Lafzullah

Al-Bahr Al-Muhit — الطور 52:1 – الطور 52:32

المؤلف / المصدر: Al-Bahr Al-Muhit

المحتويات
  1. الطور 52:1
  2. الطور 52:2
  3. الطور 52:3
  4. الطور 52:4
  5. الطور 52:5
  6. الطور 52:6
  7. الطور 52:7
  8. الطور 52:8
  9. الطور 52:9
  10. الطور 52:10
  11. الطور 52:11
  12. الطور 52:12
  13. الطور 52:13
  14. الطور 52:14
  15. الطور 52:15
  16. الطور 52:16
  17. الطور 52:17
  18. الطور 52:18
  19. الطور 52:19
  20. الطور 52:20
  21. الطور 52:21
  22. الطور 52:22
  23. الطور 52:23
  24. الطور 52:24
  25. الطور 52:25
  26. الطور 52:26
  27. الطور 52:27
  28. الطور 52:28
  29. الطور 52:29
  30. الطور 52:30
  31. الطور 52:31
  32. الطور 52:32

الطور 52:1

سُورَةُ الطُّورِ مَكِّيَّةٌ وهي تِسْعٌ وأرْبَعُونَ آيَةً ﷽ ﴿والطُّورِ﴾ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور: ٢٤] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الطور: ٢٥] ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] ﴿فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: ٢٩] ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور: ٣١] ﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الطور: ٣٢] ﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الطور: ٣٣] ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٤] ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥] ﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٦] ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧] ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور: ٣٨] ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩] ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠] ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ [الطور: ٤١] ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢] ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور: ٤٣] ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور: ٤٤] ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ [الطور: ٤٥] ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [الطور: ٤٦] ﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الطور: ٤٧] ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: ٤٨] ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩] الرَّقُّ، بِالفَتْحِ والكَسْرِ: جِلْدٌ رَقِيقٌ يُكْتَبُ فِيهِ، وجَمْعُهُ رُقُوقٌ. والرِّقُّ بِالكَسْرِ: المَمْلُوكُ. مارَ الشَّيْءُ: ذَهَبَ وجاءَ. وقالَ الأخْفَشُ وأبُو عُبَيْدَةَ: تَكَفَّأ، وأنْشَدَ الأعْشى: ؎كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها مَرُّ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ ويُرْوى: مَرْوَ السَّحابَةِ. الدَّعُّ: الدَّفْعُ في الضِّيقِ بِشِدَّةٍ وإهانَةٍ. السَّمُومُ: الرِّيحُ الحارَّةُ الَّتِي تَدْخُلُ المَسامَّ، ويُقالُ: سَمَّ يَوْمُنا فَهو مَسْمُومٌ، والجَمْعُ سَمائِمُ. وقالَ ثَعْلَبٌ: شِدَّةُ الحَرِّ، أوْ شِدَّةُ البَرْدِ في النَّهارِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السَّمُومُ بِالنَّهارِ، وقَدْ يَكُونُ بِاللَّيْلِ؛ والحَرُورُ بِاللَّيْلِ، وقَدْ يَكُونُ بِالنَّهارِ. وقَدْ يُسْتَعْمَلُ السَّمُومُ في لَفْحِ البَرْدِ، وهو في لَفْحِ الحَرِّ والشَّمْسِ أكْثَرُ. المَنُونُ: الدَّهْرُ، ورَيْبُهُ: حَوادِثُهُ. وقِيلَ: اسْمٌ لِلْمَوْتِ. المُسَيْطِرُ: المُتَسَلِّطُ. وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ: سَطَّرْتَ عَلَيَّ، إذا اتَّخَذْتَنِي خَوَلًا، ولَمْ يَأْتِ في كَلامِ العَرَبِ اسْمٌ عَلى مُفَيْعِلٍ إلّا خَمْسَةٌ: مُهَيْمِنٌ ومُحَيْمِرٌ ومُبَيْطِرٌ ومُسَيْطِرٌ ومُبَيْقِرٌ. فالمُحَيْمِرُ اسْمُ جَبَلٍ، والبَواقِي أسْماءُ (p-١٤٥)فاعِلِينَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ﴿والطُّورِ﴾ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور: ٢٤] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الطور: ٢٥] ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] . (p-١٤٦)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. ومُناسَبَتُها لِآخِرِ ما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، إذْ في آخِرِ تِلْكَ: ﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ﴾ [الذاريات: ٥٩]، وقالَ هُنا: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ . الطُّورُ: الجَبَلُ، والظّاهِرُ أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، لا جَبَلٌ مُعَيَّنٌ، وفي الشَّأْمِ جَبَلٌ يُسَمّى الطُّورَ، وهو طُورُ سَيْناءَ. فَقالَ نَوْفٌ البِكالِيُّ: إنَّهُ الَّذِي أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ لِفَضْلِهِ عَلى الجِبالِ. قِيلَ: وهو الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. والكِتابُ المَسْطُورُ: القُرْآنُ، أوِ المُنْتَسَخُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوِ التَّوْراةُ، أوْ هي الإنْجِيلُ والزَّبُورُ، أوِ الكِتابُ الَّذِي فِيهِ أعْمالُ الخَلْقِ، أوِ الصُّحُفُ الَّتِي تُعْطى يَوْمَ القِيامَةِ بِالأيْمانِ والشَّمائِلِ، أقْوالٌ آخِرُها لِلْفَرّاءِ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ شَيْءٌ مِنها عَلى التَّعْيِينِ، إنَّما تُورَدُ عَلى الِاحْتِمالِ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: في رِقٍّ، بِكَسْرِ الرّاءِ، ﴿مَنشُورٍ﴾: أيْ مَبْسُوطٍ. وقِيلَ: مَفْتُوحٌ لا خَتْمَ عَلَيْهِ. وقِيلَ: مَنشُورٌ لائِحٌ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مَنشُورٌ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ. ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾، قالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ: هو بَيْتٌ في السَّماءِ مُسامِتُ الكَعْبَةِ يُقالُ لَهُ الضُّراحُ، والضَّرِيحُ أيْضًا، وهو الَّذِي ذُكِرَ في حَدِيثِ الإسْراءِ، قالَ جِبْرِيلُ: «هَذا البَيْتُ المَعْمُورُ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ، ثُمَّ لا يَعُودُونَ إلَيْهِ آخِرَ ما عَلَيْهِمْ» . وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: في كُلِّ سَماءٍ بَيْتٌ مَعْمُورٌ، وفي كُلِّ أرْضٍ كَذَلِكَ. وسَألَ ابْنُ الكَوّا عَلِيًّا، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: بَيْتٌ فَوْقَ سَبْعِ سَمَواتٍ تَحْتَ العَرْشِ يُقالُ لَهُ الضُّراحُ. وقالَ الحَسَنُ: البَيْتُ المَعْمُورُ: الكَعْبَةُ، يُعَمِّرُهُ اللَّهُ كُلَّ سَنَةٍ بِسِتِّمِائَةِ ألْفٍ، فَإنْ عَجَزَ مِنَ النّاسِ أتَمَّهُ اللَّهُ بِالمَلائِكَةِ. ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾: السَّماءُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو العَرْشُ، وهو سَقْفُ الجَنَّةِ. ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾، قالَ مُجاهِدٌ وشِمْرُ بْنُ عَطِيَّةَ والضَّحّاكُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ والأخْفَشُ: هو البَحْرُ المُوقَدُ نارًا. ورُوِيَ أنَّ البَحْرَ هو جَهَنَّمُ. وقالَ قَتادَةُ: البَحْرُ المَسْجُورُ: المَمْلُوءُ، وهَذا مَعْرُوفٌ مِنَ اللُّغَةِ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ بِوُجُودِ ماءِ البَحْرِ كَذَلِكَ، ولا يُنافِي ما قالَهُ مُجاهِدٌ، لِأنَّ سَجَرْتَ التَّنُّورَ مَعْناهُ: مَلَأْتَهُ بِما يَحْتَرِقُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَسْجُورُ: الَّذِي ذَهَبَ ماؤُهُ. ورَوى ذُو الرُّمَّةِ الشّاعِرُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خَرَجَتْ أمَةٌ لِتَسْتَقِيَ، فَقالَتْ: إنَّ الحَوْضَ مَسْجُورٌ: أيْ فارِغٌ، ولَيْسَ لِذِي الرُّمَّةِ حَدِيثٌ إلّا هَذا، فَيَكُونُ مِنَ الأضْدادِ. ويُرْوى أنَّ البِحارَ يَذْهَبُ ماؤُها يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَسْجُورُ: المَحْبُوسُ، ومِنهُ ساجُورُ الكَلْبِ: وهي القِلادَةُ مِن عُودٍ أوْ حَدِيدٍ تُمْسِكُهُ، ولَوْلا أنَّ البَحْرَ يُمْسَكُ، لَفاضَ عَلى الأرْضِ. وقالَ الرَّبِيعُ: المَسْجُورُ: المُخْتَلِطُ العَذْبُ بِالمِلْحِ. وقِيلَ: المَفْجُورُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ [الإنفطار: ٣] . والجُمْهُورُ: عَلى أنَّ البَحْرَ المُقْسَمَ بِهِ هو (p-١٤٧)بَحْرُ الدُّنْيا، ويُؤَيِّدُهُ: ﴿وإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] . وعَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عُمَرَ: أنَّهُ في السَّماءِ تَحْتَ العَرْشِ فِيهِ ماءٌ غَلِيظٌ يُقالُ لَهُ بَحْرُ الحَياةِ، يُمْطَرُ العِبادُ مِنهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الأُولى أرْبَعِينَ صَباحًا، فَيَنْبُتُونَ في قُبُورِهِمْ. وقالَ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: هو جَهَنَّمُ، وسَمّاها بَحْرًا لِسَعَتِها وتَمَوُّجِها. كَما جاءَ في الفَرَسِ: وإنْ وجَدْناهُ لَبَحْرًا. قِيلَ: ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ في القَسَمِ بِالطُّورِ والبَحْرِ والبَيْتِ، لِكَوْنِها أماكِنَ خَلْوَةٍ مَعَ اللَّهِ تَعالى، خاطَبَ مِنها رَبُّهم رُسُلَهُ. فالطُّورُ، قالَ فِيهِ مُوسى: ﴿أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، والبَيْتُ المَعْمُورُ لِمُحَمَّدٍ، ﷺ، والبَحْرُ المَسْجُورُ لِيُونُسَ، قالَ: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، فَشُرِّفَتْ هَذِهِ الأماكِنُ بِهَذِهِ الأسْبابِ. والقَسَمُ بِكِتابٍ مَسْطُورٍ، لِأنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كانَ لَهم مَعَ اللَّهِ في هَذِهِ الأماكِنِ كَلامٌ. واقْتِرانُهُ بِالطُّورِ دَلَّ عَلى ذَلِكَ. والقَسَمُ بِالسَّقْفِ المَرْفُوعِ لِبَيانِ رِفْعَةِ البَيْتِ المَعْمُورِ. انْتَهى. ونَكَّرَ ”وكِتابٍ“، لِأنَّهُ شامِلٌ لِكُلِّ كِتابٍ أنْزَلَهُ اللَّهُ شُمُولَ البَدَلِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ شُمُولَ العُمُومِ، كَقَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] . وكَوْنُهُ في رَقٍّ، يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِهِ، وأنَّهُ لا يَتَخَطّى الرُّءُوسَ. ووَصْفُهُ بِمَنشُورٍ يَدُلُّ عَلى وُضُوحِهِ، فَلَيْسَ كالكِتابِ المَطْوِيِّ الَّذِي لا يُعْلَمُ ما انْطَوى عَلَيْهِ، والمَنشُورُ يُعْلَمُ ما فِيهِ، ولا يُمْنَعُ مِن مُطالَعَةِ ما تَضَمَّنَهُ؛ والواوُ الأُولى واوُ القَسَمِ، وما بَعْدَها لِلْعَطْفِ. والجُمْلَةُ المُقْسَمُ عَلَيْها هي قَوْلُهُ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ . وفي إضافَةِ العَذابِ لِقَوْلِهِ: (رَبِّكَ) لَطِيفَةٌ، إذْ هو المالِكُ والنّاظِرُ في مَصْلَحَةِ العَبْدِ. فَبِالإضافَةِ إلى الرَّبِّ، وإضافَتِهِ لِكافِ الخِطابِ أمانٌ لَهُ، ﷺ؛ وإنَّ العَذابَ لَواقِعٌ هو بِمَن كَذَّبَهُ، ولَواقِعٌ عَلى الشِّدَّةِ، وهو أدَلُّ عَلَيْها مِن لَكائِنٌ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١]، وقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾ [الشورى: ٢٢]، كَأنَّهُ مُهَيَّأٌ في مَكانٍ مُرْتَفِعٍ فَيَقَعُ عَلى مَن حَلَّ بِهِ ؟ «وعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ: قَدِمْتُ المَدِينَةَ لِأسْألَ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، في أُسارى بَدْرٍ، فَوافَيْتُهُ يَقْرَأُ في صَلاةِ المَغْرِبِ: ﴿والطُّورِ﴾ إلى ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾، فَكَأنَّما صُدِعَ قَلْبِي، فَأسْلَمْتُ خَوْفًا مِن نُزُولِ العَذابِ، وما كُنْتُ أظُنُّ أنْ أقُومَ مِن مَقامِي حَتّى يَقَعَ بِيَ العَذابُ» . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: واقِعٌ بِغَيْرِ لامٍ. قالَ قَتادَةُ: يُرِيدُ عَذابَ الآخِرَةِ لِلْكُفّارِ، أيْ لَواقِعٌ بِالكُفّارِ.

الطور 52:2

سُورَةُ الطُّورِ مَكِّيَّةٌ وهي تِسْعٌ وأرْبَعُونَ آيَةً ﷽ ﴿والطُّورِ﴾ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور: ٢٤] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الطور: ٢٥] ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] ﴿فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: ٢٩] ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور: ٣١] ﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الطور: ٣٢] ﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الطور: ٣٣] ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٤] ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥] ﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٦] ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧] ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور: ٣٨] ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩] ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠] ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ [الطور: ٤١] ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢] ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور: ٤٣] ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور: ٤٤] ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ [الطور: ٤٥] ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [الطور: ٤٦] ﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الطور: ٤٧] ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: ٤٨] ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩] الرَّقُّ، بِالفَتْحِ والكَسْرِ: جِلْدٌ رَقِيقٌ يُكْتَبُ فِيهِ، وجَمْعُهُ رُقُوقٌ. والرِّقُّ بِالكَسْرِ: المَمْلُوكُ. مارَ الشَّيْءُ: ذَهَبَ وجاءَ. وقالَ الأخْفَشُ وأبُو عُبَيْدَةَ: تَكَفَّأ، وأنْشَدَ الأعْشى: ؎كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها مَرُّ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ ويُرْوى: مَرْوَ السَّحابَةِ. الدَّعُّ: الدَّفْعُ في الضِّيقِ بِشِدَّةٍ وإهانَةٍ. السَّمُومُ: الرِّيحُ الحارَّةُ الَّتِي تَدْخُلُ المَسامَّ، ويُقالُ: سَمَّ يَوْمُنا فَهو مَسْمُومٌ، والجَمْعُ سَمائِمُ. وقالَ ثَعْلَبٌ: شِدَّةُ الحَرِّ، أوْ شِدَّةُ البَرْدِ في النَّهارِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السَّمُومُ بِالنَّهارِ، وقَدْ يَكُونُ بِاللَّيْلِ؛ والحَرُورُ بِاللَّيْلِ، وقَدْ يَكُونُ بِالنَّهارِ. وقَدْ يُسْتَعْمَلُ السَّمُومُ في لَفْحِ البَرْدِ، وهو في لَفْحِ الحَرِّ والشَّمْسِ أكْثَرُ. المَنُونُ: الدَّهْرُ، ورَيْبُهُ: حَوادِثُهُ. وقِيلَ: اسْمٌ لِلْمَوْتِ. المُسَيْطِرُ: المُتَسَلِّطُ. وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ: سَطَّرْتَ عَلَيَّ، إذا اتَّخَذْتَنِي خَوَلًا، ولَمْ يَأْتِ في كَلامِ العَرَبِ اسْمٌ عَلى مُفَيْعِلٍ إلّا خَمْسَةٌ: مُهَيْمِنٌ ومُحَيْمِرٌ ومُبَيْطِرٌ ومُسَيْطِرٌ ومُبَيْقِرٌ. فالمُحَيْمِرُ اسْمُ جَبَلٍ، والبَواقِي أسْماءُ (p-١٤٥)فاعِلِينَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ﴿والطُّورِ﴾ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور: ٢٤] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الطور: ٢٥] ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] . (p-١٤٦)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. ومُناسَبَتُها لِآخِرِ ما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، إذْ في آخِرِ تِلْكَ: ﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ﴾ [الذاريات: ٥٩]، وقالَ هُنا: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ . الطُّورُ: الجَبَلُ، والظّاهِرُ أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، لا جَبَلٌ مُعَيَّنٌ، وفي الشَّأْمِ جَبَلٌ يُسَمّى الطُّورَ، وهو طُورُ سَيْناءَ. فَقالَ نَوْفٌ البِكالِيُّ: إنَّهُ الَّذِي أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ لِفَضْلِهِ عَلى الجِبالِ. قِيلَ: وهو الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. والكِتابُ المَسْطُورُ: القُرْآنُ، أوِ المُنْتَسَخُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوِ التَّوْراةُ، أوْ هي الإنْجِيلُ والزَّبُورُ، أوِ الكِتابُ الَّذِي فِيهِ أعْمالُ الخَلْقِ، أوِ الصُّحُفُ الَّتِي تُعْطى يَوْمَ القِيامَةِ بِالأيْمانِ والشَّمائِلِ، أقْوالٌ آخِرُها لِلْفَرّاءِ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ شَيْءٌ مِنها عَلى التَّعْيِينِ، إنَّما تُورَدُ عَلى الِاحْتِمالِ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: في رِقٍّ، بِكَسْرِ الرّاءِ، ﴿مَنشُورٍ﴾: أيْ مَبْسُوطٍ. وقِيلَ: مَفْتُوحٌ لا خَتْمَ عَلَيْهِ. وقِيلَ: مَنشُورٌ لائِحٌ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مَنشُورٌ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ. ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾، قالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ: هو بَيْتٌ في السَّماءِ مُسامِتُ الكَعْبَةِ يُقالُ لَهُ الضُّراحُ، والضَّرِيحُ أيْضًا، وهو الَّذِي ذُكِرَ في حَدِيثِ الإسْراءِ، قالَ جِبْرِيلُ: «هَذا البَيْتُ المَعْمُورُ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ، ثُمَّ لا يَعُودُونَ إلَيْهِ آخِرَ ما عَلَيْهِمْ» . وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: في كُلِّ سَماءٍ بَيْتٌ مَعْمُورٌ، وفي كُلِّ أرْضٍ كَذَلِكَ. وسَألَ ابْنُ الكَوّا عَلِيًّا، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: بَيْتٌ فَوْقَ سَبْعِ سَمَواتٍ تَحْتَ العَرْشِ يُقالُ لَهُ الضُّراحُ. وقالَ الحَسَنُ: البَيْتُ المَعْمُورُ: الكَعْبَةُ، يُعَمِّرُهُ اللَّهُ كُلَّ سَنَةٍ بِسِتِّمِائَةِ ألْفٍ، فَإنْ عَجَزَ مِنَ النّاسِ أتَمَّهُ اللَّهُ بِالمَلائِكَةِ. ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾: السَّماءُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو العَرْشُ، وهو سَقْفُ الجَنَّةِ. ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾، قالَ مُجاهِدٌ وشِمْرُ بْنُ عَطِيَّةَ والضَّحّاكُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ والأخْفَشُ: هو البَحْرُ المُوقَدُ نارًا. ورُوِيَ أنَّ البَحْرَ هو جَهَنَّمُ. وقالَ قَتادَةُ: البَحْرُ المَسْجُورُ: المَمْلُوءُ، وهَذا مَعْرُوفٌ مِنَ اللُّغَةِ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ بِوُجُودِ ماءِ البَحْرِ كَذَلِكَ، ولا يُنافِي ما قالَهُ مُجاهِدٌ، لِأنَّ سَجَرْتَ التَّنُّورَ مَعْناهُ: مَلَأْتَهُ بِما يَحْتَرِقُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَسْجُورُ: الَّذِي ذَهَبَ ماؤُهُ. ورَوى ذُو الرُّمَّةِ الشّاعِرُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خَرَجَتْ أمَةٌ لِتَسْتَقِيَ، فَقالَتْ: إنَّ الحَوْضَ مَسْجُورٌ: أيْ فارِغٌ، ولَيْسَ لِذِي الرُّمَّةِ حَدِيثٌ إلّا هَذا، فَيَكُونُ مِنَ الأضْدادِ. ويُرْوى أنَّ البِحارَ يَذْهَبُ ماؤُها يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَسْجُورُ: المَحْبُوسُ، ومِنهُ ساجُورُ الكَلْبِ: وهي القِلادَةُ مِن عُودٍ أوْ حَدِيدٍ تُمْسِكُهُ، ولَوْلا أنَّ البَحْرَ يُمْسَكُ، لَفاضَ عَلى الأرْضِ. وقالَ الرَّبِيعُ: المَسْجُورُ: المُخْتَلِطُ العَذْبُ بِالمِلْحِ. وقِيلَ: المَفْجُورُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ [الإنفطار: ٣] . والجُمْهُورُ: عَلى أنَّ البَحْرَ المُقْسَمَ بِهِ هو (p-١٤٧)بَحْرُ الدُّنْيا، ويُؤَيِّدُهُ: ﴿وإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] . وعَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عُمَرَ: أنَّهُ في السَّماءِ تَحْتَ العَرْشِ فِيهِ ماءٌ غَلِيظٌ يُقالُ لَهُ بَحْرُ الحَياةِ، يُمْطَرُ العِبادُ مِنهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الأُولى أرْبَعِينَ صَباحًا، فَيَنْبُتُونَ في قُبُورِهِمْ. وقالَ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: هو جَهَنَّمُ، وسَمّاها بَحْرًا لِسَعَتِها وتَمَوُّجِها. كَما جاءَ في الفَرَسِ: وإنْ وجَدْناهُ لَبَحْرًا. قِيلَ: ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ في القَسَمِ بِالطُّورِ والبَحْرِ والبَيْتِ، لِكَوْنِها أماكِنَ خَلْوَةٍ مَعَ اللَّهِ تَعالى، خاطَبَ مِنها رَبُّهم رُسُلَهُ. فالطُّورُ، قالَ فِيهِ مُوسى: ﴿أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، والبَيْتُ المَعْمُورُ لِمُحَمَّدٍ، ﷺ، والبَحْرُ المَسْجُورُ لِيُونُسَ، قالَ: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، فَشُرِّفَتْ هَذِهِ الأماكِنُ بِهَذِهِ الأسْبابِ. والقَسَمُ بِكِتابٍ مَسْطُورٍ، لِأنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كانَ لَهم مَعَ اللَّهِ في هَذِهِ الأماكِنِ كَلامٌ. واقْتِرانُهُ بِالطُّورِ دَلَّ عَلى ذَلِكَ. والقَسَمُ بِالسَّقْفِ المَرْفُوعِ لِبَيانِ رِفْعَةِ البَيْتِ المَعْمُورِ. انْتَهى. ونَكَّرَ ”وكِتابٍ“، لِأنَّهُ شامِلٌ لِكُلِّ كِتابٍ أنْزَلَهُ اللَّهُ شُمُولَ البَدَلِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ شُمُولَ العُمُومِ، كَقَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] . وكَوْنُهُ في رَقٍّ، يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِهِ، وأنَّهُ لا يَتَخَطّى الرُّءُوسَ. ووَصْفُهُ بِمَنشُورٍ يَدُلُّ عَلى وُضُوحِهِ، فَلَيْسَ كالكِتابِ المَطْوِيِّ الَّذِي لا يُعْلَمُ ما انْطَوى عَلَيْهِ، والمَنشُورُ يُعْلَمُ ما فِيهِ، ولا يُمْنَعُ مِن مُطالَعَةِ ما تَضَمَّنَهُ؛ والواوُ الأُولى واوُ القَسَمِ، وما بَعْدَها لِلْعَطْفِ. والجُمْلَةُ المُقْسَمُ عَلَيْها هي قَوْلُهُ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ . وفي إضافَةِ العَذابِ لِقَوْلِهِ: (رَبِّكَ) لَطِيفَةٌ، إذْ هو المالِكُ والنّاظِرُ في مَصْلَحَةِ العَبْدِ. فَبِالإضافَةِ إلى الرَّبِّ، وإضافَتِهِ لِكافِ الخِطابِ أمانٌ لَهُ، ﷺ؛ وإنَّ العَذابَ لَواقِعٌ هو بِمَن كَذَّبَهُ، ولَواقِعٌ عَلى الشِّدَّةِ، وهو أدَلُّ عَلَيْها مِن لَكائِنٌ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١]، وقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾ [الشورى: ٢٢]، كَأنَّهُ مُهَيَّأٌ في مَكانٍ مُرْتَفِعٍ فَيَقَعُ عَلى مَن حَلَّ بِهِ ؟ «وعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ: قَدِمْتُ المَدِينَةَ لِأسْألَ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، في أُسارى بَدْرٍ، فَوافَيْتُهُ يَقْرَأُ في صَلاةِ المَغْرِبِ: ﴿والطُّورِ﴾ إلى ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾، فَكَأنَّما صُدِعَ قَلْبِي، فَأسْلَمْتُ خَوْفًا مِن نُزُولِ العَذابِ، وما كُنْتُ أظُنُّ أنْ أقُومَ مِن مَقامِي حَتّى يَقَعَ بِيَ العَذابُ» . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: واقِعٌ بِغَيْرِ لامٍ. قالَ قَتادَةُ: يُرِيدُ عَذابَ الآخِرَةِ لِلْكُفّارِ، أيْ لَواقِعٌ بِالكُفّارِ.

الطور 52:3

سُورَةُ الطُّورِ مَكِّيَّةٌ وهي تِسْعٌ وأرْبَعُونَ آيَةً ﷽ ﴿والطُّورِ﴾ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور: ٢٤] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الطور: ٢٥] ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] ﴿فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: ٢٩] ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور: ٣١] ﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الطور: ٣٢] ﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الطور: ٣٣] ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٤] ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥] ﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٦] ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧] ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور: ٣٨] ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩] ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠] ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ [الطور: ٤١] ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢] ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور: ٤٣] ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور: ٤٤] ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ [الطور: ٤٥] ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [الطور: ٤٦] ﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الطور: ٤٧] ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: ٤٨] ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩] الرَّقُّ، بِالفَتْحِ والكَسْرِ: جِلْدٌ رَقِيقٌ يُكْتَبُ فِيهِ، وجَمْعُهُ رُقُوقٌ. والرِّقُّ بِالكَسْرِ: المَمْلُوكُ. مارَ الشَّيْءُ: ذَهَبَ وجاءَ. وقالَ الأخْفَشُ وأبُو عُبَيْدَةَ: تَكَفَّأ، وأنْشَدَ الأعْشى: ؎كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها مَرُّ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ ويُرْوى: مَرْوَ السَّحابَةِ. الدَّعُّ: الدَّفْعُ في الضِّيقِ بِشِدَّةٍ وإهانَةٍ. السَّمُومُ: الرِّيحُ الحارَّةُ الَّتِي تَدْخُلُ المَسامَّ، ويُقالُ: سَمَّ يَوْمُنا فَهو مَسْمُومٌ، والجَمْعُ سَمائِمُ. وقالَ ثَعْلَبٌ: شِدَّةُ الحَرِّ، أوْ شِدَّةُ البَرْدِ في النَّهارِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السَّمُومُ بِالنَّهارِ، وقَدْ يَكُونُ بِاللَّيْلِ؛ والحَرُورُ بِاللَّيْلِ، وقَدْ يَكُونُ بِالنَّهارِ. وقَدْ يُسْتَعْمَلُ السَّمُومُ في لَفْحِ البَرْدِ، وهو في لَفْحِ الحَرِّ والشَّمْسِ أكْثَرُ. المَنُونُ: الدَّهْرُ، ورَيْبُهُ: حَوادِثُهُ. وقِيلَ: اسْمٌ لِلْمَوْتِ. المُسَيْطِرُ: المُتَسَلِّطُ. وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ: سَطَّرْتَ عَلَيَّ، إذا اتَّخَذْتَنِي خَوَلًا، ولَمْ يَأْتِ في كَلامِ العَرَبِ اسْمٌ عَلى مُفَيْعِلٍ إلّا خَمْسَةٌ: مُهَيْمِنٌ ومُحَيْمِرٌ ومُبَيْطِرٌ ومُسَيْطِرٌ ومُبَيْقِرٌ. فالمُحَيْمِرُ اسْمُ جَبَلٍ، والبَواقِي أسْماءُ (p-١٤٥)فاعِلِينَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ﴿والطُّورِ﴾ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور: ٢٤] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الطور: ٢٥] ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] . (p-١٤٦)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. ومُناسَبَتُها لِآخِرِ ما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، إذْ في آخِرِ تِلْكَ: ﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ﴾ [الذاريات: ٥٩]، وقالَ هُنا: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ . الطُّورُ: الجَبَلُ، والظّاهِرُ أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، لا جَبَلٌ مُعَيَّنٌ، وفي الشَّأْمِ جَبَلٌ يُسَمّى الطُّورَ، وهو طُورُ سَيْناءَ. فَقالَ نَوْفٌ البِكالِيُّ: إنَّهُ الَّذِي أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ لِفَضْلِهِ عَلى الجِبالِ. قِيلَ: وهو الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. والكِتابُ المَسْطُورُ: القُرْآنُ، أوِ المُنْتَسَخُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوِ التَّوْراةُ، أوْ هي الإنْجِيلُ والزَّبُورُ، أوِ الكِتابُ الَّذِي فِيهِ أعْمالُ الخَلْقِ، أوِ الصُّحُفُ الَّتِي تُعْطى يَوْمَ القِيامَةِ بِالأيْمانِ والشَّمائِلِ، أقْوالٌ آخِرُها لِلْفَرّاءِ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ شَيْءٌ مِنها عَلى التَّعْيِينِ، إنَّما تُورَدُ عَلى الِاحْتِمالِ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: في رِقٍّ، بِكَسْرِ الرّاءِ، ﴿مَنشُورٍ﴾: أيْ مَبْسُوطٍ. وقِيلَ: مَفْتُوحٌ لا خَتْمَ عَلَيْهِ. وقِيلَ: مَنشُورٌ لائِحٌ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مَنشُورٌ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ. ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾، قالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ: هو بَيْتٌ في السَّماءِ مُسامِتُ الكَعْبَةِ يُقالُ لَهُ الضُّراحُ، والضَّرِيحُ أيْضًا، وهو الَّذِي ذُكِرَ في حَدِيثِ الإسْراءِ، قالَ جِبْرِيلُ: «هَذا البَيْتُ المَعْمُورُ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ، ثُمَّ لا يَعُودُونَ إلَيْهِ آخِرَ ما عَلَيْهِمْ» . وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: في كُلِّ سَماءٍ بَيْتٌ مَعْمُورٌ، وفي كُلِّ أرْضٍ كَذَلِكَ. وسَألَ ابْنُ الكَوّا عَلِيًّا، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: بَيْتٌ فَوْقَ سَبْعِ سَمَواتٍ تَحْتَ العَرْشِ يُقالُ لَهُ الضُّراحُ. وقالَ الحَسَنُ: البَيْتُ المَعْمُورُ: الكَعْبَةُ، يُعَمِّرُهُ اللَّهُ كُلَّ سَنَةٍ بِسِتِّمِائَةِ ألْفٍ، فَإنْ عَجَزَ مِنَ النّاسِ أتَمَّهُ اللَّهُ بِالمَلائِكَةِ. ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾: السَّماءُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو العَرْشُ، وهو سَقْفُ الجَنَّةِ. ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾، قالَ مُجاهِدٌ وشِمْرُ بْنُ عَطِيَّةَ والضَّحّاكُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ والأخْفَشُ: هو البَحْرُ المُوقَدُ نارًا. ورُوِيَ أنَّ البَحْرَ هو جَهَنَّمُ. وقالَ قَتادَةُ: البَحْرُ المَسْجُورُ: المَمْلُوءُ، وهَذا مَعْرُوفٌ مِنَ اللُّغَةِ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ بِوُجُودِ ماءِ البَحْرِ كَذَلِكَ، ولا يُنافِي ما قالَهُ مُجاهِدٌ، لِأنَّ سَجَرْتَ التَّنُّورَ مَعْناهُ: مَلَأْتَهُ بِما يَحْتَرِقُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَسْجُورُ: الَّذِي ذَهَبَ ماؤُهُ. ورَوى ذُو الرُّمَّةِ الشّاعِرُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خَرَجَتْ أمَةٌ لِتَسْتَقِيَ، فَقالَتْ: إنَّ الحَوْضَ مَسْجُورٌ: أيْ فارِغٌ، ولَيْسَ لِذِي الرُّمَّةِ حَدِيثٌ إلّا هَذا، فَيَكُونُ مِنَ الأضْدادِ. ويُرْوى أنَّ البِحارَ يَذْهَبُ ماؤُها يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَسْجُورُ: المَحْبُوسُ، ومِنهُ ساجُورُ الكَلْبِ: وهي القِلادَةُ مِن عُودٍ أوْ حَدِيدٍ تُمْسِكُهُ، ولَوْلا أنَّ البَحْرَ يُمْسَكُ، لَفاضَ عَلى الأرْضِ. وقالَ الرَّبِيعُ: المَسْجُورُ: المُخْتَلِطُ العَذْبُ بِالمِلْحِ. وقِيلَ: المَفْجُورُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ [الإنفطار: ٣] . والجُمْهُورُ: عَلى أنَّ البَحْرَ المُقْسَمَ بِهِ هو (p-١٤٧)بَحْرُ الدُّنْيا، ويُؤَيِّدُهُ: ﴿وإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] . وعَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عُمَرَ: أنَّهُ في السَّماءِ تَحْتَ العَرْشِ فِيهِ ماءٌ غَلِيظٌ يُقالُ لَهُ بَحْرُ الحَياةِ، يُمْطَرُ العِبادُ مِنهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الأُولى أرْبَعِينَ صَباحًا، فَيَنْبُتُونَ في قُبُورِهِمْ. وقالَ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: هو جَهَنَّمُ، وسَمّاها بَحْرًا لِسَعَتِها وتَمَوُّجِها. كَما جاءَ في الفَرَسِ: وإنْ وجَدْناهُ لَبَحْرًا. قِيلَ: ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ في القَسَمِ بِالطُّورِ والبَحْرِ والبَيْتِ، لِكَوْنِها أماكِنَ خَلْوَةٍ مَعَ اللَّهِ تَعالى، خاطَبَ مِنها رَبُّهم رُسُلَهُ. فالطُّورُ، قالَ فِيهِ مُوسى: ﴿أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، والبَيْتُ المَعْمُورُ لِمُحَمَّدٍ، ﷺ، والبَحْرُ المَسْجُورُ لِيُونُسَ، قالَ: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، فَشُرِّفَتْ هَذِهِ الأماكِنُ بِهَذِهِ الأسْبابِ. والقَسَمُ بِكِتابٍ مَسْطُورٍ، لِأنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كانَ لَهم مَعَ اللَّهِ في هَذِهِ الأماكِنِ كَلامٌ. واقْتِرانُهُ بِالطُّورِ دَلَّ عَلى ذَلِكَ. والقَسَمُ بِالسَّقْفِ المَرْفُوعِ لِبَيانِ رِفْعَةِ البَيْتِ المَعْمُورِ. انْتَهى. ونَكَّرَ ”وكِتابٍ“، لِأنَّهُ شامِلٌ لِكُلِّ كِتابٍ أنْزَلَهُ اللَّهُ شُمُولَ البَدَلِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ شُمُولَ العُمُومِ، كَقَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] . وكَوْنُهُ في رَقٍّ، يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِهِ، وأنَّهُ لا يَتَخَطّى الرُّءُوسَ. ووَصْفُهُ بِمَنشُورٍ يَدُلُّ عَلى وُضُوحِهِ، فَلَيْسَ كالكِتابِ المَطْوِيِّ الَّذِي لا يُعْلَمُ ما انْطَوى عَلَيْهِ، والمَنشُورُ يُعْلَمُ ما فِيهِ، ولا يُمْنَعُ مِن مُطالَعَةِ ما تَضَمَّنَهُ؛ والواوُ الأُولى واوُ القَسَمِ، وما بَعْدَها لِلْعَطْفِ. والجُمْلَةُ المُقْسَمُ عَلَيْها هي قَوْلُهُ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ . وفي إضافَةِ العَذابِ لِقَوْلِهِ: (رَبِّكَ) لَطِيفَةٌ، إذْ هو المالِكُ والنّاظِرُ في مَصْلَحَةِ العَبْدِ. فَبِالإضافَةِ إلى الرَّبِّ، وإضافَتِهِ لِكافِ الخِطابِ أمانٌ لَهُ، ﷺ؛ وإنَّ العَذابَ لَواقِعٌ هو بِمَن كَذَّبَهُ، ولَواقِعٌ عَلى الشِّدَّةِ، وهو أدَلُّ عَلَيْها مِن لَكائِنٌ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١]، وقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾ [الشورى: ٢٢]، كَأنَّهُ مُهَيَّأٌ في مَكانٍ مُرْتَفِعٍ فَيَقَعُ عَلى مَن حَلَّ بِهِ ؟ «وعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ: قَدِمْتُ المَدِينَةَ لِأسْألَ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، في أُسارى بَدْرٍ، فَوافَيْتُهُ يَقْرَأُ في صَلاةِ المَغْرِبِ: ﴿والطُّورِ﴾ إلى ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾، فَكَأنَّما صُدِعَ قَلْبِي، فَأسْلَمْتُ خَوْفًا مِن نُزُولِ العَذابِ، وما كُنْتُ أظُنُّ أنْ أقُومَ مِن مَقامِي حَتّى يَقَعَ بِيَ العَذابُ» . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: واقِعٌ بِغَيْرِ لامٍ. قالَ قَتادَةُ: يُرِيدُ عَذابَ الآخِرَةِ لِلْكُفّارِ، أيْ لَواقِعٌ بِالكُفّارِ.

الطور 52:4

سُورَةُ الطُّورِ مَكِّيَّةٌ وهي تِسْعٌ وأرْبَعُونَ آيَةً ﷽ ﴿والطُّورِ﴾ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور: ٢٤] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الطور: ٢٥] ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] ﴿فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: ٢٩] ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور: ٣١] ﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الطور: ٣٢] ﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الطور: ٣٣] ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٤] ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥] ﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٦] ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧] ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور: ٣٨] ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩] ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠] ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ [الطور: ٤١] ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢] ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور: ٤٣] ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور: ٤٤] ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ [الطور: ٤٥] ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [الطور: ٤٦] ﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الطور: ٤٧] ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: ٤٨] ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩] الرَّقُّ، بِالفَتْحِ والكَسْرِ: جِلْدٌ رَقِيقٌ يُكْتَبُ فِيهِ، وجَمْعُهُ رُقُوقٌ. والرِّقُّ بِالكَسْرِ: المَمْلُوكُ. مارَ الشَّيْءُ: ذَهَبَ وجاءَ. وقالَ الأخْفَشُ وأبُو عُبَيْدَةَ: تَكَفَّأ، وأنْشَدَ الأعْشى: ؎كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها مَرُّ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ ويُرْوى: مَرْوَ السَّحابَةِ. الدَّعُّ: الدَّفْعُ في الضِّيقِ بِشِدَّةٍ وإهانَةٍ. السَّمُومُ: الرِّيحُ الحارَّةُ الَّتِي تَدْخُلُ المَسامَّ، ويُقالُ: سَمَّ يَوْمُنا فَهو مَسْمُومٌ، والجَمْعُ سَمائِمُ. وقالَ ثَعْلَبٌ: شِدَّةُ الحَرِّ، أوْ شِدَّةُ البَرْدِ في النَّهارِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السَّمُومُ بِالنَّهارِ، وقَدْ يَكُونُ بِاللَّيْلِ؛ والحَرُورُ بِاللَّيْلِ، وقَدْ يَكُونُ بِالنَّهارِ. وقَدْ يُسْتَعْمَلُ السَّمُومُ في لَفْحِ البَرْدِ، وهو في لَفْحِ الحَرِّ والشَّمْسِ أكْثَرُ. المَنُونُ: الدَّهْرُ، ورَيْبُهُ: حَوادِثُهُ. وقِيلَ: اسْمٌ لِلْمَوْتِ. المُسَيْطِرُ: المُتَسَلِّطُ. وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ: سَطَّرْتَ عَلَيَّ، إذا اتَّخَذْتَنِي خَوَلًا، ولَمْ يَأْتِ في كَلامِ العَرَبِ اسْمٌ عَلى مُفَيْعِلٍ إلّا خَمْسَةٌ: مُهَيْمِنٌ ومُحَيْمِرٌ ومُبَيْطِرٌ ومُسَيْطِرٌ ومُبَيْقِرٌ. فالمُحَيْمِرُ اسْمُ جَبَلٍ، والبَواقِي أسْماءُ (p-١٤٥)فاعِلِينَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ﴿والطُّورِ﴾ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور: ٢٤] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الطور: ٢٥] ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] . (p-١٤٦)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. ومُناسَبَتُها لِآخِرِ ما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، إذْ في آخِرِ تِلْكَ: ﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ﴾ [الذاريات: ٥٩]، وقالَ هُنا: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ . الطُّورُ: الجَبَلُ، والظّاهِرُ أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، لا جَبَلٌ مُعَيَّنٌ، وفي الشَّأْمِ جَبَلٌ يُسَمّى الطُّورَ، وهو طُورُ سَيْناءَ. فَقالَ نَوْفٌ البِكالِيُّ: إنَّهُ الَّذِي أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ لِفَضْلِهِ عَلى الجِبالِ. قِيلَ: وهو الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. والكِتابُ المَسْطُورُ: القُرْآنُ، أوِ المُنْتَسَخُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوِ التَّوْراةُ، أوْ هي الإنْجِيلُ والزَّبُورُ، أوِ الكِتابُ الَّذِي فِيهِ أعْمالُ الخَلْقِ، أوِ الصُّحُفُ الَّتِي تُعْطى يَوْمَ القِيامَةِ بِالأيْمانِ والشَّمائِلِ، أقْوالٌ آخِرُها لِلْفَرّاءِ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ شَيْءٌ مِنها عَلى التَّعْيِينِ، إنَّما تُورَدُ عَلى الِاحْتِمالِ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: في رِقٍّ، بِكَسْرِ الرّاءِ، ﴿مَنشُورٍ﴾: أيْ مَبْسُوطٍ. وقِيلَ: مَفْتُوحٌ لا خَتْمَ عَلَيْهِ. وقِيلَ: مَنشُورٌ لائِحٌ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مَنشُورٌ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ. ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾، قالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ: هو بَيْتٌ في السَّماءِ مُسامِتُ الكَعْبَةِ يُقالُ لَهُ الضُّراحُ، والضَّرِيحُ أيْضًا، وهو الَّذِي ذُكِرَ في حَدِيثِ الإسْراءِ، قالَ جِبْرِيلُ: «هَذا البَيْتُ المَعْمُورُ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ، ثُمَّ لا يَعُودُونَ إلَيْهِ آخِرَ ما عَلَيْهِمْ» . وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: في كُلِّ سَماءٍ بَيْتٌ مَعْمُورٌ، وفي كُلِّ أرْضٍ كَذَلِكَ. وسَألَ ابْنُ الكَوّا عَلِيًّا، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: بَيْتٌ فَوْقَ سَبْعِ سَمَواتٍ تَحْتَ العَرْشِ يُقالُ لَهُ الضُّراحُ. وقالَ الحَسَنُ: البَيْتُ المَعْمُورُ: الكَعْبَةُ، يُعَمِّرُهُ اللَّهُ كُلَّ سَنَةٍ بِسِتِّمِائَةِ ألْفٍ، فَإنْ عَجَزَ مِنَ النّاسِ أتَمَّهُ اللَّهُ بِالمَلائِكَةِ. ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾: السَّماءُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو العَرْشُ، وهو سَقْفُ الجَنَّةِ. ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾، قالَ مُجاهِدٌ وشِمْرُ بْنُ عَطِيَّةَ والضَّحّاكُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ والأخْفَشُ: هو البَحْرُ المُوقَدُ نارًا. ورُوِيَ أنَّ البَحْرَ هو جَهَنَّمُ. وقالَ قَتادَةُ: البَحْرُ المَسْجُورُ: المَمْلُوءُ، وهَذا مَعْرُوفٌ مِنَ اللُّغَةِ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ بِوُجُودِ ماءِ البَحْرِ كَذَلِكَ، ولا يُنافِي ما قالَهُ مُجاهِدٌ، لِأنَّ سَجَرْتَ التَّنُّورَ مَعْناهُ: مَلَأْتَهُ بِما يَحْتَرِقُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَسْجُورُ: الَّذِي ذَهَبَ ماؤُهُ. ورَوى ذُو الرُّمَّةِ الشّاعِرُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خَرَجَتْ أمَةٌ لِتَسْتَقِيَ، فَقالَتْ: إنَّ الحَوْضَ مَسْجُورٌ: أيْ فارِغٌ، ولَيْسَ لِذِي الرُّمَّةِ حَدِيثٌ إلّا هَذا، فَيَكُونُ مِنَ الأضْدادِ. ويُرْوى أنَّ البِحارَ يَذْهَبُ ماؤُها يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَسْجُورُ: المَحْبُوسُ، ومِنهُ ساجُورُ الكَلْبِ: وهي القِلادَةُ مِن عُودٍ أوْ حَدِيدٍ تُمْسِكُهُ، ولَوْلا أنَّ البَحْرَ يُمْسَكُ، لَفاضَ عَلى الأرْضِ. وقالَ الرَّبِيعُ: المَسْجُورُ: المُخْتَلِطُ العَذْبُ بِالمِلْحِ. وقِيلَ: المَفْجُورُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ [الإنفطار: ٣] . والجُمْهُورُ: عَلى أنَّ البَحْرَ المُقْسَمَ بِهِ هو (p-١٤٧)بَحْرُ الدُّنْيا، ويُؤَيِّدُهُ: ﴿وإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] . وعَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عُمَرَ: أنَّهُ في السَّماءِ تَحْتَ العَرْشِ فِيهِ ماءٌ غَلِيظٌ يُقالُ لَهُ بَحْرُ الحَياةِ، يُمْطَرُ العِبادُ مِنهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الأُولى أرْبَعِينَ صَباحًا، فَيَنْبُتُونَ في قُبُورِهِمْ. وقالَ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: هو جَهَنَّمُ، وسَمّاها بَحْرًا لِسَعَتِها وتَمَوُّجِها. كَما جاءَ في الفَرَسِ: وإنْ وجَدْناهُ لَبَحْرًا. قِيلَ: ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ في القَسَمِ بِالطُّورِ والبَحْرِ والبَيْتِ، لِكَوْنِها أماكِنَ خَلْوَةٍ مَعَ اللَّهِ تَعالى، خاطَبَ مِنها رَبُّهم رُسُلَهُ. فالطُّورُ، قالَ فِيهِ مُوسى: ﴿أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، والبَيْتُ المَعْمُورُ لِمُحَمَّدٍ، ﷺ، والبَحْرُ المَسْجُورُ لِيُونُسَ، قالَ: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، فَشُرِّفَتْ هَذِهِ الأماكِنُ بِهَذِهِ الأسْبابِ. والقَسَمُ بِكِتابٍ مَسْطُورٍ، لِأنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كانَ لَهم مَعَ اللَّهِ في هَذِهِ الأماكِنِ كَلامٌ. واقْتِرانُهُ بِالطُّورِ دَلَّ عَلى ذَلِكَ. والقَسَمُ بِالسَّقْفِ المَرْفُوعِ لِبَيانِ رِفْعَةِ البَيْتِ المَعْمُورِ. انْتَهى. ونَكَّرَ ”وكِتابٍ“، لِأنَّهُ شامِلٌ لِكُلِّ كِتابٍ أنْزَلَهُ اللَّهُ شُمُولَ البَدَلِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ شُمُولَ العُمُومِ، كَقَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] . وكَوْنُهُ في رَقٍّ، يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِهِ، وأنَّهُ لا يَتَخَطّى الرُّءُوسَ. ووَصْفُهُ بِمَنشُورٍ يَدُلُّ عَلى وُضُوحِهِ، فَلَيْسَ كالكِتابِ المَطْوِيِّ الَّذِي لا يُعْلَمُ ما انْطَوى عَلَيْهِ، والمَنشُورُ يُعْلَمُ ما فِيهِ، ولا يُمْنَعُ مِن مُطالَعَةِ ما تَضَمَّنَهُ؛ والواوُ الأُولى واوُ القَسَمِ، وما بَعْدَها لِلْعَطْفِ. والجُمْلَةُ المُقْسَمُ عَلَيْها هي قَوْلُهُ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ . وفي إضافَةِ العَذابِ لِقَوْلِهِ: (رَبِّكَ) لَطِيفَةٌ، إذْ هو المالِكُ والنّاظِرُ في مَصْلَحَةِ العَبْدِ. فَبِالإضافَةِ إلى الرَّبِّ، وإضافَتِهِ لِكافِ الخِطابِ أمانٌ لَهُ، ﷺ؛ وإنَّ العَذابَ لَواقِعٌ هو بِمَن كَذَّبَهُ، ولَواقِعٌ عَلى الشِّدَّةِ، وهو أدَلُّ عَلَيْها مِن لَكائِنٌ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١]، وقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾ [الشورى: ٢٢]، كَأنَّهُ مُهَيَّأٌ في مَكانٍ مُرْتَفِعٍ فَيَقَعُ عَلى مَن حَلَّ بِهِ ؟ «وعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ: قَدِمْتُ المَدِينَةَ لِأسْألَ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، في أُسارى بَدْرٍ، فَوافَيْتُهُ يَقْرَأُ في صَلاةِ المَغْرِبِ: ﴿والطُّورِ﴾ إلى ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾، فَكَأنَّما صُدِعَ قَلْبِي، فَأسْلَمْتُ خَوْفًا مِن نُزُولِ العَذابِ، وما كُنْتُ أظُنُّ أنْ أقُومَ مِن مَقامِي حَتّى يَقَعَ بِيَ العَذابُ» . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: واقِعٌ بِغَيْرِ لامٍ. قالَ قَتادَةُ: يُرِيدُ عَذابَ الآخِرَةِ لِلْكُفّارِ، أيْ لَواقِعٌ بِالكُفّارِ.

الطور 52:5

سُورَةُ الطُّورِ مَكِّيَّةٌ وهي تِسْعٌ وأرْبَعُونَ آيَةً ﷽ ﴿والطُّورِ﴾ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور: ٢٤] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الطور: ٢٥] ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] ﴿فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: ٢٩] ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور: ٣١] ﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الطور: ٣٢] ﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الطور: ٣٣] ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٤] ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥] ﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٦] ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧] ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور: ٣٨] ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩] ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠] ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ [الطور: ٤١] ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢] ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور: ٤٣] ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور: ٤٤] ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ [الطور: ٤٥] ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [الطور: ٤٦] ﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الطور: ٤٧] ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: ٤٨] ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩] الرَّقُّ، بِالفَتْحِ والكَسْرِ: جِلْدٌ رَقِيقٌ يُكْتَبُ فِيهِ، وجَمْعُهُ رُقُوقٌ. والرِّقُّ بِالكَسْرِ: المَمْلُوكُ. مارَ الشَّيْءُ: ذَهَبَ وجاءَ. وقالَ الأخْفَشُ وأبُو عُبَيْدَةَ: تَكَفَّأ، وأنْشَدَ الأعْشى: ؎كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها مَرُّ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ ويُرْوى: مَرْوَ السَّحابَةِ. الدَّعُّ: الدَّفْعُ في الضِّيقِ بِشِدَّةٍ وإهانَةٍ. السَّمُومُ: الرِّيحُ الحارَّةُ الَّتِي تَدْخُلُ المَسامَّ، ويُقالُ: سَمَّ يَوْمُنا فَهو مَسْمُومٌ، والجَمْعُ سَمائِمُ. وقالَ ثَعْلَبٌ: شِدَّةُ الحَرِّ، أوْ شِدَّةُ البَرْدِ في النَّهارِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السَّمُومُ بِالنَّهارِ، وقَدْ يَكُونُ بِاللَّيْلِ؛ والحَرُورُ بِاللَّيْلِ، وقَدْ يَكُونُ بِالنَّهارِ. وقَدْ يُسْتَعْمَلُ السَّمُومُ في لَفْحِ البَرْدِ، وهو في لَفْحِ الحَرِّ والشَّمْسِ أكْثَرُ. المَنُونُ: الدَّهْرُ، ورَيْبُهُ: حَوادِثُهُ. وقِيلَ: اسْمٌ لِلْمَوْتِ. المُسَيْطِرُ: المُتَسَلِّطُ. وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ: سَطَّرْتَ عَلَيَّ، إذا اتَّخَذْتَنِي خَوَلًا، ولَمْ يَأْتِ في كَلامِ العَرَبِ اسْمٌ عَلى مُفَيْعِلٍ إلّا خَمْسَةٌ: مُهَيْمِنٌ ومُحَيْمِرٌ ومُبَيْطِرٌ ومُسَيْطِرٌ ومُبَيْقِرٌ. فالمُحَيْمِرُ اسْمُ جَبَلٍ، والبَواقِي أسْماءُ (p-١٤٥)فاعِلِينَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ﴿والطُّورِ﴾ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور: ٢٤] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الطور: ٢٥] ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] . (p-١٤٦)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. ومُناسَبَتُها لِآخِرِ ما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، إذْ في آخِرِ تِلْكَ: ﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ﴾ [الذاريات: ٥٩]، وقالَ هُنا: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ . الطُّورُ: الجَبَلُ، والظّاهِرُ أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، لا جَبَلٌ مُعَيَّنٌ، وفي الشَّأْمِ جَبَلٌ يُسَمّى الطُّورَ، وهو طُورُ سَيْناءَ. فَقالَ نَوْفٌ البِكالِيُّ: إنَّهُ الَّذِي أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ لِفَضْلِهِ عَلى الجِبالِ. قِيلَ: وهو الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. والكِتابُ المَسْطُورُ: القُرْآنُ، أوِ المُنْتَسَخُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوِ التَّوْراةُ، أوْ هي الإنْجِيلُ والزَّبُورُ، أوِ الكِتابُ الَّذِي فِيهِ أعْمالُ الخَلْقِ، أوِ الصُّحُفُ الَّتِي تُعْطى يَوْمَ القِيامَةِ بِالأيْمانِ والشَّمائِلِ، أقْوالٌ آخِرُها لِلْفَرّاءِ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ شَيْءٌ مِنها عَلى التَّعْيِينِ، إنَّما تُورَدُ عَلى الِاحْتِمالِ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: في رِقٍّ، بِكَسْرِ الرّاءِ، ﴿مَنشُورٍ﴾: أيْ مَبْسُوطٍ. وقِيلَ: مَفْتُوحٌ لا خَتْمَ عَلَيْهِ. وقِيلَ: مَنشُورٌ لائِحٌ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مَنشُورٌ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ. ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾، قالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ: هو بَيْتٌ في السَّماءِ مُسامِتُ الكَعْبَةِ يُقالُ لَهُ الضُّراحُ، والضَّرِيحُ أيْضًا، وهو الَّذِي ذُكِرَ في حَدِيثِ الإسْراءِ، قالَ جِبْرِيلُ: «هَذا البَيْتُ المَعْمُورُ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ، ثُمَّ لا يَعُودُونَ إلَيْهِ آخِرَ ما عَلَيْهِمْ» . وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: في كُلِّ سَماءٍ بَيْتٌ مَعْمُورٌ، وفي كُلِّ أرْضٍ كَذَلِكَ. وسَألَ ابْنُ الكَوّا عَلِيًّا، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: بَيْتٌ فَوْقَ سَبْعِ سَمَواتٍ تَحْتَ العَرْشِ يُقالُ لَهُ الضُّراحُ. وقالَ الحَسَنُ: البَيْتُ المَعْمُورُ: الكَعْبَةُ، يُعَمِّرُهُ اللَّهُ كُلَّ سَنَةٍ بِسِتِّمِائَةِ ألْفٍ، فَإنْ عَجَزَ مِنَ النّاسِ أتَمَّهُ اللَّهُ بِالمَلائِكَةِ. ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾: السَّماءُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو العَرْشُ، وهو سَقْفُ الجَنَّةِ. ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾، قالَ مُجاهِدٌ وشِمْرُ بْنُ عَطِيَّةَ والضَّحّاكُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ والأخْفَشُ: هو البَحْرُ المُوقَدُ نارًا. ورُوِيَ أنَّ البَحْرَ هو جَهَنَّمُ. وقالَ قَتادَةُ: البَحْرُ المَسْجُورُ: المَمْلُوءُ، وهَذا مَعْرُوفٌ مِنَ اللُّغَةِ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ بِوُجُودِ ماءِ البَحْرِ كَذَلِكَ، ولا يُنافِي ما قالَهُ مُجاهِدٌ، لِأنَّ سَجَرْتَ التَّنُّورَ مَعْناهُ: مَلَأْتَهُ بِما يَحْتَرِقُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَسْجُورُ: الَّذِي ذَهَبَ ماؤُهُ. ورَوى ذُو الرُّمَّةِ الشّاعِرُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خَرَجَتْ أمَةٌ لِتَسْتَقِيَ، فَقالَتْ: إنَّ الحَوْضَ مَسْجُورٌ: أيْ فارِغٌ، ولَيْسَ لِذِي الرُّمَّةِ حَدِيثٌ إلّا هَذا، فَيَكُونُ مِنَ الأضْدادِ. ويُرْوى أنَّ البِحارَ يَذْهَبُ ماؤُها يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَسْجُورُ: المَحْبُوسُ، ومِنهُ ساجُورُ الكَلْبِ: وهي القِلادَةُ مِن عُودٍ أوْ حَدِيدٍ تُمْسِكُهُ، ولَوْلا أنَّ البَحْرَ يُمْسَكُ، لَفاضَ عَلى الأرْضِ. وقالَ الرَّبِيعُ: المَسْجُورُ: المُخْتَلِطُ العَذْبُ بِالمِلْحِ. وقِيلَ: المَفْجُورُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ [الإنفطار: ٣] . والجُمْهُورُ: عَلى أنَّ البَحْرَ المُقْسَمَ بِهِ هو (p-١٤٧)بَحْرُ الدُّنْيا، ويُؤَيِّدُهُ: ﴿وإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] . وعَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عُمَرَ: أنَّهُ في السَّماءِ تَحْتَ العَرْشِ فِيهِ ماءٌ غَلِيظٌ يُقالُ لَهُ بَحْرُ الحَياةِ، يُمْطَرُ العِبادُ مِنهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الأُولى أرْبَعِينَ صَباحًا، فَيَنْبُتُونَ في قُبُورِهِمْ. وقالَ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: هو جَهَنَّمُ، وسَمّاها بَحْرًا لِسَعَتِها وتَمَوُّجِها. كَما جاءَ في الفَرَسِ: وإنْ وجَدْناهُ لَبَحْرًا. قِيلَ: ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ في القَسَمِ بِالطُّورِ والبَحْرِ والبَيْتِ، لِكَوْنِها أماكِنَ خَلْوَةٍ مَعَ اللَّهِ تَعالى، خاطَبَ مِنها رَبُّهم رُسُلَهُ. فالطُّورُ، قالَ فِيهِ مُوسى: ﴿أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، والبَيْتُ المَعْمُورُ لِمُحَمَّدٍ، ﷺ، والبَحْرُ المَسْجُورُ لِيُونُسَ، قالَ: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، فَشُرِّفَتْ هَذِهِ الأماكِنُ بِهَذِهِ الأسْبابِ. والقَسَمُ بِكِتابٍ مَسْطُورٍ، لِأنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كانَ لَهم مَعَ اللَّهِ في هَذِهِ الأماكِنِ كَلامٌ. واقْتِرانُهُ بِالطُّورِ دَلَّ عَلى ذَلِكَ. والقَسَمُ بِالسَّقْفِ المَرْفُوعِ لِبَيانِ رِفْعَةِ البَيْتِ المَعْمُورِ. انْتَهى. ونَكَّرَ ”وكِتابٍ“، لِأنَّهُ شامِلٌ لِكُلِّ كِتابٍ أنْزَلَهُ اللَّهُ شُمُولَ البَدَلِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ شُمُولَ العُمُومِ، كَقَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] . وكَوْنُهُ في رَقٍّ، يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِهِ، وأنَّهُ لا يَتَخَطّى الرُّءُوسَ. ووَصْفُهُ بِمَنشُورٍ يَدُلُّ عَلى وُضُوحِهِ، فَلَيْسَ كالكِتابِ المَطْوِيِّ الَّذِي لا يُعْلَمُ ما انْطَوى عَلَيْهِ، والمَنشُورُ يُعْلَمُ ما فِيهِ، ولا يُمْنَعُ مِن مُطالَعَةِ ما تَضَمَّنَهُ؛ والواوُ الأُولى واوُ القَسَمِ، وما بَعْدَها لِلْعَطْفِ. والجُمْلَةُ المُقْسَمُ عَلَيْها هي قَوْلُهُ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ . وفي إضافَةِ العَذابِ لِقَوْلِهِ: (رَبِّكَ) لَطِيفَةٌ، إذْ هو المالِكُ والنّاظِرُ في مَصْلَحَةِ العَبْدِ. فَبِالإضافَةِ إلى الرَّبِّ، وإضافَتِهِ لِكافِ الخِطابِ أمانٌ لَهُ، ﷺ؛ وإنَّ العَذابَ لَواقِعٌ هو بِمَن كَذَّبَهُ، ولَواقِعٌ عَلى الشِّدَّةِ، وهو أدَلُّ عَلَيْها مِن لَكائِنٌ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١]، وقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾ [الشورى: ٢٢]، كَأنَّهُ مُهَيَّأٌ في مَكانٍ مُرْتَفِعٍ فَيَقَعُ عَلى مَن حَلَّ بِهِ ؟ «وعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ: قَدِمْتُ المَدِينَةَ لِأسْألَ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، في أُسارى بَدْرٍ، فَوافَيْتُهُ يَقْرَأُ في صَلاةِ المَغْرِبِ: ﴿والطُّورِ﴾ إلى ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾، فَكَأنَّما صُدِعَ قَلْبِي، فَأسْلَمْتُ خَوْفًا مِن نُزُولِ العَذابِ، وما كُنْتُ أظُنُّ أنْ أقُومَ مِن مَقامِي حَتّى يَقَعَ بِيَ العَذابُ» . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: واقِعٌ بِغَيْرِ لامٍ. قالَ قَتادَةُ: يُرِيدُ عَذابَ الآخِرَةِ لِلْكُفّارِ، أيْ لَواقِعٌ بِالكُفّارِ.

الطور 52:6

سُورَةُ الطُّورِ مَكِّيَّةٌ وهي تِسْعٌ وأرْبَعُونَ آيَةً ﷽ ﴿والطُّورِ﴾ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور: ٢٤] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الطور: ٢٥] ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] ﴿فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: ٢٩] ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور: ٣١] ﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الطور: ٣٢] ﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الطور: ٣٣] ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٤] ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥] ﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٦] ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧] ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور: ٣٨] ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩] ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠] ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ [الطور: ٤١] ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢] ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور: ٤٣] ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور: ٤٤] ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ [الطور: ٤٥] ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [الطور: ٤٦] ﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الطور: ٤٧] ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: ٤٨] ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩] الرَّقُّ، بِالفَتْحِ والكَسْرِ: جِلْدٌ رَقِيقٌ يُكْتَبُ فِيهِ، وجَمْعُهُ رُقُوقٌ. والرِّقُّ بِالكَسْرِ: المَمْلُوكُ. مارَ الشَّيْءُ: ذَهَبَ وجاءَ. وقالَ الأخْفَشُ وأبُو عُبَيْدَةَ: تَكَفَّأ، وأنْشَدَ الأعْشى: ؎كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها مَرُّ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ ويُرْوى: مَرْوَ السَّحابَةِ. الدَّعُّ: الدَّفْعُ في الضِّيقِ بِشِدَّةٍ وإهانَةٍ. السَّمُومُ: الرِّيحُ الحارَّةُ الَّتِي تَدْخُلُ المَسامَّ، ويُقالُ: سَمَّ يَوْمُنا فَهو مَسْمُومٌ، والجَمْعُ سَمائِمُ. وقالَ ثَعْلَبٌ: شِدَّةُ الحَرِّ، أوْ شِدَّةُ البَرْدِ في النَّهارِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السَّمُومُ بِالنَّهارِ، وقَدْ يَكُونُ بِاللَّيْلِ؛ والحَرُورُ بِاللَّيْلِ، وقَدْ يَكُونُ بِالنَّهارِ. وقَدْ يُسْتَعْمَلُ السَّمُومُ في لَفْحِ البَرْدِ، وهو في لَفْحِ الحَرِّ والشَّمْسِ أكْثَرُ. المَنُونُ: الدَّهْرُ، ورَيْبُهُ: حَوادِثُهُ. وقِيلَ: اسْمٌ لِلْمَوْتِ. المُسَيْطِرُ: المُتَسَلِّطُ. وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ: سَطَّرْتَ عَلَيَّ، إذا اتَّخَذْتَنِي خَوَلًا، ولَمْ يَأْتِ في كَلامِ العَرَبِ اسْمٌ عَلى مُفَيْعِلٍ إلّا خَمْسَةٌ: مُهَيْمِنٌ ومُحَيْمِرٌ ومُبَيْطِرٌ ومُسَيْطِرٌ ومُبَيْقِرٌ. فالمُحَيْمِرُ اسْمُ جَبَلٍ، والبَواقِي أسْماءُ (p-١٤٥)فاعِلِينَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ﴿والطُّورِ﴾ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور: ٢٤] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الطور: ٢٥] ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] . (p-١٤٦)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. ومُناسَبَتُها لِآخِرِ ما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، إذْ في آخِرِ تِلْكَ: ﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ﴾ [الذاريات: ٥٩]، وقالَ هُنا: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ . الطُّورُ: الجَبَلُ، والظّاهِرُ أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، لا جَبَلٌ مُعَيَّنٌ، وفي الشَّأْمِ جَبَلٌ يُسَمّى الطُّورَ، وهو طُورُ سَيْناءَ. فَقالَ نَوْفٌ البِكالِيُّ: إنَّهُ الَّذِي أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ لِفَضْلِهِ عَلى الجِبالِ. قِيلَ: وهو الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. والكِتابُ المَسْطُورُ: القُرْآنُ، أوِ المُنْتَسَخُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوِ التَّوْراةُ، أوْ هي الإنْجِيلُ والزَّبُورُ، أوِ الكِتابُ الَّذِي فِيهِ أعْمالُ الخَلْقِ، أوِ الصُّحُفُ الَّتِي تُعْطى يَوْمَ القِيامَةِ بِالأيْمانِ والشَّمائِلِ، أقْوالٌ آخِرُها لِلْفَرّاءِ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ شَيْءٌ مِنها عَلى التَّعْيِينِ، إنَّما تُورَدُ عَلى الِاحْتِمالِ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: في رِقٍّ، بِكَسْرِ الرّاءِ، ﴿مَنشُورٍ﴾: أيْ مَبْسُوطٍ. وقِيلَ: مَفْتُوحٌ لا خَتْمَ عَلَيْهِ. وقِيلَ: مَنشُورٌ لائِحٌ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مَنشُورٌ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ. ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾، قالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ: هو بَيْتٌ في السَّماءِ مُسامِتُ الكَعْبَةِ يُقالُ لَهُ الضُّراحُ، والضَّرِيحُ أيْضًا، وهو الَّذِي ذُكِرَ في حَدِيثِ الإسْراءِ، قالَ جِبْرِيلُ: «هَذا البَيْتُ المَعْمُورُ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ، ثُمَّ لا يَعُودُونَ إلَيْهِ آخِرَ ما عَلَيْهِمْ» . وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: في كُلِّ سَماءٍ بَيْتٌ مَعْمُورٌ، وفي كُلِّ أرْضٍ كَذَلِكَ. وسَألَ ابْنُ الكَوّا عَلِيًّا، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: بَيْتٌ فَوْقَ سَبْعِ سَمَواتٍ تَحْتَ العَرْشِ يُقالُ لَهُ الضُّراحُ. وقالَ الحَسَنُ: البَيْتُ المَعْمُورُ: الكَعْبَةُ، يُعَمِّرُهُ اللَّهُ كُلَّ سَنَةٍ بِسِتِّمِائَةِ ألْفٍ، فَإنْ عَجَزَ مِنَ النّاسِ أتَمَّهُ اللَّهُ بِالمَلائِكَةِ. ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾: السَّماءُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو العَرْشُ، وهو سَقْفُ الجَنَّةِ. ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾، قالَ مُجاهِدٌ وشِمْرُ بْنُ عَطِيَّةَ والضَّحّاكُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ والأخْفَشُ: هو البَحْرُ المُوقَدُ نارًا. ورُوِيَ أنَّ البَحْرَ هو جَهَنَّمُ. وقالَ قَتادَةُ: البَحْرُ المَسْجُورُ: المَمْلُوءُ، وهَذا مَعْرُوفٌ مِنَ اللُّغَةِ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ بِوُجُودِ ماءِ البَحْرِ كَذَلِكَ، ولا يُنافِي ما قالَهُ مُجاهِدٌ، لِأنَّ سَجَرْتَ التَّنُّورَ مَعْناهُ: مَلَأْتَهُ بِما يَحْتَرِقُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَسْجُورُ: الَّذِي ذَهَبَ ماؤُهُ. ورَوى ذُو الرُّمَّةِ الشّاعِرُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خَرَجَتْ أمَةٌ لِتَسْتَقِيَ، فَقالَتْ: إنَّ الحَوْضَ مَسْجُورٌ: أيْ فارِغٌ، ولَيْسَ لِذِي الرُّمَّةِ حَدِيثٌ إلّا هَذا، فَيَكُونُ مِنَ الأضْدادِ. ويُرْوى أنَّ البِحارَ يَذْهَبُ ماؤُها يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَسْجُورُ: المَحْبُوسُ، ومِنهُ ساجُورُ الكَلْبِ: وهي القِلادَةُ مِن عُودٍ أوْ حَدِيدٍ تُمْسِكُهُ، ولَوْلا أنَّ البَحْرَ يُمْسَكُ، لَفاضَ عَلى الأرْضِ. وقالَ الرَّبِيعُ: المَسْجُورُ: المُخْتَلِطُ العَذْبُ بِالمِلْحِ. وقِيلَ: المَفْجُورُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ [الإنفطار: ٣] . والجُمْهُورُ: عَلى أنَّ البَحْرَ المُقْسَمَ بِهِ هو (p-١٤٧)بَحْرُ الدُّنْيا، ويُؤَيِّدُهُ: ﴿وإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] . وعَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عُمَرَ: أنَّهُ في السَّماءِ تَحْتَ العَرْشِ فِيهِ ماءٌ غَلِيظٌ يُقالُ لَهُ بَحْرُ الحَياةِ، يُمْطَرُ العِبادُ مِنهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الأُولى أرْبَعِينَ صَباحًا، فَيَنْبُتُونَ في قُبُورِهِمْ. وقالَ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: هو جَهَنَّمُ، وسَمّاها بَحْرًا لِسَعَتِها وتَمَوُّجِها. كَما جاءَ في الفَرَسِ: وإنْ وجَدْناهُ لَبَحْرًا. قِيلَ: ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ في القَسَمِ بِالطُّورِ والبَحْرِ والبَيْتِ، لِكَوْنِها أماكِنَ خَلْوَةٍ مَعَ اللَّهِ تَعالى، خاطَبَ مِنها رَبُّهم رُسُلَهُ. فالطُّورُ، قالَ فِيهِ مُوسى: ﴿أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، والبَيْتُ المَعْمُورُ لِمُحَمَّدٍ، ﷺ، والبَحْرُ المَسْجُورُ لِيُونُسَ، قالَ: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، فَشُرِّفَتْ هَذِهِ الأماكِنُ بِهَذِهِ الأسْبابِ. والقَسَمُ بِكِتابٍ مَسْطُورٍ، لِأنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كانَ لَهم مَعَ اللَّهِ في هَذِهِ الأماكِنِ كَلامٌ. واقْتِرانُهُ بِالطُّورِ دَلَّ عَلى ذَلِكَ. والقَسَمُ بِالسَّقْفِ المَرْفُوعِ لِبَيانِ رِفْعَةِ البَيْتِ المَعْمُورِ. انْتَهى. ونَكَّرَ ”وكِتابٍ“، لِأنَّهُ شامِلٌ لِكُلِّ كِتابٍ أنْزَلَهُ اللَّهُ شُمُولَ البَدَلِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ شُمُولَ العُمُومِ، كَقَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] . وكَوْنُهُ في رَقٍّ، يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِهِ، وأنَّهُ لا يَتَخَطّى الرُّءُوسَ. ووَصْفُهُ بِمَنشُورٍ يَدُلُّ عَلى وُضُوحِهِ، فَلَيْسَ كالكِتابِ المَطْوِيِّ الَّذِي لا يُعْلَمُ ما انْطَوى عَلَيْهِ، والمَنشُورُ يُعْلَمُ ما فِيهِ، ولا يُمْنَعُ مِن مُطالَعَةِ ما تَضَمَّنَهُ؛ والواوُ الأُولى واوُ القَسَمِ، وما بَعْدَها لِلْعَطْفِ. والجُمْلَةُ المُقْسَمُ عَلَيْها هي قَوْلُهُ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ . وفي إضافَةِ العَذابِ لِقَوْلِهِ: (رَبِّكَ) لَطِيفَةٌ، إذْ هو المالِكُ والنّاظِرُ في مَصْلَحَةِ العَبْدِ. فَبِالإضافَةِ إلى الرَّبِّ، وإضافَتِهِ لِكافِ الخِطابِ أمانٌ لَهُ، ﷺ؛ وإنَّ العَذابَ لَواقِعٌ هو بِمَن كَذَّبَهُ، ولَواقِعٌ عَلى الشِّدَّةِ، وهو أدَلُّ عَلَيْها مِن لَكائِنٌ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١]، وقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾ [الشورى: ٢٢]، كَأنَّهُ مُهَيَّأٌ في مَكانٍ مُرْتَفِعٍ فَيَقَعُ عَلى مَن حَلَّ بِهِ ؟ «وعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ: قَدِمْتُ المَدِينَةَ لِأسْألَ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، في أُسارى بَدْرٍ، فَوافَيْتُهُ يَقْرَأُ في صَلاةِ المَغْرِبِ: ﴿والطُّورِ﴾ إلى ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾، فَكَأنَّما صُدِعَ قَلْبِي، فَأسْلَمْتُ خَوْفًا مِن نُزُولِ العَذابِ، وما كُنْتُ أظُنُّ أنْ أقُومَ مِن مَقامِي حَتّى يَقَعَ بِيَ العَذابُ» . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: واقِعٌ بِغَيْرِ لامٍ. قالَ قَتادَةُ: يُرِيدُ عَذابَ الآخِرَةِ لِلْكُفّارِ، أيْ لَواقِعٌ بِالكُفّارِ.

الطور 52:7

سُورَةُ الطُّورِ مَكِّيَّةٌ وهي تِسْعٌ وأرْبَعُونَ آيَةً ﷽ ﴿والطُّورِ﴾ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور: ٢٤] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الطور: ٢٥] ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] ﴿فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: ٢٩] ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور: ٣١] ﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الطور: ٣٢] ﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الطور: ٣٣] ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٤] ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥] ﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٦] ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧] ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور: ٣٨] ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩] ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠] ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ [الطور: ٤١] ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢] ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور: ٤٣] ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور: ٤٤] ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ [الطور: ٤٥] ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [الطور: ٤٦] ﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الطور: ٤٧] ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: ٤٨] ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩] الرَّقُّ، بِالفَتْحِ والكَسْرِ: جِلْدٌ رَقِيقٌ يُكْتَبُ فِيهِ، وجَمْعُهُ رُقُوقٌ. والرِّقُّ بِالكَسْرِ: المَمْلُوكُ. مارَ الشَّيْءُ: ذَهَبَ وجاءَ. وقالَ الأخْفَشُ وأبُو عُبَيْدَةَ: تَكَفَّأ، وأنْشَدَ الأعْشى: ؎كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها مَرُّ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ ويُرْوى: مَرْوَ السَّحابَةِ. الدَّعُّ: الدَّفْعُ في الضِّيقِ بِشِدَّةٍ وإهانَةٍ. السَّمُومُ: الرِّيحُ الحارَّةُ الَّتِي تَدْخُلُ المَسامَّ، ويُقالُ: سَمَّ يَوْمُنا فَهو مَسْمُومٌ، والجَمْعُ سَمائِمُ. وقالَ ثَعْلَبٌ: شِدَّةُ الحَرِّ، أوْ شِدَّةُ البَرْدِ في النَّهارِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السَّمُومُ بِالنَّهارِ، وقَدْ يَكُونُ بِاللَّيْلِ؛ والحَرُورُ بِاللَّيْلِ، وقَدْ يَكُونُ بِالنَّهارِ. وقَدْ يُسْتَعْمَلُ السَّمُومُ في لَفْحِ البَرْدِ، وهو في لَفْحِ الحَرِّ والشَّمْسِ أكْثَرُ. المَنُونُ: الدَّهْرُ، ورَيْبُهُ: حَوادِثُهُ. وقِيلَ: اسْمٌ لِلْمَوْتِ. المُسَيْطِرُ: المُتَسَلِّطُ. وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ: سَطَّرْتَ عَلَيَّ، إذا اتَّخَذْتَنِي خَوَلًا، ولَمْ يَأْتِ في كَلامِ العَرَبِ اسْمٌ عَلى مُفَيْعِلٍ إلّا خَمْسَةٌ: مُهَيْمِنٌ ومُحَيْمِرٌ ومُبَيْطِرٌ ومُسَيْطِرٌ ومُبَيْقِرٌ. فالمُحَيْمِرُ اسْمُ جَبَلٍ، والبَواقِي أسْماءُ (p-١٤٥)فاعِلِينَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ﴿والطُّورِ﴾ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور: ٢٤] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الطور: ٢٥] ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] . (p-١٤٦)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. ومُناسَبَتُها لِآخِرِ ما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، إذْ في آخِرِ تِلْكَ: ﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ﴾ [الذاريات: ٥٩]، وقالَ هُنا: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ . الطُّورُ: الجَبَلُ، والظّاهِرُ أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، لا جَبَلٌ مُعَيَّنٌ، وفي الشَّأْمِ جَبَلٌ يُسَمّى الطُّورَ، وهو طُورُ سَيْناءَ. فَقالَ نَوْفٌ البِكالِيُّ: إنَّهُ الَّذِي أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ لِفَضْلِهِ عَلى الجِبالِ. قِيلَ: وهو الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. والكِتابُ المَسْطُورُ: القُرْآنُ، أوِ المُنْتَسَخُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوِ التَّوْراةُ، أوْ هي الإنْجِيلُ والزَّبُورُ، أوِ الكِتابُ الَّذِي فِيهِ أعْمالُ الخَلْقِ، أوِ الصُّحُفُ الَّتِي تُعْطى يَوْمَ القِيامَةِ بِالأيْمانِ والشَّمائِلِ، أقْوالٌ آخِرُها لِلْفَرّاءِ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ شَيْءٌ مِنها عَلى التَّعْيِينِ، إنَّما تُورَدُ عَلى الِاحْتِمالِ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: في رِقٍّ، بِكَسْرِ الرّاءِ، ﴿مَنشُورٍ﴾: أيْ مَبْسُوطٍ. وقِيلَ: مَفْتُوحٌ لا خَتْمَ عَلَيْهِ. وقِيلَ: مَنشُورٌ لائِحٌ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مَنشُورٌ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ. ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾، قالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ: هو بَيْتٌ في السَّماءِ مُسامِتُ الكَعْبَةِ يُقالُ لَهُ الضُّراحُ، والضَّرِيحُ أيْضًا، وهو الَّذِي ذُكِرَ في حَدِيثِ الإسْراءِ، قالَ جِبْرِيلُ: «هَذا البَيْتُ المَعْمُورُ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ، ثُمَّ لا يَعُودُونَ إلَيْهِ آخِرَ ما عَلَيْهِمْ» . وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: في كُلِّ سَماءٍ بَيْتٌ مَعْمُورٌ، وفي كُلِّ أرْضٍ كَذَلِكَ. وسَألَ ابْنُ الكَوّا عَلِيًّا، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: بَيْتٌ فَوْقَ سَبْعِ سَمَواتٍ تَحْتَ العَرْشِ يُقالُ لَهُ الضُّراحُ. وقالَ الحَسَنُ: البَيْتُ المَعْمُورُ: الكَعْبَةُ، يُعَمِّرُهُ اللَّهُ كُلَّ سَنَةٍ بِسِتِّمِائَةِ ألْفٍ، فَإنْ عَجَزَ مِنَ النّاسِ أتَمَّهُ اللَّهُ بِالمَلائِكَةِ. ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾: السَّماءُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو العَرْشُ، وهو سَقْفُ الجَنَّةِ. ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾، قالَ مُجاهِدٌ وشِمْرُ بْنُ عَطِيَّةَ والضَّحّاكُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ والأخْفَشُ: هو البَحْرُ المُوقَدُ نارًا. ورُوِيَ أنَّ البَحْرَ هو جَهَنَّمُ. وقالَ قَتادَةُ: البَحْرُ المَسْجُورُ: المَمْلُوءُ، وهَذا مَعْرُوفٌ مِنَ اللُّغَةِ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ بِوُجُودِ ماءِ البَحْرِ كَذَلِكَ، ولا يُنافِي ما قالَهُ مُجاهِدٌ، لِأنَّ سَجَرْتَ التَّنُّورَ مَعْناهُ: مَلَأْتَهُ بِما يَحْتَرِقُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَسْجُورُ: الَّذِي ذَهَبَ ماؤُهُ. ورَوى ذُو الرُّمَّةِ الشّاعِرُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خَرَجَتْ أمَةٌ لِتَسْتَقِيَ، فَقالَتْ: إنَّ الحَوْضَ مَسْجُورٌ: أيْ فارِغٌ، ولَيْسَ لِذِي الرُّمَّةِ حَدِيثٌ إلّا هَذا، فَيَكُونُ مِنَ الأضْدادِ. ويُرْوى أنَّ البِحارَ يَذْهَبُ ماؤُها يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَسْجُورُ: المَحْبُوسُ، ومِنهُ ساجُورُ الكَلْبِ: وهي القِلادَةُ مِن عُودٍ أوْ حَدِيدٍ تُمْسِكُهُ، ولَوْلا أنَّ البَحْرَ يُمْسَكُ، لَفاضَ عَلى الأرْضِ. وقالَ الرَّبِيعُ: المَسْجُورُ: المُخْتَلِطُ العَذْبُ بِالمِلْحِ. وقِيلَ: المَفْجُورُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ [الإنفطار: ٣] . والجُمْهُورُ: عَلى أنَّ البَحْرَ المُقْسَمَ بِهِ هو (p-١٤٧)بَحْرُ الدُّنْيا، ويُؤَيِّدُهُ: ﴿وإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] . وعَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عُمَرَ: أنَّهُ في السَّماءِ تَحْتَ العَرْشِ فِيهِ ماءٌ غَلِيظٌ يُقالُ لَهُ بَحْرُ الحَياةِ، يُمْطَرُ العِبادُ مِنهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الأُولى أرْبَعِينَ صَباحًا، فَيَنْبُتُونَ في قُبُورِهِمْ. وقالَ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: هو جَهَنَّمُ، وسَمّاها بَحْرًا لِسَعَتِها وتَمَوُّجِها. كَما جاءَ في الفَرَسِ: وإنْ وجَدْناهُ لَبَحْرًا. قِيلَ: ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ في القَسَمِ بِالطُّورِ والبَحْرِ والبَيْتِ، لِكَوْنِها أماكِنَ خَلْوَةٍ مَعَ اللَّهِ تَعالى، خاطَبَ مِنها رَبُّهم رُسُلَهُ. فالطُّورُ، قالَ فِيهِ مُوسى: ﴿أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، والبَيْتُ المَعْمُورُ لِمُحَمَّدٍ، ﷺ، والبَحْرُ المَسْجُورُ لِيُونُسَ، قالَ: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، فَشُرِّفَتْ هَذِهِ الأماكِنُ بِهَذِهِ الأسْبابِ. والقَسَمُ بِكِتابٍ مَسْطُورٍ، لِأنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كانَ لَهم مَعَ اللَّهِ في هَذِهِ الأماكِنِ كَلامٌ. واقْتِرانُهُ بِالطُّورِ دَلَّ عَلى ذَلِكَ. والقَسَمُ بِالسَّقْفِ المَرْفُوعِ لِبَيانِ رِفْعَةِ البَيْتِ المَعْمُورِ. انْتَهى. ونَكَّرَ ”وكِتابٍ“، لِأنَّهُ شامِلٌ لِكُلِّ كِتابٍ أنْزَلَهُ اللَّهُ شُمُولَ البَدَلِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ شُمُولَ العُمُومِ، كَقَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] . وكَوْنُهُ في رَقٍّ، يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِهِ، وأنَّهُ لا يَتَخَطّى الرُّءُوسَ. ووَصْفُهُ بِمَنشُورٍ يَدُلُّ عَلى وُضُوحِهِ، فَلَيْسَ كالكِتابِ المَطْوِيِّ الَّذِي لا يُعْلَمُ ما انْطَوى عَلَيْهِ، والمَنشُورُ يُعْلَمُ ما فِيهِ، ولا يُمْنَعُ مِن مُطالَعَةِ ما تَضَمَّنَهُ؛ والواوُ الأُولى واوُ القَسَمِ، وما بَعْدَها لِلْعَطْفِ. والجُمْلَةُ المُقْسَمُ عَلَيْها هي قَوْلُهُ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ . وفي إضافَةِ العَذابِ لِقَوْلِهِ: (رَبِّكَ) لَطِيفَةٌ، إذْ هو المالِكُ والنّاظِرُ في مَصْلَحَةِ العَبْدِ. فَبِالإضافَةِ إلى الرَّبِّ، وإضافَتِهِ لِكافِ الخِطابِ أمانٌ لَهُ، ﷺ؛ وإنَّ العَذابَ لَواقِعٌ هو بِمَن كَذَّبَهُ، ولَواقِعٌ عَلى الشِّدَّةِ، وهو أدَلُّ عَلَيْها مِن لَكائِنٌ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١]، وقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾ [الشورى: ٢٢]، كَأنَّهُ مُهَيَّأٌ في مَكانٍ مُرْتَفِعٍ فَيَقَعُ عَلى مَن حَلَّ بِهِ ؟ «وعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ: قَدِمْتُ المَدِينَةَ لِأسْألَ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، في أُسارى بَدْرٍ، فَوافَيْتُهُ يَقْرَأُ في صَلاةِ المَغْرِبِ: ﴿والطُّورِ﴾ إلى ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾، فَكَأنَّما صُدِعَ قَلْبِي، فَأسْلَمْتُ خَوْفًا مِن نُزُولِ العَذابِ، وما كُنْتُ أظُنُّ أنْ أقُومَ مِن مَقامِي حَتّى يَقَعَ بِيَ العَذابُ» . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: واقِعٌ بِغَيْرِ لامٍ. قالَ قَتادَةُ: يُرِيدُ عَذابَ الآخِرَةِ لِلْكُفّارِ، أيْ لَواقِعٌ بِالكُفّارِ.

الطور 52:8

سُورَةُ الطُّورِ مَكِّيَّةٌ وهي تِسْعٌ وأرْبَعُونَ آيَةً ﷽ ﴿والطُّورِ﴾ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور: ٢٤] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الطور: ٢٥] ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] ﴿فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: ٢٩] ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور: ٣١] ﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الطور: ٣٢] ﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الطور: ٣٣] ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٤] ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥] ﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٦] ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧] ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور: ٣٨] ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩] ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠] ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ [الطور: ٤١] ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢] ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور: ٤٣] ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور: ٤٤] ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ [الطور: ٤٥] ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [الطور: ٤٦] ﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الطور: ٤٧] ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: ٤٨] ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩] الرَّقُّ، بِالفَتْحِ والكَسْرِ: جِلْدٌ رَقِيقٌ يُكْتَبُ فِيهِ، وجَمْعُهُ رُقُوقٌ. والرِّقُّ بِالكَسْرِ: المَمْلُوكُ. مارَ الشَّيْءُ: ذَهَبَ وجاءَ. وقالَ الأخْفَشُ وأبُو عُبَيْدَةَ: تَكَفَّأ، وأنْشَدَ الأعْشى: ؎كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها مَرُّ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ ويُرْوى: مَرْوَ السَّحابَةِ. الدَّعُّ: الدَّفْعُ في الضِّيقِ بِشِدَّةٍ وإهانَةٍ. السَّمُومُ: الرِّيحُ الحارَّةُ الَّتِي تَدْخُلُ المَسامَّ، ويُقالُ: سَمَّ يَوْمُنا فَهو مَسْمُومٌ، والجَمْعُ سَمائِمُ. وقالَ ثَعْلَبٌ: شِدَّةُ الحَرِّ، أوْ شِدَّةُ البَرْدِ في النَّهارِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السَّمُومُ بِالنَّهارِ، وقَدْ يَكُونُ بِاللَّيْلِ؛ والحَرُورُ بِاللَّيْلِ، وقَدْ يَكُونُ بِالنَّهارِ. وقَدْ يُسْتَعْمَلُ السَّمُومُ في لَفْحِ البَرْدِ، وهو في لَفْحِ الحَرِّ والشَّمْسِ أكْثَرُ. المَنُونُ: الدَّهْرُ، ورَيْبُهُ: حَوادِثُهُ. وقِيلَ: اسْمٌ لِلْمَوْتِ. المُسَيْطِرُ: المُتَسَلِّطُ. وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ: سَطَّرْتَ عَلَيَّ، إذا اتَّخَذْتَنِي خَوَلًا، ولَمْ يَأْتِ في كَلامِ العَرَبِ اسْمٌ عَلى مُفَيْعِلٍ إلّا خَمْسَةٌ: مُهَيْمِنٌ ومُحَيْمِرٌ ومُبَيْطِرٌ ومُسَيْطِرٌ ومُبَيْقِرٌ. فالمُحَيْمِرُ اسْمُ جَبَلٍ، والبَواقِي أسْماءُ (p-١٤٥)فاعِلِينَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ﴿والطُّورِ﴾ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور: ٢٤] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الطور: ٢٥] ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] . (p-١٤٦)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. ومُناسَبَتُها لِآخِرِ ما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، إذْ في آخِرِ تِلْكَ: ﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ﴾ [الذاريات: ٥٩]، وقالَ هُنا: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ . الطُّورُ: الجَبَلُ، والظّاهِرُ أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، لا جَبَلٌ مُعَيَّنٌ، وفي الشَّأْمِ جَبَلٌ يُسَمّى الطُّورَ، وهو طُورُ سَيْناءَ. فَقالَ نَوْفٌ البِكالِيُّ: إنَّهُ الَّذِي أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ لِفَضْلِهِ عَلى الجِبالِ. قِيلَ: وهو الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. والكِتابُ المَسْطُورُ: القُرْآنُ، أوِ المُنْتَسَخُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوِ التَّوْراةُ، أوْ هي الإنْجِيلُ والزَّبُورُ، أوِ الكِتابُ الَّذِي فِيهِ أعْمالُ الخَلْقِ، أوِ الصُّحُفُ الَّتِي تُعْطى يَوْمَ القِيامَةِ بِالأيْمانِ والشَّمائِلِ، أقْوالٌ آخِرُها لِلْفَرّاءِ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ شَيْءٌ مِنها عَلى التَّعْيِينِ، إنَّما تُورَدُ عَلى الِاحْتِمالِ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: في رِقٍّ، بِكَسْرِ الرّاءِ، ﴿مَنشُورٍ﴾: أيْ مَبْسُوطٍ. وقِيلَ: مَفْتُوحٌ لا خَتْمَ عَلَيْهِ. وقِيلَ: مَنشُورٌ لائِحٌ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مَنشُورٌ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ. ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾، قالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ: هو بَيْتٌ في السَّماءِ مُسامِتُ الكَعْبَةِ يُقالُ لَهُ الضُّراحُ، والضَّرِيحُ أيْضًا، وهو الَّذِي ذُكِرَ في حَدِيثِ الإسْراءِ، قالَ جِبْرِيلُ: «هَذا البَيْتُ المَعْمُورُ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ، ثُمَّ لا يَعُودُونَ إلَيْهِ آخِرَ ما عَلَيْهِمْ» . وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: في كُلِّ سَماءٍ بَيْتٌ مَعْمُورٌ، وفي كُلِّ أرْضٍ كَذَلِكَ. وسَألَ ابْنُ الكَوّا عَلِيًّا، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: بَيْتٌ فَوْقَ سَبْعِ سَمَواتٍ تَحْتَ العَرْشِ يُقالُ لَهُ الضُّراحُ. وقالَ الحَسَنُ: البَيْتُ المَعْمُورُ: الكَعْبَةُ، يُعَمِّرُهُ اللَّهُ كُلَّ سَنَةٍ بِسِتِّمِائَةِ ألْفٍ، فَإنْ عَجَزَ مِنَ النّاسِ أتَمَّهُ اللَّهُ بِالمَلائِكَةِ. ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾: السَّماءُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو العَرْشُ، وهو سَقْفُ الجَنَّةِ. ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾، قالَ مُجاهِدٌ وشِمْرُ بْنُ عَطِيَّةَ والضَّحّاكُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ والأخْفَشُ: هو البَحْرُ المُوقَدُ نارًا. ورُوِيَ أنَّ البَحْرَ هو جَهَنَّمُ. وقالَ قَتادَةُ: البَحْرُ المَسْجُورُ: المَمْلُوءُ، وهَذا مَعْرُوفٌ مِنَ اللُّغَةِ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ بِوُجُودِ ماءِ البَحْرِ كَذَلِكَ، ولا يُنافِي ما قالَهُ مُجاهِدٌ، لِأنَّ سَجَرْتَ التَّنُّورَ مَعْناهُ: مَلَأْتَهُ بِما يَحْتَرِقُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَسْجُورُ: الَّذِي ذَهَبَ ماؤُهُ. ورَوى ذُو الرُّمَّةِ الشّاعِرُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خَرَجَتْ أمَةٌ لِتَسْتَقِيَ، فَقالَتْ: إنَّ الحَوْضَ مَسْجُورٌ: أيْ فارِغٌ، ولَيْسَ لِذِي الرُّمَّةِ حَدِيثٌ إلّا هَذا، فَيَكُونُ مِنَ الأضْدادِ. ويُرْوى أنَّ البِحارَ يَذْهَبُ ماؤُها يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَسْجُورُ: المَحْبُوسُ، ومِنهُ ساجُورُ الكَلْبِ: وهي القِلادَةُ مِن عُودٍ أوْ حَدِيدٍ تُمْسِكُهُ، ولَوْلا أنَّ البَحْرَ يُمْسَكُ، لَفاضَ عَلى الأرْضِ. وقالَ الرَّبِيعُ: المَسْجُورُ: المُخْتَلِطُ العَذْبُ بِالمِلْحِ. وقِيلَ: المَفْجُورُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ [الإنفطار: ٣] . والجُمْهُورُ: عَلى أنَّ البَحْرَ المُقْسَمَ بِهِ هو (p-١٤٧)بَحْرُ الدُّنْيا، ويُؤَيِّدُهُ: ﴿وإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] . وعَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عُمَرَ: أنَّهُ في السَّماءِ تَحْتَ العَرْشِ فِيهِ ماءٌ غَلِيظٌ يُقالُ لَهُ بَحْرُ الحَياةِ، يُمْطَرُ العِبادُ مِنهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الأُولى أرْبَعِينَ صَباحًا، فَيَنْبُتُونَ في قُبُورِهِمْ. وقالَ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: هو جَهَنَّمُ، وسَمّاها بَحْرًا لِسَعَتِها وتَمَوُّجِها. كَما جاءَ في الفَرَسِ: وإنْ وجَدْناهُ لَبَحْرًا. قِيلَ: ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ في القَسَمِ بِالطُّورِ والبَحْرِ والبَيْتِ، لِكَوْنِها أماكِنَ خَلْوَةٍ مَعَ اللَّهِ تَعالى، خاطَبَ مِنها رَبُّهم رُسُلَهُ. فالطُّورُ، قالَ فِيهِ مُوسى: ﴿أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، والبَيْتُ المَعْمُورُ لِمُحَمَّدٍ، ﷺ، والبَحْرُ المَسْجُورُ لِيُونُسَ، قالَ: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، فَشُرِّفَتْ هَذِهِ الأماكِنُ بِهَذِهِ الأسْبابِ. والقَسَمُ بِكِتابٍ مَسْطُورٍ، لِأنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كانَ لَهم مَعَ اللَّهِ في هَذِهِ الأماكِنِ كَلامٌ. واقْتِرانُهُ بِالطُّورِ دَلَّ عَلى ذَلِكَ. والقَسَمُ بِالسَّقْفِ المَرْفُوعِ لِبَيانِ رِفْعَةِ البَيْتِ المَعْمُورِ. انْتَهى. ونَكَّرَ ”وكِتابٍ“، لِأنَّهُ شامِلٌ لِكُلِّ كِتابٍ أنْزَلَهُ اللَّهُ شُمُولَ البَدَلِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ شُمُولَ العُمُومِ، كَقَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] . وكَوْنُهُ في رَقٍّ، يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِهِ، وأنَّهُ لا يَتَخَطّى الرُّءُوسَ. ووَصْفُهُ بِمَنشُورٍ يَدُلُّ عَلى وُضُوحِهِ، فَلَيْسَ كالكِتابِ المَطْوِيِّ الَّذِي لا يُعْلَمُ ما انْطَوى عَلَيْهِ، والمَنشُورُ يُعْلَمُ ما فِيهِ، ولا يُمْنَعُ مِن مُطالَعَةِ ما تَضَمَّنَهُ؛ والواوُ الأُولى واوُ القَسَمِ، وما بَعْدَها لِلْعَطْفِ. والجُمْلَةُ المُقْسَمُ عَلَيْها هي قَوْلُهُ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ . وفي إضافَةِ العَذابِ لِقَوْلِهِ: (رَبِّكَ) لَطِيفَةٌ، إذْ هو المالِكُ والنّاظِرُ في مَصْلَحَةِ العَبْدِ. فَبِالإضافَةِ إلى الرَّبِّ، وإضافَتِهِ لِكافِ الخِطابِ أمانٌ لَهُ، ﷺ؛ وإنَّ العَذابَ لَواقِعٌ هو بِمَن كَذَّبَهُ، ولَواقِعٌ عَلى الشِّدَّةِ، وهو أدَلُّ عَلَيْها مِن لَكائِنٌ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١]، وقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾ [الشورى: ٢٢]، كَأنَّهُ مُهَيَّأٌ في مَكانٍ مُرْتَفِعٍ فَيَقَعُ عَلى مَن حَلَّ بِهِ ؟ «وعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ: قَدِمْتُ المَدِينَةَ لِأسْألَ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، في أُسارى بَدْرٍ، فَوافَيْتُهُ يَقْرَأُ في صَلاةِ المَغْرِبِ: ﴿والطُّورِ﴾ إلى ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾، فَكَأنَّما صُدِعَ قَلْبِي، فَأسْلَمْتُ خَوْفًا مِن نُزُولِ العَذابِ، وما كُنْتُ أظُنُّ أنْ أقُومَ مِن مَقامِي حَتّى يَقَعَ بِيَ العَذابُ» . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: واقِعٌ بِغَيْرِ لامٍ. قالَ قَتادَةُ: يُرِيدُ عَذابَ الآخِرَةِ لِلْكُفّارِ، أيْ لَواقِعٌ بِالكُفّارِ.

الطور 52:9

سُورَةُ الطُّورِ مَكِّيَّةٌ وهي تِسْعٌ وأرْبَعُونَ آيَةً ﷽ ﴿والطُّورِ﴾ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور: ٢٤] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الطور: ٢٥] ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] ﴿فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: ٢٩] ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور: ٣١] ﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الطور: ٣٢] ﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الطور: ٣٣] ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٤] ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥] ﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٦] ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧] ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور: ٣٨] ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩] ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠] ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ [الطور: ٤١] ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢] ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور: ٤٣] ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور: ٤٤] ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ [الطور: ٤٥] ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [الطور: ٤٦] ﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الطور: ٤٧] ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: ٤٨] ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩] الرَّقُّ، بِالفَتْحِ والكَسْرِ: جِلْدٌ رَقِيقٌ يُكْتَبُ فِيهِ، وجَمْعُهُ رُقُوقٌ. والرِّقُّ بِالكَسْرِ: المَمْلُوكُ. مارَ الشَّيْءُ: ذَهَبَ وجاءَ. وقالَ الأخْفَشُ وأبُو عُبَيْدَةَ: تَكَفَّأ، وأنْشَدَ الأعْشى: ؎كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها مَرُّ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ ويُرْوى: مَرْوَ السَّحابَةِ. الدَّعُّ: الدَّفْعُ في الضِّيقِ بِشِدَّةٍ وإهانَةٍ. السَّمُومُ: الرِّيحُ الحارَّةُ الَّتِي تَدْخُلُ المَسامَّ، ويُقالُ: سَمَّ يَوْمُنا فَهو مَسْمُومٌ، والجَمْعُ سَمائِمُ. وقالَ ثَعْلَبٌ: شِدَّةُ الحَرِّ، أوْ شِدَّةُ البَرْدِ في النَّهارِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السَّمُومُ بِالنَّهارِ، وقَدْ يَكُونُ بِاللَّيْلِ؛ والحَرُورُ بِاللَّيْلِ، وقَدْ يَكُونُ بِالنَّهارِ. وقَدْ يُسْتَعْمَلُ السَّمُومُ في لَفْحِ البَرْدِ، وهو في لَفْحِ الحَرِّ والشَّمْسِ أكْثَرُ. المَنُونُ: الدَّهْرُ، ورَيْبُهُ: حَوادِثُهُ. وقِيلَ: اسْمٌ لِلْمَوْتِ. المُسَيْطِرُ: المُتَسَلِّطُ. وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ: سَطَّرْتَ عَلَيَّ، إذا اتَّخَذْتَنِي خَوَلًا، ولَمْ يَأْتِ في كَلامِ العَرَبِ اسْمٌ عَلى مُفَيْعِلٍ إلّا خَمْسَةٌ: مُهَيْمِنٌ ومُحَيْمِرٌ ومُبَيْطِرٌ ومُسَيْطِرٌ ومُبَيْقِرٌ. فالمُحَيْمِرُ اسْمُ جَبَلٍ، والبَواقِي أسْماءُ (p-١٤٥)فاعِلِينَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ﴿والطُّورِ﴾ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور: ٢٤] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الطور: ٢٥] ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] . (p-١٤٦)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. ومُناسَبَتُها لِآخِرِ ما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، إذْ في آخِرِ تِلْكَ: ﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ﴾ [الذاريات: ٥٩]، وقالَ هُنا: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ . الطُّورُ: الجَبَلُ، والظّاهِرُ أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، لا جَبَلٌ مُعَيَّنٌ، وفي الشَّأْمِ جَبَلٌ يُسَمّى الطُّورَ، وهو طُورُ سَيْناءَ. فَقالَ نَوْفٌ البِكالِيُّ: إنَّهُ الَّذِي أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ لِفَضْلِهِ عَلى الجِبالِ. قِيلَ: وهو الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. والكِتابُ المَسْطُورُ: القُرْآنُ، أوِ المُنْتَسَخُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوِ التَّوْراةُ، أوْ هي الإنْجِيلُ والزَّبُورُ، أوِ الكِتابُ الَّذِي فِيهِ أعْمالُ الخَلْقِ، أوِ الصُّحُفُ الَّتِي تُعْطى يَوْمَ القِيامَةِ بِالأيْمانِ والشَّمائِلِ، أقْوالٌ آخِرُها لِلْفَرّاءِ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ شَيْءٌ مِنها عَلى التَّعْيِينِ، إنَّما تُورَدُ عَلى الِاحْتِمالِ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: في رِقٍّ، بِكَسْرِ الرّاءِ، ﴿مَنشُورٍ﴾: أيْ مَبْسُوطٍ. وقِيلَ: مَفْتُوحٌ لا خَتْمَ عَلَيْهِ. وقِيلَ: مَنشُورٌ لائِحٌ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مَنشُورٌ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ. ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾، قالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ: هو بَيْتٌ في السَّماءِ مُسامِتُ الكَعْبَةِ يُقالُ لَهُ الضُّراحُ، والضَّرِيحُ أيْضًا، وهو الَّذِي ذُكِرَ في حَدِيثِ الإسْراءِ، قالَ جِبْرِيلُ: «هَذا البَيْتُ المَعْمُورُ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ، ثُمَّ لا يَعُودُونَ إلَيْهِ آخِرَ ما عَلَيْهِمْ» . وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: في كُلِّ سَماءٍ بَيْتٌ مَعْمُورٌ، وفي كُلِّ أرْضٍ كَذَلِكَ. وسَألَ ابْنُ الكَوّا عَلِيًّا، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: بَيْتٌ فَوْقَ سَبْعِ سَمَواتٍ تَحْتَ العَرْشِ يُقالُ لَهُ الضُّراحُ. وقالَ الحَسَنُ: البَيْتُ المَعْمُورُ: الكَعْبَةُ، يُعَمِّرُهُ اللَّهُ كُلَّ سَنَةٍ بِسِتِّمِائَةِ ألْفٍ، فَإنْ عَجَزَ مِنَ النّاسِ أتَمَّهُ اللَّهُ بِالمَلائِكَةِ. ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾: السَّماءُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو العَرْشُ، وهو سَقْفُ الجَنَّةِ. ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾، قالَ مُجاهِدٌ وشِمْرُ بْنُ عَطِيَّةَ والضَّحّاكُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ والأخْفَشُ: هو البَحْرُ المُوقَدُ نارًا. ورُوِيَ أنَّ البَحْرَ هو جَهَنَّمُ. وقالَ قَتادَةُ: البَحْرُ المَسْجُورُ: المَمْلُوءُ، وهَذا مَعْرُوفٌ مِنَ اللُّغَةِ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ بِوُجُودِ ماءِ البَحْرِ كَذَلِكَ، ولا يُنافِي ما قالَهُ مُجاهِدٌ، لِأنَّ سَجَرْتَ التَّنُّورَ مَعْناهُ: مَلَأْتَهُ بِما يَحْتَرِقُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَسْجُورُ: الَّذِي ذَهَبَ ماؤُهُ. ورَوى ذُو الرُّمَّةِ الشّاعِرُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خَرَجَتْ أمَةٌ لِتَسْتَقِيَ، فَقالَتْ: إنَّ الحَوْضَ مَسْجُورٌ: أيْ فارِغٌ، ولَيْسَ لِذِي الرُّمَّةِ حَدِيثٌ إلّا هَذا، فَيَكُونُ مِنَ الأضْدادِ. ويُرْوى أنَّ البِحارَ يَذْهَبُ ماؤُها يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَسْجُورُ: المَحْبُوسُ، ومِنهُ ساجُورُ الكَلْبِ: وهي القِلادَةُ مِن عُودٍ أوْ حَدِيدٍ تُمْسِكُهُ، ولَوْلا أنَّ البَحْرَ يُمْسَكُ، لَفاضَ عَلى الأرْضِ. وقالَ الرَّبِيعُ: المَسْجُورُ: المُخْتَلِطُ العَذْبُ بِالمِلْحِ. وقِيلَ: المَفْجُورُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ [الإنفطار: ٣] . والجُمْهُورُ: عَلى أنَّ البَحْرَ المُقْسَمَ بِهِ هو (p-١٤٧)بَحْرُ الدُّنْيا، ويُؤَيِّدُهُ: ﴿وإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] . وعَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عُمَرَ: أنَّهُ في السَّماءِ تَحْتَ العَرْشِ فِيهِ ماءٌ غَلِيظٌ يُقالُ لَهُ بَحْرُ الحَياةِ، يُمْطَرُ العِبادُ مِنهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الأُولى أرْبَعِينَ صَباحًا، فَيَنْبُتُونَ في قُبُورِهِمْ. وقالَ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: هو جَهَنَّمُ، وسَمّاها بَحْرًا لِسَعَتِها وتَمَوُّجِها. كَما جاءَ في الفَرَسِ: وإنْ وجَدْناهُ لَبَحْرًا. قِيلَ: ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ في القَسَمِ بِالطُّورِ والبَحْرِ والبَيْتِ، لِكَوْنِها أماكِنَ خَلْوَةٍ مَعَ اللَّهِ تَعالى، خاطَبَ مِنها رَبُّهم رُسُلَهُ. فالطُّورُ، قالَ فِيهِ مُوسى: ﴿أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، والبَيْتُ المَعْمُورُ لِمُحَمَّدٍ، ﷺ، والبَحْرُ المَسْجُورُ لِيُونُسَ، قالَ: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، فَشُرِّفَتْ هَذِهِ الأماكِنُ بِهَذِهِ الأسْبابِ. والقَسَمُ بِكِتابٍ مَسْطُورٍ، لِأنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كانَ لَهم مَعَ اللَّهِ في هَذِهِ الأماكِنِ كَلامٌ. واقْتِرانُهُ بِالطُّورِ دَلَّ عَلى ذَلِكَ. والقَسَمُ بِالسَّقْفِ المَرْفُوعِ لِبَيانِ رِفْعَةِ البَيْتِ المَعْمُورِ. انْتَهى. ونَكَّرَ ”وكِتابٍ“، لِأنَّهُ شامِلٌ لِكُلِّ كِتابٍ أنْزَلَهُ اللَّهُ شُمُولَ البَدَلِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ شُمُولَ العُمُومِ، كَقَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] . وكَوْنُهُ في رَقٍّ، يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِهِ، وأنَّهُ لا يَتَخَطّى الرُّءُوسَ. ووَصْفُهُ بِمَنشُورٍ يَدُلُّ عَلى وُضُوحِهِ، فَلَيْسَ كالكِتابِ المَطْوِيِّ الَّذِي لا يُعْلَمُ ما انْطَوى عَلَيْهِ، والمَنشُورُ يُعْلَمُ ما فِيهِ، ولا يُمْنَعُ مِن مُطالَعَةِ ما تَضَمَّنَهُ؛ والواوُ الأُولى واوُ القَسَمِ، وما بَعْدَها لِلْعَطْفِ. والجُمْلَةُ المُقْسَمُ عَلَيْها هي قَوْلُهُ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ . وفي إضافَةِ العَذابِ لِقَوْلِهِ: (رَبِّكَ) لَطِيفَةٌ، إذْ هو المالِكُ والنّاظِرُ في مَصْلَحَةِ العَبْدِ. فَبِالإضافَةِ إلى الرَّبِّ، وإضافَتِهِ لِكافِ الخِطابِ أمانٌ لَهُ، ﷺ؛ وإنَّ العَذابَ لَواقِعٌ هو بِمَن كَذَّبَهُ، ولَواقِعٌ عَلى الشِّدَّةِ، وهو أدَلُّ عَلَيْها مِن لَكائِنٌ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١]، وقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾ [الشورى: ٢٢]، كَأنَّهُ مُهَيَّأٌ في مَكانٍ مُرْتَفِعٍ فَيَقَعُ عَلى مَن حَلَّ بِهِ ؟ «وعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ: قَدِمْتُ المَدِينَةَ لِأسْألَ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، في أُسارى بَدْرٍ، فَوافَيْتُهُ يَقْرَأُ في صَلاةِ المَغْرِبِ: ﴿والطُّورِ﴾ إلى ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾، فَكَأنَّما صُدِعَ قَلْبِي، فَأسْلَمْتُ خَوْفًا مِن نُزُولِ العَذابِ، وما كُنْتُ أظُنُّ أنْ أقُومَ مِن مَقامِي حَتّى يَقَعَ بِيَ العَذابُ» . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: واقِعٌ بِغَيْرِ لامٍ. قالَ قَتادَةُ: يُرِيدُ عَذابَ الآخِرَةِ لِلْكُفّارِ، أيْ لَواقِعٌ بِالكُفّارِ.

الطور 52:10

سُورَةُ الطُّورِ مَكِّيَّةٌ وهي تِسْعٌ وأرْبَعُونَ آيَةً ﷽ ﴿والطُّورِ﴾ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور: ٢٤] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الطور: ٢٥] ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] ﴿فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: ٢٩] ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور: ٣١] ﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الطور: ٣٢] ﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الطور: ٣٣] ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٤] ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥] ﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٦] ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧] ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور: ٣٨] ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩] ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠] ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ [الطور: ٤١] ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢] ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور: ٤٣] ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور: ٤٤] ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ [الطور: ٤٥] ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [الطور: ٤٦] ﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الطور: ٤٧] ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: ٤٨] ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩] الرَّقُّ، بِالفَتْحِ والكَسْرِ: جِلْدٌ رَقِيقٌ يُكْتَبُ فِيهِ، وجَمْعُهُ رُقُوقٌ. والرِّقُّ بِالكَسْرِ: المَمْلُوكُ. مارَ الشَّيْءُ: ذَهَبَ وجاءَ. وقالَ الأخْفَشُ وأبُو عُبَيْدَةَ: تَكَفَّأ، وأنْشَدَ الأعْشى: ؎كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها مَرُّ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ ويُرْوى: مَرْوَ السَّحابَةِ. الدَّعُّ: الدَّفْعُ في الضِّيقِ بِشِدَّةٍ وإهانَةٍ. السَّمُومُ: الرِّيحُ الحارَّةُ الَّتِي تَدْخُلُ المَسامَّ، ويُقالُ: سَمَّ يَوْمُنا فَهو مَسْمُومٌ، والجَمْعُ سَمائِمُ. وقالَ ثَعْلَبٌ: شِدَّةُ الحَرِّ، أوْ شِدَّةُ البَرْدِ في النَّهارِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السَّمُومُ بِالنَّهارِ، وقَدْ يَكُونُ بِاللَّيْلِ؛ والحَرُورُ بِاللَّيْلِ، وقَدْ يَكُونُ بِالنَّهارِ. وقَدْ يُسْتَعْمَلُ السَّمُومُ في لَفْحِ البَرْدِ، وهو في لَفْحِ الحَرِّ والشَّمْسِ أكْثَرُ. المَنُونُ: الدَّهْرُ، ورَيْبُهُ: حَوادِثُهُ. وقِيلَ: اسْمٌ لِلْمَوْتِ. المُسَيْطِرُ: المُتَسَلِّطُ. وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ: سَطَّرْتَ عَلَيَّ، إذا اتَّخَذْتَنِي خَوَلًا، ولَمْ يَأْتِ في كَلامِ العَرَبِ اسْمٌ عَلى مُفَيْعِلٍ إلّا خَمْسَةٌ: مُهَيْمِنٌ ومُحَيْمِرٌ ومُبَيْطِرٌ ومُسَيْطِرٌ ومُبَيْقِرٌ. فالمُحَيْمِرُ اسْمُ جَبَلٍ، والبَواقِي أسْماءُ (p-١٤٥)فاعِلِينَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ﴿والطُّورِ﴾ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور: ٢٤] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الطور: ٢٥] ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] . (p-١٤٦)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. ومُناسَبَتُها لِآخِرِ ما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، إذْ في آخِرِ تِلْكَ: ﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ﴾ [الذاريات: ٥٩]، وقالَ هُنا: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ . الطُّورُ: الجَبَلُ، والظّاهِرُ أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، لا جَبَلٌ مُعَيَّنٌ، وفي الشَّأْمِ جَبَلٌ يُسَمّى الطُّورَ، وهو طُورُ سَيْناءَ. فَقالَ نَوْفٌ البِكالِيُّ: إنَّهُ الَّذِي أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ لِفَضْلِهِ عَلى الجِبالِ. قِيلَ: وهو الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. والكِتابُ المَسْطُورُ: القُرْآنُ، أوِ المُنْتَسَخُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوِ التَّوْراةُ، أوْ هي الإنْجِيلُ والزَّبُورُ، أوِ الكِتابُ الَّذِي فِيهِ أعْمالُ الخَلْقِ، أوِ الصُّحُفُ الَّتِي تُعْطى يَوْمَ القِيامَةِ بِالأيْمانِ والشَّمائِلِ، أقْوالٌ آخِرُها لِلْفَرّاءِ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ شَيْءٌ مِنها عَلى التَّعْيِينِ، إنَّما تُورَدُ عَلى الِاحْتِمالِ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: في رِقٍّ، بِكَسْرِ الرّاءِ، ﴿مَنشُورٍ﴾: أيْ مَبْسُوطٍ. وقِيلَ: مَفْتُوحٌ لا خَتْمَ عَلَيْهِ. وقِيلَ: مَنشُورٌ لائِحٌ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مَنشُورٌ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ. ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾، قالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ: هو بَيْتٌ في السَّماءِ مُسامِتُ الكَعْبَةِ يُقالُ لَهُ الضُّراحُ، والضَّرِيحُ أيْضًا، وهو الَّذِي ذُكِرَ في حَدِيثِ الإسْراءِ، قالَ جِبْرِيلُ: «هَذا البَيْتُ المَعْمُورُ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ، ثُمَّ لا يَعُودُونَ إلَيْهِ آخِرَ ما عَلَيْهِمْ» . وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: في كُلِّ سَماءٍ بَيْتٌ مَعْمُورٌ، وفي كُلِّ أرْضٍ كَذَلِكَ. وسَألَ ابْنُ الكَوّا عَلِيًّا، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: بَيْتٌ فَوْقَ سَبْعِ سَمَواتٍ تَحْتَ العَرْشِ يُقالُ لَهُ الضُّراحُ. وقالَ الحَسَنُ: البَيْتُ المَعْمُورُ: الكَعْبَةُ، يُعَمِّرُهُ اللَّهُ كُلَّ سَنَةٍ بِسِتِّمِائَةِ ألْفٍ، فَإنْ عَجَزَ مِنَ النّاسِ أتَمَّهُ اللَّهُ بِالمَلائِكَةِ. ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾: السَّماءُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو العَرْشُ، وهو سَقْفُ الجَنَّةِ. ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾، قالَ مُجاهِدٌ وشِمْرُ بْنُ عَطِيَّةَ والضَّحّاكُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ والأخْفَشُ: هو البَحْرُ المُوقَدُ نارًا. ورُوِيَ أنَّ البَحْرَ هو جَهَنَّمُ. وقالَ قَتادَةُ: البَحْرُ المَسْجُورُ: المَمْلُوءُ، وهَذا مَعْرُوفٌ مِنَ اللُّغَةِ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ بِوُجُودِ ماءِ البَحْرِ كَذَلِكَ، ولا يُنافِي ما قالَهُ مُجاهِدٌ، لِأنَّ سَجَرْتَ التَّنُّورَ مَعْناهُ: مَلَأْتَهُ بِما يَحْتَرِقُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَسْجُورُ: الَّذِي ذَهَبَ ماؤُهُ. ورَوى ذُو الرُّمَّةِ الشّاعِرُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خَرَجَتْ أمَةٌ لِتَسْتَقِيَ، فَقالَتْ: إنَّ الحَوْضَ مَسْجُورٌ: أيْ فارِغٌ، ولَيْسَ لِذِي الرُّمَّةِ حَدِيثٌ إلّا هَذا، فَيَكُونُ مِنَ الأضْدادِ. ويُرْوى أنَّ البِحارَ يَذْهَبُ ماؤُها يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَسْجُورُ: المَحْبُوسُ، ومِنهُ ساجُورُ الكَلْبِ: وهي القِلادَةُ مِن عُودٍ أوْ حَدِيدٍ تُمْسِكُهُ، ولَوْلا أنَّ البَحْرَ يُمْسَكُ، لَفاضَ عَلى الأرْضِ. وقالَ الرَّبِيعُ: المَسْجُورُ: المُخْتَلِطُ العَذْبُ بِالمِلْحِ. وقِيلَ: المَفْجُورُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ [الإنفطار: ٣] . والجُمْهُورُ: عَلى أنَّ البَحْرَ المُقْسَمَ بِهِ هو (p-١٤٧)بَحْرُ الدُّنْيا، ويُؤَيِّدُهُ: ﴿وإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] . وعَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عُمَرَ: أنَّهُ في السَّماءِ تَحْتَ العَرْشِ فِيهِ ماءٌ غَلِيظٌ يُقالُ لَهُ بَحْرُ الحَياةِ، يُمْطَرُ العِبادُ مِنهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الأُولى أرْبَعِينَ صَباحًا، فَيَنْبُتُونَ في قُبُورِهِمْ. وقالَ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: هو جَهَنَّمُ، وسَمّاها بَحْرًا لِسَعَتِها وتَمَوُّجِها. كَما جاءَ في الفَرَسِ: وإنْ وجَدْناهُ لَبَحْرًا. قِيلَ: ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ في القَسَمِ بِالطُّورِ والبَحْرِ والبَيْتِ، لِكَوْنِها أماكِنَ خَلْوَةٍ مَعَ اللَّهِ تَعالى، خاطَبَ مِنها رَبُّهم رُسُلَهُ. فالطُّورُ، قالَ فِيهِ مُوسى: ﴿أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، والبَيْتُ المَعْمُورُ لِمُحَمَّدٍ، ﷺ، والبَحْرُ المَسْجُورُ لِيُونُسَ، قالَ: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، فَشُرِّفَتْ هَذِهِ الأماكِنُ بِهَذِهِ الأسْبابِ. والقَسَمُ بِكِتابٍ مَسْطُورٍ، لِأنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كانَ لَهم مَعَ اللَّهِ في هَذِهِ الأماكِنِ كَلامٌ. واقْتِرانُهُ بِالطُّورِ دَلَّ عَلى ذَلِكَ. والقَسَمُ بِالسَّقْفِ المَرْفُوعِ لِبَيانِ رِفْعَةِ البَيْتِ المَعْمُورِ. انْتَهى. ونَكَّرَ ”وكِتابٍ“، لِأنَّهُ شامِلٌ لِكُلِّ كِتابٍ أنْزَلَهُ اللَّهُ شُمُولَ البَدَلِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ شُمُولَ العُمُومِ، كَقَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] . وكَوْنُهُ في رَقٍّ، يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِهِ، وأنَّهُ لا يَتَخَطّى الرُّءُوسَ. ووَصْفُهُ بِمَنشُورٍ يَدُلُّ عَلى وُضُوحِهِ، فَلَيْسَ كالكِتابِ المَطْوِيِّ الَّذِي لا يُعْلَمُ ما انْطَوى عَلَيْهِ، والمَنشُورُ يُعْلَمُ ما فِيهِ، ولا يُمْنَعُ مِن مُطالَعَةِ ما تَضَمَّنَهُ؛ والواوُ الأُولى واوُ القَسَمِ، وما بَعْدَها لِلْعَطْفِ. والجُمْلَةُ المُقْسَمُ عَلَيْها هي قَوْلُهُ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ . وفي إضافَةِ العَذابِ لِقَوْلِهِ: (رَبِّكَ) لَطِيفَةٌ، إذْ هو المالِكُ والنّاظِرُ في مَصْلَحَةِ العَبْدِ. فَبِالإضافَةِ إلى الرَّبِّ، وإضافَتِهِ لِكافِ الخِطابِ أمانٌ لَهُ، ﷺ؛ وإنَّ العَذابَ لَواقِعٌ هو بِمَن كَذَّبَهُ، ولَواقِعٌ عَلى الشِّدَّةِ، وهو أدَلُّ عَلَيْها مِن لَكائِنٌ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١]، وقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾ [الشورى: ٢٢]، كَأنَّهُ مُهَيَّأٌ في مَكانٍ مُرْتَفِعٍ فَيَقَعُ عَلى مَن حَلَّ بِهِ ؟ «وعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ: قَدِمْتُ المَدِينَةَ لِأسْألَ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، في أُسارى بَدْرٍ، فَوافَيْتُهُ يَقْرَأُ في صَلاةِ المَغْرِبِ: ﴿والطُّورِ﴾ إلى ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾، فَكَأنَّما صُدِعَ قَلْبِي، فَأسْلَمْتُ خَوْفًا مِن نُزُولِ العَذابِ، وما كُنْتُ أظُنُّ أنْ أقُومَ مِن مَقامِي حَتّى يَقَعَ بِيَ العَذابُ» . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: واقِعٌ بِغَيْرِ لامٍ. قالَ قَتادَةُ: يُرِيدُ عَذابَ الآخِرَةِ لِلْكُفّارِ، أيْ لَواقِعٌ بِالكُفّارِ.

الطور 52:11

سُورَةُ الطُّورِ مَكِّيَّةٌ وهي تِسْعٌ وأرْبَعُونَ آيَةً ﷽ ﴿والطُّورِ﴾ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور: ٢٤] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الطور: ٢٥] ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] ﴿فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: ٢٩] ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور: ٣١] ﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الطور: ٣٢] ﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الطور: ٣٣] ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٤] ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥] ﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٦] ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧] ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور: ٣٨] ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩] ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠] ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ [الطور: ٤١] ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢] ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور: ٤٣] ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور: ٤٤] ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ [الطور: ٤٥] ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [الطور: ٤٦] ﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الطور: ٤٧] ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: ٤٨] ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩] الرَّقُّ، بِالفَتْحِ والكَسْرِ: جِلْدٌ رَقِيقٌ يُكْتَبُ فِيهِ، وجَمْعُهُ رُقُوقٌ. والرِّقُّ بِالكَسْرِ: المَمْلُوكُ. مارَ الشَّيْءُ: ذَهَبَ وجاءَ. وقالَ الأخْفَشُ وأبُو عُبَيْدَةَ: تَكَفَّأ، وأنْشَدَ الأعْشى: ؎كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها مَرُّ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ ويُرْوى: مَرْوَ السَّحابَةِ. الدَّعُّ: الدَّفْعُ في الضِّيقِ بِشِدَّةٍ وإهانَةٍ. السَّمُومُ: الرِّيحُ الحارَّةُ الَّتِي تَدْخُلُ المَسامَّ، ويُقالُ: سَمَّ يَوْمُنا فَهو مَسْمُومٌ، والجَمْعُ سَمائِمُ. وقالَ ثَعْلَبٌ: شِدَّةُ الحَرِّ، أوْ شِدَّةُ البَرْدِ في النَّهارِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السَّمُومُ بِالنَّهارِ، وقَدْ يَكُونُ بِاللَّيْلِ؛ والحَرُورُ بِاللَّيْلِ، وقَدْ يَكُونُ بِالنَّهارِ. وقَدْ يُسْتَعْمَلُ السَّمُومُ في لَفْحِ البَرْدِ، وهو في لَفْحِ الحَرِّ والشَّمْسِ أكْثَرُ. المَنُونُ: الدَّهْرُ، ورَيْبُهُ: حَوادِثُهُ. وقِيلَ: اسْمٌ لِلْمَوْتِ. المُسَيْطِرُ: المُتَسَلِّطُ. وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ: سَطَّرْتَ عَلَيَّ، إذا اتَّخَذْتَنِي خَوَلًا، ولَمْ يَأْتِ في كَلامِ العَرَبِ اسْمٌ عَلى مُفَيْعِلٍ إلّا خَمْسَةٌ: مُهَيْمِنٌ ومُحَيْمِرٌ ومُبَيْطِرٌ ومُسَيْطِرٌ ومُبَيْقِرٌ. فالمُحَيْمِرُ اسْمُ جَبَلٍ، والبَواقِي أسْماءُ (p-١٤٥)فاعِلِينَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ﴿والطُّورِ﴾ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور: ٢٤] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الطور: ٢٥] ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] . (p-١٤٦)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. ومُناسَبَتُها لِآخِرِ ما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، إذْ في آخِرِ تِلْكَ: ﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ﴾ [الذاريات: ٥٩]، وقالَ هُنا: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ . الطُّورُ: الجَبَلُ، والظّاهِرُ أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، لا جَبَلٌ مُعَيَّنٌ، وفي الشَّأْمِ جَبَلٌ يُسَمّى الطُّورَ، وهو طُورُ سَيْناءَ. فَقالَ نَوْفٌ البِكالِيُّ: إنَّهُ الَّذِي أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ لِفَضْلِهِ عَلى الجِبالِ. قِيلَ: وهو الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. والكِتابُ المَسْطُورُ: القُرْآنُ، أوِ المُنْتَسَخُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوِ التَّوْراةُ، أوْ هي الإنْجِيلُ والزَّبُورُ، أوِ الكِتابُ الَّذِي فِيهِ أعْمالُ الخَلْقِ، أوِ الصُّحُفُ الَّتِي تُعْطى يَوْمَ القِيامَةِ بِالأيْمانِ والشَّمائِلِ، أقْوالٌ آخِرُها لِلْفَرّاءِ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ شَيْءٌ مِنها عَلى التَّعْيِينِ، إنَّما تُورَدُ عَلى الِاحْتِمالِ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: في رِقٍّ، بِكَسْرِ الرّاءِ، ﴿مَنشُورٍ﴾: أيْ مَبْسُوطٍ. وقِيلَ: مَفْتُوحٌ لا خَتْمَ عَلَيْهِ. وقِيلَ: مَنشُورٌ لائِحٌ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مَنشُورٌ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ. ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾، قالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ: هو بَيْتٌ في السَّماءِ مُسامِتُ الكَعْبَةِ يُقالُ لَهُ الضُّراحُ، والضَّرِيحُ أيْضًا، وهو الَّذِي ذُكِرَ في حَدِيثِ الإسْراءِ، قالَ جِبْرِيلُ: «هَذا البَيْتُ المَعْمُورُ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ، ثُمَّ لا يَعُودُونَ إلَيْهِ آخِرَ ما عَلَيْهِمْ» . وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: في كُلِّ سَماءٍ بَيْتٌ مَعْمُورٌ، وفي كُلِّ أرْضٍ كَذَلِكَ. وسَألَ ابْنُ الكَوّا عَلِيًّا، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: بَيْتٌ فَوْقَ سَبْعِ سَمَواتٍ تَحْتَ العَرْشِ يُقالُ لَهُ الضُّراحُ. وقالَ الحَسَنُ: البَيْتُ المَعْمُورُ: الكَعْبَةُ، يُعَمِّرُهُ اللَّهُ كُلَّ سَنَةٍ بِسِتِّمِائَةِ ألْفٍ، فَإنْ عَجَزَ مِنَ النّاسِ أتَمَّهُ اللَّهُ بِالمَلائِكَةِ. ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾: السَّماءُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو العَرْشُ، وهو سَقْفُ الجَنَّةِ. ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾، قالَ مُجاهِدٌ وشِمْرُ بْنُ عَطِيَّةَ والضَّحّاكُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ والأخْفَشُ: هو البَحْرُ المُوقَدُ نارًا. ورُوِيَ أنَّ البَحْرَ هو جَهَنَّمُ. وقالَ قَتادَةُ: البَحْرُ المَسْجُورُ: المَمْلُوءُ، وهَذا مَعْرُوفٌ مِنَ اللُّغَةِ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ بِوُجُودِ ماءِ البَحْرِ كَذَلِكَ، ولا يُنافِي ما قالَهُ مُجاهِدٌ، لِأنَّ سَجَرْتَ التَّنُّورَ مَعْناهُ: مَلَأْتَهُ بِما يَحْتَرِقُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَسْجُورُ: الَّذِي ذَهَبَ ماؤُهُ. ورَوى ذُو الرُّمَّةِ الشّاعِرُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خَرَجَتْ أمَةٌ لِتَسْتَقِيَ، فَقالَتْ: إنَّ الحَوْضَ مَسْجُورٌ: أيْ فارِغٌ، ولَيْسَ لِذِي الرُّمَّةِ حَدِيثٌ إلّا هَذا، فَيَكُونُ مِنَ الأضْدادِ. ويُرْوى أنَّ البِحارَ يَذْهَبُ ماؤُها يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَسْجُورُ: المَحْبُوسُ، ومِنهُ ساجُورُ الكَلْبِ: وهي القِلادَةُ مِن عُودٍ أوْ حَدِيدٍ تُمْسِكُهُ، ولَوْلا أنَّ البَحْرَ يُمْسَكُ، لَفاضَ عَلى الأرْضِ. وقالَ الرَّبِيعُ: المَسْجُورُ: المُخْتَلِطُ العَذْبُ بِالمِلْحِ. وقِيلَ: المَفْجُورُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ [الإنفطار: ٣] . والجُمْهُورُ: عَلى أنَّ البَحْرَ المُقْسَمَ بِهِ هو (p-١٤٧)بَحْرُ الدُّنْيا، ويُؤَيِّدُهُ: ﴿وإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] . وعَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عُمَرَ: أنَّهُ في السَّماءِ تَحْتَ العَرْشِ فِيهِ ماءٌ غَلِيظٌ يُقالُ لَهُ بَحْرُ الحَياةِ، يُمْطَرُ العِبادُ مِنهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الأُولى أرْبَعِينَ صَباحًا، فَيَنْبُتُونَ في قُبُورِهِمْ. وقالَ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: هو جَهَنَّمُ، وسَمّاها بَحْرًا لِسَعَتِها وتَمَوُّجِها. كَما جاءَ في الفَرَسِ: وإنْ وجَدْناهُ لَبَحْرًا. قِيلَ: ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ في القَسَمِ بِالطُّورِ والبَحْرِ والبَيْتِ، لِكَوْنِها أماكِنَ خَلْوَةٍ مَعَ اللَّهِ تَعالى، خاطَبَ مِنها رَبُّهم رُسُلَهُ. فالطُّورُ، قالَ فِيهِ مُوسى: ﴿أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، والبَيْتُ المَعْمُورُ لِمُحَمَّدٍ، ﷺ، والبَحْرُ المَسْجُورُ لِيُونُسَ، قالَ: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، فَشُرِّفَتْ هَذِهِ الأماكِنُ بِهَذِهِ الأسْبابِ. والقَسَمُ بِكِتابٍ مَسْطُورٍ، لِأنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كانَ لَهم مَعَ اللَّهِ في هَذِهِ الأماكِنِ كَلامٌ. واقْتِرانُهُ بِالطُّورِ دَلَّ عَلى ذَلِكَ. والقَسَمُ بِالسَّقْفِ المَرْفُوعِ لِبَيانِ رِفْعَةِ البَيْتِ المَعْمُورِ. انْتَهى. ونَكَّرَ ”وكِتابٍ“، لِأنَّهُ شامِلٌ لِكُلِّ كِتابٍ أنْزَلَهُ اللَّهُ شُمُولَ البَدَلِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ شُمُولَ العُمُومِ، كَقَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] . وكَوْنُهُ في رَقٍّ، يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِهِ، وأنَّهُ لا يَتَخَطّى الرُّءُوسَ. ووَصْفُهُ بِمَنشُورٍ يَدُلُّ عَلى وُضُوحِهِ، فَلَيْسَ كالكِتابِ المَطْوِيِّ الَّذِي لا يُعْلَمُ ما انْطَوى عَلَيْهِ، والمَنشُورُ يُعْلَمُ ما فِيهِ، ولا يُمْنَعُ مِن مُطالَعَةِ ما تَضَمَّنَهُ؛ والواوُ الأُولى واوُ القَسَمِ، وما بَعْدَها لِلْعَطْفِ. والجُمْلَةُ المُقْسَمُ عَلَيْها هي قَوْلُهُ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ . وفي إضافَةِ العَذابِ لِقَوْلِهِ: (رَبِّكَ) لَطِيفَةٌ، إذْ هو المالِكُ والنّاظِرُ في مَصْلَحَةِ العَبْدِ. فَبِالإضافَةِ إلى الرَّبِّ، وإضافَتِهِ لِكافِ الخِطابِ أمانٌ لَهُ، ﷺ؛ وإنَّ العَذابَ لَواقِعٌ هو بِمَن كَذَّبَهُ، ولَواقِعٌ عَلى الشِّدَّةِ، وهو أدَلُّ عَلَيْها مِن لَكائِنٌ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١]، وقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾ [الشورى: ٢٢]، كَأنَّهُ مُهَيَّأٌ في مَكانٍ مُرْتَفِعٍ فَيَقَعُ عَلى مَن حَلَّ بِهِ ؟ «وعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ: قَدِمْتُ المَدِينَةَ لِأسْألَ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، في أُسارى بَدْرٍ، فَوافَيْتُهُ يَقْرَأُ في صَلاةِ المَغْرِبِ: ﴿والطُّورِ﴾ إلى ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾، فَكَأنَّما صُدِعَ قَلْبِي، فَأسْلَمْتُ خَوْفًا مِن نُزُولِ العَذابِ، وما كُنْتُ أظُنُّ أنْ أقُومَ مِن مَقامِي حَتّى يَقَعَ بِيَ العَذابُ» . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: واقِعٌ بِغَيْرِ لامٍ. قالَ قَتادَةُ: يُرِيدُ عَذابَ الآخِرَةِ لِلْكُفّارِ، أيْ لَواقِعٌ بِالكُفّارِ.

الطور 52:12

سُورَةُ الطُّورِ مَكِّيَّةٌ وهي تِسْعٌ وأرْبَعُونَ آيَةً ﷽ ﴿والطُّورِ﴾ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور: ٢٤] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الطور: ٢٥] ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] ﴿فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: ٢٩] ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور: ٣١] ﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الطور: ٣٢] ﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الطور: ٣٣] ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٤] ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥] ﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٦] ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧] ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور: ٣٨] ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩] ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠] ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ [الطور: ٤١] ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢] ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور: ٤٣] ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور: ٤٤] ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ [الطور: ٤٥] ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [الطور: ٤٦] ﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الطور: ٤٧] ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: ٤٨] ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩] الرَّقُّ، بِالفَتْحِ والكَسْرِ: جِلْدٌ رَقِيقٌ يُكْتَبُ فِيهِ، وجَمْعُهُ رُقُوقٌ. والرِّقُّ بِالكَسْرِ: المَمْلُوكُ. مارَ الشَّيْءُ: ذَهَبَ وجاءَ. وقالَ الأخْفَشُ وأبُو عُبَيْدَةَ: تَكَفَّأ، وأنْشَدَ الأعْشى: ؎كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها مَرُّ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ ويُرْوى: مَرْوَ السَّحابَةِ. الدَّعُّ: الدَّفْعُ في الضِّيقِ بِشِدَّةٍ وإهانَةٍ. السَّمُومُ: الرِّيحُ الحارَّةُ الَّتِي تَدْخُلُ المَسامَّ، ويُقالُ: سَمَّ يَوْمُنا فَهو مَسْمُومٌ، والجَمْعُ سَمائِمُ. وقالَ ثَعْلَبٌ: شِدَّةُ الحَرِّ، أوْ شِدَّةُ البَرْدِ في النَّهارِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السَّمُومُ بِالنَّهارِ، وقَدْ يَكُونُ بِاللَّيْلِ؛ والحَرُورُ بِاللَّيْلِ، وقَدْ يَكُونُ بِالنَّهارِ. وقَدْ يُسْتَعْمَلُ السَّمُومُ في لَفْحِ البَرْدِ، وهو في لَفْحِ الحَرِّ والشَّمْسِ أكْثَرُ. المَنُونُ: الدَّهْرُ، ورَيْبُهُ: حَوادِثُهُ. وقِيلَ: اسْمٌ لِلْمَوْتِ. المُسَيْطِرُ: المُتَسَلِّطُ. وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ: سَطَّرْتَ عَلَيَّ، إذا اتَّخَذْتَنِي خَوَلًا، ولَمْ يَأْتِ في كَلامِ العَرَبِ اسْمٌ عَلى مُفَيْعِلٍ إلّا خَمْسَةٌ: مُهَيْمِنٌ ومُحَيْمِرٌ ومُبَيْطِرٌ ومُسَيْطِرٌ ومُبَيْقِرٌ. فالمُحَيْمِرُ اسْمُ جَبَلٍ، والبَواقِي أسْماءُ (p-١٤٥)فاعِلِينَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ﴿والطُّورِ﴾ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور: ٢٤] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الطور: ٢٥] ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] . (p-١٤٦)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. ومُناسَبَتُها لِآخِرِ ما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، إذْ في آخِرِ تِلْكَ: ﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ﴾ [الذاريات: ٥٩]، وقالَ هُنا: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ . الطُّورُ: الجَبَلُ، والظّاهِرُ أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، لا جَبَلٌ مُعَيَّنٌ، وفي الشَّأْمِ جَبَلٌ يُسَمّى الطُّورَ، وهو طُورُ سَيْناءَ. فَقالَ نَوْفٌ البِكالِيُّ: إنَّهُ الَّذِي أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ لِفَضْلِهِ عَلى الجِبالِ. قِيلَ: وهو الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. والكِتابُ المَسْطُورُ: القُرْآنُ، أوِ المُنْتَسَخُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوِ التَّوْراةُ، أوْ هي الإنْجِيلُ والزَّبُورُ، أوِ الكِتابُ الَّذِي فِيهِ أعْمالُ الخَلْقِ، أوِ الصُّحُفُ الَّتِي تُعْطى يَوْمَ القِيامَةِ بِالأيْمانِ والشَّمائِلِ، أقْوالٌ آخِرُها لِلْفَرّاءِ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ شَيْءٌ مِنها عَلى التَّعْيِينِ، إنَّما تُورَدُ عَلى الِاحْتِمالِ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: في رِقٍّ، بِكَسْرِ الرّاءِ، ﴿مَنشُورٍ﴾: أيْ مَبْسُوطٍ. وقِيلَ: مَفْتُوحٌ لا خَتْمَ عَلَيْهِ. وقِيلَ: مَنشُورٌ لائِحٌ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مَنشُورٌ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ. ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾، قالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ: هو بَيْتٌ في السَّماءِ مُسامِتُ الكَعْبَةِ يُقالُ لَهُ الضُّراحُ، والضَّرِيحُ أيْضًا، وهو الَّذِي ذُكِرَ في حَدِيثِ الإسْراءِ، قالَ جِبْرِيلُ: «هَذا البَيْتُ المَعْمُورُ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ، ثُمَّ لا يَعُودُونَ إلَيْهِ آخِرَ ما عَلَيْهِمْ» . وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: في كُلِّ سَماءٍ بَيْتٌ مَعْمُورٌ، وفي كُلِّ أرْضٍ كَذَلِكَ. وسَألَ ابْنُ الكَوّا عَلِيًّا، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: بَيْتٌ فَوْقَ سَبْعِ سَمَواتٍ تَحْتَ العَرْشِ يُقالُ لَهُ الضُّراحُ. وقالَ الحَسَنُ: البَيْتُ المَعْمُورُ: الكَعْبَةُ، يُعَمِّرُهُ اللَّهُ كُلَّ سَنَةٍ بِسِتِّمِائَةِ ألْفٍ، فَإنْ عَجَزَ مِنَ النّاسِ أتَمَّهُ اللَّهُ بِالمَلائِكَةِ. ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾: السَّماءُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو العَرْشُ، وهو سَقْفُ الجَنَّةِ. ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾، قالَ مُجاهِدٌ وشِمْرُ بْنُ عَطِيَّةَ والضَّحّاكُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ والأخْفَشُ: هو البَحْرُ المُوقَدُ نارًا. ورُوِيَ أنَّ البَحْرَ هو جَهَنَّمُ. وقالَ قَتادَةُ: البَحْرُ المَسْجُورُ: المَمْلُوءُ، وهَذا مَعْرُوفٌ مِنَ اللُّغَةِ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ بِوُجُودِ ماءِ البَحْرِ كَذَلِكَ، ولا يُنافِي ما قالَهُ مُجاهِدٌ، لِأنَّ سَجَرْتَ التَّنُّورَ مَعْناهُ: مَلَأْتَهُ بِما يَحْتَرِقُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَسْجُورُ: الَّذِي ذَهَبَ ماؤُهُ. ورَوى ذُو الرُّمَّةِ الشّاعِرُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خَرَجَتْ أمَةٌ لِتَسْتَقِيَ، فَقالَتْ: إنَّ الحَوْضَ مَسْجُورٌ: أيْ فارِغٌ، ولَيْسَ لِذِي الرُّمَّةِ حَدِيثٌ إلّا هَذا، فَيَكُونُ مِنَ الأضْدادِ. ويُرْوى أنَّ البِحارَ يَذْهَبُ ماؤُها يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَسْجُورُ: المَحْبُوسُ، ومِنهُ ساجُورُ الكَلْبِ: وهي القِلادَةُ مِن عُودٍ أوْ حَدِيدٍ تُمْسِكُهُ، ولَوْلا أنَّ البَحْرَ يُمْسَكُ، لَفاضَ عَلى الأرْضِ. وقالَ الرَّبِيعُ: المَسْجُورُ: المُخْتَلِطُ العَذْبُ بِالمِلْحِ. وقِيلَ: المَفْجُورُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ [الإنفطار: ٣] . والجُمْهُورُ: عَلى أنَّ البَحْرَ المُقْسَمَ بِهِ هو (p-١٤٧)بَحْرُ الدُّنْيا، ويُؤَيِّدُهُ: ﴿وإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] . وعَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عُمَرَ: أنَّهُ في السَّماءِ تَحْتَ العَرْشِ فِيهِ ماءٌ غَلِيظٌ يُقالُ لَهُ بَحْرُ الحَياةِ، يُمْطَرُ العِبادُ مِنهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الأُولى أرْبَعِينَ صَباحًا، فَيَنْبُتُونَ في قُبُورِهِمْ. وقالَ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: هو جَهَنَّمُ، وسَمّاها بَحْرًا لِسَعَتِها وتَمَوُّجِها. كَما جاءَ في الفَرَسِ: وإنْ وجَدْناهُ لَبَحْرًا. قِيلَ: ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ في القَسَمِ بِالطُّورِ والبَحْرِ والبَيْتِ، لِكَوْنِها أماكِنَ خَلْوَةٍ مَعَ اللَّهِ تَعالى، خاطَبَ مِنها رَبُّهم رُسُلَهُ. فالطُّورُ، قالَ فِيهِ مُوسى: ﴿أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، والبَيْتُ المَعْمُورُ لِمُحَمَّدٍ، ﷺ، والبَحْرُ المَسْجُورُ لِيُونُسَ، قالَ: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، فَشُرِّفَتْ هَذِهِ الأماكِنُ بِهَذِهِ الأسْبابِ. والقَسَمُ بِكِتابٍ مَسْطُورٍ، لِأنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كانَ لَهم مَعَ اللَّهِ في هَذِهِ الأماكِنِ كَلامٌ. واقْتِرانُهُ بِالطُّورِ دَلَّ عَلى ذَلِكَ. والقَسَمُ بِالسَّقْفِ المَرْفُوعِ لِبَيانِ رِفْعَةِ البَيْتِ المَعْمُورِ. انْتَهى. ونَكَّرَ ”وكِتابٍ“، لِأنَّهُ شامِلٌ لِكُلِّ كِتابٍ أنْزَلَهُ اللَّهُ شُمُولَ البَدَلِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ شُمُولَ العُمُومِ، كَقَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] . وكَوْنُهُ في رَقٍّ، يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِهِ، وأنَّهُ لا يَتَخَطّى الرُّءُوسَ. ووَصْفُهُ بِمَنشُورٍ يَدُلُّ عَلى وُضُوحِهِ، فَلَيْسَ كالكِتابِ المَطْوِيِّ الَّذِي لا يُعْلَمُ ما انْطَوى عَلَيْهِ، والمَنشُورُ يُعْلَمُ ما فِيهِ، ولا يُمْنَعُ مِن مُطالَعَةِ ما تَضَمَّنَهُ؛ والواوُ الأُولى واوُ القَسَمِ، وما بَعْدَها لِلْعَطْفِ. والجُمْلَةُ المُقْسَمُ عَلَيْها هي قَوْلُهُ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ . وفي إضافَةِ العَذابِ لِقَوْلِهِ: (رَبِّكَ) لَطِيفَةٌ، إذْ هو المالِكُ والنّاظِرُ في مَصْلَحَةِ العَبْدِ. فَبِالإضافَةِ إلى الرَّبِّ، وإضافَتِهِ لِكافِ الخِطابِ أمانٌ لَهُ، ﷺ؛ وإنَّ العَذابَ لَواقِعٌ هو بِمَن كَذَّبَهُ، ولَواقِعٌ عَلى الشِّدَّةِ، وهو أدَلُّ عَلَيْها مِن لَكائِنٌ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١]، وقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾ [الشورى: ٢٢]، كَأنَّهُ مُهَيَّأٌ في مَكانٍ مُرْتَفِعٍ فَيَقَعُ عَلى مَن حَلَّ بِهِ ؟ «وعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ: قَدِمْتُ المَدِينَةَ لِأسْألَ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، في أُسارى بَدْرٍ، فَوافَيْتُهُ يَقْرَأُ في صَلاةِ المَغْرِبِ: ﴿والطُّورِ﴾ إلى ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾، فَكَأنَّما صُدِعَ قَلْبِي، فَأسْلَمْتُ خَوْفًا مِن نُزُولِ العَذابِ، وما كُنْتُ أظُنُّ أنْ أقُومَ مِن مَقامِي حَتّى يَقَعَ بِيَ العَذابُ» . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: واقِعٌ بِغَيْرِ لامٍ. قالَ قَتادَةُ: يُرِيدُ عَذابَ الآخِرَةِ لِلْكُفّارِ، أيْ لَواقِعٌ بِالكُفّارِ.

الطور 52:13

سُورَةُ الطُّورِ مَكِّيَّةٌ وهي تِسْعٌ وأرْبَعُونَ آيَةً ﷽ ﴿والطُّورِ﴾ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور: ٢٤] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الطور: ٢٥] ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] ﴿فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: ٢٩] ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور: ٣١] ﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الطور: ٣٢] ﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الطور: ٣٣] ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٤] ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥] ﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٦] ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧] ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور: ٣٨] ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩] ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠] ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ [الطور: ٤١] ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢] ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور: ٤٣] ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور: ٤٤] ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ [الطور: ٤٥] ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [الطور: ٤٦] ﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الطور: ٤٧] ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: ٤٨] ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩] الرَّقُّ، بِالفَتْحِ والكَسْرِ: جِلْدٌ رَقِيقٌ يُكْتَبُ فِيهِ، وجَمْعُهُ رُقُوقٌ. والرِّقُّ بِالكَسْرِ: المَمْلُوكُ. مارَ الشَّيْءُ: ذَهَبَ وجاءَ. وقالَ الأخْفَشُ وأبُو عُبَيْدَةَ: تَكَفَّأ، وأنْشَدَ الأعْشى: ؎كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها مَرُّ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ ويُرْوى: مَرْوَ السَّحابَةِ. الدَّعُّ: الدَّفْعُ في الضِّيقِ بِشِدَّةٍ وإهانَةٍ. السَّمُومُ: الرِّيحُ الحارَّةُ الَّتِي تَدْخُلُ المَسامَّ، ويُقالُ: سَمَّ يَوْمُنا فَهو مَسْمُومٌ، والجَمْعُ سَمائِمُ. وقالَ ثَعْلَبٌ: شِدَّةُ الحَرِّ، أوْ شِدَّةُ البَرْدِ في النَّهارِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السَّمُومُ بِالنَّهارِ، وقَدْ يَكُونُ بِاللَّيْلِ؛ والحَرُورُ بِاللَّيْلِ، وقَدْ يَكُونُ بِالنَّهارِ. وقَدْ يُسْتَعْمَلُ السَّمُومُ في لَفْحِ البَرْدِ، وهو في لَفْحِ الحَرِّ والشَّمْسِ أكْثَرُ. المَنُونُ: الدَّهْرُ، ورَيْبُهُ: حَوادِثُهُ. وقِيلَ: اسْمٌ لِلْمَوْتِ. المُسَيْطِرُ: المُتَسَلِّطُ. وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ: سَطَّرْتَ عَلَيَّ، إذا اتَّخَذْتَنِي خَوَلًا، ولَمْ يَأْتِ في كَلامِ العَرَبِ اسْمٌ عَلى مُفَيْعِلٍ إلّا خَمْسَةٌ: مُهَيْمِنٌ ومُحَيْمِرٌ ومُبَيْطِرٌ ومُسَيْطِرٌ ومُبَيْقِرٌ. فالمُحَيْمِرُ اسْمُ جَبَلٍ، والبَواقِي أسْماءُ (p-١٤٥)فاعِلِينَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ﴿والطُّورِ﴾ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور: ٢٤] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الطور: ٢٥] ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] . (p-١٤٦)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. ومُناسَبَتُها لِآخِرِ ما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، إذْ في آخِرِ تِلْكَ: ﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ﴾ [الذاريات: ٥٩]، وقالَ هُنا: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ . الطُّورُ: الجَبَلُ، والظّاهِرُ أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، لا جَبَلٌ مُعَيَّنٌ، وفي الشَّأْمِ جَبَلٌ يُسَمّى الطُّورَ، وهو طُورُ سَيْناءَ. فَقالَ نَوْفٌ البِكالِيُّ: إنَّهُ الَّذِي أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ لِفَضْلِهِ عَلى الجِبالِ. قِيلَ: وهو الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. والكِتابُ المَسْطُورُ: القُرْآنُ، أوِ المُنْتَسَخُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوِ التَّوْراةُ، أوْ هي الإنْجِيلُ والزَّبُورُ، أوِ الكِتابُ الَّذِي فِيهِ أعْمالُ الخَلْقِ، أوِ الصُّحُفُ الَّتِي تُعْطى يَوْمَ القِيامَةِ بِالأيْمانِ والشَّمائِلِ، أقْوالٌ آخِرُها لِلْفَرّاءِ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ شَيْءٌ مِنها عَلى التَّعْيِينِ، إنَّما تُورَدُ عَلى الِاحْتِمالِ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: في رِقٍّ، بِكَسْرِ الرّاءِ، ﴿مَنشُورٍ﴾: أيْ مَبْسُوطٍ. وقِيلَ: مَفْتُوحٌ لا خَتْمَ عَلَيْهِ. وقِيلَ: مَنشُورٌ لائِحٌ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مَنشُورٌ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ. ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾، قالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ: هو بَيْتٌ في السَّماءِ مُسامِتُ الكَعْبَةِ يُقالُ لَهُ الضُّراحُ، والضَّرِيحُ أيْضًا، وهو الَّذِي ذُكِرَ في حَدِيثِ الإسْراءِ، قالَ جِبْرِيلُ: «هَذا البَيْتُ المَعْمُورُ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ، ثُمَّ لا يَعُودُونَ إلَيْهِ آخِرَ ما عَلَيْهِمْ» . وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: في كُلِّ سَماءٍ بَيْتٌ مَعْمُورٌ، وفي كُلِّ أرْضٍ كَذَلِكَ. وسَألَ ابْنُ الكَوّا عَلِيًّا، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: بَيْتٌ فَوْقَ سَبْعِ سَمَواتٍ تَحْتَ العَرْشِ يُقالُ لَهُ الضُّراحُ. وقالَ الحَسَنُ: البَيْتُ المَعْمُورُ: الكَعْبَةُ، يُعَمِّرُهُ اللَّهُ كُلَّ سَنَةٍ بِسِتِّمِائَةِ ألْفٍ، فَإنْ عَجَزَ مِنَ النّاسِ أتَمَّهُ اللَّهُ بِالمَلائِكَةِ. ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾: السَّماءُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو العَرْشُ، وهو سَقْفُ الجَنَّةِ. ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾، قالَ مُجاهِدٌ وشِمْرُ بْنُ عَطِيَّةَ والضَّحّاكُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ والأخْفَشُ: هو البَحْرُ المُوقَدُ نارًا. ورُوِيَ أنَّ البَحْرَ هو جَهَنَّمُ. وقالَ قَتادَةُ: البَحْرُ المَسْجُورُ: المَمْلُوءُ، وهَذا مَعْرُوفٌ مِنَ اللُّغَةِ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ بِوُجُودِ ماءِ البَحْرِ كَذَلِكَ، ولا يُنافِي ما قالَهُ مُجاهِدٌ، لِأنَّ سَجَرْتَ التَّنُّورَ مَعْناهُ: مَلَأْتَهُ بِما يَحْتَرِقُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَسْجُورُ: الَّذِي ذَهَبَ ماؤُهُ. ورَوى ذُو الرُّمَّةِ الشّاعِرُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خَرَجَتْ أمَةٌ لِتَسْتَقِيَ، فَقالَتْ: إنَّ الحَوْضَ مَسْجُورٌ: أيْ فارِغٌ، ولَيْسَ لِذِي الرُّمَّةِ حَدِيثٌ إلّا هَذا، فَيَكُونُ مِنَ الأضْدادِ. ويُرْوى أنَّ البِحارَ يَذْهَبُ ماؤُها يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَسْجُورُ: المَحْبُوسُ، ومِنهُ ساجُورُ الكَلْبِ: وهي القِلادَةُ مِن عُودٍ أوْ حَدِيدٍ تُمْسِكُهُ، ولَوْلا أنَّ البَحْرَ يُمْسَكُ، لَفاضَ عَلى الأرْضِ. وقالَ الرَّبِيعُ: المَسْجُورُ: المُخْتَلِطُ العَذْبُ بِالمِلْحِ. وقِيلَ: المَفْجُورُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ [الإنفطار: ٣] . والجُمْهُورُ: عَلى أنَّ البَحْرَ المُقْسَمَ بِهِ هو (p-١٤٧)بَحْرُ الدُّنْيا، ويُؤَيِّدُهُ: ﴿وإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] . وعَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عُمَرَ: أنَّهُ في السَّماءِ تَحْتَ العَرْشِ فِيهِ ماءٌ غَلِيظٌ يُقالُ لَهُ بَحْرُ الحَياةِ، يُمْطَرُ العِبادُ مِنهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الأُولى أرْبَعِينَ صَباحًا، فَيَنْبُتُونَ في قُبُورِهِمْ. وقالَ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: هو جَهَنَّمُ، وسَمّاها بَحْرًا لِسَعَتِها وتَمَوُّجِها. كَما جاءَ في الفَرَسِ: وإنْ وجَدْناهُ لَبَحْرًا. قِيلَ: ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ في القَسَمِ بِالطُّورِ والبَحْرِ والبَيْتِ، لِكَوْنِها أماكِنَ خَلْوَةٍ مَعَ اللَّهِ تَعالى، خاطَبَ مِنها رَبُّهم رُسُلَهُ. فالطُّورُ، قالَ فِيهِ مُوسى: ﴿أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، والبَيْتُ المَعْمُورُ لِمُحَمَّدٍ، ﷺ، والبَحْرُ المَسْجُورُ لِيُونُسَ، قالَ: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، فَشُرِّفَتْ هَذِهِ الأماكِنُ بِهَذِهِ الأسْبابِ. والقَسَمُ بِكِتابٍ مَسْطُورٍ، لِأنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كانَ لَهم مَعَ اللَّهِ في هَذِهِ الأماكِنِ كَلامٌ. واقْتِرانُهُ بِالطُّورِ دَلَّ عَلى ذَلِكَ. والقَسَمُ بِالسَّقْفِ المَرْفُوعِ لِبَيانِ رِفْعَةِ البَيْتِ المَعْمُورِ. انْتَهى. ونَكَّرَ ”وكِتابٍ“، لِأنَّهُ شامِلٌ لِكُلِّ كِتابٍ أنْزَلَهُ اللَّهُ شُمُولَ البَدَلِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ شُمُولَ العُمُومِ، كَقَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] . وكَوْنُهُ في رَقٍّ، يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِهِ، وأنَّهُ لا يَتَخَطّى الرُّءُوسَ. ووَصْفُهُ بِمَنشُورٍ يَدُلُّ عَلى وُضُوحِهِ، فَلَيْسَ كالكِتابِ المَطْوِيِّ الَّذِي لا يُعْلَمُ ما انْطَوى عَلَيْهِ، والمَنشُورُ يُعْلَمُ ما فِيهِ، ولا يُمْنَعُ مِن مُطالَعَةِ ما تَضَمَّنَهُ؛ والواوُ الأُولى واوُ القَسَمِ، وما بَعْدَها لِلْعَطْفِ. والجُمْلَةُ المُقْسَمُ عَلَيْها هي قَوْلُهُ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ . وفي إضافَةِ العَذابِ لِقَوْلِهِ: (رَبِّكَ) لَطِيفَةٌ، إذْ هو المالِكُ والنّاظِرُ في مَصْلَحَةِ العَبْدِ. فَبِالإضافَةِ إلى الرَّبِّ، وإضافَتِهِ لِكافِ الخِطابِ أمانٌ لَهُ، ﷺ؛ وإنَّ العَذابَ لَواقِعٌ هو بِمَن كَذَّبَهُ، ولَواقِعٌ عَلى الشِّدَّةِ، وهو أدَلُّ عَلَيْها مِن لَكائِنٌ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١]، وقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾ [الشورى: ٢٢]، كَأنَّهُ مُهَيَّأٌ في مَكانٍ مُرْتَفِعٍ فَيَقَعُ عَلى مَن حَلَّ بِهِ ؟ «وعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ: قَدِمْتُ المَدِينَةَ لِأسْألَ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، في أُسارى بَدْرٍ، فَوافَيْتُهُ يَقْرَأُ في صَلاةِ المَغْرِبِ: ﴿والطُّورِ﴾ إلى ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾، فَكَأنَّما صُدِعَ قَلْبِي، فَأسْلَمْتُ خَوْفًا مِن نُزُولِ العَذابِ، وما كُنْتُ أظُنُّ أنْ أقُومَ مِن مَقامِي حَتّى يَقَعَ بِيَ العَذابُ» . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: واقِعٌ بِغَيْرِ لامٍ. قالَ قَتادَةُ: يُرِيدُ عَذابَ الآخِرَةِ لِلْكُفّارِ، أيْ لَواقِعٌ بِالكُفّارِ.

الطور 52:14

سُورَةُ الطُّورِ مَكِّيَّةٌ وهي تِسْعٌ وأرْبَعُونَ آيَةً ﷽ ﴿والطُّورِ﴾ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور: ٢٤] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الطور: ٢٥] ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] ﴿فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: ٢٩] ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور: ٣١] ﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الطور: ٣٢] ﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الطور: ٣٣] ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٤] ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥] ﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٦] ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧] ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور: ٣٨] ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩] ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠] ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ [الطور: ٤١] ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢] ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور: ٤٣] ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور: ٤٤] ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ [الطور: ٤٥] ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [الطور: ٤٦] ﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الطور: ٤٧] ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: ٤٨] ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩] الرَّقُّ، بِالفَتْحِ والكَسْرِ: جِلْدٌ رَقِيقٌ يُكْتَبُ فِيهِ، وجَمْعُهُ رُقُوقٌ. والرِّقُّ بِالكَسْرِ: المَمْلُوكُ. مارَ الشَّيْءُ: ذَهَبَ وجاءَ. وقالَ الأخْفَشُ وأبُو عُبَيْدَةَ: تَكَفَّأ، وأنْشَدَ الأعْشى: ؎كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها مَرُّ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ ويُرْوى: مَرْوَ السَّحابَةِ. الدَّعُّ: الدَّفْعُ في الضِّيقِ بِشِدَّةٍ وإهانَةٍ. السَّمُومُ: الرِّيحُ الحارَّةُ الَّتِي تَدْخُلُ المَسامَّ، ويُقالُ: سَمَّ يَوْمُنا فَهو مَسْمُومٌ، والجَمْعُ سَمائِمُ. وقالَ ثَعْلَبٌ: شِدَّةُ الحَرِّ، أوْ شِدَّةُ البَرْدِ في النَّهارِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السَّمُومُ بِالنَّهارِ، وقَدْ يَكُونُ بِاللَّيْلِ؛ والحَرُورُ بِاللَّيْلِ، وقَدْ يَكُونُ بِالنَّهارِ. وقَدْ يُسْتَعْمَلُ السَّمُومُ في لَفْحِ البَرْدِ، وهو في لَفْحِ الحَرِّ والشَّمْسِ أكْثَرُ. المَنُونُ: الدَّهْرُ، ورَيْبُهُ: حَوادِثُهُ. وقِيلَ: اسْمٌ لِلْمَوْتِ. المُسَيْطِرُ: المُتَسَلِّطُ. وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ: سَطَّرْتَ عَلَيَّ، إذا اتَّخَذْتَنِي خَوَلًا، ولَمْ يَأْتِ في كَلامِ العَرَبِ اسْمٌ عَلى مُفَيْعِلٍ إلّا خَمْسَةٌ: مُهَيْمِنٌ ومُحَيْمِرٌ ومُبَيْطِرٌ ومُسَيْطِرٌ ومُبَيْقِرٌ. فالمُحَيْمِرُ اسْمُ جَبَلٍ، والبَواقِي أسْماءُ (p-١٤٥)فاعِلِينَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ﴿والطُّورِ﴾ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور: ٢٤] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الطور: ٢٥] ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] . (p-١٤٦)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. ومُناسَبَتُها لِآخِرِ ما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، إذْ في آخِرِ تِلْكَ: ﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ﴾ [الذاريات: ٥٩]، وقالَ هُنا: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ . الطُّورُ: الجَبَلُ، والظّاهِرُ أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، لا جَبَلٌ مُعَيَّنٌ، وفي الشَّأْمِ جَبَلٌ يُسَمّى الطُّورَ، وهو طُورُ سَيْناءَ. فَقالَ نَوْفٌ البِكالِيُّ: إنَّهُ الَّذِي أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ لِفَضْلِهِ عَلى الجِبالِ. قِيلَ: وهو الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. والكِتابُ المَسْطُورُ: القُرْآنُ، أوِ المُنْتَسَخُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوِ التَّوْراةُ، أوْ هي الإنْجِيلُ والزَّبُورُ، أوِ الكِتابُ الَّذِي فِيهِ أعْمالُ الخَلْقِ، أوِ الصُّحُفُ الَّتِي تُعْطى يَوْمَ القِيامَةِ بِالأيْمانِ والشَّمائِلِ، أقْوالٌ آخِرُها لِلْفَرّاءِ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ شَيْءٌ مِنها عَلى التَّعْيِينِ، إنَّما تُورَدُ عَلى الِاحْتِمالِ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: في رِقٍّ، بِكَسْرِ الرّاءِ، ﴿مَنشُورٍ﴾: أيْ مَبْسُوطٍ. وقِيلَ: مَفْتُوحٌ لا خَتْمَ عَلَيْهِ. وقِيلَ: مَنشُورٌ لائِحٌ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مَنشُورٌ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ. ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾، قالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ: هو بَيْتٌ في السَّماءِ مُسامِتُ الكَعْبَةِ يُقالُ لَهُ الضُّراحُ، والضَّرِيحُ أيْضًا، وهو الَّذِي ذُكِرَ في حَدِيثِ الإسْراءِ، قالَ جِبْرِيلُ: «هَذا البَيْتُ المَعْمُورُ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ، ثُمَّ لا يَعُودُونَ إلَيْهِ آخِرَ ما عَلَيْهِمْ» . وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: في كُلِّ سَماءٍ بَيْتٌ مَعْمُورٌ، وفي كُلِّ أرْضٍ كَذَلِكَ. وسَألَ ابْنُ الكَوّا عَلِيًّا، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: بَيْتٌ فَوْقَ سَبْعِ سَمَواتٍ تَحْتَ العَرْشِ يُقالُ لَهُ الضُّراحُ. وقالَ الحَسَنُ: البَيْتُ المَعْمُورُ: الكَعْبَةُ، يُعَمِّرُهُ اللَّهُ كُلَّ سَنَةٍ بِسِتِّمِائَةِ ألْفٍ، فَإنْ عَجَزَ مِنَ النّاسِ أتَمَّهُ اللَّهُ بِالمَلائِكَةِ. ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾: السَّماءُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو العَرْشُ، وهو سَقْفُ الجَنَّةِ. ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾، قالَ مُجاهِدٌ وشِمْرُ بْنُ عَطِيَّةَ والضَّحّاكُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ والأخْفَشُ: هو البَحْرُ المُوقَدُ نارًا. ورُوِيَ أنَّ البَحْرَ هو جَهَنَّمُ. وقالَ قَتادَةُ: البَحْرُ المَسْجُورُ: المَمْلُوءُ، وهَذا مَعْرُوفٌ مِنَ اللُّغَةِ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ بِوُجُودِ ماءِ البَحْرِ كَذَلِكَ، ولا يُنافِي ما قالَهُ مُجاهِدٌ، لِأنَّ سَجَرْتَ التَّنُّورَ مَعْناهُ: مَلَأْتَهُ بِما يَحْتَرِقُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَسْجُورُ: الَّذِي ذَهَبَ ماؤُهُ. ورَوى ذُو الرُّمَّةِ الشّاعِرُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خَرَجَتْ أمَةٌ لِتَسْتَقِيَ، فَقالَتْ: إنَّ الحَوْضَ مَسْجُورٌ: أيْ فارِغٌ، ولَيْسَ لِذِي الرُّمَّةِ حَدِيثٌ إلّا هَذا، فَيَكُونُ مِنَ الأضْدادِ. ويُرْوى أنَّ البِحارَ يَذْهَبُ ماؤُها يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَسْجُورُ: المَحْبُوسُ، ومِنهُ ساجُورُ الكَلْبِ: وهي القِلادَةُ مِن عُودٍ أوْ حَدِيدٍ تُمْسِكُهُ، ولَوْلا أنَّ البَحْرَ يُمْسَكُ، لَفاضَ عَلى الأرْضِ. وقالَ الرَّبِيعُ: المَسْجُورُ: المُخْتَلِطُ العَذْبُ بِالمِلْحِ. وقِيلَ: المَفْجُورُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ [الإنفطار: ٣] . والجُمْهُورُ: عَلى أنَّ البَحْرَ المُقْسَمَ بِهِ هو (p-١٤٧)بَحْرُ الدُّنْيا، ويُؤَيِّدُهُ: ﴿وإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] . وعَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عُمَرَ: أنَّهُ في السَّماءِ تَحْتَ العَرْشِ فِيهِ ماءٌ غَلِيظٌ يُقالُ لَهُ بَحْرُ الحَياةِ، يُمْطَرُ العِبادُ مِنهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الأُولى أرْبَعِينَ صَباحًا، فَيَنْبُتُونَ في قُبُورِهِمْ. وقالَ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: هو جَهَنَّمُ، وسَمّاها بَحْرًا لِسَعَتِها وتَمَوُّجِها. كَما جاءَ في الفَرَسِ: وإنْ وجَدْناهُ لَبَحْرًا. قِيلَ: ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ في القَسَمِ بِالطُّورِ والبَحْرِ والبَيْتِ، لِكَوْنِها أماكِنَ خَلْوَةٍ مَعَ اللَّهِ تَعالى، خاطَبَ مِنها رَبُّهم رُسُلَهُ. فالطُّورُ، قالَ فِيهِ مُوسى: ﴿أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، والبَيْتُ المَعْمُورُ لِمُحَمَّدٍ، ﷺ، والبَحْرُ المَسْجُورُ لِيُونُسَ، قالَ: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، فَشُرِّفَتْ هَذِهِ الأماكِنُ بِهَذِهِ الأسْبابِ. والقَسَمُ بِكِتابٍ مَسْطُورٍ، لِأنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كانَ لَهم مَعَ اللَّهِ في هَذِهِ الأماكِنِ كَلامٌ. واقْتِرانُهُ بِالطُّورِ دَلَّ عَلى ذَلِكَ. والقَسَمُ بِالسَّقْفِ المَرْفُوعِ لِبَيانِ رِفْعَةِ البَيْتِ المَعْمُورِ. انْتَهى. ونَكَّرَ ”وكِتابٍ“، لِأنَّهُ شامِلٌ لِكُلِّ كِتابٍ أنْزَلَهُ اللَّهُ شُمُولَ البَدَلِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ شُمُولَ العُمُومِ، كَقَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] . وكَوْنُهُ في رَقٍّ، يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِهِ، وأنَّهُ لا يَتَخَطّى الرُّءُوسَ. ووَصْفُهُ بِمَنشُورٍ يَدُلُّ عَلى وُضُوحِهِ، فَلَيْسَ كالكِتابِ المَطْوِيِّ الَّذِي لا يُعْلَمُ ما انْطَوى عَلَيْهِ، والمَنشُورُ يُعْلَمُ ما فِيهِ، ولا يُمْنَعُ مِن مُطالَعَةِ ما تَضَمَّنَهُ؛ والواوُ الأُولى واوُ القَسَمِ، وما بَعْدَها لِلْعَطْفِ. والجُمْلَةُ المُقْسَمُ عَلَيْها هي قَوْلُهُ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ . وفي إضافَةِ العَذابِ لِقَوْلِهِ: (رَبِّكَ) لَطِيفَةٌ، إذْ هو المالِكُ والنّاظِرُ في مَصْلَحَةِ العَبْدِ. فَبِالإضافَةِ إلى الرَّبِّ، وإضافَتِهِ لِكافِ الخِطابِ أمانٌ لَهُ، ﷺ؛ وإنَّ العَذابَ لَواقِعٌ هو بِمَن كَذَّبَهُ، ولَواقِعٌ عَلى الشِّدَّةِ، وهو أدَلُّ عَلَيْها مِن لَكائِنٌ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١]، وقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾ [الشورى: ٢٢]، كَأنَّهُ مُهَيَّأٌ في مَكانٍ مُرْتَفِعٍ فَيَقَعُ عَلى مَن حَلَّ بِهِ ؟ «وعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ: قَدِمْتُ المَدِينَةَ لِأسْألَ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، في أُسارى بَدْرٍ، فَوافَيْتُهُ يَقْرَأُ في صَلاةِ المَغْرِبِ: ﴿والطُّورِ﴾ إلى ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾، فَكَأنَّما صُدِعَ قَلْبِي، فَأسْلَمْتُ خَوْفًا مِن نُزُولِ العَذابِ، وما كُنْتُ أظُنُّ أنْ أقُومَ مِن مَقامِي حَتّى يَقَعَ بِيَ العَذابُ» . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: واقِعٌ بِغَيْرِ لامٍ. قالَ قَتادَةُ: يُرِيدُ عَذابَ الآخِرَةِ لِلْكُفّارِ، أيْ لَواقِعٌ بِالكُفّارِ.

الطور 52:15

سُورَةُ الطُّورِ مَكِّيَّةٌ وهي تِسْعٌ وأرْبَعُونَ آيَةً ﷽ ﴿والطُّورِ﴾ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور: ٢٤] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الطور: ٢٥] ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] ﴿فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: ٢٩] ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور: ٣١] ﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الطور: ٣٢] ﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الطور: ٣٣] ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٤] ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥] ﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٦] ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧] ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور: ٣٨] ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩] ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠] ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ [الطور: ٤١] ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢] ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور: ٤٣] ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور: ٤٤] ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ [الطور: ٤٥] ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [الطور: ٤٦] ﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الطور: ٤٧] ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: ٤٨] ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩] الرَّقُّ، بِالفَتْحِ والكَسْرِ: جِلْدٌ رَقِيقٌ يُكْتَبُ فِيهِ، وجَمْعُهُ رُقُوقٌ. والرِّقُّ بِالكَسْرِ: المَمْلُوكُ. مارَ الشَّيْءُ: ذَهَبَ وجاءَ. وقالَ الأخْفَشُ وأبُو عُبَيْدَةَ: تَكَفَّأ، وأنْشَدَ الأعْشى: ؎كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها مَرُّ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ ويُرْوى: مَرْوَ السَّحابَةِ. الدَّعُّ: الدَّفْعُ في الضِّيقِ بِشِدَّةٍ وإهانَةٍ. السَّمُومُ: الرِّيحُ الحارَّةُ الَّتِي تَدْخُلُ المَسامَّ، ويُقالُ: سَمَّ يَوْمُنا فَهو مَسْمُومٌ، والجَمْعُ سَمائِمُ. وقالَ ثَعْلَبٌ: شِدَّةُ الحَرِّ، أوْ شِدَّةُ البَرْدِ في النَّهارِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السَّمُومُ بِالنَّهارِ، وقَدْ يَكُونُ بِاللَّيْلِ؛ والحَرُورُ بِاللَّيْلِ، وقَدْ يَكُونُ بِالنَّهارِ. وقَدْ يُسْتَعْمَلُ السَّمُومُ في لَفْحِ البَرْدِ، وهو في لَفْحِ الحَرِّ والشَّمْسِ أكْثَرُ. المَنُونُ: الدَّهْرُ، ورَيْبُهُ: حَوادِثُهُ. وقِيلَ: اسْمٌ لِلْمَوْتِ. المُسَيْطِرُ: المُتَسَلِّطُ. وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ: سَطَّرْتَ عَلَيَّ، إذا اتَّخَذْتَنِي خَوَلًا، ولَمْ يَأْتِ في كَلامِ العَرَبِ اسْمٌ عَلى مُفَيْعِلٍ إلّا خَمْسَةٌ: مُهَيْمِنٌ ومُحَيْمِرٌ ومُبَيْطِرٌ ومُسَيْطِرٌ ومُبَيْقِرٌ. فالمُحَيْمِرُ اسْمُ جَبَلٍ، والبَواقِي أسْماءُ (p-١٤٥)فاعِلِينَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ﴿والطُّورِ﴾ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور: ٢٤] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الطور: ٢٥] ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] . (p-١٤٦)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. ومُناسَبَتُها لِآخِرِ ما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، إذْ في آخِرِ تِلْكَ: ﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ﴾ [الذاريات: ٥٩]، وقالَ هُنا: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ . الطُّورُ: الجَبَلُ، والظّاهِرُ أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، لا جَبَلٌ مُعَيَّنٌ، وفي الشَّأْمِ جَبَلٌ يُسَمّى الطُّورَ، وهو طُورُ سَيْناءَ. فَقالَ نَوْفٌ البِكالِيُّ: إنَّهُ الَّذِي أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ لِفَضْلِهِ عَلى الجِبالِ. قِيلَ: وهو الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. والكِتابُ المَسْطُورُ: القُرْآنُ، أوِ المُنْتَسَخُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوِ التَّوْراةُ، أوْ هي الإنْجِيلُ والزَّبُورُ، أوِ الكِتابُ الَّذِي فِيهِ أعْمالُ الخَلْقِ، أوِ الصُّحُفُ الَّتِي تُعْطى يَوْمَ القِيامَةِ بِالأيْمانِ والشَّمائِلِ، أقْوالٌ آخِرُها لِلْفَرّاءِ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ شَيْءٌ مِنها عَلى التَّعْيِينِ، إنَّما تُورَدُ عَلى الِاحْتِمالِ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: في رِقٍّ، بِكَسْرِ الرّاءِ، ﴿مَنشُورٍ﴾: أيْ مَبْسُوطٍ. وقِيلَ: مَفْتُوحٌ لا خَتْمَ عَلَيْهِ. وقِيلَ: مَنشُورٌ لائِحٌ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مَنشُورٌ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ. ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾، قالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ: هو بَيْتٌ في السَّماءِ مُسامِتُ الكَعْبَةِ يُقالُ لَهُ الضُّراحُ، والضَّرِيحُ أيْضًا، وهو الَّذِي ذُكِرَ في حَدِيثِ الإسْراءِ، قالَ جِبْرِيلُ: «هَذا البَيْتُ المَعْمُورُ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ، ثُمَّ لا يَعُودُونَ إلَيْهِ آخِرَ ما عَلَيْهِمْ» . وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: في كُلِّ سَماءٍ بَيْتٌ مَعْمُورٌ، وفي كُلِّ أرْضٍ كَذَلِكَ. وسَألَ ابْنُ الكَوّا عَلِيًّا، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: بَيْتٌ فَوْقَ سَبْعِ سَمَواتٍ تَحْتَ العَرْشِ يُقالُ لَهُ الضُّراحُ. وقالَ الحَسَنُ: البَيْتُ المَعْمُورُ: الكَعْبَةُ، يُعَمِّرُهُ اللَّهُ كُلَّ سَنَةٍ بِسِتِّمِائَةِ ألْفٍ، فَإنْ عَجَزَ مِنَ النّاسِ أتَمَّهُ اللَّهُ بِالمَلائِكَةِ. ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾: السَّماءُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو العَرْشُ، وهو سَقْفُ الجَنَّةِ. ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾، قالَ مُجاهِدٌ وشِمْرُ بْنُ عَطِيَّةَ والضَّحّاكُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ والأخْفَشُ: هو البَحْرُ المُوقَدُ نارًا. ورُوِيَ أنَّ البَحْرَ هو جَهَنَّمُ. وقالَ قَتادَةُ: البَحْرُ المَسْجُورُ: المَمْلُوءُ، وهَذا مَعْرُوفٌ مِنَ اللُّغَةِ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ بِوُجُودِ ماءِ البَحْرِ كَذَلِكَ، ولا يُنافِي ما قالَهُ مُجاهِدٌ، لِأنَّ سَجَرْتَ التَّنُّورَ مَعْناهُ: مَلَأْتَهُ بِما يَحْتَرِقُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَسْجُورُ: الَّذِي ذَهَبَ ماؤُهُ. ورَوى ذُو الرُّمَّةِ الشّاعِرُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خَرَجَتْ أمَةٌ لِتَسْتَقِيَ، فَقالَتْ: إنَّ الحَوْضَ مَسْجُورٌ: أيْ فارِغٌ، ولَيْسَ لِذِي الرُّمَّةِ حَدِيثٌ إلّا هَذا، فَيَكُونُ مِنَ الأضْدادِ. ويُرْوى أنَّ البِحارَ يَذْهَبُ ماؤُها يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَسْجُورُ: المَحْبُوسُ، ومِنهُ ساجُورُ الكَلْبِ: وهي القِلادَةُ مِن عُودٍ أوْ حَدِيدٍ تُمْسِكُهُ، ولَوْلا أنَّ البَحْرَ يُمْسَكُ، لَفاضَ عَلى الأرْضِ. وقالَ الرَّبِيعُ: المَسْجُورُ: المُخْتَلِطُ العَذْبُ بِالمِلْحِ. وقِيلَ: المَفْجُورُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ [الإنفطار: ٣] . والجُمْهُورُ: عَلى أنَّ البَحْرَ المُقْسَمَ بِهِ هو (p-١٤٧)بَحْرُ الدُّنْيا، ويُؤَيِّدُهُ: ﴿وإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] . وعَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عُمَرَ: أنَّهُ في السَّماءِ تَحْتَ العَرْشِ فِيهِ ماءٌ غَلِيظٌ يُقالُ لَهُ بَحْرُ الحَياةِ، يُمْطَرُ العِبادُ مِنهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الأُولى أرْبَعِينَ صَباحًا، فَيَنْبُتُونَ في قُبُورِهِمْ. وقالَ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: هو جَهَنَّمُ، وسَمّاها بَحْرًا لِسَعَتِها وتَمَوُّجِها. كَما جاءَ في الفَرَسِ: وإنْ وجَدْناهُ لَبَحْرًا. قِيلَ: ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ في القَسَمِ بِالطُّورِ والبَحْرِ والبَيْتِ، لِكَوْنِها أماكِنَ خَلْوَةٍ مَعَ اللَّهِ تَعالى، خاطَبَ مِنها رَبُّهم رُسُلَهُ. فالطُّورُ، قالَ فِيهِ مُوسى: ﴿أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، والبَيْتُ المَعْمُورُ لِمُحَمَّدٍ، ﷺ، والبَحْرُ المَسْجُورُ لِيُونُسَ، قالَ: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، فَشُرِّفَتْ هَذِهِ الأماكِنُ بِهَذِهِ الأسْبابِ. والقَسَمُ بِكِتابٍ مَسْطُورٍ، لِأنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كانَ لَهم مَعَ اللَّهِ في هَذِهِ الأماكِنِ كَلامٌ. واقْتِرانُهُ بِالطُّورِ دَلَّ عَلى ذَلِكَ. والقَسَمُ بِالسَّقْفِ المَرْفُوعِ لِبَيانِ رِفْعَةِ البَيْتِ المَعْمُورِ. انْتَهى. ونَكَّرَ ”وكِتابٍ“، لِأنَّهُ شامِلٌ لِكُلِّ كِتابٍ أنْزَلَهُ اللَّهُ شُمُولَ البَدَلِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ شُمُولَ العُمُومِ، كَقَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] . وكَوْنُهُ في رَقٍّ، يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِهِ، وأنَّهُ لا يَتَخَطّى الرُّءُوسَ. ووَصْفُهُ بِمَنشُورٍ يَدُلُّ عَلى وُضُوحِهِ، فَلَيْسَ كالكِتابِ المَطْوِيِّ الَّذِي لا يُعْلَمُ ما انْطَوى عَلَيْهِ، والمَنشُورُ يُعْلَمُ ما فِيهِ، ولا يُمْنَعُ مِن مُطالَعَةِ ما تَضَمَّنَهُ؛ والواوُ الأُولى واوُ القَسَمِ، وما بَعْدَها لِلْعَطْفِ. والجُمْلَةُ المُقْسَمُ عَلَيْها هي قَوْلُهُ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ . وفي إضافَةِ العَذابِ لِقَوْلِهِ: (رَبِّكَ) لَطِيفَةٌ، إذْ هو المالِكُ والنّاظِرُ في مَصْلَحَةِ العَبْدِ. فَبِالإضافَةِ إلى الرَّبِّ، وإضافَتِهِ لِكافِ الخِطابِ أمانٌ لَهُ، ﷺ؛ وإنَّ العَذابَ لَواقِعٌ هو بِمَن كَذَّبَهُ، ولَواقِعٌ عَلى الشِّدَّةِ، وهو أدَلُّ عَلَيْها مِن لَكائِنٌ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١]، وقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾ [الشورى: ٢٢]، كَأنَّهُ مُهَيَّأٌ في مَكانٍ مُرْتَفِعٍ فَيَقَعُ عَلى مَن حَلَّ بِهِ ؟ «وعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ: قَدِمْتُ المَدِينَةَ لِأسْألَ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، في أُسارى بَدْرٍ، فَوافَيْتُهُ يَقْرَأُ في صَلاةِ المَغْرِبِ: ﴿والطُّورِ﴾ إلى ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾، فَكَأنَّما صُدِعَ قَلْبِي، فَأسْلَمْتُ خَوْفًا مِن نُزُولِ العَذابِ، وما كُنْتُ أظُنُّ أنْ أقُومَ مِن مَقامِي حَتّى يَقَعَ بِيَ العَذابُ» . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: واقِعٌ بِغَيْرِ لامٍ. قالَ قَتادَةُ: يُرِيدُ عَذابَ الآخِرَةِ لِلْكُفّارِ، أيْ لَواقِعٌ بِالكُفّارِ.

الطور 52:16

سُورَةُ الطُّورِ مَكِّيَّةٌ وهي تِسْعٌ وأرْبَعُونَ آيَةً ﷽ ﴿والطُّورِ﴾ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور: ٢٤] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الطور: ٢٥] ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] ﴿فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: ٢٩] ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور: ٣١] ﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الطور: ٣٢] ﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الطور: ٣٣] ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٤] ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥] ﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٦] ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧] ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور: ٣٨] ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩] ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠] ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ [الطور: ٤١] ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢] ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور: ٤٣] ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور: ٤٤] ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ [الطور: ٤٥] ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [الطور: ٤٦] ﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الطور: ٤٧] ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: ٤٨] ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩] الرَّقُّ، بِالفَتْحِ والكَسْرِ: جِلْدٌ رَقِيقٌ يُكْتَبُ فِيهِ، وجَمْعُهُ رُقُوقٌ. والرِّقُّ بِالكَسْرِ: المَمْلُوكُ. مارَ الشَّيْءُ: ذَهَبَ وجاءَ. وقالَ الأخْفَشُ وأبُو عُبَيْدَةَ: تَكَفَّأ، وأنْشَدَ الأعْشى: ؎كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها مَرُّ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ ويُرْوى: مَرْوَ السَّحابَةِ. الدَّعُّ: الدَّفْعُ في الضِّيقِ بِشِدَّةٍ وإهانَةٍ. السَّمُومُ: الرِّيحُ الحارَّةُ الَّتِي تَدْخُلُ المَسامَّ، ويُقالُ: سَمَّ يَوْمُنا فَهو مَسْمُومٌ، والجَمْعُ سَمائِمُ. وقالَ ثَعْلَبٌ: شِدَّةُ الحَرِّ، أوْ شِدَّةُ البَرْدِ في النَّهارِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السَّمُومُ بِالنَّهارِ، وقَدْ يَكُونُ بِاللَّيْلِ؛ والحَرُورُ بِاللَّيْلِ، وقَدْ يَكُونُ بِالنَّهارِ. وقَدْ يُسْتَعْمَلُ السَّمُومُ في لَفْحِ البَرْدِ، وهو في لَفْحِ الحَرِّ والشَّمْسِ أكْثَرُ. المَنُونُ: الدَّهْرُ، ورَيْبُهُ: حَوادِثُهُ. وقِيلَ: اسْمٌ لِلْمَوْتِ. المُسَيْطِرُ: المُتَسَلِّطُ. وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ: سَطَّرْتَ عَلَيَّ، إذا اتَّخَذْتَنِي خَوَلًا، ولَمْ يَأْتِ في كَلامِ العَرَبِ اسْمٌ عَلى مُفَيْعِلٍ إلّا خَمْسَةٌ: مُهَيْمِنٌ ومُحَيْمِرٌ ومُبَيْطِرٌ ومُسَيْطِرٌ ومُبَيْقِرٌ. فالمُحَيْمِرُ اسْمُ جَبَلٍ، والبَواقِي أسْماءُ (p-١٤٥)فاعِلِينَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ﴿والطُّورِ﴾ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور: ٢٤] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الطور: ٢٥] ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] . (p-١٤٦)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. ومُناسَبَتُها لِآخِرِ ما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، إذْ في آخِرِ تِلْكَ: ﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ﴾ [الذاريات: ٥٩]، وقالَ هُنا: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ . الطُّورُ: الجَبَلُ، والظّاهِرُ أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، لا جَبَلٌ مُعَيَّنٌ، وفي الشَّأْمِ جَبَلٌ يُسَمّى الطُّورَ، وهو طُورُ سَيْناءَ. فَقالَ نَوْفٌ البِكالِيُّ: إنَّهُ الَّذِي أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ لِفَضْلِهِ عَلى الجِبالِ. قِيلَ: وهو الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. والكِتابُ المَسْطُورُ: القُرْآنُ، أوِ المُنْتَسَخُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوِ التَّوْراةُ، أوْ هي الإنْجِيلُ والزَّبُورُ، أوِ الكِتابُ الَّذِي فِيهِ أعْمالُ الخَلْقِ، أوِ الصُّحُفُ الَّتِي تُعْطى يَوْمَ القِيامَةِ بِالأيْمانِ والشَّمائِلِ، أقْوالٌ آخِرُها لِلْفَرّاءِ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ شَيْءٌ مِنها عَلى التَّعْيِينِ، إنَّما تُورَدُ عَلى الِاحْتِمالِ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: في رِقٍّ، بِكَسْرِ الرّاءِ، ﴿مَنشُورٍ﴾: أيْ مَبْسُوطٍ. وقِيلَ: مَفْتُوحٌ لا خَتْمَ عَلَيْهِ. وقِيلَ: مَنشُورٌ لائِحٌ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مَنشُورٌ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ. ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾، قالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ: هو بَيْتٌ في السَّماءِ مُسامِتُ الكَعْبَةِ يُقالُ لَهُ الضُّراحُ، والضَّرِيحُ أيْضًا، وهو الَّذِي ذُكِرَ في حَدِيثِ الإسْراءِ، قالَ جِبْرِيلُ: «هَذا البَيْتُ المَعْمُورُ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ، ثُمَّ لا يَعُودُونَ إلَيْهِ آخِرَ ما عَلَيْهِمْ» . وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: في كُلِّ سَماءٍ بَيْتٌ مَعْمُورٌ، وفي كُلِّ أرْضٍ كَذَلِكَ. وسَألَ ابْنُ الكَوّا عَلِيًّا، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: بَيْتٌ فَوْقَ سَبْعِ سَمَواتٍ تَحْتَ العَرْشِ يُقالُ لَهُ الضُّراحُ. وقالَ الحَسَنُ: البَيْتُ المَعْمُورُ: الكَعْبَةُ، يُعَمِّرُهُ اللَّهُ كُلَّ سَنَةٍ بِسِتِّمِائَةِ ألْفٍ، فَإنْ عَجَزَ مِنَ النّاسِ أتَمَّهُ اللَّهُ بِالمَلائِكَةِ. ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾: السَّماءُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو العَرْشُ، وهو سَقْفُ الجَنَّةِ. ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾، قالَ مُجاهِدٌ وشِمْرُ بْنُ عَطِيَّةَ والضَّحّاكُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ والأخْفَشُ: هو البَحْرُ المُوقَدُ نارًا. ورُوِيَ أنَّ البَحْرَ هو جَهَنَّمُ. وقالَ قَتادَةُ: البَحْرُ المَسْجُورُ: المَمْلُوءُ، وهَذا مَعْرُوفٌ مِنَ اللُّغَةِ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ بِوُجُودِ ماءِ البَحْرِ كَذَلِكَ، ولا يُنافِي ما قالَهُ مُجاهِدٌ، لِأنَّ سَجَرْتَ التَّنُّورَ مَعْناهُ: مَلَأْتَهُ بِما يَحْتَرِقُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَسْجُورُ: الَّذِي ذَهَبَ ماؤُهُ. ورَوى ذُو الرُّمَّةِ الشّاعِرُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خَرَجَتْ أمَةٌ لِتَسْتَقِيَ، فَقالَتْ: إنَّ الحَوْضَ مَسْجُورٌ: أيْ فارِغٌ، ولَيْسَ لِذِي الرُّمَّةِ حَدِيثٌ إلّا هَذا، فَيَكُونُ مِنَ الأضْدادِ. ويُرْوى أنَّ البِحارَ يَذْهَبُ ماؤُها يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَسْجُورُ: المَحْبُوسُ، ومِنهُ ساجُورُ الكَلْبِ: وهي القِلادَةُ مِن عُودٍ أوْ حَدِيدٍ تُمْسِكُهُ، ولَوْلا أنَّ البَحْرَ يُمْسَكُ، لَفاضَ عَلى الأرْضِ. وقالَ الرَّبِيعُ: المَسْجُورُ: المُخْتَلِطُ العَذْبُ بِالمِلْحِ. وقِيلَ: المَفْجُورُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ [الإنفطار: ٣] . والجُمْهُورُ: عَلى أنَّ البَحْرَ المُقْسَمَ بِهِ هو (p-١٤٧)بَحْرُ الدُّنْيا، ويُؤَيِّدُهُ: ﴿وإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] . وعَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عُمَرَ: أنَّهُ في السَّماءِ تَحْتَ العَرْشِ فِيهِ ماءٌ غَلِيظٌ يُقالُ لَهُ بَحْرُ الحَياةِ، يُمْطَرُ العِبادُ مِنهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الأُولى أرْبَعِينَ صَباحًا، فَيَنْبُتُونَ في قُبُورِهِمْ. وقالَ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: هو جَهَنَّمُ، وسَمّاها بَحْرًا لِسَعَتِها وتَمَوُّجِها. كَما جاءَ في الفَرَسِ: وإنْ وجَدْناهُ لَبَحْرًا. قِيلَ: ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ في القَسَمِ بِالطُّورِ والبَحْرِ والبَيْتِ، لِكَوْنِها أماكِنَ خَلْوَةٍ مَعَ اللَّهِ تَعالى، خاطَبَ مِنها رَبُّهم رُسُلَهُ. فالطُّورُ، قالَ فِيهِ مُوسى: ﴿أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، والبَيْتُ المَعْمُورُ لِمُحَمَّدٍ، ﷺ، والبَحْرُ المَسْجُورُ لِيُونُسَ، قالَ: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، فَشُرِّفَتْ هَذِهِ الأماكِنُ بِهَذِهِ الأسْبابِ. والقَسَمُ بِكِتابٍ مَسْطُورٍ، لِأنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كانَ لَهم مَعَ اللَّهِ في هَذِهِ الأماكِنِ كَلامٌ. واقْتِرانُهُ بِالطُّورِ دَلَّ عَلى ذَلِكَ. والقَسَمُ بِالسَّقْفِ المَرْفُوعِ لِبَيانِ رِفْعَةِ البَيْتِ المَعْمُورِ. انْتَهى. ونَكَّرَ ”وكِتابٍ“، لِأنَّهُ شامِلٌ لِكُلِّ كِتابٍ أنْزَلَهُ اللَّهُ شُمُولَ البَدَلِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ شُمُولَ العُمُومِ، كَقَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] . وكَوْنُهُ في رَقٍّ، يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِهِ، وأنَّهُ لا يَتَخَطّى الرُّءُوسَ. ووَصْفُهُ بِمَنشُورٍ يَدُلُّ عَلى وُضُوحِهِ، فَلَيْسَ كالكِتابِ المَطْوِيِّ الَّذِي لا يُعْلَمُ ما انْطَوى عَلَيْهِ، والمَنشُورُ يُعْلَمُ ما فِيهِ، ولا يُمْنَعُ مِن مُطالَعَةِ ما تَضَمَّنَهُ؛ والواوُ الأُولى واوُ القَسَمِ، وما بَعْدَها لِلْعَطْفِ. والجُمْلَةُ المُقْسَمُ عَلَيْها هي قَوْلُهُ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ . وفي إضافَةِ العَذابِ لِقَوْلِهِ: (رَبِّكَ) لَطِيفَةٌ، إذْ هو المالِكُ والنّاظِرُ في مَصْلَحَةِ العَبْدِ. فَبِالإضافَةِ إلى الرَّبِّ، وإضافَتِهِ لِكافِ الخِطابِ أمانٌ لَهُ، ﷺ؛ وإنَّ العَذابَ لَواقِعٌ هو بِمَن كَذَّبَهُ، ولَواقِعٌ عَلى الشِّدَّةِ، وهو أدَلُّ عَلَيْها مِن لَكائِنٌ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١]، وقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾ [الشورى: ٢٢]، كَأنَّهُ مُهَيَّأٌ في مَكانٍ مُرْتَفِعٍ فَيَقَعُ عَلى مَن حَلَّ بِهِ ؟ «وعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ: قَدِمْتُ المَدِينَةَ لِأسْألَ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، في أُسارى بَدْرٍ، فَوافَيْتُهُ يَقْرَأُ في صَلاةِ المَغْرِبِ: ﴿والطُّورِ﴾ إلى ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾، فَكَأنَّما صُدِعَ قَلْبِي، فَأسْلَمْتُ خَوْفًا مِن نُزُولِ العَذابِ، وما كُنْتُ أظُنُّ أنْ أقُومَ مِن مَقامِي حَتّى يَقَعَ بِيَ العَذابُ» . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: واقِعٌ بِغَيْرِ لامٍ. قالَ قَتادَةُ: يُرِيدُ عَذابَ الآخِرَةِ لِلْكُفّارِ، أيْ لَواقِعٌ بِالكُفّارِ.

الطور 52:17

سُورَةُ الطُّورِ مَكِّيَّةٌ وهي تِسْعٌ وأرْبَعُونَ آيَةً ﷽ ﴿والطُّورِ﴾ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور: ٢٤] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الطور: ٢٥] ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] ﴿فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: ٢٩] ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور: ٣١] ﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الطور: ٣٢] ﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الطور: ٣٣] ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٤] ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥] ﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٦] ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧] ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور: ٣٨] ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩] ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠] ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ [الطور: ٤١] ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢] ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور: ٤٣] ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور: ٤٤] ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ [الطور: ٤٥] ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [الطور: ٤٦] ﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الطور: ٤٧] ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: ٤٨] ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩] الرَّقُّ، بِالفَتْحِ والكَسْرِ: جِلْدٌ رَقِيقٌ يُكْتَبُ فِيهِ، وجَمْعُهُ رُقُوقٌ. والرِّقُّ بِالكَسْرِ: المَمْلُوكُ. مارَ الشَّيْءُ: ذَهَبَ وجاءَ. وقالَ الأخْفَشُ وأبُو عُبَيْدَةَ: تَكَفَّأ، وأنْشَدَ الأعْشى: ؎كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها مَرُّ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ ويُرْوى: مَرْوَ السَّحابَةِ. الدَّعُّ: الدَّفْعُ في الضِّيقِ بِشِدَّةٍ وإهانَةٍ. السَّمُومُ: الرِّيحُ الحارَّةُ الَّتِي تَدْخُلُ المَسامَّ، ويُقالُ: سَمَّ يَوْمُنا فَهو مَسْمُومٌ، والجَمْعُ سَمائِمُ. وقالَ ثَعْلَبٌ: شِدَّةُ الحَرِّ، أوْ شِدَّةُ البَرْدِ في النَّهارِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السَّمُومُ بِالنَّهارِ، وقَدْ يَكُونُ بِاللَّيْلِ؛ والحَرُورُ بِاللَّيْلِ، وقَدْ يَكُونُ بِالنَّهارِ. وقَدْ يُسْتَعْمَلُ السَّمُومُ في لَفْحِ البَرْدِ، وهو في لَفْحِ الحَرِّ والشَّمْسِ أكْثَرُ. المَنُونُ: الدَّهْرُ، ورَيْبُهُ: حَوادِثُهُ. وقِيلَ: اسْمٌ لِلْمَوْتِ. المُسَيْطِرُ: المُتَسَلِّطُ. وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ: سَطَّرْتَ عَلَيَّ، إذا اتَّخَذْتَنِي خَوَلًا، ولَمْ يَأْتِ في كَلامِ العَرَبِ اسْمٌ عَلى مُفَيْعِلٍ إلّا خَمْسَةٌ: مُهَيْمِنٌ ومُحَيْمِرٌ ومُبَيْطِرٌ ومُسَيْطِرٌ ومُبَيْقِرٌ. فالمُحَيْمِرُ اسْمُ جَبَلٍ، والبَواقِي أسْماءُ (p-١٤٥)فاعِلِينَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ﴿والطُّورِ﴾ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور: ٢٤] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الطور: ٢٥] ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] . (p-١٤٦)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. ومُناسَبَتُها لِآخِرِ ما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، إذْ في آخِرِ تِلْكَ: ﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ﴾ [الذاريات: ٥٩]، وقالَ هُنا: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ . الطُّورُ: الجَبَلُ، والظّاهِرُ أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، لا جَبَلٌ مُعَيَّنٌ، وفي الشَّأْمِ جَبَلٌ يُسَمّى الطُّورَ، وهو طُورُ سَيْناءَ. فَقالَ نَوْفٌ البِكالِيُّ: إنَّهُ الَّذِي أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ لِفَضْلِهِ عَلى الجِبالِ. قِيلَ: وهو الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. والكِتابُ المَسْطُورُ: القُرْآنُ، أوِ المُنْتَسَخُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوِ التَّوْراةُ، أوْ هي الإنْجِيلُ والزَّبُورُ، أوِ الكِتابُ الَّذِي فِيهِ أعْمالُ الخَلْقِ، أوِ الصُّحُفُ الَّتِي تُعْطى يَوْمَ القِيامَةِ بِالأيْمانِ والشَّمائِلِ، أقْوالٌ آخِرُها لِلْفَرّاءِ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ شَيْءٌ مِنها عَلى التَّعْيِينِ، إنَّما تُورَدُ عَلى الِاحْتِمالِ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: في رِقٍّ، بِكَسْرِ الرّاءِ، ﴿مَنشُورٍ﴾: أيْ مَبْسُوطٍ. وقِيلَ: مَفْتُوحٌ لا خَتْمَ عَلَيْهِ. وقِيلَ: مَنشُورٌ لائِحٌ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مَنشُورٌ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ. ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾، قالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ: هو بَيْتٌ في السَّماءِ مُسامِتُ الكَعْبَةِ يُقالُ لَهُ الضُّراحُ، والضَّرِيحُ أيْضًا، وهو الَّذِي ذُكِرَ في حَدِيثِ الإسْراءِ، قالَ جِبْرِيلُ: «هَذا البَيْتُ المَعْمُورُ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ، ثُمَّ لا يَعُودُونَ إلَيْهِ آخِرَ ما عَلَيْهِمْ» . وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: في كُلِّ سَماءٍ بَيْتٌ مَعْمُورٌ، وفي كُلِّ أرْضٍ كَذَلِكَ. وسَألَ ابْنُ الكَوّا عَلِيًّا، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: بَيْتٌ فَوْقَ سَبْعِ سَمَواتٍ تَحْتَ العَرْشِ يُقالُ لَهُ الضُّراحُ. وقالَ الحَسَنُ: البَيْتُ المَعْمُورُ: الكَعْبَةُ، يُعَمِّرُهُ اللَّهُ كُلَّ سَنَةٍ بِسِتِّمِائَةِ ألْفٍ، فَإنْ عَجَزَ مِنَ النّاسِ أتَمَّهُ اللَّهُ بِالمَلائِكَةِ. ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾: السَّماءُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو العَرْشُ، وهو سَقْفُ الجَنَّةِ. ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾، قالَ مُجاهِدٌ وشِمْرُ بْنُ عَطِيَّةَ والضَّحّاكُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ والأخْفَشُ: هو البَحْرُ المُوقَدُ نارًا. ورُوِيَ أنَّ البَحْرَ هو جَهَنَّمُ. وقالَ قَتادَةُ: البَحْرُ المَسْجُورُ: المَمْلُوءُ، وهَذا مَعْرُوفٌ مِنَ اللُّغَةِ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ بِوُجُودِ ماءِ البَحْرِ كَذَلِكَ، ولا يُنافِي ما قالَهُ مُجاهِدٌ، لِأنَّ سَجَرْتَ التَّنُّورَ مَعْناهُ: مَلَأْتَهُ بِما يَحْتَرِقُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَسْجُورُ: الَّذِي ذَهَبَ ماؤُهُ. ورَوى ذُو الرُّمَّةِ الشّاعِرُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خَرَجَتْ أمَةٌ لِتَسْتَقِيَ، فَقالَتْ: إنَّ الحَوْضَ مَسْجُورٌ: أيْ فارِغٌ، ولَيْسَ لِذِي الرُّمَّةِ حَدِيثٌ إلّا هَذا، فَيَكُونُ مِنَ الأضْدادِ. ويُرْوى أنَّ البِحارَ يَذْهَبُ ماؤُها يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَسْجُورُ: المَحْبُوسُ، ومِنهُ ساجُورُ الكَلْبِ: وهي القِلادَةُ مِن عُودٍ أوْ حَدِيدٍ تُمْسِكُهُ، ولَوْلا أنَّ البَحْرَ يُمْسَكُ، لَفاضَ عَلى الأرْضِ. وقالَ الرَّبِيعُ: المَسْجُورُ: المُخْتَلِطُ العَذْبُ بِالمِلْحِ. وقِيلَ: المَفْجُورُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ [الإنفطار: ٣] . والجُمْهُورُ: عَلى أنَّ البَحْرَ المُقْسَمَ بِهِ هو (p-١٤٧)بَحْرُ الدُّنْيا، ويُؤَيِّدُهُ: ﴿وإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] . وعَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عُمَرَ: أنَّهُ في السَّماءِ تَحْتَ العَرْشِ فِيهِ ماءٌ غَلِيظٌ يُقالُ لَهُ بَحْرُ الحَياةِ، يُمْطَرُ العِبادُ مِنهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الأُولى أرْبَعِينَ صَباحًا، فَيَنْبُتُونَ في قُبُورِهِمْ. وقالَ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: هو جَهَنَّمُ، وسَمّاها بَحْرًا لِسَعَتِها وتَمَوُّجِها. كَما جاءَ في الفَرَسِ: وإنْ وجَدْناهُ لَبَحْرًا. قِيلَ: ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ في القَسَمِ بِالطُّورِ والبَحْرِ والبَيْتِ، لِكَوْنِها أماكِنَ خَلْوَةٍ مَعَ اللَّهِ تَعالى، خاطَبَ مِنها رَبُّهم رُسُلَهُ. فالطُّورُ، قالَ فِيهِ مُوسى: ﴿أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، والبَيْتُ المَعْمُورُ لِمُحَمَّدٍ، ﷺ، والبَحْرُ المَسْجُورُ لِيُونُسَ، قالَ: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، فَشُرِّفَتْ هَذِهِ الأماكِنُ بِهَذِهِ الأسْبابِ. والقَسَمُ بِكِتابٍ مَسْطُورٍ، لِأنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كانَ لَهم مَعَ اللَّهِ في هَذِهِ الأماكِنِ كَلامٌ. واقْتِرانُهُ بِالطُّورِ دَلَّ عَلى ذَلِكَ. والقَسَمُ بِالسَّقْفِ المَرْفُوعِ لِبَيانِ رِفْعَةِ البَيْتِ المَعْمُورِ. انْتَهى. ونَكَّرَ ”وكِتابٍ“، لِأنَّهُ شامِلٌ لِكُلِّ كِتابٍ أنْزَلَهُ اللَّهُ شُمُولَ البَدَلِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ شُمُولَ العُمُومِ، كَقَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] . وكَوْنُهُ في رَقٍّ، يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِهِ، وأنَّهُ لا يَتَخَطّى الرُّءُوسَ. ووَصْفُهُ بِمَنشُورٍ يَدُلُّ عَلى وُضُوحِهِ، فَلَيْسَ كالكِتابِ المَطْوِيِّ الَّذِي لا يُعْلَمُ ما انْطَوى عَلَيْهِ، والمَنشُورُ يُعْلَمُ ما فِيهِ، ولا يُمْنَعُ مِن مُطالَعَةِ ما تَضَمَّنَهُ؛ والواوُ الأُولى واوُ القَسَمِ، وما بَعْدَها لِلْعَطْفِ. والجُمْلَةُ المُقْسَمُ عَلَيْها هي قَوْلُهُ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ . وفي إضافَةِ العَذابِ لِقَوْلِهِ: (رَبِّكَ) لَطِيفَةٌ، إذْ هو المالِكُ والنّاظِرُ في مَصْلَحَةِ العَبْدِ. فَبِالإضافَةِ إلى الرَّبِّ، وإضافَتِهِ لِكافِ الخِطابِ أمانٌ لَهُ، ﷺ؛ وإنَّ العَذابَ لَواقِعٌ هو بِمَن كَذَّبَهُ، ولَواقِعٌ عَلى الشِّدَّةِ، وهو أدَلُّ عَلَيْها مِن لَكائِنٌ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١]، وقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾ [الشورى: ٢٢]، كَأنَّهُ مُهَيَّأٌ في مَكانٍ مُرْتَفِعٍ فَيَقَعُ عَلى مَن حَلَّ بِهِ ؟ «وعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ: قَدِمْتُ المَدِينَةَ لِأسْألَ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، في أُسارى بَدْرٍ، فَوافَيْتُهُ يَقْرَأُ في صَلاةِ المَغْرِبِ: ﴿والطُّورِ﴾ إلى ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾، فَكَأنَّما صُدِعَ قَلْبِي، فَأسْلَمْتُ خَوْفًا مِن نُزُولِ العَذابِ، وما كُنْتُ أظُنُّ أنْ أقُومَ مِن مَقامِي حَتّى يَقَعَ بِيَ العَذابُ» . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: واقِعٌ بِغَيْرِ لامٍ. قالَ قَتادَةُ: يُرِيدُ عَذابَ الآخِرَةِ لِلْكُفّارِ، أيْ لَواقِعٌ بِالكُفّارِ.

الطور 52:18

سُورَةُ الطُّورِ مَكِّيَّةٌ وهي تِسْعٌ وأرْبَعُونَ آيَةً ﷽ ﴿والطُّورِ﴾ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور: ٢٤] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الطور: ٢٥] ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] ﴿فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: ٢٩] ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور: ٣١] ﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الطور: ٣٢] ﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الطور: ٣٣] ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٤] ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥] ﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٦] ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧] ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور: ٣٨] ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩] ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠] ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ [الطور: ٤١] ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢] ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور: ٤٣] ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور: ٤٤] ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ [الطور: ٤٥] ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [الطور: ٤٦] ﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الطور: ٤٧] ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: ٤٨] ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩] الرَّقُّ، بِالفَتْحِ والكَسْرِ: جِلْدٌ رَقِيقٌ يُكْتَبُ فِيهِ، وجَمْعُهُ رُقُوقٌ. والرِّقُّ بِالكَسْرِ: المَمْلُوكُ. مارَ الشَّيْءُ: ذَهَبَ وجاءَ. وقالَ الأخْفَشُ وأبُو عُبَيْدَةَ: تَكَفَّأ، وأنْشَدَ الأعْشى: ؎كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها مَرُّ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ ويُرْوى: مَرْوَ السَّحابَةِ. الدَّعُّ: الدَّفْعُ في الضِّيقِ بِشِدَّةٍ وإهانَةٍ. السَّمُومُ: الرِّيحُ الحارَّةُ الَّتِي تَدْخُلُ المَسامَّ، ويُقالُ: سَمَّ يَوْمُنا فَهو مَسْمُومٌ، والجَمْعُ سَمائِمُ. وقالَ ثَعْلَبٌ: شِدَّةُ الحَرِّ، أوْ شِدَّةُ البَرْدِ في النَّهارِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السَّمُومُ بِالنَّهارِ، وقَدْ يَكُونُ بِاللَّيْلِ؛ والحَرُورُ بِاللَّيْلِ، وقَدْ يَكُونُ بِالنَّهارِ. وقَدْ يُسْتَعْمَلُ السَّمُومُ في لَفْحِ البَرْدِ، وهو في لَفْحِ الحَرِّ والشَّمْسِ أكْثَرُ. المَنُونُ: الدَّهْرُ، ورَيْبُهُ: حَوادِثُهُ. وقِيلَ: اسْمٌ لِلْمَوْتِ. المُسَيْطِرُ: المُتَسَلِّطُ. وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ: سَطَّرْتَ عَلَيَّ، إذا اتَّخَذْتَنِي خَوَلًا، ولَمْ يَأْتِ في كَلامِ العَرَبِ اسْمٌ عَلى مُفَيْعِلٍ إلّا خَمْسَةٌ: مُهَيْمِنٌ ومُحَيْمِرٌ ومُبَيْطِرٌ ومُسَيْطِرٌ ومُبَيْقِرٌ. فالمُحَيْمِرُ اسْمُ جَبَلٍ، والبَواقِي أسْماءُ (p-١٤٥)فاعِلِينَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ﴿والطُّورِ﴾ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور: ٢٤] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الطور: ٢٥] ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] . (p-١٤٦)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. ومُناسَبَتُها لِآخِرِ ما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، إذْ في آخِرِ تِلْكَ: ﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ﴾ [الذاريات: ٥٩]، وقالَ هُنا: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ . الطُّورُ: الجَبَلُ، والظّاهِرُ أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، لا جَبَلٌ مُعَيَّنٌ، وفي الشَّأْمِ جَبَلٌ يُسَمّى الطُّورَ، وهو طُورُ سَيْناءَ. فَقالَ نَوْفٌ البِكالِيُّ: إنَّهُ الَّذِي أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ لِفَضْلِهِ عَلى الجِبالِ. قِيلَ: وهو الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. والكِتابُ المَسْطُورُ: القُرْآنُ، أوِ المُنْتَسَخُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوِ التَّوْراةُ، أوْ هي الإنْجِيلُ والزَّبُورُ، أوِ الكِتابُ الَّذِي فِيهِ أعْمالُ الخَلْقِ، أوِ الصُّحُفُ الَّتِي تُعْطى يَوْمَ القِيامَةِ بِالأيْمانِ والشَّمائِلِ، أقْوالٌ آخِرُها لِلْفَرّاءِ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ شَيْءٌ مِنها عَلى التَّعْيِينِ، إنَّما تُورَدُ عَلى الِاحْتِمالِ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: في رِقٍّ، بِكَسْرِ الرّاءِ، ﴿مَنشُورٍ﴾: أيْ مَبْسُوطٍ. وقِيلَ: مَفْتُوحٌ لا خَتْمَ عَلَيْهِ. وقِيلَ: مَنشُورٌ لائِحٌ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مَنشُورٌ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ. ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾، قالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ: هو بَيْتٌ في السَّماءِ مُسامِتُ الكَعْبَةِ يُقالُ لَهُ الضُّراحُ، والضَّرِيحُ أيْضًا، وهو الَّذِي ذُكِرَ في حَدِيثِ الإسْراءِ، قالَ جِبْرِيلُ: «هَذا البَيْتُ المَعْمُورُ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ، ثُمَّ لا يَعُودُونَ إلَيْهِ آخِرَ ما عَلَيْهِمْ» . وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: في كُلِّ سَماءٍ بَيْتٌ مَعْمُورٌ، وفي كُلِّ أرْضٍ كَذَلِكَ. وسَألَ ابْنُ الكَوّا عَلِيًّا، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: بَيْتٌ فَوْقَ سَبْعِ سَمَواتٍ تَحْتَ العَرْشِ يُقالُ لَهُ الضُّراحُ. وقالَ الحَسَنُ: البَيْتُ المَعْمُورُ: الكَعْبَةُ، يُعَمِّرُهُ اللَّهُ كُلَّ سَنَةٍ بِسِتِّمِائَةِ ألْفٍ، فَإنْ عَجَزَ مِنَ النّاسِ أتَمَّهُ اللَّهُ بِالمَلائِكَةِ. ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾: السَّماءُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو العَرْشُ، وهو سَقْفُ الجَنَّةِ. ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾، قالَ مُجاهِدٌ وشِمْرُ بْنُ عَطِيَّةَ والضَّحّاكُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ والأخْفَشُ: هو البَحْرُ المُوقَدُ نارًا. ورُوِيَ أنَّ البَحْرَ هو جَهَنَّمُ. وقالَ قَتادَةُ: البَحْرُ المَسْجُورُ: المَمْلُوءُ، وهَذا مَعْرُوفٌ مِنَ اللُّغَةِ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ بِوُجُودِ ماءِ البَحْرِ كَذَلِكَ، ولا يُنافِي ما قالَهُ مُجاهِدٌ، لِأنَّ سَجَرْتَ التَّنُّورَ مَعْناهُ: مَلَأْتَهُ بِما يَحْتَرِقُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَسْجُورُ: الَّذِي ذَهَبَ ماؤُهُ. ورَوى ذُو الرُّمَّةِ الشّاعِرُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خَرَجَتْ أمَةٌ لِتَسْتَقِيَ، فَقالَتْ: إنَّ الحَوْضَ مَسْجُورٌ: أيْ فارِغٌ، ولَيْسَ لِذِي الرُّمَّةِ حَدِيثٌ إلّا هَذا، فَيَكُونُ مِنَ الأضْدادِ. ويُرْوى أنَّ البِحارَ يَذْهَبُ ماؤُها يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَسْجُورُ: المَحْبُوسُ، ومِنهُ ساجُورُ الكَلْبِ: وهي القِلادَةُ مِن عُودٍ أوْ حَدِيدٍ تُمْسِكُهُ، ولَوْلا أنَّ البَحْرَ يُمْسَكُ، لَفاضَ عَلى الأرْضِ. وقالَ الرَّبِيعُ: المَسْجُورُ: المُخْتَلِطُ العَذْبُ بِالمِلْحِ. وقِيلَ: المَفْجُورُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ [الإنفطار: ٣] . والجُمْهُورُ: عَلى أنَّ البَحْرَ المُقْسَمَ بِهِ هو (p-١٤٧)بَحْرُ الدُّنْيا، ويُؤَيِّدُهُ: ﴿وإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] . وعَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عُمَرَ: أنَّهُ في السَّماءِ تَحْتَ العَرْشِ فِيهِ ماءٌ غَلِيظٌ يُقالُ لَهُ بَحْرُ الحَياةِ، يُمْطَرُ العِبادُ مِنهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الأُولى أرْبَعِينَ صَباحًا، فَيَنْبُتُونَ في قُبُورِهِمْ. وقالَ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: هو جَهَنَّمُ، وسَمّاها بَحْرًا لِسَعَتِها وتَمَوُّجِها. كَما جاءَ في الفَرَسِ: وإنْ وجَدْناهُ لَبَحْرًا. قِيلَ: ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ في القَسَمِ بِالطُّورِ والبَحْرِ والبَيْتِ، لِكَوْنِها أماكِنَ خَلْوَةٍ مَعَ اللَّهِ تَعالى، خاطَبَ مِنها رَبُّهم رُسُلَهُ. فالطُّورُ، قالَ فِيهِ مُوسى: ﴿أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، والبَيْتُ المَعْمُورُ لِمُحَمَّدٍ، ﷺ، والبَحْرُ المَسْجُورُ لِيُونُسَ، قالَ: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، فَشُرِّفَتْ هَذِهِ الأماكِنُ بِهَذِهِ الأسْبابِ. والقَسَمُ بِكِتابٍ مَسْطُورٍ، لِأنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كانَ لَهم مَعَ اللَّهِ في هَذِهِ الأماكِنِ كَلامٌ. واقْتِرانُهُ بِالطُّورِ دَلَّ عَلى ذَلِكَ. والقَسَمُ بِالسَّقْفِ المَرْفُوعِ لِبَيانِ رِفْعَةِ البَيْتِ المَعْمُورِ. انْتَهى. ونَكَّرَ ”وكِتابٍ“، لِأنَّهُ شامِلٌ لِكُلِّ كِتابٍ أنْزَلَهُ اللَّهُ شُمُولَ البَدَلِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ شُمُولَ العُمُومِ، كَقَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] . وكَوْنُهُ في رَقٍّ، يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِهِ، وأنَّهُ لا يَتَخَطّى الرُّءُوسَ. ووَصْفُهُ بِمَنشُورٍ يَدُلُّ عَلى وُضُوحِهِ، فَلَيْسَ كالكِتابِ المَطْوِيِّ الَّذِي لا يُعْلَمُ ما انْطَوى عَلَيْهِ، والمَنشُورُ يُعْلَمُ ما فِيهِ، ولا يُمْنَعُ مِن مُطالَعَةِ ما تَضَمَّنَهُ؛ والواوُ الأُولى واوُ القَسَمِ، وما بَعْدَها لِلْعَطْفِ. والجُمْلَةُ المُقْسَمُ عَلَيْها هي قَوْلُهُ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ . وفي إضافَةِ العَذابِ لِقَوْلِهِ: (رَبِّكَ) لَطِيفَةٌ، إذْ هو المالِكُ والنّاظِرُ في مَصْلَحَةِ العَبْدِ. فَبِالإضافَةِ إلى الرَّبِّ، وإضافَتِهِ لِكافِ الخِطابِ أمانٌ لَهُ، ﷺ؛ وإنَّ العَذابَ لَواقِعٌ هو بِمَن كَذَّبَهُ، ولَواقِعٌ عَلى الشِّدَّةِ، وهو أدَلُّ عَلَيْها مِن لَكائِنٌ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١]، وقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾ [الشورى: ٢٢]، كَأنَّهُ مُهَيَّأٌ في مَكانٍ مُرْتَفِعٍ فَيَقَعُ عَلى مَن حَلَّ بِهِ ؟ «وعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ: قَدِمْتُ المَدِينَةَ لِأسْألَ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، في أُسارى بَدْرٍ، فَوافَيْتُهُ يَقْرَأُ في صَلاةِ المَغْرِبِ: ﴿والطُّورِ﴾ إلى ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾، فَكَأنَّما صُدِعَ قَلْبِي، فَأسْلَمْتُ خَوْفًا مِن نُزُولِ العَذابِ، وما كُنْتُ أظُنُّ أنْ أقُومَ مِن مَقامِي حَتّى يَقَعَ بِيَ العَذابُ» . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: واقِعٌ بِغَيْرِ لامٍ. قالَ قَتادَةُ: يُرِيدُ عَذابَ الآخِرَةِ لِلْكُفّارِ، أيْ لَواقِعٌ بِالكُفّارِ.

الطور 52:19

سُورَةُ الطُّورِ مَكِّيَّةٌ وهي تِسْعٌ وأرْبَعُونَ آيَةً ﷽ ﴿والطُّورِ﴾ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور: ٢٤] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الطور: ٢٥] ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] ﴿فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: ٢٩] ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور: ٣١] ﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الطور: ٣٢] ﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الطور: ٣٣] ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٤] ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥] ﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٦] ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧] ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور: ٣٨] ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩] ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠] ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ [الطور: ٤١] ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢] ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور: ٤٣] ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور: ٤٤] ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ [الطور: ٤٥] ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [الطور: ٤٦] ﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الطور: ٤٧] ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: ٤٨] ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩] الرَّقُّ، بِالفَتْحِ والكَسْرِ: جِلْدٌ رَقِيقٌ يُكْتَبُ فِيهِ، وجَمْعُهُ رُقُوقٌ. والرِّقُّ بِالكَسْرِ: المَمْلُوكُ. مارَ الشَّيْءُ: ذَهَبَ وجاءَ. وقالَ الأخْفَشُ وأبُو عُبَيْدَةَ: تَكَفَّأ، وأنْشَدَ الأعْشى: ؎كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها مَرُّ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ ويُرْوى: مَرْوَ السَّحابَةِ. الدَّعُّ: الدَّفْعُ في الضِّيقِ بِشِدَّةٍ وإهانَةٍ. السَّمُومُ: الرِّيحُ الحارَّةُ الَّتِي تَدْخُلُ المَسامَّ، ويُقالُ: سَمَّ يَوْمُنا فَهو مَسْمُومٌ، والجَمْعُ سَمائِمُ. وقالَ ثَعْلَبٌ: شِدَّةُ الحَرِّ، أوْ شِدَّةُ البَرْدِ في النَّهارِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السَّمُومُ بِالنَّهارِ، وقَدْ يَكُونُ بِاللَّيْلِ؛ والحَرُورُ بِاللَّيْلِ، وقَدْ يَكُونُ بِالنَّهارِ. وقَدْ يُسْتَعْمَلُ السَّمُومُ في لَفْحِ البَرْدِ، وهو في لَفْحِ الحَرِّ والشَّمْسِ أكْثَرُ. المَنُونُ: الدَّهْرُ، ورَيْبُهُ: حَوادِثُهُ. وقِيلَ: اسْمٌ لِلْمَوْتِ. المُسَيْطِرُ: المُتَسَلِّطُ. وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ: سَطَّرْتَ عَلَيَّ، إذا اتَّخَذْتَنِي خَوَلًا، ولَمْ يَأْتِ في كَلامِ العَرَبِ اسْمٌ عَلى مُفَيْعِلٍ إلّا خَمْسَةٌ: مُهَيْمِنٌ ومُحَيْمِرٌ ومُبَيْطِرٌ ومُسَيْطِرٌ ومُبَيْقِرٌ. فالمُحَيْمِرُ اسْمُ جَبَلٍ، والبَواقِي أسْماءُ (p-١٤٥)فاعِلِينَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ﴿والطُّورِ﴾ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور: ٢٤] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الطور: ٢٥] ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] . (p-١٤٦)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. ومُناسَبَتُها لِآخِرِ ما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، إذْ في آخِرِ تِلْكَ: ﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ﴾ [الذاريات: ٥٩]، وقالَ هُنا: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ . الطُّورُ: الجَبَلُ، والظّاهِرُ أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، لا جَبَلٌ مُعَيَّنٌ، وفي الشَّأْمِ جَبَلٌ يُسَمّى الطُّورَ، وهو طُورُ سَيْناءَ. فَقالَ نَوْفٌ البِكالِيُّ: إنَّهُ الَّذِي أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ لِفَضْلِهِ عَلى الجِبالِ. قِيلَ: وهو الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. والكِتابُ المَسْطُورُ: القُرْآنُ، أوِ المُنْتَسَخُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوِ التَّوْراةُ، أوْ هي الإنْجِيلُ والزَّبُورُ، أوِ الكِتابُ الَّذِي فِيهِ أعْمالُ الخَلْقِ، أوِ الصُّحُفُ الَّتِي تُعْطى يَوْمَ القِيامَةِ بِالأيْمانِ والشَّمائِلِ، أقْوالٌ آخِرُها لِلْفَرّاءِ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ شَيْءٌ مِنها عَلى التَّعْيِينِ، إنَّما تُورَدُ عَلى الِاحْتِمالِ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: في رِقٍّ، بِكَسْرِ الرّاءِ، ﴿مَنشُورٍ﴾: أيْ مَبْسُوطٍ. وقِيلَ: مَفْتُوحٌ لا خَتْمَ عَلَيْهِ. وقِيلَ: مَنشُورٌ لائِحٌ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مَنشُورٌ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ. ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾، قالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ: هو بَيْتٌ في السَّماءِ مُسامِتُ الكَعْبَةِ يُقالُ لَهُ الضُّراحُ، والضَّرِيحُ أيْضًا، وهو الَّذِي ذُكِرَ في حَدِيثِ الإسْراءِ، قالَ جِبْرِيلُ: «هَذا البَيْتُ المَعْمُورُ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ، ثُمَّ لا يَعُودُونَ إلَيْهِ آخِرَ ما عَلَيْهِمْ» . وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: في كُلِّ سَماءٍ بَيْتٌ مَعْمُورٌ، وفي كُلِّ أرْضٍ كَذَلِكَ. وسَألَ ابْنُ الكَوّا عَلِيًّا، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: بَيْتٌ فَوْقَ سَبْعِ سَمَواتٍ تَحْتَ العَرْشِ يُقالُ لَهُ الضُّراحُ. وقالَ الحَسَنُ: البَيْتُ المَعْمُورُ: الكَعْبَةُ، يُعَمِّرُهُ اللَّهُ كُلَّ سَنَةٍ بِسِتِّمِائَةِ ألْفٍ، فَإنْ عَجَزَ مِنَ النّاسِ أتَمَّهُ اللَّهُ بِالمَلائِكَةِ. ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾: السَّماءُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو العَرْشُ، وهو سَقْفُ الجَنَّةِ. ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾، قالَ مُجاهِدٌ وشِمْرُ بْنُ عَطِيَّةَ والضَّحّاكُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ والأخْفَشُ: هو البَحْرُ المُوقَدُ نارًا. ورُوِيَ أنَّ البَحْرَ هو جَهَنَّمُ. وقالَ قَتادَةُ: البَحْرُ المَسْجُورُ: المَمْلُوءُ، وهَذا مَعْرُوفٌ مِنَ اللُّغَةِ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ بِوُجُودِ ماءِ البَحْرِ كَذَلِكَ، ولا يُنافِي ما قالَهُ مُجاهِدٌ، لِأنَّ سَجَرْتَ التَّنُّورَ مَعْناهُ: مَلَأْتَهُ بِما يَحْتَرِقُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَسْجُورُ: الَّذِي ذَهَبَ ماؤُهُ. ورَوى ذُو الرُّمَّةِ الشّاعِرُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خَرَجَتْ أمَةٌ لِتَسْتَقِيَ، فَقالَتْ: إنَّ الحَوْضَ مَسْجُورٌ: أيْ فارِغٌ، ولَيْسَ لِذِي الرُّمَّةِ حَدِيثٌ إلّا هَذا، فَيَكُونُ مِنَ الأضْدادِ. ويُرْوى أنَّ البِحارَ يَذْهَبُ ماؤُها يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَسْجُورُ: المَحْبُوسُ، ومِنهُ ساجُورُ الكَلْبِ: وهي القِلادَةُ مِن عُودٍ أوْ حَدِيدٍ تُمْسِكُهُ، ولَوْلا أنَّ البَحْرَ يُمْسَكُ، لَفاضَ عَلى الأرْضِ. وقالَ الرَّبِيعُ: المَسْجُورُ: المُخْتَلِطُ العَذْبُ بِالمِلْحِ. وقِيلَ: المَفْجُورُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ [الإنفطار: ٣] . والجُمْهُورُ: عَلى أنَّ البَحْرَ المُقْسَمَ بِهِ هو (p-١٤٧)بَحْرُ الدُّنْيا، ويُؤَيِّدُهُ: ﴿وإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] . وعَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عُمَرَ: أنَّهُ في السَّماءِ تَحْتَ العَرْشِ فِيهِ ماءٌ غَلِيظٌ يُقالُ لَهُ بَحْرُ الحَياةِ، يُمْطَرُ العِبادُ مِنهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الأُولى أرْبَعِينَ صَباحًا، فَيَنْبُتُونَ في قُبُورِهِمْ. وقالَ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: هو جَهَنَّمُ، وسَمّاها بَحْرًا لِسَعَتِها وتَمَوُّجِها. كَما جاءَ في الفَرَسِ: وإنْ وجَدْناهُ لَبَحْرًا. قِيلَ: ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ في القَسَمِ بِالطُّورِ والبَحْرِ والبَيْتِ، لِكَوْنِها أماكِنَ خَلْوَةٍ مَعَ اللَّهِ تَعالى، خاطَبَ مِنها رَبُّهم رُسُلَهُ. فالطُّورُ، قالَ فِيهِ مُوسى: ﴿أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، والبَيْتُ المَعْمُورُ لِمُحَمَّدٍ، ﷺ، والبَحْرُ المَسْجُورُ لِيُونُسَ، قالَ: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، فَشُرِّفَتْ هَذِهِ الأماكِنُ بِهَذِهِ الأسْبابِ. والقَسَمُ بِكِتابٍ مَسْطُورٍ، لِأنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كانَ لَهم مَعَ اللَّهِ في هَذِهِ الأماكِنِ كَلامٌ. واقْتِرانُهُ بِالطُّورِ دَلَّ عَلى ذَلِكَ. والقَسَمُ بِالسَّقْفِ المَرْفُوعِ لِبَيانِ رِفْعَةِ البَيْتِ المَعْمُورِ. انْتَهى. ونَكَّرَ ”وكِتابٍ“، لِأنَّهُ شامِلٌ لِكُلِّ كِتابٍ أنْزَلَهُ اللَّهُ شُمُولَ البَدَلِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ شُمُولَ العُمُومِ، كَقَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] . وكَوْنُهُ في رَقٍّ، يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِهِ، وأنَّهُ لا يَتَخَطّى الرُّءُوسَ. ووَصْفُهُ بِمَنشُورٍ يَدُلُّ عَلى وُضُوحِهِ، فَلَيْسَ كالكِتابِ المَطْوِيِّ الَّذِي لا يُعْلَمُ ما انْطَوى عَلَيْهِ، والمَنشُورُ يُعْلَمُ ما فِيهِ، ولا يُمْنَعُ مِن مُطالَعَةِ ما تَضَمَّنَهُ؛ والواوُ الأُولى واوُ القَسَمِ، وما بَعْدَها لِلْعَطْفِ. والجُمْلَةُ المُقْسَمُ عَلَيْها هي قَوْلُهُ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ . وفي إضافَةِ العَذابِ لِقَوْلِهِ: (رَبِّكَ) لَطِيفَةٌ، إذْ هو المالِكُ والنّاظِرُ في مَصْلَحَةِ العَبْدِ. فَبِالإضافَةِ إلى الرَّبِّ، وإضافَتِهِ لِكافِ الخِطابِ أمانٌ لَهُ، ﷺ؛ وإنَّ العَذابَ لَواقِعٌ هو بِمَن كَذَّبَهُ، ولَواقِعٌ عَلى الشِّدَّةِ، وهو أدَلُّ عَلَيْها مِن لَكائِنٌ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١]، وقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾ [الشورى: ٢٢]، كَأنَّهُ مُهَيَّأٌ في مَكانٍ مُرْتَفِعٍ فَيَقَعُ عَلى مَن حَلَّ بِهِ ؟ «وعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ: قَدِمْتُ المَدِينَةَ لِأسْألَ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، في أُسارى بَدْرٍ، فَوافَيْتُهُ يَقْرَأُ في صَلاةِ المَغْرِبِ: ﴿والطُّورِ﴾ إلى ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾، فَكَأنَّما صُدِعَ قَلْبِي، فَأسْلَمْتُ خَوْفًا مِن نُزُولِ العَذابِ، وما كُنْتُ أظُنُّ أنْ أقُومَ مِن مَقامِي حَتّى يَقَعَ بِيَ العَذابُ» . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: واقِعٌ بِغَيْرِ لامٍ. قالَ قَتادَةُ: يُرِيدُ عَذابَ الآخِرَةِ لِلْكُفّارِ، أيْ لَواقِعٌ بِالكُفّارِ.

الطور 52:20

سُورَةُ الطُّورِ مَكِّيَّةٌ وهي تِسْعٌ وأرْبَعُونَ آيَةً ﷽ ﴿والطُّورِ﴾ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور: ٢٤] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الطور: ٢٥] ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] ﴿فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: ٢٩] ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور: ٣١] ﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الطور: ٣٢] ﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الطور: ٣٣] ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٤] ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥] ﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٦] ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧] ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور: ٣٨] ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩] ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠] ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ [الطور: ٤١] ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢] ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور: ٤٣] ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور: ٤٤] ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ [الطور: ٤٥] ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [الطور: ٤٦] ﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الطور: ٤٧] ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: ٤٨] ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩] الرَّقُّ، بِالفَتْحِ والكَسْرِ: جِلْدٌ رَقِيقٌ يُكْتَبُ فِيهِ، وجَمْعُهُ رُقُوقٌ. والرِّقُّ بِالكَسْرِ: المَمْلُوكُ. مارَ الشَّيْءُ: ذَهَبَ وجاءَ. وقالَ الأخْفَشُ وأبُو عُبَيْدَةَ: تَكَفَّأ، وأنْشَدَ الأعْشى: ؎كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها مَرُّ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ ويُرْوى: مَرْوَ السَّحابَةِ. الدَّعُّ: الدَّفْعُ في الضِّيقِ بِشِدَّةٍ وإهانَةٍ. السَّمُومُ: الرِّيحُ الحارَّةُ الَّتِي تَدْخُلُ المَسامَّ، ويُقالُ: سَمَّ يَوْمُنا فَهو مَسْمُومٌ، والجَمْعُ سَمائِمُ. وقالَ ثَعْلَبٌ: شِدَّةُ الحَرِّ، أوْ شِدَّةُ البَرْدِ في النَّهارِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السَّمُومُ بِالنَّهارِ، وقَدْ يَكُونُ بِاللَّيْلِ؛ والحَرُورُ بِاللَّيْلِ، وقَدْ يَكُونُ بِالنَّهارِ. وقَدْ يُسْتَعْمَلُ السَّمُومُ في لَفْحِ البَرْدِ، وهو في لَفْحِ الحَرِّ والشَّمْسِ أكْثَرُ. المَنُونُ: الدَّهْرُ، ورَيْبُهُ: حَوادِثُهُ. وقِيلَ: اسْمٌ لِلْمَوْتِ. المُسَيْطِرُ: المُتَسَلِّطُ. وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ: سَطَّرْتَ عَلَيَّ، إذا اتَّخَذْتَنِي خَوَلًا، ولَمْ يَأْتِ في كَلامِ العَرَبِ اسْمٌ عَلى مُفَيْعِلٍ إلّا خَمْسَةٌ: مُهَيْمِنٌ ومُحَيْمِرٌ ومُبَيْطِرٌ ومُسَيْطِرٌ ومُبَيْقِرٌ. فالمُحَيْمِرُ اسْمُ جَبَلٍ، والبَواقِي أسْماءُ (p-١٤٥)فاعِلِينَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ﴿والطُّورِ﴾ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور: ٢٤] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الطور: ٢٥] ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] . (p-١٤٦)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. ومُناسَبَتُها لِآخِرِ ما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، إذْ في آخِرِ تِلْكَ: ﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ﴾ [الذاريات: ٥٩]، وقالَ هُنا: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ . الطُّورُ: الجَبَلُ، والظّاهِرُ أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، لا جَبَلٌ مُعَيَّنٌ، وفي الشَّأْمِ جَبَلٌ يُسَمّى الطُّورَ، وهو طُورُ سَيْناءَ. فَقالَ نَوْفٌ البِكالِيُّ: إنَّهُ الَّذِي أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ لِفَضْلِهِ عَلى الجِبالِ. قِيلَ: وهو الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. والكِتابُ المَسْطُورُ: القُرْآنُ، أوِ المُنْتَسَخُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوِ التَّوْراةُ، أوْ هي الإنْجِيلُ والزَّبُورُ، أوِ الكِتابُ الَّذِي فِيهِ أعْمالُ الخَلْقِ، أوِ الصُّحُفُ الَّتِي تُعْطى يَوْمَ القِيامَةِ بِالأيْمانِ والشَّمائِلِ، أقْوالٌ آخِرُها لِلْفَرّاءِ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ شَيْءٌ مِنها عَلى التَّعْيِينِ، إنَّما تُورَدُ عَلى الِاحْتِمالِ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: في رِقٍّ، بِكَسْرِ الرّاءِ، ﴿مَنشُورٍ﴾: أيْ مَبْسُوطٍ. وقِيلَ: مَفْتُوحٌ لا خَتْمَ عَلَيْهِ. وقِيلَ: مَنشُورٌ لائِحٌ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مَنشُورٌ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ. ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾، قالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ: هو بَيْتٌ في السَّماءِ مُسامِتُ الكَعْبَةِ يُقالُ لَهُ الضُّراحُ، والضَّرِيحُ أيْضًا، وهو الَّذِي ذُكِرَ في حَدِيثِ الإسْراءِ، قالَ جِبْرِيلُ: «هَذا البَيْتُ المَعْمُورُ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ، ثُمَّ لا يَعُودُونَ إلَيْهِ آخِرَ ما عَلَيْهِمْ» . وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: في كُلِّ سَماءٍ بَيْتٌ مَعْمُورٌ، وفي كُلِّ أرْضٍ كَذَلِكَ. وسَألَ ابْنُ الكَوّا عَلِيًّا، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: بَيْتٌ فَوْقَ سَبْعِ سَمَواتٍ تَحْتَ العَرْشِ يُقالُ لَهُ الضُّراحُ. وقالَ الحَسَنُ: البَيْتُ المَعْمُورُ: الكَعْبَةُ، يُعَمِّرُهُ اللَّهُ كُلَّ سَنَةٍ بِسِتِّمِائَةِ ألْفٍ، فَإنْ عَجَزَ مِنَ النّاسِ أتَمَّهُ اللَّهُ بِالمَلائِكَةِ. ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾: السَّماءُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو العَرْشُ، وهو سَقْفُ الجَنَّةِ. ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾، قالَ مُجاهِدٌ وشِمْرُ بْنُ عَطِيَّةَ والضَّحّاكُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ والأخْفَشُ: هو البَحْرُ المُوقَدُ نارًا. ورُوِيَ أنَّ البَحْرَ هو جَهَنَّمُ. وقالَ قَتادَةُ: البَحْرُ المَسْجُورُ: المَمْلُوءُ، وهَذا مَعْرُوفٌ مِنَ اللُّغَةِ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ بِوُجُودِ ماءِ البَحْرِ كَذَلِكَ، ولا يُنافِي ما قالَهُ مُجاهِدٌ، لِأنَّ سَجَرْتَ التَّنُّورَ مَعْناهُ: مَلَأْتَهُ بِما يَحْتَرِقُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَسْجُورُ: الَّذِي ذَهَبَ ماؤُهُ. ورَوى ذُو الرُّمَّةِ الشّاعِرُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خَرَجَتْ أمَةٌ لِتَسْتَقِيَ، فَقالَتْ: إنَّ الحَوْضَ مَسْجُورٌ: أيْ فارِغٌ، ولَيْسَ لِذِي الرُّمَّةِ حَدِيثٌ إلّا هَذا، فَيَكُونُ مِنَ الأضْدادِ. ويُرْوى أنَّ البِحارَ يَذْهَبُ ماؤُها يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَسْجُورُ: المَحْبُوسُ، ومِنهُ ساجُورُ الكَلْبِ: وهي القِلادَةُ مِن عُودٍ أوْ حَدِيدٍ تُمْسِكُهُ، ولَوْلا أنَّ البَحْرَ يُمْسَكُ، لَفاضَ عَلى الأرْضِ. وقالَ الرَّبِيعُ: المَسْجُورُ: المُخْتَلِطُ العَذْبُ بِالمِلْحِ. وقِيلَ: المَفْجُورُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ [الإنفطار: ٣] . والجُمْهُورُ: عَلى أنَّ البَحْرَ المُقْسَمَ بِهِ هو (p-١٤٧)بَحْرُ الدُّنْيا، ويُؤَيِّدُهُ: ﴿وإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] . وعَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عُمَرَ: أنَّهُ في السَّماءِ تَحْتَ العَرْشِ فِيهِ ماءٌ غَلِيظٌ يُقالُ لَهُ بَحْرُ الحَياةِ، يُمْطَرُ العِبادُ مِنهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الأُولى أرْبَعِينَ صَباحًا، فَيَنْبُتُونَ في قُبُورِهِمْ. وقالَ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: هو جَهَنَّمُ، وسَمّاها بَحْرًا لِسَعَتِها وتَمَوُّجِها. كَما جاءَ في الفَرَسِ: وإنْ وجَدْناهُ لَبَحْرًا. قِيلَ: ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ في القَسَمِ بِالطُّورِ والبَحْرِ والبَيْتِ، لِكَوْنِها أماكِنَ خَلْوَةٍ مَعَ اللَّهِ تَعالى، خاطَبَ مِنها رَبُّهم رُسُلَهُ. فالطُّورُ، قالَ فِيهِ مُوسى: ﴿أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، والبَيْتُ المَعْمُورُ لِمُحَمَّدٍ، ﷺ، والبَحْرُ المَسْجُورُ لِيُونُسَ، قالَ: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، فَشُرِّفَتْ هَذِهِ الأماكِنُ بِهَذِهِ الأسْبابِ. والقَسَمُ بِكِتابٍ مَسْطُورٍ، لِأنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كانَ لَهم مَعَ اللَّهِ في هَذِهِ الأماكِنِ كَلامٌ. واقْتِرانُهُ بِالطُّورِ دَلَّ عَلى ذَلِكَ. والقَسَمُ بِالسَّقْفِ المَرْفُوعِ لِبَيانِ رِفْعَةِ البَيْتِ المَعْمُورِ. انْتَهى. ونَكَّرَ ”وكِتابٍ“، لِأنَّهُ شامِلٌ لِكُلِّ كِتابٍ أنْزَلَهُ اللَّهُ شُمُولَ البَدَلِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ شُمُولَ العُمُومِ، كَقَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] . وكَوْنُهُ في رَقٍّ، يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِهِ، وأنَّهُ لا يَتَخَطّى الرُّءُوسَ. ووَصْفُهُ بِمَنشُورٍ يَدُلُّ عَلى وُضُوحِهِ، فَلَيْسَ كالكِتابِ المَطْوِيِّ الَّذِي لا يُعْلَمُ ما انْطَوى عَلَيْهِ، والمَنشُورُ يُعْلَمُ ما فِيهِ، ولا يُمْنَعُ مِن مُطالَعَةِ ما تَضَمَّنَهُ؛ والواوُ الأُولى واوُ القَسَمِ، وما بَعْدَها لِلْعَطْفِ. والجُمْلَةُ المُقْسَمُ عَلَيْها هي قَوْلُهُ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ . وفي إضافَةِ العَذابِ لِقَوْلِهِ: (رَبِّكَ) لَطِيفَةٌ، إذْ هو المالِكُ والنّاظِرُ في مَصْلَحَةِ العَبْدِ. فَبِالإضافَةِ إلى الرَّبِّ، وإضافَتِهِ لِكافِ الخِطابِ أمانٌ لَهُ، ﷺ؛ وإنَّ العَذابَ لَواقِعٌ هو بِمَن كَذَّبَهُ، ولَواقِعٌ عَلى الشِّدَّةِ، وهو أدَلُّ عَلَيْها مِن لَكائِنٌ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١]، وقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾ [الشورى: ٢٢]، كَأنَّهُ مُهَيَّأٌ في مَكانٍ مُرْتَفِعٍ فَيَقَعُ عَلى مَن حَلَّ بِهِ ؟ «وعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ: قَدِمْتُ المَدِينَةَ لِأسْألَ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، في أُسارى بَدْرٍ، فَوافَيْتُهُ يَقْرَأُ في صَلاةِ المَغْرِبِ: ﴿والطُّورِ﴾ إلى ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾، فَكَأنَّما صُدِعَ قَلْبِي، فَأسْلَمْتُ خَوْفًا مِن نُزُولِ العَذابِ، وما كُنْتُ أظُنُّ أنْ أقُومَ مِن مَقامِي حَتّى يَقَعَ بِيَ العَذابُ» . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: واقِعٌ بِغَيْرِ لامٍ. قالَ قَتادَةُ: يُرِيدُ عَذابَ الآخِرَةِ لِلْكُفّارِ، أيْ لَواقِعٌ بِالكُفّارِ.

الطور 52:21

سُورَةُ الطُّورِ مَكِّيَّةٌ وهي تِسْعٌ وأرْبَعُونَ آيَةً ﷽ ﴿والطُّورِ﴾ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور: ٢٤] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الطور: ٢٥] ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] ﴿فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: ٢٩] ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور: ٣١] ﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الطور: ٣٢] ﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الطور: ٣٣] ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٤] ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥] ﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٦] ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧] ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور: ٣٨] ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩] ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠] ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ [الطور: ٤١] ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢] ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور: ٤٣] ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور: ٤٤] ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ [الطور: ٤٥] ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [الطور: ٤٦] ﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الطور: ٤٧] ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: ٤٨] ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩] الرَّقُّ، بِالفَتْحِ والكَسْرِ: جِلْدٌ رَقِيقٌ يُكْتَبُ فِيهِ، وجَمْعُهُ رُقُوقٌ. والرِّقُّ بِالكَسْرِ: المَمْلُوكُ. مارَ الشَّيْءُ: ذَهَبَ وجاءَ. وقالَ الأخْفَشُ وأبُو عُبَيْدَةَ: تَكَفَّأ، وأنْشَدَ الأعْشى: ؎كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها مَرُّ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ ويُرْوى: مَرْوَ السَّحابَةِ. الدَّعُّ: الدَّفْعُ في الضِّيقِ بِشِدَّةٍ وإهانَةٍ. السَّمُومُ: الرِّيحُ الحارَّةُ الَّتِي تَدْخُلُ المَسامَّ، ويُقالُ: سَمَّ يَوْمُنا فَهو مَسْمُومٌ، والجَمْعُ سَمائِمُ. وقالَ ثَعْلَبٌ: شِدَّةُ الحَرِّ، أوْ شِدَّةُ البَرْدِ في النَّهارِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السَّمُومُ بِالنَّهارِ، وقَدْ يَكُونُ بِاللَّيْلِ؛ والحَرُورُ بِاللَّيْلِ، وقَدْ يَكُونُ بِالنَّهارِ. وقَدْ يُسْتَعْمَلُ السَّمُومُ في لَفْحِ البَرْدِ، وهو في لَفْحِ الحَرِّ والشَّمْسِ أكْثَرُ. المَنُونُ: الدَّهْرُ، ورَيْبُهُ: حَوادِثُهُ. وقِيلَ: اسْمٌ لِلْمَوْتِ. المُسَيْطِرُ: المُتَسَلِّطُ. وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ: سَطَّرْتَ عَلَيَّ، إذا اتَّخَذْتَنِي خَوَلًا، ولَمْ يَأْتِ في كَلامِ العَرَبِ اسْمٌ عَلى مُفَيْعِلٍ إلّا خَمْسَةٌ: مُهَيْمِنٌ ومُحَيْمِرٌ ومُبَيْطِرٌ ومُسَيْطِرٌ ومُبَيْقِرٌ. فالمُحَيْمِرُ اسْمُ جَبَلٍ، والبَواقِي أسْماءُ (p-١٤٥)فاعِلِينَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ﴿والطُّورِ﴾ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور: ٢٤] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الطور: ٢٥] ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] . (p-١٤٦)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. ومُناسَبَتُها لِآخِرِ ما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، إذْ في آخِرِ تِلْكَ: ﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ﴾ [الذاريات: ٥٩]، وقالَ هُنا: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ . الطُّورُ: الجَبَلُ، والظّاهِرُ أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، لا جَبَلٌ مُعَيَّنٌ، وفي الشَّأْمِ جَبَلٌ يُسَمّى الطُّورَ، وهو طُورُ سَيْناءَ. فَقالَ نَوْفٌ البِكالِيُّ: إنَّهُ الَّذِي أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ لِفَضْلِهِ عَلى الجِبالِ. قِيلَ: وهو الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. والكِتابُ المَسْطُورُ: القُرْآنُ، أوِ المُنْتَسَخُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوِ التَّوْراةُ، أوْ هي الإنْجِيلُ والزَّبُورُ، أوِ الكِتابُ الَّذِي فِيهِ أعْمالُ الخَلْقِ، أوِ الصُّحُفُ الَّتِي تُعْطى يَوْمَ القِيامَةِ بِالأيْمانِ والشَّمائِلِ، أقْوالٌ آخِرُها لِلْفَرّاءِ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ شَيْءٌ مِنها عَلى التَّعْيِينِ، إنَّما تُورَدُ عَلى الِاحْتِمالِ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: في رِقٍّ، بِكَسْرِ الرّاءِ، ﴿مَنشُورٍ﴾: أيْ مَبْسُوطٍ. وقِيلَ: مَفْتُوحٌ لا خَتْمَ عَلَيْهِ. وقِيلَ: مَنشُورٌ لائِحٌ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مَنشُورٌ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ. ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾، قالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ: هو بَيْتٌ في السَّماءِ مُسامِتُ الكَعْبَةِ يُقالُ لَهُ الضُّراحُ، والضَّرِيحُ أيْضًا، وهو الَّذِي ذُكِرَ في حَدِيثِ الإسْراءِ، قالَ جِبْرِيلُ: «هَذا البَيْتُ المَعْمُورُ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ، ثُمَّ لا يَعُودُونَ إلَيْهِ آخِرَ ما عَلَيْهِمْ» . وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: في كُلِّ سَماءٍ بَيْتٌ مَعْمُورٌ، وفي كُلِّ أرْضٍ كَذَلِكَ. وسَألَ ابْنُ الكَوّا عَلِيًّا، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: بَيْتٌ فَوْقَ سَبْعِ سَمَواتٍ تَحْتَ العَرْشِ يُقالُ لَهُ الضُّراحُ. وقالَ الحَسَنُ: البَيْتُ المَعْمُورُ: الكَعْبَةُ، يُعَمِّرُهُ اللَّهُ كُلَّ سَنَةٍ بِسِتِّمِائَةِ ألْفٍ، فَإنْ عَجَزَ مِنَ النّاسِ أتَمَّهُ اللَّهُ بِالمَلائِكَةِ. ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾: السَّماءُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو العَرْشُ، وهو سَقْفُ الجَنَّةِ. ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾، قالَ مُجاهِدٌ وشِمْرُ بْنُ عَطِيَّةَ والضَّحّاكُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ والأخْفَشُ: هو البَحْرُ المُوقَدُ نارًا. ورُوِيَ أنَّ البَحْرَ هو جَهَنَّمُ. وقالَ قَتادَةُ: البَحْرُ المَسْجُورُ: المَمْلُوءُ، وهَذا مَعْرُوفٌ مِنَ اللُّغَةِ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ بِوُجُودِ ماءِ البَحْرِ كَذَلِكَ، ولا يُنافِي ما قالَهُ مُجاهِدٌ، لِأنَّ سَجَرْتَ التَّنُّورَ مَعْناهُ: مَلَأْتَهُ بِما يَحْتَرِقُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَسْجُورُ: الَّذِي ذَهَبَ ماؤُهُ. ورَوى ذُو الرُّمَّةِ الشّاعِرُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خَرَجَتْ أمَةٌ لِتَسْتَقِيَ، فَقالَتْ: إنَّ الحَوْضَ مَسْجُورٌ: أيْ فارِغٌ، ولَيْسَ لِذِي الرُّمَّةِ حَدِيثٌ إلّا هَذا، فَيَكُونُ مِنَ الأضْدادِ. ويُرْوى أنَّ البِحارَ يَذْهَبُ ماؤُها يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَسْجُورُ: المَحْبُوسُ، ومِنهُ ساجُورُ الكَلْبِ: وهي القِلادَةُ مِن عُودٍ أوْ حَدِيدٍ تُمْسِكُهُ، ولَوْلا أنَّ البَحْرَ يُمْسَكُ، لَفاضَ عَلى الأرْضِ. وقالَ الرَّبِيعُ: المَسْجُورُ: المُخْتَلِطُ العَذْبُ بِالمِلْحِ. وقِيلَ: المَفْجُورُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ [الإنفطار: ٣] . والجُمْهُورُ: عَلى أنَّ البَحْرَ المُقْسَمَ بِهِ هو (p-١٤٧)بَحْرُ الدُّنْيا، ويُؤَيِّدُهُ: ﴿وإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] . وعَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عُمَرَ: أنَّهُ في السَّماءِ تَحْتَ العَرْشِ فِيهِ ماءٌ غَلِيظٌ يُقالُ لَهُ بَحْرُ الحَياةِ، يُمْطَرُ العِبادُ مِنهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الأُولى أرْبَعِينَ صَباحًا، فَيَنْبُتُونَ في قُبُورِهِمْ. وقالَ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: هو جَهَنَّمُ، وسَمّاها بَحْرًا لِسَعَتِها وتَمَوُّجِها. كَما جاءَ في الفَرَسِ: وإنْ وجَدْناهُ لَبَحْرًا. قِيلَ: ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ في القَسَمِ بِالطُّورِ والبَحْرِ والبَيْتِ، لِكَوْنِها أماكِنَ خَلْوَةٍ مَعَ اللَّهِ تَعالى، خاطَبَ مِنها رَبُّهم رُسُلَهُ. فالطُّورُ، قالَ فِيهِ مُوسى: ﴿أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، والبَيْتُ المَعْمُورُ لِمُحَمَّدٍ، ﷺ، والبَحْرُ المَسْجُورُ لِيُونُسَ، قالَ: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، فَشُرِّفَتْ هَذِهِ الأماكِنُ بِهَذِهِ الأسْبابِ. والقَسَمُ بِكِتابٍ مَسْطُورٍ، لِأنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كانَ لَهم مَعَ اللَّهِ في هَذِهِ الأماكِنِ كَلامٌ. واقْتِرانُهُ بِالطُّورِ دَلَّ عَلى ذَلِكَ. والقَسَمُ بِالسَّقْفِ المَرْفُوعِ لِبَيانِ رِفْعَةِ البَيْتِ المَعْمُورِ. انْتَهى. ونَكَّرَ ”وكِتابٍ“، لِأنَّهُ شامِلٌ لِكُلِّ كِتابٍ أنْزَلَهُ اللَّهُ شُمُولَ البَدَلِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ شُمُولَ العُمُومِ، كَقَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] . وكَوْنُهُ في رَقٍّ، يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِهِ، وأنَّهُ لا يَتَخَطّى الرُّءُوسَ. ووَصْفُهُ بِمَنشُورٍ يَدُلُّ عَلى وُضُوحِهِ، فَلَيْسَ كالكِتابِ المَطْوِيِّ الَّذِي لا يُعْلَمُ ما انْطَوى عَلَيْهِ، والمَنشُورُ يُعْلَمُ ما فِيهِ، ولا يُمْنَعُ مِن مُطالَعَةِ ما تَضَمَّنَهُ؛ والواوُ الأُولى واوُ القَسَمِ، وما بَعْدَها لِلْعَطْفِ. والجُمْلَةُ المُقْسَمُ عَلَيْها هي قَوْلُهُ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ . وفي إضافَةِ العَذابِ لِقَوْلِهِ: (رَبِّكَ) لَطِيفَةٌ، إذْ هو المالِكُ والنّاظِرُ في مَصْلَحَةِ العَبْدِ. فَبِالإضافَةِ إلى الرَّبِّ، وإضافَتِهِ لِكافِ الخِطابِ أمانٌ لَهُ، ﷺ؛ وإنَّ العَذابَ لَواقِعٌ هو بِمَن كَذَّبَهُ، ولَواقِعٌ عَلى الشِّدَّةِ، وهو أدَلُّ عَلَيْها مِن لَكائِنٌ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١]، وقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾ [الشورى: ٢٢]، كَأنَّهُ مُهَيَّأٌ في مَكانٍ مُرْتَفِعٍ فَيَقَعُ عَلى مَن حَلَّ بِهِ ؟ «وعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ: قَدِمْتُ المَدِينَةَ لِأسْألَ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، في أُسارى بَدْرٍ، فَوافَيْتُهُ يَقْرَأُ في صَلاةِ المَغْرِبِ: ﴿والطُّورِ﴾ إلى ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾، فَكَأنَّما صُدِعَ قَلْبِي، فَأسْلَمْتُ خَوْفًا مِن نُزُولِ العَذابِ، وما كُنْتُ أظُنُّ أنْ أقُومَ مِن مَقامِي حَتّى يَقَعَ بِيَ العَذابُ» . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: واقِعٌ بِغَيْرِ لامٍ. قالَ قَتادَةُ: يُرِيدُ عَذابَ الآخِرَةِ لِلْكُفّارِ، أيْ لَواقِعٌ بِالكُفّارِ.

الطور 52:22

سُورَةُ الطُّورِ مَكِّيَّةٌ وهي تِسْعٌ وأرْبَعُونَ آيَةً ﷽ ﴿والطُّورِ﴾ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور: ٢٤] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الطور: ٢٥] ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] ﴿فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: ٢٩] ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور: ٣١] ﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الطور: ٣٢] ﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الطور: ٣٣] ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٤] ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥] ﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٦] ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧] ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور: ٣٨] ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩] ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠] ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ [الطور: ٤١] ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢] ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور: ٤٣] ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور: ٤٤] ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ [الطور: ٤٥] ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [الطور: ٤٦] ﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الطور: ٤٧] ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: ٤٨] ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩] الرَّقُّ، بِالفَتْحِ والكَسْرِ: جِلْدٌ رَقِيقٌ يُكْتَبُ فِيهِ، وجَمْعُهُ رُقُوقٌ. والرِّقُّ بِالكَسْرِ: المَمْلُوكُ. مارَ الشَّيْءُ: ذَهَبَ وجاءَ. وقالَ الأخْفَشُ وأبُو عُبَيْدَةَ: تَكَفَّأ، وأنْشَدَ الأعْشى: ؎كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها مَرُّ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ ويُرْوى: مَرْوَ السَّحابَةِ. الدَّعُّ: الدَّفْعُ في الضِّيقِ بِشِدَّةٍ وإهانَةٍ. السَّمُومُ: الرِّيحُ الحارَّةُ الَّتِي تَدْخُلُ المَسامَّ، ويُقالُ: سَمَّ يَوْمُنا فَهو مَسْمُومٌ، والجَمْعُ سَمائِمُ. وقالَ ثَعْلَبٌ: شِدَّةُ الحَرِّ، أوْ شِدَّةُ البَرْدِ في النَّهارِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السَّمُومُ بِالنَّهارِ، وقَدْ يَكُونُ بِاللَّيْلِ؛ والحَرُورُ بِاللَّيْلِ، وقَدْ يَكُونُ بِالنَّهارِ. وقَدْ يُسْتَعْمَلُ السَّمُومُ في لَفْحِ البَرْدِ، وهو في لَفْحِ الحَرِّ والشَّمْسِ أكْثَرُ. المَنُونُ: الدَّهْرُ، ورَيْبُهُ: حَوادِثُهُ. وقِيلَ: اسْمٌ لِلْمَوْتِ. المُسَيْطِرُ: المُتَسَلِّطُ. وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ: سَطَّرْتَ عَلَيَّ، إذا اتَّخَذْتَنِي خَوَلًا، ولَمْ يَأْتِ في كَلامِ العَرَبِ اسْمٌ عَلى مُفَيْعِلٍ إلّا خَمْسَةٌ: مُهَيْمِنٌ ومُحَيْمِرٌ ومُبَيْطِرٌ ومُسَيْطِرٌ ومُبَيْقِرٌ. فالمُحَيْمِرُ اسْمُ جَبَلٍ، والبَواقِي أسْماءُ (p-١٤٥)فاعِلِينَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ﴿والطُّورِ﴾ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور: ٢٤] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الطور: ٢٥] ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] . (p-١٤٦)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. ومُناسَبَتُها لِآخِرِ ما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، إذْ في آخِرِ تِلْكَ: ﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ﴾ [الذاريات: ٥٩]، وقالَ هُنا: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ . الطُّورُ: الجَبَلُ، والظّاهِرُ أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، لا جَبَلٌ مُعَيَّنٌ، وفي الشَّأْمِ جَبَلٌ يُسَمّى الطُّورَ، وهو طُورُ سَيْناءَ. فَقالَ نَوْفٌ البِكالِيُّ: إنَّهُ الَّذِي أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ لِفَضْلِهِ عَلى الجِبالِ. قِيلَ: وهو الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. والكِتابُ المَسْطُورُ: القُرْآنُ، أوِ المُنْتَسَخُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوِ التَّوْراةُ، أوْ هي الإنْجِيلُ والزَّبُورُ، أوِ الكِتابُ الَّذِي فِيهِ أعْمالُ الخَلْقِ، أوِ الصُّحُفُ الَّتِي تُعْطى يَوْمَ القِيامَةِ بِالأيْمانِ والشَّمائِلِ، أقْوالٌ آخِرُها لِلْفَرّاءِ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ شَيْءٌ مِنها عَلى التَّعْيِينِ، إنَّما تُورَدُ عَلى الِاحْتِمالِ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: في رِقٍّ، بِكَسْرِ الرّاءِ، ﴿مَنشُورٍ﴾: أيْ مَبْسُوطٍ. وقِيلَ: مَفْتُوحٌ لا خَتْمَ عَلَيْهِ. وقِيلَ: مَنشُورٌ لائِحٌ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مَنشُورٌ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ. ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾، قالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ: هو بَيْتٌ في السَّماءِ مُسامِتُ الكَعْبَةِ يُقالُ لَهُ الضُّراحُ، والضَّرِيحُ أيْضًا، وهو الَّذِي ذُكِرَ في حَدِيثِ الإسْراءِ، قالَ جِبْرِيلُ: «هَذا البَيْتُ المَعْمُورُ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ، ثُمَّ لا يَعُودُونَ إلَيْهِ آخِرَ ما عَلَيْهِمْ» . وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: في كُلِّ سَماءٍ بَيْتٌ مَعْمُورٌ، وفي كُلِّ أرْضٍ كَذَلِكَ. وسَألَ ابْنُ الكَوّا عَلِيًّا، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: بَيْتٌ فَوْقَ سَبْعِ سَمَواتٍ تَحْتَ العَرْشِ يُقالُ لَهُ الضُّراحُ. وقالَ الحَسَنُ: البَيْتُ المَعْمُورُ: الكَعْبَةُ، يُعَمِّرُهُ اللَّهُ كُلَّ سَنَةٍ بِسِتِّمِائَةِ ألْفٍ، فَإنْ عَجَزَ مِنَ النّاسِ أتَمَّهُ اللَّهُ بِالمَلائِكَةِ. ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾: السَّماءُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو العَرْشُ، وهو سَقْفُ الجَنَّةِ. ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾، قالَ مُجاهِدٌ وشِمْرُ بْنُ عَطِيَّةَ والضَّحّاكُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ والأخْفَشُ: هو البَحْرُ المُوقَدُ نارًا. ورُوِيَ أنَّ البَحْرَ هو جَهَنَّمُ. وقالَ قَتادَةُ: البَحْرُ المَسْجُورُ: المَمْلُوءُ، وهَذا مَعْرُوفٌ مِنَ اللُّغَةِ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ بِوُجُودِ ماءِ البَحْرِ كَذَلِكَ، ولا يُنافِي ما قالَهُ مُجاهِدٌ، لِأنَّ سَجَرْتَ التَّنُّورَ مَعْناهُ: مَلَأْتَهُ بِما يَحْتَرِقُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَسْجُورُ: الَّذِي ذَهَبَ ماؤُهُ. ورَوى ذُو الرُّمَّةِ الشّاعِرُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خَرَجَتْ أمَةٌ لِتَسْتَقِيَ، فَقالَتْ: إنَّ الحَوْضَ مَسْجُورٌ: أيْ فارِغٌ، ولَيْسَ لِذِي الرُّمَّةِ حَدِيثٌ إلّا هَذا، فَيَكُونُ مِنَ الأضْدادِ. ويُرْوى أنَّ البِحارَ يَذْهَبُ ماؤُها يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَسْجُورُ: المَحْبُوسُ، ومِنهُ ساجُورُ الكَلْبِ: وهي القِلادَةُ مِن عُودٍ أوْ حَدِيدٍ تُمْسِكُهُ، ولَوْلا أنَّ البَحْرَ يُمْسَكُ، لَفاضَ عَلى الأرْضِ. وقالَ الرَّبِيعُ: المَسْجُورُ: المُخْتَلِطُ العَذْبُ بِالمِلْحِ. وقِيلَ: المَفْجُورُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ [الإنفطار: ٣] . والجُمْهُورُ: عَلى أنَّ البَحْرَ المُقْسَمَ بِهِ هو (p-١٤٧)بَحْرُ الدُّنْيا، ويُؤَيِّدُهُ: ﴿وإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] . وعَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عُمَرَ: أنَّهُ في السَّماءِ تَحْتَ العَرْشِ فِيهِ ماءٌ غَلِيظٌ يُقالُ لَهُ بَحْرُ الحَياةِ، يُمْطَرُ العِبادُ مِنهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الأُولى أرْبَعِينَ صَباحًا، فَيَنْبُتُونَ في قُبُورِهِمْ. وقالَ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: هو جَهَنَّمُ، وسَمّاها بَحْرًا لِسَعَتِها وتَمَوُّجِها. كَما جاءَ في الفَرَسِ: وإنْ وجَدْناهُ لَبَحْرًا. قِيلَ: ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ في القَسَمِ بِالطُّورِ والبَحْرِ والبَيْتِ، لِكَوْنِها أماكِنَ خَلْوَةٍ مَعَ اللَّهِ تَعالى، خاطَبَ مِنها رَبُّهم رُسُلَهُ. فالطُّورُ، قالَ فِيهِ مُوسى: ﴿أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، والبَيْتُ المَعْمُورُ لِمُحَمَّدٍ، ﷺ، والبَحْرُ المَسْجُورُ لِيُونُسَ، قالَ: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، فَشُرِّفَتْ هَذِهِ الأماكِنُ بِهَذِهِ الأسْبابِ. والقَسَمُ بِكِتابٍ مَسْطُورٍ، لِأنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كانَ لَهم مَعَ اللَّهِ في هَذِهِ الأماكِنِ كَلامٌ. واقْتِرانُهُ بِالطُّورِ دَلَّ عَلى ذَلِكَ. والقَسَمُ بِالسَّقْفِ المَرْفُوعِ لِبَيانِ رِفْعَةِ البَيْتِ المَعْمُورِ. انْتَهى. ونَكَّرَ ”وكِتابٍ“، لِأنَّهُ شامِلٌ لِكُلِّ كِتابٍ أنْزَلَهُ اللَّهُ شُمُولَ البَدَلِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ شُمُولَ العُمُومِ، كَقَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] . وكَوْنُهُ في رَقٍّ، يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِهِ، وأنَّهُ لا يَتَخَطّى الرُّءُوسَ. ووَصْفُهُ بِمَنشُورٍ يَدُلُّ عَلى وُضُوحِهِ، فَلَيْسَ كالكِتابِ المَطْوِيِّ الَّذِي لا يُعْلَمُ ما انْطَوى عَلَيْهِ، والمَنشُورُ يُعْلَمُ ما فِيهِ، ولا يُمْنَعُ مِن مُطالَعَةِ ما تَضَمَّنَهُ؛ والواوُ الأُولى واوُ القَسَمِ، وما بَعْدَها لِلْعَطْفِ. والجُمْلَةُ المُقْسَمُ عَلَيْها هي قَوْلُهُ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ . وفي إضافَةِ العَذابِ لِقَوْلِهِ: (رَبِّكَ) لَطِيفَةٌ، إذْ هو المالِكُ والنّاظِرُ في مَصْلَحَةِ العَبْدِ. فَبِالإضافَةِ إلى الرَّبِّ، وإضافَتِهِ لِكافِ الخِطابِ أمانٌ لَهُ، ﷺ؛ وإنَّ العَذابَ لَواقِعٌ هو بِمَن كَذَّبَهُ، ولَواقِعٌ عَلى الشِّدَّةِ، وهو أدَلُّ عَلَيْها مِن لَكائِنٌ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١]، وقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾ [الشورى: ٢٢]، كَأنَّهُ مُهَيَّأٌ في مَكانٍ مُرْتَفِعٍ فَيَقَعُ عَلى مَن حَلَّ بِهِ ؟ «وعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ: قَدِمْتُ المَدِينَةَ لِأسْألَ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، في أُسارى بَدْرٍ، فَوافَيْتُهُ يَقْرَأُ في صَلاةِ المَغْرِبِ: ﴿والطُّورِ﴾ إلى ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾، فَكَأنَّما صُدِعَ قَلْبِي، فَأسْلَمْتُ خَوْفًا مِن نُزُولِ العَذابِ، وما كُنْتُ أظُنُّ أنْ أقُومَ مِن مَقامِي حَتّى يَقَعَ بِيَ العَذابُ» . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: واقِعٌ بِغَيْرِ لامٍ. قالَ قَتادَةُ: يُرِيدُ عَذابَ الآخِرَةِ لِلْكُفّارِ، أيْ لَواقِعٌ بِالكُفّارِ.

الطور 52:23

ومِن غَرِيبِ ما يُحْكى أنَّ شَخْصًا رَأى في النَّوْمِ في كَفِّهِ مَكْتُوبًا خَمْسُ واواتٍ، فَعُبِّرَ لَهُ بِخَيْرٍ، فَسَألَ ابْنَ سِيرِينَ، فَقالَ: تَهَيَّأْ لِما لا يَسُرُّ، فَقالَ لَهُ: مِن أيْنَ أخَذْتَ هَذا ؟ فَقالَ: مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والطُّورِ﴾ [الطور: ١] إلى ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ [الطور: ٧]، فَما مَضى يَوْمانِ أوْ ثَلاثَةٌ حَتّى أُحِيطَ بِذَلِكَ الشَّخْصِ. وانْتَصَبَ يَوْمٌ بِدافِعٍ، قالَهُ الحَوْفِيُّ، وقالَ مَكِّيُّ: لا يَعْمَلُ فِيهِ واقِعٌ، ولَمْ يَذْكُرْ دَلِيلَ المَنعِ. وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: (لَواقِعٌ)، ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ [الطور: ٨] عَلى هَذا جُمْلَةُ اعْتِراضٍ بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (تَمُورُ): تَضْطَرِبُ. وقالَ أيْضًا: تَشَقَّقُ. وقالَ الضَّحّاكُ: يَمُوجُ بَعْضُها في بَعْضٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: تَدُورُ. ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ [الطور: ١٠]، هَذا في أوَّلِ الأمْرِ، ثُمَّ تُنْسَفُ حَتّى تَصِيرَ آخِرًا ﴿كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] . (فَوَيْلٌ): عُطِفَ عَلى جُمْلَةٍ تَتَضَمَّنُ رَبْطَ المَعْنى وتَأْكِيدَهُ. والخَوْضُ: التَّخَبُّطُ في الباطِلِ، وغَلَبَ اسْتِعْمالُهُ في الِانْدِفاعِ في الباطِلِ. ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾ [الطور: ١٣]، وذَلِكَ أنَّ خَزَنَةَ جَهَنَّمَ يَغُلُّونَ أيْدِيَ الكُفّارِ إلى أعْناقِهِمْ، ويَجْمَعُونَ نَواصِيَهم إلى أقْدامِهِمْ، ويَدْفَعُونَهم إلى النّارِ دَفْعًا عَلى وُجُوهِهِمْ وزَجًّا في أقْفِيَتِهِمْ. وقَرَأ عَلِيٌّ وأبُو رَجاءٍ والسُّلَمِيُّ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: يُدْعَوْنَ، بِسُكُونِ الدّالِ وفَتْحِ العَيْنِ: مِنَ الدُّعاءِ، أيْ يُقالُ لَهم: هَلُمُّوا إلى النّارِ، وادْخُلُوها (دَعًّا): مَدْعُوعِينَ، يُقالُ لَهم: ﴿هَذِهِ النّارُ﴾ [الطور: ١٤] . لَمّا قِيلَ لَهم ذَلِكَ، وقَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ عَلى الجِهَتَيْنِ اللَّتَيْنِ يُمْكِنُ دُخُولُ الشَّكِّ في أنَّها النّارُ، وهي: إمّا أنْ يَكُونَ سِحْرٌ يُلَبِّسُ ذاتَ المَرْئِيِّ، وإمّا أنْ يَكُونَ في نَظَرِ النّاظِرِ اخْتِلالٌ، فَأمَرَهم بِصِلِيِّها عَلى جِهَةِ التَّقْرِيعِ. ثُمَّ قِيلَ لَهم عَلى قَطْعِ رَجائِهِمْ: ﴿فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور: ١٦]: عَذابُكم حَتْمٌ، فَسَواءٌ صَبْرُكم وجَزَعُكم لا بُدَّ مِن جَزاءِ أعْمالِكم، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. (p-١٤٨)وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿أفَسِحْرٌ هَذا﴾ [الطور: ١٥]، يَعْنِي كُنْتُمْ تَقُولُونَ لِلْوَحْيِ: هَذا سِحْرٌ. . ﴿أفَسِحْرٌ هَذا﴾ [الطور: ١٥]، يُرِيدُ: أهَذا المِصْداقُ أيْضًا سِحْرٌ ؟ ودَخَلَتِ الفاءُ لِهَذا المَعْنى. ﴿أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور: ١٥]: كَما كُنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ في الدُّنْيا، يَعْنِي: أمْ أنْتُمْ عُمْيٌ عَنِ المُخْبَرِ عَنْهُ، كَما كُنْتُمْ عُمْيًا عَنِ الخَبَرِ ؟ وهَذا تَقْرِيعٌ وتَهَكُّمٌ. فَإنْ قُلْتَ: لِمَ عَلَّلَ اسْتِواءَ الصَّبْرِ وعَدَمَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦] ؟ قُلْتُ: لِأنَّ الصَّبْرَ إنَّما يَكُونُ لَهُ مَزِيَّةٌ عَلى الجَزَعِ لِنَفْعِهِ في العاقِبَةِ، وبِأنْ يُجازى عَلَيْهِ الصّابِرُ جَزاءَ الخَيْرِ. فَأمّا الصَّبْرُ عَلى العَذابِ، الَّذِي هو الجَزاءُ ولا عاقِبَةَ لَهُ ولا مَنفَعَةَ، فَلا مَزِيَّةَ لَهُ عَلى الجَزَعِ. انْتَهى. وسِحْرٌ: خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وهَذا: مُبْتَدَأٌ، وسَواءٌ: مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيِ الصَّبْرُ والجَزَعُ. وقالَ أبُو البَقاءِ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ صَبْرُكم وتَرْكُهُ سَواءٌ. ولَمّا ذَكَرَ حالَ الكُفّارِ، ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ، لِيَقَعَ التَّرْهِيبُ والتَّرْغِيبُ، وهو إخْبارٌ عَنْ ما يَئُولُ إلَيْهِ حالُ المُؤْمِنِينَ، أُخْبِرُوا بِذَلِكَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ القَوْلِ لِلْكُفّارِ إذْ ذَلِكَ زِيادَةٌ في غَمِّهِمْ وتَنْكِيدٌ لَهم، والأوَّلُ أظْهَرُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: فَكِهِينَ، نَصْبًا عَلى الحالِ والخَبَرِ في ﴿جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ [الطور: ١٧] . وقَرَأ خالِدٌ: بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ إنَّ، وفي جَنّاتٍ مُتَعَلِّقٌ بِهِ. ومَن أجازَ تَعْدادَ الخَبَرِ، أجازَ أنْ يَكُونا خَبَرَيْنِ. (ووَقاهم) مَعْطُوفٌ عَلى ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ [الطور: ١٧]، إذِ المَعْنى: اسْتَقَرُّوا في جَنّاتٍ، أوْ عَلى (آتاهم)، وما مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ فَكِهِينَ بِإيتائِهِمْ رَبُّهُمُ النَّعِيمَ ووِقايَتِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ. وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الواوُ في (ووَقاهم) واوَ الحالِ، ومَن شَرَطَ قَدْ في الماضِي، قالَ: هي هُنا مُضْمَرَةٌ، أيْ وقَدْ وقاهم. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: ووَقاهم، بِتَشْدِيدِ القافِ. ﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾ [الطور: ١٩] عَلى إضْمارِ القَوْلِ: أيْ يُقالُ لَهم: (هَنِيئًا) . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أكْلًا وشُرْبًا هَنِيئًا، أوْ طَعامًا وشَرابًا هَنِيئًا، وهو الَّذِي لا تَنْغِيصَ فِيهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ: ؎هَنِيئًا مَرِيئًا غَيْرُ داءٍ مُخامِرٍ لِعِزَّةٍ مِن أعْراضِنا ما اسْتَحَلَّتْ أعْنِي: صِفَةٌ اسْتُعْمِلَتِ اسْتِعْمالَ المَصْدَرِ القائِمِ مَقامَ الفِعْلِ، مُرْتَفِعًا بِهِ ما اسْتَحَلَّتْ، كَما يَرْتَفِعُ بِالفِعْلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: هُنا عِزَّةُ المُسْتَحِلِّ مِن أعْراضِنا. وكَذَلِكَ مَعْنى هَنِيئًا هاهُنا: هَنَّأكُمُ الأكْلُ والشُّرْبُ، أوْ هَنَّأكم ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، أيْ جَزاءُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، والباءُ مَزِيدَةٌ كَما في: (كَفى بِاللَّهِ)، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِكُلُوا واشْرَبُوا، إذا جَعَلْتَ الفاعِلَ الأكْلَ والشُّرْبَ. انْتَهى. وتَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ مُشْبَعًا عَلى (هَنِيئًا) في سُورَةِ النِّساءِ. وأمّا تَجْوِيزُهُ زِيادَةَ الباءِ، فَلَيْسَتْ زِيادَتُها مَقِيسَةً في الفاعِلِ، إلّا في فاعِلِ كَفى عَلى خِلافٍ فِيها؛ فَتَجْوِيزُ زِيادَتِها في الفاعِلِ هُنا لا يَسُوغُ. وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ الباءَ تَتَعَلَّقُ بِـ كُلُوا واشْرَبُوا، فَلا يَصِحُّ إلّا عَلى الأعْمالِ، فَهي تَتَعَلَّقُ بِأحَدِهِما. وانْتَصَبَ (مُتَّكِئِينَ) عَلى الحالِ. قالَ أبُو البَقاءِ: مِنَ الضَّمِيرِ في (كُلُوا)، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في (ووَقاهم)، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في (آتاهم)، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في (فاكِهِينَ)، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في الظَّرْفِ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّهُ حالٌ مِنَ الظَّرْفِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ [الطور: ١٧] . وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: عَلى سُرَرٍ، بِفَتْحِ الرّاءِ، وهي لُغَةٌ لِكَلْبٍ في المُضَعَّفِ، فِرارًا مِن تَوالِي ضَمَّتَيْنِ مَعَ التَّضْعِيفِ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ: ﴿بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الطور: ٢٠] عَلى الإضافَةِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الطور: ٢١] مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ (ألْحَقْناهُ) . وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (والَّذِينَ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى تَقْدِيرِ: وأكْرَمْنا الَّذِينَ آمَنُوا. ومَعْنى الآيَةِ، قالَ الجُمْهُورُ وابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُما: أنَّ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ اتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم في الإيمانِ يَكُونُونَ في مَراتِبِ آبائِهِمْ، وإنْ لَمْ يَكُونُوا في التَّقْوى والأعْمالِ مِثْلَهم كَرامَةً لِآبائِهِمْ. فَبِإيمانٍ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وأتْبَعْناهُمْ﴾ [القصص: ٤٢] . ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، قالَ: ”«إنَّ اللَّهَ لَيَرْفَعُ ذُرِّيَّةَ المُؤْمِنِ مَعَهُ في دَرَجَتِهِ وإنْ كانَ لَمْ يَبْلُغْها بِعَمَلِهِ لِيُقِرَّ بِها عَيْنَهُ“ ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ» . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُلْحِقُ الأبْناءَ الصِّغارَ، وإنْ لَمْ يَبْلُغُوا الإيمانَ بِأحْكامِ الآباءِ المُؤْمِنِينَ. انْتَهى. فَيَكُونُ بِإيمانٍ مُتَعَلِّقًا بِألْحَقْنا، أيْ ألْحَقْنا (p-١٤٩)بِسَبَبِ الإيمانِ الآباءَ بِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ، وهُمُ الصِّغارُ الَّذِينَ ماتُوا ولَمْ يَبْلُغُوا التَّكْلِيفَ، فَهم في الجَنَّةِ مَعَ آبائِهِمْ، وإذا كانَ أبْناءُ الكُفّارِ، الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا حَدَّ التَّكْلِيفِ في الجَنَّةِ، كَما ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ، فَأحْرى بِأوْلادِ المُؤْمِنِينَ. وقالَ الحَسَنُ: الآيَةُ في الكِبارِ مِنَ الذُّرِّيَّةِ. وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ هي في الصِّغارِ لا في الكِبارِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: الَّذِينَ آمَنُوا: المُهاجِرُونَ والأنْصارُ، والذُّرِّيَّةُ: التّابِعُونَ. وعَنْهُ أيْضًا: إنْ كانَ الآباءُ أرْفَعَ دَرَجَةً، رَفَعَ اللَّهُ الأبْناءَ إلَيْهِمْ، فالآباءُ داخِلُونَ في اسْمِ الذُّرِّيَّةِ. وقالَ النَّخَعِيُّ: المَعْنى: أعْطَيْناهم أُجُورَهم مِن غَيْرِ نَقْصٍ، وجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهم كَذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الطور: ٢١]، مَعْطُوفٌ عَلى حُورٍ عِينٍ. أيْ قَرَنّاهم بِالحُورِ العِينِ؛ وبِالَّذِينَ آمَنُوا: أيْ بِالرُّفَقاءِ والجُلَساءِ مِنهم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]، فَيَتَمَتَّعُونَ تارَةً بِمُلاعَبَةِ الحُورِ، وتارَةً بِمُؤانَسَةِ الإخْوانِ المُؤْمِنِينَ، وأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتِهِمْ. ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عَبّاسٍ، ثُمَّ قالَ: فَيَجْمَعُ اللَّهُ لَهم أنْواعَ السُّرُورِ بِسَعادَتِهِمْ في أنْفُسِهِمْ، وبِمُزاوَجَةِ الحُورِ العِينِ، وبِمُؤانَسَةِ الإخْوانِ المُؤْمِنِينَ، وبِاجْتِماعِ أوْلادِهِمْ بِهِمْ ونَسْلِهِمْ. ثُمَّ قالَ: بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ: أيْ بِسَبَبِ إيمانٍ عَظِيمٍ رَفِيعِ المَحَلِّ، وهو إيمانُ الآباءِ، ألْحَقْنا بِدَرَجاتِهِمْ ذُرِّيَّتِهِمْ، وإنْ كانُوا لا يَسْتَأْهِلُونَها، تَفَضُّلًا عَلَيْهِمْ وعَلى آبائِهِمْ، لِنُتِمَّ سُرُورَهم ونُكَمِّلَ نَعِيمَهم. فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى تَنْكِيرِ الإيمانِ ؟ قُلْتُ: مَعْناهُ الدَّلالَةُ عَلى أنَّهُ إيمانٌ خاصٌّ عَظِيمُ المَنزِلَةِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ إيمانُ الذُّرِّيَّةِ الدّانِي المَحَلِّ، كَأنَّهُ قالَ: بِشَيْءٍ مِنَ الإيمانِ لا يُؤَهِّلُهم لِدَرَجَةِ الآباءِ ألْحَقْناهم بِهِمْ. انْتَهى. ولا يَتَخَيَّلُ أحَدٌ أنَّ (والَّذِينَ) مَعْطُوفٌ عَلى ﴿بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الطور: ٢٠] غَيْرُ هَذا الرَّجُلِ، وهو تَخَيُّلٌ أعْجَمِيٌّ مُخالِفٌ لِفَهْمِ العَرَبِيِّ القُحِّ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ. والأحْسَنُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ويُعَضِّدُهُ الحَدِيثُ الَّذِي رَواهُ، لِأنَّ الآياتِ كُلَّها في صِفَةِ إحْسانِ اللَّهِ تَعالى إلى أهْلِ الجَنَّةِ. وذَكَرَ مِن جُمْلَةِ إحْسانِهِ أنَّهُ يَرْعى المُحْسِنَ في المُسِيءِ. ولَفْظَةُ ﴿ألْحَقْنا﴾ [الطور: ٢١] تَقْتَضِي أنَّ لِلْمُلْحَقِ بَعْضَ التَّقْصِيرِ في الأعْمالِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: وأتْبَعْناهم؛ وباقِي السَّبْعَةِ: واتَّبَعَتْهم؛ وأبُو عَمْرٍو: و”ذُرِّيّاتِهِمْ“ جَمْعًا نَصْبًا؛ وابْنُ عامِرٍ: جَمْعًا رَفْعًا؛ وباقِي السَّبْعَةِ: مُفْرَدًا؛ وابْنُ جُبَيْرٍ: وأتْبَعْناهم ذُرِّيَّتَهم، بِالمَدِّ والهَمْزِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ألَتْناهُمْ﴾ [الطور: ٢١]، بِفَتْحِ اللّامِ، مِن ألاتَ؛ والحَسَنُ وابْنُ كَثِيرٍ: بِكَسْرِها؛ وابْنُ هُرْمُزٍ: آلَتْناهم، بِالمَدِّ مَن آلَتَ، عَلى وزْنِ أفْعَلَ؛ وابْنُ مَسْعُودٍ وأُبَيٌّ: لِتْناهم مِن لاتَ، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ والأعْمَشِ؛ ورُوِيَتْ عَنْ شِبْلٍ وابْنِ كَثِيرٍ، وعَنْ طَلْحَةَ والأعْمَشِ أيْضًا: لَتْناهم بِفَتْحِ اللّامِ. قالَ سَهْلٌ: لا يَجُوزُ فَتْحُ اللّامِ مِن غَيْرِ ألِفٍ بِحالٍ، وأنْكَرَ أيْضًا آلَتْناهم بِالمَدِّ، وقالَ: لا يُرْوى عَنْ أحَدٍ، ولا يَدُلُّ عَلَيْها تَفْسِيرٌ ولا عَرَبِيَّةٌ، ولَيْسَ كَما ذَكَرَ، بَلْ قَدْ نَقَلَ أهْلُ اللُّغَةِ آلَتَ بِالمَدِّ، كَما قَرَأ ابْنُ هُرْمُزٍ. وقُرِئَ: وما ولَتْناهم، ذَكَرَهُ ابْنُ هارُونَ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: فَيَكُونُ هُنا الحَرْفُ مِن لاتَ يَلِيتُ، ووَلَتَ يَلِتُ، وألَتَ يَأْلِتُ، وألاتَ يَلِيتُ، ويُؤْلِتُ، وكُلُّها بِمَعْنى نَقَصَ. ويُقالُ: ألَتَ بِمَعْنى غَلُظَ. وقامَ رَجُلٌ إلى عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَوَعَظَهُ، فَقالَ رَجُلٌ: لا تَأْلِتْ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أيْ لا تُغْلِظْ عَلَيْهِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ألَتْناهم عائِدٌ عَلى المُؤْمِنِينَ. والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى يُلْحِقُ المُقَصِّرَ بِالمُحْسِنِ، ولا يُنْقِصُ المُحْسِنَ مِن أجْرِهِ شَيْئًا، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ والجُمْهُورِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الأبْناءِ. ﴿مِن عَمَلِهِمْ﴾ [الطور: ٢١]: أيِ الحَسَنِ والقَبِيحِ، ويُحَسِّنُ هَذا الِاحْتِمالَ قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١]: أيْ مُرْتَهِنٌ وفِيهِ، ﴿وأمْدَدْناهُمْ﴾ [الطور: ٢٢]: أيْ يَسَّرْنا لَهم شَيْئًا فَشَيْئًا حَتّى يَكِرَّ ولا يَنْقَطِعَ. ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها﴾ أيْ يَتَعاطَوْنَ، قالَ الأخْطَلُ: ؎نازَعْتُهُ طَيِّبَ الرّاحِ الشَّمُولِ وقَدْ ∗∗∗ صاحَ الدَّجاجُ وحانَتْ وقْعَةُ السّارِي أوْ يَتَنازَعُونَ: يَتَجاذَبُونَ تَجاذُبَ مُلاعَبَةٍ، إذْ أهْلُ الدُّنْيا لَهم في ذَلِكَ لَذَّةٌ، وكَذَلِكَ في الجَنَّةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾، بِرَفْعِهِما؛ وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: بِفَتْحِهِما، واللَّغْوُ: السَّقْطُ مِنَ الكَلامِ، كَما يَجْرِي (p-١٥٠)بَيْنَ شُرّابِ الخَمْرِ في الدُّنْيا. والتَّأْثِيمُ: الإثْمُ الَّذِي يَلْحَقُ شارِبَ الخَمْرِ في الدُّنْيا. ﴿غِلْمانٌ لَهُمْ﴾: أيْ مَمالِيكُ. (مَكْنُونٌ): أيْ في الصَّدَفِ، لَمْ تَنَلْهُ الأيْدِي، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، وهو إذْ ذاكَ رَطْبٌ، فَهو أحْسَنُ وأصْفى. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِـ ”مَكْنُونٌ“: مَخْزُونٌ، لِأنَّهُ لا يُخْزَنُ إلّا الغالِي الثَّمَنِ. والظّاهِرُ أنَّ التَّساؤُلَ هو في الجَنَّةِ، إذْ هَذِهِ كُلُّها مَعاطِيفُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، أيْ يَتَساءَلُونَ عَنْ أحْوالِهِمْ وما نالَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾: أيْ بِهَذا النَّعِيمِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَساؤُلُهم إذا بُعِثُوا في النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، حَكاهُ الطَّبَرِيُّ عَنْهُ. (مُشْفِقِينَ): رَقِيقِي القُلُوبِ، خاشِعِينَ لِلَّهِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: ووَقّانا بِتَشْدِيدِ القافِ، والسَّمُومُ هُنا النّارُ؛ وقالَ الحَسَنُ: اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ. (مِن قَبْلُ): أيْ مِن قَبْلِ لِقاءِ اللَّهِ والمَصِيرِ إلَيْهِ. ﴿نَدْعُوهُ﴾ نَعْبُدُهُ ونَسْألُهُ الوِقايَةَ مِن عَذابِهِ، ﴿إنَّهُ هو البَرُّ﴾: المُحْسِنُ، (الرَّحِيمُ): الكَثِيرُ الرَّحْمَةِ، إذا عُبِدَ أثابَ، وإذا سُئِلَ أجابَ. أوْ ﴿نَدْعُوهُ﴾ مِنَ الدُّعاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ ونافِعٌ والكِسائِيُّ: أنَّهُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، أيْ لِأنَّهُ وباقِي السَّبْعَةِ: إنَّهُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ وجَماعَةٍ، وفِيها مَعْنى التَّعْلِيلِ.

الطور 52:24

ومِن غَرِيبِ ما يُحْكى أنَّ شَخْصًا رَأى في النَّوْمِ في كَفِّهِ مَكْتُوبًا خَمْسُ واواتٍ، فَعُبِّرَ لَهُ بِخَيْرٍ، فَسَألَ ابْنَ سِيرِينَ، فَقالَ: تَهَيَّأْ لِما لا يَسُرُّ، فَقالَ لَهُ: مِن أيْنَ أخَذْتَ هَذا ؟ فَقالَ: مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والطُّورِ﴾ [الطور: ١] إلى ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ [الطور: ٧]، فَما مَضى يَوْمانِ أوْ ثَلاثَةٌ حَتّى أُحِيطَ بِذَلِكَ الشَّخْصِ. وانْتَصَبَ يَوْمٌ بِدافِعٍ، قالَهُ الحَوْفِيُّ، وقالَ مَكِّيُّ: لا يَعْمَلُ فِيهِ واقِعٌ، ولَمْ يَذْكُرْ دَلِيلَ المَنعِ. وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: (لَواقِعٌ)، ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ [الطور: ٨] عَلى هَذا جُمْلَةُ اعْتِراضٍ بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (تَمُورُ): تَضْطَرِبُ. وقالَ أيْضًا: تَشَقَّقُ. وقالَ الضَّحّاكُ: يَمُوجُ بَعْضُها في بَعْضٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: تَدُورُ. ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ [الطور: ١٠]، هَذا في أوَّلِ الأمْرِ، ثُمَّ تُنْسَفُ حَتّى تَصِيرَ آخِرًا ﴿كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] . (فَوَيْلٌ): عُطِفَ عَلى جُمْلَةٍ تَتَضَمَّنُ رَبْطَ المَعْنى وتَأْكِيدَهُ. والخَوْضُ: التَّخَبُّطُ في الباطِلِ، وغَلَبَ اسْتِعْمالُهُ في الِانْدِفاعِ في الباطِلِ. ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾ [الطور: ١٣]، وذَلِكَ أنَّ خَزَنَةَ جَهَنَّمَ يَغُلُّونَ أيْدِيَ الكُفّارِ إلى أعْناقِهِمْ، ويَجْمَعُونَ نَواصِيَهم إلى أقْدامِهِمْ، ويَدْفَعُونَهم إلى النّارِ دَفْعًا عَلى وُجُوهِهِمْ وزَجًّا في أقْفِيَتِهِمْ. وقَرَأ عَلِيٌّ وأبُو رَجاءٍ والسُّلَمِيُّ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: يُدْعَوْنَ، بِسُكُونِ الدّالِ وفَتْحِ العَيْنِ: مِنَ الدُّعاءِ، أيْ يُقالُ لَهم: هَلُمُّوا إلى النّارِ، وادْخُلُوها (دَعًّا): مَدْعُوعِينَ، يُقالُ لَهم: ﴿هَذِهِ النّارُ﴾ [الطور: ١٤] . لَمّا قِيلَ لَهم ذَلِكَ، وقَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ عَلى الجِهَتَيْنِ اللَّتَيْنِ يُمْكِنُ دُخُولُ الشَّكِّ في أنَّها النّارُ، وهي: إمّا أنْ يَكُونَ سِحْرٌ يُلَبِّسُ ذاتَ المَرْئِيِّ، وإمّا أنْ يَكُونَ في نَظَرِ النّاظِرِ اخْتِلالٌ، فَأمَرَهم بِصِلِيِّها عَلى جِهَةِ التَّقْرِيعِ. ثُمَّ قِيلَ لَهم عَلى قَطْعِ رَجائِهِمْ: ﴿فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور: ١٦]: عَذابُكم حَتْمٌ، فَسَواءٌ صَبْرُكم وجَزَعُكم لا بُدَّ مِن جَزاءِ أعْمالِكم، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. (p-١٤٨)وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿أفَسِحْرٌ هَذا﴾ [الطور: ١٥]، يَعْنِي كُنْتُمْ تَقُولُونَ لِلْوَحْيِ: هَذا سِحْرٌ. . ﴿أفَسِحْرٌ هَذا﴾ [الطور: ١٥]، يُرِيدُ: أهَذا المِصْداقُ أيْضًا سِحْرٌ ؟ ودَخَلَتِ الفاءُ لِهَذا المَعْنى. ﴿أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور: ١٥]: كَما كُنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ في الدُّنْيا، يَعْنِي: أمْ أنْتُمْ عُمْيٌ عَنِ المُخْبَرِ عَنْهُ، كَما كُنْتُمْ عُمْيًا عَنِ الخَبَرِ ؟ وهَذا تَقْرِيعٌ وتَهَكُّمٌ. فَإنْ قُلْتَ: لِمَ عَلَّلَ اسْتِواءَ الصَّبْرِ وعَدَمَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦] ؟ قُلْتُ: لِأنَّ الصَّبْرَ إنَّما يَكُونُ لَهُ مَزِيَّةٌ عَلى الجَزَعِ لِنَفْعِهِ في العاقِبَةِ، وبِأنْ يُجازى عَلَيْهِ الصّابِرُ جَزاءَ الخَيْرِ. فَأمّا الصَّبْرُ عَلى العَذابِ، الَّذِي هو الجَزاءُ ولا عاقِبَةَ لَهُ ولا مَنفَعَةَ، فَلا مَزِيَّةَ لَهُ عَلى الجَزَعِ. انْتَهى. وسِحْرٌ: خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وهَذا: مُبْتَدَأٌ، وسَواءٌ: مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيِ الصَّبْرُ والجَزَعُ. وقالَ أبُو البَقاءِ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ صَبْرُكم وتَرْكُهُ سَواءٌ. ولَمّا ذَكَرَ حالَ الكُفّارِ، ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ، لِيَقَعَ التَّرْهِيبُ والتَّرْغِيبُ، وهو إخْبارٌ عَنْ ما يَئُولُ إلَيْهِ حالُ المُؤْمِنِينَ، أُخْبِرُوا بِذَلِكَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ القَوْلِ لِلْكُفّارِ إذْ ذَلِكَ زِيادَةٌ في غَمِّهِمْ وتَنْكِيدٌ لَهم، والأوَّلُ أظْهَرُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: فَكِهِينَ، نَصْبًا عَلى الحالِ والخَبَرِ في ﴿جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ [الطور: ١٧] . وقَرَأ خالِدٌ: بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ إنَّ، وفي جَنّاتٍ مُتَعَلِّقٌ بِهِ. ومَن أجازَ تَعْدادَ الخَبَرِ، أجازَ أنْ يَكُونا خَبَرَيْنِ. (ووَقاهم) مَعْطُوفٌ عَلى ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ [الطور: ١٧]، إذِ المَعْنى: اسْتَقَرُّوا في جَنّاتٍ، أوْ عَلى (آتاهم)، وما مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ فَكِهِينَ بِإيتائِهِمْ رَبُّهُمُ النَّعِيمَ ووِقايَتِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ. وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الواوُ في (ووَقاهم) واوَ الحالِ، ومَن شَرَطَ قَدْ في الماضِي، قالَ: هي هُنا مُضْمَرَةٌ، أيْ وقَدْ وقاهم. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: ووَقاهم، بِتَشْدِيدِ القافِ. ﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾ [الطور: ١٩] عَلى إضْمارِ القَوْلِ: أيْ يُقالُ لَهم: (هَنِيئًا) . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أكْلًا وشُرْبًا هَنِيئًا، أوْ طَعامًا وشَرابًا هَنِيئًا، وهو الَّذِي لا تَنْغِيصَ فِيهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ: ؎هَنِيئًا مَرِيئًا غَيْرُ داءٍ مُخامِرٍ لِعِزَّةٍ مِن أعْراضِنا ما اسْتَحَلَّتْ أعْنِي: صِفَةٌ اسْتُعْمِلَتِ اسْتِعْمالَ المَصْدَرِ القائِمِ مَقامَ الفِعْلِ، مُرْتَفِعًا بِهِ ما اسْتَحَلَّتْ، كَما يَرْتَفِعُ بِالفِعْلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: هُنا عِزَّةُ المُسْتَحِلِّ مِن أعْراضِنا. وكَذَلِكَ مَعْنى هَنِيئًا هاهُنا: هَنَّأكُمُ الأكْلُ والشُّرْبُ، أوْ هَنَّأكم ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، أيْ جَزاءُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، والباءُ مَزِيدَةٌ كَما في: (كَفى بِاللَّهِ)، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِكُلُوا واشْرَبُوا، إذا جَعَلْتَ الفاعِلَ الأكْلَ والشُّرْبَ. انْتَهى. وتَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ مُشْبَعًا عَلى (هَنِيئًا) في سُورَةِ النِّساءِ. وأمّا تَجْوِيزُهُ زِيادَةَ الباءِ، فَلَيْسَتْ زِيادَتُها مَقِيسَةً في الفاعِلِ، إلّا في فاعِلِ كَفى عَلى خِلافٍ فِيها؛ فَتَجْوِيزُ زِيادَتِها في الفاعِلِ هُنا لا يَسُوغُ. وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ الباءَ تَتَعَلَّقُ بِـ كُلُوا واشْرَبُوا، فَلا يَصِحُّ إلّا عَلى الأعْمالِ، فَهي تَتَعَلَّقُ بِأحَدِهِما. وانْتَصَبَ (مُتَّكِئِينَ) عَلى الحالِ. قالَ أبُو البَقاءِ: مِنَ الضَّمِيرِ في (كُلُوا)، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في (ووَقاهم)، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في (آتاهم)، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في (فاكِهِينَ)، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في الظَّرْفِ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّهُ حالٌ مِنَ الظَّرْفِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ [الطور: ١٧] . وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: عَلى سُرَرٍ، بِفَتْحِ الرّاءِ، وهي لُغَةٌ لِكَلْبٍ في المُضَعَّفِ، فِرارًا مِن تَوالِي ضَمَّتَيْنِ مَعَ التَّضْعِيفِ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ: ﴿بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الطور: ٢٠] عَلى الإضافَةِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الطور: ٢١] مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ (ألْحَقْناهُ) . وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (والَّذِينَ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى تَقْدِيرِ: وأكْرَمْنا الَّذِينَ آمَنُوا. ومَعْنى الآيَةِ، قالَ الجُمْهُورُ وابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُما: أنَّ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ اتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم في الإيمانِ يَكُونُونَ في مَراتِبِ آبائِهِمْ، وإنْ لَمْ يَكُونُوا في التَّقْوى والأعْمالِ مِثْلَهم كَرامَةً لِآبائِهِمْ. فَبِإيمانٍ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وأتْبَعْناهُمْ﴾ [القصص: ٤٢] . ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، قالَ: ”«إنَّ اللَّهَ لَيَرْفَعُ ذُرِّيَّةَ المُؤْمِنِ مَعَهُ في دَرَجَتِهِ وإنْ كانَ لَمْ يَبْلُغْها بِعَمَلِهِ لِيُقِرَّ بِها عَيْنَهُ“ ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ» . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُلْحِقُ الأبْناءَ الصِّغارَ، وإنْ لَمْ يَبْلُغُوا الإيمانَ بِأحْكامِ الآباءِ المُؤْمِنِينَ. انْتَهى. فَيَكُونُ بِإيمانٍ مُتَعَلِّقًا بِألْحَقْنا، أيْ ألْحَقْنا (p-١٤٩)بِسَبَبِ الإيمانِ الآباءَ بِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ، وهُمُ الصِّغارُ الَّذِينَ ماتُوا ولَمْ يَبْلُغُوا التَّكْلِيفَ، فَهم في الجَنَّةِ مَعَ آبائِهِمْ، وإذا كانَ أبْناءُ الكُفّارِ، الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا حَدَّ التَّكْلِيفِ في الجَنَّةِ، كَما ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ، فَأحْرى بِأوْلادِ المُؤْمِنِينَ. وقالَ الحَسَنُ: الآيَةُ في الكِبارِ مِنَ الذُّرِّيَّةِ. وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ هي في الصِّغارِ لا في الكِبارِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: الَّذِينَ آمَنُوا: المُهاجِرُونَ والأنْصارُ، والذُّرِّيَّةُ: التّابِعُونَ. وعَنْهُ أيْضًا: إنْ كانَ الآباءُ أرْفَعَ دَرَجَةً، رَفَعَ اللَّهُ الأبْناءَ إلَيْهِمْ، فالآباءُ داخِلُونَ في اسْمِ الذُّرِّيَّةِ. وقالَ النَّخَعِيُّ: المَعْنى: أعْطَيْناهم أُجُورَهم مِن غَيْرِ نَقْصٍ، وجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهم كَذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الطور: ٢١]، مَعْطُوفٌ عَلى حُورٍ عِينٍ. أيْ قَرَنّاهم بِالحُورِ العِينِ؛ وبِالَّذِينَ آمَنُوا: أيْ بِالرُّفَقاءِ والجُلَساءِ مِنهم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]، فَيَتَمَتَّعُونَ تارَةً بِمُلاعَبَةِ الحُورِ، وتارَةً بِمُؤانَسَةِ الإخْوانِ المُؤْمِنِينَ، وأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتِهِمْ. ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عَبّاسٍ، ثُمَّ قالَ: فَيَجْمَعُ اللَّهُ لَهم أنْواعَ السُّرُورِ بِسَعادَتِهِمْ في أنْفُسِهِمْ، وبِمُزاوَجَةِ الحُورِ العِينِ، وبِمُؤانَسَةِ الإخْوانِ المُؤْمِنِينَ، وبِاجْتِماعِ أوْلادِهِمْ بِهِمْ ونَسْلِهِمْ. ثُمَّ قالَ: بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ: أيْ بِسَبَبِ إيمانٍ عَظِيمٍ رَفِيعِ المَحَلِّ، وهو إيمانُ الآباءِ، ألْحَقْنا بِدَرَجاتِهِمْ ذُرِّيَّتِهِمْ، وإنْ كانُوا لا يَسْتَأْهِلُونَها، تَفَضُّلًا عَلَيْهِمْ وعَلى آبائِهِمْ، لِنُتِمَّ سُرُورَهم ونُكَمِّلَ نَعِيمَهم. فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى تَنْكِيرِ الإيمانِ ؟ قُلْتُ: مَعْناهُ الدَّلالَةُ عَلى أنَّهُ إيمانٌ خاصٌّ عَظِيمُ المَنزِلَةِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ إيمانُ الذُّرِّيَّةِ الدّانِي المَحَلِّ، كَأنَّهُ قالَ: بِشَيْءٍ مِنَ الإيمانِ لا يُؤَهِّلُهم لِدَرَجَةِ الآباءِ ألْحَقْناهم بِهِمْ. انْتَهى. ولا يَتَخَيَّلُ أحَدٌ أنَّ (والَّذِينَ) مَعْطُوفٌ عَلى ﴿بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الطور: ٢٠] غَيْرُ هَذا الرَّجُلِ، وهو تَخَيُّلٌ أعْجَمِيٌّ مُخالِفٌ لِفَهْمِ العَرَبِيِّ القُحِّ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ. والأحْسَنُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ويُعَضِّدُهُ الحَدِيثُ الَّذِي رَواهُ، لِأنَّ الآياتِ كُلَّها في صِفَةِ إحْسانِ اللَّهِ تَعالى إلى أهْلِ الجَنَّةِ. وذَكَرَ مِن جُمْلَةِ إحْسانِهِ أنَّهُ يَرْعى المُحْسِنَ في المُسِيءِ. ولَفْظَةُ ﴿ألْحَقْنا﴾ [الطور: ٢١] تَقْتَضِي أنَّ لِلْمُلْحَقِ بَعْضَ التَّقْصِيرِ في الأعْمالِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: وأتْبَعْناهم؛ وباقِي السَّبْعَةِ: واتَّبَعَتْهم؛ وأبُو عَمْرٍو: و”ذُرِّيّاتِهِمْ“ جَمْعًا نَصْبًا؛ وابْنُ عامِرٍ: جَمْعًا رَفْعًا؛ وباقِي السَّبْعَةِ: مُفْرَدًا؛ وابْنُ جُبَيْرٍ: وأتْبَعْناهم ذُرِّيَّتَهم، بِالمَدِّ والهَمْزِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ألَتْناهُمْ﴾ [الطور: ٢١]، بِفَتْحِ اللّامِ، مِن ألاتَ؛ والحَسَنُ وابْنُ كَثِيرٍ: بِكَسْرِها؛ وابْنُ هُرْمُزٍ: آلَتْناهم، بِالمَدِّ مَن آلَتَ، عَلى وزْنِ أفْعَلَ؛ وابْنُ مَسْعُودٍ وأُبَيٌّ: لِتْناهم مِن لاتَ، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ والأعْمَشِ؛ ورُوِيَتْ عَنْ شِبْلٍ وابْنِ كَثِيرٍ، وعَنْ طَلْحَةَ والأعْمَشِ أيْضًا: لَتْناهم بِفَتْحِ اللّامِ. قالَ سَهْلٌ: لا يَجُوزُ فَتْحُ اللّامِ مِن غَيْرِ ألِفٍ بِحالٍ، وأنْكَرَ أيْضًا آلَتْناهم بِالمَدِّ، وقالَ: لا يُرْوى عَنْ أحَدٍ، ولا يَدُلُّ عَلَيْها تَفْسِيرٌ ولا عَرَبِيَّةٌ، ولَيْسَ كَما ذَكَرَ، بَلْ قَدْ نَقَلَ أهْلُ اللُّغَةِ آلَتَ بِالمَدِّ، كَما قَرَأ ابْنُ هُرْمُزٍ. وقُرِئَ: وما ولَتْناهم، ذَكَرَهُ ابْنُ هارُونَ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: فَيَكُونُ هُنا الحَرْفُ مِن لاتَ يَلِيتُ، ووَلَتَ يَلِتُ، وألَتَ يَأْلِتُ، وألاتَ يَلِيتُ، ويُؤْلِتُ، وكُلُّها بِمَعْنى نَقَصَ. ويُقالُ: ألَتَ بِمَعْنى غَلُظَ. وقامَ رَجُلٌ إلى عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَوَعَظَهُ، فَقالَ رَجُلٌ: لا تَأْلِتْ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أيْ لا تُغْلِظْ عَلَيْهِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ألَتْناهم عائِدٌ عَلى المُؤْمِنِينَ. والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى يُلْحِقُ المُقَصِّرَ بِالمُحْسِنِ، ولا يُنْقِصُ المُحْسِنَ مِن أجْرِهِ شَيْئًا، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ والجُمْهُورِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الأبْناءِ. ﴿مِن عَمَلِهِمْ﴾ [الطور: ٢١]: أيِ الحَسَنِ والقَبِيحِ، ويُحَسِّنُ هَذا الِاحْتِمالَ قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١]: أيْ مُرْتَهِنٌ وفِيهِ، ﴿وأمْدَدْناهُمْ﴾ [الطور: ٢٢]: أيْ يَسَّرْنا لَهم شَيْئًا فَشَيْئًا حَتّى يَكِرَّ ولا يَنْقَطِعَ. ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها﴾ أيْ يَتَعاطَوْنَ، قالَ الأخْطَلُ: ؎نازَعْتُهُ طَيِّبَ الرّاحِ الشَّمُولِ وقَدْ ∗∗∗ صاحَ الدَّجاجُ وحانَتْ وقْعَةُ السّارِي أوْ يَتَنازَعُونَ: يَتَجاذَبُونَ تَجاذُبَ مُلاعَبَةٍ، إذْ أهْلُ الدُّنْيا لَهم في ذَلِكَ لَذَّةٌ، وكَذَلِكَ في الجَنَّةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾، بِرَفْعِهِما؛ وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: بِفَتْحِهِما، واللَّغْوُ: السَّقْطُ مِنَ الكَلامِ، كَما يَجْرِي (p-١٥٠)بَيْنَ شُرّابِ الخَمْرِ في الدُّنْيا. والتَّأْثِيمُ: الإثْمُ الَّذِي يَلْحَقُ شارِبَ الخَمْرِ في الدُّنْيا. ﴿غِلْمانٌ لَهُمْ﴾: أيْ مَمالِيكُ. (مَكْنُونٌ): أيْ في الصَّدَفِ، لَمْ تَنَلْهُ الأيْدِي، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، وهو إذْ ذاكَ رَطْبٌ، فَهو أحْسَنُ وأصْفى. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِـ ”مَكْنُونٌ“: مَخْزُونٌ، لِأنَّهُ لا يُخْزَنُ إلّا الغالِي الثَّمَنِ. والظّاهِرُ أنَّ التَّساؤُلَ هو في الجَنَّةِ، إذْ هَذِهِ كُلُّها مَعاطِيفُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، أيْ يَتَساءَلُونَ عَنْ أحْوالِهِمْ وما نالَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾: أيْ بِهَذا النَّعِيمِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَساؤُلُهم إذا بُعِثُوا في النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، حَكاهُ الطَّبَرِيُّ عَنْهُ. (مُشْفِقِينَ): رَقِيقِي القُلُوبِ، خاشِعِينَ لِلَّهِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: ووَقّانا بِتَشْدِيدِ القافِ، والسَّمُومُ هُنا النّارُ؛ وقالَ الحَسَنُ: اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ. (مِن قَبْلُ): أيْ مِن قَبْلِ لِقاءِ اللَّهِ والمَصِيرِ إلَيْهِ. ﴿نَدْعُوهُ﴾ نَعْبُدُهُ ونَسْألُهُ الوِقايَةَ مِن عَذابِهِ، ﴿إنَّهُ هو البَرُّ﴾: المُحْسِنُ، (الرَّحِيمُ): الكَثِيرُ الرَّحْمَةِ، إذا عُبِدَ أثابَ، وإذا سُئِلَ أجابَ. أوْ ﴿نَدْعُوهُ﴾ مِنَ الدُّعاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ ونافِعٌ والكِسائِيُّ: أنَّهُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، أيْ لِأنَّهُ وباقِي السَّبْعَةِ: إنَّهُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ وجَماعَةٍ، وفِيها مَعْنى التَّعْلِيلِ.

الطور 52:25

ومِن غَرِيبِ ما يُحْكى أنَّ شَخْصًا رَأى في النَّوْمِ في كَفِّهِ مَكْتُوبًا خَمْسُ واواتٍ، فَعُبِّرَ لَهُ بِخَيْرٍ، فَسَألَ ابْنَ سِيرِينَ، فَقالَ: تَهَيَّأْ لِما لا يَسُرُّ، فَقالَ لَهُ: مِن أيْنَ أخَذْتَ هَذا ؟ فَقالَ: مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والطُّورِ﴾ [الطور: ١] إلى ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ [الطور: ٧]، فَما مَضى يَوْمانِ أوْ ثَلاثَةٌ حَتّى أُحِيطَ بِذَلِكَ الشَّخْصِ. وانْتَصَبَ يَوْمٌ بِدافِعٍ، قالَهُ الحَوْفِيُّ، وقالَ مَكِّيُّ: لا يَعْمَلُ فِيهِ واقِعٌ، ولَمْ يَذْكُرْ دَلِيلَ المَنعِ. وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: (لَواقِعٌ)، ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ [الطور: ٨] عَلى هَذا جُمْلَةُ اعْتِراضٍ بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (تَمُورُ): تَضْطَرِبُ. وقالَ أيْضًا: تَشَقَّقُ. وقالَ الضَّحّاكُ: يَمُوجُ بَعْضُها في بَعْضٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: تَدُورُ. ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ [الطور: ١٠]، هَذا في أوَّلِ الأمْرِ، ثُمَّ تُنْسَفُ حَتّى تَصِيرَ آخِرًا ﴿كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] . (فَوَيْلٌ): عُطِفَ عَلى جُمْلَةٍ تَتَضَمَّنُ رَبْطَ المَعْنى وتَأْكِيدَهُ. والخَوْضُ: التَّخَبُّطُ في الباطِلِ، وغَلَبَ اسْتِعْمالُهُ في الِانْدِفاعِ في الباطِلِ. ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾ [الطور: ١٣]، وذَلِكَ أنَّ خَزَنَةَ جَهَنَّمَ يَغُلُّونَ أيْدِيَ الكُفّارِ إلى أعْناقِهِمْ، ويَجْمَعُونَ نَواصِيَهم إلى أقْدامِهِمْ، ويَدْفَعُونَهم إلى النّارِ دَفْعًا عَلى وُجُوهِهِمْ وزَجًّا في أقْفِيَتِهِمْ. وقَرَأ عَلِيٌّ وأبُو رَجاءٍ والسُّلَمِيُّ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: يُدْعَوْنَ، بِسُكُونِ الدّالِ وفَتْحِ العَيْنِ: مِنَ الدُّعاءِ، أيْ يُقالُ لَهم: هَلُمُّوا إلى النّارِ، وادْخُلُوها (دَعًّا): مَدْعُوعِينَ، يُقالُ لَهم: ﴿هَذِهِ النّارُ﴾ [الطور: ١٤] . لَمّا قِيلَ لَهم ذَلِكَ، وقَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ عَلى الجِهَتَيْنِ اللَّتَيْنِ يُمْكِنُ دُخُولُ الشَّكِّ في أنَّها النّارُ، وهي: إمّا أنْ يَكُونَ سِحْرٌ يُلَبِّسُ ذاتَ المَرْئِيِّ، وإمّا أنْ يَكُونَ في نَظَرِ النّاظِرِ اخْتِلالٌ، فَأمَرَهم بِصِلِيِّها عَلى جِهَةِ التَّقْرِيعِ. ثُمَّ قِيلَ لَهم عَلى قَطْعِ رَجائِهِمْ: ﴿فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور: ١٦]: عَذابُكم حَتْمٌ، فَسَواءٌ صَبْرُكم وجَزَعُكم لا بُدَّ مِن جَزاءِ أعْمالِكم، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. (p-١٤٨)وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿أفَسِحْرٌ هَذا﴾ [الطور: ١٥]، يَعْنِي كُنْتُمْ تَقُولُونَ لِلْوَحْيِ: هَذا سِحْرٌ. . ﴿أفَسِحْرٌ هَذا﴾ [الطور: ١٥]، يُرِيدُ: أهَذا المِصْداقُ أيْضًا سِحْرٌ ؟ ودَخَلَتِ الفاءُ لِهَذا المَعْنى. ﴿أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور: ١٥]: كَما كُنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ في الدُّنْيا، يَعْنِي: أمْ أنْتُمْ عُمْيٌ عَنِ المُخْبَرِ عَنْهُ، كَما كُنْتُمْ عُمْيًا عَنِ الخَبَرِ ؟ وهَذا تَقْرِيعٌ وتَهَكُّمٌ. فَإنْ قُلْتَ: لِمَ عَلَّلَ اسْتِواءَ الصَّبْرِ وعَدَمَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦] ؟ قُلْتُ: لِأنَّ الصَّبْرَ إنَّما يَكُونُ لَهُ مَزِيَّةٌ عَلى الجَزَعِ لِنَفْعِهِ في العاقِبَةِ، وبِأنْ يُجازى عَلَيْهِ الصّابِرُ جَزاءَ الخَيْرِ. فَأمّا الصَّبْرُ عَلى العَذابِ، الَّذِي هو الجَزاءُ ولا عاقِبَةَ لَهُ ولا مَنفَعَةَ، فَلا مَزِيَّةَ لَهُ عَلى الجَزَعِ. انْتَهى. وسِحْرٌ: خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وهَذا: مُبْتَدَأٌ، وسَواءٌ: مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيِ الصَّبْرُ والجَزَعُ. وقالَ أبُو البَقاءِ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ صَبْرُكم وتَرْكُهُ سَواءٌ. ولَمّا ذَكَرَ حالَ الكُفّارِ، ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ، لِيَقَعَ التَّرْهِيبُ والتَّرْغِيبُ، وهو إخْبارٌ عَنْ ما يَئُولُ إلَيْهِ حالُ المُؤْمِنِينَ، أُخْبِرُوا بِذَلِكَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ القَوْلِ لِلْكُفّارِ إذْ ذَلِكَ زِيادَةٌ في غَمِّهِمْ وتَنْكِيدٌ لَهم، والأوَّلُ أظْهَرُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: فَكِهِينَ، نَصْبًا عَلى الحالِ والخَبَرِ في ﴿جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ [الطور: ١٧] . وقَرَأ خالِدٌ: بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ إنَّ، وفي جَنّاتٍ مُتَعَلِّقٌ بِهِ. ومَن أجازَ تَعْدادَ الخَبَرِ، أجازَ أنْ يَكُونا خَبَرَيْنِ. (ووَقاهم) مَعْطُوفٌ عَلى ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ [الطور: ١٧]، إذِ المَعْنى: اسْتَقَرُّوا في جَنّاتٍ، أوْ عَلى (آتاهم)، وما مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ فَكِهِينَ بِإيتائِهِمْ رَبُّهُمُ النَّعِيمَ ووِقايَتِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ. وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الواوُ في (ووَقاهم) واوَ الحالِ، ومَن شَرَطَ قَدْ في الماضِي، قالَ: هي هُنا مُضْمَرَةٌ، أيْ وقَدْ وقاهم. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: ووَقاهم، بِتَشْدِيدِ القافِ. ﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾ [الطور: ١٩] عَلى إضْمارِ القَوْلِ: أيْ يُقالُ لَهم: (هَنِيئًا) . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أكْلًا وشُرْبًا هَنِيئًا، أوْ طَعامًا وشَرابًا هَنِيئًا، وهو الَّذِي لا تَنْغِيصَ فِيهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ: ؎هَنِيئًا مَرِيئًا غَيْرُ داءٍ مُخامِرٍ لِعِزَّةٍ مِن أعْراضِنا ما اسْتَحَلَّتْ أعْنِي: صِفَةٌ اسْتُعْمِلَتِ اسْتِعْمالَ المَصْدَرِ القائِمِ مَقامَ الفِعْلِ، مُرْتَفِعًا بِهِ ما اسْتَحَلَّتْ، كَما يَرْتَفِعُ بِالفِعْلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: هُنا عِزَّةُ المُسْتَحِلِّ مِن أعْراضِنا. وكَذَلِكَ مَعْنى هَنِيئًا هاهُنا: هَنَّأكُمُ الأكْلُ والشُّرْبُ، أوْ هَنَّأكم ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، أيْ جَزاءُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، والباءُ مَزِيدَةٌ كَما في: (كَفى بِاللَّهِ)، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِكُلُوا واشْرَبُوا، إذا جَعَلْتَ الفاعِلَ الأكْلَ والشُّرْبَ. انْتَهى. وتَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ مُشْبَعًا عَلى (هَنِيئًا) في سُورَةِ النِّساءِ. وأمّا تَجْوِيزُهُ زِيادَةَ الباءِ، فَلَيْسَتْ زِيادَتُها مَقِيسَةً في الفاعِلِ، إلّا في فاعِلِ كَفى عَلى خِلافٍ فِيها؛ فَتَجْوِيزُ زِيادَتِها في الفاعِلِ هُنا لا يَسُوغُ. وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ الباءَ تَتَعَلَّقُ بِـ كُلُوا واشْرَبُوا، فَلا يَصِحُّ إلّا عَلى الأعْمالِ، فَهي تَتَعَلَّقُ بِأحَدِهِما. وانْتَصَبَ (مُتَّكِئِينَ) عَلى الحالِ. قالَ أبُو البَقاءِ: مِنَ الضَّمِيرِ في (كُلُوا)، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في (ووَقاهم)، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في (آتاهم)، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في (فاكِهِينَ)، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في الظَّرْفِ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّهُ حالٌ مِنَ الظَّرْفِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ [الطور: ١٧] . وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: عَلى سُرَرٍ، بِفَتْحِ الرّاءِ، وهي لُغَةٌ لِكَلْبٍ في المُضَعَّفِ، فِرارًا مِن تَوالِي ضَمَّتَيْنِ مَعَ التَّضْعِيفِ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ: ﴿بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الطور: ٢٠] عَلى الإضافَةِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الطور: ٢١] مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ (ألْحَقْناهُ) . وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (والَّذِينَ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى تَقْدِيرِ: وأكْرَمْنا الَّذِينَ آمَنُوا. ومَعْنى الآيَةِ، قالَ الجُمْهُورُ وابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُما: أنَّ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ اتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم في الإيمانِ يَكُونُونَ في مَراتِبِ آبائِهِمْ، وإنْ لَمْ يَكُونُوا في التَّقْوى والأعْمالِ مِثْلَهم كَرامَةً لِآبائِهِمْ. فَبِإيمانٍ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وأتْبَعْناهُمْ﴾ [القصص: ٤٢] . ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، قالَ: ”«إنَّ اللَّهَ لَيَرْفَعُ ذُرِّيَّةَ المُؤْمِنِ مَعَهُ في دَرَجَتِهِ وإنْ كانَ لَمْ يَبْلُغْها بِعَمَلِهِ لِيُقِرَّ بِها عَيْنَهُ“ ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ» . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُلْحِقُ الأبْناءَ الصِّغارَ، وإنْ لَمْ يَبْلُغُوا الإيمانَ بِأحْكامِ الآباءِ المُؤْمِنِينَ. انْتَهى. فَيَكُونُ بِإيمانٍ مُتَعَلِّقًا بِألْحَقْنا، أيْ ألْحَقْنا (p-١٤٩)بِسَبَبِ الإيمانِ الآباءَ بِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ، وهُمُ الصِّغارُ الَّذِينَ ماتُوا ولَمْ يَبْلُغُوا التَّكْلِيفَ، فَهم في الجَنَّةِ مَعَ آبائِهِمْ، وإذا كانَ أبْناءُ الكُفّارِ، الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا حَدَّ التَّكْلِيفِ في الجَنَّةِ، كَما ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ، فَأحْرى بِأوْلادِ المُؤْمِنِينَ. وقالَ الحَسَنُ: الآيَةُ في الكِبارِ مِنَ الذُّرِّيَّةِ. وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ هي في الصِّغارِ لا في الكِبارِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: الَّذِينَ آمَنُوا: المُهاجِرُونَ والأنْصارُ، والذُّرِّيَّةُ: التّابِعُونَ. وعَنْهُ أيْضًا: إنْ كانَ الآباءُ أرْفَعَ دَرَجَةً، رَفَعَ اللَّهُ الأبْناءَ إلَيْهِمْ، فالآباءُ داخِلُونَ في اسْمِ الذُّرِّيَّةِ. وقالَ النَّخَعِيُّ: المَعْنى: أعْطَيْناهم أُجُورَهم مِن غَيْرِ نَقْصٍ، وجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهم كَذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الطور: ٢١]، مَعْطُوفٌ عَلى حُورٍ عِينٍ. أيْ قَرَنّاهم بِالحُورِ العِينِ؛ وبِالَّذِينَ آمَنُوا: أيْ بِالرُّفَقاءِ والجُلَساءِ مِنهم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]، فَيَتَمَتَّعُونَ تارَةً بِمُلاعَبَةِ الحُورِ، وتارَةً بِمُؤانَسَةِ الإخْوانِ المُؤْمِنِينَ، وأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتِهِمْ. ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عَبّاسٍ، ثُمَّ قالَ: فَيَجْمَعُ اللَّهُ لَهم أنْواعَ السُّرُورِ بِسَعادَتِهِمْ في أنْفُسِهِمْ، وبِمُزاوَجَةِ الحُورِ العِينِ، وبِمُؤانَسَةِ الإخْوانِ المُؤْمِنِينَ، وبِاجْتِماعِ أوْلادِهِمْ بِهِمْ ونَسْلِهِمْ. ثُمَّ قالَ: بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ: أيْ بِسَبَبِ إيمانٍ عَظِيمٍ رَفِيعِ المَحَلِّ، وهو إيمانُ الآباءِ، ألْحَقْنا بِدَرَجاتِهِمْ ذُرِّيَّتِهِمْ، وإنْ كانُوا لا يَسْتَأْهِلُونَها، تَفَضُّلًا عَلَيْهِمْ وعَلى آبائِهِمْ، لِنُتِمَّ سُرُورَهم ونُكَمِّلَ نَعِيمَهم. فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى تَنْكِيرِ الإيمانِ ؟ قُلْتُ: مَعْناهُ الدَّلالَةُ عَلى أنَّهُ إيمانٌ خاصٌّ عَظِيمُ المَنزِلَةِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ إيمانُ الذُّرِّيَّةِ الدّانِي المَحَلِّ، كَأنَّهُ قالَ: بِشَيْءٍ مِنَ الإيمانِ لا يُؤَهِّلُهم لِدَرَجَةِ الآباءِ ألْحَقْناهم بِهِمْ. انْتَهى. ولا يَتَخَيَّلُ أحَدٌ أنَّ (والَّذِينَ) مَعْطُوفٌ عَلى ﴿بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الطور: ٢٠] غَيْرُ هَذا الرَّجُلِ، وهو تَخَيُّلٌ أعْجَمِيٌّ مُخالِفٌ لِفَهْمِ العَرَبِيِّ القُحِّ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ. والأحْسَنُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ويُعَضِّدُهُ الحَدِيثُ الَّذِي رَواهُ، لِأنَّ الآياتِ كُلَّها في صِفَةِ إحْسانِ اللَّهِ تَعالى إلى أهْلِ الجَنَّةِ. وذَكَرَ مِن جُمْلَةِ إحْسانِهِ أنَّهُ يَرْعى المُحْسِنَ في المُسِيءِ. ولَفْظَةُ ﴿ألْحَقْنا﴾ [الطور: ٢١] تَقْتَضِي أنَّ لِلْمُلْحَقِ بَعْضَ التَّقْصِيرِ في الأعْمالِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: وأتْبَعْناهم؛ وباقِي السَّبْعَةِ: واتَّبَعَتْهم؛ وأبُو عَمْرٍو: و”ذُرِّيّاتِهِمْ“ جَمْعًا نَصْبًا؛ وابْنُ عامِرٍ: جَمْعًا رَفْعًا؛ وباقِي السَّبْعَةِ: مُفْرَدًا؛ وابْنُ جُبَيْرٍ: وأتْبَعْناهم ذُرِّيَّتَهم، بِالمَدِّ والهَمْزِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ألَتْناهُمْ﴾ [الطور: ٢١]، بِفَتْحِ اللّامِ، مِن ألاتَ؛ والحَسَنُ وابْنُ كَثِيرٍ: بِكَسْرِها؛ وابْنُ هُرْمُزٍ: آلَتْناهم، بِالمَدِّ مَن آلَتَ، عَلى وزْنِ أفْعَلَ؛ وابْنُ مَسْعُودٍ وأُبَيٌّ: لِتْناهم مِن لاتَ، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ والأعْمَشِ؛ ورُوِيَتْ عَنْ شِبْلٍ وابْنِ كَثِيرٍ، وعَنْ طَلْحَةَ والأعْمَشِ أيْضًا: لَتْناهم بِفَتْحِ اللّامِ. قالَ سَهْلٌ: لا يَجُوزُ فَتْحُ اللّامِ مِن غَيْرِ ألِفٍ بِحالٍ، وأنْكَرَ أيْضًا آلَتْناهم بِالمَدِّ، وقالَ: لا يُرْوى عَنْ أحَدٍ، ولا يَدُلُّ عَلَيْها تَفْسِيرٌ ولا عَرَبِيَّةٌ، ولَيْسَ كَما ذَكَرَ، بَلْ قَدْ نَقَلَ أهْلُ اللُّغَةِ آلَتَ بِالمَدِّ، كَما قَرَأ ابْنُ هُرْمُزٍ. وقُرِئَ: وما ولَتْناهم، ذَكَرَهُ ابْنُ هارُونَ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: فَيَكُونُ هُنا الحَرْفُ مِن لاتَ يَلِيتُ، ووَلَتَ يَلِتُ، وألَتَ يَأْلِتُ، وألاتَ يَلِيتُ، ويُؤْلِتُ، وكُلُّها بِمَعْنى نَقَصَ. ويُقالُ: ألَتَ بِمَعْنى غَلُظَ. وقامَ رَجُلٌ إلى عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَوَعَظَهُ، فَقالَ رَجُلٌ: لا تَأْلِتْ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أيْ لا تُغْلِظْ عَلَيْهِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ألَتْناهم عائِدٌ عَلى المُؤْمِنِينَ. والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى يُلْحِقُ المُقَصِّرَ بِالمُحْسِنِ، ولا يُنْقِصُ المُحْسِنَ مِن أجْرِهِ شَيْئًا، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ والجُمْهُورِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الأبْناءِ. ﴿مِن عَمَلِهِمْ﴾ [الطور: ٢١]: أيِ الحَسَنِ والقَبِيحِ، ويُحَسِّنُ هَذا الِاحْتِمالَ قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١]: أيْ مُرْتَهِنٌ وفِيهِ، ﴿وأمْدَدْناهُمْ﴾ [الطور: ٢٢]: أيْ يَسَّرْنا لَهم شَيْئًا فَشَيْئًا حَتّى يَكِرَّ ولا يَنْقَطِعَ. ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها﴾ أيْ يَتَعاطَوْنَ، قالَ الأخْطَلُ: ؎نازَعْتُهُ طَيِّبَ الرّاحِ الشَّمُولِ وقَدْ ∗∗∗ صاحَ الدَّجاجُ وحانَتْ وقْعَةُ السّارِي أوْ يَتَنازَعُونَ: يَتَجاذَبُونَ تَجاذُبَ مُلاعَبَةٍ، إذْ أهْلُ الدُّنْيا لَهم في ذَلِكَ لَذَّةٌ، وكَذَلِكَ في الجَنَّةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾، بِرَفْعِهِما؛ وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: بِفَتْحِهِما، واللَّغْوُ: السَّقْطُ مِنَ الكَلامِ، كَما يَجْرِي (p-١٥٠)بَيْنَ شُرّابِ الخَمْرِ في الدُّنْيا. والتَّأْثِيمُ: الإثْمُ الَّذِي يَلْحَقُ شارِبَ الخَمْرِ في الدُّنْيا. ﴿غِلْمانٌ لَهُمْ﴾: أيْ مَمالِيكُ. (مَكْنُونٌ): أيْ في الصَّدَفِ، لَمْ تَنَلْهُ الأيْدِي، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، وهو إذْ ذاكَ رَطْبٌ، فَهو أحْسَنُ وأصْفى. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِـ ”مَكْنُونٌ“: مَخْزُونٌ، لِأنَّهُ لا يُخْزَنُ إلّا الغالِي الثَّمَنِ. والظّاهِرُ أنَّ التَّساؤُلَ هو في الجَنَّةِ، إذْ هَذِهِ كُلُّها مَعاطِيفُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، أيْ يَتَساءَلُونَ عَنْ أحْوالِهِمْ وما نالَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾: أيْ بِهَذا النَّعِيمِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَساؤُلُهم إذا بُعِثُوا في النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، حَكاهُ الطَّبَرِيُّ عَنْهُ. (مُشْفِقِينَ): رَقِيقِي القُلُوبِ، خاشِعِينَ لِلَّهِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: ووَقّانا بِتَشْدِيدِ القافِ، والسَّمُومُ هُنا النّارُ؛ وقالَ الحَسَنُ: اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ. (مِن قَبْلُ): أيْ مِن قَبْلِ لِقاءِ اللَّهِ والمَصِيرِ إلَيْهِ. ﴿نَدْعُوهُ﴾ نَعْبُدُهُ ونَسْألُهُ الوِقايَةَ مِن عَذابِهِ، ﴿إنَّهُ هو البَرُّ﴾: المُحْسِنُ، (الرَّحِيمُ): الكَثِيرُ الرَّحْمَةِ، إذا عُبِدَ أثابَ، وإذا سُئِلَ أجابَ. أوْ ﴿نَدْعُوهُ﴾ مِنَ الدُّعاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ ونافِعٌ والكِسائِيُّ: أنَّهُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، أيْ لِأنَّهُ وباقِي السَّبْعَةِ: إنَّهُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ وجَماعَةٍ، وفِيها مَعْنى التَّعْلِيلِ.

الطور 52:26

ومِن غَرِيبِ ما يُحْكى أنَّ شَخْصًا رَأى في النَّوْمِ في كَفِّهِ مَكْتُوبًا خَمْسُ واواتٍ، فَعُبِّرَ لَهُ بِخَيْرٍ، فَسَألَ ابْنَ سِيرِينَ، فَقالَ: تَهَيَّأْ لِما لا يَسُرُّ، فَقالَ لَهُ: مِن أيْنَ أخَذْتَ هَذا ؟ فَقالَ: مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والطُّورِ﴾ [الطور: ١] إلى ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ [الطور: ٧]، فَما مَضى يَوْمانِ أوْ ثَلاثَةٌ حَتّى أُحِيطَ بِذَلِكَ الشَّخْصِ. وانْتَصَبَ يَوْمٌ بِدافِعٍ، قالَهُ الحَوْفِيُّ، وقالَ مَكِّيُّ: لا يَعْمَلُ فِيهِ واقِعٌ، ولَمْ يَذْكُرْ دَلِيلَ المَنعِ. وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: (لَواقِعٌ)، ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ [الطور: ٨] عَلى هَذا جُمْلَةُ اعْتِراضٍ بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (تَمُورُ): تَضْطَرِبُ. وقالَ أيْضًا: تَشَقَّقُ. وقالَ الضَّحّاكُ: يَمُوجُ بَعْضُها في بَعْضٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: تَدُورُ. ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ [الطور: ١٠]، هَذا في أوَّلِ الأمْرِ، ثُمَّ تُنْسَفُ حَتّى تَصِيرَ آخِرًا ﴿كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] . (فَوَيْلٌ): عُطِفَ عَلى جُمْلَةٍ تَتَضَمَّنُ رَبْطَ المَعْنى وتَأْكِيدَهُ. والخَوْضُ: التَّخَبُّطُ في الباطِلِ، وغَلَبَ اسْتِعْمالُهُ في الِانْدِفاعِ في الباطِلِ. ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾ [الطور: ١٣]، وذَلِكَ أنَّ خَزَنَةَ جَهَنَّمَ يَغُلُّونَ أيْدِيَ الكُفّارِ إلى أعْناقِهِمْ، ويَجْمَعُونَ نَواصِيَهم إلى أقْدامِهِمْ، ويَدْفَعُونَهم إلى النّارِ دَفْعًا عَلى وُجُوهِهِمْ وزَجًّا في أقْفِيَتِهِمْ. وقَرَأ عَلِيٌّ وأبُو رَجاءٍ والسُّلَمِيُّ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: يُدْعَوْنَ، بِسُكُونِ الدّالِ وفَتْحِ العَيْنِ: مِنَ الدُّعاءِ، أيْ يُقالُ لَهم: هَلُمُّوا إلى النّارِ، وادْخُلُوها (دَعًّا): مَدْعُوعِينَ، يُقالُ لَهم: ﴿هَذِهِ النّارُ﴾ [الطور: ١٤] . لَمّا قِيلَ لَهم ذَلِكَ، وقَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ عَلى الجِهَتَيْنِ اللَّتَيْنِ يُمْكِنُ دُخُولُ الشَّكِّ في أنَّها النّارُ، وهي: إمّا أنْ يَكُونَ سِحْرٌ يُلَبِّسُ ذاتَ المَرْئِيِّ، وإمّا أنْ يَكُونَ في نَظَرِ النّاظِرِ اخْتِلالٌ، فَأمَرَهم بِصِلِيِّها عَلى جِهَةِ التَّقْرِيعِ. ثُمَّ قِيلَ لَهم عَلى قَطْعِ رَجائِهِمْ: ﴿فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور: ١٦]: عَذابُكم حَتْمٌ، فَسَواءٌ صَبْرُكم وجَزَعُكم لا بُدَّ مِن جَزاءِ أعْمالِكم، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. (p-١٤٨)وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿أفَسِحْرٌ هَذا﴾ [الطور: ١٥]، يَعْنِي كُنْتُمْ تَقُولُونَ لِلْوَحْيِ: هَذا سِحْرٌ. . ﴿أفَسِحْرٌ هَذا﴾ [الطور: ١٥]، يُرِيدُ: أهَذا المِصْداقُ أيْضًا سِحْرٌ ؟ ودَخَلَتِ الفاءُ لِهَذا المَعْنى. ﴿أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور: ١٥]: كَما كُنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ في الدُّنْيا، يَعْنِي: أمْ أنْتُمْ عُمْيٌ عَنِ المُخْبَرِ عَنْهُ، كَما كُنْتُمْ عُمْيًا عَنِ الخَبَرِ ؟ وهَذا تَقْرِيعٌ وتَهَكُّمٌ. فَإنْ قُلْتَ: لِمَ عَلَّلَ اسْتِواءَ الصَّبْرِ وعَدَمَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦] ؟ قُلْتُ: لِأنَّ الصَّبْرَ إنَّما يَكُونُ لَهُ مَزِيَّةٌ عَلى الجَزَعِ لِنَفْعِهِ في العاقِبَةِ، وبِأنْ يُجازى عَلَيْهِ الصّابِرُ جَزاءَ الخَيْرِ. فَأمّا الصَّبْرُ عَلى العَذابِ، الَّذِي هو الجَزاءُ ولا عاقِبَةَ لَهُ ولا مَنفَعَةَ، فَلا مَزِيَّةَ لَهُ عَلى الجَزَعِ. انْتَهى. وسِحْرٌ: خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وهَذا: مُبْتَدَأٌ، وسَواءٌ: مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيِ الصَّبْرُ والجَزَعُ. وقالَ أبُو البَقاءِ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ صَبْرُكم وتَرْكُهُ سَواءٌ. ولَمّا ذَكَرَ حالَ الكُفّارِ، ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ، لِيَقَعَ التَّرْهِيبُ والتَّرْغِيبُ، وهو إخْبارٌ عَنْ ما يَئُولُ إلَيْهِ حالُ المُؤْمِنِينَ، أُخْبِرُوا بِذَلِكَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ القَوْلِ لِلْكُفّارِ إذْ ذَلِكَ زِيادَةٌ في غَمِّهِمْ وتَنْكِيدٌ لَهم، والأوَّلُ أظْهَرُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: فَكِهِينَ، نَصْبًا عَلى الحالِ والخَبَرِ في ﴿جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ [الطور: ١٧] . وقَرَأ خالِدٌ: بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ إنَّ، وفي جَنّاتٍ مُتَعَلِّقٌ بِهِ. ومَن أجازَ تَعْدادَ الخَبَرِ، أجازَ أنْ يَكُونا خَبَرَيْنِ. (ووَقاهم) مَعْطُوفٌ عَلى ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ [الطور: ١٧]، إذِ المَعْنى: اسْتَقَرُّوا في جَنّاتٍ، أوْ عَلى (آتاهم)، وما مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ فَكِهِينَ بِإيتائِهِمْ رَبُّهُمُ النَّعِيمَ ووِقايَتِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ. وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الواوُ في (ووَقاهم) واوَ الحالِ، ومَن شَرَطَ قَدْ في الماضِي، قالَ: هي هُنا مُضْمَرَةٌ، أيْ وقَدْ وقاهم. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: ووَقاهم، بِتَشْدِيدِ القافِ. ﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾ [الطور: ١٩] عَلى إضْمارِ القَوْلِ: أيْ يُقالُ لَهم: (هَنِيئًا) . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أكْلًا وشُرْبًا هَنِيئًا، أوْ طَعامًا وشَرابًا هَنِيئًا، وهو الَّذِي لا تَنْغِيصَ فِيهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ: ؎هَنِيئًا مَرِيئًا غَيْرُ داءٍ مُخامِرٍ لِعِزَّةٍ مِن أعْراضِنا ما اسْتَحَلَّتْ أعْنِي: صِفَةٌ اسْتُعْمِلَتِ اسْتِعْمالَ المَصْدَرِ القائِمِ مَقامَ الفِعْلِ، مُرْتَفِعًا بِهِ ما اسْتَحَلَّتْ، كَما يَرْتَفِعُ بِالفِعْلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: هُنا عِزَّةُ المُسْتَحِلِّ مِن أعْراضِنا. وكَذَلِكَ مَعْنى هَنِيئًا هاهُنا: هَنَّأكُمُ الأكْلُ والشُّرْبُ، أوْ هَنَّأكم ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، أيْ جَزاءُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، والباءُ مَزِيدَةٌ كَما في: (كَفى بِاللَّهِ)، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِكُلُوا واشْرَبُوا، إذا جَعَلْتَ الفاعِلَ الأكْلَ والشُّرْبَ. انْتَهى. وتَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ مُشْبَعًا عَلى (هَنِيئًا) في سُورَةِ النِّساءِ. وأمّا تَجْوِيزُهُ زِيادَةَ الباءِ، فَلَيْسَتْ زِيادَتُها مَقِيسَةً في الفاعِلِ، إلّا في فاعِلِ كَفى عَلى خِلافٍ فِيها؛ فَتَجْوِيزُ زِيادَتِها في الفاعِلِ هُنا لا يَسُوغُ. وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ الباءَ تَتَعَلَّقُ بِـ كُلُوا واشْرَبُوا، فَلا يَصِحُّ إلّا عَلى الأعْمالِ، فَهي تَتَعَلَّقُ بِأحَدِهِما. وانْتَصَبَ (مُتَّكِئِينَ) عَلى الحالِ. قالَ أبُو البَقاءِ: مِنَ الضَّمِيرِ في (كُلُوا)، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في (ووَقاهم)، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في (آتاهم)، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في (فاكِهِينَ)، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في الظَّرْفِ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّهُ حالٌ مِنَ الظَّرْفِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ [الطور: ١٧] . وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: عَلى سُرَرٍ، بِفَتْحِ الرّاءِ، وهي لُغَةٌ لِكَلْبٍ في المُضَعَّفِ، فِرارًا مِن تَوالِي ضَمَّتَيْنِ مَعَ التَّضْعِيفِ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ: ﴿بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الطور: ٢٠] عَلى الإضافَةِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الطور: ٢١] مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ (ألْحَقْناهُ) . وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (والَّذِينَ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى تَقْدِيرِ: وأكْرَمْنا الَّذِينَ آمَنُوا. ومَعْنى الآيَةِ، قالَ الجُمْهُورُ وابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُما: أنَّ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ اتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم في الإيمانِ يَكُونُونَ في مَراتِبِ آبائِهِمْ، وإنْ لَمْ يَكُونُوا في التَّقْوى والأعْمالِ مِثْلَهم كَرامَةً لِآبائِهِمْ. فَبِإيمانٍ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وأتْبَعْناهُمْ﴾ [القصص: ٤٢] . ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، قالَ: ”«إنَّ اللَّهَ لَيَرْفَعُ ذُرِّيَّةَ المُؤْمِنِ مَعَهُ في دَرَجَتِهِ وإنْ كانَ لَمْ يَبْلُغْها بِعَمَلِهِ لِيُقِرَّ بِها عَيْنَهُ“ ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ» . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُلْحِقُ الأبْناءَ الصِّغارَ، وإنْ لَمْ يَبْلُغُوا الإيمانَ بِأحْكامِ الآباءِ المُؤْمِنِينَ. انْتَهى. فَيَكُونُ بِإيمانٍ مُتَعَلِّقًا بِألْحَقْنا، أيْ ألْحَقْنا (p-١٤٩)بِسَبَبِ الإيمانِ الآباءَ بِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ، وهُمُ الصِّغارُ الَّذِينَ ماتُوا ولَمْ يَبْلُغُوا التَّكْلِيفَ، فَهم في الجَنَّةِ مَعَ آبائِهِمْ، وإذا كانَ أبْناءُ الكُفّارِ، الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا حَدَّ التَّكْلِيفِ في الجَنَّةِ، كَما ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ، فَأحْرى بِأوْلادِ المُؤْمِنِينَ. وقالَ الحَسَنُ: الآيَةُ في الكِبارِ مِنَ الذُّرِّيَّةِ. وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ هي في الصِّغارِ لا في الكِبارِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: الَّذِينَ آمَنُوا: المُهاجِرُونَ والأنْصارُ، والذُّرِّيَّةُ: التّابِعُونَ. وعَنْهُ أيْضًا: إنْ كانَ الآباءُ أرْفَعَ دَرَجَةً، رَفَعَ اللَّهُ الأبْناءَ إلَيْهِمْ، فالآباءُ داخِلُونَ في اسْمِ الذُّرِّيَّةِ. وقالَ النَّخَعِيُّ: المَعْنى: أعْطَيْناهم أُجُورَهم مِن غَيْرِ نَقْصٍ، وجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهم كَذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الطور: ٢١]، مَعْطُوفٌ عَلى حُورٍ عِينٍ. أيْ قَرَنّاهم بِالحُورِ العِينِ؛ وبِالَّذِينَ آمَنُوا: أيْ بِالرُّفَقاءِ والجُلَساءِ مِنهم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]، فَيَتَمَتَّعُونَ تارَةً بِمُلاعَبَةِ الحُورِ، وتارَةً بِمُؤانَسَةِ الإخْوانِ المُؤْمِنِينَ، وأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتِهِمْ. ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عَبّاسٍ، ثُمَّ قالَ: فَيَجْمَعُ اللَّهُ لَهم أنْواعَ السُّرُورِ بِسَعادَتِهِمْ في أنْفُسِهِمْ، وبِمُزاوَجَةِ الحُورِ العِينِ، وبِمُؤانَسَةِ الإخْوانِ المُؤْمِنِينَ، وبِاجْتِماعِ أوْلادِهِمْ بِهِمْ ونَسْلِهِمْ. ثُمَّ قالَ: بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ: أيْ بِسَبَبِ إيمانٍ عَظِيمٍ رَفِيعِ المَحَلِّ، وهو إيمانُ الآباءِ، ألْحَقْنا بِدَرَجاتِهِمْ ذُرِّيَّتِهِمْ، وإنْ كانُوا لا يَسْتَأْهِلُونَها، تَفَضُّلًا عَلَيْهِمْ وعَلى آبائِهِمْ، لِنُتِمَّ سُرُورَهم ونُكَمِّلَ نَعِيمَهم. فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى تَنْكِيرِ الإيمانِ ؟ قُلْتُ: مَعْناهُ الدَّلالَةُ عَلى أنَّهُ إيمانٌ خاصٌّ عَظِيمُ المَنزِلَةِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ إيمانُ الذُّرِّيَّةِ الدّانِي المَحَلِّ، كَأنَّهُ قالَ: بِشَيْءٍ مِنَ الإيمانِ لا يُؤَهِّلُهم لِدَرَجَةِ الآباءِ ألْحَقْناهم بِهِمْ. انْتَهى. ولا يَتَخَيَّلُ أحَدٌ أنَّ (والَّذِينَ) مَعْطُوفٌ عَلى ﴿بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الطور: ٢٠] غَيْرُ هَذا الرَّجُلِ، وهو تَخَيُّلٌ أعْجَمِيٌّ مُخالِفٌ لِفَهْمِ العَرَبِيِّ القُحِّ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ. والأحْسَنُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ويُعَضِّدُهُ الحَدِيثُ الَّذِي رَواهُ، لِأنَّ الآياتِ كُلَّها في صِفَةِ إحْسانِ اللَّهِ تَعالى إلى أهْلِ الجَنَّةِ. وذَكَرَ مِن جُمْلَةِ إحْسانِهِ أنَّهُ يَرْعى المُحْسِنَ في المُسِيءِ. ولَفْظَةُ ﴿ألْحَقْنا﴾ [الطور: ٢١] تَقْتَضِي أنَّ لِلْمُلْحَقِ بَعْضَ التَّقْصِيرِ في الأعْمالِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: وأتْبَعْناهم؛ وباقِي السَّبْعَةِ: واتَّبَعَتْهم؛ وأبُو عَمْرٍو: و”ذُرِّيّاتِهِمْ“ جَمْعًا نَصْبًا؛ وابْنُ عامِرٍ: جَمْعًا رَفْعًا؛ وباقِي السَّبْعَةِ: مُفْرَدًا؛ وابْنُ جُبَيْرٍ: وأتْبَعْناهم ذُرِّيَّتَهم، بِالمَدِّ والهَمْزِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ألَتْناهُمْ﴾ [الطور: ٢١]، بِفَتْحِ اللّامِ، مِن ألاتَ؛ والحَسَنُ وابْنُ كَثِيرٍ: بِكَسْرِها؛ وابْنُ هُرْمُزٍ: آلَتْناهم، بِالمَدِّ مَن آلَتَ، عَلى وزْنِ أفْعَلَ؛ وابْنُ مَسْعُودٍ وأُبَيٌّ: لِتْناهم مِن لاتَ، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ والأعْمَشِ؛ ورُوِيَتْ عَنْ شِبْلٍ وابْنِ كَثِيرٍ، وعَنْ طَلْحَةَ والأعْمَشِ أيْضًا: لَتْناهم بِفَتْحِ اللّامِ. قالَ سَهْلٌ: لا يَجُوزُ فَتْحُ اللّامِ مِن غَيْرِ ألِفٍ بِحالٍ، وأنْكَرَ أيْضًا آلَتْناهم بِالمَدِّ، وقالَ: لا يُرْوى عَنْ أحَدٍ، ولا يَدُلُّ عَلَيْها تَفْسِيرٌ ولا عَرَبِيَّةٌ، ولَيْسَ كَما ذَكَرَ، بَلْ قَدْ نَقَلَ أهْلُ اللُّغَةِ آلَتَ بِالمَدِّ، كَما قَرَأ ابْنُ هُرْمُزٍ. وقُرِئَ: وما ولَتْناهم، ذَكَرَهُ ابْنُ هارُونَ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: فَيَكُونُ هُنا الحَرْفُ مِن لاتَ يَلِيتُ، ووَلَتَ يَلِتُ، وألَتَ يَأْلِتُ، وألاتَ يَلِيتُ، ويُؤْلِتُ، وكُلُّها بِمَعْنى نَقَصَ. ويُقالُ: ألَتَ بِمَعْنى غَلُظَ. وقامَ رَجُلٌ إلى عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَوَعَظَهُ، فَقالَ رَجُلٌ: لا تَأْلِتْ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أيْ لا تُغْلِظْ عَلَيْهِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ألَتْناهم عائِدٌ عَلى المُؤْمِنِينَ. والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى يُلْحِقُ المُقَصِّرَ بِالمُحْسِنِ، ولا يُنْقِصُ المُحْسِنَ مِن أجْرِهِ شَيْئًا، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ والجُمْهُورِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الأبْناءِ. ﴿مِن عَمَلِهِمْ﴾ [الطور: ٢١]: أيِ الحَسَنِ والقَبِيحِ، ويُحَسِّنُ هَذا الِاحْتِمالَ قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١]: أيْ مُرْتَهِنٌ وفِيهِ، ﴿وأمْدَدْناهُمْ﴾ [الطور: ٢٢]: أيْ يَسَّرْنا لَهم شَيْئًا فَشَيْئًا حَتّى يَكِرَّ ولا يَنْقَطِعَ. ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها﴾ أيْ يَتَعاطَوْنَ، قالَ الأخْطَلُ: ؎نازَعْتُهُ طَيِّبَ الرّاحِ الشَّمُولِ وقَدْ ∗∗∗ صاحَ الدَّجاجُ وحانَتْ وقْعَةُ السّارِي أوْ يَتَنازَعُونَ: يَتَجاذَبُونَ تَجاذُبَ مُلاعَبَةٍ، إذْ أهْلُ الدُّنْيا لَهم في ذَلِكَ لَذَّةٌ، وكَذَلِكَ في الجَنَّةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾، بِرَفْعِهِما؛ وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: بِفَتْحِهِما، واللَّغْوُ: السَّقْطُ مِنَ الكَلامِ، كَما يَجْرِي (p-١٥٠)بَيْنَ شُرّابِ الخَمْرِ في الدُّنْيا. والتَّأْثِيمُ: الإثْمُ الَّذِي يَلْحَقُ شارِبَ الخَمْرِ في الدُّنْيا. ﴿غِلْمانٌ لَهُمْ﴾: أيْ مَمالِيكُ. (مَكْنُونٌ): أيْ في الصَّدَفِ، لَمْ تَنَلْهُ الأيْدِي، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، وهو إذْ ذاكَ رَطْبٌ، فَهو أحْسَنُ وأصْفى. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِـ ”مَكْنُونٌ“: مَخْزُونٌ، لِأنَّهُ لا يُخْزَنُ إلّا الغالِي الثَّمَنِ. والظّاهِرُ أنَّ التَّساؤُلَ هو في الجَنَّةِ، إذْ هَذِهِ كُلُّها مَعاطِيفُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، أيْ يَتَساءَلُونَ عَنْ أحْوالِهِمْ وما نالَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾: أيْ بِهَذا النَّعِيمِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَساؤُلُهم إذا بُعِثُوا في النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، حَكاهُ الطَّبَرِيُّ عَنْهُ. (مُشْفِقِينَ): رَقِيقِي القُلُوبِ، خاشِعِينَ لِلَّهِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: ووَقّانا بِتَشْدِيدِ القافِ، والسَّمُومُ هُنا النّارُ؛ وقالَ الحَسَنُ: اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ. (مِن قَبْلُ): أيْ مِن قَبْلِ لِقاءِ اللَّهِ والمَصِيرِ إلَيْهِ. ﴿نَدْعُوهُ﴾ نَعْبُدُهُ ونَسْألُهُ الوِقايَةَ مِن عَذابِهِ، ﴿إنَّهُ هو البَرُّ﴾: المُحْسِنُ، (الرَّحِيمُ): الكَثِيرُ الرَّحْمَةِ، إذا عُبِدَ أثابَ، وإذا سُئِلَ أجابَ. أوْ ﴿نَدْعُوهُ﴾ مِنَ الدُّعاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ ونافِعٌ والكِسائِيُّ: أنَّهُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، أيْ لِأنَّهُ وباقِي السَّبْعَةِ: إنَّهُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ وجَماعَةٍ، وفِيها مَعْنى التَّعْلِيلِ.

الطور 52:27

ومِن غَرِيبِ ما يُحْكى أنَّ شَخْصًا رَأى في النَّوْمِ في كَفِّهِ مَكْتُوبًا خَمْسُ واواتٍ، فَعُبِّرَ لَهُ بِخَيْرٍ، فَسَألَ ابْنَ سِيرِينَ، فَقالَ: تَهَيَّأْ لِما لا يَسُرُّ، فَقالَ لَهُ: مِن أيْنَ أخَذْتَ هَذا ؟ فَقالَ: مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والطُّورِ﴾ [الطور: ١] إلى ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ [الطور: ٧]، فَما مَضى يَوْمانِ أوْ ثَلاثَةٌ حَتّى أُحِيطَ بِذَلِكَ الشَّخْصِ. وانْتَصَبَ يَوْمٌ بِدافِعٍ، قالَهُ الحَوْفِيُّ، وقالَ مَكِّيُّ: لا يَعْمَلُ فِيهِ واقِعٌ، ولَمْ يَذْكُرْ دَلِيلَ المَنعِ. وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: (لَواقِعٌ)، ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ [الطور: ٨] عَلى هَذا جُمْلَةُ اعْتِراضٍ بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (تَمُورُ): تَضْطَرِبُ. وقالَ أيْضًا: تَشَقَّقُ. وقالَ الضَّحّاكُ: يَمُوجُ بَعْضُها في بَعْضٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: تَدُورُ. ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ [الطور: ١٠]، هَذا في أوَّلِ الأمْرِ، ثُمَّ تُنْسَفُ حَتّى تَصِيرَ آخِرًا ﴿كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] . (فَوَيْلٌ): عُطِفَ عَلى جُمْلَةٍ تَتَضَمَّنُ رَبْطَ المَعْنى وتَأْكِيدَهُ. والخَوْضُ: التَّخَبُّطُ في الباطِلِ، وغَلَبَ اسْتِعْمالُهُ في الِانْدِفاعِ في الباطِلِ. ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾ [الطور: ١٣]، وذَلِكَ أنَّ خَزَنَةَ جَهَنَّمَ يَغُلُّونَ أيْدِيَ الكُفّارِ إلى أعْناقِهِمْ، ويَجْمَعُونَ نَواصِيَهم إلى أقْدامِهِمْ، ويَدْفَعُونَهم إلى النّارِ دَفْعًا عَلى وُجُوهِهِمْ وزَجًّا في أقْفِيَتِهِمْ. وقَرَأ عَلِيٌّ وأبُو رَجاءٍ والسُّلَمِيُّ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: يُدْعَوْنَ، بِسُكُونِ الدّالِ وفَتْحِ العَيْنِ: مِنَ الدُّعاءِ، أيْ يُقالُ لَهم: هَلُمُّوا إلى النّارِ، وادْخُلُوها (دَعًّا): مَدْعُوعِينَ، يُقالُ لَهم: ﴿هَذِهِ النّارُ﴾ [الطور: ١٤] . لَمّا قِيلَ لَهم ذَلِكَ، وقَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ عَلى الجِهَتَيْنِ اللَّتَيْنِ يُمْكِنُ دُخُولُ الشَّكِّ في أنَّها النّارُ، وهي: إمّا أنْ يَكُونَ سِحْرٌ يُلَبِّسُ ذاتَ المَرْئِيِّ، وإمّا أنْ يَكُونَ في نَظَرِ النّاظِرِ اخْتِلالٌ، فَأمَرَهم بِصِلِيِّها عَلى جِهَةِ التَّقْرِيعِ. ثُمَّ قِيلَ لَهم عَلى قَطْعِ رَجائِهِمْ: ﴿فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور: ١٦]: عَذابُكم حَتْمٌ، فَسَواءٌ صَبْرُكم وجَزَعُكم لا بُدَّ مِن جَزاءِ أعْمالِكم، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. (p-١٤٨)وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿أفَسِحْرٌ هَذا﴾ [الطور: ١٥]، يَعْنِي كُنْتُمْ تَقُولُونَ لِلْوَحْيِ: هَذا سِحْرٌ. . ﴿أفَسِحْرٌ هَذا﴾ [الطور: ١٥]، يُرِيدُ: أهَذا المِصْداقُ أيْضًا سِحْرٌ ؟ ودَخَلَتِ الفاءُ لِهَذا المَعْنى. ﴿أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور: ١٥]: كَما كُنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ في الدُّنْيا، يَعْنِي: أمْ أنْتُمْ عُمْيٌ عَنِ المُخْبَرِ عَنْهُ، كَما كُنْتُمْ عُمْيًا عَنِ الخَبَرِ ؟ وهَذا تَقْرِيعٌ وتَهَكُّمٌ. فَإنْ قُلْتَ: لِمَ عَلَّلَ اسْتِواءَ الصَّبْرِ وعَدَمَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦] ؟ قُلْتُ: لِأنَّ الصَّبْرَ إنَّما يَكُونُ لَهُ مَزِيَّةٌ عَلى الجَزَعِ لِنَفْعِهِ في العاقِبَةِ، وبِأنْ يُجازى عَلَيْهِ الصّابِرُ جَزاءَ الخَيْرِ. فَأمّا الصَّبْرُ عَلى العَذابِ، الَّذِي هو الجَزاءُ ولا عاقِبَةَ لَهُ ولا مَنفَعَةَ، فَلا مَزِيَّةَ لَهُ عَلى الجَزَعِ. انْتَهى. وسِحْرٌ: خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وهَذا: مُبْتَدَأٌ، وسَواءٌ: مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيِ الصَّبْرُ والجَزَعُ. وقالَ أبُو البَقاءِ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ صَبْرُكم وتَرْكُهُ سَواءٌ. ولَمّا ذَكَرَ حالَ الكُفّارِ، ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ، لِيَقَعَ التَّرْهِيبُ والتَّرْغِيبُ، وهو إخْبارٌ عَنْ ما يَئُولُ إلَيْهِ حالُ المُؤْمِنِينَ، أُخْبِرُوا بِذَلِكَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ القَوْلِ لِلْكُفّارِ إذْ ذَلِكَ زِيادَةٌ في غَمِّهِمْ وتَنْكِيدٌ لَهم، والأوَّلُ أظْهَرُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: فَكِهِينَ، نَصْبًا عَلى الحالِ والخَبَرِ في ﴿جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ [الطور: ١٧] . وقَرَأ خالِدٌ: بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ إنَّ، وفي جَنّاتٍ مُتَعَلِّقٌ بِهِ. ومَن أجازَ تَعْدادَ الخَبَرِ، أجازَ أنْ يَكُونا خَبَرَيْنِ. (ووَقاهم) مَعْطُوفٌ عَلى ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ [الطور: ١٧]، إذِ المَعْنى: اسْتَقَرُّوا في جَنّاتٍ، أوْ عَلى (آتاهم)، وما مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ فَكِهِينَ بِإيتائِهِمْ رَبُّهُمُ النَّعِيمَ ووِقايَتِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ. وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الواوُ في (ووَقاهم) واوَ الحالِ، ومَن شَرَطَ قَدْ في الماضِي، قالَ: هي هُنا مُضْمَرَةٌ، أيْ وقَدْ وقاهم. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: ووَقاهم، بِتَشْدِيدِ القافِ. ﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾ [الطور: ١٩] عَلى إضْمارِ القَوْلِ: أيْ يُقالُ لَهم: (هَنِيئًا) . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أكْلًا وشُرْبًا هَنِيئًا، أوْ طَعامًا وشَرابًا هَنِيئًا، وهو الَّذِي لا تَنْغِيصَ فِيهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ: ؎هَنِيئًا مَرِيئًا غَيْرُ داءٍ مُخامِرٍ لِعِزَّةٍ مِن أعْراضِنا ما اسْتَحَلَّتْ أعْنِي: صِفَةٌ اسْتُعْمِلَتِ اسْتِعْمالَ المَصْدَرِ القائِمِ مَقامَ الفِعْلِ، مُرْتَفِعًا بِهِ ما اسْتَحَلَّتْ، كَما يَرْتَفِعُ بِالفِعْلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: هُنا عِزَّةُ المُسْتَحِلِّ مِن أعْراضِنا. وكَذَلِكَ مَعْنى هَنِيئًا هاهُنا: هَنَّأكُمُ الأكْلُ والشُّرْبُ، أوْ هَنَّأكم ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، أيْ جَزاءُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، والباءُ مَزِيدَةٌ كَما في: (كَفى بِاللَّهِ)، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِكُلُوا واشْرَبُوا، إذا جَعَلْتَ الفاعِلَ الأكْلَ والشُّرْبَ. انْتَهى. وتَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ مُشْبَعًا عَلى (هَنِيئًا) في سُورَةِ النِّساءِ. وأمّا تَجْوِيزُهُ زِيادَةَ الباءِ، فَلَيْسَتْ زِيادَتُها مَقِيسَةً في الفاعِلِ، إلّا في فاعِلِ كَفى عَلى خِلافٍ فِيها؛ فَتَجْوِيزُ زِيادَتِها في الفاعِلِ هُنا لا يَسُوغُ. وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ الباءَ تَتَعَلَّقُ بِـ كُلُوا واشْرَبُوا، فَلا يَصِحُّ إلّا عَلى الأعْمالِ، فَهي تَتَعَلَّقُ بِأحَدِهِما. وانْتَصَبَ (مُتَّكِئِينَ) عَلى الحالِ. قالَ أبُو البَقاءِ: مِنَ الضَّمِيرِ في (كُلُوا)، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في (ووَقاهم)، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في (آتاهم)، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في (فاكِهِينَ)، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في الظَّرْفِ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّهُ حالٌ مِنَ الظَّرْفِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ [الطور: ١٧] . وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: عَلى سُرَرٍ، بِفَتْحِ الرّاءِ، وهي لُغَةٌ لِكَلْبٍ في المُضَعَّفِ، فِرارًا مِن تَوالِي ضَمَّتَيْنِ مَعَ التَّضْعِيفِ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ: ﴿بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الطور: ٢٠] عَلى الإضافَةِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الطور: ٢١] مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ (ألْحَقْناهُ) . وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (والَّذِينَ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى تَقْدِيرِ: وأكْرَمْنا الَّذِينَ آمَنُوا. ومَعْنى الآيَةِ، قالَ الجُمْهُورُ وابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُما: أنَّ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ اتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم في الإيمانِ يَكُونُونَ في مَراتِبِ آبائِهِمْ، وإنْ لَمْ يَكُونُوا في التَّقْوى والأعْمالِ مِثْلَهم كَرامَةً لِآبائِهِمْ. فَبِإيمانٍ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وأتْبَعْناهُمْ﴾ [القصص: ٤٢] . ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، قالَ: ”«إنَّ اللَّهَ لَيَرْفَعُ ذُرِّيَّةَ المُؤْمِنِ مَعَهُ في دَرَجَتِهِ وإنْ كانَ لَمْ يَبْلُغْها بِعَمَلِهِ لِيُقِرَّ بِها عَيْنَهُ“ ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ» . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُلْحِقُ الأبْناءَ الصِّغارَ، وإنْ لَمْ يَبْلُغُوا الإيمانَ بِأحْكامِ الآباءِ المُؤْمِنِينَ. انْتَهى. فَيَكُونُ بِإيمانٍ مُتَعَلِّقًا بِألْحَقْنا، أيْ ألْحَقْنا (p-١٤٩)بِسَبَبِ الإيمانِ الآباءَ بِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ، وهُمُ الصِّغارُ الَّذِينَ ماتُوا ولَمْ يَبْلُغُوا التَّكْلِيفَ، فَهم في الجَنَّةِ مَعَ آبائِهِمْ، وإذا كانَ أبْناءُ الكُفّارِ، الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا حَدَّ التَّكْلِيفِ في الجَنَّةِ، كَما ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ، فَأحْرى بِأوْلادِ المُؤْمِنِينَ. وقالَ الحَسَنُ: الآيَةُ في الكِبارِ مِنَ الذُّرِّيَّةِ. وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ هي في الصِّغارِ لا في الكِبارِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: الَّذِينَ آمَنُوا: المُهاجِرُونَ والأنْصارُ، والذُّرِّيَّةُ: التّابِعُونَ. وعَنْهُ أيْضًا: إنْ كانَ الآباءُ أرْفَعَ دَرَجَةً، رَفَعَ اللَّهُ الأبْناءَ إلَيْهِمْ، فالآباءُ داخِلُونَ في اسْمِ الذُّرِّيَّةِ. وقالَ النَّخَعِيُّ: المَعْنى: أعْطَيْناهم أُجُورَهم مِن غَيْرِ نَقْصٍ، وجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهم كَذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الطور: ٢١]، مَعْطُوفٌ عَلى حُورٍ عِينٍ. أيْ قَرَنّاهم بِالحُورِ العِينِ؛ وبِالَّذِينَ آمَنُوا: أيْ بِالرُّفَقاءِ والجُلَساءِ مِنهم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]، فَيَتَمَتَّعُونَ تارَةً بِمُلاعَبَةِ الحُورِ، وتارَةً بِمُؤانَسَةِ الإخْوانِ المُؤْمِنِينَ، وأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتِهِمْ. ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عَبّاسٍ، ثُمَّ قالَ: فَيَجْمَعُ اللَّهُ لَهم أنْواعَ السُّرُورِ بِسَعادَتِهِمْ في أنْفُسِهِمْ، وبِمُزاوَجَةِ الحُورِ العِينِ، وبِمُؤانَسَةِ الإخْوانِ المُؤْمِنِينَ، وبِاجْتِماعِ أوْلادِهِمْ بِهِمْ ونَسْلِهِمْ. ثُمَّ قالَ: بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ: أيْ بِسَبَبِ إيمانٍ عَظِيمٍ رَفِيعِ المَحَلِّ، وهو إيمانُ الآباءِ، ألْحَقْنا بِدَرَجاتِهِمْ ذُرِّيَّتِهِمْ، وإنْ كانُوا لا يَسْتَأْهِلُونَها، تَفَضُّلًا عَلَيْهِمْ وعَلى آبائِهِمْ، لِنُتِمَّ سُرُورَهم ونُكَمِّلَ نَعِيمَهم. فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى تَنْكِيرِ الإيمانِ ؟ قُلْتُ: مَعْناهُ الدَّلالَةُ عَلى أنَّهُ إيمانٌ خاصٌّ عَظِيمُ المَنزِلَةِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ إيمانُ الذُّرِّيَّةِ الدّانِي المَحَلِّ، كَأنَّهُ قالَ: بِشَيْءٍ مِنَ الإيمانِ لا يُؤَهِّلُهم لِدَرَجَةِ الآباءِ ألْحَقْناهم بِهِمْ. انْتَهى. ولا يَتَخَيَّلُ أحَدٌ أنَّ (والَّذِينَ) مَعْطُوفٌ عَلى ﴿بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الطور: ٢٠] غَيْرُ هَذا الرَّجُلِ، وهو تَخَيُّلٌ أعْجَمِيٌّ مُخالِفٌ لِفَهْمِ العَرَبِيِّ القُحِّ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ. والأحْسَنُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ويُعَضِّدُهُ الحَدِيثُ الَّذِي رَواهُ، لِأنَّ الآياتِ كُلَّها في صِفَةِ إحْسانِ اللَّهِ تَعالى إلى أهْلِ الجَنَّةِ. وذَكَرَ مِن جُمْلَةِ إحْسانِهِ أنَّهُ يَرْعى المُحْسِنَ في المُسِيءِ. ولَفْظَةُ ﴿ألْحَقْنا﴾ [الطور: ٢١] تَقْتَضِي أنَّ لِلْمُلْحَقِ بَعْضَ التَّقْصِيرِ في الأعْمالِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: وأتْبَعْناهم؛ وباقِي السَّبْعَةِ: واتَّبَعَتْهم؛ وأبُو عَمْرٍو: و”ذُرِّيّاتِهِمْ“ جَمْعًا نَصْبًا؛ وابْنُ عامِرٍ: جَمْعًا رَفْعًا؛ وباقِي السَّبْعَةِ: مُفْرَدًا؛ وابْنُ جُبَيْرٍ: وأتْبَعْناهم ذُرِّيَّتَهم، بِالمَدِّ والهَمْزِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ألَتْناهُمْ﴾ [الطور: ٢١]، بِفَتْحِ اللّامِ، مِن ألاتَ؛ والحَسَنُ وابْنُ كَثِيرٍ: بِكَسْرِها؛ وابْنُ هُرْمُزٍ: آلَتْناهم، بِالمَدِّ مَن آلَتَ، عَلى وزْنِ أفْعَلَ؛ وابْنُ مَسْعُودٍ وأُبَيٌّ: لِتْناهم مِن لاتَ، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ والأعْمَشِ؛ ورُوِيَتْ عَنْ شِبْلٍ وابْنِ كَثِيرٍ، وعَنْ طَلْحَةَ والأعْمَشِ أيْضًا: لَتْناهم بِفَتْحِ اللّامِ. قالَ سَهْلٌ: لا يَجُوزُ فَتْحُ اللّامِ مِن غَيْرِ ألِفٍ بِحالٍ، وأنْكَرَ أيْضًا آلَتْناهم بِالمَدِّ، وقالَ: لا يُرْوى عَنْ أحَدٍ، ولا يَدُلُّ عَلَيْها تَفْسِيرٌ ولا عَرَبِيَّةٌ، ولَيْسَ كَما ذَكَرَ، بَلْ قَدْ نَقَلَ أهْلُ اللُّغَةِ آلَتَ بِالمَدِّ، كَما قَرَأ ابْنُ هُرْمُزٍ. وقُرِئَ: وما ولَتْناهم، ذَكَرَهُ ابْنُ هارُونَ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: فَيَكُونُ هُنا الحَرْفُ مِن لاتَ يَلِيتُ، ووَلَتَ يَلِتُ، وألَتَ يَأْلِتُ، وألاتَ يَلِيتُ، ويُؤْلِتُ، وكُلُّها بِمَعْنى نَقَصَ. ويُقالُ: ألَتَ بِمَعْنى غَلُظَ. وقامَ رَجُلٌ إلى عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَوَعَظَهُ، فَقالَ رَجُلٌ: لا تَأْلِتْ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أيْ لا تُغْلِظْ عَلَيْهِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ألَتْناهم عائِدٌ عَلى المُؤْمِنِينَ. والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى يُلْحِقُ المُقَصِّرَ بِالمُحْسِنِ، ولا يُنْقِصُ المُحْسِنَ مِن أجْرِهِ شَيْئًا، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ والجُمْهُورِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الأبْناءِ. ﴿مِن عَمَلِهِمْ﴾ [الطور: ٢١]: أيِ الحَسَنِ والقَبِيحِ، ويُحَسِّنُ هَذا الِاحْتِمالَ قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١]: أيْ مُرْتَهِنٌ وفِيهِ، ﴿وأمْدَدْناهُمْ﴾ [الطور: ٢٢]: أيْ يَسَّرْنا لَهم شَيْئًا فَشَيْئًا حَتّى يَكِرَّ ولا يَنْقَطِعَ. ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها﴾ أيْ يَتَعاطَوْنَ، قالَ الأخْطَلُ: ؎نازَعْتُهُ طَيِّبَ الرّاحِ الشَّمُولِ وقَدْ ∗∗∗ صاحَ الدَّجاجُ وحانَتْ وقْعَةُ السّارِي أوْ يَتَنازَعُونَ: يَتَجاذَبُونَ تَجاذُبَ مُلاعَبَةٍ، إذْ أهْلُ الدُّنْيا لَهم في ذَلِكَ لَذَّةٌ، وكَذَلِكَ في الجَنَّةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾، بِرَفْعِهِما؛ وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: بِفَتْحِهِما، واللَّغْوُ: السَّقْطُ مِنَ الكَلامِ، كَما يَجْرِي (p-١٥٠)بَيْنَ شُرّابِ الخَمْرِ في الدُّنْيا. والتَّأْثِيمُ: الإثْمُ الَّذِي يَلْحَقُ شارِبَ الخَمْرِ في الدُّنْيا. ﴿غِلْمانٌ لَهُمْ﴾: أيْ مَمالِيكُ. (مَكْنُونٌ): أيْ في الصَّدَفِ، لَمْ تَنَلْهُ الأيْدِي، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، وهو إذْ ذاكَ رَطْبٌ، فَهو أحْسَنُ وأصْفى. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِـ ”مَكْنُونٌ“: مَخْزُونٌ، لِأنَّهُ لا يُخْزَنُ إلّا الغالِي الثَّمَنِ. والظّاهِرُ أنَّ التَّساؤُلَ هو في الجَنَّةِ، إذْ هَذِهِ كُلُّها مَعاطِيفُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، أيْ يَتَساءَلُونَ عَنْ أحْوالِهِمْ وما نالَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾: أيْ بِهَذا النَّعِيمِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَساؤُلُهم إذا بُعِثُوا في النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، حَكاهُ الطَّبَرِيُّ عَنْهُ. (مُشْفِقِينَ): رَقِيقِي القُلُوبِ، خاشِعِينَ لِلَّهِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: ووَقّانا بِتَشْدِيدِ القافِ، والسَّمُومُ هُنا النّارُ؛ وقالَ الحَسَنُ: اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ. (مِن قَبْلُ): أيْ مِن قَبْلِ لِقاءِ اللَّهِ والمَصِيرِ إلَيْهِ. ﴿نَدْعُوهُ﴾ نَعْبُدُهُ ونَسْألُهُ الوِقايَةَ مِن عَذابِهِ، ﴿إنَّهُ هو البَرُّ﴾: المُحْسِنُ، (الرَّحِيمُ): الكَثِيرُ الرَّحْمَةِ، إذا عُبِدَ أثابَ، وإذا سُئِلَ أجابَ. أوْ ﴿نَدْعُوهُ﴾ مِنَ الدُّعاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ ونافِعٌ والكِسائِيُّ: أنَّهُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، أيْ لِأنَّهُ وباقِي السَّبْعَةِ: إنَّهُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ وجَماعَةٍ، وفِيها مَعْنى التَّعْلِيلِ.

الطور 52:28

ومِن غَرِيبِ ما يُحْكى أنَّ شَخْصًا رَأى في النَّوْمِ في كَفِّهِ مَكْتُوبًا خَمْسُ واواتٍ، فَعُبِّرَ لَهُ بِخَيْرٍ، فَسَألَ ابْنَ سِيرِينَ، فَقالَ: تَهَيَّأْ لِما لا يَسُرُّ، فَقالَ لَهُ: مِن أيْنَ أخَذْتَ هَذا ؟ فَقالَ: مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والطُّورِ﴾ [الطور: ١] إلى ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ [الطور: ٧]، فَما مَضى يَوْمانِ أوْ ثَلاثَةٌ حَتّى أُحِيطَ بِذَلِكَ الشَّخْصِ. وانْتَصَبَ يَوْمٌ بِدافِعٍ، قالَهُ الحَوْفِيُّ، وقالَ مَكِّيُّ: لا يَعْمَلُ فِيهِ واقِعٌ، ولَمْ يَذْكُرْ دَلِيلَ المَنعِ. وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: (لَواقِعٌ)، ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ [الطور: ٨] عَلى هَذا جُمْلَةُ اعْتِراضٍ بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (تَمُورُ): تَضْطَرِبُ. وقالَ أيْضًا: تَشَقَّقُ. وقالَ الضَّحّاكُ: يَمُوجُ بَعْضُها في بَعْضٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: تَدُورُ. ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ [الطور: ١٠]، هَذا في أوَّلِ الأمْرِ، ثُمَّ تُنْسَفُ حَتّى تَصِيرَ آخِرًا ﴿كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] . (فَوَيْلٌ): عُطِفَ عَلى جُمْلَةٍ تَتَضَمَّنُ رَبْطَ المَعْنى وتَأْكِيدَهُ. والخَوْضُ: التَّخَبُّطُ في الباطِلِ، وغَلَبَ اسْتِعْمالُهُ في الِانْدِفاعِ في الباطِلِ. ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾ [الطور: ١٣]، وذَلِكَ أنَّ خَزَنَةَ جَهَنَّمَ يَغُلُّونَ أيْدِيَ الكُفّارِ إلى أعْناقِهِمْ، ويَجْمَعُونَ نَواصِيَهم إلى أقْدامِهِمْ، ويَدْفَعُونَهم إلى النّارِ دَفْعًا عَلى وُجُوهِهِمْ وزَجًّا في أقْفِيَتِهِمْ. وقَرَأ عَلِيٌّ وأبُو رَجاءٍ والسُّلَمِيُّ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: يُدْعَوْنَ، بِسُكُونِ الدّالِ وفَتْحِ العَيْنِ: مِنَ الدُّعاءِ، أيْ يُقالُ لَهم: هَلُمُّوا إلى النّارِ، وادْخُلُوها (دَعًّا): مَدْعُوعِينَ، يُقالُ لَهم: ﴿هَذِهِ النّارُ﴾ [الطور: ١٤] . لَمّا قِيلَ لَهم ذَلِكَ، وقَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ عَلى الجِهَتَيْنِ اللَّتَيْنِ يُمْكِنُ دُخُولُ الشَّكِّ في أنَّها النّارُ، وهي: إمّا أنْ يَكُونَ سِحْرٌ يُلَبِّسُ ذاتَ المَرْئِيِّ، وإمّا أنْ يَكُونَ في نَظَرِ النّاظِرِ اخْتِلالٌ، فَأمَرَهم بِصِلِيِّها عَلى جِهَةِ التَّقْرِيعِ. ثُمَّ قِيلَ لَهم عَلى قَطْعِ رَجائِهِمْ: ﴿فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور: ١٦]: عَذابُكم حَتْمٌ، فَسَواءٌ صَبْرُكم وجَزَعُكم لا بُدَّ مِن جَزاءِ أعْمالِكم، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. (p-١٤٨)وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿أفَسِحْرٌ هَذا﴾ [الطور: ١٥]، يَعْنِي كُنْتُمْ تَقُولُونَ لِلْوَحْيِ: هَذا سِحْرٌ. . ﴿أفَسِحْرٌ هَذا﴾ [الطور: ١٥]، يُرِيدُ: أهَذا المِصْداقُ أيْضًا سِحْرٌ ؟ ودَخَلَتِ الفاءُ لِهَذا المَعْنى. ﴿أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور: ١٥]: كَما كُنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ في الدُّنْيا، يَعْنِي: أمْ أنْتُمْ عُمْيٌ عَنِ المُخْبَرِ عَنْهُ، كَما كُنْتُمْ عُمْيًا عَنِ الخَبَرِ ؟ وهَذا تَقْرِيعٌ وتَهَكُّمٌ. فَإنْ قُلْتَ: لِمَ عَلَّلَ اسْتِواءَ الصَّبْرِ وعَدَمَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦] ؟ قُلْتُ: لِأنَّ الصَّبْرَ إنَّما يَكُونُ لَهُ مَزِيَّةٌ عَلى الجَزَعِ لِنَفْعِهِ في العاقِبَةِ، وبِأنْ يُجازى عَلَيْهِ الصّابِرُ جَزاءَ الخَيْرِ. فَأمّا الصَّبْرُ عَلى العَذابِ، الَّذِي هو الجَزاءُ ولا عاقِبَةَ لَهُ ولا مَنفَعَةَ، فَلا مَزِيَّةَ لَهُ عَلى الجَزَعِ. انْتَهى. وسِحْرٌ: خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وهَذا: مُبْتَدَأٌ، وسَواءٌ: مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيِ الصَّبْرُ والجَزَعُ. وقالَ أبُو البَقاءِ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ صَبْرُكم وتَرْكُهُ سَواءٌ. ولَمّا ذَكَرَ حالَ الكُفّارِ، ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ، لِيَقَعَ التَّرْهِيبُ والتَّرْغِيبُ، وهو إخْبارٌ عَنْ ما يَئُولُ إلَيْهِ حالُ المُؤْمِنِينَ، أُخْبِرُوا بِذَلِكَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ القَوْلِ لِلْكُفّارِ إذْ ذَلِكَ زِيادَةٌ في غَمِّهِمْ وتَنْكِيدٌ لَهم، والأوَّلُ أظْهَرُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: فَكِهِينَ، نَصْبًا عَلى الحالِ والخَبَرِ في ﴿جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ [الطور: ١٧] . وقَرَأ خالِدٌ: بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ إنَّ، وفي جَنّاتٍ مُتَعَلِّقٌ بِهِ. ومَن أجازَ تَعْدادَ الخَبَرِ، أجازَ أنْ يَكُونا خَبَرَيْنِ. (ووَقاهم) مَعْطُوفٌ عَلى ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ [الطور: ١٧]، إذِ المَعْنى: اسْتَقَرُّوا في جَنّاتٍ، أوْ عَلى (آتاهم)، وما مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ فَكِهِينَ بِإيتائِهِمْ رَبُّهُمُ النَّعِيمَ ووِقايَتِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ. وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الواوُ في (ووَقاهم) واوَ الحالِ، ومَن شَرَطَ قَدْ في الماضِي، قالَ: هي هُنا مُضْمَرَةٌ، أيْ وقَدْ وقاهم. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: ووَقاهم، بِتَشْدِيدِ القافِ. ﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾ [الطور: ١٩] عَلى إضْمارِ القَوْلِ: أيْ يُقالُ لَهم: (هَنِيئًا) . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أكْلًا وشُرْبًا هَنِيئًا، أوْ طَعامًا وشَرابًا هَنِيئًا، وهو الَّذِي لا تَنْغِيصَ فِيهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ: ؎هَنِيئًا مَرِيئًا غَيْرُ داءٍ مُخامِرٍ لِعِزَّةٍ مِن أعْراضِنا ما اسْتَحَلَّتْ أعْنِي: صِفَةٌ اسْتُعْمِلَتِ اسْتِعْمالَ المَصْدَرِ القائِمِ مَقامَ الفِعْلِ، مُرْتَفِعًا بِهِ ما اسْتَحَلَّتْ، كَما يَرْتَفِعُ بِالفِعْلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: هُنا عِزَّةُ المُسْتَحِلِّ مِن أعْراضِنا. وكَذَلِكَ مَعْنى هَنِيئًا هاهُنا: هَنَّأكُمُ الأكْلُ والشُّرْبُ، أوْ هَنَّأكم ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، أيْ جَزاءُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، والباءُ مَزِيدَةٌ كَما في: (كَفى بِاللَّهِ)، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِكُلُوا واشْرَبُوا، إذا جَعَلْتَ الفاعِلَ الأكْلَ والشُّرْبَ. انْتَهى. وتَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ مُشْبَعًا عَلى (هَنِيئًا) في سُورَةِ النِّساءِ. وأمّا تَجْوِيزُهُ زِيادَةَ الباءِ، فَلَيْسَتْ زِيادَتُها مَقِيسَةً في الفاعِلِ، إلّا في فاعِلِ كَفى عَلى خِلافٍ فِيها؛ فَتَجْوِيزُ زِيادَتِها في الفاعِلِ هُنا لا يَسُوغُ. وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ الباءَ تَتَعَلَّقُ بِـ كُلُوا واشْرَبُوا، فَلا يَصِحُّ إلّا عَلى الأعْمالِ، فَهي تَتَعَلَّقُ بِأحَدِهِما. وانْتَصَبَ (مُتَّكِئِينَ) عَلى الحالِ. قالَ أبُو البَقاءِ: مِنَ الضَّمِيرِ في (كُلُوا)، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في (ووَقاهم)، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في (آتاهم)، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في (فاكِهِينَ)، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في الظَّرْفِ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّهُ حالٌ مِنَ الظَّرْفِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ [الطور: ١٧] . وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: عَلى سُرَرٍ، بِفَتْحِ الرّاءِ، وهي لُغَةٌ لِكَلْبٍ في المُضَعَّفِ، فِرارًا مِن تَوالِي ضَمَّتَيْنِ مَعَ التَّضْعِيفِ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ: ﴿بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الطور: ٢٠] عَلى الإضافَةِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الطور: ٢١] مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ (ألْحَقْناهُ) . وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (والَّذِينَ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى تَقْدِيرِ: وأكْرَمْنا الَّذِينَ آمَنُوا. ومَعْنى الآيَةِ، قالَ الجُمْهُورُ وابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُما: أنَّ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ اتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم في الإيمانِ يَكُونُونَ في مَراتِبِ آبائِهِمْ، وإنْ لَمْ يَكُونُوا في التَّقْوى والأعْمالِ مِثْلَهم كَرامَةً لِآبائِهِمْ. فَبِإيمانٍ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وأتْبَعْناهُمْ﴾ [القصص: ٤٢] . ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، قالَ: ”«إنَّ اللَّهَ لَيَرْفَعُ ذُرِّيَّةَ المُؤْمِنِ مَعَهُ في دَرَجَتِهِ وإنْ كانَ لَمْ يَبْلُغْها بِعَمَلِهِ لِيُقِرَّ بِها عَيْنَهُ“ ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ» . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُلْحِقُ الأبْناءَ الصِّغارَ، وإنْ لَمْ يَبْلُغُوا الإيمانَ بِأحْكامِ الآباءِ المُؤْمِنِينَ. انْتَهى. فَيَكُونُ بِإيمانٍ مُتَعَلِّقًا بِألْحَقْنا، أيْ ألْحَقْنا (p-١٤٩)بِسَبَبِ الإيمانِ الآباءَ بِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ، وهُمُ الصِّغارُ الَّذِينَ ماتُوا ولَمْ يَبْلُغُوا التَّكْلِيفَ، فَهم في الجَنَّةِ مَعَ آبائِهِمْ، وإذا كانَ أبْناءُ الكُفّارِ، الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا حَدَّ التَّكْلِيفِ في الجَنَّةِ، كَما ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ، فَأحْرى بِأوْلادِ المُؤْمِنِينَ. وقالَ الحَسَنُ: الآيَةُ في الكِبارِ مِنَ الذُّرِّيَّةِ. وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ هي في الصِّغارِ لا في الكِبارِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: الَّذِينَ آمَنُوا: المُهاجِرُونَ والأنْصارُ، والذُّرِّيَّةُ: التّابِعُونَ. وعَنْهُ أيْضًا: إنْ كانَ الآباءُ أرْفَعَ دَرَجَةً، رَفَعَ اللَّهُ الأبْناءَ إلَيْهِمْ، فالآباءُ داخِلُونَ في اسْمِ الذُّرِّيَّةِ. وقالَ النَّخَعِيُّ: المَعْنى: أعْطَيْناهم أُجُورَهم مِن غَيْرِ نَقْصٍ، وجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهم كَذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الطور: ٢١]، مَعْطُوفٌ عَلى حُورٍ عِينٍ. أيْ قَرَنّاهم بِالحُورِ العِينِ؛ وبِالَّذِينَ آمَنُوا: أيْ بِالرُّفَقاءِ والجُلَساءِ مِنهم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]، فَيَتَمَتَّعُونَ تارَةً بِمُلاعَبَةِ الحُورِ، وتارَةً بِمُؤانَسَةِ الإخْوانِ المُؤْمِنِينَ، وأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتِهِمْ. ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عَبّاسٍ، ثُمَّ قالَ: فَيَجْمَعُ اللَّهُ لَهم أنْواعَ السُّرُورِ بِسَعادَتِهِمْ في أنْفُسِهِمْ، وبِمُزاوَجَةِ الحُورِ العِينِ، وبِمُؤانَسَةِ الإخْوانِ المُؤْمِنِينَ، وبِاجْتِماعِ أوْلادِهِمْ بِهِمْ ونَسْلِهِمْ. ثُمَّ قالَ: بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ: أيْ بِسَبَبِ إيمانٍ عَظِيمٍ رَفِيعِ المَحَلِّ، وهو إيمانُ الآباءِ، ألْحَقْنا بِدَرَجاتِهِمْ ذُرِّيَّتِهِمْ، وإنْ كانُوا لا يَسْتَأْهِلُونَها، تَفَضُّلًا عَلَيْهِمْ وعَلى آبائِهِمْ، لِنُتِمَّ سُرُورَهم ونُكَمِّلَ نَعِيمَهم. فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى تَنْكِيرِ الإيمانِ ؟ قُلْتُ: مَعْناهُ الدَّلالَةُ عَلى أنَّهُ إيمانٌ خاصٌّ عَظِيمُ المَنزِلَةِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ إيمانُ الذُّرِّيَّةِ الدّانِي المَحَلِّ، كَأنَّهُ قالَ: بِشَيْءٍ مِنَ الإيمانِ لا يُؤَهِّلُهم لِدَرَجَةِ الآباءِ ألْحَقْناهم بِهِمْ. انْتَهى. ولا يَتَخَيَّلُ أحَدٌ أنَّ (والَّذِينَ) مَعْطُوفٌ عَلى ﴿بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الطور: ٢٠] غَيْرُ هَذا الرَّجُلِ، وهو تَخَيُّلٌ أعْجَمِيٌّ مُخالِفٌ لِفَهْمِ العَرَبِيِّ القُحِّ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ. والأحْسَنُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ويُعَضِّدُهُ الحَدِيثُ الَّذِي رَواهُ، لِأنَّ الآياتِ كُلَّها في صِفَةِ إحْسانِ اللَّهِ تَعالى إلى أهْلِ الجَنَّةِ. وذَكَرَ مِن جُمْلَةِ إحْسانِهِ أنَّهُ يَرْعى المُحْسِنَ في المُسِيءِ. ولَفْظَةُ ﴿ألْحَقْنا﴾ [الطور: ٢١] تَقْتَضِي أنَّ لِلْمُلْحَقِ بَعْضَ التَّقْصِيرِ في الأعْمالِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: وأتْبَعْناهم؛ وباقِي السَّبْعَةِ: واتَّبَعَتْهم؛ وأبُو عَمْرٍو: و”ذُرِّيّاتِهِمْ“ جَمْعًا نَصْبًا؛ وابْنُ عامِرٍ: جَمْعًا رَفْعًا؛ وباقِي السَّبْعَةِ: مُفْرَدًا؛ وابْنُ جُبَيْرٍ: وأتْبَعْناهم ذُرِّيَّتَهم، بِالمَدِّ والهَمْزِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ألَتْناهُمْ﴾ [الطور: ٢١]، بِفَتْحِ اللّامِ، مِن ألاتَ؛ والحَسَنُ وابْنُ كَثِيرٍ: بِكَسْرِها؛ وابْنُ هُرْمُزٍ: آلَتْناهم، بِالمَدِّ مَن آلَتَ، عَلى وزْنِ أفْعَلَ؛ وابْنُ مَسْعُودٍ وأُبَيٌّ: لِتْناهم مِن لاتَ، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ والأعْمَشِ؛ ورُوِيَتْ عَنْ شِبْلٍ وابْنِ كَثِيرٍ، وعَنْ طَلْحَةَ والأعْمَشِ أيْضًا: لَتْناهم بِفَتْحِ اللّامِ. قالَ سَهْلٌ: لا يَجُوزُ فَتْحُ اللّامِ مِن غَيْرِ ألِفٍ بِحالٍ، وأنْكَرَ أيْضًا آلَتْناهم بِالمَدِّ، وقالَ: لا يُرْوى عَنْ أحَدٍ، ولا يَدُلُّ عَلَيْها تَفْسِيرٌ ولا عَرَبِيَّةٌ، ولَيْسَ كَما ذَكَرَ، بَلْ قَدْ نَقَلَ أهْلُ اللُّغَةِ آلَتَ بِالمَدِّ، كَما قَرَأ ابْنُ هُرْمُزٍ. وقُرِئَ: وما ولَتْناهم، ذَكَرَهُ ابْنُ هارُونَ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: فَيَكُونُ هُنا الحَرْفُ مِن لاتَ يَلِيتُ، ووَلَتَ يَلِتُ، وألَتَ يَأْلِتُ، وألاتَ يَلِيتُ، ويُؤْلِتُ، وكُلُّها بِمَعْنى نَقَصَ. ويُقالُ: ألَتَ بِمَعْنى غَلُظَ. وقامَ رَجُلٌ إلى عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَوَعَظَهُ، فَقالَ رَجُلٌ: لا تَأْلِتْ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أيْ لا تُغْلِظْ عَلَيْهِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ألَتْناهم عائِدٌ عَلى المُؤْمِنِينَ. والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى يُلْحِقُ المُقَصِّرَ بِالمُحْسِنِ، ولا يُنْقِصُ المُحْسِنَ مِن أجْرِهِ شَيْئًا، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ والجُمْهُورِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الأبْناءِ. ﴿مِن عَمَلِهِمْ﴾ [الطور: ٢١]: أيِ الحَسَنِ والقَبِيحِ، ويُحَسِّنُ هَذا الِاحْتِمالَ قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١]: أيْ مُرْتَهِنٌ وفِيهِ، ﴿وأمْدَدْناهُمْ﴾ [الطور: ٢٢]: أيْ يَسَّرْنا لَهم شَيْئًا فَشَيْئًا حَتّى يَكِرَّ ولا يَنْقَطِعَ. ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها﴾ أيْ يَتَعاطَوْنَ، قالَ الأخْطَلُ: ؎نازَعْتُهُ طَيِّبَ الرّاحِ الشَّمُولِ وقَدْ ∗∗∗ صاحَ الدَّجاجُ وحانَتْ وقْعَةُ السّارِي أوْ يَتَنازَعُونَ: يَتَجاذَبُونَ تَجاذُبَ مُلاعَبَةٍ، إذْ أهْلُ الدُّنْيا لَهم في ذَلِكَ لَذَّةٌ، وكَذَلِكَ في الجَنَّةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾، بِرَفْعِهِما؛ وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: بِفَتْحِهِما، واللَّغْوُ: السَّقْطُ مِنَ الكَلامِ، كَما يَجْرِي (p-١٥٠)بَيْنَ شُرّابِ الخَمْرِ في الدُّنْيا. والتَّأْثِيمُ: الإثْمُ الَّذِي يَلْحَقُ شارِبَ الخَمْرِ في الدُّنْيا. ﴿غِلْمانٌ لَهُمْ﴾: أيْ مَمالِيكُ. (مَكْنُونٌ): أيْ في الصَّدَفِ، لَمْ تَنَلْهُ الأيْدِي، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، وهو إذْ ذاكَ رَطْبٌ، فَهو أحْسَنُ وأصْفى. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِـ ”مَكْنُونٌ“: مَخْزُونٌ، لِأنَّهُ لا يُخْزَنُ إلّا الغالِي الثَّمَنِ. والظّاهِرُ أنَّ التَّساؤُلَ هو في الجَنَّةِ، إذْ هَذِهِ كُلُّها مَعاطِيفُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، أيْ يَتَساءَلُونَ عَنْ أحْوالِهِمْ وما نالَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾: أيْ بِهَذا النَّعِيمِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَساؤُلُهم إذا بُعِثُوا في النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، حَكاهُ الطَّبَرِيُّ عَنْهُ. (مُشْفِقِينَ): رَقِيقِي القُلُوبِ، خاشِعِينَ لِلَّهِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: ووَقّانا بِتَشْدِيدِ القافِ، والسَّمُومُ هُنا النّارُ؛ وقالَ الحَسَنُ: اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ. (مِن قَبْلُ): أيْ مِن قَبْلِ لِقاءِ اللَّهِ والمَصِيرِ إلَيْهِ. ﴿نَدْعُوهُ﴾ نَعْبُدُهُ ونَسْألُهُ الوِقايَةَ مِن عَذابِهِ، ﴿إنَّهُ هو البَرُّ﴾: المُحْسِنُ، (الرَّحِيمُ): الكَثِيرُ الرَّحْمَةِ، إذا عُبِدَ أثابَ، وإذا سُئِلَ أجابَ. أوْ ﴿نَدْعُوهُ﴾ مِنَ الدُّعاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ ونافِعٌ والكِسائِيُّ: أنَّهُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، أيْ لِأنَّهُ وباقِي السَّبْعَةِ: إنَّهُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ وجَماعَةٍ، وفِيها مَعْنى التَّعْلِيلِ.

الطور 52:29

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ ﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ﴾ ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ ﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ . (p-١٥١)لَمّا تَقَدَّمَ إقْسامُ اللَّهِ تَعالى عَلى وُقُوعِ العَذابِ، وذَكَرَ أشْياءَ مِن أحْوالِ المُعَذَّبِينَ والنّاجِينَ، أمَرَهُ بِالتَّذْكِيرِ، إنْذارًا لِلْكافِرِ، وتَبْشِيرًا لِلْمُؤْمِنِ، ودُعاءً إلى اللَّهِ تَعالى بِنَشْرِ رِسالَتِهِ، ثُمَّ نَفى عَنْهُ ما كانَ الكُفّارُ يَنْسُبُونَهُ إلَيْهِ مِنَ الكِهانَةِ والجُنُونِ، إذْ كانا طَرِيقَيْنِ إلى الإخْبارِ بِبَعْضِ المُغَيَّباتِ، وكانَ لِلْجِنِّ بِهِما مُلابَسَةٌ لِلْإنْسِ. ومِمَّنْ كانَ يَنْسُبُهُ إلى الكِهانَةِ شَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، ومِمَّنْ كانَ يَنْسُبُهُ إلى الجُنُونِ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَذَكِّرْ) فاثْبُتْ عَلى تَذْكِيرِ النّاسِ ومَوْعِظَتِهِمْ، ولا يُثَبِّطَنَّكَ قَوْلُهم كاهِنٌ أوْ مَجْنُونٌ، ولا تُبالِ بِهِ، فَإنَّهُ قَوْلٌ باطِلٌ مُتَناقِضٌ. فَإنَّ الكاهِنَ يَحْتاجُ في كَهانَتِهِ إلى فِطْنَةٍ ودِقَّةِ نَظَرٍ، والمَجْنُونُ مُغَطًّى عَلى عَقْلِهِ؛ وما أنْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعالى وإنْعامِهِ عَلَيْكَ بِصِدْقِ النُّبُوَّةِ ورَصافَةِ العَقْلِ، أحَدَ هَذَيْنِ. انْتَهى. وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، وهو اعْتِراضٌ بَيْنَ اسْمِ ما وخَبَرِها، والتَّقْدِيرُ: ما أنْتَ في حالِ إذْكارِكَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ. قالَ أبُو البَقاءِ: الباءُ في مَوْضِعِ الحالِ، والعامِلُ في بِكاهِنٍ أوْ مَجْنُونٍ، والتَّقْدِيرُ: ما أنْتَ كاهِنًا ولا مَجْنُونًا مُلْتَبِسًا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ. انْتَهى. وتَكُونُ حالًا لازِمَةً لا مُنْتَقِلَةً، لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما زالَ مُلْتَبِسًا بِنِعْمَةِ رَبِّهِ. وقِيلَ: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ مُقْسَمٌ بِها، كَأنَّهُ قِيلَ: ونِعْمَةِ رَبِّكَ ما أنْتَ كاهِنٌ ولا مَجْنُونٌ، فَتَوَسَّطَ المُقْسَمُ بِهِ بَيْنَ الِاسْمِ والخَبَرِ، كَما تَقُولُ: ما زَيْدٌ واللَّهِ بِقائِمٍ. ولَمّا نَفى عَنْهُ الكِهانَةَ والجُنُونَ اللَّذَيْنِ كانَ بَعْضُ الكُفّارِ يَنْسُبُونَهُما إلَيْهِ، ذَكَرَ نَوْعًا آخَرَ مِمّا كانُوا يَقُولُونَهُ. رُوِيَ أنَّ قُرَيْشًا اجْتَمَعَتْ في دارِ النَّدْوَةِ، وكَثُرَتْ آراؤُهم فِيهِ، ﷺ، حَتّى قالَ قائِلٌ مِنهم، وهم بَنُو عَبْدِ الدّارِ، قالَهُ الضَّحّاكُ: تَرَبَّصُوا بِهِ رَيْبَ المَنُونِ، فَإنَّهُ شاعِرٌ سَيَهْلِكُ، كَما هَلَكَ زُهَيْرٌ والنّابِغَةُ والأعْشى، فافْتَرَقُوا عَلى هَذِهِ المَقالَةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ. وقَوْلُ مَن قالَ ذَلِكَ هو مِن نَقْصِ الفِطْرَةِ بِحَيْثُ لا يُدْرِكُ الشِّعْرَ، وهو الكَلامُ المَوْزُونُ عَلى طَرِيقَةٍ مَعْرُوفَةٍ مِنَ النَّثْرِ الَّذِي لَيْسَ هو عَلى ذَلِكَ المِضْمارِ، ولا شَكَّ أنَّ بَعْضَهم كانَ يُدْرِكُ ذَلِكَ، إذْ كانَ فِيهِمْ شُعَراءُ، ولَكِنَّهم تَمالَئُوا مَعَ أُولَئِكَ النّاقِصِي الفِطْرَةِ عَلى قَوْلِهِمْ: هو شاعِرٌ، جَحْدًا لِآياتِ اللَّهِ بَعْدَ اسْتِيقانِها. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: يُتَرَبَّصُ بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ بِهِ، (رَيْبُ): مَرْفُوعٌ، ورَيْبُ المَنُونِ: حَوادِثُ الدَّهْرِ، فَإنَّهُ لا يَدُومُ عَلى حالٍ، قالَ الشّاعِرُ: ؎تَرَبَّصْ بِها رَيْبَ المَنُونِ لَعَلَّها تُطَلَّقُ يَوْمًا أوْ يَمُوتُ حَلِيلُها وقالَ الهِنْدِيُّ: ؎أمِنَ المَنُونِ ورَيْبِها تَتَوَجَّعُ ∗∗∗ والدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَن يَجْزَعُ ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا﴾: هو أمْرُ تَهْدِيدٍ مِنَ المُتَرَبِّصِينَ هَلاكَكم، كَما تَتَرَبَّصُونَ هَلاكِي. ﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهُمْ﴾: عُقُولُهم بِهَذا، أيْ بِقَوْلِهِمْ كاهِنٌ وشاعِرٌ ومَجْنُونٌ، وهو قَوْلٌ مُتَناقِضٌ، وكانَتْ قُرَيْشٌ تُدْعى أهْلَ الأحْلامِ والنُّهى. وقِيلَ لِعَمْرِو بْنِ العاصِ: ما بالُ قَوْمِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا وقَدْ وصَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالعَقْلِ ؟ فَقالَ: تِلْكَ عُقُولٌ كادَها اللَّهُ، أيْ لَمْ يَصْحَبْها التَّوْفِيقُ. ﴿أمْ تَأْمُرُهُمْ﴾، قِيلَ: أمْ بِمَعْنى الهَمْزَةِ، أيْ أتَأْمُرُهم ؟ وقَدَّرَها مُجاهِدٌ بِـ بَلْ، والصَّحِيحُ أنَّها تَتَقَدَّرُ بِـ بَلْ والهَمْزَةِ. ﴿أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾: أيْ مُجاوِزُونَ الحَدَّ في العِنادِ مَعَ ظُهُورِ الحَقِّ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: بَلْ هم، مَكانَ: (أمْ هم)، وكَوْنُ الأحْلامِ آمِرَةً مَجازًا لَمّا أدَّتْ إلى ذَلِكَ جُعِلَتْ آمِرَةً كَقَوْلِهِ: ﴿أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ [هود: ٨٧] . وحَكى الثَّعْلَبِيُّ عَنِ الخَلِيلِ أنَّهُ قالَ: كُلُّ ما في (p-١٥٢)سُورَةِ والطُّورِ مِن أمْ فاسْتِفْهامٌ ولَيْسَ بِعَطْفٍ. تَقَوَّلَهُ: اخْتَلَقَهُ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ، كَما قالَ: ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ [الحاقة: ٤٤] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَقَوَّلَهُ مَعْناهُ: قالَ عَنِ الغَيْرِ أنَّهُ قالَهُ، فَهو عِبارَةٌ عَنْ كَذِبٍ مَخْصُوصٍ. انْتَهى. ﴿بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾: أيْ لِكُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ، ثُمَّ عَجَّزَهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾: أيْ مُماثِلٍ لِلْقُرْآنِ في نَظْمِهِ ورَصْفِهِ مِنَ البَلاغَةِ، وصِحَّةِ المَعانِي والإخْبارِ بِقِصَصِ الأُمَمِ السّالِفَةِ والمُغَيَّباتِ، والحُكْمُ إنْ كانُوا صادِقِينَ في أنَّهُ تَقَوَّلَهُ، فَلْيَقُولُوا هم مِثْلَهُ، إذْ هو واحِدٌ مِنهم، فَإنْ كانُوا صادِقِينَ فَلْيَكُونُوا مِثْلَهُ في التَّقَوُّلِ. فَقَرَأ الجَحْدَرِيُّ وأبُو السَّمّالِ: ﴿بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾، عَلى الإضافَةِ: أيْ بِحَدِيثِ رَجُلٍ مِثْلِ الرَّسُولِ في كَوْنِهِ أُمِّيًّا لَمْ يَصْحَبْ أهْلَ العِلْمِ ولا رَحَلَ عَنْ بَلَدِهِ، أوْ مِثْلِهِ في كَوْنِهِ واحِدًا مِنهم، فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِثْلُهُ في العَرَبِ فَصاحَةً، فَلْيَأْتِ بِمِثْلِ ما أتى بِهِ، ولَنْ يَقْدِرَ عَلى ذَلِكَ أبَدًا. ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾: أيْ مِن غَيْرِ شَيْءٍ حَيٍّ كالجَمادِ، فَهم لا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ، كَما هي الجَماداتُ عَلَيْهِ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ. وقِيلَ: ﴿مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾: أيْ مِن غَيْرِ عِلَّةٍ ولا لِغايَةِ عِقابٍ وثَوابٍ، فَهم لِذَلِكَ لا يَسْمَعُونَ ولا يَتَشَرَّعُونَ، وهَذا كَما تَقُولُ: فَعَلْتُ كَذا وكَذا مِن غَيْرِ عِلَّةٍ: أيْ لِغَيْرِ عِلَّةٍ، فَمِن لِلسَّبَبِ، وفي القَوْلِ الأوَّلِ لِابْتِداءِ الغايَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿أمْ خُلِقُوا﴾: أمْ أُحْدِثُوا وقُدِّرُوا التَّقْدِيرَ الَّذِي عَلَيْهِ فِطْرَتُهم؛ ﴿مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾: مِن غَيْرِ مُقَدِّرٍ، أمْ هُمُ الَّذِينَ خَلَقُوا أنْفُسَهم حَيْثُ لا يَعْبُدُونَ الخالِقَ ؟ ﴿بَل لا يُوقِنُونَ﴾: أيْ إذا سُئِلُوا: مَن خَلَقَكم وخَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ؟ قالُوا: اللَّهُ، وهم شاكُّونَ فِيما يَقُولُونَ لا يُوقِنُونَ. أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ رَبٍّ ولا خالِقٍ ؟ أيْ أمْ أُحْدِثُوا وبَرَزُوا لِلْوُجُودِ مِن غَيْرِ إلَهٍ يُبْرِزُهم ويُنْشِئُهم ؟ ﴿أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ لِأنْفُسِهِمْ، فَلا يَعْبُدُونَ اللَّهَ، ولا يَأْتَمِرُونَ بِأوامِرِهِ، ولا يَنْتَهُونَ عَنْ مَناهِيهِ. والقِسْمانِ باطِلانِ، وهم يَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ، فَدَلَّ عَلى بُطْلانِهِمْ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ثُمَّ وقَفَهم عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ عَلى أنْفُسِهِمْ، أهُمُ الَّذِينَ خَلَقُوا الأشْياءَ فَهم لِذَلِكَ يَتَكَبَّرُونَ ؟ ثُمَّ خَصَّصَ مِن تِلْكَ الأشْياءِ السَّماواتِ والأرْضَ لِعِظَمِها وشَرَفِها في المَخْلُوقاتِ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يُوقِنُونَ ولا يَنْظُرُونَ نَظَرًا يُؤَدِّيهِمْ إلى اليَقِينِ. ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ﴾، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: خَزائِنُ الرِّزْقِ، حَتّى يَرْزُقُوا النُّبُوَّةَ مَن شاءُوا، أوْ: أعِنْدَهم خَزائِنُ عِلْمِهِ حَتّى يَخْتارُوا لَها مَنِ اخْتِيارُهُ حِكْمَةٌ ومَصْلَحَةٌ ؟ ﴿أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾: الأرْبابُ الغالِبُونَ حَتّى يُدَبِّرُوا أمْرَ الرُّبُوبِيَّةِ ويَبْنُوا الأُمُورَ عَلى إرادَتِهِمْ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أمْ عِنْدَهُمُ الِاسْتِغْناءُ عَنِ اللَّهِ تَعالى في جَمِيعِ الأُمُورِ، لِأنَّ المالَ والصِّحَّةَ والقُوَّةَ وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الأشْياءِ كُلِّها مِن خَزائِنِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ الزَّهْراوِيُّ: وقِيلَ يُرِيدُ بِالخَزائِنِ العِلْمَ، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ إذا تُؤُمِّلَ وبُسِطَ. وقالَ الرُّمّانِيُّ: خَزائِنُهُ تَعالى: مَقْدُوراتُهُ. انْتَهى. والمُسَيْطِرُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُسَلَّطُ القاهِرُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: المُصَيْطِرُونَ بِالصّادِ؛ وهِشامٌ وقُنْبُلٌ وحَفْصٌ: بِخِلافٍ عَنْهُ بِالسِّينِ، وهو الأصْلُ؛ ومَن أبْدَلَها صادًا، فَلِأجْلِ حَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ وهو الطّاءُ، وأشَمَّ خَلْقٌ عَنْ حَمْزَةَ وخَلّادٍ عَنْهُ بِخِلافٍ عَنْهُ الزّايَ. ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ﴾ مَنصُوبٌ إلى السَّماءِ، ﴿يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾: أيْ عَلَيْهِ أوْ مِنهُ، إذْ حُرُوفُ الجَرِّ قَدْ يَسُدُّ بَعْضُها مَسَدَّ بَعْضٍ، وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: صاعِدِينَ فِيهِ، ومَفْعُولُ يَسْتَمِعُونَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: الخَبَرُ بِصِحَّةِ ما يَدَّعُونَهُ، وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: ما يُوحى إلى المَلائِكَةِ مِن عِلْمِ الغَيْبِ حَتّى يَعْلَمُوا ما هو كائِنٌ مِن تَقَدُّمِ هَلاكِهِ عَلى هَلاكِهِمْ وظَفَرِهِمْ في العاقِبَةِ دُونَهُ كَما يَزْعُمُونَ. ﴿بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾: أيْ بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ بِصِدْقِ اسْتِماعِهِمْ مُسْتَمِعَهم، ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا﴾ عَلى الإيمانِ بِاللَّهِ وتَوْحِيدِهِ واتِّباعِ شَرْعِهِ، (فَهُمُ) مِن ذَلِكَ المَغْرَمِ الثَّقِيلِ اللّازِمِ (مُثْقَلُونَ)، فاقْتَضى زُهْدَهم في اتِّباعِكَ. ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ﴾: أيِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، ﴿فَهم يَكْتُبُونَ﴾: أيْ يُثْبِتُونَ ذَلِكَ لِلنّاسِ شَرْعًا، وذَلِكَ عِبادَةُ الأوْثانِ وتَسْيِيبُ السَّوائِبِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِن سِيَرِهِمْ. وقِيلَ: المَعْنى فَهم يَعْلَمُونَ مَتى يَمُوتُ (p-١٥٣)مُحَمَّدٌ ﷺ الَّذِي يَتَرَبَّصُونَ بِهِ، ويَكْتُبُونَ بِمَعْنى: يَحْكُمُونَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي أمْ عِنْدَهُمُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، فَهم يَكْتُبُونَ ما فِيهِ ويُخْبِرُونَ. ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾: أيْ بِكَ وبِشَرْعِكَ، وهو كَيْدُهم بِهِ في دارِ النَّدْوَةِ، ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا﴾: أيْ فَهم، وأبْرَزَ الظّاهِرَ تَنْبِيهًا عَلى العِلَّةِ، أوِ الَّذِينَ كَفَرُوا عامٌّ فَيَنْدَرِجُونَ فِيهِ، ﴿هُمُ المَكِيدُونَ﴾: أيِ الَّذِينَ يَعُودُ عَلَيْهِمْ وبالُ كَيْدِهِمْ، ويَحِيقُ بِهِمْ مَكْرُهم، وذَلِكَ أنَّهم قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ، وسَمّى غَلَبَتَهم كَيْدًا، إذْ كانَتْ عُقُوبَةَ الكَيْدِ. ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ يَعْصِمُهم ويَدْفَعُ عَنْهم في صُدُورِ إهْلاكِهِمْ، ثُمَّ نَزَّهَ تَعالى نَفْسَهُ، ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ بِهِ مِنَ الأصْنامِ والأوْثانِ. ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ﴾: كانَتْ قُرَيْشٌ قَدِ اقْتَرَحَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، فِيما اقْتَرَحَتْ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ [الإسراء: ٩٢]، فَأخْبَرَ تَعالى أنَّهم لَوْ رَأوْا ذَلِكَ عَيانًا، حَسَبَ اقْتِراحِهِمْ، لَبَلَغَ بِهِمْ عُتُوُّهم وجَهْلُهم أنْ يُغالِطُوا أنْفُسَهم فِيما عايَنُوهُ، وقالُوا: هو سَحابٌ مَرْكُومٌ، تَراكَمَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ مُمْطِرُنا، ولَيْسَ بِكِسَفٍ ساقِطٍ لِلْعَذابِ. (فَذَرْهم): أمْرُ مُوادَعَةٍ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿حَتّى يُلاقُوا﴾؛ وأبُو حَيْوَةَ: حَتّى يَلْقَوْا، مُضارِعُ لَقِيَ، (يَوْمَهُمُ): أيْ يَوْمَ مَوْتِهِمْ واحِدًا واحِدًا، والصَّعْقُ: العَذابُ، أوْ يَوْمَ بَدْرٍ، لِأنَّهم عُذِّبُوا فِيهِ، أوْ يَوْمَ القِيامَةِ، أقْوالٌ، ثالِثُها قَوْلُ الجُمْهُورِ، لِأنَّ صَعْقَتَهُ تَعُمُّ جَمِيعَ الخَلائِقِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَصْعَقُونَ، بِفَتْحِ الياءِ. وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأهْلُ مَكَّةَ: في قَوْلِ شِبْلِ بْنِ عُبادَةَ، وفَتَحَها أهْلُ مَكَّةَ، كالجُمْهُورِ في قَوْلِ إسْماعِيلَ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ العَيْنِ، مِن أصْعَقَ رُباعِيًّا. ﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: أيْ لِهَؤُلاءِ الظَّلَمَةِ، ﴿عَذابًا دُونَ ذَلِكَ﴾: أيْ دُونَ يَوْمِ القِيامَةِ وقَبْلَهُ، وهو يَوْمُ بَدْرٍ والفَتْحِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ. وقالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هو عَذابُ القَبْرِ. وقالَ الحَسَنُ وابْنُ زَيْدٍ: مَصائِبُهم في الدُّنْيا. وقالَ مُجاهِدٌ: هو الجُوعُ والقَحْطُ سَبْعَ سِنِينَ. ﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾: عِبارَةٌ عَنِ الحِفْظِ والكِلاءَةِ، وجُمِعَ لِأنَّهُ أُضِيفَ إلى ضَمِيرِ الجَماعَةِ، وحِينَ كانَ الضَّمِيرُ مُفْرَدًا، أفْرَدَ العَيْنَ، قالَ تَعالى: ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] . وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: بِأعْيُنّا، بِنُونٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ. ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [طه: ١٣٠]، قالَ أبُو الأحْوَصِ عَوْفُ بْنُ مالِكٍ: هو التَّسْبِيحُ المَعْرُوفُ، وهو قَوْلُ سُبْحانَ اللَّهِ عِنْدَ كُلِّ قِيامٍ. وقالَ عَطاءٌ: حِينَ تَقُومُ مِن كُلِّ مَجْلِسٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حِينَ تَقُومُ مِن مَنامِكَ. وقِيلَ: هو صَلاةُ التَّطَوُّعِ. وقِيلَ: الفَرِيضَةُ. وقالَ الضَّحّاكُ: حِينَ تَقُومُ إلى الصَّلاةِ تَقُولُ: «سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، تَبارَكَ اسْمُكَ، وتَعالى جَدُّكَ، ولا إلَهَ غَيْرُكَ» . وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: حِينَ تَقُومُ مِنَ القائِلَةِ والتَّسْبِيحِ، إذْ ذاكَ هو صَلاةُ الظُّهْرِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: اذْكُرِ اللَّهَ بِلِسانِكَ حِينَ تَقُومُ مِن فِراشِكَ إلى أنْ تَدْخُلَ في الصَّلاةِ. ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾: قَبْلَ صَلاةِ المَغْرِبِ والعِشاءِ. ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾: صَلاةُ الصُّبْحِ. وعَنْ عَمْرٍو وعَلِيٍّ وأبِي هُرَيْرَةَ والحَسَنِ: إنَّها النَّوافِلُ، ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾: رَكْعَتا الفَجْرِ. وقَرَأ سالِمُ بْنُ أبِي الجَعْدِ والمِنهالُ بْنُ عَمْرٍو ويَعْقُوبُ: وأدْبارَ، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، بِمَعْنى: وأعْقابَ النُّجُومِ. * * سُورَةُ النَّجْمِ مَكِّيَّةٌ وهي اثْنَتانِ وسِتُّونَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (p-١٥٤)﴿والنَّجْمِ إذا هَوى﴾ [النجم: ١] ﴿ما ضَلَّ صاحِبُكم وما غَوى﴾ [النجم: ٢] ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ [النجم: ٣] ﴿إنْ هو إلّا وحْيٌ يُوحى﴾ [النجم: ٤] ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم: ٥] ﴿ذُو مِرَّةٍ فاسْتَوى﴾ [النجم: ٦] ﴿وهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ [النجم: ٧] ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ [النجم: ٨] ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى﴾ [النجم: ٩] ﴿فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾ [النجم: ١٠] ﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى﴾ [النجم: ١١] ﴿أفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى﴾ [النجم: ١٢] ﴿ولَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾ [النجم: ١٣] ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ [النجم: ١٤] ﴿عِنْدَها جَنَّةُ المَأْوى﴾ [النجم: ١٥] ﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ [النجم: ١٦] ﴿ما زاغَ البَصَرُ وما طَغى﴾ [النجم: ١٧] ﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ [النجم: ١٨] ﴿أفَرَأيْتُمُ اللّاتَ والعُزّى﴾ [النجم: ١٩] ﴿ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى﴾ [النجم: ٢٠] ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ [النجم: ٢١] ﴿تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [النجم: ٢٢] ﴿إنْ هي إلّا أسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وما تَهْوى الأنْفُسُ ولَقَدْ جاءَهم مِن رَبِّهِمُ الهُدى﴾ [النجم: ٢٣] ﴿أمْ لِلْإنْسانِ ما تَمَنّى﴾ [النجم: ٢٤] ﴿فَلِلَّهِ الآخِرَةُ والأُولى﴾ [النجم: ٢٥] ﴿وكَمْ مِن مَلَكٍ في السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهم شَيْئًا إلّا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشاءُ ويَرْضى﴾ [النجم: ٢٦] ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ المَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثى﴾ [النجم: ٢٧] ﴿وما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨] ﴿فَأعْرِضْ عَنْ مَن تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا ولَمْ يُرِدْ إلّا الحَياةَ الدُّنْيا﴾ [النجم: ٢٩] ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى﴾ [النجم: ٣٠] ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا بِما عَمِلُوا ويَجْزِيَ الَّذِينَ أحْسَنُوا بِالحُسْنى﴾ [النجم: ٣١] ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ إلّا اللَّمَمَ إنَّ رَبَّكَ واسِعُ المَغْفِرَةِ هو أعْلَمُ بِكم إذْ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ وإذْ أنْتُمْ أجِنَّةٌ في بُطُونِ أُمَّهاتِكم فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكم هو أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى﴾ [النجم: ٣٢] ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي تَوَلّى﴾ [النجم: ٣٣] ﴿وأعْطى قَلِيلًا وأكْدى﴾ [النجم: ٣٤] ﴿أعِنْدَهُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهو يَرى﴾ [النجم: ٣٥] ﴿أمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما في صُحُفِ مُوسى﴾ [النجم: ٣٦] ﴿وإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى﴾ [النجم: ٣٧] ﴿ألّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [النجم: ٣٨] ﴿وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ [النجم: ٣٩] ﴿وأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى﴾ [النجم: ٤٠] ﴿ثُمَّ يُجْزاهُ الجَزاءَ الأوْفى﴾ [النجم: ٤١] ﴿وأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ [النجم: ٤٢] ﴿وأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى﴾ [النجم: ٤٣] ﴿وأنَّهُ هو أماتَ وأحْيا﴾ [النجم: ٤٤] ﴿وأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [النجم: ٤٥] ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾ [النجم: ٤٦] ﴿وأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى﴾ [النجم: ٤٧] ﴿وأنَّهُ هو أغْنى وأقْنى﴾ [النجم: ٤٨] ﴿وأنَّهُ هو رَبُّ الشِّعْرى﴾ [النجم: ٤٩] ﴿وأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ [النجم: ٥٠] ﴿وثَمُودَ فَما أبْقى﴾ [النجم: ٥١] ﴿وقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾ [النجم: ٥٢] ﴿والمُؤْتَفِكَةَ أهْوى﴾ [النجم: ٥٣] ﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ [النجم: ٥٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ [النجم: ٥٥] ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ [النجم: ٥٦] ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ [النجم: ٥٧] ﴿لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ﴾ [النجم: ٥٨] ﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ [النجم: ٥٩] ﴿وتَضْحَكُونَ ولا تَبْكُونَ﴾ [النجم: ٦٠] ﴿وأنْتُمْ سامِدُونَ﴾ [النجم: ٦١] ﴿فاسْجُدُوا لِلَّهِ واعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢] المِرَّةُ: القُوَّةُ مِن أمْرَرْتُ الحَبْلَ، إذا أحْكَمْتَ فَتْلَهُ. وقالَ قُطْرُبٌ: تَقُولُ العَرَبُ لِكُلِّ جَزِلِ الرَّأْيِ حَصِيفِ العَقْلِ إنَّهُ لَذُو مِرَّةٍ، قالَ: ؎وإنِّي لَذُو مِرَّةٍ مُرَّةٍ إذا رَكِبَتْ خالَةٌ خالَها تَدَلّى العِذْقُ تَدَلِّيًا: امْتَدَّ مِن عُلُوٍّ إلى جِهَةِ السُّفْلِ، فَيُسْتَعْمَلُ في القُرْبِ مِنَ العُلُوِّ، قالَهُ الفَرّاءُ وابْنُ الأعْرابِيِّ. قالَ أُسامَةُ الهُذَلِيُّ: ؎تَدَلّى عَلَيْنا وهْوَ زُرْقُ حَمامَةٍ ∗∗∗ إذا طُحْلُبٌ في مُنْتَهى القَيْظِ هامِدُ القابُ والقَيْبُ، والقادَةُ والقَيْدُ: المِقْدارُ. القَوْسُ مَعْرُوفٌ وهو: آلَةٌ لِرَمْيِ السِّهامِ، وتَخْتَلِفُ أشْكالُهُ. السِّدْرَةُ: شَجَرَةُ النَّبْقِ. الضِّيزى: الجائِرَةُ مِن ضازَهُ يَضِيزُهُ إذا ضامَهُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎ضازَتْ بَنُو أسَدٍ بِحُكْمِهِمْ ∗∗∗ إذْ يَجْعَلُونَ الرَّأْسَ كالذَّنَبِ وأصْلُها ضُوزى عَلى وزْنِ فُعْلى، نَحْوَ: حُبْلى وأُنْثى ورُيّا، فَفُعِلَ بِها ما فُعِلَ بِبُيَّضَ لِتَسْلَمَ الياءُ، ولا يُوجَدُ فِعْلى بِكَسْرِ الفاءِ في الصِّفاتِ، كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ. وحَكى ثَعْلَبٌ: مِشْيَةٌ جُبْكى، ورَجُلٌ كِيصى. وحَكى غَيْرُهُ: امْرَأةٌ عِزْهى، وامْرَأةٌ سِعْلى؛ والمَعْرُوفُ: عِزْماةٌ وسِعْلاةٌ. وقالَ الكِسائِيُّ: ضازَ يَضِيزُ ضِيزى، وضازَ يَضُوزُ ضِوْزى، وضَأزَ يَضْأزُ ضِأْزًا. اللَّمَمُ: ما قَلَّ وصَغُرَ، ومِنهُ اللَّمَمُ: المَسُّ مِنَ الجُنُونِ، وألَمَّ بِالمَكانِ: قَلَّ لُبْثُهُ فِيهِ، وألَمَّ بِالطَّعامِ: قَلَّ أكْلُهُ مِنهُ. وقالَ المُبَرِّدُ: أصْلُ اللَّمَمِ أنْ يَلِمَّ بِالشَّيْءِ مِن غَيْرِ أنْ يَرْكَبَهُ، يُقالُ: ألَمَّ (p-١٥٥)بِكَذا، إذا قارَبَهُ ولَمْ يُخالِطْهُ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: العَرَبُ تَسْتَعْمِلُ الإلْمامَ في المُقارَبَةِ والدُّنُوِّ، يُقالُ: ألَمَّ يَفْعَلُ كَذا، بِمَعْنى: كادَ يَفْعَلُ. قالَ جَرِيرٌ: ؎بِنَفْسِي مَن تَجْنِيهِ عَزِيزٌ ∗∗∗ عَلَيَّ ومَن زِيارَتُهُ لِمامُ وقالَ آخَرُ: لِقاءُ أخِلّاءِ الصَّفا لِمامُ الأجِنَّةُ: جَمْعُ جَنِينٍ، وهو الوَلَدُ في البَطْنِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِاسْتِتارِهِ، والِاجْتِنانُ: الِاسْتِتارُ. أكْدى: أصْلُهُ مِنَ الكُدْيَةِ، يُقالُ لِمَن حَفَرَ بِئْرًا ثُمَّ وصَلَ إلى حَجَرٍ لا يَتَهَيَّأُ لَهُ فِيها حَفْرٌ: قَدْ أكْدى، ثُمَّ اسْتَعْمَلَتْهُ العَرَبُ لِمَن أعْطى ولَمْ يُتْمِمْ، ولِمَن طَلَبَ شَيْئًا فَلَمْ يَبْلُغْ آخِرَهُ. قالَ الحُطَيْئَةُ: ؎فَأعْطى قَلِيلًا ثُمَّ أكْدى عَطاءَهُ ∗∗∗ ومَن يَبْذُلِ المَعْرُوفَ في النّاسِ يُحْمَدُ وقالَ الكِسائِيُّ وغَيْرُهُ: أكْدى الحافِرُ، إذا بَلَغَ كُدْيَةً أوْ جَبَلًا ولا يُمْكِنُهُ أنْ يَحْفِرَ، وحَفَرَ فَأكْدى: إذا وصَلَ إلى الصُّلْبِ، ويُقالُ: كَدِيَتْ أصابِعُهُ إذا كَلَّتْ مِنَ الحَفْرِ، وكَدا البَيْتُ: قَلَّ رَيْعُهُ. وقالَ أبُو زَيْدٍ: أكْدى الرَّجُلُ: قَلَّ خَيْرُهُ. أقْنى، قالالجَوْهَرِيُّ: قَنِيَ يَقْنى قِنًى، كَغَنِيَ يَغْنى غِنًى، ويَتَعَدّى بِتَغْيِيرِ الحَرَكَةِ، فَتَقُولُ: قَنَيْتُ المالَ: أيْ كَسَبْتُهُ، نَحْوَ شَتَرْتُ عَيْنَ الرَّجُلِ وشَتَرَها اللَّهُ، ثُمَّ تَعَدّى بَعْدَ ذَلِكَ بِالهَمْزَةِ أوِ التَّضْعِيفِ، فَتَقُولُ: أقْناهُ اللَّهُ مالًا، وقَنّاهُ اللَّهُ مالًا، وقالَ الشّاعِرُ: ؎كَمْ مِن غَنِيٍّ أصابَ الدَّهْرُ ثَرْوَتَهُ ∗∗∗ ومِن فَقِيرٍ تَقَنّى بَعْدَ الإقْلالِ أيْ: تَقَنّى المالَ، ويُقالُ: أقْناهُ اللَّهُ مالًا، وأرْضاهُ مِنَ القِنْيَةِ. قالَ أبُو زَيْدٍ: تَقُولُ العَرَبُ لِمَن أُعْطِيَ مِائَةً مِنَ المَعِزِ: أُعْطِيَ القِنى، ومَن أُعْطِيَ مِائَةً مِنَ الضَّأْنِ: أُعْطِيَ الغِنى، ومَن أُعْطِيَ مِائَةً مِنَ الإبِلِ: أُعْطِيَ المُنى. الشِّعْرى: هو الكَوْكَبُ المُضِيءُ الَّذِي يَطْلُعُ بَعْدَ الجَوْزاءِ، وطُلُوعُهُ في شِدَّةِ الحَرِّ، ويُقالُ لَهُ: مُرْزِمُ الجَوْزاءِ، وهُما الشِّعْرَيانِ: العُبُورُ الَّتِي في الجَوْزاءِ، والشِّعْرى الغُمَيْصاءُ الَّتِي في الذِّراعِ، وتَزْعُمُ العَرَبُ أنَّهُما أُخْتا سُهَيْلٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وتُسَمّى كَلْبَ الجَبّارِ، وهُما شِعْرَيانِ: الغُمَيْصاءُ والعُبُورُ، ومِن كَذِبِ العَرَبِ أنَّ سُهَيْلًا والشِّعْرى كانا زَوْجَيْنِ فانْحَدَرَ سُهَيْلٌ وصارَ يَمانِيًّا، فَأتْبَعَتْهُ الشِّعْرى العُبُورَ، فَعَبَرَتِ المَجَرَّةَ، فَسُمِّيَتِ العُبُورَ، وأقامَتِ الغُمَيْصاءُ لِأنَّها أخْفى مِنَ الأُخْرى. أزِفَ: قَرُبَ، قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ: ؎بانَ الشَّبابُ وهَذا الشِّيبُ قَدْ أزِفا ∗∗∗ ولا أرى لِشَبابٍ بائِنٍ خَلَفا وقالَ النّابِغَةُ الذُّبْيانِيُّ: ؎أزِفَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أنَّ رِكابَنا ∗∗∗ لَمّا تَزَلْ بِرِحالِنا وكَأنَّ قَدِ ويُرْوى: أفِدَ التَّرَحُّلُ. سَمَدَ: لَهى ولَعِبَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ألا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ سامِدٌ ∗∗∗ كَأنَّكَ لا تَفْنى ولا أنْتَ هالِكُ وقالَ آخَرُ: ؎قِيلَ قُمْ فانْظُرْ إلَيْهِمْ ∗∗∗ ثُمَّ دَعْ عَنْكَ السُّمُودا وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السُّمُودُ: الغِناءُ بِلُغَةِ حِمْيَرَ، يَقُولُونَ: يا جارِيَةُ اسْمُدِي لَنا: أيْ غَنِّي لَنا.

الطور 52:30

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ ﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ﴾ ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ ﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ . (p-١٥١)لَمّا تَقَدَّمَ إقْسامُ اللَّهِ تَعالى عَلى وُقُوعِ العَذابِ، وذَكَرَ أشْياءَ مِن أحْوالِ المُعَذَّبِينَ والنّاجِينَ، أمَرَهُ بِالتَّذْكِيرِ، إنْذارًا لِلْكافِرِ، وتَبْشِيرًا لِلْمُؤْمِنِ، ودُعاءً إلى اللَّهِ تَعالى بِنَشْرِ رِسالَتِهِ، ثُمَّ نَفى عَنْهُ ما كانَ الكُفّارُ يَنْسُبُونَهُ إلَيْهِ مِنَ الكِهانَةِ والجُنُونِ، إذْ كانا طَرِيقَيْنِ إلى الإخْبارِ بِبَعْضِ المُغَيَّباتِ، وكانَ لِلْجِنِّ بِهِما مُلابَسَةٌ لِلْإنْسِ. ومِمَّنْ كانَ يَنْسُبُهُ إلى الكِهانَةِ شَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، ومِمَّنْ كانَ يَنْسُبُهُ إلى الجُنُونِ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَذَكِّرْ) فاثْبُتْ عَلى تَذْكِيرِ النّاسِ ومَوْعِظَتِهِمْ، ولا يُثَبِّطَنَّكَ قَوْلُهم كاهِنٌ أوْ مَجْنُونٌ، ولا تُبالِ بِهِ، فَإنَّهُ قَوْلٌ باطِلٌ مُتَناقِضٌ. فَإنَّ الكاهِنَ يَحْتاجُ في كَهانَتِهِ إلى فِطْنَةٍ ودِقَّةِ نَظَرٍ، والمَجْنُونُ مُغَطًّى عَلى عَقْلِهِ؛ وما أنْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعالى وإنْعامِهِ عَلَيْكَ بِصِدْقِ النُّبُوَّةِ ورَصافَةِ العَقْلِ، أحَدَ هَذَيْنِ. انْتَهى. وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، وهو اعْتِراضٌ بَيْنَ اسْمِ ما وخَبَرِها، والتَّقْدِيرُ: ما أنْتَ في حالِ إذْكارِكَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ. قالَ أبُو البَقاءِ: الباءُ في مَوْضِعِ الحالِ، والعامِلُ في بِكاهِنٍ أوْ مَجْنُونٍ، والتَّقْدِيرُ: ما أنْتَ كاهِنًا ولا مَجْنُونًا مُلْتَبِسًا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ. انْتَهى. وتَكُونُ حالًا لازِمَةً لا مُنْتَقِلَةً، لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما زالَ مُلْتَبِسًا بِنِعْمَةِ رَبِّهِ. وقِيلَ: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ مُقْسَمٌ بِها، كَأنَّهُ قِيلَ: ونِعْمَةِ رَبِّكَ ما أنْتَ كاهِنٌ ولا مَجْنُونٌ، فَتَوَسَّطَ المُقْسَمُ بِهِ بَيْنَ الِاسْمِ والخَبَرِ، كَما تَقُولُ: ما زَيْدٌ واللَّهِ بِقائِمٍ. ولَمّا نَفى عَنْهُ الكِهانَةَ والجُنُونَ اللَّذَيْنِ كانَ بَعْضُ الكُفّارِ يَنْسُبُونَهُما إلَيْهِ، ذَكَرَ نَوْعًا آخَرَ مِمّا كانُوا يَقُولُونَهُ. رُوِيَ أنَّ قُرَيْشًا اجْتَمَعَتْ في دارِ النَّدْوَةِ، وكَثُرَتْ آراؤُهم فِيهِ، ﷺ، حَتّى قالَ قائِلٌ مِنهم، وهم بَنُو عَبْدِ الدّارِ، قالَهُ الضَّحّاكُ: تَرَبَّصُوا بِهِ رَيْبَ المَنُونِ، فَإنَّهُ شاعِرٌ سَيَهْلِكُ، كَما هَلَكَ زُهَيْرٌ والنّابِغَةُ والأعْشى، فافْتَرَقُوا عَلى هَذِهِ المَقالَةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ. وقَوْلُ مَن قالَ ذَلِكَ هو مِن نَقْصِ الفِطْرَةِ بِحَيْثُ لا يُدْرِكُ الشِّعْرَ، وهو الكَلامُ المَوْزُونُ عَلى طَرِيقَةٍ مَعْرُوفَةٍ مِنَ النَّثْرِ الَّذِي لَيْسَ هو عَلى ذَلِكَ المِضْمارِ، ولا شَكَّ أنَّ بَعْضَهم كانَ يُدْرِكُ ذَلِكَ، إذْ كانَ فِيهِمْ شُعَراءُ، ولَكِنَّهم تَمالَئُوا مَعَ أُولَئِكَ النّاقِصِي الفِطْرَةِ عَلى قَوْلِهِمْ: هو شاعِرٌ، جَحْدًا لِآياتِ اللَّهِ بَعْدَ اسْتِيقانِها. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: يُتَرَبَّصُ بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ بِهِ، (رَيْبُ): مَرْفُوعٌ، ورَيْبُ المَنُونِ: حَوادِثُ الدَّهْرِ، فَإنَّهُ لا يَدُومُ عَلى حالٍ، قالَ الشّاعِرُ: ؎تَرَبَّصْ بِها رَيْبَ المَنُونِ لَعَلَّها تُطَلَّقُ يَوْمًا أوْ يَمُوتُ حَلِيلُها وقالَ الهِنْدِيُّ: ؎أمِنَ المَنُونِ ورَيْبِها تَتَوَجَّعُ ∗∗∗ والدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَن يَجْزَعُ ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا﴾: هو أمْرُ تَهْدِيدٍ مِنَ المُتَرَبِّصِينَ هَلاكَكم، كَما تَتَرَبَّصُونَ هَلاكِي. ﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهُمْ﴾: عُقُولُهم بِهَذا، أيْ بِقَوْلِهِمْ كاهِنٌ وشاعِرٌ ومَجْنُونٌ، وهو قَوْلٌ مُتَناقِضٌ، وكانَتْ قُرَيْشٌ تُدْعى أهْلَ الأحْلامِ والنُّهى. وقِيلَ لِعَمْرِو بْنِ العاصِ: ما بالُ قَوْمِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا وقَدْ وصَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالعَقْلِ ؟ فَقالَ: تِلْكَ عُقُولٌ كادَها اللَّهُ، أيْ لَمْ يَصْحَبْها التَّوْفِيقُ. ﴿أمْ تَأْمُرُهُمْ﴾، قِيلَ: أمْ بِمَعْنى الهَمْزَةِ، أيْ أتَأْمُرُهم ؟ وقَدَّرَها مُجاهِدٌ بِـ بَلْ، والصَّحِيحُ أنَّها تَتَقَدَّرُ بِـ بَلْ والهَمْزَةِ. ﴿أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾: أيْ مُجاوِزُونَ الحَدَّ في العِنادِ مَعَ ظُهُورِ الحَقِّ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: بَلْ هم، مَكانَ: (أمْ هم)، وكَوْنُ الأحْلامِ آمِرَةً مَجازًا لَمّا أدَّتْ إلى ذَلِكَ جُعِلَتْ آمِرَةً كَقَوْلِهِ: ﴿أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ [هود: ٨٧] . وحَكى الثَّعْلَبِيُّ عَنِ الخَلِيلِ أنَّهُ قالَ: كُلُّ ما في (p-١٥٢)سُورَةِ والطُّورِ مِن أمْ فاسْتِفْهامٌ ولَيْسَ بِعَطْفٍ. تَقَوَّلَهُ: اخْتَلَقَهُ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ، كَما قالَ: ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ [الحاقة: ٤٤] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَقَوَّلَهُ مَعْناهُ: قالَ عَنِ الغَيْرِ أنَّهُ قالَهُ، فَهو عِبارَةٌ عَنْ كَذِبٍ مَخْصُوصٍ. انْتَهى. ﴿بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾: أيْ لِكُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ، ثُمَّ عَجَّزَهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾: أيْ مُماثِلٍ لِلْقُرْآنِ في نَظْمِهِ ورَصْفِهِ مِنَ البَلاغَةِ، وصِحَّةِ المَعانِي والإخْبارِ بِقِصَصِ الأُمَمِ السّالِفَةِ والمُغَيَّباتِ، والحُكْمُ إنْ كانُوا صادِقِينَ في أنَّهُ تَقَوَّلَهُ، فَلْيَقُولُوا هم مِثْلَهُ، إذْ هو واحِدٌ مِنهم، فَإنْ كانُوا صادِقِينَ فَلْيَكُونُوا مِثْلَهُ في التَّقَوُّلِ. فَقَرَأ الجَحْدَرِيُّ وأبُو السَّمّالِ: ﴿بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾، عَلى الإضافَةِ: أيْ بِحَدِيثِ رَجُلٍ مِثْلِ الرَّسُولِ في كَوْنِهِ أُمِّيًّا لَمْ يَصْحَبْ أهْلَ العِلْمِ ولا رَحَلَ عَنْ بَلَدِهِ، أوْ مِثْلِهِ في كَوْنِهِ واحِدًا مِنهم، فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِثْلُهُ في العَرَبِ فَصاحَةً، فَلْيَأْتِ بِمِثْلِ ما أتى بِهِ، ولَنْ يَقْدِرَ عَلى ذَلِكَ أبَدًا. ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾: أيْ مِن غَيْرِ شَيْءٍ حَيٍّ كالجَمادِ، فَهم لا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ، كَما هي الجَماداتُ عَلَيْهِ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ. وقِيلَ: ﴿مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾: أيْ مِن غَيْرِ عِلَّةٍ ولا لِغايَةِ عِقابٍ وثَوابٍ، فَهم لِذَلِكَ لا يَسْمَعُونَ ولا يَتَشَرَّعُونَ، وهَذا كَما تَقُولُ: فَعَلْتُ كَذا وكَذا مِن غَيْرِ عِلَّةٍ: أيْ لِغَيْرِ عِلَّةٍ، فَمِن لِلسَّبَبِ، وفي القَوْلِ الأوَّلِ لِابْتِداءِ الغايَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿أمْ خُلِقُوا﴾: أمْ أُحْدِثُوا وقُدِّرُوا التَّقْدِيرَ الَّذِي عَلَيْهِ فِطْرَتُهم؛ ﴿مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾: مِن غَيْرِ مُقَدِّرٍ، أمْ هُمُ الَّذِينَ خَلَقُوا أنْفُسَهم حَيْثُ لا يَعْبُدُونَ الخالِقَ ؟ ﴿بَل لا يُوقِنُونَ﴾: أيْ إذا سُئِلُوا: مَن خَلَقَكم وخَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ؟ قالُوا: اللَّهُ، وهم شاكُّونَ فِيما يَقُولُونَ لا يُوقِنُونَ. أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ رَبٍّ ولا خالِقٍ ؟ أيْ أمْ أُحْدِثُوا وبَرَزُوا لِلْوُجُودِ مِن غَيْرِ إلَهٍ يُبْرِزُهم ويُنْشِئُهم ؟ ﴿أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ لِأنْفُسِهِمْ، فَلا يَعْبُدُونَ اللَّهَ، ولا يَأْتَمِرُونَ بِأوامِرِهِ، ولا يَنْتَهُونَ عَنْ مَناهِيهِ. والقِسْمانِ باطِلانِ، وهم يَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ، فَدَلَّ عَلى بُطْلانِهِمْ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ثُمَّ وقَفَهم عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ عَلى أنْفُسِهِمْ، أهُمُ الَّذِينَ خَلَقُوا الأشْياءَ فَهم لِذَلِكَ يَتَكَبَّرُونَ ؟ ثُمَّ خَصَّصَ مِن تِلْكَ الأشْياءِ السَّماواتِ والأرْضَ لِعِظَمِها وشَرَفِها في المَخْلُوقاتِ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يُوقِنُونَ ولا يَنْظُرُونَ نَظَرًا يُؤَدِّيهِمْ إلى اليَقِينِ. ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ﴾، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: خَزائِنُ الرِّزْقِ، حَتّى يَرْزُقُوا النُّبُوَّةَ مَن شاءُوا، أوْ: أعِنْدَهم خَزائِنُ عِلْمِهِ حَتّى يَخْتارُوا لَها مَنِ اخْتِيارُهُ حِكْمَةٌ ومَصْلَحَةٌ ؟ ﴿أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾: الأرْبابُ الغالِبُونَ حَتّى يُدَبِّرُوا أمْرَ الرُّبُوبِيَّةِ ويَبْنُوا الأُمُورَ عَلى إرادَتِهِمْ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أمْ عِنْدَهُمُ الِاسْتِغْناءُ عَنِ اللَّهِ تَعالى في جَمِيعِ الأُمُورِ، لِأنَّ المالَ والصِّحَّةَ والقُوَّةَ وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الأشْياءِ كُلِّها مِن خَزائِنِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ الزَّهْراوِيُّ: وقِيلَ يُرِيدُ بِالخَزائِنِ العِلْمَ، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ إذا تُؤُمِّلَ وبُسِطَ. وقالَ الرُّمّانِيُّ: خَزائِنُهُ تَعالى: مَقْدُوراتُهُ. انْتَهى. والمُسَيْطِرُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُسَلَّطُ القاهِرُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: المُصَيْطِرُونَ بِالصّادِ؛ وهِشامٌ وقُنْبُلٌ وحَفْصٌ: بِخِلافٍ عَنْهُ بِالسِّينِ، وهو الأصْلُ؛ ومَن أبْدَلَها صادًا، فَلِأجْلِ حَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ وهو الطّاءُ، وأشَمَّ خَلْقٌ عَنْ حَمْزَةَ وخَلّادٍ عَنْهُ بِخِلافٍ عَنْهُ الزّايَ. ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ﴾ مَنصُوبٌ إلى السَّماءِ، ﴿يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾: أيْ عَلَيْهِ أوْ مِنهُ، إذْ حُرُوفُ الجَرِّ قَدْ يَسُدُّ بَعْضُها مَسَدَّ بَعْضٍ، وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: صاعِدِينَ فِيهِ، ومَفْعُولُ يَسْتَمِعُونَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: الخَبَرُ بِصِحَّةِ ما يَدَّعُونَهُ، وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: ما يُوحى إلى المَلائِكَةِ مِن عِلْمِ الغَيْبِ حَتّى يَعْلَمُوا ما هو كائِنٌ مِن تَقَدُّمِ هَلاكِهِ عَلى هَلاكِهِمْ وظَفَرِهِمْ في العاقِبَةِ دُونَهُ كَما يَزْعُمُونَ. ﴿بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾: أيْ بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ بِصِدْقِ اسْتِماعِهِمْ مُسْتَمِعَهم، ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا﴾ عَلى الإيمانِ بِاللَّهِ وتَوْحِيدِهِ واتِّباعِ شَرْعِهِ، (فَهُمُ) مِن ذَلِكَ المَغْرَمِ الثَّقِيلِ اللّازِمِ (مُثْقَلُونَ)، فاقْتَضى زُهْدَهم في اتِّباعِكَ. ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ﴾: أيِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، ﴿فَهم يَكْتُبُونَ﴾: أيْ يُثْبِتُونَ ذَلِكَ لِلنّاسِ شَرْعًا، وذَلِكَ عِبادَةُ الأوْثانِ وتَسْيِيبُ السَّوائِبِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِن سِيَرِهِمْ. وقِيلَ: المَعْنى فَهم يَعْلَمُونَ مَتى يَمُوتُ (p-١٥٣)مُحَمَّدٌ ﷺ الَّذِي يَتَرَبَّصُونَ بِهِ، ويَكْتُبُونَ بِمَعْنى: يَحْكُمُونَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي أمْ عِنْدَهُمُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، فَهم يَكْتُبُونَ ما فِيهِ ويُخْبِرُونَ. ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾: أيْ بِكَ وبِشَرْعِكَ، وهو كَيْدُهم بِهِ في دارِ النَّدْوَةِ، ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا﴾: أيْ فَهم، وأبْرَزَ الظّاهِرَ تَنْبِيهًا عَلى العِلَّةِ، أوِ الَّذِينَ كَفَرُوا عامٌّ فَيَنْدَرِجُونَ فِيهِ، ﴿هُمُ المَكِيدُونَ﴾: أيِ الَّذِينَ يَعُودُ عَلَيْهِمْ وبالُ كَيْدِهِمْ، ويَحِيقُ بِهِمْ مَكْرُهم، وذَلِكَ أنَّهم قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ، وسَمّى غَلَبَتَهم كَيْدًا، إذْ كانَتْ عُقُوبَةَ الكَيْدِ. ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ يَعْصِمُهم ويَدْفَعُ عَنْهم في صُدُورِ إهْلاكِهِمْ، ثُمَّ نَزَّهَ تَعالى نَفْسَهُ، ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ بِهِ مِنَ الأصْنامِ والأوْثانِ. ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ﴾: كانَتْ قُرَيْشٌ قَدِ اقْتَرَحَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، فِيما اقْتَرَحَتْ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ [الإسراء: ٩٢]، فَأخْبَرَ تَعالى أنَّهم لَوْ رَأوْا ذَلِكَ عَيانًا، حَسَبَ اقْتِراحِهِمْ، لَبَلَغَ بِهِمْ عُتُوُّهم وجَهْلُهم أنْ يُغالِطُوا أنْفُسَهم فِيما عايَنُوهُ، وقالُوا: هو سَحابٌ مَرْكُومٌ، تَراكَمَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ مُمْطِرُنا، ولَيْسَ بِكِسَفٍ ساقِطٍ لِلْعَذابِ. (فَذَرْهم): أمْرُ مُوادَعَةٍ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿حَتّى يُلاقُوا﴾؛ وأبُو حَيْوَةَ: حَتّى يَلْقَوْا، مُضارِعُ لَقِيَ، (يَوْمَهُمُ): أيْ يَوْمَ مَوْتِهِمْ واحِدًا واحِدًا، والصَّعْقُ: العَذابُ، أوْ يَوْمَ بَدْرٍ، لِأنَّهم عُذِّبُوا فِيهِ، أوْ يَوْمَ القِيامَةِ، أقْوالٌ، ثالِثُها قَوْلُ الجُمْهُورِ، لِأنَّ صَعْقَتَهُ تَعُمُّ جَمِيعَ الخَلائِقِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَصْعَقُونَ، بِفَتْحِ الياءِ. وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأهْلُ مَكَّةَ: في قَوْلِ شِبْلِ بْنِ عُبادَةَ، وفَتَحَها أهْلُ مَكَّةَ، كالجُمْهُورِ في قَوْلِ إسْماعِيلَ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ العَيْنِ، مِن أصْعَقَ رُباعِيًّا. ﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: أيْ لِهَؤُلاءِ الظَّلَمَةِ، ﴿عَذابًا دُونَ ذَلِكَ﴾: أيْ دُونَ يَوْمِ القِيامَةِ وقَبْلَهُ، وهو يَوْمُ بَدْرٍ والفَتْحِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ. وقالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هو عَذابُ القَبْرِ. وقالَ الحَسَنُ وابْنُ زَيْدٍ: مَصائِبُهم في الدُّنْيا. وقالَ مُجاهِدٌ: هو الجُوعُ والقَحْطُ سَبْعَ سِنِينَ. ﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾: عِبارَةٌ عَنِ الحِفْظِ والكِلاءَةِ، وجُمِعَ لِأنَّهُ أُضِيفَ إلى ضَمِيرِ الجَماعَةِ، وحِينَ كانَ الضَّمِيرُ مُفْرَدًا، أفْرَدَ العَيْنَ، قالَ تَعالى: ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] . وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: بِأعْيُنّا، بِنُونٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ. ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [طه: ١٣٠]، قالَ أبُو الأحْوَصِ عَوْفُ بْنُ مالِكٍ: هو التَّسْبِيحُ المَعْرُوفُ، وهو قَوْلُ سُبْحانَ اللَّهِ عِنْدَ كُلِّ قِيامٍ. وقالَ عَطاءٌ: حِينَ تَقُومُ مِن كُلِّ مَجْلِسٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حِينَ تَقُومُ مِن مَنامِكَ. وقِيلَ: هو صَلاةُ التَّطَوُّعِ. وقِيلَ: الفَرِيضَةُ. وقالَ الضَّحّاكُ: حِينَ تَقُومُ إلى الصَّلاةِ تَقُولُ: «سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، تَبارَكَ اسْمُكَ، وتَعالى جَدُّكَ، ولا إلَهَ غَيْرُكَ» . وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: حِينَ تَقُومُ مِنَ القائِلَةِ والتَّسْبِيحِ، إذْ ذاكَ هو صَلاةُ الظُّهْرِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: اذْكُرِ اللَّهَ بِلِسانِكَ حِينَ تَقُومُ مِن فِراشِكَ إلى أنْ تَدْخُلَ في الصَّلاةِ. ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾: قَبْلَ صَلاةِ المَغْرِبِ والعِشاءِ. ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾: صَلاةُ الصُّبْحِ. وعَنْ عَمْرٍو وعَلِيٍّ وأبِي هُرَيْرَةَ والحَسَنِ: إنَّها النَّوافِلُ، ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾: رَكْعَتا الفَجْرِ. وقَرَأ سالِمُ بْنُ أبِي الجَعْدِ والمِنهالُ بْنُ عَمْرٍو ويَعْقُوبُ: وأدْبارَ، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، بِمَعْنى: وأعْقابَ النُّجُومِ. * * سُورَةُ النَّجْمِ مَكِّيَّةٌ وهي اثْنَتانِ وسِتُّونَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (p-١٥٤)﴿والنَّجْمِ إذا هَوى﴾ [النجم: ١] ﴿ما ضَلَّ صاحِبُكم وما غَوى﴾ [النجم: ٢] ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ [النجم: ٣] ﴿إنْ هو إلّا وحْيٌ يُوحى﴾ [النجم: ٤] ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم: ٥] ﴿ذُو مِرَّةٍ فاسْتَوى﴾ [النجم: ٦] ﴿وهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ [النجم: ٧] ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ [النجم: ٨] ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى﴾ [النجم: ٩] ﴿فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾ [النجم: ١٠] ﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى﴾ [النجم: ١١] ﴿أفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى﴾ [النجم: ١٢] ﴿ولَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾ [النجم: ١٣] ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ [النجم: ١٤] ﴿عِنْدَها جَنَّةُ المَأْوى﴾ [النجم: ١٥] ﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ [النجم: ١٦] ﴿ما زاغَ البَصَرُ وما طَغى﴾ [النجم: ١٧] ﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ [النجم: ١٨] ﴿أفَرَأيْتُمُ اللّاتَ والعُزّى﴾ [النجم: ١٩] ﴿ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى﴾ [النجم: ٢٠] ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ [النجم: ٢١] ﴿تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [النجم: ٢٢] ﴿إنْ هي إلّا أسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وما تَهْوى الأنْفُسُ ولَقَدْ جاءَهم مِن رَبِّهِمُ الهُدى﴾ [النجم: ٢٣] ﴿أمْ لِلْإنْسانِ ما تَمَنّى﴾ [النجم: ٢٤] ﴿فَلِلَّهِ الآخِرَةُ والأُولى﴾ [النجم: ٢٥] ﴿وكَمْ مِن مَلَكٍ في السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهم شَيْئًا إلّا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشاءُ ويَرْضى﴾ [النجم: ٢٦] ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ المَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثى﴾ [النجم: ٢٧] ﴿وما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨] ﴿فَأعْرِضْ عَنْ مَن تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا ولَمْ يُرِدْ إلّا الحَياةَ الدُّنْيا﴾ [النجم: ٢٩] ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى﴾ [النجم: ٣٠] ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا بِما عَمِلُوا ويَجْزِيَ الَّذِينَ أحْسَنُوا بِالحُسْنى﴾ [النجم: ٣١] ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ إلّا اللَّمَمَ إنَّ رَبَّكَ واسِعُ المَغْفِرَةِ هو أعْلَمُ بِكم إذْ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ وإذْ أنْتُمْ أجِنَّةٌ في بُطُونِ أُمَّهاتِكم فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكم هو أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى﴾ [النجم: ٣٢] ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي تَوَلّى﴾ [النجم: ٣٣] ﴿وأعْطى قَلِيلًا وأكْدى﴾ [النجم: ٣٤] ﴿أعِنْدَهُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهو يَرى﴾ [النجم: ٣٥] ﴿أمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما في صُحُفِ مُوسى﴾ [النجم: ٣٦] ﴿وإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى﴾ [النجم: ٣٧] ﴿ألّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [النجم: ٣٨] ﴿وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ [النجم: ٣٩] ﴿وأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى﴾ [النجم: ٤٠] ﴿ثُمَّ يُجْزاهُ الجَزاءَ الأوْفى﴾ [النجم: ٤١] ﴿وأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ [النجم: ٤٢] ﴿وأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى﴾ [النجم: ٤٣] ﴿وأنَّهُ هو أماتَ وأحْيا﴾ [النجم: ٤٤] ﴿وأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [النجم: ٤٥] ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾ [النجم: ٤٦] ﴿وأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى﴾ [النجم: ٤٧] ﴿وأنَّهُ هو أغْنى وأقْنى﴾ [النجم: ٤٨] ﴿وأنَّهُ هو رَبُّ الشِّعْرى﴾ [النجم: ٤٩] ﴿وأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ [النجم: ٥٠] ﴿وثَمُودَ فَما أبْقى﴾ [النجم: ٥١] ﴿وقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾ [النجم: ٥٢] ﴿والمُؤْتَفِكَةَ أهْوى﴾ [النجم: ٥٣] ﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ [النجم: ٥٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ [النجم: ٥٥] ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ [النجم: ٥٦] ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ [النجم: ٥٧] ﴿لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ﴾ [النجم: ٥٨] ﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ [النجم: ٥٩] ﴿وتَضْحَكُونَ ولا تَبْكُونَ﴾ [النجم: ٦٠] ﴿وأنْتُمْ سامِدُونَ﴾ [النجم: ٦١] ﴿فاسْجُدُوا لِلَّهِ واعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢] المِرَّةُ: القُوَّةُ مِن أمْرَرْتُ الحَبْلَ، إذا أحْكَمْتَ فَتْلَهُ. وقالَ قُطْرُبٌ: تَقُولُ العَرَبُ لِكُلِّ جَزِلِ الرَّأْيِ حَصِيفِ العَقْلِ إنَّهُ لَذُو مِرَّةٍ، قالَ: ؎وإنِّي لَذُو مِرَّةٍ مُرَّةٍ إذا رَكِبَتْ خالَةٌ خالَها تَدَلّى العِذْقُ تَدَلِّيًا: امْتَدَّ مِن عُلُوٍّ إلى جِهَةِ السُّفْلِ، فَيُسْتَعْمَلُ في القُرْبِ مِنَ العُلُوِّ، قالَهُ الفَرّاءُ وابْنُ الأعْرابِيِّ. قالَ أُسامَةُ الهُذَلِيُّ: ؎تَدَلّى عَلَيْنا وهْوَ زُرْقُ حَمامَةٍ ∗∗∗ إذا طُحْلُبٌ في مُنْتَهى القَيْظِ هامِدُ القابُ والقَيْبُ، والقادَةُ والقَيْدُ: المِقْدارُ. القَوْسُ مَعْرُوفٌ وهو: آلَةٌ لِرَمْيِ السِّهامِ، وتَخْتَلِفُ أشْكالُهُ. السِّدْرَةُ: شَجَرَةُ النَّبْقِ. الضِّيزى: الجائِرَةُ مِن ضازَهُ يَضِيزُهُ إذا ضامَهُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎ضازَتْ بَنُو أسَدٍ بِحُكْمِهِمْ ∗∗∗ إذْ يَجْعَلُونَ الرَّأْسَ كالذَّنَبِ وأصْلُها ضُوزى عَلى وزْنِ فُعْلى، نَحْوَ: حُبْلى وأُنْثى ورُيّا، فَفُعِلَ بِها ما فُعِلَ بِبُيَّضَ لِتَسْلَمَ الياءُ، ولا يُوجَدُ فِعْلى بِكَسْرِ الفاءِ في الصِّفاتِ، كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ. وحَكى ثَعْلَبٌ: مِشْيَةٌ جُبْكى، ورَجُلٌ كِيصى. وحَكى غَيْرُهُ: امْرَأةٌ عِزْهى، وامْرَأةٌ سِعْلى؛ والمَعْرُوفُ: عِزْماةٌ وسِعْلاةٌ. وقالَ الكِسائِيُّ: ضازَ يَضِيزُ ضِيزى، وضازَ يَضُوزُ ضِوْزى، وضَأزَ يَضْأزُ ضِأْزًا. اللَّمَمُ: ما قَلَّ وصَغُرَ، ومِنهُ اللَّمَمُ: المَسُّ مِنَ الجُنُونِ، وألَمَّ بِالمَكانِ: قَلَّ لُبْثُهُ فِيهِ، وألَمَّ بِالطَّعامِ: قَلَّ أكْلُهُ مِنهُ. وقالَ المُبَرِّدُ: أصْلُ اللَّمَمِ أنْ يَلِمَّ بِالشَّيْءِ مِن غَيْرِ أنْ يَرْكَبَهُ، يُقالُ: ألَمَّ (p-١٥٥)بِكَذا، إذا قارَبَهُ ولَمْ يُخالِطْهُ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: العَرَبُ تَسْتَعْمِلُ الإلْمامَ في المُقارَبَةِ والدُّنُوِّ، يُقالُ: ألَمَّ يَفْعَلُ كَذا، بِمَعْنى: كادَ يَفْعَلُ. قالَ جَرِيرٌ: ؎بِنَفْسِي مَن تَجْنِيهِ عَزِيزٌ ∗∗∗ عَلَيَّ ومَن زِيارَتُهُ لِمامُ وقالَ آخَرُ: لِقاءُ أخِلّاءِ الصَّفا لِمامُ الأجِنَّةُ: جَمْعُ جَنِينٍ، وهو الوَلَدُ في البَطْنِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِاسْتِتارِهِ، والِاجْتِنانُ: الِاسْتِتارُ. أكْدى: أصْلُهُ مِنَ الكُدْيَةِ، يُقالُ لِمَن حَفَرَ بِئْرًا ثُمَّ وصَلَ إلى حَجَرٍ لا يَتَهَيَّأُ لَهُ فِيها حَفْرٌ: قَدْ أكْدى، ثُمَّ اسْتَعْمَلَتْهُ العَرَبُ لِمَن أعْطى ولَمْ يُتْمِمْ، ولِمَن طَلَبَ شَيْئًا فَلَمْ يَبْلُغْ آخِرَهُ. قالَ الحُطَيْئَةُ: ؎فَأعْطى قَلِيلًا ثُمَّ أكْدى عَطاءَهُ ∗∗∗ ومَن يَبْذُلِ المَعْرُوفَ في النّاسِ يُحْمَدُ وقالَ الكِسائِيُّ وغَيْرُهُ: أكْدى الحافِرُ، إذا بَلَغَ كُدْيَةً أوْ جَبَلًا ولا يُمْكِنُهُ أنْ يَحْفِرَ، وحَفَرَ فَأكْدى: إذا وصَلَ إلى الصُّلْبِ، ويُقالُ: كَدِيَتْ أصابِعُهُ إذا كَلَّتْ مِنَ الحَفْرِ، وكَدا البَيْتُ: قَلَّ رَيْعُهُ. وقالَ أبُو زَيْدٍ: أكْدى الرَّجُلُ: قَلَّ خَيْرُهُ. أقْنى، قالالجَوْهَرِيُّ: قَنِيَ يَقْنى قِنًى، كَغَنِيَ يَغْنى غِنًى، ويَتَعَدّى بِتَغْيِيرِ الحَرَكَةِ، فَتَقُولُ: قَنَيْتُ المالَ: أيْ كَسَبْتُهُ، نَحْوَ شَتَرْتُ عَيْنَ الرَّجُلِ وشَتَرَها اللَّهُ، ثُمَّ تَعَدّى بَعْدَ ذَلِكَ بِالهَمْزَةِ أوِ التَّضْعِيفِ، فَتَقُولُ: أقْناهُ اللَّهُ مالًا، وقَنّاهُ اللَّهُ مالًا، وقالَ الشّاعِرُ: ؎كَمْ مِن غَنِيٍّ أصابَ الدَّهْرُ ثَرْوَتَهُ ∗∗∗ ومِن فَقِيرٍ تَقَنّى بَعْدَ الإقْلالِ أيْ: تَقَنّى المالَ، ويُقالُ: أقْناهُ اللَّهُ مالًا، وأرْضاهُ مِنَ القِنْيَةِ. قالَ أبُو زَيْدٍ: تَقُولُ العَرَبُ لِمَن أُعْطِيَ مِائَةً مِنَ المَعِزِ: أُعْطِيَ القِنى، ومَن أُعْطِيَ مِائَةً مِنَ الضَّأْنِ: أُعْطِيَ الغِنى، ومَن أُعْطِيَ مِائَةً مِنَ الإبِلِ: أُعْطِيَ المُنى. الشِّعْرى: هو الكَوْكَبُ المُضِيءُ الَّذِي يَطْلُعُ بَعْدَ الجَوْزاءِ، وطُلُوعُهُ في شِدَّةِ الحَرِّ، ويُقالُ لَهُ: مُرْزِمُ الجَوْزاءِ، وهُما الشِّعْرَيانِ: العُبُورُ الَّتِي في الجَوْزاءِ، والشِّعْرى الغُمَيْصاءُ الَّتِي في الذِّراعِ، وتَزْعُمُ العَرَبُ أنَّهُما أُخْتا سُهَيْلٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وتُسَمّى كَلْبَ الجَبّارِ، وهُما شِعْرَيانِ: الغُمَيْصاءُ والعُبُورُ، ومِن كَذِبِ العَرَبِ أنَّ سُهَيْلًا والشِّعْرى كانا زَوْجَيْنِ فانْحَدَرَ سُهَيْلٌ وصارَ يَمانِيًّا، فَأتْبَعَتْهُ الشِّعْرى العُبُورَ، فَعَبَرَتِ المَجَرَّةَ، فَسُمِّيَتِ العُبُورَ، وأقامَتِ الغُمَيْصاءُ لِأنَّها أخْفى مِنَ الأُخْرى. أزِفَ: قَرُبَ، قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ: ؎بانَ الشَّبابُ وهَذا الشِّيبُ قَدْ أزِفا ∗∗∗ ولا أرى لِشَبابٍ بائِنٍ خَلَفا وقالَ النّابِغَةُ الذُّبْيانِيُّ: ؎أزِفَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أنَّ رِكابَنا ∗∗∗ لَمّا تَزَلْ بِرِحالِنا وكَأنَّ قَدِ ويُرْوى: أفِدَ التَّرَحُّلُ. سَمَدَ: لَهى ولَعِبَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ألا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ سامِدٌ ∗∗∗ كَأنَّكَ لا تَفْنى ولا أنْتَ هالِكُ وقالَ آخَرُ: ؎قِيلَ قُمْ فانْظُرْ إلَيْهِمْ ∗∗∗ ثُمَّ دَعْ عَنْكَ السُّمُودا وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السُّمُودُ: الغِناءُ بِلُغَةِ حِمْيَرَ، يَقُولُونَ: يا جارِيَةُ اسْمُدِي لَنا: أيْ غَنِّي لَنا.

الطور 52:31

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ ﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ﴾ ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ ﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ . (p-١٥١)لَمّا تَقَدَّمَ إقْسامُ اللَّهِ تَعالى عَلى وُقُوعِ العَذابِ، وذَكَرَ أشْياءَ مِن أحْوالِ المُعَذَّبِينَ والنّاجِينَ، أمَرَهُ بِالتَّذْكِيرِ، إنْذارًا لِلْكافِرِ، وتَبْشِيرًا لِلْمُؤْمِنِ، ودُعاءً إلى اللَّهِ تَعالى بِنَشْرِ رِسالَتِهِ، ثُمَّ نَفى عَنْهُ ما كانَ الكُفّارُ يَنْسُبُونَهُ إلَيْهِ مِنَ الكِهانَةِ والجُنُونِ، إذْ كانا طَرِيقَيْنِ إلى الإخْبارِ بِبَعْضِ المُغَيَّباتِ، وكانَ لِلْجِنِّ بِهِما مُلابَسَةٌ لِلْإنْسِ. ومِمَّنْ كانَ يَنْسُبُهُ إلى الكِهانَةِ شَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، ومِمَّنْ كانَ يَنْسُبُهُ إلى الجُنُونِ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَذَكِّرْ) فاثْبُتْ عَلى تَذْكِيرِ النّاسِ ومَوْعِظَتِهِمْ، ولا يُثَبِّطَنَّكَ قَوْلُهم كاهِنٌ أوْ مَجْنُونٌ، ولا تُبالِ بِهِ، فَإنَّهُ قَوْلٌ باطِلٌ مُتَناقِضٌ. فَإنَّ الكاهِنَ يَحْتاجُ في كَهانَتِهِ إلى فِطْنَةٍ ودِقَّةِ نَظَرٍ، والمَجْنُونُ مُغَطًّى عَلى عَقْلِهِ؛ وما أنْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعالى وإنْعامِهِ عَلَيْكَ بِصِدْقِ النُّبُوَّةِ ورَصافَةِ العَقْلِ، أحَدَ هَذَيْنِ. انْتَهى. وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، وهو اعْتِراضٌ بَيْنَ اسْمِ ما وخَبَرِها، والتَّقْدِيرُ: ما أنْتَ في حالِ إذْكارِكَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ. قالَ أبُو البَقاءِ: الباءُ في مَوْضِعِ الحالِ، والعامِلُ في بِكاهِنٍ أوْ مَجْنُونٍ، والتَّقْدِيرُ: ما أنْتَ كاهِنًا ولا مَجْنُونًا مُلْتَبِسًا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ. انْتَهى. وتَكُونُ حالًا لازِمَةً لا مُنْتَقِلَةً، لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما زالَ مُلْتَبِسًا بِنِعْمَةِ رَبِّهِ. وقِيلَ: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ مُقْسَمٌ بِها، كَأنَّهُ قِيلَ: ونِعْمَةِ رَبِّكَ ما أنْتَ كاهِنٌ ولا مَجْنُونٌ، فَتَوَسَّطَ المُقْسَمُ بِهِ بَيْنَ الِاسْمِ والخَبَرِ، كَما تَقُولُ: ما زَيْدٌ واللَّهِ بِقائِمٍ. ولَمّا نَفى عَنْهُ الكِهانَةَ والجُنُونَ اللَّذَيْنِ كانَ بَعْضُ الكُفّارِ يَنْسُبُونَهُما إلَيْهِ، ذَكَرَ نَوْعًا آخَرَ مِمّا كانُوا يَقُولُونَهُ. رُوِيَ أنَّ قُرَيْشًا اجْتَمَعَتْ في دارِ النَّدْوَةِ، وكَثُرَتْ آراؤُهم فِيهِ، ﷺ، حَتّى قالَ قائِلٌ مِنهم، وهم بَنُو عَبْدِ الدّارِ، قالَهُ الضَّحّاكُ: تَرَبَّصُوا بِهِ رَيْبَ المَنُونِ، فَإنَّهُ شاعِرٌ سَيَهْلِكُ، كَما هَلَكَ زُهَيْرٌ والنّابِغَةُ والأعْشى، فافْتَرَقُوا عَلى هَذِهِ المَقالَةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ. وقَوْلُ مَن قالَ ذَلِكَ هو مِن نَقْصِ الفِطْرَةِ بِحَيْثُ لا يُدْرِكُ الشِّعْرَ، وهو الكَلامُ المَوْزُونُ عَلى طَرِيقَةٍ مَعْرُوفَةٍ مِنَ النَّثْرِ الَّذِي لَيْسَ هو عَلى ذَلِكَ المِضْمارِ، ولا شَكَّ أنَّ بَعْضَهم كانَ يُدْرِكُ ذَلِكَ، إذْ كانَ فِيهِمْ شُعَراءُ، ولَكِنَّهم تَمالَئُوا مَعَ أُولَئِكَ النّاقِصِي الفِطْرَةِ عَلى قَوْلِهِمْ: هو شاعِرٌ، جَحْدًا لِآياتِ اللَّهِ بَعْدَ اسْتِيقانِها. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: يُتَرَبَّصُ بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ بِهِ، (رَيْبُ): مَرْفُوعٌ، ورَيْبُ المَنُونِ: حَوادِثُ الدَّهْرِ، فَإنَّهُ لا يَدُومُ عَلى حالٍ، قالَ الشّاعِرُ: ؎تَرَبَّصْ بِها رَيْبَ المَنُونِ لَعَلَّها تُطَلَّقُ يَوْمًا أوْ يَمُوتُ حَلِيلُها وقالَ الهِنْدِيُّ: ؎أمِنَ المَنُونِ ورَيْبِها تَتَوَجَّعُ ∗∗∗ والدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَن يَجْزَعُ ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا﴾: هو أمْرُ تَهْدِيدٍ مِنَ المُتَرَبِّصِينَ هَلاكَكم، كَما تَتَرَبَّصُونَ هَلاكِي. ﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهُمْ﴾: عُقُولُهم بِهَذا، أيْ بِقَوْلِهِمْ كاهِنٌ وشاعِرٌ ومَجْنُونٌ، وهو قَوْلٌ مُتَناقِضٌ، وكانَتْ قُرَيْشٌ تُدْعى أهْلَ الأحْلامِ والنُّهى. وقِيلَ لِعَمْرِو بْنِ العاصِ: ما بالُ قَوْمِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا وقَدْ وصَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالعَقْلِ ؟ فَقالَ: تِلْكَ عُقُولٌ كادَها اللَّهُ، أيْ لَمْ يَصْحَبْها التَّوْفِيقُ. ﴿أمْ تَأْمُرُهُمْ﴾، قِيلَ: أمْ بِمَعْنى الهَمْزَةِ، أيْ أتَأْمُرُهم ؟ وقَدَّرَها مُجاهِدٌ بِـ بَلْ، والصَّحِيحُ أنَّها تَتَقَدَّرُ بِـ بَلْ والهَمْزَةِ. ﴿أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾: أيْ مُجاوِزُونَ الحَدَّ في العِنادِ مَعَ ظُهُورِ الحَقِّ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: بَلْ هم، مَكانَ: (أمْ هم)، وكَوْنُ الأحْلامِ آمِرَةً مَجازًا لَمّا أدَّتْ إلى ذَلِكَ جُعِلَتْ آمِرَةً كَقَوْلِهِ: ﴿أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ [هود: ٨٧] . وحَكى الثَّعْلَبِيُّ عَنِ الخَلِيلِ أنَّهُ قالَ: كُلُّ ما في (p-١٥٢)سُورَةِ والطُّورِ مِن أمْ فاسْتِفْهامٌ ولَيْسَ بِعَطْفٍ. تَقَوَّلَهُ: اخْتَلَقَهُ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ، كَما قالَ: ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ [الحاقة: ٤٤] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَقَوَّلَهُ مَعْناهُ: قالَ عَنِ الغَيْرِ أنَّهُ قالَهُ، فَهو عِبارَةٌ عَنْ كَذِبٍ مَخْصُوصٍ. انْتَهى. ﴿بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾: أيْ لِكُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ، ثُمَّ عَجَّزَهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾: أيْ مُماثِلٍ لِلْقُرْآنِ في نَظْمِهِ ورَصْفِهِ مِنَ البَلاغَةِ، وصِحَّةِ المَعانِي والإخْبارِ بِقِصَصِ الأُمَمِ السّالِفَةِ والمُغَيَّباتِ، والحُكْمُ إنْ كانُوا صادِقِينَ في أنَّهُ تَقَوَّلَهُ، فَلْيَقُولُوا هم مِثْلَهُ، إذْ هو واحِدٌ مِنهم، فَإنْ كانُوا صادِقِينَ فَلْيَكُونُوا مِثْلَهُ في التَّقَوُّلِ. فَقَرَأ الجَحْدَرِيُّ وأبُو السَّمّالِ: ﴿بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾، عَلى الإضافَةِ: أيْ بِحَدِيثِ رَجُلٍ مِثْلِ الرَّسُولِ في كَوْنِهِ أُمِّيًّا لَمْ يَصْحَبْ أهْلَ العِلْمِ ولا رَحَلَ عَنْ بَلَدِهِ، أوْ مِثْلِهِ في كَوْنِهِ واحِدًا مِنهم، فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِثْلُهُ في العَرَبِ فَصاحَةً، فَلْيَأْتِ بِمِثْلِ ما أتى بِهِ، ولَنْ يَقْدِرَ عَلى ذَلِكَ أبَدًا. ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾: أيْ مِن غَيْرِ شَيْءٍ حَيٍّ كالجَمادِ، فَهم لا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ، كَما هي الجَماداتُ عَلَيْهِ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ. وقِيلَ: ﴿مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾: أيْ مِن غَيْرِ عِلَّةٍ ولا لِغايَةِ عِقابٍ وثَوابٍ، فَهم لِذَلِكَ لا يَسْمَعُونَ ولا يَتَشَرَّعُونَ، وهَذا كَما تَقُولُ: فَعَلْتُ كَذا وكَذا مِن غَيْرِ عِلَّةٍ: أيْ لِغَيْرِ عِلَّةٍ، فَمِن لِلسَّبَبِ، وفي القَوْلِ الأوَّلِ لِابْتِداءِ الغايَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿أمْ خُلِقُوا﴾: أمْ أُحْدِثُوا وقُدِّرُوا التَّقْدِيرَ الَّذِي عَلَيْهِ فِطْرَتُهم؛ ﴿مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾: مِن غَيْرِ مُقَدِّرٍ، أمْ هُمُ الَّذِينَ خَلَقُوا أنْفُسَهم حَيْثُ لا يَعْبُدُونَ الخالِقَ ؟ ﴿بَل لا يُوقِنُونَ﴾: أيْ إذا سُئِلُوا: مَن خَلَقَكم وخَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ؟ قالُوا: اللَّهُ، وهم شاكُّونَ فِيما يَقُولُونَ لا يُوقِنُونَ. أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ رَبٍّ ولا خالِقٍ ؟ أيْ أمْ أُحْدِثُوا وبَرَزُوا لِلْوُجُودِ مِن غَيْرِ إلَهٍ يُبْرِزُهم ويُنْشِئُهم ؟ ﴿أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ لِأنْفُسِهِمْ، فَلا يَعْبُدُونَ اللَّهَ، ولا يَأْتَمِرُونَ بِأوامِرِهِ، ولا يَنْتَهُونَ عَنْ مَناهِيهِ. والقِسْمانِ باطِلانِ، وهم يَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ، فَدَلَّ عَلى بُطْلانِهِمْ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ثُمَّ وقَفَهم عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ عَلى أنْفُسِهِمْ، أهُمُ الَّذِينَ خَلَقُوا الأشْياءَ فَهم لِذَلِكَ يَتَكَبَّرُونَ ؟ ثُمَّ خَصَّصَ مِن تِلْكَ الأشْياءِ السَّماواتِ والأرْضَ لِعِظَمِها وشَرَفِها في المَخْلُوقاتِ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يُوقِنُونَ ولا يَنْظُرُونَ نَظَرًا يُؤَدِّيهِمْ إلى اليَقِينِ. ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ﴾، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: خَزائِنُ الرِّزْقِ، حَتّى يَرْزُقُوا النُّبُوَّةَ مَن شاءُوا، أوْ: أعِنْدَهم خَزائِنُ عِلْمِهِ حَتّى يَخْتارُوا لَها مَنِ اخْتِيارُهُ حِكْمَةٌ ومَصْلَحَةٌ ؟ ﴿أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾: الأرْبابُ الغالِبُونَ حَتّى يُدَبِّرُوا أمْرَ الرُّبُوبِيَّةِ ويَبْنُوا الأُمُورَ عَلى إرادَتِهِمْ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أمْ عِنْدَهُمُ الِاسْتِغْناءُ عَنِ اللَّهِ تَعالى في جَمِيعِ الأُمُورِ، لِأنَّ المالَ والصِّحَّةَ والقُوَّةَ وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الأشْياءِ كُلِّها مِن خَزائِنِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ الزَّهْراوِيُّ: وقِيلَ يُرِيدُ بِالخَزائِنِ العِلْمَ، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ إذا تُؤُمِّلَ وبُسِطَ. وقالَ الرُّمّانِيُّ: خَزائِنُهُ تَعالى: مَقْدُوراتُهُ. انْتَهى. والمُسَيْطِرُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُسَلَّطُ القاهِرُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: المُصَيْطِرُونَ بِالصّادِ؛ وهِشامٌ وقُنْبُلٌ وحَفْصٌ: بِخِلافٍ عَنْهُ بِالسِّينِ، وهو الأصْلُ؛ ومَن أبْدَلَها صادًا، فَلِأجْلِ حَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ وهو الطّاءُ، وأشَمَّ خَلْقٌ عَنْ حَمْزَةَ وخَلّادٍ عَنْهُ بِخِلافٍ عَنْهُ الزّايَ. ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ﴾ مَنصُوبٌ إلى السَّماءِ، ﴿يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾: أيْ عَلَيْهِ أوْ مِنهُ، إذْ حُرُوفُ الجَرِّ قَدْ يَسُدُّ بَعْضُها مَسَدَّ بَعْضٍ، وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: صاعِدِينَ فِيهِ، ومَفْعُولُ يَسْتَمِعُونَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: الخَبَرُ بِصِحَّةِ ما يَدَّعُونَهُ، وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: ما يُوحى إلى المَلائِكَةِ مِن عِلْمِ الغَيْبِ حَتّى يَعْلَمُوا ما هو كائِنٌ مِن تَقَدُّمِ هَلاكِهِ عَلى هَلاكِهِمْ وظَفَرِهِمْ في العاقِبَةِ دُونَهُ كَما يَزْعُمُونَ. ﴿بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾: أيْ بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ بِصِدْقِ اسْتِماعِهِمْ مُسْتَمِعَهم، ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا﴾ عَلى الإيمانِ بِاللَّهِ وتَوْحِيدِهِ واتِّباعِ شَرْعِهِ، (فَهُمُ) مِن ذَلِكَ المَغْرَمِ الثَّقِيلِ اللّازِمِ (مُثْقَلُونَ)، فاقْتَضى زُهْدَهم في اتِّباعِكَ. ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ﴾: أيِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، ﴿فَهم يَكْتُبُونَ﴾: أيْ يُثْبِتُونَ ذَلِكَ لِلنّاسِ شَرْعًا، وذَلِكَ عِبادَةُ الأوْثانِ وتَسْيِيبُ السَّوائِبِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِن سِيَرِهِمْ. وقِيلَ: المَعْنى فَهم يَعْلَمُونَ مَتى يَمُوتُ (p-١٥٣)مُحَمَّدٌ ﷺ الَّذِي يَتَرَبَّصُونَ بِهِ، ويَكْتُبُونَ بِمَعْنى: يَحْكُمُونَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي أمْ عِنْدَهُمُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، فَهم يَكْتُبُونَ ما فِيهِ ويُخْبِرُونَ. ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾: أيْ بِكَ وبِشَرْعِكَ، وهو كَيْدُهم بِهِ في دارِ النَّدْوَةِ، ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا﴾: أيْ فَهم، وأبْرَزَ الظّاهِرَ تَنْبِيهًا عَلى العِلَّةِ، أوِ الَّذِينَ كَفَرُوا عامٌّ فَيَنْدَرِجُونَ فِيهِ، ﴿هُمُ المَكِيدُونَ﴾: أيِ الَّذِينَ يَعُودُ عَلَيْهِمْ وبالُ كَيْدِهِمْ، ويَحِيقُ بِهِمْ مَكْرُهم، وذَلِكَ أنَّهم قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ، وسَمّى غَلَبَتَهم كَيْدًا، إذْ كانَتْ عُقُوبَةَ الكَيْدِ. ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ يَعْصِمُهم ويَدْفَعُ عَنْهم في صُدُورِ إهْلاكِهِمْ، ثُمَّ نَزَّهَ تَعالى نَفْسَهُ، ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ بِهِ مِنَ الأصْنامِ والأوْثانِ. ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ﴾: كانَتْ قُرَيْشٌ قَدِ اقْتَرَحَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، فِيما اقْتَرَحَتْ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ [الإسراء: ٩٢]، فَأخْبَرَ تَعالى أنَّهم لَوْ رَأوْا ذَلِكَ عَيانًا، حَسَبَ اقْتِراحِهِمْ، لَبَلَغَ بِهِمْ عُتُوُّهم وجَهْلُهم أنْ يُغالِطُوا أنْفُسَهم فِيما عايَنُوهُ، وقالُوا: هو سَحابٌ مَرْكُومٌ، تَراكَمَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ مُمْطِرُنا، ولَيْسَ بِكِسَفٍ ساقِطٍ لِلْعَذابِ. (فَذَرْهم): أمْرُ مُوادَعَةٍ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿حَتّى يُلاقُوا﴾؛ وأبُو حَيْوَةَ: حَتّى يَلْقَوْا، مُضارِعُ لَقِيَ، (يَوْمَهُمُ): أيْ يَوْمَ مَوْتِهِمْ واحِدًا واحِدًا، والصَّعْقُ: العَذابُ، أوْ يَوْمَ بَدْرٍ، لِأنَّهم عُذِّبُوا فِيهِ، أوْ يَوْمَ القِيامَةِ، أقْوالٌ، ثالِثُها قَوْلُ الجُمْهُورِ، لِأنَّ صَعْقَتَهُ تَعُمُّ جَمِيعَ الخَلائِقِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَصْعَقُونَ، بِفَتْحِ الياءِ. وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأهْلُ مَكَّةَ: في قَوْلِ شِبْلِ بْنِ عُبادَةَ، وفَتَحَها أهْلُ مَكَّةَ، كالجُمْهُورِ في قَوْلِ إسْماعِيلَ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ العَيْنِ، مِن أصْعَقَ رُباعِيًّا. ﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: أيْ لِهَؤُلاءِ الظَّلَمَةِ، ﴿عَذابًا دُونَ ذَلِكَ﴾: أيْ دُونَ يَوْمِ القِيامَةِ وقَبْلَهُ، وهو يَوْمُ بَدْرٍ والفَتْحِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ. وقالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هو عَذابُ القَبْرِ. وقالَ الحَسَنُ وابْنُ زَيْدٍ: مَصائِبُهم في الدُّنْيا. وقالَ مُجاهِدٌ: هو الجُوعُ والقَحْطُ سَبْعَ سِنِينَ. ﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾: عِبارَةٌ عَنِ الحِفْظِ والكِلاءَةِ، وجُمِعَ لِأنَّهُ أُضِيفَ إلى ضَمِيرِ الجَماعَةِ، وحِينَ كانَ الضَّمِيرُ مُفْرَدًا، أفْرَدَ العَيْنَ، قالَ تَعالى: ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] . وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: بِأعْيُنّا، بِنُونٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ. ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [طه: ١٣٠]، قالَ أبُو الأحْوَصِ عَوْفُ بْنُ مالِكٍ: هو التَّسْبِيحُ المَعْرُوفُ، وهو قَوْلُ سُبْحانَ اللَّهِ عِنْدَ كُلِّ قِيامٍ. وقالَ عَطاءٌ: حِينَ تَقُومُ مِن كُلِّ مَجْلِسٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حِينَ تَقُومُ مِن مَنامِكَ. وقِيلَ: هو صَلاةُ التَّطَوُّعِ. وقِيلَ: الفَرِيضَةُ. وقالَ الضَّحّاكُ: حِينَ تَقُومُ إلى الصَّلاةِ تَقُولُ: «سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، تَبارَكَ اسْمُكَ، وتَعالى جَدُّكَ، ولا إلَهَ غَيْرُكَ» . وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: حِينَ تَقُومُ مِنَ القائِلَةِ والتَّسْبِيحِ، إذْ ذاكَ هو صَلاةُ الظُّهْرِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: اذْكُرِ اللَّهَ بِلِسانِكَ حِينَ تَقُومُ مِن فِراشِكَ إلى أنْ تَدْخُلَ في الصَّلاةِ. ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾: قَبْلَ صَلاةِ المَغْرِبِ والعِشاءِ. ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾: صَلاةُ الصُّبْحِ. وعَنْ عَمْرٍو وعَلِيٍّ وأبِي هُرَيْرَةَ والحَسَنِ: إنَّها النَّوافِلُ، ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾: رَكْعَتا الفَجْرِ. وقَرَأ سالِمُ بْنُ أبِي الجَعْدِ والمِنهالُ بْنُ عَمْرٍو ويَعْقُوبُ: وأدْبارَ، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، بِمَعْنى: وأعْقابَ النُّجُومِ. * * سُورَةُ النَّجْمِ مَكِّيَّةٌ وهي اثْنَتانِ وسِتُّونَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (p-١٥٤)﴿والنَّجْمِ إذا هَوى﴾ [النجم: ١] ﴿ما ضَلَّ صاحِبُكم وما غَوى﴾ [النجم: ٢] ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ [النجم: ٣] ﴿إنْ هو إلّا وحْيٌ يُوحى﴾ [النجم: ٤] ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم: ٥] ﴿ذُو مِرَّةٍ فاسْتَوى﴾ [النجم: ٦] ﴿وهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ [النجم: ٧] ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ [النجم: ٨] ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى﴾ [النجم: ٩] ﴿فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾ [النجم: ١٠] ﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى﴾ [النجم: ١١] ﴿أفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى﴾ [النجم: ١٢] ﴿ولَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾ [النجم: ١٣] ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ [النجم: ١٤] ﴿عِنْدَها جَنَّةُ المَأْوى﴾ [النجم: ١٥] ﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ [النجم: ١٦] ﴿ما زاغَ البَصَرُ وما طَغى﴾ [النجم: ١٧] ﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ [النجم: ١٨] ﴿أفَرَأيْتُمُ اللّاتَ والعُزّى﴾ [النجم: ١٩] ﴿ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى﴾ [النجم: ٢٠] ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ [النجم: ٢١] ﴿تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [النجم: ٢٢] ﴿إنْ هي إلّا أسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وما تَهْوى الأنْفُسُ ولَقَدْ جاءَهم مِن رَبِّهِمُ الهُدى﴾ [النجم: ٢٣] ﴿أمْ لِلْإنْسانِ ما تَمَنّى﴾ [النجم: ٢٤] ﴿فَلِلَّهِ الآخِرَةُ والأُولى﴾ [النجم: ٢٥] ﴿وكَمْ مِن مَلَكٍ في السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهم شَيْئًا إلّا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشاءُ ويَرْضى﴾ [النجم: ٢٦] ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ المَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثى﴾ [النجم: ٢٧] ﴿وما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨] ﴿فَأعْرِضْ عَنْ مَن تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا ولَمْ يُرِدْ إلّا الحَياةَ الدُّنْيا﴾ [النجم: ٢٩] ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى﴾ [النجم: ٣٠] ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا بِما عَمِلُوا ويَجْزِيَ الَّذِينَ أحْسَنُوا بِالحُسْنى﴾ [النجم: ٣١] ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ إلّا اللَّمَمَ إنَّ رَبَّكَ واسِعُ المَغْفِرَةِ هو أعْلَمُ بِكم إذْ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ وإذْ أنْتُمْ أجِنَّةٌ في بُطُونِ أُمَّهاتِكم فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكم هو أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى﴾ [النجم: ٣٢] ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي تَوَلّى﴾ [النجم: ٣٣] ﴿وأعْطى قَلِيلًا وأكْدى﴾ [النجم: ٣٤] ﴿أعِنْدَهُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهو يَرى﴾ [النجم: ٣٥] ﴿أمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما في صُحُفِ مُوسى﴾ [النجم: ٣٦] ﴿وإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى﴾ [النجم: ٣٧] ﴿ألّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [النجم: ٣٨] ﴿وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ [النجم: ٣٩] ﴿وأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى﴾ [النجم: ٤٠] ﴿ثُمَّ يُجْزاهُ الجَزاءَ الأوْفى﴾ [النجم: ٤١] ﴿وأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ [النجم: ٤٢] ﴿وأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى﴾ [النجم: ٤٣] ﴿وأنَّهُ هو أماتَ وأحْيا﴾ [النجم: ٤٤] ﴿وأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [النجم: ٤٥] ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾ [النجم: ٤٦] ﴿وأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى﴾ [النجم: ٤٧] ﴿وأنَّهُ هو أغْنى وأقْنى﴾ [النجم: ٤٨] ﴿وأنَّهُ هو رَبُّ الشِّعْرى﴾ [النجم: ٤٩] ﴿وأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ [النجم: ٥٠] ﴿وثَمُودَ فَما أبْقى﴾ [النجم: ٥١] ﴿وقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾ [النجم: ٥٢] ﴿والمُؤْتَفِكَةَ أهْوى﴾ [النجم: ٥٣] ﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ [النجم: ٥٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ [النجم: ٥٥] ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ [النجم: ٥٦] ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ [النجم: ٥٧] ﴿لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ﴾ [النجم: ٥٨] ﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ [النجم: ٥٩] ﴿وتَضْحَكُونَ ولا تَبْكُونَ﴾ [النجم: ٦٠] ﴿وأنْتُمْ سامِدُونَ﴾ [النجم: ٦١] ﴿فاسْجُدُوا لِلَّهِ واعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢] المِرَّةُ: القُوَّةُ مِن أمْرَرْتُ الحَبْلَ، إذا أحْكَمْتَ فَتْلَهُ. وقالَ قُطْرُبٌ: تَقُولُ العَرَبُ لِكُلِّ جَزِلِ الرَّأْيِ حَصِيفِ العَقْلِ إنَّهُ لَذُو مِرَّةٍ، قالَ: ؎وإنِّي لَذُو مِرَّةٍ مُرَّةٍ إذا رَكِبَتْ خالَةٌ خالَها تَدَلّى العِذْقُ تَدَلِّيًا: امْتَدَّ مِن عُلُوٍّ إلى جِهَةِ السُّفْلِ، فَيُسْتَعْمَلُ في القُرْبِ مِنَ العُلُوِّ، قالَهُ الفَرّاءُ وابْنُ الأعْرابِيِّ. قالَ أُسامَةُ الهُذَلِيُّ: ؎تَدَلّى عَلَيْنا وهْوَ زُرْقُ حَمامَةٍ ∗∗∗ إذا طُحْلُبٌ في مُنْتَهى القَيْظِ هامِدُ القابُ والقَيْبُ، والقادَةُ والقَيْدُ: المِقْدارُ. القَوْسُ مَعْرُوفٌ وهو: آلَةٌ لِرَمْيِ السِّهامِ، وتَخْتَلِفُ أشْكالُهُ. السِّدْرَةُ: شَجَرَةُ النَّبْقِ. الضِّيزى: الجائِرَةُ مِن ضازَهُ يَضِيزُهُ إذا ضامَهُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎ضازَتْ بَنُو أسَدٍ بِحُكْمِهِمْ ∗∗∗ إذْ يَجْعَلُونَ الرَّأْسَ كالذَّنَبِ وأصْلُها ضُوزى عَلى وزْنِ فُعْلى، نَحْوَ: حُبْلى وأُنْثى ورُيّا، فَفُعِلَ بِها ما فُعِلَ بِبُيَّضَ لِتَسْلَمَ الياءُ، ولا يُوجَدُ فِعْلى بِكَسْرِ الفاءِ في الصِّفاتِ، كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ. وحَكى ثَعْلَبٌ: مِشْيَةٌ جُبْكى، ورَجُلٌ كِيصى. وحَكى غَيْرُهُ: امْرَأةٌ عِزْهى، وامْرَأةٌ سِعْلى؛ والمَعْرُوفُ: عِزْماةٌ وسِعْلاةٌ. وقالَ الكِسائِيُّ: ضازَ يَضِيزُ ضِيزى، وضازَ يَضُوزُ ضِوْزى، وضَأزَ يَضْأزُ ضِأْزًا. اللَّمَمُ: ما قَلَّ وصَغُرَ، ومِنهُ اللَّمَمُ: المَسُّ مِنَ الجُنُونِ، وألَمَّ بِالمَكانِ: قَلَّ لُبْثُهُ فِيهِ، وألَمَّ بِالطَّعامِ: قَلَّ أكْلُهُ مِنهُ. وقالَ المُبَرِّدُ: أصْلُ اللَّمَمِ أنْ يَلِمَّ بِالشَّيْءِ مِن غَيْرِ أنْ يَرْكَبَهُ، يُقالُ: ألَمَّ (p-١٥٥)بِكَذا، إذا قارَبَهُ ولَمْ يُخالِطْهُ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: العَرَبُ تَسْتَعْمِلُ الإلْمامَ في المُقارَبَةِ والدُّنُوِّ، يُقالُ: ألَمَّ يَفْعَلُ كَذا، بِمَعْنى: كادَ يَفْعَلُ. قالَ جَرِيرٌ: ؎بِنَفْسِي مَن تَجْنِيهِ عَزِيزٌ ∗∗∗ عَلَيَّ ومَن زِيارَتُهُ لِمامُ وقالَ آخَرُ: لِقاءُ أخِلّاءِ الصَّفا لِمامُ الأجِنَّةُ: جَمْعُ جَنِينٍ، وهو الوَلَدُ في البَطْنِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِاسْتِتارِهِ، والِاجْتِنانُ: الِاسْتِتارُ. أكْدى: أصْلُهُ مِنَ الكُدْيَةِ، يُقالُ لِمَن حَفَرَ بِئْرًا ثُمَّ وصَلَ إلى حَجَرٍ لا يَتَهَيَّأُ لَهُ فِيها حَفْرٌ: قَدْ أكْدى، ثُمَّ اسْتَعْمَلَتْهُ العَرَبُ لِمَن أعْطى ولَمْ يُتْمِمْ، ولِمَن طَلَبَ شَيْئًا فَلَمْ يَبْلُغْ آخِرَهُ. قالَ الحُطَيْئَةُ: ؎فَأعْطى قَلِيلًا ثُمَّ أكْدى عَطاءَهُ ∗∗∗ ومَن يَبْذُلِ المَعْرُوفَ في النّاسِ يُحْمَدُ وقالَ الكِسائِيُّ وغَيْرُهُ: أكْدى الحافِرُ، إذا بَلَغَ كُدْيَةً أوْ جَبَلًا ولا يُمْكِنُهُ أنْ يَحْفِرَ، وحَفَرَ فَأكْدى: إذا وصَلَ إلى الصُّلْبِ، ويُقالُ: كَدِيَتْ أصابِعُهُ إذا كَلَّتْ مِنَ الحَفْرِ، وكَدا البَيْتُ: قَلَّ رَيْعُهُ. وقالَ أبُو زَيْدٍ: أكْدى الرَّجُلُ: قَلَّ خَيْرُهُ. أقْنى، قالالجَوْهَرِيُّ: قَنِيَ يَقْنى قِنًى، كَغَنِيَ يَغْنى غِنًى، ويَتَعَدّى بِتَغْيِيرِ الحَرَكَةِ، فَتَقُولُ: قَنَيْتُ المالَ: أيْ كَسَبْتُهُ، نَحْوَ شَتَرْتُ عَيْنَ الرَّجُلِ وشَتَرَها اللَّهُ، ثُمَّ تَعَدّى بَعْدَ ذَلِكَ بِالهَمْزَةِ أوِ التَّضْعِيفِ، فَتَقُولُ: أقْناهُ اللَّهُ مالًا، وقَنّاهُ اللَّهُ مالًا، وقالَ الشّاعِرُ: ؎كَمْ مِن غَنِيٍّ أصابَ الدَّهْرُ ثَرْوَتَهُ ∗∗∗ ومِن فَقِيرٍ تَقَنّى بَعْدَ الإقْلالِ أيْ: تَقَنّى المالَ، ويُقالُ: أقْناهُ اللَّهُ مالًا، وأرْضاهُ مِنَ القِنْيَةِ. قالَ أبُو زَيْدٍ: تَقُولُ العَرَبُ لِمَن أُعْطِيَ مِائَةً مِنَ المَعِزِ: أُعْطِيَ القِنى، ومَن أُعْطِيَ مِائَةً مِنَ الضَّأْنِ: أُعْطِيَ الغِنى، ومَن أُعْطِيَ مِائَةً مِنَ الإبِلِ: أُعْطِيَ المُنى. الشِّعْرى: هو الكَوْكَبُ المُضِيءُ الَّذِي يَطْلُعُ بَعْدَ الجَوْزاءِ، وطُلُوعُهُ في شِدَّةِ الحَرِّ، ويُقالُ لَهُ: مُرْزِمُ الجَوْزاءِ، وهُما الشِّعْرَيانِ: العُبُورُ الَّتِي في الجَوْزاءِ، والشِّعْرى الغُمَيْصاءُ الَّتِي في الذِّراعِ، وتَزْعُمُ العَرَبُ أنَّهُما أُخْتا سُهَيْلٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وتُسَمّى كَلْبَ الجَبّارِ، وهُما شِعْرَيانِ: الغُمَيْصاءُ والعُبُورُ، ومِن كَذِبِ العَرَبِ أنَّ سُهَيْلًا والشِّعْرى كانا زَوْجَيْنِ فانْحَدَرَ سُهَيْلٌ وصارَ يَمانِيًّا، فَأتْبَعَتْهُ الشِّعْرى العُبُورَ، فَعَبَرَتِ المَجَرَّةَ، فَسُمِّيَتِ العُبُورَ، وأقامَتِ الغُمَيْصاءُ لِأنَّها أخْفى مِنَ الأُخْرى. أزِفَ: قَرُبَ، قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ: ؎بانَ الشَّبابُ وهَذا الشِّيبُ قَدْ أزِفا ∗∗∗ ولا أرى لِشَبابٍ بائِنٍ خَلَفا وقالَ النّابِغَةُ الذُّبْيانِيُّ: ؎أزِفَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أنَّ رِكابَنا ∗∗∗ لَمّا تَزَلْ بِرِحالِنا وكَأنَّ قَدِ ويُرْوى: أفِدَ التَّرَحُّلُ. سَمَدَ: لَهى ولَعِبَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ألا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ سامِدٌ ∗∗∗ كَأنَّكَ لا تَفْنى ولا أنْتَ هالِكُ وقالَ آخَرُ: ؎قِيلَ قُمْ فانْظُرْ إلَيْهِمْ ∗∗∗ ثُمَّ دَعْ عَنْكَ السُّمُودا وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السُّمُودُ: الغِناءُ بِلُغَةِ حِمْيَرَ، يَقُولُونَ: يا جارِيَةُ اسْمُدِي لَنا: أيْ غَنِّي لَنا.

الطور 52:32

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ ﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ﴾ ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ ﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ . (p-١٥١)لَمّا تَقَدَّمَ إقْسامُ اللَّهِ تَعالى عَلى وُقُوعِ العَذابِ، وذَكَرَ أشْياءَ مِن أحْوالِ المُعَذَّبِينَ والنّاجِينَ، أمَرَهُ بِالتَّذْكِيرِ، إنْذارًا لِلْكافِرِ، وتَبْشِيرًا لِلْمُؤْمِنِ، ودُعاءً إلى اللَّهِ تَعالى بِنَشْرِ رِسالَتِهِ، ثُمَّ نَفى عَنْهُ ما كانَ الكُفّارُ يَنْسُبُونَهُ إلَيْهِ مِنَ الكِهانَةِ والجُنُونِ، إذْ كانا طَرِيقَيْنِ إلى الإخْبارِ بِبَعْضِ المُغَيَّباتِ، وكانَ لِلْجِنِّ بِهِما مُلابَسَةٌ لِلْإنْسِ. ومِمَّنْ كانَ يَنْسُبُهُ إلى الكِهانَةِ شَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، ومِمَّنْ كانَ يَنْسُبُهُ إلى الجُنُونِ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَذَكِّرْ) فاثْبُتْ عَلى تَذْكِيرِ النّاسِ ومَوْعِظَتِهِمْ، ولا يُثَبِّطَنَّكَ قَوْلُهم كاهِنٌ أوْ مَجْنُونٌ، ولا تُبالِ بِهِ، فَإنَّهُ قَوْلٌ باطِلٌ مُتَناقِضٌ. فَإنَّ الكاهِنَ يَحْتاجُ في كَهانَتِهِ إلى فِطْنَةٍ ودِقَّةِ نَظَرٍ، والمَجْنُونُ مُغَطًّى عَلى عَقْلِهِ؛ وما أنْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعالى وإنْعامِهِ عَلَيْكَ بِصِدْقِ النُّبُوَّةِ ورَصافَةِ العَقْلِ، أحَدَ هَذَيْنِ. انْتَهى. وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، وهو اعْتِراضٌ بَيْنَ اسْمِ ما وخَبَرِها، والتَّقْدِيرُ: ما أنْتَ في حالِ إذْكارِكَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ. قالَ أبُو البَقاءِ: الباءُ في مَوْضِعِ الحالِ، والعامِلُ في بِكاهِنٍ أوْ مَجْنُونٍ، والتَّقْدِيرُ: ما أنْتَ كاهِنًا ولا مَجْنُونًا مُلْتَبِسًا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ. انْتَهى. وتَكُونُ حالًا لازِمَةً لا مُنْتَقِلَةً، لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما زالَ مُلْتَبِسًا بِنِعْمَةِ رَبِّهِ. وقِيلَ: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ مُقْسَمٌ بِها، كَأنَّهُ قِيلَ: ونِعْمَةِ رَبِّكَ ما أنْتَ كاهِنٌ ولا مَجْنُونٌ، فَتَوَسَّطَ المُقْسَمُ بِهِ بَيْنَ الِاسْمِ والخَبَرِ، كَما تَقُولُ: ما زَيْدٌ واللَّهِ بِقائِمٍ. ولَمّا نَفى عَنْهُ الكِهانَةَ والجُنُونَ اللَّذَيْنِ كانَ بَعْضُ الكُفّارِ يَنْسُبُونَهُما إلَيْهِ، ذَكَرَ نَوْعًا آخَرَ مِمّا كانُوا يَقُولُونَهُ. رُوِيَ أنَّ قُرَيْشًا اجْتَمَعَتْ في دارِ النَّدْوَةِ، وكَثُرَتْ آراؤُهم فِيهِ، ﷺ، حَتّى قالَ قائِلٌ مِنهم، وهم بَنُو عَبْدِ الدّارِ، قالَهُ الضَّحّاكُ: تَرَبَّصُوا بِهِ رَيْبَ المَنُونِ، فَإنَّهُ شاعِرٌ سَيَهْلِكُ، كَما هَلَكَ زُهَيْرٌ والنّابِغَةُ والأعْشى، فافْتَرَقُوا عَلى هَذِهِ المَقالَةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ. وقَوْلُ مَن قالَ ذَلِكَ هو مِن نَقْصِ الفِطْرَةِ بِحَيْثُ لا يُدْرِكُ الشِّعْرَ، وهو الكَلامُ المَوْزُونُ عَلى طَرِيقَةٍ مَعْرُوفَةٍ مِنَ النَّثْرِ الَّذِي لَيْسَ هو عَلى ذَلِكَ المِضْمارِ، ولا شَكَّ أنَّ بَعْضَهم كانَ يُدْرِكُ ذَلِكَ، إذْ كانَ فِيهِمْ شُعَراءُ، ولَكِنَّهم تَمالَئُوا مَعَ أُولَئِكَ النّاقِصِي الفِطْرَةِ عَلى قَوْلِهِمْ: هو شاعِرٌ، جَحْدًا لِآياتِ اللَّهِ بَعْدَ اسْتِيقانِها. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: يُتَرَبَّصُ بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ بِهِ، (رَيْبُ): مَرْفُوعٌ، ورَيْبُ المَنُونِ: حَوادِثُ الدَّهْرِ، فَإنَّهُ لا يَدُومُ عَلى حالٍ، قالَ الشّاعِرُ: ؎تَرَبَّصْ بِها رَيْبَ المَنُونِ لَعَلَّها تُطَلَّقُ يَوْمًا أوْ يَمُوتُ حَلِيلُها وقالَ الهِنْدِيُّ: ؎أمِنَ المَنُونِ ورَيْبِها تَتَوَجَّعُ ∗∗∗ والدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَن يَجْزَعُ ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا﴾: هو أمْرُ تَهْدِيدٍ مِنَ المُتَرَبِّصِينَ هَلاكَكم، كَما تَتَرَبَّصُونَ هَلاكِي. ﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهُمْ﴾: عُقُولُهم بِهَذا، أيْ بِقَوْلِهِمْ كاهِنٌ وشاعِرٌ ومَجْنُونٌ، وهو قَوْلٌ مُتَناقِضٌ، وكانَتْ قُرَيْشٌ تُدْعى أهْلَ الأحْلامِ والنُّهى. وقِيلَ لِعَمْرِو بْنِ العاصِ: ما بالُ قَوْمِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا وقَدْ وصَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالعَقْلِ ؟ فَقالَ: تِلْكَ عُقُولٌ كادَها اللَّهُ، أيْ لَمْ يَصْحَبْها التَّوْفِيقُ. ﴿أمْ تَأْمُرُهُمْ﴾، قِيلَ: أمْ بِمَعْنى الهَمْزَةِ، أيْ أتَأْمُرُهم ؟ وقَدَّرَها مُجاهِدٌ بِـ بَلْ، والصَّحِيحُ أنَّها تَتَقَدَّرُ بِـ بَلْ والهَمْزَةِ. ﴿أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾: أيْ مُجاوِزُونَ الحَدَّ في العِنادِ مَعَ ظُهُورِ الحَقِّ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: بَلْ هم، مَكانَ: (أمْ هم)، وكَوْنُ الأحْلامِ آمِرَةً مَجازًا لَمّا أدَّتْ إلى ذَلِكَ جُعِلَتْ آمِرَةً كَقَوْلِهِ: ﴿أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ [هود: ٨٧] . وحَكى الثَّعْلَبِيُّ عَنِ الخَلِيلِ أنَّهُ قالَ: كُلُّ ما في (p-١٥٢)سُورَةِ والطُّورِ مِن أمْ فاسْتِفْهامٌ ولَيْسَ بِعَطْفٍ. تَقَوَّلَهُ: اخْتَلَقَهُ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ، كَما قالَ: ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ [الحاقة: ٤٤] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَقَوَّلَهُ مَعْناهُ: قالَ عَنِ الغَيْرِ أنَّهُ قالَهُ، فَهو عِبارَةٌ عَنْ كَذِبٍ مَخْصُوصٍ. انْتَهى. ﴿بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾: أيْ لِكُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ، ثُمَّ عَجَّزَهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾: أيْ مُماثِلٍ لِلْقُرْآنِ في نَظْمِهِ ورَصْفِهِ مِنَ البَلاغَةِ، وصِحَّةِ المَعانِي والإخْبارِ بِقِصَصِ الأُمَمِ السّالِفَةِ والمُغَيَّباتِ، والحُكْمُ إنْ كانُوا صادِقِينَ في أنَّهُ تَقَوَّلَهُ، فَلْيَقُولُوا هم مِثْلَهُ، إذْ هو واحِدٌ مِنهم، فَإنْ كانُوا صادِقِينَ فَلْيَكُونُوا مِثْلَهُ في التَّقَوُّلِ. فَقَرَأ الجَحْدَرِيُّ وأبُو السَّمّالِ: ﴿بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾، عَلى الإضافَةِ: أيْ بِحَدِيثِ رَجُلٍ مِثْلِ الرَّسُولِ في كَوْنِهِ أُمِّيًّا لَمْ يَصْحَبْ أهْلَ العِلْمِ ولا رَحَلَ عَنْ بَلَدِهِ، أوْ مِثْلِهِ في كَوْنِهِ واحِدًا مِنهم، فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِثْلُهُ في العَرَبِ فَصاحَةً، فَلْيَأْتِ بِمِثْلِ ما أتى بِهِ، ولَنْ يَقْدِرَ عَلى ذَلِكَ أبَدًا. ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾: أيْ مِن غَيْرِ شَيْءٍ حَيٍّ كالجَمادِ، فَهم لا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ، كَما هي الجَماداتُ عَلَيْهِ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ. وقِيلَ: ﴿مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾: أيْ مِن غَيْرِ عِلَّةٍ ولا لِغايَةِ عِقابٍ وثَوابٍ، فَهم لِذَلِكَ لا يَسْمَعُونَ ولا يَتَشَرَّعُونَ، وهَذا كَما تَقُولُ: فَعَلْتُ كَذا وكَذا مِن غَيْرِ عِلَّةٍ: أيْ لِغَيْرِ عِلَّةٍ، فَمِن لِلسَّبَبِ، وفي القَوْلِ الأوَّلِ لِابْتِداءِ الغايَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿أمْ خُلِقُوا﴾: أمْ أُحْدِثُوا وقُدِّرُوا التَّقْدِيرَ الَّذِي عَلَيْهِ فِطْرَتُهم؛ ﴿مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾: مِن غَيْرِ مُقَدِّرٍ، أمْ هُمُ الَّذِينَ خَلَقُوا أنْفُسَهم حَيْثُ لا يَعْبُدُونَ الخالِقَ ؟ ﴿بَل لا يُوقِنُونَ﴾: أيْ إذا سُئِلُوا: مَن خَلَقَكم وخَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ؟ قالُوا: اللَّهُ، وهم شاكُّونَ فِيما يَقُولُونَ لا يُوقِنُونَ. أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ رَبٍّ ولا خالِقٍ ؟ أيْ أمْ أُحْدِثُوا وبَرَزُوا لِلْوُجُودِ مِن غَيْرِ إلَهٍ يُبْرِزُهم ويُنْشِئُهم ؟ ﴿أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ لِأنْفُسِهِمْ، فَلا يَعْبُدُونَ اللَّهَ، ولا يَأْتَمِرُونَ بِأوامِرِهِ، ولا يَنْتَهُونَ عَنْ مَناهِيهِ. والقِسْمانِ باطِلانِ، وهم يَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ، فَدَلَّ عَلى بُطْلانِهِمْ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ثُمَّ وقَفَهم عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ عَلى أنْفُسِهِمْ، أهُمُ الَّذِينَ خَلَقُوا الأشْياءَ فَهم لِذَلِكَ يَتَكَبَّرُونَ ؟ ثُمَّ خَصَّصَ مِن تِلْكَ الأشْياءِ السَّماواتِ والأرْضَ لِعِظَمِها وشَرَفِها في المَخْلُوقاتِ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يُوقِنُونَ ولا يَنْظُرُونَ نَظَرًا يُؤَدِّيهِمْ إلى اليَقِينِ. ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ﴾، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: خَزائِنُ الرِّزْقِ، حَتّى يَرْزُقُوا النُّبُوَّةَ مَن شاءُوا، أوْ: أعِنْدَهم خَزائِنُ عِلْمِهِ حَتّى يَخْتارُوا لَها مَنِ اخْتِيارُهُ حِكْمَةٌ ومَصْلَحَةٌ ؟ ﴿أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾: الأرْبابُ الغالِبُونَ حَتّى يُدَبِّرُوا أمْرَ الرُّبُوبِيَّةِ ويَبْنُوا الأُمُورَ عَلى إرادَتِهِمْ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أمْ عِنْدَهُمُ الِاسْتِغْناءُ عَنِ اللَّهِ تَعالى في جَمِيعِ الأُمُورِ، لِأنَّ المالَ والصِّحَّةَ والقُوَّةَ وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الأشْياءِ كُلِّها مِن خَزائِنِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ الزَّهْراوِيُّ: وقِيلَ يُرِيدُ بِالخَزائِنِ العِلْمَ، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ إذا تُؤُمِّلَ وبُسِطَ. وقالَ الرُّمّانِيُّ: خَزائِنُهُ تَعالى: مَقْدُوراتُهُ. انْتَهى. والمُسَيْطِرُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُسَلَّطُ القاهِرُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: المُصَيْطِرُونَ بِالصّادِ؛ وهِشامٌ وقُنْبُلٌ وحَفْصٌ: بِخِلافٍ عَنْهُ بِالسِّينِ، وهو الأصْلُ؛ ومَن أبْدَلَها صادًا، فَلِأجْلِ حَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ وهو الطّاءُ، وأشَمَّ خَلْقٌ عَنْ حَمْزَةَ وخَلّادٍ عَنْهُ بِخِلافٍ عَنْهُ الزّايَ. ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ﴾ مَنصُوبٌ إلى السَّماءِ، ﴿يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾: أيْ عَلَيْهِ أوْ مِنهُ، إذْ حُرُوفُ الجَرِّ قَدْ يَسُدُّ بَعْضُها مَسَدَّ بَعْضٍ، وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: صاعِدِينَ فِيهِ، ومَفْعُولُ يَسْتَمِعُونَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: الخَبَرُ بِصِحَّةِ ما يَدَّعُونَهُ، وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: ما يُوحى إلى المَلائِكَةِ مِن عِلْمِ الغَيْبِ حَتّى يَعْلَمُوا ما هو كائِنٌ مِن تَقَدُّمِ هَلاكِهِ عَلى هَلاكِهِمْ وظَفَرِهِمْ في العاقِبَةِ دُونَهُ كَما يَزْعُمُونَ. ﴿بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾: أيْ بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ بِصِدْقِ اسْتِماعِهِمْ مُسْتَمِعَهم، ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا﴾ عَلى الإيمانِ بِاللَّهِ وتَوْحِيدِهِ واتِّباعِ شَرْعِهِ، (فَهُمُ) مِن ذَلِكَ المَغْرَمِ الثَّقِيلِ اللّازِمِ (مُثْقَلُونَ)، فاقْتَضى زُهْدَهم في اتِّباعِكَ. ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ﴾: أيِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، ﴿فَهم يَكْتُبُونَ﴾: أيْ يُثْبِتُونَ ذَلِكَ لِلنّاسِ شَرْعًا، وذَلِكَ عِبادَةُ الأوْثانِ وتَسْيِيبُ السَّوائِبِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِن سِيَرِهِمْ. وقِيلَ: المَعْنى فَهم يَعْلَمُونَ مَتى يَمُوتُ (p-١٥٣)مُحَمَّدٌ ﷺ الَّذِي يَتَرَبَّصُونَ بِهِ، ويَكْتُبُونَ بِمَعْنى: يَحْكُمُونَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي أمْ عِنْدَهُمُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، فَهم يَكْتُبُونَ ما فِيهِ ويُخْبِرُونَ. ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾: أيْ بِكَ وبِشَرْعِكَ، وهو كَيْدُهم بِهِ في دارِ النَّدْوَةِ، ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا﴾: أيْ فَهم، وأبْرَزَ الظّاهِرَ تَنْبِيهًا عَلى العِلَّةِ، أوِ الَّذِينَ كَفَرُوا عامٌّ فَيَنْدَرِجُونَ فِيهِ، ﴿هُمُ المَكِيدُونَ﴾: أيِ الَّذِينَ يَعُودُ عَلَيْهِمْ وبالُ كَيْدِهِمْ، ويَحِيقُ بِهِمْ مَكْرُهم، وذَلِكَ أنَّهم قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ، وسَمّى غَلَبَتَهم كَيْدًا، إذْ كانَتْ عُقُوبَةَ الكَيْدِ. ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ يَعْصِمُهم ويَدْفَعُ عَنْهم في صُدُورِ إهْلاكِهِمْ، ثُمَّ نَزَّهَ تَعالى نَفْسَهُ، ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ بِهِ مِنَ الأصْنامِ والأوْثانِ. ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ﴾: كانَتْ قُرَيْشٌ قَدِ اقْتَرَحَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، فِيما اقْتَرَحَتْ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ [الإسراء: ٩٢]، فَأخْبَرَ تَعالى أنَّهم لَوْ رَأوْا ذَلِكَ عَيانًا، حَسَبَ اقْتِراحِهِمْ، لَبَلَغَ بِهِمْ عُتُوُّهم وجَهْلُهم أنْ يُغالِطُوا أنْفُسَهم فِيما عايَنُوهُ، وقالُوا: هو سَحابٌ مَرْكُومٌ، تَراكَمَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ مُمْطِرُنا، ولَيْسَ بِكِسَفٍ ساقِطٍ لِلْعَذابِ. (فَذَرْهم): أمْرُ مُوادَعَةٍ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿حَتّى يُلاقُوا﴾؛ وأبُو حَيْوَةَ: حَتّى يَلْقَوْا، مُضارِعُ لَقِيَ، (يَوْمَهُمُ): أيْ يَوْمَ مَوْتِهِمْ واحِدًا واحِدًا، والصَّعْقُ: العَذابُ، أوْ يَوْمَ بَدْرٍ، لِأنَّهم عُذِّبُوا فِيهِ، أوْ يَوْمَ القِيامَةِ، أقْوالٌ، ثالِثُها قَوْلُ الجُمْهُورِ، لِأنَّ صَعْقَتَهُ تَعُمُّ جَمِيعَ الخَلائِقِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَصْعَقُونَ، بِفَتْحِ الياءِ. وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأهْلُ مَكَّةَ: في قَوْلِ شِبْلِ بْنِ عُبادَةَ، وفَتَحَها أهْلُ مَكَّةَ، كالجُمْهُورِ في قَوْلِ إسْماعِيلَ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ العَيْنِ، مِن أصْعَقَ رُباعِيًّا. ﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: أيْ لِهَؤُلاءِ الظَّلَمَةِ، ﴿عَذابًا دُونَ ذَلِكَ﴾: أيْ دُونَ يَوْمِ القِيامَةِ وقَبْلَهُ، وهو يَوْمُ بَدْرٍ والفَتْحِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ. وقالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هو عَذابُ القَبْرِ. وقالَ الحَسَنُ وابْنُ زَيْدٍ: مَصائِبُهم في الدُّنْيا. وقالَ مُجاهِدٌ: هو الجُوعُ والقَحْطُ سَبْعَ سِنِينَ. ﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾: عِبارَةٌ عَنِ الحِفْظِ والكِلاءَةِ، وجُمِعَ لِأنَّهُ أُضِيفَ إلى ضَمِيرِ الجَماعَةِ، وحِينَ كانَ الضَّمِيرُ مُفْرَدًا، أفْرَدَ العَيْنَ، قالَ تَعالى: ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] . وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: بِأعْيُنّا، بِنُونٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ. ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [طه: ١٣٠]، قالَ أبُو الأحْوَصِ عَوْفُ بْنُ مالِكٍ: هو التَّسْبِيحُ المَعْرُوفُ، وهو قَوْلُ سُبْحانَ اللَّهِ عِنْدَ كُلِّ قِيامٍ. وقالَ عَطاءٌ: حِينَ تَقُومُ مِن كُلِّ مَجْلِسٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حِينَ تَقُومُ مِن مَنامِكَ. وقِيلَ: هو صَلاةُ التَّطَوُّعِ. وقِيلَ: الفَرِيضَةُ. وقالَ الضَّحّاكُ: حِينَ تَقُومُ إلى الصَّلاةِ تَقُولُ: «سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، تَبارَكَ اسْمُكَ، وتَعالى جَدُّكَ، ولا إلَهَ غَيْرُكَ» . وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: حِينَ تَقُومُ مِنَ القائِلَةِ والتَّسْبِيحِ، إذْ ذاكَ هو صَلاةُ الظُّهْرِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: اذْكُرِ اللَّهَ بِلِسانِكَ حِينَ تَقُومُ مِن فِراشِكَ إلى أنْ تَدْخُلَ في الصَّلاةِ. ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾: قَبْلَ صَلاةِ المَغْرِبِ والعِشاءِ. ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾: صَلاةُ الصُّبْحِ. وعَنْ عَمْرٍو وعَلِيٍّ وأبِي هُرَيْرَةَ والحَسَنِ: إنَّها النَّوافِلُ، ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾: رَكْعَتا الفَجْرِ. وقَرَأ سالِمُ بْنُ أبِي الجَعْدِ والمِنهالُ بْنُ عَمْرٍو ويَعْقُوبُ: وأدْبارَ، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، بِمَعْنى: وأعْقابَ النُّجُومِ. * * سُورَةُ النَّجْمِ مَكِّيَّةٌ وهي اثْنَتانِ وسِتُّونَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (p-١٥٤)﴿والنَّجْمِ إذا هَوى﴾ [النجم: ١] ﴿ما ضَلَّ صاحِبُكم وما غَوى﴾ [النجم: ٢] ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ [النجم: ٣] ﴿إنْ هو إلّا وحْيٌ يُوحى﴾ [النجم: ٤] ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم: ٥] ﴿ذُو مِرَّةٍ فاسْتَوى﴾ [النجم: ٦] ﴿وهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ [النجم: ٧] ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ [النجم: ٨] ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى﴾ [النجم: ٩] ﴿فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾ [النجم: ١٠] ﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى﴾ [النجم: ١١] ﴿أفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى﴾ [النجم: ١٢] ﴿ولَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾ [النجم: ١٣] ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ [النجم: ١٤] ﴿عِنْدَها جَنَّةُ المَأْوى﴾ [النجم: ١٥] ﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ [النجم: ١٦] ﴿ما زاغَ البَصَرُ وما طَغى﴾ [النجم: ١٧] ﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ [النجم: ١٨] ﴿أفَرَأيْتُمُ اللّاتَ والعُزّى﴾ [النجم: ١٩] ﴿ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى﴾ [النجم: ٢٠] ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ [النجم: ٢١] ﴿تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [النجم: ٢٢] ﴿إنْ هي إلّا أسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وما تَهْوى الأنْفُسُ ولَقَدْ جاءَهم مِن رَبِّهِمُ الهُدى﴾ [النجم: ٢٣] ﴿أمْ لِلْإنْسانِ ما تَمَنّى﴾ [النجم: ٢٤] ﴿فَلِلَّهِ الآخِرَةُ والأُولى﴾ [النجم: ٢٥] ﴿وكَمْ مِن مَلَكٍ في السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهم شَيْئًا إلّا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشاءُ ويَرْضى﴾ [النجم: ٢٦] ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ المَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثى﴾ [النجم: ٢٧] ﴿وما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨] ﴿فَأعْرِضْ عَنْ مَن تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا ولَمْ يُرِدْ إلّا الحَياةَ الدُّنْيا﴾ [النجم: ٢٩] ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى﴾ [النجم: ٣٠] ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا بِما عَمِلُوا ويَجْزِيَ الَّذِينَ أحْسَنُوا بِالحُسْنى﴾ [النجم: ٣١] ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ إلّا اللَّمَمَ إنَّ رَبَّكَ واسِعُ المَغْفِرَةِ هو أعْلَمُ بِكم إذْ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ وإذْ أنْتُمْ أجِنَّةٌ في بُطُونِ أُمَّهاتِكم فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكم هو أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى﴾ [النجم: ٣٢] ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي تَوَلّى﴾ [النجم: ٣٣] ﴿وأعْطى قَلِيلًا وأكْدى﴾ [النجم: ٣٤] ﴿أعِنْدَهُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهو يَرى﴾ [النجم: ٣٥] ﴿أمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما في صُحُفِ مُوسى﴾ [النجم: ٣٦] ﴿وإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى﴾ [النجم: ٣٧] ﴿ألّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [النجم: ٣٨] ﴿وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ [النجم: ٣٩] ﴿وأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى﴾ [النجم: ٤٠] ﴿ثُمَّ يُجْزاهُ الجَزاءَ الأوْفى﴾ [النجم: ٤١] ﴿وأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ [النجم: ٤٢] ﴿وأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى﴾ [النجم: ٤٣] ﴿وأنَّهُ هو أماتَ وأحْيا﴾ [النجم: ٤٤] ﴿وأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [النجم: ٤٥] ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾ [النجم: ٤٦] ﴿وأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى﴾ [النجم: ٤٧] ﴿وأنَّهُ هو أغْنى وأقْنى﴾ [النجم: ٤٨] ﴿وأنَّهُ هو رَبُّ الشِّعْرى﴾ [النجم: ٤٩] ﴿وأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ [النجم: ٥٠] ﴿وثَمُودَ فَما أبْقى﴾ [النجم: ٥١] ﴿وقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾ [النجم: ٥٢] ﴿والمُؤْتَفِكَةَ أهْوى﴾ [النجم: ٥٣] ﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ [النجم: ٥٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ [النجم: ٥٥] ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ [النجم: ٥٦] ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ [النجم: ٥٧] ﴿لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ﴾ [النجم: ٥٨] ﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ [النجم: ٥٩] ﴿وتَضْحَكُونَ ولا تَبْكُونَ﴾ [النجم: ٦٠] ﴿وأنْتُمْ سامِدُونَ﴾ [النجم: ٦١] ﴿فاسْجُدُوا لِلَّهِ واعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢] المِرَّةُ: القُوَّةُ مِن أمْرَرْتُ الحَبْلَ، إذا أحْكَمْتَ فَتْلَهُ. وقالَ قُطْرُبٌ: تَقُولُ العَرَبُ لِكُلِّ جَزِلِ الرَّأْيِ حَصِيفِ العَقْلِ إنَّهُ لَذُو مِرَّةٍ، قالَ: ؎وإنِّي لَذُو مِرَّةٍ مُرَّةٍ إذا رَكِبَتْ خالَةٌ خالَها تَدَلّى العِذْقُ تَدَلِّيًا: امْتَدَّ مِن عُلُوٍّ إلى جِهَةِ السُّفْلِ، فَيُسْتَعْمَلُ في القُرْبِ مِنَ العُلُوِّ، قالَهُ الفَرّاءُ وابْنُ الأعْرابِيِّ. قالَ أُسامَةُ الهُذَلِيُّ: ؎تَدَلّى عَلَيْنا وهْوَ زُرْقُ حَمامَةٍ ∗∗∗ إذا طُحْلُبٌ في مُنْتَهى القَيْظِ هامِدُ القابُ والقَيْبُ، والقادَةُ والقَيْدُ: المِقْدارُ. القَوْسُ مَعْرُوفٌ وهو: آلَةٌ لِرَمْيِ السِّهامِ، وتَخْتَلِفُ أشْكالُهُ. السِّدْرَةُ: شَجَرَةُ النَّبْقِ. الضِّيزى: الجائِرَةُ مِن ضازَهُ يَضِيزُهُ إذا ضامَهُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎ضازَتْ بَنُو أسَدٍ بِحُكْمِهِمْ ∗∗∗ إذْ يَجْعَلُونَ الرَّأْسَ كالذَّنَبِ وأصْلُها ضُوزى عَلى وزْنِ فُعْلى، نَحْوَ: حُبْلى وأُنْثى ورُيّا، فَفُعِلَ بِها ما فُعِلَ بِبُيَّضَ لِتَسْلَمَ الياءُ، ولا يُوجَدُ فِعْلى بِكَسْرِ الفاءِ في الصِّفاتِ، كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ. وحَكى ثَعْلَبٌ: مِشْيَةٌ جُبْكى، ورَجُلٌ كِيصى. وحَكى غَيْرُهُ: امْرَأةٌ عِزْهى، وامْرَأةٌ سِعْلى؛ والمَعْرُوفُ: عِزْماةٌ وسِعْلاةٌ. وقالَ الكِسائِيُّ: ضازَ يَضِيزُ ضِيزى، وضازَ يَضُوزُ ضِوْزى، وضَأزَ يَضْأزُ ضِأْزًا. اللَّمَمُ: ما قَلَّ وصَغُرَ، ومِنهُ اللَّمَمُ: المَسُّ مِنَ الجُنُونِ، وألَمَّ بِالمَكانِ: قَلَّ لُبْثُهُ فِيهِ، وألَمَّ بِالطَّعامِ: قَلَّ أكْلُهُ مِنهُ. وقالَ المُبَرِّدُ: أصْلُ اللَّمَمِ أنْ يَلِمَّ بِالشَّيْءِ مِن غَيْرِ أنْ يَرْكَبَهُ، يُقالُ: ألَمَّ (p-١٥٥)بِكَذا، إذا قارَبَهُ ولَمْ يُخالِطْهُ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: العَرَبُ تَسْتَعْمِلُ الإلْمامَ في المُقارَبَةِ والدُّنُوِّ، يُقالُ: ألَمَّ يَفْعَلُ كَذا، بِمَعْنى: كادَ يَفْعَلُ. قالَ جَرِيرٌ: ؎بِنَفْسِي مَن تَجْنِيهِ عَزِيزٌ ∗∗∗ عَلَيَّ ومَن زِيارَتُهُ لِمامُ وقالَ آخَرُ: لِقاءُ أخِلّاءِ الصَّفا لِمامُ الأجِنَّةُ: جَمْعُ جَنِينٍ، وهو الوَلَدُ في البَطْنِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِاسْتِتارِهِ، والِاجْتِنانُ: الِاسْتِتارُ. أكْدى: أصْلُهُ مِنَ الكُدْيَةِ، يُقالُ لِمَن حَفَرَ بِئْرًا ثُمَّ وصَلَ إلى حَجَرٍ لا يَتَهَيَّأُ لَهُ فِيها حَفْرٌ: قَدْ أكْدى، ثُمَّ اسْتَعْمَلَتْهُ العَرَبُ لِمَن أعْطى ولَمْ يُتْمِمْ، ولِمَن طَلَبَ شَيْئًا فَلَمْ يَبْلُغْ آخِرَهُ. قالَ الحُطَيْئَةُ: ؎فَأعْطى قَلِيلًا ثُمَّ أكْدى عَطاءَهُ ∗∗∗ ومَن يَبْذُلِ المَعْرُوفَ في النّاسِ يُحْمَدُ وقالَ الكِسائِيُّ وغَيْرُهُ: أكْدى الحافِرُ، إذا بَلَغَ كُدْيَةً أوْ جَبَلًا ولا يُمْكِنُهُ أنْ يَحْفِرَ، وحَفَرَ فَأكْدى: إذا وصَلَ إلى الصُّلْبِ، ويُقالُ: كَدِيَتْ أصابِعُهُ إذا كَلَّتْ مِنَ الحَفْرِ، وكَدا البَيْتُ: قَلَّ رَيْعُهُ. وقالَ أبُو زَيْدٍ: أكْدى الرَّجُلُ: قَلَّ خَيْرُهُ. أقْنى، قالالجَوْهَرِيُّ: قَنِيَ يَقْنى قِنًى، كَغَنِيَ يَغْنى غِنًى، ويَتَعَدّى بِتَغْيِيرِ الحَرَكَةِ، فَتَقُولُ: قَنَيْتُ المالَ: أيْ كَسَبْتُهُ، نَحْوَ شَتَرْتُ عَيْنَ الرَّجُلِ وشَتَرَها اللَّهُ، ثُمَّ تَعَدّى بَعْدَ ذَلِكَ بِالهَمْزَةِ أوِ التَّضْعِيفِ، فَتَقُولُ: أقْناهُ اللَّهُ مالًا، وقَنّاهُ اللَّهُ مالًا، وقالَ الشّاعِرُ: ؎كَمْ مِن غَنِيٍّ أصابَ الدَّهْرُ ثَرْوَتَهُ ∗∗∗ ومِن فَقِيرٍ تَقَنّى بَعْدَ الإقْلالِ أيْ: تَقَنّى المالَ، ويُقالُ: أقْناهُ اللَّهُ مالًا، وأرْضاهُ مِنَ القِنْيَةِ. قالَ أبُو زَيْدٍ: تَقُولُ العَرَبُ لِمَن أُعْطِيَ مِائَةً مِنَ المَعِزِ: أُعْطِيَ القِنى، ومَن أُعْطِيَ مِائَةً مِنَ الضَّأْنِ: أُعْطِيَ الغِنى، ومَن أُعْطِيَ مِائَةً مِنَ الإبِلِ: أُعْطِيَ المُنى. الشِّعْرى: هو الكَوْكَبُ المُضِيءُ الَّذِي يَطْلُعُ بَعْدَ الجَوْزاءِ، وطُلُوعُهُ في شِدَّةِ الحَرِّ، ويُقالُ لَهُ: مُرْزِمُ الجَوْزاءِ، وهُما الشِّعْرَيانِ: العُبُورُ الَّتِي في الجَوْزاءِ، والشِّعْرى الغُمَيْصاءُ الَّتِي في الذِّراعِ، وتَزْعُمُ العَرَبُ أنَّهُما أُخْتا سُهَيْلٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وتُسَمّى كَلْبَ الجَبّارِ، وهُما شِعْرَيانِ: الغُمَيْصاءُ والعُبُورُ، ومِن كَذِبِ العَرَبِ أنَّ سُهَيْلًا والشِّعْرى كانا زَوْجَيْنِ فانْحَدَرَ سُهَيْلٌ وصارَ يَمانِيًّا، فَأتْبَعَتْهُ الشِّعْرى العُبُورَ، فَعَبَرَتِ المَجَرَّةَ، فَسُمِّيَتِ العُبُورَ، وأقامَتِ الغُمَيْصاءُ لِأنَّها أخْفى مِنَ الأُخْرى. أزِفَ: قَرُبَ، قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ: ؎بانَ الشَّبابُ وهَذا الشِّيبُ قَدْ أزِفا ∗∗∗ ولا أرى لِشَبابٍ بائِنٍ خَلَفا وقالَ النّابِغَةُ الذُّبْيانِيُّ: ؎أزِفَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أنَّ رِكابَنا ∗∗∗ لَمّا تَزَلْ بِرِحالِنا وكَأنَّ قَدِ ويُرْوى: أفِدَ التَّرَحُّلُ. سَمَدَ: لَهى ولَعِبَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ألا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ سامِدٌ ∗∗∗ كَأنَّكَ لا تَفْنى ولا أنْتَ هالِكُ وقالَ آخَرُ: ؎قِيلَ قُمْ فانْظُرْ إلَيْهِمْ ∗∗∗ ثُمَّ دَعْ عَنْكَ السُّمُودا وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السُّمُودُ: الغِناءُ بِلُغَةِ حِمْيَرَ، يَقُولُونَ: يا جارِيَةُ اسْمُدِي لَنا: أيْ غَنِّي لَنا.