قالُوا ذَلِكَ وهم مُصَمِّمُونَ عَلى اعْتِقادِ كَذِبِهِ فِيما وعَدَهم بِهِ. وفي آيَةٍ أُخْرى: ﴿إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾ [النمل: ٥٦] الجَمْعُ بَيْنَهُما أنَّهم أوَّلًا قالُوا: ﴿ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ﴾ ثُمَّ أنَّهُ كَثُرَ مِنهُ الإنْكارُ، وتَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنهُ نَهْيًا ووَعْظًا ووَعِيدًا ﴿قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾ [النمل: ٥٦] . ولَمّا كانَ إنَّما يَأْمُرُهم بِتَرْكِ الفَواحِشِ وما كانُوا يَصْنَعُونَهُ مِن قَبِيحِ المَعاصِي، ويَعِدُ عَلى ذَلِكَ بِالعَذابِ، وكانُوا يَقُولُونَ إنَّ اللَّهَ لَمْ يُحَرِّمْ هَذا ولا يُعَذِّبُ عَلَيْهِ، وهو يَقُولُ إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُ ويُعَذِّبُ عَلَيْهِ ﴿قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ﴾ فَكانُوا ألْطَفَ في الجَوابِ مِن قَوْمِ إبْراهِيمَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ﴾ لِأنَّهُ كانَ لا يَذُمُّ آلِهَتَهم، وعَهِدَ إلى أصْنامِهِمْ فَكَسَرَها، فَكانَ فِعْلُهُ هَذا مَعَهم أعْظَمَ مِن قَوْلِ لُوطٍ لِقَوْمِهِ، فَكانَ جَوابُهم لَهُ: ﴿أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ﴾ . ثُمَّ اسْتَنْصَرَ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَبُعِثَ مَلائِكَةٌ لِعَذابِهِمْ، ورَجْمِهِمْ بِالحاصِبِ، وإفْسادِهِمْ بِحَمْلِ النّاسِ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ المَعاصِي طَوْعًا وكَرْهًا، وخُصُوصًا تِلْكَ المَعْصِيَةَ المُبْتَدَعَةَ. (بِالبُشْرى) هي بِشارَتُهُ بِوَلَدِهِ إسْحاقَ، وبِنافِلَتِهِ يَعْقُوبَ، وبِنَصْرِ لُوطٍ عَلى قَوْمِهِ وإهْلاكِهِمْ، و(القَرْيَةَ) سَدُومُ، وفِيها قِيلَ: أجْوَرُ مِن قاضِي سَدُومَ. (كانُوا ظالِمِينَ) أيْ: قَدْ سَبَقَ مِنهُمُ الظُّلْمُ. واسْتَمَرَّ عَلى الأيّامِ السّالِفَةِ وهم مُصِرُّونَ، وظُلْمُهم: كُفْرُهم وأنْواعُ مَعاصِيهِمْ. ولَمّا ذَكَرُوا لِإبْراهِيمَ: ﴿إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ أشْفَقَ عَلى لُوطٍ فَقالَ: ﴿إنَّ فِيها لُوطًا﴾ . ولَمّا عَلَّلُوا الإهْلاكَ بِالظُّلْمِ، قالَ لَهم: فِيها مَن هو بَرِيءٌ مِنَ الظُّلْمِ ﴿قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها﴾ أيْ: مِنكَ، وأُخْبِرَ بِحالِهِ. ثُمَّ أخْبَرُوهُ بِإنْجائِهِمْ إيّاهُ ﴿وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ﴾ . وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ﴾ مُضارِعَ أنْجى؛ وباقِي السَّبْعَةِ: مُضارِعَ نَجّى؛ والجُمْهُورُ: بِشَدِّ النُّونِ؛ وفِرْقَةٌ: بِتَخْفِيفِها. ﴿ولَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، إلّا أنَّ هُنا زِيدَتْ ”أنْ“ بَعْدَ ”لَمّا“، وهو قِياسٌ مُطَّرِدٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنْ صِلَةٌ أكَّدَتْ وُجُودَ الفِعْلَيْنِ مُتَرَتِّبًا أحَدُهُما عَلى الآخَرِ في وقْتَيْنِ مُتَجاوِرَيْنِ لا فاصِلَ بَيْنَهُما، كَأنَّهُما وُجِدا في جُزْءٍ واحِدٍ مِنَ الزَّمانِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَمّا أحَسَّ بِمَجِيئِهِمْ، فاجَأتِ المَساءَةُ مِن غَيْرِ وقْتٍ خِيفَةً عَلَيْهِمْ مِن قَوْمِهِ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ في التَّرْتِيبِ هو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، إذْ مَذْهَبُهُ. أنَّ لَمّا: حَرْفٌ لا ظَرْفٌ، خِلافًا لِلْفارِسِيِّ، وهَذا مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. وقَرَأ العَرَبِيّانِ، ونافِعٌ، وحَفْصٌ: ﴿مُنَجُّوكَ﴾ مُشَدَّدًا؛ وباقِي (p-١٥١)السَّبْعَةِ: مُخَفَّفًا، والكافُ في مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ في مَوْضِعِ جَرٍّ. (وأهْلَكَ) مَنصُوبٌ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: ونُنَجِّي أهْلَكَ. ومَن راعى هَذا المَوْضِعَ، عَطَفَهُ عَلى مَوْضِعِ الكافِ، والكافُ عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ وهِشامٍ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، و”أهْلَكَ“ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ هَذِهِ النُّونَ كالتَّنْوِينِ، وهُما عَلى مَذْهَبِهِما يُحْذَفانِ لِلَطافَةِ الضَّمِيرِ وشِدَّةِ طَلَبِهِ الِاتِّصالَ بِما قَبْلَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (سِيءَ)، بِكَسْرِ السِّينِ، وضَمَّها نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ. وقَرَأ عِيسى، وطَلْحَةُ: ”سُوءَ“، بِضَمِّها، وهي لُغَةُ بَنِي هُذَيْلٍ. وبَنِي وُبَيْرٍ يَقُولُونَ في قِيلَ وبِيعَ ونَحْوِهِما: قُولَ وبُوعَ. وقُرِئَ: ”مُنْزِلُونَ“، مُخَفَّفًا ومُشَدَّدًا؛ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ”رُجْزًا“، بِضَمِّ الرّاءِ؛ وأبُو حَيْوَةَ والأعْمَشُ: بِكَسْرِ سِينِ (يَفْسُقُونَ) . والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في مِنها عائِدٌ عَلى القَرْيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَنازِلُهُمُ الخَرِبَةُ. وحَكى أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ أنَّ الآيَةَ في قَرْيَتِهِمْ، إلّا أنَّ أساسَها أعْلاها، وسُقُوفَها أسْفَلُها إلى الآنَ. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى تَرَكْناها آيَةً، يَقُولُ: إنَّ في السَّماءِ لَآيَةً، يُرِيدُ أنَّها آيَةٌ. انْتَهى، وهَذا لا يَتَّجِهُ إلّا عَلى زِيادَةِ مِن في الواجِبِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: أمْهَرْتُ مِنها جُبَّةً وتَيْسًا، يُرِيدُ: أمْهَرْتُها؛ وكَذَلِكَ: ولَقَدْ تَرَكْناها آيَةً، وقِيلَ: الهاءُ في ”مِنها“ عائِدَةٌ عَلى الفِعْلَةِ الَّتِي فُعِلَتْ بِهِمْ، فَقِيلَ: الآيَةُ: الحِجارَةُ الَّتِي أدْرَكَتْها أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ وقِيلَ: الماءُ الأسْوَدُ عَلى وجْهِ الأرْضِ، قالَهُ مُجاهِدٌ؛ وقِيلَ: أنْجَزَ ما صَنَعَ بِهِمْ. و(لِقَوْمٍ) مُتَعَلِّقٌ بِـ: (تَرَكْنا)، أوْ (بَيِّنَةً) .

العنكبوت 29:35

﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وقالَ إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا ومَأْواكُمُ النّارُ ومالَكم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وقالَ إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي إنَّهُ هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ والكِتابَ وآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلى القَوْمِ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿ولَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وقالُوا لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ إلّا امْرَأتَكَ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿إنّا مُنْزِلُونَ عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ تَرَكْنا مِنها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ . (p-١٤٨)لَمّا أمَرَهم بِعِبادَةِ اللَّهِ، وبَيَّنَ سَفَهَهم في عِبادَةِ الأوْثانِ، وظَهَرَتْ حُجَّتُهُ عَلَيْهِمْ، رَجَعُوا إلى الغَلَبَةِ، فَجَعَلُوا القائِمَ مَقامَ جَوابِهِ فِيما أمَرَهم بِهِ قَوْلَهم: ﴿اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ﴾ . والآمِرُونَ بِذَلِكَ، إمّا بَعْضُهم لِبَعْضٍ، أوْ كُبَراؤُهم قالُوا لِأتْباعِهِمُ: اقْتُلُوهُ، فَتَسْتَرِيحُوا مِنهُ عاجِلًا، أوْ حَرِّقُوهُ بِالنّارِ؛ فَإمّا أنْ يَرْجِعَ إلى دِينِكم، إذا أمْضَتْهُ النّارُ؛ وإمّا أنْ يَمُوتَ بِها، إنْ أصَرَّ عَلى قَوْلِهِ ودِينِهِ. وفي الكَلامِ حَذْفٌ، أيْ: حَرِّقُوهُ في النّارِ ﴿فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ﴾ . وتَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُ في تَحْرِيقِهِ في سُورَةِ ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١] . وجَمَعَ هُنا فَقالَ الآياتِ؛ لِأنَّ الإنْجاءَ مِنَ النّارِ، وجَعْلَها بَرْدًا وسَلامًا، وأنَّها في الحَبْلِ الَّذِي كانُوا أوْثَقُوهُ بِهِ دُونَ الجِسْمِ، وإنْ صَحَّ ما نُقِلَ مِن أنَّ مَكانَها، حالَةَ الرَّمْيِ، صارَ بُسْتانًا يانِعًا، هو مَجْمُوعُ آياتٍ، فَناسَبَ الجَمْعَ، بِخِلافِ الإنْجاءِ مِنَ السَّفِينَةِ، فَإنَّهُ آيَةٌ واحِدَةٌ، وتَقَدَّمُ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ مِنَ النّارِ بَعْدَ إلْقائِهِ؛ فِيما قالَ كَعْبٌ: لَمْ يَحْتَرِقْ بِالنّارِ إلّا الحَبْلُ الَّذِي أوْثَقُوهُ بِهِ. وجاءَ هُنا التَّرْدِيدُ بَيْنَ قَتْلِهِ وإحْراقِهِ، فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مِن قائِلِينَ: ناسٌ أشارُوا بِالقَتْلِ، وناسٌ أشارُوا بِالإحْراقِ. وفي (اقْتَرَبَ) قالُوا: (حَرِّقُوهُ) اقْتَصَرُوا عَلى أحَدِ الشَّيْئَيْنِ، وهو الَّذِي فَعَلُوهُ، رَمَوْهُ في النّارِ ولَمْ يَقْتُلُوهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (جَوابَ) بِالنَّصْبِ؛ والحَسَنُ، وسالِمٌ الأفْطَسُ: بِالرَّفْعِ، اسْمًا لِـ: كانَ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ الأصْمَعِيِّ، والأعْمَشُ عَنْ أبِي بَكْرٍ: ”مَوَدَّةٌ“ بِالرَّفْعِ، و”بَيْنَكم“ بِالنَّصْبِ. فالرَّفْعُ عَلى خَبَرِ إنَّ، و”ما“ مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي، أيْ: إنَّ الأوْثانَ الَّتِي اتَّخَذْتُمُوها مَوْدُودًا، أوْ سَبَبَ مَوَدَّةٍ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: إنَّ اتِّخاذَكم أوْثانًا مَوَدَّةً، أوْ عَلى خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هي مَوَدَّةُ بَيْنِكم، وما إذْ ذاكَ مُهَيِّئَةٌ. ورُوِيَ عَنْ عاصِمٍ: ”مَوَدَّةُ“، بِالرَّفْعِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ؛ و”بَيْنَكم“ بِالفَتْحِ، أيْ: بِفَتْحِ النُّونِ، جَعَلَهُ مَبْنِيًّا لِإضافَتِهِ إلى مَبْنِيٍّ، وهو مَوْضِعُ خَفْضٍ بِالإضافَةِ، ولِذَلِكَ سَقَطَ التَّنْوِينُ مِن ”مَوَدَّةُ“ . وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وابْنُ كَثِيرٍ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ خَفَضَ نُونَ (بَيْنِكم) . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ بِنَصْبِ ”مَوَدَّةً“ مُنَوَّنًا ونَصْبِ ”بَيْنَكم“؛ وحَمْزَةُ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ أضافَ ”مَوَدَّةً“ إلى ”بَيْنَكم“ وخَفَضَ، كَما في قِراءَةِ مَن نَصَبَ ”مَوَدَّةً“ مُهَيِّئَةً. و”اتَّخَذَ“ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِمّا تَعَدَّتْ إلى اثْنَيْنِ، والثّانِي هو (مَوَدَّةَ)، أيِ: اتَّخَذْتُمُ الأوْثانَ بِسَبَبِ المَوَدَّةِ بَيْنَكم، عَلى حَذْفِ المُضافِ، أوِ اتَّخَذْتُمُوها مَوَدَّةَ بَيْنِكم، كَقَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] أوْ مِمّا تَعَدَّتْ إلى واحِدٍ، وانْتَصَبَ ”مَوَدَّةَ“ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: لِيَتَوادُّوا ويَتَواصَلُوا ويَجْتَمِعُوا عَلى عِبادَتِها، كَما يَجْتَمِعُ ناسٌ عَلى مَذْهَبٍ، فَيَقَعُ التَّحابُّ بَيْنَهم. وذَكَرُوا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قِراءَةً شاذَّةً تُخالِفُ سَوادَ المُصْحَفِ، مَعَ أنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ ما في سَوادِ المُصْحَفِ بِالنَّقْلِ الصَّحِيحِ المُسْتَفِيضِ، فَلِذَلِكَ لَمْ أذْكُرْ تِلْكَ القِراءَةَ. ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ يَقَعُ بَيْنَكُمُ التَّلاعُنُ، أيْ: فَيُلاعِنُ العَبَدَةُ والمَعْبُوداتُ الأصْنامَ، كَقَوْلِهِ: و﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢] . و(بَيْنَكم) و(في الحَياةِ) يَجُوزُ تَعْلِيقُهُما بِلَفْظِ ”مَوَدَّةَ“ وعَمِلَ في ظَرْفَيْنِ لِاخْتِلافِهِما، إذْ هُما ظَرْفا مَكانٍ وزَمانٍ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقا بِمَحْذُوفَيْنِ، فَيَكُونانِ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، أيْ: كائِنَةً بَيْنَكم في الحَياةِ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ (p-١٤٩)المُسْتَكِنِّ في (بَيْنِكم) . وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَتَعَلَّقَ (في الحَياةِ) . بِـ: ”اتَّخَذْتُمْ“ عَلى جَعْلِ ما كافَّةً، ونَصْبِ (مَوَدَّةَ)، لا عَلى جَعْلِ ما مَوْصُولَةً بِمَعْنى الَّذِي، أوْ مَصْدَرِيَّةً ورَفْعِ ”مَوَدَّةَ“، لِئَلّا يُؤَدِّيَ إلى الفَصْلِ بَيْنَ المَوْصُولِ وما في الصِّلَةِ بِالخَبَرِ. وأجازَ قَوْمٌ مِنهُمُ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَتَعَلَّقَ (في الحَياةِ) بِـ: (مَوَدَّةَ)، وأنْ يَكُونَ (بَيْنِكم) صِفَةً لِـ: (مَوَدَّةَ)، وهو لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ المَصْدَرَ إذا وُصِفَ قَبْلَ أخْذِ مُتَعَلِّقاتِهِ لا يَعْمَلُ، وشُبْهَتُهم في هَذا أنَّهُ يَتَّسِعُ في الظَّرْفِ، بِخِلافِ المَفْعُولِ بِهِ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَتَعَلَّقَ بِنَفْسِ (بَيْنِكم)، قالَ: لِأنَّ مَعْناهُ: اجْتِماعُكم أوْ وصْلُكم. وأجازَ أيْضًا أنْ يَجْعَلَهُ حالًا مِن (بَيْنِكم)، قالَ: لِتَعَرُّفِهِ بِالإضافَةِ. انْتَهى، وهُما إعْرابانِ لا يَتَعَقَّلانِ. ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ لَمْ يُؤْمِن بِإبْراهِيمَ أحَدٌ مِن قَوْمِهِ إلّا لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، حِينَ رَأى النّارَ لَمْ تُحْرِقْهُ، وكانَ ابْنُ أخِي سارَّةَ، أوْ كانَتْ بِنْتَ عَمِّهِ. والضَّمِيرُ في (وقالَ) عائِدٌ عَلى إبْراهِيمَ، وهو الظّاهِرُ، لِيَتَناسَقَ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ﴾ وهو قَوْلُ قَتادَةَ والنَّخَعِيِّ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: يَعُودُ عَلى لُوطٍ، وهاجَرَ، وإبْراهِيمَ، عَلَيْهِمُ السَّلامُ، مِن قَرْيَتِهِما كُوثى، وهي في سَوادِ العِراقِ، مِن أرْضِ بابِلَ، إلى فِلَسْطِينَ مِن أرْضِ الشّامِ. وكانَ إبْراهِيمُ ابْنَ خَمْسٍ وسَبْعِينَ سَنَةً، وهو أوَّلُ مَن هاجَرَ في اللَّهِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هاجَرَ إلى حَرّانَ، ثُمَّ إلى الشّامِ، وفي هِجْرَتِهِ هَذِهِ كانَتْ مَعَهُ سارَّةُ. والمُهاجِرُ: الفارِغُ عَنِ الشَّيْءِ، وهو في عُرْفِ الشَّرِيعَةِ: مَن تَرَكَ وطَنَهُ رَغْبَةً في رِضا اللَّهِ. وعُرِفَ بِهَذا الِاسْمِ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، المُهاجِرُونَ، قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ. (إلى رَبِّي) أيْ: إلى الجِهَةِ الَّتِي أمَرَنِي رَبِّي بِالهِجْرَةِ إلَيْها. وقِيلَ: إلى حَيْثُ لا أُمْنَعُ عِبادَةَ رَبِّي. وقِيلَ: مُهاجِرًا مَن خالَفَنِي مِن قَوْمِي، مُتَقَرِّبًا إلى رَبِّي. ونَزَلَ إبْراهِيمُ قَرْيَةً مِن أرْضِ فِلَسْطِينَ، وتَرَكَ لُوطًا في سَدُومَ، وهي المُؤْتَفِكَةُ، عَلى مَسِيرَةِ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ مِن قَرْيَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ. ﴿إنَّهُ هو العَزِيزُ﴾ الَّذِي لا يُذَلُّ مَن عَبَدَهُ (الحَكِيمُ) الَّذِي يَضَعُ الأشْياءَ مَواضِعَها. والضَّمِيرُ في (ذُرِّيَّتِهِ) عائِدٌ عَلى إبْراهِيمَ. (النُّبُوَّةَ) إسْحاقُ، ويَعْقُوبُ، وأنْبِياءُ بَنِي إسْرائِيلَ، وإسْماعِيلُ، ومُحَمَّدٌ خاتَمُهم، صَلّى اللَّهُ وسَلَّمَ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ. (والكِتابَ) اسْمُ جِنْسٍ يَدْخُلُ فِيهِ التَّوْراةُ، والزَّبُورُ، والإنْجِيلُ، والفُرْقانُ. ﴿وآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا﴾ أيْ: في حَياتِهِ، قالَ مُجاهِدٌ: نَجاتُهُ مِنَ النّارِ، ومِنَ المَلِكِ الجَبّارِ، والعَمَلُ الصّالِحُ: والثَّناءُ الحَسَنُ، بِحَيْثُ يَتَوَلّاهُ كُلُّ أُمَّةٍ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: والوَلَدُ الَّذِي قَرَّتْ بِهِ عَيْنُهُ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ السُّدِّيُّ: إنَّهُ رَأى مَكانَهُ مِنَ الجَنَّةِ. وقالَ ابْنُ أبِي بُرْدَةَ: ما وُفِّقَ لَهُ مِن عَمَلِ الآخِرَةِ. وقالَ الماوَرْدِيُّ: بَقاءُ ضِيافَتِهِ عِنْدَ قَبْرِهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِنَبِيٍّ غَيْرِهِ. وقِيلَ: النُّبُوَّةُ والحِكْمَةُ. وقِيلَ: الصَّلاةُ عَلَيْهِ إلى آخِرِ الدَّهْرِ. وانْتَصَبَ لُوطًا بِإضْمارِ اذْكُرْ، أوْ بِالعَطْفِ عَلى إبْراهِيمَ، أوْ بِالعَطْفِ عَلى ما عُطِفَ عَلَيْهِ إبْراهِيمُ. والجُمْهُورُ: عَلى الِاسْتِفْهامِ في أئِنَّكم مَعًا. وقُرِئَ: أنَّكم عَلى الخَبَرِ، والثّانِي عَلى الِاسْتِفْهامِ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: وجَدْتُهُ في الإمامِ بِحَرْفٍ واحِدٍ بِغَيْرِ ياءٍ، ورَأيْتُ الثّانِيَ بِحَرْفَيْنِ، الياءِ والنُّونِ. ولَمْ يَأْتِ في قِصَّةِ لُوطٍ أنَّهُ دَعا قَوْمَهُ إلى عِبادَةِ اللَّهِ، كَما جاءَ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ وقِصَّةِ شُعَيْبٍ؛ لِأنَّ لُوطًا كانَ مِن قَوْمِ إبْراهِيمَ وفي زَمانِهِ، وسَبَقَهُ إبْراهِيمُ إلى الدُّعاءِ لِعِبادَةِ اللَّهِ وتَوْحِيدِهِ، واشْتُهِرَ أمْرُهُ بِذَلِكَ عِنْدَ الخَلْقِ، فَذَكَرَ لُوطٌ ما اخْتُصَّ بِهِ مِنَ المَنعِ مِنَ الفَحْشاءِ وغَيْرِها. وأمّا إبْراهِيمُ وشُعَيْبٌ فَجاءا بَعْدَ انْقِراضِ مَن كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ، فَلِذَلِكَ دَعَوا إلى عِبادَةِ اللَّهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ما سَبَقَكم بِها﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِفاحِشَةِ تِلْكَ الفَعْلَةِ، كَأنَّ قائِلًا قالَ: لِمَ كانَتْ فاحِشَةً ؟ فَقِيلَ: لِأنَّ أحَدًا قَبْلَهم لَمْ يُقْدِمْ عَلَيْها اشْمِئْزازًا مِنها في طِباعِهِمْ لِإفْراطِ قُبْحِها، حَتّى قَدَمَ عَلَيْها قَوْمُ لُوطٍ لِخُبْثِ طِينَتِهِمْ، قالُوا: لَمْ يَنْزُ ذَكَرٌ عَلى ذَكَرٍ قَبْلَ قَوْمِ لُوطٍ. انْتَهى. ويَظْهَرُ أنَّ ﴿ما سَبَقَكم بِها﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، كَأنَّهُ قالَ: أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ مُبْتَدِعِينَ لَها غَيْرَ مَسْبُوقِينَ بِها ؟ واسْتَفْهَمَ أوَّلًا وثانِيًا اسْتِفْهامَ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، وبَيَّنَ ما تِلْكَ الفاحِشَةُ المُبْهَمَةُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ وإنْ كانَتْ مُعَيَّنَةً أنَّها إتْيانُ الذُّكُورِ (p-١٥٠)فِي الأدْبارِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما سَبَقَكم بِها﴾ فَقالَ: ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ﴾ يَعْنِي في الأدْبارِ ﴿وتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ الوَلَدَ، بِتَعْطِيلِ الفَرْجِ ووَطْءِ أدْبارِ الرِّجالِ، أوْ بِإمْساكِ الغُرَباءِ لِذَلِكَ الفِعْلِ حَتّى انْقَطَعَتِ الطُّرُقُ، أوْ بِالقَتْلِ وأخْذِ المالِ، أوْ بِقُبْحِ الأُحْدُوثَةِ حَتّى تَنْقَطِعَ سُبُلُ النّاسِ في التِّجاراتِ. ﴿وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ﴾ أيْ: في مَجْلِسِكُمُ الَّذِي تَجْتَمِعُونَ فِيهِ، وهو اسْمُ جِنْسٍ، إذْ أنْدِيَتُهم في مَدائِنِهِمْ كَثِيرَةٌ، ولا يُسَمّى نادِيًا إلّا ما دامَ فِيهِ أهْلُهُ، فَإذا قامُوا عَنْهُ، لَمْ يُطْلَقْ عَلَيْهِ نادٍ إلّا مَجازًا. والمُنْكَرُ ما تُنْكِرُهُ العُقُولُ والشَّرائِعُ والمُرُوءاتُ: حَذْفُ النّاسِ بِالحَصْباءِ، والِاسْتِخْفافُ بِالغَرِيبِ الخاطِرِ، «ورَوَتْ أُمُّ هانِئٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أوْ إتْيانُ الرِّجالِ في مَجالِسِهِمْ يَرى بَعْضُهم بَعْضًا»، قالَهُ مَنصُورٌ ومُجاهِدٌ والقاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وقَتادَةُ بْنُ زَيْدٍ؛ أوْ تَضارُطُهم؛ أوْ تَصافُعُهم فِيها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ أوْ لَعِبُ الحَمامِ؛ أوْ تَطْرِيفُ الأصابِعِ بِالحِنّاءِ، والصَّفِيرُ، والحَذْفُ، ونَبْذُ الحَياءِ في جَمِيعِ أُمُورِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ أيْضًا، أوِ الحَذْفُ بِالحَصى، والرَّمْيُ بِالبَنادِقِ، والفَرْقَعَةُ، ومَضْغُ العَلَكِ، والسِّواكُ بَيْنَ النّاسِ، وحَلُّ الأزْرارِ، والسِّبابَةُ، والفُحْشُ في المِزاحِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا مَعَ شِرْكِهِمْ بِاللَّهِ. كانَتْ فِيهِمْ ذُنُوبٌ غَيْرُ الفاحِشَةِ: تَظالُمٌ فِيما بَيْنَهم، وبَشاعَةٌ، ومَضارِيطُ في مَجالِسِهِمْ، وحَذْفٌ، ولَعِبٌ بِالنَّرْدِ والشِّطْرَنْجِ، ولُبْسُ المُصَبَّغاتِ، ولِباسُ النِّساءِ لِلرِّجالِ، والمُكُوسُ عَلى كُلِّ عابِرٍ؛ وهم أوَّلُ مَن لاطَ ومَن ساحَقَ. ولَمّا وقَّفَهم لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى هَذِهِ القَبائِحِ، أصَرُّوا عَلى اللِّجاجِ في التَّكْذِيبِ، فَكانَ جَوابُهم لَهُ: ﴿أنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ فِيما تَعِدُنا بِهِ مِن نُزُولِ العَذابِ، قالُوا ذَلِكَ وهم مُصَمِّمُونَ عَلى اعْتِقادِ كَذِبِهِ فِيما وعَدَهم بِهِ. وفي آيَةٍ أُخْرى: ﴿إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾ [النمل: ٥٦] الجَمْعُ بَيْنَهُما أنَّهم أوَّلًا قالُوا: ﴿ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ﴾ ثُمَّ أنَّهُ كَثُرَ مِنهُ الإنْكارُ، وتَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنهُ نَهْيًا ووَعْظًا ووَعِيدًا ﴿قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾ [النمل: ٥٦] . ولَمّا كانَ إنَّما يَأْمُرُهم بِتَرْكِ الفَواحِشِ وما كانُوا يَصْنَعُونَهُ مِن قَبِيحِ المَعاصِي، ويَعِدُ عَلى ذَلِكَ بِالعَذابِ، وكانُوا يَقُولُونَ إنَّ اللَّهَ لَمْ يُحَرِّمْ هَذا ولا يُعَذِّبُ عَلَيْهِ، وهو يَقُولُ إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُ ويُعَذِّبُ عَلَيْهِ ﴿قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ﴾ فَكانُوا ألْطَفَ في الجَوابِ مِن قَوْمِ إبْراهِيمَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ﴾ لِأنَّهُ كانَ لا يَذُمُّ آلِهَتَهم، وعَهِدَ إلى أصْنامِهِمْ فَكَسَرَها، فَكانَ فِعْلُهُ هَذا مَعَهم أعْظَمَ مِن قَوْلِ لُوطٍ لِقَوْمِهِ، فَكانَ جَوابُهم لَهُ: ﴿أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ﴾ . ثُمَّ اسْتَنْصَرَ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَبُعِثَ مَلائِكَةٌ لِعَذابِهِمْ، ورَجْمِهِمْ بِالحاصِبِ، وإفْسادِهِمْ بِحَمْلِ النّاسِ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ المَعاصِي طَوْعًا وكَرْهًا، وخُصُوصًا تِلْكَ المَعْصِيَةَ المُبْتَدَعَةَ. (بِالبُشْرى) هي بِشارَتُهُ بِوَلَدِهِ إسْحاقَ، وبِنافِلَتِهِ يَعْقُوبَ، وبِنَصْرِ لُوطٍ عَلى قَوْمِهِ وإهْلاكِهِمْ، و(القَرْيَةَ) سَدُومُ، وفِيها قِيلَ: أجْوَرُ مِن قاضِي سَدُومَ. (كانُوا ظالِمِينَ) أيْ: قَدْ سَبَقَ مِنهُمُ الظُّلْمُ. واسْتَمَرَّ عَلى الأيّامِ السّالِفَةِ وهم مُصِرُّونَ، وظُلْمُهم: كُفْرُهم وأنْواعُ مَعاصِيهِمْ. ولَمّا ذَكَرُوا لِإبْراهِيمَ: ﴿إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ أشْفَقَ عَلى لُوطٍ فَقالَ: ﴿إنَّ فِيها لُوطًا﴾ . ولَمّا عَلَّلُوا الإهْلاكَ بِالظُّلْمِ، قالَ لَهم: فِيها مَن هو بَرِيءٌ مِنَ الظُّلْمِ ﴿قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها﴾ أيْ: مِنكَ، وأُخْبِرَ بِحالِهِ. ثُمَّ أخْبَرُوهُ بِإنْجائِهِمْ إيّاهُ ﴿وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ﴾ . وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ﴾ مُضارِعَ أنْجى؛ وباقِي السَّبْعَةِ: مُضارِعَ نَجّى؛ والجُمْهُورُ: بِشَدِّ النُّونِ؛ وفِرْقَةٌ: بِتَخْفِيفِها. ﴿ولَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، إلّا أنَّ هُنا زِيدَتْ ”أنْ“ بَعْدَ ”لَمّا“، وهو قِياسٌ مُطَّرِدٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنْ صِلَةٌ أكَّدَتْ وُجُودَ الفِعْلَيْنِ مُتَرَتِّبًا أحَدُهُما عَلى الآخَرِ في وقْتَيْنِ مُتَجاوِرَيْنِ لا فاصِلَ بَيْنَهُما، كَأنَّهُما وُجِدا في جُزْءٍ واحِدٍ مِنَ الزَّمانِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَمّا أحَسَّ بِمَجِيئِهِمْ، فاجَأتِ المَساءَةُ مِن غَيْرِ وقْتٍ خِيفَةً عَلَيْهِمْ مِن قَوْمِهِ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ في التَّرْتِيبِ هو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، إذْ مَذْهَبُهُ. أنَّ لَمّا: حَرْفٌ لا ظَرْفٌ، خِلافًا لِلْفارِسِيِّ، وهَذا مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. وقَرَأ العَرَبِيّانِ، ونافِعٌ، وحَفْصٌ: ﴿مُنَجُّوكَ﴾ مُشَدَّدًا؛ وباقِي (p-١٥١)السَّبْعَةِ: مُخَفَّفًا، والكافُ في مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ في مَوْضِعِ جَرٍّ. (وأهْلَكَ) مَنصُوبٌ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: ونُنَجِّي أهْلَكَ. ومَن راعى هَذا المَوْضِعَ، عَطَفَهُ عَلى مَوْضِعِ الكافِ، والكافُ عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ وهِشامٍ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، و”أهْلَكَ“ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ هَذِهِ النُّونَ كالتَّنْوِينِ، وهُما عَلى مَذْهَبِهِما يُحْذَفانِ لِلَطافَةِ الضَّمِيرِ وشِدَّةِ طَلَبِهِ الِاتِّصالَ بِما قَبْلَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (سِيءَ)، بِكَسْرِ السِّينِ، وضَمَّها نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ. وقَرَأ عِيسى، وطَلْحَةُ: ”سُوءَ“، بِضَمِّها، وهي لُغَةُ بَنِي هُذَيْلٍ. وبَنِي وُبَيْرٍ يَقُولُونَ في قِيلَ وبِيعَ ونَحْوِهِما: قُولَ وبُوعَ. وقُرِئَ: ”مُنْزِلُونَ“، مُخَفَّفًا ومُشَدَّدًا؛ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ”رُجْزًا“، بِضَمِّ الرّاءِ؛ وأبُو حَيْوَةَ والأعْمَشُ: بِكَسْرِ سِينِ (يَفْسُقُونَ) . والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في مِنها عائِدٌ عَلى القَرْيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَنازِلُهُمُ الخَرِبَةُ. وحَكى أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ أنَّ الآيَةَ في قَرْيَتِهِمْ، إلّا أنَّ أساسَها أعْلاها، وسُقُوفَها أسْفَلُها إلى الآنَ. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى تَرَكْناها آيَةً، يَقُولُ: إنَّ في السَّماءِ لَآيَةً، يُرِيدُ أنَّها آيَةٌ. انْتَهى، وهَذا لا يَتَّجِهُ إلّا عَلى زِيادَةِ مِن في الواجِبِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: أمْهَرْتُ مِنها جُبَّةً وتَيْسًا، يُرِيدُ: أمْهَرْتُها؛ وكَذَلِكَ: ولَقَدْ تَرَكْناها آيَةً، وقِيلَ: الهاءُ في ”مِنها“ عائِدَةٌ عَلى الفِعْلَةِ الَّتِي فُعِلَتْ بِهِمْ، فَقِيلَ: الآيَةُ: الحِجارَةُ الَّتِي أدْرَكَتْها أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ وقِيلَ: الماءُ الأسْوَدُ عَلى وجْهِ الأرْضِ، قالَهُ مُجاهِدٌ؛ وقِيلَ: أنْجَزَ ما صَنَعَ بِهِمْ. و(لِقَوْمٍ) مُتَعَلِّقٌ بِـ: (تَرَكْنا)، أوْ (بَيِّنَةً) .

العنكبوت 29:36

﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا فَقالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وارْجُوا اليَوْمَ الآخِرَ ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿وعادًا وثَمُودًا وقَدْ تَبَيَّنَ لَكم مِن مَساكِنِهِمْ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ ﴿وقارُونَ وفِرْعَوْنَ وهامانَ ولَقَدْ جاءَهم مُوسى بِالبَيِّناتِ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ وما كانُوا سابِقِينَ﴾ ﴿فَكُلًّا أخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا ومِنهم مَن أخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ ومِنهم مَن خَسَفْنا بِهِ الأرْضَ ومِنهم مَن أغْرَقْنا وما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ ﴿وخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿اتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ وأقِمِ الصَّلاةَ إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ واللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ﴾ . (وإلى مَدْيَنَ) أيْ: وإلى مَدْيَنَ أرْسَلْنا، أوْ بَعَثْنا، مِمّا يَتَعَدّى بِإلى. أمَرَهم بِعِبادَةِ اللَّهِ، والإيمانِ بِالبَعْثِ واليَوْمِ الآخِرِ. والأمْرُ بِالرَّجاءِ أمْرٌ بِفِعْلِ ما يَتَرَتَّبُ الرَّجاءُ عَلَيْهِ، أقامَ المُسَبِّبَ مَقامَ السَّبَبِ. والمَعْنى: وافْعَلُوا ما تَرْجُونَ بِهِ الثَّوابَ مِنَ اللَّهِ، أوْ يَكُونُ أمْرًا بِالرَّجاءِ عَلى تَقْدِيرِ تَحْصِيلِ شَرْطِهِ، وهو الإيمانُ بِاللَّهِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿وارْجُوا﴾ خافُوا جَزاءَ اليَوْمِ الآخِرِ مِنَ انْتِقامِ اللَّهِ مِنكم؛ إنْ لَمْ تَعْبُدُوهُ. وتَضَمَّنَ الأمْرُ بِالعِبادَةِ والرَّجاءِ أنَّهُ إنْ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ، وقَعَ بِهِمُ العَذابُ؛ كَذَلِكَ جاءَ: (فَكَذَّبُوهُ) وجاءَتْ ثَمَرَةُ التَّكْذِيبِ، وهي: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الجُمَلِ. وانْتَصَبَ ﴿وعادًا وثَمُودَ﴾ بِإضْمارِ أهْلَكْنا، لِدَلالَةِ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ عَلَيْهِ. وقِيلَ: بِالعَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ في (فَأخَذَتْهم)، وأبْعَدَ الكِسائِيُّ في عَطْفِهِ عَلى الَّذِينَ (p-١٥٢)مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣] . وقَرَأ: ثَمُودَ، بِغَيْرِ تَنْوِينٍ؛ حَمْزَةُ، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ، وحَفْصٌ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِالتَّنْوِينِ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: ”وعادٍ وثَمُودٍ“، بِالخَفْضِ فِيهِما والتَّنْوِينِ عَطْفًا عَلى (مَدْيَنَ)، أيْ: وأرْسَلْنا إلى عادٍ وثَمُودَ. ﴿وقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ﴾ أيْ: ذَلِكَ، أيْ: ما وُصِفَ لَكم مِن إهْلاكِهِمْ مِن جِهَةِ مَساكِنِهِمْ، إذا نَظَرْتُمْ إلَيْها عِنْدَ مُرُورِكم لَها، وكانَ أهْلُ مَكَّةَ يَمُرُّونَ عَلَيْها في أسْفارِهِمْ. وقَرَأ الأعْمَشُ: ”مَساكِنُهم“، بِالرَّفْعِ مِن غَيْرِ ”مِن“، فَيَكُونُ فاعِلًا بِـ: (تَبَيَّنَ) . ﴿وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ﴾ أيْ: بِوَسْوَسَتِهِ وإغْوائِهِ (أعْمالَهم) القَبِيحَةَ. (فَصَدَّهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)؛ وهي طَرِيقُ الإيمانِ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ. ﴿وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ أيْ: في كُفْرِهِمْ لَهم بِهِ بَصَرٌ وإعْجابٌ قالَهُ، ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ. وقِيلَ: عُقَلاءُ، يَعْلَمُونَ أنَّ الرِّسالَةَ والآياتِ حَقٌّ، ولَكِنَّهم كَفَرُوا عِنادًا، وجَحَدُوا بِها، واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم. (وقارُونَ) مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، أوْ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ ”اذْكُرْ“ . (فاسْتَكْبَرُوا) أيْ: عَنِ الإقْرارِ بِالصّانِعِ وعِبادَتِهِ في الأرْضِ، إشارَةً إلى قِلَّةِ عُقُولِهِمْ؛ لِأنَّ مَن في الأرْضِ يَشْعُرُ بِالضَّعْفِ، ومَن في السَّماءِ يَشْعُرُ بِالقُوَّةِ، ومَن في السَّماءِ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ، فَكَيْفَ مَن في الأرْضِ ؟ ﴿وما كانُوا سابِقِينَ﴾ الأُمَمَ إلى الكُفْرِ، أيْ: تِلْكَ عادَةُ الأُمَمِ مَعَ رُسُلِهِمْ. والحاصِبُ لِقَوْمِ لُوطٍ، وهي رِيحٌ عاصِفٌ فِيها حَصًى، وقِيلَ: مَلَكٌ كانَ يَرْمِيهِمْ. والصَّيْحَةُ لِمَدْيَنَ وثَمُودَ، والخَسْفُ لِقارُونَ، والغَرَقُ لِقَوْمِ نُوحٍ وفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُشْبِهُ أنْ يَدْخُلَ قَوْمُ عادٍ في الحاصِبِ؛ لِأنَّ تِلْكَ الرِّيحَ لا بُدَّ كانَتْ تَحْصُبُهم بِأُمُورٍ مُؤْذِيَةٍ، والحاصِبُ: هو العارِضُ مِن رِيحٍ أوْ سَحابٍ إذا رُمِيَ بِشَيْءٍ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: ؎مُسْتَقْبِلِينَ شَمالَ الشَّأْمِ تَضْرِبُهم بِحاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنثُورِ ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ: ؎تَرْمِي العِضاةَ بِحاصِبٍ مِن ثَلْجِها ∗∗∗ حَتّى تَبِيتَ عَلى العِضاهِ جُفالا العَنْكَبُوتُ حَيَوانٌ مَعْرُوفٌ، ووَزْنُهُ فَعْلَلُوتٌ، ويُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ، فَمِن تَذْكِيرِهِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎عَلى هَطّالِهِمْ مِنهم بُيُوتٌ ∗∗∗ كَأنَّ العَنْكَبُوتَ هو ابْتَناها ويُجْمَعُ: عَناكِبُ، ويُصَغَّرُ: عُنَيْكِيبٌ. يُشَبِّهُ تَعالى الكُفّارَ في عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ، وبِنائِهِمْ أُمُورَهم عَلَيْها بِالعَنْكَبُوتِ الَّتِي تَبْنِي وتَجْتَهِدُ، وأمْرُها كُلُّهُ ضَعِيفٌ، مَتى مَسَّتْهُ أدْنى هامَةٍ أوْ هامَّةٍ أذْهَبَتْهُ، فَكَذَلِكَ أمْرُ أُولَئِكَ، وسَعْيُهم مُضْمَحِلٌّ، لا قُوَّةَ لَهُ ولا مُعْتَمَدٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الغَرَضُ تَشْبِيهُ ما اتَّخَذُوهُ مُتَّكَلًا ومُعْتَمَدًا في دِينِهِمْ، وتَوَلَّوْهُ مِن دُونِ اللَّهِ، مِمّا هو مَثَلٌ عِنْدِ النّاسِ في الوَهْنِ وضَعْفِ القُوَّةِ، وهو نَسْجُ العَنْكَبُوتِ. ألا تَرى إلى مَقْطَعِ التَّشْبِيهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ﴾ ؟ انْتَهى. يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ألا تَرى إلى مَقْطَعِ التَّشْبِيهِ بِما ذَكَرَ أوَّلًا مِن أنَّ الغَرَضَ تَشْبِيهُ المُتَّخِذِ بِالبَيْتِ، لا تَشْبِيهُ المُتَّخِذِ بِالعَنْكَبُوتِ ؟ والَّذِي يَظْهَرُ، هو تَشْبِيهُ المُتَّخِذِ مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا، بِالعَنْكَبُوتِ المُتَّخِذَةِ بَيْتًا، أيْ: فَلا اعْتِمادَ لِلْمُتَّخِذِ عَلى ولِيِّهِ مِن دُونِ اللَّهِ، كَما أنَّ العَنْكَبُوتَ لا اعْتِمادُها عَلى بَيْتِها في اسْتِظْلالٍ وسُكْنى، بَلْ لَوْ دَخَلَتْ فِيهِ خَرَقَتْهُ. ثُمَّ بَيَّنَ حالَ بَيْتِها، وأنَّهُ في غايَةِ الوَهْنِ، بِحَيْثُ لا يُنْتَفَعُ بِهِ. كَما أنَّ تِلْكَ الأصْنامَ لا تَنْفَعُ ولا تُجْدِي شَيْئًا البَتَّةَ، وقَوْلُهُ: (لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ) لَيْسَ مَرْتَبِطًا بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ﴾ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ ذَلِكَ، فَلا يُقالُ فِيهِ: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ؛ وإنَّما المَعْنى: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ هَذا مَثَلُهم، وأنَّ أمْرَ دِينِهِمْ بالِغٌ مِنَ الوَهْنِ هَذِهِ الغايَةَ لَأقْلَعُوا عَنْهُ، وما اتَّخَذُوا الأصْنامَ آلِهَةً. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذا صَحَّ تَشْبِيهُ ما اعْتَمَدُوهُ في دِينِهِمْ بِبَيْتِ العَنْكَبُوتِ، وقَدْ صَحَّ أنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ بَيْتُ العَنْكَبُوتِ، فَقَدْ تَبَيَّنَ أنَّ دِينَهم أوْهَنَ الأدْيانِ، لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ؛ أوْ أُخْرِجَ الكَلامُ بَعْدَ تَصْحِيحِ التَّشْبِيهِ مَخْرَجَ المَجازِ، وكَأنَّهُ قالَ: وإنَّ (p-١٥٣)أوْهَنَ ما يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ في الدِّينِ عِبادَةُ الأوْثانِ، لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: مَثَلُ المُشْرِكِ الَّذِي يَعْبُدُ الوَثَنَ، بِالقِياسِ إلى المُؤْمِنَ الَّذِي يَعْبُدُ اللَّهَ، مَثَلُ عَنْكَبُوتٍ يَتَّخِذُ بَيْتًا، بِالإضافَةِ إلى رَجُلٍ بَنى بَيْتًا بِآجُرٍّ وجِصٍّ أوْ نَحَتَهُ مِن صَخْرٍ. فَكَما أنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ، إذا اسْتَقْرَيْتَها بَيْتًا، بَيْتُ العَنْكَبُوتِ، كَذَلِكَ أضْعَفُ الأدْيانِ، إذا اسْتَقْرَيْتَها دِينًا، عِبادَةُ الأوْثانِ، لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ. انْتَهى. وما ذَكَرَهُ مِن قَوْلِهِ: ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ إلَخْ. لا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ الآيَةِ، وإنَّما هو تَحْمِيلٌ لِلَّفْظِ ما لا يَحْتَمِلُهُ، كَعادَتِهِ في كَثِيرٍ مِن تَفْسِيرِهِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وسَلامٌ: (يَعْلَمُ ما)، بِالإدْغامِ؛ والجُمْهُورُ: بِالفَكِّ؛ والجُمْهُورُ: ”تَدْعُونَ“، بِتاءِ الخِطابِ؛ وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ: بِخِلافٍ، بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وجَوَّزُوا في (ما) أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِـ: (يَدْعُونَ)، أيْ: يَعْلَمُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن جَمِيعِ الأشْياءِ، أيْ: يَعْلَمُ حالَهم، وأنَّهم لا قُدْرَةَ لَهم. وأنْ تَكُونَ نافِيَةً، أيْ: لَسْتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ شَيْئًا لَهُ بالٌ ولا قَدْرٌ، فَيَصْلُحُ أنْ يُسَمّى شَيْئًا، وأنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا، كَأنَّهُ قُدِّرَ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ عَلى هَذا المَعْبُودِ مِن جَمِيعِ الأشْياءِ، وهي في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ مُقْتَطَعَةٌ مِن (يَعْلَمُ)، واعْتِراضٌ بَيْنَ يَعْلَمُ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ . وجَوَّزَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ (ما) اسْتِفْهامًا مَنصُوبًا بِـ: (يَدْعُونَ)، و(يَعْلَمُ) مُعَلَّقَةٌ؛ فالجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِها، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أوْثانًا تَدْعُونَ مِن دُونِهِ، أمْ غَيْرَها لا يَخْفى عَلَيْهِ ذَلِكَ. والجُمْلَةُ تَأْكِيدٌ لِلْمَثَلِ، وإذا كانَتْ (ما) نافِيَةً، كانَ في الجُمْلَةِ زِيادَةٌ عَلى المَثَلِ، حَيْثُ لَمْ يَجْعَلْ تَعالى ما يَدْعُونَهُ شَيْئًا. (وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ) فِيهِ تَجْهِيلٌ لَهم، حَيْثُ عَبَدُوا ما لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهُ جَمادٌ لَيْسَ مَعَهُ مُصَحَّحُ العِلْمِ والقُدْرَةِ أصْلًا، وتَرَكُوا عِبادَةَ القادِرِ القاهِرِ الحَكِيمِ الَّذِي لا يَفْعَلُ شَيْئًا إلّا لِحِكْمَةٍ. ﴿وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ أيْ: لا يَعْقِلُ صِحَّتَها وحُسْنَها وفائِدَتَها. وكانَ جَهَلَةُ قُرَيْشٍ يَقُولُونَ: إنَّ رَبَّ مُحَمَّدٍ يَضْرِبُ المَثَلَ بِالذُّبابِ والعَنْكَبُوتِ، ويَضْحَكُونَ مِن ذَلِكَ، وما عَلِمُوا أنَّ الأمْثالَ والتَّشْبِيهاتِ طُرُقٌ إلى المَعانِي المُحْتَجَبَةِ، فَتُبْرِزُها وتُصَوِّرُها لِلْفَهْمِ، كَما صَوَّرَ هَذا التَّشْبِيهُ الفَرْقَ بَيْنَ حالِ المُشْرِكِ وحالِ المُوَحِّدِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: (وتِلْكَ الأمْثالُ) إلى هَذا المَثَلِ، وما تَقَدَّمَ مِنَ الأمْثالِ في السُّوَرِ. وعَنْ جابِرٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَلا هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: «العالِمُ مَن عَقِلَ عَنِ اللَّهِ فَعَمِلَ بِطاعَتِهِ واجْتَنَبَ سُخْطَهُ». ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى صِغَرِ قَدْرِ الأوْثانِ الَّتِي عَبَدُوها. ومَعْنى (بِالحَقِّ) بِالواجِبِ الثّابِتِ، لا بِالعَبَثِ واللَّعِبِ، إذْ جَعَلَها مَساكِنَ عِبادِهِ، وعِبْرَةً ودَلائِلَ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ وباهِرِ حِكْمَتِهِ. والظّاهِرُ أنَّ الصَّلاةَ هي المَعْهُودَةُ، والمَعْنى: مِن شَأْنِها أنَّها إذا أُدِّيَتْ عَلى ما يَجِبُ مِن فُرُوضِها وسُنَنِها والخُشُوعِ فِيها، والتَّدَبُّرِ لِما يَتْلُو فِيها، وتَقْدِيرُ المُثُولِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعالى، أنْ ﴿تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والكَلْبِيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وحَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ: تَنْهى ما دامَ المُصَلِّي فِيها. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: الصَّلاةُ هُنا القُرْآنُ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: الصَّلاةُ: الدُّعاءُ، أيْ: أقِمِ الدُّعاءَ إلى أمْرِ اللَّهِ، وأمّا مَن تَراهُ مِنَ المُصَلِّينَ يَتَعاطى المَعاصِيَ، فَإنَّ صَلاتَهُ تِلْكَ لَيْسَتْ بِالوَصْفِ الَّذِي تَقَدَّمَ. «وفِي الحَدِيثِ أنَّ فَتًى مِنَ الأنْصارِ كانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، ولا يَدَعُ شَيْئًا مِنَ الفَواحِشِ والسَّرِقَةِ إلّا ارْتَكَبَهُ، فَقِيلَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ، فَقالَ: ”إنَّ صَلاتَهُ تَنْهاهُ“ . فَلَمْ يَلْبَثْ أنْ تابَ وصَلُحَتْ حالُهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”ألَمْ أقُلْ لَكم ؟“» ولا يَدُلُّ اللَّفْظُ عَلى أنَّ كُلَّ صَلاةٍ تَنْهى، بَلِ المَعْنى، أنَّهُ يُوجَدُ ذَلِكَ فِيها، ولا يَكُونُ عَلى العُمُومِ. كَما تَقُولُ: فُلانٌ يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ، أيْ: مِن شَأْنِهِ ذَلِكَ، ولا يَلْزَمُ مِنهُ أنَّ كُلَّ مَعْرُوفٍ يَأْمُرُ بِهِ. والظّاهِرُ أنَّ (أكْبَرُ) أفْعَلُ تَفْضِيلٍ. فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ، وسَلْمانُ، وأبُو الدَّرْداءِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو قُرَّةَ: مَعْناهُ ولَذِكْرُ اللَّهِ إيّاكم أكْبَرُ مِن ذِكْرِكم إيّاهُ. وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: أكْبَرُ مِن كُلِّ شَيْءٍ؛ وقِيلَ: ولَذِكْرُ اللَّهِ في الصَّلاةِ أكْبَرُ مِنهُ خارِجَ الصَّلاةِ، أيْ: أكْبَرُ ثَوابًا؛ وقِيلَ: أكْبَرُ مِن سائِرِ أرْكانِ الصَّلاةِ؛ وقِيلَ: ولَذِكْرُ اللَّهِ نَهْيُهُ أكْبَرُ مِن نَهْيِ الصَّلاةِ؛ وقِيلَ: أكْبَرُ مِن كُلِّ (p-١٥٤)العِبادَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعِنْدِي أنَّ المَعْنى: ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ عَلى الإطْلاقِ، أيْ: هو الَّذِي يَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، والجُزْءُ الَّذِي مِنهُ في الصَّلاةِ يَنْهى، كَما يَنْهى في غَيْرِ الصَّلاةِ؛ لِأنَّ الِانْتِهاءَ لا يَكُونُ إلّا مِن ذاكِرِ اللَّهِ مُراقِبِهِ، وثَوابُ ذَلِكَ الذّاكِرِ أنْ يَذْكُرَهُ اللَّهُ في مَلَأٍ خَيْرٍ مِن مَلَئِهِ، والحَرَكاتُ الَّتِي في الصَّلاةِ لا تَأْثِيرَ لَها في النَّهْيِ، والذِّكْرُ النّافِعُ هو مَعَ العِلْمِ وإقْبالِ القَلْبِ وتَفَرُّغِهِ إلّا مِنَ اللَّهِ. وأمّا ما لا يُجاوِزُ اللِّسانَ فَفي رُتْبَةٍ أُخْرى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُرِيدُ والصَّلاةُ أكْبَرُ مِن غَيْرِها مِنَ الطّاعاتِ، وسَمّاها بِذِكْرِ اللَّهِ، كَما قالَ: ﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] وإنَّما قالَ: ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ﴾ لِتَسْتَقِلَّ بِالتَّعْلِيلِ، كَأنَّهُ قالَ: والصَّلاةُ أكْبَرُ؛ لِأنَّها ذِكْرُ اللَّهِ مِمّا تَصْنَعُونَ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ فَيُجازِيكم، وفِيهِ وعِيدٌ وحَثٌّ عَلى المُراقَبَةِ.

العنكبوت 29:37

﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا فَقالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وارْجُوا اليَوْمَ الآخِرَ ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿وعادًا وثَمُودًا وقَدْ تَبَيَّنَ لَكم مِن مَساكِنِهِمْ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ ﴿وقارُونَ وفِرْعَوْنَ وهامانَ ولَقَدْ جاءَهم مُوسى بِالبَيِّناتِ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ وما كانُوا سابِقِينَ﴾ ﴿فَكُلًّا أخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا ومِنهم مَن أخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ ومِنهم مَن خَسَفْنا بِهِ الأرْضَ ومِنهم مَن أغْرَقْنا وما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ ﴿وخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿اتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ وأقِمِ الصَّلاةَ إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ واللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ﴾ . (وإلى مَدْيَنَ) أيْ: وإلى مَدْيَنَ أرْسَلْنا، أوْ بَعَثْنا، مِمّا يَتَعَدّى بِإلى. أمَرَهم بِعِبادَةِ اللَّهِ، والإيمانِ بِالبَعْثِ واليَوْمِ الآخِرِ. والأمْرُ بِالرَّجاءِ أمْرٌ بِفِعْلِ ما يَتَرَتَّبُ الرَّجاءُ عَلَيْهِ، أقامَ المُسَبِّبَ مَقامَ السَّبَبِ. والمَعْنى: وافْعَلُوا ما تَرْجُونَ بِهِ الثَّوابَ مِنَ اللَّهِ، أوْ يَكُونُ أمْرًا بِالرَّجاءِ عَلى تَقْدِيرِ تَحْصِيلِ شَرْطِهِ، وهو الإيمانُ بِاللَّهِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿وارْجُوا﴾ خافُوا جَزاءَ اليَوْمِ الآخِرِ مِنَ انْتِقامِ اللَّهِ مِنكم؛ إنْ لَمْ تَعْبُدُوهُ. وتَضَمَّنَ الأمْرُ بِالعِبادَةِ والرَّجاءِ أنَّهُ إنْ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ، وقَعَ بِهِمُ العَذابُ؛ كَذَلِكَ جاءَ: (فَكَذَّبُوهُ) وجاءَتْ ثَمَرَةُ التَّكْذِيبِ، وهي: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الجُمَلِ. وانْتَصَبَ ﴿وعادًا وثَمُودَ﴾ بِإضْمارِ أهْلَكْنا، لِدَلالَةِ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ عَلَيْهِ. وقِيلَ: بِالعَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ في (فَأخَذَتْهم)، وأبْعَدَ الكِسائِيُّ في عَطْفِهِ عَلى الَّذِينَ (p-١٥٢)مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣] . وقَرَأ: ثَمُودَ، بِغَيْرِ تَنْوِينٍ؛ حَمْزَةُ، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ، وحَفْصٌ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِالتَّنْوِينِ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: ”وعادٍ وثَمُودٍ“، بِالخَفْضِ فِيهِما والتَّنْوِينِ عَطْفًا عَلى (مَدْيَنَ)، أيْ: وأرْسَلْنا إلى عادٍ وثَمُودَ. ﴿وقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ﴾ أيْ: ذَلِكَ، أيْ: ما وُصِفَ لَكم مِن إهْلاكِهِمْ مِن جِهَةِ مَساكِنِهِمْ، إذا نَظَرْتُمْ إلَيْها عِنْدَ مُرُورِكم لَها، وكانَ أهْلُ مَكَّةَ يَمُرُّونَ عَلَيْها في أسْفارِهِمْ. وقَرَأ الأعْمَشُ: ”مَساكِنُهم“، بِالرَّفْعِ مِن غَيْرِ ”مِن“، فَيَكُونُ فاعِلًا بِـ: (تَبَيَّنَ) . ﴿وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ﴾ أيْ: بِوَسْوَسَتِهِ وإغْوائِهِ (أعْمالَهم) القَبِيحَةَ. (فَصَدَّهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)؛ وهي طَرِيقُ الإيمانِ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ. ﴿وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ أيْ: في كُفْرِهِمْ لَهم بِهِ بَصَرٌ وإعْجابٌ قالَهُ، ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ. وقِيلَ: عُقَلاءُ، يَعْلَمُونَ أنَّ الرِّسالَةَ والآياتِ حَقٌّ، ولَكِنَّهم كَفَرُوا عِنادًا، وجَحَدُوا بِها، واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم. (وقارُونَ) مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، أوْ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ ”اذْكُرْ“ . (فاسْتَكْبَرُوا) أيْ: عَنِ الإقْرارِ بِالصّانِعِ وعِبادَتِهِ في الأرْضِ، إشارَةً إلى قِلَّةِ عُقُولِهِمْ؛ لِأنَّ مَن في الأرْضِ يَشْعُرُ بِالضَّعْفِ، ومَن في السَّماءِ يَشْعُرُ بِالقُوَّةِ، ومَن في السَّماءِ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ، فَكَيْفَ مَن في الأرْضِ ؟ ﴿وما كانُوا سابِقِينَ﴾ الأُمَمَ إلى الكُفْرِ، أيْ: تِلْكَ عادَةُ الأُمَمِ مَعَ رُسُلِهِمْ. والحاصِبُ لِقَوْمِ لُوطٍ، وهي رِيحٌ عاصِفٌ فِيها حَصًى، وقِيلَ: مَلَكٌ كانَ يَرْمِيهِمْ. والصَّيْحَةُ لِمَدْيَنَ وثَمُودَ، والخَسْفُ لِقارُونَ، والغَرَقُ لِقَوْمِ نُوحٍ وفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُشْبِهُ أنْ يَدْخُلَ قَوْمُ عادٍ في الحاصِبِ؛ لِأنَّ تِلْكَ الرِّيحَ لا بُدَّ كانَتْ تَحْصُبُهم بِأُمُورٍ مُؤْذِيَةٍ، والحاصِبُ: هو العارِضُ مِن رِيحٍ أوْ سَحابٍ إذا رُمِيَ بِشَيْءٍ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: ؎مُسْتَقْبِلِينَ شَمالَ الشَّأْمِ تَضْرِبُهم بِحاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنثُورِ ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ: ؎تَرْمِي العِضاةَ بِحاصِبٍ مِن ثَلْجِها ∗∗∗ حَتّى تَبِيتَ عَلى العِضاهِ جُفالا العَنْكَبُوتُ حَيَوانٌ مَعْرُوفٌ، ووَزْنُهُ فَعْلَلُوتٌ، ويُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ، فَمِن تَذْكِيرِهِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎عَلى هَطّالِهِمْ مِنهم بُيُوتٌ ∗∗∗ كَأنَّ العَنْكَبُوتَ هو ابْتَناها ويُجْمَعُ: عَناكِبُ، ويُصَغَّرُ: عُنَيْكِيبٌ. يُشَبِّهُ تَعالى الكُفّارَ في عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ، وبِنائِهِمْ أُمُورَهم عَلَيْها بِالعَنْكَبُوتِ الَّتِي تَبْنِي وتَجْتَهِدُ، وأمْرُها كُلُّهُ ضَعِيفٌ، مَتى مَسَّتْهُ أدْنى هامَةٍ أوْ هامَّةٍ أذْهَبَتْهُ، فَكَذَلِكَ أمْرُ أُولَئِكَ، وسَعْيُهم مُضْمَحِلٌّ، لا قُوَّةَ لَهُ ولا مُعْتَمَدٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الغَرَضُ تَشْبِيهُ ما اتَّخَذُوهُ مُتَّكَلًا ومُعْتَمَدًا في دِينِهِمْ، وتَوَلَّوْهُ مِن دُونِ اللَّهِ، مِمّا هو مَثَلٌ عِنْدِ النّاسِ في الوَهْنِ وضَعْفِ القُوَّةِ، وهو نَسْجُ العَنْكَبُوتِ. ألا تَرى إلى مَقْطَعِ التَّشْبِيهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ﴾ ؟ انْتَهى. يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ألا تَرى إلى مَقْطَعِ التَّشْبِيهِ بِما ذَكَرَ أوَّلًا مِن أنَّ الغَرَضَ تَشْبِيهُ المُتَّخِذِ بِالبَيْتِ، لا تَشْبِيهُ المُتَّخِذِ بِالعَنْكَبُوتِ ؟ والَّذِي يَظْهَرُ، هو تَشْبِيهُ المُتَّخِذِ مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا، بِالعَنْكَبُوتِ المُتَّخِذَةِ بَيْتًا، أيْ: فَلا اعْتِمادَ لِلْمُتَّخِذِ عَلى ولِيِّهِ مِن دُونِ اللَّهِ، كَما أنَّ العَنْكَبُوتَ لا اعْتِمادُها عَلى بَيْتِها في اسْتِظْلالٍ وسُكْنى، بَلْ لَوْ دَخَلَتْ فِيهِ خَرَقَتْهُ. ثُمَّ بَيَّنَ حالَ بَيْتِها، وأنَّهُ في غايَةِ الوَهْنِ، بِحَيْثُ لا يُنْتَفَعُ بِهِ. كَما أنَّ تِلْكَ الأصْنامَ لا تَنْفَعُ ولا تُجْدِي شَيْئًا البَتَّةَ، وقَوْلُهُ: (لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ) لَيْسَ مَرْتَبِطًا بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ﴾ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ ذَلِكَ، فَلا يُقالُ فِيهِ: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ؛ وإنَّما المَعْنى: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ هَذا مَثَلُهم، وأنَّ أمْرَ دِينِهِمْ بالِغٌ مِنَ الوَهْنِ هَذِهِ الغايَةَ لَأقْلَعُوا عَنْهُ، وما اتَّخَذُوا الأصْنامَ آلِهَةً. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذا صَحَّ تَشْبِيهُ ما اعْتَمَدُوهُ في دِينِهِمْ بِبَيْتِ العَنْكَبُوتِ، وقَدْ صَحَّ أنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ بَيْتُ العَنْكَبُوتِ، فَقَدْ تَبَيَّنَ أنَّ دِينَهم أوْهَنَ الأدْيانِ، لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ؛ أوْ أُخْرِجَ الكَلامُ بَعْدَ تَصْحِيحِ التَّشْبِيهِ مَخْرَجَ المَجازِ، وكَأنَّهُ قالَ: وإنَّ (p-١٥٣)أوْهَنَ ما يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ في الدِّينِ عِبادَةُ الأوْثانِ، لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: مَثَلُ المُشْرِكِ الَّذِي يَعْبُدُ الوَثَنَ، بِالقِياسِ إلى المُؤْمِنَ الَّذِي يَعْبُدُ اللَّهَ، مَثَلُ عَنْكَبُوتٍ يَتَّخِذُ بَيْتًا، بِالإضافَةِ إلى رَجُلٍ بَنى بَيْتًا بِآجُرٍّ وجِصٍّ أوْ نَحَتَهُ مِن صَخْرٍ. فَكَما أنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ، إذا اسْتَقْرَيْتَها بَيْتًا، بَيْتُ العَنْكَبُوتِ، كَذَلِكَ أضْعَفُ الأدْيانِ، إذا اسْتَقْرَيْتَها دِينًا، عِبادَةُ الأوْثانِ، لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ. انْتَهى. وما ذَكَرَهُ مِن قَوْلِهِ: ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ إلَخْ. لا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ الآيَةِ، وإنَّما هو تَحْمِيلٌ لِلَّفْظِ ما لا يَحْتَمِلُهُ، كَعادَتِهِ في كَثِيرٍ مِن تَفْسِيرِهِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وسَلامٌ: (يَعْلَمُ ما)، بِالإدْغامِ؛ والجُمْهُورُ: بِالفَكِّ؛ والجُمْهُورُ: ”تَدْعُونَ“، بِتاءِ الخِطابِ؛ وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ: بِخِلافٍ، بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وجَوَّزُوا في (ما) أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِـ: (يَدْعُونَ)، أيْ: يَعْلَمُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن جَمِيعِ الأشْياءِ، أيْ: يَعْلَمُ حالَهم، وأنَّهم لا قُدْرَةَ لَهم. وأنْ تَكُونَ نافِيَةً، أيْ: لَسْتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ شَيْئًا لَهُ بالٌ ولا قَدْرٌ، فَيَصْلُحُ أنْ يُسَمّى شَيْئًا، وأنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا، كَأنَّهُ قُدِّرَ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ عَلى هَذا المَعْبُودِ مِن جَمِيعِ الأشْياءِ، وهي في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ مُقْتَطَعَةٌ مِن (يَعْلَمُ)، واعْتِراضٌ بَيْنَ يَعْلَمُ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ . وجَوَّزَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ (ما) اسْتِفْهامًا مَنصُوبًا بِـ: (يَدْعُونَ)، و(يَعْلَمُ) مُعَلَّقَةٌ؛ فالجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِها، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أوْثانًا تَدْعُونَ مِن دُونِهِ، أمْ غَيْرَها لا يَخْفى عَلَيْهِ ذَلِكَ. والجُمْلَةُ تَأْكِيدٌ لِلْمَثَلِ، وإذا كانَتْ (ما) نافِيَةً، كانَ في الجُمْلَةِ زِيادَةٌ عَلى المَثَلِ، حَيْثُ لَمْ يَجْعَلْ تَعالى ما يَدْعُونَهُ شَيْئًا. (وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ) فِيهِ تَجْهِيلٌ لَهم، حَيْثُ عَبَدُوا ما لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهُ جَمادٌ لَيْسَ مَعَهُ مُصَحَّحُ العِلْمِ والقُدْرَةِ أصْلًا، وتَرَكُوا عِبادَةَ القادِرِ القاهِرِ الحَكِيمِ الَّذِي لا يَفْعَلُ شَيْئًا إلّا لِحِكْمَةٍ. ﴿وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ أيْ: لا يَعْقِلُ صِحَّتَها وحُسْنَها وفائِدَتَها. وكانَ جَهَلَةُ قُرَيْشٍ يَقُولُونَ: إنَّ رَبَّ مُحَمَّدٍ يَضْرِبُ المَثَلَ بِالذُّبابِ والعَنْكَبُوتِ، ويَضْحَكُونَ مِن ذَلِكَ، وما عَلِمُوا أنَّ الأمْثالَ والتَّشْبِيهاتِ طُرُقٌ إلى المَعانِي المُحْتَجَبَةِ، فَتُبْرِزُها وتُصَوِّرُها لِلْفَهْمِ، كَما صَوَّرَ هَذا التَّشْبِيهُ الفَرْقَ بَيْنَ حالِ المُشْرِكِ وحالِ المُوَحِّدِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: (وتِلْكَ الأمْثالُ) إلى هَذا المَثَلِ، وما تَقَدَّمَ مِنَ الأمْثالِ في السُّوَرِ. وعَنْ جابِرٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَلا هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: «العالِمُ مَن عَقِلَ عَنِ اللَّهِ فَعَمِلَ بِطاعَتِهِ واجْتَنَبَ سُخْطَهُ». ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى صِغَرِ قَدْرِ الأوْثانِ الَّتِي عَبَدُوها. ومَعْنى (بِالحَقِّ) بِالواجِبِ الثّابِتِ، لا بِالعَبَثِ واللَّعِبِ، إذْ جَعَلَها مَساكِنَ عِبادِهِ، وعِبْرَةً ودَلائِلَ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ وباهِرِ حِكْمَتِهِ. والظّاهِرُ أنَّ الصَّلاةَ هي المَعْهُودَةُ، والمَعْنى: مِن شَأْنِها أنَّها إذا أُدِّيَتْ عَلى ما يَجِبُ مِن فُرُوضِها وسُنَنِها والخُشُوعِ فِيها، والتَّدَبُّرِ لِما يَتْلُو فِيها، وتَقْدِيرُ المُثُولِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعالى، أنْ ﴿تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والكَلْبِيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وحَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ: تَنْهى ما دامَ المُصَلِّي فِيها. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: الصَّلاةُ هُنا القُرْآنُ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: الصَّلاةُ: الدُّعاءُ، أيْ: أقِمِ الدُّعاءَ إلى أمْرِ اللَّهِ، وأمّا مَن تَراهُ مِنَ المُصَلِّينَ يَتَعاطى المَعاصِيَ، فَإنَّ صَلاتَهُ تِلْكَ لَيْسَتْ بِالوَصْفِ الَّذِي تَقَدَّمَ. «وفِي الحَدِيثِ أنَّ فَتًى مِنَ الأنْصارِ كانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، ولا يَدَعُ شَيْئًا مِنَ الفَواحِشِ والسَّرِقَةِ إلّا ارْتَكَبَهُ، فَقِيلَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ، فَقالَ: ”إنَّ صَلاتَهُ تَنْهاهُ“ . فَلَمْ يَلْبَثْ أنْ تابَ وصَلُحَتْ حالُهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”ألَمْ أقُلْ لَكم ؟“» ولا يَدُلُّ اللَّفْظُ عَلى أنَّ كُلَّ صَلاةٍ تَنْهى، بَلِ المَعْنى، أنَّهُ يُوجَدُ ذَلِكَ فِيها، ولا يَكُونُ عَلى العُمُومِ. كَما تَقُولُ: فُلانٌ يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ، أيْ: مِن شَأْنِهِ ذَلِكَ، ولا يَلْزَمُ مِنهُ أنَّ كُلَّ مَعْرُوفٍ يَأْمُرُ بِهِ. والظّاهِرُ أنَّ (أكْبَرُ) أفْعَلُ تَفْضِيلٍ. فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ، وسَلْمانُ، وأبُو الدَّرْداءِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو قُرَّةَ: مَعْناهُ ولَذِكْرُ اللَّهِ إيّاكم أكْبَرُ مِن ذِكْرِكم إيّاهُ. وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: أكْبَرُ مِن كُلِّ شَيْءٍ؛ وقِيلَ: ولَذِكْرُ اللَّهِ في الصَّلاةِ أكْبَرُ مِنهُ خارِجَ الصَّلاةِ، أيْ: أكْبَرُ ثَوابًا؛ وقِيلَ: أكْبَرُ مِن سائِرِ أرْكانِ الصَّلاةِ؛ وقِيلَ: ولَذِكْرُ اللَّهِ نَهْيُهُ أكْبَرُ مِن نَهْيِ الصَّلاةِ؛ وقِيلَ: أكْبَرُ مِن كُلِّ (p-١٥٤)العِبادَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعِنْدِي أنَّ المَعْنى: ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ عَلى الإطْلاقِ، أيْ: هو الَّذِي يَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، والجُزْءُ الَّذِي مِنهُ في الصَّلاةِ يَنْهى، كَما يَنْهى في غَيْرِ الصَّلاةِ؛ لِأنَّ الِانْتِهاءَ لا يَكُونُ إلّا مِن ذاكِرِ اللَّهِ مُراقِبِهِ، وثَوابُ ذَلِكَ الذّاكِرِ أنْ يَذْكُرَهُ اللَّهُ في مَلَأٍ خَيْرٍ مِن مَلَئِهِ، والحَرَكاتُ الَّتِي في الصَّلاةِ لا تَأْثِيرَ لَها في النَّهْيِ، والذِّكْرُ النّافِعُ هو مَعَ العِلْمِ وإقْبالِ القَلْبِ وتَفَرُّغِهِ إلّا مِنَ اللَّهِ. وأمّا ما لا يُجاوِزُ اللِّسانَ فَفي رُتْبَةٍ أُخْرى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُرِيدُ والصَّلاةُ أكْبَرُ مِن غَيْرِها مِنَ الطّاعاتِ، وسَمّاها بِذِكْرِ اللَّهِ، كَما قالَ: ﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] وإنَّما قالَ: ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ﴾ لِتَسْتَقِلَّ بِالتَّعْلِيلِ، كَأنَّهُ قالَ: والصَّلاةُ أكْبَرُ؛ لِأنَّها ذِكْرُ اللَّهِ مِمّا تَصْنَعُونَ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ فَيُجازِيكم، وفِيهِ وعِيدٌ وحَثٌّ عَلى المُراقَبَةِ.

العنكبوت 29:38

﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا فَقالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وارْجُوا اليَوْمَ الآخِرَ ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿وعادًا وثَمُودًا وقَدْ تَبَيَّنَ لَكم مِن مَساكِنِهِمْ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ ﴿وقارُونَ وفِرْعَوْنَ وهامانَ ولَقَدْ جاءَهم مُوسى بِالبَيِّناتِ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ وما كانُوا سابِقِينَ﴾ ﴿فَكُلًّا أخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا ومِنهم مَن أخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ ومِنهم مَن خَسَفْنا بِهِ الأرْضَ ومِنهم مَن أغْرَقْنا وما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ ﴿وخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿اتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ وأقِمِ الصَّلاةَ إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ واللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ﴾ . (وإلى مَدْيَنَ) أيْ: وإلى مَدْيَنَ أرْسَلْنا، أوْ بَعَثْنا، مِمّا يَتَعَدّى بِإلى. أمَرَهم بِعِبادَةِ اللَّهِ، والإيمانِ بِالبَعْثِ واليَوْمِ الآخِرِ. والأمْرُ بِالرَّجاءِ أمْرٌ بِفِعْلِ ما يَتَرَتَّبُ الرَّجاءُ عَلَيْهِ، أقامَ المُسَبِّبَ مَقامَ السَّبَبِ. والمَعْنى: وافْعَلُوا ما تَرْجُونَ بِهِ الثَّوابَ مِنَ اللَّهِ، أوْ يَكُونُ أمْرًا بِالرَّجاءِ عَلى تَقْدِيرِ تَحْصِيلِ شَرْطِهِ، وهو الإيمانُ بِاللَّهِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿وارْجُوا﴾ خافُوا جَزاءَ اليَوْمِ الآخِرِ مِنَ انْتِقامِ اللَّهِ مِنكم؛ إنْ لَمْ تَعْبُدُوهُ. وتَضَمَّنَ الأمْرُ بِالعِبادَةِ والرَّجاءِ أنَّهُ إنْ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ، وقَعَ بِهِمُ العَذابُ؛ كَذَلِكَ جاءَ: (فَكَذَّبُوهُ) وجاءَتْ ثَمَرَةُ التَّكْذِيبِ، وهي: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الجُمَلِ. وانْتَصَبَ ﴿وعادًا وثَمُودَ﴾ بِإضْمارِ أهْلَكْنا، لِدَلالَةِ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ عَلَيْهِ. وقِيلَ: بِالعَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ في (فَأخَذَتْهم)، وأبْعَدَ الكِسائِيُّ في عَطْفِهِ عَلى الَّذِينَ (p-١٥٢)مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣] . وقَرَأ: ثَمُودَ، بِغَيْرِ تَنْوِينٍ؛ حَمْزَةُ، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ، وحَفْصٌ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِالتَّنْوِينِ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: ”وعادٍ وثَمُودٍ“، بِالخَفْضِ فِيهِما والتَّنْوِينِ عَطْفًا عَلى (مَدْيَنَ)، أيْ: وأرْسَلْنا إلى عادٍ وثَمُودَ. ﴿وقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ﴾ أيْ: ذَلِكَ، أيْ: ما وُصِفَ لَكم مِن إهْلاكِهِمْ مِن جِهَةِ مَساكِنِهِمْ، إذا نَظَرْتُمْ إلَيْها عِنْدَ مُرُورِكم لَها، وكانَ أهْلُ مَكَّةَ يَمُرُّونَ عَلَيْها في أسْفارِهِمْ. وقَرَأ الأعْمَشُ: ”مَساكِنُهم“، بِالرَّفْعِ مِن غَيْرِ ”مِن“، فَيَكُونُ فاعِلًا بِـ: (تَبَيَّنَ) . ﴿وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ﴾ أيْ: بِوَسْوَسَتِهِ وإغْوائِهِ (أعْمالَهم) القَبِيحَةَ. (فَصَدَّهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)؛ وهي طَرِيقُ الإيمانِ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ. ﴿وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ أيْ: في كُفْرِهِمْ لَهم بِهِ بَصَرٌ وإعْجابٌ قالَهُ، ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ. وقِيلَ: عُقَلاءُ، يَعْلَمُونَ أنَّ الرِّسالَةَ والآياتِ حَقٌّ، ولَكِنَّهم كَفَرُوا عِنادًا، وجَحَدُوا بِها، واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم. (وقارُونَ) مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، أوْ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ ”اذْكُرْ“ . (فاسْتَكْبَرُوا) أيْ: عَنِ الإقْرارِ بِالصّانِعِ وعِبادَتِهِ في الأرْضِ، إشارَةً إلى قِلَّةِ عُقُولِهِمْ؛ لِأنَّ مَن في الأرْضِ يَشْعُرُ بِالضَّعْفِ، ومَن في السَّماءِ يَشْعُرُ بِالقُوَّةِ، ومَن في السَّماءِ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ، فَكَيْفَ مَن في الأرْضِ ؟ ﴿وما كانُوا سابِقِينَ﴾ الأُمَمَ إلى الكُفْرِ، أيْ: تِلْكَ عادَةُ الأُمَمِ مَعَ رُسُلِهِمْ. والحاصِبُ لِقَوْمِ لُوطٍ، وهي رِيحٌ عاصِفٌ فِيها حَصًى، وقِيلَ: مَلَكٌ كانَ يَرْمِيهِمْ. والصَّيْحَةُ لِمَدْيَنَ وثَمُودَ، والخَسْفُ لِقارُونَ، والغَرَقُ لِقَوْمِ نُوحٍ وفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُشْبِهُ أنْ يَدْخُلَ قَوْمُ عادٍ في الحاصِبِ؛ لِأنَّ تِلْكَ الرِّيحَ لا بُدَّ كانَتْ تَحْصُبُهم بِأُمُورٍ مُؤْذِيَةٍ، والحاصِبُ: هو العارِضُ مِن رِيحٍ أوْ سَحابٍ إذا رُمِيَ بِشَيْءٍ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: ؎مُسْتَقْبِلِينَ شَمالَ الشَّأْمِ تَضْرِبُهم بِحاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنثُورِ ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ: ؎تَرْمِي العِضاةَ بِحاصِبٍ مِن ثَلْجِها ∗∗∗ حَتّى تَبِيتَ عَلى العِضاهِ جُفالا العَنْكَبُوتُ حَيَوانٌ مَعْرُوفٌ، ووَزْنُهُ فَعْلَلُوتٌ، ويُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ، فَمِن تَذْكِيرِهِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎عَلى هَطّالِهِمْ مِنهم بُيُوتٌ ∗∗∗ كَأنَّ العَنْكَبُوتَ هو ابْتَناها ويُجْمَعُ: عَناكِبُ، ويُصَغَّرُ: عُنَيْكِيبٌ. يُشَبِّهُ تَعالى الكُفّارَ في عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ، وبِنائِهِمْ أُمُورَهم عَلَيْها بِالعَنْكَبُوتِ الَّتِي تَبْنِي وتَجْتَهِدُ، وأمْرُها كُلُّهُ ضَعِيفٌ، مَتى مَسَّتْهُ أدْنى هامَةٍ أوْ هامَّةٍ أذْهَبَتْهُ، فَكَذَلِكَ أمْرُ أُولَئِكَ، وسَعْيُهم مُضْمَحِلٌّ، لا قُوَّةَ لَهُ ولا مُعْتَمَدٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الغَرَضُ تَشْبِيهُ ما اتَّخَذُوهُ مُتَّكَلًا ومُعْتَمَدًا في دِينِهِمْ، وتَوَلَّوْهُ مِن دُونِ اللَّهِ، مِمّا هو مَثَلٌ عِنْدِ النّاسِ في الوَهْنِ وضَعْفِ القُوَّةِ، وهو نَسْجُ العَنْكَبُوتِ. ألا تَرى إلى مَقْطَعِ التَّشْبِيهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ﴾ ؟ انْتَهى. يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ألا تَرى إلى مَقْطَعِ التَّشْبِيهِ بِما ذَكَرَ أوَّلًا مِن أنَّ الغَرَضَ تَشْبِيهُ المُتَّخِذِ بِالبَيْتِ، لا تَشْبِيهُ المُتَّخِذِ بِالعَنْكَبُوتِ ؟ والَّذِي يَظْهَرُ، هو تَشْبِيهُ المُتَّخِذِ مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا، بِالعَنْكَبُوتِ المُتَّخِذَةِ بَيْتًا، أيْ: فَلا اعْتِمادَ لِلْمُتَّخِذِ عَلى ولِيِّهِ مِن دُونِ اللَّهِ، كَما أنَّ العَنْكَبُوتَ لا اعْتِمادُها عَلى بَيْتِها في اسْتِظْلالٍ وسُكْنى، بَلْ لَوْ دَخَلَتْ فِيهِ خَرَقَتْهُ. ثُمَّ بَيَّنَ حالَ بَيْتِها، وأنَّهُ في غايَةِ الوَهْنِ، بِحَيْثُ لا يُنْتَفَعُ بِهِ. كَما أنَّ تِلْكَ الأصْنامَ لا تَنْفَعُ ولا تُجْدِي شَيْئًا البَتَّةَ، وقَوْلُهُ: (لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ) لَيْسَ مَرْتَبِطًا بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ﴾ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ ذَلِكَ، فَلا يُقالُ فِيهِ: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ؛ وإنَّما المَعْنى: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ هَذا مَثَلُهم، وأنَّ أمْرَ دِينِهِمْ بالِغٌ مِنَ الوَهْنِ هَذِهِ الغايَةَ لَأقْلَعُوا عَنْهُ، وما اتَّخَذُوا الأصْنامَ آلِهَةً. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذا صَحَّ تَشْبِيهُ ما اعْتَمَدُوهُ في دِينِهِمْ بِبَيْتِ العَنْكَبُوتِ، وقَدْ صَحَّ أنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ بَيْتُ العَنْكَبُوتِ، فَقَدْ تَبَيَّنَ أنَّ دِينَهم أوْهَنَ الأدْيانِ، لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ؛ أوْ أُخْرِجَ الكَلامُ بَعْدَ تَصْحِيحِ التَّشْبِيهِ مَخْرَجَ المَجازِ، وكَأنَّهُ قالَ: وإنَّ (p-١٥٣)أوْهَنَ ما يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ في الدِّينِ عِبادَةُ الأوْثانِ، لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: مَثَلُ المُشْرِكِ الَّذِي يَعْبُدُ الوَثَنَ، بِالقِياسِ إلى المُؤْمِنَ الَّذِي يَعْبُدُ اللَّهَ، مَثَلُ عَنْكَبُوتٍ يَتَّخِذُ بَيْتًا، بِالإضافَةِ إلى رَجُلٍ بَنى بَيْتًا بِآجُرٍّ وجِصٍّ أوْ نَحَتَهُ مِن صَخْرٍ. فَكَما أنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ، إذا اسْتَقْرَيْتَها بَيْتًا، بَيْتُ العَنْكَبُوتِ، كَذَلِكَ أضْعَفُ الأدْيانِ، إذا اسْتَقْرَيْتَها دِينًا، عِبادَةُ الأوْثانِ، لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ. انْتَهى. وما ذَكَرَهُ مِن قَوْلِهِ: ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ إلَخْ. لا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ الآيَةِ، وإنَّما هو تَحْمِيلٌ لِلَّفْظِ ما لا يَحْتَمِلُهُ، كَعادَتِهِ في كَثِيرٍ مِن تَفْسِيرِهِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وسَلامٌ: (يَعْلَمُ ما)، بِالإدْغامِ؛ والجُمْهُورُ: بِالفَكِّ؛ والجُمْهُورُ: ”تَدْعُونَ“، بِتاءِ الخِطابِ؛ وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ: بِخِلافٍ، بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وجَوَّزُوا في (ما) أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِـ: (يَدْعُونَ)، أيْ: يَعْلَمُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن جَمِيعِ الأشْياءِ، أيْ: يَعْلَمُ حالَهم، وأنَّهم لا قُدْرَةَ لَهم. وأنْ تَكُونَ نافِيَةً، أيْ: لَسْتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ شَيْئًا لَهُ بالٌ ولا قَدْرٌ، فَيَصْلُحُ أنْ يُسَمّى شَيْئًا، وأنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا، كَأنَّهُ قُدِّرَ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ عَلى هَذا المَعْبُودِ مِن جَمِيعِ الأشْياءِ، وهي في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ مُقْتَطَعَةٌ مِن (يَعْلَمُ)، واعْتِراضٌ بَيْنَ يَعْلَمُ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ . وجَوَّزَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ (ما) اسْتِفْهامًا مَنصُوبًا بِـ: (يَدْعُونَ)، و(يَعْلَمُ) مُعَلَّقَةٌ؛ فالجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِها، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أوْثانًا تَدْعُونَ مِن دُونِهِ، أمْ غَيْرَها لا يَخْفى عَلَيْهِ ذَلِكَ. والجُمْلَةُ تَأْكِيدٌ لِلْمَثَلِ، وإذا كانَتْ (ما) نافِيَةً، كانَ في الجُمْلَةِ زِيادَةٌ عَلى المَثَلِ، حَيْثُ لَمْ يَجْعَلْ تَعالى ما يَدْعُونَهُ شَيْئًا. (وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ) فِيهِ تَجْهِيلٌ لَهم، حَيْثُ عَبَدُوا ما لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهُ جَمادٌ لَيْسَ مَعَهُ مُصَحَّحُ العِلْمِ والقُدْرَةِ أصْلًا، وتَرَكُوا عِبادَةَ القادِرِ القاهِرِ الحَكِيمِ الَّذِي لا يَفْعَلُ شَيْئًا إلّا لِحِكْمَةٍ. ﴿وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ أيْ: لا يَعْقِلُ صِحَّتَها وحُسْنَها وفائِدَتَها. وكانَ جَهَلَةُ قُرَيْشٍ يَقُولُونَ: إنَّ رَبَّ مُحَمَّدٍ يَضْرِبُ المَثَلَ بِالذُّبابِ والعَنْكَبُوتِ، ويَضْحَكُونَ مِن ذَلِكَ، وما عَلِمُوا أنَّ الأمْثالَ والتَّشْبِيهاتِ طُرُقٌ إلى المَعانِي المُحْتَجَبَةِ، فَتُبْرِزُها وتُصَوِّرُها لِلْفَهْمِ، كَما صَوَّرَ هَذا التَّشْبِيهُ الفَرْقَ بَيْنَ حالِ المُشْرِكِ وحالِ المُوَحِّدِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: (وتِلْكَ الأمْثالُ) إلى هَذا المَثَلِ، وما تَقَدَّمَ مِنَ الأمْثالِ في السُّوَرِ. وعَنْ جابِرٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَلا هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: «العالِمُ مَن عَقِلَ عَنِ اللَّهِ فَعَمِلَ بِطاعَتِهِ واجْتَنَبَ سُخْطَهُ». ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى صِغَرِ قَدْرِ الأوْثانِ الَّتِي عَبَدُوها. ومَعْنى (بِالحَقِّ) بِالواجِبِ الثّابِتِ، لا بِالعَبَثِ واللَّعِبِ، إذْ جَعَلَها مَساكِنَ عِبادِهِ، وعِبْرَةً ودَلائِلَ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ وباهِرِ حِكْمَتِهِ. والظّاهِرُ أنَّ الصَّلاةَ هي المَعْهُودَةُ، والمَعْنى: مِن شَأْنِها أنَّها إذا أُدِّيَتْ عَلى ما يَجِبُ مِن فُرُوضِها وسُنَنِها والخُشُوعِ فِيها، والتَّدَبُّرِ لِما يَتْلُو فِيها، وتَقْدِيرُ المُثُولِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعالى، أنْ ﴿تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والكَلْبِيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وحَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ: تَنْهى ما دامَ المُصَلِّي فِيها. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: الصَّلاةُ هُنا القُرْآنُ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: الصَّلاةُ: الدُّعاءُ، أيْ: أقِمِ الدُّعاءَ إلى أمْرِ اللَّهِ، وأمّا مَن تَراهُ مِنَ المُصَلِّينَ يَتَعاطى المَعاصِيَ، فَإنَّ صَلاتَهُ تِلْكَ لَيْسَتْ بِالوَصْفِ الَّذِي تَقَدَّمَ. «وفِي الحَدِيثِ أنَّ فَتًى مِنَ الأنْصارِ كانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، ولا يَدَعُ شَيْئًا مِنَ الفَواحِشِ والسَّرِقَةِ إلّا ارْتَكَبَهُ، فَقِيلَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ، فَقالَ: ”إنَّ صَلاتَهُ تَنْهاهُ“ . فَلَمْ يَلْبَثْ أنْ تابَ وصَلُحَتْ حالُهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”ألَمْ أقُلْ لَكم ؟“» ولا يَدُلُّ اللَّفْظُ عَلى أنَّ كُلَّ صَلاةٍ تَنْهى، بَلِ المَعْنى، أنَّهُ يُوجَدُ ذَلِكَ فِيها، ولا يَكُونُ عَلى العُمُومِ. كَما تَقُولُ: فُلانٌ يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ، أيْ: مِن شَأْنِهِ ذَلِكَ، ولا يَلْزَمُ مِنهُ أنَّ كُلَّ مَعْرُوفٍ يَأْمُرُ بِهِ. والظّاهِرُ أنَّ (أكْبَرُ) أفْعَلُ تَفْضِيلٍ. فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ، وسَلْمانُ، وأبُو الدَّرْداءِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو قُرَّةَ: مَعْناهُ ولَذِكْرُ اللَّهِ إيّاكم أكْبَرُ مِن ذِكْرِكم إيّاهُ. وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: أكْبَرُ مِن كُلِّ شَيْءٍ؛ وقِيلَ: ولَذِكْرُ اللَّهِ في الصَّلاةِ أكْبَرُ مِنهُ خارِجَ الصَّلاةِ، أيْ: أكْبَرُ ثَوابًا؛ وقِيلَ: أكْبَرُ مِن سائِرِ أرْكانِ الصَّلاةِ؛ وقِيلَ: ولَذِكْرُ اللَّهِ نَهْيُهُ أكْبَرُ مِن نَهْيِ الصَّلاةِ؛ وقِيلَ: أكْبَرُ مِن كُلِّ (p-١٥٤)العِبادَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعِنْدِي أنَّ المَعْنى: ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ عَلى الإطْلاقِ، أيْ: هو الَّذِي يَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، والجُزْءُ الَّذِي مِنهُ في الصَّلاةِ يَنْهى، كَما يَنْهى في غَيْرِ الصَّلاةِ؛ لِأنَّ الِانْتِهاءَ لا يَكُونُ إلّا مِن ذاكِرِ اللَّهِ مُراقِبِهِ، وثَوابُ ذَلِكَ الذّاكِرِ أنْ يَذْكُرَهُ اللَّهُ في مَلَأٍ خَيْرٍ مِن مَلَئِهِ، والحَرَكاتُ الَّتِي في الصَّلاةِ لا تَأْثِيرَ لَها في النَّهْيِ، والذِّكْرُ النّافِعُ هو مَعَ العِلْمِ وإقْبالِ القَلْبِ وتَفَرُّغِهِ إلّا مِنَ اللَّهِ. وأمّا ما لا يُجاوِزُ اللِّسانَ فَفي رُتْبَةٍ أُخْرى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُرِيدُ والصَّلاةُ أكْبَرُ مِن غَيْرِها مِنَ الطّاعاتِ، وسَمّاها بِذِكْرِ اللَّهِ، كَما قالَ: ﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] وإنَّما قالَ: ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ﴾ لِتَسْتَقِلَّ بِالتَّعْلِيلِ، كَأنَّهُ قالَ: والصَّلاةُ أكْبَرُ؛ لِأنَّها ذِكْرُ اللَّهِ مِمّا تَصْنَعُونَ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ فَيُجازِيكم، وفِيهِ وعِيدٌ وحَثٌّ عَلى المُراقَبَةِ.

العنكبوت 29:39

﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا فَقالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وارْجُوا اليَوْمَ الآخِرَ ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿وعادًا وثَمُودًا وقَدْ تَبَيَّنَ لَكم مِن مَساكِنِهِمْ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ ﴿وقارُونَ وفِرْعَوْنَ وهامانَ ولَقَدْ جاءَهم مُوسى بِالبَيِّناتِ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ وما كانُوا سابِقِينَ﴾ ﴿فَكُلًّا أخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا ومِنهم مَن أخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ ومِنهم مَن خَسَفْنا بِهِ الأرْضَ ومِنهم مَن أغْرَقْنا وما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ ﴿وخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿اتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ وأقِمِ الصَّلاةَ إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ واللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ﴾ . (وإلى مَدْيَنَ) أيْ: وإلى مَدْيَنَ أرْسَلْنا، أوْ بَعَثْنا، مِمّا يَتَعَدّى بِإلى. أمَرَهم بِعِبادَةِ اللَّهِ، والإيمانِ بِالبَعْثِ واليَوْمِ الآخِرِ. والأمْرُ بِالرَّجاءِ أمْرٌ بِفِعْلِ ما يَتَرَتَّبُ الرَّجاءُ عَلَيْهِ، أقامَ المُسَبِّبَ مَقامَ السَّبَبِ. والمَعْنى: وافْعَلُوا ما تَرْجُونَ بِهِ الثَّوابَ مِنَ اللَّهِ، أوْ يَكُونُ أمْرًا بِالرَّجاءِ عَلى تَقْدِيرِ تَحْصِيلِ شَرْطِهِ، وهو الإيمانُ بِاللَّهِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿وارْجُوا﴾ خافُوا جَزاءَ اليَوْمِ الآخِرِ مِنَ انْتِقامِ اللَّهِ مِنكم؛ إنْ لَمْ تَعْبُدُوهُ. وتَضَمَّنَ الأمْرُ بِالعِبادَةِ والرَّجاءِ أنَّهُ إنْ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ، وقَعَ بِهِمُ العَذابُ؛ كَذَلِكَ جاءَ: (فَكَذَّبُوهُ) وجاءَتْ ثَمَرَةُ التَّكْذِيبِ، وهي: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الجُمَلِ. وانْتَصَبَ ﴿وعادًا وثَمُودَ﴾ بِإضْمارِ أهْلَكْنا، لِدَلالَةِ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ عَلَيْهِ. وقِيلَ: بِالعَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ في (فَأخَذَتْهم)، وأبْعَدَ الكِسائِيُّ في عَطْفِهِ عَلى الَّذِينَ (p-١٥٢)مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣] . وقَرَأ: ثَمُودَ، بِغَيْرِ تَنْوِينٍ؛ حَمْزَةُ، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ، وحَفْصٌ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِالتَّنْوِينِ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: ”وعادٍ وثَمُودٍ“، بِالخَفْضِ فِيهِما والتَّنْوِينِ عَطْفًا عَلى (مَدْيَنَ)، أيْ: وأرْسَلْنا إلى عادٍ وثَمُودَ. ﴿وقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ﴾ أيْ: ذَلِكَ، أيْ: ما وُصِفَ لَكم مِن إهْلاكِهِمْ مِن جِهَةِ مَساكِنِهِمْ، إذا نَظَرْتُمْ إلَيْها عِنْدَ مُرُورِكم لَها، وكانَ أهْلُ مَكَّةَ يَمُرُّونَ عَلَيْها في أسْفارِهِمْ. وقَرَأ الأعْمَشُ: ”مَساكِنُهم“، بِالرَّفْعِ مِن غَيْرِ ”مِن“، فَيَكُونُ فاعِلًا بِـ: (تَبَيَّنَ) . ﴿وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ﴾ أيْ: بِوَسْوَسَتِهِ وإغْوائِهِ (أعْمالَهم) القَبِيحَةَ. (فَصَدَّهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)؛ وهي طَرِيقُ الإيمانِ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ. ﴿وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ أيْ: في كُفْرِهِمْ لَهم بِهِ بَصَرٌ وإعْجابٌ قالَهُ، ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ. وقِيلَ: عُقَلاءُ، يَعْلَمُونَ أنَّ الرِّسالَةَ والآياتِ حَقٌّ، ولَكِنَّهم كَفَرُوا عِنادًا، وجَحَدُوا بِها، واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم. (وقارُونَ) مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، أوْ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ ”اذْكُرْ“ . (فاسْتَكْبَرُوا) أيْ: عَنِ الإقْرارِ بِالصّانِعِ وعِبادَتِهِ في الأرْضِ، إشارَةً إلى قِلَّةِ عُقُولِهِمْ؛ لِأنَّ مَن في الأرْضِ يَشْعُرُ بِالضَّعْفِ، ومَن في السَّماءِ يَشْعُرُ بِالقُوَّةِ، ومَن في السَّماءِ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ، فَكَيْفَ مَن في الأرْضِ ؟ ﴿وما كانُوا سابِقِينَ﴾ الأُمَمَ إلى الكُفْرِ، أيْ: تِلْكَ عادَةُ الأُمَمِ مَعَ رُسُلِهِمْ. والحاصِبُ لِقَوْمِ لُوطٍ، وهي رِيحٌ عاصِفٌ فِيها حَصًى، وقِيلَ: مَلَكٌ كانَ يَرْمِيهِمْ. والصَّيْحَةُ لِمَدْيَنَ وثَمُودَ، والخَسْفُ لِقارُونَ، والغَرَقُ لِقَوْمِ نُوحٍ وفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُشْبِهُ أنْ يَدْخُلَ قَوْمُ عادٍ في الحاصِبِ؛ لِأنَّ تِلْكَ الرِّيحَ لا بُدَّ كانَتْ تَحْصُبُهم بِأُمُورٍ مُؤْذِيَةٍ، والحاصِبُ: هو العارِضُ مِن رِيحٍ أوْ سَحابٍ إذا رُمِيَ بِشَيْءٍ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: ؎مُسْتَقْبِلِينَ شَمالَ الشَّأْمِ تَضْرِبُهم بِحاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنثُورِ ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ: ؎تَرْمِي العِضاةَ بِحاصِبٍ مِن ثَلْجِها ∗∗∗ حَتّى تَبِيتَ عَلى العِضاهِ جُفالا العَنْكَبُوتُ حَيَوانٌ مَعْرُوفٌ، ووَزْنُهُ فَعْلَلُوتٌ، ويُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ، فَمِن تَذْكِيرِهِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎عَلى هَطّالِهِمْ مِنهم بُيُوتٌ ∗∗∗ كَأنَّ العَنْكَبُوتَ هو ابْتَناها ويُجْمَعُ: عَناكِبُ، ويُصَغَّرُ: عُنَيْكِيبٌ. يُشَبِّهُ تَعالى الكُفّارَ في عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ، وبِنائِهِمْ أُمُورَهم عَلَيْها بِالعَنْكَبُوتِ الَّتِي تَبْنِي وتَجْتَهِدُ، وأمْرُها كُلُّهُ ضَعِيفٌ، مَتى مَسَّتْهُ أدْنى هامَةٍ أوْ هامَّةٍ أذْهَبَتْهُ، فَكَذَلِكَ أمْرُ أُولَئِكَ، وسَعْيُهم مُضْمَحِلٌّ، لا قُوَّةَ لَهُ ولا مُعْتَمَدٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الغَرَضُ تَشْبِيهُ ما اتَّخَذُوهُ مُتَّكَلًا ومُعْتَمَدًا في دِينِهِمْ، وتَوَلَّوْهُ مِن دُونِ اللَّهِ، مِمّا هو مَثَلٌ عِنْدِ النّاسِ في الوَهْنِ وضَعْفِ القُوَّةِ، وهو نَسْجُ العَنْكَبُوتِ. ألا تَرى إلى مَقْطَعِ التَّشْبِيهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ﴾ ؟ انْتَهى. يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ألا تَرى إلى مَقْطَعِ التَّشْبِيهِ بِما ذَكَرَ أوَّلًا مِن أنَّ الغَرَضَ تَشْبِيهُ المُتَّخِذِ بِالبَيْتِ، لا تَشْبِيهُ المُتَّخِذِ بِالعَنْكَبُوتِ ؟ والَّذِي يَظْهَرُ، هو تَشْبِيهُ المُتَّخِذِ مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا، بِالعَنْكَبُوتِ المُتَّخِذَةِ بَيْتًا، أيْ: فَلا اعْتِمادَ لِلْمُتَّخِذِ عَلى ولِيِّهِ مِن دُونِ اللَّهِ، كَما أنَّ العَنْكَبُوتَ لا اعْتِمادُها عَلى بَيْتِها في اسْتِظْلالٍ وسُكْنى، بَلْ لَوْ دَخَلَتْ فِيهِ خَرَقَتْهُ. ثُمَّ بَيَّنَ حالَ بَيْتِها، وأنَّهُ في غايَةِ الوَهْنِ، بِحَيْثُ لا يُنْتَفَعُ بِهِ. كَما أنَّ تِلْكَ الأصْنامَ لا تَنْفَعُ ولا تُجْدِي شَيْئًا البَتَّةَ، وقَوْلُهُ: (لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ) لَيْسَ مَرْتَبِطًا بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ﴾ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ ذَلِكَ، فَلا يُقالُ فِيهِ: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ؛ وإنَّما المَعْنى: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ هَذا مَثَلُهم، وأنَّ أمْرَ دِينِهِمْ بالِغٌ مِنَ الوَهْنِ هَذِهِ الغايَةَ لَأقْلَعُوا عَنْهُ، وما اتَّخَذُوا الأصْنامَ آلِهَةً. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذا صَحَّ تَشْبِيهُ ما اعْتَمَدُوهُ في دِينِهِمْ بِبَيْتِ العَنْكَبُوتِ، وقَدْ صَحَّ أنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ بَيْتُ العَنْكَبُوتِ، فَقَدْ تَبَيَّنَ أنَّ دِينَهم أوْهَنَ الأدْيانِ، لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ؛ أوْ أُخْرِجَ الكَلامُ بَعْدَ تَصْحِيحِ التَّشْبِيهِ مَخْرَجَ المَجازِ، وكَأنَّهُ قالَ: وإنَّ (p-١٥٣)أوْهَنَ ما يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ في الدِّينِ عِبادَةُ الأوْثانِ، لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: مَثَلُ المُشْرِكِ الَّذِي يَعْبُدُ الوَثَنَ، بِالقِياسِ إلى المُؤْمِنَ الَّذِي يَعْبُدُ اللَّهَ، مَثَلُ عَنْكَبُوتٍ يَتَّخِذُ بَيْتًا، بِالإضافَةِ إلى رَجُلٍ بَنى بَيْتًا بِآجُرٍّ وجِصٍّ أوْ نَحَتَهُ مِن صَخْرٍ. فَكَما أنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ، إذا اسْتَقْرَيْتَها بَيْتًا، بَيْتُ العَنْكَبُوتِ، كَذَلِكَ أضْعَفُ الأدْيانِ، إذا اسْتَقْرَيْتَها دِينًا، عِبادَةُ الأوْثانِ، لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ. انْتَهى. وما ذَكَرَهُ مِن قَوْلِهِ: ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ إلَخْ. لا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ الآيَةِ، وإنَّما هو تَحْمِيلٌ لِلَّفْظِ ما لا يَحْتَمِلُهُ، كَعادَتِهِ في كَثِيرٍ مِن تَفْسِيرِهِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وسَلامٌ: (يَعْلَمُ ما)، بِالإدْغامِ؛ والجُمْهُورُ: بِالفَكِّ؛ والجُمْهُورُ: ”تَدْعُونَ“، بِتاءِ الخِطابِ؛ وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ: بِخِلافٍ، بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وجَوَّزُوا في (ما) أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِـ: (يَدْعُونَ)، أيْ: يَعْلَمُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن جَمِيعِ الأشْياءِ، أيْ: يَعْلَمُ حالَهم، وأنَّهم لا قُدْرَةَ لَهم. وأنْ تَكُونَ نافِيَةً، أيْ: لَسْتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ شَيْئًا لَهُ بالٌ ولا قَدْرٌ، فَيَصْلُحُ أنْ يُسَمّى شَيْئًا، وأنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا، كَأنَّهُ قُدِّرَ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ عَلى هَذا المَعْبُودِ مِن جَمِيعِ الأشْياءِ، وهي في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ مُقْتَطَعَةٌ مِن (يَعْلَمُ)، واعْتِراضٌ بَيْنَ يَعْلَمُ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ . وجَوَّزَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ (ما) اسْتِفْهامًا مَنصُوبًا بِـ: (يَدْعُونَ)، و(يَعْلَمُ) مُعَلَّقَةٌ؛ فالجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِها، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أوْثانًا تَدْعُونَ مِن دُونِهِ، أمْ غَيْرَها لا يَخْفى عَلَيْهِ ذَلِكَ. والجُمْلَةُ تَأْكِيدٌ لِلْمَثَلِ، وإذا كانَتْ (ما) نافِيَةً، كانَ في الجُمْلَةِ زِيادَةٌ عَلى المَثَلِ، حَيْثُ لَمْ يَجْعَلْ تَعالى ما يَدْعُونَهُ شَيْئًا. (وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ) فِيهِ تَجْهِيلٌ لَهم، حَيْثُ عَبَدُوا ما لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهُ جَمادٌ لَيْسَ مَعَهُ مُصَحَّحُ العِلْمِ والقُدْرَةِ أصْلًا، وتَرَكُوا عِبادَةَ القادِرِ القاهِرِ الحَكِيمِ الَّذِي لا يَفْعَلُ شَيْئًا إلّا لِحِكْمَةٍ. ﴿وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ أيْ: لا يَعْقِلُ صِحَّتَها وحُسْنَها وفائِدَتَها. وكانَ جَهَلَةُ قُرَيْشٍ يَقُولُونَ: إنَّ رَبَّ مُحَمَّدٍ يَضْرِبُ المَثَلَ بِالذُّبابِ والعَنْكَبُوتِ، ويَضْحَكُونَ مِن ذَلِكَ، وما عَلِمُوا أنَّ الأمْثالَ والتَّشْبِيهاتِ طُرُقٌ إلى المَعانِي المُحْتَجَبَةِ، فَتُبْرِزُها وتُصَوِّرُها لِلْفَهْمِ، كَما صَوَّرَ هَذا التَّشْبِيهُ الفَرْقَ بَيْنَ حالِ المُشْرِكِ وحالِ المُوَحِّدِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: (وتِلْكَ الأمْثالُ) إلى هَذا المَثَلِ، وما تَقَدَّمَ مِنَ الأمْثالِ في السُّوَرِ. وعَنْ جابِرٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَلا هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: «العالِمُ مَن عَقِلَ عَنِ اللَّهِ فَعَمِلَ بِطاعَتِهِ واجْتَنَبَ سُخْطَهُ». ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى صِغَرِ قَدْرِ الأوْثانِ الَّتِي عَبَدُوها. ومَعْنى (بِالحَقِّ) بِالواجِبِ الثّابِتِ، لا بِالعَبَثِ واللَّعِبِ، إذْ جَعَلَها مَساكِنَ عِبادِهِ، وعِبْرَةً ودَلائِلَ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ وباهِرِ حِكْمَتِهِ. والظّاهِرُ أنَّ الصَّلاةَ هي المَعْهُودَةُ، والمَعْنى: مِن شَأْنِها أنَّها إذا أُدِّيَتْ عَلى ما يَجِبُ مِن فُرُوضِها وسُنَنِها والخُشُوعِ فِيها، والتَّدَبُّرِ لِما يَتْلُو فِيها، وتَقْدِيرُ المُثُولِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعالى، أنْ ﴿تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والكَلْبِيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وحَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ: تَنْهى ما دامَ المُصَلِّي فِيها. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: الصَّلاةُ هُنا القُرْآنُ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: الصَّلاةُ: الدُّعاءُ، أيْ: أقِمِ الدُّعاءَ إلى أمْرِ اللَّهِ، وأمّا مَن تَراهُ مِنَ المُصَلِّينَ يَتَعاطى المَعاصِيَ، فَإنَّ صَلاتَهُ تِلْكَ لَيْسَتْ بِالوَصْفِ الَّذِي تَقَدَّمَ. «وفِي الحَدِيثِ أنَّ فَتًى مِنَ الأنْصارِ كانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، ولا يَدَعُ شَيْئًا مِنَ الفَواحِشِ والسَّرِقَةِ إلّا ارْتَكَبَهُ، فَقِيلَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ، فَقالَ: ”إنَّ صَلاتَهُ تَنْهاهُ“ . فَلَمْ يَلْبَثْ أنْ تابَ وصَلُحَتْ حالُهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”ألَمْ أقُلْ لَكم ؟“» ولا يَدُلُّ اللَّفْظُ عَلى أنَّ كُلَّ صَلاةٍ تَنْهى، بَلِ المَعْنى، أنَّهُ يُوجَدُ ذَلِكَ فِيها، ولا يَكُونُ عَلى العُمُومِ. كَما تَقُولُ: فُلانٌ يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ، أيْ: مِن شَأْنِهِ ذَلِكَ، ولا يَلْزَمُ مِنهُ أنَّ كُلَّ مَعْرُوفٍ يَأْمُرُ بِهِ. والظّاهِرُ أنَّ (أكْبَرُ) أفْعَلُ تَفْضِيلٍ. فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ، وسَلْمانُ، وأبُو الدَّرْداءِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو قُرَّةَ: مَعْناهُ ولَذِكْرُ اللَّهِ إيّاكم أكْبَرُ مِن ذِكْرِكم إيّاهُ. وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: أكْبَرُ مِن كُلِّ شَيْءٍ؛ وقِيلَ: ولَذِكْرُ اللَّهِ في الصَّلاةِ أكْبَرُ مِنهُ خارِجَ الصَّلاةِ، أيْ: أكْبَرُ ثَوابًا؛ وقِيلَ: أكْبَرُ مِن سائِرِ أرْكانِ الصَّلاةِ؛ وقِيلَ: ولَذِكْرُ اللَّهِ نَهْيُهُ أكْبَرُ مِن نَهْيِ الصَّلاةِ؛ وقِيلَ: أكْبَرُ مِن كُلِّ (p-١٥٤)العِبادَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعِنْدِي أنَّ المَعْنى: ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ عَلى الإطْلاقِ، أيْ: هو الَّذِي يَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، والجُزْءُ الَّذِي مِنهُ في الصَّلاةِ يَنْهى، كَما يَنْهى في غَيْرِ الصَّلاةِ؛ لِأنَّ الِانْتِهاءَ لا يَكُونُ إلّا مِن ذاكِرِ اللَّهِ مُراقِبِهِ، وثَوابُ ذَلِكَ الذّاكِرِ أنْ يَذْكُرَهُ اللَّهُ في مَلَأٍ خَيْرٍ مِن مَلَئِهِ، والحَرَكاتُ الَّتِي في الصَّلاةِ لا تَأْثِيرَ لَها في النَّهْيِ، والذِّكْرُ النّافِعُ هو مَعَ العِلْمِ وإقْبالِ القَلْبِ وتَفَرُّغِهِ إلّا مِنَ اللَّهِ. وأمّا ما لا يُجاوِزُ اللِّسانَ فَفي رُتْبَةٍ أُخْرى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُرِيدُ والصَّلاةُ أكْبَرُ مِن غَيْرِها مِنَ الطّاعاتِ، وسَمّاها بِذِكْرِ اللَّهِ، كَما قالَ: ﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] وإنَّما قالَ: ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ﴾ لِتَسْتَقِلَّ بِالتَّعْلِيلِ، كَأنَّهُ قالَ: والصَّلاةُ أكْبَرُ؛ لِأنَّها ذِكْرُ اللَّهِ مِمّا تَصْنَعُونَ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ فَيُجازِيكم، وفِيهِ وعِيدٌ وحَثٌّ عَلى المُراقَبَةِ.

العنكبوت 29:40

﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا فَقالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وارْجُوا اليَوْمَ الآخِرَ ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿وعادًا وثَمُودًا وقَدْ تَبَيَّنَ لَكم مِن مَساكِنِهِمْ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ ﴿وقارُونَ وفِرْعَوْنَ وهامانَ ولَقَدْ جاءَهم مُوسى بِالبَيِّناتِ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ وما كانُوا سابِقِينَ﴾ ﴿فَكُلًّا أخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا ومِنهم مَن أخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ ومِنهم مَن خَسَفْنا بِهِ الأرْضَ ومِنهم مَن أغْرَقْنا وما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ ﴿وخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿اتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ وأقِمِ الصَّلاةَ إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ واللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ﴾ . (وإلى مَدْيَنَ) أيْ: وإلى مَدْيَنَ أرْسَلْنا، أوْ بَعَثْنا، مِمّا يَتَعَدّى بِإلى. أمَرَهم بِعِبادَةِ اللَّهِ، والإيمانِ بِالبَعْثِ واليَوْمِ الآخِرِ. والأمْرُ بِالرَّجاءِ أمْرٌ بِفِعْلِ ما يَتَرَتَّبُ الرَّجاءُ عَلَيْهِ، أقامَ المُسَبِّبَ مَقامَ السَّبَبِ. والمَعْنى: وافْعَلُوا ما تَرْجُونَ بِهِ الثَّوابَ مِنَ اللَّهِ، أوْ يَكُونُ أمْرًا بِالرَّجاءِ عَلى تَقْدِيرِ تَحْصِيلِ شَرْطِهِ، وهو الإيمانُ بِاللَّهِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿وارْجُوا﴾ خافُوا جَزاءَ اليَوْمِ الآخِرِ مِنَ انْتِقامِ اللَّهِ مِنكم؛ إنْ لَمْ تَعْبُدُوهُ. وتَضَمَّنَ الأمْرُ بِالعِبادَةِ والرَّجاءِ أنَّهُ إنْ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ، وقَعَ بِهِمُ العَذابُ؛ كَذَلِكَ جاءَ: (فَكَذَّبُوهُ) وجاءَتْ ثَمَرَةُ التَّكْذِيبِ، وهي: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الجُمَلِ. وانْتَصَبَ ﴿وعادًا وثَمُودَ﴾ بِإضْمارِ أهْلَكْنا، لِدَلالَةِ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ عَلَيْهِ. وقِيلَ: بِالعَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ في (فَأخَذَتْهم)، وأبْعَدَ الكِسائِيُّ في عَطْفِهِ عَلى الَّذِينَ (p-١٥٢)مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣] . وقَرَأ: ثَمُودَ، بِغَيْرِ تَنْوِينٍ؛ حَمْزَةُ، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ، وحَفْصٌ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِالتَّنْوِينِ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: ”وعادٍ وثَمُودٍ“، بِالخَفْضِ فِيهِما والتَّنْوِينِ عَطْفًا عَلى (مَدْيَنَ)، أيْ: وأرْسَلْنا إلى عادٍ وثَمُودَ. ﴿وقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ﴾ أيْ: ذَلِكَ، أيْ: ما وُصِفَ لَكم مِن إهْلاكِهِمْ مِن جِهَةِ مَساكِنِهِمْ، إذا نَظَرْتُمْ إلَيْها عِنْدَ مُرُورِكم لَها، وكانَ أهْلُ مَكَّةَ يَمُرُّونَ عَلَيْها في أسْفارِهِمْ. وقَرَأ الأعْمَشُ: ”مَساكِنُهم“، بِالرَّفْعِ مِن غَيْرِ ”مِن“، فَيَكُونُ فاعِلًا بِـ: (تَبَيَّنَ) . ﴿وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ﴾ أيْ: بِوَسْوَسَتِهِ وإغْوائِهِ (أعْمالَهم) القَبِيحَةَ. (فَصَدَّهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)؛ وهي طَرِيقُ الإيمانِ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ. ﴿وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ أيْ: في كُفْرِهِمْ لَهم بِهِ بَصَرٌ وإعْجابٌ قالَهُ، ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ. وقِيلَ: عُقَلاءُ، يَعْلَمُونَ أنَّ الرِّسالَةَ والآياتِ حَقٌّ، ولَكِنَّهم كَفَرُوا عِنادًا، وجَحَدُوا بِها، واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم. (وقارُونَ) مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، أوْ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ ”اذْكُرْ“ . (فاسْتَكْبَرُوا) أيْ: عَنِ الإقْرارِ بِالصّانِعِ وعِبادَتِهِ في الأرْضِ، إشارَةً إلى قِلَّةِ عُقُولِهِمْ؛ لِأنَّ مَن في الأرْضِ يَشْعُرُ بِالضَّعْفِ، ومَن في السَّماءِ يَشْعُرُ بِالقُوَّةِ، ومَن في السَّماءِ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ، فَكَيْفَ مَن في الأرْضِ ؟ ﴿وما كانُوا سابِقِينَ﴾ الأُمَمَ إلى الكُفْرِ، أيْ: تِلْكَ عادَةُ الأُمَمِ مَعَ رُسُلِهِمْ. والحاصِبُ لِقَوْمِ لُوطٍ، وهي رِيحٌ عاصِفٌ فِيها حَصًى، وقِيلَ: مَلَكٌ كانَ يَرْمِيهِمْ. والصَّيْحَةُ لِمَدْيَنَ وثَمُودَ، والخَسْفُ لِقارُونَ، والغَرَقُ لِقَوْمِ نُوحٍ وفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُشْبِهُ أنْ يَدْخُلَ قَوْمُ عادٍ في الحاصِبِ؛ لِأنَّ تِلْكَ الرِّيحَ لا بُدَّ كانَتْ تَحْصُبُهم بِأُمُورٍ مُؤْذِيَةٍ، والحاصِبُ: هو العارِضُ مِن رِيحٍ أوْ سَحابٍ إذا رُمِيَ بِشَيْءٍ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: ؎مُسْتَقْبِلِينَ شَمالَ الشَّأْمِ تَضْرِبُهم بِحاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنثُورِ ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ: ؎تَرْمِي العِضاةَ بِحاصِبٍ مِن ثَلْجِها ∗∗∗ حَتّى تَبِيتَ عَلى العِضاهِ جُفالا العَنْكَبُوتُ حَيَوانٌ مَعْرُوفٌ، ووَزْنُهُ فَعْلَلُوتٌ، ويُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ، فَمِن تَذْكِيرِهِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎عَلى هَطّالِهِمْ مِنهم بُيُوتٌ ∗∗∗ كَأنَّ العَنْكَبُوتَ هو ابْتَناها ويُجْمَعُ: عَناكِبُ، ويُصَغَّرُ: عُنَيْكِيبٌ. يُشَبِّهُ تَعالى الكُفّارَ في عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ، وبِنائِهِمْ أُمُورَهم عَلَيْها بِالعَنْكَبُوتِ الَّتِي تَبْنِي وتَجْتَهِدُ، وأمْرُها كُلُّهُ ضَعِيفٌ، مَتى مَسَّتْهُ أدْنى هامَةٍ أوْ هامَّةٍ أذْهَبَتْهُ، فَكَذَلِكَ أمْرُ أُولَئِكَ، وسَعْيُهم مُضْمَحِلٌّ، لا قُوَّةَ لَهُ ولا مُعْتَمَدٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الغَرَضُ تَشْبِيهُ ما اتَّخَذُوهُ مُتَّكَلًا ومُعْتَمَدًا في دِينِهِمْ، وتَوَلَّوْهُ مِن دُونِ اللَّهِ، مِمّا هو مَثَلٌ عِنْدِ النّاسِ في الوَهْنِ وضَعْفِ القُوَّةِ، وهو نَسْجُ العَنْكَبُوتِ. ألا تَرى إلى مَقْطَعِ التَّشْبِيهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ﴾ ؟ انْتَهى. يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ألا تَرى إلى مَقْطَعِ التَّشْبِيهِ بِما ذَكَرَ أوَّلًا مِن أنَّ الغَرَضَ تَشْبِيهُ المُتَّخِذِ بِالبَيْتِ، لا تَشْبِيهُ المُتَّخِذِ بِالعَنْكَبُوتِ ؟ والَّذِي يَظْهَرُ، هو تَشْبِيهُ المُتَّخِذِ مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا، بِالعَنْكَبُوتِ المُتَّخِذَةِ بَيْتًا، أيْ: فَلا اعْتِمادَ لِلْمُتَّخِذِ عَلى ولِيِّهِ مِن دُونِ اللَّهِ، كَما أنَّ العَنْكَبُوتَ لا اعْتِمادُها عَلى بَيْتِها في اسْتِظْلالٍ وسُكْنى، بَلْ لَوْ دَخَلَتْ فِيهِ خَرَقَتْهُ. ثُمَّ بَيَّنَ حالَ بَيْتِها، وأنَّهُ في غايَةِ الوَهْنِ، بِحَيْثُ لا يُنْتَفَعُ بِهِ. كَما أنَّ تِلْكَ الأصْنامَ لا تَنْفَعُ ولا تُجْدِي شَيْئًا البَتَّةَ، وقَوْلُهُ: (لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ) لَيْسَ مَرْتَبِطًا بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ﴾ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ ذَلِكَ، فَلا يُقالُ فِيهِ: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ؛ وإنَّما المَعْنى: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ هَذا مَثَلُهم، وأنَّ أمْرَ دِينِهِمْ بالِغٌ مِنَ الوَهْنِ هَذِهِ الغايَةَ لَأقْلَعُوا عَنْهُ، وما اتَّخَذُوا الأصْنامَ آلِهَةً. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذا صَحَّ تَشْبِيهُ ما اعْتَمَدُوهُ في دِينِهِمْ بِبَيْتِ العَنْكَبُوتِ، وقَدْ صَحَّ أنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ بَيْتُ العَنْكَبُوتِ، فَقَدْ تَبَيَّنَ أنَّ دِينَهم أوْهَنَ الأدْيانِ، لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ؛ أوْ أُخْرِجَ الكَلامُ بَعْدَ تَصْحِيحِ التَّشْبِيهِ مَخْرَجَ المَجازِ، وكَأنَّهُ قالَ: وإنَّ (p-١٥٣)أوْهَنَ ما يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ في الدِّينِ عِبادَةُ الأوْثانِ، لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: مَثَلُ المُشْرِكِ الَّذِي يَعْبُدُ الوَثَنَ، بِالقِياسِ إلى المُؤْمِنَ الَّذِي يَعْبُدُ اللَّهَ، مَثَلُ عَنْكَبُوتٍ يَتَّخِذُ بَيْتًا، بِالإضافَةِ إلى رَجُلٍ بَنى بَيْتًا بِآجُرٍّ وجِصٍّ أوْ نَحَتَهُ مِن صَخْرٍ. فَكَما أنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ، إذا اسْتَقْرَيْتَها بَيْتًا، بَيْتُ العَنْكَبُوتِ، كَذَلِكَ أضْعَفُ الأدْيانِ، إذا اسْتَقْرَيْتَها دِينًا، عِبادَةُ الأوْثانِ، لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ. انْتَهى. وما ذَكَرَهُ مِن قَوْلِهِ: ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ إلَخْ. لا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ الآيَةِ، وإنَّما هو تَحْمِيلٌ لِلَّفْظِ ما لا يَحْتَمِلُهُ، كَعادَتِهِ في كَثِيرٍ مِن تَفْسِيرِهِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وسَلامٌ: (يَعْلَمُ ما)، بِالإدْغامِ؛ والجُمْهُورُ: بِالفَكِّ؛ والجُمْهُورُ: ”تَدْعُونَ“، بِتاءِ الخِطابِ؛ وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ: بِخِلافٍ، بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وجَوَّزُوا في (ما) أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِـ: (يَدْعُونَ)، أيْ: يَعْلَمُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن جَمِيعِ الأشْياءِ، أيْ: يَعْلَمُ حالَهم، وأنَّهم لا قُدْرَةَ لَهم. وأنْ تَكُونَ نافِيَةً، أيْ: لَسْتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ شَيْئًا لَهُ بالٌ ولا قَدْرٌ، فَيَصْلُحُ أنْ يُسَمّى شَيْئًا، وأنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا، كَأنَّهُ قُدِّرَ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ عَلى هَذا المَعْبُودِ مِن جَمِيعِ الأشْياءِ، وهي في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ مُقْتَطَعَةٌ مِن (يَعْلَمُ)، واعْتِراضٌ بَيْنَ يَعْلَمُ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ . وجَوَّزَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ (ما) اسْتِفْهامًا مَنصُوبًا بِـ: (يَدْعُونَ)، و(يَعْلَمُ) مُعَلَّقَةٌ؛ فالجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِها، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أوْثانًا تَدْعُونَ مِن دُونِهِ، أمْ غَيْرَها لا يَخْفى عَلَيْهِ ذَلِكَ. والجُمْلَةُ تَأْكِيدٌ لِلْمَثَلِ، وإذا كانَتْ (ما) نافِيَةً، كانَ في الجُمْلَةِ زِيادَةٌ عَلى المَثَلِ، حَيْثُ لَمْ يَجْعَلْ تَعالى ما يَدْعُونَهُ شَيْئًا. (وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ) فِيهِ تَجْهِيلٌ لَهم، حَيْثُ عَبَدُوا ما لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهُ جَمادٌ لَيْسَ مَعَهُ مُصَحَّحُ العِلْمِ والقُدْرَةِ أصْلًا، وتَرَكُوا عِبادَةَ القادِرِ القاهِرِ الحَكِيمِ الَّذِي لا يَفْعَلُ شَيْئًا إلّا لِحِكْمَةٍ. ﴿وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ أيْ: لا يَعْقِلُ صِحَّتَها وحُسْنَها وفائِدَتَها. وكانَ جَهَلَةُ قُرَيْشٍ يَقُولُونَ: إنَّ رَبَّ مُحَمَّدٍ يَضْرِبُ المَثَلَ بِالذُّبابِ والعَنْكَبُوتِ، ويَضْحَكُونَ مِن ذَلِكَ، وما عَلِمُوا أنَّ الأمْثالَ والتَّشْبِيهاتِ طُرُقٌ إلى المَعانِي المُحْتَجَبَةِ، فَتُبْرِزُها وتُصَوِّرُها لِلْفَهْمِ، كَما صَوَّرَ هَذا التَّشْبِيهُ الفَرْقَ بَيْنَ حالِ المُشْرِكِ وحالِ المُوَحِّدِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: (وتِلْكَ الأمْثالُ) إلى هَذا المَثَلِ، وما تَقَدَّمَ مِنَ الأمْثالِ في السُّوَرِ. وعَنْ جابِرٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَلا هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: «العالِمُ مَن عَقِلَ عَنِ اللَّهِ فَعَمِلَ بِطاعَتِهِ واجْتَنَبَ سُخْطَهُ». ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى صِغَرِ قَدْرِ الأوْثانِ الَّتِي عَبَدُوها. ومَعْنى (بِالحَقِّ) بِالواجِبِ الثّابِتِ، لا بِالعَبَثِ واللَّعِبِ، إذْ جَعَلَها مَساكِنَ عِبادِهِ، وعِبْرَةً ودَلائِلَ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ وباهِرِ حِكْمَتِهِ. والظّاهِرُ أنَّ الصَّلاةَ هي المَعْهُودَةُ، والمَعْنى: مِن شَأْنِها أنَّها إذا أُدِّيَتْ عَلى ما يَجِبُ مِن فُرُوضِها وسُنَنِها والخُشُوعِ فِيها، والتَّدَبُّرِ لِما يَتْلُو فِيها، وتَقْدِيرُ المُثُولِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعالى، أنْ ﴿تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والكَلْبِيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وحَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ: تَنْهى ما دامَ المُصَلِّي فِيها. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: الصَّلاةُ هُنا القُرْآنُ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: الصَّلاةُ: الدُّعاءُ، أيْ: أقِمِ الدُّعاءَ إلى أمْرِ اللَّهِ، وأمّا مَن تَراهُ مِنَ المُصَلِّينَ يَتَعاطى المَعاصِيَ، فَإنَّ صَلاتَهُ تِلْكَ لَيْسَتْ بِالوَصْفِ الَّذِي تَقَدَّمَ. «وفِي الحَدِيثِ أنَّ فَتًى مِنَ الأنْصارِ كانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، ولا يَدَعُ شَيْئًا مِنَ الفَواحِشِ والسَّرِقَةِ إلّا ارْتَكَبَهُ، فَقِيلَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ، فَقالَ: ”إنَّ صَلاتَهُ تَنْهاهُ“ . فَلَمْ يَلْبَثْ أنْ تابَ وصَلُحَتْ حالُهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”ألَمْ أقُلْ لَكم ؟“» ولا يَدُلُّ اللَّفْظُ عَلى أنَّ كُلَّ صَلاةٍ تَنْهى، بَلِ المَعْنى، أنَّهُ يُوجَدُ ذَلِكَ فِيها، ولا يَكُونُ عَلى العُمُومِ. كَما تَقُولُ: فُلانٌ يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ، أيْ: مِن شَأْنِهِ ذَلِكَ، ولا يَلْزَمُ مِنهُ أنَّ كُلَّ مَعْرُوفٍ يَأْمُرُ بِهِ. والظّاهِرُ أنَّ (أكْبَرُ) أفْعَلُ تَفْضِيلٍ. فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ، وسَلْمانُ، وأبُو الدَّرْداءِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو قُرَّةَ: مَعْناهُ ولَذِكْرُ اللَّهِ إيّاكم أكْبَرُ مِن ذِكْرِكم إيّاهُ. وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: أكْبَرُ مِن كُلِّ شَيْءٍ؛ وقِيلَ: ولَذِكْرُ اللَّهِ في الصَّلاةِ أكْبَرُ مِنهُ خارِجَ الصَّلاةِ، أيْ: أكْبَرُ ثَوابًا؛ وقِيلَ: أكْبَرُ مِن سائِرِ أرْكانِ الصَّلاةِ؛ وقِيلَ: ولَذِكْرُ اللَّهِ نَهْيُهُ أكْبَرُ مِن نَهْيِ الصَّلاةِ؛ وقِيلَ: أكْبَرُ مِن كُلِّ (p-١٥٤)العِبادَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعِنْدِي أنَّ المَعْنى: ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ عَلى الإطْلاقِ، أيْ: هو الَّذِي يَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، والجُزْءُ الَّذِي مِنهُ في الصَّلاةِ يَنْهى، كَما يَنْهى في غَيْرِ الصَّلاةِ؛ لِأنَّ الِانْتِهاءَ لا يَكُونُ إلّا مِن ذاكِرِ اللَّهِ مُراقِبِهِ، وثَوابُ ذَلِكَ الذّاكِرِ أنْ يَذْكُرَهُ اللَّهُ في مَلَأٍ خَيْرٍ مِن مَلَئِهِ، والحَرَكاتُ الَّتِي في الصَّلاةِ لا تَأْثِيرَ لَها في النَّهْيِ، والذِّكْرُ النّافِعُ هو مَعَ العِلْمِ وإقْبالِ القَلْبِ وتَفَرُّغِهِ إلّا مِنَ اللَّهِ. وأمّا ما لا يُجاوِزُ اللِّسانَ فَفي رُتْبَةٍ أُخْرى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُرِيدُ والصَّلاةُ أكْبَرُ مِن غَيْرِها مِنَ الطّاعاتِ، وسَمّاها بِذِكْرِ اللَّهِ، كَما قالَ: ﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] وإنَّما قالَ: ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ﴾ لِتَسْتَقِلَّ بِالتَّعْلِيلِ، كَأنَّهُ قالَ: والصَّلاةُ أكْبَرُ؛ لِأنَّها ذِكْرُ اللَّهِ مِمّا تَصْنَعُونَ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ فَيُجازِيكم، وفِيهِ وعِيدٌ وحَثٌّ عَلى المُراقَبَةِ.

العنكبوت 29:41

﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا فَقالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وارْجُوا اليَوْمَ الآخِرَ ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿وعادًا وثَمُودًا وقَدْ تَبَيَّنَ لَكم مِن مَساكِنِهِمْ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ ﴿وقارُونَ وفِرْعَوْنَ وهامانَ ولَقَدْ جاءَهم مُوسى بِالبَيِّناتِ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ وما كانُوا سابِقِينَ﴾ ﴿فَكُلًّا أخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا ومِنهم مَن أخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ ومِنهم مَن خَسَفْنا بِهِ الأرْضَ ومِنهم مَن أغْرَقْنا وما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ ﴿وخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿اتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ وأقِمِ الصَّلاةَ إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ واللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ﴾ . (وإلى مَدْيَنَ) أيْ: وإلى مَدْيَنَ أرْسَلْنا، أوْ بَعَثْنا، مِمّا يَتَعَدّى بِإلى. أمَرَهم بِعِبادَةِ اللَّهِ، والإيمانِ بِالبَعْثِ واليَوْمِ الآخِرِ. والأمْرُ بِالرَّجاءِ أمْرٌ بِفِعْلِ ما يَتَرَتَّبُ الرَّجاءُ عَلَيْهِ، أقامَ المُسَبِّبَ مَقامَ السَّبَبِ. والمَعْنى: وافْعَلُوا ما تَرْجُونَ بِهِ الثَّوابَ مِنَ اللَّهِ، أوْ يَكُونُ أمْرًا بِالرَّجاءِ عَلى تَقْدِيرِ تَحْصِيلِ شَرْطِهِ، وهو الإيمانُ بِاللَّهِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿وارْجُوا﴾ خافُوا جَزاءَ اليَوْمِ الآخِرِ مِنَ انْتِقامِ اللَّهِ مِنكم؛ إنْ لَمْ تَعْبُدُوهُ. وتَضَمَّنَ الأمْرُ بِالعِبادَةِ والرَّجاءِ أنَّهُ إنْ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ، وقَعَ بِهِمُ العَذابُ؛ كَذَلِكَ جاءَ: (فَكَذَّبُوهُ) وجاءَتْ ثَمَرَةُ التَّكْذِيبِ، وهي: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الجُمَلِ. وانْتَصَبَ ﴿وعادًا وثَمُودَ﴾ بِإضْمارِ أهْلَكْنا، لِدَلالَةِ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ عَلَيْهِ. وقِيلَ: بِالعَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ في (فَأخَذَتْهم)، وأبْعَدَ الكِسائِيُّ في عَطْفِهِ عَلى الَّذِينَ (p-١٥٢)مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣] . وقَرَأ: ثَمُودَ، بِغَيْرِ تَنْوِينٍ؛ حَمْزَةُ، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ، وحَفْصٌ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِالتَّنْوِينِ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: ”وعادٍ وثَمُودٍ“، بِالخَفْضِ فِيهِما والتَّنْوِينِ عَطْفًا عَلى (مَدْيَنَ)، أيْ: وأرْسَلْنا إلى عادٍ وثَمُودَ. ﴿وقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ﴾ أيْ: ذَلِكَ، أيْ: ما وُصِفَ لَكم مِن إهْلاكِهِمْ مِن جِهَةِ مَساكِنِهِمْ، إذا نَظَرْتُمْ إلَيْها عِنْدَ مُرُورِكم لَها، وكانَ أهْلُ مَكَّةَ يَمُرُّونَ عَلَيْها في أسْفارِهِمْ. وقَرَأ الأعْمَشُ: ”مَساكِنُهم“، بِالرَّفْعِ مِن غَيْرِ ”مِن“، فَيَكُونُ فاعِلًا بِـ: (تَبَيَّنَ) . ﴿وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ﴾ أيْ: بِوَسْوَسَتِهِ وإغْوائِهِ (أعْمالَهم) القَبِيحَةَ. (فَصَدَّهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)؛ وهي طَرِيقُ الإيمانِ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ. ﴿وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ أيْ: في كُفْرِهِمْ لَهم بِهِ بَصَرٌ وإعْجابٌ قالَهُ، ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ. وقِيلَ: عُقَلاءُ، يَعْلَمُونَ أنَّ الرِّسالَةَ والآياتِ حَقٌّ، ولَكِنَّهم كَفَرُوا عِنادًا، وجَحَدُوا بِها، واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم. (وقارُونَ) مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، أوْ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ ”اذْكُرْ“ . (فاسْتَكْبَرُوا) أيْ: عَنِ الإقْرارِ بِالصّانِعِ وعِبادَتِهِ في الأرْضِ، إشارَةً إلى قِلَّةِ عُقُولِهِمْ؛ لِأنَّ مَن في الأرْضِ يَشْعُرُ بِالضَّعْفِ، ومَن في السَّماءِ يَشْعُرُ بِالقُوَّةِ، ومَن في السَّماءِ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ، فَكَيْفَ مَن في الأرْضِ ؟ ﴿وما كانُوا سابِقِينَ﴾ الأُمَمَ إلى الكُفْرِ، أيْ: تِلْكَ عادَةُ الأُمَمِ مَعَ رُسُلِهِمْ. والحاصِبُ لِقَوْمِ لُوطٍ، وهي رِيحٌ عاصِفٌ فِيها حَصًى، وقِيلَ: مَلَكٌ كانَ يَرْمِيهِمْ. والصَّيْحَةُ لِمَدْيَنَ وثَمُودَ، والخَسْفُ لِقارُونَ، والغَرَقُ لِقَوْمِ نُوحٍ وفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُشْبِهُ أنْ يَدْخُلَ قَوْمُ عادٍ في الحاصِبِ؛ لِأنَّ تِلْكَ الرِّيحَ لا بُدَّ كانَتْ تَحْصُبُهم بِأُمُورٍ مُؤْذِيَةٍ، والحاصِبُ: هو العارِضُ مِن رِيحٍ أوْ سَحابٍ إذا رُمِيَ بِشَيْءٍ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: ؎مُسْتَقْبِلِينَ شَمالَ الشَّأْمِ تَضْرِبُهم بِحاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنثُورِ ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ: ؎تَرْمِي العِضاةَ بِحاصِبٍ مِن ثَلْجِها ∗∗∗ حَتّى تَبِيتَ عَلى العِضاهِ جُفالا العَنْكَبُوتُ حَيَوانٌ مَعْرُوفٌ، ووَزْنُهُ فَعْلَلُوتٌ، ويُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ، فَمِن تَذْكِيرِهِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎عَلى هَطّالِهِمْ مِنهم بُيُوتٌ ∗∗∗ كَأنَّ العَنْكَبُوتَ هو ابْتَناها ويُجْمَعُ: عَناكِبُ، ويُصَغَّرُ: عُنَيْكِيبٌ. يُشَبِّهُ تَعالى الكُفّارَ في عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ، وبِنائِهِمْ أُمُورَهم عَلَيْها بِالعَنْكَبُوتِ الَّتِي تَبْنِي وتَجْتَهِدُ، وأمْرُها كُلُّهُ ضَعِيفٌ، مَتى مَسَّتْهُ أدْنى هامَةٍ أوْ هامَّةٍ أذْهَبَتْهُ، فَكَذَلِكَ أمْرُ أُولَئِكَ، وسَعْيُهم مُضْمَحِلٌّ، لا قُوَّةَ لَهُ ولا مُعْتَمَدٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الغَرَضُ تَشْبِيهُ ما اتَّخَذُوهُ مُتَّكَلًا ومُعْتَمَدًا في دِينِهِمْ، وتَوَلَّوْهُ مِن دُونِ اللَّهِ، مِمّا هو مَثَلٌ عِنْدِ النّاسِ في الوَهْنِ وضَعْفِ القُوَّةِ، وهو نَسْجُ العَنْكَبُوتِ. ألا تَرى إلى مَقْطَعِ التَّشْبِيهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ﴾ ؟ انْتَهى. يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ألا تَرى إلى مَقْطَعِ التَّشْبِيهِ بِما ذَكَرَ أوَّلًا مِن أنَّ الغَرَضَ تَشْبِيهُ المُتَّخِذِ بِالبَيْتِ، لا تَشْبِيهُ المُتَّخِذِ بِالعَنْكَبُوتِ ؟ والَّذِي يَظْهَرُ، هو تَشْبِيهُ المُتَّخِذِ مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا، بِالعَنْكَبُوتِ المُتَّخِذَةِ بَيْتًا، أيْ: فَلا اعْتِمادَ لِلْمُتَّخِذِ عَلى ولِيِّهِ مِن دُونِ اللَّهِ، كَما أنَّ العَنْكَبُوتَ لا اعْتِمادُها عَلى بَيْتِها في اسْتِظْلالٍ وسُكْنى، بَلْ لَوْ دَخَلَتْ فِيهِ خَرَقَتْهُ. ثُمَّ بَيَّنَ حالَ بَيْتِها، وأنَّهُ في غايَةِ الوَهْنِ، بِحَيْثُ لا يُنْتَفَعُ بِهِ. كَما أنَّ تِلْكَ الأصْنامَ لا تَنْفَعُ ولا تُجْدِي شَيْئًا البَتَّةَ، وقَوْلُهُ: (لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ) لَيْسَ مَرْتَبِطًا بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ﴾ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ ذَلِكَ، فَلا يُقالُ فِيهِ: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ؛ وإنَّما المَعْنى: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ هَذا مَثَلُهم، وأنَّ أمْرَ دِينِهِمْ بالِغٌ مِنَ الوَهْنِ هَذِهِ الغايَةَ لَأقْلَعُوا عَنْهُ، وما اتَّخَذُوا الأصْنامَ آلِهَةً. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذا صَحَّ تَشْبِيهُ ما اعْتَمَدُوهُ في دِينِهِمْ بِبَيْتِ العَنْكَبُوتِ، وقَدْ صَحَّ أنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ بَيْتُ العَنْكَبُوتِ، فَقَدْ تَبَيَّنَ أنَّ دِينَهم أوْهَنَ الأدْيانِ، لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ؛ أوْ أُخْرِجَ الكَلامُ بَعْدَ تَصْحِيحِ التَّشْبِيهِ مَخْرَجَ المَجازِ، وكَأنَّهُ قالَ: وإنَّ (p-١٥٣)أوْهَنَ ما يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ في الدِّينِ عِبادَةُ الأوْثانِ، لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: مَثَلُ المُشْرِكِ الَّذِي يَعْبُدُ الوَثَنَ، بِالقِياسِ إلى المُؤْمِنَ الَّذِي يَعْبُدُ اللَّهَ، مَثَلُ عَنْكَبُوتٍ يَتَّخِذُ بَيْتًا، بِالإضافَةِ إلى رَجُلٍ بَنى بَيْتًا بِآجُرٍّ وجِصٍّ أوْ نَحَتَهُ مِن صَخْرٍ. فَكَما أنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ، إذا اسْتَقْرَيْتَها بَيْتًا، بَيْتُ العَنْكَبُوتِ، كَذَلِكَ أضْعَفُ الأدْيانِ، إذا اسْتَقْرَيْتَها دِينًا، عِبادَةُ الأوْثانِ، لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ. انْتَهى. وما ذَكَرَهُ مِن قَوْلِهِ: ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ إلَخْ. لا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ الآيَةِ، وإنَّما هو تَحْمِيلٌ لِلَّفْظِ ما لا يَحْتَمِلُهُ، كَعادَتِهِ في كَثِيرٍ مِن تَفْسِيرِهِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وسَلامٌ: (يَعْلَمُ ما)، بِالإدْغامِ؛ والجُمْهُورُ: بِالفَكِّ؛ والجُمْهُورُ: ”تَدْعُونَ“، بِتاءِ الخِطابِ؛ وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ: بِخِلافٍ، بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وجَوَّزُوا في (ما) أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِـ: (يَدْعُونَ)، أيْ: يَعْلَمُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن جَمِيعِ الأشْياءِ، أيْ: يَعْلَمُ حالَهم، وأنَّهم لا قُدْرَةَ لَهم. وأنْ تَكُونَ نافِيَةً، أيْ: لَسْتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ شَيْئًا لَهُ بالٌ ولا قَدْرٌ، فَيَصْلُحُ أنْ يُسَمّى شَيْئًا، وأنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا، كَأنَّهُ قُدِّرَ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ عَلى هَذا المَعْبُودِ مِن جَمِيعِ الأشْياءِ، وهي في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ مُقْتَطَعَةٌ مِن (يَعْلَمُ)، واعْتِراضٌ بَيْنَ يَعْلَمُ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ . وجَوَّزَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ (ما) اسْتِفْهامًا مَنصُوبًا بِـ: (يَدْعُونَ)، و(يَعْلَمُ) مُعَلَّقَةٌ؛ فالجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِها، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أوْثانًا تَدْعُونَ مِن دُونِهِ، أمْ غَيْرَها لا يَخْفى عَلَيْهِ ذَلِكَ. والجُمْلَةُ تَأْكِيدٌ لِلْمَثَلِ، وإذا كانَتْ (ما) نافِيَةً، كانَ في الجُمْلَةِ زِيادَةٌ عَلى المَثَلِ، حَيْثُ لَمْ يَجْعَلْ تَعالى ما يَدْعُونَهُ شَيْئًا. (وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ) فِيهِ تَجْهِيلٌ لَهم، حَيْثُ عَبَدُوا ما لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهُ جَمادٌ لَيْسَ مَعَهُ مُصَحَّحُ العِلْمِ والقُدْرَةِ أصْلًا، وتَرَكُوا عِبادَةَ القادِرِ القاهِرِ الحَكِيمِ الَّذِي لا يَفْعَلُ شَيْئًا إلّا لِحِكْمَةٍ. ﴿وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ أيْ: لا يَعْقِلُ صِحَّتَها وحُسْنَها وفائِدَتَها. وكانَ جَهَلَةُ قُرَيْشٍ يَقُولُونَ: إنَّ رَبَّ مُحَمَّدٍ يَضْرِبُ المَثَلَ بِالذُّبابِ والعَنْكَبُوتِ، ويَضْحَكُونَ مِن ذَلِكَ، وما عَلِمُوا أنَّ الأمْثالَ والتَّشْبِيهاتِ طُرُقٌ إلى المَعانِي المُحْتَجَبَةِ، فَتُبْرِزُها وتُصَوِّرُها لِلْفَهْمِ، كَما صَوَّرَ هَذا التَّشْبِيهُ الفَرْقَ بَيْنَ حالِ المُشْرِكِ وحالِ المُوَحِّدِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: (وتِلْكَ الأمْثالُ) إلى هَذا المَثَلِ، وما تَقَدَّمَ مِنَ الأمْثالِ في السُّوَرِ. وعَنْ جابِرٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَلا هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: «العالِمُ مَن عَقِلَ عَنِ اللَّهِ فَعَمِلَ بِطاعَتِهِ واجْتَنَبَ سُخْطَهُ». ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى صِغَرِ قَدْرِ الأوْثانِ الَّتِي عَبَدُوها. ومَعْنى (بِالحَقِّ) بِالواجِبِ الثّابِتِ، لا بِالعَبَثِ واللَّعِبِ، إذْ جَعَلَها مَساكِنَ عِبادِهِ، وعِبْرَةً ودَلائِلَ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ وباهِرِ حِكْمَتِهِ. والظّاهِرُ أنَّ الصَّلاةَ هي المَعْهُودَةُ، والمَعْنى: مِن شَأْنِها أنَّها إذا أُدِّيَتْ عَلى ما يَجِبُ مِن فُرُوضِها وسُنَنِها والخُشُوعِ فِيها، والتَّدَبُّرِ لِما يَتْلُو فِيها، وتَقْدِيرُ المُثُولِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعالى، أنْ ﴿تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والكَلْبِيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وحَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ: تَنْهى ما دامَ المُصَلِّي فِيها. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: الصَّلاةُ هُنا القُرْآنُ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: الصَّلاةُ: الدُّعاءُ، أيْ: أقِمِ الدُّعاءَ إلى أمْرِ اللَّهِ، وأمّا مَن تَراهُ مِنَ المُصَلِّينَ يَتَعاطى المَعاصِيَ، فَإنَّ صَلاتَهُ تِلْكَ لَيْسَتْ بِالوَصْفِ الَّذِي تَقَدَّمَ. «وفِي الحَدِيثِ أنَّ فَتًى مِنَ الأنْصارِ كانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، ولا يَدَعُ شَيْئًا مِنَ الفَواحِشِ والسَّرِقَةِ إلّا ارْتَكَبَهُ، فَقِيلَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ، فَقالَ: ”إنَّ صَلاتَهُ تَنْهاهُ“ . فَلَمْ يَلْبَثْ أنْ تابَ وصَلُحَتْ حالُهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”ألَمْ أقُلْ لَكم ؟“» ولا يَدُلُّ اللَّفْظُ عَلى أنَّ كُلَّ صَلاةٍ تَنْهى، بَلِ المَعْنى، أنَّهُ يُوجَدُ ذَلِكَ فِيها، ولا يَكُونُ عَلى العُمُومِ. كَما تَقُولُ: فُلانٌ يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ، أيْ: مِن شَأْنِهِ ذَلِكَ، ولا يَلْزَمُ مِنهُ أنَّ كُلَّ مَعْرُوفٍ يَأْمُرُ بِهِ. والظّاهِرُ أنَّ (أكْبَرُ) أفْعَلُ تَفْضِيلٍ. فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ، وسَلْمانُ، وأبُو الدَّرْداءِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو قُرَّةَ: مَعْناهُ ولَذِكْرُ اللَّهِ إيّاكم أكْبَرُ مِن ذِكْرِكم إيّاهُ. وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: أكْبَرُ مِن كُلِّ شَيْءٍ؛ وقِيلَ: ولَذِكْرُ اللَّهِ في الصَّلاةِ أكْبَرُ مِنهُ خارِجَ الصَّلاةِ، أيْ: أكْبَرُ ثَوابًا؛ وقِيلَ: أكْبَرُ مِن سائِرِ أرْكانِ الصَّلاةِ؛ وقِيلَ: ولَذِكْرُ اللَّهِ نَهْيُهُ أكْبَرُ مِن نَهْيِ الصَّلاةِ؛ وقِيلَ: أكْبَرُ مِن كُلِّ (p-١٥٤)العِبادَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعِنْدِي أنَّ المَعْنى: ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ عَلى الإطْلاقِ، أيْ: هو الَّذِي يَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، والجُزْءُ الَّذِي مِنهُ في الصَّلاةِ يَنْهى، كَما يَنْهى في غَيْرِ الصَّلاةِ؛ لِأنَّ الِانْتِهاءَ لا يَكُونُ إلّا مِن ذاكِرِ اللَّهِ مُراقِبِهِ، وثَوابُ ذَلِكَ الذّاكِرِ أنْ يَذْكُرَهُ اللَّهُ في مَلَأٍ خَيْرٍ مِن مَلَئِهِ، والحَرَكاتُ الَّتِي في الصَّلاةِ لا تَأْثِيرَ لَها في النَّهْيِ، والذِّكْرُ النّافِعُ هو مَعَ العِلْمِ وإقْبالِ القَلْبِ وتَفَرُّغِهِ إلّا مِنَ اللَّهِ. وأمّا ما لا يُجاوِزُ اللِّسانَ فَفي رُتْبَةٍ أُخْرى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُرِيدُ والصَّلاةُ أكْبَرُ مِن غَيْرِها مِنَ الطّاعاتِ، وسَمّاها بِذِكْرِ اللَّهِ، كَما قالَ: ﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] وإنَّما قالَ: ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ﴾ لِتَسْتَقِلَّ بِالتَّعْلِيلِ، كَأنَّهُ قالَ: والصَّلاةُ أكْبَرُ؛ لِأنَّها ذِكْرُ اللَّهِ مِمّا تَصْنَعُونَ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ فَيُجازِيكم، وفِيهِ وعِيدٌ وحَثٌّ عَلى المُراقَبَةِ.

العنكبوت 29:42

﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا فَقالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وارْجُوا اليَوْمَ الآخِرَ ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿وعادًا وثَمُودًا وقَدْ تَبَيَّنَ لَكم مِن مَساكِنِهِمْ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ ﴿وقارُونَ وفِرْعَوْنَ وهامانَ ولَقَدْ جاءَهم مُوسى بِالبَيِّناتِ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ وما كانُوا سابِقِينَ﴾ ﴿فَكُلًّا أخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا ومِنهم مَن أخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ ومِنهم مَن خَسَفْنا بِهِ الأرْضَ ومِنهم مَن أغْرَقْنا وما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ ﴿وخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿اتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ وأقِمِ الصَّلاةَ إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ واللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ﴾ . (وإلى مَدْيَنَ) أيْ: وإلى مَدْيَنَ أرْسَلْنا، أوْ بَعَثْنا، مِمّا يَتَعَدّى بِإلى. أمَرَهم بِعِبادَةِ اللَّهِ، والإيمانِ بِالبَعْثِ واليَوْمِ الآخِرِ. والأمْرُ بِالرَّجاءِ أمْرٌ بِفِعْلِ ما يَتَرَتَّبُ الرَّجاءُ عَلَيْهِ، أقامَ المُسَبِّبَ مَقامَ السَّبَبِ. والمَعْنى: وافْعَلُوا ما تَرْجُونَ بِهِ الثَّوابَ مِنَ اللَّهِ، أوْ يَكُونُ أمْرًا بِالرَّجاءِ عَلى تَقْدِيرِ تَحْصِيلِ شَرْطِهِ، وهو الإيمانُ بِاللَّهِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿وارْجُوا﴾ خافُوا جَزاءَ اليَوْمِ الآخِرِ مِنَ انْتِقامِ اللَّهِ مِنكم؛ إنْ لَمْ تَعْبُدُوهُ. وتَضَمَّنَ الأمْرُ بِالعِبادَةِ والرَّجاءِ أنَّهُ إنْ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ، وقَعَ بِهِمُ العَذابُ؛ كَذَلِكَ جاءَ: (فَكَذَّبُوهُ) وجاءَتْ ثَمَرَةُ التَّكْذِيبِ، وهي: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الجُمَلِ. وانْتَصَبَ ﴿وعادًا وثَمُودَ﴾ بِإضْمارِ أهْلَكْنا، لِدَلالَةِ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ عَلَيْهِ. وقِيلَ: بِالعَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ في (فَأخَذَتْهم)، وأبْعَدَ الكِسائِيُّ في عَطْفِهِ عَلى الَّذِينَ (p-١٥٢)مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣] . وقَرَأ: ثَمُودَ، بِغَيْرِ تَنْوِينٍ؛ حَمْزَةُ، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ، وحَفْصٌ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِالتَّنْوِينِ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: ”وعادٍ وثَمُودٍ“، بِالخَفْضِ فِيهِما والتَّنْوِينِ عَطْفًا عَلى (مَدْيَنَ)، أيْ: وأرْسَلْنا إلى عادٍ وثَمُودَ. ﴿وقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ﴾ أيْ: ذَلِكَ، أيْ: ما وُصِفَ لَكم مِن إهْلاكِهِمْ مِن جِهَةِ مَساكِنِهِمْ، إذا نَظَرْتُمْ إلَيْها عِنْدَ مُرُورِكم لَها، وكانَ أهْلُ مَكَّةَ يَمُرُّونَ عَلَيْها في أسْفارِهِمْ. وقَرَأ الأعْمَشُ: ”مَساكِنُهم“، بِالرَّفْعِ مِن غَيْرِ ”مِن“، فَيَكُونُ فاعِلًا بِـ: (تَبَيَّنَ) . ﴿وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ﴾ أيْ: بِوَسْوَسَتِهِ وإغْوائِهِ (أعْمالَهم) القَبِيحَةَ. (فَصَدَّهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)؛ وهي طَرِيقُ الإيمانِ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ. ﴿وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ أيْ: في كُفْرِهِمْ لَهم بِهِ بَصَرٌ وإعْجابٌ قالَهُ، ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ. وقِيلَ: عُقَلاءُ، يَعْلَمُونَ أنَّ الرِّسالَةَ والآياتِ حَقٌّ، ولَكِنَّهم كَفَرُوا عِنادًا، وجَحَدُوا بِها، واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم. (وقارُونَ) مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، أوْ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ ”اذْكُرْ“ . (فاسْتَكْبَرُوا) أيْ: عَنِ الإقْرارِ بِالصّانِعِ وعِبادَتِهِ في الأرْضِ، إشارَةً إلى قِلَّةِ عُقُولِهِمْ؛ لِأنَّ مَن في الأرْضِ يَشْعُرُ بِالضَّعْفِ، ومَن في السَّماءِ يَشْعُرُ بِالقُوَّةِ، ومَن في السَّماءِ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ، فَكَيْفَ مَن في الأرْضِ ؟ ﴿وما كانُوا سابِقِينَ﴾ الأُمَمَ إلى الكُفْرِ، أيْ: تِلْكَ عادَةُ الأُمَمِ مَعَ رُسُلِهِمْ. والحاصِبُ لِقَوْمِ لُوطٍ، وهي رِيحٌ عاصِفٌ فِيها حَصًى، وقِيلَ: مَلَكٌ كانَ يَرْمِيهِمْ. والصَّيْحَةُ لِمَدْيَنَ وثَمُودَ، والخَسْفُ لِقارُونَ، والغَرَقُ لِقَوْمِ نُوحٍ وفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُشْبِهُ أنْ يَدْخُلَ قَوْمُ عادٍ في الحاصِبِ؛ لِأنَّ تِلْكَ الرِّيحَ لا بُدَّ كانَتْ تَحْصُبُهم بِأُمُورٍ مُؤْذِيَةٍ، والحاصِبُ: هو العارِضُ مِن رِيحٍ أوْ سَحابٍ إذا رُمِيَ بِشَيْءٍ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: ؎مُسْتَقْبِلِينَ شَمالَ الشَّأْمِ تَضْرِبُهم بِحاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنثُورِ ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ: ؎تَرْمِي العِضاةَ بِحاصِبٍ مِن ثَلْجِها ∗∗∗ حَتّى تَبِيتَ عَلى العِضاهِ جُفالا العَنْكَبُوتُ حَيَوانٌ مَعْرُوفٌ، ووَزْنُهُ فَعْلَلُوتٌ، ويُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ، فَمِن تَذْكِيرِهِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎عَلى هَطّالِهِمْ مِنهم بُيُوتٌ ∗∗∗ كَأنَّ العَنْكَبُوتَ هو ابْتَناها ويُجْمَعُ: عَناكِبُ، ويُصَغَّرُ: عُنَيْكِيبٌ. يُشَبِّهُ تَعالى الكُفّارَ في عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ، وبِنائِهِمْ أُمُورَهم عَلَيْها بِالعَنْكَبُوتِ الَّتِي تَبْنِي وتَجْتَهِدُ، وأمْرُها كُلُّهُ ضَعِيفٌ، مَتى مَسَّتْهُ أدْنى هامَةٍ أوْ هامَّةٍ أذْهَبَتْهُ، فَكَذَلِكَ أمْرُ أُولَئِكَ، وسَعْيُهم مُضْمَحِلٌّ، لا قُوَّةَ لَهُ ولا مُعْتَمَدٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الغَرَضُ تَشْبِيهُ ما اتَّخَذُوهُ مُتَّكَلًا ومُعْتَمَدًا في دِينِهِمْ، وتَوَلَّوْهُ مِن دُونِ اللَّهِ، مِمّا هو مَثَلٌ عِنْدِ النّاسِ في الوَهْنِ وضَعْفِ القُوَّةِ، وهو نَسْجُ العَنْكَبُوتِ. ألا تَرى إلى مَقْطَعِ التَّشْبِيهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ﴾ ؟ انْتَهى. يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ألا تَرى إلى مَقْطَعِ التَّشْبِيهِ بِما ذَكَرَ أوَّلًا مِن أنَّ الغَرَضَ تَشْبِيهُ المُتَّخِذِ بِالبَيْتِ، لا تَشْبِيهُ المُتَّخِذِ بِالعَنْكَبُوتِ ؟ والَّذِي يَظْهَرُ، هو تَشْبِيهُ المُتَّخِذِ مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا، بِالعَنْكَبُوتِ المُتَّخِذَةِ بَيْتًا، أيْ: فَلا اعْتِمادَ لِلْمُتَّخِذِ عَلى ولِيِّهِ مِن دُونِ اللَّهِ، كَما أنَّ العَنْكَبُوتَ لا اعْتِمادُها عَلى بَيْتِها في اسْتِظْلالٍ وسُكْنى، بَلْ لَوْ دَخَلَتْ فِيهِ خَرَقَتْهُ. ثُمَّ بَيَّنَ حالَ بَيْتِها، وأنَّهُ في غايَةِ الوَهْنِ، بِحَيْثُ لا يُنْتَفَعُ بِهِ. كَما أنَّ تِلْكَ الأصْنامَ لا تَنْفَعُ ولا تُجْدِي شَيْئًا البَتَّةَ، وقَوْلُهُ: (لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ) لَيْسَ مَرْتَبِطًا بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ﴾ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ ذَلِكَ، فَلا يُقالُ فِيهِ: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ؛ وإنَّما المَعْنى: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ هَذا مَثَلُهم، وأنَّ أمْرَ دِينِهِمْ بالِغٌ مِنَ الوَهْنِ هَذِهِ الغايَةَ لَأقْلَعُوا عَنْهُ، وما اتَّخَذُوا الأصْنامَ آلِهَةً. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذا صَحَّ تَشْبِيهُ ما اعْتَمَدُوهُ في دِينِهِمْ بِبَيْتِ العَنْكَبُوتِ، وقَدْ صَحَّ أنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ بَيْتُ العَنْكَبُوتِ، فَقَدْ تَبَيَّنَ أنَّ دِينَهم أوْهَنَ الأدْيانِ، لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ؛ أوْ أُخْرِجَ الكَلامُ بَعْدَ تَصْحِيحِ التَّشْبِيهِ مَخْرَجَ المَجازِ، وكَأنَّهُ قالَ: وإنَّ (p-١٥٣)أوْهَنَ ما يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ في الدِّينِ عِبادَةُ الأوْثانِ، لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: مَثَلُ المُشْرِكِ الَّذِي يَعْبُدُ الوَثَنَ، بِالقِياسِ إلى المُؤْمِنَ الَّذِي يَعْبُدُ اللَّهَ، مَثَلُ عَنْكَبُوتٍ يَتَّخِذُ بَيْتًا، بِالإضافَةِ إلى رَجُلٍ بَنى بَيْتًا بِآجُرٍّ وجِصٍّ أوْ نَحَتَهُ مِن صَخْرٍ. فَكَما أنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ، إذا اسْتَقْرَيْتَها بَيْتًا، بَيْتُ العَنْكَبُوتِ، كَذَلِكَ أضْعَفُ الأدْيانِ، إذا اسْتَقْرَيْتَها دِينًا، عِبادَةُ الأوْثانِ، لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ. انْتَهى. وما ذَكَرَهُ مِن قَوْلِهِ: ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ إلَخْ. لا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ الآيَةِ، وإنَّما هو تَحْمِيلٌ لِلَّفْظِ ما لا يَحْتَمِلُهُ، كَعادَتِهِ في كَثِيرٍ مِن تَفْسِيرِهِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وسَلامٌ: (يَعْلَمُ ما)، بِالإدْغامِ؛ والجُمْهُورُ: بِالفَكِّ؛ والجُمْهُورُ: ”تَدْعُونَ“، بِتاءِ الخِطابِ؛ وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ: بِخِلافٍ، بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وجَوَّزُوا في (ما) أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِـ: (يَدْعُونَ)، أيْ: يَعْلَمُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن جَمِيعِ الأشْياءِ، أيْ: يَعْلَمُ حالَهم، وأنَّهم لا قُدْرَةَ لَهم. وأنْ تَكُونَ نافِيَةً، أيْ: لَسْتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ شَيْئًا لَهُ بالٌ ولا قَدْرٌ، فَيَصْلُحُ أنْ يُسَمّى شَيْئًا، وأنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا، كَأنَّهُ قُدِّرَ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ عَلى هَذا المَعْبُودِ مِن جَمِيعِ الأشْياءِ، وهي في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ مُقْتَطَعَةٌ مِن (يَعْلَمُ)، واعْتِراضٌ بَيْنَ يَعْلَمُ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ . وجَوَّزَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ (ما) اسْتِفْهامًا مَنصُوبًا بِـ: (يَدْعُونَ)، و(يَعْلَمُ) مُعَلَّقَةٌ؛ فالجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِها، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أوْثانًا تَدْعُونَ مِن دُونِهِ، أمْ غَيْرَها لا يَخْفى عَلَيْهِ ذَلِكَ. والجُمْلَةُ تَأْكِيدٌ لِلْمَثَلِ، وإذا كانَتْ (ما) نافِيَةً، كانَ في الجُمْلَةِ زِيادَةٌ عَلى المَثَلِ، حَيْثُ لَمْ يَجْعَلْ تَعالى ما يَدْعُونَهُ شَيْئًا. (وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ) فِيهِ تَجْهِيلٌ لَهم، حَيْثُ عَبَدُوا ما لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهُ جَمادٌ لَيْسَ مَعَهُ مُصَحَّحُ العِلْمِ والقُدْرَةِ أصْلًا، وتَرَكُوا عِبادَةَ القادِرِ القاهِرِ الحَكِيمِ الَّذِي لا يَفْعَلُ شَيْئًا إلّا لِحِكْمَةٍ. ﴿وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ أيْ: لا يَعْقِلُ صِحَّتَها وحُسْنَها وفائِدَتَها. وكانَ جَهَلَةُ قُرَيْشٍ يَقُولُونَ: إنَّ رَبَّ مُحَمَّدٍ يَضْرِبُ المَثَلَ بِالذُّبابِ والعَنْكَبُوتِ، ويَضْحَكُونَ مِن ذَلِكَ، وما عَلِمُوا أنَّ الأمْثالَ والتَّشْبِيهاتِ طُرُقٌ إلى المَعانِي المُحْتَجَبَةِ، فَتُبْرِزُها وتُصَوِّرُها لِلْفَهْمِ، كَما صَوَّرَ هَذا التَّشْبِيهُ الفَرْقَ بَيْنَ حالِ المُشْرِكِ وحالِ المُوَحِّدِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: (وتِلْكَ الأمْثالُ) إلى هَذا المَثَلِ، وما تَقَدَّمَ مِنَ الأمْثالِ في السُّوَرِ. وعَنْ جابِرٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَلا هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: «العالِمُ مَن عَقِلَ عَنِ اللَّهِ فَعَمِلَ بِطاعَتِهِ واجْتَنَبَ سُخْطَهُ». ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى صِغَرِ قَدْرِ الأوْثانِ الَّتِي عَبَدُوها. ومَعْنى (بِالحَقِّ) بِالواجِبِ الثّابِتِ، لا بِالعَبَثِ واللَّعِبِ، إذْ جَعَلَها مَساكِنَ عِبادِهِ، وعِبْرَةً ودَلائِلَ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ وباهِرِ حِكْمَتِهِ. والظّاهِرُ أنَّ الصَّلاةَ هي المَعْهُودَةُ، والمَعْنى: مِن شَأْنِها أنَّها إذا أُدِّيَتْ عَلى ما يَجِبُ مِن فُرُوضِها وسُنَنِها والخُشُوعِ فِيها، والتَّدَبُّرِ لِما يَتْلُو فِيها، وتَقْدِيرُ المُثُولِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعالى، أنْ ﴿تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والكَلْبِيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وحَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ: تَنْهى ما دامَ المُصَلِّي فِيها. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: الصَّلاةُ هُنا القُرْآنُ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: الصَّلاةُ: الدُّعاءُ، أيْ: أقِمِ الدُّعاءَ إلى أمْرِ اللَّهِ، وأمّا مَن تَراهُ مِنَ المُصَلِّينَ يَتَعاطى المَعاصِيَ، فَإنَّ صَلاتَهُ تِلْكَ لَيْسَتْ بِالوَصْفِ الَّذِي تَقَدَّمَ. «وفِي الحَدِيثِ أنَّ فَتًى مِنَ الأنْصارِ كانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، ولا يَدَعُ شَيْئًا مِنَ الفَواحِشِ والسَّرِقَةِ إلّا ارْتَكَبَهُ، فَقِيلَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ، فَقالَ: ”إنَّ صَلاتَهُ تَنْهاهُ“ . فَلَمْ يَلْبَثْ أنْ تابَ وصَلُحَتْ حالُهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”ألَمْ أقُلْ لَكم ؟“» ولا يَدُلُّ اللَّفْظُ عَلى أنَّ كُلَّ صَلاةٍ تَنْهى، بَلِ المَعْنى، أنَّهُ يُوجَدُ ذَلِكَ فِيها، ولا يَكُونُ عَلى العُمُومِ. كَما تَقُولُ: فُلانٌ يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ، أيْ: مِن شَأْنِهِ ذَلِكَ، ولا يَلْزَمُ مِنهُ أنَّ كُلَّ مَعْرُوفٍ يَأْمُرُ بِهِ. والظّاهِرُ أنَّ (أكْبَرُ) أفْعَلُ تَفْضِيلٍ. فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ، وسَلْمانُ، وأبُو الدَّرْداءِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو قُرَّةَ: مَعْناهُ ولَذِكْرُ اللَّهِ إيّاكم أكْبَرُ مِن ذِكْرِكم إيّاهُ. وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: أكْبَرُ مِن كُلِّ شَيْءٍ؛ وقِيلَ: ولَذِكْرُ اللَّهِ في الصَّلاةِ أكْبَرُ مِنهُ خارِجَ الصَّلاةِ، أيْ: أكْبَرُ ثَوابًا؛ وقِيلَ: أكْبَرُ مِن سائِرِ أرْكانِ الصَّلاةِ؛ وقِيلَ: ولَذِكْرُ اللَّهِ نَهْيُهُ أكْبَرُ مِن نَهْيِ الصَّلاةِ؛ وقِيلَ: أكْبَرُ مِن كُلِّ (p-١٥٤)العِبادَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعِنْدِي أنَّ المَعْنى: ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ عَلى الإطْلاقِ، أيْ: هو الَّذِي يَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، والجُزْءُ الَّذِي مِنهُ في الصَّلاةِ يَنْهى، كَما يَنْهى في غَيْرِ الصَّلاةِ؛ لِأنَّ الِانْتِهاءَ لا يَكُونُ إلّا مِن ذاكِرِ اللَّهِ مُراقِبِهِ، وثَوابُ ذَلِكَ الذّاكِرِ أنْ يَذْكُرَهُ اللَّهُ في مَلَأٍ خَيْرٍ مِن مَلَئِهِ، والحَرَكاتُ الَّتِي في الصَّلاةِ لا تَأْثِيرَ لَها في النَّهْيِ، والذِّكْرُ النّافِعُ هو مَعَ العِلْمِ وإقْبالِ القَلْبِ وتَفَرُّغِهِ إلّا مِنَ اللَّهِ. وأمّا ما لا يُجاوِزُ اللِّسانَ فَفي رُتْبَةٍ أُخْرى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُرِيدُ والصَّلاةُ أكْبَرُ مِن غَيْرِها مِنَ الطّاعاتِ، وسَمّاها بِذِكْرِ اللَّهِ، كَما قالَ: ﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] وإنَّما قالَ: ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ﴾ لِتَسْتَقِلَّ بِالتَّعْلِيلِ، كَأنَّهُ قالَ: والصَّلاةُ أكْبَرُ؛ لِأنَّها ذِكْرُ اللَّهِ مِمّا تَصْنَعُونَ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ فَيُجازِيكم، وفِيهِ وعِيدٌ وحَثٌّ عَلى المُراقَبَةِ.

العنكبوت 29:43

﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا فَقالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وارْجُوا اليَوْمَ الآخِرَ ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿وعادًا وثَمُودًا وقَدْ تَبَيَّنَ لَكم مِن مَساكِنِهِمْ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ ﴿وقارُونَ وفِرْعَوْنَ وهامانَ ولَقَدْ جاءَهم مُوسى بِالبَيِّناتِ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ وما كانُوا سابِقِينَ﴾ ﴿فَكُلًّا أخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا ومِنهم مَن أخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ ومِنهم مَن خَسَفْنا بِهِ الأرْضَ ومِنهم مَن أغْرَقْنا وما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ ﴿وخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿اتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ وأقِمِ الصَّلاةَ إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ واللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ﴾ . (وإلى مَدْيَنَ) أيْ: وإلى مَدْيَنَ أرْسَلْنا، أوْ بَعَثْنا، مِمّا يَتَعَدّى بِإلى. أمَرَهم بِعِبادَةِ اللَّهِ، والإيمانِ بِالبَعْثِ واليَوْمِ الآخِرِ. والأمْرُ بِالرَّجاءِ أمْرٌ بِفِعْلِ ما يَتَرَتَّبُ الرَّجاءُ عَلَيْهِ، أقامَ المُسَبِّبَ مَقامَ السَّبَبِ. والمَعْنى: وافْعَلُوا ما تَرْجُونَ بِهِ الثَّوابَ مِنَ اللَّهِ، أوْ يَكُونُ أمْرًا بِالرَّجاءِ عَلى تَقْدِيرِ تَحْصِيلِ شَرْطِهِ، وهو الإيمانُ بِاللَّهِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿وارْجُوا﴾ خافُوا جَزاءَ اليَوْمِ الآخِرِ مِنَ انْتِقامِ اللَّهِ مِنكم؛ إنْ لَمْ تَعْبُدُوهُ. وتَضَمَّنَ الأمْرُ بِالعِبادَةِ والرَّجاءِ أنَّهُ إنْ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ، وقَعَ بِهِمُ العَذابُ؛ كَذَلِكَ جاءَ: (فَكَذَّبُوهُ) وجاءَتْ ثَمَرَةُ التَّكْذِيبِ، وهي: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الجُمَلِ. وانْتَصَبَ ﴿وعادًا وثَمُودَ﴾ بِإضْمارِ أهْلَكْنا، لِدَلالَةِ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ عَلَيْهِ. وقِيلَ: بِالعَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ في (فَأخَذَتْهم)، وأبْعَدَ الكِسائِيُّ في عَطْفِهِ عَلى الَّذِينَ (p-١٥٢)مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣] . وقَرَأ: ثَمُودَ، بِغَيْرِ تَنْوِينٍ؛ حَمْزَةُ، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ، وحَفْصٌ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِالتَّنْوِينِ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: ”وعادٍ وثَمُودٍ“، بِالخَفْضِ فِيهِما والتَّنْوِينِ عَطْفًا عَلى (مَدْيَنَ)، أيْ: وأرْسَلْنا إلى عادٍ وثَمُودَ. ﴿وقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ﴾ أيْ: ذَلِكَ، أيْ: ما وُصِفَ لَكم مِن إهْلاكِهِمْ مِن جِهَةِ مَساكِنِهِمْ، إذا نَظَرْتُمْ إلَيْها عِنْدَ مُرُورِكم لَها، وكانَ أهْلُ مَكَّةَ يَمُرُّونَ عَلَيْها في أسْفارِهِمْ. وقَرَأ الأعْمَشُ: ”مَساكِنُهم“، بِالرَّفْعِ مِن غَيْرِ ”مِن“، فَيَكُونُ فاعِلًا بِـ: (تَبَيَّنَ) . ﴿وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ﴾ أيْ: بِوَسْوَسَتِهِ وإغْوائِهِ (أعْمالَهم) القَبِيحَةَ. (فَصَدَّهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)؛ وهي طَرِيقُ الإيمانِ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ. ﴿وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ أيْ: في كُفْرِهِمْ لَهم بِهِ بَصَرٌ وإعْجابٌ قالَهُ، ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ. وقِيلَ: عُقَلاءُ، يَعْلَمُونَ أنَّ الرِّسالَةَ والآياتِ حَقٌّ، ولَكِنَّهم كَفَرُوا عِنادًا، وجَحَدُوا بِها، واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم. (وقارُونَ) مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، أوْ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ ”اذْكُرْ“ . (فاسْتَكْبَرُوا) أيْ: عَنِ الإقْرارِ بِالصّانِعِ وعِبادَتِهِ في الأرْضِ، إشارَةً إلى قِلَّةِ عُقُولِهِمْ؛ لِأنَّ مَن في الأرْضِ يَشْعُرُ بِالضَّعْفِ، ومَن في السَّماءِ يَشْعُرُ بِالقُوَّةِ، ومَن في السَّماءِ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ، فَكَيْفَ مَن في الأرْضِ ؟ ﴿وما كانُوا سابِقِينَ﴾ الأُمَمَ إلى الكُفْرِ، أيْ: تِلْكَ عادَةُ الأُمَمِ مَعَ رُسُلِهِمْ. والحاصِبُ لِقَوْمِ لُوطٍ، وهي رِيحٌ عاصِفٌ فِيها حَصًى، وقِيلَ: مَلَكٌ كانَ يَرْمِيهِمْ. والصَّيْحَةُ لِمَدْيَنَ وثَمُودَ، والخَسْفُ لِقارُونَ، والغَرَقُ لِقَوْمِ نُوحٍ وفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُشْبِهُ أنْ يَدْخُلَ قَوْمُ عادٍ في الحاصِبِ؛ لِأنَّ تِلْكَ الرِّيحَ لا بُدَّ كانَتْ تَحْصُبُهم بِأُمُورٍ مُؤْذِيَةٍ، والحاصِبُ: هو العارِضُ مِن رِيحٍ أوْ سَحابٍ إذا رُمِيَ بِشَيْءٍ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: ؎مُسْتَقْبِلِينَ شَمالَ الشَّأْمِ تَضْرِبُهم بِحاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنثُورِ ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ: ؎تَرْمِي العِضاةَ بِحاصِبٍ مِن ثَلْجِها ∗∗∗ حَتّى تَبِيتَ عَلى العِضاهِ جُفالا العَنْكَبُوتُ حَيَوانٌ مَعْرُوفٌ، ووَزْنُهُ فَعْلَلُوتٌ، ويُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ، فَمِن تَذْكِيرِهِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎عَلى هَطّالِهِمْ مِنهم بُيُوتٌ ∗∗∗ كَأنَّ العَنْكَبُوتَ هو ابْتَناها ويُجْمَعُ: عَناكِبُ، ويُصَغَّرُ: عُنَيْكِيبٌ. يُشَبِّهُ تَعالى الكُفّارَ في عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ، وبِنائِهِمْ أُمُورَهم عَلَيْها بِالعَنْكَبُوتِ الَّتِي تَبْنِي وتَجْتَهِدُ، وأمْرُها كُلُّهُ ضَعِيفٌ، مَتى مَسَّتْهُ أدْنى هامَةٍ أوْ هامَّةٍ أذْهَبَتْهُ، فَكَذَلِكَ أمْرُ أُولَئِكَ، وسَعْيُهم مُضْمَحِلٌّ، لا قُوَّةَ لَهُ ولا مُعْتَمَدٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الغَرَضُ تَشْبِيهُ ما اتَّخَذُوهُ مُتَّكَلًا ومُعْتَمَدًا في دِينِهِمْ، وتَوَلَّوْهُ مِن دُونِ اللَّهِ، مِمّا هو مَثَلٌ عِنْدِ النّاسِ في الوَهْنِ وضَعْفِ القُوَّةِ، وهو نَسْجُ العَنْكَبُوتِ. ألا تَرى إلى مَقْطَعِ التَّشْبِيهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ﴾ ؟ انْتَهى. يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ألا تَرى إلى مَقْطَعِ التَّشْبِيهِ بِما ذَكَرَ أوَّلًا مِن أنَّ الغَرَضَ تَشْبِيهُ المُتَّخِذِ بِالبَيْتِ، لا تَشْبِيهُ المُتَّخِذِ بِالعَنْكَبُوتِ ؟ والَّذِي يَظْهَرُ، هو تَشْبِيهُ المُتَّخِذِ مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا، بِالعَنْكَبُوتِ المُتَّخِذَةِ بَيْتًا، أيْ: فَلا اعْتِمادَ لِلْمُتَّخِذِ عَلى ولِيِّهِ مِن دُونِ اللَّهِ، كَما أنَّ العَنْكَبُوتَ لا اعْتِمادُها عَلى بَيْتِها في اسْتِظْلالٍ وسُكْنى، بَلْ لَوْ دَخَلَتْ فِيهِ خَرَقَتْهُ. ثُمَّ بَيَّنَ حالَ بَيْتِها، وأنَّهُ في غايَةِ الوَهْنِ، بِحَيْثُ لا يُنْتَفَعُ بِهِ. كَما أنَّ تِلْكَ الأصْنامَ لا تَنْفَعُ ولا تُجْدِي شَيْئًا البَتَّةَ، وقَوْلُهُ: (لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ) لَيْسَ مَرْتَبِطًا بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ﴾ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ ذَلِكَ، فَلا يُقالُ فِيهِ: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ؛ وإنَّما المَعْنى: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ هَذا مَثَلُهم، وأنَّ أمْرَ دِينِهِمْ بالِغٌ مِنَ الوَهْنِ هَذِهِ الغايَةَ لَأقْلَعُوا عَنْهُ، وما اتَّخَذُوا الأصْنامَ آلِهَةً. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذا صَحَّ تَشْبِيهُ ما اعْتَمَدُوهُ في دِينِهِمْ بِبَيْتِ العَنْكَبُوتِ، وقَدْ صَحَّ أنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ بَيْتُ العَنْكَبُوتِ، فَقَدْ تَبَيَّنَ أنَّ دِينَهم أوْهَنَ الأدْيانِ، لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ؛ أوْ أُخْرِجَ الكَلامُ بَعْدَ تَصْحِيحِ التَّشْبِيهِ مَخْرَجَ المَجازِ، وكَأنَّهُ قالَ: وإنَّ (p-١٥٣)أوْهَنَ ما يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ في الدِّينِ عِبادَةُ الأوْثانِ، لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: مَثَلُ المُشْرِكِ الَّذِي يَعْبُدُ الوَثَنَ، بِالقِياسِ إلى المُؤْمِنَ الَّذِي يَعْبُدُ اللَّهَ، مَثَلُ عَنْكَبُوتٍ يَتَّخِذُ بَيْتًا، بِالإضافَةِ إلى رَجُلٍ بَنى بَيْتًا بِآجُرٍّ وجِصٍّ أوْ نَحَتَهُ مِن صَخْرٍ. فَكَما أنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ، إذا اسْتَقْرَيْتَها بَيْتًا، بَيْتُ العَنْكَبُوتِ، كَذَلِكَ أضْعَفُ الأدْيانِ، إذا اسْتَقْرَيْتَها دِينًا، عِبادَةُ الأوْثانِ، لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ. انْتَهى. وما ذَكَرَهُ مِن قَوْلِهِ: ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ إلَخْ. لا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ الآيَةِ، وإنَّما هو تَحْمِيلٌ لِلَّفْظِ ما لا يَحْتَمِلُهُ، كَعادَتِهِ في كَثِيرٍ مِن تَفْسِيرِهِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وسَلامٌ: (يَعْلَمُ ما)، بِالإدْغامِ؛ والجُمْهُورُ: بِالفَكِّ؛ والجُمْهُورُ: ”تَدْعُونَ“، بِتاءِ الخِطابِ؛ وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ: بِخِلافٍ، بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وجَوَّزُوا في (ما) أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِـ: (يَدْعُونَ)، أيْ: يَعْلَمُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن جَمِيعِ الأشْياءِ، أيْ: يَعْلَمُ حالَهم، وأنَّهم لا قُدْرَةَ لَهم. وأنْ تَكُونَ نافِيَةً، أيْ: لَسْتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ شَيْئًا لَهُ بالٌ ولا قَدْرٌ، فَيَصْلُحُ أنْ يُسَمّى شَيْئًا، وأنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا، كَأنَّهُ قُدِّرَ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ عَلى هَذا المَعْبُودِ مِن جَمِيعِ الأشْياءِ، وهي في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ مُقْتَطَعَةٌ مِن (يَعْلَمُ)، واعْتِراضٌ بَيْنَ يَعْلَمُ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ . وجَوَّزَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ (ما) اسْتِفْهامًا مَنصُوبًا بِـ: (يَدْعُونَ)، و(يَعْلَمُ) مُعَلَّقَةٌ؛ فالجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِها، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أوْثانًا تَدْعُونَ مِن دُونِهِ، أمْ غَيْرَها لا يَخْفى عَلَيْهِ ذَلِكَ. والجُمْلَةُ تَأْكِيدٌ لِلْمَثَلِ، وإذا كانَتْ (ما) نافِيَةً، كانَ في الجُمْلَةِ زِيادَةٌ عَلى المَثَلِ، حَيْثُ لَمْ يَجْعَلْ تَعالى ما يَدْعُونَهُ شَيْئًا. (وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ) فِيهِ تَجْهِيلٌ لَهم، حَيْثُ عَبَدُوا ما لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهُ جَمادٌ لَيْسَ مَعَهُ مُصَحَّحُ العِلْمِ والقُدْرَةِ أصْلًا، وتَرَكُوا عِبادَةَ القادِرِ القاهِرِ الحَكِيمِ الَّذِي لا يَفْعَلُ شَيْئًا إلّا لِحِكْمَةٍ. ﴿وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ أيْ: لا يَعْقِلُ صِحَّتَها وحُسْنَها وفائِدَتَها. وكانَ جَهَلَةُ قُرَيْشٍ يَقُولُونَ: إنَّ رَبَّ مُحَمَّدٍ يَضْرِبُ المَثَلَ بِالذُّبابِ والعَنْكَبُوتِ، ويَضْحَكُونَ مِن ذَلِكَ، وما عَلِمُوا أنَّ الأمْثالَ والتَّشْبِيهاتِ طُرُقٌ إلى المَعانِي المُحْتَجَبَةِ، فَتُبْرِزُها وتُصَوِّرُها لِلْفَهْمِ، كَما صَوَّرَ هَذا التَّشْبِيهُ الفَرْقَ بَيْنَ حالِ المُشْرِكِ وحالِ المُوَحِّدِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: (وتِلْكَ الأمْثالُ) إلى هَذا المَثَلِ، وما تَقَدَّمَ مِنَ الأمْثالِ في السُّوَرِ. وعَنْ جابِرٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَلا هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: «العالِمُ مَن عَقِلَ عَنِ اللَّهِ فَعَمِلَ بِطاعَتِهِ واجْتَنَبَ سُخْطَهُ». ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى صِغَرِ قَدْرِ الأوْثانِ الَّتِي عَبَدُوها. ومَعْنى (بِالحَقِّ) بِالواجِبِ الثّابِتِ، لا بِالعَبَثِ واللَّعِبِ، إذْ جَعَلَها مَساكِنَ عِبادِهِ، وعِبْرَةً ودَلائِلَ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ وباهِرِ حِكْمَتِهِ. والظّاهِرُ أنَّ الصَّلاةَ هي المَعْهُودَةُ، والمَعْنى: مِن شَأْنِها أنَّها إذا أُدِّيَتْ عَلى ما يَجِبُ مِن فُرُوضِها وسُنَنِها والخُشُوعِ فِيها، والتَّدَبُّرِ لِما يَتْلُو فِيها، وتَقْدِيرُ المُثُولِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعالى، أنْ ﴿تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والكَلْبِيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وحَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ: تَنْهى ما دامَ المُصَلِّي فِيها. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: الصَّلاةُ هُنا القُرْآنُ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: الصَّلاةُ: الدُّعاءُ، أيْ: أقِمِ الدُّعاءَ إلى أمْرِ اللَّهِ، وأمّا مَن تَراهُ مِنَ المُصَلِّينَ يَتَعاطى المَعاصِيَ، فَإنَّ صَلاتَهُ تِلْكَ لَيْسَتْ بِالوَصْفِ الَّذِي تَقَدَّمَ. «وفِي الحَدِيثِ أنَّ فَتًى مِنَ الأنْصارِ كانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، ولا يَدَعُ شَيْئًا مِنَ الفَواحِشِ والسَّرِقَةِ إلّا ارْتَكَبَهُ، فَقِيلَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ، فَقالَ: ”إنَّ صَلاتَهُ تَنْهاهُ“ . فَلَمْ يَلْبَثْ أنْ تابَ وصَلُحَتْ حالُهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”ألَمْ أقُلْ لَكم ؟“» ولا يَدُلُّ اللَّفْظُ عَلى أنَّ كُلَّ صَلاةٍ تَنْهى، بَلِ المَعْنى، أنَّهُ يُوجَدُ ذَلِكَ فِيها، ولا يَكُونُ عَلى العُمُومِ. كَما تَقُولُ: فُلانٌ يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ، أيْ: مِن شَأْنِهِ ذَلِكَ، ولا يَلْزَمُ مِنهُ أنَّ كُلَّ مَعْرُوفٍ يَأْمُرُ بِهِ. والظّاهِرُ أنَّ (أكْبَرُ) أفْعَلُ تَفْضِيلٍ. فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ، وسَلْمانُ، وأبُو الدَّرْداءِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو قُرَّةَ: مَعْناهُ ولَذِكْرُ اللَّهِ إيّاكم أكْبَرُ مِن ذِكْرِكم إيّاهُ. وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: أكْبَرُ مِن كُلِّ شَيْءٍ؛ وقِيلَ: ولَذِكْرُ اللَّهِ في الصَّلاةِ أكْبَرُ مِنهُ خارِجَ الصَّلاةِ، أيْ: أكْبَرُ ثَوابًا؛ وقِيلَ: أكْبَرُ مِن سائِرِ أرْكانِ الصَّلاةِ؛ وقِيلَ: ولَذِكْرُ اللَّهِ نَهْيُهُ أكْبَرُ مِن نَهْيِ الصَّلاةِ؛ وقِيلَ: أكْبَرُ مِن كُلِّ (p-١٥٤)العِبادَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعِنْدِي أنَّ المَعْنى: ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ عَلى الإطْلاقِ، أيْ: هو الَّذِي يَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، والجُزْءُ الَّذِي مِنهُ في الصَّلاةِ يَنْهى، كَما يَنْهى في غَيْرِ الصَّلاةِ؛ لِأنَّ الِانْتِهاءَ لا يَكُونُ إلّا مِن ذاكِرِ اللَّهِ مُراقِبِهِ، وثَوابُ ذَلِكَ الذّاكِرِ أنْ يَذْكُرَهُ اللَّهُ في مَلَأٍ خَيْرٍ مِن مَلَئِهِ، والحَرَكاتُ الَّتِي في الصَّلاةِ لا تَأْثِيرَ لَها في النَّهْيِ، والذِّكْرُ النّافِعُ هو مَعَ العِلْمِ وإقْبالِ القَلْبِ وتَفَرُّغِهِ إلّا مِنَ اللَّهِ. وأمّا ما لا يُجاوِزُ اللِّسانَ فَفي رُتْبَةٍ أُخْرى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُرِيدُ والصَّلاةُ أكْبَرُ مِن غَيْرِها مِنَ الطّاعاتِ، وسَمّاها بِذِكْرِ اللَّهِ، كَما قالَ: ﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] وإنَّما قالَ: ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ﴾ لِتَسْتَقِلَّ بِالتَّعْلِيلِ، كَأنَّهُ قالَ: والصَّلاةُ أكْبَرُ؛ لِأنَّها ذِكْرُ اللَّهِ مِمّا تَصْنَعُونَ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ فَيُجازِيكم، وفِيهِ وعِيدٌ وحَثٌّ عَلى المُراقَبَةِ.

العنكبوت 29:44

﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا فَقالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وارْجُوا اليَوْمَ الآخِرَ ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿وعادًا وثَمُودًا وقَدْ تَبَيَّنَ لَكم مِن مَساكِنِهِمْ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ ﴿وقارُونَ وفِرْعَوْنَ وهامانَ ولَقَدْ جاءَهم مُوسى بِالبَيِّناتِ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ وما كانُوا سابِقِينَ﴾ ﴿فَكُلًّا أخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا ومِنهم مَن أخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ ومِنهم مَن خَسَفْنا بِهِ الأرْضَ ومِنهم مَن أغْرَقْنا وما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ ﴿وخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿اتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ وأقِمِ الصَّلاةَ إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ واللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ﴾ . (وإلى مَدْيَنَ) أيْ: وإلى مَدْيَنَ أرْسَلْنا، أوْ بَعَثْنا، مِمّا يَتَعَدّى بِإلى. أمَرَهم بِعِبادَةِ اللَّهِ، والإيمانِ بِالبَعْثِ واليَوْمِ الآخِرِ. والأمْرُ بِالرَّجاءِ أمْرٌ بِفِعْلِ ما يَتَرَتَّبُ الرَّجاءُ عَلَيْهِ، أقامَ المُسَبِّبَ مَقامَ السَّبَبِ. والمَعْنى: وافْعَلُوا ما تَرْجُونَ بِهِ الثَّوابَ مِنَ اللَّهِ، أوْ يَكُونُ أمْرًا بِالرَّجاءِ عَلى تَقْدِيرِ تَحْصِيلِ شَرْطِهِ، وهو الإيمانُ بِاللَّهِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿وارْجُوا﴾ خافُوا جَزاءَ اليَوْمِ الآخِرِ مِنَ انْتِقامِ اللَّهِ مِنكم؛ إنْ لَمْ تَعْبُدُوهُ. وتَضَمَّنَ الأمْرُ بِالعِبادَةِ والرَّجاءِ أنَّهُ إنْ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ، وقَعَ بِهِمُ العَذابُ؛ كَذَلِكَ جاءَ: (فَكَذَّبُوهُ) وجاءَتْ ثَمَرَةُ التَّكْذِيبِ، وهي: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الجُمَلِ. وانْتَصَبَ ﴿وعادًا وثَمُودَ﴾ بِإضْمارِ أهْلَكْنا، لِدَلالَةِ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ عَلَيْهِ. وقِيلَ: بِالعَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ في (فَأخَذَتْهم)، وأبْعَدَ الكِسائِيُّ في عَطْفِهِ عَلى الَّذِينَ (p-١٥٢)مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣] . وقَرَأ: ثَمُودَ، بِغَيْرِ تَنْوِينٍ؛ حَمْزَةُ، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ، وحَفْصٌ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِالتَّنْوِينِ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: ”وعادٍ وثَمُودٍ“، بِالخَفْضِ فِيهِما والتَّنْوِينِ عَطْفًا عَلى (مَدْيَنَ)، أيْ: وأرْسَلْنا إلى عادٍ وثَمُودَ. ﴿وقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ﴾ أيْ: ذَلِكَ، أيْ: ما وُصِفَ لَكم مِن إهْلاكِهِمْ مِن جِهَةِ مَساكِنِهِمْ، إذا نَظَرْتُمْ إلَيْها عِنْدَ مُرُورِكم لَها، وكانَ أهْلُ مَكَّةَ يَمُرُّونَ عَلَيْها في أسْفارِهِمْ. وقَرَأ الأعْمَشُ: ”مَساكِنُهم“، بِالرَّفْعِ مِن غَيْرِ ”مِن“، فَيَكُونُ فاعِلًا بِـ: (تَبَيَّنَ) . ﴿وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ﴾ أيْ: بِوَسْوَسَتِهِ وإغْوائِهِ (أعْمالَهم) القَبِيحَةَ. (فَصَدَّهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)؛ وهي طَرِيقُ الإيمانِ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ. ﴿وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ أيْ: في كُفْرِهِمْ لَهم بِهِ بَصَرٌ وإعْجابٌ قالَهُ، ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ. وقِيلَ: عُقَلاءُ، يَعْلَمُونَ أنَّ الرِّسالَةَ والآياتِ حَقٌّ، ولَكِنَّهم كَفَرُوا عِنادًا، وجَحَدُوا بِها، واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم. (وقارُونَ) مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، أوْ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ ”اذْكُرْ“ . (فاسْتَكْبَرُوا) أيْ: عَنِ الإقْرارِ بِالصّانِعِ وعِبادَتِهِ في الأرْضِ، إشارَةً إلى قِلَّةِ عُقُولِهِمْ؛ لِأنَّ مَن في الأرْضِ يَشْعُرُ بِالضَّعْفِ، ومَن في السَّماءِ يَشْعُرُ بِالقُوَّةِ، ومَن في السَّماءِ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ، فَكَيْفَ مَن في الأرْضِ ؟ ﴿وما كانُوا سابِقِينَ﴾ الأُمَمَ إلى الكُفْرِ، أيْ: تِلْكَ عادَةُ الأُمَمِ مَعَ رُسُلِهِمْ. والحاصِبُ لِقَوْمِ لُوطٍ، وهي رِيحٌ عاصِفٌ فِيها حَصًى، وقِيلَ: مَلَكٌ كانَ يَرْمِيهِمْ. والصَّيْحَةُ لِمَدْيَنَ وثَمُودَ، والخَسْفُ لِقارُونَ، والغَرَقُ لِقَوْمِ نُوحٍ وفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُشْبِهُ أنْ يَدْخُلَ قَوْمُ عادٍ في الحاصِبِ؛ لِأنَّ تِلْكَ الرِّيحَ لا بُدَّ كانَتْ تَحْصُبُهم بِأُمُورٍ مُؤْذِيَةٍ، والحاصِبُ: هو العارِضُ مِن رِيحٍ أوْ سَحابٍ إذا رُمِيَ بِشَيْءٍ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: ؎مُسْتَقْبِلِينَ شَمالَ الشَّأْمِ تَضْرِبُهم بِحاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنثُورِ ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ: ؎تَرْمِي العِضاةَ بِحاصِبٍ مِن ثَلْجِها ∗∗∗ حَتّى تَبِيتَ عَلى العِضاهِ جُفالا العَنْكَبُوتُ حَيَوانٌ مَعْرُوفٌ، ووَزْنُهُ فَعْلَلُوتٌ، ويُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ، فَمِن تَذْكِيرِهِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎عَلى هَطّالِهِمْ مِنهم بُيُوتٌ ∗∗∗ كَأنَّ العَنْكَبُوتَ هو ابْتَناها ويُجْمَعُ: عَناكِبُ، ويُصَغَّرُ: عُنَيْكِيبٌ. يُشَبِّهُ تَعالى الكُفّارَ في عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ، وبِنائِهِمْ أُمُورَهم عَلَيْها بِالعَنْكَبُوتِ الَّتِي تَبْنِي وتَجْتَهِدُ، وأمْرُها كُلُّهُ ضَعِيفٌ، مَتى مَسَّتْهُ أدْنى هامَةٍ أوْ هامَّةٍ أذْهَبَتْهُ، فَكَذَلِكَ أمْرُ أُولَئِكَ، وسَعْيُهم مُضْمَحِلٌّ، لا قُوَّةَ لَهُ ولا مُعْتَمَدٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الغَرَضُ تَشْبِيهُ ما اتَّخَذُوهُ مُتَّكَلًا ومُعْتَمَدًا في دِينِهِمْ، وتَوَلَّوْهُ مِن دُونِ اللَّهِ، مِمّا هو مَثَلٌ عِنْدِ النّاسِ في الوَهْنِ وضَعْفِ القُوَّةِ، وهو نَسْجُ العَنْكَبُوتِ. ألا تَرى إلى مَقْطَعِ التَّشْبِيهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ﴾ ؟ انْتَهى. يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ألا تَرى إلى مَقْطَعِ التَّشْبِيهِ بِما ذَكَرَ أوَّلًا مِن أنَّ الغَرَضَ تَشْبِيهُ المُتَّخِذِ بِالبَيْتِ، لا تَشْبِيهُ المُتَّخِذِ بِالعَنْكَبُوتِ ؟ والَّذِي يَظْهَرُ، هو تَشْبِيهُ المُتَّخِذِ مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا، بِالعَنْكَبُوتِ المُتَّخِذَةِ بَيْتًا، أيْ: فَلا اعْتِمادَ لِلْمُتَّخِذِ عَلى ولِيِّهِ مِن دُونِ اللَّهِ، كَما أنَّ العَنْكَبُوتَ لا اعْتِمادُها عَلى بَيْتِها في اسْتِظْلالٍ وسُكْنى، بَلْ لَوْ دَخَلَتْ فِيهِ خَرَقَتْهُ. ثُمَّ بَيَّنَ حالَ بَيْتِها، وأنَّهُ في غايَةِ الوَهْنِ، بِحَيْثُ لا يُنْتَفَعُ بِهِ. كَما أنَّ تِلْكَ الأصْنامَ لا تَنْفَعُ ولا تُجْدِي شَيْئًا البَتَّةَ، وقَوْلُهُ: (لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ) لَيْسَ مَرْتَبِطًا بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ﴾ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ ذَلِكَ، فَلا يُقالُ فِيهِ: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ؛ وإنَّما المَعْنى: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ هَذا مَثَلُهم، وأنَّ أمْرَ دِينِهِمْ بالِغٌ مِنَ الوَهْنِ هَذِهِ الغايَةَ لَأقْلَعُوا عَنْهُ، وما اتَّخَذُوا الأصْنامَ آلِهَةً. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذا صَحَّ تَشْبِيهُ ما اعْتَمَدُوهُ في دِينِهِمْ بِبَيْتِ العَنْكَبُوتِ، وقَدْ صَحَّ أنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ بَيْتُ العَنْكَبُوتِ، فَقَدْ تَبَيَّنَ أنَّ دِينَهم أوْهَنَ الأدْيانِ، لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ؛ أوْ أُخْرِجَ الكَلامُ بَعْدَ تَصْحِيحِ التَّشْبِيهِ مَخْرَجَ المَجازِ، وكَأنَّهُ قالَ: وإنَّ (p-١٥٣)أوْهَنَ ما يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ في الدِّينِ عِبادَةُ الأوْثانِ، لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: مَثَلُ المُشْرِكِ الَّذِي يَعْبُدُ الوَثَنَ، بِالقِياسِ إلى المُؤْمِنَ الَّذِي يَعْبُدُ اللَّهَ، مَثَلُ عَنْكَبُوتٍ يَتَّخِذُ بَيْتًا، بِالإضافَةِ إلى رَجُلٍ بَنى بَيْتًا بِآجُرٍّ وجِصٍّ أوْ نَحَتَهُ مِن صَخْرٍ. فَكَما أنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ، إذا اسْتَقْرَيْتَها بَيْتًا، بَيْتُ العَنْكَبُوتِ، كَذَلِكَ أضْعَفُ الأدْيانِ، إذا اسْتَقْرَيْتَها دِينًا، عِبادَةُ الأوْثانِ، لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ. انْتَهى. وما ذَكَرَهُ مِن قَوْلِهِ: ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ إلَخْ. لا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ الآيَةِ، وإنَّما هو تَحْمِيلٌ لِلَّفْظِ ما لا يَحْتَمِلُهُ، كَعادَتِهِ في كَثِيرٍ مِن تَفْسِيرِهِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وسَلامٌ: (يَعْلَمُ ما)، بِالإدْغامِ؛ والجُمْهُورُ: بِالفَكِّ؛ والجُمْهُورُ: ”تَدْعُونَ“، بِتاءِ الخِطابِ؛ وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ: بِخِلافٍ، بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وجَوَّزُوا في (ما) أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِـ: (يَدْعُونَ)، أيْ: يَعْلَمُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن جَمِيعِ الأشْياءِ، أيْ: يَعْلَمُ حالَهم، وأنَّهم لا قُدْرَةَ لَهم. وأنْ تَكُونَ نافِيَةً، أيْ: لَسْتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ شَيْئًا لَهُ بالٌ ولا قَدْرٌ، فَيَصْلُحُ أنْ يُسَمّى شَيْئًا، وأنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا، كَأنَّهُ قُدِّرَ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ عَلى هَذا المَعْبُودِ مِن جَمِيعِ الأشْياءِ، وهي في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ مُقْتَطَعَةٌ مِن (يَعْلَمُ)، واعْتِراضٌ بَيْنَ يَعْلَمُ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ . وجَوَّزَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ (ما) اسْتِفْهامًا مَنصُوبًا بِـ: (يَدْعُونَ)، و(يَعْلَمُ) مُعَلَّقَةٌ؛ فالجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِها، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أوْثانًا تَدْعُونَ مِن دُونِهِ، أمْ غَيْرَها لا يَخْفى عَلَيْهِ ذَلِكَ. والجُمْلَةُ تَأْكِيدٌ لِلْمَثَلِ، وإذا كانَتْ (ما) نافِيَةً، كانَ في الجُمْلَةِ زِيادَةٌ عَلى المَثَلِ، حَيْثُ لَمْ يَجْعَلْ تَعالى ما يَدْعُونَهُ شَيْئًا. (وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ) فِيهِ تَجْهِيلٌ لَهم، حَيْثُ عَبَدُوا ما لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهُ جَمادٌ لَيْسَ مَعَهُ مُصَحَّحُ العِلْمِ والقُدْرَةِ أصْلًا، وتَرَكُوا عِبادَةَ القادِرِ القاهِرِ الحَكِيمِ الَّذِي لا يَفْعَلُ شَيْئًا إلّا لِحِكْمَةٍ. ﴿وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ أيْ: لا يَعْقِلُ صِحَّتَها وحُسْنَها وفائِدَتَها. وكانَ جَهَلَةُ قُرَيْشٍ يَقُولُونَ: إنَّ رَبَّ مُحَمَّدٍ يَضْرِبُ المَثَلَ بِالذُّبابِ والعَنْكَبُوتِ، ويَضْحَكُونَ مِن ذَلِكَ، وما عَلِمُوا أنَّ الأمْثالَ والتَّشْبِيهاتِ طُرُقٌ إلى المَعانِي المُحْتَجَبَةِ، فَتُبْرِزُها وتُصَوِّرُها لِلْفَهْمِ، كَما صَوَّرَ هَذا التَّشْبِيهُ الفَرْقَ بَيْنَ حالِ المُشْرِكِ وحالِ المُوَحِّدِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: (وتِلْكَ الأمْثالُ) إلى هَذا المَثَلِ، وما تَقَدَّمَ مِنَ الأمْثالِ في السُّوَرِ. وعَنْ جابِرٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَلا هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: «العالِمُ مَن عَقِلَ عَنِ اللَّهِ فَعَمِلَ بِطاعَتِهِ واجْتَنَبَ سُخْطَهُ». ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى صِغَرِ قَدْرِ الأوْثانِ الَّتِي عَبَدُوها. ومَعْنى (بِالحَقِّ) بِالواجِبِ الثّابِتِ، لا بِالعَبَثِ واللَّعِبِ، إذْ جَعَلَها مَساكِنَ عِبادِهِ، وعِبْرَةً ودَلائِلَ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ وباهِرِ حِكْمَتِهِ. والظّاهِرُ أنَّ الصَّلاةَ هي المَعْهُودَةُ، والمَعْنى: مِن شَأْنِها أنَّها إذا أُدِّيَتْ عَلى ما يَجِبُ مِن فُرُوضِها وسُنَنِها والخُشُوعِ فِيها، والتَّدَبُّرِ لِما يَتْلُو فِيها، وتَقْدِيرُ المُثُولِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعالى، أنْ ﴿تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والكَلْبِيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وحَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ: تَنْهى ما دامَ المُصَلِّي فِيها. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: الصَّلاةُ هُنا القُرْآنُ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: الصَّلاةُ: الدُّعاءُ، أيْ: أقِمِ الدُّعاءَ إلى أمْرِ اللَّهِ، وأمّا مَن تَراهُ مِنَ المُصَلِّينَ يَتَعاطى المَعاصِيَ، فَإنَّ صَلاتَهُ تِلْكَ لَيْسَتْ بِالوَصْفِ الَّذِي تَقَدَّمَ. «وفِي الحَدِيثِ أنَّ فَتًى مِنَ الأنْصارِ كانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، ولا يَدَعُ شَيْئًا مِنَ الفَواحِشِ والسَّرِقَةِ إلّا ارْتَكَبَهُ، فَقِيلَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ، فَقالَ: ”إنَّ صَلاتَهُ تَنْهاهُ“ . فَلَمْ يَلْبَثْ أنْ تابَ وصَلُحَتْ حالُهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”ألَمْ أقُلْ لَكم ؟“» ولا يَدُلُّ اللَّفْظُ عَلى أنَّ كُلَّ صَلاةٍ تَنْهى، بَلِ المَعْنى، أنَّهُ يُوجَدُ ذَلِكَ فِيها، ولا يَكُونُ عَلى العُمُومِ. كَما تَقُولُ: فُلانٌ يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ، أيْ: مِن شَأْنِهِ ذَلِكَ، ولا يَلْزَمُ مِنهُ أنَّ كُلَّ مَعْرُوفٍ يَأْمُرُ بِهِ. والظّاهِرُ أنَّ (أكْبَرُ) أفْعَلُ تَفْضِيلٍ. فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ، وسَلْمانُ، وأبُو الدَّرْداءِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو قُرَّةَ: مَعْناهُ ولَذِكْرُ اللَّهِ إيّاكم أكْبَرُ مِن ذِكْرِكم إيّاهُ. وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: أكْبَرُ مِن كُلِّ شَيْءٍ؛ وقِيلَ: ولَذِكْرُ اللَّهِ في الصَّلاةِ أكْبَرُ مِنهُ خارِجَ الصَّلاةِ، أيْ: أكْبَرُ ثَوابًا؛ وقِيلَ: أكْبَرُ مِن سائِرِ أرْكانِ الصَّلاةِ؛ وقِيلَ: ولَذِكْرُ اللَّهِ نَهْيُهُ أكْبَرُ مِن نَهْيِ الصَّلاةِ؛ وقِيلَ: أكْبَرُ مِن كُلِّ (p-١٥٤)العِبادَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعِنْدِي أنَّ المَعْنى: ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ عَلى الإطْلاقِ، أيْ: هو الَّذِي يَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، والجُزْءُ الَّذِي مِنهُ في الصَّلاةِ يَنْهى، كَما يَنْهى في غَيْرِ الصَّلاةِ؛ لِأنَّ الِانْتِهاءَ لا يَكُونُ إلّا مِن ذاكِرِ اللَّهِ مُراقِبِهِ، وثَوابُ ذَلِكَ الذّاكِرِ أنْ يَذْكُرَهُ اللَّهُ في مَلَأٍ خَيْرٍ مِن مَلَئِهِ، والحَرَكاتُ الَّتِي في الصَّلاةِ لا تَأْثِيرَ لَها في النَّهْيِ، والذِّكْرُ النّافِعُ هو مَعَ العِلْمِ وإقْبالِ القَلْبِ وتَفَرُّغِهِ إلّا مِنَ اللَّهِ. وأمّا ما لا يُجاوِزُ اللِّسانَ فَفي رُتْبَةٍ أُخْرى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُرِيدُ والصَّلاةُ أكْبَرُ مِن غَيْرِها مِنَ الطّاعاتِ، وسَمّاها بِذِكْرِ اللَّهِ، كَما قالَ: ﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] وإنَّما قالَ: ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ﴾ لِتَسْتَقِلَّ بِالتَّعْلِيلِ، كَأنَّهُ قالَ: والصَّلاةُ أكْبَرُ؛ لِأنَّها ذِكْرُ اللَّهِ مِمّا تَصْنَعُونَ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ فَيُجازِيكم، وفِيهِ وعِيدٌ وحَثٌّ عَلى المُراقَبَةِ.

العنكبوت 29:45

﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا فَقالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وارْجُوا اليَوْمَ الآخِرَ ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿وعادًا وثَمُودًا وقَدْ تَبَيَّنَ لَكم مِن مَساكِنِهِمْ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ ﴿وقارُونَ وفِرْعَوْنَ وهامانَ ولَقَدْ جاءَهم مُوسى بِالبَيِّناتِ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ وما كانُوا سابِقِينَ﴾ ﴿فَكُلًّا أخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا ومِنهم مَن أخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ ومِنهم مَن خَسَفْنا بِهِ الأرْضَ ومِنهم مَن أغْرَقْنا وما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ ﴿وخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿اتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ وأقِمِ الصَّلاةَ إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ واللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ﴾ . (وإلى مَدْيَنَ) أيْ: وإلى مَدْيَنَ أرْسَلْنا، أوْ بَعَثْنا، مِمّا يَتَعَدّى بِإلى. أمَرَهم بِعِبادَةِ اللَّهِ، والإيمانِ بِالبَعْثِ واليَوْمِ الآخِرِ. والأمْرُ بِالرَّجاءِ أمْرٌ بِفِعْلِ ما يَتَرَتَّبُ الرَّجاءُ عَلَيْهِ، أقامَ المُسَبِّبَ مَقامَ السَّبَبِ. والمَعْنى: وافْعَلُوا ما تَرْجُونَ بِهِ الثَّوابَ مِنَ اللَّهِ، أوْ يَكُونُ أمْرًا بِالرَّجاءِ عَلى تَقْدِيرِ تَحْصِيلِ شَرْطِهِ، وهو الإيمانُ بِاللَّهِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿وارْجُوا﴾ خافُوا جَزاءَ اليَوْمِ الآخِرِ مِنَ انْتِقامِ اللَّهِ مِنكم؛ إنْ لَمْ تَعْبُدُوهُ. وتَضَمَّنَ الأمْرُ بِالعِبادَةِ والرَّجاءِ أنَّهُ إنْ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ، وقَعَ بِهِمُ العَذابُ؛ كَذَلِكَ جاءَ: (فَكَذَّبُوهُ) وجاءَتْ ثَمَرَةُ التَّكْذِيبِ، وهي: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الجُمَلِ. وانْتَصَبَ ﴿وعادًا وثَمُودَ﴾ بِإضْمارِ أهْلَكْنا، لِدَلالَةِ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ عَلَيْهِ. وقِيلَ: بِالعَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ في (فَأخَذَتْهم)، وأبْعَدَ الكِسائِيُّ في عَطْفِهِ عَلى الَّذِينَ (p-١٥٢)مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣] . وقَرَأ: ثَمُودَ، بِغَيْرِ تَنْوِينٍ؛ حَمْزَةُ، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ، وحَفْصٌ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِالتَّنْوِينِ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: ”وعادٍ وثَمُودٍ“، بِالخَفْضِ فِيهِما والتَّنْوِينِ عَطْفًا عَلى (مَدْيَنَ)، أيْ: وأرْسَلْنا إلى عادٍ وثَمُودَ. ﴿وقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ﴾ أيْ: ذَلِكَ، أيْ: ما وُصِفَ لَكم مِن إهْلاكِهِمْ مِن جِهَةِ مَساكِنِهِمْ، إذا نَظَرْتُمْ إلَيْها عِنْدَ مُرُورِكم لَها، وكانَ أهْلُ مَكَّةَ يَمُرُّونَ عَلَيْها في أسْفارِهِمْ. وقَرَأ الأعْمَشُ: ”مَساكِنُهم“، بِالرَّفْعِ مِن غَيْرِ ”مِن“، فَيَكُونُ فاعِلًا بِـ: (تَبَيَّنَ) . ﴿وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ﴾ أيْ: بِوَسْوَسَتِهِ وإغْوائِهِ (أعْمالَهم) القَبِيحَةَ. (فَصَدَّهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)؛ وهي طَرِيقُ الإيمانِ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ. ﴿وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ أيْ: في كُفْرِهِمْ لَهم بِهِ بَصَرٌ وإعْجابٌ قالَهُ، ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ. وقِيلَ: عُقَلاءُ، يَعْلَمُونَ أنَّ الرِّسالَةَ والآياتِ حَقٌّ، ولَكِنَّهم كَفَرُوا عِنادًا، وجَحَدُوا بِها، واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم. (وقارُونَ) مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، أوْ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ ”اذْكُرْ“ . (فاسْتَكْبَرُوا) أيْ: عَنِ الإقْرارِ بِالصّانِعِ وعِبادَتِهِ في الأرْضِ، إشارَةً إلى قِلَّةِ عُقُولِهِمْ؛ لِأنَّ مَن في الأرْضِ يَشْعُرُ بِالضَّعْفِ، ومَن في السَّماءِ يَشْعُرُ بِالقُوَّةِ، ومَن في السَّماءِ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ، فَكَيْفَ مَن في الأرْضِ ؟ ﴿وما كانُوا سابِقِينَ﴾ الأُمَمَ إلى الكُفْرِ، أيْ: تِلْكَ عادَةُ الأُمَمِ مَعَ رُسُلِهِمْ. والحاصِبُ لِقَوْمِ لُوطٍ، وهي رِيحٌ عاصِفٌ فِيها حَصًى، وقِيلَ: مَلَكٌ كانَ يَرْمِيهِمْ. والصَّيْحَةُ لِمَدْيَنَ وثَمُودَ، والخَسْفُ لِقارُونَ، والغَرَقُ لِقَوْمِ نُوحٍ وفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُشْبِهُ أنْ يَدْخُلَ قَوْمُ عادٍ في الحاصِبِ؛ لِأنَّ تِلْكَ الرِّيحَ لا بُدَّ كانَتْ تَحْصُبُهم بِأُمُورٍ مُؤْذِيَةٍ، والحاصِبُ: هو العارِضُ مِن رِيحٍ أوْ سَحابٍ إذا رُمِيَ بِشَيْءٍ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: ؎مُسْتَقْبِلِينَ شَمالَ الشَّأْمِ تَضْرِبُهم بِحاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنثُورِ ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ: ؎تَرْمِي العِضاةَ بِحاصِبٍ مِن ثَلْجِها ∗∗∗ حَتّى تَبِيتَ عَلى العِضاهِ جُفالا العَنْكَبُوتُ حَيَوانٌ مَعْرُوفٌ، ووَزْنُهُ فَعْلَلُوتٌ، ويُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ، فَمِن تَذْكِيرِهِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎عَلى هَطّالِهِمْ مِنهم بُيُوتٌ ∗∗∗ كَأنَّ العَنْكَبُوتَ هو ابْتَناها ويُجْمَعُ: عَناكِبُ، ويُصَغَّرُ: عُنَيْكِيبٌ. يُشَبِّهُ تَعالى الكُفّارَ في عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ، وبِنائِهِمْ أُمُورَهم عَلَيْها بِالعَنْكَبُوتِ الَّتِي تَبْنِي وتَجْتَهِدُ، وأمْرُها كُلُّهُ ضَعِيفٌ، مَتى مَسَّتْهُ أدْنى هامَةٍ أوْ هامَّةٍ أذْهَبَتْهُ، فَكَذَلِكَ أمْرُ أُولَئِكَ، وسَعْيُهم مُضْمَحِلٌّ، لا قُوَّةَ لَهُ ولا مُعْتَمَدٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الغَرَضُ تَشْبِيهُ ما اتَّخَذُوهُ مُتَّكَلًا ومُعْتَمَدًا في دِينِهِمْ، وتَوَلَّوْهُ مِن دُونِ اللَّهِ، مِمّا هو مَثَلٌ عِنْدِ النّاسِ في الوَهْنِ وضَعْفِ القُوَّةِ، وهو نَسْجُ العَنْكَبُوتِ. ألا تَرى إلى مَقْطَعِ التَّشْبِيهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ﴾ ؟ انْتَهى. يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ألا تَرى إلى مَقْطَعِ التَّشْبِيهِ بِما ذَكَرَ أوَّلًا مِن أنَّ الغَرَضَ تَشْبِيهُ المُتَّخِذِ بِالبَيْتِ، لا تَشْبِيهُ المُتَّخِذِ بِالعَنْكَبُوتِ ؟ والَّذِي يَظْهَرُ، هو تَشْبِيهُ المُتَّخِذِ مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا، بِالعَنْكَبُوتِ المُتَّخِذَةِ بَيْتًا، أيْ: فَلا اعْتِمادَ لِلْمُتَّخِذِ عَلى ولِيِّهِ مِن دُونِ اللَّهِ، كَما أنَّ العَنْكَبُوتَ لا اعْتِمادُها عَلى بَيْتِها في اسْتِظْلالٍ وسُكْنى، بَلْ لَوْ دَخَلَتْ فِيهِ خَرَقَتْهُ. ثُمَّ بَيَّنَ حالَ بَيْتِها، وأنَّهُ في غايَةِ الوَهْنِ، بِحَيْثُ لا يُنْتَفَعُ بِهِ. كَما أنَّ تِلْكَ الأصْنامَ لا تَنْفَعُ ولا تُجْدِي شَيْئًا البَتَّةَ، وقَوْلُهُ: (لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ) لَيْسَ مَرْتَبِطًا بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ﴾ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ ذَلِكَ، فَلا يُقالُ فِيهِ: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ؛ وإنَّما المَعْنى: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ هَذا مَثَلُهم، وأنَّ أمْرَ دِينِهِمْ بالِغٌ مِنَ الوَهْنِ هَذِهِ الغايَةَ لَأقْلَعُوا عَنْهُ، وما اتَّخَذُوا الأصْنامَ آلِهَةً. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذا صَحَّ تَشْبِيهُ ما اعْتَمَدُوهُ في دِينِهِمْ بِبَيْتِ العَنْكَبُوتِ، وقَدْ صَحَّ أنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ بَيْتُ العَنْكَبُوتِ، فَقَدْ تَبَيَّنَ أنَّ دِينَهم أوْهَنَ الأدْيانِ، لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ؛ أوْ أُخْرِجَ الكَلامُ بَعْدَ تَصْحِيحِ التَّشْبِيهِ مَخْرَجَ المَجازِ، وكَأنَّهُ قالَ: وإنَّ (p-١٥٣)أوْهَنَ ما يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ في الدِّينِ عِبادَةُ الأوْثانِ، لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: مَثَلُ المُشْرِكِ الَّذِي يَعْبُدُ الوَثَنَ، بِالقِياسِ إلى المُؤْمِنَ الَّذِي يَعْبُدُ اللَّهَ، مَثَلُ عَنْكَبُوتٍ يَتَّخِذُ بَيْتًا، بِالإضافَةِ إلى رَجُلٍ بَنى بَيْتًا بِآجُرٍّ وجِصٍّ أوْ نَحَتَهُ مِن صَخْرٍ. فَكَما أنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ، إذا اسْتَقْرَيْتَها بَيْتًا، بَيْتُ العَنْكَبُوتِ، كَذَلِكَ أضْعَفُ الأدْيانِ، إذا اسْتَقْرَيْتَها دِينًا، عِبادَةُ الأوْثانِ، لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ. انْتَهى. وما ذَكَرَهُ مِن قَوْلِهِ: ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ إلَخْ. لا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ الآيَةِ، وإنَّما هو تَحْمِيلٌ لِلَّفْظِ ما لا يَحْتَمِلُهُ، كَعادَتِهِ في كَثِيرٍ مِن تَفْسِيرِهِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وسَلامٌ: (يَعْلَمُ ما)، بِالإدْغامِ؛ والجُمْهُورُ: بِالفَكِّ؛ والجُمْهُورُ: ”تَدْعُونَ“، بِتاءِ الخِطابِ؛ وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ: بِخِلافٍ، بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وجَوَّزُوا في (ما) أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِـ: (يَدْعُونَ)، أيْ: يَعْلَمُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن جَمِيعِ الأشْياءِ، أيْ: يَعْلَمُ حالَهم، وأنَّهم لا قُدْرَةَ لَهم. وأنْ تَكُونَ نافِيَةً، أيْ: لَسْتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ شَيْئًا لَهُ بالٌ ولا قَدْرٌ، فَيَصْلُحُ أنْ يُسَمّى شَيْئًا، وأنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا، كَأنَّهُ قُدِّرَ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ عَلى هَذا المَعْبُودِ مِن جَمِيعِ الأشْياءِ، وهي في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ مُقْتَطَعَةٌ مِن (يَعْلَمُ)، واعْتِراضٌ بَيْنَ يَعْلَمُ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ . وجَوَّزَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ (ما) اسْتِفْهامًا مَنصُوبًا بِـ: (يَدْعُونَ)، و(يَعْلَمُ) مُعَلَّقَةٌ؛ فالجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِها، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أوْثانًا تَدْعُونَ مِن دُونِهِ، أمْ غَيْرَها لا يَخْفى عَلَيْهِ ذَلِكَ. والجُمْلَةُ تَأْكِيدٌ لِلْمَثَلِ، وإذا كانَتْ (ما) نافِيَةً، كانَ في الجُمْلَةِ زِيادَةٌ عَلى المَثَلِ، حَيْثُ لَمْ يَجْعَلْ تَعالى ما يَدْعُونَهُ شَيْئًا. (وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ) فِيهِ تَجْهِيلٌ لَهم، حَيْثُ عَبَدُوا ما لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهُ جَمادٌ لَيْسَ مَعَهُ مُصَحَّحُ العِلْمِ والقُدْرَةِ أصْلًا، وتَرَكُوا عِبادَةَ القادِرِ القاهِرِ الحَكِيمِ الَّذِي لا يَفْعَلُ شَيْئًا إلّا لِحِكْمَةٍ. ﴿وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ أيْ: لا يَعْقِلُ صِحَّتَها وحُسْنَها وفائِدَتَها. وكانَ جَهَلَةُ قُرَيْشٍ يَقُولُونَ: إنَّ رَبَّ مُحَمَّدٍ يَضْرِبُ المَثَلَ بِالذُّبابِ والعَنْكَبُوتِ، ويَضْحَكُونَ مِن ذَلِكَ، وما عَلِمُوا أنَّ الأمْثالَ والتَّشْبِيهاتِ طُرُقٌ إلى المَعانِي المُحْتَجَبَةِ، فَتُبْرِزُها وتُصَوِّرُها لِلْفَهْمِ، كَما صَوَّرَ هَذا التَّشْبِيهُ الفَرْقَ بَيْنَ حالِ المُشْرِكِ وحالِ المُوَحِّدِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: (وتِلْكَ الأمْثالُ) إلى هَذا المَثَلِ، وما تَقَدَّمَ مِنَ الأمْثالِ في السُّوَرِ. وعَنْ جابِرٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَلا هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: «العالِمُ مَن عَقِلَ عَنِ اللَّهِ فَعَمِلَ بِطاعَتِهِ واجْتَنَبَ سُخْطَهُ». ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى صِغَرِ قَدْرِ الأوْثانِ الَّتِي عَبَدُوها. ومَعْنى (بِالحَقِّ) بِالواجِبِ الثّابِتِ، لا بِالعَبَثِ واللَّعِبِ، إذْ جَعَلَها مَساكِنَ عِبادِهِ، وعِبْرَةً ودَلائِلَ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ وباهِرِ حِكْمَتِهِ. والظّاهِرُ أنَّ الصَّلاةَ هي المَعْهُودَةُ، والمَعْنى: مِن شَأْنِها أنَّها إذا أُدِّيَتْ عَلى ما يَجِبُ مِن فُرُوضِها وسُنَنِها والخُشُوعِ فِيها، والتَّدَبُّرِ لِما يَتْلُو فِيها، وتَقْدِيرُ المُثُولِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعالى، أنْ ﴿تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والكَلْبِيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وحَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ: تَنْهى ما دامَ المُصَلِّي فِيها. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: الصَّلاةُ هُنا القُرْآنُ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: الصَّلاةُ: الدُّعاءُ، أيْ: أقِمِ الدُّعاءَ إلى أمْرِ اللَّهِ، وأمّا مَن تَراهُ مِنَ المُصَلِّينَ يَتَعاطى المَعاصِيَ، فَإنَّ صَلاتَهُ تِلْكَ لَيْسَتْ بِالوَصْفِ الَّذِي تَقَدَّمَ. «وفِي الحَدِيثِ أنَّ فَتًى مِنَ الأنْصارِ كانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، ولا يَدَعُ شَيْئًا مِنَ الفَواحِشِ والسَّرِقَةِ إلّا ارْتَكَبَهُ، فَقِيلَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ، فَقالَ: ”إنَّ صَلاتَهُ تَنْهاهُ“ . فَلَمْ يَلْبَثْ أنْ تابَ وصَلُحَتْ حالُهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”ألَمْ أقُلْ لَكم ؟“» ولا يَدُلُّ اللَّفْظُ عَلى أنَّ كُلَّ صَلاةٍ تَنْهى، بَلِ المَعْنى، أنَّهُ يُوجَدُ ذَلِكَ فِيها، ولا يَكُونُ عَلى العُمُومِ. كَما تَقُولُ: فُلانٌ يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ، أيْ: مِن شَأْنِهِ ذَلِكَ، ولا يَلْزَمُ مِنهُ أنَّ كُلَّ مَعْرُوفٍ يَأْمُرُ بِهِ. والظّاهِرُ أنَّ (أكْبَرُ) أفْعَلُ تَفْضِيلٍ. فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ، وسَلْمانُ، وأبُو الدَّرْداءِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو قُرَّةَ: مَعْناهُ ولَذِكْرُ اللَّهِ إيّاكم أكْبَرُ مِن ذِكْرِكم إيّاهُ. وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: أكْبَرُ مِن كُلِّ شَيْءٍ؛ وقِيلَ: ولَذِكْرُ اللَّهِ في الصَّلاةِ أكْبَرُ مِنهُ خارِجَ الصَّلاةِ، أيْ: أكْبَرُ ثَوابًا؛ وقِيلَ: أكْبَرُ مِن سائِرِ أرْكانِ الصَّلاةِ؛ وقِيلَ: ولَذِكْرُ اللَّهِ نَهْيُهُ أكْبَرُ مِن نَهْيِ الصَّلاةِ؛ وقِيلَ: أكْبَرُ مِن كُلِّ (p-١٥٤)العِبادَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعِنْدِي أنَّ المَعْنى: ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ عَلى الإطْلاقِ، أيْ: هو الَّذِي يَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، والجُزْءُ الَّذِي مِنهُ في الصَّلاةِ يَنْهى، كَما يَنْهى في غَيْرِ الصَّلاةِ؛ لِأنَّ الِانْتِهاءَ لا يَكُونُ إلّا مِن ذاكِرِ اللَّهِ مُراقِبِهِ، وثَوابُ ذَلِكَ الذّاكِرِ أنْ يَذْكُرَهُ اللَّهُ في مَلَأٍ خَيْرٍ مِن مَلَئِهِ، والحَرَكاتُ الَّتِي في الصَّلاةِ لا تَأْثِيرَ لَها في النَّهْيِ، والذِّكْرُ النّافِعُ هو مَعَ العِلْمِ وإقْبالِ القَلْبِ وتَفَرُّغِهِ إلّا مِنَ اللَّهِ. وأمّا ما لا يُجاوِزُ اللِّسانَ فَفي رُتْبَةٍ أُخْرى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُرِيدُ والصَّلاةُ أكْبَرُ مِن غَيْرِها مِنَ الطّاعاتِ، وسَمّاها بِذِكْرِ اللَّهِ، كَما قالَ: ﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] وإنَّما قالَ: ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ﴾ لِتَسْتَقِلَّ بِالتَّعْلِيلِ، كَأنَّهُ قالَ: والصَّلاةُ أكْبَرُ؛ لِأنَّها ذِكْرُ اللَّهِ مِمّا تَصْنَعُونَ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ فَيُجازِيكم، وفِيهِ وعِيدٌ وحَثٌّ عَلى المُراقَبَةِ.

العنكبوت 29:46

﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم وقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا وأُنْزِلَ إلَيْكم وإلَهُنا وإلَهُكم واحِدٌ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومِن هَؤُلاءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا الكافِرُونَ﴾ ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ﴾ ﴿بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا الظّالِمُونَ﴾ ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم شَهِيدًا يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ وكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ العَذابُ ولَيَأْتِيَنَّهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ويَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . (p-١٥٥)و(أهْلَ الكِتابِ) اليَهُودَ والنَّصارى. ﴿إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ مِنَ المُلاطَفَةِ في الدُّعاءِ إلى اللَّهِ والتَّنْبِيهِ عَلى آياتِهِ. ﴿إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ مِمَّنْ لَمْ يُؤَدِّ جِزْيَةً ونَصَبَ الحَرْبَ، وصَرَّحَ بِأنَّ لِلَّهِ ولَدًا أوْ شَرِيكًا، أوْ يَدَهُ مَغْلُولَةٌ؛ فالآيَةُ مَنسُوخَةٌ في مُهادَنَةِ مَن لَمْ يُحارِبْ، قالَهُ مُجاهِدٌ ومُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ. (إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ) أيْ: بِالمُوافَقَةِ فِيما حَدَّثُوكم بِهِ مِن أخْبارِ أوائِلِهِمْ. ﴿إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ مَن بَقِيَ مِنهم عَلى كُفْرِهِ، وعْدٌ لِقُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، والآيَةُ عَلى هَذا مُحْكَمَةٌ. وقِيلَ: إلّا الَّذِينَ آذَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . وقالَ قَتادَةُ: الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] الآيَةَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إلّا)، حَرْفُ اسْتِثْناءٍ؛ وابْنُ عَبّاسٍ: ”ألا“، حَرْفُ تَنْبِيهٍ واسْتِفْتاحٍ، وتَقْدِيرُهُ: ألا جادِلُوهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ. (وقُولُوا آمَنّا) هَذا مِنَ المُجادَلَةِ بِالأحْسَنِ. ﴿بِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا﴾ وهو القُرْآنُ ﴿وأُنْزِلَ إلَيْكُمْ﴾ وهو التَّوْراةُ والزَّبُورُ والإنْجِيلُ. «وفِي صَحِيحِ» البُخارِيِّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: «كانَ أهْلُ الكِتابِ يَقْرَءُونَ التَّوْراةَ بِالعِبْرانِيَّةِ، ويُفَسِّرُونَها بِالعَرَبِيَّةِ لِأهْلِ الإسْلامِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”لا تُصَدِّقُوا أهْلَ الكِتابِ ولا تُكَذِّبُوهم وقُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ إلَيْكم“» . (وكَذَلِكَ) أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الإنْزالِ الَّذِي لِلْكُتُبِ السّابِقَةِ ﴿أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ أيِ: القُرْآنَ. ﴿فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ هم: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ ومَن آمَنَ مَعَهُ. ﴿ومِن هَؤُلاءِ﴾ أيْ: مِن أهْلِ مَكَّةَ. وقِيلَ: ﴿فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ أيِ: الَّذِينَ تَقَدَّمُوا عَهْدَ الرَّسُولِ ﷺ، يُؤْمِنُونَ بِهِ: أيْ: بِالقُرْآنِ، إذْ هو مَذْكُورٌ في كُتُبِهِمْ أنَّهُ يَنْزِلُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ﴿ومِن هَؤُلاءِ﴾ أيْ: مِمَّنْ في عَهْدِهِ مِنهم. ﴿وما يَجْحَدُ بِآياتِنا﴾ مَعَ ظُهُورِها وزَوالِ الشُّبْهَةِ عَنْها ﴿إلّا الكافِرُونَ﴾ أيْ: مِن بَنِي إسْرائِيلَ وغَيْرِهِمْ. قالَ مُجاهِدٌ: كانَ أهْلُ الكِتابِ يَقْرَءُونَ في كُتُبِهِمْ أنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ، لا يَخُطُّ ولا يَقْرَأُ كِتابًا، فَنَزَلَتْ: (وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ) أيْ: مِن قَبْلِ نُزُولِهِ عَلَيْكَ (مِن كِتابٍ) أيْ: كِتابًا، و”مِن“ زائِدَةٌ لِأنَّها في مُتَعَلَّقِ النَّفْيِ (ولا تَخُطُّهُ) أيْ: لا تَقْرَأُ ولا تَكْتُبُ (بِيَمِينِكَ) وهي الجارِحَةُ الَّتِي يُكْتَبُ بِها، وذِكْرُها زِيادَةُ تَصْوِيرٍ لِما نُفِيَ عَنْهُ مِنَ الكِتابَةِ، لَمّا ذَكَرَ إنْزالَ الكِتابِ عَلَيْهِ، مُتَضَمَّنًا مِنَ البَلاغَةِ والفَصاحَةِ والإخْبارِ عَنِ الأُمَمِ السّابِقَةِ والأُمُورِ المَغِيبَةِ ما أعْجَزَ البَشَرَ أنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ، أخَذَ يُحَقِّقُ، كَوْنُهُ نازِلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ، بِأنَّهُ ظَهَرَ عَنْ رَجُلٍ أُمِّيٍّ، لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ، ولا يُخالِطُ أهْلَ العِلْمِ. وظُهُورُ هَذا القُرْآنِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ أعْظَمُ دَلِيلٍ عَلى صِدْقِهِ، وأكْثَرُ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكْتُبْ قَطُّ، ولَمْ يَقْرَأْ بِالنَّظَرِ في كِتابٍ. ورُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ قالَ: ما ماتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، حَتّى كَتَبَ وأسْنَدَ النِّقاشَ. حَدِيثُ أبِي كَبْشَةَ السَّلُولِيِّ: أنَّهُ قَرَأ صَحِيفَةً لِعُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ وأخْبَرَ بِمَعْناها. وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ما ظاهِرُهُ: أنَّهُ كَتَبَ مُباشَرَةً، وقَدْ ذَهَبَ إلى ذَلِكَ جَماعَةٌ، مِنهم أبُو ذَرٍّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ الهَرَوِيُّ، والقاضِي أبُو الوَلِيدِ الباجِيُّ وغَيْرُهُما. واشْتَدَّ نَكِيرُ كَثِيرٍ مِن عُلَماءِ بِلادِنا عَلى أبِي الوَلِيدِ الباجِيِّ، حَتّى كانَ بَعْضُهم يَسُبُّهُ ويَطْعَنُ فِيهِ عَلى المِنبَرِ. وتَأوَّلَ أكْثَرُ العُلَماءِ ما ورَدَ مِن أنَّهُ كَتَبَ عَلى أنَّ مَعْناهُ: أمَرَ بِالكِتابَةِ، كَما تَقُولُ: كَتَبَ السُّلْطانُ لِفُلانٍ بِكَذا، أيْ: أمَرَ بِالكَتْبِ. ﴿إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ﴾ أيْ: لَوْ كانَ يَقْرَأُ كُتُبًا قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ عَلَيْهِ، أوْ يَكْتُبُ، لَحَصَلَتِ الرِّيبَةُ لِلْمُبْطِلِينَ، إذا كانُوا يَقُولُونَ: حَصَلَ ذَلِكَ الَّذِي يَتْلُوهُ مِمّا قَرَأهُ، قِيلَ: وخَطَّهُ واسْتَحْفَظَهُ؛ فَكانَ يَكُونُ لَهم في ارْتِيابِهِمْ تَعَلُّقٌ بِبَعْضِ شُبْهَةٍ، وأمّا ارْتِيابُهم مَعَ وُضُوحِ هَذِهِ الحُجَّةِ فَظاهِرٌ فَسادُهُ. والمُبْطِلُونَ: أهْلُ الكِتابِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ أوْ كُفّارُ قُرَيْشٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وسُمُّوا مُبْطِلِينَ؛ لِأنَّهم كَفَرُوا بِهِ، وهو أُمِّيٌّ بَعِيدٌ مِنَ الرِّيَبِ. ولَمّا لَمْ يَكُنْ قارِئًا ولا كاتِبًا، كانَ ارْتِيابُهم لا وجْهَ لَهُ. (بَلْ هو) أيِ: القُرْآنُ: ﴿آياتٌ بَيِّناتٌ﴾ واضِحاتُ الإعْجازِ ﴿فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ أيْ: مُسْتَقِرَّةٌ، مُؤْمَنٌ بِها، مَحْفُوظَةٌ في صُدُورِهِمْ، يَتْلُوها أكْثَرُ الأُمَّةِ ظاهِرًا، بِخِلافِ غَيْرِهِ (p-١٥٦)مِنَ الكُتُبِ، فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ، ولا يُقْرَأُ إلّا مِنَ الصُّحُفِ. وجاءَ في صِفَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ: صُدُورُهم أناجِيلُهم. وكَوْنُهُ القُرْآنَ يُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: ”بَلْ هي آياتٌ“ . وقِيلَ: بَلْ هو، أيِ: النَّبِيُّ ﷺ وأُمُورُهُ، آياتٌ بَيِّناتٌ، قالَهُ قَتادَةُ. وقَرَأ: بَلْ هو آيَةٌ بَيِّنَةٌ عَلى التَّوْحِيدِ؛ وقِيلَ: بَلْ هو، أيْ: كَوْنُهُ لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ. ويُقالُ: جَحَدْتَهُ وجَحَدْتَ بِهِ، وكَفَرْتَهُ وكَفَرْتَ بِهِ، قِيلَ: والجُحُودُ الأوَّلُ مُعَلَّقٌ بِالوَحْدانِيَّةِ، والثّانِي: مُعَلَّقٌ بِالنُّبُوَّةِ، وخُتِمَتْ تِلْكَ بِالكافِرِ. ولِأنَّهُ قَسِيمُ المُؤْمِنِينَ في قَوْلِهِ: ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ ومِن هَؤُلاءِ مَن يُؤْمِنُ﴾ وهَذِهِ بِالظّالِمِينَ؛ لِأنَّهُ جَحَدَ بَعْدَ إقامَةِ الدَّلِيلِ عَلى كَوْنِ الرَّسُولِ ﷺ صَدَرَ مِنهُ القُرْآنُ مُنَزَّلٌ عَلَيْهِ، وهو أُمِّيٌّ لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ، فَهُمُ الظّالِمُونَ بَعْدَ ظُهُورِ المُعْجِزَةِ. ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِن رَبِّهِ﴾ أيْ: قُرَيْشٌ، وبَعْضُ اليَهُودِ كانُوا يُعَلِّمُونَ قُرَيْشًا مِثْلَ هَذا الِاقْتِراحِ يَقُولُونَ لَهُ: ألا يَأْتِيكم بِآيَةٍ مِثْلِ آياتِ مُوسى مِنَ العَصا وغَيْرِها ؟ وقَرَأ العَرَبِيّانِ، ونافِعٌ، وحَفْصٌ: (آياتٌ)، عَلى الجَمْعِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: عَلى التَّوْحِيدِ. ﴿قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ يُنْزِلُ أيَّتَها شاءَ، ولَوْ شاءَ أنْ يُنْزِلَ ما يَقْتَرِحُونَهُ لَفَعَلَ. ﴿وإنَّما أنا نَذِيرٌ﴾ بِما أُعْطِيتُ مِنَ الآياتِ. وذَكَرَ يَحْيى بْنُ جَعْدَةَ أنَّ ناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، بِكُتُبٍ قَدْ كَتَبُوا فِيها بَعْضَ ما يَقُولُ اليَهُودُ، فَلَمّا نَظَرَ إلَيْها ألْقاها وقالَ: «كَفى بِها حَماقَةَ قَوْمٍ أوْ ضَلالَةَ قَوْمٍ أنْ يَرْغَبُوا عَمّا جاءَ بِهِ نَبِيُّهم إلى ما جاءَ بِهِ غَيْرُ نَبِيِّهِمْ»، فَنَزَلَتْ: (أوَلَمْ يَكْفِهِمْ) . والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ رَدٌّ عَلى الَّذِينَ قالُوا: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [يونس: ٢٠] أيْ: أوَلَمْ يَكْفِهِمْ آيَةً مُغْنِيَةً عَنْ سائِرِ الآياتِ، إنْ كانُوا طالِبِينَ لِلْحَقِّ غَيْرَ مُتَعَنِّتِينَ، هَذا القُرْآنُ الَّذِي تَدُومُ تِلاوَتُهُ عَلَيْهِمْ في كُلِّ مَكانٍ وزَمانٍ ؟ فَلا تَزالُ مَعَهم آيَةٌ ثابِتَةٌ لا تَزُولُ ولا تَضْمَحِلُّ، كَما تَزُولُ كُلُّ آيَةٍ بَعْدَ وُجُودِها، ويَكُونُ في مَكانٍ دُونَ مَكانٍ. إنَّ في هَذِهِ الآيَةِ المَوْجُودَةِ في كُلِّ مَكانٍ وزَمانٍ لَرَحْمَةٌ لَنِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ لا تُنْكَرُ وتُذْكَرُ. وقِيلَ: ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ ( أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ بِتَحْقِيقِ ما في أيْدِيهِمْ مِن نَعْتِكَ ونَعْتِ دِينِكَ، ورُوِيَ أنَّ كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ وأصْحابَهُ قالُوا: يا مُحَمَّدُ، مَن يَشْهَدُ بِأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم شَهِيدًا﴾ أيْ: قَدْ بَلَّغْتُ وأنْذَرْتُ، وأنَّكم جَحَدْتُمْ وكَذَّبْتُمْ، وهو العالِمُ ﴿ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَيَعْلَمُ أمْرِي وأمْرَكم ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِغَيْرِ اللَّهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: بِعِبادَةِ الشَّيْطانِ. وقِيلَ: بِالصَّنَمِ. (ويَسْتَعْجِلُونَكَ) أيْ: كُفّارُ قُرَيْشٍ في قَوْلِهِمْ: ﴿ائْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ [الأعراف: ٧٧] وقَوْلِ النَّضِرِ: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً﴾ [الأنفال: ٣٢] وهو اسْتِعْجالٌ عَلى جِهَةِ التَّعْجِيزِ والتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ بِالعَذابِ الَّذِي كانَ يَتَوَعَّدُهم بِهِ الرَّسُولُ ﷺ . والأجَلُ المُسَمّى: ما سَمّاهُ اللَّهُ وأثْبَتَهُ في اللَّوْحِ لِعَذابِهِمْ، وأوْجَبَتِ الحِكْمَةُ تَأْخِيرَهُ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ ابْنُ سَلامٍ: أجَلُ ما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، وقِيلَ: يَوْمَ بَدْرٍ. ﴿ولَيَأْتِيَنَّهم بَغْتَةً﴾ أيْ: فَجْأةً، وهو ما ظَهَرَ يَوْمَ بَدْرٍ، وفي السِّنِينَ السَّبْعِ. ثُمَّ كَرَّرَ فِعْلَهم وقَبَّحَهُ، وأخْبَرَ أنَّ وراءَهم جَهَنَّمَ، تُحِيطُ بِهِمْ. وانْتَصَبَ ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمْ﴾ بِـ: ”مُحِيطَةٌ“ . وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، ونافِعٌ: (ويَقُولُ) أيِ: اللَّهُ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِالنُّونِ، نُونِ العَظَمَةِ، أوْ نُونِ جَماعَةِ المَلائِكَةِ؛ وأبُو البَرِّ هُثَيْمٌ: بِالتّاءِ، أيْ: جَهَنَّمُ؛ كَما نُسِبَ القَوْلُ إلَيْها في: ﴿وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠] . وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ويُقالُ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.

العنكبوت 29:47

﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم وقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا وأُنْزِلَ إلَيْكم وإلَهُنا وإلَهُكم واحِدٌ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومِن هَؤُلاءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا الكافِرُونَ﴾ ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ﴾ ﴿بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا الظّالِمُونَ﴾ ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم شَهِيدًا يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ وكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ العَذابُ ولَيَأْتِيَنَّهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ويَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . (p-١٥٥)و(أهْلَ الكِتابِ) اليَهُودَ والنَّصارى. ﴿إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ مِنَ المُلاطَفَةِ في الدُّعاءِ إلى اللَّهِ والتَّنْبِيهِ عَلى آياتِهِ. ﴿إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ مِمَّنْ لَمْ يُؤَدِّ جِزْيَةً ونَصَبَ الحَرْبَ، وصَرَّحَ بِأنَّ لِلَّهِ ولَدًا أوْ شَرِيكًا، أوْ يَدَهُ مَغْلُولَةٌ؛ فالآيَةُ مَنسُوخَةٌ في مُهادَنَةِ مَن لَمْ يُحارِبْ، قالَهُ مُجاهِدٌ ومُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ. (إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ) أيْ: بِالمُوافَقَةِ فِيما حَدَّثُوكم بِهِ مِن أخْبارِ أوائِلِهِمْ. ﴿إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ مَن بَقِيَ مِنهم عَلى كُفْرِهِ، وعْدٌ لِقُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، والآيَةُ عَلى هَذا مُحْكَمَةٌ. وقِيلَ: إلّا الَّذِينَ آذَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . وقالَ قَتادَةُ: الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] الآيَةَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إلّا)، حَرْفُ اسْتِثْناءٍ؛ وابْنُ عَبّاسٍ: ”ألا“، حَرْفُ تَنْبِيهٍ واسْتِفْتاحٍ، وتَقْدِيرُهُ: ألا جادِلُوهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ. (وقُولُوا آمَنّا) هَذا مِنَ المُجادَلَةِ بِالأحْسَنِ. ﴿بِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا﴾ وهو القُرْآنُ ﴿وأُنْزِلَ إلَيْكُمْ﴾ وهو التَّوْراةُ والزَّبُورُ والإنْجِيلُ. «وفِي صَحِيحِ» البُخارِيِّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: «كانَ أهْلُ الكِتابِ يَقْرَءُونَ التَّوْراةَ بِالعِبْرانِيَّةِ، ويُفَسِّرُونَها بِالعَرَبِيَّةِ لِأهْلِ الإسْلامِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”لا تُصَدِّقُوا أهْلَ الكِتابِ ولا تُكَذِّبُوهم وقُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ إلَيْكم“» . (وكَذَلِكَ) أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الإنْزالِ الَّذِي لِلْكُتُبِ السّابِقَةِ ﴿أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ أيِ: القُرْآنَ. ﴿فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ هم: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ ومَن آمَنَ مَعَهُ. ﴿ومِن هَؤُلاءِ﴾ أيْ: مِن أهْلِ مَكَّةَ. وقِيلَ: ﴿فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ أيِ: الَّذِينَ تَقَدَّمُوا عَهْدَ الرَّسُولِ ﷺ، يُؤْمِنُونَ بِهِ: أيْ: بِالقُرْآنِ، إذْ هو مَذْكُورٌ في كُتُبِهِمْ أنَّهُ يَنْزِلُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ﴿ومِن هَؤُلاءِ﴾ أيْ: مِمَّنْ في عَهْدِهِ مِنهم. ﴿وما يَجْحَدُ بِآياتِنا﴾ مَعَ ظُهُورِها وزَوالِ الشُّبْهَةِ عَنْها ﴿إلّا الكافِرُونَ﴾ أيْ: مِن بَنِي إسْرائِيلَ وغَيْرِهِمْ. قالَ مُجاهِدٌ: كانَ أهْلُ الكِتابِ يَقْرَءُونَ في كُتُبِهِمْ أنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ، لا يَخُطُّ ولا يَقْرَأُ كِتابًا، فَنَزَلَتْ: (وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ) أيْ: مِن قَبْلِ نُزُولِهِ عَلَيْكَ (مِن كِتابٍ) أيْ: كِتابًا، و”مِن“ زائِدَةٌ لِأنَّها في مُتَعَلَّقِ النَّفْيِ (ولا تَخُطُّهُ) أيْ: لا تَقْرَأُ ولا تَكْتُبُ (بِيَمِينِكَ) وهي الجارِحَةُ الَّتِي يُكْتَبُ بِها، وذِكْرُها زِيادَةُ تَصْوِيرٍ لِما نُفِيَ عَنْهُ مِنَ الكِتابَةِ، لَمّا ذَكَرَ إنْزالَ الكِتابِ عَلَيْهِ، مُتَضَمَّنًا مِنَ البَلاغَةِ والفَصاحَةِ والإخْبارِ عَنِ الأُمَمِ السّابِقَةِ والأُمُورِ المَغِيبَةِ ما أعْجَزَ البَشَرَ أنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ، أخَذَ يُحَقِّقُ، كَوْنُهُ نازِلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ، بِأنَّهُ ظَهَرَ عَنْ رَجُلٍ أُمِّيٍّ، لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ، ولا يُخالِطُ أهْلَ العِلْمِ. وظُهُورُ هَذا القُرْآنِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ أعْظَمُ دَلِيلٍ عَلى صِدْقِهِ، وأكْثَرُ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكْتُبْ قَطُّ، ولَمْ يَقْرَأْ بِالنَّظَرِ في كِتابٍ. ورُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ قالَ: ما ماتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، حَتّى كَتَبَ وأسْنَدَ النِّقاشَ. حَدِيثُ أبِي كَبْشَةَ السَّلُولِيِّ: أنَّهُ قَرَأ صَحِيفَةً لِعُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ وأخْبَرَ بِمَعْناها. وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ما ظاهِرُهُ: أنَّهُ كَتَبَ مُباشَرَةً، وقَدْ ذَهَبَ إلى ذَلِكَ جَماعَةٌ، مِنهم أبُو ذَرٍّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ الهَرَوِيُّ، والقاضِي أبُو الوَلِيدِ الباجِيُّ وغَيْرُهُما. واشْتَدَّ نَكِيرُ كَثِيرٍ مِن عُلَماءِ بِلادِنا عَلى أبِي الوَلِيدِ الباجِيِّ، حَتّى كانَ بَعْضُهم يَسُبُّهُ ويَطْعَنُ فِيهِ عَلى المِنبَرِ. وتَأوَّلَ أكْثَرُ العُلَماءِ ما ورَدَ مِن أنَّهُ كَتَبَ عَلى أنَّ مَعْناهُ: أمَرَ بِالكِتابَةِ، كَما تَقُولُ: كَتَبَ السُّلْطانُ لِفُلانٍ بِكَذا، أيْ: أمَرَ بِالكَتْبِ. ﴿إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ﴾ أيْ: لَوْ كانَ يَقْرَأُ كُتُبًا قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ عَلَيْهِ، أوْ يَكْتُبُ، لَحَصَلَتِ الرِّيبَةُ لِلْمُبْطِلِينَ، إذا كانُوا يَقُولُونَ: حَصَلَ ذَلِكَ الَّذِي يَتْلُوهُ مِمّا قَرَأهُ، قِيلَ: وخَطَّهُ واسْتَحْفَظَهُ؛ فَكانَ يَكُونُ لَهم في ارْتِيابِهِمْ تَعَلُّقٌ بِبَعْضِ شُبْهَةٍ، وأمّا ارْتِيابُهم مَعَ وُضُوحِ هَذِهِ الحُجَّةِ فَظاهِرٌ فَسادُهُ. والمُبْطِلُونَ: أهْلُ الكِتابِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ أوْ كُفّارُ قُرَيْشٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وسُمُّوا مُبْطِلِينَ؛ لِأنَّهم كَفَرُوا بِهِ، وهو أُمِّيٌّ بَعِيدٌ مِنَ الرِّيَبِ. ولَمّا لَمْ يَكُنْ قارِئًا ولا كاتِبًا، كانَ ارْتِيابُهم لا وجْهَ لَهُ. (بَلْ هو) أيِ: القُرْآنُ: ﴿آياتٌ بَيِّناتٌ﴾ واضِحاتُ الإعْجازِ ﴿فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ أيْ: مُسْتَقِرَّةٌ، مُؤْمَنٌ بِها، مَحْفُوظَةٌ في صُدُورِهِمْ، يَتْلُوها أكْثَرُ الأُمَّةِ ظاهِرًا، بِخِلافِ غَيْرِهِ (p-١٥٦)مِنَ الكُتُبِ، فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ، ولا يُقْرَأُ إلّا مِنَ الصُّحُفِ. وجاءَ في صِفَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ: صُدُورُهم أناجِيلُهم. وكَوْنُهُ القُرْآنَ يُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: ”بَلْ هي آياتٌ“ . وقِيلَ: بَلْ هو، أيِ: النَّبِيُّ ﷺ وأُمُورُهُ، آياتٌ بَيِّناتٌ، قالَهُ قَتادَةُ. وقَرَأ: بَلْ هو آيَةٌ بَيِّنَةٌ عَلى التَّوْحِيدِ؛ وقِيلَ: بَلْ هو، أيْ: كَوْنُهُ لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ. ويُقالُ: جَحَدْتَهُ وجَحَدْتَ بِهِ، وكَفَرْتَهُ وكَفَرْتَ بِهِ، قِيلَ: والجُحُودُ الأوَّلُ مُعَلَّقٌ بِالوَحْدانِيَّةِ، والثّانِي: مُعَلَّقٌ بِالنُّبُوَّةِ، وخُتِمَتْ تِلْكَ بِالكافِرِ. ولِأنَّهُ قَسِيمُ المُؤْمِنِينَ في قَوْلِهِ: ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ ومِن هَؤُلاءِ مَن يُؤْمِنُ﴾ وهَذِهِ بِالظّالِمِينَ؛ لِأنَّهُ جَحَدَ بَعْدَ إقامَةِ الدَّلِيلِ عَلى كَوْنِ الرَّسُولِ ﷺ صَدَرَ مِنهُ القُرْآنُ مُنَزَّلٌ عَلَيْهِ، وهو أُمِّيٌّ لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ، فَهُمُ الظّالِمُونَ بَعْدَ ظُهُورِ المُعْجِزَةِ. ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِن رَبِّهِ﴾ أيْ: قُرَيْشٌ، وبَعْضُ اليَهُودِ كانُوا يُعَلِّمُونَ قُرَيْشًا مِثْلَ هَذا الِاقْتِراحِ يَقُولُونَ لَهُ: ألا يَأْتِيكم بِآيَةٍ مِثْلِ آياتِ مُوسى مِنَ العَصا وغَيْرِها ؟ وقَرَأ العَرَبِيّانِ، ونافِعٌ، وحَفْصٌ: (آياتٌ)، عَلى الجَمْعِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: عَلى التَّوْحِيدِ. ﴿قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ يُنْزِلُ أيَّتَها شاءَ، ولَوْ شاءَ أنْ يُنْزِلَ ما يَقْتَرِحُونَهُ لَفَعَلَ. ﴿وإنَّما أنا نَذِيرٌ﴾ بِما أُعْطِيتُ مِنَ الآياتِ. وذَكَرَ يَحْيى بْنُ جَعْدَةَ أنَّ ناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، بِكُتُبٍ قَدْ كَتَبُوا فِيها بَعْضَ ما يَقُولُ اليَهُودُ، فَلَمّا نَظَرَ إلَيْها ألْقاها وقالَ: «كَفى بِها حَماقَةَ قَوْمٍ أوْ ضَلالَةَ قَوْمٍ أنْ يَرْغَبُوا عَمّا جاءَ بِهِ نَبِيُّهم إلى ما جاءَ بِهِ غَيْرُ نَبِيِّهِمْ»، فَنَزَلَتْ: (أوَلَمْ يَكْفِهِمْ) . والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ رَدٌّ عَلى الَّذِينَ قالُوا: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [يونس: ٢٠] أيْ: أوَلَمْ يَكْفِهِمْ آيَةً مُغْنِيَةً عَنْ سائِرِ الآياتِ، إنْ كانُوا طالِبِينَ لِلْحَقِّ غَيْرَ مُتَعَنِّتِينَ، هَذا القُرْآنُ الَّذِي تَدُومُ تِلاوَتُهُ عَلَيْهِمْ في كُلِّ مَكانٍ وزَمانٍ ؟ فَلا تَزالُ مَعَهم آيَةٌ ثابِتَةٌ لا تَزُولُ ولا تَضْمَحِلُّ، كَما تَزُولُ كُلُّ آيَةٍ بَعْدَ وُجُودِها، ويَكُونُ في مَكانٍ دُونَ مَكانٍ. إنَّ في هَذِهِ الآيَةِ المَوْجُودَةِ في كُلِّ مَكانٍ وزَمانٍ لَرَحْمَةٌ لَنِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ لا تُنْكَرُ وتُذْكَرُ. وقِيلَ: ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ ( أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ بِتَحْقِيقِ ما في أيْدِيهِمْ مِن نَعْتِكَ ونَعْتِ دِينِكَ، ورُوِيَ أنَّ كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ وأصْحابَهُ قالُوا: يا مُحَمَّدُ، مَن يَشْهَدُ بِأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم شَهِيدًا﴾ أيْ: قَدْ بَلَّغْتُ وأنْذَرْتُ، وأنَّكم جَحَدْتُمْ وكَذَّبْتُمْ، وهو العالِمُ ﴿ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَيَعْلَمُ أمْرِي وأمْرَكم ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِغَيْرِ اللَّهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: بِعِبادَةِ الشَّيْطانِ. وقِيلَ: بِالصَّنَمِ. (ويَسْتَعْجِلُونَكَ) أيْ: كُفّارُ قُرَيْشٍ في قَوْلِهِمْ: ﴿ائْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ [الأعراف: ٧٧] وقَوْلِ النَّضِرِ: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً﴾ [الأنفال: ٣٢] وهو اسْتِعْجالٌ عَلى جِهَةِ التَّعْجِيزِ والتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ بِالعَذابِ الَّذِي كانَ يَتَوَعَّدُهم بِهِ الرَّسُولُ ﷺ . والأجَلُ المُسَمّى: ما سَمّاهُ اللَّهُ وأثْبَتَهُ في اللَّوْحِ لِعَذابِهِمْ، وأوْجَبَتِ الحِكْمَةُ تَأْخِيرَهُ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ ابْنُ سَلامٍ: أجَلُ ما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، وقِيلَ: يَوْمَ بَدْرٍ. ﴿ولَيَأْتِيَنَّهم بَغْتَةً﴾ أيْ: فَجْأةً، وهو ما ظَهَرَ يَوْمَ بَدْرٍ، وفي السِّنِينَ السَّبْعِ. ثُمَّ كَرَّرَ فِعْلَهم وقَبَّحَهُ، وأخْبَرَ أنَّ وراءَهم جَهَنَّمَ، تُحِيطُ بِهِمْ. وانْتَصَبَ ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمْ﴾ بِـ: ”مُحِيطَةٌ“ . وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، ونافِعٌ: (ويَقُولُ) أيِ: اللَّهُ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِالنُّونِ، نُونِ العَظَمَةِ، أوْ نُونِ جَماعَةِ المَلائِكَةِ؛ وأبُو البَرِّ هُثَيْمٌ: بِالتّاءِ، أيْ: جَهَنَّمُ؛ كَما نُسِبَ القَوْلُ إلَيْها في: ﴿وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠] . وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ويُقالُ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.

العنكبوت 29:48

﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم وقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا وأُنْزِلَ إلَيْكم وإلَهُنا وإلَهُكم واحِدٌ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومِن هَؤُلاءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا الكافِرُونَ﴾ ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ﴾ ﴿بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا الظّالِمُونَ﴾ ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم شَهِيدًا يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ وكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ العَذابُ ولَيَأْتِيَنَّهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ويَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . (p-١٥٥)و(أهْلَ الكِتابِ) اليَهُودَ والنَّصارى. ﴿إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ مِنَ المُلاطَفَةِ في الدُّعاءِ إلى اللَّهِ والتَّنْبِيهِ عَلى آياتِهِ. ﴿إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ مِمَّنْ لَمْ يُؤَدِّ جِزْيَةً ونَصَبَ الحَرْبَ، وصَرَّحَ بِأنَّ لِلَّهِ ولَدًا أوْ شَرِيكًا، أوْ يَدَهُ مَغْلُولَةٌ؛ فالآيَةُ مَنسُوخَةٌ في مُهادَنَةِ مَن لَمْ يُحارِبْ، قالَهُ مُجاهِدٌ ومُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ. (إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ) أيْ: بِالمُوافَقَةِ فِيما حَدَّثُوكم بِهِ مِن أخْبارِ أوائِلِهِمْ. ﴿إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ مَن بَقِيَ مِنهم عَلى كُفْرِهِ، وعْدٌ لِقُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، والآيَةُ عَلى هَذا مُحْكَمَةٌ. وقِيلَ: إلّا الَّذِينَ آذَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . وقالَ قَتادَةُ: الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] الآيَةَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إلّا)، حَرْفُ اسْتِثْناءٍ؛ وابْنُ عَبّاسٍ: ”ألا“، حَرْفُ تَنْبِيهٍ واسْتِفْتاحٍ، وتَقْدِيرُهُ: ألا جادِلُوهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ. (وقُولُوا آمَنّا) هَذا مِنَ المُجادَلَةِ بِالأحْسَنِ. ﴿بِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا﴾ وهو القُرْآنُ ﴿وأُنْزِلَ إلَيْكُمْ﴾ وهو التَّوْراةُ والزَّبُورُ والإنْجِيلُ. «وفِي صَحِيحِ» البُخارِيِّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: «كانَ أهْلُ الكِتابِ يَقْرَءُونَ التَّوْراةَ بِالعِبْرانِيَّةِ، ويُفَسِّرُونَها بِالعَرَبِيَّةِ لِأهْلِ الإسْلامِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”لا تُصَدِّقُوا أهْلَ الكِتابِ ولا تُكَذِّبُوهم وقُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ إلَيْكم“» . (وكَذَلِكَ) أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الإنْزالِ الَّذِي لِلْكُتُبِ السّابِقَةِ ﴿أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ أيِ: القُرْآنَ. ﴿فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ هم: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ ومَن آمَنَ مَعَهُ. ﴿ومِن هَؤُلاءِ﴾ أيْ: مِن أهْلِ مَكَّةَ. وقِيلَ: ﴿فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ أيِ: الَّذِينَ تَقَدَّمُوا عَهْدَ الرَّسُولِ ﷺ، يُؤْمِنُونَ بِهِ: أيْ: بِالقُرْآنِ، إذْ هو مَذْكُورٌ في كُتُبِهِمْ أنَّهُ يَنْزِلُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ﴿ومِن هَؤُلاءِ﴾ أيْ: مِمَّنْ في عَهْدِهِ مِنهم. ﴿وما يَجْحَدُ بِآياتِنا﴾ مَعَ ظُهُورِها وزَوالِ الشُّبْهَةِ عَنْها ﴿إلّا الكافِرُونَ﴾ أيْ: مِن بَنِي إسْرائِيلَ وغَيْرِهِمْ. قالَ مُجاهِدٌ: كانَ أهْلُ الكِتابِ يَقْرَءُونَ في كُتُبِهِمْ أنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ، لا يَخُطُّ ولا يَقْرَأُ كِتابًا، فَنَزَلَتْ: (وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ) أيْ: مِن قَبْلِ نُزُولِهِ عَلَيْكَ (مِن كِتابٍ) أيْ: كِتابًا، و”مِن“ زائِدَةٌ لِأنَّها في مُتَعَلَّقِ النَّفْيِ (ولا تَخُطُّهُ) أيْ: لا تَقْرَأُ ولا تَكْتُبُ (بِيَمِينِكَ) وهي الجارِحَةُ الَّتِي يُكْتَبُ بِها، وذِكْرُها زِيادَةُ تَصْوِيرٍ لِما نُفِيَ عَنْهُ مِنَ الكِتابَةِ، لَمّا ذَكَرَ إنْزالَ الكِتابِ عَلَيْهِ، مُتَضَمَّنًا مِنَ البَلاغَةِ والفَصاحَةِ والإخْبارِ عَنِ الأُمَمِ السّابِقَةِ والأُمُورِ المَغِيبَةِ ما أعْجَزَ البَشَرَ أنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ، أخَذَ يُحَقِّقُ، كَوْنُهُ نازِلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ، بِأنَّهُ ظَهَرَ عَنْ رَجُلٍ أُمِّيٍّ، لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ، ولا يُخالِطُ أهْلَ العِلْمِ. وظُهُورُ هَذا القُرْآنِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ أعْظَمُ دَلِيلٍ عَلى صِدْقِهِ، وأكْثَرُ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكْتُبْ قَطُّ، ولَمْ يَقْرَأْ بِالنَّظَرِ في كِتابٍ. ورُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ قالَ: ما ماتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، حَتّى كَتَبَ وأسْنَدَ النِّقاشَ. حَدِيثُ أبِي كَبْشَةَ السَّلُولِيِّ: أنَّهُ قَرَأ صَحِيفَةً لِعُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ وأخْبَرَ بِمَعْناها. وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ما ظاهِرُهُ: أنَّهُ كَتَبَ مُباشَرَةً، وقَدْ ذَهَبَ إلى ذَلِكَ جَماعَةٌ، مِنهم أبُو ذَرٍّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ الهَرَوِيُّ، والقاضِي أبُو الوَلِيدِ الباجِيُّ وغَيْرُهُما. واشْتَدَّ نَكِيرُ كَثِيرٍ مِن عُلَماءِ بِلادِنا عَلى أبِي الوَلِيدِ الباجِيِّ، حَتّى كانَ بَعْضُهم يَسُبُّهُ ويَطْعَنُ فِيهِ عَلى المِنبَرِ. وتَأوَّلَ أكْثَرُ العُلَماءِ ما ورَدَ مِن أنَّهُ كَتَبَ عَلى أنَّ مَعْناهُ: أمَرَ بِالكِتابَةِ، كَما تَقُولُ: كَتَبَ السُّلْطانُ لِفُلانٍ بِكَذا، أيْ: أمَرَ بِالكَتْبِ. ﴿إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ﴾ أيْ: لَوْ كانَ يَقْرَأُ كُتُبًا قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ عَلَيْهِ، أوْ يَكْتُبُ، لَحَصَلَتِ الرِّيبَةُ لِلْمُبْطِلِينَ، إذا كانُوا يَقُولُونَ: حَصَلَ ذَلِكَ الَّذِي يَتْلُوهُ مِمّا قَرَأهُ، قِيلَ: وخَطَّهُ واسْتَحْفَظَهُ؛ فَكانَ يَكُونُ لَهم في ارْتِيابِهِمْ تَعَلُّقٌ بِبَعْضِ شُبْهَةٍ، وأمّا ارْتِيابُهم مَعَ وُضُوحِ هَذِهِ الحُجَّةِ فَظاهِرٌ فَسادُهُ. والمُبْطِلُونَ: أهْلُ الكِتابِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ أوْ كُفّارُ قُرَيْشٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وسُمُّوا مُبْطِلِينَ؛ لِأنَّهم كَفَرُوا بِهِ، وهو أُمِّيٌّ بَعِيدٌ مِنَ الرِّيَبِ. ولَمّا لَمْ يَكُنْ قارِئًا ولا كاتِبًا، كانَ ارْتِيابُهم لا وجْهَ لَهُ. (بَلْ هو) أيِ: القُرْآنُ: ﴿آياتٌ بَيِّناتٌ﴾ واضِحاتُ الإعْجازِ ﴿فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ أيْ: مُسْتَقِرَّةٌ، مُؤْمَنٌ بِها، مَحْفُوظَةٌ في صُدُورِهِمْ، يَتْلُوها أكْثَرُ الأُمَّةِ ظاهِرًا، بِخِلافِ غَيْرِهِ (p-١٥٦)مِنَ الكُتُبِ، فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ، ولا يُقْرَأُ إلّا مِنَ الصُّحُفِ. وجاءَ في صِفَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ: صُدُورُهم أناجِيلُهم. وكَوْنُهُ القُرْآنَ يُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: ”بَلْ هي آياتٌ“ . وقِيلَ: بَلْ هو، أيِ: النَّبِيُّ ﷺ وأُمُورُهُ، آياتٌ بَيِّناتٌ، قالَهُ قَتادَةُ. وقَرَأ: بَلْ هو آيَةٌ بَيِّنَةٌ عَلى التَّوْحِيدِ؛ وقِيلَ: بَلْ هو، أيْ: كَوْنُهُ لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ. ويُقالُ: جَحَدْتَهُ وجَحَدْتَ بِهِ، وكَفَرْتَهُ وكَفَرْتَ بِهِ، قِيلَ: والجُحُودُ الأوَّلُ مُعَلَّقٌ بِالوَحْدانِيَّةِ، والثّانِي: مُعَلَّقٌ بِالنُّبُوَّةِ، وخُتِمَتْ تِلْكَ بِالكافِرِ. ولِأنَّهُ قَسِيمُ المُؤْمِنِينَ في قَوْلِهِ: ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ ومِن هَؤُلاءِ مَن يُؤْمِنُ﴾ وهَذِهِ بِالظّالِمِينَ؛ لِأنَّهُ جَحَدَ بَعْدَ إقامَةِ الدَّلِيلِ عَلى كَوْنِ الرَّسُولِ ﷺ صَدَرَ مِنهُ القُرْآنُ مُنَزَّلٌ عَلَيْهِ، وهو أُمِّيٌّ لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ، فَهُمُ الظّالِمُونَ بَعْدَ ظُهُورِ المُعْجِزَةِ. ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِن رَبِّهِ﴾ أيْ: قُرَيْشٌ، وبَعْضُ اليَهُودِ كانُوا يُعَلِّمُونَ قُرَيْشًا مِثْلَ هَذا الِاقْتِراحِ يَقُولُونَ لَهُ: ألا يَأْتِيكم بِآيَةٍ مِثْلِ آياتِ مُوسى مِنَ العَصا وغَيْرِها ؟ وقَرَأ العَرَبِيّانِ، ونافِعٌ، وحَفْصٌ: (آياتٌ)، عَلى الجَمْعِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: عَلى التَّوْحِيدِ. ﴿قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ يُنْزِلُ أيَّتَها شاءَ، ولَوْ شاءَ أنْ يُنْزِلَ ما يَقْتَرِحُونَهُ لَفَعَلَ. ﴿وإنَّما أنا نَذِيرٌ﴾ بِما أُعْطِيتُ مِنَ الآياتِ. وذَكَرَ يَحْيى بْنُ جَعْدَةَ أنَّ ناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، بِكُتُبٍ قَدْ كَتَبُوا فِيها بَعْضَ ما يَقُولُ اليَهُودُ، فَلَمّا نَظَرَ إلَيْها ألْقاها وقالَ: «كَفى بِها حَماقَةَ قَوْمٍ أوْ ضَلالَةَ قَوْمٍ أنْ يَرْغَبُوا عَمّا جاءَ بِهِ نَبِيُّهم إلى ما جاءَ بِهِ غَيْرُ نَبِيِّهِمْ»، فَنَزَلَتْ: (أوَلَمْ يَكْفِهِمْ) . والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ رَدٌّ عَلى الَّذِينَ قالُوا: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [يونس: ٢٠] أيْ: أوَلَمْ يَكْفِهِمْ آيَةً مُغْنِيَةً عَنْ سائِرِ الآياتِ، إنْ كانُوا طالِبِينَ لِلْحَقِّ غَيْرَ مُتَعَنِّتِينَ، هَذا القُرْآنُ الَّذِي تَدُومُ تِلاوَتُهُ عَلَيْهِمْ في كُلِّ مَكانٍ وزَمانٍ ؟ فَلا تَزالُ مَعَهم آيَةٌ ثابِتَةٌ لا تَزُولُ ولا تَضْمَحِلُّ، كَما تَزُولُ كُلُّ آيَةٍ بَعْدَ وُجُودِها، ويَكُونُ في مَكانٍ دُونَ مَكانٍ. إنَّ في هَذِهِ الآيَةِ المَوْجُودَةِ في كُلِّ مَكانٍ وزَمانٍ لَرَحْمَةٌ لَنِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ لا تُنْكَرُ وتُذْكَرُ. وقِيلَ: ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ ( أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ بِتَحْقِيقِ ما في أيْدِيهِمْ مِن نَعْتِكَ ونَعْتِ دِينِكَ، ورُوِيَ أنَّ كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ وأصْحابَهُ قالُوا: يا مُحَمَّدُ، مَن يَشْهَدُ بِأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم شَهِيدًا﴾ أيْ: قَدْ بَلَّغْتُ وأنْذَرْتُ، وأنَّكم جَحَدْتُمْ وكَذَّبْتُمْ، وهو العالِمُ ﴿ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَيَعْلَمُ أمْرِي وأمْرَكم ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِغَيْرِ اللَّهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: بِعِبادَةِ الشَّيْطانِ. وقِيلَ: بِالصَّنَمِ. (ويَسْتَعْجِلُونَكَ) أيْ: كُفّارُ قُرَيْشٍ في قَوْلِهِمْ: ﴿ائْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ [الأعراف: ٧٧] وقَوْلِ النَّضِرِ: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً﴾ [الأنفال: ٣٢] وهو اسْتِعْجالٌ عَلى جِهَةِ التَّعْجِيزِ والتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ بِالعَذابِ الَّذِي كانَ يَتَوَعَّدُهم بِهِ الرَّسُولُ ﷺ . والأجَلُ المُسَمّى: ما سَمّاهُ اللَّهُ وأثْبَتَهُ في اللَّوْحِ لِعَذابِهِمْ، وأوْجَبَتِ الحِكْمَةُ تَأْخِيرَهُ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ ابْنُ سَلامٍ: أجَلُ ما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، وقِيلَ: يَوْمَ بَدْرٍ. ﴿ولَيَأْتِيَنَّهم بَغْتَةً﴾ أيْ: فَجْأةً، وهو ما ظَهَرَ يَوْمَ بَدْرٍ، وفي السِّنِينَ السَّبْعِ. ثُمَّ كَرَّرَ فِعْلَهم وقَبَّحَهُ، وأخْبَرَ أنَّ وراءَهم جَهَنَّمَ، تُحِيطُ بِهِمْ. وانْتَصَبَ ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمْ﴾ بِـ: ”مُحِيطَةٌ“ . وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، ونافِعٌ: (ويَقُولُ) أيِ: اللَّهُ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِالنُّونِ، نُونِ العَظَمَةِ، أوْ نُونِ جَماعَةِ المَلائِكَةِ؛ وأبُو البَرِّ هُثَيْمٌ: بِالتّاءِ، أيْ: جَهَنَّمُ؛ كَما نُسِبَ القَوْلُ إلَيْها في: ﴿وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠] . وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ويُقالُ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.

العنكبوت 29:49

﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم وقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا وأُنْزِلَ إلَيْكم وإلَهُنا وإلَهُكم واحِدٌ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومِن هَؤُلاءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا الكافِرُونَ﴾ ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ﴾ ﴿بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا الظّالِمُونَ﴾ ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم شَهِيدًا يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ وكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ العَذابُ ولَيَأْتِيَنَّهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ويَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . (p-١٥٥)و(أهْلَ الكِتابِ) اليَهُودَ والنَّصارى. ﴿إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ مِنَ المُلاطَفَةِ في الدُّعاءِ إلى اللَّهِ والتَّنْبِيهِ عَلى آياتِهِ. ﴿إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ مِمَّنْ لَمْ يُؤَدِّ جِزْيَةً ونَصَبَ الحَرْبَ، وصَرَّحَ بِأنَّ لِلَّهِ ولَدًا أوْ شَرِيكًا، أوْ يَدَهُ مَغْلُولَةٌ؛ فالآيَةُ مَنسُوخَةٌ في مُهادَنَةِ مَن لَمْ يُحارِبْ، قالَهُ مُجاهِدٌ ومُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ. (إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ) أيْ: بِالمُوافَقَةِ فِيما حَدَّثُوكم بِهِ مِن أخْبارِ أوائِلِهِمْ. ﴿إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ مَن بَقِيَ مِنهم عَلى كُفْرِهِ، وعْدٌ لِقُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، والآيَةُ عَلى هَذا مُحْكَمَةٌ. وقِيلَ: إلّا الَّذِينَ آذَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . وقالَ قَتادَةُ: الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] الآيَةَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إلّا)، حَرْفُ اسْتِثْناءٍ؛ وابْنُ عَبّاسٍ: ”ألا“، حَرْفُ تَنْبِيهٍ واسْتِفْتاحٍ، وتَقْدِيرُهُ: ألا جادِلُوهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ. (وقُولُوا آمَنّا) هَذا مِنَ المُجادَلَةِ بِالأحْسَنِ. ﴿بِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا﴾ وهو القُرْآنُ ﴿وأُنْزِلَ إلَيْكُمْ﴾ وهو التَّوْراةُ والزَّبُورُ والإنْجِيلُ. «وفِي صَحِيحِ» البُخارِيِّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: «كانَ أهْلُ الكِتابِ يَقْرَءُونَ التَّوْراةَ بِالعِبْرانِيَّةِ، ويُفَسِّرُونَها بِالعَرَبِيَّةِ لِأهْلِ الإسْلامِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”لا تُصَدِّقُوا أهْلَ الكِتابِ ولا تُكَذِّبُوهم وقُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ إلَيْكم“» . (وكَذَلِكَ) أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الإنْزالِ الَّذِي لِلْكُتُبِ السّابِقَةِ ﴿أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ أيِ: القُرْآنَ. ﴿فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ هم: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ ومَن آمَنَ مَعَهُ. ﴿ومِن هَؤُلاءِ﴾ أيْ: مِن أهْلِ مَكَّةَ. وقِيلَ: ﴿فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ أيِ: الَّذِينَ تَقَدَّمُوا عَهْدَ الرَّسُولِ ﷺ، يُؤْمِنُونَ بِهِ: أيْ: بِالقُرْآنِ، إذْ هو مَذْكُورٌ في كُتُبِهِمْ أنَّهُ يَنْزِلُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ﴿ومِن هَؤُلاءِ﴾ أيْ: مِمَّنْ في عَهْدِهِ مِنهم. ﴿وما يَجْحَدُ بِآياتِنا﴾ مَعَ ظُهُورِها وزَوالِ الشُّبْهَةِ عَنْها ﴿إلّا الكافِرُونَ﴾ أيْ: مِن بَنِي إسْرائِيلَ وغَيْرِهِمْ. قالَ مُجاهِدٌ: كانَ أهْلُ الكِتابِ يَقْرَءُونَ في كُتُبِهِمْ أنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ، لا يَخُطُّ ولا يَقْرَأُ كِتابًا، فَنَزَلَتْ: (وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ) أيْ: مِن قَبْلِ نُزُولِهِ عَلَيْكَ (مِن كِتابٍ) أيْ: كِتابًا، و”مِن“ زائِدَةٌ لِأنَّها في مُتَعَلَّقِ النَّفْيِ (ولا تَخُطُّهُ) أيْ: لا تَقْرَأُ ولا تَكْتُبُ (بِيَمِينِكَ) وهي الجارِحَةُ الَّتِي يُكْتَبُ بِها، وذِكْرُها زِيادَةُ تَصْوِيرٍ لِما نُفِيَ عَنْهُ مِنَ الكِتابَةِ، لَمّا ذَكَرَ إنْزالَ الكِتابِ عَلَيْهِ، مُتَضَمَّنًا مِنَ البَلاغَةِ والفَصاحَةِ والإخْبارِ عَنِ الأُمَمِ السّابِقَةِ والأُمُورِ المَغِيبَةِ ما أعْجَزَ البَشَرَ أنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ، أخَذَ يُحَقِّقُ، كَوْنُهُ نازِلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ، بِأنَّهُ ظَهَرَ عَنْ رَجُلٍ أُمِّيٍّ، لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ، ولا يُخالِطُ أهْلَ العِلْمِ. وظُهُورُ هَذا القُرْآنِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ أعْظَمُ دَلِيلٍ عَلى صِدْقِهِ، وأكْثَرُ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكْتُبْ قَطُّ، ولَمْ يَقْرَأْ بِالنَّظَرِ في كِتابٍ. ورُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ قالَ: ما ماتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، حَتّى كَتَبَ وأسْنَدَ النِّقاشَ. حَدِيثُ أبِي كَبْشَةَ السَّلُولِيِّ: أنَّهُ قَرَأ صَحِيفَةً لِعُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ وأخْبَرَ بِمَعْناها. وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ما ظاهِرُهُ: أنَّهُ كَتَبَ مُباشَرَةً، وقَدْ ذَهَبَ إلى ذَلِكَ جَماعَةٌ، مِنهم أبُو ذَرٍّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ الهَرَوِيُّ، والقاضِي أبُو الوَلِيدِ الباجِيُّ وغَيْرُهُما. واشْتَدَّ نَكِيرُ كَثِيرٍ مِن عُلَماءِ بِلادِنا عَلى أبِي الوَلِيدِ الباجِيِّ، حَتّى كانَ بَعْضُهم يَسُبُّهُ ويَطْعَنُ فِيهِ عَلى المِنبَرِ. وتَأوَّلَ أكْثَرُ العُلَماءِ ما ورَدَ مِن أنَّهُ كَتَبَ عَلى أنَّ مَعْناهُ: أمَرَ بِالكِتابَةِ، كَما تَقُولُ: كَتَبَ السُّلْطانُ لِفُلانٍ بِكَذا، أيْ: أمَرَ بِالكَتْبِ. ﴿إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ﴾ أيْ: لَوْ كانَ يَقْرَأُ كُتُبًا قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ عَلَيْهِ، أوْ يَكْتُبُ، لَحَصَلَتِ الرِّيبَةُ لِلْمُبْطِلِينَ، إذا كانُوا يَقُولُونَ: حَصَلَ ذَلِكَ الَّذِي يَتْلُوهُ مِمّا قَرَأهُ، قِيلَ: وخَطَّهُ واسْتَحْفَظَهُ؛ فَكانَ يَكُونُ لَهم في ارْتِيابِهِمْ تَعَلُّقٌ بِبَعْضِ شُبْهَةٍ، وأمّا ارْتِيابُهم مَعَ وُضُوحِ هَذِهِ الحُجَّةِ فَظاهِرٌ فَسادُهُ. والمُبْطِلُونَ: أهْلُ الكِتابِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ أوْ كُفّارُ قُرَيْشٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وسُمُّوا مُبْطِلِينَ؛ لِأنَّهم كَفَرُوا بِهِ، وهو أُمِّيٌّ بَعِيدٌ مِنَ الرِّيَبِ. ولَمّا لَمْ يَكُنْ قارِئًا ولا كاتِبًا، كانَ ارْتِيابُهم لا وجْهَ لَهُ. (بَلْ هو) أيِ: القُرْآنُ: ﴿آياتٌ بَيِّناتٌ﴾ واضِحاتُ الإعْجازِ ﴿فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ أيْ: مُسْتَقِرَّةٌ، مُؤْمَنٌ بِها، مَحْفُوظَةٌ في صُدُورِهِمْ، يَتْلُوها أكْثَرُ الأُمَّةِ ظاهِرًا، بِخِلافِ غَيْرِهِ (p-١٥٦)مِنَ الكُتُبِ، فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ، ولا يُقْرَأُ إلّا مِنَ الصُّحُفِ. وجاءَ في صِفَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ: صُدُورُهم أناجِيلُهم. وكَوْنُهُ القُرْآنَ يُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: ”بَلْ هي آياتٌ“ . وقِيلَ: بَلْ هو، أيِ: النَّبِيُّ ﷺ وأُمُورُهُ، آياتٌ بَيِّناتٌ، قالَهُ قَتادَةُ. وقَرَأ: بَلْ هو آيَةٌ بَيِّنَةٌ عَلى التَّوْحِيدِ؛ وقِيلَ: بَلْ هو، أيْ: كَوْنُهُ لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ. ويُقالُ: جَحَدْتَهُ وجَحَدْتَ بِهِ، وكَفَرْتَهُ وكَفَرْتَ بِهِ، قِيلَ: والجُحُودُ الأوَّلُ مُعَلَّقٌ بِالوَحْدانِيَّةِ، والثّانِي: مُعَلَّقٌ بِالنُّبُوَّةِ، وخُتِمَتْ تِلْكَ بِالكافِرِ. ولِأنَّهُ قَسِيمُ المُؤْمِنِينَ في قَوْلِهِ: ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ ومِن هَؤُلاءِ مَن يُؤْمِنُ﴾ وهَذِهِ بِالظّالِمِينَ؛ لِأنَّهُ جَحَدَ بَعْدَ إقامَةِ الدَّلِيلِ عَلى كَوْنِ الرَّسُولِ ﷺ صَدَرَ مِنهُ القُرْآنُ مُنَزَّلٌ عَلَيْهِ، وهو أُمِّيٌّ لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ، فَهُمُ الظّالِمُونَ بَعْدَ ظُهُورِ المُعْجِزَةِ. ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِن رَبِّهِ﴾ أيْ: قُرَيْشٌ، وبَعْضُ اليَهُودِ كانُوا يُعَلِّمُونَ قُرَيْشًا مِثْلَ هَذا الِاقْتِراحِ يَقُولُونَ لَهُ: ألا يَأْتِيكم بِآيَةٍ مِثْلِ آياتِ مُوسى مِنَ العَصا وغَيْرِها ؟ وقَرَأ العَرَبِيّانِ، ونافِعٌ، وحَفْصٌ: (آياتٌ)، عَلى الجَمْعِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: عَلى التَّوْحِيدِ. ﴿قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ يُنْزِلُ أيَّتَها شاءَ، ولَوْ شاءَ أنْ يُنْزِلَ ما يَقْتَرِحُونَهُ لَفَعَلَ. ﴿وإنَّما أنا نَذِيرٌ﴾ بِما أُعْطِيتُ مِنَ الآياتِ. وذَكَرَ يَحْيى بْنُ جَعْدَةَ أنَّ ناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، بِكُتُبٍ قَدْ كَتَبُوا فِيها بَعْضَ ما يَقُولُ اليَهُودُ، فَلَمّا نَظَرَ إلَيْها ألْقاها وقالَ: «كَفى بِها حَماقَةَ قَوْمٍ أوْ ضَلالَةَ قَوْمٍ أنْ يَرْغَبُوا عَمّا جاءَ بِهِ نَبِيُّهم إلى ما جاءَ بِهِ غَيْرُ نَبِيِّهِمْ»، فَنَزَلَتْ: (أوَلَمْ يَكْفِهِمْ) . والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ رَدٌّ عَلى الَّذِينَ قالُوا: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [يونس: ٢٠] أيْ: أوَلَمْ يَكْفِهِمْ آيَةً مُغْنِيَةً عَنْ سائِرِ الآياتِ، إنْ كانُوا طالِبِينَ لِلْحَقِّ غَيْرَ مُتَعَنِّتِينَ، هَذا القُرْآنُ الَّذِي تَدُومُ تِلاوَتُهُ عَلَيْهِمْ في كُلِّ مَكانٍ وزَمانٍ ؟ فَلا تَزالُ مَعَهم آيَةٌ ثابِتَةٌ لا تَزُولُ ولا تَضْمَحِلُّ، كَما تَزُولُ كُلُّ آيَةٍ بَعْدَ وُجُودِها، ويَكُونُ في مَكانٍ دُونَ مَكانٍ. إنَّ في هَذِهِ الآيَةِ المَوْجُودَةِ في كُلِّ مَكانٍ وزَمانٍ لَرَحْمَةٌ لَنِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ لا تُنْكَرُ وتُذْكَرُ. وقِيلَ: ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ ( أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ بِتَحْقِيقِ ما في أيْدِيهِمْ مِن نَعْتِكَ ونَعْتِ دِينِكَ، ورُوِيَ أنَّ كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ وأصْحابَهُ قالُوا: يا مُحَمَّدُ، مَن يَشْهَدُ بِأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم شَهِيدًا﴾ أيْ: قَدْ بَلَّغْتُ وأنْذَرْتُ، وأنَّكم جَحَدْتُمْ وكَذَّبْتُمْ، وهو العالِمُ ﴿ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَيَعْلَمُ أمْرِي وأمْرَكم ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِغَيْرِ اللَّهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: بِعِبادَةِ الشَّيْطانِ. وقِيلَ: بِالصَّنَمِ. (ويَسْتَعْجِلُونَكَ) أيْ: كُفّارُ قُرَيْشٍ في قَوْلِهِمْ: ﴿ائْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ [الأعراف: ٧٧] وقَوْلِ النَّضِرِ: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً﴾ [الأنفال: ٣٢] وهو اسْتِعْجالٌ عَلى جِهَةِ التَّعْجِيزِ والتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ بِالعَذابِ الَّذِي كانَ يَتَوَعَّدُهم بِهِ الرَّسُولُ ﷺ . والأجَلُ المُسَمّى: ما سَمّاهُ اللَّهُ وأثْبَتَهُ في اللَّوْحِ لِعَذابِهِمْ، وأوْجَبَتِ الحِكْمَةُ تَأْخِيرَهُ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ ابْنُ سَلامٍ: أجَلُ ما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، وقِيلَ: يَوْمَ بَدْرٍ. ﴿ولَيَأْتِيَنَّهم بَغْتَةً﴾ أيْ: فَجْأةً، وهو ما ظَهَرَ يَوْمَ بَدْرٍ، وفي السِّنِينَ السَّبْعِ. ثُمَّ كَرَّرَ فِعْلَهم وقَبَّحَهُ، وأخْبَرَ أنَّ وراءَهم جَهَنَّمَ، تُحِيطُ بِهِمْ. وانْتَصَبَ ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمْ﴾ بِـ: ”مُحِيطَةٌ“ . وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، ونافِعٌ: (ويَقُولُ) أيِ: اللَّهُ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِالنُّونِ، نُونِ العَظَمَةِ، أوْ نُونِ جَماعَةِ المَلائِكَةِ؛ وأبُو البَرِّ هُثَيْمٌ: بِالتّاءِ، أيْ: جَهَنَّمُ؛ كَما نُسِبَ القَوْلُ إلَيْها في: ﴿وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠] . وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ويُقالُ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.

العنكبوت 29:50

﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم وقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا وأُنْزِلَ إلَيْكم وإلَهُنا وإلَهُكم واحِدٌ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومِن هَؤُلاءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا الكافِرُونَ﴾ ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ﴾ ﴿بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا الظّالِمُونَ﴾ ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم شَهِيدًا يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ وكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ العَذابُ ولَيَأْتِيَنَّهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ويَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . (p-١٥٥)و(أهْلَ الكِتابِ) اليَهُودَ والنَّصارى. ﴿إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ مِنَ المُلاطَفَةِ في الدُّعاءِ إلى اللَّهِ والتَّنْبِيهِ عَلى آياتِهِ. ﴿إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ مِمَّنْ لَمْ يُؤَدِّ جِزْيَةً ونَصَبَ الحَرْبَ، وصَرَّحَ بِأنَّ لِلَّهِ ولَدًا أوْ شَرِيكًا، أوْ يَدَهُ مَغْلُولَةٌ؛ فالآيَةُ مَنسُوخَةٌ في مُهادَنَةِ مَن لَمْ يُحارِبْ، قالَهُ مُجاهِدٌ ومُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ. (إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ) أيْ: بِالمُوافَقَةِ فِيما حَدَّثُوكم بِهِ مِن أخْبارِ أوائِلِهِمْ. ﴿إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ مَن بَقِيَ مِنهم عَلى كُفْرِهِ، وعْدٌ لِقُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، والآيَةُ عَلى هَذا مُحْكَمَةٌ. وقِيلَ: إلّا الَّذِينَ آذَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . وقالَ قَتادَةُ: الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] الآيَةَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إلّا)، حَرْفُ اسْتِثْناءٍ؛ وابْنُ عَبّاسٍ: ”ألا“، حَرْفُ تَنْبِيهٍ واسْتِفْتاحٍ، وتَقْدِيرُهُ: ألا جادِلُوهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ. (وقُولُوا آمَنّا) هَذا مِنَ المُجادَلَةِ بِالأحْسَنِ. ﴿بِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا﴾ وهو القُرْآنُ ﴿وأُنْزِلَ إلَيْكُمْ﴾ وهو التَّوْراةُ والزَّبُورُ والإنْجِيلُ. «وفِي صَحِيحِ» البُخارِيِّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: «كانَ أهْلُ الكِتابِ يَقْرَءُونَ التَّوْراةَ بِالعِبْرانِيَّةِ، ويُفَسِّرُونَها بِالعَرَبِيَّةِ لِأهْلِ الإسْلامِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”لا تُصَدِّقُوا أهْلَ الكِتابِ ولا تُكَذِّبُوهم وقُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ إلَيْكم“» . (وكَذَلِكَ) أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الإنْزالِ الَّذِي لِلْكُتُبِ السّابِقَةِ ﴿أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ أيِ: القُرْآنَ. ﴿فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ هم: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ ومَن آمَنَ مَعَهُ. ﴿ومِن هَؤُلاءِ﴾ أيْ: مِن أهْلِ مَكَّةَ. وقِيلَ: ﴿فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ أيِ: الَّذِينَ تَقَدَّمُوا عَهْدَ الرَّسُولِ ﷺ، يُؤْمِنُونَ بِهِ: أيْ: بِالقُرْآنِ، إذْ هو مَذْكُورٌ في كُتُبِهِمْ أنَّهُ يَنْزِلُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ﴿ومِن هَؤُلاءِ﴾ أيْ: مِمَّنْ في عَهْدِهِ مِنهم. ﴿وما يَجْحَدُ بِآياتِنا﴾ مَعَ ظُهُورِها وزَوالِ الشُّبْهَةِ عَنْها ﴿إلّا الكافِرُونَ﴾ أيْ: مِن بَنِي إسْرائِيلَ وغَيْرِهِمْ. قالَ مُجاهِدٌ: كانَ أهْلُ الكِتابِ يَقْرَءُونَ في كُتُبِهِمْ أنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ، لا يَخُطُّ ولا يَقْرَأُ كِتابًا، فَنَزَلَتْ: (وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ) أيْ: مِن قَبْلِ نُزُولِهِ عَلَيْكَ (مِن كِتابٍ) أيْ: كِتابًا، و”مِن“ زائِدَةٌ لِأنَّها في مُتَعَلَّقِ النَّفْيِ (ولا تَخُطُّهُ) أيْ: لا تَقْرَأُ ولا تَكْتُبُ (بِيَمِينِكَ) وهي الجارِحَةُ الَّتِي يُكْتَبُ بِها، وذِكْرُها زِيادَةُ تَصْوِيرٍ لِما نُفِيَ عَنْهُ مِنَ الكِتابَةِ، لَمّا ذَكَرَ إنْزالَ الكِتابِ عَلَيْهِ، مُتَضَمَّنًا مِنَ البَلاغَةِ والفَصاحَةِ والإخْبارِ عَنِ الأُمَمِ السّابِقَةِ والأُمُورِ المَغِيبَةِ ما أعْجَزَ البَشَرَ أنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ، أخَذَ يُحَقِّقُ، كَوْنُهُ نازِلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ، بِأنَّهُ ظَهَرَ عَنْ رَجُلٍ أُمِّيٍّ، لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ، ولا يُخالِطُ أهْلَ العِلْمِ. وظُهُورُ هَذا القُرْآنِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ أعْظَمُ دَلِيلٍ عَلى صِدْقِهِ، وأكْثَرُ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكْتُبْ قَطُّ، ولَمْ يَقْرَأْ بِالنَّظَرِ في كِتابٍ. ورُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ قالَ: ما ماتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، حَتّى كَتَبَ وأسْنَدَ النِّقاشَ. حَدِيثُ أبِي كَبْشَةَ السَّلُولِيِّ: أنَّهُ قَرَأ صَحِيفَةً لِعُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ وأخْبَرَ بِمَعْناها. وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ما ظاهِرُهُ: أنَّهُ كَتَبَ مُباشَرَةً، وقَدْ ذَهَبَ إلى ذَلِكَ جَماعَةٌ، مِنهم أبُو ذَرٍّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ الهَرَوِيُّ، والقاضِي أبُو الوَلِيدِ الباجِيُّ وغَيْرُهُما. واشْتَدَّ نَكِيرُ كَثِيرٍ مِن عُلَماءِ بِلادِنا عَلى أبِي الوَلِيدِ الباجِيِّ، حَتّى كانَ بَعْضُهم يَسُبُّهُ ويَطْعَنُ فِيهِ عَلى المِنبَرِ. وتَأوَّلَ أكْثَرُ العُلَماءِ ما ورَدَ مِن أنَّهُ كَتَبَ عَلى أنَّ مَعْناهُ: أمَرَ بِالكِتابَةِ، كَما تَقُولُ: كَتَبَ السُّلْطانُ لِفُلانٍ بِكَذا، أيْ: أمَرَ بِالكَتْبِ. ﴿إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ﴾ أيْ: لَوْ كانَ يَقْرَأُ كُتُبًا قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ عَلَيْهِ، أوْ يَكْتُبُ، لَحَصَلَتِ الرِّيبَةُ لِلْمُبْطِلِينَ، إذا كانُوا يَقُولُونَ: حَصَلَ ذَلِكَ الَّذِي يَتْلُوهُ مِمّا قَرَأهُ، قِيلَ: وخَطَّهُ واسْتَحْفَظَهُ؛ فَكانَ يَكُونُ لَهم في ارْتِيابِهِمْ تَعَلُّقٌ بِبَعْضِ شُبْهَةٍ، وأمّا ارْتِيابُهم مَعَ وُضُوحِ هَذِهِ الحُجَّةِ فَظاهِرٌ فَسادُهُ. والمُبْطِلُونَ: أهْلُ الكِتابِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ أوْ كُفّارُ قُرَيْشٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وسُمُّوا مُبْطِلِينَ؛ لِأنَّهم كَفَرُوا بِهِ، وهو أُمِّيٌّ بَعِيدٌ مِنَ الرِّيَبِ. ولَمّا لَمْ يَكُنْ قارِئًا ولا كاتِبًا، كانَ ارْتِيابُهم لا وجْهَ لَهُ. (بَلْ هو) أيِ: القُرْآنُ: ﴿آياتٌ بَيِّناتٌ﴾ واضِحاتُ الإعْجازِ ﴿فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ أيْ: مُسْتَقِرَّةٌ، مُؤْمَنٌ بِها، مَحْفُوظَةٌ في صُدُورِهِمْ، يَتْلُوها أكْثَرُ الأُمَّةِ ظاهِرًا، بِخِلافِ غَيْرِهِ (p-١٥٦)مِنَ الكُتُبِ، فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ، ولا يُقْرَأُ إلّا مِنَ الصُّحُفِ. وجاءَ في صِفَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ: صُدُورُهم أناجِيلُهم. وكَوْنُهُ القُرْآنَ يُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: ”بَلْ هي آياتٌ“ . وقِيلَ: بَلْ هو، أيِ: النَّبِيُّ ﷺ وأُمُورُهُ، آياتٌ بَيِّناتٌ، قالَهُ قَتادَةُ. وقَرَأ: بَلْ هو آيَةٌ بَيِّنَةٌ عَلى التَّوْحِيدِ؛ وقِيلَ: بَلْ هو، أيْ: كَوْنُهُ لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ. ويُقالُ: جَحَدْتَهُ وجَحَدْتَ بِهِ، وكَفَرْتَهُ وكَفَرْتَ بِهِ، قِيلَ: والجُحُودُ الأوَّلُ مُعَلَّقٌ بِالوَحْدانِيَّةِ، والثّانِي: مُعَلَّقٌ بِالنُّبُوَّةِ، وخُتِمَتْ تِلْكَ بِالكافِرِ. ولِأنَّهُ قَسِيمُ المُؤْمِنِينَ في قَوْلِهِ: ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ ومِن هَؤُلاءِ مَن يُؤْمِنُ﴾ وهَذِهِ بِالظّالِمِينَ؛ لِأنَّهُ جَحَدَ بَعْدَ إقامَةِ الدَّلِيلِ عَلى كَوْنِ الرَّسُولِ ﷺ صَدَرَ مِنهُ القُرْآنُ مُنَزَّلٌ عَلَيْهِ، وهو أُمِّيٌّ لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ، فَهُمُ الظّالِمُونَ بَعْدَ ظُهُورِ المُعْجِزَةِ. ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِن رَبِّهِ﴾ أيْ: قُرَيْشٌ، وبَعْضُ اليَهُودِ كانُوا يُعَلِّمُونَ قُرَيْشًا مِثْلَ هَذا الِاقْتِراحِ يَقُولُونَ لَهُ: ألا يَأْتِيكم بِآيَةٍ مِثْلِ آياتِ مُوسى مِنَ العَصا وغَيْرِها ؟ وقَرَأ العَرَبِيّانِ، ونافِعٌ، وحَفْصٌ: (آياتٌ)، عَلى الجَمْعِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: عَلى التَّوْحِيدِ. ﴿قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ يُنْزِلُ أيَّتَها شاءَ، ولَوْ شاءَ أنْ يُنْزِلَ ما يَقْتَرِحُونَهُ لَفَعَلَ. ﴿وإنَّما أنا نَذِيرٌ﴾ بِما أُعْطِيتُ مِنَ الآياتِ. وذَكَرَ يَحْيى بْنُ جَعْدَةَ أنَّ ناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، بِكُتُبٍ قَدْ كَتَبُوا فِيها بَعْضَ ما يَقُولُ اليَهُودُ، فَلَمّا نَظَرَ إلَيْها ألْقاها وقالَ: «كَفى بِها حَماقَةَ قَوْمٍ أوْ ضَلالَةَ قَوْمٍ أنْ يَرْغَبُوا عَمّا جاءَ بِهِ نَبِيُّهم إلى ما جاءَ بِهِ غَيْرُ نَبِيِّهِمْ»، فَنَزَلَتْ: (أوَلَمْ يَكْفِهِمْ) . والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ رَدٌّ عَلى الَّذِينَ قالُوا: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [يونس: ٢٠] أيْ: أوَلَمْ يَكْفِهِمْ آيَةً مُغْنِيَةً عَنْ سائِرِ الآياتِ، إنْ كانُوا طالِبِينَ لِلْحَقِّ غَيْرَ مُتَعَنِّتِينَ، هَذا القُرْآنُ الَّذِي تَدُومُ تِلاوَتُهُ عَلَيْهِمْ في كُلِّ مَكانٍ وزَمانٍ ؟ فَلا تَزالُ مَعَهم آيَةٌ ثابِتَةٌ لا تَزُولُ ولا تَضْمَحِلُّ، كَما تَزُولُ كُلُّ آيَةٍ بَعْدَ وُجُودِها، ويَكُونُ في مَكانٍ دُونَ مَكانٍ. إنَّ في هَذِهِ الآيَةِ المَوْجُودَةِ في كُلِّ مَكانٍ وزَمانٍ لَرَحْمَةٌ لَنِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ لا تُنْكَرُ وتُذْكَرُ. وقِيلَ: ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ ( أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ بِتَحْقِيقِ ما في أيْدِيهِمْ مِن نَعْتِكَ ونَعْتِ دِينِكَ، ورُوِيَ أنَّ كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ وأصْحابَهُ قالُوا: يا مُحَمَّدُ، مَن يَشْهَدُ بِأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم شَهِيدًا﴾ أيْ: قَدْ بَلَّغْتُ وأنْذَرْتُ، وأنَّكم جَحَدْتُمْ وكَذَّبْتُمْ، وهو العالِمُ ﴿ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَيَعْلَمُ أمْرِي وأمْرَكم ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِغَيْرِ اللَّهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: بِعِبادَةِ الشَّيْطانِ. وقِيلَ: بِالصَّنَمِ. (ويَسْتَعْجِلُونَكَ) أيْ: كُفّارُ قُرَيْشٍ في قَوْلِهِمْ: ﴿ائْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ [الأعراف: ٧٧] وقَوْلِ النَّضِرِ: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً﴾ [الأنفال: ٣٢] وهو اسْتِعْجالٌ عَلى جِهَةِ التَّعْجِيزِ والتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ بِالعَذابِ الَّذِي كانَ يَتَوَعَّدُهم بِهِ الرَّسُولُ ﷺ . والأجَلُ المُسَمّى: ما سَمّاهُ اللَّهُ وأثْبَتَهُ في اللَّوْحِ لِعَذابِهِمْ، وأوْجَبَتِ الحِكْمَةُ تَأْخِيرَهُ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ ابْنُ سَلامٍ: أجَلُ ما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، وقِيلَ: يَوْمَ بَدْرٍ. ﴿ولَيَأْتِيَنَّهم بَغْتَةً﴾ أيْ: فَجْأةً، وهو ما ظَهَرَ يَوْمَ بَدْرٍ، وفي السِّنِينَ السَّبْعِ. ثُمَّ كَرَّرَ فِعْلَهم وقَبَّحَهُ، وأخْبَرَ أنَّ وراءَهم جَهَنَّمَ، تُحِيطُ بِهِمْ. وانْتَصَبَ ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمْ﴾ بِـ: ”مُحِيطَةٌ“ . وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، ونافِعٌ: (ويَقُولُ) أيِ: اللَّهُ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِالنُّونِ، نُونِ العَظَمَةِ، أوْ نُونِ جَماعَةِ المَلائِكَةِ؛ وأبُو البَرِّ هُثَيْمٌ: بِالتّاءِ، أيْ: جَهَنَّمُ؛ كَما نُسِبَ القَوْلُ إلَيْها في: ﴿وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠] . وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ويُقالُ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.

العنكبوت 29:51

﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم وقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا وأُنْزِلَ إلَيْكم وإلَهُنا وإلَهُكم واحِدٌ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومِن هَؤُلاءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا الكافِرُونَ﴾ ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ﴾ ﴿بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا الظّالِمُونَ﴾ ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم شَهِيدًا يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ وكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ العَذابُ ولَيَأْتِيَنَّهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ويَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . (p-١٥٥)و(أهْلَ الكِتابِ) اليَهُودَ والنَّصارى. ﴿إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ مِنَ المُلاطَفَةِ في الدُّعاءِ إلى اللَّهِ والتَّنْبِيهِ عَلى آياتِهِ. ﴿إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ مِمَّنْ لَمْ يُؤَدِّ جِزْيَةً ونَصَبَ الحَرْبَ، وصَرَّحَ بِأنَّ لِلَّهِ ولَدًا أوْ شَرِيكًا، أوْ يَدَهُ مَغْلُولَةٌ؛ فالآيَةُ مَنسُوخَةٌ في مُهادَنَةِ مَن لَمْ يُحارِبْ، قالَهُ مُجاهِدٌ ومُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ. (إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ) أيْ: بِالمُوافَقَةِ فِيما حَدَّثُوكم بِهِ مِن أخْبارِ أوائِلِهِمْ. ﴿إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ مَن بَقِيَ مِنهم عَلى كُفْرِهِ، وعْدٌ لِقُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، والآيَةُ عَلى هَذا مُحْكَمَةٌ. وقِيلَ: إلّا الَّذِينَ آذَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . وقالَ قَتادَةُ: الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] الآيَةَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إلّا)، حَرْفُ اسْتِثْناءٍ؛ وابْنُ عَبّاسٍ: ”ألا“، حَرْفُ تَنْبِيهٍ واسْتِفْتاحٍ، وتَقْدِيرُهُ: ألا جادِلُوهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ. (وقُولُوا آمَنّا) هَذا مِنَ المُجادَلَةِ بِالأحْسَنِ. ﴿بِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا﴾ وهو القُرْآنُ ﴿وأُنْزِلَ إلَيْكُمْ﴾ وهو التَّوْراةُ والزَّبُورُ والإنْجِيلُ. «وفِي صَحِيحِ» البُخارِيِّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: «كانَ أهْلُ الكِتابِ يَقْرَءُونَ التَّوْراةَ بِالعِبْرانِيَّةِ، ويُفَسِّرُونَها بِالعَرَبِيَّةِ لِأهْلِ الإسْلامِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”لا تُصَدِّقُوا أهْلَ الكِتابِ ولا تُكَذِّبُوهم وقُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ إلَيْكم“» . (وكَذَلِكَ) أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الإنْزالِ الَّذِي لِلْكُتُبِ السّابِقَةِ ﴿أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ أيِ: القُرْآنَ. ﴿فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ هم: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ ومَن آمَنَ مَعَهُ. ﴿ومِن هَؤُلاءِ﴾ أيْ: مِن أهْلِ مَكَّةَ. وقِيلَ: ﴿فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ أيِ: الَّذِينَ تَقَدَّمُوا عَهْدَ الرَّسُولِ ﷺ، يُؤْمِنُونَ بِهِ: أيْ: بِالقُرْآنِ، إذْ هو مَذْكُورٌ في كُتُبِهِمْ أنَّهُ يَنْزِلُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ﴿ومِن هَؤُلاءِ﴾ أيْ: مِمَّنْ في عَهْدِهِ مِنهم. ﴿وما يَجْحَدُ بِآياتِنا﴾ مَعَ ظُهُورِها وزَوالِ الشُّبْهَةِ عَنْها ﴿إلّا الكافِرُونَ﴾ أيْ: مِن بَنِي إسْرائِيلَ وغَيْرِهِمْ. قالَ مُجاهِدٌ: كانَ أهْلُ الكِتابِ يَقْرَءُونَ في كُتُبِهِمْ أنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ، لا يَخُطُّ ولا يَقْرَأُ كِتابًا، فَنَزَلَتْ: (وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ) أيْ: مِن قَبْلِ نُزُولِهِ عَلَيْكَ (مِن كِتابٍ) أيْ: كِتابًا، و”مِن“ زائِدَةٌ لِأنَّها في مُتَعَلَّقِ النَّفْيِ (ولا تَخُطُّهُ) أيْ: لا تَقْرَأُ ولا تَكْتُبُ (بِيَمِينِكَ) وهي الجارِحَةُ الَّتِي يُكْتَبُ بِها، وذِكْرُها زِيادَةُ تَصْوِيرٍ لِما نُفِيَ عَنْهُ مِنَ الكِتابَةِ، لَمّا ذَكَرَ إنْزالَ الكِتابِ عَلَيْهِ، مُتَضَمَّنًا مِنَ البَلاغَةِ والفَصاحَةِ والإخْبارِ عَنِ الأُمَمِ السّابِقَةِ والأُمُورِ المَغِيبَةِ ما أعْجَزَ البَشَرَ أنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ، أخَذَ يُحَقِّقُ، كَوْنُهُ نازِلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ، بِأنَّهُ ظَهَرَ عَنْ رَجُلٍ أُمِّيٍّ، لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ، ولا يُخالِطُ أهْلَ العِلْمِ. وظُهُورُ هَذا القُرْآنِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ أعْظَمُ دَلِيلٍ عَلى صِدْقِهِ، وأكْثَرُ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكْتُبْ قَطُّ، ولَمْ يَقْرَأْ بِالنَّظَرِ في كِتابٍ. ورُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ قالَ: ما ماتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، حَتّى كَتَبَ وأسْنَدَ النِّقاشَ. حَدِيثُ أبِي كَبْشَةَ السَّلُولِيِّ: أنَّهُ قَرَأ صَحِيفَةً لِعُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ وأخْبَرَ بِمَعْناها. وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ما ظاهِرُهُ: أنَّهُ كَتَبَ مُباشَرَةً، وقَدْ ذَهَبَ إلى ذَلِكَ جَماعَةٌ، مِنهم أبُو ذَرٍّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ الهَرَوِيُّ، والقاضِي أبُو الوَلِيدِ الباجِيُّ وغَيْرُهُما. واشْتَدَّ نَكِيرُ كَثِيرٍ مِن عُلَماءِ بِلادِنا عَلى أبِي الوَلِيدِ الباجِيِّ، حَتّى كانَ بَعْضُهم يَسُبُّهُ ويَطْعَنُ فِيهِ عَلى المِنبَرِ. وتَأوَّلَ أكْثَرُ العُلَماءِ ما ورَدَ مِن أنَّهُ كَتَبَ عَلى أنَّ مَعْناهُ: أمَرَ بِالكِتابَةِ، كَما تَقُولُ: كَتَبَ السُّلْطانُ لِفُلانٍ بِكَذا، أيْ: أمَرَ بِالكَتْبِ. ﴿إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ﴾ أيْ: لَوْ كانَ يَقْرَأُ كُتُبًا قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ عَلَيْهِ، أوْ يَكْتُبُ، لَحَصَلَتِ الرِّيبَةُ لِلْمُبْطِلِينَ، إذا كانُوا يَقُولُونَ: حَصَلَ ذَلِكَ الَّذِي يَتْلُوهُ مِمّا قَرَأهُ، قِيلَ: وخَطَّهُ واسْتَحْفَظَهُ؛ فَكانَ يَكُونُ لَهم في ارْتِيابِهِمْ تَعَلُّقٌ بِبَعْضِ شُبْهَةٍ، وأمّا ارْتِيابُهم مَعَ وُضُوحِ هَذِهِ الحُجَّةِ فَظاهِرٌ فَسادُهُ. والمُبْطِلُونَ: أهْلُ الكِتابِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ أوْ كُفّارُ قُرَيْشٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وسُمُّوا مُبْطِلِينَ؛ لِأنَّهم كَفَرُوا بِهِ، وهو أُمِّيٌّ بَعِيدٌ مِنَ الرِّيَبِ. ولَمّا لَمْ يَكُنْ قارِئًا ولا كاتِبًا، كانَ ارْتِيابُهم لا وجْهَ لَهُ. (بَلْ هو) أيِ: القُرْآنُ: ﴿آياتٌ بَيِّناتٌ﴾ واضِحاتُ الإعْجازِ ﴿فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ أيْ: مُسْتَقِرَّةٌ، مُؤْمَنٌ بِها، مَحْفُوظَةٌ في صُدُورِهِمْ، يَتْلُوها أكْثَرُ الأُمَّةِ ظاهِرًا، بِخِلافِ غَيْرِهِ (p-١٥٦)مِنَ الكُتُبِ، فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ، ولا يُقْرَأُ إلّا مِنَ الصُّحُفِ. وجاءَ في صِفَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ: صُدُورُهم أناجِيلُهم. وكَوْنُهُ القُرْآنَ يُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: ”بَلْ هي آياتٌ“ . وقِيلَ: بَلْ هو، أيِ: النَّبِيُّ ﷺ وأُمُورُهُ، آياتٌ بَيِّناتٌ، قالَهُ قَتادَةُ. وقَرَأ: بَلْ هو آيَةٌ بَيِّنَةٌ عَلى التَّوْحِيدِ؛ وقِيلَ: بَلْ هو، أيْ: كَوْنُهُ لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ. ويُقالُ: جَحَدْتَهُ وجَحَدْتَ بِهِ، وكَفَرْتَهُ وكَفَرْتَ بِهِ، قِيلَ: والجُحُودُ الأوَّلُ مُعَلَّقٌ بِالوَحْدانِيَّةِ، والثّانِي: مُعَلَّقٌ بِالنُّبُوَّةِ، وخُتِمَتْ تِلْكَ بِالكافِرِ. ولِأنَّهُ قَسِيمُ المُؤْمِنِينَ في قَوْلِهِ: ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ ومِن هَؤُلاءِ مَن يُؤْمِنُ﴾ وهَذِهِ بِالظّالِمِينَ؛ لِأنَّهُ جَحَدَ بَعْدَ إقامَةِ الدَّلِيلِ عَلى كَوْنِ الرَّسُولِ ﷺ صَدَرَ مِنهُ القُرْآنُ مُنَزَّلٌ عَلَيْهِ، وهو أُمِّيٌّ لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ، فَهُمُ الظّالِمُونَ بَعْدَ ظُهُورِ المُعْجِزَةِ. ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِن رَبِّهِ﴾ أيْ: قُرَيْشٌ، وبَعْضُ اليَهُودِ كانُوا يُعَلِّمُونَ قُرَيْشًا مِثْلَ هَذا الِاقْتِراحِ يَقُولُونَ لَهُ: ألا يَأْتِيكم بِآيَةٍ مِثْلِ آياتِ مُوسى مِنَ العَصا وغَيْرِها ؟ وقَرَأ العَرَبِيّانِ، ونافِعٌ، وحَفْصٌ: (آياتٌ)، عَلى الجَمْعِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: عَلى التَّوْحِيدِ. ﴿قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ يُنْزِلُ أيَّتَها شاءَ، ولَوْ شاءَ أنْ يُنْزِلَ ما يَقْتَرِحُونَهُ لَفَعَلَ. ﴿وإنَّما أنا نَذِيرٌ﴾ بِما أُعْطِيتُ مِنَ الآياتِ. وذَكَرَ يَحْيى بْنُ جَعْدَةَ أنَّ ناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، بِكُتُبٍ قَدْ كَتَبُوا فِيها بَعْضَ ما يَقُولُ اليَهُودُ، فَلَمّا نَظَرَ إلَيْها ألْقاها وقالَ: «كَفى بِها حَماقَةَ قَوْمٍ أوْ ضَلالَةَ قَوْمٍ أنْ يَرْغَبُوا عَمّا جاءَ بِهِ نَبِيُّهم إلى ما جاءَ بِهِ غَيْرُ نَبِيِّهِمْ»، فَنَزَلَتْ: (أوَلَمْ يَكْفِهِمْ) . والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ رَدٌّ عَلى الَّذِينَ قالُوا: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [يونس: ٢٠] أيْ: أوَلَمْ يَكْفِهِمْ آيَةً مُغْنِيَةً عَنْ سائِرِ الآياتِ، إنْ كانُوا طالِبِينَ لِلْحَقِّ غَيْرَ مُتَعَنِّتِينَ، هَذا القُرْآنُ الَّذِي تَدُومُ تِلاوَتُهُ عَلَيْهِمْ في كُلِّ مَكانٍ وزَمانٍ ؟ فَلا تَزالُ مَعَهم آيَةٌ ثابِتَةٌ لا تَزُولُ ولا تَضْمَحِلُّ، كَما تَزُولُ كُلُّ آيَةٍ بَعْدَ وُجُودِها، ويَكُونُ في مَكانٍ دُونَ مَكانٍ. إنَّ في هَذِهِ الآيَةِ المَوْجُودَةِ في كُلِّ مَكانٍ وزَمانٍ لَرَحْمَةٌ لَنِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ لا تُنْكَرُ وتُذْكَرُ. وقِيلَ: ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ ( أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ بِتَحْقِيقِ ما في أيْدِيهِمْ مِن نَعْتِكَ ونَعْتِ دِينِكَ، ورُوِيَ أنَّ كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ وأصْحابَهُ قالُوا: يا مُحَمَّدُ، مَن يَشْهَدُ بِأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم شَهِيدًا﴾ أيْ: قَدْ بَلَّغْتُ وأنْذَرْتُ، وأنَّكم جَحَدْتُمْ وكَذَّبْتُمْ، وهو العالِمُ ﴿ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَيَعْلَمُ أمْرِي وأمْرَكم ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِغَيْرِ اللَّهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: بِعِبادَةِ الشَّيْطانِ. وقِيلَ: بِالصَّنَمِ. (ويَسْتَعْجِلُونَكَ) أيْ: كُفّارُ قُرَيْشٍ في قَوْلِهِمْ: ﴿ائْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ [الأعراف: ٧٧] وقَوْلِ النَّضِرِ: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً﴾ [الأنفال: ٣٢] وهو اسْتِعْجالٌ عَلى جِهَةِ التَّعْجِيزِ والتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ بِالعَذابِ الَّذِي كانَ يَتَوَعَّدُهم بِهِ الرَّسُولُ ﷺ . والأجَلُ المُسَمّى: ما سَمّاهُ اللَّهُ وأثْبَتَهُ في اللَّوْحِ لِعَذابِهِمْ، وأوْجَبَتِ الحِكْمَةُ تَأْخِيرَهُ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ ابْنُ سَلامٍ: أجَلُ ما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، وقِيلَ: يَوْمَ بَدْرٍ. ﴿ولَيَأْتِيَنَّهم بَغْتَةً﴾ أيْ: فَجْأةً، وهو ما ظَهَرَ يَوْمَ بَدْرٍ، وفي السِّنِينَ السَّبْعِ. ثُمَّ كَرَّرَ فِعْلَهم وقَبَّحَهُ، وأخْبَرَ أنَّ وراءَهم جَهَنَّمَ، تُحِيطُ بِهِمْ. وانْتَصَبَ ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمْ﴾ بِـ: ”مُحِيطَةٌ“ . وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، ونافِعٌ: (ويَقُولُ) أيِ: اللَّهُ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِالنُّونِ، نُونِ العَظَمَةِ، أوْ نُونِ جَماعَةِ المَلائِكَةِ؛ وأبُو البَرِّ هُثَيْمٌ: بِالتّاءِ، أيْ: جَهَنَّمُ؛ كَما نُسِبَ القَوْلُ إلَيْها في: ﴿وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠] . وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ويُقالُ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.