Lafzullah

Al-Bahr Al-Muhit — الروم 30:33 – الروم 30:60

المؤلف / المصدر: Al-Bahr Al-Muhit

المحتويات
  1. الروم 30:33
  2. الروم 30:34
  3. الروم 30:35
  4. الروم 30:36
  5. الروم 30:37
  6. الروم 30:38
  7. الروم 30:39
  8. الروم 30:40
  9. الروم 30:41
  10. الروم 30:42
  11. الروم 30:43
  12. الروم 30:44
  13. الروم 30:45
  14. الروم 30:46
  15. الروم 30:47
  16. الروم 30:48
  17. الروم 30:49
  18. الروم 30:50
  19. الروم 30:51
  20. الروم 30:52
  21. الروم 30:53
  22. الروم 30:54
  23. الروم 30:55
  24. الروم 30:56
  25. الروم 30:57
  26. الروم 30:58
  27. الروم 30:59
  28. الروم 30:60

الروم 30:33

(p-١٧٣)﴿وإذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهم مُنِيبِينَ إلَيْهِ ثُمَّ إذا أذاقَهم مِنهُ رَحْمَةً إذا فَرِيقٌ مِنهم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمْ أنْزَلَنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهو يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ إذا هم يَقْنَطُونَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿فَآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿وما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وما آتَيْتُمْ مِن زَكاةٍ تُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ﴾ . الضُّرُّ: الشِّدَّةُ، مِن فَقْرٍ، أوْ مَرَضٍ، أوْ قَحْطٍ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ والرَّحْمَةُ: الخَلاصُ مِن ذَلِكَ الضُّرِّ. ﴿دَعَوْا رَبَّهُمْ﴾ أفْرَدُوهُ بِالتَّضَرُّعِ والدُّعاءِ لِيَنْجُوا مِن ذَلِكَ الضُّرِّ، وتَرَكُوا أصْنامَهم لِعِلْمِهِمْ أنَّهُ لا يَكْشِفُ الضُّرَّ إلّا هو تَعالى، فَلَهم في ذَلِكَ الوَقْتِ إنابَةٌ وخُضُوعٌ، وإذا خَلَّصَهم مِن ذَلِكَ الضُّرِّ، أشْرَكَ فَرِيقٌ مِمَّنْ أخْلَصَ، وهَذا الفَرِيقُ هم عَبَدَةُ الأصْنامِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَلْحَقُ مِن هَذِهِ الألْفاظِ شَيْءٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، إذْ جاءَهم فَرَجٌ بَعْدَ شِدَّةٍ، عَلَّقُوا ذَلِكَ بِمَخْلُوقِينَ، أوْ بِحِذْقِ آرائِهِمْ، أوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ، فَفِيهِ قِلَّةُ شُكْرِ اللَّهِ، ويُسَمّى مَجازًا. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: يَقُولُ: تَخَلَّصْتُ بِسَبَبِ اتِّصالِ الكَوْكَبِ الفُلانِيِّ وسَبَبِ الصَّنَمِ الفُلانِيِّ، بَلْ يَنْبَغِي أنْ لا يَعْتَقِدَ أنَّهُ يَخْلُصُ بِسَبَبِ فُلانٍ إذا كانَ ظاهِرًا، فَإنَّهُ شِرْكٌ خَفِيٌّ. انْتَهى. و(إذا فَرِيقٌ) جَوابُ ﴿إذا أذاقَهُمْ﴾ الأُولى شَرْطِيَّةٌ، والثّانِيَةُ لِلْمُفاجَأةِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ، وجاءَ هُنا (فَرِيقٌ)؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإذا مَسَّ النّاسَ﴾ عامٌّ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، فَلا يُشْرِكُ إلّا الكافِرُ. و(ضُرٌّ) هَنا مُطْلَقٌ، وفي آخِرِ العَنْكَبُوتِ ﴿إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] لِأنَّهُ في مَخْصُوصِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ عُبّادِ الأصْنامِ، والضُّرُّ هُناكَ مُعَيَّنٌ، وهو ما يُتَخَوَّفُ مِن رُكُوبِ البَحْرِ. (إذا هم) أيْ: رُكّابُ البَحْرِ عَبَدَةُ الأصْنامِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ. واللّامُ في (لِيَكْفُرُوا) لامُ كَيْ، أوْ لامُ الأمْرِ لِلتَّهْدِيدِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في آخِرِ العَنْكَبُوتِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ بِالتّاءِ فِيهِما. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ: ”فَيُتَمَتَّعُوا“، بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وهو مَعْطُوفٌ عَلى (لِيَكْفُرُوا)، و”لَسَوْفَ يَعْلَمُونَ“ بِالياءِ عَلى التَّهْدِيدِ لَهم، وعَنِ أبِي العالِيَةِ ”فَيَتَمَتَّعُوا“ بِياءٍ قَبْلَ التّاءِ، عَطْفٌ أيْضًا عَلى (لِيَكْفُرُوا) أيْ: لِتَطُولَ أعْمارُهم عَلى الكُفْرِ؛ وعَنْهُ وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ: ”فَلْيَتَمَتَّعُوا“ . وقالَ هارُونُ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: ”يَتَمَتَّعُوا“ . ﴿أمْ أنْزَلْنا﴾ أمْ: بِمَعْنى بَلْ، والهَمْزَةُ لِلْإضْرابِ عَنِ الكَلامِ السّابِقِ، والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ عَنِ الحُجَّةِ اسْتِفْهامَ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ. والسُّلْطانُ: البُرْهانُ، مِن كِتابٍ أوْ نَحْوِهِ. ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾ أيْ: يُظْهِرُ مَذْهَبَهم ويَنْطِقُ بِشِرْكِهِمْ، والتَّكَلُّمُ مَجازٌ لِقَوْلِهِ: ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ﴾ [الجاثية: ٢٩] . و”هو يَتَكَلَّمُ“: جَوابٌ لِلِاسْتِفْهامِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ ”أمْ“، كَأنَّهُ قالَ: بَلْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا، أيْ: بُرْهانًا شاهِدًا لَكم بِالشِّرْكِ، فَهو يَشْهَدُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ، وإنْ قُدِّرَ ”ذا سُلْطانٍ“، أيْ: مَلَكًا ذا بُرْهانٍ، كانَ التَّكَلُّمُ حَقِيقَةً. (p-١٧٤)﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً﴾ أيْ: نِعْمَةً، مِن مَطَرٍ، أوْ سِعَةٍ، أوْ صِحَّةٍ. ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ أيْ: بَلاءٌ، مِن حَدَثٍ، أوْ ضِيقٍ، أوْ مَرَضٍ. ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ إذا﴾ المَعاصِي. ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] فَفي إصابَةِ الرَّحْمَةِ فَرِحُوا وذَهَلُوا عَنْ شُكْرِ مَن أسْداها إلَيْهِمْ، وفي إصابَةِ البَلاءِ قَنِطُوا ويَئِسُوا وذَهَلُوا عَنِ الصَّبْرِ، ونَسُوا ما أُنْعِمَ بِهِ عَلَيْهِمْ قَبْلَ إصابَةِ البَلاءِ. و(إذا هم) جَوابُ: (وإنْ تُصِبْهم) يَقُومُ مَقامَ الفاءِ في الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الواقِعَةِ جَوابًا لِلشَّرْطِ. وحِينَ ذَكَرَ إذاقَةَ الرَّحْمَةِ، لَمْ يَذْكُرْ سَبَبَها، وهو زِيادَةُ الإحْسانِ والتَّفَضُّلِ. وحِينَ ذَكَرَ إصابَةَ السَّيِّئَةِ، ذَكَرَ سَبَبَها، وهو العِصْيانُ، لِيَتَحَقَّقَ بَدَلُهُ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى الأمْرَ الَّذِي مَنِ اعْتَبَرَهُ لَمْ يَيْئَسْ مِن رَوْحِ اللَّهِ، وهو أنَّهُ تَعالى هو الباسِطُ القابِضُ، فَيَنْبَغِي أنْ لا يَقْنِطَ، وأنْ يَتَلَقّى ما يَرِدُ مِن قِبَلِ اللَّهِ بِالصَّبْرِ في البَلاءِ، والشُّكْرِ في النَّعْماءِ، وأنْ يُقْلِعَ عَنِ المَعْصِيَةِ الَّتِي أصابَتْهُ السَّيِّئَةُ بِسَبَبِها، حَتّى تَعُودَ إلَيْهِ رَحْمَةُ رَبِّهِ. ومُناسَبَةُ ﴿فَآتِ ذا القُرْبى﴾ لِما قَبْلَهُ: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ تَعالى هو الباسِطُ القابِضُ، وجَعَلَ في ذَلِكَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِ، ثُمَّ نَبَّهَ بِالإحْسانِ لِمَن بِهِ فاقَةٌ واحْتِياجٌ؛ لِأنَّ مِنَ الإيمانِ الشَّفَقَةَ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، فَخاطَبَ مَن بَسَطَ لَهُ الرِّزْقَ بِأداءِ حَقِّ اللَّهِ مِنَ المالِ، وصَرْفِهِ إلى مَن يَقْرُبُ مِنهُ مِن حَجٍّ، وإلى غَيْرِهِ مِن مِسْكِينٍ وابْنِ سَبِيلٍ. وقالَ الحَسَنُ: هَذا خِطابٌ لِكُلِّ سامِعٍ بِصِلَةِ الرَّحِمِ ﴿والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ﴾ . وقِيلَ: لِلرَّسُولِ، عَلَيْهِ السَّلامُ. وذُو القُرْبى: بَنُو هاشِمٍ وبَنُو المُطَّلِبِ، يُعْطَوْنَ حُقُوقَهم مِنَ الغَنِيمَةِ والفَيْءِ. وقالَ الحَسَنُ: حَقُّ المِسْكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ مِنَ الصَّدَقَةِ المُسَمّاةِ لَهُما. واحْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ في وُجُوبِ النَّفَقَةِ لِلْمَحارِمِ إذا كانُوا مُحْتاجِينَ عاجِزِينَ عَنِ الكَسْبِ. أثْبَتَ تَعالى لِذِي القُرْبى حَقًّا، ولِلْمِسْكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ حَقَّهُما. والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، فالظّاهِرُ أنَّ الحَقَّ لَيْسَ الزَّكاةَ، وإنَّما يَصِيرُ حَقًّا بِجِهَةِ الإحْسانِ والمُواساةِ. ولِلِاهْتِمامِ بِذِي القُرْبى، قُدِّمَ عَلى المِسْكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ؛ لِأنَّ بِرَّهُ صَدَقَةٌ وصِلَةٌ. (ذَلِكَ) أيِ: الإيتاءُ (خَيْرٌ) أيْ: يُضاعَفُ لَهُمُ الأجْرُ في الآخِرَةِ، ويَنْمُو مالُهم في الدُّنْيا لِوَجْهِ اللَّهِ، أيِ: التَّقَرُّبُ إلى رِضا اللَّهِ لا يَضُرُّهُ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى مَن يَتَصَرَّفُ في مالِهِ عَلى غَيْرِ الجِهَةِ المَرْضِيَّةِ فَقالَ؛ ﴿وما آتَيْتُمْ﴾ أكَلَةَ الرِّبا، لِيَزِيدَ ويَزْكُوَ في المالِ، فَلا يَزْكُو عِنْدَ اللَّهِ، ولا يُبارَكُ فِيهِ لِقَوْلِهِ: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا ويُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦] . قالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في رِبا ثَقِيفٍ، كانُوا يَعْمَلُونَ بِالرِّبا، ويَعْمَلُهُ فِيهِمْ قُرَيْشٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وطاوُسٌ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في هِباتٍ، لِلثَّوابِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وما جَرى مَجْراهُما مِمّا يُصْنَعُ لِلْمُجازاةِ، كالسِّلْمِ وغَيْرِهِ، فَهو وإنْ كانَ لا إثْمَ فِيهِ، فَلا أجْرَ فِيهِ ولا زِيادَةَ عِنْدَ اللَّهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، والنَّخَعِيُّ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ يُعْطُونَ قَراباتِهِمْ وإخْوانَهم عَلى مَعْنى نَفْعِهِمْ وتَمْوِيلِهِمْ والتَّفَضُّلِ عَلَيْهِمْ، ولِيَزِيدُوا في أمْوالِهِمْ عَلى جِهَةِ النَّفْعِ بِهِ، فَذَلِكَ النَّفْعُ لَهم. وقالَ الشَّعْبِيُّ قَرِيبًا مِن هَذا وهو: أنَّ ما خَدَمَ بِهِ الإنْسانُ غَيْرَهُ انْتَفَعَ بِهِ، فَذَلِكَ النَّفْعُ لَهم. وقالَ الشَّعْبِيُّ أيْضًا قَرِيبًا مِن هَذا وهو: أنْ لا يَرْبُوَ عِنْدَ اللَّهِ، والظّاهِرُ القَوْلُ الأوَّلُ، وهو النَّهْيُ عَنِ الرِّبا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وما آتَيْتُمْ﴾ الأوَّلُ بِمَدِّ الهَمْزَةِ، أيْ: وما أعْطَيْتُمْ؛ وابْنُ كَثِيرٍ: بِقَصْرِها، أيْ: وما جِئْتُمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لِيَرْبُوَ)، بِالياءِ وإسْنادِ الفِعْلِ إلى الرِّبا؛ وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءٍ، والشَّعْبِيُّ، ونافِعٌ، وأبُو حَيْوَةَ: بِالتّاءِ مَضْمُومَةً، وإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِمْ. وقَرَأ أبُو مالِكٍ: ”لِيُرْبُوَها“، بِضَمِيرِ المُؤَنَّثِ. والمُضَعَّفُ: ذُو أضْعافٍ في الأجْرِ. قالَ الفَرّاءُ: هم أصْحابُ المُضاعَفَةِ، كَما تَقُولُ: هو مُسَمَّنٌ، أيْ: صاحِبُ إبِلٍ سِمانٍ، ومُعَطَّشٌ: أيْ: صاحِبُ إبِلٍ عَطْشى. وقَرَأ أُبَيٌّ: ”المُضْعَفُونَ“ بِفَتْحِ العَيْنِ، اسْمَ مَفْعُولٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ﴾ التِفاتٌ حَسَنٌ، كَأنَّهُ قالَ لِمَلائِكَتِهِ وخَواصِّ خَلْقِهِ: فَأُولَئِكَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ بِصَدَقاتِهِمْ هُمُ المُضْعِفُونَ، والمَعْنى: المُضْعِفُونَ بِهِ بِدَلالَةِ أُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ، والحَذْفُ لِما في الكَلامِ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ، وهَذا أسْهَلُ مَأْخَذًا، والأوَّلُ أمْلَأُ بِالفائِدَةِ: انْتَهى. وإنَّما احْتاجَ إلى (p-١٧٥)تَقْدِيرِ ما قُدِّرَ؛ لِأنَّ اسْمَ الشَّرْطِ لَيْسَ بِظَرْفٍ، لا بُدَّ أنْ يَكُونَ في الجَوابِ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَيْهِ يَتِمُّ بِهِ الرَّبْطُ.

الروم 30:34

(p-١٧٣)﴿وإذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهم مُنِيبِينَ إلَيْهِ ثُمَّ إذا أذاقَهم مِنهُ رَحْمَةً إذا فَرِيقٌ مِنهم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمْ أنْزَلَنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهو يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ إذا هم يَقْنَطُونَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿فَآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿وما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وما آتَيْتُمْ مِن زَكاةٍ تُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ﴾ . الضُّرُّ: الشِّدَّةُ، مِن فَقْرٍ، أوْ مَرَضٍ، أوْ قَحْطٍ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ والرَّحْمَةُ: الخَلاصُ مِن ذَلِكَ الضُّرِّ. ﴿دَعَوْا رَبَّهُمْ﴾ أفْرَدُوهُ بِالتَّضَرُّعِ والدُّعاءِ لِيَنْجُوا مِن ذَلِكَ الضُّرِّ، وتَرَكُوا أصْنامَهم لِعِلْمِهِمْ أنَّهُ لا يَكْشِفُ الضُّرَّ إلّا هو تَعالى، فَلَهم في ذَلِكَ الوَقْتِ إنابَةٌ وخُضُوعٌ، وإذا خَلَّصَهم مِن ذَلِكَ الضُّرِّ، أشْرَكَ فَرِيقٌ مِمَّنْ أخْلَصَ، وهَذا الفَرِيقُ هم عَبَدَةُ الأصْنامِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَلْحَقُ مِن هَذِهِ الألْفاظِ شَيْءٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، إذْ جاءَهم فَرَجٌ بَعْدَ شِدَّةٍ، عَلَّقُوا ذَلِكَ بِمَخْلُوقِينَ، أوْ بِحِذْقِ آرائِهِمْ، أوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ، فَفِيهِ قِلَّةُ شُكْرِ اللَّهِ، ويُسَمّى مَجازًا. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: يَقُولُ: تَخَلَّصْتُ بِسَبَبِ اتِّصالِ الكَوْكَبِ الفُلانِيِّ وسَبَبِ الصَّنَمِ الفُلانِيِّ، بَلْ يَنْبَغِي أنْ لا يَعْتَقِدَ أنَّهُ يَخْلُصُ بِسَبَبِ فُلانٍ إذا كانَ ظاهِرًا، فَإنَّهُ شِرْكٌ خَفِيٌّ. انْتَهى. و(إذا فَرِيقٌ) جَوابُ ﴿إذا أذاقَهُمْ﴾ الأُولى شَرْطِيَّةٌ، والثّانِيَةُ لِلْمُفاجَأةِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ، وجاءَ هُنا (فَرِيقٌ)؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإذا مَسَّ النّاسَ﴾ عامٌّ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، فَلا يُشْرِكُ إلّا الكافِرُ. و(ضُرٌّ) هَنا مُطْلَقٌ، وفي آخِرِ العَنْكَبُوتِ ﴿إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] لِأنَّهُ في مَخْصُوصِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ عُبّادِ الأصْنامِ، والضُّرُّ هُناكَ مُعَيَّنٌ، وهو ما يُتَخَوَّفُ مِن رُكُوبِ البَحْرِ. (إذا هم) أيْ: رُكّابُ البَحْرِ عَبَدَةُ الأصْنامِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ. واللّامُ في (لِيَكْفُرُوا) لامُ كَيْ، أوْ لامُ الأمْرِ لِلتَّهْدِيدِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في آخِرِ العَنْكَبُوتِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ بِالتّاءِ فِيهِما. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ: ”فَيُتَمَتَّعُوا“، بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وهو مَعْطُوفٌ عَلى (لِيَكْفُرُوا)، و”لَسَوْفَ يَعْلَمُونَ“ بِالياءِ عَلى التَّهْدِيدِ لَهم، وعَنِ أبِي العالِيَةِ ”فَيَتَمَتَّعُوا“ بِياءٍ قَبْلَ التّاءِ، عَطْفٌ أيْضًا عَلى (لِيَكْفُرُوا) أيْ: لِتَطُولَ أعْمارُهم عَلى الكُفْرِ؛ وعَنْهُ وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ: ”فَلْيَتَمَتَّعُوا“ . وقالَ هارُونُ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: ”يَتَمَتَّعُوا“ . ﴿أمْ أنْزَلْنا﴾ أمْ: بِمَعْنى بَلْ، والهَمْزَةُ لِلْإضْرابِ عَنِ الكَلامِ السّابِقِ، والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ عَنِ الحُجَّةِ اسْتِفْهامَ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ. والسُّلْطانُ: البُرْهانُ، مِن كِتابٍ أوْ نَحْوِهِ. ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾ أيْ: يُظْهِرُ مَذْهَبَهم ويَنْطِقُ بِشِرْكِهِمْ، والتَّكَلُّمُ مَجازٌ لِقَوْلِهِ: ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ﴾ [الجاثية: ٢٩] . و”هو يَتَكَلَّمُ“: جَوابٌ لِلِاسْتِفْهامِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ ”أمْ“، كَأنَّهُ قالَ: بَلْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا، أيْ: بُرْهانًا شاهِدًا لَكم بِالشِّرْكِ، فَهو يَشْهَدُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ، وإنْ قُدِّرَ ”ذا سُلْطانٍ“، أيْ: مَلَكًا ذا بُرْهانٍ، كانَ التَّكَلُّمُ حَقِيقَةً. (p-١٧٤)﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً﴾ أيْ: نِعْمَةً، مِن مَطَرٍ، أوْ سِعَةٍ، أوْ صِحَّةٍ. ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ أيْ: بَلاءٌ، مِن حَدَثٍ، أوْ ضِيقٍ، أوْ مَرَضٍ. ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ إذا﴾ المَعاصِي. ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] فَفي إصابَةِ الرَّحْمَةِ فَرِحُوا وذَهَلُوا عَنْ شُكْرِ مَن أسْداها إلَيْهِمْ، وفي إصابَةِ البَلاءِ قَنِطُوا ويَئِسُوا وذَهَلُوا عَنِ الصَّبْرِ، ونَسُوا ما أُنْعِمَ بِهِ عَلَيْهِمْ قَبْلَ إصابَةِ البَلاءِ. و(إذا هم) جَوابُ: (وإنْ تُصِبْهم) يَقُومُ مَقامَ الفاءِ في الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الواقِعَةِ جَوابًا لِلشَّرْطِ. وحِينَ ذَكَرَ إذاقَةَ الرَّحْمَةِ، لَمْ يَذْكُرْ سَبَبَها، وهو زِيادَةُ الإحْسانِ والتَّفَضُّلِ. وحِينَ ذَكَرَ إصابَةَ السَّيِّئَةِ، ذَكَرَ سَبَبَها، وهو العِصْيانُ، لِيَتَحَقَّقَ بَدَلُهُ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى الأمْرَ الَّذِي مَنِ اعْتَبَرَهُ لَمْ يَيْئَسْ مِن رَوْحِ اللَّهِ، وهو أنَّهُ تَعالى هو الباسِطُ القابِضُ، فَيَنْبَغِي أنْ لا يَقْنِطَ، وأنْ يَتَلَقّى ما يَرِدُ مِن قِبَلِ اللَّهِ بِالصَّبْرِ في البَلاءِ، والشُّكْرِ في النَّعْماءِ، وأنْ يُقْلِعَ عَنِ المَعْصِيَةِ الَّتِي أصابَتْهُ السَّيِّئَةُ بِسَبَبِها، حَتّى تَعُودَ إلَيْهِ رَحْمَةُ رَبِّهِ. ومُناسَبَةُ ﴿فَآتِ ذا القُرْبى﴾ لِما قَبْلَهُ: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ تَعالى هو الباسِطُ القابِضُ، وجَعَلَ في ذَلِكَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِ، ثُمَّ نَبَّهَ بِالإحْسانِ لِمَن بِهِ فاقَةٌ واحْتِياجٌ؛ لِأنَّ مِنَ الإيمانِ الشَّفَقَةَ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، فَخاطَبَ مَن بَسَطَ لَهُ الرِّزْقَ بِأداءِ حَقِّ اللَّهِ مِنَ المالِ، وصَرْفِهِ إلى مَن يَقْرُبُ مِنهُ مِن حَجٍّ، وإلى غَيْرِهِ مِن مِسْكِينٍ وابْنِ سَبِيلٍ. وقالَ الحَسَنُ: هَذا خِطابٌ لِكُلِّ سامِعٍ بِصِلَةِ الرَّحِمِ ﴿والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ﴾ . وقِيلَ: لِلرَّسُولِ، عَلَيْهِ السَّلامُ. وذُو القُرْبى: بَنُو هاشِمٍ وبَنُو المُطَّلِبِ، يُعْطَوْنَ حُقُوقَهم مِنَ الغَنِيمَةِ والفَيْءِ. وقالَ الحَسَنُ: حَقُّ المِسْكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ مِنَ الصَّدَقَةِ المُسَمّاةِ لَهُما. واحْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ في وُجُوبِ النَّفَقَةِ لِلْمَحارِمِ إذا كانُوا مُحْتاجِينَ عاجِزِينَ عَنِ الكَسْبِ. أثْبَتَ تَعالى لِذِي القُرْبى حَقًّا، ولِلْمِسْكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ حَقَّهُما. والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، فالظّاهِرُ أنَّ الحَقَّ لَيْسَ الزَّكاةَ، وإنَّما يَصِيرُ حَقًّا بِجِهَةِ الإحْسانِ والمُواساةِ. ولِلِاهْتِمامِ بِذِي القُرْبى، قُدِّمَ عَلى المِسْكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ؛ لِأنَّ بِرَّهُ صَدَقَةٌ وصِلَةٌ. (ذَلِكَ) أيِ: الإيتاءُ (خَيْرٌ) أيْ: يُضاعَفُ لَهُمُ الأجْرُ في الآخِرَةِ، ويَنْمُو مالُهم في الدُّنْيا لِوَجْهِ اللَّهِ، أيِ: التَّقَرُّبُ إلى رِضا اللَّهِ لا يَضُرُّهُ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى مَن يَتَصَرَّفُ في مالِهِ عَلى غَيْرِ الجِهَةِ المَرْضِيَّةِ فَقالَ؛ ﴿وما آتَيْتُمْ﴾ أكَلَةَ الرِّبا، لِيَزِيدَ ويَزْكُوَ في المالِ، فَلا يَزْكُو عِنْدَ اللَّهِ، ولا يُبارَكُ فِيهِ لِقَوْلِهِ: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا ويُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦] . قالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في رِبا ثَقِيفٍ، كانُوا يَعْمَلُونَ بِالرِّبا، ويَعْمَلُهُ فِيهِمْ قُرَيْشٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وطاوُسٌ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في هِباتٍ، لِلثَّوابِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وما جَرى مَجْراهُما مِمّا يُصْنَعُ لِلْمُجازاةِ، كالسِّلْمِ وغَيْرِهِ، فَهو وإنْ كانَ لا إثْمَ فِيهِ، فَلا أجْرَ فِيهِ ولا زِيادَةَ عِنْدَ اللَّهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، والنَّخَعِيُّ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ يُعْطُونَ قَراباتِهِمْ وإخْوانَهم عَلى مَعْنى نَفْعِهِمْ وتَمْوِيلِهِمْ والتَّفَضُّلِ عَلَيْهِمْ، ولِيَزِيدُوا في أمْوالِهِمْ عَلى جِهَةِ النَّفْعِ بِهِ، فَذَلِكَ النَّفْعُ لَهم. وقالَ الشَّعْبِيُّ قَرِيبًا مِن هَذا وهو: أنَّ ما خَدَمَ بِهِ الإنْسانُ غَيْرَهُ انْتَفَعَ بِهِ، فَذَلِكَ النَّفْعُ لَهم. وقالَ الشَّعْبِيُّ أيْضًا قَرِيبًا مِن هَذا وهو: أنْ لا يَرْبُوَ عِنْدَ اللَّهِ، والظّاهِرُ القَوْلُ الأوَّلُ، وهو النَّهْيُ عَنِ الرِّبا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وما آتَيْتُمْ﴾ الأوَّلُ بِمَدِّ الهَمْزَةِ، أيْ: وما أعْطَيْتُمْ؛ وابْنُ كَثِيرٍ: بِقَصْرِها، أيْ: وما جِئْتُمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لِيَرْبُوَ)، بِالياءِ وإسْنادِ الفِعْلِ إلى الرِّبا؛ وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءٍ، والشَّعْبِيُّ، ونافِعٌ، وأبُو حَيْوَةَ: بِالتّاءِ مَضْمُومَةً، وإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِمْ. وقَرَأ أبُو مالِكٍ: ”لِيُرْبُوَها“، بِضَمِيرِ المُؤَنَّثِ. والمُضَعَّفُ: ذُو أضْعافٍ في الأجْرِ. قالَ الفَرّاءُ: هم أصْحابُ المُضاعَفَةِ، كَما تَقُولُ: هو مُسَمَّنٌ، أيْ: صاحِبُ إبِلٍ سِمانٍ، ومُعَطَّشٌ: أيْ: صاحِبُ إبِلٍ عَطْشى. وقَرَأ أُبَيٌّ: ”المُضْعَفُونَ“ بِفَتْحِ العَيْنِ، اسْمَ مَفْعُولٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ﴾ التِفاتٌ حَسَنٌ، كَأنَّهُ قالَ لِمَلائِكَتِهِ وخَواصِّ خَلْقِهِ: فَأُولَئِكَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ بِصَدَقاتِهِمْ هُمُ المُضْعِفُونَ، والمَعْنى: المُضْعِفُونَ بِهِ بِدَلالَةِ أُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ، والحَذْفُ لِما في الكَلامِ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ، وهَذا أسْهَلُ مَأْخَذًا، والأوَّلُ أمْلَأُ بِالفائِدَةِ: انْتَهى. وإنَّما احْتاجَ إلى (p-١٧٥)تَقْدِيرِ ما قُدِّرَ؛ لِأنَّ اسْمَ الشَّرْطِ لَيْسَ بِظَرْفٍ، لا بُدَّ أنْ يَكُونَ في الجَوابِ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَيْهِ يَتِمُّ بِهِ الرَّبْطُ.

الروم 30:35

(p-١٧٣)﴿وإذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهم مُنِيبِينَ إلَيْهِ ثُمَّ إذا أذاقَهم مِنهُ رَحْمَةً إذا فَرِيقٌ مِنهم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمْ أنْزَلَنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهو يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ إذا هم يَقْنَطُونَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿فَآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿وما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وما آتَيْتُمْ مِن زَكاةٍ تُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ﴾ . الضُّرُّ: الشِّدَّةُ، مِن فَقْرٍ، أوْ مَرَضٍ، أوْ قَحْطٍ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ والرَّحْمَةُ: الخَلاصُ مِن ذَلِكَ الضُّرِّ. ﴿دَعَوْا رَبَّهُمْ﴾ أفْرَدُوهُ بِالتَّضَرُّعِ والدُّعاءِ لِيَنْجُوا مِن ذَلِكَ الضُّرِّ، وتَرَكُوا أصْنامَهم لِعِلْمِهِمْ أنَّهُ لا يَكْشِفُ الضُّرَّ إلّا هو تَعالى، فَلَهم في ذَلِكَ الوَقْتِ إنابَةٌ وخُضُوعٌ، وإذا خَلَّصَهم مِن ذَلِكَ الضُّرِّ، أشْرَكَ فَرِيقٌ مِمَّنْ أخْلَصَ، وهَذا الفَرِيقُ هم عَبَدَةُ الأصْنامِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَلْحَقُ مِن هَذِهِ الألْفاظِ شَيْءٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، إذْ جاءَهم فَرَجٌ بَعْدَ شِدَّةٍ، عَلَّقُوا ذَلِكَ بِمَخْلُوقِينَ، أوْ بِحِذْقِ آرائِهِمْ، أوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ، فَفِيهِ قِلَّةُ شُكْرِ اللَّهِ، ويُسَمّى مَجازًا. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: يَقُولُ: تَخَلَّصْتُ بِسَبَبِ اتِّصالِ الكَوْكَبِ الفُلانِيِّ وسَبَبِ الصَّنَمِ الفُلانِيِّ، بَلْ يَنْبَغِي أنْ لا يَعْتَقِدَ أنَّهُ يَخْلُصُ بِسَبَبِ فُلانٍ إذا كانَ ظاهِرًا، فَإنَّهُ شِرْكٌ خَفِيٌّ. انْتَهى. و(إذا فَرِيقٌ) جَوابُ ﴿إذا أذاقَهُمْ﴾ الأُولى شَرْطِيَّةٌ، والثّانِيَةُ لِلْمُفاجَأةِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ، وجاءَ هُنا (فَرِيقٌ)؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإذا مَسَّ النّاسَ﴾ عامٌّ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، فَلا يُشْرِكُ إلّا الكافِرُ. و(ضُرٌّ) هَنا مُطْلَقٌ، وفي آخِرِ العَنْكَبُوتِ ﴿إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] لِأنَّهُ في مَخْصُوصِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ عُبّادِ الأصْنامِ، والضُّرُّ هُناكَ مُعَيَّنٌ، وهو ما يُتَخَوَّفُ مِن رُكُوبِ البَحْرِ. (إذا هم) أيْ: رُكّابُ البَحْرِ عَبَدَةُ الأصْنامِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ. واللّامُ في (لِيَكْفُرُوا) لامُ كَيْ، أوْ لامُ الأمْرِ لِلتَّهْدِيدِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في آخِرِ العَنْكَبُوتِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ بِالتّاءِ فِيهِما. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ: ”فَيُتَمَتَّعُوا“، بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وهو مَعْطُوفٌ عَلى (لِيَكْفُرُوا)، و”لَسَوْفَ يَعْلَمُونَ“ بِالياءِ عَلى التَّهْدِيدِ لَهم، وعَنِ أبِي العالِيَةِ ”فَيَتَمَتَّعُوا“ بِياءٍ قَبْلَ التّاءِ، عَطْفٌ أيْضًا عَلى (لِيَكْفُرُوا) أيْ: لِتَطُولَ أعْمارُهم عَلى الكُفْرِ؛ وعَنْهُ وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ: ”فَلْيَتَمَتَّعُوا“ . وقالَ هارُونُ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: ”يَتَمَتَّعُوا“ . ﴿أمْ أنْزَلْنا﴾ أمْ: بِمَعْنى بَلْ، والهَمْزَةُ لِلْإضْرابِ عَنِ الكَلامِ السّابِقِ، والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ عَنِ الحُجَّةِ اسْتِفْهامَ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ. والسُّلْطانُ: البُرْهانُ، مِن كِتابٍ أوْ نَحْوِهِ. ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾ أيْ: يُظْهِرُ مَذْهَبَهم ويَنْطِقُ بِشِرْكِهِمْ، والتَّكَلُّمُ مَجازٌ لِقَوْلِهِ: ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ﴾ [الجاثية: ٢٩] . و”هو يَتَكَلَّمُ“: جَوابٌ لِلِاسْتِفْهامِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ ”أمْ“، كَأنَّهُ قالَ: بَلْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا، أيْ: بُرْهانًا شاهِدًا لَكم بِالشِّرْكِ، فَهو يَشْهَدُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ، وإنْ قُدِّرَ ”ذا سُلْطانٍ“، أيْ: مَلَكًا ذا بُرْهانٍ، كانَ التَّكَلُّمُ حَقِيقَةً. (p-١٧٤)﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً﴾ أيْ: نِعْمَةً، مِن مَطَرٍ، أوْ سِعَةٍ، أوْ صِحَّةٍ. ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ أيْ: بَلاءٌ، مِن حَدَثٍ، أوْ ضِيقٍ، أوْ مَرَضٍ. ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ إذا﴾ المَعاصِي. ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] فَفي إصابَةِ الرَّحْمَةِ فَرِحُوا وذَهَلُوا عَنْ شُكْرِ مَن أسْداها إلَيْهِمْ، وفي إصابَةِ البَلاءِ قَنِطُوا ويَئِسُوا وذَهَلُوا عَنِ الصَّبْرِ، ونَسُوا ما أُنْعِمَ بِهِ عَلَيْهِمْ قَبْلَ إصابَةِ البَلاءِ. و(إذا هم) جَوابُ: (وإنْ تُصِبْهم) يَقُومُ مَقامَ الفاءِ في الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الواقِعَةِ جَوابًا لِلشَّرْطِ. وحِينَ ذَكَرَ إذاقَةَ الرَّحْمَةِ، لَمْ يَذْكُرْ سَبَبَها، وهو زِيادَةُ الإحْسانِ والتَّفَضُّلِ. وحِينَ ذَكَرَ إصابَةَ السَّيِّئَةِ، ذَكَرَ سَبَبَها، وهو العِصْيانُ، لِيَتَحَقَّقَ بَدَلُهُ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى الأمْرَ الَّذِي مَنِ اعْتَبَرَهُ لَمْ يَيْئَسْ مِن رَوْحِ اللَّهِ، وهو أنَّهُ تَعالى هو الباسِطُ القابِضُ، فَيَنْبَغِي أنْ لا يَقْنِطَ، وأنْ يَتَلَقّى ما يَرِدُ مِن قِبَلِ اللَّهِ بِالصَّبْرِ في البَلاءِ، والشُّكْرِ في النَّعْماءِ، وأنْ يُقْلِعَ عَنِ المَعْصِيَةِ الَّتِي أصابَتْهُ السَّيِّئَةُ بِسَبَبِها، حَتّى تَعُودَ إلَيْهِ رَحْمَةُ رَبِّهِ. ومُناسَبَةُ ﴿فَآتِ ذا القُرْبى﴾ لِما قَبْلَهُ: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ تَعالى هو الباسِطُ القابِضُ، وجَعَلَ في ذَلِكَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِ، ثُمَّ نَبَّهَ بِالإحْسانِ لِمَن بِهِ فاقَةٌ واحْتِياجٌ؛ لِأنَّ مِنَ الإيمانِ الشَّفَقَةَ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، فَخاطَبَ مَن بَسَطَ لَهُ الرِّزْقَ بِأداءِ حَقِّ اللَّهِ مِنَ المالِ، وصَرْفِهِ إلى مَن يَقْرُبُ مِنهُ مِن حَجٍّ، وإلى غَيْرِهِ مِن مِسْكِينٍ وابْنِ سَبِيلٍ. وقالَ الحَسَنُ: هَذا خِطابٌ لِكُلِّ سامِعٍ بِصِلَةِ الرَّحِمِ ﴿والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ﴾ . وقِيلَ: لِلرَّسُولِ، عَلَيْهِ السَّلامُ. وذُو القُرْبى: بَنُو هاشِمٍ وبَنُو المُطَّلِبِ، يُعْطَوْنَ حُقُوقَهم مِنَ الغَنِيمَةِ والفَيْءِ. وقالَ الحَسَنُ: حَقُّ المِسْكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ مِنَ الصَّدَقَةِ المُسَمّاةِ لَهُما. واحْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ في وُجُوبِ النَّفَقَةِ لِلْمَحارِمِ إذا كانُوا مُحْتاجِينَ عاجِزِينَ عَنِ الكَسْبِ. أثْبَتَ تَعالى لِذِي القُرْبى حَقًّا، ولِلْمِسْكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ حَقَّهُما. والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، فالظّاهِرُ أنَّ الحَقَّ لَيْسَ الزَّكاةَ، وإنَّما يَصِيرُ حَقًّا بِجِهَةِ الإحْسانِ والمُواساةِ. ولِلِاهْتِمامِ بِذِي القُرْبى، قُدِّمَ عَلى المِسْكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ؛ لِأنَّ بِرَّهُ صَدَقَةٌ وصِلَةٌ. (ذَلِكَ) أيِ: الإيتاءُ (خَيْرٌ) أيْ: يُضاعَفُ لَهُمُ الأجْرُ في الآخِرَةِ، ويَنْمُو مالُهم في الدُّنْيا لِوَجْهِ اللَّهِ، أيِ: التَّقَرُّبُ إلى رِضا اللَّهِ لا يَضُرُّهُ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى مَن يَتَصَرَّفُ في مالِهِ عَلى غَيْرِ الجِهَةِ المَرْضِيَّةِ فَقالَ؛ ﴿وما آتَيْتُمْ﴾ أكَلَةَ الرِّبا، لِيَزِيدَ ويَزْكُوَ في المالِ، فَلا يَزْكُو عِنْدَ اللَّهِ، ولا يُبارَكُ فِيهِ لِقَوْلِهِ: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا ويُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦] . قالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في رِبا ثَقِيفٍ، كانُوا يَعْمَلُونَ بِالرِّبا، ويَعْمَلُهُ فِيهِمْ قُرَيْشٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وطاوُسٌ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في هِباتٍ، لِلثَّوابِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وما جَرى مَجْراهُما مِمّا يُصْنَعُ لِلْمُجازاةِ، كالسِّلْمِ وغَيْرِهِ، فَهو وإنْ كانَ لا إثْمَ فِيهِ، فَلا أجْرَ فِيهِ ولا زِيادَةَ عِنْدَ اللَّهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، والنَّخَعِيُّ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ يُعْطُونَ قَراباتِهِمْ وإخْوانَهم عَلى مَعْنى نَفْعِهِمْ وتَمْوِيلِهِمْ والتَّفَضُّلِ عَلَيْهِمْ، ولِيَزِيدُوا في أمْوالِهِمْ عَلى جِهَةِ النَّفْعِ بِهِ، فَذَلِكَ النَّفْعُ لَهم. وقالَ الشَّعْبِيُّ قَرِيبًا مِن هَذا وهو: أنَّ ما خَدَمَ بِهِ الإنْسانُ غَيْرَهُ انْتَفَعَ بِهِ، فَذَلِكَ النَّفْعُ لَهم. وقالَ الشَّعْبِيُّ أيْضًا قَرِيبًا مِن هَذا وهو: أنْ لا يَرْبُوَ عِنْدَ اللَّهِ، والظّاهِرُ القَوْلُ الأوَّلُ، وهو النَّهْيُ عَنِ الرِّبا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وما آتَيْتُمْ﴾ الأوَّلُ بِمَدِّ الهَمْزَةِ، أيْ: وما أعْطَيْتُمْ؛ وابْنُ كَثِيرٍ: بِقَصْرِها، أيْ: وما جِئْتُمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لِيَرْبُوَ)، بِالياءِ وإسْنادِ الفِعْلِ إلى الرِّبا؛ وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءٍ، والشَّعْبِيُّ، ونافِعٌ، وأبُو حَيْوَةَ: بِالتّاءِ مَضْمُومَةً، وإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِمْ. وقَرَأ أبُو مالِكٍ: ”لِيُرْبُوَها“، بِضَمِيرِ المُؤَنَّثِ. والمُضَعَّفُ: ذُو أضْعافٍ في الأجْرِ. قالَ الفَرّاءُ: هم أصْحابُ المُضاعَفَةِ، كَما تَقُولُ: هو مُسَمَّنٌ، أيْ: صاحِبُ إبِلٍ سِمانٍ، ومُعَطَّشٌ: أيْ: صاحِبُ إبِلٍ عَطْشى. وقَرَأ أُبَيٌّ: ”المُضْعَفُونَ“ بِفَتْحِ العَيْنِ، اسْمَ مَفْعُولٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ﴾ التِفاتٌ حَسَنٌ، كَأنَّهُ قالَ لِمَلائِكَتِهِ وخَواصِّ خَلْقِهِ: فَأُولَئِكَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ بِصَدَقاتِهِمْ هُمُ المُضْعِفُونَ، والمَعْنى: المُضْعِفُونَ بِهِ بِدَلالَةِ أُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ، والحَذْفُ لِما في الكَلامِ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ، وهَذا أسْهَلُ مَأْخَذًا، والأوَّلُ أمْلَأُ بِالفائِدَةِ: انْتَهى. وإنَّما احْتاجَ إلى (p-١٧٥)تَقْدِيرِ ما قُدِّرَ؛ لِأنَّ اسْمَ الشَّرْطِ لَيْسَ بِظَرْفٍ، لا بُدَّ أنْ يَكُونَ في الجَوابِ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَيْهِ يَتِمُّ بِهِ الرَّبْطُ.

الروم 30:36

(p-١٧٣)﴿وإذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهم مُنِيبِينَ إلَيْهِ ثُمَّ إذا أذاقَهم مِنهُ رَحْمَةً إذا فَرِيقٌ مِنهم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمْ أنْزَلَنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهو يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ إذا هم يَقْنَطُونَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿فَآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿وما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وما آتَيْتُمْ مِن زَكاةٍ تُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ﴾ . الضُّرُّ: الشِّدَّةُ، مِن فَقْرٍ، أوْ مَرَضٍ، أوْ قَحْطٍ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ والرَّحْمَةُ: الخَلاصُ مِن ذَلِكَ الضُّرِّ. ﴿دَعَوْا رَبَّهُمْ﴾ أفْرَدُوهُ بِالتَّضَرُّعِ والدُّعاءِ لِيَنْجُوا مِن ذَلِكَ الضُّرِّ، وتَرَكُوا أصْنامَهم لِعِلْمِهِمْ أنَّهُ لا يَكْشِفُ الضُّرَّ إلّا هو تَعالى، فَلَهم في ذَلِكَ الوَقْتِ إنابَةٌ وخُضُوعٌ، وإذا خَلَّصَهم مِن ذَلِكَ الضُّرِّ، أشْرَكَ فَرِيقٌ مِمَّنْ أخْلَصَ، وهَذا الفَرِيقُ هم عَبَدَةُ الأصْنامِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَلْحَقُ مِن هَذِهِ الألْفاظِ شَيْءٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، إذْ جاءَهم فَرَجٌ بَعْدَ شِدَّةٍ، عَلَّقُوا ذَلِكَ بِمَخْلُوقِينَ، أوْ بِحِذْقِ آرائِهِمْ، أوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ، فَفِيهِ قِلَّةُ شُكْرِ اللَّهِ، ويُسَمّى مَجازًا. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: يَقُولُ: تَخَلَّصْتُ بِسَبَبِ اتِّصالِ الكَوْكَبِ الفُلانِيِّ وسَبَبِ الصَّنَمِ الفُلانِيِّ، بَلْ يَنْبَغِي أنْ لا يَعْتَقِدَ أنَّهُ يَخْلُصُ بِسَبَبِ فُلانٍ إذا كانَ ظاهِرًا، فَإنَّهُ شِرْكٌ خَفِيٌّ. انْتَهى. و(إذا فَرِيقٌ) جَوابُ ﴿إذا أذاقَهُمْ﴾ الأُولى شَرْطِيَّةٌ، والثّانِيَةُ لِلْمُفاجَأةِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ، وجاءَ هُنا (فَرِيقٌ)؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإذا مَسَّ النّاسَ﴾ عامٌّ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، فَلا يُشْرِكُ إلّا الكافِرُ. و(ضُرٌّ) هَنا مُطْلَقٌ، وفي آخِرِ العَنْكَبُوتِ ﴿إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] لِأنَّهُ في مَخْصُوصِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ عُبّادِ الأصْنامِ، والضُّرُّ هُناكَ مُعَيَّنٌ، وهو ما يُتَخَوَّفُ مِن رُكُوبِ البَحْرِ. (إذا هم) أيْ: رُكّابُ البَحْرِ عَبَدَةُ الأصْنامِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ. واللّامُ في (لِيَكْفُرُوا) لامُ كَيْ، أوْ لامُ الأمْرِ لِلتَّهْدِيدِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في آخِرِ العَنْكَبُوتِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ بِالتّاءِ فِيهِما. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ: ”فَيُتَمَتَّعُوا“، بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وهو مَعْطُوفٌ عَلى (لِيَكْفُرُوا)، و”لَسَوْفَ يَعْلَمُونَ“ بِالياءِ عَلى التَّهْدِيدِ لَهم، وعَنِ أبِي العالِيَةِ ”فَيَتَمَتَّعُوا“ بِياءٍ قَبْلَ التّاءِ، عَطْفٌ أيْضًا عَلى (لِيَكْفُرُوا) أيْ: لِتَطُولَ أعْمارُهم عَلى الكُفْرِ؛ وعَنْهُ وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ: ”فَلْيَتَمَتَّعُوا“ . وقالَ هارُونُ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: ”يَتَمَتَّعُوا“ . ﴿أمْ أنْزَلْنا﴾ أمْ: بِمَعْنى بَلْ، والهَمْزَةُ لِلْإضْرابِ عَنِ الكَلامِ السّابِقِ، والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ عَنِ الحُجَّةِ اسْتِفْهامَ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ. والسُّلْطانُ: البُرْهانُ، مِن كِتابٍ أوْ نَحْوِهِ. ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾ أيْ: يُظْهِرُ مَذْهَبَهم ويَنْطِقُ بِشِرْكِهِمْ، والتَّكَلُّمُ مَجازٌ لِقَوْلِهِ: ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ﴾ [الجاثية: ٢٩] . و”هو يَتَكَلَّمُ“: جَوابٌ لِلِاسْتِفْهامِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ ”أمْ“، كَأنَّهُ قالَ: بَلْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا، أيْ: بُرْهانًا شاهِدًا لَكم بِالشِّرْكِ، فَهو يَشْهَدُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ، وإنْ قُدِّرَ ”ذا سُلْطانٍ“، أيْ: مَلَكًا ذا بُرْهانٍ، كانَ التَّكَلُّمُ حَقِيقَةً. (p-١٧٤)﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً﴾ أيْ: نِعْمَةً، مِن مَطَرٍ، أوْ سِعَةٍ، أوْ صِحَّةٍ. ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ أيْ: بَلاءٌ، مِن حَدَثٍ، أوْ ضِيقٍ، أوْ مَرَضٍ. ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ إذا﴾ المَعاصِي. ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] فَفي إصابَةِ الرَّحْمَةِ فَرِحُوا وذَهَلُوا عَنْ شُكْرِ مَن أسْداها إلَيْهِمْ، وفي إصابَةِ البَلاءِ قَنِطُوا ويَئِسُوا وذَهَلُوا عَنِ الصَّبْرِ، ونَسُوا ما أُنْعِمَ بِهِ عَلَيْهِمْ قَبْلَ إصابَةِ البَلاءِ. و(إذا هم) جَوابُ: (وإنْ تُصِبْهم) يَقُومُ مَقامَ الفاءِ في الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الواقِعَةِ جَوابًا لِلشَّرْطِ. وحِينَ ذَكَرَ إذاقَةَ الرَّحْمَةِ، لَمْ يَذْكُرْ سَبَبَها، وهو زِيادَةُ الإحْسانِ والتَّفَضُّلِ. وحِينَ ذَكَرَ إصابَةَ السَّيِّئَةِ، ذَكَرَ سَبَبَها، وهو العِصْيانُ، لِيَتَحَقَّقَ بَدَلُهُ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى الأمْرَ الَّذِي مَنِ اعْتَبَرَهُ لَمْ يَيْئَسْ مِن رَوْحِ اللَّهِ، وهو أنَّهُ تَعالى هو الباسِطُ القابِضُ، فَيَنْبَغِي أنْ لا يَقْنِطَ، وأنْ يَتَلَقّى ما يَرِدُ مِن قِبَلِ اللَّهِ بِالصَّبْرِ في البَلاءِ، والشُّكْرِ في النَّعْماءِ، وأنْ يُقْلِعَ عَنِ المَعْصِيَةِ الَّتِي أصابَتْهُ السَّيِّئَةُ بِسَبَبِها، حَتّى تَعُودَ إلَيْهِ رَحْمَةُ رَبِّهِ. ومُناسَبَةُ ﴿فَآتِ ذا القُرْبى﴾ لِما قَبْلَهُ: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ تَعالى هو الباسِطُ القابِضُ، وجَعَلَ في ذَلِكَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِ، ثُمَّ نَبَّهَ بِالإحْسانِ لِمَن بِهِ فاقَةٌ واحْتِياجٌ؛ لِأنَّ مِنَ الإيمانِ الشَّفَقَةَ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، فَخاطَبَ مَن بَسَطَ لَهُ الرِّزْقَ بِأداءِ حَقِّ اللَّهِ مِنَ المالِ، وصَرْفِهِ إلى مَن يَقْرُبُ مِنهُ مِن حَجٍّ، وإلى غَيْرِهِ مِن مِسْكِينٍ وابْنِ سَبِيلٍ. وقالَ الحَسَنُ: هَذا خِطابٌ لِكُلِّ سامِعٍ بِصِلَةِ الرَّحِمِ ﴿والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ﴾ . وقِيلَ: لِلرَّسُولِ، عَلَيْهِ السَّلامُ. وذُو القُرْبى: بَنُو هاشِمٍ وبَنُو المُطَّلِبِ، يُعْطَوْنَ حُقُوقَهم مِنَ الغَنِيمَةِ والفَيْءِ. وقالَ الحَسَنُ: حَقُّ المِسْكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ مِنَ الصَّدَقَةِ المُسَمّاةِ لَهُما. واحْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ في وُجُوبِ النَّفَقَةِ لِلْمَحارِمِ إذا كانُوا مُحْتاجِينَ عاجِزِينَ عَنِ الكَسْبِ. أثْبَتَ تَعالى لِذِي القُرْبى حَقًّا، ولِلْمِسْكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ حَقَّهُما. والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، فالظّاهِرُ أنَّ الحَقَّ لَيْسَ الزَّكاةَ، وإنَّما يَصِيرُ حَقًّا بِجِهَةِ الإحْسانِ والمُواساةِ. ولِلِاهْتِمامِ بِذِي القُرْبى، قُدِّمَ عَلى المِسْكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ؛ لِأنَّ بِرَّهُ صَدَقَةٌ وصِلَةٌ. (ذَلِكَ) أيِ: الإيتاءُ (خَيْرٌ) أيْ: يُضاعَفُ لَهُمُ الأجْرُ في الآخِرَةِ، ويَنْمُو مالُهم في الدُّنْيا لِوَجْهِ اللَّهِ، أيِ: التَّقَرُّبُ إلى رِضا اللَّهِ لا يَضُرُّهُ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى مَن يَتَصَرَّفُ في مالِهِ عَلى غَيْرِ الجِهَةِ المَرْضِيَّةِ فَقالَ؛ ﴿وما آتَيْتُمْ﴾ أكَلَةَ الرِّبا، لِيَزِيدَ ويَزْكُوَ في المالِ، فَلا يَزْكُو عِنْدَ اللَّهِ، ولا يُبارَكُ فِيهِ لِقَوْلِهِ: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا ويُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦] . قالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في رِبا ثَقِيفٍ، كانُوا يَعْمَلُونَ بِالرِّبا، ويَعْمَلُهُ فِيهِمْ قُرَيْشٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وطاوُسٌ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في هِباتٍ، لِلثَّوابِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وما جَرى مَجْراهُما مِمّا يُصْنَعُ لِلْمُجازاةِ، كالسِّلْمِ وغَيْرِهِ، فَهو وإنْ كانَ لا إثْمَ فِيهِ، فَلا أجْرَ فِيهِ ولا زِيادَةَ عِنْدَ اللَّهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، والنَّخَعِيُّ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ يُعْطُونَ قَراباتِهِمْ وإخْوانَهم عَلى مَعْنى نَفْعِهِمْ وتَمْوِيلِهِمْ والتَّفَضُّلِ عَلَيْهِمْ، ولِيَزِيدُوا في أمْوالِهِمْ عَلى جِهَةِ النَّفْعِ بِهِ، فَذَلِكَ النَّفْعُ لَهم. وقالَ الشَّعْبِيُّ قَرِيبًا مِن هَذا وهو: أنَّ ما خَدَمَ بِهِ الإنْسانُ غَيْرَهُ انْتَفَعَ بِهِ، فَذَلِكَ النَّفْعُ لَهم. وقالَ الشَّعْبِيُّ أيْضًا قَرِيبًا مِن هَذا وهو: أنْ لا يَرْبُوَ عِنْدَ اللَّهِ، والظّاهِرُ القَوْلُ الأوَّلُ، وهو النَّهْيُ عَنِ الرِّبا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وما آتَيْتُمْ﴾ الأوَّلُ بِمَدِّ الهَمْزَةِ، أيْ: وما أعْطَيْتُمْ؛ وابْنُ كَثِيرٍ: بِقَصْرِها، أيْ: وما جِئْتُمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لِيَرْبُوَ)، بِالياءِ وإسْنادِ الفِعْلِ إلى الرِّبا؛ وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءٍ، والشَّعْبِيُّ، ونافِعٌ، وأبُو حَيْوَةَ: بِالتّاءِ مَضْمُومَةً، وإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِمْ. وقَرَأ أبُو مالِكٍ: ”لِيُرْبُوَها“، بِضَمِيرِ المُؤَنَّثِ. والمُضَعَّفُ: ذُو أضْعافٍ في الأجْرِ. قالَ الفَرّاءُ: هم أصْحابُ المُضاعَفَةِ، كَما تَقُولُ: هو مُسَمَّنٌ، أيْ: صاحِبُ إبِلٍ سِمانٍ، ومُعَطَّشٌ: أيْ: صاحِبُ إبِلٍ عَطْشى. وقَرَأ أُبَيٌّ: ”المُضْعَفُونَ“ بِفَتْحِ العَيْنِ، اسْمَ مَفْعُولٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ﴾ التِفاتٌ حَسَنٌ، كَأنَّهُ قالَ لِمَلائِكَتِهِ وخَواصِّ خَلْقِهِ: فَأُولَئِكَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ بِصَدَقاتِهِمْ هُمُ المُضْعِفُونَ، والمَعْنى: المُضْعِفُونَ بِهِ بِدَلالَةِ أُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ، والحَذْفُ لِما في الكَلامِ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ، وهَذا أسْهَلُ مَأْخَذًا، والأوَّلُ أمْلَأُ بِالفائِدَةِ: انْتَهى. وإنَّما احْتاجَ إلى (p-١٧٥)تَقْدِيرِ ما قُدِّرَ؛ لِأنَّ اسْمَ الشَّرْطِ لَيْسَ بِظَرْفٍ، لا بُدَّ أنْ يَكُونَ في الجَوابِ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَيْهِ يَتِمُّ بِهِ الرَّبْطُ.

الروم 30:37

(p-١٧٣)﴿وإذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهم مُنِيبِينَ إلَيْهِ ثُمَّ إذا أذاقَهم مِنهُ رَحْمَةً إذا فَرِيقٌ مِنهم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمْ أنْزَلَنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهو يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ إذا هم يَقْنَطُونَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿فَآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿وما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وما آتَيْتُمْ مِن زَكاةٍ تُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ﴾ . الضُّرُّ: الشِّدَّةُ، مِن فَقْرٍ، أوْ مَرَضٍ، أوْ قَحْطٍ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ والرَّحْمَةُ: الخَلاصُ مِن ذَلِكَ الضُّرِّ. ﴿دَعَوْا رَبَّهُمْ﴾ أفْرَدُوهُ بِالتَّضَرُّعِ والدُّعاءِ لِيَنْجُوا مِن ذَلِكَ الضُّرِّ، وتَرَكُوا أصْنامَهم لِعِلْمِهِمْ أنَّهُ لا يَكْشِفُ الضُّرَّ إلّا هو تَعالى، فَلَهم في ذَلِكَ الوَقْتِ إنابَةٌ وخُضُوعٌ، وإذا خَلَّصَهم مِن ذَلِكَ الضُّرِّ، أشْرَكَ فَرِيقٌ مِمَّنْ أخْلَصَ، وهَذا الفَرِيقُ هم عَبَدَةُ الأصْنامِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَلْحَقُ مِن هَذِهِ الألْفاظِ شَيْءٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، إذْ جاءَهم فَرَجٌ بَعْدَ شِدَّةٍ، عَلَّقُوا ذَلِكَ بِمَخْلُوقِينَ، أوْ بِحِذْقِ آرائِهِمْ، أوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ، فَفِيهِ قِلَّةُ شُكْرِ اللَّهِ، ويُسَمّى مَجازًا. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: يَقُولُ: تَخَلَّصْتُ بِسَبَبِ اتِّصالِ الكَوْكَبِ الفُلانِيِّ وسَبَبِ الصَّنَمِ الفُلانِيِّ، بَلْ يَنْبَغِي أنْ لا يَعْتَقِدَ أنَّهُ يَخْلُصُ بِسَبَبِ فُلانٍ إذا كانَ ظاهِرًا، فَإنَّهُ شِرْكٌ خَفِيٌّ. انْتَهى. و(إذا فَرِيقٌ) جَوابُ ﴿إذا أذاقَهُمْ﴾ الأُولى شَرْطِيَّةٌ، والثّانِيَةُ لِلْمُفاجَأةِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ، وجاءَ هُنا (فَرِيقٌ)؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإذا مَسَّ النّاسَ﴾ عامٌّ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، فَلا يُشْرِكُ إلّا الكافِرُ. و(ضُرٌّ) هَنا مُطْلَقٌ، وفي آخِرِ العَنْكَبُوتِ ﴿إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] لِأنَّهُ في مَخْصُوصِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ عُبّادِ الأصْنامِ، والضُّرُّ هُناكَ مُعَيَّنٌ، وهو ما يُتَخَوَّفُ مِن رُكُوبِ البَحْرِ. (إذا هم) أيْ: رُكّابُ البَحْرِ عَبَدَةُ الأصْنامِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ. واللّامُ في (لِيَكْفُرُوا) لامُ كَيْ، أوْ لامُ الأمْرِ لِلتَّهْدِيدِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في آخِرِ العَنْكَبُوتِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ بِالتّاءِ فِيهِما. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ: ”فَيُتَمَتَّعُوا“، بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وهو مَعْطُوفٌ عَلى (لِيَكْفُرُوا)، و”لَسَوْفَ يَعْلَمُونَ“ بِالياءِ عَلى التَّهْدِيدِ لَهم، وعَنِ أبِي العالِيَةِ ”فَيَتَمَتَّعُوا“ بِياءٍ قَبْلَ التّاءِ، عَطْفٌ أيْضًا عَلى (لِيَكْفُرُوا) أيْ: لِتَطُولَ أعْمارُهم عَلى الكُفْرِ؛ وعَنْهُ وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ: ”فَلْيَتَمَتَّعُوا“ . وقالَ هارُونُ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: ”يَتَمَتَّعُوا“ . ﴿أمْ أنْزَلْنا﴾ أمْ: بِمَعْنى بَلْ، والهَمْزَةُ لِلْإضْرابِ عَنِ الكَلامِ السّابِقِ، والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ عَنِ الحُجَّةِ اسْتِفْهامَ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ. والسُّلْطانُ: البُرْهانُ، مِن كِتابٍ أوْ نَحْوِهِ. ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾ أيْ: يُظْهِرُ مَذْهَبَهم ويَنْطِقُ بِشِرْكِهِمْ، والتَّكَلُّمُ مَجازٌ لِقَوْلِهِ: ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ﴾ [الجاثية: ٢٩] . و”هو يَتَكَلَّمُ“: جَوابٌ لِلِاسْتِفْهامِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ ”أمْ“، كَأنَّهُ قالَ: بَلْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا، أيْ: بُرْهانًا شاهِدًا لَكم بِالشِّرْكِ، فَهو يَشْهَدُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ، وإنْ قُدِّرَ ”ذا سُلْطانٍ“، أيْ: مَلَكًا ذا بُرْهانٍ، كانَ التَّكَلُّمُ حَقِيقَةً. (p-١٧٤)﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً﴾ أيْ: نِعْمَةً، مِن مَطَرٍ، أوْ سِعَةٍ، أوْ صِحَّةٍ. ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ أيْ: بَلاءٌ، مِن حَدَثٍ، أوْ ضِيقٍ، أوْ مَرَضٍ. ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ إذا﴾ المَعاصِي. ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] فَفي إصابَةِ الرَّحْمَةِ فَرِحُوا وذَهَلُوا عَنْ شُكْرِ مَن أسْداها إلَيْهِمْ، وفي إصابَةِ البَلاءِ قَنِطُوا ويَئِسُوا وذَهَلُوا عَنِ الصَّبْرِ، ونَسُوا ما أُنْعِمَ بِهِ عَلَيْهِمْ قَبْلَ إصابَةِ البَلاءِ. و(إذا هم) جَوابُ: (وإنْ تُصِبْهم) يَقُومُ مَقامَ الفاءِ في الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الواقِعَةِ جَوابًا لِلشَّرْطِ. وحِينَ ذَكَرَ إذاقَةَ الرَّحْمَةِ، لَمْ يَذْكُرْ سَبَبَها، وهو زِيادَةُ الإحْسانِ والتَّفَضُّلِ. وحِينَ ذَكَرَ إصابَةَ السَّيِّئَةِ، ذَكَرَ سَبَبَها، وهو العِصْيانُ، لِيَتَحَقَّقَ بَدَلُهُ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى الأمْرَ الَّذِي مَنِ اعْتَبَرَهُ لَمْ يَيْئَسْ مِن رَوْحِ اللَّهِ، وهو أنَّهُ تَعالى هو الباسِطُ القابِضُ، فَيَنْبَغِي أنْ لا يَقْنِطَ، وأنْ يَتَلَقّى ما يَرِدُ مِن قِبَلِ اللَّهِ بِالصَّبْرِ في البَلاءِ، والشُّكْرِ في النَّعْماءِ، وأنْ يُقْلِعَ عَنِ المَعْصِيَةِ الَّتِي أصابَتْهُ السَّيِّئَةُ بِسَبَبِها، حَتّى تَعُودَ إلَيْهِ رَحْمَةُ رَبِّهِ. ومُناسَبَةُ ﴿فَآتِ ذا القُرْبى﴾ لِما قَبْلَهُ: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ تَعالى هو الباسِطُ القابِضُ، وجَعَلَ في ذَلِكَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِ، ثُمَّ نَبَّهَ بِالإحْسانِ لِمَن بِهِ فاقَةٌ واحْتِياجٌ؛ لِأنَّ مِنَ الإيمانِ الشَّفَقَةَ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، فَخاطَبَ مَن بَسَطَ لَهُ الرِّزْقَ بِأداءِ حَقِّ اللَّهِ مِنَ المالِ، وصَرْفِهِ إلى مَن يَقْرُبُ مِنهُ مِن حَجٍّ، وإلى غَيْرِهِ مِن مِسْكِينٍ وابْنِ سَبِيلٍ. وقالَ الحَسَنُ: هَذا خِطابٌ لِكُلِّ سامِعٍ بِصِلَةِ الرَّحِمِ ﴿والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ﴾ . وقِيلَ: لِلرَّسُولِ، عَلَيْهِ السَّلامُ. وذُو القُرْبى: بَنُو هاشِمٍ وبَنُو المُطَّلِبِ، يُعْطَوْنَ حُقُوقَهم مِنَ الغَنِيمَةِ والفَيْءِ. وقالَ الحَسَنُ: حَقُّ المِسْكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ مِنَ الصَّدَقَةِ المُسَمّاةِ لَهُما. واحْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ في وُجُوبِ النَّفَقَةِ لِلْمَحارِمِ إذا كانُوا مُحْتاجِينَ عاجِزِينَ عَنِ الكَسْبِ. أثْبَتَ تَعالى لِذِي القُرْبى حَقًّا، ولِلْمِسْكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ حَقَّهُما. والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، فالظّاهِرُ أنَّ الحَقَّ لَيْسَ الزَّكاةَ، وإنَّما يَصِيرُ حَقًّا بِجِهَةِ الإحْسانِ والمُواساةِ. ولِلِاهْتِمامِ بِذِي القُرْبى، قُدِّمَ عَلى المِسْكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ؛ لِأنَّ بِرَّهُ صَدَقَةٌ وصِلَةٌ. (ذَلِكَ) أيِ: الإيتاءُ (خَيْرٌ) أيْ: يُضاعَفُ لَهُمُ الأجْرُ في الآخِرَةِ، ويَنْمُو مالُهم في الدُّنْيا لِوَجْهِ اللَّهِ، أيِ: التَّقَرُّبُ إلى رِضا اللَّهِ لا يَضُرُّهُ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى مَن يَتَصَرَّفُ في مالِهِ عَلى غَيْرِ الجِهَةِ المَرْضِيَّةِ فَقالَ؛ ﴿وما آتَيْتُمْ﴾ أكَلَةَ الرِّبا، لِيَزِيدَ ويَزْكُوَ في المالِ، فَلا يَزْكُو عِنْدَ اللَّهِ، ولا يُبارَكُ فِيهِ لِقَوْلِهِ: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا ويُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦] . قالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في رِبا ثَقِيفٍ، كانُوا يَعْمَلُونَ بِالرِّبا، ويَعْمَلُهُ فِيهِمْ قُرَيْشٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وطاوُسٌ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في هِباتٍ، لِلثَّوابِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وما جَرى مَجْراهُما مِمّا يُصْنَعُ لِلْمُجازاةِ، كالسِّلْمِ وغَيْرِهِ، فَهو وإنْ كانَ لا إثْمَ فِيهِ، فَلا أجْرَ فِيهِ ولا زِيادَةَ عِنْدَ اللَّهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، والنَّخَعِيُّ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ يُعْطُونَ قَراباتِهِمْ وإخْوانَهم عَلى مَعْنى نَفْعِهِمْ وتَمْوِيلِهِمْ والتَّفَضُّلِ عَلَيْهِمْ، ولِيَزِيدُوا في أمْوالِهِمْ عَلى جِهَةِ النَّفْعِ بِهِ، فَذَلِكَ النَّفْعُ لَهم. وقالَ الشَّعْبِيُّ قَرِيبًا مِن هَذا وهو: أنَّ ما خَدَمَ بِهِ الإنْسانُ غَيْرَهُ انْتَفَعَ بِهِ، فَذَلِكَ النَّفْعُ لَهم. وقالَ الشَّعْبِيُّ أيْضًا قَرِيبًا مِن هَذا وهو: أنْ لا يَرْبُوَ عِنْدَ اللَّهِ، والظّاهِرُ القَوْلُ الأوَّلُ، وهو النَّهْيُ عَنِ الرِّبا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وما آتَيْتُمْ﴾ الأوَّلُ بِمَدِّ الهَمْزَةِ، أيْ: وما أعْطَيْتُمْ؛ وابْنُ كَثِيرٍ: بِقَصْرِها، أيْ: وما جِئْتُمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لِيَرْبُوَ)، بِالياءِ وإسْنادِ الفِعْلِ إلى الرِّبا؛ وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءٍ، والشَّعْبِيُّ، ونافِعٌ، وأبُو حَيْوَةَ: بِالتّاءِ مَضْمُومَةً، وإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِمْ. وقَرَأ أبُو مالِكٍ: ”لِيُرْبُوَها“، بِضَمِيرِ المُؤَنَّثِ. والمُضَعَّفُ: ذُو أضْعافٍ في الأجْرِ. قالَ الفَرّاءُ: هم أصْحابُ المُضاعَفَةِ، كَما تَقُولُ: هو مُسَمَّنٌ، أيْ: صاحِبُ إبِلٍ سِمانٍ، ومُعَطَّشٌ: أيْ: صاحِبُ إبِلٍ عَطْشى. وقَرَأ أُبَيٌّ: ”المُضْعَفُونَ“ بِفَتْحِ العَيْنِ، اسْمَ مَفْعُولٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ﴾ التِفاتٌ حَسَنٌ، كَأنَّهُ قالَ لِمَلائِكَتِهِ وخَواصِّ خَلْقِهِ: فَأُولَئِكَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ بِصَدَقاتِهِمْ هُمُ المُضْعِفُونَ، والمَعْنى: المُضْعِفُونَ بِهِ بِدَلالَةِ أُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ، والحَذْفُ لِما في الكَلامِ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ، وهَذا أسْهَلُ مَأْخَذًا، والأوَّلُ أمْلَأُ بِالفائِدَةِ: انْتَهى. وإنَّما احْتاجَ إلى (p-١٧٥)تَقْدِيرِ ما قُدِّرَ؛ لِأنَّ اسْمَ الشَّرْطِ لَيْسَ بِظَرْفٍ، لا بُدَّ أنْ يَكُونَ في الجَوابِ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَيْهِ يَتِمُّ بِهِ الرَّبْطُ.

الروم 30:38

(p-١٧٣)﴿وإذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهم مُنِيبِينَ إلَيْهِ ثُمَّ إذا أذاقَهم مِنهُ رَحْمَةً إذا فَرِيقٌ مِنهم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمْ أنْزَلَنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهو يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ إذا هم يَقْنَطُونَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿فَآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿وما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وما آتَيْتُمْ مِن زَكاةٍ تُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ﴾ . الضُّرُّ: الشِّدَّةُ، مِن فَقْرٍ، أوْ مَرَضٍ، أوْ قَحْطٍ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ والرَّحْمَةُ: الخَلاصُ مِن ذَلِكَ الضُّرِّ. ﴿دَعَوْا رَبَّهُمْ﴾ أفْرَدُوهُ بِالتَّضَرُّعِ والدُّعاءِ لِيَنْجُوا مِن ذَلِكَ الضُّرِّ، وتَرَكُوا أصْنامَهم لِعِلْمِهِمْ أنَّهُ لا يَكْشِفُ الضُّرَّ إلّا هو تَعالى، فَلَهم في ذَلِكَ الوَقْتِ إنابَةٌ وخُضُوعٌ، وإذا خَلَّصَهم مِن ذَلِكَ الضُّرِّ، أشْرَكَ فَرِيقٌ مِمَّنْ أخْلَصَ، وهَذا الفَرِيقُ هم عَبَدَةُ الأصْنامِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَلْحَقُ مِن هَذِهِ الألْفاظِ شَيْءٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، إذْ جاءَهم فَرَجٌ بَعْدَ شِدَّةٍ، عَلَّقُوا ذَلِكَ بِمَخْلُوقِينَ، أوْ بِحِذْقِ آرائِهِمْ، أوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ، فَفِيهِ قِلَّةُ شُكْرِ اللَّهِ، ويُسَمّى مَجازًا. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: يَقُولُ: تَخَلَّصْتُ بِسَبَبِ اتِّصالِ الكَوْكَبِ الفُلانِيِّ وسَبَبِ الصَّنَمِ الفُلانِيِّ، بَلْ يَنْبَغِي أنْ لا يَعْتَقِدَ أنَّهُ يَخْلُصُ بِسَبَبِ فُلانٍ إذا كانَ ظاهِرًا، فَإنَّهُ شِرْكٌ خَفِيٌّ. انْتَهى. و(إذا فَرِيقٌ) جَوابُ ﴿إذا أذاقَهُمْ﴾ الأُولى شَرْطِيَّةٌ، والثّانِيَةُ لِلْمُفاجَأةِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ، وجاءَ هُنا (فَرِيقٌ)؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإذا مَسَّ النّاسَ﴾ عامٌّ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، فَلا يُشْرِكُ إلّا الكافِرُ. و(ضُرٌّ) هَنا مُطْلَقٌ، وفي آخِرِ العَنْكَبُوتِ ﴿إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] لِأنَّهُ في مَخْصُوصِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ عُبّادِ الأصْنامِ، والضُّرُّ هُناكَ مُعَيَّنٌ، وهو ما يُتَخَوَّفُ مِن رُكُوبِ البَحْرِ. (إذا هم) أيْ: رُكّابُ البَحْرِ عَبَدَةُ الأصْنامِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ. واللّامُ في (لِيَكْفُرُوا) لامُ كَيْ، أوْ لامُ الأمْرِ لِلتَّهْدِيدِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في آخِرِ العَنْكَبُوتِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ بِالتّاءِ فِيهِما. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ: ”فَيُتَمَتَّعُوا“، بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وهو مَعْطُوفٌ عَلى (لِيَكْفُرُوا)، و”لَسَوْفَ يَعْلَمُونَ“ بِالياءِ عَلى التَّهْدِيدِ لَهم، وعَنِ أبِي العالِيَةِ ”فَيَتَمَتَّعُوا“ بِياءٍ قَبْلَ التّاءِ، عَطْفٌ أيْضًا عَلى (لِيَكْفُرُوا) أيْ: لِتَطُولَ أعْمارُهم عَلى الكُفْرِ؛ وعَنْهُ وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ: ”فَلْيَتَمَتَّعُوا“ . وقالَ هارُونُ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: ”يَتَمَتَّعُوا“ . ﴿أمْ أنْزَلْنا﴾ أمْ: بِمَعْنى بَلْ، والهَمْزَةُ لِلْإضْرابِ عَنِ الكَلامِ السّابِقِ، والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ عَنِ الحُجَّةِ اسْتِفْهامَ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ. والسُّلْطانُ: البُرْهانُ، مِن كِتابٍ أوْ نَحْوِهِ. ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾ أيْ: يُظْهِرُ مَذْهَبَهم ويَنْطِقُ بِشِرْكِهِمْ، والتَّكَلُّمُ مَجازٌ لِقَوْلِهِ: ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ﴾ [الجاثية: ٢٩] . و”هو يَتَكَلَّمُ“: جَوابٌ لِلِاسْتِفْهامِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ ”أمْ“، كَأنَّهُ قالَ: بَلْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا، أيْ: بُرْهانًا شاهِدًا لَكم بِالشِّرْكِ، فَهو يَشْهَدُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ، وإنْ قُدِّرَ ”ذا سُلْطانٍ“، أيْ: مَلَكًا ذا بُرْهانٍ، كانَ التَّكَلُّمُ حَقِيقَةً. (p-١٧٤)﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً﴾ أيْ: نِعْمَةً، مِن مَطَرٍ، أوْ سِعَةٍ، أوْ صِحَّةٍ. ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ أيْ: بَلاءٌ، مِن حَدَثٍ، أوْ ضِيقٍ، أوْ مَرَضٍ. ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ إذا﴾ المَعاصِي. ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] فَفي إصابَةِ الرَّحْمَةِ فَرِحُوا وذَهَلُوا عَنْ شُكْرِ مَن أسْداها إلَيْهِمْ، وفي إصابَةِ البَلاءِ قَنِطُوا ويَئِسُوا وذَهَلُوا عَنِ الصَّبْرِ، ونَسُوا ما أُنْعِمَ بِهِ عَلَيْهِمْ قَبْلَ إصابَةِ البَلاءِ. و(إذا هم) جَوابُ: (وإنْ تُصِبْهم) يَقُومُ مَقامَ الفاءِ في الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الواقِعَةِ جَوابًا لِلشَّرْطِ. وحِينَ ذَكَرَ إذاقَةَ الرَّحْمَةِ، لَمْ يَذْكُرْ سَبَبَها، وهو زِيادَةُ الإحْسانِ والتَّفَضُّلِ. وحِينَ ذَكَرَ إصابَةَ السَّيِّئَةِ، ذَكَرَ سَبَبَها، وهو العِصْيانُ، لِيَتَحَقَّقَ بَدَلُهُ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى الأمْرَ الَّذِي مَنِ اعْتَبَرَهُ لَمْ يَيْئَسْ مِن رَوْحِ اللَّهِ، وهو أنَّهُ تَعالى هو الباسِطُ القابِضُ، فَيَنْبَغِي أنْ لا يَقْنِطَ، وأنْ يَتَلَقّى ما يَرِدُ مِن قِبَلِ اللَّهِ بِالصَّبْرِ في البَلاءِ، والشُّكْرِ في النَّعْماءِ، وأنْ يُقْلِعَ عَنِ المَعْصِيَةِ الَّتِي أصابَتْهُ السَّيِّئَةُ بِسَبَبِها، حَتّى تَعُودَ إلَيْهِ رَحْمَةُ رَبِّهِ. ومُناسَبَةُ ﴿فَآتِ ذا القُرْبى﴾ لِما قَبْلَهُ: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ تَعالى هو الباسِطُ القابِضُ، وجَعَلَ في ذَلِكَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِ، ثُمَّ نَبَّهَ بِالإحْسانِ لِمَن بِهِ فاقَةٌ واحْتِياجٌ؛ لِأنَّ مِنَ الإيمانِ الشَّفَقَةَ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، فَخاطَبَ مَن بَسَطَ لَهُ الرِّزْقَ بِأداءِ حَقِّ اللَّهِ مِنَ المالِ، وصَرْفِهِ إلى مَن يَقْرُبُ مِنهُ مِن حَجٍّ، وإلى غَيْرِهِ مِن مِسْكِينٍ وابْنِ سَبِيلٍ. وقالَ الحَسَنُ: هَذا خِطابٌ لِكُلِّ سامِعٍ بِصِلَةِ الرَّحِمِ ﴿والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ﴾ . وقِيلَ: لِلرَّسُولِ، عَلَيْهِ السَّلامُ. وذُو القُرْبى: بَنُو هاشِمٍ وبَنُو المُطَّلِبِ، يُعْطَوْنَ حُقُوقَهم مِنَ الغَنِيمَةِ والفَيْءِ. وقالَ الحَسَنُ: حَقُّ المِسْكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ مِنَ الصَّدَقَةِ المُسَمّاةِ لَهُما. واحْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ في وُجُوبِ النَّفَقَةِ لِلْمَحارِمِ إذا كانُوا مُحْتاجِينَ عاجِزِينَ عَنِ الكَسْبِ. أثْبَتَ تَعالى لِذِي القُرْبى حَقًّا، ولِلْمِسْكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ حَقَّهُما. والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، فالظّاهِرُ أنَّ الحَقَّ لَيْسَ الزَّكاةَ، وإنَّما يَصِيرُ حَقًّا بِجِهَةِ الإحْسانِ والمُواساةِ. ولِلِاهْتِمامِ بِذِي القُرْبى، قُدِّمَ عَلى المِسْكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ؛ لِأنَّ بِرَّهُ صَدَقَةٌ وصِلَةٌ. (ذَلِكَ) أيِ: الإيتاءُ (خَيْرٌ) أيْ: يُضاعَفُ لَهُمُ الأجْرُ في الآخِرَةِ، ويَنْمُو مالُهم في الدُّنْيا لِوَجْهِ اللَّهِ، أيِ: التَّقَرُّبُ إلى رِضا اللَّهِ لا يَضُرُّهُ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى مَن يَتَصَرَّفُ في مالِهِ عَلى غَيْرِ الجِهَةِ المَرْضِيَّةِ فَقالَ؛ ﴿وما آتَيْتُمْ﴾ أكَلَةَ الرِّبا، لِيَزِيدَ ويَزْكُوَ في المالِ، فَلا يَزْكُو عِنْدَ اللَّهِ، ولا يُبارَكُ فِيهِ لِقَوْلِهِ: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا ويُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦] . قالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في رِبا ثَقِيفٍ، كانُوا يَعْمَلُونَ بِالرِّبا، ويَعْمَلُهُ فِيهِمْ قُرَيْشٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وطاوُسٌ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في هِباتٍ، لِلثَّوابِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وما جَرى مَجْراهُما مِمّا يُصْنَعُ لِلْمُجازاةِ، كالسِّلْمِ وغَيْرِهِ، فَهو وإنْ كانَ لا إثْمَ فِيهِ، فَلا أجْرَ فِيهِ ولا زِيادَةَ عِنْدَ اللَّهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، والنَّخَعِيُّ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ يُعْطُونَ قَراباتِهِمْ وإخْوانَهم عَلى مَعْنى نَفْعِهِمْ وتَمْوِيلِهِمْ والتَّفَضُّلِ عَلَيْهِمْ، ولِيَزِيدُوا في أمْوالِهِمْ عَلى جِهَةِ النَّفْعِ بِهِ، فَذَلِكَ النَّفْعُ لَهم. وقالَ الشَّعْبِيُّ قَرِيبًا مِن هَذا وهو: أنَّ ما خَدَمَ بِهِ الإنْسانُ غَيْرَهُ انْتَفَعَ بِهِ، فَذَلِكَ النَّفْعُ لَهم. وقالَ الشَّعْبِيُّ أيْضًا قَرِيبًا مِن هَذا وهو: أنْ لا يَرْبُوَ عِنْدَ اللَّهِ، والظّاهِرُ القَوْلُ الأوَّلُ، وهو النَّهْيُ عَنِ الرِّبا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وما آتَيْتُمْ﴾ الأوَّلُ بِمَدِّ الهَمْزَةِ، أيْ: وما أعْطَيْتُمْ؛ وابْنُ كَثِيرٍ: بِقَصْرِها، أيْ: وما جِئْتُمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لِيَرْبُوَ)، بِالياءِ وإسْنادِ الفِعْلِ إلى الرِّبا؛ وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءٍ، والشَّعْبِيُّ، ونافِعٌ، وأبُو حَيْوَةَ: بِالتّاءِ مَضْمُومَةً، وإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِمْ. وقَرَأ أبُو مالِكٍ: ”لِيُرْبُوَها“، بِضَمِيرِ المُؤَنَّثِ. والمُضَعَّفُ: ذُو أضْعافٍ في الأجْرِ. قالَ الفَرّاءُ: هم أصْحابُ المُضاعَفَةِ، كَما تَقُولُ: هو مُسَمَّنٌ، أيْ: صاحِبُ إبِلٍ سِمانٍ، ومُعَطَّشٌ: أيْ: صاحِبُ إبِلٍ عَطْشى. وقَرَأ أُبَيٌّ: ”المُضْعَفُونَ“ بِفَتْحِ العَيْنِ، اسْمَ مَفْعُولٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ﴾ التِفاتٌ حَسَنٌ، كَأنَّهُ قالَ لِمَلائِكَتِهِ وخَواصِّ خَلْقِهِ: فَأُولَئِكَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ بِصَدَقاتِهِمْ هُمُ المُضْعِفُونَ، والمَعْنى: المُضْعِفُونَ بِهِ بِدَلالَةِ أُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ، والحَذْفُ لِما في الكَلامِ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ، وهَذا أسْهَلُ مَأْخَذًا، والأوَّلُ أمْلَأُ بِالفائِدَةِ: انْتَهى. وإنَّما احْتاجَ إلى (p-١٧٥)تَقْدِيرِ ما قُدِّرَ؛ لِأنَّ اسْمَ الشَّرْطِ لَيْسَ بِظَرْفٍ، لا بُدَّ أنْ يَكُونَ في الجَوابِ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَيْهِ يَتِمُّ بِهِ الرَّبْطُ.

الروم 30:39

(p-١٧٣)﴿وإذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهم مُنِيبِينَ إلَيْهِ ثُمَّ إذا أذاقَهم مِنهُ رَحْمَةً إذا فَرِيقٌ مِنهم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمْ أنْزَلَنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهو يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ إذا هم يَقْنَطُونَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿فَآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿وما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وما آتَيْتُمْ مِن زَكاةٍ تُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ﴾ . الضُّرُّ: الشِّدَّةُ، مِن فَقْرٍ، أوْ مَرَضٍ، أوْ قَحْطٍ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ والرَّحْمَةُ: الخَلاصُ مِن ذَلِكَ الضُّرِّ. ﴿دَعَوْا رَبَّهُمْ﴾ أفْرَدُوهُ بِالتَّضَرُّعِ والدُّعاءِ لِيَنْجُوا مِن ذَلِكَ الضُّرِّ، وتَرَكُوا أصْنامَهم لِعِلْمِهِمْ أنَّهُ لا يَكْشِفُ الضُّرَّ إلّا هو تَعالى، فَلَهم في ذَلِكَ الوَقْتِ إنابَةٌ وخُضُوعٌ، وإذا خَلَّصَهم مِن ذَلِكَ الضُّرِّ، أشْرَكَ فَرِيقٌ مِمَّنْ أخْلَصَ، وهَذا الفَرِيقُ هم عَبَدَةُ الأصْنامِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَلْحَقُ مِن هَذِهِ الألْفاظِ شَيْءٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، إذْ جاءَهم فَرَجٌ بَعْدَ شِدَّةٍ، عَلَّقُوا ذَلِكَ بِمَخْلُوقِينَ، أوْ بِحِذْقِ آرائِهِمْ، أوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ، فَفِيهِ قِلَّةُ شُكْرِ اللَّهِ، ويُسَمّى مَجازًا. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: يَقُولُ: تَخَلَّصْتُ بِسَبَبِ اتِّصالِ الكَوْكَبِ الفُلانِيِّ وسَبَبِ الصَّنَمِ الفُلانِيِّ، بَلْ يَنْبَغِي أنْ لا يَعْتَقِدَ أنَّهُ يَخْلُصُ بِسَبَبِ فُلانٍ إذا كانَ ظاهِرًا، فَإنَّهُ شِرْكٌ خَفِيٌّ. انْتَهى. و(إذا فَرِيقٌ) جَوابُ ﴿إذا أذاقَهُمْ﴾ الأُولى شَرْطِيَّةٌ، والثّانِيَةُ لِلْمُفاجَأةِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ، وجاءَ هُنا (فَرِيقٌ)؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإذا مَسَّ النّاسَ﴾ عامٌّ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، فَلا يُشْرِكُ إلّا الكافِرُ. و(ضُرٌّ) هَنا مُطْلَقٌ، وفي آخِرِ العَنْكَبُوتِ ﴿إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] لِأنَّهُ في مَخْصُوصِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ عُبّادِ الأصْنامِ، والضُّرُّ هُناكَ مُعَيَّنٌ، وهو ما يُتَخَوَّفُ مِن رُكُوبِ البَحْرِ. (إذا هم) أيْ: رُكّابُ البَحْرِ عَبَدَةُ الأصْنامِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ. واللّامُ في (لِيَكْفُرُوا) لامُ كَيْ، أوْ لامُ الأمْرِ لِلتَّهْدِيدِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في آخِرِ العَنْكَبُوتِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ بِالتّاءِ فِيهِما. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ: ”فَيُتَمَتَّعُوا“، بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وهو مَعْطُوفٌ عَلى (لِيَكْفُرُوا)، و”لَسَوْفَ يَعْلَمُونَ“ بِالياءِ عَلى التَّهْدِيدِ لَهم، وعَنِ أبِي العالِيَةِ ”فَيَتَمَتَّعُوا“ بِياءٍ قَبْلَ التّاءِ، عَطْفٌ أيْضًا عَلى (لِيَكْفُرُوا) أيْ: لِتَطُولَ أعْمارُهم عَلى الكُفْرِ؛ وعَنْهُ وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ: ”فَلْيَتَمَتَّعُوا“ . وقالَ هارُونُ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: ”يَتَمَتَّعُوا“ . ﴿أمْ أنْزَلْنا﴾ أمْ: بِمَعْنى بَلْ، والهَمْزَةُ لِلْإضْرابِ عَنِ الكَلامِ السّابِقِ، والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ عَنِ الحُجَّةِ اسْتِفْهامَ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ. والسُّلْطانُ: البُرْهانُ، مِن كِتابٍ أوْ نَحْوِهِ. ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾ أيْ: يُظْهِرُ مَذْهَبَهم ويَنْطِقُ بِشِرْكِهِمْ، والتَّكَلُّمُ مَجازٌ لِقَوْلِهِ: ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ﴾ [الجاثية: ٢٩] . و”هو يَتَكَلَّمُ“: جَوابٌ لِلِاسْتِفْهامِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ ”أمْ“، كَأنَّهُ قالَ: بَلْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا، أيْ: بُرْهانًا شاهِدًا لَكم بِالشِّرْكِ، فَهو يَشْهَدُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ، وإنْ قُدِّرَ ”ذا سُلْطانٍ“، أيْ: مَلَكًا ذا بُرْهانٍ، كانَ التَّكَلُّمُ حَقِيقَةً. (p-١٧٤)﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً﴾ أيْ: نِعْمَةً، مِن مَطَرٍ، أوْ سِعَةٍ، أوْ صِحَّةٍ. ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ أيْ: بَلاءٌ، مِن حَدَثٍ، أوْ ضِيقٍ، أوْ مَرَضٍ. ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ إذا﴾ المَعاصِي. ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] فَفي إصابَةِ الرَّحْمَةِ فَرِحُوا وذَهَلُوا عَنْ شُكْرِ مَن أسْداها إلَيْهِمْ، وفي إصابَةِ البَلاءِ قَنِطُوا ويَئِسُوا وذَهَلُوا عَنِ الصَّبْرِ، ونَسُوا ما أُنْعِمَ بِهِ عَلَيْهِمْ قَبْلَ إصابَةِ البَلاءِ. و(إذا هم) جَوابُ: (وإنْ تُصِبْهم) يَقُومُ مَقامَ الفاءِ في الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الواقِعَةِ جَوابًا لِلشَّرْطِ. وحِينَ ذَكَرَ إذاقَةَ الرَّحْمَةِ، لَمْ يَذْكُرْ سَبَبَها، وهو زِيادَةُ الإحْسانِ والتَّفَضُّلِ. وحِينَ ذَكَرَ إصابَةَ السَّيِّئَةِ، ذَكَرَ سَبَبَها، وهو العِصْيانُ، لِيَتَحَقَّقَ بَدَلُهُ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى الأمْرَ الَّذِي مَنِ اعْتَبَرَهُ لَمْ يَيْئَسْ مِن رَوْحِ اللَّهِ، وهو أنَّهُ تَعالى هو الباسِطُ القابِضُ، فَيَنْبَغِي أنْ لا يَقْنِطَ، وأنْ يَتَلَقّى ما يَرِدُ مِن قِبَلِ اللَّهِ بِالصَّبْرِ في البَلاءِ، والشُّكْرِ في النَّعْماءِ، وأنْ يُقْلِعَ عَنِ المَعْصِيَةِ الَّتِي أصابَتْهُ السَّيِّئَةُ بِسَبَبِها، حَتّى تَعُودَ إلَيْهِ رَحْمَةُ رَبِّهِ. ومُناسَبَةُ ﴿فَآتِ ذا القُرْبى﴾ لِما قَبْلَهُ: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ تَعالى هو الباسِطُ القابِضُ، وجَعَلَ في ذَلِكَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِ، ثُمَّ نَبَّهَ بِالإحْسانِ لِمَن بِهِ فاقَةٌ واحْتِياجٌ؛ لِأنَّ مِنَ الإيمانِ الشَّفَقَةَ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، فَخاطَبَ مَن بَسَطَ لَهُ الرِّزْقَ بِأداءِ حَقِّ اللَّهِ مِنَ المالِ، وصَرْفِهِ إلى مَن يَقْرُبُ مِنهُ مِن حَجٍّ، وإلى غَيْرِهِ مِن مِسْكِينٍ وابْنِ سَبِيلٍ. وقالَ الحَسَنُ: هَذا خِطابٌ لِكُلِّ سامِعٍ بِصِلَةِ الرَّحِمِ ﴿والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ﴾ . وقِيلَ: لِلرَّسُولِ، عَلَيْهِ السَّلامُ. وذُو القُرْبى: بَنُو هاشِمٍ وبَنُو المُطَّلِبِ، يُعْطَوْنَ حُقُوقَهم مِنَ الغَنِيمَةِ والفَيْءِ. وقالَ الحَسَنُ: حَقُّ المِسْكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ مِنَ الصَّدَقَةِ المُسَمّاةِ لَهُما. واحْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ في وُجُوبِ النَّفَقَةِ لِلْمَحارِمِ إذا كانُوا مُحْتاجِينَ عاجِزِينَ عَنِ الكَسْبِ. أثْبَتَ تَعالى لِذِي القُرْبى حَقًّا، ولِلْمِسْكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ حَقَّهُما. والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، فالظّاهِرُ أنَّ الحَقَّ لَيْسَ الزَّكاةَ، وإنَّما يَصِيرُ حَقًّا بِجِهَةِ الإحْسانِ والمُواساةِ. ولِلِاهْتِمامِ بِذِي القُرْبى، قُدِّمَ عَلى المِسْكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ؛ لِأنَّ بِرَّهُ صَدَقَةٌ وصِلَةٌ. (ذَلِكَ) أيِ: الإيتاءُ (خَيْرٌ) أيْ: يُضاعَفُ لَهُمُ الأجْرُ في الآخِرَةِ، ويَنْمُو مالُهم في الدُّنْيا لِوَجْهِ اللَّهِ، أيِ: التَّقَرُّبُ إلى رِضا اللَّهِ لا يَضُرُّهُ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى مَن يَتَصَرَّفُ في مالِهِ عَلى غَيْرِ الجِهَةِ المَرْضِيَّةِ فَقالَ؛ ﴿وما آتَيْتُمْ﴾ أكَلَةَ الرِّبا، لِيَزِيدَ ويَزْكُوَ في المالِ، فَلا يَزْكُو عِنْدَ اللَّهِ، ولا يُبارَكُ فِيهِ لِقَوْلِهِ: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا ويُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦] . قالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في رِبا ثَقِيفٍ، كانُوا يَعْمَلُونَ بِالرِّبا، ويَعْمَلُهُ فِيهِمْ قُرَيْشٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وطاوُسٌ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في هِباتٍ، لِلثَّوابِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وما جَرى مَجْراهُما مِمّا يُصْنَعُ لِلْمُجازاةِ، كالسِّلْمِ وغَيْرِهِ، فَهو وإنْ كانَ لا إثْمَ فِيهِ، فَلا أجْرَ فِيهِ ولا زِيادَةَ عِنْدَ اللَّهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، والنَّخَعِيُّ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ يُعْطُونَ قَراباتِهِمْ وإخْوانَهم عَلى مَعْنى نَفْعِهِمْ وتَمْوِيلِهِمْ والتَّفَضُّلِ عَلَيْهِمْ، ولِيَزِيدُوا في أمْوالِهِمْ عَلى جِهَةِ النَّفْعِ بِهِ، فَذَلِكَ النَّفْعُ لَهم. وقالَ الشَّعْبِيُّ قَرِيبًا مِن هَذا وهو: أنَّ ما خَدَمَ بِهِ الإنْسانُ غَيْرَهُ انْتَفَعَ بِهِ، فَذَلِكَ النَّفْعُ لَهم. وقالَ الشَّعْبِيُّ أيْضًا قَرِيبًا مِن هَذا وهو: أنْ لا يَرْبُوَ عِنْدَ اللَّهِ، والظّاهِرُ القَوْلُ الأوَّلُ، وهو النَّهْيُ عَنِ الرِّبا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وما آتَيْتُمْ﴾ الأوَّلُ بِمَدِّ الهَمْزَةِ، أيْ: وما أعْطَيْتُمْ؛ وابْنُ كَثِيرٍ: بِقَصْرِها، أيْ: وما جِئْتُمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لِيَرْبُوَ)، بِالياءِ وإسْنادِ الفِعْلِ إلى الرِّبا؛ وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءٍ، والشَّعْبِيُّ، ونافِعٌ، وأبُو حَيْوَةَ: بِالتّاءِ مَضْمُومَةً، وإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِمْ. وقَرَأ أبُو مالِكٍ: ”لِيُرْبُوَها“، بِضَمِيرِ المُؤَنَّثِ. والمُضَعَّفُ: ذُو أضْعافٍ في الأجْرِ. قالَ الفَرّاءُ: هم أصْحابُ المُضاعَفَةِ، كَما تَقُولُ: هو مُسَمَّنٌ، أيْ: صاحِبُ إبِلٍ سِمانٍ، ومُعَطَّشٌ: أيْ: صاحِبُ إبِلٍ عَطْشى. وقَرَأ أُبَيٌّ: ”المُضْعَفُونَ“ بِفَتْحِ العَيْنِ، اسْمَ مَفْعُولٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ﴾ التِفاتٌ حَسَنٌ، كَأنَّهُ قالَ لِمَلائِكَتِهِ وخَواصِّ خَلْقِهِ: فَأُولَئِكَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ بِصَدَقاتِهِمْ هُمُ المُضْعِفُونَ، والمَعْنى: المُضْعِفُونَ بِهِ بِدَلالَةِ أُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ، والحَذْفُ لِما في الكَلامِ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ، وهَذا أسْهَلُ مَأْخَذًا، والأوَّلُ أمْلَأُ بِالفائِدَةِ: انْتَهى. وإنَّما احْتاجَ إلى (p-١٧٥)تَقْدِيرِ ما قُدِّرَ؛ لِأنَّ اسْمَ الشَّرْطِ لَيْسَ بِظَرْفٍ، لا بُدَّ أنْ يَكُونَ في الجَوابِ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَيْهِ يَتِمُّ بِهِ الرَّبْطُ.

الروم 30:40

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم ثُمَّ رَزَقَكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم مِن شَيْءٍ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ لِيُذِيقَهم بَعْضَ الَّذِينَ عَمِلُوا لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كانَ أكْثَرُهم مُشْرِكِينَ﴾ ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ القَيِّمِ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ومَن عَمِلَ صالِحًا فَلِأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِن فَضْلِهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ . كَرَّرَ تَعالى خِطابَ الكُفّارِ في أمْرِ أوْثانِهِمْ، فَذَكَرَ أفْعالَهُ الَّتِي لا يُمْكِنُ أنْ يُدْعى لَهُ فِيها شَرِيكٌ، وهي الخَلْقُ والرِّزْقُ والإماتَةُ والإحْياءُ، ثُمَّ اسْتَفْهَمَ عَلى جِهَةِ التَّقْرِيرِ لَهم والتَّوْبِيخِ، ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ مَقالَتِهِمْ. و﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (الَّذِي خَلَقَكم) صِفَةً لِلْمُبْتَدَأِ، والخَبَرُ: (هَلْ مِن شُرَكائِكم)؛ وقَوْلُهُ: (مِن ذَلِكم) هو الَّذِي رَبَطَ الجُمْلَةَ بِالمُبْتَدَأِ لِأنَّ مَعْناهُ: مِن أفْعالِهِ. انْتَهى. والَّذِي ذَكَرَهُ النَّحْوِيُّونَ أنَّ اسْمَ الإشارَةِ يَكُونُ رابِطًا إذا كانَ أُشِيرَ بِهِ إلى المُبْتَدَأِ. وأمّا (ذَلِكم) هُنا فَلَيْسَ إشارَةً إلى المُبْتَدَأِ، لَكِنَّهُ شَبِيهٌ بِما أجازَهُ الفَرّاءُ مِنَ الرَّبْطِ بِالمَعْنى، وخالَفَهُ النّاسُ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٤] قالَ: التَّقْدِيرُ: يَتَرَبَّصْنَ أزْواجَهم، فَقَدَّرَ الضَّمِيرَ بِمُضافٍ إلى ضَمِيرِ الَّذِينَ، فَحَصَلَ بِهِ الرَّبْطُ، كَذَلِكَ قَدَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ (مِن ذَلِكم) مِن أفْعالِهِ المُضافِ إلى الضَّمِيرِ العائِدِ عَلى المُبْتَدَأِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْضًا: هَلْ مِن شُرَكائِكُمُ الَّذِينَ اتَّخَذْتُمُوهم أنْدادًا لَهُ مِنَ الأصْنامِ وغَيْرِها مَن يَفْعَلُ شَيْئًا قَطُّ مِن تِلْكَ الأفْعالِ، حَتّى يَصِحَّ ما ذَهَبْتُمْ إلَيْهِ ؟ فاسْتَعْمَلَ قَطُّ في غَيْرِ مَوْضِعِها؛ لِأنَّها ظَرْفٌ لِلْماضِي، وهُنا جَعَلَها مَعْمُولَةً لِـ: (يَفْعَلُ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْضًا: ومِنَ الأُولى والثّانِيَةِ، كُلُّ واحِدَةٍ مُسْتَقْبِلَةٍ تَأْكِيدٌ لِتَعْجِيزِ شُرَكائِهِمْ وتَجْهِيلِ عَبَدَتِهِمْ؛ فَـ: ”مِنِ“ الأُولى لِلتَّبْعِيضِ، والجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ؛ و(مَن يَفْعَلُ) هو المُبْتَدَأُ، و”مِنَ“ الثّانِيَةِ في مَوْضِعِ الحالِ مِن (شَيْءٍ)؛ لِأنَّهُ نَعْتٌ نَكِرَةٌ تَقَدَّمَ عَلَيْها فانْتَصَبَ عَلى الحالِ؛ و”مِنِ“ الثّالِثَةُ زائِدَةٌ لِانْسِحابِ (p-١٧٦)الِاسْتِفْهامِ الَّذِي مَعْناهُ النَّفْيُ عَلى الكَلامِ، التَّقْدِيرُ: مَن يَفْعَلُ شَيْئًا مِن ذَلِكم، أيْ: مِن تِلْكَ الأفْعالِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُشْرِكُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ؛ والأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ: بِتاءِ الخِطابِ، والظّاهِرُ مُرادُ ظاهِرِ البَرِّ والبَحْرِ. وقالَ الحَسَنُ: وظُهُورُ الفَسادِ فِيهِما بِارْتِفاعِ البَرَكاتِ، ونُزُولِ رَزايا، وحُدُوثِ فِتَنٍ، وتَقَلُّبِ عَدُوٍّ كافِرٍ، وهَذِهِ الثَّلاثَةُ تُوجَدُ في البَرِّ والبَحْرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿الفَسادُ في البَرِّ﴾ القُطّاعُ فَتَسُدُّهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: (في البِرِّ) بِقَتْلِ أحَدِ بَنِي آدَمَ لِأخِيهِ، وفي البَحْرِ: بِأخْذِ السُّفُنِ غَصْبًا، وعَنْهُ أيْضًا: البَرُّ: البِلادُ البَعِيدَةُ مِنَ البَحْرِ، والبَحْرُ: السَّواحِلُ والجُزُرُ الَّتِي عَلى ضَفَّةِ البَحْرِ والأنْهارِ. وقالَ قَتادَةُ: البَرُّ: الفَيافِي ومَواضِعُ القَبائِلِ وأهْلُ الصَّحارِي والعُمُورِ، والبَحْرُ: المُدُنُ، جَمْعُ بَحْرَةٍ، ومِنهُ: ولَقَدْ أجْمَعَ أهْلُ هَذِهِ البُحَيْرَةِ لِيُتَوِّجُوهُ، يَعْنِي قَوْلَ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ، ويُؤَيِّدُ هَذا قِراءَةُ عِكْرِمَةَ. ”والبُحُورِ“ بِالجَمْعِ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وكانَ قَدْ ظَهَرَ الفَسادُ بَرًّا وبَحْرًا وقْتَ بَعْثَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكانَ الظُّلْمُ عَمَّ الأرْضَ، فَأظْهَرَ اللَّهُ بِهِ الدِّينَ، وأزالَ الفَسادَ، وأخْمَدَهُ. وقالَ النَّحّاسُ: فِيهِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: ظَهَرَ الجَدْبُ في البَرِّ في البَوادِي وقَرَأها ”والبَحْرِ“، أيْ: في مُدُنِ البَحْرِ، مِثْلُ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أيْ: ظَهَرَ قِلَّةُ العُشْبِ، وغَلا السِّعْرُ. والثّانِي: ظَهَرَتِ المَعاصِي مِن قَطْعِ السَّبِيلِ والظُّلْمِ، فَهَذا هو الفَسادُ عَلى الحَقِيقَةِ، والأوَّلُ مَجازٌ، وقِيلَ: إذا قَلَّ المَطَرُ قَلَّ الغَوْصُ، وأُحْنِقَ الصَّيّادُ وعَمِيَتْ دَوابُّ البَحْرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا مَطَرَتْ تَفَتَّحَتِ الأصْدافُ في البَحْرِ، فَما وقَعَ فِيها مِنَ السَّماءِ فَهو لُؤْلُؤٌ. ﴿بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ﴾ أيْ: بِسَبَبِ مَعاصِيهِمْ وذُنُوبِهِمْ. ﴿لِيُذِيقَهُمْ﴾ أيْ: أنَّهُ تَعالى أفْسَدَ أسْبابَ دُنْياهم ومَحَقَهم، لِيُذِيقَهم وبالَ بَعْضِ أعْمالِهِمْ في الدُّنْيا، قَبْلَ أنْ يُعاقِبَهم بِها جَمِيعًا في الآخِرَةِ. ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ عَمّا هم فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (بِما كَسَبَتْ) جَزاءَ ما كَسَبَتْ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ الباءُ بِـ: (ظَهَرَ)، أيْ: بِكَسْبِهِمُ المَعاصِيَ في البَرِّ والبَحْرِ، وهو نَفْسُ الفَسادِ الظّاهِرِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ، والأعْرَجُ، وأبُو حَيْوَةَ، وسَلامٌ، وسَهْلٌ، ورَوْحٌ، وابْنُ حَسّانَ، وقُنْبُلٌ مِن طَرِيقِ ابْنِ مُجاهِدٍ، وابْنِ الصَّباحِ، وأبُو الفَضْلِ الواسِطِيُّ عَنْهُ، ومَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: لِنُذِيقَهم، بِالنُّونِ؛ والجُمْهُورُ: بِالياءِ، ثُمَّ أمَرَهم بِالمَسِيرِ في الأرْضِ، فَيَنْظُرُوا كَيْفَ أهْلَكَ الأُمَمَ بِسَبَبِ مَعاصِيهِمْ وإشْراكِهِمْ، وذَلِكَ تَنْبِيهٌ لِقُرَيْشٍ وأمْرٌ لَهم بِالِاعْتِبارِ بِمَن سَلَفَ مِنَ الأُمَمِ، قَوْمُ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ وغَيْرُهم. ﴿كانَ أكْثَرُهم مُشْرِكِينَ﴾ أهْلَكَهم كُلَّهم بِسَبَبِ الشِّرْكِ، وقَوْمًا بِسَبَبِ المَعاصِي؛ لِأنَّهُ تَعالى يُهْلِكُ بِالمَعاصِي، كَما يُهْلِكُ بِالشِّرْكِ، كَأصْحابِ السَّبْتِ. أوْ أهْلَكَهم كُلَّهم، المُشْرِكَ والمُؤْمِنَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] وأهْلَكَهم كُلَّهم، وهم كُفّارٌ، فَأكْثَرُهم مُشْرِكُونَ، وبَعْضُهم مُعَطِّلٌ. وحِينَ ذَكَرَ امْتِنانَهُ قالَ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾ فَذَكَرَ الوُجُودَ ثُمَّ البَقاءَ بِسَبَبِ الرِّزْقِ. وحِينَ ذَكَرَ خِذْلانَهم بِالطُّغْيانِ، بِسَبَبِ البَقاءِ بِإظْهارِ الفَسادِ، ثُمَّ بِسَبَبِ الوُجُودِ بِالإهْلاكِ. ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ يَوْمُ القِيامَةِ، وفِيهِ تَحْذِيرٌ يَعُمُّ النّاسَ ﴿لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ المَرَدُّ: مَصْدَرُ رَدَّ، و(مِنَ اللَّهِ): يَحْتَمِلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ: ”يَأْتِي“، أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ مِنَ اللَّهِ يَوْمٌ لا يَرُدُّهُ أحَدٌ حَتّى لا يَأْتِيَ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها﴾ [الأنبياء: ٤٠] ويَحْتَمِلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ (مَرَدَّ)، أيْ: لا يَرُدُّهُ هو بَعْدَ أنْ يَجِيءَ بِهِ، ولا رَدَّ لَهُ مِن جِهَتِهِ. (يَوْمَئِذٍ) أيْ: يَوْمَ إذْ يَأْتِي ذَلِكَ اليَوْمُ. (يَصَّدَّعُونَ) يَتَفَرَّقُونَ، فَرِيقٌ في الجَنَّةِ، وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ. يُقالُ: تَصَدَّعَ القَوْمُ إذا تَفَرَّقُوا، ومِنهُ الصُّداعُ؛ لِأنَّهُ يُفَرِّقُ شَعْبَ الرَّأْسِ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎وكُنّا كَنَدْمانَيْ جَذِيمَةَ حِقْبَةً مِنَ الدَّهْرِ حَتّى قِيلَ لَنْ يَتَصَدَّعا ثُمَّ ذَكَرَ حالَتَيِ المُتَفَرِّقِينَ: ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أيْ: جَزاءُ كُفْرِهِ، وعَبَّرَ عَنْ حالَةِ الكافِرِ بِـ: عَلَيْهِ، وهي تَدُلُّ (p-١٧٧)عَلى الفِعْلِ والمَشَقَّةِ، وعَنْ حالِ المُؤْمِنِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلِأنْفُسِهِمْ﴾ بِاللّامِ الَّتِي هي لامُ المِلْكِ. و﴿يَمْهَدُونَ﴾ يُوَطِّئُونَ، وهي اسْتِعارَةٌ مِنَ الفَرْشِ، وعِبارَةٌ عَنْ كَوْنِهِمْ يَفْعَلُونَ في الدُّنْيا ما يَلْقُونَ بِهِ ما تَقَرُّ بِهِ أعْيُنُهم وتُسَرُّ بِهِ أنْفُسُهم في الجَنَّةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو التَّمْهِيدُ لِلْقَبْرِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ في المَوْضِعَيْنِ لِدَلالَةٍ عَلى أنَّ ضَرَرَ الكُفْرِ لا يَعُودُ إلّا عَلى الكافِرِ لا يَتَعَدّاهُ، ومَنفَعَةُ الأيْمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ تَرْجِعُ إلى المُؤْمِنِ لا تَتَجاوَزُهُ. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَتِهِ في دَعْواهُ أنَّ تَقْدِيمَ المَفْعُولِ وما جَرى مَجْراهُ يَدُلُّ عَلى الِاخْتِصاصِ، وأمّا عَلى مَذْهَبِنا فَيَدُلُّ عَلى الِاهْتِمامِ، وأمّا ما يَدَّعِيهِ مِنَ الِاخْتِصاصِ فَمَفْهُومٌ مِن آيٍ كَثِيرَةٍ في القُرْآنِ مِنها: ﴿ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] . واللّامُ في (لِيَجْزِيَ) قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُتَعَلِّقٌ بِـ: (يَمْهَدُونَ)، تَعْلِيلٌ لَهُ وتَكْرِيرُ (الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ) وتَرْكُ الضَّمِيرِ إلى الصَّرِيحِ لِتَقْدِيرِهِ أنَّهُ لا يُفْلِحُ عِنْدَهُ إلّا المُؤْمِنُ الصّالِحُ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ تَقْرِيرٌ بَعْدَ تَقْرِيرٍ عَلى الطَّرْدِ والعَكْسِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (لِيَجْزِيَ) مُتَعَلِّقٌ بِـ: (يَصَّدَّعُونَ)، ويَجُوزَ أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ ذَلِكَ لِيَجْزِيَ، وتَكُونُ الإشارَةُ إلى ما تَقَرَّرَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: (مَن كَفَرَ) (ومَن عَمِلَ صالِحًا) . انْتَهى. ويَكُونُ قَسِيمُ (الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ) عَلى هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُما ابْنُ عَطِيَّةَ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: كَأنَّهُ قالَ: والكافِرُونَ بَعْدُ لَهُ، ودَلَّ عَلى حَذْفِ هَذا القَسِيمِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ . ومَعْنى نَفْيِ الحُبِّ هُنا: أنَّهُ لا تَظْهَرُ عَلَيْهِمْ أماراتُ رَحْمَتِهِ، ولا يَرْضى الكُفْرَ لَهم دِينًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (مِن فَضْلِهِ) بِما تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ تَوْفِيَةِ الواجِبِ مِنَ الثَّوابِ، وهَذا يُشْبِهُ الكِنايَةَ؛ لِأنَّ الفَضْلَ تَبَعٌ لِلثَّوابِ، فَلا يَكُونُ إلّا بَعْدَ حُصُولِ ما هو تَبَعٌ لَهُ، أوْ أرادَ مِن عَطائِهِ، وهو ثَوابُهُ؛ لِأنَّ الفُضُولَ والفَواضِلَ هي الأعْطِيَةُ عِنْدَ العَرَبِ.

الروم 30:41

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم ثُمَّ رَزَقَكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم مِن شَيْءٍ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ لِيُذِيقَهم بَعْضَ الَّذِينَ عَمِلُوا لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كانَ أكْثَرُهم مُشْرِكِينَ﴾ ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ القَيِّمِ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ومَن عَمِلَ صالِحًا فَلِأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِن فَضْلِهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ . كَرَّرَ تَعالى خِطابَ الكُفّارِ في أمْرِ أوْثانِهِمْ، فَذَكَرَ أفْعالَهُ الَّتِي لا يُمْكِنُ أنْ يُدْعى لَهُ فِيها شَرِيكٌ، وهي الخَلْقُ والرِّزْقُ والإماتَةُ والإحْياءُ، ثُمَّ اسْتَفْهَمَ عَلى جِهَةِ التَّقْرِيرِ لَهم والتَّوْبِيخِ، ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ مَقالَتِهِمْ. و﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (الَّذِي خَلَقَكم) صِفَةً لِلْمُبْتَدَأِ، والخَبَرُ: (هَلْ مِن شُرَكائِكم)؛ وقَوْلُهُ: (مِن ذَلِكم) هو الَّذِي رَبَطَ الجُمْلَةَ بِالمُبْتَدَأِ لِأنَّ مَعْناهُ: مِن أفْعالِهِ. انْتَهى. والَّذِي ذَكَرَهُ النَّحْوِيُّونَ أنَّ اسْمَ الإشارَةِ يَكُونُ رابِطًا إذا كانَ أُشِيرَ بِهِ إلى المُبْتَدَأِ. وأمّا (ذَلِكم) هُنا فَلَيْسَ إشارَةً إلى المُبْتَدَأِ، لَكِنَّهُ شَبِيهٌ بِما أجازَهُ الفَرّاءُ مِنَ الرَّبْطِ بِالمَعْنى، وخالَفَهُ النّاسُ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٤] قالَ: التَّقْدِيرُ: يَتَرَبَّصْنَ أزْواجَهم، فَقَدَّرَ الضَّمِيرَ بِمُضافٍ إلى ضَمِيرِ الَّذِينَ، فَحَصَلَ بِهِ الرَّبْطُ، كَذَلِكَ قَدَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ (مِن ذَلِكم) مِن أفْعالِهِ المُضافِ إلى الضَّمِيرِ العائِدِ عَلى المُبْتَدَأِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْضًا: هَلْ مِن شُرَكائِكُمُ الَّذِينَ اتَّخَذْتُمُوهم أنْدادًا لَهُ مِنَ الأصْنامِ وغَيْرِها مَن يَفْعَلُ شَيْئًا قَطُّ مِن تِلْكَ الأفْعالِ، حَتّى يَصِحَّ ما ذَهَبْتُمْ إلَيْهِ ؟ فاسْتَعْمَلَ قَطُّ في غَيْرِ مَوْضِعِها؛ لِأنَّها ظَرْفٌ لِلْماضِي، وهُنا جَعَلَها مَعْمُولَةً لِـ: (يَفْعَلُ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْضًا: ومِنَ الأُولى والثّانِيَةِ، كُلُّ واحِدَةٍ مُسْتَقْبِلَةٍ تَأْكِيدٌ لِتَعْجِيزِ شُرَكائِهِمْ وتَجْهِيلِ عَبَدَتِهِمْ؛ فَـ: ”مِنِ“ الأُولى لِلتَّبْعِيضِ، والجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ؛ و(مَن يَفْعَلُ) هو المُبْتَدَأُ، و”مِنَ“ الثّانِيَةِ في مَوْضِعِ الحالِ مِن (شَيْءٍ)؛ لِأنَّهُ نَعْتٌ نَكِرَةٌ تَقَدَّمَ عَلَيْها فانْتَصَبَ عَلى الحالِ؛ و”مِنِ“ الثّالِثَةُ زائِدَةٌ لِانْسِحابِ (p-١٧٦)الِاسْتِفْهامِ الَّذِي مَعْناهُ النَّفْيُ عَلى الكَلامِ، التَّقْدِيرُ: مَن يَفْعَلُ شَيْئًا مِن ذَلِكم، أيْ: مِن تِلْكَ الأفْعالِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُشْرِكُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ؛ والأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ: بِتاءِ الخِطابِ، والظّاهِرُ مُرادُ ظاهِرِ البَرِّ والبَحْرِ. وقالَ الحَسَنُ: وظُهُورُ الفَسادِ فِيهِما بِارْتِفاعِ البَرَكاتِ، ونُزُولِ رَزايا، وحُدُوثِ فِتَنٍ، وتَقَلُّبِ عَدُوٍّ كافِرٍ، وهَذِهِ الثَّلاثَةُ تُوجَدُ في البَرِّ والبَحْرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿الفَسادُ في البَرِّ﴾ القُطّاعُ فَتَسُدُّهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: (في البِرِّ) بِقَتْلِ أحَدِ بَنِي آدَمَ لِأخِيهِ، وفي البَحْرِ: بِأخْذِ السُّفُنِ غَصْبًا، وعَنْهُ أيْضًا: البَرُّ: البِلادُ البَعِيدَةُ مِنَ البَحْرِ، والبَحْرُ: السَّواحِلُ والجُزُرُ الَّتِي عَلى ضَفَّةِ البَحْرِ والأنْهارِ. وقالَ قَتادَةُ: البَرُّ: الفَيافِي ومَواضِعُ القَبائِلِ وأهْلُ الصَّحارِي والعُمُورِ، والبَحْرُ: المُدُنُ، جَمْعُ بَحْرَةٍ، ومِنهُ: ولَقَدْ أجْمَعَ أهْلُ هَذِهِ البُحَيْرَةِ لِيُتَوِّجُوهُ، يَعْنِي قَوْلَ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ، ويُؤَيِّدُ هَذا قِراءَةُ عِكْرِمَةَ. ”والبُحُورِ“ بِالجَمْعِ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وكانَ قَدْ ظَهَرَ الفَسادُ بَرًّا وبَحْرًا وقْتَ بَعْثَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكانَ الظُّلْمُ عَمَّ الأرْضَ، فَأظْهَرَ اللَّهُ بِهِ الدِّينَ، وأزالَ الفَسادَ، وأخْمَدَهُ. وقالَ النَّحّاسُ: فِيهِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: ظَهَرَ الجَدْبُ في البَرِّ في البَوادِي وقَرَأها ”والبَحْرِ“، أيْ: في مُدُنِ البَحْرِ، مِثْلُ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أيْ: ظَهَرَ قِلَّةُ العُشْبِ، وغَلا السِّعْرُ. والثّانِي: ظَهَرَتِ المَعاصِي مِن قَطْعِ السَّبِيلِ والظُّلْمِ، فَهَذا هو الفَسادُ عَلى الحَقِيقَةِ، والأوَّلُ مَجازٌ، وقِيلَ: إذا قَلَّ المَطَرُ قَلَّ الغَوْصُ، وأُحْنِقَ الصَّيّادُ وعَمِيَتْ دَوابُّ البَحْرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا مَطَرَتْ تَفَتَّحَتِ الأصْدافُ في البَحْرِ، فَما وقَعَ فِيها مِنَ السَّماءِ فَهو لُؤْلُؤٌ. ﴿بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ﴾ أيْ: بِسَبَبِ مَعاصِيهِمْ وذُنُوبِهِمْ. ﴿لِيُذِيقَهُمْ﴾ أيْ: أنَّهُ تَعالى أفْسَدَ أسْبابَ دُنْياهم ومَحَقَهم، لِيُذِيقَهم وبالَ بَعْضِ أعْمالِهِمْ في الدُّنْيا، قَبْلَ أنْ يُعاقِبَهم بِها جَمِيعًا في الآخِرَةِ. ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ عَمّا هم فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (بِما كَسَبَتْ) جَزاءَ ما كَسَبَتْ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ الباءُ بِـ: (ظَهَرَ)، أيْ: بِكَسْبِهِمُ المَعاصِيَ في البَرِّ والبَحْرِ، وهو نَفْسُ الفَسادِ الظّاهِرِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ، والأعْرَجُ، وأبُو حَيْوَةَ، وسَلامٌ، وسَهْلٌ، ورَوْحٌ، وابْنُ حَسّانَ، وقُنْبُلٌ مِن طَرِيقِ ابْنِ مُجاهِدٍ، وابْنِ الصَّباحِ، وأبُو الفَضْلِ الواسِطِيُّ عَنْهُ، ومَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: لِنُذِيقَهم، بِالنُّونِ؛ والجُمْهُورُ: بِالياءِ، ثُمَّ أمَرَهم بِالمَسِيرِ في الأرْضِ، فَيَنْظُرُوا كَيْفَ أهْلَكَ الأُمَمَ بِسَبَبِ مَعاصِيهِمْ وإشْراكِهِمْ، وذَلِكَ تَنْبِيهٌ لِقُرَيْشٍ وأمْرٌ لَهم بِالِاعْتِبارِ بِمَن سَلَفَ مِنَ الأُمَمِ، قَوْمُ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ وغَيْرُهم. ﴿كانَ أكْثَرُهم مُشْرِكِينَ﴾ أهْلَكَهم كُلَّهم بِسَبَبِ الشِّرْكِ، وقَوْمًا بِسَبَبِ المَعاصِي؛ لِأنَّهُ تَعالى يُهْلِكُ بِالمَعاصِي، كَما يُهْلِكُ بِالشِّرْكِ، كَأصْحابِ السَّبْتِ. أوْ أهْلَكَهم كُلَّهم، المُشْرِكَ والمُؤْمِنَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] وأهْلَكَهم كُلَّهم، وهم كُفّارٌ، فَأكْثَرُهم مُشْرِكُونَ، وبَعْضُهم مُعَطِّلٌ. وحِينَ ذَكَرَ امْتِنانَهُ قالَ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾ فَذَكَرَ الوُجُودَ ثُمَّ البَقاءَ بِسَبَبِ الرِّزْقِ. وحِينَ ذَكَرَ خِذْلانَهم بِالطُّغْيانِ، بِسَبَبِ البَقاءِ بِإظْهارِ الفَسادِ، ثُمَّ بِسَبَبِ الوُجُودِ بِالإهْلاكِ. ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ يَوْمُ القِيامَةِ، وفِيهِ تَحْذِيرٌ يَعُمُّ النّاسَ ﴿لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ المَرَدُّ: مَصْدَرُ رَدَّ، و(مِنَ اللَّهِ): يَحْتَمِلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ: ”يَأْتِي“، أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ مِنَ اللَّهِ يَوْمٌ لا يَرُدُّهُ أحَدٌ حَتّى لا يَأْتِيَ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها﴾ [الأنبياء: ٤٠] ويَحْتَمِلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ (مَرَدَّ)، أيْ: لا يَرُدُّهُ هو بَعْدَ أنْ يَجِيءَ بِهِ، ولا رَدَّ لَهُ مِن جِهَتِهِ. (يَوْمَئِذٍ) أيْ: يَوْمَ إذْ يَأْتِي ذَلِكَ اليَوْمُ. (يَصَّدَّعُونَ) يَتَفَرَّقُونَ، فَرِيقٌ في الجَنَّةِ، وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ. يُقالُ: تَصَدَّعَ القَوْمُ إذا تَفَرَّقُوا، ومِنهُ الصُّداعُ؛ لِأنَّهُ يُفَرِّقُ شَعْبَ الرَّأْسِ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎وكُنّا كَنَدْمانَيْ جَذِيمَةَ حِقْبَةً مِنَ الدَّهْرِ حَتّى قِيلَ لَنْ يَتَصَدَّعا ثُمَّ ذَكَرَ حالَتَيِ المُتَفَرِّقِينَ: ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أيْ: جَزاءُ كُفْرِهِ، وعَبَّرَ عَنْ حالَةِ الكافِرِ بِـ: عَلَيْهِ، وهي تَدُلُّ (p-١٧٧)عَلى الفِعْلِ والمَشَقَّةِ، وعَنْ حالِ المُؤْمِنِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلِأنْفُسِهِمْ﴾ بِاللّامِ الَّتِي هي لامُ المِلْكِ. و﴿يَمْهَدُونَ﴾ يُوَطِّئُونَ، وهي اسْتِعارَةٌ مِنَ الفَرْشِ، وعِبارَةٌ عَنْ كَوْنِهِمْ يَفْعَلُونَ في الدُّنْيا ما يَلْقُونَ بِهِ ما تَقَرُّ بِهِ أعْيُنُهم وتُسَرُّ بِهِ أنْفُسُهم في الجَنَّةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو التَّمْهِيدُ لِلْقَبْرِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ في المَوْضِعَيْنِ لِدَلالَةٍ عَلى أنَّ ضَرَرَ الكُفْرِ لا يَعُودُ إلّا عَلى الكافِرِ لا يَتَعَدّاهُ، ومَنفَعَةُ الأيْمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ تَرْجِعُ إلى المُؤْمِنِ لا تَتَجاوَزُهُ. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَتِهِ في دَعْواهُ أنَّ تَقْدِيمَ المَفْعُولِ وما جَرى مَجْراهُ يَدُلُّ عَلى الِاخْتِصاصِ، وأمّا عَلى مَذْهَبِنا فَيَدُلُّ عَلى الِاهْتِمامِ، وأمّا ما يَدَّعِيهِ مِنَ الِاخْتِصاصِ فَمَفْهُومٌ مِن آيٍ كَثِيرَةٍ في القُرْآنِ مِنها: ﴿ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] . واللّامُ في (لِيَجْزِيَ) قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُتَعَلِّقٌ بِـ: (يَمْهَدُونَ)، تَعْلِيلٌ لَهُ وتَكْرِيرُ (الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ) وتَرْكُ الضَّمِيرِ إلى الصَّرِيحِ لِتَقْدِيرِهِ أنَّهُ لا يُفْلِحُ عِنْدَهُ إلّا المُؤْمِنُ الصّالِحُ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ تَقْرِيرٌ بَعْدَ تَقْرِيرٍ عَلى الطَّرْدِ والعَكْسِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (لِيَجْزِيَ) مُتَعَلِّقٌ بِـ: (يَصَّدَّعُونَ)، ويَجُوزَ أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ ذَلِكَ لِيَجْزِيَ، وتَكُونُ الإشارَةُ إلى ما تَقَرَّرَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: (مَن كَفَرَ) (ومَن عَمِلَ صالِحًا) . انْتَهى. ويَكُونُ قَسِيمُ (الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ) عَلى هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُما ابْنُ عَطِيَّةَ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: كَأنَّهُ قالَ: والكافِرُونَ بَعْدُ لَهُ، ودَلَّ عَلى حَذْفِ هَذا القَسِيمِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ . ومَعْنى نَفْيِ الحُبِّ هُنا: أنَّهُ لا تَظْهَرُ عَلَيْهِمْ أماراتُ رَحْمَتِهِ، ولا يَرْضى الكُفْرَ لَهم دِينًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (مِن فَضْلِهِ) بِما تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ تَوْفِيَةِ الواجِبِ مِنَ الثَّوابِ، وهَذا يُشْبِهُ الكِنايَةَ؛ لِأنَّ الفَضْلَ تَبَعٌ لِلثَّوابِ، فَلا يَكُونُ إلّا بَعْدَ حُصُولِ ما هو تَبَعٌ لَهُ، أوْ أرادَ مِن عَطائِهِ، وهو ثَوابُهُ؛ لِأنَّ الفُضُولَ والفَواضِلَ هي الأعْطِيَةُ عِنْدَ العَرَبِ.

الروم 30:42

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم ثُمَّ رَزَقَكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم مِن شَيْءٍ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ لِيُذِيقَهم بَعْضَ الَّذِينَ عَمِلُوا لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كانَ أكْثَرُهم مُشْرِكِينَ﴾ ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ القَيِّمِ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ومَن عَمِلَ صالِحًا فَلِأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِن فَضْلِهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ . كَرَّرَ تَعالى خِطابَ الكُفّارِ في أمْرِ أوْثانِهِمْ، فَذَكَرَ أفْعالَهُ الَّتِي لا يُمْكِنُ أنْ يُدْعى لَهُ فِيها شَرِيكٌ، وهي الخَلْقُ والرِّزْقُ والإماتَةُ والإحْياءُ، ثُمَّ اسْتَفْهَمَ عَلى جِهَةِ التَّقْرِيرِ لَهم والتَّوْبِيخِ، ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ مَقالَتِهِمْ. و﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (الَّذِي خَلَقَكم) صِفَةً لِلْمُبْتَدَأِ، والخَبَرُ: (هَلْ مِن شُرَكائِكم)؛ وقَوْلُهُ: (مِن ذَلِكم) هو الَّذِي رَبَطَ الجُمْلَةَ بِالمُبْتَدَأِ لِأنَّ مَعْناهُ: مِن أفْعالِهِ. انْتَهى. والَّذِي ذَكَرَهُ النَّحْوِيُّونَ أنَّ اسْمَ الإشارَةِ يَكُونُ رابِطًا إذا كانَ أُشِيرَ بِهِ إلى المُبْتَدَأِ. وأمّا (ذَلِكم) هُنا فَلَيْسَ إشارَةً إلى المُبْتَدَأِ، لَكِنَّهُ شَبِيهٌ بِما أجازَهُ الفَرّاءُ مِنَ الرَّبْطِ بِالمَعْنى، وخالَفَهُ النّاسُ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٤] قالَ: التَّقْدِيرُ: يَتَرَبَّصْنَ أزْواجَهم، فَقَدَّرَ الضَّمِيرَ بِمُضافٍ إلى ضَمِيرِ الَّذِينَ، فَحَصَلَ بِهِ الرَّبْطُ، كَذَلِكَ قَدَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ (مِن ذَلِكم) مِن أفْعالِهِ المُضافِ إلى الضَّمِيرِ العائِدِ عَلى المُبْتَدَأِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْضًا: هَلْ مِن شُرَكائِكُمُ الَّذِينَ اتَّخَذْتُمُوهم أنْدادًا لَهُ مِنَ الأصْنامِ وغَيْرِها مَن يَفْعَلُ شَيْئًا قَطُّ مِن تِلْكَ الأفْعالِ، حَتّى يَصِحَّ ما ذَهَبْتُمْ إلَيْهِ ؟ فاسْتَعْمَلَ قَطُّ في غَيْرِ مَوْضِعِها؛ لِأنَّها ظَرْفٌ لِلْماضِي، وهُنا جَعَلَها مَعْمُولَةً لِـ: (يَفْعَلُ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْضًا: ومِنَ الأُولى والثّانِيَةِ، كُلُّ واحِدَةٍ مُسْتَقْبِلَةٍ تَأْكِيدٌ لِتَعْجِيزِ شُرَكائِهِمْ وتَجْهِيلِ عَبَدَتِهِمْ؛ فَـ: ”مِنِ“ الأُولى لِلتَّبْعِيضِ، والجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ؛ و(مَن يَفْعَلُ) هو المُبْتَدَأُ، و”مِنَ“ الثّانِيَةِ في مَوْضِعِ الحالِ مِن (شَيْءٍ)؛ لِأنَّهُ نَعْتٌ نَكِرَةٌ تَقَدَّمَ عَلَيْها فانْتَصَبَ عَلى الحالِ؛ و”مِنِ“ الثّالِثَةُ زائِدَةٌ لِانْسِحابِ (p-١٧٦)الِاسْتِفْهامِ الَّذِي مَعْناهُ النَّفْيُ عَلى الكَلامِ، التَّقْدِيرُ: مَن يَفْعَلُ شَيْئًا مِن ذَلِكم، أيْ: مِن تِلْكَ الأفْعالِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُشْرِكُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ؛ والأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ: بِتاءِ الخِطابِ، والظّاهِرُ مُرادُ ظاهِرِ البَرِّ والبَحْرِ. وقالَ الحَسَنُ: وظُهُورُ الفَسادِ فِيهِما بِارْتِفاعِ البَرَكاتِ، ونُزُولِ رَزايا، وحُدُوثِ فِتَنٍ، وتَقَلُّبِ عَدُوٍّ كافِرٍ، وهَذِهِ الثَّلاثَةُ تُوجَدُ في البَرِّ والبَحْرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿الفَسادُ في البَرِّ﴾ القُطّاعُ فَتَسُدُّهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: (في البِرِّ) بِقَتْلِ أحَدِ بَنِي آدَمَ لِأخِيهِ، وفي البَحْرِ: بِأخْذِ السُّفُنِ غَصْبًا، وعَنْهُ أيْضًا: البَرُّ: البِلادُ البَعِيدَةُ مِنَ البَحْرِ، والبَحْرُ: السَّواحِلُ والجُزُرُ الَّتِي عَلى ضَفَّةِ البَحْرِ والأنْهارِ. وقالَ قَتادَةُ: البَرُّ: الفَيافِي ومَواضِعُ القَبائِلِ وأهْلُ الصَّحارِي والعُمُورِ، والبَحْرُ: المُدُنُ، جَمْعُ بَحْرَةٍ، ومِنهُ: ولَقَدْ أجْمَعَ أهْلُ هَذِهِ البُحَيْرَةِ لِيُتَوِّجُوهُ، يَعْنِي قَوْلَ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ، ويُؤَيِّدُ هَذا قِراءَةُ عِكْرِمَةَ. ”والبُحُورِ“ بِالجَمْعِ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وكانَ قَدْ ظَهَرَ الفَسادُ بَرًّا وبَحْرًا وقْتَ بَعْثَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكانَ الظُّلْمُ عَمَّ الأرْضَ، فَأظْهَرَ اللَّهُ بِهِ الدِّينَ، وأزالَ الفَسادَ، وأخْمَدَهُ. وقالَ النَّحّاسُ: فِيهِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: ظَهَرَ الجَدْبُ في البَرِّ في البَوادِي وقَرَأها ”والبَحْرِ“، أيْ: في مُدُنِ البَحْرِ، مِثْلُ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أيْ: ظَهَرَ قِلَّةُ العُشْبِ، وغَلا السِّعْرُ. والثّانِي: ظَهَرَتِ المَعاصِي مِن قَطْعِ السَّبِيلِ والظُّلْمِ، فَهَذا هو الفَسادُ عَلى الحَقِيقَةِ، والأوَّلُ مَجازٌ، وقِيلَ: إذا قَلَّ المَطَرُ قَلَّ الغَوْصُ، وأُحْنِقَ الصَّيّادُ وعَمِيَتْ دَوابُّ البَحْرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا مَطَرَتْ تَفَتَّحَتِ الأصْدافُ في البَحْرِ، فَما وقَعَ فِيها مِنَ السَّماءِ فَهو لُؤْلُؤٌ. ﴿بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ﴾ أيْ: بِسَبَبِ مَعاصِيهِمْ وذُنُوبِهِمْ. ﴿لِيُذِيقَهُمْ﴾ أيْ: أنَّهُ تَعالى أفْسَدَ أسْبابَ دُنْياهم ومَحَقَهم، لِيُذِيقَهم وبالَ بَعْضِ أعْمالِهِمْ في الدُّنْيا، قَبْلَ أنْ يُعاقِبَهم بِها جَمِيعًا في الآخِرَةِ. ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ عَمّا هم فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (بِما كَسَبَتْ) جَزاءَ ما كَسَبَتْ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ الباءُ بِـ: (ظَهَرَ)، أيْ: بِكَسْبِهِمُ المَعاصِيَ في البَرِّ والبَحْرِ، وهو نَفْسُ الفَسادِ الظّاهِرِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ، والأعْرَجُ، وأبُو حَيْوَةَ، وسَلامٌ، وسَهْلٌ، ورَوْحٌ، وابْنُ حَسّانَ، وقُنْبُلٌ مِن طَرِيقِ ابْنِ مُجاهِدٍ، وابْنِ الصَّباحِ، وأبُو الفَضْلِ الواسِطِيُّ عَنْهُ، ومَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: لِنُذِيقَهم، بِالنُّونِ؛ والجُمْهُورُ: بِالياءِ، ثُمَّ أمَرَهم بِالمَسِيرِ في الأرْضِ، فَيَنْظُرُوا كَيْفَ أهْلَكَ الأُمَمَ بِسَبَبِ مَعاصِيهِمْ وإشْراكِهِمْ، وذَلِكَ تَنْبِيهٌ لِقُرَيْشٍ وأمْرٌ لَهم بِالِاعْتِبارِ بِمَن سَلَفَ مِنَ الأُمَمِ، قَوْمُ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ وغَيْرُهم. ﴿كانَ أكْثَرُهم مُشْرِكِينَ﴾ أهْلَكَهم كُلَّهم بِسَبَبِ الشِّرْكِ، وقَوْمًا بِسَبَبِ المَعاصِي؛ لِأنَّهُ تَعالى يُهْلِكُ بِالمَعاصِي، كَما يُهْلِكُ بِالشِّرْكِ، كَأصْحابِ السَّبْتِ. أوْ أهْلَكَهم كُلَّهم، المُشْرِكَ والمُؤْمِنَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] وأهْلَكَهم كُلَّهم، وهم كُفّارٌ، فَأكْثَرُهم مُشْرِكُونَ، وبَعْضُهم مُعَطِّلٌ. وحِينَ ذَكَرَ امْتِنانَهُ قالَ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾ فَذَكَرَ الوُجُودَ ثُمَّ البَقاءَ بِسَبَبِ الرِّزْقِ. وحِينَ ذَكَرَ خِذْلانَهم بِالطُّغْيانِ، بِسَبَبِ البَقاءِ بِإظْهارِ الفَسادِ، ثُمَّ بِسَبَبِ الوُجُودِ بِالإهْلاكِ. ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ يَوْمُ القِيامَةِ، وفِيهِ تَحْذِيرٌ يَعُمُّ النّاسَ ﴿لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ المَرَدُّ: مَصْدَرُ رَدَّ، و(مِنَ اللَّهِ): يَحْتَمِلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ: ”يَأْتِي“، أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ مِنَ اللَّهِ يَوْمٌ لا يَرُدُّهُ أحَدٌ حَتّى لا يَأْتِيَ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها﴾ [الأنبياء: ٤٠] ويَحْتَمِلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ (مَرَدَّ)، أيْ: لا يَرُدُّهُ هو بَعْدَ أنْ يَجِيءَ بِهِ، ولا رَدَّ لَهُ مِن جِهَتِهِ. (يَوْمَئِذٍ) أيْ: يَوْمَ إذْ يَأْتِي ذَلِكَ اليَوْمُ. (يَصَّدَّعُونَ) يَتَفَرَّقُونَ، فَرِيقٌ في الجَنَّةِ، وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ. يُقالُ: تَصَدَّعَ القَوْمُ إذا تَفَرَّقُوا، ومِنهُ الصُّداعُ؛ لِأنَّهُ يُفَرِّقُ شَعْبَ الرَّأْسِ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎وكُنّا كَنَدْمانَيْ جَذِيمَةَ حِقْبَةً مِنَ الدَّهْرِ حَتّى قِيلَ لَنْ يَتَصَدَّعا ثُمَّ ذَكَرَ حالَتَيِ المُتَفَرِّقِينَ: ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أيْ: جَزاءُ كُفْرِهِ، وعَبَّرَ عَنْ حالَةِ الكافِرِ بِـ: عَلَيْهِ، وهي تَدُلُّ (p-١٧٧)عَلى الفِعْلِ والمَشَقَّةِ، وعَنْ حالِ المُؤْمِنِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلِأنْفُسِهِمْ﴾ بِاللّامِ الَّتِي هي لامُ المِلْكِ. و﴿يَمْهَدُونَ﴾ يُوَطِّئُونَ، وهي اسْتِعارَةٌ مِنَ الفَرْشِ، وعِبارَةٌ عَنْ كَوْنِهِمْ يَفْعَلُونَ في الدُّنْيا ما يَلْقُونَ بِهِ ما تَقَرُّ بِهِ أعْيُنُهم وتُسَرُّ بِهِ أنْفُسُهم في الجَنَّةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو التَّمْهِيدُ لِلْقَبْرِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ في المَوْضِعَيْنِ لِدَلالَةٍ عَلى أنَّ ضَرَرَ الكُفْرِ لا يَعُودُ إلّا عَلى الكافِرِ لا يَتَعَدّاهُ، ومَنفَعَةُ الأيْمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ تَرْجِعُ إلى المُؤْمِنِ لا تَتَجاوَزُهُ. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَتِهِ في دَعْواهُ أنَّ تَقْدِيمَ المَفْعُولِ وما جَرى مَجْراهُ يَدُلُّ عَلى الِاخْتِصاصِ، وأمّا عَلى مَذْهَبِنا فَيَدُلُّ عَلى الِاهْتِمامِ، وأمّا ما يَدَّعِيهِ مِنَ الِاخْتِصاصِ فَمَفْهُومٌ مِن آيٍ كَثِيرَةٍ في القُرْآنِ مِنها: ﴿ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] . واللّامُ في (لِيَجْزِيَ) قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُتَعَلِّقٌ بِـ: (يَمْهَدُونَ)، تَعْلِيلٌ لَهُ وتَكْرِيرُ (الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ) وتَرْكُ الضَّمِيرِ إلى الصَّرِيحِ لِتَقْدِيرِهِ أنَّهُ لا يُفْلِحُ عِنْدَهُ إلّا المُؤْمِنُ الصّالِحُ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ تَقْرِيرٌ بَعْدَ تَقْرِيرٍ عَلى الطَّرْدِ والعَكْسِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (لِيَجْزِيَ) مُتَعَلِّقٌ بِـ: (يَصَّدَّعُونَ)، ويَجُوزَ أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ ذَلِكَ لِيَجْزِيَ، وتَكُونُ الإشارَةُ إلى ما تَقَرَّرَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: (مَن كَفَرَ) (ومَن عَمِلَ صالِحًا) . انْتَهى. ويَكُونُ قَسِيمُ (الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ) عَلى هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُما ابْنُ عَطِيَّةَ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: كَأنَّهُ قالَ: والكافِرُونَ بَعْدُ لَهُ، ودَلَّ عَلى حَذْفِ هَذا القَسِيمِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ . ومَعْنى نَفْيِ الحُبِّ هُنا: أنَّهُ لا تَظْهَرُ عَلَيْهِمْ أماراتُ رَحْمَتِهِ، ولا يَرْضى الكُفْرَ لَهم دِينًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (مِن فَضْلِهِ) بِما تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ تَوْفِيَةِ الواجِبِ مِنَ الثَّوابِ، وهَذا يُشْبِهُ الكِنايَةَ؛ لِأنَّ الفَضْلَ تَبَعٌ لِلثَّوابِ، فَلا يَكُونُ إلّا بَعْدَ حُصُولِ ما هو تَبَعٌ لَهُ، أوْ أرادَ مِن عَطائِهِ، وهو ثَوابُهُ؛ لِأنَّ الفُضُولَ والفَواضِلَ هي الأعْطِيَةُ عِنْدَ العَرَبِ.

الروم 30:43

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم ثُمَّ رَزَقَكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم مِن شَيْءٍ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ لِيُذِيقَهم بَعْضَ الَّذِينَ عَمِلُوا لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كانَ أكْثَرُهم مُشْرِكِينَ﴾ ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ القَيِّمِ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ومَن عَمِلَ صالِحًا فَلِأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِن فَضْلِهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ . كَرَّرَ تَعالى خِطابَ الكُفّارِ في أمْرِ أوْثانِهِمْ، فَذَكَرَ أفْعالَهُ الَّتِي لا يُمْكِنُ أنْ يُدْعى لَهُ فِيها شَرِيكٌ، وهي الخَلْقُ والرِّزْقُ والإماتَةُ والإحْياءُ، ثُمَّ اسْتَفْهَمَ عَلى جِهَةِ التَّقْرِيرِ لَهم والتَّوْبِيخِ، ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ مَقالَتِهِمْ. و﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (الَّذِي خَلَقَكم) صِفَةً لِلْمُبْتَدَأِ، والخَبَرُ: (هَلْ مِن شُرَكائِكم)؛ وقَوْلُهُ: (مِن ذَلِكم) هو الَّذِي رَبَطَ الجُمْلَةَ بِالمُبْتَدَأِ لِأنَّ مَعْناهُ: مِن أفْعالِهِ. انْتَهى. والَّذِي ذَكَرَهُ النَّحْوِيُّونَ أنَّ اسْمَ الإشارَةِ يَكُونُ رابِطًا إذا كانَ أُشِيرَ بِهِ إلى المُبْتَدَأِ. وأمّا (ذَلِكم) هُنا فَلَيْسَ إشارَةً إلى المُبْتَدَأِ، لَكِنَّهُ شَبِيهٌ بِما أجازَهُ الفَرّاءُ مِنَ الرَّبْطِ بِالمَعْنى، وخالَفَهُ النّاسُ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٤] قالَ: التَّقْدِيرُ: يَتَرَبَّصْنَ أزْواجَهم، فَقَدَّرَ الضَّمِيرَ بِمُضافٍ إلى ضَمِيرِ الَّذِينَ، فَحَصَلَ بِهِ الرَّبْطُ، كَذَلِكَ قَدَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ (مِن ذَلِكم) مِن أفْعالِهِ المُضافِ إلى الضَّمِيرِ العائِدِ عَلى المُبْتَدَأِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْضًا: هَلْ مِن شُرَكائِكُمُ الَّذِينَ اتَّخَذْتُمُوهم أنْدادًا لَهُ مِنَ الأصْنامِ وغَيْرِها مَن يَفْعَلُ شَيْئًا قَطُّ مِن تِلْكَ الأفْعالِ، حَتّى يَصِحَّ ما ذَهَبْتُمْ إلَيْهِ ؟ فاسْتَعْمَلَ قَطُّ في غَيْرِ مَوْضِعِها؛ لِأنَّها ظَرْفٌ لِلْماضِي، وهُنا جَعَلَها مَعْمُولَةً لِـ: (يَفْعَلُ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْضًا: ومِنَ الأُولى والثّانِيَةِ، كُلُّ واحِدَةٍ مُسْتَقْبِلَةٍ تَأْكِيدٌ لِتَعْجِيزِ شُرَكائِهِمْ وتَجْهِيلِ عَبَدَتِهِمْ؛ فَـ: ”مِنِ“ الأُولى لِلتَّبْعِيضِ، والجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ؛ و(مَن يَفْعَلُ) هو المُبْتَدَأُ، و”مِنَ“ الثّانِيَةِ في مَوْضِعِ الحالِ مِن (شَيْءٍ)؛ لِأنَّهُ نَعْتٌ نَكِرَةٌ تَقَدَّمَ عَلَيْها فانْتَصَبَ عَلى الحالِ؛ و”مِنِ“ الثّالِثَةُ زائِدَةٌ لِانْسِحابِ (p-١٧٦)الِاسْتِفْهامِ الَّذِي مَعْناهُ النَّفْيُ عَلى الكَلامِ، التَّقْدِيرُ: مَن يَفْعَلُ شَيْئًا مِن ذَلِكم، أيْ: مِن تِلْكَ الأفْعالِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُشْرِكُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ؛ والأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ: بِتاءِ الخِطابِ، والظّاهِرُ مُرادُ ظاهِرِ البَرِّ والبَحْرِ. وقالَ الحَسَنُ: وظُهُورُ الفَسادِ فِيهِما بِارْتِفاعِ البَرَكاتِ، ونُزُولِ رَزايا، وحُدُوثِ فِتَنٍ، وتَقَلُّبِ عَدُوٍّ كافِرٍ، وهَذِهِ الثَّلاثَةُ تُوجَدُ في البَرِّ والبَحْرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿الفَسادُ في البَرِّ﴾ القُطّاعُ فَتَسُدُّهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: (في البِرِّ) بِقَتْلِ أحَدِ بَنِي آدَمَ لِأخِيهِ، وفي البَحْرِ: بِأخْذِ السُّفُنِ غَصْبًا، وعَنْهُ أيْضًا: البَرُّ: البِلادُ البَعِيدَةُ مِنَ البَحْرِ، والبَحْرُ: السَّواحِلُ والجُزُرُ الَّتِي عَلى ضَفَّةِ البَحْرِ والأنْهارِ. وقالَ قَتادَةُ: البَرُّ: الفَيافِي ومَواضِعُ القَبائِلِ وأهْلُ الصَّحارِي والعُمُورِ، والبَحْرُ: المُدُنُ، جَمْعُ بَحْرَةٍ، ومِنهُ: ولَقَدْ أجْمَعَ أهْلُ هَذِهِ البُحَيْرَةِ لِيُتَوِّجُوهُ، يَعْنِي قَوْلَ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ، ويُؤَيِّدُ هَذا قِراءَةُ عِكْرِمَةَ. ”والبُحُورِ“ بِالجَمْعِ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وكانَ قَدْ ظَهَرَ الفَسادُ بَرًّا وبَحْرًا وقْتَ بَعْثَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكانَ الظُّلْمُ عَمَّ الأرْضَ، فَأظْهَرَ اللَّهُ بِهِ الدِّينَ، وأزالَ الفَسادَ، وأخْمَدَهُ. وقالَ النَّحّاسُ: فِيهِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: ظَهَرَ الجَدْبُ في البَرِّ في البَوادِي وقَرَأها ”والبَحْرِ“، أيْ: في مُدُنِ البَحْرِ، مِثْلُ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أيْ: ظَهَرَ قِلَّةُ العُشْبِ، وغَلا السِّعْرُ. والثّانِي: ظَهَرَتِ المَعاصِي مِن قَطْعِ السَّبِيلِ والظُّلْمِ، فَهَذا هو الفَسادُ عَلى الحَقِيقَةِ، والأوَّلُ مَجازٌ، وقِيلَ: إذا قَلَّ المَطَرُ قَلَّ الغَوْصُ، وأُحْنِقَ الصَّيّادُ وعَمِيَتْ دَوابُّ البَحْرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا مَطَرَتْ تَفَتَّحَتِ الأصْدافُ في البَحْرِ، فَما وقَعَ فِيها مِنَ السَّماءِ فَهو لُؤْلُؤٌ. ﴿بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ﴾ أيْ: بِسَبَبِ مَعاصِيهِمْ وذُنُوبِهِمْ. ﴿لِيُذِيقَهُمْ﴾ أيْ: أنَّهُ تَعالى أفْسَدَ أسْبابَ دُنْياهم ومَحَقَهم، لِيُذِيقَهم وبالَ بَعْضِ أعْمالِهِمْ في الدُّنْيا، قَبْلَ أنْ يُعاقِبَهم بِها جَمِيعًا في الآخِرَةِ. ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ عَمّا هم فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (بِما كَسَبَتْ) جَزاءَ ما كَسَبَتْ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ الباءُ بِـ: (ظَهَرَ)، أيْ: بِكَسْبِهِمُ المَعاصِيَ في البَرِّ والبَحْرِ، وهو نَفْسُ الفَسادِ الظّاهِرِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ، والأعْرَجُ، وأبُو حَيْوَةَ، وسَلامٌ، وسَهْلٌ، ورَوْحٌ، وابْنُ حَسّانَ، وقُنْبُلٌ مِن طَرِيقِ ابْنِ مُجاهِدٍ، وابْنِ الصَّباحِ، وأبُو الفَضْلِ الواسِطِيُّ عَنْهُ، ومَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: لِنُذِيقَهم، بِالنُّونِ؛ والجُمْهُورُ: بِالياءِ، ثُمَّ أمَرَهم بِالمَسِيرِ في الأرْضِ، فَيَنْظُرُوا كَيْفَ أهْلَكَ الأُمَمَ بِسَبَبِ مَعاصِيهِمْ وإشْراكِهِمْ، وذَلِكَ تَنْبِيهٌ لِقُرَيْشٍ وأمْرٌ لَهم بِالِاعْتِبارِ بِمَن سَلَفَ مِنَ الأُمَمِ، قَوْمُ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ وغَيْرُهم. ﴿كانَ أكْثَرُهم مُشْرِكِينَ﴾ أهْلَكَهم كُلَّهم بِسَبَبِ الشِّرْكِ، وقَوْمًا بِسَبَبِ المَعاصِي؛ لِأنَّهُ تَعالى يُهْلِكُ بِالمَعاصِي، كَما يُهْلِكُ بِالشِّرْكِ، كَأصْحابِ السَّبْتِ. أوْ أهْلَكَهم كُلَّهم، المُشْرِكَ والمُؤْمِنَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] وأهْلَكَهم كُلَّهم، وهم كُفّارٌ، فَأكْثَرُهم مُشْرِكُونَ، وبَعْضُهم مُعَطِّلٌ. وحِينَ ذَكَرَ امْتِنانَهُ قالَ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾ فَذَكَرَ الوُجُودَ ثُمَّ البَقاءَ بِسَبَبِ الرِّزْقِ. وحِينَ ذَكَرَ خِذْلانَهم بِالطُّغْيانِ، بِسَبَبِ البَقاءِ بِإظْهارِ الفَسادِ، ثُمَّ بِسَبَبِ الوُجُودِ بِالإهْلاكِ. ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ يَوْمُ القِيامَةِ، وفِيهِ تَحْذِيرٌ يَعُمُّ النّاسَ ﴿لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ المَرَدُّ: مَصْدَرُ رَدَّ، و(مِنَ اللَّهِ): يَحْتَمِلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ: ”يَأْتِي“، أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ مِنَ اللَّهِ يَوْمٌ لا يَرُدُّهُ أحَدٌ حَتّى لا يَأْتِيَ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها﴾ [الأنبياء: ٤٠] ويَحْتَمِلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ (مَرَدَّ)، أيْ: لا يَرُدُّهُ هو بَعْدَ أنْ يَجِيءَ بِهِ، ولا رَدَّ لَهُ مِن جِهَتِهِ. (يَوْمَئِذٍ) أيْ: يَوْمَ إذْ يَأْتِي ذَلِكَ اليَوْمُ. (يَصَّدَّعُونَ) يَتَفَرَّقُونَ، فَرِيقٌ في الجَنَّةِ، وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ. يُقالُ: تَصَدَّعَ القَوْمُ إذا تَفَرَّقُوا، ومِنهُ الصُّداعُ؛ لِأنَّهُ يُفَرِّقُ شَعْبَ الرَّأْسِ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎وكُنّا كَنَدْمانَيْ جَذِيمَةَ حِقْبَةً مِنَ الدَّهْرِ حَتّى قِيلَ لَنْ يَتَصَدَّعا ثُمَّ ذَكَرَ حالَتَيِ المُتَفَرِّقِينَ: ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أيْ: جَزاءُ كُفْرِهِ، وعَبَّرَ عَنْ حالَةِ الكافِرِ بِـ: عَلَيْهِ، وهي تَدُلُّ (p-١٧٧)عَلى الفِعْلِ والمَشَقَّةِ، وعَنْ حالِ المُؤْمِنِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلِأنْفُسِهِمْ﴾ بِاللّامِ الَّتِي هي لامُ المِلْكِ. و﴿يَمْهَدُونَ﴾ يُوَطِّئُونَ، وهي اسْتِعارَةٌ مِنَ الفَرْشِ، وعِبارَةٌ عَنْ كَوْنِهِمْ يَفْعَلُونَ في الدُّنْيا ما يَلْقُونَ بِهِ ما تَقَرُّ بِهِ أعْيُنُهم وتُسَرُّ بِهِ أنْفُسُهم في الجَنَّةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو التَّمْهِيدُ لِلْقَبْرِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ في المَوْضِعَيْنِ لِدَلالَةٍ عَلى أنَّ ضَرَرَ الكُفْرِ لا يَعُودُ إلّا عَلى الكافِرِ لا يَتَعَدّاهُ، ومَنفَعَةُ الأيْمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ تَرْجِعُ إلى المُؤْمِنِ لا تَتَجاوَزُهُ. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَتِهِ في دَعْواهُ أنَّ تَقْدِيمَ المَفْعُولِ وما جَرى مَجْراهُ يَدُلُّ عَلى الِاخْتِصاصِ، وأمّا عَلى مَذْهَبِنا فَيَدُلُّ عَلى الِاهْتِمامِ، وأمّا ما يَدَّعِيهِ مِنَ الِاخْتِصاصِ فَمَفْهُومٌ مِن آيٍ كَثِيرَةٍ في القُرْآنِ مِنها: ﴿ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] . واللّامُ في (لِيَجْزِيَ) قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُتَعَلِّقٌ بِـ: (يَمْهَدُونَ)، تَعْلِيلٌ لَهُ وتَكْرِيرُ (الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ) وتَرْكُ الضَّمِيرِ إلى الصَّرِيحِ لِتَقْدِيرِهِ أنَّهُ لا يُفْلِحُ عِنْدَهُ إلّا المُؤْمِنُ الصّالِحُ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ تَقْرِيرٌ بَعْدَ تَقْرِيرٍ عَلى الطَّرْدِ والعَكْسِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (لِيَجْزِيَ) مُتَعَلِّقٌ بِـ: (يَصَّدَّعُونَ)، ويَجُوزَ أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ ذَلِكَ لِيَجْزِيَ، وتَكُونُ الإشارَةُ إلى ما تَقَرَّرَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: (مَن كَفَرَ) (ومَن عَمِلَ صالِحًا) . انْتَهى. ويَكُونُ قَسِيمُ (الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ) عَلى هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُما ابْنُ عَطِيَّةَ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: كَأنَّهُ قالَ: والكافِرُونَ بَعْدُ لَهُ، ودَلَّ عَلى حَذْفِ هَذا القَسِيمِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ . ومَعْنى نَفْيِ الحُبِّ هُنا: أنَّهُ لا تَظْهَرُ عَلَيْهِمْ أماراتُ رَحْمَتِهِ، ولا يَرْضى الكُفْرَ لَهم دِينًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (مِن فَضْلِهِ) بِما تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ تَوْفِيَةِ الواجِبِ مِنَ الثَّوابِ، وهَذا يُشْبِهُ الكِنايَةَ؛ لِأنَّ الفَضْلَ تَبَعٌ لِلثَّوابِ، فَلا يَكُونُ إلّا بَعْدَ حُصُولِ ما هو تَبَعٌ لَهُ، أوْ أرادَ مِن عَطائِهِ، وهو ثَوابُهُ؛ لِأنَّ الفُضُولَ والفَواضِلَ هي الأعْطِيَةُ عِنْدَ العَرَبِ.

الروم 30:44

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم ثُمَّ رَزَقَكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم مِن شَيْءٍ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ لِيُذِيقَهم بَعْضَ الَّذِينَ عَمِلُوا لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كانَ أكْثَرُهم مُشْرِكِينَ﴾ ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ القَيِّمِ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ومَن عَمِلَ صالِحًا فَلِأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِن فَضْلِهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ . كَرَّرَ تَعالى خِطابَ الكُفّارِ في أمْرِ أوْثانِهِمْ، فَذَكَرَ أفْعالَهُ الَّتِي لا يُمْكِنُ أنْ يُدْعى لَهُ فِيها شَرِيكٌ، وهي الخَلْقُ والرِّزْقُ والإماتَةُ والإحْياءُ، ثُمَّ اسْتَفْهَمَ عَلى جِهَةِ التَّقْرِيرِ لَهم والتَّوْبِيخِ، ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ مَقالَتِهِمْ. و﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (الَّذِي خَلَقَكم) صِفَةً لِلْمُبْتَدَأِ، والخَبَرُ: (هَلْ مِن شُرَكائِكم)؛ وقَوْلُهُ: (مِن ذَلِكم) هو الَّذِي رَبَطَ الجُمْلَةَ بِالمُبْتَدَأِ لِأنَّ مَعْناهُ: مِن أفْعالِهِ. انْتَهى. والَّذِي ذَكَرَهُ النَّحْوِيُّونَ أنَّ اسْمَ الإشارَةِ يَكُونُ رابِطًا إذا كانَ أُشِيرَ بِهِ إلى المُبْتَدَأِ. وأمّا (ذَلِكم) هُنا فَلَيْسَ إشارَةً إلى المُبْتَدَأِ، لَكِنَّهُ شَبِيهٌ بِما أجازَهُ الفَرّاءُ مِنَ الرَّبْطِ بِالمَعْنى، وخالَفَهُ النّاسُ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٤] قالَ: التَّقْدِيرُ: يَتَرَبَّصْنَ أزْواجَهم، فَقَدَّرَ الضَّمِيرَ بِمُضافٍ إلى ضَمِيرِ الَّذِينَ، فَحَصَلَ بِهِ الرَّبْطُ، كَذَلِكَ قَدَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ (مِن ذَلِكم) مِن أفْعالِهِ المُضافِ إلى الضَّمِيرِ العائِدِ عَلى المُبْتَدَأِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْضًا: هَلْ مِن شُرَكائِكُمُ الَّذِينَ اتَّخَذْتُمُوهم أنْدادًا لَهُ مِنَ الأصْنامِ وغَيْرِها مَن يَفْعَلُ شَيْئًا قَطُّ مِن تِلْكَ الأفْعالِ، حَتّى يَصِحَّ ما ذَهَبْتُمْ إلَيْهِ ؟ فاسْتَعْمَلَ قَطُّ في غَيْرِ مَوْضِعِها؛ لِأنَّها ظَرْفٌ لِلْماضِي، وهُنا جَعَلَها مَعْمُولَةً لِـ: (يَفْعَلُ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْضًا: ومِنَ الأُولى والثّانِيَةِ، كُلُّ واحِدَةٍ مُسْتَقْبِلَةٍ تَأْكِيدٌ لِتَعْجِيزِ شُرَكائِهِمْ وتَجْهِيلِ عَبَدَتِهِمْ؛ فَـ: ”مِنِ“ الأُولى لِلتَّبْعِيضِ، والجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ؛ و(مَن يَفْعَلُ) هو المُبْتَدَأُ، و”مِنَ“ الثّانِيَةِ في مَوْضِعِ الحالِ مِن (شَيْءٍ)؛ لِأنَّهُ نَعْتٌ نَكِرَةٌ تَقَدَّمَ عَلَيْها فانْتَصَبَ عَلى الحالِ؛ و”مِنِ“ الثّالِثَةُ زائِدَةٌ لِانْسِحابِ (p-١٧٦)الِاسْتِفْهامِ الَّذِي مَعْناهُ النَّفْيُ عَلى الكَلامِ، التَّقْدِيرُ: مَن يَفْعَلُ شَيْئًا مِن ذَلِكم، أيْ: مِن تِلْكَ الأفْعالِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُشْرِكُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ؛ والأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ: بِتاءِ الخِطابِ، والظّاهِرُ مُرادُ ظاهِرِ البَرِّ والبَحْرِ. وقالَ الحَسَنُ: وظُهُورُ الفَسادِ فِيهِما بِارْتِفاعِ البَرَكاتِ، ونُزُولِ رَزايا، وحُدُوثِ فِتَنٍ، وتَقَلُّبِ عَدُوٍّ كافِرٍ، وهَذِهِ الثَّلاثَةُ تُوجَدُ في البَرِّ والبَحْرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿الفَسادُ في البَرِّ﴾ القُطّاعُ فَتَسُدُّهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: (في البِرِّ) بِقَتْلِ أحَدِ بَنِي آدَمَ لِأخِيهِ، وفي البَحْرِ: بِأخْذِ السُّفُنِ غَصْبًا، وعَنْهُ أيْضًا: البَرُّ: البِلادُ البَعِيدَةُ مِنَ البَحْرِ، والبَحْرُ: السَّواحِلُ والجُزُرُ الَّتِي عَلى ضَفَّةِ البَحْرِ والأنْهارِ. وقالَ قَتادَةُ: البَرُّ: الفَيافِي ومَواضِعُ القَبائِلِ وأهْلُ الصَّحارِي والعُمُورِ، والبَحْرُ: المُدُنُ، جَمْعُ بَحْرَةٍ، ومِنهُ: ولَقَدْ أجْمَعَ أهْلُ هَذِهِ البُحَيْرَةِ لِيُتَوِّجُوهُ، يَعْنِي قَوْلَ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ، ويُؤَيِّدُ هَذا قِراءَةُ عِكْرِمَةَ. ”والبُحُورِ“ بِالجَمْعِ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وكانَ قَدْ ظَهَرَ الفَسادُ بَرًّا وبَحْرًا وقْتَ بَعْثَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكانَ الظُّلْمُ عَمَّ الأرْضَ، فَأظْهَرَ اللَّهُ بِهِ الدِّينَ، وأزالَ الفَسادَ، وأخْمَدَهُ. وقالَ النَّحّاسُ: فِيهِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: ظَهَرَ الجَدْبُ في البَرِّ في البَوادِي وقَرَأها ”والبَحْرِ“، أيْ: في مُدُنِ البَحْرِ، مِثْلُ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أيْ: ظَهَرَ قِلَّةُ العُشْبِ، وغَلا السِّعْرُ. والثّانِي: ظَهَرَتِ المَعاصِي مِن قَطْعِ السَّبِيلِ والظُّلْمِ، فَهَذا هو الفَسادُ عَلى الحَقِيقَةِ، والأوَّلُ مَجازٌ، وقِيلَ: إذا قَلَّ المَطَرُ قَلَّ الغَوْصُ، وأُحْنِقَ الصَّيّادُ وعَمِيَتْ دَوابُّ البَحْرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا مَطَرَتْ تَفَتَّحَتِ الأصْدافُ في البَحْرِ، فَما وقَعَ فِيها مِنَ السَّماءِ فَهو لُؤْلُؤٌ. ﴿بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ﴾ أيْ: بِسَبَبِ مَعاصِيهِمْ وذُنُوبِهِمْ. ﴿لِيُذِيقَهُمْ﴾ أيْ: أنَّهُ تَعالى أفْسَدَ أسْبابَ دُنْياهم ومَحَقَهم، لِيُذِيقَهم وبالَ بَعْضِ أعْمالِهِمْ في الدُّنْيا، قَبْلَ أنْ يُعاقِبَهم بِها جَمِيعًا في الآخِرَةِ. ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ عَمّا هم فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (بِما كَسَبَتْ) جَزاءَ ما كَسَبَتْ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ الباءُ بِـ: (ظَهَرَ)، أيْ: بِكَسْبِهِمُ المَعاصِيَ في البَرِّ والبَحْرِ، وهو نَفْسُ الفَسادِ الظّاهِرِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ، والأعْرَجُ، وأبُو حَيْوَةَ، وسَلامٌ، وسَهْلٌ، ورَوْحٌ، وابْنُ حَسّانَ، وقُنْبُلٌ مِن طَرِيقِ ابْنِ مُجاهِدٍ، وابْنِ الصَّباحِ، وأبُو الفَضْلِ الواسِطِيُّ عَنْهُ، ومَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: لِنُذِيقَهم، بِالنُّونِ؛ والجُمْهُورُ: بِالياءِ، ثُمَّ أمَرَهم بِالمَسِيرِ في الأرْضِ، فَيَنْظُرُوا كَيْفَ أهْلَكَ الأُمَمَ بِسَبَبِ مَعاصِيهِمْ وإشْراكِهِمْ، وذَلِكَ تَنْبِيهٌ لِقُرَيْشٍ وأمْرٌ لَهم بِالِاعْتِبارِ بِمَن سَلَفَ مِنَ الأُمَمِ، قَوْمُ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ وغَيْرُهم. ﴿كانَ أكْثَرُهم مُشْرِكِينَ﴾ أهْلَكَهم كُلَّهم بِسَبَبِ الشِّرْكِ، وقَوْمًا بِسَبَبِ المَعاصِي؛ لِأنَّهُ تَعالى يُهْلِكُ بِالمَعاصِي، كَما يُهْلِكُ بِالشِّرْكِ، كَأصْحابِ السَّبْتِ. أوْ أهْلَكَهم كُلَّهم، المُشْرِكَ والمُؤْمِنَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] وأهْلَكَهم كُلَّهم، وهم كُفّارٌ، فَأكْثَرُهم مُشْرِكُونَ، وبَعْضُهم مُعَطِّلٌ. وحِينَ ذَكَرَ امْتِنانَهُ قالَ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾ فَذَكَرَ الوُجُودَ ثُمَّ البَقاءَ بِسَبَبِ الرِّزْقِ. وحِينَ ذَكَرَ خِذْلانَهم بِالطُّغْيانِ، بِسَبَبِ البَقاءِ بِإظْهارِ الفَسادِ، ثُمَّ بِسَبَبِ الوُجُودِ بِالإهْلاكِ. ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ يَوْمُ القِيامَةِ، وفِيهِ تَحْذِيرٌ يَعُمُّ النّاسَ ﴿لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ المَرَدُّ: مَصْدَرُ رَدَّ، و(مِنَ اللَّهِ): يَحْتَمِلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ: ”يَأْتِي“، أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ مِنَ اللَّهِ يَوْمٌ لا يَرُدُّهُ أحَدٌ حَتّى لا يَأْتِيَ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها﴾ [الأنبياء: ٤٠] ويَحْتَمِلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ (مَرَدَّ)، أيْ: لا يَرُدُّهُ هو بَعْدَ أنْ يَجِيءَ بِهِ، ولا رَدَّ لَهُ مِن جِهَتِهِ. (يَوْمَئِذٍ) أيْ: يَوْمَ إذْ يَأْتِي ذَلِكَ اليَوْمُ. (يَصَّدَّعُونَ) يَتَفَرَّقُونَ، فَرِيقٌ في الجَنَّةِ، وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ. يُقالُ: تَصَدَّعَ القَوْمُ إذا تَفَرَّقُوا، ومِنهُ الصُّداعُ؛ لِأنَّهُ يُفَرِّقُ شَعْبَ الرَّأْسِ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎وكُنّا كَنَدْمانَيْ جَذِيمَةَ حِقْبَةً مِنَ الدَّهْرِ حَتّى قِيلَ لَنْ يَتَصَدَّعا ثُمَّ ذَكَرَ حالَتَيِ المُتَفَرِّقِينَ: ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أيْ: جَزاءُ كُفْرِهِ، وعَبَّرَ عَنْ حالَةِ الكافِرِ بِـ: عَلَيْهِ، وهي تَدُلُّ (p-١٧٧)عَلى الفِعْلِ والمَشَقَّةِ، وعَنْ حالِ المُؤْمِنِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلِأنْفُسِهِمْ﴾ بِاللّامِ الَّتِي هي لامُ المِلْكِ. و﴿يَمْهَدُونَ﴾ يُوَطِّئُونَ، وهي اسْتِعارَةٌ مِنَ الفَرْشِ، وعِبارَةٌ عَنْ كَوْنِهِمْ يَفْعَلُونَ في الدُّنْيا ما يَلْقُونَ بِهِ ما تَقَرُّ بِهِ أعْيُنُهم وتُسَرُّ بِهِ أنْفُسُهم في الجَنَّةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو التَّمْهِيدُ لِلْقَبْرِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ في المَوْضِعَيْنِ لِدَلالَةٍ عَلى أنَّ ضَرَرَ الكُفْرِ لا يَعُودُ إلّا عَلى الكافِرِ لا يَتَعَدّاهُ، ومَنفَعَةُ الأيْمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ تَرْجِعُ إلى المُؤْمِنِ لا تَتَجاوَزُهُ. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَتِهِ في دَعْواهُ أنَّ تَقْدِيمَ المَفْعُولِ وما جَرى مَجْراهُ يَدُلُّ عَلى الِاخْتِصاصِ، وأمّا عَلى مَذْهَبِنا فَيَدُلُّ عَلى الِاهْتِمامِ، وأمّا ما يَدَّعِيهِ مِنَ الِاخْتِصاصِ فَمَفْهُومٌ مِن آيٍ كَثِيرَةٍ في القُرْآنِ مِنها: ﴿ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] . واللّامُ في (لِيَجْزِيَ) قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُتَعَلِّقٌ بِـ: (يَمْهَدُونَ)، تَعْلِيلٌ لَهُ وتَكْرِيرُ (الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ) وتَرْكُ الضَّمِيرِ إلى الصَّرِيحِ لِتَقْدِيرِهِ أنَّهُ لا يُفْلِحُ عِنْدَهُ إلّا المُؤْمِنُ الصّالِحُ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ تَقْرِيرٌ بَعْدَ تَقْرِيرٍ عَلى الطَّرْدِ والعَكْسِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (لِيَجْزِيَ) مُتَعَلِّقٌ بِـ: (يَصَّدَّعُونَ)، ويَجُوزَ أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ ذَلِكَ لِيَجْزِيَ، وتَكُونُ الإشارَةُ إلى ما تَقَرَّرَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: (مَن كَفَرَ) (ومَن عَمِلَ صالِحًا) . انْتَهى. ويَكُونُ قَسِيمُ (الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ) عَلى هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُما ابْنُ عَطِيَّةَ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: كَأنَّهُ قالَ: والكافِرُونَ بَعْدُ لَهُ، ودَلَّ عَلى حَذْفِ هَذا القَسِيمِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ . ومَعْنى نَفْيِ الحُبِّ هُنا: أنَّهُ لا تَظْهَرُ عَلَيْهِمْ أماراتُ رَحْمَتِهِ، ولا يَرْضى الكُفْرَ لَهم دِينًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (مِن فَضْلِهِ) بِما تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ تَوْفِيَةِ الواجِبِ مِنَ الثَّوابِ، وهَذا يُشْبِهُ الكِنايَةَ؛ لِأنَّ الفَضْلَ تَبَعٌ لِلثَّوابِ، فَلا يَكُونُ إلّا بَعْدَ حُصُولِ ما هو تَبَعٌ لَهُ، أوْ أرادَ مِن عَطائِهِ، وهو ثَوابُهُ؛ لِأنَّ الفُضُولَ والفَواضِلَ هي الأعْطِيَةُ عِنْدَ العَرَبِ.

الروم 30:45

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم ثُمَّ رَزَقَكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم مِن شَيْءٍ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ لِيُذِيقَهم بَعْضَ الَّذِينَ عَمِلُوا لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كانَ أكْثَرُهم مُشْرِكِينَ﴾ ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ القَيِّمِ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ومَن عَمِلَ صالِحًا فَلِأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِن فَضْلِهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ . كَرَّرَ تَعالى خِطابَ الكُفّارِ في أمْرِ أوْثانِهِمْ، فَذَكَرَ أفْعالَهُ الَّتِي لا يُمْكِنُ أنْ يُدْعى لَهُ فِيها شَرِيكٌ، وهي الخَلْقُ والرِّزْقُ والإماتَةُ والإحْياءُ، ثُمَّ اسْتَفْهَمَ عَلى جِهَةِ التَّقْرِيرِ لَهم والتَّوْبِيخِ، ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ مَقالَتِهِمْ. و﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (الَّذِي خَلَقَكم) صِفَةً لِلْمُبْتَدَأِ، والخَبَرُ: (هَلْ مِن شُرَكائِكم)؛ وقَوْلُهُ: (مِن ذَلِكم) هو الَّذِي رَبَطَ الجُمْلَةَ بِالمُبْتَدَأِ لِأنَّ مَعْناهُ: مِن أفْعالِهِ. انْتَهى. والَّذِي ذَكَرَهُ النَّحْوِيُّونَ أنَّ اسْمَ الإشارَةِ يَكُونُ رابِطًا إذا كانَ أُشِيرَ بِهِ إلى المُبْتَدَأِ. وأمّا (ذَلِكم) هُنا فَلَيْسَ إشارَةً إلى المُبْتَدَأِ، لَكِنَّهُ شَبِيهٌ بِما أجازَهُ الفَرّاءُ مِنَ الرَّبْطِ بِالمَعْنى، وخالَفَهُ النّاسُ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٤] قالَ: التَّقْدِيرُ: يَتَرَبَّصْنَ أزْواجَهم، فَقَدَّرَ الضَّمِيرَ بِمُضافٍ إلى ضَمِيرِ الَّذِينَ، فَحَصَلَ بِهِ الرَّبْطُ، كَذَلِكَ قَدَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ (مِن ذَلِكم) مِن أفْعالِهِ المُضافِ إلى الضَّمِيرِ العائِدِ عَلى المُبْتَدَأِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْضًا: هَلْ مِن شُرَكائِكُمُ الَّذِينَ اتَّخَذْتُمُوهم أنْدادًا لَهُ مِنَ الأصْنامِ وغَيْرِها مَن يَفْعَلُ شَيْئًا قَطُّ مِن تِلْكَ الأفْعالِ، حَتّى يَصِحَّ ما ذَهَبْتُمْ إلَيْهِ ؟ فاسْتَعْمَلَ قَطُّ في غَيْرِ مَوْضِعِها؛ لِأنَّها ظَرْفٌ لِلْماضِي، وهُنا جَعَلَها مَعْمُولَةً لِـ: (يَفْعَلُ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْضًا: ومِنَ الأُولى والثّانِيَةِ، كُلُّ واحِدَةٍ مُسْتَقْبِلَةٍ تَأْكِيدٌ لِتَعْجِيزِ شُرَكائِهِمْ وتَجْهِيلِ عَبَدَتِهِمْ؛ فَـ: ”مِنِ“ الأُولى لِلتَّبْعِيضِ، والجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ؛ و(مَن يَفْعَلُ) هو المُبْتَدَأُ، و”مِنَ“ الثّانِيَةِ في مَوْضِعِ الحالِ مِن (شَيْءٍ)؛ لِأنَّهُ نَعْتٌ نَكِرَةٌ تَقَدَّمَ عَلَيْها فانْتَصَبَ عَلى الحالِ؛ و”مِنِ“ الثّالِثَةُ زائِدَةٌ لِانْسِحابِ (p-١٧٦)الِاسْتِفْهامِ الَّذِي مَعْناهُ النَّفْيُ عَلى الكَلامِ، التَّقْدِيرُ: مَن يَفْعَلُ شَيْئًا مِن ذَلِكم، أيْ: مِن تِلْكَ الأفْعالِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُشْرِكُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ؛ والأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ: بِتاءِ الخِطابِ، والظّاهِرُ مُرادُ ظاهِرِ البَرِّ والبَحْرِ. وقالَ الحَسَنُ: وظُهُورُ الفَسادِ فِيهِما بِارْتِفاعِ البَرَكاتِ، ونُزُولِ رَزايا، وحُدُوثِ فِتَنٍ، وتَقَلُّبِ عَدُوٍّ كافِرٍ، وهَذِهِ الثَّلاثَةُ تُوجَدُ في البَرِّ والبَحْرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿الفَسادُ في البَرِّ﴾ القُطّاعُ فَتَسُدُّهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: (في البِرِّ) بِقَتْلِ أحَدِ بَنِي آدَمَ لِأخِيهِ، وفي البَحْرِ: بِأخْذِ السُّفُنِ غَصْبًا، وعَنْهُ أيْضًا: البَرُّ: البِلادُ البَعِيدَةُ مِنَ البَحْرِ، والبَحْرُ: السَّواحِلُ والجُزُرُ الَّتِي عَلى ضَفَّةِ البَحْرِ والأنْهارِ. وقالَ قَتادَةُ: البَرُّ: الفَيافِي ومَواضِعُ القَبائِلِ وأهْلُ الصَّحارِي والعُمُورِ، والبَحْرُ: المُدُنُ، جَمْعُ بَحْرَةٍ، ومِنهُ: ولَقَدْ أجْمَعَ أهْلُ هَذِهِ البُحَيْرَةِ لِيُتَوِّجُوهُ، يَعْنِي قَوْلَ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ، ويُؤَيِّدُ هَذا قِراءَةُ عِكْرِمَةَ. ”والبُحُورِ“ بِالجَمْعِ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وكانَ قَدْ ظَهَرَ الفَسادُ بَرًّا وبَحْرًا وقْتَ بَعْثَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكانَ الظُّلْمُ عَمَّ الأرْضَ، فَأظْهَرَ اللَّهُ بِهِ الدِّينَ، وأزالَ الفَسادَ، وأخْمَدَهُ. وقالَ النَّحّاسُ: فِيهِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: ظَهَرَ الجَدْبُ في البَرِّ في البَوادِي وقَرَأها ”والبَحْرِ“، أيْ: في مُدُنِ البَحْرِ، مِثْلُ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أيْ: ظَهَرَ قِلَّةُ العُشْبِ، وغَلا السِّعْرُ. والثّانِي: ظَهَرَتِ المَعاصِي مِن قَطْعِ السَّبِيلِ والظُّلْمِ، فَهَذا هو الفَسادُ عَلى الحَقِيقَةِ، والأوَّلُ مَجازٌ، وقِيلَ: إذا قَلَّ المَطَرُ قَلَّ الغَوْصُ، وأُحْنِقَ الصَّيّادُ وعَمِيَتْ دَوابُّ البَحْرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا مَطَرَتْ تَفَتَّحَتِ الأصْدافُ في البَحْرِ، فَما وقَعَ فِيها مِنَ السَّماءِ فَهو لُؤْلُؤٌ. ﴿بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ﴾ أيْ: بِسَبَبِ مَعاصِيهِمْ وذُنُوبِهِمْ. ﴿لِيُذِيقَهُمْ﴾ أيْ: أنَّهُ تَعالى أفْسَدَ أسْبابَ دُنْياهم ومَحَقَهم، لِيُذِيقَهم وبالَ بَعْضِ أعْمالِهِمْ في الدُّنْيا، قَبْلَ أنْ يُعاقِبَهم بِها جَمِيعًا في الآخِرَةِ. ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ عَمّا هم فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (بِما كَسَبَتْ) جَزاءَ ما كَسَبَتْ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ الباءُ بِـ: (ظَهَرَ)، أيْ: بِكَسْبِهِمُ المَعاصِيَ في البَرِّ والبَحْرِ، وهو نَفْسُ الفَسادِ الظّاهِرِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ، والأعْرَجُ، وأبُو حَيْوَةَ، وسَلامٌ، وسَهْلٌ، ورَوْحٌ، وابْنُ حَسّانَ، وقُنْبُلٌ مِن طَرِيقِ ابْنِ مُجاهِدٍ، وابْنِ الصَّباحِ، وأبُو الفَضْلِ الواسِطِيُّ عَنْهُ، ومَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: لِنُذِيقَهم، بِالنُّونِ؛ والجُمْهُورُ: بِالياءِ، ثُمَّ أمَرَهم بِالمَسِيرِ في الأرْضِ، فَيَنْظُرُوا كَيْفَ أهْلَكَ الأُمَمَ بِسَبَبِ مَعاصِيهِمْ وإشْراكِهِمْ، وذَلِكَ تَنْبِيهٌ لِقُرَيْشٍ وأمْرٌ لَهم بِالِاعْتِبارِ بِمَن سَلَفَ مِنَ الأُمَمِ، قَوْمُ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ وغَيْرُهم. ﴿كانَ أكْثَرُهم مُشْرِكِينَ﴾ أهْلَكَهم كُلَّهم بِسَبَبِ الشِّرْكِ، وقَوْمًا بِسَبَبِ المَعاصِي؛ لِأنَّهُ تَعالى يُهْلِكُ بِالمَعاصِي، كَما يُهْلِكُ بِالشِّرْكِ، كَأصْحابِ السَّبْتِ. أوْ أهْلَكَهم كُلَّهم، المُشْرِكَ والمُؤْمِنَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] وأهْلَكَهم كُلَّهم، وهم كُفّارٌ، فَأكْثَرُهم مُشْرِكُونَ، وبَعْضُهم مُعَطِّلٌ. وحِينَ ذَكَرَ امْتِنانَهُ قالَ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾ فَذَكَرَ الوُجُودَ ثُمَّ البَقاءَ بِسَبَبِ الرِّزْقِ. وحِينَ ذَكَرَ خِذْلانَهم بِالطُّغْيانِ، بِسَبَبِ البَقاءِ بِإظْهارِ الفَسادِ، ثُمَّ بِسَبَبِ الوُجُودِ بِالإهْلاكِ. ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ يَوْمُ القِيامَةِ، وفِيهِ تَحْذِيرٌ يَعُمُّ النّاسَ ﴿لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ المَرَدُّ: مَصْدَرُ رَدَّ، و(مِنَ اللَّهِ): يَحْتَمِلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ: ”يَأْتِي“، أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ مِنَ اللَّهِ يَوْمٌ لا يَرُدُّهُ أحَدٌ حَتّى لا يَأْتِيَ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها﴾ [الأنبياء: ٤٠] ويَحْتَمِلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ (مَرَدَّ)، أيْ: لا يَرُدُّهُ هو بَعْدَ أنْ يَجِيءَ بِهِ، ولا رَدَّ لَهُ مِن جِهَتِهِ. (يَوْمَئِذٍ) أيْ: يَوْمَ إذْ يَأْتِي ذَلِكَ اليَوْمُ. (يَصَّدَّعُونَ) يَتَفَرَّقُونَ، فَرِيقٌ في الجَنَّةِ، وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ. يُقالُ: تَصَدَّعَ القَوْمُ إذا تَفَرَّقُوا، ومِنهُ الصُّداعُ؛ لِأنَّهُ يُفَرِّقُ شَعْبَ الرَّأْسِ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎وكُنّا كَنَدْمانَيْ جَذِيمَةَ حِقْبَةً مِنَ الدَّهْرِ حَتّى قِيلَ لَنْ يَتَصَدَّعا ثُمَّ ذَكَرَ حالَتَيِ المُتَفَرِّقِينَ: ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أيْ: جَزاءُ كُفْرِهِ، وعَبَّرَ عَنْ حالَةِ الكافِرِ بِـ: عَلَيْهِ، وهي تَدُلُّ (p-١٧٧)عَلى الفِعْلِ والمَشَقَّةِ، وعَنْ حالِ المُؤْمِنِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلِأنْفُسِهِمْ﴾ بِاللّامِ الَّتِي هي لامُ المِلْكِ. و﴿يَمْهَدُونَ﴾ يُوَطِّئُونَ، وهي اسْتِعارَةٌ مِنَ الفَرْشِ، وعِبارَةٌ عَنْ كَوْنِهِمْ يَفْعَلُونَ في الدُّنْيا ما يَلْقُونَ بِهِ ما تَقَرُّ بِهِ أعْيُنُهم وتُسَرُّ بِهِ أنْفُسُهم في الجَنَّةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو التَّمْهِيدُ لِلْقَبْرِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ في المَوْضِعَيْنِ لِدَلالَةٍ عَلى أنَّ ضَرَرَ الكُفْرِ لا يَعُودُ إلّا عَلى الكافِرِ لا يَتَعَدّاهُ، ومَنفَعَةُ الأيْمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ تَرْجِعُ إلى المُؤْمِنِ لا تَتَجاوَزُهُ. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَتِهِ في دَعْواهُ أنَّ تَقْدِيمَ المَفْعُولِ وما جَرى مَجْراهُ يَدُلُّ عَلى الِاخْتِصاصِ، وأمّا عَلى مَذْهَبِنا فَيَدُلُّ عَلى الِاهْتِمامِ، وأمّا ما يَدَّعِيهِ مِنَ الِاخْتِصاصِ فَمَفْهُومٌ مِن آيٍ كَثِيرَةٍ في القُرْآنِ مِنها: ﴿ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] . واللّامُ في (لِيَجْزِيَ) قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُتَعَلِّقٌ بِـ: (يَمْهَدُونَ)، تَعْلِيلٌ لَهُ وتَكْرِيرُ (الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ) وتَرْكُ الضَّمِيرِ إلى الصَّرِيحِ لِتَقْدِيرِهِ أنَّهُ لا يُفْلِحُ عِنْدَهُ إلّا المُؤْمِنُ الصّالِحُ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ تَقْرِيرٌ بَعْدَ تَقْرِيرٍ عَلى الطَّرْدِ والعَكْسِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (لِيَجْزِيَ) مُتَعَلِّقٌ بِـ: (يَصَّدَّعُونَ)، ويَجُوزَ أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ ذَلِكَ لِيَجْزِيَ، وتَكُونُ الإشارَةُ إلى ما تَقَرَّرَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: (مَن كَفَرَ) (ومَن عَمِلَ صالِحًا) . انْتَهى. ويَكُونُ قَسِيمُ (الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ) عَلى هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُما ابْنُ عَطِيَّةَ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: كَأنَّهُ قالَ: والكافِرُونَ بَعْدُ لَهُ، ودَلَّ عَلى حَذْفِ هَذا القَسِيمِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ . ومَعْنى نَفْيِ الحُبِّ هُنا: أنَّهُ لا تَظْهَرُ عَلَيْهِمْ أماراتُ رَحْمَتِهِ، ولا يَرْضى الكُفْرَ لَهم دِينًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (مِن فَضْلِهِ) بِما تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ تَوْفِيَةِ الواجِبِ مِنَ الثَّوابِ، وهَذا يُشْبِهُ الكِنايَةَ؛ لِأنَّ الفَضْلَ تَبَعٌ لِلثَّوابِ، فَلا يَكُونُ إلّا بَعْدَ حُصُولِ ما هو تَبَعٌ لَهُ، أوْ أرادَ مِن عَطائِهِ، وهو ثَوابُهُ؛ لِأنَّ الفُضُولَ والفَواضِلَ هي الأعْطِيَةُ عِنْدَ العَرَبِ.

الروم 30:46

﴿ومِن آياتِهِ أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ ولِيُذِيقَكم مِن رَحْمَتِهِ ولِتَجْرِيَ الفُلْكُ بِأمْرِهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ فانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أجْرَمُوا وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَيَبْسُطُهُ في السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ ويَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ فَإذا أصابَ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ ﴿فانْظُرْ إلى آثارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعْ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ . (p-١٧٨)لَمّا ذَكَرَ تَعالى ظُهُورَ الفَسادِ والهَلاكِ بِسَبَبِ الشِّرْكِ، ذَكَرَ ظُهُورَ الصَّلاحِ. والكَرِيمُ لا يَذْكُرُ لِإحْسانِهِ عِوَضًا، ويَذْكُرُ لِعِقابِهِ سَبَبًا؛ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ بِهِ الظُّلْمُ؛ فَذَكَرَ مِن إعْلامِ قُدْرَةِ إرْسالِ الرِّياحِ مُبَشِّراتٍ بِالمَطَرِ؛ لِأنَّها مُتَقَدِّمَةٌ. والمُبَشِّراتُ: رِياحُ الرَّحْمَةِ، الجَنُوبُ والشَّمالُ والصَّبا، وأمّا الدَّبُّورُ، فَرِيحُ العَذابِ، ولَيْسَ تَبْشِيرُها مُقْتَصَرًا بِهِ عَلى المَطَرِ، بَلْ لَها تَبْشِيراتٌ بِسَبَبِ السُّفُنِ والسَّيْرِ بِها إلى مَقاصِدِ أهْلِها، وكَأنَّهُ بَدَأ أوَّلًا بِشَيْءٍ عامٍّ، وهو التَّبْشِيرُ. وقَرَأ الأعْمَشُ: الرِّيحُ، مُفْرَدًا، وأرادَ مَعْنى الجَمْعِ، ولِذَلِكَ قَرَأ: ﴿مُبَشِّراتٍ﴾ . ثُمَّ ذَكَرَ مِن أعْظَمِ تَباشِيرِها إذاقَةَ الرَّحْمَةِ، وهي نُزُولُ المَطَرِ، ويَتْبَعُهُ حُصُولُ الخِصْبِ، والرِّيحُ الَّذِي مَعَهُ الهَبُوبُ، وإزالَةُ العُفُونَةِ مِنَ الهَواءِ، وتَذْرِيَةُ الحُبُوبِ، وغَيْرُ ذَلِكَ. ﴿ولِيُذِيقَكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى مَعْنى (مُبَشِّراتٍ)، فالعامِلُ أنْ يُرْسِلَ، ويَكُونُ عَطْفًا عَلى التَّوَهُّمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِيُبَشِّرُوكم، والحالُ والصِّفَةُ قَدْ يَجِيئانِ، وفِيهِما مَعْنى التَّعْلِيلِ. تَقُولُ: أُهِنْ زَيْدًا سَيِّئًا وأُكْرِمْ زَيْدًا العالِمَ، تُرِيدُ لِإساءَتِهِ ولِعِلْمِهِ. وقِيلَ: ما يَتَعَلَّقُ بِهِ اللّامُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ولَكِنّا أرْسَلْناها. وقِيلَ: الواوُ في (ولِيُذِيقَكم) زائِدَةٌ. و(بِأمْرِهِ) أيْ: بِأمْرِ اللَّهِ، يَعْنِي أنَّ جَرَيانَها، لَمّا كانَ مُسْنَدًا إلَيْها، أخْبَرَ أنَّهُ بِأمْرِهِ تَعالى. (مِن فَضْلِهِ) مِمّا يُهَيِّئُ لَكم مِنَ الرِّيحِ في التِّجاراتِ في البَحْرِ، ومِن غَنائِمِ أهْلِ الشِّرْكِ. ثُمَّ بَيَّنَ لِرَسُولِهِ بِأنْ ضَرَبَ لَهُ مَثَلُ مَن أرْسَلَ مِنَ الأنْبِياءِ، ولَمّا كانَ تَعالى بَيَّنَ الأصْلَيْنِ: المَبْدَأِ والمَعادِ، بَيَّنَ ذِكْرَ الأصْلِ الثّالِثِ، وهو النُّبُوَّةُ؛ وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: وآمَنَ بِهِ بَعْضٌ وكَذَّبَ بَعْضٌ ﴿فانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ . وفِي قَوْلِهِ: ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ تَبْشِيرٌ لِلرَّسُولِ وأُمَّتِهِ بِالنَّصْرِ والظَّفَرِ، إذْ أخْبَرَ أنَّ المُؤْمِنِينَ بِأُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ نُصِرُوا، وفي لَفْظِ (حَقًّا) مُبالَغَةٌ في التَّحَتُّمِ، وتَكْرِيمٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وإظْهارٌ لِفَضِيلَةِ سابِقَةِ الإيمانِ، حَيْثُ جَعَلَهم مُسْتَحِقِّينَ النَّصْرَ والظَّفَرَ. والظّاهِرُ أنَّ (حَقًّا) خَبَرُ كانَ، و﴿نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ الِاسْمُ، وأُخِّرَ لِكَوْنِ ما تَعَلَّقَ بِهِ فاصِلَةً لِلِاهْتِمامِ بِالجَزاءِ، إذْ هو مَحَطُّ الفائِدَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَفَ بَعْضُ القُرّاءِ عَلى (حَقًّا) وجَعَلَهُ مِنَ الكَلامِ المُتَقَدِّمِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ جُمْلَةً مِن قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَدْرِ قَدْرَ ما عَرَضَهُ في نَظْمِ الآيَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدْ يُوقَفُ عَلى (حَقًّا) ومَعْناهُ: وكانَ الِانْتِقامُ مِنهم حَقًّا، ثُمَّ يُبْتَدَأُ عَلَيْنا ﴿نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ . انْتَهى. وفي الوَقْفِ عَلى ﴿وكانَ حَقًّا﴾ بَيانُ أنَّهُ لَمْ يَكُنِ الِانْتِقامُ ظُلْمًا، بَلْ عَدْلًا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ إلّا بَعْدَ كَوْنِ بَقائِهِمْ غَيْرَ مُفِيدٍ إلّا زِيادَةُ الإثْمِ ووِلادَةُ الفاجِرِ الكافِرِ، فَكانَ عُدْمُهم خَيْرًا مِن وُجُودِهِمُ الخَبِيثِ. ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ هَذا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ﴾ والجُمْلَةُ الَّتِي بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، جاءَتْ تَأْنِيسًا لِلرَّسُولِ، وتَسْلِيَةً ووَعْدًا بِالنَّصْرِ، ووَعِيدًا لِأهْلِ الكُفْرِ، وفي إرْسالِها قُدْرَةٌ وحِكْمَةٌ. أمّا القُدْرَةُ، فَإنَّ الهَواءَ اللَّطِيفَ الَّذِي يَسْبِقُهُ البَرْقُ بِحَيْثُ يَقْلَعُ الشَّجَرَ ويَهْدِمُ البِناءَ، وهو لَيْسَ بِذاتِهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ، بَلْ بِفاعِلٍ مُخْتارٍ. وأمّا الحِكْمَةُ، فَفِيما يُفْضِي إلَيْهِ نَفْسُ الهُبُوبِ مِن إثارَةِ السُّحُبِ، وإخْراجِ الماءِ مِنهُ، وإنْباتِ الزَّرْعِ، ودَرِّ الضَّرْعِ، واخْتِصاصِهِ بِناسٍ دُونَ ناسٍ؛ وهَذِهِ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ مَعْرُوفَةٌ بِالمَشِيئَةِ والإثارَةِ، تَحْرِيكُها وتَسْيِيرُها. والبَسْطُ: نَشْرُها في الآفاقِ، والكِسَفُ: القِطَعُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ وذَكَرَ الخِلافَ في (كِسَفًا) وحالُهُ مِن جِهَةِ القُرّاءِ. والضَّمِيرُ في: (مِن خِلالِهِ) الظّاهِرُ أنَّهُ عائِدٌ عَلى السَّحابِ، إذْ هو المُحَدِّثُ عَنْهُ، وذُكِّرَ الضَّمِيرُ لِأنَّ السَّحابَ اسْمُ جِنْسٍ يَجُوزُ تَذْكِيرُهُ وتَأْنِيثُهُ. قِيلَ: ويَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ عَلى (كِسَفًا) في قِراءَةِ مَن سَكَّنَ العَيْنَ، والمُرادُ بِالسَّماءِ: سَمَتِ السَّماءُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وفَرْعُها في السَّماءِ﴾ [إبراهيم: ٢٤] . ﴿فَإذا أصابَ بِهِ مَن يَشاءُ﴾ أيْ: أرْضَ مَن يَشاءُ إصابَتُها، فاجَأهُمُ الِاسْتِبْشارُ، ولَمْ يَتَأخَّرْ سُرُورُهم. وقالَ الأخْفَشُ: (مِن قَبْلِهِ) تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أفادَ الإعْلامَ بِسُرْعَةِ (p-١٧٩)تَقَلُّبِ قُلُوبِ البَشَرِ مِنَ الإبْلاسِ إلى الِاسْتِبْشارِ، وذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ يَحْتَمِلُ الفُسْحَةَ في الزَّمانِ، أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ بِكَثِيرٍ، كالأيّامِ ونَحْوِهِ، فَجاءَ قَوْلُهُ: (مِن قَبْلِ) بِمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ مُتَّصِلٌ بِالمَطَرِ، فَهو تَأْكِيدٌ مُقَيَّدٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وبِمَعْنى التَّوْكِيدِ، فِيهِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ عَهْدَهم بِالمَطَرِ قَدْ تَطاوَلَ وبَعُدَ، فاسْتَحْكَمَ يَأْسُهم وتَمادى إبْلاسُهم، فَكانَ الِاسْتِبْشارُ عَلى قَدْرِ اهْتِمامِهِمْ بِذَلِكَ. انْتَهى. وما ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ والزَّمَخْشَرِيُّ مِن فائِدَةِ التَّأْكِيدِ في قَوْلِهِ: (مِن قَبْلِهِ) غَيْرُ ظاهِرٍ، وإنَّما هو عِنْدَ ذِكْرِهِ لِمُجَرَّدِ التَّوْكِيدِ، ويُفِيدُ رَفْعَ المَجازِ فَقَطْ. وقالَ قُطْرُبٌ: التَّقْدِيرُ: وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ التَّنْزِيلِ، مِن قَبْلِ المَطَرِ. انْتَهى. وصارَ مِن قَبْلِ إنْزالِ المَطَرِ: مِن قَبْلِ المَطَرِ، وهَذا تَرْكِيبٌ لا يَسُوغُ في كَلامٍ فَصِيحٍ، فَضْلًا عَنِ القُرْآنِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: مِن قَبْلِ تَنْزِيلِ الغَيْثِ: مِن قَبْلِ أنْ يَزْرَعُوا، ودَلَّ المَطَرُ عَلى الزَّرْعِ؛ لِأنَّهُ يَخْرُجُ بِسَبَبِ المَطَرِ؛ ودَلَّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا﴾ يَعْنِي الزَّرْعَ. انْتَهى. وهَذا لا يَسْتَقِيمُ؛ لِأنَّ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ . ولا يُمْكِنُ مِن قَبْلِ الزَّرْعِ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ: ”مُبْلِسِينَ“؛ لِأنَّ حَرْفَيْ جَرٍّ لا يَتَعَلَّقانِ بِعامِلٍ واحِدٍ إلّا إنْ كانَ بِواسِطَةِ حَرْفِ العَطْفِ، أوْ عَلى جِهَةِ البَدَلِ. ولَيْسَ التَّرْكِيبُ هُنا ومِن قَبْلِهِ بِحَرْفِ العَطْفِ، ولا يَصِحُّ فِيهِ البَدَلُ، إذْ إنْزالُ الغَيْثِ لَيْسَ هو الزَّرْعَ، ولا الزَّرْعُ بَعْضَهُ. وقَدْ يُتَخَيَّلُ فِيهِ بَدَلُ الِاشْتِمالِ بِتَكَلُّفٍ؛ إمّا لِاشْتِمالِ الإنْزالِ عَلى الزَّرْعِ، بِمَعْنى أنَّ الزَّرْعَ يَكُونُ ناشِئًا عَنِ الإنْزالِ، فَكَأنَّ الإنْزالَ مُشْتَمِلٌ عَلَيْهِ، وهَذا عَلى مَذْهَبِ مَن يَقُولُ: الأوَّلُ يَشْتَمِلُ عَلى الثّانِي. وقالَ المُبَرِّدُ: الثّانِي السَّحابُ، ويَحْتاجُ أيْضًا إلى حَرْفِ عَطْفٍ حَتّى يُمْكِنَ تَعَلُّقُ الحَرْفَيْنِ بِـ: ”مُبْلِسِينَ“ . وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: مِن قَبْلِ الإرْسالِ. وقالَ الكِرْمانِيُّ: ومِن قَبْلِ الِاسْتِبْشارِ؛ لِأنَّهُ قَرَنَهُ بِالإبْلاسِ، ولِأنَّهُ مَنَّ عَلَيْهِمْ بِالِاسْتِبْشارِ. انْتَهى. ويَحْتاجُ قَوْلُهُ وقَوْلُ ابْنِ عِيسى إلى حَرْفِ العَطْفِ، فَإنِ ادَّعى في قَوْلِهِ مِن جَعْلِ الضَّمِيرِ في (مِن قَبْلِهِ) عائِدٌ إلى غَيْرِ إنْزالِ الغَيْثِ أنَّ حَرْفَ العَطْفِ مَحْذُوفٌ، أمْكَنَ، لَكِنْ في حَذْفِ حَرْفِ العَطْفِ خِلافٌ، أيْ: أيَنْقاسُ أمْ لا يَنْقاسُ ؟ أمّا حَذْفُهُ مَعَ الجُمَلِ فَجائِزٌ، وأمّا وحْدَهُ فَهو الَّذِي فِيهِ الخِلافُ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ: إلى ”أثَرِ“، بِالإفْرادِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِالجَمْعِ؛ وسَلامٌ: بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وإسْكانِ الثّاءِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْقَعِ، وأبُو حَيْوَةَ: ”تُحْيِي“، بِالتّاءِ لِلتَّأْنِيثِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الرَّحْمَةِ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وإنَّما أنَّثَ الأثَرَ لِاتِّصالِهِ بِالرَّحْمَةِ إضافَةً إلَيْها، فاكْتَسَبَ التَّأْنِيثَ مِنها، ومِثْلُ ذَلِكَ لا يَجُوزُ إلّا إذا كانَ المُضافُ بِمَعْنى المُضافِ إلَيْهِ، أوْ مِن سَبَبِهِ. وأمّا إذا كانَ أجْنَبِيًّا، فَلا يَجُوزُ بِحالٍ. انْتَهى. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ”نُحْيِي“، بِنُونِ العَظْمَةِ؛ والجُمْهُورُ: (يُحْيِي) بِياءِ الغَيْبَةِ، والضَّمِيرُ لِلَّهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ ﴿آثارِ﴾ بِالجَمْعِ، وقِيلَ: يَعُودُ عَلى ”أثَرِ“ في قِراءَةِ مَن أفْرَدَ. وقالَ ابْنُ جِنِّي: ﴿كَيْفَ يُحْيِي﴾ جُمْلَةٌ مَنصُوبَةُ المَوْضِعِ عَلى الحالِ حَمْلًا عَلى المَعْنى، كَأنَّهُ قالَ: مُحْيِيًا، وهَذا فِيهِ نَظَرٌ. (إنَّ ذَلِكَ) أيِ: القادِرُ عَلى إحْياءِ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها، هو الَّذِي يُحْيِي النّاسَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ. وهَذا الإخْبارُ عَلى جِهَةِ القِياسِ في البَعْثِ، والبَعْثُ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي هو قادِرٌ عَلَيْها تَعالى. ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا﴾ أخْبَرَ تَعالى عَنْ حالِ تَقَلُّبِ ابْنِ آدَمَ، أنَّهُ بَعْدَ الِاسْتِبْشارِ بِالمَطَرِ، بَعَثَ اللَّهُ رِيحًا، فاصْفَرَّ بِها النَّباتُ. لَظَلُّوا يَكْفُرُونَ قَلَقًا مِنهم، والرِّيحُ الَّتِي تُصَفِّرُ النَّباتَ صِرٌّ حَرُورٌ، وهُما مِمّا يُصْبِحُ بِهِ النَّباتُ هَشِيمًا، والحَرُورُ جَنْبُ الشَّمالِ إذا عَصَفَتْ. والضَّمِيرُ في ﴿فَرَأوْهُ﴾ عائِدٌ عَلى ما يُفْهَمُ مِن سِياقِ الكَلامِ، وهو النَّباتُ. وقِيلَ: إلى الأثَرِ؛ لِأنَّ الرَّحْمَةَ هي الغَيْثُ، وأثَرُها هو النَّباتُ. ومَن قَرَأ: (آثارِ)، بِالجَمْعِ، رَجَّعَ الضَّمِيرَ إلى آثارِ الرَّحْمَةِ، وهو النَّباتُ، واسْمُ النَّباتِ يَقَعُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ ما يَنْبُتُ. وقالَ ابْنُ عِيسى: الضَّمِيرُ في ﴿فَرَأوْهُ﴾ عائِدٌ عَلى السَّحابِ؛ لِأنَّ السَّحابَ إذا اصْفَرَّ لَمْ يُمْطِرْ؛ وقِيلَ: عَلى الرِّيحِ، وهَذانِ قَوْلانِ ضَعِيفانِ. وقَرَأ صَباحُ بْنُ حُبَيْشٍ: ”مِصْفارًّا“، بِألِفٍ بَعْدِ الفاءِ. واللّامُ في (ولَئِنْ) مُؤْذِنَةٌ بِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ (p-١٨٠)وجَوابُهُ (لَظَلُّوا)، وهو مِمّا وُضِعَ فِيهِ الماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ اتِّساعًا تَقْدِيرُهُ: لَيَظَلُّنَّ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ [البقرة: ١٤٥] أيْ: ما يَتَّبِعُونَ، ذَمَّهم تَعالى في جَمِيعِ أحْوالِهِمْ، كانَ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَوَكَّلُوا عَلى فَضْلِ اللَّهِ فَقَنِطُوا، وإنْ شَكَرُوا نِعْمَتَهُ فَلَمْ يَزِيدُوا عَلى الفَرَحِ والِاسْتِبْشارِ، وإنْ تَصْبِرُوا عَلى بَلائِهِ كَفَرُوا. والضَّمِيرُ في (مِن بَعْدِهِ) عائِدٌ عَلى الِاصْفِرارِ، أيْ: مِن بَعْدِ اصْفِرارِ النَّباتِ تَجْحَدُونَ نِعْمَتَهُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ إلى قَوْلِهِ: (فَهم مُسْلِمُونَ) في أواخِرِ النَّمْلِ، إلّا أنَّ هُنا الرَّبْطَ بِالفاءِ في قَوْلِهِ: (فَإنَّكَ) .

الروم 30:47

﴿ومِن آياتِهِ أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ ولِيُذِيقَكم مِن رَحْمَتِهِ ولِتَجْرِيَ الفُلْكُ بِأمْرِهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ فانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أجْرَمُوا وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَيَبْسُطُهُ في السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ ويَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ فَإذا أصابَ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ ﴿فانْظُرْ إلى آثارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعْ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ . (p-١٧٨)لَمّا ذَكَرَ تَعالى ظُهُورَ الفَسادِ والهَلاكِ بِسَبَبِ الشِّرْكِ، ذَكَرَ ظُهُورَ الصَّلاحِ. والكَرِيمُ لا يَذْكُرُ لِإحْسانِهِ عِوَضًا، ويَذْكُرُ لِعِقابِهِ سَبَبًا؛ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ بِهِ الظُّلْمُ؛ فَذَكَرَ مِن إعْلامِ قُدْرَةِ إرْسالِ الرِّياحِ مُبَشِّراتٍ بِالمَطَرِ؛ لِأنَّها مُتَقَدِّمَةٌ. والمُبَشِّراتُ: رِياحُ الرَّحْمَةِ، الجَنُوبُ والشَّمالُ والصَّبا، وأمّا الدَّبُّورُ، فَرِيحُ العَذابِ، ولَيْسَ تَبْشِيرُها مُقْتَصَرًا بِهِ عَلى المَطَرِ، بَلْ لَها تَبْشِيراتٌ بِسَبَبِ السُّفُنِ والسَّيْرِ بِها إلى مَقاصِدِ أهْلِها، وكَأنَّهُ بَدَأ أوَّلًا بِشَيْءٍ عامٍّ، وهو التَّبْشِيرُ. وقَرَأ الأعْمَشُ: الرِّيحُ، مُفْرَدًا، وأرادَ مَعْنى الجَمْعِ، ولِذَلِكَ قَرَأ: ﴿مُبَشِّراتٍ﴾ . ثُمَّ ذَكَرَ مِن أعْظَمِ تَباشِيرِها إذاقَةَ الرَّحْمَةِ، وهي نُزُولُ المَطَرِ، ويَتْبَعُهُ حُصُولُ الخِصْبِ، والرِّيحُ الَّذِي مَعَهُ الهَبُوبُ، وإزالَةُ العُفُونَةِ مِنَ الهَواءِ، وتَذْرِيَةُ الحُبُوبِ، وغَيْرُ ذَلِكَ. ﴿ولِيُذِيقَكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى مَعْنى (مُبَشِّراتٍ)، فالعامِلُ أنْ يُرْسِلَ، ويَكُونُ عَطْفًا عَلى التَّوَهُّمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِيُبَشِّرُوكم، والحالُ والصِّفَةُ قَدْ يَجِيئانِ، وفِيهِما مَعْنى التَّعْلِيلِ. تَقُولُ: أُهِنْ زَيْدًا سَيِّئًا وأُكْرِمْ زَيْدًا العالِمَ، تُرِيدُ لِإساءَتِهِ ولِعِلْمِهِ. وقِيلَ: ما يَتَعَلَّقُ بِهِ اللّامُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ولَكِنّا أرْسَلْناها. وقِيلَ: الواوُ في (ولِيُذِيقَكم) زائِدَةٌ. و(بِأمْرِهِ) أيْ: بِأمْرِ اللَّهِ، يَعْنِي أنَّ جَرَيانَها، لَمّا كانَ مُسْنَدًا إلَيْها، أخْبَرَ أنَّهُ بِأمْرِهِ تَعالى. (مِن فَضْلِهِ) مِمّا يُهَيِّئُ لَكم مِنَ الرِّيحِ في التِّجاراتِ في البَحْرِ، ومِن غَنائِمِ أهْلِ الشِّرْكِ. ثُمَّ بَيَّنَ لِرَسُولِهِ بِأنْ ضَرَبَ لَهُ مَثَلُ مَن أرْسَلَ مِنَ الأنْبِياءِ، ولَمّا كانَ تَعالى بَيَّنَ الأصْلَيْنِ: المَبْدَأِ والمَعادِ، بَيَّنَ ذِكْرَ الأصْلِ الثّالِثِ، وهو النُّبُوَّةُ؛ وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: وآمَنَ بِهِ بَعْضٌ وكَذَّبَ بَعْضٌ ﴿فانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ . وفِي قَوْلِهِ: ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ تَبْشِيرٌ لِلرَّسُولِ وأُمَّتِهِ بِالنَّصْرِ والظَّفَرِ، إذْ أخْبَرَ أنَّ المُؤْمِنِينَ بِأُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ نُصِرُوا، وفي لَفْظِ (حَقًّا) مُبالَغَةٌ في التَّحَتُّمِ، وتَكْرِيمٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وإظْهارٌ لِفَضِيلَةِ سابِقَةِ الإيمانِ، حَيْثُ جَعَلَهم مُسْتَحِقِّينَ النَّصْرَ والظَّفَرَ. والظّاهِرُ أنَّ (حَقًّا) خَبَرُ كانَ، و﴿نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ الِاسْمُ، وأُخِّرَ لِكَوْنِ ما تَعَلَّقَ بِهِ فاصِلَةً لِلِاهْتِمامِ بِالجَزاءِ، إذْ هو مَحَطُّ الفائِدَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَفَ بَعْضُ القُرّاءِ عَلى (حَقًّا) وجَعَلَهُ مِنَ الكَلامِ المُتَقَدِّمِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ جُمْلَةً مِن قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَدْرِ قَدْرَ ما عَرَضَهُ في نَظْمِ الآيَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدْ يُوقَفُ عَلى (حَقًّا) ومَعْناهُ: وكانَ الِانْتِقامُ مِنهم حَقًّا، ثُمَّ يُبْتَدَأُ عَلَيْنا ﴿نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ . انْتَهى. وفي الوَقْفِ عَلى ﴿وكانَ حَقًّا﴾ بَيانُ أنَّهُ لَمْ يَكُنِ الِانْتِقامُ ظُلْمًا، بَلْ عَدْلًا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ إلّا بَعْدَ كَوْنِ بَقائِهِمْ غَيْرَ مُفِيدٍ إلّا زِيادَةُ الإثْمِ ووِلادَةُ الفاجِرِ الكافِرِ، فَكانَ عُدْمُهم خَيْرًا مِن وُجُودِهِمُ الخَبِيثِ. ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ هَذا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ﴾ والجُمْلَةُ الَّتِي بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، جاءَتْ تَأْنِيسًا لِلرَّسُولِ، وتَسْلِيَةً ووَعْدًا بِالنَّصْرِ، ووَعِيدًا لِأهْلِ الكُفْرِ، وفي إرْسالِها قُدْرَةٌ وحِكْمَةٌ. أمّا القُدْرَةُ، فَإنَّ الهَواءَ اللَّطِيفَ الَّذِي يَسْبِقُهُ البَرْقُ بِحَيْثُ يَقْلَعُ الشَّجَرَ ويَهْدِمُ البِناءَ، وهو لَيْسَ بِذاتِهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ، بَلْ بِفاعِلٍ مُخْتارٍ. وأمّا الحِكْمَةُ، فَفِيما يُفْضِي إلَيْهِ نَفْسُ الهُبُوبِ مِن إثارَةِ السُّحُبِ، وإخْراجِ الماءِ مِنهُ، وإنْباتِ الزَّرْعِ، ودَرِّ الضَّرْعِ، واخْتِصاصِهِ بِناسٍ دُونَ ناسٍ؛ وهَذِهِ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ مَعْرُوفَةٌ بِالمَشِيئَةِ والإثارَةِ، تَحْرِيكُها وتَسْيِيرُها. والبَسْطُ: نَشْرُها في الآفاقِ، والكِسَفُ: القِطَعُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ وذَكَرَ الخِلافَ في (كِسَفًا) وحالُهُ مِن جِهَةِ القُرّاءِ. والضَّمِيرُ في: (مِن خِلالِهِ) الظّاهِرُ أنَّهُ عائِدٌ عَلى السَّحابِ، إذْ هو المُحَدِّثُ عَنْهُ، وذُكِّرَ الضَّمِيرُ لِأنَّ السَّحابَ اسْمُ جِنْسٍ يَجُوزُ تَذْكِيرُهُ وتَأْنِيثُهُ. قِيلَ: ويَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ عَلى (كِسَفًا) في قِراءَةِ مَن سَكَّنَ العَيْنَ، والمُرادُ بِالسَّماءِ: سَمَتِ السَّماءُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وفَرْعُها في السَّماءِ﴾ [إبراهيم: ٢٤] . ﴿فَإذا أصابَ بِهِ مَن يَشاءُ﴾ أيْ: أرْضَ مَن يَشاءُ إصابَتُها، فاجَأهُمُ الِاسْتِبْشارُ، ولَمْ يَتَأخَّرْ سُرُورُهم. وقالَ الأخْفَشُ: (مِن قَبْلِهِ) تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أفادَ الإعْلامَ بِسُرْعَةِ (p-١٧٩)تَقَلُّبِ قُلُوبِ البَشَرِ مِنَ الإبْلاسِ إلى الِاسْتِبْشارِ، وذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ يَحْتَمِلُ الفُسْحَةَ في الزَّمانِ، أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ بِكَثِيرٍ، كالأيّامِ ونَحْوِهِ، فَجاءَ قَوْلُهُ: (مِن قَبْلِ) بِمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ مُتَّصِلٌ بِالمَطَرِ، فَهو تَأْكِيدٌ مُقَيَّدٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وبِمَعْنى التَّوْكِيدِ، فِيهِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ عَهْدَهم بِالمَطَرِ قَدْ تَطاوَلَ وبَعُدَ، فاسْتَحْكَمَ يَأْسُهم وتَمادى إبْلاسُهم، فَكانَ الِاسْتِبْشارُ عَلى قَدْرِ اهْتِمامِهِمْ بِذَلِكَ. انْتَهى. وما ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ والزَّمَخْشَرِيُّ مِن فائِدَةِ التَّأْكِيدِ في قَوْلِهِ: (مِن قَبْلِهِ) غَيْرُ ظاهِرٍ، وإنَّما هو عِنْدَ ذِكْرِهِ لِمُجَرَّدِ التَّوْكِيدِ، ويُفِيدُ رَفْعَ المَجازِ فَقَطْ. وقالَ قُطْرُبٌ: التَّقْدِيرُ: وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ التَّنْزِيلِ، مِن قَبْلِ المَطَرِ. انْتَهى. وصارَ مِن قَبْلِ إنْزالِ المَطَرِ: مِن قَبْلِ المَطَرِ، وهَذا تَرْكِيبٌ لا يَسُوغُ في كَلامٍ فَصِيحٍ، فَضْلًا عَنِ القُرْآنِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: مِن قَبْلِ تَنْزِيلِ الغَيْثِ: مِن قَبْلِ أنْ يَزْرَعُوا، ودَلَّ المَطَرُ عَلى الزَّرْعِ؛ لِأنَّهُ يَخْرُجُ بِسَبَبِ المَطَرِ؛ ودَلَّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا﴾ يَعْنِي الزَّرْعَ. انْتَهى. وهَذا لا يَسْتَقِيمُ؛ لِأنَّ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ . ولا يُمْكِنُ مِن قَبْلِ الزَّرْعِ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ: ”مُبْلِسِينَ“؛ لِأنَّ حَرْفَيْ جَرٍّ لا يَتَعَلَّقانِ بِعامِلٍ واحِدٍ إلّا إنْ كانَ بِواسِطَةِ حَرْفِ العَطْفِ، أوْ عَلى جِهَةِ البَدَلِ. ولَيْسَ التَّرْكِيبُ هُنا ومِن قَبْلِهِ بِحَرْفِ العَطْفِ، ولا يَصِحُّ فِيهِ البَدَلُ، إذْ إنْزالُ الغَيْثِ لَيْسَ هو الزَّرْعَ، ولا الزَّرْعُ بَعْضَهُ. وقَدْ يُتَخَيَّلُ فِيهِ بَدَلُ الِاشْتِمالِ بِتَكَلُّفٍ؛ إمّا لِاشْتِمالِ الإنْزالِ عَلى الزَّرْعِ، بِمَعْنى أنَّ الزَّرْعَ يَكُونُ ناشِئًا عَنِ الإنْزالِ، فَكَأنَّ الإنْزالَ مُشْتَمِلٌ عَلَيْهِ، وهَذا عَلى مَذْهَبِ مَن يَقُولُ: الأوَّلُ يَشْتَمِلُ عَلى الثّانِي. وقالَ المُبَرِّدُ: الثّانِي السَّحابُ، ويَحْتاجُ أيْضًا إلى حَرْفِ عَطْفٍ حَتّى يُمْكِنَ تَعَلُّقُ الحَرْفَيْنِ بِـ: ”مُبْلِسِينَ“ . وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: مِن قَبْلِ الإرْسالِ. وقالَ الكِرْمانِيُّ: ومِن قَبْلِ الِاسْتِبْشارِ؛ لِأنَّهُ قَرَنَهُ بِالإبْلاسِ، ولِأنَّهُ مَنَّ عَلَيْهِمْ بِالِاسْتِبْشارِ. انْتَهى. ويَحْتاجُ قَوْلُهُ وقَوْلُ ابْنِ عِيسى إلى حَرْفِ العَطْفِ، فَإنِ ادَّعى في قَوْلِهِ مِن جَعْلِ الضَّمِيرِ في (مِن قَبْلِهِ) عائِدٌ إلى غَيْرِ إنْزالِ الغَيْثِ أنَّ حَرْفَ العَطْفِ مَحْذُوفٌ، أمْكَنَ، لَكِنْ في حَذْفِ حَرْفِ العَطْفِ خِلافٌ، أيْ: أيَنْقاسُ أمْ لا يَنْقاسُ ؟ أمّا حَذْفُهُ مَعَ الجُمَلِ فَجائِزٌ، وأمّا وحْدَهُ فَهو الَّذِي فِيهِ الخِلافُ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ: إلى ”أثَرِ“، بِالإفْرادِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِالجَمْعِ؛ وسَلامٌ: بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وإسْكانِ الثّاءِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْقَعِ، وأبُو حَيْوَةَ: ”تُحْيِي“، بِالتّاءِ لِلتَّأْنِيثِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الرَّحْمَةِ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وإنَّما أنَّثَ الأثَرَ لِاتِّصالِهِ بِالرَّحْمَةِ إضافَةً إلَيْها، فاكْتَسَبَ التَّأْنِيثَ مِنها، ومِثْلُ ذَلِكَ لا يَجُوزُ إلّا إذا كانَ المُضافُ بِمَعْنى المُضافِ إلَيْهِ، أوْ مِن سَبَبِهِ. وأمّا إذا كانَ أجْنَبِيًّا، فَلا يَجُوزُ بِحالٍ. انْتَهى. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ”نُحْيِي“، بِنُونِ العَظْمَةِ؛ والجُمْهُورُ: (يُحْيِي) بِياءِ الغَيْبَةِ، والضَّمِيرُ لِلَّهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ ﴿آثارِ﴾ بِالجَمْعِ، وقِيلَ: يَعُودُ عَلى ”أثَرِ“ في قِراءَةِ مَن أفْرَدَ. وقالَ ابْنُ جِنِّي: ﴿كَيْفَ يُحْيِي﴾ جُمْلَةٌ مَنصُوبَةُ المَوْضِعِ عَلى الحالِ حَمْلًا عَلى المَعْنى، كَأنَّهُ قالَ: مُحْيِيًا، وهَذا فِيهِ نَظَرٌ. (إنَّ ذَلِكَ) أيِ: القادِرُ عَلى إحْياءِ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها، هو الَّذِي يُحْيِي النّاسَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ. وهَذا الإخْبارُ عَلى جِهَةِ القِياسِ في البَعْثِ، والبَعْثُ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي هو قادِرٌ عَلَيْها تَعالى. ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا﴾ أخْبَرَ تَعالى عَنْ حالِ تَقَلُّبِ ابْنِ آدَمَ، أنَّهُ بَعْدَ الِاسْتِبْشارِ بِالمَطَرِ، بَعَثَ اللَّهُ رِيحًا، فاصْفَرَّ بِها النَّباتُ. لَظَلُّوا يَكْفُرُونَ قَلَقًا مِنهم، والرِّيحُ الَّتِي تُصَفِّرُ النَّباتَ صِرٌّ حَرُورٌ، وهُما مِمّا يُصْبِحُ بِهِ النَّباتُ هَشِيمًا، والحَرُورُ جَنْبُ الشَّمالِ إذا عَصَفَتْ. والضَّمِيرُ في ﴿فَرَأوْهُ﴾ عائِدٌ عَلى ما يُفْهَمُ مِن سِياقِ الكَلامِ، وهو النَّباتُ. وقِيلَ: إلى الأثَرِ؛ لِأنَّ الرَّحْمَةَ هي الغَيْثُ، وأثَرُها هو النَّباتُ. ومَن قَرَأ: (آثارِ)، بِالجَمْعِ، رَجَّعَ الضَّمِيرَ إلى آثارِ الرَّحْمَةِ، وهو النَّباتُ، واسْمُ النَّباتِ يَقَعُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ ما يَنْبُتُ. وقالَ ابْنُ عِيسى: الضَّمِيرُ في ﴿فَرَأوْهُ﴾ عائِدٌ عَلى السَّحابِ؛ لِأنَّ السَّحابَ إذا اصْفَرَّ لَمْ يُمْطِرْ؛ وقِيلَ: عَلى الرِّيحِ، وهَذانِ قَوْلانِ ضَعِيفانِ. وقَرَأ صَباحُ بْنُ حُبَيْشٍ: ”مِصْفارًّا“، بِألِفٍ بَعْدِ الفاءِ. واللّامُ في (ولَئِنْ) مُؤْذِنَةٌ بِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ (p-١٨٠)وجَوابُهُ (لَظَلُّوا)، وهو مِمّا وُضِعَ فِيهِ الماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ اتِّساعًا تَقْدِيرُهُ: لَيَظَلُّنَّ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ [البقرة: ١٤٥] أيْ: ما يَتَّبِعُونَ، ذَمَّهم تَعالى في جَمِيعِ أحْوالِهِمْ، كانَ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَوَكَّلُوا عَلى فَضْلِ اللَّهِ فَقَنِطُوا، وإنْ شَكَرُوا نِعْمَتَهُ فَلَمْ يَزِيدُوا عَلى الفَرَحِ والِاسْتِبْشارِ، وإنْ تَصْبِرُوا عَلى بَلائِهِ كَفَرُوا. والضَّمِيرُ في (مِن بَعْدِهِ) عائِدٌ عَلى الِاصْفِرارِ، أيْ: مِن بَعْدِ اصْفِرارِ النَّباتِ تَجْحَدُونَ نِعْمَتَهُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ إلى قَوْلِهِ: (فَهم مُسْلِمُونَ) في أواخِرِ النَّمْلِ، إلّا أنَّ هُنا الرَّبْطَ بِالفاءِ في قَوْلِهِ: (فَإنَّكَ) .

الروم 30:48

﴿ومِن آياتِهِ أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ ولِيُذِيقَكم مِن رَحْمَتِهِ ولِتَجْرِيَ الفُلْكُ بِأمْرِهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ فانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أجْرَمُوا وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَيَبْسُطُهُ في السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ ويَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ فَإذا أصابَ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ ﴿فانْظُرْ إلى آثارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعْ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ . (p-١٧٨)لَمّا ذَكَرَ تَعالى ظُهُورَ الفَسادِ والهَلاكِ بِسَبَبِ الشِّرْكِ، ذَكَرَ ظُهُورَ الصَّلاحِ. والكَرِيمُ لا يَذْكُرُ لِإحْسانِهِ عِوَضًا، ويَذْكُرُ لِعِقابِهِ سَبَبًا؛ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ بِهِ الظُّلْمُ؛ فَذَكَرَ مِن إعْلامِ قُدْرَةِ إرْسالِ الرِّياحِ مُبَشِّراتٍ بِالمَطَرِ؛ لِأنَّها مُتَقَدِّمَةٌ. والمُبَشِّراتُ: رِياحُ الرَّحْمَةِ، الجَنُوبُ والشَّمالُ والصَّبا، وأمّا الدَّبُّورُ، فَرِيحُ العَذابِ، ولَيْسَ تَبْشِيرُها مُقْتَصَرًا بِهِ عَلى المَطَرِ، بَلْ لَها تَبْشِيراتٌ بِسَبَبِ السُّفُنِ والسَّيْرِ بِها إلى مَقاصِدِ أهْلِها، وكَأنَّهُ بَدَأ أوَّلًا بِشَيْءٍ عامٍّ، وهو التَّبْشِيرُ. وقَرَأ الأعْمَشُ: الرِّيحُ، مُفْرَدًا، وأرادَ مَعْنى الجَمْعِ، ولِذَلِكَ قَرَأ: ﴿مُبَشِّراتٍ﴾ . ثُمَّ ذَكَرَ مِن أعْظَمِ تَباشِيرِها إذاقَةَ الرَّحْمَةِ، وهي نُزُولُ المَطَرِ، ويَتْبَعُهُ حُصُولُ الخِصْبِ، والرِّيحُ الَّذِي مَعَهُ الهَبُوبُ، وإزالَةُ العُفُونَةِ مِنَ الهَواءِ، وتَذْرِيَةُ الحُبُوبِ، وغَيْرُ ذَلِكَ. ﴿ولِيُذِيقَكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى مَعْنى (مُبَشِّراتٍ)، فالعامِلُ أنْ يُرْسِلَ، ويَكُونُ عَطْفًا عَلى التَّوَهُّمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِيُبَشِّرُوكم، والحالُ والصِّفَةُ قَدْ يَجِيئانِ، وفِيهِما مَعْنى التَّعْلِيلِ. تَقُولُ: أُهِنْ زَيْدًا سَيِّئًا وأُكْرِمْ زَيْدًا العالِمَ، تُرِيدُ لِإساءَتِهِ ولِعِلْمِهِ. وقِيلَ: ما يَتَعَلَّقُ بِهِ اللّامُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ولَكِنّا أرْسَلْناها. وقِيلَ: الواوُ في (ولِيُذِيقَكم) زائِدَةٌ. و(بِأمْرِهِ) أيْ: بِأمْرِ اللَّهِ، يَعْنِي أنَّ جَرَيانَها، لَمّا كانَ مُسْنَدًا إلَيْها، أخْبَرَ أنَّهُ بِأمْرِهِ تَعالى. (مِن فَضْلِهِ) مِمّا يُهَيِّئُ لَكم مِنَ الرِّيحِ في التِّجاراتِ في البَحْرِ، ومِن غَنائِمِ أهْلِ الشِّرْكِ. ثُمَّ بَيَّنَ لِرَسُولِهِ بِأنْ ضَرَبَ لَهُ مَثَلُ مَن أرْسَلَ مِنَ الأنْبِياءِ، ولَمّا كانَ تَعالى بَيَّنَ الأصْلَيْنِ: المَبْدَأِ والمَعادِ، بَيَّنَ ذِكْرَ الأصْلِ الثّالِثِ، وهو النُّبُوَّةُ؛ وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: وآمَنَ بِهِ بَعْضٌ وكَذَّبَ بَعْضٌ ﴿فانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ . وفِي قَوْلِهِ: ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ تَبْشِيرٌ لِلرَّسُولِ وأُمَّتِهِ بِالنَّصْرِ والظَّفَرِ، إذْ أخْبَرَ أنَّ المُؤْمِنِينَ بِأُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ نُصِرُوا، وفي لَفْظِ (حَقًّا) مُبالَغَةٌ في التَّحَتُّمِ، وتَكْرِيمٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وإظْهارٌ لِفَضِيلَةِ سابِقَةِ الإيمانِ، حَيْثُ جَعَلَهم مُسْتَحِقِّينَ النَّصْرَ والظَّفَرَ. والظّاهِرُ أنَّ (حَقًّا) خَبَرُ كانَ، و﴿نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ الِاسْمُ، وأُخِّرَ لِكَوْنِ ما تَعَلَّقَ بِهِ فاصِلَةً لِلِاهْتِمامِ بِالجَزاءِ، إذْ هو مَحَطُّ الفائِدَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَفَ بَعْضُ القُرّاءِ عَلى (حَقًّا) وجَعَلَهُ مِنَ الكَلامِ المُتَقَدِّمِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ جُمْلَةً مِن قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَدْرِ قَدْرَ ما عَرَضَهُ في نَظْمِ الآيَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدْ يُوقَفُ عَلى (حَقًّا) ومَعْناهُ: وكانَ الِانْتِقامُ مِنهم حَقًّا، ثُمَّ يُبْتَدَأُ عَلَيْنا ﴿نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ . انْتَهى. وفي الوَقْفِ عَلى ﴿وكانَ حَقًّا﴾ بَيانُ أنَّهُ لَمْ يَكُنِ الِانْتِقامُ ظُلْمًا، بَلْ عَدْلًا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ إلّا بَعْدَ كَوْنِ بَقائِهِمْ غَيْرَ مُفِيدٍ إلّا زِيادَةُ الإثْمِ ووِلادَةُ الفاجِرِ الكافِرِ، فَكانَ عُدْمُهم خَيْرًا مِن وُجُودِهِمُ الخَبِيثِ. ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ هَذا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ﴾ والجُمْلَةُ الَّتِي بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، جاءَتْ تَأْنِيسًا لِلرَّسُولِ، وتَسْلِيَةً ووَعْدًا بِالنَّصْرِ، ووَعِيدًا لِأهْلِ الكُفْرِ، وفي إرْسالِها قُدْرَةٌ وحِكْمَةٌ. أمّا القُدْرَةُ، فَإنَّ الهَواءَ اللَّطِيفَ الَّذِي يَسْبِقُهُ البَرْقُ بِحَيْثُ يَقْلَعُ الشَّجَرَ ويَهْدِمُ البِناءَ، وهو لَيْسَ بِذاتِهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ، بَلْ بِفاعِلٍ مُخْتارٍ. وأمّا الحِكْمَةُ، فَفِيما يُفْضِي إلَيْهِ نَفْسُ الهُبُوبِ مِن إثارَةِ السُّحُبِ، وإخْراجِ الماءِ مِنهُ، وإنْباتِ الزَّرْعِ، ودَرِّ الضَّرْعِ، واخْتِصاصِهِ بِناسٍ دُونَ ناسٍ؛ وهَذِهِ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ مَعْرُوفَةٌ بِالمَشِيئَةِ والإثارَةِ، تَحْرِيكُها وتَسْيِيرُها. والبَسْطُ: نَشْرُها في الآفاقِ، والكِسَفُ: القِطَعُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ وذَكَرَ الخِلافَ في (كِسَفًا) وحالُهُ مِن جِهَةِ القُرّاءِ. والضَّمِيرُ في: (مِن خِلالِهِ) الظّاهِرُ أنَّهُ عائِدٌ عَلى السَّحابِ، إذْ هو المُحَدِّثُ عَنْهُ، وذُكِّرَ الضَّمِيرُ لِأنَّ السَّحابَ اسْمُ جِنْسٍ يَجُوزُ تَذْكِيرُهُ وتَأْنِيثُهُ. قِيلَ: ويَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ عَلى (كِسَفًا) في قِراءَةِ مَن سَكَّنَ العَيْنَ، والمُرادُ بِالسَّماءِ: سَمَتِ السَّماءُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وفَرْعُها في السَّماءِ﴾ [إبراهيم: ٢٤] . ﴿فَإذا أصابَ بِهِ مَن يَشاءُ﴾ أيْ: أرْضَ مَن يَشاءُ إصابَتُها، فاجَأهُمُ الِاسْتِبْشارُ، ولَمْ يَتَأخَّرْ سُرُورُهم. وقالَ الأخْفَشُ: (مِن قَبْلِهِ) تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أفادَ الإعْلامَ بِسُرْعَةِ (p-١٧٩)تَقَلُّبِ قُلُوبِ البَشَرِ مِنَ الإبْلاسِ إلى الِاسْتِبْشارِ، وذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ يَحْتَمِلُ الفُسْحَةَ في الزَّمانِ، أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ بِكَثِيرٍ، كالأيّامِ ونَحْوِهِ، فَجاءَ قَوْلُهُ: (مِن قَبْلِ) بِمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ مُتَّصِلٌ بِالمَطَرِ، فَهو تَأْكِيدٌ مُقَيَّدٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وبِمَعْنى التَّوْكِيدِ، فِيهِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ عَهْدَهم بِالمَطَرِ قَدْ تَطاوَلَ وبَعُدَ، فاسْتَحْكَمَ يَأْسُهم وتَمادى إبْلاسُهم، فَكانَ الِاسْتِبْشارُ عَلى قَدْرِ اهْتِمامِهِمْ بِذَلِكَ. انْتَهى. وما ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ والزَّمَخْشَرِيُّ مِن فائِدَةِ التَّأْكِيدِ في قَوْلِهِ: (مِن قَبْلِهِ) غَيْرُ ظاهِرٍ، وإنَّما هو عِنْدَ ذِكْرِهِ لِمُجَرَّدِ التَّوْكِيدِ، ويُفِيدُ رَفْعَ المَجازِ فَقَطْ. وقالَ قُطْرُبٌ: التَّقْدِيرُ: وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ التَّنْزِيلِ، مِن قَبْلِ المَطَرِ. انْتَهى. وصارَ مِن قَبْلِ إنْزالِ المَطَرِ: مِن قَبْلِ المَطَرِ، وهَذا تَرْكِيبٌ لا يَسُوغُ في كَلامٍ فَصِيحٍ، فَضْلًا عَنِ القُرْآنِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: مِن قَبْلِ تَنْزِيلِ الغَيْثِ: مِن قَبْلِ أنْ يَزْرَعُوا، ودَلَّ المَطَرُ عَلى الزَّرْعِ؛ لِأنَّهُ يَخْرُجُ بِسَبَبِ المَطَرِ؛ ودَلَّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا﴾ يَعْنِي الزَّرْعَ. انْتَهى. وهَذا لا يَسْتَقِيمُ؛ لِأنَّ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ . ولا يُمْكِنُ مِن قَبْلِ الزَّرْعِ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ: ”مُبْلِسِينَ“؛ لِأنَّ حَرْفَيْ جَرٍّ لا يَتَعَلَّقانِ بِعامِلٍ واحِدٍ إلّا إنْ كانَ بِواسِطَةِ حَرْفِ العَطْفِ، أوْ عَلى جِهَةِ البَدَلِ. ولَيْسَ التَّرْكِيبُ هُنا ومِن قَبْلِهِ بِحَرْفِ العَطْفِ، ولا يَصِحُّ فِيهِ البَدَلُ، إذْ إنْزالُ الغَيْثِ لَيْسَ هو الزَّرْعَ، ولا الزَّرْعُ بَعْضَهُ. وقَدْ يُتَخَيَّلُ فِيهِ بَدَلُ الِاشْتِمالِ بِتَكَلُّفٍ؛ إمّا لِاشْتِمالِ الإنْزالِ عَلى الزَّرْعِ، بِمَعْنى أنَّ الزَّرْعَ يَكُونُ ناشِئًا عَنِ الإنْزالِ، فَكَأنَّ الإنْزالَ مُشْتَمِلٌ عَلَيْهِ، وهَذا عَلى مَذْهَبِ مَن يَقُولُ: الأوَّلُ يَشْتَمِلُ عَلى الثّانِي. وقالَ المُبَرِّدُ: الثّانِي السَّحابُ، ويَحْتاجُ أيْضًا إلى حَرْفِ عَطْفٍ حَتّى يُمْكِنَ تَعَلُّقُ الحَرْفَيْنِ بِـ: ”مُبْلِسِينَ“ . وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: مِن قَبْلِ الإرْسالِ. وقالَ الكِرْمانِيُّ: ومِن قَبْلِ الِاسْتِبْشارِ؛ لِأنَّهُ قَرَنَهُ بِالإبْلاسِ، ولِأنَّهُ مَنَّ عَلَيْهِمْ بِالِاسْتِبْشارِ. انْتَهى. ويَحْتاجُ قَوْلُهُ وقَوْلُ ابْنِ عِيسى إلى حَرْفِ العَطْفِ، فَإنِ ادَّعى في قَوْلِهِ مِن جَعْلِ الضَّمِيرِ في (مِن قَبْلِهِ) عائِدٌ إلى غَيْرِ إنْزالِ الغَيْثِ أنَّ حَرْفَ العَطْفِ مَحْذُوفٌ، أمْكَنَ، لَكِنْ في حَذْفِ حَرْفِ العَطْفِ خِلافٌ، أيْ: أيَنْقاسُ أمْ لا يَنْقاسُ ؟ أمّا حَذْفُهُ مَعَ الجُمَلِ فَجائِزٌ، وأمّا وحْدَهُ فَهو الَّذِي فِيهِ الخِلافُ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ: إلى ”أثَرِ“، بِالإفْرادِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِالجَمْعِ؛ وسَلامٌ: بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وإسْكانِ الثّاءِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْقَعِ، وأبُو حَيْوَةَ: ”تُحْيِي“، بِالتّاءِ لِلتَّأْنِيثِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الرَّحْمَةِ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وإنَّما أنَّثَ الأثَرَ لِاتِّصالِهِ بِالرَّحْمَةِ إضافَةً إلَيْها، فاكْتَسَبَ التَّأْنِيثَ مِنها، ومِثْلُ ذَلِكَ لا يَجُوزُ إلّا إذا كانَ المُضافُ بِمَعْنى المُضافِ إلَيْهِ، أوْ مِن سَبَبِهِ. وأمّا إذا كانَ أجْنَبِيًّا، فَلا يَجُوزُ بِحالٍ. انْتَهى. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ”نُحْيِي“، بِنُونِ العَظْمَةِ؛ والجُمْهُورُ: (يُحْيِي) بِياءِ الغَيْبَةِ، والضَّمِيرُ لِلَّهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ ﴿آثارِ﴾ بِالجَمْعِ، وقِيلَ: يَعُودُ عَلى ”أثَرِ“ في قِراءَةِ مَن أفْرَدَ. وقالَ ابْنُ جِنِّي: ﴿كَيْفَ يُحْيِي﴾ جُمْلَةٌ مَنصُوبَةُ المَوْضِعِ عَلى الحالِ حَمْلًا عَلى المَعْنى، كَأنَّهُ قالَ: مُحْيِيًا، وهَذا فِيهِ نَظَرٌ. (إنَّ ذَلِكَ) أيِ: القادِرُ عَلى إحْياءِ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها، هو الَّذِي يُحْيِي النّاسَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ. وهَذا الإخْبارُ عَلى جِهَةِ القِياسِ في البَعْثِ، والبَعْثُ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي هو قادِرٌ عَلَيْها تَعالى. ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا﴾ أخْبَرَ تَعالى عَنْ حالِ تَقَلُّبِ ابْنِ آدَمَ، أنَّهُ بَعْدَ الِاسْتِبْشارِ بِالمَطَرِ، بَعَثَ اللَّهُ رِيحًا، فاصْفَرَّ بِها النَّباتُ. لَظَلُّوا يَكْفُرُونَ قَلَقًا مِنهم، والرِّيحُ الَّتِي تُصَفِّرُ النَّباتَ صِرٌّ حَرُورٌ، وهُما مِمّا يُصْبِحُ بِهِ النَّباتُ هَشِيمًا، والحَرُورُ جَنْبُ الشَّمالِ إذا عَصَفَتْ. والضَّمِيرُ في ﴿فَرَأوْهُ﴾ عائِدٌ عَلى ما يُفْهَمُ مِن سِياقِ الكَلامِ، وهو النَّباتُ. وقِيلَ: إلى الأثَرِ؛ لِأنَّ الرَّحْمَةَ هي الغَيْثُ، وأثَرُها هو النَّباتُ. ومَن قَرَأ: (آثارِ)، بِالجَمْعِ، رَجَّعَ الضَّمِيرَ إلى آثارِ الرَّحْمَةِ، وهو النَّباتُ، واسْمُ النَّباتِ يَقَعُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ ما يَنْبُتُ. وقالَ ابْنُ عِيسى: الضَّمِيرُ في ﴿فَرَأوْهُ﴾ عائِدٌ عَلى السَّحابِ؛ لِأنَّ السَّحابَ إذا اصْفَرَّ لَمْ يُمْطِرْ؛ وقِيلَ: عَلى الرِّيحِ، وهَذانِ قَوْلانِ ضَعِيفانِ. وقَرَأ صَباحُ بْنُ حُبَيْشٍ: ”مِصْفارًّا“، بِألِفٍ بَعْدِ الفاءِ. واللّامُ في (ولَئِنْ) مُؤْذِنَةٌ بِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ (p-١٨٠)وجَوابُهُ (لَظَلُّوا)، وهو مِمّا وُضِعَ فِيهِ الماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ اتِّساعًا تَقْدِيرُهُ: لَيَظَلُّنَّ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ [البقرة: ١٤٥] أيْ: ما يَتَّبِعُونَ، ذَمَّهم تَعالى في جَمِيعِ أحْوالِهِمْ، كانَ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَوَكَّلُوا عَلى فَضْلِ اللَّهِ فَقَنِطُوا، وإنْ شَكَرُوا نِعْمَتَهُ فَلَمْ يَزِيدُوا عَلى الفَرَحِ والِاسْتِبْشارِ، وإنْ تَصْبِرُوا عَلى بَلائِهِ كَفَرُوا. والضَّمِيرُ في (مِن بَعْدِهِ) عائِدٌ عَلى الِاصْفِرارِ، أيْ: مِن بَعْدِ اصْفِرارِ النَّباتِ تَجْحَدُونَ نِعْمَتَهُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ إلى قَوْلِهِ: (فَهم مُسْلِمُونَ) في أواخِرِ النَّمْلِ، إلّا أنَّ هُنا الرَّبْطَ بِالفاءِ في قَوْلِهِ: (فَإنَّكَ) .

الروم 30:49

﴿ومِن آياتِهِ أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ ولِيُذِيقَكم مِن رَحْمَتِهِ ولِتَجْرِيَ الفُلْكُ بِأمْرِهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ فانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أجْرَمُوا وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَيَبْسُطُهُ في السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ ويَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ فَإذا أصابَ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ ﴿فانْظُرْ إلى آثارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعْ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ . (p-١٧٨)لَمّا ذَكَرَ تَعالى ظُهُورَ الفَسادِ والهَلاكِ بِسَبَبِ الشِّرْكِ، ذَكَرَ ظُهُورَ الصَّلاحِ. والكَرِيمُ لا يَذْكُرُ لِإحْسانِهِ عِوَضًا، ويَذْكُرُ لِعِقابِهِ سَبَبًا؛ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ بِهِ الظُّلْمُ؛ فَذَكَرَ مِن إعْلامِ قُدْرَةِ إرْسالِ الرِّياحِ مُبَشِّراتٍ بِالمَطَرِ؛ لِأنَّها مُتَقَدِّمَةٌ. والمُبَشِّراتُ: رِياحُ الرَّحْمَةِ، الجَنُوبُ والشَّمالُ والصَّبا، وأمّا الدَّبُّورُ، فَرِيحُ العَذابِ، ولَيْسَ تَبْشِيرُها مُقْتَصَرًا بِهِ عَلى المَطَرِ، بَلْ لَها تَبْشِيراتٌ بِسَبَبِ السُّفُنِ والسَّيْرِ بِها إلى مَقاصِدِ أهْلِها، وكَأنَّهُ بَدَأ أوَّلًا بِشَيْءٍ عامٍّ، وهو التَّبْشِيرُ. وقَرَأ الأعْمَشُ: الرِّيحُ، مُفْرَدًا، وأرادَ مَعْنى الجَمْعِ، ولِذَلِكَ قَرَأ: ﴿مُبَشِّراتٍ﴾ . ثُمَّ ذَكَرَ مِن أعْظَمِ تَباشِيرِها إذاقَةَ الرَّحْمَةِ، وهي نُزُولُ المَطَرِ، ويَتْبَعُهُ حُصُولُ الخِصْبِ، والرِّيحُ الَّذِي مَعَهُ الهَبُوبُ، وإزالَةُ العُفُونَةِ مِنَ الهَواءِ، وتَذْرِيَةُ الحُبُوبِ، وغَيْرُ ذَلِكَ. ﴿ولِيُذِيقَكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى مَعْنى (مُبَشِّراتٍ)، فالعامِلُ أنْ يُرْسِلَ، ويَكُونُ عَطْفًا عَلى التَّوَهُّمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِيُبَشِّرُوكم، والحالُ والصِّفَةُ قَدْ يَجِيئانِ، وفِيهِما مَعْنى التَّعْلِيلِ. تَقُولُ: أُهِنْ زَيْدًا سَيِّئًا وأُكْرِمْ زَيْدًا العالِمَ، تُرِيدُ لِإساءَتِهِ ولِعِلْمِهِ. وقِيلَ: ما يَتَعَلَّقُ بِهِ اللّامُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ولَكِنّا أرْسَلْناها. وقِيلَ: الواوُ في (ولِيُذِيقَكم) زائِدَةٌ. و(بِأمْرِهِ) أيْ: بِأمْرِ اللَّهِ، يَعْنِي أنَّ جَرَيانَها، لَمّا كانَ مُسْنَدًا إلَيْها، أخْبَرَ أنَّهُ بِأمْرِهِ تَعالى. (مِن فَضْلِهِ) مِمّا يُهَيِّئُ لَكم مِنَ الرِّيحِ في التِّجاراتِ في البَحْرِ، ومِن غَنائِمِ أهْلِ الشِّرْكِ. ثُمَّ بَيَّنَ لِرَسُولِهِ بِأنْ ضَرَبَ لَهُ مَثَلُ مَن أرْسَلَ مِنَ الأنْبِياءِ، ولَمّا كانَ تَعالى بَيَّنَ الأصْلَيْنِ: المَبْدَأِ والمَعادِ، بَيَّنَ ذِكْرَ الأصْلِ الثّالِثِ، وهو النُّبُوَّةُ؛ وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: وآمَنَ بِهِ بَعْضٌ وكَذَّبَ بَعْضٌ ﴿فانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ . وفِي قَوْلِهِ: ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ تَبْشِيرٌ لِلرَّسُولِ وأُمَّتِهِ بِالنَّصْرِ والظَّفَرِ، إذْ أخْبَرَ أنَّ المُؤْمِنِينَ بِأُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ نُصِرُوا، وفي لَفْظِ (حَقًّا) مُبالَغَةٌ في التَّحَتُّمِ، وتَكْرِيمٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وإظْهارٌ لِفَضِيلَةِ سابِقَةِ الإيمانِ، حَيْثُ جَعَلَهم مُسْتَحِقِّينَ النَّصْرَ والظَّفَرَ. والظّاهِرُ أنَّ (حَقًّا) خَبَرُ كانَ، و﴿نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ الِاسْمُ، وأُخِّرَ لِكَوْنِ ما تَعَلَّقَ بِهِ فاصِلَةً لِلِاهْتِمامِ بِالجَزاءِ، إذْ هو مَحَطُّ الفائِدَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَفَ بَعْضُ القُرّاءِ عَلى (حَقًّا) وجَعَلَهُ مِنَ الكَلامِ المُتَقَدِّمِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ جُمْلَةً مِن قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَدْرِ قَدْرَ ما عَرَضَهُ في نَظْمِ الآيَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدْ يُوقَفُ عَلى (حَقًّا) ومَعْناهُ: وكانَ الِانْتِقامُ مِنهم حَقًّا، ثُمَّ يُبْتَدَأُ عَلَيْنا ﴿نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ . انْتَهى. وفي الوَقْفِ عَلى ﴿وكانَ حَقًّا﴾ بَيانُ أنَّهُ لَمْ يَكُنِ الِانْتِقامُ ظُلْمًا، بَلْ عَدْلًا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ إلّا بَعْدَ كَوْنِ بَقائِهِمْ غَيْرَ مُفِيدٍ إلّا زِيادَةُ الإثْمِ ووِلادَةُ الفاجِرِ الكافِرِ، فَكانَ عُدْمُهم خَيْرًا مِن وُجُودِهِمُ الخَبِيثِ. ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ هَذا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ﴾ والجُمْلَةُ الَّتِي بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، جاءَتْ تَأْنِيسًا لِلرَّسُولِ، وتَسْلِيَةً ووَعْدًا بِالنَّصْرِ، ووَعِيدًا لِأهْلِ الكُفْرِ، وفي إرْسالِها قُدْرَةٌ وحِكْمَةٌ. أمّا القُدْرَةُ، فَإنَّ الهَواءَ اللَّطِيفَ الَّذِي يَسْبِقُهُ البَرْقُ بِحَيْثُ يَقْلَعُ الشَّجَرَ ويَهْدِمُ البِناءَ، وهو لَيْسَ بِذاتِهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ، بَلْ بِفاعِلٍ مُخْتارٍ. وأمّا الحِكْمَةُ، فَفِيما يُفْضِي إلَيْهِ نَفْسُ الهُبُوبِ مِن إثارَةِ السُّحُبِ، وإخْراجِ الماءِ مِنهُ، وإنْباتِ الزَّرْعِ، ودَرِّ الضَّرْعِ، واخْتِصاصِهِ بِناسٍ دُونَ ناسٍ؛ وهَذِهِ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ مَعْرُوفَةٌ بِالمَشِيئَةِ والإثارَةِ، تَحْرِيكُها وتَسْيِيرُها. والبَسْطُ: نَشْرُها في الآفاقِ، والكِسَفُ: القِطَعُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ وذَكَرَ الخِلافَ في (كِسَفًا) وحالُهُ مِن جِهَةِ القُرّاءِ. والضَّمِيرُ في: (مِن خِلالِهِ) الظّاهِرُ أنَّهُ عائِدٌ عَلى السَّحابِ، إذْ هو المُحَدِّثُ عَنْهُ، وذُكِّرَ الضَّمِيرُ لِأنَّ السَّحابَ اسْمُ جِنْسٍ يَجُوزُ تَذْكِيرُهُ وتَأْنِيثُهُ. قِيلَ: ويَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ عَلى (كِسَفًا) في قِراءَةِ مَن سَكَّنَ العَيْنَ، والمُرادُ بِالسَّماءِ: سَمَتِ السَّماءُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وفَرْعُها في السَّماءِ﴾ [إبراهيم: ٢٤] . ﴿فَإذا أصابَ بِهِ مَن يَشاءُ﴾ أيْ: أرْضَ مَن يَشاءُ إصابَتُها، فاجَأهُمُ الِاسْتِبْشارُ، ولَمْ يَتَأخَّرْ سُرُورُهم. وقالَ الأخْفَشُ: (مِن قَبْلِهِ) تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أفادَ الإعْلامَ بِسُرْعَةِ (p-١٧٩)تَقَلُّبِ قُلُوبِ البَشَرِ مِنَ الإبْلاسِ إلى الِاسْتِبْشارِ، وذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ يَحْتَمِلُ الفُسْحَةَ في الزَّمانِ، أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ بِكَثِيرٍ، كالأيّامِ ونَحْوِهِ، فَجاءَ قَوْلُهُ: (مِن قَبْلِ) بِمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ مُتَّصِلٌ بِالمَطَرِ، فَهو تَأْكِيدٌ مُقَيَّدٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وبِمَعْنى التَّوْكِيدِ، فِيهِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ عَهْدَهم بِالمَطَرِ قَدْ تَطاوَلَ وبَعُدَ، فاسْتَحْكَمَ يَأْسُهم وتَمادى إبْلاسُهم، فَكانَ الِاسْتِبْشارُ عَلى قَدْرِ اهْتِمامِهِمْ بِذَلِكَ. انْتَهى. وما ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ والزَّمَخْشَرِيُّ مِن فائِدَةِ التَّأْكِيدِ في قَوْلِهِ: (مِن قَبْلِهِ) غَيْرُ ظاهِرٍ، وإنَّما هو عِنْدَ ذِكْرِهِ لِمُجَرَّدِ التَّوْكِيدِ، ويُفِيدُ رَفْعَ المَجازِ فَقَطْ. وقالَ قُطْرُبٌ: التَّقْدِيرُ: وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ التَّنْزِيلِ، مِن قَبْلِ المَطَرِ. انْتَهى. وصارَ مِن قَبْلِ إنْزالِ المَطَرِ: مِن قَبْلِ المَطَرِ، وهَذا تَرْكِيبٌ لا يَسُوغُ في كَلامٍ فَصِيحٍ، فَضْلًا عَنِ القُرْآنِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: مِن قَبْلِ تَنْزِيلِ الغَيْثِ: مِن قَبْلِ أنْ يَزْرَعُوا، ودَلَّ المَطَرُ عَلى الزَّرْعِ؛ لِأنَّهُ يَخْرُجُ بِسَبَبِ المَطَرِ؛ ودَلَّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا﴾ يَعْنِي الزَّرْعَ. انْتَهى. وهَذا لا يَسْتَقِيمُ؛ لِأنَّ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ . ولا يُمْكِنُ مِن قَبْلِ الزَّرْعِ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ: ”مُبْلِسِينَ“؛ لِأنَّ حَرْفَيْ جَرٍّ لا يَتَعَلَّقانِ بِعامِلٍ واحِدٍ إلّا إنْ كانَ بِواسِطَةِ حَرْفِ العَطْفِ، أوْ عَلى جِهَةِ البَدَلِ. ولَيْسَ التَّرْكِيبُ هُنا ومِن قَبْلِهِ بِحَرْفِ العَطْفِ، ولا يَصِحُّ فِيهِ البَدَلُ، إذْ إنْزالُ الغَيْثِ لَيْسَ هو الزَّرْعَ، ولا الزَّرْعُ بَعْضَهُ. وقَدْ يُتَخَيَّلُ فِيهِ بَدَلُ الِاشْتِمالِ بِتَكَلُّفٍ؛ إمّا لِاشْتِمالِ الإنْزالِ عَلى الزَّرْعِ، بِمَعْنى أنَّ الزَّرْعَ يَكُونُ ناشِئًا عَنِ الإنْزالِ، فَكَأنَّ الإنْزالَ مُشْتَمِلٌ عَلَيْهِ، وهَذا عَلى مَذْهَبِ مَن يَقُولُ: الأوَّلُ يَشْتَمِلُ عَلى الثّانِي. وقالَ المُبَرِّدُ: الثّانِي السَّحابُ، ويَحْتاجُ أيْضًا إلى حَرْفِ عَطْفٍ حَتّى يُمْكِنَ تَعَلُّقُ الحَرْفَيْنِ بِـ: ”مُبْلِسِينَ“ . وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: مِن قَبْلِ الإرْسالِ. وقالَ الكِرْمانِيُّ: ومِن قَبْلِ الِاسْتِبْشارِ؛ لِأنَّهُ قَرَنَهُ بِالإبْلاسِ، ولِأنَّهُ مَنَّ عَلَيْهِمْ بِالِاسْتِبْشارِ. انْتَهى. ويَحْتاجُ قَوْلُهُ وقَوْلُ ابْنِ عِيسى إلى حَرْفِ العَطْفِ، فَإنِ ادَّعى في قَوْلِهِ مِن جَعْلِ الضَّمِيرِ في (مِن قَبْلِهِ) عائِدٌ إلى غَيْرِ إنْزالِ الغَيْثِ أنَّ حَرْفَ العَطْفِ مَحْذُوفٌ، أمْكَنَ، لَكِنْ في حَذْفِ حَرْفِ العَطْفِ خِلافٌ، أيْ: أيَنْقاسُ أمْ لا يَنْقاسُ ؟ أمّا حَذْفُهُ مَعَ الجُمَلِ فَجائِزٌ، وأمّا وحْدَهُ فَهو الَّذِي فِيهِ الخِلافُ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ: إلى ”أثَرِ“، بِالإفْرادِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِالجَمْعِ؛ وسَلامٌ: بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وإسْكانِ الثّاءِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْقَعِ، وأبُو حَيْوَةَ: ”تُحْيِي“، بِالتّاءِ لِلتَّأْنِيثِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الرَّحْمَةِ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وإنَّما أنَّثَ الأثَرَ لِاتِّصالِهِ بِالرَّحْمَةِ إضافَةً إلَيْها، فاكْتَسَبَ التَّأْنِيثَ مِنها، ومِثْلُ ذَلِكَ لا يَجُوزُ إلّا إذا كانَ المُضافُ بِمَعْنى المُضافِ إلَيْهِ، أوْ مِن سَبَبِهِ. وأمّا إذا كانَ أجْنَبِيًّا، فَلا يَجُوزُ بِحالٍ. انْتَهى. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ”نُحْيِي“، بِنُونِ العَظْمَةِ؛ والجُمْهُورُ: (يُحْيِي) بِياءِ الغَيْبَةِ، والضَّمِيرُ لِلَّهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ ﴿آثارِ﴾ بِالجَمْعِ، وقِيلَ: يَعُودُ عَلى ”أثَرِ“ في قِراءَةِ مَن أفْرَدَ. وقالَ ابْنُ جِنِّي: ﴿كَيْفَ يُحْيِي﴾ جُمْلَةٌ مَنصُوبَةُ المَوْضِعِ عَلى الحالِ حَمْلًا عَلى المَعْنى، كَأنَّهُ قالَ: مُحْيِيًا، وهَذا فِيهِ نَظَرٌ. (إنَّ ذَلِكَ) أيِ: القادِرُ عَلى إحْياءِ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها، هو الَّذِي يُحْيِي النّاسَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ. وهَذا الإخْبارُ عَلى جِهَةِ القِياسِ في البَعْثِ، والبَعْثُ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي هو قادِرٌ عَلَيْها تَعالى. ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا﴾ أخْبَرَ تَعالى عَنْ حالِ تَقَلُّبِ ابْنِ آدَمَ، أنَّهُ بَعْدَ الِاسْتِبْشارِ بِالمَطَرِ، بَعَثَ اللَّهُ رِيحًا، فاصْفَرَّ بِها النَّباتُ. لَظَلُّوا يَكْفُرُونَ قَلَقًا مِنهم، والرِّيحُ الَّتِي تُصَفِّرُ النَّباتَ صِرٌّ حَرُورٌ، وهُما مِمّا يُصْبِحُ بِهِ النَّباتُ هَشِيمًا، والحَرُورُ جَنْبُ الشَّمالِ إذا عَصَفَتْ. والضَّمِيرُ في ﴿فَرَأوْهُ﴾ عائِدٌ عَلى ما يُفْهَمُ مِن سِياقِ الكَلامِ، وهو النَّباتُ. وقِيلَ: إلى الأثَرِ؛ لِأنَّ الرَّحْمَةَ هي الغَيْثُ، وأثَرُها هو النَّباتُ. ومَن قَرَأ: (آثارِ)، بِالجَمْعِ، رَجَّعَ الضَّمِيرَ إلى آثارِ الرَّحْمَةِ، وهو النَّباتُ، واسْمُ النَّباتِ يَقَعُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ ما يَنْبُتُ. وقالَ ابْنُ عِيسى: الضَّمِيرُ في ﴿فَرَأوْهُ﴾ عائِدٌ عَلى السَّحابِ؛ لِأنَّ السَّحابَ إذا اصْفَرَّ لَمْ يُمْطِرْ؛ وقِيلَ: عَلى الرِّيحِ، وهَذانِ قَوْلانِ ضَعِيفانِ. وقَرَأ صَباحُ بْنُ حُبَيْشٍ: ”مِصْفارًّا“، بِألِفٍ بَعْدِ الفاءِ. واللّامُ في (ولَئِنْ) مُؤْذِنَةٌ بِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ (p-١٨٠)وجَوابُهُ (لَظَلُّوا)، وهو مِمّا وُضِعَ فِيهِ الماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ اتِّساعًا تَقْدِيرُهُ: لَيَظَلُّنَّ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ [البقرة: ١٤٥] أيْ: ما يَتَّبِعُونَ، ذَمَّهم تَعالى في جَمِيعِ أحْوالِهِمْ، كانَ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَوَكَّلُوا عَلى فَضْلِ اللَّهِ فَقَنِطُوا، وإنْ شَكَرُوا نِعْمَتَهُ فَلَمْ يَزِيدُوا عَلى الفَرَحِ والِاسْتِبْشارِ، وإنْ تَصْبِرُوا عَلى بَلائِهِ كَفَرُوا. والضَّمِيرُ في (مِن بَعْدِهِ) عائِدٌ عَلى الِاصْفِرارِ، أيْ: مِن بَعْدِ اصْفِرارِ النَّباتِ تَجْحَدُونَ نِعْمَتَهُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ إلى قَوْلِهِ: (فَهم مُسْلِمُونَ) في أواخِرِ النَّمْلِ، إلّا أنَّ هُنا الرَّبْطَ بِالفاءِ في قَوْلِهِ: (فَإنَّكَ) .

الروم 30:50

﴿ومِن آياتِهِ أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ ولِيُذِيقَكم مِن رَحْمَتِهِ ولِتَجْرِيَ الفُلْكُ بِأمْرِهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ فانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أجْرَمُوا وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَيَبْسُطُهُ في السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ ويَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ فَإذا أصابَ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ ﴿فانْظُرْ إلى آثارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعْ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ . (p-١٧٨)لَمّا ذَكَرَ تَعالى ظُهُورَ الفَسادِ والهَلاكِ بِسَبَبِ الشِّرْكِ، ذَكَرَ ظُهُورَ الصَّلاحِ. والكَرِيمُ لا يَذْكُرُ لِإحْسانِهِ عِوَضًا، ويَذْكُرُ لِعِقابِهِ سَبَبًا؛ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ بِهِ الظُّلْمُ؛ فَذَكَرَ مِن إعْلامِ قُدْرَةِ إرْسالِ الرِّياحِ مُبَشِّراتٍ بِالمَطَرِ؛ لِأنَّها مُتَقَدِّمَةٌ. والمُبَشِّراتُ: رِياحُ الرَّحْمَةِ، الجَنُوبُ والشَّمالُ والصَّبا، وأمّا الدَّبُّورُ، فَرِيحُ العَذابِ، ولَيْسَ تَبْشِيرُها مُقْتَصَرًا بِهِ عَلى المَطَرِ، بَلْ لَها تَبْشِيراتٌ بِسَبَبِ السُّفُنِ والسَّيْرِ بِها إلى مَقاصِدِ أهْلِها، وكَأنَّهُ بَدَأ أوَّلًا بِشَيْءٍ عامٍّ، وهو التَّبْشِيرُ. وقَرَأ الأعْمَشُ: الرِّيحُ، مُفْرَدًا، وأرادَ مَعْنى الجَمْعِ، ولِذَلِكَ قَرَأ: ﴿مُبَشِّراتٍ﴾ . ثُمَّ ذَكَرَ مِن أعْظَمِ تَباشِيرِها إذاقَةَ الرَّحْمَةِ، وهي نُزُولُ المَطَرِ، ويَتْبَعُهُ حُصُولُ الخِصْبِ، والرِّيحُ الَّذِي مَعَهُ الهَبُوبُ، وإزالَةُ العُفُونَةِ مِنَ الهَواءِ، وتَذْرِيَةُ الحُبُوبِ، وغَيْرُ ذَلِكَ. ﴿ولِيُذِيقَكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى مَعْنى (مُبَشِّراتٍ)، فالعامِلُ أنْ يُرْسِلَ، ويَكُونُ عَطْفًا عَلى التَّوَهُّمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِيُبَشِّرُوكم، والحالُ والصِّفَةُ قَدْ يَجِيئانِ، وفِيهِما مَعْنى التَّعْلِيلِ. تَقُولُ: أُهِنْ زَيْدًا سَيِّئًا وأُكْرِمْ زَيْدًا العالِمَ، تُرِيدُ لِإساءَتِهِ ولِعِلْمِهِ. وقِيلَ: ما يَتَعَلَّقُ بِهِ اللّامُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ولَكِنّا أرْسَلْناها. وقِيلَ: الواوُ في (ولِيُذِيقَكم) زائِدَةٌ. و(بِأمْرِهِ) أيْ: بِأمْرِ اللَّهِ، يَعْنِي أنَّ جَرَيانَها، لَمّا كانَ مُسْنَدًا إلَيْها، أخْبَرَ أنَّهُ بِأمْرِهِ تَعالى. (مِن فَضْلِهِ) مِمّا يُهَيِّئُ لَكم مِنَ الرِّيحِ في التِّجاراتِ في البَحْرِ، ومِن غَنائِمِ أهْلِ الشِّرْكِ. ثُمَّ بَيَّنَ لِرَسُولِهِ بِأنْ ضَرَبَ لَهُ مَثَلُ مَن أرْسَلَ مِنَ الأنْبِياءِ، ولَمّا كانَ تَعالى بَيَّنَ الأصْلَيْنِ: المَبْدَأِ والمَعادِ، بَيَّنَ ذِكْرَ الأصْلِ الثّالِثِ، وهو النُّبُوَّةُ؛ وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: وآمَنَ بِهِ بَعْضٌ وكَذَّبَ بَعْضٌ ﴿فانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ . وفِي قَوْلِهِ: ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ تَبْشِيرٌ لِلرَّسُولِ وأُمَّتِهِ بِالنَّصْرِ والظَّفَرِ، إذْ أخْبَرَ أنَّ المُؤْمِنِينَ بِأُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ نُصِرُوا، وفي لَفْظِ (حَقًّا) مُبالَغَةٌ في التَّحَتُّمِ، وتَكْرِيمٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وإظْهارٌ لِفَضِيلَةِ سابِقَةِ الإيمانِ، حَيْثُ جَعَلَهم مُسْتَحِقِّينَ النَّصْرَ والظَّفَرَ. والظّاهِرُ أنَّ (حَقًّا) خَبَرُ كانَ، و﴿نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ الِاسْمُ، وأُخِّرَ لِكَوْنِ ما تَعَلَّقَ بِهِ فاصِلَةً لِلِاهْتِمامِ بِالجَزاءِ، إذْ هو مَحَطُّ الفائِدَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَفَ بَعْضُ القُرّاءِ عَلى (حَقًّا) وجَعَلَهُ مِنَ الكَلامِ المُتَقَدِّمِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ جُمْلَةً مِن قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَدْرِ قَدْرَ ما عَرَضَهُ في نَظْمِ الآيَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدْ يُوقَفُ عَلى (حَقًّا) ومَعْناهُ: وكانَ الِانْتِقامُ مِنهم حَقًّا، ثُمَّ يُبْتَدَأُ عَلَيْنا ﴿نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ . انْتَهى. وفي الوَقْفِ عَلى ﴿وكانَ حَقًّا﴾ بَيانُ أنَّهُ لَمْ يَكُنِ الِانْتِقامُ ظُلْمًا، بَلْ عَدْلًا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ إلّا بَعْدَ كَوْنِ بَقائِهِمْ غَيْرَ مُفِيدٍ إلّا زِيادَةُ الإثْمِ ووِلادَةُ الفاجِرِ الكافِرِ، فَكانَ عُدْمُهم خَيْرًا مِن وُجُودِهِمُ الخَبِيثِ. ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ هَذا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ﴾ والجُمْلَةُ الَّتِي بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، جاءَتْ تَأْنِيسًا لِلرَّسُولِ، وتَسْلِيَةً ووَعْدًا بِالنَّصْرِ، ووَعِيدًا لِأهْلِ الكُفْرِ، وفي إرْسالِها قُدْرَةٌ وحِكْمَةٌ. أمّا القُدْرَةُ، فَإنَّ الهَواءَ اللَّطِيفَ الَّذِي يَسْبِقُهُ البَرْقُ بِحَيْثُ يَقْلَعُ الشَّجَرَ ويَهْدِمُ البِناءَ، وهو لَيْسَ بِذاتِهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ، بَلْ بِفاعِلٍ مُخْتارٍ. وأمّا الحِكْمَةُ، فَفِيما يُفْضِي إلَيْهِ نَفْسُ الهُبُوبِ مِن إثارَةِ السُّحُبِ، وإخْراجِ الماءِ مِنهُ، وإنْباتِ الزَّرْعِ، ودَرِّ الضَّرْعِ، واخْتِصاصِهِ بِناسٍ دُونَ ناسٍ؛ وهَذِهِ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ مَعْرُوفَةٌ بِالمَشِيئَةِ والإثارَةِ، تَحْرِيكُها وتَسْيِيرُها. والبَسْطُ: نَشْرُها في الآفاقِ، والكِسَفُ: القِطَعُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ وذَكَرَ الخِلافَ في (كِسَفًا) وحالُهُ مِن جِهَةِ القُرّاءِ. والضَّمِيرُ في: (مِن خِلالِهِ) الظّاهِرُ أنَّهُ عائِدٌ عَلى السَّحابِ، إذْ هو المُحَدِّثُ عَنْهُ، وذُكِّرَ الضَّمِيرُ لِأنَّ السَّحابَ اسْمُ جِنْسٍ يَجُوزُ تَذْكِيرُهُ وتَأْنِيثُهُ. قِيلَ: ويَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ عَلى (كِسَفًا) في قِراءَةِ مَن سَكَّنَ العَيْنَ، والمُرادُ بِالسَّماءِ: سَمَتِ السَّماءُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وفَرْعُها في السَّماءِ﴾ [إبراهيم: ٢٤] . ﴿فَإذا أصابَ بِهِ مَن يَشاءُ﴾ أيْ: أرْضَ مَن يَشاءُ إصابَتُها، فاجَأهُمُ الِاسْتِبْشارُ، ولَمْ يَتَأخَّرْ سُرُورُهم. وقالَ الأخْفَشُ: (مِن قَبْلِهِ) تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أفادَ الإعْلامَ بِسُرْعَةِ (p-١٧٩)تَقَلُّبِ قُلُوبِ البَشَرِ مِنَ الإبْلاسِ إلى الِاسْتِبْشارِ، وذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ يَحْتَمِلُ الفُسْحَةَ في الزَّمانِ، أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ بِكَثِيرٍ، كالأيّامِ ونَحْوِهِ، فَجاءَ قَوْلُهُ: (مِن قَبْلِ) بِمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ مُتَّصِلٌ بِالمَطَرِ، فَهو تَأْكِيدٌ مُقَيَّدٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وبِمَعْنى التَّوْكِيدِ، فِيهِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ عَهْدَهم بِالمَطَرِ قَدْ تَطاوَلَ وبَعُدَ، فاسْتَحْكَمَ يَأْسُهم وتَمادى إبْلاسُهم، فَكانَ الِاسْتِبْشارُ عَلى قَدْرِ اهْتِمامِهِمْ بِذَلِكَ. انْتَهى. وما ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ والزَّمَخْشَرِيُّ مِن فائِدَةِ التَّأْكِيدِ في قَوْلِهِ: (مِن قَبْلِهِ) غَيْرُ ظاهِرٍ، وإنَّما هو عِنْدَ ذِكْرِهِ لِمُجَرَّدِ التَّوْكِيدِ، ويُفِيدُ رَفْعَ المَجازِ فَقَطْ. وقالَ قُطْرُبٌ: التَّقْدِيرُ: وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ التَّنْزِيلِ، مِن قَبْلِ المَطَرِ. انْتَهى. وصارَ مِن قَبْلِ إنْزالِ المَطَرِ: مِن قَبْلِ المَطَرِ، وهَذا تَرْكِيبٌ لا يَسُوغُ في كَلامٍ فَصِيحٍ، فَضْلًا عَنِ القُرْآنِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: مِن قَبْلِ تَنْزِيلِ الغَيْثِ: مِن قَبْلِ أنْ يَزْرَعُوا، ودَلَّ المَطَرُ عَلى الزَّرْعِ؛ لِأنَّهُ يَخْرُجُ بِسَبَبِ المَطَرِ؛ ودَلَّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا﴾ يَعْنِي الزَّرْعَ. انْتَهى. وهَذا لا يَسْتَقِيمُ؛ لِأنَّ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ . ولا يُمْكِنُ مِن قَبْلِ الزَّرْعِ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ: ”مُبْلِسِينَ“؛ لِأنَّ حَرْفَيْ جَرٍّ لا يَتَعَلَّقانِ بِعامِلٍ واحِدٍ إلّا إنْ كانَ بِواسِطَةِ حَرْفِ العَطْفِ، أوْ عَلى جِهَةِ البَدَلِ. ولَيْسَ التَّرْكِيبُ هُنا ومِن قَبْلِهِ بِحَرْفِ العَطْفِ، ولا يَصِحُّ فِيهِ البَدَلُ، إذْ إنْزالُ الغَيْثِ لَيْسَ هو الزَّرْعَ، ولا الزَّرْعُ بَعْضَهُ. وقَدْ يُتَخَيَّلُ فِيهِ بَدَلُ الِاشْتِمالِ بِتَكَلُّفٍ؛ إمّا لِاشْتِمالِ الإنْزالِ عَلى الزَّرْعِ، بِمَعْنى أنَّ الزَّرْعَ يَكُونُ ناشِئًا عَنِ الإنْزالِ، فَكَأنَّ الإنْزالَ مُشْتَمِلٌ عَلَيْهِ، وهَذا عَلى مَذْهَبِ مَن يَقُولُ: الأوَّلُ يَشْتَمِلُ عَلى الثّانِي. وقالَ المُبَرِّدُ: الثّانِي السَّحابُ، ويَحْتاجُ أيْضًا إلى حَرْفِ عَطْفٍ حَتّى يُمْكِنَ تَعَلُّقُ الحَرْفَيْنِ بِـ: ”مُبْلِسِينَ“ . وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: مِن قَبْلِ الإرْسالِ. وقالَ الكِرْمانِيُّ: ومِن قَبْلِ الِاسْتِبْشارِ؛ لِأنَّهُ قَرَنَهُ بِالإبْلاسِ، ولِأنَّهُ مَنَّ عَلَيْهِمْ بِالِاسْتِبْشارِ. انْتَهى. ويَحْتاجُ قَوْلُهُ وقَوْلُ ابْنِ عِيسى إلى حَرْفِ العَطْفِ، فَإنِ ادَّعى في قَوْلِهِ مِن جَعْلِ الضَّمِيرِ في (مِن قَبْلِهِ) عائِدٌ إلى غَيْرِ إنْزالِ الغَيْثِ أنَّ حَرْفَ العَطْفِ مَحْذُوفٌ، أمْكَنَ، لَكِنْ في حَذْفِ حَرْفِ العَطْفِ خِلافٌ، أيْ: أيَنْقاسُ أمْ لا يَنْقاسُ ؟ أمّا حَذْفُهُ مَعَ الجُمَلِ فَجائِزٌ، وأمّا وحْدَهُ فَهو الَّذِي فِيهِ الخِلافُ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ: إلى ”أثَرِ“، بِالإفْرادِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِالجَمْعِ؛ وسَلامٌ: بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وإسْكانِ الثّاءِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْقَعِ، وأبُو حَيْوَةَ: ”تُحْيِي“، بِالتّاءِ لِلتَّأْنِيثِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الرَّحْمَةِ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وإنَّما أنَّثَ الأثَرَ لِاتِّصالِهِ بِالرَّحْمَةِ إضافَةً إلَيْها، فاكْتَسَبَ التَّأْنِيثَ مِنها، ومِثْلُ ذَلِكَ لا يَجُوزُ إلّا إذا كانَ المُضافُ بِمَعْنى المُضافِ إلَيْهِ، أوْ مِن سَبَبِهِ. وأمّا إذا كانَ أجْنَبِيًّا، فَلا يَجُوزُ بِحالٍ. انْتَهى. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ”نُحْيِي“، بِنُونِ العَظْمَةِ؛ والجُمْهُورُ: (يُحْيِي) بِياءِ الغَيْبَةِ، والضَّمِيرُ لِلَّهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ ﴿آثارِ﴾ بِالجَمْعِ، وقِيلَ: يَعُودُ عَلى ”أثَرِ“ في قِراءَةِ مَن أفْرَدَ. وقالَ ابْنُ جِنِّي: ﴿كَيْفَ يُحْيِي﴾ جُمْلَةٌ مَنصُوبَةُ المَوْضِعِ عَلى الحالِ حَمْلًا عَلى المَعْنى، كَأنَّهُ قالَ: مُحْيِيًا، وهَذا فِيهِ نَظَرٌ. (إنَّ ذَلِكَ) أيِ: القادِرُ عَلى إحْياءِ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها، هو الَّذِي يُحْيِي النّاسَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ. وهَذا الإخْبارُ عَلى جِهَةِ القِياسِ في البَعْثِ، والبَعْثُ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي هو قادِرٌ عَلَيْها تَعالى. ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا﴾ أخْبَرَ تَعالى عَنْ حالِ تَقَلُّبِ ابْنِ آدَمَ، أنَّهُ بَعْدَ الِاسْتِبْشارِ بِالمَطَرِ، بَعَثَ اللَّهُ رِيحًا، فاصْفَرَّ بِها النَّباتُ. لَظَلُّوا يَكْفُرُونَ قَلَقًا مِنهم، والرِّيحُ الَّتِي تُصَفِّرُ النَّباتَ صِرٌّ حَرُورٌ، وهُما مِمّا يُصْبِحُ بِهِ النَّباتُ هَشِيمًا، والحَرُورُ جَنْبُ الشَّمالِ إذا عَصَفَتْ. والضَّمِيرُ في ﴿فَرَأوْهُ﴾ عائِدٌ عَلى ما يُفْهَمُ مِن سِياقِ الكَلامِ، وهو النَّباتُ. وقِيلَ: إلى الأثَرِ؛ لِأنَّ الرَّحْمَةَ هي الغَيْثُ، وأثَرُها هو النَّباتُ. ومَن قَرَأ: (آثارِ)، بِالجَمْعِ، رَجَّعَ الضَّمِيرَ إلى آثارِ الرَّحْمَةِ، وهو النَّباتُ، واسْمُ النَّباتِ يَقَعُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ ما يَنْبُتُ. وقالَ ابْنُ عِيسى: الضَّمِيرُ في ﴿فَرَأوْهُ﴾ عائِدٌ عَلى السَّحابِ؛ لِأنَّ السَّحابَ إذا اصْفَرَّ لَمْ يُمْطِرْ؛ وقِيلَ: عَلى الرِّيحِ، وهَذانِ قَوْلانِ ضَعِيفانِ. وقَرَأ صَباحُ بْنُ حُبَيْشٍ: ”مِصْفارًّا“، بِألِفٍ بَعْدِ الفاءِ. واللّامُ في (ولَئِنْ) مُؤْذِنَةٌ بِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ (p-١٨٠)وجَوابُهُ (لَظَلُّوا)، وهو مِمّا وُضِعَ فِيهِ الماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ اتِّساعًا تَقْدِيرُهُ: لَيَظَلُّنَّ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ [البقرة: ١٤٥] أيْ: ما يَتَّبِعُونَ، ذَمَّهم تَعالى في جَمِيعِ أحْوالِهِمْ، كانَ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَوَكَّلُوا عَلى فَضْلِ اللَّهِ فَقَنِطُوا، وإنْ شَكَرُوا نِعْمَتَهُ فَلَمْ يَزِيدُوا عَلى الفَرَحِ والِاسْتِبْشارِ، وإنْ تَصْبِرُوا عَلى بَلائِهِ كَفَرُوا. والضَّمِيرُ في (مِن بَعْدِهِ) عائِدٌ عَلى الِاصْفِرارِ، أيْ: مِن بَعْدِ اصْفِرارِ النَّباتِ تَجْحَدُونَ نِعْمَتَهُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ إلى قَوْلِهِ: (فَهم مُسْلِمُونَ) في أواخِرِ النَّمْلِ، إلّا أنَّ هُنا الرَّبْطَ بِالفاءِ في قَوْلِهِ: (فَإنَّكَ) .

الروم 30:51

﴿ومِن آياتِهِ أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ ولِيُذِيقَكم مِن رَحْمَتِهِ ولِتَجْرِيَ الفُلْكُ بِأمْرِهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ فانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أجْرَمُوا وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَيَبْسُطُهُ في السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ ويَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ فَإذا أصابَ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ ﴿فانْظُرْ إلى آثارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعْ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ . (p-١٧٨)لَمّا ذَكَرَ تَعالى ظُهُورَ الفَسادِ والهَلاكِ بِسَبَبِ الشِّرْكِ، ذَكَرَ ظُهُورَ الصَّلاحِ. والكَرِيمُ لا يَذْكُرُ لِإحْسانِهِ عِوَضًا، ويَذْكُرُ لِعِقابِهِ سَبَبًا؛ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ بِهِ الظُّلْمُ؛ فَذَكَرَ مِن إعْلامِ قُدْرَةِ إرْسالِ الرِّياحِ مُبَشِّراتٍ بِالمَطَرِ؛ لِأنَّها مُتَقَدِّمَةٌ. والمُبَشِّراتُ: رِياحُ الرَّحْمَةِ، الجَنُوبُ والشَّمالُ والصَّبا، وأمّا الدَّبُّورُ، فَرِيحُ العَذابِ، ولَيْسَ تَبْشِيرُها مُقْتَصَرًا بِهِ عَلى المَطَرِ، بَلْ لَها تَبْشِيراتٌ بِسَبَبِ السُّفُنِ والسَّيْرِ بِها إلى مَقاصِدِ أهْلِها، وكَأنَّهُ بَدَأ أوَّلًا بِشَيْءٍ عامٍّ، وهو التَّبْشِيرُ. وقَرَأ الأعْمَشُ: الرِّيحُ، مُفْرَدًا، وأرادَ مَعْنى الجَمْعِ، ولِذَلِكَ قَرَأ: ﴿مُبَشِّراتٍ﴾ . ثُمَّ ذَكَرَ مِن أعْظَمِ تَباشِيرِها إذاقَةَ الرَّحْمَةِ، وهي نُزُولُ المَطَرِ، ويَتْبَعُهُ حُصُولُ الخِصْبِ، والرِّيحُ الَّذِي مَعَهُ الهَبُوبُ، وإزالَةُ العُفُونَةِ مِنَ الهَواءِ، وتَذْرِيَةُ الحُبُوبِ، وغَيْرُ ذَلِكَ. ﴿ولِيُذِيقَكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى مَعْنى (مُبَشِّراتٍ)، فالعامِلُ أنْ يُرْسِلَ، ويَكُونُ عَطْفًا عَلى التَّوَهُّمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِيُبَشِّرُوكم، والحالُ والصِّفَةُ قَدْ يَجِيئانِ، وفِيهِما مَعْنى التَّعْلِيلِ. تَقُولُ: أُهِنْ زَيْدًا سَيِّئًا وأُكْرِمْ زَيْدًا العالِمَ، تُرِيدُ لِإساءَتِهِ ولِعِلْمِهِ. وقِيلَ: ما يَتَعَلَّقُ بِهِ اللّامُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ولَكِنّا أرْسَلْناها. وقِيلَ: الواوُ في (ولِيُذِيقَكم) زائِدَةٌ. و(بِأمْرِهِ) أيْ: بِأمْرِ اللَّهِ، يَعْنِي أنَّ جَرَيانَها، لَمّا كانَ مُسْنَدًا إلَيْها، أخْبَرَ أنَّهُ بِأمْرِهِ تَعالى. (مِن فَضْلِهِ) مِمّا يُهَيِّئُ لَكم مِنَ الرِّيحِ في التِّجاراتِ في البَحْرِ، ومِن غَنائِمِ أهْلِ الشِّرْكِ. ثُمَّ بَيَّنَ لِرَسُولِهِ بِأنْ ضَرَبَ لَهُ مَثَلُ مَن أرْسَلَ مِنَ الأنْبِياءِ، ولَمّا كانَ تَعالى بَيَّنَ الأصْلَيْنِ: المَبْدَأِ والمَعادِ، بَيَّنَ ذِكْرَ الأصْلِ الثّالِثِ، وهو النُّبُوَّةُ؛ وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: وآمَنَ بِهِ بَعْضٌ وكَذَّبَ بَعْضٌ ﴿فانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ . وفِي قَوْلِهِ: ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ تَبْشِيرٌ لِلرَّسُولِ وأُمَّتِهِ بِالنَّصْرِ والظَّفَرِ، إذْ أخْبَرَ أنَّ المُؤْمِنِينَ بِأُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ نُصِرُوا، وفي لَفْظِ (حَقًّا) مُبالَغَةٌ في التَّحَتُّمِ، وتَكْرِيمٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وإظْهارٌ لِفَضِيلَةِ سابِقَةِ الإيمانِ، حَيْثُ جَعَلَهم مُسْتَحِقِّينَ النَّصْرَ والظَّفَرَ. والظّاهِرُ أنَّ (حَقًّا) خَبَرُ كانَ، و﴿نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ الِاسْمُ، وأُخِّرَ لِكَوْنِ ما تَعَلَّقَ بِهِ فاصِلَةً لِلِاهْتِمامِ بِالجَزاءِ، إذْ هو مَحَطُّ الفائِدَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَفَ بَعْضُ القُرّاءِ عَلى (حَقًّا) وجَعَلَهُ مِنَ الكَلامِ المُتَقَدِّمِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ جُمْلَةً مِن قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَدْرِ قَدْرَ ما عَرَضَهُ في نَظْمِ الآيَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدْ يُوقَفُ عَلى (حَقًّا) ومَعْناهُ: وكانَ الِانْتِقامُ مِنهم حَقًّا، ثُمَّ يُبْتَدَأُ عَلَيْنا ﴿نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ . انْتَهى. وفي الوَقْفِ عَلى ﴿وكانَ حَقًّا﴾ بَيانُ أنَّهُ لَمْ يَكُنِ الِانْتِقامُ ظُلْمًا، بَلْ عَدْلًا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ إلّا بَعْدَ كَوْنِ بَقائِهِمْ غَيْرَ مُفِيدٍ إلّا زِيادَةُ الإثْمِ ووِلادَةُ الفاجِرِ الكافِرِ، فَكانَ عُدْمُهم خَيْرًا مِن وُجُودِهِمُ الخَبِيثِ. ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ هَذا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ﴾ والجُمْلَةُ الَّتِي بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، جاءَتْ تَأْنِيسًا لِلرَّسُولِ، وتَسْلِيَةً ووَعْدًا بِالنَّصْرِ، ووَعِيدًا لِأهْلِ الكُفْرِ، وفي إرْسالِها قُدْرَةٌ وحِكْمَةٌ. أمّا القُدْرَةُ، فَإنَّ الهَواءَ اللَّطِيفَ الَّذِي يَسْبِقُهُ البَرْقُ بِحَيْثُ يَقْلَعُ الشَّجَرَ ويَهْدِمُ البِناءَ، وهو لَيْسَ بِذاتِهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ، بَلْ بِفاعِلٍ مُخْتارٍ. وأمّا الحِكْمَةُ، فَفِيما يُفْضِي إلَيْهِ نَفْسُ الهُبُوبِ مِن إثارَةِ السُّحُبِ، وإخْراجِ الماءِ مِنهُ، وإنْباتِ الزَّرْعِ، ودَرِّ الضَّرْعِ، واخْتِصاصِهِ بِناسٍ دُونَ ناسٍ؛ وهَذِهِ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ مَعْرُوفَةٌ بِالمَشِيئَةِ والإثارَةِ، تَحْرِيكُها وتَسْيِيرُها. والبَسْطُ: نَشْرُها في الآفاقِ، والكِسَفُ: القِطَعُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ وذَكَرَ الخِلافَ في (كِسَفًا) وحالُهُ مِن جِهَةِ القُرّاءِ. والضَّمِيرُ في: (مِن خِلالِهِ) الظّاهِرُ أنَّهُ عائِدٌ عَلى السَّحابِ، إذْ هو المُحَدِّثُ عَنْهُ، وذُكِّرَ الضَّمِيرُ لِأنَّ السَّحابَ اسْمُ جِنْسٍ يَجُوزُ تَذْكِيرُهُ وتَأْنِيثُهُ. قِيلَ: ويَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ عَلى (كِسَفًا) في قِراءَةِ مَن سَكَّنَ العَيْنَ، والمُرادُ بِالسَّماءِ: سَمَتِ السَّماءُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وفَرْعُها في السَّماءِ﴾ [إبراهيم: ٢٤] . ﴿فَإذا أصابَ بِهِ مَن يَشاءُ﴾ أيْ: أرْضَ مَن يَشاءُ إصابَتُها، فاجَأهُمُ الِاسْتِبْشارُ، ولَمْ يَتَأخَّرْ سُرُورُهم. وقالَ الأخْفَشُ: (مِن قَبْلِهِ) تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أفادَ الإعْلامَ بِسُرْعَةِ (p-١٧٩)تَقَلُّبِ قُلُوبِ البَشَرِ مِنَ الإبْلاسِ إلى الِاسْتِبْشارِ، وذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ يَحْتَمِلُ الفُسْحَةَ في الزَّمانِ، أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ بِكَثِيرٍ، كالأيّامِ ونَحْوِهِ، فَجاءَ قَوْلُهُ: (مِن قَبْلِ) بِمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ مُتَّصِلٌ بِالمَطَرِ، فَهو تَأْكِيدٌ مُقَيَّدٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وبِمَعْنى التَّوْكِيدِ، فِيهِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ عَهْدَهم بِالمَطَرِ قَدْ تَطاوَلَ وبَعُدَ، فاسْتَحْكَمَ يَأْسُهم وتَمادى إبْلاسُهم، فَكانَ الِاسْتِبْشارُ عَلى قَدْرِ اهْتِمامِهِمْ بِذَلِكَ. انْتَهى. وما ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ والزَّمَخْشَرِيُّ مِن فائِدَةِ التَّأْكِيدِ في قَوْلِهِ: (مِن قَبْلِهِ) غَيْرُ ظاهِرٍ، وإنَّما هو عِنْدَ ذِكْرِهِ لِمُجَرَّدِ التَّوْكِيدِ، ويُفِيدُ رَفْعَ المَجازِ فَقَطْ. وقالَ قُطْرُبٌ: التَّقْدِيرُ: وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ التَّنْزِيلِ، مِن قَبْلِ المَطَرِ. انْتَهى. وصارَ مِن قَبْلِ إنْزالِ المَطَرِ: مِن قَبْلِ المَطَرِ، وهَذا تَرْكِيبٌ لا يَسُوغُ في كَلامٍ فَصِيحٍ، فَضْلًا عَنِ القُرْآنِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: مِن قَبْلِ تَنْزِيلِ الغَيْثِ: مِن قَبْلِ أنْ يَزْرَعُوا، ودَلَّ المَطَرُ عَلى الزَّرْعِ؛ لِأنَّهُ يَخْرُجُ بِسَبَبِ المَطَرِ؛ ودَلَّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا﴾ يَعْنِي الزَّرْعَ. انْتَهى. وهَذا لا يَسْتَقِيمُ؛ لِأنَّ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ . ولا يُمْكِنُ مِن قَبْلِ الزَّرْعِ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ: ”مُبْلِسِينَ“؛ لِأنَّ حَرْفَيْ جَرٍّ لا يَتَعَلَّقانِ بِعامِلٍ واحِدٍ إلّا إنْ كانَ بِواسِطَةِ حَرْفِ العَطْفِ، أوْ عَلى جِهَةِ البَدَلِ. ولَيْسَ التَّرْكِيبُ هُنا ومِن قَبْلِهِ بِحَرْفِ العَطْفِ، ولا يَصِحُّ فِيهِ البَدَلُ، إذْ إنْزالُ الغَيْثِ لَيْسَ هو الزَّرْعَ، ولا الزَّرْعُ بَعْضَهُ. وقَدْ يُتَخَيَّلُ فِيهِ بَدَلُ الِاشْتِمالِ بِتَكَلُّفٍ؛ إمّا لِاشْتِمالِ الإنْزالِ عَلى الزَّرْعِ، بِمَعْنى أنَّ الزَّرْعَ يَكُونُ ناشِئًا عَنِ الإنْزالِ، فَكَأنَّ الإنْزالَ مُشْتَمِلٌ عَلَيْهِ، وهَذا عَلى مَذْهَبِ مَن يَقُولُ: الأوَّلُ يَشْتَمِلُ عَلى الثّانِي. وقالَ المُبَرِّدُ: الثّانِي السَّحابُ، ويَحْتاجُ أيْضًا إلى حَرْفِ عَطْفٍ حَتّى يُمْكِنَ تَعَلُّقُ الحَرْفَيْنِ بِـ: ”مُبْلِسِينَ“ . وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: مِن قَبْلِ الإرْسالِ. وقالَ الكِرْمانِيُّ: ومِن قَبْلِ الِاسْتِبْشارِ؛ لِأنَّهُ قَرَنَهُ بِالإبْلاسِ، ولِأنَّهُ مَنَّ عَلَيْهِمْ بِالِاسْتِبْشارِ. انْتَهى. ويَحْتاجُ قَوْلُهُ وقَوْلُ ابْنِ عِيسى إلى حَرْفِ العَطْفِ، فَإنِ ادَّعى في قَوْلِهِ مِن جَعْلِ الضَّمِيرِ في (مِن قَبْلِهِ) عائِدٌ إلى غَيْرِ إنْزالِ الغَيْثِ أنَّ حَرْفَ العَطْفِ مَحْذُوفٌ، أمْكَنَ، لَكِنْ في حَذْفِ حَرْفِ العَطْفِ خِلافٌ، أيْ: أيَنْقاسُ أمْ لا يَنْقاسُ ؟ أمّا حَذْفُهُ مَعَ الجُمَلِ فَجائِزٌ، وأمّا وحْدَهُ فَهو الَّذِي فِيهِ الخِلافُ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ: إلى ”أثَرِ“، بِالإفْرادِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِالجَمْعِ؛ وسَلامٌ: بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وإسْكانِ الثّاءِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْقَعِ، وأبُو حَيْوَةَ: ”تُحْيِي“، بِالتّاءِ لِلتَّأْنِيثِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الرَّحْمَةِ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وإنَّما أنَّثَ الأثَرَ لِاتِّصالِهِ بِالرَّحْمَةِ إضافَةً إلَيْها، فاكْتَسَبَ التَّأْنِيثَ مِنها، ومِثْلُ ذَلِكَ لا يَجُوزُ إلّا إذا كانَ المُضافُ بِمَعْنى المُضافِ إلَيْهِ، أوْ مِن سَبَبِهِ. وأمّا إذا كانَ أجْنَبِيًّا، فَلا يَجُوزُ بِحالٍ. انْتَهى. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ”نُحْيِي“، بِنُونِ العَظْمَةِ؛ والجُمْهُورُ: (يُحْيِي) بِياءِ الغَيْبَةِ، والضَّمِيرُ لِلَّهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ ﴿آثارِ﴾ بِالجَمْعِ، وقِيلَ: يَعُودُ عَلى ”أثَرِ“ في قِراءَةِ مَن أفْرَدَ. وقالَ ابْنُ جِنِّي: ﴿كَيْفَ يُحْيِي﴾ جُمْلَةٌ مَنصُوبَةُ المَوْضِعِ عَلى الحالِ حَمْلًا عَلى المَعْنى، كَأنَّهُ قالَ: مُحْيِيًا، وهَذا فِيهِ نَظَرٌ. (إنَّ ذَلِكَ) أيِ: القادِرُ عَلى إحْياءِ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها، هو الَّذِي يُحْيِي النّاسَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ. وهَذا الإخْبارُ عَلى جِهَةِ القِياسِ في البَعْثِ، والبَعْثُ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي هو قادِرٌ عَلَيْها تَعالى. ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا﴾ أخْبَرَ تَعالى عَنْ حالِ تَقَلُّبِ ابْنِ آدَمَ، أنَّهُ بَعْدَ الِاسْتِبْشارِ بِالمَطَرِ، بَعَثَ اللَّهُ رِيحًا، فاصْفَرَّ بِها النَّباتُ. لَظَلُّوا يَكْفُرُونَ قَلَقًا مِنهم، والرِّيحُ الَّتِي تُصَفِّرُ النَّباتَ صِرٌّ حَرُورٌ، وهُما مِمّا يُصْبِحُ بِهِ النَّباتُ هَشِيمًا، والحَرُورُ جَنْبُ الشَّمالِ إذا عَصَفَتْ. والضَّمِيرُ في ﴿فَرَأوْهُ﴾ عائِدٌ عَلى ما يُفْهَمُ مِن سِياقِ الكَلامِ، وهو النَّباتُ. وقِيلَ: إلى الأثَرِ؛ لِأنَّ الرَّحْمَةَ هي الغَيْثُ، وأثَرُها هو النَّباتُ. ومَن قَرَأ: (آثارِ)، بِالجَمْعِ، رَجَّعَ الضَّمِيرَ إلى آثارِ الرَّحْمَةِ، وهو النَّباتُ، واسْمُ النَّباتِ يَقَعُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ ما يَنْبُتُ. وقالَ ابْنُ عِيسى: الضَّمِيرُ في ﴿فَرَأوْهُ﴾ عائِدٌ عَلى السَّحابِ؛ لِأنَّ السَّحابَ إذا اصْفَرَّ لَمْ يُمْطِرْ؛ وقِيلَ: عَلى الرِّيحِ، وهَذانِ قَوْلانِ ضَعِيفانِ. وقَرَأ صَباحُ بْنُ حُبَيْشٍ: ”مِصْفارًّا“، بِألِفٍ بَعْدِ الفاءِ. واللّامُ في (ولَئِنْ) مُؤْذِنَةٌ بِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ (p-١٨٠)وجَوابُهُ (لَظَلُّوا)، وهو مِمّا وُضِعَ فِيهِ الماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ اتِّساعًا تَقْدِيرُهُ: لَيَظَلُّنَّ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ [البقرة: ١٤٥] أيْ: ما يَتَّبِعُونَ، ذَمَّهم تَعالى في جَمِيعِ أحْوالِهِمْ، كانَ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَوَكَّلُوا عَلى فَضْلِ اللَّهِ فَقَنِطُوا، وإنْ شَكَرُوا نِعْمَتَهُ فَلَمْ يَزِيدُوا عَلى الفَرَحِ والِاسْتِبْشارِ، وإنْ تَصْبِرُوا عَلى بَلائِهِ كَفَرُوا. والضَّمِيرُ في (مِن بَعْدِهِ) عائِدٌ عَلى الِاصْفِرارِ، أيْ: مِن بَعْدِ اصْفِرارِ النَّباتِ تَجْحَدُونَ نِعْمَتَهُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ إلى قَوْلِهِ: (فَهم مُسْلِمُونَ) في أواخِرِ النَّمْلِ، إلّا أنَّ هُنا الرَّبْطَ بِالفاءِ في قَوْلِهِ: (فَإنَّكَ) .

الروم 30:52

﴿ومِن آياتِهِ أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ ولِيُذِيقَكم مِن رَحْمَتِهِ ولِتَجْرِيَ الفُلْكُ بِأمْرِهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ فانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أجْرَمُوا وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَيَبْسُطُهُ في السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ ويَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ فَإذا أصابَ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ ﴿فانْظُرْ إلى آثارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعْ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ . (p-١٧٨)لَمّا ذَكَرَ تَعالى ظُهُورَ الفَسادِ والهَلاكِ بِسَبَبِ الشِّرْكِ، ذَكَرَ ظُهُورَ الصَّلاحِ. والكَرِيمُ لا يَذْكُرُ لِإحْسانِهِ عِوَضًا، ويَذْكُرُ لِعِقابِهِ سَبَبًا؛ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ بِهِ الظُّلْمُ؛ فَذَكَرَ مِن إعْلامِ قُدْرَةِ إرْسالِ الرِّياحِ مُبَشِّراتٍ بِالمَطَرِ؛ لِأنَّها مُتَقَدِّمَةٌ. والمُبَشِّراتُ: رِياحُ الرَّحْمَةِ، الجَنُوبُ والشَّمالُ والصَّبا، وأمّا الدَّبُّورُ، فَرِيحُ العَذابِ، ولَيْسَ تَبْشِيرُها مُقْتَصَرًا بِهِ عَلى المَطَرِ، بَلْ لَها تَبْشِيراتٌ بِسَبَبِ السُّفُنِ والسَّيْرِ بِها إلى مَقاصِدِ أهْلِها، وكَأنَّهُ بَدَأ أوَّلًا بِشَيْءٍ عامٍّ، وهو التَّبْشِيرُ. وقَرَأ الأعْمَشُ: الرِّيحُ، مُفْرَدًا، وأرادَ مَعْنى الجَمْعِ، ولِذَلِكَ قَرَأ: ﴿مُبَشِّراتٍ﴾ . ثُمَّ ذَكَرَ مِن أعْظَمِ تَباشِيرِها إذاقَةَ الرَّحْمَةِ، وهي نُزُولُ المَطَرِ، ويَتْبَعُهُ حُصُولُ الخِصْبِ، والرِّيحُ الَّذِي مَعَهُ الهَبُوبُ، وإزالَةُ العُفُونَةِ مِنَ الهَواءِ، وتَذْرِيَةُ الحُبُوبِ، وغَيْرُ ذَلِكَ. ﴿ولِيُذِيقَكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى مَعْنى (مُبَشِّراتٍ)، فالعامِلُ أنْ يُرْسِلَ، ويَكُونُ عَطْفًا عَلى التَّوَهُّمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِيُبَشِّرُوكم، والحالُ والصِّفَةُ قَدْ يَجِيئانِ، وفِيهِما مَعْنى التَّعْلِيلِ. تَقُولُ: أُهِنْ زَيْدًا سَيِّئًا وأُكْرِمْ زَيْدًا العالِمَ، تُرِيدُ لِإساءَتِهِ ولِعِلْمِهِ. وقِيلَ: ما يَتَعَلَّقُ بِهِ اللّامُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ولَكِنّا أرْسَلْناها. وقِيلَ: الواوُ في (ولِيُذِيقَكم) زائِدَةٌ. و(بِأمْرِهِ) أيْ: بِأمْرِ اللَّهِ، يَعْنِي أنَّ جَرَيانَها، لَمّا كانَ مُسْنَدًا إلَيْها، أخْبَرَ أنَّهُ بِأمْرِهِ تَعالى. (مِن فَضْلِهِ) مِمّا يُهَيِّئُ لَكم مِنَ الرِّيحِ في التِّجاراتِ في البَحْرِ، ومِن غَنائِمِ أهْلِ الشِّرْكِ. ثُمَّ بَيَّنَ لِرَسُولِهِ بِأنْ ضَرَبَ لَهُ مَثَلُ مَن أرْسَلَ مِنَ الأنْبِياءِ، ولَمّا كانَ تَعالى بَيَّنَ الأصْلَيْنِ: المَبْدَأِ والمَعادِ، بَيَّنَ ذِكْرَ الأصْلِ الثّالِثِ، وهو النُّبُوَّةُ؛ وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: وآمَنَ بِهِ بَعْضٌ وكَذَّبَ بَعْضٌ ﴿فانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ . وفِي قَوْلِهِ: ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ تَبْشِيرٌ لِلرَّسُولِ وأُمَّتِهِ بِالنَّصْرِ والظَّفَرِ، إذْ أخْبَرَ أنَّ المُؤْمِنِينَ بِأُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ نُصِرُوا، وفي لَفْظِ (حَقًّا) مُبالَغَةٌ في التَّحَتُّمِ، وتَكْرِيمٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وإظْهارٌ لِفَضِيلَةِ سابِقَةِ الإيمانِ، حَيْثُ جَعَلَهم مُسْتَحِقِّينَ النَّصْرَ والظَّفَرَ. والظّاهِرُ أنَّ (حَقًّا) خَبَرُ كانَ، و﴿نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ الِاسْمُ، وأُخِّرَ لِكَوْنِ ما تَعَلَّقَ بِهِ فاصِلَةً لِلِاهْتِمامِ بِالجَزاءِ، إذْ هو مَحَطُّ الفائِدَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَفَ بَعْضُ القُرّاءِ عَلى (حَقًّا) وجَعَلَهُ مِنَ الكَلامِ المُتَقَدِّمِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ جُمْلَةً مِن قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَدْرِ قَدْرَ ما عَرَضَهُ في نَظْمِ الآيَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدْ يُوقَفُ عَلى (حَقًّا) ومَعْناهُ: وكانَ الِانْتِقامُ مِنهم حَقًّا، ثُمَّ يُبْتَدَأُ عَلَيْنا ﴿نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ . انْتَهى. وفي الوَقْفِ عَلى ﴿وكانَ حَقًّا﴾ بَيانُ أنَّهُ لَمْ يَكُنِ الِانْتِقامُ ظُلْمًا، بَلْ عَدْلًا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ إلّا بَعْدَ كَوْنِ بَقائِهِمْ غَيْرَ مُفِيدٍ إلّا زِيادَةُ الإثْمِ ووِلادَةُ الفاجِرِ الكافِرِ، فَكانَ عُدْمُهم خَيْرًا مِن وُجُودِهِمُ الخَبِيثِ. ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ هَذا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ﴾ والجُمْلَةُ الَّتِي بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، جاءَتْ تَأْنِيسًا لِلرَّسُولِ، وتَسْلِيَةً ووَعْدًا بِالنَّصْرِ، ووَعِيدًا لِأهْلِ الكُفْرِ، وفي إرْسالِها قُدْرَةٌ وحِكْمَةٌ. أمّا القُدْرَةُ، فَإنَّ الهَواءَ اللَّطِيفَ الَّذِي يَسْبِقُهُ البَرْقُ بِحَيْثُ يَقْلَعُ الشَّجَرَ ويَهْدِمُ البِناءَ، وهو لَيْسَ بِذاتِهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ، بَلْ بِفاعِلٍ مُخْتارٍ. وأمّا الحِكْمَةُ، فَفِيما يُفْضِي إلَيْهِ نَفْسُ الهُبُوبِ مِن إثارَةِ السُّحُبِ، وإخْراجِ الماءِ مِنهُ، وإنْباتِ الزَّرْعِ، ودَرِّ الضَّرْعِ، واخْتِصاصِهِ بِناسٍ دُونَ ناسٍ؛ وهَذِهِ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ مَعْرُوفَةٌ بِالمَشِيئَةِ والإثارَةِ، تَحْرِيكُها وتَسْيِيرُها. والبَسْطُ: نَشْرُها في الآفاقِ، والكِسَفُ: القِطَعُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ وذَكَرَ الخِلافَ في (كِسَفًا) وحالُهُ مِن جِهَةِ القُرّاءِ. والضَّمِيرُ في: (مِن خِلالِهِ) الظّاهِرُ أنَّهُ عائِدٌ عَلى السَّحابِ، إذْ هو المُحَدِّثُ عَنْهُ، وذُكِّرَ الضَّمِيرُ لِأنَّ السَّحابَ اسْمُ جِنْسٍ يَجُوزُ تَذْكِيرُهُ وتَأْنِيثُهُ. قِيلَ: ويَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ عَلى (كِسَفًا) في قِراءَةِ مَن سَكَّنَ العَيْنَ، والمُرادُ بِالسَّماءِ: سَمَتِ السَّماءُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وفَرْعُها في السَّماءِ﴾ [إبراهيم: ٢٤] . ﴿فَإذا أصابَ بِهِ مَن يَشاءُ﴾ أيْ: أرْضَ مَن يَشاءُ إصابَتُها، فاجَأهُمُ الِاسْتِبْشارُ، ولَمْ يَتَأخَّرْ سُرُورُهم. وقالَ الأخْفَشُ: (مِن قَبْلِهِ) تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أفادَ الإعْلامَ بِسُرْعَةِ (p-١٧٩)تَقَلُّبِ قُلُوبِ البَشَرِ مِنَ الإبْلاسِ إلى الِاسْتِبْشارِ، وذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ يَحْتَمِلُ الفُسْحَةَ في الزَّمانِ، أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ بِكَثِيرٍ، كالأيّامِ ونَحْوِهِ، فَجاءَ قَوْلُهُ: (مِن قَبْلِ) بِمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ مُتَّصِلٌ بِالمَطَرِ، فَهو تَأْكِيدٌ مُقَيَّدٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وبِمَعْنى التَّوْكِيدِ، فِيهِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ عَهْدَهم بِالمَطَرِ قَدْ تَطاوَلَ وبَعُدَ، فاسْتَحْكَمَ يَأْسُهم وتَمادى إبْلاسُهم، فَكانَ الِاسْتِبْشارُ عَلى قَدْرِ اهْتِمامِهِمْ بِذَلِكَ. انْتَهى. وما ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ والزَّمَخْشَرِيُّ مِن فائِدَةِ التَّأْكِيدِ في قَوْلِهِ: (مِن قَبْلِهِ) غَيْرُ ظاهِرٍ، وإنَّما هو عِنْدَ ذِكْرِهِ لِمُجَرَّدِ التَّوْكِيدِ، ويُفِيدُ رَفْعَ المَجازِ فَقَطْ. وقالَ قُطْرُبٌ: التَّقْدِيرُ: وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ التَّنْزِيلِ، مِن قَبْلِ المَطَرِ. انْتَهى. وصارَ مِن قَبْلِ إنْزالِ المَطَرِ: مِن قَبْلِ المَطَرِ، وهَذا تَرْكِيبٌ لا يَسُوغُ في كَلامٍ فَصِيحٍ، فَضْلًا عَنِ القُرْآنِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: مِن قَبْلِ تَنْزِيلِ الغَيْثِ: مِن قَبْلِ أنْ يَزْرَعُوا، ودَلَّ المَطَرُ عَلى الزَّرْعِ؛ لِأنَّهُ يَخْرُجُ بِسَبَبِ المَطَرِ؛ ودَلَّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا﴾ يَعْنِي الزَّرْعَ. انْتَهى. وهَذا لا يَسْتَقِيمُ؛ لِأنَّ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ . ولا يُمْكِنُ مِن قَبْلِ الزَّرْعِ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ: ”مُبْلِسِينَ“؛ لِأنَّ حَرْفَيْ جَرٍّ لا يَتَعَلَّقانِ بِعامِلٍ واحِدٍ إلّا إنْ كانَ بِواسِطَةِ حَرْفِ العَطْفِ، أوْ عَلى جِهَةِ البَدَلِ. ولَيْسَ التَّرْكِيبُ هُنا ومِن قَبْلِهِ بِحَرْفِ العَطْفِ، ولا يَصِحُّ فِيهِ البَدَلُ، إذْ إنْزالُ الغَيْثِ لَيْسَ هو الزَّرْعَ، ولا الزَّرْعُ بَعْضَهُ. وقَدْ يُتَخَيَّلُ فِيهِ بَدَلُ الِاشْتِمالِ بِتَكَلُّفٍ؛ إمّا لِاشْتِمالِ الإنْزالِ عَلى الزَّرْعِ، بِمَعْنى أنَّ الزَّرْعَ يَكُونُ ناشِئًا عَنِ الإنْزالِ، فَكَأنَّ الإنْزالَ مُشْتَمِلٌ عَلَيْهِ، وهَذا عَلى مَذْهَبِ مَن يَقُولُ: الأوَّلُ يَشْتَمِلُ عَلى الثّانِي. وقالَ المُبَرِّدُ: الثّانِي السَّحابُ، ويَحْتاجُ أيْضًا إلى حَرْفِ عَطْفٍ حَتّى يُمْكِنَ تَعَلُّقُ الحَرْفَيْنِ بِـ: ”مُبْلِسِينَ“ . وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: مِن قَبْلِ الإرْسالِ. وقالَ الكِرْمانِيُّ: ومِن قَبْلِ الِاسْتِبْشارِ؛ لِأنَّهُ قَرَنَهُ بِالإبْلاسِ، ولِأنَّهُ مَنَّ عَلَيْهِمْ بِالِاسْتِبْشارِ. انْتَهى. ويَحْتاجُ قَوْلُهُ وقَوْلُ ابْنِ عِيسى إلى حَرْفِ العَطْفِ، فَإنِ ادَّعى في قَوْلِهِ مِن جَعْلِ الضَّمِيرِ في (مِن قَبْلِهِ) عائِدٌ إلى غَيْرِ إنْزالِ الغَيْثِ أنَّ حَرْفَ العَطْفِ مَحْذُوفٌ، أمْكَنَ، لَكِنْ في حَذْفِ حَرْفِ العَطْفِ خِلافٌ، أيْ: أيَنْقاسُ أمْ لا يَنْقاسُ ؟ أمّا حَذْفُهُ مَعَ الجُمَلِ فَجائِزٌ، وأمّا وحْدَهُ فَهو الَّذِي فِيهِ الخِلافُ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ: إلى ”أثَرِ“، بِالإفْرادِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِالجَمْعِ؛ وسَلامٌ: بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وإسْكانِ الثّاءِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْقَعِ، وأبُو حَيْوَةَ: ”تُحْيِي“، بِالتّاءِ لِلتَّأْنِيثِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الرَّحْمَةِ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وإنَّما أنَّثَ الأثَرَ لِاتِّصالِهِ بِالرَّحْمَةِ إضافَةً إلَيْها، فاكْتَسَبَ التَّأْنِيثَ مِنها، ومِثْلُ ذَلِكَ لا يَجُوزُ إلّا إذا كانَ المُضافُ بِمَعْنى المُضافِ إلَيْهِ، أوْ مِن سَبَبِهِ. وأمّا إذا كانَ أجْنَبِيًّا، فَلا يَجُوزُ بِحالٍ. انْتَهى. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ”نُحْيِي“، بِنُونِ العَظْمَةِ؛ والجُمْهُورُ: (يُحْيِي) بِياءِ الغَيْبَةِ، والضَّمِيرُ لِلَّهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ ﴿آثارِ﴾ بِالجَمْعِ، وقِيلَ: يَعُودُ عَلى ”أثَرِ“ في قِراءَةِ مَن أفْرَدَ. وقالَ ابْنُ جِنِّي: ﴿كَيْفَ يُحْيِي﴾ جُمْلَةٌ مَنصُوبَةُ المَوْضِعِ عَلى الحالِ حَمْلًا عَلى المَعْنى، كَأنَّهُ قالَ: مُحْيِيًا، وهَذا فِيهِ نَظَرٌ. (إنَّ ذَلِكَ) أيِ: القادِرُ عَلى إحْياءِ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها، هو الَّذِي يُحْيِي النّاسَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ. وهَذا الإخْبارُ عَلى جِهَةِ القِياسِ في البَعْثِ، والبَعْثُ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي هو قادِرٌ عَلَيْها تَعالى. ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا﴾ أخْبَرَ تَعالى عَنْ حالِ تَقَلُّبِ ابْنِ آدَمَ، أنَّهُ بَعْدَ الِاسْتِبْشارِ بِالمَطَرِ، بَعَثَ اللَّهُ رِيحًا، فاصْفَرَّ بِها النَّباتُ. لَظَلُّوا يَكْفُرُونَ قَلَقًا مِنهم، والرِّيحُ الَّتِي تُصَفِّرُ النَّباتَ صِرٌّ حَرُورٌ، وهُما مِمّا يُصْبِحُ بِهِ النَّباتُ هَشِيمًا، والحَرُورُ جَنْبُ الشَّمالِ إذا عَصَفَتْ. والضَّمِيرُ في ﴿فَرَأوْهُ﴾ عائِدٌ عَلى ما يُفْهَمُ مِن سِياقِ الكَلامِ، وهو النَّباتُ. وقِيلَ: إلى الأثَرِ؛ لِأنَّ الرَّحْمَةَ هي الغَيْثُ، وأثَرُها هو النَّباتُ. ومَن قَرَأ: (آثارِ)، بِالجَمْعِ، رَجَّعَ الضَّمِيرَ إلى آثارِ الرَّحْمَةِ، وهو النَّباتُ، واسْمُ النَّباتِ يَقَعُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ ما يَنْبُتُ. وقالَ ابْنُ عِيسى: الضَّمِيرُ في ﴿فَرَأوْهُ﴾ عائِدٌ عَلى السَّحابِ؛ لِأنَّ السَّحابَ إذا اصْفَرَّ لَمْ يُمْطِرْ؛ وقِيلَ: عَلى الرِّيحِ، وهَذانِ قَوْلانِ ضَعِيفانِ. وقَرَأ صَباحُ بْنُ حُبَيْشٍ: ”مِصْفارًّا“، بِألِفٍ بَعْدِ الفاءِ. واللّامُ في (ولَئِنْ) مُؤْذِنَةٌ بِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ (p-١٨٠)وجَوابُهُ (لَظَلُّوا)، وهو مِمّا وُضِعَ فِيهِ الماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ اتِّساعًا تَقْدِيرُهُ: لَيَظَلُّنَّ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ [البقرة: ١٤٥] أيْ: ما يَتَّبِعُونَ، ذَمَّهم تَعالى في جَمِيعِ أحْوالِهِمْ، كانَ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَوَكَّلُوا عَلى فَضْلِ اللَّهِ فَقَنِطُوا، وإنْ شَكَرُوا نِعْمَتَهُ فَلَمْ يَزِيدُوا عَلى الفَرَحِ والِاسْتِبْشارِ، وإنْ تَصْبِرُوا عَلى بَلائِهِ كَفَرُوا. والضَّمِيرُ في (مِن بَعْدِهِ) عائِدٌ عَلى الِاصْفِرارِ، أيْ: مِن بَعْدِ اصْفِرارِ النَّباتِ تَجْحَدُونَ نِعْمَتَهُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ إلى قَوْلِهِ: (فَهم مُسْلِمُونَ) في أواخِرِ النَّمْلِ، إلّا أنَّ هُنا الرَّبْطَ بِالفاءِ في قَوْلِهِ: (فَإنَّكَ) .

الروم 30:53

﴿ومِن آياتِهِ أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ ولِيُذِيقَكم مِن رَحْمَتِهِ ولِتَجْرِيَ الفُلْكُ بِأمْرِهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ فانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أجْرَمُوا وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَيَبْسُطُهُ في السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ ويَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ فَإذا أصابَ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ ﴿فانْظُرْ إلى آثارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعْ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ . (p-١٧٨)لَمّا ذَكَرَ تَعالى ظُهُورَ الفَسادِ والهَلاكِ بِسَبَبِ الشِّرْكِ، ذَكَرَ ظُهُورَ الصَّلاحِ. والكَرِيمُ لا يَذْكُرُ لِإحْسانِهِ عِوَضًا، ويَذْكُرُ لِعِقابِهِ سَبَبًا؛ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ بِهِ الظُّلْمُ؛ فَذَكَرَ مِن إعْلامِ قُدْرَةِ إرْسالِ الرِّياحِ مُبَشِّراتٍ بِالمَطَرِ؛ لِأنَّها مُتَقَدِّمَةٌ. والمُبَشِّراتُ: رِياحُ الرَّحْمَةِ، الجَنُوبُ والشَّمالُ والصَّبا، وأمّا الدَّبُّورُ، فَرِيحُ العَذابِ، ولَيْسَ تَبْشِيرُها مُقْتَصَرًا بِهِ عَلى المَطَرِ، بَلْ لَها تَبْشِيراتٌ بِسَبَبِ السُّفُنِ والسَّيْرِ بِها إلى مَقاصِدِ أهْلِها، وكَأنَّهُ بَدَأ أوَّلًا بِشَيْءٍ عامٍّ، وهو التَّبْشِيرُ. وقَرَأ الأعْمَشُ: الرِّيحُ، مُفْرَدًا، وأرادَ مَعْنى الجَمْعِ، ولِذَلِكَ قَرَأ: ﴿مُبَشِّراتٍ﴾ . ثُمَّ ذَكَرَ مِن أعْظَمِ تَباشِيرِها إذاقَةَ الرَّحْمَةِ، وهي نُزُولُ المَطَرِ، ويَتْبَعُهُ حُصُولُ الخِصْبِ، والرِّيحُ الَّذِي مَعَهُ الهَبُوبُ، وإزالَةُ العُفُونَةِ مِنَ الهَواءِ، وتَذْرِيَةُ الحُبُوبِ، وغَيْرُ ذَلِكَ. ﴿ولِيُذِيقَكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى مَعْنى (مُبَشِّراتٍ)، فالعامِلُ أنْ يُرْسِلَ، ويَكُونُ عَطْفًا عَلى التَّوَهُّمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِيُبَشِّرُوكم، والحالُ والصِّفَةُ قَدْ يَجِيئانِ، وفِيهِما مَعْنى التَّعْلِيلِ. تَقُولُ: أُهِنْ زَيْدًا سَيِّئًا وأُكْرِمْ زَيْدًا العالِمَ، تُرِيدُ لِإساءَتِهِ ولِعِلْمِهِ. وقِيلَ: ما يَتَعَلَّقُ بِهِ اللّامُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ولَكِنّا أرْسَلْناها. وقِيلَ: الواوُ في (ولِيُذِيقَكم) زائِدَةٌ. و(بِأمْرِهِ) أيْ: بِأمْرِ اللَّهِ، يَعْنِي أنَّ جَرَيانَها، لَمّا كانَ مُسْنَدًا إلَيْها، أخْبَرَ أنَّهُ بِأمْرِهِ تَعالى. (مِن فَضْلِهِ) مِمّا يُهَيِّئُ لَكم مِنَ الرِّيحِ في التِّجاراتِ في البَحْرِ، ومِن غَنائِمِ أهْلِ الشِّرْكِ. ثُمَّ بَيَّنَ لِرَسُولِهِ بِأنْ ضَرَبَ لَهُ مَثَلُ مَن أرْسَلَ مِنَ الأنْبِياءِ، ولَمّا كانَ تَعالى بَيَّنَ الأصْلَيْنِ: المَبْدَأِ والمَعادِ، بَيَّنَ ذِكْرَ الأصْلِ الثّالِثِ، وهو النُّبُوَّةُ؛ وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: وآمَنَ بِهِ بَعْضٌ وكَذَّبَ بَعْضٌ ﴿فانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ . وفِي قَوْلِهِ: ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ تَبْشِيرٌ لِلرَّسُولِ وأُمَّتِهِ بِالنَّصْرِ والظَّفَرِ، إذْ أخْبَرَ أنَّ المُؤْمِنِينَ بِأُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ نُصِرُوا، وفي لَفْظِ (حَقًّا) مُبالَغَةٌ في التَّحَتُّمِ، وتَكْرِيمٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وإظْهارٌ لِفَضِيلَةِ سابِقَةِ الإيمانِ، حَيْثُ جَعَلَهم مُسْتَحِقِّينَ النَّصْرَ والظَّفَرَ. والظّاهِرُ أنَّ (حَقًّا) خَبَرُ كانَ، و﴿نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ الِاسْمُ، وأُخِّرَ لِكَوْنِ ما تَعَلَّقَ بِهِ فاصِلَةً لِلِاهْتِمامِ بِالجَزاءِ، إذْ هو مَحَطُّ الفائِدَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَفَ بَعْضُ القُرّاءِ عَلى (حَقًّا) وجَعَلَهُ مِنَ الكَلامِ المُتَقَدِّمِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ جُمْلَةً مِن قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَدْرِ قَدْرَ ما عَرَضَهُ في نَظْمِ الآيَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدْ يُوقَفُ عَلى (حَقًّا) ومَعْناهُ: وكانَ الِانْتِقامُ مِنهم حَقًّا، ثُمَّ يُبْتَدَأُ عَلَيْنا ﴿نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ . انْتَهى. وفي الوَقْفِ عَلى ﴿وكانَ حَقًّا﴾ بَيانُ أنَّهُ لَمْ يَكُنِ الِانْتِقامُ ظُلْمًا، بَلْ عَدْلًا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ إلّا بَعْدَ كَوْنِ بَقائِهِمْ غَيْرَ مُفِيدٍ إلّا زِيادَةُ الإثْمِ ووِلادَةُ الفاجِرِ الكافِرِ، فَكانَ عُدْمُهم خَيْرًا مِن وُجُودِهِمُ الخَبِيثِ. ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ هَذا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ﴾ والجُمْلَةُ الَّتِي بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، جاءَتْ تَأْنِيسًا لِلرَّسُولِ، وتَسْلِيَةً ووَعْدًا بِالنَّصْرِ، ووَعِيدًا لِأهْلِ الكُفْرِ، وفي إرْسالِها قُدْرَةٌ وحِكْمَةٌ. أمّا القُدْرَةُ، فَإنَّ الهَواءَ اللَّطِيفَ الَّذِي يَسْبِقُهُ البَرْقُ بِحَيْثُ يَقْلَعُ الشَّجَرَ ويَهْدِمُ البِناءَ، وهو لَيْسَ بِذاتِهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ، بَلْ بِفاعِلٍ مُخْتارٍ. وأمّا الحِكْمَةُ، فَفِيما يُفْضِي إلَيْهِ نَفْسُ الهُبُوبِ مِن إثارَةِ السُّحُبِ، وإخْراجِ الماءِ مِنهُ، وإنْباتِ الزَّرْعِ، ودَرِّ الضَّرْعِ، واخْتِصاصِهِ بِناسٍ دُونَ ناسٍ؛ وهَذِهِ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ مَعْرُوفَةٌ بِالمَشِيئَةِ والإثارَةِ، تَحْرِيكُها وتَسْيِيرُها. والبَسْطُ: نَشْرُها في الآفاقِ، والكِسَفُ: القِطَعُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ وذَكَرَ الخِلافَ في (كِسَفًا) وحالُهُ مِن جِهَةِ القُرّاءِ. والضَّمِيرُ في: (مِن خِلالِهِ) الظّاهِرُ أنَّهُ عائِدٌ عَلى السَّحابِ، إذْ هو المُحَدِّثُ عَنْهُ، وذُكِّرَ الضَّمِيرُ لِأنَّ السَّحابَ اسْمُ جِنْسٍ يَجُوزُ تَذْكِيرُهُ وتَأْنِيثُهُ. قِيلَ: ويَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ عَلى (كِسَفًا) في قِراءَةِ مَن سَكَّنَ العَيْنَ، والمُرادُ بِالسَّماءِ: سَمَتِ السَّماءُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وفَرْعُها في السَّماءِ﴾ [إبراهيم: ٢٤] . ﴿فَإذا أصابَ بِهِ مَن يَشاءُ﴾ أيْ: أرْضَ مَن يَشاءُ إصابَتُها، فاجَأهُمُ الِاسْتِبْشارُ، ولَمْ يَتَأخَّرْ سُرُورُهم. وقالَ الأخْفَشُ: (مِن قَبْلِهِ) تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أفادَ الإعْلامَ بِسُرْعَةِ (p-١٧٩)تَقَلُّبِ قُلُوبِ البَشَرِ مِنَ الإبْلاسِ إلى الِاسْتِبْشارِ، وذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ يَحْتَمِلُ الفُسْحَةَ في الزَّمانِ، أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ بِكَثِيرٍ، كالأيّامِ ونَحْوِهِ، فَجاءَ قَوْلُهُ: (مِن قَبْلِ) بِمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ مُتَّصِلٌ بِالمَطَرِ، فَهو تَأْكِيدٌ مُقَيَّدٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وبِمَعْنى التَّوْكِيدِ، فِيهِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ عَهْدَهم بِالمَطَرِ قَدْ تَطاوَلَ وبَعُدَ، فاسْتَحْكَمَ يَأْسُهم وتَمادى إبْلاسُهم، فَكانَ الِاسْتِبْشارُ عَلى قَدْرِ اهْتِمامِهِمْ بِذَلِكَ. انْتَهى. وما ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ والزَّمَخْشَرِيُّ مِن فائِدَةِ التَّأْكِيدِ في قَوْلِهِ: (مِن قَبْلِهِ) غَيْرُ ظاهِرٍ، وإنَّما هو عِنْدَ ذِكْرِهِ لِمُجَرَّدِ التَّوْكِيدِ، ويُفِيدُ رَفْعَ المَجازِ فَقَطْ. وقالَ قُطْرُبٌ: التَّقْدِيرُ: وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ التَّنْزِيلِ، مِن قَبْلِ المَطَرِ. انْتَهى. وصارَ مِن قَبْلِ إنْزالِ المَطَرِ: مِن قَبْلِ المَطَرِ، وهَذا تَرْكِيبٌ لا يَسُوغُ في كَلامٍ فَصِيحٍ، فَضْلًا عَنِ القُرْآنِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: مِن قَبْلِ تَنْزِيلِ الغَيْثِ: مِن قَبْلِ أنْ يَزْرَعُوا، ودَلَّ المَطَرُ عَلى الزَّرْعِ؛ لِأنَّهُ يَخْرُجُ بِسَبَبِ المَطَرِ؛ ودَلَّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا﴾ يَعْنِي الزَّرْعَ. انْتَهى. وهَذا لا يَسْتَقِيمُ؛ لِأنَّ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ . ولا يُمْكِنُ مِن قَبْلِ الزَّرْعِ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ: ”مُبْلِسِينَ“؛ لِأنَّ حَرْفَيْ جَرٍّ لا يَتَعَلَّقانِ بِعامِلٍ واحِدٍ إلّا إنْ كانَ بِواسِطَةِ حَرْفِ العَطْفِ، أوْ عَلى جِهَةِ البَدَلِ. ولَيْسَ التَّرْكِيبُ هُنا ومِن قَبْلِهِ بِحَرْفِ العَطْفِ، ولا يَصِحُّ فِيهِ البَدَلُ، إذْ إنْزالُ الغَيْثِ لَيْسَ هو الزَّرْعَ، ولا الزَّرْعُ بَعْضَهُ. وقَدْ يُتَخَيَّلُ فِيهِ بَدَلُ الِاشْتِمالِ بِتَكَلُّفٍ؛ إمّا لِاشْتِمالِ الإنْزالِ عَلى الزَّرْعِ، بِمَعْنى أنَّ الزَّرْعَ يَكُونُ ناشِئًا عَنِ الإنْزالِ، فَكَأنَّ الإنْزالَ مُشْتَمِلٌ عَلَيْهِ، وهَذا عَلى مَذْهَبِ مَن يَقُولُ: الأوَّلُ يَشْتَمِلُ عَلى الثّانِي. وقالَ المُبَرِّدُ: الثّانِي السَّحابُ، ويَحْتاجُ أيْضًا إلى حَرْفِ عَطْفٍ حَتّى يُمْكِنَ تَعَلُّقُ الحَرْفَيْنِ بِـ: ”مُبْلِسِينَ“ . وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: مِن قَبْلِ الإرْسالِ. وقالَ الكِرْمانِيُّ: ومِن قَبْلِ الِاسْتِبْشارِ؛ لِأنَّهُ قَرَنَهُ بِالإبْلاسِ، ولِأنَّهُ مَنَّ عَلَيْهِمْ بِالِاسْتِبْشارِ. انْتَهى. ويَحْتاجُ قَوْلُهُ وقَوْلُ ابْنِ عِيسى إلى حَرْفِ العَطْفِ، فَإنِ ادَّعى في قَوْلِهِ مِن جَعْلِ الضَّمِيرِ في (مِن قَبْلِهِ) عائِدٌ إلى غَيْرِ إنْزالِ الغَيْثِ أنَّ حَرْفَ العَطْفِ مَحْذُوفٌ، أمْكَنَ، لَكِنْ في حَذْفِ حَرْفِ العَطْفِ خِلافٌ، أيْ: أيَنْقاسُ أمْ لا يَنْقاسُ ؟ أمّا حَذْفُهُ مَعَ الجُمَلِ فَجائِزٌ، وأمّا وحْدَهُ فَهو الَّذِي فِيهِ الخِلافُ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ: إلى ”أثَرِ“، بِالإفْرادِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِالجَمْعِ؛ وسَلامٌ: بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وإسْكانِ الثّاءِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْقَعِ، وأبُو حَيْوَةَ: ”تُحْيِي“، بِالتّاءِ لِلتَّأْنِيثِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الرَّحْمَةِ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وإنَّما أنَّثَ الأثَرَ لِاتِّصالِهِ بِالرَّحْمَةِ إضافَةً إلَيْها، فاكْتَسَبَ التَّأْنِيثَ مِنها، ومِثْلُ ذَلِكَ لا يَجُوزُ إلّا إذا كانَ المُضافُ بِمَعْنى المُضافِ إلَيْهِ، أوْ مِن سَبَبِهِ. وأمّا إذا كانَ أجْنَبِيًّا، فَلا يَجُوزُ بِحالٍ. انْتَهى. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ”نُحْيِي“، بِنُونِ العَظْمَةِ؛ والجُمْهُورُ: (يُحْيِي) بِياءِ الغَيْبَةِ، والضَّمِيرُ لِلَّهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ ﴿آثارِ﴾ بِالجَمْعِ، وقِيلَ: يَعُودُ عَلى ”أثَرِ“ في قِراءَةِ مَن أفْرَدَ. وقالَ ابْنُ جِنِّي: ﴿كَيْفَ يُحْيِي﴾ جُمْلَةٌ مَنصُوبَةُ المَوْضِعِ عَلى الحالِ حَمْلًا عَلى المَعْنى، كَأنَّهُ قالَ: مُحْيِيًا، وهَذا فِيهِ نَظَرٌ. (إنَّ ذَلِكَ) أيِ: القادِرُ عَلى إحْياءِ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها، هو الَّذِي يُحْيِي النّاسَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ. وهَذا الإخْبارُ عَلى جِهَةِ القِياسِ في البَعْثِ، والبَعْثُ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي هو قادِرٌ عَلَيْها تَعالى. ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا﴾ أخْبَرَ تَعالى عَنْ حالِ تَقَلُّبِ ابْنِ آدَمَ، أنَّهُ بَعْدَ الِاسْتِبْشارِ بِالمَطَرِ، بَعَثَ اللَّهُ رِيحًا، فاصْفَرَّ بِها النَّباتُ. لَظَلُّوا يَكْفُرُونَ قَلَقًا مِنهم، والرِّيحُ الَّتِي تُصَفِّرُ النَّباتَ صِرٌّ حَرُورٌ، وهُما مِمّا يُصْبِحُ بِهِ النَّباتُ هَشِيمًا، والحَرُورُ جَنْبُ الشَّمالِ إذا عَصَفَتْ. والضَّمِيرُ في ﴿فَرَأوْهُ﴾ عائِدٌ عَلى ما يُفْهَمُ مِن سِياقِ الكَلامِ، وهو النَّباتُ. وقِيلَ: إلى الأثَرِ؛ لِأنَّ الرَّحْمَةَ هي الغَيْثُ، وأثَرُها هو النَّباتُ. ومَن قَرَأ: (آثارِ)، بِالجَمْعِ، رَجَّعَ الضَّمِيرَ إلى آثارِ الرَّحْمَةِ، وهو النَّباتُ، واسْمُ النَّباتِ يَقَعُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ ما يَنْبُتُ. وقالَ ابْنُ عِيسى: الضَّمِيرُ في ﴿فَرَأوْهُ﴾ عائِدٌ عَلى السَّحابِ؛ لِأنَّ السَّحابَ إذا اصْفَرَّ لَمْ يُمْطِرْ؛ وقِيلَ: عَلى الرِّيحِ، وهَذانِ قَوْلانِ ضَعِيفانِ. وقَرَأ صَباحُ بْنُ حُبَيْشٍ: ”مِصْفارًّا“، بِألِفٍ بَعْدِ الفاءِ. واللّامُ في (ولَئِنْ) مُؤْذِنَةٌ بِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ (p-١٨٠)وجَوابُهُ (لَظَلُّوا)، وهو مِمّا وُضِعَ فِيهِ الماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ اتِّساعًا تَقْدِيرُهُ: لَيَظَلُّنَّ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ [البقرة: ١٤٥] أيْ: ما يَتَّبِعُونَ، ذَمَّهم تَعالى في جَمِيعِ أحْوالِهِمْ، كانَ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَوَكَّلُوا عَلى فَضْلِ اللَّهِ فَقَنِطُوا، وإنْ شَكَرُوا نِعْمَتَهُ فَلَمْ يَزِيدُوا عَلى الفَرَحِ والِاسْتِبْشارِ، وإنْ تَصْبِرُوا عَلى بَلائِهِ كَفَرُوا. والضَّمِيرُ في (مِن بَعْدِهِ) عائِدٌ عَلى الِاصْفِرارِ، أيْ: مِن بَعْدِ اصْفِرارِ النَّباتِ تَجْحَدُونَ نِعْمَتَهُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ إلى قَوْلِهِ: (فَهم مُسْلِمُونَ) في أواخِرِ النَّمْلِ، إلّا أنَّ هُنا الرَّبْطَ بِالفاءِ في قَوْلِهِ: (فَإنَّكَ) .

الروم 30:54

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وهو العَلِيمُ القَدِيرُ﴾ ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ فَهَذا يَوْمُ البَعْثِ ولَكِنَّكم كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهم ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ولَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ أنْتُمْ إلّا مُبْطِلُونَ﴾ ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ . لَمّا ذَكَرَ دَلائِلَ الآفاقِ، ذَكَرَ شَيْئًا مِن دَلائِلِ الأنْفُسِ، وجَعَلَ الخَلْقَ مِن ضَعْفٍ، لِكَثْرَةِ ضَعْفِ الإنْسانِ أوَّلَ نَشْأتِهِ وطُفُولِيَّتِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] . والقُوَّةُ الَّتِي تَلَتِ الضَّعْفَ، هي رَعْرَعَتُهُ ونَماؤُهُ وقُوَّتُهُ إلى فَصْلِ الِاكْتِهالِ. والضَّعْفُ الَّذِي بَعْدَ القُوَّةِ هو حالُ الشَّيْخُوخَةِ والهَرَمِ. وقِيلَ: ﴿مِن ضَعْفٍ﴾ مِنَ النُّطْفَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨] . والتَّرْدادُ في هَذِهِ الهَيْئاتِ شاهِدٌ بِقُدْرَةِ الصّانِعِ وعِلْمِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِضَمِّ الضّادِ في (ضُعْفٍ) مَعًا؛ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ: بِفَتْحِها فِيهِما، وهي قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ وأبِيرَجاءٍ. ورُوِيَ عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ والجَحْدَرِيِّ والضَّحّاكِ: الضَّمُّ والفَتْحُ في الثّانِي. وقَرَأ عِيسى: بِضَمَّتَيْنِ فِيهِما. والظّاهِرُ أنَّ الضَّعْفَ والقُوَّةَ هُما بِالنِّسْبَةِ إلى ما عَدا البَدَنِ مِن ذَلِكَ، وإنَّ الضَّمَّ والفَتْحَ بِمَعْنًى واحِدٍ في ضَعْفٍ. وقالَ كَثِيرٌ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ: الضَّمُّ في البَدَنِ، والفَتْحُ في العَقْلِ. (ما لَبِثُوا) هو جَوابٌ، وهو عَلى المَعْنى، إذْ لَوْ حَكى قَوْلَهم، كانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ: ما لَبِثْنا غَيْرَ ساعَةٍ، أيْ: ما أقامُوا تَحْتَ التُّرابِ غَيْرَ ساعَةٍ، وما لَبِثُوا في الدُّنْيا: اسْتَقَلُّوها لِما عايَنُوا مِنَ الآخِرَةِ، أوْ فِيما بَيْنَ فَناءِ الدُّنْيا إلى البَعْثِ، وإخْبارُهم بِذَلِكَ هو عَلى جِهَةِ التَّسَوُّرِ والتَّقَوُّلِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، أوْ عَلى جِهَةِ النِّسْيانِ، أوِ الكَذِبِ. (يُؤْفَكُونَ) أيْ: يُصْرَفُونَ عَنْ قَوْلِ الحَقِّ والنُّطْقِ بِالصِّدْقِ. ﴿الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ هُمُ المَلائِكَةُ والأنْبِياءُ والمُؤْمِنُونَ. ﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ فِيما وعَدَ بِهِ في كِتابِهِ مِنَ الحَشْرِ والبَعْثِ والعِلْمِ يَعُمُّ الإيمانَ وغَيْرَهُ، ولَكِنْ نَصَّ عَلى هَذا الخاصِّ تَشْرِيفًا وتَنْبِيهًا عَلى مَحَلِّهِ مِنَ العِلْمِ. وقِيلَ: ﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، وقِيلَ: في عِلْمِهِ، وقِيلَ: في حُكْمِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ: ”البَعَثِ“، بِفَتْحِ العَيْنِ فِيهِما، وقُرِئَ: بِكَسْرِها، وهو اسْمٌ، والمَفْتُوحُ مَصْدَرٌ. وقالَ قَتادَةُ: هو عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، تَقْدِيرُهُ: أُوتُوا العِلْمَ في كِتابِ اللَّهِ والإيمانَ. ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ﴾ وعَلى هَذا تَكُونُ في بِمَعْنى الباءِ، أيِ: العِلْمُ بِكِتابِ اللَّهِ، ولَعَلَّ هَذا القَوْلَ لا يَصِحُّ عَنْ قَتادَةَ، فَإنَّ فِيهِ تَفْكِيكًا لِلنَّظْمِ، لا يَسُوغُ في كَلامٍ غَيْرِ فَصِيحٍ، فَكَيْفَ يَسُوغُ في كَلامِ اللَّهِ ؟ وكانَ قَتادَةُ مَوْصُوفًا بِعِلْمِ العَرَبِيَّةِ، فَلا يَصْدُرُ عَنْهُ مِثْلُ هَذا القَوْلِ. والفاءُ في: ﴿فَهَذا يَوْمُ البَعْثِ﴾ (p-١٨١)عاطِفَةٌ لِهَذِهِ الجُمْلَةِ المَقُولَةِ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، وهي: ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ﴾ اعْتَقَبَها في الذِّكْرِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما هَذِهِ الفاءُ وما حَقِيقَتُها ؟ قُلْتُ: هي الَّتِي في قَوْلِهِ: ؎فَقَدْ جِئْنا خُراسانا وحَقِيقَتُها أنَّها جَوابُ شَرْطٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، كَأنَّهُ قالَ: إنْ صَحَّ ما قُلْتُمْ مِن أنَّ أقْصى ما يُرادُ بِنا قُلْنا القُفُولَ: قَدْ جِئْنا خُراسانا، وإذا أمْكَنَ جَعْلُ الفاءِ عاطِفَةً، لَمْ يُتَكَلَّفْ إضْمارُ شَرْطٍ، وجَعْلُ الفاءِ جَوابًا لِذَلِكَ الشَّرْطِ المَحْذُوفِ: لا تَعْلَمُونَ لِتَفْرِيطِكم في طَلَبِ الحَقِّ واتِّباعِهِ. وقِيلَ: لا تَعْلَمُونَ البَعْثَ ولا تُعَرَّفُونَ بِهِ، فَصارَ مَصِيرُكم إلى النّارِ، فَتَطْلُبُونَ التَّأْخِيرَ. (فَيَوْمَئِذٍ) أيْ: يَوْمَ إذْ يَقَعُ ذَلِكَ مِن إقْسامِ الكُفّارِ وقَوْلِ أُولِي العِلْمِ لَهم. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: (لا يَنْفَعُ) بِالياءِ هُنا وفي الطُّوَلِ، ووافَقَهم نافِعٌ في الطُّوَلِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ بِتاءِ التَّأْنِيثِ. ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن قَوْلِكَ: اسْتَعْتَبَنِي فُلانٌ فَأعْتَبْتُهُ: أيِ: اسْتَرْضانِي فَأرْضَيْتُهُ، وذَلِكَ إذا كانَ جانِيًا عَلَيْهِ، وحَقِيقَتُهُ: أعْتَبْتَهُ: أزَلْتُ عَتَبَهُ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ؎غَضِبَتْ تَمِيمٌ أنْ يَقَتَّلَ عامِرٌ ∗∗∗ يَوْمَ النِّسارِ فَأُعْتِبُوا بِالصَّيْلَمِ كَيْفَ جَعَلَهم غِضابًا. ثُمَّ قالَ: فَأُعْتِبُوا: أيْ: أُزِيلَ غَضَبُهم، والغَضَبُ في مَعْنى العَتَبِ، والمَعْنى: لا يُقالُ لَهم أرْضُوا رَبَّكم بِتَوْبَةٍ وطاعَةٍ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنها ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الجاثية: ٣٥] . (فَإنْ قُلْتَ) كَيْفَ جُعِلُوا غَيْرَ مُسْتَعْتَبِينَ في بَعْضِ الآياتِ، وغَيْرَ مُعْتَبِينَ في بَعْضِها ؟ وقَوْلُهُ: ﴿وإنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ [فصلت: ٢٤] ؟ قُلْتُ: أمّا كَوْنُهم غَيْرَ مُسْتَعْتَبِينَ، فَهَذا مَعْناهُ؛ وأمّا كَوْنُهم غَيْرَ مُعْتَبِينَ، فَمَعْناهُ أنَّهم غَيْرُ راضِينَ بِما هم فِيهِ؛ فَشَبَّهَتْ حالَهم بِحالِ قَوْمٍ جُنِيَ عَلَيْهِمْ، فَهم عاتِبُونَ عَلى الجانِي، غَيْرُ راضِينَ مِنهُ. فَإنْ يَسْتَعْتِبُوا اللَّهَ: أيْ: يَسْألُوهُ إزالَةَ ما هم فِيهِ، فَما هم مِنَ المُجابِينَ إلى إزالَتِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا إخْبارٌ عَنْ هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، وشِدَّةِ أحْوالِهِ عَلى الكَفَرَةِ في أنَّهم لا يَنْفَعُهُمُ الِاعْتِذارُ، ولا يُعْطُونَ عُتْبى، وهو الرِّضا. و(يُسْتَعْتَبُونَ) بِمَعْنى: يَعْتِبُونَ، كَما تَقُولُ: يَمْلِكُ ويُسْتَمْلَكُ. والبابُ في اسْتَفْعَلَ أنَّهُ طَلَبُ الشَّيْءِ ولَيْسَ هَذا مِنهُ؛ لِأنَّ المَعْنى لا يَفْسُدُ إذا كانَ المَفْهُومُ مِنهُ: ولا يُطْلَبُ مِنهم عُتْبى. انْتَهى. فَيَكُونُ اسْتَفْعَلَ في هَذا بِمَعْنى الفِعْلِ المُجَرَّدِ، وهو عَتَبَ، أيْ: هم مِنَ الإهْمالِ وعَدَمِ الِالتِفاتِ إلَيْهِمْ بِمَنزِلَةِ مَن لا يُؤَهَّلُ لِلْعَتَبِ. وقَدْ قِيلَ: لا يُعاتَبُونَ عَلى سَيِّئاتِهِمْ، بَلْ يُعاقَبُونَ. وقِيلَ: لا يَطْلُبُ لَهُمُ العُتْبى. وقِيلَ: لا يُلْتَمَسُ مِنهم عَمَلٌ وطاعَةٌ، ولَكِنْ ضَرْبَنا إشارَةً إلى إزالَةِ الأعْذارِ والإتْيانِ بِما فَوْقَ الكِفايَةِ مِنَ الإنْذارِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وصَفْنا لَهم كُلَّ صِفَةٍ كَأنَّها مَثَلٌ في غَرابَتِها، وقَصَصْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ قِصَّةٍ عَجِيبَةِ الشَّأْنِ، كَصِفَةِ المَبْعُوثِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، وما يُقالُ لَهم، وما لا يَقَعُ مِنِ اعْتِذارِهِمْ، ولا يُسْمَعُ مِنِ اسْتِعْتابِهِمْ، ولَكِنَّهم لِقَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ ومَجِّ أسْماعِهِمْ حَدِيثَ الآخِرَةِ، إذا جِئْتَهم بِآيَةٍ مِن آياتِ القُرْآنِ قالُوا: أجِئْتَنا بِزُورٍ باطِلٍ ؟ انْتَهى. و(أنْتُمْ) خِطابٌ لِلرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ، أيْ:: تُبْطِلُونَ في دَعْواكُمُ الحَشْرَ والجَزاءَ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: وفي تَوْحِيدِ الخِطابِ بِقَوْلِ: ﴿ولَئِنْ جِئْتَهُمْ﴾ والجَمْعُ في قَوْلِهِ: (إنْ أنْتُمْ) لَطِيفَةٌ، وهي: أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ قالَ: ﴿ولَئِنْ جِئْتَهُمْ﴾ بِكُلِّ آيَةٍ جاءَتْ بِها الرُّسُلُ، فَيُمْكِنُ أنْ يُجاوِبُوهُ بِقَوْلِهِ: أنْتُمْ كُلُّكم أيُّها المُدَّعُونَ الرِّسالَةَ مُبْطِلُونَ. ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ﴾: أيْ مِثْلَ هَذا الطَّبْعِ يَطْبَعُ اللَّهُ، أيْ يَخْتِمُ عَلى قُلُوبِ الجَهَلَةِ الَّذِينَ قَدْ خَتَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الكُفْرَ في الأزَلِ، وأسْنَدَ الطَّبْعَ إلى ذاتِهِ تَعالى، إذْ هو فاعِلُ ذَلِكَ ومُقَدِّرُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْنى طَبَعَ اللَّهُ: صَنَعَ الألْطافَ الَّتِي يَشْرَحُ لَها الصُّدُورَ حَتّى تَقْبَلَ الحَقَّ، ثُمَّ قالَ: فَكَأنَّهُ كَذَلِكَ تَصْدَأُ القُلُوبُ وتَقْسُو قُلُوبُ الجَهَلَةِ حَتّى يُسَمُّوا المُحِقِّينَ مُبْطِلِينَ، وهم أعْرَفُ خَلْقِ اللَّهِ في تِلْكَ الصِّفَةِ. انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ عَلى عَداوَتِهِمْ، وقَوّاهُ بِتَحَقُّقِ الوَعْدِ أنَّهُ لا بُدَّ مِن إنْجازِهِ والوَفاءِ بِهِ، ونَهاهُ عَنِ الِاهْتِزازِ بِكَلامِهِمْ والتَّحَرُّكِ، فَإنَّهم لا يَقِينَ لَهم ولا بَصِيرَةَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، ويَعْقُوبُ: (p-١٨٢)ولا يَسْتَحِقَّنَّكَ: بِحاءٍ مُهْمَلَةٍ وقافٍ، مِنَ الِاسْتِحْقاقِ؛ والجُمْهُورُ: بِخاءٍ مُعْجَمَةٍ وفاءٍ، مِنَ الِاسْتِخْفافِ؛ وسَكَّنَ النُّونَ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ ويَعْقُوبُ، والمَعْنى: لا يَفْتِنُنَّكَ ويَكُونُوا أحَقَّ بِكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. * * سُورَةُ لُقْمانَ مَكِّيَّةٌ مُفْرَداتُ سُورَةِ لُقْمانَ لُقْمانُ: اسْمُ عَلَمٍ، فَإنْ كانَ أعْجَمِيًّا فَمَنعُهُ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعُجْمَةِ والعَلَمِيَّةِ، وإنْ كانَ عَرَبِيًّا فَمَنعُهُ لِلْعَلَمِيَّةِ وزِيادَةِ الألِفِ والنُّونِ، ويَكُونُ مُشْتَقًّا مِنَ اللَّقْمِ مُرْتَجَلًا، إذْ لا يُعْلَمُ لَهُ وضْعٌ في النَّكِراتِ. صَعَّرَ: مُشَدَّدُ العَيْنِ، لُغَةُبَنِي تَمِيمٍ. قالَ شاعِرُهم: ؎وكُنّا إذا الجَبّارُ صَعَّرَ خَدَّهُ أقَمْنا لَهُ مِن مَيْلِهِ فَتَقَوَّما فَتَقَوَّما: أمْرٌ بِالِاسْتِقامَةِ لِلْقَوافِي في المَخْفُوضَةِ، أيْ: فَيَقُومُ إنْ قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وإنْشادُ الطَّبَرِيِّ: فَيُقَوَّما فِعْلًا ماضِيًا خَطَأٌ، وتَصاعَرَ لُغَةُ الحِجازِ، ويُقالُ: يُصَعِّرُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎أقَمْنا لَهُ مِن خَدِّهِ المُتَصَعِّرِ ويُقالُ: أصْعَرَ خَدَّهُ. قالَ الفَضْلُ: هو المَيْلُ، وقالَ اليَزِيدِيُّ: هو التَّشَدُّقُ في الكَلامِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أصْلُ هَذا مِنَ الصَّعَرِ، داءٌ يَأْخُذُ الإبِلَ في رُءُوسِها وأعْناقِها، فَتَلْتَوِي مِنهُ أعْناقُها. القَلَمُ: مَعْرُوفٌ. الخَتّارُ: شَدِيدُ الغَدْرِ، ومِنهُ قَوْلُهم: ؎إنَّكَ لا تَمُدُّ إلَيْنا شِبْرًا مِن غَدْرِ ∗∗∗ إلّا مَدَدْنا لَكَ باعًا مِن خَتْرِ وقالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبَ: ؎وإنَّكَ لَوْ رَأيْتَ أبا عُمَيْرٍ ∗∗∗ مَلَأْتَ يَدَيْكَ مِن غَدْرٍ وخَتْرِ وقالَ الأعْشى: ؎فالأبْلَقُ الفَرْدُ مِن تَيْماءَ مَنزِلُهُ ∗∗∗ حِصْنٌ حَصِينٌ وجارٌ غَيْرُ خَتّارِ

الروم 30:55

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وهو العَلِيمُ القَدِيرُ﴾ ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ فَهَذا يَوْمُ البَعْثِ ولَكِنَّكم كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهم ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ولَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ أنْتُمْ إلّا مُبْطِلُونَ﴾ ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ . لَمّا ذَكَرَ دَلائِلَ الآفاقِ، ذَكَرَ شَيْئًا مِن دَلائِلِ الأنْفُسِ، وجَعَلَ الخَلْقَ مِن ضَعْفٍ، لِكَثْرَةِ ضَعْفِ الإنْسانِ أوَّلَ نَشْأتِهِ وطُفُولِيَّتِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] . والقُوَّةُ الَّتِي تَلَتِ الضَّعْفَ، هي رَعْرَعَتُهُ ونَماؤُهُ وقُوَّتُهُ إلى فَصْلِ الِاكْتِهالِ. والضَّعْفُ الَّذِي بَعْدَ القُوَّةِ هو حالُ الشَّيْخُوخَةِ والهَرَمِ. وقِيلَ: ﴿مِن ضَعْفٍ﴾ مِنَ النُّطْفَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨] . والتَّرْدادُ في هَذِهِ الهَيْئاتِ شاهِدٌ بِقُدْرَةِ الصّانِعِ وعِلْمِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِضَمِّ الضّادِ في (ضُعْفٍ) مَعًا؛ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ: بِفَتْحِها فِيهِما، وهي قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ وأبِيرَجاءٍ. ورُوِيَ عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ والجَحْدَرِيِّ والضَّحّاكِ: الضَّمُّ والفَتْحُ في الثّانِي. وقَرَأ عِيسى: بِضَمَّتَيْنِ فِيهِما. والظّاهِرُ أنَّ الضَّعْفَ والقُوَّةَ هُما بِالنِّسْبَةِ إلى ما عَدا البَدَنِ مِن ذَلِكَ، وإنَّ الضَّمَّ والفَتْحَ بِمَعْنًى واحِدٍ في ضَعْفٍ. وقالَ كَثِيرٌ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ: الضَّمُّ في البَدَنِ، والفَتْحُ في العَقْلِ. (ما لَبِثُوا) هو جَوابٌ، وهو عَلى المَعْنى، إذْ لَوْ حَكى قَوْلَهم، كانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ: ما لَبِثْنا غَيْرَ ساعَةٍ، أيْ: ما أقامُوا تَحْتَ التُّرابِ غَيْرَ ساعَةٍ، وما لَبِثُوا في الدُّنْيا: اسْتَقَلُّوها لِما عايَنُوا مِنَ الآخِرَةِ، أوْ فِيما بَيْنَ فَناءِ الدُّنْيا إلى البَعْثِ، وإخْبارُهم بِذَلِكَ هو عَلى جِهَةِ التَّسَوُّرِ والتَّقَوُّلِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، أوْ عَلى جِهَةِ النِّسْيانِ، أوِ الكَذِبِ. (يُؤْفَكُونَ) أيْ: يُصْرَفُونَ عَنْ قَوْلِ الحَقِّ والنُّطْقِ بِالصِّدْقِ. ﴿الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ هُمُ المَلائِكَةُ والأنْبِياءُ والمُؤْمِنُونَ. ﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ فِيما وعَدَ بِهِ في كِتابِهِ مِنَ الحَشْرِ والبَعْثِ والعِلْمِ يَعُمُّ الإيمانَ وغَيْرَهُ، ولَكِنْ نَصَّ عَلى هَذا الخاصِّ تَشْرِيفًا وتَنْبِيهًا عَلى مَحَلِّهِ مِنَ العِلْمِ. وقِيلَ: ﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، وقِيلَ: في عِلْمِهِ، وقِيلَ: في حُكْمِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ: ”البَعَثِ“، بِفَتْحِ العَيْنِ فِيهِما، وقُرِئَ: بِكَسْرِها، وهو اسْمٌ، والمَفْتُوحُ مَصْدَرٌ. وقالَ قَتادَةُ: هو عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، تَقْدِيرُهُ: أُوتُوا العِلْمَ في كِتابِ اللَّهِ والإيمانَ. ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ﴾ وعَلى هَذا تَكُونُ في بِمَعْنى الباءِ، أيِ: العِلْمُ بِكِتابِ اللَّهِ، ولَعَلَّ هَذا القَوْلَ لا يَصِحُّ عَنْ قَتادَةَ، فَإنَّ فِيهِ تَفْكِيكًا لِلنَّظْمِ، لا يَسُوغُ في كَلامٍ غَيْرِ فَصِيحٍ، فَكَيْفَ يَسُوغُ في كَلامِ اللَّهِ ؟ وكانَ قَتادَةُ مَوْصُوفًا بِعِلْمِ العَرَبِيَّةِ، فَلا يَصْدُرُ عَنْهُ مِثْلُ هَذا القَوْلِ. والفاءُ في: ﴿فَهَذا يَوْمُ البَعْثِ﴾ (p-١٨١)عاطِفَةٌ لِهَذِهِ الجُمْلَةِ المَقُولَةِ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، وهي: ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ﴾ اعْتَقَبَها في الذِّكْرِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما هَذِهِ الفاءُ وما حَقِيقَتُها ؟ قُلْتُ: هي الَّتِي في قَوْلِهِ: ؎فَقَدْ جِئْنا خُراسانا وحَقِيقَتُها أنَّها جَوابُ شَرْطٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، كَأنَّهُ قالَ: إنْ صَحَّ ما قُلْتُمْ مِن أنَّ أقْصى ما يُرادُ بِنا قُلْنا القُفُولَ: قَدْ جِئْنا خُراسانا، وإذا أمْكَنَ جَعْلُ الفاءِ عاطِفَةً، لَمْ يُتَكَلَّفْ إضْمارُ شَرْطٍ، وجَعْلُ الفاءِ جَوابًا لِذَلِكَ الشَّرْطِ المَحْذُوفِ: لا تَعْلَمُونَ لِتَفْرِيطِكم في طَلَبِ الحَقِّ واتِّباعِهِ. وقِيلَ: لا تَعْلَمُونَ البَعْثَ ولا تُعَرَّفُونَ بِهِ، فَصارَ مَصِيرُكم إلى النّارِ، فَتَطْلُبُونَ التَّأْخِيرَ. (فَيَوْمَئِذٍ) أيْ: يَوْمَ إذْ يَقَعُ ذَلِكَ مِن إقْسامِ الكُفّارِ وقَوْلِ أُولِي العِلْمِ لَهم. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: (لا يَنْفَعُ) بِالياءِ هُنا وفي الطُّوَلِ، ووافَقَهم نافِعٌ في الطُّوَلِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ بِتاءِ التَّأْنِيثِ. ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن قَوْلِكَ: اسْتَعْتَبَنِي فُلانٌ فَأعْتَبْتُهُ: أيِ: اسْتَرْضانِي فَأرْضَيْتُهُ، وذَلِكَ إذا كانَ جانِيًا عَلَيْهِ، وحَقِيقَتُهُ: أعْتَبْتَهُ: أزَلْتُ عَتَبَهُ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ؎غَضِبَتْ تَمِيمٌ أنْ يَقَتَّلَ عامِرٌ ∗∗∗ يَوْمَ النِّسارِ فَأُعْتِبُوا بِالصَّيْلَمِ كَيْفَ جَعَلَهم غِضابًا. ثُمَّ قالَ: فَأُعْتِبُوا: أيْ: أُزِيلَ غَضَبُهم، والغَضَبُ في مَعْنى العَتَبِ، والمَعْنى: لا يُقالُ لَهم أرْضُوا رَبَّكم بِتَوْبَةٍ وطاعَةٍ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنها ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الجاثية: ٣٥] . (فَإنْ قُلْتَ) كَيْفَ جُعِلُوا غَيْرَ مُسْتَعْتَبِينَ في بَعْضِ الآياتِ، وغَيْرَ مُعْتَبِينَ في بَعْضِها ؟ وقَوْلُهُ: ﴿وإنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ [فصلت: ٢٤] ؟ قُلْتُ: أمّا كَوْنُهم غَيْرَ مُسْتَعْتَبِينَ، فَهَذا مَعْناهُ؛ وأمّا كَوْنُهم غَيْرَ مُعْتَبِينَ، فَمَعْناهُ أنَّهم غَيْرُ راضِينَ بِما هم فِيهِ؛ فَشَبَّهَتْ حالَهم بِحالِ قَوْمٍ جُنِيَ عَلَيْهِمْ، فَهم عاتِبُونَ عَلى الجانِي، غَيْرُ راضِينَ مِنهُ. فَإنْ يَسْتَعْتِبُوا اللَّهَ: أيْ: يَسْألُوهُ إزالَةَ ما هم فِيهِ، فَما هم مِنَ المُجابِينَ إلى إزالَتِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا إخْبارٌ عَنْ هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، وشِدَّةِ أحْوالِهِ عَلى الكَفَرَةِ في أنَّهم لا يَنْفَعُهُمُ الِاعْتِذارُ، ولا يُعْطُونَ عُتْبى، وهو الرِّضا. و(يُسْتَعْتَبُونَ) بِمَعْنى: يَعْتِبُونَ، كَما تَقُولُ: يَمْلِكُ ويُسْتَمْلَكُ. والبابُ في اسْتَفْعَلَ أنَّهُ طَلَبُ الشَّيْءِ ولَيْسَ هَذا مِنهُ؛ لِأنَّ المَعْنى لا يَفْسُدُ إذا كانَ المَفْهُومُ مِنهُ: ولا يُطْلَبُ مِنهم عُتْبى. انْتَهى. فَيَكُونُ اسْتَفْعَلَ في هَذا بِمَعْنى الفِعْلِ المُجَرَّدِ، وهو عَتَبَ، أيْ: هم مِنَ الإهْمالِ وعَدَمِ الِالتِفاتِ إلَيْهِمْ بِمَنزِلَةِ مَن لا يُؤَهَّلُ لِلْعَتَبِ. وقَدْ قِيلَ: لا يُعاتَبُونَ عَلى سَيِّئاتِهِمْ، بَلْ يُعاقَبُونَ. وقِيلَ: لا يَطْلُبُ لَهُمُ العُتْبى. وقِيلَ: لا يُلْتَمَسُ مِنهم عَمَلٌ وطاعَةٌ، ولَكِنْ ضَرْبَنا إشارَةً إلى إزالَةِ الأعْذارِ والإتْيانِ بِما فَوْقَ الكِفايَةِ مِنَ الإنْذارِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وصَفْنا لَهم كُلَّ صِفَةٍ كَأنَّها مَثَلٌ في غَرابَتِها، وقَصَصْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ قِصَّةٍ عَجِيبَةِ الشَّأْنِ، كَصِفَةِ المَبْعُوثِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، وما يُقالُ لَهم، وما لا يَقَعُ مِنِ اعْتِذارِهِمْ، ولا يُسْمَعُ مِنِ اسْتِعْتابِهِمْ، ولَكِنَّهم لِقَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ ومَجِّ أسْماعِهِمْ حَدِيثَ الآخِرَةِ، إذا جِئْتَهم بِآيَةٍ مِن آياتِ القُرْآنِ قالُوا: أجِئْتَنا بِزُورٍ باطِلٍ ؟ انْتَهى. و(أنْتُمْ) خِطابٌ لِلرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ، أيْ:: تُبْطِلُونَ في دَعْواكُمُ الحَشْرَ والجَزاءَ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: وفي تَوْحِيدِ الخِطابِ بِقَوْلِ: ﴿ولَئِنْ جِئْتَهُمْ﴾ والجَمْعُ في قَوْلِهِ: (إنْ أنْتُمْ) لَطِيفَةٌ، وهي: أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ قالَ: ﴿ولَئِنْ جِئْتَهُمْ﴾ بِكُلِّ آيَةٍ جاءَتْ بِها الرُّسُلُ، فَيُمْكِنُ أنْ يُجاوِبُوهُ بِقَوْلِهِ: أنْتُمْ كُلُّكم أيُّها المُدَّعُونَ الرِّسالَةَ مُبْطِلُونَ. ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ﴾: أيْ مِثْلَ هَذا الطَّبْعِ يَطْبَعُ اللَّهُ، أيْ يَخْتِمُ عَلى قُلُوبِ الجَهَلَةِ الَّذِينَ قَدْ خَتَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الكُفْرَ في الأزَلِ، وأسْنَدَ الطَّبْعَ إلى ذاتِهِ تَعالى، إذْ هو فاعِلُ ذَلِكَ ومُقَدِّرُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْنى طَبَعَ اللَّهُ: صَنَعَ الألْطافَ الَّتِي يَشْرَحُ لَها الصُّدُورَ حَتّى تَقْبَلَ الحَقَّ، ثُمَّ قالَ: فَكَأنَّهُ كَذَلِكَ تَصْدَأُ القُلُوبُ وتَقْسُو قُلُوبُ الجَهَلَةِ حَتّى يُسَمُّوا المُحِقِّينَ مُبْطِلِينَ، وهم أعْرَفُ خَلْقِ اللَّهِ في تِلْكَ الصِّفَةِ. انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ عَلى عَداوَتِهِمْ، وقَوّاهُ بِتَحَقُّقِ الوَعْدِ أنَّهُ لا بُدَّ مِن إنْجازِهِ والوَفاءِ بِهِ، ونَهاهُ عَنِ الِاهْتِزازِ بِكَلامِهِمْ والتَّحَرُّكِ، فَإنَّهم لا يَقِينَ لَهم ولا بَصِيرَةَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، ويَعْقُوبُ: (p-١٨٢)ولا يَسْتَحِقَّنَّكَ: بِحاءٍ مُهْمَلَةٍ وقافٍ، مِنَ الِاسْتِحْقاقِ؛ والجُمْهُورُ: بِخاءٍ مُعْجَمَةٍ وفاءٍ، مِنَ الِاسْتِخْفافِ؛ وسَكَّنَ النُّونَ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ ويَعْقُوبُ، والمَعْنى: لا يَفْتِنُنَّكَ ويَكُونُوا أحَقَّ بِكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. * * سُورَةُ لُقْمانَ مَكِّيَّةٌ مُفْرَداتُ سُورَةِ لُقْمانَ لُقْمانُ: اسْمُ عَلَمٍ، فَإنْ كانَ أعْجَمِيًّا فَمَنعُهُ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعُجْمَةِ والعَلَمِيَّةِ، وإنْ كانَ عَرَبِيًّا فَمَنعُهُ لِلْعَلَمِيَّةِ وزِيادَةِ الألِفِ والنُّونِ، ويَكُونُ مُشْتَقًّا مِنَ اللَّقْمِ مُرْتَجَلًا، إذْ لا يُعْلَمُ لَهُ وضْعٌ في النَّكِراتِ. صَعَّرَ: مُشَدَّدُ العَيْنِ، لُغَةُبَنِي تَمِيمٍ. قالَ شاعِرُهم: ؎وكُنّا إذا الجَبّارُ صَعَّرَ خَدَّهُ أقَمْنا لَهُ مِن مَيْلِهِ فَتَقَوَّما فَتَقَوَّما: أمْرٌ بِالِاسْتِقامَةِ لِلْقَوافِي في المَخْفُوضَةِ، أيْ: فَيَقُومُ إنْ قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وإنْشادُ الطَّبَرِيِّ: فَيُقَوَّما فِعْلًا ماضِيًا خَطَأٌ، وتَصاعَرَ لُغَةُ الحِجازِ، ويُقالُ: يُصَعِّرُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎أقَمْنا لَهُ مِن خَدِّهِ المُتَصَعِّرِ ويُقالُ: أصْعَرَ خَدَّهُ. قالَ الفَضْلُ: هو المَيْلُ، وقالَ اليَزِيدِيُّ: هو التَّشَدُّقُ في الكَلامِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أصْلُ هَذا مِنَ الصَّعَرِ، داءٌ يَأْخُذُ الإبِلَ في رُءُوسِها وأعْناقِها، فَتَلْتَوِي مِنهُ أعْناقُها. القَلَمُ: مَعْرُوفٌ. الخَتّارُ: شَدِيدُ الغَدْرِ، ومِنهُ قَوْلُهم: ؎إنَّكَ لا تَمُدُّ إلَيْنا شِبْرًا مِن غَدْرِ ∗∗∗ إلّا مَدَدْنا لَكَ باعًا مِن خَتْرِ وقالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبَ: ؎وإنَّكَ لَوْ رَأيْتَ أبا عُمَيْرٍ ∗∗∗ مَلَأْتَ يَدَيْكَ مِن غَدْرٍ وخَتْرِ وقالَ الأعْشى: ؎فالأبْلَقُ الفَرْدُ مِن تَيْماءَ مَنزِلُهُ ∗∗∗ حِصْنٌ حَصِينٌ وجارٌ غَيْرُ خَتّارِ

الروم 30:56

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وهو العَلِيمُ القَدِيرُ﴾ ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ فَهَذا يَوْمُ البَعْثِ ولَكِنَّكم كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهم ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ولَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ أنْتُمْ إلّا مُبْطِلُونَ﴾ ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ . لَمّا ذَكَرَ دَلائِلَ الآفاقِ، ذَكَرَ شَيْئًا مِن دَلائِلِ الأنْفُسِ، وجَعَلَ الخَلْقَ مِن ضَعْفٍ، لِكَثْرَةِ ضَعْفِ الإنْسانِ أوَّلَ نَشْأتِهِ وطُفُولِيَّتِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] . والقُوَّةُ الَّتِي تَلَتِ الضَّعْفَ، هي رَعْرَعَتُهُ ونَماؤُهُ وقُوَّتُهُ إلى فَصْلِ الِاكْتِهالِ. والضَّعْفُ الَّذِي بَعْدَ القُوَّةِ هو حالُ الشَّيْخُوخَةِ والهَرَمِ. وقِيلَ: ﴿مِن ضَعْفٍ﴾ مِنَ النُّطْفَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨] . والتَّرْدادُ في هَذِهِ الهَيْئاتِ شاهِدٌ بِقُدْرَةِ الصّانِعِ وعِلْمِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِضَمِّ الضّادِ في (ضُعْفٍ) مَعًا؛ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ: بِفَتْحِها فِيهِما، وهي قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ وأبِيرَجاءٍ. ورُوِيَ عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ والجَحْدَرِيِّ والضَّحّاكِ: الضَّمُّ والفَتْحُ في الثّانِي. وقَرَأ عِيسى: بِضَمَّتَيْنِ فِيهِما. والظّاهِرُ أنَّ الضَّعْفَ والقُوَّةَ هُما بِالنِّسْبَةِ إلى ما عَدا البَدَنِ مِن ذَلِكَ، وإنَّ الضَّمَّ والفَتْحَ بِمَعْنًى واحِدٍ في ضَعْفٍ. وقالَ كَثِيرٌ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ: الضَّمُّ في البَدَنِ، والفَتْحُ في العَقْلِ. (ما لَبِثُوا) هو جَوابٌ، وهو عَلى المَعْنى، إذْ لَوْ حَكى قَوْلَهم، كانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ: ما لَبِثْنا غَيْرَ ساعَةٍ، أيْ: ما أقامُوا تَحْتَ التُّرابِ غَيْرَ ساعَةٍ، وما لَبِثُوا في الدُّنْيا: اسْتَقَلُّوها لِما عايَنُوا مِنَ الآخِرَةِ، أوْ فِيما بَيْنَ فَناءِ الدُّنْيا إلى البَعْثِ، وإخْبارُهم بِذَلِكَ هو عَلى جِهَةِ التَّسَوُّرِ والتَّقَوُّلِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، أوْ عَلى جِهَةِ النِّسْيانِ، أوِ الكَذِبِ. (يُؤْفَكُونَ) أيْ: يُصْرَفُونَ عَنْ قَوْلِ الحَقِّ والنُّطْقِ بِالصِّدْقِ. ﴿الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ هُمُ المَلائِكَةُ والأنْبِياءُ والمُؤْمِنُونَ. ﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ فِيما وعَدَ بِهِ في كِتابِهِ مِنَ الحَشْرِ والبَعْثِ والعِلْمِ يَعُمُّ الإيمانَ وغَيْرَهُ، ولَكِنْ نَصَّ عَلى هَذا الخاصِّ تَشْرِيفًا وتَنْبِيهًا عَلى مَحَلِّهِ مِنَ العِلْمِ. وقِيلَ: ﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، وقِيلَ: في عِلْمِهِ، وقِيلَ: في حُكْمِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ: ”البَعَثِ“، بِفَتْحِ العَيْنِ فِيهِما، وقُرِئَ: بِكَسْرِها، وهو اسْمٌ، والمَفْتُوحُ مَصْدَرٌ. وقالَ قَتادَةُ: هو عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، تَقْدِيرُهُ: أُوتُوا العِلْمَ في كِتابِ اللَّهِ والإيمانَ. ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ﴾ وعَلى هَذا تَكُونُ في بِمَعْنى الباءِ، أيِ: العِلْمُ بِكِتابِ اللَّهِ، ولَعَلَّ هَذا القَوْلَ لا يَصِحُّ عَنْ قَتادَةَ، فَإنَّ فِيهِ تَفْكِيكًا لِلنَّظْمِ، لا يَسُوغُ في كَلامٍ غَيْرِ فَصِيحٍ، فَكَيْفَ يَسُوغُ في كَلامِ اللَّهِ ؟ وكانَ قَتادَةُ مَوْصُوفًا بِعِلْمِ العَرَبِيَّةِ، فَلا يَصْدُرُ عَنْهُ مِثْلُ هَذا القَوْلِ. والفاءُ في: ﴿فَهَذا يَوْمُ البَعْثِ﴾ (p-١٨١)عاطِفَةٌ لِهَذِهِ الجُمْلَةِ المَقُولَةِ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، وهي: ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ﴾ اعْتَقَبَها في الذِّكْرِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما هَذِهِ الفاءُ وما حَقِيقَتُها ؟ قُلْتُ: هي الَّتِي في قَوْلِهِ: ؎فَقَدْ جِئْنا خُراسانا وحَقِيقَتُها أنَّها جَوابُ شَرْطٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، كَأنَّهُ قالَ: إنْ صَحَّ ما قُلْتُمْ مِن أنَّ أقْصى ما يُرادُ بِنا قُلْنا القُفُولَ: قَدْ جِئْنا خُراسانا، وإذا أمْكَنَ جَعْلُ الفاءِ عاطِفَةً، لَمْ يُتَكَلَّفْ إضْمارُ شَرْطٍ، وجَعْلُ الفاءِ جَوابًا لِذَلِكَ الشَّرْطِ المَحْذُوفِ: لا تَعْلَمُونَ لِتَفْرِيطِكم في طَلَبِ الحَقِّ واتِّباعِهِ. وقِيلَ: لا تَعْلَمُونَ البَعْثَ ولا تُعَرَّفُونَ بِهِ، فَصارَ مَصِيرُكم إلى النّارِ، فَتَطْلُبُونَ التَّأْخِيرَ. (فَيَوْمَئِذٍ) أيْ: يَوْمَ إذْ يَقَعُ ذَلِكَ مِن إقْسامِ الكُفّارِ وقَوْلِ أُولِي العِلْمِ لَهم. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: (لا يَنْفَعُ) بِالياءِ هُنا وفي الطُّوَلِ، ووافَقَهم نافِعٌ في الطُّوَلِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ بِتاءِ التَّأْنِيثِ. ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن قَوْلِكَ: اسْتَعْتَبَنِي فُلانٌ فَأعْتَبْتُهُ: أيِ: اسْتَرْضانِي فَأرْضَيْتُهُ، وذَلِكَ إذا كانَ جانِيًا عَلَيْهِ، وحَقِيقَتُهُ: أعْتَبْتَهُ: أزَلْتُ عَتَبَهُ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ؎غَضِبَتْ تَمِيمٌ أنْ يَقَتَّلَ عامِرٌ ∗∗∗ يَوْمَ النِّسارِ فَأُعْتِبُوا بِالصَّيْلَمِ كَيْفَ جَعَلَهم غِضابًا. ثُمَّ قالَ: فَأُعْتِبُوا: أيْ: أُزِيلَ غَضَبُهم، والغَضَبُ في مَعْنى العَتَبِ، والمَعْنى: لا يُقالُ لَهم أرْضُوا رَبَّكم بِتَوْبَةٍ وطاعَةٍ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنها ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الجاثية: ٣٥] . (فَإنْ قُلْتَ) كَيْفَ جُعِلُوا غَيْرَ مُسْتَعْتَبِينَ في بَعْضِ الآياتِ، وغَيْرَ مُعْتَبِينَ في بَعْضِها ؟ وقَوْلُهُ: ﴿وإنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ [فصلت: ٢٤] ؟ قُلْتُ: أمّا كَوْنُهم غَيْرَ مُسْتَعْتَبِينَ، فَهَذا مَعْناهُ؛ وأمّا كَوْنُهم غَيْرَ مُعْتَبِينَ، فَمَعْناهُ أنَّهم غَيْرُ راضِينَ بِما هم فِيهِ؛ فَشَبَّهَتْ حالَهم بِحالِ قَوْمٍ جُنِيَ عَلَيْهِمْ، فَهم عاتِبُونَ عَلى الجانِي، غَيْرُ راضِينَ مِنهُ. فَإنْ يَسْتَعْتِبُوا اللَّهَ: أيْ: يَسْألُوهُ إزالَةَ ما هم فِيهِ، فَما هم مِنَ المُجابِينَ إلى إزالَتِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا إخْبارٌ عَنْ هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، وشِدَّةِ أحْوالِهِ عَلى الكَفَرَةِ في أنَّهم لا يَنْفَعُهُمُ الِاعْتِذارُ، ولا يُعْطُونَ عُتْبى، وهو الرِّضا. و(يُسْتَعْتَبُونَ) بِمَعْنى: يَعْتِبُونَ، كَما تَقُولُ: يَمْلِكُ ويُسْتَمْلَكُ. والبابُ في اسْتَفْعَلَ أنَّهُ طَلَبُ الشَّيْءِ ولَيْسَ هَذا مِنهُ؛ لِأنَّ المَعْنى لا يَفْسُدُ إذا كانَ المَفْهُومُ مِنهُ: ولا يُطْلَبُ مِنهم عُتْبى. انْتَهى. فَيَكُونُ اسْتَفْعَلَ في هَذا بِمَعْنى الفِعْلِ المُجَرَّدِ، وهو عَتَبَ، أيْ: هم مِنَ الإهْمالِ وعَدَمِ الِالتِفاتِ إلَيْهِمْ بِمَنزِلَةِ مَن لا يُؤَهَّلُ لِلْعَتَبِ. وقَدْ قِيلَ: لا يُعاتَبُونَ عَلى سَيِّئاتِهِمْ، بَلْ يُعاقَبُونَ. وقِيلَ: لا يَطْلُبُ لَهُمُ العُتْبى. وقِيلَ: لا يُلْتَمَسُ مِنهم عَمَلٌ وطاعَةٌ، ولَكِنْ ضَرْبَنا إشارَةً إلى إزالَةِ الأعْذارِ والإتْيانِ بِما فَوْقَ الكِفايَةِ مِنَ الإنْذارِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وصَفْنا لَهم كُلَّ صِفَةٍ كَأنَّها مَثَلٌ في غَرابَتِها، وقَصَصْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ قِصَّةٍ عَجِيبَةِ الشَّأْنِ، كَصِفَةِ المَبْعُوثِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، وما يُقالُ لَهم، وما لا يَقَعُ مِنِ اعْتِذارِهِمْ، ولا يُسْمَعُ مِنِ اسْتِعْتابِهِمْ، ولَكِنَّهم لِقَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ ومَجِّ أسْماعِهِمْ حَدِيثَ الآخِرَةِ، إذا جِئْتَهم بِآيَةٍ مِن آياتِ القُرْآنِ قالُوا: أجِئْتَنا بِزُورٍ باطِلٍ ؟ انْتَهى. و(أنْتُمْ) خِطابٌ لِلرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ، أيْ:: تُبْطِلُونَ في دَعْواكُمُ الحَشْرَ والجَزاءَ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: وفي تَوْحِيدِ الخِطابِ بِقَوْلِ: ﴿ولَئِنْ جِئْتَهُمْ﴾ والجَمْعُ في قَوْلِهِ: (إنْ أنْتُمْ) لَطِيفَةٌ، وهي: أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ قالَ: ﴿ولَئِنْ جِئْتَهُمْ﴾ بِكُلِّ آيَةٍ جاءَتْ بِها الرُّسُلُ، فَيُمْكِنُ أنْ يُجاوِبُوهُ بِقَوْلِهِ: أنْتُمْ كُلُّكم أيُّها المُدَّعُونَ الرِّسالَةَ مُبْطِلُونَ. ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ﴾: أيْ مِثْلَ هَذا الطَّبْعِ يَطْبَعُ اللَّهُ، أيْ يَخْتِمُ عَلى قُلُوبِ الجَهَلَةِ الَّذِينَ قَدْ خَتَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الكُفْرَ في الأزَلِ، وأسْنَدَ الطَّبْعَ إلى ذاتِهِ تَعالى، إذْ هو فاعِلُ ذَلِكَ ومُقَدِّرُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْنى طَبَعَ اللَّهُ: صَنَعَ الألْطافَ الَّتِي يَشْرَحُ لَها الصُّدُورَ حَتّى تَقْبَلَ الحَقَّ، ثُمَّ قالَ: فَكَأنَّهُ كَذَلِكَ تَصْدَأُ القُلُوبُ وتَقْسُو قُلُوبُ الجَهَلَةِ حَتّى يُسَمُّوا المُحِقِّينَ مُبْطِلِينَ، وهم أعْرَفُ خَلْقِ اللَّهِ في تِلْكَ الصِّفَةِ. انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ عَلى عَداوَتِهِمْ، وقَوّاهُ بِتَحَقُّقِ الوَعْدِ أنَّهُ لا بُدَّ مِن إنْجازِهِ والوَفاءِ بِهِ، ونَهاهُ عَنِ الِاهْتِزازِ بِكَلامِهِمْ والتَّحَرُّكِ، فَإنَّهم لا يَقِينَ لَهم ولا بَصِيرَةَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، ويَعْقُوبُ: (p-١٨٢)ولا يَسْتَحِقَّنَّكَ: بِحاءٍ مُهْمَلَةٍ وقافٍ، مِنَ الِاسْتِحْقاقِ؛ والجُمْهُورُ: بِخاءٍ مُعْجَمَةٍ وفاءٍ، مِنَ الِاسْتِخْفافِ؛ وسَكَّنَ النُّونَ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ ويَعْقُوبُ، والمَعْنى: لا يَفْتِنُنَّكَ ويَكُونُوا أحَقَّ بِكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. * * سُورَةُ لُقْمانَ مَكِّيَّةٌ مُفْرَداتُ سُورَةِ لُقْمانَ لُقْمانُ: اسْمُ عَلَمٍ، فَإنْ كانَ أعْجَمِيًّا فَمَنعُهُ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعُجْمَةِ والعَلَمِيَّةِ، وإنْ كانَ عَرَبِيًّا فَمَنعُهُ لِلْعَلَمِيَّةِ وزِيادَةِ الألِفِ والنُّونِ، ويَكُونُ مُشْتَقًّا مِنَ اللَّقْمِ مُرْتَجَلًا، إذْ لا يُعْلَمُ لَهُ وضْعٌ في النَّكِراتِ. صَعَّرَ: مُشَدَّدُ العَيْنِ، لُغَةُبَنِي تَمِيمٍ. قالَ شاعِرُهم: ؎وكُنّا إذا الجَبّارُ صَعَّرَ خَدَّهُ أقَمْنا لَهُ مِن مَيْلِهِ فَتَقَوَّما فَتَقَوَّما: أمْرٌ بِالِاسْتِقامَةِ لِلْقَوافِي في المَخْفُوضَةِ، أيْ: فَيَقُومُ إنْ قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وإنْشادُ الطَّبَرِيِّ: فَيُقَوَّما فِعْلًا ماضِيًا خَطَأٌ، وتَصاعَرَ لُغَةُ الحِجازِ، ويُقالُ: يُصَعِّرُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎أقَمْنا لَهُ مِن خَدِّهِ المُتَصَعِّرِ ويُقالُ: أصْعَرَ خَدَّهُ. قالَ الفَضْلُ: هو المَيْلُ، وقالَ اليَزِيدِيُّ: هو التَّشَدُّقُ في الكَلامِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أصْلُ هَذا مِنَ الصَّعَرِ، داءٌ يَأْخُذُ الإبِلَ في رُءُوسِها وأعْناقِها، فَتَلْتَوِي مِنهُ أعْناقُها. القَلَمُ: مَعْرُوفٌ. الخَتّارُ: شَدِيدُ الغَدْرِ، ومِنهُ قَوْلُهم: ؎إنَّكَ لا تَمُدُّ إلَيْنا شِبْرًا مِن غَدْرِ ∗∗∗ إلّا مَدَدْنا لَكَ باعًا مِن خَتْرِ وقالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبَ: ؎وإنَّكَ لَوْ رَأيْتَ أبا عُمَيْرٍ ∗∗∗ مَلَأْتَ يَدَيْكَ مِن غَدْرٍ وخَتْرِ وقالَ الأعْشى: ؎فالأبْلَقُ الفَرْدُ مِن تَيْماءَ مَنزِلُهُ ∗∗∗ حِصْنٌ حَصِينٌ وجارٌ غَيْرُ خَتّارِ

الروم 30:57

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وهو العَلِيمُ القَدِيرُ﴾ ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ فَهَذا يَوْمُ البَعْثِ ولَكِنَّكم كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهم ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ولَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ أنْتُمْ إلّا مُبْطِلُونَ﴾ ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ . لَمّا ذَكَرَ دَلائِلَ الآفاقِ، ذَكَرَ شَيْئًا مِن دَلائِلِ الأنْفُسِ، وجَعَلَ الخَلْقَ مِن ضَعْفٍ، لِكَثْرَةِ ضَعْفِ الإنْسانِ أوَّلَ نَشْأتِهِ وطُفُولِيَّتِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] . والقُوَّةُ الَّتِي تَلَتِ الضَّعْفَ، هي رَعْرَعَتُهُ ونَماؤُهُ وقُوَّتُهُ إلى فَصْلِ الِاكْتِهالِ. والضَّعْفُ الَّذِي بَعْدَ القُوَّةِ هو حالُ الشَّيْخُوخَةِ والهَرَمِ. وقِيلَ: ﴿مِن ضَعْفٍ﴾ مِنَ النُّطْفَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨] . والتَّرْدادُ في هَذِهِ الهَيْئاتِ شاهِدٌ بِقُدْرَةِ الصّانِعِ وعِلْمِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِضَمِّ الضّادِ في (ضُعْفٍ) مَعًا؛ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ: بِفَتْحِها فِيهِما، وهي قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ وأبِيرَجاءٍ. ورُوِيَ عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ والجَحْدَرِيِّ والضَّحّاكِ: الضَّمُّ والفَتْحُ في الثّانِي. وقَرَأ عِيسى: بِضَمَّتَيْنِ فِيهِما. والظّاهِرُ أنَّ الضَّعْفَ والقُوَّةَ هُما بِالنِّسْبَةِ إلى ما عَدا البَدَنِ مِن ذَلِكَ، وإنَّ الضَّمَّ والفَتْحَ بِمَعْنًى واحِدٍ في ضَعْفٍ. وقالَ كَثِيرٌ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ: الضَّمُّ في البَدَنِ، والفَتْحُ في العَقْلِ. (ما لَبِثُوا) هو جَوابٌ، وهو عَلى المَعْنى، إذْ لَوْ حَكى قَوْلَهم، كانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ: ما لَبِثْنا غَيْرَ ساعَةٍ، أيْ: ما أقامُوا تَحْتَ التُّرابِ غَيْرَ ساعَةٍ، وما لَبِثُوا في الدُّنْيا: اسْتَقَلُّوها لِما عايَنُوا مِنَ الآخِرَةِ، أوْ فِيما بَيْنَ فَناءِ الدُّنْيا إلى البَعْثِ، وإخْبارُهم بِذَلِكَ هو عَلى جِهَةِ التَّسَوُّرِ والتَّقَوُّلِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، أوْ عَلى جِهَةِ النِّسْيانِ، أوِ الكَذِبِ. (يُؤْفَكُونَ) أيْ: يُصْرَفُونَ عَنْ قَوْلِ الحَقِّ والنُّطْقِ بِالصِّدْقِ. ﴿الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ هُمُ المَلائِكَةُ والأنْبِياءُ والمُؤْمِنُونَ. ﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ فِيما وعَدَ بِهِ في كِتابِهِ مِنَ الحَشْرِ والبَعْثِ والعِلْمِ يَعُمُّ الإيمانَ وغَيْرَهُ، ولَكِنْ نَصَّ عَلى هَذا الخاصِّ تَشْرِيفًا وتَنْبِيهًا عَلى مَحَلِّهِ مِنَ العِلْمِ. وقِيلَ: ﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، وقِيلَ: في عِلْمِهِ، وقِيلَ: في حُكْمِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ: ”البَعَثِ“، بِفَتْحِ العَيْنِ فِيهِما، وقُرِئَ: بِكَسْرِها، وهو اسْمٌ، والمَفْتُوحُ مَصْدَرٌ. وقالَ قَتادَةُ: هو عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، تَقْدِيرُهُ: أُوتُوا العِلْمَ في كِتابِ اللَّهِ والإيمانَ. ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ﴾ وعَلى هَذا تَكُونُ في بِمَعْنى الباءِ، أيِ: العِلْمُ بِكِتابِ اللَّهِ، ولَعَلَّ هَذا القَوْلَ لا يَصِحُّ عَنْ قَتادَةَ، فَإنَّ فِيهِ تَفْكِيكًا لِلنَّظْمِ، لا يَسُوغُ في كَلامٍ غَيْرِ فَصِيحٍ، فَكَيْفَ يَسُوغُ في كَلامِ اللَّهِ ؟ وكانَ قَتادَةُ مَوْصُوفًا بِعِلْمِ العَرَبِيَّةِ، فَلا يَصْدُرُ عَنْهُ مِثْلُ هَذا القَوْلِ. والفاءُ في: ﴿فَهَذا يَوْمُ البَعْثِ﴾ (p-١٨١)عاطِفَةٌ لِهَذِهِ الجُمْلَةِ المَقُولَةِ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، وهي: ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ﴾ اعْتَقَبَها في الذِّكْرِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما هَذِهِ الفاءُ وما حَقِيقَتُها ؟ قُلْتُ: هي الَّتِي في قَوْلِهِ: ؎فَقَدْ جِئْنا خُراسانا وحَقِيقَتُها أنَّها جَوابُ شَرْطٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، كَأنَّهُ قالَ: إنْ صَحَّ ما قُلْتُمْ مِن أنَّ أقْصى ما يُرادُ بِنا قُلْنا القُفُولَ: قَدْ جِئْنا خُراسانا، وإذا أمْكَنَ جَعْلُ الفاءِ عاطِفَةً، لَمْ يُتَكَلَّفْ إضْمارُ شَرْطٍ، وجَعْلُ الفاءِ جَوابًا لِذَلِكَ الشَّرْطِ المَحْذُوفِ: لا تَعْلَمُونَ لِتَفْرِيطِكم في طَلَبِ الحَقِّ واتِّباعِهِ. وقِيلَ: لا تَعْلَمُونَ البَعْثَ ولا تُعَرَّفُونَ بِهِ، فَصارَ مَصِيرُكم إلى النّارِ، فَتَطْلُبُونَ التَّأْخِيرَ. (فَيَوْمَئِذٍ) أيْ: يَوْمَ إذْ يَقَعُ ذَلِكَ مِن إقْسامِ الكُفّارِ وقَوْلِ أُولِي العِلْمِ لَهم. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: (لا يَنْفَعُ) بِالياءِ هُنا وفي الطُّوَلِ، ووافَقَهم نافِعٌ في الطُّوَلِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ بِتاءِ التَّأْنِيثِ. ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن قَوْلِكَ: اسْتَعْتَبَنِي فُلانٌ فَأعْتَبْتُهُ: أيِ: اسْتَرْضانِي فَأرْضَيْتُهُ، وذَلِكَ إذا كانَ جانِيًا عَلَيْهِ، وحَقِيقَتُهُ: أعْتَبْتَهُ: أزَلْتُ عَتَبَهُ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ؎غَضِبَتْ تَمِيمٌ أنْ يَقَتَّلَ عامِرٌ ∗∗∗ يَوْمَ النِّسارِ فَأُعْتِبُوا بِالصَّيْلَمِ كَيْفَ جَعَلَهم غِضابًا. ثُمَّ قالَ: فَأُعْتِبُوا: أيْ: أُزِيلَ غَضَبُهم، والغَضَبُ في مَعْنى العَتَبِ، والمَعْنى: لا يُقالُ لَهم أرْضُوا رَبَّكم بِتَوْبَةٍ وطاعَةٍ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنها ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الجاثية: ٣٥] . (فَإنْ قُلْتَ) كَيْفَ جُعِلُوا غَيْرَ مُسْتَعْتَبِينَ في بَعْضِ الآياتِ، وغَيْرَ مُعْتَبِينَ في بَعْضِها ؟ وقَوْلُهُ: ﴿وإنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ [فصلت: ٢٤] ؟ قُلْتُ: أمّا كَوْنُهم غَيْرَ مُسْتَعْتَبِينَ، فَهَذا مَعْناهُ؛ وأمّا كَوْنُهم غَيْرَ مُعْتَبِينَ، فَمَعْناهُ أنَّهم غَيْرُ راضِينَ بِما هم فِيهِ؛ فَشَبَّهَتْ حالَهم بِحالِ قَوْمٍ جُنِيَ عَلَيْهِمْ، فَهم عاتِبُونَ عَلى الجانِي، غَيْرُ راضِينَ مِنهُ. فَإنْ يَسْتَعْتِبُوا اللَّهَ: أيْ: يَسْألُوهُ إزالَةَ ما هم فِيهِ، فَما هم مِنَ المُجابِينَ إلى إزالَتِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا إخْبارٌ عَنْ هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، وشِدَّةِ أحْوالِهِ عَلى الكَفَرَةِ في أنَّهم لا يَنْفَعُهُمُ الِاعْتِذارُ، ولا يُعْطُونَ عُتْبى، وهو الرِّضا. و(يُسْتَعْتَبُونَ) بِمَعْنى: يَعْتِبُونَ، كَما تَقُولُ: يَمْلِكُ ويُسْتَمْلَكُ. والبابُ في اسْتَفْعَلَ أنَّهُ طَلَبُ الشَّيْءِ ولَيْسَ هَذا مِنهُ؛ لِأنَّ المَعْنى لا يَفْسُدُ إذا كانَ المَفْهُومُ مِنهُ: ولا يُطْلَبُ مِنهم عُتْبى. انْتَهى. فَيَكُونُ اسْتَفْعَلَ في هَذا بِمَعْنى الفِعْلِ المُجَرَّدِ، وهو عَتَبَ، أيْ: هم مِنَ الإهْمالِ وعَدَمِ الِالتِفاتِ إلَيْهِمْ بِمَنزِلَةِ مَن لا يُؤَهَّلُ لِلْعَتَبِ. وقَدْ قِيلَ: لا يُعاتَبُونَ عَلى سَيِّئاتِهِمْ، بَلْ يُعاقَبُونَ. وقِيلَ: لا يَطْلُبُ لَهُمُ العُتْبى. وقِيلَ: لا يُلْتَمَسُ مِنهم عَمَلٌ وطاعَةٌ، ولَكِنْ ضَرْبَنا إشارَةً إلى إزالَةِ الأعْذارِ والإتْيانِ بِما فَوْقَ الكِفايَةِ مِنَ الإنْذارِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وصَفْنا لَهم كُلَّ صِفَةٍ كَأنَّها مَثَلٌ في غَرابَتِها، وقَصَصْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ قِصَّةٍ عَجِيبَةِ الشَّأْنِ، كَصِفَةِ المَبْعُوثِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، وما يُقالُ لَهم، وما لا يَقَعُ مِنِ اعْتِذارِهِمْ، ولا يُسْمَعُ مِنِ اسْتِعْتابِهِمْ، ولَكِنَّهم لِقَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ ومَجِّ أسْماعِهِمْ حَدِيثَ الآخِرَةِ، إذا جِئْتَهم بِآيَةٍ مِن آياتِ القُرْآنِ قالُوا: أجِئْتَنا بِزُورٍ باطِلٍ ؟ انْتَهى. و(أنْتُمْ) خِطابٌ لِلرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ، أيْ:: تُبْطِلُونَ في دَعْواكُمُ الحَشْرَ والجَزاءَ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: وفي تَوْحِيدِ الخِطابِ بِقَوْلِ: ﴿ولَئِنْ جِئْتَهُمْ﴾ والجَمْعُ في قَوْلِهِ: (إنْ أنْتُمْ) لَطِيفَةٌ، وهي: أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ قالَ: ﴿ولَئِنْ جِئْتَهُمْ﴾ بِكُلِّ آيَةٍ جاءَتْ بِها الرُّسُلُ، فَيُمْكِنُ أنْ يُجاوِبُوهُ بِقَوْلِهِ: أنْتُمْ كُلُّكم أيُّها المُدَّعُونَ الرِّسالَةَ مُبْطِلُونَ. ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ﴾: أيْ مِثْلَ هَذا الطَّبْعِ يَطْبَعُ اللَّهُ، أيْ يَخْتِمُ عَلى قُلُوبِ الجَهَلَةِ الَّذِينَ قَدْ خَتَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الكُفْرَ في الأزَلِ، وأسْنَدَ الطَّبْعَ إلى ذاتِهِ تَعالى، إذْ هو فاعِلُ ذَلِكَ ومُقَدِّرُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْنى طَبَعَ اللَّهُ: صَنَعَ الألْطافَ الَّتِي يَشْرَحُ لَها الصُّدُورَ حَتّى تَقْبَلَ الحَقَّ، ثُمَّ قالَ: فَكَأنَّهُ كَذَلِكَ تَصْدَأُ القُلُوبُ وتَقْسُو قُلُوبُ الجَهَلَةِ حَتّى يُسَمُّوا المُحِقِّينَ مُبْطِلِينَ، وهم أعْرَفُ خَلْقِ اللَّهِ في تِلْكَ الصِّفَةِ. انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ عَلى عَداوَتِهِمْ، وقَوّاهُ بِتَحَقُّقِ الوَعْدِ أنَّهُ لا بُدَّ مِن إنْجازِهِ والوَفاءِ بِهِ، ونَهاهُ عَنِ الِاهْتِزازِ بِكَلامِهِمْ والتَّحَرُّكِ، فَإنَّهم لا يَقِينَ لَهم ولا بَصِيرَةَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، ويَعْقُوبُ: (p-١٨٢)ولا يَسْتَحِقَّنَّكَ: بِحاءٍ مُهْمَلَةٍ وقافٍ، مِنَ الِاسْتِحْقاقِ؛ والجُمْهُورُ: بِخاءٍ مُعْجَمَةٍ وفاءٍ، مِنَ الِاسْتِخْفافِ؛ وسَكَّنَ النُّونَ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ ويَعْقُوبُ، والمَعْنى: لا يَفْتِنُنَّكَ ويَكُونُوا أحَقَّ بِكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. * * سُورَةُ لُقْمانَ مَكِّيَّةٌ مُفْرَداتُ سُورَةِ لُقْمانَ لُقْمانُ: اسْمُ عَلَمٍ، فَإنْ كانَ أعْجَمِيًّا فَمَنعُهُ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعُجْمَةِ والعَلَمِيَّةِ، وإنْ كانَ عَرَبِيًّا فَمَنعُهُ لِلْعَلَمِيَّةِ وزِيادَةِ الألِفِ والنُّونِ، ويَكُونُ مُشْتَقًّا مِنَ اللَّقْمِ مُرْتَجَلًا، إذْ لا يُعْلَمُ لَهُ وضْعٌ في النَّكِراتِ. صَعَّرَ: مُشَدَّدُ العَيْنِ، لُغَةُبَنِي تَمِيمٍ. قالَ شاعِرُهم: ؎وكُنّا إذا الجَبّارُ صَعَّرَ خَدَّهُ أقَمْنا لَهُ مِن مَيْلِهِ فَتَقَوَّما فَتَقَوَّما: أمْرٌ بِالِاسْتِقامَةِ لِلْقَوافِي في المَخْفُوضَةِ، أيْ: فَيَقُومُ إنْ قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وإنْشادُ الطَّبَرِيِّ: فَيُقَوَّما فِعْلًا ماضِيًا خَطَأٌ، وتَصاعَرَ لُغَةُ الحِجازِ، ويُقالُ: يُصَعِّرُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎أقَمْنا لَهُ مِن خَدِّهِ المُتَصَعِّرِ ويُقالُ: أصْعَرَ خَدَّهُ. قالَ الفَضْلُ: هو المَيْلُ، وقالَ اليَزِيدِيُّ: هو التَّشَدُّقُ في الكَلامِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أصْلُ هَذا مِنَ الصَّعَرِ، داءٌ يَأْخُذُ الإبِلَ في رُءُوسِها وأعْناقِها، فَتَلْتَوِي مِنهُ أعْناقُها. القَلَمُ: مَعْرُوفٌ. الخَتّارُ: شَدِيدُ الغَدْرِ، ومِنهُ قَوْلُهم: ؎إنَّكَ لا تَمُدُّ إلَيْنا شِبْرًا مِن غَدْرِ ∗∗∗ إلّا مَدَدْنا لَكَ باعًا مِن خَتْرِ وقالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبَ: ؎وإنَّكَ لَوْ رَأيْتَ أبا عُمَيْرٍ ∗∗∗ مَلَأْتَ يَدَيْكَ مِن غَدْرٍ وخَتْرِ وقالَ الأعْشى: ؎فالأبْلَقُ الفَرْدُ مِن تَيْماءَ مَنزِلُهُ ∗∗∗ حِصْنٌ حَصِينٌ وجارٌ غَيْرُ خَتّارِ

الروم 30:58

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وهو العَلِيمُ القَدِيرُ﴾ ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ فَهَذا يَوْمُ البَعْثِ ولَكِنَّكم كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهم ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ولَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ أنْتُمْ إلّا مُبْطِلُونَ﴾ ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ . لَمّا ذَكَرَ دَلائِلَ الآفاقِ، ذَكَرَ شَيْئًا مِن دَلائِلِ الأنْفُسِ، وجَعَلَ الخَلْقَ مِن ضَعْفٍ، لِكَثْرَةِ ضَعْفِ الإنْسانِ أوَّلَ نَشْأتِهِ وطُفُولِيَّتِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] . والقُوَّةُ الَّتِي تَلَتِ الضَّعْفَ، هي رَعْرَعَتُهُ ونَماؤُهُ وقُوَّتُهُ إلى فَصْلِ الِاكْتِهالِ. والضَّعْفُ الَّذِي بَعْدَ القُوَّةِ هو حالُ الشَّيْخُوخَةِ والهَرَمِ. وقِيلَ: ﴿مِن ضَعْفٍ﴾ مِنَ النُّطْفَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨] . والتَّرْدادُ في هَذِهِ الهَيْئاتِ شاهِدٌ بِقُدْرَةِ الصّانِعِ وعِلْمِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِضَمِّ الضّادِ في (ضُعْفٍ) مَعًا؛ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ: بِفَتْحِها فِيهِما، وهي قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ وأبِيرَجاءٍ. ورُوِيَ عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ والجَحْدَرِيِّ والضَّحّاكِ: الضَّمُّ والفَتْحُ في الثّانِي. وقَرَأ عِيسى: بِضَمَّتَيْنِ فِيهِما. والظّاهِرُ أنَّ الضَّعْفَ والقُوَّةَ هُما بِالنِّسْبَةِ إلى ما عَدا البَدَنِ مِن ذَلِكَ، وإنَّ الضَّمَّ والفَتْحَ بِمَعْنًى واحِدٍ في ضَعْفٍ. وقالَ كَثِيرٌ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ: الضَّمُّ في البَدَنِ، والفَتْحُ في العَقْلِ. (ما لَبِثُوا) هو جَوابٌ، وهو عَلى المَعْنى، إذْ لَوْ حَكى قَوْلَهم، كانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ: ما لَبِثْنا غَيْرَ ساعَةٍ، أيْ: ما أقامُوا تَحْتَ التُّرابِ غَيْرَ ساعَةٍ، وما لَبِثُوا في الدُّنْيا: اسْتَقَلُّوها لِما عايَنُوا مِنَ الآخِرَةِ، أوْ فِيما بَيْنَ فَناءِ الدُّنْيا إلى البَعْثِ، وإخْبارُهم بِذَلِكَ هو عَلى جِهَةِ التَّسَوُّرِ والتَّقَوُّلِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، أوْ عَلى جِهَةِ النِّسْيانِ، أوِ الكَذِبِ. (يُؤْفَكُونَ) أيْ: يُصْرَفُونَ عَنْ قَوْلِ الحَقِّ والنُّطْقِ بِالصِّدْقِ. ﴿الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ هُمُ المَلائِكَةُ والأنْبِياءُ والمُؤْمِنُونَ. ﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ فِيما وعَدَ بِهِ في كِتابِهِ مِنَ الحَشْرِ والبَعْثِ والعِلْمِ يَعُمُّ الإيمانَ وغَيْرَهُ، ولَكِنْ نَصَّ عَلى هَذا الخاصِّ تَشْرِيفًا وتَنْبِيهًا عَلى مَحَلِّهِ مِنَ العِلْمِ. وقِيلَ: ﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، وقِيلَ: في عِلْمِهِ، وقِيلَ: في حُكْمِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ: ”البَعَثِ“، بِفَتْحِ العَيْنِ فِيهِما، وقُرِئَ: بِكَسْرِها، وهو اسْمٌ، والمَفْتُوحُ مَصْدَرٌ. وقالَ قَتادَةُ: هو عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، تَقْدِيرُهُ: أُوتُوا العِلْمَ في كِتابِ اللَّهِ والإيمانَ. ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ﴾ وعَلى هَذا تَكُونُ في بِمَعْنى الباءِ، أيِ: العِلْمُ بِكِتابِ اللَّهِ، ولَعَلَّ هَذا القَوْلَ لا يَصِحُّ عَنْ قَتادَةَ، فَإنَّ فِيهِ تَفْكِيكًا لِلنَّظْمِ، لا يَسُوغُ في كَلامٍ غَيْرِ فَصِيحٍ، فَكَيْفَ يَسُوغُ في كَلامِ اللَّهِ ؟ وكانَ قَتادَةُ مَوْصُوفًا بِعِلْمِ العَرَبِيَّةِ، فَلا يَصْدُرُ عَنْهُ مِثْلُ هَذا القَوْلِ. والفاءُ في: ﴿فَهَذا يَوْمُ البَعْثِ﴾ (p-١٨١)عاطِفَةٌ لِهَذِهِ الجُمْلَةِ المَقُولَةِ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، وهي: ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ﴾ اعْتَقَبَها في الذِّكْرِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما هَذِهِ الفاءُ وما حَقِيقَتُها ؟ قُلْتُ: هي الَّتِي في قَوْلِهِ: ؎فَقَدْ جِئْنا خُراسانا وحَقِيقَتُها أنَّها جَوابُ شَرْطٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، كَأنَّهُ قالَ: إنْ صَحَّ ما قُلْتُمْ مِن أنَّ أقْصى ما يُرادُ بِنا قُلْنا القُفُولَ: قَدْ جِئْنا خُراسانا، وإذا أمْكَنَ جَعْلُ الفاءِ عاطِفَةً، لَمْ يُتَكَلَّفْ إضْمارُ شَرْطٍ، وجَعْلُ الفاءِ جَوابًا لِذَلِكَ الشَّرْطِ المَحْذُوفِ: لا تَعْلَمُونَ لِتَفْرِيطِكم في طَلَبِ الحَقِّ واتِّباعِهِ. وقِيلَ: لا تَعْلَمُونَ البَعْثَ ولا تُعَرَّفُونَ بِهِ، فَصارَ مَصِيرُكم إلى النّارِ، فَتَطْلُبُونَ التَّأْخِيرَ. (فَيَوْمَئِذٍ) أيْ: يَوْمَ إذْ يَقَعُ ذَلِكَ مِن إقْسامِ الكُفّارِ وقَوْلِ أُولِي العِلْمِ لَهم. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: (لا يَنْفَعُ) بِالياءِ هُنا وفي الطُّوَلِ، ووافَقَهم نافِعٌ في الطُّوَلِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ بِتاءِ التَّأْنِيثِ. ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن قَوْلِكَ: اسْتَعْتَبَنِي فُلانٌ فَأعْتَبْتُهُ: أيِ: اسْتَرْضانِي فَأرْضَيْتُهُ، وذَلِكَ إذا كانَ جانِيًا عَلَيْهِ، وحَقِيقَتُهُ: أعْتَبْتَهُ: أزَلْتُ عَتَبَهُ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ؎غَضِبَتْ تَمِيمٌ أنْ يَقَتَّلَ عامِرٌ ∗∗∗ يَوْمَ النِّسارِ فَأُعْتِبُوا بِالصَّيْلَمِ كَيْفَ جَعَلَهم غِضابًا. ثُمَّ قالَ: فَأُعْتِبُوا: أيْ: أُزِيلَ غَضَبُهم، والغَضَبُ في مَعْنى العَتَبِ، والمَعْنى: لا يُقالُ لَهم أرْضُوا رَبَّكم بِتَوْبَةٍ وطاعَةٍ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنها ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الجاثية: ٣٥] . (فَإنْ قُلْتَ) كَيْفَ جُعِلُوا غَيْرَ مُسْتَعْتَبِينَ في بَعْضِ الآياتِ، وغَيْرَ مُعْتَبِينَ في بَعْضِها ؟ وقَوْلُهُ: ﴿وإنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ [فصلت: ٢٤] ؟ قُلْتُ: أمّا كَوْنُهم غَيْرَ مُسْتَعْتَبِينَ، فَهَذا مَعْناهُ؛ وأمّا كَوْنُهم غَيْرَ مُعْتَبِينَ، فَمَعْناهُ أنَّهم غَيْرُ راضِينَ بِما هم فِيهِ؛ فَشَبَّهَتْ حالَهم بِحالِ قَوْمٍ جُنِيَ عَلَيْهِمْ، فَهم عاتِبُونَ عَلى الجانِي، غَيْرُ راضِينَ مِنهُ. فَإنْ يَسْتَعْتِبُوا اللَّهَ: أيْ: يَسْألُوهُ إزالَةَ ما هم فِيهِ، فَما هم مِنَ المُجابِينَ إلى إزالَتِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا إخْبارٌ عَنْ هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، وشِدَّةِ أحْوالِهِ عَلى الكَفَرَةِ في أنَّهم لا يَنْفَعُهُمُ الِاعْتِذارُ، ولا يُعْطُونَ عُتْبى، وهو الرِّضا. و(يُسْتَعْتَبُونَ) بِمَعْنى: يَعْتِبُونَ، كَما تَقُولُ: يَمْلِكُ ويُسْتَمْلَكُ. والبابُ في اسْتَفْعَلَ أنَّهُ طَلَبُ الشَّيْءِ ولَيْسَ هَذا مِنهُ؛ لِأنَّ المَعْنى لا يَفْسُدُ إذا كانَ المَفْهُومُ مِنهُ: ولا يُطْلَبُ مِنهم عُتْبى. انْتَهى. فَيَكُونُ اسْتَفْعَلَ في هَذا بِمَعْنى الفِعْلِ المُجَرَّدِ، وهو عَتَبَ، أيْ: هم مِنَ الإهْمالِ وعَدَمِ الِالتِفاتِ إلَيْهِمْ بِمَنزِلَةِ مَن لا يُؤَهَّلُ لِلْعَتَبِ. وقَدْ قِيلَ: لا يُعاتَبُونَ عَلى سَيِّئاتِهِمْ، بَلْ يُعاقَبُونَ. وقِيلَ: لا يَطْلُبُ لَهُمُ العُتْبى. وقِيلَ: لا يُلْتَمَسُ مِنهم عَمَلٌ وطاعَةٌ، ولَكِنْ ضَرْبَنا إشارَةً إلى إزالَةِ الأعْذارِ والإتْيانِ بِما فَوْقَ الكِفايَةِ مِنَ الإنْذارِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وصَفْنا لَهم كُلَّ صِفَةٍ كَأنَّها مَثَلٌ في غَرابَتِها، وقَصَصْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ قِصَّةٍ عَجِيبَةِ الشَّأْنِ، كَصِفَةِ المَبْعُوثِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، وما يُقالُ لَهم، وما لا يَقَعُ مِنِ اعْتِذارِهِمْ، ولا يُسْمَعُ مِنِ اسْتِعْتابِهِمْ، ولَكِنَّهم لِقَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ ومَجِّ أسْماعِهِمْ حَدِيثَ الآخِرَةِ، إذا جِئْتَهم بِآيَةٍ مِن آياتِ القُرْآنِ قالُوا: أجِئْتَنا بِزُورٍ باطِلٍ ؟ انْتَهى. و(أنْتُمْ) خِطابٌ لِلرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ، أيْ:: تُبْطِلُونَ في دَعْواكُمُ الحَشْرَ والجَزاءَ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: وفي تَوْحِيدِ الخِطابِ بِقَوْلِ: ﴿ولَئِنْ جِئْتَهُمْ﴾ والجَمْعُ في قَوْلِهِ: (إنْ أنْتُمْ) لَطِيفَةٌ، وهي: أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ قالَ: ﴿ولَئِنْ جِئْتَهُمْ﴾ بِكُلِّ آيَةٍ جاءَتْ بِها الرُّسُلُ، فَيُمْكِنُ أنْ يُجاوِبُوهُ بِقَوْلِهِ: أنْتُمْ كُلُّكم أيُّها المُدَّعُونَ الرِّسالَةَ مُبْطِلُونَ. ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ﴾: أيْ مِثْلَ هَذا الطَّبْعِ يَطْبَعُ اللَّهُ، أيْ يَخْتِمُ عَلى قُلُوبِ الجَهَلَةِ الَّذِينَ قَدْ خَتَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الكُفْرَ في الأزَلِ، وأسْنَدَ الطَّبْعَ إلى ذاتِهِ تَعالى، إذْ هو فاعِلُ ذَلِكَ ومُقَدِّرُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْنى طَبَعَ اللَّهُ: صَنَعَ الألْطافَ الَّتِي يَشْرَحُ لَها الصُّدُورَ حَتّى تَقْبَلَ الحَقَّ، ثُمَّ قالَ: فَكَأنَّهُ كَذَلِكَ تَصْدَأُ القُلُوبُ وتَقْسُو قُلُوبُ الجَهَلَةِ حَتّى يُسَمُّوا المُحِقِّينَ مُبْطِلِينَ، وهم أعْرَفُ خَلْقِ اللَّهِ في تِلْكَ الصِّفَةِ. انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ عَلى عَداوَتِهِمْ، وقَوّاهُ بِتَحَقُّقِ الوَعْدِ أنَّهُ لا بُدَّ مِن إنْجازِهِ والوَفاءِ بِهِ، ونَهاهُ عَنِ الِاهْتِزازِ بِكَلامِهِمْ والتَّحَرُّكِ، فَإنَّهم لا يَقِينَ لَهم ولا بَصِيرَةَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، ويَعْقُوبُ: (p-١٨٢)ولا يَسْتَحِقَّنَّكَ: بِحاءٍ مُهْمَلَةٍ وقافٍ، مِنَ الِاسْتِحْقاقِ؛ والجُمْهُورُ: بِخاءٍ مُعْجَمَةٍ وفاءٍ، مِنَ الِاسْتِخْفافِ؛ وسَكَّنَ النُّونَ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ ويَعْقُوبُ، والمَعْنى: لا يَفْتِنُنَّكَ ويَكُونُوا أحَقَّ بِكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. * * سُورَةُ لُقْمانَ مَكِّيَّةٌ مُفْرَداتُ سُورَةِ لُقْمانَ لُقْمانُ: اسْمُ عَلَمٍ، فَإنْ كانَ أعْجَمِيًّا فَمَنعُهُ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعُجْمَةِ والعَلَمِيَّةِ، وإنْ كانَ عَرَبِيًّا فَمَنعُهُ لِلْعَلَمِيَّةِ وزِيادَةِ الألِفِ والنُّونِ، ويَكُونُ مُشْتَقًّا مِنَ اللَّقْمِ مُرْتَجَلًا، إذْ لا يُعْلَمُ لَهُ وضْعٌ في النَّكِراتِ. صَعَّرَ: مُشَدَّدُ العَيْنِ، لُغَةُبَنِي تَمِيمٍ. قالَ شاعِرُهم: ؎وكُنّا إذا الجَبّارُ صَعَّرَ خَدَّهُ أقَمْنا لَهُ مِن مَيْلِهِ فَتَقَوَّما فَتَقَوَّما: أمْرٌ بِالِاسْتِقامَةِ لِلْقَوافِي في المَخْفُوضَةِ، أيْ: فَيَقُومُ إنْ قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وإنْشادُ الطَّبَرِيِّ: فَيُقَوَّما فِعْلًا ماضِيًا خَطَأٌ، وتَصاعَرَ لُغَةُ الحِجازِ، ويُقالُ: يُصَعِّرُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎أقَمْنا لَهُ مِن خَدِّهِ المُتَصَعِّرِ ويُقالُ: أصْعَرَ خَدَّهُ. قالَ الفَضْلُ: هو المَيْلُ، وقالَ اليَزِيدِيُّ: هو التَّشَدُّقُ في الكَلامِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أصْلُ هَذا مِنَ الصَّعَرِ، داءٌ يَأْخُذُ الإبِلَ في رُءُوسِها وأعْناقِها، فَتَلْتَوِي مِنهُ أعْناقُها. القَلَمُ: مَعْرُوفٌ. الخَتّارُ: شَدِيدُ الغَدْرِ، ومِنهُ قَوْلُهم: ؎إنَّكَ لا تَمُدُّ إلَيْنا شِبْرًا مِن غَدْرِ ∗∗∗ إلّا مَدَدْنا لَكَ باعًا مِن خَتْرِ وقالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبَ: ؎وإنَّكَ لَوْ رَأيْتَ أبا عُمَيْرٍ ∗∗∗ مَلَأْتَ يَدَيْكَ مِن غَدْرٍ وخَتْرِ وقالَ الأعْشى: ؎فالأبْلَقُ الفَرْدُ مِن تَيْماءَ مَنزِلُهُ ∗∗∗ حِصْنٌ حَصِينٌ وجارٌ غَيْرُ خَتّارِ

الروم 30:59

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وهو العَلِيمُ القَدِيرُ﴾ ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ فَهَذا يَوْمُ البَعْثِ ولَكِنَّكم كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهم ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ولَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ أنْتُمْ إلّا مُبْطِلُونَ﴾ ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ . لَمّا ذَكَرَ دَلائِلَ الآفاقِ، ذَكَرَ شَيْئًا مِن دَلائِلِ الأنْفُسِ، وجَعَلَ الخَلْقَ مِن ضَعْفٍ، لِكَثْرَةِ ضَعْفِ الإنْسانِ أوَّلَ نَشْأتِهِ وطُفُولِيَّتِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] . والقُوَّةُ الَّتِي تَلَتِ الضَّعْفَ، هي رَعْرَعَتُهُ ونَماؤُهُ وقُوَّتُهُ إلى فَصْلِ الِاكْتِهالِ. والضَّعْفُ الَّذِي بَعْدَ القُوَّةِ هو حالُ الشَّيْخُوخَةِ والهَرَمِ. وقِيلَ: ﴿مِن ضَعْفٍ﴾ مِنَ النُّطْفَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨] . والتَّرْدادُ في هَذِهِ الهَيْئاتِ شاهِدٌ بِقُدْرَةِ الصّانِعِ وعِلْمِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِضَمِّ الضّادِ في (ضُعْفٍ) مَعًا؛ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ: بِفَتْحِها فِيهِما، وهي قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ وأبِيرَجاءٍ. ورُوِيَ عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ والجَحْدَرِيِّ والضَّحّاكِ: الضَّمُّ والفَتْحُ في الثّانِي. وقَرَأ عِيسى: بِضَمَّتَيْنِ فِيهِما. والظّاهِرُ أنَّ الضَّعْفَ والقُوَّةَ هُما بِالنِّسْبَةِ إلى ما عَدا البَدَنِ مِن ذَلِكَ، وإنَّ الضَّمَّ والفَتْحَ بِمَعْنًى واحِدٍ في ضَعْفٍ. وقالَ كَثِيرٌ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ: الضَّمُّ في البَدَنِ، والفَتْحُ في العَقْلِ. (ما لَبِثُوا) هو جَوابٌ، وهو عَلى المَعْنى، إذْ لَوْ حَكى قَوْلَهم، كانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ: ما لَبِثْنا غَيْرَ ساعَةٍ، أيْ: ما أقامُوا تَحْتَ التُّرابِ غَيْرَ ساعَةٍ، وما لَبِثُوا في الدُّنْيا: اسْتَقَلُّوها لِما عايَنُوا مِنَ الآخِرَةِ، أوْ فِيما بَيْنَ فَناءِ الدُّنْيا إلى البَعْثِ، وإخْبارُهم بِذَلِكَ هو عَلى جِهَةِ التَّسَوُّرِ والتَّقَوُّلِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، أوْ عَلى جِهَةِ النِّسْيانِ، أوِ الكَذِبِ. (يُؤْفَكُونَ) أيْ: يُصْرَفُونَ عَنْ قَوْلِ الحَقِّ والنُّطْقِ بِالصِّدْقِ. ﴿الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ هُمُ المَلائِكَةُ والأنْبِياءُ والمُؤْمِنُونَ. ﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ فِيما وعَدَ بِهِ في كِتابِهِ مِنَ الحَشْرِ والبَعْثِ والعِلْمِ يَعُمُّ الإيمانَ وغَيْرَهُ، ولَكِنْ نَصَّ عَلى هَذا الخاصِّ تَشْرِيفًا وتَنْبِيهًا عَلى مَحَلِّهِ مِنَ العِلْمِ. وقِيلَ: ﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، وقِيلَ: في عِلْمِهِ، وقِيلَ: في حُكْمِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ: ”البَعَثِ“، بِفَتْحِ العَيْنِ فِيهِما، وقُرِئَ: بِكَسْرِها، وهو اسْمٌ، والمَفْتُوحُ مَصْدَرٌ. وقالَ قَتادَةُ: هو عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، تَقْدِيرُهُ: أُوتُوا العِلْمَ في كِتابِ اللَّهِ والإيمانَ. ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ﴾ وعَلى هَذا تَكُونُ في بِمَعْنى الباءِ، أيِ: العِلْمُ بِكِتابِ اللَّهِ، ولَعَلَّ هَذا القَوْلَ لا يَصِحُّ عَنْ قَتادَةَ، فَإنَّ فِيهِ تَفْكِيكًا لِلنَّظْمِ، لا يَسُوغُ في كَلامٍ غَيْرِ فَصِيحٍ، فَكَيْفَ يَسُوغُ في كَلامِ اللَّهِ ؟ وكانَ قَتادَةُ مَوْصُوفًا بِعِلْمِ العَرَبِيَّةِ، فَلا يَصْدُرُ عَنْهُ مِثْلُ هَذا القَوْلِ. والفاءُ في: ﴿فَهَذا يَوْمُ البَعْثِ﴾ (p-١٨١)عاطِفَةٌ لِهَذِهِ الجُمْلَةِ المَقُولَةِ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، وهي: ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ﴾ اعْتَقَبَها في الذِّكْرِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما هَذِهِ الفاءُ وما حَقِيقَتُها ؟ قُلْتُ: هي الَّتِي في قَوْلِهِ: ؎فَقَدْ جِئْنا خُراسانا وحَقِيقَتُها أنَّها جَوابُ شَرْطٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، كَأنَّهُ قالَ: إنْ صَحَّ ما قُلْتُمْ مِن أنَّ أقْصى ما يُرادُ بِنا قُلْنا القُفُولَ: قَدْ جِئْنا خُراسانا، وإذا أمْكَنَ جَعْلُ الفاءِ عاطِفَةً، لَمْ يُتَكَلَّفْ إضْمارُ شَرْطٍ، وجَعْلُ الفاءِ جَوابًا لِذَلِكَ الشَّرْطِ المَحْذُوفِ: لا تَعْلَمُونَ لِتَفْرِيطِكم في طَلَبِ الحَقِّ واتِّباعِهِ. وقِيلَ: لا تَعْلَمُونَ البَعْثَ ولا تُعَرَّفُونَ بِهِ، فَصارَ مَصِيرُكم إلى النّارِ، فَتَطْلُبُونَ التَّأْخِيرَ. (فَيَوْمَئِذٍ) أيْ: يَوْمَ إذْ يَقَعُ ذَلِكَ مِن إقْسامِ الكُفّارِ وقَوْلِ أُولِي العِلْمِ لَهم. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: (لا يَنْفَعُ) بِالياءِ هُنا وفي الطُّوَلِ، ووافَقَهم نافِعٌ في الطُّوَلِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ بِتاءِ التَّأْنِيثِ. ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن قَوْلِكَ: اسْتَعْتَبَنِي فُلانٌ فَأعْتَبْتُهُ: أيِ: اسْتَرْضانِي فَأرْضَيْتُهُ، وذَلِكَ إذا كانَ جانِيًا عَلَيْهِ، وحَقِيقَتُهُ: أعْتَبْتَهُ: أزَلْتُ عَتَبَهُ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ؎غَضِبَتْ تَمِيمٌ أنْ يَقَتَّلَ عامِرٌ ∗∗∗ يَوْمَ النِّسارِ فَأُعْتِبُوا بِالصَّيْلَمِ كَيْفَ جَعَلَهم غِضابًا. ثُمَّ قالَ: فَأُعْتِبُوا: أيْ: أُزِيلَ غَضَبُهم، والغَضَبُ في مَعْنى العَتَبِ، والمَعْنى: لا يُقالُ لَهم أرْضُوا رَبَّكم بِتَوْبَةٍ وطاعَةٍ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنها ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الجاثية: ٣٥] . (فَإنْ قُلْتَ) كَيْفَ جُعِلُوا غَيْرَ مُسْتَعْتَبِينَ في بَعْضِ الآياتِ، وغَيْرَ مُعْتَبِينَ في بَعْضِها ؟ وقَوْلُهُ: ﴿وإنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ [فصلت: ٢٤] ؟ قُلْتُ: أمّا كَوْنُهم غَيْرَ مُسْتَعْتَبِينَ، فَهَذا مَعْناهُ؛ وأمّا كَوْنُهم غَيْرَ مُعْتَبِينَ، فَمَعْناهُ أنَّهم غَيْرُ راضِينَ بِما هم فِيهِ؛ فَشَبَّهَتْ حالَهم بِحالِ قَوْمٍ جُنِيَ عَلَيْهِمْ، فَهم عاتِبُونَ عَلى الجانِي، غَيْرُ راضِينَ مِنهُ. فَإنْ يَسْتَعْتِبُوا اللَّهَ: أيْ: يَسْألُوهُ إزالَةَ ما هم فِيهِ، فَما هم مِنَ المُجابِينَ إلى إزالَتِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا إخْبارٌ عَنْ هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، وشِدَّةِ أحْوالِهِ عَلى الكَفَرَةِ في أنَّهم لا يَنْفَعُهُمُ الِاعْتِذارُ، ولا يُعْطُونَ عُتْبى، وهو الرِّضا. و(يُسْتَعْتَبُونَ) بِمَعْنى: يَعْتِبُونَ، كَما تَقُولُ: يَمْلِكُ ويُسْتَمْلَكُ. والبابُ في اسْتَفْعَلَ أنَّهُ طَلَبُ الشَّيْءِ ولَيْسَ هَذا مِنهُ؛ لِأنَّ المَعْنى لا يَفْسُدُ إذا كانَ المَفْهُومُ مِنهُ: ولا يُطْلَبُ مِنهم عُتْبى. انْتَهى. فَيَكُونُ اسْتَفْعَلَ في هَذا بِمَعْنى الفِعْلِ المُجَرَّدِ، وهو عَتَبَ، أيْ: هم مِنَ الإهْمالِ وعَدَمِ الِالتِفاتِ إلَيْهِمْ بِمَنزِلَةِ مَن لا يُؤَهَّلُ لِلْعَتَبِ. وقَدْ قِيلَ: لا يُعاتَبُونَ عَلى سَيِّئاتِهِمْ، بَلْ يُعاقَبُونَ. وقِيلَ: لا يَطْلُبُ لَهُمُ العُتْبى. وقِيلَ: لا يُلْتَمَسُ مِنهم عَمَلٌ وطاعَةٌ، ولَكِنْ ضَرْبَنا إشارَةً إلى إزالَةِ الأعْذارِ والإتْيانِ بِما فَوْقَ الكِفايَةِ مِنَ الإنْذارِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وصَفْنا لَهم كُلَّ صِفَةٍ كَأنَّها مَثَلٌ في غَرابَتِها، وقَصَصْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ قِصَّةٍ عَجِيبَةِ الشَّأْنِ، كَصِفَةِ المَبْعُوثِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، وما يُقالُ لَهم، وما لا يَقَعُ مِنِ اعْتِذارِهِمْ، ولا يُسْمَعُ مِنِ اسْتِعْتابِهِمْ، ولَكِنَّهم لِقَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ ومَجِّ أسْماعِهِمْ حَدِيثَ الآخِرَةِ، إذا جِئْتَهم بِآيَةٍ مِن آياتِ القُرْآنِ قالُوا: أجِئْتَنا بِزُورٍ باطِلٍ ؟ انْتَهى. و(أنْتُمْ) خِطابٌ لِلرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ، أيْ:: تُبْطِلُونَ في دَعْواكُمُ الحَشْرَ والجَزاءَ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: وفي تَوْحِيدِ الخِطابِ بِقَوْلِ: ﴿ولَئِنْ جِئْتَهُمْ﴾ والجَمْعُ في قَوْلِهِ: (إنْ أنْتُمْ) لَطِيفَةٌ، وهي: أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ قالَ: ﴿ولَئِنْ جِئْتَهُمْ﴾ بِكُلِّ آيَةٍ جاءَتْ بِها الرُّسُلُ، فَيُمْكِنُ أنْ يُجاوِبُوهُ بِقَوْلِهِ: أنْتُمْ كُلُّكم أيُّها المُدَّعُونَ الرِّسالَةَ مُبْطِلُونَ. ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ﴾: أيْ مِثْلَ هَذا الطَّبْعِ يَطْبَعُ اللَّهُ، أيْ يَخْتِمُ عَلى قُلُوبِ الجَهَلَةِ الَّذِينَ قَدْ خَتَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الكُفْرَ في الأزَلِ، وأسْنَدَ الطَّبْعَ إلى ذاتِهِ تَعالى، إذْ هو فاعِلُ ذَلِكَ ومُقَدِّرُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْنى طَبَعَ اللَّهُ: صَنَعَ الألْطافَ الَّتِي يَشْرَحُ لَها الصُّدُورَ حَتّى تَقْبَلَ الحَقَّ، ثُمَّ قالَ: فَكَأنَّهُ كَذَلِكَ تَصْدَأُ القُلُوبُ وتَقْسُو قُلُوبُ الجَهَلَةِ حَتّى يُسَمُّوا المُحِقِّينَ مُبْطِلِينَ، وهم أعْرَفُ خَلْقِ اللَّهِ في تِلْكَ الصِّفَةِ. انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ عَلى عَداوَتِهِمْ، وقَوّاهُ بِتَحَقُّقِ الوَعْدِ أنَّهُ لا بُدَّ مِن إنْجازِهِ والوَفاءِ بِهِ، ونَهاهُ عَنِ الِاهْتِزازِ بِكَلامِهِمْ والتَّحَرُّكِ، فَإنَّهم لا يَقِينَ لَهم ولا بَصِيرَةَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، ويَعْقُوبُ: (p-١٨٢)ولا يَسْتَحِقَّنَّكَ: بِحاءٍ مُهْمَلَةٍ وقافٍ، مِنَ الِاسْتِحْقاقِ؛ والجُمْهُورُ: بِخاءٍ مُعْجَمَةٍ وفاءٍ، مِنَ الِاسْتِخْفافِ؛ وسَكَّنَ النُّونَ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ ويَعْقُوبُ، والمَعْنى: لا يَفْتِنُنَّكَ ويَكُونُوا أحَقَّ بِكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. * * سُورَةُ لُقْمانَ مَكِّيَّةٌ مُفْرَداتُ سُورَةِ لُقْمانَ لُقْمانُ: اسْمُ عَلَمٍ، فَإنْ كانَ أعْجَمِيًّا فَمَنعُهُ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعُجْمَةِ والعَلَمِيَّةِ، وإنْ كانَ عَرَبِيًّا فَمَنعُهُ لِلْعَلَمِيَّةِ وزِيادَةِ الألِفِ والنُّونِ، ويَكُونُ مُشْتَقًّا مِنَ اللَّقْمِ مُرْتَجَلًا، إذْ لا يُعْلَمُ لَهُ وضْعٌ في النَّكِراتِ. صَعَّرَ: مُشَدَّدُ العَيْنِ، لُغَةُبَنِي تَمِيمٍ. قالَ شاعِرُهم: ؎وكُنّا إذا الجَبّارُ صَعَّرَ خَدَّهُ أقَمْنا لَهُ مِن مَيْلِهِ فَتَقَوَّما فَتَقَوَّما: أمْرٌ بِالِاسْتِقامَةِ لِلْقَوافِي في المَخْفُوضَةِ، أيْ: فَيَقُومُ إنْ قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وإنْشادُ الطَّبَرِيِّ: فَيُقَوَّما فِعْلًا ماضِيًا خَطَأٌ، وتَصاعَرَ لُغَةُ الحِجازِ، ويُقالُ: يُصَعِّرُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎أقَمْنا لَهُ مِن خَدِّهِ المُتَصَعِّرِ ويُقالُ: أصْعَرَ خَدَّهُ. قالَ الفَضْلُ: هو المَيْلُ، وقالَ اليَزِيدِيُّ: هو التَّشَدُّقُ في الكَلامِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أصْلُ هَذا مِنَ الصَّعَرِ، داءٌ يَأْخُذُ الإبِلَ في رُءُوسِها وأعْناقِها، فَتَلْتَوِي مِنهُ أعْناقُها. القَلَمُ: مَعْرُوفٌ. الخَتّارُ: شَدِيدُ الغَدْرِ، ومِنهُ قَوْلُهم: ؎إنَّكَ لا تَمُدُّ إلَيْنا شِبْرًا مِن غَدْرِ ∗∗∗ إلّا مَدَدْنا لَكَ باعًا مِن خَتْرِ وقالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبَ: ؎وإنَّكَ لَوْ رَأيْتَ أبا عُمَيْرٍ ∗∗∗ مَلَأْتَ يَدَيْكَ مِن غَدْرٍ وخَتْرِ وقالَ الأعْشى: ؎فالأبْلَقُ الفَرْدُ مِن تَيْماءَ مَنزِلُهُ ∗∗∗ حِصْنٌ حَصِينٌ وجارٌ غَيْرُ خَتّارِ

الروم 30:60

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وهو العَلِيمُ القَدِيرُ﴾ ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ فَهَذا يَوْمُ البَعْثِ ولَكِنَّكم كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهم ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ولَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ أنْتُمْ إلّا مُبْطِلُونَ﴾ ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ . لَمّا ذَكَرَ دَلائِلَ الآفاقِ، ذَكَرَ شَيْئًا مِن دَلائِلِ الأنْفُسِ، وجَعَلَ الخَلْقَ مِن ضَعْفٍ، لِكَثْرَةِ ضَعْفِ الإنْسانِ أوَّلَ نَشْأتِهِ وطُفُولِيَّتِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] . والقُوَّةُ الَّتِي تَلَتِ الضَّعْفَ، هي رَعْرَعَتُهُ ونَماؤُهُ وقُوَّتُهُ إلى فَصْلِ الِاكْتِهالِ. والضَّعْفُ الَّذِي بَعْدَ القُوَّةِ هو حالُ الشَّيْخُوخَةِ والهَرَمِ. وقِيلَ: ﴿مِن ضَعْفٍ﴾ مِنَ النُّطْفَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨] . والتَّرْدادُ في هَذِهِ الهَيْئاتِ شاهِدٌ بِقُدْرَةِ الصّانِعِ وعِلْمِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِضَمِّ الضّادِ في (ضُعْفٍ) مَعًا؛ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ: بِفَتْحِها فِيهِما، وهي قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ وأبِيرَجاءٍ. ورُوِيَ عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ والجَحْدَرِيِّ والضَّحّاكِ: الضَّمُّ والفَتْحُ في الثّانِي. وقَرَأ عِيسى: بِضَمَّتَيْنِ فِيهِما. والظّاهِرُ أنَّ الضَّعْفَ والقُوَّةَ هُما بِالنِّسْبَةِ إلى ما عَدا البَدَنِ مِن ذَلِكَ، وإنَّ الضَّمَّ والفَتْحَ بِمَعْنًى واحِدٍ في ضَعْفٍ. وقالَ كَثِيرٌ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ: الضَّمُّ في البَدَنِ، والفَتْحُ في العَقْلِ. (ما لَبِثُوا) هو جَوابٌ، وهو عَلى المَعْنى، إذْ لَوْ حَكى قَوْلَهم، كانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ: ما لَبِثْنا غَيْرَ ساعَةٍ، أيْ: ما أقامُوا تَحْتَ التُّرابِ غَيْرَ ساعَةٍ، وما لَبِثُوا في الدُّنْيا: اسْتَقَلُّوها لِما عايَنُوا مِنَ الآخِرَةِ، أوْ فِيما بَيْنَ فَناءِ الدُّنْيا إلى البَعْثِ، وإخْبارُهم بِذَلِكَ هو عَلى جِهَةِ التَّسَوُّرِ والتَّقَوُّلِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، أوْ عَلى جِهَةِ النِّسْيانِ، أوِ الكَذِبِ. (يُؤْفَكُونَ) أيْ: يُصْرَفُونَ عَنْ قَوْلِ الحَقِّ والنُّطْقِ بِالصِّدْقِ. ﴿الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ هُمُ المَلائِكَةُ والأنْبِياءُ والمُؤْمِنُونَ. ﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ فِيما وعَدَ بِهِ في كِتابِهِ مِنَ الحَشْرِ والبَعْثِ والعِلْمِ يَعُمُّ الإيمانَ وغَيْرَهُ، ولَكِنْ نَصَّ عَلى هَذا الخاصِّ تَشْرِيفًا وتَنْبِيهًا عَلى مَحَلِّهِ مِنَ العِلْمِ. وقِيلَ: ﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، وقِيلَ: في عِلْمِهِ، وقِيلَ: في حُكْمِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ: ”البَعَثِ“، بِفَتْحِ العَيْنِ فِيهِما، وقُرِئَ: بِكَسْرِها، وهو اسْمٌ، والمَفْتُوحُ مَصْدَرٌ. وقالَ قَتادَةُ: هو عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، تَقْدِيرُهُ: أُوتُوا العِلْمَ في كِتابِ اللَّهِ والإيمانَ. ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ﴾ وعَلى هَذا تَكُونُ في بِمَعْنى الباءِ، أيِ: العِلْمُ بِكِتابِ اللَّهِ، ولَعَلَّ هَذا القَوْلَ لا يَصِحُّ عَنْ قَتادَةَ، فَإنَّ فِيهِ تَفْكِيكًا لِلنَّظْمِ، لا يَسُوغُ في كَلامٍ غَيْرِ فَصِيحٍ، فَكَيْفَ يَسُوغُ في كَلامِ اللَّهِ ؟ وكانَ قَتادَةُ مَوْصُوفًا بِعِلْمِ العَرَبِيَّةِ، فَلا يَصْدُرُ عَنْهُ مِثْلُ هَذا القَوْلِ. والفاءُ في: ﴿فَهَذا يَوْمُ البَعْثِ﴾ (p-١٨١)عاطِفَةٌ لِهَذِهِ الجُمْلَةِ المَقُولَةِ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، وهي: ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ﴾ اعْتَقَبَها في الذِّكْرِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما هَذِهِ الفاءُ وما حَقِيقَتُها ؟ قُلْتُ: هي الَّتِي في قَوْلِهِ: ؎فَقَدْ جِئْنا خُراسانا وحَقِيقَتُها أنَّها جَوابُ شَرْطٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، كَأنَّهُ قالَ: إنْ صَحَّ ما قُلْتُمْ مِن أنَّ أقْصى ما يُرادُ بِنا قُلْنا القُفُولَ: قَدْ جِئْنا خُراسانا، وإذا أمْكَنَ جَعْلُ الفاءِ عاطِفَةً، لَمْ يُتَكَلَّفْ إضْمارُ شَرْطٍ، وجَعْلُ الفاءِ جَوابًا لِذَلِكَ الشَّرْطِ المَحْذُوفِ: لا تَعْلَمُونَ لِتَفْرِيطِكم في طَلَبِ الحَقِّ واتِّباعِهِ. وقِيلَ: لا تَعْلَمُونَ البَعْثَ ولا تُعَرَّفُونَ بِهِ، فَصارَ مَصِيرُكم إلى النّارِ، فَتَطْلُبُونَ التَّأْخِيرَ. (فَيَوْمَئِذٍ) أيْ: يَوْمَ إذْ يَقَعُ ذَلِكَ مِن إقْسامِ الكُفّارِ وقَوْلِ أُولِي العِلْمِ لَهم. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: (لا يَنْفَعُ) بِالياءِ هُنا وفي الطُّوَلِ، ووافَقَهم نافِعٌ في الطُّوَلِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ بِتاءِ التَّأْنِيثِ. ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن قَوْلِكَ: اسْتَعْتَبَنِي فُلانٌ فَأعْتَبْتُهُ: أيِ: اسْتَرْضانِي فَأرْضَيْتُهُ، وذَلِكَ إذا كانَ جانِيًا عَلَيْهِ، وحَقِيقَتُهُ: أعْتَبْتَهُ: أزَلْتُ عَتَبَهُ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ؎غَضِبَتْ تَمِيمٌ أنْ يَقَتَّلَ عامِرٌ ∗∗∗ يَوْمَ النِّسارِ فَأُعْتِبُوا بِالصَّيْلَمِ كَيْفَ جَعَلَهم غِضابًا. ثُمَّ قالَ: فَأُعْتِبُوا: أيْ: أُزِيلَ غَضَبُهم، والغَضَبُ في مَعْنى العَتَبِ، والمَعْنى: لا يُقالُ لَهم أرْضُوا رَبَّكم بِتَوْبَةٍ وطاعَةٍ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنها ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الجاثية: ٣٥] . (فَإنْ قُلْتَ) كَيْفَ جُعِلُوا غَيْرَ مُسْتَعْتَبِينَ في بَعْضِ الآياتِ، وغَيْرَ مُعْتَبِينَ في بَعْضِها ؟ وقَوْلُهُ: ﴿وإنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ [فصلت: ٢٤] ؟ قُلْتُ: أمّا كَوْنُهم غَيْرَ مُسْتَعْتَبِينَ، فَهَذا مَعْناهُ؛ وأمّا كَوْنُهم غَيْرَ مُعْتَبِينَ، فَمَعْناهُ أنَّهم غَيْرُ راضِينَ بِما هم فِيهِ؛ فَشَبَّهَتْ حالَهم بِحالِ قَوْمٍ جُنِيَ عَلَيْهِمْ، فَهم عاتِبُونَ عَلى الجانِي، غَيْرُ راضِينَ مِنهُ. فَإنْ يَسْتَعْتِبُوا اللَّهَ: أيْ: يَسْألُوهُ إزالَةَ ما هم فِيهِ، فَما هم مِنَ المُجابِينَ إلى إزالَتِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا إخْبارٌ عَنْ هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، وشِدَّةِ أحْوالِهِ عَلى الكَفَرَةِ في أنَّهم لا يَنْفَعُهُمُ الِاعْتِذارُ، ولا يُعْطُونَ عُتْبى، وهو الرِّضا. و(يُسْتَعْتَبُونَ) بِمَعْنى: يَعْتِبُونَ، كَما تَقُولُ: يَمْلِكُ ويُسْتَمْلَكُ. والبابُ في اسْتَفْعَلَ أنَّهُ طَلَبُ الشَّيْءِ ولَيْسَ هَذا مِنهُ؛ لِأنَّ المَعْنى لا يَفْسُدُ إذا كانَ المَفْهُومُ مِنهُ: ولا يُطْلَبُ مِنهم عُتْبى. انْتَهى. فَيَكُونُ اسْتَفْعَلَ في هَذا بِمَعْنى الفِعْلِ المُجَرَّدِ، وهو عَتَبَ، أيْ: هم مِنَ الإهْمالِ وعَدَمِ الِالتِفاتِ إلَيْهِمْ بِمَنزِلَةِ مَن لا يُؤَهَّلُ لِلْعَتَبِ. وقَدْ قِيلَ: لا يُعاتَبُونَ عَلى سَيِّئاتِهِمْ، بَلْ يُعاقَبُونَ. وقِيلَ: لا يَطْلُبُ لَهُمُ العُتْبى. وقِيلَ: لا يُلْتَمَسُ مِنهم عَمَلٌ وطاعَةٌ، ولَكِنْ ضَرْبَنا إشارَةً إلى إزالَةِ الأعْذارِ والإتْيانِ بِما فَوْقَ الكِفايَةِ مِنَ الإنْذارِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وصَفْنا لَهم كُلَّ صِفَةٍ كَأنَّها مَثَلٌ في غَرابَتِها، وقَصَصْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ قِصَّةٍ عَجِيبَةِ الشَّأْنِ، كَصِفَةِ المَبْعُوثِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، وما يُقالُ لَهم، وما لا يَقَعُ مِنِ اعْتِذارِهِمْ، ولا يُسْمَعُ مِنِ اسْتِعْتابِهِمْ، ولَكِنَّهم لِقَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ ومَجِّ أسْماعِهِمْ حَدِيثَ الآخِرَةِ، إذا جِئْتَهم بِآيَةٍ مِن آياتِ القُرْآنِ قالُوا: أجِئْتَنا بِزُورٍ باطِلٍ ؟ انْتَهى. و(أنْتُمْ) خِطابٌ لِلرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ، أيْ:: تُبْطِلُونَ في دَعْواكُمُ الحَشْرَ والجَزاءَ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: وفي تَوْحِيدِ الخِطابِ بِقَوْلِ: ﴿ولَئِنْ جِئْتَهُمْ﴾ والجَمْعُ في قَوْلِهِ: (إنْ أنْتُمْ) لَطِيفَةٌ، وهي: أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ قالَ: ﴿ولَئِنْ جِئْتَهُمْ﴾ بِكُلِّ آيَةٍ جاءَتْ بِها الرُّسُلُ، فَيُمْكِنُ أنْ يُجاوِبُوهُ بِقَوْلِهِ: أنْتُمْ كُلُّكم أيُّها المُدَّعُونَ الرِّسالَةَ مُبْطِلُونَ. ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ﴾: أيْ مِثْلَ هَذا الطَّبْعِ يَطْبَعُ اللَّهُ، أيْ يَخْتِمُ عَلى قُلُوبِ الجَهَلَةِ الَّذِينَ قَدْ خَتَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الكُفْرَ في الأزَلِ، وأسْنَدَ الطَّبْعَ إلى ذاتِهِ تَعالى، إذْ هو فاعِلُ ذَلِكَ ومُقَدِّرُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْنى طَبَعَ اللَّهُ: صَنَعَ الألْطافَ الَّتِي يَشْرَحُ لَها الصُّدُورَ حَتّى تَقْبَلَ الحَقَّ، ثُمَّ قالَ: فَكَأنَّهُ كَذَلِكَ تَصْدَأُ القُلُوبُ وتَقْسُو قُلُوبُ الجَهَلَةِ حَتّى يُسَمُّوا المُحِقِّينَ مُبْطِلِينَ، وهم أعْرَفُ خَلْقِ اللَّهِ في تِلْكَ الصِّفَةِ. انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ عَلى عَداوَتِهِمْ، وقَوّاهُ بِتَحَقُّقِ الوَعْدِ أنَّهُ لا بُدَّ مِن إنْجازِهِ والوَفاءِ بِهِ، ونَهاهُ عَنِ الِاهْتِزازِ بِكَلامِهِمْ والتَّحَرُّكِ، فَإنَّهم لا يَقِينَ لَهم ولا بَصِيرَةَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، ويَعْقُوبُ: (p-١٨٢)ولا يَسْتَحِقَّنَّكَ: بِحاءٍ مُهْمَلَةٍ وقافٍ، مِنَ الِاسْتِحْقاقِ؛ والجُمْهُورُ: بِخاءٍ مُعْجَمَةٍ وفاءٍ، مِنَ الِاسْتِخْفافِ؛ وسَكَّنَ النُّونَ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ ويَعْقُوبُ، والمَعْنى: لا يَفْتِنُنَّكَ ويَكُونُوا أحَقَّ بِكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. * * سُورَةُ لُقْمانَ مَكِّيَّةٌ مُفْرَداتُ سُورَةِ لُقْمانَ لُقْمانُ: اسْمُ عَلَمٍ، فَإنْ كانَ أعْجَمِيًّا فَمَنعُهُ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعُجْمَةِ والعَلَمِيَّةِ، وإنْ كانَ عَرَبِيًّا فَمَنعُهُ لِلْعَلَمِيَّةِ وزِيادَةِ الألِفِ والنُّونِ، ويَكُونُ مُشْتَقًّا مِنَ اللَّقْمِ مُرْتَجَلًا، إذْ لا يُعْلَمُ لَهُ وضْعٌ في النَّكِراتِ. صَعَّرَ: مُشَدَّدُ العَيْنِ، لُغَةُبَنِي تَمِيمٍ. قالَ شاعِرُهم: ؎وكُنّا إذا الجَبّارُ صَعَّرَ خَدَّهُ أقَمْنا لَهُ مِن مَيْلِهِ فَتَقَوَّما فَتَقَوَّما: أمْرٌ بِالِاسْتِقامَةِ لِلْقَوافِي في المَخْفُوضَةِ، أيْ: فَيَقُومُ إنْ قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وإنْشادُ الطَّبَرِيِّ: فَيُقَوَّما فِعْلًا ماضِيًا خَطَأٌ، وتَصاعَرَ لُغَةُ الحِجازِ، ويُقالُ: يُصَعِّرُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎أقَمْنا لَهُ مِن خَدِّهِ المُتَصَعِّرِ ويُقالُ: أصْعَرَ خَدَّهُ. قالَ الفَضْلُ: هو المَيْلُ، وقالَ اليَزِيدِيُّ: هو التَّشَدُّقُ في الكَلامِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أصْلُ هَذا مِنَ الصَّعَرِ، داءٌ يَأْخُذُ الإبِلَ في رُءُوسِها وأعْناقِها، فَتَلْتَوِي مِنهُ أعْناقُها. القَلَمُ: مَعْرُوفٌ. الخَتّارُ: شَدِيدُ الغَدْرِ، ومِنهُ قَوْلُهم: ؎إنَّكَ لا تَمُدُّ إلَيْنا شِبْرًا مِن غَدْرِ ∗∗∗ إلّا مَدَدْنا لَكَ باعًا مِن خَتْرِ وقالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبَ: ؎وإنَّكَ لَوْ رَأيْتَ أبا عُمَيْرٍ ∗∗∗ مَلَأْتَ يَدَيْكَ مِن غَدْرٍ وخَتْرِ وقالَ الأعْشى: ؎فالأبْلَقُ الفَرْدُ مِن تَيْماءَ مَنزِلُهُ ∗∗∗ حِصْنٌ حَصِينٌ وجارٌ غَيْرُ خَتّارِ