Lafzullah

Al-Bahr Al-Muhit — الأحزاب 33:63 – سبأ 34:14

المؤلف / المصدر: Al-Bahr Al-Muhit

المحتويات
  1. الأحزاب 33:63
  2. الأحزاب 33:64
  3. الأحزاب 33:65
  4. الأحزاب 33:66
  5. الأحزاب 33:67
  6. الأحزاب 33:68
  7. الأحزاب 33:69
  8. الأحزاب 33:70
  9. الأحزاب 33:71
  10. الأحزاب 33:72
  11. الأحزاب 33:73
  12. سبأ 34:1
  13. سبأ 34:2
  14. سبأ 34:3
  15. سبأ 34:4
  16. سبأ 34:5
  17. سبأ 34:6
  18. سبأ 34:7
  19. سبأ 34:8
  20. سبأ 34:9
  21. سبأ 34:10
  22. سبأ 34:11
  23. سبأ 34:12
  24. سبأ 34:13
  25. سبأ 34:14

الأحزاب 33:63

﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ وبَناتِكَ ونِساءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أدْنى أنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿مَلْعُونِينَ أيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ ﴿سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ ﴿يَسْألُكَ النّاسُ عَنِ السّاعَةِ قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ لَعَنَ الكافِرِينَ وأعَدَّ لَهم سَعِيرًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا لا يَجِدُونَ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهم في النّارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أطَعْنا اللَّهَ وأطَعْنا الرَّسُولا﴾ ﴿وقالُوا رَبَّنا إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلا﴾ ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ والعَنْهم لَعْنًا كَبِيرًا﴾ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأهُ اللَّهُ مِمّا قالُوا وكانَ عِنْدَ اللَّهِ وجِيهًا﴾ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ ﴿يُصْلِحْ لَكم أعْمالَكم ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنها وحَمَلَها الإنْسانُ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢] ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ ويَتُوبَ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٣] . (p-٢٥٠)كانَ دَأْبُ الجاهِلِيَّةِ أنْ تَخْرُجَ الحُرَّةُ والأمَةُ مَكْشُوفَتَيِ الوَجْهِ في دِرْعٍ وخِمارٍ، وكانَ الزُّناةُ يَتَعَرَّضُونَ إذا خَرَجْنَ بِاللَّيْلِ لِقَضاءِ حَوائِجِهِنَّ في النَّخِيلِ والغِيطانِ لِلْإماءِ، ورُبَّما تَعَرَّضُوا لِلْحُرَّةِ بِعِلَّةِ الأمَةِ، يَقُولُونَ: حَسِبْناها أمَةً، فَأُمِرْنَ أنْ يُخالِفْنَ بِزِيِّهِنَّ عَنْ زِيِّ الإماءِ، بِلُبْسِ الأرْدِيَةِ والمَلاحِفِ، وسَتْرِ الرُّءُوسِ والوُجُوهِ، لِيَحْتَشِمْنَ ويُهَبْنَ، فَلا يُطْمَعُ فِيهِنَّ. ورُوِيَ أنَّهُ كانَ في المَدِينَةِ قَوْمٌ يَجْلِسُونَ عَلى الصُّعُداتِ لِرُؤْيَةِ النِّساءِ ومُعارَضَتِهِنَّ ومُراوَدَتِهِنَّ، فَنَزَلَتْ. قِيلَ: والجَلابِيبُ: الأرْدِيَةُ الَّتِي تَسْتُرُ مِن فَوْقَ إلى أسْفَلَ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: المَقانِعُ؛ وقِيلَ: المَلاحِفُ، وقِيلَ: الجِلْبابُ: كُلُّ ثَوْبٍ تَلْبَسُهُ المَرْأةُ فَوْقَ ثِيابِها، وقِيلَ: كُلُّ ما تَسْتَتِرُ بِهِ مِن كِساءٍ أوْ غَيْرِهِ. قالَ أبُو زَيْدٍ: ؎تَجَلْبَبْتُ مِن سَوادِ اللَّيْلِ جِلْبابًا وقِيلَ: الجِلْبابُ أكْبَرُ مِنَ الخِمارِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: تُلْقِي جانِبَ الجِلْبابِ عَلى غَيْرِها ولا يُرى. وقالَ عَبِيدَةُ السَّلْمانِيُّ حِينَ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، فَقالَ: أنْ تَضَعَ رِداءَها فَوْقَ الحاجِبِ، ثُمَّ تُدِيرُهُ حَتّى تَضَعَهُ عَلى أنْفِها. وقالَ السُّدِّيُّ: تُغَطِّي إحْدى عَيْنَيْها وجَبْهَتَها والشِّقَّ الآخَرَ إلّا العَيْنَ. انْتَهى. وكَذا عادَةُ بِلادِ الأنْدَلُسِ، لا يَظْهَرُ مِنَ المَرْأةِ إلّا عَيْنُها الواحِدَةُ. وقالَ الكِسائِيُّ: يَتَقَنَّعْنَ بِمَلاحِفِهِنَّ مُنْضَمَّةً عَلَيْهِنَّ، أرادَ بِالِانْضِمامِ مَعْنى الإدْناءِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: وذَلِكَ أنْ تَلْوِيَهُ فَوْقَ الجَبِينِ وتَشُدَّهُ، ثُمَّ تَعْطِفَهُ عَلى الأنْفِ، وإنْ ظَهَرَتْ عَيْناها، لَكِنَّهُ يَسْتُرُ الصَّدْرَ ومُعْظَمَ الوَجْهِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ونِساءِ المُؤْمِنِينَ﴾ يَشْمَلُ الحَرائِرَ والإماءَ، والفِتْنَةُ بِالإماءِ أكْثَرُ، لِكَثْرَةِ تَصَرُّفِهِنَّ بِخِلافِ الحَرائِرِ، فَيَحْتاجُ إخْراجُهُنَّ مِن عُمُومِ النِّساءِ إلى دَلِيلٍ واضِحٍ. و”مِن“ في: ﴿مِن جَلابِيبِهِنَّ﴾ لِلتَّبْعِيضِ، و(عَلَيْهِنَّ) شامِلٌ لِجَمِيعِ أجْسادِهِنَّ، أوْ (عَلَيْهِنَّ) عَلى وُجُوهِهِنَّ؛ لِأنَّ الَّذِي كانَ يَبْدُو مِنهُنَّ في الجاهِلِيَّةِ هو الوَجْهُ. ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يُعْرَفْنَ﴾ لِتَسَتُّرِهِنَّ بِالعِفَّةِ، فَلا يُتَعَرَّضُ لَهُنَّ، ولا يُلْقَيْنَ بِما يَكْرَهْنَ؛ لِأنَّ المَرْأةَ إذا كانَتْ في غايَةِ التَّسَتُّرِ والِانْضِمامِ لَمْ يُقْدَمْ عَلَيْها بِخِلافِ المُتَبَرِّجَةِ، فَإنَّها مَطْمُوعٌ فِيها. (وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) تَأْنِيسٌ لِلنِّساءِ في تَرْكِ الِاسْتِتارِ قَبْلَ أنْ يُؤْمَرْنَ بِذَلِكَ. ولَمّا ذَكَرَ حالَ المُشْرِكِ الَّذِي يُؤْذِي اللَّهَ ورَسُولَهُ، والمُجاهِرَ الَّذِي يُؤْذِي المُؤْمِنِينَ، ذَكَرَ حالَ المُسِرِّ الَّذِي يُؤْذِي اللَّهَ ورَسُولَهُ، ويُظْهِرُ الحَقَّ ويُضْمِرُ النِّفاقَ. ولَمّا كانَ المُؤْذُونَ ثَلاثَةً بِاعْتِبارِ إذايَتِهِمْ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ، كانَ المُشْرِكُونَ ثَلاثَةً: مُنافِقٌ، ومَن في قَلْبِهِ مَرَضٌ، ومُرْجِفٌ. فالمُنافِقُ يُؤْذِي سِرًّا، والثّانِي يُؤْذِي المُؤْمِنَ بِاتِّباعِ نِسائِهِ، والثّالِثُ يُرْجِفُ بِالرَّسُولِ، يَقُولُ: غُلِبَ، سَيُخْرَجُ مِنَ المَدِينَةِ، سَيُؤْخَذُ، هُزِمَتْ سَراياهُ. وظاهِرُ العَطْفِ التَّغايُرُ بِالشَّخْصِ، فَيَكُونُ المَعْنى: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ عَنْ عَداوَتِهِمْ وكَيْدِهِمْ، والفَسَقَةُ عَنْ فُجُورِهِمْ، والمُرْجِفُونَ عَمّا يَقُولُونَ (p-٢٥١)مِن أخْبارِ السُّوءِ ويُشِيعُونَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّغايُرُ بِالوَصْفِ، فَيَكُونُ واحِدًا بِالشَّخْصِ ثَلاثَةً بِالوَصْفِ. كَما جاءَ: إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ، فَذَكَرَ أوْصافًا عَشَرَةً، والمَوْصُوفُ بِها واحِدٌ، ونَصَّ عَلى هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ مِنَ المُنافِقِينَ لِشِدَّةِ ضَرَرِهِما عَلى المُؤْمِنِينَ. قالَ عِكْرِمَةُ: (الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) هو الغَزَلُ وحُبُّ الزِّنى، ومِنهُ: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢] . وقالَ السُّدِّيُّ: المَرَضُ: النِّفاقُ، ومَن في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ الَّذِينَ آذَوْا عُمَرَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مَن آذى المُسْلِمِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (المُرْجِفُونَ) مُلْتَمِسُو الفِتَنَ. وقالَ قَتادَةُ: الَّذِينَ يُؤْذُونَ قُلُوبَ المُؤْمِنِينَ بِإيهامِ القَتْلِ والهَزِيمَةِ. ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ أيْ: لَنُسَلِّطَنَّكَ عَلَيْهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ قَتادَةُ: لَنَحْرُسُنَّكَ بِهِمْ. ﴿ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها﴾ أيْ في المَدِينَةِ، و﴿ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ﴾ ولَمْ يَكُنِ العَطْفُ بِالفاءِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ أنَّهُ مُتَسَبِّبٌ عَنِ الإغْراءِ، بَلْ كَوْنُهُ جَوابًا لِلْقَسَمِ أبْلَغُ. وكانَ العَطْفُ بِـ: ثُمَّ؛ لِأنَّ الجَلاءَ عَنِ الوَطَنِ كانَ أعْظَمَ عَلَيْهِمْ مِن جَمِيعِ ما أُصِيبُوا بِهِ، فَتَراخَتْ حالَةُ الجَلاءِ عَنْ حالَةِ الإغْراءِ. (إلّا قَلِيلًا) أيْ: جِوارًا قَلِيلًا، أوْ زَمانًا قَلِيلًا، أوْ عَدَدًا قَلِيلًا، وهَذا الأخِيرُ اسْتِثْناءٌ مِنَ المَنطُوقِ، وهو ضَمِيرُ الرَّفْعِ في ﴿يُجاوِرُونَكَ﴾ أوْ يَنْتَصِبُ قَلِيلًا عَلى الحالِ، أيْ: إلّا قَلِيلِينَ، والأوَّلُ اسْتِثْناءٌ مِنَ المَصْدَرِ الدّالِّ عَلَيْهِ ﴿يُجاوِرُونَكَ﴾ والثّانِي مِنَ الزَّمانِ الدّالِّ عَلَيْهِ ﴿يُجاوِرُونَكَ﴾ والمَعْنى: أنَّهم يُضْطَرُّونَ إلى طَلَبِ الجَلاءِ عَنِ المَدِينَةِ خَوْفَ القَتْلِ. وانْتَصَبَ ﴿مَلْعُونِينَ﴾ عَلى الذَّمِّ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ. وأجازَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (قَلِيلًا) قالَ: هو مِن إقْلاءِ الَّذِي قَدَّرْناهُ؛ وأجازَ هو أيْضًا أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿يُجاوِرُونَكَ﴾ قالَ: كَأنَّهُ قالَ: يَنْتَفُونَ مِنَ المَدِينَةِ مُعَلْوِنِينَ، فَلا يُقَدِّرُ ﴿لا يُجاوِرُونَكَ﴾ فَقَدَّرَ ”يَنْتَفُونَ“ حَسَنٌ هَذا. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ والحَوْفِيُّ وتَبِعَهُما أبُو البَقاءِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في (لا ﴿يُجاوِرُونَكَ﴾) كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا نَصُّهُ مَلْعُونِينَ، نُصِبَ عَلى الشَّتْمِ أوِ الحالِ أيْ: لا يُجاوِرُونَكَ إلّا مَلْعُونِينَ. دَخَلَ حَرْفُ الِاسْتِثْناءِ عَلى الظَّرْفِ والحالِ مَعًا، كَما مَرَّ في قَوْلِ: ﴿إلّا أنْ يُؤْذَنَ لَكم إلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣] ولا يَصِحُّ أنْ يَنْتَصِبَ مِن أُخِذُوا لِأنَّ ما بَعْدَ كَلِمَةِ الشَّرْطِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها. انْتَهى. وتَقَدَّمَ الكَلامُ مَعَهُ في مَجِيءِ الحالِ مِمّا قَبْلُ إلّا مَذْكُورَةً بَعْدَما اسْتَثْنى بِإلّا، فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُنْصَبًّا عَلَيْهِما، وأنَّ جُمْهُورَ البَصْرِيِّينَ مَنَعُوا مِن ذَلِكَ. وأمّا تَجْوِيزُ ابْنِ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا فالبَدَلُ بِالمُشْتَقِّ قَلِيلٌ. وأمّا قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: لِأنَّ ما بَعْدَ كَلِمَةِ الشَّرْطِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها فَلَيْسَ هَذا مُجْمَعًا عَلَيْهِ؛ لِأنَّ ما بَعْدَ كَلِمَةِ الشَّرْطِ شَيْئانِ: فِعْلُ الشَّرْطِ والجَوابُ، فَأمّا فِعْلُ الشَّرْطِ فَأجازَ الكِسائِيُّ تَقْدِيمَ مَعْمُولِهِ عَلى الكَلِمَةِ، أجازَ: زَيْدٌ أنْ يَضْرِبَ اضْرِبْهُ، وأمّا الجَوابُ فَقَدْ أجازَ أيْضًا تَقْدِيمَ مَعْمُولِهِ عَلَيْهِ نَحْوُ: إنْ يُقِمْ زَيْدٌ عَمْرًا يُضْرَبْ. وقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ النَّحْوِيِّينَ أنَّهُ قالَ المَعْنى: ﴿أيْنَما ثُقِفُوا﴾ أُخِذُوا مَلْعُونِينَ، والصَّحِيحُ أنَّ مَلْعُونِينَ صِفَةً لِقَلِيلٍ، أيْ: إلّا قَلِيلِينَ مَلْعُونِينَ، ويَكُونُ قَلِيلًا مُسْتَثْنًى مِنَ الواوِ في ﴿لا يُجاوِرُونَكَ﴾، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ صِفَةٌ أيْضًا أيْ: مَقْهُورِينَ مَغْلُوبًا عَلَيْهِمْ. ومَعْنى (ثُقِفُوا) حُصِرُوا وظَفِرَ بِهِمْ، ومَعْنى ﴿أُخِذُوا﴾ أُسِرُوا، والأخِيذُ: الأسِيرُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (قُتِّلُوا) بِتَشْدِيدِ التّاءِ. وفِرْقَةٌ: بِتَخْفِيفِها فَيَكُونُ ﴿تَقْتِيلًا﴾ مَصْدَرًا عَلى غَيْرِ قِياسِ المَصْدَرِ. والظّاهِرُ أنَّ المُنافِقِينَ انْتَهَوْا عَمّا كانُوا يُؤْذُونَ بِهِ الرَّسُولَ ﷺ والمُؤْمِنِينَ، وتَسَتَّرَ جَمِيعُهم، وكَفُّوا خَوْفًا مِن أنْ يَقَعَ بِهِمْ ما وقَعَ القَسَمُ عَلَيْهِ، وهو الإغْراءُ والجَلاءُ والأخْذُ والقَتْلُ. وقِيلَ: لَمْ يَمْتَثِلُوا لِلِانْتِهاءِ جُمْلَةً، ولا نُفِّذَ عَلَيْهِمُ الوَعِيدُ كامِلًا. ألا تَرى إلى إخْراجِهِمْ مِنَ المَسْجِدِ، ونَهْيِهِ عَنِ الصَّلاةِ عَلَيْهِمْ، وما نَزَلَ فِيهِمْ في سُورَةِ بَراءَةَ ؟ وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ لَمْ يَنْتَهِ هَؤُلاءِ الأصْنافُ، ولَمْ يُنَفِّذِ اللَّهُ الوَعِيدَ عَلَيْهِمْ فَفِيهِ (p-٢٥٢)دَلِيلٌ عَلى بُطْلانِ القَوْلِ بِإنْفاذِ الوَعِيدِ في الآخِرَةِ، ويَكُونُ هَذا الوَعِيدُ مَفْرُوضًا ومَشْرُوطًا بِالمَشِيئَةِ. (سُنَّةَ اللَّهِ) مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ أيْ: سَنَّ اللَّهُ في الَّذِينَ يُنافِقُونَ الأنْبِياءَ أنْ يُقْتَلُوا حَيْثُما ظُفِرَ بِهِمْ. وعَنْ مُقاتِلٍ: كَما قُتِلَ أهْلُ بَدْرٍ وأُسِرُوا، فالَّذِينَ خَلَوْا يَشْمَلُ أتْباعَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ نافَقُوا، ومَن قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ. ﴿يَسْألُكَ النّاسُ﴾ أيِ: المُشْرِكُونَ، عَنْ وقْتِ قِيامِ السّاعَةِ اسْتِعْجالًا عَلى سَبِيلِ الهُزْءِ، واليَهُودُ عَلى سَبِيلِ الِامْتِحانِ، إذْ كانَتْ مُعَمًّى وقْتُها في التَّوْراةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِأنْ يَرُدَّ العِلْمَ إلى اللَّهِ، إذْ لَمْ يُطْلِعْ عَلَيْها مَلَكًا ولا نَبِيًّا. ولَمّا ذَكَرَ حالَهم في الدُّنْيا أنَّهم مَلْعُونُونَ مُهانُونَ مَقْتُولُونَ بَيَّنَ حالَهم في الآخِرَةِ. (وما يُدْرِيكَ) ما اسْتِفْهامٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ أيْ: وأيُّ شَيْءٍ يُدْرِيكَ بِها ؟ ومَعْناهُ النَّفْيُ أيْ: ما يُدْرِيكَ بِها أحَدٌ. ﴿لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ بَيَّنَ قُرْبَ السّاعَةِ، وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِلْمُمْتَحَنِ، وتَهْدِيدٌ لِلْمُسْتَعْجِلِ. وانْتَصَبَ (قَرِيبًا) عَلى الظَّرْفِ أيْ: في زَمانٍ قَرِيبٍ، إذِ اسْتِعْمالُهُ ظَرْفًا كَثِيرٌ، ويُسْتَعْمَلُ أيْضًا غَيْرَ ظَرْفٍ، تَقُولُ: إنَّ قَرِيبًا مِنكَ زَيْدًا، فَجازَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: شَيْئًا قَرِيبًا، أوْ تَكُونَ السّاعَةُ بِمَعْنى الوَقْتِ، فَذَكَّرَ (قَرِيبًا) عَلى المَعْنى. أوْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: لَعَلَّ قِيامَ السّاعَةِ، فَلُوحِظَ السّاعَةُ في (تَكُونُ) فَأُنِّثَ، ولُوحِظَ المُضافُ المَحْذُوفُ وهو ”قِيامُ“ في (قَرِيبًا) فَذُكِّرَ. ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ (يَوْمَ) بِقَوْلِهِ: (لا يَجِدُونَ) ويَكُونُ (يَقُولُونَ) اسْتِئْنافٌ إخْبارٌ عَنْهم، أوْ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِمْ: (ولا نَصِيرًا) . ويَنْتَصِبُ (يَوْمَ) بِقَوْلِهِ: (يَقُولُونَ) أوْ بِمَحْذُوفٍ أيِ: اذْكُرْ و(يَقُولُونَ) حالٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تُقَلَّبُ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. والحَسَنُ وعِيسى وأبُو جَعْفَرٍ الرُّؤاسِيُّ: بِفَتْحِ التّاءِ، أيْ: تَتَقَلَّبُ وحَكاها ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي حَيْوَةَ. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ عَنْ أبِي حَيْوَةَ: ”نُقَلِّبُ“ بِالنُّونِ، (وُجُوهَهم) بِالنَّصْبِ. وحَكاها ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي حَيْوَةَ أيْضًا وخارِجَةَ. زادَ صاحِبُ اللَّوامِحِ أنَّها قِراءَةُ عِيسى البَصْرِيِّ. وقَرَأ عِيسى الكُوفِيُّ كَذَلِكَ إلّا أنَّ بَدَلَ النُّونِ تاءٌ، وفاعِلُ (تُقَلَّبُ) ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى (سَعِيرًا) وعَلى جَهَنَّمَ أُسْنِدَ إلَيْهِما اتِّساعًا. وقِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ: تَتَقَلَّبُ بِتاءَيْنِ، وتَقْلِيبُ الوُجُوهِ في النّارِ: تَحَرُّكُها في الجِهاتِ، أوْ تَغَيُّرُها عَنْ هَيْئاتِها، أوْ إلْقاؤُها في النّارِ مَنكُوسَةً. والظّاهِرُ هو الأوَّلُ، والوَجْهُ أشْرَفُ ما في الإنْسانِ، فَإذا قُلِّبَ في النّارِ كانَ تَقْلِيبُ ما سِواهُ أوْلى. وعَبَّرَ بِالوَجْهِ عَنِ الجُمْلَةِ، وتَمَنِّيهم حَيْثُ لا يَنْفَعُ، وتَشَكِّيهِمْ مِن كُبَرائِهِمْ لا يُجْدِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿سادَتَنا﴾ جَمْعًا عَلى وزْنِ فَعَلاتٍ، أصْلُهُ سُوَدَةٌ، وهو شاذٌّ في جَمْعِ فَيْعِلٍ، فَإنْ جُعِلَتْ جَمْعَ سائِدٍ قَرُبَ مِنَ القِياسِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، والسُّلَمِيُّ، وابْنُ عامِرٍ، والعامَّةُ في الجامِعِ بِالبَصْرَةِ: ”ساداتِنا“ عَلى الجَمْعِ بِالألِفِ والتّاءِ، وهو لا يَنْقاسُ، كَسُوقاتِ ومُوالِياتِ بَنِي هاشِمٍ. وسادَتُهم: رُؤَساءُ الكُفْرِ الَّذِينَ لَقَّنُوهُمُ الكُفْرَ وزَيَّنُوهُ لَهم. قالَ قَتادَةُ: سادَتُنا: رُؤَساؤُنا. وقالَ طاوُسٌ: أشْرافُنا. وقالَ أبُو أُسامَةَ: أُمَراؤُنا وقالَ الشّاعِرُ: ؎تَسَلْسَلَ قَوْمٌ سادَةٌ ثُمَّ زادَةٌ ∗∗∗ يُبْدُونَ أهْلَ الجَمْعِ يَوْمَ المُحَصَّبِ ويُقالُ: ضَلَّ السَّبِيلَ، وضَلَّ عَنِ السَّبِيلِ. فَإذا دَخَلَتْ هَمْزَةُ النَّقْلِ تَعَدّى لِاثْنَيْنِ؛ وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى إثْباتِ الألِفِ في (الرَّسُولا) و(السَّبِيلا) في قَوْلِهِ: ﴿وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا﴾ [الأحزاب: ١٠] . ولَمّا لَمْ يُجْدِ تَمَنِّيهِمُ الإيمانَ بِطاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، ولا قامَ لَهم عُذْرٌ في تَشَكِّيهِمْ مِمَّنْ أضَلَّهم، دَعَوْا عَلى ساداتِهِمْ. ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ﴾ ضِعْفًا عَلى ضَلالِهِمْ في أنْفُسِهِمْ، وضِعْفًا عَلى إضْلالِ مَن أضَلُّوا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: كَثِيرًا بِالثّاءِ المُثَلَّثَةِ. وقَرَأ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، والأعْرَجُ بِخِلافٍ عَنْهُ بِالباءِ. ﴿كالَّذِينَ آذَوْا مُوسى﴾ قِيلَ: نَزَلَتْ في شَأْنِ زَيْدٍ وزَيْنَبَ، وما سُمِعَ فِيهِ مِن قالَةِ بَعْضِ النّاسِ. وقِيلَ: المُرادُ حَدِيثُ الإفْكِ عَلى أنَّهُ ما أُوذِيَ نَبِيٌّ مِثْلَ ما أُوذِيتَ. وفي حَدِيثِ الرَّجُلِ الَّذِي قالَ لِقَسْمٍ قَسَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ ما أُرِيدَ بِها وجْهُ اللَّهِ، فَغَضِبَ وقالَ: «رَحِمَ اللَّهُ أخِي مُوسى، لَقَدْ أُوذِيَ أكْثَرَ مِن هَذا فَصَبَرَ» . وإذايَةُ مُوسى قَوْلُهم: (p-٢٥٣)إنَّهُ أبْرَصُ وآدَرُ، وأنَّهُ حَسَدَ أخاهُ هارُونَ وقَتَلَهُ. أوْ حَدِيثُ المُومِسَةِ المُسْتَأْجَرَةِ لِأنْ تَقُولَ: إنَّ مُوسى زَنى بِها، أوْ ما نَسَبُوهُ إلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ والجُنُونِ، أقْوالٌ. ﴿مِمّا قالُوا﴾ أيْ: مِن وصْمِ ما قالُوا، و”ما“ مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وكانَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الظَّرْفُ مَعْمُولٌ لِـ: (وجِيهًا) أيْ: ذا وجْهٍ ومَنزِلَةٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، تُمِيطُ عَنْهُ الأذى وتَدْفَعُ التُّهَمَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ: عَبْدٌ مِنَ العُبُودِيَّةِ، لِلَّهِ جَرٌّ بِلامِ الجَرِّ، و(عَبْدًا) خَبَرُ كانَ، و(وجِيهًا) صِفَةً لَهُ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنَ شَنَبُوذَ في شَهْرِ رَمَضانَ فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ: وكانَ عَبْدُ اللَّهِ عَلى قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: (وجِيهًا) مَقْبُولًا. وقالَ الحَسَنُ: مُسْتَجابَ الدَّعْوَةِ، ما سَألَ شَيْئًا إلّا أُعْطِيَ، إلّا الرُّؤْيَةَ في الدُّنْيا. وقالَ قُطْرُبٌ: رَفِيعَ القَدْرِ. وقِيلَ: وجاهَتُهُ أنَّهُ كَلَّمَهُ ولَقَّبَهُ كَلِيمَ اللَّهِ. والسَّدِيدُ: تَقَدَّمَ شَرْحُهُ في أوائِلِ النِّساءِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُنا صَوابًا. وقالَ مُقاتِلٌ وقَتادَةُ: سَدِيدًا في شَأْنِ زَيْدٍ وزَيْنَبَ والرَّسُولِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ أيْضًا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقِيلَ: ما يُوافِقُ ظاهِرُهُ باطِنَهُ، وقِيلَ: ما هو إصْلاحٌ مِن تَسْدِيدِ السَّهْمِ لِيُصِيبَ الغَرَضَ، وقِيلَ: السَّدِيدُ يَعُمُّ الخَيْراتِ. ورُتِّبَ عَلى القَوْلِ السَّدِيدِ: صَلاحُ الأعْمالِ وغُفْرانُ الذُّنُوبِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذِهِ الآيَةُ مُقَرِّرَةٌ لِلَّتِي قَبْلَها. بُنِيَتْ تِلْكَ عَلى النَّهْيِ عَمّا يُؤْذى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وهَذِهِ عَلى الأمْرِ بِاتِّقاءِ اللَّهِ في حِفْظِ اللِّسانِ، لِيَتَرادَفَ عَلَيْهِمُ النَّهْيُ والأمْرُ، مَعَ إتْباعِ النَّهْيِ ما يَتَضَمَّنُ الوَعِيدَ مِن قِصَّةِ مُوسى، وإتْباعِ الأمْرِ الوَعْدَ البَلِيغَ، فَيَقْوى الصّارِفُ عَنِ الأذى والدّاعِي إلى تَرْكِهِ. انْتَهى، وهو كَلامٌ حَسَنٌ.

الأحزاب 33:64

﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ وبَناتِكَ ونِساءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أدْنى أنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿مَلْعُونِينَ أيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ ﴿سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ ﴿يَسْألُكَ النّاسُ عَنِ السّاعَةِ قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ لَعَنَ الكافِرِينَ وأعَدَّ لَهم سَعِيرًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا لا يَجِدُونَ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهم في النّارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أطَعْنا اللَّهَ وأطَعْنا الرَّسُولا﴾ ﴿وقالُوا رَبَّنا إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلا﴾ ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ والعَنْهم لَعْنًا كَبِيرًا﴾ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأهُ اللَّهُ مِمّا قالُوا وكانَ عِنْدَ اللَّهِ وجِيهًا﴾ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ ﴿يُصْلِحْ لَكم أعْمالَكم ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنها وحَمَلَها الإنْسانُ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢] ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ ويَتُوبَ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٣] . (p-٢٥٠)كانَ دَأْبُ الجاهِلِيَّةِ أنْ تَخْرُجَ الحُرَّةُ والأمَةُ مَكْشُوفَتَيِ الوَجْهِ في دِرْعٍ وخِمارٍ، وكانَ الزُّناةُ يَتَعَرَّضُونَ إذا خَرَجْنَ بِاللَّيْلِ لِقَضاءِ حَوائِجِهِنَّ في النَّخِيلِ والغِيطانِ لِلْإماءِ، ورُبَّما تَعَرَّضُوا لِلْحُرَّةِ بِعِلَّةِ الأمَةِ، يَقُولُونَ: حَسِبْناها أمَةً، فَأُمِرْنَ أنْ يُخالِفْنَ بِزِيِّهِنَّ عَنْ زِيِّ الإماءِ، بِلُبْسِ الأرْدِيَةِ والمَلاحِفِ، وسَتْرِ الرُّءُوسِ والوُجُوهِ، لِيَحْتَشِمْنَ ويُهَبْنَ، فَلا يُطْمَعُ فِيهِنَّ. ورُوِيَ أنَّهُ كانَ في المَدِينَةِ قَوْمٌ يَجْلِسُونَ عَلى الصُّعُداتِ لِرُؤْيَةِ النِّساءِ ومُعارَضَتِهِنَّ ومُراوَدَتِهِنَّ، فَنَزَلَتْ. قِيلَ: والجَلابِيبُ: الأرْدِيَةُ الَّتِي تَسْتُرُ مِن فَوْقَ إلى أسْفَلَ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: المَقانِعُ؛ وقِيلَ: المَلاحِفُ، وقِيلَ: الجِلْبابُ: كُلُّ ثَوْبٍ تَلْبَسُهُ المَرْأةُ فَوْقَ ثِيابِها، وقِيلَ: كُلُّ ما تَسْتَتِرُ بِهِ مِن كِساءٍ أوْ غَيْرِهِ. قالَ أبُو زَيْدٍ: ؎تَجَلْبَبْتُ مِن سَوادِ اللَّيْلِ جِلْبابًا وقِيلَ: الجِلْبابُ أكْبَرُ مِنَ الخِمارِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: تُلْقِي جانِبَ الجِلْبابِ عَلى غَيْرِها ولا يُرى. وقالَ عَبِيدَةُ السَّلْمانِيُّ حِينَ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، فَقالَ: أنْ تَضَعَ رِداءَها فَوْقَ الحاجِبِ، ثُمَّ تُدِيرُهُ حَتّى تَضَعَهُ عَلى أنْفِها. وقالَ السُّدِّيُّ: تُغَطِّي إحْدى عَيْنَيْها وجَبْهَتَها والشِّقَّ الآخَرَ إلّا العَيْنَ. انْتَهى. وكَذا عادَةُ بِلادِ الأنْدَلُسِ، لا يَظْهَرُ مِنَ المَرْأةِ إلّا عَيْنُها الواحِدَةُ. وقالَ الكِسائِيُّ: يَتَقَنَّعْنَ بِمَلاحِفِهِنَّ مُنْضَمَّةً عَلَيْهِنَّ، أرادَ بِالِانْضِمامِ مَعْنى الإدْناءِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: وذَلِكَ أنْ تَلْوِيَهُ فَوْقَ الجَبِينِ وتَشُدَّهُ، ثُمَّ تَعْطِفَهُ عَلى الأنْفِ، وإنْ ظَهَرَتْ عَيْناها، لَكِنَّهُ يَسْتُرُ الصَّدْرَ ومُعْظَمَ الوَجْهِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ونِساءِ المُؤْمِنِينَ﴾ يَشْمَلُ الحَرائِرَ والإماءَ، والفِتْنَةُ بِالإماءِ أكْثَرُ، لِكَثْرَةِ تَصَرُّفِهِنَّ بِخِلافِ الحَرائِرِ، فَيَحْتاجُ إخْراجُهُنَّ مِن عُمُومِ النِّساءِ إلى دَلِيلٍ واضِحٍ. و”مِن“ في: ﴿مِن جَلابِيبِهِنَّ﴾ لِلتَّبْعِيضِ، و(عَلَيْهِنَّ) شامِلٌ لِجَمِيعِ أجْسادِهِنَّ، أوْ (عَلَيْهِنَّ) عَلى وُجُوهِهِنَّ؛ لِأنَّ الَّذِي كانَ يَبْدُو مِنهُنَّ في الجاهِلِيَّةِ هو الوَجْهُ. ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يُعْرَفْنَ﴾ لِتَسَتُّرِهِنَّ بِالعِفَّةِ، فَلا يُتَعَرَّضُ لَهُنَّ، ولا يُلْقَيْنَ بِما يَكْرَهْنَ؛ لِأنَّ المَرْأةَ إذا كانَتْ في غايَةِ التَّسَتُّرِ والِانْضِمامِ لَمْ يُقْدَمْ عَلَيْها بِخِلافِ المُتَبَرِّجَةِ، فَإنَّها مَطْمُوعٌ فِيها. (وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) تَأْنِيسٌ لِلنِّساءِ في تَرْكِ الِاسْتِتارِ قَبْلَ أنْ يُؤْمَرْنَ بِذَلِكَ. ولَمّا ذَكَرَ حالَ المُشْرِكِ الَّذِي يُؤْذِي اللَّهَ ورَسُولَهُ، والمُجاهِرَ الَّذِي يُؤْذِي المُؤْمِنِينَ، ذَكَرَ حالَ المُسِرِّ الَّذِي يُؤْذِي اللَّهَ ورَسُولَهُ، ويُظْهِرُ الحَقَّ ويُضْمِرُ النِّفاقَ. ولَمّا كانَ المُؤْذُونَ ثَلاثَةً بِاعْتِبارِ إذايَتِهِمْ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ، كانَ المُشْرِكُونَ ثَلاثَةً: مُنافِقٌ، ومَن في قَلْبِهِ مَرَضٌ، ومُرْجِفٌ. فالمُنافِقُ يُؤْذِي سِرًّا، والثّانِي يُؤْذِي المُؤْمِنَ بِاتِّباعِ نِسائِهِ، والثّالِثُ يُرْجِفُ بِالرَّسُولِ، يَقُولُ: غُلِبَ، سَيُخْرَجُ مِنَ المَدِينَةِ، سَيُؤْخَذُ، هُزِمَتْ سَراياهُ. وظاهِرُ العَطْفِ التَّغايُرُ بِالشَّخْصِ، فَيَكُونُ المَعْنى: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ عَنْ عَداوَتِهِمْ وكَيْدِهِمْ، والفَسَقَةُ عَنْ فُجُورِهِمْ، والمُرْجِفُونَ عَمّا يَقُولُونَ (p-٢٥١)مِن أخْبارِ السُّوءِ ويُشِيعُونَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّغايُرُ بِالوَصْفِ، فَيَكُونُ واحِدًا بِالشَّخْصِ ثَلاثَةً بِالوَصْفِ. كَما جاءَ: إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ، فَذَكَرَ أوْصافًا عَشَرَةً، والمَوْصُوفُ بِها واحِدٌ، ونَصَّ عَلى هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ مِنَ المُنافِقِينَ لِشِدَّةِ ضَرَرِهِما عَلى المُؤْمِنِينَ. قالَ عِكْرِمَةُ: (الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) هو الغَزَلُ وحُبُّ الزِّنى، ومِنهُ: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢] . وقالَ السُّدِّيُّ: المَرَضُ: النِّفاقُ، ومَن في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ الَّذِينَ آذَوْا عُمَرَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مَن آذى المُسْلِمِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (المُرْجِفُونَ) مُلْتَمِسُو الفِتَنَ. وقالَ قَتادَةُ: الَّذِينَ يُؤْذُونَ قُلُوبَ المُؤْمِنِينَ بِإيهامِ القَتْلِ والهَزِيمَةِ. ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ أيْ: لَنُسَلِّطَنَّكَ عَلَيْهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ قَتادَةُ: لَنَحْرُسُنَّكَ بِهِمْ. ﴿ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها﴾ أيْ في المَدِينَةِ، و﴿ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ﴾ ولَمْ يَكُنِ العَطْفُ بِالفاءِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ أنَّهُ مُتَسَبِّبٌ عَنِ الإغْراءِ، بَلْ كَوْنُهُ جَوابًا لِلْقَسَمِ أبْلَغُ. وكانَ العَطْفُ بِـ: ثُمَّ؛ لِأنَّ الجَلاءَ عَنِ الوَطَنِ كانَ أعْظَمَ عَلَيْهِمْ مِن جَمِيعِ ما أُصِيبُوا بِهِ، فَتَراخَتْ حالَةُ الجَلاءِ عَنْ حالَةِ الإغْراءِ. (إلّا قَلِيلًا) أيْ: جِوارًا قَلِيلًا، أوْ زَمانًا قَلِيلًا، أوْ عَدَدًا قَلِيلًا، وهَذا الأخِيرُ اسْتِثْناءٌ مِنَ المَنطُوقِ، وهو ضَمِيرُ الرَّفْعِ في ﴿يُجاوِرُونَكَ﴾ أوْ يَنْتَصِبُ قَلِيلًا عَلى الحالِ، أيْ: إلّا قَلِيلِينَ، والأوَّلُ اسْتِثْناءٌ مِنَ المَصْدَرِ الدّالِّ عَلَيْهِ ﴿يُجاوِرُونَكَ﴾ والثّانِي مِنَ الزَّمانِ الدّالِّ عَلَيْهِ ﴿يُجاوِرُونَكَ﴾ والمَعْنى: أنَّهم يُضْطَرُّونَ إلى طَلَبِ الجَلاءِ عَنِ المَدِينَةِ خَوْفَ القَتْلِ. وانْتَصَبَ ﴿مَلْعُونِينَ﴾ عَلى الذَّمِّ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ. وأجازَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (قَلِيلًا) قالَ: هو مِن إقْلاءِ الَّذِي قَدَّرْناهُ؛ وأجازَ هو أيْضًا أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿يُجاوِرُونَكَ﴾ قالَ: كَأنَّهُ قالَ: يَنْتَفُونَ مِنَ المَدِينَةِ مُعَلْوِنِينَ، فَلا يُقَدِّرُ ﴿لا يُجاوِرُونَكَ﴾ فَقَدَّرَ ”يَنْتَفُونَ“ حَسَنٌ هَذا. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ والحَوْفِيُّ وتَبِعَهُما أبُو البَقاءِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في (لا ﴿يُجاوِرُونَكَ﴾) كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا نَصُّهُ مَلْعُونِينَ، نُصِبَ عَلى الشَّتْمِ أوِ الحالِ أيْ: لا يُجاوِرُونَكَ إلّا مَلْعُونِينَ. دَخَلَ حَرْفُ الِاسْتِثْناءِ عَلى الظَّرْفِ والحالِ مَعًا، كَما مَرَّ في قَوْلِ: ﴿إلّا أنْ يُؤْذَنَ لَكم إلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣] ولا يَصِحُّ أنْ يَنْتَصِبَ مِن أُخِذُوا لِأنَّ ما بَعْدَ كَلِمَةِ الشَّرْطِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها. انْتَهى. وتَقَدَّمَ الكَلامُ مَعَهُ في مَجِيءِ الحالِ مِمّا قَبْلُ إلّا مَذْكُورَةً بَعْدَما اسْتَثْنى بِإلّا، فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُنْصَبًّا عَلَيْهِما، وأنَّ جُمْهُورَ البَصْرِيِّينَ مَنَعُوا مِن ذَلِكَ. وأمّا تَجْوِيزُ ابْنِ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا فالبَدَلُ بِالمُشْتَقِّ قَلِيلٌ. وأمّا قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: لِأنَّ ما بَعْدَ كَلِمَةِ الشَّرْطِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها فَلَيْسَ هَذا مُجْمَعًا عَلَيْهِ؛ لِأنَّ ما بَعْدَ كَلِمَةِ الشَّرْطِ شَيْئانِ: فِعْلُ الشَّرْطِ والجَوابُ، فَأمّا فِعْلُ الشَّرْطِ فَأجازَ الكِسائِيُّ تَقْدِيمَ مَعْمُولِهِ عَلى الكَلِمَةِ، أجازَ: زَيْدٌ أنْ يَضْرِبَ اضْرِبْهُ، وأمّا الجَوابُ فَقَدْ أجازَ أيْضًا تَقْدِيمَ مَعْمُولِهِ عَلَيْهِ نَحْوُ: إنْ يُقِمْ زَيْدٌ عَمْرًا يُضْرَبْ. وقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ النَّحْوِيِّينَ أنَّهُ قالَ المَعْنى: ﴿أيْنَما ثُقِفُوا﴾ أُخِذُوا مَلْعُونِينَ، والصَّحِيحُ أنَّ مَلْعُونِينَ صِفَةً لِقَلِيلٍ، أيْ: إلّا قَلِيلِينَ مَلْعُونِينَ، ويَكُونُ قَلِيلًا مُسْتَثْنًى مِنَ الواوِ في ﴿لا يُجاوِرُونَكَ﴾، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ صِفَةٌ أيْضًا أيْ: مَقْهُورِينَ مَغْلُوبًا عَلَيْهِمْ. ومَعْنى (ثُقِفُوا) حُصِرُوا وظَفِرَ بِهِمْ، ومَعْنى ﴿أُخِذُوا﴾ أُسِرُوا، والأخِيذُ: الأسِيرُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (قُتِّلُوا) بِتَشْدِيدِ التّاءِ. وفِرْقَةٌ: بِتَخْفِيفِها فَيَكُونُ ﴿تَقْتِيلًا﴾ مَصْدَرًا عَلى غَيْرِ قِياسِ المَصْدَرِ. والظّاهِرُ أنَّ المُنافِقِينَ انْتَهَوْا عَمّا كانُوا يُؤْذُونَ بِهِ الرَّسُولَ ﷺ والمُؤْمِنِينَ، وتَسَتَّرَ جَمِيعُهم، وكَفُّوا خَوْفًا مِن أنْ يَقَعَ بِهِمْ ما وقَعَ القَسَمُ عَلَيْهِ، وهو الإغْراءُ والجَلاءُ والأخْذُ والقَتْلُ. وقِيلَ: لَمْ يَمْتَثِلُوا لِلِانْتِهاءِ جُمْلَةً، ولا نُفِّذَ عَلَيْهِمُ الوَعِيدُ كامِلًا. ألا تَرى إلى إخْراجِهِمْ مِنَ المَسْجِدِ، ونَهْيِهِ عَنِ الصَّلاةِ عَلَيْهِمْ، وما نَزَلَ فِيهِمْ في سُورَةِ بَراءَةَ ؟ وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ لَمْ يَنْتَهِ هَؤُلاءِ الأصْنافُ، ولَمْ يُنَفِّذِ اللَّهُ الوَعِيدَ عَلَيْهِمْ فَفِيهِ (p-٢٥٢)دَلِيلٌ عَلى بُطْلانِ القَوْلِ بِإنْفاذِ الوَعِيدِ في الآخِرَةِ، ويَكُونُ هَذا الوَعِيدُ مَفْرُوضًا ومَشْرُوطًا بِالمَشِيئَةِ. (سُنَّةَ اللَّهِ) مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ أيْ: سَنَّ اللَّهُ في الَّذِينَ يُنافِقُونَ الأنْبِياءَ أنْ يُقْتَلُوا حَيْثُما ظُفِرَ بِهِمْ. وعَنْ مُقاتِلٍ: كَما قُتِلَ أهْلُ بَدْرٍ وأُسِرُوا، فالَّذِينَ خَلَوْا يَشْمَلُ أتْباعَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ نافَقُوا، ومَن قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ. ﴿يَسْألُكَ النّاسُ﴾ أيِ: المُشْرِكُونَ، عَنْ وقْتِ قِيامِ السّاعَةِ اسْتِعْجالًا عَلى سَبِيلِ الهُزْءِ، واليَهُودُ عَلى سَبِيلِ الِامْتِحانِ، إذْ كانَتْ مُعَمًّى وقْتُها في التَّوْراةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِأنْ يَرُدَّ العِلْمَ إلى اللَّهِ، إذْ لَمْ يُطْلِعْ عَلَيْها مَلَكًا ولا نَبِيًّا. ولَمّا ذَكَرَ حالَهم في الدُّنْيا أنَّهم مَلْعُونُونَ مُهانُونَ مَقْتُولُونَ بَيَّنَ حالَهم في الآخِرَةِ. (وما يُدْرِيكَ) ما اسْتِفْهامٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ أيْ: وأيُّ شَيْءٍ يُدْرِيكَ بِها ؟ ومَعْناهُ النَّفْيُ أيْ: ما يُدْرِيكَ بِها أحَدٌ. ﴿لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ بَيَّنَ قُرْبَ السّاعَةِ، وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِلْمُمْتَحَنِ، وتَهْدِيدٌ لِلْمُسْتَعْجِلِ. وانْتَصَبَ (قَرِيبًا) عَلى الظَّرْفِ أيْ: في زَمانٍ قَرِيبٍ، إذِ اسْتِعْمالُهُ ظَرْفًا كَثِيرٌ، ويُسْتَعْمَلُ أيْضًا غَيْرَ ظَرْفٍ، تَقُولُ: إنَّ قَرِيبًا مِنكَ زَيْدًا، فَجازَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: شَيْئًا قَرِيبًا، أوْ تَكُونَ السّاعَةُ بِمَعْنى الوَقْتِ، فَذَكَّرَ (قَرِيبًا) عَلى المَعْنى. أوْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: لَعَلَّ قِيامَ السّاعَةِ، فَلُوحِظَ السّاعَةُ في (تَكُونُ) فَأُنِّثَ، ولُوحِظَ المُضافُ المَحْذُوفُ وهو ”قِيامُ“ في (قَرِيبًا) فَذُكِّرَ. ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ (يَوْمَ) بِقَوْلِهِ: (لا يَجِدُونَ) ويَكُونُ (يَقُولُونَ) اسْتِئْنافٌ إخْبارٌ عَنْهم، أوْ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِمْ: (ولا نَصِيرًا) . ويَنْتَصِبُ (يَوْمَ) بِقَوْلِهِ: (يَقُولُونَ) أوْ بِمَحْذُوفٍ أيِ: اذْكُرْ و(يَقُولُونَ) حالٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تُقَلَّبُ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. والحَسَنُ وعِيسى وأبُو جَعْفَرٍ الرُّؤاسِيُّ: بِفَتْحِ التّاءِ، أيْ: تَتَقَلَّبُ وحَكاها ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي حَيْوَةَ. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ عَنْ أبِي حَيْوَةَ: ”نُقَلِّبُ“ بِالنُّونِ، (وُجُوهَهم) بِالنَّصْبِ. وحَكاها ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي حَيْوَةَ أيْضًا وخارِجَةَ. زادَ صاحِبُ اللَّوامِحِ أنَّها قِراءَةُ عِيسى البَصْرِيِّ. وقَرَأ عِيسى الكُوفِيُّ كَذَلِكَ إلّا أنَّ بَدَلَ النُّونِ تاءٌ، وفاعِلُ (تُقَلَّبُ) ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى (سَعِيرًا) وعَلى جَهَنَّمَ أُسْنِدَ إلَيْهِما اتِّساعًا. وقِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ: تَتَقَلَّبُ بِتاءَيْنِ، وتَقْلِيبُ الوُجُوهِ في النّارِ: تَحَرُّكُها في الجِهاتِ، أوْ تَغَيُّرُها عَنْ هَيْئاتِها، أوْ إلْقاؤُها في النّارِ مَنكُوسَةً. والظّاهِرُ هو الأوَّلُ، والوَجْهُ أشْرَفُ ما في الإنْسانِ، فَإذا قُلِّبَ في النّارِ كانَ تَقْلِيبُ ما سِواهُ أوْلى. وعَبَّرَ بِالوَجْهِ عَنِ الجُمْلَةِ، وتَمَنِّيهم حَيْثُ لا يَنْفَعُ، وتَشَكِّيهِمْ مِن كُبَرائِهِمْ لا يُجْدِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿سادَتَنا﴾ جَمْعًا عَلى وزْنِ فَعَلاتٍ، أصْلُهُ سُوَدَةٌ، وهو شاذٌّ في جَمْعِ فَيْعِلٍ، فَإنْ جُعِلَتْ جَمْعَ سائِدٍ قَرُبَ مِنَ القِياسِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، والسُّلَمِيُّ، وابْنُ عامِرٍ، والعامَّةُ في الجامِعِ بِالبَصْرَةِ: ”ساداتِنا“ عَلى الجَمْعِ بِالألِفِ والتّاءِ، وهو لا يَنْقاسُ، كَسُوقاتِ ومُوالِياتِ بَنِي هاشِمٍ. وسادَتُهم: رُؤَساءُ الكُفْرِ الَّذِينَ لَقَّنُوهُمُ الكُفْرَ وزَيَّنُوهُ لَهم. قالَ قَتادَةُ: سادَتُنا: رُؤَساؤُنا. وقالَ طاوُسٌ: أشْرافُنا. وقالَ أبُو أُسامَةَ: أُمَراؤُنا وقالَ الشّاعِرُ: ؎تَسَلْسَلَ قَوْمٌ سادَةٌ ثُمَّ زادَةٌ ∗∗∗ يُبْدُونَ أهْلَ الجَمْعِ يَوْمَ المُحَصَّبِ ويُقالُ: ضَلَّ السَّبِيلَ، وضَلَّ عَنِ السَّبِيلِ. فَإذا دَخَلَتْ هَمْزَةُ النَّقْلِ تَعَدّى لِاثْنَيْنِ؛ وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى إثْباتِ الألِفِ في (الرَّسُولا) و(السَّبِيلا) في قَوْلِهِ: ﴿وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا﴾ [الأحزاب: ١٠] . ولَمّا لَمْ يُجْدِ تَمَنِّيهِمُ الإيمانَ بِطاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، ولا قامَ لَهم عُذْرٌ في تَشَكِّيهِمْ مِمَّنْ أضَلَّهم، دَعَوْا عَلى ساداتِهِمْ. ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ﴾ ضِعْفًا عَلى ضَلالِهِمْ في أنْفُسِهِمْ، وضِعْفًا عَلى إضْلالِ مَن أضَلُّوا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: كَثِيرًا بِالثّاءِ المُثَلَّثَةِ. وقَرَأ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، والأعْرَجُ بِخِلافٍ عَنْهُ بِالباءِ. ﴿كالَّذِينَ آذَوْا مُوسى﴾ قِيلَ: نَزَلَتْ في شَأْنِ زَيْدٍ وزَيْنَبَ، وما سُمِعَ فِيهِ مِن قالَةِ بَعْضِ النّاسِ. وقِيلَ: المُرادُ حَدِيثُ الإفْكِ عَلى أنَّهُ ما أُوذِيَ نَبِيٌّ مِثْلَ ما أُوذِيتَ. وفي حَدِيثِ الرَّجُلِ الَّذِي قالَ لِقَسْمٍ قَسَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ ما أُرِيدَ بِها وجْهُ اللَّهِ، فَغَضِبَ وقالَ: «رَحِمَ اللَّهُ أخِي مُوسى، لَقَدْ أُوذِيَ أكْثَرَ مِن هَذا فَصَبَرَ» . وإذايَةُ مُوسى قَوْلُهم: (p-٢٥٣)إنَّهُ أبْرَصُ وآدَرُ، وأنَّهُ حَسَدَ أخاهُ هارُونَ وقَتَلَهُ. أوْ حَدِيثُ المُومِسَةِ المُسْتَأْجَرَةِ لِأنْ تَقُولَ: إنَّ مُوسى زَنى بِها، أوْ ما نَسَبُوهُ إلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ والجُنُونِ، أقْوالٌ. ﴿مِمّا قالُوا﴾ أيْ: مِن وصْمِ ما قالُوا، و”ما“ مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وكانَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الظَّرْفُ مَعْمُولٌ لِـ: (وجِيهًا) أيْ: ذا وجْهٍ ومَنزِلَةٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، تُمِيطُ عَنْهُ الأذى وتَدْفَعُ التُّهَمَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ: عَبْدٌ مِنَ العُبُودِيَّةِ، لِلَّهِ جَرٌّ بِلامِ الجَرِّ، و(عَبْدًا) خَبَرُ كانَ، و(وجِيهًا) صِفَةً لَهُ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنَ شَنَبُوذَ في شَهْرِ رَمَضانَ فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ: وكانَ عَبْدُ اللَّهِ عَلى قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: (وجِيهًا) مَقْبُولًا. وقالَ الحَسَنُ: مُسْتَجابَ الدَّعْوَةِ، ما سَألَ شَيْئًا إلّا أُعْطِيَ، إلّا الرُّؤْيَةَ في الدُّنْيا. وقالَ قُطْرُبٌ: رَفِيعَ القَدْرِ. وقِيلَ: وجاهَتُهُ أنَّهُ كَلَّمَهُ ولَقَّبَهُ كَلِيمَ اللَّهِ. والسَّدِيدُ: تَقَدَّمَ شَرْحُهُ في أوائِلِ النِّساءِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُنا صَوابًا. وقالَ مُقاتِلٌ وقَتادَةُ: سَدِيدًا في شَأْنِ زَيْدٍ وزَيْنَبَ والرَّسُولِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ أيْضًا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقِيلَ: ما يُوافِقُ ظاهِرُهُ باطِنَهُ، وقِيلَ: ما هو إصْلاحٌ مِن تَسْدِيدِ السَّهْمِ لِيُصِيبَ الغَرَضَ، وقِيلَ: السَّدِيدُ يَعُمُّ الخَيْراتِ. ورُتِّبَ عَلى القَوْلِ السَّدِيدِ: صَلاحُ الأعْمالِ وغُفْرانُ الذُّنُوبِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذِهِ الآيَةُ مُقَرِّرَةٌ لِلَّتِي قَبْلَها. بُنِيَتْ تِلْكَ عَلى النَّهْيِ عَمّا يُؤْذى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وهَذِهِ عَلى الأمْرِ بِاتِّقاءِ اللَّهِ في حِفْظِ اللِّسانِ، لِيَتَرادَفَ عَلَيْهِمُ النَّهْيُ والأمْرُ، مَعَ إتْباعِ النَّهْيِ ما يَتَضَمَّنُ الوَعِيدَ مِن قِصَّةِ مُوسى، وإتْباعِ الأمْرِ الوَعْدَ البَلِيغَ، فَيَقْوى الصّارِفُ عَنِ الأذى والدّاعِي إلى تَرْكِهِ. انْتَهى، وهو كَلامٌ حَسَنٌ.

الأحزاب 33:65

﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ وبَناتِكَ ونِساءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أدْنى أنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿مَلْعُونِينَ أيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ ﴿سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ ﴿يَسْألُكَ النّاسُ عَنِ السّاعَةِ قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ لَعَنَ الكافِرِينَ وأعَدَّ لَهم سَعِيرًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا لا يَجِدُونَ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهم في النّارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أطَعْنا اللَّهَ وأطَعْنا الرَّسُولا﴾ ﴿وقالُوا رَبَّنا إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلا﴾ ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ والعَنْهم لَعْنًا كَبِيرًا﴾ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأهُ اللَّهُ مِمّا قالُوا وكانَ عِنْدَ اللَّهِ وجِيهًا﴾ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ ﴿يُصْلِحْ لَكم أعْمالَكم ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنها وحَمَلَها الإنْسانُ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢] ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ ويَتُوبَ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٣] . (p-٢٥٠)كانَ دَأْبُ الجاهِلِيَّةِ أنْ تَخْرُجَ الحُرَّةُ والأمَةُ مَكْشُوفَتَيِ الوَجْهِ في دِرْعٍ وخِمارٍ، وكانَ الزُّناةُ يَتَعَرَّضُونَ إذا خَرَجْنَ بِاللَّيْلِ لِقَضاءِ حَوائِجِهِنَّ في النَّخِيلِ والغِيطانِ لِلْإماءِ، ورُبَّما تَعَرَّضُوا لِلْحُرَّةِ بِعِلَّةِ الأمَةِ، يَقُولُونَ: حَسِبْناها أمَةً، فَأُمِرْنَ أنْ يُخالِفْنَ بِزِيِّهِنَّ عَنْ زِيِّ الإماءِ، بِلُبْسِ الأرْدِيَةِ والمَلاحِفِ، وسَتْرِ الرُّءُوسِ والوُجُوهِ، لِيَحْتَشِمْنَ ويُهَبْنَ، فَلا يُطْمَعُ فِيهِنَّ. ورُوِيَ أنَّهُ كانَ في المَدِينَةِ قَوْمٌ يَجْلِسُونَ عَلى الصُّعُداتِ لِرُؤْيَةِ النِّساءِ ومُعارَضَتِهِنَّ ومُراوَدَتِهِنَّ، فَنَزَلَتْ. قِيلَ: والجَلابِيبُ: الأرْدِيَةُ الَّتِي تَسْتُرُ مِن فَوْقَ إلى أسْفَلَ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: المَقانِعُ؛ وقِيلَ: المَلاحِفُ، وقِيلَ: الجِلْبابُ: كُلُّ ثَوْبٍ تَلْبَسُهُ المَرْأةُ فَوْقَ ثِيابِها، وقِيلَ: كُلُّ ما تَسْتَتِرُ بِهِ مِن كِساءٍ أوْ غَيْرِهِ. قالَ أبُو زَيْدٍ: ؎تَجَلْبَبْتُ مِن سَوادِ اللَّيْلِ جِلْبابًا وقِيلَ: الجِلْبابُ أكْبَرُ مِنَ الخِمارِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: تُلْقِي جانِبَ الجِلْبابِ عَلى غَيْرِها ولا يُرى. وقالَ عَبِيدَةُ السَّلْمانِيُّ حِينَ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، فَقالَ: أنْ تَضَعَ رِداءَها فَوْقَ الحاجِبِ، ثُمَّ تُدِيرُهُ حَتّى تَضَعَهُ عَلى أنْفِها. وقالَ السُّدِّيُّ: تُغَطِّي إحْدى عَيْنَيْها وجَبْهَتَها والشِّقَّ الآخَرَ إلّا العَيْنَ. انْتَهى. وكَذا عادَةُ بِلادِ الأنْدَلُسِ، لا يَظْهَرُ مِنَ المَرْأةِ إلّا عَيْنُها الواحِدَةُ. وقالَ الكِسائِيُّ: يَتَقَنَّعْنَ بِمَلاحِفِهِنَّ مُنْضَمَّةً عَلَيْهِنَّ، أرادَ بِالِانْضِمامِ مَعْنى الإدْناءِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: وذَلِكَ أنْ تَلْوِيَهُ فَوْقَ الجَبِينِ وتَشُدَّهُ، ثُمَّ تَعْطِفَهُ عَلى الأنْفِ، وإنْ ظَهَرَتْ عَيْناها، لَكِنَّهُ يَسْتُرُ الصَّدْرَ ومُعْظَمَ الوَجْهِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ونِساءِ المُؤْمِنِينَ﴾ يَشْمَلُ الحَرائِرَ والإماءَ، والفِتْنَةُ بِالإماءِ أكْثَرُ، لِكَثْرَةِ تَصَرُّفِهِنَّ بِخِلافِ الحَرائِرِ، فَيَحْتاجُ إخْراجُهُنَّ مِن عُمُومِ النِّساءِ إلى دَلِيلٍ واضِحٍ. و”مِن“ في: ﴿مِن جَلابِيبِهِنَّ﴾ لِلتَّبْعِيضِ، و(عَلَيْهِنَّ) شامِلٌ لِجَمِيعِ أجْسادِهِنَّ، أوْ (عَلَيْهِنَّ) عَلى وُجُوهِهِنَّ؛ لِأنَّ الَّذِي كانَ يَبْدُو مِنهُنَّ في الجاهِلِيَّةِ هو الوَجْهُ. ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يُعْرَفْنَ﴾ لِتَسَتُّرِهِنَّ بِالعِفَّةِ، فَلا يُتَعَرَّضُ لَهُنَّ، ولا يُلْقَيْنَ بِما يَكْرَهْنَ؛ لِأنَّ المَرْأةَ إذا كانَتْ في غايَةِ التَّسَتُّرِ والِانْضِمامِ لَمْ يُقْدَمْ عَلَيْها بِخِلافِ المُتَبَرِّجَةِ، فَإنَّها مَطْمُوعٌ فِيها. (وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) تَأْنِيسٌ لِلنِّساءِ في تَرْكِ الِاسْتِتارِ قَبْلَ أنْ يُؤْمَرْنَ بِذَلِكَ. ولَمّا ذَكَرَ حالَ المُشْرِكِ الَّذِي يُؤْذِي اللَّهَ ورَسُولَهُ، والمُجاهِرَ الَّذِي يُؤْذِي المُؤْمِنِينَ، ذَكَرَ حالَ المُسِرِّ الَّذِي يُؤْذِي اللَّهَ ورَسُولَهُ، ويُظْهِرُ الحَقَّ ويُضْمِرُ النِّفاقَ. ولَمّا كانَ المُؤْذُونَ ثَلاثَةً بِاعْتِبارِ إذايَتِهِمْ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ، كانَ المُشْرِكُونَ ثَلاثَةً: مُنافِقٌ، ومَن في قَلْبِهِ مَرَضٌ، ومُرْجِفٌ. فالمُنافِقُ يُؤْذِي سِرًّا، والثّانِي يُؤْذِي المُؤْمِنَ بِاتِّباعِ نِسائِهِ، والثّالِثُ يُرْجِفُ بِالرَّسُولِ، يَقُولُ: غُلِبَ، سَيُخْرَجُ مِنَ المَدِينَةِ، سَيُؤْخَذُ، هُزِمَتْ سَراياهُ. وظاهِرُ العَطْفِ التَّغايُرُ بِالشَّخْصِ، فَيَكُونُ المَعْنى: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ عَنْ عَداوَتِهِمْ وكَيْدِهِمْ، والفَسَقَةُ عَنْ فُجُورِهِمْ، والمُرْجِفُونَ عَمّا يَقُولُونَ (p-٢٥١)مِن أخْبارِ السُّوءِ ويُشِيعُونَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّغايُرُ بِالوَصْفِ، فَيَكُونُ واحِدًا بِالشَّخْصِ ثَلاثَةً بِالوَصْفِ. كَما جاءَ: إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ، فَذَكَرَ أوْصافًا عَشَرَةً، والمَوْصُوفُ بِها واحِدٌ، ونَصَّ عَلى هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ مِنَ المُنافِقِينَ لِشِدَّةِ ضَرَرِهِما عَلى المُؤْمِنِينَ. قالَ عِكْرِمَةُ: (الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) هو الغَزَلُ وحُبُّ الزِّنى، ومِنهُ: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢] . وقالَ السُّدِّيُّ: المَرَضُ: النِّفاقُ، ومَن في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ الَّذِينَ آذَوْا عُمَرَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مَن آذى المُسْلِمِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (المُرْجِفُونَ) مُلْتَمِسُو الفِتَنَ. وقالَ قَتادَةُ: الَّذِينَ يُؤْذُونَ قُلُوبَ المُؤْمِنِينَ بِإيهامِ القَتْلِ والهَزِيمَةِ. ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ أيْ: لَنُسَلِّطَنَّكَ عَلَيْهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ قَتادَةُ: لَنَحْرُسُنَّكَ بِهِمْ. ﴿ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها﴾ أيْ في المَدِينَةِ، و﴿ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ﴾ ولَمْ يَكُنِ العَطْفُ بِالفاءِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ أنَّهُ مُتَسَبِّبٌ عَنِ الإغْراءِ، بَلْ كَوْنُهُ جَوابًا لِلْقَسَمِ أبْلَغُ. وكانَ العَطْفُ بِـ: ثُمَّ؛ لِأنَّ الجَلاءَ عَنِ الوَطَنِ كانَ أعْظَمَ عَلَيْهِمْ مِن جَمِيعِ ما أُصِيبُوا بِهِ، فَتَراخَتْ حالَةُ الجَلاءِ عَنْ حالَةِ الإغْراءِ. (إلّا قَلِيلًا) أيْ: جِوارًا قَلِيلًا، أوْ زَمانًا قَلِيلًا، أوْ عَدَدًا قَلِيلًا، وهَذا الأخِيرُ اسْتِثْناءٌ مِنَ المَنطُوقِ، وهو ضَمِيرُ الرَّفْعِ في ﴿يُجاوِرُونَكَ﴾ أوْ يَنْتَصِبُ قَلِيلًا عَلى الحالِ، أيْ: إلّا قَلِيلِينَ، والأوَّلُ اسْتِثْناءٌ مِنَ المَصْدَرِ الدّالِّ عَلَيْهِ ﴿يُجاوِرُونَكَ﴾ والثّانِي مِنَ الزَّمانِ الدّالِّ عَلَيْهِ ﴿يُجاوِرُونَكَ﴾ والمَعْنى: أنَّهم يُضْطَرُّونَ إلى طَلَبِ الجَلاءِ عَنِ المَدِينَةِ خَوْفَ القَتْلِ. وانْتَصَبَ ﴿مَلْعُونِينَ﴾ عَلى الذَّمِّ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ. وأجازَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (قَلِيلًا) قالَ: هو مِن إقْلاءِ الَّذِي قَدَّرْناهُ؛ وأجازَ هو أيْضًا أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿يُجاوِرُونَكَ﴾ قالَ: كَأنَّهُ قالَ: يَنْتَفُونَ مِنَ المَدِينَةِ مُعَلْوِنِينَ، فَلا يُقَدِّرُ ﴿لا يُجاوِرُونَكَ﴾ فَقَدَّرَ ”يَنْتَفُونَ“ حَسَنٌ هَذا. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ والحَوْفِيُّ وتَبِعَهُما أبُو البَقاءِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في (لا ﴿يُجاوِرُونَكَ﴾) كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا نَصُّهُ مَلْعُونِينَ، نُصِبَ عَلى الشَّتْمِ أوِ الحالِ أيْ: لا يُجاوِرُونَكَ إلّا مَلْعُونِينَ. دَخَلَ حَرْفُ الِاسْتِثْناءِ عَلى الظَّرْفِ والحالِ مَعًا، كَما مَرَّ في قَوْلِ: ﴿إلّا أنْ يُؤْذَنَ لَكم إلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣] ولا يَصِحُّ أنْ يَنْتَصِبَ مِن أُخِذُوا لِأنَّ ما بَعْدَ كَلِمَةِ الشَّرْطِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها. انْتَهى. وتَقَدَّمَ الكَلامُ مَعَهُ في مَجِيءِ الحالِ مِمّا قَبْلُ إلّا مَذْكُورَةً بَعْدَما اسْتَثْنى بِإلّا، فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُنْصَبًّا عَلَيْهِما، وأنَّ جُمْهُورَ البَصْرِيِّينَ مَنَعُوا مِن ذَلِكَ. وأمّا تَجْوِيزُ ابْنِ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا فالبَدَلُ بِالمُشْتَقِّ قَلِيلٌ. وأمّا قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: لِأنَّ ما بَعْدَ كَلِمَةِ الشَّرْطِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها فَلَيْسَ هَذا مُجْمَعًا عَلَيْهِ؛ لِأنَّ ما بَعْدَ كَلِمَةِ الشَّرْطِ شَيْئانِ: فِعْلُ الشَّرْطِ والجَوابُ، فَأمّا فِعْلُ الشَّرْطِ فَأجازَ الكِسائِيُّ تَقْدِيمَ مَعْمُولِهِ عَلى الكَلِمَةِ، أجازَ: زَيْدٌ أنْ يَضْرِبَ اضْرِبْهُ، وأمّا الجَوابُ فَقَدْ أجازَ أيْضًا تَقْدِيمَ مَعْمُولِهِ عَلَيْهِ نَحْوُ: إنْ يُقِمْ زَيْدٌ عَمْرًا يُضْرَبْ. وقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ النَّحْوِيِّينَ أنَّهُ قالَ المَعْنى: ﴿أيْنَما ثُقِفُوا﴾ أُخِذُوا مَلْعُونِينَ، والصَّحِيحُ أنَّ مَلْعُونِينَ صِفَةً لِقَلِيلٍ، أيْ: إلّا قَلِيلِينَ مَلْعُونِينَ، ويَكُونُ قَلِيلًا مُسْتَثْنًى مِنَ الواوِ في ﴿لا يُجاوِرُونَكَ﴾، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ صِفَةٌ أيْضًا أيْ: مَقْهُورِينَ مَغْلُوبًا عَلَيْهِمْ. ومَعْنى (ثُقِفُوا) حُصِرُوا وظَفِرَ بِهِمْ، ومَعْنى ﴿أُخِذُوا﴾ أُسِرُوا، والأخِيذُ: الأسِيرُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (قُتِّلُوا) بِتَشْدِيدِ التّاءِ. وفِرْقَةٌ: بِتَخْفِيفِها فَيَكُونُ ﴿تَقْتِيلًا﴾ مَصْدَرًا عَلى غَيْرِ قِياسِ المَصْدَرِ. والظّاهِرُ أنَّ المُنافِقِينَ انْتَهَوْا عَمّا كانُوا يُؤْذُونَ بِهِ الرَّسُولَ ﷺ والمُؤْمِنِينَ، وتَسَتَّرَ جَمِيعُهم، وكَفُّوا خَوْفًا مِن أنْ يَقَعَ بِهِمْ ما وقَعَ القَسَمُ عَلَيْهِ، وهو الإغْراءُ والجَلاءُ والأخْذُ والقَتْلُ. وقِيلَ: لَمْ يَمْتَثِلُوا لِلِانْتِهاءِ جُمْلَةً، ولا نُفِّذَ عَلَيْهِمُ الوَعِيدُ كامِلًا. ألا تَرى إلى إخْراجِهِمْ مِنَ المَسْجِدِ، ونَهْيِهِ عَنِ الصَّلاةِ عَلَيْهِمْ، وما نَزَلَ فِيهِمْ في سُورَةِ بَراءَةَ ؟ وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ لَمْ يَنْتَهِ هَؤُلاءِ الأصْنافُ، ولَمْ يُنَفِّذِ اللَّهُ الوَعِيدَ عَلَيْهِمْ فَفِيهِ (p-٢٥٢)دَلِيلٌ عَلى بُطْلانِ القَوْلِ بِإنْفاذِ الوَعِيدِ في الآخِرَةِ، ويَكُونُ هَذا الوَعِيدُ مَفْرُوضًا ومَشْرُوطًا بِالمَشِيئَةِ. (سُنَّةَ اللَّهِ) مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ أيْ: سَنَّ اللَّهُ في الَّذِينَ يُنافِقُونَ الأنْبِياءَ أنْ يُقْتَلُوا حَيْثُما ظُفِرَ بِهِمْ. وعَنْ مُقاتِلٍ: كَما قُتِلَ أهْلُ بَدْرٍ وأُسِرُوا، فالَّذِينَ خَلَوْا يَشْمَلُ أتْباعَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ نافَقُوا، ومَن قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ. ﴿يَسْألُكَ النّاسُ﴾ أيِ: المُشْرِكُونَ، عَنْ وقْتِ قِيامِ السّاعَةِ اسْتِعْجالًا عَلى سَبِيلِ الهُزْءِ، واليَهُودُ عَلى سَبِيلِ الِامْتِحانِ، إذْ كانَتْ مُعَمًّى وقْتُها في التَّوْراةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِأنْ يَرُدَّ العِلْمَ إلى اللَّهِ، إذْ لَمْ يُطْلِعْ عَلَيْها مَلَكًا ولا نَبِيًّا. ولَمّا ذَكَرَ حالَهم في الدُّنْيا أنَّهم مَلْعُونُونَ مُهانُونَ مَقْتُولُونَ بَيَّنَ حالَهم في الآخِرَةِ. (وما يُدْرِيكَ) ما اسْتِفْهامٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ أيْ: وأيُّ شَيْءٍ يُدْرِيكَ بِها ؟ ومَعْناهُ النَّفْيُ أيْ: ما يُدْرِيكَ بِها أحَدٌ. ﴿لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ بَيَّنَ قُرْبَ السّاعَةِ، وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِلْمُمْتَحَنِ، وتَهْدِيدٌ لِلْمُسْتَعْجِلِ. وانْتَصَبَ (قَرِيبًا) عَلى الظَّرْفِ أيْ: في زَمانٍ قَرِيبٍ، إذِ اسْتِعْمالُهُ ظَرْفًا كَثِيرٌ، ويُسْتَعْمَلُ أيْضًا غَيْرَ ظَرْفٍ، تَقُولُ: إنَّ قَرِيبًا مِنكَ زَيْدًا، فَجازَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: شَيْئًا قَرِيبًا، أوْ تَكُونَ السّاعَةُ بِمَعْنى الوَقْتِ، فَذَكَّرَ (قَرِيبًا) عَلى المَعْنى. أوْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: لَعَلَّ قِيامَ السّاعَةِ، فَلُوحِظَ السّاعَةُ في (تَكُونُ) فَأُنِّثَ، ولُوحِظَ المُضافُ المَحْذُوفُ وهو ”قِيامُ“ في (قَرِيبًا) فَذُكِّرَ. ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ (يَوْمَ) بِقَوْلِهِ: (لا يَجِدُونَ) ويَكُونُ (يَقُولُونَ) اسْتِئْنافٌ إخْبارٌ عَنْهم، أوْ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِمْ: (ولا نَصِيرًا) . ويَنْتَصِبُ (يَوْمَ) بِقَوْلِهِ: (يَقُولُونَ) أوْ بِمَحْذُوفٍ أيِ: اذْكُرْ و(يَقُولُونَ) حالٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تُقَلَّبُ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. والحَسَنُ وعِيسى وأبُو جَعْفَرٍ الرُّؤاسِيُّ: بِفَتْحِ التّاءِ، أيْ: تَتَقَلَّبُ وحَكاها ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي حَيْوَةَ. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ عَنْ أبِي حَيْوَةَ: ”نُقَلِّبُ“ بِالنُّونِ، (وُجُوهَهم) بِالنَّصْبِ. وحَكاها ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي حَيْوَةَ أيْضًا وخارِجَةَ. زادَ صاحِبُ اللَّوامِحِ أنَّها قِراءَةُ عِيسى البَصْرِيِّ. وقَرَأ عِيسى الكُوفِيُّ كَذَلِكَ إلّا أنَّ بَدَلَ النُّونِ تاءٌ، وفاعِلُ (تُقَلَّبُ) ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى (سَعِيرًا) وعَلى جَهَنَّمَ أُسْنِدَ إلَيْهِما اتِّساعًا. وقِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ: تَتَقَلَّبُ بِتاءَيْنِ، وتَقْلِيبُ الوُجُوهِ في النّارِ: تَحَرُّكُها في الجِهاتِ، أوْ تَغَيُّرُها عَنْ هَيْئاتِها، أوْ إلْقاؤُها في النّارِ مَنكُوسَةً. والظّاهِرُ هو الأوَّلُ، والوَجْهُ أشْرَفُ ما في الإنْسانِ، فَإذا قُلِّبَ في النّارِ كانَ تَقْلِيبُ ما سِواهُ أوْلى. وعَبَّرَ بِالوَجْهِ عَنِ الجُمْلَةِ، وتَمَنِّيهم حَيْثُ لا يَنْفَعُ، وتَشَكِّيهِمْ مِن كُبَرائِهِمْ لا يُجْدِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿سادَتَنا﴾ جَمْعًا عَلى وزْنِ فَعَلاتٍ، أصْلُهُ سُوَدَةٌ، وهو شاذٌّ في جَمْعِ فَيْعِلٍ، فَإنْ جُعِلَتْ جَمْعَ سائِدٍ قَرُبَ مِنَ القِياسِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، والسُّلَمِيُّ، وابْنُ عامِرٍ، والعامَّةُ في الجامِعِ بِالبَصْرَةِ: ”ساداتِنا“ عَلى الجَمْعِ بِالألِفِ والتّاءِ، وهو لا يَنْقاسُ، كَسُوقاتِ ومُوالِياتِ بَنِي هاشِمٍ. وسادَتُهم: رُؤَساءُ الكُفْرِ الَّذِينَ لَقَّنُوهُمُ الكُفْرَ وزَيَّنُوهُ لَهم. قالَ قَتادَةُ: سادَتُنا: رُؤَساؤُنا. وقالَ طاوُسٌ: أشْرافُنا. وقالَ أبُو أُسامَةَ: أُمَراؤُنا وقالَ الشّاعِرُ: ؎تَسَلْسَلَ قَوْمٌ سادَةٌ ثُمَّ زادَةٌ ∗∗∗ يُبْدُونَ أهْلَ الجَمْعِ يَوْمَ المُحَصَّبِ ويُقالُ: ضَلَّ السَّبِيلَ، وضَلَّ عَنِ السَّبِيلِ. فَإذا دَخَلَتْ هَمْزَةُ النَّقْلِ تَعَدّى لِاثْنَيْنِ؛ وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى إثْباتِ الألِفِ في (الرَّسُولا) و(السَّبِيلا) في قَوْلِهِ: ﴿وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا﴾ [الأحزاب: ١٠] . ولَمّا لَمْ يُجْدِ تَمَنِّيهِمُ الإيمانَ بِطاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، ولا قامَ لَهم عُذْرٌ في تَشَكِّيهِمْ مِمَّنْ أضَلَّهم، دَعَوْا عَلى ساداتِهِمْ. ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ﴾ ضِعْفًا عَلى ضَلالِهِمْ في أنْفُسِهِمْ، وضِعْفًا عَلى إضْلالِ مَن أضَلُّوا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: كَثِيرًا بِالثّاءِ المُثَلَّثَةِ. وقَرَأ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، والأعْرَجُ بِخِلافٍ عَنْهُ بِالباءِ. ﴿كالَّذِينَ آذَوْا مُوسى﴾ قِيلَ: نَزَلَتْ في شَأْنِ زَيْدٍ وزَيْنَبَ، وما سُمِعَ فِيهِ مِن قالَةِ بَعْضِ النّاسِ. وقِيلَ: المُرادُ حَدِيثُ الإفْكِ عَلى أنَّهُ ما أُوذِيَ نَبِيٌّ مِثْلَ ما أُوذِيتَ. وفي حَدِيثِ الرَّجُلِ الَّذِي قالَ لِقَسْمٍ قَسَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ ما أُرِيدَ بِها وجْهُ اللَّهِ، فَغَضِبَ وقالَ: «رَحِمَ اللَّهُ أخِي مُوسى، لَقَدْ أُوذِيَ أكْثَرَ مِن هَذا فَصَبَرَ» . وإذايَةُ مُوسى قَوْلُهم: (p-٢٥٣)إنَّهُ أبْرَصُ وآدَرُ، وأنَّهُ حَسَدَ أخاهُ هارُونَ وقَتَلَهُ. أوْ حَدِيثُ المُومِسَةِ المُسْتَأْجَرَةِ لِأنْ تَقُولَ: إنَّ مُوسى زَنى بِها، أوْ ما نَسَبُوهُ إلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ والجُنُونِ، أقْوالٌ. ﴿مِمّا قالُوا﴾ أيْ: مِن وصْمِ ما قالُوا، و”ما“ مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وكانَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الظَّرْفُ مَعْمُولٌ لِـ: (وجِيهًا) أيْ: ذا وجْهٍ ومَنزِلَةٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، تُمِيطُ عَنْهُ الأذى وتَدْفَعُ التُّهَمَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ: عَبْدٌ مِنَ العُبُودِيَّةِ، لِلَّهِ جَرٌّ بِلامِ الجَرِّ، و(عَبْدًا) خَبَرُ كانَ، و(وجِيهًا) صِفَةً لَهُ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنَ شَنَبُوذَ في شَهْرِ رَمَضانَ فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ: وكانَ عَبْدُ اللَّهِ عَلى قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: (وجِيهًا) مَقْبُولًا. وقالَ الحَسَنُ: مُسْتَجابَ الدَّعْوَةِ، ما سَألَ شَيْئًا إلّا أُعْطِيَ، إلّا الرُّؤْيَةَ في الدُّنْيا. وقالَ قُطْرُبٌ: رَفِيعَ القَدْرِ. وقِيلَ: وجاهَتُهُ أنَّهُ كَلَّمَهُ ولَقَّبَهُ كَلِيمَ اللَّهِ. والسَّدِيدُ: تَقَدَّمَ شَرْحُهُ في أوائِلِ النِّساءِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُنا صَوابًا. وقالَ مُقاتِلٌ وقَتادَةُ: سَدِيدًا في شَأْنِ زَيْدٍ وزَيْنَبَ والرَّسُولِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ أيْضًا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقِيلَ: ما يُوافِقُ ظاهِرُهُ باطِنَهُ، وقِيلَ: ما هو إصْلاحٌ مِن تَسْدِيدِ السَّهْمِ لِيُصِيبَ الغَرَضَ، وقِيلَ: السَّدِيدُ يَعُمُّ الخَيْراتِ. ورُتِّبَ عَلى القَوْلِ السَّدِيدِ: صَلاحُ الأعْمالِ وغُفْرانُ الذُّنُوبِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذِهِ الآيَةُ مُقَرِّرَةٌ لِلَّتِي قَبْلَها. بُنِيَتْ تِلْكَ عَلى النَّهْيِ عَمّا يُؤْذى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وهَذِهِ عَلى الأمْرِ بِاتِّقاءِ اللَّهِ في حِفْظِ اللِّسانِ، لِيَتَرادَفَ عَلَيْهِمُ النَّهْيُ والأمْرُ، مَعَ إتْباعِ النَّهْيِ ما يَتَضَمَّنُ الوَعِيدَ مِن قِصَّةِ مُوسى، وإتْباعِ الأمْرِ الوَعْدَ البَلِيغَ، فَيَقْوى الصّارِفُ عَنِ الأذى والدّاعِي إلى تَرْكِهِ. انْتَهى، وهو كَلامٌ حَسَنٌ.

الأحزاب 33:66

﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ وبَناتِكَ ونِساءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أدْنى أنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿مَلْعُونِينَ أيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ ﴿سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ ﴿يَسْألُكَ النّاسُ عَنِ السّاعَةِ قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ لَعَنَ الكافِرِينَ وأعَدَّ لَهم سَعِيرًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا لا يَجِدُونَ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهم في النّارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أطَعْنا اللَّهَ وأطَعْنا الرَّسُولا﴾ ﴿وقالُوا رَبَّنا إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلا﴾ ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ والعَنْهم لَعْنًا كَبِيرًا﴾ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأهُ اللَّهُ مِمّا قالُوا وكانَ عِنْدَ اللَّهِ وجِيهًا﴾ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ ﴿يُصْلِحْ لَكم أعْمالَكم ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنها وحَمَلَها الإنْسانُ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢] ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ ويَتُوبَ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٣] . (p-٢٥٠)كانَ دَأْبُ الجاهِلِيَّةِ أنْ تَخْرُجَ الحُرَّةُ والأمَةُ مَكْشُوفَتَيِ الوَجْهِ في دِرْعٍ وخِمارٍ، وكانَ الزُّناةُ يَتَعَرَّضُونَ إذا خَرَجْنَ بِاللَّيْلِ لِقَضاءِ حَوائِجِهِنَّ في النَّخِيلِ والغِيطانِ لِلْإماءِ، ورُبَّما تَعَرَّضُوا لِلْحُرَّةِ بِعِلَّةِ الأمَةِ، يَقُولُونَ: حَسِبْناها أمَةً، فَأُمِرْنَ أنْ يُخالِفْنَ بِزِيِّهِنَّ عَنْ زِيِّ الإماءِ، بِلُبْسِ الأرْدِيَةِ والمَلاحِفِ، وسَتْرِ الرُّءُوسِ والوُجُوهِ، لِيَحْتَشِمْنَ ويُهَبْنَ، فَلا يُطْمَعُ فِيهِنَّ. ورُوِيَ أنَّهُ كانَ في المَدِينَةِ قَوْمٌ يَجْلِسُونَ عَلى الصُّعُداتِ لِرُؤْيَةِ النِّساءِ ومُعارَضَتِهِنَّ ومُراوَدَتِهِنَّ، فَنَزَلَتْ. قِيلَ: والجَلابِيبُ: الأرْدِيَةُ الَّتِي تَسْتُرُ مِن فَوْقَ إلى أسْفَلَ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: المَقانِعُ؛ وقِيلَ: المَلاحِفُ، وقِيلَ: الجِلْبابُ: كُلُّ ثَوْبٍ تَلْبَسُهُ المَرْأةُ فَوْقَ ثِيابِها، وقِيلَ: كُلُّ ما تَسْتَتِرُ بِهِ مِن كِساءٍ أوْ غَيْرِهِ. قالَ أبُو زَيْدٍ: ؎تَجَلْبَبْتُ مِن سَوادِ اللَّيْلِ جِلْبابًا وقِيلَ: الجِلْبابُ أكْبَرُ مِنَ الخِمارِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: تُلْقِي جانِبَ الجِلْبابِ عَلى غَيْرِها ولا يُرى. وقالَ عَبِيدَةُ السَّلْمانِيُّ حِينَ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، فَقالَ: أنْ تَضَعَ رِداءَها فَوْقَ الحاجِبِ، ثُمَّ تُدِيرُهُ حَتّى تَضَعَهُ عَلى أنْفِها. وقالَ السُّدِّيُّ: تُغَطِّي إحْدى عَيْنَيْها وجَبْهَتَها والشِّقَّ الآخَرَ إلّا العَيْنَ. انْتَهى. وكَذا عادَةُ بِلادِ الأنْدَلُسِ، لا يَظْهَرُ مِنَ المَرْأةِ إلّا عَيْنُها الواحِدَةُ. وقالَ الكِسائِيُّ: يَتَقَنَّعْنَ بِمَلاحِفِهِنَّ مُنْضَمَّةً عَلَيْهِنَّ، أرادَ بِالِانْضِمامِ مَعْنى الإدْناءِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: وذَلِكَ أنْ تَلْوِيَهُ فَوْقَ الجَبِينِ وتَشُدَّهُ، ثُمَّ تَعْطِفَهُ عَلى الأنْفِ، وإنْ ظَهَرَتْ عَيْناها، لَكِنَّهُ يَسْتُرُ الصَّدْرَ ومُعْظَمَ الوَجْهِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ونِساءِ المُؤْمِنِينَ﴾ يَشْمَلُ الحَرائِرَ والإماءَ، والفِتْنَةُ بِالإماءِ أكْثَرُ، لِكَثْرَةِ تَصَرُّفِهِنَّ بِخِلافِ الحَرائِرِ، فَيَحْتاجُ إخْراجُهُنَّ مِن عُمُومِ النِّساءِ إلى دَلِيلٍ واضِحٍ. و”مِن“ في: ﴿مِن جَلابِيبِهِنَّ﴾ لِلتَّبْعِيضِ، و(عَلَيْهِنَّ) شامِلٌ لِجَمِيعِ أجْسادِهِنَّ، أوْ (عَلَيْهِنَّ) عَلى وُجُوهِهِنَّ؛ لِأنَّ الَّذِي كانَ يَبْدُو مِنهُنَّ في الجاهِلِيَّةِ هو الوَجْهُ. ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يُعْرَفْنَ﴾ لِتَسَتُّرِهِنَّ بِالعِفَّةِ، فَلا يُتَعَرَّضُ لَهُنَّ، ولا يُلْقَيْنَ بِما يَكْرَهْنَ؛ لِأنَّ المَرْأةَ إذا كانَتْ في غايَةِ التَّسَتُّرِ والِانْضِمامِ لَمْ يُقْدَمْ عَلَيْها بِخِلافِ المُتَبَرِّجَةِ، فَإنَّها مَطْمُوعٌ فِيها. (وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) تَأْنِيسٌ لِلنِّساءِ في تَرْكِ الِاسْتِتارِ قَبْلَ أنْ يُؤْمَرْنَ بِذَلِكَ. ولَمّا ذَكَرَ حالَ المُشْرِكِ الَّذِي يُؤْذِي اللَّهَ ورَسُولَهُ، والمُجاهِرَ الَّذِي يُؤْذِي المُؤْمِنِينَ، ذَكَرَ حالَ المُسِرِّ الَّذِي يُؤْذِي اللَّهَ ورَسُولَهُ، ويُظْهِرُ الحَقَّ ويُضْمِرُ النِّفاقَ. ولَمّا كانَ المُؤْذُونَ ثَلاثَةً بِاعْتِبارِ إذايَتِهِمْ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ، كانَ المُشْرِكُونَ ثَلاثَةً: مُنافِقٌ، ومَن في قَلْبِهِ مَرَضٌ، ومُرْجِفٌ. فالمُنافِقُ يُؤْذِي سِرًّا، والثّانِي يُؤْذِي المُؤْمِنَ بِاتِّباعِ نِسائِهِ، والثّالِثُ يُرْجِفُ بِالرَّسُولِ، يَقُولُ: غُلِبَ، سَيُخْرَجُ مِنَ المَدِينَةِ، سَيُؤْخَذُ، هُزِمَتْ سَراياهُ. وظاهِرُ العَطْفِ التَّغايُرُ بِالشَّخْصِ، فَيَكُونُ المَعْنى: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ عَنْ عَداوَتِهِمْ وكَيْدِهِمْ، والفَسَقَةُ عَنْ فُجُورِهِمْ، والمُرْجِفُونَ عَمّا يَقُولُونَ (p-٢٥١)مِن أخْبارِ السُّوءِ ويُشِيعُونَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّغايُرُ بِالوَصْفِ، فَيَكُونُ واحِدًا بِالشَّخْصِ ثَلاثَةً بِالوَصْفِ. كَما جاءَ: إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ، فَذَكَرَ أوْصافًا عَشَرَةً، والمَوْصُوفُ بِها واحِدٌ، ونَصَّ عَلى هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ مِنَ المُنافِقِينَ لِشِدَّةِ ضَرَرِهِما عَلى المُؤْمِنِينَ. قالَ عِكْرِمَةُ: (الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) هو الغَزَلُ وحُبُّ الزِّنى، ومِنهُ: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢] . وقالَ السُّدِّيُّ: المَرَضُ: النِّفاقُ، ومَن في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ الَّذِينَ آذَوْا عُمَرَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مَن آذى المُسْلِمِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (المُرْجِفُونَ) مُلْتَمِسُو الفِتَنَ. وقالَ قَتادَةُ: الَّذِينَ يُؤْذُونَ قُلُوبَ المُؤْمِنِينَ بِإيهامِ القَتْلِ والهَزِيمَةِ. ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ أيْ: لَنُسَلِّطَنَّكَ عَلَيْهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ قَتادَةُ: لَنَحْرُسُنَّكَ بِهِمْ. ﴿ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها﴾ أيْ في المَدِينَةِ، و﴿ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ﴾ ولَمْ يَكُنِ العَطْفُ بِالفاءِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ أنَّهُ مُتَسَبِّبٌ عَنِ الإغْراءِ، بَلْ كَوْنُهُ جَوابًا لِلْقَسَمِ أبْلَغُ. وكانَ العَطْفُ بِـ: ثُمَّ؛ لِأنَّ الجَلاءَ عَنِ الوَطَنِ كانَ أعْظَمَ عَلَيْهِمْ مِن جَمِيعِ ما أُصِيبُوا بِهِ، فَتَراخَتْ حالَةُ الجَلاءِ عَنْ حالَةِ الإغْراءِ. (إلّا قَلِيلًا) أيْ: جِوارًا قَلِيلًا، أوْ زَمانًا قَلِيلًا، أوْ عَدَدًا قَلِيلًا، وهَذا الأخِيرُ اسْتِثْناءٌ مِنَ المَنطُوقِ، وهو ضَمِيرُ الرَّفْعِ في ﴿يُجاوِرُونَكَ﴾ أوْ يَنْتَصِبُ قَلِيلًا عَلى الحالِ، أيْ: إلّا قَلِيلِينَ، والأوَّلُ اسْتِثْناءٌ مِنَ المَصْدَرِ الدّالِّ عَلَيْهِ ﴿يُجاوِرُونَكَ﴾ والثّانِي مِنَ الزَّمانِ الدّالِّ عَلَيْهِ ﴿يُجاوِرُونَكَ﴾ والمَعْنى: أنَّهم يُضْطَرُّونَ إلى طَلَبِ الجَلاءِ عَنِ المَدِينَةِ خَوْفَ القَتْلِ. وانْتَصَبَ ﴿مَلْعُونِينَ﴾ عَلى الذَّمِّ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ. وأجازَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (قَلِيلًا) قالَ: هو مِن إقْلاءِ الَّذِي قَدَّرْناهُ؛ وأجازَ هو أيْضًا أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿يُجاوِرُونَكَ﴾ قالَ: كَأنَّهُ قالَ: يَنْتَفُونَ مِنَ المَدِينَةِ مُعَلْوِنِينَ، فَلا يُقَدِّرُ ﴿لا يُجاوِرُونَكَ﴾ فَقَدَّرَ ”يَنْتَفُونَ“ حَسَنٌ هَذا. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ والحَوْفِيُّ وتَبِعَهُما أبُو البَقاءِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في (لا ﴿يُجاوِرُونَكَ﴾) كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا نَصُّهُ مَلْعُونِينَ، نُصِبَ عَلى الشَّتْمِ أوِ الحالِ أيْ: لا يُجاوِرُونَكَ إلّا مَلْعُونِينَ. دَخَلَ حَرْفُ الِاسْتِثْناءِ عَلى الظَّرْفِ والحالِ مَعًا، كَما مَرَّ في قَوْلِ: ﴿إلّا أنْ يُؤْذَنَ لَكم إلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣] ولا يَصِحُّ أنْ يَنْتَصِبَ مِن أُخِذُوا لِأنَّ ما بَعْدَ كَلِمَةِ الشَّرْطِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها. انْتَهى. وتَقَدَّمَ الكَلامُ مَعَهُ في مَجِيءِ الحالِ مِمّا قَبْلُ إلّا مَذْكُورَةً بَعْدَما اسْتَثْنى بِإلّا، فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُنْصَبًّا عَلَيْهِما، وأنَّ جُمْهُورَ البَصْرِيِّينَ مَنَعُوا مِن ذَلِكَ. وأمّا تَجْوِيزُ ابْنِ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا فالبَدَلُ بِالمُشْتَقِّ قَلِيلٌ. وأمّا قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: لِأنَّ ما بَعْدَ كَلِمَةِ الشَّرْطِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها فَلَيْسَ هَذا مُجْمَعًا عَلَيْهِ؛ لِأنَّ ما بَعْدَ كَلِمَةِ الشَّرْطِ شَيْئانِ: فِعْلُ الشَّرْطِ والجَوابُ، فَأمّا فِعْلُ الشَّرْطِ فَأجازَ الكِسائِيُّ تَقْدِيمَ مَعْمُولِهِ عَلى الكَلِمَةِ، أجازَ: زَيْدٌ أنْ يَضْرِبَ اضْرِبْهُ، وأمّا الجَوابُ فَقَدْ أجازَ أيْضًا تَقْدِيمَ مَعْمُولِهِ عَلَيْهِ نَحْوُ: إنْ يُقِمْ زَيْدٌ عَمْرًا يُضْرَبْ. وقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ النَّحْوِيِّينَ أنَّهُ قالَ المَعْنى: ﴿أيْنَما ثُقِفُوا﴾ أُخِذُوا مَلْعُونِينَ، والصَّحِيحُ أنَّ مَلْعُونِينَ صِفَةً لِقَلِيلٍ، أيْ: إلّا قَلِيلِينَ مَلْعُونِينَ، ويَكُونُ قَلِيلًا مُسْتَثْنًى مِنَ الواوِ في ﴿لا يُجاوِرُونَكَ﴾، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ صِفَةٌ أيْضًا أيْ: مَقْهُورِينَ مَغْلُوبًا عَلَيْهِمْ. ومَعْنى (ثُقِفُوا) حُصِرُوا وظَفِرَ بِهِمْ، ومَعْنى ﴿أُخِذُوا﴾ أُسِرُوا، والأخِيذُ: الأسِيرُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (قُتِّلُوا) بِتَشْدِيدِ التّاءِ. وفِرْقَةٌ: بِتَخْفِيفِها فَيَكُونُ ﴿تَقْتِيلًا﴾ مَصْدَرًا عَلى غَيْرِ قِياسِ المَصْدَرِ. والظّاهِرُ أنَّ المُنافِقِينَ انْتَهَوْا عَمّا كانُوا يُؤْذُونَ بِهِ الرَّسُولَ ﷺ والمُؤْمِنِينَ، وتَسَتَّرَ جَمِيعُهم، وكَفُّوا خَوْفًا مِن أنْ يَقَعَ بِهِمْ ما وقَعَ القَسَمُ عَلَيْهِ، وهو الإغْراءُ والجَلاءُ والأخْذُ والقَتْلُ. وقِيلَ: لَمْ يَمْتَثِلُوا لِلِانْتِهاءِ جُمْلَةً، ولا نُفِّذَ عَلَيْهِمُ الوَعِيدُ كامِلًا. ألا تَرى إلى إخْراجِهِمْ مِنَ المَسْجِدِ، ونَهْيِهِ عَنِ الصَّلاةِ عَلَيْهِمْ، وما نَزَلَ فِيهِمْ في سُورَةِ بَراءَةَ ؟ وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ لَمْ يَنْتَهِ هَؤُلاءِ الأصْنافُ، ولَمْ يُنَفِّذِ اللَّهُ الوَعِيدَ عَلَيْهِمْ فَفِيهِ (p-٢٥٢)دَلِيلٌ عَلى بُطْلانِ القَوْلِ بِإنْفاذِ الوَعِيدِ في الآخِرَةِ، ويَكُونُ هَذا الوَعِيدُ مَفْرُوضًا ومَشْرُوطًا بِالمَشِيئَةِ. (سُنَّةَ اللَّهِ) مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ أيْ: سَنَّ اللَّهُ في الَّذِينَ يُنافِقُونَ الأنْبِياءَ أنْ يُقْتَلُوا حَيْثُما ظُفِرَ بِهِمْ. وعَنْ مُقاتِلٍ: كَما قُتِلَ أهْلُ بَدْرٍ وأُسِرُوا، فالَّذِينَ خَلَوْا يَشْمَلُ أتْباعَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ نافَقُوا، ومَن قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ. ﴿يَسْألُكَ النّاسُ﴾ أيِ: المُشْرِكُونَ، عَنْ وقْتِ قِيامِ السّاعَةِ اسْتِعْجالًا عَلى سَبِيلِ الهُزْءِ، واليَهُودُ عَلى سَبِيلِ الِامْتِحانِ، إذْ كانَتْ مُعَمًّى وقْتُها في التَّوْراةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِأنْ يَرُدَّ العِلْمَ إلى اللَّهِ، إذْ لَمْ يُطْلِعْ عَلَيْها مَلَكًا ولا نَبِيًّا. ولَمّا ذَكَرَ حالَهم في الدُّنْيا أنَّهم مَلْعُونُونَ مُهانُونَ مَقْتُولُونَ بَيَّنَ حالَهم في الآخِرَةِ. (وما يُدْرِيكَ) ما اسْتِفْهامٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ أيْ: وأيُّ شَيْءٍ يُدْرِيكَ بِها ؟ ومَعْناهُ النَّفْيُ أيْ: ما يُدْرِيكَ بِها أحَدٌ. ﴿لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ بَيَّنَ قُرْبَ السّاعَةِ، وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِلْمُمْتَحَنِ، وتَهْدِيدٌ لِلْمُسْتَعْجِلِ. وانْتَصَبَ (قَرِيبًا) عَلى الظَّرْفِ أيْ: في زَمانٍ قَرِيبٍ، إذِ اسْتِعْمالُهُ ظَرْفًا كَثِيرٌ، ويُسْتَعْمَلُ أيْضًا غَيْرَ ظَرْفٍ، تَقُولُ: إنَّ قَرِيبًا مِنكَ زَيْدًا، فَجازَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: شَيْئًا قَرِيبًا، أوْ تَكُونَ السّاعَةُ بِمَعْنى الوَقْتِ، فَذَكَّرَ (قَرِيبًا) عَلى المَعْنى. أوْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: لَعَلَّ قِيامَ السّاعَةِ، فَلُوحِظَ السّاعَةُ في (تَكُونُ) فَأُنِّثَ، ولُوحِظَ المُضافُ المَحْذُوفُ وهو ”قِيامُ“ في (قَرِيبًا) فَذُكِّرَ. ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ (يَوْمَ) بِقَوْلِهِ: (لا يَجِدُونَ) ويَكُونُ (يَقُولُونَ) اسْتِئْنافٌ إخْبارٌ عَنْهم، أوْ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِمْ: (ولا نَصِيرًا) . ويَنْتَصِبُ (يَوْمَ) بِقَوْلِهِ: (يَقُولُونَ) أوْ بِمَحْذُوفٍ أيِ: اذْكُرْ و(يَقُولُونَ) حالٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تُقَلَّبُ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. والحَسَنُ وعِيسى وأبُو جَعْفَرٍ الرُّؤاسِيُّ: بِفَتْحِ التّاءِ، أيْ: تَتَقَلَّبُ وحَكاها ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي حَيْوَةَ. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ عَنْ أبِي حَيْوَةَ: ”نُقَلِّبُ“ بِالنُّونِ، (وُجُوهَهم) بِالنَّصْبِ. وحَكاها ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي حَيْوَةَ أيْضًا وخارِجَةَ. زادَ صاحِبُ اللَّوامِحِ أنَّها قِراءَةُ عِيسى البَصْرِيِّ. وقَرَأ عِيسى الكُوفِيُّ كَذَلِكَ إلّا أنَّ بَدَلَ النُّونِ تاءٌ، وفاعِلُ (تُقَلَّبُ) ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى (سَعِيرًا) وعَلى جَهَنَّمَ أُسْنِدَ إلَيْهِما اتِّساعًا. وقِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ: تَتَقَلَّبُ بِتاءَيْنِ، وتَقْلِيبُ الوُجُوهِ في النّارِ: تَحَرُّكُها في الجِهاتِ، أوْ تَغَيُّرُها عَنْ هَيْئاتِها، أوْ إلْقاؤُها في النّارِ مَنكُوسَةً. والظّاهِرُ هو الأوَّلُ، والوَجْهُ أشْرَفُ ما في الإنْسانِ، فَإذا قُلِّبَ في النّارِ كانَ تَقْلِيبُ ما سِواهُ أوْلى. وعَبَّرَ بِالوَجْهِ عَنِ الجُمْلَةِ، وتَمَنِّيهم حَيْثُ لا يَنْفَعُ، وتَشَكِّيهِمْ مِن كُبَرائِهِمْ لا يُجْدِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿سادَتَنا﴾ جَمْعًا عَلى وزْنِ فَعَلاتٍ، أصْلُهُ سُوَدَةٌ، وهو شاذٌّ في جَمْعِ فَيْعِلٍ، فَإنْ جُعِلَتْ جَمْعَ سائِدٍ قَرُبَ مِنَ القِياسِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، والسُّلَمِيُّ، وابْنُ عامِرٍ، والعامَّةُ في الجامِعِ بِالبَصْرَةِ: ”ساداتِنا“ عَلى الجَمْعِ بِالألِفِ والتّاءِ، وهو لا يَنْقاسُ، كَسُوقاتِ ومُوالِياتِ بَنِي هاشِمٍ. وسادَتُهم: رُؤَساءُ الكُفْرِ الَّذِينَ لَقَّنُوهُمُ الكُفْرَ وزَيَّنُوهُ لَهم. قالَ قَتادَةُ: سادَتُنا: رُؤَساؤُنا. وقالَ طاوُسٌ: أشْرافُنا. وقالَ أبُو أُسامَةَ: أُمَراؤُنا وقالَ الشّاعِرُ: ؎تَسَلْسَلَ قَوْمٌ سادَةٌ ثُمَّ زادَةٌ ∗∗∗ يُبْدُونَ أهْلَ الجَمْعِ يَوْمَ المُحَصَّبِ ويُقالُ: ضَلَّ السَّبِيلَ، وضَلَّ عَنِ السَّبِيلِ. فَإذا دَخَلَتْ هَمْزَةُ النَّقْلِ تَعَدّى لِاثْنَيْنِ؛ وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى إثْباتِ الألِفِ في (الرَّسُولا) و(السَّبِيلا) في قَوْلِهِ: ﴿وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا﴾ [الأحزاب: ١٠] . ولَمّا لَمْ يُجْدِ تَمَنِّيهِمُ الإيمانَ بِطاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، ولا قامَ لَهم عُذْرٌ في تَشَكِّيهِمْ مِمَّنْ أضَلَّهم، دَعَوْا عَلى ساداتِهِمْ. ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ﴾ ضِعْفًا عَلى ضَلالِهِمْ في أنْفُسِهِمْ، وضِعْفًا عَلى إضْلالِ مَن أضَلُّوا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: كَثِيرًا بِالثّاءِ المُثَلَّثَةِ. وقَرَأ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، والأعْرَجُ بِخِلافٍ عَنْهُ بِالباءِ. ﴿كالَّذِينَ آذَوْا مُوسى﴾ قِيلَ: نَزَلَتْ في شَأْنِ زَيْدٍ وزَيْنَبَ، وما سُمِعَ فِيهِ مِن قالَةِ بَعْضِ النّاسِ. وقِيلَ: المُرادُ حَدِيثُ الإفْكِ عَلى أنَّهُ ما أُوذِيَ نَبِيٌّ مِثْلَ ما أُوذِيتَ. وفي حَدِيثِ الرَّجُلِ الَّذِي قالَ لِقَسْمٍ قَسَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ ما أُرِيدَ بِها وجْهُ اللَّهِ، فَغَضِبَ وقالَ: «رَحِمَ اللَّهُ أخِي مُوسى، لَقَدْ أُوذِيَ أكْثَرَ مِن هَذا فَصَبَرَ» . وإذايَةُ مُوسى قَوْلُهم: (p-٢٥٣)إنَّهُ أبْرَصُ وآدَرُ، وأنَّهُ حَسَدَ أخاهُ هارُونَ وقَتَلَهُ. أوْ حَدِيثُ المُومِسَةِ المُسْتَأْجَرَةِ لِأنْ تَقُولَ: إنَّ مُوسى زَنى بِها، أوْ ما نَسَبُوهُ إلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ والجُنُونِ، أقْوالٌ. ﴿مِمّا قالُوا﴾ أيْ: مِن وصْمِ ما قالُوا، و”ما“ مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وكانَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الظَّرْفُ مَعْمُولٌ لِـ: (وجِيهًا) أيْ: ذا وجْهٍ ومَنزِلَةٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، تُمِيطُ عَنْهُ الأذى وتَدْفَعُ التُّهَمَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ: عَبْدٌ مِنَ العُبُودِيَّةِ، لِلَّهِ جَرٌّ بِلامِ الجَرِّ، و(عَبْدًا) خَبَرُ كانَ، و(وجِيهًا) صِفَةً لَهُ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنَ شَنَبُوذَ في شَهْرِ رَمَضانَ فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ: وكانَ عَبْدُ اللَّهِ عَلى قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: (وجِيهًا) مَقْبُولًا. وقالَ الحَسَنُ: مُسْتَجابَ الدَّعْوَةِ، ما سَألَ شَيْئًا إلّا أُعْطِيَ، إلّا الرُّؤْيَةَ في الدُّنْيا. وقالَ قُطْرُبٌ: رَفِيعَ القَدْرِ. وقِيلَ: وجاهَتُهُ أنَّهُ كَلَّمَهُ ولَقَّبَهُ كَلِيمَ اللَّهِ. والسَّدِيدُ: تَقَدَّمَ شَرْحُهُ في أوائِلِ النِّساءِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُنا صَوابًا. وقالَ مُقاتِلٌ وقَتادَةُ: سَدِيدًا في شَأْنِ زَيْدٍ وزَيْنَبَ والرَّسُولِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ أيْضًا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقِيلَ: ما يُوافِقُ ظاهِرُهُ باطِنَهُ، وقِيلَ: ما هو إصْلاحٌ مِن تَسْدِيدِ السَّهْمِ لِيُصِيبَ الغَرَضَ، وقِيلَ: السَّدِيدُ يَعُمُّ الخَيْراتِ. ورُتِّبَ عَلى القَوْلِ السَّدِيدِ: صَلاحُ الأعْمالِ وغُفْرانُ الذُّنُوبِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذِهِ الآيَةُ مُقَرِّرَةٌ لِلَّتِي قَبْلَها. بُنِيَتْ تِلْكَ عَلى النَّهْيِ عَمّا يُؤْذى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وهَذِهِ عَلى الأمْرِ بِاتِّقاءِ اللَّهِ في حِفْظِ اللِّسانِ، لِيَتَرادَفَ عَلَيْهِمُ النَّهْيُ والأمْرُ، مَعَ إتْباعِ النَّهْيِ ما يَتَضَمَّنُ الوَعِيدَ مِن قِصَّةِ مُوسى، وإتْباعِ الأمْرِ الوَعْدَ البَلِيغَ، فَيَقْوى الصّارِفُ عَنِ الأذى والدّاعِي إلى تَرْكِهِ. انْتَهى، وهو كَلامٌ حَسَنٌ.

الأحزاب 33:67

﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ وبَناتِكَ ونِساءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أدْنى أنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿مَلْعُونِينَ أيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ ﴿سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ ﴿يَسْألُكَ النّاسُ عَنِ السّاعَةِ قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ لَعَنَ الكافِرِينَ وأعَدَّ لَهم سَعِيرًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا لا يَجِدُونَ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهم في النّارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أطَعْنا اللَّهَ وأطَعْنا الرَّسُولا﴾ ﴿وقالُوا رَبَّنا إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلا﴾ ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ والعَنْهم لَعْنًا كَبِيرًا﴾ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأهُ اللَّهُ مِمّا قالُوا وكانَ عِنْدَ اللَّهِ وجِيهًا﴾ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ ﴿يُصْلِحْ لَكم أعْمالَكم ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنها وحَمَلَها الإنْسانُ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢] ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ ويَتُوبَ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٣] . (p-٢٥٠)كانَ دَأْبُ الجاهِلِيَّةِ أنْ تَخْرُجَ الحُرَّةُ والأمَةُ مَكْشُوفَتَيِ الوَجْهِ في دِرْعٍ وخِمارٍ، وكانَ الزُّناةُ يَتَعَرَّضُونَ إذا خَرَجْنَ بِاللَّيْلِ لِقَضاءِ حَوائِجِهِنَّ في النَّخِيلِ والغِيطانِ لِلْإماءِ، ورُبَّما تَعَرَّضُوا لِلْحُرَّةِ بِعِلَّةِ الأمَةِ، يَقُولُونَ: حَسِبْناها أمَةً، فَأُمِرْنَ أنْ يُخالِفْنَ بِزِيِّهِنَّ عَنْ زِيِّ الإماءِ، بِلُبْسِ الأرْدِيَةِ والمَلاحِفِ، وسَتْرِ الرُّءُوسِ والوُجُوهِ، لِيَحْتَشِمْنَ ويُهَبْنَ، فَلا يُطْمَعُ فِيهِنَّ. ورُوِيَ أنَّهُ كانَ في المَدِينَةِ قَوْمٌ يَجْلِسُونَ عَلى الصُّعُداتِ لِرُؤْيَةِ النِّساءِ ومُعارَضَتِهِنَّ ومُراوَدَتِهِنَّ، فَنَزَلَتْ. قِيلَ: والجَلابِيبُ: الأرْدِيَةُ الَّتِي تَسْتُرُ مِن فَوْقَ إلى أسْفَلَ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: المَقانِعُ؛ وقِيلَ: المَلاحِفُ، وقِيلَ: الجِلْبابُ: كُلُّ ثَوْبٍ تَلْبَسُهُ المَرْأةُ فَوْقَ ثِيابِها، وقِيلَ: كُلُّ ما تَسْتَتِرُ بِهِ مِن كِساءٍ أوْ غَيْرِهِ. قالَ أبُو زَيْدٍ: ؎تَجَلْبَبْتُ مِن سَوادِ اللَّيْلِ جِلْبابًا وقِيلَ: الجِلْبابُ أكْبَرُ مِنَ الخِمارِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: تُلْقِي جانِبَ الجِلْبابِ عَلى غَيْرِها ولا يُرى. وقالَ عَبِيدَةُ السَّلْمانِيُّ حِينَ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، فَقالَ: أنْ تَضَعَ رِداءَها فَوْقَ الحاجِبِ، ثُمَّ تُدِيرُهُ حَتّى تَضَعَهُ عَلى أنْفِها. وقالَ السُّدِّيُّ: تُغَطِّي إحْدى عَيْنَيْها وجَبْهَتَها والشِّقَّ الآخَرَ إلّا العَيْنَ. انْتَهى. وكَذا عادَةُ بِلادِ الأنْدَلُسِ، لا يَظْهَرُ مِنَ المَرْأةِ إلّا عَيْنُها الواحِدَةُ. وقالَ الكِسائِيُّ: يَتَقَنَّعْنَ بِمَلاحِفِهِنَّ مُنْضَمَّةً عَلَيْهِنَّ، أرادَ بِالِانْضِمامِ مَعْنى الإدْناءِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: وذَلِكَ أنْ تَلْوِيَهُ فَوْقَ الجَبِينِ وتَشُدَّهُ، ثُمَّ تَعْطِفَهُ عَلى الأنْفِ، وإنْ ظَهَرَتْ عَيْناها، لَكِنَّهُ يَسْتُرُ الصَّدْرَ ومُعْظَمَ الوَجْهِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ونِساءِ المُؤْمِنِينَ﴾ يَشْمَلُ الحَرائِرَ والإماءَ، والفِتْنَةُ بِالإماءِ أكْثَرُ، لِكَثْرَةِ تَصَرُّفِهِنَّ بِخِلافِ الحَرائِرِ، فَيَحْتاجُ إخْراجُهُنَّ مِن عُمُومِ النِّساءِ إلى دَلِيلٍ واضِحٍ. و”مِن“ في: ﴿مِن جَلابِيبِهِنَّ﴾ لِلتَّبْعِيضِ، و(عَلَيْهِنَّ) شامِلٌ لِجَمِيعِ أجْسادِهِنَّ، أوْ (عَلَيْهِنَّ) عَلى وُجُوهِهِنَّ؛ لِأنَّ الَّذِي كانَ يَبْدُو مِنهُنَّ في الجاهِلِيَّةِ هو الوَجْهُ. ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يُعْرَفْنَ﴾ لِتَسَتُّرِهِنَّ بِالعِفَّةِ، فَلا يُتَعَرَّضُ لَهُنَّ، ولا يُلْقَيْنَ بِما يَكْرَهْنَ؛ لِأنَّ المَرْأةَ إذا كانَتْ في غايَةِ التَّسَتُّرِ والِانْضِمامِ لَمْ يُقْدَمْ عَلَيْها بِخِلافِ المُتَبَرِّجَةِ، فَإنَّها مَطْمُوعٌ فِيها. (وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) تَأْنِيسٌ لِلنِّساءِ في تَرْكِ الِاسْتِتارِ قَبْلَ أنْ يُؤْمَرْنَ بِذَلِكَ. ولَمّا ذَكَرَ حالَ المُشْرِكِ الَّذِي يُؤْذِي اللَّهَ ورَسُولَهُ، والمُجاهِرَ الَّذِي يُؤْذِي المُؤْمِنِينَ، ذَكَرَ حالَ المُسِرِّ الَّذِي يُؤْذِي اللَّهَ ورَسُولَهُ، ويُظْهِرُ الحَقَّ ويُضْمِرُ النِّفاقَ. ولَمّا كانَ المُؤْذُونَ ثَلاثَةً بِاعْتِبارِ إذايَتِهِمْ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ، كانَ المُشْرِكُونَ ثَلاثَةً: مُنافِقٌ، ومَن في قَلْبِهِ مَرَضٌ، ومُرْجِفٌ. فالمُنافِقُ يُؤْذِي سِرًّا، والثّانِي يُؤْذِي المُؤْمِنَ بِاتِّباعِ نِسائِهِ، والثّالِثُ يُرْجِفُ بِالرَّسُولِ، يَقُولُ: غُلِبَ، سَيُخْرَجُ مِنَ المَدِينَةِ، سَيُؤْخَذُ، هُزِمَتْ سَراياهُ. وظاهِرُ العَطْفِ التَّغايُرُ بِالشَّخْصِ، فَيَكُونُ المَعْنى: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ عَنْ عَداوَتِهِمْ وكَيْدِهِمْ، والفَسَقَةُ عَنْ فُجُورِهِمْ، والمُرْجِفُونَ عَمّا يَقُولُونَ (p-٢٥١)مِن أخْبارِ السُّوءِ ويُشِيعُونَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّغايُرُ بِالوَصْفِ، فَيَكُونُ واحِدًا بِالشَّخْصِ ثَلاثَةً بِالوَصْفِ. كَما جاءَ: إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ، فَذَكَرَ أوْصافًا عَشَرَةً، والمَوْصُوفُ بِها واحِدٌ، ونَصَّ عَلى هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ مِنَ المُنافِقِينَ لِشِدَّةِ ضَرَرِهِما عَلى المُؤْمِنِينَ. قالَ عِكْرِمَةُ: (الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) هو الغَزَلُ وحُبُّ الزِّنى، ومِنهُ: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢] . وقالَ السُّدِّيُّ: المَرَضُ: النِّفاقُ، ومَن في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ الَّذِينَ آذَوْا عُمَرَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مَن آذى المُسْلِمِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (المُرْجِفُونَ) مُلْتَمِسُو الفِتَنَ. وقالَ قَتادَةُ: الَّذِينَ يُؤْذُونَ قُلُوبَ المُؤْمِنِينَ بِإيهامِ القَتْلِ والهَزِيمَةِ. ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ أيْ: لَنُسَلِّطَنَّكَ عَلَيْهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ قَتادَةُ: لَنَحْرُسُنَّكَ بِهِمْ. ﴿ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها﴾ أيْ في المَدِينَةِ، و﴿ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ﴾ ولَمْ يَكُنِ العَطْفُ بِالفاءِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ أنَّهُ مُتَسَبِّبٌ عَنِ الإغْراءِ، بَلْ كَوْنُهُ جَوابًا لِلْقَسَمِ أبْلَغُ. وكانَ العَطْفُ بِـ: ثُمَّ؛ لِأنَّ الجَلاءَ عَنِ الوَطَنِ كانَ أعْظَمَ عَلَيْهِمْ مِن جَمِيعِ ما أُصِيبُوا بِهِ، فَتَراخَتْ حالَةُ الجَلاءِ عَنْ حالَةِ الإغْراءِ. (إلّا قَلِيلًا) أيْ: جِوارًا قَلِيلًا، أوْ زَمانًا قَلِيلًا، أوْ عَدَدًا قَلِيلًا، وهَذا الأخِيرُ اسْتِثْناءٌ مِنَ المَنطُوقِ، وهو ضَمِيرُ الرَّفْعِ في ﴿يُجاوِرُونَكَ﴾ أوْ يَنْتَصِبُ قَلِيلًا عَلى الحالِ، أيْ: إلّا قَلِيلِينَ، والأوَّلُ اسْتِثْناءٌ مِنَ المَصْدَرِ الدّالِّ عَلَيْهِ ﴿يُجاوِرُونَكَ﴾ والثّانِي مِنَ الزَّمانِ الدّالِّ عَلَيْهِ ﴿يُجاوِرُونَكَ﴾ والمَعْنى: أنَّهم يُضْطَرُّونَ إلى طَلَبِ الجَلاءِ عَنِ المَدِينَةِ خَوْفَ القَتْلِ. وانْتَصَبَ ﴿مَلْعُونِينَ﴾ عَلى الذَّمِّ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ. وأجازَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (قَلِيلًا) قالَ: هو مِن إقْلاءِ الَّذِي قَدَّرْناهُ؛ وأجازَ هو أيْضًا أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿يُجاوِرُونَكَ﴾ قالَ: كَأنَّهُ قالَ: يَنْتَفُونَ مِنَ المَدِينَةِ مُعَلْوِنِينَ، فَلا يُقَدِّرُ ﴿لا يُجاوِرُونَكَ﴾ فَقَدَّرَ ”يَنْتَفُونَ“ حَسَنٌ هَذا. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ والحَوْفِيُّ وتَبِعَهُما أبُو البَقاءِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في (لا ﴿يُجاوِرُونَكَ﴾) كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا نَصُّهُ مَلْعُونِينَ، نُصِبَ عَلى الشَّتْمِ أوِ الحالِ أيْ: لا يُجاوِرُونَكَ إلّا مَلْعُونِينَ. دَخَلَ حَرْفُ الِاسْتِثْناءِ عَلى الظَّرْفِ والحالِ مَعًا، كَما مَرَّ في قَوْلِ: ﴿إلّا أنْ يُؤْذَنَ لَكم إلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣] ولا يَصِحُّ أنْ يَنْتَصِبَ مِن أُخِذُوا لِأنَّ ما بَعْدَ كَلِمَةِ الشَّرْطِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها. انْتَهى. وتَقَدَّمَ الكَلامُ مَعَهُ في مَجِيءِ الحالِ مِمّا قَبْلُ إلّا مَذْكُورَةً بَعْدَما اسْتَثْنى بِإلّا، فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُنْصَبًّا عَلَيْهِما، وأنَّ جُمْهُورَ البَصْرِيِّينَ مَنَعُوا مِن ذَلِكَ. وأمّا تَجْوِيزُ ابْنِ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا فالبَدَلُ بِالمُشْتَقِّ قَلِيلٌ. وأمّا قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: لِأنَّ ما بَعْدَ كَلِمَةِ الشَّرْطِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها فَلَيْسَ هَذا مُجْمَعًا عَلَيْهِ؛ لِأنَّ ما بَعْدَ كَلِمَةِ الشَّرْطِ شَيْئانِ: فِعْلُ الشَّرْطِ والجَوابُ، فَأمّا فِعْلُ الشَّرْطِ فَأجازَ الكِسائِيُّ تَقْدِيمَ مَعْمُولِهِ عَلى الكَلِمَةِ، أجازَ: زَيْدٌ أنْ يَضْرِبَ اضْرِبْهُ، وأمّا الجَوابُ فَقَدْ أجازَ أيْضًا تَقْدِيمَ مَعْمُولِهِ عَلَيْهِ نَحْوُ: إنْ يُقِمْ زَيْدٌ عَمْرًا يُضْرَبْ. وقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ النَّحْوِيِّينَ أنَّهُ قالَ المَعْنى: ﴿أيْنَما ثُقِفُوا﴾ أُخِذُوا مَلْعُونِينَ، والصَّحِيحُ أنَّ مَلْعُونِينَ صِفَةً لِقَلِيلٍ، أيْ: إلّا قَلِيلِينَ مَلْعُونِينَ، ويَكُونُ قَلِيلًا مُسْتَثْنًى مِنَ الواوِ في ﴿لا يُجاوِرُونَكَ﴾، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ صِفَةٌ أيْضًا أيْ: مَقْهُورِينَ مَغْلُوبًا عَلَيْهِمْ. ومَعْنى (ثُقِفُوا) حُصِرُوا وظَفِرَ بِهِمْ، ومَعْنى ﴿أُخِذُوا﴾ أُسِرُوا، والأخِيذُ: الأسِيرُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (قُتِّلُوا) بِتَشْدِيدِ التّاءِ. وفِرْقَةٌ: بِتَخْفِيفِها فَيَكُونُ ﴿تَقْتِيلًا﴾ مَصْدَرًا عَلى غَيْرِ قِياسِ المَصْدَرِ. والظّاهِرُ أنَّ المُنافِقِينَ انْتَهَوْا عَمّا كانُوا يُؤْذُونَ بِهِ الرَّسُولَ ﷺ والمُؤْمِنِينَ، وتَسَتَّرَ جَمِيعُهم، وكَفُّوا خَوْفًا مِن أنْ يَقَعَ بِهِمْ ما وقَعَ القَسَمُ عَلَيْهِ، وهو الإغْراءُ والجَلاءُ والأخْذُ والقَتْلُ. وقِيلَ: لَمْ يَمْتَثِلُوا لِلِانْتِهاءِ جُمْلَةً، ولا نُفِّذَ عَلَيْهِمُ الوَعِيدُ كامِلًا. ألا تَرى إلى إخْراجِهِمْ مِنَ المَسْجِدِ، ونَهْيِهِ عَنِ الصَّلاةِ عَلَيْهِمْ، وما نَزَلَ فِيهِمْ في سُورَةِ بَراءَةَ ؟ وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ لَمْ يَنْتَهِ هَؤُلاءِ الأصْنافُ، ولَمْ يُنَفِّذِ اللَّهُ الوَعِيدَ عَلَيْهِمْ فَفِيهِ (p-٢٥٢)دَلِيلٌ عَلى بُطْلانِ القَوْلِ بِإنْفاذِ الوَعِيدِ في الآخِرَةِ، ويَكُونُ هَذا الوَعِيدُ مَفْرُوضًا ومَشْرُوطًا بِالمَشِيئَةِ. (سُنَّةَ اللَّهِ) مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ أيْ: سَنَّ اللَّهُ في الَّذِينَ يُنافِقُونَ الأنْبِياءَ أنْ يُقْتَلُوا حَيْثُما ظُفِرَ بِهِمْ. وعَنْ مُقاتِلٍ: كَما قُتِلَ أهْلُ بَدْرٍ وأُسِرُوا، فالَّذِينَ خَلَوْا يَشْمَلُ أتْباعَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ نافَقُوا، ومَن قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ. ﴿يَسْألُكَ النّاسُ﴾ أيِ: المُشْرِكُونَ، عَنْ وقْتِ قِيامِ السّاعَةِ اسْتِعْجالًا عَلى سَبِيلِ الهُزْءِ، واليَهُودُ عَلى سَبِيلِ الِامْتِحانِ، إذْ كانَتْ مُعَمًّى وقْتُها في التَّوْراةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِأنْ يَرُدَّ العِلْمَ إلى اللَّهِ، إذْ لَمْ يُطْلِعْ عَلَيْها مَلَكًا ولا نَبِيًّا. ولَمّا ذَكَرَ حالَهم في الدُّنْيا أنَّهم مَلْعُونُونَ مُهانُونَ مَقْتُولُونَ بَيَّنَ حالَهم في الآخِرَةِ. (وما يُدْرِيكَ) ما اسْتِفْهامٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ أيْ: وأيُّ شَيْءٍ يُدْرِيكَ بِها ؟ ومَعْناهُ النَّفْيُ أيْ: ما يُدْرِيكَ بِها أحَدٌ. ﴿لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ بَيَّنَ قُرْبَ السّاعَةِ، وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِلْمُمْتَحَنِ، وتَهْدِيدٌ لِلْمُسْتَعْجِلِ. وانْتَصَبَ (قَرِيبًا) عَلى الظَّرْفِ أيْ: في زَمانٍ قَرِيبٍ، إذِ اسْتِعْمالُهُ ظَرْفًا كَثِيرٌ، ويُسْتَعْمَلُ أيْضًا غَيْرَ ظَرْفٍ، تَقُولُ: إنَّ قَرِيبًا مِنكَ زَيْدًا، فَجازَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: شَيْئًا قَرِيبًا، أوْ تَكُونَ السّاعَةُ بِمَعْنى الوَقْتِ، فَذَكَّرَ (قَرِيبًا) عَلى المَعْنى. أوْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: لَعَلَّ قِيامَ السّاعَةِ، فَلُوحِظَ السّاعَةُ في (تَكُونُ) فَأُنِّثَ، ولُوحِظَ المُضافُ المَحْذُوفُ وهو ”قِيامُ“ في (قَرِيبًا) فَذُكِّرَ. ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ (يَوْمَ) بِقَوْلِهِ: (لا يَجِدُونَ) ويَكُونُ (يَقُولُونَ) اسْتِئْنافٌ إخْبارٌ عَنْهم، أوْ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِمْ: (ولا نَصِيرًا) . ويَنْتَصِبُ (يَوْمَ) بِقَوْلِهِ: (يَقُولُونَ) أوْ بِمَحْذُوفٍ أيِ: اذْكُرْ و(يَقُولُونَ) حالٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تُقَلَّبُ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. والحَسَنُ وعِيسى وأبُو جَعْفَرٍ الرُّؤاسِيُّ: بِفَتْحِ التّاءِ، أيْ: تَتَقَلَّبُ وحَكاها ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي حَيْوَةَ. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ عَنْ أبِي حَيْوَةَ: ”نُقَلِّبُ“ بِالنُّونِ، (وُجُوهَهم) بِالنَّصْبِ. وحَكاها ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي حَيْوَةَ أيْضًا وخارِجَةَ. زادَ صاحِبُ اللَّوامِحِ أنَّها قِراءَةُ عِيسى البَصْرِيِّ. وقَرَأ عِيسى الكُوفِيُّ كَذَلِكَ إلّا أنَّ بَدَلَ النُّونِ تاءٌ، وفاعِلُ (تُقَلَّبُ) ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى (سَعِيرًا) وعَلى جَهَنَّمَ أُسْنِدَ إلَيْهِما اتِّساعًا. وقِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ: تَتَقَلَّبُ بِتاءَيْنِ، وتَقْلِيبُ الوُجُوهِ في النّارِ: تَحَرُّكُها في الجِهاتِ، أوْ تَغَيُّرُها عَنْ هَيْئاتِها، أوْ إلْقاؤُها في النّارِ مَنكُوسَةً. والظّاهِرُ هو الأوَّلُ، والوَجْهُ أشْرَفُ ما في الإنْسانِ، فَإذا قُلِّبَ في النّارِ كانَ تَقْلِيبُ ما سِواهُ أوْلى. وعَبَّرَ بِالوَجْهِ عَنِ الجُمْلَةِ، وتَمَنِّيهم حَيْثُ لا يَنْفَعُ، وتَشَكِّيهِمْ مِن كُبَرائِهِمْ لا يُجْدِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿سادَتَنا﴾ جَمْعًا عَلى وزْنِ فَعَلاتٍ، أصْلُهُ سُوَدَةٌ، وهو شاذٌّ في جَمْعِ فَيْعِلٍ، فَإنْ جُعِلَتْ جَمْعَ سائِدٍ قَرُبَ مِنَ القِياسِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، والسُّلَمِيُّ، وابْنُ عامِرٍ، والعامَّةُ في الجامِعِ بِالبَصْرَةِ: ”ساداتِنا“ عَلى الجَمْعِ بِالألِفِ والتّاءِ، وهو لا يَنْقاسُ، كَسُوقاتِ ومُوالِياتِ بَنِي هاشِمٍ. وسادَتُهم: رُؤَساءُ الكُفْرِ الَّذِينَ لَقَّنُوهُمُ الكُفْرَ وزَيَّنُوهُ لَهم. قالَ قَتادَةُ: سادَتُنا: رُؤَساؤُنا. وقالَ طاوُسٌ: أشْرافُنا. وقالَ أبُو أُسامَةَ: أُمَراؤُنا وقالَ الشّاعِرُ: ؎تَسَلْسَلَ قَوْمٌ سادَةٌ ثُمَّ زادَةٌ ∗∗∗ يُبْدُونَ أهْلَ الجَمْعِ يَوْمَ المُحَصَّبِ ويُقالُ: ضَلَّ السَّبِيلَ، وضَلَّ عَنِ السَّبِيلِ. فَإذا دَخَلَتْ هَمْزَةُ النَّقْلِ تَعَدّى لِاثْنَيْنِ؛ وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى إثْباتِ الألِفِ في (الرَّسُولا) و(السَّبِيلا) في قَوْلِهِ: ﴿وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا﴾ [الأحزاب: ١٠] . ولَمّا لَمْ يُجْدِ تَمَنِّيهِمُ الإيمانَ بِطاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، ولا قامَ لَهم عُذْرٌ في تَشَكِّيهِمْ مِمَّنْ أضَلَّهم، دَعَوْا عَلى ساداتِهِمْ. ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ﴾ ضِعْفًا عَلى ضَلالِهِمْ في أنْفُسِهِمْ، وضِعْفًا عَلى إضْلالِ مَن أضَلُّوا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: كَثِيرًا بِالثّاءِ المُثَلَّثَةِ. وقَرَأ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، والأعْرَجُ بِخِلافٍ عَنْهُ بِالباءِ. ﴿كالَّذِينَ آذَوْا مُوسى﴾ قِيلَ: نَزَلَتْ في شَأْنِ زَيْدٍ وزَيْنَبَ، وما سُمِعَ فِيهِ مِن قالَةِ بَعْضِ النّاسِ. وقِيلَ: المُرادُ حَدِيثُ الإفْكِ عَلى أنَّهُ ما أُوذِيَ نَبِيٌّ مِثْلَ ما أُوذِيتَ. وفي حَدِيثِ الرَّجُلِ الَّذِي قالَ لِقَسْمٍ قَسَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ ما أُرِيدَ بِها وجْهُ اللَّهِ، فَغَضِبَ وقالَ: «رَحِمَ اللَّهُ أخِي مُوسى، لَقَدْ أُوذِيَ أكْثَرَ مِن هَذا فَصَبَرَ» . وإذايَةُ مُوسى قَوْلُهم: (p-٢٥٣)إنَّهُ أبْرَصُ وآدَرُ، وأنَّهُ حَسَدَ أخاهُ هارُونَ وقَتَلَهُ. أوْ حَدِيثُ المُومِسَةِ المُسْتَأْجَرَةِ لِأنْ تَقُولَ: إنَّ مُوسى زَنى بِها، أوْ ما نَسَبُوهُ إلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ والجُنُونِ، أقْوالٌ. ﴿مِمّا قالُوا﴾ أيْ: مِن وصْمِ ما قالُوا، و”ما“ مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وكانَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الظَّرْفُ مَعْمُولٌ لِـ: (وجِيهًا) أيْ: ذا وجْهٍ ومَنزِلَةٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، تُمِيطُ عَنْهُ الأذى وتَدْفَعُ التُّهَمَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ: عَبْدٌ مِنَ العُبُودِيَّةِ، لِلَّهِ جَرٌّ بِلامِ الجَرِّ، و(عَبْدًا) خَبَرُ كانَ، و(وجِيهًا) صِفَةً لَهُ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنَ شَنَبُوذَ في شَهْرِ رَمَضانَ فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ: وكانَ عَبْدُ اللَّهِ عَلى قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: (وجِيهًا) مَقْبُولًا. وقالَ الحَسَنُ: مُسْتَجابَ الدَّعْوَةِ، ما سَألَ شَيْئًا إلّا أُعْطِيَ، إلّا الرُّؤْيَةَ في الدُّنْيا. وقالَ قُطْرُبٌ: رَفِيعَ القَدْرِ. وقِيلَ: وجاهَتُهُ أنَّهُ كَلَّمَهُ ولَقَّبَهُ كَلِيمَ اللَّهِ. والسَّدِيدُ: تَقَدَّمَ شَرْحُهُ في أوائِلِ النِّساءِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُنا صَوابًا. وقالَ مُقاتِلٌ وقَتادَةُ: سَدِيدًا في شَأْنِ زَيْدٍ وزَيْنَبَ والرَّسُولِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ أيْضًا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقِيلَ: ما يُوافِقُ ظاهِرُهُ باطِنَهُ، وقِيلَ: ما هو إصْلاحٌ مِن تَسْدِيدِ السَّهْمِ لِيُصِيبَ الغَرَضَ، وقِيلَ: السَّدِيدُ يَعُمُّ الخَيْراتِ. ورُتِّبَ عَلى القَوْلِ السَّدِيدِ: صَلاحُ الأعْمالِ وغُفْرانُ الذُّنُوبِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذِهِ الآيَةُ مُقَرِّرَةٌ لِلَّتِي قَبْلَها. بُنِيَتْ تِلْكَ عَلى النَّهْيِ عَمّا يُؤْذى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وهَذِهِ عَلى الأمْرِ بِاتِّقاءِ اللَّهِ في حِفْظِ اللِّسانِ، لِيَتَرادَفَ عَلَيْهِمُ النَّهْيُ والأمْرُ، مَعَ إتْباعِ النَّهْيِ ما يَتَضَمَّنُ الوَعِيدَ مِن قِصَّةِ مُوسى، وإتْباعِ الأمْرِ الوَعْدَ البَلِيغَ، فَيَقْوى الصّارِفُ عَنِ الأذى والدّاعِي إلى تَرْكِهِ. انْتَهى، وهو كَلامٌ حَسَنٌ.

الأحزاب 33:68

﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ وبَناتِكَ ونِساءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أدْنى أنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿مَلْعُونِينَ أيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ ﴿سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ ﴿يَسْألُكَ النّاسُ عَنِ السّاعَةِ قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ لَعَنَ الكافِرِينَ وأعَدَّ لَهم سَعِيرًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا لا يَجِدُونَ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهم في النّارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أطَعْنا اللَّهَ وأطَعْنا الرَّسُولا﴾ ﴿وقالُوا رَبَّنا إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلا﴾ ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ والعَنْهم لَعْنًا كَبِيرًا﴾ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأهُ اللَّهُ مِمّا قالُوا وكانَ عِنْدَ اللَّهِ وجِيهًا﴾ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ ﴿يُصْلِحْ لَكم أعْمالَكم ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنها وحَمَلَها الإنْسانُ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢] ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ ويَتُوبَ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٣] . (p-٢٥٠)كانَ دَأْبُ الجاهِلِيَّةِ أنْ تَخْرُجَ الحُرَّةُ والأمَةُ مَكْشُوفَتَيِ الوَجْهِ في دِرْعٍ وخِمارٍ، وكانَ الزُّناةُ يَتَعَرَّضُونَ إذا خَرَجْنَ بِاللَّيْلِ لِقَضاءِ حَوائِجِهِنَّ في النَّخِيلِ والغِيطانِ لِلْإماءِ، ورُبَّما تَعَرَّضُوا لِلْحُرَّةِ بِعِلَّةِ الأمَةِ، يَقُولُونَ: حَسِبْناها أمَةً، فَأُمِرْنَ أنْ يُخالِفْنَ بِزِيِّهِنَّ عَنْ زِيِّ الإماءِ، بِلُبْسِ الأرْدِيَةِ والمَلاحِفِ، وسَتْرِ الرُّءُوسِ والوُجُوهِ، لِيَحْتَشِمْنَ ويُهَبْنَ، فَلا يُطْمَعُ فِيهِنَّ. ورُوِيَ أنَّهُ كانَ في المَدِينَةِ قَوْمٌ يَجْلِسُونَ عَلى الصُّعُداتِ لِرُؤْيَةِ النِّساءِ ومُعارَضَتِهِنَّ ومُراوَدَتِهِنَّ، فَنَزَلَتْ. قِيلَ: والجَلابِيبُ: الأرْدِيَةُ الَّتِي تَسْتُرُ مِن فَوْقَ إلى أسْفَلَ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: المَقانِعُ؛ وقِيلَ: المَلاحِفُ، وقِيلَ: الجِلْبابُ: كُلُّ ثَوْبٍ تَلْبَسُهُ المَرْأةُ فَوْقَ ثِيابِها، وقِيلَ: كُلُّ ما تَسْتَتِرُ بِهِ مِن كِساءٍ أوْ غَيْرِهِ. قالَ أبُو زَيْدٍ: ؎تَجَلْبَبْتُ مِن سَوادِ اللَّيْلِ جِلْبابًا وقِيلَ: الجِلْبابُ أكْبَرُ مِنَ الخِمارِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: تُلْقِي جانِبَ الجِلْبابِ عَلى غَيْرِها ولا يُرى. وقالَ عَبِيدَةُ السَّلْمانِيُّ حِينَ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، فَقالَ: أنْ تَضَعَ رِداءَها فَوْقَ الحاجِبِ، ثُمَّ تُدِيرُهُ حَتّى تَضَعَهُ عَلى أنْفِها. وقالَ السُّدِّيُّ: تُغَطِّي إحْدى عَيْنَيْها وجَبْهَتَها والشِّقَّ الآخَرَ إلّا العَيْنَ. انْتَهى. وكَذا عادَةُ بِلادِ الأنْدَلُسِ، لا يَظْهَرُ مِنَ المَرْأةِ إلّا عَيْنُها الواحِدَةُ. وقالَ الكِسائِيُّ: يَتَقَنَّعْنَ بِمَلاحِفِهِنَّ مُنْضَمَّةً عَلَيْهِنَّ، أرادَ بِالِانْضِمامِ مَعْنى الإدْناءِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: وذَلِكَ أنْ تَلْوِيَهُ فَوْقَ الجَبِينِ وتَشُدَّهُ، ثُمَّ تَعْطِفَهُ عَلى الأنْفِ، وإنْ ظَهَرَتْ عَيْناها، لَكِنَّهُ يَسْتُرُ الصَّدْرَ ومُعْظَمَ الوَجْهِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ونِساءِ المُؤْمِنِينَ﴾ يَشْمَلُ الحَرائِرَ والإماءَ، والفِتْنَةُ بِالإماءِ أكْثَرُ، لِكَثْرَةِ تَصَرُّفِهِنَّ بِخِلافِ الحَرائِرِ، فَيَحْتاجُ إخْراجُهُنَّ مِن عُمُومِ النِّساءِ إلى دَلِيلٍ واضِحٍ. و”مِن“ في: ﴿مِن جَلابِيبِهِنَّ﴾ لِلتَّبْعِيضِ، و(عَلَيْهِنَّ) شامِلٌ لِجَمِيعِ أجْسادِهِنَّ، أوْ (عَلَيْهِنَّ) عَلى وُجُوهِهِنَّ؛ لِأنَّ الَّذِي كانَ يَبْدُو مِنهُنَّ في الجاهِلِيَّةِ هو الوَجْهُ. ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يُعْرَفْنَ﴾ لِتَسَتُّرِهِنَّ بِالعِفَّةِ، فَلا يُتَعَرَّضُ لَهُنَّ، ولا يُلْقَيْنَ بِما يَكْرَهْنَ؛ لِأنَّ المَرْأةَ إذا كانَتْ في غايَةِ التَّسَتُّرِ والِانْضِمامِ لَمْ يُقْدَمْ عَلَيْها بِخِلافِ المُتَبَرِّجَةِ، فَإنَّها مَطْمُوعٌ فِيها. (وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) تَأْنِيسٌ لِلنِّساءِ في تَرْكِ الِاسْتِتارِ قَبْلَ أنْ يُؤْمَرْنَ بِذَلِكَ. ولَمّا ذَكَرَ حالَ المُشْرِكِ الَّذِي يُؤْذِي اللَّهَ ورَسُولَهُ، والمُجاهِرَ الَّذِي يُؤْذِي المُؤْمِنِينَ، ذَكَرَ حالَ المُسِرِّ الَّذِي يُؤْذِي اللَّهَ ورَسُولَهُ، ويُظْهِرُ الحَقَّ ويُضْمِرُ النِّفاقَ. ولَمّا كانَ المُؤْذُونَ ثَلاثَةً بِاعْتِبارِ إذايَتِهِمْ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ، كانَ المُشْرِكُونَ ثَلاثَةً: مُنافِقٌ، ومَن في قَلْبِهِ مَرَضٌ، ومُرْجِفٌ. فالمُنافِقُ يُؤْذِي سِرًّا، والثّانِي يُؤْذِي المُؤْمِنَ بِاتِّباعِ نِسائِهِ، والثّالِثُ يُرْجِفُ بِالرَّسُولِ، يَقُولُ: غُلِبَ، سَيُخْرَجُ مِنَ المَدِينَةِ، سَيُؤْخَذُ، هُزِمَتْ سَراياهُ. وظاهِرُ العَطْفِ التَّغايُرُ بِالشَّخْصِ، فَيَكُونُ المَعْنى: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ عَنْ عَداوَتِهِمْ وكَيْدِهِمْ، والفَسَقَةُ عَنْ فُجُورِهِمْ، والمُرْجِفُونَ عَمّا يَقُولُونَ (p-٢٥١)مِن أخْبارِ السُّوءِ ويُشِيعُونَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّغايُرُ بِالوَصْفِ، فَيَكُونُ واحِدًا بِالشَّخْصِ ثَلاثَةً بِالوَصْفِ. كَما جاءَ: إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ، فَذَكَرَ أوْصافًا عَشَرَةً، والمَوْصُوفُ بِها واحِدٌ، ونَصَّ عَلى هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ مِنَ المُنافِقِينَ لِشِدَّةِ ضَرَرِهِما عَلى المُؤْمِنِينَ. قالَ عِكْرِمَةُ: (الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) هو الغَزَلُ وحُبُّ الزِّنى، ومِنهُ: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢] . وقالَ السُّدِّيُّ: المَرَضُ: النِّفاقُ، ومَن في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ الَّذِينَ آذَوْا عُمَرَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مَن آذى المُسْلِمِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (المُرْجِفُونَ) مُلْتَمِسُو الفِتَنَ. وقالَ قَتادَةُ: الَّذِينَ يُؤْذُونَ قُلُوبَ المُؤْمِنِينَ بِإيهامِ القَتْلِ والهَزِيمَةِ. ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ أيْ: لَنُسَلِّطَنَّكَ عَلَيْهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ قَتادَةُ: لَنَحْرُسُنَّكَ بِهِمْ. ﴿ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها﴾ أيْ في المَدِينَةِ، و﴿ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ﴾ ولَمْ يَكُنِ العَطْفُ بِالفاءِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ أنَّهُ مُتَسَبِّبٌ عَنِ الإغْراءِ، بَلْ كَوْنُهُ جَوابًا لِلْقَسَمِ أبْلَغُ. وكانَ العَطْفُ بِـ: ثُمَّ؛ لِأنَّ الجَلاءَ عَنِ الوَطَنِ كانَ أعْظَمَ عَلَيْهِمْ مِن جَمِيعِ ما أُصِيبُوا بِهِ، فَتَراخَتْ حالَةُ الجَلاءِ عَنْ حالَةِ الإغْراءِ. (إلّا قَلِيلًا) أيْ: جِوارًا قَلِيلًا، أوْ زَمانًا قَلِيلًا، أوْ عَدَدًا قَلِيلًا، وهَذا الأخِيرُ اسْتِثْناءٌ مِنَ المَنطُوقِ، وهو ضَمِيرُ الرَّفْعِ في ﴿يُجاوِرُونَكَ﴾ أوْ يَنْتَصِبُ قَلِيلًا عَلى الحالِ، أيْ: إلّا قَلِيلِينَ، والأوَّلُ اسْتِثْناءٌ مِنَ المَصْدَرِ الدّالِّ عَلَيْهِ ﴿يُجاوِرُونَكَ﴾ والثّانِي مِنَ الزَّمانِ الدّالِّ عَلَيْهِ ﴿يُجاوِرُونَكَ﴾ والمَعْنى: أنَّهم يُضْطَرُّونَ إلى طَلَبِ الجَلاءِ عَنِ المَدِينَةِ خَوْفَ القَتْلِ. وانْتَصَبَ ﴿مَلْعُونِينَ﴾ عَلى الذَّمِّ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ. وأجازَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (قَلِيلًا) قالَ: هو مِن إقْلاءِ الَّذِي قَدَّرْناهُ؛ وأجازَ هو أيْضًا أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿يُجاوِرُونَكَ﴾ قالَ: كَأنَّهُ قالَ: يَنْتَفُونَ مِنَ المَدِينَةِ مُعَلْوِنِينَ، فَلا يُقَدِّرُ ﴿لا يُجاوِرُونَكَ﴾ فَقَدَّرَ ”يَنْتَفُونَ“ حَسَنٌ هَذا. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ والحَوْفِيُّ وتَبِعَهُما أبُو البَقاءِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في (لا ﴿يُجاوِرُونَكَ﴾) كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا نَصُّهُ مَلْعُونِينَ، نُصِبَ عَلى الشَّتْمِ أوِ الحالِ أيْ: لا يُجاوِرُونَكَ إلّا مَلْعُونِينَ. دَخَلَ حَرْفُ الِاسْتِثْناءِ عَلى الظَّرْفِ والحالِ مَعًا، كَما مَرَّ في قَوْلِ: ﴿إلّا أنْ يُؤْذَنَ لَكم إلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣] ولا يَصِحُّ أنْ يَنْتَصِبَ مِن أُخِذُوا لِأنَّ ما بَعْدَ كَلِمَةِ الشَّرْطِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها. انْتَهى. وتَقَدَّمَ الكَلامُ مَعَهُ في مَجِيءِ الحالِ مِمّا قَبْلُ إلّا مَذْكُورَةً بَعْدَما اسْتَثْنى بِإلّا، فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُنْصَبًّا عَلَيْهِما، وأنَّ جُمْهُورَ البَصْرِيِّينَ مَنَعُوا مِن ذَلِكَ. وأمّا تَجْوِيزُ ابْنِ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا فالبَدَلُ بِالمُشْتَقِّ قَلِيلٌ. وأمّا قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: لِأنَّ ما بَعْدَ كَلِمَةِ الشَّرْطِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها فَلَيْسَ هَذا مُجْمَعًا عَلَيْهِ؛ لِأنَّ ما بَعْدَ كَلِمَةِ الشَّرْطِ شَيْئانِ: فِعْلُ الشَّرْطِ والجَوابُ، فَأمّا فِعْلُ الشَّرْطِ فَأجازَ الكِسائِيُّ تَقْدِيمَ مَعْمُولِهِ عَلى الكَلِمَةِ، أجازَ: زَيْدٌ أنْ يَضْرِبَ اضْرِبْهُ، وأمّا الجَوابُ فَقَدْ أجازَ أيْضًا تَقْدِيمَ مَعْمُولِهِ عَلَيْهِ نَحْوُ: إنْ يُقِمْ زَيْدٌ عَمْرًا يُضْرَبْ. وقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ النَّحْوِيِّينَ أنَّهُ قالَ المَعْنى: ﴿أيْنَما ثُقِفُوا﴾ أُخِذُوا مَلْعُونِينَ، والصَّحِيحُ أنَّ مَلْعُونِينَ صِفَةً لِقَلِيلٍ، أيْ: إلّا قَلِيلِينَ مَلْعُونِينَ، ويَكُونُ قَلِيلًا مُسْتَثْنًى مِنَ الواوِ في ﴿لا يُجاوِرُونَكَ﴾، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ صِفَةٌ أيْضًا أيْ: مَقْهُورِينَ مَغْلُوبًا عَلَيْهِمْ. ومَعْنى (ثُقِفُوا) حُصِرُوا وظَفِرَ بِهِمْ، ومَعْنى ﴿أُخِذُوا﴾ أُسِرُوا، والأخِيذُ: الأسِيرُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (قُتِّلُوا) بِتَشْدِيدِ التّاءِ. وفِرْقَةٌ: بِتَخْفِيفِها فَيَكُونُ ﴿تَقْتِيلًا﴾ مَصْدَرًا عَلى غَيْرِ قِياسِ المَصْدَرِ. والظّاهِرُ أنَّ المُنافِقِينَ انْتَهَوْا عَمّا كانُوا يُؤْذُونَ بِهِ الرَّسُولَ ﷺ والمُؤْمِنِينَ، وتَسَتَّرَ جَمِيعُهم، وكَفُّوا خَوْفًا مِن أنْ يَقَعَ بِهِمْ ما وقَعَ القَسَمُ عَلَيْهِ، وهو الإغْراءُ والجَلاءُ والأخْذُ والقَتْلُ. وقِيلَ: لَمْ يَمْتَثِلُوا لِلِانْتِهاءِ جُمْلَةً، ولا نُفِّذَ عَلَيْهِمُ الوَعِيدُ كامِلًا. ألا تَرى إلى إخْراجِهِمْ مِنَ المَسْجِدِ، ونَهْيِهِ عَنِ الصَّلاةِ عَلَيْهِمْ، وما نَزَلَ فِيهِمْ في سُورَةِ بَراءَةَ ؟ وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ لَمْ يَنْتَهِ هَؤُلاءِ الأصْنافُ، ولَمْ يُنَفِّذِ اللَّهُ الوَعِيدَ عَلَيْهِمْ فَفِيهِ (p-٢٥٢)دَلِيلٌ عَلى بُطْلانِ القَوْلِ بِإنْفاذِ الوَعِيدِ في الآخِرَةِ، ويَكُونُ هَذا الوَعِيدُ مَفْرُوضًا ومَشْرُوطًا بِالمَشِيئَةِ. (سُنَّةَ اللَّهِ) مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ أيْ: سَنَّ اللَّهُ في الَّذِينَ يُنافِقُونَ الأنْبِياءَ أنْ يُقْتَلُوا حَيْثُما ظُفِرَ بِهِمْ. وعَنْ مُقاتِلٍ: كَما قُتِلَ أهْلُ بَدْرٍ وأُسِرُوا، فالَّذِينَ خَلَوْا يَشْمَلُ أتْباعَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ نافَقُوا، ومَن قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ. ﴿يَسْألُكَ النّاسُ﴾ أيِ: المُشْرِكُونَ، عَنْ وقْتِ قِيامِ السّاعَةِ اسْتِعْجالًا عَلى سَبِيلِ الهُزْءِ، واليَهُودُ عَلى سَبِيلِ الِامْتِحانِ، إذْ كانَتْ مُعَمًّى وقْتُها في التَّوْراةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِأنْ يَرُدَّ العِلْمَ إلى اللَّهِ، إذْ لَمْ يُطْلِعْ عَلَيْها مَلَكًا ولا نَبِيًّا. ولَمّا ذَكَرَ حالَهم في الدُّنْيا أنَّهم مَلْعُونُونَ مُهانُونَ مَقْتُولُونَ بَيَّنَ حالَهم في الآخِرَةِ. (وما يُدْرِيكَ) ما اسْتِفْهامٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ أيْ: وأيُّ شَيْءٍ يُدْرِيكَ بِها ؟ ومَعْناهُ النَّفْيُ أيْ: ما يُدْرِيكَ بِها أحَدٌ. ﴿لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ بَيَّنَ قُرْبَ السّاعَةِ، وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِلْمُمْتَحَنِ، وتَهْدِيدٌ لِلْمُسْتَعْجِلِ. وانْتَصَبَ (قَرِيبًا) عَلى الظَّرْفِ أيْ: في زَمانٍ قَرِيبٍ، إذِ اسْتِعْمالُهُ ظَرْفًا كَثِيرٌ، ويُسْتَعْمَلُ أيْضًا غَيْرَ ظَرْفٍ، تَقُولُ: إنَّ قَرِيبًا مِنكَ زَيْدًا، فَجازَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: شَيْئًا قَرِيبًا، أوْ تَكُونَ السّاعَةُ بِمَعْنى الوَقْتِ، فَذَكَّرَ (قَرِيبًا) عَلى المَعْنى. أوْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: لَعَلَّ قِيامَ السّاعَةِ، فَلُوحِظَ السّاعَةُ في (تَكُونُ) فَأُنِّثَ، ولُوحِظَ المُضافُ المَحْذُوفُ وهو ”قِيامُ“ في (قَرِيبًا) فَذُكِّرَ. ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ (يَوْمَ) بِقَوْلِهِ: (لا يَجِدُونَ) ويَكُونُ (يَقُولُونَ) اسْتِئْنافٌ إخْبارٌ عَنْهم، أوْ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِمْ: (ولا نَصِيرًا) . ويَنْتَصِبُ (يَوْمَ) بِقَوْلِهِ: (يَقُولُونَ) أوْ بِمَحْذُوفٍ أيِ: اذْكُرْ و(يَقُولُونَ) حالٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تُقَلَّبُ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. والحَسَنُ وعِيسى وأبُو جَعْفَرٍ الرُّؤاسِيُّ: بِفَتْحِ التّاءِ، أيْ: تَتَقَلَّبُ وحَكاها ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي حَيْوَةَ. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ عَنْ أبِي حَيْوَةَ: ”نُقَلِّبُ“ بِالنُّونِ، (وُجُوهَهم) بِالنَّصْبِ. وحَكاها ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي حَيْوَةَ أيْضًا وخارِجَةَ. زادَ صاحِبُ اللَّوامِحِ أنَّها قِراءَةُ عِيسى البَصْرِيِّ. وقَرَأ عِيسى الكُوفِيُّ كَذَلِكَ إلّا أنَّ بَدَلَ النُّونِ تاءٌ، وفاعِلُ (تُقَلَّبُ) ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى (سَعِيرًا) وعَلى جَهَنَّمَ أُسْنِدَ إلَيْهِما اتِّساعًا. وقِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ: تَتَقَلَّبُ بِتاءَيْنِ، وتَقْلِيبُ الوُجُوهِ في النّارِ: تَحَرُّكُها في الجِهاتِ، أوْ تَغَيُّرُها عَنْ هَيْئاتِها، أوْ إلْقاؤُها في النّارِ مَنكُوسَةً. والظّاهِرُ هو الأوَّلُ، والوَجْهُ أشْرَفُ ما في الإنْسانِ، فَإذا قُلِّبَ في النّارِ كانَ تَقْلِيبُ ما سِواهُ أوْلى. وعَبَّرَ بِالوَجْهِ عَنِ الجُمْلَةِ، وتَمَنِّيهم حَيْثُ لا يَنْفَعُ، وتَشَكِّيهِمْ مِن كُبَرائِهِمْ لا يُجْدِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿سادَتَنا﴾ جَمْعًا عَلى وزْنِ فَعَلاتٍ، أصْلُهُ سُوَدَةٌ، وهو شاذٌّ في جَمْعِ فَيْعِلٍ، فَإنْ جُعِلَتْ جَمْعَ سائِدٍ قَرُبَ مِنَ القِياسِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، والسُّلَمِيُّ، وابْنُ عامِرٍ، والعامَّةُ في الجامِعِ بِالبَصْرَةِ: ”ساداتِنا“ عَلى الجَمْعِ بِالألِفِ والتّاءِ، وهو لا يَنْقاسُ، كَسُوقاتِ ومُوالِياتِ بَنِي هاشِمٍ. وسادَتُهم: رُؤَساءُ الكُفْرِ الَّذِينَ لَقَّنُوهُمُ الكُفْرَ وزَيَّنُوهُ لَهم. قالَ قَتادَةُ: سادَتُنا: رُؤَساؤُنا. وقالَ طاوُسٌ: أشْرافُنا. وقالَ أبُو أُسامَةَ: أُمَراؤُنا وقالَ الشّاعِرُ: ؎تَسَلْسَلَ قَوْمٌ سادَةٌ ثُمَّ زادَةٌ ∗∗∗ يُبْدُونَ أهْلَ الجَمْعِ يَوْمَ المُحَصَّبِ ويُقالُ: ضَلَّ السَّبِيلَ، وضَلَّ عَنِ السَّبِيلِ. فَإذا دَخَلَتْ هَمْزَةُ النَّقْلِ تَعَدّى لِاثْنَيْنِ؛ وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى إثْباتِ الألِفِ في (الرَّسُولا) و(السَّبِيلا) في قَوْلِهِ: ﴿وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا﴾ [الأحزاب: ١٠] . ولَمّا لَمْ يُجْدِ تَمَنِّيهِمُ الإيمانَ بِطاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، ولا قامَ لَهم عُذْرٌ في تَشَكِّيهِمْ مِمَّنْ أضَلَّهم، دَعَوْا عَلى ساداتِهِمْ. ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ﴾ ضِعْفًا عَلى ضَلالِهِمْ في أنْفُسِهِمْ، وضِعْفًا عَلى إضْلالِ مَن أضَلُّوا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: كَثِيرًا بِالثّاءِ المُثَلَّثَةِ. وقَرَأ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، والأعْرَجُ بِخِلافٍ عَنْهُ بِالباءِ. ﴿كالَّذِينَ آذَوْا مُوسى﴾ قِيلَ: نَزَلَتْ في شَأْنِ زَيْدٍ وزَيْنَبَ، وما سُمِعَ فِيهِ مِن قالَةِ بَعْضِ النّاسِ. وقِيلَ: المُرادُ حَدِيثُ الإفْكِ عَلى أنَّهُ ما أُوذِيَ نَبِيٌّ مِثْلَ ما أُوذِيتَ. وفي حَدِيثِ الرَّجُلِ الَّذِي قالَ لِقَسْمٍ قَسَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ ما أُرِيدَ بِها وجْهُ اللَّهِ، فَغَضِبَ وقالَ: «رَحِمَ اللَّهُ أخِي مُوسى، لَقَدْ أُوذِيَ أكْثَرَ مِن هَذا فَصَبَرَ» . وإذايَةُ مُوسى قَوْلُهم: (p-٢٥٣)إنَّهُ أبْرَصُ وآدَرُ، وأنَّهُ حَسَدَ أخاهُ هارُونَ وقَتَلَهُ. أوْ حَدِيثُ المُومِسَةِ المُسْتَأْجَرَةِ لِأنْ تَقُولَ: إنَّ مُوسى زَنى بِها، أوْ ما نَسَبُوهُ إلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ والجُنُونِ، أقْوالٌ. ﴿مِمّا قالُوا﴾ أيْ: مِن وصْمِ ما قالُوا، و”ما“ مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وكانَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الظَّرْفُ مَعْمُولٌ لِـ: (وجِيهًا) أيْ: ذا وجْهٍ ومَنزِلَةٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، تُمِيطُ عَنْهُ الأذى وتَدْفَعُ التُّهَمَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ: عَبْدٌ مِنَ العُبُودِيَّةِ، لِلَّهِ جَرٌّ بِلامِ الجَرِّ، و(عَبْدًا) خَبَرُ كانَ، و(وجِيهًا) صِفَةً لَهُ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنَ شَنَبُوذَ في شَهْرِ رَمَضانَ فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ: وكانَ عَبْدُ اللَّهِ عَلى قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: (وجِيهًا) مَقْبُولًا. وقالَ الحَسَنُ: مُسْتَجابَ الدَّعْوَةِ، ما سَألَ شَيْئًا إلّا أُعْطِيَ، إلّا الرُّؤْيَةَ في الدُّنْيا. وقالَ قُطْرُبٌ: رَفِيعَ القَدْرِ. وقِيلَ: وجاهَتُهُ أنَّهُ كَلَّمَهُ ولَقَّبَهُ كَلِيمَ اللَّهِ. والسَّدِيدُ: تَقَدَّمَ شَرْحُهُ في أوائِلِ النِّساءِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُنا صَوابًا. وقالَ مُقاتِلٌ وقَتادَةُ: سَدِيدًا في شَأْنِ زَيْدٍ وزَيْنَبَ والرَّسُولِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ أيْضًا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقِيلَ: ما يُوافِقُ ظاهِرُهُ باطِنَهُ، وقِيلَ: ما هو إصْلاحٌ مِن تَسْدِيدِ السَّهْمِ لِيُصِيبَ الغَرَضَ، وقِيلَ: السَّدِيدُ يَعُمُّ الخَيْراتِ. ورُتِّبَ عَلى القَوْلِ السَّدِيدِ: صَلاحُ الأعْمالِ وغُفْرانُ الذُّنُوبِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذِهِ الآيَةُ مُقَرِّرَةٌ لِلَّتِي قَبْلَها. بُنِيَتْ تِلْكَ عَلى النَّهْيِ عَمّا يُؤْذى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وهَذِهِ عَلى الأمْرِ بِاتِّقاءِ اللَّهِ في حِفْظِ اللِّسانِ، لِيَتَرادَفَ عَلَيْهِمُ النَّهْيُ والأمْرُ، مَعَ إتْباعِ النَّهْيِ ما يَتَضَمَّنُ الوَعِيدَ مِن قِصَّةِ مُوسى، وإتْباعِ الأمْرِ الوَعْدَ البَلِيغَ، فَيَقْوى الصّارِفُ عَنِ الأذى والدّاعِي إلى تَرْكِهِ. انْتَهى، وهو كَلامٌ حَسَنٌ.

الأحزاب 33:69

﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ وبَناتِكَ ونِساءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أدْنى أنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿مَلْعُونِينَ أيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ ﴿سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ ﴿يَسْألُكَ النّاسُ عَنِ السّاعَةِ قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ لَعَنَ الكافِرِينَ وأعَدَّ لَهم سَعِيرًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا لا يَجِدُونَ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهم في النّارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أطَعْنا اللَّهَ وأطَعْنا الرَّسُولا﴾ ﴿وقالُوا رَبَّنا إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلا﴾ ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ والعَنْهم لَعْنًا كَبِيرًا﴾ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأهُ اللَّهُ مِمّا قالُوا وكانَ عِنْدَ اللَّهِ وجِيهًا﴾ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ ﴿يُصْلِحْ لَكم أعْمالَكم ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنها وحَمَلَها الإنْسانُ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢] ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ ويَتُوبَ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٣] . (p-٢٥٠)كانَ دَأْبُ الجاهِلِيَّةِ أنْ تَخْرُجَ الحُرَّةُ والأمَةُ مَكْشُوفَتَيِ الوَجْهِ في دِرْعٍ وخِمارٍ، وكانَ الزُّناةُ يَتَعَرَّضُونَ إذا خَرَجْنَ بِاللَّيْلِ لِقَضاءِ حَوائِجِهِنَّ في النَّخِيلِ والغِيطانِ لِلْإماءِ، ورُبَّما تَعَرَّضُوا لِلْحُرَّةِ بِعِلَّةِ الأمَةِ، يَقُولُونَ: حَسِبْناها أمَةً، فَأُمِرْنَ أنْ يُخالِفْنَ بِزِيِّهِنَّ عَنْ زِيِّ الإماءِ، بِلُبْسِ الأرْدِيَةِ والمَلاحِفِ، وسَتْرِ الرُّءُوسِ والوُجُوهِ، لِيَحْتَشِمْنَ ويُهَبْنَ، فَلا يُطْمَعُ فِيهِنَّ. ورُوِيَ أنَّهُ كانَ في المَدِينَةِ قَوْمٌ يَجْلِسُونَ عَلى الصُّعُداتِ لِرُؤْيَةِ النِّساءِ ومُعارَضَتِهِنَّ ومُراوَدَتِهِنَّ، فَنَزَلَتْ. قِيلَ: والجَلابِيبُ: الأرْدِيَةُ الَّتِي تَسْتُرُ مِن فَوْقَ إلى أسْفَلَ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: المَقانِعُ؛ وقِيلَ: المَلاحِفُ، وقِيلَ: الجِلْبابُ: كُلُّ ثَوْبٍ تَلْبَسُهُ المَرْأةُ فَوْقَ ثِيابِها، وقِيلَ: كُلُّ ما تَسْتَتِرُ بِهِ مِن كِساءٍ أوْ غَيْرِهِ. قالَ أبُو زَيْدٍ: ؎تَجَلْبَبْتُ مِن سَوادِ اللَّيْلِ جِلْبابًا وقِيلَ: الجِلْبابُ أكْبَرُ مِنَ الخِمارِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: تُلْقِي جانِبَ الجِلْبابِ عَلى غَيْرِها ولا يُرى. وقالَ عَبِيدَةُ السَّلْمانِيُّ حِينَ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، فَقالَ: أنْ تَضَعَ رِداءَها فَوْقَ الحاجِبِ، ثُمَّ تُدِيرُهُ حَتّى تَضَعَهُ عَلى أنْفِها. وقالَ السُّدِّيُّ: تُغَطِّي إحْدى عَيْنَيْها وجَبْهَتَها والشِّقَّ الآخَرَ إلّا العَيْنَ. انْتَهى. وكَذا عادَةُ بِلادِ الأنْدَلُسِ، لا يَظْهَرُ مِنَ المَرْأةِ إلّا عَيْنُها الواحِدَةُ. وقالَ الكِسائِيُّ: يَتَقَنَّعْنَ بِمَلاحِفِهِنَّ مُنْضَمَّةً عَلَيْهِنَّ، أرادَ بِالِانْضِمامِ مَعْنى الإدْناءِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: وذَلِكَ أنْ تَلْوِيَهُ فَوْقَ الجَبِينِ وتَشُدَّهُ، ثُمَّ تَعْطِفَهُ عَلى الأنْفِ، وإنْ ظَهَرَتْ عَيْناها، لَكِنَّهُ يَسْتُرُ الصَّدْرَ ومُعْظَمَ الوَجْهِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ونِساءِ المُؤْمِنِينَ﴾ يَشْمَلُ الحَرائِرَ والإماءَ، والفِتْنَةُ بِالإماءِ أكْثَرُ، لِكَثْرَةِ تَصَرُّفِهِنَّ بِخِلافِ الحَرائِرِ، فَيَحْتاجُ إخْراجُهُنَّ مِن عُمُومِ النِّساءِ إلى دَلِيلٍ واضِحٍ. و”مِن“ في: ﴿مِن جَلابِيبِهِنَّ﴾ لِلتَّبْعِيضِ، و(عَلَيْهِنَّ) شامِلٌ لِجَمِيعِ أجْسادِهِنَّ، أوْ (عَلَيْهِنَّ) عَلى وُجُوهِهِنَّ؛ لِأنَّ الَّذِي كانَ يَبْدُو مِنهُنَّ في الجاهِلِيَّةِ هو الوَجْهُ. ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يُعْرَفْنَ﴾ لِتَسَتُّرِهِنَّ بِالعِفَّةِ، فَلا يُتَعَرَّضُ لَهُنَّ، ولا يُلْقَيْنَ بِما يَكْرَهْنَ؛ لِأنَّ المَرْأةَ إذا كانَتْ في غايَةِ التَّسَتُّرِ والِانْضِمامِ لَمْ يُقْدَمْ عَلَيْها بِخِلافِ المُتَبَرِّجَةِ، فَإنَّها مَطْمُوعٌ فِيها. (وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) تَأْنِيسٌ لِلنِّساءِ في تَرْكِ الِاسْتِتارِ قَبْلَ أنْ يُؤْمَرْنَ بِذَلِكَ. ولَمّا ذَكَرَ حالَ المُشْرِكِ الَّذِي يُؤْذِي اللَّهَ ورَسُولَهُ، والمُجاهِرَ الَّذِي يُؤْذِي المُؤْمِنِينَ، ذَكَرَ حالَ المُسِرِّ الَّذِي يُؤْذِي اللَّهَ ورَسُولَهُ، ويُظْهِرُ الحَقَّ ويُضْمِرُ النِّفاقَ. ولَمّا كانَ المُؤْذُونَ ثَلاثَةً بِاعْتِبارِ إذايَتِهِمْ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ، كانَ المُشْرِكُونَ ثَلاثَةً: مُنافِقٌ، ومَن في قَلْبِهِ مَرَضٌ، ومُرْجِفٌ. فالمُنافِقُ يُؤْذِي سِرًّا، والثّانِي يُؤْذِي المُؤْمِنَ بِاتِّباعِ نِسائِهِ، والثّالِثُ يُرْجِفُ بِالرَّسُولِ، يَقُولُ: غُلِبَ، سَيُخْرَجُ مِنَ المَدِينَةِ، سَيُؤْخَذُ، هُزِمَتْ سَراياهُ. وظاهِرُ العَطْفِ التَّغايُرُ بِالشَّخْصِ، فَيَكُونُ المَعْنى: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ عَنْ عَداوَتِهِمْ وكَيْدِهِمْ، والفَسَقَةُ عَنْ فُجُورِهِمْ، والمُرْجِفُونَ عَمّا يَقُولُونَ (p-٢٥١)مِن أخْبارِ السُّوءِ ويُشِيعُونَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّغايُرُ بِالوَصْفِ، فَيَكُونُ واحِدًا بِالشَّخْصِ ثَلاثَةً بِالوَصْفِ. كَما جاءَ: إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ، فَذَكَرَ أوْصافًا عَشَرَةً، والمَوْصُوفُ بِها واحِدٌ، ونَصَّ عَلى هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ مِنَ المُنافِقِينَ لِشِدَّةِ ضَرَرِهِما عَلى المُؤْمِنِينَ. قالَ عِكْرِمَةُ: (الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) هو الغَزَلُ وحُبُّ الزِّنى، ومِنهُ: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢] . وقالَ السُّدِّيُّ: المَرَضُ: النِّفاقُ، ومَن في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ الَّذِينَ آذَوْا عُمَرَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مَن آذى المُسْلِمِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (المُرْجِفُونَ) مُلْتَمِسُو الفِتَنَ. وقالَ قَتادَةُ: الَّذِينَ يُؤْذُونَ قُلُوبَ المُؤْمِنِينَ بِإيهامِ القَتْلِ والهَزِيمَةِ. ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ أيْ: لَنُسَلِّطَنَّكَ عَلَيْهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ قَتادَةُ: لَنَحْرُسُنَّكَ بِهِمْ. ﴿ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها﴾ أيْ في المَدِينَةِ، و﴿ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ﴾ ولَمْ يَكُنِ العَطْفُ بِالفاءِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ أنَّهُ مُتَسَبِّبٌ عَنِ الإغْراءِ، بَلْ كَوْنُهُ جَوابًا لِلْقَسَمِ أبْلَغُ. وكانَ العَطْفُ بِـ: ثُمَّ؛ لِأنَّ الجَلاءَ عَنِ الوَطَنِ كانَ أعْظَمَ عَلَيْهِمْ مِن جَمِيعِ ما أُصِيبُوا بِهِ، فَتَراخَتْ حالَةُ الجَلاءِ عَنْ حالَةِ الإغْراءِ. (إلّا قَلِيلًا) أيْ: جِوارًا قَلِيلًا، أوْ زَمانًا قَلِيلًا، أوْ عَدَدًا قَلِيلًا، وهَذا الأخِيرُ اسْتِثْناءٌ مِنَ المَنطُوقِ، وهو ضَمِيرُ الرَّفْعِ في ﴿يُجاوِرُونَكَ﴾ أوْ يَنْتَصِبُ قَلِيلًا عَلى الحالِ، أيْ: إلّا قَلِيلِينَ، والأوَّلُ اسْتِثْناءٌ مِنَ المَصْدَرِ الدّالِّ عَلَيْهِ ﴿يُجاوِرُونَكَ﴾ والثّانِي مِنَ الزَّمانِ الدّالِّ عَلَيْهِ ﴿يُجاوِرُونَكَ﴾ والمَعْنى: أنَّهم يُضْطَرُّونَ إلى طَلَبِ الجَلاءِ عَنِ المَدِينَةِ خَوْفَ القَتْلِ. وانْتَصَبَ ﴿مَلْعُونِينَ﴾ عَلى الذَّمِّ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ. وأجازَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (قَلِيلًا) قالَ: هو مِن إقْلاءِ الَّذِي قَدَّرْناهُ؛ وأجازَ هو أيْضًا أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿يُجاوِرُونَكَ﴾ قالَ: كَأنَّهُ قالَ: يَنْتَفُونَ مِنَ المَدِينَةِ مُعَلْوِنِينَ، فَلا يُقَدِّرُ ﴿لا يُجاوِرُونَكَ﴾ فَقَدَّرَ ”يَنْتَفُونَ“ حَسَنٌ هَذا. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ والحَوْفِيُّ وتَبِعَهُما أبُو البَقاءِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في (لا ﴿يُجاوِرُونَكَ﴾) كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا نَصُّهُ مَلْعُونِينَ، نُصِبَ عَلى الشَّتْمِ أوِ الحالِ أيْ: لا يُجاوِرُونَكَ إلّا مَلْعُونِينَ. دَخَلَ حَرْفُ الِاسْتِثْناءِ عَلى الظَّرْفِ والحالِ مَعًا، كَما مَرَّ في قَوْلِ: ﴿إلّا أنْ يُؤْذَنَ لَكم إلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣] ولا يَصِحُّ أنْ يَنْتَصِبَ مِن أُخِذُوا لِأنَّ ما بَعْدَ كَلِمَةِ الشَّرْطِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها. انْتَهى. وتَقَدَّمَ الكَلامُ مَعَهُ في مَجِيءِ الحالِ مِمّا قَبْلُ إلّا مَذْكُورَةً بَعْدَما اسْتَثْنى بِإلّا، فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُنْصَبًّا عَلَيْهِما، وأنَّ جُمْهُورَ البَصْرِيِّينَ مَنَعُوا مِن ذَلِكَ. وأمّا تَجْوِيزُ ابْنِ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا فالبَدَلُ بِالمُشْتَقِّ قَلِيلٌ. وأمّا قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: لِأنَّ ما بَعْدَ كَلِمَةِ الشَّرْطِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها فَلَيْسَ هَذا مُجْمَعًا عَلَيْهِ؛ لِأنَّ ما بَعْدَ كَلِمَةِ الشَّرْطِ شَيْئانِ: فِعْلُ الشَّرْطِ والجَوابُ، فَأمّا فِعْلُ الشَّرْطِ فَأجازَ الكِسائِيُّ تَقْدِيمَ مَعْمُولِهِ عَلى الكَلِمَةِ، أجازَ: زَيْدٌ أنْ يَضْرِبَ اضْرِبْهُ، وأمّا الجَوابُ فَقَدْ أجازَ أيْضًا تَقْدِيمَ مَعْمُولِهِ عَلَيْهِ نَحْوُ: إنْ يُقِمْ زَيْدٌ عَمْرًا يُضْرَبْ. وقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ النَّحْوِيِّينَ أنَّهُ قالَ المَعْنى: ﴿أيْنَما ثُقِفُوا﴾ أُخِذُوا مَلْعُونِينَ، والصَّحِيحُ أنَّ مَلْعُونِينَ صِفَةً لِقَلِيلٍ، أيْ: إلّا قَلِيلِينَ مَلْعُونِينَ، ويَكُونُ قَلِيلًا مُسْتَثْنًى مِنَ الواوِ في ﴿لا يُجاوِرُونَكَ﴾، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ صِفَةٌ أيْضًا أيْ: مَقْهُورِينَ مَغْلُوبًا عَلَيْهِمْ. ومَعْنى (ثُقِفُوا) حُصِرُوا وظَفِرَ بِهِمْ، ومَعْنى ﴿أُخِذُوا﴾ أُسِرُوا، والأخِيذُ: الأسِيرُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (قُتِّلُوا) بِتَشْدِيدِ التّاءِ. وفِرْقَةٌ: بِتَخْفِيفِها فَيَكُونُ ﴿تَقْتِيلًا﴾ مَصْدَرًا عَلى غَيْرِ قِياسِ المَصْدَرِ. والظّاهِرُ أنَّ المُنافِقِينَ انْتَهَوْا عَمّا كانُوا يُؤْذُونَ بِهِ الرَّسُولَ ﷺ والمُؤْمِنِينَ، وتَسَتَّرَ جَمِيعُهم، وكَفُّوا خَوْفًا مِن أنْ يَقَعَ بِهِمْ ما وقَعَ القَسَمُ عَلَيْهِ، وهو الإغْراءُ والجَلاءُ والأخْذُ والقَتْلُ. وقِيلَ: لَمْ يَمْتَثِلُوا لِلِانْتِهاءِ جُمْلَةً، ولا نُفِّذَ عَلَيْهِمُ الوَعِيدُ كامِلًا. ألا تَرى إلى إخْراجِهِمْ مِنَ المَسْجِدِ، ونَهْيِهِ عَنِ الصَّلاةِ عَلَيْهِمْ، وما نَزَلَ فِيهِمْ في سُورَةِ بَراءَةَ ؟ وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ لَمْ يَنْتَهِ هَؤُلاءِ الأصْنافُ، ولَمْ يُنَفِّذِ اللَّهُ الوَعِيدَ عَلَيْهِمْ فَفِيهِ (p-٢٥٢)دَلِيلٌ عَلى بُطْلانِ القَوْلِ بِإنْفاذِ الوَعِيدِ في الآخِرَةِ، ويَكُونُ هَذا الوَعِيدُ مَفْرُوضًا ومَشْرُوطًا بِالمَشِيئَةِ. (سُنَّةَ اللَّهِ) مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ أيْ: سَنَّ اللَّهُ في الَّذِينَ يُنافِقُونَ الأنْبِياءَ أنْ يُقْتَلُوا حَيْثُما ظُفِرَ بِهِمْ. وعَنْ مُقاتِلٍ: كَما قُتِلَ أهْلُ بَدْرٍ وأُسِرُوا، فالَّذِينَ خَلَوْا يَشْمَلُ أتْباعَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ نافَقُوا، ومَن قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ. ﴿يَسْألُكَ النّاسُ﴾ أيِ: المُشْرِكُونَ، عَنْ وقْتِ قِيامِ السّاعَةِ اسْتِعْجالًا عَلى سَبِيلِ الهُزْءِ، واليَهُودُ عَلى سَبِيلِ الِامْتِحانِ، إذْ كانَتْ مُعَمًّى وقْتُها في التَّوْراةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِأنْ يَرُدَّ العِلْمَ إلى اللَّهِ، إذْ لَمْ يُطْلِعْ عَلَيْها مَلَكًا ولا نَبِيًّا. ولَمّا ذَكَرَ حالَهم في الدُّنْيا أنَّهم مَلْعُونُونَ مُهانُونَ مَقْتُولُونَ بَيَّنَ حالَهم في الآخِرَةِ. (وما يُدْرِيكَ) ما اسْتِفْهامٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ أيْ: وأيُّ شَيْءٍ يُدْرِيكَ بِها ؟ ومَعْناهُ النَّفْيُ أيْ: ما يُدْرِيكَ بِها أحَدٌ. ﴿لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ بَيَّنَ قُرْبَ السّاعَةِ، وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِلْمُمْتَحَنِ، وتَهْدِيدٌ لِلْمُسْتَعْجِلِ. وانْتَصَبَ (قَرِيبًا) عَلى الظَّرْفِ أيْ: في زَمانٍ قَرِيبٍ، إذِ اسْتِعْمالُهُ ظَرْفًا كَثِيرٌ، ويُسْتَعْمَلُ أيْضًا غَيْرَ ظَرْفٍ، تَقُولُ: إنَّ قَرِيبًا مِنكَ زَيْدًا، فَجازَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: شَيْئًا قَرِيبًا، أوْ تَكُونَ السّاعَةُ بِمَعْنى الوَقْتِ، فَذَكَّرَ (قَرِيبًا) عَلى المَعْنى. أوْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: لَعَلَّ قِيامَ السّاعَةِ، فَلُوحِظَ السّاعَةُ في (تَكُونُ) فَأُنِّثَ، ولُوحِظَ المُضافُ المَحْذُوفُ وهو ”قِيامُ“ في (قَرِيبًا) فَذُكِّرَ. ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ (يَوْمَ) بِقَوْلِهِ: (لا يَجِدُونَ) ويَكُونُ (يَقُولُونَ) اسْتِئْنافٌ إخْبارٌ عَنْهم، أوْ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِمْ: (ولا نَصِيرًا) . ويَنْتَصِبُ (يَوْمَ) بِقَوْلِهِ: (يَقُولُونَ) أوْ بِمَحْذُوفٍ أيِ: اذْكُرْ و(يَقُولُونَ) حالٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تُقَلَّبُ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. والحَسَنُ وعِيسى وأبُو جَعْفَرٍ الرُّؤاسِيُّ: بِفَتْحِ التّاءِ، أيْ: تَتَقَلَّبُ وحَكاها ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي حَيْوَةَ. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ عَنْ أبِي حَيْوَةَ: ”نُقَلِّبُ“ بِالنُّونِ، (وُجُوهَهم) بِالنَّصْبِ. وحَكاها ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي حَيْوَةَ أيْضًا وخارِجَةَ. زادَ صاحِبُ اللَّوامِحِ أنَّها قِراءَةُ عِيسى البَصْرِيِّ. وقَرَأ عِيسى الكُوفِيُّ كَذَلِكَ إلّا أنَّ بَدَلَ النُّونِ تاءٌ، وفاعِلُ (تُقَلَّبُ) ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى (سَعِيرًا) وعَلى جَهَنَّمَ أُسْنِدَ إلَيْهِما اتِّساعًا. وقِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ: تَتَقَلَّبُ بِتاءَيْنِ، وتَقْلِيبُ الوُجُوهِ في النّارِ: تَحَرُّكُها في الجِهاتِ، أوْ تَغَيُّرُها عَنْ هَيْئاتِها، أوْ إلْقاؤُها في النّارِ مَنكُوسَةً. والظّاهِرُ هو الأوَّلُ، والوَجْهُ أشْرَفُ ما في الإنْسانِ، فَإذا قُلِّبَ في النّارِ كانَ تَقْلِيبُ ما سِواهُ أوْلى. وعَبَّرَ بِالوَجْهِ عَنِ الجُمْلَةِ، وتَمَنِّيهم حَيْثُ لا يَنْفَعُ، وتَشَكِّيهِمْ مِن كُبَرائِهِمْ لا يُجْدِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿سادَتَنا﴾ جَمْعًا عَلى وزْنِ فَعَلاتٍ، أصْلُهُ سُوَدَةٌ، وهو شاذٌّ في جَمْعِ فَيْعِلٍ، فَإنْ جُعِلَتْ جَمْعَ سائِدٍ قَرُبَ مِنَ القِياسِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، والسُّلَمِيُّ، وابْنُ عامِرٍ، والعامَّةُ في الجامِعِ بِالبَصْرَةِ: ”ساداتِنا“ عَلى الجَمْعِ بِالألِفِ والتّاءِ، وهو لا يَنْقاسُ، كَسُوقاتِ ومُوالِياتِ بَنِي هاشِمٍ. وسادَتُهم: رُؤَساءُ الكُفْرِ الَّذِينَ لَقَّنُوهُمُ الكُفْرَ وزَيَّنُوهُ لَهم. قالَ قَتادَةُ: سادَتُنا: رُؤَساؤُنا. وقالَ طاوُسٌ: أشْرافُنا. وقالَ أبُو أُسامَةَ: أُمَراؤُنا وقالَ الشّاعِرُ: ؎تَسَلْسَلَ قَوْمٌ سادَةٌ ثُمَّ زادَةٌ ∗∗∗ يُبْدُونَ أهْلَ الجَمْعِ يَوْمَ المُحَصَّبِ ويُقالُ: ضَلَّ السَّبِيلَ، وضَلَّ عَنِ السَّبِيلِ. فَإذا دَخَلَتْ هَمْزَةُ النَّقْلِ تَعَدّى لِاثْنَيْنِ؛ وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى إثْباتِ الألِفِ في (الرَّسُولا) و(السَّبِيلا) في قَوْلِهِ: ﴿وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا﴾ [الأحزاب: ١٠] . ولَمّا لَمْ يُجْدِ تَمَنِّيهِمُ الإيمانَ بِطاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، ولا قامَ لَهم عُذْرٌ في تَشَكِّيهِمْ مِمَّنْ أضَلَّهم، دَعَوْا عَلى ساداتِهِمْ. ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ﴾ ضِعْفًا عَلى ضَلالِهِمْ في أنْفُسِهِمْ، وضِعْفًا عَلى إضْلالِ مَن أضَلُّوا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: كَثِيرًا بِالثّاءِ المُثَلَّثَةِ. وقَرَأ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، والأعْرَجُ بِخِلافٍ عَنْهُ بِالباءِ. ﴿كالَّذِينَ آذَوْا مُوسى﴾ قِيلَ: نَزَلَتْ في شَأْنِ زَيْدٍ وزَيْنَبَ، وما سُمِعَ فِيهِ مِن قالَةِ بَعْضِ النّاسِ. وقِيلَ: المُرادُ حَدِيثُ الإفْكِ عَلى أنَّهُ ما أُوذِيَ نَبِيٌّ مِثْلَ ما أُوذِيتَ. وفي حَدِيثِ الرَّجُلِ الَّذِي قالَ لِقَسْمٍ قَسَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ ما أُرِيدَ بِها وجْهُ اللَّهِ، فَغَضِبَ وقالَ: «رَحِمَ اللَّهُ أخِي مُوسى، لَقَدْ أُوذِيَ أكْثَرَ مِن هَذا فَصَبَرَ» . وإذايَةُ مُوسى قَوْلُهم: (p-٢٥٣)إنَّهُ أبْرَصُ وآدَرُ، وأنَّهُ حَسَدَ أخاهُ هارُونَ وقَتَلَهُ. أوْ حَدِيثُ المُومِسَةِ المُسْتَأْجَرَةِ لِأنْ تَقُولَ: إنَّ مُوسى زَنى بِها، أوْ ما نَسَبُوهُ إلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ والجُنُونِ، أقْوالٌ. ﴿مِمّا قالُوا﴾ أيْ: مِن وصْمِ ما قالُوا، و”ما“ مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وكانَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الظَّرْفُ مَعْمُولٌ لِـ: (وجِيهًا) أيْ: ذا وجْهٍ ومَنزِلَةٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، تُمِيطُ عَنْهُ الأذى وتَدْفَعُ التُّهَمَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ: عَبْدٌ مِنَ العُبُودِيَّةِ، لِلَّهِ جَرٌّ بِلامِ الجَرِّ، و(عَبْدًا) خَبَرُ كانَ، و(وجِيهًا) صِفَةً لَهُ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنَ شَنَبُوذَ في شَهْرِ رَمَضانَ فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ: وكانَ عَبْدُ اللَّهِ عَلى قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: (وجِيهًا) مَقْبُولًا. وقالَ الحَسَنُ: مُسْتَجابَ الدَّعْوَةِ، ما سَألَ شَيْئًا إلّا أُعْطِيَ، إلّا الرُّؤْيَةَ في الدُّنْيا. وقالَ قُطْرُبٌ: رَفِيعَ القَدْرِ. وقِيلَ: وجاهَتُهُ أنَّهُ كَلَّمَهُ ولَقَّبَهُ كَلِيمَ اللَّهِ. والسَّدِيدُ: تَقَدَّمَ شَرْحُهُ في أوائِلِ النِّساءِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُنا صَوابًا. وقالَ مُقاتِلٌ وقَتادَةُ: سَدِيدًا في شَأْنِ زَيْدٍ وزَيْنَبَ والرَّسُولِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ أيْضًا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقِيلَ: ما يُوافِقُ ظاهِرُهُ باطِنَهُ، وقِيلَ: ما هو إصْلاحٌ مِن تَسْدِيدِ السَّهْمِ لِيُصِيبَ الغَرَضَ، وقِيلَ: السَّدِيدُ يَعُمُّ الخَيْراتِ. ورُتِّبَ عَلى القَوْلِ السَّدِيدِ: صَلاحُ الأعْمالِ وغُفْرانُ الذُّنُوبِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذِهِ الآيَةُ مُقَرِّرَةٌ لِلَّتِي قَبْلَها. بُنِيَتْ تِلْكَ عَلى النَّهْيِ عَمّا يُؤْذى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وهَذِهِ عَلى الأمْرِ بِاتِّقاءِ اللَّهِ في حِفْظِ اللِّسانِ، لِيَتَرادَفَ عَلَيْهِمُ النَّهْيُ والأمْرُ، مَعَ إتْباعِ النَّهْيِ ما يَتَضَمَّنُ الوَعِيدَ مِن قِصَّةِ مُوسى، وإتْباعِ الأمْرِ الوَعْدَ البَلِيغَ، فَيَقْوى الصّارِفُ عَنِ الأذى والدّاعِي إلى تَرْكِهِ. انْتَهى، وهو كَلامٌ حَسَنٌ.

الأحزاب 33:70

﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ وبَناتِكَ ونِساءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أدْنى أنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿مَلْعُونِينَ أيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ ﴿سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ ﴿يَسْألُكَ النّاسُ عَنِ السّاعَةِ قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ لَعَنَ الكافِرِينَ وأعَدَّ لَهم سَعِيرًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا لا يَجِدُونَ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهم في النّارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أطَعْنا اللَّهَ وأطَعْنا الرَّسُولا﴾ ﴿وقالُوا رَبَّنا إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلا﴾ ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ والعَنْهم لَعْنًا كَبِيرًا﴾ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأهُ اللَّهُ مِمّا قالُوا وكانَ عِنْدَ اللَّهِ وجِيهًا﴾ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ ﴿يُصْلِحْ لَكم أعْمالَكم ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنها وحَمَلَها الإنْسانُ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢] ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ ويَتُوبَ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٣] . (p-٢٥٠)كانَ دَأْبُ الجاهِلِيَّةِ أنْ تَخْرُجَ الحُرَّةُ والأمَةُ مَكْشُوفَتَيِ الوَجْهِ في دِرْعٍ وخِمارٍ، وكانَ الزُّناةُ يَتَعَرَّضُونَ إذا خَرَجْنَ بِاللَّيْلِ لِقَضاءِ حَوائِجِهِنَّ في النَّخِيلِ والغِيطانِ لِلْإماءِ، ورُبَّما تَعَرَّضُوا لِلْحُرَّةِ بِعِلَّةِ الأمَةِ، يَقُولُونَ: حَسِبْناها أمَةً، فَأُمِرْنَ أنْ يُخالِفْنَ بِزِيِّهِنَّ عَنْ زِيِّ الإماءِ، بِلُبْسِ الأرْدِيَةِ والمَلاحِفِ، وسَتْرِ الرُّءُوسِ والوُجُوهِ، لِيَحْتَشِمْنَ ويُهَبْنَ، فَلا يُطْمَعُ فِيهِنَّ. ورُوِيَ أنَّهُ كانَ في المَدِينَةِ قَوْمٌ يَجْلِسُونَ عَلى الصُّعُداتِ لِرُؤْيَةِ النِّساءِ ومُعارَضَتِهِنَّ ومُراوَدَتِهِنَّ، فَنَزَلَتْ. قِيلَ: والجَلابِيبُ: الأرْدِيَةُ الَّتِي تَسْتُرُ مِن فَوْقَ إلى أسْفَلَ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: المَقانِعُ؛ وقِيلَ: المَلاحِفُ، وقِيلَ: الجِلْبابُ: كُلُّ ثَوْبٍ تَلْبَسُهُ المَرْأةُ فَوْقَ ثِيابِها، وقِيلَ: كُلُّ ما تَسْتَتِرُ بِهِ مِن كِساءٍ أوْ غَيْرِهِ. قالَ أبُو زَيْدٍ: ؎تَجَلْبَبْتُ مِن سَوادِ اللَّيْلِ جِلْبابًا وقِيلَ: الجِلْبابُ أكْبَرُ مِنَ الخِمارِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: تُلْقِي جانِبَ الجِلْبابِ عَلى غَيْرِها ولا يُرى. وقالَ عَبِيدَةُ السَّلْمانِيُّ حِينَ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، فَقالَ: أنْ تَضَعَ رِداءَها فَوْقَ الحاجِبِ، ثُمَّ تُدِيرُهُ حَتّى تَضَعَهُ عَلى أنْفِها. وقالَ السُّدِّيُّ: تُغَطِّي إحْدى عَيْنَيْها وجَبْهَتَها والشِّقَّ الآخَرَ إلّا العَيْنَ. انْتَهى. وكَذا عادَةُ بِلادِ الأنْدَلُسِ، لا يَظْهَرُ مِنَ المَرْأةِ إلّا عَيْنُها الواحِدَةُ. وقالَ الكِسائِيُّ: يَتَقَنَّعْنَ بِمَلاحِفِهِنَّ مُنْضَمَّةً عَلَيْهِنَّ، أرادَ بِالِانْضِمامِ مَعْنى الإدْناءِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: وذَلِكَ أنْ تَلْوِيَهُ فَوْقَ الجَبِينِ وتَشُدَّهُ، ثُمَّ تَعْطِفَهُ عَلى الأنْفِ، وإنْ ظَهَرَتْ عَيْناها، لَكِنَّهُ يَسْتُرُ الصَّدْرَ ومُعْظَمَ الوَجْهِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ونِساءِ المُؤْمِنِينَ﴾ يَشْمَلُ الحَرائِرَ والإماءَ، والفِتْنَةُ بِالإماءِ أكْثَرُ، لِكَثْرَةِ تَصَرُّفِهِنَّ بِخِلافِ الحَرائِرِ، فَيَحْتاجُ إخْراجُهُنَّ مِن عُمُومِ النِّساءِ إلى دَلِيلٍ واضِحٍ. و”مِن“ في: ﴿مِن جَلابِيبِهِنَّ﴾ لِلتَّبْعِيضِ، و(عَلَيْهِنَّ) شامِلٌ لِجَمِيعِ أجْسادِهِنَّ، أوْ (عَلَيْهِنَّ) عَلى وُجُوهِهِنَّ؛ لِأنَّ الَّذِي كانَ يَبْدُو مِنهُنَّ في الجاهِلِيَّةِ هو الوَجْهُ. ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يُعْرَفْنَ﴾ لِتَسَتُّرِهِنَّ بِالعِفَّةِ، فَلا يُتَعَرَّضُ لَهُنَّ، ولا يُلْقَيْنَ بِما يَكْرَهْنَ؛ لِأنَّ المَرْأةَ إذا كانَتْ في غايَةِ التَّسَتُّرِ والِانْضِمامِ لَمْ يُقْدَمْ عَلَيْها بِخِلافِ المُتَبَرِّجَةِ، فَإنَّها مَطْمُوعٌ فِيها. (وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) تَأْنِيسٌ لِلنِّساءِ في تَرْكِ الِاسْتِتارِ قَبْلَ أنْ يُؤْمَرْنَ بِذَلِكَ. ولَمّا ذَكَرَ حالَ المُشْرِكِ الَّذِي يُؤْذِي اللَّهَ ورَسُولَهُ، والمُجاهِرَ الَّذِي يُؤْذِي المُؤْمِنِينَ، ذَكَرَ حالَ المُسِرِّ الَّذِي يُؤْذِي اللَّهَ ورَسُولَهُ، ويُظْهِرُ الحَقَّ ويُضْمِرُ النِّفاقَ. ولَمّا كانَ المُؤْذُونَ ثَلاثَةً بِاعْتِبارِ إذايَتِهِمْ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ، كانَ المُشْرِكُونَ ثَلاثَةً: مُنافِقٌ، ومَن في قَلْبِهِ مَرَضٌ، ومُرْجِفٌ. فالمُنافِقُ يُؤْذِي سِرًّا، والثّانِي يُؤْذِي المُؤْمِنَ بِاتِّباعِ نِسائِهِ، والثّالِثُ يُرْجِفُ بِالرَّسُولِ، يَقُولُ: غُلِبَ، سَيُخْرَجُ مِنَ المَدِينَةِ، سَيُؤْخَذُ، هُزِمَتْ سَراياهُ. وظاهِرُ العَطْفِ التَّغايُرُ بِالشَّخْصِ، فَيَكُونُ المَعْنى: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ عَنْ عَداوَتِهِمْ وكَيْدِهِمْ، والفَسَقَةُ عَنْ فُجُورِهِمْ، والمُرْجِفُونَ عَمّا يَقُولُونَ (p-٢٥١)مِن أخْبارِ السُّوءِ ويُشِيعُونَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّغايُرُ بِالوَصْفِ، فَيَكُونُ واحِدًا بِالشَّخْصِ ثَلاثَةً بِالوَصْفِ. كَما جاءَ: إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ، فَذَكَرَ أوْصافًا عَشَرَةً، والمَوْصُوفُ بِها واحِدٌ، ونَصَّ عَلى هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ مِنَ المُنافِقِينَ لِشِدَّةِ ضَرَرِهِما عَلى المُؤْمِنِينَ. قالَ عِكْرِمَةُ: (الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) هو الغَزَلُ وحُبُّ الزِّنى، ومِنهُ: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢] . وقالَ السُّدِّيُّ: المَرَضُ: النِّفاقُ، ومَن في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ الَّذِينَ آذَوْا عُمَرَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مَن آذى المُسْلِمِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (المُرْجِفُونَ) مُلْتَمِسُو الفِتَنَ. وقالَ قَتادَةُ: الَّذِينَ يُؤْذُونَ قُلُوبَ المُؤْمِنِينَ بِإيهامِ القَتْلِ والهَزِيمَةِ. ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ أيْ: لَنُسَلِّطَنَّكَ عَلَيْهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ قَتادَةُ: لَنَحْرُسُنَّكَ بِهِمْ. ﴿ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها﴾ أيْ في المَدِينَةِ، و﴿ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ﴾ ولَمْ يَكُنِ العَطْفُ بِالفاءِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ أنَّهُ مُتَسَبِّبٌ عَنِ الإغْراءِ، بَلْ كَوْنُهُ جَوابًا لِلْقَسَمِ أبْلَغُ. وكانَ العَطْفُ بِـ: ثُمَّ؛ لِأنَّ الجَلاءَ عَنِ الوَطَنِ كانَ أعْظَمَ عَلَيْهِمْ مِن جَمِيعِ ما أُصِيبُوا بِهِ، فَتَراخَتْ حالَةُ الجَلاءِ عَنْ حالَةِ الإغْراءِ. (إلّا قَلِيلًا) أيْ: جِوارًا قَلِيلًا، أوْ زَمانًا قَلِيلًا، أوْ عَدَدًا قَلِيلًا، وهَذا الأخِيرُ اسْتِثْناءٌ مِنَ المَنطُوقِ، وهو ضَمِيرُ الرَّفْعِ في ﴿يُجاوِرُونَكَ﴾ أوْ يَنْتَصِبُ قَلِيلًا عَلى الحالِ، أيْ: إلّا قَلِيلِينَ، والأوَّلُ اسْتِثْناءٌ مِنَ المَصْدَرِ الدّالِّ عَلَيْهِ ﴿يُجاوِرُونَكَ﴾ والثّانِي مِنَ الزَّمانِ الدّالِّ عَلَيْهِ ﴿يُجاوِرُونَكَ﴾ والمَعْنى: أنَّهم يُضْطَرُّونَ إلى طَلَبِ الجَلاءِ عَنِ المَدِينَةِ خَوْفَ القَتْلِ. وانْتَصَبَ ﴿مَلْعُونِينَ﴾ عَلى الذَّمِّ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ. وأجازَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (قَلِيلًا) قالَ: هو مِن إقْلاءِ الَّذِي قَدَّرْناهُ؛ وأجازَ هو أيْضًا أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿يُجاوِرُونَكَ﴾ قالَ: كَأنَّهُ قالَ: يَنْتَفُونَ مِنَ المَدِينَةِ مُعَلْوِنِينَ، فَلا يُقَدِّرُ ﴿لا يُجاوِرُونَكَ﴾ فَقَدَّرَ ”يَنْتَفُونَ“ حَسَنٌ هَذا. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ والحَوْفِيُّ وتَبِعَهُما أبُو البَقاءِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في (لا ﴿يُجاوِرُونَكَ﴾) كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا نَصُّهُ مَلْعُونِينَ، نُصِبَ عَلى الشَّتْمِ أوِ الحالِ أيْ: لا يُجاوِرُونَكَ إلّا مَلْعُونِينَ. دَخَلَ حَرْفُ الِاسْتِثْناءِ عَلى الظَّرْفِ والحالِ مَعًا، كَما مَرَّ في قَوْلِ: ﴿إلّا أنْ يُؤْذَنَ لَكم إلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣] ولا يَصِحُّ أنْ يَنْتَصِبَ مِن أُخِذُوا لِأنَّ ما بَعْدَ كَلِمَةِ الشَّرْطِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها. انْتَهى. وتَقَدَّمَ الكَلامُ مَعَهُ في مَجِيءِ الحالِ مِمّا قَبْلُ إلّا مَذْكُورَةً بَعْدَما اسْتَثْنى بِإلّا، فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُنْصَبًّا عَلَيْهِما، وأنَّ جُمْهُورَ البَصْرِيِّينَ مَنَعُوا مِن ذَلِكَ. وأمّا تَجْوِيزُ ابْنِ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا فالبَدَلُ بِالمُشْتَقِّ قَلِيلٌ. وأمّا قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: لِأنَّ ما بَعْدَ كَلِمَةِ الشَّرْطِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها فَلَيْسَ هَذا مُجْمَعًا عَلَيْهِ؛ لِأنَّ ما بَعْدَ كَلِمَةِ الشَّرْطِ شَيْئانِ: فِعْلُ الشَّرْطِ والجَوابُ، فَأمّا فِعْلُ الشَّرْطِ فَأجازَ الكِسائِيُّ تَقْدِيمَ مَعْمُولِهِ عَلى الكَلِمَةِ، أجازَ: زَيْدٌ أنْ يَضْرِبَ اضْرِبْهُ، وأمّا الجَوابُ فَقَدْ أجازَ أيْضًا تَقْدِيمَ مَعْمُولِهِ عَلَيْهِ نَحْوُ: إنْ يُقِمْ زَيْدٌ عَمْرًا يُضْرَبْ. وقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ النَّحْوِيِّينَ أنَّهُ قالَ المَعْنى: ﴿أيْنَما ثُقِفُوا﴾ أُخِذُوا مَلْعُونِينَ، والصَّحِيحُ أنَّ مَلْعُونِينَ صِفَةً لِقَلِيلٍ، أيْ: إلّا قَلِيلِينَ مَلْعُونِينَ، ويَكُونُ قَلِيلًا مُسْتَثْنًى مِنَ الواوِ في ﴿لا يُجاوِرُونَكَ﴾، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ صِفَةٌ أيْضًا أيْ: مَقْهُورِينَ مَغْلُوبًا عَلَيْهِمْ. ومَعْنى (ثُقِفُوا) حُصِرُوا وظَفِرَ بِهِمْ، ومَعْنى ﴿أُخِذُوا﴾ أُسِرُوا، والأخِيذُ: الأسِيرُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (قُتِّلُوا) بِتَشْدِيدِ التّاءِ. وفِرْقَةٌ: بِتَخْفِيفِها فَيَكُونُ ﴿تَقْتِيلًا﴾ مَصْدَرًا عَلى غَيْرِ قِياسِ المَصْدَرِ. والظّاهِرُ أنَّ المُنافِقِينَ انْتَهَوْا عَمّا كانُوا يُؤْذُونَ بِهِ الرَّسُولَ ﷺ والمُؤْمِنِينَ، وتَسَتَّرَ جَمِيعُهم، وكَفُّوا خَوْفًا مِن أنْ يَقَعَ بِهِمْ ما وقَعَ القَسَمُ عَلَيْهِ، وهو الإغْراءُ والجَلاءُ والأخْذُ والقَتْلُ. وقِيلَ: لَمْ يَمْتَثِلُوا لِلِانْتِهاءِ جُمْلَةً، ولا نُفِّذَ عَلَيْهِمُ الوَعِيدُ كامِلًا. ألا تَرى إلى إخْراجِهِمْ مِنَ المَسْجِدِ، ونَهْيِهِ عَنِ الصَّلاةِ عَلَيْهِمْ، وما نَزَلَ فِيهِمْ في سُورَةِ بَراءَةَ ؟ وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ لَمْ يَنْتَهِ هَؤُلاءِ الأصْنافُ، ولَمْ يُنَفِّذِ اللَّهُ الوَعِيدَ عَلَيْهِمْ فَفِيهِ (p-٢٥٢)دَلِيلٌ عَلى بُطْلانِ القَوْلِ بِإنْفاذِ الوَعِيدِ في الآخِرَةِ، ويَكُونُ هَذا الوَعِيدُ مَفْرُوضًا ومَشْرُوطًا بِالمَشِيئَةِ. (سُنَّةَ اللَّهِ) مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ أيْ: سَنَّ اللَّهُ في الَّذِينَ يُنافِقُونَ الأنْبِياءَ أنْ يُقْتَلُوا حَيْثُما ظُفِرَ بِهِمْ. وعَنْ مُقاتِلٍ: كَما قُتِلَ أهْلُ بَدْرٍ وأُسِرُوا، فالَّذِينَ خَلَوْا يَشْمَلُ أتْباعَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ نافَقُوا، ومَن قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ. ﴿يَسْألُكَ النّاسُ﴾ أيِ: المُشْرِكُونَ، عَنْ وقْتِ قِيامِ السّاعَةِ اسْتِعْجالًا عَلى سَبِيلِ الهُزْءِ، واليَهُودُ عَلى سَبِيلِ الِامْتِحانِ، إذْ كانَتْ مُعَمًّى وقْتُها في التَّوْراةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِأنْ يَرُدَّ العِلْمَ إلى اللَّهِ، إذْ لَمْ يُطْلِعْ عَلَيْها مَلَكًا ولا نَبِيًّا. ولَمّا ذَكَرَ حالَهم في الدُّنْيا أنَّهم مَلْعُونُونَ مُهانُونَ مَقْتُولُونَ بَيَّنَ حالَهم في الآخِرَةِ. (وما يُدْرِيكَ) ما اسْتِفْهامٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ أيْ: وأيُّ شَيْءٍ يُدْرِيكَ بِها ؟ ومَعْناهُ النَّفْيُ أيْ: ما يُدْرِيكَ بِها أحَدٌ. ﴿لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ بَيَّنَ قُرْبَ السّاعَةِ، وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِلْمُمْتَحَنِ، وتَهْدِيدٌ لِلْمُسْتَعْجِلِ. وانْتَصَبَ (قَرِيبًا) عَلى الظَّرْفِ أيْ: في زَمانٍ قَرِيبٍ، إذِ اسْتِعْمالُهُ ظَرْفًا كَثِيرٌ، ويُسْتَعْمَلُ أيْضًا غَيْرَ ظَرْفٍ، تَقُولُ: إنَّ قَرِيبًا مِنكَ زَيْدًا، فَجازَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: شَيْئًا قَرِيبًا، أوْ تَكُونَ السّاعَةُ بِمَعْنى الوَقْتِ، فَذَكَّرَ (قَرِيبًا) عَلى المَعْنى. أوْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: لَعَلَّ قِيامَ السّاعَةِ، فَلُوحِظَ السّاعَةُ في (تَكُونُ) فَأُنِّثَ، ولُوحِظَ المُضافُ المَحْذُوفُ وهو ”قِيامُ“ في (قَرِيبًا) فَذُكِّرَ. ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ (يَوْمَ) بِقَوْلِهِ: (لا يَجِدُونَ) ويَكُونُ (يَقُولُونَ) اسْتِئْنافٌ إخْبارٌ عَنْهم، أوْ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِمْ: (ولا نَصِيرًا) . ويَنْتَصِبُ (يَوْمَ) بِقَوْلِهِ: (يَقُولُونَ) أوْ بِمَحْذُوفٍ أيِ: اذْكُرْ و(يَقُولُونَ) حالٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تُقَلَّبُ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. والحَسَنُ وعِيسى وأبُو جَعْفَرٍ الرُّؤاسِيُّ: بِفَتْحِ التّاءِ، أيْ: تَتَقَلَّبُ وحَكاها ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي حَيْوَةَ. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ عَنْ أبِي حَيْوَةَ: ”نُقَلِّبُ“ بِالنُّونِ، (وُجُوهَهم) بِالنَّصْبِ. وحَكاها ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي حَيْوَةَ أيْضًا وخارِجَةَ. زادَ صاحِبُ اللَّوامِحِ أنَّها قِراءَةُ عِيسى البَصْرِيِّ. وقَرَأ عِيسى الكُوفِيُّ كَذَلِكَ إلّا أنَّ بَدَلَ النُّونِ تاءٌ، وفاعِلُ (تُقَلَّبُ) ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى (سَعِيرًا) وعَلى جَهَنَّمَ أُسْنِدَ إلَيْهِما اتِّساعًا. وقِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ: تَتَقَلَّبُ بِتاءَيْنِ، وتَقْلِيبُ الوُجُوهِ في النّارِ: تَحَرُّكُها في الجِهاتِ، أوْ تَغَيُّرُها عَنْ هَيْئاتِها، أوْ إلْقاؤُها في النّارِ مَنكُوسَةً. والظّاهِرُ هو الأوَّلُ، والوَجْهُ أشْرَفُ ما في الإنْسانِ، فَإذا قُلِّبَ في النّارِ كانَ تَقْلِيبُ ما سِواهُ أوْلى. وعَبَّرَ بِالوَجْهِ عَنِ الجُمْلَةِ، وتَمَنِّيهم حَيْثُ لا يَنْفَعُ، وتَشَكِّيهِمْ مِن كُبَرائِهِمْ لا يُجْدِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿سادَتَنا﴾ جَمْعًا عَلى وزْنِ فَعَلاتٍ، أصْلُهُ سُوَدَةٌ، وهو شاذٌّ في جَمْعِ فَيْعِلٍ، فَإنْ جُعِلَتْ جَمْعَ سائِدٍ قَرُبَ مِنَ القِياسِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، والسُّلَمِيُّ، وابْنُ عامِرٍ، والعامَّةُ في الجامِعِ بِالبَصْرَةِ: ”ساداتِنا“ عَلى الجَمْعِ بِالألِفِ والتّاءِ، وهو لا يَنْقاسُ، كَسُوقاتِ ومُوالِياتِ بَنِي هاشِمٍ. وسادَتُهم: رُؤَساءُ الكُفْرِ الَّذِينَ لَقَّنُوهُمُ الكُفْرَ وزَيَّنُوهُ لَهم. قالَ قَتادَةُ: سادَتُنا: رُؤَساؤُنا. وقالَ طاوُسٌ: أشْرافُنا. وقالَ أبُو أُسامَةَ: أُمَراؤُنا وقالَ الشّاعِرُ: ؎تَسَلْسَلَ قَوْمٌ سادَةٌ ثُمَّ زادَةٌ ∗∗∗ يُبْدُونَ أهْلَ الجَمْعِ يَوْمَ المُحَصَّبِ ويُقالُ: ضَلَّ السَّبِيلَ، وضَلَّ عَنِ السَّبِيلِ. فَإذا دَخَلَتْ هَمْزَةُ النَّقْلِ تَعَدّى لِاثْنَيْنِ؛ وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى إثْباتِ الألِفِ في (الرَّسُولا) و(السَّبِيلا) في قَوْلِهِ: ﴿وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا﴾ [الأحزاب: ١٠] . ولَمّا لَمْ يُجْدِ تَمَنِّيهِمُ الإيمانَ بِطاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، ولا قامَ لَهم عُذْرٌ في تَشَكِّيهِمْ مِمَّنْ أضَلَّهم، دَعَوْا عَلى ساداتِهِمْ. ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ﴾ ضِعْفًا عَلى ضَلالِهِمْ في أنْفُسِهِمْ، وضِعْفًا عَلى إضْلالِ مَن أضَلُّوا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: كَثِيرًا بِالثّاءِ المُثَلَّثَةِ. وقَرَأ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، والأعْرَجُ بِخِلافٍ عَنْهُ بِالباءِ. ﴿كالَّذِينَ آذَوْا مُوسى﴾ قِيلَ: نَزَلَتْ في شَأْنِ زَيْدٍ وزَيْنَبَ، وما سُمِعَ فِيهِ مِن قالَةِ بَعْضِ النّاسِ. وقِيلَ: المُرادُ حَدِيثُ الإفْكِ عَلى أنَّهُ ما أُوذِيَ نَبِيٌّ مِثْلَ ما أُوذِيتَ. وفي حَدِيثِ الرَّجُلِ الَّذِي قالَ لِقَسْمٍ قَسَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ ما أُرِيدَ بِها وجْهُ اللَّهِ، فَغَضِبَ وقالَ: «رَحِمَ اللَّهُ أخِي مُوسى، لَقَدْ أُوذِيَ أكْثَرَ مِن هَذا فَصَبَرَ» . وإذايَةُ مُوسى قَوْلُهم: (p-٢٥٣)إنَّهُ أبْرَصُ وآدَرُ، وأنَّهُ حَسَدَ أخاهُ هارُونَ وقَتَلَهُ. أوْ حَدِيثُ المُومِسَةِ المُسْتَأْجَرَةِ لِأنْ تَقُولَ: إنَّ مُوسى زَنى بِها، أوْ ما نَسَبُوهُ إلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ والجُنُونِ، أقْوالٌ. ﴿مِمّا قالُوا﴾ أيْ: مِن وصْمِ ما قالُوا، و”ما“ مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وكانَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الظَّرْفُ مَعْمُولٌ لِـ: (وجِيهًا) أيْ: ذا وجْهٍ ومَنزِلَةٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، تُمِيطُ عَنْهُ الأذى وتَدْفَعُ التُّهَمَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ: عَبْدٌ مِنَ العُبُودِيَّةِ، لِلَّهِ جَرٌّ بِلامِ الجَرِّ، و(عَبْدًا) خَبَرُ كانَ، و(وجِيهًا) صِفَةً لَهُ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنَ شَنَبُوذَ في شَهْرِ رَمَضانَ فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ: وكانَ عَبْدُ اللَّهِ عَلى قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: (وجِيهًا) مَقْبُولًا. وقالَ الحَسَنُ: مُسْتَجابَ الدَّعْوَةِ، ما سَألَ شَيْئًا إلّا أُعْطِيَ، إلّا الرُّؤْيَةَ في الدُّنْيا. وقالَ قُطْرُبٌ: رَفِيعَ القَدْرِ. وقِيلَ: وجاهَتُهُ أنَّهُ كَلَّمَهُ ولَقَّبَهُ كَلِيمَ اللَّهِ. والسَّدِيدُ: تَقَدَّمَ شَرْحُهُ في أوائِلِ النِّساءِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُنا صَوابًا. وقالَ مُقاتِلٌ وقَتادَةُ: سَدِيدًا في شَأْنِ زَيْدٍ وزَيْنَبَ والرَّسُولِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ أيْضًا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقِيلَ: ما يُوافِقُ ظاهِرُهُ باطِنَهُ، وقِيلَ: ما هو إصْلاحٌ مِن تَسْدِيدِ السَّهْمِ لِيُصِيبَ الغَرَضَ، وقِيلَ: السَّدِيدُ يَعُمُّ الخَيْراتِ. ورُتِّبَ عَلى القَوْلِ السَّدِيدِ: صَلاحُ الأعْمالِ وغُفْرانُ الذُّنُوبِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذِهِ الآيَةُ مُقَرِّرَةٌ لِلَّتِي قَبْلَها. بُنِيَتْ تِلْكَ عَلى النَّهْيِ عَمّا يُؤْذى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وهَذِهِ عَلى الأمْرِ بِاتِّقاءِ اللَّهِ في حِفْظِ اللِّسانِ، لِيَتَرادَفَ عَلَيْهِمُ النَّهْيُ والأمْرُ، مَعَ إتْباعِ النَّهْيِ ما يَتَضَمَّنُ الوَعِيدَ مِن قِصَّةِ مُوسى، وإتْباعِ الأمْرِ الوَعْدَ البَلِيغَ، فَيَقْوى الصّارِفُ عَنِ الأذى والدّاعِي إلى تَرْكِهِ. انْتَهى، وهو كَلامٌ حَسَنٌ.

الأحزاب 33:71

﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ وبَناتِكَ ونِساءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أدْنى أنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿مَلْعُونِينَ أيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ ﴿سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ ﴿يَسْألُكَ النّاسُ عَنِ السّاعَةِ قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ لَعَنَ الكافِرِينَ وأعَدَّ لَهم سَعِيرًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا لا يَجِدُونَ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهم في النّارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أطَعْنا اللَّهَ وأطَعْنا الرَّسُولا﴾ ﴿وقالُوا رَبَّنا إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلا﴾ ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ والعَنْهم لَعْنًا كَبِيرًا﴾ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأهُ اللَّهُ مِمّا قالُوا وكانَ عِنْدَ اللَّهِ وجِيهًا﴾ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ ﴿يُصْلِحْ لَكم أعْمالَكم ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنها وحَمَلَها الإنْسانُ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢] ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ ويَتُوبَ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٣] . (p-٢٥٠)كانَ دَأْبُ الجاهِلِيَّةِ أنْ تَخْرُجَ الحُرَّةُ والأمَةُ مَكْشُوفَتَيِ الوَجْهِ في دِرْعٍ وخِمارٍ، وكانَ الزُّناةُ يَتَعَرَّضُونَ إذا خَرَجْنَ بِاللَّيْلِ لِقَضاءِ حَوائِجِهِنَّ في النَّخِيلِ والغِيطانِ لِلْإماءِ، ورُبَّما تَعَرَّضُوا لِلْحُرَّةِ بِعِلَّةِ الأمَةِ، يَقُولُونَ: حَسِبْناها أمَةً، فَأُمِرْنَ أنْ يُخالِفْنَ بِزِيِّهِنَّ عَنْ زِيِّ الإماءِ، بِلُبْسِ الأرْدِيَةِ والمَلاحِفِ، وسَتْرِ الرُّءُوسِ والوُجُوهِ، لِيَحْتَشِمْنَ ويُهَبْنَ، فَلا يُطْمَعُ فِيهِنَّ. ورُوِيَ أنَّهُ كانَ في المَدِينَةِ قَوْمٌ يَجْلِسُونَ عَلى الصُّعُداتِ لِرُؤْيَةِ النِّساءِ ومُعارَضَتِهِنَّ ومُراوَدَتِهِنَّ، فَنَزَلَتْ. قِيلَ: والجَلابِيبُ: الأرْدِيَةُ الَّتِي تَسْتُرُ مِن فَوْقَ إلى أسْفَلَ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: المَقانِعُ؛ وقِيلَ: المَلاحِفُ، وقِيلَ: الجِلْبابُ: كُلُّ ثَوْبٍ تَلْبَسُهُ المَرْأةُ فَوْقَ ثِيابِها، وقِيلَ: كُلُّ ما تَسْتَتِرُ بِهِ مِن كِساءٍ أوْ غَيْرِهِ. قالَ أبُو زَيْدٍ: ؎تَجَلْبَبْتُ مِن سَوادِ اللَّيْلِ جِلْبابًا وقِيلَ: الجِلْبابُ أكْبَرُ مِنَ الخِمارِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: تُلْقِي جانِبَ الجِلْبابِ عَلى غَيْرِها ولا يُرى. وقالَ عَبِيدَةُ السَّلْمانِيُّ حِينَ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، فَقالَ: أنْ تَضَعَ رِداءَها فَوْقَ الحاجِبِ، ثُمَّ تُدِيرُهُ حَتّى تَضَعَهُ عَلى أنْفِها. وقالَ السُّدِّيُّ: تُغَطِّي إحْدى عَيْنَيْها وجَبْهَتَها والشِّقَّ الآخَرَ إلّا العَيْنَ. انْتَهى. وكَذا عادَةُ بِلادِ الأنْدَلُسِ، لا يَظْهَرُ مِنَ المَرْأةِ إلّا عَيْنُها الواحِدَةُ. وقالَ الكِسائِيُّ: يَتَقَنَّعْنَ بِمَلاحِفِهِنَّ مُنْضَمَّةً عَلَيْهِنَّ، أرادَ بِالِانْضِمامِ مَعْنى الإدْناءِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: وذَلِكَ أنْ تَلْوِيَهُ فَوْقَ الجَبِينِ وتَشُدَّهُ، ثُمَّ تَعْطِفَهُ عَلى الأنْفِ، وإنْ ظَهَرَتْ عَيْناها، لَكِنَّهُ يَسْتُرُ الصَّدْرَ ومُعْظَمَ الوَجْهِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ونِساءِ المُؤْمِنِينَ﴾ يَشْمَلُ الحَرائِرَ والإماءَ، والفِتْنَةُ بِالإماءِ أكْثَرُ، لِكَثْرَةِ تَصَرُّفِهِنَّ بِخِلافِ الحَرائِرِ، فَيَحْتاجُ إخْراجُهُنَّ مِن عُمُومِ النِّساءِ إلى دَلِيلٍ واضِحٍ. و”مِن“ في: ﴿مِن جَلابِيبِهِنَّ﴾ لِلتَّبْعِيضِ، و(عَلَيْهِنَّ) شامِلٌ لِجَمِيعِ أجْسادِهِنَّ، أوْ (عَلَيْهِنَّ) عَلى وُجُوهِهِنَّ؛ لِأنَّ الَّذِي كانَ يَبْدُو مِنهُنَّ في الجاهِلِيَّةِ هو الوَجْهُ. ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يُعْرَفْنَ﴾ لِتَسَتُّرِهِنَّ بِالعِفَّةِ، فَلا يُتَعَرَّضُ لَهُنَّ، ولا يُلْقَيْنَ بِما يَكْرَهْنَ؛ لِأنَّ المَرْأةَ إذا كانَتْ في غايَةِ التَّسَتُّرِ والِانْضِمامِ لَمْ يُقْدَمْ عَلَيْها بِخِلافِ المُتَبَرِّجَةِ، فَإنَّها مَطْمُوعٌ فِيها. (وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) تَأْنِيسٌ لِلنِّساءِ في تَرْكِ الِاسْتِتارِ قَبْلَ أنْ يُؤْمَرْنَ بِذَلِكَ. ولَمّا ذَكَرَ حالَ المُشْرِكِ الَّذِي يُؤْذِي اللَّهَ ورَسُولَهُ، والمُجاهِرَ الَّذِي يُؤْذِي المُؤْمِنِينَ، ذَكَرَ حالَ المُسِرِّ الَّذِي يُؤْذِي اللَّهَ ورَسُولَهُ، ويُظْهِرُ الحَقَّ ويُضْمِرُ النِّفاقَ. ولَمّا كانَ المُؤْذُونَ ثَلاثَةً بِاعْتِبارِ إذايَتِهِمْ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ، كانَ المُشْرِكُونَ ثَلاثَةً: مُنافِقٌ، ومَن في قَلْبِهِ مَرَضٌ، ومُرْجِفٌ. فالمُنافِقُ يُؤْذِي سِرًّا، والثّانِي يُؤْذِي المُؤْمِنَ بِاتِّباعِ نِسائِهِ، والثّالِثُ يُرْجِفُ بِالرَّسُولِ، يَقُولُ: غُلِبَ، سَيُخْرَجُ مِنَ المَدِينَةِ، سَيُؤْخَذُ، هُزِمَتْ سَراياهُ. وظاهِرُ العَطْفِ التَّغايُرُ بِالشَّخْصِ، فَيَكُونُ المَعْنى: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ عَنْ عَداوَتِهِمْ وكَيْدِهِمْ، والفَسَقَةُ عَنْ فُجُورِهِمْ، والمُرْجِفُونَ عَمّا يَقُولُونَ (p-٢٥١)مِن أخْبارِ السُّوءِ ويُشِيعُونَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّغايُرُ بِالوَصْفِ، فَيَكُونُ واحِدًا بِالشَّخْصِ ثَلاثَةً بِالوَصْفِ. كَما جاءَ: إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ، فَذَكَرَ أوْصافًا عَشَرَةً، والمَوْصُوفُ بِها واحِدٌ، ونَصَّ عَلى هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ مِنَ المُنافِقِينَ لِشِدَّةِ ضَرَرِهِما عَلى المُؤْمِنِينَ. قالَ عِكْرِمَةُ: (الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) هو الغَزَلُ وحُبُّ الزِّنى، ومِنهُ: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢] . وقالَ السُّدِّيُّ: المَرَضُ: النِّفاقُ، ومَن في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ الَّذِينَ آذَوْا عُمَرَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مَن آذى المُسْلِمِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (المُرْجِفُونَ) مُلْتَمِسُو الفِتَنَ. وقالَ قَتادَةُ: الَّذِينَ يُؤْذُونَ قُلُوبَ المُؤْمِنِينَ بِإيهامِ القَتْلِ والهَزِيمَةِ. ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ أيْ: لَنُسَلِّطَنَّكَ عَلَيْهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ قَتادَةُ: لَنَحْرُسُنَّكَ بِهِمْ. ﴿ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها﴾ أيْ في المَدِينَةِ، و﴿ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ﴾ ولَمْ يَكُنِ العَطْفُ بِالفاءِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ أنَّهُ مُتَسَبِّبٌ عَنِ الإغْراءِ، بَلْ كَوْنُهُ جَوابًا لِلْقَسَمِ أبْلَغُ. وكانَ العَطْفُ بِـ: ثُمَّ؛ لِأنَّ الجَلاءَ عَنِ الوَطَنِ كانَ أعْظَمَ عَلَيْهِمْ مِن جَمِيعِ ما أُصِيبُوا بِهِ، فَتَراخَتْ حالَةُ الجَلاءِ عَنْ حالَةِ الإغْراءِ. (إلّا قَلِيلًا) أيْ: جِوارًا قَلِيلًا، أوْ زَمانًا قَلِيلًا، أوْ عَدَدًا قَلِيلًا، وهَذا الأخِيرُ اسْتِثْناءٌ مِنَ المَنطُوقِ، وهو ضَمِيرُ الرَّفْعِ في ﴿يُجاوِرُونَكَ﴾ أوْ يَنْتَصِبُ قَلِيلًا عَلى الحالِ، أيْ: إلّا قَلِيلِينَ، والأوَّلُ اسْتِثْناءٌ مِنَ المَصْدَرِ الدّالِّ عَلَيْهِ ﴿يُجاوِرُونَكَ﴾ والثّانِي مِنَ الزَّمانِ الدّالِّ عَلَيْهِ ﴿يُجاوِرُونَكَ﴾ والمَعْنى: أنَّهم يُضْطَرُّونَ إلى طَلَبِ الجَلاءِ عَنِ المَدِينَةِ خَوْفَ القَتْلِ. وانْتَصَبَ ﴿مَلْعُونِينَ﴾ عَلى الذَّمِّ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ. وأجازَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (قَلِيلًا) قالَ: هو مِن إقْلاءِ الَّذِي قَدَّرْناهُ؛ وأجازَ هو أيْضًا أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿يُجاوِرُونَكَ﴾ قالَ: كَأنَّهُ قالَ: يَنْتَفُونَ مِنَ المَدِينَةِ مُعَلْوِنِينَ، فَلا يُقَدِّرُ ﴿لا يُجاوِرُونَكَ﴾ فَقَدَّرَ ”يَنْتَفُونَ“ حَسَنٌ هَذا. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ والحَوْفِيُّ وتَبِعَهُما أبُو البَقاءِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في (لا ﴿يُجاوِرُونَكَ﴾) كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا نَصُّهُ مَلْعُونِينَ، نُصِبَ عَلى الشَّتْمِ أوِ الحالِ أيْ: لا يُجاوِرُونَكَ إلّا مَلْعُونِينَ. دَخَلَ حَرْفُ الِاسْتِثْناءِ عَلى الظَّرْفِ والحالِ مَعًا، كَما مَرَّ في قَوْلِ: ﴿إلّا أنْ يُؤْذَنَ لَكم إلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣] ولا يَصِحُّ أنْ يَنْتَصِبَ مِن أُخِذُوا لِأنَّ ما بَعْدَ كَلِمَةِ الشَّرْطِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها. انْتَهى. وتَقَدَّمَ الكَلامُ مَعَهُ في مَجِيءِ الحالِ مِمّا قَبْلُ إلّا مَذْكُورَةً بَعْدَما اسْتَثْنى بِإلّا، فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُنْصَبًّا عَلَيْهِما، وأنَّ جُمْهُورَ البَصْرِيِّينَ مَنَعُوا مِن ذَلِكَ. وأمّا تَجْوِيزُ ابْنِ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا فالبَدَلُ بِالمُشْتَقِّ قَلِيلٌ. وأمّا قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: لِأنَّ ما بَعْدَ كَلِمَةِ الشَّرْطِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها فَلَيْسَ هَذا مُجْمَعًا عَلَيْهِ؛ لِأنَّ ما بَعْدَ كَلِمَةِ الشَّرْطِ شَيْئانِ: فِعْلُ الشَّرْطِ والجَوابُ، فَأمّا فِعْلُ الشَّرْطِ فَأجازَ الكِسائِيُّ تَقْدِيمَ مَعْمُولِهِ عَلى الكَلِمَةِ، أجازَ: زَيْدٌ أنْ يَضْرِبَ اضْرِبْهُ، وأمّا الجَوابُ فَقَدْ أجازَ أيْضًا تَقْدِيمَ مَعْمُولِهِ عَلَيْهِ نَحْوُ: إنْ يُقِمْ زَيْدٌ عَمْرًا يُضْرَبْ. وقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ النَّحْوِيِّينَ أنَّهُ قالَ المَعْنى: ﴿أيْنَما ثُقِفُوا﴾ أُخِذُوا مَلْعُونِينَ، والصَّحِيحُ أنَّ مَلْعُونِينَ صِفَةً لِقَلِيلٍ، أيْ: إلّا قَلِيلِينَ مَلْعُونِينَ، ويَكُونُ قَلِيلًا مُسْتَثْنًى مِنَ الواوِ في ﴿لا يُجاوِرُونَكَ﴾، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ صِفَةٌ أيْضًا أيْ: مَقْهُورِينَ مَغْلُوبًا عَلَيْهِمْ. ومَعْنى (ثُقِفُوا) حُصِرُوا وظَفِرَ بِهِمْ، ومَعْنى ﴿أُخِذُوا﴾ أُسِرُوا، والأخِيذُ: الأسِيرُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (قُتِّلُوا) بِتَشْدِيدِ التّاءِ. وفِرْقَةٌ: بِتَخْفِيفِها فَيَكُونُ ﴿تَقْتِيلًا﴾ مَصْدَرًا عَلى غَيْرِ قِياسِ المَصْدَرِ. والظّاهِرُ أنَّ المُنافِقِينَ انْتَهَوْا عَمّا كانُوا يُؤْذُونَ بِهِ الرَّسُولَ ﷺ والمُؤْمِنِينَ، وتَسَتَّرَ جَمِيعُهم، وكَفُّوا خَوْفًا مِن أنْ يَقَعَ بِهِمْ ما وقَعَ القَسَمُ عَلَيْهِ، وهو الإغْراءُ والجَلاءُ والأخْذُ والقَتْلُ. وقِيلَ: لَمْ يَمْتَثِلُوا لِلِانْتِهاءِ جُمْلَةً، ولا نُفِّذَ عَلَيْهِمُ الوَعِيدُ كامِلًا. ألا تَرى إلى إخْراجِهِمْ مِنَ المَسْجِدِ، ونَهْيِهِ عَنِ الصَّلاةِ عَلَيْهِمْ، وما نَزَلَ فِيهِمْ في سُورَةِ بَراءَةَ ؟ وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ لَمْ يَنْتَهِ هَؤُلاءِ الأصْنافُ، ولَمْ يُنَفِّذِ اللَّهُ الوَعِيدَ عَلَيْهِمْ فَفِيهِ (p-٢٥٢)دَلِيلٌ عَلى بُطْلانِ القَوْلِ بِإنْفاذِ الوَعِيدِ في الآخِرَةِ، ويَكُونُ هَذا الوَعِيدُ مَفْرُوضًا ومَشْرُوطًا بِالمَشِيئَةِ. (سُنَّةَ اللَّهِ) مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ أيْ: سَنَّ اللَّهُ في الَّذِينَ يُنافِقُونَ الأنْبِياءَ أنْ يُقْتَلُوا حَيْثُما ظُفِرَ بِهِمْ. وعَنْ مُقاتِلٍ: كَما قُتِلَ أهْلُ بَدْرٍ وأُسِرُوا، فالَّذِينَ خَلَوْا يَشْمَلُ أتْباعَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ نافَقُوا، ومَن قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ. ﴿يَسْألُكَ النّاسُ﴾ أيِ: المُشْرِكُونَ، عَنْ وقْتِ قِيامِ السّاعَةِ اسْتِعْجالًا عَلى سَبِيلِ الهُزْءِ، واليَهُودُ عَلى سَبِيلِ الِامْتِحانِ، إذْ كانَتْ مُعَمًّى وقْتُها في التَّوْراةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِأنْ يَرُدَّ العِلْمَ إلى اللَّهِ، إذْ لَمْ يُطْلِعْ عَلَيْها مَلَكًا ولا نَبِيًّا. ولَمّا ذَكَرَ حالَهم في الدُّنْيا أنَّهم مَلْعُونُونَ مُهانُونَ مَقْتُولُونَ بَيَّنَ حالَهم في الآخِرَةِ. (وما يُدْرِيكَ) ما اسْتِفْهامٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ أيْ: وأيُّ شَيْءٍ يُدْرِيكَ بِها ؟ ومَعْناهُ النَّفْيُ أيْ: ما يُدْرِيكَ بِها أحَدٌ. ﴿لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ بَيَّنَ قُرْبَ السّاعَةِ، وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِلْمُمْتَحَنِ، وتَهْدِيدٌ لِلْمُسْتَعْجِلِ. وانْتَصَبَ (قَرِيبًا) عَلى الظَّرْفِ أيْ: في زَمانٍ قَرِيبٍ، إذِ اسْتِعْمالُهُ ظَرْفًا كَثِيرٌ، ويُسْتَعْمَلُ أيْضًا غَيْرَ ظَرْفٍ، تَقُولُ: إنَّ قَرِيبًا مِنكَ زَيْدًا، فَجازَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: شَيْئًا قَرِيبًا، أوْ تَكُونَ السّاعَةُ بِمَعْنى الوَقْتِ، فَذَكَّرَ (قَرِيبًا) عَلى المَعْنى. أوْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: لَعَلَّ قِيامَ السّاعَةِ، فَلُوحِظَ السّاعَةُ في (تَكُونُ) فَأُنِّثَ، ولُوحِظَ المُضافُ المَحْذُوفُ وهو ”قِيامُ“ في (قَرِيبًا) فَذُكِّرَ. ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ (يَوْمَ) بِقَوْلِهِ: (لا يَجِدُونَ) ويَكُونُ (يَقُولُونَ) اسْتِئْنافٌ إخْبارٌ عَنْهم، أوْ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِمْ: (ولا نَصِيرًا) . ويَنْتَصِبُ (يَوْمَ) بِقَوْلِهِ: (يَقُولُونَ) أوْ بِمَحْذُوفٍ أيِ: اذْكُرْ و(يَقُولُونَ) حالٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تُقَلَّبُ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. والحَسَنُ وعِيسى وأبُو جَعْفَرٍ الرُّؤاسِيُّ: بِفَتْحِ التّاءِ، أيْ: تَتَقَلَّبُ وحَكاها ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي حَيْوَةَ. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ عَنْ أبِي حَيْوَةَ: ”نُقَلِّبُ“ بِالنُّونِ، (وُجُوهَهم) بِالنَّصْبِ. وحَكاها ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي حَيْوَةَ أيْضًا وخارِجَةَ. زادَ صاحِبُ اللَّوامِحِ أنَّها قِراءَةُ عِيسى البَصْرِيِّ. وقَرَأ عِيسى الكُوفِيُّ كَذَلِكَ إلّا أنَّ بَدَلَ النُّونِ تاءٌ، وفاعِلُ (تُقَلَّبُ) ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى (سَعِيرًا) وعَلى جَهَنَّمَ أُسْنِدَ إلَيْهِما اتِّساعًا. وقِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ: تَتَقَلَّبُ بِتاءَيْنِ، وتَقْلِيبُ الوُجُوهِ في النّارِ: تَحَرُّكُها في الجِهاتِ، أوْ تَغَيُّرُها عَنْ هَيْئاتِها، أوْ إلْقاؤُها في النّارِ مَنكُوسَةً. والظّاهِرُ هو الأوَّلُ، والوَجْهُ أشْرَفُ ما في الإنْسانِ، فَإذا قُلِّبَ في النّارِ كانَ تَقْلِيبُ ما سِواهُ أوْلى. وعَبَّرَ بِالوَجْهِ عَنِ الجُمْلَةِ، وتَمَنِّيهم حَيْثُ لا يَنْفَعُ، وتَشَكِّيهِمْ مِن كُبَرائِهِمْ لا يُجْدِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿سادَتَنا﴾ جَمْعًا عَلى وزْنِ فَعَلاتٍ، أصْلُهُ سُوَدَةٌ، وهو شاذٌّ في جَمْعِ فَيْعِلٍ، فَإنْ جُعِلَتْ جَمْعَ سائِدٍ قَرُبَ مِنَ القِياسِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، والسُّلَمِيُّ، وابْنُ عامِرٍ، والعامَّةُ في الجامِعِ بِالبَصْرَةِ: ”ساداتِنا“ عَلى الجَمْعِ بِالألِفِ والتّاءِ، وهو لا يَنْقاسُ، كَسُوقاتِ ومُوالِياتِ بَنِي هاشِمٍ. وسادَتُهم: رُؤَساءُ الكُفْرِ الَّذِينَ لَقَّنُوهُمُ الكُفْرَ وزَيَّنُوهُ لَهم. قالَ قَتادَةُ: سادَتُنا: رُؤَساؤُنا. وقالَ طاوُسٌ: أشْرافُنا. وقالَ أبُو أُسامَةَ: أُمَراؤُنا وقالَ الشّاعِرُ: ؎تَسَلْسَلَ قَوْمٌ سادَةٌ ثُمَّ زادَةٌ ∗∗∗ يُبْدُونَ أهْلَ الجَمْعِ يَوْمَ المُحَصَّبِ ويُقالُ: ضَلَّ السَّبِيلَ، وضَلَّ عَنِ السَّبِيلِ. فَإذا دَخَلَتْ هَمْزَةُ النَّقْلِ تَعَدّى لِاثْنَيْنِ؛ وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى إثْباتِ الألِفِ في (الرَّسُولا) و(السَّبِيلا) في قَوْلِهِ: ﴿وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا﴾ [الأحزاب: ١٠] . ولَمّا لَمْ يُجْدِ تَمَنِّيهِمُ الإيمانَ بِطاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، ولا قامَ لَهم عُذْرٌ في تَشَكِّيهِمْ مِمَّنْ أضَلَّهم، دَعَوْا عَلى ساداتِهِمْ. ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ﴾ ضِعْفًا عَلى ضَلالِهِمْ في أنْفُسِهِمْ، وضِعْفًا عَلى إضْلالِ مَن أضَلُّوا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: كَثِيرًا بِالثّاءِ المُثَلَّثَةِ. وقَرَأ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، والأعْرَجُ بِخِلافٍ عَنْهُ بِالباءِ. ﴿كالَّذِينَ آذَوْا مُوسى﴾ قِيلَ: نَزَلَتْ في شَأْنِ زَيْدٍ وزَيْنَبَ، وما سُمِعَ فِيهِ مِن قالَةِ بَعْضِ النّاسِ. وقِيلَ: المُرادُ حَدِيثُ الإفْكِ عَلى أنَّهُ ما أُوذِيَ نَبِيٌّ مِثْلَ ما أُوذِيتَ. وفي حَدِيثِ الرَّجُلِ الَّذِي قالَ لِقَسْمٍ قَسَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ ما أُرِيدَ بِها وجْهُ اللَّهِ، فَغَضِبَ وقالَ: «رَحِمَ اللَّهُ أخِي مُوسى، لَقَدْ أُوذِيَ أكْثَرَ مِن هَذا فَصَبَرَ» . وإذايَةُ مُوسى قَوْلُهم: (p-٢٥٣)إنَّهُ أبْرَصُ وآدَرُ، وأنَّهُ حَسَدَ أخاهُ هارُونَ وقَتَلَهُ. أوْ حَدِيثُ المُومِسَةِ المُسْتَأْجَرَةِ لِأنْ تَقُولَ: إنَّ مُوسى زَنى بِها، أوْ ما نَسَبُوهُ إلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ والجُنُونِ، أقْوالٌ. ﴿مِمّا قالُوا﴾ أيْ: مِن وصْمِ ما قالُوا، و”ما“ مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وكانَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الظَّرْفُ مَعْمُولٌ لِـ: (وجِيهًا) أيْ: ذا وجْهٍ ومَنزِلَةٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، تُمِيطُ عَنْهُ الأذى وتَدْفَعُ التُّهَمَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ: عَبْدٌ مِنَ العُبُودِيَّةِ، لِلَّهِ جَرٌّ بِلامِ الجَرِّ، و(عَبْدًا) خَبَرُ كانَ، و(وجِيهًا) صِفَةً لَهُ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنَ شَنَبُوذَ في شَهْرِ رَمَضانَ فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ: وكانَ عَبْدُ اللَّهِ عَلى قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: (وجِيهًا) مَقْبُولًا. وقالَ الحَسَنُ: مُسْتَجابَ الدَّعْوَةِ، ما سَألَ شَيْئًا إلّا أُعْطِيَ، إلّا الرُّؤْيَةَ في الدُّنْيا. وقالَ قُطْرُبٌ: رَفِيعَ القَدْرِ. وقِيلَ: وجاهَتُهُ أنَّهُ كَلَّمَهُ ولَقَّبَهُ كَلِيمَ اللَّهِ. والسَّدِيدُ: تَقَدَّمَ شَرْحُهُ في أوائِلِ النِّساءِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُنا صَوابًا. وقالَ مُقاتِلٌ وقَتادَةُ: سَدِيدًا في شَأْنِ زَيْدٍ وزَيْنَبَ والرَّسُولِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ أيْضًا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقِيلَ: ما يُوافِقُ ظاهِرُهُ باطِنَهُ، وقِيلَ: ما هو إصْلاحٌ مِن تَسْدِيدِ السَّهْمِ لِيُصِيبَ الغَرَضَ، وقِيلَ: السَّدِيدُ يَعُمُّ الخَيْراتِ. ورُتِّبَ عَلى القَوْلِ السَّدِيدِ: صَلاحُ الأعْمالِ وغُفْرانُ الذُّنُوبِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذِهِ الآيَةُ مُقَرِّرَةٌ لِلَّتِي قَبْلَها. بُنِيَتْ تِلْكَ عَلى النَّهْيِ عَمّا يُؤْذى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وهَذِهِ عَلى الأمْرِ بِاتِّقاءِ اللَّهِ في حِفْظِ اللِّسانِ، لِيَتَرادَفَ عَلَيْهِمُ النَّهْيُ والأمْرُ، مَعَ إتْباعِ النَّهْيِ ما يَتَضَمَّنُ الوَعِيدَ مِن قِصَّةِ مُوسى، وإتْباعِ الأمْرِ الوَعْدَ البَلِيغَ، فَيَقْوى الصّارِفُ عَنِ الأذى والدّاعِي إلى تَرْكِهِ. انْتَهى، وهو كَلامٌ حَسَنٌ.

الأحزاب 33:72

﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ﴾ لَمّا أرْشَدَ المُؤْمِنِينَ إلى ما أرْشَدَ مِن تَرْكِ الأذى واتِّقاءِ اللَّهِ وسَدادِ القَوْلِ، ورَتَّبَ عَلى الطّاعَةِ ما رَتَّبَ، بَيَّنَ أنَّ ما كُلِّفَهُ الإنْسانُ أمْرٌ عَظِيمٌ، فَقالَ: ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ﴾ تَعْظِيمًا لِأمْرِ التَّكْلِيفِ. والأمانَةُ: الظّاهِرُ أنَّها كُلُّ ما يُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ مِن أمْرٍ ونَهْيٍ وشَأْنِ دِينٍ ودُنْيا. والشَّرْعُ كُلُّهُ أمانَةٌ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، ولِذَلِكَ قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: مِنَ الأمانَةِ أنِ اؤْتُمِنَتِ المَرْأةُ عَلى فَرْجِها. وقالَ أبُو الدَّرْداءِ: غُسْلُ الجَنابَةِ أمانَةٌ، والظّاهِرُ عَرْضُ الأمانَةِ عَلى هَذِهِ المَخْلُوقاتِ العِظامِ، وهي الأوامِرُ والنَّواهِي، فَتُثابُ إنْ أحْسَنَتْ، وتُعاقَبُ إنْ أساءَتْ، فَأبَتْ وأشْفَقَتْ، ويَكُونُ ذَلِكَ بِإدْراكِ خِلْقَةِ اللَّهِ فِيها، وهَذا غَيْرُ مُسْتَحِيلٍ، إذْ قَدْ سَبَّحَ الحَصى في كَفِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وحَنَّ الجِذْعُ إلَيْهِ، وكَلَّمَتْهُ الذِّراعُ، فَيَكُونُ هَذا العَرْضُ والإباءُ حَقِيقَةً. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أُعْطِيَتِ الجَماداتُ فَهْمًا وتَمْيِيزًا، فَخُيِّرَتْ في الحَمْلِ، وذَكَرَ الجِبالَ مَعَ أنَّها مَعَ الأرْضِ، لِزِيادَةِ قُوَّتِها وصَلابَتِها، تَعْظِيمًا لِلْأمْرِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: عُرِضَتْ بِمَسْمَعٍ مِن آدَمَ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأُسْمِعَ مِنَ الجَماداتِ الإباءَ لِيَتَحَقَّقَ العَرْضُ عَلَيْهِ، فَيَتَجاسَرَ عَلى الحَمْلِ غَيْرُهُ، ويَظْهَرَ فَضْلُهُ عَلى الخَلائِقِ، حِرْصًا عَلى العُبُودِيَّةِ، وتَشْرِيفًا عَلى البَرِيَّةِ بِعُلُوِّ الهِمَّةِ. وقِيلَ: هو مَجازٌ، فَقِيلَ: مِن مَجازِ الحَذْفِ، أيْ عَلى مَن فِيها مِنَ المَلائِكَةِ، وقِيلَ: مِن بابِ التَّمْثِيلِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ ما كُلِّفَهُ الإنْسانُ بَلَغَ مِن عِظَمِهِ وثِقَلِ مَحْمَلِهِ أنَّهُ عُرِضَ عَلى أعْظَمِ ما خَلَقَ اللَّهُ مِنَ الأجْرامِ وأقْواهُ وأشَدِّهِ أنْ يَتَحَمَّلَهُ ويَسْتَقِلَّ بِهِ، فَأبى مَحْمَلَهُ والِاسْتِقْلالَ بِهِ، وحَمَلَها الإنْسانُ عَلى ضَعْفِهِ ورَخاوَةِ قُوَّتِهِ. ﴿إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾، حَيْثُ حَمَلَ الأمانَةَ، ثُمَّ لَمْ يَفِ بِها. ونَحْوُ هَذا مِنَ الكَلامِ كَثِيرٌ في لِسانِ العَرَبِ، وما جاءَ بِهِ القُرْآنُ إلّا عَلى طُرُقِهِمْ وأسالِيبِهِمْ. مِن ذَلِكَ قَوْلُ العَرَبِ: لَوْ قِيلَ لِلشَّحْمِ أيْنَ تَذْهَبُ لَقِيلَ: أُسَوِّي العِوَجَ. وكَمْ لَهم مِن أمْثالٍ عَلى ألْسِنَةِ البَهائِمِ والجَماداتِ، وتَصَوُّرُ مَقالَةِ الشَّحْمِ مُحالٌ، ولَكِنَّ الغَرَضَ أنَّ السِّمَنَ في الحَيَوانِ مِمّا يَحْسُنُ قُبْحُهُ، كَما أنَّ العَجَفَ مِمّا يَقْبَحُ حُسْنُهُ، فَصَوَّرَ أثَرَ السِّمَنِ فِيهِ تَصْوِيرًا هو أوْقَعُ في نَفْسِ السّامِعِ، وهي بِهِ آنَسُ، ولَهُ أقْبَلُ، وعَلى حَقِيقَتِهِ أوْقَفُ، وكَذَلِكَ تَصْوِيرُ عِظَمِ الأمانَةِ وصُعُوبَةِ أمْرِها وثِقَلِ مَحْمَلِها والوَفاءِ بِها. فَإنْ قُلْتَ: قَدْ عُلِمَ وجْهُ التَّمْثِيلِ في قَوْلِهِمْ لِلَّذِي لا يَثْبُتُ عَلى رَأْيٍ واحِدٍ: أراكَ تُقَدِّمُ رِجْلًا وتُؤَخِّرُ (p-٢٥٤)أُخْرى؛ لِأنَّهُ مَثَّلَتْ حالَ تَمَيُّلِهِ وتَرَجُّحِهِ بَيْنَ الرَّأْيَيْنِ، وتَرْكُهُ المُضِيَّ عَلى إحْداهُما بِحالِ مَن يَتَرَدّى في ذَهابِهِ، فَلا يَجْمَعُ رِجْلَيْهِ لِلْمُضِيِّ في وجْهِهِ، وكُلُّ واحِدٍ مِنَ المُمَثِّلِ والمُمَثَّلِ بِهِ شَيْءٌ مُسْتَقِيمٌ داخِلٌ تَحْتَ الصِّحَّةِ والمَعْرِفَةِ، فَلَيْسَ كَذَلِكَ ما في الآيَةِ. فَإنَّ عَرْضَ الأمانَةِ عَلى الجَمادِ، وإباءَهُ وإشْفاقَهُ مُحالٌ في نَفْسِهِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، فَكَيْفَ صَحَّ بِها التَّمْثِيلُ عَلى المُحالِ ؟ وما مِثالُ هَذا إلّا أنْ تُشَبِّهَ شَيْئًا، والمُشَبَّهُ بِهِ غَيْرُ مَعْقُولٍ. قُلْتُ: المُمَثَّلُ بِهِ في الآيَةِ وفي قَوْلِهِمْ: لَوْ قِيلَ لِلشَّحْمِ أيْنَ تَذْهَبُ ؟ وفي نَظائِرِهِ مَفْرُوضٌ، والمَفْرُوضُ أنْ يَتَخَيَّلَ في الذِّهْنِ كَما أنَّ المُحَقِّقاتِ مَثَّلَتْ حالَ التَّكْلِيفِ في صُعُوبَتِهِ وثِقَلِ مَحْمَلِهِ بِحالِ المَفْرُوضِ، لَوْ عُرِضَتْ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ ﴿فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنها﴾ . انْتَهى. وقالَ أيْضًا: إنَّ هَذِهِ الأجْرامَ العِظامَ قَدِ انْقادَتْ لِأمْرِ اللَّهِ انْقِيادَ مِثْلِها، وهو ما تَأْتِي مِنَ الجَماداتِ، حَيْثُ لَمْ يَمْتَنِعْ عَلى مَشِيئَتِهِ إيجادًا وتَكْوِينًا وتَسْوِيَةً عَلى هَيْئاتٍ مُخْتَلِفَةٍ وأشْكالٍ مُتَنَوِّعَةٍ. كَما قالَ: ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] . وأمّا الإنْسانُ فَلَمْ يَكُنْ حالُهُ فِيما يَصِحُّ مِنهُ مِنَ الِانْقِيادِ لِأوامِرِ اللَّهِ ونَواهِيهِ، وهو حَيَوانٌ صالِحٌ لِلتَّكْلِيفِ، مِثْلَ حالِ تِلْكَ الجَماداتِ فِيما يَصِحُّ مِنها ويَلِيقُ بِها مِنَ الِانْقِيادِ. والمُرادُ بِالأمانَةِ: الطّاعَةُ؛ لِأنَّها لازِمَةٌ لِلْوُجُودِ. كَما أنَّ الأمانَةَ لازِمَةٌ لِلْأداءِ، وعَرْضُها عَلى الجَماداتِ وإباؤُها وإشْفاقُها مَجازٌ. وحَمْلُ الأمانَةِ مِن قَوْلِكَ: فُلانٌ حامِلٌ لِلْأمانَةِ ومُحْتَمِلٌ لَها، يُرِيدُ أنَّهُ لا يُؤَدِّيها إلى صاحِبِها حَتّى تَزُولَ عَنْ ذِمَّتِهِ ويَخْرُجَ عَنْ عُهْدَتِها؛ لِأنَّ الأمانَةَ كَأنَّها راكِبَةٌ لِلْمُؤْتَمَنِ عَلَيْها، وهو حامِلٌ لَها. ألا تَراهم يَقُولُونَ: رَكِبَتْهُ الدُّيُونُ ؟ ولِي عَلَيْهِ حَقٌّ ؟ فَأبَيْنَ أنْ لا يُؤَدُّونَها، وأبى الإنْسانُ أنْ لا يَكُونَ مُحْتَمِلًا لَها لا يُؤَدِّيها. ثُمَّ وصَفَهُ بِالظُّلْمِ لِكَوْنِهِ تارِكًا لِأداءِ الأمانَةِ، وبِالجَهْلِ لِخَطَئِهِ ما يُسْعِدُهُ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنهُ وهو أداؤُها. انْتَهى، وفِيهِ بَعْضُ حَذْفٍ. وقالَ قَوْمٌ: الآيَةُ مِنَ المَجازِ، أيْ إذا قايَسْنا ثِقَلَ الأمانَةِ بِقُوَّةِ السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ، رَأيْتُهُما أنَّهُما لا تُطِيقُها، وأنَّها لَوْ تَكَلَّمَتْ لَأبَتْها وأشْفَقَتْ عَنْها فَعَبَّرَ عَنْ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا عَرَضْنا﴾ الآيَةَ، وهَذا كَما تَقُولُ: ”عَرَضْتُ الحِمْلَ عَلى البَعِيرِ فَأباهُ، وأنْتَ تُرِيدُ بِذَلِكَ مُقارَنَةَ قُوَّتِهِ بِثِقَلِ الحِمْلِ، فَرَأيْتُها تُقَصِّرُ عَنْهُ، ونَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ بَحْرٍ“ مَعْنى ﴿عَرَضْنا﴾: عارَضْناها وقابَلْناها بِها. ﴿فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها﴾: أيْ قَصَّرْنَ ونَقَصْنَ عَنْها، كَما تَقُولُ: أبَتِ الصَّنْجَةُ أنْ تَحْمِلَ ما قابَلَها. ﴿وحَمَلَها الإنْسانُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: التَزَمَ القِيامَ بِحَقِّها، والإنْسانُ آدَمُ، وهو في ذَلِكَ ظَلُومٌ نَفْسَهُ جَهُولٌ بِقَدْرِ ما دَخَلَ فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما تَمَّ لَهُ يَوْمٌ حَتّى أُخْرِجَ مِنَ الجَنَّةِ. وقالَ الضَّحّاكُ والحَسَنُ: وحَمَلَها مَعْناهُ خانَ فِيها، والإنْسانُ الكافِرُ والمُنافِقُ والعاصِي عَلى قَدْرِهِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: ابْنُ آدَمَ قابِيلُ الَّذِي قَتَلَ أخاهُ هابِيلَ، وكانَ قَدْ تَحَمَّلَ لِأبِيهِ أمانَةً أنْ يَحْفَظَ الأهْلَ بَعْدَهُ، وكانَ آدَمُ مُسافِرًا عَنْهم إلى مَكَّةَ، في حَدِيثٍ طَوِيلٍ ذَكَرَهُ الطَّبَرِيُّ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: عَرْضُ الأمانَةِ وضْعُ شَواهِدِ الوَحْدانِيَّةِ في المَصْنُوعاتِ. والحَمْلُ: الخِيانَةُ، كَما تَقُولُ: حَمَلَ خُفِّي واحْتَمَلَهُ أيْ ذَهَبَ بِهِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎إذا أنْتَ لَمْ تَبْرَحْ تُؤَدِّي أمانَةً وتَحْمِلُ أُخْرى أفْرَحَتْكَ الوَدائِعُ انْتَهى. ولَيْسَ وتَحْمِلُ أُخْرى نَصًّا في الذَّهابِ بِها، بَلْ يَحْتَمِلُ لِأنَّكَ تَتَحَمَّلُ أُخْرى، فَتُؤَدِّي واحِدَةً وتَتَحَمَّلُ أُخْرى، فَلا تَزالُ دائِمًا ذا أماناتٍ، فَتَخْرُجُ إذْ ذاكَ. واللّامُ في ﴿لِيُعَذِّبَ﴾ لامُ الصَّيْرُورَةِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَحْمِلْها لِأنْ يُعَذَّبَ، لَكِنَّهُ حَمَلَها فَآلَ الأمْرُ إلى أنْ يُعَذِّبَ مَن نافَقَ وأشْرَكَ، ويَتُوبَ عَلى مَن آمَنَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لامُ التَّعْلِيلِ عَلى طَرِيقِ المَجازِ؛ لِأنَّ نَتِيجَةَ حَمْلِ الأمانَةِ العَذابُ، كَما أنَّ التَّأْدِيبَ في: ضَرَبْتُهُ لِلتَّأْدِيبِ نَتِيجَةَ الضَّرْبِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: ”فَيَتُوبُ“ يَعْنِي بِالرَّفْعِ، بِجَعْلِ العِلَّةِ قاصِرَةً عَلى فِعْلِ الحامِلِ، ويَبْتَدِئُ ويَتُوبُ. ومَعْنى قِراءَةِ العامَّةِ: لِيُعَذِّبَ اللَّهُ حامِلَ الأمانَةِ ويَتُوبَ عَلى غَيْرِهِ مِمَّنْ لَمْ (p-٢٥٥)يَحْمِلْها؛ لِأنَّهُ إذا ثَبَتَ عَلى أنَّ الواوَ في (وكانَ) ذَلِكَ نَوْعانِ مِن عَذابِ القِتالِ. انْتَهى. وذَهَبَ صاحِبُ اللَّوامِحِ أنَّ الحَسَنَ قَرَأ ”ويَتُوبُ“ بِالرَّفْعِ. * * (مُفْرَداتُ سُورَةِ سَبَأٍ) المَزْقُ: خَرْقُ الشَّيْءِ، قالَ: مِنهُ ثَوْبٌ مَمْزُوقٌ ومَزِيقٌ ومُتَمَزِّقٌ ومُمَزَّقٌ، إذا صارَ قِطَعًا بالِيًا، ومِنهُ قَوْلُ العَبْدِيِّ: ؎فَإنْ كُنْتَ مَأْكُولًا فَكُنْ خَيْرَ آكِلٍ وإلّا فَأدْرِكْنِي ولَمّا أُمَزَّقِ السّابِغاتُ: الدُّرُوعُ، وأصْلُهُ الوَصْفُ بِالسُّبُوغِ، وهو التَّمامُ والكَمالُ، وغَلَبَ عَلى الدُّرُوعِ فَصارَ كالأبْطَحِ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎عَلَيْها أُسُودٌ ضارِياتٌ لَبُوسُهم ∗∗∗ سَوابِغُ بِيضٌ لا يُخَرِّقُها النَّبْلُ السَّرْدُ: إتْباعُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ مِن جِنْسِهِ، قالَ الشَّمّاخُ: ؎فَظَنَّ تِباعًا خَيْلُنا في بُيُوتِكم ∗∗∗ كَما تابَعَتْ سَرْدَ الضَّأْنِ الخَوارِزُ ويُقالُ الدِّرْعُ مَسْرُودَةٌ؛ لِأنَّهُ تُوبِعَ فِيها الحَلْقَ بِالحَلْقِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما ∗∗∗ داوُدُ أوْ صَنَعُ السَّوابِغِ تُبَّعُ ويُقالُ لِصانِعِ ذَلِكَ: سَرّادٌ وزَرّادٌ، تُبْدَلُ مِنَ السِّينِ الزّايُ؛ كَما قالُوا: سِراطٌ وزِراطٌ. ويُقالُ لِلْأشْفى: مَسْرَدٌ ومَسْرادٌ، وسَرَدَ القُرْآنَ إذا حَدَرَ فِيهِ، والكَلامُ إذا تابَعَهُ مُسْتَعْجِلًا فِيهِ. سالَ مِن سالَ الوادِي والدَّمْعُ: جَرى لِسُرْعَةِ ما فِيهِ مِنَ الماءِ والدَّمْعِ. القِطْرُ: النُّحاسُ، وقِيلَ: الفِلِزُّ النُّحاسُ والحَدِيدُ وما جَرى مَجْراهُ. الجِفانُ: جَمْعُ جَفْنَةٍ، وهي مَعْرُوفَةٌ. الجَوابِي: الحِياضُ العِظامُ، واحِدُها جابِيَةٌ؛ لِأنَّهُ يُجْبى فِيها الماءُ، أيْ: يُجْمَعُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎بِجِفانٍ تَعْتَرِي نادِينا ∗∗∗ مِن سَدِيفٍ حِينَ قَدْ هاجَ الضَّبَرُ ؎كالجَوابِي لا تَفِي مُتْرَعَةً ∗∗∗ لِقِرى الأضْيافِ أوْ لِلْمُحْتَظِرِ وقالَ الأعْشى: ؎نَفى الذَّمَّ عَنْ آلِ المُحَلِّقِ جَفْنَةٌ ∗∗∗ كَجابِيَةِ السَّيْحِ العِراقِيِّ تَفْهَقُ وقالَ الأفْوَهُ الأوْدِيُّ: ؎وقُدُورٌ كالرُّبا راسِياتٌ ∗∗∗ وجِفانٌ كالجَوابِي مُتْرَعَةْ القِدْرُ: إناءٌ يُطْبَخُ فِيهِ مِن فَخّارٍ أوْ غَيْرِهِ، وهو عَلى شَكْلٍ مَخْصُوصٍ. المِنسَأةُ: العَصى، تُهْمَزُ ولا تُهْمَزُ، ووَزْنُها مِفْعَلَةٌ، مِن نَسَأْتُ: أيْ أخَّرْتُ وطَرَدْتُ. ويُقالُ: مِنساءَةٌ بِالمَدِّ والهَمْزِ عَلى وزْنِ مِفْعالَةٍ، كَما قالُوا: مِيضاءَةٌ ومِيضاةٌ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎ضَرَبْنا بِمِنساءَةٍ وجْهَهُ ∗∗∗ فَصارَ بِذاكَ مَهِينًا ذَلِيلا وقالَ آخَرُ ؎إذا دَبَبْتَ عَلى المِنساةِ مِن هَرَمٍ ∗∗∗ فَقَدْ تَباعَدَ عَنْكَ اللَّهْوُ والغَزَلُ وقِياسُ تَخْفِيفِ هَمْزَتِها أنْ يَكُونَ بَيْنَ بَيْنَ، وأمّا إبْدالُها ألِفًا أوْ حَذْفُها فَغَيْرُ قِياسٍ. العَرِمُ: إمّا صِفَةٌ لِلسَّيْلِ أُضِيفَ فِيهِ المَوْصُوفُ إلى صِفَتِهِ كَقَوْلِهِمْ: مَسْجِدُ الجامِعِ، وإمّا اسْمٌ لِشَيْءٍ، ويَأْتِي القَوْلُ فِيهِ في تَفْسِيرِ المُرَكَّباتِ. الخَمْطُ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ شَجَرَةٍ مُرَّةٍ ذاتِ شَوْكٍ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الخَمْطُ ثَمَرُ شَجَرَةٍ عَلى صُورَةِ الخَشْخاشِ لا يُنْتَفَعُ بِهِ. وقالَ القُتَبِيُّ: يُقالُ لِلْحُمّاضَةِ خَمْطَةُ اللَّبَنِ. إذا أخَذَ شَيْئًا مِن (p-٢٥٦)الرِّيحِ فَهو خامِطٌ وخَمِيطٌ، وتَخَمَّطَ الفَحْلُ: هَدَرَ، والرَّجُلُ: تَعَصَّبَ وتَكَسَّرَ، والخَمْرُ: أخَذَتْ رِيحَ الإدْراكِ كَرائِحَةِ التُّفّاحِ ولَمْ تُدْرَكْ بَعْدُ. ويُقالُ: هي الخامِطَةُ، قالَهُ الجَوْهَرِيُّ. الأثْلُ: شَجَرٌ وهو ضَرْبٌ مِنَ الطَّرْفاءِ، قالَهُ أبُو حَنِيفَةَ اللُّغَوِيُّ في كِتابِ النَّباتِ لَهُ، ويَأْتِي ما قالَ فِيهِ المُفَسِّرُونَ. السِّدْرُ قالَ الفَرّاءُ: هو السَّرْوُ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: السِّدْرُ سِدْرانِ: سِدْرٌ لا يُنْتَفَعُ بِهِ، ولا يَصْلُحُ ورَقُهُ لِلْغَسُولِ، ولَهُ ثَمَرَةٌ عَفِصَةٌ لا تُؤْكَلُ، وهو الَّذِي يُسَمّى الضّالَّ، وسِدْرٌ يَنْبُتُ عَلى الماءِ وثَمَرُهُ النَّبْقُ، ورَقُهُ غَسُولٌ يُشْبِهُ ورَقَ شَجَرِ العُنّابِ. التَّناوُشُ: تَناوُلٌ سَهْلٌ لِشَيْءٍ قَرِيبٍ، يُقالُ: ناشَهُ يَنُوشُهُ وتَناوَشَهُ القَوْمُ وتَناوَشُوا في الحَرْبِ: ناشَ بَعْضُهم بَعْضًا بِالسَّلامِ. وقالَ الرّاجِزُ: فَهِيَ تَنُوشُ الحَوْضَ نَوْشًا مِن عَلا نَوْشًا بِهِ تَقْطَعُ أجْوازَ الفَلا وأمّا بِالهَمْزَةِ، فَقالَ الفَرّاءُ: مِن ناشَتْ أيْ: تَأخَّرَتْ قالَ الشّاعِرُ: ؎تَمَنّى نَئِيشًا أنْ يَكُونَ أطاعَنِي ∗∗∗ وقَدْ حَدَثَتْ بَعْدَ الأُمُورِ أُمُورُ وقالَ آخَرُ: ؎وجِئْتُ نَئِيشًا بَعْدَ ما ∗∗∗ فاتَكَ الخَبَرْ نَئِيشًا أخِيرًا

الأحزاب 33:73

﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ﴾ لَمّا أرْشَدَ المُؤْمِنِينَ إلى ما أرْشَدَ مِن تَرْكِ الأذى واتِّقاءِ اللَّهِ وسَدادِ القَوْلِ، ورَتَّبَ عَلى الطّاعَةِ ما رَتَّبَ، بَيَّنَ أنَّ ما كُلِّفَهُ الإنْسانُ أمْرٌ عَظِيمٌ، فَقالَ: ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ﴾ تَعْظِيمًا لِأمْرِ التَّكْلِيفِ. والأمانَةُ: الظّاهِرُ أنَّها كُلُّ ما يُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ مِن أمْرٍ ونَهْيٍ وشَأْنِ دِينٍ ودُنْيا. والشَّرْعُ كُلُّهُ أمانَةٌ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، ولِذَلِكَ قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: مِنَ الأمانَةِ أنِ اؤْتُمِنَتِ المَرْأةُ عَلى فَرْجِها. وقالَ أبُو الدَّرْداءِ: غُسْلُ الجَنابَةِ أمانَةٌ، والظّاهِرُ عَرْضُ الأمانَةِ عَلى هَذِهِ المَخْلُوقاتِ العِظامِ، وهي الأوامِرُ والنَّواهِي، فَتُثابُ إنْ أحْسَنَتْ، وتُعاقَبُ إنْ أساءَتْ، فَأبَتْ وأشْفَقَتْ، ويَكُونُ ذَلِكَ بِإدْراكِ خِلْقَةِ اللَّهِ فِيها، وهَذا غَيْرُ مُسْتَحِيلٍ، إذْ قَدْ سَبَّحَ الحَصى في كَفِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وحَنَّ الجِذْعُ إلَيْهِ، وكَلَّمَتْهُ الذِّراعُ، فَيَكُونُ هَذا العَرْضُ والإباءُ حَقِيقَةً. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أُعْطِيَتِ الجَماداتُ فَهْمًا وتَمْيِيزًا، فَخُيِّرَتْ في الحَمْلِ، وذَكَرَ الجِبالَ مَعَ أنَّها مَعَ الأرْضِ، لِزِيادَةِ قُوَّتِها وصَلابَتِها، تَعْظِيمًا لِلْأمْرِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: عُرِضَتْ بِمَسْمَعٍ مِن آدَمَ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأُسْمِعَ مِنَ الجَماداتِ الإباءَ لِيَتَحَقَّقَ العَرْضُ عَلَيْهِ، فَيَتَجاسَرَ عَلى الحَمْلِ غَيْرُهُ، ويَظْهَرَ فَضْلُهُ عَلى الخَلائِقِ، حِرْصًا عَلى العُبُودِيَّةِ، وتَشْرِيفًا عَلى البَرِيَّةِ بِعُلُوِّ الهِمَّةِ. وقِيلَ: هو مَجازٌ، فَقِيلَ: مِن مَجازِ الحَذْفِ، أيْ عَلى مَن فِيها مِنَ المَلائِكَةِ، وقِيلَ: مِن بابِ التَّمْثِيلِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ ما كُلِّفَهُ الإنْسانُ بَلَغَ مِن عِظَمِهِ وثِقَلِ مَحْمَلِهِ أنَّهُ عُرِضَ عَلى أعْظَمِ ما خَلَقَ اللَّهُ مِنَ الأجْرامِ وأقْواهُ وأشَدِّهِ أنْ يَتَحَمَّلَهُ ويَسْتَقِلَّ بِهِ، فَأبى مَحْمَلَهُ والِاسْتِقْلالَ بِهِ، وحَمَلَها الإنْسانُ عَلى ضَعْفِهِ ورَخاوَةِ قُوَّتِهِ. ﴿إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾، حَيْثُ حَمَلَ الأمانَةَ، ثُمَّ لَمْ يَفِ بِها. ونَحْوُ هَذا مِنَ الكَلامِ كَثِيرٌ في لِسانِ العَرَبِ، وما جاءَ بِهِ القُرْآنُ إلّا عَلى طُرُقِهِمْ وأسالِيبِهِمْ. مِن ذَلِكَ قَوْلُ العَرَبِ: لَوْ قِيلَ لِلشَّحْمِ أيْنَ تَذْهَبُ لَقِيلَ: أُسَوِّي العِوَجَ. وكَمْ لَهم مِن أمْثالٍ عَلى ألْسِنَةِ البَهائِمِ والجَماداتِ، وتَصَوُّرُ مَقالَةِ الشَّحْمِ مُحالٌ، ولَكِنَّ الغَرَضَ أنَّ السِّمَنَ في الحَيَوانِ مِمّا يَحْسُنُ قُبْحُهُ، كَما أنَّ العَجَفَ مِمّا يَقْبَحُ حُسْنُهُ، فَصَوَّرَ أثَرَ السِّمَنِ فِيهِ تَصْوِيرًا هو أوْقَعُ في نَفْسِ السّامِعِ، وهي بِهِ آنَسُ، ولَهُ أقْبَلُ، وعَلى حَقِيقَتِهِ أوْقَفُ، وكَذَلِكَ تَصْوِيرُ عِظَمِ الأمانَةِ وصُعُوبَةِ أمْرِها وثِقَلِ مَحْمَلِها والوَفاءِ بِها. فَإنْ قُلْتَ: قَدْ عُلِمَ وجْهُ التَّمْثِيلِ في قَوْلِهِمْ لِلَّذِي لا يَثْبُتُ عَلى رَأْيٍ واحِدٍ: أراكَ تُقَدِّمُ رِجْلًا وتُؤَخِّرُ (p-٢٥٤)أُخْرى؛ لِأنَّهُ مَثَّلَتْ حالَ تَمَيُّلِهِ وتَرَجُّحِهِ بَيْنَ الرَّأْيَيْنِ، وتَرْكُهُ المُضِيَّ عَلى إحْداهُما بِحالِ مَن يَتَرَدّى في ذَهابِهِ، فَلا يَجْمَعُ رِجْلَيْهِ لِلْمُضِيِّ في وجْهِهِ، وكُلُّ واحِدٍ مِنَ المُمَثِّلِ والمُمَثَّلِ بِهِ شَيْءٌ مُسْتَقِيمٌ داخِلٌ تَحْتَ الصِّحَّةِ والمَعْرِفَةِ، فَلَيْسَ كَذَلِكَ ما في الآيَةِ. فَإنَّ عَرْضَ الأمانَةِ عَلى الجَمادِ، وإباءَهُ وإشْفاقَهُ مُحالٌ في نَفْسِهِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، فَكَيْفَ صَحَّ بِها التَّمْثِيلُ عَلى المُحالِ ؟ وما مِثالُ هَذا إلّا أنْ تُشَبِّهَ شَيْئًا، والمُشَبَّهُ بِهِ غَيْرُ مَعْقُولٍ. قُلْتُ: المُمَثَّلُ بِهِ في الآيَةِ وفي قَوْلِهِمْ: لَوْ قِيلَ لِلشَّحْمِ أيْنَ تَذْهَبُ ؟ وفي نَظائِرِهِ مَفْرُوضٌ، والمَفْرُوضُ أنْ يَتَخَيَّلَ في الذِّهْنِ كَما أنَّ المُحَقِّقاتِ مَثَّلَتْ حالَ التَّكْلِيفِ في صُعُوبَتِهِ وثِقَلِ مَحْمَلِهِ بِحالِ المَفْرُوضِ، لَوْ عُرِضَتْ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ ﴿فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنها﴾ . انْتَهى. وقالَ أيْضًا: إنَّ هَذِهِ الأجْرامَ العِظامَ قَدِ انْقادَتْ لِأمْرِ اللَّهِ انْقِيادَ مِثْلِها، وهو ما تَأْتِي مِنَ الجَماداتِ، حَيْثُ لَمْ يَمْتَنِعْ عَلى مَشِيئَتِهِ إيجادًا وتَكْوِينًا وتَسْوِيَةً عَلى هَيْئاتٍ مُخْتَلِفَةٍ وأشْكالٍ مُتَنَوِّعَةٍ. كَما قالَ: ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] . وأمّا الإنْسانُ فَلَمْ يَكُنْ حالُهُ فِيما يَصِحُّ مِنهُ مِنَ الِانْقِيادِ لِأوامِرِ اللَّهِ ونَواهِيهِ، وهو حَيَوانٌ صالِحٌ لِلتَّكْلِيفِ، مِثْلَ حالِ تِلْكَ الجَماداتِ فِيما يَصِحُّ مِنها ويَلِيقُ بِها مِنَ الِانْقِيادِ. والمُرادُ بِالأمانَةِ: الطّاعَةُ؛ لِأنَّها لازِمَةٌ لِلْوُجُودِ. كَما أنَّ الأمانَةَ لازِمَةٌ لِلْأداءِ، وعَرْضُها عَلى الجَماداتِ وإباؤُها وإشْفاقُها مَجازٌ. وحَمْلُ الأمانَةِ مِن قَوْلِكَ: فُلانٌ حامِلٌ لِلْأمانَةِ ومُحْتَمِلٌ لَها، يُرِيدُ أنَّهُ لا يُؤَدِّيها إلى صاحِبِها حَتّى تَزُولَ عَنْ ذِمَّتِهِ ويَخْرُجَ عَنْ عُهْدَتِها؛ لِأنَّ الأمانَةَ كَأنَّها راكِبَةٌ لِلْمُؤْتَمَنِ عَلَيْها، وهو حامِلٌ لَها. ألا تَراهم يَقُولُونَ: رَكِبَتْهُ الدُّيُونُ ؟ ولِي عَلَيْهِ حَقٌّ ؟ فَأبَيْنَ أنْ لا يُؤَدُّونَها، وأبى الإنْسانُ أنْ لا يَكُونَ مُحْتَمِلًا لَها لا يُؤَدِّيها. ثُمَّ وصَفَهُ بِالظُّلْمِ لِكَوْنِهِ تارِكًا لِأداءِ الأمانَةِ، وبِالجَهْلِ لِخَطَئِهِ ما يُسْعِدُهُ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنهُ وهو أداؤُها. انْتَهى، وفِيهِ بَعْضُ حَذْفٍ. وقالَ قَوْمٌ: الآيَةُ مِنَ المَجازِ، أيْ إذا قايَسْنا ثِقَلَ الأمانَةِ بِقُوَّةِ السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ، رَأيْتُهُما أنَّهُما لا تُطِيقُها، وأنَّها لَوْ تَكَلَّمَتْ لَأبَتْها وأشْفَقَتْ عَنْها فَعَبَّرَ عَنْ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا عَرَضْنا﴾ الآيَةَ، وهَذا كَما تَقُولُ: ”عَرَضْتُ الحِمْلَ عَلى البَعِيرِ فَأباهُ، وأنْتَ تُرِيدُ بِذَلِكَ مُقارَنَةَ قُوَّتِهِ بِثِقَلِ الحِمْلِ، فَرَأيْتُها تُقَصِّرُ عَنْهُ، ونَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ بَحْرٍ“ مَعْنى ﴿عَرَضْنا﴾: عارَضْناها وقابَلْناها بِها. ﴿فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها﴾: أيْ قَصَّرْنَ ونَقَصْنَ عَنْها، كَما تَقُولُ: أبَتِ الصَّنْجَةُ أنْ تَحْمِلَ ما قابَلَها. ﴿وحَمَلَها الإنْسانُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: التَزَمَ القِيامَ بِحَقِّها، والإنْسانُ آدَمُ، وهو في ذَلِكَ ظَلُومٌ نَفْسَهُ جَهُولٌ بِقَدْرِ ما دَخَلَ فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما تَمَّ لَهُ يَوْمٌ حَتّى أُخْرِجَ مِنَ الجَنَّةِ. وقالَ الضَّحّاكُ والحَسَنُ: وحَمَلَها مَعْناهُ خانَ فِيها، والإنْسانُ الكافِرُ والمُنافِقُ والعاصِي عَلى قَدْرِهِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: ابْنُ آدَمَ قابِيلُ الَّذِي قَتَلَ أخاهُ هابِيلَ، وكانَ قَدْ تَحَمَّلَ لِأبِيهِ أمانَةً أنْ يَحْفَظَ الأهْلَ بَعْدَهُ، وكانَ آدَمُ مُسافِرًا عَنْهم إلى مَكَّةَ، في حَدِيثٍ طَوِيلٍ ذَكَرَهُ الطَّبَرِيُّ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: عَرْضُ الأمانَةِ وضْعُ شَواهِدِ الوَحْدانِيَّةِ في المَصْنُوعاتِ. والحَمْلُ: الخِيانَةُ، كَما تَقُولُ: حَمَلَ خُفِّي واحْتَمَلَهُ أيْ ذَهَبَ بِهِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎إذا أنْتَ لَمْ تَبْرَحْ تُؤَدِّي أمانَةً وتَحْمِلُ أُخْرى أفْرَحَتْكَ الوَدائِعُ انْتَهى. ولَيْسَ وتَحْمِلُ أُخْرى نَصًّا في الذَّهابِ بِها، بَلْ يَحْتَمِلُ لِأنَّكَ تَتَحَمَّلُ أُخْرى، فَتُؤَدِّي واحِدَةً وتَتَحَمَّلُ أُخْرى، فَلا تَزالُ دائِمًا ذا أماناتٍ، فَتَخْرُجُ إذْ ذاكَ. واللّامُ في ﴿لِيُعَذِّبَ﴾ لامُ الصَّيْرُورَةِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَحْمِلْها لِأنْ يُعَذَّبَ، لَكِنَّهُ حَمَلَها فَآلَ الأمْرُ إلى أنْ يُعَذِّبَ مَن نافَقَ وأشْرَكَ، ويَتُوبَ عَلى مَن آمَنَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لامُ التَّعْلِيلِ عَلى طَرِيقِ المَجازِ؛ لِأنَّ نَتِيجَةَ حَمْلِ الأمانَةِ العَذابُ، كَما أنَّ التَّأْدِيبَ في: ضَرَبْتُهُ لِلتَّأْدِيبِ نَتِيجَةَ الضَّرْبِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: ”فَيَتُوبُ“ يَعْنِي بِالرَّفْعِ، بِجَعْلِ العِلَّةِ قاصِرَةً عَلى فِعْلِ الحامِلِ، ويَبْتَدِئُ ويَتُوبُ. ومَعْنى قِراءَةِ العامَّةِ: لِيُعَذِّبَ اللَّهُ حامِلَ الأمانَةِ ويَتُوبَ عَلى غَيْرِهِ مِمَّنْ لَمْ (p-٢٥٥)يَحْمِلْها؛ لِأنَّهُ إذا ثَبَتَ عَلى أنَّ الواوَ في (وكانَ) ذَلِكَ نَوْعانِ مِن عَذابِ القِتالِ. انْتَهى. وذَهَبَ صاحِبُ اللَّوامِحِ أنَّ الحَسَنَ قَرَأ ”ويَتُوبُ“ بِالرَّفْعِ. * * (مُفْرَداتُ سُورَةِ سَبَأٍ) المَزْقُ: خَرْقُ الشَّيْءِ، قالَ: مِنهُ ثَوْبٌ مَمْزُوقٌ ومَزِيقٌ ومُتَمَزِّقٌ ومُمَزَّقٌ، إذا صارَ قِطَعًا بالِيًا، ومِنهُ قَوْلُ العَبْدِيِّ: ؎فَإنْ كُنْتَ مَأْكُولًا فَكُنْ خَيْرَ آكِلٍ وإلّا فَأدْرِكْنِي ولَمّا أُمَزَّقِ السّابِغاتُ: الدُّرُوعُ، وأصْلُهُ الوَصْفُ بِالسُّبُوغِ، وهو التَّمامُ والكَمالُ، وغَلَبَ عَلى الدُّرُوعِ فَصارَ كالأبْطَحِ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎عَلَيْها أُسُودٌ ضارِياتٌ لَبُوسُهم ∗∗∗ سَوابِغُ بِيضٌ لا يُخَرِّقُها النَّبْلُ السَّرْدُ: إتْباعُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ مِن جِنْسِهِ، قالَ الشَّمّاخُ: ؎فَظَنَّ تِباعًا خَيْلُنا في بُيُوتِكم ∗∗∗ كَما تابَعَتْ سَرْدَ الضَّأْنِ الخَوارِزُ ويُقالُ الدِّرْعُ مَسْرُودَةٌ؛ لِأنَّهُ تُوبِعَ فِيها الحَلْقَ بِالحَلْقِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما ∗∗∗ داوُدُ أوْ صَنَعُ السَّوابِغِ تُبَّعُ ويُقالُ لِصانِعِ ذَلِكَ: سَرّادٌ وزَرّادٌ، تُبْدَلُ مِنَ السِّينِ الزّايُ؛ كَما قالُوا: سِراطٌ وزِراطٌ. ويُقالُ لِلْأشْفى: مَسْرَدٌ ومَسْرادٌ، وسَرَدَ القُرْآنَ إذا حَدَرَ فِيهِ، والكَلامُ إذا تابَعَهُ مُسْتَعْجِلًا فِيهِ. سالَ مِن سالَ الوادِي والدَّمْعُ: جَرى لِسُرْعَةِ ما فِيهِ مِنَ الماءِ والدَّمْعِ. القِطْرُ: النُّحاسُ، وقِيلَ: الفِلِزُّ النُّحاسُ والحَدِيدُ وما جَرى مَجْراهُ. الجِفانُ: جَمْعُ جَفْنَةٍ، وهي مَعْرُوفَةٌ. الجَوابِي: الحِياضُ العِظامُ، واحِدُها جابِيَةٌ؛ لِأنَّهُ يُجْبى فِيها الماءُ، أيْ: يُجْمَعُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎بِجِفانٍ تَعْتَرِي نادِينا ∗∗∗ مِن سَدِيفٍ حِينَ قَدْ هاجَ الضَّبَرُ ؎كالجَوابِي لا تَفِي مُتْرَعَةً ∗∗∗ لِقِرى الأضْيافِ أوْ لِلْمُحْتَظِرِ وقالَ الأعْشى: ؎نَفى الذَّمَّ عَنْ آلِ المُحَلِّقِ جَفْنَةٌ ∗∗∗ كَجابِيَةِ السَّيْحِ العِراقِيِّ تَفْهَقُ وقالَ الأفْوَهُ الأوْدِيُّ: ؎وقُدُورٌ كالرُّبا راسِياتٌ ∗∗∗ وجِفانٌ كالجَوابِي مُتْرَعَةْ القِدْرُ: إناءٌ يُطْبَخُ فِيهِ مِن فَخّارٍ أوْ غَيْرِهِ، وهو عَلى شَكْلٍ مَخْصُوصٍ. المِنسَأةُ: العَصى، تُهْمَزُ ولا تُهْمَزُ، ووَزْنُها مِفْعَلَةٌ، مِن نَسَأْتُ: أيْ أخَّرْتُ وطَرَدْتُ. ويُقالُ: مِنساءَةٌ بِالمَدِّ والهَمْزِ عَلى وزْنِ مِفْعالَةٍ، كَما قالُوا: مِيضاءَةٌ ومِيضاةٌ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎ضَرَبْنا بِمِنساءَةٍ وجْهَهُ ∗∗∗ فَصارَ بِذاكَ مَهِينًا ذَلِيلا وقالَ آخَرُ ؎إذا دَبَبْتَ عَلى المِنساةِ مِن هَرَمٍ ∗∗∗ فَقَدْ تَباعَدَ عَنْكَ اللَّهْوُ والغَزَلُ وقِياسُ تَخْفِيفِ هَمْزَتِها أنْ يَكُونَ بَيْنَ بَيْنَ، وأمّا إبْدالُها ألِفًا أوْ حَذْفُها فَغَيْرُ قِياسٍ. العَرِمُ: إمّا صِفَةٌ لِلسَّيْلِ أُضِيفَ فِيهِ المَوْصُوفُ إلى صِفَتِهِ كَقَوْلِهِمْ: مَسْجِدُ الجامِعِ، وإمّا اسْمٌ لِشَيْءٍ، ويَأْتِي القَوْلُ فِيهِ في تَفْسِيرِ المُرَكَّباتِ. الخَمْطُ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ شَجَرَةٍ مُرَّةٍ ذاتِ شَوْكٍ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الخَمْطُ ثَمَرُ شَجَرَةٍ عَلى صُورَةِ الخَشْخاشِ لا يُنْتَفَعُ بِهِ. وقالَ القُتَبِيُّ: يُقالُ لِلْحُمّاضَةِ خَمْطَةُ اللَّبَنِ. إذا أخَذَ شَيْئًا مِن (p-٢٥٦)الرِّيحِ فَهو خامِطٌ وخَمِيطٌ، وتَخَمَّطَ الفَحْلُ: هَدَرَ، والرَّجُلُ: تَعَصَّبَ وتَكَسَّرَ، والخَمْرُ: أخَذَتْ رِيحَ الإدْراكِ كَرائِحَةِ التُّفّاحِ ولَمْ تُدْرَكْ بَعْدُ. ويُقالُ: هي الخامِطَةُ، قالَهُ الجَوْهَرِيُّ. الأثْلُ: شَجَرٌ وهو ضَرْبٌ مِنَ الطَّرْفاءِ، قالَهُ أبُو حَنِيفَةَ اللُّغَوِيُّ في كِتابِ النَّباتِ لَهُ، ويَأْتِي ما قالَ فِيهِ المُفَسِّرُونَ. السِّدْرُ قالَ الفَرّاءُ: هو السَّرْوُ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: السِّدْرُ سِدْرانِ: سِدْرٌ لا يُنْتَفَعُ بِهِ، ولا يَصْلُحُ ورَقُهُ لِلْغَسُولِ، ولَهُ ثَمَرَةٌ عَفِصَةٌ لا تُؤْكَلُ، وهو الَّذِي يُسَمّى الضّالَّ، وسِدْرٌ يَنْبُتُ عَلى الماءِ وثَمَرُهُ النَّبْقُ، ورَقُهُ غَسُولٌ يُشْبِهُ ورَقَ شَجَرِ العُنّابِ. التَّناوُشُ: تَناوُلٌ سَهْلٌ لِشَيْءٍ قَرِيبٍ، يُقالُ: ناشَهُ يَنُوشُهُ وتَناوَشَهُ القَوْمُ وتَناوَشُوا في الحَرْبِ: ناشَ بَعْضُهم بَعْضًا بِالسَّلامِ. وقالَ الرّاجِزُ: فَهِيَ تَنُوشُ الحَوْضَ نَوْشًا مِن عَلا نَوْشًا بِهِ تَقْطَعُ أجْوازَ الفَلا وأمّا بِالهَمْزَةِ، فَقالَ الفَرّاءُ: مِن ناشَتْ أيْ: تَأخَّرَتْ قالَ الشّاعِرُ: ؎تَمَنّى نَئِيشًا أنْ يَكُونَ أطاعَنِي ∗∗∗ وقَدْ حَدَثَتْ بَعْدَ الأُمُورِ أُمُورُ وقالَ آخَرُ: ؎وجِئْتُ نَئِيشًا بَعْدَ ما ∗∗∗ فاتَكَ الخَبَرْ نَئِيشًا أخِيرًا

سبأ 34:1

(سُورَةُ سَبَأٍ خَمْسٌ وخَمْسُونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ) ﷽ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ولَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ وهو الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها وهو الرَّحِيمُ الغَفُورُ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ قُلْ بَلى ورَبِّي لَتَأْتِيَنَّكم عالِمُ الغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ ولا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرُ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ ألِيمٍ﴾ ﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ هو الحَقَّ ويَهْدِي إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ في العَذابِ والضَّلالِ البَعِيدِ﴾ ﴿أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ . (p-٢٥٧)هَذِهِ السُّورَةُ قالَ في التَّحْرِيرِ: مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ: ﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَدَنِيَّةٌ فِيمَن أسْلَمَ مِن أهْلِ الكِتابِ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأشْباهِهِ. انْتَهى. وسَبَبُ نُزُولِها أنَّ أبا سُفْيانَ قالَ لِكُفّارِ مَكَّةَ، لَمّا سَمِعُوا ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ﴾ [الأحزاب: ٧٣]: إنَّ مُحَمَّدًا يَتَوَعَّدُنا بِالعَذابِ بَعْدَ أنْ نَمُوتَ، ويُخَوِّفُنا بِالبَعْثِ، واللّاتِ والعُزّى لا تَأْتِينا السّاعَةُ أبَدًا، ولا نُبْعَثُ. فَقالَ اللَّهُ: (قُلْ) يا مُحَمَّدُ ﴿بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧] قالَهُ مُقاتِلٌ، وباقِي السُّورَةِ تَهْدِيدٌ لَهم وتَخْوِيفٌ. ومَن ذَكَرَ هَذا السَّبَبَ ظَهَرَتِ المُناسَبَةُ بَيْنَ هَذِهِ السُّورَةِ والَّتِي قَبْلَها. ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ مُسْتَغْرِقٌ لِجَمِيعِ المَحامِدِ. ﴿ولَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ﴾ ظاهِرُهُ الِاسْتِغْراقُ. ولَمّا كانَتْ نِعْمَةُ الآخِرَةِ مُخْبَرًا بِها، غَيْرَ مَرْئِيَّةٍ لَنا في الدُّنْيا، ذَكَرَها لِيُقاسَ نِعَمُها بِنِعَمِ الدُّنْيا، قِياسَ الغائِبِ عَلى الشّاهِدِ، وإنِ اخْتَلَفا في الفَضِيلَةِ والدَّيْمُومَةِ. وقِيلَ: ”ألْ“ لِلْعَهْدِ والإشارَةِ إلى قَوْلِهِ: ﴿وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [يونس: ١٠] أوْ إلى قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الفَرْقُ بَيْنَ الحَمْدَيْنِ وُجُوبُ الحَمْدِ في الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ عَلى نِعَمِهِ مُتَفَضِّلٌ بِها، وهو الطَّرِيقُ إلى تَحْصِيلِ نِعْمَةِ الآخِرَةِ، وهي الثَّوابُ. وحَمْدُ الآخِرَةِ لَيْسَ بِواجِبٍ؛ لِأنَّهُ عَلى نِعْمَةٍ واجِبَةِ الِاتِّصالُ إلى مُسْتَحِقِّها، إنَّما هو تَتِمَّةُ سُرُورِ المُؤْمِنِينَ وتَكْمِلَةُ اغْتِباطِهِمْ يَلْتَذُّونَ بِهِ. انْتَهى، وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ﴾ مِنَ المِياهِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مِنَ الأمْواتِ والدَّفائِنِ. ﴿وما يَخْرُجُ مِنها﴾ مِنَ النَّباتِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مِن جَواهِرِ المَعادِنِ. ﴿وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ﴾ مِنَ المَطَرِ والثَّلْجِ والبَرَدِ والصّاعِقَةِ والرِّزْقِ والمَلَكِ. ﴿وما يَعْرُجُ فِيها﴾ مِن أعْمالِ الخَلْقِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: وما يَنْزِلُ مِنَ المَلائِكَةِ. وقِيلَ: مِنَ الأقْضِيَةِ والأحْوالِ والأدْعِيَةِ والأعْمالِ. وقِيلَ: مِنَ الأنْعامِ والعَطاءِ. وقَرَأ عَلِيٌّ والسُّلَمِيُّ: ”وما يُنْزَلُ“ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ النُّونِ وشَدِّ الزّايِ أيِ: اللَّهُ تَعالى. و(بَلى) جَوابٌ لِلنَّفْيِ السّابِقِ مِن قَوْلِهِمْ ﴿لا تَأْتِينا السّاعَةُ﴾ أيْ: بَلى لَتَأْتِيَنَّكم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ بِتاءِ التَّأْنِيثِ، أيِ: السّاعَةُ الَّتِي أنْكَرْتُمْ مَجِيئُها. وقَرَأ طَلْقٌ عَنْ أشْياخِهِ بِياءِ الغَيْبَةِ، أيْ: لَيَأْتِيَنَّكُمُ البَعْثُ؛ لِأنَّهُ مَقْصُودُهم مِن نَفْيِ السّاعَةِ أنَّهم لا يُبْعَثُونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ عَلى مَعْنى السّاعَةِ أيِ: اليَوْمَ، أوْ عَلى إسْنادِهِ إلى اللَّهِ عَلى مَعْنى لَيَأْتِيَنَّكم أمْرُ عالِمِ الغَيْبِ كَقَوْلِهِ: ﴿أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] أيْ: أمْرُهُ. ويَبْعُدُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ السّاعَةِ؛ لِأنَّهُ مَذْهُوبٌ بِهِ مَذْهَبَ التَّذْكِيرِ، لا يَكُونُ إلّا في الشِّعْرِ نَحْوُ قَوْلِهِ: ؎ولا أرْضَ أبْقَلَ إبْقالَها ثُمَّ أكَّدَ الجَوابَ بِالقَسَمِ عَلى البَعْثِ، وأتْبَعَ القَسَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿عالِمِ الغَيْبِ﴾ وما بَعْدَهُ، لِيُعْلَمَ أنَّ إنْباتَها مِنَ الغَيْبِ الَّذِي تَفَرَّدَ بِهِ تَعالى. وجاءَ القَسَمُ بِقَوْلِهِ: (ورَبِّي) مُضافًا إلى الرَّسُولِ ﷺ، لِيَدُلَّ عَلى شِدَّةِ القَسَمِ، إذْ لَمْ يَأْتِ بِهِ في الِاسْمِ المُشْتَرَكِ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن أنْكَرَ السّاعَةَ، وهو لَفْظُ اللَّهِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، ورُوَيْسٌ، وسَلامٌ، والجَحْدَرِيُّ، وقَعْنَبٌ: ”عالِمُ“ بِالرَّفْعِ عَلى إضْمارِ هو، وجَوَّزَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً (p-٢٥٨)والخَبَرُ ﴿لا يَعْزُبُ﴾ . وقالَ الحَوْفِيُّ: أوْ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: عالِمُ الغَيْبِ هو. وباقِي السَّبْعَةِ: (عالِمِ) بِالجَرِّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ: وذَلِكَ عَلى البَدَلِ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ صِفَةً، ويَعْنِي أنَّ (عالِمَ الغَيْبِ) يَجُوزُ أنْ يَتَعَرَّفَ، وكَذا كُلُّ ما أُضِيفَ إلى مَعْرِفَةٍ مِمّا كانَ لا يَتَعَرَّفُ بِذَلِكَ يَجُوزُ أنْ يَتَعَرَّفَ بِالإضافَةِ، إلّا الصِّفَةَ المُشَبَّهَةَ فَلا تَتَعَرَّفُ بِإضافَةٍ. ذَكَرَ ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ في كِتابِهِ، وقَلَّ مَن يَعْرِفُهُ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (عَلّامِ) عَلى المُبالَغَةِ والخَفْضِ، وتَقَدَّمَتْ قِراءَةُ ﴿يَعْزُبُ﴾ في يُونُسَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرُ﴾ بِرَفْعِ الرّاءَيْنِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ﴿مِثْقالَ﴾ [النساء: ٤٠] وأنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، والخَبَرُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا في كِتابٍ﴾ . وعَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ يَكُونُ ﴿إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ تَوْكِيدًا لِما تَضَمَّنَ النَّفْيَ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَعْزُبُ﴾ وتَقْدِيرُهُ: لَكِنَّهُ في كِتابٍ مُبِينٍ، وهو كِنايَةٌ عَنْ ضَبْطِ الشَّيْءِ والتَّحَفُّظِ بِهِ، فَكَأنَّهُ في كِتابٍ، ولَيْسَ ثَمَّ كِتابٌ حَقِيقَةً. وعَلى التَّخْرِيجِ الأوَّلِ يَكُونُ الكِتابُ هو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ. وقَرَأ الأعْمَشُ وقَتادَةُ: بِفَتْحِ الرّاءَيْنِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَطْفًا عَلى (ذَرَّةٍ) . ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وعَزاها أيْضًا إلى نافِعٍ، ولا يَتَعَيَّنُ ما قالَ، بَلْ تَكُونُ ”لا“ لِنَفْيِ الجِنْسِ، وهو مُبْتَدَأٌ، أعْنِي مَجْمُوعَ ”لا“ وما بُنِيَ مَعَها عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، والخَبَرُ ﴿إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ وهو مِن عَطْفِ الجُمَلِ، لا مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ، كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَوابًا لِسُؤالِ مَن قالَ: هَلْ جازَ عَطْفُ ﴿ولا أصْغَرُ﴾ عَلى ﴿مِثْقالُ﴾ وعَطْفُ ﴿ولا أصْغَرُ﴾ عَلى (ذَرَّةٍ) ؟ قُلْتُ: يَأْبى ذَلِكَ حَرْفُ الِاسْتِثْناءِ، إلّا إذا جَعَلْتَ الضَّمِيرَ في ”عَنْهُ“ لِلْغَيْبِ، وجَعَلْتَ الغَيْبَ اسْمًا لِلْخَفِيّاتِ قَبْلَ أنْ تُكْتَبَ في اللَّوْحِ؛ لِأنَّ إثْباتَها في اللَّوْحِ نَوْعٌ مِنَ البُرُوزِ عَنِ الحِجابِ عَلى مَعْنى أنَّهُ لا يَنْفَصِلُ عَنِ الغَيْبِ شَيْءٌ ولا يَزُولُ عَنْهُ إلّا مَسْطُورًا في اللَّوْحِ، انْتَهى. ولا يُحْتاجُ إلى هَذا التَّأْوِيلِ إذا جَعَلْنا الكِتابَ المُبِينَ لَيْسَ اللَّوْحَ المَحْفُوظَ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ”﴿ولا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرُ﴾“ بِخَفْضِ الرّاءَيْنِ بِالكَسْرَةِ، كَأنَّهُ نَوى مُضافًا إلَيْهِ مَحْذُوفًا، التَّقْدِيرُ: ولا أصْغَرِهِ ولا أكْبَرِهِ، ومِن ذَلِكَ لَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِأفْعَلَ، بَلْ هو بِتَبْيِينٍ؛ لِأنَّهُ لَمّا حَذَفَ المُضافَ إلَيْهِ أبْهَمَ لَفْظًا فَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: (مِن ذَلِكَ) أيْ: عَنى مِن ذَلِكَ، وقَدْ جاءَتْ مِن مَعَ كَوْنِ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ مُضافًا في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎نَحْنُ بِغَرْسِ الوَدِيِّ أعْلَمُنا ∗∗∗ مِنّا بِرَكْضِ الجِيادِ في السَّدَفِ وخُرِّجَ عَلى أنَّهُ أرادَ عِلْمٌ بِنا، فَأضافَ ناوِيًا طَرْحَ المُضافِ إلَيْهِ، فاحْتَمَلَتْ قِراءَةُ زَيْدٍ هَذا التَّوْجِيهَ الآخَرَ: أنَّهُ لَمّا أضافَ أصْغَرَ وأكْبَرَ عَلى إعْرابِهِما حالَةَ الإضافَةِ، وهَذا كُلُّهُ تَوْجِيهُ شُذُوذٍ، وناسَبَ وصْفَهُ تَعالى بِعالِمِ الغَيْبِ، وأنَّهُ لا يَفُوتُ عِلْمُهُ شَيْءٌ مِنَ الخَفِيّاتِ، فانْدَرَجَ في ذَلِكَ وقْتُ قِيامِ السّاعَةِ، وصارَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى صِحَّةِ ما أقْسَمَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ مَن كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ الأشْياءِ كُلِّها وجُزْئِها، وكانَتْ قُدْرَتُهُ ثابِتَةً، كانَ قادِرًا عَلى إعادَةِ ما فَنِيَ مِن جَمِيعِ الأرْواحِ والأشْباحِ. قِيلَ: وقَوْلُهُ ﴿مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ﴾ إشارَةٌ إلى عِلْمِهِ بِالأرْواحِ ﴿ولا في الأرْضِ﴾ إشارَةٌ إلى عِلْمِهِ بِالأشْياءِ. وكَما أبْرَزَهُما مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ أوَّلًا، فَكَذَلِكَ يُعِيدُهُما ثانِيًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَكُونُ بِمَعْنى اليَمِينِ مُصَحِّحَةً لِما أنْكَرُوهُ ؟ قُلْتُ: هَذا لَوِ اقْتَصَرَ عَلى اليَمِينِ ولَمْ يُتْبِعْها بِالحُجَّةِ القاطِعَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ فَقَدْ وضَعَ اللَّهُ في العُقُولِ ورَكَّبَ في الغَرائِزِ وُجُوبَ الجَزاءِ، وأنَّ المُحْسِنَ لا بُدَّ لَهُ مِن ثَوابٍ، والمُسِيءُ لا بُدَّ لَهُ مِن عِقابٍ، انْتَهى. وفي السُّؤالِ بَعْضُ اخْتِصارٍ، وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَعْزُبُ﴾ وقِيلَ: بِقَوْلِهِ ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ وقِيلَ: بِالعامِلِ ﴿فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: إلّا مُسْتَقِرًّا في كِتابٍ مُبِينٍ لِيَجْزِيَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”مُعْجِزِينَ“ مُخَفَّفًا، وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والجَحْدَرِيُّ وأبُو السِّماكِ: مُثَقَّلًا وتَقَدَّمَ في الحَجِّ، أيْ: مُعَجِّزِينَ قُدْرَةَ اللَّهِ في زَعْمِهِمْ. وقالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: مَعْناهُ مُثَبِّطِينَ عَنِ الإيمانِ مَن أرادَهُ، مُدْخِلِينَ عَلَيْهِ العَجْزَ (p-٢٥٩)فِي نَشاطِهِ، وهَذا هو سَعْيُهم في الآياتِ أيْ: في شَأْنِ الآياتِ. وقالَ قَتادَةُ: مُسابِقِينَ يَحْسَبُونَ أنَّهم يَفُوتُونَنا. وقالَ عِكْرِمَةُ: مُراغِمِينَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مُجاهِدِينَ في إبْطالِها. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: (ألِيمٌ) هُنا، وفي الجاثِيَةِ، بِالرَّفْعِ صِفَةً لِلْعَذابِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالجَرِّ صِفَةً لِلرِّجْزِ، والرِّجْزُ: العَذابُ السَّيِّئُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ سَعَوْا﴾ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ، وهي (أُولَئِكَ) . وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ عَطْفًا عَلى (الَّذِينَ آمَنُوا) أيْ: ولِيَجْزِيَ الَّذِينَ سَعَوْا. واحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَتانِ المُصَدَّرَتانِ بِـ: أُولَئِكَ، هُما نَفْسَ الثَّوابِ والعِقابِ، واحْتَمَلَ أنْ تَكُونا مُسْتَأْنَفَتَيْنِ، والثَّوابُ والعِقابُ ما تَضَمَّنَتا مِمّا هو أعْظَمُ، كَرِضا اللَّهِ عَنِ المُؤْمِنِ دائِمًا، وسُخْطِهِ عَلى الفاسِقِ دائِمًا. قالَ العُتْبِيُّ: والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَرى﴾ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَمَّنْ أُوتِيَ العِلْمَ، يَعْلَمُونَ القُرْآنَ المُنَزَّلَ عَلَيْكَ هو الحَقُّ. وقِيلَ: ﴿ويَرى﴾ مَنصُوبٌ عَطْفًا عَلى ﴿لِيَجْزِيَ﴾، وقالَهُ الطَّبَرِيُّ والثَّعْلَبِيُّ، وتَقَدَّمَ الخِلافُ في ﴿الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ في ذَلِكَ المَكانِ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ السُّورَةُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: ولِيَعْلَمَ أُولُو العِلْمِ عِنْدَ مَجِيءِ السّاعَةِ أنَّهُ الحَقُّ عِلْمًا لا يُزادُ عَلَيْهِ في الِاتِّفاقِ، ويَحْتَجُّوا بِهِ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا وتَوَلَّوْا. ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ: ولِيَعْلَمَ مَن لَمْ يُؤْمِن مِنَ الأخْيارِ أنَّهُ هو الحَقُّ، فَيَزْدادَ حَسْرَةً وغَمًّا. انْتَهى. وإنَّما قالَ: عِنْدَ مَجِيءِ السّاعَةِ؛ لِأنَّهُ عَلَّقَ ﴿لِيَجْزِيَ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ فَبَنى التَّخْرِيجَ عَلى ذَلِكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (الحَقَّ) بِالنَّصْبِ، مَفْعُولًا ثانِيًا لِـ: ”يَرى“، وهو فَصْلٌ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِالرَّفْعِ جَعَلَ (هو) مُبْتَدَأً و(الحَقُّ) خَبَرَهُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِـ: ”يَرى“، وهو لُغَةُ تَمِيمٍ، يَجْعَلُونَ ما هو فَصْلٌ عِنْدَ غَيْرِهِمْ مُبْتَدَأً، قالَهُ أبُو عُمَرَ الجَرْمِيُّ. والظّاهِرُ أنَّ الفاعِلَ لِـ: ”يَهْدِي“ هو ضَمِيرُ ﴿الَّذِي أُنْزِلَ﴾، وهو القُرْآنُ، وهو اسْتِئْنافُ إخْبارٍ. وقِيلَ: هو في مَوْضِعِ الحالِ عَلى إضْمارِ: ”وهو يَهْدِي“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (الحَقَّ)، عُطِفَ الفِعْلُ عَلى الِاسْمِ كَقَوْلِهِ: ﴿صافّاتٍ ويَقْبِضْنَ﴾ [الملك: ١٩] أيْ: قابِضاتٍ، كَما عُطِفَ الِاسْمُ عَلى الفِعْلِ في قَوْلِهِ: ؎فَألْفَيْتُهُ يَوْمًا يُبِيدُ عَدُوَّهُ ∗∗∗ وبَحْرَ عَطاءٍ يَسْتَحِفُّ المَعابِرا عُطِفَ ”وبَحْرَ“ عَلى ”يُبِيرُ“، وقِيلَ: الفاعِلُ بِـ: (يَهْدِي) ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى اللَّهِ، وفِيهِ بُعْدٌ. ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هم قُرَيْشٌ، قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَلى جِهَةِ التَّعَجُّبِ والِاسْتِهْزاءِ كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِمَن يُرِيدُ أنْ يُعَجِّبَهُ: هَلْ أدُلُّكَ عَلى قِصَّةٍ غَرِيبَةٍ نادِرَةٍ ؟ لَمّا كانَ البَعْثُ عِنْدَهم مِنَ المُحالِ، جَعَلُوا مَن يُخْبِرُ عَنْ وُقُوعِهِ في حَيِّزِ مَن يُتَعَجَّبُ مِنهُ، وأتَوْا بِاسْمِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - نَكِرَةً في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ﴾ ؟ وكانَ اسْمُهُ أشْهَرَ عَلَمٍ في قُرَيْشٍ، بَلْ في الدُّنْيا، وإخْبارُهُ بِالبَعْثِ أشْهَرُ خَبَرٍ؛ لِأنَّهم أخْرَجُوا ذَلِكَ مَخْرَجَ الِاسْتِهْزاءِ والتَّحَلِّي بِبَعْضِ الأحاجِيِّ المَعْمُولَةِ لِلتَّلَهِّي والتَّعْمِيَةِ، فَلِذَلِكَ نَكَّرُوا اسْمَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ بِالهَمْزِ؛ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِإبْدالِ الهَمْزَةِ ياءً مَحْضَةً. وحَكى عَنْهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: ”يُنْبِئُكم“، بِالهَمْزَةِ مِن أنْبَأ، و”إذا“ جَوابُها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: تُبْعَثُونَ، وحُذِفَ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، وهو العامِلُ ”إذا“ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ. وقالَ الزَّجّاجُ ذَلِكَ، وقالَ أيْضًا هو والنَّحّاسُ: العامِلُ ﴿مُزِّقْتُمْ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو خَطَأٌ وإفْسادٌ لِلْمَعْنى. ولَيْسَ بِخَطَأٍ ولا إفْسادٍ لِلْمَعْنى، وإذا الشَّرْطِيَّةُ مُخْتَلَفٌ في العامِلِ فِيها، وقَدْ بَيَّنّا ما كَتَبْناهُ في (شَرْحِ التَّسْهِيلِ) أنَّ الصَّحِيحَ أنْ يَعْمَلَ فِيها فِعْلُ الشَّرْطِ، كَسائِرِ أدَواتِ الشَّرْطِ. والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مَعْمُولَةً لِـ: (يُنَبِّئُكم)؛ لِأنَّهُ في مَعْنى ”يَقُولُ لَكم“: ﴿إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ . ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ: ﴿إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ مَعْمُولًا لِـ: ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ و﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ، ولَوْلا اللّامُ في خَبَرِ إنَّ لَكانَتْ مَفْتُوحَةً، فالجُمْلَةُ سَدَّتْ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ. والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ اعْتِراضٌ، وقَدْ مَنَعَ قَوْمٌ التَّعْلِيقَ في بابِ: اعْلَمْ، والصَّحِيحُ جَوازُهُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎حَذارِ فَقَدْ نُبِّئْتَ أنَّكَ لَلَّذِي ∗∗∗ سَتُجْزى بِما تَسْعى فَتَسْعَدُ أوْ تَشْقى (p-٢٦٠)و(مُمَزَّقٍ) مَصْدَرٌ جاءَ عَلى زِنَةِ اسْمِ المَفْعُولِ، عَلى القِياسِ في اسْمِ المَصْدَرِ مِن كُلِّ فِعْلٍ زائِدٍ عَلى الثَّلاثَةِ، كَقَوْلِهِ: ؎ألَمْ تَعْلَمْ مُسَرَّحِيَ القَوافِي ∗∗∗ فَلا عِيًّا بِهِنَّ ولا اجْتِلابا أيْ: تَسْرِيحِي القَوافِيَ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ ظَرْفَ مَكانٍ، أيْ: إذا مُزِّقْتُمْ في مَكانٍ مِنَ القُبُورِ وبُطُونِ الطَّيْرِ والسِّباعِ، وما ذَهَبَتْ بِهِ السُّيُولُ كُلَّ مَذْهَبٍ، وما نَسَفَتْهُ الرِّياحُ فَطَرَحَتْهُ كُلَّ مَطْرَحٍ. انْتَهى. و(جَدِيدٍ) عِنْدَ البَصْرِيِّينَ بِمَعْنى فاعِلٍ، تَقُولُ: جَدَّ فَهو جادٌّ وجَدِيدٌ، وبِمَعْنى مَفْعُولٍ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ مِن جَدَّهُ إذا قَطَعَهُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (أفْتَرى) مِن قَوْلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ أيْ: هو مُفْتَرٍ ﴿عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ فِيما يُنْسَبُ إلَيْهِ مِن أمْرِ البَعْثِ ﴿أمْ بِهِ﴾ جُنُونٌ يُوهِمُهُ ذَلِكَ ويُلْقِيهِ عَلى لِسانِهِ. عادَلُوا بَيْنَ الِافْتِراءِ والجُنُونِ؛ لِأنَّ هَذا القَوْلَ عِنْدَهم إنَّما يَصْدُرُ عَنْ أحَدِ هَذَيْنِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ يَعْتَقِدُ خِلافَ ما أُتِيَ بِهِ فَهو مُفْتَرٍ، وإنْ كانَ لا يَعْتَقِدُهُ فَهو مَجْنُونٌ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ السّامِعِ المُجِيبِ لِمَن قالَ: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ﴾ رَدَّدَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ ولَمْ يَجْزِمْ بِأحَدِهِما، حَيْثُ جَوَّزَ هَذا وجَوَّزَ هَذا، ولَمْ يَجْزِمْ بِأنَّهُ افْتِراءٌ مَحْضٌ؛ احْتِرازًا مِن أنْ يَنْسُبَ الكَذِبَ لِعاقِلٍ نِسْبَةً قَطْعِيَّةً، إذِ العاقِلُ حَتّى الكافِرِ لا يَرْضى بِالكَذِبِ، لا مِن نَفْسِهِ ولا مِن غَيْرِهِ، وأضْرَبَ تَعالى عَنْ مَقالَتِهِمْ، والمَعْنى: لَيْسَ لِلرَّسُولِ كَما نَسَبْتُمُ البَتَّةَ، بَلْ أنْتُمْ في عَذابِ النّارِ، أوْ في عَذابِ الدُّنْيا بِما تُكابِدُونَهُ مِن إبْطالِ الشَّرْعِ وهو بِحَقٍّ، وإطْفاءِ نُورِ اللَّهِ وهو مُتِمٌّ. ولَمّا كانَ الكَلامُ في البَعْثِ قالَ: ﴿بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ فَرَتَّبَ العَذابَ عَلى إنْكارِ البَعْثِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في وصْفِ الضَّلالِ بِالبُعْدِ، وهو مِن أوْصافِ المَحالِّ، اسْتُعِيرَ لِلْمَعْنى، ومَعْنى بَعْدَهُ: أنَّهُ لا يَنْقَضِي خَبَرُهُ المُتَلَبَّسُ بِهِ. ﴿أفَلَمْ يَرَوْا﴾ أيْ: هَؤُلاءِ الكُفّارُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ﴿إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ: حَيْثُ ما تَصَرَّفُوا، فالسَّماءُ والأرْضُ قَدْ أحاطَتا بِهِمْ، ولا يَقْدِرُونَ أنْ يَنْفُذُوا مِن أقْطارِهِما، ولا يَخْرُجُوا عَنْ مَلَكُوتِ اللَّهِ فِيهِما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أُعْمُوا فَلَمْ يَنْظُرُوا، جَعَلَ بَيْنَ الفاءِ والهَمْزَةِ فِعْلًا يَصِحُّ العَطْفُ عَلَيْهِ، وهو خِلافُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ النَّحْوِيُّونَ مِن أنَّهُ لا مَحْذُوفَ بَيْنَهُما، وأنَّ الفاءَ لِلْعَطْفِ عَلى ما قَبْلَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، وأنَّ التَّقْدِيرَ ”فَألَمْ“، لَكِنَّ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ لَمّا كانَ لَها الصَّدْرُ قُدِّمَتْ، وقَدْ رَجَعَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى مَذْهَبِ النَّحْوِيِّينَ في ذَلِكَ، وقَدْ رَدَدْنا عَلَيْهِ هَذا المَذْهَبَ فِيما كَتَبْناهُ في (شَرْحِ التَّسْهِيلِ) . وقَّفَهم تَعالى عَلى قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ، وحَذَّرَهم إحاطَتَها بِهِمْ عَلى سَبِيلِ الإهْلاكِ لَهم، وكانَ ثَمَّ حالٌ مَحْذُوفَةٌ، أيْ: أفَلا يَرَوْنَ إلى ما يُحِيطُ بِهِمْ مِن سَماءٍ وأرْضٍ مَقْهُورٍ تَحْتَ قُدْرَتِنا نَتَصَرَّفُ فِيهِ كَما نُرِيدُ ؟ ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ﴾ كَما فَعَلْنا بِقارُونَ ﴿أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ كَما فَعَلْنا بِأصْحابِ الظُّلَّةِ، أوْ ﴿أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ مُحِيطًا بِهِمْ، وهم مَقْهُورُونَ تَحْتَ قُدْرَتِنا ؟ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ النَّظَرِ إلى السَّماءِ والأرْضِ، والفِكْرِ فِيهِما، وما يَدُلّانِ عَلَيْهِ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ (لَآيَةً) لَعَلامَةً ودَلالَةً ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ راجِعٍ إلى رَبِّهِ، مُطِيعٍ لَهُ. قالَ مُجاهِدٌ: مُخْبِتٍ. وقالَ الضَّحّاكُ: مُسْتَقِيمٍ. وقالَ أبُو رَوْقٍ: مُخْلِصٍ في التَّوْحِيدِ. وقالَ قَتادَةُ: مُقْبِلٍ إلى رَبِّهِ بِقَلْبِهِ؛ لِأنَّ المُنِيبَ لا يَخْلُو مِنَ النَّظَرِ في آياتِ اللَّهِ عَلى أنَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِنَ البَعْثِ ومِن عِقابِهِ مَن يَكْفُرُ بِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ ونُسْقِطْ“ بِالنُّونِ في الثَّلاثَةِ؛ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، وعِيسى، والأعْمَشُ، وابْنُ مُطَرِّفٍ: بِالياءِ فِيهِنَّ؛ وأدْغَمَ الكِسائِيُّ الفاءَ في الباءِ في ”نَخْسِفْ بِهِمْ“ . قالَ أبُو عَلِيٍّ: وذَلِكَ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ الباءَ أضْعَفُ في الصَّوْتِ مِنَ الفاءِ، فَلا تُدْغَمُ فِيها، وإنْ كانَتِ الباءُ تُدْغَمُ في الفاءِ، نَحْوُ: ضَرَبَ فُلانًا، وهَذا ما تُدْغَمُ الباءُ في المِيمِ، كَقَوْلِكَ: اضْرِبْ مالِكًا، ولا تُدْغَمُ المِيمُ في الباءِ، كَقَوْلِكَ: اضْمُمْ بِكَ؛ لِأنَّ الباءَ انْحَطَّتْ عَنِ المِيمِ بِفَقْدِ الغُنَّةِ الَّتِي في المِيمِ. (p-٢٦١)وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَرَأ الكِسائِيُّ نَخْسِفْ بِهِمْ بِالإدْغامِ، ولَيْسَتْ بِقَوِيَّةٍ. انْتَهى. والقِراءَةُ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ، ويُوجَدُ فِيها الفَصِيحُ والأفْصَحُ، وكُلُّ ذَلِكَ مِن تَيْسِيرِهِ تَعالى القُرْآنَ لِلذِّكْرِ، فَلا التِفاتَ لِقَوْلِ أبِي عَلِيٍّ ولا الزَّمَخْشَرِيِّ.

سبأ 34:2

(سُورَةُ سَبَأٍ خَمْسٌ وخَمْسُونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ) ﷽ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ولَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ وهو الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها وهو الرَّحِيمُ الغَفُورُ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ قُلْ بَلى ورَبِّي لَتَأْتِيَنَّكم عالِمُ الغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ ولا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرُ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ ألِيمٍ﴾ ﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ هو الحَقَّ ويَهْدِي إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ في العَذابِ والضَّلالِ البَعِيدِ﴾ ﴿أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ . (p-٢٥٧)هَذِهِ السُّورَةُ قالَ في التَّحْرِيرِ: مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ: ﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَدَنِيَّةٌ فِيمَن أسْلَمَ مِن أهْلِ الكِتابِ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأشْباهِهِ. انْتَهى. وسَبَبُ نُزُولِها أنَّ أبا سُفْيانَ قالَ لِكُفّارِ مَكَّةَ، لَمّا سَمِعُوا ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ﴾ [الأحزاب: ٧٣]: إنَّ مُحَمَّدًا يَتَوَعَّدُنا بِالعَذابِ بَعْدَ أنْ نَمُوتَ، ويُخَوِّفُنا بِالبَعْثِ، واللّاتِ والعُزّى لا تَأْتِينا السّاعَةُ أبَدًا، ولا نُبْعَثُ. فَقالَ اللَّهُ: (قُلْ) يا مُحَمَّدُ ﴿بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧] قالَهُ مُقاتِلٌ، وباقِي السُّورَةِ تَهْدِيدٌ لَهم وتَخْوِيفٌ. ومَن ذَكَرَ هَذا السَّبَبَ ظَهَرَتِ المُناسَبَةُ بَيْنَ هَذِهِ السُّورَةِ والَّتِي قَبْلَها. ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ مُسْتَغْرِقٌ لِجَمِيعِ المَحامِدِ. ﴿ولَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ﴾ ظاهِرُهُ الِاسْتِغْراقُ. ولَمّا كانَتْ نِعْمَةُ الآخِرَةِ مُخْبَرًا بِها، غَيْرَ مَرْئِيَّةٍ لَنا في الدُّنْيا، ذَكَرَها لِيُقاسَ نِعَمُها بِنِعَمِ الدُّنْيا، قِياسَ الغائِبِ عَلى الشّاهِدِ، وإنِ اخْتَلَفا في الفَضِيلَةِ والدَّيْمُومَةِ. وقِيلَ: ”ألْ“ لِلْعَهْدِ والإشارَةِ إلى قَوْلِهِ: ﴿وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [يونس: ١٠] أوْ إلى قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الفَرْقُ بَيْنَ الحَمْدَيْنِ وُجُوبُ الحَمْدِ في الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ عَلى نِعَمِهِ مُتَفَضِّلٌ بِها، وهو الطَّرِيقُ إلى تَحْصِيلِ نِعْمَةِ الآخِرَةِ، وهي الثَّوابُ. وحَمْدُ الآخِرَةِ لَيْسَ بِواجِبٍ؛ لِأنَّهُ عَلى نِعْمَةٍ واجِبَةِ الِاتِّصالُ إلى مُسْتَحِقِّها، إنَّما هو تَتِمَّةُ سُرُورِ المُؤْمِنِينَ وتَكْمِلَةُ اغْتِباطِهِمْ يَلْتَذُّونَ بِهِ. انْتَهى، وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ﴾ مِنَ المِياهِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مِنَ الأمْواتِ والدَّفائِنِ. ﴿وما يَخْرُجُ مِنها﴾ مِنَ النَّباتِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مِن جَواهِرِ المَعادِنِ. ﴿وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ﴾ مِنَ المَطَرِ والثَّلْجِ والبَرَدِ والصّاعِقَةِ والرِّزْقِ والمَلَكِ. ﴿وما يَعْرُجُ فِيها﴾ مِن أعْمالِ الخَلْقِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: وما يَنْزِلُ مِنَ المَلائِكَةِ. وقِيلَ: مِنَ الأقْضِيَةِ والأحْوالِ والأدْعِيَةِ والأعْمالِ. وقِيلَ: مِنَ الأنْعامِ والعَطاءِ. وقَرَأ عَلِيٌّ والسُّلَمِيُّ: ”وما يُنْزَلُ“ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ النُّونِ وشَدِّ الزّايِ أيِ: اللَّهُ تَعالى. و(بَلى) جَوابٌ لِلنَّفْيِ السّابِقِ مِن قَوْلِهِمْ ﴿لا تَأْتِينا السّاعَةُ﴾ أيْ: بَلى لَتَأْتِيَنَّكم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ بِتاءِ التَّأْنِيثِ، أيِ: السّاعَةُ الَّتِي أنْكَرْتُمْ مَجِيئُها. وقَرَأ طَلْقٌ عَنْ أشْياخِهِ بِياءِ الغَيْبَةِ، أيْ: لَيَأْتِيَنَّكُمُ البَعْثُ؛ لِأنَّهُ مَقْصُودُهم مِن نَفْيِ السّاعَةِ أنَّهم لا يُبْعَثُونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ عَلى مَعْنى السّاعَةِ أيِ: اليَوْمَ، أوْ عَلى إسْنادِهِ إلى اللَّهِ عَلى مَعْنى لَيَأْتِيَنَّكم أمْرُ عالِمِ الغَيْبِ كَقَوْلِهِ: ﴿أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] أيْ: أمْرُهُ. ويَبْعُدُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ السّاعَةِ؛ لِأنَّهُ مَذْهُوبٌ بِهِ مَذْهَبَ التَّذْكِيرِ، لا يَكُونُ إلّا في الشِّعْرِ نَحْوُ قَوْلِهِ: ؎ولا أرْضَ أبْقَلَ إبْقالَها ثُمَّ أكَّدَ الجَوابَ بِالقَسَمِ عَلى البَعْثِ، وأتْبَعَ القَسَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿عالِمِ الغَيْبِ﴾ وما بَعْدَهُ، لِيُعْلَمَ أنَّ إنْباتَها مِنَ الغَيْبِ الَّذِي تَفَرَّدَ بِهِ تَعالى. وجاءَ القَسَمُ بِقَوْلِهِ: (ورَبِّي) مُضافًا إلى الرَّسُولِ ﷺ، لِيَدُلَّ عَلى شِدَّةِ القَسَمِ، إذْ لَمْ يَأْتِ بِهِ في الِاسْمِ المُشْتَرَكِ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن أنْكَرَ السّاعَةَ، وهو لَفْظُ اللَّهِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، ورُوَيْسٌ، وسَلامٌ، والجَحْدَرِيُّ، وقَعْنَبٌ: ”عالِمُ“ بِالرَّفْعِ عَلى إضْمارِ هو، وجَوَّزَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً (p-٢٥٨)والخَبَرُ ﴿لا يَعْزُبُ﴾ . وقالَ الحَوْفِيُّ: أوْ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: عالِمُ الغَيْبِ هو. وباقِي السَّبْعَةِ: (عالِمِ) بِالجَرِّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ: وذَلِكَ عَلى البَدَلِ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ صِفَةً، ويَعْنِي أنَّ (عالِمَ الغَيْبِ) يَجُوزُ أنْ يَتَعَرَّفَ، وكَذا كُلُّ ما أُضِيفَ إلى مَعْرِفَةٍ مِمّا كانَ لا يَتَعَرَّفُ بِذَلِكَ يَجُوزُ أنْ يَتَعَرَّفَ بِالإضافَةِ، إلّا الصِّفَةَ المُشَبَّهَةَ فَلا تَتَعَرَّفُ بِإضافَةٍ. ذَكَرَ ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ في كِتابِهِ، وقَلَّ مَن يَعْرِفُهُ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (عَلّامِ) عَلى المُبالَغَةِ والخَفْضِ، وتَقَدَّمَتْ قِراءَةُ ﴿يَعْزُبُ﴾ في يُونُسَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرُ﴾ بِرَفْعِ الرّاءَيْنِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ﴿مِثْقالَ﴾ [النساء: ٤٠] وأنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، والخَبَرُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا في كِتابٍ﴾ . وعَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ يَكُونُ ﴿إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ تَوْكِيدًا لِما تَضَمَّنَ النَّفْيَ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَعْزُبُ﴾ وتَقْدِيرُهُ: لَكِنَّهُ في كِتابٍ مُبِينٍ، وهو كِنايَةٌ عَنْ ضَبْطِ الشَّيْءِ والتَّحَفُّظِ بِهِ، فَكَأنَّهُ في كِتابٍ، ولَيْسَ ثَمَّ كِتابٌ حَقِيقَةً. وعَلى التَّخْرِيجِ الأوَّلِ يَكُونُ الكِتابُ هو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ. وقَرَأ الأعْمَشُ وقَتادَةُ: بِفَتْحِ الرّاءَيْنِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَطْفًا عَلى (ذَرَّةٍ) . ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وعَزاها أيْضًا إلى نافِعٍ، ولا يَتَعَيَّنُ ما قالَ، بَلْ تَكُونُ ”لا“ لِنَفْيِ الجِنْسِ، وهو مُبْتَدَأٌ، أعْنِي مَجْمُوعَ ”لا“ وما بُنِيَ مَعَها عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، والخَبَرُ ﴿إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ وهو مِن عَطْفِ الجُمَلِ، لا مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ، كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَوابًا لِسُؤالِ مَن قالَ: هَلْ جازَ عَطْفُ ﴿ولا أصْغَرُ﴾ عَلى ﴿مِثْقالُ﴾ وعَطْفُ ﴿ولا أصْغَرُ﴾ عَلى (ذَرَّةٍ) ؟ قُلْتُ: يَأْبى ذَلِكَ حَرْفُ الِاسْتِثْناءِ، إلّا إذا جَعَلْتَ الضَّمِيرَ في ”عَنْهُ“ لِلْغَيْبِ، وجَعَلْتَ الغَيْبَ اسْمًا لِلْخَفِيّاتِ قَبْلَ أنْ تُكْتَبَ في اللَّوْحِ؛ لِأنَّ إثْباتَها في اللَّوْحِ نَوْعٌ مِنَ البُرُوزِ عَنِ الحِجابِ عَلى مَعْنى أنَّهُ لا يَنْفَصِلُ عَنِ الغَيْبِ شَيْءٌ ولا يَزُولُ عَنْهُ إلّا مَسْطُورًا في اللَّوْحِ، انْتَهى. ولا يُحْتاجُ إلى هَذا التَّأْوِيلِ إذا جَعَلْنا الكِتابَ المُبِينَ لَيْسَ اللَّوْحَ المَحْفُوظَ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ”﴿ولا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرُ﴾“ بِخَفْضِ الرّاءَيْنِ بِالكَسْرَةِ، كَأنَّهُ نَوى مُضافًا إلَيْهِ مَحْذُوفًا، التَّقْدِيرُ: ولا أصْغَرِهِ ولا أكْبَرِهِ، ومِن ذَلِكَ لَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِأفْعَلَ، بَلْ هو بِتَبْيِينٍ؛ لِأنَّهُ لَمّا حَذَفَ المُضافَ إلَيْهِ أبْهَمَ لَفْظًا فَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: (مِن ذَلِكَ) أيْ: عَنى مِن ذَلِكَ، وقَدْ جاءَتْ مِن مَعَ كَوْنِ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ مُضافًا في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎نَحْنُ بِغَرْسِ الوَدِيِّ أعْلَمُنا ∗∗∗ مِنّا بِرَكْضِ الجِيادِ في السَّدَفِ وخُرِّجَ عَلى أنَّهُ أرادَ عِلْمٌ بِنا، فَأضافَ ناوِيًا طَرْحَ المُضافِ إلَيْهِ، فاحْتَمَلَتْ قِراءَةُ زَيْدٍ هَذا التَّوْجِيهَ الآخَرَ: أنَّهُ لَمّا أضافَ أصْغَرَ وأكْبَرَ عَلى إعْرابِهِما حالَةَ الإضافَةِ، وهَذا كُلُّهُ تَوْجِيهُ شُذُوذٍ، وناسَبَ وصْفَهُ تَعالى بِعالِمِ الغَيْبِ، وأنَّهُ لا يَفُوتُ عِلْمُهُ شَيْءٌ مِنَ الخَفِيّاتِ، فانْدَرَجَ في ذَلِكَ وقْتُ قِيامِ السّاعَةِ، وصارَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى صِحَّةِ ما أقْسَمَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ مَن كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ الأشْياءِ كُلِّها وجُزْئِها، وكانَتْ قُدْرَتُهُ ثابِتَةً، كانَ قادِرًا عَلى إعادَةِ ما فَنِيَ مِن جَمِيعِ الأرْواحِ والأشْباحِ. قِيلَ: وقَوْلُهُ ﴿مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ﴾ إشارَةٌ إلى عِلْمِهِ بِالأرْواحِ ﴿ولا في الأرْضِ﴾ إشارَةٌ إلى عِلْمِهِ بِالأشْياءِ. وكَما أبْرَزَهُما مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ أوَّلًا، فَكَذَلِكَ يُعِيدُهُما ثانِيًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَكُونُ بِمَعْنى اليَمِينِ مُصَحِّحَةً لِما أنْكَرُوهُ ؟ قُلْتُ: هَذا لَوِ اقْتَصَرَ عَلى اليَمِينِ ولَمْ يُتْبِعْها بِالحُجَّةِ القاطِعَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ فَقَدْ وضَعَ اللَّهُ في العُقُولِ ورَكَّبَ في الغَرائِزِ وُجُوبَ الجَزاءِ، وأنَّ المُحْسِنَ لا بُدَّ لَهُ مِن ثَوابٍ، والمُسِيءُ لا بُدَّ لَهُ مِن عِقابٍ، انْتَهى. وفي السُّؤالِ بَعْضُ اخْتِصارٍ، وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَعْزُبُ﴾ وقِيلَ: بِقَوْلِهِ ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ وقِيلَ: بِالعامِلِ ﴿فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: إلّا مُسْتَقِرًّا في كِتابٍ مُبِينٍ لِيَجْزِيَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”مُعْجِزِينَ“ مُخَفَّفًا، وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والجَحْدَرِيُّ وأبُو السِّماكِ: مُثَقَّلًا وتَقَدَّمَ في الحَجِّ، أيْ: مُعَجِّزِينَ قُدْرَةَ اللَّهِ في زَعْمِهِمْ. وقالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: مَعْناهُ مُثَبِّطِينَ عَنِ الإيمانِ مَن أرادَهُ، مُدْخِلِينَ عَلَيْهِ العَجْزَ (p-٢٥٩)فِي نَشاطِهِ، وهَذا هو سَعْيُهم في الآياتِ أيْ: في شَأْنِ الآياتِ. وقالَ قَتادَةُ: مُسابِقِينَ يَحْسَبُونَ أنَّهم يَفُوتُونَنا. وقالَ عِكْرِمَةُ: مُراغِمِينَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مُجاهِدِينَ في إبْطالِها. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: (ألِيمٌ) هُنا، وفي الجاثِيَةِ، بِالرَّفْعِ صِفَةً لِلْعَذابِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالجَرِّ صِفَةً لِلرِّجْزِ، والرِّجْزُ: العَذابُ السَّيِّئُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ سَعَوْا﴾ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ، وهي (أُولَئِكَ) . وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ عَطْفًا عَلى (الَّذِينَ آمَنُوا) أيْ: ولِيَجْزِيَ الَّذِينَ سَعَوْا. واحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَتانِ المُصَدَّرَتانِ بِـ: أُولَئِكَ، هُما نَفْسَ الثَّوابِ والعِقابِ، واحْتَمَلَ أنْ تَكُونا مُسْتَأْنَفَتَيْنِ، والثَّوابُ والعِقابُ ما تَضَمَّنَتا مِمّا هو أعْظَمُ، كَرِضا اللَّهِ عَنِ المُؤْمِنِ دائِمًا، وسُخْطِهِ عَلى الفاسِقِ دائِمًا. قالَ العُتْبِيُّ: والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَرى﴾ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَمَّنْ أُوتِيَ العِلْمَ، يَعْلَمُونَ القُرْآنَ المُنَزَّلَ عَلَيْكَ هو الحَقُّ. وقِيلَ: ﴿ويَرى﴾ مَنصُوبٌ عَطْفًا عَلى ﴿لِيَجْزِيَ﴾، وقالَهُ الطَّبَرِيُّ والثَّعْلَبِيُّ، وتَقَدَّمَ الخِلافُ في ﴿الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ في ذَلِكَ المَكانِ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ السُّورَةُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: ولِيَعْلَمَ أُولُو العِلْمِ عِنْدَ مَجِيءِ السّاعَةِ أنَّهُ الحَقُّ عِلْمًا لا يُزادُ عَلَيْهِ في الِاتِّفاقِ، ويَحْتَجُّوا بِهِ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا وتَوَلَّوْا. ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ: ولِيَعْلَمَ مَن لَمْ يُؤْمِن مِنَ الأخْيارِ أنَّهُ هو الحَقُّ، فَيَزْدادَ حَسْرَةً وغَمًّا. انْتَهى. وإنَّما قالَ: عِنْدَ مَجِيءِ السّاعَةِ؛ لِأنَّهُ عَلَّقَ ﴿لِيَجْزِيَ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ فَبَنى التَّخْرِيجَ عَلى ذَلِكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (الحَقَّ) بِالنَّصْبِ، مَفْعُولًا ثانِيًا لِـ: ”يَرى“، وهو فَصْلٌ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِالرَّفْعِ جَعَلَ (هو) مُبْتَدَأً و(الحَقُّ) خَبَرَهُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِـ: ”يَرى“، وهو لُغَةُ تَمِيمٍ، يَجْعَلُونَ ما هو فَصْلٌ عِنْدَ غَيْرِهِمْ مُبْتَدَأً، قالَهُ أبُو عُمَرَ الجَرْمِيُّ. والظّاهِرُ أنَّ الفاعِلَ لِـ: ”يَهْدِي“ هو ضَمِيرُ ﴿الَّذِي أُنْزِلَ﴾، وهو القُرْآنُ، وهو اسْتِئْنافُ إخْبارٍ. وقِيلَ: هو في مَوْضِعِ الحالِ عَلى إضْمارِ: ”وهو يَهْدِي“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (الحَقَّ)، عُطِفَ الفِعْلُ عَلى الِاسْمِ كَقَوْلِهِ: ﴿صافّاتٍ ويَقْبِضْنَ﴾ [الملك: ١٩] أيْ: قابِضاتٍ، كَما عُطِفَ الِاسْمُ عَلى الفِعْلِ في قَوْلِهِ: ؎فَألْفَيْتُهُ يَوْمًا يُبِيدُ عَدُوَّهُ ∗∗∗ وبَحْرَ عَطاءٍ يَسْتَحِفُّ المَعابِرا عُطِفَ ”وبَحْرَ“ عَلى ”يُبِيرُ“، وقِيلَ: الفاعِلُ بِـ: (يَهْدِي) ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى اللَّهِ، وفِيهِ بُعْدٌ. ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هم قُرَيْشٌ، قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَلى جِهَةِ التَّعَجُّبِ والِاسْتِهْزاءِ كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِمَن يُرِيدُ أنْ يُعَجِّبَهُ: هَلْ أدُلُّكَ عَلى قِصَّةٍ غَرِيبَةٍ نادِرَةٍ ؟ لَمّا كانَ البَعْثُ عِنْدَهم مِنَ المُحالِ، جَعَلُوا مَن يُخْبِرُ عَنْ وُقُوعِهِ في حَيِّزِ مَن يُتَعَجَّبُ مِنهُ، وأتَوْا بِاسْمِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - نَكِرَةً في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ﴾ ؟ وكانَ اسْمُهُ أشْهَرَ عَلَمٍ في قُرَيْشٍ، بَلْ في الدُّنْيا، وإخْبارُهُ بِالبَعْثِ أشْهَرُ خَبَرٍ؛ لِأنَّهم أخْرَجُوا ذَلِكَ مَخْرَجَ الِاسْتِهْزاءِ والتَّحَلِّي بِبَعْضِ الأحاجِيِّ المَعْمُولَةِ لِلتَّلَهِّي والتَّعْمِيَةِ، فَلِذَلِكَ نَكَّرُوا اسْمَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ بِالهَمْزِ؛ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِإبْدالِ الهَمْزَةِ ياءً مَحْضَةً. وحَكى عَنْهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: ”يُنْبِئُكم“، بِالهَمْزَةِ مِن أنْبَأ، و”إذا“ جَوابُها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: تُبْعَثُونَ، وحُذِفَ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، وهو العامِلُ ”إذا“ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ. وقالَ الزَّجّاجُ ذَلِكَ، وقالَ أيْضًا هو والنَّحّاسُ: العامِلُ ﴿مُزِّقْتُمْ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو خَطَأٌ وإفْسادٌ لِلْمَعْنى. ولَيْسَ بِخَطَأٍ ولا إفْسادٍ لِلْمَعْنى، وإذا الشَّرْطِيَّةُ مُخْتَلَفٌ في العامِلِ فِيها، وقَدْ بَيَّنّا ما كَتَبْناهُ في (شَرْحِ التَّسْهِيلِ) أنَّ الصَّحِيحَ أنْ يَعْمَلَ فِيها فِعْلُ الشَّرْطِ، كَسائِرِ أدَواتِ الشَّرْطِ. والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مَعْمُولَةً لِـ: (يُنَبِّئُكم)؛ لِأنَّهُ في مَعْنى ”يَقُولُ لَكم“: ﴿إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ . ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ: ﴿إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ مَعْمُولًا لِـ: ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ و﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ، ولَوْلا اللّامُ في خَبَرِ إنَّ لَكانَتْ مَفْتُوحَةً، فالجُمْلَةُ سَدَّتْ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ. والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ اعْتِراضٌ، وقَدْ مَنَعَ قَوْمٌ التَّعْلِيقَ في بابِ: اعْلَمْ، والصَّحِيحُ جَوازُهُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎حَذارِ فَقَدْ نُبِّئْتَ أنَّكَ لَلَّذِي ∗∗∗ سَتُجْزى بِما تَسْعى فَتَسْعَدُ أوْ تَشْقى (p-٢٦٠)و(مُمَزَّقٍ) مَصْدَرٌ جاءَ عَلى زِنَةِ اسْمِ المَفْعُولِ، عَلى القِياسِ في اسْمِ المَصْدَرِ مِن كُلِّ فِعْلٍ زائِدٍ عَلى الثَّلاثَةِ، كَقَوْلِهِ: ؎ألَمْ تَعْلَمْ مُسَرَّحِيَ القَوافِي ∗∗∗ فَلا عِيًّا بِهِنَّ ولا اجْتِلابا أيْ: تَسْرِيحِي القَوافِيَ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ ظَرْفَ مَكانٍ، أيْ: إذا مُزِّقْتُمْ في مَكانٍ مِنَ القُبُورِ وبُطُونِ الطَّيْرِ والسِّباعِ، وما ذَهَبَتْ بِهِ السُّيُولُ كُلَّ مَذْهَبٍ، وما نَسَفَتْهُ الرِّياحُ فَطَرَحَتْهُ كُلَّ مَطْرَحٍ. انْتَهى. و(جَدِيدٍ) عِنْدَ البَصْرِيِّينَ بِمَعْنى فاعِلٍ، تَقُولُ: جَدَّ فَهو جادٌّ وجَدِيدٌ، وبِمَعْنى مَفْعُولٍ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ مِن جَدَّهُ إذا قَطَعَهُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (أفْتَرى) مِن قَوْلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ أيْ: هو مُفْتَرٍ ﴿عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ فِيما يُنْسَبُ إلَيْهِ مِن أمْرِ البَعْثِ ﴿أمْ بِهِ﴾ جُنُونٌ يُوهِمُهُ ذَلِكَ ويُلْقِيهِ عَلى لِسانِهِ. عادَلُوا بَيْنَ الِافْتِراءِ والجُنُونِ؛ لِأنَّ هَذا القَوْلَ عِنْدَهم إنَّما يَصْدُرُ عَنْ أحَدِ هَذَيْنِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ يَعْتَقِدُ خِلافَ ما أُتِيَ بِهِ فَهو مُفْتَرٍ، وإنْ كانَ لا يَعْتَقِدُهُ فَهو مَجْنُونٌ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ السّامِعِ المُجِيبِ لِمَن قالَ: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ﴾ رَدَّدَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ ولَمْ يَجْزِمْ بِأحَدِهِما، حَيْثُ جَوَّزَ هَذا وجَوَّزَ هَذا، ولَمْ يَجْزِمْ بِأنَّهُ افْتِراءٌ مَحْضٌ؛ احْتِرازًا مِن أنْ يَنْسُبَ الكَذِبَ لِعاقِلٍ نِسْبَةً قَطْعِيَّةً، إذِ العاقِلُ حَتّى الكافِرِ لا يَرْضى بِالكَذِبِ، لا مِن نَفْسِهِ ولا مِن غَيْرِهِ، وأضْرَبَ تَعالى عَنْ مَقالَتِهِمْ، والمَعْنى: لَيْسَ لِلرَّسُولِ كَما نَسَبْتُمُ البَتَّةَ، بَلْ أنْتُمْ في عَذابِ النّارِ، أوْ في عَذابِ الدُّنْيا بِما تُكابِدُونَهُ مِن إبْطالِ الشَّرْعِ وهو بِحَقٍّ، وإطْفاءِ نُورِ اللَّهِ وهو مُتِمٌّ. ولَمّا كانَ الكَلامُ في البَعْثِ قالَ: ﴿بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ فَرَتَّبَ العَذابَ عَلى إنْكارِ البَعْثِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في وصْفِ الضَّلالِ بِالبُعْدِ، وهو مِن أوْصافِ المَحالِّ، اسْتُعِيرَ لِلْمَعْنى، ومَعْنى بَعْدَهُ: أنَّهُ لا يَنْقَضِي خَبَرُهُ المُتَلَبَّسُ بِهِ. ﴿أفَلَمْ يَرَوْا﴾ أيْ: هَؤُلاءِ الكُفّارُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ﴿إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ: حَيْثُ ما تَصَرَّفُوا، فالسَّماءُ والأرْضُ قَدْ أحاطَتا بِهِمْ، ولا يَقْدِرُونَ أنْ يَنْفُذُوا مِن أقْطارِهِما، ولا يَخْرُجُوا عَنْ مَلَكُوتِ اللَّهِ فِيهِما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أُعْمُوا فَلَمْ يَنْظُرُوا، جَعَلَ بَيْنَ الفاءِ والهَمْزَةِ فِعْلًا يَصِحُّ العَطْفُ عَلَيْهِ، وهو خِلافُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ النَّحْوِيُّونَ مِن أنَّهُ لا مَحْذُوفَ بَيْنَهُما، وأنَّ الفاءَ لِلْعَطْفِ عَلى ما قَبْلَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، وأنَّ التَّقْدِيرَ ”فَألَمْ“، لَكِنَّ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ لَمّا كانَ لَها الصَّدْرُ قُدِّمَتْ، وقَدْ رَجَعَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى مَذْهَبِ النَّحْوِيِّينَ في ذَلِكَ، وقَدْ رَدَدْنا عَلَيْهِ هَذا المَذْهَبَ فِيما كَتَبْناهُ في (شَرْحِ التَّسْهِيلِ) . وقَّفَهم تَعالى عَلى قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ، وحَذَّرَهم إحاطَتَها بِهِمْ عَلى سَبِيلِ الإهْلاكِ لَهم، وكانَ ثَمَّ حالٌ مَحْذُوفَةٌ، أيْ: أفَلا يَرَوْنَ إلى ما يُحِيطُ بِهِمْ مِن سَماءٍ وأرْضٍ مَقْهُورٍ تَحْتَ قُدْرَتِنا نَتَصَرَّفُ فِيهِ كَما نُرِيدُ ؟ ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ﴾ كَما فَعَلْنا بِقارُونَ ﴿أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ كَما فَعَلْنا بِأصْحابِ الظُّلَّةِ، أوْ ﴿أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ مُحِيطًا بِهِمْ، وهم مَقْهُورُونَ تَحْتَ قُدْرَتِنا ؟ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ النَّظَرِ إلى السَّماءِ والأرْضِ، والفِكْرِ فِيهِما، وما يَدُلّانِ عَلَيْهِ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ (لَآيَةً) لَعَلامَةً ودَلالَةً ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ راجِعٍ إلى رَبِّهِ، مُطِيعٍ لَهُ. قالَ مُجاهِدٌ: مُخْبِتٍ. وقالَ الضَّحّاكُ: مُسْتَقِيمٍ. وقالَ أبُو رَوْقٍ: مُخْلِصٍ في التَّوْحِيدِ. وقالَ قَتادَةُ: مُقْبِلٍ إلى رَبِّهِ بِقَلْبِهِ؛ لِأنَّ المُنِيبَ لا يَخْلُو مِنَ النَّظَرِ في آياتِ اللَّهِ عَلى أنَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِنَ البَعْثِ ومِن عِقابِهِ مَن يَكْفُرُ بِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ ونُسْقِطْ“ بِالنُّونِ في الثَّلاثَةِ؛ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، وعِيسى، والأعْمَشُ، وابْنُ مُطَرِّفٍ: بِالياءِ فِيهِنَّ؛ وأدْغَمَ الكِسائِيُّ الفاءَ في الباءِ في ”نَخْسِفْ بِهِمْ“ . قالَ أبُو عَلِيٍّ: وذَلِكَ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ الباءَ أضْعَفُ في الصَّوْتِ مِنَ الفاءِ، فَلا تُدْغَمُ فِيها، وإنْ كانَتِ الباءُ تُدْغَمُ في الفاءِ، نَحْوُ: ضَرَبَ فُلانًا، وهَذا ما تُدْغَمُ الباءُ في المِيمِ، كَقَوْلِكَ: اضْرِبْ مالِكًا، ولا تُدْغَمُ المِيمُ في الباءِ، كَقَوْلِكَ: اضْمُمْ بِكَ؛ لِأنَّ الباءَ انْحَطَّتْ عَنِ المِيمِ بِفَقْدِ الغُنَّةِ الَّتِي في المِيمِ. (p-٢٦١)وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَرَأ الكِسائِيُّ نَخْسِفْ بِهِمْ بِالإدْغامِ، ولَيْسَتْ بِقَوِيَّةٍ. انْتَهى. والقِراءَةُ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ، ويُوجَدُ فِيها الفَصِيحُ والأفْصَحُ، وكُلُّ ذَلِكَ مِن تَيْسِيرِهِ تَعالى القُرْآنَ لِلذِّكْرِ، فَلا التِفاتَ لِقَوْلِ أبِي عَلِيٍّ ولا الزَّمَخْشَرِيِّ.

سبأ 34:3

(سُورَةُ سَبَأٍ خَمْسٌ وخَمْسُونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ) ﷽ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ولَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ وهو الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها وهو الرَّحِيمُ الغَفُورُ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ قُلْ بَلى ورَبِّي لَتَأْتِيَنَّكم عالِمُ الغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ ولا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرُ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ ألِيمٍ﴾ ﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ هو الحَقَّ ويَهْدِي إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ في العَذابِ والضَّلالِ البَعِيدِ﴾ ﴿أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ . (p-٢٥٧)هَذِهِ السُّورَةُ قالَ في التَّحْرِيرِ: مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ: ﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَدَنِيَّةٌ فِيمَن أسْلَمَ مِن أهْلِ الكِتابِ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأشْباهِهِ. انْتَهى. وسَبَبُ نُزُولِها أنَّ أبا سُفْيانَ قالَ لِكُفّارِ مَكَّةَ، لَمّا سَمِعُوا ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ﴾ [الأحزاب: ٧٣]: إنَّ مُحَمَّدًا يَتَوَعَّدُنا بِالعَذابِ بَعْدَ أنْ نَمُوتَ، ويُخَوِّفُنا بِالبَعْثِ، واللّاتِ والعُزّى لا تَأْتِينا السّاعَةُ أبَدًا، ولا نُبْعَثُ. فَقالَ اللَّهُ: (قُلْ) يا مُحَمَّدُ ﴿بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧] قالَهُ مُقاتِلٌ، وباقِي السُّورَةِ تَهْدِيدٌ لَهم وتَخْوِيفٌ. ومَن ذَكَرَ هَذا السَّبَبَ ظَهَرَتِ المُناسَبَةُ بَيْنَ هَذِهِ السُّورَةِ والَّتِي قَبْلَها. ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ مُسْتَغْرِقٌ لِجَمِيعِ المَحامِدِ. ﴿ولَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ﴾ ظاهِرُهُ الِاسْتِغْراقُ. ولَمّا كانَتْ نِعْمَةُ الآخِرَةِ مُخْبَرًا بِها، غَيْرَ مَرْئِيَّةٍ لَنا في الدُّنْيا، ذَكَرَها لِيُقاسَ نِعَمُها بِنِعَمِ الدُّنْيا، قِياسَ الغائِبِ عَلى الشّاهِدِ، وإنِ اخْتَلَفا في الفَضِيلَةِ والدَّيْمُومَةِ. وقِيلَ: ”ألْ“ لِلْعَهْدِ والإشارَةِ إلى قَوْلِهِ: ﴿وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [يونس: ١٠] أوْ إلى قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الفَرْقُ بَيْنَ الحَمْدَيْنِ وُجُوبُ الحَمْدِ في الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ عَلى نِعَمِهِ مُتَفَضِّلٌ بِها، وهو الطَّرِيقُ إلى تَحْصِيلِ نِعْمَةِ الآخِرَةِ، وهي الثَّوابُ. وحَمْدُ الآخِرَةِ لَيْسَ بِواجِبٍ؛ لِأنَّهُ عَلى نِعْمَةٍ واجِبَةِ الِاتِّصالُ إلى مُسْتَحِقِّها، إنَّما هو تَتِمَّةُ سُرُورِ المُؤْمِنِينَ وتَكْمِلَةُ اغْتِباطِهِمْ يَلْتَذُّونَ بِهِ. انْتَهى، وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ﴾ مِنَ المِياهِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مِنَ الأمْواتِ والدَّفائِنِ. ﴿وما يَخْرُجُ مِنها﴾ مِنَ النَّباتِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مِن جَواهِرِ المَعادِنِ. ﴿وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ﴾ مِنَ المَطَرِ والثَّلْجِ والبَرَدِ والصّاعِقَةِ والرِّزْقِ والمَلَكِ. ﴿وما يَعْرُجُ فِيها﴾ مِن أعْمالِ الخَلْقِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: وما يَنْزِلُ مِنَ المَلائِكَةِ. وقِيلَ: مِنَ الأقْضِيَةِ والأحْوالِ والأدْعِيَةِ والأعْمالِ. وقِيلَ: مِنَ الأنْعامِ والعَطاءِ. وقَرَأ عَلِيٌّ والسُّلَمِيُّ: ”وما يُنْزَلُ“ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ النُّونِ وشَدِّ الزّايِ أيِ: اللَّهُ تَعالى. و(بَلى) جَوابٌ لِلنَّفْيِ السّابِقِ مِن قَوْلِهِمْ ﴿لا تَأْتِينا السّاعَةُ﴾ أيْ: بَلى لَتَأْتِيَنَّكم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ بِتاءِ التَّأْنِيثِ، أيِ: السّاعَةُ الَّتِي أنْكَرْتُمْ مَجِيئُها. وقَرَأ طَلْقٌ عَنْ أشْياخِهِ بِياءِ الغَيْبَةِ، أيْ: لَيَأْتِيَنَّكُمُ البَعْثُ؛ لِأنَّهُ مَقْصُودُهم مِن نَفْيِ السّاعَةِ أنَّهم لا يُبْعَثُونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ عَلى مَعْنى السّاعَةِ أيِ: اليَوْمَ، أوْ عَلى إسْنادِهِ إلى اللَّهِ عَلى مَعْنى لَيَأْتِيَنَّكم أمْرُ عالِمِ الغَيْبِ كَقَوْلِهِ: ﴿أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] أيْ: أمْرُهُ. ويَبْعُدُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ السّاعَةِ؛ لِأنَّهُ مَذْهُوبٌ بِهِ مَذْهَبَ التَّذْكِيرِ، لا يَكُونُ إلّا في الشِّعْرِ نَحْوُ قَوْلِهِ: ؎ولا أرْضَ أبْقَلَ إبْقالَها ثُمَّ أكَّدَ الجَوابَ بِالقَسَمِ عَلى البَعْثِ، وأتْبَعَ القَسَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿عالِمِ الغَيْبِ﴾ وما بَعْدَهُ، لِيُعْلَمَ أنَّ إنْباتَها مِنَ الغَيْبِ الَّذِي تَفَرَّدَ بِهِ تَعالى. وجاءَ القَسَمُ بِقَوْلِهِ: (ورَبِّي) مُضافًا إلى الرَّسُولِ ﷺ، لِيَدُلَّ عَلى شِدَّةِ القَسَمِ، إذْ لَمْ يَأْتِ بِهِ في الِاسْمِ المُشْتَرَكِ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن أنْكَرَ السّاعَةَ، وهو لَفْظُ اللَّهِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، ورُوَيْسٌ، وسَلامٌ، والجَحْدَرِيُّ، وقَعْنَبٌ: ”عالِمُ“ بِالرَّفْعِ عَلى إضْمارِ هو، وجَوَّزَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً (p-٢٥٨)والخَبَرُ ﴿لا يَعْزُبُ﴾ . وقالَ الحَوْفِيُّ: أوْ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: عالِمُ الغَيْبِ هو. وباقِي السَّبْعَةِ: (عالِمِ) بِالجَرِّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ: وذَلِكَ عَلى البَدَلِ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ صِفَةً، ويَعْنِي أنَّ (عالِمَ الغَيْبِ) يَجُوزُ أنْ يَتَعَرَّفَ، وكَذا كُلُّ ما أُضِيفَ إلى مَعْرِفَةٍ مِمّا كانَ لا يَتَعَرَّفُ بِذَلِكَ يَجُوزُ أنْ يَتَعَرَّفَ بِالإضافَةِ، إلّا الصِّفَةَ المُشَبَّهَةَ فَلا تَتَعَرَّفُ بِإضافَةٍ. ذَكَرَ ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ في كِتابِهِ، وقَلَّ مَن يَعْرِفُهُ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (عَلّامِ) عَلى المُبالَغَةِ والخَفْضِ، وتَقَدَّمَتْ قِراءَةُ ﴿يَعْزُبُ﴾ في يُونُسَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرُ﴾ بِرَفْعِ الرّاءَيْنِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ﴿مِثْقالَ﴾ [النساء: ٤٠] وأنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، والخَبَرُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا في كِتابٍ﴾ . وعَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ يَكُونُ ﴿إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ تَوْكِيدًا لِما تَضَمَّنَ النَّفْيَ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَعْزُبُ﴾ وتَقْدِيرُهُ: لَكِنَّهُ في كِتابٍ مُبِينٍ، وهو كِنايَةٌ عَنْ ضَبْطِ الشَّيْءِ والتَّحَفُّظِ بِهِ، فَكَأنَّهُ في كِتابٍ، ولَيْسَ ثَمَّ كِتابٌ حَقِيقَةً. وعَلى التَّخْرِيجِ الأوَّلِ يَكُونُ الكِتابُ هو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ. وقَرَأ الأعْمَشُ وقَتادَةُ: بِفَتْحِ الرّاءَيْنِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَطْفًا عَلى (ذَرَّةٍ) . ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وعَزاها أيْضًا إلى نافِعٍ، ولا يَتَعَيَّنُ ما قالَ، بَلْ تَكُونُ ”لا“ لِنَفْيِ الجِنْسِ، وهو مُبْتَدَأٌ، أعْنِي مَجْمُوعَ ”لا“ وما بُنِيَ مَعَها عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، والخَبَرُ ﴿إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ وهو مِن عَطْفِ الجُمَلِ، لا مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ، كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَوابًا لِسُؤالِ مَن قالَ: هَلْ جازَ عَطْفُ ﴿ولا أصْغَرُ﴾ عَلى ﴿مِثْقالُ﴾ وعَطْفُ ﴿ولا أصْغَرُ﴾ عَلى (ذَرَّةٍ) ؟ قُلْتُ: يَأْبى ذَلِكَ حَرْفُ الِاسْتِثْناءِ، إلّا إذا جَعَلْتَ الضَّمِيرَ في ”عَنْهُ“ لِلْغَيْبِ، وجَعَلْتَ الغَيْبَ اسْمًا لِلْخَفِيّاتِ قَبْلَ أنْ تُكْتَبَ في اللَّوْحِ؛ لِأنَّ إثْباتَها في اللَّوْحِ نَوْعٌ مِنَ البُرُوزِ عَنِ الحِجابِ عَلى مَعْنى أنَّهُ لا يَنْفَصِلُ عَنِ الغَيْبِ شَيْءٌ ولا يَزُولُ عَنْهُ إلّا مَسْطُورًا في اللَّوْحِ، انْتَهى. ولا يُحْتاجُ إلى هَذا التَّأْوِيلِ إذا جَعَلْنا الكِتابَ المُبِينَ لَيْسَ اللَّوْحَ المَحْفُوظَ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ”﴿ولا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرُ﴾“ بِخَفْضِ الرّاءَيْنِ بِالكَسْرَةِ، كَأنَّهُ نَوى مُضافًا إلَيْهِ مَحْذُوفًا، التَّقْدِيرُ: ولا أصْغَرِهِ ولا أكْبَرِهِ، ومِن ذَلِكَ لَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِأفْعَلَ، بَلْ هو بِتَبْيِينٍ؛ لِأنَّهُ لَمّا حَذَفَ المُضافَ إلَيْهِ أبْهَمَ لَفْظًا فَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: (مِن ذَلِكَ) أيْ: عَنى مِن ذَلِكَ، وقَدْ جاءَتْ مِن مَعَ كَوْنِ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ مُضافًا في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎نَحْنُ بِغَرْسِ الوَدِيِّ أعْلَمُنا ∗∗∗ مِنّا بِرَكْضِ الجِيادِ في السَّدَفِ وخُرِّجَ عَلى أنَّهُ أرادَ عِلْمٌ بِنا، فَأضافَ ناوِيًا طَرْحَ المُضافِ إلَيْهِ، فاحْتَمَلَتْ قِراءَةُ زَيْدٍ هَذا التَّوْجِيهَ الآخَرَ: أنَّهُ لَمّا أضافَ أصْغَرَ وأكْبَرَ عَلى إعْرابِهِما حالَةَ الإضافَةِ، وهَذا كُلُّهُ تَوْجِيهُ شُذُوذٍ، وناسَبَ وصْفَهُ تَعالى بِعالِمِ الغَيْبِ، وأنَّهُ لا يَفُوتُ عِلْمُهُ شَيْءٌ مِنَ الخَفِيّاتِ، فانْدَرَجَ في ذَلِكَ وقْتُ قِيامِ السّاعَةِ، وصارَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى صِحَّةِ ما أقْسَمَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ مَن كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ الأشْياءِ كُلِّها وجُزْئِها، وكانَتْ قُدْرَتُهُ ثابِتَةً، كانَ قادِرًا عَلى إعادَةِ ما فَنِيَ مِن جَمِيعِ الأرْواحِ والأشْباحِ. قِيلَ: وقَوْلُهُ ﴿مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ﴾ إشارَةٌ إلى عِلْمِهِ بِالأرْواحِ ﴿ولا في الأرْضِ﴾ إشارَةٌ إلى عِلْمِهِ بِالأشْياءِ. وكَما أبْرَزَهُما مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ أوَّلًا، فَكَذَلِكَ يُعِيدُهُما ثانِيًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَكُونُ بِمَعْنى اليَمِينِ مُصَحِّحَةً لِما أنْكَرُوهُ ؟ قُلْتُ: هَذا لَوِ اقْتَصَرَ عَلى اليَمِينِ ولَمْ يُتْبِعْها بِالحُجَّةِ القاطِعَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ فَقَدْ وضَعَ اللَّهُ في العُقُولِ ورَكَّبَ في الغَرائِزِ وُجُوبَ الجَزاءِ، وأنَّ المُحْسِنَ لا بُدَّ لَهُ مِن ثَوابٍ، والمُسِيءُ لا بُدَّ لَهُ مِن عِقابٍ، انْتَهى. وفي السُّؤالِ بَعْضُ اخْتِصارٍ، وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَعْزُبُ﴾ وقِيلَ: بِقَوْلِهِ ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ وقِيلَ: بِالعامِلِ ﴿فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: إلّا مُسْتَقِرًّا في كِتابٍ مُبِينٍ لِيَجْزِيَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”مُعْجِزِينَ“ مُخَفَّفًا، وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والجَحْدَرِيُّ وأبُو السِّماكِ: مُثَقَّلًا وتَقَدَّمَ في الحَجِّ، أيْ: مُعَجِّزِينَ قُدْرَةَ اللَّهِ في زَعْمِهِمْ. وقالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: مَعْناهُ مُثَبِّطِينَ عَنِ الإيمانِ مَن أرادَهُ، مُدْخِلِينَ عَلَيْهِ العَجْزَ (p-٢٥٩)فِي نَشاطِهِ، وهَذا هو سَعْيُهم في الآياتِ أيْ: في شَأْنِ الآياتِ. وقالَ قَتادَةُ: مُسابِقِينَ يَحْسَبُونَ أنَّهم يَفُوتُونَنا. وقالَ عِكْرِمَةُ: مُراغِمِينَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مُجاهِدِينَ في إبْطالِها. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: (ألِيمٌ) هُنا، وفي الجاثِيَةِ، بِالرَّفْعِ صِفَةً لِلْعَذابِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالجَرِّ صِفَةً لِلرِّجْزِ، والرِّجْزُ: العَذابُ السَّيِّئُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ سَعَوْا﴾ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ، وهي (أُولَئِكَ) . وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ عَطْفًا عَلى (الَّذِينَ آمَنُوا) أيْ: ولِيَجْزِيَ الَّذِينَ سَعَوْا. واحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَتانِ المُصَدَّرَتانِ بِـ: أُولَئِكَ، هُما نَفْسَ الثَّوابِ والعِقابِ، واحْتَمَلَ أنْ تَكُونا مُسْتَأْنَفَتَيْنِ، والثَّوابُ والعِقابُ ما تَضَمَّنَتا مِمّا هو أعْظَمُ، كَرِضا اللَّهِ عَنِ المُؤْمِنِ دائِمًا، وسُخْطِهِ عَلى الفاسِقِ دائِمًا. قالَ العُتْبِيُّ: والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَرى﴾ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَمَّنْ أُوتِيَ العِلْمَ، يَعْلَمُونَ القُرْآنَ المُنَزَّلَ عَلَيْكَ هو الحَقُّ. وقِيلَ: ﴿ويَرى﴾ مَنصُوبٌ عَطْفًا عَلى ﴿لِيَجْزِيَ﴾، وقالَهُ الطَّبَرِيُّ والثَّعْلَبِيُّ، وتَقَدَّمَ الخِلافُ في ﴿الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ في ذَلِكَ المَكانِ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ السُّورَةُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: ولِيَعْلَمَ أُولُو العِلْمِ عِنْدَ مَجِيءِ السّاعَةِ أنَّهُ الحَقُّ عِلْمًا لا يُزادُ عَلَيْهِ في الِاتِّفاقِ، ويَحْتَجُّوا بِهِ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا وتَوَلَّوْا. ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ: ولِيَعْلَمَ مَن لَمْ يُؤْمِن مِنَ الأخْيارِ أنَّهُ هو الحَقُّ، فَيَزْدادَ حَسْرَةً وغَمًّا. انْتَهى. وإنَّما قالَ: عِنْدَ مَجِيءِ السّاعَةِ؛ لِأنَّهُ عَلَّقَ ﴿لِيَجْزِيَ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ فَبَنى التَّخْرِيجَ عَلى ذَلِكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (الحَقَّ) بِالنَّصْبِ، مَفْعُولًا ثانِيًا لِـ: ”يَرى“، وهو فَصْلٌ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِالرَّفْعِ جَعَلَ (هو) مُبْتَدَأً و(الحَقُّ) خَبَرَهُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِـ: ”يَرى“، وهو لُغَةُ تَمِيمٍ، يَجْعَلُونَ ما هو فَصْلٌ عِنْدَ غَيْرِهِمْ مُبْتَدَأً، قالَهُ أبُو عُمَرَ الجَرْمِيُّ. والظّاهِرُ أنَّ الفاعِلَ لِـ: ”يَهْدِي“ هو ضَمِيرُ ﴿الَّذِي أُنْزِلَ﴾، وهو القُرْآنُ، وهو اسْتِئْنافُ إخْبارٍ. وقِيلَ: هو في مَوْضِعِ الحالِ عَلى إضْمارِ: ”وهو يَهْدِي“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (الحَقَّ)، عُطِفَ الفِعْلُ عَلى الِاسْمِ كَقَوْلِهِ: ﴿صافّاتٍ ويَقْبِضْنَ﴾ [الملك: ١٩] أيْ: قابِضاتٍ، كَما عُطِفَ الِاسْمُ عَلى الفِعْلِ في قَوْلِهِ: ؎فَألْفَيْتُهُ يَوْمًا يُبِيدُ عَدُوَّهُ ∗∗∗ وبَحْرَ عَطاءٍ يَسْتَحِفُّ المَعابِرا عُطِفَ ”وبَحْرَ“ عَلى ”يُبِيرُ“، وقِيلَ: الفاعِلُ بِـ: (يَهْدِي) ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى اللَّهِ، وفِيهِ بُعْدٌ. ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هم قُرَيْشٌ، قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَلى جِهَةِ التَّعَجُّبِ والِاسْتِهْزاءِ كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِمَن يُرِيدُ أنْ يُعَجِّبَهُ: هَلْ أدُلُّكَ عَلى قِصَّةٍ غَرِيبَةٍ نادِرَةٍ ؟ لَمّا كانَ البَعْثُ عِنْدَهم مِنَ المُحالِ، جَعَلُوا مَن يُخْبِرُ عَنْ وُقُوعِهِ في حَيِّزِ مَن يُتَعَجَّبُ مِنهُ، وأتَوْا بِاسْمِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - نَكِرَةً في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ﴾ ؟ وكانَ اسْمُهُ أشْهَرَ عَلَمٍ في قُرَيْشٍ، بَلْ في الدُّنْيا، وإخْبارُهُ بِالبَعْثِ أشْهَرُ خَبَرٍ؛ لِأنَّهم أخْرَجُوا ذَلِكَ مَخْرَجَ الِاسْتِهْزاءِ والتَّحَلِّي بِبَعْضِ الأحاجِيِّ المَعْمُولَةِ لِلتَّلَهِّي والتَّعْمِيَةِ، فَلِذَلِكَ نَكَّرُوا اسْمَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ بِالهَمْزِ؛ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِإبْدالِ الهَمْزَةِ ياءً مَحْضَةً. وحَكى عَنْهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: ”يُنْبِئُكم“، بِالهَمْزَةِ مِن أنْبَأ، و”إذا“ جَوابُها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: تُبْعَثُونَ، وحُذِفَ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، وهو العامِلُ ”إذا“ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ. وقالَ الزَّجّاجُ ذَلِكَ، وقالَ أيْضًا هو والنَّحّاسُ: العامِلُ ﴿مُزِّقْتُمْ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو خَطَأٌ وإفْسادٌ لِلْمَعْنى. ولَيْسَ بِخَطَأٍ ولا إفْسادٍ لِلْمَعْنى، وإذا الشَّرْطِيَّةُ مُخْتَلَفٌ في العامِلِ فِيها، وقَدْ بَيَّنّا ما كَتَبْناهُ في (شَرْحِ التَّسْهِيلِ) أنَّ الصَّحِيحَ أنْ يَعْمَلَ فِيها فِعْلُ الشَّرْطِ، كَسائِرِ أدَواتِ الشَّرْطِ. والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مَعْمُولَةً لِـ: (يُنَبِّئُكم)؛ لِأنَّهُ في مَعْنى ”يَقُولُ لَكم“: ﴿إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ . ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ: ﴿إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ مَعْمُولًا لِـ: ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ و﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ، ولَوْلا اللّامُ في خَبَرِ إنَّ لَكانَتْ مَفْتُوحَةً، فالجُمْلَةُ سَدَّتْ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ. والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ اعْتِراضٌ، وقَدْ مَنَعَ قَوْمٌ التَّعْلِيقَ في بابِ: اعْلَمْ، والصَّحِيحُ جَوازُهُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎حَذارِ فَقَدْ نُبِّئْتَ أنَّكَ لَلَّذِي ∗∗∗ سَتُجْزى بِما تَسْعى فَتَسْعَدُ أوْ تَشْقى (p-٢٦٠)و(مُمَزَّقٍ) مَصْدَرٌ جاءَ عَلى زِنَةِ اسْمِ المَفْعُولِ، عَلى القِياسِ في اسْمِ المَصْدَرِ مِن كُلِّ فِعْلٍ زائِدٍ عَلى الثَّلاثَةِ، كَقَوْلِهِ: ؎ألَمْ تَعْلَمْ مُسَرَّحِيَ القَوافِي ∗∗∗ فَلا عِيًّا بِهِنَّ ولا اجْتِلابا أيْ: تَسْرِيحِي القَوافِيَ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ ظَرْفَ مَكانٍ، أيْ: إذا مُزِّقْتُمْ في مَكانٍ مِنَ القُبُورِ وبُطُونِ الطَّيْرِ والسِّباعِ، وما ذَهَبَتْ بِهِ السُّيُولُ كُلَّ مَذْهَبٍ، وما نَسَفَتْهُ الرِّياحُ فَطَرَحَتْهُ كُلَّ مَطْرَحٍ. انْتَهى. و(جَدِيدٍ) عِنْدَ البَصْرِيِّينَ بِمَعْنى فاعِلٍ، تَقُولُ: جَدَّ فَهو جادٌّ وجَدِيدٌ، وبِمَعْنى مَفْعُولٍ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ مِن جَدَّهُ إذا قَطَعَهُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (أفْتَرى) مِن قَوْلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ أيْ: هو مُفْتَرٍ ﴿عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ فِيما يُنْسَبُ إلَيْهِ مِن أمْرِ البَعْثِ ﴿أمْ بِهِ﴾ جُنُونٌ يُوهِمُهُ ذَلِكَ ويُلْقِيهِ عَلى لِسانِهِ. عادَلُوا بَيْنَ الِافْتِراءِ والجُنُونِ؛ لِأنَّ هَذا القَوْلَ عِنْدَهم إنَّما يَصْدُرُ عَنْ أحَدِ هَذَيْنِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ يَعْتَقِدُ خِلافَ ما أُتِيَ بِهِ فَهو مُفْتَرٍ، وإنْ كانَ لا يَعْتَقِدُهُ فَهو مَجْنُونٌ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ السّامِعِ المُجِيبِ لِمَن قالَ: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ﴾ رَدَّدَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ ولَمْ يَجْزِمْ بِأحَدِهِما، حَيْثُ جَوَّزَ هَذا وجَوَّزَ هَذا، ولَمْ يَجْزِمْ بِأنَّهُ افْتِراءٌ مَحْضٌ؛ احْتِرازًا مِن أنْ يَنْسُبَ الكَذِبَ لِعاقِلٍ نِسْبَةً قَطْعِيَّةً، إذِ العاقِلُ حَتّى الكافِرِ لا يَرْضى بِالكَذِبِ، لا مِن نَفْسِهِ ولا مِن غَيْرِهِ، وأضْرَبَ تَعالى عَنْ مَقالَتِهِمْ، والمَعْنى: لَيْسَ لِلرَّسُولِ كَما نَسَبْتُمُ البَتَّةَ، بَلْ أنْتُمْ في عَذابِ النّارِ، أوْ في عَذابِ الدُّنْيا بِما تُكابِدُونَهُ مِن إبْطالِ الشَّرْعِ وهو بِحَقٍّ، وإطْفاءِ نُورِ اللَّهِ وهو مُتِمٌّ. ولَمّا كانَ الكَلامُ في البَعْثِ قالَ: ﴿بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ فَرَتَّبَ العَذابَ عَلى إنْكارِ البَعْثِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في وصْفِ الضَّلالِ بِالبُعْدِ، وهو مِن أوْصافِ المَحالِّ، اسْتُعِيرَ لِلْمَعْنى، ومَعْنى بَعْدَهُ: أنَّهُ لا يَنْقَضِي خَبَرُهُ المُتَلَبَّسُ بِهِ. ﴿أفَلَمْ يَرَوْا﴾ أيْ: هَؤُلاءِ الكُفّارُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ﴿إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ: حَيْثُ ما تَصَرَّفُوا، فالسَّماءُ والأرْضُ قَدْ أحاطَتا بِهِمْ، ولا يَقْدِرُونَ أنْ يَنْفُذُوا مِن أقْطارِهِما، ولا يَخْرُجُوا عَنْ مَلَكُوتِ اللَّهِ فِيهِما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أُعْمُوا فَلَمْ يَنْظُرُوا، جَعَلَ بَيْنَ الفاءِ والهَمْزَةِ فِعْلًا يَصِحُّ العَطْفُ عَلَيْهِ، وهو خِلافُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ النَّحْوِيُّونَ مِن أنَّهُ لا مَحْذُوفَ بَيْنَهُما، وأنَّ الفاءَ لِلْعَطْفِ عَلى ما قَبْلَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، وأنَّ التَّقْدِيرَ ”فَألَمْ“، لَكِنَّ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ لَمّا كانَ لَها الصَّدْرُ قُدِّمَتْ، وقَدْ رَجَعَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى مَذْهَبِ النَّحْوِيِّينَ في ذَلِكَ، وقَدْ رَدَدْنا عَلَيْهِ هَذا المَذْهَبَ فِيما كَتَبْناهُ في (شَرْحِ التَّسْهِيلِ) . وقَّفَهم تَعالى عَلى قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ، وحَذَّرَهم إحاطَتَها بِهِمْ عَلى سَبِيلِ الإهْلاكِ لَهم، وكانَ ثَمَّ حالٌ مَحْذُوفَةٌ، أيْ: أفَلا يَرَوْنَ إلى ما يُحِيطُ بِهِمْ مِن سَماءٍ وأرْضٍ مَقْهُورٍ تَحْتَ قُدْرَتِنا نَتَصَرَّفُ فِيهِ كَما نُرِيدُ ؟ ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ﴾ كَما فَعَلْنا بِقارُونَ ﴿أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ كَما فَعَلْنا بِأصْحابِ الظُّلَّةِ، أوْ ﴿أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ مُحِيطًا بِهِمْ، وهم مَقْهُورُونَ تَحْتَ قُدْرَتِنا ؟ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ النَّظَرِ إلى السَّماءِ والأرْضِ، والفِكْرِ فِيهِما، وما يَدُلّانِ عَلَيْهِ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ (لَآيَةً) لَعَلامَةً ودَلالَةً ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ راجِعٍ إلى رَبِّهِ، مُطِيعٍ لَهُ. قالَ مُجاهِدٌ: مُخْبِتٍ. وقالَ الضَّحّاكُ: مُسْتَقِيمٍ. وقالَ أبُو رَوْقٍ: مُخْلِصٍ في التَّوْحِيدِ. وقالَ قَتادَةُ: مُقْبِلٍ إلى رَبِّهِ بِقَلْبِهِ؛ لِأنَّ المُنِيبَ لا يَخْلُو مِنَ النَّظَرِ في آياتِ اللَّهِ عَلى أنَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِنَ البَعْثِ ومِن عِقابِهِ مَن يَكْفُرُ بِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ ونُسْقِطْ“ بِالنُّونِ في الثَّلاثَةِ؛ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، وعِيسى، والأعْمَشُ، وابْنُ مُطَرِّفٍ: بِالياءِ فِيهِنَّ؛ وأدْغَمَ الكِسائِيُّ الفاءَ في الباءِ في ”نَخْسِفْ بِهِمْ“ . قالَ أبُو عَلِيٍّ: وذَلِكَ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ الباءَ أضْعَفُ في الصَّوْتِ مِنَ الفاءِ، فَلا تُدْغَمُ فِيها، وإنْ كانَتِ الباءُ تُدْغَمُ في الفاءِ، نَحْوُ: ضَرَبَ فُلانًا، وهَذا ما تُدْغَمُ الباءُ في المِيمِ، كَقَوْلِكَ: اضْرِبْ مالِكًا، ولا تُدْغَمُ المِيمُ في الباءِ، كَقَوْلِكَ: اضْمُمْ بِكَ؛ لِأنَّ الباءَ انْحَطَّتْ عَنِ المِيمِ بِفَقْدِ الغُنَّةِ الَّتِي في المِيمِ. (p-٢٦١)وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَرَأ الكِسائِيُّ نَخْسِفْ بِهِمْ بِالإدْغامِ، ولَيْسَتْ بِقَوِيَّةٍ. انْتَهى. والقِراءَةُ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ، ويُوجَدُ فِيها الفَصِيحُ والأفْصَحُ، وكُلُّ ذَلِكَ مِن تَيْسِيرِهِ تَعالى القُرْآنَ لِلذِّكْرِ، فَلا التِفاتَ لِقَوْلِ أبِي عَلِيٍّ ولا الزَّمَخْشَرِيِّ.

سبأ 34:4

(سُورَةُ سَبَأٍ خَمْسٌ وخَمْسُونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ) ﷽ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ولَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ وهو الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها وهو الرَّحِيمُ الغَفُورُ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ قُلْ بَلى ورَبِّي لَتَأْتِيَنَّكم عالِمُ الغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ ولا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرُ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ ألِيمٍ﴾ ﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ هو الحَقَّ ويَهْدِي إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ في العَذابِ والضَّلالِ البَعِيدِ﴾ ﴿أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ . (p-٢٥٧)هَذِهِ السُّورَةُ قالَ في التَّحْرِيرِ: مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ: ﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَدَنِيَّةٌ فِيمَن أسْلَمَ مِن أهْلِ الكِتابِ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأشْباهِهِ. انْتَهى. وسَبَبُ نُزُولِها أنَّ أبا سُفْيانَ قالَ لِكُفّارِ مَكَّةَ، لَمّا سَمِعُوا ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ﴾ [الأحزاب: ٧٣]: إنَّ مُحَمَّدًا يَتَوَعَّدُنا بِالعَذابِ بَعْدَ أنْ نَمُوتَ، ويُخَوِّفُنا بِالبَعْثِ، واللّاتِ والعُزّى لا تَأْتِينا السّاعَةُ أبَدًا، ولا نُبْعَثُ. فَقالَ اللَّهُ: (قُلْ) يا مُحَمَّدُ ﴿بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧] قالَهُ مُقاتِلٌ، وباقِي السُّورَةِ تَهْدِيدٌ لَهم وتَخْوِيفٌ. ومَن ذَكَرَ هَذا السَّبَبَ ظَهَرَتِ المُناسَبَةُ بَيْنَ هَذِهِ السُّورَةِ والَّتِي قَبْلَها. ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ مُسْتَغْرِقٌ لِجَمِيعِ المَحامِدِ. ﴿ولَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ﴾ ظاهِرُهُ الِاسْتِغْراقُ. ولَمّا كانَتْ نِعْمَةُ الآخِرَةِ مُخْبَرًا بِها، غَيْرَ مَرْئِيَّةٍ لَنا في الدُّنْيا، ذَكَرَها لِيُقاسَ نِعَمُها بِنِعَمِ الدُّنْيا، قِياسَ الغائِبِ عَلى الشّاهِدِ، وإنِ اخْتَلَفا في الفَضِيلَةِ والدَّيْمُومَةِ. وقِيلَ: ”ألْ“ لِلْعَهْدِ والإشارَةِ إلى قَوْلِهِ: ﴿وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [يونس: ١٠] أوْ إلى قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الفَرْقُ بَيْنَ الحَمْدَيْنِ وُجُوبُ الحَمْدِ في الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ عَلى نِعَمِهِ مُتَفَضِّلٌ بِها، وهو الطَّرِيقُ إلى تَحْصِيلِ نِعْمَةِ الآخِرَةِ، وهي الثَّوابُ. وحَمْدُ الآخِرَةِ لَيْسَ بِواجِبٍ؛ لِأنَّهُ عَلى نِعْمَةٍ واجِبَةِ الِاتِّصالُ إلى مُسْتَحِقِّها، إنَّما هو تَتِمَّةُ سُرُورِ المُؤْمِنِينَ وتَكْمِلَةُ اغْتِباطِهِمْ يَلْتَذُّونَ بِهِ. انْتَهى، وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ﴾ مِنَ المِياهِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مِنَ الأمْواتِ والدَّفائِنِ. ﴿وما يَخْرُجُ مِنها﴾ مِنَ النَّباتِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مِن جَواهِرِ المَعادِنِ. ﴿وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ﴾ مِنَ المَطَرِ والثَّلْجِ والبَرَدِ والصّاعِقَةِ والرِّزْقِ والمَلَكِ. ﴿وما يَعْرُجُ فِيها﴾ مِن أعْمالِ الخَلْقِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: وما يَنْزِلُ مِنَ المَلائِكَةِ. وقِيلَ: مِنَ الأقْضِيَةِ والأحْوالِ والأدْعِيَةِ والأعْمالِ. وقِيلَ: مِنَ الأنْعامِ والعَطاءِ. وقَرَأ عَلِيٌّ والسُّلَمِيُّ: ”وما يُنْزَلُ“ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ النُّونِ وشَدِّ الزّايِ أيِ: اللَّهُ تَعالى. و(بَلى) جَوابٌ لِلنَّفْيِ السّابِقِ مِن قَوْلِهِمْ ﴿لا تَأْتِينا السّاعَةُ﴾ أيْ: بَلى لَتَأْتِيَنَّكم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ بِتاءِ التَّأْنِيثِ، أيِ: السّاعَةُ الَّتِي أنْكَرْتُمْ مَجِيئُها. وقَرَأ طَلْقٌ عَنْ أشْياخِهِ بِياءِ الغَيْبَةِ، أيْ: لَيَأْتِيَنَّكُمُ البَعْثُ؛ لِأنَّهُ مَقْصُودُهم مِن نَفْيِ السّاعَةِ أنَّهم لا يُبْعَثُونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ عَلى مَعْنى السّاعَةِ أيِ: اليَوْمَ، أوْ عَلى إسْنادِهِ إلى اللَّهِ عَلى مَعْنى لَيَأْتِيَنَّكم أمْرُ عالِمِ الغَيْبِ كَقَوْلِهِ: ﴿أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] أيْ: أمْرُهُ. ويَبْعُدُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ السّاعَةِ؛ لِأنَّهُ مَذْهُوبٌ بِهِ مَذْهَبَ التَّذْكِيرِ، لا يَكُونُ إلّا في الشِّعْرِ نَحْوُ قَوْلِهِ: ؎ولا أرْضَ أبْقَلَ إبْقالَها ثُمَّ أكَّدَ الجَوابَ بِالقَسَمِ عَلى البَعْثِ، وأتْبَعَ القَسَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿عالِمِ الغَيْبِ﴾ وما بَعْدَهُ، لِيُعْلَمَ أنَّ إنْباتَها مِنَ الغَيْبِ الَّذِي تَفَرَّدَ بِهِ تَعالى. وجاءَ القَسَمُ بِقَوْلِهِ: (ورَبِّي) مُضافًا إلى الرَّسُولِ ﷺ، لِيَدُلَّ عَلى شِدَّةِ القَسَمِ، إذْ لَمْ يَأْتِ بِهِ في الِاسْمِ المُشْتَرَكِ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن أنْكَرَ السّاعَةَ، وهو لَفْظُ اللَّهِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، ورُوَيْسٌ، وسَلامٌ، والجَحْدَرِيُّ، وقَعْنَبٌ: ”عالِمُ“ بِالرَّفْعِ عَلى إضْمارِ هو، وجَوَّزَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً (p-٢٥٨)والخَبَرُ ﴿لا يَعْزُبُ﴾ . وقالَ الحَوْفِيُّ: أوْ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: عالِمُ الغَيْبِ هو. وباقِي السَّبْعَةِ: (عالِمِ) بِالجَرِّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ: وذَلِكَ عَلى البَدَلِ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ صِفَةً، ويَعْنِي أنَّ (عالِمَ الغَيْبِ) يَجُوزُ أنْ يَتَعَرَّفَ، وكَذا كُلُّ ما أُضِيفَ إلى مَعْرِفَةٍ مِمّا كانَ لا يَتَعَرَّفُ بِذَلِكَ يَجُوزُ أنْ يَتَعَرَّفَ بِالإضافَةِ، إلّا الصِّفَةَ المُشَبَّهَةَ فَلا تَتَعَرَّفُ بِإضافَةٍ. ذَكَرَ ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ في كِتابِهِ، وقَلَّ مَن يَعْرِفُهُ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (عَلّامِ) عَلى المُبالَغَةِ والخَفْضِ، وتَقَدَّمَتْ قِراءَةُ ﴿يَعْزُبُ﴾ في يُونُسَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرُ﴾ بِرَفْعِ الرّاءَيْنِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ﴿مِثْقالَ﴾ [النساء: ٤٠] وأنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، والخَبَرُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا في كِتابٍ﴾ . وعَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ يَكُونُ ﴿إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ تَوْكِيدًا لِما تَضَمَّنَ النَّفْيَ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَعْزُبُ﴾ وتَقْدِيرُهُ: لَكِنَّهُ في كِتابٍ مُبِينٍ، وهو كِنايَةٌ عَنْ ضَبْطِ الشَّيْءِ والتَّحَفُّظِ بِهِ، فَكَأنَّهُ في كِتابٍ، ولَيْسَ ثَمَّ كِتابٌ حَقِيقَةً. وعَلى التَّخْرِيجِ الأوَّلِ يَكُونُ الكِتابُ هو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ. وقَرَأ الأعْمَشُ وقَتادَةُ: بِفَتْحِ الرّاءَيْنِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَطْفًا عَلى (ذَرَّةٍ) . ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وعَزاها أيْضًا إلى نافِعٍ، ولا يَتَعَيَّنُ ما قالَ، بَلْ تَكُونُ ”لا“ لِنَفْيِ الجِنْسِ، وهو مُبْتَدَأٌ، أعْنِي مَجْمُوعَ ”لا“ وما بُنِيَ مَعَها عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، والخَبَرُ ﴿إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ وهو مِن عَطْفِ الجُمَلِ، لا مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ، كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَوابًا لِسُؤالِ مَن قالَ: هَلْ جازَ عَطْفُ ﴿ولا أصْغَرُ﴾ عَلى ﴿مِثْقالُ﴾ وعَطْفُ ﴿ولا أصْغَرُ﴾ عَلى (ذَرَّةٍ) ؟ قُلْتُ: يَأْبى ذَلِكَ حَرْفُ الِاسْتِثْناءِ، إلّا إذا جَعَلْتَ الضَّمِيرَ في ”عَنْهُ“ لِلْغَيْبِ، وجَعَلْتَ الغَيْبَ اسْمًا لِلْخَفِيّاتِ قَبْلَ أنْ تُكْتَبَ في اللَّوْحِ؛ لِأنَّ إثْباتَها في اللَّوْحِ نَوْعٌ مِنَ البُرُوزِ عَنِ الحِجابِ عَلى مَعْنى أنَّهُ لا يَنْفَصِلُ عَنِ الغَيْبِ شَيْءٌ ولا يَزُولُ عَنْهُ إلّا مَسْطُورًا في اللَّوْحِ، انْتَهى. ولا يُحْتاجُ إلى هَذا التَّأْوِيلِ إذا جَعَلْنا الكِتابَ المُبِينَ لَيْسَ اللَّوْحَ المَحْفُوظَ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ”﴿ولا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرُ﴾“ بِخَفْضِ الرّاءَيْنِ بِالكَسْرَةِ، كَأنَّهُ نَوى مُضافًا إلَيْهِ مَحْذُوفًا، التَّقْدِيرُ: ولا أصْغَرِهِ ولا أكْبَرِهِ، ومِن ذَلِكَ لَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِأفْعَلَ، بَلْ هو بِتَبْيِينٍ؛ لِأنَّهُ لَمّا حَذَفَ المُضافَ إلَيْهِ أبْهَمَ لَفْظًا فَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: (مِن ذَلِكَ) أيْ: عَنى مِن ذَلِكَ، وقَدْ جاءَتْ مِن مَعَ كَوْنِ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ مُضافًا في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎نَحْنُ بِغَرْسِ الوَدِيِّ أعْلَمُنا ∗∗∗ مِنّا بِرَكْضِ الجِيادِ في السَّدَفِ وخُرِّجَ عَلى أنَّهُ أرادَ عِلْمٌ بِنا، فَأضافَ ناوِيًا طَرْحَ المُضافِ إلَيْهِ، فاحْتَمَلَتْ قِراءَةُ زَيْدٍ هَذا التَّوْجِيهَ الآخَرَ: أنَّهُ لَمّا أضافَ أصْغَرَ وأكْبَرَ عَلى إعْرابِهِما حالَةَ الإضافَةِ، وهَذا كُلُّهُ تَوْجِيهُ شُذُوذٍ، وناسَبَ وصْفَهُ تَعالى بِعالِمِ الغَيْبِ، وأنَّهُ لا يَفُوتُ عِلْمُهُ شَيْءٌ مِنَ الخَفِيّاتِ، فانْدَرَجَ في ذَلِكَ وقْتُ قِيامِ السّاعَةِ، وصارَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى صِحَّةِ ما أقْسَمَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ مَن كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ الأشْياءِ كُلِّها وجُزْئِها، وكانَتْ قُدْرَتُهُ ثابِتَةً، كانَ قادِرًا عَلى إعادَةِ ما فَنِيَ مِن جَمِيعِ الأرْواحِ والأشْباحِ. قِيلَ: وقَوْلُهُ ﴿مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ﴾ إشارَةٌ إلى عِلْمِهِ بِالأرْواحِ ﴿ولا في الأرْضِ﴾ إشارَةٌ إلى عِلْمِهِ بِالأشْياءِ. وكَما أبْرَزَهُما مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ أوَّلًا، فَكَذَلِكَ يُعِيدُهُما ثانِيًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَكُونُ بِمَعْنى اليَمِينِ مُصَحِّحَةً لِما أنْكَرُوهُ ؟ قُلْتُ: هَذا لَوِ اقْتَصَرَ عَلى اليَمِينِ ولَمْ يُتْبِعْها بِالحُجَّةِ القاطِعَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ فَقَدْ وضَعَ اللَّهُ في العُقُولِ ورَكَّبَ في الغَرائِزِ وُجُوبَ الجَزاءِ، وأنَّ المُحْسِنَ لا بُدَّ لَهُ مِن ثَوابٍ، والمُسِيءُ لا بُدَّ لَهُ مِن عِقابٍ، انْتَهى. وفي السُّؤالِ بَعْضُ اخْتِصارٍ، وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَعْزُبُ﴾ وقِيلَ: بِقَوْلِهِ ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ وقِيلَ: بِالعامِلِ ﴿فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: إلّا مُسْتَقِرًّا في كِتابٍ مُبِينٍ لِيَجْزِيَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”مُعْجِزِينَ“ مُخَفَّفًا، وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والجَحْدَرِيُّ وأبُو السِّماكِ: مُثَقَّلًا وتَقَدَّمَ في الحَجِّ، أيْ: مُعَجِّزِينَ قُدْرَةَ اللَّهِ في زَعْمِهِمْ. وقالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: مَعْناهُ مُثَبِّطِينَ عَنِ الإيمانِ مَن أرادَهُ، مُدْخِلِينَ عَلَيْهِ العَجْزَ (p-٢٥٩)فِي نَشاطِهِ، وهَذا هو سَعْيُهم في الآياتِ أيْ: في شَأْنِ الآياتِ. وقالَ قَتادَةُ: مُسابِقِينَ يَحْسَبُونَ أنَّهم يَفُوتُونَنا. وقالَ عِكْرِمَةُ: مُراغِمِينَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مُجاهِدِينَ في إبْطالِها. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: (ألِيمٌ) هُنا، وفي الجاثِيَةِ، بِالرَّفْعِ صِفَةً لِلْعَذابِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالجَرِّ صِفَةً لِلرِّجْزِ، والرِّجْزُ: العَذابُ السَّيِّئُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ سَعَوْا﴾ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ، وهي (أُولَئِكَ) . وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ عَطْفًا عَلى (الَّذِينَ آمَنُوا) أيْ: ولِيَجْزِيَ الَّذِينَ سَعَوْا. واحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَتانِ المُصَدَّرَتانِ بِـ: أُولَئِكَ، هُما نَفْسَ الثَّوابِ والعِقابِ، واحْتَمَلَ أنْ تَكُونا مُسْتَأْنَفَتَيْنِ، والثَّوابُ والعِقابُ ما تَضَمَّنَتا مِمّا هو أعْظَمُ، كَرِضا اللَّهِ عَنِ المُؤْمِنِ دائِمًا، وسُخْطِهِ عَلى الفاسِقِ دائِمًا. قالَ العُتْبِيُّ: والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَرى﴾ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَمَّنْ أُوتِيَ العِلْمَ، يَعْلَمُونَ القُرْآنَ المُنَزَّلَ عَلَيْكَ هو الحَقُّ. وقِيلَ: ﴿ويَرى﴾ مَنصُوبٌ عَطْفًا عَلى ﴿لِيَجْزِيَ﴾، وقالَهُ الطَّبَرِيُّ والثَّعْلَبِيُّ، وتَقَدَّمَ الخِلافُ في ﴿الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ في ذَلِكَ المَكانِ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ السُّورَةُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: ولِيَعْلَمَ أُولُو العِلْمِ عِنْدَ مَجِيءِ السّاعَةِ أنَّهُ الحَقُّ عِلْمًا لا يُزادُ عَلَيْهِ في الِاتِّفاقِ، ويَحْتَجُّوا بِهِ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا وتَوَلَّوْا. ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ: ولِيَعْلَمَ مَن لَمْ يُؤْمِن مِنَ الأخْيارِ أنَّهُ هو الحَقُّ، فَيَزْدادَ حَسْرَةً وغَمًّا. انْتَهى. وإنَّما قالَ: عِنْدَ مَجِيءِ السّاعَةِ؛ لِأنَّهُ عَلَّقَ ﴿لِيَجْزِيَ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ فَبَنى التَّخْرِيجَ عَلى ذَلِكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (الحَقَّ) بِالنَّصْبِ، مَفْعُولًا ثانِيًا لِـ: ”يَرى“، وهو فَصْلٌ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِالرَّفْعِ جَعَلَ (هو) مُبْتَدَأً و(الحَقُّ) خَبَرَهُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِـ: ”يَرى“، وهو لُغَةُ تَمِيمٍ، يَجْعَلُونَ ما هو فَصْلٌ عِنْدَ غَيْرِهِمْ مُبْتَدَأً، قالَهُ أبُو عُمَرَ الجَرْمِيُّ. والظّاهِرُ أنَّ الفاعِلَ لِـ: ”يَهْدِي“ هو ضَمِيرُ ﴿الَّذِي أُنْزِلَ﴾، وهو القُرْآنُ، وهو اسْتِئْنافُ إخْبارٍ. وقِيلَ: هو في مَوْضِعِ الحالِ عَلى إضْمارِ: ”وهو يَهْدِي“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (الحَقَّ)، عُطِفَ الفِعْلُ عَلى الِاسْمِ كَقَوْلِهِ: ﴿صافّاتٍ ويَقْبِضْنَ﴾ [الملك: ١٩] أيْ: قابِضاتٍ، كَما عُطِفَ الِاسْمُ عَلى الفِعْلِ في قَوْلِهِ: ؎فَألْفَيْتُهُ يَوْمًا يُبِيدُ عَدُوَّهُ ∗∗∗ وبَحْرَ عَطاءٍ يَسْتَحِفُّ المَعابِرا عُطِفَ ”وبَحْرَ“ عَلى ”يُبِيرُ“، وقِيلَ: الفاعِلُ بِـ: (يَهْدِي) ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى اللَّهِ، وفِيهِ بُعْدٌ. ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هم قُرَيْشٌ، قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَلى جِهَةِ التَّعَجُّبِ والِاسْتِهْزاءِ كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِمَن يُرِيدُ أنْ يُعَجِّبَهُ: هَلْ أدُلُّكَ عَلى قِصَّةٍ غَرِيبَةٍ نادِرَةٍ ؟ لَمّا كانَ البَعْثُ عِنْدَهم مِنَ المُحالِ، جَعَلُوا مَن يُخْبِرُ عَنْ وُقُوعِهِ في حَيِّزِ مَن يُتَعَجَّبُ مِنهُ، وأتَوْا بِاسْمِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - نَكِرَةً في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ﴾ ؟ وكانَ اسْمُهُ أشْهَرَ عَلَمٍ في قُرَيْشٍ، بَلْ في الدُّنْيا، وإخْبارُهُ بِالبَعْثِ أشْهَرُ خَبَرٍ؛ لِأنَّهم أخْرَجُوا ذَلِكَ مَخْرَجَ الِاسْتِهْزاءِ والتَّحَلِّي بِبَعْضِ الأحاجِيِّ المَعْمُولَةِ لِلتَّلَهِّي والتَّعْمِيَةِ، فَلِذَلِكَ نَكَّرُوا اسْمَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ بِالهَمْزِ؛ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِإبْدالِ الهَمْزَةِ ياءً مَحْضَةً. وحَكى عَنْهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: ”يُنْبِئُكم“، بِالهَمْزَةِ مِن أنْبَأ، و”إذا“ جَوابُها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: تُبْعَثُونَ، وحُذِفَ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، وهو العامِلُ ”إذا“ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ. وقالَ الزَّجّاجُ ذَلِكَ، وقالَ أيْضًا هو والنَّحّاسُ: العامِلُ ﴿مُزِّقْتُمْ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو خَطَأٌ وإفْسادٌ لِلْمَعْنى. ولَيْسَ بِخَطَأٍ ولا إفْسادٍ لِلْمَعْنى، وإذا الشَّرْطِيَّةُ مُخْتَلَفٌ في العامِلِ فِيها، وقَدْ بَيَّنّا ما كَتَبْناهُ في (شَرْحِ التَّسْهِيلِ) أنَّ الصَّحِيحَ أنْ يَعْمَلَ فِيها فِعْلُ الشَّرْطِ، كَسائِرِ أدَواتِ الشَّرْطِ. والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مَعْمُولَةً لِـ: (يُنَبِّئُكم)؛ لِأنَّهُ في مَعْنى ”يَقُولُ لَكم“: ﴿إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ . ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ: ﴿إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ مَعْمُولًا لِـ: ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ و﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ، ولَوْلا اللّامُ في خَبَرِ إنَّ لَكانَتْ مَفْتُوحَةً، فالجُمْلَةُ سَدَّتْ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ. والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ اعْتِراضٌ، وقَدْ مَنَعَ قَوْمٌ التَّعْلِيقَ في بابِ: اعْلَمْ، والصَّحِيحُ جَوازُهُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎حَذارِ فَقَدْ نُبِّئْتَ أنَّكَ لَلَّذِي ∗∗∗ سَتُجْزى بِما تَسْعى فَتَسْعَدُ أوْ تَشْقى (p-٢٦٠)و(مُمَزَّقٍ) مَصْدَرٌ جاءَ عَلى زِنَةِ اسْمِ المَفْعُولِ، عَلى القِياسِ في اسْمِ المَصْدَرِ مِن كُلِّ فِعْلٍ زائِدٍ عَلى الثَّلاثَةِ، كَقَوْلِهِ: ؎ألَمْ تَعْلَمْ مُسَرَّحِيَ القَوافِي ∗∗∗ فَلا عِيًّا بِهِنَّ ولا اجْتِلابا أيْ: تَسْرِيحِي القَوافِيَ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ ظَرْفَ مَكانٍ، أيْ: إذا مُزِّقْتُمْ في مَكانٍ مِنَ القُبُورِ وبُطُونِ الطَّيْرِ والسِّباعِ، وما ذَهَبَتْ بِهِ السُّيُولُ كُلَّ مَذْهَبٍ، وما نَسَفَتْهُ الرِّياحُ فَطَرَحَتْهُ كُلَّ مَطْرَحٍ. انْتَهى. و(جَدِيدٍ) عِنْدَ البَصْرِيِّينَ بِمَعْنى فاعِلٍ، تَقُولُ: جَدَّ فَهو جادٌّ وجَدِيدٌ، وبِمَعْنى مَفْعُولٍ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ مِن جَدَّهُ إذا قَطَعَهُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (أفْتَرى) مِن قَوْلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ أيْ: هو مُفْتَرٍ ﴿عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ فِيما يُنْسَبُ إلَيْهِ مِن أمْرِ البَعْثِ ﴿أمْ بِهِ﴾ جُنُونٌ يُوهِمُهُ ذَلِكَ ويُلْقِيهِ عَلى لِسانِهِ. عادَلُوا بَيْنَ الِافْتِراءِ والجُنُونِ؛ لِأنَّ هَذا القَوْلَ عِنْدَهم إنَّما يَصْدُرُ عَنْ أحَدِ هَذَيْنِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ يَعْتَقِدُ خِلافَ ما أُتِيَ بِهِ فَهو مُفْتَرٍ، وإنْ كانَ لا يَعْتَقِدُهُ فَهو مَجْنُونٌ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ السّامِعِ المُجِيبِ لِمَن قالَ: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ﴾ رَدَّدَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ ولَمْ يَجْزِمْ بِأحَدِهِما، حَيْثُ جَوَّزَ هَذا وجَوَّزَ هَذا، ولَمْ يَجْزِمْ بِأنَّهُ افْتِراءٌ مَحْضٌ؛ احْتِرازًا مِن أنْ يَنْسُبَ الكَذِبَ لِعاقِلٍ نِسْبَةً قَطْعِيَّةً، إذِ العاقِلُ حَتّى الكافِرِ لا يَرْضى بِالكَذِبِ، لا مِن نَفْسِهِ ولا مِن غَيْرِهِ، وأضْرَبَ تَعالى عَنْ مَقالَتِهِمْ، والمَعْنى: لَيْسَ لِلرَّسُولِ كَما نَسَبْتُمُ البَتَّةَ، بَلْ أنْتُمْ في عَذابِ النّارِ، أوْ في عَذابِ الدُّنْيا بِما تُكابِدُونَهُ مِن إبْطالِ الشَّرْعِ وهو بِحَقٍّ، وإطْفاءِ نُورِ اللَّهِ وهو مُتِمٌّ. ولَمّا كانَ الكَلامُ في البَعْثِ قالَ: ﴿بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ فَرَتَّبَ العَذابَ عَلى إنْكارِ البَعْثِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في وصْفِ الضَّلالِ بِالبُعْدِ، وهو مِن أوْصافِ المَحالِّ، اسْتُعِيرَ لِلْمَعْنى، ومَعْنى بَعْدَهُ: أنَّهُ لا يَنْقَضِي خَبَرُهُ المُتَلَبَّسُ بِهِ. ﴿أفَلَمْ يَرَوْا﴾ أيْ: هَؤُلاءِ الكُفّارُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ﴿إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ: حَيْثُ ما تَصَرَّفُوا، فالسَّماءُ والأرْضُ قَدْ أحاطَتا بِهِمْ، ولا يَقْدِرُونَ أنْ يَنْفُذُوا مِن أقْطارِهِما، ولا يَخْرُجُوا عَنْ مَلَكُوتِ اللَّهِ فِيهِما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أُعْمُوا فَلَمْ يَنْظُرُوا، جَعَلَ بَيْنَ الفاءِ والهَمْزَةِ فِعْلًا يَصِحُّ العَطْفُ عَلَيْهِ، وهو خِلافُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ النَّحْوِيُّونَ مِن أنَّهُ لا مَحْذُوفَ بَيْنَهُما، وأنَّ الفاءَ لِلْعَطْفِ عَلى ما قَبْلَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، وأنَّ التَّقْدِيرَ ”فَألَمْ“، لَكِنَّ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ لَمّا كانَ لَها الصَّدْرُ قُدِّمَتْ، وقَدْ رَجَعَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى مَذْهَبِ النَّحْوِيِّينَ في ذَلِكَ، وقَدْ رَدَدْنا عَلَيْهِ هَذا المَذْهَبَ فِيما كَتَبْناهُ في (شَرْحِ التَّسْهِيلِ) . وقَّفَهم تَعالى عَلى قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ، وحَذَّرَهم إحاطَتَها بِهِمْ عَلى سَبِيلِ الإهْلاكِ لَهم، وكانَ ثَمَّ حالٌ مَحْذُوفَةٌ، أيْ: أفَلا يَرَوْنَ إلى ما يُحِيطُ بِهِمْ مِن سَماءٍ وأرْضٍ مَقْهُورٍ تَحْتَ قُدْرَتِنا نَتَصَرَّفُ فِيهِ كَما نُرِيدُ ؟ ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ﴾ كَما فَعَلْنا بِقارُونَ ﴿أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ كَما فَعَلْنا بِأصْحابِ الظُّلَّةِ، أوْ ﴿أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ مُحِيطًا بِهِمْ، وهم مَقْهُورُونَ تَحْتَ قُدْرَتِنا ؟ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ النَّظَرِ إلى السَّماءِ والأرْضِ، والفِكْرِ فِيهِما، وما يَدُلّانِ عَلَيْهِ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ (لَآيَةً) لَعَلامَةً ودَلالَةً ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ راجِعٍ إلى رَبِّهِ، مُطِيعٍ لَهُ. قالَ مُجاهِدٌ: مُخْبِتٍ. وقالَ الضَّحّاكُ: مُسْتَقِيمٍ. وقالَ أبُو رَوْقٍ: مُخْلِصٍ في التَّوْحِيدِ. وقالَ قَتادَةُ: مُقْبِلٍ إلى رَبِّهِ بِقَلْبِهِ؛ لِأنَّ المُنِيبَ لا يَخْلُو مِنَ النَّظَرِ في آياتِ اللَّهِ عَلى أنَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِنَ البَعْثِ ومِن عِقابِهِ مَن يَكْفُرُ بِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ ونُسْقِطْ“ بِالنُّونِ في الثَّلاثَةِ؛ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، وعِيسى، والأعْمَشُ، وابْنُ مُطَرِّفٍ: بِالياءِ فِيهِنَّ؛ وأدْغَمَ الكِسائِيُّ الفاءَ في الباءِ في ”نَخْسِفْ بِهِمْ“ . قالَ أبُو عَلِيٍّ: وذَلِكَ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ الباءَ أضْعَفُ في الصَّوْتِ مِنَ الفاءِ، فَلا تُدْغَمُ فِيها، وإنْ كانَتِ الباءُ تُدْغَمُ في الفاءِ، نَحْوُ: ضَرَبَ فُلانًا، وهَذا ما تُدْغَمُ الباءُ في المِيمِ، كَقَوْلِكَ: اضْرِبْ مالِكًا، ولا تُدْغَمُ المِيمُ في الباءِ، كَقَوْلِكَ: اضْمُمْ بِكَ؛ لِأنَّ الباءَ انْحَطَّتْ عَنِ المِيمِ بِفَقْدِ الغُنَّةِ الَّتِي في المِيمِ. (p-٢٦١)وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَرَأ الكِسائِيُّ نَخْسِفْ بِهِمْ بِالإدْغامِ، ولَيْسَتْ بِقَوِيَّةٍ. انْتَهى. والقِراءَةُ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ، ويُوجَدُ فِيها الفَصِيحُ والأفْصَحُ، وكُلُّ ذَلِكَ مِن تَيْسِيرِهِ تَعالى القُرْآنَ لِلذِّكْرِ، فَلا التِفاتَ لِقَوْلِ أبِي عَلِيٍّ ولا الزَّمَخْشَرِيِّ.

سبأ 34:5

(سُورَةُ سَبَأٍ خَمْسٌ وخَمْسُونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ) ﷽ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ولَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ وهو الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها وهو الرَّحِيمُ الغَفُورُ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ قُلْ بَلى ورَبِّي لَتَأْتِيَنَّكم عالِمُ الغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ ولا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرُ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ ألِيمٍ﴾ ﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ هو الحَقَّ ويَهْدِي إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ في العَذابِ والضَّلالِ البَعِيدِ﴾ ﴿أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ . (p-٢٥٧)هَذِهِ السُّورَةُ قالَ في التَّحْرِيرِ: مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ: ﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَدَنِيَّةٌ فِيمَن أسْلَمَ مِن أهْلِ الكِتابِ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأشْباهِهِ. انْتَهى. وسَبَبُ نُزُولِها أنَّ أبا سُفْيانَ قالَ لِكُفّارِ مَكَّةَ، لَمّا سَمِعُوا ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ﴾ [الأحزاب: ٧٣]: إنَّ مُحَمَّدًا يَتَوَعَّدُنا بِالعَذابِ بَعْدَ أنْ نَمُوتَ، ويُخَوِّفُنا بِالبَعْثِ، واللّاتِ والعُزّى لا تَأْتِينا السّاعَةُ أبَدًا، ولا نُبْعَثُ. فَقالَ اللَّهُ: (قُلْ) يا مُحَمَّدُ ﴿بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧] قالَهُ مُقاتِلٌ، وباقِي السُّورَةِ تَهْدِيدٌ لَهم وتَخْوِيفٌ. ومَن ذَكَرَ هَذا السَّبَبَ ظَهَرَتِ المُناسَبَةُ بَيْنَ هَذِهِ السُّورَةِ والَّتِي قَبْلَها. ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ مُسْتَغْرِقٌ لِجَمِيعِ المَحامِدِ. ﴿ولَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ﴾ ظاهِرُهُ الِاسْتِغْراقُ. ولَمّا كانَتْ نِعْمَةُ الآخِرَةِ مُخْبَرًا بِها، غَيْرَ مَرْئِيَّةٍ لَنا في الدُّنْيا، ذَكَرَها لِيُقاسَ نِعَمُها بِنِعَمِ الدُّنْيا، قِياسَ الغائِبِ عَلى الشّاهِدِ، وإنِ اخْتَلَفا في الفَضِيلَةِ والدَّيْمُومَةِ. وقِيلَ: ”ألْ“ لِلْعَهْدِ والإشارَةِ إلى قَوْلِهِ: ﴿وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [يونس: ١٠] أوْ إلى قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الفَرْقُ بَيْنَ الحَمْدَيْنِ وُجُوبُ الحَمْدِ في الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ عَلى نِعَمِهِ مُتَفَضِّلٌ بِها، وهو الطَّرِيقُ إلى تَحْصِيلِ نِعْمَةِ الآخِرَةِ، وهي الثَّوابُ. وحَمْدُ الآخِرَةِ لَيْسَ بِواجِبٍ؛ لِأنَّهُ عَلى نِعْمَةٍ واجِبَةِ الِاتِّصالُ إلى مُسْتَحِقِّها، إنَّما هو تَتِمَّةُ سُرُورِ المُؤْمِنِينَ وتَكْمِلَةُ اغْتِباطِهِمْ يَلْتَذُّونَ بِهِ. انْتَهى، وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ﴾ مِنَ المِياهِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مِنَ الأمْواتِ والدَّفائِنِ. ﴿وما يَخْرُجُ مِنها﴾ مِنَ النَّباتِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مِن جَواهِرِ المَعادِنِ. ﴿وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ﴾ مِنَ المَطَرِ والثَّلْجِ والبَرَدِ والصّاعِقَةِ والرِّزْقِ والمَلَكِ. ﴿وما يَعْرُجُ فِيها﴾ مِن أعْمالِ الخَلْقِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: وما يَنْزِلُ مِنَ المَلائِكَةِ. وقِيلَ: مِنَ الأقْضِيَةِ والأحْوالِ والأدْعِيَةِ والأعْمالِ. وقِيلَ: مِنَ الأنْعامِ والعَطاءِ. وقَرَأ عَلِيٌّ والسُّلَمِيُّ: ”وما يُنْزَلُ“ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ النُّونِ وشَدِّ الزّايِ أيِ: اللَّهُ تَعالى. و(بَلى) جَوابٌ لِلنَّفْيِ السّابِقِ مِن قَوْلِهِمْ ﴿لا تَأْتِينا السّاعَةُ﴾ أيْ: بَلى لَتَأْتِيَنَّكم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ بِتاءِ التَّأْنِيثِ، أيِ: السّاعَةُ الَّتِي أنْكَرْتُمْ مَجِيئُها. وقَرَأ طَلْقٌ عَنْ أشْياخِهِ بِياءِ الغَيْبَةِ، أيْ: لَيَأْتِيَنَّكُمُ البَعْثُ؛ لِأنَّهُ مَقْصُودُهم مِن نَفْيِ السّاعَةِ أنَّهم لا يُبْعَثُونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ عَلى مَعْنى السّاعَةِ أيِ: اليَوْمَ، أوْ عَلى إسْنادِهِ إلى اللَّهِ عَلى مَعْنى لَيَأْتِيَنَّكم أمْرُ عالِمِ الغَيْبِ كَقَوْلِهِ: ﴿أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] أيْ: أمْرُهُ. ويَبْعُدُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ السّاعَةِ؛ لِأنَّهُ مَذْهُوبٌ بِهِ مَذْهَبَ التَّذْكِيرِ، لا يَكُونُ إلّا في الشِّعْرِ نَحْوُ قَوْلِهِ: ؎ولا أرْضَ أبْقَلَ إبْقالَها ثُمَّ أكَّدَ الجَوابَ بِالقَسَمِ عَلى البَعْثِ، وأتْبَعَ القَسَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿عالِمِ الغَيْبِ﴾ وما بَعْدَهُ، لِيُعْلَمَ أنَّ إنْباتَها مِنَ الغَيْبِ الَّذِي تَفَرَّدَ بِهِ تَعالى. وجاءَ القَسَمُ بِقَوْلِهِ: (ورَبِّي) مُضافًا إلى الرَّسُولِ ﷺ، لِيَدُلَّ عَلى شِدَّةِ القَسَمِ، إذْ لَمْ يَأْتِ بِهِ في الِاسْمِ المُشْتَرَكِ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن أنْكَرَ السّاعَةَ، وهو لَفْظُ اللَّهِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، ورُوَيْسٌ، وسَلامٌ، والجَحْدَرِيُّ، وقَعْنَبٌ: ”عالِمُ“ بِالرَّفْعِ عَلى إضْمارِ هو، وجَوَّزَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً (p-٢٥٨)والخَبَرُ ﴿لا يَعْزُبُ﴾ . وقالَ الحَوْفِيُّ: أوْ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: عالِمُ الغَيْبِ هو. وباقِي السَّبْعَةِ: (عالِمِ) بِالجَرِّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ: وذَلِكَ عَلى البَدَلِ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ صِفَةً، ويَعْنِي أنَّ (عالِمَ الغَيْبِ) يَجُوزُ أنْ يَتَعَرَّفَ، وكَذا كُلُّ ما أُضِيفَ إلى مَعْرِفَةٍ مِمّا كانَ لا يَتَعَرَّفُ بِذَلِكَ يَجُوزُ أنْ يَتَعَرَّفَ بِالإضافَةِ، إلّا الصِّفَةَ المُشَبَّهَةَ فَلا تَتَعَرَّفُ بِإضافَةٍ. ذَكَرَ ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ في كِتابِهِ، وقَلَّ مَن يَعْرِفُهُ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (عَلّامِ) عَلى المُبالَغَةِ والخَفْضِ، وتَقَدَّمَتْ قِراءَةُ ﴿يَعْزُبُ﴾ في يُونُسَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرُ﴾ بِرَفْعِ الرّاءَيْنِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ﴿مِثْقالَ﴾ [النساء: ٤٠] وأنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، والخَبَرُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا في كِتابٍ﴾ . وعَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ يَكُونُ ﴿إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ تَوْكِيدًا لِما تَضَمَّنَ النَّفْيَ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَعْزُبُ﴾ وتَقْدِيرُهُ: لَكِنَّهُ في كِتابٍ مُبِينٍ، وهو كِنايَةٌ عَنْ ضَبْطِ الشَّيْءِ والتَّحَفُّظِ بِهِ، فَكَأنَّهُ في كِتابٍ، ولَيْسَ ثَمَّ كِتابٌ حَقِيقَةً. وعَلى التَّخْرِيجِ الأوَّلِ يَكُونُ الكِتابُ هو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ. وقَرَأ الأعْمَشُ وقَتادَةُ: بِفَتْحِ الرّاءَيْنِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَطْفًا عَلى (ذَرَّةٍ) . ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وعَزاها أيْضًا إلى نافِعٍ، ولا يَتَعَيَّنُ ما قالَ، بَلْ تَكُونُ ”لا“ لِنَفْيِ الجِنْسِ، وهو مُبْتَدَأٌ، أعْنِي مَجْمُوعَ ”لا“ وما بُنِيَ مَعَها عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، والخَبَرُ ﴿إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ وهو مِن عَطْفِ الجُمَلِ، لا مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ، كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَوابًا لِسُؤالِ مَن قالَ: هَلْ جازَ عَطْفُ ﴿ولا أصْغَرُ﴾ عَلى ﴿مِثْقالُ﴾ وعَطْفُ ﴿ولا أصْغَرُ﴾ عَلى (ذَرَّةٍ) ؟ قُلْتُ: يَأْبى ذَلِكَ حَرْفُ الِاسْتِثْناءِ، إلّا إذا جَعَلْتَ الضَّمِيرَ في ”عَنْهُ“ لِلْغَيْبِ، وجَعَلْتَ الغَيْبَ اسْمًا لِلْخَفِيّاتِ قَبْلَ أنْ تُكْتَبَ في اللَّوْحِ؛ لِأنَّ إثْباتَها في اللَّوْحِ نَوْعٌ مِنَ البُرُوزِ عَنِ الحِجابِ عَلى مَعْنى أنَّهُ لا يَنْفَصِلُ عَنِ الغَيْبِ شَيْءٌ ولا يَزُولُ عَنْهُ إلّا مَسْطُورًا في اللَّوْحِ، انْتَهى. ولا يُحْتاجُ إلى هَذا التَّأْوِيلِ إذا جَعَلْنا الكِتابَ المُبِينَ لَيْسَ اللَّوْحَ المَحْفُوظَ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ”﴿ولا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرُ﴾“ بِخَفْضِ الرّاءَيْنِ بِالكَسْرَةِ، كَأنَّهُ نَوى مُضافًا إلَيْهِ مَحْذُوفًا، التَّقْدِيرُ: ولا أصْغَرِهِ ولا أكْبَرِهِ، ومِن ذَلِكَ لَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِأفْعَلَ، بَلْ هو بِتَبْيِينٍ؛ لِأنَّهُ لَمّا حَذَفَ المُضافَ إلَيْهِ أبْهَمَ لَفْظًا فَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: (مِن ذَلِكَ) أيْ: عَنى مِن ذَلِكَ، وقَدْ جاءَتْ مِن مَعَ كَوْنِ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ مُضافًا في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎نَحْنُ بِغَرْسِ الوَدِيِّ أعْلَمُنا ∗∗∗ مِنّا بِرَكْضِ الجِيادِ في السَّدَفِ وخُرِّجَ عَلى أنَّهُ أرادَ عِلْمٌ بِنا، فَأضافَ ناوِيًا طَرْحَ المُضافِ إلَيْهِ، فاحْتَمَلَتْ قِراءَةُ زَيْدٍ هَذا التَّوْجِيهَ الآخَرَ: أنَّهُ لَمّا أضافَ أصْغَرَ وأكْبَرَ عَلى إعْرابِهِما حالَةَ الإضافَةِ، وهَذا كُلُّهُ تَوْجِيهُ شُذُوذٍ، وناسَبَ وصْفَهُ تَعالى بِعالِمِ الغَيْبِ، وأنَّهُ لا يَفُوتُ عِلْمُهُ شَيْءٌ مِنَ الخَفِيّاتِ، فانْدَرَجَ في ذَلِكَ وقْتُ قِيامِ السّاعَةِ، وصارَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى صِحَّةِ ما أقْسَمَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ مَن كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ الأشْياءِ كُلِّها وجُزْئِها، وكانَتْ قُدْرَتُهُ ثابِتَةً، كانَ قادِرًا عَلى إعادَةِ ما فَنِيَ مِن جَمِيعِ الأرْواحِ والأشْباحِ. قِيلَ: وقَوْلُهُ ﴿مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ﴾ إشارَةٌ إلى عِلْمِهِ بِالأرْواحِ ﴿ولا في الأرْضِ﴾ إشارَةٌ إلى عِلْمِهِ بِالأشْياءِ. وكَما أبْرَزَهُما مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ أوَّلًا، فَكَذَلِكَ يُعِيدُهُما ثانِيًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَكُونُ بِمَعْنى اليَمِينِ مُصَحِّحَةً لِما أنْكَرُوهُ ؟ قُلْتُ: هَذا لَوِ اقْتَصَرَ عَلى اليَمِينِ ولَمْ يُتْبِعْها بِالحُجَّةِ القاطِعَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ فَقَدْ وضَعَ اللَّهُ في العُقُولِ ورَكَّبَ في الغَرائِزِ وُجُوبَ الجَزاءِ، وأنَّ المُحْسِنَ لا بُدَّ لَهُ مِن ثَوابٍ، والمُسِيءُ لا بُدَّ لَهُ مِن عِقابٍ، انْتَهى. وفي السُّؤالِ بَعْضُ اخْتِصارٍ، وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَعْزُبُ﴾ وقِيلَ: بِقَوْلِهِ ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ وقِيلَ: بِالعامِلِ ﴿فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: إلّا مُسْتَقِرًّا في كِتابٍ مُبِينٍ لِيَجْزِيَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”مُعْجِزِينَ“ مُخَفَّفًا، وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والجَحْدَرِيُّ وأبُو السِّماكِ: مُثَقَّلًا وتَقَدَّمَ في الحَجِّ، أيْ: مُعَجِّزِينَ قُدْرَةَ اللَّهِ في زَعْمِهِمْ. وقالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: مَعْناهُ مُثَبِّطِينَ عَنِ الإيمانِ مَن أرادَهُ، مُدْخِلِينَ عَلَيْهِ العَجْزَ (p-٢٥٩)فِي نَشاطِهِ، وهَذا هو سَعْيُهم في الآياتِ أيْ: في شَأْنِ الآياتِ. وقالَ قَتادَةُ: مُسابِقِينَ يَحْسَبُونَ أنَّهم يَفُوتُونَنا. وقالَ عِكْرِمَةُ: مُراغِمِينَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مُجاهِدِينَ في إبْطالِها. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: (ألِيمٌ) هُنا، وفي الجاثِيَةِ، بِالرَّفْعِ صِفَةً لِلْعَذابِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالجَرِّ صِفَةً لِلرِّجْزِ، والرِّجْزُ: العَذابُ السَّيِّئُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ سَعَوْا﴾ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ، وهي (أُولَئِكَ) . وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ عَطْفًا عَلى (الَّذِينَ آمَنُوا) أيْ: ولِيَجْزِيَ الَّذِينَ سَعَوْا. واحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَتانِ المُصَدَّرَتانِ بِـ: أُولَئِكَ، هُما نَفْسَ الثَّوابِ والعِقابِ، واحْتَمَلَ أنْ تَكُونا مُسْتَأْنَفَتَيْنِ، والثَّوابُ والعِقابُ ما تَضَمَّنَتا مِمّا هو أعْظَمُ، كَرِضا اللَّهِ عَنِ المُؤْمِنِ دائِمًا، وسُخْطِهِ عَلى الفاسِقِ دائِمًا. قالَ العُتْبِيُّ: والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَرى﴾ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَمَّنْ أُوتِيَ العِلْمَ، يَعْلَمُونَ القُرْآنَ المُنَزَّلَ عَلَيْكَ هو الحَقُّ. وقِيلَ: ﴿ويَرى﴾ مَنصُوبٌ عَطْفًا عَلى ﴿لِيَجْزِيَ﴾، وقالَهُ الطَّبَرِيُّ والثَّعْلَبِيُّ، وتَقَدَّمَ الخِلافُ في ﴿الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ في ذَلِكَ المَكانِ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ السُّورَةُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: ولِيَعْلَمَ أُولُو العِلْمِ عِنْدَ مَجِيءِ السّاعَةِ أنَّهُ الحَقُّ عِلْمًا لا يُزادُ عَلَيْهِ في الِاتِّفاقِ، ويَحْتَجُّوا بِهِ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا وتَوَلَّوْا. ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ: ولِيَعْلَمَ مَن لَمْ يُؤْمِن مِنَ الأخْيارِ أنَّهُ هو الحَقُّ، فَيَزْدادَ حَسْرَةً وغَمًّا. انْتَهى. وإنَّما قالَ: عِنْدَ مَجِيءِ السّاعَةِ؛ لِأنَّهُ عَلَّقَ ﴿لِيَجْزِيَ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ فَبَنى التَّخْرِيجَ عَلى ذَلِكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (الحَقَّ) بِالنَّصْبِ، مَفْعُولًا ثانِيًا لِـ: ”يَرى“، وهو فَصْلٌ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِالرَّفْعِ جَعَلَ (هو) مُبْتَدَأً و(الحَقُّ) خَبَرَهُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِـ: ”يَرى“، وهو لُغَةُ تَمِيمٍ، يَجْعَلُونَ ما هو فَصْلٌ عِنْدَ غَيْرِهِمْ مُبْتَدَأً، قالَهُ أبُو عُمَرَ الجَرْمِيُّ. والظّاهِرُ أنَّ الفاعِلَ لِـ: ”يَهْدِي“ هو ضَمِيرُ ﴿الَّذِي أُنْزِلَ﴾، وهو القُرْآنُ، وهو اسْتِئْنافُ إخْبارٍ. وقِيلَ: هو في مَوْضِعِ الحالِ عَلى إضْمارِ: ”وهو يَهْدِي“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (الحَقَّ)، عُطِفَ الفِعْلُ عَلى الِاسْمِ كَقَوْلِهِ: ﴿صافّاتٍ ويَقْبِضْنَ﴾ [الملك: ١٩] أيْ: قابِضاتٍ، كَما عُطِفَ الِاسْمُ عَلى الفِعْلِ في قَوْلِهِ: ؎فَألْفَيْتُهُ يَوْمًا يُبِيدُ عَدُوَّهُ ∗∗∗ وبَحْرَ عَطاءٍ يَسْتَحِفُّ المَعابِرا عُطِفَ ”وبَحْرَ“ عَلى ”يُبِيرُ“، وقِيلَ: الفاعِلُ بِـ: (يَهْدِي) ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى اللَّهِ، وفِيهِ بُعْدٌ. ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هم قُرَيْشٌ، قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَلى جِهَةِ التَّعَجُّبِ والِاسْتِهْزاءِ كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِمَن يُرِيدُ أنْ يُعَجِّبَهُ: هَلْ أدُلُّكَ عَلى قِصَّةٍ غَرِيبَةٍ نادِرَةٍ ؟ لَمّا كانَ البَعْثُ عِنْدَهم مِنَ المُحالِ، جَعَلُوا مَن يُخْبِرُ عَنْ وُقُوعِهِ في حَيِّزِ مَن يُتَعَجَّبُ مِنهُ، وأتَوْا بِاسْمِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - نَكِرَةً في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ﴾ ؟ وكانَ اسْمُهُ أشْهَرَ عَلَمٍ في قُرَيْشٍ، بَلْ في الدُّنْيا، وإخْبارُهُ بِالبَعْثِ أشْهَرُ خَبَرٍ؛ لِأنَّهم أخْرَجُوا ذَلِكَ مَخْرَجَ الِاسْتِهْزاءِ والتَّحَلِّي بِبَعْضِ الأحاجِيِّ المَعْمُولَةِ لِلتَّلَهِّي والتَّعْمِيَةِ، فَلِذَلِكَ نَكَّرُوا اسْمَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ بِالهَمْزِ؛ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِإبْدالِ الهَمْزَةِ ياءً مَحْضَةً. وحَكى عَنْهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: ”يُنْبِئُكم“، بِالهَمْزَةِ مِن أنْبَأ، و”إذا“ جَوابُها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: تُبْعَثُونَ، وحُذِفَ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، وهو العامِلُ ”إذا“ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ. وقالَ الزَّجّاجُ ذَلِكَ، وقالَ أيْضًا هو والنَّحّاسُ: العامِلُ ﴿مُزِّقْتُمْ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو خَطَأٌ وإفْسادٌ لِلْمَعْنى. ولَيْسَ بِخَطَأٍ ولا إفْسادٍ لِلْمَعْنى، وإذا الشَّرْطِيَّةُ مُخْتَلَفٌ في العامِلِ فِيها، وقَدْ بَيَّنّا ما كَتَبْناهُ في (شَرْحِ التَّسْهِيلِ) أنَّ الصَّحِيحَ أنْ يَعْمَلَ فِيها فِعْلُ الشَّرْطِ، كَسائِرِ أدَواتِ الشَّرْطِ. والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مَعْمُولَةً لِـ: (يُنَبِّئُكم)؛ لِأنَّهُ في مَعْنى ”يَقُولُ لَكم“: ﴿إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ . ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ: ﴿إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ مَعْمُولًا لِـ: ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ و﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ، ولَوْلا اللّامُ في خَبَرِ إنَّ لَكانَتْ مَفْتُوحَةً، فالجُمْلَةُ سَدَّتْ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ. والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ اعْتِراضٌ، وقَدْ مَنَعَ قَوْمٌ التَّعْلِيقَ في بابِ: اعْلَمْ، والصَّحِيحُ جَوازُهُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎حَذارِ فَقَدْ نُبِّئْتَ أنَّكَ لَلَّذِي ∗∗∗ سَتُجْزى بِما تَسْعى فَتَسْعَدُ أوْ تَشْقى (p-٢٦٠)و(مُمَزَّقٍ) مَصْدَرٌ جاءَ عَلى زِنَةِ اسْمِ المَفْعُولِ، عَلى القِياسِ في اسْمِ المَصْدَرِ مِن كُلِّ فِعْلٍ زائِدٍ عَلى الثَّلاثَةِ، كَقَوْلِهِ: ؎ألَمْ تَعْلَمْ مُسَرَّحِيَ القَوافِي ∗∗∗ فَلا عِيًّا بِهِنَّ ولا اجْتِلابا أيْ: تَسْرِيحِي القَوافِيَ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ ظَرْفَ مَكانٍ، أيْ: إذا مُزِّقْتُمْ في مَكانٍ مِنَ القُبُورِ وبُطُونِ الطَّيْرِ والسِّباعِ، وما ذَهَبَتْ بِهِ السُّيُولُ كُلَّ مَذْهَبٍ، وما نَسَفَتْهُ الرِّياحُ فَطَرَحَتْهُ كُلَّ مَطْرَحٍ. انْتَهى. و(جَدِيدٍ) عِنْدَ البَصْرِيِّينَ بِمَعْنى فاعِلٍ، تَقُولُ: جَدَّ فَهو جادٌّ وجَدِيدٌ، وبِمَعْنى مَفْعُولٍ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ مِن جَدَّهُ إذا قَطَعَهُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (أفْتَرى) مِن قَوْلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ أيْ: هو مُفْتَرٍ ﴿عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ فِيما يُنْسَبُ إلَيْهِ مِن أمْرِ البَعْثِ ﴿أمْ بِهِ﴾ جُنُونٌ يُوهِمُهُ ذَلِكَ ويُلْقِيهِ عَلى لِسانِهِ. عادَلُوا بَيْنَ الِافْتِراءِ والجُنُونِ؛ لِأنَّ هَذا القَوْلَ عِنْدَهم إنَّما يَصْدُرُ عَنْ أحَدِ هَذَيْنِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ يَعْتَقِدُ خِلافَ ما أُتِيَ بِهِ فَهو مُفْتَرٍ، وإنْ كانَ لا يَعْتَقِدُهُ فَهو مَجْنُونٌ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ السّامِعِ المُجِيبِ لِمَن قالَ: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ﴾ رَدَّدَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ ولَمْ يَجْزِمْ بِأحَدِهِما، حَيْثُ جَوَّزَ هَذا وجَوَّزَ هَذا، ولَمْ يَجْزِمْ بِأنَّهُ افْتِراءٌ مَحْضٌ؛ احْتِرازًا مِن أنْ يَنْسُبَ الكَذِبَ لِعاقِلٍ نِسْبَةً قَطْعِيَّةً، إذِ العاقِلُ حَتّى الكافِرِ لا يَرْضى بِالكَذِبِ، لا مِن نَفْسِهِ ولا مِن غَيْرِهِ، وأضْرَبَ تَعالى عَنْ مَقالَتِهِمْ، والمَعْنى: لَيْسَ لِلرَّسُولِ كَما نَسَبْتُمُ البَتَّةَ، بَلْ أنْتُمْ في عَذابِ النّارِ، أوْ في عَذابِ الدُّنْيا بِما تُكابِدُونَهُ مِن إبْطالِ الشَّرْعِ وهو بِحَقٍّ، وإطْفاءِ نُورِ اللَّهِ وهو مُتِمٌّ. ولَمّا كانَ الكَلامُ في البَعْثِ قالَ: ﴿بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ فَرَتَّبَ العَذابَ عَلى إنْكارِ البَعْثِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في وصْفِ الضَّلالِ بِالبُعْدِ، وهو مِن أوْصافِ المَحالِّ، اسْتُعِيرَ لِلْمَعْنى، ومَعْنى بَعْدَهُ: أنَّهُ لا يَنْقَضِي خَبَرُهُ المُتَلَبَّسُ بِهِ. ﴿أفَلَمْ يَرَوْا﴾ أيْ: هَؤُلاءِ الكُفّارُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ﴿إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ: حَيْثُ ما تَصَرَّفُوا، فالسَّماءُ والأرْضُ قَدْ أحاطَتا بِهِمْ، ولا يَقْدِرُونَ أنْ يَنْفُذُوا مِن أقْطارِهِما، ولا يَخْرُجُوا عَنْ مَلَكُوتِ اللَّهِ فِيهِما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أُعْمُوا فَلَمْ يَنْظُرُوا، جَعَلَ بَيْنَ الفاءِ والهَمْزَةِ فِعْلًا يَصِحُّ العَطْفُ عَلَيْهِ، وهو خِلافُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ النَّحْوِيُّونَ مِن أنَّهُ لا مَحْذُوفَ بَيْنَهُما، وأنَّ الفاءَ لِلْعَطْفِ عَلى ما قَبْلَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، وأنَّ التَّقْدِيرَ ”فَألَمْ“، لَكِنَّ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ لَمّا كانَ لَها الصَّدْرُ قُدِّمَتْ، وقَدْ رَجَعَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى مَذْهَبِ النَّحْوِيِّينَ في ذَلِكَ، وقَدْ رَدَدْنا عَلَيْهِ هَذا المَذْهَبَ فِيما كَتَبْناهُ في (شَرْحِ التَّسْهِيلِ) . وقَّفَهم تَعالى عَلى قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ، وحَذَّرَهم إحاطَتَها بِهِمْ عَلى سَبِيلِ الإهْلاكِ لَهم، وكانَ ثَمَّ حالٌ مَحْذُوفَةٌ، أيْ: أفَلا يَرَوْنَ إلى ما يُحِيطُ بِهِمْ مِن سَماءٍ وأرْضٍ مَقْهُورٍ تَحْتَ قُدْرَتِنا نَتَصَرَّفُ فِيهِ كَما نُرِيدُ ؟ ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ﴾ كَما فَعَلْنا بِقارُونَ ﴿أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ كَما فَعَلْنا بِأصْحابِ الظُّلَّةِ، أوْ ﴿أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ مُحِيطًا بِهِمْ، وهم مَقْهُورُونَ تَحْتَ قُدْرَتِنا ؟ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ النَّظَرِ إلى السَّماءِ والأرْضِ، والفِكْرِ فِيهِما، وما يَدُلّانِ عَلَيْهِ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ (لَآيَةً) لَعَلامَةً ودَلالَةً ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ راجِعٍ إلى رَبِّهِ، مُطِيعٍ لَهُ. قالَ مُجاهِدٌ: مُخْبِتٍ. وقالَ الضَّحّاكُ: مُسْتَقِيمٍ. وقالَ أبُو رَوْقٍ: مُخْلِصٍ في التَّوْحِيدِ. وقالَ قَتادَةُ: مُقْبِلٍ إلى رَبِّهِ بِقَلْبِهِ؛ لِأنَّ المُنِيبَ لا يَخْلُو مِنَ النَّظَرِ في آياتِ اللَّهِ عَلى أنَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِنَ البَعْثِ ومِن عِقابِهِ مَن يَكْفُرُ بِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ ونُسْقِطْ“ بِالنُّونِ في الثَّلاثَةِ؛ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، وعِيسى، والأعْمَشُ، وابْنُ مُطَرِّفٍ: بِالياءِ فِيهِنَّ؛ وأدْغَمَ الكِسائِيُّ الفاءَ في الباءِ في ”نَخْسِفْ بِهِمْ“ . قالَ أبُو عَلِيٍّ: وذَلِكَ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ الباءَ أضْعَفُ في الصَّوْتِ مِنَ الفاءِ، فَلا تُدْغَمُ فِيها، وإنْ كانَتِ الباءُ تُدْغَمُ في الفاءِ، نَحْوُ: ضَرَبَ فُلانًا، وهَذا ما تُدْغَمُ الباءُ في المِيمِ، كَقَوْلِكَ: اضْرِبْ مالِكًا، ولا تُدْغَمُ المِيمُ في الباءِ، كَقَوْلِكَ: اضْمُمْ بِكَ؛ لِأنَّ الباءَ انْحَطَّتْ عَنِ المِيمِ بِفَقْدِ الغُنَّةِ الَّتِي في المِيمِ. (p-٢٦١)وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَرَأ الكِسائِيُّ نَخْسِفْ بِهِمْ بِالإدْغامِ، ولَيْسَتْ بِقَوِيَّةٍ. انْتَهى. والقِراءَةُ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ، ويُوجَدُ فِيها الفَصِيحُ والأفْصَحُ، وكُلُّ ذَلِكَ مِن تَيْسِيرِهِ تَعالى القُرْآنَ لِلذِّكْرِ، فَلا التِفاتَ لِقَوْلِ أبِي عَلِيٍّ ولا الزَّمَخْشَرِيِّ.

سبأ 34:6

(سُورَةُ سَبَأٍ خَمْسٌ وخَمْسُونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ) ﷽ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ولَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ وهو الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها وهو الرَّحِيمُ الغَفُورُ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ قُلْ بَلى ورَبِّي لَتَأْتِيَنَّكم عالِمُ الغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ ولا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرُ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ ألِيمٍ﴾ ﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ هو الحَقَّ ويَهْدِي إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ في العَذابِ والضَّلالِ البَعِيدِ﴾ ﴿أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ . (p-٢٥٧)هَذِهِ السُّورَةُ قالَ في التَّحْرِيرِ: مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ: ﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَدَنِيَّةٌ فِيمَن أسْلَمَ مِن أهْلِ الكِتابِ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأشْباهِهِ. انْتَهى. وسَبَبُ نُزُولِها أنَّ أبا سُفْيانَ قالَ لِكُفّارِ مَكَّةَ، لَمّا سَمِعُوا ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ﴾ [الأحزاب: ٧٣]: إنَّ مُحَمَّدًا يَتَوَعَّدُنا بِالعَذابِ بَعْدَ أنْ نَمُوتَ، ويُخَوِّفُنا بِالبَعْثِ، واللّاتِ والعُزّى لا تَأْتِينا السّاعَةُ أبَدًا، ولا نُبْعَثُ. فَقالَ اللَّهُ: (قُلْ) يا مُحَمَّدُ ﴿بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧] قالَهُ مُقاتِلٌ، وباقِي السُّورَةِ تَهْدِيدٌ لَهم وتَخْوِيفٌ. ومَن ذَكَرَ هَذا السَّبَبَ ظَهَرَتِ المُناسَبَةُ بَيْنَ هَذِهِ السُّورَةِ والَّتِي قَبْلَها. ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ مُسْتَغْرِقٌ لِجَمِيعِ المَحامِدِ. ﴿ولَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ﴾ ظاهِرُهُ الِاسْتِغْراقُ. ولَمّا كانَتْ نِعْمَةُ الآخِرَةِ مُخْبَرًا بِها، غَيْرَ مَرْئِيَّةٍ لَنا في الدُّنْيا، ذَكَرَها لِيُقاسَ نِعَمُها بِنِعَمِ الدُّنْيا، قِياسَ الغائِبِ عَلى الشّاهِدِ، وإنِ اخْتَلَفا في الفَضِيلَةِ والدَّيْمُومَةِ. وقِيلَ: ”ألْ“ لِلْعَهْدِ والإشارَةِ إلى قَوْلِهِ: ﴿وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [يونس: ١٠] أوْ إلى قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الفَرْقُ بَيْنَ الحَمْدَيْنِ وُجُوبُ الحَمْدِ في الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ عَلى نِعَمِهِ مُتَفَضِّلٌ بِها، وهو الطَّرِيقُ إلى تَحْصِيلِ نِعْمَةِ الآخِرَةِ، وهي الثَّوابُ. وحَمْدُ الآخِرَةِ لَيْسَ بِواجِبٍ؛ لِأنَّهُ عَلى نِعْمَةٍ واجِبَةِ الِاتِّصالُ إلى مُسْتَحِقِّها، إنَّما هو تَتِمَّةُ سُرُورِ المُؤْمِنِينَ وتَكْمِلَةُ اغْتِباطِهِمْ يَلْتَذُّونَ بِهِ. انْتَهى، وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ﴾ مِنَ المِياهِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مِنَ الأمْواتِ والدَّفائِنِ. ﴿وما يَخْرُجُ مِنها﴾ مِنَ النَّباتِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مِن جَواهِرِ المَعادِنِ. ﴿وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ﴾ مِنَ المَطَرِ والثَّلْجِ والبَرَدِ والصّاعِقَةِ والرِّزْقِ والمَلَكِ. ﴿وما يَعْرُجُ فِيها﴾ مِن أعْمالِ الخَلْقِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: وما يَنْزِلُ مِنَ المَلائِكَةِ. وقِيلَ: مِنَ الأقْضِيَةِ والأحْوالِ والأدْعِيَةِ والأعْمالِ. وقِيلَ: مِنَ الأنْعامِ والعَطاءِ. وقَرَأ عَلِيٌّ والسُّلَمِيُّ: ”وما يُنْزَلُ“ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ النُّونِ وشَدِّ الزّايِ أيِ: اللَّهُ تَعالى. و(بَلى) جَوابٌ لِلنَّفْيِ السّابِقِ مِن قَوْلِهِمْ ﴿لا تَأْتِينا السّاعَةُ﴾ أيْ: بَلى لَتَأْتِيَنَّكم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ بِتاءِ التَّأْنِيثِ، أيِ: السّاعَةُ الَّتِي أنْكَرْتُمْ مَجِيئُها. وقَرَأ طَلْقٌ عَنْ أشْياخِهِ بِياءِ الغَيْبَةِ، أيْ: لَيَأْتِيَنَّكُمُ البَعْثُ؛ لِأنَّهُ مَقْصُودُهم مِن نَفْيِ السّاعَةِ أنَّهم لا يُبْعَثُونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ عَلى مَعْنى السّاعَةِ أيِ: اليَوْمَ، أوْ عَلى إسْنادِهِ إلى اللَّهِ عَلى مَعْنى لَيَأْتِيَنَّكم أمْرُ عالِمِ الغَيْبِ كَقَوْلِهِ: ﴿أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] أيْ: أمْرُهُ. ويَبْعُدُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ السّاعَةِ؛ لِأنَّهُ مَذْهُوبٌ بِهِ مَذْهَبَ التَّذْكِيرِ، لا يَكُونُ إلّا في الشِّعْرِ نَحْوُ قَوْلِهِ: ؎ولا أرْضَ أبْقَلَ إبْقالَها ثُمَّ أكَّدَ الجَوابَ بِالقَسَمِ عَلى البَعْثِ، وأتْبَعَ القَسَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿عالِمِ الغَيْبِ﴾ وما بَعْدَهُ، لِيُعْلَمَ أنَّ إنْباتَها مِنَ الغَيْبِ الَّذِي تَفَرَّدَ بِهِ تَعالى. وجاءَ القَسَمُ بِقَوْلِهِ: (ورَبِّي) مُضافًا إلى الرَّسُولِ ﷺ، لِيَدُلَّ عَلى شِدَّةِ القَسَمِ، إذْ لَمْ يَأْتِ بِهِ في الِاسْمِ المُشْتَرَكِ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن أنْكَرَ السّاعَةَ، وهو لَفْظُ اللَّهِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، ورُوَيْسٌ، وسَلامٌ، والجَحْدَرِيُّ، وقَعْنَبٌ: ”عالِمُ“ بِالرَّفْعِ عَلى إضْمارِ هو، وجَوَّزَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً (p-٢٥٨)والخَبَرُ ﴿لا يَعْزُبُ﴾ . وقالَ الحَوْفِيُّ: أوْ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: عالِمُ الغَيْبِ هو. وباقِي السَّبْعَةِ: (عالِمِ) بِالجَرِّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ: وذَلِكَ عَلى البَدَلِ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ صِفَةً، ويَعْنِي أنَّ (عالِمَ الغَيْبِ) يَجُوزُ أنْ يَتَعَرَّفَ، وكَذا كُلُّ ما أُضِيفَ إلى مَعْرِفَةٍ مِمّا كانَ لا يَتَعَرَّفُ بِذَلِكَ يَجُوزُ أنْ يَتَعَرَّفَ بِالإضافَةِ، إلّا الصِّفَةَ المُشَبَّهَةَ فَلا تَتَعَرَّفُ بِإضافَةٍ. ذَكَرَ ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ في كِتابِهِ، وقَلَّ مَن يَعْرِفُهُ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (عَلّامِ) عَلى المُبالَغَةِ والخَفْضِ، وتَقَدَّمَتْ قِراءَةُ ﴿يَعْزُبُ﴾ في يُونُسَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرُ﴾ بِرَفْعِ الرّاءَيْنِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ﴿مِثْقالَ﴾ [النساء: ٤٠] وأنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، والخَبَرُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا في كِتابٍ﴾ . وعَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ يَكُونُ ﴿إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ تَوْكِيدًا لِما تَضَمَّنَ النَّفْيَ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَعْزُبُ﴾ وتَقْدِيرُهُ: لَكِنَّهُ في كِتابٍ مُبِينٍ، وهو كِنايَةٌ عَنْ ضَبْطِ الشَّيْءِ والتَّحَفُّظِ بِهِ، فَكَأنَّهُ في كِتابٍ، ولَيْسَ ثَمَّ كِتابٌ حَقِيقَةً. وعَلى التَّخْرِيجِ الأوَّلِ يَكُونُ الكِتابُ هو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ. وقَرَأ الأعْمَشُ وقَتادَةُ: بِفَتْحِ الرّاءَيْنِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَطْفًا عَلى (ذَرَّةٍ) . ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وعَزاها أيْضًا إلى نافِعٍ، ولا يَتَعَيَّنُ ما قالَ، بَلْ تَكُونُ ”لا“ لِنَفْيِ الجِنْسِ، وهو مُبْتَدَأٌ، أعْنِي مَجْمُوعَ ”لا“ وما بُنِيَ مَعَها عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، والخَبَرُ ﴿إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ وهو مِن عَطْفِ الجُمَلِ، لا مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ، كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَوابًا لِسُؤالِ مَن قالَ: هَلْ جازَ عَطْفُ ﴿ولا أصْغَرُ﴾ عَلى ﴿مِثْقالُ﴾ وعَطْفُ ﴿ولا أصْغَرُ﴾ عَلى (ذَرَّةٍ) ؟ قُلْتُ: يَأْبى ذَلِكَ حَرْفُ الِاسْتِثْناءِ، إلّا إذا جَعَلْتَ الضَّمِيرَ في ”عَنْهُ“ لِلْغَيْبِ، وجَعَلْتَ الغَيْبَ اسْمًا لِلْخَفِيّاتِ قَبْلَ أنْ تُكْتَبَ في اللَّوْحِ؛ لِأنَّ إثْباتَها في اللَّوْحِ نَوْعٌ مِنَ البُرُوزِ عَنِ الحِجابِ عَلى مَعْنى أنَّهُ لا يَنْفَصِلُ عَنِ الغَيْبِ شَيْءٌ ولا يَزُولُ عَنْهُ إلّا مَسْطُورًا في اللَّوْحِ، انْتَهى. ولا يُحْتاجُ إلى هَذا التَّأْوِيلِ إذا جَعَلْنا الكِتابَ المُبِينَ لَيْسَ اللَّوْحَ المَحْفُوظَ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ”﴿ولا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرُ﴾“ بِخَفْضِ الرّاءَيْنِ بِالكَسْرَةِ، كَأنَّهُ نَوى مُضافًا إلَيْهِ مَحْذُوفًا، التَّقْدِيرُ: ولا أصْغَرِهِ ولا أكْبَرِهِ، ومِن ذَلِكَ لَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِأفْعَلَ، بَلْ هو بِتَبْيِينٍ؛ لِأنَّهُ لَمّا حَذَفَ المُضافَ إلَيْهِ أبْهَمَ لَفْظًا فَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: (مِن ذَلِكَ) أيْ: عَنى مِن ذَلِكَ، وقَدْ جاءَتْ مِن مَعَ كَوْنِ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ مُضافًا في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎نَحْنُ بِغَرْسِ الوَدِيِّ أعْلَمُنا ∗∗∗ مِنّا بِرَكْضِ الجِيادِ في السَّدَفِ وخُرِّجَ عَلى أنَّهُ أرادَ عِلْمٌ بِنا، فَأضافَ ناوِيًا طَرْحَ المُضافِ إلَيْهِ، فاحْتَمَلَتْ قِراءَةُ زَيْدٍ هَذا التَّوْجِيهَ الآخَرَ: أنَّهُ لَمّا أضافَ أصْغَرَ وأكْبَرَ عَلى إعْرابِهِما حالَةَ الإضافَةِ، وهَذا كُلُّهُ تَوْجِيهُ شُذُوذٍ، وناسَبَ وصْفَهُ تَعالى بِعالِمِ الغَيْبِ، وأنَّهُ لا يَفُوتُ عِلْمُهُ شَيْءٌ مِنَ الخَفِيّاتِ، فانْدَرَجَ في ذَلِكَ وقْتُ قِيامِ السّاعَةِ، وصارَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى صِحَّةِ ما أقْسَمَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ مَن كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ الأشْياءِ كُلِّها وجُزْئِها، وكانَتْ قُدْرَتُهُ ثابِتَةً، كانَ قادِرًا عَلى إعادَةِ ما فَنِيَ مِن جَمِيعِ الأرْواحِ والأشْباحِ. قِيلَ: وقَوْلُهُ ﴿مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ﴾ إشارَةٌ إلى عِلْمِهِ بِالأرْواحِ ﴿ولا في الأرْضِ﴾ إشارَةٌ إلى عِلْمِهِ بِالأشْياءِ. وكَما أبْرَزَهُما مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ أوَّلًا، فَكَذَلِكَ يُعِيدُهُما ثانِيًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَكُونُ بِمَعْنى اليَمِينِ مُصَحِّحَةً لِما أنْكَرُوهُ ؟ قُلْتُ: هَذا لَوِ اقْتَصَرَ عَلى اليَمِينِ ولَمْ يُتْبِعْها بِالحُجَّةِ القاطِعَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ فَقَدْ وضَعَ اللَّهُ في العُقُولِ ورَكَّبَ في الغَرائِزِ وُجُوبَ الجَزاءِ، وأنَّ المُحْسِنَ لا بُدَّ لَهُ مِن ثَوابٍ، والمُسِيءُ لا بُدَّ لَهُ مِن عِقابٍ، انْتَهى. وفي السُّؤالِ بَعْضُ اخْتِصارٍ، وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَعْزُبُ﴾ وقِيلَ: بِقَوْلِهِ ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ وقِيلَ: بِالعامِلِ ﴿فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: إلّا مُسْتَقِرًّا في كِتابٍ مُبِينٍ لِيَجْزِيَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”مُعْجِزِينَ“ مُخَفَّفًا، وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والجَحْدَرِيُّ وأبُو السِّماكِ: مُثَقَّلًا وتَقَدَّمَ في الحَجِّ، أيْ: مُعَجِّزِينَ قُدْرَةَ اللَّهِ في زَعْمِهِمْ. وقالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: مَعْناهُ مُثَبِّطِينَ عَنِ الإيمانِ مَن أرادَهُ، مُدْخِلِينَ عَلَيْهِ العَجْزَ (p-٢٥٩)فِي نَشاطِهِ، وهَذا هو سَعْيُهم في الآياتِ أيْ: في شَأْنِ الآياتِ. وقالَ قَتادَةُ: مُسابِقِينَ يَحْسَبُونَ أنَّهم يَفُوتُونَنا. وقالَ عِكْرِمَةُ: مُراغِمِينَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مُجاهِدِينَ في إبْطالِها. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: (ألِيمٌ) هُنا، وفي الجاثِيَةِ، بِالرَّفْعِ صِفَةً لِلْعَذابِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالجَرِّ صِفَةً لِلرِّجْزِ، والرِّجْزُ: العَذابُ السَّيِّئُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ سَعَوْا﴾ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ، وهي (أُولَئِكَ) . وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ عَطْفًا عَلى (الَّذِينَ آمَنُوا) أيْ: ولِيَجْزِيَ الَّذِينَ سَعَوْا. واحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَتانِ المُصَدَّرَتانِ بِـ: أُولَئِكَ، هُما نَفْسَ الثَّوابِ والعِقابِ، واحْتَمَلَ أنْ تَكُونا مُسْتَأْنَفَتَيْنِ، والثَّوابُ والعِقابُ ما تَضَمَّنَتا مِمّا هو أعْظَمُ، كَرِضا اللَّهِ عَنِ المُؤْمِنِ دائِمًا، وسُخْطِهِ عَلى الفاسِقِ دائِمًا. قالَ العُتْبِيُّ: والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَرى﴾ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَمَّنْ أُوتِيَ العِلْمَ، يَعْلَمُونَ القُرْآنَ المُنَزَّلَ عَلَيْكَ هو الحَقُّ. وقِيلَ: ﴿ويَرى﴾ مَنصُوبٌ عَطْفًا عَلى ﴿لِيَجْزِيَ﴾، وقالَهُ الطَّبَرِيُّ والثَّعْلَبِيُّ، وتَقَدَّمَ الخِلافُ في ﴿الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ في ذَلِكَ المَكانِ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ السُّورَةُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: ولِيَعْلَمَ أُولُو العِلْمِ عِنْدَ مَجِيءِ السّاعَةِ أنَّهُ الحَقُّ عِلْمًا لا يُزادُ عَلَيْهِ في الِاتِّفاقِ، ويَحْتَجُّوا بِهِ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا وتَوَلَّوْا. ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ: ولِيَعْلَمَ مَن لَمْ يُؤْمِن مِنَ الأخْيارِ أنَّهُ هو الحَقُّ، فَيَزْدادَ حَسْرَةً وغَمًّا. انْتَهى. وإنَّما قالَ: عِنْدَ مَجِيءِ السّاعَةِ؛ لِأنَّهُ عَلَّقَ ﴿لِيَجْزِيَ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ فَبَنى التَّخْرِيجَ عَلى ذَلِكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (الحَقَّ) بِالنَّصْبِ، مَفْعُولًا ثانِيًا لِـ: ”يَرى“، وهو فَصْلٌ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِالرَّفْعِ جَعَلَ (هو) مُبْتَدَأً و(الحَقُّ) خَبَرَهُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِـ: ”يَرى“، وهو لُغَةُ تَمِيمٍ، يَجْعَلُونَ ما هو فَصْلٌ عِنْدَ غَيْرِهِمْ مُبْتَدَأً، قالَهُ أبُو عُمَرَ الجَرْمِيُّ. والظّاهِرُ أنَّ الفاعِلَ لِـ: ”يَهْدِي“ هو ضَمِيرُ ﴿الَّذِي أُنْزِلَ﴾، وهو القُرْآنُ، وهو اسْتِئْنافُ إخْبارٍ. وقِيلَ: هو في مَوْضِعِ الحالِ عَلى إضْمارِ: ”وهو يَهْدِي“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (الحَقَّ)، عُطِفَ الفِعْلُ عَلى الِاسْمِ كَقَوْلِهِ: ﴿صافّاتٍ ويَقْبِضْنَ﴾ [الملك: ١٩] أيْ: قابِضاتٍ، كَما عُطِفَ الِاسْمُ عَلى الفِعْلِ في قَوْلِهِ: ؎فَألْفَيْتُهُ يَوْمًا يُبِيدُ عَدُوَّهُ ∗∗∗ وبَحْرَ عَطاءٍ يَسْتَحِفُّ المَعابِرا عُطِفَ ”وبَحْرَ“ عَلى ”يُبِيرُ“، وقِيلَ: الفاعِلُ بِـ: (يَهْدِي) ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى اللَّهِ، وفِيهِ بُعْدٌ. ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هم قُرَيْشٌ، قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَلى جِهَةِ التَّعَجُّبِ والِاسْتِهْزاءِ كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِمَن يُرِيدُ أنْ يُعَجِّبَهُ: هَلْ أدُلُّكَ عَلى قِصَّةٍ غَرِيبَةٍ نادِرَةٍ ؟ لَمّا كانَ البَعْثُ عِنْدَهم مِنَ المُحالِ، جَعَلُوا مَن يُخْبِرُ عَنْ وُقُوعِهِ في حَيِّزِ مَن يُتَعَجَّبُ مِنهُ، وأتَوْا بِاسْمِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - نَكِرَةً في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ﴾ ؟ وكانَ اسْمُهُ أشْهَرَ عَلَمٍ في قُرَيْشٍ، بَلْ في الدُّنْيا، وإخْبارُهُ بِالبَعْثِ أشْهَرُ خَبَرٍ؛ لِأنَّهم أخْرَجُوا ذَلِكَ مَخْرَجَ الِاسْتِهْزاءِ والتَّحَلِّي بِبَعْضِ الأحاجِيِّ المَعْمُولَةِ لِلتَّلَهِّي والتَّعْمِيَةِ، فَلِذَلِكَ نَكَّرُوا اسْمَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ بِالهَمْزِ؛ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِإبْدالِ الهَمْزَةِ ياءً مَحْضَةً. وحَكى عَنْهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: ”يُنْبِئُكم“، بِالهَمْزَةِ مِن أنْبَأ، و”إذا“ جَوابُها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: تُبْعَثُونَ، وحُذِفَ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، وهو العامِلُ ”إذا“ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ. وقالَ الزَّجّاجُ ذَلِكَ، وقالَ أيْضًا هو والنَّحّاسُ: العامِلُ ﴿مُزِّقْتُمْ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو خَطَأٌ وإفْسادٌ لِلْمَعْنى. ولَيْسَ بِخَطَأٍ ولا إفْسادٍ لِلْمَعْنى، وإذا الشَّرْطِيَّةُ مُخْتَلَفٌ في العامِلِ فِيها، وقَدْ بَيَّنّا ما كَتَبْناهُ في (شَرْحِ التَّسْهِيلِ) أنَّ الصَّحِيحَ أنْ يَعْمَلَ فِيها فِعْلُ الشَّرْطِ، كَسائِرِ أدَواتِ الشَّرْطِ. والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مَعْمُولَةً لِـ: (يُنَبِّئُكم)؛ لِأنَّهُ في مَعْنى ”يَقُولُ لَكم“: ﴿إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ . ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ: ﴿إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ مَعْمُولًا لِـ: ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ و﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ، ولَوْلا اللّامُ في خَبَرِ إنَّ لَكانَتْ مَفْتُوحَةً، فالجُمْلَةُ سَدَّتْ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ. والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ اعْتِراضٌ، وقَدْ مَنَعَ قَوْمٌ التَّعْلِيقَ في بابِ: اعْلَمْ، والصَّحِيحُ جَوازُهُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎حَذارِ فَقَدْ نُبِّئْتَ أنَّكَ لَلَّذِي ∗∗∗ سَتُجْزى بِما تَسْعى فَتَسْعَدُ أوْ تَشْقى (p-٢٦٠)و(مُمَزَّقٍ) مَصْدَرٌ جاءَ عَلى زِنَةِ اسْمِ المَفْعُولِ، عَلى القِياسِ في اسْمِ المَصْدَرِ مِن كُلِّ فِعْلٍ زائِدٍ عَلى الثَّلاثَةِ، كَقَوْلِهِ: ؎ألَمْ تَعْلَمْ مُسَرَّحِيَ القَوافِي ∗∗∗ فَلا عِيًّا بِهِنَّ ولا اجْتِلابا أيْ: تَسْرِيحِي القَوافِيَ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ ظَرْفَ مَكانٍ، أيْ: إذا مُزِّقْتُمْ في مَكانٍ مِنَ القُبُورِ وبُطُونِ الطَّيْرِ والسِّباعِ، وما ذَهَبَتْ بِهِ السُّيُولُ كُلَّ مَذْهَبٍ، وما نَسَفَتْهُ الرِّياحُ فَطَرَحَتْهُ كُلَّ مَطْرَحٍ. انْتَهى. و(جَدِيدٍ) عِنْدَ البَصْرِيِّينَ بِمَعْنى فاعِلٍ، تَقُولُ: جَدَّ فَهو جادٌّ وجَدِيدٌ، وبِمَعْنى مَفْعُولٍ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ مِن جَدَّهُ إذا قَطَعَهُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (أفْتَرى) مِن قَوْلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ أيْ: هو مُفْتَرٍ ﴿عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ فِيما يُنْسَبُ إلَيْهِ مِن أمْرِ البَعْثِ ﴿أمْ بِهِ﴾ جُنُونٌ يُوهِمُهُ ذَلِكَ ويُلْقِيهِ عَلى لِسانِهِ. عادَلُوا بَيْنَ الِافْتِراءِ والجُنُونِ؛ لِأنَّ هَذا القَوْلَ عِنْدَهم إنَّما يَصْدُرُ عَنْ أحَدِ هَذَيْنِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ يَعْتَقِدُ خِلافَ ما أُتِيَ بِهِ فَهو مُفْتَرٍ، وإنْ كانَ لا يَعْتَقِدُهُ فَهو مَجْنُونٌ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ السّامِعِ المُجِيبِ لِمَن قالَ: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ﴾ رَدَّدَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ ولَمْ يَجْزِمْ بِأحَدِهِما، حَيْثُ جَوَّزَ هَذا وجَوَّزَ هَذا، ولَمْ يَجْزِمْ بِأنَّهُ افْتِراءٌ مَحْضٌ؛ احْتِرازًا مِن أنْ يَنْسُبَ الكَذِبَ لِعاقِلٍ نِسْبَةً قَطْعِيَّةً، إذِ العاقِلُ حَتّى الكافِرِ لا يَرْضى بِالكَذِبِ، لا مِن نَفْسِهِ ولا مِن غَيْرِهِ، وأضْرَبَ تَعالى عَنْ مَقالَتِهِمْ، والمَعْنى: لَيْسَ لِلرَّسُولِ كَما نَسَبْتُمُ البَتَّةَ، بَلْ أنْتُمْ في عَذابِ النّارِ، أوْ في عَذابِ الدُّنْيا بِما تُكابِدُونَهُ مِن إبْطالِ الشَّرْعِ وهو بِحَقٍّ، وإطْفاءِ نُورِ اللَّهِ وهو مُتِمٌّ. ولَمّا كانَ الكَلامُ في البَعْثِ قالَ: ﴿بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ فَرَتَّبَ العَذابَ عَلى إنْكارِ البَعْثِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في وصْفِ الضَّلالِ بِالبُعْدِ، وهو مِن أوْصافِ المَحالِّ، اسْتُعِيرَ لِلْمَعْنى، ومَعْنى بَعْدَهُ: أنَّهُ لا يَنْقَضِي خَبَرُهُ المُتَلَبَّسُ بِهِ. ﴿أفَلَمْ يَرَوْا﴾ أيْ: هَؤُلاءِ الكُفّارُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ﴿إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ: حَيْثُ ما تَصَرَّفُوا، فالسَّماءُ والأرْضُ قَدْ أحاطَتا بِهِمْ، ولا يَقْدِرُونَ أنْ يَنْفُذُوا مِن أقْطارِهِما، ولا يَخْرُجُوا عَنْ مَلَكُوتِ اللَّهِ فِيهِما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أُعْمُوا فَلَمْ يَنْظُرُوا، جَعَلَ بَيْنَ الفاءِ والهَمْزَةِ فِعْلًا يَصِحُّ العَطْفُ عَلَيْهِ، وهو خِلافُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ النَّحْوِيُّونَ مِن أنَّهُ لا مَحْذُوفَ بَيْنَهُما، وأنَّ الفاءَ لِلْعَطْفِ عَلى ما قَبْلَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، وأنَّ التَّقْدِيرَ ”فَألَمْ“، لَكِنَّ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ لَمّا كانَ لَها الصَّدْرُ قُدِّمَتْ، وقَدْ رَجَعَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى مَذْهَبِ النَّحْوِيِّينَ في ذَلِكَ، وقَدْ رَدَدْنا عَلَيْهِ هَذا المَذْهَبَ فِيما كَتَبْناهُ في (شَرْحِ التَّسْهِيلِ) . وقَّفَهم تَعالى عَلى قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ، وحَذَّرَهم إحاطَتَها بِهِمْ عَلى سَبِيلِ الإهْلاكِ لَهم، وكانَ ثَمَّ حالٌ مَحْذُوفَةٌ، أيْ: أفَلا يَرَوْنَ إلى ما يُحِيطُ بِهِمْ مِن سَماءٍ وأرْضٍ مَقْهُورٍ تَحْتَ قُدْرَتِنا نَتَصَرَّفُ فِيهِ كَما نُرِيدُ ؟ ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ﴾ كَما فَعَلْنا بِقارُونَ ﴿أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ كَما فَعَلْنا بِأصْحابِ الظُّلَّةِ، أوْ ﴿أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ مُحِيطًا بِهِمْ، وهم مَقْهُورُونَ تَحْتَ قُدْرَتِنا ؟ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ النَّظَرِ إلى السَّماءِ والأرْضِ، والفِكْرِ فِيهِما، وما يَدُلّانِ عَلَيْهِ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ (لَآيَةً) لَعَلامَةً ودَلالَةً ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ راجِعٍ إلى رَبِّهِ، مُطِيعٍ لَهُ. قالَ مُجاهِدٌ: مُخْبِتٍ. وقالَ الضَّحّاكُ: مُسْتَقِيمٍ. وقالَ أبُو رَوْقٍ: مُخْلِصٍ في التَّوْحِيدِ. وقالَ قَتادَةُ: مُقْبِلٍ إلى رَبِّهِ بِقَلْبِهِ؛ لِأنَّ المُنِيبَ لا يَخْلُو مِنَ النَّظَرِ في آياتِ اللَّهِ عَلى أنَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِنَ البَعْثِ ومِن عِقابِهِ مَن يَكْفُرُ بِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ ونُسْقِطْ“ بِالنُّونِ في الثَّلاثَةِ؛ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، وعِيسى، والأعْمَشُ، وابْنُ مُطَرِّفٍ: بِالياءِ فِيهِنَّ؛ وأدْغَمَ الكِسائِيُّ الفاءَ في الباءِ في ”نَخْسِفْ بِهِمْ“ . قالَ أبُو عَلِيٍّ: وذَلِكَ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ الباءَ أضْعَفُ في الصَّوْتِ مِنَ الفاءِ، فَلا تُدْغَمُ فِيها، وإنْ كانَتِ الباءُ تُدْغَمُ في الفاءِ، نَحْوُ: ضَرَبَ فُلانًا، وهَذا ما تُدْغَمُ الباءُ في المِيمِ، كَقَوْلِكَ: اضْرِبْ مالِكًا، ولا تُدْغَمُ المِيمُ في الباءِ، كَقَوْلِكَ: اضْمُمْ بِكَ؛ لِأنَّ الباءَ انْحَطَّتْ عَنِ المِيمِ بِفَقْدِ الغُنَّةِ الَّتِي في المِيمِ. (p-٢٦١)وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَرَأ الكِسائِيُّ نَخْسِفْ بِهِمْ بِالإدْغامِ، ولَيْسَتْ بِقَوِيَّةٍ. انْتَهى. والقِراءَةُ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ، ويُوجَدُ فِيها الفَصِيحُ والأفْصَحُ، وكُلُّ ذَلِكَ مِن تَيْسِيرِهِ تَعالى القُرْآنَ لِلذِّكْرِ، فَلا التِفاتَ لِقَوْلِ أبِي عَلِيٍّ ولا الزَّمَخْشَرِيِّ.

سبأ 34:7

(سُورَةُ سَبَأٍ خَمْسٌ وخَمْسُونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ) ﷽ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ولَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ وهو الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها وهو الرَّحِيمُ الغَفُورُ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ قُلْ بَلى ورَبِّي لَتَأْتِيَنَّكم عالِمُ الغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ ولا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرُ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ ألِيمٍ﴾ ﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ هو الحَقَّ ويَهْدِي إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ في العَذابِ والضَّلالِ البَعِيدِ﴾ ﴿أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ . (p-٢٥٧)هَذِهِ السُّورَةُ قالَ في التَّحْرِيرِ: مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ: ﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَدَنِيَّةٌ فِيمَن أسْلَمَ مِن أهْلِ الكِتابِ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأشْباهِهِ. انْتَهى. وسَبَبُ نُزُولِها أنَّ أبا سُفْيانَ قالَ لِكُفّارِ مَكَّةَ، لَمّا سَمِعُوا ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ﴾ [الأحزاب: ٧٣]: إنَّ مُحَمَّدًا يَتَوَعَّدُنا بِالعَذابِ بَعْدَ أنْ نَمُوتَ، ويُخَوِّفُنا بِالبَعْثِ، واللّاتِ والعُزّى لا تَأْتِينا السّاعَةُ أبَدًا، ولا نُبْعَثُ. فَقالَ اللَّهُ: (قُلْ) يا مُحَمَّدُ ﴿بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧] قالَهُ مُقاتِلٌ، وباقِي السُّورَةِ تَهْدِيدٌ لَهم وتَخْوِيفٌ. ومَن ذَكَرَ هَذا السَّبَبَ ظَهَرَتِ المُناسَبَةُ بَيْنَ هَذِهِ السُّورَةِ والَّتِي قَبْلَها. ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ مُسْتَغْرِقٌ لِجَمِيعِ المَحامِدِ. ﴿ولَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ﴾ ظاهِرُهُ الِاسْتِغْراقُ. ولَمّا كانَتْ نِعْمَةُ الآخِرَةِ مُخْبَرًا بِها، غَيْرَ مَرْئِيَّةٍ لَنا في الدُّنْيا، ذَكَرَها لِيُقاسَ نِعَمُها بِنِعَمِ الدُّنْيا، قِياسَ الغائِبِ عَلى الشّاهِدِ، وإنِ اخْتَلَفا في الفَضِيلَةِ والدَّيْمُومَةِ. وقِيلَ: ”ألْ“ لِلْعَهْدِ والإشارَةِ إلى قَوْلِهِ: ﴿وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [يونس: ١٠] أوْ إلى قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الفَرْقُ بَيْنَ الحَمْدَيْنِ وُجُوبُ الحَمْدِ في الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ عَلى نِعَمِهِ مُتَفَضِّلٌ بِها، وهو الطَّرِيقُ إلى تَحْصِيلِ نِعْمَةِ الآخِرَةِ، وهي الثَّوابُ. وحَمْدُ الآخِرَةِ لَيْسَ بِواجِبٍ؛ لِأنَّهُ عَلى نِعْمَةٍ واجِبَةِ الِاتِّصالُ إلى مُسْتَحِقِّها، إنَّما هو تَتِمَّةُ سُرُورِ المُؤْمِنِينَ وتَكْمِلَةُ اغْتِباطِهِمْ يَلْتَذُّونَ بِهِ. انْتَهى، وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ﴾ مِنَ المِياهِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مِنَ الأمْواتِ والدَّفائِنِ. ﴿وما يَخْرُجُ مِنها﴾ مِنَ النَّباتِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مِن جَواهِرِ المَعادِنِ. ﴿وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ﴾ مِنَ المَطَرِ والثَّلْجِ والبَرَدِ والصّاعِقَةِ والرِّزْقِ والمَلَكِ. ﴿وما يَعْرُجُ فِيها﴾ مِن أعْمالِ الخَلْقِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: وما يَنْزِلُ مِنَ المَلائِكَةِ. وقِيلَ: مِنَ الأقْضِيَةِ والأحْوالِ والأدْعِيَةِ والأعْمالِ. وقِيلَ: مِنَ الأنْعامِ والعَطاءِ. وقَرَأ عَلِيٌّ والسُّلَمِيُّ: ”وما يُنْزَلُ“ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ النُّونِ وشَدِّ الزّايِ أيِ: اللَّهُ تَعالى. و(بَلى) جَوابٌ لِلنَّفْيِ السّابِقِ مِن قَوْلِهِمْ ﴿لا تَأْتِينا السّاعَةُ﴾ أيْ: بَلى لَتَأْتِيَنَّكم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ بِتاءِ التَّأْنِيثِ، أيِ: السّاعَةُ الَّتِي أنْكَرْتُمْ مَجِيئُها. وقَرَأ طَلْقٌ عَنْ أشْياخِهِ بِياءِ الغَيْبَةِ، أيْ: لَيَأْتِيَنَّكُمُ البَعْثُ؛ لِأنَّهُ مَقْصُودُهم مِن نَفْيِ السّاعَةِ أنَّهم لا يُبْعَثُونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ عَلى مَعْنى السّاعَةِ أيِ: اليَوْمَ، أوْ عَلى إسْنادِهِ إلى اللَّهِ عَلى مَعْنى لَيَأْتِيَنَّكم أمْرُ عالِمِ الغَيْبِ كَقَوْلِهِ: ﴿أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] أيْ: أمْرُهُ. ويَبْعُدُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ السّاعَةِ؛ لِأنَّهُ مَذْهُوبٌ بِهِ مَذْهَبَ التَّذْكِيرِ، لا يَكُونُ إلّا في الشِّعْرِ نَحْوُ قَوْلِهِ: ؎ولا أرْضَ أبْقَلَ إبْقالَها ثُمَّ أكَّدَ الجَوابَ بِالقَسَمِ عَلى البَعْثِ، وأتْبَعَ القَسَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿عالِمِ الغَيْبِ﴾ وما بَعْدَهُ، لِيُعْلَمَ أنَّ إنْباتَها مِنَ الغَيْبِ الَّذِي تَفَرَّدَ بِهِ تَعالى. وجاءَ القَسَمُ بِقَوْلِهِ: (ورَبِّي) مُضافًا إلى الرَّسُولِ ﷺ، لِيَدُلَّ عَلى شِدَّةِ القَسَمِ، إذْ لَمْ يَأْتِ بِهِ في الِاسْمِ المُشْتَرَكِ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن أنْكَرَ السّاعَةَ، وهو لَفْظُ اللَّهِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، ورُوَيْسٌ، وسَلامٌ، والجَحْدَرِيُّ، وقَعْنَبٌ: ”عالِمُ“ بِالرَّفْعِ عَلى إضْمارِ هو، وجَوَّزَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً (p-٢٥٨)والخَبَرُ ﴿لا يَعْزُبُ﴾ . وقالَ الحَوْفِيُّ: أوْ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: عالِمُ الغَيْبِ هو. وباقِي السَّبْعَةِ: (عالِمِ) بِالجَرِّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ: وذَلِكَ عَلى البَدَلِ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ صِفَةً، ويَعْنِي أنَّ (عالِمَ الغَيْبِ) يَجُوزُ أنْ يَتَعَرَّفَ، وكَذا كُلُّ ما أُضِيفَ إلى مَعْرِفَةٍ مِمّا كانَ لا يَتَعَرَّفُ بِذَلِكَ يَجُوزُ أنْ يَتَعَرَّفَ بِالإضافَةِ، إلّا الصِّفَةَ المُشَبَّهَةَ فَلا تَتَعَرَّفُ بِإضافَةٍ. ذَكَرَ ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ في كِتابِهِ، وقَلَّ مَن يَعْرِفُهُ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (عَلّامِ) عَلى المُبالَغَةِ والخَفْضِ، وتَقَدَّمَتْ قِراءَةُ ﴿يَعْزُبُ﴾ في يُونُسَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرُ﴾ بِرَفْعِ الرّاءَيْنِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ﴿مِثْقالَ﴾ [النساء: ٤٠] وأنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، والخَبَرُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا في كِتابٍ﴾ . وعَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ يَكُونُ ﴿إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ تَوْكِيدًا لِما تَضَمَّنَ النَّفْيَ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَعْزُبُ﴾ وتَقْدِيرُهُ: لَكِنَّهُ في كِتابٍ مُبِينٍ، وهو كِنايَةٌ عَنْ ضَبْطِ الشَّيْءِ والتَّحَفُّظِ بِهِ، فَكَأنَّهُ في كِتابٍ، ولَيْسَ ثَمَّ كِتابٌ حَقِيقَةً. وعَلى التَّخْرِيجِ الأوَّلِ يَكُونُ الكِتابُ هو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ. وقَرَأ الأعْمَشُ وقَتادَةُ: بِفَتْحِ الرّاءَيْنِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَطْفًا عَلى (ذَرَّةٍ) . ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وعَزاها أيْضًا إلى نافِعٍ، ولا يَتَعَيَّنُ ما قالَ، بَلْ تَكُونُ ”لا“ لِنَفْيِ الجِنْسِ، وهو مُبْتَدَأٌ، أعْنِي مَجْمُوعَ ”لا“ وما بُنِيَ مَعَها عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، والخَبَرُ ﴿إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ وهو مِن عَطْفِ الجُمَلِ، لا مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ، كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَوابًا لِسُؤالِ مَن قالَ: هَلْ جازَ عَطْفُ ﴿ولا أصْغَرُ﴾ عَلى ﴿مِثْقالُ﴾ وعَطْفُ ﴿ولا أصْغَرُ﴾ عَلى (ذَرَّةٍ) ؟ قُلْتُ: يَأْبى ذَلِكَ حَرْفُ الِاسْتِثْناءِ، إلّا إذا جَعَلْتَ الضَّمِيرَ في ”عَنْهُ“ لِلْغَيْبِ، وجَعَلْتَ الغَيْبَ اسْمًا لِلْخَفِيّاتِ قَبْلَ أنْ تُكْتَبَ في اللَّوْحِ؛ لِأنَّ إثْباتَها في اللَّوْحِ نَوْعٌ مِنَ البُرُوزِ عَنِ الحِجابِ عَلى مَعْنى أنَّهُ لا يَنْفَصِلُ عَنِ الغَيْبِ شَيْءٌ ولا يَزُولُ عَنْهُ إلّا مَسْطُورًا في اللَّوْحِ، انْتَهى. ولا يُحْتاجُ إلى هَذا التَّأْوِيلِ إذا جَعَلْنا الكِتابَ المُبِينَ لَيْسَ اللَّوْحَ المَحْفُوظَ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ”﴿ولا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرُ﴾“ بِخَفْضِ الرّاءَيْنِ بِالكَسْرَةِ، كَأنَّهُ نَوى مُضافًا إلَيْهِ مَحْذُوفًا، التَّقْدِيرُ: ولا أصْغَرِهِ ولا أكْبَرِهِ، ومِن ذَلِكَ لَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِأفْعَلَ، بَلْ هو بِتَبْيِينٍ؛ لِأنَّهُ لَمّا حَذَفَ المُضافَ إلَيْهِ أبْهَمَ لَفْظًا فَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: (مِن ذَلِكَ) أيْ: عَنى مِن ذَلِكَ، وقَدْ جاءَتْ مِن مَعَ كَوْنِ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ مُضافًا في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎نَحْنُ بِغَرْسِ الوَدِيِّ أعْلَمُنا ∗∗∗ مِنّا بِرَكْضِ الجِيادِ في السَّدَفِ وخُرِّجَ عَلى أنَّهُ أرادَ عِلْمٌ بِنا، فَأضافَ ناوِيًا طَرْحَ المُضافِ إلَيْهِ، فاحْتَمَلَتْ قِراءَةُ زَيْدٍ هَذا التَّوْجِيهَ الآخَرَ: أنَّهُ لَمّا أضافَ أصْغَرَ وأكْبَرَ عَلى إعْرابِهِما حالَةَ الإضافَةِ، وهَذا كُلُّهُ تَوْجِيهُ شُذُوذٍ، وناسَبَ وصْفَهُ تَعالى بِعالِمِ الغَيْبِ، وأنَّهُ لا يَفُوتُ عِلْمُهُ شَيْءٌ مِنَ الخَفِيّاتِ، فانْدَرَجَ في ذَلِكَ وقْتُ قِيامِ السّاعَةِ، وصارَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى صِحَّةِ ما أقْسَمَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ مَن كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ الأشْياءِ كُلِّها وجُزْئِها، وكانَتْ قُدْرَتُهُ ثابِتَةً، كانَ قادِرًا عَلى إعادَةِ ما فَنِيَ مِن جَمِيعِ الأرْواحِ والأشْباحِ. قِيلَ: وقَوْلُهُ ﴿مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ﴾ إشارَةٌ إلى عِلْمِهِ بِالأرْواحِ ﴿ولا في الأرْضِ﴾ إشارَةٌ إلى عِلْمِهِ بِالأشْياءِ. وكَما أبْرَزَهُما مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ أوَّلًا، فَكَذَلِكَ يُعِيدُهُما ثانِيًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَكُونُ بِمَعْنى اليَمِينِ مُصَحِّحَةً لِما أنْكَرُوهُ ؟ قُلْتُ: هَذا لَوِ اقْتَصَرَ عَلى اليَمِينِ ولَمْ يُتْبِعْها بِالحُجَّةِ القاطِعَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ فَقَدْ وضَعَ اللَّهُ في العُقُولِ ورَكَّبَ في الغَرائِزِ وُجُوبَ الجَزاءِ، وأنَّ المُحْسِنَ لا بُدَّ لَهُ مِن ثَوابٍ، والمُسِيءُ لا بُدَّ لَهُ مِن عِقابٍ، انْتَهى. وفي السُّؤالِ بَعْضُ اخْتِصارٍ، وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَعْزُبُ﴾ وقِيلَ: بِقَوْلِهِ ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ وقِيلَ: بِالعامِلِ ﴿فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: إلّا مُسْتَقِرًّا في كِتابٍ مُبِينٍ لِيَجْزِيَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”مُعْجِزِينَ“ مُخَفَّفًا، وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والجَحْدَرِيُّ وأبُو السِّماكِ: مُثَقَّلًا وتَقَدَّمَ في الحَجِّ، أيْ: مُعَجِّزِينَ قُدْرَةَ اللَّهِ في زَعْمِهِمْ. وقالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: مَعْناهُ مُثَبِّطِينَ عَنِ الإيمانِ مَن أرادَهُ، مُدْخِلِينَ عَلَيْهِ العَجْزَ (p-٢٥٩)فِي نَشاطِهِ، وهَذا هو سَعْيُهم في الآياتِ أيْ: في شَأْنِ الآياتِ. وقالَ قَتادَةُ: مُسابِقِينَ يَحْسَبُونَ أنَّهم يَفُوتُونَنا. وقالَ عِكْرِمَةُ: مُراغِمِينَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مُجاهِدِينَ في إبْطالِها. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: (ألِيمٌ) هُنا، وفي الجاثِيَةِ، بِالرَّفْعِ صِفَةً لِلْعَذابِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالجَرِّ صِفَةً لِلرِّجْزِ، والرِّجْزُ: العَذابُ السَّيِّئُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ سَعَوْا﴾ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ، وهي (أُولَئِكَ) . وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ عَطْفًا عَلى (الَّذِينَ آمَنُوا) أيْ: ولِيَجْزِيَ الَّذِينَ سَعَوْا. واحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَتانِ المُصَدَّرَتانِ بِـ: أُولَئِكَ، هُما نَفْسَ الثَّوابِ والعِقابِ، واحْتَمَلَ أنْ تَكُونا مُسْتَأْنَفَتَيْنِ، والثَّوابُ والعِقابُ ما تَضَمَّنَتا مِمّا هو أعْظَمُ، كَرِضا اللَّهِ عَنِ المُؤْمِنِ دائِمًا، وسُخْطِهِ عَلى الفاسِقِ دائِمًا. قالَ العُتْبِيُّ: والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَرى﴾ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَمَّنْ أُوتِيَ العِلْمَ، يَعْلَمُونَ القُرْآنَ المُنَزَّلَ عَلَيْكَ هو الحَقُّ. وقِيلَ: ﴿ويَرى﴾ مَنصُوبٌ عَطْفًا عَلى ﴿لِيَجْزِيَ﴾، وقالَهُ الطَّبَرِيُّ والثَّعْلَبِيُّ، وتَقَدَّمَ الخِلافُ في ﴿الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ في ذَلِكَ المَكانِ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ السُّورَةُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: ولِيَعْلَمَ أُولُو العِلْمِ عِنْدَ مَجِيءِ السّاعَةِ أنَّهُ الحَقُّ عِلْمًا لا يُزادُ عَلَيْهِ في الِاتِّفاقِ، ويَحْتَجُّوا بِهِ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا وتَوَلَّوْا. ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ: ولِيَعْلَمَ مَن لَمْ يُؤْمِن مِنَ الأخْيارِ أنَّهُ هو الحَقُّ، فَيَزْدادَ حَسْرَةً وغَمًّا. انْتَهى. وإنَّما قالَ: عِنْدَ مَجِيءِ السّاعَةِ؛ لِأنَّهُ عَلَّقَ ﴿لِيَجْزِيَ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ فَبَنى التَّخْرِيجَ عَلى ذَلِكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (الحَقَّ) بِالنَّصْبِ، مَفْعُولًا ثانِيًا لِـ: ”يَرى“، وهو فَصْلٌ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِالرَّفْعِ جَعَلَ (هو) مُبْتَدَأً و(الحَقُّ) خَبَرَهُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِـ: ”يَرى“، وهو لُغَةُ تَمِيمٍ، يَجْعَلُونَ ما هو فَصْلٌ عِنْدَ غَيْرِهِمْ مُبْتَدَأً، قالَهُ أبُو عُمَرَ الجَرْمِيُّ. والظّاهِرُ أنَّ الفاعِلَ لِـ: ”يَهْدِي“ هو ضَمِيرُ ﴿الَّذِي أُنْزِلَ﴾، وهو القُرْآنُ، وهو اسْتِئْنافُ إخْبارٍ. وقِيلَ: هو في مَوْضِعِ الحالِ عَلى إضْمارِ: ”وهو يَهْدِي“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (الحَقَّ)، عُطِفَ الفِعْلُ عَلى الِاسْمِ كَقَوْلِهِ: ﴿صافّاتٍ ويَقْبِضْنَ﴾ [الملك: ١٩] أيْ: قابِضاتٍ، كَما عُطِفَ الِاسْمُ عَلى الفِعْلِ في قَوْلِهِ: ؎فَألْفَيْتُهُ يَوْمًا يُبِيدُ عَدُوَّهُ ∗∗∗ وبَحْرَ عَطاءٍ يَسْتَحِفُّ المَعابِرا عُطِفَ ”وبَحْرَ“ عَلى ”يُبِيرُ“، وقِيلَ: الفاعِلُ بِـ: (يَهْدِي) ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى اللَّهِ، وفِيهِ بُعْدٌ. ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هم قُرَيْشٌ، قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَلى جِهَةِ التَّعَجُّبِ والِاسْتِهْزاءِ كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِمَن يُرِيدُ أنْ يُعَجِّبَهُ: هَلْ أدُلُّكَ عَلى قِصَّةٍ غَرِيبَةٍ نادِرَةٍ ؟ لَمّا كانَ البَعْثُ عِنْدَهم مِنَ المُحالِ، جَعَلُوا مَن يُخْبِرُ عَنْ وُقُوعِهِ في حَيِّزِ مَن يُتَعَجَّبُ مِنهُ، وأتَوْا بِاسْمِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - نَكِرَةً في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ﴾ ؟ وكانَ اسْمُهُ أشْهَرَ عَلَمٍ في قُرَيْشٍ، بَلْ في الدُّنْيا، وإخْبارُهُ بِالبَعْثِ أشْهَرُ خَبَرٍ؛ لِأنَّهم أخْرَجُوا ذَلِكَ مَخْرَجَ الِاسْتِهْزاءِ والتَّحَلِّي بِبَعْضِ الأحاجِيِّ المَعْمُولَةِ لِلتَّلَهِّي والتَّعْمِيَةِ، فَلِذَلِكَ نَكَّرُوا اسْمَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ بِالهَمْزِ؛ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِإبْدالِ الهَمْزَةِ ياءً مَحْضَةً. وحَكى عَنْهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: ”يُنْبِئُكم“، بِالهَمْزَةِ مِن أنْبَأ، و”إذا“ جَوابُها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: تُبْعَثُونَ، وحُذِفَ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، وهو العامِلُ ”إذا“ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ. وقالَ الزَّجّاجُ ذَلِكَ، وقالَ أيْضًا هو والنَّحّاسُ: العامِلُ ﴿مُزِّقْتُمْ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو خَطَأٌ وإفْسادٌ لِلْمَعْنى. ولَيْسَ بِخَطَأٍ ولا إفْسادٍ لِلْمَعْنى، وإذا الشَّرْطِيَّةُ مُخْتَلَفٌ في العامِلِ فِيها، وقَدْ بَيَّنّا ما كَتَبْناهُ في (شَرْحِ التَّسْهِيلِ) أنَّ الصَّحِيحَ أنْ يَعْمَلَ فِيها فِعْلُ الشَّرْطِ، كَسائِرِ أدَواتِ الشَّرْطِ. والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مَعْمُولَةً لِـ: (يُنَبِّئُكم)؛ لِأنَّهُ في مَعْنى ”يَقُولُ لَكم“: ﴿إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ . ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ: ﴿إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ مَعْمُولًا لِـ: ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ و﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ، ولَوْلا اللّامُ في خَبَرِ إنَّ لَكانَتْ مَفْتُوحَةً، فالجُمْلَةُ سَدَّتْ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ. والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ اعْتِراضٌ، وقَدْ مَنَعَ قَوْمٌ التَّعْلِيقَ في بابِ: اعْلَمْ، والصَّحِيحُ جَوازُهُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎حَذارِ فَقَدْ نُبِّئْتَ أنَّكَ لَلَّذِي ∗∗∗ سَتُجْزى بِما تَسْعى فَتَسْعَدُ أوْ تَشْقى (p-٢٦٠)و(مُمَزَّقٍ) مَصْدَرٌ جاءَ عَلى زِنَةِ اسْمِ المَفْعُولِ، عَلى القِياسِ في اسْمِ المَصْدَرِ مِن كُلِّ فِعْلٍ زائِدٍ عَلى الثَّلاثَةِ، كَقَوْلِهِ: ؎ألَمْ تَعْلَمْ مُسَرَّحِيَ القَوافِي ∗∗∗ فَلا عِيًّا بِهِنَّ ولا اجْتِلابا أيْ: تَسْرِيحِي القَوافِيَ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ ظَرْفَ مَكانٍ، أيْ: إذا مُزِّقْتُمْ في مَكانٍ مِنَ القُبُورِ وبُطُونِ الطَّيْرِ والسِّباعِ، وما ذَهَبَتْ بِهِ السُّيُولُ كُلَّ مَذْهَبٍ، وما نَسَفَتْهُ الرِّياحُ فَطَرَحَتْهُ كُلَّ مَطْرَحٍ. انْتَهى. و(جَدِيدٍ) عِنْدَ البَصْرِيِّينَ بِمَعْنى فاعِلٍ، تَقُولُ: جَدَّ فَهو جادٌّ وجَدِيدٌ، وبِمَعْنى مَفْعُولٍ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ مِن جَدَّهُ إذا قَطَعَهُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (أفْتَرى) مِن قَوْلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ أيْ: هو مُفْتَرٍ ﴿عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ فِيما يُنْسَبُ إلَيْهِ مِن أمْرِ البَعْثِ ﴿أمْ بِهِ﴾ جُنُونٌ يُوهِمُهُ ذَلِكَ ويُلْقِيهِ عَلى لِسانِهِ. عادَلُوا بَيْنَ الِافْتِراءِ والجُنُونِ؛ لِأنَّ هَذا القَوْلَ عِنْدَهم إنَّما يَصْدُرُ عَنْ أحَدِ هَذَيْنِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ يَعْتَقِدُ خِلافَ ما أُتِيَ بِهِ فَهو مُفْتَرٍ، وإنْ كانَ لا يَعْتَقِدُهُ فَهو مَجْنُونٌ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ السّامِعِ المُجِيبِ لِمَن قالَ: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ﴾ رَدَّدَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ ولَمْ يَجْزِمْ بِأحَدِهِما، حَيْثُ جَوَّزَ هَذا وجَوَّزَ هَذا، ولَمْ يَجْزِمْ بِأنَّهُ افْتِراءٌ مَحْضٌ؛ احْتِرازًا مِن أنْ يَنْسُبَ الكَذِبَ لِعاقِلٍ نِسْبَةً قَطْعِيَّةً، إذِ العاقِلُ حَتّى الكافِرِ لا يَرْضى بِالكَذِبِ، لا مِن نَفْسِهِ ولا مِن غَيْرِهِ، وأضْرَبَ تَعالى عَنْ مَقالَتِهِمْ، والمَعْنى: لَيْسَ لِلرَّسُولِ كَما نَسَبْتُمُ البَتَّةَ، بَلْ أنْتُمْ في عَذابِ النّارِ، أوْ في عَذابِ الدُّنْيا بِما تُكابِدُونَهُ مِن إبْطالِ الشَّرْعِ وهو بِحَقٍّ، وإطْفاءِ نُورِ اللَّهِ وهو مُتِمٌّ. ولَمّا كانَ الكَلامُ في البَعْثِ قالَ: ﴿بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ فَرَتَّبَ العَذابَ عَلى إنْكارِ البَعْثِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في وصْفِ الضَّلالِ بِالبُعْدِ، وهو مِن أوْصافِ المَحالِّ، اسْتُعِيرَ لِلْمَعْنى، ومَعْنى بَعْدَهُ: أنَّهُ لا يَنْقَضِي خَبَرُهُ المُتَلَبَّسُ بِهِ. ﴿أفَلَمْ يَرَوْا﴾ أيْ: هَؤُلاءِ الكُفّارُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ﴿إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ: حَيْثُ ما تَصَرَّفُوا، فالسَّماءُ والأرْضُ قَدْ أحاطَتا بِهِمْ، ولا يَقْدِرُونَ أنْ يَنْفُذُوا مِن أقْطارِهِما، ولا يَخْرُجُوا عَنْ مَلَكُوتِ اللَّهِ فِيهِما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أُعْمُوا فَلَمْ يَنْظُرُوا، جَعَلَ بَيْنَ الفاءِ والهَمْزَةِ فِعْلًا يَصِحُّ العَطْفُ عَلَيْهِ، وهو خِلافُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ النَّحْوِيُّونَ مِن أنَّهُ لا مَحْذُوفَ بَيْنَهُما، وأنَّ الفاءَ لِلْعَطْفِ عَلى ما قَبْلَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، وأنَّ التَّقْدِيرَ ”فَألَمْ“، لَكِنَّ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ لَمّا كانَ لَها الصَّدْرُ قُدِّمَتْ، وقَدْ رَجَعَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى مَذْهَبِ النَّحْوِيِّينَ في ذَلِكَ، وقَدْ رَدَدْنا عَلَيْهِ هَذا المَذْهَبَ فِيما كَتَبْناهُ في (شَرْحِ التَّسْهِيلِ) . وقَّفَهم تَعالى عَلى قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ، وحَذَّرَهم إحاطَتَها بِهِمْ عَلى سَبِيلِ الإهْلاكِ لَهم، وكانَ ثَمَّ حالٌ مَحْذُوفَةٌ، أيْ: أفَلا يَرَوْنَ إلى ما يُحِيطُ بِهِمْ مِن سَماءٍ وأرْضٍ مَقْهُورٍ تَحْتَ قُدْرَتِنا نَتَصَرَّفُ فِيهِ كَما نُرِيدُ ؟ ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ﴾ كَما فَعَلْنا بِقارُونَ ﴿أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ كَما فَعَلْنا بِأصْحابِ الظُّلَّةِ، أوْ ﴿أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ مُحِيطًا بِهِمْ، وهم مَقْهُورُونَ تَحْتَ قُدْرَتِنا ؟ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ النَّظَرِ إلى السَّماءِ والأرْضِ، والفِكْرِ فِيهِما، وما يَدُلّانِ عَلَيْهِ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ (لَآيَةً) لَعَلامَةً ودَلالَةً ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ راجِعٍ إلى رَبِّهِ، مُطِيعٍ لَهُ. قالَ مُجاهِدٌ: مُخْبِتٍ. وقالَ الضَّحّاكُ: مُسْتَقِيمٍ. وقالَ أبُو رَوْقٍ: مُخْلِصٍ في التَّوْحِيدِ. وقالَ قَتادَةُ: مُقْبِلٍ إلى رَبِّهِ بِقَلْبِهِ؛ لِأنَّ المُنِيبَ لا يَخْلُو مِنَ النَّظَرِ في آياتِ اللَّهِ عَلى أنَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِنَ البَعْثِ ومِن عِقابِهِ مَن يَكْفُرُ بِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ ونُسْقِطْ“ بِالنُّونِ في الثَّلاثَةِ؛ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، وعِيسى، والأعْمَشُ، وابْنُ مُطَرِّفٍ: بِالياءِ فِيهِنَّ؛ وأدْغَمَ الكِسائِيُّ الفاءَ في الباءِ في ”نَخْسِفْ بِهِمْ“ . قالَ أبُو عَلِيٍّ: وذَلِكَ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ الباءَ أضْعَفُ في الصَّوْتِ مِنَ الفاءِ، فَلا تُدْغَمُ فِيها، وإنْ كانَتِ الباءُ تُدْغَمُ في الفاءِ، نَحْوُ: ضَرَبَ فُلانًا، وهَذا ما تُدْغَمُ الباءُ في المِيمِ، كَقَوْلِكَ: اضْرِبْ مالِكًا، ولا تُدْغَمُ المِيمُ في الباءِ، كَقَوْلِكَ: اضْمُمْ بِكَ؛ لِأنَّ الباءَ انْحَطَّتْ عَنِ المِيمِ بِفَقْدِ الغُنَّةِ الَّتِي في المِيمِ. (p-٢٦١)وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَرَأ الكِسائِيُّ نَخْسِفْ بِهِمْ بِالإدْغامِ، ولَيْسَتْ بِقَوِيَّةٍ. انْتَهى. والقِراءَةُ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ، ويُوجَدُ فِيها الفَصِيحُ والأفْصَحُ، وكُلُّ ذَلِكَ مِن تَيْسِيرِهِ تَعالى القُرْآنَ لِلذِّكْرِ، فَلا التِفاتَ لِقَوْلِ أبِي عَلِيٍّ ولا الزَّمَخْشَرِيِّ.

سبأ 34:8

(سُورَةُ سَبَأٍ خَمْسٌ وخَمْسُونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ) ﷽ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ولَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ وهو الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها وهو الرَّحِيمُ الغَفُورُ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ قُلْ بَلى ورَبِّي لَتَأْتِيَنَّكم عالِمُ الغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ ولا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرُ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ ألِيمٍ﴾ ﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ هو الحَقَّ ويَهْدِي إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ في العَذابِ والضَّلالِ البَعِيدِ﴾ ﴿أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ . (p-٢٥٧)هَذِهِ السُّورَةُ قالَ في التَّحْرِيرِ: مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ: ﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَدَنِيَّةٌ فِيمَن أسْلَمَ مِن أهْلِ الكِتابِ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأشْباهِهِ. انْتَهى. وسَبَبُ نُزُولِها أنَّ أبا سُفْيانَ قالَ لِكُفّارِ مَكَّةَ، لَمّا سَمِعُوا ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ﴾ [الأحزاب: ٧٣]: إنَّ مُحَمَّدًا يَتَوَعَّدُنا بِالعَذابِ بَعْدَ أنْ نَمُوتَ، ويُخَوِّفُنا بِالبَعْثِ، واللّاتِ والعُزّى لا تَأْتِينا السّاعَةُ أبَدًا، ولا نُبْعَثُ. فَقالَ اللَّهُ: (قُلْ) يا مُحَمَّدُ ﴿بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧] قالَهُ مُقاتِلٌ، وباقِي السُّورَةِ تَهْدِيدٌ لَهم وتَخْوِيفٌ. ومَن ذَكَرَ هَذا السَّبَبَ ظَهَرَتِ المُناسَبَةُ بَيْنَ هَذِهِ السُّورَةِ والَّتِي قَبْلَها. ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ مُسْتَغْرِقٌ لِجَمِيعِ المَحامِدِ. ﴿ولَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ﴾ ظاهِرُهُ الِاسْتِغْراقُ. ولَمّا كانَتْ نِعْمَةُ الآخِرَةِ مُخْبَرًا بِها، غَيْرَ مَرْئِيَّةٍ لَنا في الدُّنْيا، ذَكَرَها لِيُقاسَ نِعَمُها بِنِعَمِ الدُّنْيا، قِياسَ الغائِبِ عَلى الشّاهِدِ، وإنِ اخْتَلَفا في الفَضِيلَةِ والدَّيْمُومَةِ. وقِيلَ: ”ألْ“ لِلْعَهْدِ والإشارَةِ إلى قَوْلِهِ: ﴿وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [يونس: ١٠] أوْ إلى قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الفَرْقُ بَيْنَ الحَمْدَيْنِ وُجُوبُ الحَمْدِ في الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ عَلى نِعَمِهِ مُتَفَضِّلٌ بِها، وهو الطَّرِيقُ إلى تَحْصِيلِ نِعْمَةِ الآخِرَةِ، وهي الثَّوابُ. وحَمْدُ الآخِرَةِ لَيْسَ بِواجِبٍ؛ لِأنَّهُ عَلى نِعْمَةٍ واجِبَةِ الِاتِّصالُ إلى مُسْتَحِقِّها، إنَّما هو تَتِمَّةُ سُرُورِ المُؤْمِنِينَ وتَكْمِلَةُ اغْتِباطِهِمْ يَلْتَذُّونَ بِهِ. انْتَهى، وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ﴾ مِنَ المِياهِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مِنَ الأمْواتِ والدَّفائِنِ. ﴿وما يَخْرُجُ مِنها﴾ مِنَ النَّباتِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مِن جَواهِرِ المَعادِنِ. ﴿وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ﴾ مِنَ المَطَرِ والثَّلْجِ والبَرَدِ والصّاعِقَةِ والرِّزْقِ والمَلَكِ. ﴿وما يَعْرُجُ فِيها﴾ مِن أعْمالِ الخَلْقِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: وما يَنْزِلُ مِنَ المَلائِكَةِ. وقِيلَ: مِنَ الأقْضِيَةِ والأحْوالِ والأدْعِيَةِ والأعْمالِ. وقِيلَ: مِنَ الأنْعامِ والعَطاءِ. وقَرَأ عَلِيٌّ والسُّلَمِيُّ: ”وما يُنْزَلُ“ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ النُّونِ وشَدِّ الزّايِ أيِ: اللَّهُ تَعالى. و(بَلى) جَوابٌ لِلنَّفْيِ السّابِقِ مِن قَوْلِهِمْ ﴿لا تَأْتِينا السّاعَةُ﴾ أيْ: بَلى لَتَأْتِيَنَّكم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ بِتاءِ التَّأْنِيثِ، أيِ: السّاعَةُ الَّتِي أنْكَرْتُمْ مَجِيئُها. وقَرَأ طَلْقٌ عَنْ أشْياخِهِ بِياءِ الغَيْبَةِ، أيْ: لَيَأْتِيَنَّكُمُ البَعْثُ؛ لِأنَّهُ مَقْصُودُهم مِن نَفْيِ السّاعَةِ أنَّهم لا يُبْعَثُونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ عَلى مَعْنى السّاعَةِ أيِ: اليَوْمَ، أوْ عَلى إسْنادِهِ إلى اللَّهِ عَلى مَعْنى لَيَأْتِيَنَّكم أمْرُ عالِمِ الغَيْبِ كَقَوْلِهِ: ﴿أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] أيْ: أمْرُهُ. ويَبْعُدُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ السّاعَةِ؛ لِأنَّهُ مَذْهُوبٌ بِهِ مَذْهَبَ التَّذْكِيرِ، لا يَكُونُ إلّا في الشِّعْرِ نَحْوُ قَوْلِهِ: ؎ولا أرْضَ أبْقَلَ إبْقالَها ثُمَّ أكَّدَ الجَوابَ بِالقَسَمِ عَلى البَعْثِ، وأتْبَعَ القَسَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿عالِمِ الغَيْبِ﴾ وما بَعْدَهُ، لِيُعْلَمَ أنَّ إنْباتَها مِنَ الغَيْبِ الَّذِي تَفَرَّدَ بِهِ تَعالى. وجاءَ القَسَمُ بِقَوْلِهِ: (ورَبِّي) مُضافًا إلى الرَّسُولِ ﷺ، لِيَدُلَّ عَلى شِدَّةِ القَسَمِ، إذْ لَمْ يَأْتِ بِهِ في الِاسْمِ المُشْتَرَكِ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن أنْكَرَ السّاعَةَ، وهو لَفْظُ اللَّهِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، ورُوَيْسٌ، وسَلامٌ، والجَحْدَرِيُّ، وقَعْنَبٌ: ”عالِمُ“ بِالرَّفْعِ عَلى إضْمارِ هو، وجَوَّزَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً (p-٢٥٨)والخَبَرُ ﴿لا يَعْزُبُ﴾ . وقالَ الحَوْفِيُّ: أوْ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: عالِمُ الغَيْبِ هو. وباقِي السَّبْعَةِ: (عالِمِ) بِالجَرِّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ: وذَلِكَ عَلى البَدَلِ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ صِفَةً، ويَعْنِي أنَّ (عالِمَ الغَيْبِ) يَجُوزُ أنْ يَتَعَرَّفَ، وكَذا كُلُّ ما أُضِيفَ إلى مَعْرِفَةٍ مِمّا كانَ لا يَتَعَرَّفُ بِذَلِكَ يَجُوزُ أنْ يَتَعَرَّفَ بِالإضافَةِ، إلّا الصِّفَةَ المُشَبَّهَةَ فَلا تَتَعَرَّفُ بِإضافَةٍ. ذَكَرَ ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ في كِتابِهِ، وقَلَّ مَن يَعْرِفُهُ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (عَلّامِ) عَلى المُبالَغَةِ والخَفْضِ، وتَقَدَّمَتْ قِراءَةُ ﴿يَعْزُبُ﴾ في يُونُسَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرُ﴾ بِرَفْعِ الرّاءَيْنِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ﴿مِثْقالَ﴾ [النساء: ٤٠] وأنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، والخَبَرُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا في كِتابٍ﴾ . وعَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ يَكُونُ ﴿إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ تَوْكِيدًا لِما تَضَمَّنَ النَّفْيَ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَعْزُبُ﴾ وتَقْدِيرُهُ: لَكِنَّهُ في كِتابٍ مُبِينٍ، وهو كِنايَةٌ عَنْ ضَبْطِ الشَّيْءِ والتَّحَفُّظِ بِهِ، فَكَأنَّهُ في كِتابٍ، ولَيْسَ ثَمَّ كِتابٌ حَقِيقَةً. وعَلى التَّخْرِيجِ الأوَّلِ يَكُونُ الكِتابُ هو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ. وقَرَأ الأعْمَشُ وقَتادَةُ: بِفَتْحِ الرّاءَيْنِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَطْفًا عَلى (ذَرَّةٍ) . ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وعَزاها أيْضًا إلى نافِعٍ، ولا يَتَعَيَّنُ ما قالَ، بَلْ تَكُونُ ”لا“ لِنَفْيِ الجِنْسِ، وهو مُبْتَدَأٌ، أعْنِي مَجْمُوعَ ”لا“ وما بُنِيَ مَعَها عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، والخَبَرُ ﴿إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ وهو مِن عَطْفِ الجُمَلِ، لا مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ، كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَوابًا لِسُؤالِ مَن قالَ: هَلْ جازَ عَطْفُ ﴿ولا أصْغَرُ﴾ عَلى ﴿مِثْقالُ﴾ وعَطْفُ ﴿ولا أصْغَرُ﴾ عَلى (ذَرَّةٍ) ؟ قُلْتُ: يَأْبى ذَلِكَ حَرْفُ الِاسْتِثْناءِ، إلّا إذا جَعَلْتَ الضَّمِيرَ في ”عَنْهُ“ لِلْغَيْبِ، وجَعَلْتَ الغَيْبَ اسْمًا لِلْخَفِيّاتِ قَبْلَ أنْ تُكْتَبَ في اللَّوْحِ؛ لِأنَّ إثْباتَها في اللَّوْحِ نَوْعٌ مِنَ البُرُوزِ عَنِ الحِجابِ عَلى مَعْنى أنَّهُ لا يَنْفَصِلُ عَنِ الغَيْبِ شَيْءٌ ولا يَزُولُ عَنْهُ إلّا مَسْطُورًا في اللَّوْحِ، انْتَهى. ولا يُحْتاجُ إلى هَذا التَّأْوِيلِ إذا جَعَلْنا الكِتابَ المُبِينَ لَيْسَ اللَّوْحَ المَحْفُوظَ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ”﴿ولا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرُ﴾“ بِخَفْضِ الرّاءَيْنِ بِالكَسْرَةِ، كَأنَّهُ نَوى مُضافًا إلَيْهِ مَحْذُوفًا، التَّقْدِيرُ: ولا أصْغَرِهِ ولا أكْبَرِهِ، ومِن ذَلِكَ لَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِأفْعَلَ، بَلْ هو بِتَبْيِينٍ؛ لِأنَّهُ لَمّا حَذَفَ المُضافَ إلَيْهِ أبْهَمَ لَفْظًا فَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: (مِن ذَلِكَ) أيْ: عَنى مِن ذَلِكَ، وقَدْ جاءَتْ مِن مَعَ كَوْنِ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ مُضافًا في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎نَحْنُ بِغَرْسِ الوَدِيِّ أعْلَمُنا ∗∗∗ مِنّا بِرَكْضِ الجِيادِ في السَّدَفِ وخُرِّجَ عَلى أنَّهُ أرادَ عِلْمٌ بِنا، فَأضافَ ناوِيًا طَرْحَ المُضافِ إلَيْهِ، فاحْتَمَلَتْ قِراءَةُ زَيْدٍ هَذا التَّوْجِيهَ الآخَرَ: أنَّهُ لَمّا أضافَ أصْغَرَ وأكْبَرَ عَلى إعْرابِهِما حالَةَ الإضافَةِ، وهَذا كُلُّهُ تَوْجِيهُ شُذُوذٍ، وناسَبَ وصْفَهُ تَعالى بِعالِمِ الغَيْبِ، وأنَّهُ لا يَفُوتُ عِلْمُهُ شَيْءٌ مِنَ الخَفِيّاتِ، فانْدَرَجَ في ذَلِكَ وقْتُ قِيامِ السّاعَةِ، وصارَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى صِحَّةِ ما أقْسَمَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ مَن كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ الأشْياءِ كُلِّها وجُزْئِها، وكانَتْ قُدْرَتُهُ ثابِتَةً، كانَ قادِرًا عَلى إعادَةِ ما فَنِيَ مِن جَمِيعِ الأرْواحِ والأشْباحِ. قِيلَ: وقَوْلُهُ ﴿مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ﴾ إشارَةٌ إلى عِلْمِهِ بِالأرْواحِ ﴿ولا في الأرْضِ﴾ إشارَةٌ إلى عِلْمِهِ بِالأشْياءِ. وكَما أبْرَزَهُما مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ أوَّلًا، فَكَذَلِكَ يُعِيدُهُما ثانِيًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَكُونُ بِمَعْنى اليَمِينِ مُصَحِّحَةً لِما أنْكَرُوهُ ؟ قُلْتُ: هَذا لَوِ اقْتَصَرَ عَلى اليَمِينِ ولَمْ يُتْبِعْها بِالحُجَّةِ القاطِعَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ فَقَدْ وضَعَ اللَّهُ في العُقُولِ ورَكَّبَ في الغَرائِزِ وُجُوبَ الجَزاءِ، وأنَّ المُحْسِنَ لا بُدَّ لَهُ مِن ثَوابٍ، والمُسِيءُ لا بُدَّ لَهُ مِن عِقابٍ، انْتَهى. وفي السُّؤالِ بَعْضُ اخْتِصارٍ، وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَعْزُبُ﴾ وقِيلَ: بِقَوْلِهِ ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ وقِيلَ: بِالعامِلِ ﴿فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: إلّا مُسْتَقِرًّا في كِتابٍ مُبِينٍ لِيَجْزِيَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”مُعْجِزِينَ“ مُخَفَّفًا، وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والجَحْدَرِيُّ وأبُو السِّماكِ: مُثَقَّلًا وتَقَدَّمَ في الحَجِّ، أيْ: مُعَجِّزِينَ قُدْرَةَ اللَّهِ في زَعْمِهِمْ. وقالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: مَعْناهُ مُثَبِّطِينَ عَنِ الإيمانِ مَن أرادَهُ، مُدْخِلِينَ عَلَيْهِ العَجْزَ (p-٢٥٩)فِي نَشاطِهِ، وهَذا هو سَعْيُهم في الآياتِ أيْ: في شَأْنِ الآياتِ. وقالَ قَتادَةُ: مُسابِقِينَ يَحْسَبُونَ أنَّهم يَفُوتُونَنا. وقالَ عِكْرِمَةُ: مُراغِمِينَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مُجاهِدِينَ في إبْطالِها. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: (ألِيمٌ) هُنا، وفي الجاثِيَةِ، بِالرَّفْعِ صِفَةً لِلْعَذابِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالجَرِّ صِفَةً لِلرِّجْزِ، والرِّجْزُ: العَذابُ السَّيِّئُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ سَعَوْا﴾ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ، وهي (أُولَئِكَ) . وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ عَطْفًا عَلى (الَّذِينَ آمَنُوا) أيْ: ولِيَجْزِيَ الَّذِينَ سَعَوْا. واحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَتانِ المُصَدَّرَتانِ بِـ: أُولَئِكَ، هُما نَفْسَ الثَّوابِ والعِقابِ، واحْتَمَلَ أنْ تَكُونا مُسْتَأْنَفَتَيْنِ، والثَّوابُ والعِقابُ ما تَضَمَّنَتا مِمّا هو أعْظَمُ، كَرِضا اللَّهِ عَنِ المُؤْمِنِ دائِمًا، وسُخْطِهِ عَلى الفاسِقِ دائِمًا. قالَ العُتْبِيُّ: والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَرى﴾ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَمَّنْ أُوتِيَ العِلْمَ، يَعْلَمُونَ القُرْآنَ المُنَزَّلَ عَلَيْكَ هو الحَقُّ. وقِيلَ: ﴿ويَرى﴾ مَنصُوبٌ عَطْفًا عَلى ﴿لِيَجْزِيَ﴾، وقالَهُ الطَّبَرِيُّ والثَّعْلَبِيُّ، وتَقَدَّمَ الخِلافُ في ﴿الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ في ذَلِكَ المَكانِ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ السُّورَةُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: ولِيَعْلَمَ أُولُو العِلْمِ عِنْدَ مَجِيءِ السّاعَةِ أنَّهُ الحَقُّ عِلْمًا لا يُزادُ عَلَيْهِ في الِاتِّفاقِ، ويَحْتَجُّوا بِهِ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا وتَوَلَّوْا. ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ: ولِيَعْلَمَ مَن لَمْ يُؤْمِن مِنَ الأخْيارِ أنَّهُ هو الحَقُّ، فَيَزْدادَ حَسْرَةً وغَمًّا. انْتَهى. وإنَّما قالَ: عِنْدَ مَجِيءِ السّاعَةِ؛ لِأنَّهُ عَلَّقَ ﴿لِيَجْزِيَ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ فَبَنى التَّخْرِيجَ عَلى ذَلِكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (الحَقَّ) بِالنَّصْبِ، مَفْعُولًا ثانِيًا لِـ: ”يَرى“، وهو فَصْلٌ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِالرَّفْعِ جَعَلَ (هو) مُبْتَدَأً و(الحَقُّ) خَبَرَهُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِـ: ”يَرى“، وهو لُغَةُ تَمِيمٍ، يَجْعَلُونَ ما هو فَصْلٌ عِنْدَ غَيْرِهِمْ مُبْتَدَأً، قالَهُ أبُو عُمَرَ الجَرْمِيُّ. والظّاهِرُ أنَّ الفاعِلَ لِـ: ”يَهْدِي“ هو ضَمِيرُ ﴿الَّذِي أُنْزِلَ﴾، وهو القُرْآنُ، وهو اسْتِئْنافُ إخْبارٍ. وقِيلَ: هو في مَوْضِعِ الحالِ عَلى إضْمارِ: ”وهو يَهْدِي“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (الحَقَّ)، عُطِفَ الفِعْلُ عَلى الِاسْمِ كَقَوْلِهِ: ﴿صافّاتٍ ويَقْبِضْنَ﴾ [الملك: ١٩] أيْ: قابِضاتٍ، كَما عُطِفَ الِاسْمُ عَلى الفِعْلِ في قَوْلِهِ: ؎فَألْفَيْتُهُ يَوْمًا يُبِيدُ عَدُوَّهُ ∗∗∗ وبَحْرَ عَطاءٍ يَسْتَحِفُّ المَعابِرا عُطِفَ ”وبَحْرَ“ عَلى ”يُبِيرُ“، وقِيلَ: الفاعِلُ بِـ: (يَهْدِي) ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى اللَّهِ، وفِيهِ بُعْدٌ. ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هم قُرَيْشٌ، قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَلى جِهَةِ التَّعَجُّبِ والِاسْتِهْزاءِ كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِمَن يُرِيدُ أنْ يُعَجِّبَهُ: هَلْ أدُلُّكَ عَلى قِصَّةٍ غَرِيبَةٍ نادِرَةٍ ؟ لَمّا كانَ البَعْثُ عِنْدَهم مِنَ المُحالِ، جَعَلُوا مَن يُخْبِرُ عَنْ وُقُوعِهِ في حَيِّزِ مَن يُتَعَجَّبُ مِنهُ، وأتَوْا بِاسْمِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - نَكِرَةً في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ﴾ ؟ وكانَ اسْمُهُ أشْهَرَ عَلَمٍ في قُرَيْشٍ، بَلْ في الدُّنْيا، وإخْبارُهُ بِالبَعْثِ أشْهَرُ خَبَرٍ؛ لِأنَّهم أخْرَجُوا ذَلِكَ مَخْرَجَ الِاسْتِهْزاءِ والتَّحَلِّي بِبَعْضِ الأحاجِيِّ المَعْمُولَةِ لِلتَّلَهِّي والتَّعْمِيَةِ، فَلِذَلِكَ نَكَّرُوا اسْمَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ بِالهَمْزِ؛ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِإبْدالِ الهَمْزَةِ ياءً مَحْضَةً. وحَكى عَنْهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: ”يُنْبِئُكم“، بِالهَمْزَةِ مِن أنْبَأ، و”إذا“ جَوابُها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: تُبْعَثُونَ، وحُذِفَ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، وهو العامِلُ ”إذا“ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ. وقالَ الزَّجّاجُ ذَلِكَ، وقالَ أيْضًا هو والنَّحّاسُ: العامِلُ ﴿مُزِّقْتُمْ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو خَطَأٌ وإفْسادٌ لِلْمَعْنى. ولَيْسَ بِخَطَأٍ ولا إفْسادٍ لِلْمَعْنى، وإذا الشَّرْطِيَّةُ مُخْتَلَفٌ في العامِلِ فِيها، وقَدْ بَيَّنّا ما كَتَبْناهُ في (شَرْحِ التَّسْهِيلِ) أنَّ الصَّحِيحَ أنْ يَعْمَلَ فِيها فِعْلُ الشَّرْطِ، كَسائِرِ أدَواتِ الشَّرْطِ. والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مَعْمُولَةً لِـ: (يُنَبِّئُكم)؛ لِأنَّهُ في مَعْنى ”يَقُولُ لَكم“: ﴿إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ . ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ: ﴿إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ مَعْمُولًا لِـ: ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ و﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ، ولَوْلا اللّامُ في خَبَرِ إنَّ لَكانَتْ مَفْتُوحَةً، فالجُمْلَةُ سَدَّتْ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ. والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ اعْتِراضٌ، وقَدْ مَنَعَ قَوْمٌ التَّعْلِيقَ في بابِ: اعْلَمْ، والصَّحِيحُ جَوازُهُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎حَذارِ فَقَدْ نُبِّئْتَ أنَّكَ لَلَّذِي ∗∗∗ سَتُجْزى بِما تَسْعى فَتَسْعَدُ أوْ تَشْقى (p-٢٦٠)و(مُمَزَّقٍ) مَصْدَرٌ جاءَ عَلى زِنَةِ اسْمِ المَفْعُولِ، عَلى القِياسِ في اسْمِ المَصْدَرِ مِن كُلِّ فِعْلٍ زائِدٍ عَلى الثَّلاثَةِ، كَقَوْلِهِ: ؎ألَمْ تَعْلَمْ مُسَرَّحِيَ القَوافِي ∗∗∗ فَلا عِيًّا بِهِنَّ ولا اجْتِلابا أيْ: تَسْرِيحِي القَوافِيَ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ ظَرْفَ مَكانٍ، أيْ: إذا مُزِّقْتُمْ في مَكانٍ مِنَ القُبُورِ وبُطُونِ الطَّيْرِ والسِّباعِ، وما ذَهَبَتْ بِهِ السُّيُولُ كُلَّ مَذْهَبٍ، وما نَسَفَتْهُ الرِّياحُ فَطَرَحَتْهُ كُلَّ مَطْرَحٍ. انْتَهى. و(جَدِيدٍ) عِنْدَ البَصْرِيِّينَ بِمَعْنى فاعِلٍ، تَقُولُ: جَدَّ فَهو جادٌّ وجَدِيدٌ، وبِمَعْنى مَفْعُولٍ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ مِن جَدَّهُ إذا قَطَعَهُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (أفْتَرى) مِن قَوْلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ أيْ: هو مُفْتَرٍ ﴿عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ فِيما يُنْسَبُ إلَيْهِ مِن أمْرِ البَعْثِ ﴿أمْ بِهِ﴾ جُنُونٌ يُوهِمُهُ ذَلِكَ ويُلْقِيهِ عَلى لِسانِهِ. عادَلُوا بَيْنَ الِافْتِراءِ والجُنُونِ؛ لِأنَّ هَذا القَوْلَ عِنْدَهم إنَّما يَصْدُرُ عَنْ أحَدِ هَذَيْنِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ يَعْتَقِدُ خِلافَ ما أُتِيَ بِهِ فَهو مُفْتَرٍ، وإنْ كانَ لا يَعْتَقِدُهُ فَهو مَجْنُونٌ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ السّامِعِ المُجِيبِ لِمَن قالَ: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ﴾ رَدَّدَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ ولَمْ يَجْزِمْ بِأحَدِهِما، حَيْثُ جَوَّزَ هَذا وجَوَّزَ هَذا، ولَمْ يَجْزِمْ بِأنَّهُ افْتِراءٌ مَحْضٌ؛ احْتِرازًا مِن أنْ يَنْسُبَ الكَذِبَ لِعاقِلٍ نِسْبَةً قَطْعِيَّةً، إذِ العاقِلُ حَتّى الكافِرِ لا يَرْضى بِالكَذِبِ، لا مِن نَفْسِهِ ولا مِن غَيْرِهِ، وأضْرَبَ تَعالى عَنْ مَقالَتِهِمْ، والمَعْنى: لَيْسَ لِلرَّسُولِ كَما نَسَبْتُمُ البَتَّةَ، بَلْ أنْتُمْ في عَذابِ النّارِ، أوْ في عَذابِ الدُّنْيا بِما تُكابِدُونَهُ مِن إبْطالِ الشَّرْعِ وهو بِحَقٍّ، وإطْفاءِ نُورِ اللَّهِ وهو مُتِمٌّ. ولَمّا كانَ الكَلامُ في البَعْثِ قالَ: ﴿بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ فَرَتَّبَ العَذابَ عَلى إنْكارِ البَعْثِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في وصْفِ الضَّلالِ بِالبُعْدِ، وهو مِن أوْصافِ المَحالِّ، اسْتُعِيرَ لِلْمَعْنى، ومَعْنى بَعْدَهُ: أنَّهُ لا يَنْقَضِي خَبَرُهُ المُتَلَبَّسُ بِهِ. ﴿أفَلَمْ يَرَوْا﴾ أيْ: هَؤُلاءِ الكُفّارُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ﴿إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ: حَيْثُ ما تَصَرَّفُوا، فالسَّماءُ والأرْضُ قَدْ أحاطَتا بِهِمْ، ولا يَقْدِرُونَ أنْ يَنْفُذُوا مِن أقْطارِهِما، ولا يَخْرُجُوا عَنْ مَلَكُوتِ اللَّهِ فِيهِما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أُعْمُوا فَلَمْ يَنْظُرُوا، جَعَلَ بَيْنَ الفاءِ والهَمْزَةِ فِعْلًا يَصِحُّ العَطْفُ عَلَيْهِ، وهو خِلافُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ النَّحْوِيُّونَ مِن أنَّهُ لا مَحْذُوفَ بَيْنَهُما، وأنَّ الفاءَ لِلْعَطْفِ عَلى ما قَبْلَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، وأنَّ التَّقْدِيرَ ”فَألَمْ“، لَكِنَّ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ لَمّا كانَ لَها الصَّدْرُ قُدِّمَتْ، وقَدْ رَجَعَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى مَذْهَبِ النَّحْوِيِّينَ في ذَلِكَ، وقَدْ رَدَدْنا عَلَيْهِ هَذا المَذْهَبَ فِيما كَتَبْناهُ في (شَرْحِ التَّسْهِيلِ) . وقَّفَهم تَعالى عَلى قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ، وحَذَّرَهم إحاطَتَها بِهِمْ عَلى سَبِيلِ الإهْلاكِ لَهم، وكانَ ثَمَّ حالٌ مَحْذُوفَةٌ، أيْ: أفَلا يَرَوْنَ إلى ما يُحِيطُ بِهِمْ مِن سَماءٍ وأرْضٍ مَقْهُورٍ تَحْتَ قُدْرَتِنا نَتَصَرَّفُ فِيهِ كَما نُرِيدُ ؟ ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ﴾ كَما فَعَلْنا بِقارُونَ ﴿أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ كَما فَعَلْنا بِأصْحابِ الظُّلَّةِ، أوْ ﴿أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ مُحِيطًا بِهِمْ، وهم مَقْهُورُونَ تَحْتَ قُدْرَتِنا ؟ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ النَّظَرِ إلى السَّماءِ والأرْضِ، والفِكْرِ فِيهِما، وما يَدُلّانِ عَلَيْهِ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ (لَآيَةً) لَعَلامَةً ودَلالَةً ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ راجِعٍ إلى رَبِّهِ، مُطِيعٍ لَهُ. قالَ مُجاهِدٌ: مُخْبِتٍ. وقالَ الضَّحّاكُ: مُسْتَقِيمٍ. وقالَ أبُو رَوْقٍ: مُخْلِصٍ في التَّوْحِيدِ. وقالَ قَتادَةُ: مُقْبِلٍ إلى رَبِّهِ بِقَلْبِهِ؛ لِأنَّ المُنِيبَ لا يَخْلُو مِنَ النَّظَرِ في آياتِ اللَّهِ عَلى أنَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِنَ البَعْثِ ومِن عِقابِهِ مَن يَكْفُرُ بِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ ونُسْقِطْ“ بِالنُّونِ في الثَّلاثَةِ؛ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، وعِيسى، والأعْمَشُ، وابْنُ مُطَرِّفٍ: بِالياءِ فِيهِنَّ؛ وأدْغَمَ الكِسائِيُّ الفاءَ في الباءِ في ”نَخْسِفْ بِهِمْ“ . قالَ أبُو عَلِيٍّ: وذَلِكَ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ الباءَ أضْعَفُ في الصَّوْتِ مِنَ الفاءِ، فَلا تُدْغَمُ فِيها، وإنْ كانَتِ الباءُ تُدْغَمُ في الفاءِ، نَحْوُ: ضَرَبَ فُلانًا، وهَذا ما تُدْغَمُ الباءُ في المِيمِ، كَقَوْلِكَ: اضْرِبْ مالِكًا، ولا تُدْغَمُ المِيمُ في الباءِ، كَقَوْلِكَ: اضْمُمْ بِكَ؛ لِأنَّ الباءَ انْحَطَّتْ عَنِ المِيمِ بِفَقْدِ الغُنَّةِ الَّتِي في المِيمِ. (p-٢٦١)وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَرَأ الكِسائِيُّ نَخْسِفْ بِهِمْ بِالإدْغامِ، ولَيْسَتْ بِقَوِيَّةٍ. انْتَهى. والقِراءَةُ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ، ويُوجَدُ فِيها الفَصِيحُ والأفْصَحُ، وكُلُّ ذَلِكَ مِن تَيْسِيرِهِ تَعالى القُرْآنَ لِلذِّكْرِ، فَلا التِفاتَ لِقَوْلِ أبِي عَلِيٍّ ولا الزَّمَخْشَرِيِّ.

سبأ 34:9

(سُورَةُ سَبَأٍ خَمْسٌ وخَمْسُونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ) ﷽ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ولَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ وهو الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها وهو الرَّحِيمُ الغَفُورُ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ قُلْ بَلى ورَبِّي لَتَأْتِيَنَّكم عالِمُ الغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ ولا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرُ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ ألِيمٍ﴾ ﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ هو الحَقَّ ويَهْدِي إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ في العَذابِ والضَّلالِ البَعِيدِ﴾ ﴿أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ . (p-٢٥٧)هَذِهِ السُّورَةُ قالَ في التَّحْرِيرِ: مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ: ﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَدَنِيَّةٌ فِيمَن أسْلَمَ مِن أهْلِ الكِتابِ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأشْباهِهِ. انْتَهى. وسَبَبُ نُزُولِها أنَّ أبا سُفْيانَ قالَ لِكُفّارِ مَكَّةَ، لَمّا سَمِعُوا ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ﴾ [الأحزاب: ٧٣]: إنَّ مُحَمَّدًا يَتَوَعَّدُنا بِالعَذابِ بَعْدَ أنْ نَمُوتَ، ويُخَوِّفُنا بِالبَعْثِ، واللّاتِ والعُزّى لا تَأْتِينا السّاعَةُ أبَدًا، ولا نُبْعَثُ. فَقالَ اللَّهُ: (قُلْ) يا مُحَمَّدُ ﴿بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧] قالَهُ مُقاتِلٌ، وباقِي السُّورَةِ تَهْدِيدٌ لَهم وتَخْوِيفٌ. ومَن ذَكَرَ هَذا السَّبَبَ ظَهَرَتِ المُناسَبَةُ بَيْنَ هَذِهِ السُّورَةِ والَّتِي قَبْلَها. ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ مُسْتَغْرِقٌ لِجَمِيعِ المَحامِدِ. ﴿ولَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ﴾ ظاهِرُهُ الِاسْتِغْراقُ. ولَمّا كانَتْ نِعْمَةُ الآخِرَةِ مُخْبَرًا بِها، غَيْرَ مَرْئِيَّةٍ لَنا في الدُّنْيا، ذَكَرَها لِيُقاسَ نِعَمُها بِنِعَمِ الدُّنْيا، قِياسَ الغائِبِ عَلى الشّاهِدِ، وإنِ اخْتَلَفا في الفَضِيلَةِ والدَّيْمُومَةِ. وقِيلَ: ”ألْ“ لِلْعَهْدِ والإشارَةِ إلى قَوْلِهِ: ﴿وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [يونس: ١٠] أوْ إلى قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الفَرْقُ بَيْنَ الحَمْدَيْنِ وُجُوبُ الحَمْدِ في الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ عَلى نِعَمِهِ مُتَفَضِّلٌ بِها، وهو الطَّرِيقُ إلى تَحْصِيلِ نِعْمَةِ الآخِرَةِ، وهي الثَّوابُ. وحَمْدُ الآخِرَةِ لَيْسَ بِواجِبٍ؛ لِأنَّهُ عَلى نِعْمَةٍ واجِبَةِ الِاتِّصالُ إلى مُسْتَحِقِّها، إنَّما هو تَتِمَّةُ سُرُورِ المُؤْمِنِينَ وتَكْمِلَةُ اغْتِباطِهِمْ يَلْتَذُّونَ بِهِ. انْتَهى، وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ﴾ مِنَ المِياهِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مِنَ الأمْواتِ والدَّفائِنِ. ﴿وما يَخْرُجُ مِنها﴾ مِنَ النَّباتِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مِن جَواهِرِ المَعادِنِ. ﴿وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ﴾ مِنَ المَطَرِ والثَّلْجِ والبَرَدِ والصّاعِقَةِ والرِّزْقِ والمَلَكِ. ﴿وما يَعْرُجُ فِيها﴾ مِن أعْمالِ الخَلْقِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: وما يَنْزِلُ مِنَ المَلائِكَةِ. وقِيلَ: مِنَ الأقْضِيَةِ والأحْوالِ والأدْعِيَةِ والأعْمالِ. وقِيلَ: مِنَ الأنْعامِ والعَطاءِ. وقَرَأ عَلِيٌّ والسُّلَمِيُّ: ”وما يُنْزَلُ“ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ النُّونِ وشَدِّ الزّايِ أيِ: اللَّهُ تَعالى. و(بَلى) جَوابٌ لِلنَّفْيِ السّابِقِ مِن قَوْلِهِمْ ﴿لا تَأْتِينا السّاعَةُ﴾ أيْ: بَلى لَتَأْتِيَنَّكم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ بِتاءِ التَّأْنِيثِ، أيِ: السّاعَةُ الَّتِي أنْكَرْتُمْ مَجِيئُها. وقَرَأ طَلْقٌ عَنْ أشْياخِهِ بِياءِ الغَيْبَةِ، أيْ: لَيَأْتِيَنَّكُمُ البَعْثُ؛ لِأنَّهُ مَقْصُودُهم مِن نَفْيِ السّاعَةِ أنَّهم لا يُبْعَثُونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ عَلى مَعْنى السّاعَةِ أيِ: اليَوْمَ، أوْ عَلى إسْنادِهِ إلى اللَّهِ عَلى مَعْنى لَيَأْتِيَنَّكم أمْرُ عالِمِ الغَيْبِ كَقَوْلِهِ: ﴿أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] أيْ: أمْرُهُ. ويَبْعُدُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ السّاعَةِ؛ لِأنَّهُ مَذْهُوبٌ بِهِ مَذْهَبَ التَّذْكِيرِ، لا يَكُونُ إلّا في الشِّعْرِ نَحْوُ قَوْلِهِ: ؎ولا أرْضَ أبْقَلَ إبْقالَها ثُمَّ أكَّدَ الجَوابَ بِالقَسَمِ عَلى البَعْثِ، وأتْبَعَ القَسَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿عالِمِ الغَيْبِ﴾ وما بَعْدَهُ، لِيُعْلَمَ أنَّ إنْباتَها مِنَ الغَيْبِ الَّذِي تَفَرَّدَ بِهِ تَعالى. وجاءَ القَسَمُ بِقَوْلِهِ: (ورَبِّي) مُضافًا إلى الرَّسُولِ ﷺ، لِيَدُلَّ عَلى شِدَّةِ القَسَمِ، إذْ لَمْ يَأْتِ بِهِ في الِاسْمِ المُشْتَرَكِ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن أنْكَرَ السّاعَةَ، وهو لَفْظُ اللَّهِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، ورُوَيْسٌ، وسَلامٌ، والجَحْدَرِيُّ، وقَعْنَبٌ: ”عالِمُ“ بِالرَّفْعِ عَلى إضْمارِ هو، وجَوَّزَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً (p-٢٥٨)والخَبَرُ ﴿لا يَعْزُبُ﴾ . وقالَ الحَوْفِيُّ: أوْ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: عالِمُ الغَيْبِ هو. وباقِي السَّبْعَةِ: (عالِمِ) بِالجَرِّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ: وذَلِكَ عَلى البَدَلِ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ صِفَةً، ويَعْنِي أنَّ (عالِمَ الغَيْبِ) يَجُوزُ أنْ يَتَعَرَّفَ، وكَذا كُلُّ ما أُضِيفَ إلى مَعْرِفَةٍ مِمّا كانَ لا يَتَعَرَّفُ بِذَلِكَ يَجُوزُ أنْ يَتَعَرَّفَ بِالإضافَةِ، إلّا الصِّفَةَ المُشَبَّهَةَ فَلا تَتَعَرَّفُ بِإضافَةٍ. ذَكَرَ ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ في كِتابِهِ، وقَلَّ مَن يَعْرِفُهُ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (عَلّامِ) عَلى المُبالَغَةِ والخَفْضِ، وتَقَدَّمَتْ قِراءَةُ ﴿يَعْزُبُ﴾ في يُونُسَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرُ﴾ بِرَفْعِ الرّاءَيْنِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ﴿مِثْقالَ﴾ [النساء: ٤٠] وأنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، والخَبَرُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا في كِتابٍ﴾ . وعَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ يَكُونُ ﴿إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ تَوْكِيدًا لِما تَضَمَّنَ النَّفْيَ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَعْزُبُ﴾ وتَقْدِيرُهُ: لَكِنَّهُ في كِتابٍ مُبِينٍ، وهو كِنايَةٌ عَنْ ضَبْطِ الشَّيْءِ والتَّحَفُّظِ بِهِ، فَكَأنَّهُ في كِتابٍ، ولَيْسَ ثَمَّ كِتابٌ حَقِيقَةً. وعَلى التَّخْرِيجِ الأوَّلِ يَكُونُ الكِتابُ هو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ. وقَرَأ الأعْمَشُ وقَتادَةُ: بِفَتْحِ الرّاءَيْنِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَطْفًا عَلى (ذَرَّةٍ) . ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وعَزاها أيْضًا إلى نافِعٍ، ولا يَتَعَيَّنُ ما قالَ، بَلْ تَكُونُ ”لا“ لِنَفْيِ الجِنْسِ، وهو مُبْتَدَأٌ، أعْنِي مَجْمُوعَ ”لا“ وما بُنِيَ مَعَها عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، والخَبَرُ ﴿إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ وهو مِن عَطْفِ الجُمَلِ، لا مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ، كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَوابًا لِسُؤالِ مَن قالَ: هَلْ جازَ عَطْفُ ﴿ولا أصْغَرُ﴾ عَلى ﴿مِثْقالُ﴾ وعَطْفُ ﴿ولا أصْغَرُ﴾ عَلى (ذَرَّةٍ) ؟ قُلْتُ: يَأْبى ذَلِكَ حَرْفُ الِاسْتِثْناءِ، إلّا إذا جَعَلْتَ الضَّمِيرَ في ”عَنْهُ“ لِلْغَيْبِ، وجَعَلْتَ الغَيْبَ اسْمًا لِلْخَفِيّاتِ قَبْلَ أنْ تُكْتَبَ في اللَّوْحِ؛ لِأنَّ إثْباتَها في اللَّوْحِ نَوْعٌ مِنَ البُرُوزِ عَنِ الحِجابِ عَلى مَعْنى أنَّهُ لا يَنْفَصِلُ عَنِ الغَيْبِ شَيْءٌ ولا يَزُولُ عَنْهُ إلّا مَسْطُورًا في اللَّوْحِ، انْتَهى. ولا يُحْتاجُ إلى هَذا التَّأْوِيلِ إذا جَعَلْنا الكِتابَ المُبِينَ لَيْسَ اللَّوْحَ المَحْفُوظَ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ”﴿ولا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرُ﴾“ بِخَفْضِ الرّاءَيْنِ بِالكَسْرَةِ، كَأنَّهُ نَوى مُضافًا إلَيْهِ مَحْذُوفًا، التَّقْدِيرُ: ولا أصْغَرِهِ ولا أكْبَرِهِ، ومِن ذَلِكَ لَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِأفْعَلَ، بَلْ هو بِتَبْيِينٍ؛ لِأنَّهُ لَمّا حَذَفَ المُضافَ إلَيْهِ أبْهَمَ لَفْظًا فَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: (مِن ذَلِكَ) أيْ: عَنى مِن ذَلِكَ، وقَدْ جاءَتْ مِن مَعَ كَوْنِ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ مُضافًا في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎نَحْنُ بِغَرْسِ الوَدِيِّ أعْلَمُنا ∗∗∗ مِنّا بِرَكْضِ الجِيادِ في السَّدَفِ وخُرِّجَ عَلى أنَّهُ أرادَ عِلْمٌ بِنا، فَأضافَ ناوِيًا طَرْحَ المُضافِ إلَيْهِ، فاحْتَمَلَتْ قِراءَةُ زَيْدٍ هَذا التَّوْجِيهَ الآخَرَ: أنَّهُ لَمّا أضافَ أصْغَرَ وأكْبَرَ عَلى إعْرابِهِما حالَةَ الإضافَةِ، وهَذا كُلُّهُ تَوْجِيهُ شُذُوذٍ، وناسَبَ وصْفَهُ تَعالى بِعالِمِ الغَيْبِ، وأنَّهُ لا يَفُوتُ عِلْمُهُ شَيْءٌ مِنَ الخَفِيّاتِ، فانْدَرَجَ في ذَلِكَ وقْتُ قِيامِ السّاعَةِ، وصارَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى صِحَّةِ ما أقْسَمَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ مَن كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ الأشْياءِ كُلِّها وجُزْئِها، وكانَتْ قُدْرَتُهُ ثابِتَةً، كانَ قادِرًا عَلى إعادَةِ ما فَنِيَ مِن جَمِيعِ الأرْواحِ والأشْباحِ. قِيلَ: وقَوْلُهُ ﴿مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ﴾ إشارَةٌ إلى عِلْمِهِ بِالأرْواحِ ﴿ولا في الأرْضِ﴾ إشارَةٌ إلى عِلْمِهِ بِالأشْياءِ. وكَما أبْرَزَهُما مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ أوَّلًا، فَكَذَلِكَ يُعِيدُهُما ثانِيًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَكُونُ بِمَعْنى اليَمِينِ مُصَحِّحَةً لِما أنْكَرُوهُ ؟ قُلْتُ: هَذا لَوِ اقْتَصَرَ عَلى اليَمِينِ ولَمْ يُتْبِعْها بِالحُجَّةِ القاطِعَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ فَقَدْ وضَعَ اللَّهُ في العُقُولِ ورَكَّبَ في الغَرائِزِ وُجُوبَ الجَزاءِ، وأنَّ المُحْسِنَ لا بُدَّ لَهُ مِن ثَوابٍ، والمُسِيءُ لا بُدَّ لَهُ مِن عِقابٍ، انْتَهى. وفي السُّؤالِ بَعْضُ اخْتِصارٍ، وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَعْزُبُ﴾ وقِيلَ: بِقَوْلِهِ ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ وقِيلَ: بِالعامِلِ ﴿فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: إلّا مُسْتَقِرًّا في كِتابٍ مُبِينٍ لِيَجْزِيَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”مُعْجِزِينَ“ مُخَفَّفًا، وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والجَحْدَرِيُّ وأبُو السِّماكِ: مُثَقَّلًا وتَقَدَّمَ في الحَجِّ، أيْ: مُعَجِّزِينَ قُدْرَةَ اللَّهِ في زَعْمِهِمْ. وقالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: مَعْناهُ مُثَبِّطِينَ عَنِ الإيمانِ مَن أرادَهُ، مُدْخِلِينَ عَلَيْهِ العَجْزَ (p-٢٥٩)فِي نَشاطِهِ، وهَذا هو سَعْيُهم في الآياتِ أيْ: في شَأْنِ الآياتِ. وقالَ قَتادَةُ: مُسابِقِينَ يَحْسَبُونَ أنَّهم يَفُوتُونَنا. وقالَ عِكْرِمَةُ: مُراغِمِينَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مُجاهِدِينَ في إبْطالِها. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: (ألِيمٌ) هُنا، وفي الجاثِيَةِ، بِالرَّفْعِ صِفَةً لِلْعَذابِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالجَرِّ صِفَةً لِلرِّجْزِ، والرِّجْزُ: العَذابُ السَّيِّئُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ سَعَوْا﴾ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ، وهي (أُولَئِكَ) . وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ عَطْفًا عَلى (الَّذِينَ آمَنُوا) أيْ: ولِيَجْزِيَ الَّذِينَ سَعَوْا. واحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَتانِ المُصَدَّرَتانِ بِـ: أُولَئِكَ، هُما نَفْسَ الثَّوابِ والعِقابِ، واحْتَمَلَ أنْ تَكُونا مُسْتَأْنَفَتَيْنِ، والثَّوابُ والعِقابُ ما تَضَمَّنَتا مِمّا هو أعْظَمُ، كَرِضا اللَّهِ عَنِ المُؤْمِنِ دائِمًا، وسُخْطِهِ عَلى الفاسِقِ دائِمًا. قالَ العُتْبِيُّ: والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَرى﴾ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَمَّنْ أُوتِيَ العِلْمَ، يَعْلَمُونَ القُرْآنَ المُنَزَّلَ عَلَيْكَ هو الحَقُّ. وقِيلَ: ﴿ويَرى﴾ مَنصُوبٌ عَطْفًا عَلى ﴿لِيَجْزِيَ﴾، وقالَهُ الطَّبَرِيُّ والثَّعْلَبِيُّ، وتَقَدَّمَ الخِلافُ في ﴿الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ في ذَلِكَ المَكانِ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ السُّورَةُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: ولِيَعْلَمَ أُولُو العِلْمِ عِنْدَ مَجِيءِ السّاعَةِ أنَّهُ الحَقُّ عِلْمًا لا يُزادُ عَلَيْهِ في الِاتِّفاقِ، ويَحْتَجُّوا بِهِ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا وتَوَلَّوْا. ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ: ولِيَعْلَمَ مَن لَمْ يُؤْمِن مِنَ الأخْيارِ أنَّهُ هو الحَقُّ، فَيَزْدادَ حَسْرَةً وغَمًّا. انْتَهى. وإنَّما قالَ: عِنْدَ مَجِيءِ السّاعَةِ؛ لِأنَّهُ عَلَّقَ ﴿لِيَجْزِيَ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ فَبَنى التَّخْرِيجَ عَلى ذَلِكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (الحَقَّ) بِالنَّصْبِ، مَفْعُولًا ثانِيًا لِـ: ”يَرى“، وهو فَصْلٌ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِالرَّفْعِ جَعَلَ (هو) مُبْتَدَأً و(الحَقُّ) خَبَرَهُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِـ: ”يَرى“، وهو لُغَةُ تَمِيمٍ، يَجْعَلُونَ ما هو فَصْلٌ عِنْدَ غَيْرِهِمْ مُبْتَدَأً، قالَهُ أبُو عُمَرَ الجَرْمِيُّ. والظّاهِرُ أنَّ الفاعِلَ لِـ: ”يَهْدِي“ هو ضَمِيرُ ﴿الَّذِي أُنْزِلَ﴾، وهو القُرْآنُ، وهو اسْتِئْنافُ إخْبارٍ. وقِيلَ: هو في مَوْضِعِ الحالِ عَلى إضْمارِ: ”وهو يَهْدِي“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (الحَقَّ)، عُطِفَ الفِعْلُ عَلى الِاسْمِ كَقَوْلِهِ: ﴿صافّاتٍ ويَقْبِضْنَ﴾ [الملك: ١٩] أيْ: قابِضاتٍ، كَما عُطِفَ الِاسْمُ عَلى الفِعْلِ في قَوْلِهِ: ؎فَألْفَيْتُهُ يَوْمًا يُبِيدُ عَدُوَّهُ ∗∗∗ وبَحْرَ عَطاءٍ يَسْتَحِفُّ المَعابِرا عُطِفَ ”وبَحْرَ“ عَلى ”يُبِيرُ“، وقِيلَ: الفاعِلُ بِـ: (يَهْدِي) ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى اللَّهِ، وفِيهِ بُعْدٌ. ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هم قُرَيْشٌ، قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَلى جِهَةِ التَّعَجُّبِ والِاسْتِهْزاءِ كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِمَن يُرِيدُ أنْ يُعَجِّبَهُ: هَلْ أدُلُّكَ عَلى قِصَّةٍ غَرِيبَةٍ نادِرَةٍ ؟ لَمّا كانَ البَعْثُ عِنْدَهم مِنَ المُحالِ، جَعَلُوا مَن يُخْبِرُ عَنْ وُقُوعِهِ في حَيِّزِ مَن يُتَعَجَّبُ مِنهُ، وأتَوْا بِاسْمِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - نَكِرَةً في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ﴾ ؟ وكانَ اسْمُهُ أشْهَرَ عَلَمٍ في قُرَيْشٍ، بَلْ في الدُّنْيا، وإخْبارُهُ بِالبَعْثِ أشْهَرُ خَبَرٍ؛ لِأنَّهم أخْرَجُوا ذَلِكَ مَخْرَجَ الِاسْتِهْزاءِ والتَّحَلِّي بِبَعْضِ الأحاجِيِّ المَعْمُولَةِ لِلتَّلَهِّي والتَّعْمِيَةِ، فَلِذَلِكَ نَكَّرُوا اسْمَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ بِالهَمْزِ؛ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِإبْدالِ الهَمْزَةِ ياءً مَحْضَةً. وحَكى عَنْهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: ”يُنْبِئُكم“، بِالهَمْزَةِ مِن أنْبَأ، و”إذا“ جَوابُها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: تُبْعَثُونَ، وحُذِفَ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، وهو العامِلُ ”إذا“ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ. وقالَ الزَّجّاجُ ذَلِكَ، وقالَ أيْضًا هو والنَّحّاسُ: العامِلُ ﴿مُزِّقْتُمْ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو خَطَأٌ وإفْسادٌ لِلْمَعْنى. ولَيْسَ بِخَطَأٍ ولا إفْسادٍ لِلْمَعْنى، وإذا الشَّرْطِيَّةُ مُخْتَلَفٌ في العامِلِ فِيها، وقَدْ بَيَّنّا ما كَتَبْناهُ في (شَرْحِ التَّسْهِيلِ) أنَّ الصَّحِيحَ أنْ يَعْمَلَ فِيها فِعْلُ الشَّرْطِ، كَسائِرِ أدَواتِ الشَّرْطِ. والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مَعْمُولَةً لِـ: (يُنَبِّئُكم)؛ لِأنَّهُ في مَعْنى ”يَقُولُ لَكم“: ﴿إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ . ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ: ﴿إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ مَعْمُولًا لِـ: ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ و﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ، ولَوْلا اللّامُ في خَبَرِ إنَّ لَكانَتْ مَفْتُوحَةً، فالجُمْلَةُ سَدَّتْ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ. والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ اعْتِراضٌ، وقَدْ مَنَعَ قَوْمٌ التَّعْلِيقَ في بابِ: اعْلَمْ، والصَّحِيحُ جَوازُهُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎حَذارِ فَقَدْ نُبِّئْتَ أنَّكَ لَلَّذِي ∗∗∗ سَتُجْزى بِما تَسْعى فَتَسْعَدُ أوْ تَشْقى (p-٢٦٠)و(مُمَزَّقٍ) مَصْدَرٌ جاءَ عَلى زِنَةِ اسْمِ المَفْعُولِ، عَلى القِياسِ في اسْمِ المَصْدَرِ مِن كُلِّ فِعْلٍ زائِدٍ عَلى الثَّلاثَةِ، كَقَوْلِهِ: ؎ألَمْ تَعْلَمْ مُسَرَّحِيَ القَوافِي ∗∗∗ فَلا عِيًّا بِهِنَّ ولا اجْتِلابا أيْ: تَسْرِيحِي القَوافِيَ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ ظَرْفَ مَكانٍ، أيْ: إذا مُزِّقْتُمْ في مَكانٍ مِنَ القُبُورِ وبُطُونِ الطَّيْرِ والسِّباعِ، وما ذَهَبَتْ بِهِ السُّيُولُ كُلَّ مَذْهَبٍ، وما نَسَفَتْهُ الرِّياحُ فَطَرَحَتْهُ كُلَّ مَطْرَحٍ. انْتَهى. و(جَدِيدٍ) عِنْدَ البَصْرِيِّينَ بِمَعْنى فاعِلٍ، تَقُولُ: جَدَّ فَهو جادٌّ وجَدِيدٌ، وبِمَعْنى مَفْعُولٍ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ مِن جَدَّهُ إذا قَطَعَهُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (أفْتَرى) مِن قَوْلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ أيْ: هو مُفْتَرٍ ﴿عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ فِيما يُنْسَبُ إلَيْهِ مِن أمْرِ البَعْثِ ﴿أمْ بِهِ﴾ جُنُونٌ يُوهِمُهُ ذَلِكَ ويُلْقِيهِ عَلى لِسانِهِ. عادَلُوا بَيْنَ الِافْتِراءِ والجُنُونِ؛ لِأنَّ هَذا القَوْلَ عِنْدَهم إنَّما يَصْدُرُ عَنْ أحَدِ هَذَيْنِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ يَعْتَقِدُ خِلافَ ما أُتِيَ بِهِ فَهو مُفْتَرٍ، وإنْ كانَ لا يَعْتَقِدُهُ فَهو مَجْنُونٌ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ السّامِعِ المُجِيبِ لِمَن قالَ: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ﴾ رَدَّدَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ ولَمْ يَجْزِمْ بِأحَدِهِما، حَيْثُ جَوَّزَ هَذا وجَوَّزَ هَذا، ولَمْ يَجْزِمْ بِأنَّهُ افْتِراءٌ مَحْضٌ؛ احْتِرازًا مِن أنْ يَنْسُبَ الكَذِبَ لِعاقِلٍ نِسْبَةً قَطْعِيَّةً، إذِ العاقِلُ حَتّى الكافِرِ لا يَرْضى بِالكَذِبِ، لا مِن نَفْسِهِ ولا مِن غَيْرِهِ، وأضْرَبَ تَعالى عَنْ مَقالَتِهِمْ، والمَعْنى: لَيْسَ لِلرَّسُولِ كَما نَسَبْتُمُ البَتَّةَ، بَلْ أنْتُمْ في عَذابِ النّارِ، أوْ في عَذابِ الدُّنْيا بِما تُكابِدُونَهُ مِن إبْطالِ الشَّرْعِ وهو بِحَقٍّ، وإطْفاءِ نُورِ اللَّهِ وهو مُتِمٌّ. ولَمّا كانَ الكَلامُ في البَعْثِ قالَ: ﴿بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ فَرَتَّبَ العَذابَ عَلى إنْكارِ البَعْثِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في وصْفِ الضَّلالِ بِالبُعْدِ، وهو مِن أوْصافِ المَحالِّ، اسْتُعِيرَ لِلْمَعْنى، ومَعْنى بَعْدَهُ: أنَّهُ لا يَنْقَضِي خَبَرُهُ المُتَلَبَّسُ بِهِ. ﴿أفَلَمْ يَرَوْا﴾ أيْ: هَؤُلاءِ الكُفّارُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ﴿إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ: حَيْثُ ما تَصَرَّفُوا، فالسَّماءُ والأرْضُ قَدْ أحاطَتا بِهِمْ، ولا يَقْدِرُونَ أنْ يَنْفُذُوا مِن أقْطارِهِما، ولا يَخْرُجُوا عَنْ مَلَكُوتِ اللَّهِ فِيهِما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أُعْمُوا فَلَمْ يَنْظُرُوا، جَعَلَ بَيْنَ الفاءِ والهَمْزَةِ فِعْلًا يَصِحُّ العَطْفُ عَلَيْهِ، وهو خِلافُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ النَّحْوِيُّونَ مِن أنَّهُ لا مَحْذُوفَ بَيْنَهُما، وأنَّ الفاءَ لِلْعَطْفِ عَلى ما قَبْلَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، وأنَّ التَّقْدِيرَ ”فَألَمْ“، لَكِنَّ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ لَمّا كانَ لَها الصَّدْرُ قُدِّمَتْ، وقَدْ رَجَعَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى مَذْهَبِ النَّحْوِيِّينَ في ذَلِكَ، وقَدْ رَدَدْنا عَلَيْهِ هَذا المَذْهَبَ فِيما كَتَبْناهُ في (شَرْحِ التَّسْهِيلِ) . وقَّفَهم تَعالى عَلى قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ، وحَذَّرَهم إحاطَتَها بِهِمْ عَلى سَبِيلِ الإهْلاكِ لَهم، وكانَ ثَمَّ حالٌ مَحْذُوفَةٌ، أيْ: أفَلا يَرَوْنَ إلى ما يُحِيطُ بِهِمْ مِن سَماءٍ وأرْضٍ مَقْهُورٍ تَحْتَ قُدْرَتِنا نَتَصَرَّفُ فِيهِ كَما نُرِيدُ ؟ ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ﴾ كَما فَعَلْنا بِقارُونَ ﴿أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ كَما فَعَلْنا بِأصْحابِ الظُّلَّةِ، أوْ ﴿أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ مُحِيطًا بِهِمْ، وهم مَقْهُورُونَ تَحْتَ قُدْرَتِنا ؟ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ النَّظَرِ إلى السَّماءِ والأرْضِ، والفِكْرِ فِيهِما، وما يَدُلّانِ عَلَيْهِ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ (لَآيَةً) لَعَلامَةً ودَلالَةً ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ راجِعٍ إلى رَبِّهِ، مُطِيعٍ لَهُ. قالَ مُجاهِدٌ: مُخْبِتٍ. وقالَ الضَّحّاكُ: مُسْتَقِيمٍ. وقالَ أبُو رَوْقٍ: مُخْلِصٍ في التَّوْحِيدِ. وقالَ قَتادَةُ: مُقْبِلٍ إلى رَبِّهِ بِقَلْبِهِ؛ لِأنَّ المُنِيبَ لا يَخْلُو مِنَ النَّظَرِ في آياتِ اللَّهِ عَلى أنَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِنَ البَعْثِ ومِن عِقابِهِ مَن يَكْفُرُ بِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ ونُسْقِطْ“ بِالنُّونِ في الثَّلاثَةِ؛ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، وعِيسى، والأعْمَشُ، وابْنُ مُطَرِّفٍ: بِالياءِ فِيهِنَّ؛ وأدْغَمَ الكِسائِيُّ الفاءَ في الباءِ في ”نَخْسِفْ بِهِمْ“ . قالَ أبُو عَلِيٍّ: وذَلِكَ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ الباءَ أضْعَفُ في الصَّوْتِ مِنَ الفاءِ، فَلا تُدْغَمُ فِيها، وإنْ كانَتِ الباءُ تُدْغَمُ في الفاءِ، نَحْوُ: ضَرَبَ فُلانًا، وهَذا ما تُدْغَمُ الباءُ في المِيمِ، كَقَوْلِكَ: اضْرِبْ مالِكًا، ولا تُدْغَمُ المِيمُ في الباءِ، كَقَوْلِكَ: اضْمُمْ بِكَ؛ لِأنَّ الباءَ انْحَطَّتْ عَنِ المِيمِ بِفَقْدِ الغُنَّةِ الَّتِي في المِيمِ. (p-٢٦١)وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَرَأ الكِسائِيُّ نَخْسِفْ بِهِمْ بِالإدْغامِ، ولَيْسَتْ بِقَوِيَّةٍ. انْتَهى. والقِراءَةُ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ، ويُوجَدُ فِيها الفَصِيحُ والأفْصَحُ، وكُلُّ ذَلِكَ مِن تَيْسِيرِهِ تَعالى القُرْآنَ لِلذِّكْرِ، فَلا التِفاتَ لِقَوْلِ أبِي عَلِيٍّ ولا الزَّمَخْشَرِيِّ.

سبأ 34:10

﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلًا يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ والطَّيْرَ وألَنّا لَهُ الحَدِيدَ﴾ ﴿أنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وقَدِّرْ في السَّرْدِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ ورَواحُها شَهْرٌ وأسَلْنا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ ومِنَ الجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإذْنِ رَبِّهِ ومَن يَزِغْ مِنهم عَنْ أمْرِنا نُذِقْهُ مِن عَذابِ السَّعِيرِ﴾ ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِن مَحارِيبَ وتَماثِيلَ وجِفانٍ كالجَوابِ وقُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ ﴿فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ المَوْتَ ما دَلَّهم عَلى مَوْتِهِ إلّا دابَّةُ الأرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأتَهُ فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الجِنُّ أنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُوا في العَذابِ المُهِينِ﴾ [سبإ: ١٤] . (p-٢٦٢)مُناسَبَةُ قِصَّةِ داوُدَ وسُلَيْمانَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - لِما قَبْلَها، هي أنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ أنْكَرُوا البَعْثَ لِاسْتِحالَتِهِ عِنْدَهم، فَأُخْبِرُوا بِوُقُوعِ ما هو مُسْتَحِيلٌ في العادَةِ مِمّا لا يُمْكِنُهم إنْكارُهُ، إذْ طَفَحَتْ بِبَعْضِهِ أخْبارُهم وشُعَراؤُهم عَلى ما يَأْتِي ذِكْرُهُ، إنْ شاءَ اللَّهُ، مِن تَأْوِيبِ الجِبالِ والطَّيْرِ مَعَ داوُدَ، وإلانَةِ الحَدِيدِ، وهو الجُرْمُ المُسْتَعْصِي، وتَسْخِيرِ الرِّيحِ لِسُلَيْمانَ، وإسالَةِ النُّحاسِ لَهُ، كَما ألانَ الحَدِيدَ لِأبِيهِ، وتَسْخِيرِ الجِنِّ فِيما شاءَ مِنَ الأعْمالِ الشّاقَّةِ. وقِيلَ: لَمّا ذَكَرَ مَن يُنِيبُ مِن عِبادِهِ، ذَكَرَ مِن جُمْلَتِهِمْ داوُدَ، كَما قالَ ﴿فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وخَرَّ راكِعًا وأنابَ﴾ [ص: ٢٤] وبَيَّنَ ما آتاهُ اللَّهُ عَلى إنابَتِهِ فَقالَ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلًا﴾ وقِيلَ: ذَكَرَ نِعْمَتَهُ عَلى داوُدَ وسُلَيْمانَ، عَلَيْهِما السَّلامُ، احْتِجاجًا عَلى ما مَنَحَ مُحَمَّدًا ﷺ: أيْ لا تَسْتَبْعِدُوا هَذا، فَقَدْ تَفَضَّلْنا عَلى عَبِيدِنا قَدِيمًا بِكَذا وكَذا. فَلَمّا فَرَغَ التَّمْثِيلُ لِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَجَعَ التَّمْثِيلُ لَهم بِسَبَأٍ، وما كانَ مِن هَلاكِهِمْ بِالكُفْرِ والعُتُوِّ. انْتَهى. والفَضْلُ الَّذِي أُوتِيَ داوُدُ: الزَّبُورُ، والعَدْلُ في القَضاءِ، والثِّقَةُ بِاللَّهِ، وتَسْخِيرُ الجِبالِ، والطَّيْرِ، وتَلْيِينُ الحَدِيدِ، أقْوالٌ. ﴿ياجِبالُ﴾ هو إضْمارٌ لِلْقَوْلِ، إمّا مَصْدَرٌ، أيْ قُلْنا ﴿ياجِبالُ﴾، فَيَكُونُ بَدَلًا مِن (فَضْلًا)، وإمّا فِعْلًا، أيْ قُلْنا، فَيَكُونُ بَدَلًا مِن (آتَيْنا)، وإمّا عَلى الِاسْتِئْنافِ، أيْ قُلْنا ﴿ياجِبالُ﴾، وجَعَلَ الجِبالَ بِمَنزِلَةِ العُقَلاءِ الَّذِينَ إذا أمَرَهم أطاعُوا وأذْعَنُوا، وإذا دَعاهم سَمِعُوا وأجابُوا، إشْعارًا بِأنَّهُ ما مِن حَيَوانٍ وجَمادٍ وناطِقٍ وصامِتٍ إلّا وهو مُنْقادٌ لِمَشِيئَتِهِ، غَيْرُ مُمْتَنِعٍ عَلى إرادَتِهِ، ودَلالَةً عَلى عِزَّةِ الرُّبُوبِيَّةِ وكِبْرِياءِ الأُلُوهِيَّةِ، حَيْثُ نادى الجِبالَ وأمَرَها. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أوِّبِي﴾ مُضاعَفُ آبَ يَؤُوبُ، ومَعْناهُ: سَبِّحِي مَعَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ مُؤَرِّجٌ، وأبُو مَيْسَرَةَ: أوِّبِي: سَبِّحِي، بِلُغَةِ الحَبَشَةِ، أيْ يُسَبِّحُ هو وتُرَجِّعُ هي مَعَهُ التَّسْبِيحَ، أيْ تُرَدِّدُ بِالذِّكْرِ، وضُعِّفَ الفِعْلُ لِلْمُبالَغَةِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. ويَظْهَرُ أنَّ التَّضْعِيفَ لِلتَّعْدِيَةِ، فَلَيْسَ لِلْمُبالَغَةِ، إذْ أصْلُهُ آبَ، وهو لازِمٌ بِمَعْنى: رَجَعَ اللّازِمِ فَعُدِّيَ بِالتَّضْعِيفِ، إذْ شَرَحُوهُ بِقَوْلِهِمْ: رَجِّعِي مَعَهُ التَّسْبِيحَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْنى تَسْبِيحِ الجِبالِ: أنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ فِيها تَسْبِيحًا، كَما خَلَقَ الكَلامَ في الشَّجَرَةِ، فَيُسْمَعُ مِنها (p-٢٦٣)ما يُسْمَعُ مِنَ المُسَبِّحِ، مُعْجِزَةً لِداوُدَ. قِيلَ: كانَ يَنُوحُ عَلى ذَنْبِهِ بِتَرْجِيعٍ وتَحْزِينٍ، وكانَتِ الجِبالُ تُساعِدُهُ عَلى نَوْحِهِ بِأصْدائِها والطَّيْرُ بِأصْواتِها. انْتَهى. وقَوْلُهُ: كَما خَلَقَ الكَلامَ في الشَّجَرَةِ، يَعْنِي أنَّ الَّذِي يَسْمَعُ مُوسى هو مِمّا خَلَقَهُ اللَّهُ في الشَّجَرَةِ مِنَ الكَلامِ، لا أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ حَقِيقَةً، وهو مَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ. وأمّا قَوْلُهُ: تُساعِدُهُ الجِبالُ عَلى نَوْحِهِ بِأصْدائِها فَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ الصَّدى لَيْسَ بِصَوْتِ الجِبالِ حَقِيقَةً، واللَّهُ تَعالى نادى الجِبالَ وأمَرَها بِأنْ تُؤَوِّبَ مَعَهُ، والصَّدى لا تُؤْمَرُ الجِبالُ بِأنْ تَفْعَلَهُ، إذْ لَيْسَ فِعْلًا لَها، وإنَّما هو مِن آثارِ صَوْتِ المُتَكَلِّمِ عَلى ما يَقُومُ عَلَيْهِ البُرْهانُ. وقالَ الحَسَنُ: مَعْنى ﴿أوِّبِي مَعَهُ﴾ سِيرِي مَعَهُ أيْنَ سارَ، والتَّأْوِيبُ: سَيْرُ النَّهارِ. كانَ الإنْسانُ يَسِيرُ اللَّيْلَ ثُمَّ يَرْجِعُ لِلسَّيْرِ بِالنَّهارِ، أيْ يُرَدِّدُهُ، وقالَ تَمِيمُ بْنُ مُقْبِلٍ: ؎لَحِقْنا بِحَيٍّ أوَّبُوا السَّيْرَ بَعْدَما رَفَعْنا شُعاعَ الشَّمْسِ والطَّرْفُ تَجْنَحُ وقالَ آخَرُ: ؎يَوْمانِ يَوْمُ مَقاماتٍ وأنْدِيَةٍ ∗∗∗ ويَوْمُ سَيْرٍ إلى الأعْداءِ تَأْوِيبِ وقِيلَ: أوِّبِي: تَصَرَّفِي مَعَهُ عَلى ما يَتَصَرَّفُ فِيهِ. فَكانَ إذا قَرَأ الزَّبُورَ، صَوَّتَتِ الجِبالُ مَعَهُ وأصْغَتْ إلَيْهِ الطَّيْرُ، فَكَأنَّها فَعَلَتْ ما فَعَلَ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: أُوبِي أمْرٌ مِن أوَبَ: أيْ رَجِّعِي مَعَهُ في التَّسْبِيحِ، أوْ في السَّيْرِ عَلى القَوْلَيْنِ. فَأمْرُ الجِبالِ كَأمْرِ الواحِدَةِ المُؤَنَّثَةِ؛ لِأنَّ جَمْعَ ما لا يَعْقِلُ يَجُوزُ فِيهِ ذَلِكَ، ومِنهُ: يا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي، ومِنهُ: يا رَبِّ أُخْرى، وقَدْ جاءَ ذَلِكَ في جَمِيعِ ما يَعْقِلُ مِنَ المُؤَنَّثِ قالَ الشّاعِرُ: ؎تَرَكْنا الخَيْلَ والنَّعْمَ المُفَدّى ∗∗∗ وقُلْنا لِلنِّساءِ بِها أقِيمِي لَكِنْ هَذا قَلِيلٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿والطَّيْرَ﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ ﴿ياجِبالُ﴾ قالَ سِيبَوَيْهِ: وقالَ أبُو عَمْرٍو: بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: وسَخَّرْنا لَهُ الطَّيْرَ. وقالَ الكِسائِيُّ: عَطْفًا عَلى (فَضْلًا) أيْ وتَسْبِيحَ الطَّيْرِ. وقالَ الزَّجّاجُ: نَصْبُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ. انْتَهى، وهَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ قَبْلَهُ مَعَهُ، ولا يَقْتَضِي الفِعْلُ اثْنَيْنِ مِنَ المَفْعُولِ مَعَهُ إلّا عَلى البَدَلِ أوِ العَطْفِ، فَكَما لا يَجُوزُ: جاءَ زَيْدٌ مَعَ عَمْرٍو مَعَ زَيْنَبَ إلّا بِالعَطْفِ كَذَلِكَ هَذا. وقَرَأ السُّلَمِيُّ، وابْنُ هُرْمُزَ، وأبُو يَحْيى، وأبُو نَوْفَلٍ، ويَعْقُوبُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وجَماعَةٌ مِن أهْلِ المَدِينَةِ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ: والطَّيْرُ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى لَفْظِ ﴿ياجِبالُ﴾ وقِيلَ: عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ في ﴿أوِّبِي﴾ وسَوَّغَ ذَلِكَ الفَصْلُ بِالظَّرْفِ؛ وقِيلَ: رَفْعًا بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ والطَّيْرُ تُؤَوِّبُ. وإلانَةُ الحَدِيدِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: صارَ كالشَّمْعِ. وقالَ الحَسَنُ: كالعَجِينِ، وكانَ يَعْمَلُهُ مِن غَيْرِ نارٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: كالطِّينِ المَبْلُولِ والعَجِينِ والشَّمْعِ، يُصَرِّفُهُ كَيْفَ شاءَ مِن غَيْرِ نارٍ ولا ضَرْبِ مِطْرَقَةٍ. وقِيلَ: أُعْطِيَ قُوَّةً يَلِينُ بِها الحَدِيدُ. وقالَ مُقاتِلٌ: وكانَ يَفْرَغُ مِنَ الدِّرْعِ في بَعْضِ يَوْمٍ أوْ في بَعْضِ لَيْلَةٍ ثَمَنُها ألْفُ دِرْهَمٍ، وكانَ داوُدُ يَتَنَكَّرُ فَيَسْألُ النّاسَ عَنْ حالِهِ، فَعَرَضَ لَهُ مَلَكٌ في صُورَةِ إنْسانٍ فَسَألَهُ، فَقالَ: نِعْمَ العَبْدُ لَوْلا خَلَّةٌ فِيهِ، فَقالَ: وما هي ؟ فَقالَ: يَرْتَزِقُ مِن بَيْتِ المالِ، ولَوْ أكَلَ مِن عَمَلِ يَدِهِ تَمَّتْ فَضائِلُهُ، فَدَعا اللَّهَ أنْ يُعَلِّمَهُ صَنْعَةً ويُسَهِّلَها عَلَيْهِ، فَعَلَّمَهُ صَنْعَةَ الدُّرُوعِ وألانَ لَهُ الحَدِيدَ فَأثْرى، وكانَ يُنْفِقُ ثُلُثَ المالِ في مَصالِحِ المُسْلِمِينَ. وأنْ في ﴿أنِ اعْمَلْ﴾ مَصْدَرِيَّةٌ، وهي عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ ألَنّاهُ لِعَمَلِ ﴿سابِغاتٍ﴾ . وأجازَ الحَوْفِيُّ وغَيْرُهُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً، ولا يَصِحُّ؛ لِأنَّ مِن شَرْطِها أنْ يَتَقَدَّمَها مَعْنى القَوْلِ، وأنْ لَيْسَ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ. وقَدَّرَ بَعْضُهم قَبْلَها فِعْلًا مَحْذُوفًا حَتّى يَصِحَّ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً، وتَقْدِيرُهُ: وأمَرْناهُ أنِ اعْمَلْ، أيِ اعْمَلْ، ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى هَذا المَحْذُوفِ. وقُرِئَ: صابِغاتٍ، بِالصّادِّ بَدَلًا مِنَ السِّينِ، وتَقَدَّمَ أنَّها لُغَةٌ في قَوْلِهِ (وأسْبَغَ عَلَيْكم نِعَمَهُ) . (p-٢٦٤)﴿وقَدِّرْ في السَّرْدِ﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو في قَدْرِ الحَلْقَةِ، أيْ لا تَعْمَلْها صَغِيرَةً فَتَضْعُفَ، فَلا يَقْوى الدِّرْعُ عَلى الدِّفاعِ، ولا كَبِيرَةً فَيُنالَ لابِسُها مِن خِلالِها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو في المِسْمارِ، لا يَرِقُّ فَيَنْكَسِرُ، ولا يَغْلُظُ فَيَفْصِمُ، بِالفاءِ وبِالقافِ. وقالَ قَتادَةُ: إنَّ الدُّرُوعَ كانَتْ قَبْلُ صَفائِحَ كانَتْ ثِقالًا، وهو أوَّلُ مَن صَنَعَ الدِّرْعَ حِلَقًا. والظّاهِرُ أنَّ الأمْرَ في قَوْلِهِ ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ﴾ لِآلِ داوُدَ، وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهم ذِكْرٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أمْرًا لِداوُدَ شَرَّفَهُ اللَّهُ بِأنْ خاطَبَهُ خِطابَ الجَمْعِ. ﴿ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ﴾ قالَ الحَسَنُ: عَقَرَ سُلَيْمانُ الخَيْلَ عَلى ما فَوَّتَتْهُ مِن صَلاةِ العَصْرِ، فَأبْدَلَهُ اللَّهُ خَيْرًا مِنها، وأسْرَعَ الرِّيحَ تَجْرِي بِأمْرِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: الرِّيحَ بِالنَّصْبِ، أيْ ولِسُلَيْمانَ سَخَّرْنا الرِّيحَ؛ وأبُو بَكْرٍ: بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ في المَجْرُورِ، ويَكُونُ الرِّيحُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ تَسْخِيرُ الرِّيحِ، أوْ عَلى إضْمارِ الخَبَرِ، أيِ الرِّيحُ مُسَخَّرَةٌ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو حَيْوَةَ، وخالِدُ بْنُ إلْياسَ: الرِّياحُ بِالرَّفْعِ جَمْعًا. وقالَ قَتادَةُ: كانَتْ تَقْطَعُ في الغُدُوِّ إلى قُرْبِ الزَّوالِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وفي الرَّواحِ مِن بَعْدِ الزَّوالِ إلى الغُرُوبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ. وقالَ الحَسَنُ: فَخَرَجَ مِن مُسْتَقَرِّهِ بِالشّامِ يُرِيدُ تَدْمُرَ الَّتِي بَنَتْها الجِنُّ بِالصِّفاحِ والعُمُدِ، فَيُقِيلُ في إصْطَخْرَ ويَرُوحُ مِنها فَيَبِيتُ في كابِلَ مِن أرْضِ خُراسانَ. والغُدُوُّ لَيْسَ الشَّهْرُ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ جَرى غُدُوُّها، أيْ جَرْيُها في الغُدُوِّ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وجَرى رَواحُها، أيْ جَرْيُها في الرَّواحِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ. وأخْبَرَ هُنا في الغُدُوِّ عَنِ الرَّواحِ بِالزَّمانِ وهو شَهْرٌ، ويَعْنِي شَهْرًا واحِدًا كامِلًا، ونَصْبُ شَهْرٍ جائِزٌ، ولَكِنَّهُ لَمْ يُقْرَأْ بِهِ فِيما أعْلَمُ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: غَدْوَتُها ورَوْحَتُها عَلى وزْنِ فَعْلَةٍ، وهي المَرَّةُ الواحِدَةُ مِن غَدا وراحَ. وقالَ وهْبٌ: كانَ مُسْتَقَرُّ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِتَدْمُرَ وكانَتِ الجِنُّ قَدْ بَنَتْها لَهُ بِالصِّفاحِ والعُمُدِ والرُّخامِ الأبْيَضِ والأشْقَرِ، وفِيهِ يَقُولُ النّابِغَةُ: إلا سُلَيْمانَ قَدْ قالَ الإلَهُ لَهُ قُمْ في البَرِّيَّةِ فاحْدُدْها عَنِ الفَنَدِ وجَيْشُ الجِنِّ أنِّي قَدْ أذِنْتُ لَهم يَبْنُونَ تَدْمُرَ بِالصِّفاحِ والعُمُدِ ووَجَدْتُ أبْياتًا مَنقُورَةً في صَخْرَةٍ بِأرْضِ يَشْكُرَ شاهِدَةً لِبَعْضِ أصْحابِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهي: ؎ونَحْنُ ولا حَوْلَ سِوى حَوْلِ رَبِّنا ∗∗∗ نَرُوحُ مِنَ الأوْطانِ مِن أرْضِ تَدْمُرِ ؎إذا نَحْنُ رُحْنا كانَ رَيْثُ رَواحِنا ∗∗∗ مَسِيرَةَ شَهْرٍ والغَدِ ولِآخَرِ ؎أُناسٌ أعَزَّ اللَّهُ طَوْعًا نُفُوسَهم ∗∗∗ بِنَصْرِ ابْنِ داوُدَ النَّبِيِّ المُطَهَّرِ ؎لَهم في مَعانِي الدِّينِ فَضْلٌ ورِفْعَةٌ ∗∗∗ وإنْ نُسِبُوا يَوْمًا فَمِن خَيْرِ مَعْشَرِ ؎وإنْ رَكِبُوا الرِّيحَ المُطِيعَةَ أسْرَعَتْ ∗∗∗ مُبادِرَةً عَنْ يُسْرِها لَمْ تُقَصِّرِ ؎تُظِلُّهم طَيْرٌ صُفُوفٌ عَلَيْهِمْ مَتّى ∗∗∗ رَفْرَفَتْ مِن فَوْقِهِمْ لَمْ تُنْشَرِ انْتَهى ما حَكى وهْبٌ. ﴿وأسَلْنا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ جَعَلَهُ لَهُ في مَعْدِنِهِ عَيْنًا تَسِيلُ كَعُيُونِ الماءِ، دَلالَةً عَلى نُبُوَّتِهِ. قالَ قَتادَةُ: يَسْتَعْمِلُها فِيما يُرِيدُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ: أُجْرِيَتْ لَهُ ثَلاثَةَ أيّامٍ بِلَيالِيهِنَّ، وكانَتْ بِأرْضِ اليَمَنِ. قالَ مُجاهِدٌ: سالَتْ مِن صَنْعاءَ، ولَمْ يَذُبِ النُّحاسُ فِيما رُوِيَ لِأحَدٍ قَبْلَهُ، وكانَ لا يَذُوبُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى أذَبْنا لَهُ النُّحاسَ عَلى نَحْوِ ما كانَ الحَدِيدُ يَلِينُ لِداوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . قالُوا: وكانَتِ الأعْمالُ تَتَأتّى مِنهُ، وهو بارِدٌ دُونَ نارٍ، و(عَيْنَ) بِمَعْنى الذّاتِ. وقالُوا: لَمْ يَكُنْ أوَّلًا ذابَ لِأحَدٍ قَبْلَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أرادَ بِها مَعْدِنَ النُّحاسِ نَبْعًا لَهُ، كَما ألانَ الحَدِيدَ لِداوُدَ، فَنَبَعَ كَما يَنْبُعُ الماءُ مِنَ العَيْنِ، فَلِذَلِكَ سَمّاهُ عَيْنَ القِطْرِ بِاسْمِ ما آلَ إلَيْهِ، كَما قالَ ﴿إنِّي أرانِي أعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] . انْتَهى. ويَحْتَمِلُ ﴿مَن يَعْمَلُ﴾ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ وسَخَّرْنا مِنَ الجِنِّ مَن يَعْمَلُ، وأنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ في الجارِّ والمَجْرُورِ قَبْلَهُ ﴿بِإذْنِ رَبِّهِ﴾ لِقَوْلِهِ ﴿ومَن يَزِغْ مِنهم عَنْ أمْرِنا﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَزِغْ (p-٢٦٥)مُضارِعُ زاغَ، أيْ ومَن يَعْدِلْ عَنْ أمْرِنا الَّذِي أمَرْناهُ بِهِ مِن طاعَةِ سُلَيْمانَ. وقُرِئَ: يُزِغْ بِضَمِّ الياءِ مِن أزاغَ: أيْ ومَن يَمِلْ ويَصْرِفْ نَفْسَهُ عَنْ أمْرِنا. (وعَذابُ السَّعِيرِ) عَذابُ الآخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: كانَ مَعَهُ مَلَكٌ بِيَدِهِ سَوْطٌ مِن نارٍ، كُلَّما اسْتَعْصى عَلَيْهِ ضَرَبَهُ مِن حَيْثُ لا يَراهُ الجِنِّيُّ. ولِبَعْضِ الباطِنِيَّةِ، أوْ مَن يُشْبِهُهم، تَحْرِيفٌ في هَذِهِ الجُمَلِ. إنَّ تَسْبِيحَ الجِبالِ هو مِن نَوْعِ قَوْلِهِ ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]، وإنَّ تَسْخِيرَ الرِّيحِ هو أنَّهُ راضَ الخَيْلَ وهي كالرِّيحِ، وإنَّ ﴿غُدُوُّها شَهْرٌ﴾ يَكُونُ فَرْسَخًا؛ لِأنَّ مَن يَخْرُجُ لِلتَّفَرُّجِ لا يَسِيرُ في غالِبِ الأمْرِ أشَدَّ مِن فَرْسَخٍ. وإلانَةُ الحَدِيدِ وإسالَةُ القِطْرِ هو اسْتِخْراجُ ذَوْبِهِما بِالنّارِ واسْتِعْمالُ الآلاتِ مِنهُما. ﴿ومِنَ الجِنِّ﴾ هم ناسٌ مِن بَنِي آدَمَ أقْوِياءُ شُبِّهُوا بِهِمْ في قُواهم، وهَذا تَأْوِيلٌ فاسِدٌ وخُرُوجٌ بِالجُمْلَةِ عَمّا يَقُولُهُ أهْلُ التَّفْسِيرِ في الآيَةِ، وتَعْجِيزٌ لِلْقُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن ذَلِكَ. والمَحارِيبُ، قالَ مُجاهِدٌ: المَشاهِدُ، سُمِّيَتْ بِاسْمِ بَعْضِها تَجَوُّزًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: القُصُورُ. وقالَ قَتادَةُ: كِلَيْهِما. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَساكِنُ. وقِيلَ: ما يُصْعَدُ إلَيْهِ بِالدَّرَجِ، كالغُرَفِ. والتَّماثِيلُ: الصُّوَرُ، وكانَتْ لِغَيْرِ الحَيَوانِ. وقالَ الضَّحّاكُ: كانَتْ تَماثِيلُ حَيَوانٍ، وكانَ عَمَلُها جائِزًا في ذَلِكَ الشَّرْعِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هي صُوَرُ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ والصّالِحِينَ، كانَتْ تُعْمَلُ في المَساجِدِ مِن نُحاسٍ وصُفْرٍ وزُجاجٍ ورُخامٍ، لِيَراها النّاسُ، فَيَعْبُدُوا نَحْوَ عِبادَتِهِمْ، وهَذا مِمّا يَجُوزُ أنْ يَخْتَلِفَ فِيهِ الشَّرائِعُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مِن مُقَبَّحاتِ الفِعْلِ، كالظُّلْمِ والكَذِبِ. وعَنْ أبِي العالِيَةِ: لَمْ يَكُنِ اتِّخاذُ الصُّوَرِ إذْ ذاكَ مُحَرَّمًا، أوْ صُوَرًا مَحْذُوفَةَ الرُّءُوسِ، انْتَهى. وفِيهِ بَعْضُ حَذْفٍ. وقِيلَ: التَّماثِيلُ طَلْسَماتٌ، فَيَعْمَلُ تِمْثالًا لِلتِّمْساحِ، أوْ لِلذُّبابِ، أوْ لِلْبَعُوضِ، ويَأْمُرُ أنْ لا يَتَجاوَزَ ذَلِكَ المُمَثَّلَ بِهِ ما دامَ ذَلِكَ التِّمْثالُ والتَّصْوِيرُ حَرامًا في شَرِيعَتِنا. وقَدْ ورَدَ تَشْدِيدُ الوَعِيدِ عَلى المُصَوِّرِينَ، ولِبَعْضِ العُلَماءِ اسْتِثْناءٌ في شَيْءٍ مِنها. وفي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ: «لَعَنَ اللَّهُ المُصَوِّرِينَ» ولَمْ يَسْتَثْنِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وحَكى مَكِّيٌّ في الهِدايَةِ أنَّ قَوْمًا أجازُوا التَّصْوِيرَ، وحَكاهُ النَّحّاسُ عَنْ قَوْمٍ واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ ﴿وتَماثِيلَ﴾ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وما أحْفَظُ مِن أئِمَّةِ العِلْمِ مَن يُجَوِّزُهُ. وقُرِئَ ﴿كالجَوابِ﴾ بِلا ياءٍ، وهو الأصْلُ اجْتِزاءٌ بِالكَسْرَةِ وإجْراءٌ لِلْألِفِ واللّامِ مُجْرى ما عاقَبَها، وهو التَّنْوِينُ، وكَما يُحْذَفُ مَعَ التَّنْوِينِ يُحْذَفُ مَعَ ما عاقَبَهُ، وهو ألْ. و(الرّاسِياتُ) الثّابِتاتُ عَلى الأثافِيِّ، فَلا تُنْقَلُ ولا تُحْمَلُ لِعِظَمِها. وقُدِّمَتِ المَحارِيبُ عَلى التَّماثِيلِ؛ لِأنَّ النُّقُوشَ تَكُونُ في الأبْنِيَةِ. وقُدِّمَ الجِفانُ عَلى القُدُورِ؛ لِأنَّ القُدُورَ آلَةُ الطَّبْخِ، والجِفانُ آلَةُ الأكْلِ، والطَّبْخُ قَبْلَ الأكْلِ لِما بَيْنَ الأبْنِيَةِ المَلَكِيَّةِ. وأرادَ بَيانَ عَظَمَةِ السِّماطِ الَّذِي يُمَدُّ في تِلْكَ الدُّورِ، وأشارَ إلى الجِفانِ لِأنَّها تَكُونُ فِيها، والقُدُورُ لا تَكُونُ فِيها ولا تُحَضَّرُ هُناكَ، ولِهَذا قالَ ﴿راسِياتٍ﴾ . ولَمّا بَيَّنَ حالَ الجِفانِ، سَرى الذِّهْنُ إلى عَظَمَةِ ما يُطْبَخُ فِيهِ، فَذَكَرَ القُدُورَ لِلْمُناسَبَةِ، وذَكَرَ في حَقِّ داوُدَ اشْتِغالَهُ بِآلَةِ الحَرْبِ لِاحْتِياجِهِ إلى قِتالِ الأعْداءِ، وفي حَقِّ سُلَيْمانَ المَحارِيبَ والتَّماثِيلَ؛ لِأنَّهُ كانَ مَلِكًا ابْنَ مَلِكٍ، قَدْ وطَّدَ لَهُ أبُوهُ المُلْكَ، فَكانَتْ حالُهُ حالَةَ سِلْمٍ، إذْ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ يَقْدِرُ عَلى مُحارَبَتِهِ. وقالَ عَقِبَ ﴿أنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ﴾، و﴿اعْمَلُوا آلَ﴾، وعَقِبَ ما يَعْمَلُهُ الجِنُّ ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا﴾، إشارَةً إلى أنَّ الإنْسانَ لا يَسْتَغْرِقُ في الدُّنْيا ولا يَلْتَفِتُ إلى زَخارِفِها، وأنَّهُ يَجِبُ أنْ يَعْمَلَ صالِحًا، ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ﴾ . وقِيلَ: مَفْعُولُ اعْمَلُوا مَحْذُوفٌ، أيِ اعْمَلُوا الطّاعاتِ وواظِبُوا عَلَيْها شُكْرًا لِرَبِّكم عَلى ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكم، فَقِيلَ: انْتَصَبَ (شُكْرًا) عَلى الحالِ، وقِيلَ: مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، وقِيلَ: مَفْعُولٌ لَهُ بِاعْمَلُوا، أيِ اعْمَلُوا عَمَلًا هو الشُّكْرُ، كالصَّلاةِ والصِّيامِ والعِباداتِ كُلِّها في أنْفُسِها هي الشُّكْرُ إذا سَدَّتْ مَسَدَّةً، وقِيلَ: عَلى المَصْدَرِ لِتَضْمِينِهِ اعْمَلُوا اشْكُرُوا بِالعَمَلِ لِلَّهِ شُكْرًا. رُوِيَ أنَّ مُصَلّى آلِ داوُدَ لَمْ يَخْلُ قَطُّ مِن قائِمٍ يُصَلِّي لَيْلًا ونَهارًا، وكانُوا يَتَناوَبُونَهُ. وكانَ سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَأْكُلُ الشَّعِيرَ (p-٢٦٦)ويُطْعِمُ أهْلَهُ الخُشْكارَ، والمَساكِينَ الدَّرْمَكَ، وما شَبِعَ قَطُّ، فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ، فَقالَ: أخافُ إنْ شَبِعْتُ أنْ أنْسى الجِياعَ. و(الشَّكُورُ) صِيغَةُ مُبالَغَةٍ، وأُرِيدَ بِهِ الجِنْسُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الشَّكُورُ: مَن يَشْكُرُ عَلى أحْوالِهِ كُلِّها. وقالَ السُّدِّيُّ: مَن يَشْكُرُ عَلى الشُّكْرِ. وقِيلَ: مَن يَرى عَجْزَهُ عَنِ الشُّكْرِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ خِطابًا لِآلِ داوُدَ، وهو الظّاهِرُ، وأنْ تَكُونَ خِطابًا لِلرَّسُولِ ﷺ وفِيها تَنْبِيهٌ وتَحْرِيضٌ عَلى الشُّكْرِ.

سبأ 34:11

﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلًا يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ والطَّيْرَ وألَنّا لَهُ الحَدِيدَ﴾ ﴿أنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وقَدِّرْ في السَّرْدِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ ورَواحُها شَهْرٌ وأسَلْنا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ ومِنَ الجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإذْنِ رَبِّهِ ومَن يَزِغْ مِنهم عَنْ أمْرِنا نُذِقْهُ مِن عَذابِ السَّعِيرِ﴾ ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِن مَحارِيبَ وتَماثِيلَ وجِفانٍ كالجَوابِ وقُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ ﴿فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ المَوْتَ ما دَلَّهم عَلى مَوْتِهِ إلّا دابَّةُ الأرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأتَهُ فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الجِنُّ أنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُوا في العَذابِ المُهِينِ﴾ [سبإ: ١٤] . (p-٢٦٢)مُناسَبَةُ قِصَّةِ داوُدَ وسُلَيْمانَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - لِما قَبْلَها، هي أنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ أنْكَرُوا البَعْثَ لِاسْتِحالَتِهِ عِنْدَهم، فَأُخْبِرُوا بِوُقُوعِ ما هو مُسْتَحِيلٌ في العادَةِ مِمّا لا يُمْكِنُهم إنْكارُهُ، إذْ طَفَحَتْ بِبَعْضِهِ أخْبارُهم وشُعَراؤُهم عَلى ما يَأْتِي ذِكْرُهُ، إنْ شاءَ اللَّهُ، مِن تَأْوِيبِ الجِبالِ والطَّيْرِ مَعَ داوُدَ، وإلانَةِ الحَدِيدِ، وهو الجُرْمُ المُسْتَعْصِي، وتَسْخِيرِ الرِّيحِ لِسُلَيْمانَ، وإسالَةِ النُّحاسِ لَهُ، كَما ألانَ الحَدِيدَ لِأبِيهِ، وتَسْخِيرِ الجِنِّ فِيما شاءَ مِنَ الأعْمالِ الشّاقَّةِ. وقِيلَ: لَمّا ذَكَرَ مَن يُنِيبُ مِن عِبادِهِ، ذَكَرَ مِن جُمْلَتِهِمْ داوُدَ، كَما قالَ ﴿فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وخَرَّ راكِعًا وأنابَ﴾ [ص: ٢٤] وبَيَّنَ ما آتاهُ اللَّهُ عَلى إنابَتِهِ فَقالَ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلًا﴾ وقِيلَ: ذَكَرَ نِعْمَتَهُ عَلى داوُدَ وسُلَيْمانَ، عَلَيْهِما السَّلامُ، احْتِجاجًا عَلى ما مَنَحَ مُحَمَّدًا ﷺ: أيْ لا تَسْتَبْعِدُوا هَذا، فَقَدْ تَفَضَّلْنا عَلى عَبِيدِنا قَدِيمًا بِكَذا وكَذا. فَلَمّا فَرَغَ التَّمْثِيلُ لِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَجَعَ التَّمْثِيلُ لَهم بِسَبَأٍ، وما كانَ مِن هَلاكِهِمْ بِالكُفْرِ والعُتُوِّ. انْتَهى. والفَضْلُ الَّذِي أُوتِيَ داوُدُ: الزَّبُورُ، والعَدْلُ في القَضاءِ، والثِّقَةُ بِاللَّهِ، وتَسْخِيرُ الجِبالِ، والطَّيْرِ، وتَلْيِينُ الحَدِيدِ، أقْوالٌ. ﴿ياجِبالُ﴾ هو إضْمارٌ لِلْقَوْلِ، إمّا مَصْدَرٌ، أيْ قُلْنا ﴿ياجِبالُ﴾، فَيَكُونُ بَدَلًا مِن (فَضْلًا)، وإمّا فِعْلًا، أيْ قُلْنا، فَيَكُونُ بَدَلًا مِن (آتَيْنا)، وإمّا عَلى الِاسْتِئْنافِ، أيْ قُلْنا ﴿ياجِبالُ﴾، وجَعَلَ الجِبالَ بِمَنزِلَةِ العُقَلاءِ الَّذِينَ إذا أمَرَهم أطاعُوا وأذْعَنُوا، وإذا دَعاهم سَمِعُوا وأجابُوا، إشْعارًا بِأنَّهُ ما مِن حَيَوانٍ وجَمادٍ وناطِقٍ وصامِتٍ إلّا وهو مُنْقادٌ لِمَشِيئَتِهِ، غَيْرُ مُمْتَنِعٍ عَلى إرادَتِهِ، ودَلالَةً عَلى عِزَّةِ الرُّبُوبِيَّةِ وكِبْرِياءِ الأُلُوهِيَّةِ، حَيْثُ نادى الجِبالَ وأمَرَها. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أوِّبِي﴾ مُضاعَفُ آبَ يَؤُوبُ، ومَعْناهُ: سَبِّحِي مَعَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ مُؤَرِّجٌ، وأبُو مَيْسَرَةَ: أوِّبِي: سَبِّحِي، بِلُغَةِ الحَبَشَةِ، أيْ يُسَبِّحُ هو وتُرَجِّعُ هي مَعَهُ التَّسْبِيحَ، أيْ تُرَدِّدُ بِالذِّكْرِ، وضُعِّفَ الفِعْلُ لِلْمُبالَغَةِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. ويَظْهَرُ أنَّ التَّضْعِيفَ لِلتَّعْدِيَةِ، فَلَيْسَ لِلْمُبالَغَةِ، إذْ أصْلُهُ آبَ، وهو لازِمٌ بِمَعْنى: رَجَعَ اللّازِمِ فَعُدِّيَ بِالتَّضْعِيفِ، إذْ شَرَحُوهُ بِقَوْلِهِمْ: رَجِّعِي مَعَهُ التَّسْبِيحَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْنى تَسْبِيحِ الجِبالِ: أنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ فِيها تَسْبِيحًا، كَما خَلَقَ الكَلامَ في الشَّجَرَةِ، فَيُسْمَعُ مِنها (p-٢٦٣)ما يُسْمَعُ مِنَ المُسَبِّحِ، مُعْجِزَةً لِداوُدَ. قِيلَ: كانَ يَنُوحُ عَلى ذَنْبِهِ بِتَرْجِيعٍ وتَحْزِينٍ، وكانَتِ الجِبالُ تُساعِدُهُ عَلى نَوْحِهِ بِأصْدائِها والطَّيْرُ بِأصْواتِها. انْتَهى. وقَوْلُهُ: كَما خَلَقَ الكَلامَ في الشَّجَرَةِ، يَعْنِي أنَّ الَّذِي يَسْمَعُ مُوسى هو مِمّا خَلَقَهُ اللَّهُ في الشَّجَرَةِ مِنَ الكَلامِ، لا أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ حَقِيقَةً، وهو مَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ. وأمّا قَوْلُهُ: تُساعِدُهُ الجِبالُ عَلى نَوْحِهِ بِأصْدائِها فَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ الصَّدى لَيْسَ بِصَوْتِ الجِبالِ حَقِيقَةً، واللَّهُ تَعالى نادى الجِبالَ وأمَرَها بِأنْ تُؤَوِّبَ مَعَهُ، والصَّدى لا تُؤْمَرُ الجِبالُ بِأنْ تَفْعَلَهُ، إذْ لَيْسَ فِعْلًا لَها، وإنَّما هو مِن آثارِ صَوْتِ المُتَكَلِّمِ عَلى ما يَقُومُ عَلَيْهِ البُرْهانُ. وقالَ الحَسَنُ: مَعْنى ﴿أوِّبِي مَعَهُ﴾ سِيرِي مَعَهُ أيْنَ سارَ، والتَّأْوِيبُ: سَيْرُ النَّهارِ. كانَ الإنْسانُ يَسِيرُ اللَّيْلَ ثُمَّ يَرْجِعُ لِلسَّيْرِ بِالنَّهارِ، أيْ يُرَدِّدُهُ، وقالَ تَمِيمُ بْنُ مُقْبِلٍ: ؎لَحِقْنا بِحَيٍّ أوَّبُوا السَّيْرَ بَعْدَما رَفَعْنا شُعاعَ الشَّمْسِ والطَّرْفُ تَجْنَحُ وقالَ آخَرُ: ؎يَوْمانِ يَوْمُ مَقاماتٍ وأنْدِيَةٍ ∗∗∗ ويَوْمُ سَيْرٍ إلى الأعْداءِ تَأْوِيبِ وقِيلَ: أوِّبِي: تَصَرَّفِي مَعَهُ عَلى ما يَتَصَرَّفُ فِيهِ. فَكانَ إذا قَرَأ الزَّبُورَ، صَوَّتَتِ الجِبالُ مَعَهُ وأصْغَتْ إلَيْهِ الطَّيْرُ، فَكَأنَّها فَعَلَتْ ما فَعَلَ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: أُوبِي أمْرٌ مِن أوَبَ: أيْ رَجِّعِي مَعَهُ في التَّسْبِيحِ، أوْ في السَّيْرِ عَلى القَوْلَيْنِ. فَأمْرُ الجِبالِ كَأمْرِ الواحِدَةِ المُؤَنَّثَةِ؛ لِأنَّ جَمْعَ ما لا يَعْقِلُ يَجُوزُ فِيهِ ذَلِكَ، ومِنهُ: يا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي، ومِنهُ: يا رَبِّ أُخْرى، وقَدْ جاءَ ذَلِكَ في جَمِيعِ ما يَعْقِلُ مِنَ المُؤَنَّثِ قالَ الشّاعِرُ: ؎تَرَكْنا الخَيْلَ والنَّعْمَ المُفَدّى ∗∗∗ وقُلْنا لِلنِّساءِ بِها أقِيمِي لَكِنْ هَذا قَلِيلٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿والطَّيْرَ﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ ﴿ياجِبالُ﴾ قالَ سِيبَوَيْهِ: وقالَ أبُو عَمْرٍو: بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: وسَخَّرْنا لَهُ الطَّيْرَ. وقالَ الكِسائِيُّ: عَطْفًا عَلى (فَضْلًا) أيْ وتَسْبِيحَ الطَّيْرِ. وقالَ الزَّجّاجُ: نَصْبُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ. انْتَهى، وهَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ قَبْلَهُ مَعَهُ، ولا يَقْتَضِي الفِعْلُ اثْنَيْنِ مِنَ المَفْعُولِ مَعَهُ إلّا عَلى البَدَلِ أوِ العَطْفِ، فَكَما لا يَجُوزُ: جاءَ زَيْدٌ مَعَ عَمْرٍو مَعَ زَيْنَبَ إلّا بِالعَطْفِ كَذَلِكَ هَذا. وقَرَأ السُّلَمِيُّ، وابْنُ هُرْمُزَ، وأبُو يَحْيى، وأبُو نَوْفَلٍ، ويَعْقُوبُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وجَماعَةٌ مِن أهْلِ المَدِينَةِ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ: والطَّيْرُ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى لَفْظِ ﴿ياجِبالُ﴾ وقِيلَ: عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ في ﴿أوِّبِي﴾ وسَوَّغَ ذَلِكَ الفَصْلُ بِالظَّرْفِ؛ وقِيلَ: رَفْعًا بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ والطَّيْرُ تُؤَوِّبُ. وإلانَةُ الحَدِيدِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: صارَ كالشَّمْعِ. وقالَ الحَسَنُ: كالعَجِينِ، وكانَ يَعْمَلُهُ مِن غَيْرِ نارٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: كالطِّينِ المَبْلُولِ والعَجِينِ والشَّمْعِ، يُصَرِّفُهُ كَيْفَ شاءَ مِن غَيْرِ نارٍ ولا ضَرْبِ مِطْرَقَةٍ. وقِيلَ: أُعْطِيَ قُوَّةً يَلِينُ بِها الحَدِيدُ. وقالَ مُقاتِلٌ: وكانَ يَفْرَغُ مِنَ الدِّرْعِ في بَعْضِ يَوْمٍ أوْ في بَعْضِ لَيْلَةٍ ثَمَنُها ألْفُ دِرْهَمٍ، وكانَ داوُدُ يَتَنَكَّرُ فَيَسْألُ النّاسَ عَنْ حالِهِ، فَعَرَضَ لَهُ مَلَكٌ في صُورَةِ إنْسانٍ فَسَألَهُ، فَقالَ: نِعْمَ العَبْدُ لَوْلا خَلَّةٌ فِيهِ، فَقالَ: وما هي ؟ فَقالَ: يَرْتَزِقُ مِن بَيْتِ المالِ، ولَوْ أكَلَ مِن عَمَلِ يَدِهِ تَمَّتْ فَضائِلُهُ، فَدَعا اللَّهَ أنْ يُعَلِّمَهُ صَنْعَةً ويُسَهِّلَها عَلَيْهِ، فَعَلَّمَهُ صَنْعَةَ الدُّرُوعِ وألانَ لَهُ الحَدِيدَ فَأثْرى، وكانَ يُنْفِقُ ثُلُثَ المالِ في مَصالِحِ المُسْلِمِينَ. وأنْ في ﴿أنِ اعْمَلْ﴾ مَصْدَرِيَّةٌ، وهي عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ ألَنّاهُ لِعَمَلِ ﴿سابِغاتٍ﴾ . وأجازَ الحَوْفِيُّ وغَيْرُهُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً، ولا يَصِحُّ؛ لِأنَّ مِن شَرْطِها أنْ يَتَقَدَّمَها مَعْنى القَوْلِ، وأنْ لَيْسَ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ. وقَدَّرَ بَعْضُهم قَبْلَها فِعْلًا مَحْذُوفًا حَتّى يَصِحَّ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً، وتَقْدِيرُهُ: وأمَرْناهُ أنِ اعْمَلْ، أيِ اعْمَلْ، ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى هَذا المَحْذُوفِ. وقُرِئَ: صابِغاتٍ، بِالصّادِّ بَدَلًا مِنَ السِّينِ، وتَقَدَّمَ أنَّها لُغَةٌ في قَوْلِهِ (وأسْبَغَ عَلَيْكم نِعَمَهُ) . (p-٢٦٤)﴿وقَدِّرْ في السَّرْدِ﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو في قَدْرِ الحَلْقَةِ، أيْ لا تَعْمَلْها صَغِيرَةً فَتَضْعُفَ، فَلا يَقْوى الدِّرْعُ عَلى الدِّفاعِ، ولا كَبِيرَةً فَيُنالَ لابِسُها مِن خِلالِها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو في المِسْمارِ، لا يَرِقُّ فَيَنْكَسِرُ، ولا يَغْلُظُ فَيَفْصِمُ، بِالفاءِ وبِالقافِ. وقالَ قَتادَةُ: إنَّ الدُّرُوعَ كانَتْ قَبْلُ صَفائِحَ كانَتْ ثِقالًا، وهو أوَّلُ مَن صَنَعَ الدِّرْعَ حِلَقًا. والظّاهِرُ أنَّ الأمْرَ في قَوْلِهِ ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ﴾ لِآلِ داوُدَ، وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهم ذِكْرٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أمْرًا لِداوُدَ شَرَّفَهُ اللَّهُ بِأنْ خاطَبَهُ خِطابَ الجَمْعِ. ﴿ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ﴾ قالَ الحَسَنُ: عَقَرَ سُلَيْمانُ الخَيْلَ عَلى ما فَوَّتَتْهُ مِن صَلاةِ العَصْرِ، فَأبْدَلَهُ اللَّهُ خَيْرًا مِنها، وأسْرَعَ الرِّيحَ تَجْرِي بِأمْرِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: الرِّيحَ بِالنَّصْبِ، أيْ ولِسُلَيْمانَ سَخَّرْنا الرِّيحَ؛ وأبُو بَكْرٍ: بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ في المَجْرُورِ، ويَكُونُ الرِّيحُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ تَسْخِيرُ الرِّيحِ، أوْ عَلى إضْمارِ الخَبَرِ، أيِ الرِّيحُ مُسَخَّرَةٌ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو حَيْوَةَ، وخالِدُ بْنُ إلْياسَ: الرِّياحُ بِالرَّفْعِ جَمْعًا. وقالَ قَتادَةُ: كانَتْ تَقْطَعُ في الغُدُوِّ إلى قُرْبِ الزَّوالِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وفي الرَّواحِ مِن بَعْدِ الزَّوالِ إلى الغُرُوبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ. وقالَ الحَسَنُ: فَخَرَجَ مِن مُسْتَقَرِّهِ بِالشّامِ يُرِيدُ تَدْمُرَ الَّتِي بَنَتْها الجِنُّ بِالصِّفاحِ والعُمُدِ، فَيُقِيلُ في إصْطَخْرَ ويَرُوحُ مِنها فَيَبِيتُ في كابِلَ مِن أرْضِ خُراسانَ. والغُدُوُّ لَيْسَ الشَّهْرُ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ جَرى غُدُوُّها، أيْ جَرْيُها في الغُدُوِّ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وجَرى رَواحُها، أيْ جَرْيُها في الرَّواحِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ. وأخْبَرَ هُنا في الغُدُوِّ عَنِ الرَّواحِ بِالزَّمانِ وهو شَهْرٌ، ويَعْنِي شَهْرًا واحِدًا كامِلًا، ونَصْبُ شَهْرٍ جائِزٌ، ولَكِنَّهُ لَمْ يُقْرَأْ بِهِ فِيما أعْلَمُ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: غَدْوَتُها ورَوْحَتُها عَلى وزْنِ فَعْلَةٍ، وهي المَرَّةُ الواحِدَةُ مِن غَدا وراحَ. وقالَ وهْبٌ: كانَ مُسْتَقَرُّ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِتَدْمُرَ وكانَتِ الجِنُّ قَدْ بَنَتْها لَهُ بِالصِّفاحِ والعُمُدِ والرُّخامِ الأبْيَضِ والأشْقَرِ، وفِيهِ يَقُولُ النّابِغَةُ: إلا سُلَيْمانَ قَدْ قالَ الإلَهُ لَهُ قُمْ في البَرِّيَّةِ فاحْدُدْها عَنِ الفَنَدِ وجَيْشُ الجِنِّ أنِّي قَدْ أذِنْتُ لَهم يَبْنُونَ تَدْمُرَ بِالصِّفاحِ والعُمُدِ ووَجَدْتُ أبْياتًا مَنقُورَةً في صَخْرَةٍ بِأرْضِ يَشْكُرَ شاهِدَةً لِبَعْضِ أصْحابِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهي: ؎ونَحْنُ ولا حَوْلَ سِوى حَوْلِ رَبِّنا ∗∗∗ نَرُوحُ مِنَ الأوْطانِ مِن أرْضِ تَدْمُرِ ؎إذا نَحْنُ رُحْنا كانَ رَيْثُ رَواحِنا ∗∗∗ مَسِيرَةَ شَهْرٍ والغَدِ ولِآخَرِ ؎أُناسٌ أعَزَّ اللَّهُ طَوْعًا نُفُوسَهم ∗∗∗ بِنَصْرِ ابْنِ داوُدَ النَّبِيِّ المُطَهَّرِ ؎لَهم في مَعانِي الدِّينِ فَضْلٌ ورِفْعَةٌ ∗∗∗ وإنْ نُسِبُوا يَوْمًا فَمِن خَيْرِ مَعْشَرِ ؎وإنْ رَكِبُوا الرِّيحَ المُطِيعَةَ أسْرَعَتْ ∗∗∗ مُبادِرَةً عَنْ يُسْرِها لَمْ تُقَصِّرِ ؎تُظِلُّهم طَيْرٌ صُفُوفٌ عَلَيْهِمْ مَتّى ∗∗∗ رَفْرَفَتْ مِن فَوْقِهِمْ لَمْ تُنْشَرِ انْتَهى ما حَكى وهْبٌ. ﴿وأسَلْنا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ جَعَلَهُ لَهُ في مَعْدِنِهِ عَيْنًا تَسِيلُ كَعُيُونِ الماءِ، دَلالَةً عَلى نُبُوَّتِهِ. قالَ قَتادَةُ: يَسْتَعْمِلُها فِيما يُرِيدُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ: أُجْرِيَتْ لَهُ ثَلاثَةَ أيّامٍ بِلَيالِيهِنَّ، وكانَتْ بِأرْضِ اليَمَنِ. قالَ مُجاهِدٌ: سالَتْ مِن صَنْعاءَ، ولَمْ يَذُبِ النُّحاسُ فِيما رُوِيَ لِأحَدٍ قَبْلَهُ، وكانَ لا يَذُوبُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى أذَبْنا لَهُ النُّحاسَ عَلى نَحْوِ ما كانَ الحَدِيدُ يَلِينُ لِداوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . قالُوا: وكانَتِ الأعْمالُ تَتَأتّى مِنهُ، وهو بارِدٌ دُونَ نارٍ، و(عَيْنَ) بِمَعْنى الذّاتِ. وقالُوا: لَمْ يَكُنْ أوَّلًا ذابَ لِأحَدٍ قَبْلَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أرادَ بِها مَعْدِنَ النُّحاسِ نَبْعًا لَهُ، كَما ألانَ الحَدِيدَ لِداوُدَ، فَنَبَعَ كَما يَنْبُعُ الماءُ مِنَ العَيْنِ، فَلِذَلِكَ سَمّاهُ عَيْنَ القِطْرِ بِاسْمِ ما آلَ إلَيْهِ، كَما قالَ ﴿إنِّي أرانِي أعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] . انْتَهى. ويَحْتَمِلُ ﴿مَن يَعْمَلُ﴾ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ وسَخَّرْنا مِنَ الجِنِّ مَن يَعْمَلُ، وأنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ في الجارِّ والمَجْرُورِ قَبْلَهُ ﴿بِإذْنِ رَبِّهِ﴾ لِقَوْلِهِ ﴿ومَن يَزِغْ مِنهم عَنْ أمْرِنا﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَزِغْ (p-٢٦٥)مُضارِعُ زاغَ، أيْ ومَن يَعْدِلْ عَنْ أمْرِنا الَّذِي أمَرْناهُ بِهِ مِن طاعَةِ سُلَيْمانَ. وقُرِئَ: يُزِغْ بِضَمِّ الياءِ مِن أزاغَ: أيْ ومَن يَمِلْ ويَصْرِفْ نَفْسَهُ عَنْ أمْرِنا. (وعَذابُ السَّعِيرِ) عَذابُ الآخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: كانَ مَعَهُ مَلَكٌ بِيَدِهِ سَوْطٌ مِن نارٍ، كُلَّما اسْتَعْصى عَلَيْهِ ضَرَبَهُ مِن حَيْثُ لا يَراهُ الجِنِّيُّ. ولِبَعْضِ الباطِنِيَّةِ، أوْ مَن يُشْبِهُهم، تَحْرِيفٌ في هَذِهِ الجُمَلِ. إنَّ تَسْبِيحَ الجِبالِ هو مِن نَوْعِ قَوْلِهِ ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]، وإنَّ تَسْخِيرَ الرِّيحِ هو أنَّهُ راضَ الخَيْلَ وهي كالرِّيحِ، وإنَّ ﴿غُدُوُّها شَهْرٌ﴾ يَكُونُ فَرْسَخًا؛ لِأنَّ مَن يَخْرُجُ لِلتَّفَرُّجِ لا يَسِيرُ في غالِبِ الأمْرِ أشَدَّ مِن فَرْسَخٍ. وإلانَةُ الحَدِيدِ وإسالَةُ القِطْرِ هو اسْتِخْراجُ ذَوْبِهِما بِالنّارِ واسْتِعْمالُ الآلاتِ مِنهُما. ﴿ومِنَ الجِنِّ﴾ هم ناسٌ مِن بَنِي آدَمَ أقْوِياءُ شُبِّهُوا بِهِمْ في قُواهم، وهَذا تَأْوِيلٌ فاسِدٌ وخُرُوجٌ بِالجُمْلَةِ عَمّا يَقُولُهُ أهْلُ التَّفْسِيرِ في الآيَةِ، وتَعْجِيزٌ لِلْقُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن ذَلِكَ. والمَحارِيبُ، قالَ مُجاهِدٌ: المَشاهِدُ، سُمِّيَتْ بِاسْمِ بَعْضِها تَجَوُّزًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: القُصُورُ. وقالَ قَتادَةُ: كِلَيْهِما. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَساكِنُ. وقِيلَ: ما يُصْعَدُ إلَيْهِ بِالدَّرَجِ، كالغُرَفِ. والتَّماثِيلُ: الصُّوَرُ، وكانَتْ لِغَيْرِ الحَيَوانِ. وقالَ الضَّحّاكُ: كانَتْ تَماثِيلُ حَيَوانٍ، وكانَ عَمَلُها جائِزًا في ذَلِكَ الشَّرْعِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هي صُوَرُ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ والصّالِحِينَ، كانَتْ تُعْمَلُ في المَساجِدِ مِن نُحاسٍ وصُفْرٍ وزُجاجٍ ورُخامٍ، لِيَراها النّاسُ، فَيَعْبُدُوا نَحْوَ عِبادَتِهِمْ، وهَذا مِمّا يَجُوزُ أنْ يَخْتَلِفَ فِيهِ الشَّرائِعُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مِن مُقَبَّحاتِ الفِعْلِ، كالظُّلْمِ والكَذِبِ. وعَنْ أبِي العالِيَةِ: لَمْ يَكُنِ اتِّخاذُ الصُّوَرِ إذْ ذاكَ مُحَرَّمًا، أوْ صُوَرًا مَحْذُوفَةَ الرُّءُوسِ، انْتَهى. وفِيهِ بَعْضُ حَذْفٍ. وقِيلَ: التَّماثِيلُ طَلْسَماتٌ، فَيَعْمَلُ تِمْثالًا لِلتِّمْساحِ، أوْ لِلذُّبابِ، أوْ لِلْبَعُوضِ، ويَأْمُرُ أنْ لا يَتَجاوَزَ ذَلِكَ المُمَثَّلَ بِهِ ما دامَ ذَلِكَ التِّمْثالُ والتَّصْوِيرُ حَرامًا في شَرِيعَتِنا. وقَدْ ورَدَ تَشْدِيدُ الوَعِيدِ عَلى المُصَوِّرِينَ، ولِبَعْضِ العُلَماءِ اسْتِثْناءٌ في شَيْءٍ مِنها. وفي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ: «لَعَنَ اللَّهُ المُصَوِّرِينَ» ولَمْ يَسْتَثْنِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وحَكى مَكِّيٌّ في الهِدايَةِ أنَّ قَوْمًا أجازُوا التَّصْوِيرَ، وحَكاهُ النَّحّاسُ عَنْ قَوْمٍ واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ ﴿وتَماثِيلَ﴾ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وما أحْفَظُ مِن أئِمَّةِ العِلْمِ مَن يُجَوِّزُهُ. وقُرِئَ ﴿كالجَوابِ﴾ بِلا ياءٍ، وهو الأصْلُ اجْتِزاءٌ بِالكَسْرَةِ وإجْراءٌ لِلْألِفِ واللّامِ مُجْرى ما عاقَبَها، وهو التَّنْوِينُ، وكَما يُحْذَفُ مَعَ التَّنْوِينِ يُحْذَفُ مَعَ ما عاقَبَهُ، وهو ألْ. و(الرّاسِياتُ) الثّابِتاتُ عَلى الأثافِيِّ، فَلا تُنْقَلُ ولا تُحْمَلُ لِعِظَمِها. وقُدِّمَتِ المَحارِيبُ عَلى التَّماثِيلِ؛ لِأنَّ النُّقُوشَ تَكُونُ في الأبْنِيَةِ. وقُدِّمَ الجِفانُ عَلى القُدُورِ؛ لِأنَّ القُدُورَ آلَةُ الطَّبْخِ، والجِفانُ آلَةُ الأكْلِ، والطَّبْخُ قَبْلَ الأكْلِ لِما بَيْنَ الأبْنِيَةِ المَلَكِيَّةِ. وأرادَ بَيانَ عَظَمَةِ السِّماطِ الَّذِي يُمَدُّ في تِلْكَ الدُّورِ، وأشارَ إلى الجِفانِ لِأنَّها تَكُونُ فِيها، والقُدُورُ لا تَكُونُ فِيها ولا تُحَضَّرُ هُناكَ، ولِهَذا قالَ ﴿راسِياتٍ﴾ . ولَمّا بَيَّنَ حالَ الجِفانِ، سَرى الذِّهْنُ إلى عَظَمَةِ ما يُطْبَخُ فِيهِ، فَذَكَرَ القُدُورَ لِلْمُناسَبَةِ، وذَكَرَ في حَقِّ داوُدَ اشْتِغالَهُ بِآلَةِ الحَرْبِ لِاحْتِياجِهِ إلى قِتالِ الأعْداءِ، وفي حَقِّ سُلَيْمانَ المَحارِيبَ والتَّماثِيلَ؛ لِأنَّهُ كانَ مَلِكًا ابْنَ مَلِكٍ، قَدْ وطَّدَ لَهُ أبُوهُ المُلْكَ، فَكانَتْ حالُهُ حالَةَ سِلْمٍ، إذْ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ يَقْدِرُ عَلى مُحارَبَتِهِ. وقالَ عَقِبَ ﴿أنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ﴾، و﴿اعْمَلُوا آلَ﴾، وعَقِبَ ما يَعْمَلُهُ الجِنُّ ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا﴾، إشارَةً إلى أنَّ الإنْسانَ لا يَسْتَغْرِقُ في الدُّنْيا ولا يَلْتَفِتُ إلى زَخارِفِها، وأنَّهُ يَجِبُ أنْ يَعْمَلَ صالِحًا، ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ﴾ . وقِيلَ: مَفْعُولُ اعْمَلُوا مَحْذُوفٌ، أيِ اعْمَلُوا الطّاعاتِ وواظِبُوا عَلَيْها شُكْرًا لِرَبِّكم عَلى ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكم، فَقِيلَ: انْتَصَبَ (شُكْرًا) عَلى الحالِ، وقِيلَ: مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، وقِيلَ: مَفْعُولٌ لَهُ بِاعْمَلُوا، أيِ اعْمَلُوا عَمَلًا هو الشُّكْرُ، كالصَّلاةِ والصِّيامِ والعِباداتِ كُلِّها في أنْفُسِها هي الشُّكْرُ إذا سَدَّتْ مَسَدَّةً، وقِيلَ: عَلى المَصْدَرِ لِتَضْمِينِهِ اعْمَلُوا اشْكُرُوا بِالعَمَلِ لِلَّهِ شُكْرًا. رُوِيَ أنَّ مُصَلّى آلِ داوُدَ لَمْ يَخْلُ قَطُّ مِن قائِمٍ يُصَلِّي لَيْلًا ونَهارًا، وكانُوا يَتَناوَبُونَهُ. وكانَ سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَأْكُلُ الشَّعِيرَ (p-٢٦٦)ويُطْعِمُ أهْلَهُ الخُشْكارَ، والمَساكِينَ الدَّرْمَكَ، وما شَبِعَ قَطُّ، فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ، فَقالَ: أخافُ إنْ شَبِعْتُ أنْ أنْسى الجِياعَ. و(الشَّكُورُ) صِيغَةُ مُبالَغَةٍ، وأُرِيدَ بِهِ الجِنْسُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الشَّكُورُ: مَن يَشْكُرُ عَلى أحْوالِهِ كُلِّها. وقالَ السُّدِّيُّ: مَن يَشْكُرُ عَلى الشُّكْرِ. وقِيلَ: مَن يَرى عَجْزَهُ عَنِ الشُّكْرِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ خِطابًا لِآلِ داوُدَ، وهو الظّاهِرُ، وأنْ تَكُونَ خِطابًا لِلرَّسُولِ ﷺ وفِيها تَنْبِيهٌ وتَحْرِيضٌ عَلى الشُّكْرِ.

سبأ 34:12

﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلًا يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ والطَّيْرَ وألَنّا لَهُ الحَدِيدَ﴾ ﴿أنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وقَدِّرْ في السَّرْدِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ ورَواحُها شَهْرٌ وأسَلْنا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ ومِنَ الجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإذْنِ رَبِّهِ ومَن يَزِغْ مِنهم عَنْ أمْرِنا نُذِقْهُ مِن عَذابِ السَّعِيرِ﴾ ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِن مَحارِيبَ وتَماثِيلَ وجِفانٍ كالجَوابِ وقُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ ﴿فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ المَوْتَ ما دَلَّهم عَلى مَوْتِهِ إلّا دابَّةُ الأرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأتَهُ فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الجِنُّ أنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُوا في العَذابِ المُهِينِ﴾ [سبإ: ١٤] . (p-٢٦٢)مُناسَبَةُ قِصَّةِ داوُدَ وسُلَيْمانَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - لِما قَبْلَها، هي أنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ أنْكَرُوا البَعْثَ لِاسْتِحالَتِهِ عِنْدَهم، فَأُخْبِرُوا بِوُقُوعِ ما هو مُسْتَحِيلٌ في العادَةِ مِمّا لا يُمْكِنُهم إنْكارُهُ، إذْ طَفَحَتْ بِبَعْضِهِ أخْبارُهم وشُعَراؤُهم عَلى ما يَأْتِي ذِكْرُهُ، إنْ شاءَ اللَّهُ، مِن تَأْوِيبِ الجِبالِ والطَّيْرِ مَعَ داوُدَ، وإلانَةِ الحَدِيدِ، وهو الجُرْمُ المُسْتَعْصِي، وتَسْخِيرِ الرِّيحِ لِسُلَيْمانَ، وإسالَةِ النُّحاسِ لَهُ، كَما ألانَ الحَدِيدَ لِأبِيهِ، وتَسْخِيرِ الجِنِّ فِيما شاءَ مِنَ الأعْمالِ الشّاقَّةِ. وقِيلَ: لَمّا ذَكَرَ مَن يُنِيبُ مِن عِبادِهِ، ذَكَرَ مِن جُمْلَتِهِمْ داوُدَ، كَما قالَ ﴿فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وخَرَّ راكِعًا وأنابَ﴾ [ص: ٢٤] وبَيَّنَ ما آتاهُ اللَّهُ عَلى إنابَتِهِ فَقالَ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلًا﴾ وقِيلَ: ذَكَرَ نِعْمَتَهُ عَلى داوُدَ وسُلَيْمانَ، عَلَيْهِما السَّلامُ، احْتِجاجًا عَلى ما مَنَحَ مُحَمَّدًا ﷺ: أيْ لا تَسْتَبْعِدُوا هَذا، فَقَدْ تَفَضَّلْنا عَلى عَبِيدِنا قَدِيمًا بِكَذا وكَذا. فَلَمّا فَرَغَ التَّمْثِيلُ لِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَجَعَ التَّمْثِيلُ لَهم بِسَبَأٍ، وما كانَ مِن هَلاكِهِمْ بِالكُفْرِ والعُتُوِّ. انْتَهى. والفَضْلُ الَّذِي أُوتِيَ داوُدُ: الزَّبُورُ، والعَدْلُ في القَضاءِ، والثِّقَةُ بِاللَّهِ، وتَسْخِيرُ الجِبالِ، والطَّيْرِ، وتَلْيِينُ الحَدِيدِ، أقْوالٌ. ﴿ياجِبالُ﴾ هو إضْمارٌ لِلْقَوْلِ، إمّا مَصْدَرٌ، أيْ قُلْنا ﴿ياجِبالُ﴾، فَيَكُونُ بَدَلًا مِن (فَضْلًا)، وإمّا فِعْلًا، أيْ قُلْنا، فَيَكُونُ بَدَلًا مِن (آتَيْنا)، وإمّا عَلى الِاسْتِئْنافِ، أيْ قُلْنا ﴿ياجِبالُ﴾، وجَعَلَ الجِبالَ بِمَنزِلَةِ العُقَلاءِ الَّذِينَ إذا أمَرَهم أطاعُوا وأذْعَنُوا، وإذا دَعاهم سَمِعُوا وأجابُوا، إشْعارًا بِأنَّهُ ما مِن حَيَوانٍ وجَمادٍ وناطِقٍ وصامِتٍ إلّا وهو مُنْقادٌ لِمَشِيئَتِهِ، غَيْرُ مُمْتَنِعٍ عَلى إرادَتِهِ، ودَلالَةً عَلى عِزَّةِ الرُّبُوبِيَّةِ وكِبْرِياءِ الأُلُوهِيَّةِ، حَيْثُ نادى الجِبالَ وأمَرَها. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أوِّبِي﴾ مُضاعَفُ آبَ يَؤُوبُ، ومَعْناهُ: سَبِّحِي مَعَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ مُؤَرِّجٌ، وأبُو مَيْسَرَةَ: أوِّبِي: سَبِّحِي، بِلُغَةِ الحَبَشَةِ، أيْ يُسَبِّحُ هو وتُرَجِّعُ هي مَعَهُ التَّسْبِيحَ، أيْ تُرَدِّدُ بِالذِّكْرِ، وضُعِّفَ الفِعْلُ لِلْمُبالَغَةِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. ويَظْهَرُ أنَّ التَّضْعِيفَ لِلتَّعْدِيَةِ، فَلَيْسَ لِلْمُبالَغَةِ، إذْ أصْلُهُ آبَ، وهو لازِمٌ بِمَعْنى: رَجَعَ اللّازِمِ فَعُدِّيَ بِالتَّضْعِيفِ، إذْ شَرَحُوهُ بِقَوْلِهِمْ: رَجِّعِي مَعَهُ التَّسْبِيحَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْنى تَسْبِيحِ الجِبالِ: أنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ فِيها تَسْبِيحًا، كَما خَلَقَ الكَلامَ في الشَّجَرَةِ، فَيُسْمَعُ مِنها (p-٢٦٣)ما يُسْمَعُ مِنَ المُسَبِّحِ، مُعْجِزَةً لِداوُدَ. قِيلَ: كانَ يَنُوحُ عَلى ذَنْبِهِ بِتَرْجِيعٍ وتَحْزِينٍ، وكانَتِ الجِبالُ تُساعِدُهُ عَلى نَوْحِهِ بِأصْدائِها والطَّيْرُ بِأصْواتِها. انْتَهى. وقَوْلُهُ: كَما خَلَقَ الكَلامَ في الشَّجَرَةِ، يَعْنِي أنَّ الَّذِي يَسْمَعُ مُوسى هو مِمّا خَلَقَهُ اللَّهُ في الشَّجَرَةِ مِنَ الكَلامِ، لا أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ حَقِيقَةً، وهو مَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ. وأمّا قَوْلُهُ: تُساعِدُهُ الجِبالُ عَلى نَوْحِهِ بِأصْدائِها فَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ الصَّدى لَيْسَ بِصَوْتِ الجِبالِ حَقِيقَةً، واللَّهُ تَعالى نادى الجِبالَ وأمَرَها بِأنْ تُؤَوِّبَ مَعَهُ، والصَّدى لا تُؤْمَرُ الجِبالُ بِأنْ تَفْعَلَهُ، إذْ لَيْسَ فِعْلًا لَها، وإنَّما هو مِن آثارِ صَوْتِ المُتَكَلِّمِ عَلى ما يَقُومُ عَلَيْهِ البُرْهانُ. وقالَ الحَسَنُ: مَعْنى ﴿أوِّبِي مَعَهُ﴾ سِيرِي مَعَهُ أيْنَ سارَ، والتَّأْوِيبُ: سَيْرُ النَّهارِ. كانَ الإنْسانُ يَسِيرُ اللَّيْلَ ثُمَّ يَرْجِعُ لِلسَّيْرِ بِالنَّهارِ، أيْ يُرَدِّدُهُ، وقالَ تَمِيمُ بْنُ مُقْبِلٍ: ؎لَحِقْنا بِحَيٍّ أوَّبُوا السَّيْرَ بَعْدَما رَفَعْنا شُعاعَ الشَّمْسِ والطَّرْفُ تَجْنَحُ وقالَ آخَرُ: ؎يَوْمانِ يَوْمُ مَقاماتٍ وأنْدِيَةٍ ∗∗∗ ويَوْمُ سَيْرٍ إلى الأعْداءِ تَأْوِيبِ وقِيلَ: أوِّبِي: تَصَرَّفِي مَعَهُ عَلى ما يَتَصَرَّفُ فِيهِ. فَكانَ إذا قَرَأ الزَّبُورَ، صَوَّتَتِ الجِبالُ مَعَهُ وأصْغَتْ إلَيْهِ الطَّيْرُ، فَكَأنَّها فَعَلَتْ ما فَعَلَ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: أُوبِي أمْرٌ مِن أوَبَ: أيْ رَجِّعِي مَعَهُ في التَّسْبِيحِ، أوْ في السَّيْرِ عَلى القَوْلَيْنِ. فَأمْرُ الجِبالِ كَأمْرِ الواحِدَةِ المُؤَنَّثَةِ؛ لِأنَّ جَمْعَ ما لا يَعْقِلُ يَجُوزُ فِيهِ ذَلِكَ، ومِنهُ: يا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي، ومِنهُ: يا رَبِّ أُخْرى، وقَدْ جاءَ ذَلِكَ في جَمِيعِ ما يَعْقِلُ مِنَ المُؤَنَّثِ قالَ الشّاعِرُ: ؎تَرَكْنا الخَيْلَ والنَّعْمَ المُفَدّى ∗∗∗ وقُلْنا لِلنِّساءِ بِها أقِيمِي لَكِنْ هَذا قَلِيلٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿والطَّيْرَ﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ ﴿ياجِبالُ﴾ قالَ سِيبَوَيْهِ: وقالَ أبُو عَمْرٍو: بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: وسَخَّرْنا لَهُ الطَّيْرَ. وقالَ الكِسائِيُّ: عَطْفًا عَلى (فَضْلًا) أيْ وتَسْبِيحَ الطَّيْرِ. وقالَ الزَّجّاجُ: نَصْبُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ. انْتَهى، وهَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ قَبْلَهُ مَعَهُ، ولا يَقْتَضِي الفِعْلُ اثْنَيْنِ مِنَ المَفْعُولِ مَعَهُ إلّا عَلى البَدَلِ أوِ العَطْفِ، فَكَما لا يَجُوزُ: جاءَ زَيْدٌ مَعَ عَمْرٍو مَعَ زَيْنَبَ إلّا بِالعَطْفِ كَذَلِكَ هَذا. وقَرَأ السُّلَمِيُّ، وابْنُ هُرْمُزَ، وأبُو يَحْيى، وأبُو نَوْفَلٍ، ويَعْقُوبُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وجَماعَةٌ مِن أهْلِ المَدِينَةِ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ: والطَّيْرُ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى لَفْظِ ﴿ياجِبالُ﴾ وقِيلَ: عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ في ﴿أوِّبِي﴾ وسَوَّغَ ذَلِكَ الفَصْلُ بِالظَّرْفِ؛ وقِيلَ: رَفْعًا بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ والطَّيْرُ تُؤَوِّبُ. وإلانَةُ الحَدِيدِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: صارَ كالشَّمْعِ. وقالَ الحَسَنُ: كالعَجِينِ، وكانَ يَعْمَلُهُ مِن غَيْرِ نارٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: كالطِّينِ المَبْلُولِ والعَجِينِ والشَّمْعِ، يُصَرِّفُهُ كَيْفَ شاءَ مِن غَيْرِ نارٍ ولا ضَرْبِ مِطْرَقَةٍ. وقِيلَ: أُعْطِيَ قُوَّةً يَلِينُ بِها الحَدِيدُ. وقالَ مُقاتِلٌ: وكانَ يَفْرَغُ مِنَ الدِّرْعِ في بَعْضِ يَوْمٍ أوْ في بَعْضِ لَيْلَةٍ ثَمَنُها ألْفُ دِرْهَمٍ، وكانَ داوُدُ يَتَنَكَّرُ فَيَسْألُ النّاسَ عَنْ حالِهِ، فَعَرَضَ لَهُ مَلَكٌ في صُورَةِ إنْسانٍ فَسَألَهُ، فَقالَ: نِعْمَ العَبْدُ لَوْلا خَلَّةٌ فِيهِ، فَقالَ: وما هي ؟ فَقالَ: يَرْتَزِقُ مِن بَيْتِ المالِ، ولَوْ أكَلَ مِن عَمَلِ يَدِهِ تَمَّتْ فَضائِلُهُ، فَدَعا اللَّهَ أنْ يُعَلِّمَهُ صَنْعَةً ويُسَهِّلَها عَلَيْهِ، فَعَلَّمَهُ صَنْعَةَ الدُّرُوعِ وألانَ لَهُ الحَدِيدَ فَأثْرى، وكانَ يُنْفِقُ ثُلُثَ المالِ في مَصالِحِ المُسْلِمِينَ. وأنْ في ﴿أنِ اعْمَلْ﴾ مَصْدَرِيَّةٌ، وهي عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ ألَنّاهُ لِعَمَلِ ﴿سابِغاتٍ﴾ . وأجازَ الحَوْفِيُّ وغَيْرُهُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً، ولا يَصِحُّ؛ لِأنَّ مِن شَرْطِها أنْ يَتَقَدَّمَها مَعْنى القَوْلِ، وأنْ لَيْسَ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ. وقَدَّرَ بَعْضُهم قَبْلَها فِعْلًا مَحْذُوفًا حَتّى يَصِحَّ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً، وتَقْدِيرُهُ: وأمَرْناهُ أنِ اعْمَلْ، أيِ اعْمَلْ، ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى هَذا المَحْذُوفِ. وقُرِئَ: صابِغاتٍ، بِالصّادِّ بَدَلًا مِنَ السِّينِ، وتَقَدَّمَ أنَّها لُغَةٌ في قَوْلِهِ (وأسْبَغَ عَلَيْكم نِعَمَهُ) . (p-٢٦٤)﴿وقَدِّرْ في السَّرْدِ﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو في قَدْرِ الحَلْقَةِ، أيْ لا تَعْمَلْها صَغِيرَةً فَتَضْعُفَ، فَلا يَقْوى الدِّرْعُ عَلى الدِّفاعِ، ولا كَبِيرَةً فَيُنالَ لابِسُها مِن خِلالِها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو في المِسْمارِ، لا يَرِقُّ فَيَنْكَسِرُ، ولا يَغْلُظُ فَيَفْصِمُ، بِالفاءِ وبِالقافِ. وقالَ قَتادَةُ: إنَّ الدُّرُوعَ كانَتْ قَبْلُ صَفائِحَ كانَتْ ثِقالًا، وهو أوَّلُ مَن صَنَعَ الدِّرْعَ حِلَقًا. والظّاهِرُ أنَّ الأمْرَ في قَوْلِهِ ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ﴾ لِآلِ داوُدَ، وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهم ذِكْرٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أمْرًا لِداوُدَ شَرَّفَهُ اللَّهُ بِأنْ خاطَبَهُ خِطابَ الجَمْعِ. ﴿ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ﴾ قالَ الحَسَنُ: عَقَرَ سُلَيْمانُ الخَيْلَ عَلى ما فَوَّتَتْهُ مِن صَلاةِ العَصْرِ، فَأبْدَلَهُ اللَّهُ خَيْرًا مِنها، وأسْرَعَ الرِّيحَ تَجْرِي بِأمْرِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: الرِّيحَ بِالنَّصْبِ، أيْ ولِسُلَيْمانَ سَخَّرْنا الرِّيحَ؛ وأبُو بَكْرٍ: بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ في المَجْرُورِ، ويَكُونُ الرِّيحُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ تَسْخِيرُ الرِّيحِ، أوْ عَلى إضْمارِ الخَبَرِ، أيِ الرِّيحُ مُسَخَّرَةٌ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو حَيْوَةَ، وخالِدُ بْنُ إلْياسَ: الرِّياحُ بِالرَّفْعِ جَمْعًا. وقالَ قَتادَةُ: كانَتْ تَقْطَعُ في الغُدُوِّ إلى قُرْبِ الزَّوالِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وفي الرَّواحِ مِن بَعْدِ الزَّوالِ إلى الغُرُوبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ. وقالَ الحَسَنُ: فَخَرَجَ مِن مُسْتَقَرِّهِ بِالشّامِ يُرِيدُ تَدْمُرَ الَّتِي بَنَتْها الجِنُّ بِالصِّفاحِ والعُمُدِ، فَيُقِيلُ في إصْطَخْرَ ويَرُوحُ مِنها فَيَبِيتُ في كابِلَ مِن أرْضِ خُراسانَ. والغُدُوُّ لَيْسَ الشَّهْرُ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ جَرى غُدُوُّها، أيْ جَرْيُها في الغُدُوِّ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وجَرى رَواحُها، أيْ جَرْيُها في الرَّواحِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ. وأخْبَرَ هُنا في الغُدُوِّ عَنِ الرَّواحِ بِالزَّمانِ وهو شَهْرٌ، ويَعْنِي شَهْرًا واحِدًا كامِلًا، ونَصْبُ شَهْرٍ جائِزٌ، ولَكِنَّهُ لَمْ يُقْرَأْ بِهِ فِيما أعْلَمُ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: غَدْوَتُها ورَوْحَتُها عَلى وزْنِ فَعْلَةٍ، وهي المَرَّةُ الواحِدَةُ مِن غَدا وراحَ. وقالَ وهْبٌ: كانَ مُسْتَقَرُّ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِتَدْمُرَ وكانَتِ الجِنُّ قَدْ بَنَتْها لَهُ بِالصِّفاحِ والعُمُدِ والرُّخامِ الأبْيَضِ والأشْقَرِ، وفِيهِ يَقُولُ النّابِغَةُ: إلا سُلَيْمانَ قَدْ قالَ الإلَهُ لَهُ قُمْ في البَرِّيَّةِ فاحْدُدْها عَنِ الفَنَدِ وجَيْشُ الجِنِّ أنِّي قَدْ أذِنْتُ لَهم يَبْنُونَ تَدْمُرَ بِالصِّفاحِ والعُمُدِ ووَجَدْتُ أبْياتًا مَنقُورَةً في صَخْرَةٍ بِأرْضِ يَشْكُرَ شاهِدَةً لِبَعْضِ أصْحابِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهي: ؎ونَحْنُ ولا حَوْلَ سِوى حَوْلِ رَبِّنا ∗∗∗ نَرُوحُ مِنَ الأوْطانِ مِن أرْضِ تَدْمُرِ ؎إذا نَحْنُ رُحْنا كانَ رَيْثُ رَواحِنا ∗∗∗ مَسِيرَةَ شَهْرٍ والغَدِ ولِآخَرِ ؎أُناسٌ أعَزَّ اللَّهُ طَوْعًا نُفُوسَهم ∗∗∗ بِنَصْرِ ابْنِ داوُدَ النَّبِيِّ المُطَهَّرِ ؎لَهم في مَعانِي الدِّينِ فَضْلٌ ورِفْعَةٌ ∗∗∗ وإنْ نُسِبُوا يَوْمًا فَمِن خَيْرِ مَعْشَرِ ؎وإنْ رَكِبُوا الرِّيحَ المُطِيعَةَ أسْرَعَتْ ∗∗∗ مُبادِرَةً عَنْ يُسْرِها لَمْ تُقَصِّرِ ؎تُظِلُّهم طَيْرٌ صُفُوفٌ عَلَيْهِمْ مَتّى ∗∗∗ رَفْرَفَتْ مِن فَوْقِهِمْ لَمْ تُنْشَرِ انْتَهى ما حَكى وهْبٌ. ﴿وأسَلْنا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ جَعَلَهُ لَهُ في مَعْدِنِهِ عَيْنًا تَسِيلُ كَعُيُونِ الماءِ، دَلالَةً عَلى نُبُوَّتِهِ. قالَ قَتادَةُ: يَسْتَعْمِلُها فِيما يُرِيدُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ: أُجْرِيَتْ لَهُ ثَلاثَةَ أيّامٍ بِلَيالِيهِنَّ، وكانَتْ بِأرْضِ اليَمَنِ. قالَ مُجاهِدٌ: سالَتْ مِن صَنْعاءَ، ولَمْ يَذُبِ النُّحاسُ فِيما رُوِيَ لِأحَدٍ قَبْلَهُ، وكانَ لا يَذُوبُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى أذَبْنا لَهُ النُّحاسَ عَلى نَحْوِ ما كانَ الحَدِيدُ يَلِينُ لِداوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . قالُوا: وكانَتِ الأعْمالُ تَتَأتّى مِنهُ، وهو بارِدٌ دُونَ نارٍ، و(عَيْنَ) بِمَعْنى الذّاتِ. وقالُوا: لَمْ يَكُنْ أوَّلًا ذابَ لِأحَدٍ قَبْلَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أرادَ بِها مَعْدِنَ النُّحاسِ نَبْعًا لَهُ، كَما ألانَ الحَدِيدَ لِداوُدَ، فَنَبَعَ كَما يَنْبُعُ الماءُ مِنَ العَيْنِ، فَلِذَلِكَ سَمّاهُ عَيْنَ القِطْرِ بِاسْمِ ما آلَ إلَيْهِ، كَما قالَ ﴿إنِّي أرانِي أعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] . انْتَهى. ويَحْتَمِلُ ﴿مَن يَعْمَلُ﴾ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ وسَخَّرْنا مِنَ الجِنِّ مَن يَعْمَلُ، وأنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ في الجارِّ والمَجْرُورِ قَبْلَهُ ﴿بِإذْنِ رَبِّهِ﴾ لِقَوْلِهِ ﴿ومَن يَزِغْ مِنهم عَنْ أمْرِنا﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَزِغْ (p-٢٦٥)مُضارِعُ زاغَ، أيْ ومَن يَعْدِلْ عَنْ أمْرِنا الَّذِي أمَرْناهُ بِهِ مِن طاعَةِ سُلَيْمانَ. وقُرِئَ: يُزِغْ بِضَمِّ الياءِ مِن أزاغَ: أيْ ومَن يَمِلْ ويَصْرِفْ نَفْسَهُ عَنْ أمْرِنا. (وعَذابُ السَّعِيرِ) عَذابُ الآخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: كانَ مَعَهُ مَلَكٌ بِيَدِهِ سَوْطٌ مِن نارٍ، كُلَّما اسْتَعْصى عَلَيْهِ ضَرَبَهُ مِن حَيْثُ لا يَراهُ الجِنِّيُّ. ولِبَعْضِ الباطِنِيَّةِ، أوْ مَن يُشْبِهُهم، تَحْرِيفٌ في هَذِهِ الجُمَلِ. إنَّ تَسْبِيحَ الجِبالِ هو مِن نَوْعِ قَوْلِهِ ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]، وإنَّ تَسْخِيرَ الرِّيحِ هو أنَّهُ راضَ الخَيْلَ وهي كالرِّيحِ، وإنَّ ﴿غُدُوُّها شَهْرٌ﴾ يَكُونُ فَرْسَخًا؛ لِأنَّ مَن يَخْرُجُ لِلتَّفَرُّجِ لا يَسِيرُ في غالِبِ الأمْرِ أشَدَّ مِن فَرْسَخٍ. وإلانَةُ الحَدِيدِ وإسالَةُ القِطْرِ هو اسْتِخْراجُ ذَوْبِهِما بِالنّارِ واسْتِعْمالُ الآلاتِ مِنهُما. ﴿ومِنَ الجِنِّ﴾ هم ناسٌ مِن بَنِي آدَمَ أقْوِياءُ شُبِّهُوا بِهِمْ في قُواهم، وهَذا تَأْوِيلٌ فاسِدٌ وخُرُوجٌ بِالجُمْلَةِ عَمّا يَقُولُهُ أهْلُ التَّفْسِيرِ في الآيَةِ، وتَعْجِيزٌ لِلْقُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن ذَلِكَ. والمَحارِيبُ، قالَ مُجاهِدٌ: المَشاهِدُ، سُمِّيَتْ بِاسْمِ بَعْضِها تَجَوُّزًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: القُصُورُ. وقالَ قَتادَةُ: كِلَيْهِما. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَساكِنُ. وقِيلَ: ما يُصْعَدُ إلَيْهِ بِالدَّرَجِ، كالغُرَفِ. والتَّماثِيلُ: الصُّوَرُ، وكانَتْ لِغَيْرِ الحَيَوانِ. وقالَ الضَّحّاكُ: كانَتْ تَماثِيلُ حَيَوانٍ، وكانَ عَمَلُها جائِزًا في ذَلِكَ الشَّرْعِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هي صُوَرُ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ والصّالِحِينَ، كانَتْ تُعْمَلُ في المَساجِدِ مِن نُحاسٍ وصُفْرٍ وزُجاجٍ ورُخامٍ، لِيَراها النّاسُ، فَيَعْبُدُوا نَحْوَ عِبادَتِهِمْ، وهَذا مِمّا يَجُوزُ أنْ يَخْتَلِفَ فِيهِ الشَّرائِعُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مِن مُقَبَّحاتِ الفِعْلِ، كالظُّلْمِ والكَذِبِ. وعَنْ أبِي العالِيَةِ: لَمْ يَكُنِ اتِّخاذُ الصُّوَرِ إذْ ذاكَ مُحَرَّمًا، أوْ صُوَرًا مَحْذُوفَةَ الرُّءُوسِ، انْتَهى. وفِيهِ بَعْضُ حَذْفٍ. وقِيلَ: التَّماثِيلُ طَلْسَماتٌ، فَيَعْمَلُ تِمْثالًا لِلتِّمْساحِ، أوْ لِلذُّبابِ، أوْ لِلْبَعُوضِ، ويَأْمُرُ أنْ لا يَتَجاوَزَ ذَلِكَ المُمَثَّلَ بِهِ ما دامَ ذَلِكَ التِّمْثالُ والتَّصْوِيرُ حَرامًا في شَرِيعَتِنا. وقَدْ ورَدَ تَشْدِيدُ الوَعِيدِ عَلى المُصَوِّرِينَ، ولِبَعْضِ العُلَماءِ اسْتِثْناءٌ في شَيْءٍ مِنها. وفي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ: «لَعَنَ اللَّهُ المُصَوِّرِينَ» ولَمْ يَسْتَثْنِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وحَكى مَكِّيٌّ في الهِدايَةِ أنَّ قَوْمًا أجازُوا التَّصْوِيرَ، وحَكاهُ النَّحّاسُ عَنْ قَوْمٍ واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ ﴿وتَماثِيلَ﴾ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وما أحْفَظُ مِن أئِمَّةِ العِلْمِ مَن يُجَوِّزُهُ. وقُرِئَ ﴿كالجَوابِ﴾ بِلا ياءٍ، وهو الأصْلُ اجْتِزاءٌ بِالكَسْرَةِ وإجْراءٌ لِلْألِفِ واللّامِ مُجْرى ما عاقَبَها، وهو التَّنْوِينُ، وكَما يُحْذَفُ مَعَ التَّنْوِينِ يُحْذَفُ مَعَ ما عاقَبَهُ، وهو ألْ. و(الرّاسِياتُ) الثّابِتاتُ عَلى الأثافِيِّ، فَلا تُنْقَلُ ولا تُحْمَلُ لِعِظَمِها. وقُدِّمَتِ المَحارِيبُ عَلى التَّماثِيلِ؛ لِأنَّ النُّقُوشَ تَكُونُ في الأبْنِيَةِ. وقُدِّمَ الجِفانُ عَلى القُدُورِ؛ لِأنَّ القُدُورَ آلَةُ الطَّبْخِ، والجِفانُ آلَةُ الأكْلِ، والطَّبْخُ قَبْلَ الأكْلِ لِما بَيْنَ الأبْنِيَةِ المَلَكِيَّةِ. وأرادَ بَيانَ عَظَمَةِ السِّماطِ الَّذِي يُمَدُّ في تِلْكَ الدُّورِ، وأشارَ إلى الجِفانِ لِأنَّها تَكُونُ فِيها، والقُدُورُ لا تَكُونُ فِيها ولا تُحَضَّرُ هُناكَ، ولِهَذا قالَ ﴿راسِياتٍ﴾ . ولَمّا بَيَّنَ حالَ الجِفانِ، سَرى الذِّهْنُ إلى عَظَمَةِ ما يُطْبَخُ فِيهِ، فَذَكَرَ القُدُورَ لِلْمُناسَبَةِ، وذَكَرَ في حَقِّ داوُدَ اشْتِغالَهُ بِآلَةِ الحَرْبِ لِاحْتِياجِهِ إلى قِتالِ الأعْداءِ، وفي حَقِّ سُلَيْمانَ المَحارِيبَ والتَّماثِيلَ؛ لِأنَّهُ كانَ مَلِكًا ابْنَ مَلِكٍ، قَدْ وطَّدَ لَهُ أبُوهُ المُلْكَ، فَكانَتْ حالُهُ حالَةَ سِلْمٍ، إذْ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ يَقْدِرُ عَلى مُحارَبَتِهِ. وقالَ عَقِبَ ﴿أنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ﴾، و﴿اعْمَلُوا آلَ﴾، وعَقِبَ ما يَعْمَلُهُ الجِنُّ ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا﴾، إشارَةً إلى أنَّ الإنْسانَ لا يَسْتَغْرِقُ في الدُّنْيا ولا يَلْتَفِتُ إلى زَخارِفِها، وأنَّهُ يَجِبُ أنْ يَعْمَلَ صالِحًا، ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ﴾ . وقِيلَ: مَفْعُولُ اعْمَلُوا مَحْذُوفٌ، أيِ اعْمَلُوا الطّاعاتِ وواظِبُوا عَلَيْها شُكْرًا لِرَبِّكم عَلى ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكم، فَقِيلَ: انْتَصَبَ (شُكْرًا) عَلى الحالِ، وقِيلَ: مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، وقِيلَ: مَفْعُولٌ لَهُ بِاعْمَلُوا، أيِ اعْمَلُوا عَمَلًا هو الشُّكْرُ، كالصَّلاةِ والصِّيامِ والعِباداتِ كُلِّها في أنْفُسِها هي الشُّكْرُ إذا سَدَّتْ مَسَدَّةً، وقِيلَ: عَلى المَصْدَرِ لِتَضْمِينِهِ اعْمَلُوا اشْكُرُوا بِالعَمَلِ لِلَّهِ شُكْرًا. رُوِيَ أنَّ مُصَلّى آلِ داوُدَ لَمْ يَخْلُ قَطُّ مِن قائِمٍ يُصَلِّي لَيْلًا ونَهارًا، وكانُوا يَتَناوَبُونَهُ. وكانَ سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَأْكُلُ الشَّعِيرَ (p-٢٦٦)ويُطْعِمُ أهْلَهُ الخُشْكارَ، والمَساكِينَ الدَّرْمَكَ، وما شَبِعَ قَطُّ، فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ، فَقالَ: أخافُ إنْ شَبِعْتُ أنْ أنْسى الجِياعَ. و(الشَّكُورُ) صِيغَةُ مُبالَغَةٍ، وأُرِيدَ بِهِ الجِنْسُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الشَّكُورُ: مَن يَشْكُرُ عَلى أحْوالِهِ كُلِّها. وقالَ السُّدِّيُّ: مَن يَشْكُرُ عَلى الشُّكْرِ. وقِيلَ: مَن يَرى عَجْزَهُ عَنِ الشُّكْرِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ خِطابًا لِآلِ داوُدَ، وهو الظّاهِرُ، وأنْ تَكُونَ خِطابًا لِلرَّسُولِ ﷺ وفِيها تَنْبِيهٌ وتَحْرِيضٌ عَلى الشُّكْرِ.

سبأ 34:13

﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلًا يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ والطَّيْرَ وألَنّا لَهُ الحَدِيدَ﴾ ﴿أنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وقَدِّرْ في السَّرْدِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ ورَواحُها شَهْرٌ وأسَلْنا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ ومِنَ الجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإذْنِ رَبِّهِ ومَن يَزِغْ مِنهم عَنْ أمْرِنا نُذِقْهُ مِن عَذابِ السَّعِيرِ﴾ ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِن مَحارِيبَ وتَماثِيلَ وجِفانٍ كالجَوابِ وقُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ ﴿فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ المَوْتَ ما دَلَّهم عَلى مَوْتِهِ إلّا دابَّةُ الأرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأتَهُ فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الجِنُّ أنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُوا في العَذابِ المُهِينِ﴾ [سبإ: ١٤] . (p-٢٦٢)مُناسَبَةُ قِصَّةِ داوُدَ وسُلَيْمانَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - لِما قَبْلَها، هي أنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ أنْكَرُوا البَعْثَ لِاسْتِحالَتِهِ عِنْدَهم، فَأُخْبِرُوا بِوُقُوعِ ما هو مُسْتَحِيلٌ في العادَةِ مِمّا لا يُمْكِنُهم إنْكارُهُ، إذْ طَفَحَتْ بِبَعْضِهِ أخْبارُهم وشُعَراؤُهم عَلى ما يَأْتِي ذِكْرُهُ، إنْ شاءَ اللَّهُ، مِن تَأْوِيبِ الجِبالِ والطَّيْرِ مَعَ داوُدَ، وإلانَةِ الحَدِيدِ، وهو الجُرْمُ المُسْتَعْصِي، وتَسْخِيرِ الرِّيحِ لِسُلَيْمانَ، وإسالَةِ النُّحاسِ لَهُ، كَما ألانَ الحَدِيدَ لِأبِيهِ، وتَسْخِيرِ الجِنِّ فِيما شاءَ مِنَ الأعْمالِ الشّاقَّةِ. وقِيلَ: لَمّا ذَكَرَ مَن يُنِيبُ مِن عِبادِهِ، ذَكَرَ مِن جُمْلَتِهِمْ داوُدَ، كَما قالَ ﴿فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وخَرَّ راكِعًا وأنابَ﴾ [ص: ٢٤] وبَيَّنَ ما آتاهُ اللَّهُ عَلى إنابَتِهِ فَقالَ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلًا﴾ وقِيلَ: ذَكَرَ نِعْمَتَهُ عَلى داوُدَ وسُلَيْمانَ، عَلَيْهِما السَّلامُ، احْتِجاجًا عَلى ما مَنَحَ مُحَمَّدًا ﷺ: أيْ لا تَسْتَبْعِدُوا هَذا، فَقَدْ تَفَضَّلْنا عَلى عَبِيدِنا قَدِيمًا بِكَذا وكَذا. فَلَمّا فَرَغَ التَّمْثِيلُ لِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَجَعَ التَّمْثِيلُ لَهم بِسَبَأٍ، وما كانَ مِن هَلاكِهِمْ بِالكُفْرِ والعُتُوِّ. انْتَهى. والفَضْلُ الَّذِي أُوتِيَ داوُدُ: الزَّبُورُ، والعَدْلُ في القَضاءِ، والثِّقَةُ بِاللَّهِ، وتَسْخِيرُ الجِبالِ، والطَّيْرِ، وتَلْيِينُ الحَدِيدِ، أقْوالٌ. ﴿ياجِبالُ﴾ هو إضْمارٌ لِلْقَوْلِ، إمّا مَصْدَرٌ، أيْ قُلْنا ﴿ياجِبالُ﴾، فَيَكُونُ بَدَلًا مِن (فَضْلًا)، وإمّا فِعْلًا، أيْ قُلْنا، فَيَكُونُ بَدَلًا مِن (آتَيْنا)، وإمّا عَلى الِاسْتِئْنافِ، أيْ قُلْنا ﴿ياجِبالُ﴾، وجَعَلَ الجِبالَ بِمَنزِلَةِ العُقَلاءِ الَّذِينَ إذا أمَرَهم أطاعُوا وأذْعَنُوا، وإذا دَعاهم سَمِعُوا وأجابُوا، إشْعارًا بِأنَّهُ ما مِن حَيَوانٍ وجَمادٍ وناطِقٍ وصامِتٍ إلّا وهو مُنْقادٌ لِمَشِيئَتِهِ، غَيْرُ مُمْتَنِعٍ عَلى إرادَتِهِ، ودَلالَةً عَلى عِزَّةِ الرُّبُوبِيَّةِ وكِبْرِياءِ الأُلُوهِيَّةِ، حَيْثُ نادى الجِبالَ وأمَرَها. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أوِّبِي﴾ مُضاعَفُ آبَ يَؤُوبُ، ومَعْناهُ: سَبِّحِي مَعَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ مُؤَرِّجٌ، وأبُو مَيْسَرَةَ: أوِّبِي: سَبِّحِي، بِلُغَةِ الحَبَشَةِ، أيْ يُسَبِّحُ هو وتُرَجِّعُ هي مَعَهُ التَّسْبِيحَ، أيْ تُرَدِّدُ بِالذِّكْرِ، وضُعِّفَ الفِعْلُ لِلْمُبالَغَةِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. ويَظْهَرُ أنَّ التَّضْعِيفَ لِلتَّعْدِيَةِ، فَلَيْسَ لِلْمُبالَغَةِ، إذْ أصْلُهُ آبَ، وهو لازِمٌ بِمَعْنى: رَجَعَ اللّازِمِ فَعُدِّيَ بِالتَّضْعِيفِ، إذْ شَرَحُوهُ بِقَوْلِهِمْ: رَجِّعِي مَعَهُ التَّسْبِيحَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْنى تَسْبِيحِ الجِبالِ: أنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ فِيها تَسْبِيحًا، كَما خَلَقَ الكَلامَ في الشَّجَرَةِ، فَيُسْمَعُ مِنها (p-٢٦٣)ما يُسْمَعُ مِنَ المُسَبِّحِ، مُعْجِزَةً لِداوُدَ. قِيلَ: كانَ يَنُوحُ عَلى ذَنْبِهِ بِتَرْجِيعٍ وتَحْزِينٍ، وكانَتِ الجِبالُ تُساعِدُهُ عَلى نَوْحِهِ بِأصْدائِها والطَّيْرُ بِأصْواتِها. انْتَهى. وقَوْلُهُ: كَما خَلَقَ الكَلامَ في الشَّجَرَةِ، يَعْنِي أنَّ الَّذِي يَسْمَعُ مُوسى هو مِمّا خَلَقَهُ اللَّهُ في الشَّجَرَةِ مِنَ الكَلامِ، لا أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ حَقِيقَةً، وهو مَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ. وأمّا قَوْلُهُ: تُساعِدُهُ الجِبالُ عَلى نَوْحِهِ بِأصْدائِها فَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ الصَّدى لَيْسَ بِصَوْتِ الجِبالِ حَقِيقَةً، واللَّهُ تَعالى نادى الجِبالَ وأمَرَها بِأنْ تُؤَوِّبَ مَعَهُ، والصَّدى لا تُؤْمَرُ الجِبالُ بِأنْ تَفْعَلَهُ، إذْ لَيْسَ فِعْلًا لَها، وإنَّما هو مِن آثارِ صَوْتِ المُتَكَلِّمِ عَلى ما يَقُومُ عَلَيْهِ البُرْهانُ. وقالَ الحَسَنُ: مَعْنى ﴿أوِّبِي مَعَهُ﴾ سِيرِي مَعَهُ أيْنَ سارَ، والتَّأْوِيبُ: سَيْرُ النَّهارِ. كانَ الإنْسانُ يَسِيرُ اللَّيْلَ ثُمَّ يَرْجِعُ لِلسَّيْرِ بِالنَّهارِ، أيْ يُرَدِّدُهُ، وقالَ تَمِيمُ بْنُ مُقْبِلٍ: ؎لَحِقْنا بِحَيٍّ أوَّبُوا السَّيْرَ بَعْدَما رَفَعْنا شُعاعَ الشَّمْسِ والطَّرْفُ تَجْنَحُ وقالَ آخَرُ: ؎يَوْمانِ يَوْمُ مَقاماتٍ وأنْدِيَةٍ ∗∗∗ ويَوْمُ سَيْرٍ إلى الأعْداءِ تَأْوِيبِ وقِيلَ: أوِّبِي: تَصَرَّفِي مَعَهُ عَلى ما يَتَصَرَّفُ فِيهِ. فَكانَ إذا قَرَأ الزَّبُورَ، صَوَّتَتِ الجِبالُ مَعَهُ وأصْغَتْ إلَيْهِ الطَّيْرُ، فَكَأنَّها فَعَلَتْ ما فَعَلَ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: أُوبِي أمْرٌ مِن أوَبَ: أيْ رَجِّعِي مَعَهُ في التَّسْبِيحِ، أوْ في السَّيْرِ عَلى القَوْلَيْنِ. فَأمْرُ الجِبالِ كَأمْرِ الواحِدَةِ المُؤَنَّثَةِ؛ لِأنَّ جَمْعَ ما لا يَعْقِلُ يَجُوزُ فِيهِ ذَلِكَ، ومِنهُ: يا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي، ومِنهُ: يا رَبِّ أُخْرى، وقَدْ جاءَ ذَلِكَ في جَمِيعِ ما يَعْقِلُ مِنَ المُؤَنَّثِ قالَ الشّاعِرُ: ؎تَرَكْنا الخَيْلَ والنَّعْمَ المُفَدّى ∗∗∗ وقُلْنا لِلنِّساءِ بِها أقِيمِي لَكِنْ هَذا قَلِيلٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿والطَّيْرَ﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ ﴿ياجِبالُ﴾ قالَ سِيبَوَيْهِ: وقالَ أبُو عَمْرٍو: بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: وسَخَّرْنا لَهُ الطَّيْرَ. وقالَ الكِسائِيُّ: عَطْفًا عَلى (فَضْلًا) أيْ وتَسْبِيحَ الطَّيْرِ. وقالَ الزَّجّاجُ: نَصْبُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ. انْتَهى، وهَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ قَبْلَهُ مَعَهُ، ولا يَقْتَضِي الفِعْلُ اثْنَيْنِ مِنَ المَفْعُولِ مَعَهُ إلّا عَلى البَدَلِ أوِ العَطْفِ، فَكَما لا يَجُوزُ: جاءَ زَيْدٌ مَعَ عَمْرٍو مَعَ زَيْنَبَ إلّا بِالعَطْفِ كَذَلِكَ هَذا. وقَرَأ السُّلَمِيُّ، وابْنُ هُرْمُزَ، وأبُو يَحْيى، وأبُو نَوْفَلٍ، ويَعْقُوبُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وجَماعَةٌ مِن أهْلِ المَدِينَةِ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ: والطَّيْرُ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى لَفْظِ ﴿ياجِبالُ﴾ وقِيلَ: عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ في ﴿أوِّبِي﴾ وسَوَّغَ ذَلِكَ الفَصْلُ بِالظَّرْفِ؛ وقِيلَ: رَفْعًا بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ والطَّيْرُ تُؤَوِّبُ. وإلانَةُ الحَدِيدِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: صارَ كالشَّمْعِ. وقالَ الحَسَنُ: كالعَجِينِ، وكانَ يَعْمَلُهُ مِن غَيْرِ نارٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: كالطِّينِ المَبْلُولِ والعَجِينِ والشَّمْعِ، يُصَرِّفُهُ كَيْفَ شاءَ مِن غَيْرِ نارٍ ولا ضَرْبِ مِطْرَقَةٍ. وقِيلَ: أُعْطِيَ قُوَّةً يَلِينُ بِها الحَدِيدُ. وقالَ مُقاتِلٌ: وكانَ يَفْرَغُ مِنَ الدِّرْعِ في بَعْضِ يَوْمٍ أوْ في بَعْضِ لَيْلَةٍ ثَمَنُها ألْفُ دِرْهَمٍ، وكانَ داوُدُ يَتَنَكَّرُ فَيَسْألُ النّاسَ عَنْ حالِهِ، فَعَرَضَ لَهُ مَلَكٌ في صُورَةِ إنْسانٍ فَسَألَهُ، فَقالَ: نِعْمَ العَبْدُ لَوْلا خَلَّةٌ فِيهِ، فَقالَ: وما هي ؟ فَقالَ: يَرْتَزِقُ مِن بَيْتِ المالِ، ولَوْ أكَلَ مِن عَمَلِ يَدِهِ تَمَّتْ فَضائِلُهُ، فَدَعا اللَّهَ أنْ يُعَلِّمَهُ صَنْعَةً ويُسَهِّلَها عَلَيْهِ، فَعَلَّمَهُ صَنْعَةَ الدُّرُوعِ وألانَ لَهُ الحَدِيدَ فَأثْرى، وكانَ يُنْفِقُ ثُلُثَ المالِ في مَصالِحِ المُسْلِمِينَ. وأنْ في ﴿أنِ اعْمَلْ﴾ مَصْدَرِيَّةٌ، وهي عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ ألَنّاهُ لِعَمَلِ ﴿سابِغاتٍ﴾ . وأجازَ الحَوْفِيُّ وغَيْرُهُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً، ولا يَصِحُّ؛ لِأنَّ مِن شَرْطِها أنْ يَتَقَدَّمَها مَعْنى القَوْلِ، وأنْ لَيْسَ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ. وقَدَّرَ بَعْضُهم قَبْلَها فِعْلًا مَحْذُوفًا حَتّى يَصِحَّ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً، وتَقْدِيرُهُ: وأمَرْناهُ أنِ اعْمَلْ، أيِ اعْمَلْ، ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى هَذا المَحْذُوفِ. وقُرِئَ: صابِغاتٍ، بِالصّادِّ بَدَلًا مِنَ السِّينِ، وتَقَدَّمَ أنَّها لُغَةٌ في قَوْلِهِ (وأسْبَغَ عَلَيْكم نِعَمَهُ) . (p-٢٦٤)﴿وقَدِّرْ في السَّرْدِ﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو في قَدْرِ الحَلْقَةِ، أيْ لا تَعْمَلْها صَغِيرَةً فَتَضْعُفَ، فَلا يَقْوى الدِّرْعُ عَلى الدِّفاعِ، ولا كَبِيرَةً فَيُنالَ لابِسُها مِن خِلالِها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو في المِسْمارِ، لا يَرِقُّ فَيَنْكَسِرُ، ولا يَغْلُظُ فَيَفْصِمُ، بِالفاءِ وبِالقافِ. وقالَ قَتادَةُ: إنَّ الدُّرُوعَ كانَتْ قَبْلُ صَفائِحَ كانَتْ ثِقالًا، وهو أوَّلُ مَن صَنَعَ الدِّرْعَ حِلَقًا. والظّاهِرُ أنَّ الأمْرَ في قَوْلِهِ ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ﴾ لِآلِ داوُدَ، وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهم ذِكْرٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أمْرًا لِداوُدَ شَرَّفَهُ اللَّهُ بِأنْ خاطَبَهُ خِطابَ الجَمْعِ. ﴿ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ﴾ قالَ الحَسَنُ: عَقَرَ سُلَيْمانُ الخَيْلَ عَلى ما فَوَّتَتْهُ مِن صَلاةِ العَصْرِ، فَأبْدَلَهُ اللَّهُ خَيْرًا مِنها، وأسْرَعَ الرِّيحَ تَجْرِي بِأمْرِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: الرِّيحَ بِالنَّصْبِ، أيْ ولِسُلَيْمانَ سَخَّرْنا الرِّيحَ؛ وأبُو بَكْرٍ: بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ في المَجْرُورِ، ويَكُونُ الرِّيحُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ تَسْخِيرُ الرِّيحِ، أوْ عَلى إضْمارِ الخَبَرِ، أيِ الرِّيحُ مُسَخَّرَةٌ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو حَيْوَةَ، وخالِدُ بْنُ إلْياسَ: الرِّياحُ بِالرَّفْعِ جَمْعًا. وقالَ قَتادَةُ: كانَتْ تَقْطَعُ في الغُدُوِّ إلى قُرْبِ الزَّوالِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وفي الرَّواحِ مِن بَعْدِ الزَّوالِ إلى الغُرُوبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ. وقالَ الحَسَنُ: فَخَرَجَ مِن مُسْتَقَرِّهِ بِالشّامِ يُرِيدُ تَدْمُرَ الَّتِي بَنَتْها الجِنُّ بِالصِّفاحِ والعُمُدِ، فَيُقِيلُ في إصْطَخْرَ ويَرُوحُ مِنها فَيَبِيتُ في كابِلَ مِن أرْضِ خُراسانَ. والغُدُوُّ لَيْسَ الشَّهْرُ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ جَرى غُدُوُّها، أيْ جَرْيُها في الغُدُوِّ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وجَرى رَواحُها، أيْ جَرْيُها في الرَّواحِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ. وأخْبَرَ هُنا في الغُدُوِّ عَنِ الرَّواحِ بِالزَّمانِ وهو شَهْرٌ، ويَعْنِي شَهْرًا واحِدًا كامِلًا، ونَصْبُ شَهْرٍ جائِزٌ، ولَكِنَّهُ لَمْ يُقْرَأْ بِهِ فِيما أعْلَمُ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: غَدْوَتُها ورَوْحَتُها عَلى وزْنِ فَعْلَةٍ، وهي المَرَّةُ الواحِدَةُ مِن غَدا وراحَ. وقالَ وهْبٌ: كانَ مُسْتَقَرُّ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِتَدْمُرَ وكانَتِ الجِنُّ قَدْ بَنَتْها لَهُ بِالصِّفاحِ والعُمُدِ والرُّخامِ الأبْيَضِ والأشْقَرِ، وفِيهِ يَقُولُ النّابِغَةُ: إلا سُلَيْمانَ قَدْ قالَ الإلَهُ لَهُ قُمْ في البَرِّيَّةِ فاحْدُدْها عَنِ الفَنَدِ وجَيْشُ الجِنِّ أنِّي قَدْ أذِنْتُ لَهم يَبْنُونَ تَدْمُرَ بِالصِّفاحِ والعُمُدِ ووَجَدْتُ أبْياتًا مَنقُورَةً في صَخْرَةٍ بِأرْضِ يَشْكُرَ شاهِدَةً لِبَعْضِ أصْحابِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهي: ؎ونَحْنُ ولا حَوْلَ سِوى حَوْلِ رَبِّنا ∗∗∗ نَرُوحُ مِنَ الأوْطانِ مِن أرْضِ تَدْمُرِ ؎إذا نَحْنُ رُحْنا كانَ رَيْثُ رَواحِنا ∗∗∗ مَسِيرَةَ شَهْرٍ والغَدِ ولِآخَرِ ؎أُناسٌ أعَزَّ اللَّهُ طَوْعًا نُفُوسَهم ∗∗∗ بِنَصْرِ ابْنِ داوُدَ النَّبِيِّ المُطَهَّرِ ؎لَهم في مَعانِي الدِّينِ فَضْلٌ ورِفْعَةٌ ∗∗∗ وإنْ نُسِبُوا يَوْمًا فَمِن خَيْرِ مَعْشَرِ ؎وإنْ رَكِبُوا الرِّيحَ المُطِيعَةَ أسْرَعَتْ ∗∗∗ مُبادِرَةً عَنْ يُسْرِها لَمْ تُقَصِّرِ ؎تُظِلُّهم طَيْرٌ صُفُوفٌ عَلَيْهِمْ مَتّى ∗∗∗ رَفْرَفَتْ مِن فَوْقِهِمْ لَمْ تُنْشَرِ انْتَهى ما حَكى وهْبٌ. ﴿وأسَلْنا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ جَعَلَهُ لَهُ في مَعْدِنِهِ عَيْنًا تَسِيلُ كَعُيُونِ الماءِ، دَلالَةً عَلى نُبُوَّتِهِ. قالَ قَتادَةُ: يَسْتَعْمِلُها فِيما يُرِيدُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ: أُجْرِيَتْ لَهُ ثَلاثَةَ أيّامٍ بِلَيالِيهِنَّ، وكانَتْ بِأرْضِ اليَمَنِ. قالَ مُجاهِدٌ: سالَتْ مِن صَنْعاءَ، ولَمْ يَذُبِ النُّحاسُ فِيما رُوِيَ لِأحَدٍ قَبْلَهُ، وكانَ لا يَذُوبُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى أذَبْنا لَهُ النُّحاسَ عَلى نَحْوِ ما كانَ الحَدِيدُ يَلِينُ لِداوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . قالُوا: وكانَتِ الأعْمالُ تَتَأتّى مِنهُ، وهو بارِدٌ دُونَ نارٍ، و(عَيْنَ) بِمَعْنى الذّاتِ. وقالُوا: لَمْ يَكُنْ أوَّلًا ذابَ لِأحَدٍ قَبْلَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أرادَ بِها مَعْدِنَ النُّحاسِ نَبْعًا لَهُ، كَما ألانَ الحَدِيدَ لِداوُدَ، فَنَبَعَ كَما يَنْبُعُ الماءُ مِنَ العَيْنِ، فَلِذَلِكَ سَمّاهُ عَيْنَ القِطْرِ بِاسْمِ ما آلَ إلَيْهِ، كَما قالَ ﴿إنِّي أرانِي أعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] . انْتَهى. ويَحْتَمِلُ ﴿مَن يَعْمَلُ﴾ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ وسَخَّرْنا مِنَ الجِنِّ مَن يَعْمَلُ، وأنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ في الجارِّ والمَجْرُورِ قَبْلَهُ ﴿بِإذْنِ رَبِّهِ﴾ لِقَوْلِهِ ﴿ومَن يَزِغْ مِنهم عَنْ أمْرِنا﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَزِغْ (p-٢٦٥)مُضارِعُ زاغَ، أيْ ومَن يَعْدِلْ عَنْ أمْرِنا الَّذِي أمَرْناهُ بِهِ مِن طاعَةِ سُلَيْمانَ. وقُرِئَ: يُزِغْ بِضَمِّ الياءِ مِن أزاغَ: أيْ ومَن يَمِلْ ويَصْرِفْ نَفْسَهُ عَنْ أمْرِنا. (وعَذابُ السَّعِيرِ) عَذابُ الآخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: كانَ مَعَهُ مَلَكٌ بِيَدِهِ سَوْطٌ مِن نارٍ، كُلَّما اسْتَعْصى عَلَيْهِ ضَرَبَهُ مِن حَيْثُ لا يَراهُ الجِنِّيُّ. ولِبَعْضِ الباطِنِيَّةِ، أوْ مَن يُشْبِهُهم، تَحْرِيفٌ في هَذِهِ الجُمَلِ. إنَّ تَسْبِيحَ الجِبالِ هو مِن نَوْعِ قَوْلِهِ ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]، وإنَّ تَسْخِيرَ الرِّيحِ هو أنَّهُ راضَ الخَيْلَ وهي كالرِّيحِ، وإنَّ ﴿غُدُوُّها شَهْرٌ﴾ يَكُونُ فَرْسَخًا؛ لِأنَّ مَن يَخْرُجُ لِلتَّفَرُّجِ لا يَسِيرُ في غالِبِ الأمْرِ أشَدَّ مِن فَرْسَخٍ. وإلانَةُ الحَدِيدِ وإسالَةُ القِطْرِ هو اسْتِخْراجُ ذَوْبِهِما بِالنّارِ واسْتِعْمالُ الآلاتِ مِنهُما. ﴿ومِنَ الجِنِّ﴾ هم ناسٌ مِن بَنِي آدَمَ أقْوِياءُ شُبِّهُوا بِهِمْ في قُواهم، وهَذا تَأْوِيلٌ فاسِدٌ وخُرُوجٌ بِالجُمْلَةِ عَمّا يَقُولُهُ أهْلُ التَّفْسِيرِ في الآيَةِ، وتَعْجِيزٌ لِلْقُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن ذَلِكَ. والمَحارِيبُ، قالَ مُجاهِدٌ: المَشاهِدُ، سُمِّيَتْ بِاسْمِ بَعْضِها تَجَوُّزًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: القُصُورُ. وقالَ قَتادَةُ: كِلَيْهِما. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَساكِنُ. وقِيلَ: ما يُصْعَدُ إلَيْهِ بِالدَّرَجِ، كالغُرَفِ. والتَّماثِيلُ: الصُّوَرُ، وكانَتْ لِغَيْرِ الحَيَوانِ. وقالَ الضَّحّاكُ: كانَتْ تَماثِيلُ حَيَوانٍ، وكانَ عَمَلُها جائِزًا في ذَلِكَ الشَّرْعِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هي صُوَرُ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ والصّالِحِينَ، كانَتْ تُعْمَلُ في المَساجِدِ مِن نُحاسٍ وصُفْرٍ وزُجاجٍ ورُخامٍ، لِيَراها النّاسُ، فَيَعْبُدُوا نَحْوَ عِبادَتِهِمْ، وهَذا مِمّا يَجُوزُ أنْ يَخْتَلِفَ فِيهِ الشَّرائِعُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مِن مُقَبَّحاتِ الفِعْلِ، كالظُّلْمِ والكَذِبِ. وعَنْ أبِي العالِيَةِ: لَمْ يَكُنِ اتِّخاذُ الصُّوَرِ إذْ ذاكَ مُحَرَّمًا، أوْ صُوَرًا مَحْذُوفَةَ الرُّءُوسِ، انْتَهى. وفِيهِ بَعْضُ حَذْفٍ. وقِيلَ: التَّماثِيلُ طَلْسَماتٌ، فَيَعْمَلُ تِمْثالًا لِلتِّمْساحِ، أوْ لِلذُّبابِ، أوْ لِلْبَعُوضِ، ويَأْمُرُ أنْ لا يَتَجاوَزَ ذَلِكَ المُمَثَّلَ بِهِ ما دامَ ذَلِكَ التِّمْثالُ والتَّصْوِيرُ حَرامًا في شَرِيعَتِنا. وقَدْ ورَدَ تَشْدِيدُ الوَعِيدِ عَلى المُصَوِّرِينَ، ولِبَعْضِ العُلَماءِ اسْتِثْناءٌ في شَيْءٍ مِنها. وفي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ: «لَعَنَ اللَّهُ المُصَوِّرِينَ» ولَمْ يَسْتَثْنِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وحَكى مَكِّيٌّ في الهِدايَةِ أنَّ قَوْمًا أجازُوا التَّصْوِيرَ، وحَكاهُ النَّحّاسُ عَنْ قَوْمٍ واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ ﴿وتَماثِيلَ﴾ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وما أحْفَظُ مِن أئِمَّةِ العِلْمِ مَن يُجَوِّزُهُ. وقُرِئَ ﴿كالجَوابِ﴾ بِلا ياءٍ، وهو الأصْلُ اجْتِزاءٌ بِالكَسْرَةِ وإجْراءٌ لِلْألِفِ واللّامِ مُجْرى ما عاقَبَها، وهو التَّنْوِينُ، وكَما يُحْذَفُ مَعَ التَّنْوِينِ يُحْذَفُ مَعَ ما عاقَبَهُ، وهو ألْ. و(الرّاسِياتُ) الثّابِتاتُ عَلى الأثافِيِّ، فَلا تُنْقَلُ ولا تُحْمَلُ لِعِظَمِها. وقُدِّمَتِ المَحارِيبُ عَلى التَّماثِيلِ؛ لِأنَّ النُّقُوشَ تَكُونُ في الأبْنِيَةِ. وقُدِّمَ الجِفانُ عَلى القُدُورِ؛ لِأنَّ القُدُورَ آلَةُ الطَّبْخِ، والجِفانُ آلَةُ الأكْلِ، والطَّبْخُ قَبْلَ الأكْلِ لِما بَيْنَ الأبْنِيَةِ المَلَكِيَّةِ. وأرادَ بَيانَ عَظَمَةِ السِّماطِ الَّذِي يُمَدُّ في تِلْكَ الدُّورِ، وأشارَ إلى الجِفانِ لِأنَّها تَكُونُ فِيها، والقُدُورُ لا تَكُونُ فِيها ولا تُحَضَّرُ هُناكَ، ولِهَذا قالَ ﴿راسِياتٍ﴾ . ولَمّا بَيَّنَ حالَ الجِفانِ، سَرى الذِّهْنُ إلى عَظَمَةِ ما يُطْبَخُ فِيهِ، فَذَكَرَ القُدُورَ لِلْمُناسَبَةِ، وذَكَرَ في حَقِّ داوُدَ اشْتِغالَهُ بِآلَةِ الحَرْبِ لِاحْتِياجِهِ إلى قِتالِ الأعْداءِ، وفي حَقِّ سُلَيْمانَ المَحارِيبَ والتَّماثِيلَ؛ لِأنَّهُ كانَ مَلِكًا ابْنَ مَلِكٍ، قَدْ وطَّدَ لَهُ أبُوهُ المُلْكَ، فَكانَتْ حالُهُ حالَةَ سِلْمٍ، إذْ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ يَقْدِرُ عَلى مُحارَبَتِهِ. وقالَ عَقِبَ ﴿أنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ﴾، و﴿اعْمَلُوا آلَ﴾، وعَقِبَ ما يَعْمَلُهُ الجِنُّ ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا﴾، إشارَةً إلى أنَّ الإنْسانَ لا يَسْتَغْرِقُ في الدُّنْيا ولا يَلْتَفِتُ إلى زَخارِفِها، وأنَّهُ يَجِبُ أنْ يَعْمَلَ صالِحًا، ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ﴾ . وقِيلَ: مَفْعُولُ اعْمَلُوا مَحْذُوفٌ، أيِ اعْمَلُوا الطّاعاتِ وواظِبُوا عَلَيْها شُكْرًا لِرَبِّكم عَلى ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكم، فَقِيلَ: انْتَصَبَ (شُكْرًا) عَلى الحالِ، وقِيلَ: مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، وقِيلَ: مَفْعُولٌ لَهُ بِاعْمَلُوا، أيِ اعْمَلُوا عَمَلًا هو الشُّكْرُ، كالصَّلاةِ والصِّيامِ والعِباداتِ كُلِّها في أنْفُسِها هي الشُّكْرُ إذا سَدَّتْ مَسَدَّةً، وقِيلَ: عَلى المَصْدَرِ لِتَضْمِينِهِ اعْمَلُوا اشْكُرُوا بِالعَمَلِ لِلَّهِ شُكْرًا. رُوِيَ أنَّ مُصَلّى آلِ داوُدَ لَمْ يَخْلُ قَطُّ مِن قائِمٍ يُصَلِّي لَيْلًا ونَهارًا، وكانُوا يَتَناوَبُونَهُ. وكانَ سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَأْكُلُ الشَّعِيرَ (p-٢٦٦)ويُطْعِمُ أهْلَهُ الخُشْكارَ، والمَساكِينَ الدَّرْمَكَ، وما شَبِعَ قَطُّ، فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ، فَقالَ: أخافُ إنْ شَبِعْتُ أنْ أنْسى الجِياعَ. و(الشَّكُورُ) صِيغَةُ مُبالَغَةٍ، وأُرِيدَ بِهِ الجِنْسُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الشَّكُورُ: مَن يَشْكُرُ عَلى أحْوالِهِ كُلِّها. وقالَ السُّدِّيُّ: مَن يَشْكُرُ عَلى الشُّكْرِ. وقِيلَ: مَن يَرى عَجْزَهُ عَنِ الشُّكْرِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ خِطابًا لِآلِ داوُدَ، وهو الظّاهِرُ، وأنْ تَكُونَ خِطابًا لِلرَّسُولِ ﷺ وفِيها تَنْبِيهٌ وتَحْرِيضٌ عَلى الشُّكْرِ.

سبأ 34:14

﴿فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ المَوْتَ﴾ أيْ أنْفَذْنا عَلَيْهِ ما قَضَيْنا عَلَيْهِ في الأزَلِ مِنَ المَوْتِ، وأخْرَجْناهُ إلى حَيِّزِ الوُجُودِ. وجَوابُ لَمّا النَّفْيُ المُوجَبُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ لَمّا حَرْفٌ لا ظَرْفٌ، خِلافًا لِمَن زَعَمَ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ ظَرْفًا لَكانَ الجَوابُ هو العامِلُ وما دَخَلَتْ عَلَيْهِ، وهي نافِيَةٌ، ولا يَعْمَلُ ما قَبْلَها فِيما بَعْدَها، وقَدْ مَضى لَنا نَظِيرُ هَذا في يُوسُفَ في قَوْلِهِ ﴿ولَمّا دَخَلُوا مِن حَيْثُ أمَرَهم أبُوهم ما كانَ يُغْنِي عَنْهم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ [يوسف: ٦٨] . فالضَّمِيرُ في ﴿دَلَّهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى الجِنِّ الَّذِينَ كانُوا يَعْمَلُونَ لَهُ، وكانَ سُلَيْمانُ قَدْ أمَرَ الجِنَّ بِبَناءِ صَرْحٍ لَهُ، فَبَنَوْهُ لَهُ. ودَخَلَهُ مُخْتَلِيًا لِيَصْفُوَ لَهُ يَوْمٌ مِنَ الدَّهْرِ مِنَ الكَدَرِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ شابٌّ فَقالَ لَهُ: كَيْفَ دَخَلْتَ عَلَيَّ بِغَيْرِ إذَنٍ ؟ فَقالَ: إنَّما دَخَلْتُ بِإذْنٍ، قالَ: ومَن أذِنَ لَكَ ؟ قالَ: رَبُّ هَذا الصَّرْحِ. فَعَلِمَ أنَّهُ مَلَكُ المَوْتِ أتى بِقَبْضِ رُوحِهِ، فَقالَ: سُبْحانَ اللَّهِ، هَذا اليَوْمُ الَّذِي طَلَبْتُ فِيهِ الصَّفا، فَقالَ لَهُ: طَلَبْتَ ما لَمْ يُخْلَقْ، فاسْتَوْثَقَ مِنَ الِاتِّكاءِ عَلى العَصا، فَقَبَضَ رُوحَهُ، وبَقِيَتِ الجِنُّ تَعْمَلُ عَلى عادَتِها. وكانَ سُلَيْمانُ قَصَدَ تَعْمِيَةَ مَوْتِهِ؛ لِأنَّهُ كانَ بَقِيَ مِن تَمامِ بِناءِ المَسْجِدِ عَمَلُ سَنَةٍ، فَسَألَ اللَّهَ تَمامَها عَلى يَدِ الإنْسِ والجِنِّ، وكانَ يَخْلُو بِنَفْسِهِ الشَّهْرَيْنِ والثَّلاثَةَ، فَكانُوا يَقُولُونَ: إنَّهُ يَتَحَنَّثُ. وقِيلَ: إنَّ مَلَكَ المَوْتِ أعْلَمَهُ أنَّهُ بَقِيَ مِن حَياتِهِ ساعَةٌ، فَدَعا الشَّياطِينَ فَبَنَوْا لَهُ الصَّرْحَ، وقامَ يُصَلِّي مُتَّكِئًا عَلى عَصاهُ، فَقَبَضَ رُوحَهُ وهو مُتَّكِئٌ عَلَيْها. وكانَتِ الشَّياطِينُ تَجْتَمِعُ حَوْلَ مِحْرابِهِ، فَلا يَنْظُرُ أحَدٌ مِنهم إلَيْهِ في صَلاتِهِ إلّا احْتَرَقَ، فَمَرَّ واحِدٌ مِنهم فَلَمْ يَسْمَعْ صَوْتَهُ، ثُمَّ رَجَعَ فَلَمْ يَسْمَعْ، فَنَظَرَ فَإذا هو قَدْ خَرَّ مَيِّتًا، وكانَ عُمْرُهُ ثَلاثًا وخَمْسِينَ سَنَةً. مَلَكَ بَعْدَ مَوْتِ أبِيهِ وهو ابْنُ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وكانَ أبُوهُ قَدْ أسَّسَ بُنْيانَ المَسْجِدِ مَوْضِعَ بِساطِ مُوسى، فَماتَ قَبْلَ أنْ يُتِمَّهُ، ووَصّى بِهِ ابْنَهُ، فَأمَرَ الشَّياطِينَ بِإتْمامِهِ، وماتَ قَبْلَ تَمامِهِ. و﴿دابَّةُ الأرْضِ تَأْكُلُ﴾ هي سُوسَةُ الخَشَبِ، وهي الأرَضَةُ. وقِيلَ: لَيْسَتْ سُوسَةَ الخَشَبِ؛ لِأنَّ السُّوسَةَ لَيْسَتْ مِن دَوابِّ الأرْضِ، بَلْ هَذِهِ حَيَوانٌ مِنَ الأرْضِ شَأْنُهُ أنْ يَأْكُلَ الخَشَبَ، وذَلِكَ مَوْجُودٌ. وقالَتْ فِرْقَةٌ، مِنها أبُو حاتِمٍ: الأرْضُ هُنا مَصْدَرُ أرَضَتِ الأبْوابُ والخَشَبُ أكَلَتْها الأرَضَةُ فَكَأنَّهُ قالَ: دابَّةُ الأكْلِ الَّذِي هو بِتِلْكَ الصُّورَةِ. وإذا كانَ الأرَضُ مَصْدَرًا، كانَ فِعْلُهُ أرَضَتِ الدّابَّةُ الخَشَبَ تَأْرُضُهُ أرَضًا فَأرِضَ بِكَسْرِ الرّاءِ نَحْوُ: جَدَعْتُ أنْفَهُ فَجَدِعَ. ويُقالُ: إنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَفْتُوحِ العَيْنِ. قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ والعَبّاسِ بْنِ الفَضْلِ: (الأرَضُ) بِفَتْحِ الرّاءِ؛ لِأنَّ مَصْدَرَ فَعَلَ المُطاوِعِ لِفِعْلٍ يَكُونُ عَلى فَعَلٍ نَحْوِ: جَدَعَ أنْفُهُ جَدَعًا وأكَلَتِ الأسْنانُ أكَلًا، مُطاوِعُ أكَلْتُ. وقِيلَ: الأرَضُ بِفَتْحِ الرّاءِ جَمْعُ أرَضَةٍ، وهو مِن إضافَةِ العامِّ إلى الخاصِّ؛ لِأنَّ الدّابَّةَ أعَمُّ مِنَ الأرْضِ. وقِراءَةُ الجُمْهُورِ بِسُكُونِ الرّاءِ، فالمُتَبادِرُ أنَّها الأرْضُ المَعْرُوفَةُ، وتَقَدَّمَ أنَّها مَصْدَرٌ لِأرَضَتِ الدّابَّةُ الخَشَبَ. وتَأْكُلُ حالٌ، أيْ أكَلَتْ مِنسَأتَهُ، وهي حالٌ مُصاحِبَةٌ. وتَقَدَّمَ أنَّ المِنسَأةَ هي العَصا، وكانَتْ فِيما رُوِيَ مِن خُرْنُوبٍ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ يَتَعَبَّدُ في بَيْتِ المَقْدِسِ، فَتَنْبُتُ لَهُ في مِحْرابِهِ كُلَّ سَنَةٍ شَجَرَةٌ تُخْبِرُهُ بِمَنافِعِها فَيَأْمُرُ فَتُقْلَعُ، ويَتَصَرَّفُ في مَنافِعِها، وتُغْرَسُ لِتَتَناسَلَ. فَلَمّا قَرُبَ مَوْتُهُ، نَبَتَتْ شَجَرَةٌ وسَألَها فَقالَتْ: أنا الخُرْنُوبُ، خَرَجْتُ لِخَرابِ مُلْكِكَ، فَعَرَفَ أنَّهُ حَضَرَ أجَلُهُ، فاسْتَعَدَّ واتَّخَذَ مِنها عَصًا واسْتَدْعى بِزادِ سَنَةٍ، والجِنُّ تَتَوَهَّمُ أنَّهُ يَتَغَذّى بِاللَّيْلِ. ورُوِيَ أنَّ سُلَيْمانَ كانَ في قُبَّةٍ، وأوْصى بَعْضَ أهْلِهِ بِكِتْمانِ مَوْتِهِ عَنِ الإنْسِ والجِنِّ سَنَةً لِيَتِمَّ البِناءُ الَّذِي بُدِئَ في زَمَنِ داوُدَ، فَلَمّا مَضى لِمَوْتِهِ (p-٢٦٧)سَنَةٌ، خَرَّ عَنِ العَصا ونُظِرَ إلى مِقْدارِ ما تَأْكُلُهُ الأرَضَةُ يَوْمًا وقِيسَ عَلَيْهِ، فَعُلِمَ أنَّها أكَلَتِ العَصا مِنهُ سَنَةً. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وجَماعَةٌ: مَنساتُهُ بِألِفٍ، وأصْلُهُ مِنسَأتُهُ، أُبْدِلَتِ الهَمْزَةُ ألِفًا بَدَلًا غَيْرَ قِياسِيٍّ. وقالَ أبُو عُمَرٍ: وأنا لا أهْمِزُها لِأنِّي لا أعْرِفُ لَها اشْتِقاقًا، فَإنْ كانَتْ مِمّا لا تُهْمَزُ، فَقَدِ احْتَطْتُ، وإنْ كانَتْ تُهْمَزُ فَقَدْ يَجُوزُ لِي تَرْكُ الهَمْزَةِ فِيما يُهْمَزُ. وقَرَأ ابْنُ ذَكْوانَ وجَماعَةٌ مِنهم بَكّارٌ والوَلِيدانِ بْنُ عُتْبَةَ وابْنُ مُسْلِمٍ: مِنسَأْتُهُ، بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ، وهو مِن تَسْكِينِ التَّحْرِيكِ تَخْفِيفًا، ولَيْسَ بِقِياسٍ. وضَعَّفَ النُّحاةُ هَذِهِ القِراءَةَ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ فِيها أنْ يَكُونَ ما قَبْلَ التَّأْنِيثِ ساكِنًا غَيْرَ الفاءِ. وقِيلَ: قِياسُها التَّخْفِيفُ بَيْنَ بَيْنَ، والرّاوِي لَمْ يَضْبُطْ، وأنْشَدَ هارُونُ بْنُ مُوسى الأخْفَشُ الدِّمَشْقِيُّ شاهِدًا عَلى سُكُونِ هَذِهِ القِراءَةِ قَوْلَ الرّاجِزِ: ؎صَرِيعُ خَمْرٍ قامَ مِن وكْأتِهِ كَقَوْمَةِ الشَّيْخِ إلى مِنسَأْتِهِ وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالهَمْزِ مَفْتُوحَةً، وقُرِئَ بِفَتْحِ المِيمِ وتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ قَلْبًا وحَذْفًا، وعَلى وزْنِ مَفْعالَةٍ: (مَنساءَةٌ) . وقَرَأتْ فِرْقَةٌ، مِنهم عُمَرُ بْنُ ثابِتٍ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: مَفْصُولَةً حَرْفَ جَرٍّ وسَأتِهِ بِجَرِّ التّاءِ، قِيلَ: ومَعْناهُ مِن عَصاهُ، يُقالُ لَها: ساةُ القَوْسِ وسَيْتُها مَعًا، وهي يَدُها العُلْيا والسُّفْلى، سُمِّيَتِ العَصا ساةَ القَوْسِ عَلى الِاسْتِعارَةِ، ولا سِيَّما إنْ صَحَّ النَّقْلُ أنَّهُ اتَّخَذَها مِن شَجَرِ الخَرُّوبِ قَبْلَ مَوْتِهِ، فَيَكُونُ حِينَ اتَّكَأ عَلَيْها، وهي كَما قُطِعَتْ مِن شَجَرَةٍ خَضْراءَ، قَدِ اعْوَجَّتْ حَتّى صارَتْ كالقَوْسِ. ألا تَرى أنَّكَ إذا اتَّكَأْتَ عَلى غُصْنٍ أخْضَرَ كَيْفَ يَعْوَجُّ حَتّى يَكادَ يَلْتَقِي طَرَفاهُ ؟ فِيها لُغَتانِ: ساةٌ وسِيَةٌ، كَما يُقالُ: قِحَةٌ وقَحاةٌ، والمَحْذُوفُ مِن ساةٍ وسِيَةٍ. ﴿فَلَمّا خَرَّ﴾ أيْ سَقَطَ عَنِ العَصا مَيِّتًا، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في خَرَّ عائِدٌ عَلى سُلَيْمانَ. وقِيلَ: إنَّهُ لَمْ يَمُتْ إلى أنْ وُجِدَ في سَفَرٍ مُضْطَجِعًا، ولَكِنَّهُ كانَ في بَيْتٍ مَبْنِيٍّ عَلَيْهِ، وأكَلَتِ الأرَضَةُ عَتَبَةَ البابِ حَتّى خَرَّ البابُ، فَعُلِمَ مَوْتُهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ماتَ في مُتَعَبَّدِهِ عَلى فِراشِهِ، وقَدْ أغْلَقَ البابَ عَلى نَفْسِهِ فَأكَلَتِ الأرَضَةُ المِنسَأةَ، أيْ عَتَبَةَ البابِ فَلَمّا خَرَّ أيِ البابُ. انْتَهى. وهَذا فِيهِ ضَعْفٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَتِ المِنسَأةُ هي العَتَبَةُ، وعادَ الضَّمِيرُ عَلَيْها، لَكانَ التَّرْكِيبُ: فَلَمّا خَرَّتْ بِتاءِ التَّأْنِيثِ، ولا يَجِيءُ حَذْفُ مِثْلِ هَذِهِ التّاءِ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، ولا يَكُونُ مِن ذِكْرِ المَعْنى عَلى مَعْنى العَوْدِ لِأنَّهُ قَلِيلٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: تَبَيَّنَتْ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِن تَبَيَّنَ بِمَعْنى بانَ، أيْ ظَهَرَتِ الجِنُّ، والجِنُّ فاعِلٌ، وأنْ وما بَعْدَها بَدَلٌ مِنَ الجِنِّ. كَما تَقُولُ: تَبَيَّنَ زَيْدٌ جَهْلَهُ، أيْ ظَهَرَ جَهْلُ زِيدٍ، فالمَعْنى: ظَهَرَ لِلنّاسِ جَهْلُ الجِنِّ عِلْمَ الغَيْبِ، وأنَّ ما ادَّعَوْهُ مِن ذَلِكَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ. واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِن تَبَيَّنَ بِمَعْنى عَلِمَ وأدْرَكَ، والجِنُّ هُنا خَدَمُ الجِنِّ، وضَعَفَتُهم ﴿أنْ لَوْ كانُوا﴾ أيْ لَوْ كانَ رُؤَساؤُهم وكُبَراؤُهم يَعْلَمُونَ الغَيْبَ، قالَهُ قَتادَةُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ عَلِمَ المُدَّعُونَ عِلْمَ الغَيْبِ مِنهم عَجْزَهم، وأنَّهم لا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ، وإنْ كانُوا عالِمِينَ قَبْلَ ذَلِكَ بِحالِهِمْ، وإنَّما أُرِيدَ بِهِمُ التَّهَكُّمُ كَما يُتَهَكَّمُ بِمُدَّعِي الباطِلِ إذا دُحِضَتْ حُجَّتُهُ وظَهَرَ إبْطالُهُ، كَقَوْلِكَ: هَلْ تَبَيَّنْتَ أنَّكَ مُبْطِلٌ وأنْتَ لا تَعْلَمُ أنَّهُ لَمْ يَزَلْ لِذَلِكَ مُتَبَيِّنًا ؟ انْتَهى. ويَجِئُ تَبَيَّنَ بِمَعْنى بانَ وظَهَرَ لازِمًا، وبِمَعْنى عَلِمَ مُتَعَدِّيًا مَوْجُودٌ في كَلامِ العَرَبِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎تَبَيَّنَ لِي أنَّ القَماءَةَ ذِلَّةٌ ∗∗∗ وأنَّ أعِزّاءَ الرِّجالِ طِيالُها وقالَ آخَرُ: ؎أفاطِمُ إنِّي مَيِّتٌ فَتَبَيَّنِي ∗∗∗ ولا تَجْزَعِي كُلُّ الأنامِ يَمُوتُ أيْ: فَتَبَيَّنِي ذَلِكَ أيِ اعْلَمِيهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَهَبَ سِيبَوَيْهِ إلى أنَّ: (أنْ) لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، إنَّما هي مَوْزُونَةٌ، نَحْوُ أنَّ ما يَنْزِلُ مَنزِلَةَ القَسَمِ مِنَ الفِعْلِ الَّذِي مَعْناهُ التَّحْقِيقُ واليَقِينُ؛ لِأنَّ هَذِهِ الأفْعالَ (p-٢٦٨)الَّتِي هي تَحَقَّقَتْ وتَيَقَّنَتْ وعَلِمَتْ ونَحْوُها تَحِلُّ مَحَلَّ القَسَمِ. فَما لَبِثُوا: جَوابُ القَسَمِ لا جَوابُ لَوْ. وعَلى الأقْوالِ الأوَّلُ جَوابُ لَوْ. وفي كِتابِ النَّحّاسِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَقْرَأُ ﴿تَبَيَّنَتِ الجِنُّ﴾ بِنَصْبِ الجِنِّ، أيْ تَبَيَّنَتِ الإنْسُ الجِنَّ، والمَعْنى: أنَّ الجِنَّ لَوْ كانَتْ تَعْلَمُ الغَيْبَ ما خَفى عَلَيْها مَوْتُهُ، أيْ مَوْتُسُلَيْمانَ. وقَدْ ظَهَرَ أنَّهُ خَفِيَ عَلَيْها بِدَوامِها في الخِدْمَةِ والضِّعَةِ وهو مَيِّتٌ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ - فِيما ذَكَرَ ابْنُ خالَوَيْهِ ويَعْقُوبُ بِخِلافٍ عَنْهُ: تُبَيِّنَتْ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وأُبَيٍّ، وعَلِيِّ بْنِ الحَسَنِ، والضَّحّاكِ قِراءَةٌ في هَذا المَوْضِعِ مُخالِفَةً لِسَوادِ المُصْحَفِ ولِما رُوِيَ عَنْهم، ذَكَرَها المُفَسِّرُونَ، أُضْرِبُ عَنْ ذِكْرِها صَفْحًا عَلى عادَتِنا في تَرْكِ نَقْلِ الشّاذِّ الَّذِي يُخالِفُ لِلسَّوادِ مُخالَفَةً كَثِيرَةً.