Al-Bahr Al-Muhit — الزخرف 43:80 – الدخان 44:20
المحتويات
- الزخرف 43:80
- الزخرف 43:81
- الزخرف 43:82
- الزخرف 43:83
- الزخرف 43:84
- الزخرف 43:85
- الزخرف 43:86
- الزخرف 43:87
- الزخرف 43:88
- الزخرف 43:89
- الدخان 44:1
- الدخان 44:2
- الدخان 44:3
- الدخان 44:4
- الدخان 44:5
- الدخان 44:6
- الدخان 44:7
- الدخان 44:8
- الدخان 44:9
- الدخان 44:10
- الدخان 44:11
- الدخان 44:12
- الدخان 44:13
- الدخان 44:14
- الدخان 44:15
- الدخان 44:16
- الدخان 44:17
- الدخان 44:18
- الدخان 44:19
- الدخان 44:20
الزخرف 43:80
﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ونادَوْا يامالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾ ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ ﴿أمْ أبْرَمُوا أمْرًا فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾ ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْواهم بَلى ورُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ وهو الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ ﴿وتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ إلّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ ﴿وقِيلِهِ يارَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿فاصْفَحْ عَنْهم وقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ .
لَمّا ذَكَرَ تَعالى حالَ أهْلِ الجَنَّةِ، وما يُقالُ لَهم مِن لَذائِذِ البِشارَةِ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ حالِ الكَفَرَةِ، وما يُجاوِبُونَ بِهِ عِنْدَ سُؤالِهِمْ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: وهم فِيها، أيْ في جَهَنَّمَ، والجُمْهُورُ: ﴿وهم فِيهِ﴾ أيْ في العَذابِ. وعَنِ الضَّحّاكِ: يُجْعَلُ المُجْرِمُ في تابُوتٍ مِن نارٍ، ثُمَّ يُرْدَمُ عَلَيْهِ، فَيَبْقى فِيهِ خالِدًا لا يَرى ولا يُرى.
﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾: أيْ لا يُخَفَّفُ ولا يُنْقَصُ، مِن قَوْلِهِمْ: فَتَرَتْ عَنْهُ الحُمّى، إذا سَكَنَتْ قَلِيلًا ونَقَصَ حَرُّها. والمُبْلِسُ: السّاكِتُ اليائِسُ مِنَ الخَيْرِ. (وما ظَلَمْناهم): أيْ ما وضَعْنا العَذابَ فِيمَن لا يَسْتَحِقُّهُ.
﴿ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾: أيِ الواضِعِينَ الكُفْرَ مَوْضِعَ الإيمانِ، فَظَلَمُوا بِذَلِكَ أنْفُسَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: والظّالِمِينَ، عَلى أنَّ هم فَصْلٌ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأبُو زَيْدٍ النَّحْوِيّانِ: الظّالِمُونَ بِالرَّفْعِ، عَلى أنَّهم خَبَرُهم، وهم مُبْتَدَأٌ. وذَكَرَ أبُو عَمْرٍو الجَرْمِيُّ: أنَّ لُغَةَ تَمِيمٍ جَعْلُ ما هو فَصْلٌ عِنْدَ غَيْرِهِمْ مُبْتَدَأً، ويَرْفَعُونَ ما بَعْدَهُ عَلى الخَبَرِ. وقالَ أبُو زَيْدٍ: سَمِعْتُهم يَقْرَءُونَ: تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرٌ وأعْظَمُ أجْرًا. يَعْنِي: بِرَفْعِ ”خَيْرٌ وأعْظَمُ“ . وقالَ قَيْسُ بْنُ ذُرَيْجٍ:
؎نَحِنُّ إلى لَيْلى وأنْتَ تَرَكْتَها وكُنْتَ عَلَيْها بِالمَلا أنْتَ أقْدَرُ
قالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ رُؤْبَةَ كانَ يَقُولُ: أظُنُّ زَيْدًا هو خَيْرٌ مِنكَ. يَعْنِي بِالرَّفْعِ.
﴿ونادَوْا يامالِكُ﴾: تَقَدَّمَ أنَّهم مُبْلِسُونَ، أيْ ساكِتُونَ، وهَذِهِ أحْوالٌ لَهم في أزْمانٍ مُتَطاوِلَةٍ، فَلا تَعارُضَ بَيْنَ سُكُوتِهِمْ ونِدائِهِمْ. (p-٢٨)وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يا مالِكُ﴾ . وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وعَلِيٌّ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ: يا مالِ، بِالتَّرْخِيمِ، عَلى لُغَةِ مَن يَنْتَظِرُ الحَرْفَ. وقَرَأ أبُو السِّرارِ الغَنَوِيُّ: يا مالُ، بِالبِناءِ عَلى الضَّمِّ، جُعِلَ اسْمًا عَلى حِيالِهِ. واللّامُ في: (لِيَقْضِ) لامُ الطَّلَبِ والرَّغْبَةِ. والمَعْنى: يُمِتْنا مَرَّةً حَتّى لا يَتَكَرَّرَ عَذابُنا، كَقَوْلِهِ: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥]، أيْ أماتَهُ. (قالَ): أيْ مالِكٌ، ﴿إنَّكم ماكِثُونَ﴾: أيْ مُقِيمُونَ في النّارِ لا تَبْرَحُونَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُجِيبُهم بَعْدَ مُضِيِّ ألْفِ سَنَةٍ، وقالَ نَوْفٌ: بَعْدَ مِائَةٍ، وقِيلَ: ثَمانِينَ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: أرْبَعِينَ.
﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ﴾: يَظْهَرُ أنَّهُ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ: مِن كَلامِ بَعْضِ المَلائِكَةِ، كَما يَقُولُ أحَدُ خَدَمِ الرَّئِيسِ: أعْلَمْناكم وفَعَلْنا بِكم. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿لَقَدْ جِئْناكُمْ﴾ مِن قَوْلِ اللَّهِ لِقُرَيْشٍ بِعَقِبِ حِكايَةِ أمْرِ الكُفّارِ مَعَ مالِكٍ، وفي هَذا تَوَعُّدٌ وتَخْوِيفٌ بِمَعْنى: انْظُرُوا كَيْفَ يَكُونُ حالُكم.
﴿أمْ أبْرَمُوا﴾: والضَّمِيرُ لِقُرَيْشٍ، أيْ بَلْ أحْكَمُوا أمْرًا مِن كَيْدِهِمْ لِلرَّسُولِ ومَكْرِهِمْ، ﴿فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾ كَيْدَنا، كَما أبْرَمُوا كَيْدَهم، كَقَوْلِهِ: ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢]، وكانُوا يَتَناجَوْنَ ويَتَسارَعُونَ في أمْرِ الرَّسُولِ، فَقالَ تَعالى: ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ﴾، وهو ما يُحَدِّثُ بِهِ الرَّجُلُ نَفْسَهُ أوْ غَيْرَهُ في مَكانٍ خالٍ. (ونَجْواهم): وهي ما تَكَلَّمُوا بِهِ فِيما بَيْنَهم. (بَلى): أيْ نَسْمَعُها، (رُسُلُنا)، وهُمُ الحَفَظَةُ.
﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ﴾، كَما تَقُولُونَ، ﴿فَأنا أوَّلُ﴾ مَن يَعْبُدُهُ عَلى ذَلِكَ، ولَكِنْ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ. وأخَذَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا القَوْلَ وحَسَّنَهُ بِفَصاحَتِهِ فَقالَ: إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ، وصَحَّ ذَلِكَ وثَبَتَ بِبُرْهانٍ صَحِيحٍ يُورِدُونَهُ وحُجَّةٍ واضِحَةٍ يَبْذُلُونَها، فَأنا أوَّلُ مَن يُعَظِّمُ ذَلِكَ الوَلَدَ، وأسْبَقُكم إلى طاعَتِهِ والِانْقِيادِ لَهُ، كَما يُعَظِّمُ الرَّجُلُ ولَدَ المَلِكِ لِعِظَمِ أبِيهِ. وهَذا كَلامٌ وارِدٌ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّمْثِيلِ لِغَرَضٍ، وهو المُبالَغَةُ في نَفْيِ الوَلَدِ والإطْنابِ فِيهِ، وأنْ لا يَتْرُكَ النّاطِقُ بِهِ شُبْهَةً إلّا مُضْمَحِلَّةً مَعَ التَّرْجَمَةِ عَنْ نَفْسِهِ بِثَباتِ القَدَمِ في بابِ التَّوْحِيدِ، وذَلِكَ أنَّهُ عَلَّقَ العِبادَةَ بِكَيْنُونَةِ الوَلَدِ، وهي مُحالٌ في نَفْسِها، فَكانَ المُعَلَّقُ بِها مُحالًا مِثْلَها. فَهو في صُورَةِ إثْباتِ الكَيْنُونَةِ والعِبادَةِ، وفي مَعْنى نَفْيِها عَلى أبْلَغِ الوُجُوهِ وأقْواها. ثُمَّ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ونَظِيرُهُ أنْ يَقُولَ العَدْلِيُّ لِلْمُجْبِرِ. ثُمَّ ذَكَرَ كَلامًا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ التَّأْدِيبَ بَلِ السَّيْفَ، نَزَّهْتُ كِتابِي عَنْ ذِكْرِهِ. ثُمَّ قالَ: وقَدْ تَمَحَّلَ النّاسُ بِما أخْرَجُوهُ بِهِ مِن هَذا الأُسْلُوبِ الشَّرِيفِ المَلِيءِ بِالنُّكَتِ والفَوائِدِ المُسْتَقِلَّةِ بِالتَّوْحِيدِ عَلى أبْلَغِ وُجُوهِهِ، فَقِيلَ: إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ، في زَعْمِكم، فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ، المُوَحِّدِينَ لِلَّهِ، المُكَذِّبِينَ قَوْلَهم بِإضافَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ. وقِيلَ: إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ، فَأنا أوَّلُ الآنِفِينَ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ مِن عَبْدٍ يُعْبَدُ، إذا اشْتَدَّ أنْفُهُ فَهو عَبْدٌ وعابِدٌ. وقَرَأ بَعْضُهم: عَبِدِينَ، وقِيلَ: هي إنِ النّافِيَةُ، أيْ ما كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ، فَأنا أوَّلُ مَن قالَ بِذَلِكَ وعَبَدَ ووَحَّدَ.
ورُوِيَ أنَّ النَّضْرَ بْنَ عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيٍّ قالَ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، فَنَزَلَتْ، فَقالَ النَّضْرُ: ألا تَرَوْنَ أنَّهُ قَدْ صَدَّقَنِي ؟ فَقالَ لَهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ: ما صَدَّقَكَ، ولَكِنْ قالَ: ما كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ، فَأنا أوَّلُ المُوَحِّدِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ أنْ لا ولَدَ لَهُ. انْتَهى. أمّا القَوْلُ: إنْ كانَ لِلَّهِ ولَدٌ في زَعْمِكم، فَهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وأمّا القَوْلُ: فَأنا أوَّلُ الآنِفِينَ، فَهو قَوْلُ جَماعَةٍ، حَكاهُ عَنْهم أبُو حاتِمٍ ولَمْ يُسَمِّ أحَدًا مِنهم، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ السُّلَمِيِّ واليَمانِيِّ: العَبِدِينَ، وقِراءَةٌ ذَكَرَها الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ في كِتابِهِ العَيْنِ: العَبْدِينَ، بِإسْكانِ الباءِ، تَخْفِيفُ العَبْدِينَ بِكَسْرِها. وذَكَرَ صاحِبُ اللَّوامِحِ أنَّهُ جاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في مَعْنى العابِدِينَ: أنَّهُ الآنِفِينَ انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: يُقالُ: عَبَدَ يَعْبُدُ فَهو عَبْدٌ، وقَلَّما يُقالُ: عابِدٌ. والقُرْآنُ لا يَأْتِي بِالقَلِيلِ مِنَ اللُّغَةِ ولا الشّاذَّ، ثُمَّ قالَ: كَقَوْلِ مُجاهِدٍ. وقالَ الفَرَزْدَقُ:
؎أُولَئِكَ آبائِي فَجِئْنِي بِمِثْلِهِمْ ∗∗∗ وأعْبُدُ أنْ أهْجُوَ كُلَيْبًا بِدارِمِي
أيْ: آنَفُ وأسْتَنْكِفُ. وقالَ آخَرُ:(p-٢٩)
؎مَتى ما يَشاءُ ذُو الوُدِّ يَصْرِمُ خَلِيلَهُ ∗∗∗ ويَعْبُدُ عَلَيْهِ لا مَحالَةَ ظالِمًا
وأمّا القَوْلُ بِأنَّ إنْ نافِيَةٌ، فَمَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، والسُّدِّيِّ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ، وزُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وقالَ مَكِّيٌّ: لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ إنْ بِمَعْنى ما النّافِيَةِ، لِأنَّهُ يُوهِمُ أنَّكَ إنَّما نَفَيْتَ عَنِ اللَّهِ الوَلَدَ فِيما مَضى دُونَ ما هو آتٍ، وهَذا مُحالٌ. انْتَهى. ولا يَلْزَمُ مِنهُ مُحالٌ، لِأنَّ كانَ قَدْ تُسْتَعْمَلُ فِيما يَدُومُ ولا يَزُولُ، كَقَوْلِكَ: (وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)، أيْ لَمْ يَزَلْ، فالمَعْنى: ما كانَ وما يَكُونُ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: العَبِدُ، بِكَسْرِ الباءِ: الشَّدِيدُ الغَضَبِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ أوَّلُ الجاحِدِينَ. والعَرَبُ تَقُولُ: عَبَدَنِي حَقِّي، أيْ جَحَدَنِي. وقَرَأ ولَدٌ بِفَتْحَتَيْنِ. عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللّامِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾: أيْ مِن نِسْبَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ، والمَعْنى: إزالَةُ العِلْمِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ واجِبَ الوُجُودِ، وما كانَ كَذَلِكَ فَهو فَرْدٌ مُطْلَقٌ لا يَقْبَلُ التَّجْزِيءَ. والوَلَدُ عِبارَةٌ عَنْ أنْ يَنْفَصِلَ عَنِ الشَّيْءِ جُزْءٌ مِن أجْزائِهِ، فَيَتَوَلَّدُ مِنهُ شَخْصٌ مِثْلُهُ، ولا يَكُونُ إلّا فِيما هو قابِلٌ ذاتُهُ لِلتَّجْزِيءِ، وهَذا مُحالٌ في حَقِّهِ تَعالى، فامْتَنَعَ إثْباتُ الوَلَدِ. ولَمّا ذُكِرَ هَذا البُرْهانُ القاطِعُ قالَ: (فَذَرْهم يَخُوضُوا)، أيْ في باطِلِهِمْ، (ويَلْعَبُوا)، أيْ في دُنْياهم. وظاهِرُ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ مُهادَنَةٌ وتَرْكٌ، وذَلِكَ مِمّا نُسِخَ بِآيَةِ السَّيْفِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿حَتّى يُلاقُوا﴾، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وعُبَيْدُ بْنُ عَقِيلٍ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: يَلْقَوْا، مُضارِعُ لَقِيَ.
﴿يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾: يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: يَوْمَ بَدْرٍ، وأضافَ اليَوْمَ إلَيْهِمْ، لِأنَّهُ الَّذِي فِيهِ هَلاكُهم وعَذابُهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: إلَهٌ فِيهِما. وقَرَأ عُمَرُ. وعَبْدُ اللَّهِ، وأُبَيٌّ، وعَلِيٌّ، والحَكَمُ بْنُ أبِي العالِي، وبِلالُ بْنُ أبِي بُرْدَةَ، وابْنُ يَعْمَرَ، وجابِرٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وأبُو الشَّيْخِ الهُنائِيُّ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ مِقْسَمٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: اللَّهُ فِيهِما. ومَعْنى إلَهٍ: مَعْبُودٌ بِهِ، يَتَعَلَّقُ الجارُّ والمَجْرُورُ، والمَعْنى: أنَّهُ هو مَعْبُودٌ في السَّماءِ ومَعْبُودٌ في الأرْضِ، والعائِدُ عَلى المَوْصُولِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: هو إلَهٌ، كَما حُذِفَ في قَوْلِهِمْ: ما أنا بِالَّذِي قائِلٌ لَكَ شَيْئًا، وحَسَّنَهُ طُولُهُ بِالعَطْفِ عَلَيْهِ، كَما حَسَّنَ في: قائِلٌ لَكَ شَيْئًا. طُولُهُ بِالمُعَوَّلِ. ومَن قَرَأ: اللَّهُ، ضَمَّنَهُ أيْضًا مَعْنى المَعْبُودِ، كَما ضُمِّنَ العَلَمُ في نَحْوِ قَوْلِهِمْ: هو حاتِمٌ في طَيِّئٍ. أيْ جَوادٌ في طَيِّئٍ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الصِّلَةُ الجارَّ والمَجْرُورَ. والمَعْنى: أنَّهُ فِيهِما بِالإلَهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ، إذْ يَسْتَحِيلُ حَمْلُهُ عَلى الِاسْتِقْرارِ. وفي قَوْلِهِ: (وفي الأرْضِ)، نَفْيٌ لِآلِهَتِهِمُ الَّتِي كانَتْ تُعْبَدُ في الأرْضِ.
﴿وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾: أيْ عِلْمُ تَعْيِينِ وقْتِ قِيامِها، وهو الَّذِي اسْتَأْثَرَ بِهِ تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَرْجِعُونَ، بِياءِ الغَيْبَةِ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، والعَدَنِيّانِ: بِتاءِ الخِطابِ، وهو في كِلْتا القِراءَتَيْنِ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ. وقُرِئَ: بِفَتْحِ تاءِ الخِطابِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِياءِ الغَيْبَةِ وشَدِّ الدّالِ، وعَنْهُ بِتاءِ الخِطابِ وشَدِّ الدّالِ، والمَعْنى: ولا يَمْلِكُ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ الشَّفاعَةَ عِنْدَ اللَّهِ. قالَ قَتادَةُ: اسْتَثْنى مِمَّنْ عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ عِيسى وعُزَيْرًا والمَلائِكَةَ، فَإنَّهم يَمْلِكُونَ شَفاعَةً بِأنْ يُمَلِّكَها اللَّهُ إيّاهم، إذْ هم مِمَّنْ شَهِدَ بِالحَقِّ، وهم يَعْلَمُونَهُ في أحْوالِهِمْ، فالِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا مُتَّصِلٌ. وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: مِنَ المَشْفُوعِ فِيهِمْ ؟ كَأنَّهُ قالَ: لا يَشْفَعُ هَؤُلاءِ المَلائِكَةُ وعُزَيْرٌ وعِيسى إلّا فِيمَن شَهِدَ بِالحَقِّ، وهو يَعْلَمُهُ، أيْ بِالتَّوْحِيدِ، قالُوا: فالِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا مُنْفَصِلٌ، كَأنَّهُ قالَ: لَكِنَّ مَن شَهِدَ بِالحَقِّ يَشْفَعُ فِيهِمْ هَؤُلاءِ. وهَذا التَّقْدِيرُ الَّذِي قَدَّرُوهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِيهِ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا، لِأنَّهُ يَكُونُ المُسْتَثْنى مِنهُ مَحْذُوفًا، كَأنَّهُ قالَ: ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ في أحَدٍ، إلّا فِيمَن شَهِدَ بِالحَقِّ، فَهو اسْتِثْناءٌ مِنَ المَفْعُولِ المَحْذُوفِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎نَجا سالِمٌ والنَّفْسُ مِنهُ بِشِدْقِهِ ∗∗∗ ولَمْ يَنْجُ إلّا جَفْنَ سَيْفٍ ومِئْزَرا
أيْ لَمْ يَنْجُ إلّا جَفْنَ سَيْفٍ فَهو اسْتِثْناءٌ مِنَ المَشْفُوعِ فِيهِمُ الجائِزُ فِيهِ الحَذْفُ وهو مُتَّصِلٌ فَإنْ جَعَلْتَهُ (p-٣٠)مُسْتَثْنى مِنَ (الَّذِينَ يَدْعُونَ)، فَيَكُونُ مُنْفَصِلًا، والمَعْنى: ولا يَمْلِكُ آلِهَتُهم، ويَعْنِي بِهِمُ الأصْنامَ والأوْثانَ، الشَّفاعَةَ كَما زَعَمُوا أنَّهم شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللَّهِ. ولَكِنَّ (مَن شَهِدَ بِالحَقِّ)، وهو تَوْحِيدُ اللَّهِ، وهو يَعْلَمُ ما شَهِدَ بِهِ، هو الَّذِي يَمْلِكُ الشَّفاعَةَ، وإنْ أُدْرِجَتِ المَلائِكَةُ في (الَّذِينَ يَدْعُونَ)، كانَ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَأنّى يُؤْفَكُونَ)، بِياءِ الغَيْبَةِ، مُناسِبًا لِقَوْلِهِ: (ولَئِنْ سَألْتَهم)، أيْ كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنْ عِبادَةِ مَن أقَرُّوا أنَّهُ مُوجِدُ العالَمِ. وعَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِتاءِ الخِطابِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وقِيلَهُ بِالنَّصْبِ. فَعَنِ الأخْفَشِ: أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى سِرِّهِمْ ونَجْواهم، وعَنْهُ أيْضًا: عَلى وقالَ قِيلَهُ، وعَنِ الزَّجّاجِ، عَلى مَحَلِّ السّاعَةِ في قَوْلِهِ: (وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ) . وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى مَفْعُولِ يَكْتُبُونَ المَحْذُوفِ، أيْ يَكْتُبُونَ أقْوالَهم وأفْعالَهم. وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى مَفْعُولِ يَعْلَمُونَ، أيْ يَعْلَمُونَ الحَقَّ. (وقِيلَهُ يا رَبِّ): وهو قَوْلٌ لا يَكادُ يُعْقَلُ، وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، أيْ ويَعْلَمُ قِيلَهُ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، وعاصِمٌ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ: وقِيلِهِ. بِالخَفْضِ، وخَرَجَ عَلى أنَّهُ عَطْفٌ عَلى السّاعَةِ، أوْ عَلى أنَّها واوُ القَسَمِ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ، أيْ: لَيُنْصَرُنَّ، أوْ لَأفْعَلَنَّ بِهِمْ ما أشاءُ. وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو قِلابَةَ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدَبٍ: وقِيلُهُ. بِالرَّفْعِ، وخَرَجَ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ”عِلْمُ السّاعَةِ“، عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وعِلْمُ قِيلِهِ، حُذِفَ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ. ورُوِيَ هَذا عَنِ الكِسائِيِّ. وعَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ: يا رَبِّ إلى لا يُؤْمِنُونَ، أوْ عَلى أنَّ الخَبَرَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ مَسْمُوعٌ، أوْ مُتَقَبَّلٌ، فَجُمْلَةُ النِّداءِ وما بَعْدَهُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ (وقِيلُهُ) . وقَرَأ أبُو قِلابَةَ: يا رَبَّ، بِفَتْحِ الباءِ، أرادَ: يا رَبًّا، كَما تَقُولُ: يا غُلامُ. ويَتَخَرَّجُ عَلى جَوازِ الأخْفَشِ: يا قَوْمَ، بِالفَتْحِ وحَذْفِ الألِفِ والِاجْتِزاءِ بِالفَتْحَةِ عَنْها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والَّذِي قالُوهُ يَعْنِي مِنَ العَطْفِ لَيْسَ بِقَوِيٍّ في المَعْنى، مَعَ وُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِما لا يَحْسُنُ اعْتِراضًا، ومَعَ تَنافُرِ النَّظْمِ، وأقْوى مِن ذَلِكَ. والوَجْهُ أنْ يَكُونَ الجَرُّ والنَّصْبُ عَلى إضْمارِ حَرْفِ القَسَمِ وحَذْفِهِ، والرَّفْعُ عَلى قَوْلِهِمْ: ايْمُنُ اللَّهِ، وأمانَةُ اللَّهِ، ويَمِينُ اللَّهِ، ولَعَمْرِكَ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾، جَوابُ القَسَمِ، كَأنَّهُ قالَ: وأقْسَمَ بِقِيلِهِ، أوْ وقِيلِهِ يا رَبِّ قَسَمِي.
﴿إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾، وإقْسامُ اللَّهِ بِقِيلِهِ، رَفْعٌ مِنهُ وتَعْظِيمٌ لِدُعائِهِ والتِجائِهِ إلَيْهِ. انْتَهى، وهو مُخالِفٌ لِظاهِرِ الكَلامِ، إذْ يَظْهَرُ أنَّ قَوْلَهُ: يا رَبِّ إلى لا يُؤْمِنُونَ، مُتَعَلِّقٌ بِقِيلِهِ، ومِن كَلامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: وإذا كانَ أنَّ هَؤُلاءِ جَوابَ القَسَمِ، كانَ مِن إخْبارِ اللَّهِ عَنْهم وكَلامِهِ، والضَّمِيرُ في: وقِيلِهِ. لِلرَّسُولِ، وهو المُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ﴿فاصْفَحْ عَنْهُمْ﴾، أيْ أعْرِضْ عَنْهم واتْرُكْهم، ﴿وقُلْ سَلامٌ﴾، أيِ الأمْرُ سَلامٌ، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ: وعِيدٌ لَهم وتَهْدِيدٌ ومُوادَعَةٌ، وهي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَعْلَمُونَ، بِياءِ الغَيْبَةِ، كَما في: فاصْفَحْ عَنْهم. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، ونافِعٌ، وهِشامٌ: بِتاءِ الخِطابِ. وقالَ السُّدِّيُّ: وقُلْ سَلامٌ، أيْ خَيْرًا بَدَلًا مِن شَرِّهِمْ. وقالَ مُقاتِلٌ: أوْرِدْ عَلَيْهِمْ مَعْرُوفًا. وحَكى الماوَرْدِيُّ: قُلْ ما تَسْلَمُ بِهِ مِن شَرِّهِمْ.
الزخرف 43:81
﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ونادَوْا يامالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾ ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ ﴿أمْ أبْرَمُوا أمْرًا فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾ ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْواهم بَلى ورُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ وهو الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ ﴿وتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ إلّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ ﴿وقِيلِهِ يارَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿فاصْفَحْ عَنْهم وقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ .
لَمّا ذَكَرَ تَعالى حالَ أهْلِ الجَنَّةِ، وما يُقالُ لَهم مِن لَذائِذِ البِشارَةِ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ حالِ الكَفَرَةِ، وما يُجاوِبُونَ بِهِ عِنْدَ سُؤالِهِمْ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: وهم فِيها، أيْ في جَهَنَّمَ، والجُمْهُورُ: ﴿وهم فِيهِ﴾ أيْ في العَذابِ. وعَنِ الضَّحّاكِ: يُجْعَلُ المُجْرِمُ في تابُوتٍ مِن نارٍ، ثُمَّ يُرْدَمُ عَلَيْهِ، فَيَبْقى فِيهِ خالِدًا لا يَرى ولا يُرى.
﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾: أيْ لا يُخَفَّفُ ولا يُنْقَصُ، مِن قَوْلِهِمْ: فَتَرَتْ عَنْهُ الحُمّى، إذا سَكَنَتْ قَلِيلًا ونَقَصَ حَرُّها. والمُبْلِسُ: السّاكِتُ اليائِسُ مِنَ الخَيْرِ. (وما ظَلَمْناهم): أيْ ما وضَعْنا العَذابَ فِيمَن لا يَسْتَحِقُّهُ.
﴿ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾: أيِ الواضِعِينَ الكُفْرَ مَوْضِعَ الإيمانِ، فَظَلَمُوا بِذَلِكَ أنْفُسَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: والظّالِمِينَ، عَلى أنَّ هم فَصْلٌ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأبُو زَيْدٍ النَّحْوِيّانِ: الظّالِمُونَ بِالرَّفْعِ، عَلى أنَّهم خَبَرُهم، وهم مُبْتَدَأٌ. وذَكَرَ أبُو عَمْرٍو الجَرْمِيُّ: أنَّ لُغَةَ تَمِيمٍ جَعْلُ ما هو فَصْلٌ عِنْدَ غَيْرِهِمْ مُبْتَدَأً، ويَرْفَعُونَ ما بَعْدَهُ عَلى الخَبَرِ. وقالَ أبُو زَيْدٍ: سَمِعْتُهم يَقْرَءُونَ: تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرٌ وأعْظَمُ أجْرًا. يَعْنِي: بِرَفْعِ ”خَيْرٌ وأعْظَمُ“ . وقالَ قَيْسُ بْنُ ذُرَيْجٍ:
؎نَحِنُّ إلى لَيْلى وأنْتَ تَرَكْتَها وكُنْتَ عَلَيْها بِالمَلا أنْتَ أقْدَرُ
قالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ رُؤْبَةَ كانَ يَقُولُ: أظُنُّ زَيْدًا هو خَيْرٌ مِنكَ. يَعْنِي بِالرَّفْعِ.
﴿ونادَوْا يامالِكُ﴾: تَقَدَّمَ أنَّهم مُبْلِسُونَ، أيْ ساكِتُونَ، وهَذِهِ أحْوالٌ لَهم في أزْمانٍ مُتَطاوِلَةٍ، فَلا تَعارُضَ بَيْنَ سُكُوتِهِمْ ونِدائِهِمْ. (p-٢٨)وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يا مالِكُ﴾ . وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وعَلِيٌّ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ: يا مالِ، بِالتَّرْخِيمِ، عَلى لُغَةِ مَن يَنْتَظِرُ الحَرْفَ. وقَرَأ أبُو السِّرارِ الغَنَوِيُّ: يا مالُ، بِالبِناءِ عَلى الضَّمِّ، جُعِلَ اسْمًا عَلى حِيالِهِ. واللّامُ في: (لِيَقْضِ) لامُ الطَّلَبِ والرَّغْبَةِ. والمَعْنى: يُمِتْنا مَرَّةً حَتّى لا يَتَكَرَّرَ عَذابُنا، كَقَوْلِهِ: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥]، أيْ أماتَهُ. (قالَ): أيْ مالِكٌ، ﴿إنَّكم ماكِثُونَ﴾: أيْ مُقِيمُونَ في النّارِ لا تَبْرَحُونَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُجِيبُهم بَعْدَ مُضِيِّ ألْفِ سَنَةٍ، وقالَ نَوْفٌ: بَعْدَ مِائَةٍ، وقِيلَ: ثَمانِينَ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: أرْبَعِينَ.
﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ﴾: يَظْهَرُ أنَّهُ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ: مِن كَلامِ بَعْضِ المَلائِكَةِ، كَما يَقُولُ أحَدُ خَدَمِ الرَّئِيسِ: أعْلَمْناكم وفَعَلْنا بِكم. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿لَقَدْ جِئْناكُمْ﴾ مِن قَوْلِ اللَّهِ لِقُرَيْشٍ بِعَقِبِ حِكايَةِ أمْرِ الكُفّارِ مَعَ مالِكٍ، وفي هَذا تَوَعُّدٌ وتَخْوِيفٌ بِمَعْنى: انْظُرُوا كَيْفَ يَكُونُ حالُكم.
﴿أمْ أبْرَمُوا﴾: والضَّمِيرُ لِقُرَيْشٍ، أيْ بَلْ أحْكَمُوا أمْرًا مِن كَيْدِهِمْ لِلرَّسُولِ ومَكْرِهِمْ، ﴿فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾ كَيْدَنا، كَما أبْرَمُوا كَيْدَهم، كَقَوْلِهِ: ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢]، وكانُوا يَتَناجَوْنَ ويَتَسارَعُونَ في أمْرِ الرَّسُولِ، فَقالَ تَعالى: ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ﴾، وهو ما يُحَدِّثُ بِهِ الرَّجُلُ نَفْسَهُ أوْ غَيْرَهُ في مَكانٍ خالٍ. (ونَجْواهم): وهي ما تَكَلَّمُوا بِهِ فِيما بَيْنَهم. (بَلى): أيْ نَسْمَعُها، (رُسُلُنا)، وهُمُ الحَفَظَةُ.
﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ﴾، كَما تَقُولُونَ، ﴿فَأنا أوَّلُ﴾ مَن يَعْبُدُهُ عَلى ذَلِكَ، ولَكِنْ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ. وأخَذَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا القَوْلَ وحَسَّنَهُ بِفَصاحَتِهِ فَقالَ: إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ، وصَحَّ ذَلِكَ وثَبَتَ بِبُرْهانٍ صَحِيحٍ يُورِدُونَهُ وحُجَّةٍ واضِحَةٍ يَبْذُلُونَها، فَأنا أوَّلُ مَن يُعَظِّمُ ذَلِكَ الوَلَدَ، وأسْبَقُكم إلى طاعَتِهِ والِانْقِيادِ لَهُ، كَما يُعَظِّمُ الرَّجُلُ ولَدَ المَلِكِ لِعِظَمِ أبِيهِ. وهَذا كَلامٌ وارِدٌ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّمْثِيلِ لِغَرَضٍ، وهو المُبالَغَةُ في نَفْيِ الوَلَدِ والإطْنابِ فِيهِ، وأنْ لا يَتْرُكَ النّاطِقُ بِهِ شُبْهَةً إلّا مُضْمَحِلَّةً مَعَ التَّرْجَمَةِ عَنْ نَفْسِهِ بِثَباتِ القَدَمِ في بابِ التَّوْحِيدِ، وذَلِكَ أنَّهُ عَلَّقَ العِبادَةَ بِكَيْنُونَةِ الوَلَدِ، وهي مُحالٌ في نَفْسِها، فَكانَ المُعَلَّقُ بِها مُحالًا مِثْلَها. فَهو في صُورَةِ إثْباتِ الكَيْنُونَةِ والعِبادَةِ، وفي مَعْنى نَفْيِها عَلى أبْلَغِ الوُجُوهِ وأقْواها. ثُمَّ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ونَظِيرُهُ أنْ يَقُولَ العَدْلِيُّ لِلْمُجْبِرِ. ثُمَّ ذَكَرَ كَلامًا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ التَّأْدِيبَ بَلِ السَّيْفَ، نَزَّهْتُ كِتابِي عَنْ ذِكْرِهِ. ثُمَّ قالَ: وقَدْ تَمَحَّلَ النّاسُ بِما أخْرَجُوهُ بِهِ مِن هَذا الأُسْلُوبِ الشَّرِيفِ المَلِيءِ بِالنُّكَتِ والفَوائِدِ المُسْتَقِلَّةِ بِالتَّوْحِيدِ عَلى أبْلَغِ وُجُوهِهِ، فَقِيلَ: إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ، في زَعْمِكم، فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ، المُوَحِّدِينَ لِلَّهِ، المُكَذِّبِينَ قَوْلَهم بِإضافَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ. وقِيلَ: إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ، فَأنا أوَّلُ الآنِفِينَ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ مِن عَبْدٍ يُعْبَدُ، إذا اشْتَدَّ أنْفُهُ فَهو عَبْدٌ وعابِدٌ. وقَرَأ بَعْضُهم: عَبِدِينَ، وقِيلَ: هي إنِ النّافِيَةُ، أيْ ما كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ، فَأنا أوَّلُ مَن قالَ بِذَلِكَ وعَبَدَ ووَحَّدَ.
ورُوِيَ أنَّ النَّضْرَ بْنَ عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيٍّ قالَ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، فَنَزَلَتْ، فَقالَ النَّضْرُ: ألا تَرَوْنَ أنَّهُ قَدْ صَدَّقَنِي ؟ فَقالَ لَهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ: ما صَدَّقَكَ، ولَكِنْ قالَ: ما كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ، فَأنا أوَّلُ المُوَحِّدِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ أنْ لا ولَدَ لَهُ. انْتَهى. أمّا القَوْلُ: إنْ كانَ لِلَّهِ ولَدٌ في زَعْمِكم، فَهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وأمّا القَوْلُ: فَأنا أوَّلُ الآنِفِينَ، فَهو قَوْلُ جَماعَةٍ، حَكاهُ عَنْهم أبُو حاتِمٍ ولَمْ يُسَمِّ أحَدًا مِنهم، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ السُّلَمِيِّ واليَمانِيِّ: العَبِدِينَ، وقِراءَةٌ ذَكَرَها الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ في كِتابِهِ العَيْنِ: العَبْدِينَ، بِإسْكانِ الباءِ، تَخْفِيفُ العَبْدِينَ بِكَسْرِها. وذَكَرَ صاحِبُ اللَّوامِحِ أنَّهُ جاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في مَعْنى العابِدِينَ: أنَّهُ الآنِفِينَ انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: يُقالُ: عَبَدَ يَعْبُدُ فَهو عَبْدٌ، وقَلَّما يُقالُ: عابِدٌ. والقُرْآنُ لا يَأْتِي بِالقَلِيلِ مِنَ اللُّغَةِ ولا الشّاذَّ، ثُمَّ قالَ: كَقَوْلِ مُجاهِدٍ. وقالَ الفَرَزْدَقُ:
؎أُولَئِكَ آبائِي فَجِئْنِي بِمِثْلِهِمْ ∗∗∗ وأعْبُدُ أنْ أهْجُوَ كُلَيْبًا بِدارِمِي
أيْ: آنَفُ وأسْتَنْكِفُ. وقالَ آخَرُ:(p-٢٩)
؎مَتى ما يَشاءُ ذُو الوُدِّ يَصْرِمُ خَلِيلَهُ ∗∗∗ ويَعْبُدُ عَلَيْهِ لا مَحالَةَ ظالِمًا
وأمّا القَوْلُ بِأنَّ إنْ نافِيَةٌ، فَمَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، والسُّدِّيِّ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ، وزُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وقالَ مَكِّيٌّ: لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ إنْ بِمَعْنى ما النّافِيَةِ، لِأنَّهُ يُوهِمُ أنَّكَ إنَّما نَفَيْتَ عَنِ اللَّهِ الوَلَدَ فِيما مَضى دُونَ ما هو آتٍ، وهَذا مُحالٌ. انْتَهى. ولا يَلْزَمُ مِنهُ مُحالٌ، لِأنَّ كانَ قَدْ تُسْتَعْمَلُ فِيما يَدُومُ ولا يَزُولُ، كَقَوْلِكَ: (وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)، أيْ لَمْ يَزَلْ، فالمَعْنى: ما كانَ وما يَكُونُ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: العَبِدُ، بِكَسْرِ الباءِ: الشَّدِيدُ الغَضَبِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ أوَّلُ الجاحِدِينَ. والعَرَبُ تَقُولُ: عَبَدَنِي حَقِّي، أيْ جَحَدَنِي. وقَرَأ ولَدٌ بِفَتْحَتَيْنِ. عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللّامِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾: أيْ مِن نِسْبَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ، والمَعْنى: إزالَةُ العِلْمِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ واجِبَ الوُجُودِ، وما كانَ كَذَلِكَ فَهو فَرْدٌ مُطْلَقٌ لا يَقْبَلُ التَّجْزِيءَ. والوَلَدُ عِبارَةٌ عَنْ أنْ يَنْفَصِلَ عَنِ الشَّيْءِ جُزْءٌ مِن أجْزائِهِ، فَيَتَوَلَّدُ مِنهُ شَخْصٌ مِثْلُهُ، ولا يَكُونُ إلّا فِيما هو قابِلٌ ذاتُهُ لِلتَّجْزِيءِ، وهَذا مُحالٌ في حَقِّهِ تَعالى، فامْتَنَعَ إثْباتُ الوَلَدِ. ولَمّا ذُكِرَ هَذا البُرْهانُ القاطِعُ قالَ: (فَذَرْهم يَخُوضُوا)، أيْ في باطِلِهِمْ، (ويَلْعَبُوا)، أيْ في دُنْياهم. وظاهِرُ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ مُهادَنَةٌ وتَرْكٌ، وذَلِكَ مِمّا نُسِخَ بِآيَةِ السَّيْفِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿حَتّى يُلاقُوا﴾، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وعُبَيْدُ بْنُ عَقِيلٍ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: يَلْقَوْا، مُضارِعُ لَقِيَ.
﴿يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾: يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: يَوْمَ بَدْرٍ، وأضافَ اليَوْمَ إلَيْهِمْ، لِأنَّهُ الَّذِي فِيهِ هَلاكُهم وعَذابُهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: إلَهٌ فِيهِما. وقَرَأ عُمَرُ. وعَبْدُ اللَّهِ، وأُبَيٌّ، وعَلِيٌّ، والحَكَمُ بْنُ أبِي العالِي، وبِلالُ بْنُ أبِي بُرْدَةَ، وابْنُ يَعْمَرَ، وجابِرٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وأبُو الشَّيْخِ الهُنائِيُّ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ مِقْسَمٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: اللَّهُ فِيهِما. ومَعْنى إلَهٍ: مَعْبُودٌ بِهِ، يَتَعَلَّقُ الجارُّ والمَجْرُورُ، والمَعْنى: أنَّهُ هو مَعْبُودٌ في السَّماءِ ومَعْبُودٌ في الأرْضِ، والعائِدُ عَلى المَوْصُولِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: هو إلَهٌ، كَما حُذِفَ في قَوْلِهِمْ: ما أنا بِالَّذِي قائِلٌ لَكَ شَيْئًا، وحَسَّنَهُ طُولُهُ بِالعَطْفِ عَلَيْهِ، كَما حَسَّنَ في: قائِلٌ لَكَ شَيْئًا. طُولُهُ بِالمُعَوَّلِ. ومَن قَرَأ: اللَّهُ، ضَمَّنَهُ أيْضًا مَعْنى المَعْبُودِ، كَما ضُمِّنَ العَلَمُ في نَحْوِ قَوْلِهِمْ: هو حاتِمٌ في طَيِّئٍ. أيْ جَوادٌ في طَيِّئٍ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الصِّلَةُ الجارَّ والمَجْرُورَ. والمَعْنى: أنَّهُ فِيهِما بِالإلَهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ، إذْ يَسْتَحِيلُ حَمْلُهُ عَلى الِاسْتِقْرارِ. وفي قَوْلِهِ: (وفي الأرْضِ)، نَفْيٌ لِآلِهَتِهِمُ الَّتِي كانَتْ تُعْبَدُ في الأرْضِ.
﴿وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾: أيْ عِلْمُ تَعْيِينِ وقْتِ قِيامِها، وهو الَّذِي اسْتَأْثَرَ بِهِ تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَرْجِعُونَ، بِياءِ الغَيْبَةِ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، والعَدَنِيّانِ: بِتاءِ الخِطابِ، وهو في كِلْتا القِراءَتَيْنِ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ. وقُرِئَ: بِفَتْحِ تاءِ الخِطابِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِياءِ الغَيْبَةِ وشَدِّ الدّالِ، وعَنْهُ بِتاءِ الخِطابِ وشَدِّ الدّالِ، والمَعْنى: ولا يَمْلِكُ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ الشَّفاعَةَ عِنْدَ اللَّهِ. قالَ قَتادَةُ: اسْتَثْنى مِمَّنْ عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ عِيسى وعُزَيْرًا والمَلائِكَةَ، فَإنَّهم يَمْلِكُونَ شَفاعَةً بِأنْ يُمَلِّكَها اللَّهُ إيّاهم، إذْ هم مِمَّنْ شَهِدَ بِالحَقِّ، وهم يَعْلَمُونَهُ في أحْوالِهِمْ، فالِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا مُتَّصِلٌ. وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: مِنَ المَشْفُوعِ فِيهِمْ ؟ كَأنَّهُ قالَ: لا يَشْفَعُ هَؤُلاءِ المَلائِكَةُ وعُزَيْرٌ وعِيسى إلّا فِيمَن شَهِدَ بِالحَقِّ، وهو يَعْلَمُهُ، أيْ بِالتَّوْحِيدِ، قالُوا: فالِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا مُنْفَصِلٌ، كَأنَّهُ قالَ: لَكِنَّ مَن شَهِدَ بِالحَقِّ يَشْفَعُ فِيهِمْ هَؤُلاءِ. وهَذا التَّقْدِيرُ الَّذِي قَدَّرُوهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِيهِ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا، لِأنَّهُ يَكُونُ المُسْتَثْنى مِنهُ مَحْذُوفًا، كَأنَّهُ قالَ: ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ في أحَدٍ، إلّا فِيمَن شَهِدَ بِالحَقِّ، فَهو اسْتِثْناءٌ مِنَ المَفْعُولِ المَحْذُوفِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎نَجا سالِمٌ والنَّفْسُ مِنهُ بِشِدْقِهِ ∗∗∗ ولَمْ يَنْجُ إلّا جَفْنَ سَيْفٍ ومِئْزَرا
أيْ لَمْ يَنْجُ إلّا جَفْنَ سَيْفٍ فَهو اسْتِثْناءٌ مِنَ المَشْفُوعِ فِيهِمُ الجائِزُ فِيهِ الحَذْفُ وهو مُتَّصِلٌ فَإنْ جَعَلْتَهُ (p-٣٠)مُسْتَثْنى مِنَ (الَّذِينَ يَدْعُونَ)، فَيَكُونُ مُنْفَصِلًا، والمَعْنى: ولا يَمْلِكُ آلِهَتُهم، ويَعْنِي بِهِمُ الأصْنامَ والأوْثانَ، الشَّفاعَةَ كَما زَعَمُوا أنَّهم شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللَّهِ. ولَكِنَّ (مَن شَهِدَ بِالحَقِّ)، وهو تَوْحِيدُ اللَّهِ، وهو يَعْلَمُ ما شَهِدَ بِهِ، هو الَّذِي يَمْلِكُ الشَّفاعَةَ، وإنْ أُدْرِجَتِ المَلائِكَةُ في (الَّذِينَ يَدْعُونَ)، كانَ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَأنّى يُؤْفَكُونَ)، بِياءِ الغَيْبَةِ، مُناسِبًا لِقَوْلِهِ: (ولَئِنْ سَألْتَهم)، أيْ كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنْ عِبادَةِ مَن أقَرُّوا أنَّهُ مُوجِدُ العالَمِ. وعَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِتاءِ الخِطابِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وقِيلَهُ بِالنَّصْبِ. فَعَنِ الأخْفَشِ: أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى سِرِّهِمْ ونَجْواهم، وعَنْهُ أيْضًا: عَلى وقالَ قِيلَهُ، وعَنِ الزَّجّاجِ، عَلى مَحَلِّ السّاعَةِ في قَوْلِهِ: (وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ) . وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى مَفْعُولِ يَكْتُبُونَ المَحْذُوفِ، أيْ يَكْتُبُونَ أقْوالَهم وأفْعالَهم. وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى مَفْعُولِ يَعْلَمُونَ، أيْ يَعْلَمُونَ الحَقَّ. (وقِيلَهُ يا رَبِّ): وهو قَوْلٌ لا يَكادُ يُعْقَلُ، وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، أيْ ويَعْلَمُ قِيلَهُ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، وعاصِمٌ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ: وقِيلِهِ. بِالخَفْضِ، وخَرَجَ عَلى أنَّهُ عَطْفٌ عَلى السّاعَةِ، أوْ عَلى أنَّها واوُ القَسَمِ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ، أيْ: لَيُنْصَرُنَّ، أوْ لَأفْعَلَنَّ بِهِمْ ما أشاءُ. وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو قِلابَةَ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدَبٍ: وقِيلُهُ. بِالرَّفْعِ، وخَرَجَ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ”عِلْمُ السّاعَةِ“، عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وعِلْمُ قِيلِهِ، حُذِفَ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ. ورُوِيَ هَذا عَنِ الكِسائِيِّ. وعَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ: يا رَبِّ إلى لا يُؤْمِنُونَ، أوْ عَلى أنَّ الخَبَرَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ مَسْمُوعٌ، أوْ مُتَقَبَّلٌ، فَجُمْلَةُ النِّداءِ وما بَعْدَهُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ (وقِيلُهُ) . وقَرَأ أبُو قِلابَةَ: يا رَبَّ، بِفَتْحِ الباءِ، أرادَ: يا رَبًّا، كَما تَقُولُ: يا غُلامُ. ويَتَخَرَّجُ عَلى جَوازِ الأخْفَشِ: يا قَوْمَ، بِالفَتْحِ وحَذْفِ الألِفِ والِاجْتِزاءِ بِالفَتْحَةِ عَنْها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والَّذِي قالُوهُ يَعْنِي مِنَ العَطْفِ لَيْسَ بِقَوِيٍّ في المَعْنى، مَعَ وُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِما لا يَحْسُنُ اعْتِراضًا، ومَعَ تَنافُرِ النَّظْمِ، وأقْوى مِن ذَلِكَ. والوَجْهُ أنْ يَكُونَ الجَرُّ والنَّصْبُ عَلى إضْمارِ حَرْفِ القَسَمِ وحَذْفِهِ، والرَّفْعُ عَلى قَوْلِهِمْ: ايْمُنُ اللَّهِ، وأمانَةُ اللَّهِ، ويَمِينُ اللَّهِ، ولَعَمْرِكَ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾، جَوابُ القَسَمِ، كَأنَّهُ قالَ: وأقْسَمَ بِقِيلِهِ، أوْ وقِيلِهِ يا رَبِّ قَسَمِي.
﴿إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾، وإقْسامُ اللَّهِ بِقِيلِهِ، رَفْعٌ مِنهُ وتَعْظِيمٌ لِدُعائِهِ والتِجائِهِ إلَيْهِ. انْتَهى، وهو مُخالِفٌ لِظاهِرِ الكَلامِ، إذْ يَظْهَرُ أنَّ قَوْلَهُ: يا رَبِّ إلى لا يُؤْمِنُونَ، مُتَعَلِّقٌ بِقِيلِهِ، ومِن كَلامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: وإذا كانَ أنَّ هَؤُلاءِ جَوابَ القَسَمِ، كانَ مِن إخْبارِ اللَّهِ عَنْهم وكَلامِهِ، والضَّمِيرُ في: وقِيلِهِ. لِلرَّسُولِ، وهو المُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ﴿فاصْفَحْ عَنْهُمْ﴾، أيْ أعْرِضْ عَنْهم واتْرُكْهم، ﴿وقُلْ سَلامٌ﴾، أيِ الأمْرُ سَلامٌ، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ: وعِيدٌ لَهم وتَهْدِيدٌ ومُوادَعَةٌ، وهي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَعْلَمُونَ، بِياءِ الغَيْبَةِ، كَما في: فاصْفَحْ عَنْهم. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، ونافِعٌ، وهِشامٌ: بِتاءِ الخِطابِ. وقالَ السُّدِّيُّ: وقُلْ سَلامٌ، أيْ خَيْرًا بَدَلًا مِن شَرِّهِمْ. وقالَ مُقاتِلٌ: أوْرِدْ عَلَيْهِمْ مَعْرُوفًا. وحَكى الماوَرْدِيُّ: قُلْ ما تَسْلَمُ بِهِ مِن شَرِّهِمْ.
الزخرف 43:82
﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ونادَوْا يامالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾ ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ ﴿أمْ أبْرَمُوا أمْرًا فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾ ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْواهم بَلى ورُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ وهو الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ ﴿وتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ إلّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ ﴿وقِيلِهِ يارَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿فاصْفَحْ عَنْهم وقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ .
لَمّا ذَكَرَ تَعالى حالَ أهْلِ الجَنَّةِ، وما يُقالُ لَهم مِن لَذائِذِ البِشارَةِ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ حالِ الكَفَرَةِ، وما يُجاوِبُونَ بِهِ عِنْدَ سُؤالِهِمْ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: وهم فِيها، أيْ في جَهَنَّمَ، والجُمْهُورُ: ﴿وهم فِيهِ﴾ أيْ في العَذابِ. وعَنِ الضَّحّاكِ: يُجْعَلُ المُجْرِمُ في تابُوتٍ مِن نارٍ، ثُمَّ يُرْدَمُ عَلَيْهِ، فَيَبْقى فِيهِ خالِدًا لا يَرى ولا يُرى.
﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾: أيْ لا يُخَفَّفُ ولا يُنْقَصُ، مِن قَوْلِهِمْ: فَتَرَتْ عَنْهُ الحُمّى، إذا سَكَنَتْ قَلِيلًا ونَقَصَ حَرُّها. والمُبْلِسُ: السّاكِتُ اليائِسُ مِنَ الخَيْرِ. (وما ظَلَمْناهم): أيْ ما وضَعْنا العَذابَ فِيمَن لا يَسْتَحِقُّهُ.
﴿ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾: أيِ الواضِعِينَ الكُفْرَ مَوْضِعَ الإيمانِ، فَظَلَمُوا بِذَلِكَ أنْفُسَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: والظّالِمِينَ، عَلى أنَّ هم فَصْلٌ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأبُو زَيْدٍ النَّحْوِيّانِ: الظّالِمُونَ بِالرَّفْعِ، عَلى أنَّهم خَبَرُهم، وهم مُبْتَدَأٌ. وذَكَرَ أبُو عَمْرٍو الجَرْمِيُّ: أنَّ لُغَةَ تَمِيمٍ جَعْلُ ما هو فَصْلٌ عِنْدَ غَيْرِهِمْ مُبْتَدَأً، ويَرْفَعُونَ ما بَعْدَهُ عَلى الخَبَرِ. وقالَ أبُو زَيْدٍ: سَمِعْتُهم يَقْرَءُونَ: تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرٌ وأعْظَمُ أجْرًا. يَعْنِي: بِرَفْعِ ”خَيْرٌ وأعْظَمُ“ . وقالَ قَيْسُ بْنُ ذُرَيْجٍ:
؎نَحِنُّ إلى لَيْلى وأنْتَ تَرَكْتَها وكُنْتَ عَلَيْها بِالمَلا أنْتَ أقْدَرُ
قالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ رُؤْبَةَ كانَ يَقُولُ: أظُنُّ زَيْدًا هو خَيْرٌ مِنكَ. يَعْنِي بِالرَّفْعِ.
﴿ونادَوْا يامالِكُ﴾: تَقَدَّمَ أنَّهم مُبْلِسُونَ، أيْ ساكِتُونَ، وهَذِهِ أحْوالٌ لَهم في أزْمانٍ مُتَطاوِلَةٍ، فَلا تَعارُضَ بَيْنَ سُكُوتِهِمْ ونِدائِهِمْ. (p-٢٨)وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يا مالِكُ﴾ . وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وعَلِيٌّ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ: يا مالِ، بِالتَّرْخِيمِ، عَلى لُغَةِ مَن يَنْتَظِرُ الحَرْفَ. وقَرَأ أبُو السِّرارِ الغَنَوِيُّ: يا مالُ، بِالبِناءِ عَلى الضَّمِّ، جُعِلَ اسْمًا عَلى حِيالِهِ. واللّامُ في: (لِيَقْضِ) لامُ الطَّلَبِ والرَّغْبَةِ. والمَعْنى: يُمِتْنا مَرَّةً حَتّى لا يَتَكَرَّرَ عَذابُنا، كَقَوْلِهِ: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥]، أيْ أماتَهُ. (قالَ): أيْ مالِكٌ، ﴿إنَّكم ماكِثُونَ﴾: أيْ مُقِيمُونَ في النّارِ لا تَبْرَحُونَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُجِيبُهم بَعْدَ مُضِيِّ ألْفِ سَنَةٍ، وقالَ نَوْفٌ: بَعْدَ مِائَةٍ، وقِيلَ: ثَمانِينَ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: أرْبَعِينَ.
﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ﴾: يَظْهَرُ أنَّهُ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ: مِن كَلامِ بَعْضِ المَلائِكَةِ، كَما يَقُولُ أحَدُ خَدَمِ الرَّئِيسِ: أعْلَمْناكم وفَعَلْنا بِكم. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿لَقَدْ جِئْناكُمْ﴾ مِن قَوْلِ اللَّهِ لِقُرَيْشٍ بِعَقِبِ حِكايَةِ أمْرِ الكُفّارِ مَعَ مالِكٍ، وفي هَذا تَوَعُّدٌ وتَخْوِيفٌ بِمَعْنى: انْظُرُوا كَيْفَ يَكُونُ حالُكم.
﴿أمْ أبْرَمُوا﴾: والضَّمِيرُ لِقُرَيْشٍ، أيْ بَلْ أحْكَمُوا أمْرًا مِن كَيْدِهِمْ لِلرَّسُولِ ومَكْرِهِمْ، ﴿فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾ كَيْدَنا، كَما أبْرَمُوا كَيْدَهم، كَقَوْلِهِ: ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢]، وكانُوا يَتَناجَوْنَ ويَتَسارَعُونَ في أمْرِ الرَّسُولِ، فَقالَ تَعالى: ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ﴾، وهو ما يُحَدِّثُ بِهِ الرَّجُلُ نَفْسَهُ أوْ غَيْرَهُ في مَكانٍ خالٍ. (ونَجْواهم): وهي ما تَكَلَّمُوا بِهِ فِيما بَيْنَهم. (بَلى): أيْ نَسْمَعُها، (رُسُلُنا)، وهُمُ الحَفَظَةُ.
﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ﴾، كَما تَقُولُونَ، ﴿فَأنا أوَّلُ﴾ مَن يَعْبُدُهُ عَلى ذَلِكَ، ولَكِنْ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ. وأخَذَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا القَوْلَ وحَسَّنَهُ بِفَصاحَتِهِ فَقالَ: إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ، وصَحَّ ذَلِكَ وثَبَتَ بِبُرْهانٍ صَحِيحٍ يُورِدُونَهُ وحُجَّةٍ واضِحَةٍ يَبْذُلُونَها، فَأنا أوَّلُ مَن يُعَظِّمُ ذَلِكَ الوَلَدَ، وأسْبَقُكم إلى طاعَتِهِ والِانْقِيادِ لَهُ، كَما يُعَظِّمُ الرَّجُلُ ولَدَ المَلِكِ لِعِظَمِ أبِيهِ. وهَذا كَلامٌ وارِدٌ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّمْثِيلِ لِغَرَضٍ، وهو المُبالَغَةُ في نَفْيِ الوَلَدِ والإطْنابِ فِيهِ، وأنْ لا يَتْرُكَ النّاطِقُ بِهِ شُبْهَةً إلّا مُضْمَحِلَّةً مَعَ التَّرْجَمَةِ عَنْ نَفْسِهِ بِثَباتِ القَدَمِ في بابِ التَّوْحِيدِ، وذَلِكَ أنَّهُ عَلَّقَ العِبادَةَ بِكَيْنُونَةِ الوَلَدِ، وهي مُحالٌ في نَفْسِها، فَكانَ المُعَلَّقُ بِها مُحالًا مِثْلَها. فَهو في صُورَةِ إثْباتِ الكَيْنُونَةِ والعِبادَةِ، وفي مَعْنى نَفْيِها عَلى أبْلَغِ الوُجُوهِ وأقْواها. ثُمَّ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ونَظِيرُهُ أنْ يَقُولَ العَدْلِيُّ لِلْمُجْبِرِ. ثُمَّ ذَكَرَ كَلامًا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ التَّأْدِيبَ بَلِ السَّيْفَ، نَزَّهْتُ كِتابِي عَنْ ذِكْرِهِ. ثُمَّ قالَ: وقَدْ تَمَحَّلَ النّاسُ بِما أخْرَجُوهُ بِهِ مِن هَذا الأُسْلُوبِ الشَّرِيفِ المَلِيءِ بِالنُّكَتِ والفَوائِدِ المُسْتَقِلَّةِ بِالتَّوْحِيدِ عَلى أبْلَغِ وُجُوهِهِ، فَقِيلَ: إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ، في زَعْمِكم، فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ، المُوَحِّدِينَ لِلَّهِ، المُكَذِّبِينَ قَوْلَهم بِإضافَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ. وقِيلَ: إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ، فَأنا أوَّلُ الآنِفِينَ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ مِن عَبْدٍ يُعْبَدُ، إذا اشْتَدَّ أنْفُهُ فَهو عَبْدٌ وعابِدٌ. وقَرَأ بَعْضُهم: عَبِدِينَ، وقِيلَ: هي إنِ النّافِيَةُ، أيْ ما كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ، فَأنا أوَّلُ مَن قالَ بِذَلِكَ وعَبَدَ ووَحَّدَ.
ورُوِيَ أنَّ النَّضْرَ بْنَ عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيٍّ قالَ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، فَنَزَلَتْ، فَقالَ النَّضْرُ: ألا تَرَوْنَ أنَّهُ قَدْ صَدَّقَنِي ؟ فَقالَ لَهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ: ما صَدَّقَكَ، ولَكِنْ قالَ: ما كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ، فَأنا أوَّلُ المُوَحِّدِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ أنْ لا ولَدَ لَهُ. انْتَهى. أمّا القَوْلُ: إنْ كانَ لِلَّهِ ولَدٌ في زَعْمِكم، فَهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وأمّا القَوْلُ: فَأنا أوَّلُ الآنِفِينَ، فَهو قَوْلُ جَماعَةٍ، حَكاهُ عَنْهم أبُو حاتِمٍ ولَمْ يُسَمِّ أحَدًا مِنهم، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ السُّلَمِيِّ واليَمانِيِّ: العَبِدِينَ، وقِراءَةٌ ذَكَرَها الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ في كِتابِهِ العَيْنِ: العَبْدِينَ، بِإسْكانِ الباءِ، تَخْفِيفُ العَبْدِينَ بِكَسْرِها. وذَكَرَ صاحِبُ اللَّوامِحِ أنَّهُ جاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في مَعْنى العابِدِينَ: أنَّهُ الآنِفِينَ انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: يُقالُ: عَبَدَ يَعْبُدُ فَهو عَبْدٌ، وقَلَّما يُقالُ: عابِدٌ. والقُرْآنُ لا يَأْتِي بِالقَلِيلِ مِنَ اللُّغَةِ ولا الشّاذَّ، ثُمَّ قالَ: كَقَوْلِ مُجاهِدٍ. وقالَ الفَرَزْدَقُ:
؎أُولَئِكَ آبائِي فَجِئْنِي بِمِثْلِهِمْ ∗∗∗ وأعْبُدُ أنْ أهْجُوَ كُلَيْبًا بِدارِمِي
أيْ: آنَفُ وأسْتَنْكِفُ. وقالَ آخَرُ:(p-٢٩)
؎مَتى ما يَشاءُ ذُو الوُدِّ يَصْرِمُ خَلِيلَهُ ∗∗∗ ويَعْبُدُ عَلَيْهِ لا مَحالَةَ ظالِمًا
وأمّا القَوْلُ بِأنَّ إنْ نافِيَةٌ، فَمَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، والسُّدِّيِّ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ، وزُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وقالَ مَكِّيٌّ: لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ إنْ بِمَعْنى ما النّافِيَةِ، لِأنَّهُ يُوهِمُ أنَّكَ إنَّما نَفَيْتَ عَنِ اللَّهِ الوَلَدَ فِيما مَضى دُونَ ما هو آتٍ، وهَذا مُحالٌ. انْتَهى. ولا يَلْزَمُ مِنهُ مُحالٌ، لِأنَّ كانَ قَدْ تُسْتَعْمَلُ فِيما يَدُومُ ولا يَزُولُ، كَقَوْلِكَ: (وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)، أيْ لَمْ يَزَلْ، فالمَعْنى: ما كانَ وما يَكُونُ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: العَبِدُ، بِكَسْرِ الباءِ: الشَّدِيدُ الغَضَبِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ أوَّلُ الجاحِدِينَ. والعَرَبُ تَقُولُ: عَبَدَنِي حَقِّي، أيْ جَحَدَنِي. وقَرَأ ولَدٌ بِفَتْحَتَيْنِ. عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللّامِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾: أيْ مِن نِسْبَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ، والمَعْنى: إزالَةُ العِلْمِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ واجِبَ الوُجُودِ، وما كانَ كَذَلِكَ فَهو فَرْدٌ مُطْلَقٌ لا يَقْبَلُ التَّجْزِيءَ. والوَلَدُ عِبارَةٌ عَنْ أنْ يَنْفَصِلَ عَنِ الشَّيْءِ جُزْءٌ مِن أجْزائِهِ، فَيَتَوَلَّدُ مِنهُ شَخْصٌ مِثْلُهُ، ولا يَكُونُ إلّا فِيما هو قابِلٌ ذاتُهُ لِلتَّجْزِيءِ، وهَذا مُحالٌ في حَقِّهِ تَعالى، فامْتَنَعَ إثْباتُ الوَلَدِ. ولَمّا ذُكِرَ هَذا البُرْهانُ القاطِعُ قالَ: (فَذَرْهم يَخُوضُوا)، أيْ في باطِلِهِمْ، (ويَلْعَبُوا)، أيْ في دُنْياهم. وظاهِرُ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ مُهادَنَةٌ وتَرْكٌ، وذَلِكَ مِمّا نُسِخَ بِآيَةِ السَّيْفِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿حَتّى يُلاقُوا﴾، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وعُبَيْدُ بْنُ عَقِيلٍ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: يَلْقَوْا، مُضارِعُ لَقِيَ.
﴿يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾: يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: يَوْمَ بَدْرٍ، وأضافَ اليَوْمَ إلَيْهِمْ، لِأنَّهُ الَّذِي فِيهِ هَلاكُهم وعَذابُهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: إلَهٌ فِيهِما. وقَرَأ عُمَرُ. وعَبْدُ اللَّهِ، وأُبَيٌّ، وعَلِيٌّ، والحَكَمُ بْنُ أبِي العالِي، وبِلالُ بْنُ أبِي بُرْدَةَ، وابْنُ يَعْمَرَ، وجابِرٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وأبُو الشَّيْخِ الهُنائِيُّ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ مِقْسَمٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: اللَّهُ فِيهِما. ومَعْنى إلَهٍ: مَعْبُودٌ بِهِ، يَتَعَلَّقُ الجارُّ والمَجْرُورُ، والمَعْنى: أنَّهُ هو مَعْبُودٌ في السَّماءِ ومَعْبُودٌ في الأرْضِ، والعائِدُ عَلى المَوْصُولِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: هو إلَهٌ، كَما حُذِفَ في قَوْلِهِمْ: ما أنا بِالَّذِي قائِلٌ لَكَ شَيْئًا، وحَسَّنَهُ طُولُهُ بِالعَطْفِ عَلَيْهِ، كَما حَسَّنَ في: قائِلٌ لَكَ شَيْئًا. طُولُهُ بِالمُعَوَّلِ. ومَن قَرَأ: اللَّهُ، ضَمَّنَهُ أيْضًا مَعْنى المَعْبُودِ، كَما ضُمِّنَ العَلَمُ في نَحْوِ قَوْلِهِمْ: هو حاتِمٌ في طَيِّئٍ. أيْ جَوادٌ في طَيِّئٍ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الصِّلَةُ الجارَّ والمَجْرُورَ. والمَعْنى: أنَّهُ فِيهِما بِالإلَهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ، إذْ يَسْتَحِيلُ حَمْلُهُ عَلى الِاسْتِقْرارِ. وفي قَوْلِهِ: (وفي الأرْضِ)، نَفْيٌ لِآلِهَتِهِمُ الَّتِي كانَتْ تُعْبَدُ في الأرْضِ.
﴿وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾: أيْ عِلْمُ تَعْيِينِ وقْتِ قِيامِها، وهو الَّذِي اسْتَأْثَرَ بِهِ تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَرْجِعُونَ، بِياءِ الغَيْبَةِ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، والعَدَنِيّانِ: بِتاءِ الخِطابِ، وهو في كِلْتا القِراءَتَيْنِ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ. وقُرِئَ: بِفَتْحِ تاءِ الخِطابِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِياءِ الغَيْبَةِ وشَدِّ الدّالِ، وعَنْهُ بِتاءِ الخِطابِ وشَدِّ الدّالِ، والمَعْنى: ولا يَمْلِكُ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ الشَّفاعَةَ عِنْدَ اللَّهِ. قالَ قَتادَةُ: اسْتَثْنى مِمَّنْ عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ عِيسى وعُزَيْرًا والمَلائِكَةَ، فَإنَّهم يَمْلِكُونَ شَفاعَةً بِأنْ يُمَلِّكَها اللَّهُ إيّاهم، إذْ هم مِمَّنْ شَهِدَ بِالحَقِّ، وهم يَعْلَمُونَهُ في أحْوالِهِمْ، فالِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا مُتَّصِلٌ. وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: مِنَ المَشْفُوعِ فِيهِمْ ؟ كَأنَّهُ قالَ: لا يَشْفَعُ هَؤُلاءِ المَلائِكَةُ وعُزَيْرٌ وعِيسى إلّا فِيمَن شَهِدَ بِالحَقِّ، وهو يَعْلَمُهُ، أيْ بِالتَّوْحِيدِ، قالُوا: فالِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا مُنْفَصِلٌ، كَأنَّهُ قالَ: لَكِنَّ مَن شَهِدَ بِالحَقِّ يَشْفَعُ فِيهِمْ هَؤُلاءِ. وهَذا التَّقْدِيرُ الَّذِي قَدَّرُوهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِيهِ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا، لِأنَّهُ يَكُونُ المُسْتَثْنى مِنهُ مَحْذُوفًا، كَأنَّهُ قالَ: ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ في أحَدٍ، إلّا فِيمَن شَهِدَ بِالحَقِّ، فَهو اسْتِثْناءٌ مِنَ المَفْعُولِ المَحْذُوفِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎نَجا سالِمٌ والنَّفْسُ مِنهُ بِشِدْقِهِ ∗∗∗ ولَمْ يَنْجُ إلّا جَفْنَ سَيْفٍ ومِئْزَرا
أيْ لَمْ يَنْجُ إلّا جَفْنَ سَيْفٍ فَهو اسْتِثْناءٌ مِنَ المَشْفُوعِ فِيهِمُ الجائِزُ فِيهِ الحَذْفُ وهو مُتَّصِلٌ فَإنْ جَعَلْتَهُ (p-٣٠)مُسْتَثْنى مِنَ (الَّذِينَ يَدْعُونَ)، فَيَكُونُ مُنْفَصِلًا، والمَعْنى: ولا يَمْلِكُ آلِهَتُهم، ويَعْنِي بِهِمُ الأصْنامَ والأوْثانَ، الشَّفاعَةَ كَما زَعَمُوا أنَّهم شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللَّهِ. ولَكِنَّ (مَن شَهِدَ بِالحَقِّ)، وهو تَوْحِيدُ اللَّهِ، وهو يَعْلَمُ ما شَهِدَ بِهِ، هو الَّذِي يَمْلِكُ الشَّفاعَةَ، وإنْ أُدْرِجَتِ المَلائِكَةُ في (الَّذِينَ يَدْعُونَ)، كانَ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَأنّى يُؤْفَكُونَ)، بِياءِ الغَيْبَةِ، مُناسِبًا لِقَوْلِهِ: (ولَئِنْ سَألْتَهم)، أيْ كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنْ عِبادَةِ مَن أقَرُّوا أنَّهُ مُوجِدُ العالَمِ. وعَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِتاءِ الخِطابِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وقِيلَهُ بِالنَّصْبِ. فَعَنِ الأخْفَشِ: أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى سِرِّهِمْ ونَجْواهم، وعَنْهُ أيْضًا: عَلى وقالَ قِيلَهُ، وعَنِ الزَّجّاجِ، عَلى مَحَلِّ السّاعَةِ في قَوْلِهِ: (وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ) . وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى مَفْعُولِ يَكْتُبُونَ المَحْذُوفِ، أيْ يَكْتُبُونَ أقْوالَهم وأفْعالَهم. وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى مَفْعُولِ يَعْلَمُونَ، أيْ يَعْلَمُونَ الحَقَّ. (وقِيلَهُ يا رَبِّ): وهو قَوْلٌ لا يَكادُ يُعْقَلُ، وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، أيْ ويَعْلَمُ قِيلَهُ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، وعاصِمٌ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ: وقِيلِهِ. بِالخَفْضِ، وخَرَجَ عَلى أنَّهُ عَطْفٌ عَلى السّاعَةِ، أوْ عَلى أنَّها واوُ القَسَمِ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ، أيْ: لَيُنْصَرُنَّ، أوْ لَأفْعَلَنَّ بِهِمْ ما أشاءُ. وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو قِلابَةَ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدَبٍ: وقِيلُهُ. بِالرَّفْعِ، وخَرَجَ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ”عِلْمُ السّاعَةِ“، عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وعِلْمُ قِيلِهِ، حُذِفَ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ. ورُوِيَ هَذا عَنِ الكِسائِيِّ. وعَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ: يا رَبِّ إلى لا يُؤْمِنُونَ، أوْ عَلى أنَّ الخَبَرَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ مَسْمُوعٌ، أوْ مُتَقَبَّلٌ، فَجُمْلَةُ النِّداءِ وما بَعْدَهُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ (وقِيلُهُ) . وقَرَأ أبُو قِلابَةَ: يا رَبَّ، بِفَتْحِ الباءِ، أرادَ: يا رَبًّا، كَما تَقُولُ: يا غُلامُ. ويَتَخَرَّجُ عَلى جَوازِ الأخْفَشِ: يا قَوْمَ، بِالفَتْحِ وحَذْفِ الألِفِ والِاجْتِزاءِ بِالفَتْحَةِ عَنْها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والَّذِي قالُوهُ يَعْنِي مِنَ العَطْفِ لَيْسَ بِقَوِيٍّ في المَعْنى، مَعَ وُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِما لا يَحْسُنُ اعْتِراضًا، ومَعَ تَنافُرِ النَّظْمِ، وأقْوى مِن ذَلِكَ. والوَجْهُ أنْ يَكُونَ الجَرُّ والنَّصْبُ عَلى إضْمارِ حَرْفِ القَسَمِ وحَذْفِهِ، والرَّفْعُ عَلى قَوْلِهِمْ: ايْمُنُ اللَّهِ، وأمانَةُ اللَّهِ، ويَمِينُ اللَّهِ، ولَعَمْرِكَ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾، جَوابُ القَسَمِ، كَأنَّهُ قالَ: وأقْسَمَ بِقِيلِهِ، أوْ وقِيلِهِ يا رَبِّ قَسَمِي.
﴿إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾، وإقْسامُ اللَّهِ بِقِيلِهِ، رَفْعٌ مِنهُ وتَعْظِيمٌ لِدُعائِهِ والتِجائِهِ إلَيْهِ. انْتَهى، وهو مُخالِفٌ لِظاهِرِ الكَلامِ، إذْ يَظْهَرُ أنَّ قَوْلَهُ: يا رَبِّ إلى لا يُؤْمِنُونَ، مُتَعَلِّقٌ بِقِيلِهِ، ومِن كَلامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: وإذا كانَ أنَّ هَؤُلاءِ جَوابَ القَسَمِ، كانَ مِن إخْبارِ اللَّهِ عَنْهم وكَلامِهِ، والضَّمِيرُ في: وقِيلِهِ. لِلرَّسُولِ، وهو المُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ﴿فاصْفَحْ عَنْهُمْ﴾، أيْ أعْرِضْ عَنْهم واتْرُكْهم، ﴿وقُلْ سَلامٌ﴾، أيِ الأمْرُ سَلامٌ، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ: وعِيدٌ لَهم وتَهْدِيدٌ ومُوادَعَةٌ، وهي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَعْلَمُونَ، بِياءِ الغَيْبَةِ، كَما في: فاصْفَحْ عَنْهم. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، ونافِعٌ، وهِشامٌ: بِتاءِ الخِطابِ. وقالَ السُّدِّيُّ: وقُلْ سَلامٌ، أيْ خَيْرًا بَدَلًا مِن شَرِّهِمْ. وقالَ مُقاتِلٌ: أوْرِدْ عَلَيْهِمْ مَعْرُوفًا. وحَكى الماوَرْدِيُّ: قُلْ ما تَسْلَمُ بِهِ مِن شَرِّهِمْ.
الزخرف 43:83
﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ونادَوْا يامالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾ ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ ﴿أمْ أبْرَمُوا أمْرًا فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾ ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْواهم بَلى ورُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ وهو الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ ﴿وتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ إلّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ ﴿وقِيلِهِ يارَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿فاصْفَحْ عَنْهم وقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ .
لَمّا ذَكَرَ تَعالى حالَ أهْلِ الجَنَّةِ، وما يُقالُ لَهم مِن لَذائِذِ البِشارَةِ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ حالِ الكَفَرَةِ، وما يُجاوِبُونَ بِهِ عِنْدَ سُؤالِهِمْ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: وهم فِيها، أيْ في جَهَنَّمَ، والجُمْهُورُ: ﴿وهم فِيهِ﴾ أيْ في العَذابِ. وعَنِ الضَّحّاكِ: يُجْعَلُ المُجْرِمُ في تابُوتٍ مِن نارٍ، ثُمَّ يُرْدَمُ عَلَيْهِ، فَيَبْقى فِيهِ خالِدًا لا يَرى ولا يُرى.
﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾: أيْ لا يُخَفَّفُ ولا يُنْقَصُ، مِن قَوْلِهِمْ: فَتَرَتْ عَنْهُ الحُمّى، إذا سَكَنَتْ قَلِيلًا ونَقَصَ حَرُّها. والمُبْلِسُ: السّاكِتُ اليائِسُ مِنَ الخَيْرِ. (وما ظَلَمْناهم): أيْ ما وضَعْنا العَذابَ فِيمَن لا يَسْتَحِقُّهُ.
﴿ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾: أيِ الواضِعِينَ الكُفْرَ مَوْضِعَ الإيمانِ، فَظَلَمُوا بِذَلِكَ أنْفُسَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: والظّالِمِينَ، عَلى أنَّ هم فَصْلٌ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأبُو زَيْدٍ النَّحْوِيّانِ: الظّالِمُونَ بِالرَّفْعِ، عَلى أنَّهم خَبَرُهم، وهم مُبْتَدَأٌ. وذَكَرَ أبُو عَمْرٍو الجَرْمِيُّ: أنَّ لُغَةَ تَمِيمٍ جَعْلُ ما هو فَصْلٌ عِنْدَ غَيْرِهِمْ مُبْتَدَأً، ويَرْفَعُونَ ما بَعْدَهُ عَلى الخَبَرِ. وقالَ أبُو زَيْدٍ: سَمِعْتُهم يَقْرَءُونَ: تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرٌ وأعْظَمُ أجْرًا. يَعْنِي: بِرَفْعِ ”خَيْرٌ وأعْظَمُ“ . وقالَ قَيْسُ بْنُ ذُرَيْجٍ:
؎نَحِنُّ إلى لَيْلى وأنْتَ تَرَكْتَها وكُنْتَ عَلَيْها بِالمَلا أنْتَ أقْدَرُ
قالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ رُؤْبَةَ كانَ يَقُولُ: أظُنُّ زَيْدًا هو خَيْرٌ مِنكَ. يَعْنِي بِالرَّفْعِ.
﴿ونادَوْا يامالِكُ﴾: تَقَدَّمَ أنَّهم مُبْلِسُونَ، أيْ ساكِتُونَ، وهَذِهِ أحْوالٌ لَهم في أزْمانٍ مُتَطاوِلَةٍ، فَلا تَعارُضَ بَيْنَ سُكُوتِهِمْ ونِدائِهِمْ. (p-٢٨)وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يا مالِكُ﴾ . وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وعَلِيٌّ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ: يا مالِ، بِالتَّرْخِيمِ، عَلى لُغَةِ مَن يَنْتَظِرُ الحَرْفَ. وقَرَأ أبُو السِّرارِ الغَنَوِيُّ: يا مالُ، بِالبِناءِ عَلى الضَّمِّ، جُعِلَ اسْمًا عَلى حِيالِهِ. واللّامُ في: (لِيَقْضِ) لامُ الطَّلَبِ والرَّغْبَةِ. والمَعْنى: يُمِتْنا مَرَّةً حَتّى لا يَتَكَرَّرَ عَذابُنا، كَقَوْلِهِ: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥]، أيْ أماتَهُ. (قالَ): أيْ مالِكٌ، ﴿إنَّكم ماكِثُونَ﴾: أيْ مُقِيمُونَ في النّارِ لا تَبْرَحُونَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُجِيبُهم بَعْدَ مُضِيِّ ألْفِ سَنَةٍ، وقالَ نَوْفٌ: بَعْدَ مِائَةٍ، وقِيلَ: ثَمانِينَ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: أرْبَعِينَ.
﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ﴾: يَظْهَرُ أنَّهُ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ: مِن كَلامِ بَعْضِ المَلائِكَةِ، كَما يَقُولُ أحَدُ خَدَمِ الرَّئِيسِ: أعْلَمْناكم وفَعَلْنا بِكم. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿لَقَدْ جِئْناكُمْ﴾ مِن قَوْلِ اللَّهِ لِقُرَيْشٍ بِعَقِبِ حِكايَةِ أمْرِ الكُفّارِ مَعَ مالِكٍ، وفي هَذا تَوَعُّدٌ وتَخْوِيفٌ بِمَعْنى: انْظُرُوا كَيْفَ يَكُونُ حالُكم.
﴿أمْ أبْرَمُوا﴾: والضَّمِيرُ لِقُرَيْشٍ، أيْ بَلْ أحْكَمُوا أمْرًا مِن كَيْدِهِمْ لِلرَّسُولِ ومَكْرِهِمْ، ﴿فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾ كَيْدَنا، كَما أبْرَمُوا كَيْدَهم، كَقَوْلِهِ: ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢]، وكانُوا يَتَناجَوْنَ ويَتَسارَعُونَ في أمْرِ الرَّسُولِ، فَقالَ تَعالى: ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ﴾، وهو ما يُحَدِّثُ بِهِ الرَّجُلُ نَفْسَهُ أوْ غَيْرَهُ في مَكانٍ خالٍ. (ونَجْواهم): وهي ما تَكَلَّمُوا بِهِ فِيما بَيْنَهم. (بَلى): أيْ نَسْمَعُها، (رُسُلُنا)، وهُمُ الحَفَظَةُ.
﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ﴾، كَما تَقُولُونَ، ﴿فَأنا أوَّلُ﴾ مَن يَعْبُدُهُ عَلى ذَلِكَ، ولَكِنْ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ. وأخَذَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا القَوْلَ وحَسَّنَهُ بِفَصاحَتِهِ فَقالَ: إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ، وصَحَّ ذَلِكَ وثَبَتَ بِبُرْهانٍ صَحِيحٍ يُورِدُونَهُ وحُجَّةٍ واضِحَةٍ يَبْذُلُونَها، فَأنا أوَّلُ مَن يُعَظِّمُ ذَلِكَ الوَلَدَ، وأسْبَقُكم إلى طاعَتِهِ والِانْقِيادِ لَهُ، كَما يُعَظِّمُ الرَّجُلُ ولَدَ المَلِكِ لِعِظَمِ أبِيهِ. وهَذا كَلامٌ وارِدٌ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّمْثِيلِ لِغَرَضٍ، وهو المُبالَغَةُ في نَفْيِ الوَلَدِ والإطْنابِ فِيهِ، وأنْ لا يَتْرُكَ النّاطِقُ بِهِ شُبْهَةً إلّا مُضْمَحِلَّةً مَعَ التَّرْجَمَةِ عَنْ نَفْسِهِ بِثَباتِ القَدَمِ في بابِ التَّوْحِيدِ، وذَلِكَ أنَّهُ عَلَّقَ العِبادَةَ بِكَيْنُونَةِ الوَلَدِ، وهي مُحالٌ في نَفْسِها، فَكانَ المُعَلَّقُ بِها مُحالًا مِثْلَها. فَهو في صُورَةِ إثْباتِ الكَيْنُونَةِ والعِبادَةِ، وفي مَعْنى نَفْيِها عَلى أبْلَغِ الوُجُوهِ وأقْواها. ثُمَّ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ونَظِيرُهُ أنْ يَقُولَ العَدْلِيُّ لِلْمُجْبِرِ. ثُمَّ ذَكَرَ كَلامًا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ التَّأْدِيبَ بَلِ السَّيْفَ، نَزَّهْتُ كِتابِي عَنْ ذِكْرِهِ. ثُمَّ قالَ: وقَدْ تَمَحَّلَ النّاسُ بِما أخْرَجُوهُ بِهِ مِن هَذا الأُسْلُوبِ الشَّرِيفِ المَلِيءِ بِالنُّكَتِ والفَوائِدِ المُسْتَقِلَّةِ بِالتَّوْحِيدِ عَلى أبْلَغِ وُجُوهِهِ، فَقِيلَ: إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ، في زَعْمِكم، فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ، المُوَحِّدِينَ لِلَّهِ، المُكَذِّبِينَ قَوْلَهم بِإضافَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ. وقِيلَ: إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ، فَأنا أوَّلُ الآنِفِينَ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ مِن عَبْدٍ يُعْبَدُ، إذا اشْتَدَّ أنْفُهُ فَهو عَبْدٌ وعابِدٌ. وقَرَأ بَعْضُهم: عَبِدِينَ، وقِيلَ: هي إنِ النّافِيَةُ، أيْ ما كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ، فَأنا أوَّلُ مَن قالَ بِذَلِكَ وعَبَدَ ووَحَّدَ.
ورُوِيَ أنَّ النَّضْرَ بْنَ عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيٍّ قالَ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، فَنَزَلَتْ، فَقالَ النَّضْرُ: ألا تَرَوْنَ أنَّهُ قَدْ صَدَّقَنِي ؟ فَقالَ لَهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ: ما صَدَّقَكَ، ولَكِنْ قالَ: ما كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ، فَأنا أوَّلُ المُوَحِّدِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ أنْ لا ولَدَ لَهُ. انْتَهى. أمّا القَوْلُ: إنْ كانَ لِلَّهِ ولَدٌ في زَعْمِكم، فَهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وأمّا القَوْلُ: فَأنا أوَّلُ الآنِفِينَ، فَهو قَوْلُ جَماعَةٍ، حَكاهُ عَنْهم أبُو حاتِمٍ ولَمْ يُسَمِّ أحَدًا مِنهم، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ السُّلَمِيِّ واليَمانِيِّ: العَبِدِينَ، وقِراءَةٌ ذَكَرَها الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ في كِتابِهِ العَيْنِ: العَبْدِينَ، بِإسْكانِ الباءِ، تَخْفِيفُ العَبْدِينَ بِكَسْرِها. وذَكَرَ صاحِبُ اللَّوامِحِ أنَّهُ جاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في مَعْنى العابِدِينَ: أنَّهُ الآنِفِينَ انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: يُقالُ: عَبَدَ يَعْبُدُ فَهو عَبْدٌ، وقَلَّما يُقالُ: عابِدٌ. والقُرْآنُ لا يَأْتِي بِالقَلِيلِ مِنَ اللُّغَةِ ولا الشّاذَّ، ثُمَّ قالَ: كَقَوْلِ مُجاهِدٍ. وقالَ الفَرَزْدَقُ:
؎أُولَئِكَ آبائِي فَجِئْنِي بِمِثْلِهِمْ ∗∗∗ وأعْبُدُ أنْ أهْجُوَ كُلَيْبًا بِدارِمِي
أيْ: آنَفُ وأسْتَنْكِفُ. وقالَ آخَرُ:(p-٢٩)
؎مَتى ما يَشاءُ ذُو الوُدِّ يَصْرِمُ خَلِيلَهُ ∗∗∗ ويَعْبُدُ عَلَيْهِ لا مَحالَةَ ظالِمًا
وأمّا القَوْلُ بِأنَّ إنْ نافِيَةٌ، فَمَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، والسُّدِّيِّ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ، وزُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وقالَ مَكِّيٌّ: لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ إنْ بِمَعْنى ما النّافِيَةِ، لِأنَّهُ يُوهِمُ أنَّكَ إنَّما نَفَيْتَ عَنِ اللَّهِ الوَلَدَ فِيما مَضى دُونَ ما هو آتٍ، وهَذا مُحالٌ. انْتَهى. ولا يَلْزَمُ مِنهُ مُحالٌ، لِأنَّ كانَ قَدْ تُسْتَعْمَلُ فِيما يَدُومُ ولا يَزُولُ، كَقَوْلِكَ: (وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)، أيْ لَمْ يَزَلْ، فالمَعْنى: ما كانَ وما يَكُونُ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: العَبِدُ، بِكَسْرِ الباءِ: الشَّدِيدُ الغَضَبِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ أوَّلُ الجاحِدِينَ. والعَرَبُ تَقُولُ: عَبَدَنِي حَقِّي، أيْ جَحَدَنِي. وقَرَأ ولَدٌ بِفَتْحَتَيْنِ. عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللّامِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾: أيْ مِن نِسْبَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ، والمَعْنى: إزالَةُ العِلْمِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ واجِبَ الوُجُودِ، وما كانَ كَذَلِكَ فَهو فَرْدٌ مُطْلَقٌ لا يَقْبَلُ التَّجْزِيءَ. والوَلَدُ عِبارَةٌ عَنْ أنْ يَنْفَصِلَ عَنِ الشَّيْءِ جُزْءٌ مِن أجْزائِهِ، فَيَتَوَلَّدُ مِنهُ شَخْصٌ مِثْلُهُ، ولا يَكُونُ إلّا فِيما هو قابِلٌ ذاتُهُ لِلتَّجْزِيءِ، وهَذا مُحالٌ في حَقِّهِ تَعالى، فامْتَنَعَ إثْباتُ الوَلَدِ. ولَمّا ذُكِرَ هَذا البُرْهانُ القاطِعُ قالَ: (فَذَرْهم يَخُوضُوا)، أيْ في باطِلِهِمْ، (ويَلْعَبُوا)، أيْ في دُنْياهم. وظاهِرُ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ مُهادَنَةٌ وتَرْكٌ، وذَلِكَ مِمّا نُسِخَ بِآيَةِ السَّيْفِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿حَتّى يُلاقُوا﴾، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وعُبَيْدُ بْنُ عَقِيلٍ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: يَلْقَوْا، مُضارِعُ لَقِيَ.
﴿يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾: يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: يَوْمَ بَدْرٍ، وأضافَ اليَوْمَ إلَيْهِمْ، لِأنَّهُ الَّذِي فِيهِ هَلاكُهم وعَذابُهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: إلَهٌ فِيهِما. وقَرَأ عُمَرُ. وعَبْدُ اللَّهِ، وأُبَيٌّ، وعَلِيٌّ، والحَكَمُ بْنُ أبِي العالِي، وبِلالُ بْنُ أبِي بُرْدَةَ، وابْنُ يَعْمَرَ، وجابِرٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وأبُو الشَّيْخِ الهُنائِيُّ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ مِقْسَمٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: اللَّهُ فِيهِما. ومَعْنى إلَهٍ: مَعْبُودٌ بِهِ، يَتَعَلَّقُ الجارُّ والمَجْرُورُ، والمَعْنى: أنَّهُ هو مَعْبُودٌ في السَّماءِ ومَعْبُودٌ في الأرْضِ، والعائِدُ عَلى المَوْصُولِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: هو إلَهٌ، كَما حُذِفَ في قَوْلِهِمْ: ما أنا بِالَّذِي قائِلٌ لَكَ شَيْئًا، وحَسَّنَهُ طُولُهُ بِالعَطْفِ عَلَيْهِ، كَما حَسَّنَ في: قائِلٌ لَكَ شَيْئًا. طُولُهُ بِالمُعَوَّلِ. ومَن قَرَأ: اللَّهُ، ضَمَّنَهُ أيْضًا مَعْنى المَعْبُودِ، كَما ضُمِّنَ العَلَمُ في نَحْوِ قَوْلِهِمْ: هو حاتِمٌ في طَيِّئٍ. أيْ جَوادٌ في طَيِّئٍ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الصِّلَةُ الجارَّ والمَجْرُورَ. والمَعْنى: أنَّهُ فِيهِما بِالإلَهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ، إذْ يَسْتَحِيلُ حَمْلُهُ عَلى الِاسْتِقْرارِ. وفي قَوْلِهِ: (وفي الأرْضِ)، نَفْيٌ لِآلِهَتِهِمُ الَّتِي كانَتْ تُعْبَدُ في الأرْضِ.
﴿وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾: أيْ عِلْمُ تَعْيِينِ وقْتِ قِيامِها، وهو الَّذِي اسْتَأْثَرَ بِهِ تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَرْجِعُونَ، بِياءِ الغَيْبَةِ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، والعَدَنِيّانِ: بِتاءِ الخِطابِ، وهو في كِلْتا القِراءَتَيْنِ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ. وقُرِئَ: بِفَتْحِ تاءِ الخِطابِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِياءِ الغَيْبَةِ وشَدِّ الدّالِ، وعَنْهُ بِتاءِ الخِطابِ وشَدِّ الدّالِ، والمَعْنى: ولا يَمْلِكُ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ الشَّفاعَةَ عِنْدَ اللَّهِ. قالَ قَتادَةُ: اسْتَثْنى مِمَّنْ عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ عِيسى وعُزَيْرًا والمَلائِكَةَ، فَإنَّهم يَمْلِكُونَ شَفاعَةً بِأنْ يُمَلِّكَها اللَّهُ إيّاهم، إذْ هم مِمَّنْ شَهِدَ بِالحَقِّ، وهم يَعْلَمُونَهُ في أحْوالِهِمْ، فالِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا مُتَّصِلٌ. وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: مِنَ المَشْفُوعِ فِيهِمْ ؟ كَأنَّهُ قالَ: لا يَشْفَعُ هَؤُلاءِ المَلائِكَةُ وعُزَيْرٌ وعِيسى إلّا فِيمَن شَهِدَ بِالحَقِّ، وهو يَعْلَمُهُ، أيْ بِالتَّوْحِيدِ، قالُوا: فالِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا مُنْفَصِلٌ، كَأنَّهُ قالَ: لَكِنَّ مَن شَهِدَ بِالحَقِّ يَشْفَعُ فِيهِمْ هَؤُلاءِ. وهَذا التَّقْدِيرُ الَّذِي قَدَّرُوهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِيهِ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا، لِأنَّهُ يَكُونُ المُسْتَثْنى مِنهُ مَحْذُوفًا، كَأنَّهُ قالَ: ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ في أحَدٍ، إلّا فِيمَن شَهِدَ بِالحَقِّ، فَهو اسْتِثْناءٌ مِنَ المَفْعُولِ المَحْذُوفِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎نَجا سالِمٌ والنَّفْسُ مِنهُ بِشِدْقِهِ ∗∗∗ ولَمْ يَنْجُ إلّا جَفْنَ سَيْفٍ ومِئْزَرا
أيْ لَمْ يَنْجُ إلّا جَفْنَ سَيْفٍ فَهو اسْتِثْناءٌ مِنَ المَشْفُوعِ فِيهِمُ الجائِزُ فِيهِ الحَذْفُ وهو مُتَّصِلٌ فَإنْ جَعَلْتَهُ (p-٣٠)مُسْتَثْنى مِنَ (الَّذِينَ يَدْعُونَ)، فَيَكُونُ مُنْفَصِلًا، والمَعْنى: ولا يَمْلِكُ آلِهَتُهم، ويَعْنِي بِهِمُ الأصْنامَ والأوْثانَ، الشَّفاعَةَ كَما زَعَمُوا أنَّهم شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللَّهِ. ولَكِنَّ (مَن شَهِدَ بِالحَقِّ)، وهو تَوْحِيدُ اللَّهِ، وهو يَعْلَمُ ما شَهِدَ بِهِ، هو الَّذِي يَمْلِكُ الشَّفاعَةَ، وإنْ أُدْرِجَتِ المَلائِكَةُ في (الَّذِينَ يَدْعُونَ)، كانَ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَأنّى يُؤْفَكُونَ)، بِياءِ الغَيْبَةِ، مُناسِبًا لِقَوْلِهِ: (ولَئِنْ سَألْتَهم)، أيْ كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنْ عِبادَةِ مَن أقَرُّوا أنَّهُ مُوجِدُ العالَمِ. وعَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِتاءِ الخِطابِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وقِيلَهُ بِالنَّصْبِ. فَعَنِ الأخْفَشِ: أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى سِرِّهِمْ ونَجْواهم، وعَنْهُ أيْضًا: عَلى وقالَ قِيلَهُ، وعَنِ الزَّجّاجِ، عَلى مَحَلِّ السّاعَةِ في قَوْلِهِ: (وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ) . وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى مَفْعُولِ يَكْتُبُونَ المَحْذُوفِ، أيْ يَكْتُبُونَ أقْوالَهم وأفْعالَهم. وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى مَفْعُولِ يَعْلَمُونَ، أيْ يَعْلَمُونَ الحَقَّ. (وقِيلَهُ يا رَبِّ): وهو قَوْلٌ لا يَكادُ يُعْقَلُ، وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، أيْ ويَعْلَمُ قِيلَهُ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، وعاصِمٌ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ: وقِيلِهِ. بِالخَفْضِ، وخَرَجَ عَلى أنَّهُ عَطْفٌ عَلى السّاعَةِ، أوْ عَلى أنَّها واوُ القَسَمِ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ، أيْ: لَيُنْصَرُنَّ، أوْ لَأفْعَلَنَّ بِهِمْ ما أشاءُ. وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو قِلابَةَ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدَبٍ: وقِيلُهُ. بِالرَّفْعِ، وخَرَجَ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ”عِلْمُ السّاعَةِ“، عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وعِلْمُ قِيلِهِ، حُذِفَ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ. ورُوِيَ هَذا عَنِ الكِسائِيِّ. وعَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ: يا رَبِّ إلى لا يُؤْمِنُونَ، أوْ عَلى أنَّ الخَبَرَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ مَسْمُوعٌ، أوْ مُتَقَبَّلٌ، فَجُمْلَةُ النِّداءِ وما بَعْدَهُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ (وقِيلُهُ) . وقَرَأ أبُو قِلابَةَ: يا رَبَّ، بِفَتْحِ الباءِ، أرادَ: يا رَبًّا، كَما تَقُولُ: يا غُلامُ. ويَتَخَرَّجُ عَلى جَوازِ الأخْفَشِ: يا قَوْمَ، بِالفَتْحِ وحَذْفِ الألِفِ والِاجْتِزاءِ بِالفَتْحَةِ عَنْها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والَّذِي قالُوهُ يَعْنِي مِنَ العَطْفِ لَيْسَ بِقَوِيٍّ في المَعْنى، مَعَ وُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِما لا يَحْسُنُ اعْتِراضًا، ومَعَ تَنافُرِ النَّظْمِ، وأقْوى مِن ذَلِكَ. والوَجْهُ أنْ يَكُونَ الجَرُّ والنَّصْبُ عَلى إضْمارِ حَرْفِ القَسَمِ وحَذْفِهِ، والرَّفْعُ عَلى قَوْلِهِمْ: ايْمُنُ اللَّهِ، وأمانَةُ اللَّهِ، ويَمِينُ اللَّهِ، ولَعَمْرِكَ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾، جَوابُ القَسَمِ، كَأنَّهُ قالَ: وأقْسَمَ بِقِيلِهِ، أوْ وقِيلِهِ يا رَبِّ قَسَمِي.
﴿إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾، وإقْسامُ اللَّهِ بِقِيلِهِ، رَفْعٌ مِنهُ وتَعْظِيمٌ لِدُعائِهِ والتِجائِهِ إلَيْهِ. انْتَهى، وهو مُخالِفٌ لِظاهِرِ الكَلامِ، إذْ يَظْهَرُ أنَّ قَوْلَهُ: يا رَبِّ إلى لا يُؤْمِنُونَ، مُتَعَلِّقٌ بِقِيلِهِ، ومِن كَلامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: وإذا كانَ أنَّ هَؤُلاءِ جَوابَ القَسَمِ، كانَ مِن إخْبارِ اللَّهِ عَنْهم وكَلامِهِ، والضَّمِيرُ في: وقِيلِهِ. لِلرَّسُولِ، وهو المُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ﴿فاصْفَحْ عَنْهُمْ﴾، أيْ أعْرِضْ عَنْهم واتْرُكْهم، ﴿وقُلْ سَلامٌ﴾، أيِ الأمْرُ سَلامٌ، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ: وعِيدٌ لَهم وتَهْدِيدٌ ومُوادَعَةٌ، وهي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَعْلَمُونَ، بِياءِ الغَيْبَةِ، كَما في: فاصْفَحْ عَنْهم. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، ونافِعٌ، وهِشامٌ: بِتاءِ الخِطابِ. وقالَ السُّدِّيُّ: وقُلْ سَلامٌ، أيْ خَيْرًا بَدَلًا مِن شَرِّهِمْ. وقالَ مُقاتِلٌ: أوْرِدْ عَلَيْهِمْ مَعْرُوفًا. وحَكى الماوَرْدِيُّ: قُلْ ما تَسْلَمُ بِهِ مِن شَرِّهِمْ.
الزخرف 43:84
﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ونادَوْا يامالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾ ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ ﴿أمْ أبْرَمُوا أمْرًا فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾ ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْواهم بَلى ورُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ وهو الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ ﴿وتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ إلّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ ﴿وقِيلِهِ يارَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿فاصْفَحْ عَنْهم وقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ .
لَمّا ذَكَرَ تَعالى حالَ أهْلِ الجَنَّةِ، وما يُقالُ لَهم مِن لَذائِذِ البِشارَةِ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ حالِ الكَفَرَةِ، وما يُجاوِبُونَ بِهِ عِنْدَ سُؤالِهِمْ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: وهم فِيها، أيْ في جَهَنَّمَ، والجُمْهُورُ: ﴿وهم فِيهِ﴾ أيْ في العَذابِ. وعَنِ الضَّحّاكِ: يُجْعَلُ المُجْرِمُ في تابُوتٍ مِن نارٍ، ثُمَّ يُرْدَمُ عَلَيْهِ، فَيَبْقى فِيهِ خالِدًا لا يَرى ولا يُرى.
﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾: أيْ لا يُخَفَّفُ ولا يُنْقَصُ، مِن قَوْلِهِمْ: فَتَرَتْ عَنْهُ الحُمّى، إذا سَكَنَتْ قَلِيلًا ونَقَصَ حَرُّها. والمُبْلِسُ: السّاكِتُ اليائِسُ مِنَ الخَيْرِ. (وما ظَلَمْناهم): أيْ ما وضَعْنا العَذابَ فِيمَن لا يَسْتَحِقُّهُ.
﴿ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾: أيِ الواضِعِينَ الكُفْرَ مَوْضِعَ الإيمانِ، فَظَلَمُوا بِذَلِكَ أنْفُسَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: والظّالِمِينَ، عَلى أنَّ هم فَصْلٌ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأبُو زَيْدٍ النَّحْوِيّانِ: الظّالِمُونَ بِالرَّفْعِ، عَلى أنَّهم خَبَرُهم، وهم مُبْتَدَأٌ. وذَكَرَ أبُو عَمْرٍو الجَرْمِيُّ: أنَّ لُغَةَ تَمِيمٍ جَعْلُ ما هو فَصْلٌ عِنْدَ غَيْرِهِمْ مُبْتَدَأً، ويَرْفَعُونَ ما بَعْدَهُ عَلى الخَبَرِ. وقالَ أبُو زَيْدٍ: سَمِعْتُهم يَقْرَءُونَ: تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرٌ وأعْظَمُ أجْرًا. يَعْنِي: بِرَفْعِ ”خَيْرٌ وأعْظَمُ“ . وقالَ قَيْسُ بْنُ ذُرَيْجٍ:
؎نَحِنُّ إلى لَيْلى وأنْتَ تَرَكْتَها وكُنْتَ عَلَيْها بِالمَلا أنْتَ أقْدَرُ
قالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ رُؤْبَةَ كانَ يَقُولُ: أظُنُّ زَيْدًا هو خَيْرٌ مِنكَ. يَعْنِي بِالرَّفْعِ.
﴿ونادَوْا يامالِكُ﴾: تَقَدَّمَ أنَّهم مُبْلِسُونَ، أيْ ساكِتُونَ، وهَذِهِ أحْوالٌ لَهم في أزْمانٍ مُتَطاوِلَةٍ، فَلا تَعارُضَ بَيْنَ سُكُوتِهِمْ ونِدائِهِمْ. (p-٢٨)وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يا مالِكُ﴾ . وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وعَلِيٌّ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ: يا مالِ، بِالتَّرْخِيمِ، عَلى لُغَةِ مَن يَنْتَظِرُ الحَرْفَ. وقَرَأ أبُو السِّرارِ الغَنَوِيُّ: يا مالُ، بِالبِناءِ عَلى الضَّمِّ، جُعِلَ اسْمًا عَلى حِيالِهِ. واللّامُ في: (لِيَقْضِ) لامُ الطَّلَبِ والرَّغْبَةِ. والمَعْنى: يُمِتْنا مَرَّةً حَتّى لا يَتَكَرَّرَ عَذابُنا، كَقَوْلِهِ: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥]، أيْ أماتَهُ. (قالَ): أيْ مالِكٌ، ﴿إنَّكم ماكِثُونَ﴾: أيْ مُقِيمُونَ في النّارِ لا تَبْرَحُونَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُجِيبُهم بَعْدَ مُضِيِّ ألْفِ سَنَةٍ، وقالَ نَوْفٌ: بَعْدَ مِائَةٍ، وقِيلَ: ثَمانِينَ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: أرْبَعِينَ.
﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ﴾: يَظْهَرُ أنَّهُ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ: مِن كَلامِ بَعْضِ المَلائِكَةِ، كَما يَقُولُ أحَدُ خَدَمِ الرَّئِيسِ: أعْلَمْناكم وفَعَلْنا بِكم. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿لَقَدْ جِئْناكُمْ﴾ مِن قَوْلِ اللَّهِ لِقُرَيْشٍ بِعَقِبِ حِكايَةِ أمْرِ الكُفّارِ مَعَ مالِكٍ، وفي هَذا تَوَعُّدٌ وتَخْوِيفٌ بِمَعْنى: انْظُرُوا كَيْفَ يَكُونُ حالُكم.
﴿أمْ أبْرَمُوا﴾: والضَّمِيرُ لِقُرَيْشٍ، أيْ بَلْ أحْكَمُوا أمْرًا مِن كَيْدِهِمْ لِلرَّسُولِ ومَكْرِهِمْ، ﴿فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾ كَيْدَنا، كَما أبْرَمُوا كَيْدَهم، كَقَوْلِهِ: ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢]، وكانُوا يَتَناجَوْنَ ويَتَسارَعُونَ في أمْرِ الرَّسُولِ، فَقالَ تَعالى: ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ﴾، وهو ما يُحَدِّثُ بِهِ الرَّجُلُ نَفْسَهُ أوْ غَيْرَهُ في مَكانٍ خالٍ. (ونَجْواهم): وهي ما تَكَلَّمُوا بِهِ فِيما بَيْنَهم. (بَلى): أيْ نَسْمَعُها، (رُسُلُنا)، وهُمُ الحَفَظَةُ.
﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ﴾، كَما تَقُولُونَ، ﴿فَأنا أوَّلُ﴾ مَن يَعْبُدُهُ عَلى ذَلِكَ، ولَكِنْ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ. وأخَذَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا القَوْلَ وحَسَّنَهُ بِفَصاحَتِهِ فَقالَ: إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ، وصَحَّ ذَلِكَ وثَبَتَ بِبُرْهانٍ صَحِيحٍ يُورِدُونَهُ وحُجَّةٍ واضِحَةٍ يَبْذُلُونَها، فَأنا أوَّلُ مَن يُعَظِّمُ ذَلِكَ الوَلَدَ، وأسْبَقُكم إلى طاعَتِهِ والِانْقِيادِ لَهُ، كَما يُعَظِّمُ الرَّجُلُ ولَدَ المَلِكِ لِعِظَمِ أبِيهِ. وهَذا كَلامٌ وارِدٌ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّمْثِيلِ لِغَرَضٍ، وهو المُبالَغَةُ في نَفْيِ الوَلَدِ والإطْنابِ فِيهِ، وأنْ لا يَتْرُكَ النّاطِقُ بِهِ شُبْهَةً إلّا مُضْمَحِلَّةً مَعَ التَّرْجَمَةِ عَنْ نَفْسِهِ بِثَباتِ القَدَمِ في بابِ التَّوْحِيدِ، وذَلِكَ أنَّهُ عَلَّقَ العِبادَةَ بِكَيْنُونَةِ الوَلَدِ، وهي مُحالٌ في نَفْسِها، فَكانَ المُعَلَّقُ بِها مُحالًا مِثْلَها. فَهو في صُورَةِ إثْباتِ الكَيْنُونَةِ والعِبادَةِ، وفي مَعْنى نَفْيِها عَلى أبْلَغِ الوُجُوهِ وأقْواها. ثُمَّ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ونَظِيرُهُ أنْ يَقُولَ العَدْلِيُّ لِلْمُجْبِرِ. ثُمَّ ذَكَرَ كَلامًا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ التَّأْدِيبَ بَلِ السَّيْفَ، نَزَّهْتُ كِتابِي عَنْ ذِكْرِهِ. ثُمَّ قالَ: وقَدْ تَمَحَّلَ النّاسُ بِما أخْرَجُوهُ بِهِ مِن هَذا الأُسْلُوبِ الشَّرِيفِ المَلِيءِ بِالنُّكَتِ والفَوائِدِ المُسْتَقِلَّةِ بِالتَّوْحِيدِ عَلى أبْلَغِ وُجُوهِهِ، فَقِيلَ: إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ، في زَعْمِكم، فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ، المُوَحِّدِينَ لِلَّهِ، المُكَذِّبِينَ قَوْلَهم بِإضافَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ. وقِيلَ: إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ، فَأنا أوَّلُ الآنِفِينَ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ مِن عَبْدٍ يُعْبَدُ، إذا اشْتَدَّ أنْفُهُ فَهو عَبْدٌ وعابِدٌ. وقَرَأ بَعْضُهم: عَبِدِينَ، وقِيلَ: هي إنِ النّافِيَةُ، أيْ ما كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ، فَأنا أوَّلُ مَن قالَ بِذَلِكَ وعَبَدَ ووَحَّدَ.
ورُوِيَ أنَّ النَّضْرَ بْنَ عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيٍّ قالَ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، فَنَزَلَتْ، فَقالَ النَّضْرُ: ألا تَرَوْنَ أنَّهُ قَدْ صَدَّقَنِي ؟ فَقالَ لَهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ: ما صَدَّقَكَ، ولَكِنْ قالَ: ما كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ، فَأنا أوَّلُ المُوَحِّدِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ أنْ لا ولَدَ لَهُ. انْتَهى. أمّا القَوْلُ: إنْ كانَ لِلَّهِ ولَدٌ في زَعْمِكم، فَهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وأمّا القَوْلُ: فَأنا أوَّلُ الآنِفِينَ، فَهو قَوْلُ جَماعَةٍ، حَكاهُ عَنْهم أبُو حاتِمٍ ولَمْ يُسَمِّ أحَدًا مِنهم، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ السُّلَمِيِّ واليَمانِيِّ: العَبِدِينَ، وقِراءَةٌ ذَكَرَها الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ في كِتابِهِ العَيْنِ: العَبْدِينَ، بِإسْكانِ الباءِ، تَخْفِيفُ العَبْدِينَ بِكَسْرِها. وذَكَرَ صاحِبُ اللَّوامِحِ أنَّهُ جاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في مَعْنى العابِدِينَ: أنَّهُ الآنِفِينَ انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: يُقالُ: عَبَدَ يَعْبُدُ فَهو عَبْدٌ، وقَلَّما يُقالُ: عابِدٌ. والقُرْآنُ لا يَأْتِي بِالقَلِيلِ مِنَ اللُّغَةِ ولا الشّاذَّ، ثُمَّ قالَ: كَقَوْلِ مُجاهِدٍ. وقالَ الفَرَزْدَقُ:
؎أُولَئِكَ آبائِي فَجِئْنِي بِمِثْلِهِمْ ∗∗∗ وأعْبُدُ أنْ أهْجُوَ كُلَيْبًا بِدارِمِي
أيْ: آنَفُ وأسْتَنْكِفُ. وقالَ آخَرُ:(p-٢٩)
؎مَتى ما يَشاءُ ذُو الوُدِّ يَصْرِمُ خَلِيلَهُ ∗∗∗ ويَعْبُدُ عَلَيْهِ لا مَحالَةَ ظالِمًا
وأمّا القَوْلُ بِأنَّ إنْ نافِيَةٌ، فَمَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، والسُّدِّيِّ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ، وزُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وقالَ مَكِّيٌّ: لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ إنْ بِمَعْنى ما النّافِيَةِ، لِأنَّهُ يُوهِمُ أنَّكَ إنَّما نَفَيْتَ عَنِ اللَّهِ الوَلَدَ فِيما مَضى دُونَ ما هو آتٍ، وهَذا مُحالٌ. انْتَهى. ولا يَلْزَمُ مِنهُ مُحالٌ، لِأنَّ كانَ قَدْ تُسْتَعْمَلُ فِيما يَدُومُ ولا يَزُولُ، كَقَوْلِكَ: (وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)، أيْ لَمْ يَزَلْ، فالمَعْنى: ما كانَ وما يَكُونُ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: العَبِدُ، بِكَسْرِ الباءِ: الشَّدِيدُ الغَضَبِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ أوَّلُ الجاحِدِينَ. والعَرَبُ تَقُولُ: عَبَدَنِي حَقِّي، أيْ جَحَدَنِي. وقَرَأ ولَدٌ بِفَتْحَتَيْنِ. عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللّامِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾: أيْ مِن نِسْبَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ، والمَعْنى: إزالَةُ العِلْمِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ واجِبَ الوُجُودِ، وما كانَ كَذَلِكَ فَهو فَرْدٌ مُطْلَقٌ لا يَقْبَلُ التَّجْزِيءَ. والوَلَدُ عِبارَةٌ عَنْ أنْ يَنْفَصِلَ عَنِ الشَّيْءِ جُزْءٌ مِن أجْزائِهِ، فَيَتَوَلَّدُ مِنهُ شَخْصٌ مِثْلُهُ، ولا يَكُونُ إلّا فِيما هو قابِلٌ ذاتُهُ لِلتَّجْزِيءِ، وهَذا مُحالٌ في حَقِّهِ تَعالى، فامْتَنَعَ إثْباتُ الوَلَدِ. ولَمّا ذُكِرَ هَذا البُرْهانُ القاطِعُ قالَ: (فَذَرْهم يَخُوضُوا)، أيْ في باطِلِهِمْ، (ويَلْعَبُوا)، أيْ في دُنْياهم. وظاهِرُ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ مُهادَنَةٌ وتَرْكٌ، وذَلِكَ مِمّا نُسِخَ بِآيَةِ السَّيْفِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿حَتّى يُلاقُوا﴾، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وعُبَيْدُ بْنُ عَقِيلٍ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: يَلْقَوْا، مُضارِعُ لَقِيَ.
﴿يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾: يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: يَوْمَ بَدْرٍ، وأضافَ اليَوْمَ إلَيْهِمْ، لِأنَّهُ الَّذِي فِيهِ هَلاكُهم وعَذابُهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: إلَهٌ فِيهِما. وقَرَأ عُمَرُ. وعَبْدُ اللَّهِ، وأُبَيٌّ، وعَلِيٌّ، والحَكَمُ بْنُ أبِي العالِي، وبِلالُ بْنُ أبِي بُرْدَةَ، وابْنُ يَعْمَرَ، وجابِرٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وأبُو الشَّيْخِ الهُنائِيُّ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ مِقْسَمٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: اللَّهُ فِيهِما. ومَعْنى إلَهٍ: مَعْبُودٌ بِهِ، يَتَعَلَّقُ الجارُّ والمَجْرُورُ، والمَعْنى: أنَّهُ هو مَعْبُودٌ في السَّماءِ ومَعْبُودٌ في الأرْضِ، والعائِدُ عَلى المَوْصُولِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: هو إلَهٌ، كَما حُذِفَ في قَوْلِهِمْ: ما أنا بِالَّذِي قائِلٌ لَكَ شَيْئًا، وحَسَّنَهُ طُولُهُ بِالعَطْفِ عَلَيْهِ، كَما حَسَّنَ في: قائِلٌ لَكَ شَيْئًا. طُولُهُ بِالمُعَوَّلِ. ومَن قَرَأ: اللَّهُ، ضَمَّنَهُ أيْضًا مَعْنى المَعْبُودِ، كَما ضُمِّنَ العَلَمُ في نَحْوِ قَوْلِهِمْ: هو حاتِمٌ في طَيِّئٍ. أيْ جَوادٌ في طَيِّئٍ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الصِّلَةُ الجارَّ والمَجْرُورَ. والمَعْنى: أنَّهُ فِيهِما بِالإلَهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ، إذْ يَسْتَحِيلُ حَمْلُهُ عَلى الِاسْتِقْرارِ. وفي قَوْلِهِ: (وفي الأرْضِ)، نَفْيٌ لِآلِهَتِهِمُ الَّتِي كانَتْ تُعْبَدُ في الأرْضِ.
﴿وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾: أيْ عِلْمُ تَعْيِينِ وقْتِ قِيامِها، وهو الَّذِي اسْتَأْثَرَ بِهِ تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَرْجِعُونَ، بِياءِ الغَيْبَةِ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، والعَدَنِيّانِ: بِتاءِ الخِطابِ، وهو في كِلْتا القِراءَتَيْنِ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ. وقُرِئَ: بِفَتْحِ تاءِ الخِطابِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِياءِ الغَيْبَةِ وشَدِّ الدّالِ، وعَنْهُ بِتاءِ الخِطابِ وشَدِّ الدّالِ، والمَعْنى: ولا يَمْلِكُ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ الشَّفاعَةَ عِنْدَ اللَّهِ. قالَ قَتادَةُ: اسْتَثْنى مِمَّنْ عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ عِيسى وعُزَيْرًا والمَلائِكَةَ، فَإنَّهم يَمْلِكُونَ شَفاعَةً بِأنْ يُمَلِّكَها اللَّهُ إيّاهم، إذْ هم مِمَّنْ شَهِدَ بِالحَقِّ، وهم يَعْلَمُونَهُ في أحْوالِهِمْ، فالِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا مُتَّصِلٌ. وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: مِنَ المَشْفُوعِ فِيهِمْ ؟ كَأنَّهُ قالَ: لا يَشْفَعُ هَؤُلاءِ المَلائِكَةُ وعُزَيْرٌ وعِيسى إلّا فِيمَن شَهِدَ بِالحَقِّ، وهو يَعْلَمُهُ، أيْ بِالتَّوْحِيدِ، قالُوا: فالِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا مُنْفَصِلٌ، كَأنَّهُ قالَ: لَكِنَّ مَن شَهِدَ بِالحَقِّ يَشْفَعُ فِيهِمْ هَؤُلاءِ. وهَذا التَّقْدِيرُ الَّذِي قَدَّرُوهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِيهِ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا، لِأنَّهُ يَكُونُ المُسْتَثْنى مِنهُ مَحْذُوفًا، كَأنَّهُ قالَ: ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ في أحَدٍ، إلّا فِيمَن شَهِدَ بِالحَقِّ، فَهو اسْتِثْناءٌ مِنَ المَفْعُولِ المَحْذُوفِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎نَجا سالِمٌ والنَّفْسُ مِنهُ بِشِدْقِهِ ∗∗∗ ولَمْ يَنْجُ إلّا جَفْنَ سَيْفٍ ومِئْزَرا
أيْ لَمْ يَنْجُ إلّا جَفْنَ سَيْفٍ فَهو اسْتِثْناءٌ مِنَ المَشْفُوعِ فِيهِمُ الجائِزُ فِيهِ الحَذْفُ وهو مُتَّصِلٌ فَإنْ جَعَلْتَهُ (p-٣٠)مُسْتَثْنى مِنَ (الَّذِينَ يَدْعُونَ)، فَيَكُونُ مُنْفَصِلًا، والمَعْنى: ولا يَمْلِكُ آلِهَتُهم، ويَعْنِي بِهِمُ الأصْنامَ والأوْثانَ، الشَّفاعَةَ كَما زَعَمُوا أنَّهم شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللَّهِ. ولَكِنَّ (مَن شَهِدَ بِالحَقِّ)، وهو تَوْحِيدُ اللَّهِ، وهو يَعْلَمُ ما شَهِدَ بِهِ، هو الَّذِي يَمْلِكُ الشَّفاعَةَ، وإنْ أُدْرِجَتِ المَلائِكَةُ في (الَّذِينَ يَدْعُونَ)، كانَ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَأنّى يُؤْفَكُونَ)، بِياءِ الغَيْبَةِ، مُناسِبًا لِقَوْلِهِ: (ولَئِنْ سَألْتَهم)، أيْ كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنْ عِبادَةِ مَن أقَرُّوا أنَّهُ مُوجِدُ العالَمِ. وعَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِتاءِ الخِطابِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وقِيلَهُ بِالنَّصْبِ. فَعَنِ الأخْفَشِ: أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى سِرِّهِمْ ونَجْواهم، وعَنْهُ أيْضًا: عَلى وقالَ قِيلَهُ، وعَنِ الزَّجّاجِ، عَلى مَحَلِّ السّاعَةِ في قَوْلِهِ: (وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ) . وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى مَفْعُولِ يَكْتُبُونَ المَحْذُوفِ، أيْ يَكْتُبُونَ أقْوالَهم وأفْعالَهم. وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى مَفْعُولِ يَعْلَمُونَ، أيْ يَعْلَمُونَ الحَقَّ. (وقِيلَهُ يا رَبِّ): وهو قَوْلٌ لا يَكادُ يُعْقَلُ، وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، أيْ ويَعْلَمُ قِيلَهُ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، وعاصِمٌ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ: وقِيلِهِ. بِالخَفْضِ، وخَرَجَ عَلى أنَّهُ عَطْفٌ عَلى السّاعَةِ، أوْ عَلى أنَّها واوُ القَسَمِ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ، أيْ: لَيُنْصَرُنَّ، أوْ لَأفْعَلَنَّ بِهِمْ ما أشاءُ. وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو قِلابَةَ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدَبٍ: وقِيلُهُ. بِالرَّفْعِ، وخَرَجَ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ”عِلْمُ السّاعَةِ“، عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وعِلْمُ قِيلِهِ، حُذِفَ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ. ورُوِيَ هَذا عَنِ الكِسائِيِّ. وعَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ: يا رَبِّ إلى لا يُؤْمِنُونَ، أوْ عَلى أنَّ الخَبَرَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ مَسْمُوعٌ، أوْ مُتَقَبَّلٌ، فَجُمْلَةُ النِّداءِ وما بَعْدَهُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ (وقِيلُهُ) . وقَرَأ أبُو قِلابَةَ: يا رَبَّ، بِفَتْحِ الباءِ، أرادَ: يا رَبًّا، كَما تَقُولُ: يا غُلامُ. ويَتَخَرَّجُ عَلى جَوازِ الأخْفَشِ: يا قَوْمَ، بِالفَتْحِ وحَذْفِ الألِفِ والِاجْتِزاءِ بِالفَتْحَةِ عَنْها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والَّذِي قالُوهُ يَعْنِي مِنَ العَطْفِ لَيْسَ بِقَوِيٍّ في المَعْنى، مَعَ وُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِما لا يَحْسُنُ اعْتِراضًا، ومَعَ تَنافُرِ النَّظْمِ، وأقْوى مِن ذَلِكَ. والوَجْهُ أنْ يَكُونَ الجَرُّ والنَّصْبُ عَلى إضْمارِ حَرْفِ القَسَمِ وحَذْفِهِ، والرَّفْعُ عَلى قَوْلِهِمْ: ايْمُنُ اللَّهِ، وأمانَةُ اللَّهِ، ويَمِينُ اللَّهِ، ولَعَمْرِكَ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾، جَوابُ القَسَمِ، كَأنَّهُ قالَ: وأقْسَمَ بِقِيلِهِ، أوْ وقِيلِهِ يا رَبِّ قَسَمِي.
﴿إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾، وإقْسامُ اللَّهِ بِقِيلِهِ، رَفْعٌ مِنهُ وتَعْظِيمٌ لِدُعائِهِ والتِجائِهِ إلَيْهِ. انْتَهى، وهو مُخالِفٌ لِظاهِرِ الكَلامِ، إذْ يَظْهَرُ أنَّ قَوْلَهُ: يا رَبِّ إلى لا يُؤْمِنُونَ، مُتَعَلِّقٌ بِقِيلِهِ، ومِن كَلامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: وإذا كانَ أنَّ هَؤُلاءِ جَوابَ القَسَمِ، كانَ مِن إخْبارِ اللَّهِ عَنْهم وكَلامِهِ، والضَّمِيرُ في: وقِيلِهِ. لِلرَّسُولِ، وهو المُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ﴿فاصْفَحْ عَنْهُمْ﴾، أيْ أعْرِضْ عَنْهم واتْرُكْهم، ﴿وقُلْ سَلامٌ﴾، أيِ الأمْرُ سَلامٌ، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ: وعِيدٌ لَهم وتَهْدِيدٌ ومُوادَعَةٌ، وهي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَعْلَمُونَ، بِياءِ الغَيْبَةِ، كَما في: فاصْفَحْ عَنْهم. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، ونافِعٌ، وهِشامٌ: بِتاءِ الخِطابِ. وقالَ السُّدِّيُّ: وقُلْ سَلامٌ، أيْ خَيْرًا بَدَلًا مِن شَرِّهِمْ. وقالَ مُقاتِلٌ: أوْرِدْ عَلَيْهِمْ مَعْرُوفًا. وحَكى الماوَرْدِيُّ: قُلْ ما تَسْلَمُ بِهِ مِن شَرِّهِمْ.
الزخرف 43:85
﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ونادَوْا يامالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾ ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ ﴿أمْ أبْرَمُوا أمْرًا فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾ ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْواهم بَلى ورُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ وهو الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ ﴿وتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ إلّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ ﴿وقِيلِهِ يارَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿فاصْفَحْ عَنْهم وقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ .
لَمّا ذَكَرَ تَعالى حالَ أهْلِ الجَنَّةِ، وما يُقالُ لَهم مِن لَذائِذِ البِشارَةِ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ حالِ الكَفَرَةِ، وما يُجاوِبُونَ بِهِ عِنْدَ سُؤالِهِمْ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: وهم فِيها، أيْ في جَهَنَّمَ، والجُمْهُورُ: ﴿وهم فِيهِ﴾ أيْ في العَذابِ. وعَنِ الضَّحّاكِ: يُجْعَلُ المُجْرِمُ في تابُوتٍ مِن نارٍ، ثُمَّ يُرْدَمُ عَلَيْهِ، فَيَبْقى فِيهِ خالِدًا لا يَرى ولا يُرى.
﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾: أيْ لا يُخَفَّفُ ولا يُنْقَصُ، مِن قَوْلِهِمْ: فَتَرَتْ عَنْهُ الحُمّى، إذا سَكَنَتْ قَلِيلًا ونَقَصَ حَرُّها. والمُبْلِسُ: السّاكِتُ اليائِسُ مِنَ الخَيْرِ. (وما ظَلَمْناهم): أيْ ما وضَعْنا العَذابَ فِيمَن لا يَسْتَحِقُّهُ.
﴿ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾: أيِ الواضِعِينَ الكُفْرَ مَوْضِعَ الإيمانِ، فَظَلَمُوا بِذَلِكَ أنْفُسَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: والظّالِمِينَ، عَلى أنَّ هم فَصْلٌ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأبُو زَيْدٍ النَّحْوِيّانِ: الظّالِمُونَ بِالرَّفْعِ، عَلى أنَّهم خَبَرُهم، وهم مُبْتَدَأٌ. وذَكَرَ أبُو عَمْرٍو الجَرْمِيُّ: أنَّ لُغَةَ تَمِيمٍ جَعْلُ ما هو فَصْلٌ عِنْدَ غَيْرِهِمْ مُبْتَدَأً، ويَرْفَعُونَ ما بَعْدَهُ عَلى الخَبَرِ. وقالَ أبُو زَيْدٍ: سَمِعْتُهم يَقْرَءُونَ: تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرٌ وأعْظَمُ أجْرًا. يَعْنِي: بِرَفْعِ ”خَيْرٌ وأعْظَمُ“ . وقالَ قَيْسُ بْنُ ذُرَيْجٍ:
؎نَحِنُّ إلى لَيْلى وأنْتَ تَرَكْتَها وكُنْتَ عَلَيْها بِالمَلا أنْتَ أقْدَرُ
قالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ رُؤْبَةَ كانَ يَقُولُ: أظُنُّ زَيْدًا هو خَيْرٌ مِنكَ. يَعْنِي بِالرَّفْعِ.
﴿ونادَوْا يامالِكُ﴾: تَقَدَّمَ أنَّهم مُبْلِسُونَ، أيْ ساكِتُونَ، وهَذِهِ أحْوالٌ لَهم في أزْمانٍ مُتَطاوِلَةٍ، فَلا تَعارُضَ بَيْنَ سُكُوتِهِمْ ونِدائِهِمْ. (p-٢٨)وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يا مالِكُ﴾ . وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وعَلِيٌّ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ: يا مالِ، بِالتَّرْخِيمِ، عَلى لُغَةِ مَن يَنْتَظِرُ الحَرْفَ. وقَرَأ أبُو السِّرارِ الغَنَوِيُّ: يا مالُ، بِالبِناءِ عَلى الضَّمِّ، جُعِلَ اسْمًا عَلى حِيالِهِ. واللّامُ في: (لِيَقْضِ) لامُ الطَّلَبِ والرَّغْبَةِ. والمَعْنى: يُمِتْنا مَرَّةً حَتّى لا يَتَكَرَّرَ عَذابُنا، كَقَوْلِهِ: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥]، أيْ أماتَهُ. (قالَ): أيْ مالِكٌ، ﴿إنَّكم ماكِثُونَ﴾: أيْ مُقِيمُونَ في النّارِ لا تَبْرَحُونَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُجِيبُهم بَعْدَ مُضِيِّ ألْفِ سَنَةٍ، وقالَ نَوْفٌ: بَعْدَ مِائَةٍ، وقِيلَ: ثَمانِينَ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: أرْبَعِينَ.
﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ﴾: يَظْهَرُ أنَّهُ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ: مِن كَلامِ بَعْضِ المَلائِكَةِ، كَما يَقُولُ أحَدُ خَدَمِ الرَّئِيسِ: أعْلَمْناكم وفَعَلْنا بِكم. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿لَقَدْ جِئْناكُمْ﴾ مِن قَوْلِ اللَّهِ لِقُرَيْشٍ بِعَقِبِ حِكايَةِ أمْرِ الكُفّارِ مَعَ مالِكٍ، وفي هَذا تَوَعُّدٌ وتَخْوِيفٌ بِمَعْنى: انْظُرُوا كَيْفَ يَكُونُ حالُكم.
﴿أمْ أبْرَمُوا﴾: والضَّمِيرُ لِقُرَيْشٍ، أيْ بَلْ أحْكَمُوا أمْرًا مِن كَيْدِهِمْ لِلرَّسُولِ ومَكْرِهِمْ، ﴿فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾ كَيْدَنا، كَما أبْرَمُوا كَيْدَهم، كَقَوْلِهِ: ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢]، وكانُوا يَتَناجَوْنَ ويَتَسارَعُونَ في أمْرِ الرَّسُولِ، فَقالَ تَعالى: ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ﴾، وهو ما يُحَدِّثُ بِهِ الرَّجُلُ نَفْسَهُ أوْ غَيْرَهُ في مَكانٍ خالٍ. (ونَجْواهم): وهي ما تَكَلَّمُوا بِهِ فِيما بَيْنَهم. (بَلى): أيْ نَسْمَعُها، (رُسُلُنا)، وهُمُ الحَفَظَةُ.
﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ﴾، كَما تَقُولُونَ، ﴿فَأنا أوَّلُ﴾ مَن يَعْبُدُهُ عَلى ذَلِكَ، ولَكِنْ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ. وأخَذَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا القَوْلَ وحَسَّنَهُ بِفَصاحَتِهِ فَقالَ: إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ، وصَحَّ ذَلِكَ وثَبَتَ بِبُرْهانٍ صَحِيحٍ يُورِدُونَهُ وحُجَّةٍ واضِحَةٍ يَبْذُلُونَها، فَأنا أوَّلُ مَن يُعَظِّمُ ذَلِكَ الوَلَدَ، وأسْبَقُكم إلى طاعَتِهِ والِانْقِيادِ لَهُ، كَما يُعَظِّمُ الرَّجُلُ ولَدَ المَلِكِ لِعِظَمِ أبِيهِ. وهَذا كَلامٌ وارِدٌ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّمْثِيلِ لِغَرَضٍ، وهو المُبالَغَةُ في نَفْيِ الوَلَدِ والإطْنابِ فِيهِ، وأنْ لا يَتْرُكَ النّاطِقُ بِهِ شُبْهَةً إلّا مُضْمَحِلَّةً مَعَ التَّرْجَمَةِ عَنْ نَفْسِهِ بِثَباتِ القَدَمِ في بابِ التَّوْحِيدِ، وذَلِكَ أنَّهُ عَلَّقَ العِبادَةَ بِكَيْنُونَةِ الوَلَدِ، وهي مُحالٌ في نَفْسِها، فَكانَ المُعَلَّقُ بِها مُحالًا مِثْلَها. فَهو في صُورَةِ إثْباتِ الكَيْنُونَةِ والعِبادَةِ، وفي مَعْنى نَفْيِها عَلى أبْلَغِ الوُجُوهِ وأقْواها. ثُمَّ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ونَظِيرُهُ أنْ يَقُولَ العَدْلِيُّ لِلْمُجْبِرِ. ثُمَّ ذَكَرَ كَلامًا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ التَّأْدِيبَ بَلِ السَّيْفَ، نَزَّهْتُ كِتابِي عَنْ ذِكْرِهِ. ثُمَّ قالَ: وقَدْ تَمَحَّلَ النّاسُ بِما أخْرَجُوهُ بِهِ مِن هَذا الأُسْلُوبِ الشَّرِيفِ المَلِيءِ بِالنُّكَتِ والفَوائِدِ المُسْتَقِلَّةِ بِالتَّوْحِيدِ عَلى أبْلَغِ وُجُوهِهِ، فَقِيلَ: إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ، في زَعْمِكم، فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ، المُوَحِّدِينَ لِلَّهِ، المُكَذِّبِينَ قَوْلَهم بِإضافَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ. وقِيلَ: إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ، فَأنا أوَّلُ الآنِفِينَ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ مِن عَبْدٍ يُعْبَدُ، إذا اشْتَدَّ أنْفُهُ فَهو عَبْدٌ وعابِدٌ. وقَرَأ بَعْضُهم: عَبِدِينَ، وقِيلَ: هي إنِ النّافِيَةُ، أيْ ما كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ، فَأنا أوَّلُ مَن قالَ بِذَلِكَ وعَبَدَ ووَحَّدَ.
ورُوِيَ أنَّ النَّضْرَ بْنَ عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيٍّ قالَ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، فَنَزَلَتْ، فَقالَ النَّضْرُ: ألا تَرَوْنَ أنَّهُ قَدْ صَدَّقَنِي ؟ فَقالَ لَهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ: ما صَدَّقَكَ، ولَكِنْ قالَ: ما كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ، فَأنا أوَّلُ المُوَحِّدِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ أنْ لا ولَدَ لَهُ. انْتَهى. أمّا القَوْلُ: إنْ كانَ لِلَّهِ ولَدٌ في زَعْمِكم، فَهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وأمّا القَوْلُ: فَأنا أوَّلُ الآنِفِينَ، فَهو قَوْلُ جَماعَةٍ، حَكاهُ عَنْهم أبُو حاتِمٍ ولَمْ يُسَمِّ أحَدًا مِنهم، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ السُّلَمِيِّ واليَمانِيِّ: العَبِدِينَ، وقِراءَةٌ ذَكَرَها الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ في كِتابِهِ العَيْنِ: العَبْدِينَ، بِإسْكانِ الباءِ، تَخْفِيفُ العَبْدِينَ بِكَسْرِها. وذَكَرَ صاحِبُ اللَّوامِحِ أنَّهُ جاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في مَعْنى العابِدِينَ: أنَّهُ الآنِفِينَ انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: يُقالُ: عَبَدَ يَعْبُدُ فَهو عَبْدٌ، وقَلَّما يُقالُ: عابِدٌ. والقُرْآنُ لا يَأْتِي بِالقَلِيلِ مِنَ اللُّغَةِ ولا الشّاذَّ، ثُمَّ قالَ: كَقَوْلِ مُجاهِدٍ. وقالَ الفَرَزْدَقُ:
؎أُولَئِكَ آبائِي فَجِئْنِي بِمِثْلِهِمْ ∗∗∗ وأعْبُدُ أنْ أهْجُوَ كُلَيْبًا بِدارِمِي
أيْ: آنَفُ وأسْتَنْكِفُ. وقالَ آخَرُ:(p-٢٩)
؎مَتى ما يَشاءُ ذُو الوُدِّ يَصْرِمُ خَلِيلَهُ ∗∗∗ ويَعْبُدُ عَلَيْهِ لا مَحالَةَ ظالِمًا
وأمّا القَوْلُ بِأنَّ إنْ نافِيَةٌ، فَمَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، والسُّدِّيِّ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ، وزُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وقالَ مَكِّيٌّ: لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ إنْ بِمَعْنى ما النّافِيَةِ، لِأنَّهُ يُوهِمُ أنَّكَ إنَّما نَفَيْتَ عَنِ اللَّهِ الوَلَدَ فِيما مَضى دُونَ ما هو آتٍ، وهَذا مُحالٌ. انْتَهى. ولا يَلْزَمُ مِنهُ مُحالٌ، لِأنَّ كانَ قَدْ تُسْتَعْمَلُ فِيما يَدُومُ ولا يَزُولُ، كَقَوْلِكَ: (وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)، أيْ لَمْ يَزَلْ، فالمَعْنى: ما كانَ وما يَكُونُ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: العَبِدُ، بِكَسْرِ الباءِ: الشَّدِيدُ الغَضَبِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ أوَّلُ الجاحِدِينَ. والعَرَبُ تَقُولُ: عَبَدَنِي حَقِّي، أيْ جَحَدَنِي. وقَرَأ ولَدٌ بِفَتْحَتَيْنِ. عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللّامِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾: أيْ مِن نِسْبَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ، والمَعْنى: إزالَةُ العِلْمِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ واجِبَ الوُجُودِ، وما كانَ كَذَلِكَ فَهو فَرْدٌ مُطْلَقٌ لا يَقْبَلُ التَّجْزِيءَ. والوَلَدُ عِبارَةٌ عَنْ أنْ يَنْفَصِلَ عَنِ الشَّيْءِ جُزْءٌ مِن أجْزائِهِ، فَيَتَوَلَّدُ مِنهُ شَخْصٌ مِثْلُهُ، ولا يَكُونُ إلّا فِيما هو قابِلٌ ذاتُهُ لِلتَّجْزِيءِ، وهَذا مُحالٌ في حَقِّهِ تَعالى، فامْتَنَعَ إثْباتُ الوَلَدِ. ولَمّا ذُكِرَ هَذا البُرْهانُ القاطِعُ قالَ: (فَذَرْهم يَخُوضُوا)، أيْ في باطِلِهِمْ، (ويَلْعَبُوا)، أيْ في دُنْياهم. وظاهِرُ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ مُهادَنَةٌ وتَرْكٌ، وذَلِكَ مِمّا نُسِخَ بِآيَةِ السَّيْفِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿حَتّى يُلاقُوا﴾، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وعُبَيْدُ بْنُ عَقِيلٍ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: يَلْقَوْا، مُضارِعُ لَقِيَ.
﴿يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾: يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: يَوْمَ بَدْرٍ، وأضافَ اليَوْمَ إلَيْهِمْ، لِأنَّهُ الَّذِي فِيهِ هَلاكُهم وعَذابُهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: إلَهٌ فِيهِما. وقَرَأ عُمَرُ. وعَبْدُ اللَّهِ، وأُبَيٌّ، وعَلِيٌّ، والحَكَمُ بْنُ أبِي العالِي، وبِلالُ بْنُ أبِي بُرْدَةَ، وابْنُ يَعْمَرَ، وجابِرٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وأبُو الشَّيْخِ الهُنائِيُّ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ مِقْسَمٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: اللَّهُ فِيهِما. ومَعْنى إلَهٍ: مَعْبُودٌ بِهِ، يَتَعَلَّقُ الجارُّ والمَجْرُورُ، والمَعْنى: أنَّهُ هو مَعْبُودٌ في السَّماءِ ومَعْبُودٌ في الأرْضِ، والعائِدُ عَلى المَوْصُولِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: هو إلَهٌ، كَما حُذِفَ في قَوْلِهِمْ: ما أنا بِالَّذِي قائِلٌ لَكَ شَيْئًا، وحَسَّنَهُ طُولُهُ بِالعَطْفِ عَلَيْهِ، كَما حَسَّنَ في: قائِلٌ لَكَ شَيْئًا. طُولُهُ بِالمُعَوَّلِ. ومَن قَرَأ: اللَّهُ، ضَمَّنَهُ أيْضًا مَعْنى المَعْبُودِ، كَما ضُمِّنَ العَلَمُ في نَحْوِ قَوْلِهِمْ: هو حاتِمٌ في طَيِّئٍ. أيْ جَوادٌ في طَيِّئٍ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الصِّلَةُ الجارَّ والمَجْرُورَ. والمَعْنى: أنَّهُ فِيهِما بِالإلَهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ، إذْ يَسْتَحِيلُ حَمْلُهُ عَلى الِاسْتِقْرارِ. وفي قَوْلِهِ: (وفي الأرْضِ)، نَفْيٌ لِآلِهَتِهِمُ الَّتِي كانَتْ تُعْبَدُ في الأرْضِ.
﴿وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾: أيْ عِلْمُ تَعْيِينِ وقْتِ قِيامِها، وهو الَّذِي اسْتَأْثَرَ بِهِ تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَرْجِعُونَ، بِياءِ الغَيْبَةِ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، والعَدَنِيّانِ: بِتاءِ الخِطابِ، وهو في كِلْتا القِراءَتَيْنِ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ. وقُرِئَ: بِفَتْحِ تاءِ الخِطابِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِياءِ الغَيْبَةِ وشَدِّ الدّالِ، وعَنْهُ بِتاءِ الخِطابِ وشَدِّ الدّالِ، والمَعْنى: ولا يَمْلِكُ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ الشَّفاعَةَ عِنْدَ اللَّهِ. قالَ قَتادَةُ: اسْتَثْنى مِمَّنْ عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ عِيسى وعُزَيْرًا والمَلائِكَةَ، فَإنَّهم يَمْلِكُونَ شَفاعَةً بِأنْ يُمَلِّكَها اللَّهُ إيّاهم، إذْ هم مِمَّنْ شَهِدَ بِالحَقِّ، وهم يَعْلَمُونَهُ في أحْوالِهِمْ، فالِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا مُتَّصِلٌ. وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: مِنَ المَشْفُوعِ فِيهِمْ ؟ كَأنَّهُ قالَ: لا يَشْفَعُ هَؤُلاءِ المَلائِكَةُ وعُزَيْرٌ وعِيسى إلّا فِيمَن شَهِدَ بِالحَقِّ، وهو يَعْلَمُهُ، أيْ بِالتَّوْحِيدِ، قالُوا: فالِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا مُنْفَصِلٌ، كَأنَّهُ قالَ: لَكِنَّ مَن شَهِدَ بِالحَقِّ يَشْفَعُ فِيهِمْ هَؤُلاءِ. وهَذا التَّقْدِيرُ الَّذِي قَدَّرُوهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِيهِ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا، لِأنَّهُ يَكُونُ المُسْتَثْنى مِنهُ مَحْذُوفًا، كَأنَّهُ قالَ: ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ في أحَدٍ، إلّا فِيمَن شَهِدَ بِالحَقِّ، فَهو اسْتِثْناءٌ مِنَ المَفْعُولِ المَحْذُوفِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎نَجا سالِمٌ والنَّفْسُ مِنهُ بِشِدْقِهِ ∗∗∗ ولَمْ يَنْجُ إلّا جَفْنَ سَيْفٍ ومِئْزَرا
أيْ لَمْ يَنْجُ إلّا جَفْنَ سَيْفٍ فَهو اسْتِثْناءٌ مِنَ المَشْفُوعِ فِيهِمُ الجائِزُ فِيهِ الحَذْفُ وهو مُتَّصِلٌ فَإنْ جَعَلْتَهُ (p-٣٠)مُسْتَثْنى مِنَ (الَّذِينَ يَدْعُونَ)، فَيَكُونُ مُنْفَصِلًا، والمَعْنى: ولا يَمْلِكُ آلِهَتُهم، ويَعْنِي بِهِمُ الأصْنامَ والأوْثانَ، الشَّفاعَةَ كَما زَعَمُوا أنَّهم شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللَّهِ. ولَكِنَّ (مَن شَهِدَ بِالحَقِّ)، وهو تَوْحِيدُ اللَّهِ، وهو يَعْلَمُ ما شَهِدَ بِهِ، هو الَّذِي يَمْلِكُ الشَّفاعَةَ، وإنْ أُدْرِجَتِ المَلائِكَةُ في (الَّذِينَ يَدْعُونَ)، كانَ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَأنّى يُؤْفَكُونَ)، بِياءِ الغَيْبَةِ، مُناسِبًا لِقَوْلِهِ: (ولَئِنْ سَألْتَهم)، أيْ كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنْ عِبادَةِ مَن أقَرُّوا أنَّهُ مُوجِدُ العالَمِ. وعَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِتاءِ الخِطابِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وقِيلَهُ بِالنَّصْبِ. فَعَنِ الأخْفَشِ: أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى سِرِّهِمْ ونَجْواهم، وعَنْهُ أيْضًا: عَلى وقالَ قِيلَهُ، وعَنِ الزَّجّاجِ، عَلى مَحَلِّ السّاعَةِ في قَوْلِهِ: (وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ) . وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى مَفْعُولِ يَكْتُبُونَ المَحْذُوفِ، أيْ يَكْتُبُونَ أقْوالَهم وأفْعالَهم. وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى مَفْعُولِ يَعْلَمُونَ، أيْ يَعْلَمُونَ الحَقَّ. (وقِيلَهُ يا رَبِّ): وهو قَوْلٌ لا يَكادُ يُعْقَلُ، وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، أيْ ويَعْلَمُ قِيلَهُ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، وعاصِمٌ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ: وقِيلِهِ. بِالخَفْضِ، وخَرَجَ عَلى أنَّهُ عَطْفٌ عَلى السّاعَةِ، أوْ عَلى أنَّها واوُ القَسَمِ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ، أيْ: لَيُنْصَرُنَّ، أوْ لَأفْعَلَنَّ بِهِمْ ما أشاءُ. وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو قِلابَةَ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدَبٍ: وقِيلُهُ. بِالرَّفْعِ، وخَرَجَ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ”عِلْمُ السّاعَةِ“، عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وعِلْمُ قِيلِهِ، حُذِفَ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ. ورُوِيَ هَذا عَنِ الكِسائِيِّ. وعَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ: يا رَبِّ إلى لا يُؤْمِنُونَ، أوْ عَلى أنَّ الخَبَرَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ مَسْمُوعٌ، أوْ مُتَقَبَّلٌ، فَجُمْلَةُ النِّداءِ وما بَعْدَهُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ (وقِيلُهُ) . وقَرَأ أبُو قِلابَةَ: يا رَبَّ، بِفَتْحِ الباءِ، أرادَ: يا رَبًّا، كَما تَقُولُ: يا غُلامُ. ويَتَخَرَّجُ عَلى جَوازِ الأخْفَشِ: يا قَوْمَ، بِالفَتْحِ وحَذْفِ الألِفِ والِاجْتِزاءِ بِالفَتْحَةِ عَنْها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والَّذِي قالُوهُ يَعْنِي مِنَ العَطْفِ لَيْسَ بِقَوِيٍّ في المَعْنى، مَعَ وُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِما لا يَحْسُنُ اعْتِراضًا، ومَعَ تَنافُرِ النَّظْمِ، وأقْوى مِن ذَلِكَ. والوَجْهُ أنْ يَكُونَ الجَرُّ والنَّصْبُ عَلى إضْمارِ حَرْفِ القَسَمِ وحَذْفِهِ، والرَّفْعُ عَلى قَوْلِهِمْ: ايْمُنُ اللَّهِ، وأمانَةُ اللَّهِ، ويَمِينُ اللَّهِ، ولَعَمْرِكَ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾، جَوابُ القَسَمِ، كَأنَّهُ قالَ: وأقْسَمَ بِقِيلِهِ، أوْ وقِيلِهِ يا رَبِّ قَسَمِي.
﴿إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾، وإقْسامُ اللَّهِ بِقِيلِهِ، رَفْعٌ مِنهُ وتَعْظِيمٌ لِدُعائِهِ والتِجائِهِ إلَيْهِ. انْتَهى، وهو مُخالِفٌ لِظاهِرِ الكَلامِ، إذْ يَظْهَرُ أنَّ قَوْلَهُ: يا رَبِّ إلى لا يُؤْمِنُونَ، مُتَعَلِّقٌ بِقِيلِهِ، ومِن كَلامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: وإذا كانَ أنَّ هَؤُلاءِ جَوابَ القَسَمِ، كانَ مِن إخْبارِ اللَّهِ عَنْهم وكَلامِهِ، والضَّمِيرُ في: وقِيلِهِ. لِلرَّسُولِ، وهو المُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ﴿فاصْفَحْ عَنْهُمْ﴾، أيْ أعْرِضْ عَنْهم واتْرُكْهم، ﴿وقُلْ سَلامٌ﴾، أيِ الأمْرُ سَلامٌ، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ: وعِيدٌ لَهم وتَهْدِيدٌ ومُوادَعَةٌ، وهي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَعْلَمُونَ، بِياءِ الغَيْبَةِ، كَما في: فاصْفَحْ عَنْهم. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، ونافِعٌ، وهِشامٌ: بِتاءِ الخِطابِ. وقالَ السُّدِّيُّ: وقُلْ سَلامٌ، أيْ خَيْرًا بَدَلًا مِن شَرِّهِمْ. وقالَ مُقاتِلٌ: أوْرِدْ عَلَيْهِمْ مَعْرُوفًا. وحَكى الماوَرْدِيُّ: قُلْ ما تَسْلَمُ بِهِ مِن شَرِّهِمْ.
الزخرف 43:86
﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ونادَوْا يامالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾ ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ ﴿أمْ أبْرَمُوا أمْرًا فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾ ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْواهم بَلى ورُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ وهو الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ ﴿وتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ إلّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ ﴿وقِيلِهِ يارَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿فاصْفَحْ عَنْهم وقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ .
لَمّا ذَكَرَ تَعالى حالَ أهْلِ الجَنَّةِ، وما يُقالُ لَهم مِن لَذائِذِ البِشارَةِ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ حالِ الكَفَرَةِ، وما يُجاوِبُونَ بِهِ عِنْدَ سُؤالِهِمْ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: وهم فِيها، أيْ في جَهَنَّمَ، والجُمْهُورُ: ﴿وهم فِيهِ﴾ أيْ في العَذابِ. وعَنِ الضَّحّاكِ: يُجْعَلُ المُجْرِمُ في تابُوتٍ مِن نارٍ، ثُمَّ يُرْدَمُ عَلَيْهِ، فَيَبْقى فِيهِ خالِدًا لا يَرى ولا يُرى.
﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾: أيْ لا يُخَفَّفُ ولا يُنْقَصُ، مِن قَوْلِهِمْ: فَتَرَتْ عَنْهُ الحُمّى، إذا سَكَنَتْ قَلِيلًا ونَقَصَ حَرُّها. والمُبْلِسُ: السّاكِتُ اليائِسُ مِنَ الخَيْرِ. (وما ظَلَمْناهم): أيْ ما وضَعْنا العَذابَ فِيمَن لا يَسْتَحِقُّهُ.
﴿ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾: أيِ الواضِعِينَ الكُفْرَ مَوْضِعَ الإيمانِ، فَظَلَمُوا بِذَلِكَ أنْفُسَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: والظّالِمِينَ، عَلى أنَّ هم فَصْلٌ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأبُو زَيْدٍ النَّحْوِيّانِ: الظّالِمُونَ بِالرَّفْعِ، عَلى أنَّهم خَبَرُهم، وهم مُبْتَدَأٌ. وذَكَرَ أبُو عَمْرٍو الجَرْمِيُّ: أنَّ لُغَةَ تَمِيمٍ جَعْلُ ما هو فَصْلٌ عِنْدَ غَيْرِهِمْ مُبْتَدَأً، ويَرْفَعُونَ ما بَعْدَهُ عَلى الخَبَرِ. وقالَ أبُو زَيْدٍ: سَمِعْتُهم يَقْرَءُونَ: تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرٌ وأعْظَمُ أجْرًا. يَعْنِي: بِرَفْعِ ”خَيْرٌ وأعْظَمُ“ . وقالَ قَيْسُ بْنُ ذُرَيْجٍ:
؎نَحِنُّ إلى لَيْلى وأنْتَ تَرَكْتَها وكُنْتَ عَلَيْها بِالمَلا أنْتَ أقْدَرُ
قالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ رُؤْبَةَ كانَ يَقُولُ: أظُنُّ زَيْدًا هو خَيْرٌ مِنكَ. يَعْنِي بِالرَّفْعِ.
﴿ونادَوْا يامالِكُ﴾: تَقَدَّمَ أنَّهم مُبْلِسُونَ، أيْ ساكِتُونَ، وهَذِهِ أحْوالٌ لَهم في أزْمانٍ مُتَطاوِلَةٍ، فَلا تَعارُضَ بَيْنَ سُكُوتِهِمْ ونِدائِهِمْ. (p-٢٨)وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يا مالِكُ﴾ . وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وعَلِيٌّ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ: يا مالِ، بِالتَّرْخِيمِ، عَلى لُغَةِ مَن يَنْتَظِرُ الحَرْفَ. وقَرَأ أبُو السِّرارِ الغَنَوِيُّ: يا مالُ، بِالبِناءِ عَلى الضَّمِّ، جُعِلَ اسْمًا عَلى حِيالِهِ. واللّامُ في: (لِيَقْضِ) لامُ الطَّلَبِ والرَّغْبَةِ. والمَعْنى: يُمِتْنا مَرَّةً حَتّى لا يَتَكَرَّرَ عَذابُنا، كَقَوْلِهِ: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥]، أيْ أماتَهُ. (قالَ): أيْ مالِكٌ، ﴿إنَّكم ماكِثُونَ﴾: أيْ مُقِيمُونَ في النّارِ لا تَبْرَحُونَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُجِيبُهم بَعْدَ مُضِيِّ ألْفِ سَنَةٍ، وقالَ نَوْفٌ: بَعْدَ مِائَةٍ، وقِيلَ: ثَمانِينَ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: أرْبَعِينَ.
﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ﴾: يَظْهَرُ أنَّهُ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ: مِن كَلامِ بَعْضِ المَلائِكَةِ، كَما يَقُولُ أحَدُ خَدَمِ الرَّئِيسِ: أعْلَمْناكم وفَعَلْنا بِكم. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿لَقَدْ جِئْناكُمْ﴾ مِن قَوْلِ اللَّهِ لِقُرَيْشٍ بِعَقِبِ حِكايَةِ أمْرِ الكُفّارِ مَعَ مالِكٍ، وفي هَذا تَوَعُّدٌ وتَخْوِيفٌ بِمَعْنى: انْظُرُوا كَيْفَ يَكُونُ حالُكم.
﴿أمْ أبْرَمُوا﴾: والضَّمِيرُ لِقُرَيْشٍ، أيْ بَلْ أحْكَمُوا أمْرًا مِن كَيْدِهِمْ لِلرَّسُولِ ومَكْرِهِمْ، ﴿فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾ كَيْدَنا، كَما أبْرَمُوا كَيْدَهم، كَقَوْلِهِ: ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢]، وكانُوا يَتَناجَوْنَ ويَتَسارَعُونَ في أمْرِ الرَّسُولِ، فَقالَ تَعالى: ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ﴾، وهو ما يُحَدِّثُ بِهِ الرَّجُلُ نَفْسَهُ أوْ غَيْرَهُ في مَكانٍ خالٍ. (ونَجْواهم): وهي ما تَكَلَّمُوا بِهِ فِيما بَيْنَهم. (بَلى): أيْ نَسْمَعُها، (رُسُلُنا)، وهُمُ الحَفَظَةُ.
﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ﴾، كَما تَقُولُونَ، ﴿فَأنا أوَّلُ﴾ مَن يَعْبُدُهُ عَلى ذَلِكَ، ولَكِنْ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ. وأخَذَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا القَوْلَ وحَسَّنَهُ بِفَصاحَتِهِ فَقالَ: إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ، وصَحَّ ذَلِكَ وثَبَتَ بِبُرْهانٍ صَحِيحٍ يُورِدُونَهُ وحُجَّةٍ واضِحَةٍ يَبْذُلُونَها، فَأنا أوَّلُ مَن يُعَظِّمُ ذَلِكَ الوَلَدَ، وأسْبَقُكم إلى طاعَتِهِ والِانْقِيادِ لَهُ، كَما يُعَظِّمُ الرَّجُلُ ولَدَ المَلِكِ لِعِظَمِ أبِيهِ. وهَذا كَلامٌ وارِدٌ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّمْثِيلِ لِغَرَضٍ، وهو المُبالَغَةُ في نَفْيِ الوَلَدِ والإطْنابِ فِيهِ، وأنْ لا يَتْرُكَ النّاطِقُ بِهِ شُبْهَةً إلّا مُضْمَحِلَّةً مَعَ التَّرْجَمَةِ عَنْ نَفْسِهِ بِثَباتِ القَدَمِ في بابِ التَّوْحِيدِ، وذَلِكَ أنَّهُ عَلَّقَ العِبادَةَ بِكَيْنُونَةِ الوَلَدِ، وهي مُحالٌ في نَفْسِها، فَكانَ المُعَلَّقُ بِها مُحالًا مِثْلَها. فَهو في صُورَةِ إثْباتِ الكَيْنُونَةِ والعِبادَةِ، وفي مَعْنى نَفْيِها عَلى أبْلَغِ الوُجُوهِ وأقْواها. ثُمَّ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ونَظِيرُهُ أنْ يَقُولَ العَدْلِيُّ لِلْمُجْبِرِ. ثُمَّ ذَكَرَ كَلامًا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ التَّأْدِيبَ بَلِ السَّيْفَ، نَزَّهْتُ كِتابِي عَنْ ذِكْرِهِ. ثُمَّ قالَ: وقَدْ تَمَحَّلَ النّاسُ بِما أخْرَجُوهُ بِهِ مِن هَذا الأُسْلُوبِ الشَّرِيفِ المَلِيءِ بِالنُّكَتِ والفَوائِدِ المُسْتَقِلَّةِ بِالتَّوْحِيدِ عَلى أبْلَغِ وُجُوهِهِ، فَقِيلَ: إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ، في زَعْمِكم، فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ، المُوَحِّدِينَ لِلَّهِ، المُكَذِّبِينَ قَوْلَهم بِإضافَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ. وقِيلَ: إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ، فَأنا أوَّلُ الآنِفِينَ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ مِن عَبْدٍ يُعْبَدُ، إذا اشْتَدَّ أنْفُهُ فَهو عَبْدٌ وعابِدٌ. وقَرَأ بَعْضُهم: عَبِدِينَ، وقِيلَ: هي إنِ النّافِيَةُ، أيْ ما كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ، فَأنا أوَّلُ مَن قالَ بِذَلِكَ وعَبَدَ ووَحَّدَ.
ورُوِيَ أنَّ النَّضْرَ بْنَ عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيٍّ قالَ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، فَنَزَلَتْ، فَقالَ النَّضْرُ: ألا تَرَوْنَ أنَّهُ قَدْ صَدَّقَنِي ؟ فَقالَ لَهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ: ما صَدَّقَكَ، ولَكِنْ قالَ: ما كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ، فَأنا أوَّلُ المُوَحِّدِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ أنْ لا ولَدَ لَهُ. انْتَهى. أمّا القَوْلُ: إنْ كانَ لِلَّهِ ولَدٌ في زَعْمِكم، فَهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وأمّا القَوْلُ: فَأنا أوَّلُ الآنِفِينَ، فَهو قَوْلُ جَماعَةٍ، حَكاهُ عَنْهم أبُو حاتِمٍ ولَمْ يُسَمِّ أحَدًا مِنهم، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ السُّلَمِيِّ واليَمانِيِّ: العَبِدِينَ، وقِراءَةٌ ذَكَرَها الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ في كِتابِهِ العَيْنِ: العَبْدِينَ، بِإسْكانِ الباءِ، تَخْفِيفُ العَبْدِينَ بِكَسْرِها. وذَكَرَ صاحِبُ اللَّوامِحِ أنَّهُ جاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في مَعْنى العابِدِينَ: أنَّهُ الآنِفِينَ انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: يُقالُ: عَبَدَ يَعْبُدُ فَهو عَبْدٌ، وقَلَّما يُقالُ: عابِدٌ. والقُرْآنُ لا يَأْتِي بِالقَلِيلِ مِنَ اللُّغَةِ ولا الشّاذَّ، ثُمَّ قالَ: كَقَوْلِ مُجاهِدٍ. وقالَ الفَرَزْدَقُ:
؎أُولَئِكَ آبائِي فَجِئْنِي بِمِثْلِهِمْ ∗∗∗ وأعْبُدُ أنْ أهْجُوَ كُلَيْبًا بِدارِمِي
أيْ: آنَفُ وأسْتَنْكِفُ. وقالَ آخَرُ:(p-٢٩)
؎مَتى ما يَشاءُ ذُو الوُدِّ يَصْرِمُ خَلِيلَهُ ∗∗∗ ويَعْبُدُ عَلَيْهِ لا مَحالَةَ ظالِمًا
وأمّا القَوْلُ بِأنَّ إنْ نافِيَةٌ، فَمَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، والسُّدِّيِّ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ، وزُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وقالَ مَكِّيٌّ: لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ إنْ بِمَعْنى ما النّافِيَةِ، لِأنَّهُ يُوهِمُ أنَّكَ إنَّما نَفَيْتَ عَنِ اللَّهِ الوَلَدَ فِيما مَضى دُونَ ما هو آتٍ، وهَذا مُحالٌ. انْتَهى. ولا يَلْزَمُ مِنهُ مُحالٌ، لِأنَّ كانَ قَدْ تُسْتَعْمَلُ فِيما يَدُومُ ولا يَزُولُ، كَقَوْلِكَ: (وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)، أيْ لَمْ يَزَلْ، فالمَعْنى: ما كانَ وما يَكُونُ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: العَبِدُ، بِكَسْرِ الباءِ: الشَّدِيدُ الغَضَبِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ أوَّلُ الجاحِدِينَ. والعَرَبُ تَقُولُ: عَبَدَنِي حَقِّي، أيْ جَحَدَنِي. وقَرَأ ولَدٌ بِفَتْحَتَيْنِ. عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللّامِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾: أيْ مِن نِسْبَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ، والمَعْنى: إزالَةُ العِلْمِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ واجِبَ الوُجُودِ، وما كانَ كَذَلِكَ فَهو فَرْدٌ مُطْلَقٌ لا يَقْبَلُ التَّجْزِيءَ. والوَلَدُ عِبارَةٌ عَنْ أنْ يَنْفَصِلَ عَنِ الشَّيْءِ جُزْءٌ مِن أجْزائِهِ، فَيَتَوَلَّدُ مِنهُ شَخْصٌ مِثْلُهُ، ولا يَكُونُ إلّا فِيما هو قابِلٌ ذاتُهُ لِلتَّجْزِيءِ، وهَذا مُحالٌ في حَقِّهِ تَعالى، فامْتَنَعَ إثْباتُ الوَلَدِ. ولَمّا ذُكِرَ هَذا البُرْهانُ القاطِعُ قالَ: (فَذَرْهم يَخُوضُوا)، أيْ في باطِلِهِمْ، (ويَلْعَبُوا)، أيْ في دُنْياهم. وظاهِرُ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ مُهادَنَةٌ وتَرْكٌ، وذَلِكَ مِمّا نُسِخَ بِآيَةِ السَّيْفِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿حَتّى يُلاقُوا﴾، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وعُبَيْدُ بْنُ عَقِيلٍ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: يَلْقَوْا، مُضارِعُ لَقِيَ.
﴿يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾: يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: يَوْمَ بَدْرٍ، وأضافَ اليَوْمَ إلَيْهِمْ، لِأنَّهُ الَّذِي فِيهِ هَلاكُهم وعَذابُهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: إلَهٌ فِيهِما. وقَرَأ عُمَرُ. وعَبْدُ اللَّهِ، وأُبَيٌّ، وعَلِيٌّ، والحَكَمُ بْنُ أبِي العالِي، وبِلالُ بْنُ أبِي بُرْدَةَ، وابْنُ يَعْمَرَ، وجابِرٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وأبُو الشَّيْخِ الهُنائِيُّ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ مِقْسَمٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: اللَّهُ فِيهِما. ومَعْنى إلَهٍ: مَعْبُودٌ بِهِ، يَتَعَلَّقُ الجارُّ والمَجْرُورُ، والمَعْنى: أنَّهُ هو مَعْبُودٌ في السَّماءِ ومَعْبُودٌ في الأرْضِ، والعائِدُ عَلى المَوْصُولِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: هو إلَهٌ، كَما حُذِفَ في قَوْلِهِمْ: ما أنا بِالَّذِي قائِلٌ لَكَ شَيْئًا، وحَسَّنَهُ طُولُهُ بِالعَطْفِ عَلَيْهِ، كَما حَسَّنَ في: قائِلٌ لَكَ شَيْئًا. طُولُهُ بِالمُعَوَّلِ. ومَن قَرَأ: اللَّهُ، ضَمَّنَهُ أيْضًا مَعْنى المَعْبُودِ، كَما ضُمِّنَ العَلَمُ في نَحْوِ قَوْلِهِمْ: هو حاتِمٌ في طَيِّئٍ. أيْ جَوادٌ في طَيِّئٍ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الصِّلَةُ الجارَّ والمَجْرُورَ. والمَعْنى: أنَّهُ فِيهِما بِالإلَهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ، إذْ يَسْتَحِيلُ حَمْلُهُ عَلى الِاسْتِقْرارِ. وفي قَوْلِهِ: (وفي الأرْضِ)، نَفْيٌ لِآلِهَتِهِمُ الَّتِي كانَتْ تُعْبَدُ في الأرْضِ.
﴿وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾: أيْ عِلْمُ تَعْيِينِ وقْتِ قِيامِها، وهو الَّذِي اسْتَأْثَرَ بِهِ تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَرْجِعُونَ، بِياءِ الغَيْبَةِ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، والعَدَنِيّانِ: بِتاءِ الخِطابِ، وهو في كِلْتا القِراءَتَيْنِ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ. وقُرِئَ: بِفَتْحِ تاءِ الخِطابِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِياءِ الغَيْبَةِ وشَدِّ الدّالِ، وعَنْهُ بِتاءِ الخِطابِ وشَدِّ الدّالِ، والمَعْنى: ولا يَمْلِكُ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ الشَّفاعَةَ عِنْدَ اللَّهِ. قالَ قَتادَةُ: اسْتَثْنى مِمَّنْ عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ عِيسى وعُزَيْرًا والمَلائِكَةَ، فَإنَّهم يَمْلِكُونَ شَفاعَةً بِأنْ يُمَلِّكَها اللَّهُ إيّاهم، إذْ هم مِمَّنْ شَهِدَ بِالحَقِّ، وهم يَعْلَمُونَهُ في أحْوالِهِمْ، فالِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا مُتَّصِلٌ. وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: مِنَ المَشْفُوعِ فِيهِمْ ؟ كَأنَّهُ قالَ: لا يَشْفَعُ هَؤُلاءِ المَلائِكَةُ وعُزَيْرٌ وعِيسى إلّا فِيمَن شَهِدَ بِالحَقِّ، وهو يَعْلَمُهُ، أيْ بِالتَّوْحِيدِ، قالُوا: فالِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا مُنْفَصِلٌ، كَأنَّهُ قالَ: لَكِنَّ مَن شَهِدَ بِالحَقِّ يَشْفَعُ فِيهِمْ هَؤُلاءِ. وهَذا التَّقْدِيرُ الَّذِي قَدَّرُوهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِيهِ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا، لِأنَّهُ يَكُونُ المُسْتَثْنى مِنهُ مَحْذُوفًا، كَأنَّهُ قالَ: ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ في أحَدٍ، إلّا فِيمَن شَهِدَ بِالحَقِّ، فَهو اسْتِثْناءٌ مِنَ المَفْعُولِ المَحْذُوفِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎نَجا سالِمٌ والنَّفْسُ مِنهُ بِشِدْقِهِ ∗∗∗ ولَمْ يَنْجُ إلّا جَفْنَ سَيْفٍ ومِئْزَرا
أيْ لَمْ يَنْجُ إلّا جَفْنَ سَيْفٍ فَهو اسْتِثْناءٌ مِنَ المَشْفُوعِ فِيهِمُ الجائِزُ فِيهِ الحَذْفُ وهو مُتَّصِلٌ فَإنْ جَعَلْتَهُ (p-٣٠)مُسْتَثْنى مِنَ (الَّذِينَ يَدْعُونَ)، فَيَكُونُ مُنْفَصِلًا، والمَعْنى: ولا يَمْلِكُ آلِهَتُهم، ويَعْنِي بِهِمُ الأصْنامَ والأوْثانَ، الشَّفاعَةَ كَما زَعَمُوا أنَّهم شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللَّهِ. ولَكِنَّ (مَن شَهِدَ بِالحَقِّ)، وهو تَوْحِيدُ اللَّهِ، وهو يَعْلَمُ ما شَهِدَ بِهِ، هو الَّذِي يَمْلِكُ الشَّفاعَةَ، وإنْ أُدْرِجَتِ المَلائِكَةُ في (الَّذِينَ يَدْعُونَ)، كانَ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَأنّى يُؤْفَكُونَ)، بِياءِ الغَيْبَةِ، مُناسِبًا لِقَوْلِهِ: (ولَئِنْ سَألْتَهم)، أيْ كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنْ عِبادَةِ مَن أقَرُّوا أنَّهُ مُوجِدُ العالَمِ. وعَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِتاءِ الخِطابِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وقِيلَهُ بِالنَّصْبِ. فَعَنِ الأخْفَشِ: أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى سِرِّهِمْ ونَجْواهم، وعَنْهُ أيْضًا: عَلى وقالَ قِيلَهُ، وعَنِ الزَّجّاجِ، عَلى مَحَلِّ السّاعَةِ في قَوْلِهِ: (وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ) . وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى مَفْعُولِ يَكْتُبُونَ المَحْذُوفِ، أيْ يَكْتُبُونَ أقْوالَهم وأفْعالَهم. وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى مَفْعُولِ يَعْلَمُونَ، أيْ يَعْلَمُونَ الحَقَّ. (وقِيلَهُ يا رَبِّ): وهو قَوْلٌ لا يَكادُ يُعْقَلُ، وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، أيْ ويَعْلَمُ قِيلَهُ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، وعاصِمٌ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ: وقِيلِهِ. بِالخَفْضِ، وخَرَجَ عَلى أنَّهُ عَطْفٌ عَلى السّاعَةِ، أوْ عَلى أنَّها واوُ القَسَمِ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ، أيْ: لَيُنْصَرُنَّ، أوْ لَأفْعَلَنَّ بِهِمْ ما أشاءُ. وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو قِلابَةَ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدَبٍ: وقِيلُهُ. بِالرَّفْعِ، وخَرَجَ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ”عِلْمُ السّاعَةِ“، عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وعِلْمُ قِيلِهِ، حُذِفَ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ. ورُوِيَ هَذا عَنِ الكِسائِيِّ. وعَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ: يا رَبِّ إلى لا يُؤْمِنُونَ، أوْ عَلى أنَّ الخَبَرَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ مَسْمُوعٌ، أوْ مُتَقَبَّلٌ، فَجُمْلَةُ النِّداءِ وما بَعْدَهُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ (وقِيلُهُ) . وقَرَأ أبُو قِلابَةَ: يا رَبَّ، بِفَتْحِ الباءِ، أرادَ: يا رَبًّا، كَما تَقُولُ: يا غُلامُ. ويَتَخَرَّجُ عَلى جَوازِ الأخْفَشِ: يا قَوْمَ، بِالفَتْحِ وحَذْفِ الألِفِ والِاجْتِزاءِ بِالفَتْحَةِ عَنْها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والَّذِي قالُوهُ يَعْنِي مِنَ العَطْفِ لَيْسَ بِقَوِيٍّ في المَعْنى، مَعَ وُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِما لا يَحْسُنُ اعْتِراضًا، ومَعَ تَنافُرِ النَّظْمِ، وأقْوى مِن ذَلِكَ. والوَجْهُ أنْ يَكُونَ الجَرُّ والنَّصْبُ عَلى إضْمارِ حَرْفِ القَسَمِ وحَذْفِهِ، والرَّفْعُ عَلى قَوْلِهِمْ: ايْمُنُ اللَّهِ، وأمانَةُ اللَّهِ، ويَمِينُ اللَّهِ، ولَعَمْرِكَ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾، جَوابُ القَسَمِ، كَأنَّهُ قالَ: وأقْسَمَ بِقِيلِهِ، أوْ وقِيلِهِ يا رَبِّ قَسَمِي.
﴿إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾، وإقْسامُ اللَّهِ بِقِيلِهِ، رَفْعٌ مِنهُ وتَعْظِيمٌ لِدُعائِهِ والتِجائِهِ إلَيْهِ. انْتَهى، وهو مُخالِفٌ لِظاهِرِ الكَلامِ، إذْ يَظْهَرُ أنَّ قَوْلَهُ: يا رَبِّ إلى لا يُؤْمِنُونَ، مُتَعَلِّقٌ بِقِيلِهِ، ومِن كَلامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: وإذا كانَ أنَّ هَؤُلاءِ جَوابَ القَسَمِ، كانَ مِن إخْبارِ اللَّهِ عَنْهم وكَلامِهِ، والضَّمِيرُ في: وقِيلِهِ. لِلرَّسُولِ، وهو المُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ﴿فاصْفَحْ عَنْهُمْ﴾، أيْ أعْرِضْ عَنْهم واتْرُكْهم، ﴿وقُلْ سَلامٌ﴾، أيِ الأمْرُ سَلامٌ، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ: وعِيدٌ لَهم وتَهْدِيدٌ ومُوادَعَةٌ، وهي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَعْلَمُونَ، بِياءِ الغَيْبَةِ، كَما في: فاصْفَحْ عَنْهم. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، ونافِعٌ، وهِشامٌ: بِتاءِ الخِطابِ. وقالَ السُّدِّيُّ: وقُلْ سَلامٌ، أيْ خَيْرًا بَدَلًا مِن شَرِّهِمْ. وقالَ مُقاتِلٌ: أوْرِدْ عَلَيْهِمْ مَعْرُوفًا. وحَكى الماوَرْدِيُّ: قُلْ ما تَسْلَمُ بِهِ مِن شَرِّهِمْ.
الزخرف 43:87
﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ونادَوْا يامالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾ ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ ﴿أمْ أبْرَمُوا أمْرًا فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾ ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْواهم بَلى ورُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ وهو الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ ﴿وتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ إلّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ ﴿وقِيلِهِ يارَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿فاصْفَحْ عَنْهم وقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ .
لَمّا ذَكَرَ تَعالى حالَ أهْلِ الجَنَّةِ، وما يُقالُ لَهم مِن لَذائِذِ البِشارَةِ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ حالِ الكَفَرَةِ، وما يُجاوِبُونَ بِهِ عِنْدَ سُؤالِهِمْ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: وهم فِيها، أيْ في جَهَنَّمَ، والجُمْهُورُ: ﴿وهم فِيهِ﴾ أيْ في العَذابِ. وعَنِ الضَّحّاكِ: يُجْعَلُ المُجْرِمُ في تابُوتٍ مِن نارٍ، ثُمَّ يُرْدَمُ عَلَيْهِ، فَيَبْقى فِيهِ خالِدًا لا يَرى ولا يُرى.
﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾: أيْ لا يُخَفَّفُ ولا يُنْقَصُ، مِن قَوْلِهِمْ: فَتَرَتْ عَنْهُ الحُمّى، إذا سَكَنَتْ قَلِيلًا ونَقَصَ حَرُّها. والمُبْلِسُ: السّاكِتُ اليائِسُ مِنَ الخَيْرِ. (وما ظَلَمْناهم): أيْ ما وضَعْنا العَذابَ فِيمَن لا يَسْتَحِقُّهُ.
﴿ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾: أيِ الواضِعِينَ الكُفْرَ مَوْضِعَ الإيمانِ، فَظَلَمُوا بِذَلِكَ أنْفُسَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: والظّالِمِينَ، عَلى أنَّ هم فَصْلٌ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأبُو زَيْدٍ النَّحْوِيّانِ: الظّالِمُونَ بِالرَّفْعِ، عَلى أنَّهم خَبَرُهم، وهم مُبْتَدَأٌ. وذَكَرَ أبُو عَمْرٍو الجَرْمِيُّ: أنَّ لُغَةَ تَمِيمٍ جَعْلُ ما هو فَصْلٌ عِنْدَ غَيْرِهِمْ مُبْتَدَأً، ويَرْفَعُونَ ما بَعْدَهُ عَلى الخَبَرِ. وقالَ أبُو زَيْدٍ: سَمِعْتُهم يَقْرَءُونَ: تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرٌ وأعْظَمُ أجْرًا. يَعْنِي: بِرَفْعِ ”خَيْرٌ وأعْظَمُ“ . وقالَ قَيْسُ بْنُ ذُرَيْجٍ:
؎نَحِنُّ إلى لَيْلى وأنْتَ تَرَكْتَها وكُنْتَ عَلَيْها بِالمَلا أنْتَ أقْدَرُ
قالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ رُؤْبَةَ كانَ يَقُولُ: أظُنُّ زَيْدًا هو خَيْرٌ مِنكَ. يَعْنِي بِالرَّفْعِ.
﴿ونادَوْا يامالِكُ﴾: تَقَدَّمَ أنَّهم مُبْلِسُونَ، أيْ ساكِتُونَ، وهَذِهِ أحْوالٌ لَهم في أزْمانٍ مُتَطاوِلَةٍ، فَلا تَعارُضَ بَيْنَ سُكُوتِهِمْ ونِدائِهِمْ. (p-٢٨)وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يا مالِكُ﴾ . وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وعَلِيٌّ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ: يا مالِ، بِالتَّرْخِيمِ، عَلى لُغَةِ مَن يَنْتَظِرُ الحَرْفَ. وقَرَأ أبُو السِّرارِ الغَنَوِيُّ: يا مالُ، بِالبِناءِ عَلى الضَّمِّ، جُعِلَ اسْمًا عَلى حِيالِهِ. واللّامُ في: (لِيَقْضِ) لامُ الطَّلَبِ والرَّغْبَةِ. والمَعْنى: يُمِتْنا مَرَّةً حَتّى لا يَتَكَرَّرَ عَذابُنا، كَقَوْلِهِ: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥]، أيْ أماتَهُ. (قالَ): أيْ مالِكٌ، ﴿إنَّكم ماكِثُونَ﴾: أيْ مُقِيمُونَ في النّارِ لا تَبْرَحُونَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُجِيبُهم بَعْدَ مُضِيِّ ألْفِ سَنَةٍ، وقالَ نَوْفٌ: بَعْدَ مِائَةٍ، وقِيلَ: ثَمانِينَ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: أرْبَعِينَ.
﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ﴾: يَظْهَرُ أنَّهُ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ: مِن كَلامِ بَعْضِ المَلائِكَةِ، كَما يَقُولُ أحَدُ خَدَمِ الرَّئِيسِ: أعْلَمْناكم وفَعَلْنا بِكم. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿لَقَدْ جِئْناكُمْ﴾ مِن قَوْلِ اللَّهِ لِقُرَيْشٍ بِعَقِبِ حِكايَةِ أمْرِ الكُفّارِ مَعَ مالِكٍ، وفي هَذا تَوَعُّدٌ وتَخْوِيفٌ بِمَعْنى: انْظُرُوا كَيْفَ يَكُونُ حالُكم.
﴿أمْ أبْرَمُوا﴾: والضَّمِيرُ لِقُرَيْشٍ، أيْ بَلْ أحْكَمُوا أمْرًا مِن كَيْدِهِمْ لِلرَّسُولِ ومَكْرِهِمْ، ﴿فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾ كَيْدَنا، كَما أبْرَمُوا كَيْدَهم، كَقَوْلِهِ: ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢]، وكانُوا يَتَناجَوْنَ ويَتَسارَعُونَ في أمْرِ الرَّسُولِ، فَقالَ تَعالى: ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ﴾، وهو ما يُحَدِّثُ بِهِ الرَّجُلُ نَفْسَهُ أوْ غَيْرَهُ في مَكانٍ خالٍ. (ونَجْواهم): وهي ما تَكَلَّمُوا بِهِ فِيما بَيْنَهم. (بَلى): أيْ نَسْمَعُها، (رُسُلُنا)، وهُمُ الحَفَظَةُ.
﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ﴾، كَما تَقُولُونَ، ﴿فَأنا أوَّلُ﴾ مَن يَعْبُدُهُ عَلى ذَلِكَ، ولَكِنْ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ. وأخَذَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا القَوْلَ وحَسَّنَهُ بِفَصاحَتِهِ فَقالَ: إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ، وصَحَّ ذَلِكَ وثَبَتَ بِبُرْهانٍ صَحِيحٍ يُورِدُونَهُ وحُجَّةٍ واضِحَةٍ يَبْذُلُونَها، فَأنا أوَّلُ مَن يُعَظِّمُ ذَلِكَ الوَلَدَ، وأسْبَقُكم إلى طاعَتِهِ والِانْقِيادِ لَهُ، كَما يُعَظِّمُ الرَّجُلُ ولَدَ المَلِكِ لِعِظَمِ أبِيهِ. وهَذا كَلامٌ وارِدٌ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّمْثِيلِ لِغَرَضٍ، وهو المُبالَغَةُ في نَفْيِ الوَلَدِ والإطْنابِ فِيهِ، وأنْ لا يَتْرُكَ النّاطِقُ بِهِ شُبْهَةً إلّا مُضْمَحِلَّةً مَعَ التَّرْجَمَةِ عَنْ نَفْسِهِ بِثَباتِ القَدَمِ في بابِ التَّوْحِيدِ، وذَلِكَ أنَّهُ عَلَّقَ العِبادَةَ بِكَيْنُونَةِ الوَلَدِ، وهي مُحالٌ في نَفْسِها، فَكانَ المُعَلَّقُ بِها مُحالًا مِثْلَها. فَهو في صُورَةِ إثْباتِ الكَيْنُونَةِ والعِبادَةِ، وفي مَعْنى نَفْيِها عَلى أبْلَغِ الوُجُوهِ وأقْواها. ثُمَّ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ونَظِيرُهُ أنْ يَقُولَ العَدْلِيُّ لِلْمُجْبِرِ. ثُمَّ ذَكَرَ كَلامًا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ التَّأْدِيبَ بَلِ السَّيْفَ، نَزَّهْتُ كِتابِي عَنْ ذِكْرِهِ. ثُمَّ قالَ: وقَدْ تَمَحَّلَ النّاسُ بِما أخْرَجُوهُ بِهِ مِن هَذا الأُسْلُوبِ الشَّرِيفِ المَلِيءِ بِالنُّكَتِ والفَوائِدِ المُسْتَقِلَّةِ بِالتَّوْحِيدِ عَلى أبْلَغِ وُجُوهِهِ، فَقِيلَ: إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ، في زَعْمِكم، فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ، المُوَحِّدِينَ لِلَّهِ، المُكَذِّبِينَ قَوْلَهم بِإضافَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ. وقِيلَ: إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ، فَأنا أوَّلُ الآنِفِينَ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ مِن عَبْدٍ يُعْبَدُ، إذا اشْتَدَّ أنْفُهُ فَهو عَبْدٌ وعابِدٌ. وقَرَأ بَعْضُهم: عَبِدِينَ، وقِيلَ: هي إنِ النّافِيَةُ، أيْ ما كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ، فَأنا أوَّلُ مَن قالَ بِذَلِكَ وعَبَدَ ووَحَّدَ.
ورُوِيَ أنَّ النَّضْرَ بْنَ عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيٍّ قالَ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، فَنَزَلَتْ، فَقالَ النَّضْرُ: ألا تَرَوْنَ أنَّهُ قَدْ صَدَّقَنِي ؟ فَقالَ لَهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ: ما صَدَّقَكَ، ولَكِنْ قالَ: ما كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ، فَأنا أوَّلُ المُوَحِّدِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ أنْ لا ولَدَ لَهُ. انْتَهى. أمّا القَوْلُ: إنْ كانَ لِلَّهِ ولَدٌ في زَعْمِكم، فَهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وأمّا القَوْلُ: فَأنا أوَّلُ الآنِفِينَ، فَهو قَوْلُ جَماعَةٍ، حَكاهُ عَنْهم أبُو حاتِمٍ ولَمْ يُسَمِّ أحَدًا مِنهم، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ السُّلَمِيِّ واليَمانِيِّ: العَبِدِينَ، وقِراءَةٌ ذَكَرَها الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ في كِتابِهِ العَيْنِ: العَبْدِينَ، بِإسْكانِ الباءِ، تَخْفِيفُ العَبْدِينَ بِكَسْرِها. وذَكَرَ صاحِبُ اللَّوامِحِ أنَّهُ جاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في مَعْنى العابِدِينَ: أنَّهُ الآنِفِينَ انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: يُقالُ: عَبَدَ يَعْبُدُ فَهو عَبْدٌ، وقَلَّما يُقالُ: عابِدٌ. والقُرْآنُ لا يَأْتِي بِالقَلِيلِ مِنَ اللُّغَةِ ولا الشّاذَّ، ثُمَّ قالَ: كَقَوْلِ مُجاهِدٍ. وقالَ الفَرَزْدَقُ:
؎أُولَئِكَ آبائِي فَجِئْنِي بِمِثْلِهِمْ ∗∗∗ وأعْبُدُ أنْ أهْجُوَ كُلَيْبًا بِدارِمِي
أيْ: آنَفُ وأسْتَنْكِفُ. وقالَ آخَرُ:(p-٢٩)
؎مَتى ما يَشاءُ ذُو الوُدِّ يَصْرِمُ خَلِيلَهُ ∗∗∗ ويَعْبُدُ عَلَيْهِ لا مَحالَةَ ظالِمًا
وأمّا القَوْلُ بِأنَّ إنْ نافِيَةٌ، فَمَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، والسُّدِّيِّ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ، وزُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وقالَ مَكِّيٌّ: لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ إنْ بِمَعْنى ما النّافِيَةِ، لِأنَّهُ يُوهِمُ أنَّكَ إنَّما نَفَيْتَ عَنِ اللَّهِ الوَلَدَ فِيما مَضى دُونَ ما هو آتٍ، وهَذا مُحالٌ. انْتَهى. ولا يَلْزَمُ مِنهُ مُحالٌ، لِأنَّ كانَ قَدْ تُسْتَعْمَلُ فِيما يَدُومُ ولا يَزُولُ، كَقَوْلِكَ: (وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)، أيْ لَمْ يَزَلْ، فالمَعْنى: ما كانَ وما يَكُونُ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: العَبِدُ، بِكَسْرِ الباءِ: الشَّدِيدُ الغَضَبِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ أوَّلُ الجاحِدِينَ. والعَرَبُ تَقُولُ: عَبَدَنِي حَقِّي، أيْ جَحَدَنِي. وقَرَأ ولَدٌ بِفَتْحَتَيْنِ. عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللّامِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾: أيْ مِن نِسْبَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ، والمَعْنى: إزالَةُ العِلْمِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ واجِبَ الوُجُودِ، وما كانَ كَذَلِكَ فَهو فَرْدٌ مُطْلَقٌ لا يَقْبَلُ التَّجْزِيءَ. والوَلَدُ عِبارَةٌ عَنْ أنْ يَنْفَصِلَ عَنِ الشَّيْءِ جُزْءٌ مِن أجْزائِهِ، فَيَتَوَلَّدُ مِنهُ شَخْصٌ مِثْلُهُ، ولا يَكُونُ إلّا فِيما هو قابِلٌ ذاتُهُ لِلتَّجْزِيءِ، وهَذا مُحالٌ في حَقِّهِ تَعالى، فامْتَنَعَ إثْباتُ الوَلَدِ. ولَمّا ذُكِرَ هَذا البُرْهانُ القاطِعُ قالَ: (فَذَرْهم يَخُوضُوا)، أيْ في باطِلِهِمْ، (ويَلْعَبُوا)، أيْ في دُنْياهم. وظاهِرُ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ مُهادَنَةٌ وتَرْكٌ، وذَلِكَ مِمّا نُسِخَ بِآيَةِ السَّيْفِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿حَتّى يُلاقُوا﴾، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وعُبَيْدُ بْنُ عَقِيلٍ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: يَلْقَوْا، مُضارِعُ لَقِيَ.
﴿يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾: يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: يَوْمَ بَدْرٍ، وأضافَ اليَوْمَ إلَيْهِمْ، لِأنَّهُ الَّذِي فِيهِ هَلاكُهم وعَذابُهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: إلَهٌ فِيهِما. وقَرَأ عُمَرُ. وعَبْدُ اللَّهِ، وأُبَيٌّ، وعَلِيٌّ، والحَكَمُ بْنُ أبِي العالِي، وبِلالُ بْنُ أبِي بُرْدَةَ، وابْنُ يَعْمَرَ، وجابِرٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وأبُو الشَّيْخِ الهُنائِيُّ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ مِقْسَمٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: اللَّهُ فِيهِما. ومَعْنى إلَهٍ: مَعْبُودٌ بِهِ، يَتَعَلَّقُ الجارُّ والمَجْرُورُ، والمَعْنى: أنَّهُ هو مَعْبُودٌ في السَّماءِ ومَعْبُودٌ في الأرْضِ، والعائِدُ عَلى المَوْصُولِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: هو إلَهٌ، كَما حُذِفَ في قَوْلِهِمْ: ما أنا بِالَّذِي قائِلٌ لَكَ شَيْئًا، وحَسَّنَهُ طُولُهُ بِالعَطْفِ عَلَيْهِ، كَما حَسَّنَ في: قائِلٌ لَكَ شَيْئًا. طُولُهُ بِالمُعَوَّلِ. ومَن قَرَأ: اللَّهُ، ضَمَّنَهُ أيْضًا مَعْنى المَعْبُودِ، كَما ضُمِّنَ العَلَمُ في نَحْوِ قَوْلِهِمْ: هو حاتِمٌ في طَيِّئٍ. أيْ جَوادٌ في طَيِّئٍ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الصِّلَةُ الجارَّ والمَجْرُورَ. والمَعْنى: أنَّهُ فِيهِما بِالإلَهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ، إذْ يَسْتَحِيلُ حَمْلُهُ عَلى الِاسْتِقْرارِ. وفي قَوْلِهِ: (وفي الأرْضِ)، نَفْيٌ لِآلِهَتِهِمُ الَّتِي كانَتْ تُعْبَدُ في الأرْضِ.
﴿وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾: أيْ عِلْمُ تَعْيِينِ وقْتِ قِيامِها، وهو الَّذِي اسْتَأْثَرَ بِهِ تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَرْجِعُونَ، بِياءِ الغَيْبَةِ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، والعَدَنِيّانِ: بِتاءِ الخِطابِ، وهو في كِلْتا القِراءَتَيْنِ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ. وقُرِئَ: بِفَتْحِ تاءِ الخِطابِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِياءِ الغَيْبَةِ وشَدِّ الدّالِ، وعَنْهُ بِتاءِ الخِطابِ وشَدِّ الدّالِ، والمَعْنى: ولا يَمْلِكُ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ الشَّفاعَةَ عِنْدَ اللَّهِ. قالَ قَتادَةُ: اسْتَثْنى مِمَّنْ عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ عِيسى وعُزَيْرًا والمَلائِكَةَ، فَإنَّهم يَمْلِكُونَ شَفاعَةً بِأنْ يُمَلِّكَها اللَّهُ إيّاهم، إذْ هم مِمَّنْ شَهِدَ بِالحَقِّ، وهم يَعْلَمُونَهُ في أحْوالِهِمْ، فالِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا مُتَّصِلٌ. وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: مِنَ المَشْفُوعِ فِيهِمْ ؟ كَأنَّهُ قالَ: لا يَشْفَعُ هَؤُلاءِ المَلائِكَةُ وعُزَيْرٌ وعِيسى إلّا فِيمَن شَهِدَ بِالحَقِّ، وهو يَعْلَمُهُ، أيْ بِالتَّوْحِيدِ، قالُوا: فالِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا مُنْفَصِلٌ، كَأنَّهُ قالَ: لَكِنَّ مَن شَهِدَ بِالحَقِّ يَشْفَعُ فِيهِمْ هَؤُلاءِ. وهَذا التَّقْدِيرُ الَّذِي قَدَّرُوهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِيهِ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا، لِأنَّهُ يَكُونُ المُسْتَثْنى مِنهُ مَحْذُوفًا، كَأنَّهُ قالَ: ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ في أحَدٍ، إلّا فِيمَن شَهِدَ بِالحَقِّ، فَهو اسْتِثْناءٌ مِنَ المَفْعُولِ المَحْذُوفِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎نَجا سالِمٌ والنَّفْسُ مِنهُ بِشِدْقِهِ ∗∗∗ ولَمْ يَنْجُ إلّا جَفْنَ سَيْفٍ ومِئْزَرا
أيْ لَمْ يَنْجُ إلّا جَفْنَ سَيْفٍ فَهو اسْتِثْناءٌ مِنَ المَشْفُوعِ فِيهِمُ الجائِزُ فِيهِ الحَذْفُ وهو مُتَّصِلٌ فَإنْ جَعَلْتَهُ (p-٣٠)مُسْتَثْنى مِنَ (الَّذِينَ يَدْعُونَ)، فَيَكُونُ مُنْفَصِلًا، والمَعْنى: ولا يَمْلِكُ آلِهَتُهم، ويَعْنِي بِهِمُ الأصْنامَ والأوْثانَ، الشَّفاعَةَ كَما زَعَمُوا أنَّهم شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللَّهِ. ولَكِنَّ (مَن شَهِدَ بِالحَقِّ)، وهو تَوْحِيدُ اللَّهِ، وهو يَعْلَمُ ما شَهِدَ بِهِ، هو الَّذِي يَمْلِكُ الشَّفاعَةَ، وإنْ أُدْرِجَتِ المَلائِكَةُ في (الَّذِينَ يَدْعُونَ)، كانَ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَأنّى يُؤْفَكُونَ)، بِياءِ الغَيْبَةِ، مُناسِبًا لِقَوْلِهِ: (ولَئِنْ سَألْتَهم)، أيْ كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنْ عِبادَةِ مَن أقَرُّوا أنَّهُ مُوجِدُ العالَمِ. وعَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِتاءِ الخِطابِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وقِيلَهُ بِالنَّصْبِ. فَعَنِ الأخْفَشِ: أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى سِرِّهِمْ ونَجْواهم، وعَنْهُ أيْضًا: عَلى وقالَ قِيلَهُ، وعَنِ الزَّجّاجِ، عَلى مَحَلِّ السّاعَةِ في قَوْلِهِ: (وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ) . وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى مَفْعُولِ يَكْتُبُونَ المَحْذُوفِ، أيْ يَكْتُبُونَ أقْوالَهم وأفْعالَهم. وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى مَفْعُولِ يَعْلَمُونَ، أيْ يَعْلَمُونَ الحَقَّ. (وقِيلَهُ يا رَبِّ): وهو قَوْلٌ لا يَكادُ يُعْقَلُ، وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، أيْ ويَعْلَمُ قِيلَهُ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، وعاصِمٌ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ: وقِيلِهِ. بِالخَفْضِ، وخَرَجَ عَلى أنَّهُ عَطْفٌ عَلى السّاعَةِ، أوْ عَلى أنَّها واوُ القَسَمِ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ، أيْ: لَيُنْصَرُنَّ، أوْ لَأفْعَلَنَّ بِهِمْ ما أشاءُ. وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو قِلابَةَ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدَبٍ: وقِيلُهُ. بِالرَّفْعِ، وخَرَجَ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ”عِلْمُ السّاعَةِ“، عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وعِلْمُ قِيلِهِ، حُذِفَ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ. ورُوِيَ هَذا عَنِ الكِسائِيِّ. وعَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ: يا رَبِّ إلى لا يُؤْمِنُونَ، أوْ عَلى أنَّ الخَبَرَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ مَسْمُوعٌ، أوْ مُتَقَبَّلٌ، فَجُمْلَةُ النِّداءِ وما بَعْدَهُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ (وقِيلُهُ) . وقَرَأ أبُو قِلابَةَ: يا رَبَّ، بِفَتْحِ الباءِ، أرادَ: يا رَبًّا، كَما تَقُولُ: يا غُلامُ. ويَتَخَرَّجُ عَلى جَوازِ الأخْفَشِ: يا قَوْمَ، بِالفَتْحِ وحَذْفِ الألِفِ والِاجْتِزاءِ بِالفَتْحَةِ عَنْها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والَّذِي قالُوهُ يَعْنِي مِنَ العَطْفِ لَيْسَ بِقَوِيٍّ في المَعْنى، مَعَ وُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِما لا يَحْسُنُ اعْتِراضًا، ومَعَ تَنافُرِ النَّظْمِ، وأقْوى مِن ذَلِكَ. والوَجْهُ أنْ يَكُونَ الجَرُّ والنَّصْبُ عَلى إضْمارِ حَرْفِ القَسَمِ وحَذْفِهِ، والرَّفْعُ عَلى قَوْلِهِمْ: ايْمُنُ اللَّهِ، وأمانَةُ اللَّهِ، ويَمِينُ اللَّهِ، ولَعَمْرِكَ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾، جَوابُ القَسَمِ، كَأنَّهُ قالَ: وأقْسَمَ بِقِيلِهِ، أوْ وقِيلِهِ يا رَبِّ قَسَمِي.
﴿إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾، وإقْسامُ اللَّهِ بِقِيلِهِ، رَفْعٌ مِنهُ وتَعْظِيمٌ لِدُعائِهِ والتِجائِهِ إلَيْهِ. انْتَهى، وهو مُخالِفٌ لِظاهِرِ الكَلامِ، إذْ يَظْهَرُ أنَّ قَوْلَهُ: يا رَبِّ إلى لا يُؤْمِنُونَ، مُتَعَلِّقٌ بِقِيلِهِ، ومِن كَلامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: وإذا كانَ أنَّ هَؤُلاءِ جَوابَ القَسَمِ، كانَ مِن إخْبارِ اللَّهِ عَنْهم وكَلامِهِ، والضَّمِيرُ في: وقِيلِهِ. لِلرَّسُولِ، وهو المُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ﴿فاصْفَحْ عَنْهُمْ﴾، أيْ أعْرِضْ عَنْهم واتْرُكْهم، ﴿وقُلْ سَلامٌ﴾، أيِ الأمْرُ سَلامٌ، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ: وعِيدٌ لَهم وتَهْدِيدٌ ومُوادَعَةٌ، وهي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَعْلَمُونَ، بِياءِ الغَيْبَةِ، كَما في: فاصْفَحْ عَنْهم. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، ونافِعٌ، وهِشامٌ: بِتاءِ الخِطابِ. وقالَ السُّدِّيُّ: وقُلْ سَلامٌ، أيْ خَيْرًا بَدَلًا مِن شَرِّهِمْ. وقالَ مُقاتِلٌ: أوْرِدْ عَلَيْهِمْ مَعْرُوفًا. وحَكى الماوَرْدِيُّ: قُلْ ما تَسْلَمُ بِهِ مِن شَرِّهِمْ.
الزخرف 43:88
﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ونادَوْا يامالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾ ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ ﴿أمْ أبْرَمُوا أمْرًا فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾ ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْواهم بَلى ورُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ وهو الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ ﴿وتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ إلّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ ﴿وقِيلِهِ يارَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿فاصْفَحْ عَنْهم وقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ .
لَمّا ذَكَرَ تَعالى حالَ أهْلِ الجَنَّةِ، وما يُقالُ لَهم مِن لَذائِذِ البِشارَةِ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ حالِ الكَفَرَةِ، وما يُجاوِبُونَ بِهِ عِنْدَ سُؤالِهِمْ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: وهم فِيها، أيْ في جَهَنَّمَ، والجُمْهُورُ: ﴿وهم فِيهِ﴾ أيْ في العَذابِ. وعَنِ الضَّحّاكِ: يُجْعَلُ المُجْرِمُ في تابُوتٍ مِن نارٍ، ثُمَّ يُرْدَمُ عَلَيْهِ، فَيَبْقى فِيهِ خالِدًا لا يَرى ولا يُرى.
﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾: أيْ لا يُخَفَّفُ ولا يُنْقَصُ، مِن قَوْلِهِمْ: فَتَرَتْ عَنْهُ الحُمّى، إذا سَكَنَتْ قَلِيلًا ونَقَصَ حَرُّها. والمُبْلِسُ: السّاكِتُ اليائِسُ مِنَ الخَيْرِ. (وما ظَلَمْناهم): أيْ ما وضَعْنا العَذابَ فِيمَن لا يَسْتَحِقُّهُ.
﴿ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾: أيِ الواضِعِينَ الكُفْرَ مَوْضِعَ الإيمانِ، فَظَلَمُوا بِذَلِكَ أنْفُسَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: والظّالِمِينَ، عَلى أنَّ هم فَصْلٌ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأبُو زَيْدٍ النَّحْوِيّانِ: الظّالِمُونَ بِالرَّفْعِ، عَلى أنَّهم خَبَرُهم، وهم مُبْتَدَأٌ. وذَكَرَ أبُو عَمْرٍو الجَرْمِيُّ: أنَّ لُغَةَ تَمِيمٍ جَعْلُ ما هو فَصْلٌ عِنْدَ غَيْرِهِمْ مُبْتَدَأً، ويَرْفَعُونَ ما بَعْدَهُ عَلى الخَبَرِ. وقالَ أبُو زَيْدٍ: سَمِعْتُهم يَقْرَءُونَ: تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرٌ وأعْظَمُ أجْرًا. يَعْنِي: بِرَفْعِ ”خَيْرٌ وأعْظَمُ“ . وقالَ قَيْسُ بْنُ ذُرَيْجٍ:
؎نَحِنُّ إلى لَيْلى وأنْتَ تَرَكْتَها وكُنْتَ عَلَيْها بِالمَلا أنْتَ أقْدَرُ
قالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ رُؤْبَةَ كانَ يَقُولُ: أظُنُّ زَيْدًا هو خَيْرٌ مِنكَ. يَعْنِي بِالرَّفْعِ.
﴿ونادَوْا يامالِكُ﴾: تَقَدَّمَ أنَّهم مُبْلِسُونَ، أيْ ساكِتُونَ، وهَذِهِ أحْوالٌ لَهم في أزْمانٍ مُتَطاوِلَةٍ، فَلا تَعارُضَ بَيْنَ سُكُوتِهِمْ ونِدائِهِمْ. (p-٢٨)وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يا مالِكُ﴾ . وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وعَلِيٌّ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ: يا مالِ، بِالتَّرْخِيمِ، عَلى لُغَةِ مَن يَنْتَظِرُ الحَرْفَ. وقَرَأ أبُو السِّرارِ الغَنَوِيُّ: يا مالُ، بِالبِناءِ عَلى الضَّمِّ، جُعِلَ اسْمًا عَلى حِيالِهِ. واللّامُ في: (لِيَقْضِ) لامُ الطَّلَبِ والرَّغْبَةِ. والمَعْنى: يُمِتْنا مَرَّةً حَتّى لا يَتَكَرَّرَ عَذابُنا، كَقَوْلِهِ: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥]، أيْ أماتَهُ. (قالَ): أيْ مالِكٌ، ﴿إنَّكم ماكِثُونَ﴾: أيْ مُقِيمُونَ في النّارِ لا تَبْرَحُونَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُجِيبُهم بَعْدَ مُضِيِّ ألْفِ سَنَةٍ، وقالَ نَوْفٌ: بَعْدَ مِائَةٍ، وقِيلَ: ثَمانِينَ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: أرْبَعِينَ.
﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ﴾: يَظْهَرُ أنَّهُ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ: مِن كَلامِ بَعْضِ المَلائِكَةِ، كَما يَقُولُ أحَدُ خَدَمِ الرَّئِيسِ: أعْلَمْناكم وفَعَلْنا بِكم. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿لَقَدْ جِئْناكُمْ﴾ مِن قَوْلِ اللَّهِ لِقُرَيْشٍ بِعَقِبِ حِكايَةِ أمْرِ الكُفّارِ مَعَ مالِكٍ، وفي هَذا تَوَعُّدٌ وتَخْوِيفٌ بِمَعْنى: انْظُرُوا كَيْفَ يَكُونُ حالُكم.
﴿أمْ أبْرَمُوا﴾: والضَّمِيرُ لِقُرَيْشٍ، أيْ بَلْ أحْكَمُوا أمْرًا مِن كَيْدِهِمْ لِلرَّسُولِ ومَكْرِهِمْ، ﴿فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾ كَيْدَنا، كَما أبْرَمُوا كَيْدَهم، كَقَوْلِهِ: ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢]، وكانُوا يَتَناجَوْنَ ويَتَسارَعُونَ في أمْرِ الرَّسُولِ، فَقالَ تَعالى: ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ﴾، وهو ما يُحَدِّثُ بِهِ الرَّجُلُ نَفْسَهُ أوْ غَيْرَهُ في مَكانٍ خالٍ. (ونَجْواهم): وهي ما تَكَلَّمُوا بِهِ فِيما بَيْنَهم. (بَلى): أيْ نَسْمَعُها، (رُسُلُنا)، وهُمُ الحَفَظَةُ.
﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ﴾، كَما تَقُولُونَ، ﴿فَأنا أوَّلُ﴾ مَن يَعْبُدُهُ عَلى ذَلِكَ، ولَكِنْ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ. وأخَذَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا القَوْلَ وحَسَّنَهُ بِفَصاحَتِهِ فَقالَ: إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ، وصَحَّ ذَلِكَ وثَبَتَ بِبُرْهانٍ صَحِيحٍ يُورِدُونَهُ وحُجَّةٍ واضِحَةٍ يَبْذُلُونَها، فَأنا أوَّلُ مَن يُعَظِّمُ ذَلِكَ الوَلَدَ، وأسْبَقُكم إلى طاعَتِهِ والِانْقِيادِ لَهُ، كَما يُعَظِّمُ الرَّجُلُ ولَدَ المَلِكِ لِعِظَمِ أبِيهِ. وهَذا كَلامٌ وارِدٌ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّمْثِيلِ لِغَرَضٍ، وهو المُبالَغَةُ في نَفْيِ الوَلَدِ والإطْنابِ فِيهِ، وأنْ لا يَتْرُكَ النّاطِقُ بِهِ شُبْهَةً إلّا مُضْمَحِلَّةً مَعَ التَّرْجَمَةِ عَنْ نَفْسِهِ بِثَباتِ القَدَمِ في بابِ التَّوْحِيدِ، وذَلِكَ أنَّهُ عَلَّقَ العِبادَةَ بِكَيْنُونَةِ الوَلَدِ، وهي مُحالٌ في نَفْسِها، فَكانَ المُعَلَّقُ بِها مُحالًا مِثْلَها. فَهو في صُورَةِ إثْباتِ الكَيْنُونَةِ والعِبادَةِ، وفي مَعْنى نَفْيِها عَلى أبْلَغِ الوُجُوهِ وأقْواها. ثُمَّ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ونَظِيرُهُ أنْ يَقُولَ العَدْلِيُّ لِلْمُجْبِرِ. ثُمَّ ذَكَرَ كَلامًا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ التَّأْدِيبَ بَلِ السَّيْفَ، نَزَّهْتُ كِتابِي عَنْ ذِكْرِهِ. ثُمَّ قالَ: وقَدْ تَمَحَّلَ النّاسُ بِما أخْرَجُوهُ بِهِ مِن هَذا الأُسْلُوبِ الشَّرِيفِ المَلِيءِ بِالنُّكَتِ والفَوائِدِ المُسْتَقِلَّةِ بِالتَّوْحِيدِ عَلى أبْلَغِ وُجُوهِهِ، فَقِيلَ: إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ، في زَعْمِكم، فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ، المُوَحِّدِينَ لِلَّهِ، المُكَذِّبِينَ قَوْلَهم بِإضافَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ. وقِيلَ: إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ، فَأنا أوَّلُ الآنِفِينَ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ مِن عَبْدٍ يُعْبَدُ، إذا اشْتَدَّ أنْفُهُ فَهو عَبْدٌ وعابِدٌ. وقَرَأ بَعْضُهم: عَبِدِينَ، وقِيلَ: هي إنِ النّافِيَةُ، أيْ ما كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ، فَأنا أوَّلُ مَن قالَ بِذَلِكَ وعَبَدَ ووَحَّدَ.
ورُوِيَ أنَّ النَّضْرَ بْنَ عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيٍّ قالَ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، فَنَزَلَتْ، فَقالَ النَّضْرُ: ألا تَرَوْنَ أنَّهُ قَدْ صَدَّقَنِي ؟ فَقالَ لَهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ: ما صَدَّقَكَ، ولَكِنْ قالَ: ما كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ، فَأنا أوَّلُ المُوَحِّدِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ أنْ لا ولَدَ لَهُ. انْتَهى. أمّا القَوْلُ: إنْ كانَ لِلَّهِ ولَدٌ في زَعْمِكم، فَهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وأمّا القَوْلُ: فَأنا أوَّلُ الآنِفِينَ، فَهو قَوْلُ جَماعَةٍ، حَكاهُ عَنْهم أبُو حاتِمٍ ولَمْ يُسَمِّ أحَدًا مِنهم، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ السُّلَمِيِّ واليَمانِيِّ: العَبِدِينَ، وقِراءَةٌ ذَكَرَها الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ في كِتابِهِ العَيْنِ: العَبْدِينَ، بِإسْكانِ الباءِ، تَخْفِيفُ العَبْدِينَ بِكَسْرِها. وذَكَرَ صاحِبُ اللَّوامِحِ أنَّهُ جاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في مَعْنى العابِدِينَ: أنَّهُ الآنِفِينَ انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: يُقالُ: عَبَدَ يَعْبُدُ فَهو عَبْدٌ، وقَلَّما يُقالُ: عابِدٌ. والقُرْآنُ لا يَأْتِي بِالقَلِيلِ مِنَ اللُّغَةِ ولا الشّاذَّ، ثُمَّ قالَ: كَقَوْلِ مُجاهِدٍ. وقالَ الفَرَزْدَقُ:
؎أُولَئِكَ آبائِي فَجِئْنِي بِمِثْلِهِمْ ∗∗∗ وأعْبُدُ أنْ أهْجُوَ كُلَيْبًا بِدارِمِي
أيْ: آنَفُ وأسْتَنْكِفُ. وقالَ آخَرُ:(p-٢٩)
؎مَتى ما يَشاءُ ذُو الوُدِّ يَصْرِمُ خَلِيلَهُ ∗∗∗ ويَعْبُدُ عَلَيْهِ لا مَحالَةَ ظالِمًا
وأمّا القَوْلُ بِأنَّ إنْ نافِيَةٌ، فَمَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، والسُّدِّيِّ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ، وزُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وقالَ مَكِّيٌّ: لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ إنْ بِمَعْنى ما النّافِيَةِ، لِأنَّهُ يُوهِمُ أنَّكَ إنَّما نَفَيْتَ عَنِ اللَّهِ الوَلَدَ فِيما مَضى دُونَ ما هو آتٍ، وهَذا مُحالٌ. انْتَهى. ولا يَلْزَمُ مِنهُ مُحالٌ، لِأنَّ كانَ قَدْ تُسْتَعْمَلُ فِيما يَدُومُ ولا يَزُولُ، كَقَوْلِكَ: (وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)، أيْ لَمْ يَزَلْ، فالمَعْنى: ما كانَ وما يَكُونُ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: العَبِدُ، بِكَسْرِ الباءِ: الشَّدِيدُ الغَضَبِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ أوَّلُ الجاحِدِينَ. والعَرَبُ تَقُولُ: عَبَدَنِي حَقِّي، أيْ جَحَدَنِي. وقَرَأ ولَدٌ بِفَتْحَتَيْنِ. عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللّامِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾: أيْ مِن نِسْبَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ، والمَعْنى: إزالَةُ العِلْمِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ واجِبَ الوُجُودِ، وما كانَ كَذَلِكَ فَهو فَرْدٌ مُطْلَقٌ لا يَقْبَلُ التَّجْزِيءَ. والوَلَدُ عِبارَةٌ عَنْ أنْ يَنْفَصِلَ عَنِ الشَّيْءِ جُزْءٌ مِن أجْزائِهِ، فَيَتَوَلَّدُ مِنهُ شَخْصٌ مِثْلُهُ، ولا يَكُونُ إلّا فِيما هو قابِلٌ ذاتُهُ لِلتَّجْزِيءِ، وهَذا مُحالٌ في حَقِّهِ تَعالى، فامْتَنَعَ إثْباتُ الوَلَدِ. ولَمّا ذُكِرَ هَذا البُرْهانُ القاطِعُ قالَ: (فَذَرْهم يَخُوضُوا)، أيْ في باطِلِهِمْ، (ويَلْعَبُوا)، أيْ في دُنْياهم. وظاهِرُ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ مُهادَنَةٌ وتَرْكٌ، وذَلِكَ مِمّا نُسِخَ بِآيَةِ السَّيْفِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿حَتّى يُلاقُوا﴾، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وعُبَيْدُ بْنُ عَقِيلٍ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: يَلْقَوْا، مُضارِعُ لَقِيَ.
﴿يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾: يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: يَوْمَ بَدْرٍ، وأضافَ اليَوْمَ إلَيْهِمْ، لِأنَّهُ الَّذِي فِيهِ هَلاكُهم وعَذابُهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: إلَهٌ فِيهِما. وقَرَأ عُمَرُ. وعَبْدُ اللَّهِ، وأُبَيٌّ، وعَلِيٌّ، والحَكَمُ بْنُ أبِي العالِي، وبِلالُ بْنُ أبِي بُرْدَةَ، وابْنُ يَعْمَرَ، وجابِرٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وأبُو الشَّيْخِ الهُنائِيُّ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ مِقْسَمٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: اللَّهُ فِيهِما. ومَعْنى إلَهٍ: مَعْبُودٌ بِهِ، يَتَعَلَّقُ الجارُّ والمَجْرُورُ، والمَعْنى: أنَّهُ هو مَعْبُودٌ في السَّماءِ ومَعْبُودٌ في الأرْضِ، والعائِدُ عَلى المَوْصُولِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: هو إلَهٌ، كَما حُذِفَ في قَوْلِهِمْ: ما أنا بِالَّذِي قائِلٌ لَكَ شَيْئًا، وحَسَّنَهُ طُولُهُ بِالعَطْفِ عَلَيْهِ، كَما حَسَّنَ في: قائِلٌ لَكَ شَيْئًا. طُولُهُ بِالمُعَوَّلِ. ومَن قَرَأ: اللَّهُ، ضَمَّنَهُ أيْضًا مَعْنى المَعْبُودِ، كَما ضُمِّنَ العَلَمُ في نَحْوِ قَوْلِهِمْ: هو حاتِمٌ في طَيِّئٍ. أيْ جَوادٌ في طَيِّئٍ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الصِّلَةُ الجارَّ والمَجْرُورَ. والمَعْنى: أنَّهُ فِيهِما بِالإلَهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ، إذْ يَسْتَحِيلُ حَمْلُهُ عَلى الِاسْتِقْرارِ. وفي قَوْلِهِ: (وفي الأرْضِ)، نَفْيٌ لِآلِهَتِهِمُ الَّتِي كانَتْ تُعْبَدُ في الأرْضِ.
﴿وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾: أيْ عِلْمُ تَعْيِينِ وقْتِ قِيامِها، وهو الَّذِي اسْتَأْثَرَ بِهِ تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَرْجِعُونَ، بِياءِ الغَيْبَةِ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، والعَدَنِيّانِ: بِتاءِ الخِطابِ، وهو في كِلْتا القِراءَتَيْنِ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ. وقُرِئَ: بِفَتْحِ تاءِ الخِطابِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِياءِ الغَيْبَةِ وشَدِّ الدّالِ، وعَنْهُ بِتاءِ الخِطابِ وشَدِّ الدّالِ، والمَعْنى: ولا يَمْلِكُ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ الشَّفاعَةَ عِنْدَ اللَّهِ. قالَ قَتادَةُ: اسْتَثْنى مِمَّنْ عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ عِيسى وعُزَيْرًا والمَلائِكَةَ، فَإنَّهم يَمْلِكُونَ شَفاعَةً بِأنْ يُمَلِّكَها اللَّهُ إيّاهم، إذْ هم مِمَّنْ شَهِدَ بِالحَقِّ، وهم يَعْلَمُونَهُ في أحْوالِهِمْ، فالِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا مُتَّصِلٌ. وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: مِنَ المَشْفُوعِ فِيهِمْ ؟ كَأنَّهُ قالَ: لا يَشْفَعُ هَؤُلاءِ المَلائِكَةُ وعُزَيْرٌ وعِيسى إلّا فِيمَن شَهِدَ بِالحَقِّ، وهو يَعْلَمُهُ، أيْ بِالتَّوْحِيدِ، قالُوا: فالِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا مُنْفَصِلٌ، كَأنَّهُ قالَ: لَكِنَّ مَن شَهِدَ بِالحَقِّ يَشْفَعُ فِيهِمْ هَؤُلاءِ. وهَذا التَّقْدِيرُ الَّذِي قَدَّرُوهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِيهِ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا، لِأنَّهُ يَكُونُ المُسْتَثْنى مِنهُ مَحْذُوفًا، كَأنَّهُ قالَ: ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ في أحَدٍ، إلّا فِيمَن شَهِدَ بِالحَقِّ، فَهو اسْتِثْناءٌ مِنَ المَفْعُولِ المَحْذُوفِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎نَجا سالِمٌ والنَّفْسُ مِنهُ بِشِدْقِهِ ∗∗∗ ولَمْ يَنْجُ إلّا جَفْنَ سَيْفٍ ومِئْزَرا
أيْ لَمْ يَنْجُ إلّا جَفْنَ سَيْفٍ فَهو اسْتِثْناءٌ مِنَ المَشْفُوعِ فِيهِمُ الجائِزُ فِيهِ الحَذْفُ وهو مُتَّصِلٌ فَإنْ جَعَلْتَهُ (p-٣٠)مُسْتَثْنى مِنَ (الَّذِينَ يَدْعُونَ)، فَيَكُونُ مُنْفَصِلًا، والمَعْنى: ولا يَمْلِكُ آلِهَتُهم، ويَعْنِي بِهِمُ الأصْنامَ والأوْثانَ، الشَّفاعَةَ كَما زَعَمُوا أنَّهم شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللَّهِ. ولَكِنَّ (مَن شَهِدَ بِالحَقِّ)، وهو تَوْحِيدُ اللَّهِ، وهو يَعْلَمُ ما شَهِدَ بِهِ، هو الَّذِي يَمْلِكُ الشَّفاعَةَ، وإنْ أُدْرِجَتِ المَلائِكَةُ في (الَّذِينَ يَدْعُونَ)، كانَ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَأنّى يُؤْفَكُونَ)، بِياءِ الغَيْبَةِ، مُناسِبًا لِقَوْلِهِ: (ولَئِنْ سَألْتَهم)، أيْ كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنْ عِبادَةِ مَن أقَرُّوا أنَّهُ مُوجِدُ العالَمِ. وعَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِتاءِ الخِطابِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وقِيلَهُ بِالنَّصْبِ. فَعَنِ الأخْفَشِ: أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى سِرِّهِمْ ونَجْواهم، وعَنْهُ أيْضًا: عَلى وقالَ قِيلَهُ، وعَنِ الزَّجّاجِ، عَلى مَحَلِّ السّاعَةِ في قَوْلِهِ: (وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ) . وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى مَفْعُولِ يَكْتُبُونَ المَحْذُوفِ، أيْ يَكْتُبُونَ أقْوالَهم وأفْعالَهم. وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى مَفْعُولِ يَعْلَمُونَ، أيْ يَعْلَمُونَ الحَقَّ. (وقِيلَهُ يا رَبِّ): وهو قَوْلٌ لا يَكادُ يُعْقَلُ، وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، أيْ ويَعْلَمُ قِيلَهُ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، وعاصِمٌ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ: وقِيلِهِ. بِالخَفْضِ، وخَرَجَ عَلى أنَّهُ عَطْفٌ عَلى السّاعَةِ، أوْ عَلى أنَّها واوُ القَسَمِ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ، أيْ: لَيُنْصَرُنَّ، أوْ لَأفْعَلَنَّ بِهِمْ ما أشاءُ. وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو قِلابَةَ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدَبٍ: وقِيلُهُ. بِالرَّفْعِ، وخَرَجَ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ”عِلْمُ السّاعَةِ“، عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وعِلْمُ قِيلِهِ، حُذِفَ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ. ورُوِيَ هَذا عَنِ الكِسائِيِّ. وعَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ: يا رَبِّ إلى لا يُؤْمِنُونَ، أوْ عَلى أنَّ الخَبَرَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ مَسْمُوعٌ، أوْ مُتَقَبَّلٌ، فَجُمْلَةُ النِّداءِ وما بَعْدَهُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ (وقِيلُهُ) . وقَرَأ أبُو قِلابَةَ: يا رَبَّ، بِفَتْحِ الباءِ، أرادَ: يا رَبًّا، كَما تَقُولُ: يا غُلامُ. ويَتَخَرَّجُ عَلى جَوازِ الأخْفَشِ: يا قَوْمَ، بِالفَتْحِ وحَذْفِ الألِفِ والِاجْتِزاءِ بِالفَتْحَةِ عَنْها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والَّذِي قالُوهُ يَعْنِي مِنَ العَطْفِ لَيْسَ بِقَوِيٍّ في المَعْنى، مَعَ وُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِما لا يَحْسُنُ اعْتِراضًا، ومَعَ تَنافُرِ النَّظْمِ، وأقْوى مِن ذَلِكَ. والوَجْهُ أنْ يَكُونَ الجَرُّ والنَّصْبُ عَلى إضْمارِ حَرْفِ القَسَمِ وحَذْفِهِ، والرَّفْعُ عَلى قَوْلِهِمْ: ايْمُنُ اللَّهِ، وأمانَةُ اللَّهِ، ويَمِينُ اللَّهِ، ولَعَمْرِكَ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾، جَوابُ القَسَمِ، كَأنَّهُ قالَ: وأقْسَمَ بِقِيلِهِ، أوْ وقِيلِهِ يا رَبِّ قَسَمِي.
﴿إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾، وإقْسامُ اللَّهِ بِقِيلِهِ، رَفْعٌ مِنهُ وتَعْظِيمٌ لِدُعائِهِ والتِجائِهِ إلَيْهِ. انْتَهى، وهو مُخالِفٌ لِظاهِرِ الكَلامِ، إذْ يَظْهَرُ أنَّ قَوْلَهُ: يا رَبِّ إلى لا يُؤْمِنُونَ، مُتَعَلِّقٌ بِقِيلِهِ، ومِن كَلامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: وإذا كانَ أنَّ هَؤُلاءِ جَوابَ القَسَمِ، كانَ مِن إخْبارِ اللَّهِ عَنْهم وكَلامِهِ، والضَّمِيرُ في: وقِيلِهِ. لِلرَّسُولِ، وهو المُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ﴿فاصْفَحْ عَنْهُمْ﴾، أيْ أعْرِضْ عَنْهم واتْرُكْهم، ﴿وقُلْ سَلامٌ﴾، أيِ الأمْرُ سَلامٌ، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ: وعِيدٌ لَهم وتَهْدِيدٌ ومُوادَعَةٌ، وهي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَعْلَمُونَ، بِياءِ الغَيْبَةِ، كَما في: فاصْفَحْ عَنْهم. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، ونافِعٌ، وهِشامٌ: بِتاءِ الخِطابِ. وقالَ السُّدِّيُّ: وقُلْ سَلامٌ، أيْ خَيْرًا بَدَلًا مِن شَرِّهِمْ. وقالَ مُقاتِلٌ: أوْرِدْ عَلَيْهِمْ مَعْرُوفًا. وحَكى الماوَرْدِيُّ: قُلْ ما تَسْلَمُ بِهِ مِن شَرِّهِمْ.
الزخرف 43:89
﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ونادَوْا يامالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾ ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ ﴿أمْ أبْرَمُوا أمْرًا فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾ ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْواهم بَلى ورُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ وهو الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ ﴿وتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ إلّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ ﴿وقِيلِهِ يارَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿فاصْفَحْ عَنْهم وقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ .
لَمّا ذَكَرَ تَعالى حالَ أهْلِ الجَنَّةِ، وما يُقالُ لَهم مِن لَذائِذِ البِشارَةِ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ حالِ الكَفَرَةِ، وما يُجاوِبُونَ بِهِ عِنْدَ سُؤالِهِمْ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: وهم فِيها، أيْ في جَهَنَّمَ، والجُمْهُورُ: ﴿وهم فِيهِ﴾ أيْ في العَذابِ. وعَنِ الضَّحّاكِ: يُجْعَلُ المُجْرِمُ في تابُوتٍ مِن نارٍ، ثُمَّ يُرْدَمُ عَلَيْهِ، فَيَبْقى فِيهِ خالِدًا لا يَرى ولا يُرى.
﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾: أيْ لا يُخَفَّفُ ولا يُنْقَصُ، مِن قَوْلِهِمْ: فَتَرَتْ عَنْهُ الحُمّى، إذا سَكَنَتْ قَلِيلًا ونَقَصَ حَرُّها. والمُبْلِسُ: السّاكِتُ اليائِسُ مِنَ الخَيْرِ. (وما ظَلَمْناهم): أيْ ما وضَعْنا العَذابَ فِيمَن لا يَسْتَحِقُّهُ.
﴿ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾: أيِ الواضِعِينَ الكُفْرَ مَوْضِعَ الإيمانِ، فَظَلَمُوا بِذَلِكَ أنْفُسَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: والظّالِمِينَ، عَلى أنَّ هم فَصْلٌ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأبُو زَيْدٍ النَّحْوِيّانِ: الظّالِمُونَ بِالرَّفْعِ، عَلى أنَّهم خَبَرُهم، وهم مُبْتَدَأٌ. وذَكَرَ أبُو عَمْرٍو الجَرْمِيُّ: أنَّ لُغَةَ تَمِيمٍ جَعْلُ ما هو فَصْلٌ عِنْدَ غَيْرِهِمْ مُبْتَدَأً، ويَرْفَعُونَ ما بَعْدَهُ عَلى الخَبَرِ. وقالَ أبُو زَيْدٍ: سَمِعْتُهم يَقْرَءُونَ: تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرٌ وأعْظَمُ أجْرًا. يَعْنِي: بِرَفْعِ ”خَيْرٌ وأعْظَمُ“ . وقالَ قَيْسُ بْنُ ذُرَيْجٍ:
؎نَحِنُّ إلى لَيْلى وأنْتَ تَرَكْتَها وكُنْتَ عَلَيْها بِالمَلا أنْتَ أقْدَرُ
قالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ رُؤْبَةَ كانَ يَقُولُ: أظُنُّ زَيْدًا هو خَيْرٌ مِنكَ. يَعْنِي بِالرَّفْعِ.
﴿ونادَوْا يامالِكُ﴾: تَقَدَّمَ أنَّهم مُبْلِسُونَ، أيْ ساكِتُونَ، وهَذِهِ أحْوالٌ لَهم في أزْمانٍ مُتَطاوِلَةٍ، فَلا تَعارُضَ بَيْنَ سُكُوتِهِمْ ونِدائِهِمْ. (p-٢٨)وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يا مالِكُ﴾ . وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وعَلِيٌّ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ: يا مالِ، بِالتَّرْخِيمِ، عَلى لُغَةِ مَن يَنْتَظِرُ الحَرْفَ. وقَرَأ أبُو السِّرارِ الغَنَوِيُّ: يا مالُ، بِالبِناءِ عَلى الضَّمِّ، جُعِلَ اسْمًا عَلى حِيالِهِ. واللّامُ في: (لِيَقْضِ) لامُ الطَّلَبِ والرَّغْبَةِ. والمَعْنى: يُمِتْنا مَرَّةً حَتّى لا يَتَكَرَّرَ عَذابُنا، كَقَوْلِهِ: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥]، أيْ أماتَهُ. (قالَ): أيْ مالِكٌ، ﴿إنَّكم ماكِثُونَ﴾: أيْ مُقِيمُونَ في النّارِ لا تَبْرَحُونَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُجِيبُهم بَعْدَ مُضِيِّ ألْفِ سَنَةٍ، وقالَ نَوْفٌ: بَعْدَ مِائَةٍ، وقِيلَ: ثَمانِينَ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: أرْبَعِينَ.
﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ﴾: يَظْهَرُ أنَّهُ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ: مِن كَلامِ بَعْضِ المَلائِكَةِ، كَما يَقُولُ أحَدُ خَدَمِ الرَّئِيسِ: أعْلَمْناكم وفَعَلْنا بِكم. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿لَقَدْ جِئْناكُمْ﴾ مِن قَوْلِ اللَّهِ لِقُرَيْشٍ بِعَقِبِ حِكايَةِ أمْرِ الكُفّارِ مَعَ مالِكٍ، وفي هَذا تَوَعُّدٌ وتَخْوِيفٌ بِمَعْنى: انْظُرُوا كَيْفَ يَكُونُ حالُكم.
﴿أمْ أبْرَمُوا﴾: والضَّمِيرُ لِقُرَيْشٍ، أيْ بَلْ أحْكَمُوا أمْرًا مِن كَيْدِهِمْ لِلرَّسُولِ ومَكْرِهِمْ، ﴿فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾ كَيْدَنا، كَما أبْرَمُوا كَيْدَهم، كَقَوْلِهِ: ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢]، وكانُوا يَتَناجَوْنَ ويَتَسارَعُونَ في أمْرِ الرَّسُولِ، فَقالَ تَعالى: ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ﴾، وهو ما يُحَدِّثُ بِهِ الرَّجُلُ نَفْسَهُ أوْ غَيْرَهُ في مَكانٍ خالٍ. (ونَجْواهم): وهي ما تَكَلَّمُوا بِهِ فِيما بَيْنَهم. (بَلى): أيْ نَسْمَعُها، (رُسُلُنا)، وهُمُ الحَفَظَةُ.
﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ﴾، كَما تَقُولُونَ، ﴿فَأنا أوَّلُ﴾ مَن يَعْبُدُهُ عَلى ذَلِكَ، ولَكِنْ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ. وأخَذَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا القَوْلَ وحَسَّنَهُ بِفَصاحَتِهِ فَقالَ: إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ، وصَحَّ ذَلِكَ وثَبَتَ بِبُرْهانٍ صَحِيحٍ يُورِدُونَهُ وحُجَّةٍ واضِحَةٍ يَبْذُلُونَها، فَأنا أوَّلُ مَن يُعَظِّمُ ذَلِكَ الوَلَدَ، وأسْبَقُكم إلى طاعَتِهِ والِانْقِيادِ لَهُ، كَما يُعَظِّمُ الرَّجُلُ ولَدَ المَلِكِ لِعِظَمِ أبِيهِ. وهَذا كَلامٌ وارِدٌ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّمْثِيلِ لِغَرَضٍ، وهو المُبالَغَةُ في نَفْيِ الوَلَدِ والإطْنابِ فِيهِ، وأنْ لا يَتْرُكَ النّاطِقُ بِهِ شُبْهَةً إلّا مُضْمَحِلَّةً مَعَ التَّرْجَمَةِ عَنْ نَفْسِهِ بِثَباتِ القَدَمِ في بابِ التَّوْحِيدِ، وذَلِكَ أنَّهُ عَلَّقَ العِبادَةَ بِكَيْنُونَةِ الوَلَدِ، وهي مُحالٌ في نَفْسِها، فَكانَ المُعَلَّقُ بِها مُحالًا مِثْلَها. فَهو في صُورَةِ إثْباتِ الكَيْنُونَةِ والعِبادَةِ، وفي مَعْنى نَفْيِها عَلى أبْلَغِ الوُجُوهِ وأقْواها. ثُمَّ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ونَظِيرُهُ أنْ يَقُولَ العَدْلِيُّ لِلْمُجْبِرِ. ثُمَّ ذَكَرَ كَلامًا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ التَّأْدِيبَ بَلِ السَّيْفَ، نَزَّهْتُ كِتابِي عَنْ ذِكْرِهِ. ثُمَّ قالَ: وقَدْ تَمَحَّلَ النّاسُ بِما أخْرَجُوهُ بِهِ مِن هَذا الأُسْلُوبِ الشَّرِيفِ المَلِيءِ بِالنُّكَتِ والفَوائِدِ المُسْتَقِلَّةِ بِالتَّوْحِيدِ عَلى أبْلَغِ وُجُوهِهِ، فَقِيلَ: إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ، في زَعْمِكم، فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ، المُوَحِّدِينَ لِلَّهِ، المُكَذِّبِينَ قَوْلَهم بِإضافَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ. وقِيلَ: إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ، فَأنا أوَّلُ الآنِفِينَ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ مِن عَبْدٍ يُعْبَدُ، إذا اشْتَدَّ أنْفُهُ فَهو عَبْدٌ وعابِدٌ. وقَرَأ بَعْضُهم: عَبِدِينَ، وقِيلَ: هي إنِ النّافِيَةُ، أيْ ما كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ، فَأنا أوَّلُ مَن قالَ بِذَلِكَ وعَبَدَ ووَحَّدَ.
ورُوِيَ أنَّ النَّضْرَ بْنَ عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيٍّ قالَ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، فَنَزَلَتْ، فَقالَ النَّضْرُ: ألا تَرَوْنَ أنَّهُ قَدْ صَدَّقَنِي ؟ فَقالَ لَهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ: ما صَدَّقَكَ، ولَكِنْ قالَ: ما كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ، فَأنا أوَّلُ المُوَحِّدِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ أنْ لا ولَدَ لَهُ. انْتَهى. أمّا القَوْلُ: إنْ كانَ لِلَّهِ ولَدٌ في زَعْمِكم، فَهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وأمّا القَوْلُ: فَأنا أوَّلُ الآنِفِينَ، فَهو قَوْلُ جَماعَةٍ، حَكاهُ عَنْهم أبُو حاتِمٍ ولَمْ يُسَمِّ أحَدًا مِنهم، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ السُّلَمِيِّ واليَمانِيِّ: العَبِدِينَ، وقِراءَةٌ ذَكَرَها الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ في كِتابِهِ العَيْنِ: العَبْدِينَ، بِإسْكانِ الباءِ، تَخْفِيفُ العَبْدِينَ بِكَسْرِها. وذَكَرَ صاحِبُ اللَّوامِحِ أنَّهُ جاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في مَعْنى العابِدِينَ: أنَّهُ الآنِفِينَ انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: يُقالُ: عَبَدَ يَعْبُدُ فَهو عَبْدٌ، وقَلَّما يُقالُ: عابِدٌ. والقُرْآنُ لا يَأْتِي بِالقَلِيلِ مِنَ اللُّغَةِ ولا الشّاذَّ، ثُمَّ قالَ: كَقَوْلِ مُجاهِدٍ. وقالَ الفَرَزْدَقُ:
؎أُولَئِكَ آبائِي فَجِئْنِي بِمِثْلِهِمْ ∗∗∗ وأعْبُدُ أنْ أهْجُوَ كُلَيْبًا بِدارِمِي
أيْ: آنَفُ وأسْتَنْكِفُ. وقالَ آخَرُ:(p-٢٩)
؎مَتى ما يَشاءُ ذُو الوُدِّ يَصْرِمُ خَلِيلَهُ ∗∗∗ ويَعْبُدُ عَلَيْهِ لا مَحالَةَ ظالِمًا
وأمّا القَوْلُ بِأنَّ إنْ نافِيَةٌ، فَمَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، والسُّدِّيِّ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ، وزُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وقالَ مَكِّيٌّ: لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ إنْ بِمَعْنى ما النّافِيَةِ، لِأنَّهُ يُوهِمُ أنَّكَ إنَّما نَفَيْتَ عَنِ اللَّهِ الوَلَدَ فِيما مَضى دُونَ ما هو آتٍ، وهَذا مُحالٌ. انْتَهى. ولا يَلْزَمُ مِنهُ مُحالٌ، لِأنَّ كانَ قَدْ تُسْتَعْمَلُ فِيما يَدُومُ ولا يَزُولُ، كَقَوْلِكَ: (وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)، أيْ لَمْ يَزَلْ، فالمَعْنى: ما كانَ وما يَكُونُ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: العَبِدُ، بِكَسْرِ الباءِ: الشَّدِيدُ الغَضَبِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ أوَّلُ الجاحِدِينَ. والعَرَبُ تَقُولُ: عَبَدَنِي حَقِّي، أيْ جَحَدَنِي. وقَرَأ ولَدٌ بِفَتْحَتَيْنِ. عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللّامِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾: أيْ مِن نِسْبَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ، والمَعْنى: إزالَةُ العِلْمِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ واجِبَ الوُجُودِ، وما كانَ كَذَلِكَ فَهو فَرْدٌ مُطْلَقٌ لا يَقْبَلُ التَّجْزِيءَ. والوَلَدُ عِبارَةٌ عَنْ أنْ يَنْفَصِلَ عَنِ الشَّيْءِ جُزْءٌ مِن أجْزائِهِ، فَيَتَوَلَّدُ مِنهُ شَخْصٌ مِثْلُهُ، ولا يَكُونُ إلّا فِيما هو قابِلٌ ذاتُهُ لِلتَّجْزِيءِ، وهَذا مُحالٌ في حَقِّهِ تَعالى، فامْتَنَعَ إثْباتُ الوَلَدِ. ولَمّا ذُكِرَ هَذا البُرْهانُ القاطِعُ قالَ: (فَذَرْهم يَخُوضُوا)، أيْ في باطِلِهِمْ، (ويَلْعَبُوا)، أيْ في دُنْياهم. وظاهِرُ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ مُهادَنَةٌ وتَرْكٌ، وذَلِكَ مِمّا نُسِخَ بِآيَةِ السَّيْفِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿حَتّى يُلاقُوا﴾، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وعُبَيْدُ بْنُ عَقِيلٍ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: يَلْقَوْا، مُضارِعُ لَقِيَ.
﴿يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾: يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: يَوْمَ بَدْرٍ، وأضافَ اليَوْمَ إلَيْهِمْ، لِأنَّهُ الَّذِي فِيهِ هَلاكُهم وعَذابُهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: إلَهٌ فِيهِما. وقَرَأ عُمَرُ. وعَبْدُ اللَّهِ، وأُبَيٌّ، وعَلِيٌّ، والحَكَمُ بْنُ أبِي العالِي، وبِلالُ بْنُ أبِي بُرْدَةَ، وابْنُ يَعْمَرَ، وجابِرٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وأبُو الشَّيْخِ الهُنائِيُّ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ مِقْسَمٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: اللَّهُ فِيهِما. ومَعْنى إلَهٍ: مَعْبُودٌ بِهِ، يَتَعَلَّقُ الجارُّ والمَجْرُورُ، والمَعْنى: أنَّهُ هو مَعْبُودٌ في السَّماءِ ومَعْبُودٌ في الأرْضِ، والعائِدُ عَلى المَوْصُولِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: هو إلَهٌ، كَما حُذِفَ في قَوْلِهِمْ: ما أنا بِالَّذِي قائِلٌ لَكَ شَيْئًا، وحَسَّنَهُ طُولُهُ بِالعَطْفِ عَلَيْهِ، كَما حَسَّنَ في: قائِلٌ لَكَ شَيْئًا. طُولُهُ بِالمُعَوَّلِ. ومَن قَرَأ: اللَّهُ، ضَمَّنَهُ أيْضًا مَعْنى المَعْبُودِ، كَما ضُمِّنَ العَلَمُ في نَحْوِ قَوْلِهِمْ: هو حاتِمٌ في طَيِّئٍ. أيْ جَوادٌ في طَيِّئٍ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الصِّلَةُ الجارَّ والمَجْرُورَ. والمَعْنى: أنَّهُ فِيهِما بِالإلَهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ، إذْ يَسْتَحِيلُ حَمْلُهُ عَلى الِاسْتِقْرارِ. وفي قَوْلِهِ: (وفي الأرْضِ)، نَفْيٌ لِآلِهَتِهِمُ الَّتِي كانَتْ تُعْبَدُ في الأرْضِ.
﴿وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾: أيْ عِلْمُ تَعْيِينِ وقْتِ قِيامِها، وهو الَّذِي اسْتَأْثَرَ بِهِ تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَرْجِعُونَ، بِياءِ الغَيْبَةِ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، والعَدَنِيّانِ: بِتاءِ الخِطابِ، وهو في كِلْتا القِراءَتَيْنِ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ. وقُرِئَ: بِفَتْحِ تاءِ الخِطابِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِياءِ الغَيْبَةِ وشَدِّ الدّالِ، وعَنْهُ بِتاءِ الخِطابِ وشَدِّ الدّالِ، والمَعْنى: ولا يَمْلِكُ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ الشَّفاعَةَ عِنْدَ اللَّهِ. قالَ قَتادَةُ: اسْتَثْنى مِمَّنْ عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ عِيسى وعُزَيْرًا والمَلائِكَةَ، فَإنَّهم يَمْلِكُونَ شَفاعَةً بِأنْ يُمَلِّكَها اللَّهُ إيّاهم، إذْ هم مِمَّنْ شَهِدَ بِالحَقِّ، وهم يَعْلَمُونَهُ في أحْوالِهِمْ، فالِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا مُتَّصِلٌ. وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: مِنَ المَشْفُوعِ فِيهِمْ ؟ كَأنَّهُ قالَ: لا يَشْفَعُ هَؤُلاءِ المَلائِكَةُ وعُزَيْرٌ وعِيسى إلّا فِيمَن شَهِدَ بِالحَقِّ، وهو يَعْلَمُهُ، أيْ بِالتَّوْحِيدِ، قالُوا: فالِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا مُنْفَصِلٌ، كَأنَّهُ قالَ: لَكِنَّ مَن شَهِدَ بِالحَقِّ يَشْفَعُ فِيهِمْ هَؤُلاءِ. وهَذا التَّقْدِيرُ الَّذِي قَدَّرُوهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِيهِ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا، لِأنَّهُ يَكُونُ المُسْتَثْنى مِنهُ مَحْذُوفًا، كَأنَّهُ قالَ: ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ في أحَدٍ، إلّا فِيمَن شَهِدَ بِالحَقِّ، فَهو اسْتِثْناءٌ مِنَ المَفْعُولِ المَحْذُوفِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎نَجا سالِمٌ والنَّفْسُ مِنهُ بِشِدْقِهِ ∗∗∗ ولَمْ يَنْجُ إلّا جَفْنَ سَيْفٍ ومِئْزَرا
أيْ لَمْ يَنْجُ إلّا جَفْنَ سَيْفٍ فَهو اسْتِثْناءٌ مِنَ المَشْفُوعِ فِيهِمُ الجائِزُ فِيهِ الحَذْفُ وهو مُتَّصِلٌ فَإنْ جَعَلْتَهُ (p-٣٠)مُسْتَثْنى مِنَ (الَّذِينَ يَدْعُونَ)، فَيَكُونُ مُنْفَصِلًا، والمَعْنى: ولا يَمْلِكُ آلِهَتُهم، ويَعْنِي بِهِمُ الأصْنامَ والأوْثانَ، الشَّفاعَةَ كَما زَعَمُوا أنَّهم شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللَّهِ. ولَكِنَّ (مَن شَهِدَ بِالحَقِّ)، وهو تَوْحِيدُ اللَّهِ، وهو يَعْلَمُ ما شَهِدَ بِهِ، هو الَّذِي يَمْلِكُ الشَّفاعَةَ، وإنْ أُدْرِجَتِ المَلائِكَةُ في (الَّذِينَ يَدْعُونَ)، كانَ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَأنّى يُؤْفَكُونَ)، بِياءِ الغَيْبَةِ، مُناسِبًا لِقَوْلِهِ: (ولَئِنْ سَألْتَهم)، أيْ كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنْ عِبادَةِ مَن أقَرُّوا أنَّهُ مُوجِدُ العالَمِ. وعَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِتاءِ الخِطابِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وقِيلَهُ بِالنَّصْبِ. فَعَنِ الأخْفَشِ: أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى سِرِّهِمْ ونَجْواهم، وعَنْهُ أيْضًا: عَلى وقالَ قِيلَهُ، وعَنِ الزَّجّاجِ، عَلى مَحَلِّ السّاعَةِ في قَوْلِهِ: (وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ) . وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى مَفْعُولِ يَكْتُبُونَ المَحْذُوفِ، أيْ يَكْتُبُونَ أقْوالَهم وأفْعالَهم. وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى مَفْعُولِ يَعْلَمُونَ، أيْ يَعْلَمُونَ الحَقَّ. (وقِيلَهُ يا رَبِّ): وهو قَوْلٌ لا يَكادُ يُعْقَلُ، وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، أيْ ويَعْلَمُ قِيلَهُ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، وعاصِمٌ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ: وقِيلِهِ. بِالخَفْضِ، وخَرَجَ عَلى أنَّهُ عَطْفٌ عَلى السّاعَةِ، أوْ عَلى أنَّها واوُ القَسَمِ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ، أيْ: لَيُنْصَرُنَّ، أوْ لَأفْعَلَنَّ بِهِمْ ما أشاءُ. وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو قِلابَةَ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدَبٍ: وقِيلُهُ. بِالرَّفْعِ، وخَرَجَ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ”عِلْمُ السّاعَةِ“، عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وعِلْمُ قِيلِهِ، حُذِفَ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ. ورُوِيَ هَذا عَنِ الكِسائِيِّ. وعَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ: يا رَبِّ إلى لا يُؤْمِنُونَ، أوْ عَلى أنَّ الخَبَرَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ مَسْمُوعٌ، أوْ مُتَقَبَّلٌ، فَجُمْلَةُ النِّداءِ وما بَعْدَهُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ (وقِيلُهُ) . وقَرَأ أبُو قِلابَةَ: يا رَبَّ، بِفَتْحِ الباءِ، أرادَ: يا رَبًّا، كَما تَقُولُ: يا غُلامُ. ويَتَخَرَّجُ عَلى جَوازِ الأخْفَشِ: يا قَوْمَ، بِالفَتْحِ وحَذْفِ الألِفِ والِاجْتِزاءِ بِالفَتْحَةِ عَنْها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والَّذِي قالُوهُ يَعْنِي مِنَ العَطْفِ لَيْسَ بِقَوِيٍّ في المَعْنى، مَعَ وُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِما لا يَحْسُنُ اعْتِراضًا، ومَعَ تَنافُرِ النَّظْمِ، وأقْوى مِن ذَلِكَ. والوَجْهُ أنْ يَكُونَ الجَرُّ والنَّصْبُ عَلى إضْمارِ حَرْفِ القَسَمِ وحَذْفِهِ، والرَّفْعُ عَلى قَوْلِهِمْ: ايْمُنُ اللَّهِ، وأمانَةُ اللَّهِ، ويَمِينُ اللَّهِ، ولَعَمْرِكَ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾، جَوابُ القَسَمِ، كَأنَّهُ قالَ: وأقْسَمَ بِقِيلِهِ، أوْ وقِيلِهِ يا رَبِّ قَسَمِي.
﴿إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾، وإقْسامُ اللَّهِ بِقِيلِهِ، رَفْعٌ مِنهُ وتَعْظِيمٌ لِدُعائِهِ والتِجائِهِ إلَيْهِ. انْتَهى، وهو مُخالِفٌ لِظاهِرِ الكَلامِ، إذْ يَظْهَرُ أنَّ قَوْلَهُ: يا رَبِّ إلى لا يُؤْمِنُونَ، مُتَعَلِّقٌ بِقِيلِهِ، ومِن كَلامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: وإذا كانَ أنَّ هَؤُلاءِ جَوابَ القَسَمِ، كانَ مِن إخْبارِ اللَّهِ عَنْهم وكَلامِهِ، والضَّمِيرُ في: وقِيلِهِ. لِلرَّسُولِ، وهو المُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ﴿فاصْفَحْ عَنْهُمْ﴾، أيْ أعْرِضْ عَنْهم واتْرُكْهم، ﴿وقُلْ سَلامٌ﴾، أيِ الأمْرُ سَلامٌ، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ: وعِيدٌ لَهم وتَهْدِيدٌ ومُوادَعَةٌ، وهي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَعْلَمُونَ، بِياءِ الغَيْبَةِ، كَما في: فاصْفَحْ عَنْهم. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، ونافِعٌ، وهِشامٌ: بِتاءِ الخِطابِ. وقالَ السُّدِّيُّ: وقُلْ سَلامٌ، أيْ خَيْرًا بَدَلًا مِن شَرِّهِمْ. وقالَ مُقاتِلٌ: أوْرِدْ عَلَيْهِمْ مَعْرُوفًا. وحَكى الماوَرْدِيُّ: قُلْ ما تَسْلَمُ بِهِ مِن شَرِّهِمْ.
الدخان 44:1
سُورَةُ الدُّخانِ تِسْعٌ وخَمْسُونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
(p-٣١)﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ ﴿لا إلَهَ إلّا هو يُحْيِي ويُمِيتُ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] ﴿يَغْشى النّاسَ هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الدخان: ١١] ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] ﴿أنّى لَهُمُ الذِّكْرى وقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان: ١٣] ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان: ١٤] ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦] ﴿ولَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ [الدخان: ١٧] ﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الدخان: ١٨] ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٩] ﴿وإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾ [الدخان: ٢٠] ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾ [الدخان: ٢١] ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ [الدخان: ٢٢] ﴿فَأسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ [الدخان: ٢٣] ﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ [الدخان: ٢٤] ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الدخان: ٢٥] ﴿وزُرُوعٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ [الدخان: ٢٦] ﴿ونَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ [الدخان: ٢٧] ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٨] ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ وما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٩] ﴿ولَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ العَذابِ المُهِينِ﴾ [الدخان: ٣٠] ﴿مِن فِرْعَوْنَ إنَّهُ كانَ عالِيًا مِنَ المُسْرِفِينَ﴾ [الدخان: ٣١] ﴿ولَقَدِ اخْتَرْناهم عَلى عِلْمٍ عَلى العالَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢] ﴿وآتَيْناهم مِنَ الآياتِ ما فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان: ٣٣] ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ﴾ [الدخان: ٣٤] ﴿إنْ هي إلّا مَوْتَتُنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ [الدخان: ٣٥] ﴿فَأْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الدخان: ٣٦] ﴿أهم خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أهْلَكْناهم إنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [الدخان: ٣٧] ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان: ٣٩] ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُهم أجْمَعِينَ﴾ [الدخان: ٤٠] ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [الدخان: ٤١] ﴿إلّا مَن رَحِمَ اللَّهُ إنَّهُ هو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الدخان: ٤٢] ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ﴾ [الدخان: ٤٣] ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٤] ﴿كالمُهْلِ يَغْلِي في البُطُونِ﴾ [الدخان: ٤٥] ﴿كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ [الدخان: ٤٦] ﴿خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الدخان: ٤٧] ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِن عَذابِ الحَمِيمِ﴾ [الدخان: ٤٨] ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] ﴿إنَّ هَذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ [الدخان: ٥٠] ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في مَقامٍ أمِينٍ﴾ [الدخان: ٥١] ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الدخان: ٥٢] ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الدخان: ٥٣] ﴿كَذَلِكَ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان: ٥٤] ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ [الدخان: ٥٥] ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى ووَقاهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ [الدخان: ٥٦] ﴿فَضْلًا مِن رَبِّكَ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [الدخان: ٥٧] ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الدخان: ٥٨] ﴿فارْتَقِبْ إنَّهم مُرْتَقِبُونَ﴾ [الدخان: ٥٩]
الدُّخانُ: مَعْرُوفٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: والدُّخانُ: الجَدْبُ. قالَ القُتَبِيُّ: سُمِّيَ دُخانًا لِيُبْسِ الأرْضِ مِنهُ، حَتّى يَرْتَفِعَ مِنها كالدُّخانِ، وقِياسُ جَمْعِهِ في القِلَّةِ: أدْخِنَةٌ، وفي الكَثْرَةِ: دِخْنانٌ، نَحْوُ غُرابٍ وأغْرِبَةٍ وغِرْبانٍ. وشَذُّوا في جَمْعِهِ عَلى فَواعِلَ فَقالُوا: دَواخِنُ، كَأنَّهُ جَمْعُ داخِنَةَ، تَقْدِيرًا، كَما شَذُّوا في عُثانٍ قالُوا: عَواثِنُ. رَها البَحْرُ، يَرْهُو رَهْوًا: سَكَنَ. يُقالُ جاءَتِ الخَيْلُ رَهْوًا: أيْ ساكِنَةً. قالَ الشّاعِرُ:
؎والخَيْلُ تَمْزَعُ رَهْوًا في أعِنَّتِها كالطَّيْرِ يَنْجُو مِنَ الشَّرْنُوبِ ذِي البَرَدِ
ويُقالُ: افْعَلْ ذَلِكَ رَهْوًا: أيْ ساكِنًا عَلى هَيْنَتِكَ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: رَها في السَّيْرِ. قالَ القَطامِيُّ في نَعْتِ الرِّكابِ:
؎يَمْشِينَ رَهْوًا فَلا الأعْجازُ خاذِلَةٌ ∗∗∗ ولا الصُّدُورُ عَلى الأعْجازِ تَتَّكِلُ
وقالَ اللَّيْثُ: عَيْشٌ راهٍ: وارِعٌ خافِضٌ. وقالَ غَيْرُهُ: الرَّهْوُ والرَّهْوَةُ: المَكانُ المُرْتَفِعُ والمُنْخَفِضُ يَجْتَمِعُ فِيهِ الماءُ، وهو مِنَ الأضْدادِ، والجَمْعُ: رُهًا. والرَّهْوُ: المَرْأةُ الواسِعَةُ الهَنِّ، حَكاهُ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ. والرَّهْوُ: ضَرْبٌ مِنَ الطَّيْرِ، يُقالُ هو الكُرْكِيُّ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: رَها الرَّجُلُ يَرْهُو رَهْوًا: فَتَحَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ. المُهْلُ: دُرْدِيُّ الزَّيْتِ وعَكَرُهُ. عَتَلَهُ: ساقَهُ بِعُنْفٍ ودَفْعٍ وإهانَةٍ. والمُعْتَلُ: الجافِي الغَلِيظُ.
(p-٣٢)﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ ﴿لا إلَهَ إلّا هو يُحْيِي ويُمِيتُ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] ﴿يَغْشى النّاسَ هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الدخان: ١١] ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] ﴿أنّى لَهُمُ الذِّكْرى وقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان: ١٣] ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان: ١٤] ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦] ﴿ولَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ [الدخان: ١٧] ﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الدخان: ١٨] ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٩] ﴿وإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾ [الدخان: ٢٠] ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾ [الدخان: ٢١] ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ [الدخان: ٢٢] ﴿فَأسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ [الدخان: ٢٣] ﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ [الدخان: ٢٤] ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الدخان: ٢٥] ﴿وزُرُوعٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ [الدخان: ٢٦] ﴿ونَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ [الدخان: ٢٧] ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٨] ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ وما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٩] .
هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، قِيلَ: إلّا قَوْلَهُ: ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] . ومُناسَبَةُ هَذِهِ السُّورَةِ أنَّهُ ذَكَرَ في أواخِرِ ما قَبْلَها: ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الزخرف: ٨٣]، فَذَكَرَ يَوْمًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ، ولا مَوْصُوفًا. فَبَيَّنَ في أوائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ ذَلِكَ اليَوْمَ، بِوَصْفٍ وصَفَهُ فَقالَ: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]، وأنَّ العَذابَ يَأْتِيهِمْ مِن قِبَلِكَ، ويَحِلُّ بِهِمْ مِنَ الجَدْبِ والقَحْطِ، ويَكُونُ العَذابُ في الدُّنْيا، وإنْ كانَ العَذابُ في الآخِرَةِ، فَيَكُونُ يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ يَوْمَ القِيامَةِ. والظّاهِرُ أنَّ الكِتابَ المُبِينَ هو القُرْآنُ، أقْسَمَ بِهِ تَعالى. ويَكُونُ الضَّمِيرُ في أنْزَلْناهُ عائِدًا عَلَيْهِ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ المُنَزَّلَةُ، وأنْ يُرادَ بِهِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، وجَوابُ القَسَمِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ: قَوْلُهُ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾، عَلى أنَّ الكِتابَ هو القُرْآنُ، ويَكُونُ قَدْ عَظَّمَهُ تَعالى بِالإقْسامِ بِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لا يَحْسُنُ وُقُوعُ القَسَمِ عَلَيْهِ، أيْ عَلى إنّا أنْزَلْناهُ، وهو اعْتِراضٌ يَتَضَمَّنُ تَفْخِيمَ الكِتابِ، ويَكُونُ الَّذِي وقَعَ عَلَيْهِ القَسَمُ ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ . انْتَهى. قالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، والحَسَنُ: اللَّيْلَةُ المُبارَكَةُ: لَيْلَةُ القَدْرِ. وقالُوا: كُتُبُ اللَّهِ كُلُّها إنَّما نَزَلَتْ في رَمَضانَ، التَّوْراةُ في أوَّلِهِ، والإنْجِيلُ في وسَطِهِ، والزَّبُورُ في نَحْوِ ذَلِكَ، والقُرْآنُ في آخِرِهِ، في لَيْلَةِ القَدْرِ، ويَعْنِي ابْتِداءَ نُزُولِهِ كانَ في لَيْلَةِ القَدْرِ. وقِيلَ: أُنْزِلُ جُمْلَةً لَيْلَةَ القَدْرِ إلى البَيْتِ (p-٣٣)المَعْمُورِ، ومِن هُناكَ كانَ جِبْرِيلُ يَتَلَقّاهُ. وقالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: هي لَيْلَةُ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ، وقَدْ أوْرَدُوا فِيها أحادِيثَ. وقالَ الحافِظُ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: لا يَصِحُّ فِيها شَيْءٌ، ولا في نَسْخِ الآجالِ فِيها.
إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ: أيْ مُخَوِّفِينَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾، ما مَوْقِعُ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ ؟ قُلْتُ: هُما جُمْلَتانِ مُسْتَأْنَفَتانِ مَلْفُوفَتانِ، فُسِّرَ بِهِما جَوابُ القَسَمِ الَّذِي هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾، كَأنَّهُ قِيلَ: أنْزَلْناهُ، لِأنَّ مِن شَأْنِنا الإنْذارَ والتَّحْذِيرَ مِنَ العِقابِ. وكانَ إنْزالُنا إيّاهُ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ خُصُوصًا، لِأنَّ إنْزالَ القُرْآنِ مِنَ الأُمُورِ المُحْكَمَةِ، وهَذِهِ اللَّيْلَةُ مَفْرِقُ كُلِّ أمْرٍ حَكِيمٍ، والمُبارَكَةُ: الكَثِيرَةُ الخَيْرِ، لِما يُنْتَجُ اللَّهُ فِيها مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِها مَنافِعُ العِبادِ في دِينِهِمْ ودُنْياهم، ولَوْ لَمْ يُوجِدْ فِيها إلّا إنْزالَ القُرْآنِ وحْدَهُ، لَكَفى بِهِ بَرَكَةً. انْتَهى. وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْرَجُ، والأعْمَشُ: يَفْرُقُ، بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الرّاءِ، كُلَّ: بِالنَّصْبِ، أيْ يَفْرُقُ اللَّهُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، فِيما ذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نُفْرِقُ بِالنُّونِ، كُلَّ بِالنَّصْبِ، وفِيما ذَكَرَ أبُو عَلِيٍّ الأهْوازِيُّ: عَيْنُهُ بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الرّاءِ ونَصْبِ ”كُلِّ“، ورَفْعِ حَكِيمٍ، عَلى أنَّهُ الفاعِلُ بِـ يَفْرِقُ. وقَرَأ الحَسَنُ وزائِدَةٌ عَنِ الأعْمَشِ بِالتَّشْدِيدِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أوْ مَعْنى يَفْرِقُ: يَفْصِلُ مِن غَيْرِهِ ويُخَلِّصُ. ووَصْفُ أمْرٍ بِحَكِيمٍ، أيْ أمْرٍ ذِي حِكْمَةٍ، وقَدْ أبْهَمَ تَعالى هَذا الأمْرَ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: في لَيْلَةِ القَدْرِ يَفْصِلُ كُلَّ ما في العامِ المُقْبِلِ مِنَ الأقْدارِ والأرْزاقِ والآجالِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ويَكْتُبُ ذَلِكَ إلى مِثْلِها مِنَ العامِ المُقْبِلِ. وقالَ هِلالُ بْنُ أسافٍ: كانَ يُقالُ: انْتَظِرْ والقَضاءُ في رَمَضانَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: لِفَضْلِ المَلائِكَةِ في لَيْلَةِ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ. وجَوَّزُوا في أمْرًا أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ بِمُنْذِرِينَ لِقَوْلِهِ: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ [الكهف: ٢] . أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ، جَعَلَ كُلَّ أمْرٍ حَكِيمٍ جَزْلًا فَخْمًا، بِأنْ وصَفَهُ بِالحَكِيمِ، ثُمَّ زادَهُ جَزالَةً وفَخامَةً نَفْسَهُ بِأنْ قالَ: أعْنِي بِهَذا الأمْرِ أمْرًا حاصِلًا مِن عِنْدِنا، كائِنًا مِن لَدُنّا، وكَما اقْتَضاهُ عِلْمُنا وتَدْبِيرُنا، كَذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ: وفي قِراءَةِ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ: ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا﴾، عَلى هو أمْرًا، وهي نَصْبٌ عَلى الِاخْتِصاصِ ومَقْبُولًا لَهُ، والعامِلُ أنْزَلْنا، أوْ مُنْذِرِينَ، أوْ يُفْرَقُ، ومَصْدَرًا مِن مَعْنى يُفْرَقُ، أيْ فَرْقًا مِن عِنْدِنا، أوْ مِن أمْرِنا مَحْذُوفًا وحالًا، قِيلَ: مِن كُلٍّ، والَّذِي تَلَقَّيْناهُ مِن أشْياخِنا أنَّهُ حالُ مَن أمَرَ، لِأنَّهُ وصْفٌ بِحَكِيمٍ، فَحَسُنَتِ الحالُ مِنهُ، إلّا أنَّ فِيهِ الحالَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ، وهو لَيْسَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ ولا نَصْبٍ، ولا يَجُوزُ. وقِيلَ: مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في أنْزَلْناهُ، أيْ أمَرَنِي. وقِيلَ: مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ في أنْزَلْناهُ، أيْ في حالِ كَوْنِهِ أمْرًا مِن عِنْدِنا بِما يَجِبُ أنْ يُفْعَلَ. والظّاهِرُ أنَّ مِن عِنْدِنا صِفَةٌ لِأمْرًا، وقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِـ يُفْرَقُ.
﴿إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾: لَمّا ذَكَرَ إنْزالَ القُرْآنِ، ذَكَرَ المُرْسَلَ، أيْ مُرْسِلِينَ الأنْبِياءَ بِالكُتُبِ لِلْعِبادِ. فالجُمْلَةُ المُؤَكَّدَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ . وجَوَّزُوا في ”رَحْمَةً“ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، أيْ رَحِمْنا رَحْمَةً، وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ بِـ أنْزَلْناهُ، أوْ لِـ يُفْرَقُ، أوْ لِـ أمْرًا مِن عِنْدِنا. وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِـ مُرْسِلِينَ، والرَّحْمَةُ تُوصَفُ بِالإرْسالِ، كَما وُصِفَتْ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢] . والمَعْنى عَلى هَذا: أنّا نَفْصِلُ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ كُلَّ أمْرٍ، أوْ تَصْدُرُ الأوامِرُ مِن عِنْدِنا، لِأنَّ مِن عادَتِنا أنْ نُرْسِلَ رَحْمَتَنا. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والحَسَنُ: رَحْمَةٌ، بِالرَّفْعِ: أيْ تِلْكَ رَحْمَةٌ مِن رَبِّكَ، التِفاتًا مِن مُضْمَرٍ إلى ظاهِرٍ، إذْ لَوْ رُوعِيَ ما قَبْلَهُ، لَكانَ رَحْمَةً مِنّا، لَكِنَّهُ وضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ، إيذانًا بِأنَّ الرُّبُوبِيَّةَ تَقْتَضِي الرَّحْمَةَ عَلى المَرْبُوبِينَ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، والكُوفِيُّونَ: (رَبِّ السَّماواتِ)، بِالخَفْضِ بَدَلًا مِن رَبِّكَ، وباقِي السَّبْعَةِ، والأعْرَجُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: بِالرَّفْعِ عَلى القَطْعِ، أيْ هو رَبُّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رَبُّكم ورَبُّ)، بِرَفْعِهِما، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وأبُو حَيْوَةَ، والزَّعْفَرانِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ، والحَسَنُ، وأبُو مُوسى عِيسى بْنُ سُلَيْمانَ وصالِحٌ النّاقِطُ، (p-٣٤)كِلاهُما عَنِ الكِسائِيِّ: بِالجَرِّ، وأحْمَدُ بْنُ جُبَيْرٍ الأنْطاكِيُّ: رَبَّكم ورَبَّ، بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ، وهم يُخالِفُونَ بَيْنَ الإعْرابِ الرَّفْعِ والنَّصْبِ إذا طالَتِ النُّعُوتُ. وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾، تَحْرِيكٌ لَهم بِأنَّكم تُقِرُّونَ بِأنَّهُ تَعالى خالِقُ العالَمِ، وأنَّهُ أنْزَلَ الكُتُبَ، وأرْسَلَ الرُّسُلَ رَحْمَةً مِنهُ، وأنَّ ذَلِكَ مِنكم مِن غَيْرِ عِلْمٍ وإيقانٍ. ولِذَلِكَ جاءَ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾، أيْ في شَكٍّ لا يَزالُونَ فِيهِ يَلْعَبُونَ. فَإقْرارُهم لَيْسَ عَنْ حَدٍّ ولا تَيَقُّنٍ.
الدخان 44:2
سُورَةُ الدُّخانِ تِسْعٌ وخَمْسُونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
(p-٣١)﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ ﴿لا إلَهَ إلّا هو يُحْيِي ويُمِيتُ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] ﴿يَغْشى النّاسَ هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الدخان: ١١] ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] ﴿أنّى لَهُمُ الذِّكْرى وقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان: ١٣] ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان: ١٤] ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦] ﴿ولَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ [الدخان: ١٧] ﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الدخان: ١٨] ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٩] ﴿وإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾ [الدخان: ٢٠] ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾ [الدخان: ٢١] ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ [الدخان: ٢٢] ﴿فَأسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ [الدخان: ٢٣] ﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ [الدخان: ٢٤] ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الدخان: ٢٥] ﴿وزُرُوعٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ [الدخان: ٢٦] ﴿ونَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ [الدخان: ٢٧] ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٨] ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ وما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٩] ﴿ولَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ العَذابِ المُهِينِ﴾ [الدخان: ٣٠] ﴿مِن فِرْعَوْنَ إنَّهُ كانَ عالِيًا مِنَ المُسْرِفِينَ﴾ [الدخان: ٣١] ﴿ولَقَدِ اخْتَرْناهم عَلى عِلْمٍ عَلى العالَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢] ﴿وآتَيْناهم مِنَ الآياتِ ما فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان: ٣٣] ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ﴾ [الدخان: ٣٤] ﴿إنْ هي إلّا مَوْتَتُنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ [الدخان: ٣٥] ﴿فَأْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الدخان: ٣٦] ﴿أهم خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أهْلَكْناهم إنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [الدخان: ٣٧] ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان: ٣٩] ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُهم أجْمَعِينَ﴾ [الدخان: ٤٠] ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [الدخان: ٤١] ﴿إلّا مَن رَحِمَ اللَّهُ إنَّهُ هو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الدخان: ٤٢] ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ﴾ [الدخان: ٤٣] ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٤] ﴿كالمُهْلِ يَغْلِي في البُطُونِ﴾ [الدخان: ٤٥] ﴿كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ [الدخان: ٤٦] ﴿خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الدخان: ٤٧] ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِن عَذابِ الحَمِيمِ﴾ [الدخان: ٤٨] ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] ﴿إنَّ هَذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ [الدخان: ٥٠] ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في مَقامٍ أمِينٍ﴾ [الدخان: ٥١] ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الدخان: ٥٢] ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الدخان: ٥٣] ﴿كَذَلِكَ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان: ٥٤] ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ [الدخان: ٥٥] ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى ووَقاهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ [الدخان: ٥٦] ﴿فَضْلًا مِن رَبِّكَ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [الدخان: ٥٧] ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الدخان: ٥٨] ﴿فارْتَقِبْ إنَّهم مُرْتَقِبُونَ﴾ [الدخان: ٥٩]
الدُّخانُ: مَعْرُوفٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: والدُّخانُ: الجَدْبُ. قالَ القُتَبِيُّ: سُمِّيَ دُخانًا لِيُبْسِ الأرْضِ مِنهُ، حَتّى يَرْتَفِعَ مِنها كالدُّخانِ، وقِياسُ جَمْعِهِ في القِلَّةِ: أدْخِنَةٌ، وفي الكَثْرَةِ: دِخْنانٌ، نَحْوُ غُرابٍ وأغْرِبَةٍ وغِرْبانٍ. وشَذُّوا في جَمْعِهِ عَلى فَواعِلَ فَقالُوا: دَواخِنُ، كَأنَّهُ جَمْعُ داخِنَةَ، تَقْدِيرًا، كَما شَذُّوا في عُثانٍ قالُوا: عَواثِنُ. رَها البَحْرُ، يَرْهُو رَهْوًا: سَكَنَ. يُقالُ جاءَتِ الخَيْلُ رَهْوًا: أيْ ساكِنَةً. قالَ الشّاعِرُ:
؎والخَيْلُ تَمْزَعُ رَهْوًا في أعِنَّتِها كالطَّيْرِ يَنْجُو مِنَ الشَّرْنُوبِ ذِي البَرَدِ
ويُقالُ: افْعَلْ ذَلِكَ رَهْوًا: أيْ ساكِنًا عَلى هَيْنَتِكَ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: رَها في السَّيْرِ. قالَ القَطامِيُّ في نَعْتِ الرِّكابِ:
؎يَمْشِينَ رَهْوًا فَلا الأعْجازُ خاذِلَةٌ ∗∗∗ ولا الصُّدُورُ عَلى الأعْجازِ تَتَّكِلُ
وقالَ اللَّيْثُ: عَيْشٌ راهٍ: وارِعٌ خافِضٌ. وقالَ غَيْرُهُ: الرَّهْوُ والرَّهْوَةُ: المَكانُ المُرْتَفِعُ والمُنْخَفِضُ يَجْتَمِعُ فِيهِ الماءُ، وهو مِنَ الأضْدادِ، والجَمْعُ: رُهًا. والرَّهْوُ: المَرْأةُ الواسِعَةُ الهَنِّ، حَكاهُ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ. والرَّهْوُ: ضَرْبٌ مِنَ الطَّيْرِ، يُقالُ هو الكُرْكِيُّ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: رَها الرَّجُلُ يَرْهُو رَهْوًا: فَتَحَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ. المُهْلُ: دُرْدِيُّ الزَّيْتِ وعَكَرُهُ. عَتَلَهُ: ساقَهُ بِعُنْفٍ ودَفْعٍ وإهانَةٍ. والمُعْتَلُ: الجافِي الغَلِيظُ.
(p-٣٢)﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ ﴿لا إلَهَ إلّا هو يُحْيِي ويُمِيتُ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] ﴿يَغْشى النّاسَ هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الدخان: ١١] ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] ﴿أنّى لَهُمُ الذِّكْرى وقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان: ١٣] ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان: ١٤] ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦] ﴿ولَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ [الدخان: ١٧] ﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الدخان: ١٨] ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٩] ﴿وإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾ [الدخان: ٢٠] ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾ [الدخان: ٢١] ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ [الدخان: ٢٢] ﴿فَأسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ [الدخان: ٢٣] ﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ [الدخان: ٢٤] ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الدخان: ٢٥] ﴿وزُرُوعٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ [الدخان: ٢٦] ﴿ونَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ [الدخان: ٢٧] ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٨] ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ وما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٩] .
هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، قِيلَ: إلّا قَوْلَهُ: ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] . ومُناسَبَةُ هَذِهِ السُّورَةِ أنَّهُ ذَكَرَ في أواخِرِ ما قَبْلَها: ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الزخرف: ٨٣]، فَذَكَرَ يَوْمًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ، ولا مَوْصُوفًا. فَبَيَّنَ في أوائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ ذَلِكَ اليَوْمَ، بِوَصْفٍ وصَفَهُ فَقالَ: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]، وأنَّ العَذابَ يَأْتِيهِمْ مِن قِبَلِكَ، ويَحِلُّ بِهِمْ مِنَ الجَدْبِ والقَحْطِ، ويَكُونُ العَذابُ في الدُّنْيا، وإنْ كانَ العَذابُ في الآخِرَةِ، فَيَكُونُ يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ يَوْمَ القِيامَةِ. والظّاهِرُ أنَّ الكِتابَ المُبِينَ هو القُرْآنُ، أقْسَمَ بِهِ تَعالى. ويَكُونُ الضَّمِيرُ في أنْزَلْناهُ عائِدًا عَلَيْهِ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ المُنَزَّلَةُ، وأنْ يُرادَ بِهِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، وجَوابُ القَسَمِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ: قَوْلُهُ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾، عَلى أنَّ الكِتابَ هو القُرْآنُ، ويَكُونُ قَدْ عَظَّمَهُ تَعالى بِالإقْسامِ بِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لا يَحْسُنُ وُقُوعُ القَسَمِ عَلَيْهِ، أيْ عَلى إنّا أنْزَلْناهُ، وهو اعْتِراضٌ يَتَضَمَّنُ تَفْخِيمَ الكِتابِ، ويَكُونُ الَّذِي وقَعَ عَلَيْهِ القَسَمُ ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ . انْتَهى. قالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، والحَسَنُ: اللَّيْلَةُ المُبارَكَةُ: لَيْلَةُ القَدْرِ. وقالُوا: كُتُبُ اللَّهِ كُلُّها إنَّما نَزَلَتْ في رَمَضانَ، التَّوْراةُ في أوَّلِهِ، والإنْجِيلُ في وسَطِهِ، والزَّبُورُ في نَحْوِ ذَلِكَ، والقُرْآنُ في آخِرِهِ، في لَيْلَةِ القَدْرِ، ويَعْنِي ابْتِداءَ نُزُولِهِ كانَ في لَيْلَةِ القَدْرِ. وقِيلَ: أُنْزِلُ جُمْلَةً لَيْلَةَ القَدْرِ إلى البَيْتِ (p-٣٣)المَعْمُورِ، ومِن هُناكَ كانَ جِبْرِيلُ يَتَلَقّاهُ. وقالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: هي لَيْلَةُ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ، وقَدْ أوْرَدُوا فِيها أحادِيثَ. وقالَ الحافِظُ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: لا يَصِحُّ فِيها شَيْءٌ، ولا في نَسْخِ الآجالِ فِيها.
إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ: أيْ مُخَوِّفِينَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾، ما مَوْقِعُ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ ؟ قُلْتُ: هُما جُمْلَتانِ مُسْتَأْنَفَتانِ مَلْفُوفَتانِ، فُسِّرَ بِهِما جَوابُ القَسَمِ الَّذِي هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾، كَأنَّهُ قِيلَ: أنْزَلْناهُ، لِأنَّ مِن شَأْنِنا الإنْذارَ والتَّحْذِيرَ مِنَ العِقابِ. وكانَ إنْزالُنا إيّاهُ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ خُصُوصًا، لِأنَّ إنْزالَ القُرْآنِ مِنَ الأُمُورِ المُحْكَمَةِ، وهَذِهِ اللَّيْلَةُ مَفْرِقُ كُلِّ أمْرٍ حَكِيمٍ، والمُبارَكَةُ: الكَثِيرَةُ الخَيْرِ، لِما يُنْتَجُ اللَّهُ فِيها مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِها مَنافِعُ العِبادِ في دِينِهِمْ ودُنْياهم، ولَوْ لَمْ يُوجِدْ فِيها إلّا إنْزالَ القُرْآنِ وحْدَهُ، لَكَفى بِهِ بَرَكَةً. انْتَهى. وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْرَجُ، والأعْمَشُ: يَفْرُقُ، بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الرّاءِ، كُلَّ: بِالنَّصْبِ، أيْ يَفْرُقُ اللَّهُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، فِيما ذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نُفْرِقُ بِالنُّونِ، كُلَّ بِالنَّصْبِ، وفِيما ذَكَرَ أبُو عَلِيٍّ الأهْوازِيُّ: عَيْنُهُ بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الرّاءِ ونَصْبِ ”كُلِّ“، ورَفْعِ حَكِيمٍ، عَلى أنَّهُ الفاعِلُ بِـ يَفْرِقُ. وقَرَأ الحَسَنُ وزائِدَةٌ عَنِ الأعْمَشِ بِالتَّشْدِيدِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أوْ مَعْنى يَفْرِقُ: يَفْصِلُ مِن غَيْرِهِ ويُخَلِّصُ. ووَصْفُ أمْرٍ بِحَكِيمٍ، أيْ أمْرٍ ذِي حِكْمَةٍ، وقَدْ أبْهَمَ تَعالى هَذا الأمْرَ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: في لَيْلَةِ القَدْرِ يَفْصِلُ كُلَّ ما في العامِ المُقْبِلِ مِنَ الأقْدارِ والأرْزاقِ والآجالِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ويَكْتُبُ ذَلِكَ إلى مِثْلِها مِنَ العامِ المُقْبِلِ. وقالَ هِلالُ بْنُ أسافٍ: كانَ يُقالُ: انْتَظِرْ والقَضاءُ في رَمَضانَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: لِفَضْلِ المَلائِكَةِ في لَيْلَةِ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ. وجَوَّزُوا في أمْرًا أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ بِمُنْذِرِينَ لِقَوْلِهِ: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ [الكهف: ٢] . أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ، جَعَلَ كُلَّ أمْرٍ حَكِيمٍ جَزْلًا فَخْمًا، بِأنْ وصَفَهُ بِالحَكِيمِ، ثُمَّ زادَهُ جَزالَةً وفَخامَةً نَفْسَهُ بِأنْ قالَ: أعْنِي بِهَذا الأمْرِ أمْرًا حاصِلًا مِن عِنْدِنا، كائِنًا مِن لَدُنّا، وكَما اقْتَضاهُ عِلْمُنا وتَدْبِيرُنا، كَذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ: وفي قِراءَةِ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ: ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا﴾، عَلى هو أمْرًا، وهي نَصْبٌ عَلى الِاخْتِصاصِ ومَقْبُولًا لَهُ، والعامِلُ أنْزَلْنا، أوْ مُنْذِرِينَ، أوْ يُفْرَقُ، ومَصْدَرًا مِن مَعْنى يُفْرَقُ، أيْ فَرْقًا مِن عِنْدِنا، أوْ مِن أمْرِنا مَحْذُوفًا وحالًا، قِيلَ: مِن كُلٍّ، والَّذِي تَلَقَّيْناهُ مِن أشْياخِنا أنَّهُ حالُ مَن أمَرَ، لِأنَّهُ وصْفٌ بِحَكِيمٍ، فَحَسُنَتِ الحالُ مِنهُ، إلّا أنَّ فِيهِ الحالَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ، وهو لَيْسَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ ولا نَصْبٍ، ولا يَجُوزُ. وقِيلَ: مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في أنْزَلْناهُ، أيْ أمَرَنِي. وقِيلَ: مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ في أنْزَلْناهُ، أيْ في حالِ كَوْنِهِ أمْرًا مِن عِنْدِنا بِما يَجِبُ أنْ يُفْعَلَ. والظّاهِرُ أنَّ مِن عِنْدِنا صِفَةٌ لِأمْرًا، وقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِـ يُفْرَقُ.
﴿إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾: لَمّا ذَكَرَ إنْزالَ القُرْآنِ، ذَكَرَ المُرْسَلَ، أيْ مُرْسِلِينَ الأنْبِياءَ بِالكُتُبِ لِلْعِبادِ. فالجُمْلَةُ المُؤَكَّدَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ . وجَوَّزُوا في ”رَحْمَةً“ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، أيْ رَحِمْنا رَحْمَةً، وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ بِـ أنْزَلْناهُ، أوْ لِـ يُفْرَقُ، أوْ لِـ أمْرًا مِن عِنْدِنا. وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِـ مُرْسِلِينَ، والرَّحْمَةُ تُوصَفُ بِالإرْسالِ، كَما وُصِفَتْ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢] . والمَعْنى عَلى هَذا: أنّا نَفْصِلُ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ كُلَّ أمْرٍ، أوْ تَصْدُرُ الأوامِرُ مِن عِنْدِنا، لِأنَّ مِن عادَتِنا أنْ نُرْسِلَ رَحْمَتَنا. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والحَسَنُ: رَحْمَةٌ، بِالرَّفْعِ: أيْ تِلْكَ رَحْمَةٌ مِن رَبِّكَ، التِفاتًا مِن مُضْمَرٍ إلى ظاهِرٍ، إذْ لَوْ رُوعِيَ ما قَبْلَهُ، لَكانَ رَحْمَةً مِنّا، لَكِنَّهُ وضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ، إيذانًا بِأنَّ الرُّبُوبِيَّةَ تَقْتَضِي الرَّحْمَةَ عَلى المَرْبُوبِينَ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، والكُوفِيُّونَ: (رَبِّ السَّماواتِ)، بِالخَفْضِ بَدَلًا مِن رَبِّكَ، وباقِي السَّبْعَةِ، والأعْرَجُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: بِالرَّفْعِ عَلى القَطْعِ، أيْ هو رَبُّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رَبُّكم ورَبُّ)، بِرَفْعِهِما، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وأبُو حَيْوَةَ، والزَّعْفَرانِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ، والحَسَنُ، وأبُو مُوسى عِيسى بْنُ سُلَيْمانَ وصالِحٌ النّاقِطُ، (p-٣٤)كِلاهُما عَنِ الكِسائِيِّ: بِالجَرِّ، وأحْمَدُ بْنُ جُبَيْرٍ الأنْطاكِيُّ: رَبَّكم ورَبَّ، بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ، وهم يُخالِفُونَ بَيْنَ الإعْرابِ الرَّفْعِ والنَّصْبِ إذا طالَتِ النُّعُوتُ. وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾، تَحْرِيكٌ لَهم بِأنَّكم تُقِرُّونَ بِأنَّهُ تَعالى خالِقُ العالَمِ، وأنَّهُ أنْزَلَ الكُتُبَ، وأرْسَلَ الرُّسُلَ رَحْمَةً مِنهُ، وأنَّ ذَلِكَ مِنكم مِن غَيْرِ عِلْمٍ وإيقانٍ. ولِذَلِكَ جاءَ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾، أيْ في شَكٍّ لا يَزالُونَ فِيهِ يَلْعَبُونَ. فَإقْرارُهم لَيْسَ عَنْ حَدٍّ ولا تَيَقُّنٍ.
الدخان 44:3
سُورَةُ الدُّخانِ تِسْعٌ وخَمْسُونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
(p-٣١)﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ ﴿لا إلَهَ إلّا هو يُحْيِي ويُمِيتُ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] ﴿يَغْشى النّاسَ هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الدخان: ١١] ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] ﴿أنّى لَهُمُ الذِّكْرى وقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان: ١٣] ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان: ١٤] ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦] ﴿ولَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ [الدخان: ١٧] ﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الدخان: ١٨] ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٩] ﴿وإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾ [الدخان: ٢٠] ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾ [الدخان: ٢١] ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ [الدخان: ٢٢] ﴿فَأسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ [الدخان: ٢٣] ﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ [الدخان: ٢٤] ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الدخان: ٢٥] ﴿وزُرُوعٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ [الدخان: ٢٦] ﴿ونَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ [الدخان: ٢٧] ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٨] ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ وما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٩] ﴿ولَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ العَذابِ المُهِينِ﴾ [الدخان: ٣٠] ﴿مِن فِرْعَوْنَ إنَّهُ كانَ عالِيًا مِنَ المُسْرِفِينَ﴾ [الدخان: ٣١] ﴿ولَقَدِ اخْتَرْناهم عَلى عِلْمٍ عَلى العالَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢] ﴿وآتَيْناهم مِنَ الآياتِ ما فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان: ٣٣] ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ﴾ [الدخان: ٣٤] ﴿إنْ هي إلّا مَوْتَتُنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ [الدخان: ٣٥] ﴿فَأْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الدخان: ٣٦] ﴿أهم خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أهْلَكْناهم إنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [الدخان: ٣٧] ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان: ٣٩] ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُهم أجْمَعِينَ﴾ [الدخان: ٤٠] ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [الدخان: ٤١] ﴿إلّا مَن رَحِمَ اللَّهُ إنَّهُ هو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الدخان: ٤٢] ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ﴾ [الدخان: ٤٣] ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٤] ﴿كالمُهْلِ يَغْلِي في البُطُونِ﴾ [الدخان: ٤٥] ﴿كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ [الدخان: ٤٦] ﴿خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الدخان: ٤٧] ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِن عَذابِ الحَمِيمِ﴾ [الدخان: ٤٨] ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] ﴿إنَّ هَذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ [الدخان: ٥٠] ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في مَقامٍ أمِينٍ﴾ [الدخان: ٥١] ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الدخان: ٥٢] ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الدخان: ٥٣] ﴿كَذَلِكَ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان: ٥٤] ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ [الدخان: ٥٥] ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى ووَقاهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ [الدخان: ٥٦] ﴿فَضْلًا مِن رَبِّكَ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [الدخان: ٥٧] ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الدخان: ٥٨] ﴿فارْتَقِبْ إنَّهم مُرْتَقِبُونَ﴾ [الدخان: ٥٩]
الدُّخانُ: مَعْرُوفٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: والدُّخانُ: الجَدْبُ. قالَ القُتَبِيُّ: سُمِّيَ دُخانًا لِيُبْسِ الأرْضِ مِنهُ، حَتّى يَرْتَفِعَ مِنها كالدُّخانِ، وقِياسُ جَمْعِهِ في القِلَّةِ: أدْخِنَةٌ، وفي الكَثْرَةِ: دِخْنانٌ، نَحْوُ غُرابٍ وأغْرِبَةٍ وغِرْبانٍ. وشَذُّوا في جَمْعِهِ عَلى فَواعِلَ فَقالُوا: دَواخِنُ، كَأنَّهُ جَمْعُ داخِنَةَ، تَقْدِيرًا، كَما شَذُّوا في عُثانٍ قالُوا: عَواثِنُ. رَها البَحْرُ، يَرْهُو رَهْوًا: سَكَنَ. يُقالُ جاءَتِ الخَيْلُ رَهْوًا: أيْ ساكِنَةً. قالَ الشّاعِرُ:
؎والخَيْلُ تَمْزَعُ رَهْوًا في أعِنَّتِها كالطَّيْرِ يَنْجُو مِنَ الشَّرْنُوبِ ذِي البَرَدِ
ويُقالُ: افْعَلْ ذَلِكَ رَهْوًا: أيْ ساكِنًا عَلى هَيْنَتِكَ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: رَها في السَّيْرِ. قالَ القَطامِيُّ في نَعْتِ الرِّكابِ:
؎يَمْشِينَ رَهْوًا فَلا الأعْجازُ خاذِلَةٌ ∗∗∗ ولا الصُّدُورُ عَلى الأعْجازِ تَتَّكِلُ
وقالَ اللَّيْثُ: عَيْشٌ راهٍ: وارِعٌ خافِضٌ. وقالَ غَيْرُهُ: الرَّهْوُ والرَّهْوَةُ: المَكانُ المُرْتَفِعُ والمُنْخَفِضُ يَجْتَمِعُ فِيهِ الماءُ، وهو مِنَ الأضْدادِ، والجَمْعُ: رُهًا. والرَّهْوُ: المَرْأةُ الواسِعَةُ الهَنِّ، حَكاهُ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ. والرَّهْوُ: ضَرْبٌ مِنَ الطَّيْرِ، يُقالُ هو الكُرْكِيُّ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: رَها الرَّجُلُ يَرْهُو رَهْوًا: فَتَحَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ. المُهْلُ: دُرْدِيُّ الزَّيْتِ وعَكَرُهُ. عَتَلَهُ: ساقَهُ بِعُنْفٍ ودَفْعٍ وإهانَةٍ. والمُعْتَلُ: الجافِي الغَلِيظُ.
(p-٣٢)﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ ﴿لا إلَهَ إلّا هو يُحْيِي ويُمِيتُ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] ﴿يَغْشى النّاسَ هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الدخان: ١١] ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] ﴿أنّى لَهُمُ الذِّكْرى وقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان: ١٣] ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان: ١٤] ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦] ﴿ولَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ [الدخان: ١٧] ﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الدخان: ١٨] ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٩] ﴿وإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾ [الدخان: ٢٠] ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾ [الدخان: ٢١] ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ [الدخان: ٢٢] ﴿فَأسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ [الدخان: ٢٣] ﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ [الدخان: ٢٤] ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الدخان: ٢٥] ﴿وزُرُوعٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ [الدخان: ٢٦] ﴿ونَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ [الدخان: ٢٧] ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٨] ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ وما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٩] .
هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، قِيلَ: إلّا قَوْلَهُ: ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] . ومُناسَبَةُ هَذِهِ السُّورَةِ أنَّهُ ذَكَرَ في أواخِرِ ما قَبْلَها: ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الزخرف: ٨٣]، فَذَكَرَ يَوْمًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ، ولا مَوْصُوفًا. فَبَيَّنَ في أوائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ ذَلِكَ اليَوْمَ، بِوَصْفٍ وصَفَهُ فَقالَ: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]، وأنَّ العَذابَ يَأْتِيهِمْ مِن قِبَلِكَ، ويَحِلُّ بِهِمْ مِنَ الجَدْبِ والقَحْطِ، ويَكُونُ العَذابُ في الدُّنْيا، وإنْ كانَ العَذابُ في الآخِرَةِ، فَيَكُونُ يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ يَوْمَ القِيامَةِ. والظّاهِرُ أنَّ الكِتابَ المُبِينَ هو القُرْآنُ، أقْسَمَ بِهِ تَعالى. ويَكُونُ الضَّمِيرُ في أنْزَلْناهُ عائِدًا عَلَيْهِ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ المُنَزَّلَةُ، وأنْ يُرادَ بِهِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، وجَوابُ القَسَمِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ: قَوْلُهُ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾، عَلى أنَّ الكِتابَ هو القُرْآنُ، ويَكُونُ قَدْ عَظَّمَهُ تَعالى بِالإقْسامِ بِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لا يَحْسُنُ وُقُوعُ القَسَمِ عَلَيْهِ، أيْ عَلى إنّا أنْزَلْناهُ، وهو اعْتِراضٌ يَتَضَمَّنُ تَفْخِيمَ الكِتابِ، ويَكُونُ الَّذِي وقَعَ عَلَيْهِ القَسَمُ ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ . انْتَهى. قالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، والحَسَنُ: اللَّيْلَةُ المُبارَكَةُ: لَيْلَةُ القَدْرِ. وقالُوا: كُتُبُ اللَّهِ كُلُّها إنَّما نَزَلَتْ في رَمَضانَ، التَّوْراةُ في أوَّلِهِ، والإنْجِيلُ في وسَطِهِ، والزَّبُورُ في نَحْوِ ذَلِكَ، والقُرْآنُ في آخِرِهِ، في لَيْلَةِ القَدْرِ، ويَعْنِي ابْتِداءَ نُزُولِهِ كانَ في لَيْلَةِ القَدْرِ. وقِيلَ: أُنْزِلُ جُمْلَةً لَيْلَةَ القَدْرِ إلى البَيْتِ (p-٣٣)المَعْمُورِ، ومِن هُناكَ كانَ جِبْرِيلُ يَتَلَقّاهُ. وقالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: هي لَيْلَةُ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ، وقَدْ أوْرَدُوا فِيها أحادِيثَ. وقالَ الحافِظُ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: لا يَصِحُّ فِيها شَيْءٌ، ولا في نَسْخِ الآجالِ فِيها.
إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ: أيْ مُخَوِّفِينَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾، ما مَوْقِعُ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ ؟ قُلْتُ: هُما جُمْلَتانِ مُسْتَأْنَفَتانِ مَلْفُوفَتانِ، فُسِّرَ بِهِما جَوابُ القَسَمِ الَّذِي هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾، كَأنَّهُ قِيلَ: أنْزَلْناهُ، لِأنَّ مِن شَأْنِنا الإنْذارَ والتَّحْذِيرَ مِنَ العِقابِ. وكانَ إنْزالُنا إيّاهُ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ خُصُوصًا، لِأنَّ إنْزالَ القُرْآنِ مِنَ الأُمُورِ المُحْكَمَةِ، وهَذِهِ اللَّيْلَةُ مَفْرِقُ كُلِّ أمْرٍ حَكِيمٍ، والمُبارَكَةُ: الكَثِيرَةُ الخَيْرِ، لِما يُنْتَجُ اللَّهُ فِيها مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِها مَنافِعُ العِبادِ في دِينِهِمْ ودُنْياهم، ولَوْ لَمْ يُوجِدْ فِيها إلّا إنْزالَ القُرْآنِ وحْدَهُ، لَكَفى بِهِ بَرَكَةً. انْتَهى. وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْرَجُ، والأعْمَشُ: يَفْرُقُ، بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الرّاءِ، كُلَّ: بِالنَّصْبِ، أيْ يَفْرُقُ اللَّهُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، فِيما ذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نُفْرِقُ بِالنُّونِ، كُلَّ بِالنَّصْبِ، وفِيما ذَكَرَ أبُو عَلِيٍّ الأهْوازِيُّ: عَيْنُهُ بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الرّاءِ ونَصْبِ ”كُلِّ“، ورَفْعِ حَكِيمٍ، عَلى أنَّهُ الفاعِلُ بِـ يَفْرِقُ. وقَرَأ الحَسَنُ وزائِدَةٌ عَنِ الأعْمَشِ بِالتَّشْدِيدِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أوْ مَعْنى يَفْرِقُ: يَفْصِلُ مِن غَيْرِهِ ويُخَلِّصُ. ووَصْفُ أمْرٍ بِحَكِيمٍ، أيْ أمْرٍ ذِي حِكْمَةٍ، وقَدْ أبْهَمَ تَعالى هَذا الأمْرَ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: في لَيْلَةِ القَدْرِ يَفْصِلُ كُلَّ ما في العامِ المُقْبِلِ مِنَ الأقْدارِ والأرْزاقِ والآجالِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ويَكْتُبُ ذَلِكَ إلى مِثْلِها مِنَ العامِ المُقْبِلِ. وقالَ هِلالُ بْنُ أسافٍ: كانَ يُقالُ: انْتَظِرْ والقَضاءُ في رَمَضانَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: لِفَضْلِ المَلائِكَةِ في لَيْلَةِ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ. وجَوَّزُوا في أمْرًا أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ بِمُنْذِرِينَ لِقَوْلِهِ: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ [الكهف: ٢] . أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ، جَعَلَ كُلَّ أمْرٍ حَكِيمٍ جَزْلًا فَخْمًا، بِأنْ وصَفَهُ بِالحَكِيمِ، ثُمَّ زادَهُ جَزالَةً وفَخامَةً نَفْسَهُ بِأنْ قالَ: أعْنِي بِهَذا الأمْرِ أمْرًا حاصِلًا مِن عِنْدِنا، كائِنًا مِن لَدُنّا، وكَما اقْتَضاهُ عِلْمُنا وتَدْبِيرُنا، كَذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ: وفي قِراءَةِ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ: ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا﴾، عَلى هو أمْرًا، وهي نَصْبٌ عَلى الِاخْتِصاصِ ومَقْبُولًا لَهُ، والعامِلُ أنْزَلْنا، أوْ مُنْذِرِينَ، أوْ يُفْرَقُ، ومَصْدَرًا مِن مَعْنى يُفْرَقُ، أيْ فَرْقًا مِن عِنْدِنا، أوْ مِن أمْرِنا مَحْذُوفًا وحالًا، قِيلَ: مِن كُلٍّ، والَّذِي تَلَقَّيْناهُ مِن أشْياخِنا أنَّهُ حالُ مَن أمَرَ، لِأنَّهُ وصْفٌ بِحَكِيمٍ، فَحَسُنَتِ الحالُ مِنهُ، إلّا أنَّ فِيهِ الحالَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ، وهو لَيْسَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ ولا نَصْبٍ، ولا يَجُوزُ. وقِيلَ: مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في أنْزَلْناهُ، أيْ أمَرَنِي. وقِيلَ: مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ في أنْزَلْناهُ، أيْ في حالِ كَوْنِهِ أمْرًا مِن عِنْدِنا بِما يَجِبُ أنْ يُفْعَلَ. والظّاهِرُ أنَّ مِن عِنْدِنا صِفَةٌ لِأمْرًا، وقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِـ يُفْرَقُ.
﴿إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾: لَمّا ذَكَرَ إنْزالَ القُرْآنِ، ذَكَرَ المُرْسَلَ، أيْ مُرْسِلِينَ الأنْبِياءَ بِالكُتُبِ لِلْعِبادِ. فالجُمْلَةُ المُؤَكَّدَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ . وجَوَّزُوا في ”رَحْمَةً“ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، أيْ رَحِمْنا رَحْمَةً، وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ بِـ أنْزَلْناهُ، أوْ لِـ يُفْرَقُ، أوْ لِـ أمْرًا مِن عِنْدِنا. وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِـ مُرْسِلِينَ، والرَّحْمَةُ تُوصَفُ بِالإرْسالِ، كَما وُصِفَتْ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢] . والمَعْنى عَلى هَذا: أنّا نَفْصِلُ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ كُلَّ أمْرٍ، أوْ تَصْدُرُ الأوامِرُ مِن عِنْدِنا، لِأنَّ مِن عادَتِنا أنْ نُرْسِلَ رَحْمَتَنا. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والحَسَنُ: رَحْمَةٌ، بِالرَّفْعِ: أيْ تِلْكَ رَحْمَةٌ مِن رَبِّكَ، التِفاتًا مِن مُضْمَرٍ إلى ظاهِرٍ، إذْ لَوْ رُوعِيَ ما قَبْلَهُ، لَكانَ رَحْمَةً مِنّا، لَكِنَّهُ وضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ، إيذانًا بِأنَّ الرُّبُوبِيَّةَ تَقْتَضِي الرَّحْمَةَ عَلى المَرْبُوبِينَ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، والكُوفِيُّونَ: (رَبِّ السَّماواتِ)، بِالخَفْضِ بَدَلًا مِن رَبِّكَ، وباقِي السَّبْعَةِ، والأعْرَجُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: بِالرَّفْعِ عَلى القَطْعِ، أيْ هو رَبُّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رَبُّكم ورَبُّ)، بِرَفْعِهِما، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وأبُو حَيْوَةَ، والزَّعْفَرانِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ، والحَسَنُ، وأبُو مُوسى عِيسى بْنُ سُلَيْمانَ وصالِحٌ النّاقِطُ، (p-٣٤)كِلاهُما عَنِ الكِسائِيِّ: بِالجَرِّ، وأحْمَدُ بْنُ جُبَيْرٍ الأنْطاكِيُّ: رَبَّكم ورَبَّ، بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ، وهم يُخالِفُونَ بَيْنَ الإعْرابِ الرَّفْعِ والنَّصْبِ إذا طالَتِ النُّعُوتُ. وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾، تَحْرِيكٌ لَهم بِأنَّكم تُقِرُّونَ بِأنَّهُ تَعالى خالِقُ العالَمِ، وأنَّهُ أنْزَلَ الكُتُبَ، وأرْسَلَ الرُّسُلَ رَحْمَةً مِنهُ، وأنَّ ذَلِكَ مِنكم مِن غَيْرِ عِلْمٍ وإيقانٍ. ولِذَلِكَ جاءَ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾، أيْ في شَكٍّ لا يَزالُونَ فِيهِ يَلْعَبُونَ. فَإقْرارُهم لَيْسَ عَنْ حَدٍّ ولا تَيَقُّنٍ.
الدخان 44:4
سُورَةُ الدُّخانِ تِسْعٌ وخَمْسُونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
(p-٣١)﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ ﴿لا إلَهَ إلّا هو يُحْيِي ويُمِيتُ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] ﴿يَغْشى النّاسَ هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الدخان: ١١] ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] ﴿أنّى لَهُمُ الذِّكْرى وقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان: ١٣] ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان: ١٤] ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦] ﴿ولَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ [الدخان: ١٧] ﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الدخان: ١٨] ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٩] ﴿وإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾ [الدخان: ٢٠] ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾ [الدخان: ٢١] ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ [الدخان: ٢٢] ﴿فَأسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ [الدخان: ٢٣] ﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ [الدخان: ٢٤] ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الدخان: ٢٥] ﴿وزُرُوعٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ [الدخان: ٢٦] ﴿ونَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ [الدخان: ٢٧] ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٨] ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ وما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٩] ﴿ولَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ العَذابِ المُهِينِ﴾ [الدخان: ٣٠] ﴿مِن فِرْعَوْنَ إنَّهُ كانَ عالِيًا مِنَ المُسْرِفِينَ﴾ [الدخان: ٣١] ﴿ولَقَدِ اخْتَرْناهم عَلى عِلْمٍ عَلى العالَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢] ﴿وآتَيْناهم مِنَ الآياتِ ما فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان: ٣٣] ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ﴾ [الدخان: ٣٤] ﴿إنْ هي إلّا مَوْتَتُنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ [الدخان: ٣٥] ﴿فَأْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الدخان: ٣٦] ﴿أهم خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أهْلَكْناهم إنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [الدخان: ٣٧] ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان: ٣٩] ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُهم أجْمَعِينَ﴾ [الدخان: ٤٠] ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [الدخان: ٤١] ﴿إلّا مَن رَحِمَ اللَّهُ إنَّهُ هو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الدخان: ٤٢] ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ﴾ [الدخان: ٤٣] ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٤] ﴿كالمُهْلِ يَغْلِي في البُطُونِ﴾ [الدخان: ٤٥] ﴿كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ [الدخان: ٤٦] ﴿خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الدخان: ٤٧] ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِن عَذابِ الحَمِيمِ﴾ [الدخان: ٤٨] ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] ﴿إنَّ هَذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ [الدخان: ٥٠] ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في مَقامٍ أمِينٍ﴾ [الدخان: ٥١] ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الدخان: ٥٢] ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الدخان: ٥٣] ﴿كَذَلِكَ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان: ٥٤] ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ [الدخان: ٥٥] ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى ووَقاهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ [الدخان: ٥٦] ﴿فَضْلًا مِن رَبِّكَ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [الدخان: ٥٧] ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الدخان: ٥٨] ﴿فارْتَقِبْ إنَّهم مُرْتَقِبُونَ﴾ [الدخان: ٥٩]
الدُّخانُ: مَعْرُوفٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: والدُّخانُ: الجَدْبُ. قالَ القُتَبِيُّ: سُمِّيَ دُخانًا لِيُبْسِ الأرْضِ مِنهُ، حَتّى يَرْتَفِعَ مِنها كالدُّخانِ، وقِياسُ جَمْعِهِ في القِلَّةِ: أدْخِنَةٌ، وفي الكَثْرَةِ: دِخْنانٌ، نَحْوُ غُرابٍ وأغْرِبَةٍ وغِرْبانٍ. وشَذُّوا في جَمْعِهِ عَلى فَواعِلَ فَقالُوا: دَواخِنُ، كَأنَّهُ جَمْعُ داخِنَةَ، تَقْدِيرًا، كَما شَذُّوا في عُثانٍ قالُوا: عَواثِنُ. رَها البَحْرُ، يَرْهُو رَهْوًا: سَكَنَ. يُقالُ جاءَتِ الخَيْلُ رَهْوًا: أيْ ساكِنَةً. قالَ الشّاعِرُ:
؎والخَيْلُ تَمْزَعُ رَهْوًا في أعِنَّتِها كالطَّيْرِ يَنْجُو مِنَ الشَّرْنُوبِ ذِي البَرَدِ
ويُقالُ: افْعَلْ ذَلِكَ رَهْوًا: أيْ ساكِنًا عَلى هَيْنَتِكَ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: رَها في السَّيْرِ. قالَ القَطامِيُّ في نَعْتِ الرِّكابِ:
؎يَمْشِينَ رَهْوًا فَلا الأعْجازُ خاذِلَةٌ ∗∗∗ ولا الصُّدُورُ عَلى الأعْجازِ تَتَّكِلُ
وقالَ اللَّيْثُ: عَيْشٌ راهٍ: وارِعٌ خافِضٌ. وقالَ غَيْرُهُ: الرَّهْوُ والرَّهْوَةُ: المَكانُ المُرْتَفِعُ والمُنْخَفِضُ يَجْتَمِعُ فِيهِ الماءُ، وهو مِنَ الأضْدادِ، والجَمْعُ: رُهًا. والرَّهْوُ: المَرْأةُ الواسِعَةُ الهَنِّ، حَكاهُ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ. والرَّهْوُ: ضَرْبٌ مِنَ الطَّيْرِ، يُقالُ هو الكُرْكِيُّ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: رَها الرَّجُلُ يَرْهُو رَهْوًا: فَتَحَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ. المُهْلُ: دُرْدِيُّ الزَّيْتِ وعَكَرُهُ. عَتَلَهُ: ساقَهُ بِعُنْفٍ ودَفْعٍ وإهانَةٍ. والمُعْتَلُ: الجافِي الغَلِيظُ.
(p-٣٢)﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ ﴿لا إلَهَ إلّا هو يُحْيِي ويُمِيتُ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] ﴿يَغْشى النّاسَ هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الدخان: ١١] ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] ﴿أنّى لَهُمُ الذِّكْرى وقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان: ١٣] ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان: ١٤] ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦] ﴿ولَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ [الدخان: ١٧] ﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الدخان: ١٨] ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٩] ﴿وإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾ [الدخان: ٢٠] ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾ [الدخان: ٢١] ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ [الدخان: ٢٢] ﴿فَأسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ [الدخان: ٢٣] ﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ [الدخان: ٢٤] ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الدخان: ٢٥] ﴿وزُرُوعٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ [الدخان: ٢٦] ﴿ونَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ [الدخان: ٢٧] ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٨] ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ وما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٩] .
هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، قِيلَ: إلّا قَوْلَهُ: ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] . ومُناسَبَةُ هَذِهِ السُّورَةِ أنَّهُ ذَكَرَ في أواخِرِ ما قَبْلَها: ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الزخرف: ٨٣]، فَذَكَرَ يَوْمًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ، ولا مَوْصُوفًا. فَبَيَّنَ في أوائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ ذَلِكَ اليَوْمَ، بِوَصْفٍ وصَفَهُ فَقالَ: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]، وأنَّ العَذابَ يَأْتِيهِمْ مِن قِبَلِكَ، ويَحِلُّ بِهِمْ مِنَ الجَدْبِ والقَحْطِ، ويَكُونُ العَذابُ في الدُّنْيا، وإنْ كانَ العَذابُ في الآخِرَةِ، فَيَكُونُ يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ يَوْمَ القِيامَةِ. والظّاهِرُ أنَّ الكِتابَ المُبِينَ هو القُرْآنُ، أقْسَمَ بِهِ تَعالى. ويَكُونُ الضَّمِيرُ في أنْزَلْناهُ عائِدًا عَلَيْهِ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ المُنَزَّلَةُ، وأنْ يُرادَ بِهِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، وجَوابُ القَسَمِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ: قَوْلُهُ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾، عَلى أنَّ الكِتابَ هو القُرْآنُ، ويَكُونُ قَدْ عَظَّمَهُ تَعالى بِالإقْسامِ بِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لا يَحْسُنُ وُقُوعُ القَسَمِ عَلَيْهِ، أيْ عَلى إنّا أنْزَلْناهُ، وهو اعْتِراضٌ يَتَضَمَّنُ تَفْخِيمَ الكِتابِ، ويَكُونُ الَّذِي وقَعَ عَلَيْهِ القَسَمُ ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ . انْتَهى. قالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، والحَسَنُ: اللَّيْلَةُ المُبارَكَةُ: لَيْلَةُ القَدْرِ. وقالُوا: كُتُبُ اللَّهِ كُلُّها إنَّما نَزَلَتْ في رَمَضانَ، التَّوْراةُ في أوَّلِهِ، والإنْجِيلُ في وسَطِهِ، والزَّبُورُ في نَحْوِ ذَلِكَ، والقُرْآنُ في آخِرِهِ، في لَيْلَةِ القَدْرِ، ويَعْنِي ابْتِداءَ نُزُولِهِ كانَ في لَيْلَةِ القَدْرِ. وقِيلَ: أُنْزِلُ جُمْلَةً لَيْلَةَ القَدْرِ إلى البَيْتِ (p-٣٣)المَعْمُورِ، ومِن هُناكَ كانَ جِبْرِيلُ يَتَلَقّاهُ. وقالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: هي لَيْلَةُ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ، وقَدْ أوْرَدُوا فِيها أحادِيثَ. وقالَ الحافِظُ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: لا يَصِحُّ فِيها شَيْءٌ، ولا في نَسْخِ الآجالِ فِيها.
إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ: أيْ مُخَوِّفِينَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾، ما مَوْقِعُ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ ؟ قُلْتُ: هُما جُمْلَتانِ مُسْتَأْنَفَتانِ مَلْفُوفَتانِ، فُسِّرَ بِهِما جَوابُ القَسَمِ الَّذِي هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾، كَأنَّهُ قِيلَ: أنْزَلْناهُ، لِأنَّ مِن شَأْنِنا الإنْذارَ والتَّحْذِيرَ مِنَ العِقابِ. وكانَ إنْزالُنا إيّاهُ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ خُصُوصًا، لِأنَّ إنْزالَ القُرْآنِ مِنَ الأُمُورِ المُحْكَمَةِ، وهَذِهِ اللَّيْلَةُ مَفْرِقُ كُلِّ أمْرٍ حَكِيمٍ، والمُبارَكَةُ: الكَثِيرَةُ الخَيْرِ، لِما يُنْتَجُ اللَّهُ فِيها مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِها مَنافِعُ العِبادِ في دِينِهِمْ ودُنْياهم، ولَوْ لَمْ يُوجِدْ فِيها إلّا إنْزالَ القُرْآنِ وحْدَهُ، لَكَفى بِهِ بَرَكَةً. انْتَهى. وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْرَجُ، والأعْمَشُ: يَفْرُقُ، بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الرّاءِ، كُلَّ: بِالنَّصْبِ، أيْ يَفْرُقُ اللَّهُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، فِيما ذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نُفْرِقُ بِالنُّونِ، كُلَّ بِالنَّصْبِ، وفِيما ذَكَرَ أبُو عَلِيٍّ الأهْوازِيُّ: عَيْنُهُ بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الرّاءِ ونَصْبِ ”كُلِّ“، ورَفْعِ حَكِيمٍ، عَلى أنَّهُ الفاعِلُ بِـ يَفْرِقُ. وقَرَأ الحَسَنُ وزائِدَةٌ عَنِ الأعْمَشِ بِالتَّشْدِيدِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أوْ مَعْنى يَفْرِقُ: يَفْصِلُ مِن غَيْرِهِ ويُخَلِّصُ. ووَصْفُ أمْرٍ بِحَكِيمٍ، أيْ أمْرٍ ذِي حِكْمَةٍ، وقَدْ أبْهَمَ تَعالى هَذا الأمْرَ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: في لَيْلَةِ القَدْرِ يَفْصِلُ كُلَّ ما في العامِ المُقْبِلِ مِنَ الأقْدارِ والأرْزاقِ والآجالِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ويَكْتُبُ ذَلِكَ إلى مِثْلِها مِنَ العامِ المُقْبِلِ. وقالَ هِلالُ بْنُ أسافٍ: كانَ يُقالُ: انْتَظِرْ والقَضاءُ في رَمَضانَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: لِفَضْلِ المَلائِكَةِ في لَيْلَةِ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ. وجَوَّزُوا في أمْرًا أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ بِمُنْذِرِينَ لِقَوْلِهِ: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ [الكهف: ٢] . أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ، جَعَلَ كُلَّ أمْرٍ حَكِيمٍ جَزْلًا فَخْمًا، بِأنْ وصَفَهُ بِالحَكِيمِ، ثُمَّ زادَهُ جَزالَةً وفَخامَةً نَفْسَهُ بِأنْ قالَ: أعْنِي بِهَذا الأمْرِ أمْرًا حاصِلًا مِن عِنْدِنا، كائِنًا مِن لَدُنّا، وكَما اقْتَضاهُ عِلْمُنا وتَدْبِيرُنا، كَذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ: وفي قِراءَةِ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ: ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا﴾، عَلى هو أمْرًا، وهي نَصْبٌ عَلى الِاخْتِصاصِ ومَقْبُولًا لَهُ، والعامِلُ أنْزَلْنا، أوْ مُنْذِرِينَ، أوْ يُفْرَقُ، ومَصْدَرًا مِن مَعْنى يُفْرَقُ، أيْ فَرْقًا مِن عِنْدِنا، أوْ مِن أمْرِنا مَحْذُوفًا وحالًا، قِيلَ: مِن كُلٍّ، والَّذِي تَلَقَّيْناهُ مِن أشْياخِنا أنَّهُ حالُ مَن أمَرَ، لِأنَّهُ وصْفٌ بِحَكِيمٍ، فَحَسُنَتِ الحالُ مِنهُ، إلّا أنَّ فِيهِ الحالَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ، وهو لَيْسَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ ولا نَصْبٍ، ولا يَجُوزُ. وقِيلَ: مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في أنْزَلْناهُ، أيْ أمَرَنِي. وقِيلَ: مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ في أنْزَلْناهُ، أيْ في حالِ كَوْنِهِ أمْرًا مِن عِنْدِنا بِما يَجِبُ أنْ يُفْعَلَ. والظّاهِرُ أنَّ مِن عِنْدِنا صِفَةٌ لِأمْرًا، وقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِـ يُفْرَقُ.
﴿إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾: لَمّا ذَكَرَ إنْزالَ القُرْآنِ، ذَكَرَ المُرْسَلَ، أيْ مُرْسِلِينَ الأنْبِياءَ بِالكُتُبِ لِلْعِبادِ. فالجُمْلَةُ المُؤَكَّدَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ . وجَوَّزُوا في ”رَحْمَةً“ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، أيْ رَحِمْنا رَحْمَةً، وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ بِـ أنْزَلْناهُ، أوْ لِـ يُفْرَقُ، أوْ لِـ أمْرًا مِن عِنْدِنا. وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِـ مُرْسِلِينَ، والرَّحْمَةُ تُوصَفُ بِالإرْسالِ، كَما وُصِفَتْ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢] . والمَعْنى عَلى هَذا: أنّا نَفْصِلُ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ كُلَّ أمْرٍ، أوْ تَصْدُرُ الأوامِرُ مِن عِنْدِنا، لِأنَّ مِن عادَتِنا أنْ نُرْسِلَ رَحْمَتَنا. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والحَسَنُ: رَحْمَةٌ، بِالرَّفْعِ: أيْ تِلْكَ رَحْمَةٌ مِن رَبِّكَ، التِفاتًا مِن مُضْمَرٍ إلى ظاهِرٍ، إذْ لَوْ رُوعِيَ ما قَبْلَهُ، لَكانَ رَحْمَةً مِنّا، لَكِنَّهُ وضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ، إيذانًا بِأنَّ الرُّبُوبِيَّةَ تَقْتَضِي الرَّحْمَةَ عَلى المَرْبُوبِينَ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، والكُوفِيُّونَ: (رَبِّ السَّماواتِ)، بِالخَفْضِ بَدَلًا مِن رَبِّكَ، وباقِي السَّبْعَةِ، والأعْرَجُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: بِالرَّفْعِ عَلى القَطْعِ، أيْ هو رَبُّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رَبُّكم ورَبُّ)، بِرَفْعِهِما، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وأبُو حَيْوَةَ، والزَّعْفَرانِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ، والحَسَنُ، وأبُو مُوسى عِيسى بْنُ سُلَيْمانَ وصالِحٌ النّاقِطُ، (p-٣٤)كِلاهُما عَنِ الكِسائِيِّ: بِالجَرِّ، وأحْمَدُ بْنُ جُبَيْرٍ الأنْطاكِيُّ: رَبَّكم ورَبَّ، بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ، وهم يُخالِفُونَ بَيْنَ الإعْرابِ الرَّفْعِ والنَّصْبِ إذا طالَتِ النُّعُوتُ. وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾، تَحْرِيكٌ لَهم بِأنَّكم تُقِرُّونَ بِأنَّهُ تَعالى خالِقُ العالَمِ، وأنَّهُ أنْزَلَ الكُتُبَ، وأرْسَلَ الرُّسُلَ رَحْمَةً مِنهُ، وأنَّ ذَلِكَ مِنكم مِن غَيْرِ عِلْمٍ وإيقانٍ. ولِذَلِكَ جاءَ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾، أيْ في شَكٍّ لا يَزالُونَ فِيهِ يَلْعَبُونَ. فَإقْرارُهم لَيْسَ عَنْ حَدٍّ ولا تَيَقُّنٍ.
الدخان 44:5
سُورَةُ الدُّخانِ تِسْعٌ وخَمْسُونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
(p-٣١)﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ ﴿لا إلَهَ إلّا هو يُحْيِي ويُمِيتُ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] ﴿يَغْشى النّاسَ هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الدخان: ١١] ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] ﴿أنّى لَهُمُ الذِّكْرى وقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان: ١٣] ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان: ١٤] ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦] ﴿ولَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ [الدخان: ١٧] ﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الدخان: ١٨] ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٩] ﴿وإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾ [الدخان: ٢٠] ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾ [الدخان: ٢١] ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ [الدخان: ٢٢] ﴿فَأسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ [الدخان: ٢٣] ﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ [الدخان: ٢٤] ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الدخان: ٢٥] ﴿وزُرُوعٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ [الدخان: ٢٦] ﴿ونَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ [الدخان: ٢٧] ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٨] ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ وما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٩] ﴿ولَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ العَذابِ المُهِينِ﴾ [الدخان: ٣٠] ﴿مِن فِرْعَوْنَ إنَّهُ كانَ عالِيًا مِنَ المُسْرِفِينَ﴾ [الدخان: ٣١] ﴿ولَقَدِ اخْتَرْناهم عَلى عِلْمٍ عَلى العالَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢] ﴿وآتَيْناهم مِنَ الآياتِ ما فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان: ٣٣] ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ﴾ [الدخان: ٣٤] ﴿إنْ هي إلّا مَوْتَتُنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ [الدخان: ٣٥] ﴿فَأْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الدخان: ٣٦] ﴿أهم خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أهْلَكْناهم إنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [الدخان: ٣٧] ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان: ٣٩] ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُهم أجْمَعِينَ﴾ [الدخان: ٤٠] ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [الدخان: ٤١] ﴿إلّا مَن رَحِمَ اللَّهُ إنَّهُ هو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الدخان: ٤٢] ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ﴾ [الدخان: ٤٣] ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٤] ﴿كالمُهْلِ يَغْلِي في البُطُونِ﴾ [الدخان: ٤٥] ﴿كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ [الدخان: ٤٦] ﴿خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الدخان: ٤٧] ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِن عَذابِ الحَمِيمِ﴾ [الدخان: ٤٨] ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] ﴿إنَّ هَذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ [الدخان: ٥٠] ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في مَقامٍ أمِينٍ﴾ [الدخان: ٥١] ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الدخان: ٥٢] ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الدخان: ٥٣] ﴿كَذَلِكَ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان: ٥٤] ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ [الدخان: ٥٥] ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى ووَقاهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ [الدخان: ٥٦] ﴿فَضْلًا مِن رَبِّكَ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [الدخان: ٥٧] ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الدخان: ٥٨] ﴿فارْتَقِبْ إنَّهم مُرْتَقِبُونَ﴾ [الدخان: ٥٩]
الدُّخانُ: مَعْرُوفٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: والدُّخانُ: الجَدْبُ. قالَ القُتَبِيُّ: سُمِّيَ دُخانًا لِيُبْسِ الأرْضِ مِنهُ، حَتّى يَرْتَفِعَ مِنها كالدُّخانِ، وقِياسُ جَمْعِهِ في القِلَّةِ: أدْخِنَةٌ، وفي الكَثْرَةِ: دِخْنانٌ، نَحْوُ غُرابٍ وأغْرِبَةٍ وغِرْبانٍ. وشَذُّوا في جَمْعِهِ عَلى فَواعِلَ فَقالُوا: دَواخِنُ، كَأنَّهُ جَمْعُ داخِنَةَ، تَقْدِيرًا، كَما شَذُّوا في عُثانٍ قالُوا: عَواثِنُ. رَها البَحْرُ، يَرْهُو رَهْوًا: سَكَنَ. يُقالُ جاءَتِ الخَيْلُ رَهْوًا: أيْ ساكِنَةً. قالَ الشّاعِرُ:
؎والخَيْلُ تَمْزَعُ رَهْوًا في أعِنَّتِها كالطَّيْرِ يَنْجُو مِنَ الشَّرْنُوبِ ذِي البَرَدِ
ويُقالُ: افْعَلْ ذَلِكَ رَهْوًا: أيْ ساكِنًا عَلى هَيْنَتِكَ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: رَها في السَّيْرِ. قالَ القَطامِيُّ في نَعْتِ الرِّكابِ:
؎يَمْشِينَ رَهْوًا فَلا الأعْجازُ خاذِلَةٌ ∗∗∗ ولا الصُّدُورُ عَلى الأعْجازِ تَتَّكِلُ
وقالَ اللَّيْثُ: عَيْشٌ راهٍ: وارِعٌ خافِضٌ. وقالَ غَيْرُهُ: الرَّهْوُ والرَّهْوَةُ: المَكانُ المُرْتَفِعُ والمُنْخَفِضُ يَجْتَمِعُ فِيهِ الماءُ، وهو مِنَ الأضْدادِ، والجَمْعُ: رُهًا. والرَّهْوُ: المَرْأةُ الواسِعَةُ الهَنِّ، حَكاهُ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ. والرَّهْوُ: ضَرْبٌ مِنَ الطَّيْرِ، يُقالُ هو الكُرْكِيُّ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: رَها الرَّجُلُ يَرْهُو رَهْوًا: فَتَحَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ. المُهْلُ: دُرْدِيُّ الزَّيْتِ وعَكَرُهُ. عَتَلَهُ: ساقَهُ بِعُنْفٍ ودَفْعٍ وإهانَةٍ. والمُعْتَلُ: الجافِي الغَلِيظُ.
(p-٣٢)﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ ﴿لا إلَهَ إلّا هو يُحْيِي ويُمِيتُ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] ﴿يَغْشى النّاسَ هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الدخان: ١١] ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] ﴿أنّى لَهُمُ الذِّكْرى وقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان: ١٣] ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان: ١٤] ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦] ﴿ولَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ [الدخان: ١٧] ﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الدخان: ١٨] ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٩] ﴿وإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾ [الدخان: ٢٠] ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾ [الدخان: ٢١] ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ [الدخان: ٢٢] ﴿فَأسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ [الدخان: ٢٣] ﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ [الدخان: ٢٤] ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الدخان: ٢٥] ﴿وزُرُوعٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ [الدخان: ٢٦] ﴿ونَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ [الدخان: ٢٧] ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٨] ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ وما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٩] .
هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، قِيلَ: إلّا قَوْلَهُ: ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] . ومُناسَبَةُ هَذِهِ السُّورَةِ أنَّهُ ذَكَرَ في أواخِرِ ما قَبْلَها: ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الزخرف: ٨٣]، فَذَكَرَ يَوْمًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ، ولا مَوْصُوفًا. فَبَيَّنَ في أوائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ ذَلِكَ اليَوْمَ، بِوَصْفٍ وصَفَهُ فَقالَ: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]، وأنَّ العَذابَ يَأْتِيهِمْ مِن قِبَلِكَ، ويَحِلُّ بِهِمْ مِنَ الجَدْبِ والقَحْطِ، ويَكُونُ العَذابُ في الدُّنْيا، وإنْ كانَ العَذابُ في الآخِرَةِ، فَيَكُونُ يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ يَوْمَ القِيامَةِ. والظّاهِرُ أنَّ الكِتابَ المُبِينَ هو القُرْآنُ، أقْسَمَ بِهِ تَعالى. ويَكُونُ الضَّمِيرُ في أنْزَلْناهُ عائِدًا عَلَيْهِ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ المُنَزَّلَةُ، وأنْ يُرادَ بِهِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، وجَوابُ القَسَمِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ: قَوْلُهُ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾، عَلى أنَّ الكِتابَ هو القُرْآنُ، ويَكُونُ قَدْ عَظَّمَهُ تَعالى بِالإقْسامِ بِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لا يَحْسُنُ وُقُوعُ القَسَمِ عَلَيْهِ، أيْ عَلى إنّا أنْزَلْناهُ، وهو اعْتِراضٌ يَتَضَمَّنُ تَفْخِيمَ الكِتابِ، ويَكُونُ الَّذِي وقَعَ عَلَيْهِ القَسَمُ ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ . انْتَهى. قالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، والحَسَنُ: اللَّيْلَةُ المُبارَكَةُ: لَيْلَةُ القَدْرِ. وقالُوا: كُتُبُ اللَّهِ كُلُّها إنَّما نَزَلَتْ في رَمَضانَ، التَّوْراةُ في أوَّلِهِ، والإنْجِيلُ في وسَطِهِ، والزَّبُورُ في نَحْوِ ذَلِكَ، والقُرْآنُ في آخِرِهِ، في لَيْلَةِ القَدْرِ، ويَعْنِي ابْتِداءَ نُزُولِهِ كانَ في لَيْلَةِ القَدْرِ. وقِيلَ: أُنْزِلُ جُمْلَةً لَيْلَةَ القَدْرِ إلى البَيْتِ (p-٣٣)المَعْمُورِ، ومِن هُناكَ كانَ جِبْرِيلُ يَتَلَقّاهُ. وقالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: هي لَيْلَةُ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ، وقَدْ أوْرَدُوا فِيها أحادِيثَ. وقالَ الحافِظُ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: لا يَصِحُّ فِيها شَيْءٌ، ولا في نَسْخِ الآجالِ فِيها.
إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ: أيْ مُخَوِّفِينَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾، ما مَوْقِعُ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ ؟ قُلْتُ: هُما جُمْلَتانِ مُسْتَأْنَفَتانِ مَلْفُوفَتانِ، فُسِّرَ بِهِما جَوابُ القَسَمِ الَّذِي هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾، كَأنَّهُ قِيلَ: أنْزَلْناهُ، لِأنَّ مِن شَأْنِنا الإنْذارَ والتَّحْذِيرَ مِنَ العِقابِ. وكانَ إنْزالُنا إيّاهُ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ خُصُوصًا، لِأنَّ إنْزالَ القُرْآنِ مِنَ الأُمُورِ المُحْكَمَةِ، وهَذِهِ اللَّيْلَةُ مَفْرِقُ كُلِّ أمْرٍ حَكِيمٍ، والمُبارَكَةُ: الكَثِيرَةُ الخَيْرِ، لِما يُنْتَجُ اللَّهُ فِيها مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِها مَنافِعُ العِبادِ في دِينِهِمْ ودُنْياهم، ولَوْ لَمْ يُوجِدْ فِيها إلّا إنْزالَ القُرْآنِ وحْدَهُ، لَكَفى بِهِ بَرَكَةً. انْتَهى. وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْرَجُ، والأعْمَشُ: يَفْرُقُ، بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الرّاءِ، كُلَّ: بِالنَّصْبِ، أيْ يَفْرُقُ اللَّهُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، فِيما ذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نُفْرِقُ بِالنُّونِ، كُلَّ بِالنَّصْبِ، وفِيما ذَكَرَ أبُو عَلِيٍّ الأهْوازِيُّ: عَيْنُهُ بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الرّاءِ ونَصْبِ ”كُلِّ“، ورَفْعِ حَكِيمٍ، عَلى أنَّهُ الفاعِلُ بِـ يَفْرِقُ. وقَرَأ الحَسَنُ وزائِدَةٌ عَنِ الأعْمَشِ بِالتَّشْدِيدِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أوْ مَعْنى يَفْرِقُ: يَفْصِلُ مِن غَيْرِهِ ويُخَلِّصُ. ووَصْفُ أمْرٍ بِحَكِيمٍ، أيْ أمْرٍ ذِي حِكْمَةٍ، وقَدْ أبْهَمَ تَعالى هَذا الأمْرَ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: في لَيْلَةِ القَدْرِ يَفْصِلُ كُلَّ ما في العامِ المُقْبِلِ مِنَ الأقْدارِ والأرْزاقِ والآجالِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ويَكْتُبُ ذَلِكَ إلى مِثْلِها مِنَ العامِ المُقْبِلِ. وقالَ هِلالُ بْنُ أسافٍ: كانَ يُقالُ: انْتَظِرْ والقَضاءُ في رَمَضانَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: لِفَضْلِ المَلائِكَةِ في لَيْلَةِ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ. وجَوَّزُوا في أمْرًا أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ بِمُنْذِرِينَ لِقَوْلِهِ: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ [الكهف: ٢] . أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ، جَعَلَ كُلَّ أمْرٍ حَكِيمٍ جَزْلًا فَخْمًا، بِأنْ وصَفَهُ بِالحَكِيمِ، ثُمَّ زادَهُ جَزالَةً وفَخامَةً نَفْسَهُ بِأنْ قالَ: أعْنِي بِهَذا الأمْرِ أمْرًا حاصِلًا مِن عِنْدِنا، كائِنًا مِن لَدُنّا، وكَما اقْتَضاهُ عِلْمُنا وتَدْبِيرُنا، كَذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ: وفي قِراءَةِ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ: ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا﴾، عَلى هو أمْرًا، وهي نَصْبٌ عَلى الِاخْتِصاصِ ومَقْبُولًا لَهُ، والعامِلُ أنْزَلْنا، أوْ مُنْذِرِينَ، أوْ يُفْرَقُ، ومَصْدَرًا مِن مَعْنى يُفْرَقُ، أيْ فَرْقًا مِن عِنْدِنا، أوْ مِن أمْرِنا مَحْذُوفًا وحالًا، قِيلَ: مِن كُلٍّ، والَّذِي تَلَقَّيْناهُ مِن أشْياخِنا أنَّهُ حالُ مَن أمَرَ، لِأنَّهُ وصْفٌ بِحَكِيمٍ، فَحَسُنَتِ الحالُ مِنهُ، إلّا أنَّ فِيهِ الحالَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ، وهو لَيْسَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ ولا نَصْبٍ، ولا يَجُوزُ. وقِيلَ: مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في أنْزَلْناهُ، أيْ أمَرَنِي. وقِيلَ: مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ في أنْزَلْناهُ، أيْ في حالِ كَوْنِهِ أمْرًا مِن عِنْدِنا بِما يَجِبُ أنْ يُفْعَلَ. والظّاهِرُ أنَّ مِن عِنْدِنا صِفَةٌ لِأمْرًا، وقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِـ يُفْرَقُ.
﴿إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾: لَمّا ذَكَرَ إنْزالَ القُرْآنِ، ذَكَرَ المُرْسَلَ، أيْ مُرْسِلِينَ الأنْبِياءَ بِالكُتُبِ لِلْعِبادِ. فالجُمْلَةُ المُؤَكَّدَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ . وجَوَّزُوا في ”رَحْمَةً“ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، أيْ رَحِمْنا رَحْمَةً، وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ بِـ أنْزَلْناهُ، أوْ لِـ يُفْرَقُ، أوْ لِـ أمْرًا مِن عِنْدِنا. وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِـ مُرْسِلِينَ، والرَّحْمَةُ تُوصَفُ بِالإرْسالِ، كَما وُصِفَتْ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢] . والمَعْنى عَلى هَذا: أنّا نَفْصِلُ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ كُلَّ أمْرٍ، أوْ تَصْدُرُ الأوامِرُ مِن عِنْدِنا، لِأنَّ مِن عادَتِنا أنْ نُرْسِلَ رَحْمَتَنا. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والحَسَنُ: رَحْمَةٌ، بِالرَّفْعِ: أيْ تِلْكَ رَحْمَةٌ مِن رَبِّكَ، التِفاتًا مِن مُضْمَرٍ إلى ظاهِرٍ، إذْ لَوْ رُوعِيَ ما قَبْلَهُ، لَكانَ رَحْمَةً مِنّا، لَكِنَّهُ وضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ، إيذانًا بِأنَّ الرُّبُوبِيَّةَ تَقْتَضِي الرَّحْمَةَ عَلى المَرْبُوبِينَ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، والكُوفِيُّونَ: (رَبِّ السَّماواتِ)، بِالخَفْضِ بَدَلًا مِن رَبِّكَ، وباقِي السَّبْعَةِ، والأعْرَجُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: بِالرَّفْعِ عَلى القَطْعِ، أيْ هو رَبُّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رَبُّكم ورَبُّ)، بِرَفْعِهِما، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وأبُو حَيْوَةَ، والزَّعْفَرانِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ، والحَسَنُ، وأبُو مُوسى عِيسى بْنُ سُلَيْمانَ وصالِحٌ النّاقِطُ، (p-٣٤)كِلاهُما عَنِ الكِسائِيِّ: بِالجَرِّ، وأحْمَدُ بْنُ جُبَيْرٍ الأنْطاكِيُّ: رَبَّكم ورَبَّ، بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ، وهم يُخالِفُونَ بَيْنَ الإعْرابِ الرَّفْعِ والنَّصْبِ إذا طالَتِ النُّعُوتُ. وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾، تَحْرِيكٌ لَهم بِأنَّكم تُقِرُّونَ بِأنَّهُ تَعالى خالِقُ العالَمِ، وأنَّهُ أنْزَلَ الكُتُبَ، وأرْسَلَ الرُّسُلَ رَحْمَةً مِنهُ، وأنَّ ذَلِكَ مِنكم مِن غَيْرِ عِلْمٍ وإيقانٍ. ولِذَلِكَ جاءَ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾، أيْ في شَكٍّ لا يَزالُونَ فِيهِ يَلْعَبُونَ. فَإقْرارُهم لَيْسَ عَنْ حَدٍّ ولا تَيَقُّنٍ.
الدخان 44:6
سُورَةُ الدُّخانِ تِسْعٌ وخَمْسُونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
(p-٣١)﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ ﴿لا إلَهَ إلّا هو يُحْيِي ويُمِيتُ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] ﴿يَغْشى النّاسَ هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الدخان: ١١] ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] ﴿أنّى لَهُمُ الذِّكْرى وقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان: ١٣] ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان: ١٤] ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦] ﴿ولَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ [الدخان: ١٧] ﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الدخان: ١٨] ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٩] ﴿وإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾ [الدخان: ٢٠] ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾ [الدخان: ٢١] ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ [الدخان: ٢٢] ﴿فَأسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ [الدخان: ٢٣] ﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ [الدخان: ٢٤] ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الدخان: ٢٥] ﴿وزُرُوعٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ [الدخان: ٢٦] ﴿ونَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ [الدخان: ٢٧] ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٨] ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ وما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٩] ﴿ولَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ العَذابِ المُهِينِ﴾ [الدخان: ٣٠] ﴿مِن فِرْعَوْنَ إنَّهُ كانَ عالِيًا مِنَ المُسْرِفِينَ﴾ [الدخان: ٣١] ﴿ولَقَدِ اخْتَرْناهم عَلى عِلْمٍ عَلى العالَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢] ﴿وآتَيْناهم مِنَ الآياتِ ما فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان: ٣٣] ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ﴾ [الدخان: ٣٤] ﴿إنْ هي إلّا مَوْتَتُنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ [الدخان: ٣٥] ﴿فَأْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الدخان: ٣٦] ﴿أهم خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أهْلَكْناهم إنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [الدخان: ٣٧] ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان: ٣٩] ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُهم أجْمَعِينَ﴾ [الدخان: ٤٠] ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [الدخان: ٤١] ﴿إلّا مَن رَحِمَ اللَّهُ إنَّهُ هو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الدخان: ٤٢] ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ﴾ [الدخان: ٤٣] ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٤] ﴿كالمُهْلِ يَغْلِي في البُطُونِ﴾ [الدخان: ٤٥] ﴿كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ [الدخان: ٤٦] ﴿خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الدخان: ٤٧] ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِن عَذابِ الحَمِيمِ﴾ [الدخان: ٤٨] ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] ﴿إنَّ هَذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ [الدخان: ٥٠] ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في مَقامٍ أمِينٍ﴾ [الدخان: ٥١] ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الدخان: ٥٢] ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الدخان: ٥٣] ﴿كَذَلِكَ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان: ٥٤] ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ [الدخان: ٥٥] ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى ووَقاهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ [الدخان: ٥٦] ﴿فَضْلًا مِن رَبِّكَ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [الدخان: ٥٧] ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الدخان: ٥٨] ﴿فارْتَقِبْ إنَّهم مُرْتَقِبُونَ﴾ [الدخان: ٥٩]
الدُّخانُ: مَعْرُوفٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: والدُّخانُ: الجَدْبُ. قالَ القُتَبِيُّ: سُمِّيَ دُخانًا لِيُبْسِ الأرْضِ مِنهُ، حَتّى يَرْتَفِعَ مِنها كالدُّخانِ، وقِياسُ جَمْعِهِ في القِلَّةِ: أدْخِنَةٌ، وفي الكَثْرَةِ: دِخْنانٌ، نَحْوُ غُرابٍ وأغْرِبَةٍ وغِرْبانٍ. وشَذُّوا في جَمْعِهِ عَلى فَواعِلَ فَقالُوا: دَواخِنُ، كَأنَّهُ جَمْعُ داخِنَةَ، تَقْدِيرًا، كَما شَذُّوا في عُثانٍ قالُوا: عَواثِنُ. رَها البَحْرُ، يَرْهُو رَهْوًا: سَكَنَ. يُقالُ جاءَتِ الخَيْلُ رَهْوًا: أيْ ساكِنَةً. قالَ الشّاعِرُ:
؎والخَيْلُ تَمْزَعُ رَهْوًا في أعِنَّتِها كالطَّيْرِ يَنْجُو مِنَ الشَّرْنُوبِ ذِي البَرَدِ
ويُقالُ: افْعَلْ ذَلِكَ رَهْوًا: أيْ ساكِنًا عَلى هَيْنَتِكَ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: رَها في السَّيْرِ. قالَ القَطامِيُّ في نَعْتِ الرِّكابِ:
؎يَمْشِينَ رَهْوًا فَلا الأعْجازُ خاذِلَةٌ ∗∗∗ ولا الصُّدُورُ عَلى الأعْجازِ تَتَّكِلُ
وقالَ اللَّيْثُ: عَيْشٌ راهٍ: وارِعٌ خافِضٌ. وقالَ غَيْرُهُ: الرَّهْوُ والرَّهْوَةُ: المَكانُ المُرْتَفِعُ والمُنْخَفِضُ يَجْتَمِعُ فِيهِ الماءُ، وهو مِنَ الأضْدادِ، والجَمْعُ: رُهًا. والرَّهْوُ: المَرْأةُ الواسِعَةُ الهَنِّ، حَكاهُ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ. والرَّهْوُ: ضَرْبٌ مِنَ الطَّيْرِ، يُقالُ هو الكُرْكِيُّ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: رَها الرَّجُلُ يَرْهُو رَهْوًا: فَتَحَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ. المُهْلُ: دُرْدِيُّ الزَّيْتِ وعَكَرُهُ. عَتَلَهُ: ساقَهُ بِعُنْفٍ ودَفْعٍ وإهانَةٍ. والمُعْتَلُ: الجافِي الغَلِيظُ.
(p-٣٢)﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ ﴿لا إلَهَ إلّا هو يُحْيِي ويُمِيتُ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] ﴿يَغْشى النّاسَ هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الدخان: ١١] ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] ﴿أنّى لَهُمُ الذِّكْرى وقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان: ١٣] ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان: ١٤] ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦] ﴿ولَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ [الدخان: ١٧] ﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الدخان: ١٨] ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٩] ﴿وإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾ [الدخان: ٢٠] ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾ [الدخان: ٢١] ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ [الدخان: ٢٢] ﴿فَأسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ [الدخان: ٢٣] ﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ [الدخان: ٢٤] ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الدخان: ٢٥] ﴿وزُرُوعٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ [الدخان: ٢٦] ﴿ونَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ [الدخان: ٢٧] ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٨] ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ وما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٩] .
هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، قِيلَ: إلّا قَوْلَهُ: ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] . ومُناسَبَةُ هَذِهِ السُّورَةِ أنَّهُ ذَكَرَ في أواخِرِ ما قَبْلَها: ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الزخرف: ٨٣]، فَذَكَرَ يَوْمًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ، ولا مَوْصُوفًا. فَبَيَّنَ في أوائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ ذَلِكَ اليَوْمَ، بِوَصْفٍ وصَفَهُ فَقالَ: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]، وأنَّ العَذابَ يَأْتِيهِمْ مِن قِبَلِكَ، ويَحِلُّ بِهِمْ مِنَ الجَدْبِ والقَحْطِ، ويَكُونُ العَذابُ في الدُّنْيا، وإنْ كانَ العَذابُ في الآخِرَةِ، فَيَكُونُ يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ يَوْمَ القِيامَةِ. والظّاهِرُ أنَّ الكِتابَ المُبِينَ هو القُرْآنُ، أقْسَمَ بِهِ تَعالى. ويَكُونُ الضَّمِيرُ في أنْزَلْناهُ عائِدًا عَلَيْهِ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ المُنَزَّلَةُ، وأنْ يُرادَ بِهِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، وجَوابُ القَسَمِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ: قَوْلُهُ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾، عَلى أنَّ الكِتابَ هو القُرْآنُ، ويَكُونُ قَدْ عَظَّمَهُ تَعالى بِالإقْسامِ بِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لا يَحْسُنُ وُقُوعُ القَسَمِ عَلَيْهِ، أيْ عَلى إنّا أنْزَلْناهُ، وهو اعْتِراضٌ يَتَضَمَّنُ تَفْخِيمَ الكِتابِ، ويَكُونُ الَّذِي وقَعَ عَلَيْهِ القَسَمُ ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ . انْتَهى. قالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، والحَسَنُ: اللَّيْلَةُ المُبارَكَةُ: لَيْلَةُ القَدْرِ. وقالُوا: كُتُبُ اللَّهِ كُلُّها إنَّما نَزَلَتْ في رَمَضانَ، التَّوْراةُ في أوَّلِهِ، والإنْجِيلُ في وسَطِهِ، والزَّبُورُ في نَحْوِ ذَلِكَ، والقُرْآنُ في آخِرِهِ، في لَيْلَةِ القَدْرِ، ويَعْنِي ابْتِداءَ نُزُولِهِ كانَ في لَيْلَةِ القَدْرِ. وقِيلَ: أُنْزِلُ جُمْلَةً لَيْلَةَ القَدْرِ إلى البَيْتِ (p-٣٣)المَعْمُورِ، ومِن هُناكَ كانَ جِبْرِيلُ يَتَلَقّاهُ. وقالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: هي لَيْلَةُ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ، وقَدْ أوْرَدُوا فِيها أحادِيثَ. وقالَ الحافِظُ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: لا يَصِحُّ فِيها شَيْءٌ، ولا في نَسْخِ الآجالِ فِيها.
إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ: أيْ مُخَوِّفِينَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾، ما مَوْقِعُ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ ؟ قُلْتُ: هُما جُمْلَتانِ مُسْتَأْنَفَتانِ مَلْفُوفَتانِ، فُسِّرَ بِهِما جَوابُ القَسَمِ الَّذِي هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾، كَأنَّهُ قِيلَ: أنْزَلْناهُ، لِأنَّ مِن شَأْنِنا الإنْذارَ والتَّحْذِيرَ مِنَ العِقابِ. وكانَ إنْزالُنا إيّاهُ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ خُصُوصًا، لِأنَّ إنْزالَ القُرْآنِ مِنَ الأُمُورِ المُحْكَمَةِ، وهَذِهِ اللَّيْلَةُ مَفْرِقُ كُلِّ أمْرٍ حَكِيمٍ، والمُبارَكَةُ: الكَثِيرَةُ الخَيْرِ، لِما يُنْتَجُ اللَّهُ فِيها مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِها مَنافِعُ العِبادِ في دِينِهِمْ ودُنْياهم، ولَوْ لَمْ يُوجِدْ فِيها إلّا إنْزالَ القُرْآنِ وحْدَهُ، لَكَفى بِهِ بَرَكَةً. انْتَهى. وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْرَجُ، والأعْمَشُ: يَفْرُقُ، بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الرّاءِ، كُلَّ: بِالنَّصْبِ، أيْ يَفْرُقُ اللَّهُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، فِيما ذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نُفْرِقُ بِالنُّونِ، كُلَّ بِالنَّصْبِ، وفِيما ذَكَرَ أبُو عَلِيٍّ الأهْوازِيُّ: عَيْنُهُ بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الرّاءِ ونَصْبِ ”كُلِّ“، ورَفْعِ حَكِيمٍ، عَلى أنَّهُ الفاعِلُ بِـ يَفْرِقُ. وقَرَأ الحَسَنُ وزائِدَةٌ عَنِ الأعْمَشِ بِالتَّشْدِيدِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أوْ مَعْنى يَفْرِقُ: يَفْصِلُ مِن غَيْرِهِ ويُخَلِّصُ. ووَصْفُ أمْرٍ بِحَكِيمٍ، أيْ أمْرٍ ذِي حِكْمَةٍ، وقَدْ أبْهَمَ تَعالى هَذا الأمْرَ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: في لَيْلَةِ القَدْرِ يَفْصِلُ كُلَّ ما في العامِ المُقْبِلِ مِنَ الأقْدارِ والأرْزاقِ والآجالِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ويَكْتُبُ ذَلِكَ إلى مِثْلِها مِنَ العامِ المُقْبِلِ. وقالَ هِلالُ بْنُ أسافٍ: كانَ يُقالُ: انْتَظِرْ والقَضاءُ في رَمَضانَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: لِفَضْلِ المَلائِكَةِ في لَيْلَةِ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ. وجَوَّزُوا في أمْرًا أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ بِمُنْذِرِينَ لِقَوْلِهِ: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ [الكهف: ٢] . أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ، جَعَلَ كُلَّ أمْرٍ حَكِيمٍ جَزْلًا فَخْمًا، بِأنْ وصَفَهُ بِالحَكِيمِ، ثُمَّ زادَهُ جَزالَةً وفَخامَةً نَفْسَهُ بِأنْ قالَ: أعْنِي بِهَذا الأمْرِ أمْرًا حاصِلًا مِن عِنْدِنا، كائِنًا مِن لَدُنّا، وكَما اقْتَضاهُ عِلْمُنا وتَدْبِيرُنا، كَذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ: وفي قِراءَةِ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ: ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا﴾، عَلى هو أمْرًا، وهي نَصْبٌ عَلى الِاخْتِصاصِ ومَقْبُولًا لَهُ، والعامِلُ أنْزَلْنا، أوْ مُنْذِرِينَ، أوْ يُفْرَقُ، ومَصْدَرًا مِن مَعْنى يُفْرَقُ، أيْ فَرْقًا مِن عِنْدِنا، أوْ مِن أمْرِنا مَحْذُوفًا وحالًا، قِيلَ: مِن كُلٍّ، والَّذِي تَلَقَّيْناهُ مِن أشْياخِنا أنَّهُ حالُ مَن أمَرَ، لِأنَّهُ وصْفٌ بِحَكِيمٍ، فَحَسُنَتِ الحالُ مِنهُ، إلّا أنَّ فِيهِ الحالَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ، وهو لَيْسَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ ولا نَصْبٍ، ولا يَجُوزُ. وقِيلَ: مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في أنْزَلْناهُ، أيْ أمَرَنِي. وقِيلَ: مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ في أنْزَلْناهُ، أيْ في حالِ كَوْنِهِ أمْرًا مِن عِنْدِنا بِما يَجِبُ أنْ يُفْعَلَ. والظّاهِرُ أنَّ مِن عِنْدِنا صِفَةٌ لِأمْرًا، وقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِـ يُفْرَقُ.
﴿إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾: لَمّا ذَكَرَ إنْزالَ القُرْآنِ، ذَكَرَ المُرْسَلَ، أيْ مُرْسِلِينَ الأنْبِياءَ بِالكُتُبِ لِلْعِبادِ. فالجُمْلَةُ المُؤَكَّدَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ . وجَوَّزُوا في ”رَحْمَةً“ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، أيْ رَحِمْنا رَحْمَةً، وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ بِـ أنْزَلْناهُ، أوْ لِـ يُفْرَقُ، أوْ لِـ أمْرًا مِن عِنْدِنا. وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِـ مُرْسِلِينَ، والرَّحْمَةُ تُوصَفُ بِالإرْسالِ، كَما وُصِفَتْ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢] . والمَعْنى عَلى هَذا: أنّا نَفْصِلُ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ كُلَّ أمْرٍ، أوْ تَصْدُرُ الأوامِرُ مِن عِنْدِنا، لِأنَّ مِن عادَتِنا أنْ نُرْسِلَ رَحْمَتَنا. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والحَسَنُ: رَحْمَةٌ، بِالرَّفْعِ: أيْ تِلْكَ رَحْمَةٌ مِن رَبِّكَ، التِفاتًا مِن مُضْمَرٍ إلى ظاهِرٍ، إذْ لَوْ رُوعِيَ ما قَبْلَهُ، لَكانَ رَحْمَةً مِنّا، لَكِنَّهُ وضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ، إيذانًا بِأنَّ الرُّبُوبِيَّةَ تَقْتَضِي الرَّحْمَةَ عَلى المَرْبُوبِينَ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، والكُوفِيُّونَ: (رَبِّ السَّماواتِ)، بِالخَفْضِ بَدَلًا مِن رَبِّكَ، وباقِي السَّبْعَةِ، والأعْرَجُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: بِالرَّفْعِ عَلى القَطْعِ، أيْ هو رَبُّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رَبُّكم ورَبُّ)، بِرَفْعِهِما، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وأبُو حَيْوَةَ، والزَّعْفَرانِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ، والحَسَنُ، وأبُو مُوسى عِيسى بْنُ سُلَيْمانَ وصالِحٌ النّاقِطُ، (p-٣٤)كِلاهُما عَنِ الكِسائِيِّ: بِالجَرِّ، وأحْمَدُ بْنُ جُبَيْرٍ الأنْطاكِيُّ: رَبَّكم ورَبَّ، بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ، وهم يُخالِفُونَ بَيْنَ الإعْرابِ الرَّفْعِ والنَّصْبِ إذا طالَتِ النُّعُوتُ. وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾، تَحْرِيكٌ لَهم بِأنَّكم تُقِرُّونَ بِأنَّهُ تَعالى خالِقُ العالَمِ، وأنَّهُ أنْزَلَ الكُتُبَ، وأرْسَلَ الرُّسُلَ رَحْمَةً مِنهُ، وأنَّ ذَلِكَ مِنكم مِن غَيْرِ عِلْمٍ وإيقانٍ. ولِذَلِكَ جاءَ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾، أيْ في شَكٍّ لا يَزالُونَ فِيهِ يَلْعَبُونَ. فَإقْرارُهم لَيْسَ عَنْ حَدٍّ ولا تَيَقُّنٍ.
الدخان 44:7
سُورَةُ الدُّخانِ تِسْعٌ وخَمْسُونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
(p-٣١)﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ ﴿لا إلَهَ إلّا هو يُحْيِي ويُمِيتُ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] ﴿يَغْشى النّاسَ هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الدخان: ١١] ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] ﴿أنّى لَهُمُ الذِّكْرى وقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان: ١٣] ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان: ١٤] ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦] ﴿ولَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ [الدخان: ١٧] ﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الدخان: ١٨] ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٩] ﴿وإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾ [الدخان: ٢٠] ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾ [الدخان: ٢١] ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ [الدخان: ٢٢] ﴿فَأسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ [الدخان: ٢٣] ﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ [الدخان: ٢٤] ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الدخان: ٢٥] ﴿وزُرُوعٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ [الدخان: ٢٦] ﴿ونَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ [الدخان: ٢٧] ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٨] ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ وما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٩] ﴿ولَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ العَذابِ المُهِينِ﴾ [الدخان: ٣٠] ﴿مِن فِرْعَوْنَ إنَّهُ كانَ عالِيًا مِنَ المُسْرِفِينَ﴾ [الدخان: ٣١] ﴿ولَقَدِ اخْتَرْناهم عَلى عِلْمٍ عَلى العالَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢] ﴿وآتَيْناهم مِنَ الآياتِ ما فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان: ٣٣] ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ﴾ [الدخان: ٣٤] ﴿إنْ هي إلّا مَوْتَتُنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ [الدخان: ٣٥] ﴿فَأْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الدخان: ٣٦] ﴿أهم خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أهْلَكْناهم إنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [الدخان: ٣٧] ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان: ٣٩] ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُهم أجْمَعِينَ﴾ [الدخان: ٤٠] ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [الدخان: ٤١] ﴿إلّا مَن رَحِمَ اللَّهُ إنَّهُ هو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الدخان: ٤٢] ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ﴾ [الدخان: ٤٣] ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٤] ﴿كالمُهْلِ يَغْلِي في البُطُونِ﴾ [الدخان: ٤٥] ﴿كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ [الدخان: ٤٦] ﴿خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الدخان: ٤٧] ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِن عَذابِ الحَمِيمِ﴾ [الدخان: ٤٨] ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] ﴿إنَّ هَذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ [الدخان: ٥٠] ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في مَقامٍ أمِينٍ﴾ [الدخان: ٥١] ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الدخان: ٥٢] ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الدخان: ٥٣] ﴿كَذَلِكَ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان: ٥٤] ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ [الدخان: ٥٥] ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى ووَقاهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ [الدخان: ٥٦] ﴿فَضْلًا مِن رَبِّكَ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [الدخان: ٥٧] ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الدخان: ٥٨] ﴿فارْتَقِبْ إنَّهم مُرْتَقِبُونَ﴾ [الدخان: ٥٩]
الدُّخانُ: مَعْرُوفٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: والدُّخانُ: الجَدْبُ. قالَ القُتَبِيُّ: سُمِّيَ دُخانًا لِيُبْسِ الأرْضِ مِنهُ، حَتّى يَرْتَفِعَ مِنها كالدُّخانِ، وقِياسُ جَمْعِهِ في القِلَّةِ: أدْخِنَةٌ، وفي الكَثْرَةِ: دِخْنانٌ، نَحْوُ غُرابٍ وأغْرِبَةٍ وغِرْبانٍ. وشَذُّوا في جَمْعِهِ عَلى فَواعِلَ فَقالُوا: دَواخِنُ، كَأنَّهُ جَمْعُ داخِنَةَ، تَقْدِيرًا، كَما شَذُّوا في عُثانٍ قالُوا: عَواثِنُ. رَها البَحْرُ، يَرْهُو رَهْوًا: سَكَنَ. يُقالُ جاءَتِ الخَيْلُ رَهْوًا: أيْ ساكِنَةً. قالَ الشّاعِرُ:
؎والخَيْلُ تَمْزَعُ رَهْوًا في أعِنَّتِها كالطَّيْرِ يَنْجُو مِنَ الشَّرْنُوبِ ذِي البَرَدِ
ويُقالُ: افْعَلْ ذَلِكَ رَهْوًا: أيْ ساكِنًا عَلى هَيْنَتِكَ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: رَها في السَّيْرِ. قالَ القَطامِيُّ في نَعْتِ الرِّكابِ:
؎يَمْشِينَ رَهْوًا فَلا الأعْجازُ خاذِلَةٌ ∗∗∗ ولا الصُّدُورُ عَلى الأعْجازِ تَتَّكِلُ
وقالَ اللَّيْثُ: عَيْشٌ راهٍ: وارِعٌ خافِضٌ. وقالَ غَيْرُهُ: الرَّهْوُ والرَّهْوَةُ: المَكانُ المُرْتَفِعُ والمُنْخَفِضُ يَجْتَمِعُ فِيهِ الماءُ، وهو مِنَ الأضْدادِ، والجَمْعُ: رُهًا. والرَّهْوُ: المَرْأةُ الواسِعَةُ الهَنِّ، حَكاهُ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ. والرَّهْوُ: ضَرْبٌ مِنَ الطَّيْرِ، يُقالُ هو الكُرْكِيُّ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: رَها الرَّجُلُ يَرْهُو رَهْوًا: فَتَحَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ. المُهْلُ: دُرْدِيُّ الزَّيْتِ وعَكَرُهُ. عَتَلَهُ: ساقَهُ بِعُنْفٍ ودَفْعٍ وإهانَةٍ. والمُعْتَلُ: الجافِي الغَلِيظُ.
(p-٣٢)﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ ﴿لا إلَهَ إلّا هو يُحْيِي ويُمِيتُ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] ﴿يَغْشى النّاسَ هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الدخان: ١١] ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] ﴿أنّى لَهُمُ الذِّكْرى وقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان: ١٣] ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان: ١٤] ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦] ﴿ولَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ [الدخان: ١٧] ﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الدخان: ١٨] ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٩] ﴿وإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾ [الدخان: ٢٠] ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾ [الدخان: ٢١] ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ [الدخان: ٢٢] ﴿فَأسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ [الدخان: ٢٣] ﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ [الدخان: ٢٤] ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الدخان: ٢٥] ﴿وزُرُوعٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ [الدخان: ٢٦] ﴿ونَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ [الدخان: ٢٧] ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٨] ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ وما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٩] .
هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، قِيلَ: إلّا قَوْلَهُ: ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] . ومُناسَبَةُ هَذِهِ السُّورَةِ أنَّهُ ذَكَرَ في أواخِرِ ما قَبْلَها: ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الزخرف: ٨٣]، فَذَكَرَ يَوْمًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ، ولا مَوْصُوفًا. فَبَيَّنَ في أوائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ ذَلِكَ اليَوْمَ، بِوَصْفٍ وصَفَهُ فَقالَ: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]، وأنَّ العَذابَ يَأْتِيهِمْ مِن قِبَلِكَ، ويَحِلُّ بِهِمْ مِنَ الجَدْبِ والقَحْطِ، ويَكُونُ العَذابُ في الدُّنْيا، وإنْ كانَ العَذابُ في الآخِرَةِ، فَيَكُونُ يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ يَوْمَ القِيامَةِ. والظّاهِرُ أنَّ الكِتابَ المُبِينَ هو القُرْآنُ، أقْسَمَ بِهِ تَعالى. ويَكُونُ الضَّمِيرُ في أنْزَلْناهُ عائِدًا عَلَيْهِ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ المُنَزَّلَةُ، وأنْ يُرادَ بِهِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، وجَوابُ القَسَمِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ: قَوْلُهُ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾، عَلى أنَّ الكِتابَ هو القُرْآنُ، ويَكُونُ قَدْ عَظَّمَهُ تَعالى بِالإقْسامِ بِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لا يَحْسُنُ وُقُوعُ القَسَمِ عَلَيْهِ، أيْ عَلى إنّا أنْزَلْناهُ، وهو اعْتِراضٌ يَتَضَمَّنُ تَفْخِيمَ الكِتابِ، ويَكُونُ الَّذِي وقَعَ عَلَيْهِ القَسَمُ ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ . انْتَهى. قالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، والحَسَنُ: اللَّيْلَةُ المُبارَكَةُ: لَيْلَةُ القَدْرِ. وقالُوا: كُتُبُ اللَّهِ كُلُّها إنَّما نَزَلَتْ في رَمَضانَ، التَّوْراةُ في أوَّلِهِ، والإنْجِيلُ في وسَطِهِ، والزَّبُورُ في نَحْوِ ذَلِكَ، والقُرْآنُ في آخِرِهِ، في لَيْلَةِ القَدْرِ، ويَعْنِي ابْتِداءَ نُزُولِهِ كانَ في لَيْلَةِ القَدْرِ. وقِيلَ: أُنْزِلُ جُمْلَةً لَيْلَةَ القَدْرِ إلى البَيْتِ (p-٣٣)المَعْمُورِ، ومِن هُناكَ كانَ جِبْرِيلُ يَتَلَقّاهُ. وقالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: هي لَيْلَةُ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ، وقَدْ أوْرَدُوا فِيها أحادِيثَ. وقالَ الحافِظُ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: لا يَصِحُّ فِيها شَيْءٌ، ولا في نَسْخِ الآجالِ فِيها.
إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ: أيْ مُخَوِّفِينَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾، ما مَوْقِعُ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ ؟ قُلْتُ: هُما جُمْلَتانِ مُسْتَأْنَفَتانِ مَلْفُوفَتانِ، فُسِّرَ بِهِما جَوابُ القَسَمِ الَّذِي هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾، كَأنَّهُ قِيلَ: أنْزَلْناهُ، لِأنَّ مِن شَأْنِنا الإنْذارَ والتَّحْذِيرَ مِنَ العِقابِ. وكانَ إنْزالُنا إيّاهُ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ خُصُوصًا، لِأنَّ إنْزالَ القُرْآنِ مِنَ الأُمُورِ المُحْكَمَةِ، وهَذِهِ اللَّيْلَةُ مَفْرِقُ كُلِّ أمْرٍ حَكِيمٍ، والمُبارَكَةُ: الكَثِيرَةُ الخَيْرِ، لِما يُنْتَجُ اللَّهُ فِيها مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِها مَنافِعُ العِبادِ في دِينِهِمْ ودُنْياهم، ولَوْ لَمْ يُوجِدْ فِيها إلّا إنْزالَ القُرْآنِ وحْدَهُ، لَكَفى بِهِ بَرَكَةً. انْتَهى. وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْرَجُ، والأعْمَشُ: يَفْرُقُ، بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الرّاءِ، كُلَّ: بِالنَّصْبِ، أيْ يَفْرُقُ اللَّهُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، فِيما ذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نُفْرِقُ بِالنُّونِ، كُلَّ بِالنَّصْبِ، وفِيما ذَكَرَ أبُو عَلِيٍّ الأهْوازِيُّ: عَيْنُهُ بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الرّاءِ ونَصْبِ ”كُلِّ“، ورَفْعِ حَكِيمٍ، عَلى أنَّهُ الفاعِلُ بِـ يَفْرِقُ. وقَرَأ الحَسَنُ وزائِدَةٌ عَنِ الأعْمَشِ بِالتَّشْدِيدِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أوْ مَعْنى يَفْرِقُ: يَفْصِلُ مِن غَيْرِهِ ويُخَلِّصُ. ووَصْفُ أمْرٍ بِحَكِيمٍ، أيْ أمْرٍ ذِي حِكْمَةٍ، وقَدْ أبْهَمَ تَعالى هَذا الأمْرَ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: في لَيْلَةِ القَدْرِ يَفْصِلُ كُلَّ ما في العامِ المُقْبِلِ مِنَ الأقْدارِ والأرْزاقِ والآجالِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ويَكْتُبُ ذَلِكَ إلى مِثْلِها مِنَ العامِ المُقْبِلِ. وقالَ هِلالُ بْنُ أسافٍ: كانَ يُقالُ: انْتَظِرْ والقَضاءُ في رَمَضانَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: لِفَضْلِ المَلائِكَةِ في لَيْلَةِ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ. وجَوَّزُوا في أمْرًا أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ بِمُنْذِرِينَ لِقَوْلِهِ: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ [الكهف: ٢] . أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ، جَعَلَ كُلَّ أمْرٍ حَكِيمٍ جَزْلًا فَخْمًا، بِأنْ وصَفَهُ بِالحَكِيمِ، ثُمَّ زادَهُ جَزالَةً وفَخامَةً نَفْسَهُ بِأنْ قالَ: أعْنِي بِهَذا الأمْرِ أمْرًا حاصِلًا مِن عِنْدِنا، كائِنًا مِن لَدُنّا، وكَما اقْتَضاهُ عِلْمُنا وتَدْبِيرُنا، كَذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ: وفي قِراءَةِ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ: ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا﴾، عَلى هو أمْرًا، وهي نَصْبٌ عَلى الِاخْتِصاصِ ومَقْبُولًا لَهُ، والعامِلُ أنْزَلْنا، أوْ مُنْذِرِينَ، أوْ يُفْرَقُ، ومَصْدَرًا مِن مَعْنى يُفْرَقُ، أيْ فَرْقًا مِن عِنْدِنا، أوْ مِن أمْرِنا مَحْذُوفًا وحالًا، قِيلَ: مِن كُلٍّ، والَّذِي تَلَقَّيْناهُ مِن أشْياخِنا أنَّهُ حالُ مَن أمَرَ، لِأنَّهُ وصْفٌ بِحَكِيمٍ، فَحَسُنَتِ الحالُ مِنهُ، إلّا أنَّ فِيهِ الحالَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ، وهو لَيْسَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ ولا نَصْبٍ، ولا يَجُوزُ. وقِيلَ: مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في أنْزَلْناهُ، أيْ أمَرَنِي. وقِيلَ: مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ في أنْزَلْناهُ، أيْ في حالِ كَوْنِهِ أمْرًا مِن عِنْدِنا بِما يَجِبُ أنْ يُفْعَلَ. والظّاهِرُ أنَّ مِن عِنْدِنا صِفَةٌ لِأمْرًا، وقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِـ يُفْرَقُ.
﴿إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾: لَمّا ذَكَرَ إنْزالَ القُرْآنِ، ذَكَرَ المُرْسَلَ، أيْ مُرْسِلِينَ الأنْبِياءَ بِالكُتُبِ لِلْعِبادِ. فالجُمْلَةُ المُؤَكَّدَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ . وجَوَّزُوا في ”رَحْمَةً“ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، أيْ رَحِمْنا رَحْمَةً، وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ بِـ أنْزَلْناهُ، أوْ لِـ يُفْرَقُ، أوْ لِـ أمْرًا مِن عِنْدِنا. وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِـ مُرْسِلِينَ، والرَّحْمَةُ تُوصَفُ بِالإرْسالِ، كَما وُصِفَتْ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢] . والمَعْنى عَلى هَذا: أنّا نَفْصِلُ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ كُلَّ أمْرٍ، أوْ تَصْدُرُ الأوامِرُ مِن عِنْدِنا، لِأنَّ مِن عادَتِنا أنْ نُرْسِلَ رَحْمَتَنا. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والحَسَنُ: رَحْمَةٌ، بِالرَّفْعِ: أيْ تِلْكَ رَحْمَةٌ مِن رَبِّكَ، التِفاتًا مِن مُضْمَرٍ إلى ظاهِرٍ، إذْ لَوْ رُوعِيَ ما قَبْلَهُ، لَكانَ رَحْمَةً مِنّا، لَكِنَّهُ وضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ، إيذانًا بِأنَّ الرُّبُوبِيَّةَ تَقْتَضِي الرَّحْمَةَ عَلى المَرْبُوبِينَ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، والكُوفِيُّونَ: (رَبِّ السَّماواتِ)، بِالخَفْضِ بَدَلًا مِن رَبِّكَ، وباقِي السَّبْعَةِ، والأعْرَجُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: بِالرَّفْعِ عَلى القَطْعِ، أيْ هو رَبُّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رَبُّكم ورَبُّ)، بِرَفْعِهِما، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وأبُو حَيْوَةَ، والزَّعْفَرانِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ، والحَسَنُ، وأبُو مُوسى عِيسى بْنُ سُلَيْمانَ وصالِحٌ النّاقِطُ، (p-٣٤)كِلاهُما عَنِ الكِسائِيِّ: بِالجَرِّ، وأحْمَدُ بْنُ جُبَيْرٍ الأنْطاكِيُّ: رَبَّكم ورَبَّ، بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ، وهم يُخالِفُونَ بَيْنَ الإعْرابِ الرَّفْعِ والنَّصْبِ إذا طالَتِ النُّعُوتُ. وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾، تَحْرِيكٌ لَهم بِأنَّكم تُقِرُّونَ بِأنَّهُ تَعالى خالِقُ العالَمِ، وأنَّهُ أنْزَلَ الكُتُبَ، وأرْسَلَ الرُّسُلَ رَحْمَةً مِنهُ، وأنَّ ذَلِكَ مِنكم مِن غَيْرِ عِلْمٍ وإيقانٍ. ولِذَلِكَ جاءَ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾، أيْ في شَكٍّ لا يَزالُونَ فِيهِ يَلْعَبُونَ. فَإقْرارُهم لَيْسَ عَنْ حَدٍّ ولا تَيَقُّنٍ.
الدخان 44:8
سُورَةُ الدُّخانِ تِسْعٌ وخَمْسُونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
(p-٣١)﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ ﴿لا إلَهَ إلّا هو يُحْيِي ويُمِيتُ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] ﴿يَغْشى النّاسَ هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الدخان: ١١] ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] ﴿أنّى لَهُمُ الذِّكْرى وقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان: ١٣] ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان: ١٤] ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦] ﴿ولَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ [الدخان: ١٧] ﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الدخان: ١٨] ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٩] ﴿وإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾ [الدخان: ٢٠] ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾ [الدخان: ٢١] ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ [الدخان: ٢٢] ﴿فَأسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ [الدخان: ٢٣] ﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ [الدخان: ٢٤] ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الدخان: ٢٥] ﴿وزُرُوعٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ [الدخان: ٢٦] ﴿ونَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ [الدخان: ٢٧] ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٨] ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ وما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٩] ﴿ولَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ العَذابِ المُهِينِ﴾ [الدخان: ٣٠] ﴿مِن فِرْعَوْنَ إنَّهُ كانَ عالِيًا مِنَ المُسْرِفِينَ﴾ [الدخان: ٣١] ﴿ولَقَدِ اخْتَرْناهم عَلى عِلْمٍ عَلى العالَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢] ﴿وآتَيْناهم مِنَ الآياتِ ما فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان: ٣٣] ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ﴾ [الدخان: ٣٤] ﴿إنْ هي إلّا مَوْتَتُنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ [الدخان: ٣٥] ﴿فَأْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الدخان: ٣٦] ﴿أهم خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أهْلَكْناهم إنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [الدخان: ٣٧] ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان: ٣٩] ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُهم أجْمَعِينَ﴾ [الدخان: ٤٠] ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [الدخان: ٤١] ﴿إلّا مَن رَحِمَ اللَّهُ إنَّهُ هو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الدخان: ٤٢] ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ﴾ [الدخان: ٤٣] ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٤] ﴿كالمُهْلِ يَغْلِي في البُطُونِ﴾ [الدخان: ٤٥] ﴿كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ [الدخان: ٤٦] ﴿خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الدخان: ٤٧] ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِن عَذابِ الحَمِيمِ﴾ [الدخان: ٤٨] ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] ﴿إنَّ هَذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ [الدخان: ٥٠] ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في مَقامٍ أمِينٍ﴾ [الدخان: ٥١] ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الدخان: ٥٢] ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الدخان: ٥٣] ﴿كَذَلِكَ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان: ٥٤] ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ [الدخان: ٥٥] ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى ووَقاهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ [الدخان: ٥٦] ﴿فَضْلًا مِن رَبِّكَ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [الدخان: ٥٧] ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الدخان: ٥٨] ﴿فارْتَقِبْ إنَّهم مُرْتَقِبُونَ﴾ [الدخان: ٥٩]
الدُّخانُ: مَعْرُوفٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: والدُّخانُ: الجَدْبُ. قالَ القُتَبِيُّ: سُمِّيَ دُخانًا لِيُبْسِ الأرْضِ مِنهُ، حَتّى يَرْتَفِعَ مِنها كالدُّخانِ، وقِياسُ جَمْعِهِ في القِلَّةِ: أدْخِنَةٌ، وفي الكَثْرَةِ: دِخْنانٌ، نَحْوُ غُرابٍ وأغْرِبَةٍ وغِرْبانٍ. وشَذُّوا في جَمْعِهِ عَلى فَواعِلَ فَقالُوا: دَواخِنُ، كَأنَّهُ جَمْعُ داخِنَةَ، تَقْدِيرًا، كَما شَذُّوا في عُثانٍ قالُوا: عَواثِنُ. رَها البَحْرُ، يَرْهُو رَهْوًا: سَكَنَ. يُقالُ جاءَتِ الخَيْلُ رَهْوًا: أيْ ساكِنَةً. قالَ الشّاعِرُ:
؎والخَيْلُ تَمْزَعُ رَهْوًا في أعِنَّتِها كالطَّيْرِ يَنْجُو مِنَ الشَّرْنُوبِ ذِي البَرَدِ
ويُقالُ: افْعَلْ ذَلِكَ رَهْوًا: أيْ ساكِنًا عَلى هَيْنَتِكَ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: رَها في السَّيْرِ. قالَ القَطامِيُّ في نَعْتِ الرِّكابِ:
؎يَمْشِينَ رَهْوًا فَلا الأعْجازُ خاذِلَةٌ ∗∗∗ ولا الصُّدُورُ عَلى الأعْجازِ تَتَّكِلُ
وقالَ اللَّيْثُ: عَيْشٌ راهٍ: وارِعٌ خافِضٌ. وقالَ غَيْرُهُ: الرَّهْوُ والرَّهْوَةُ: المَكانُ المُرْتَفِعُ والمُنْخَفِضُ يَجْتَمِعُ فِيهِ الماءُ، وهو مِنَ الأضْدادِ، والجَمْعُ: رُهًا. والرَّهْوُ: المَرْأةُ الواسِعَةُ الهَنِّ، حَكاهُ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ. والرَّهْوُ: ضَرْبٌ مِنَ الطَّيْرِ، يُقالُ هو الكُرْكِيُّ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: رَها الرَّجُلُ يَرْهُو رَهْوًا: فَتَحَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ. المُهْلُ: دُرْدِيُّ الزَّيْتِ وعَكَرُهُ. عَتَلَهُ: ساقَهُ بِعُنْفٍ ودَفْعٍ وإهانَةٍ. والمُعْتَلُ: الجافِي الغَلِيظُ.
(p-٣٢)﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ ﴿لا إلَهَ إلّا هو يُحْيِي ويُمِيتُ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] ﴿يَغْشى النّاسَ هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الدخان: ١١] ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] ﴿أنّى لَهُمُ الذِّكْرى وقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان: ١٣] ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان: ١٤] ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦] ﴿ولَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ [الدخان: ١٧] ﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الدخان: ١٨] ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٩] ﴿وإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾ [الدخان: ٢٠] ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾ [الدخان: ٢١] ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ [الدخان: ٢٢] ﴿فَأسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ [الدخان: ٢٣] ﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ [الدخان: ٢٤] ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الدخان: ٢٥] ﴿وزُرُوعٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ [الدخان: ٢٦] ﴿ونَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ [الدخان: ٢٧] ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٨] ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ وما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٩] .
هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، قِيلَ: إلّا قَوْلَهُ: ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] . ومُناسَبَةُ هَذِهِ السُّورَةِ أنَّهُ ذَكَرَ في أواخِرِ ما قَبْلَها: ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الزخرف: ٨٣]، فَذَكَرَ يَوْمًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ، ولا مَوْصُوفًا. فَبَيَّنَ في أوائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ ذَلِكَ اليَوْمَ، بِوَصْفٍ وصَفَهُ فَقالَ: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]، وأنَّ العَذابَ يَأْتِيهِمْ مِن قِبَلِكَ، ويَحِلُّ بِهِمْ مِنَ الجَدْبِ والقَحْطِ، ويَكُونُ العَذابُ في الدُّنْيا، وإنْ كانَ العَذابُ في الآخِرَةِ، فَيَكُونُ يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ يَوْمَ القِيامَةِ. والظّاهِرُ أنَّ الكِتابَ المُبِينَ هو القُرْآنُ، أقْسَمَ بِهِ تَعالى. ويَكُونُ الضَّمِيرُ في أنْزَلْناهُ عائِدًا عَلَيْهِ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ المُنَزَّلَةُ، وأنْ يُرادَ بِهِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، وجَوابُ القَسَمِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ: قَوْلُهُ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾، عَلى أنَّ الكِتابَ هو القُرْآنُ، ويَكُونُ قَدْ عَظَّمَهُ تَعالى بِالإقْسامِ بِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لا يَحْسُنُ وُقُوعُ القَسَمِ عَلَيْهِ، أيْ عَلى إنّا أنْزَلْناهُ، وهو اعْتِراضٌ يَتَضَمَّنُ تَفْخِيمَ الكِتابِ، ويَكُونُ الَّذِي وقَعَ عَلَيْهِ القَسَمُ ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ . انْتَهى. قالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، والحَسَنُ: اللَّيْلَةُ المُبارَكَةُ: لَيْلَةُ القَدْرِ. وقالُوا: كُتُبُ اللَّهِ كُلُّها إنَّما نَزَلَتْ في رَمَضانَ، التَّوْراةُ في أوَّلِهِ، والإنْجِيلُ في وسَطِهِ، والزَّبُورُ في نَحْوِ ذَلِكَ، والقُرْآنُ في آخِرِهِ، في لَيْلَةِ القَدْرِ، ويَعْنِي ابْتِداءَ نُزُولِهِ كانَ في لَيْلَةِ القَدْرِ. وقِيلَ: أُنْزِلُ جُمْلَةً لَيْلَةَ القَدْرِ إلى البَيْتِ (p-٣٣)المَعْمُورِ، ومِن هُناكَ كانَ جِبْرِيلُ يَتَلَقّاهُ. وقالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: هي لَيْلَةُ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ، وقَدْ أوْرَدُوا فِيها أحادِيثَ. وقالَ الحافِظُ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: لا يَصِحُّ فِيها شَيْءٌ، ولا في نَسْخِ الآجالِ فِيها.
إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ: أيْ مُخَوِّفِينَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾، ما مَوْقِعُ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ ؟ قُلْتُ: هُما جُمْلَتانِ مُسْتَأْنَفَتانِ مَلْفُوفَتانِ، فُسِّرَ بِهِما جَوابُ القَسَمِ الَّذِي هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾، كَأنَّهُ قِيلَ: أنْزَلْناهُ، لِأنَّ مِن شَأْنِنا الإنْذارَ والتَّحْذِيرَ مِنَ العِقابِ. وكانَ إنْزالُنا إيّاهُ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ خُصُوصًا، لِأنَّ إنْزالَ القُرْآنِ مِنَ الأُمُورِ المُحْكَمَةِ، وهَذِهِ اللَّيْلَةُ مَفْرِقُ كُلِّ أمْرٍ حَكِيمٍ، والمُبارَكَةُ: الكَثِيرَةُ الخَيْرِ، لِما يُنْتَجُ اللَّهُ فِيها مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِها مَنافِعُ العِبادِ في دِينِهِمْ ودُنْياهم، ولَوْ لَمْ يُوجِدْ فِيها إلّا إنْزالَ القُرْآنِ وحْدَهُ، لَكَفى بِهِ بَرَكَةً. انْتَهى. وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْرَجُ، والأعْمَشُ: يَفْرُقُ، بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الرّاءِ، كُلَّ: بِالنَّصْبِ، أيْ يَفْرُقُ اللَّهُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، فِيما ذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نُفْرِقُ بِالنُّونِ، كُلَّ بِالنَّصْبِ، وفِيما ذَكَرَ أبُو عَلِيٍّ الأهْوازِيُّ: عَيْنُهُ بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الرّاءِ ونَصْبِ ”كُلِّ“، ورَفْعِ حَكِيمٍ، عَلى أنَّهُ الفاعِلُ بِـ يَفْرِقُ. وقَرَأ الحَسَنُ وزائِدَةٌ عَنِ الأعْمَشِ بِالتَّشْدِيدِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أوْ مَعْنى يَفْرِقُ: يَفْصِلُ مِن غَيْرِهِ ويُخَلِّصُ. ووَصْفُ أمْرٍ بِحَكِيمٍ، أيْ أمْرٍ ذِي حِكْمَةٍ، وقَدْ أبْهَمَ تَعالى هَذا الأمْرَ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: في لَيْلَةِ القَدْرِ يَفْصِلُ كُلَّ ما في العامِ المُقْبِلِ مِنَ الأقْدارِ والأرْزاقِ والآجالِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ويَكْتُبُ ذَلِكَ إلى مِثْلِها مِنَ العامِ المُقْبِلِ. وقالَ هِلالُ بْنُ أسافٍ: كانَ يُقالُ: انْتَظِرْ والقَضاءُ في رَمَضانَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: لِفَضْلِ المَلائِكَةِ في لَيْلَةِ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ. وجَوَّزُوا في أمْرًا أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ بِمُنْذِرِينَ لِقَوْلِهِ: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ [الكهف: ٢] . أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ، جَعَلَ كُلَّ أمْرٍ حَكِيمٍ جَزْلًا فَخْمًا، بِأنْ وصَفَهُ بِالحَكِيمِ، ثُمَّ زادَهُ جَزالَةً وفَخامَةً نَفْسَهُ بِأنْ قالَ: أعْنِي بِهَذا الأمْرِ أمْرًا حاصِلًا مِن عِنْدِنا، كائِنًا مِن لَدُنّا، وكَما اقْتَضاهُ عِلْمُنا وتَدْبِيرُنا، كَذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ: وفي قِراءَةِ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ: ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا﴾، عَلى هو أمْرًا، وهي نَصْبٌ عَلى الِاخْتِصاصِ ومَقْبُولًا لَهُ، والعامِلُ أنْزَلْنا، أوْ مُنْذِرِينَ، أوْ يُفْرَقُ، ومَصْدَرًا مِن مَعْنى يُفْرَقُ، أيْ فَرْقًا مِن عِنْدِنا، أوْ مِن أمْرِنا مَحْذُوفًا وحالًا، قِيلَ: مِن كُلٍّ، والَّذِي تَلَقَّيْناهُ مِن أشْياخِنا أنَّهُ حالُ مَن أمَرَ، لِأنَّهُ وصْفٌ بِحَكِيمٍ، فَحَسُنَتِ الحالُ مِنهُ، إلّا أنَّ فِيهِ الحالَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ، وهو لَيْسَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ ولا نَصْبٍ، ولا يَجُوزُ. وقِيلَ: مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في أنْزَلْناهُ، أيْ أمَرَنِي. وقِيلَ: مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ في أنْزَلْناهُ، أيْ في حالِ كَوْنِهِ أمْرًا مِن عِنْدِنا بِما يَجِبُ أنْ يُفْعَلَ. والظّاهِرُ أنَّ مِن عِنْدِنا صِفَةٌ لِأمْرًا، وقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِـ يُفْرَقُ.
﴿إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾: لَمّا ذَكَرَ إنْزالَ القُرْآنِ، ذَكَرَ المُرْسَلَ، أيْ مُرْسِلِينَ الأنْبِياءَ بِالكُتُبِ لِلْعِبادِ. فالجُمْلَةُ المُؤَكَّدَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ . وجَوَّزُوا في ”رَحْمَةً“ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، أيْ رَحِمْنا رَحْمَةً، وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ بِـ أنْزَلْناهُ، أوْ لِـ يُفْرَقُ، أوْ لِـ أمْرًا مِن عِنْدِنا. وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِـ مُرْسِلِينَ، والرَّحْمَةُ تُوصَفُ بِالإرْسالِ، كَما وُصِفَتْ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢] . والمَعْنى عَلى هَذا: أنّا نَفْصِلُ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ كُلَّ أمْرٍ، أوْ تَصْدُرُ الأوامِرُ مِن عِنْدِنا، لِأنَّ مِن عادَتِنا أنْ نُرْسِلَ رَحْمَتَنا. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والحَسَنُ: رَحْمَةٌ، بِالرَّفْعِ: أيْ تِلْكَ رَحْمَةٌ مِن رَبِّكَ، التِفاتًا مِن مُضْمَرٍ إلى ظاهِرٍ، إذْ لَوْ رُوعِيَ ما قَبْلَهُ، لَكانَ رَحْمَةً مِنّا، لَكِنَّهُ وضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ، إيذانًا بِأنَّ الرُّبُوبِيَّةَ تَقْتَضِي الرَّحْمَةَ عَلى المَرْبُوبِينَ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، والكُوفِيُّونَ: (رَبِّ السَّماواتِ)، بِالخَفْضِ بَدَلًا مِن رَبِّكَ، وباقِي السَّبْعَةِ، والأعْرَجُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: بِالرَّفْعِ عَلى القَطْعِ، أيْ هو رَبُّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رَبُّكم ورَبُّ)، بِرَفْعِهِما، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وأبُو حَيْوَةَ، والزَّعْفَرانِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ، والحَسَنُ، وأبُو مُوسى عِيسى بْنُ سُلَيْمانَ وصالِحٌ النّاقِطُ، (p-٣٤)كِلاهُما عَنِ الكِسائِيِّ: بِالجَرِّ، وأحْمَدُ بْنُ جُبَيْرٍ الأنْطاكِيُّ: رَبَّكم ورَبَّ، بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ، وهم يُخالِفُونَ بَيْنَ الإعْرابِ الرَّفْعِ والنَّصْبِ إذا طالَتِ النُّعُوتُ. وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾، تَحْرِيكٌ لَهم بِأنَّكم تُقِرُّونَ بِأنَّهُ تَعالى خالِقُ العالَمِ، وأنَّهُ أنْزَلَ الكُتُبَ، وأرْسَلَ الرُّسُلَ رَحْمَةً مِنهُ، وأنَّ ذَلِكَ مِنكم مِن غَيْرِ عِلْمٍ وإيقانٍ. ولِذَلِكَ جاءَ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾، أيْ في شَكٍّ لا يَزالُونَ فِيهِ يَلْعَبُونَ. فَإقْرارُهم لَيْسَ عَنْ حَدٍّ ولا تَيَقُّنٍ.
الدخان 44:9
سُورَةُ الدُّخانِ تِسْعٌ وخَمْسُونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
(p-٣١)﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ ﴿لا إلَهَ إلّا هو يُحْيِي ويُمِيتُ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] ﴿يَغْشى النّاسَ هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الدخان: ١١] ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] ﴿أنّى لَهُمُ الذِّكْرى وقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان: ١٣] ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان: ١٤] ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦] ﴿ولَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ [الدخان: ١٧] ﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الدخان: ١٨] ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٩] ﴿وإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾ [الدخان: ٢٠] ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾ [الدخان: ٢١] ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ [الدخان: ٢٢] ﴿فَأسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ [الدخان: ٢٣] ﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ [الدخان: ٢٤] ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الدخان: ٢٥] ﴿وزُرُوعٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ [الدخان: ٢٦] ﴿ونَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ [الدخان: ٢٧] ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٨] ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ وما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٩] ﴿ولَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ العَذابِ المُهِينِ﴾ [الدخان: ٣٠] ﴿مِن فِرْعَوْنَ إنَّهُ كانَ عالِيًا مِنَ المُسْرِفِينَ﴾ [الدخان: ٣١] ﴿ولَقَدِ اخْتَرْناهم عَلى عِلْمٍ عَلى العالَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢] ﴿وآتَيْناهم مِنَ الآياتِ ما فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان: ٣٣] ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ﴾ [الدخان: ٣٤] ﴿إنْ هي إلّا مَوْتَتُنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ [الدخان: ٣٥] ﴿فَأْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الدخان: ٣٦] ﴿أهم خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أهْلَكْناهم إنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [الدخان: ٣٧] ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان: ٣٩] ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُهم أجْمَعِينَ﴾ [الدخان: ٤٠] ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [الدخان: ٤١] ﴿إلّا مَن رَحِمَ اللَّهُ إنَّهُ هو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الدخان: ٤٢] ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ﴾ [الدخان: ٤٣] ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٤] ﴿كالمُهْلِ يَغْلِي في البُطُونِ﴾ [الدخان: ٤٥] ﴿كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ [الدخان: ٤٦] ﴿خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الدخان: ٤٧] ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِن عَذابِ الحَمِيمِ﴾ [الدخان: ٤٨] ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] ﴿إنَّ هَذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ [الدخان: ٥٠] ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في مَقامٍ أمِينٍ﴾ [الدخان: ٥١] ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الدخان: ٥٢] ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الدخان: ٥٣] ﴿كَذَلِكَ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان: ٥٤] ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ [الدخان: ٥٥] ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى ووَقاهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ [الدخان: ٥٦] ﴿فَضْلًا مِن رَبِّكَ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [الدخان: ٥٧] ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الدخان: ٥٨] ﴿فارْتَقِبْ إنَّهم مُرْتَقِبُونَ﴾ [الدخان: ٥٩]
الدُّخانُ: مَعْرُوفٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: والدُّخانُ: الجَدْبُ. قالَ القُتَبِيُّ: سُمِّيَ دُخانًا لِيُبْسِ الأرْضِ مِنهُ، حَتّى يَرْتَفِعَ مِنها كالدُّخانِ، وقِياسُ جَمْعِهِ في القِلَّةِ: أدْخِنَةٌ، وفي الكَثْرَةِ: دِخْنانٌ، نَحْوُ غُرابٍ وأغْرِبَةٍ وغِرْبانٍ. وشَذُّوا في جَمْعِهِ عَلى فَواعِلَ فَقالُوا: دَواخِنُ، كَأنَّهُ جَمْعُ داخِنَةَ، تَقْدِيرًا، كَما شَذُّوا في عُثانٍ قالُوا: عَواثِنُ. رَها البَحْرُ، يَرْهُو رَهْوًا: سَكَنَ. يُقالُ جاءَتِ الخَيْلُ رَهْوًا: أيْ ساكِنَةً. قالَ الشّاعِرُ:
؎والخَيْلُ تَمْزَعُ رَهْوًا في أعِنَّتِها كالطَّيْرِ يَنْجُو مِنَ الشَّرْنُوبِ ذِي البَرَدِ
ويُقالُ: افْعَلْ ذَلِكَ رَهْوًا: أيْ ساكِنًا عَلى هَيْنَتِكَ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: رَها في السَّيْرِ. قالَ القَطامِيُّ في نَعْتِ الرِّكابِ:
؎يَمْشِينَ رَهْوًا فَلا الأعْجازُ خاذِلَةٌ ∗∗∗ ولا الصُّدُورُ عَلى الأعْجازِ تَتَّكِلُ
وقالَ اللَّيْثُ: عَيْشٌ راهٍ: وارِعٌ خافِضٌ. وقالَ غَيْرُهُ: الرَّهْوُ والرَّهْوَةُ: المَكانُ المُرْتَفِعُ والمُنْخَفِضُ يَجْتَمِعُ فِيهِ الماءُ، وهو مِنَ الأضْدادِ، والجَمْعُ: رُهًا. والرَّهْوُ: المَرْأةُ الواسِعَةُ الهَنِّ، حَكاهُ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ. والرَّهْوُ: ضَرْبٌ مِنَ الطَّيْرِ، يُقالُ هو الكُرْكِيُّ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: رَها الرَّجُلُ يَرْهُو رَهْوًا: فَتَحَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ. المُهْلُ: دُرْدِيُّ الزَّيْتِ وعَكَرُهُ. عَتَلَهُ: ساقَهُ بِعُنْفٍ ودَفْعٍ وإهانَةٍ. والمُعْتَلُ: الجافِي الغَلِيظُ.
(p-٣٢)﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ ﴿لا إلَهَ إلّا هو يُحْيِي ويُمِيتُ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] ﴿يَغْشى النّاسَ هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الدخان: ١١] ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] ﴿أنّى لَهُمُ الذِّكْرى وقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان: ١٣] ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان: ١٤] ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦] ﴿ولَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ [الدخان: ١٧] ﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الدخان: ١٨] ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٩] ﴿وإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾ [الدخان: ٢٠] ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾ [الدخان: ٢١] ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ [الدخان: ٢٢] ﴿فَأسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ [الدخان: ٢٣] ﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ [الدخان: ٢٤] ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الدخان: ٢٥] ﴿وزُرُوعٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ [الدخان: ٢٦] ﴿ونَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ [الدخان: ٢٧] ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٨] ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ وما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٩] .
هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، قِيلَ: إلّا قَوْلَهُ: ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] . ومُناسَبَةُ هَذِهِ السُّورَةِ أنَّهُ ذَكَرَ في أواخِرِ ما قَبْلَها: ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الزخرف: ٨٣]، فَذَكَرَ يَوْمًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ، ولا مَوْصُوفًا. فَبَيَّنَ في أوائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ ذَلِكَ اليَوْمَ، بِوَصْفٍ وصَفَهُ فَقالَ: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]، وأنَّ العَذابَ يَأْتِيهِمْ مِن قِبَلِكَ، ويَحِلُّ بِهِمْ مِنَ الجَدْبِ والقَحْطِ، ويَكُونُ العَذابُ في الدُّنْيا، وإنْ كانَ العَذابُ في الآخِرَةِ، فَيَكُونُ يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ يَوْمَ القِيامَةِ. والظّاهِرُ أنَّ الكِتابَ المُبِينَ هو القُرْآنُ، أقْسَمَ بِهِ تَعالى. ويَكُونُ الضَّمِيرُ في أنْزَلْناهُ عائِدًا عَلَيْهِ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ المُنَزَّلَةُ، وأنْ يُرادَ بِهِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، وجَوابُ القَسَمِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ: قَوْلُهُ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾، عَلى أنَّ الكِتابَ هو القُرْآنُ، ويَكُونُ قَدْ عَظَّمَهُ تَعالى بِالإقْسامِ بِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لا يَحْسُنُ وُقُوعُ القَسَمِ عَلَيْهِ، أيْ عَلى إنّا أنْزَلْناهُ، وهو اعْتِراضٌ يَتَضَمَّنُ تَفْخِيمَ الكِتابِ، ويَكُونُ الَّذِي وقَعَ عَلَيْهِ القَسَمُ ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ . انْتَهى. قالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، والحَسَنُ: اللَّيْلَةُ المُبارَكَةُ: لَيْلَةُ القَدْرِ. وقالُوا: كُتُبُ اللَّهِ كُلُّها إنَّما نَزَلَتْ في رَمَضانَ، التَّوْراةُ في أوَّلِهِ، والإنْجِيلُ في وسَطِهِ، والزَّبُورُ في نَحْوِ ذَلِكَ، والقُرْآنُ في آخِرِهِ، في لَيْلَةِ القَدْرِ، ويَعْنِي ابْتِداءَ نُزُولِهِ كانَ في لَيْلَةِ القَدْرِ. وقِيلَ: أُنْزِلُ جُمْلَةً لَيْلَةَ القَدْرِ إلى البَيْتِ (p-٣٣)المَعْمُورِ، ومِن هُناكَ كانَ جِبْرِيلُ يَتَلَقّاهُ. وقالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: هي لَيْلَةُ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ، وقَدْ أوْرَدُوا فِيها أحادِيثَ. وقالَ الحافِظُ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: لا يَصِحُّ فِيها شَيْءٌ، ولا في نَسْخِ الآجالِ فِيها.
إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ: أيْ مُخَوِّفِينَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾، ما مَوْقِعُ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ ؟ قُلْتُ: هُما جُمْلَتانِ مُسْتَأْنَفَتانِ مَلْفُوفَتانِ، فُسِّرَ بِهِما جَوابُ القَسَمِ الَّذِي هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾، كَأنَّهُ قِيلَ: أنْزَلْناهُ، لِأنَّ مِن شَأْنِنا الإنْذارَ والتَّحْذِيرَ مِنَ العِقابِ. وكانَ إنْزالُنا إيّاهُ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ خُصُوصًا، لِأنَّ إنْزالَ القُرْآنِ مِنَ الأُمُورِ المُحْكَمَةِ، وهَذِهِ اللَّيْلَةُ مَفْرِقُ كُلِّ أمْرٍ حَكِيمٍ، والمُبارَكَةُ: الكَثِيرَةُ الخَيْرِ، لِما يُنْتَجُ اللَّهُ فِيها مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِها مَنافِعُ العِبادِ في دِينِهِمْ ودُنْياهم، ولَوْ لَمْ يُوجِدْ فِيها إلّا إنْزالَ القُرْآنِ وحْدَهُ، لَكَفى بِهِ بَرَكَةً. انْتَهى. وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْرَجُ، والأعْمَشُ: يَفْرُقُ، بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الرّاءِ، كُلَّ: بِالنَّصْبِ، أيْ يَفْرُقُ اللَّهُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، فِيما ذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نُفْرِقُ بِالنُّونِ، كُلَّ بِالنَّصْبِ، وفِيما ذَكَرَ أبُو عَلِيٍّ الأهْوازِيُّ: عَيْنُهُ بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الرّاءِ ونَصْبِ ”كُلِّ“، ورَفْعِ حَكِيمٍ، عَلى أنَّهُ الفاعِلُ بِـ يَفْرِقُ. وقَرَأ الحَسَنُ وزائِدَةٌ عَنِ الأعْمَشِ بِالتَّشْدِيدِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أوْ مَعْنى يَفْرِقُ: يَفْصِلُ مِن غَيْرِهِ ويُخَلِّصُ. ووَصْفُ أمْرٍ بِحَكِيمٍ، أيْ أمْرٍ ذِي حِكْمَةٍ، وقَدْ أبْهَمَ تَعالى هَذا الأمْرَ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: في لَيْلَةِ القَدْرِ يَفْصِلُ كُلَّ ما في العامِ المُقْبِلِ مِنَ الأقْدارِ والأرْزاقِ والآجالِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ويَكْتُبُ ذَلِكَ إلى مِثْلِها مِنَ العامِ المُقْبِلِ. وقالَ هِلالُ بْنُ أسافٍ: كانَ يُقالُ: انْتَظِرْ والقَضاءُ في رَمَضانَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: لِفَضْلِ المَلائِكَةِ في لَيْلَةِ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ. وجَوَّزُوا في أمْرًا أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ بِمُنْذِرِينَ لِقَوْلِهِ: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ [الكهف: ٢] . أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ، جَعَلَ كُلَّ أمْرٍ حَكِيمٍ جَزْلًا فَخْمًا، بِأنْ وصَفَهُ بِالحَكِيمِ، ثُمَّ زادَهُ جَزالَةً وفَخامَةً نَفْسَهُ بِأنْ قالَ: أعْنِي بِهَذا الأمْرِ أمْرًا حاصِلًا مِن عِنْدِنا، كائِنًا مِن لَدُنّا، وكَما اقْتَضاهُ عِلْمُنا وتَدْبِيرُنا، كَذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ: وفي قِراءَةِ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ: ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا﴾، عَلى هو أمْرًا، وهي نَصْبٌ عَلى الِاخْتِصاصِ ومَقْبُولًا لَهُ، والعامِلُ أنْزَلْنا، أوْ مُنْذِرِينَ، أوْ يُفْرَقُ، ومَصْدَرًا مِن مَعْنى يُفْرَقُ، أيْ فَرْقًا مِن عِنْدِنا، أوْ مِن أمْرِنا مَحْذُوفًا وحالًا، قِيلَ: مِن كُلٍّ، والَّذِي تَلَقَّيْناهُ مِن أشْياخِنا أنَّهُ حالُ مَن أمَرَ، لِأنَّهُ وصْفٌ بِحَكِيمٍ، فَحَسُنَتِ الحالُ مِنهُ، إلّا أنَّ فِيهِ الحالَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ، وهو لَيْسَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ ولا نَصْبٍ، ولا يَجُوزُ. وقِيلَ: مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في أنْزَلْناهُ، أيْ أمَرَنِي. وقِيلَ: مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ في أنْزَلْناهُ، أيْ في حالِ كَوْنِهِ أمْرًا مِن عِنْدِنا بِما يَجِبُ أنْ يُفْعَلَ. والظّاهِرُ أنَّ مِن عِنْدِنا صِفَةٌ لِأمْرًا، وقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِـ يُفْرَقُ.
﴿إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾: لَمّا ذَكَرَ إنْزالَ القُرْآنِ، ذَكَرَ المُرْسَلَ، أيْ مُرْسِلِينَ الأنْبِياءَ بِالكُتُبِ لِلْعِبادِ. فالجُمْلَةُ المُؤَكَّدَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ . وجَوَّزُوا في ”رَحْمَةً“ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، أيْ رَحِمْنا رَحْمَةً، وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ بِـ أنْزَلْناهُ، أوْ لِـ يُفْرَقُ، أوْ لِـ أمْرًا مِن عِنْدِنا. وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِـ مُرْسِلِينَ، والرَّحْمَةُ تُوصَفُ بِالإرْسالِ، كَما وُصِفَتْ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢] . والمَعْنى عَلى هَذا: أنّا نَفْصِلُ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ كُلَّ أمْرٍ، أوْ تَصْدُرُ الأوامِرُ مِن عِنْدِنا، لِأنَّ مِن عادَتِنا أنْ نُرْسِلَ رَحْمَتَنا. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والحَسَنُ: رَحْمَةٌ، بِالرَّفْعِ: أيْ تِلْكَ رَحْمَةٌ مِن رَبِّكَ، التِفاتًا مِن مُضْمَرٍ إلى ظاهِرٍ، إذْ لَوْ رُوعِيَ ما قَبْلَهُ، لَكانَ رَحْمَةً مِنّا، لَكِنَّهُ وضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ، إيذانًا بِأنَّ الرُّبُوبِيَّةَ تَقْتَضِي الرَّحْمَةَ عَلى المَرْبُوبِينَ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، والكُوفِيُّونَ: (رَبِّ السَّماواتِ)، بِالخَفْضِ بَدَلًا مِن رَبِّكَ، وباقِي السَّبْعَةِ، والأعْرَجُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: بِالرَّفْعِ عَلى القَطْعِ، أيْ هو رَبُّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رَبُّكم ورَبُّ)، بِرَفْعِهِما، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وأبُو حَيْوَةَ، والزَّعْفَرانِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ، والحَسَنُ، وأبُو مُوسى عِيسى بْنُ سُلَيْمانَ وصالِحٌ النّاقِطُ، (p-٣٤)كِلاهُما عَنِ الكِسائِيِّ: بِالجَرِّ، وأحْمَدُ بْنُ جُبَيْرٍ الأنْطاكِيُّ: رَبَّكم ورَبَّ، بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ، وهم يُخالِفُونَ بَيْنَ الإعْرابِ الرَّفْعِ والنَّصْبِ إذا طالَتِ النُّعُوتُ. وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾، تَحْرِيكٌ لَهم بِأنَّكم تُقِرُّونَ بِأنَّهُ تَعالى خالِقُ العالَمِ، وأنَّهُ أنْزَلَ الكُتُبَ، وأرْسَلَ الرُّسُلَ رَحْمَةً مِنهُ، وأنَّ ذَلِكَ مِنكم مِن غَيْرِ عِلْمٍ وإيقانٍ. ولِذَلِكَ جاءَ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾، أيْ في شَكٍّ لا يَزالُونَ فِيهِ يَلْعَبُونَ. فَإقْرارُهم لَيْسَ عَنْ حَدٍّ ولا تَيَقُّنٍ.
الدخان 44:10
﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ . قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدٌ الخُدْرِيُّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والحَسَنُ: هو دُخانٌ يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ، يُصِيبُ المُؤْمِنَ مِنهُ مِثْلُ الزُّكامِ، ويُنْضِجُ رُءُوسَ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ، حَتّى تَكُونَ مِصْلَقَةٌ حَنِيذَةٌ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو العالِيَةِ، والنَّخَعِيُّ: هو الدُّخانُ الَّذِي رَأتْهُ قُرَيْشٌ. قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ: إنَّ قاصًّا عِنْدَ أبْوابِ كِنْدَةَ يَقُولُ إنَّهُ دُخانٌ يَأْتِي يَوْمَ القِيامَةِ، فَيَأْخُذُ أنْفاسَ النّاسِ، فَقالَ: مَن عَلِمَ عِلْمًا فَلْيَقُلْ بِهِ، ومَن لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلْ: اللَّهُ أعْلَمُ. ألا وسَأُحَدِّثُكم أنَّ قُرَيْشًا لَمّا اسْتَعْصَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، دَعا عَلَيْهِمْ فَقالَ: «اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ واجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ»، فَأصابَهُمُ الجَهْدُ حَتّى أكَلُوا الجِيَفَ، والعِلْهِزُ. والعِلْهِزُ: الصُّوفُ يَقَعُ فِيهِ القُرادُ فَيُشْوى الصُّوفُ بِدَمِ القُرادِ ويُؤْكَلُ. وفِيهِ أيْضًا: حَتّى أكَلُوا العِظامَ. وكانَ الرَّجُلُ يَرى بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ الدُّخانَ، وكانَ يُحَدَّثُ الرَّجُلُ فَيَسْمَعُ الكَلامَ ولا يَرى المُحَدِّثَ مِنَ الدُّخانِ. فَمَشى إلَيْهِ أبُو سُفْيانَ ونَفَرٌ مَعَهُ، وناشَدَهُ اللَّهَ والرَّحِمَ، وواعَدُوهُ، إنْ دَعا لَهم وكَشَفَ عَنْهم، أنْ يُؤْمِنُوا. فَلَمّا كَشَفَ عَنْهم، رَجَعُوا إلى شِرْكِهِمْ. وفِيهِ: فَرَحِمَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ، وبَعَثَ إلَيْهِمْ بِصَدَقَةٍ ومالٍ. وفِيهِ: فَلَمّا أصابَتْهُمُ الرَّفاهِيَةُ عادُوا إلى حالِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾، قالَ: يَعْنِي يَوْمَ بَدْرٍ. وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ: الدُّخانُ، واللِّزامُ، والبَطْشَةُ، والقَمَرُ، والرُّومُ. وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الأعْرَجُ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ﴾، هو يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ، لَمّا حَجَبَتِ السَّماءَ الغَبَرَةُ. وفي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ: أوَّلُ الآياتِ خُرُوجُ الدَّجّالِ، والدُّخانُ، ونُزُولُ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، ونارٌ تَخْرُجُ مِن قَعْرِ عَدَنَ، وفِيهِ قُلْتُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، وما الدُّخانُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ ؟ وذَكَرَ بَقِيَّةَ الحَدِيثِ، واخْتَصَرْناهُ بِدُخانٍ مُبِينٍ، أيْ ظاهِرٍ. لا شَكَّ أنَّهُ دُخانٌ ﴿يَغْشى النّاسَ﴾: يَشْمَلُهم. فَإنْ كانَ هو الَّذِي رَأتْهُ قُرَيْشٌ، فالنّاسُ خاصٌّ بِالكُفّارِ مِن أهْلِ مَكَّةَ، وقَدْ مَضى كَما قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وإنْ كانَ مِن أشْراطِ السّاعَةِ، أوْ يَوْمَ القِيامَةِ، فالنّاسُ عامٌّ فِيمَن أدْرَكَهُ وقْتُ الأشْراطِ، وعامٌّ بِالنّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ. (هَذا عَذابٌ) إلى (مُؤْمِنُونَ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلِ القَوْلِ مَحْذُوفًا، وهو في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ يَقُولُونَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنَ اللَّهِ، كَأنَّهُ تَعَجُّبٌ مِنهُ، كَما قالَ في قِصَّةِ الذَّبِيحِ: ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ [الصافات: ١٠٦] .
﴿إنّا مُؤْمِنُونَ﴾: وعْدٌ بِالإيمانِ إنْ كَشَفَ عَنْهُمُ العَذابَ، والإيمانُ واجِبٌ كُشِفَ العَذابُ أوْ لَمْ يُكْشَفْ.
﴿أنّى لَهُمُ الذِّكْرى﴾: أيْ كَيْفَ يَذَّكَّرُونَ ويَتَّعِظُونَ ويَقُولُونَ بِما وعَدُوهُ مِنَ الإيمانِ عِنْدَ كَشْفِ العَذابِ، وقَدْ جاءَهم ما هو أعْظَمُ ؟ وأُدْخِلَ في بابِ ”الِادِّكارِ مِن كَشْفِ الدُّخانِ“ ؟ وهو ما ظَهَرَ عَلى يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الآياتِ والبَيِّناتِ، مِنَ الكِتابِ المُعْجِزِ وغَيْرِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ، فَلَمْ يَذَّكَّرُوا، وتَوَلَّوْا عَنْهُ وبَهَتُوهُ بِأنَّ عَدّاسًا غُلامًا أعْجَمِيًّا لِبَعْضِ ثَقِيفٍ هو الَّذِي عَلَّمَهُ، ونَسَبُوهُ إلى الجُنُونِ. وقَرَأ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ: مُعَلِّمٌ، بِكَسْرِ اللّامِ.
﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا﴾: إخْبارٌ عَنْ إقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، ومُبالَغَةٌ في الإمْلاءِ لَهم. ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهم عائِدُونَ إلى الكُفْرِ. وقالَ قَتادَةُ: هو تَوَعُّدٌ بِمَعادِ الآخِرَةِ: وإنْ كانَ الخِطابُ لِقُرَيْشٍ حِينَ حَلَّ بِهِمُ الجَدْبُ، كانَ ظاهِرًا، وإنْ كانَ الدُّخانُ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ، فَإذا أتَتِ السَّماءُ بِالعَذابِ، تَضَرَّعَ مُنافِقُوهم وكافِرُوهم وقالُوا: رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ، إنّا مُؤْمِنُونَ. فَيَكْشِفُ عَنْهم، قِيلَ: بَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا، فَحِينَ (p-٣٥)يَكْشِفُهُ عَنْهم يَرْتَدُّونَ. ويَوْمُ البَطْشَةِ الكُبْرى عَلى هَذا هو يَوْمُ القِيامَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَإذا جاءَتِ الطّامَّةُ الكُبْرى﴾ [النازعات: ٣٤] . وكَوْنُهُ يَوْمَ القِيامَةِ، هو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ. وكَوْنُهُ يَوْمَ بَدْرٍ، هو قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ وأُبَيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ. وانْتَصَبَ يَوْمَ نَبْطِشُ، قِيلَ: بِذِكْراهم، وقِيلَ: بِـ نَنْتَقِمُ الدّالِّ عَلَيْهِ ”مُنْتَقِمُونَ“، وضَعُفَ بِأنَّهُ لا نَصْبَ إلّا بِالفِعْلِ، وقِيلَ: بِـ ”مُنْتَقِمُونَ“ . ورُدَّ بِأنَّ ما بَعْدَ إنَّ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: نَبْطِشُ، بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ الطّاءِ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ: بِضَمِّها، والحَسَنُ أيْضًا، وأبُو رَجاءٍ، وطَلْحَةُ: بِضَمِّ النُّونِ وكَسْرِ الطّاءِ، بِمَعْنى: نُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ مَن يَبْطِشُ بِهِمْ. و”البَطْشَةَ“ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ لَيْسَ مَنصُوبًا بِـ نَبْطِشُ، بَلْ بِمُقَدَّرٍ، أيْ نَبْطِشُ ذَلِكَ المُسَلِّطَ البَطْشَةَ، أوْ يَكُونُ ”البَطْشَةَ“ في مَعْنى الإبْطاشَةِ، فَيَنْتَصِبُ بِـ نَبْطِشُ.
﴿ولَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾: هَذا كالمِثالِ لِقُرَيْشٍ، ذُكِرَتْ قِصَّةُ مَن أُرْسِلَ إلَيْهِمْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَكَذَّبُوهُ، فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ. وقُرِئَ: فَتَّنّا، بِتَشْدِيدِ التّاءِ، لِلْمُبالَغَةِ في الفِعْلِ، أوِ التَّكْثِيرِ مُتَعَلِّقَةً ﴿وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾: أيْ كِرِيمٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ المُؤْمِنِينَ، قالَهُ الفَرّاءُ، أوْ كَرِيمٌ في نَفْسِهِ، لِأنَّ الأنْبِياءَ إنَّما يُبْعَثُونَ مِن سَرَواتِ النّاسِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ، أوْ كِرِيمٌ حَسَنُ الخُلُقِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أنْ تَفْسِيرِيَّةً، لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ما يَدُلُّ عَلى مَعْنى القَوْلِ، وهو رَسُولٌ كَرِيمٌ، وأنْ تَكُونَ أنْ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ أوِ النّاصِبَةِ لِلْمُضارِعِ، فَإنَّها تُوصَلُ بِالأمْرِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أنْ أدُّوا إلَيَّ الطّاعَةَ يا عِبادَ اللَّهِ: أيِ اتَّبِعُونِي عَلى ما أدْعُوكم إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ. وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: طَلَبَ مِنهم أنْ يُؤَدُّوا إلَيْهِ بَنِي إسْرائِيلَ، كَما قالَ: ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧] . فَعَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ: عِبادَ اللَّهِ: مُنادًى، ومَفْعُولُ أدُّوا مَحْذُوفٌ، وعَلى قَوْلِ مُجاهِدٍ ومَن ذُكِرَ مَعَهُ: عِبادَ اللَّهِ: مَفْعُولُ أدُّوا.
﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾: أيْ غَيْرُ مُتَّهَمٍ، قَدِ ائْتَمَنَنِي اللَّهُ عَلى وحْيِهِ ورِسالَتِهِ.
﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ﴾: أيْ لا تَسْتَكْبِرُوا عَلى عِبادَةِ اللَّهِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لا تَعْظُمُوا عَلى اللَّهِ. قِيلَ: والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ التَّعْظِيمَ تَطاوُلُ المُقْتَدِرِ والِاسْتِكْبارَ تَرَفُّعُ المُحْتَقَرِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ، وأنْ هُنا كانَ السّابِقُ في أوْجُهِها الثَّلاثَةَ.
﴿إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾: أيْ بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ في نَفْسِها ومُوَضِّحَةٍ صِدْقَ دَعْوايَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: إنِّي، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، عَلى سَبِيلِ الإخْبارِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. والمَعْنى: لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ مِن أجْلِ أنِّي آتِيكم، فَهَذا تَوْبِيخٌ لَهم، كَما تَقُولُ: أتَغْضَبُ إنْ قالَ لَكَ الحَقَّ ؟ ﴿وإنِّي عُذْتُ﴾: أيِ اسْتَجَرْتُ ﴿بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾: كانُوا قَدْ تَوَعَّدُوهُ بِالقَتْلِ، فاسْتَعاذَ مِن ذَلِكَ. وقُرِئَ: عُدْتُ، بِالإدْغامِ. قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: الرَّجْمُ هُنا بِالحِجارَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو صالِحٍ: بِالشَّتْمِ، وقَوْلُ قَتادَةَ أظْهَرُ، لِأنَّهُ قَدْ وقَعَ مِنهم في حَقِّهِ ألْفاظٌ لا تُناسِبُ، وهَذِهِ المَعاذَةُ كانَتْ قَبْلَ أنْ يُخْبِرَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما﴾ [القصص: ٣٥] .
﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي﴾ أيْ تُصَدِّقُوا ﴿فاعْتَزِلُونِ﴾ أيْ كُونُوا بِمَعْزَلٍ وهَذِهِ مُشارَكَةٌ حَسَنَةٌ، ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠]، ﴿أنَّ هَؤُلاءِ﴾: لَفْظُ تَحْقِيرٍ لَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أنَّ هَؤُلاءِ، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، أيْ بِأنَّ هَؤُلاءِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى، والحَسَنُ في رِوايَةٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِكَسْرِها.
﴿فَأسْرِ بِعِبادِي﴾: في الكَلامِ حَذْفٌ، أيْ فانْتَقِمْ مِنهم، فَقالَ لَهُ اللَّهُ: أسْرِ بِعِبادِي، وهم بَنُو إسْرائِيلَ ومَن آمَنَ بِهِ مِنَ القِبْطِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِيهِ وجْهانِ: إضْمارُ القَوْلِ بَعْدَ الفاءِ، فَقالَ: أسْرِ بِعِبادِي، وأنْ يَكُونَ جَوابًا لِشَرْطٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: قالَ إنْ كانَ الأمْرُ كَما تَقُولُ، فَأسْرِ بِعِبادِي. انْتَهى. وكَثِيرًا ما يُجِيزُ هَذا الرَّجُلُ حَذْفَ الشَّرْطِ وإبْقاءَ جَوابِهِ، وهو لا يَجُوزُ إلّا لِدَلِيلٍ واضِحٍ، كَأنْ يَتَقَدَّمُهُ الأمْرُ وما أشْبَهَهُ مِمّا ذُكِرَ في النَّحْوِ، عَلى خِلافٍ في ذَلِكَ.
﴿إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾: أيْ يَتَّبِعُكم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ، فَتَنْجُونَ ويَغْرَقُ المُتَّبَعُونَ.
﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا﴾: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ساكِنًا كَما أجْراهُ. وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ: يَبَسًا مِن قَوْلِهِ: ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا﴾ [طه: ٧٧] . وقالَ الضَّحّاكُ: دَمِثًا لَيِّنًا. (p-٣٦)وقالَ عِكْرِمَةُ: جُدُدًا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: سَهْلًا. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: مُنْفَرِدًا. قالَ قَتادَةُ: أرادَ مُوسى أنْ يَضْرِبَ البَحْرَ بِعَصاهُ، لَمّا قَطَعَهُ، حَتّى يَلْتَئِمَ، وخافَ أنْ يَتْبَعَهُ فِرْعَوْنُ، فَقِيلَ: لِمَهْ هَذا ؟ ﴿إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾: أيْ فِيهِ، لِأنَّهم إذا رَأوْهُ ساكِنًا عَلى حالَتِهِ حِينَ دَخَلَ فِيهِ مُوسى وبَنُو إسْرائِيلَ، أوْ مَفْتُوحًا طَرِيقًا يَبَسًا، دَخَلُوا فِيهِ، فَيُطْبِقُهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
﴿كَمْ تَرَكُوا﴾: أيْ كَثِيرًا تَرَكُوا.
﴿مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾: تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُما في الشُّعَراءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ومَقامٍ)، بِفَتْحِ المِيمِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: أرادَ المَقامَ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ، وقَتادَةُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، ونافِعٌ: في رِوايَةٍ خارِجَةٍ بِضَمِّها. قالَ قَتادَةُ: أرادَ المَواضِعَ الحِسانَ مِنَ المَجالِسِ والمَساكِنِ وغَيْرِها. (ونَعْمَةٍ)، بِفَتْحِ النُّونِ: نَضارَةُ العَيْشِ ولَذاذَةُ الحَياةِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: (ونَعْمَةٍ)، بِالنَّصْبِ، عَطْفًا عَلى كَمْ ﴿كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ: بِألِفٍ، أيْ طَيِّبِيِ الأنْفُسِ وأصْحابِ فاكِهَةٍ، كَلابِنٍ، وتامِرٍ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ: بِغَيْرِ ألِفٍ. والفَكِهُ يُسْتَعْمَلُ كَثِيرًا في المُسْتَخِفِّ المُسْتَهْزِئِ، فَكَأنَّهم كانُوا مُسْتَخِفِّينَ بِشَكْلِ النِّعْمَةِ الَّتِي كانُوا فِيها. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: فَكِهَ الرَّجُلُ، بِالكَسْرِ، فَهو فَكِهٌ إذا كانَ مَزّاحًا، والفَكِهُ أيْضًا الأشِرُ. وقالَ القُشَيْرِيُّ: فاكِهِينَ: لاهِينَ كَذَلِكَ. وقالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: الأمْرُ كَذَلِكَ، فَيُوقَفُ عَلى كَذَلِكَ، والكافُ في مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقِيلَ: الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ يَفْعَلُ فِعْلًا كَذَلِكَ، لِمَن يُرِيدُ إهْلاكَهُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: كَذَلِكَ أفْعَلُ بِمَن عَصانِي. وقالَ الحَوْفِيُّ: أهْلَكْنا إهْلاكًا، وانْتَقَمْنا انْتِقامًا كَذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الكافُ مَنصُوبَةٌ عَلى مَعْنى: مِثْلَ ذَلِكَ الإخْراجِ أخْرَجْناهم مِنها، ﴿وأوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ لَيْسُوا مِنهم، وهم بَنُو إسْرائِيلَ. كانُوا مُسْتَعْبَدِينَ في يَدِ القِبْطِ، فَأهْلَكَ اللَّهُ تَعالى القِبْطَ عَلى أيْدِيهِمْ وأوْرَثَهم مُلْكَهم. وقالَ قَتادَةُ، وقالَ الحَسَنُ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ رَجَعُوا إلى مِصْرَ بَعْدَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ، وضُعِّفَ قَوْلُ قَتادَةَ بِأنَّهُ لَمْ يُرْوَ في مَشْهُورِ التَّوارِيخِ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ رَجَعُوا إلى مِصْرَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ الزَّمانِ، ولا مَلَكُوها قَطُّ، إلّا أنْ يُرِيدَ قَتادَةُ أنَّهم ورِثُوا نَوْعَها في بِلادِ الشَّأْمِ. انْتَهى. ولا اعْتِبارَ بِالتَّوارِيخِ، فالكَذِبُ فِيها كَثِيرٌ، وكَلامُ اللَّهِ صِدْقٌ. قالَ تَعالى في سُورَةِ الشُّعَراءِ: ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٩] وقِيلَ: قَوْمًا آخَرِينَ مِمَّنْ مَلَكَ مِصْرَ بَعْدَ القِبْطِ مِن غَيْرِ بَنِي إسْرائِيلَ.
﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ﴾: اسْتِعارَةٌ لِتَحْقِيرِ أمْرِهِمْ، وأنَّهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ هَلاكِهِمْ شَيْءٌ. ويُقالُ في التَّعْظِيمِ: بَكَتْ عَلَيْهِ السَّماءُ والأرْضُ، وبَكَتْهُ الرِّيحُ، وأظْلَمَتْ لَهُ الشَّمْسُ. وقالَ زَيْدُ بْنُ مُفَرِّغٍ:
؎الرِّيحُ تَبْكِي شَجْوَهُ والبَرْقُ يَلْمَعُ في غَمامِهِ
وقالَ جَرِيرٌ:
؎فالشَّمْسُ طالِعَةٌ لَيْسَتْ بِكاسِفَةٍ ∗∗∗ تَبْكِي عَلَيْكَ نُجُومُ اللَّيْلِ والقَمَرُ
وقالَ النّابِغَةُ:
؎بَكى حارِثُ الجَوْلانِ مِن فَقْدِ رَبِّهِ ∗∗∗ وحَوْرانُ مِنهُ خاشِعٌ مُتَضائِلُ
وقالَ جَرِيرٌ:
؎لَمّا أتى الزَّهْوُ تَواضَعَتْ ∗∗∗ سُورُ المَدِينَةِ والجِبالُ الخُشَّعُ
ويَقُولُ في التَّحْقِيرِ: ماتَ فُلانٌ، فَما خَشَعَتِ الجِبالُ. ونِسْبَةُ هَذِهِ الأشْياءِ لِما لا يَعْقِلُ ولا يَصِيرُ ذَلِكَ مِنهُ حَقِيقَةً، عِبارَةٌ عَنْ تَأثُّرِ النّاسِ لَهُ، أوْ عَنْ عَدَمِهِ. وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: فَما بَكى عَلَيْهِمْ أهْلُ السَّماءِ وأهْلُ المَلائِكَةِ وأهْلُ الأرْضِ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ، بَلْ كانُوا بِهَلاكِهِمْ مَسْرُورِينَ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ. وما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ: إنَّ المُؤْمِنَ إذا ماتَ، بَكى عَلَيْهِ مِنَ (p-٣٧)الأرْضِ مَوْضِعُ عِبادَتِهِ أرْبَعِينَ صَباحًا، وبَكى عَلَيْهِ في السَّماءِ مَوْضِعُ صُعُودِ عَمَلِهِ. قالُوا: فَلَمْ يَكُنْ في قَوْمِ فِرْعَوْنَ مَن هَذِهِ حالُهُ تَمْثِيلٌ.
﴿وما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾: أيْ مُؤَخَّرِينَ عَنِ العَذابِ لَمّا حانَ وقْتُ هَلاكِهِمْ، بَلْ عَجَّلَ اللَّهُ لَهم ذَلِكَ في الدُّنْيا.
الدخان 44:11
﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ . قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدٌ الخُدْرِيُّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والحَسَنُ: هو دُخانٌ يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ، يُصِيبُ المُؤْمِنَ مِنهُ مِثْلُ الزُّكامِ، ويُنْضِجُ رُءُوسَ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ، حَتّى تَكُونَ مِصْلَقَةٌ حَنِيذَةٌ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو العالِيَةِ، والنَّخَعِيُّ: هو الدُّخانُ الَّذِي رَأتْهُ قُرَيْشٌ. قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ: إنَّ قاصًّا عِنْدَ أبْوابِ كِنْدَةَ يَقُولُ إنَّهُ دُخانٌ يَأْتِي يَوْمَ القِيامَةِ، فَيَأْخُذُ أنْفاسَ النّاسِ، فَقالَ: مَن عَلِمَ عِلْمًا فَلْيَقُلْ بِهِ، ومَن لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلْ: اللَّهُ أعْلَمُ. ألا وسَأُحَدِّثُكم أنَّ قُرَيْشًا لَمّا اسْتَعْصَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، دَعا عَلَيْهِمْ فَقالَ: «اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ واجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ»، فَأصابَهُمُ الجَهْدُ حَتّى أكَلُوا الجِيَفَ، والعِلْهِزُ. والعِلْهِزُ: الصُّوفُ يَقَعُ فِيهِ القُرادُ فَيُشْوى الصُّوفُ بِدَمِ القُرادِ ويُؤْكَلُ. وفِيهِ أيْضًا: حَتّى أكَلُوا العِظامَ. وكانَ الرَّجُلُ يَرى بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ الدُّخانَ، وكانَ يُحَدَّثُ الرَّجُلُ فَيَسْمَعُ الكَلامَ ولا يَرى المُحَدِّثَ مِنَ الدُّخانِ. فَمَشى إلَيْهِ أبُو سُفْيانَ ونَفَرٌ مَعَهُ، وناشَدَهُ اللَّهَ والرَّحِمَ، وواعَدُوهُ، إنْ دَعا لَهم وكَشَفَ عَنْهم، أنْ يُؤْمِنُوا. فَلَمّا كَشَفَ عَنْهم، رَجَعُوا إلى شِرْكِهِمْ. وفِيهِ: فَرَحِمَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ، وبَعَثَ إلَيْهِمْ بِصَدَقَةٍ ومالٍ. وفِيهِ: فَلَمّا أصابَتْهُمُ الرَّفاهِيَةُ عادُوا إلى حالِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾، قالَ: يَعْنِي يَوْمَ بَدْرٍ. وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ: الدُّخانُ، واللِّزامُ، والبَطْشَةُ، والقَمَرُ، والرُّومُ. وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الأعْرَجُ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ﴾، هو يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ، لَمّا حَجَبَتِ السَّماءَ الغَبَرَةُ. وفي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ: أوَّلُ الآياتِ خُرُوجُ الدَّجّالِ، والدُّخانُ، ونُزُولُ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، ونارٌ تَخْرُجُ مِن قَعْرِ عَدَنَ، وفِيهِ قُلْتُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، وما الدُّخانُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ ؟ وذَكَرَ بَقِيَّةَ الحَدِيثِ، واخْتَصَرْناهُ بِدُخانٍ مُبِينٍ، أيْ ظاهِرٍ. لا شَكَّ أنَّهُ دُخانٌ ﴿يَغْشى النّاسَ﴾: يَشْمَلُهم. فَإنْ كانَ هو الَّذِي رَأتْهُ قُرَيْشٌ، فالنّاسُ خاصٌّ بِالكُفّارِ مِن أهْلِ مَكَّةَ، وقَدْ مَضى كَما قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وإنْ كانَ مِن أشْراطِ السّاعَةِ، أوْ يَوْمَ القِيامَةِ، فالنّاسُ عامٌّ فِيمَن أدْرَكَهُ وقْتُ الأشْراطِ، وعامٌّ بِالنّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ. (هَذا عَذابٌ) إلى (مُؤْمِنُونَ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلِ القَوْلِ مَحْذُوفًا، وهو في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ يَقُولُونَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنَ اللَّهِ، كَأنَّهُ تَعَجُّبٌ مِنهُ، كَما قالَ في قِصَّةِ الذَّبِيحِ: ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ [الصافات: ١٠٦] .
﴿إنّا مُؤْمِنُونَ﴾: وعْدٌ بِالإيمانِ إنْ كَشَفَ عَنْهُمُ العَذابَ، والإيمانُ واجِبٌ كُشِفَ العَذابُ أوْ لَمْ يُكْشَفْ.
﴿أنّى لَهُمُ الذِّكْرى﴾: أيْ كَيْفَ يَذَّكَّرُونَ ويَتَّعِظُونَ ويَقُولُونَ بِما وعَدُوهُ مِنَ الإيمانِ عِنْدَ كَشْفِ العَذابِ، وقَدْ جاءَهم ما هو أعْظَمُ ؟ وأُدْخِلَ في بابِ ”الِادِّكارِ مِن كَشْفِ الدُّخانِ“ ؟ وهو ما ظَهَرَ عَلى يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الآياتِ والبَيِّناتِ، مِنَ الكِتابِ المُعْجِزِ وغَيْرِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ، فَلَمْ يَذَّكَّرُوا، وتَوَلَّوْا عَنْهُ وبَهَتُوهُ بِأنَّ عَدّاسًا غُلامًا أعْجَمِيًّا لِبَعْضِ ثَقِيفٍ هو الَّذِي عَلَّمَهُ، ونَسَبُوهُ إلى الجُنُونِ. وقَرَأ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ: مُعَلِّمٌ، بِكَسْرِ اللّامِ.
﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا﴾: إخْبارٌ عَنْ إقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، ومُبالَغَةٌ في الإمْلاءِ لَهم. ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهم عائِدُونَ إلى الكُفْرِ. وقالَ قَتادَةُ: هو تَوَعُّدٌ بِمَعادِ الآخِرَةِ: وإنْ كانَ الخِطابُ لِقُرَيْشٍ حِينَ حَلَّ بِهِمُ الجَدْبُ، كانَ ظاهِرًا، وإنْ كانَ الدُّخانُ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ، فَإذا أتَتِ السَّماءُ بِالعَذابِ، تَضَرَّعَ مُنافِقُوهم وكافِرُوهم وقالُوا: رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ، إنّا مُؤْمِنُونَ. فَيَكْشِفُ عَنْهم، قِيلَ: بَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا، فَحِينَ (p-٣٥)يَكْشِفُهُ عَنْهم يَرْتَدُّونَ. ويَوْمُ البَطْشَةِ الكُبْرى عَلى هَذا هو يَوْمُ القِيامَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَإذا جاءَتِ الطّامَّةُ الكُبْرى﴾ [النازعات: ٣٤] . وكَوْنُهُ يَوْمَ القِيامَةِ، هو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ. وكَوْنُهُ يَوْمَ بَدْرٍ، هو قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ وأُبَيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ. وانْتَصَبَ يَوْمَ نَبْطِشُ، قِيلَ: بِذِكْراهم، وقِيلَ: بِـ نَنْتَقِمُ الدّالِّ عَلَيْهِ ”مُنْتَقِمُونَ“، وضَعُفَ بِأنَّهُ لا نَصْبَ إلّا بِالفِعْلِ، وقِيلَ: بِـ ”مُنْتَقِمُونَ“ . ورُدَّ بِأنَّ ما بَعْدَ إنَّ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: نَبْطِشُ، بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ الطّاءِ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ: بِضَمِّها، والحَسَنُ أيْضًا، وأبُو رَجاءٍ، وطَلْحَةُ: بِضَمِّ النُّونِ وكَسْرِ الطّاءِ، بِمَعْنى: نُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ مَن يَبْطِشُ بِهِمْ. و”البَطْشَةَ“ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ لَيْسَ مَنصُوبًا بِـ نَبْطِشُ، بَلْ بِمُقَدَّرٍ، أيْ نَبْطِشُ ذَلِكَ المُسَلِّطَ البَطْشَةَ، أوْ يَكُونُ ”البَطْشَةَ“ في مَعْنى الإبْطاشَةِ، فَيَنْتَصِبُ بِـ نَبْطِشُ.
﴿ولَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾: هَذا كالمِثالِ لِقُرَيْشٍ، ذُكِرَتْ قِصَّةُ مَن أُرْسِلَ إلَيْهِمْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَكَذَّبُوهُ، فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ. وقُرِئَ: فَتَّنّا، بِتَشْدِيدِ التّاءِ، لِلْمُبالَغَةِ في الفِعْلِ، أوِ التَّكْثِيرِ مُتَعَلِّقَةً ﴿وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾: أيْ كِرِيمٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ المُؤْمِنِينَ، قالَهُ الفَرّاءُ، أوْ كَرِيمٌ في نَفْسِهِ، لِأنَّ الأنْبِياءَ إنَّما يُبْعَثُونَ مِن سَرَواتِ النّاسِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ، أوْ كِرِيمٌ حَسَنُ الخُلُقِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أنْ تَفْسِيرِيَّةً، لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ما يَدُلُّ عَلى مَعْنى القَوْلِ، وهو رَسُولٌ كَرِيمٌ، وأنْ تَكُونَ أنْ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ أوِ النّاصِبَةِ لِلْمُضارِعِ، فَإنَّها تُوصَلُ بِالأمْرِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أنْ أدُّوا إلَيَّ الطّاعَةَ يا عِبادَ اللَّهِ: أيِ اتَّبِعُونِي عَلى ما أدْعُوكم إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ. وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: طَلَبَ مِنهم أنْ يُؤَدُّوا إلَيْهِ بَنِي إسْرائِيلَ، كَما قالَ: ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧] . فَعَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ: عِبادَ اللَّهِ: مُنادًى، ومَفْعُولُ أدُّوا مَحْذُوفٌ، وعَلى قَوْلِ مُجاهِدٍ ومَن ذُكِرَ مَعَهُ: عِبادَ اللَّهِ: مَفْعُولُ أدُّوا.
﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾: أيْ غَيْرُ مُتَّهَمٍ، قَدِ ائْتَمَنَنِي اللَّهُ عَلى وحْيِهِ ورِسالَتِهِ.
﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ﴾: أيْ لا تَسْتَكْبِرُوا عَلى عِبادَةِ اللَّهِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لا تَعْظُمُوا عَلى اللَّهِ. قِيلَ: والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ التَّعْظِيمَ تَطاوُلُ المُقْتَدِرِ والِاسْتِكْبارَ تَرَفُّعُ المُحْتَقَرِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ، وأنْ هُنا كانَ السّابِقُ في أوْجُهِها الثَّلاثَةَ.
﴿إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾: أيْ بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ في نَفْسِها ومُوَضِّحَةٍ صِدْقَ دَعْوايَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: إنِّي، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، عَلى سَبِيلِ الإخْبارِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. والمَعْنى: لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ مِن أجْلِ أنِّي آتِيكم، فَهَذا تَوْبِيخٌ لَهم، كَما تَقُولُ: أتَغْضَبُ إنْ قالَ لَكَ الحَقَّ ؟ ﴿وإنِّي عُذْتُ﴾: أيِ اسْتَجَرْتُ ﴿بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾: كانُوا قَدْ تَوَعَّدُوهُ بِالقَتْلِ، فاسْتَعاذَ مِن ذَلِكَ. وقُرِئَ: عُدْتُ، بِالإدْغامِ. قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: الرَّجْمُ هُنا بِالحِجارَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو صالِحٍ: بِالشَّتْمِ، وقَوْلُ قَتادَةَ أظْهَرُ، لِأنَّهُ قَدْ وقَعَ مِنهم في حَقِّهِ ألْفاظٌ لا تُناسِبُ، وهَذِهِ المَعاذَةُ كانَتْ قَبْلَ أنْ يُخْبِرَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما﴾ [القصص: ٣٥] .
﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي﴾ أيْ تُصَدِّقُوا ﴿فاعْتَزِلُونِ﴾ أيْ كُونُوا بِمَعْزَلٍ وهَذِهِ مُشارَكَةٌ حَسَنَةٌ، ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠]، ﴿أنَّ هَؤُلاءِ﴾: لَفْظُ تَحْقِيرٍ لَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أنَّ هَؤُلاءِ، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، أيْ بِأنَّ هَؤُلاءِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى، والحَسَنُ في رِوايَةٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِكَسْرِها.
﴿فَأسْرِ بِعِبادِي﴾: في الكَلامِ حَذْفٌ، أيْ فانْتَقِمْ مِنهم، فَقالَ لَهُ اللَّهُ: أسْرِ بِعِبادِي، وهم بَنُو إسْرائِيلَ ومَن آمَنَ بِهِ مِنَ القِبْطِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِيهِ وجْهانِ: إضْمارُ القَوْلِ بَعْدَ الفاءِ، فَقالَ: أسْرِ بِعِبادِي، وأنْ يَكُونَ جَوابًا لِشَرْطٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: قالَ إنْ كانَ الأمْرُ كَما تَقُولُ، فَأسْرِ بِعِبادِي. انْتَهى. وكَثِيرًا ما يُجِيزُ هَذا الرَّجُلُ حَذْفَ الشَّرْطِ وإبْقاءَ جَوابِهِ، وهو لا يَجُوزُ إلّا لِدَلِيلٍ واضِحٍ، كَأنْ يَتَقَدَّمُهُ الأمْرُ وما أشْبَهَهُ مِمّا ذُكِرَ في النَّحْوِ، عَلى خِلافٍ في ذَلِكَ.
﴿إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾: أيْ يَتَّبِعُكم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ، فَتَنْجُونَ ويَغْرَقُ المُتَّبَعُونَ.
﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا﴾: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ساكِنًا كَما أجْراهُ. وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ: يَبَسًا مِن قَوْلِهِ: ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا﴾ [طه: ٧٧] . وقالَ الضَّحّاكُ: دَمِثًا لَيِّنًا. (p-٣٦)وقالَ عِكْرِمَةُ: جُدُدًا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: سَهْلًا. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: مُنْفَرِدًا. قالَ قَتادَةُ: أرادَ مُوسى أنْ يَضْرِبَ البَحْرَ بِعَصاهُ، لَمّا قَطَعَهُ، حَتّى يَلْتَئِمَ، وخافَ أنْ يَتْبَعَهُ فِرْعَوْنُ، فَقِيلَ: لِمَهْ هَذا ؟ ﴿إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾: أيْ فِيهِ، لِأنَّهم إذا رَأوْهُ ساكِنًا عَلى حالَتِهِ حِينَ دَخَلَ فِيهِ مُوسى وبَنُو إسْرائِيلَ، أوْ مَفْتُوحًا طَرِيقًا يَبَسًا، دَخَلُوا فِيهِ، فَيُطْبِقُهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
﴿كَمْ تَرَكُوا﴾: أيْ كَثِيرًا تَرَكُوا.
﴿مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾: تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُما في الشُّعَراءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ومَقامٍ)، بِفَتْحِ المِيمِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: أرادَ المَقامَ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ، وقَتادَةُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، ونافِعٌ: في رِوايَةٍ خارِجَةٍ بِضَمِّها. قالَ قَتادَةُ: أرادَ المَواضِعَ الحِسانَ مِنَ المَجالِسِ والمَساكِنِ وغَيْرِها. (ونَعْمَةٍ)، بِفَتْحِ النُّونِ: نَضارَةُ العَيْشِ ولَذاذَةُ الحَياةِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: (ونَعْمَةٍ)، بِالنَّصْبِ، عَطْفًا عَلى كَمْ ﴿كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ: بِألِفٍ، أيْ طَيِّبِيِ الأنْفُسِ وأصْحابِ فاكِهَةٍ، كَلابِنٍ، وتامِرٍ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ: بِغَيْرِ ألِفٍ. والفَكِهُ يُسْتَعْمَلُ كَثِيرًا في المُسْتَخِفِّ المُسْتَهْزِئِ، فَكَأنَّهم كانُوا مُسْتَخِفِّينَ بِشَكْلِ النِّعْمَةِ الَّتِي كانُوا فِيها. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: فَكِهَ الرَّجُلُ، بِالكَسْرِ، فَهو فَكِهٌ إذا كانَ مَزّاحًا، والفَكِهُ أيْضًا الأشِرُ. وقالَ القُشَيْرِيُّ: فاكِهِينَ: لاهِينَ كَذَلِكَ. وقالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: الأمْرُ كَذَلِكَ، فَيُوقَفُ عَلى كَذَلِكَ، والكافُ في مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقِيلَ: الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ يَفْعَلُ فِعْلًا كَذَلِكَ، لِمَن يُرِيدُ إهْلاكَهُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: كَذَلِكَ أفْعَلُ بِمَن عَصانِي. وقالَ الحَوْفِيُّ: أهْلَكْنا إهْلاكًا، وانْتَقَمْنا انْتِقامًا كَذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الكافُ مَنصُوبَةٌ عَلى مَعْنى: مِثْلَ ذَلِكَ الإخْراجِ أخْرَجْناهم مِنها، ﴿وأوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ لَيْسُوا مِنهم، وهم بَنُو إسْرائِيلَ. كانُوا مُسْتَعْبَدِينَ في يَدِ القِبْطِ، فَأهْلَكَ اللَّهُ تَعالى القِبْطَ عَلى أيْدِيهِمْ وأوْرَثَهم مُلْكَهم. وقالَ قَتادَةُ، وقالَ الحَسَنُ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ رَجَعُوا إلى مِصْرَ بَعْدَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ، وضُعِّفَ قَوْلُ قَتادَةَ بِأنَّهُ لَمْ يُرْوَ في مَشْهُورِ التَّوارِيخِ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ رَجَعُوا إلى مِصْرَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ الزَّمانِ، ولا مَلَكُوها قَطُّ، إلّا أنْ يُرِيدَ قَتادَةُ أنَّهم ورِثُوا نَوْعَها في بِلادِ الشَّأْمِ. انْتَهى. ولا اعْتِبارَ بِالتَّوارِيخِ، فالكَذِبُ فِيها كَثِيرٌ، وكَلامُ اللَّهِ صِدْقٌ. قالَ تَعالى في سُورَةِ الشُّعَراءِ: ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٩] وقِيلَ: قَوْمًا آخَرِينَ مِمَّنْ مَلَكَ مِصْرَ بَعْدَ القِبْطِ مِن غَيْرِ بَنِي إسْرائِيلَ.
﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ﴾: اسْتِعارَةٌ لِتَحْقِيرِ أمْرِهِمْ، وأنَّهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ هَلاكِهِمْ شَيْءٌ. ويُقالُ في التَّعْظِيمِ: بَكَتْ عَلَيْهِ السَّماءُ والأرْضُ، وبَكَتْهُ الرِّيحُ، وأظْلَمَتْ لَهُ الشَّمْسُ. وقالَ زَيْدُ بْنُ مُفَرِّغٍ:
؎الرِّيحُ تَبْكِي شَجْوَهُ والبَرْقُ يَلْمَعُ في غَمامِهِ
وقالَ جَرِيرٌ:
؎فالشَّمْسُ طالِعَةٌ لَيْسَتْ بِكاسِفَةٍ ∗∗∗ تَبْكِي عَلَيْكَ نُجُومُ اللَّيْلِ والقَمَرُ
وقالَ النّابِغَةُ:
؎بَكى حارِثُ الجَوْلانِ مِن فَقْدِ رَبِّهِ ∗∗∗ وحَوْرانُ مِنهُ خاشِعٌ مُتَضائِلُ
وقالَ جَرِيرٌ:
؎لَمّا أتى الزَّهْوُ تَواضَعَتْ ∗∗∗ سُورُ المَدِينَةِ والجِبالُ الخُشَّعُ
ويَقُولُ في التَّحْقِيرِ: ماتَ فُلانٌ، فَما خَشَعَتِ الجِبالُ. ونِسْبَةُ هَذِهِ الأشْياءِ لِما لا يَعْقِلُ ولا يَصِيرُ ذَلِكَ مِنهُ حَقِيقَةً، عِبارَةٌ عَنْ تَأثُّرِ النّاسِ لَهُ، أوْ عَنْ عَدَمِهِ. وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: فَما بَكى عَلَيْهِمْ أهْلُ السَّماءِ وأهْلُ المَلائِكَةِ وأهْلُ الأرْضِ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ، بَلْ كانُوا بِهَلاكِهِمْ مَسْرُورِينَ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ. وما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ: إنَّ المُؤْمِنَ إذا ماتَ، بَكى عَلَيْهِ مِنَ (p-٣٧)الأرْضِ مَوْضِعُ عِبادَتِهِ أرْبَعِينَ صَباحًا، وبَكى عَلَيْهِ في السَّماءِ مَوْضِعُ صُعُودِ عَمَلِهِ. قالُوا: فَلَمْ يَكُنْ في قَوْمِ فِرْعَوْنَ مَن هَذِهِ حالُهُ تَمْثِيلٌ.
﴿وما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾: أيْ مُؤَخَّرِينَ عَنِ العَذابِ لَمّا حانَ وقْتُ هَلاكِهِمْ، بَلْ عَجَّلَ اللَّهُ لَهم ذَلِكَ في الدُّنْيا.
الدخان 44:12
﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ . قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدٌ الخُدْرِيُّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والحَسَنُ: هو دُخانٌ يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ، يُصِيبُ المُؤْمِنَ مِنهُ مِثْلُ الزُّكامِ، ويُنْضِجُ رُءُوسَ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ، حَتّى تَكُونَ مِصْلَقَةٌ حَنِيذَةٌ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو العالِيَةِ، والنَّخَعِيُّ: هو الدُّخانُ الَّذِي رَأتْهُ قُرَيْشٌ. قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ: إنَّ قاصًّا عِنْدَ أبْوابِ كِنْدَةَ يَقُولُ إنَّهُ دُخانٌ يَأْتِي يَوْمَ القِيامَةِ، فَيَأْخُذُ أنْفاسَ النّاسِ، فَقالَ: مَن عَلِمَ عِلْمًا فَلْيَقُلْ بِهِ، ومَن لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلْ: اللَّهُ أعْلَمُ. ألا وسَأُحَدِّثُكم أنَّ قُرَيْشًا لَمّا اسْتَعْصَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، دَعا عَلَيْهِمْ فَقالَ: «اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ واجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ»، فَأصابَهُمُ الجَهْدُ حَتّى أكَلُوا الجِيَفَ، والعِلْهِزُ. والعِلْهِزُ: الصُّوفُ يَقَعُ فِيهِ القُرادُ فَيُشْوى الصُّوفُ بِدَمِ القُرادِ ويُؤْكَلُ. وفِيهِ أيْضًا: حَتّى أكَلُوا العِظامَ. وكانَ الرَّجُلُ يَرى بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ الدُّخانَ، وكانَ يُحَدَّثُ الرَّجُلُ فَيَسْمَعُ الكَلامَ ولا يَرى المُحَدِّثَ مِنَ الدُّخانِ. فَمَشى إلَيْهِ أبُو سُفْيانَ ونَفَرٌ مَعَهُ، وناشَدَهُ اللَّهَ والرَّحِمَ، وواعَدُوهُ، إنْ دَعا لَهم وكَشَفَ عَنْهم، أنْ يُؤْمِنُوا. فَلَمّا كَشَفَ عَنْهم، رَجَعُوا إلى شِرْكِهِمْ. وفِيهِ: فَرَحِمَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ، وبَعَثَ إلَيْهِمْ بِصَدَقَةٍ ومالٍ. وفِيهِ: فَلَمّا أصابَتْهُمُ الرَّفاهِيَةُ عادُوا إلى حالِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾، قالَ: يَعْنِي يَوْمَ بَدْرٍ. وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ: الدُّخانُ، واللِّزامُ، والبَطْشَةُ، والقَمَرُ، والرُّومُ. وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الأعْرَجُ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ﴾، هو يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ، لَمّا حَجَبَتِ السَّماءَ الغَبَرَةُ. وفي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ: أوَّلُ الآياتِ خُرُوجُ الدَّجّالِ، والدُّخانُ، ونُزُولُ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، ونارٌ تَخْرُجُ مِن قَعْرِ عَدَنَ، وفِيهِ قُلْتُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، وما الدُّخانُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ ؟ وذَكَرَ بَقِيَّةَ الحَدِيثِ، واخْتَصَرْناهُ بِدُخانٍ مُبِينٍ، أيْ ظاهِرٍ. لا شَكَّ أنَّهُ دُخانٌ ﴿يَغْشى النّاسَ﴾: يَشْمَلُهم. فَإنْ كانَ هو الَّذِي رَأتْهُ قُرَيْشٌ، فالنّاسُ خاصٌّ بِالكُفّارِ مِن أهْلِ مَكَّةَ، وقَدْ مَضى كَما قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وإنْ كانَ مِن أشْراطِ السّاعَةِ، أوْ يَوْمَ القِيامَةِ، فالنّاسُ عامٌّ فِيمَن أدْرَكَهُ وقْتُ الأشْراطِ، وعامٌّ بِالنّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ. (هَذا عَذابٌ) إلى (مُؤْمِنُونَ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلِ القَوْلِ مَحْذُوفًا، وهو في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ يَقُولُونَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنَ اللَّهِ، كَأنَّهُ تَعَجُّبٌ مِنهُ، كَما قالَ في قِصَّةِ الذَّبِيحِ: ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ [الصافات: ١٠٦] .
﴿إنّا مُؤْمِنُونَ﴾: وعْدٌ بِالإيمانِ إنْ كَشَفَ عَنْهُمُ العَذابَ، والإيمانُ واجِبٌ كُشِفَ العَذابُ أوْ لَمْ يُكْشَفْ.
﴿أنّى لَهُمُ الذِّكْرى﴾: أيْ كَيْفَ يَذَّكَّرُونَ ويَتَّعِظُونَ ويَقُولُونَ بِما وعَدُوهُ مِنَ الإيمانِ عِنْدَ كَشْفِ العَذابِ، وقَدْ جاءَهم ما هو أعْظَمُ ؟ وأُدْخِلَ في بابِ ”الِادِّكارِ مِن كَشْفِ الدُّخانِ“ ؟ وهو ما ظَهَرَ عَلى يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الآياتِ والبَيِّناتِ، مِنَ الكِتابِ المُعْجِزِ وغَيْرِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ، فَلَمْ يَذَّكَّرُوا، وتَوَلَّوْا عَنْهُ وبَهَتُوهُ بِأنَّ عَدّاسًا غُلامًا أعْجَمِيًّا لِبَعْضِ ثَقِيفٍ هو الَّذِي عَلَّمَهُ، ونَسَبُوهُ إلى الجُنُونِ. وقَرَأ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ: مُعَلِّمٌ، بِكَسْرِ اللّامِ.
﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا﴾: إخْبارٌ عَنْ إقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، ومُبالَغَةٌ في الإمْلاءِ لَهم. ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهم عائِدُونَ إلى الكُفْرِ. وقالَ قَتادَةُ: هو تَوَعُّدٌ بِمَعادِ الآخِرَةِ: وإنْ كانَ الخِطابُ لِقُرَيْشٍ حِينَ حَلَّ بِهِمُ الجَدْبُ، كانَ ظاهِرًا، وإنْ كانَ الدُّخانُ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ، فَإذا أتَتِ السَّماءُ بِالعَذابِ، تَضَرَّعَ مُنافِقُوهم وكافِرُوهم وقالُوا: رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ، إنّا مُؤْمِنُونَ. فَيَكْشِفُ عَنْهم، قِيلَ: بَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا، فَحِينَ (p-٣٥)يَكْشِفُهُ عَنْهم يَرْتَدُّونَ. ويَوْمُ البَطْشَةِ الكُبْرى عَلى هَذا هو يَوْمُ القِيامَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَإذا جاءَتِ الطّامَّةُ الكُبْرى﴾ [النازعات: ٣٤] . وكَوْنُهُ يَوْمَ القِيامَةِ، هو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ. وكَوْنُهُ يَوْمَ بَدْرٍ، هو قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ وأُبَيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ. وانْتَصَبَ يَوْمَ نَبْطِشُ، قِيلَ: بِذِكْراهم، وقِيلَ: بِـ نَنْتَقِمُ الدّالِّ عَلَيْهِ ”مُنْتَقِمُونَ“، وضَعُفَ بِأنَّهُ لا نَصْبَ إلّا بِالفِعْلِ، وقِيلَ: بِـ ”مُنْتَقِمُونَ“ . ورُدَّ بِأنَّ ما بَعْدَ إنَّ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: نَبْطِشُ، بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ الطّاءِ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ: بِضَمِّها، والحَسَنُ أيْضًا، وأبُو رَجاءٍ، وطَلْحَةُ: بِضَمِّ النُّونِ وكَسْرِ الطّاءِ، بِمَعْنى: نُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ مَن يَبْطِشُ بِهِمْ. و”البَطْشَةَ“ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ لَيْسَ مَنصُوبًا بِـ نَبْطِشُ، بَلْ بِمُقَدَّرٍ، أيْ نَبْطِشُ ذَلِكَ المُسَلِّطَ البَطْشَةَ، أوْ يَكُونُ ”البَطْشَةَ“ في مَعْنى الإبْطاشَةِ، فَيَنْتَصِبُ بِـ نَبْطِشُ.
﴿ولَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾: هَذا كالمِثالِ لِقُرَيْشٍ، ذُكِرَتْ قِصَّةُ مَن أُرْسِلَ إلَيْهِمْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَكَذَّبُوهُ، فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ. وقُرِئَ: فَتَّنّا، بِتَشْدِيدِ التّاءِ، لِلْمُبالَغَةِ في الفِعْلِ، أوِ التَّكْثِيرِ مُتَعَلِّقَةً ﴿وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾: أيْ كِرِيمٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ المُؤْمِنِينَ، قالَهُ الفَرّاءُ، أوْ كَرِيمٌ في نَفْسِهِ، لِأنَّ الأنْبِياءَ إنَّما يُبْعَثُونَ مِن سَرَواتِ النّاسِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ، أوْ كِرِيمٌ حَسَنُ الخُلُقِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أنْ تَفْسِيرِيَّةً، لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ما يَدُلُّ عَلى مَعْنى القَوْلِ، وهو رَسُولٌ كَرِيمٌ، وأنْ تَكُونَ أنْ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ أوِ النّاصِبَةِ لِلْمُضارِعِ، فَإنَّها تُوصَلُ بِالأمْرِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أنْ أدُّوا إلَيَّ الطّاعَةَ يا عِبادَ اللَّهِ: أيِ اتَّبِعُونِي عَلى ما أدْعُوكم إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ. وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: طَلَبَ مِنهم أنْ يُؤَدُّوا إلَيْهِ بَنِي إسْرائِيلَ، كَما قالَ: ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧] . فَعَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ: عِبادَ اللَّهِ: مُنادًى، ومَفْعُولُ أدُّوا مَحْذُوفٌ، وعَلى قَوْلِ مُجاهِدٍ ومَن ذُكِرَ مَعَهُ: عِبادَ اللَّهِ: مَفْعُولُ أدُّوا.
﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾: أيْ غَيْرُ مُتَّهَمٍ، قَدِ ائْتَمَنَنِي اللَّهُ عَلى وحْيِهِ ورِسالَتِهِ.
﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ﴾: أيْ لا تَسْتَكْبِرُوا عَلى عِبادَةِ اللَّهِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لا تَعْظُمُوا عَلى اللَّهِ. قِيلَ: والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ التَّعْظِيمَ تَطاوُلُ المُقْتَدِرِ والِاسْتِكْبارَ تَرَفُّعُ المُحْتَقَرِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ، وأنْ هُنا كانَ السّابِقُ في أوْجُهِها الثَّلاثَةَ.
﴿إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾: أيْ بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ في نَفْسِها ومُوَضِّحَةٍ صِدْقَ دَعْوايَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: إنِّي، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، عَلى سَبِيلِ الإخْبارِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. والمَعْنى: لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ مِن أجْلِ أنِّي آتِيكم، فَهَذا تَوْبِيخٌ لَهم، كَما تَقُولُ: أتَغْضَبُ إنْ قالَ لَكَ الحَقَّ ؟ ﴿وإنِّي عُذْتُ﴾: أيِ اسْتَجَرْتُ ﴿بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾: كانُوا قَدْ تَوَعَّدُوهُ بِالقَتْلِ، فاسْتَعاذَ مِن ذَلِكَ. وقُرِئَ: عُدْتُ، بِالإدْغامِ. قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: الرَّجْمُ هُنا بِالحِجارَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو صالِحٍ: بِالشَّتْمِ، وقَوْلُ قَتادَةَ أظْهَرُ، لِأنَّهُ قَدْ وقَعَ مِنهم في حَقِّهِ ألْفاظٌ لا تُناسِبُ، وهَذِهِ المَعاذَةُ كانَتْ قَبْلَ أنْ يُخْبِرَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما﴾ [القصص: ٣٥] .
﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي﴾ أيْ تُصَدِّقُوا ﴿فاعْتَزِلُونِ﴾ أيْ كُونُوا بِمَعْزَلٍ وهَذِهِ مُشارَكَةٌ حَسَنَةٌ، ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠]، ﴿أنَّ هَؤُلاءِ﴾: لَفْظُ تَحْقِيرٍ لَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أنَّ هَؤُلاءِ، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، أيْ بِأنَّ هَؤُلاءِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى، والحَسَنُ في رِوايَةٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِكَسْرِها.
﴿فَأسْرِ بِعِبادِي﴾: في الكَلامِ حَذْفٌ، أيْ فانْتَقِمْ مِنهم، فَقالَ لَهُ اللَّهُ: أسْرِ بِعِبادِي، وهم بَنُو إسْرائِيلَ ومَن آمَنَ بِهِ مِنَ القِبْطِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِيهِ وجْهانِ: إضْمارُ القَوْلِ بَعْدَ الفاءِ، فَقالَ: أسْرِ بِعِبادِي، وأنْ يَكُونَ جَوابًا لِشَرْطٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: قالَ إنْ كانَ الأمْرُ كَما تَقُولُ، فَأسْرِ بِعِبادِي. انْتَهى. وكَثِيرًا ما يُجِيزُ هَذا الرَّجُلُ حَذْفَ الشَّرْطِ وإبْقاءَ جَوابِهِ، وهو لا يَجُوزُ إلّا لِدَلِيلٍ واضِحٍ، كَأنْ يَتَقَدَّمُهُ الأمْرُ وما أشْبَهَهُ مِمّا ذُكِرَ في النَّحْوِ، عَلى خِلافٍ في ذَلِكَ.
﴿إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾: أيْ يَتَّبِعُكم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ، فَتَنْجُونَ ويَغْرَقُ المُتَّبَعُونَ.
﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا﴾: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ساكِنًا كَما أجْراهُ. وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ: يَبَسًا مِن قَوْلِهِ: ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا﴾ [طه: ٧٧] . وقالَ الضَّحّاكُ: دَمِثًا لَيِّنًا. (p-٣٦)وقالَ عِكْرِمَةُ: جُدُدًا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: سَهْلًا. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: مُنْفَرِدًا. قالَ قَتادَةُ: أرادَ مُوسى أنْ يَضْرِبَ البَحْرَ بِعَصاهُ، لَمّا قَطَعَهُ، حَتّى يَلْتَئِمَ، وخافَ أنْ يَتْبَعَهُ فِرْعَوْنُ، فَقِيلَ: لِمَهْ هَذا ؟ ﴿إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾: أيْ فِيهِ، لِأنَّهم إذا رَأوْهُ ساكِنًا عَلى حالَتِهِ حِينَ دَخَلَ فِيهِ مُوسى وبَنُو إسْرائِيلَ، أوْ مَفْتُوحًا طَرِيقًا يَبَسًا، دَخَلُوا فِيهِ، فَيُطْبِقُهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
﴿كَمْ تَرَكُوا﴾: أيْ كَثِيرًا تَرَكُوا.
﴿مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾: تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُما في الشُّعَراءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ومَقامٍ)، بِفَتْحِ المِيمِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: أرادَ المَقامَ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ، وقَتادَةُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، ونافِعٌ: في رِوايَةٍ خارِجَةٍ بِضَمِّها. قالَ قَتادَةُ: أرادَ المَواضِعَ الحِسانَ مِنَ المَجالِسِ والمَساكِنِ وغَيْرِها. (ونَعْمَةٍ)، بِفَتْحِ النُّونِ: نَضارَةُ العَيْشِ ولَذاذَةُ الحَياةِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: (ونَعْمَةٍ)، بِالنَّصْبِ، عَطْفًا عَلى كَمْ ﴿كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ: بِألِفٍ، أيْ طَيِّبِيِ الأنْفُسِ وأصْحابِ فاكِهَةٍ، كَلابِنٍ، وتامِرٍ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ: بِغَيْرِ ألِفٍ. والفَكِهُ يُسْتَعْمَلُ كَثِيرًا في المُسْتَخِفِّ المُسْتَهْزِئِ، فَكَأنَّهم كانُوا مُسْتَخِفِّينَ بِشَكْلِ النِّعْمَةِ الَّتِي كانُوا فِيها. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: فَكِهَ الرَّجُلُ، بِالكَسْرِ، فَهو فَكِهٌ إذا كانَ مَزّاحًا، والفَكِهُ أيْضًا الأشِرُ. وقالَ القُشَيْرِيُّ: فاكِهِينَ: لاهِينَ كَذَلِكَ. وقالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: الأمْرُ كَذَلِكَ، فَيُوقَفُ عَلى كَذَلِكَ، والكافُ في مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقِيلَ: الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ يَفْعَلُ فِعْلًا كَذَلِكَ، لِمَن يُرِيدُ إهْلاكَهُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: كَذَلِكَ أفْعَلُ بِمَن عَصانِي. وقالَ الحَوْفِيُّ: أهْلَكْنا إهْلاكًا، وانْتَقَمْنا انْتِقامًا كَذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الكافُ مَنصُوبَةٌ عَلى مَعْنى: مِثْلَ ذَلِكَ الإخْراجِ أخْرَجْناهم مِنها، ﴿وأوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ لَيْسُوا مِنهم، وهم بَنُو إسْرائِيلَ. كانُوا مُسْتَعْبَدِينَ في يَدِ القِبْطِ، فَأهْلَكَ اللَّهُ تَعالى القِبْطَ عَلى أيْدِيهِمْ وأوْرَثَهم مُلْكَهم. وقالَ قَتادَةُ، وقالَ الحَسَنُ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ رَجَعُوا إلى مِصْرَ بَعْدَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ، وضُعِّفَ قَوْلُ قَتادَةَ بِأنَّهُ لَمْ يُرْوَ في مَشْهُورِ التَّوارِيخِ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ رَجَعُوا إلى مِصْرَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ الزَّمانِ، ولا مَلَكُوها قَطُّ، إلّا أنْ يُرِيدَ قَتادَةُ أنَّهم ورِثُوا نَوْعَها في بِلادِ الشَّأْمِ. انْتَهى. ولا اعْتِبارَ بِالتَّوارِيخِ، فالكَذِبُ فِيها كَثِيرٌ، وكَلامُ اللَّهِ صِدْقٌ. قالَ تَعالى في سُورَةِ الشُّعَراءِ: ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٩] وقِيلَ: قَوْمًا آخَرِينَ مِمَّنْ مَلَكَ مِصْرَ بَعْدَ القِبْطِ مِن غَيْرِ بَنِي إسْرائِيلَ.
﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ﴾: اسْتِعارَةٌ لِتَحْقِيرِ أمْرِهِمْ، وأنَّهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ هَلاكِهِمْ شَيْءٌ. ويُقالُ في التَّعْظِيمِ: بَكَتْ عَلَيْهِ السَّماءُ والأرْضُ، وبَكَتْهُ الرِّيحُ، وأظْلَمَتْ لَهُ الشَّمْسُ. وقالَ زَيْدُ بْنُ مُفَرِّغٍ:
؎الرِّيحُ تَبْكِي شَجْوَهُ والبَرْقُ يَلْمَعُ في غَمامِهِ
وقالَ جَرِيرٌ:
؎فالشَّمْسُ طالِعَةٌ لَيْسَتْ بِكاسِفَةٍ ∗∗∗ تَبْكِي عَلَيْكَ نُجُومُ اللَّيْلِ والقَمَرُ
وقالَ النّابِغَةُ:
؎بَكى حارِثُ الجَوْلانِ مِن فَقْدِ رَبِّهِ ∗∗∗ وحَوْرانُ مِنهُ خاشِعٌ مُتَضائِلُ
وقالَ جَرِيرٌ:
؎لَمّا أتى الزَّهْوُ تَواضَعَتْ ∗∗∗ سُورُ المَدِينَةِ والجِبالُ الخُشَّعُ
ويَقُولُ في التَّحْقِيرِ: ماتَ فُلانٌ، فَما خَشَعَتِ الجِبالُ. ونِسْبَةُ هَذِهِ الأشْياءِ لِما لا يَعْقِلُ ولا يَصِيرُ ذَلِكَ مِنهُ حَقِيقَةً، عِبارَةٌ عَنْ تَأثُّرِ النّاسِ لَهُ، أوْ عَنْ عَدَمِهِ. وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: فَما بَكى عَلَيْهِمْ أهْلُ السَّماءِ وأهْلُ المَلائِكَةِ وأهْلُ الأرْضِ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ، بَلْ كانُوا بِهَلاكِهِمْ مَسْرُورِينَ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ. وما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ: إنَّ المُؤْمِنَ إذا ماتَ، بَكى عَلَيْهِ مِنَ (p-٣٧)الأرْضِ مَوْضِعُ عِبادَتِهِ أرْبَعِينَ صَباحًا، وبَكى عَلَيْهِ في السَّماءِ مَوْضِعُ صُعُودِ عَمَلِهِ. قالُوا: فَلَمْ يَكُنْ في قَوْمِ فِرْعَوْنَ مَن هَذِهِ حالُهُ تَمْثِيلٌ.
﴿وما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾: أيْ مُؤَخَّرِينَ عَنِ العَذابِ لَمّا حانَ وقْتُ هَلاكِهِمْ، بَلْ عَجَّلَ اللَّهُ لَهم ذَلِكَ في الدُّنْيا.
الدخان 44:13
﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ . قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدٌ الخُدْرِيُّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والحَسَنُ: هو دُخانٌ يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ، يُصِيبُ المُؤْمِنَ مِنهُ مِثْلُ الزُّكامِ، ويُنْضِجُ رُءُوسَ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ، حَتّى تَكُونَ مِصْلَقَةٌ حَنِيذَةٌ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو العالِيَةِ، والنَّخَعِيُّ: هو الدُّخانُ الَّذِي رَأتْهُ قُرَيْشٌ. قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ: إنَّ قاصًّا عِنْدَ أبْوابِ كِنْدَةَ يَقُولُ إنَّهُ دُخانٌ يَأْتِي يَوْمَ القِيامَةِ، فَيَأْخُذُ أنْفاسَ النّاسِ، فَقالَ: مَن عَلِمَ عِلْمًا فَلْيَقُلْ بِهِ، ومَن لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلْ: اللَّهُ أعْلَمُ. ألا وسَأُحَدِّثُكم أنَّ قُرَيْشًا لَمّا اسْتَعْصَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، دَعا عَلَيْهِمْ فَقالَ: «اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ واجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ»، فَأصابَهُمُ الجَهْدُ حَتّى أكَلُوا الجِيَفَ، والعِلْهِزُ. والعِلْهِزُ: الصُّوفُ يَقَعُ فِيهِ القُرادُ فَيُشْوى الصُّوفُ بِدَمِ القُرادِ ويُؤْكَلُ. وفِيهِ أيْضًا: حَتّى أكَلُوا العِظامَ. وكانَ الرَّجُلُ يَرى بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ الدُّخانَ، وكانَ يُحَدَّثُ الرَّجُلُ فَيَسْمَعُ الكَلامَ ولا يَرى المُحَدِّثَ مِنَ الدُّخانِ. فَمَشى إلَيْهِ أبُو سُفْيانَ ونَفَرٌ مَعَهُ، وناشَدَهُ اللَّهَ والرَّحِمَ، وواعَدُوهُ، إنْ دَعا لَهم وكَشَفَ عَنْهم، أنْ يُؤْمِنُوا. فَلَمّا كَشَفَ عَنْهم، رَجَعُوا إلى شِرْكِهِمْ. وفِيهِ: فَرَحِمَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ، وبَعَثَ إلَيْهِمْ بِصَدَقَةٍ ومالٍ. وفِيهِ: فَلَمّا أصابَتْهُمُ الرَّفاهِيَةُ عادُوا إلى حالِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾، قالَ: يَعْنِي يَوْمَ بَدْرٍ. وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ: الدُّخانُ، واللِّزامُ، والبَطْشَةُ، والقَمَرُ، والرُّومُ. وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الأعْرَجُ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ﴾، هو يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ، لَمّا حَجَبَتِ السَّماءَ الغَبَرَةُ. وفي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ: أوَّلُ الآياتِ خُرُوجُ الدَّجّالِ، والدُّخانُ، ونُزُولُ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، ونارٌ تَخْرُجُ مِن قَعْرِ عَدَنَ، وفِيهِ قُلْتُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، وما الدُّخانُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ ؟ وذَكَرَ بَقِيَّةَ الحَدِيثِ، واخْتَصَرْناهُ بِدُخانٍ مُبِينٍ، أيْ ظاهِرٍ. لا شَكَّ أنَّهُ دُخانٌ ﴿يَغْشى النّاسَ﴾: يَشْمَلُهم. فَإنْ كانَ هو الَّذِي رَأتْهُ قُرَيْشٌ، فالنّاسُ خاصٌّ بِالكُفّارِ مِن أهْلِ مَكَّةَ، وقَدْ مَضى كَما قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وإنْ كانَ مِن أشْراطِ السّاعَةِ، أوْ يَوْمَ القِيامَةِ، فالنّاسُ عامٌّ فِيمَن أدْرَكَهُ وقْتُ الأشْراطِ، وعامٌّ بِالنّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ. (هَذا عَذابٌ) إلى (مُؤْمِنُونَ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلِ القَوْلِ مَحْذُوفًا، وهو في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ يَقُولُونَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنَ اللَّهِ، كَأنَّهُ تَعَجُّبٌ مِنهُ، كَما قالَ في قِصَّةِ الذَّبِيحِ: ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ [الصافات: ١٠٦] .
﴿إنّا مُؤْمِنُونَ﴾: وعْدٌ بِالإيمانِ إنْ كَشَفَ عَنْهُمُ العَذابَ، والإيمانُ واجِبٌ كُشِفَ العَذابُ أوْ لَمْ يُكْشَفْ.
﴿أنّى لَهُمُ الذِّكْرى﴾: أيْ كَيْفَ يَذَّكَّرُونَ ويَتَّعِظُونَ ويَقُولُونَ بِما وعَدُوهُ مِنَ الإيمانِ عِنْدَ كَشْفِ العَذابِ، وقَدْ جاءَهم ما هو أعْظَمُ ؟ وأُدْخِلَ في بابِ ”الِادِّكارِ مِن كَشْفِ الدُّخانِ“ ؟ وهو ما ظَهَرَ عَلى يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الآياتِ والبَيِّناتِ، مِنَ الكِتابِ المُعْجِزِ وغَيْرِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ، فَلَمْ يَذَّكَّرُوا، وتَوَلَّوْا عَنْهُ وبَهَتُوهُ بِأنَّ عَدّاسًا غُلامًا أعْجَمِيًّا لِبَعْضِ ثَقِيفٍ هو الَّذِي عَلَّمَهُ، ونَسَبُوهُ إلى الجُنُونِ. وقَرَأ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ: مُعَلِّمٌ، بِكَسْرِ اللّامِ.
﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا﴾: إخْبارٌ عَنْ إقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، ومُبالَغَةٌ في الإمْلاءِ لَهم. ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهم عائِدُونَ إلى الكُفْرِ. وقالَ قَتادَةُ: هو تَوَعُّدٌ بِمَعادِ الآخِرَةِ: وإنْ كانَ الخِطابُ لِقُرَيْشٍ حِينَ حَلَّ بِهِمُ الجَدْبُ، كانَ ظاهِرًا، وإنْ كانَ الدُّخانُ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ، فَإذا أتَتِ السَّماءُ بِالعَذابِ، تَضَرَّعَ مُنافِقُوهم وكافِرُوهم وقالُوا: رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ، إنّا مُؤْمِنُونَ. فَيَكْشِفُ عَنْهم، قِيلَ: بَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا، فَحِينَ (p-٣٥)يَكْشِفُهُ عَنْهم يَرْتَدُّونَ. ويَوْمُ البَطْشَةِ الكُبْرى عَلى هَذا هو يَوْمُ القِيامَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَإذا جاءَتِ الطّامَّةُ الكُبْرى﴾ [النازعات: ٣٤] . وكَوْنُهُ يَوْمَ القِيامَةِ، هو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ. وكَوْنُهُ يَوْمَ بَدْرٍ، هو قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ وأُبَيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ. وانْتَصَبَ يَوْمَ نَبْطِشُ، قِيلَ: بِذِكْراهم، وقِيلَ: بِـ نَنْتَقِمُ الدّالِّ عَلَيْهِ ”مُنْتَقِمُونَ“، وضَعُفَ بِأنَّهُ لا نَصْبَ إلّا بِالفِعْلِ، وقِيلَ: بِـ ”مُنْتَقِمُونَ“ . ورُدَّ بِأنَّ ما بَعْدَ إنَّ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: نَبْطِشُ، بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ الطّاءِ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ: بِضَمِّها، والحَسَنُ أيْضًا، وأبُو رَجاءٍ، وطَلْحَةُ: بِضَمِّ النُّونِ وكَسْرِ الطّاءِ، بِمَعْنى: نُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ مَن يَبْطِشُ بِهِمْ. و”البَطْشَةَ“ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ لَيْسَ مَنصُوبًا بِـ نَبْطِشُ، بَلْ بِمُقَدَّرٍ، أيْ نَبْطِشُ ذَلِكَ المُسَلِّطَ البَطْشَةَ، أوْ يَكُونُ ”البَطْشَةَ“ في مَعْنى الإبْطاشَةِ، فَيَنْتَصِبُ بِـ نَبْطِشُ.
﴿ولَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾: هَذا كالمِثالِ لِقُرَيْشٍ، ذُكِرَتْ قِصَّةُ مَن أُرْسِلَ إلَيْهِمْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَكَذَّبُوهُ، فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ. وقُرِئَ: فَتَّنّا، بِتَشْدِيدِ التّاءِ، لِلْمُبالَغَةِ في الفِعْلِ، أوِ التَّكْثِيرِ مُتَعَلِّقَةً ﴿وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾: أيْ كِرِيمٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ المُؤْمِنِينَ، قالَهُ الفَرّاءُ، أوْ كَرِيمٌ في نَفْسِهِ، لِأنَّ الأنْبِياءَ إنَّما يُبْعَثُونَ مِن سَرَواتِ النّاسِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ، أوْ كِرِيمٌ حَسَنُ الخُلُقِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أنْ تَفْسِيرِيَّةً، لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ما يَدُلُّ عَلى مَعْنى القَوْلِ، وهو رَسُولٌ كَرِيمٌ، وأنْ تَكُونَ أنْ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ أوِ النّاصِبَةِ لِلْمُضارِعِ، فَإنَّها تُوصَلُ بِالأمْرِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أنْ أدُّوا إلَيَّ الطّاعَةَ يا عِبادَ اللَّهِ: أيِ اتَّبِعُونِي عَلى ما أدْعُوكم إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ. وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: طَلَبَ مِنهم أنْ يُؤَدُّوا إلَيْهِ بَنِي إسْرائِيلَ، كَما قالَ: ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧] . فَعَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ: عِبادَ اللَّهِ: مُنادًى، ومَفْعُولُ أدُّوا مَحْذُوفٌ، وعَلى قَوْلِ مُجاهِدٍ ومَن ذُكِرَ مَعَهُ: عِبادَ اللَّهِ: مَفْعُولُ أدُّوا.
﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾: أيْ غَيْرُ مُتَّهَمٍ، قَدِ ائْتَمَنَنِي اللَّهُ عَلى وحْيِهِ ورِسالَتِهِ.
﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ﴾: أيْ لا تَسْتَكْبِرُوا عَلى عِبادَةِ اللَّهِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لا تَعْظُمُوا عَلى اللَّهِ. قِيلَ: والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ التَّعْظِيمَ تَطاوُلُ المُقْتَدِرِ والِاسْتِكْبارَ تَرَفُّعُ المُحْتَقَرِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ، وأنْ هُنا كانَ السّابِقُ في أوْجُهِها الثَّلاثَةَ.
﴿إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾: أيْ بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ في نَفْسِها ومُوَضِّحَةٍ صِدْقَ دَعْوايَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: إنِّي، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، عَلى سَبِيلِ الإخْبارِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. والمَعْنى: لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ مِن أجْلِ أنِّي آتِيكم، فَهَذا تَوْبِيخٌ لَهم، كَما تَقُولُ: أتَغْضَبُ إنْ قالَ لَكَ الحَقَّ ؟ ﴿وإنِّي عُذْتُ﴾: أيِ اسْتَجَرْتُ ﴿بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾: كانُوا قَدْ تَوَعَّدُوهُ بِالقَتْلِ، فاسْتَعاذَ مِن ذَلِكَ. وقُرِئَ: عُدْتُ، بِالإدْغامِ. قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: الرَّجْمُ هُنا بِالحِجارَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو صالِحٍ: بِالشَّتْمِ، وقَوْلُ قَتادَةَ أظْهَرُ، لِأنَّهُ قَدْ وقَعَ مِنهم في حَقِّهِ ألْفاظٌ لا تُناسِبُ، وهَذِهِ المَعاذَةُ كانَتْ قَبْلَ أنْ يُخْبِرَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما﴾ [القصص: ٣٥] .
﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي﴾ أيْ تُصَدِّقُوا ﴿فاعْتَزِلُونِ﴾ أيْ كُونُوا بِمَعْزَلٍ وهَذِهِ مُشارَكَةٌ حَسَنَةٌ، ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠]، ﴿أنَّ هَؤُلاءِ﴾: لَفْظُ تَحْقِيرٍ لَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أنَّ هَؤُلاءِ، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، أيْ بِأنَّ هَؤُلاءِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى، والحَسَنُ في رِوايَةٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِكَسْرِها.
﴿فَأسْرِ بِعِبادِي﴾: في الكَلامِ حَذْفٌ، أيْ فانْتَقِمْ مِنهم، فَقالَ لَهُ اللَّهُ: أسْرِ بِعِبادِي، وهم بَنُو إسْرائِيلَ ومَن آمَنَ بِهِ مِنَ القِبْطِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِيهِ وجْهانِ: إضْمارُ القَوْلِ بَعْدَ الفاءِ، فَقالَ: أسْرِ بِعِبادِي، وأنْ يَكُونَ جَوابًا لِشَرْطٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: قالَ إنْ كانَ الأمْرُ كَما تَقُولُ، فَأسْرِ بِعِبادِي. انْتَهى. وكَثِيرًا ما يُجِيزُ هَذا الرَّجُلُ حَذْفَ الشَّرْطِ وإبْقاءَ جَوابِهِ، وهو لا يَجُوزُ إلّا لِدَلِيلٍ واضِحٍ، كَأنْ يَتَقَدَّمُهُ الأمْرُ وما أشْبَهَهُ مِمّا ذُكِرَ في النَّحْوِ، عَلى خِلافٍ في ذَلِكَ.
﴿إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾: أيْ يَتَّبِعُكم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ، فَتَنْجُونَ ويَغْرَقُ المُتَّبَعُونَ.
﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا﴾: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ساكِنًا كَما أجْراهُ. وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ: يَبَسًا مِن قَوْلِهِ: ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا﴾ [طه: ٧٧] . وقالَ الضَّحّاكُ: دَمِثًا لَيِّنًا. (p-٣٦)وقالَ عِكْرِمَةُ: جُدُدًا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: سَهْلًا. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: مُنْفَرِدًا. قالَ قَتادَةُ: أرادَ مُوسى أنْ يَضْرِبَ البَحْرَ بِعَصاهُ، لَمّا قَطَعَهُ، حَتّى يَلْتَئِمَ، وخافَ أنْ يَتْبَعَهُ فِرْعَوْنُ، فَقِيلَ: لِمَهْ هَذا ؟ ﴿إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾: أيْ فِيهِ، لِأنَّهم إذا رَأوْهُ ساكِنًا عَلى حالَتِهِ حِينَ دَخَلَ فِيهِ مُوسى وبَنُو إسْرائِيلَ، أوْ مَفْتُوحًا طَرِيقًا يَبَسًا، دَخَلُوا فِيهِ، فَيُطْبِقُهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
﴿كَمْ تَرَكُوا﴾: أيْ كَثِيرًا تَرَكُوا.
﴿مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾: تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُما في الشُّعَراءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ومَقامٍ)، بِفَتْحِ المِيمِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: أرادَ المَقامَ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ، وقَتادَةُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، ونافِعٌ: في رِوايَةٍ خارِجَةٍ بِضَمِّها. قالَ قَتادَةُ: أرادَ المَواضِعَ الحِسانَ مِنَ المَجالِسِ والمَساكِنِ وغَيْرِها. (ونَعْمَةٍ)، بِفَتْحِ النُّونِ: نَضارَةُ العَيْشِ ولَذاذَةُ الحَياةِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: (ونَعْمَةٍ)، بِالنَّصْبِ، عَطْفًا عَلى كَمْ ﴿كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ: بِألِفٍ، أيْ طَيِّبِيِ الأنْفُسِ وأصْحابِ فاكِهَةٍ، كَلابِنٍ، وتامِرٍ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ: بِغَيْرِ ألِفٍ. والفَكِهُ يُسْتَعْمَلُ كَثِيرًا في المُسْتَخِفِّ المُسْتَهْزِئِ، فَكَأنَّهم كانُوا مُسْتَخِفِّينَ بِشَكْلِ النِّعْمَةِ الَّتِي كانُوا فِيها. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: فَكِهَ الرَّجُلُ، بِالكَسْرِ، فَهو فَكِهٌ إذا كانَ مَزّاحًا، والفَكِهُ أيْضًا الأشِرُ. وقالَ القُشَيْرِيُّ: فاكِهِينَ: لاهِينَ كَذَلِكَ. وقالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: الأمْرُ كَذَلِكَ، فَيُوقَفُ عَلى كَذَلِكَ، والكافُ في مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقِيلَ: الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ يَفْعَلُ فِعْلًا كَذَلِكَ، لِمَن يُرِيدُ إهْلاكَهُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: كَذَلِكَ أفْعَلُ بِمَن عَصانِي. وقالَ الحَوْفِيُّ: أهْلَكْنا إهْلاكًا، وانْتَقَمْنا انْتِقامًا كَذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الكافُ مَنصُوبَةٌ عَلى مَعْنى: مِثْلَ ذَلِكَ الإخْراجِ أخْرَجْناهم مِنها، ﴿وأوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ لَيْسُوا مِنهم، وهم بَنُو إسْرائِيلَ. كانُوا مُسْتَعْبَدِينَ في يَدِ القِبْطِ، فَأهْلَكَ اللَّهُ تَعالى القِبْطَ عَلى أيْدِيهِمْ وأوْرَثَهم مُلْكَهم. وقالَ قَتادَةُ، وقالَ الحَسَنُ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ رَجَعُوا إلى مِصْرَ بَعْدَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ، وضُعِّفَ قَوْلُ قَتادَةَ بِأنَّهُ لَمْ يُرْوَ في مَشْهُورِ التَّوارِيخِ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ رَجَعُوا إلى مِصْرَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ الزَّمانِ، ولا مَلَكُوها قَطُّ، إلّا أنْ يُرِيدَ قَتادَةُ أنَّهم ورِثُوا نَوْعَها في بِلادِ الشَّأْمِ. انْتَهى. ولا اعْتِبارَ بِالتَّوارِيخِ، فالكَذِبُ فِيها كَثِيرٌ، وكَلامُ اللَّهِ صِدْقٌ. قالَ تَعالى في سُورَةِ الشُّعَراءِ: ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٩] وقِيلَ: قَوْمًا آخَرِينَ مِمَّنْ مَلَكَ مِصْرَ بَعْدَ القِبْطِ مِن غَيْرِ بَنِي إسْرائِيلَ.
﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ﴾: اسْتِعارَةٌ لِتَحْقِيرِ أمْرِهِمْ، وأنَّهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ هَلاكِهِمْ شَيْءٌ. ويُقالُ في التَّعْظِيمِ: بَكَتْ عَلَيْهِ السَّماءُ والأرْضُ، وبَكَتْهُ الرِّيحُ، وأظْلَمَتْ لَهُ الشَّمْسُ. وقالَ زَيْدُ بْنُ مُفَرِّغٍ:
؎الرِّيحُ تَبْكِي شَجْوَهُ والبَرْقُ يَلْمَعُ في غَمامِهِ
وقالَ جَرِيرٌ:
؎فالشَّمْسُ طالِعَةٌ لَيْسَتْ بِكاسِفَةٍ ∗∗∗ تَبْكِي عَلَيْكَ نُجُومُ اللَّيْلِ والقَمَرُ
وقالَ النّابِغَةُ:
؎بَكى حارِثُ الجَوْلانِ مِن فَقْدِ رَبِّهِ ∗∗∗ وحَوْرانُ مِنهُ خاشِعٌ مُتَضائِلُ
وقالَ جَرِيرٌ:
؎لَمّا أتى الزَّهْوُ تَواضَعَتْ ∗∗∗ سُورُ المَدِينَةِ والجِبالُ الخُشَّعُ
ويَقُولُ في التَّحْقِيرِ: ماتَ فُلانٌ، فَما خَشَعَتِ الجِبالُ. ونِسْبَةُ هَذِهِ الأشْياءِ لِما لا يَعْقِلُ ولا يَصِيرُ ذَلِكَ مِنهُ حَقِيقَةً، عِبارَةٌ عَنْ تَأثُّرِ النّاسِ لَهُ، أوْ عَنْ عَدَمِهِ. وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: فَما بَكى عَلَيْهِمْ أهْلُ السَّماءِ وأهْلُ المَلائِكَةِ وأهْلُ الأرْضِ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ، بَلْ كانُوا بِهَلاكِهِمْ مَسْرُورِينَ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ. وما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ: إنَّ المُؤْمِنَ إذا ماتَ، بَكى عَلَيْهِ مِنَ (p-٣٧)الأرْضِ مَوْضِعُ عِبادَتِهِ أرْبَعِينَ صَباحًا، وبَكى عَلَيْهِ في السَّماءِ مَوْضِعُ صُعُودِ عَمَلِهِ. قالُوا: فَلَمْ يَكُنْ في قَوْمِ فِرْعَوْنَ مَن هَذِهِ حالُهُ تَمْثِيلٌ.
﴿وما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾: أيْ مُؤَخَّرِينَ عَنِ العَذابِ لَمّا حانَ وقْتُ هَلاكِهِمْ، بَلْ عَجَّلَ اللَّهُ لَهم ذَلِكَ في الدُّنْيا.
الدخان 44:14
﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ . قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدٌ الخُدْرِيُّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والحَسَنُ: هو دُخانٌ يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ، يُصِيبُ المُؤْمِنَ مِنهُ مِثْلُ الزُّكامِ، ويُنْضِجُ رُءُوسَ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ، حَتّى تَكُونَ مِصْلَقَةٌ حَنِيذَةٌ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو العالِيَةِ، والنَّخَعِيُّ: هو الدُّخانُ الَّذِي رَأتْهُ قُرَيْشٌ. قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ: إنَّ قاصًّا عِنْدَ أبْوابِ كِنْدَةَ يَقُولُ إنَّهُ دُخانٌ يَأْتِي يَوْمَ القِيامَةِ، فَيَأْخُذُ أنْفاسَ النّاسِ، فَقالَ: مَن عَلِمَ عِلْمًا فَلْيَقُلْ بِهِ، ومَن لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلْ: اللَّهُ أعْلَمُ. ألا وسَأُحَدِّثُكم أنَّ قُرَيْشًا لَمّا اسْتَعْصَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، دَعا عَلَيْهِمْ فَقالَ: «اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ واجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ»، فَأصابَهُمُ الجَهْدُ حَتّى أكَلُوا الجِيَفَ، والعِلْهِزُ. والعِلْهِزُ: الصُّوفُ يَقَعُ فِيهِ القُرادُ فَيُشْوى الصُّوفُ بِدَمِ القُرادِ ويُؤْكَلُ. وفِيهِ أيْضًا: حَتّى أكَلُوا العِظامَ. وكانَ الرَّجُلُ يَرى بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ الدُّخانَ، وكانَ يُحَدَّثُ الرَّجُلُ فَيَسْمَعُ الكَلامَ ولا يَرى المُحَدِّثَ مِنَ الدُّخانِ. فَمَشى إلَيْهِ أبُو سُفْيانَ ونَفَرٌ مَعَهُ، وناشَدَهُ اللَّهَ والرَّحِمَ، وواعَدُوهُ، إنْ دَعا لَهم وكَشَفَ عَنْهم، أنْ يُؤْمِنُوا. فَلَمّا كَشَفَ عَنْهم، رَجَعُوا إلى شِرْكِهِمْ. وفِيهِ: فَرَحِمَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ، وبَعَثَ إلَيْهِمْ بِصَدَقَةٍ ومالٍ. وفِيهِ: فَلَمّا أصابَتْهُمُ الرَّفاهِيَةُ عادُوا إلى حالِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾، قالَ: يَعْنِي يَوْمَ بَدْرٍ. وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ: الدُّخانُ، واللِّزامُ، والبَطْشَةُ، والقَمَرُ، والرُّومُ. وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الأعْرَجُ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ﴾، هو يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ، لَمّا حَجَبَتِ السَّماءَ الغَبَرَةُ. وفي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ: أوَّلُ الآياتِ خُرُوجُ الدَّجّالِ، والدُّخانُ، ونُزُولُ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، ونارٌ تَخْرُجُ مِن قَعْرِ عَدَنَ، وفِيهِ قُلْتُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، وما الدُّخانُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ ؟ وذَكَرَ بَقِيَّةَ الحَدِيثِ، واخْتَصَرْناهُ بِدُخانٍ مُبِينٍ، أيْ ظاهِرٍ. لا شَكَّ أنَّهُ دُخانٌ ﴿يَغْشى النّاسَ﴾: يَشْمَلُهم. فَإنْ كانَ هو الَّذِي رَأتْهُ قُرَيْشٌ، فالنّاسُ خاصٌّ بِالكُفّارِ مِن أهْلِ مَكَّةَ، وقَدْ مَضى كَما قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وإنْ كانَ مِن أشْراطِ السّاعَةِ، أوْ يَوْمَ القِيامَةِ، فالنّاسُ عامٌّ فِيمَن أدْرَكَهُ وقْتُ الأشْراطِ، وعامٌّ بِالنّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ. (هَذا عَذابٌ) إلى (مُؤْمِنُونَ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلِ القَوْلِ مَحْذُوفًا، وهو في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ يَقُولُونَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنَ اللَّهِ، كَأنَّهُ تَعَجُّبٌ مِنهُ، كَما قالَ في قِصَّةِ الذَّبِيحِ: ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ [الصافات: ١٠٦] .
﴿إنّا مُؤْمِنُونَ﴾: وعْدٌ بِالإيمانِ إنْ كَشَفَ عَنْهُمُ العَذابَ، والإيمانُ واجِبٌ كُشِفَ العَذابُ أوْ لَمْ يُكْشَفْ.
﴿أنّى لَهُمُ الذِّكْرى﴾: أيْ كَيْفَ يَذَّكَّرُونَ ويَتَّعِظُونَ ويَقُولُونَ بِما وعَدُوهُ مِنَ الإيمانِ عِنْدَ كَشْفِ العَذابِ، وقَدْ جاءَهم ما هو أعْظَمُ ؟ وأُدْخِلَ في بابِ ”الِادِّكارِ مِن كَشْفِ الدُّخانِ“ ؟ وهو ما ظَهَرَ عَلى يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الآياتِ والبَيِّناتِ، مِنَ الكِتابِ المُعْجِزِ وغَيْرِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ، فَلَمْ يَذَّكَّرُوا، وتَوَلَّوْا عَنْهُ وبَهَتُوهُ بِأنَّ عَدّاسًا غُلامًا أعْجَمِيًّا لِبَعْضِ ثَقِيفٍ هو الَّذِي عَلَّمَهُ، ونَسَبُوهُ إلى الجُنُونِ. وقَرَأ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ: مُعَلِّمٌ، بِكَسْرِ اللّامِ.
﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا﴾: إخْبارٌ عَنْ إقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، ومُبالَغَةٌ في الإمْلاءِ لَهم. ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهم عائِدُونَ إلى الكُفْرِ. وقالَ قَتادَةُ: هو تَوَعُّدٌ بِمَعادِ الآخِرَةِ: وإنْ كانَ الخِطابُ لِقُرَيْشٍ حِينَ حَلَّ بِهِمُ الجَدْبُ، كانَ ظاهِرًا، وإنْ كانَ الدُّخانُ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ، فَإذا أتَتِ السَّماءُ بِالعَذابِ، تَضَرَّعَ مُنافِقُوهم وكافِرُوهم وقالُوا: رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ، إنّا مُؤْمِنُونَ. فَيَكْشِفُ عَنْهم، قِيلَ: بَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا، فَحِينَ (p-٣٥)يَكْشِفُهُ عَنْهم يَرْتَدُّونَ. ويَوْمُ البَطْشَةِ الكُبْرى عَلى هَذا هو يَوْمُ القِيامَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَإذا جاءَتِ الطّامَّةُ الكُبْرى﴾ [النازعات: ٣٤] . وكَوْنُهُ يَوْمَ القِيامَةِ، هو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ. وكَوْنُهُ يَوْمَ بَدْرٍ، هو قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ وأُبَيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ. وانْتَصَبَ يَوْمَ نَبْطِشُ، قِيلَ: بِذِكْراهم، وقِيلَ: بِـ نَنْتَقِمُ الدّالِّ عَلَيْهِ ”مُنْتَقِمُونَ“، وضَعُفَ بِأنَّهُ لا نَصْبَ إلّا بِالفِعْلِ، وقِيلَ: بِـ ”مُنْتَقِمُونَ“ . ورُدَّ بِأنَّ ما بَعْدَ إنَّ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: نَبْطِشُ، بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ الطّاءِ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ: بِضَمِّها، والحَسَنُ أيْضًا، وأبُو رَجاءٍ، وطَلْحَةُ: بِضَمِّ النُّونِ وكَسْرِ الطّاءِ، بِمَعْنى: نُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ مَن يَبْطِشُ بِهِمْ. و”البَطْشَةَ“ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ لَيْسَ مَنصُوبًا بِـ نَبْطِشُ، بَلْ بِمُقَدَّرٍ، أيْ نَبْطِشُ ذَلِكَ المُسَلِّطَ البَطْشَةَ، أوْ يَكُونُ ”البَطْشَةَ“ في مَعْنى الإبْطاشَةِ، فَيَنْتَصِبُ بِـ نَبْطِشُ.
﴿ولَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾: هَذا كالمِثالِ لِقُرَيْشٍ، ذُكِرَتْ قِصَّةُ مَن أُرْسِلَ إلَيْهِمْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَكَذَّبُوهُ، فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ. وقُرِئَ: فَتَّنّا، بِتَشْدِيدِ التّاءِ، لِلْمُبالَغَةِ في الفِعْلِ، أوِ التَّكْثِيرِ مُتَعَلِّقَةً ﴿وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾: أيْ كِرِيمٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ المُؤْمِنِينَ، قالَهُ الفَرّاءُ، أوْ كَرِيمٌ في نَفْسِهِ، لِأنَّ الأنْبِياءَ إنَّما يُبْعَثُونَ مِن سَرَواتِ النّاسِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ، أوْ كِرِيمٌ حَسَنُ الخُلُقِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أنْ تَفْسِيرِيَّةً، لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ما يَدُلُّ عَلى مَعْنى القَوْلِ، وهو رَسُولٌ كَرِيمٌ، وأنْ تَكُونَ أنْ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ أوِ النّاصِبَةِ لِلْمُضارِعِ، فَإنَّها تُوصَلُ بِالأمْرِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أنْ أدُّوا إلَيَّ الطّاعَةَ يا عِبادَ اللَّهِ: أيِ اتَّبِعُونِي عَلى ما أدْعُوكم إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ. وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: طَلَبَ مِنهم أنْ يُؤَدُّوا إلَيْهِ بَنِي إسْرائِيلَ، كَما قالَ: ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧] . فَعَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ: عِبادَ اللَّهِ: مُنادًى، ومَفْعُولُ أدُّوا مَحْذُوفٌ، وعَلى قَوْلِ مُجاهِدٍ ومَن ذُكِرَ مَعَهُ: عِبادَ اللَّهِ: مَفْعُولُ أدُّوا.
﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾: أيْ غَيْرُ مُتَّهَمٍ، قَدِ ائْتَمَنَنِي اللَّهُ عَلى وحْيِهِ ورِسالَتِهِ.
﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ﴾: أيْ لا تَسْتَكْبِرُوا عَلى عِبادَةِ اللَّهِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لا تَعْظُمُوا عَلى اللَّهِ. قِيلَ: والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ التَّعْظِيمَ تَطاوُلُ المُقْتَدِرِ والِاسْتِكْبارَ تَرَفُّعُ المُحْتَقَرِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ، وأنْ هُنا كانَ السّابِقُ في أوْجُهِها الثَّلاثَةَ.
﴿إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾: أيْ بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ في نَفْسِها ومُوَضِّحَةٍ صِدْقَ دَعْوايَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: إنِّي، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، عَلى سَبِيلِ الإخْبارِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. والمَعْنى: لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ مِن أجْلِ أنِّي آتِيكم، فَهَذا تَوْبِيخٌ لَهم، كَما تَقُولُ: أتَغْضَبُ إنْ قالَ لَكَ الحَقَّ ؟ ﴿وإنِّي عُذْتُ﴾: أيِ اسْتَجَرْتُ ﴿بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾: كانُوا قَدْ تَوَعَّدُوهُ بِالقَتْلِ، فاسْتَعاذَ مِن ذَلِكَ. وقُرِئَ: عُدْتُ، بِالإدْغامِ. قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: الرَّجْمُ هُنا بِالحِجارَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو صالِحٍ: بِالشَّتْمِ، وقَوْلُ قَتادَةَ أظْهَرُ، لِأنَّهُ قَدْ وقَعَ مِنهم في حَقِّهِ ألْفاظٌ لا تُناسِبُ، وهَذِهِ المَعاذَةُ كانَتْ قَبْلَ أنْ يُخْبِرَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما﴾ [القصص: ٣٥] .
﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي﴾ أيْ تُصَدِّقُوا ﴿فاعْتَزِلُونِ﴾ أيْ كُونُوا بِمَعْزَلٍ وهَذِهِ مُشارَكَةٌ حَسَنَةٌ، ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠]، ﴿أنَّ هَؤُلاءِ﴾: لَفْظُ تَحْقِيرٍ لَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أنَّ هَؤُلاءِ، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، أيْ بِأنَّ هَؤُلاءِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى، والحَسَنُ في رِوايَةٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِكَسْرِها.
﴿فَأسْرِ بِعِبادِي﴾: في الكَلامِ حَذْفٌ، أيْ فانْتَقِمْ مِنهم، فَقالَ لَهُ اللَّهُ: أسْرِ بِعِبادِي، وهم بَنُو إسْرائِيلَ ومَن آمَنَ بِهِ مِنَ القِبْطِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِيهِ وجْهانِ: إضْمارُ القَوْلِ بَعْدَ الفاءِ، فَقالَ: أسْرِ بِعِبادِي، وأنْ يَكُونَ جَوابًا لِشَرْطٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: قالَ إنْ كانَ الأمْرُ كَما تَقُولُ، فَأسْرِ بِعِبادِي. انْتَهى. وكَثِيرًا ما يُجِيزُ هَذا الرَّجُلُ حَذْفَ الشَّرْطِ وإبْقاءَ جَوابِهِ، وهو لا يَجُوزُ إلّا لِدَلِيلٍ واضِحٍ، كَأنْ يَتَقَدَّمُهُ الأمْرُ وما أشْبَهَهُ مِمّا ذُكِرَ في النَّحْوِ، عَلى خِلافٍ في ذَلِكَ.
﴿إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾: أيْ يَتَّبِعُكم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ، فَتَنْجُونَ ويَغْرَقُ المُتَّبَعُونَ.
﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا﴾: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ساكِنًا كَما أجْراهُ. وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ: يَبَسًا مِن قَوْلِهِ: ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا﴾ [طه: ٧٧] . وقالَ الضَّحّاكُ: دَمِثًا لَيِّنًا. (p-٣٦)وقالَ عِكْرِمَةُ: جُدُدًا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: سَهْلًا. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: مُنْفَرِدًا. قالَ قَتادَةُ: أرادَ مُوسى أنْ يَضْرِبَ البَحْرَ بِعَصاهُ، لَمّا قَطَعَهُ، حَتّى يَلْتَئِمَ، وخافَ أنْ يَتْبَعَهُ فِرْعَوْنُ، فَقِيلَ: لِمَهْ هَذا ؟ ﴿إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾: أيْ فِيهِ، لِأنَّهم إذا رَأوْهُ ساكِنًا عَلى حالَتِهِ حِينَ دَخَلَ فِيهِ مُوسى وبَنُو إسْرائِيلَ، أوْ مَفْتُوحًا طَرِيقًا يَبَسًا، دَخَلُوا فِيهِ، فَيُطْبِقُهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
﴿كَمْ تَرَكُوا﴾: أيْ كَثِيرًا تَرَكُوا.
﴿مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾: تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُما في الشُّعَراءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ومَقامٍ)، بِفَتْحِ المِيمِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: أرادَ المَقامَ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ، وقَتادَةُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، ونافِعٌ: في رِوايَةٍ خارِجَةٍ بِضَمِّها. قالَ قَتادَةُ: أرادَ المَواضِعَ الحِسانَ مِنَ المَجالِسِ والمَساكِنِ وغَيْرِها. (ونَعْمَةٍ)، بِفَتْحِ النُّونِ: نَضارَةُ العَيْشِ ولَذاذَةُ الحَياةِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: (ونَعْمَةٍ)، بِالنَّصْبِ، عَطْفًا عَلى كَمْ ﴿كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ: بِألِفٍ، أيْ طَيِّبِيِ الأنْفُسِ وأصْحابِ فاكِهَةٍ، كَلابِنٍ، وتامِرٍ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ: بِغَيْرِ ألِفٍ. والفَكِهُ يُسْتَعْمَلُ كَثِيرًا في المُسْتَخِفِّ المُسْتَهْزِئِ، فَكَأنَّهم كانُوا مُسْتَخِفِّينَ بِشَكْلِ النِّعْمَةِ الَّتِي كانُوا فِيها. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: فَكِهَ الرَّجُلُ، بِالكَسْرِ، فَهو فَكِهٌ إذا كانَ مَزّاحًا، والفَكِهُ أيْضًا الأشِرُ. وقالَ القُشَيْرِيُّ: فاكِهِينَ: لاهِينَ كَذَلِكَ. وقالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: الأمْرُ كَذَلِكَ، فَيُوقَفُ عَلى كَذَلِكَ، والكافُ في مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقِيلَ: الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ يَفْعَلُ فِعْلًا كَذَلِكَ، لِمَن يُرِيدُ إهْلاكَهُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: كَذَلِكَ أفْعَلُ بِمَن عَصانِي. وقالَ الحَوْفِيُّ: أهْلَكْنا إهْلاكًا، وانْتَقَمْنا انْتِقامًا كَذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الكافُ مَنصُوبَةٌ عَلى مَعْنى: مِثْلَ ذَلِكَ الإخْراجِ أخْرَجْناهم مِنها، ﴿وأوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ لَيْسُوا مِنهم، وهم بَنُو إسْرائِيلَ. كانُوا مُسْتَعْبَدِينَ في يَدِ القِبْطِ، فَأهْلَكَ اللَّهُ تَعالى القِبْطَ عَلى أيْدِيهِمْ وأوْرَثَهم مُلْكَهم. وقالَ قَتادَةُ، وقالَ الحَسَنُ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ رَجَعُوا إلى مِصْرَ بَعْدَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ، وضُعِّفَ قَوْلُ قَتادَةَ بِأنَّهُ لَمْ يُرْوَ في مَشْهُورِ التَّوارِيخِ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ رَجَعُوا إلى مِصْرَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ الزَّمانِ، ولا مَلَكُوها قَطُّ، إلّا أنْ يُرِيدَ قَتادَةُ أنَّهم ورِثُوا نَوْعَها في بِلادِ الشَّأْمِ. انْتَهى. ولا اعْتِبارَ بِالتَّوارِيخِ، فالكَذِبُ فِيها كَثِيرٌ، وكَلامُ اللَّهِ صِدْقٌ. قالَ تَعالى في سُورَةِ الشُّعَراءِ: ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٩] وقِيلَ: قَوْمًا آخَرِينَ مِمَّنْ مَلَكَ مِصْرَ بَعْدَ القِبْطِ مِن غَيْرِ بَنِي إسْرائِيلَ.
﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ﴾: اسْتِعارَةٌ لِتَحْقِيرِ أمْرِهِمْ، وأنَّهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ هَلاكِهِمْ شَيْءٌ. ويُقالُ في التَّعْظِيمِ: بَكَتْ عَلَيْهِ السَّماءُ والأرْضُ، وبَكَتْهُ الرِّيحُ، وأظْلَمَتْ لَهُ الشَّمْسُ. وقالَ زَيْدُ بْنُ مُفَرِّغٍ:
؎الرِّيحُ تَبْكِي شَجْوَهُ والبَرْقُ يَلْمَعُ في غَمامِهِ
وقالَ جَرِيرٌ:
؎فالشَّمْسُ طالِعَةٌ لَيْسَتْ بِكاسِفَةٍ ∗∗∗ تَبْكِي عَلَيْكَ نُجُومُ اللَّيْلِ والقَمَرُ
وقالَ النّابِغَةُ:
؎بَكى حارِثُ الجَوْلانِ مِن فَقْدِ رَبِّهِ ∗∗∗ وحَوْرانُ مِنهُ خاشِعٌ مُتَضائِلُ
وقالَ جَرِيرٌ:
؎لَمّا أتى الزَّهْوُ تَواضَعَتْ ∗∗∗ سُورُ المَدِينَةِ والجِبالُ الخُشَّعُ
ويَقُولُ في التَّحْقِيرِ: ماتَ فُلانٌ، فَما خَشَعَتِ الجِبالُ. ونِسْبَةُ هَذِهِ الأشْياءِ لِما لا يَعْقِلُ ولا يَصِيرُ ذَلِكَ مِنهُ حَقِيقَةً، عِبارَةٌ عَنْ تَأثُّرِ النّاسِ لَهُ، أوْ عَنْ عَدَمِهِ. وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: فَما بَكى عَلَيْهِمْ أهْلُ السَّماءِ وأهْلُ المَلائِكَةِ وأهْلُ الأرْضِ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ، بَلْ كانُوا بِهَلاكِهِمْ مَسْرُورِينَ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ. وما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ: إنَّ المُؤْمِنَ إذا ماتَ، بَكى عَلَيْهِ مِنَ (p-٣٧)الأرْضِ مَوْضِعُ عِبادَتِهِ أرْبَعِينَ صَباحًا، وبَكى عَلَيْهِ في السَّماءِ مَوْضِعُ صُعُودِ عَمَلِهِ. قالُوا: فَلَمْ يَكُنْ في قَوْمِ فِرْعَوْنَ مَن هَذِهِ حالُهُ تَمْثِيلٌ.
﴿وما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾: أيْ مُؤَخَّرِينَ عَنِ العَذابِ لَمّا حانَ وقْتُ هَلاكِهِمْ، بَلْ عَجَّلَ اللَّهُ لَهم ذَلِكَ في الدُّنْيا.
الدخان 44:15
﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ . قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدٌ الخُدْرِيُّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والحَسَنُ: هو دُخانٌ يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ، يُصِيبُ المُؤْمِنَ مِنهُ مِثْلُ الزُّكامِ، ويُنْضِجُ رُءُوسَ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ، حَتّى تَكُونَ مِصْلَقَةٌ حَنِيذَةٌ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو العالِيَةِ، والنَّخَعِيُّ: هو الدُّخانُ الَّذِي رَأتْهُ قُرَيْشٌ. قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ: إنَّ قاصًّا عِنْدَ أبْوابِ كِنْدَةَ يَقُولُ إنَّهُ دُخانٌ يَأْتِي يَوْمَ القِيامَةِ، فَيَأْخُذُ أنْفاسَ النّاسِ، فَقالَ: مَن عَلِمَ عِلْمًا فَلْيَقُلْ بِهِ، ومَن لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلْ: اللَّهُ أعْلَمُ. ألا وسَأُحَدِّثُكم أنَّ قُرَيْشًا لَمّا اسْتَعْصَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، دَعا عَلَيْهِمْ فَقالَ: «اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ واجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ»، فَأصابَهُمُ الجَهْدُ حَتّى أكَلُوا الجِيَفَ، والعِلْهِزُ. والعِلْهِزُ: الصُّوفُ يَقَعُ فِيهِ القُرادُ فَيُشْوى الصُّوفُ بِدَمِ القُرادِ ويُؤْكَلُ. وفِيهِ أيْضًا: حَتّى أكَلُوا العِظامَ. وكانَ الرَّجُلُ يَرى بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ الدُّخانَ، وكانَ يُحَدَّثُ الرَّجُلُ فَيَسْمَعُ الكَلامَ ولا يَرى المُحَدِّثَ مِنَ الدُّخانِ. فَمَشى إلَيْهِ أبُو سُفْيانَ ونَفَرٌ مَعَهُ، وناشَدَهُ اللَّهَ والرَّحِمَ، وواعَدُوهُ، إنْ دَعا لَهم وكَشَفَ عَنْهم، أنْ يُؤْمِنُوا. فَلَمّا كَشَفَ عَنْهم، رَجَعُوا إلى شِرْكِهِمْ. وفِيهِ: فَرَحِمَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ، وبَعَثَ إلَيْهِمْ بِصَدَقَةٍ ومالٍ. وفِيهِ: فَلَمّا أصابَتْهُمُ الرَّفاهِيَةُ عادُوا إلى حالِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾، قالَ: يَعْنِي يَوْمَ بَدْرٍ. وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ: الدُّخانُ، واللِّزامُ، والبَطْشَةُ، والقَمَرُ، والرُّومُ. وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الأعْرَجُ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ﴾، هو يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ، لَمّا حَجَبَتِ السَّماءَ الغَبَرَةُ. وفي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ: أوَّلُ الآياتِ خُرُوجُ الدَّجّالِ، والدُّخانُ، ونُزُولُ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، ونارٌ تَخْرُجُ مِن قَعْرِ عَدَنَ، وفِيهِ قُلْتُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، وما الدُّخانُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ ؟ وذَكَرَ بَقِيَّةَ الحَدِيثِ، واخْتَصَرْناهُ بِدُخانٍ مُبِينٍ، أيْ ظاهِرٍ. لا شَكَّ أنَّهُ دُخانٌ ﴿يَغْشى النّاسَ﴾: يَشْمَلُهم. فَإنْ كانَ هو الَّذِي رَأتْهُ قُرَيْشٌ، فالنّاسُ خاصٌّ بِالكُفّارِ مِن أهْلِ مَكَّةَ، وقَدْ مَضى كَما قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وإنْ كانَ مِن أشْراطِ السّاعَةِ، أوْ يَوْمَ القِيامَةِ، فالنّاسُ عامٌّ فِيمَن أدْرَكَهُ وقْتُ الأشْراطِ، وعامٌّ بِالنّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ. (هَذا عَذابٌ) إلى (مُؤْمِنُونَ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلِ القَوْلِ مَحْذُوفًا، وهو في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ يَقُولُونَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنَ اللَّهِ، كَأنَّهُ تَعَجُّبٌ مِنهُ، كَما قالَ في قِصَّةِ الذَّبِيحِ: ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ [الصافات: ١٠٦] .
﴿إنّا مُؤْمِنُونَ﴾: وعْدٌ بِالإيمانِ إنْ كَشَفَ عَنْهُمُ العَذابَ، والإيمانُ واجِبٌ كُشِفَ العَذابُ أوْ لَمْ يُكْشَفْ.
﴿أنّى لَهُمُ الذِّكْرى﴾: أيْ كَيْفَ يَذَّكَّرُونَ ويَتَّعِظُونَ ويَقُولُونَ بِما وعَدُوهُ مِنَ الإيمانِ عِنْدَ كَشْفِ العَذابِ، وقَدْ جاءَهم ما هو أعْظَمُ ؟ وأُدْخِلَ في بابِ ”الِادِّكارِ مِن كَشْفِ الدُّخانِ“ ؟ وهو ما ظَهَرَ عَلى يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الآياتِ والبَيِّناتِ، مِنَ الكِتابِ المُعْجِزِ وغَيْرِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ، فَلَمْ يَذَّكَّرُوا، وتَوَلَّوْا عَنْهُ وبَهَتُوهُ بِأنَّ عَدّاسًا غُلامًا أعْجَمِيًّا لِبَعْضِ ثَقِيفٍ هو الَّذِي عَلَّمَهُ، ونَسَبُوهُ إلى الجُنُونِ. وقَرَأ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ: مُعَلِّمٌ، بِكَسْرِ اللّامِ.
﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا﴾: إخْبارٌ عَنْ إقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، ومُبالَغَةٌ في الإمْلاءِ لَهم. ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهم عائِدُونَ إلى الكُفْرِ. وقالَ قَتادَةُ: هو تَوَعُّدٌ بِمَعادِ الآخِرَةِ: وإنْ كانَ الخِطابُ لِقُرَيْشٍ حِينَ حَلَّ بِهِمُ الجَدْبُ، كانَ ظاهِرًا، وإنْ كانَ الدُّخانُ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ، فَإذا أتَتِ السَّماءُ بِالعَذابِ، تَضَرَّعَ مُنافِقُوهم وكافِرُوهم وقالُوا: رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ، إنّا مُؤْمِنُونَ. فَيَكْشِفُ عَنْهم، قِيلَ: بَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا، فَحِينَ (p-٣٥)يَكْشِفُهُ عَنْهم يَرْتَدُّونَ. ويَوْمُ البَطْشَةِ الكُبْرى عَلى هَذا هو يَوْمُ القِيامَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَإذا جاءَتِ الطّامَّةُ الكُبْرى﴾ [النازعات: ٣٤] . وكَوْنُهُ يَوْمَ القِيامَةِ، هو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ. وكَوْنُهُ يَوْمَ بَدْرٍ، هو قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ وأُبَيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ. وانْتَصَبَ يَوْمَ نَبْطِشُ، قِيلَ: بِذِكْراهم، وقِيلَ: بِـ نَنْتَقِمُ الدّالِّ عَلَيْهِ ”مُنْتَقِمُونَ“، وضَعُفَ بِأنَّهُ لا نَصْبَ إلّا بِالفِعْلِ، وقِيلَ: بِـ ”مُنْتَقِمُونَ“ . ورُدَّ بِأنَّ ما بَعْدَ إنَّ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: نَبْطِشُ، بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ الطّاءِ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ: بِضَمِّها، والحَسَنُ أيْضًا، وأبُو رَجاءٍ، وطَلْحَةُ: بِضَمِّ النُّونِ وكَسْرِ الطّاءِ، بِمَعْنى: نُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ مَن يَبْطِشُ بِهِمْ. و”البَطْشَةَ“ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ لَيْسَ مَنصُوبًا بِـ نَبْطِشُ، بَلْ بِمُقَدَّرٍ، أيْ نَبْطِشُ ذَلِكَ المُسَلِّطَ البَطْشَةَ، أوْ يَكُونُ ”البَطْشَةَ“ في مَعْنى الإبْطاشَةِ، فَيَنْتَصِبُ بِـ نَبْطِشُ.
﴿ولَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾: هَذا كالمِثالِ لِقُرَيْشٍ، ذُكِرَتْ قِصَّةُ مَن أُرْسِلَ إلَيْهِمْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَكَذَّبُوهُ، فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ. وقُرِئَ: فَتَّنّا، بِتَشْدِيدِ التّاءِ، لِلْمُبالَغَةِ في الفِعْلِ، أوِ التَّكْثِيرِ مُتَعَلِّقَةً ﴿وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾: أيْ كِرِيمٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ المُؤْمِنِينَ، قالَهُ الفَرّاءُ، أوْ كَرِيمٌ في نَفْسِهِ، لِأنَّ الأنْبِياءَ إنَّما يُبْعَثُونَ مِن سَرَواتِ النّاسِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ، أوْ كِرِيمٌ حَسَنُ الخُلُقِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أنْ تَفْسِيرِيَّةً، لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ما يَدُلُّ عَلى مَعْنى القَوْلِ، وهو رَسُولٌ كَرِيمٌ، وأنْ تَكُونَ أنْ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ أوِ النّاصِبَةِ لِلْمُضارِعِ، فَإنَّها تُوصَلُ بِالأمْرِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أنْ أدُّوا إلَيَّ الطّاعَةَ يا عِبادَ اللَّهِ: أيِ اتَّبِعُونِي عَلى ما أدْعُوكم إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ. وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: طَلَبَ مِنهم أنْ يُؤَدُّوا إلَيْهِ بَنِي إسْرائِيلَ، كَما قالَ: ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧] . فَعَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ: عِبادَ اللَّهِ: مُنادًى، ومَفْعُولُ أدُّوا مَحْذُوفٌ، وعَلى قَوْلِ مُجاهِدٍ ومَن ذُكِرَ مَعَهُ: عِبادَ اللَّهِ: مَفْعُولُ أدُّوا.
﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾: أيْ غَيْرُ مُتَّهَمٍ، قَدِ ائْتَمَنَنِي اللَّهُ عَلى وحْيِهِ ورِسالَتِهِ.
﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ﴾: أيْ لا تَسْتَكْبِرُوا عَلى عِبادَةِ اللَّهِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لا تَعْظُمُوا عَلى اللَّهِ. قِيلَ: والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ التَّعْظِيمَ تَطاوُلُ المُقْتَدِرِ والِاسْتِكْبارَ تَرَفُّعُ المُحْتَقَرِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ، وأنْ هُنا كانَ السّابِقُ في أوْجُهِها الثَّلاثَةَ.
﴿إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾: أيْ بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ في نَفْسِها ومُوَضِّحَةٍ صِدْقَ دَعْوايَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: إنِّي، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، عَلى سَبِيلِ الإخْبارِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. والمَعْنى: لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ مِن أجْلِ أنِّي آتِيكم، فَهَذا تَوْبِيخٌ لَهم، كَما تَقُولُ: أتَغْضَبُ إنْ قالَ لَكَ الحَقَّ ؟ ﴿وإنِّي عُذْتُ﴾: أيِ اسْتَجَرْتُ ﴿بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾: كانُوا قَدْ تَوَعَّدُوهُ بِالقَتْلِ، فاسْتَعاذَ مِن ذَلِكَ. وقُرِئَ: عُدْتُ، بِالإدْغامِ. قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: الرَّجْمُ هُنا بِالحِجارَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو صالِحٍ: بِالشَّتْمِ، وقَوْلُ قَتادَةَ أظْهَرُ، لِأنَّهُ قَدْ وقَعَ مِنهم في حَقِّهِ ألْفاظٌ لا تُناسِبُ، وهَذِهِ المَعاذَةُ كانَتْ قَبْلَ أنْ يُخْبِرَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما﴾ [القصص: ٣٥] .
﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي﴾ أيْ تُصَدِّقُوا ﴿فاعْتَزِلُونِ﴾ أيْ كُونُوا بِمَعْزَلٍ وهَذِهِ مُشارَكَةٌ حَسَنَةٌ، ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠]، ﴿أنَّ هَؤُلاءِ﴾: لَفْظُ تَحْقِيرٍ لَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أنَّ هَؤُلاءِ، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، أيْ بِأنَّ هَؤُلاءِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى، والحَسَنُ في رِوايَةٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِكَسْرِها.
﴿فَأسْرِ بِعِبادِي﴾: في الكَلامِ حَذْفٌ، أيْ فانْتَقِمْ مِنهم، فَقالَ لَهُ اللَّهُ: أسْرِ بِعِبادِي، وهم بَنُو إسْرائِيلَ ومَن آمَنَ بِهِ مِنَ القِبْطِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِيهِ وجْهانِ: إضْمارُ القَوْلِ بَعْدَ الفاءِ، فَقالَ: أسْرِ بِعِبادِي، وأنْ يَكُونَ جَوابًا لِشَرْطٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: قالَ إنْ كانَ الأمْرُ كَما تَقُولُ، فَأسْرِ بِعِبادِي. انْتَهى. وكَثِيرًا ما يُجِيزُ هَذا الرَّجُلُ حَذْفَ الشَّرْطِ وإبْقاءَ جَوابِهِ، وهو لا يَجُوزُ إلّا لِدَلِيلٍ واضِحٍ، كَأنْ يَتَقَدَّمُهُ الأمْرُ وما أشْبَهَهُ مِمّا ذُكِرَ في النَّحْوِ، عَلى خِلافٍ في ذَلِكَ.
﴿إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾: أيْ يَتَّبِعُكم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ، فَتَنْجُونَ ويَغْرَقُ المُتَّبَعُونَ.
﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا﴾: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ساكِنًا كَما أجْراهُ. وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ: يَبَسًا مِن قَوْلِهِ: ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا﴾ [طه: ٧٧] . وقالَ الضَّحّاكُ: دَمِثًا لَيِّنًا. (p-٣٦)وقالَ عِكْرِمَةُ: جُدُدًا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: سَهْلًا. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: مُنْفَرِدًا. قالَ قَتادَةُ: أرادَ مُوسى أنْ يَضْرِبَ البَحْرَ بِعَصاهُ، لَمّا قَطَعَهُ، حَتّى يَلْتَئِمَ، وخافَ أنْ يَتْبَعَهُ فِرْعَوْنُ، فَقِيلَ: لِمَهْ هَذا ؟ ﴿إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾: أيْ فِيهِ، لِأنَّهم إذا رَأوْهُ ساكِنًا عَلى حالَتِهِ حِينَ دَخَلَ فِيهِ مُوسى وبَنُو إسْرائِيلَ، أوْ مَفْتُوحًا طَرِيقًا يَبَسًا، دَخَلُوا فِيهِ، فَيُطْبِقُهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
﴿كَمْ تَرَكُوا﴾: أيْ كَثِيرًا تَرَكُوا.
﴿مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾: تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُما في الشُّعَراءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ومَقامٍ)، بِفَتْحِ المِيمِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: أرادَ المَقامَ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ، وقَتادَةُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، ونافِعٌ: في رِوايَةٍ خارِجَةٍ بِضَمِّها. قالَ قَتادَةُ: أرادَ المَواضِعَ الحِسانَ مِنَ المَجالِسِ والمَساكِنِ وغَيْرِها. (ونَعْمَةٍ)، بِفَتْحِ النُّونِ: نَضارَةُ العَيْشِ ولَذاذَةُ الحَياةِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: (ونَعْمَةٍ)، بِالنَّصْبِ، عَطْفًا عَلى كَمْ ﴿كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ: بِألِفٍ، أيْ طَيِّبِيِ الأنْفُسِ وأصْحابِ فاكِهَةٍ، كَلابِنٍ، وتامِرٍ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ: بِغَيْرِ ألِفٍ. والفَكِهُ يُسْتَعْمَلُ كَثِيرًا في المُسْتَخِفِّ المُسْتَهْزِئِ، فَكَأنَّهم كانُوا مُسْتَخِفِّينَ بِشَكْلِ النِّعْمَةِ الَّتِي كانُوا فِيها. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: فَكِهَ الرَّجُلُ، بِالكَسْرِ، فَهو فَكِهٌ إذا كانَ مَزّاحًا، والفَكِهُ أيْضًا الأشِرُ. وقالَ القُشَيْرِيُّ: فاكِهِينَ: لاهِينَ كَذَلِكَ. وقالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: الأمْرُ كَذَلِكَ، فَيُوقَفُ عَلى كَذَلِكَ، والكافُ في مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقِيلَ: الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ يَفْعَلُ فِعْلًا كَذَلِكَ، لِمَن يُرِيدُ إهْلاكَهُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: كَذَلِكَ أفْعَلُ بِمَن عَصانِي. وقالَ الحَوْفِيُّ: أهْلَكْنا إهْلاكًا، وانْتَقَمْنا انْتِقامًا كَذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الكافُ مَنصُوبَةٌ عَلى مَعْنى: مِثْلَ ذَلِكَ الإخْراجِ أخْرَجْناهم مِنها، ﴿وأوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ لَيْسُوا مِنهم، وهم بَنُو إسْرائِيلَ. كانُوا مُسْتَعْبَدِينَ في يَدِ القِبْطِ، فَأهْلَكَ اللَّهُ تَعالى القِبْطَ عَلى أيْدِيهِمْ وأوْرَثَهم مُلْكَهم. وقالَ قَتادَةُ، وقالَ الحَسَنُ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ رَجَعُوا إلى مِصْرَ بَعْدَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ، وضُعِّفَ قَوْلُ قَتادَةَ بِأنَّهُ لَمْ يُرْوَ في مَشْهُورِ التَّوارِيخِ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ رَجَعُوا إلى مِصْرَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ الزَّمانِ، ولا مَلَكُوها قَطُّ، إلّا أنْ يُرِيدَ قَتادَةُ أنَّهم ورِثُوا نَوْعَها في بِلادِ الشَّأْمِ. انْتَهى. ولا اعْتِبارَ بِالتَّوارِيخِ، فالكَذِبُ فِيها كَثِيرٌ، وكَلامُ اللَّهِ صِدْقٌ. قالَ تَعالى في سُورَةِ الشُّعَراءِ: ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٩] وقِيلَ: قَوْمًا آخَرِينَ مِمَّنْ مَلَكَ مِصْرَ بَعْدَ القِبْطِ مِن غَيْرِ بَنِي إسْرائِيلَ.
﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ﴾: اسْتِعارَةٌ لِتَحْقِيرِ أمْرِهِمْ، وأنَّهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ هَلاكِهِمْ شَيْءٌ. ويُقالُ في التَّعْظِيمِ: بَكَتْ عَلَيْهِ السَّماءُ والأرْضُ، وبَكَتْهُ الرِّيحُ، وأظْلَمَتْ لَهُ الشَّمْسُ. وقالَ زَيْدُ بْنُ مُفَرِّغٍ:
؎الرِّيحُ تَبْكِي شَجْوَهُ والبَرْقُ يَلْمَعُ في غَمامِهِ
وقالَ جَرِيرٌ:
؎فالشَّمْسُ طالِعَةٌ لَيْسَتْ بِكاسِفَةٍ ∗∗∗ تَبْكِي عَلَيْكَ نُجُومُ اللَّيْلِ والقَمَرُ
وقالَ النّابِغَةُ:
؎بَكى حارِثُ الجَوْلانِ مِن فَقْدِ رَبِّهِ ∗∗∗ وحَوْرانُ مِنهُ خاشِعٌ مُتَضائِلُ
وقالَ جَرِيرٌ:
؎لَمّا أتى الزَّهْوُ تَواضَعَتْ ∗∗∗ سُورُ المَدِينَةِ والجِبالُ الخُشَّعُ
ويَقُولُ في التَّحْقِيرِ: ماتَ فُلانٌ، فَما خَشَعَتِ الجِبالُ. ونِسْبَةُ هَذِهِ الأشْياءِ لِما لا يَعْقِلُ ولا يَصِيرُ ذَلِكَ مِنهُ حَقِيقَةً، عِبارَةٌ عَنْ تَأثُّرِ النّاسِ لَهُ، أوْ عَنْ عَدَمِهِ. وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: فَما بَكى عَلَيْهِمْ أهْلُ السَّماءِ وأهْلُ المَلائِكَةِ وأهْلُ الأرْضِ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ، بَلْ كانُوا بِهَلاكِهِمْ مَسْرُورِينَ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ. وما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ: إنَّ المُؤْمِنَ إذا ماتَ، بَكى عَلَيْهِ مِنَ (p-٣٧)الأرْضِ مَوْضِعُ عِبادَتِهِ أرْبَعِينَ صَباحًا، وبَكى عَلَيْهِ في السَّماءِ مَوْضِعُ صُعُودِ عَمَلِهِ. قالُوا: فَلَمْ يَكُنْ في قَوْمِ فِرْعَوْنَ مَن هَذِهِ حالُهُ تَمْثِيلٌ.
﴿وما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾: أيْ مُؤَخَّرِينَ عَنِ العَذابِ لَمّا حانَ وقْتُ هَلاكِهِمْ، بَلْ عَجَّلَ اللَّهُ لَهم ذَلِكَ في الدُّنْيا.
الدخان 44:16
﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ . قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدٌ الخُدْرِيُّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والحَسَنُ: هو دُخانٌ يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ، يُصِيبُ المُؤْمِنَ مِنهُ مِثْلُ الزُّكامِ، ويُنْضِجُ رُءُوسَ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ، حَتّى تَكُونَ مِصْلَقَةٌ حَنِيذَةٌ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو العالِيَةِ، والنَّخَعِيُّ: هو الدُّخانُ الَّذِي رَأتْهُ قُرَيْشٌ. قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ: إنَّ قاصًّا عِنْدَ أبْوابِ كِنْدَةَ يَقُولُ إنَّهُ دُخانٌ يَأْتِي يَوْمَ القِيامَةِ، فَيَأْخُذُ أنْفاسَ النّاسِ، فَقالَ: مَن عَلِمَ عِلْمًا فَلْيَقُلْ بِهِ، ومَن لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلْ: اللَّهُ أعْلَمُ. ألا وسَأُحَدِّثُكم أنَّ قُرَيْشًا لَمّا اسْتَعْصَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، دَعا عَلَيْهِمْ فَقالَ: «اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ واجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ»، فَأصابَهُمُ الجَهْدُ حَتّى أكَلُوا الجِيَفَ، والعِلْهِزُ. والعِلْهِزُ: الصُّوفُ يَقَعُ فِيهِ القُرادُ فَيُشْوى الصُّوفُ بِدَمِ القُرادِ ويُؤْكَلُ. وفِيهِ أيْضًا: حَتّى أكَلُوا العِظامَ. وكانَ الرَّجُلُ يَرى بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ الدُّخانَ، وكانَ يُحَدَّثُ الرَّجُلُ فَيَسْمَعُ الكَلامَ ولا يَرى المُحَدِّثَ مِنَ الدُّخانِ. فَمَشى إلَيْهِ أبُو سُفْيانَ ونَفَرٌ مَعَهُ، وناشَدَهُ اللَّهَ والرَّحِمَ، وواعَدُوهُ، إنْ دَعا لَهم وكَشَفَ عَنْهم، أنْ يُؤْمِنُوا. فَلَمّا كَشَفَ عَنْهم، رَجَعُوا إلى شِرْكِهِمْ. وفِيهِ: فَرَحِمَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ، وبَعَثَ إلَيْهِمْ بِصَدَقَةٍ ومالٍ. وفِيهِ: فَلَمّا أصابَتْهُمُ الرَّفاهِيَةُ عادُوا إلى حالِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾، قالَ: يَعْنِي يَوْمَ بَدْرٍ. وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ: الدُّخانُ، واللِّزامُ، والبَطْشَةُ، والقَمَرُ، والرُّومُ. وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الأعْرَجُ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ﴾، هو يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ، لَمّا حَجَبَتِ السَّماءَ الغَبَرَةُ. وفي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ: أوَّلُ الآياتِ خُرُوجُ الدَّجّالِ، والدُّخانُ، ونُزُولُ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، ونارٌ تَخْرُجُ مِن قَعْرِ عَدَنَ، وفِيهِ قُلْتُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، وما الدُّخانُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ ؟ وذَكَرَ بَقِيَّةَ الحَدِيثِ، واخْتَصَرْناهُ بِدُخانٍ مُبِينٍ، أيْ ظاهِرٍ. لا شَكَّ أنَّهُ دُخانٌ ﴿يَغْشى النّاسَ﴾: يَشْمَلُهم. فَإنْ كانَ هو الَّذِي رَأتْهُ قُرَيْشٌ، فالنّاسُ خاصٌّ بِالكُفّارِ مِن أهْلِ مَكَّةَ، وقَدْ مَضى كَما قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وإنْ كانَ مِن أشْراطِ السّاعَةِ، أوْ يَوْمَ القِيامَةِ، فالنّاسُ عامٌّ فِيمَن أدْرَكَهُ وقْتُ الأشْراطِ، وعامٌّ بِالنّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ. (هَذا عَذابٌ) إلى (مُؤْمِنُونَ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلِ القَوْلِ مَحْذُوفًا، وهو في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ يَقُولُونَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنَ اللَّهِ، كَأنَّهُ تَعَجُّبٌ مِنهُ، كَما قالَ في قِصَّةِ الذَّبِيحِ: ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ [الصافات: ١٠٦] .
﴿إنّا مُؤْمِنُونَ﴾: وعْدٌ بِالإيمانِ إنْ كَشَفَ عَنْهُمُ العَذابَ، والإيمانُ واجِبٌ كُشِفَ العَذابُ أوْ لَمْ يُكْشَفْ.
﴿أنّى لَهُمُ الذِّكْرى﴾: أيْ كَيْفَ يَذَّكَّرُونَ ويَتَّعِظُونَ ويَقُولُونَ بِما وعَدُوهُ مِنَ الإيمانِ عِنْدَ كَشْفِ العَذابِ، وقَدْ جاءَهم ما هو أعْظَمُ ؟ وأُدْخِلَ في بابِ ”الِادِّكارِ مِن كَشْفِ الدُّخانِ“ ؟ وهو ما ظَهَرَ عَلى يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الآياتِ والبَيِّناتِ، مِنَ الكِتابِ المُعْجِزِ وغَيْرِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ، فَلَمْ يَذَّكَّرُوا، وتَوَلَّوْا عَنْهُ وبَهَتُوهُ بِأنَّ عَدّاسًا غُلامًا أعْجَمِيًّا لِبَعْضِ ثَقِيفٍ هو الَّذِي عَلَّمَهُ، ونَسَبُوهُ إلى الجُنُونِ. وقَرَأ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ: مُعَلِّمٌ، بِكَسْرِ اللّامِ.
﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا﴾: إخْبارٌ عَنْ إقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، ومُبالَغَةٌ في الإمْلاءِ لَهم. ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهم عائِدُونَ إلى الكُفْرِ. وقالَ قَتادَةُ: هو تَوَعُّدٌ بِمَعادِ الآخِرَةِ: وإنْ كانَ الخِطابُ لِقُرَيْشٍ حِينَ حَلَّ بِهِمُ الجَدْبُ، كانَ ظاهِرًا، وإنْ كانَ الدُّخانُ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ، فَإذا أتَتِ السَّماءُ بِالعَذابِ، تَضَرَّعَ مُنافِقُوهم وكافِرُوهم وقالُوا: رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ، إنّا مُؤْمِنُونَ. فَيَكْشِفُ عَنْهم، قِيلَ: بَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا، فَحِينَ (p-٣٥)يَكْشِفُهُ عَنْهم يَرْتَدُّونَ. ويَوْمُ البَطْشَةِ الكُبْرى عَلى هَذا هو يَوْمُ القِيامَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَإذا جاءَتِ الطّامَّةُ الكُبْرى﴾ [النازعات: ٣٤] . وكَوْنُهُ يَوْمَ القِيامَةِ، هو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ. وكَوْنُهُ يَوْمَ بَدْرٍ، هو قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ وأُبَيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ. وانْتَصَبَ يَوْمَ نَبْطِشُ، قِيلَ: بِذِكْراهم، وقِيلَ: بِـ نَنْتَقِمُ الدّالِّ عَلَيْهِ ”مُنْتَقِمُونَ“، وضَعُفَ بِأنَّهُ لا نَصْبَ إلّا بِالفِعْلِ، وقِيلَ: بِـ ”مُنْتَقِمُونَ“ . ورُدَّ بِأنَّ ما بَعْدَ إنَّ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: نَبْطِشُ، بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ الطّاءِ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ: بِضَمِّها، والحَسَنُ أيْضًا، وأبُو رَجاءٍ، وطَلْحَةُ: بِضَمِّ النُّونِ وكَسْرِ الطّاءِ، بِمَعْنى: نُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ مَن يَبْطِشُ بِهِمْ. و”البَطْشَةَ“ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ لَيْسَ مَنصُوبًا بِـ نَبْطِشُ، بَلْ بِمُقَدَّرٍ، أيْ نَبْطِشُ ذَلِكَ المُسَلِّطَ البَطْشَةَ، أوْ يَكُونُ ”البَطْشَةَ“ في مَعْنى الإبْطاشَةِ، فَيَنْتَصِبُ بِـ نَبْطِشُ.
﴿ولَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾: هَذا كالمِثالِ لِقُرَيْشٍ، ذُكِرَتْ قِصَّةُ مَن أُرْسِلَ إلَيْهِمْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَكَذَّبُوهُ، فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ. وقُرِئَ: فَتَّنّا، بِتَشْدِيدِ التّاءِ، لِلْمُبالَغَةِ في الفِعْلِ، أوِ التَّكْثِيرِ مُتَعَلِّقَةً ﴿وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾: أيْ كِرِيمٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ المُؤْمِنِينَ، قالَهُ الفَرّاءُ، أوْ كَرِيمٌ في نَفْسِهِ، لِأنَّ الأنْبِياءَ إنَّما يُبْعَثُونَ مِن سَرَواتِ النّاسِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ، أوْ كِرِيمٌ حَسَنُ الخُلُقِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أنْ تَفْسِيرِيَّةً، لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ما يَدُلُّ عَلى مَعْنى القَوْلِ، وهو رَسُولٌ كَرِيمٌ، وأنْ تَكُونَ أنْ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ أوِ النّاصِبَةِ لِلْمُضارِعِ، فَإنَّها تُوصَلُ بِالأمْرِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أنْ أدُّوا إلَيَّ الطّاعَةَ يا عِبادَ اللَّهِ: أيِ اتَّبِعُونِي عَلى ما أدْعُوكم إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ. وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: طَلَبَ مِنهم أنْ يُؤَدُّوا إلَيْهِ بَنِي إسْرائِيلَ، كَما قالَ: ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧] . فَعَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ: عِبادَ اللَّهِ: مُنادًى، ومَفْعُولُ أدُّوا مَحْذُوفٌ، وعَلى قَوْلِ مُجاهِدٍ ومَن ذُكِرَ مَعَهُ: عِبادَ اللَّهِ: مَفْعُولُ أدُّوا.
﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾: أيْ غَيْرُ مُتَّهَمٍ، قَدِ ائْتَمَنَنِي اللَّهُ عَلى وحْيِهِ ورِسالَتِهِ.
﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ﴾: أيْ لا تَسْتَكْبِرُوا عَلى عِبادَةِ اللَّهِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لا تَعْظُمُوا عَلى اللَّهِ. قِيلَ: والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ التَّعْظِيمَ تَطاوُلُ المُقْتَدِرِ والِاسْتِكْبارَ تَرَفُّعُ المُحْتَقَرِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ، وأنْ هُنا كانَ السّابِقُ في أوْجُهِها الثَّلاثَةَ.
﴿إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾: أيْ بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ في نَفْسِها ومُوَضِّحَةٍ صِدْقَ دَعْوايَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: إنِّي، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، عَلى سَبِيلِ الإخْبارِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. والمَعْنى: لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ مِن أجْلِ أنِّي آتِيكم، فَهَذا تَوْبِيخٌ لَهم، كَما تَقُولُ: أتَغْضَبُ إنْ قالَ لَكَ الحَقَّ ؟ ﴿وإنِّي عُذْتُ﴾: أيِ اسْتَجَرْتُ ﴿بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾: كانُوا قَدْ تَوَعَّدُوهُ بِالقَتْلِ، فاسْتَعاذَ مِن ذَلِكَ. وقُرِئَ: عُدْتُ، بِالإدْغامِ. قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: الرَّجْمُ هُنا بِالحِجارَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو صالِحٍ: بِالشَّتْمِ، وقَوْلُ قَتادَةَ أظْهَرُ، لِأنَّهُ قَدْ وقَعَ مِنهم في حَقِّهِ ألْفاظٌ لا تُناسِبُ، وهَذِهِ المَعاذَةُ كانَتْ قَبْلَ أنْ يُخْبِرَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما﴾ [القصص: ٣٥] .
﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي﴾ أيْ تُصَدِّقُوا ﴿فاعْتَزِلُونِ﴾ أيْ كُونُوا بِمَعْزَلٍ وهَذِهِ مُشارَكَةٌ حَسَنَةٌ، ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠]، ﴿أنَّ هَؤُلاءِ﴾: لَفْظُ تَحْقِيرٍ لَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أنَّ هَؤُلاءِ، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، أيْ بِأنَّ هَؤُلاءِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى، والحَسَنُ في رِوايَةٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِكَسْرِها.
﴿فَأسْرِ بِعِبادِي﴾: في الكَلامِ حَذْفٌ، أيْ فانْتَقِمْ مِنهم، فَقالَ لَهُ اللَّهُ: أسْرِ بِعِبادِي، وهم بَنُو إسْرائِيلَ ومَن آمَنَ بِهِ مِنَ القِبْطِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِيهِ وجْهانِ: إضْمارُ القَوْلِ بَعْدَ الفاءِ، فَقالَ: أسْرِ بِعِبادِي، وأنْ يَكُونَ جَوابًا لِشَرْطٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: قالَ إنْ كانَ الأمْرُ كَما تَقُولُ، فَأسْرِ بِعِبادِي. انْتَهى. وكَثِيرًا ما يُجِيزُ هَذا الرَّجُلُ حَذْفَ الشَّرْطِ وإبْقاءَ جَوابِهِ، وهو لا يَجُوزُ إلّا لِدَلِيلٍ واضِحٍ، كَأنْ يَتَقَدَّمُهُ الأمْرُ وما أشْبَهَهُ مِمّا ذُكِرَ في النَّحْوِ، عَلى خِلافٍ في ذَلِكَ.
﴿إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾: أيْ يَتَّبِعُكم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ، فَتَنْجُونَ ويَغْرَقُ المُتَّبَعُونَ.
﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا﴾: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ساكِنًا كَما أجْراهُ. وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ: يَبَسًا مِن قَوْلِهِ: ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا﴾ [طه: ٧٧] . وقالَ الضَّحّاكُ: دَمِثًا لَيِّنًا. (p-٣٦)وقالَ عِكْرِمَةُ: جُدُدًا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: سَهْلًا. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: مُنْفَرِدًا. قالَ قَتادَةُ: أرادَ مُوسى أنْ يَضْرِبَ البَحْرَ بِعَصاهُ، لَمّا قَطَعَهُ، حَتّى يَلْتَئِمَ، وخافَ أنْ يَتْبَعَهُ فِرْعَوْنُ، فَقِيلَ: لِمَهْ هَذا ؟ ﴿إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾: أيْ فِيهِ، لِأنَّهم إذا رَأوْهُ ساكِنًا عَلى حالَتِهِ حِينَ دَخَلَ فِيهِ مُوسى وبَنُو إسْرائِيلَ، أوْ مَفْتُوحًا طَرِيقًا يَبَسًا، دَخَلُوا فِيهِ، فَيُطْبِقُهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
﴿كَمْ تَرَكُوا﴾: أيْ كَثِيرًا تَرَكُوا.
﴿مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾: تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُما في الشُّعَراءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ومَقامٍ)، بِفَتْحِ المِيمِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: أرادَ المَقامَ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ، وقَتادَةُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، ونافِعٌ: في رِوايَةٍ خارِجَةٍ بِضَمِّها. قالَ قَتادَةُ: أرادَ المَواضِعَ الحِسانَ مِنَ المَجالِسِ والمَساكِنِ وغَيْرِها. (ونَعْمَةٍ)، بِفَتْحِ النُّونِ: نَضارَةُ العَيْشِ ولَذاذَةُ الحَياةِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: (ونَعْمَةٍ)، بِالنَّصْبِ، عَطْفًا عَلى كَمْ ﴿كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ: بِألِفٍ، أيْ طَيِّبِيِ الأنْفُسِ وأصْحابِ فاكِهَةٍ، كَلابِنٍ، وتامِرٍ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ: بِغَيْرِ ألِفٍ. والفَكِهُ يُسْتَعْمَلُ كَثِيرًا في المُسْتَخِفِّ المُسْتَهْزِئِ، فَكَأنَّهم كانُوا مُسْتَخِفِّينَ بِشَكْلِ النِّعْمَةِ الَّتِي كانُوا فِيها. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: فَكِهَ الرَّجُلُ، بِالكَسْرِ، فَهو فَكِهٌ إذا كانَ مَزّاحًا، والفَكِهُ أيْضًا الأشِرُ. وقالَ القُشَيْرِيُّ: فاكِهِينَ: لاهِينَ كَذَلِكَ. وقالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: الأمْرُ كَذَلِكَ، فَيُوقَفُ عَلى كَذَلِكَ، والكافُ في مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقِيلَ: الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ يَفْعَلُ فِعْلًا كَذَلِكَ، لِمَن يُرِيدُ إهْلاكَهُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: كَذَلِكَ أفْعَلُ بِمَن عَصانِي. وقالَ الحَوْفِيُّ: أهْلَكْنا إهْلاكًا، وانْتَقَمْنا انْتِقامًا كَذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الكافُ مَنصُوبَةٌ عَلى مَعْنى: مِثْلَ ذَلِكَ الإخْراجِ أخْرَجْناهم مِنها، ﴿وأوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ لَيْسُوا مِنهم، وهم بَنُو إسْرائِيلَ. كانُوا مُسْتَعْبَدِينَ في يَدِ القِبْطِ، فَأهْلَكَ اللَّهُ تَعالى القِبْطَ عَلى أيْدِيهِمْ وأوْرَثَهم مُلْكَهم. وقالَ قَتادَةُ، وقالَ الحَسَنُ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ رَجَعُوا إلى مِصْرَ بَعْدَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ، وضُعِّفَ قَوْلُ قَتادَةَ بِأنَّهُ لَمْ يُرْوَ في مَشْهُورِ التَّوارِيخِ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ رَجَعُوا إلى مِصْرَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ الزَّمانِ، ولا مَلَكُوها قَطُّ، إلّا أنْ يُرِيدَ قَتادَةُ أنَّهم ورِثُوا نَوْعَها في بِلادِ الشَّأْمِ. انْتَهى. ولا اعْتِبارَ بِالتَّوارِيخِ، فالكَذِبُ فِيها كَثِيرٌ، وكَلامُ اللَّهِ صِدْقٌ. قالَ تَعالى في سُورَةِ الشُّعَراءِ: ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٩] وقِيلَ: قَوْمًا آخَرِينَ مِمَّنْ مَلَكَ مِصْرَ بَعْدَ القِبْطِ مِن غَيْرِ بَنِي إسْرائِيلَ.
﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ﴾: اسْتِعارَةٌ لِتَحْقِيرِ أمْرِهِمْ، وأنَّهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ هَلاكِهِمْ شَيْءٌ. ويُقالُ في التَّعْظِيمِ: بَكَتْ عَلَيْهِ السَّماءُ والأرْضُ، وبَكَتْهُ الرِّيحُ، وأظْلَمَتْ لَهُ الشَّمْسُ. وقالَ زَيْدُ بْنُ مُفَرِّغٍ:
؎الرِّيحُ تَبْكِي شَجْوَهُ والبَرْقُ يَلْمَعُ في غَمامِهِ
وقالَ جَرِيرٌ:
؎فالشَّمْسُ طالِعَةٌ لَيْسَتْ بِكاسِفَةٍ ∗∗∗ تَبْكِي عَلَيْكَ نُجُومُ اللَّيْلِ والقَمَرُ
وقالَ النّابِغَةُ:
؎بَكى حارِثُ الجَوْلانِ مِن فَقْدِ رَبِّهِ ∗∗∗ وحَوْرانُ مِنهُ خاشِعٌ مُتَضائِلُ
وقالَ جَرِيرٌ:
؎لَمّا أتى الزَّهْوُ تَواضَعَتْ ∗∗∗ سُورُ المَدِينَةِ والجِبالُ الخُشَّعُ
ويَقُولُ في التَّحْقِيرِ: ماتَ فُلانٌ، فَما خَشَعَتِ الجِبالُ. ونِسْبَةُ هَذِهِ الأشْياءِ لِما لا يَعْقِلُ ولا يَصِيرُ ذَلِكَ مِنهُ حَقِيقَةً، عِبارَةٌ عَنْ تَأثُّرِ النّاسِ لَهُ، أوْ عَنْ عَدَمِهِ. وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: فَما بَكى عَلَيْهِمْ أهْلُ السَّماءِ وأهْلُ المَلائِكَةِ وأهْلُ الأرْضِ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ، بَلْ كانُوا بِهَلاكِهِمْ مَسْرُورِينَ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ. وما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ: إنَّ المُؤْمِنَ إذا ماتَ، بَكى عَلَيْهِ مِنَ (p-٣٧)الأرْضِ مَوْضِعُ عِبادَتِهِ أرْبَعِينَ صَباحًا، وبَكى عَلَيْهِ في السَّماءِ مَوْضِعُ صُعُودِ عَمَلِهِ. قالُوا: فَلَمْ يَكُنْ في قَوْمِ فِرْعَوْنَ مَن هَذِهِ حالُهُ تَمْثِيلٌ.
﴿وما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾: أيْ مُؤَخَّرِينَ عَنِ العَذابِ لَمّا حانَ وقْتُ هَلاكِهِمْ، بَلْ عَجَّلَ اللَّهُ لَهم ذَلِكَ في الدُّنْيا.
الدخان 44:17
﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ . قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدٌ الخُدْرِيُّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والحَسَنُ: هو دُخانٌ يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ، يُصِيبُ المُؤْمِنَ مِنهُ مِثْلُ الزُّكامِ، ويُنْضِجُ رُءُوسَ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ، حَتّى تَكُونَ مِصْلَقَةٌ حَنِيذَةٌ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو العالِيَةِ، والنَّخَعِيُّ: هو الدُّخانُ الَّذِي رَأتْهُ قُرَيْشٌ. قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ: إنَّ قاصًّا عِنْدَ أبْوابِ كِنْدَةَ يَقُولُ إنَّهُ دُخانٌ يَأْتِي يَوْمَ القِيامَةِ، فَيَأْخُذُ أنْفاسَ النّاسِ، فَقالَ: مَن عَلِمَ عِلْمًا فَلْيَقُلْ بِهِ، ومَن لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلْ: اللَّهُ أعْلَمُ. ألا وسَأُحَدِّثُكم أنَّ قُرَيْشًا لَمّا اسْتَعْصَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، دَعا عَلَيْهِمْ فَقالَ: «اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ واجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ»، فَأصابَهُمُ الجَهْدُ حَتّى أكَلُوا الجِيَفَ، والعِلْهِزُ. والعِلْهِزُ: الصُّوفُ يَقَعُ فِيهِ القُرادُ فَيُشْوى الصُّوفُ بِدَمِ القُرادِ ويُؤْكَلُ. وفِيهِ أيْضًا: حَتّى أكَلُوا العِظامَ. وكانَ الرَّجُلُ يَرى بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ الدُّخانَ، وكانَ يُحَدَّثُ الرَّجُلُ فَيَسْمَعُ الكَلامَ ولا يَرى المُحَدِّثَ مِنَ الدُّخانِ. فَمَشى إلَيْهِ أبُو سُفْيانَ ونَفَرٌ مَعَهُ، وناشَدَهُ اللَّهَ والرَّحِمَ، وواعَدُوهُ، إنْ دَعا لَهم وكَشَفَ عَنْهم، أنْ يُؤْمِنُوا. فَلَمّا كَشَفَ عَنْهم، رَجَعُوا إلى شِرْكِهِمْ. وفِيهِ: فَرَحِمَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ، وبَعَثَ إلَيْهِمْ بِصَدَقَةٍ ومالٍ. وفِيهِ: فَلَمّا أصابَتْهُمُ الرَّفاهِيَةُ عادُوا إلى حالِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾، قالَ: يَعْنِي يَوْمَ بَدْرٍ. وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ: الدُّخانُ، واللِّزامُ، والبَطْشَةُ، والقَمَرُ، والرُّومُ. وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الأعْرَجُ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ﴾، هو يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ، لَمّا حَجَبَتِ السَّماءَ الغَبَرَةُ. وفي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ: أوَّلُ الآياتِ خُرُوجُ الدَّجّالِ، والدُّخانُ، ونُزُولُ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، ونارٌ تَخْرُجُ مِن قَعْرِ عَدَنَ، وفِيهِ قُلْتُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، وما الدُّخانُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ ؟ وذَكَرَ بَقِيَّةَ الحَدِيثِ، واخْتَصَرْناهُ بِدُخانٍ مُبِينٍ، أيْ ظاهِرٍ. لا شَكَّ أنَّهُ دُخانٌ ﴿يَغْشى النّاسَ﴾: يَشْمَلُهم. فَإنْ كانَ هو الَّذِي رَأتْهُ قُرَيْشٌ، فالنّاسُ خاصٌّ بِالكُفّارِ مِن أهْلِ مَكَّةَ، وقَدْ مَضى كَما قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وإنْ كانَ مِن أشْراطِ السّاعَةِ، أوْ يَوْمَ القِيامَةِ، فالنّاسُ عامٌّ فِيمَن أدْرَكَهُ وقْتُ الأشْراطِ، وعامٌّ بِالنّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ. (هَذا عَذابٌ) إلى (مُؤْمِنُونَ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلِ القَوْلِ مَحْذُوفًا، وهو في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ يَقُولُونَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنَ اللَّهِ، كَأنَّهُ تَعَجُّبٌ مِنهُ، كَما قالَ في قِصَّةِ الذَّبِيحِ: ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ [الصافات: ١٠٦] .
﴿إنّا مُؤْمِنُونَ﴾: وعْدٌ بِالإيمانِ إنْ كَشَفَ عَنْهُمُ العَذابَ، والإيمانُ واجِبٌ كُشِفَ العَذابُ أوْ لَمْ يُكْشَفْ.
﴿أنّى لَهُمُ الذِّكْرى﴾: أيْ كَيْفَ يَذَّكَّرُونَ ويَتَّعِظُونَ ويَقُولُونَ بِما وعَدُوهُ مِنَ الإيمانِ عِنْدَ كَشْفِ العَذابِ، وقَدْ جاءَهم ما هو أعْظَمُ ؟ وأُدْخِلَ في بابِ ”الِادِّكارِ مِن كَشْفِ الدُّخانِ“ ؟ وهو ما ظَهَرَ عَلى يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الآياتِ والبَيِّناتِ، مِنَ الكِتابِ المُعْجِزِ وغَيْرِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ، فَلَمْ يَذَّكَّرُوا، وتَوَلَّوْا عَنْهُ وبَهَتُوهُ بِأنَّ عَدّاسًا غُلامًا أعْجَمِيًّا لِبَعْضِ ثَقِيفٍ هو الَّذِي عَلَّمَهُ، ونَسَبُوهُ إلى الجُنُونِ. وقَرَأ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ: مُعَلِّمٌ، بِكَسْرِ اللّامِ.
﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا﴾: إخْبارٌ عَنْ إقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، ومُبالَغَةٌ في الإمْلاءِ لَهم. ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهم عائِدُونَ إلى الكُفْرِ. وقالَ قَتادَةُ: هو تَوَعُّدٌ بِمَعادِ الآخِرَةِ: وإنْ كانَ الخِطابُ لِقُرَيْشٍ حِينَ حَلَّ بِهِمُ الجَدْبُ، كانَ ظاهِرًا، وإنْ كانَ الدُّخانُ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ، فَإذا أتَتِ السَّماءُ بِالعَذابِ، تَضَرَّعَ مُنافِقُوهم وكافِرُوهم وقالُوا: رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ، إنّا مُؤْمِنُونَ. فَيَكْشِفُ عَنْهم، قِيلَ: بَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا، فَحِينَ (p-٣٥)يَكْشِفُهُ عَنْهم يَرْتَدُّونَ. ويَوْمُ البَطْشَةِ الكُبْرى عَلى هَذا هو يَوْمُ القِيامَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَإذا جاءَتِ الطّامَّةُ الكُبْرى﴾ [النازعات: ٣٤] . وكَوْنُهُ يَوْمَ القِيامَةِ، هو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ. وكَوْنُهُ يَوْمَ بَدْرٍ، هو قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ وأُبَيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ. وانْتَصَبَ يَوْمَ نَبْطِشُ، قِيلَ: بِذِكْراهم، وقِيلَ: بِـ نَنْتَقِمُ الدّالِّ عَلَيْهِ ”مُنْتَقِمُونَ“، وضَعُفَ بِأنَّهُ لا نَصْبَ إلّا بِالفِعْلِ، وقِيلَ: بِـ ”مُنْتَقِمُونَ“ . ورُدَّ بِأنَّ ما بَعْدَ إنَّ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: نَبْطِشُ، بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ الطّاءِ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ: بِضَمِّها، والحَسَنُ أيْضًا، وأبُو رَجاءٍ، وطَلْحَةُ: بِضَمِّ النُّونِ وكَسْرِ الطّاءِ، بِمَعْنى: نُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ مَن يَبْطِشُ بِهِمْ. و”البَطْشَةَ“ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ لَيْسَ مَنصُوبًا بِـ نَبْطِشُ، بَلْ بِمُقَدَّرٍ، أيْ نَبْطِشُ ذَلِكَ المُسَلِّطَ البَطْشَةَ، أوْ يَكُونُ ”البَطْشَةَ“ في مَعْنى الإبْطاشَةِ، فَيَنْتَصِبُ بِـ نَبْطِشُ.
﴿ولَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾: هَذا كالمِثالِ لِقُرَيْشٍ، ذُكِرَتْ قِصَّةُ مَن أُرْسِلَ إلَيْهِمْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَكَذَّبُوهُ، فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ. وقُرِئَ: فَتَّنّا، بِتَشْدِيدِ التّاءِ، لِلْمُبالَغَةِ في الفِعْلِ، أوِ التَّكْثِيرِ مُتَعَلِّقَةً ﴿وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾: أيْ كِرِيمٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ المُؤْمِنِينَ، قالَهُ الفَرّاءُ، أوْ كَرِيمٌ في نَفْسِهِ، لِأنَّ الأنْبِياءَ إنَّما يُبْعَثُونَ مِن سَرَواتِ النّاسِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ، أوْ كِرِيمٌ حَسَنُ الخُلُقِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أنْ تَفْسِيرِيَّةً، لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ما يَدُلُّ عَلى مَعْنى القَوْلِ، وهو رَسُولٌ كَرِيمٌ، وأنْ تَكُونَ أنْ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ أوِ النّاصِبَةِ لِلْمُضارِعِ، فَإنَّها تُوصَلُ بِالأمْرِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أنْ أدُّوا إلَيَّ الطّاعَةَ يا عِبادَ اللَّهِ: أيِ اتَّبِعُونِي عَلى ما أدْعُوكم إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ. وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: طَلَبَ مِنهم أنْ يُؤَدُّوا إلَيْهِ بَنِي إسْرائِيلَ، كَما قالَ: ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧] . فَعَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ: عِبادَ اللَّهِ: مُنادًى، ومَفْعُولُ أدُّوا مَحْذُوفٌ، وعَلى قَوْلِ مُجاهِدٍ ومَن ذُكِرَ مَعَهُ: عِبادَ اللَّهِ: مَفْعُولُ أدُّوا.
﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾: أيْ غَيْرُ مُتَّهَمٍ، قَدِ ائْتَمَنَنِي اللَّهُ عَلى وحْيِهِ ورِسالَتِهِ.
﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ﴾: أيْ لا تَسْتَكْبِرُوا عَلى عِبادَةِ اللَّهِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لا تَعْظُمُوا عَلى اللَّهِ. قِيلَ: والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ التَّعْظِيمَ تَطاوُلُ المُقْتَدِرِ والِاسْتِكْبارَ تَرَفُّعُ المُحْتَقَرِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ، وأنْ هُنا كانَ السّابِقُ في أوْجُهِها الثَّلاثَةَ.
﴿إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾: أيْ بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ في نَفْسِها ومُوَضِّحَةٍ صِدْقَ دَعْوايَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: إنِّي، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، عَلى سَبِيلِ الإخْبارِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. والمَعْنى: لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ مِن أجْلِ أنِّي آتِيكم، فَهَذا تَوْبِيخٌ لَهم، كَما تَقُولُ: أتَغْضَبُ إنْ قالَ لَكَ الحَقَّ ؟ ﴿وإنِّي عُذْتُ﴾: أيِ اسْتَجَرْتُ ﴿بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾: كانُوا قَدْ تَوَعَّدُوهُ بِالقَتْلِ، فاسْتَعاذَ مِن ذَلِكَ. وقُرِئَ: عُدْتُ، بِالإدْغامِ. قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: الرَّجْمُ هُنا بِالحِجارَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو صالِحٍ: بِالشَّتْمِ، وقَوْلُ قَتادَةَ أظْهَرُ، لِأنَّهُ قَدْ وقَعَ مِنهم في حَقِّهِ ألْفاظٌ لا تُناسِبُ، وهَذِهِ المَعاذَةُ كانَتْ قَبْلَ أنْ يُخْبِرَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما﴾ [القصص: ٣٥] .
﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي﴾ أيْ تُصَدِّقُوا ﴿فاعْتَزِلُونِ﴾ أيْ كُونُوا بِمَعْزَلٍ وهَذِهِ مُشارَكَةٌ حَسَنَةٌ، ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠]، ﴿أنَّ هَؤُلاءِ﴾: لَفْظُ تَحْقِيرٍ لَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أنَّ هَؤُلاءِ، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، أيْ بِأنَّ هَؤُلاءِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى، والحَسَنُ في رِوايَةٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِكَسْرِها.
﴿فَأسْرِ بِعِبادِي﴾: في الكَلامِ حَذْفٌ، أيْ فانْتَقِمْ مِنهم، فَقالَ لَهُ اللَّهُ: أسْرِ بِعِبادِي، وهم بَنُو إسْرائِيلَ ومَن آمَنَ بِهِ مِنَ القِبْطِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِيهِ وجْهانِ: إضْمارُ القَوْلِ بَعْدَ الفاءِ، فَقالَ: أسْرِ بِعِبادِي، وأنْ يَكُونَ جَوابًا لِشَرْطٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: قالَ إنْ كانَ الأمْرُ كَما تَقُولُ، فَأسْرِ بِعِبادِي. انْتَهى. وكَثِيرًا ما يُجِيزُ هَذا الرَّجُلُ حَذْفَ الشَّرْطِ وإبْقاءَ جَوابِهِ، وهو لا يَجُوزُ إلّا لِدَلِيلٍ واضِحٍ، كَأنْ يَتَقَدَّمُهُ الأمْرُ وما أشْبَهَهُ مِمّا ذُكِرَ في النَّحْوِ، عَلى خِلافٍ في ذَلِكَ.
﴿إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾: أيْ يَتَّبِعُكم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ، فَتَنْجُونَ ويَغْرَقُ المُتَّبَعُونَ.
﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا﴾: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ساكِنًا كَما أجْراهُ. وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ: يَبَسًا مِن قَوْلِهِ: ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا﴾ [طه: ٧٧] . وقالَ الضَّحّاكُ: دَمِثًا لَيِّنًا. (p-٣٦)وقالَ عِكْرِمَةُ: جُدُدًا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: سَهْلًا. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: مُنْفَرِدًا. قالَ قَتادَةُ: أرادَ مُوسى أنْ يَضْرِبَ البَحْرَ بِعَصاهُ، لَمّا قَطَعَهُ، حَتّى يَلْتَئِمَ، وخافَ أنْ يَتْبَعَهُ فِرْعَوْنُ، فَقِيلَ: لِمَهْ هَذا ؟ ﴿إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾: أيْ فِيهِ، لِأنَّهم إذا رَأوْهُ ساكِنًا عَلى حالَتِهِ حِينَ دَخَلَ فِيهِ مُوسى وبَنُو إسْرائِيلَ، أوْ مَفْتُوحًا طَرِيقًا يَبَسًا، دَخَلُوا فِيهِ، فَيُطْبِقُهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
﴿كَمْ تَرَكُوا﴾: أيْ كَثِيرًا تَرَكُوا.
﴿مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾: تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُما في الشُّعَراءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ومَقامٍ)، بِفَتْحِ المِيمِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: أرادَ المَقامَ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ، وقَتادَةُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، ونافِعٌ: في رِوايَةٍ خارِجَةٍ بِضَمِّها. قالَ قَتادَةُ: أرادَ المَواضِعَ الحِسانَ مِنَ المَجالِسِ والمَساكِنِ وغَيْرِها. (ونَعْمَةٍ)، بِفَتْحِ النُّونِ: نَضارَةُ العَيْشِ ولَذاذَةُ الحَياةِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: (ونَعْمَةٍ)، بِالنَّصْبِ، عَطْفًا عَلى كَمْ ﴿كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ: بِألِفٍ، أيْ طَيِّبِيِ الأنْفُسِ وأصْحابِ فاكِهَةٍ، كَلابِنٍ، وتامِرٍ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ: بِغَيْرِ ألِفٍ. والفَكِهُ يُسْتَعْمَلُ كَثِيرًا في المُسْتَخِفِّ المُسْتَهْزِئِ، فَكَأنَّهم كانُوا مُسْتَخِفِّينَ بِشَكْلِ النِّعْمَةِ الَّتِي كانُوا فِيها. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: فَكِهَ الرَّجُلُ، بِالكَسْرِ، فَهو فَكِهٌ إذا كانَ مَزّاحًا، والفَكِهُ أيْضًا الأشِرُ. وقالَ القُشَيْرِيُّ: فاكِهِينَ: لاهِينَ كَذَلِكَ. وقالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: الأمْرُ كَذَلِكَ، فَيُوقَفُ عَلى كَذَلِكَ، والكافُ في مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقِيلَ: الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ يَفْعَلُ فِعْلًا كَذَلِكَ، لِمَن يُرِيدُ إهْلاكَهُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: كَذَلِكَ أفْعَلُ بِمَن عَصانِي. وقالَ الحَوْفِيُّ: أهْلَكْنا إهْلاكًا، وانْتَقَمْنا انْتِقامًا كَذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الكافُ مَنصُوبَةٌ عَلى مَعْنى: مِثْلَ ذَلِكَ الإخْراجِ أخْرَجْناهم مِنها، ﴿وأوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ لَيْسُوا مِنهم، وهم بَنُو إسْرائِيلَ. كانُوا مُسْتَعْبَدِينَ في يَدِ القِبْطِ، فَأهْلَكَ اللَّهُ تَعالى القِبْطَ عَلى أيْدِيهِمْ وأوْرَثَهم مُلْكَهم. وقالَ قَتادَةُ، وقالَ الحَسَنُ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ رَجَعُوا إلى مِصْرَ بَعْدَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ، وضُعِّفَ قَوْلُ قَتادَةَ بِأنَّهُ لَمْ يُرْوَ في مَشْهُورِ التَّوارِيخِ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ رَجَعُوا إلى مِصْرَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ الزَّمانِ، ولا مَلَكُوها قَطُّ، إلّا أنْ يُرِيدَ قَتادَةُ أنَّهم ورِثُوا نَوْعَها في بِلادِ الشَّأْمِ. انْتَهى. ولا اعْتِبارَ بِالتَّوارِيخِ، فالكَذِبُ فِيها كَثِيرٌ، وكَلامُ اللَّهِ صِدْقٌ. قالَ تَعالى في سُورَةِ الشُّعَراءِ: ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٩] وقِيلَ: قَوْمًا آخَرِينَ مِمَّنْ مَلَكَ مِصْرَ بَعْدَ القِبْطِ مِن غَيْرِ بَنِي إسْرائِيلَ.
﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ﴾: اسْتِعارَةٌ لِتَحْقِيرِ أمْرِهِمْ، وأنَّهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ هَلاكِهِمْ شَيْءٌ. ويُقالُ في التَّعْظِيمِ: بَكَتْ عَلَيْهِ السَّماءُ والأرْضُ، وبَكَتْهُ الرِّيحُ، وأظْلَمَتْ لَهُ الشَّمْسُ. وقالَ زَيْدُ بْنُ مُفَرِّغٍ:
؎الرِّيحُ تَبْكِي شَجْوَهُ والبَرْقُ يَلْمَعُ في غَمامِهِ
وقالَ جَرِيرٌ:
؎فالشَّمْسُ طالِعَةٌ لَيْسَتْ بِكاسِفَةٍ ∗∗∗ تَبْكِي عَلَيْكَ نُجُومُ اللَّيْلِ والقَمَرُ
وقالَ النّابِغَةُ:
؎بَكى حارِثُ الجَوْلانِ مِن فَقْدِ رَبِّهِ ∗∗∗ وحَوْرانُ مِنهُ خاشِعٌ مُتَضائِلُ
وقالَ جَرِيرٌ:
؎لَمّا أتى الزَّهْوُ تَواضَعَتْ ∗∗∗ سُورُ المَدِينَةِ والجِبالُ الخُشَّعُ
ويَقُولُ في التَّحْقِيرِ: ماتَ فُلانٌ، فَما خَشَعَتِ الجِبالُ. ونِسْبَةُ هَذِهِ الأشْياءِ لِما لا يَعْقِلُ ولا يَصِيرُ ذَلِكَ مِنهُ حَقِيقَةً، عِبارَةٌ عَنْ تَأثُّرِ النّاسِ لَهُ، أوْ عَنْ عَدَمِهِ. وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: فَما بَكى عَلَيْهِمْ أهْلُ السَّماءِ وأهْلُ المَلائِكَةِ وأهْلُ الأرْضِ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ، بَلْ كانُوا بِهَلاكِهِمْ مَسْرُورِينَ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ. وما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ: إنَّ المُؤْمِنَ إذا ماتَ، بَكى عَلَيْهِ مِنَ (p-٣٧)الأرْضِ مَوْضِعُ عِبادَتِهِ أرْبَعِينَ صَباحًا، وبَكى عَلَيْهِ في السَّماءِ مَوْضِعُ صُعُودِ عَمَلِهِ. قالُوا: فَلَمْ يَكُنْ في قَوْمِ فِرْعَوْنَ مَن هَذِهِ حالُهُ تَمْثِيلٌ.
﴿وما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾: أيْ مُؤَخَّرِينَ عَنِ العَذابِ لَمّا حانَ وقْتُ هَلاكِهِمْ، بَلْ عَجَّلَ اللَّهُ لَهم ذَلِكَ في الدُّنْيا.
الدخان 44:18
﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ . قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدٌ الخُدْرِيُّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والحَسَنُ: هو دُخانٌ يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ، يُصِيبُ المُؤْمِنَ مِنهُ مِثْلُ الزُّكامِ، ويُنْضِجُ رُءُوسَ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ، حَتّى تَكُونَ مِصْلَقَةٌ حَنِيذَةٌ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو العالِيَةِ، والنَّخَعِيُّ: هو الدُّخانُ الَّذِي رَأتْهُ قُرَيْشٌ. قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ: إنَّ قاصًّا عِنْدَ أبْوابِ كِنْدَةَ يَقُولُ إنَّهُ دُخانٌ يَأْتِي يَوْمَ القِيامَةِ، فَيَأْخُذُ أنْفاسَ النّاسِ، فَقالَ: مَن عَلِمَ عِلْمًا فَلْيَقُلْ بِهِ، ومَن لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلْ: اللَّهُ أعْلَمُ. ألا وسَأُحَدِّثُكم أنَّ قُرَيْشًا لَمّا اسْتَعْصَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، دَعا عَلَيْهِمْ فَقالَ: «اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ واجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ»، فَأصابَهُمُ الجَهْدُ حَتّى أكَلُوا الجِيَفَ، والعِلْهِزُ. والعِلْهِزُ: الصُّوفُ يَقَعُ فِيهِ القُرادُ فَيُشْوى الصُّوفُ بِدَمِ القُرادِ ويُؤْكَلُ. وفِيهِ أيْضًا: حَتّى أكَلُوا العِظامَ. وكانَ الرَّجُلُ يَرى بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ الدُّخانَ، وكانَ يُحَدَّثُ الرَّجُلُ فَيَسْمَعُ الكَلامَ ولا يَرى المُحَدِّثَ مِنَ الدُّخانِ. فَمَشى إلَيْهِ أبُو سُفْيانَ ونَفَرٌ مَعَهُ، وناشَدَهُ اللَّهَ والرَّحِمَ، وواعَدُوهُ، إنْ دَعا لَهم وكَشَفَ عَنْهم، أنْ يُؤْمِنُوا. فَلَمّا كَشَفَ عَنْهم، رَجَعُوا إلى شِرْكِهِمْ. وفِيهِ: فَرَحِمَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ، وبَعَثَ إلَيْهِمْ بِصَدَقَةٍ ومالٍ. وفِيهِ: فَلَمّا أصابَتْهُمُ الرَّفاهِيَةُ عادُوا إلى حالِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾، قالَ: يَعْنِي يَوْمَ بَدْرٍ. وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ: الدُّخانُ، واللِّزامُ، والبَطْشَةُ، والقَمَرُ، والرُّومُ. وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الأعْرَجُ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ﴾، هو يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ، لَمّا حَجَبَتِ السَّماءَ الغَبَرَةُ. وفي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ: أوَّلُ الآياتِ خُرُوجُ الدَّجّالِ، والدُّخانُ، ونُزُولُ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، ونارٌ تَخْرُجُ مِن قَعْرِ عَدَنَ، وفِيهِ قُلْتُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، وما الدُّخانُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ ؟ وذَكَرَ بَقِيَّةَ الحَدِيثِ، واخْتَصَرْناهُ بِدُخانٍ مُبِينٍ، أيْ ظاهِرٍ. لا شَكَّ أنَّهُ دُخانٌ ﴿يَغْشى النّاسَ﴾: يَشْمَلُهم. فَإنْ كانَ هو الَّذِي رَأتْهُ قُرَيْشٌ، فالنّاسُ خاصٌّ بِالكُفّارِ مِن أهْلِ مَكَّةَ، وقَدْ مَضى كَما قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وإنْ كانَ مِن أشْراطِ السّاعَةِ، أوْ يَوْمَ القِيامَةِ، فالنّاسُ عامٌّ فِيمَن أدْرَكَهُ وقْتُ الأشْراطِ، وعامٌّ بِالنّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ. (هَذا عَذابٌ) إلى (مُؤْمِنُونَ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلِ القَوْلِ مَحْذُوفًا، وهو في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ يَقُولُونَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنَ اللَّهِ، كَأنَّهُ تَعَجُّبٌ مِنهُ، كَما قالَ في قِصَّةِ الذَّبِيحِ: ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ [الصافات: ١٠٦] .
﴿إنّا مُؤْمِنُونَ﴾: وعْدٌ بِالإيمانِ إنْ كَشَفَ عَنْهُمُ العَذابَ، والإيمانُ واجِبٌ كُشِفَ العَذابُ أوْ لَمْ يُكْشَفْ.
﴿أنّى لَهُمُ الذِّكْرى﴾: أيْ كَيْفَ يَذَّكَّرُونَ ويَتَّعِظُونَ ويَقُولُونَ بِما وعَدُوهُ مِنَ الإيمانِ عِنْدَ كَشْفِ العَذابِ، وقَدْ جاءَهم ما هو أعْظَمُ ؟ وأُدْخِلَ في بابِ ”الِادِّكارِ مِن كَشْفِ الدُّخانِ“ ؟ وهو ما ظَهَرَ عَلى يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الآياتِ والبَيِّناتِ، مِنَ الكِتابِ المُعْجِزِ وغَيْرِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ، فَلَمْ يَذَّكَّرُوا، وتَوَلَّوْا عَنْهُ وبَهَتُوهُ بِأنَّ عَدّاسًا غُلامًا أعْجَمِيًّا لِبَعْضِ ثَقِيفٍ هو الَّذِي عَلَّمَهُ، ونَسَبُوهُ إلى الجُنُونِ. وقَرَأ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ: مُعَلِّمٌ، بِكَسْرِ اللّامِ.
﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا﴾: إخْبارٌ عَنْ إقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، ومُبالَغَةٌ في الإمْلاءِ لَهم. ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهم عائِدُونَ إلى الكُفْرِ. وقالَ قَتادَةُ: هو تَوَعُّدٌ بِمَعادِ الآخِرَةِ: وإنْ كانَ الخِطابُ لِقُرَيْشٍ حِينَ حَلَّ بِهِمُ الجَدْبُ، كانَ ظاهِرًا، وإنْ كانَ الدُّخانُ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ، فَإذا أتَتِ السَّماءُ بِالعَذابِ، تَضَرَّعَ مُنافِقُوهم وكافِرُوهم وقالُوا: رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ، إنّا مُؤْمِنُونَ. فَيَكْشِفُ عَنْهم، قِيلَ: بَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا، فَحِينَ (p-٣٥)يَكْشِفُهُ عَنْهم يَرْتَدُّونَ. ويَوْمُ البَطْشَةِ الكُبْرى عَلى هَذا هو يَوْمُ القِيامَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَإذا جاءَتِ الطّامَّةُ الكُبْرى﴾ [النازعات: ٣٤] . وكَوْنُهُ يَوْمَ القِيامَةِ، هو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ. وكَوْنُهُ يَوْمَ بَدْرٍ، هو قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ وأُبَيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ. وانْتَصَبَ يَوْمَ نَبْطِشُ، قِيلَ: بِذِكْراهم، وقِيلَ: بِـ نَنْتَقِمُ الدّالِّ عَلَيْهِ ”مُنْتَقِمُونَ“، وضَعُفَ بِأنَّهُ لا نَصْبَ إلّا بِالفِعْلِ، وقِيلَ: بِـ ”مُنْتَقِمُونَ“ . ورُدَّ بِأنَّ ما بَعْدَ إنَّ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: نَبْطِشُ، بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ الطّاءِ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ: بِضَمِّها، والحَسَنُ أيْضًا، وأبُو رَجاءٍ، وطَلْحَةُ: بِضَمِّ النُّونِ وكَسْرِ الطّاءِ، بِمَعْنى: نُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ مَن يَبْطِشُ بِهِمْ. و”البَطْشَةَ“ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ لَيْسَ مَنصُوبًا بِـ نَبْطِشُ، بَلْ بِمُقَدَّرٍ، أيْ نَبْطِشُ ذَلِكَ المُسَلِّطَ البَطْشَةَ، أوْ يَكُونُ ”البَطْشَةَ“ في مَعْنى الإبْطاشَةِ، فَيَنْتَصِبُ بِـ نَبْطِشُ.
﴿ولَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾: هَذا كالمِثالِ لِقُرَيْشٍ، ذُكِرَتْ قِصَّةُ مَن أُرْسِلَ إلَيْهِمْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَكَذَّبُوهُ، فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ. وقُرِئَ: فَتَّنّا، بِتَشْدِيدِ التّاءِ، لِلْمُبالَغَةِ في الفِعْلِ، أوِ التَّكْثِيرِ مُتَعَلِّقَةً ﴿وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾: أيْ كِرِيمٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ المُؤْمِنِينَ، قالَهُ الفَرّاءُ، أوْ كَرِيمٌ في نَفْسِهِ، لِأنَّ الأنْبِياءَ إنَّما يُبْعَثُونَ مِن سَرَواتِ النّاسِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ، أوْ كِرِيمٌ حَسَنُ الخُلُقِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أنْ تَفْسِيرِيَّةً، لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ما يَدُلُّ عَلى مَعْنى القَوْلِ، وهو رَسُولٌ كَرِيمٌ، وأنْ تَكُونَ أنْ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ أوِ النّاصِبَةِ لِلْمُضارِعِ، فَإنَّها تُوصَلُ بِالأمْرِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أنْ أدُّوا إلَيَّ الطّاعَةَ يا عِبادَ اللَّهِ: أيِ اتَّبِعُونِي عَلى ما أدْعُوكم إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ. وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: طَلَبَ مِنهم أنْ يُؤَدُّوا إلَيْهِ بَنِي إسْرائِيلَ، كَما قالَ: ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧] . فَعَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ: عِبادَ اللَّهِ: مُنادًى، ومَفْعُولُ أدُّوا مَحْذُوفٌ، وعَلى قَوْلِ مُجاهِدٍ ومَن ذُكِرَ مَعَهُ: عِبادَ اللَّهِ: مَفْعُولُ أدُّوا.
﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾: أيْ غَيْرُ مُتَّهَمٍ، قَدِ ائْتَمَنَنِي اللَّهُ عَلى وحْيِهِ ورِسالَتِهِ.
﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ﴾: أيْ لا تَسْتَكْبِرُوا عَلى عِبادَةِ اللَّهِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لا تَعْظُمُوا عَلى اللَّهِ. قِيلَ: والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ التَّعْظِيمَ تَطاوُلُ المُقْتَدِرِ والِاسْتِكْبارَ تَرَفُّعُ المُحْتَقَرِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ، وأنْ هُنا كانَ السّابِقُ في أوْجُهِها الثَّلاثَةَ.
﴿إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾: أيْ بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ في نَفْسِها ومُوَضِّحَةٍ صِدْقَ دَعْوايَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: إنِّي، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، عَلى سَبِيلِ الإخْبارِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. والمَعْنى: لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ مِن أجْلِ أنِّي آتِيكم، فَهَذا تَوْبِيخٌ لَهم، كَما تَقُولُ: أتَغْضَبُ إنْ قالَ لَكَ الحَقَّ ؟ ﴿وإنِّي عُذْتُ﴾: أيِ اسْتَجَرْتُ ﴿بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾: كانُوا قَدْ تَوَعَّدُوهُ بِالقَتْلِ، فاسْتَعاذَ مِن ذَلِكَ. وقُرِئَ: عُدْتُ، بِالإدْغامِ. قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: الرَّجْمُ هُنا بِالحِجارَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو صالِحٍ: بِالشَّتْمِ، وقَوْلُ قَتادَةَ أظْهَرُ، لِأنَّهُ قَدْ وقَعَ مِنهم في حَقِّهِ ألْفاظٌ لا تُناسِبُ، وهَذِهِ المَعاذَةُ كانَتْ قَبْلَ أنْ يُخْبِرَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما﴾ [القصص: ٣٥] .
﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي﴾ أيْ تُصَدِّقُوا ﴿فاعْتَزِلُونِ﴾ أيْ كُونُوا بِمَعْزَلٍ وهَذِهِ مُشارَكَةٌ حَسَنَةٌ، ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠]، ﴿أنَّ هَؤُلاءِ﴾: لَفْظُ تَحْقِيرٍ لَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أنَّ هَؤُلاءِ، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، أيْ بِأنَّ هَؤُلاءِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى، والحَسَنُ في رِوايَةٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِكَسْرِها.
﴿فَأسْرِ بِعِبادِي﴾: في الكَلامِ حَذْفٌ، أيْ فانْتَقِمْ مِنهم، فَقالَ لَهُ اللَّهُ: أسْرِ بِعِبادِي، وهم بَنُو إسْرائِيلَ ومَن آمَنَ بِهِ مِنَ القِبْطِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِيهِ وجْهانِ: إضْمارُ القَوْلِ بَعْدَ الفاءِ، فَقالَ: أسْرِ بِعِبادِي، وأنْ يَكُونَ جَوابًا لِشَرْطٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: قالَ إنْ كانَ الأمْرُ كَما تَقُولُ، فَأسْرِ بِعِبادِي. انْتَهى. وكَثِيرًا ما يُجِيزُ هَذا الرَّجُلُ حَذْفَ الشَّرْطِ وإبْقاءَ جَوابِهِ، وهو لا يَجُوزُ إلّا لِدَلِيلٍ واضِحٍ، كَأنْ يَتَقَدَّمُهُ الأمْرُ وما أشْبَهَهُ مِمّا ذُكِرَ في النَّحْوِ، عَلى خِلافٍ في ذَلِكَ.
﴿إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾: أيْ يَتَّبِعُكم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ، فَتَنْجُونَ ويَغْرَقُ المُتَّبَعُونَ.
﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا﴾: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ساكِنًا كَما أجْراهُ. وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ: يَبَسًا مِن قَوْلِهِ: ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا﴾ [طه: ٧٧] . وقالَ الضَّحّاكُ: دَمِثًا لَيِّنًا. (p-٣٦)وقالَ عِكْرِمَةُ: جُدُدًا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: سَهْلًا. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: مُنْفَرِدًا. قالَ قَتادَةُ: أرادَ مُوسى أنْ يَضْرِبَ البَحْرَ بِعَصاهُ، لَمّا قَطَعَهُ، حَتّى يَلْتَئِمَ، وخافَ أنْ يَتْبَعَهُ فِرْعَوْنُ، فَقِيلَ: لِمَهْ هَذا ؟ ﴿إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾: أيْ فِيهِ، لِأنَّهم إذا رَأوْهُ ساكِنًا عَلى حالَتِهِ حِينَ دَخَلَ فِيهِ مُوسى وبَنُو إسْرائِيلَ، أوْ مَفْتُوحًا طَرِيقًا يَبَسًا، دَخَلُوا فِيهِ، فَيُطْبِقُهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
﴿كَمْ تَرَكُوا﴾: أيْ كَثِيرًا تَرَكُوا.
﴿مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾: تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُما في الشُّعَراءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ومَقامٍ)، بِفَتْحِ المِيمِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: أرادَ المَقامَ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ، وقَتادَةُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، ونافِعٌ: في رِوايَةٍ خارِجَةٍ بِضَمِّها. قالَ قَتادَةُ: أرادَ المَواضِعَ الحِسانَ مِنَ المَجالِسِ والمَساكِنِ وغَيْرِها. (ونَعْمَةٍ)، بِفَتْحِ النُّونِ: نَضارَةُ العَيْشِ ولَذاذَةُ الحَياةِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: (ونَعْمَةٍ)، بِالنَّصْبِ، عَطْفًا عَلى كَمْ ﴿كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ: بِألِفٍ، أيْ طَيِّبِيِ الأنْفُسِ وأصْحابِ فاكِهَةٍ، كَلابِنٍ، وتامِرٍ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ: بِغَيْرِ ألِفٍ. والفَكِهُ يُسْتَعْمَلُ كَثِيرًا في المُسْتَخِفِّ المُسْتَهْزِئِ، فَكَأنَّهم كانُوا مُسْتَخِفِّينَ بِشَكْلِ النِّعْمَةِ الَّتِي كانُوا فِيها. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: فَكِهَ الرَّجُلُ، بِالكَسْرِ، فَهو فَكِهٌ إذا كانَ مَزّاحًا، والفَكِهُ أيْضًا الأشِرُ. وقالَ القُشَيْرِيُّ: فاكِهِينَ: لاهِينَ كَذَلِكَ. وقالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: الأمْرُ كَذَلِكَ، فَيُوقَفُ عَلى كَذَلِكَ، والكافُ في مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقِيلَ: الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ يَفْعَلُ فِعْلًا كَذَلِكَ، لِمَن يُرِيدُ إهْلاكَهُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: كَذَلِكَ أفْعَلُ بِمَن عَصانِي. وقالَ الحَوْفِيُّ: أهْلَكْنا إهْلاكًا، وانْتَقَمْنا انْتِقامًا كَذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الكافُ مَنصُوبَةٌ عَلى مَعْنى: مِثْلَ ذَلِكَ الإخْراجِ أخْرَجْناهم مِنها، ﴿وأوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ لَيْسُوا مِنهم، وهم بَنُو إسْرائِيلَ. كانُوا مُسْتَعْبَدِينَ في يَدِ القِبْطِ، فَأهْلَكَ اللَّهُ تَعالى القِبْطَ عَلى أيْدِيهِمْ وأوْرَثَهم مُلْكَهم. وقالَ قَتادَةُ، وقالَ الحَسَنُ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ رَجَعُوا إلى مِصْرَ بَعْدَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ، وضُعِّفَ قَوْلُ قَتادَةَ بِأنَّهُ لَمْ يُرْوَ في مَشْهُورِ التَّوارِيخِ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ رَجَعُوا إلى مِصْرَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ الزَّمانِ، ولا مَلَكُوها قَطُّ، إلّا أنْ يُرِيدَ قَتادَةُ أنَّهم ورِثُوا نَوْعَها في بِلادِ الشَّأْمِ. انْتَهى. ولا اعْتِبارَ بِالتَّوارِيخِ، فالكَذِبُ فِيها كَثِيرٌ، وكَلامُ اللَّهِ صِدْقٌ. قالَ تَعالى في سُورَةِ الشُّعَراءِ: ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٩] وقِيلَ: قَوْمًا آخَرِينَ مِمَّنْ مَلَكَ مِصْرَ بَعْدَ القِبْطِ مِن غَيْرِ بَنِي إسْرائِيلَ.
﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ﴾: اسْتِعارَةٌ لِتَحْقِيرِ أمْرِهِمْ، وأنَّهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ هَلاكِهِمْ شَيْءٌ. ويُقالُ في التَّعْظِيمِ: بَكَتْ عَلَيْهِ السَّماءُ والأرْضُ، وبَكَتْهُ الرِّيحُ، وأظْلَمَتْ لَهُ الشَّمْسُ. وقالَ زَيْدُ بْنُ مُفَرِّغٍ:
؎الرِّيحُ تَبْكِي شَجْوَهُ والبَرْقُ يَلْمَعُ في غَمامِهِ
وقالَ جَرِيرٌ:
؎فالشَّمْسُ طالِعَةٌ لَيْسَتْ بِكاسِفَةٍ ∗∗∗ تَبْكِي عَلَيْكَ نُجُومُ اللَّيْلِ والقَمَرُ
وقالَ النّابِغَةُ:
؎بَكى حارِثُ الجَوْلانِ مِن فَقْدِ رَبِّهِ ∗∗∗ وحَوْرانُ مِنهُ خاشِعٌ مُتَضائِلُ
وقالَ جَرِيرٌ:
؎لَمّا أتى الزَّهْوُ تَواضَعَتْ ∗∗∗ سُورُ المَدِينَةِ والجِبالُ الخُشَّعُ
ويَقُولُ في التَّحْقِيرِ: ماتَ فُلانٌ، فَما خَشَعَتِ الجِبالُ. ونِسْبَةُ هَذِهِ الأشْياءِ لِما لا يَعْقِلُ ولا يَصِيرُ ذَلِكَ مِنهُ حَقِيقَةً، عِبارَةٌ عَنْ تَأثُّرِ النّاسِ لَهُ، أوْ عَنْ عَدَمِهِ. وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: فَما بَكى عَلَيْهِمْ أهْلُ السَّماءِ وأهْلُ المَلائِكَةِ وأهْلُ الأرْضِ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ، بَلْ كانُوا بِهَلاكِهِمْ مَسْرُورِينَ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ. وما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ: إنَّ المُؤْمِنَ إذا ماتَ، بَكى عَلَيْهِ مِنَ (p-٣٧)الأرْضِ مَوْضِعُ عِبادَتِهِ أرْبَعِينَ صَباحًا، وبَكى عَلَيْهِ في السَّماءِ مَوْضِعُ صُعُودِ عَمَلِهِ. قالُوا: فَلَمْ يَكُنْ في قَوْمِ فِرْعَوْنَ مَن هَذِهِ حالُهُ تَمْثِيلٌ.
﴿وما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾: أيْ مُؤَخَّرِينَ عَنِ العَذابِ لَمّا حانَ وقْتُ هَلاكِهِمْ، بَلْ عَجَّلَ اللَّهُ لَهم ذَلِكَ في الدُّنْيا.
الدخان 44:19
﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ . قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدٌ الخُدْرِيُّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والحَسَنُ: هو دُخانٌ يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ، يُصِيبُ المُؤْمِنَ مِنهُ مِثْلُ الزُّكامِ، ويُنْضِجُ رُءُوسَ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ، حَتّى تَكُونَ مِصْلَقَةٌ حَنِيذَةٌ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو العالِيَةِ، والنَّخَعِيُّ: هو الدُّخانُ الَّذِي رَأتْهُ قُرَيْشٌ. قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ: إنَّ قاصًّا عِنْدَ أبْوابِ كِنْدَةَ يَقُولُ إنَّهُ دُخانٌ يَأْتِي يَوْمَ القِيامَةِ، فَيَأْخُذُ أنْفاسَ النّاسِ، فَقالَ: مَن عَلِمَ عِلْمًا فَلْيَقُلْ بِهِ، ومَن لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلْ: اللَّهُ أعْلَمُ. ألا وسَأُحَدِّثُكم أنَّ قُرَيْشًا لَمّا اسْتَعْصَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، دَعا عَلَيْهِمْ فَقالَ: «اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ واجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ»، فَأصابَهُمُ الجَهْدُ حَتّى أكَلُوا الجِيَفَ، والعِلْهِزُ. والعِلْهِزُ: الصُّوفُ يَقَعُ فِيهِ القُرادُ فَيُشْوى الصُّوفُ بِدَمِ القُرادِ ويُؤْكَلُ. وفِيهِ أيْضًا: حَتّى أكَلُوا العِظامَ. وكانَ الرَّجُلُ يَرى بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ الدُّخانَ، وكانَ يُحَدَّثُ الرَّجُلُ فَيَسْمَعُ الكَلامَ ولا يَرى المُحَدِّثَ مِنَ الدُّخانِ. فَمَشى إلَيْهِ أبُو سُفْيانَ ونَفَرٌ مَعَهُ، وناشَدَهُ اللَّهَ والرَّحِمَ، وواعَدُوهُ، إنْ دَعا لَهم وكَشَفَ عَنْهم، أنْ يُؤْمِنُوا. فَلَمّا كَشَفَ عَنْهم، رَجَعُوا إلى شِرْكِهِمْ. وفِيهِ: فَرَحِمَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ، وبَعَثَ إلَيْهِمْ بِصَدَقَةٍ ومالٍ. وفِيهِ: فَلَمّا أصابَتْهُمُ الرَّفاهِيَةُ عادُوا إلى حالِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾، قالَ: يَعْنِي يَوْمَ بَدْرٍ. وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ: الدُّخانُ، واللِّزامُ، والبَطْشَةُ، والقَمَرُ، والرُّومُ. وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الأعْرَجُ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ﴾، هو يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ، لَمّا حَجَبَتِ السَّماءَ الغَبَرَةُ. وفي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ: أوَّلُ الآياتِ خُرُوجُ الدَّجّالِ، والدُّخانُ، ونُزُولُ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، ونارٌ تَخْرُجُ مِن قَعْرِ عَدَنَ، وفِيهِ قُلْتُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، وما الدُّخانُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ ؟ وذَكَرَ بَقِيَّةَ الحَدِيثِ، واخْتَصَرْناهُ بِدُخانٍ مُبِينٍ، أيْ ظاهِرٍ. لا شَكَّ أنَّهُ دُخانٌ ﴿يَغْشى النّاسَ﴾: يَشْمَلُهم. فَإنْ كانَ هو الَّذِي رَأتْهُ قُرَيْشٌ، فالنّاسُ خاصٌّ بِالكُفّارِ مِن أهْلِ مَكَّةَ، وقَدْ مَضى كَما قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وإنْ كانَ مِن أشْراطِ السّاعَةِ، أوْ يَوْمَ القِيامَةِ، فالنّاسُ عامٌّ فِيمَن أدْرَكَهُ وقْتُ الأشْراطِ، وعامٌّ بِالنّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ. (هَذا عَذابٌ) إلى (مُؤْمِنُونَ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلِ القَوْلِ مَحْذُوفًا، وهو في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ يَقُولُونَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنَ اللَّهِ، كَأنَّهُ تَعَجُّبٌ مِنهُ، كَما قالَ في قِصَّةِ الذَّبِيحِ: ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ [الصافات: ١٠٦] .
﴿إنّا مُؤْمِنُونَ﴾: وعْدٌ بِالإيمانِ إنْ كَشَفَ عَنْهُمُ العَذابَ، والإيمانُ واجِبٌ كُشِفَ العَذابُ أوْ لَمْ يُكْشَفْ.
﴿أنّى لَهُمُ الذِّكْرى﴾: أيْ كَيْفَ يَذَّكَّرُونَ ويَتَّعِظُونَ ويَقُولُونَ بِما وعَدُوهُ مِنَ الإيمانِ عِنْدَ كَشْفِ العَذابِ، وقَدْ جاءَهم ما هو أعْظَمُ ؟ وأُدْخِلَ في بابِ ”الِادِّكارِ مِن كَشْفِ الدُّخانِ“ ؟ وهو ما ظَهَرَ عَلى يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الآياتِ والبَيِّناتِ، مِنَ الكِتابِ المُعْجِزِ وغَيْرِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ، فَلَمْ يَذَّكَّرُوا، وتَوَلَّوْا عَنْهُ وبَهَتُوهُ بِأنَّ عَدّاسًا غُلامًا أعْجَمِيًّا لِبَعْضِ ثَقِيفٍ هو الَّذِي عَلَّمَهُ، ونَسَبُوهُ إلى الجُنُونِ. وقَرَأ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ: مُعَلِّمٌ، بِكَسْرِ اللّامِ.
﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا﴾: إخْبارٌ عَنْ إقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، ومُبالَغَةٌ في الإمْلاءِ لَهم. ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهم عائِدُونَ إلى الكُفْرِ. وقالَ قَتادَةُ: هو تَوَعُّدٌ بِمَعادِ الآخِرَةِ: وإنْ كانَ الخِطابُ لِقُرَيْشٍ حِينَ حَلَّ بِهِمُ الجَدْبُ، كانَ ظاهِرًا، وإنْ كانَ الدُّخانُ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ، فَإذا أتَتِ السَّماءُ بِالعَذابِ، تَضَرَّعَ مُنافِقُوهم وكافِرُوهم وقالُوا: رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ، إنّا مُؤْمِنُونَ. فَيَكْشِفُ عَنْهم، قِيلَ: بَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا، فَحِينَ (p-٣٥)يَكْشِفُهُ عَنْهم يَرْتَدُّونَ. ويَوْمُ البَطْشَةِ الكُبْرى عَلى هَذا هو يَوْمُ القِيامَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَإذا جاءَتِ الطّامَّةُ الكُبْرى﴾ [النازعات: ٣٤] . وكَوْنُهُ يَوْمَ القِيامَةِ، هو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ. وكَوْنُهُ يَوْمَ بَدْرٍ، هو قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ وأُبَيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ. وانْتَصَبَ يَوْمَ نَبْطِشُ، قِيلَ: بِذِكْراهم، وقِيلَ: بِـ نَنْتَقِمُ الدّالِّ عَلَيْهِ ”مُنْتَقِمُونَ“، وضَعُفَ بِأنَّهُ لا نَصْبَ إلّا بِالفِعْلِ، وقِيلَ: بِـ ”مُنْتَقِمُونَ“ . ورُدَّ بِأنَّ ما بَعْدَ إنَّ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: نَبْطِشُ، بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ الطّاءِ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ: بِضَمِّها، والحَسَنُ أيْضًا، وأبُو رَجاءٍ، وطَلْحَةُ: بِضَمِّ النُّونِ وكَسْرِ الطّاءِ، بِمَعْنى: نُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ مَن يَبْطِشُ بِهِمْ. و”البَطْشَةَ“ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ لَيْسَ مَنصُوبًا بِـ نَبْطِشُ، بَلْ بِمُقَدَّرٍ، أيْ نَبْطِشُ ذَلِكَ المُسَلِّطَ البَطْشَةَ، أوْ يَكُونُ ”البَطْشَةَ“ في مَعْنى الإبْطاشَةِ، فَيَنْتَصِبُ بِـ نَبْطِشُ.
﴿ولَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾: هَذا كالمِثالِ لِقُرَيْشٍ، ذُكِرَتْ قِصَّةُ مَن أُرْسِلَ إلَيْهِمْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَكَذَّبُوهُ، فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ. وقُرِئَ: فَتَّنّا، بِتَشْدِيدِ التّاءِ، لِلْمُبالَغَةِ في الفِعْلِ، أوِ التَّكْثِيرِ مُتَعَلِّقَةً ﴿وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾: أيْ كِرِيمٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ المُؤْمِنِينَ، قالَهُ الفَرّاءُ، أوْ كَرِيمٌ في نَفْسِهِ، لِأنَّ الأنْبِياءَ إنَّما يُبْعَثُونَ مِن سَرَواتِ النّاسِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ، أوْ كِرِيمٌ حَسَنُ الخُلُقِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أنْ تَفْسِيرِيَّةً، لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ما يَدُلُّ عَلى مَعْنى القَوْلِ، وهو رَسُولٌ كَرِيمٌ، وأنْ تَكُونَ أنْ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ أوِ النّاصِبَةِ لِلْمُضارِعِ، فَإنَّها تُوصَلُ بِالأمْرِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أنْ أدُّوا إلَيَّ الطّاعَةَ يا عِبادَ اللَّهِ: أيِ اتَّبِعُونِي عَلى ما أدْعُوكم إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ. وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: طَلَبَ مِنهم أنْ يُؤَدُّوا إلَيْهِ بَنِي إسْرائِيلَ، كَما قالَ: ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧] . فَعَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ: عِبادَ اللَّهِ: مُنادًى، ومَفْعُولُ أدُّوا مَحْذُوفٌ، وعَلى قَوْلِ مُجاهِدٍ ومَن ذُكِرَ مَعَهُ: عِبادَ اللَّهِ: مَفْعُولُ أدُّوا.
﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾: أيْ غَيْرُ مُتَّهَمٍ، قَدِ ائْتَمَنَنِي اللَّهُ عَلى وحْيِهِ ورِسالَتِهِ.
﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ﴾: أيْ لا تَسْتَكْبِرُوا عَلى عِبادَةِ اللَّهِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لا تَعْظُمُوا عَلى اللَّهِ. قِيلَ: والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ التَّعْظِيمَ تَطاوُلُ المُقْتَدِرِ والِاسْتِكْبارَ تَرَفُّعُ المُحْتَقَرِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ، وأنْ هُنا كانَ السّابِقُ في أوْجُهِها الثَّلاثَةَ.
﴿إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾: أيْ بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ في نَفْسِها ومُوَضِّحَةٍ صِدْقَ دَعْوايَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: إنِّي، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، عَلى سَبِيلِ الإخْبارِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. والمَعْنى: لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ مِن أجْلِ أنِّي آتِيكم، فَهَذا تَوْبِيخٌ لَهم، كَما تَقُولُ: أتَغْضَبُ إنْ قالَ لَكَ الحَقَّ ؟ ﴿وإنِّي عُذْتُ﴾: أيِ اسْتَجَرْتُ ﴿بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾: كانُوا قَدْ تَوَعَّدُوهُ بِالقَتْلِ، فاسْتَعاذَ مِن ذَلِكَ. وقُرِئَ: عُدْتُ، بِالإدْغامِ. قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: الرَّجْمُ هُنا بِالحِجارَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو صالِحٍ: بِالشَّتْمِ، وقَوْلُ قَتادَةَ أظْهَرُ، لِأنَّهُ قَدْ وقَعَ مِنهم في حَقِّهِ ألْفاظٌ لا تُناسِبُ، وهَذِهِ المَعاذَةُ كانَتْ قَبْلَ أنْ يُخْبِرَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما﴾ [القصص: ٣٥] .
﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي﴾ أيْ تُصَدِّقُوا ﴿فاعْتَزِلُونِ﴾ أيْ كُونُوا بِمَعْزَلٍ وهَذِهِ مُشارَكَةٌ حَسَنَةٌ، ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠]، ﴿أنَّ هَؤُلاءِ﴾: لَفْظُ تَحْقِيرٍ لَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أنَّ هَؤُلاءِ، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، أيْ بِأنَّ هَؤُلاءِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى، والحَسَنُ في رِوايَةٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِكَسْرِها.
﴿فَأسْرِ بِعِبادِي﴾: في الكَلامِ حَذْفٌ، أيْ فانْتَقِمْ مِنهم، فَقالَ لَهُ اللَّهُ: أسْرِ بِعِبادِي، وهم بَنُو إسْرائِيلَ ومَن آمَنَ بِهِ مِنَ القِبْطِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِيهِ وجْهانِ: إضْمارُ القَوْلِ بَعْدَ الفاءِ، فَقالَ: أسْرِ بِعِبادِي، وأنْ يَكُونَ جَوابًا لِشَرْطٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: قالَ إنْ كانَ الأمْرُ كَما تَقُولُ، فَأسْرِ بِعِبادِي. انْتَهى. وكَثِيرًا ما يُجِيزُ هَذا الرَّجُلُ حَذْفَ الشَّرْطِ وإبْقاءَ جَوابِهِ، وهو لا يَجُوزُ إلّا لِدَلِيلٍ واضِحٍ، كَأنْ يَتَقَدَّمُهُ الأمْرُ وما أشْبَهَهُ مِمّا ذُكِرَ في النَّحْوِ، عَلى خِلافٍ في ذَلِكَ.
﴿إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾: أيْ يَتَّبِعُكم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ، فَتَنْجُونَ ويَغْرَقُ المُتَّبَعُونَ.
﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا﴾: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ساكِنًا كَما أجْراهُ. وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ: يَبَسًا مِن قَوْلِهِ: ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا﴾ [طه: ٧٧] . وقالَ الضَّحّاكُ: دَمِثًا لَيِّنًا. (p-٣٦)وقالَ عِكْرِمَةُ: جُدُدًا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: سَهْلًا. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: مُنْفَرِدًا. قالَ قَتادَةُ: أرادَ مُوسى أنْ يَضْرِبَ البَحْرَ بِعَصاهُ، لَمّا قَطَعَهُ، حَتّى يَلْتَئِمَ، وخافَ أنْ يَتْبَعَهُ فِرْعَوْنُ، فَقِيلَ: لِمَهْ هَذا ؟ ﴿إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾: أيْ فِيهِ، لِأنَّهم إذا رَأوْهُ ساكِنًا عَلى حالَتِهِ حِينَ دَخَلَ فِيهِ مُوسى وبَنُو إسْرائِيلَ، أوْ مَفْتُوحًا طَرِيقًا يَبَسًا، دَخَلُوا فِيهِ، فَيُطْبِقُهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
﴿كَمْ تَرَكُوا﴾: أيْ كَثِيرًا تَرَكُوا.
﴿مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾: تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُما في الشُّعَراءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ومَقامٍ)، بِفَتْحِ المِيمِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: أرادَ المَقامَ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ، وقَتادَةُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، ونافِعٌ: في رِوايَةٍ خارِجَةٍ بِضَمِّها. قالَ قَتادَةُ: أرادَ المَواضِعَ الحِسانَ مِنَ المَجالِسِ والمَساكِنِ وغَيْرِها. (ونَعْمَةٍ)، بِفَتْحِ النُّونِ: نَضارَةُ العَيْشِ ولَذاذَةُ الحَياةِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: (ونَعْمَةٍ)، بِالنَّصْبِ، عَطْفًا عَلى كَمْ ﴿كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ: بِألِفٍ، أيْ طَيِّبِيِ الأنْفُسِ وأصْحابِ فاكِهَةٍ، كَلابِنٍ، وتامِرٍ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ: بِغَيْرِ ألِفٍ. والفَكِهُ يُسْتَعْمَلُ كَثِيرًا في المُسْتَخِفِّ المُسْتَهْزِئِ، فَكَأنَّهم كانُوا مُسْتَخِفِّينَ بِشَكْلِ النِّعْمَةِ الَّتِي كانُوا فِيها. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: فَكِهَ الرَّجُلُ، بِالكَسْرِ، فَهو فَكِهٌ إذا كانَ مَزّاحًا، والفَكِهُ أيْضًا الأشِرُ. وقالَ القُشَيْرِيُّ: فاكِهِينَ: لاهِينَ كَذَلِكَ. وقالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: الأمْرُ كَذَلِكَ، فَيُوقَفُ عَلى كَذَلِكَ، والكافُ في مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقِيلَ: الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ يَفْعَلُ فِعْلًا كَذَلِكَ، لِمَن يُرِيدُ إهْلاكَهُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: كَذَلِكَ أفْعَلُ بِمَن عَصانِي. وقالَ الحَوْفِيُّ: أهْلَكْنا إهْلاكًا، وانْتَقَمْنا انْتِقامًا كَذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الكافُ مَنصُوبَةٌ عَلى مَعْنى: مِثْلَ ذَلِكَ الإخْراجِ أخْرَجْناهم مِنها، ﴿وأوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ لَيْسُوا مِنهم، وهم بَنُو إسْرائِيلَ. كانُوا مُسْتَعْبَدِينَ في يَدِ القِبْطِ، فَأهْلَكَ اللَّهُ تَعالى القِبْطَ عَلى أيْدِيهِمْ وأوْرَثَهم مُلْكَهم. وقالَ قَتادَةُ، وقالَ الحَسَنُ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ رَجَعُوا إلى مِصْرَ بَعْدَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ، وضُعِّفَ قَوْلُ قَتادَةَ بِأنَّهُ لَمْ يُرْوَ في مَشْهُورِ التَّوارِيخِ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ رَجَعُوا إلى مِصْرَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ الزَّمانِ، ولا مَلَكُوها قَطُّ، إلّا أنْ يُرِيدَ قَتادَةُ أنَّهم ورِثُوا نَوْعَها في بِلادِ الشَّأْمِ. انْتَهى. ولا اعْتِبارَ بِالتَّوارِيخِ، فالكَذِبُ فِيها كَثِيرٌ، وكَلامُ اللَّهِ صِدْقٌ. قالَ تَعالى في سُورَةِ الشُّعَراءِ: ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٩] وقِيلَ: قَوْمًا آخَرِينَ مِمَّنْ مَلَكَ مِصْرَ بَعْدَ القِبْطِ مِن غَيْرِ بَنِي إسْرائِيلَ.
﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ﴾: اسْتِعارَةٌ لِتَحْقِيرِ أمْرِهِمْ، وأنَّهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ هَلاكِهِمْ شَيْءٌ. ويُقالُ في التَّعْظِيمِ: بَكَتْ عَلَيْهِ السَّماءُ والأرْضُ، وبَكَتْهُ الرِّيحُ، وأظْلَمَتْ لَهُ الشَّمْسُ. وقالَ زَيْدُ بْنُ مُفَرِّغٍ:
؎الرِّيحُ تَبْكِي شَجْوَهُ والبَرْقُ يَلْمَعُ في غَمامِهِ
وقالَ جَرِيرٌ:
؎فالشَّمْسُ طالِعَةٌ لَيْسَتْ بِكاسِفَةٍ ∗∗∗ تَبْكِي عَلَيْكَ نُجُومُ اللَّيْلِ والقَمَرُ
وقالَ النّابِغَةُ:
؎بَكى حارِثُ الجَوْلانِ مِن فَقْدِ رَبِّهِ ∗∗∗ وحَوْرانُ مِنهُ خاشِعٌ مُتَضائِلُ
وقالَ جَرِيرٌ:
؎لَمّا أتى الزَّهْوُ تَواضَعَتْ ∗∗∗ سُورُ المَدِينَةِ والجِبالُ الخُشَّعُ
ويَقُولُ في التَّحْقِيرِ: ماتَ فُلانٌ، فَما خَشَعَتِ الجِبالُ. ونِسْبَةُ هَذِهِ الأشْياءِ لِما لا يَعْقِلُ ولا يَصِيرُ ذَلِكَ مِنهُ حَقِيقَةً، عِبارَةٌ عَنْ تَأثُّرِ النّاسِ لَهُ، أوْ عَنْ عَدَمِهِ. وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: فَما بَكى عَلَيْهِمْ أهْلُ السَّماءِ وأهْلُ المَلائِكَةِ وأهْلُ الأرْضِ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ، بَلْ كانُوا بِهَلاكِهِمْ مَسْرُورِينَ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ. وما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ: إنَّ المُؤْمِنَ إذا ماتَ، بَكى عَلَيْهِ مِنَ (p-٣٧)الأرْضِ مَوْضِعُ عِبادَتِهِ أرْبَعِينَ صَباحًا، وبَكى عَلَيْهِ في السَّماءِ مَوْضِعُ صُعُودِ عَمَلِهِ. قالُوا: فَلَمْ يَكُنْ في قَوْمِ فِرْعَوْنَ مَن هَذِهِ حالُهُ تَمْثِيلٌ.
﴿وما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾: أيْ مُؤَخَّرِينَ عَنِ العَذابِ لَمّا حانَ وقْتُ هَلاكِهِمْ، بَلْ عَجَّلَ اللَّهُ لَهم ذَلِكَ في الدُّنْيا.
الدخان 44:20
﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ . قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدٌ الخُدْرِيُّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والحَسَنُ: هو دُخانٌ يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ، يُصِيبُ المُؤْمِنَ مِنهُ مِثْلُ الزُّكامِ، ويُنْضِجُ رُءُوسَ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ، حَتّى تَكُونَ مِصْلَقَةٌ حَنِيذَةٌ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو العالِيَةِ، والنَّخَعِيُّ: هو الدُّخانُ الَّذِي رَأتْهُ قُرَيْشٌ. قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ: إنَّ قاصًّا عِنْدَ أبْوابِ كِنْدَةَ يَقُولُ إنَّهُ دُخانٌ يَأْتِي يَوْمَ القِيامَةِ، فَيَأْخُذُ أنْفاسَ النّاسِ، فَقالَ: مَن عَلِمَ عِلْمًا فَلْيَقُلْ بِهِ، ومَن لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلْ: اللَّهُ أعْلَمُ. ألا وسَأُحَدِّثُكم أنَّ قُرَيْشًا لَمّا اسْتَعْصَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، دَعا عَلَيْهِمْ فَقالَ: «اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ واجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ»، فَأصابَهُمُ الجَهْدُ حَتّى أكَلُوا الجِيَفَ، والعِلْهِزُ. والعِلْهِزُ: الصُّوفُ يَقَعُ فِيهِ القُرادُ فَيُشْوى الصُّوفُ بِدَمِ القُرادِ ويُؤْكَلُ. وفِيهِ أيْضًا: حَتّى أكَلُوا العِظامَ. وكانَ الرَّجُلُ يَرى بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ الدُّخانَ، وكانَ يُحَدَّثُ الرَّجُلُ فَيَسْمَعُ الكَلامَ ولا يَرى المُحَدِّثَ مِنَ الدُّخانِ. فَمَشى إلَيْهِ أبُو سُفْيانَ ونَفَرٌ مَعَهُ، وناشَدَهُ اللَّهَ والرَّحِمَ، وواعَدُوهُ، إنْ دَعا لَهم وكَشَفَ عَنْهم، أنْ يُؤْمِنُوا. فَلَمّا كَشَفَ عَنْهم، رَجَعُوا إلى شِرْكِهِمْ. وفِيهِ: فَرَحِمَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ، وبَعَثَ إلَيْهِمْ بِصَدَقَةٍ ومالٍ. وفِيهِ: فَلَمّا أصابَتْهُمُ الرَّفاهِيَةُ عادُوا إلى حالِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾، قالَ: يَعْنِي يَوْمَ بَدْرٍ. وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ: الدُّخانُ، واللِّزامُ، والبَطْشَةُ، والقَمَرُ، والرُّومُ. وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الأعْرَجُ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ﴾، هو يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ، لَمّا حَجَبَتِ السَّماءَ الغَبَرَةُ. وفي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ: أوَّلُ الآياتِ خُرُوجُ الدَّجّالِ، والدُّخانُ، ونُزُولُ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، ونارٌ تَخْرُجُ مِن قَعْرِ عَدَنَ، وفِيهِ قُلْتُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، وما الدُّخانُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ ؟ وذَكَرَ بَقِيَّةَ الحَدِيثِ، واخْتَصَرْناهُ بِدُخانٍ مُبِينٍ، أيْ ظاهِرٍ. لا شَكَّ أنَّهُ دُخانٌ ﴿يَغْشى النّاسَ﴾: يَشْمَلُهم. فَإنْ كانَ هو الَّذِي رَأتْهُ قُرَيْشٌ، فالنّاسُ خاصٌّ بِالكُفّارِ مِن أهْلِ مَكَّةَ، وقَدْ مَضى كَما قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وإنْ كانَ مِن أشْراطِ السّاعَةِ، أوْ يَوْمَ القِيامَةِ، فالنّاسُ عامٌّ فِيمَن أدْرَكَهُ وقْتُ الأشْراطِ، وعامٌّ بِالنّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ. (هَذا عَذابٌ) إلى (مُؤْمِنُونَ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلِ القَوْلِ مَحْذُوفًا، وهو في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ يَقُولُونَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنَ اللَّهِ، كَأنَّهُ تَعَجُّبٌ مِنهُ، كَما قالَ في قِصَّةِ الذَّبِيحِ: ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ [الصافات: ١٠٦] .
﴿إنّا مُؤْمِنُونَ﴾: وعْدٌ بِالإيمانِ إنْ كَشَفَ عَنْهُمُ العَذابَ، والإيمانُ واجِبٌ كُشِفَ العَذابُ أوْ لَمْ يُكْشَفْ.
﴿أنّى لَهُمُ الذِّكْرى﴾: أيْ كَيْفَ يَذَّكَّرُونَ ويَتَّعِظُونَ ويَقُولُونَ بِما وعَدُوهُ مِنَ الإيمانِ عِنْدَ كَشْفِ العَذابِ، وقَدْ جاءَهم ما هو أعْظَمُ ؟ وأُدْخِلَ في بابِ ”الِادِّكارِ مِن كَشْفِ الدُّخانِ“ ؟ وهو ما ظَهَرَ عَلى يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الآياتِ والبَيِّناتِ، مِنَ الكِتابِ المُعْجِزِ وغَيْرِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ، فَلَمْ يَذَّكَّرُوا، وتَوَلَّوْا عَنْهُ وبَهَتُوهُ بِأنَّ عَدّاسًا غُلامًا أعْجَمِيًّا لِبَعْضِ ثَقِيفٍ هو الَّذِي عَلَّمَهُ، ونَسَبُوهُ إلى الجُنُونِ. وقَرَأ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ: مُعَلِّمٌ، بِكَسْرِ اللّامِ.
﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا﴾: إخْبارٌ عَنْ إقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، ومُبالَغَةٌ في الإمْلاءِ لَهم. ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهم عائِدُونَ إلى الكُفْرِ. وقالَ قَتادَةُ: هو تَوَعُّدٌ بِمَعادِ الآخِرَةِ: وإنْ كانَ الخِطابُ لِقُرَيْشٍ حِينَ حَلَّ بِهِمُ الجَدْبُ، كانَ ظاهِرًا، وإنْ كانَ الدُّخانُ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ، فَإذا أتَتِ السَّماءُ بِالعَذابِ، تَضَرَّعَ مُنافِقُوهم وكافِرُوهم وقالُوا: رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ، إنّا مُؤْمِنُونَ. فَيَكْشِفُ عَنْهم، قِيلَ: بَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا، فَحِينَ (p-٣٥)يَكْشِفُهُ عَنْهم يَرْتَدُّونَ. ويَوْمُ البَطْشَةِ الكُبْرى عَلى هَذا هو يَوْمُ القِيامَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَإذا جاءَتِ الطّامَّةُ الكُبْرى﴾ [النازعات: ٣٤] . وكَوْنُهُ يَوْمَ القِيامَةِ، هو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ. وكَوْنُهُ يَوْمَ بَدْرٍ، هو قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ وأُبَيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ. وانْتَصَبَ يَوْمَ نَبْطِشُ، قِيلَ: بِذِكْراهم، وقِيلَ: بِـ نَنْتَقِمُ الدّالِّ عَلَيْهِ ”مُنْتَقِمُونَ“، وضَعُفَ بِأنَّهُ لا نَصْبَ إلّا بِالفِعْلِ، وقِيلَ: بِـ ”مُنْتَقِمُونَ“ . ورُدَّ بِأنَّ ما بَعْدَ إنَّ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: نَبْطِشُ، بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ الطّاءِ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ: بِضَمِّها، والحَسَنُ أيْضًا، وأبُو رَجاءٍ، وطَلْحَةُ: بِضَمِّ النُّونِ وكَسْرِ الطّاءِ، بِمَعْنى: نُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ مَن يَبْطِشُ بِهِمْ. و”البَطْشَةَ“ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ لَيْسَ مَنصُوبًا بِـ نَبْطِشُ، بَلْ بِمُقَدَّرٍ، أيْ نَبْطِشُ ذَلِكَ المُسَلِّطَ البَطْشَةَ، أوْ يَكُونُ ”البَطْشَةَ“ في مَعْنى الإبْطاشَةِ، فَيَنْتَصِبُ بِـ نَبْطِشُ.
﴿ولَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾: هَذا كالمِثالِ لِقُرَيْشٍ، ذُكِرَتْ قِصَّةُ مَن أُرْسِلَ إلَيْهِمْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَكَذَّبُوهُ، فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ. وقُرِئَ: فَتَّنّا، بِتَشْدِيدِ التّاءِ، لِلْمُبالَغَةِ في الفِعْلِ، أوِ التَّكْثِيرِ مُتَعَلِّقَةً ﴿وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾: أيْ كِرِيمٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ المُؤْمِنِينَ، قالَهُ الفَرّاءُ، أوْ كَرِيمٌ في نَفْسِهِ، لِأنَّ الأنْبِياءَ إنَّما يُبْعَثُونَ مِن سَرَواتِ النّاسِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ، أوْ كِرِيمٌ حَسَنُ الخُلُقِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أنْ تَفْسِيرِيَّةً، لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ما يَدُلُّ عَلى مَعْنى القَوْلِ، وهو رَسُولٌ كَرِيمٌ، وأنْ تَكُونَ أنْ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ أوِ النّاصِبَةِ لِلْمُضارِعِ، فَإنَّها تُوصَلُ بِالأمْرِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أنْ أدُّوا إلَيَّ الطّاعَةَ يا عِبادَ اللَّهِ: أيِ اتَّبِعُونِي عَلى ما أدْعُوكم إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ. وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: طَلَبَ مِنهم أنْ يُؤَدُّوا إلَيْهِ بَنِي إسْرائِيلَ، كَما قالَ: ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧] . فَعَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ: عِبادَ اللَّهِ: مُنادًى، ومَفْعُولُ أدُّوا مَحْذُوفٌ، وعَلى قَوْلِ مُجاهِدٍ ومَن ذُكِرَ مَعَهُ: عِبادَ اللَّهِ: مَفْعُولُ أدُّوا.
﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾: أيْ غَيْرُ مُتَّهَمٍ، قَدِ ائْتَمَنَنِي اللَّهُ عَلى وحْيِهِ ورِسالَتِهِ.
﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ﴾: أيْ لا تَسْتَكْبِرُوا عَلى عِبادَةِ اللَّهِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لا تَعْظُمُوا عَلى اللَّهِ. قِيلَ: والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ التَّعْظِيمَ تَطاوُلُ المُقْتَدِرِ والِاسْتِكْبارَ تَرَفُّعُ المُحْتَقَرِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ، وأنْ هُنا كانَ السّابِقُ في أوْجُهِها الثَّلاثَةَ.
﴿إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾: أيْ بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ في نَفْسِها ومُوَضِّحَةٍ صِدْقَ دَعْوايَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: إنِّي، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، عَلى سَبِيلِ الإخْبارِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. والمَعْنى: لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ مِن أجْلِ أنِّي آتِيكم، فَهَذا تَوْبِيخٌ لَهم، كَما تَقُولُ: أتَغْضَبُ إنْ قالَ لَكَ الحَقَّ ؟ ﴿وإنِّي عُذْتُ﴾: أيِ اسْتَجَرْتُ ﴿بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾: كانُوا قَدْ تَوَعَّدُوهُ بِالقَتْلِ، فاسْتَعاذَ مِن ذَلِكَ. وقُرِئَ: عُدْتُ، بِالإدْغامِ. قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: الرَّجْمُ هُنا بِالحِجارَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو صالِحٍ: بِالشَّتْمِ، وقَوْلُ قَتادَةَ أظْهَرُ، لِأنَّهُ قَدْ وقَعَ مِنهم في حَقِّهِ ألْفاظٌ لا تُناسِبُ، وهَذِهِ المَعاذَةُ كانَتْ قَبْلَ أنْ يُخْبِرَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما﴾ [القصص: ٣٥] .
﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي﴾ أيْ تُصَدِّقُوا ﴿فاعْتَزِلُونِ﴾ أيْ كُونُوا بِمَعْزَلٍ وهَذِهِ مُشارَكَةٌ حَسَنَةٌ، ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠]، ﴿أنَّ هَؤُلاءِ﴾: لَفْظُ تَحْقِيرٍ لَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أنَّ هَؤُلاءِ، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، أيْ بِأنَّ هَؤُلاءِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى، والحَسَنُ في رِوايَةٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِكَسْرِها.
﴿فَأسْرِ بِعِبادِي﴾: في الكَلامِ حَذْفٌ، أيْ فانْتَقِمْ مِنهم، فَقالَ لَهُ اللَّهُ: أسْرِ بِعِبادِي، وهم بَنُو إسْرائِيلَ ومَن آمَنَ بِهِ مِنَ القِبْطِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِيهِ وجْهانِ: إضْمارُ القَوْلِ بَعْدَ الفاءِ، فَقالَ: أسْرِ بِعِبادِي، وأنْ يَكُونَ جَوابًا لِشَرْطٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: قالَ إنْ كانَ الأمْرُ كَما تَقُولُ، فَأسْرِ بِعِبادِي. انْتَهى. وكَثِيرًا ما يُجِيزُ هَذا الرَّجُلُ حَذْفَ الشَّرْطِ وإبْقاءَ جَوابِهِ، وهو لا يَجُوزُ إلّا لِدَلِيلٍ واضِحٍ، كَأنْ يَتَقَدَّمُهُ الأمْرُ وما أشْبَهَهُ مِمّا ذُكِرَ في النَّحْوِ، عَلى خِلافٍ في ذَلِكَ.
﴿إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾: أيْ يَتَّبِعُكم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ، فَتَنْجُونَ ويَغْرَقُ المُتَّبَعُونَ.
﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا﴾: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ساكِنًا كَما أجْراهُ. وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ: يَبَسًا مِن قَوْلِهِ: ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا﴾ [طه: ٧٧] . وقالَ الضَّحّاكُ: دَمِثًا لَيِّنًا. (p-٣٦)وقالَ عِكْرِمَةُ: جُدُدًا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: سَهْلًا. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: مُنْفَرِدًا. قالَ قَتادَةُ: أرادَ مُوسى أنْ يَضْرِبَ البَحْرَ بِعَصاهُ، لَمّا قَطَعَهُ، حَتّى يَلْتَئِمَ، وخافَ أنْ يَتْبَعَهُ فِرْعَوْنُ، فَقِيلَ: لِمَهْ هَذا ؟ ﴿إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾: أيْ فِيهِ، لِأنَّهم إذا رَأوْهُ ساكِنًا عَلى حالَتِهِ حِينَ دَخَلَ فِيهِ مُوسى وبَنُو إسْرائِيلَ، أوْ مَفْتُوحًا طَرِيقًا يَبَسًا، دَخَلُوا فِيهِ، فَيُطْبِقُهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
﴿كَمْ تَرَكُوا﴾: أيْ كَثِيرًا تَرَكُوا.
﴿مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾: تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُما في الشُّعَراءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ومَقامٍ)، بِفَتْحِ المِيمِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: أرادَ المَقامَ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ، وقَتادَةُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، ونافِعٌ: في رِوايَةٍ خارِجَةٍ بِضَمِّها. قالَ قَتادَةُ: أرادَ المَواضِعَ الحِسانَ مِنَ المَجالِسِ والمَساكِنِ وغَيْرِها. (ونَعْمَةٍ)، بِفَتْحِ النُّونِ: نَضارَةُ العَيْشِ ولَذاذَةُ الحَياةِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: (ونَعْمَةٍ)، بِالنَّصْبِ، عَطْفًا عَلى كَمْ ﴿كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ: بِألِفٍ، أيْ طَيِّبِيِ الأنْفُسِ وأصْحابِ فاكِهَةٍ، كَلابِنٍ، وتامِرٍ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ: بِغَيْرِ ألِفٍ. والفَكِهُ يُسْتَعْمَلُ كَثِيرًا في المُسْتَخِفِّ المُسْتَهْزِئِ، فَكَأنَّهم كانُوا مُسْتَخِفِّينَ بِشَكْلِ النِّعْمَةِ الَّتِي كانُوا فِيها. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: فَكِهَ الرَّجُلُ، بِالكَسْرِ، فَهو فَكِهٌ إذا كانَ مَزّاحًا، والفَكِهُ أيْضًا الأشِرُ. وقالَ القُشَيْرِيُّ: فاكِهِينَ: لاهِينَ كَذَلِكَ. وقالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: الأمْرُ كَذَلِكَ، فَيُوقَفُ عَلى كَذَلِكَ، والكافُ في مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقِيلَ: الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ يَفْعَلُ فِعْلًا كَذَلِكَ، لِمَن يُرِيدُ إهْلاكَهُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: كَذَلِكَ أفْعَلُ بِمَن عَصانِي. وقالَ الحَوْفِيُّ: أهْلَكْنا إهْلاكًا، وانْتَقَمْنا انْتِقامًا كَذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الكافُ مَنصُوبَةٌ عَلى مَعْنى: مِثْلَ ذَلِكَ الإخْراجِ أخْرَجْناهم مِنها، ﴿وأوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ لَيْسُوا مِنهم، وهم بَنُو إسْرائِيلَ. كانُوا مُسْتَعْبَدِينَ في يَدِ القِبْطِ، فَأهْلَكَ اللَّهُ تَعالى القِبْطَ عَلى أيْدِيهِمْ وأوْرَثَهم مُلْكَهم. وقالَ قَتادَةُ، وقالَ الحَسَنُ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ رَجَعُوا إلى مِصْرَ بَعْدَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ، وضُعِّفَ قَوْلُ قَتادَةَ بِأنَّهُ لَمْ يُرْوَ في مَشْهُورِ التَّوارِيخِ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ رَجَعُوا إلى مِصْرَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ الزَّمانِ، ولا مَلَكُوها قَطُّ، إلّا أنْ يُرِيدَ قَتادَةُ أنَّهم ورِثُوا نَوْعَها في بِلادِ الشَّأْمِ. انْتَهى. ولا اعْتِبارَ بِالتَّوارِيخِ، فالكَذِبُ فِيها كَثِيرٌ، وكَلامُ اللَّهِ صِدْقٌ. قالَ تَعالى في سُورَةِ الشُّعَراءِ: ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٩] وقِيلَ: قَوْمًا آخَرِينَ مِمَّنْ مَلَكَ مِصْرَ بَعْدَ القِبْطِ مِن غَيْرِ بَنِي إسْرائِيلَ.
﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ﴾: اسْتِعارَةٌ لِتَحْقِيرِ أمْرِهِمْ، وأنَّهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ هَلاكِهِمْ شَيْءٌ. ويُقالُ في التَّعْظِيمِ: بَكَتْ عَلَيْهِ السَّماءُ والأرْضُ، وبَكَتْهُ الرِّيحُ، وأظْلَمَتْ لَهُ الشَّمْسُ. وقالَ زَيْدُ بْنُ مُفَرِّغٍ:
؎الرِّيحُ تَبْكِي شَجْوَهُ والبَرْقُ يَلْمَعُ في غَمامِهِ
وقالَ جَرِيرٌ:
؎فالشَّمْسُ طالِعَةٌ لَيْسَتْ بِكاسِفَةٍ ∗∗∗ تَبْكِي عَلَيْكَ نُجُومُ اللَّيْلِ والقَمَرُ
وقالَ النّابِغَةُ:
؎بَكى حارِثُ الجَوْلانِ مِن فَقْدِ رَبِّهِ ∗∗∗ وحَوْرانُ مِنهُ خاشِعٌ مُتَضائِلُ
وقالَ جَرِيرٌ:
؎لَمّا أتى الزَّهْوُ تَواضَعَتْ ∗∗∗ سُورُ المَدِينَةِ والجِبالُ الخُشَّعُ
ويَقُولُ في التَّحْقِيرِ: ماتَ فُلانٌ، فَما خَشَعَتِ الجِبالُ. ونِسْبَةُ هَذِهِ الأشْياءِ لِما لا يَعْقِلُ ولا يَصِيرُ ذَلِكَ مِنهُ حَقِيقَةً، عِبارَةٌ عَنْ تَأثُّرِ النّاسِ لَهُ، أوْ عَنْ عَدَمِهِ. وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: فَما بَكى عَلَيْهِمْ أهْلُ السَّماءِ وأهْلُ المَلائِكَةِ وأهْلُ الأرْضِ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ، بَلْ كانُوا بِهَلاكِهِمْ مَسْرُورِينَ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ. وما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ: إنَّ المُؤْمِنَ إذا ماتَ، بَكى عَلَيْهِ مِنَ (p-٣٧)الأرْضِ مَوْضِعُ عِبادَتِهِ أرْبَعِينَ صَباحًا، وبَكى عَلَيْهِ في السَّماءِ مَوْضِعُ صُعُودِ عَمَلِهِ. قالُوا: فَلَمْ يَكُنْ في قَوْمِ فِرْعَوْنَ مَن هَذِهِ حالُهُ تَمْثِيلٌ.
﴿وما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾: أيْ مُؤَخَّرِينَ عَنِ العَذابِ لَمّا حانَ وقْتُ هَلاكِهِمْ، بَلْ عَجَّلَ اللَّهُ لَهم ذَلِكَ في الدُّنْيا.