Lafzullah

Al-Bahr Al-Muhit — الواقعة 56:27 – الواقعة 56:52

المؤلف / المصدر: Al-Bahr Al-Muhit

المحتويات
  1. الواقعة 56:27
  2. الواقعة 56:28
  3. الواقعة 56:29
  4. الواقعة 56:30
  5. الواقعة 56:31
  6. الواقعة 56:32
  7. الواقعة 56:33
  8. الواقعة 56:34
  9. الواقعة 56:35
  10. الواقعة 56:36
  11. الواقعة 56:37
  12. الواقعة 56:38
  13. الواقعة 56:39
  14. الواقعة 56:40
  15. الواقعة 56:41
  16. الواقعة 56:42
  17. الواقعة 56:43
  18. الواقعة 56:44
  19. الواقعة 56:45
  20. الواقعة 56:46
  21. الواقعة 56:47
  22. الواقعة 56:48
  23. الواقعة 56:49
  24. الواقعة 56:50
  25. الواقعة 56:51
  26. الواقعة 56:52

الواقعة 56:27

﴿إذا رُجَّتِ﴾ [الواقعة: ٤]، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: زُلْزِلَتْ وحُرِّكَتْ بِجَذْبٍ. وقالَ أيْضًا هو وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ: (بُسَّتِ): فُتِّتَتْ، وقِيلَ: سُيِّرَتْ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ﴿رُجَّتِ﴾ [الواقعة: ٤]، و(بَسَّتِ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، (و ﴿إذا رُجَّتِ﴾ [الواقعة: ٤]) بَدَلٌ مِن ﴿إذا وقَعَتِ﴾ [الواقعة: ١]، وجَوابُ الشَّرْطِ عِنْدِي مَلْفُوظٌ بِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾، والمَعْنى إذا كانَ كَذا وكَذا، فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أسْعَدَهم وما أعْظَمَ ما يُجازَوْنَ بِهِ، أيْ إنَّ سَعادَتَهم وعِظَمَ رُتْبَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَظْهَرُ في ذَلِكَ الوَقْتِ الشَّدِيدِ الصَّعْبِ عَلى العالَمِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِخافِضَةٍ رافِعَةٍ، أيْ تَخْفِضُ وتَرْفَعُ وقْتَ رَجِّ الأرْضِ وبَسِّ الجِبالِ، لِأنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ يَنْخَفِضُ ما هو مُرْتَفِعٌ ويَرْتَفِعُ ما هو مُنْخَفِضٌ. انْتَهى. ولا يَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِهِما مَعًا، بَلْ بِأحَدِهِما، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَجْتَمِعَ مُؤَثِّرانِ عَلى أثَرٍ واحِدٍ. وقالَ ابْنُ جِنِّي وأبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: ﴿إذا رُجَّتِ﴾ [الواقعة: ٤] في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الَّذِي هو ﴿إذا وقَعَتِ﴾ [الواقعة: ١]، ولَيْسَتْ واحِدَةٌ مِنهُما شُرْطِيَّةً، بَلْ جُعِلَتْ بِمَعْنى وقْتٍ، وما بَعْدَ إذا أحْوالٌ ثَلاثَةٌ، والمَعْنى: وقْتُ وُقُوعِ الواقِعَةِ صادِقَةَ الوُقُوعِ، خافِضَةَ قَوْمٍ، رافِعَةَ آخَرِينَ وقْتُ رَجِّ الأرْضِ. وهَكَذا ادَّعى ابْنُ مالِكٍ أنَّ إذا تَكُونُ مُبْتَدَأً، واسْتَدَلَّ بِهَذا. وقَدْ ذَكَرْنا في شَرْحِ التَّسْهِيلِ ما تَبْقى بِهِ إذا عَلى مَدْلُولِها مِنَ الشَّرْطِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ الهَباءِ في سُورَةِ الفُرْقانِ. ﴿مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: ٦]: مُنْتَشِرًا. مُنْبَتًّا بِنُقْطَتَيْنِ بَدَلَ الثّاءِ المُثَلَّثَةِ، قِراءَةُ الجُمْهُورِ، أيْ مُنْقَطِعًا. (وكُنْتُمْ): خِطابٌ لِلْعالَمِ، ﴿أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة: ٧]: أصْنافًا ثَلاثَةً، وهَذِهِ رُتَبٌ لِلنّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ. ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾، قالَ الحَسَنُ والرَّبِيعُ: هُمُ المَيامِينُ عَلى أنْفُسِهِمْ. وقِيلَ: الَّذِينَ يُؤْتَوْنَ صَحائِفَهم بِأيْمانِهِمْ. وقِيلَ: أصْحابُ المَنزِلَةِ السَّنِيَّةِ، كَما تَقُولُ: هو مِنِّي بِاليَمِينِ. وقِيلَ: المَأْخُوذُ بِهِمْ ذاتُ اليَمِينِ أوْ مَيْمَنَةُ آدَمَ المَذْكُورَةُ في حَدَثِ الإسْراءِ في الأسْوِدَةِ. ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ﴾: هم مَن قابَلَ أصْحابَ المَيْمَنَةِ في هَذِهِ الأقْوالِ، فَأصْحابُ مُبْتَدَأٌ، ما مُبْتَدَأٌ ثانٍ اسْتِفْهامٌ (p-٢٠٥)فِي مَعْنى التَّعْظِيمِ، وأصْحابُ المَيْمَنَةِ خَبَرٌ عَنْ ما، وما بَعْدَها خَبَرٌ عَنْ أصْحابٍ، ورَبَطَ الجُمْلَةَ بِالمُبْتَدَأِ تَكْرارُ المُبْتَدَأِ بِلَفْظِهِ، وأكْثَرُ ما يَكُونُ ذَلِكَ في مَوْضِعِ التَّهْوِيلِ والتَّعْظِيمِ، وما تَعَجُّبٌ مِن حالِ الفَرِيقَيْنِ في السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ هم. ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾: جَوَّزُوا أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وخَبَرًا، نَحْوَ قَوْلِهِمْ: أنْتَ أنْتَ، وقَوْلِهِ: أنا أبُو النَّجْمِ، وشِعْرِي شِعْرِي، أيِ الَّذِينَ انْتَهَوْا في السَّبْقِ، أيِ الطّاعاتِ، وبَرَعُوا فِيها وعُرِفَتْ حالُهم. وأنْ يَكُونَ السّابِقُونَ تَأْكِيدًا لَفْظِيًّا، والخَبَرُ فِيما بَعْدَ ذَلِكَ؛ وأنْ يَكُونَ السّابِقُونَ مُبْتَدَأً والخَبَرُ فِيما بَعْدَهُ، وتَقِفُ عَلى قَوْلِهِ: (والسّابِقُونَ)، وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقُ السَّبْقِ الأوَّلِ مُخالِفًا لِلسَّبْقِ الثّانِي. والسّابِقُونَ إلى الإيمانِ السّابِقُونَ إلى الجَنَّةِ، فَعَلى هَذا جَوَّزُوا أنْ يَكُونَ السّابِقُونَ خَبَرًا لِقَوْلِهِ: (والسّابِقُونَ)، وأنْ يَكُونَ صِفَةً والخَبَرُ فِيما بَعْدَهُ. والوَجْهُ الأوَّلُ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ يَعْنِي السّابِقُونَ خَبَرُ الِابْتِداءِ، يَعْنِي خَبَرَ والسّابِقُونَ، وهَذا كَما تَقُولُ: النّاسُ النّاسُ، وأنْتَ أنْتَ، وهَذا عَلى تَفْخِيمِ الأمْرِ وتَعْظِيمِهِ. انْتَهى. ويُرَجِّحُ هَذا القَوْلَ أنَّهُ ذَكَرَ أصْحابَ المَيْمَنَةِ مُتَعَجِّبًا مِنهم في سَعادَتِهِمْ، وأصْحابَ المَشْأمَةِ مُتَعَجِّبًا مِنهم في شَقاوَتِهِمْ، فَناسَبَ أنْ يَذْكُرَ السّابِقُونَ مُثْبِتًا حالَهم مُعَظِّمًا، وذَلِكَ بِالإخْبارِ أنَّهم نِهايَةٌ في العَظَمَةِ والسَّعادَةِ، والسّابِقُونَ عُمُومٌ في السَّبْقِ إلى أعْمالِ الطّاعاتِ، وإلى تَرْكِ المَعاصِي. وقالَ عُثْمانُ بْنُ أبِي سَوْدَةَ: السّابِقُونَ إلى المَساجِدِ. وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: هُمُ الَّذِينَ صَلَّوْا إلى القِبْلَتَيْنِ. وقالَ كَعْبٌ: هم أهْلُ القُرْآنِ. وفي الحَدِيثِ: «سُئِلَ عَنِ السّابِقِينَ فَقالَ: هُمُ الَّذِينَ إذا أُعْطُوا الحَقَّ قَبِلُوهُ، وإذا سُئِلُوهُ بَذَلُوهُ، وحَكَمُوا لِلنّاسِ بِحُكْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ» . (أُولَئِكَ): إشارَةٌ إلى السّابِقِينَ المُقَرَّبِينَ الَّذِينَ عَلَتْ مَنازِلُهم وقَرُبَتْ دَرَجاتُهم في الجَنَّةِ مِنَ العَرْشِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي جَنّاتِ﴾، جَمْعًا. وطَلْحَةُ: في جَنَّةِ مُفْرَدًا. وقَسَّمَ السّابِقِينَ المُقَرَّبِينَ إلى ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ . وقالَ الحَسَنُ: السّابِقُونَ مِنَ الأُمَمِ، والسّابِقُونَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ. وقالَتْ عائِشَةُ: الفِرْقَتانِ في كُلِّ أُمَّةِ نَبِيٍّ، في صَدْرِها ثُلَّةٌ، وفي آخِرِها قَلِيلٌ. وقِيلَ: هُما الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كانُوا في صَدْرِ الدُّنْيا، وفي آخِرِها أقَلَّ. وفي الحَدِيثِ: «الفِرْقَتانِ في أُمَّتِي، فَسابِقٌ في أوَّلِ الأُمَّةِ ثُلَّةٌ، وسابِقُ سائِرِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ قَلِيلٌ»، وارْتَفَعَ ثُلَّةٌ عَلى إضْمارِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿عَلى سُرُرٍ﴾ بِضَمِّ الرّاءِ؛ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو السَّمّالِ: بِفَتْحِها، وهي لُغَةٌ لِبَعْضِ بَنِي تَمِيمٍ وكَلْبٍ، يَفْتَحُونَ عَيْنَ فُعَلٍ جَمْعِ فَعِيلٍ المُضَعَّفِ، نَحْوَ سَرِيرٍ، وتَقَدَّمَ ذَلِكَ في والصّافّاتِ. ﴿مَوْضُونَةٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَرْمُولَةٌ بِالذَّهَبِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: مُشَبَّكَةٌ بِالدُّرِّ والياقُوتِ. ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها﴾: أيْ عَلى السُّرُرِ، ومُتَّكِئِينَ: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في ﴿عَلى سُرُرٍ﴾، (مُتَقابِلِينَ): يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، وُصِفُوا بِحُسْنِ العِشْرَةِ وتَهْذِيبِ الأخْلاقِ وصَفاءِ بَطائِنِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا. ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾: وُصِفُوا بِالخُلْدِ، وإنْ كانَ مَن في الجَنَّةِ مُخَلَّدًا، لِيَدُلَّ عَلى أنَّهم يَبْقَوْنَ دائِمًا في سِنِّ الوِلْدانِ، لا يَكْبُرُونَ ولا يَتَحَوَّلُونَ عَنْ شَكْلِ الوَصافَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَمُوتُونَ. وقالَ الفَرّاءُ: مُقَرَّطُونَ بِالخَلَداتِ، وهي ضُرُوبٌ مِنَ الأقْراطِ. ﴿وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾، قالَ: مِن خَمْرٍ سائِلَةٍ جارِيَةٍ مُعَيَّنَةٍ. ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾، قالَ الأكْثَرُونَ: لا يَلْحَقُ رُءُوسَهُمُ الصُّداعُ الَّذِي يَلْحَقُ مِن خَمْرِ الدُّنْيا. وقَرَأْتُ عَلى أُسْتاذِنا العَلّامَةِ أبِي جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى قَوْلَ عَلْقَمَةَ في صِفَةِ الخَمْرِ: ؎تَشْفِي الصُّداعَ ولا يُؤْذِيكَ صالِبُها ولا يُخالِطُها في الرَّأْسِ تَدْوِيمُ فَقالَ: هَذِهِ صِفَةُ أهْلِ الجَنَّةِ. وقِيلَ: لا يُفَرَّقُونَ عَنْها بِمَعْنى: لا تَقْطَعُ عَنْهم لَذَّتَهم بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ، كَما تُفَرِّقُ أهْلَ خَمْرِ الدُّنْيا بِأنْواعٍ مِنَ التَّفْرِيقِ، كَما جاءَ: فَتَصَدَّعَ السَّحابُ عَنِ المَدِينَةِ: أيْ فَتَفَرَّقَ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: لا يَصَّدَّعُونَ، بِفَتْحِ الياءِ وشَدِّ الصّادِ، أصْلُهُ يَتَصَدَّعُونَ، أدْغَمَ التّاءَ في الصّادِ: أيْ لا يَتَفَرَّقُونَ، كَقَوْلِهِ: (p-٢٠٦)﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣] . والجُمْهُورُ؛ بِضَمِّ الياءِ وخِفَّةِ الصّادِ؛ والجُمْهُورُ: بِجَرِّ (وفاكِهَةٍ)؛ ولَحْمٍ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِرَفْعِهِما، أيْ ولَهم. والجُمْهُورُ: ﴿ولا يُنْزِفُونَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وجُبَيْرٌ والضَّحّاكُ: لا تَذْهَبُ عُقُولُهم سُكْرًا؛ وابْنُ أبِي إسْحاقَ: بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ، نَزَفَ البِئْرَ: اسْتَفْرَغَ ماءَها، فالمَعْنى: لا تَفْرَغُ خَمْرُهم. وابْنُ أبِي إسْحاقَ أيْضًا وعَبْدُ اللَّهِ والسُّلَمِيُّ والجَحْدَرِيُّ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وعِيسى: بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ: أيْ لا يَفْنى لَهم شَرابٌ، ﴿مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾: يَأْخُذُونَ خَيْرَهُ وأفْضَلَهُ، ﴿مِمّا يَشْتَهُونَ﴾: أيْ يَتَمَنَّوْنَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ بِرَفْعِهِما؛ وخَرَّجَ عَلِيٌّ عَلى أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (وِلْدانٌ)، أوْ عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في (مُتَّكِئِينَ)، أوْ عَلى مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هو وخَبَرُهُ تَقْدِيرُهُ: لَهم هَذا كُلُّهُ، ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾، أوْ عَلى حَذْفِ خَبَرٍ فَقَطْ: أيْ ولَهم حُورٌ، أوْ فِيهِما حُورٌ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ والحَسَنُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ والمُفَضَّلُ وأبانُ وعِصْمَةُ والكِسائِيُّ: بِجَرِّهِما؛ والنَّخَعِيُّ: وحِيرٍ عِينٍ، بِقَلْبِ الواوِ ياءً وجَرِّهِما، والجَرُّ عَطْفٌ عَلى المَجْرُورِ، أيْ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ بِكَذا وكَذا وحُورٍ عِينٍ. وقِيلَ: هو عَلى مَعْنى: ويُنَعَّمُونَ بِهَذا كُلِّهِ وبِحُورٍ عِينٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَطْفًا عَلى ﴿جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾، كَأنَّهُ قالَ: هم في جَنّاتٍ وفاكِهَةٍ ولَحْمٍ وحُورٍ. انْتَهى، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ وتَفْكِيكُ كَلامٍ مُرْتَبِطٍ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، وهو فَهْمٌ أعْجَمِيٌّ. وقَرَأ أُبَيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ: وحُورًا عِينًا بِنَصْبِهِما، قالُوا: عَلى مَعْنى ويُعْطَوْنَ هَذا كُلَّهُ وحُورًا عِينًا. وقَرَأ قَتادَةُ: وحُورُ عِينٍ بِالرَّفْعِ مُضافًا إلى عِينٍ؛ وابْنُ مِقْسَمٍ: بِالنَّصْبِ مُضافًا إلى عِينٍ؛ وعِكْرِمَةُ: وحَوْراءُ عَيْناءُ عَلى التَّوْحِيدِ اسْمُ جِنْسٍ، وبِفَتْحِ الهَمْزَةِ فِيهِما؛ فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَجْرُورًا عَطْفًا عَلى المَجْرُورِ السّابِقِ؛ واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا؛ كَقِراءَةِ أُبَيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ وحُورًا عِينًا. ووَصَفَ اللُّؤْلُؤَ بِالمَكْنُونِ، لِأنَّهُ أصْفى وأبْعَدُ مِنَ التَّغَيُّرِ. وفي الحَدِيثِ: «صَفاؤُهُنَّ كَصَفاءِ الدُّرِّ الَّذِي لا تَمَسُّهُ الأيْدِي» . وقالَ تَعالى: ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩]، وقالَ الشّاعِرُ، يَصِفُ امْرَأةً بِالصَّوْنِ وعَدَمِ الِابْتِذالِ، فَشَبَّهَها بِالدُّرَّةِ المَكْنُونَةِ في صَدَفَتِها فَقالَ: ؎قامَتْ تَراءى بَيْنَ سَجْفَيْ كِلَّةٍ ∗∗∗ كالشَّمْسِ يَوْمَ طُلُوعِها بِالأسْعُدِ ؎أوْ دُرَّةٍ صَدَفِيَّةٍ غَوّاصُها ∗∗∗ بَهِجٌ مَتى يَرَها يُهِلَّ ويَسْجُدِ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾: رُوِيَ أنَّ المَنازِلَ والقِسَمَ في الجَنَّةِ عَلى قَدْرِ الأعْمالِ، ونَفْسَ دُخُولِ الجَنَّةِ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وفَضْلِهِ لا بِعَمَلِ عامِلٍ، وفِيهِ النَّصُّ الصَّحِيحُ الصَّرِيحُ: «لا يَدْخُلُ أحَدٌ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ، قالُوا: ولا أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: ولا أنا إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي بِفَضْلٍ مِنهُ ورَحْمَةٍ "» . (لَغْوًا): سَقْطُ القَوْلِ وفُحْشُهُ، ﴿ولا تَأْثِيمًا﴾: ما يُؤْثِمُ أحَدًا والظّاهِرُ أنَّ ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، لِأنَّهُ لَمْ يَنْدَرِجْ في اللَّغْوِ ولا التَّأْثِيمِ، ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن قالَ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ. وسَلامًا، قالَ الزَّجّاجُ: هو مَصْدَرٌ نَصَبَهُ (قِيلًا)، أيْ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ﴿سَلامًا سَلامًا﴾ . وقِيلَ: نُصِبَ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، وهو مَعْمُولُ قِيلًا، أيْ قِيلًا اسْلَمُوا سَلامًا. وقِيلَ: (سَلامًا) بَدَلٌ مِن (قِيلًا) . وقِيلَ: نَعْتٌ لِقِيلًا بِالمَصْدَرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إلّا قِيلًا سالِمًا مِن هَذِهِ العُيُوبِ. ﴿فِي سِدْرٍ﴾: في الجَنَّةِ شَجَرٌ عَلى خَلْقِهِ، لَهُ ثَمَرٌ كَقِلالِ هَجَرَ طَيِّبُ الطَّعْمِ والرِّيحِ. ﴿مَخْضُودٍ﴾: عارٍ مِنَ الشَّوْكِ. وقالَ مُجاهِدٌ: المَخْضُودُ: المُوَقَّرُ الَّذِي تَثْنِي أغْصانَهُ كَثْرَةُ حَمْلِهِ، مِن خَضَدَ الغُصْنَ إذا أثْناهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وطَلْحٍ﴾ بِالحاءِ؛ وعَلِيٌّ وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وعَبْدُ اللَّهِ: بِالعَيْنِ، قَرَأها عَلى المِنبَرِ. وقالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وعَطاءٌ ومُجاهِدٌ: الطَّلْحُ: المَوْزُ. وقالَ الحَسَنُ: لَيْسَ بِالمَوْزِ، ولَكِنَّهُ شَجَرٌ ظِلُّهُ بارِدٌ رَطْبٌ. وقِيلَ: شَجَرُ أُمِّ غَيْلانَ، ولَهُ نُوّارٌ كَثِيرٌ طَيِّبُ الرّائِحَةِ. وقالَ السُّدِّيُّ: شَجَرٌ يُشْبِهُ طَلْحَ الدُّنْيا، ولَكِنْ لَهُ ثَمَرٌ أحْلى مِنَ العَسَلِ. والمَنضُودُ: الَّذِي نُضِّدَ مِن أسْفَلِهِ إلى أعْلاهُ، فَلَيْسَتْ لَهُ ساقٌ تَظْهَرُ. ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾: لا يَتَقَلَّصُ. بَلْ مُنْبَسِطٌ لا يَنْسَخُهُ شَيْءٌ. (p-٢٠٧)قالَ مُجاهِدٌ: هَذا الظِّلُّ مِن سِدْرِها وطَلْحِها. ﴿وماءٍ مَسْكُوبٍ﴾، قالَ سُفْيانُ وغَيْرُهُ: جارٍ في غَيْرِ أخادِيدَ. وقِيلَ: مُنْسابٌ لا يُتْعَبُ فِيهِ بِساقِيَةٍ ولا رِشاءٍ. ﴿لا مَقْطُوعَةٍ﴾: أيْ هي دائِمَةٌ لا تَنْقَطِعُ في بَعْضِ الأوْقاتِ، كَفاكِهَةِ الدُّنْيا، ﴿ولا مَمْنُوعَةٍ﴾: أيْ لا يُمْنَعُ مِن تَناوُلِها بِوَجْهٍ، ولا يُحْظَرُ عَلَيْها كالَّتِي في الدُّنْيا. وقُرِئَ: وفاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ بِرَفْعِهِما، أيْ وهُناكَ فاكِهَةٌ، وفُرُشٍ: جَمْعُ فِراشٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِضَمِّ الرّاءِ؛ وأبُو حَيْوَةَ: بِسُكُونِها مَرْفُوعَةً، نُضِّدَتْ حَتّى ارْتَفَعَتْ، أوْ رُفِعَتْ عَلى الأسِرَّةِ. والظّاهِرُ أنَّ الفِراشَ هو ما يُفْتَرَشُ لِلْجُلُوسِ عَلَيْهِ والنَّوْمِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: المُرادُ بِالفُرُشِ النِّساءُ، لِأنَّ المَرْأةَ يُكَنّى عَنْها بِالفِراشِ، ورَفَعَهُنَّ في الأقْدارِ والمَنازِلِ. والضَّمِيرُ في ﴿أنْشَأْناهُنَّ﴾ عائِدٌ عَلى الفُرُشِ في قَوْلِ أبِي عُبَيْدَةَ، إذْ هُنَّ النِّساءُ عِنْدَهُ، وعَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ الفُرُشُ إذا كانَ المُرادُ بِالفُرُشِ ظاهِرُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ المَلابِسِ الَّتِي تُفْرَشُ ويُضْطَجَعُ عَلَيْها، أيِ ابْتَدَأْنا خَلْقَهُنَّ ابْتِداءً جَدِيدًا مِن غَيْرِ وِلادَةٍ. والظّاهِرُ أنَّ الإنْشاءَ هو الِاخْتِراعُ الَّذِي لَمْ يُسْبَقْ بِخَلْقٍ، ويَكُونُ ذَلِكَ مَخْصُوصًا بِالحُورِ اللّاتِي لَسْنَ مِن نَسْلِ آدَمَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ إنْشاءَ الإعادَةِ فَيَكُونَ ذَلِكَ لِبَناتِ آدَمَ. ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا عُرُبًا﴾: والعَرِبُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: العَرُوبُ المُتَحَبِّبَةُ إلى زَوْجِها، وقالَهُ الحَسَنُ، وعَبَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا عَنْهُنَّ بِالعَواشِقِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: ؎وفِي الخُدُورِ عَرُوبٌ غَيْرُ فاحِشَةٍ ∗∗∗ رَيّا الرَّوادِفِ يُغْشى دُونَها البَصَرُ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: العَرُوبُ: المُحَسِّنَةُ لِلْكَلامِ. وقَرَأ حَمْزَةُ وناسٌ مِنهم شُجاعٌ وعَبّاسٌ والأصْمَعِيُّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو، وناسٌ مِنهم خارِجَةُ وكَرْدَمٌ وأبُو خُلَيْدٍ عَنْ نافِعٍ، وناسٌ مِنهم أبُو بَكْرٍ وحَمّادٌ وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: بِسُكُونِ الرّاءِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِضَمِّها. (أتْرابًا) في الشَّكْلِ والقَدِّ، وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿أنْشَأْناهُنَّ﴾ عائِدٌ عَلى الحُورِ العِينِ المَذْكُورَةِ قَبْلُ، لِأنَّ تِلْكَ قِصَّةٌ قَدِ انْقَطَعَتْ، وهي قِصَّةُ السّابِقِينَ، وهَذِهِ قِصَّةُ أصْحابِ اليَمِينِ. واللّامُ في (لِأصْحابِ) مُتَعَلِّقَةٌ بِأنْشَأْناهُنَّ. ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾: أيْ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ، ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾: أيْ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، ﷺ، ولا تَنافِيَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ وقَوْلِهِ قَبْلُ: ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِنَ الآخِرِينَ﴾ هو في السّابِقِينَ، وقَوْلَهُ ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ هو في أصْحابِ اليَمِينِ.

الواقعة 56:28

﴿إذا رُجَّتِ﴾ [الواقعة: ٤]، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: زُلْزِلَتْ وحُرِّكَتْ بِجَذْبٍ. وقالَ أيْضًا هو وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ: (بُسَّتِ): فُتِّتَتْ، وقِيلَ: سُيِّرَتْ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ﴿رُجَّتِ﴾ [الواقعة: ٤]، و(بَسَّتِ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، (و ﴿إذا رُجَّتِ﴾ [الواقعة: ٤]) بَدَلٌ مِن ﴿إذا وقَعَتِ﴾ [الواقعة: ١]، وجَوابُ الشَّرْطِ عِنْدِي مَلْفُوظٌ بِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾، والمَعْنى إذا كانَ كَذا وكَذا، فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أسْعَدَهم وما أعْظَمَ ما يُجازَوْنَ بِهِ، أيْ إنَّ سَعادَتَهم وعِظَمَ رُتْبَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَظْهَرُ في ذَلِكَ الوَقْتِ الشَّدِيدِ الصَّعْبِ عَلى العالَمِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِخافِضَةٍ رافِعَةٍ، أيْ تَخْفِضُ وتَرْفَعُ وقْتَ رَجِّ الأرْضِ وبَسِّ الجِبالِ، لِأنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ يَنْخَفِضُ ما هو مُرْتَفِعٌ ويَرْتَفِعُ ما هو مُنْخَفِضٌ. انْتَهى. ولا يَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِهِما مَعًا، بَلْ بِأحَدِهِما، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَجْتَمِعَ مُؤَثِّرانِ عَلى أثَرٍ واحِدٍ. وقالَ ابْنُ جِنِّي وأبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: ﴿إذا رُجَّتِ﴾ [الواقعة: ٤] في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الَّذِي هو ﴿إذا وقَعَتِ﴾ [الواقعة: ١]، ولَيْسَتْ واحِدَةٌ مِنهُما شُرْطِيَّةً، بَلْ جُعِلَتْ بِمَعْنى وقْتٍ، وما بَعْدَ إذا أحْوالٌ ثَلاثَةٌ، والمَعْنى: وقْتُ وُقُوعِ الواقِعَةِ صادِقَةَ الوُقُوعِ، خافِضَةَ قَوْمٍ، رافِعَةَ آخَرِينَ وقْتُ رَجِّ الأرْضِ. وهَكَذا ادَّعى ابْنُ مالِكٍ أنَّ إذا تَكُونُ مُبْتَدَأً، واسْتَدَلَّ بِهَذا. وقَدْ ذَكَرْنا في شَرْحِ التَّسْهِيلِ ما تَبْقى بِهِ إذا عَلى مَدْلُولِها مِنَ الشَّرْطِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ الهَباءِ في سُورَةِ الفُرْقانِ. ﴿مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: ٦]: مُنْتَشِرًا. مُنْبَتًّا بِنُقْطَتَيْنِ بَدَلَ الثّاءِ المُثَلَّثَةِ، قِراءَةُ الجُمْهُورِ، أيْ مُنْقَطِعًا. (وكُنْتُمْ): خِطابٌ لِلْعالَمِ، ﴿أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة: ٧]: أصْنافًا ثَلاثَةً، وهَذِهِ رُتَبٌ لِلنّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ. ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾، قالَ الحَسَنُ والرَّبِيعُ: هُمُ المَيامِينُ عَلى أنْفُسِهِمْ. وقِيلَ: الَّذِينَ يُؤْتَوْنَ صَحائِفَهم بِأيْمانِهِمْ. وقِيلَ: أصْحابُ المَنزِلَةِ السَّنِيَّةِ، كَما تَقُولُ: هو مِنِّي بِاليَمِينِ. وقِيلَ: المَأْخُوذُ بِهِمْ ذاتُ اليَمِينِ أوْ مَيْمَنَةُ آدَمَ المَذْكُورَةُ في حَدَثِ الإسْراءِ في الأسْوِدَةِ. ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ﴾: هم مَن قابَلَ أصْحابَ المَيْمَنَةِ في هَذِهِ الأقْوالِ، فَأصْحابُ مُبْتَدَأٌ، ما مُبْتَدَأٌ ثانٍ اسْتِفْهامٌ (p-٢٠٥)فِي مَعْنى التَّعْظِيمِ، وأصْحابُ المَيْمَنَةِ خَبَرٌ عَنْ ما، وما بَعْدَها خَبَرٌ عَنْ أصْحابٍ، ورَبَطَ الجُمْلَةَ بِالمُبْتَدَأِ تَكْرارُ المُبْتَدَأِ بِلَفْظِهِ، وأكْثَرُ ما يَكُونُ ذَلِكَ في مَوْضِعِ التَّهْوِيلِ والتَّعْظِيمِ، وما تَعَجُّبٌ مِن حالِ الفَرِيقَيْنِ في السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ هم. ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾: جَوَّزُوا أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وخَبَرًا، نَحْوَ قَوْلِهِمْ: أنْتَ أنْتَ، وقَوْلِهِ: أنا أبُو النَّجْمِ، وشِعْرِي شِعْرِي، أيِ الَّذِينَ انْتَهَوْا في السَّبْقِ، أيِ الطّاعاتِ، وبَرَعُوا فِيها وعُرِفَتْ حالُهم. وأنْ يَكُونَ السّابِقُونَ تَأْكِيدًا لَفْظِيًّا، والخَبَرُ فِيما بَعْدَ ذَلِكَ؛ وأنْ يَكُونَ السّابِقُونَ مُبْتَدَأً والخَبَرُ فِيما بَعْدَهُ، وتَقِفُ عَلى قَوْلِهِ: (والسّابِقُونَ)، وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقُ السَّبْقِ الأوَّلِ مُخالِفًا لِلسَّبْقِ الثّانِي. والسّابِقُونَ إلى الإيمانِ السّابِقُونَ إلى الجَنَّةِ، فَعَلى هَذا جَوَّزُوا أنْ يَكُونَ السّابِقُونَ خَبَرًا لِقَوْلِهِ: (والسّابِقُونَ)، وأنْ يَكُونَ صِفَةً والخَبَرُ فِيما بَعْدَهُ. والوَجْهُ الأوَّلُ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ يَعْنِي السّابِقُونَ خَبَرُ الِابْتِداءِ، يَعْنِي خَبَرَ والسّابِقُونَ، وهَذا كَما تَقُولُ: النّاسُ النّاسُ، وأنْتَ أنْتَ، وهَذا عَلى تَفْخِيمِ الأمْرِ وتَعْظِيمِهِ. انْتَهى. ويُرَجِّحُ هَذا القَوْلَ أنَّهُ ذَكَرَ أصْحابَ المَيْمَنَةِ مُتَعَجِّبًا مِنهم في سَعادَتِهِمْ، وأصْحابَ المَشْأمَةِ مُتَعَجِّبًا مِنهم في شَقاوَتِهِمْ، فَناسَبَ أنْ يَذْكُرَ السّابِقُونَ مُثْبِتًا حالَهم مُعَظِّمًا، وذَلِكَ بِالإخْبارِ أنَّهم نِهايَةٌ في العَظَمَةِ والسَّعادَةِ، والسّابِقُونَ عُمُومٌ في السَّبْقِ إلى أعْمالِ الطّاعاتِ، وإلى تَرْكِ المَعاصِي. وقالَ عُثْمانُ بْنُ أبِي سَوْدَةَ: السّابِقُونَ إلى المَساجِدِ. وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: هُمُ الَّذِينَ صَلَّوْا إلى القِبْلَتَيْنِ. وقالَ كَعْبٌ: هم أهْلُ القُرْآنِ. وفي الحَدِيثِ: «سُئِلَ عَنِ السّابِقِينَ فَقالَ: هُمُ الَّذِينَ إذا أُعْطُوا الحَقَّ قَبِلُوهُ، وإذا سُئِلُوهُ بَذَلُوهُ، وحَكَمُوا لِلنّاسِ بِحُكْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ» . (أُولَئِكَ): إشارَةٌ إلى السّابِقِينَ المُقَرَّبِينَ الَّذِينَ عَلَتْ مَنازِلُهم وقَرُبَتْ دَرَجاتُهم في الجَنَّةِ مِنَ العَرْشِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي جَنّاتِ﴾، جَمْعًا. وطَلْحَةُ: في جَنَّةِ مُفْرَدًا. وقَسَّمَ السّابِقِينَ المُقَرَّبِينَ إلى ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ . وقالَ الحَسَنُ: السّابِقُونَ مِنَ الأُمَمِ، والسّابِقُونَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ. وقالَتْ عائِشَةُ: الفِرْقَتانِ في كُلِّ أُمَّةِ نَبِيٍّ، في صَدْرِها ثُلَّةٌ، وفي آخِرِها قَلِيلٌ. وقِيلَ: هُما الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كانُوا في صَدْرِ الدُّنْيا، وفي آخِرِها أقَلَّ. وفي الحَدِيثِ: «الفِرْقَتانِ في أُمَّتِي، فَسابِقٌ في أوَّلِ الأُمَّةِ ثُلَّةٌ، وسابِقُ سائِرِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ قَلِيلٌ»، وارْتَفَعَ ثُلَّةٌ عَلى إضْمارِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿عَلى سُرُرٍ﴾ بِضَمِّ الرّاءِ؛ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو السَّمّالِ: بِفَتْحِها، وهي لُغَةٌ لِبَعْضِ بَنِي تَمِيمٍ وكَلْبٍ، يَفْتَحُونَ عَيْنَ فُعَلٍ جَمْعِ فَعِيلٍ المُضَعَّفِ، نَحْوَ سَرِيرٍ، وتَقَدَّمَ ذَلِكَ في والصّافّاتِ. ﴿مَوْضُونَةٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَرْمُولَةٌ بِالذَّهَبِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: مُشَبَّكَةٌ بِالدُّرِّ والياقُوتِ. ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها﴾: أيْ عَلى السُّرُرِ، ومُتَّكِئِينَ: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في ﴿عَلى سُرُرٍ﴾، (مُتَقابِلِينَ): يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، وُصِفُوا بِحُسْنِ العِشْرَةِ وتَهْذِيبِ الأخْلاقِ وصَفاءِ بَطائِنِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا. ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾: وُصِفُوا بِالخُلْدِ، وإنْ كانَ مَن في الجَنَّةِ مُخَلَّدًا، لِيَدُلَّ عَلى أنَّهم يَبْقَوْنَ دائِمًا في سِنِّ الوِلْدانِ، لا يَكْبُرُونَ ولا يَتَحَوَّلُونَ عَنْ شَكْلِ الوَصافَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَمُوتُونَ. وقالَ الفَرّاءُ: مُقَرَّطُونَ بِالخَلَداتِ، وهي ضُرُوبٌ مِنَ الأقْراطِ. ﴿وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾، قالَ: مِن خَمْرٍ سائِلَةٍ جارِيَةٍ مُعَيَّنَةٍ. ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾، قالَ الأكْثَرُونَ: لا يَلْحَقُ رُءُوسَهُمُ الصُّداعُ الَّذِي يَلْحَقُ مِن خَمْرِ الدُّنْيا. وقَرَأْتُ عَلى أُسْتاذِنا العَلّامَةِ أبِي جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى قَوْلَ عَلْقَمَةَ في صِفَةِ الخَمْرِ: ؎تَشْفِي الصُّداعَ ولا يُؤْذِيكَ صالِبُها ولا يُخالِطُها في الرَّأْسِ تَدْوِيمُ فَقالَ: هَذِهِ صِفَةُ أهْلِ الجَنَّةِ. وقِيلَ: لا يُفَرَّقُونَ عَنْها بِمَعْنى: لا تَقْطَعُ عَنْهم لَذَّتَهم بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ، كَما تُفَرِّقُ أهْلَ خَمْرِ الدُّنْيا بِأنْواعٍ مِنَ التَّفْرِيقِ، كَما جاءَ: فَتَصَدَّعَ السَّحابُ عَنِ المَدِينَةِ: أيْ فَتَفَرَّقَ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: لا يَصَّدَّعُونَ، بِفَتْحِ الياءِ وشَدِّ الصّادِ، أصْلُهُ يَتَصَدَّعُونَ، أدْغَمَ التّاءَ في الصّادِ: أيْ لا يَتَفَرَّقُونَ، كَقَوْلِهِ: (p-٢٠٦)﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣] . والجُمْهُورُ؛ بِضَمِّ الياءِ وخِفَّةِ الصّادِ؛ والجُمْهُورُ: بِجَرِّ (وفاكِهَةٍ)؛ ولَحْمٍ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِرَفْعِهِما، أيْ ولَهم. والجُمْهُورُ: ﴿ولا يُنْزِفُونَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وجُبَيْرٌ والضَّحّاكُ: لا تَذْهَبُ عُقُولُهم سُكْرًا؛ وابْنُ أبِي إسْحاقَ: بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ، نَزَفَ البِئْرَ: اسْتَفْرَغَ ماءَها، فالمَعْنى: لا تَفْرَغُ خَمْرُهم. وابْنُ أبِي إسْحاقَ أيْضًا وعَبْدُ اللَّهِ والسُّلَمِيُّ والجَحْدَرِيُّ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وعِيسى: بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ: أيْ لا يَفْنى لَهم شَرابٌ، ﴿مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾: يَأْخُذُونَ خَيْرَهُ وأفْضَلَهُ، ﴿مِمّا يَشْتَهُونَ﴾: أيْ يَتَمَنَّوْنَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ بِرَفْعِهِما؛ وخَرَّجَ عَلِيٌّ عَلى أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (وِلْدانٌ)، أوْ عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في (مُتَّكِئِينَ)، أوْ عَلى مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هو وخَبَرُهُ تَقْدِيرُهُ: لَهم هَذا كُلُّهُ، ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾، أوْ عَلى حَذْفِ خَبَرٍ فَقَطْ: أيْ ولَهم حُورٌ، أوْ فِيهِما حُورٌ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ والحَسَنُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ والمُفَضَّلُ وأبانُ وعِصْمَةُ والكِسائِيُّ: بِجَرِّهِما؛ والنَّخَعِيُّ: وحِيرٍ عِينٍ، بِقَلْبِ الواوِ ياءً وجَرِّهِما، والجَرُّ عَطْفٌ عَلى المَجْرُورِ، أيْ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ بِكَذا وكَذا وحُورٍ عِينٍ. وقِيلَ: هو عَلى مَعْنى: ويُنَعَّمُونَ بِهَذا كُلِّهِ وبِحُورٍ عِينٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَطْفًا عَلى ﴿جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾، كَأنَّهُ قالَ: هم في جَنّاتٍ وفاكِهَةٍ ولَحْمٍ وحُورٍ. انْتَهى، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ وتَفْكِيكُ كَلامٍ مُرْتَبِطٍ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، وهو فَهْمٌ أعْجَمِيٌّ. وقَرَأ أُبَيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ: وحُورًا عِينًا بِنَصْبِهِما، قالُوا: عَلى مَعْنى ويُعْطَوْنَ هَذا كُلَّهُ وحُورًا عِينًا. وقَرَأ قَتادَةُ: وحُورُ عِينٍ بِالرَّفْعِ مُضافًا إلى عِينٍ؛ وابْنُ مِقْسَمٍ: بِالنَّصْبِ مُضافًا إلى عِينٍ؛ وعِكْرِمَةُ: وحَوْراءُ عَيْناءُ عَلى التَّوْحِيدِ اسْمُ جِنْسٍ، وبِفَتْحِ الهَمْزَةِ فِيهِما؛ فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَجْرُورًا عَطْفًا عَلى المَجْرُورِ السّابِقِ؛ واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا؛ كَقِراءَةِ أُبَيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ وحُورًا عِينًا. ووَصَفَ اللُّؤْلُؤَ بِالمَكْنُونِ، لِأنَّهُ أصْفى وأبْعَدُ مِنَ التَّغَيُّرِ. وفي الحَدِيثِ: «صَفاؤُهُنَّ كَصَفاءِ الدُّرِّ الَّذِي لا تَمَسُّهُ الأيْدِي» . وقالَ تَعالى: ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩]، وقالَ الشّاعِرُ، يَصِفُ امْرَأةً بِالصَّوْنِ وعَدَمِ الِابْتِذالِ، فَشَبَّهَها بِالدُّرَّةِ المَكْنُونَةِ في صَدَفَتِها فَقالَ: ؎قامَتْ تَراءى بَيْنَ سَجْفَيْ كِلَّةٍ ∗∗∗ كالشَّمْسِ يَوْمَ طُلُوعِها بِالأسْعُدِ ؎أوْ دُرَّةٍ صَدَفِيَّةٍ غَوّاصُها ∗∗∗ بَهِجٌ مَتى يَرَها يُهِلَّ ويَسْجُدِ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾: رُوِيَ أنَّ المَنازِلَ والقِسَمَ في الجَنَّةِ عَلى قَدْرِ الأعْمالِ، ونَفْسَ دُخُولِ الجَنَّةِ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وفَضْلِهِ لا بِعَمَلِ عامِلٍ، وفِيهِ النَّصُّ الصَّحِيحُ الصَّرِيحُ: «لا يَدْخُلُ أحَدٌ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ، قالُوا: ولا أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: ولا أنا إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي بِفَضْلٍ مِنهُ ورَحْمَةٍ "» . (لَغْوًا): سَقْطُ القَوْلِ وفُحْشُهُ، ﴿ولا تَأْثِيمًا﴾: ما يُؤْثِمُ أحَدًا والظّاهِرُ أنَّ ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، لِأنَّهُ لَمْ يَنْدَرِجْ في اللَّغْوِ ولا التَّأْثِيمِ، ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن قالَ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ. وسَلامًا، قالَ الزَّجّاجُ: هو مَصْدَرٌ نَصَبَهُ (قِيلًا)، أيْ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ﴿سَلامًا سَلامًا﴾ . وقِيلَ: نُصِبَ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، وهو مَعْمُولُ قِيلًا، أيْ قِيلًا اسْلَمُوا سَلامًا. وقِيلَ: (سَلامًا) بَدَلٌ مِن (قِيلًا) . وقِيلَ: نَعْتٌ لِقِيلًا بِالمَصْدَرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إلّا قِيلًا سالِمًا مِن هَذِهِ العُيُوبِ. ﴿فِي سِدْرٍ﴾: في الجَنَّةِ شَجَرٌ عَلى خَلْقِهِ، لَهُ ثَمَرٌ كَقِلالِ هَجَرَ طَيِّبُ الطَّعْمِ والرِّيحِ. ﴿مَخْضُودٍ﴾: عارٍ مِنَ الشَّوْكِ. وقالَ مُجاهِدٌ: المَخْضُودُ: المُوَقَّرُ الَّذِي تَثْنِي أغْصانَهُ كَثْرَةُ حَمْلِهِ، مِن خَضَدَ الغُصْنَ إذا أثْناهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وطَلْحٍ﴾ بِالحاءِ؛ وعَلِيٌّ وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وعَبْدُ اللَّهِ: بِالعَيْنِ، قَرَأها عَلى المِنبَرِ. وقالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وعَطاءٌ ومُجاهِدٌ: الطَّلْحُ: المَوْزُ. وقالَ الحَسَنُ: لَيْسَ بِالمَوْزِ، ولَكِنَّهُ شَجَرٌ ظِلُّهُ بارِدٌ رَطْبٌ. وقِيلَ: شَجَرُ أُمِّ غَيْلانَ، ولَهُ نُوّارٌ كَثِيرٌ طَيِّبُ الرّائِحَةِ. وقالَ السُّدِّيُّ: شَجَرٌ يُشْبِهُ طَلْحَ الدُّنْيا، ولَكِنْ لَهُ ثَمَرٌ أحْلى مِنَ العَسَلِ. والمَنضُودُ: الَّذِي نُضِّدَ مِن أسْفَلِهِ إلى أعْلاهُ، فَلَيْسَتْ لَهُ ساقٌ تَظْهَرُ. ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾: لا يَتَقَلَّصُ. بَلْ مُنْبَسِطٌ لا يَنْسَخُهُ شَيْءٌ. (p-٢٠٧)قالَ مُجاهِدٌ: هَذا الظِّلُّ مِن سِدْرِها وطَلْحِها. ﴿وماءٍ مَسْكُوبٍ﴾، قالَ سُفْيانُ وغَيْرُهُ: جارٍ في غَيْرِ أخادِيدَ. وقِيلَ: مُنْسابٌ لا يُتْعَبُ فِيهِ بِساقِيَةٍ ولا رِشاءٍ. ﴿لا مَقْطُوعَةٍ﴾: أيْ هي دائِمَةٌ لا تَنْقَطِعُ في بَعْضِ الأوْقاتِ، كَفاكِهَةِ الدُّنْيا، ﴿ولا مَمْنُوعَةٍ﴾: أيْ لا يُمْنَعُ مِن تَناوُلِها بِوَجْهٍ، ولا يُحْظَرُ عَلَيْها كالَّتِي في الدُّنْيا. وقُرِئَ: وفاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ بِرَفْعِهِما، أيْ وهُناكَ فاكِهَةٌ، وفُرُشٍ: جَمْعُ فِراشٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِضَمِّ الرّاءِ؛ وأبُو حَيْوَةَ: بِسُكُونِها مَرْفُوعَةً، نُضِّدَتْ حَتّى ارْتَفَعَتْ، أوْ رُفِعَتْ عَلى الأسِرَّةِ. والظّاهِرُ أنَّ الفِراشَ هو ما يُفْتَرَشُ لِلْجُلُوسِ عَلَيْهِ والنَّوْمِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: المُرادُ بِالفُرُشِ النِّساءُ، لِأنَّ المَرْأةَ يُكَنّى عَنْها بِالفِراشِ، ورَفَعَهُنَّ في الأقْدارِ والمَنازِلِ. والضَّمِيرُ في ﴿أنْشَأْناهُنَّ﴾ عائِدٌ عَلى الفُرُشِ في قَوْلِ أبِي عُبَيْدَةَ، إذْ هُنَّ النِّساءُ عِنْدَهُ، وعَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ الفُرُشُ إذا كانَ المُرادُ بِالفُرُشِ ظاهِرُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ المَلابِسِ الَّتِي تُفْرَشُ ويُضْطَجَعُ عَلَيْها، أيِ ابْتَدَأْنا خَلْقَهُنَّ ابْتِداءً جَدِيدًا مِن غَيْرِ وِلادَةٍ. والظّاهِرُ أنَّ الإنْشاءَ هو الِاخْتِراعُ الَّذِي لَمْ يُسْبَقْ بِخَلْقٍ، ويَكُونُ ذَلِكَ مَخْصُوصًا بِالحُورِ اللّاتِي لَسْنَ مِن نَسْلِ آدَمَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ إنْشاءَ الإعادَةِ فَيَكُونَ ذَلِكَ لِبَناتِ آدَمَ. ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا عُرُبًا﴾: والعَرِبُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: العَرُوبُ المُتَحَبِّبَةُ إلى زَوْجِها، وقالَهُ الحَسَنُ، وعَبَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا عَنْهُنَّ بِالعَواشِقِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: ؎وفِي الخُدُورِ عَرُوبٌ غَيْرُ فاحِشَةٍ ∗∗∗ رَيّا الرَّوادِفِ يُغْشى دُونَها البَصَرُ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: العَرُوبُ: المُحَسِّنَةُ لِلْكَلامِ. وقَرَأ حَمْزَةُ وناسٌ مِنهم شُجاعٌ وعَبّاسٌ والأصْمَعِيُّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو، وناسٌ مِنهم خارِجَةُ وكَرْدَمٌ وأبُو خُلَيْدٍ عَنْ نافِعٍ، وناسٌ مِنهم أبُو بَكْرٍ وحَمّادٌ وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: بِسُكُونِ الرّاءِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِضَمِّها. (أتْرابًا) في الشَّكْلِ والقَدِّ، وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿أنْشَأْناهُنَّ﴾ عائِدٌ عَلى الحُورِ العِينِ المَذْكُورَةِ قَبْلُ، لِأنَّ تِلْكَ قِصَّةٌ قَدِ انْقَطَعَتْ، وهي قِصَّةُ السّابِقِينَ، وهَذِهِ قِصَّةُ أصْحابِ اليَمِينِ. واللّامُ في (لِأصْحابِ) مُتَعَلِّقَةٌ بِأنْشَأْناهُنَّ. ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾: أيْ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ، ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾: أيْ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، ﷺ، ولا تَنافِيَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ وقَوْلِهِ قَبْلُ: ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِنَ الآخِرِينَ﴾ هو في السّابِقِينَ، وقَوْلَهُ ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ هو في أصْحابِ اليَمِينِ.

الواقعة 56:29

﴿إذا رُجَّتِ﴾ [الواقعة: ٤]، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: زُلْزِلَتْ وحُرِّكَتْ بِجَذْبٍ. وقالَ أيْضًا هو وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ: (بُسَّتِ): فُتِّتَتْ، وقِيلَ: سُيِّرَتْ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ﴿رُجَّتِ﴾ [الواقعة: ٤]، و(بَسَّتِ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، (و ﴿إذا رُجَّتِ﴾ [الواقعة: ٤]) بَدَلٌ مِن ﴿إذا وقَعَتِ﴾ [الواقعة: ١]، وجَوابُ الشَّرْطِ عِنْدِي مَلْفُوظٌ بِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾، والمَعْنى إذا كانَ كَذا وكَذا، فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أسْعَدَهم وما أعْظَمَ ما يُجازَوْنَ بِهِ، أيْ إنَّ سَعادَتَهم وعِظَمَ رُتْبَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَظْهَرُ في ذَلِكَ الوَقْتِ الشَّدِيدِ الصَّعْبِ عَلى العالَمِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِخافِضَةٍ رافِعَةٍ، أيْ تَخْفِضُ وتَرْفَعُ وقْتَ رَجِّ الأرْضِ وبَسِّ الجِبالِ، لِأنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ يَنْخَفِضُ ما هو مُرْتَفِعٌ ويَرْتَفِعُ ما هو مُنْخَفِضٌ. انْتَهى. ولا يَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِهِما مَعًا، بَلْ بِأحَدِهِما، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَجْتَمِعَ مُؤَثِّرانِ عَلى أثَرٍ واحِدٍ. وقالَ ابْنُ جِنِّي وأبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: ﴿إذا رُجَّتِ﴾ [الواقعة: ٤] في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الَّذِي هو ﴿إذا وقَعَتِ﴾ [الواقعة: ١]، ولَيْسَتْ واحِدَةٌ مِنهُما شُرْطِيَّةً، بَلْ جُعِلَتْ بِمَعْنى وقْتٍ، وما بَعْدَ إذا أحْوالٌ ثَلاثَةٌ، والمَعْنى: وقْتُ وُقُوعِ الواقِعَةِ صادِقَةَ الوُقُوعِ، خافِضَةَ قَوْمٍ، رافِعَةَ آخَرِينَ وقْتُ رَجِّ الأرْضِ. وهَكَذا ادَّعى ابْنُ مالِكٍ أنَّ إذا تَكُونُ مُبْتَدَأً، واسْتَدَلَّ بِهَذا. وقَدْ ذَكَرْنا في شَرْحِ التَّسْهِيلِ ما تَبْقى بِهِ إذا عَلى مَدْلُولِها مِنَ الشَّرْطِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ الهَباءِ في سُورَةِ الفُرْقانِ. ﴿مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: ٦]: مُنْتَشِرًا. مُنْبَتًّا بِنُقْطَتَيْنِ بَدَلَ الثّاءِ المُثَلَّثَةِ، قِراءَةُ الجُمْهُورِ، أيْ مُنْقَطِعًا. (وكُنْتُمْ): خِطابٌ لِلْعالَمِ، ﴿أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة: ٧]: أصْنافًا ثَلاثَةً، وهَذِهِ رُتَبٌ لِلنّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ. ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾، قالَ الحَسَنُ والرَّبِيعُ: هُمُ المَيامِينُ عَلى أنْفُسِهِمْ. وقِيلَ: الَّذِينَ يُؤْتَوْنَ صَحائِفَهم بِأيْمانِهِمْ. وقِيلَ: أصْحابُ المَنزِلَةِ السَّنِيَّةِ، كَما تَقُولُ: هو مِنِّي بِاليَمِينِ. وقِيلَ: المَأْخُوذُ بِهِمْ ذاتُ اليَمِينِ أوْ مَيْمَنَةُ آدَمَ المَذْكُورَةُ في حَدَثِ الإسْراءِ في الأسْوِدَةِ. ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ﴾: هم مَن قابَلَ أصْحابَ المَيْمَنَةِ في هَذِهِ الأقْوالِ، فَأصْحابُ مُبْتَدَأٌ، ما مُبْتَدَأٌ ثانٍ اسْتِفْهامٌ (p-٢٠٥)فِي مَعْنى التَّعْظِيمِ، وأصْحابُ المَيْمَنَةِ خَبَرٌ عَنْ ما، وما بَعْدَها خَبَرٌ عَنْ أصْحابٍ، ورَبَطَ الجُمْلَةَ بِالمُبْتَدَأِ تَكْرارُ المُبْتَدَأِ بِلَفْظِهِ، وأكْثَرُ ما يَكُونُ ذَلِكَ في مَوْضِعِ التَّهْوِيلِ والتَّعْظِيمِ، وما تَعَجُّبٌ مِن حالِ الفَرِيقَيْنِ في السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ هم. ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾: جَوَّزُوا أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وخَبَرًا، نَحْوَ قَوْلِهِمْ: أنْتَ أنْتَ، وقَوْلِهِ: أنا أبُو النَّجْمِ، وشِعْرِي شِعْرِي، أيِ الَّذِينَ انْتَهَوْا في السَّبْقِ، أيِ الطّاعاتِ، وبَرَعُوا فِيها وعُرِفَتْ حالُهم. وأنْ يَكُونَ السّابِقُونَ تَأْكِيدًا لَفْظِيًّا، والخَبَرُ فِيما بَعْدَ ذَلِكَ؛ وأنْ يَكُونَ السّابِقُونَ مُبْتَدَأً والخَبَرُ فِيما بَعْدَهُ، وتَقِفُ عَلى قَوْلِهِ: (والسّابِقُونَ)، وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقُ السَّبْقِ الأوَّلِ مُخالِفًا لِلسَّبْقِ الثّانِي. والسّابِقُونَ إلى الإيمانِ السّابِقُونَ إلى الجَنَّةِ، فَعَلى هَذا جَوَّزُوا أنْ يَكُونَ السّابِقُونَ خَبَرًا لِقَوْلِهِ: (والسّابِقُونَ)، وأنْ يَكُونَ صِفَةً والخَبَرُ فِيما بَعْدَهُ. والوَجْهُ الأوَّلُ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ يَعْنِي السّابِقُونَ خَبَرُ الِابْتِداءِ، يَعْنِي خَبَرَ والسّابِقُونَ، وهَذا كَما تَقُولُ: النّاسُ النّاسُ، وأنْتَ أنْتَ، وهَذا عَلى تَفْخِيمِ الأمْرِ وتَعْظِيمِهِ. انْتَهى. ويُرَجِّحُ هَذا القَوْلَ أنَّهُ ذَكَرَ أصْحابَ المَيْمَنَةِ مُتَعَجِّبًا مِنهم في سَعادَتِهِمْ، وأصْحابَ المَشْأمَةِ مُتَعَجِّبًا مِنهم في شَقاوَتِهِمْ، فَناسَبَ أنْ يَذْكُرَ السّابِقُونَ مُثْبِتًا حالَهم مُعَظِّمًا، وذَلِكَ بِالإخْبارِ أنَّهم نِهايَةٌ في العَظَمَةِ والسَّعادَةِ، والسّابِقُونَ عُمُومٌ في السَّبْقِ إلى أعْمالِ الطّاعاتِ، وإلى تَرْكِ المَعاصِي. وقالَ عُثْمانُ بْنُ أبِي سَوْدَةَ: السّابِقُونَ إلى المَساجِدِ. وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: هُمُ الَّذِينَ صَلَّوْا إلى القِبْلَتَيْنِ. وقالَ كَعْبٌ: هم أهْلُ القُرْآنِ. وفي الحَدِيثِ: «سُئِلَ عَنِ السّابِقِينَ فَقالَ: هُمُ الَّذِينَ إذا أُعْطُوا الحَقَّ قَبِلُوهُ، وإذا سُئِلُوهُ بَذَلُوهُ، وحَكَمُوا لِلنّاسِ بِحُكْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ» . (أُولَئِكَ): إشارَةٌ إلى السّابِقِينَ المُقَرَّبِينَ الَّذِينَ عَلَتْ مَنازِلُهم وقَرُبَتْ دَرَجاتُهم في الجَنَّةِ مِنَ العَرْشِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي جَنّاتِ﴾، جَمْعًا. وطَلْحَةُ: في جَنَّةِ مُفْرَدًا. وقَسَّمَ السّابِقِينَ المُقَرَّبِينَ إلى ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ . وقالَ الحَسَنُ: السّابِقُونَ مِنَ الأُمَمِ، والسّابِقُونَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ. وقالَتْ عائِشَةُ: الفِرْقَتانِ في كُلِّ أُمَّةِ نَبِيٍّ، في صَدْرِها ثُلَّةٌ، وفي آخِرِها قَلِيلٌ. وقِيلَ: هُما الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كانُوا في صَدْرِ الدُّنْيا، وفي آخِرِها أقَلَّ. وفي الحَدِيثِ: «الفِرْقَتانِ في أُمَّتِي، فَسابِقٌ في أوَّلِ الأُمَّةِ ثُلَّةٌ، وسابِقُ سائِرِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ قَلِيلٌ»، وارْتَفَعَ ثُلَّةٌ عَلى إضْمارِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿عَلى سُرُرٍ﴾ بِضَمِّ الرّاءِ؛ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو السَّمّالِ: بِفَتْحِها، وهي لُغَةٌ لِبَعْضِ بَنِي تَمِيمٍ وكَلْبٍ، يَفْتَحُونَ عَيْنَ فُعَلٍ جَمْعِ فَعِيلٍ المُضَعَّفِ، نَحْوَ سَرِيرٍ، وتَقَدَّمَ ذَلِكَ في والصّافّاتِ. ﴿مَوْضُونَةٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَرْمُولَةٌ بِالذَّهَبِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: مُشَبَّكَةٌ بِالدُّرِّ والياقُوتِ. ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها﴾: أيْ عَلى السُّرُرِ، ومُتَّكِئِينَ: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في ﴿عَلى سُرُرٍ﴾، (مُتَقابِلِينَ): يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، وُصِفُوا بِحُسْنِ العِشْرَةِ وتَهْذِيبِ الأخْلاقِ وصَفاءِ بَطائِنِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا. ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾: وُصِفُوا بِالخُلْدِ، وإنْ كانَ مَن في الجَنَّةِ مُخَلَّدًا، لِيَدُلَّ عَلى أنَّهم يَبْقَوْنَ دائِمًا في سِنِّ الوِلْدانِ، لا يَكْبُرُونَ ولا يَتَحَوَّلُونَ عَنْ شَكْلِ الوَصافَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَمُوتُونَ. وقالَ الفَرّاءُ: مُقَرَّطُونَ بِالخَلَداتِ، وهي ضُرُوبٌ مِنَ الأقْراطِ. ﴿وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾، قالَ: مِن خَمْرٍ سائِلَةٍ جارِيَةٍ مُعَيَّنَةٍ. ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾، قالَ الأكْثَرُونَ: لا يَلْحَقُ رُءُوسَهُمُ الصُّداعُ الَّذِي يَلْحَقُ مِن خَمْرِ الدُّنْيا. وقَرَأْتُ عَلى أُسْتاذِنا العَلّامَةِ أبِي جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى قَوْلَ عَلْقَمَةَ في صِفَةِ الخَمْرِ: ؎تَشْفِي الصُّداعَ ولا يُؤْذِيكَ صالِبُها ولا يُخالِطُها في الرَّأْسِ تَدْوِيمُ فَقالَ: هَذِهِ صِفَةُ أهْلِ الجَنَّةِ. وقِيلَ: لا يُفَرَّقُونَ عَنْها بِمَعْنى: لا تَقْطَعُ عَنْهم لَذَّتَهم بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ، كَما تُفَرِّقُ أهْلَ خَمْرِ الدُّنْيا بِأنْواعٍ مِنَ التَّفْرِيقِ، كَما جاءَ: فَتَصَدَّعَ السَّحابُ عَنِ المَدِينَةِ: أيْ فَتَفَرَّقَ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: لا يَصَّدَّعُونَ، بِفَتْحِ الياءِ وشَدِّ الصّادِ، أصْلُهُ يَتَصَدَّعُونَ، أدْغَمَ التّاءَ في الصّادِ: أيْ لا يَتَفَرَّقُونَ، كَقَوْلِهِ: (p-٢٠٦)﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣] . والجُمْهُورُ؛ بِضَمِّ الياءِ وخِفَّةِ الصّادِ؛ والجُمْهُورُ: بِجَرِّ (وفاكِهَةٍ)؛ ولَحْمٍ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِرَفْعِهِما، أيْ ولَهم. والجُمْهُورُ: ﴿ولا يُنْزِفُونَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وجُبَيْرٌ والضَّحّاكُ: لا تَذْهَبُ عُقُولُهم سُكْرًا؛ وابْنُ أبِي إسْحاقَ: بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ، نَزَفَ البِئْرَ: اسْتَفْرَغَ ماءَها، فالمَعْنى: لا تَفْرَغُ خَمْرُهم. وابْنُ أبِي إسْحاقَ أيْضًا وعَبْدُ اللَّهِ والسُّلَمِيُّ والجَحْدَرِيُّ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وعِيسى: بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ: أيْ لا يَفْنى لَهم شَرابٌ، ﴿مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾: يَأْخُذُونَ خَيْرَهُ وأفْضَلَهُ، ﴿مِمّا يَشْتَهُونَ﴾: أيْ يَتَمَنَّوْنَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ بِرَفْعِهِما؛ وخَرَّجَ عَلِيٌّ عَلى أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (وِلْدانٌ)، أوْ عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في (مُتَّكِئِينَ)، أوْ عَلى مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هو وخَبَرُهُ تَقْدِيرُهُ: لَهم هَذا كُلُّهُ، ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾، أوْ عَلى حَذْفِ خَبَرٍ فَقَطْ: أيْ ولَهم حُورٌ، أوْ فِيهِما حُورٌ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ والحَسَنُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ والمُفَضَّلُ وأبانُ وعِصْمَةُ والكِسائِيُّ: بِجَرِّهِما؛ والنَّخَعِيُّ: وحِيرٍ عِينٍ، بِقَلْبِ الواوِ ياءً وجَرِّهِما، والجَرُّ عَطْفٌ عَلى المَجْرُورِ، أيْ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ بِكَذا وكَذا وحُورٍ عِينٍ. وقِيلَ: هو عَلى مَعْنى: ويُنَعَّمُونَ بِهَذا كُلِّهِ وبِحُورٍ عِينٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَطْفًا عَلى ﴿جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾، كَأنَّهُ قالَ: هم في جَنّاتٍ وفاكِهَةٍ ولَحْمٍ وحُورٍ. انْتَهى، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ وتَفْكِيكُ كَلامٍ مُرْتَبِطٍ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، وهو فَهْمٌ أعْجَمِيٌّ. وقَرَأ أُبَيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ: وحُورًا عِينًا بِنَصْبِهِما، قالُوا: عَلى مَعْنى ويُعْطَوْنَ هَذا كُلَّهُ وحُورًا عِينًا. وقَرَأ قَتادَةُ: وحُورُ عِينٍ بِالرَّفْعِ مُضافًا إلى عِينٍ؛ وابْنُ مِقْسَمٍ: بِالنَّصْبِ مُضافًا إلى عِينٍ؛ وعِكْرِمَةُ: وحَوْراءُ عَيْناءُ عَلى التَّوْحِيدِ اسْمُ جِنْسٍ، وبِفَتْحِ الهَمْزَةِ فِيهِما؛ فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَجْرُورًا عَطْفًا عَلى المَجْرُورِ السّابِقِ؛ واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا؛ كَقِراءَةِ أُبَيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ وحُورًا عِينًا. ووَصَفَ اللُّؤْلُؤَ بِالمَكْنُونِ، لِأنَّهُ أصْفى وأبْعَدُ مِنَ التَّغَيُّرِ. وفي الحَدِيثِ: «صَفاؤُهُنَّ كَصَفاءِ الدُّرِّ الَّذِي لا تَمَسُّهُ الأيْدِي» . وقالَ تَعالى: ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩]، وقالَ الشّاعِرُ، يَصِفُ امْرَأةً بِالصَّوْنِ وعَدَمِ الِابْتِذالِ، فَشَبَّهَها بِالدُّرَّةِ المَكْنُونَةِ في صَدَفَتِها فَقالَ: ؎قامَتْ تَراءى بَيْنَ سَجْفَيْ كِلَّةٍ ∗∗∗ كالشَّمْسِ يَوْمَ طُلُوعِها بِالأسْعُدِ ؎أوْ دُرَّةٍ صَدَفِيَّةٍ غَوّاصُها ∗∗∗ بَهِجٌ مَتى يَرَها يُهِلَّ ويَسْجُدِ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾: رُوِيَ أنَّ المَنازِلَ والقِسَمَ في الجَنَّةِ عَلى قَدْرِ الأعْمالِ، ونَفْسَ دُخُولِ الجَنَّةِ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وفَضْلِهِ لا بِعَمَلِ عامِلٍ، وفِيهِ النَّصُّ الصَّحِيحُ الصَّرِيحُ: «لا يَدْخُلُ أحَدٌ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ، قالُوا: ولا أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: ولا أنا إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي بِفَضْلٍ مِنهُ ورَحْمَةٍ "» . (لَغْوًا): سَقْطُ القَوْلِ وفُحْشُهُ، ﴿ولا تَأْثِيمًا﴾: ما يُؤْثِمُ أحَدًا والظّاهِرُ أنَّ ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، لِأنَّهُ لَمْ يَنْدَرِجْ في اللَّغْوِ ولا التَّأْثِيمِ، ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن قالَ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ. وسَلامًا، قالَ الزَّجّاجُ: هو مَصْدَرٌ نَصَبَهُ (قِيلًا)، أيْ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ﴿سَلامًا سَلامًا﴾ . وقِيلَ: نُصِبَ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، وهو مَعْمُولُ قِيلًا، أيْ قِيلًا اسْلَمُوا سَلامًا. وقِيلَ: (سَلامًا) بَدَلٌ مِن (قِيلًا) . وقِيلَ: نَعْتٌ لِقِيلًا بِالمَصْدَرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إلّا قِيلًا سالِمًا مِن هَذِهِ العُيُوبِ. ﴿فِي سِدْرٍ﴾: في الجَنَّةِ شَجَرٌ عَلى خَلْقِهِ، لَهُ ثَمَرٌ كَقِلالِ هَجَرَ طَيِّبُ الطَّعْمِ والرِّيحِ. ﴿مَخْضُودٍ﴾: عارٍ مِنَ الشَّوْكِ. وقالَ مُجاهِدٌ: المَخْضُودُ: المُوَقَّرُ الَّذِي تَثْنِي أغْصانَهُ كَثْرَةُ حَمْلِهِ، مِن خَضَدَ الغُصْنَ إذا أثْناهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وطَلْحٍ﴾ بِالحاءِ؛ وعَلِيٌّ وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وعَبْدُ اللَّهِ: بِالعَيْنِ، قَرَأها عَلى المِنبَرِ. وقالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وعَطاءٌ ومُجاهِدٌ: الطَّلْحُ: المَوْزُ. وقالَ الحَسَنُ: لَيْسَ بِالمَوْزِ، ولَكِنَّهُ شَجَرٌ ظِلُّهُ بارِدٌ رَطْبٌ. وقِيلَ: شَجَرُ أُمِّ غَيْلانَ، ولَهُ نُوّارٌ كَثِيرٌ طَيِّبُ الرّائِحَةِ. وقالَ السُّدِّيُّ: شَجَرٌ يُشْبِهُ طَلْحَ الدُّنْيا، ولَكِنْ لَهُ ثَمَرٌ أحْلى مِنَ العَسَلِ. والمَنضُودُ: الَّذِي نُضِّدَ مِن أسْفَلِهِ إلى أعْلاهُ، فَلَيْسَتْ لَهُ ساقٌ تَظْهَرُ. ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾: لا يَتَقَلَّصُ. بَلْ مُنْبَسِطٌ لا يَنْسَخُهُ شَيْءٌ. (p-٢٠٧)قالَ مُجاهِدٌ: هَذا الظِّلُّ مِن سِدْرِها وطَلْحِها. ﴿وماءٍ مَسْكُوبٍ﴾، قالَ سُفْيانُ وغَيْرُهُ: جارٍ في غَيْرِ أخادِيدَ. وقِيلَ: مُنْسابٌ لا يُتْعَبُ فِيهِ بِساقِيَةٍ ولا رِشاءٍ. ﴿لا مَقْطُوعَةٍ﴾: أيْ هي دائِمَةٌ لا تَنْقَطِعُ في بَعْضِ الأوْقاتِ، كَفاكِهَةِ الدُّنْيا، ﴿ولا مَمْنُوعَةٍ﴾: أيْ لا يُمْنَعُ مِن تَناوُلِها بِوَجْهٍ، ولا يُحْظَرُ عَلَيْها كالَّتِي في الدُّنْيا. وقُرِئَ: وفاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ بِرَفْعِهِما، أيْ وهُناكَ فاكِهَةٌ، وفُرُشٍ: جَمْعُ فِراشٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِضَمِّ الرّاءِ؛ وأبُو حَيْوَةَ: بِسُكُونِها مَرْفُوعَةً، نُضِّدَتْ حَتّى ارْتَفَعَتْ، أوْ رُفِعَتْ عَلى الأسِرَّةِ. والظّاهِرُ أنَّ الفِراشَ هو ما يُفْتَرَشُ لِلْجُلُوسِ عَلَيْهِ والنَّوْمِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: المُرادُ بِالفُرُشِ النِّساءُ، لِأنَّ المَرْأةَ يُكَنّى عَنْها بِالفِراشِ، ورَفَعَهُنَّ في الأقْدارِ والمَنازِلِ. والضَّمِيرُ في ﴿أنْشَأْناهُنَّ﴾ عائِدٌ عَلى الفُرُشِ في قَوْلِ أبِي عُبَيْدَةَ، إذْ هُنَّ النِّساءُ عِنْدَهُ، وعَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ الفُرُشُ إذا كانَ المُرادُ بِالفُرُشِ ظاهِرُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ المَلابِسِ الَّتِي تُفْرَشُ ويُضْطَجَعُ عَلَيْها، أيِ ابْتَدَأْنا خَلْقَهُنَّ ابْتِداءً جَدِيدًا مِن غَيْرِ وِلادَةٍ. والظّاهِرُ أنَّ الإنْشاءَ هو الِاخْتِراعُ الَّذِي لَمْ يُسْبَقْ بِخَلْقٍ، ويَكُونُ ذَلِكَ مَخْصُوصًا بِالحُورِ اللّاتِي لَسْنَ مِن نَسْلِ آدَمَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ إنْشاءَ الإعادَةِ فَيَكُونَ ذَلِكَ لِبَناتِ آدَمَ. ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا عُرُبًا﴾: والعَرِبُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: العَرُوبُ المُتَحَبِّبَةُ إلى زَوْجِها، وقالَهُ الحَسَنُ، وعَبَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا عَنْهُنَّ بِالعَواشِقِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: ؎وفِي الخُدُورِ عَرُوبٌ غَيْرُ فاحِشَةٍ ∗∗∗ رَيّا الرَّوادِفِ يُغْشى دُونَها البَصَرُ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: العَرُوبُ: المُحَسِّنَةُ لِلْكَلامِ. وقَرَأ حَمْزَةُ وناسٌ مِنهم شُجاعٌ وعَبّاسٌ والأصْمَعِيُّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو، وناسٌ مِنهم خارِجَةُ وكَرْدَمٌ وأبُو خُلَيْدٍ عَنْ نافِعٍ، وناسٌ مِنهم أبُو بَكْرٍ وحَمّادٌ وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: بِسُكُونِ الرّاءِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِضَمِّها. (أتْرابًا) في الشَّكْلِ والقَدِّ، وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿أنْشَأْناهُنَّ﴾ عائِدٌ عَلى الحُورِ العِينِ المَذْكُورَةِ قَبْلُ، لِأنَّ تِلْكَ قِصَّةٌ قَدِ انْقَطَعَتْ، وهي قِصَّةُ السّابِقِينَ، وهَذِهِ قِصَّةُ أصْحابِ اليَمِينِ. واللّامُ في (لِأصْحابِ) مُتَعَلِّقَةٌ بِأنْشَأْناهُنَّ. ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾: أيْ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ، ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾: أيْ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، ﷺ، ولا تَنافِيَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ وقَوْلِهِ قَبْلُ: ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِنَ الآخِرِينَ﴾ هو في السّابِقِينَ، وقَوْلَهُ ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ هو في أصْحابِ اليَمِينِ.

الواقعة 56:30

﴿إذا رُجَّتِ﴾ [الواقعة: ٤]، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: زُلْزِلَتْ وحُرِّكَتْ بِجَذْبٍ. وقالَ أيْضًا هو وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ: (بُسَّتِ): فُتِّتَتْ، وقِيلَ: سُيِّرَتْ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ﴿رُجَّتِ﴾ [الواقعة: ٤]، و(بَسَّتِ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، (و ﴿إذا رُجَّتِ﴾ [الواقعة: ٤]) بَدَلٌ مِن ﴿إذا وقَعَتِ﴾ [الواقعة: ١]، وجَوابُ الشَّرْطِ عِنْدِي مَلْفُوظٌ بِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾، والمَعْنى إذا كانَ كَذا وكَذا، فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أسْعَدَهم وما أعْظَمَ ما يُجازَوْنَ بِهِ، أيْ إنَّ سَعادَتَهم وعِظَمَ رُتْبَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَظْهَرُ في ذَلِكَ الوَقْتِ الشَّدِيدِ الصَّعْبِ عَلى العالَمِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِخافِضَةٍ رافِعَةٍ، أيْ تَخْفِضُ وتَرْفَعُ وقْتَ رَجِّ الأرْضِ وبَسِّ الجِبالِ، لِأنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ يَنْخَفِضُ ما هو مُرْتَفِعٌ ويَرْتَفِعُ ما هو مُنْخَفِضٌ. انْتَهى. ولا يَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِهِما مَعًا، بَلْ بِأحَدِهِما، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَجْتَمِعَ مُؤَثِّرانِ عَلى أثَرٍ واحِدٍ. وقالَ ابْنُ جِنِّي وأبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: ﴿إذا رُجَّتِ﴾ [الواقعة: ٤] في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الَّذِي هو ﴿إذا وقَعَتِ﴾ [الواقعة: ١]، ولَيْسَتْ واحِدَةٌ مِنهُما شُرْطِيَّةً، بَلْ جُعِلَتْ بِمَعْنى وقْتٍ، وما بَعْدَ إذا أحْوالٌ ثَلاثَةٌ، والمَعْنى: وقْتُ وُقُوعِ الواقِعَةِ صادِقَةَ الوُقُوعِ، خافِضَةَ قَوْمٍ، رافِعَةَ آخَرِينَ وقْتُ رَجِّ الأرْضِ. وهَكَذا ادَّعى ابْنُ مالِكٍ أنَّ إذا تَكُونُ مُبْتَدَأً، واسْتَدَلَّ بِهَذا. وقَدْ ذَكَرْنا في شَرْحِ التَّسْهِيلِ ما تَبْقى بِهِ إذا عَلى مَدْلُولِها مِنَ الشَّرْطِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ الهَباءِ في سُورَةِ الفُرْقانِ. ﴿مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: ٦]: مُنْتَشِرًا. مُنْبَتًّا بِنُقْطَتَيْنِ بَدَلَ الثّاءِ المُثَلَّثَةِ، قِراءَةُ الجُمْهُورِ، أيْ مُنْقَطِعًا. (وكُنْتُمْ): خِطابٌ لِلْعالَمِ، ﴿أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة: ٧]: أصْنافًا ثَلاثَةً، وهَذِهِ رُتَبٌ لِلنّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ. ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾، قالَ الحَسَنُ والرَّبِيعُ: هُمُ المَيامِينُ عَلى أنْفُسِهِمْ. وقِيلَ: الَّذِينَ يُؤْتَوْنَ صَحائِفَهم بِأيْمانِهِمْ. وقِيلَ: أصْحابُ المَنزِلَةِ السَّنِيَّةِ، كَما تَقُولُ: هو مِنِّي بِاليَمِينِ. وقِيلَ: المَأْخُوذُ بِهِمْ ذاتُ اليَمِينِ أوْ مَيْمَنَةُ آدَمَ المَذْكُورَةُ في حَدَثِ الإسْراءِ في الأسْوِدَةِ. ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ﴾: هم مَن قابَلَ أصْحابَ المَيْمَنَةِ في هَذِهِ الأقْوالِ، فَأصْحابُ مُبْتَدَأٌ، ما مُبْتَدَأٌ ثانٍ اسْتِفْهامٌ (p-٢٠٥)فِي مَعْنى التَّعْظِيمِ، وأصْحابُ المَيْمَنَةِ خَبَرٌ عَنْ ما، وما بَعْدَها خَبَرٌ عَنْ أصْحابٍ، ورَبَطَ الجُمْلَةَ بِالمُبْتَدَأِ تَكْرارُ المُبْتَدَأِ بِلَفْظِهِ، وأكْثَرُ ما يَكُونُ ذَلِكَ في مَوْضِعِ التَّهْوِيلِ والتَّعْظِيمِ، وما تَعَجُّبٌ مِن حالِ الفَرِيقَيْنِ في السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ هم. ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾: جَوَّزُوا أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وخَبَرًا، نَحْوَ قَوْلِهِمْ: أنْتَ أنْتَ، وقَوْلِهِ: أنا أبُو النَّجْمِ، وشِعْرِي شِعْرِي، أيِ الَّذِينَ انْتَهَوْا في السَّبْقِ، أيِ الطّاعاتِ، وبَرَعُوا فِيها وعُرِفَتْ حالُهم. وأنْ يَكُونَ السّابِقُونَ تَأْكِيدًا لَفْظِيًّا، والخَبَرُ فِيما بَعْدَ ذَلِكَ؛ وأنْ يَكُونَ السّابِقُونَ مُبْتَدَأً والخَبَرُ فِيما بَعْدَهُ، وتَقِفُ عَلى قَوْلِهِ: (والسّابِقُونَ)، وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقُ السَّبْقِ الأوَّلِ مُخالِفًا لِلسَّبْقِ الثّانِي. والسّابِقُونَ إلى الإيمانِ السّابِقُونَ إلى الجَنَّةِ، فَعَلى هَذا جَوَّزُوا أنْ يَكُونَ السّابِقُونَ خَبَرًا لِقَوْلِهِ: (والسّابِقُونَ)، وأنْ يَكُونَ صِفَةً والخَبَرُ فِيما بَعْدَهُ. والوَجْهُ الأوَّلُ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ يَعْنِي السّابِقُونَ خَبَرُ الِابْتِداءِ، يَعْنِي خَبَرَ والسّابِقُونَ، وهَذا كَما تَقُولُ: النّاسُ النّاسُ، وأنْتَ أنْتَ، وهَذا عَلى تَفْخِيمِ الأمْرِ وتَعْظِيمِهِ. انْتَهى. ويُرَجِّحُ هَذا القَوْلَ أنَّهُ ذَكَرَ أصْحابَ المَيْمَنَةِ مُتَعَجِّبًا مِنهم في سَعادَتِهِمْ، وأصْحابَ المَشْأمَةِ مُتَعَجِّبًا مِنهم في شَقاوَتِهِمْ، فَناسَبَ أنْ يَذْكُرَ السّابِقُونَ مُثْبِتًا حالَهم مُعَظِّمًا، وذَلِكَ بِالإخْبارِ أنَّهم نِهايَةٌ في العَظَمَةِ والسَّعادَةِ، والسّابِقُونَ عُمُومٌ في السَّبْقِ إلى أعْمالِ الطّاعاتِ، وإلى تَرْكِ المَعاصِي. وقالَ عُثْمانُ بْنُ أبِي سَوْدَةَ: السّابِقُونَ إلى المَساجِدِ. وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: هُمُ الَّذِينَ صَلَّوْا إلى القِبْلَتَيْنِ. وقالَ كَعْبٌ: هم أهْلُ القُرْآنِ. وفي الحَدِيثِ: «سُئِلَ عَنِ السّابِقِينَ فَقالَ: هُمُ الَّذِينَ إذا أُعْطُوا الحَقَّ قَبِلُوهُ، وإذا سُئِلُوهُ بَذَلُوهُ، وحَكَمُوا لِلنّاسِ بِحُكْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ» . (أُولَئِكَ): إشارَةٌ إلى السّابِقِينَ المُقَرَّبِينَ الَّذِينَ عَلَتْ مَنازِلُهم وقَرُبَتْ دَرَجاتُهم في الجَنَّةِ مِنَ العَرْشِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي جَنّاتِ﴾، جَمْعًا. وطَلْحَةُ: في جَنَّةِ مُفْرَدًا. وقَسَّمَ السّابِقِينَ المُقَرَّبِينَ إلى ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ . وقالَ الحَسَنُ: السّابِقُونَ مِنَ الأُمَمِ، والسّابِقُونَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ. وقالَتْ عائِشَةُ: الفِرْقَتانِ في كُلِّ أُمَّةِ نَبِيٍّ، في صَدْرِها ثُلَّةٌ، وفي آخِرِها قَلِيلٌ. وقِيلَ: هُما الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كانُوا في صَدْرِ الدُّنْيا، وفي آخِرِها أقَلَّ. وفي الحَدِيثِ: «الفِرْقَتانِ في أُمَّتِي، فَسابِقٌ في أوَّلِ الأُمَّةِ ثُلَّةٌ، وسابِقُ سائِرِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ قَلِيلٌ»، وارْتَفَعَ ثُلَّةٌ عَلى إضْمارِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿عَلى سُرُرٍ﴾ بِضَمِّ الرّاءِ؛ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو السَّمّالِ: بِفَتْحِها، وهي لُغَةٌ لِبَعْضِ بَنِي تَمِيمٍ وكَلْبٍ، يَفْتَحُونَ عَيْنَ فُعَلٍ جَمْعِ فَعِيلٍ المُضَعَّفِ، نَحْوَ سَرِيرٍ، وتَقَدَّمَ ذَلِكَ في والصّافّاتِ. ﴿مَوْضُونَةٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَرْمُولَةٌ بِالذَّهَبِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: مُشَبَّكَةٌ بِالدُّرِّ والياقُوتِ. ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها﴾: أيْ عَلى السُّرُرِ، ومُتَّكِئِينَ: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في ﴿عَلى سُرُرٍ﴾، (مُتَقابِلِينَ): يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، وُصِفُوا بِحُسْنِ العِشْرَةِ وتَهْذِيبِ الأخْلاقِ وصَفاءِ بَطائِنِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا. ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾: وُصِفُوا بِالخُلْدِ، وإنْ كانَ مَن في الجَنَّةِ مُخَلَّدًا، لِيَدُلَّ عَلى أنَّهم يَبْقَوْنَ دائِمًا في سِنِّ الوِلْدانِ، لا يَكْبُرُونَ ولا يَتَحَوَّلُونَ عَنْ شَكْلِ الوَصافَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَمُوتُونَ. وقالَ الفَرّاءُ: مُقَرَّطُونَ بِالخَلَداتِ، وهي ضُرُوبٌ مِنَ الأقْراطِ. ﴿وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾، قالَ: مِن خَمْرٍ سائِلَةٍ جارِيَةٍ مُعَيَّنَةٍ. ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾، قالَ الأكْثَرُونَ: لا يَلْحَقُ رُءُوسَهُمُ الصُّداعُ الَّذِي يَلْحَقُ مِن خَمْرِ الدُّنْيا. وقَرَأْتُ عَلى أُسْتاذِنا العَلّامَةِ أبِي جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى قَوْلَ عَلْقَمَةَ في صِفَةِ الخَمْرِ: ؎تَشْفِي الصُّداعَ ولا يُؤْذِيكَ صالِبُها ولا يُخالِطُها في الرَّأْسِ تَدْوِيمُ فَقالَ: هَذِهِ صِفَةُ أهْلِ الجَنَّةِ. وقِيلَ: لا يُفَرَّقُونَ عَنْها بِمَعْنى: لا تَقْطَعُ عَنْهم لَذَّتَهم بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ، كَما تُفَرِّقُ أهْلَ خَمْرِ الدُّنْيا بِأنْواعٍ مِنَ التَّفْرِيقِ، كَما جاءَ: فَتَصَدَّعَ السَّحابُ عَنِ المَدِينَةِ: أيْ فَتَفَرَّقَ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: لا يَصَّدَّعُونَ، بِفَتْحِ الياءِ وشَدِّ الصّادِ، أصْلُهُ يَتَصَدَّعُونَ، أدْغَمَ التّاءَ في الصّادِ: أيْ لا يَتَفَرَّقُونَ، كَقَوْلِهِ: (p-٢٠٦)﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣] . والجُمْهُورُ؛ بِضَمِّ الياءِ وخِفَّةِ الصّادِ؛ والجُمْهُورُ: بِجَرِّ (وفاكِهَةٍ)؛ ولَحْمٍ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِرَفْعِهِما، أيْ ولَهم. والجُمْهُورُ: ﴿ولا يُنْزِفُونَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وجُبَيْرٌ والضَّحّاكُ: لا تَذْهَبُ عُقُولُهم سُكْرًا؛ وابْنُ أبِي إسْحاقَ: بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ، نَزَفَ البِئْرَ: اسْتَفْرَغَ ماءَها، فالمَعْنى: لا تَفْرَغُ خَمْرُهم. وابْنُ أبِي إسْحاقَ أيْضًا وعَبْدُ اللَّهِ والسُّلَمِيُّ والجَحْدَرِيُّ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وعِيسى: بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ: أيْ لا يَفْنى لَهم شَرابٌ، ﴿مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾: يَأْخُذُونَ خَيْرَهُ وأفْضَلَهُ، ﴿مِمّا يَشْتَهُونَ﴾: أيْ يَتَمَنَّوْنَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ بِرَفْعِهِما؛ وخَرَّجَ عَلِيٌّ عَلى أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (وِلْدانٌ)، أوْ عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في (مُتَّكِئِينَ)، أوْ عَلى مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هو وخَبَرُهُ تَقْدِيرُهُ: لَهم هَذا كُلُّهُ، ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾، أوْ عَلى حَذْفِ خَبَرٍ فَقَطْ: أيْ ولَهم حُورٌ، أوْ فِيهِما حُورٌ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ والحَسَنُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ والمُفَضَّلُ وأبانُ وعِصْمَةُ والكِسائِيُّ: بِجَرِّهِما؛ والنَّخَعِيُّ: وحِيرٍ عِينٍ، بِقَلْبِ الواوِ ياءً وجَرِّهِما، والجَرُّ عَطْفٌ عَلى المَجْرُورِ، أيْ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ بِكَذا وكَذا وحُورٍ عِينٍ. وقِيلَ: هو عَلى مَعْنى: ويُنَعَّمُونَ بِهَذا كُلِّهِ وبِحُورٍ عِينٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَطْفًا عَلى ﴿جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾، كَأنَّهُ قالَ: هم في جَنّاتٍ وفاكِهَةٍ ولَحْمٍ وحُورٍ. انْتَهى، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ وتَفْكِيكُ كَلامٍ مُرْتَبِطٍ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، وهو فَهْمٌ أعْجَمِيٌّ. وقَرَأ أُبَيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ: وحُورًا عِينًا بِنَصْبِهِما، قالُوا: عَلى مَعْنى ويُعْطَوْنَ هَذا كُلَّهُ وحُورًا عِينًا. وقَرَأ قَتادَةُ: وحُورُ عِينٍ بِالرَّفْعِ مُضافًا إلى عِينٍ؛ وابْنُ مِقْسَمٍ: بِالنَّصْبِ مُضافًا إلى عِينٍ؛ وعِكْرِمَةُ: وحَوْراءُ عَيْناءُ عَلى التَّوْحِيدِ اسْمُ جِنْسٍ، وبِفَتْحِ الهَمْزَةِ فِيهِما؛ فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَجْرُورًا عَطْفًا عَلى المَجْرُورِ السّابِقِ؛ واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا؛ كَقِراءَةِ أُبَيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ وحُورًا عِينًا. ووَصَفَ اللُّؤْلُؤَ بِالمَكْنُونِ، لِأنَّهُ أصْفى وأبْعَدُ مِنَ التَّغَيُّرِ. وفي الحَدِيثِ: «صَفاؤُهُنَّ كَصَفاءِ الدُّرِّ الَّذِي لا تَمَسُّهُ الأيْدِي» . وقالَ تَعالى: ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩]، وقالَ الشّاعِرُ، يَصِفُ امْرَأةً بِالصَّوْنِ وعَدَمِ الِابْتِذالِ، فَشَبَّهَها بِالدُّرَّةِ المَكْنُونَةِ في صَدَفَتِها فَقالَ: ؎قامَتْ تَراءى بَيْنَ سَجْفَيْ كِلَّةٍ ∗∗∗ كالشَّمْسِ يَوْمَ طُلُوعِها بِالأسْعُدِ ؎أوْ دُرَّةٍ صَدَفِيَّةٍ غَوّاصُها ∗∗∗ بَهِجٌ مَتى يَرَها يُهِلَّ ويَسْجُدِ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾: رُوِيَ أنَّ المَنازِلَ والقِسَمَ في الجَنَّةِ عَلى قَدْرِ الأعْمالِ، ونَفْسَ دُخُولِ الجَنَّةِ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وفَضْلِهِ لا بِعَمَلِ عامِلٍ، وفِيهِ النَّصُّ الصَّحِيحُ الصَّرِيحُ: «لا يَدْخُلُ أحَدٌ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ، قالُوا: ولا أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: ولا أنا إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي بِفَضْلٍ مِنهُ ورَحْمَةٍ "» . (لَغْوًا): سَقْطُ القَوْلِ وفُحْشُهُ، ﴿ولا تَأْثِيمًا﴾: ما يُؤْثِمُ أحَدًا والظّاهِرُ أنَّ ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، لِأنَّهُ لَمْ يَنْدَرِجْ في اللَّغْوِ ولا التَّأْثِيمِ، ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن قالَ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ. وسَلامًا، قالَ الزَّجّاجُ: هو مَصْدَرٌ نَصَبَهُ (قِيلًا)، أيْ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ﴿سَلامًا سَلامًا﴾ . وقِيلَ: نُصِبَ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، وهو مَعْمُولُ قِيلًا، أيْ قِيلًا اسْلَمُوا سَلامًا. وقِيلَ: (سَلامًا) بَدَلٌ مِن (قِيلًا) . وقِيلَ: نَعْتٌ لِقِيلًا بِالمَصْدَرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إلّا قِيلًا سالِمًا مِن هَذِهِ العُيُوبِ. ﴿فِي سِدْرٍ﴾: في الجَنَّةِ شَجَرٌ عَلى خَلْقِهِ، لَهُ ثَمَرٌ كَقِلالِ هَجَرَ طَيِّبُ الطَّعْمِ والرِّيحِ. ﴿مَخْضُودٍ﴾: عارٍ مِنَ الشَّوْكِ. وقالَ مُجاهِدٌ: المَخْضُودُ: المُوَقَّرُ الَّذِي تَثْنِي أغْصانَهُ كَثْرَةُ حَمْلِهِ، مِن خَضَدَ الغُصْنَ إذا أثْناهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وطَلْحٍ﴾ بِالحاءِ؛ وعَلِيٌّ وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وعَبْدُ اللَّهِ: بِالعَيْنِ، قَرَأها عَلى المِنبَرِ. وقالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وعَطاءٌ ومُجاهِدٌ: الطَّلْحُ: المَوْزُ. وقالَ الحَسَنُ: لَيْسَ بِالمَوْزِ، ولَكِنَّهُ شَجَرٌ ظِلُّهُ بارِدٌ رَطْبٌ. وقِيلَ: شَجَرُ أُمِّ غَيْلانَ، ولَهُ نُوّارٌ كَثِيرٌ طَيِّبُ الرّائِحَةِ. وقالَ السُّدِّيُّ: شَجَرٌ يُشْبِهُ طَلْحَ الدُّنْيا، ولَكِنْ لَهُ ثَمَرٌ أحْلى مِنَ العَسَلِ. والمَنضُودُ: الَّذِي نُضِّدَ مِن أسْفَلِهِ إلى أعْلاهُ، فَلَيْسَتْ لَهُ ساقٌ تَظْهَرُ. ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾: لا يَتَقَلَّصُ. بَلْ مُنْبَسِطٌ لا يَنْسَخُهُ شَيْءٌ. (p-٢٠٧)قالَ مُجاهِدٌ: هَذا الظِّلُّ مِن سِدْرِها وطَلْحِها. ﴿وماءٍ مَسْكُوبٍ﴾، قالَ سُفْيانُ وغَيْرُهُ: جارٍ في غَيْرِ أخادِيدَ. وقِيلَ: مُنْسابٌ لا يُتْعَبُ فِيهِ بِساقِيَةٍ ولا رِشاءٍ. ﴿لا مَقْطُوعَةٍ﴾: أيْ هي دائِمَةٌ لا تَنْقَطِعُ في بَعْضِ الأوْقاتِ، كَفاكِهَةِ الدُّنْيا، ﴿ولا مَمْنُوعَةٍ﴾: أيْ لا يُمْنَعُ مِن تَناوُلِها بِوَجْهٍ، ولا يُحْظَرُ عَلَيْها كالَّتِي في الدُّنْيا. وقُرِئَ: وفاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ بِرَفْعِهِما، أيْ وهُناكَ فاكِهَةٌ، وفُرُشٍ: جَمْعُ فِراشٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِضَمِّ الرّاءِ؛ وأبُو حَيْوَةَ: بِسُكُونِها مَرْفُوعَةً، نُضِّدَتْ حَتّى ارْتَفَعَتْ، أوْ رُفِعَتْ عَلى الأسِرَّةِ. والظّاهِرُ أنَّ الفِراشَ هو ما يُفْتَرَشُ لِلْجُلُوسِ عَلَيْهِ والنَّوْمِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: المُرادُ بِالفُرُشِ النِّساءُ، لِأنَّ المَرْأةَ يُكَنّى عَنْها بِالفِراشِ، ورَفَعَهُنَّ في الأقْدارِ والمَنازِلِ. والضَّمِيرُ في ﴿أنْشَأْناهُنَّ﴾ عائِدٌ عَلى الفُرُشِ في قَوْلِ أبِي عُبَيْدَةَ، إذْ هُنَّ النِّساءُ عِنْدَهُ، وعَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ الفُرُشُ إذا كانَ المُرادُ بِالفُرُشِ ظاهِرُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ المَلابِسِ الَّتِي تُفْرَشُ ويُضْطَجَعُ عَلَيْها، أيِ ابْتَدَأْنا خَلْقَهُنَّ ابْتِداءً جَدِيدًا مِن غَيْرِ وِلادَةٍ. والظّاهِرُ أنَّ الإنْشاءَ هو الِاخْتِراعُ الَّذِي لَمْ يُسْبَقْ بِخَلْقٍ، ويَكُونُ ذَلِكَ مَخْصُوصًا بِالحُورِ اللّاتِي لَسْنَ مِن نَسْلِ آدَمَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ إنْشاءَ الإعادَةِ فَيَكُونَ ذَلِكَ لِبَناتِ آدَمَ. ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا عُرُبًا﴾: والعَرِبُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: العَرُوبُ المُتَحَبِّبَةُ إلى زَوْجِها، وقالَهُ الحَسَنُ، وعَبَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا عَنْهُنَّ بِالعَواشِقِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: ؎وفِي الخُدُورِ عَرُوبٌ غَيْرُ فاحِشَةٍ ∗∗∗ رَيّا الرَّوادِفِ يُغْشى دُونَها البَصَرُ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: العَرُوبُ: المُحَسِّنَةُ لِلْكَلامِ. وقَرَأ حَمْزَةُ وناسٌ مِنهم شُجاعٌ وعَبّاسٌ والأصْمَعِيُّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو، وناسٌ مِنهم خارِجَةُ وكَرْدَمٌ وأبُو خُلَيْدٍ عَنْ نافِعٍ، وناسٌ مِنهم أبُو بَكْرٍ وحَمّادٌ وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: بِسُكُونِ الرّاءِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِضَمِّها. (أتْرابًا) في الشَّكْلِ والقَدِّ، وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿أنْشَأْناهُنَّ﴾ عائِدٌ عَلى الحُورِ العِينِ المَذْكُورَةِ قَبْلُ، لِأنَّ تِلْكَ قِصَّةٌ قَدِ انْقَطَعَتْ، وهي قِصَّةُ السّابِقِينَ، وهَذِهِ قِصَّةُ أصْحابِ اليَمِينِ. واللّامُ في (لِأصْحابِ) مُتَعَلِّقَةٌ بِأنْشَأْناهُنَّ. ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾: أيْ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ، ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾: أيْ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، ﷺ، ولا تَنافِيَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ وقَوْلِهِ قَبْلُ: ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِنَ الآخِرِينَ﴾ هو في السّابِقِينَ، وقَوْلَهُ ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ هو في أصْحابِ اليَمِينِ.

الواقعة 56:31

﴿إذا رُجَّتِ﴾ [الواقعة: ٤]، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: زُلْزِلَتْ وحُرِّكَتْ بِجَذْبٍ. وقالَ أيْضًا هو وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ: (بُسَّتِ): فُتِّتَتْ، وقِيلَ: سُيِّرَتْ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ﴿رُجَّتِ﴾ [الواقعة: ٤]، و(بَسَّتِ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، (و ﴿إذا رُجَّتِ﴾ [الواقعة: ٤]) بَدَلٌ مِن ﴿إذا وقَعَتِ﴾ [الواقعة: ١]، وجَوابُ الشَّرْطِ عِنْدِي مَلْفُوظٌ بِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾، والمَعْنى إذا كانَ كَذا وكَذا، فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أسْعَدَهم وما أعْظَمَ ما يُجازَوْنَ بِهِ، أيْ إنَّ سَعادَتَهم وعِظَمَ رُتْبَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَظْهَرُ في ذَلِكَ الوَقْتِ الشَّدِيدِ الصَّعْبِ عَلى العالَمِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِخافِضَةٍ رافِعَةٍ، أيْ تَخْفِضُ وتَرْفَعُ وقْتَ رَجِّ الأرْضِ وبَسِّ الجِبالِ، لِأنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ يَنْخَفِضُ ما هو مُرْتَفِعٌ ويَرْتَفِعُ ما هو مُنْخَفِضٌ. انْتَهى. ولا يَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِهِما مَعًا، بَلْ بِأحَدِهِما، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَجْتَمِعَ مُؤَثِّرانِ عَلى أثَرٍ واحِدٍ. وقالَ ابْنُ جِنِّي وأبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: ﴿إذا رُجَّتِ﴾ [الواقعة: ٤] في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الَّذِي هو ﴿إذا وقَعَتِ﴾ [الواقعة: ١]، ولَيْسَتْ واحِدَةٌ مِنهُما شُرْطِيَّةً، بَلْ جُعِلَتْ بِمَعْنى وقْتٍ، وما بَعْدَ إذا أحْوالٌ ثَلاثَةٌ، والمَعْنى: وقْتُ وُقُوعِ الواقِعَةِ صادِقَةَ الوُقُوعِ، خافِضَةَ قَوْمٍ، رافِعَةَ آخَرِينَ وقْتُ رَجِّ الأرْضِ. وهَكَذا ادَّعى ابْنُ مالِكٍ أنَّ إذا تَكُونُ مُبْتَدَأً، واسْتَدَلَّ بِهَذا. وقَدْ ذَكَرْنا في شَرْحِ التَّسْهِيلِ ما تَبْقى بِهِ إذا عَلى مَدْلُولِها مِنَ الشَّرْطِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ الهَباءِ في سُورَةِ الفُرْقانِ. ﴿مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: ٦]: مُنْتَشِرًا. مُنْبَتًّا بِنُقْطَتَيْنِ بَدَلَ الثّاءِ المُثَلَّثَةِ، قِراءَةُ الجُمْهُورِ، أيْ مُنْقَطِعًا. (وكُنْتُمْ): خِطابٌ لِلْعالَمِ، ﴿أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة: ٧]: أصْنافًا ثَلاثَةً، وهَذِهِ رُتَبٌ لِلنّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ. ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾، قالَ الحَسَنُ والرَّبِيعُ: هُمُ المَيامِينُ عَلى أنْفُسِهِمْ. وقِيلَ: الَّذِينَ يُؤْتَوْنَ صَحائِفَهم بِأيْمانِهِمْ. وقِيلَ: أصْحابُ المَنزِلَةِ السَّنِيَّةِ، كَما تَقُولُ: هو مِنِّي بِاليَمِينِ. وقِيلَ: المَأْخُوذُ بِهِمْ ذاتُ اليَمِينِ أوْ مَيْمَنَةُ آدَمَ المَذْكُورَةُ في حَدَثِ الإسْراءِ في الأسْوِدَةِ. ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ﴾: هم مَن قابَلَ أصْحابَ المَيْمَنَةِ في هَذِهِ الأقْوالِ، فَأصْحابُ مُبْتَدَأٌ، ما مُبْتَدَأٌ ثانٍ اسْتِفْهامٌ (p-٢٠٥)فِي مَعْنى التَّعْظِيمِ، وأصْحابُ المَيْمَنَةِ خَبَرٌ عَنْ ما، وما بَعْدَها خَبَرٌ عَنْ أصْحابٍ، ورَبَطَ الجُمْلَةَ بِالمُبْتَدَأِ تَكْرارُ المُبْتَدَأِ بِلَفْظِهِ، وأكْثَرُ ما يَكُونُ ذَلِكَ في مَوْضِعِ التَّهْوِيلِ والتَّعْظِيمِ، وما تَعَجُّبٌ مِن حالِ الفَرِيقَيْنِ في السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ هم. ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾: جَوَّزُوا أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وخَبَرًا، نَحْوَ قَوْلِهِمْ: أنْتَ أنْتَ، وقَوْلِهِ: أنا أبُو النَّجْمِ، وشِعْرِي شِعْرِي، أيِ الَّذِينَ انْتَهَوْا في السَّبْقِ، أيِ الطّاعاتِ، وبَرَعُوا فِيها وعُرِفَتْ حالُهم. وأنْ يَكُونَ السّابِقُونَ تَأْكِيدًا لَفْظِيًّا، والخَبَرُ فِيما بَعْدَ ذَلِكَ؛ وأنْ يَكُونَ السّابِقُونَ مُبْتَدَأً والخَبَرُ فِيما بَعْدَهُ، وتَقِفُ عَلى قَوْلِهِ: (والسّابِقُونَ)، وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقُ السَّبْقِ الأوَّلِ مُخالِفًا لِلسَّبْقِ الثّانِي. والسّابِقُونَ إلى الإيمانِ السّابِقُونَ إلى الجَنَّةِ، فَعَلى هَذا جَوَّزُوا أنْ يَكُونَ السّابِقُونَ خَبَرًا لِقَوْلِهِ: (والسّابِقُونَ)، وأنْ يَكُونَ صِفَةً والخَبَرُ فِيما بَعْدَهُ. والوَجْهُ الأوَّلُ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ يَعْنِي السّابِقُونَ خَبَرُ الِابْتِداءِ، يَعْنِي خَبَرَ والسّابِقُونَ، وهَذا كَما تَقُولُ: النّاسُ النّاسُ، وأنْتَ أنْتَ، وهَذا عَلى تَفْخِيمِ الأمْرِ وتَعْظِيمِهِ. انْتَهى. ويُرَجِّحُ هَذا القَوْلَ أنَّهُ ذَكَرَ أصْحابَ المَيْمَنَةِ مُتَعَجِّبًا مِنهم في سَعادَتِهِمْ، وأصْحابَ المَشْأمَةِ مُتَعَجِّبًا مِنهم في شَقاوَتِهِمْ، فَناسَبَ أنْ يَذْكُرَ السّابِقُونَ مُثْبِتًا حالَهم مُعَظِّمًا، وذَلِكَ بِالإخْبارِ أنَّهم نِهايَةٌ في العَظَمَةِ والسَّعادَةِ، والسّابِقُونَ عُمُومٌ في السَّبْقِ إلى أعْمالِ الطّاعاتِ، وإلى تَرْكِ المَعاصِي. وقالَ عُثْمانُ بْنُ أبِي سَوْدَةَ: السّابِقُونَ إلى المَساجِدِ. وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: هُمُ الَّذِينَ صَلَّوْا إلى القِبْلَتَيْنِ. وقالَ كَعْبٌ: هم أهْلُ القُرْآنِ. وفي الحَدِيثِ: «سُئِلَ عَنِ السّابِقِينَ فَقالَ: هُمُ الَّذِينَ إذا أُعْطُوا الحَقَّ قَبِلُوهُ، وإذا سُئِلُوهُ بَذَلُوهُ، وحَكَمُوا لِلنّاسِ بِحُكْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ» . (أُولَئِكَ): إشارَةٌ إلى السّابِقِينَ المُقَرَّبِينَ الَّذِينَ عَلَتْ مَنازِلُهم وقَرُبَتْ دَرَجاتُهم في الجَنَّةِ مِنَ العَرْشِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي جَنّاتِ﴾، جَمْعًا. وطَلْحَةُ: في جَنَّةِ مُفْرَدًا. وقَسَّمَ السّابِقِينَ المُقَرَّبِينَ إلى ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ . وقالَ الحَسَنُ: السّابِقُونَ مِنَ الأُمَمِ، والسّابِقُونَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ. وقالَتْ عائِشَةُ: الفِرْقَتانِ في كُلِّ أُمَّةِ نَبِيٍّ، في صَدْرِها ثُلَّةٌ، وفي آخِرِها قَلِيلٌ. وقِيلَ: هُما الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كانُوا في صَدْرِ الدُّنْيا، وفي آخِرِها أقَلَّ. وفي الحَدِيثِ: «الفِرْقَتانِ في أُمَّتِي، فَسابِقٌ في أوَّلِ الأُمَّةِ ثُلَّةٌ، وسابِقُ سائِرِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ قَلِيلٌ»، وارْتَفَعَ ثُلَّةٌ عَلى إضْمارِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿عَلى سُرُرٍ﴾ بِضَمِّ الرّاءِ؛ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو السَّمّالِ: بِفَتْحِها، وهي لُغَةٌ لِبَعْضِ بَنِي تَمِيمٍ وكَلْبٍ، يَفْتَحُونَ عَيْنَ فُعَلٍ جَمْعِ فَعِيلٍ المُضَعَّفِ، نَحْوَ سَرِيرٍ، وتَقَدَّمَ ذَلِكَ في والصّافّاتِ. ﴿مَوْضُونَةٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَرْمُولَةٌ بِالذَّهَبِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: مُشَبَّكَةٌ بِالدُّرِّ والياقُوتِ. ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها﴾: أيْ عَلى السُّرُرِ، ومُتَّكِئِينَ: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في ﴿عَلى سُرُرٍ﴾، (مُتَقابِلِينَ): يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، وُصِفُوا بِحُسْنِ العِشْرَةِ وتَهْذِيبِ الأخْلاقِ وصَفاءِ بَطائِنِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا. ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾: وُصِفُوا بِالخُلْدِ، وإنْ كانَ مَن في الجَنَّةِ مُخَلَّدًا، لِيَدُلَّ عَلى أنَّهم يَبْقَوْنَ دائِمًا في سِنِّ الوِلْدانِ، لا يَكْبُرُونَ ولا يَتَحَوَّلُونَ عَنْ شَكْلِ الوَصافَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَمُوتُونَ. وقالَ الفَرّاءُ: مُقَرَّطُونَ بِالخَلَداتِ، وهي ضُرُوبٌ مِنَ الأقْراطِ. ﴿وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾، قالَ: مِن خَمْرٍ سائِلَةٍ جارِيَةٍ مُعَيَّنَةٍ. ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾، قالَ الأكْثَرُونَ: لا يَلْحَقُ رُءُوسَهُمُ الصُّداعُ الَّذِي يَلْحَقُ مِن خَمْرِ الدُّنْيا. وقَرَأْتُ عَلى أُسْتاذِنا العَلّامَةِ أبِي جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى قَوْلَ عَلْقَمَةَ في صِفَةِ الخَمْرِ: ؎تَشْفِي الصُّداعَ ولا يُؤْذِيكَ صالِبُها ولا يُخالِطُها في الرَّأْسِ تَدْوِيمُ فَقالَ: هَذِهِ صِفَةُ أهْلِ الجَنَّةِ. وقِيلَ: لا يُفَرَّقُونَ عَنْها بِمَعْنى: لا تَقْطَعُ عَنْهم لَذَّتَهم بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ، كَما تُفَرِّقُ أهْلَ خَمْرِ الدُّنْيا بِأنْواعٍ مِنَ التَّفْرِيقِ، كَما جاءَ: فَتَصَدَّعَ السَّحابُ عَنِ المَدِينَةِ: أيْ فَتَفَرَّقَ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: لا يَصَّدَّعُونَ، بِفَتْحِ الياءِ وشَدِّ الصّادِ، أصْلُهُ يَتَصَدَّعُونَ، أدْغَمَ التّاءَ في الصّادِ: أيْ لا يَتَفَرَّقُونَ، كَقَوْلِهِ: (p-٢٠٦)﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣] . والجُمْهُورُ؛ بِضَمِّ الياءِ وخِفَّةِ الصّادِ؛ والجُمْهُورُ: بِجَرِّ (وفاكِهَةٍ)؛ ولَحْمٍ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِرَفْعِهِما، أيْ ولَهم. والجُمْهُورُ: ﴿ولا يُنْزِفُونَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وجُبَيْرٌ والضَّحّاكُ: لا تَذْهَبُ عُقُولُهم سُكْرًا؛ وابْنُ أبِي إسْحاقَ: بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ، نَزَفَ البِئْرَ: اسْتَفْرَغَ ماءَها، فالمَعْنى: لا تَفْرَغُ خَمْرُهم. وابْنُ أبِي إسْحاقَ أيْضًا وعَبْدُ اللَّهِ والسُّلَمِيُّ والجَحْدَرِيُّ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وعِيسى: بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ: أيْ لا يَفْنى لَهم شَرابٌ، ﴿مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾: يَأْخُذُونَ خَيْرَهُ وأفْضَلَهُ، ﴿مِمّا يَشْتَهُونَ﴾: أيْ يَتَمَنَّوْنَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ بِرَفْعِهِما؛ وخَرَّجَ عَلِيٌّ عَلى أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (وِلْدانٌ)، أوْ عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في (مُتَّكِئِينَ)، أوْ عَلى مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هو وخَبَرُهُ تَقْدِيرُهُ: لَهم هَذا كُلُّهُ، ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾، أوْ عَلى حَذْفِ خَبَرٍ فَقَطْ: أيْ ولَهم حُورٌ، أوْ فِيهِما حُورٌ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ والحَسَنُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ والمُفَضَّلُ وأبانُ وعِصْمَةُ والكِسائِيُّ: بِجَرِّهِما؛ والنَّخَعِيُّ: وحِيرٍ عِينٍ، بِقَلْبِ الواوِ ياءً وجَرِّهِما، والجَرُّ عَطْفٌ عَلى المَجْرُورِ، أيْ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ بِكَذا وكَذا وحُورٍ عِينٍ. وقِيلَ: هو عَلى مَعْنى: ويُنَعَّمُونَ بِهَذا كُلِّهِ وبِحُورٍ عِينٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَطْفًا عَلى ﴿جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾، كَأنَّهُ قالَ: هم في جَنّاتٍ وفاكِهَةٍ ولَحْمٍ وحُورٍ. انْتَهى، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ وتَفْكِيكُ كَلامٍ مُرْتَبِطٍ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، وهو فَهْمٌ أعْجَمِيٌّ. وقَرَأ أُبَيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ: وحُورًا عِينًا بِنَصْبِهِما، قالُوا: عَلى مَعْنى ويُعْطَوْنَ هَذا كُلَّهُ وحُورًا عِينًا. وقَرَأ قَتادَةُ: وحُورُ عِينٍ بِالرَّفْعِ مُضافًا إلى عِينٍ؛ وابْنُ مِقْسَمٍ: بِالنَّصْبِ مُضافًا إلى عِينٍ؛ وعِكْرِمَةُ: وحَوْراءُ عَيْناءُ عَلى التَّوْحِيدِ اسْمُ جِنْسٍ، وبِفَتْحِ الهَمْزَةِ فِيهِما؛ فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَجْرُورًا عَطْفًا عَلى المَجْرُورِ السّابِقِ؛ واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا؛ كَقِراءَةِ أُبَيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ وحُورًا عِينًا. ووَصَفَ اللُّؤْلُؤَ بِالمَكْنُونِ، لِأنَّهُ أصْفى وأبْعَدُ مِنَ التَّغَيُّرِ. وفي الحَدِيثِ: «صَفاؤُهُنَّ كَصَفاءِ الدُّرِّ الَّذِي لا تَمَسُّهُ الأيْدِي» . وقالَ تَعالى: ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩]، وقالَ الشّاعِرُ، يَصِفُ امْرَأةً بِالصَّوْنِ وعَدَمِ الِابْتِذالِ، فَشَبَّهَها بِالدُّرَّةِ المَكْنُونَةِ في صَدَفَتِها فَقالَ: ؎قامَتْ تَراءى بَيْنَ سَجْفَيْ كِلَّةٍ ∗∗∗ كالشَّمْسِ يَوْمَ طُلُوعِها بِالأسْعُدِ ؎أوْ دُرَّةٍ صَدَفِيَّةٍ غَوّاصُها ∗∗∗ بَهِجٌ مَتى يَرَها يُهِلَّ ويَسْجُدِ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾: رُوِيَ أنَّ المَنازِلَ والقِسَمَ في الجَنَّةِ عَلى قَدْرِ الأعْمالِ، ونَفْسَ دُخُولِ الجَنَّةِ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وفَضْلِهِ لا بِعَمَلِ عامِلٍ، وفِيهِ النَّصُّ الصَّحِيحُ الصَّرِيحُ: «لا يَدْخُلُ أحَدٌ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ، قالُوا: ولا أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: ولا أنا إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي بِفَضْلٍ مِنهُ ورَحْمَةٍ "» . (لَغْوًا): سَقْطُ القَوْلِ وفُحْشُهُ، ﴿ولا تَأْثِيمًا﴾: ما يُؤْثِمُ أحَدًا والظّاهِرُ أنَّ ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، لِأنَّهُ لَمْ يَنْدَرِجْ في اللَّغْوِ ولا التَّأْثِيمِ، ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن قالَ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ. وسَلامًا، قالَ الزَّجّاجُ: هو مَصْدَرٌ نَصَبَهُ (قِيلًا)، أيْ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ﴿سَلامًا سَلامًا﴾ . وقِيلَ: نُصِبَ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، وهو مَعْمُولُ قِيلًا، أيْ قِيلًا اسْلَمُوا سَلامًا. وقِيلَ: (سَلامًا) بَدَلٌ مِن (قِيلًا) . وقِيلَ: نَعْتٌ لِقِيلًا بِالمَصْدَرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إلّا قِيلًا سالِمًا مِن هَذِهِ العُيُوبِ. ﴿فِي سِدْرٍ﴾: في الجَنَّةِ شَجَرٌ عَلى خَلْقِهِ، لَهُ ثَمَرٌ كَقِلالِ هَجَرَ طَيِّبُ الطَّعْمِ والرِّيحِ. ﴿مَخْضُودٍ﴾: عارٍ مِنَ الشَّوْكِ. وقالَ مُجاهِدٌ: المَخْضُودُ: المُوَقَّرُ الَّذِي تَثْنِي أغْصانَهُ كَثْرَةُ حَمْلِهِ، مِن خَضَدَ الغُصْنَ إذا أثْناهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وطَلْحٍ﴾ بِالحاءِ؛ وعَلِيٌّ وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وعَبْدُ اللَّهِ: بِالعَيْنِ، قَرَأها عَلى المِنبَرِ. وقالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وعَطاءٌ ومُجاهِدٌ: الطَّلْحُ: المَوْزُ. وقالَ الحَسَنُ: لَيْسَ بِالمَوْزِ، ولَكِنَّهُ شَجَرٌ ظِلُّهُ بارِدٌ رَطْبٌ. وقِيلَ: شَجَرُ أُمِّ غَيْلانَ، ولَهُ نُوّارٌ كَثِيرٌ طَيِّبُ الرّائِحَةِ. وقالَ السُّدِّيُّ: شَجَرٌ يُشْبِهُ طَلْحَ الدُّنْيا، ولَكِنْ لَهُ ثَمَرٌ أحْلى مِنَ العَسَلِ. والمَنضُودُ: الَّذِي نُضِّدَ مِن أسْفَلِهِ إلى أعْلاهُ، فَلَيْسَتْ لَهُ ساقٌ تَظْهَرُ. ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾: لا يَتَقَلَّصُ. بَلْ مُنْبَسِطٌ لا يَنْسَخُهُ شَيْءٌ. (p-٢٠٧)قالَ مُجاهِدٌ: هَذا الظِّلُّ مِن سِدْرِها وطَلْحِها. ﴿وماءٍ مَسْكُوبٍ﴾، قالَ سُفْيانُ وغَيْرُهُ: جارٍ في غَيْرِ أخادِيدَ. وقِيلَ: مُنْسابٌ لا يُتْعَبُ فِيهِ بِساقِيَةٍ ولا رِشاءٍ. ﴿لا مَقْطُوعَةٍ﴾: أيْ هي دائِمَةٌ لا تَنْقَطِعُ في بَعْضِ الأوْقاتِ، كَفاكِهَةِ الدُّنْيا، ﴿ولا مَمْنُوعَةٍ﴾: أيْ لا يُمْنَعُ مِن تَناوُلِها بِوَجْهٍ، ولا يُحْظَرُ عَلَيْها كالَّتِي في الدُّنْيا. وقُرِئَ: وفاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ بِرَفْعِهِما، أيْ وهُناكَ فاكِهَةٌ، وفُرُشٍ: جَمْعُ فِراشٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِضَمِّ الرّاءِ؛ وأبُو حَيْوَةَ: بِسُكُونِها مَرْفُوعَةً، نُضِّدَتْ حَتّى ارْتَفَعَتْ، أوْ رُفِعَتْ عَلى الأسِرَّةِ. والظّاهِرُ أنَّ الفِراشَ هو ما يُفْتَرَشُ لِلْجُلُوسِ عَلَيْهِ والنَّوْمِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: المُرادُ بِالفُرُشِ النِّساءُ، لِأنَّ المَرْأةَ يُكَنّى عَنْها بِالفِراشِ، ورَفَعَهُنَّ في الأقْدارِ والمَنازِلِ. والضَّمِيرُ في ﴿أنْشَأْناهُنَّ﴾ عائِدٌ عَلى الفُرُشِ في قَوْلِ أبِي عُبَيْدَةَ، إذْ هُنَّ النِّساءُ عِنْدَهُ، وعَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ الفُرُشُ إذا كانَ المُرادُ بِالفُرُشِ ظاهِرُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ المَلابِسِ الَّتِي تُفْرَشُ ويُضْطَجَعُ عَلَيْها، أيِ ابْتَدَأْنا خَلْقَهُنَّ ابْتِداءً جَدِيدًا مِن غَيْرِ وِلادَةٍ. والظّاهِرُ أنَّ الإنْشاءَ هو الِاخْتِراعُ الَّذِي لَمْ يُسْبَقْ بِخَلْقٍ، ويَكُونُ ذَلِكَ مَخْصُوصًا بِالحُورِ اللّاتِي لَسْنَ مِن نَسْلِ آدَمَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ إنْشاءَ الإعادَةِ فَيَكُونَ ذَلِكَ لِبَناتِ آدَمَ. ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا عُرُبًا﴾: والعَرِبُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: العَرُوبُ المُتَحَبِّبَةُ إلى زَوْجِها، وقالَهُ الحَسَنُ، وعَبَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا عَنْهُنَّ بِالعَواشِقِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: ؎وفِي الخُدُورِ عَرُوبٌ غَيْرُ فاحِشَةٍ ∗∗∗ رَيّا الرَّوادِفِ يُغْشى دُونَها البَصَرُ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: العَرُوبُ: المُحَسِّنَةُ لِلْكَلامِ. وقَرَأ حَمْزَةُ وناسٌ مِنهم شُجاعٌ وعَبّاسٌ والأصْمَعِيُّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو، وناسٌ مِنهم خارِجَةُ وكَرْدَمٌ وأبُو خُلَيْدٍ عَنْ نافِعٍ، وناسٌ مِنهم أبُو بَكْرٍ وحَمّادٌ وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: بِسُكُونِ الرّاءِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِضَمِّها. (أتْرابًا) في الشَّكْلِ والقَدِّ، وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿أنْشَأْناهُنَّ﴾ عائِدٌ عَلى الحُورِ العِينِ المَذْكُورَةِ قَبْلُ، لِأنَّ تِلْكَ قِصَّةٌ قَدِ انْقَطَعَتْ، وهي قِصَّةُ السّابِقِينَ، وهَذِهِ قِصَّةُ أصْحابِ اليَمِينِ. واللّامُ في (لِأصْحابِ) مُتَعَلِّقَةٌ بِأنْشَأْناهُنَّ. ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾: أيْ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ، ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾: أيْ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، ﷺ، ولا تَنافِيَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ وقَوْلِهِ قَبْلُ: ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِنَ الآخِرِينَ﴾ هو في السّابِقِينَ، وقَوْلَهُ ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ هو في أصْحابِ اليَمِينِ.

الواقعة 56:32

﴿إذا رُجَّتِ﴾ [الواقعة: ٤]، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: زُلْزِلَتْ وحُرِّكَتْ بِجَذْبٍ. وقالَ أيْضًا هو وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ: (بُسَّتِ): فُتِّتَتْ، وقِيلَ: سُيِّرَتْ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ﴿رُجَّتِ﴾ [الواقعة: ٤]، و(بَسَّتِ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، (و ﴿إذا رُجَّتِ﴾ [الواقعة: ٤]) بَدَلٌ مِن ﴿إذا وقَعَتِ﴾ [الواقعة: ١]، وجَوابُ الشَّرْطِ عِنْدِي مَلْفُوظٌ بِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾، والمَعْنى إذا كانَ كَذا وكَذا، فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أسْعَدَهم وما أعْظَمَ ما يُجازَوْنَ بِهِ، أيْ إنَّ سَعادَتَهم وعِظَمَ رُتْبَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَظْهَرُ في ذَلِكَ الوَقْتِ الشَّدِيدِ الصَّعْبِ عَلى العالَمِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِخافِضَةٍ رافِعَةٍ، أيْ تَخْفِضُ وتَرْفَعُ وقْتَ رَجِّ الأرْضِ وبَسِّ الجِبالِ، لِأنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ يَنْخَفِضُ ما هو مُرْتَفِعٌ ويَرْتَفِعُ ما هو مُنْخَفِضٌ. انْتَهى. ولا يَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِهِما مَعًا، بَلْ بِأحَدِهِما، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَجْتَمِعَ مُؤَثِّرانِ عَلى أثَرٍ واحِدٍ. وقالَ ابْنُ جِنِّي وأبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: ﴿إذا رُجَّتِ﴾ [الواقعة: ٤] في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الَّذِي هو ﴿إذا وقَعَتِ﴾ [الواقعة: ١]، ولَيْسَتْ واحِدَةٌ مِنهُما شُرْطِيَّةً، بَلْ جُعِلَتْ بِمَعْنى وقْتٍ، وما بَعْدَ إذا أحْوالٌ ثَلاثَةٌ، والمَعْنى: وقْتُ وُقُوعِ الواقِعَةِ صادِقَةَ الوُقُوعِ، خافِضَةَ قَوْمٍ، رافِعَةَ آخَرِينَ وقْتُ رَجِّ الأرْضِ. وهَكَذا ادَّعى ابْنُ مالِكٍ أنَّ إذا تَكُونُ مُبْتَدَأً، واسْتَدَلَّ بِهَذا. وقَدْ ذَكَرْنا في شَرْحِ التَّسْهِيلِ ما تَبْقى بِهِ إذا عَلى مَدْلُولِها مِنَ الشَّرْطِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ الهَباءِ في سُورَةِ الفُرْقانِ. ﴿مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: ٦]: مُنْتَشِرًا. مُنْبَتًّا بِنُقْطَتَيْنِ بَدَلَ الثّاءِ المُثَلَّثَةِ، قِراءَةُ الجُمْهُورِ، أيْ مُنْقَطِعًا. (وكُنْتُمْ): خِطابٌ لِلْعالَمِ، ﴿أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة: ٧]: أصْنافًا ثَلاثَةً، وهَذِهِ رُتَبٌ لِلنّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ. ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾، قالَ الحَسَنُ والرَّبِيعُ: هُمُ المَيامِينُ عَلى أنْفُسِهِمْ. وقِيلَ: الَّذِينَ يُؤْتَوْنَ صَحائِفَهم بِأيْمانِهِمْ. وقِيلَ: أصْحابُ المَنزِلَةِ السَّنِيَّةِ، كَما تَقُولُ: هو مِنِّي بِاليَمِينِ. وقِيلَ: المَأْخُوذُ بِهِمْ ذاتُ اليَمِينِ أوْ مَيْمَنَةُ آدَمَ المَذْكُورَةُ في حَدَثِ الإسْراءِ في الأسْوِدَةِ. ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ﴾: هم مَن قابَلَ أصْحابَ المَيْمَنَةِ في هَذِهِ الأقْوالِ، فَأصْحابُ مُبْتَدَأٌ، ما مُبْتَدَأٌ ثانٍ اسْتِفْهامٌ (p-٢٠٥)فِي مَعْنى التَّعْظِيمِ، وأصْحابُ المَيْمَنَةِ خَبَرٌ عَنْ ما، وما بَعْدَها خَبَرٌ عَنْ أصْحابٍ، ورَبَطَ الجُمْلَةَ بِالمُبْتَدَأِ تَكْرارُ المُبْتَدَأِ بِلَفْظِهِ، وأكْثَرُ ما يَكُونُ ذَلِكَ في مَوْضِعِ التَّهْوِيلِ والتَّعْظِيمِ، وما تَعَجُّبٌ مِن حالِ الفَرِيقَيْنِ في السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ هم. ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾: جَوَّزُوا أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وخَبَرًا، نَحْوَ قَوْلِهِمْ: أنْتَ أنْتَ، وقَوْلِهِ: أنا أبُو النَّجْمِ، وشِعْرِي شِعْرِي، أيِ الَّذِينَ انْتَهَوْا في السَّبْقِ، أيِ الطّاعاتِ، وبَرَعُوا فِيها وعُرِفَتْ حالُهم. وأنْ يَكُونَ السّابِقُونَ تَأْكِيدًا لَفْظِيًّا، والخَبَرُ فِيما بَعْدَ ذَلِكَ؛ وأنْ يَكُونَ السّابِقُونَ مُبْتَدَأً والخَبَرُ فِيما بَعْدَهُ، وتَقِفُ عَلى قَوْلِهِ: (والسّابِقُونَ)، وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقُ السَّبْقِ الأوَّلِ مُخالِفًا لِلسَّبْقِ الثّانِي. والسّابِقُونَ إلى الإيمانِ السّابِقُونَ إلى الجَنَّةِ، فَعَلى هَذا جَوَّزُوا أنْ يَكُونَ السّابِقُونَ خَبَرًا لِقَوْلِهِ: (والسّابِقُونَ)، وأنْ يَكُونَ صِفَةً والخَبَرُ فِيما بَعْدَهُ. والوَجْهُ الأوَّلُ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ يَعْنِي السّابِقُونَ خَبَرُ الِابْتِداءِ، يَعْنِي خَبَرَ والسّابِقُونَ، وهَذا كَما تَقُولُ: النّاسُ النّاسُ، وأنْتَ أنْتَ، وهَذا عَلى تَفْخِيمِ الأمْرِ وتَعْظِيمِهِ. انْتَهى. ويُرَجِّحُ هَذا القَوْلَ أنَّهُ ذَكَرَ أصْحابَ المَيْمَنَةِ مُتَعَجِّبًا مِنهم في سَعادَتِهِمْ، وأصْحابَ المَشْأمَةِ مُتَعَجِّبًا مِنهم في شَقاوَتِهِمْ، فَناسَبَ أنْ يَذْكُرَ السّابِقُونَ مُثْبِتًا حالَهم مُعَظِّمًا، وذَلِكَ بِالإخْبارِ أنَّهم نِهايَةٌ في العَظَمَةِ والسَّعادَةِ، والسّابِقُونَ عُمُومٌ في السَّبْقِ إلى أعْمالِ الطّاعاتِ، وإلى تَرْكِ المَعاصِي. وقالَ عُثْمانُ بْنُ أبِي سَوْدَةَ: السّابِقُونَ إلى المَساجِدِ. وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: هُمُ الَّذِينَ صَلَّوْا إلى القِبْلَتَيْنِ. وقالَ كَعْبٌ: هم أهْلُ القُرْآنِ. وفي الحَدِيثِ: «سُئِلَ عَنِ السّابِقِينَ فَقالَ: هُمُ الَّذِينَ إذا أُعْطُوا الحَقَّ قَبِلُوهُ، وإذا سُئِلُوهُ بَذَلُوهُ، وحَكَمُوا لِلنّاسِ بِحُكْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ» . (أُولَئِكَ): إشارَةٌ إلى السّابِقِينَ المُقَرَّبِينَ الَّذِينَ عَلَتْ مَنازِلُهم وقَرُبَتْ دَرَجاتُهم في الجَنَّةِ مِنَ العَرْشِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي جَنّاتِ﴾، جَمْعًا. وطَلْحَةُ: في جَنَّةِ مُفْرَدًا. وقَسَّمَ السّابِقِينَ المُقَرَّبِينَ إلى ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ . وقالَ الحَسَنُ: السّابِقُونَ مِنَ الأُمَمِ، والسّابِقُونَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ. وقالَتْ عائِشَةُ: الفِرْقَتانِ في كُلِّ أُمَّةِ نَبِيٍّ، في صَدْرِها ثُلَّةٌ، وفي آخِرِها قَلِيلٌ. وقِيلَ: هُما الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كانُوا في صَدْرِ الدُّنْيا، وفي آخِرِها أقَلَّ. وفي الحَدِيثِ: «الفِرْقَتانِ في أُمَّتِي، فَسابِقٌ في أوَّلِ الأُمَّةِ ثُلَّةٌ، وسابِقُ سائِرِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ قَلِيلٌ»، وارْتَفَعَ ثُلَّةٌ عَلى إضْمارِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿عَلى سُرُرٍ﴾ بِضَمِّ الرّاءِ؛ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو السَّمّالِ: بِفَتْحِها، وهي لُغَةٌ لِبَعْضِ بَنِي تَمِيمٍ وكَلْبٍ، يَفْتَحُونَ عَيْنَ فُعَلٍ جَمْعِ فَعِيلٍ المُضَعَّفِ، نَحْوَ سَرِيرٍ، وتَقَدَّمَ ذَلِكَ في والصّافّاتِ. ﴿مَوْضُونَةٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَرْمُولَةٌ بِالذَّهَبِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: مُشَبَّكَةٌ بِالدُّرِّ والياقُوتِ. ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها﴾: أيْ عَلى السُّرُرِ، ومُتَّكِئِينَ: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في ﴿عَلى سُرُرٍ﴾، (مُتَقابِلِينَ): يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، وُصِفُوا بِحُسْنِ العِشْرَةِ وتَهْذِيبِ الأخْلاقِ وصَفاءِ بَطائِنِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا. ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾: وُصِفُوا بِالخُلْدِ، وإنْ كانَ مَن في الجَنَّةِ مُخَلَّدًا، لِيَدُلَّ عَلى أنَّهم يَبْقَوْنَ دائِمًا في سِنِّ الوِلْدانِ، لا يَكْبُرُونَ ولا يَتَحَوَّلُونَ عَنْ شَكْلِ الوَصافَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَمُوتُونَ. وقالَ الفَرّاءُ: مُقَرَّطُونَ بِالخَلَداتِ، وهي ضُرُوبٌ مِنَ الأقْراطِ. ﴿وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾، قالَ: مِن خَمْرٍ سائِلَةٍ جارِيَةٍ مُعَيَّنَةٍ. ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾، قالَ الأكْثَرُونَ: لا يَلْحَقُ رُءُوسَهُمُ الصُّداعُ الَّذِي يَلْحَقُ مِن خَمْرِ الدُّنْيا. وقَرَأْتُ عَلى أُسْتاذِنا العَلّامَةِ أبِي جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى قَوْلَ عَلْقَمَةَ في صِفَةِ الخَمْرِ: ؎تَشْفِي الصُّداعَ ولا يُؤْذِيكَ صالِبُها ولا يُخالِطُها في الرَّأْسِ تَدْوِيمُ فَقالَ: هَذِهِ صِفَةُ أهْلِ الجَنَّةِ. وقِيلَ: لا يُفَرَّقُونَ عَنْها بِمَعْنى: لا تَقْطَعُ عَنْهم لَذَّتَهم بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ، كَما تُفَرِّقُ أهْلَ خَمْرِ الدُّنْيا بِأنْواعٍ مِنَ التَّفْرِيقِ، كَما جاءَ: فَتَصَدَّعَ السَّحابُ عَنِ المَدِينَةِ: أيْ فَتَفَرَّقَ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: لا يَصَّدَّعُونَ، بِفَتْحِ الياءِ وشَدِّ الصّادِ، أصْلُهُ يَتَصَدَّعُونَ، أدْغَمَ التّاءَ في الصّادِ: أيْ لا يَتَفَرَّقُونَ، كَقَوْلِهِ: (p-٢٠٦)﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣] . والجُمْهُورُ؛ بِضَمِّ الياءِ وخِفَّةِ الصّادِ؛ والجُمْهُورُ: بِجَرِّ (وفاكِهَةٍ)؛ ولَحْمٍ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِرَفْعِهِما، أيْ ولَهم. والجُمْهُورُ: ﴿ولا يُنْزِفُونَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وجُبَيْرٌ والضَّحّاكُ: لا تَذْهَبُ عُقُولُهم سُكْرًا؛ وابْنُ أبِي إسْحاقَ: بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ، نَزَفَ البِئْرَ: اسْتَفْرَغَ ماءَها، فالمَعْنى: لا تَفْرَغُ خَمْرُهم. وابْنُ أبِي إسْحاقَ أيْضًا وعَبْدُ اللَّهِ والسُّلَمِيُّ والجَحْدَرِيُّ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وعِيسى: بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ: أيْ لا يَفْنى لَهم شَرابٌ، ﴿مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾: يَأْخُذُونَ خَيْرَهُ وأفْضَلَهُ، ﴿مِمّا يَشْتَهُونَ﴾: أيْ يَتَمَنَّوْنَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ بِرَفْعِهِما؛ وخَرَّجَ عَلِيٌّ عَلى أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (وِلْدانٌ)، أوْ عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في (مُتَّكِئِينَ)، أوْ عَلى مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هو وخَبَرُهُ تَقْدِيرُهُ: لَهم هَذا كُلُّهُ، ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾، أوْ عَلى حَذْفِ خَبَرٍ فَقَطْ: أيْ ولَهم حُورٌ، أوْ فِيهِما حُورٌ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ والحَسَنُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ والمُفَضَّلُ وأبانُ وعِصْمَةُ والكِسائِيُّ: بِجَرِّهِما؛ والنَّخَعِيُّ: وحِيرٍ عِينٍ، بِقَلْبِ الواوِ ياءً وجَرِّهِما، والجَرُّ عَطْفٌ عَلى المَجْرُورِ، أيْ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ بِكَذا وكَذا وحُورٍ عِينٍ. وقِيلَ: هو عَلى مَعْنى: ويُنَعَّمُونَ بِهَذا كُلِّهِ وبِحُورٍ عِينٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَطْفًا عَلى ﴿جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾، كَأنَّهُ قالَ: هم في جَنّاتٍ وفاكِهَةٍ ولَحْمٍ وحُورٍ. انْتَهى، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ وتَفْكِيكُ كَلامٍ مُرْتَبِطٍ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، وهو فَهْمٌ أعْجَمِيٌّ. وقَرَأ أُبَيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ: وحُورًا عِينًا بِنَصْبِهِما، قالُوا: عَلى مَعْنى ويُعْطَوْنَ هَذا كُلَّهُ وحُورًا عِينًا. وقَرَأ قَتادَةُ: وحُورُ عِينٍ بِالرَّفْعِ مُضافًا إلى عِينٍ؛ وابْنُ مِقْسَمٍ: بِالنَّصْبِ مُضافًا إلى عِينٍ؛ وعِكْرِمَةُ: وحَوْراءُ عَيْناءُ عَلى التَّوْحِيدِ اسْمُ جِنْسٍ، وبِفَتْحِ الهَمْزَةِ فِيهِما؛ فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَجْرُورًا عَطْفًا عَلى المَجْرُورِ السّابِقِ؛ واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا؛ كَقِراءَةِ أُبَيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ وحُورًا عِينًا. ووَصَفَ اللُّؤْلُؤَ بِالمَكْنُونِ، لِأنَّهُ أصْفى وأبْعَدُ مِنَ التَّغَيُّرِ. وفي الحَدِيثِ: «صَفاؤُهُنَّ كَصَفاءِ الدُّرِّ الَّذِي لا تَمَسُّهُ الأيْدِي» . وقالَ تَعالى: ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩]، وقالَ الشّاعِرُ، يَصِفُ امْرَأةً بِالصَّوْنِ وعَدَمِ الِابْتِذالِ، فَشَبَّهَها بِالدُّرَّةِ المَكْنُونَةِ في صَدَفَتِها فَقالَ: ؎قامَتْ تَراءى بَيْنَ سَجْفَيْ كِلَّةٍ ∗∗∗ كالشَّمْسِ يَوْمَ طُلُوعِها بِالأسْعُدِ ؎أوْ دُرَّةٍ صَدَفِيَّةٍ غَوّاصُها ∗∗∗ بَهِجٌ مَتى يَرَها يُهِلَّ ويَسْجُدِ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾: رُوِيَ أنَّ المَنازِلَ والقِسَمَ في الجَنَّةِ عَلى قَدْرِ الأعْمالِ، ونَفْسَ دُخُولِ الجَنَّةِ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وفَضْلِهِ لا بِعَمَلِ عامِلٍ، وفِيهِ النَّصُّ الصَّحِيحُ الصَّرِيحُ: «لا يَدْخُلُ أحَدٌ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ، قالُوا: ولا أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: ولا أنا إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي بِفَضْلٍ مِنهُ ورَحْمَةٍ "» . (لَغْوًا): سَقْطُ القَوْلِ وفُحْشُهُ، ﴿ولا تَأْثِيمًا﴾: ما يُؤْثِمُ أحَدًا والظّاهِرُ أنَّ ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، لِأنَّهُ لَمْ يَنْدَرِجْ في اللَّغْوِ ولا التَّأْثِيمِ، ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن قالَ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ. وسَلامًا، قالَ الزَّجّاجُ: هو مَصْدَرٌ نَصَبَهُ (قِيلًا)، أيْ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ﴿سَلامًا سَلامًا﴾ . وقِيلَ: نُصِبَ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، وهو مَعْمُولُ قِيلًا، أيْ قِيلًا اسْلَمُوا سَلامًا. وقِيلَ: (سَلامًا) بَدَلٌ مِن (قِيلًا) . وقِيلَ: نَعْتٌ لِقِيلًا بِالمَصْدَرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إلّا قِيلًا سالِمًا مِن هَذِهِ العُيُوبِ. ﴿فِي سِدْرٍ﴾: في الجَنَّةِ شَجَرٌ عَلى خَلْقِهِ، لَهُ ثَمَرٌ كَقِلالِ هَجَرَ طَيِّبُ الطَّعْمِ والرِّيحِ. ﴿مَخْضُودٍ﴾: عارٍ مِنَ الشَّوْكِ. وقالَ مُجاهِدٌ: المَخْضُودُ: المُوَقَّرُ الَّذِي تَثْنِي أغْصانَهُ كَثْرَةُ حَمْلِهِ، مِن خَضَدَ الغُصْنَ إذا أثْناهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وطَلْحٍ﴾ بِالحاءِ؛ وعَلِيٌّ وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وعَبْدُ اللَّهِ: بِالعَيْنِ، قَرَأها عَلى المِنبَرِ. وقالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وعَطاءٌ ومُجاهِدٌ: الطَّلْحُ: المَوْزُ. وقالَ الحَسَنُ: لَيْسَ بِالمَوْزِ، ولَكِنَّهُ شَجَرٌ ظِلُّهُ بارِدٌ رَطْبٌ. وقِيلَ: شَجَرُ أُمِّ غَيْلانَ، ولَهُ نُوّارٌ كَثِيرٌ طَيِّبُ الرّائِحَةِ. وقالَ السُّدِّيُّ: شَجَرٌ يُشْبِهُ طَلْحَ الدُّنْيا، ولَكِنْ لَهُ ثَمَرٌ أحْلى مِنَ العَسَلِ. والمَنضُودُ: الَّذِي نُضِّدَ مِن أسْفَلِهِ إلى أعْلاهُ، فَلَيْسَتْ لَهُ ساقٌ تَظْهَرُ. ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾: لا يَتَقَلَّصُ. بَلْ مُنْبَسِطٌ لا يَنْسَخُهُ شَيْءٌ. (p-٢٠٧)قالَ مُجاهِدٌ: هَذا الظِّلُّ مِن سِدْرِها وطَلْحِها. ﴿وماءٍ مَسْكُوبٍ﴾، قالَ سُفْيانُ وغَيْرُهُ: جارٍ في غَيْرِ أخادِيدَ. وقِيلَ: مُنْسابٌ لا يُتْعَبُ فِيهِ بِساقِيَةٍ ولا رِشاءٍ. ﴿لا مَقْطُوعَةٍ﴾: أيْ هي دائِمَةٌ لا تَنْقَطِعُ في بَعْضِ الأوْقاتِ، كَفاكِهَةِ الدُّنْيا، ﴿ولا مَمْنُوعَةٍ﴾: أيْ لا يُمْنَعُ مِن تَناوُلِها بِوَجْهٍ، ولا يُحْظَرُ عَلَيْها كالَّتِي في الدُّنْيا. وقُرِئَ: وفاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ بِرَفْعِهِما، أيْ وهُناكَ فاكِهَةٌ، وفُرُشٍ: جَمْعُ فِراشٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِضَمِّ الرّاءِ؛ وأبُو حَيْوَةَ: بِسُكُونِها مَرْفُوعَةً، نُضِّدَتْ حَتّى ارْتَفَعَتْ، أوْ رُفِعَتْ عَلى الأسِرَّةِ. والظّاهِرُ أنَّ الفِراشَ هو ما يُفْتَرَشُ لِلْجُلُوسِ عَلَيْهِ والنَّوْمِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: المُرادُ بِالفُرُشِ النِّساءُ، لِأنَّ المَرْأةَ يُكَنّى عَنْها بِالفِراشِ، ورَفَعَهُنَّ في الأقْدارِ والمَنازِلِ. والضَّمِيرُ في ﴿أنْشَأْناهُنَّ﴾ عائِدٌ عَلى الفُرُشِ في قَوْلِ أبِي عُبَيْدَةَ، إذْ هُنَّ النِّساءُ عِنْدَهُ، وعَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ الفُرُشُ إذا كانَ المُرادُ بِالفُرُشِ ظاهِرُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ المَلابِسِ الَّتِي تُفْرَشُ ويُضْطَجَعُ عَلَيْها، أيِ ابْتَدَأْنا خَلْقَهُنَّ ابْتِداءً جَدِيدًا مِن غَيْرِ وِلادَةٍ. والظّاهِرُ أنَّ الإنْشاءَ هو الِاخْتِراعُ الَّذِي لَمْ يُسْبَقْ بِخَلْقٍ، ويَكُونُ ذَلِكَ مَخْصُوصًا بِالحُورِ اللّاتِي لَسْنَ مِن نَسْلِ آدَمَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ إنْشاءَ الإعادَةِ فَيَكُونَ ذَلِكَ لِبَناتِ آدَمَ. ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا عُرُبًا﴾: والعَرِبُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: العَرُوبُ المُتَحَبِّبَةُ إلى زَوْجِها، وقالَهُ الحَسَنُ، وعَبَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا عَنْهُنَّ بِالعَواشِقِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: ؎وفِي الخُدُورِ عَرُوبٌ غَيْرُ فاحِشَةٍ ∗∗∗ رَيّا الرَّوادِفِ يُغْشى دُونَها البَصَرُ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: العَرُوبُ: المُحَسِّنَةُ لِلْكَلامِ. وقَرَأ حَمْزَةُ وناسٌ مِنهم شُجاعٌ وعَبّاسٌ والأصْمَعِيُّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو، وناسٌ مِنهم خارِجَةُ وكَرْدَمٌ وأبُو خُلَيْدٍ عَنْ نافِعٍ، وناسٌ مِنهم أبُو بَكْرٍ وحَمّادٌ وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: بِسُكُونِ الرّاءِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِضَمِّها. (أتْرابًا) في الشَّكْلِ والقَدِّ، وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿أنْشَأْناهُنَّ﴾ عائِدٌ عَلى الحُورِ العِينِ المَذْكُورَةِ قَبْلُ، لِأنَّ تِلْكَ قِصَّةٌ قَدِ انْقَطَعَتْ، وهي قِصَّةُ السّابِقِينَ، وهَذِهِ قِصَّةُ أصْحابِ اليَمِينِ. واللّامُ في (لِأصْحابِ) مُتَعَلِّقَةٌ بِأنْشَأْناهُنَّ. ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾: أيْ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ، ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾: أيْ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، ﷺ، ولا تَنافِيَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ وقَوْلِهِ قَبْلُ: ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِنَ الآخِرِينَ﴾ هو في السّابِقِينَ، وقَوْلَهُ ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ هو في أصْحابِ اليَمِينِ.

الواقعة 56:33

﴿إذا رُجَّتِ﴾ [الواقعة: ٤]، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: زُلْزِلَتْ وحُرِّكَتْ بِجَذْبٍ. وقالَ أيْضًا هو وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ: (بُسَّتِ): فُتِّتَتْ، وقِيلَ: سُيِّرَتْ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ﴿رُجَّتِ﴾ [الواقعة: ٤]، و(بَسَّتِ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، (و ﴿إذا رُجَّتِ﴾ [الواقعة: ٤]) بَدَلٌ مِن ﴿إذا وقَعَتِ﴾ [الواقعة: ١]، وجَوابُ الشَّرْطِ عِنْدِي مَلْفُوظٌ بِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾، والمَعْنى إذا كانَ كَذا وكَذا، فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أسْعَدَهم وما أعْظَمَ ما يُجازَوْنَ بِهِ، أيْ إنَّ سَعادَتَهم وعِظَمَ رُتْبَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَظْهَرُ في ذَلِكَ الوَقْتِ الشَّدِيدِ الصَّعْبِ عَلى العالَمِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِخافِضَةٍ رافِعَةٍ، أيْ تَخْفِضُ وتَرْفَعُ وقْتَ رَجِّ الأرْضِ وبَسِّ الجِبالِ، لِأنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ يَنْخَفِضُ ما هو مُرْتَفِعٌ ويَرْتَفِعُ ما هو مُنْخَفِضٌ. انْتَهى. ولا يَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِهِما مَعًا، بَلْ بِأحَدِهِما، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَجْتَمِعَ مُؤَثِّرانِ عَلى أثَرٍ واحِدٍ. وقالَ ابْنُ جِنِّي وأبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: ﴿إذا رُجَّتِ﴾ [الواقعة: ٤] في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الَّذِي هو ﴿إذا وقَعَتِ﴾ [الواقعة: ١]، ولَيْسَتْ واحِدَةٌ مِنهُما شُرْطِيَّةً، بَلْ جُعِلَتْ بِمَعْنى وقْتٍ، وما بَعْدَ إذا أحْوالٌ ثَلاثَةٌ، والمَعْنى: وقْتُ وُقُوعِ الواقِعَةِ صادِقَةَ الوُقُوعِ، خافِضَةَ قَوْمٍ، رافِعَةَ آخَرِينَ وقْتُ رَجِّ الأرْضِ. وهَكَذا ادَّعى ابْنُ مالِكٍ أنَّ إذا تَكُونُ مُبْتَدَأً، واسْتَدَلَّ بِهَذا. وقَدْ ذَكَرْنا في شَرْحِ التَّسْهِيلِ ما تَبْقى بِهِ إذا عَلى مَدْلُولِها مِنَ الشَّرْطِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ الهَباءِ في سُورَةِ الفُرْقانِ. ﴿مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: ٦]: مُنْتَشِرًا. مُنْبَتًّا بِنُقْطَتَيْنِ بَدَلَ الثّاءِ المُثَلَّثَةِ، قِراءَةُ الجُمْهُورِ، أيْ مُنْقَطِعًا. (وكُنْتُمْ): خِطابٌ لِلْعالَمِ، ﴿أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة: ٧]: أصْنافًا ثَلاثَةً، وهَذِهِ رُتَبٌ لِلنّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ. ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾، قالَ الحَسَنُ والرَّبِيعُ: هُمُ المَيامِينُ عَلى أنْفُسِهِمْ. وقِيلَ: الَّذِينَ يُؤْتَوْنَ صَحائِفَهم بِأيْمانِهِمْ. وقِيلَ: أصْحابُ المَنزِلَةِ السَّنِيَّةِ، كَما تَقُولُ: هو مِنِّي بِاليَمِينِ. وقِيلَ: المَأْخُوذُ بِهِمْ ذاتُ اليَمِينِ أوْ مَيْمَنَةُ آدَمَ المَذْكُورَةُ في حَدَثِ الإسْراءِ في الأسْوِدَةِ. ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ﴾: هم مَن قابَلَ أصْحابَ المَيْمَنَةِ في هَذِهِ الأقْوالِ، فَأصْحابُ مُبْتَدَأٌ، ما مُبْتَدَأٌ ثانٍ اسْتِفْهامٌ (p-٢٠٥)فِي مَعْنى التَّعْظِيمِ، وأصْحابُ المَيْمَنَةِ خَبَرٌ عَنْ ما، وما بَعْدَها خَبَرٌ عَنْ أصْحابٍ، ورَبَطَ الجُمْلَةَ بِالمُبْتَدَأِ تَكْرارُ المُبْتَدَأِ بِلَفْظِهِ، وأكْثَرُ ما يَكُونُ ذَلِكَ في مَوْضِعِ التَّهْوِيلِ والتَّعْظِيمِ، وما تَعَجُّبٌ مِن حالِ الفَرِيقَيْنِ في السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ هم. ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾: جَوَّزُوا أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وخَبَرًا، نَحْوَ قَوْلِهِمْ: أنْتَ أنْتَ، وقَوْلِهِ: أنا أبُو النَّجْمِ، وشِعْرِي شِعْرِي، أيِ الَّذِينَ انْتَهَوْا في السَّبْقِ، أيِ الطّاعاتِ، وبَرَعُوا فِيها وعُرِفَتْ حالُهم. وأنْ يَكُونَ السّابِقُونَ تَأْكِيدًا لَفْظِيًّا، والخَبَرُ فِيما بَعْدَ ذَلِكَ؛ وأنْ يَكُونَ السّابِقُونَ مُبْتَدَأً والخَبَرُ فِيما بَعْدَهُ، وتَقِفُ عَلى قَوْلِهِ: (والسّابِقُونَ)، وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقُ السَّبْقِ الأوَّلِ مُخالِفًا لِلسَّبْقِ الثّانِي. والسّابِقُونَ إلى الإيمانِ السّابِقُونَ إلى الجَنَّةِ، فَعَلى هَذا جَوَّزُوا أنْ يَكُونَ السّابِقُونَ خَبَرًا لِقَوْلِهِ: (والسّابِقُونَ)، وأنْ يَكُونَ صِفَةً والخَبَرُ فِيما بَعْدَهُ. والوَجْهُ الأوَّلُ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ يَعْنِي السّابِقُونَ خَبَرُ الِابْتِداءِ، يَعْنِي خَبَرَ والسّابِقُونَ، وهَذا كَما تَقُولُ: النّاسُ النّاسُ، وأنْتَ أنْتَ، وهَذا عَلى تَفْخِيمِ الأمْرِ وتَعْظِيمِهِ. انْتَهى. ويُرَجِّحُ هَذا القَوْلَ أنَّهُ ذَكَرَ أصْحابَ المَيْمَنَةِ مُتَعَجِّبًا مِنهم في سَعادَتِهِمْ، وأصْحابَ المَشْأمَةِ مُتَعَجِّبًا مِنهم في شَقاوَتِهِمْ، فَناسَبَ أنْ يَذْكُرَ السّابِقُونَ مُثْبِتًا حالَهم مُعَظِّمًا، وذَلِكَ بِالإخْبارِ أنَّهم نِهايَةٌ في العَظَمَةِ والسَّعادَةِ، والسّابِقُونَ عُمُومٌ في السَّبْقِ إلى أعْمالِ الطّاعاتِ، وإلى تَرْكِ المَعاصِي. وقالَ عُثْمانُ بْنُ أبِي سَوْدَةَ: السّابِقُونَ إلى المَساجِدِ. وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: هُمُ الَّذِينَ صَلَّوْا إلى القِبْلَتَيْنِ. وقالَ كَعْبٌ: هم أهْلُ القُرْآنِ. وفي الحَدِيثِ: «سُئِلَ عَنِ السّابِقِينَ فَقالَ: هُمُ الَّذِينَ إذا أُعْطُوا الحَقَّ قَبِلُوهُ، وإذا سُئِلُوهُ بَذَلُوهُ، وحَكَمُوا لِلنّاسِ بِحُكْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ» . (أُولَئِكَ): إشارَةٌ إلى السّابِقِينَ المُقَرَّبِينَ الَّذِينَ عَلَتْ مَنازِلُهم وقَرُبَتْ دَرَجاتُهم في الجَنَّةِ مِنَ العَرْشِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي جَنّاتِ﴾، جَمْعًا. وطَلْحَةُ: في جَنَّةِ مُفْرَدًا. وقَسَّمَ السّابِقِينَ المُقَرَّبِينَ إلى ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ . وقالَ الحَسَنُ: السّابِقُونَ مِنَ الأُمَمِ، والسّابِقُونَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ. وقالَتْ عائِشَةُ: الفِرْقَتانِ في كُلِّ أُمَّةِ نَبِيٍّ، في صَدْرِها ثُلَّةٌ، وفي آخِرِها قَلِيلٌ. وقِيلَ: هُما الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كانُوا في صَدْرِ الدُّنْيا، وفي آخِرِها أقَلَّ. وفي الحَدِيثِ: «الفِرْقَتانِ في أُمَّتِي، فَسابِقٌ في أوَّلِ الأُمَّةِ ثُلَّةٌ، وسابِقُ سائِرِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ قَلِيلٌ»، وارْتَفَعَ ثُلَّةٌ عَلى إضْمارِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿عَلى سُرُرٍ﴾ بِضَمِّ الرّاءِ؛ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو السَّمّالِ: بِفَتْحِها، وهي لُغَةٌ لِبَعْضِ بَنِي تَمِيمٍ وكَلْبٍ، يَفْتَحُونَ عَيْنَ فُعَلٍ جَمْعِ فَعِيلٍ المُضَعَّفِ، نَحْوَ سَرِيرٍ، وتَقَدَّمَ ذَلِكَ في والصّافّاتِ. ﴿مَوْضُونَةٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَرْمُولَةٌ بِالذَّهَبِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: مُشَبَّكَةٌ بِالدُّرِّ والياقُوتِ. ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها﴾: أيْ عَلى السُّرُرِ، ومُتَّكِئِينَ: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في ﴿عَلى سُرُرٍ﴾، (مُتَقابِلِينَ): يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، وُصِفُوا بِحُسْنِ العِشْرَةِ وتَهْذِيبِ الأخْلاقِ وصَفاءِ بَطائِنِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا. ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾: وُصِفُوا بِالخُلْدِ، وإنْ كانَ مَن في الجَنَّةِ مُخَلَّدًا، لِيَدُلَّ عَلى أنَّهم يَبْقَوْنَ دائِمًا في سِنِّ الوِلْدانِ، لا يَكْبُرُونَ ولا يَتَحَوَّلُونَ عَنْ شَكْلِ الوَصافَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَمُوتُونَ. وقالَ الفَرّاءُ: مُقَرَّطُونَ بِالخَلَداتِ، وهي ضُرُوبٌ مِنَ الأقْراطِ. ﴿وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾، قالَ: مِن خَمْرٍ سائِلَةٍ جارِيَةٍ مُعَيَّنَةٍ. ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾، قالَ الأكْثَرُونَ: لا يَلْحَقُ رُءُوسَهُمُ الصُّداعُ الَّذِي يَلْحَقُ مِن خَمْرِ الدُّنْيا. وقَرَأْتُ عَلى أُسْتاذِنا العَلّامَةِ أبِي جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى قَوْلَ عَلْقَمَةَ في صِفَةِ الخَمْرِ: ؎تَشْفِي الصُّداعَ ولا يُؤْذِيكَ صالِبُها ولا يُخالِطُها في الرَّأْسِ تَدْوِيمُ فَقالَ: هَذِهِ صِفَةُ أهْلِ الجَنَّةِ. وقِيلَ: لا يُفَرَّقُونَ عَنْها بِمَعْنى: لا تَقْطَعُ عَنْهم لَذَّتَهم بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ، كَما تُفَرِّقُ أهْلَ خَمْرِ الدُّنْيا بِأنْواعٍ مِنَ التَّفْرِيقِ، كَما جاءَ: فَتَصَدَّعَ السَّحابُ عَنِ المَدِينَةِ: أيْ فَتَفَرَّقَ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: لا يَصَّدَّعُونَ، بِفَتْحِ الياءِ وشَدِّ الصّادِ، أصْلُهُ يَتَصَدَّعُونَ، أدْغَمَ التّاءَ في الصّادِ: أيْ لا يَتَفَرَّقُونَ، كَقَوْلِهِ: (p-٢٠٦)﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣] . والجُمْهُورُ؛ بِضَمِّ الياءِ وخِفَّةِ الصّادِ؛ والجُمْهُورُ: بِجَرِّ (وفاكِهَةٍ)؛ ولَحْمٍ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِرَفْعِهِما، أيْ ولَهم. والجُمْهُورُ: ﴿ولا يُنْزِفُونَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وجُبَيْرٌ والضَّحّاكُ: لا تَذْهَبُ عُقُولُهم سُكْرًا؛ وابْنُ أبِي إسْحاقَ: بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ، نَزَفَ البِئْرَ: اسْتَفْرَغَ ماءَها، فالمَعْنى: لا تَفْرَغُ خَمْرُهم. وابْنُ أبِي إسْحاقَ أيْضًا وعَبْدُ اللَّهِ والسُّلَمِيُّ والجَحْدَرِيُّ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وعِيسى: بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ: أيْ لا يَفْنى لَهم شَرابٌ، ﴿مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾: يَأْخُذُونَ خَيْرَهُ وأفْضَلَهُ، ﴿مِمّا يَشْتَهُونَ﴾: أيْ يَتَمَنَّوْنَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ بِرَفْعِهِما؛ وخَرَّجَ عَلِيٌّ عَلى أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (وِلْدانٌ)، أوْ عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في (مُتَّكِئِينَ)، أوْ عَلى مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هو وخَبَرُهُ تَقْدِيرُهُ: لَهم هَذا كُلُّهُ، ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾، أوْ عَلى حَذْفِ خَبَرٍ فَقَطْ: أيْ ولَهم حُورٌ، أوْ فِيهِما حُورٌ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ والحَسَنُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ والمُفَضَّلُ وأبانُ وعِصْمَةُ والكِسائِيُّ: بِجَرِّهِما؛ والنَّخَعِيُّ: وحِيرٍ عِينٍ، بِقَلْبِ الواوِ ياءً وجَرِّهِما، والجَرُّ عَطْفٌ عَلى المَجْرُورِ، أيْ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ بِكَذا وكَذا وحُورٍ عِينٍ. وقِيلَ: هو عَلى مَعْنى: ويُنَعَّمُونَ بِهَذا كُلِّهِ وبِحُورٍ عِينٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَطْفًا عَلى ﴿جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾، كَأنَّهُ قالَ: هم في جَنّاتٍ وفاكِهَةٍ ولَحْمٍ وحُورٍ. انْتَهى، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ وتَفْكِيكُ كَلامٍ مُرْتَبِطٍ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، وهو فَهْمٌ أعْجَمِيٌّ. وقَرَأ أُبَيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ: وحُورًا عِينًا بِنَصْبِهِما، قالُوا: عَلى مَعْنى ويُعْطَوْنَ هَذا كُلَّهُ وحُورًا عِينًا. وقَرَأ قَتادَةُ: وحُورُ عِينٍ بِالرَّفْعِ مُضافًا إلى عِينٍ؛ وابْنُ مِقْسَمٍ: بِالنَّصْبِ مُضافًا إلى عِينٍ؛ وعِكْرِمَةُ: وحَوْراءُ عَيْناءُ عَلى التَّوْحِيدِ اسْمُ جِنْسٍ، وبِفَتْحِ الهَمْزَةِ فِيهِما؛ فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَجْرُورًا عَطْفًا عَلى المَجْرُورِ السّابِقِ؛ واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا؛ كَقِراءَةِ أُبَيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ وحُورًا عِينًا. ووَصَفَ اللُّؤْلُؤَ بِالمَكْنُونِ، لِأنَّهُ أصْفى وأبْعَدُ مِنَ التَّغَيُّرِ. وفي الحَدِيثِ: «صَفاؤُهُنَّ كَصَفاءِ الدُّرِّ الَّذِي لا تَمَسُّهُ الأيْدِي» . وقالَ تَعالى: ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩]، وقالَ الشّاعِرُ، يَصِفُ امْرَأةً بِالصَّوْنِ وعَدَمِ الِابْتِذالِ، فَشَبَّهَها بِالدُّرَّةِ المَكْنُونَةِ في صَدَفَتِها فَقالَ: ؎قامَتْ تَراءى بَيْنَ سَجْفَيْ كِلَّةٍ ∗∗∗ كالشَّمْسِ يَوْمَ طُلُوعِها بِالأسْعُدِ ؎أوْ دُرَّةٍ صَدَفِيَّةٍ غَوّاصُها ∗∗∗ بَهِجٌ مَتى يَرَها يُهِلَّ ويَسْجُدِ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾: رُوِيَ أنَّ المَنازِلَ والقِسَمَ في الجَنَّةِ عَلى قَدْرِ الأعْمالِ، ونَفْسَ دُخُولِ الجَنَّةِ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وفَضْلِهِ لا بِعَمَلِ عامِلٍ، وفِيهِ النَّصُّ الصَّحِيحُ الصَّرِيحُ: «لا يَدْخُلُ أحَدٌ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ، قالُوا: ولا أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: ولا أنا إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي بِفَضْلٍ مِنهُ ورَحْمَةٍ "» . (لَغْوًا): سَقْطُ القَوْلِ وفُحْشُهُ، ﴿ولا تَأْثِيمًا﴾: ما يُؤْثِمُ أحَدًا والظّاهِرُ أنَّ ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، لِأنَّهُ لَمْ يَنْدَرِجْ في اللَّغْوِ ولا التَّأْثِيمِ، ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن قالَ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ. وسَلامًا، قالَ الزَّجّاجُ: هو مَصْدَرٌ نَصَبَهُ (قِيلًا)، أيْ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ﴿سَلامًا سَلامًا﴾ . وقِيلَ: نُصِبَ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، وهو مَعْمُولُ قِيلًا، أيْ قِيلًا اسْلَمُوا سَلامًا. وقِيلَ: (سَلامًا) بَدَلٌ مِن (قِيلًا) . وقِيلَ: نَعْتٌ لِقِيلًا بِالمَصْدَرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إلّا قِيلًا سالِمًا مِن هَذِهِ العُيُوبِ. ﴿فِي سِدْرٍ﴾: في الجَنَّةِ شَجَرٌ عَلى خَلْقِهِ، لَهُ ثَمَرٌ كَقِلالِ هَجَرَ طَيِّبُ الطَّعْمِ والرِّيحِ. ﴿مَخْضُودٍ﴾: عارٍ مِنَ الشَّوْكِ. وقالَ مُجاهِدٌ: المَخْضُودُ: المُوَقَّرُ الَّذِي تَثْنِي أغْصانَهُ كَثْرَةُ حَمْلِهِ، مِن خَضَدَ الغُصْنَ إذا أثْناهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وطَلْحٍ﴾ بِالحاءِ؛ وعَلِيٌّ وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وعَبْدُ اللَّهِ: بِالعَيْنِ، قَرَأها عَلى المِنبَرِ. وقالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وعَطاءٌ ومُجاهِدٌ: الطَّلْحُ: المَوْزُ. وقالَ الحَسَنُ: لَيْسَ بِالمَوْزِ، ولَكِنَّهُ شَجَرٌ ظِلُّهُ بارِدٌ رَطْبٌ. وقِيلَ: شَجَرُ أُمِّ غَيْلانَ، ولَهُ نُوّارٌ كَثِيرٌ طَيِّبُ الرّائِحَةِ. وقالَ السُّدِّيُّ: شَجَرٌ يُشْبِهُ طَلْحَ الدُّنْيا، ولَكِنْ لَهُ ثَمَرٌ أحْلى مِنَ العَسَلِ. والمَنضُودُ: الَّذِي نُضِّدَ مِن أسْفَلِهِ إلى أعْلاهُ، فَلَيْسَتْ لَهُ ساقٌ تَظْهَرُ. ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾: لا يَتَقَلَّصُ. بَلْ مُنْبَسِطٌ لا يَنْسَخُهُ شَيْءٌ. (p-٢٠٧)قالَ مُجاهِدٌ: هَذا الظِّلُّ مِن سِدْرِها وطَلْحِها. ﴿وماءٍ مَسْكُوبٍ﴾، قالَ سُفْيانُ وغَيْرُهُ: جارٍ في غَيْرِ أخادِيدَ. وقِيلَ: مُنْسابٌ لا يُتْعَبُ فِيهِ بِساقِيَةٍ ولا رِشاءٍ. ﴿لا مَقْطُوعَةٍ﴾: أيْ هي دائِمَةٌ لا تَنْقَطِعُ في بَعْضِ الأوْقاتِ، كَفاكِهَةِ الدُّنْيا، ﴿ولا مَمْنُوعَةٍ﴾: أيْ لا يُمْنَعُ مِن تَناوُلِها بِوَجْهٍ، ولا يُحْظَرُ عَلَيْها كالَّتِي في الدُّنْيا. وقُرِئَ: وفاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ بِرَفْعِهِما، أيْ وهُناكَ فاكِهَةٌ، وفُرُشٍ: جَمْعُ فِراشٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِضَمِّ الرّاءِ؛ وأبُو حَيْوَةَ: بِسُكُونِها مَرْفُوعَةً، نُضِّدَتْ حَتّى ارْتَفَعَتْ، أوْ رُفِعَتْ عَلى الأسِرَّةِ. والظّاهِرُ أنَّ الفِراشَ هو ما يُفْتَرَشُ لِلْجُلُوسِ عَلَيْهِ والنَّوْمِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: المُرادُ بِالفُرُشِ النِّساءُ، لِأنَّ المَرْأةَ يُكَنّى عَنْها بِالفِراشِ، ورَفَعَهُنَّ في الأقْدارِ والمَنازِلِ. والضَّمِيرُ في ﴿أنْشَأْناهُنَّ﴾ عائِدٌ عَلى الفُرُشِ في قَوْلِ أبِي عُبَيْدَةَ، إذْ هُنَّ النِّساءُ عِنْدَهُ، وعَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ الفُرُشُ إذا كانَ المُرادُ بِالفُرُشِ ظاهِرُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ المَلابِسِ الَّتِي تُفْرَشُ ويُضْطَجَعُ عَلَيْها، أيِ ابْتَدَأْنا خَلْقَهُنَّ ابْتِداءً جَدِيدًا مِن غَيْرِ وِلادَةٍ. والظّاهِرُ أنَّ الإنْشاءَ هو الِاخْتِراعُ الَّذِي لَمْ يُسْبَقْ بِخَلْقٍ، ويَكُونُ ذَلِكَ مَخْصُوصًا بِالحُورِ اللّاتِي لَسْنَ مِن نَسْلِ آدَمَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ إنْشاءَ الإعادَةِ فَيَكُونَ ذَلِكَ لِبَناتِ آدَمَ. ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا عُرُبًا﴾: والعَرِبُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: العَرُوبُ المُتَحَبِّبَةُ إلى زَوْجِها، وقالَهُ الحَسَنُ، وعَبَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا عَنْهُنَّ بِالعَواشِقِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: ؎وفِي الخُدُورِ عَرُوبٌ غَيْرُ فاحِشَةٍ ∗∗∗ رَيّا الرَّوادِفِ يُغْشى دُونَها البَصَرُ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: العَرُوبُ: المُحَسِّنَةُ لِلْكَلامِ. وقَرَأ حَمْزَةُ وناسٌ مِنهم شُجاعٌ وعَبّاسٌ والأصْمَعِيُّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو، وناسٌ مِنهم خارِجَةُ وكَرْدَمٌ وأبُو خُلَيْدٍ عَنْ نافِعٍ، وناسٌ مِنهم أبُو بَكْرٍ وحَمّادٌ وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: بِسُكُونِ الرّاءِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِضَمِّها. (أتْرابًا) في الشَّكْلِ والقَدِّ، وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿أنْشَأْناهُنَّ﴾ عائِدٌ عَلى الحُورِ العِينِ المَذْكُورَةِ قَبْلُ، لِأنَّ تِلْكَ قِصَّةٌ قَدِ انْقَطَعَتْ، وهي قِصَّةُ السّابِقِينَ، وهَذِهِ قِصَّةُ أصْحابِ اليَمِينِ. واللّامُ في (لِأصْحابِ) مُتَعَلِّقَةٌ بِأنْشَأْناهُنَّ. ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾: أيْ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ، ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾: أيْ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، ﷺ، ولا تَنافِيَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ وقَوْلِهِ قَبْلُ: ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِنَ الآخِرِينَ﴾ هو في السّابِقِينَ، وقَوْلَهُ ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ هو في أصْحابِ اليَمِينِ.

الواقعة 56:34

﴿إذا رُجَّتِ﴾ [الواقعة: ٤]، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: زُلْزِلَتْ وحُرِّكَتْ بِجَذْبٍ. وقالَ أيْضًا هو وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ: (بُسَّتِ): فُتِّتَتْ، وقِيلَ: سُيِّرَتْ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ﴿رُجَّتِ﴾ [الواقعة: ٤]، و(بَسَّتِ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، (و ﴿إذا رُجَّتِ﴾ [الواقعة: ٤]) بَدَلٌ مِن ﴿إذا وقَعَتِ﴾ [الواقعة: ١]، وجَوابُ الشَّرْطِ عِنْدِي مَلْفُوظٌ بِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾، والمَعْنى إذا كانَ كَذا وكَذا، فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أسْعَدَهم وما أعْظَمَ ما يُجازَوْنَ بِهِ، أيْ إنَّ سَعادَتَهم وعِظَمَ رُتْبَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَظْهَرُ في ذَلِكَ الوَقْتِ الشَّدِيدِ الصَّعْبِ عَلى العالَمِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِخافِضَةٍ رافِعَةٍ، أيْ تَخْفِضُ وتَرْفَعُ وقْتَ رَجِّ الأرْضِ وبَسِّ الجِبالِ، لِأنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ يَنْخَفِضُ ما هو مُرْتَفِعٌ ويَرْتَفِعُ ما هو مُنْخَفِضٌ. انْتَهى. ولا يَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِهِما مَعًا، بَلْ بِأحَدِهِما، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَجْتَمِعَ مُؤَثِّرانِ عَلى أثَرٍ واحِدٍ. وقالَ ابْنُ جِنِّي وأبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: ﴿إذا رُجَّتِ﴾ [الواقعة: ٤] في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الَّذِي هو ﴿إذا وقَعَتِ﴾ [الواقعة: ١]، ولَيْسَتْ واحِدَةٌ مِنهُما شُرْطِيَّةً، بَلْ جُعِلَتْ بِمَعْنى وقْتٍ، وما بَعْدَ إذا أحْوالٌ ثَلاثَةٌ، والمَعْنى: وقْتُ وُقُوعِ الواقِعَةِ صادِقَةَ الوُقُوعِ، خافِضَةَ قَوْمٍ، رافِعَةَ آخَرِينَ وقْتُ رَجِّ الأرْضِ. وهَكَذا ادَّعى ابْنُ مالِكٍ أنَّ إذا تَكُونُ مُبْتَدَأً، واسْتَدَلَّ بِهَذا. وقَدْ ذَكَرْنا في شَرْحِ التَّسْهِيلِ ما تَبْقى بِهِ إذا عَلى مَدْلُولِها مِنَ الشَّرْطِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ الهَباءِ في سُورَةِ الفُرْقانِ. ﴿مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: ٦]: مُنْتَشِرًا. مُنْبَتًّا بِنُقْطَتَيْنِ بَدَلَ الثّاءِ المُثَلَّثَةِ، قِراءَةُ الجُمْهُورِ، أيْ مُنْقَطِعًا. (وكُنْتُمْ): خِطابٌ لِلْعالَمِ، ﴿أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة: ٧]: أصْنافًا ثَلاثَةً، وهَذِهِ رُتَبٌ لِلنّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ. ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾، قالَ الحَسَنُ والرَّبِيعُ: هُمُ المَيامِينُ عَلى أنْفُسِهِمْ. وقِيلَ: الَّذِينَ يُؤْتَوْنَ صَحائِفَهم بِأيْمانِهِمْ. وقِيلَ: أصْحابُ المَنزِلَةِ السَّنِيَّةِ، كَما تَقُولُ: هو مِنِّي بِاليَمِينِ. وقِيلَ: المَأْخُوذُ بِهِمْ ذاتُ اليَمِينِ أوْ مَيْمَنَةُ آدَمَ المَذْكُورَةُ في حَدَثِ الإسْراءِ في الأسْوِدَةِ. ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ﴾: هم مَن قابَلَ أصْحابَ المَيْمَنَةِ في هَذِهِ الأقْوالِ، فَأصْحابُ مُبْتَدَأٌ، ما مُبْتَدَأٌ ثانٍ اسْتِفْهامٌ (p-٢٠٥)فِي مَعْنى التَّعْظِيمِ، وأصْحابُ المَيْمَنَةِ خَبَرٌ عَنْ ما، وما بَعْدَها خَبَرٌ عَنْ أصْحابٍ، ورَبَطَ الجُمْلَةَ بِالمُبْتَدَأِ تَكْرارُ المُبْتَدَأِ بِلَفْظِهِ، وأكْثَرُ ما يَكُونُ ذَلِكَ في مَوْضِعِ التَّهْوِيلِ والتَّعْظِيمِ، وما تَعَجُّبٌ مِن حالِ الفَرِيقَيْنِ في السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ هم. ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾: جَوَّزُوا أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وخَبَرًا، نَحْوَ قَوْلِهِمْ: أنْتَ أنْتَ، وقَوْلِهِ: أنا أبُو النَّجْمِ، وشِعْرِي شِعْرِي، أيِ الَّذِينَ انْتَهَوْا في السَّبْقِ، أيِ الطّاعاتِ، وبَرَعُوا فِيها وعُرِفَتْ حالُهم. وأنْ يَكُونَ السّابِقُونَ تَأْكِيدًا لَفْظِيًّا، والخَبَرُ فِيما بَعْدَ ذَلِكَ؛ وأنْ يَكُونَ السّابِقُونَ مُبْتَدَأً والخَبَرُ فِيما بَعْدَهُ، وتَقِفُ عَلى قَوْلِهِ: (والسّابِقُونَ)، وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقُ السَّبْقِ الأوَّلِ مُخالِفًا لِلسَّبْقِ الثّانِي. والسّابِقُونَ إلى الإيمانِ السّابِقُونَ إلى الجَنَّةِ، فَعَلى هَذا جَوَّزُوا أنْ يَكُونَ السّابِقُونَ خَبَرًا لِقَوْلِهِ: (والسّابِقُونَ)، وأنْ يَكُونَ صِفَةً والخَبَرُ فِيما بَعْدَهُ. والوَجْهُ الأوَّلُ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ يَعْنِي السّابِقُونَ خَبَرُ الِابْتِداءِ، يَعْنِي خَبَرَ والسّابِقُونَ، وهَذا كَما تَقُولُ: النّاسُ النّاسُ، وأنْتَ أنْتَ، وهَذا عَلى تَفْخِيمِ الأمْرِ وتَعْظِيمِهِ. انْتَهى. ويُرَجِّحُ هَذا القَوْلَ أنَّهُ ذَكَرَ أصْحابَ المَيْمَنَةِ مُتَعَجِّبًا مِنهم في سَعادَتِهِمْ، وأصْحابَ المَشْأمَةِ مُتَعَجِّبًا مِنهم في شَقاوَتِهِمْ، فَناسَبَ أنْ يَذْكُرَ السّابِقُونَ مُثْبِتًا حالَهم مُعَظِّمًا، وذَلِكَ بِالإخْبارِ أنَّهم نِهايَةٌ في العَظَمَةِ والسَّعادَةِ، والسّابِقُونَ عُمُومٌ في السَّبْقِ إلى أعْمالِ الطّاعاتِ، وإلى تَرْكِ المَعاصِي. وقالَ عُثْمانُ بْنُ أبِي سَوْدَةَ: السّابِقُونَ إلى المَساجِدِ. وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: هُمُ الَّذِينَ صَلَّوْا إلى القِبْلَتَيْنِ. وقالَ كَعْبٌ: هم أهْلُ القُرْآنِ. وفي الحَدِيثِ: «سُئِلَ عَنِ السّابِقِينَ فَقالَ: هُمُ الَّذِينَ إذا أُعْطُوا الحَقَّ قَبِلُوهُ، وإذا سُئِلُوهُ بَذَلُوهُ، وحَكَمُوا لِلنّاسِ بِحُكْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ» . (أُولَئِكَ): إشارَةٌ إلى السّابِقِينَ المُقَرَّبِينَ الَّذِينَ عَلَتْ مَنازِلُهم وقَرُبَتْ دَرَجاتُهم في الجَنَّةِ مِنَ العَرْشِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي جَنّاتِ﴾، جَمْعًا. وطَلْحَةُ: في جَنَّةِ مُفْرَدًا. وقَسَّمَ السّابِقِينَ المُقَرَّبِينَ إلى ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ . وقالَ الحَسَنُ: السّابِقُونَ مِنَ الأُمَمِ، والسّابِقُونَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ. وقالَتْ عائِشَةُ: الفِرْقَتانِ في كُلِّ أُمَّةِ نَبِيٍّ، في صَدْرِها ثُلَّةٌ، وفي آخِرِها قَلِيلٌ. وقِيلَ: هُما الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كانُوا في صَدْرِ الدُّنْيا، وفي آخِرِها أقَلَّ. وفي الحَدِيثِ: «الفِرْقَتانِ في أُمَّتِي، فَسابِقٌ في أوَّلِ الأُمَّةِ ثُلَّةٌ، وسابِقُ سائِرِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ قَلِيلٌ»، وارْتَفَعَ ثُلَّةٌ عَلى إضْمارِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿عَلى سُرُرٍ﴾ بِضَمِّ الرّاءِ؛ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو السَّمّالِ: بِفَتْحِها، وهي لُغَةٌ لِبَعْضِ بَنِي تَمِيمٍ وكَلْبٍ، يَفْتَحُونَ عَيْنَ فُعَلٍ جَمْعِ فَعِيلٍ المُضَعَّفِ، نَحْوَ سَرِيرٍ، وتَقَدَّمَ ذَلِكَ في والصّافّاتِ. ﴿مَوْضُونَةٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَرْمُولَةٌ بِالذَّهَبِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: مُشَبَّكَةٌ بِالدُّرِّ والياقُوتِ. ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها﴾: أيْ عَلى السُّرُرِ، ومُتَّكِئِينَ: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في ﴿عَلى سُرُرٍ﴾، (مُتَقابِلِينَ): يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، وُصِفُوا بِحُسْنِ العِشْرَةِ وتَهْذِيبِ الأخْلاقِ وصَفاءِ بَطائِنِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا. ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾: وُصِفُوا بِالخُلْدِ، وإنْ كانَ مَن في الجَنَّةِ مُخَلَّدًا، لِيَدُلَّ عَلى أنَّهم يَبْقَوْنَ دائِمًا في سِنِّ الوِلْدانِ، لا يَكْبُرُونَ ولا يَتَحَوَّلُونَ عَنْ شَكْلِ الوَصافَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَمُوتُونَ. وقالَ الفَرّاءُ: مُقَرَّطُونَ بِالخَلَداتِ، وهي ضُرُوبٌ مِنَ الأقْراطِ. ﴿وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾، قالَ: مِن خَمْرٍ سائِلَةٍ جارِيَةٍ مُعَيَّنَةٍ. ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾، قالَ الأكْثَرُونَ: لا يَلْحَقُ رُءُوسَهُمُ الصُّداعُ الَّذِي يَلْحَقُ مِن خَمْرِ الدُّنْيا. وقَرَأْتُ عَلى أُسْتاذِنا العَلّامَةِ أبِي جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى قَوْلَ عَلْقَمَةَ في صِفَةِ الخَمْرِ: ؎تَشْفِي الصُّداعَ ولا يُؤْذِيكَ صالِبُها ولا يُخالِطُها في الرَّأْسِ تَدْوِيمُ فَقالَ: هَذِهِ صِفَةُ أهْلِ الجَنَّةِ. وقِيلَ: لا يُفَرَّقُونَ عَنْها بِمَعْنى: لا تَقْطَعُ عَنْهم لَذَّتَهم بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ، كَما تُفَرِّقُ أهْلَ خَمْرِ الدُّنْيا بِأنْواعٍ مِنَ التَّفْرِيقِ، كَما جاءَ: فَتَصَدَّعَ السَّحابُ عَنِ المَدِينَةِ: أيْ فَتَفَرَّقَ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: لا يَصَّدَّعُونَ، بِفَتْحِ الياءِ وشَدِّ الصّادِ، أصْلُهُ يَتَصَدَّعُونَ، أدْغَمَ التّاءَ في الصّادِ: أيْ لا يَتَفَرَّقُونَ، كَقَوْلِهِ: (p-٢٠٦)﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣] . والجُمْهُورُ؛ بِضَمِّ الياءِ وخِفَّةِ الصّادِ؛ والجُمْهُورُ: بِجَرِّ (وفاكِهَةٍ)؛ ولَحْمٍ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِرَفْعِهِما، أيْ ولَهم. والجُمْهُورُ: ﴿ولا يُنْزِفُونَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وجُبَيْرٌ والضَّحّاكُ: لا تَذْهَبُ عُقُولُهم سُكْرًا؛ وابْنُ أبِي إسْحاقَ: بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ، نَزَفَ البِئْرَ: اسْتَفْرَغَ ماءَها، فالمَعْنى: لا تَفْرَغُ خَمْرُهم. وابْنُ أبِي إسْحاقَ أيْضًا وعَبْدُ اللَّهِ والسُّلَمِيُّ والجَحْدَرِيُّ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وعِيسى: بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ: أيْ لا يَفْنى لَهم شَرابٌ، ﴿مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾: يَأْخُذُونَ خَيْرَهُ وأفْضَلَهُ، ﴿مِمّا يَشْتَهُونَ﴾: أيْ يَتَمَنَّوْنَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ بِرَفْعِهِما؛ وخَرَّجَ عَلِيٌّ عَلى أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (وِلْدانٌ)، أوْ عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في (مُتَّكِئِينَ)، أوْ عَلى مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هو وخَبَرُهُ تَقْدِيرُهُ: لَهم هَذا كُلُّهُ، ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾، أوْ عَلى حَذْفِ خَبَرٍ فَقَطْ: أيْ ولَهم حُورٌ، أوْ فِيهِما حُورٌ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ والحَسَنُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ والمُفَضَّلُ وأبانُ وعِصْمَةُ والكِسائِيُّ: بِجَرِّهِما؛ والنَّخَعِيُّ: وحِيرٍ عِينٍ، بِقَلْبِ الواوِ ياءً وجَرِّهِما، والجَرُّ عَطْفٌ عَلى المَجْرُورِ، أيْ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ بِكَذا وكَذا وحُورٍ عِينٍ. وقِيلَ: هو عَلى مَعْنى: ويُنَعَّمُونَ بِهَذا كُلِّهِ وبِحُورٍ عِينٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَطْفًا عَلى ﴿جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾، كَأنَّهُ قالَ: هم في جَنّاتٍ وفاكِهَةٍ ولَحْمٍ وحُورٍ. انْتَهى، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ وتَفْكِيكُ كَلامٍ مُرْتَبِطٍ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، وهو فَهْمٌ أعْجَمِيٌّ. وقَرَأ أُبَيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ: وحُورًا عِينًا بِنَصْبِهِما، قالُوا: عَلى مَعْنى ويُعْطَوْنَ هَذا كُلَّهُ وحُورًا عِينًا. وقَرَأ قَتادَةُ: وحُورُ عِينٍ بِالرَّفْعِ مُضافًا إلى عِينٍ؛ وابْنُ مِقْسَمٍ: بِالنَّصْبِ مُضافًا إلى عِينٍ؛ وعِكْرِمَةُ: وحَوْراءُ عَيْناءُ عَلى التَّوْحِيدِ اسْمُ جِنْسٍ، وبِفَتْحِ الهَمْزَةِ فِيهِما؛ فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَجْرُورًا عَطْفًا عَلى المَجْرُورِ السّابِقِ؛ واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا؛ كَقِراءَةِ أُبَيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ وحُورًا عِينًا. ووَصَفَ اللُّؤْلُؤَ بِالمَكْنُونِ، لِأنَّهُ أصْفى وأبْعَدُ مِنَ التَّغَيُّرِ. وفي الحَدِيثِ: «صَفاؤُهُنَّ كَصَفاءِ الدُّرِّ الَّذِي لا تَمَسُّهُ الأيْدِي» . وقالَ تَعالى: ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩]، وقالَ الشّاعِرُ، يَصِفُ امْرَأةً بِالصَّوْنِ وعَدَمِ الِابْتِذالِ، فَشَبَّهَها بِالدُّرَّةِ المَكْنُونَةِ في صَدَفَتِها فَقالَ: ؎قامَتْ تَراءى بَيْنَ سَجْفَيْ كِلَّةٍ ∗∗∗ كالشَّمْسِ يَوْمَ طُلُوعِها بِالأسْعُدِ ؎أوْ دُرَّةٍ صَدَفِيَّةٍ غَوّاصُها ∗∗∗ بَهِجٌ مَتى يَرَها يُهِلَّ ويَسْجُدِ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾: رُوِيَ أنَّ المَنازِلَ والقِسَمَ في الجَنَّةِ عَلى قَدْرِ الأعْمالِ، ونَفْسَ دُخُولِ الجَنَّةِ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وفَضْلِهِ لا بِعَمَلِ عامِلٍ، وفِيهِ النَّصُّ الصَّحِيحُ الصَّرِيحُ: «لا يَدْخُلُ أحَدٌ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ، قالُوا: ولا أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: ولا أنا إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي بِفَضْلٍ مِنهُ ورَحْمَةٍ "» . (لَغْوًا): سَقْطُ القَوْلِ وفُحْشُهُ، ﴿ولا تَأْثِيمًا﴾: ما يُؤْثِمُ أحَدًا والظّاهِرُ أنَّ ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، لِأنَّهُ لَمْ يَنْدَرِجْ في اللَّغْوِ ولا التَّأْثِيمِ، ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن قالَ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ. وسَلامًا، قالَ الزَّجّاجُ: هو مَصْدَرٌ نَصَبَهُ (قِيلًا)، أيْ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ﴿سَلامًا سَلامًا﴾ . وقِيلَ: نُصِبَ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، وهو مَعْمُولُ قِيلًا، أيْ قِيلًا اسْلَمُوا سَلامًا. وقِيلَ: (سَلامًا) بَدَلٌ مِن (قِيلًا) . وقِيلَ: نَعْتٌ لِقِيلًا بِالمَصْدَرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إلّا قِيلًا سالِمًا مِن هَذِهِ العُيُوبِ. ﴿فِي سِدْرٍ﴾: في الجَنَّةِ شَجَرٌ عَلى خَلْقِهِ، لَهُ ثَمَرٌ كَقِلالِ هَجَرَ طَيِّبُ الطَّعْمِ والرِّيحِ. ﴿مَخْضُودٍ﴾: عارٍ مِنَ الشَّوْكِ. وقالَ مُجاهِدٌ: المَخْضُودُ: المُوَقَّرُ الَّذِي تَثْنِي أغْصانَهُ كَثْرَةُ حَمْلِهِ، مِن خَضَدَ الغُصْنَ إذا أثْناهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وطَلْحٍ﴾ بِالحاءِ؛ وعَلِيٌّ وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وعَبْدُ اللَّهِ: بِالعَيْنِ، قَرَأها عَلى المِنبَرِ. وقالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وعَطاءٌ ومُجاهِدٌ: الطَّلْحُ: المَوْزُ. وقالَ الحَسَنُ: لَيْسَ بِالمَوْزِ، ولَكِنَّهُ شَجَرٌ ظِلُّهُ بارِدٌ رَطْبٌ. وقِيلَ: شَجَرُ أُمِّ غَيْلانَ، ولَهُ نُوّارٌ كَثِيرٌ طَيِّبُ الرّائِحَةِ. وقالَ السُّدِّيُّ: شَجَرٌ يُشْبِهُ طَلْحَ الدُّنْيا، ولَكِنْ لَهُ ثَمَرٌ أحْلى مِنَ العَسَلِ. والمَنضُودُ: الَّذِي نُضِّدَ مِن أسْفَلِهِ إلى أعْلاهُ، فَلَيْسَتْ لَهُ ساقٌ تَظْهَرُ. ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾: لا يَتَقَلَّصُ. بَلْ مُنْبَسِطٌ لا يَنْسَخُهُ شَيْءٌ. (p-٢٠٧)قالَ مُجاهِدٌ: هَذا الظِّلُّ مِن سِدْرِها وطَلْحِها. ﴿وماءٍ مَسْكُوبٍ﴾، قالَ سُفْيانُ وغَيْرُهُ: جارٍ في غَيْرِ أخادِيدَ. وقِيلَ: مُنْسابٌ لا يُتْعَبُ فِيهِ بِساقِيَةٍ ولا رِشاءٍ. ﴿لا مَقْطُوعَةٍ﴾: أيْ هي دائِمَةٌ لا تَنْقَطِعُ في بَعْضِ الأوْقاتِ، كَفاكِهَةِ الدُّنْيا، ﴿ولا مَمْنُوعَةٍ﴾: أيْ لا يُمْنَعُ مِن تَناوُلِها بِوَجْهٍ، ولا يُحْظَرُ عَلَيْها كالَّتِي في الدُّنْيا. وقُرِئَ: وفاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ بِرَفْعِهِما، أيْ وهُناكَ فاكِهَةٌ، وفُرُشٍ: جَمْعُ فِراشٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِضَمِّ الرّاءِ؛ وأبُو حَيْوَةَ: بِسُكُونِها مَرْفُوعَةً، نُضِّدَتْ حَتّى ارْتَفَعَتْ، أوْ رُفِعَتْ عَلى الأسِرَّةِ. والظّاهِرُ أنَّ الفِراشَ هو ما يُفْتَرَشُ لِلْجُلُوسِ عَلَيْهِ والنَّوْمِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: المُرادُ بِالفُرُشِ النِّساءُ، لِأنَّ المَرْأةَ يُكَنّى عَنْها بِالفِراشِ، ورَفَعَهُنَّ في الأقْدارِ والمَنازِلِ. والضَّمِيرُ في ﴿أنْشَأْناهُنَّ﴾ عائِدٌ عَلى الفُرُشِ في قَوْلِ أبِي عُبَيْدَةَ، إذْ هُنَّ النِّساءُ عِنْدَهُ، وعَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ الفُرُشُ إذا كانَ المُرادُ بِالفُرُشِ ظاهِرُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ المَلابِسِ الَّتِي تُفْرَشُ ويُضْطَجَعُ عَلَيْها، أيِ ابْتَدَأْنا خَلْقَهُنَّ ابْتِداءً جَدِيدًا مِن غَيْرِ وِلادَةٍ. والظّاهِرُ أنَّ الإنْشاءَ هو الِاخْتِراعُ الَّذِي لَمْ يُسْبَقْ بِخَلْقٍ، ويَكُونُ ذَلِكَ مَخْصُوصًا بِالحُورِ اللّاتِي لَسْنَ مِن نَسْلِ آدَمَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ إنْشاءَ الإعادَةِ فَيَكُونَ ذَلِكَ لِبَناتِ آدَمَ. ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا عُرُبًا﴾: والعَرِبُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: العَرُوبُ المُتَحَبِّبَةُ إلى زَوْجِها، وقالَهُ الحَسَنُ، وعَبَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا عَنْهُنَّ بِالعَواشِقِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: ؎وفِي الخُدُورِ عَرُوبٌ غَيْرُ فاحِشَةٍ ∗∗∗ رَيّا الرَّوادِفِ يُغْشى دُونَها البَصَرُ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: العَرُوبُ: المُحَسِّنَةُ لِلْكَلامِ. وقَرَأ حَمْزَةُ وناسٌ مِنهم شُجاعٌ وعَبّاسٌ والأصْمَعِيُّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو، وناسٌ مِنهم خارِجَةُ وكَرْدَمٌ وأبُو خُلَيْدٍ عَنْ نافِعٍ، وناسٌ مِنهم أبُو بَكْرٍ وحَمّادٌ وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: بِسُكُونِ الرّاءِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِضَمِّها. (أتْرابًا) في الشَّكْلِ والقَدِّ، وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿أنْشَأْناهُنَّ﴾ عائِدٌ عَلى الحُورِ العِينِ المَذْكُورَةِ قَبْلُ، لِأنَّ تِلْكَ قِصَّةٌ قَدِ انْقَطَعَتْ، وهي قِصَّةُ السّابِقِينَ، وهَذِهِ قِصَّةُ أصْحابِ اليَمِينِ. واللّامُ في (لِأصْحابِ) مُتَعَلِّقَةٌ بِأنْشَأْناهُنَّ. ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾: أيْ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ، ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾: أيْ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، ﷺ، ولا تَنافِيَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ وقَوْلِهِ قَبْلُ: ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِنَ الآخِرِينَ﴾ هو في السّابِقِينَ، وقَوْلَهُ ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ هو في أصْحابِ اليَمِينِ.

الواقعة 56:35

﴿إذا رُجَّتِ﴾ [الواقعة: ٤]، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: زُلْزِلَتْ وحُرِّكَتْ بِجَذْبٍ. وقالَ أيْضًا هو وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ: (بُسَّتِ): فُتِّتَتْ، وقِيلَ: سُيِّرَتْ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ﴿رُجَّتِ﴾ [الواقعة: ٤]، و(بَسَّتِ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، (و ﴿إذا رُجَّتِ﴾ [الواقعة: ٤]) بَدَلٌ مِن ﴿إذا وقَعَتِ﴾ [الواقعة: ١]، وجَوابُ الشَّرْطِ عِنْدِي مَلْفُوظٌ بِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾، والمَعْنى إذا كانَ كَذا وكَذا، فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أسْعَدَهم وما أعْظَمَ ما يُجازَوْنَ بِهِ، أيْ إنَّ سَعادَتَهم وعِظَمَ رُتْبَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَظْهَرُ في ذَلِكَ الوَقْتِ الشَّدِيدِ الصَّعْبِ عَلى العالَمِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِخافِضَةٍ رافِعَةٍ، أيْ تَخْفِضُ وتَرْفَعُ وقْتَ رَجِّ الأرْضِ وبَسِّ الجِبالِ، لِأنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ يَنْخَفِضُ ما هو مُرْتَفِعٌ ويَرْتَفِعُ ما هو مُنْخَفِضٌ. انْتَهى. ولا يَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِهِما مَعًا، بَلْ بِأحَدِهِما، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَجْتَمِعَ مُؤَثِّرانِ عَلى أثَرٍ واحِدٍ. وقالَ ابْنُ جِنِّي وأبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: ﴿إذا رُجَّتِ﴾ [الواقعة: ٤] في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الَّذِي هو ﴿إذا وقَعَتِ﴾ [الواقعة: ١]، ولَيْسَتْ واحِدَةٌ مِنهُما شُرْطِيَّةً، بَلْ جُعِلَتْ بِمَعْنى وقْتٍ، وما بَعْدَ إذا أحْوالٌ ثَلاثَةٌ، والمَعْنى: وقْتُ وُقُوعِ الواقِعَةِ صادِقَةَ الوُقُوعِ، خافِضَةَ قَوْمٍ، رافِعَةَ آخَرِينَ وقْتُ رَجِّ الأرْضِ. وهَكَذا ادَّعى ابْنُ مالِكٍ أنَّ إذا تَكُونُ مُبْتَدَأً، واسْتَدَلَّ بِهَذا. وقَدْ ذَكَرْنا في شَرْحِ التَّسْهِيلِ ما تَبْقى بِهِ إذا عَلى مَدْلُولِها مِنَ الشَّرْطِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ الهَباءِ في سُورَةِ الفُرْقانِ. ﴿مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: ٦]: مُنْتَشِرًا. مُنْبَتًّا بِنُقْطَتَيْنِ بَدَلَ الثّاءِ المُثَلَّثَةِ، قِراءَةُ الجُمْهُورِ، أيْ مُنْقَطِعًا. (وكُنْتُمْ): خِطابٌ لِلْعالَمِ، ﴿أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة: ٧]: أصْنافًا ثَلاثَةً، وهَذِهِ رُتَبٌ لِلنّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ. ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾، قالَ الحَسَنُ والرَّبِيعُ: هُمُ المَيامِينُ عَلى أنْفُسِهِمْ. وقِيلَ: الَّذِينَ يُؤْتَوْنَ صَحائِفَهم بِأيْمانِهِمْ. وقِيلَ: أصْحابُ المَنزِلَةِ السَّنِيَّةِ، كَما تَقُولُ: هو مِنِّي بِاليَمِينِ. وقِيلَ: المَأْخُوذُ بِهِمْ ذاتُ اليَمِينِ أوْ مَيْمَنَةُ آدَمَ المَذْكُورَةُ في حَدَثِ الإسْراءِ في الأسْوِدَةِ. ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ﴾: هم مَن قابَلَ أصْحابَ المَيْمَنَةِ في هَذِهِ الأقْوالِ، فَأصْحابُ مُبْتَدَأٌ، ما مُبْتَدَأٌ ثانٍ اسْتِفْهامٌ (p-٢٠٥)فِي مَعْنى التَّعْظِيمِ، وأصْحابُ المَيْمَنَةِ خَبَرٌ عَنْ ما، وما بَعْدَها خَبَرٌ عَنْ أصْحابٍ، ورَبَطَ الجُمْلَةَ بِالمُبْتَدَأِ تَكْرارُ المُبْتَدَأِ بِلَفْظِهِ، وأكْثَرُ ما يَكُونُ ذَلِكَ في مَوْضِعِ التَّهْوِيلِ والتَّعْظِيمِ، وما تَعَجُّبٌ مِن حالِ الفَرِيقَيْنِ في السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ هم. ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾: جَوَّزُوا أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وخَبَرًا، نَحْوَ قَوْلِهِمْ: أنْتَ أنْتَ، وقَوْلِهِ: أنا أبُو النَّجْمِ، وشِعْرِي شِعْرِي، أيِ الَّذِينَ انْتَهَوْا في السَّبْقِ، أيِ الطّاعاتِ، وبَرَعُوا فِيها وعُرِفَتْ حالُهم. وأنْ يَكُونَ السّابِقُونَ تَأْكِيدًا لَفْظِيًّا، والخَبَرُ فِيما بَعْدَ ذَلِكَ؛ وأنْ يَكُونَ السّابِقُونَ مُبْتَدَأً والخَبَرُ فِيما بَعْدَهُ، وتَقِفُ عَلى قَوْلِهِ: (والسّابِقُونَ)، وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقُ السَّبْقِ الأوَّلِ مُخالِفًا لِلسَّبْقِ الثّانِي. والسّابِقُونَ إلى الإيمانِ السّابِقُونَ إلى الجَنَّةِ، فَعَلى هَذا جَوَّزُوا أنْ يَكُونَ السّابِقُونَ خَبَرًا لِقَوْلِهِ: (والسّابِقُونَ)، وأنْ يَكُونَ صِفَةً والخَبَرُ فِيما بَعْدَهُ. والوَجْهُ الأوَّلُ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ يَعْنِي السّابِقُونَ خَبَرُ الِابْتِداءِ، يَعْنِي خَبَرَ والسّابِقُونَ، وهَذا كَما تَقُولُ: النّاسُ النّاسُ، وأنْتَ أنْتَ، وهَذا عَلى تَفْخِيمِ الأمْرِ وتَعْظِيمِهِ. انْتَهى. ويُرَجِّحُ هَذا القَوْلَ أنَّهُ ذَكَرَ أصْحابَ المَيْمَنَةِ مُتَعَجِّبًا مِنهم في سَعادَتِهِمْ، وأصْحابَ المَشْأمَةِ مُتَعَجِّبًا مِنهم في شَقاوَتِهِمْ، فَناسَبَ أنْ يَذْكُرَ السّابِقُونَ مُثْبِتًا حالَهم مُعَظِّمًا، وذَلِكَ بِالإخْبارِ أنَّهم نِهايَةٌ في العَظَمَةِ والسَّعادَةِ، والسّابِقُونَ عُمُومٌ في السَّبْقِ إلى أعْمالِ الطّاعاتِ، وإلى تَرْكِ المَعاصِي. وقالَ عُثْمانُ بْنُ أبِي سَوْدَةَ: السّابِقُونَ إلى المَساجِدِ. وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: هُمُ الَّذِينَ صَلَّوْا إلى القِبْلَتَيْنِ. وقالَ كَعْبٌ: هم أهْلُ القُرْآنِ. وفي الحَدِيثِ: «سُئِلَ عَنِ السّابِقِينَ فَقالَ: هُمُ الَّذِينَ إذا أُعْطُوا الحَقَّ قَبِلُوهُ، وإذا سُئِلُوهُ بَذَلُوهُ، وحَكَمُوا لِلنّاسِ بِحُكْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ» . (أُولَئِكَ): إشارَةٌ إلى السّابِقِينَ المُقَرَّبِينَ الَّذِينَ عَلَتْ مَنازِلُهم وقَرُبَتْ دَرَجاتُهم في الجَنَّةِ مِنَ العَرْشِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي جَنّاتِ﴾، جَمْعًا. وطَلْحَةُ: في جَنَّةِ مُفْرَدًا. وقَسَّمَ السّابِقِينَ المُقَرَّبِينَ إلى ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ . وقالَ الحَسَنُ: السّابِقُونَ مِنَ الأُمَمِ، والسّابِقُونَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ. وقالَتْ عائِشَةُ: الفِرْقَتانِ في كُلِّ أُمَّةِ نَبِيٍّ، في صَدْرِها ثُلَّةٌ، وفي آخِرِها قَلِيلٌ. وقِيلَ: هُما الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كانُوا في صَدْرِ الدُّنْيا، وفي آخِرِها أقَلَّ. وفي الحَدِيثِ: «الفِرْقَتانِ في أُمَّتِي، فَسابِقٌ في أوَّلِ الأُمَّةِ ثُلَّةٌ، وسابِقُ سائِرِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ قَلِيلٌ»، وارْتَفَعَ ثُلَّةٌ عَلى إضْمارِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿عَلى سُرُرٍ﴾ بِضَمِّ الرّاءِ؛ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو السَّمّالِ: بِفَتْحِها، وهي لُغَةٌ لِبَعْضِ بَنِي تَمِيمٍ وكَلْبٍ، يَفْتَحُونَ عَيْنَ فُعَلٍ جَمْعِ فَعِيلٍ المُضَعَّفِ، نَحْوَ سَرِيرٍ، وتَقَدَّمَ ذَلِكَ في والصّافّاتِ. ﴿مَوْضُونَةٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَرْمُولَةٌ بِالذَّهَبِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: مُشَبَّكَةٌ بِالدُّرِّ والياقُوتِ. ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها﴾: أيْ عَلى السُّرُرِ، ومُتَّكِئِينَ: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في ﴿عَلى سُرُرٍ﴾، (مُتَقابِلِينَ): يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، وُصِفُوا بِحُسْنِ العِشْرَةِ وتَهْذِيبِ الأخْلاقِ وصَفاءِ بَطائِنِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا. ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾: وُصِفُوا بِالخُلْدِ، وإنْ كانَ مَن في الجَنَّةِ مُخَلَّدًا، لِيَدُلَّ عَلى أنَّهم يَبْقَوْنَ دائِمًا في سِنِّ الوِلْدانِ، لا يَكْبُرُونَ ولا يَتَحَوَّلُونَ عَنْ شَكْلِ الوَصافَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَمُوتُونَ. وقالَ الفَرّاءُ: مُقَرَّطُونَ بِالخَلَداتِ، وهي ضُرُوبٌ مِنَ الأقْراطِ. ﴿وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾، قالَ: مِن خَمْرٍ سائِلَةٍ جارِيَةٍ مُعَيَّنَةٍ. ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾، قالَ الأكْثَرُونَ: لا يَلْحَقُ رُءُوسَهُمُ الصُّداعُ الَّذِي يَلْحَقُ مِن خَمْرِ الدُّنْيا. وقَرَأْتُ عَلى أُسْتاذِنا العَلّامَةِ أبِي جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى قَوْلَ عَلْقَمَةَ في صِفَةِ الخَمْرِ: ؎تَشْفِي الصُّداعَ ولا يُؤْذِيكَ صالِبُها ولا يُخالِطُها في الرَّأْسِ تَدْوِيمُ فَقالَ: هَذِهِ صِفَةُ أهْلِ الجَنَّةِ. وقِيلَ: لا يُفَرَّقُونَ عَنْها بِمَعْنى: لا تَقْطَعُ عَنْهم لَذَّتَهم بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ، كَما تُفَرِّقُ أهْلَ خَمْرِ الدُّنْيا بِأنْواعٍ مِنَ التَّفْرِيقِ، كَما جاءَ: فَتَصَدَّعَ السَّحابُ عَنِ المَدِينَةِ: أيْ فَتَفَرَّقَ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: لا يَصَّدَّعُونَ، بِفَتْحِ الياءِ وشَدِّ الصّادِ، أصْلُهُ يَتَصَدَّعُونَ، أدْغَمَ التّاءَ في الصّادِ: أيْ لا يَتَفَرَّقُونَ، كَقَوْلِهِ: (p-٢٠٦)﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣] . والجُمْهُورُ؛ بِضَمِّ الياءِ وخِفَّةِ الصّادِ؛ والجُمْهُورُ: بِجَرِّ (وفاكِهَةٍ)؛ ولَحْمٍ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِرَفْعِهِما، أيْ ولَهم. والجُمْهُورُ: ﴿ولا يُنْزِفُونَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وجُبَيْرٌ والضَّحّاكُ: لا تَذْهَبُ عُقُولُهم سُكْرًا؛ وابْنُ أبِي إسْحاقَ: بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ، نَزَفَ البِئْرَ: اسْتَفْرَغَ ماءَها، فالمَعْنى: لا تَفْرَغُ خَمْرُهم. وابْنُ أبِي إسْحاقَ أيْضًا وعَبْدُ اللَّهِ والسُّلَمِيُّ والجَحْدَرِيُّ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وعِيسى: بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ: أيْ لا يَفْنى لَهم شَرابٌ، ﴿مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾: يَأْخُذُونَ خَيْرَهُ وأفْضَلَهُ، ﴿مِمّا يَشْتَهُونَ﴾: أيْ يَتَمَنَّوْنَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ بِرَفْعِهِما؛ وخَرَّجَ عَلِيٌّ عَلى أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (وِلْدانٌ)، أوْ عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في (مُتَّكِئِينَ)، أوْ عَلى مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هو وخَبَرُهُ تَقْدِيرُهُ: لَهم هَذا كُلُّهُ، ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾، أوْ عَلى حَذْفِ خَبَرٍ فَقَطْ: أيْ ولَهم حُورٌ، أوْ فِيهِما حُورٌ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ والحَسَنُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ والمُفَضَّلُ وأبانُ وعِصْمَةُ والكِسائِيُّ: بِجَرِّهِما؛ والنَّخَعِيُّ: وحِيرٍ عِينٍ، بِقَلْبِ الواوِ ياءً وجَرِّهِما، والجَرُّ عَطْفٌ عَلى المَجْرُورِ، أيْ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ بِكَذا وكَذا وحُورٍ عِينٍ. وقِيلَ: هو عَلى مَعْنى: ويُنَعَّمُونَ بِهَذا كُلِّهِ وبِحُورٍ عِينٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَطْفًا عَلى ﴿جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾، كَأنَّهُ قالَ: هم في جَنّاتٍ وفاكِهَةٍ ولَحْمٍ وحُورٍ. انْتَهى، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ وتَفْكِيكُ كَلامٍ مُرْتَبِطٍ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، وهو فَهْمٌ أعْجَمِيٌّ. وقَرَأ أُبَيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ: وحُورًا عِينًا بِنَصْبِهِما، قالُوا: عَلى مَعْنى ويُعْطَوْنَ هَذا كُلَّهُ وحُورًا عِينًا. وقَرَأ قَتادَةُ: وحُورُ عِينٍ بِالرَّفْعِ مُضافًا إلى عِينٍ؛ وابْنُ مِقْسَمٍ: بِالنَّصْبِ مُضافًا إلى عِينٍ؛ وعِكْرِمَةُ: وحَوْراءُ عَيْناءُ عَلى التَّوْحِيدِ اسْمُ جِنْسٍ، وبِفَتْحِ الهَمْزَةِ فِيهِما؛ فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَجْرُورًا عَطْفًا عَلى المَجْرُورِ السّابِقِ؛ واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا؛ كَقِراءَةِ أُبَيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ وحُورًا عِينًا. ووَصَفَ اللُّؤْلُؤَ بِالمَكْنُونِ، لِأنَّهُ أصْفى وأبْعَدُ مِنَ التَّغَيُّرِ. وفي الحَدِيثِ: «صَفاؤُهُنَّ كَصَفاءِ الدُّرِّ الَّذِي لا تَمَسُّهُ الأيْدِي» . وقالَ تَعالى: ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩]، وقالَ الشّاعِرُ، يَصِفُ امْرَأةً بِالصَّوْنِ وعَدَمِ الِابْتِذالِ، فَشَبَّهَها بِالدُّرَّةِ المَكْنُونَةِ في صَدَفَتِها فَقالَ: ؎قامَتْ تَراءى بَيْنَ سَجْفَيْ كِلَّةٍ ∗∗∗ كالشَّمْسِ يَوْمَ طُلُوعِها بِالأسْعُدِ ؎أوْ دُرَّةٍ صَدَفِيَّةٍ غَوّاصُها ∗∗∗ بَهِجٌ مَتى يَرَها يُهِلَّ ويَسْجُدِ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾: رُوِيَ أنَّ المَنازِلَ والقِسَمَ في الجَنَّةِ عَلى قَدْرِ الأعْمالِ، ونَفْسَ دُخُولِ الجَنَّةِ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وفَضْلِهِ لا بِعَمَلِ عامِلٍ، وفِيهِ النَّصُّ الصَّحِيحُ الصَّرِيحُ: «لا يَدْخُلُ أحَدٌ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ، قالُوا: ولا أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: ولا أنا إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي بِفَضْلٍ مِنهُ ورَحْمَةٍ "» . (لَغْوًا): سَقْطُ القَوْلِ وفُحْشُهُ، ﴿ولا تَأْثِيمًا﴾: ما يُؤْثِمُ أحَدًا والظّاهِرُ أنَّ ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، لِأنَّهُ لَمْ يَنْدَرِجْ في اللَّغْوِ ولا التَّأْثِيمِ، ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن قالَ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ. وسَلامًا، قالَ الزَّجّاجُ: هو مَصْدَرٌ نَصَبَهُ (قِيلًا)، أيْ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ﴿سَلامًا سَلامًا﴾ . وقِيلَ: نُصِبَ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، وهو مَعْمُولُ قِيلًا، أيْ قِيلًا اسْلَمُوا سَلامًا. وقِيلَ: (سَلامًا) بَدَلٌ مِن (قِيلًا) . وقِيلَ: نَعْتٌ لِقِيلًا بِالمَصْدَرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إلّا قِيلًا سالِمًا مِن هَذِهِ العُيُوبِ. ﴿فِي سِدْرٍ﴾: في الجَنَّةِ شَجَرٌ عَلى خَلْقِهِ، لَهُ ثَمَرٌ كَقِلالِ هَجَرَ طَيِّبُ الطَّعْمِ والرِّيحِ. ﴿مَخْضُودٍ﴾: عارٍ مِنَ الشَّوْكِ. وقالَ مُجاهِدٌ: المَخْضُودُ: المُوَقَّرُ الَّذِي تَثْنِي أغْصانَهُ كَثْرَةُ حَمْلِهِ، مِن خَضَدَ الغُصْنَ إذا أثْناهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وطَلْحٍ﴾ بِالحاءِ؛ وعَلِيٌّ وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وعَبْدُ اللَّهِ: بِالعَيْنِ، قَرَأها عَلى المِنبَرِ. وقالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وعَطاءٌ ومُجاهِدٌ: الطَّلْحُ: المَوْزُ. وقالَ الحَسَنُ: لَيْسَ بِالمَوْزِ، ولَكِنَّهُ شَجَرٌ ظِلُّهُ بارِدٌ رَطْبٌ. وقِيلَ: شَجَرُ أُمِّ غَيْلانَ، ولَهُ نُوّارٌ كَثِيرٌ طَيِّبُ الرّائِحَةِ. وقالَ السُّدِّيُّ: شَجَرٌ يُشْبِهُ طَلْحَ الدُّنْيا، ولَكِنْ لَهُ ثَمَرٌ أحْلى مِنَ العَسَلِ. والمَنضُودُ: الَّذِي نُضِّدَ مِن أسْفَلِهِ إلى أعْلاهُ، فَلَيْسَتْ لَهُ ساقٌ تَظْهَرُ. ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾: لا يَتَقَلَّصُ. بَلْ مُنْبَسِطٌ لا يَنْسَخُهُ شَيْءٌ. (p-٢٠٧)قالَ مُجاهِدٌ: هَذا الظِّلُّ مِن سِدْرِها وطَلْحِها. ﴿وماءٍ مَسْكُوبٍ﴾، قالَ سُفْيانُ وغَيْرُهُ: جارٍ في غَيْرِ أخادِيدَ. وقِيلَ: مُنْسابٌ لا يُتْعَبُ فِيهِ بِساقِيَةٍ ولا رِشاءٍ. ﴿لا مَقْطُوعَةٍ﴾: أيْ هي دائِمَةٌ لا تَنْقَطِعُ في بَعْضِ الأوْقاتِ، كَفاكِهَةِ الدُّنْيا، ﴿ولا مَمْنُوعَةٍ﴾: أيْ لا يُمْنَعُ مِن تَناوُلِها بِوَجْهٍ، ولا يُحْظَرُ عَلَيْها كالَّتِي في الدُّنْيا. وقُرِئَ: وفاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ بِرَفْعِهِما، أيْ وهُناكَ فاكِهَةٌ، وفُرُشٍ: جَمْعُ فِراشٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِضَمِّ الرّاءِ؛ وأبُو حَيْوَةَ: بِسُكُونِها مَرْفُوعَةً، نُضِّدَتْ حَتّى ارْتَفَعَتْ، أوْ رُفِعَتْ عَلى الأسِرَّةِ. والظّاهِرُ أنَّ الفِراشَ هو ما يُفْتَرَشُ لِلْجُلُوسِ عَلَيْهِ والنَّوْمِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: المُرادُ بِالفُرُشِ النِّساءُ، لِأنَّ المَرْأةَ يُكَنّى عَنْها بِالفِراشِ، ورَفَعَهُنَّ في الأقْدارِ والمَنازِلِ. والضَّمِيرُ في ﴿أنْشَأْناهُنَّ﴾ عائِدٌ عَلى الفُرُشِ في قَوْلِ أبِي عُبَيْدَةَ، إذْ هُنَّ النِّساءُ عِنْدَهُ، وعَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ الفُرُشُ إذا كانَ المُرادُ بِالفُرُشِ ظاهِرُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ المَلابِسِ الَّتِي تُفْرَشُ ويُضْطَجَعُ عَلَيْها، أيِ ابْتَدَأْنا خَلْقَهُنَّ ابْتِداءً جَدِيدًا مِن غَيْرِ وِلادَةٍ. والظّاهِرُ أنَّ الإنْشاءَ هو الِاخْتِراعُ الَّذِي لَمْ يُسْبَقْ بِخَلْقٍ، ويَكُونُ ذَلِكَ مَخْصُوصًا بِالحُورِ اللّاتِي لَسْنَ مِن نَسْلِ آدَمَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ إنْشاءَ الإعادَةِ فَيَكُونَ ذَلِكَ لِبَناتِ آدَمَ. ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا عُرُبًا﴾: والعَرِبُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: العَرُوبُ المُتَحَبِّبَةُ إلى زَوْجِها، وقالَهُ الحَسَنُ، وعَبَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا عَنْهُنَّ بِالعَواشِقِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: ؎وفِي الخُدُورِ عَرُوبٌ غَيْرُ فاحِشَةٍ ∗∗∗ رَيّا الرَّوادِفِ يُغْشى دُونَها البَصَرُ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: العَرُوبُ: المُحَسِّنَةُ لِلْكَلامِ. وقَرَأ حَمْزَةُ وناسٌ مِنهم شُجاعٌ وعَبّاسٌ والأصْمَعِيُّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو، وناسٌ مِنهم خارِجَةُ وكَرْدَمٌ وأبُو خُلَيْدٍ عَنْ نافِعٍ، وناسٌ مِنهم أبُو بَكْرٍ وحَمّادٌ وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: بِسُكُونِ الرّاءِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِضَمِّها. (أتْرابًا) في الشَّكْلِ والقَدِّ، وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿أنْشَأْناهُنَّ﴾ عائِدٌ عَلى الحُورِ العِينِ المَذْكُورَةِ قَبْلُ، لِأنَّ تِلْكَ قِصَّةٌ قَدِ انْقَطَعَتْ، وهي قِصَّةُ السّابِقِينَ، وهَذِهِ قِصَّةُ أصْحابِ اليَمِينِ. واللّامُ في (لِأصْحابِ) مُتَعَلِّقَةٌ بِأنْشَأْناهُنَّ. ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾: أيْ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ، ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾: أيْ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، ﷺ، ولا تَنافِيَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ وقَوْلِهِ قَبْلُ: ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِنَ الآخِرِينَ﴾ هو في السّابِقِينَ، وقَوْلَهُ ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ هو في أصْحابِ اليَمِينِ.

الواقعة 56:36

﴿إذا رُجَّتِ﴾ [الواقعة: ٤]، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: زُلْزِلَتْ وحُرِّكَتْ بِجَذْبٍ. وقالَ أيْضًا هو وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ: (بُسَّتِ): فُتِّتَتْ، وقِيلَ: سُيِّرَتْ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ﴿رُجَّتِ﴾ [الواقعة: ٤]، و(بَسَّتِ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، (و ﴿إذا رُجَّتِ﴾ [الواقعة: ٤]) بَدَلٌ مِن ﴿إذا وقَعَتِ﴾ [الواقعة: ١]، وجَوابُ الشَّرْطِ عِنْدِي مَلْفُوظٌ بِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾، والمَعْنى إذا كانَ كَذا وكَذا، فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أسْعَدَهم وما أعْظَمَ ما يُجازَوْنَ بِهِ، أيْ إنَّ سَعادَتَهم وعِظَمَ رُتْبَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَظْهَرُ في ذَلِكَ الوَقْتِ الشَّدِيدِ الصَّعْبِ عَلى العالَمِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِخافِضَةٍ رافِعَةٍ، أيْ تَخْفِضُ وتَرْفَعُ وقْتَ رَجِّ الأرْضِ وبَسِّ الجِبالِ، لِأنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ يَنْخَفِضُ ما هو مُرْتَفِعٌ ويَرْتَفِعُ ما هو مُنْخَفِضٌ. انْتَهى. ولا يَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِهِما مَعًا، بَلْ بِأحَدِهِما، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَجْتَمِعَ مُؤَثِّرانِ عَلى أثَرٍ واحِدٍ. وقالَ ابْنُ جِنِّي وأبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: ﴿إذا رُجَّتِ﴾ [الواقعة: ٤] في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الَّذِي هو ﴿إذا وقَعَتِ﴾ [الواقعة: ١]، ولَيْسَتْ واحِدَةٌ مِنهُما شُرْطِيَّةً، بَلْ جُعِلَتْ بِمَعْنى وقْتٍ، وما بَعْدَ إذا أحْوالٌ ثَلاثَةٌ، والمَعْنى: وقْتُ وُقُوعِ الواقِعَةِ صادِقَةَ الوُقُوعِ، خافِضَةَ قَوْمٍ، رافِعَةَ آخَرِينَ وقْتُ رَجِّ الأرْضِ. وهَكَذا ادَّعى ابْنُ مالِكٍ أنَّ إذا تَكُونُ مُبْتَدَأً، واسْتَدَلَّ بِهَذا. وقَدْ ذَكَرْنا في شَرْحِ التَّسْهِيلِ ما تَبْقى بِهِ إذا عَلى مَدْلُولِها مِنَ الشَّرْطِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ الهَباءِ في سُورَةِ الفُرْقانِ. ﴿مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: ٦]: مُنْتَشِرًا. مُنْبَتًّا بِنُقْطَتَيْنِ بَدَلَ الثّاءِ المُثَلَّثَةِ، قِراءَةُ الجُمْهُورِ، أيْ مُنْقَطِعًا. (وكُنْتُمْ): خِطابٌ لِلْعالَمِ، ﴿أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة: ٧]: أصْنافًا ثَلاثَةً، وهَذِهِ رُتَبٌ لِلنّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ. ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾، قالَ الحَسَنُ والرَّبِيعُ: هُمُ المَيامِينُ عَلى أنْفُسِهِمْ. وقِيلَ: الَّذِينَ يُؤْتَوْنَ صَحائِفَهم بِأيْمانِهِمْ. وقِيلَ: أصْحابُ المَنزِلَةِ السَّنِيَّةِ، كَما تَقُولُ: هو مِنِّي بِاليَمِينِ. وقِيلَ: المَأْخُوذُ بِهِمْ ذاتُ اليَمِينِ أوْ مَيْمَنَةُ آدَمَ المَذْكُورَةُ في حَدَثِ الإسْراءِ في الأسْوِدَةِ. ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ﴾: هم مَن قابَلَ أصْحابَ المَيْمَنَةِ في هَذِهِ الأقْوالِ، فَأصْحابُ مُبْتَدَأٌ، ما مُبْتَدَأٌ ثانٍ اسْتِفْهامٌ (p-٢٠٥)فِي مَعْنى التَّعْظِيمِ، وأصْحابُ المَيْمَنَةِ خَبَرٌ عَنْ ما، وما بَعْدَها خَبَرٌ عَنْ أصْحابٍ، ورَبَطَ الجُمْلَةَ بِالمُبْتَدَأِ تَكْرارُ المُبْتَدَأِ بِلَفْظِهِ، وأكْثَرُ ما يَكُونُ ذَلِكَ في مَوْضِعِ التَّهْوِيلِ والتَّعْظِيمِ، وما تَعَجُّبٌ مِن حالِ الفَرِيقَيْنِ في السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ هم. ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾: جَوَّزُوا أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وخَبَرًا، نَحْوَ قَوْلِهِمْ: أنْتَ أنْتَ، وقَوْلِهِ: أنا أبُو النَّجْمِ، وشِعْرِي شِعْرِي، أيِ الَّذِينَ انْتَهَوْا في السَّبْقِ، أيِ الطّاعاتِ، وبَرَعُوا فِيها وعُرِفَتْ حالُهم. وأنْ يَكُونَ السّابِقُونَ تَأْكِيدًا لَفْظِيًّا، والخَبَرُ فِيما بَعْدَ ذَلِكَ؛ وأنْ يَكُونَ السّابِقُونَ مُبْتَدَأً والخَبَرُ فِيما بَعْدَهُ، وتَقِفُ عَلى قَوْلِهِ: (والسّابِقُونَ)، وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقُ السَّبْقِ الأوَّلِ مُخالِفًا لِلسَّبْقِ الثّانِي. والسّابِقُونَ إلى الإيمانِ السّابِقُونَ إلى الجَنَّةِ، فَعَلى هَذا جَوَّزُوا أنْ يَكُونَ السّابِقُونَ خَبَرًا لِقَوْلِهِ: (والسّابِقُونَ)، وأنْ يَكُونَ صِفَةً والخَبَرُ فِيما بَعْدَهُ. والوَجْهُ الأوَّلُ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ يَعْنِي السّابِقُونَ خَبَرُ الِابْتِداءِ، يَعْنِي خَبَرَ والسّابِقُونَ، وهَذا كَما تَقُولُ: النّاسُ النّاسُ، وأنْتَ أنْتَ، وهَذا عَلى تَفْخِيمِ الأمْرِ وتَعْظِيمِهِ. انْتَهى. ويُرَجِّحُ هَذا القَوْلَ أنَّهُ ذَكَرَ أصْحابَ المَيْمَنَةِ مُتَعَجِّبًا مِنهم في سَعادَتِهِمْ، وأصْحابَ المَشْأمَةِ مُتَعَجِّبًا مِنهم في شَقاوَتِهِمْ، فَناسَبَ أنْ يَذْكُرَ السّابِقُونَ مُثْبِتًا حالَهم مُعَظِّمًا، وذَلِكَ بِالإخْبارِ أنَّهم نِهايَةٌ في العَظَمَةِ والسَّعادَةِ، والسّابِقُونَ عُمُومٌ في السَّبْقِ إلى أعْمالِ الطّاعاتِ، وإلى تَرْكِ المَعاصِي. وقالَ عُثْمانُ بْنُ أبِي سَوْدَةَ: السّابِقُونَ إلى المَساجِدِ. وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: هُمُ الَّذِينَ صَلَّوْا إلى القِبْلَتَيْنِ. وقالَ كَعْبٌ: هم أهْلُ القُرْآنِ. وفي الحَدِيثِ: «سُئِلَ عَنِ السّابِقِينَ فَقالَ: هُمُ الَّذِينَ إذا أُعْطُوا الحَقَّ قَبِلُوهُ، وإذا سُئِلُوهُ بَذَلُوهُ، وحَكَمُوا لِلنّاسِ بِحُكْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ» . (أُولَئِكَ): إشارَةٌ إلى السّابِقِينَ المُقَرَّبِينَ الَّذِينَ عَلَتْ مَنازِلُهم وقَرُبَتْ دَرَجاتُهم في الجَنَّةِ مِنَ العَرْشِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي جَنّاتِ﴾، جَمْعًا. وطَلْحَةُ: في جَنَّةِ مُفْرَدًا. وقَسَّمَ السّابِقِينَ المُقَرَّبِينَ إلى ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ . وقالَ الحَسَنُ: السّابِقُونَ مِنَ الأُمَمِ، والسّابِقُونَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ. وقالَتْ عائِشَةُ: الفِرْقَتانِ في كُلِّ أُمَّةِ نَبِيٍّ، في صَدْرِها ثُلَّةٌ، وفي آخِرِها قَلِيلٌ. وقِيلَ: هُما الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كانُوا في صَدْرِ الدُّنْيا، وفي آخِرِها أقَلَّ. وفي الحَدِيثِ: «الفِرْقَتانِ في أُمَّتِي، فَسابِقٌ في أوَّلِ الأُمَّةِ ثُلَّةٌ، وسابِقُ سائِرِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ قَلِيلٌ»، وارْتَفَعَ ثُلَّةٌ عَلى إضْمارِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿عَلى سُرُرٍ﴾ بِضَمِّ الرّاءِ؛ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو السَّمّالِ: بِفَتْحِها، وهي لُغَةٌ لِبَعْضِ بَنِي تَمِيمٍ وكَلْبٍ، يَفْتَحُونَ عَيْنَ فُعَلٍ جَمْعِ فَعِيلٍ المُضَعَّفِ، نَحْوَ سَرِيرٍ، وتَقَدَّمَ ذَلِكَ في والصّافّاتِ. ﴿مَوْضُونَةٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَرْمُولَةٌ بِالذَّهَبِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: مُشَبَّكَةٌ بِالدُّرِّ والياقُوتِ. ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها﴾: أيْ عَلى السُّرُرِ، ومُتَّكِئِينَ: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في ﴿عَلى سُرُرٍ﴾، (مُتَقابِلِينَ): يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، وُصِفُوا بِحُسْنِ العِشْرَةِ وتَهْذِيبِ الأخْلاقِ وصَفاءِ بَطائِنِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا. ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾: وُصِفُوا بِالخُلْدِ، وإنْ كانَ مَن في الجَنَّةِ مُخَلَّدًا، لِيَدُلَّ عَلى أنَّهم يَبْقَوْنَ دائِمًا في سِنِّ الوِلْدانِ، لا يَكْبُرُونَ ولا يَتَحَوَّلُونَ عَنْ شَكْلِ الوَصافَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَمُوتُونَ. وقالَ الفَرّاءُ: مُقَرَّطُونَ بِالخَلَداتِ، وهي ضُرُوبٌ مِنَ الأقْراطِ. ﴿وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾، قالَ: مِن خَمْرٍ سائِلَةٍ جارِيَةٍ مُعَيَّنَةٍ. ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾، قالَ الأكْثَرُونَ: لا يَلْحَقُ رُءُوسَهُمُ الصُّداعُ الَّذِي يَلْحَقُ مِن خَمْرِ الدُّنْيا. وقَرَأْتُ عَلى أُسْتاذِنا العَلّامَةِ أبِي جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى قَوْلَ عَلْقَمَةَ في صِفَةِ الخَمْرِ: ؎تَشْفِي الصُّداعَ ولا يُؤْذِيكَ صالِبُها ولا يُخالِطُها في الرَّأْسِ تَدْوِيمُ فَقالَ: هَذِهِ صِفَةُ أهْلِ الجَنَّةِ. وقِيلَ: لا يُفَرَّقُونَ عَنْها بِمَعْنى: لا تَقْطَعُ عَنْهم لَذَّتَهم بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ، كَما تُفَرِّقُ أهْلَ خَمْرِ الدُّنْيا بِأنْواعٍ مِنَ التَّفْرِيقِ، كَما جاءَ: فَتَصَدَّعَ السَّحابُ عَنِ المَدِينَةِ: أيْ فَتَفَرَّقَ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: لا يَصَّدَّعُونَ، بِفَتْحِ الياءِ وشَدِّ الصّادِ، أصْلُهُ يَتَصَدَّعُونَ، أدْغَمَ التّاءَ في الصّادِ: أيْ لا يَتَفَرَّقُونَ، كَقَوْلِهِ: (p-٢٠٦)﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣] . والجُمْهُورُ؛ بِضَمِّ الياءِ وخِفَّةِ الصّادِ؛ والجُمْهُورُ: بِجَرِّ (وفاكِهَةٍ)؛ ولَحْمٍ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِرَفْعِهِما، أيْ ولَهم. والجُمْهُورُ: ﴿ولا يُنْزِفُونَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وجُبَيْرٌ والضَّحّاكُ: لا تَذْهَبُ عُقُولُهم سُكْرًا؛ وابْنُ أبِي إسْحاقَ: بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ، نَزَفَ البِئْرَ: اسْتَفْرَغَ ماءَها، فالمَعْنى: لا تَفْرَغُ خَمْرُهم. وابْنُ أبِي إسْحاقَ أيْضًا وعَبْدُ اللَّهِ والسُّلَمِيُّ والجَحْدَرِيُّ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وعِيسى: بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ: أيْ لا يَفْنى لَهم شَرابٌ، ﴿مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾: يَأْخُذُونَ خَيْرَهُ وأفْضَلَهُ، ﴿مِمّا يَشْتَهُونَ﴾: أيْ يَتَمَنَّوْنَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ بِرَفْعِهِما؛ وخَرَّجَ عَلِيٌّ عَلى أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (وِلْدانٌ)، أوْ عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في (مُتَّكِئِينَ)، أوْ عَلى مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هو وخَبَرُهُ تَقْدِيرُهُ: لَهم هَذا كُلُّهُ، ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾، أوْ عَلى حَذْفِ خَبَرٍ فَقَطْ: أيْ ولَهم حُورٌ، أوْ فِيهِما حُورٌ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ والحَسَنُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ والمُفَضَّلُ وأبانُ وعِصْمَةُ والكِسائِيُّ: بِجَرِّهِما؛ والنَّخَعِيُّ: وحِيرٍ عِينٍ، بِقَلْبِ الواوِ ياءً وجَرِّهِما، والجَرُّ عَطْفٌ عَلى المَجْرُورِ، أيْ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ بِكَذا وكَذا وحُورٍ عِينٍ. وقِيلَ: هو عَلى مَعْنى: ويُنَعَّمُونَ بِهَذا كُلِّهِ وبِحُورٍ عِينٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَطْفًا عَلى ﴿جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾، كَأنَّهُ قالَ: هم في جَنّاتٍ وفاكِهَةٍ ولَحْمٍ وحُورٍ. انْتَهى، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ وتَفْكِيكُ كَلامٍ مُرْتَبِطٍ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، وهو فَهْمٌ أعْجَمِيٌّ. وقَرَأ أُبَيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ: وحُورًا عِينًا بِنَصْبِهِما، قالُوا: عَلى مَعْنى ويُعْطَوْنَ هَذا كُلَّهُ وحُورًا عِينًا. وقَرَأ قَتادَةُ: وحُورُ عِينٍ بِالرَّفْعِ مُضافًا إلى عِينٍ؛ وابْنُ مِقْسَمٍ: بِالنَّصْبِ مُضافًا إلى عِينٍ؛ وعِكْرِمَةُ: وحَوْراءُ عَيْناءُ عَلى التَّوْحِيدِ اسْمُ جِنْسٍ، وبِفَتْحِ الهَمْزَةِ فِيهِما؛ فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَجْرُورًا عَطْفًا عَلى المَجْرُورِ السّابِقِ؛ واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا؛ كَقِراءَةِ أُبَيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ وحُورًا عِينًا. ووَصَفَ اللُّؤْلُؤَ بِالمَكْنُونِ، لِأنَّهُ أصْفى وأبْعَدُ مِنَ التَّغَيُّرِ. وفي الحَدِيثِ: «صَفاؤُهُنَّ كَصَفاءِ الدُّرِّ الَّذِي لا تَمَسُّهُ الأيْدِي» . وقالَ تَعالى: ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩]، وقالَ الشّاعِرُ، يَصِفُ امْرَأةً بِالصَّوْنِ وعَدَمِ الِابْتِذالِ، فَشَبَّهَها بِالدُّرَّةِ المَكْنُونَةِ في صَدَفَتِها فَقالَ: ؎قامَتْ تَراءى بَيْنَ سَجْفَيْ كِلَّةٍ ∗∗∗ كالشَّمْسِ يَوْمَ طُلُوعِها بِالأسْعُدِ ؎أوْ دُرَّةٍ صَدَفِيَّةٍ غَوّاصُها ∗∗∗ بَهِجٌ مَتى يَرَها يُهِلَّ ويَسْجُدِ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾: رُوِيَ أنَّ المَنازِلَ والقِسَمَ في الجَنَّةِ عَلى قَدْرِ الأعْمالِ، ونَفْسَ دُخُولِ الجَنَّةِ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وفَضْلِهِ لا بِعَمَلِ عامِلٍ، وفِيهِ النَّصُّ الصَّحِيحُ الصَّرِيحُ: «لا يَدْخُلُ أحَدٌ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ، قالُوا: ولا أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: ولا أنا إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي بِفَضْلٍ مِنهُ ورَحْمَةٍ "» . (لَغْوًا): سَقْطُ القَوْلِ وفُحْشُهُ، ﴿ولا تَأْثِيمًا﴾: ما يُؤْثِمُ أحَدًا والظّاهِرُ أنَّ ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، لِأنَّهُ لَمْ يَنْدَرِجْ في اللَّغْوِ ولا التَّأْثِيمِ، ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن قالَ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ. وسَلامًا، قالَ الزَّجّاجُ: هو مَصْدَرٌ نَصَبَهُ (قِيلًا)، أيْ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ﴿سَلامًا سَلامًا﴾ . وقِيلَ: نُصِبَ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، وهو مَعْمُولُ قِيلًا، أيْ قِيلًا اسْلَمُوا سَلامًا. وقِيلَ: (سَلامًا) بَدَلٌ مِن (قِيلًا) . وقِيلَ: نَعْتٌ لِقِيلًا بِالمَصْدَرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إلّا قِيلًا سالِمًا مِن هَذِهِ العُيُوبِ. ﴿فِي سِدْرٍ﴾: في الجَنَّةِ شَجَرٌ عَلى خَلْقِهِ، لَهُ ثَمَرٌ كَقِلالِ هَجَرَ طَيِّبُ الطَّعْمِ والرِّيحِ. ﴿مَخْضُودٍ﴾: عارٍ مِنَ الشَّوْكِ. وقالَ مُجاهِدٌ: المَخْضُودُ: المُوَقَّرُ الَّذِي تَثْنِي أغْصانَهُ كَثْرَةُ حَمْلِهِ، مِن خَضَدَ الغُصْنَ إذا أثْناهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وطَلْحٍ﴾ بِالحاءِ؛ وعَلِيٌّ وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وعَبْدُ اللَّهِ: بِالعَيْنِ، قَرَأها عَلى المِنبَرِ. وقالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وعَطاءٌ ومُجاهِدٌ: الطَّلْحُ: المَوْزُ. وقالَ الحَسَنُ: لَيْسَ بِالمَوْزِ، ولَكِنَّهُ شَجَرٌ ظِلُّهُ بارِدٌ رَطْبٌ. وقِيلَ: شَجَرُ أُمِّ غَيْلانَ، ولَهُ نُوّارٌ كَثِيرٌ طَيِّبُ الرّائِحَةِ. وقالَ السُّدِّيُّ: شَجَرٌ يُشْبِهُ طَلْحَ الدُّنْيا، ولَكِنْ لَهُ ثَمَرٌ أحْلى مِنَ العَسَلِ. والمَنضُودُ: الَّذِي نُضِّدَ مِن أسْفَلِهِ إلى أعْلاهُ، فَلَيْسَتْ لَهُ ساقٌ تَظْهَرُ. ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾: لا يَتَقَلَّصُ. بَلْ مُنْبَسِطٌ لا يَنْسَخُهُ شَيْءٌ. (p-٢٠٧)قالَ مُجاهِدٌ: هَذا الظِّلُّ مِن سِدْرِها وطَلْحِها. ﴿وماءٍ مَسْكُوبٍ﴾، قالَ سُفْيانُ وغَيْرُهُ: جارٍ في غَيْرِ أخادِيدَ. وقِيلَ: مُنْسابٌ لا يُتْعَبُ فِيهِ بِساقِيَةٍ ولا رِشاءٍ. ﴿لا مَقْطُوعَةٍ﴾: أيْ هي دائِمَةٌ لا تَنْقَطِعُ في بَعْضِ الأوْقاتِ، كَفاكِهَةِ الدُّنْيا، ﴿ولا مَمْنُوعَةٍ﴾: أيْ لا يُمْنَعُ مِن تَناوُلِها بِوَجْهٍ، ولا يُحْظَرُ عَلَيْها كالَّتِي في الدُّنْيا. وقُرِئَ: وفاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ بِرَفْعِهِما، أيْ وهُناكَ فاكِهَةٌ، وفُرُشٍ: جَمْعُ فِراشٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِضَمِّ الرّاءِ؛ وأبُو حَيْوَةَ: بِسُكُونِها مَرْفُوعَةً، نُضِّدَتْ حَتّى ارْتَفَعَتْ، أوْ رُفِعَتْ عَلى الأسِرَّةِ. والظّاهِرُ أنَّ الفِراشَ هو ما يُفْتَرَشُ لِلْجُلُوسِ عَلَيْهِ والنَّوْمِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: المُرادُ بِالفُرُشِ النِّساءُ، لِأنَّ المَرْأةَ يُكَنّى عَنْها بِالفِراشِ، ورَفَعَهُنَّ في الأقْدارِ والمَنازِلِ. والضَّمِيرُ في ﴿أنْشَأْناهُنَّ﴾ عائِدٌ عَلى الفُرُشِ في قَوْلِ أبِي عُبَيْدَةَ، إذْ هُنَّ النِّساءُ عِنْدَهُ، وعَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ الفُرُشُ إذا كانَ المُرادُ بِالفُرُشِ ظاهِرُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ المَلابِسِ الَّتِي تُفْرَشُ ويُضْطَجَعُ عَلَيْها، أيِ ابْتَدَأْنا خَلْقَهُنَّ ابْتِداءً جَدِيدًا مِن غَيْرِ وِلادَةٍ. والظّاهِرُ أنَّ الإنْشاءَ هو الِاخْتِراعُ الَّذِي لَمْ يُسْبَقْ بِخَلْقٍ، ويَكُونُ ذَلِكَ مَخْصُوصًا بِالحُورِ اللّاتِي لَسْنَ مِن نَسْلِ آدَمَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ إنْشاءَ الإعادَةِ فَيَكُونَ ذَلِكَ لِبَناتِ آدَمَ. ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا عُرُبًا﴾: والعَرِبُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: العَرُوبُ المُتَحَبِّبَةُ إلى زَوْجِها، وقالَهُ الحَسَنُ، وعَبَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا عَنْهُنَّ بِالعَواشِقِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: ؎وفِي الخُدُورِ عَرُوبٌ غَيْرُ فاحِشَةٍ ∗∗∗ رَيّا الرَّوادِفِ يُغْشى دُونَها البَصَرُ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: العَرُوبُ: المُحَسِّنَةُ لِلْكَلامِ. وقَرَأ حَمْزَةُ وناسٌ مِنهم شُجاعٌ وعَبّاسٌ والأصْمَعِيُّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو، وناسٌ مِنهم خارِجَةُ وكَرْدَمٌ وأبُو خُلَيْدٍ عَنْ نافِعٍ، وناسٌ مِنهم أبُو بَكْرٍ وحَمّادٌ وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: بِسُكُونِ الرّاءِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِضَمِّها. (أتْرابًا) في الشَّكْلِ والقَدِّ، وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿أنْشَأْناهُنَّ﴾ عائِدٌ عَلى الحُورِ العِينِ المَذْكُورَةِ قَبْلُ، لِأنَّ تِلْكَ قِصَّةٌ قَدِ انْقَطَعَتْ، وهي قِصَّةُ السّابِقِينَ، وهَذِهِ قِصَّةُ أصْحابِ اليَمِينِ. واللّامُ في (لِأصْحابِ) مُتَعَلِّقَةٌ بِأنْشَأْناهُنَّ. ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾: أيْ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ، ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾: أيْ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، ﷺ، ولا تَنافِيَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ وقَوْلِهِ قَبْلُ: ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِنَ الآخِرِينَ﴾ هو في السّابِقِينَ، وقَوْلَهُ ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ هو في أصْحابِ اليَمِينِ.

الواقعة 56:37

﴿إذا رُجَّتِ﴾ [الواقعة: ٤]، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: زُلْزِلَتْ وحُرِّكَتْ بِجَذْبٍ. وقالَ أيْضًا هو وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ: (بُسَّتِ): فُتِّتَتْ، وقِيلَ: سُيِّرَتْ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ﴿رُجَّتِ﴾ [الواقعة: ٤]، و(بَسَّتِ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، (و ﴿إذا رُجَّتِ﴾ [الواقعة: ٤]) بَدَلٌ مِن ﴿إذا وقَعَتِ﴾ [الواقعة: ١]، وجَوابُ الشَّرْطِ عِنْدِي مَلْفُوظٌ بِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾، والمَعْنى إذا كانَ كَذا وكَذا، فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أسْعَدَهم وما أعْظَمَ ما يُجازَوْنَ بِهِ، أيْ إنَّ سَعادَتَهم وعِظَمَ رُتْبَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَظْهَرُ في ذَلِكَ الوَقْتِ الشَّدِيدِ الصَّعْبِ عَلى العالَمِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِخافِضَةٍ رافِعَةٍ، أيْ تَخْفِضُ وتَرْفَعُ وقْتَ رَجِّ الأرْضِ وبَسِّ الجِبالِ، لِأنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ يَنْخَفِضُ ما هو مُرْتَفِعٌ ويَرْتَفِعُ ما هو مُنْخَفِضٌ. انْتَهى. ولا يَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِهِما مَعًا، بَلْ بِأحَدِهِما، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَجْتَمِعَ مُؤَثِّرانِ عَلى أثَرٍ واحِدٍ. وقالَ ابْنُ جِنِّي وأبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: ﴿إذا رُجَّتِ﴾ [الواقعة: ٤] في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الَّذِي هو ﴿إذا وقَعَتِ﴾ [الواقعة: ١]، ولَيْسَتْ واحِدَةٌ مِنهُما شُرْطِيَّةً، بَلْ جُعِلَتْ بِمَعْنى وقْتٍ، وما بَعْدَ إذا أحْوالٌ ثَلاثَةٌ، والمَعْنى: وقْتُ وُقُوعِ الواقِعَةِ صادِقَةَ الوُقُوعِ، خافِضَةَ قَوْمٍ، رافِعَةَ آخَرِينَ وقْتُ رَجِّ الأرْضِ. وهَكَذا ادَّعى ابْنُ مالِكٍ أنَّ إذا تَكُونُ مُبْتَدَأً، واسْتَدَلَّ بِهَذا. وقَدْ ذَكَرْنا في شَرْحِ التَّسْهِيلِ ما تَبْقى بِهِ إذا عَلى مَدْلُولِها مِنَ الشَّرْطِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ الهَباءِ في سُورَةِ الفُرْقانِ. ﴿مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: ٦]: مُنْتَشِرًا. مُنْبَتًّا بِنُقْطَتَيْنِ بَدَلَ الثّاءِ المُثَلَّثَةِ، قِراءَةُ الجُمْهُورِ، أيْ مُنْقَطِعًا. (وكُنْتُمْ): خِطابٌ لِلْعالَمِ، ﴿أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة: ٧]: أصْنافًا ثَلاثَةً، وهَذِهِ رُتَبٌ لِلنّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ. ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾، قالَ الحَسَنُ والرَّبِيعُ: هُمُ المَيامِينُ عَلى أنْفُسِهِمْ. وقِيلَ: الَّذِينَ يُؤْتَوْنَ صَحائِفَهم بِأيْمانِهِمْ. وقِيلَ: أصْحابُ المَنزِلَةِ السَّنِيَّةِ، كَما تَقُولُ: هو مِنِّي بِاليَمِينِ. وقِيلَ: المَأْخُوذُ بِهِمْ ذاتُ اليَمِينِ أوْ مَيْمَنَةُ آدَمَ المَذْكُورَةُ في حَدَثِ الإسْراءِ في الأسْوِدَةِ. ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ﴾: هم مَن قابَلَ أصْحابَ المَيْمَنَةِ في هَذِهِ الأقْوالِ، فَأصْحابُ مُبْتَدَأٌ، ما مُبْتَدَأٌ ثانٍ اسْتِفْهامٌ (p-٢٠٥)فِي مَعْنى التَّعْظِيمِ، وأصْحابُ المَيْمَنَةِ خَبَرٌ عَنْ ما، وما بَعْدَها خَبَرٌ عَنْ أصْحابٍ، ورَبَطَ الجُمْلَةَ بِالمُبْتَدَأِ تَكْرارُ المُبْتَدَأِ بِلَفْظِهِ، وأكْثَرُ ما يَكُونُ ذَلِكَ في مَوْضِعِ التَّهْوِيلِ والتَّعْظِيمِ، وما تَعَجُّبٌ مِن حالِ الفَرِيقَيْنِ في السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ هم. ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾: جَوَّزُوا أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وخَبَرًا، نَحْوَ قَوْلِهِمْ: أنْتَ أنْتَ، وقَوْلِهِ: أنا أبُو النَّجْمِ، وشِعْرِي شِعْرِي، أيِ الَّذِينَ انْتَهَوْا في السَّبْقِ، أيِ الطّاعاتِ، وبَرَعُوا فِيها وعُرِفَتْ حالُهم. وأنْ يَكُونَ السّابِقُونَ تَأْكِيدًا لَفْظِيًّا، والخَبَرُ فِيما بَعْدَ ذَلِكَ؛ وأنْ يَكُونَ السّابِقُونَ مُبْتَدَأً والخَبَرُ فِيما بَعْدَهُ، وتَقِفُ عَلى قَوْلِهِ: (والسّابِقُونَ)، وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقُ السَّبْقِ الأوَّلِ مُخالِفًا لِلسَّبْقِ الثّانِي. والسّابِقُونَ إلى الإيمانِ السّابِقُونَ إلى الجَنَّةِ، فَعَلى هَذا جَوَّزُوا أنْ يَكُونَ السّابِقُونَ خَبَرًا لِقَوْلِهِ: (والسّابِقُونَ)، وأنْ يَكُونَ صِفَةً والخَبَرُ فِيما بَعْدَهُ. والوَجْهُ الأوَّلُ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ يَعْنِي السّابِقُونَ خَبَرُ الِابْتِداءِ، يَعْنِي خَبَرَ والسّابِقُونَ، وهَذا كَما تَقُولُ: النّاسُ النّاسُ، وأنْتَ أنْتَ، وهَذا عَلى تَفْخِيمِ الأمْرِ وتَعْظِيمِهِ. انْتَهى. ويُرَجِّحُ هَذا القَوْلَ أنَّهُ ذَكَرَ أصْحابَ المَيْمَنَةِ مُتَعَجِّبًا مِنهم في سَعادَتِهِمْ، وأصْحابَ المَشْأمَةِ مُتَعَجِّبًا مِنهم في شَقاوَتِهِمْ، فَناسَبَ أنْ يَذْكُرَ السّابِقُونَ مُثْبِتًا حالَهم مُعَظِّمًا، وذَلِكَ بِالإخْبارِ أنَّهم نِهايَةٌ في العَظَمَةِ والسَّعادَةِ، والسّابِقُونَ عُمُومٌ في السَّبْقِ إلى أعْمالِ الطّاعاتِ، وإلى تَرْكِ المَعاصِي. وقالَ عُثْمانُ بْنُ أبِي سَوْدَةَ: السّابِقُونَ إلى المَساجِدِ. وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: هُمُ الَّذِينَ صَلَّوْا إلى القِبْلَتَيْنِ. وقالَ كَعْبٌ: هم أهْلُ القُرْآنِ. وفي الحَدِيثِ: «سُئِلَ عَنِ السّابِقِينَ فَقالَ: هُمُ الَّذِينَ إذا أُعْطُوا الحَقَّ قَبِلُوهُ، وإذا سُئِلُوهُ بَذَلُوهُ، وحَكَمُوا لِلنّاسِ بِحُكْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ» . (أُولَئِكَ): إشارَةٌ إلى السّابِقِينَ المُقَرَّبِينَ الَّذِينَ عَلَتْ مَنازِلُهم وقَرُبَتْ دَرَجاتُهم في الجَنَّةِ مِنَ العَرْشِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي جَنّاتِ﴾، جَمْعًا. وطَلْحَةُ: في جَنَّةِ مُفْرَدًا. وقَسَّمَ السّابِقِينَ المُقَرَّبِينَ إلى ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ . وقالَ الحَسَنُ: السّابِقُونَ مِنَ الأُمَمِ، والسّابِقُونَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ. وقالَتْ عائِشَةُ: الفِرْقَتانِ في كُلِّ أُمَّةِ نَبِيٍّ، في صَدْرِها ثُلَّةٌ، وفي آخِرِها قَلِيلٌ. وقِيلَ: هُما الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كانُوا في صَدْرِ الدُّنْيا، وفي آخِرِها أقَلَّ. وفي الحَدِيثِ: «الفِرْقَتانِ في أُمَّتِي، فَسابِقٌ في أوَّلِ الأُمَّةِ ثُلَّةٌ، وسابِقُ سائِرِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ قَلِيلٌ»، وارْتَفَعَ ثُلَّةٌ عَلى إضْمارِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿عَلى سُرُرٍ﴾ بِضَمِّ الرّاءِ؛ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو السَّمّالِ: بِفَتْحِها، وهي لُغَةٌ لِبَعْضِ بَنِي تَمِيمٍ وكَلْبٍ، يَفْتَحُونَ عَيْنَ فُعَلٍ جَمْعِ فَعِيلٍ المُضَعَّفِ، نَحْوَ سَرِيرٍ، وتَقَدَّمَ ذَلِكَ في والصّافّاتِ. ﴿مَوْضُونَةٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَرْمُولَةٌ بِالذَّهَبِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: مُشَبَّكَةٌ بِالدُّرِّ والياقُوتِ. ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها﴾: أيْ عَلى السُّرُرِ، ومُتَّكِئِينَ: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في ﴿عَلى سُرُرٍ﴾، (مُتَقابِلِينَ): يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، وُصِفُوا بِحُسْنِ العِشْرَةِ وتَهْذِيبِ الأخْلاقِ وصَفاءِ بَطائِنِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا. ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾: وُصِفُوا بِالخُلْدِ، وإنْ كانَ مَن في الجَنَّةِ مُخَلَّدًا، لِيَدُلَّ عَلى أنَّهم يَبْقَوْنَ دائِمًا في سِنِّ الوِلْدانِ، لا يَكْبُرُونَ ولا يَتَحَوَّلُونَ عَنْ شَكْلِ الوَصافَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَمُوتُونَ. وقالَ الفَرّاءُ: مُقَرَّطُونَ بِالخَلَداتِ، وهي ضُرُوبٌ مِنَ الأقْراطِ. ﴿وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾، قالَ: مِن خَمْرٍ سائِلَةٍ جارِيَةٍ مُعَيَّنَةٍ. ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾، قالَ الأكْثَرُونَ: لا يَلْحَقُ رُءُوسَهُمُ الصُّداعُ الَّذِي يَلْحَقُ مِن خَمْرِ الدُّنْيا. وقَرَأْتُ عَلى أُسْتاذِنا العَلّامَةِ أبِي جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى قَوْلَ عَلْقَمَةَ في صِفَةِ الخَمْرِ: ؎تَشْفِي الصُّداعَ ولا يُؤْذِيكَ صالِبُها ولا يُخالِطُها في الرَّأْسِ تَدْوِيمُ فَقالَ: هَذِهِ صِفَةُ أهْلِ الجَنَّةِ. وقِيلَ: لا يُفَرَّقُونَ عَنْها بِمَعْنى: لا تَقْطَعُ عَنْهم لَذَّتَهم بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ، كَما تُفَرِّقُ أهْلَ خَمْرِ الدُّنْيا بِأنْواعٍ مِنَ التَّفْرِيقِ، كَما جاءَ: فَتَصَدَّعَ السَّحابُ عَنِ المَدِينَةِ: أيْ فَتَفَرَّقَ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: لا يَصَّدَّعُونَ، بِفَتْحِ الياءِ وشَدِّ الصّادِ، أصْلُهُ يَتَصَدَّعُونَ، أدْغَمَ التّاءَ في الصّادِ: أيْ لا يَتَفَرَّقُونَ، كَقَوْلِهِ: (p-٢٠٦)﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣] . والجُمْهُورُ؛ بِضَمِّ الياءِ وخِفَّةِ الصّادِ؛ والجُمْهُورُ: بِجَرِّ (وفاكِهَةٍ)؛ ولَحْمٍ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِرَفْعِهِما، أيْ ولَهم. والجُمْهُورُ: ﴿ولا يُنْزِفُونَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وجُبَيْرٌ والضَّحّاكُ: لا تَذْهَبُ عُقُولُهم سُكْرًا؛ وابْنُ أبِي إسْحاقَ: بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ، نَزَفَ البِئْرَ: اسْتَفْرَغَ ماءَها، فالمَعْنى: لا تَفْرَغُ خَمْرُهم. وابْنُ أبِي إسْحاقَ أيْضًا وعَبْدُ اللَّهِ والسُّلَمِيُّ والجَحْدَرِيُّ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وعِيسى: بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ: أيْ لا يَفْنى لَهم شَرابٌ، ﴿مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾: يَأْخُذُونَ خَيْرَهُ وأفْضَلَهُ، ﴿مِمّا يَشْتَهُونَ﴾: أيْ يَتَمَنَّوْنَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ بِرَفْعِهِما؛ وخَرَّجَ عَلِيٌّ عَلى أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (وِلْدانٌ)، أوْ عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في (مُتَّكِئِينَ)، أوْ عَلى مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هو وخَبَرُهُ تَقْدِيرُهُ: لَهم هَذا كُلُّهُ، ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾، أوْ عَلى حَذْفِ خَبَرٍ فَقَطْ: أيْ ولَهم حُورٌ، أوْ فِيهِما حُورٌ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ والحَسَنُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ والمُفَضَّلُ وأبانُ وعِصْمَةُ والكِسائِيُّ: بِجَرِّهِما؛ والنَّخَعِيُّ: وحِيرٍ عِينٍ، بِقَلْبِ الواوِ ياءً وجَرِّهِما، والجَرُّ عَطْفٌ عَلى المَجْرُورِ، أيْ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ بِكَذا وكَذا وحُورٍ عِينٍ. وقِيلَ: هو عَلى مَعْنى: ويُنَعَّمُونَ بِهَذا كُلِّهِ وبِحُورٍ عِينٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَطْفًا عَلى ﴿جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾، كَأنَّهُ قالَ: هم في جَنّاتٍ وفاكِهَةٍ ولَحْمٍ وحُورٍ. انْتَهى، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ وتَفْكِيكُ كَلامٍ مُرْتَبِطٍ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، وهو فَهْمٌ أعْجَمِيٌّ. وقَرَأ أُبَيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ: وحُورًا عِينًا بِنَصْبِهِما، قالُوا: عَلى مَعْنى ويُعْطَوْنَ هَذا كُلَّهُ وحُورًا عِينًا. وقَرَأ قَتادَةُ: وحُورُ عِينٍ بِالرَّفْعِ مُضافًا إلى عِينٍ؛ وابْنُ مِقْسَمٍ: بِالنَّصْبِ مُضافًا إلى عِينٍ؛ وعِكْرِمَةُ: وحَوْراءُ عَيْناءُ عَلى التَّوْحِيدِ اسْمُ جِنْسٍ، وبِفَتْحِ الهَمْزَةِ فِيهِما؛ فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَجْرُورًا عَطْفًا عَلى المَجْرُورِ السّابِقِ؛ واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا؛ كَقِراءَةِ أُبَيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ وحُورًا عِينًا. ووَصَفَ اللُّؤْلُؤَ بِالمَكْنُونِ، لِأنَّهُ أصْفى وأبْعَدُ مِنَ التَّغَيُّرِ. وفي الحَدِيثِ: «صَفاؤُهُنَّ كَصَفاءِ الدُّرِّ الَّذِي لا تَمَسُّهُ الأيْدِي» . وقالَ تَعالى: ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩]، وقالَ الشّاعِرُ، يَصِفُ امْرَأةً بِالصَّوْنِ وعَدَمِ الِابْتِذالِ، فَشَبَّهَها بِالدُّرَّةِ المَكْنُونَةِ في صَدَفَتِها فَقالَ: ؎قامَتْ تَراءى بَيْنَ سَجْفَيْ كِلَّةٍ ∗∗∗ كالشَّمْسِ يَوْمَ طُلُوعِها بِالأسْعُدِ ؎أوْ دُرَّةٍ صَدَفِيَّةٍ غَوّاصُها ∗∗∗ بَهِجٌ مَتى يَرَها يُهِلَّ ويَسْجُدِ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾: رُوِيَ أنَّ المَنازِلَ والقِسَمَ في الجَنَّةِ عَلى قَدْرِ الأعْمالِ، ونَفْسَ دُخُولِ الجَنَّةِ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وفَضْلِهِ لا بِعَمَلِ عامِلٍ، وفِيهِ النَّصُّ الصَّحِيحُ الصَّرِيحُ: «لا يَدْخُلُ أحَدٌ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ، قالُوا: ولا أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: ولا أنا إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي بِفَضْلٍ مِنهُ ورَحْمَةٍ "» . (لَغْوًا): سَقْطُ القَوْلِ وفُحْشُهُ، ﴿ولا تَأْثِيمًا﴾: ما يُؤْثِمُ أحَدًا والظّاهِرُ أنَّ ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، لِأنَّهُ لَمْ يَنْدَرِجْ في اللَّغْوِ ولا التَّأْثِيمِ، ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن قالَ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ. وسَلامًا، قالَ الزَّجّاجُ: هو مَصْدَرٌ نَصَبَهُ (قِيلًا)، أيْ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ﴿سَلامًا سَلامًا﴾ . وقِيلَ: نُصِبَ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، وهو مَعْمُولُ قِيلًا، أيْ قِيلًا اسْلَمُوا سَلامًا. وقِيلَ: (سَلامًا) بَدَلٌ مِن (قِيلًا) . وقِيلَ: نَعْتٌ لِقِيلًا بِالمَصْدَرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إلّا قِيلًا سالِمًا مِن هَذِهِ العُيُوبِ. ﴿فِي سِدْرٍ﴾: في الجَنَّةِ شَجَرٌ عَلى خَلْقِهِ، لَهُ ثَمَرٌ كَقِلالِ هَجَرَ طَيِّبُ الطَّعْمِ والرِّيحِ. ﴿مَخْضُودٍ﴾: عارٍ مِنَ الشَّوْكِ. وقالَ مُجاهِدٌ: المَخْضُودُ: المُوَقَّرُ الَّذِي تَثْنِي أغْصانَهُ كَثْرَةُ حَمْلِهِ، مِن خَضَدَ الغُصْنَ إذا أثْناهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وطَلْحٍ﴾ بِالحاءِ؛ وعَلِيٌّ وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وعَبْدُ اللَّهِ: بِالعَيْنِ، قَرَأها عَلى المِنبَرِ. وقالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وعَطاءٌ ومُجاهِدٌ: الطَّلْحُ: المَوْزُ. وقالَ الحَسَنُ: لَيْسَ بِالمَوْزِ، ولَكِنَّهُ شَجَرٌ ظِلُّهُ بارِدٌ رَطْبٌ. وقِيلَ: شَجَرُ أُمِّ غَيْلانَ، ولَهُ نُوّارٌ كَثِيرٌ طَيِّبُ الرّائِحَةِ. وقالَ السُّدِّيُّ: شَجَرٌ يُشْبِهُ طَلْحَ الدُّنْيا، ولَكِنْ لَهُ ثَمَرٌ أحْلى مِنَ العَسَلِ. والمَنضُودُ: الَّذِي نُضِّدَ مِن أسْفَلِهِ إلى أعْلاهُ، فَلَيْسَتْ لَهُ ساقٌ تَظْهَرُ. ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾: لا يَتَقَلَّصُ. بَلْ مُنْبَسِطٌ لا يَنْسَخُهُ شَيْءٌ. (p-٢٠٧)قالَ مُجاهِدٌ: هَذا الظِّلُّ مِن سِدْرِها وطَلْحِها. ﴿وماءٍ مَسْكُوبٍ﴾، قالَ سُفْيانُ وغَيْرُهُ: جارٍ في غَيْرِ أخادِيدَ. وقِيلَ: مُنْسابٌ لا يُتْعَبُ فِيهِ بِساقِيَةٍ ولا رِشاءٍ. ﴿لا مَقْطُوعَةٍ﴾: أيْ هي دائِمَةٌ لا تَنْقَطِعُ في بَعْضِ الأوْقاتِ، كَفاكِهَةِ الدُّنْيا، ﴿ولا مَمْنُوعَةٍ﴾: أيْ لا يُمْنَعُ مِن تَناوُلِها بِوَجْهٍ، ولا يُحْظَرُ عَلَيْها كالَّتِي في الدُّنْيا. وقُرِئَ: وفاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ بِرَفْعِهِما، أيْ وهُناكَ فاكِهَةٌ، وفُرُشٍ: جَمْعُ فِراشٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِضَمِّ الرّاءِ؛ وأبُو حَيْوَةَ: بِسُكُونِها مَرْفُوعَةً، نُضِّدَتْ حَتّى ارْتَفَعَتْ، أوْ رُفِعَتْ عَلى الأسِرَّةِ. والظّاهِرُ أنَّ الفِراشَ هو ما يُفْتَرَشُ لِلْجُلُوسِ عَلَيْهِ والنَّوْمِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: المُرادُ بِالفُرُشِ النِّساءُ، لِأنَّ المَرْأةَ يُكَنّى عَنْها بِالفِراشِ، ورَفَعَهُنَّ في الأقْدارِ والمَنازِلِ. والضَّمِيرُ في ﴿أنْشَأْناهُنَّ﴾ عائِدٌ عَلى الفُرُشِ في قَوْلِ أبِي عُبَيْدَةَ، إذْ هُنَّ النِّساءُ عِنْدَهُ، وعَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ الفُرُشُ إذا كانَ المُرادُ بِالفُرُشِ ظاهِرُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ المَلابِسِ الَّتِي تُفْرَشُ ويُضْطَجَعُ عَلَيْها، أيِ ابْتَدَأْنا خَلْقَهُنَّ ابْتِداءً جَدِيدًا مِن غَيْرِ وِلادَةٍ. والظّاهِرُ أنَّ الإنْشاءَ هو الِاخْتِراعُ الَّذِي لَمْ يُسْبَقْ بِخَلْقٍ، ويَكُونُ ذَلِكَ مَخْصُوصًا بِالحُورِ اللّاتِي لَسْنَ مِن نَسْلِ آدَمَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ إنْشاءَ الإعادَةِ فَيَكُونَ ذَلِكَ لِبَناتِ آدَمَ. ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا عُرُبًا﴾: والعَرِبُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: العَرُوبُ المُتَحَبِّبَةُ إلى زَوْجِها، وقالَهُ الحَسَنُ، وعَبَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا عَنْهُنَّ بِالعَواشِقِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: ؎وفِي الخُدُورِ عَرُوبٌ غَيْرُ فاحِشَةٍ ∗∗∗ رَيّا الرَّوادِفِ يُغْشى دُونَها البَصَرُ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: العَرُوبُ: المُحَسِّنَةُ لِلْكَلامِ. وقَرَأ حَمْزَةُ وناسٌ مِنهم شُجاعٌ وعَبّاسٌ والأصْمَعِيُّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو، وناسٌ مِنهم خارِجَةُ وكَرْدَمٌ وأبُو خُلَيْدٍ عَنْ نافِعٍ، وناسٌ مِنهم أبُو بَكْرٍ وحَمّادٌ وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: بِسُكُونِ الرّاءِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِضَمِّها. (أتْرابًا) في الشَّكْلِ والقَدِّ، وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿أنْشَأْناهُنَّ﴾ عائِدٌ عَلى الحُورِ العِينِ المَذْكُورَةِ قَبْلُ، لِأنَّ تِلْكَ قِصَّةٌ قَدِ انْقَطَعَتْ، وهي قِصَّةُ السّابِقِينَ، وهَذِهِ قِصَّةُ أصْحابِ اليَمِينِ. واللّامُ في (لِأصْحابِ) مُتَعَلِّقَةٌ بِأنْشَأْناهُنَّ. ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾: أيْ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ، ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾: أيْ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، ﷺ، ولا تَنافِيَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ وقَوْلِهِ قَبْلُ: ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِنَ الآخِرِينَ﴾ هو في السّابِقِينَ، وقَوْلَهُ ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ هو في أصْحابِ اليَمِينِ.

الواقعة 56:38

﴿إذا رُجَّتِ﴾ [الواقعة: ٤]، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: زُلْزِلَتْ وحُرِّكَتْ بِجَذْبٍ. وقالَ أيْضًا هو وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ: (بُسَّتِ): فُتِّتَتْ، وقِيلَ: سُيِّرَتْ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ﴿رُجَّتِ﴾ [الواقعة: ٤]، و(بَسَّتِ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، (و ﴿إذا رُجَّتِ﴾ [الواقعة: ٤]) بَدَلٌ مِن ﴿إذا وقَعَتِ﴾ [الواقعة: ١]، وجَوابُ الشَّرْطِ عِنْدِي مَلْفُوظٌ بِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾، والمَعْنى إذا كانَ كَذا وكَذا، فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أسْعَدَهم وما أعْظَمَ ما يُجازَوْنَ بِهِ، أيْ إنَّ سَعادَتَهم وعِظَمَ رُتْبَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَظْهَرُ في ذَلِكَ الوَقْتِ الشَّدِيدِ الصَّعْبِ عَلى العالَمِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِخافِضَةٍ رافِعَةٍ، أيْ تَخْفِضُ وتَرْفَعُ وقْتَ رَجِّ الأرْضِ وبَسِّ الجِبالِ، لِأنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ يَنْخَفِضُ ما هو مُرْتَفِعٌ ويَرْتَفِعُ ما هو مُنْخَفِضٌ. انْتَهى. ولا يَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِهِما مَعًا، بَلْ بِأحَدِهِما، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَجْتَمِعَ مُؤَثِّرانِ عَلى أثَرٍ واحِدٍ. وقالَ ابْنُ جِنِّي وأبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: ﴿إذا رُجَّتِ﴾ [الواقعة: ٤] في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الَّذِي هو ﴿إذا وقَعَتِ﴾ [الواقعة: ١]، ولَيْسَتْ واحِدَةٌ مِنهُما شُرْطِيَّةً، بَلْ جُعِلَتْ بِمَعْنى وقْتٍ، وما بَعْدَ إذا أحْوالٌ ثَلاثَةٌ، والمَعْنى: وقْتُ وُقُوعِ الواقِعَةِ صادِقَةَ الوُقُوعِ، خافِضَةَ قَوْمٍ، رافِعَةَ آخَرِينَ وقْتُ رَجِّ الأرْضِ. وهَكَذا ادَّعى ابْنُ مالِكٍ أنَّ إذا تَكُونُ مُبْتَدَأً، واسْتَدَلَّ بِهَذا. وقَدْ ذَكَرْنا في شَرْحِ التَّسْهِيلِ ما تَبْقى بِهِ إذا عَلى مَدْلُولِها مِنَ الشَّرْطِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ الهَباءِ في سُورَةِ الفُرْقانِ. ﴿مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: ٦]: مُنْتَشِرًا. مُنْبَتًّا بِنُقْطَتَيْنِ بَدَلَ الثّاءِ المُثَلَّثَةِ، قِراءَةُ الجُمْهُورِ، أيْ مُنْقَطِعًا. (وكُنْتُمْ): خِطابٌ لِلْعالَمِ، ﴿أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة: ٧]: أصْنافًا ثَلاثَةً، وهَذِهِ رُتَبٌ لِلنّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ. ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾، قالَ الحَسَنُ والرَّبِيعُ: هُمُ المَيامِينُ عَلى أنْفُسِهِمْ. وقِيلَ: الَّذِينَ يُؤْتَوْنَ صَحائِفَهم بِأيْمانِهِمْ. وقِيلَ: أصْحابُ المَنزِلَةِ السَّنِيَّةِ، كَما تَقُولُ: هو مِنِّي بِاليَمِينِ. وقِيلَ: المَأْخُوذُ بِهِمْ ذاتُ اليَمِينِ أوْ مَيْمَنَةُ آدَمَ المَذْكُورَةُ في حَدَثِ الإسْراءِ في الأسْوِدَةِ. ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ﴾: هم مَن قابَلَ أصْحابَ المَيْمَنَةِ في هَذِهِ الأقْوالِ، فَأصْحابُ مُبْتَدَأٌ، ما مُبْتَدَأٌ ثانٍ اسْتِفْهامٌ (p-٢٠٥)فِي مَعْنى التَّعْظِيمِ، وأصْحابُ المَيْمَنَةِ خَبَرٌ عَنْ ما، وما بَعْدَها خَبَرٌ عَنْ أصْحابٍ، ورَبَطَ الجُمْلَةَ بِالمُبْتَدَأِ تَكْرارُ المُبْتَدَأِ بِلَفْظِهِ، وأكْثَرُ ما يَكُونُ ذَلِكَ في مَوْضِعِ التَّهْوِيلِ والتَّعْظِيمِ، وما تَعَجُّبٌ مِن حالِ الفَرِيقَيْنِ في السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ هم. ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾: جَوَّزُوا أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وخَبَرًا، نَحْوَ قَوْلِهِمْ: أنْتَ أنْتَ، وقَوْلِهِ: أنا أبُو النَّجْمِ، وشِعْرِي شِعْرِي، أيِ الَّذِينَ انْتَهَوْا في السَّبْقِ، أيِ الطّاعاتِ، وبَرَعُوا فِيها وعُرِفَتْ حالُهم. وأنْ يَكُونَ السّابِقُونَ تَأْكِيدًا لَفْظِيًّا، والخَبَرُ فِيما بَعْدَ ذَلِكَ؛ وأنْ يَكُونَ السّابِقُونَ مُبْتَدَأً والخَبَرُ فِيما بَعْدَهُ، وتَقِفُ عَلى قَوْلِهِ: (والسّابِقُونَ)، وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقُ السَّبْقِ الأوَّلِ مُخالِفًا لِلسَّبْقِ الثّانِي. والسّابِقُونَ إلى الإيمانِ السّابِقُونَ إلى الجَنَّةِ، فَعَلى هَذا جَوَّزُوا أنْ يَكُونَ السّابِقُونَ خَبَرًا لِقَوْلِهِ: (والسّابِقُونَ)، وأنْ يَكُونَ صِفَةً والخَبَرُ فِيما بَعْدَهُ. والوَجْهُ الأوَّلُ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ يَعْنِي السّابِقُونَ خَبَرُ الِابْتِداءِ، يَعْنِي خَبَرَ والسّابِقُونَ، وهَذا كَما تَقُولُ: النّاسُ النّاسُ، وأنْتَ أنْتَ، وهَذا عَلى تَفْخِيمِ الأمْرِ وتَعْظِيمِهِ. انْتَهى. ويُرَجِّحُ هَذا القَوْلَ أنَّهُ ذَكَرَ أصْحابَ المَيْمَنَةِ مُتَعَجِّبًا مِنهم في سَعادَتِهِمْ، وأصْحابَ المَشْأمَةِ مُتَعَجِّبًا مِنهم في شَقاوَتِهِمْ، فَناسَبَ أنْ يَذْكُرَ السّابِقُونَ مُثْبِتًا حالَهم مُعَظِّمًا، وذَلِكَ بِالإخْبارِ أنَّهم نِهايَةٌ في العَظَمَةِ والسَّعادَةِ، والسّابِقُونَ عُمُومٌ في السَّبْقِ إلى أعْمالِ الطّاعاتِ، وإلى تَرْكِ المَعاصِي. وقالَ عُثْمانُ بْنُ أبِي سَوْدَةَ: السّابِقُونَ إلى المَساجِدِ. وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: هُمُ الَّذِينَ صَلَّوْا إلى القِبْلَتَيْنِ. وقالَ كَعْبٌ: هم أهْلُ القُرْآنِ. وفي الحَدِيثِ: «سُئِلَ عَنِ السّابِقِينَ فَقالَ: هُمُ الَّذِينَ إذا أُعْطُوا الحَقَّ قَبِلُوهُ، وإذا سُئِلُوهُ بَذَلُوهُ، وحَكَمُوا لِلنّاسِ بِحُكْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ» . (أُولَئِكَ): إشارَةٌ إلى السّابِقِينَ المُقَرَّبِينَ الَّذِينَ عَلَتْ مَنازِلُهم وقَرُبَتْ دَرَجاتُهم في الجَنَّةِ مِنَ العَرْشِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي جَنّاتِ﴾، جَمْعًا. وطَلْحَةُ: في جَنَّةِ مُفْرَدًا. وقَسَّمَ السّابِقِينَ المُقَرَّبِينَ إلى ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ . وقالَ الحَسَنُ: السّابِقُونَ مِنَ الأُمَمِ، والسّابِقُونَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ. وقالَتْ عائِشَةُ: الفِرْقَتانِ في كُلِّ أُمَّةِ نَبِيٍّ، في صَدْرِها ثُلَّةٌ، وفي آخِرِها قَلِيلٌ. وقِيلَ: هُما الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كانُوا في صَدْرِ الدُّنْيا، وفي آخِرِها أقَلَّ. وفي الحَدِيثِ: «الفِرْقَتانِ في أُمَّتِي، فَسابِقٌ في أوَّلِ الأُمَّةِ ثُلَّةٌ، وسابِقُ سائِرِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ قَلِيلٌ»، وارْتَفَعَ ثُلَّةٌ عَلى إضْمارِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿عَلى سُرُرٍ﴾ بِضَمِّ الرّاءِ؛ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو السَّمّالِ: بِفَتْحِها، وهي لُغَةٌ لِبَعْضِ بَنِي تَمِيمٍ وكَلْبٍ، يَفْتَحُونَ عَيْنَ فُعَلٍ جَمْعِ فَعِيلٍ المُضَعَّفِ، نَحْوَ سَرِيرٍ، وتَقَدَّمَ ذَلِكَ في والصّافّاتِ. ﴿مَوْضُونَةٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَرْمُولَةٌ بِالذَّهَبِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: مُشَبَّكَةٌ بِالدُّرِّ والياقُوتِ. ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها﴾: أيْ عَلى السُّرُرِ، ومُتَّكِئِينَ: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في ﴿عَلى سُرُرٍ﴾، (مُتَقابِلِينَ): يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، وُصِفُوا بِحُسْنِ العِشْرَةِ وتَهْذِيبِ الأخْلاقِ وصَفاءِ بَطائِنِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا. ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾: وُصِفُوا بِالخُلْدِ، وإنْ كانَ مَن في الجَنَّةِ مُخَلَّدًا، لِيَدُلَّ عَلى أنَّهم يَبْقَوْنَ دائِمًا في سِنِّ الوِلْدانِ، لا يَكْبُرُونَ ولا يَتَحَوَّلُونَ عَنْ شَكْلِ الوَصافَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَمُوتُونَ. وقالَ الفَرّاءُ: مُقَرَّطُونَ بِالخَلَداتِ، وهي ضُرُوبٌ مِنَ الأقْراطِ. ﴿وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾، قالَ: مِن خَمْرٍ سائِلَةٍ جارِيَةٍ مُعَيَّنَةٍ. ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾، قالَ الأكْثَرُونَ: لا يَلْحَقُ رُءُوسَهُمُ الصُّداعُ الَّذِي يَلْحَقُ مِن خَمْرِ الدُّنْيا. وقَرَأْتُ عَلى أُسْتاذِنا العَلّامَةِ أبِي جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى قَوْلَ عَلْقَمَةَ في صِفَةِ الخَمْرِ: ؎تَشْفِي الصُّداعَ ولا يُؤْذِيكَ صالِبُها ولا يُخالِطُها في الرَّأْسِ تَدْوِيمُ فَقالَ: هَذِهِ صِفَةُ أهْلِ الجَنَّةِ. وقِيلَ: لا يُفَرَّقُونَ عَنْها بِمَعْنى: لا تَقْطَعُ عَنْهم لَذَّتَهم بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ، كَما تُفَرِّقُ أهْلَ خَمْرِ الدُّنْيا بِأنْواعٍ مِنَ التَّفْرِيقِ، كَما جاءَ: فَتَصَدَّعَ السَّحابُ عَنِ المَدِينَةِ: أيْ فَتَفَرَّقَ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: لا يَصَّدَّعُونَ، بِفَتْحِ الياءِ وشَدِّ الصّادِ، أصْلُهُ يَتَصَدَّعُونَ، أدْغَمَ التّاءَ في الصّادِ: أيْ لا يَتَفَرَّقُونَ، كَقَوْلِهِ: (p-٢٠٦)﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣] . والجُمْهُورُ؛ بِضَمِّ الياءِ وخِفَّةِ الصّادِ؛ والجُمْهُورُ: بِجَرِّ (وفاكِهَةٍ)؛ ولَحْمٍ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِرَفْعِهِما، أيْ ولَهم. والجُمْهُورُ: ﴿ولا يُنْزِفُونَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وجُبَيْرٌ والضَّحّاكُ: لا تَذْهَبُ عُقُولُهم سُكْرًا؛ وابْنُ أبِي إسْحاقَ: بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ، نَزَفَ البِئْرَ: اسْتَفْرَغَ ماءَها، فالمَعْنى: لا تَفْرَغُ خَمْرُهم. وابْنُ أبِي إسْحاقَ أيْضًا وعَبْدُ اللَّهِ والسُّلَمِيُّ والجَحْدَرِيُّ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وعِيسى: بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ: أيْ لا يَفْنى لَهم شَرابٌ، ﴿مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾: يَأْخُذُونَ خَيْرَهُ وأفْضَلَهُ، ﴿مِمّا يَشْتَهُونَ﴾: أيْ يَتَمَنَّوْنَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ بِرَفْعِهِما؛ وخَرَّجَ عَلِيٌّ عَلى أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (وِلْدانٌ)، أوْ عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في (مُتَّكِئِينَ)، أوْ عَلى مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هو وخَبَرُهُ تَقْدِيرُهُ: لَهم هَذا كُلُّهُ، ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾، أوْ عَلى حَذْفِ خَبَرٍ فَقَطْ: أيْ ولَهم حُورٌ، أوْ فِيهِما حُورٌ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ والحَسَنُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ والمُفَضَّلُ وأبانُ وعِصْمَةُ والكِسائِيُّ: بِجَرِّهِما؛ والنَّخَعِيُّ: وحِيرٍ عِينٍ، بِقَلْبِ الواوِ ياءً وجَرِّهِما، والجَرُّ عَطْفٌ عَلى المَجْرُورِ، أيْ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ بِكَذا وكَذا وحُورٍ عِينٍ. وقِيلَ: هو عَلى مَعْنى: ويُنَعَّمُونَ بِهَذا كُلِّهِ وبِحُورٍ عِينٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَطْفًا عَلى ﴿جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾، كَأنَّهُ قالَ: هم في جَنّاتٍ وفاكِهَةٍ ولَحْمٍ وحُورٍ. انْتَهى، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ وتَفْكِيكُ كَلامٍ مُرْتَبِطٍ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، وهو فَهْمٌ أعْجَمِيٌّ. وقَرَأ أُبَيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ: وحُورًا عِينًا بِنَصْبِهِما، قالُوا: عَلى مَعْنى ويُعْطَوْنَ هَذا كُلَّهُ وحُورًا عِينًا. وقَرَأ قَتادَةُ: وحُورُ عِينٍ بِالرَّفْعِ مُضافًا إلى عِينٍ؛ وابْنُ مِقْسَمٍ: بِالنَّصْبِ مُضافًا إلى عِينٍ؛ وعِكْرِمَةُ: وحَوْراءُ عَيْناءُ عَلى التَّوْحِيدِ اسْمُ جِنْسٍ، وبِفَتْحِ الهَمْزَةِ فِيهِما؛ فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَجْرُورًا عَطْفًا عَلى المَجْرُورِ السّابِقِ؛ واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا؛ كَقِراءَةِ أُبَيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ وحُورًا عِينًا. ووَصَفَ اللُّؤْلُؤَ بِالمَكْنُونِ، لِأنَّهُ أصْفى وأبْعَدُ مِنَ التَّغَيُّرِ. وفي الحَدِيثِ: «صَفاؤُهُنَّ كَصَفاءِ الدُّرِّ الَّذِي لا تَمَسُّهُ الأيْدِي» . وقالَ تَعالى: ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩]، وقالَ الشّاعِرُ، يَصِفُ امْرَأةً بِالصَّوْنِ وعَدَمِ الِابْتِذالِ، فَشَبَّهَها بِالدُّرَّةِ المَكْنُونَةِ في صَدَفَتِها فَقالَ: ؎قامَتْ تَراءى بَيْنَ سَجْفَيْ كِلَّةٍ ∗∗∗ كالشَّمْسِ يَوْمَ طُلُوعِها بِالأسْعُدِ ؎أوْ دُرَّةٍ صَدَفِيَّةٍ غَوّاصُها ∗∗∗ بَهِجٌ مَتى يَرَها يُهِلَّ ويَسْجُدِ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾: رُوِيَ أنَّ المَنازِلَ والقِسَمَ في الجَنَّةِ عَلى قَدْرِ الأعْمالِ، ونَفْسَ دُخُولِ الجَنَّةِ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وفَضْلِهِ لا بِعَمَلِ عامِلٍ، وفِيهِ النَّصُّ الصَّحِيحُ الصَّرِيحُ: «لا يَدْخُلُ أحَدٌ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ، قالُوا: ولا أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: ولا أنا إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي بِفَضْلٍ مِنهُ ورَحْمَةٍ "» . (لَغْوًا): سَقْطُ القَوْلِ وفُحْشُهُ، ﴿ولا تَأْثِيمًا﴾: ما يُؤْثِمُ أحَدًا والظّاهِرُ أنَّ ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، لِأنَّهُ لَمْ يَنْدَرِجْ في اللَّغْوِ ولا التَّأْثِيمِ، ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن قالَ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ. وسَلامًا، قالَ الزَّجّاجُ: هو مَصْدَرٌ نَصَبَهُ (قِيلًا)، أيْ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ﴿سَلامًا سَلامًا﴾ . وقِيلَ: نُصِبَ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، وهو مَعْمُولُ قِيلًا، أيْ قِيلًا اسْلَمُوا سَلامًا. وقِيلَ: (سَلامًا) بَدَلٌ مِن (قِيلًا) . وقِيلَ: نَعْتٌ لِقِيلًا بِالمَصْدَرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إلّا قِيلًا سالِمًا مِن هَذِهِ العُيُوبِ. ﴿فِي سِدْرٍ﴾: في الجَنَّةِ شَجَرٌ عَلى خَلْقِهِ، لَهُ ثَمَرٌ كَقِلالِ هَجَرَ طَيِّبُ الطَّعْمِ والرِّيحِ. ﴿مَخْضُودٍ﴾: عارٍ مِنَ الشَّوْكِ. وقالَ مُجاهِدٌ: المَخْضُودُ: المُوَقَّرُ الَّذِي تَثْنِي أغْصانَهُ كَثْرَةُ حَمْلِهِ، مِن خَضَدَ الغُصْنَ إذا أثْناهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وطَلْحٍ﴾ بِالحاءِ؛ وعَلِيٌّ وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وعَبْدُ اللَّهِ: بِالعَيْنِ، قَرَأها عَلى المِنبَرِ. وقالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وعَطاءٌ ومُجاهِدٌ: الطَّلْحُ: المَوْزُ. وقالَ الحَسَنُ: لَيْسَ بِالمَوْزِ، ولَكِنَّهُ شَجَرٌ ظِلُّهُ بارِدٌ رَطْبٌ. وقِيلَ: شَجَرُ أُمِّ غَيْلانَ، ولَهُ نُوّارٌ كَثِيرٌ طَيِّبُ الرّائِحَةِ. وقالَ السُّدِّيُّ: شَجَرٌ يُشْبِهُ طَلْحَ الدُّنْيا، ولَكِنْ لَهُ ثَمَرٌ أحْلى مِنَ العَسَلِ. والمَنضُودُ: الَّذِي نُضِّدَ مِن أسْفَلِهِ إلى أعْلاهُ، فَلَيْسَتْ لَهُ ساقٌ تَظْهَرُ. ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾: لا يَتَقَلَّصُ. بَلْ مُنْبَسِطٌ لا يَنْسَخُهُ شَيْءٌ. (p-٢٠٧)قالَ مُجاهِدٌ: هَذا الظِّلُّ مِن سِدْرِها وطَلْحِها. ﴿وماءٍ مَسْكُوبٍ﴾، قالَ سُفْيانُ وغَيْرُهُ: جارٍ في غَيْرِ أخادِيدَ. وقِيلَ: مُنْسابٌ لا يُتْعَبُ فِيهِ بِساقِيَةٍ ولا رِشاءٍ. ﴿لا مَقْطُوعَةٍ﴾: أيْ هي دائِمَةٌ لا تَنْقَطِعُ في بَعْضِ الأوْقاتِ، كَفاكِهَةِ الدُّنْيا، ﴿ولا مَمْنُوعَةٍ﴾: أيْ لا يُمْنَعُ مِن تَناوُلِها بِوَجْهٍ، ولا يُحْظَرُ عَلَيْها كالَّتِي في الدُّنْيا. وقُرِئَ: وفاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ بِرَفْعِهِما، أيْ وهُناكَ فاكِهَةٌ، وفُرُشٍ: جَمْعُ فِراشٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِضَمِّ الرّاءِ؛ وأبُو حَيْوَةَ: بِسُكُونِها مَرْفُوعَةً، نُضِّدَتْ حَتّى ارْتَفَعَتْ، أوْ رُفِعَتْ عَلى الأسِرَّةِ. والظّاهِرُ أنَّ الفِراشَ هو ما يُفْتَرَشُ لِلْجُلُوسِ عَلَيْهِ والنَّوْمِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: المُرادُ بِالفُرُشِ النِّساءُ، لِأنَّ المَرْأةَ يُكَنّى عَنْها بِالفِراشِ، ورَفَعَهُنَّ في الأقْدارِ والمَنازِلِ. والضَّمِيرُ في ﴿أنْشَأْناهُنَّ﴾ عائِدٌ عَلى الفُرُشِ في قَوْلِ أبِي عُبَيْدَةَ، إذْ هُنَّ النِّساءُ عِنْدَهُ، وعَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ الفُرُشُ إذا كانَ المُرادُ بِالفُرُشِ ظاهِرُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ المَلابِسِ الَّتِي تُفْرَشُ ويُضْطَجَعُ عَلَيْها، أيِ ابْتَدَأْنا خَلْقَهُنَّ ابْتِداءً جَدِيدًا مِن غَيْرِ وِلادَةٍ. والظّاهِرُ أنَّ الإنْشاءَ هو الِاخْتِراعُ الَّذِي لَمْ يُسْبَقْ بِخَلْقٍ، ويَكُونُ ذَلِكَ مَخْصُوصًا بِالحُورِ اللّاتِي لَسْنَ مِن نَسْلِ آدَمَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ إنْشاءَ الإعادَةِ فَيَكُونَ ذَلِكَ لِبَناتِ آدَمَ. ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا عُرُبًا﴾: والعَرِبُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: العَرُوبُ المُتَحَبِّبَةُ إلى زَوْجِها، وقالَهُ الحَسَنُ، وعَبَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا عَنْهُنَّ بِالعَواشِقِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: ؎وفِي الخُدُورِ عَرُوبٌ غَيْرُ فاحِشَةٍ ∗∗∗ رَيّا الرَّوادِفِ يُغْشى دُونَها البَصَرُ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: العَرُوبُ: المُحَسِّنَةُ لِلْكَلامِ. وقَرَأ حَمْزَةُ وناسٌ مِنهم شُجاعٌ وعَبّاسٌ والأصْمَعِيُّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو، وناسٌ مِنهم خارِجَةُ وكَرْدَمٌ وأبُو خُلَيْدٍ عَنْ نافِعٍ، وناسٌ مِنهم أبُو بَكْرٍ وحَمّادٌ وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: بِسُكُونِ الرّاءِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِضَمِّها. (أتْرابًا) في الشَّكْلِ والقَدِّ، وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿أنْشَأْناهُنَّ﴾ عائِدٌ عَلى الحُورِ العِينِ المَذْكُورَةِ قَبْلُ، لِأنَّ تِلْكَ قِصَّةٌ قَدِ انْقَطَعَتْ، وهي قِصَّةُ السّابِقِينَ، وهَذِهِ قِصَّةُ أصْحابِ اليَمِينِ. واللّامُ في (لِأصْحابِ) مُتَعَلِّقَةٌ بِأنْشَأْناهُنَّ. ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾: أيْ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ، ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾: أيْ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، ﷺ، ولا تَنافِيَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ وقَوْلِهِ قَبْلُ: ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِنَ الآخِرِينَ﴾ هو في السّابِقِينَ، وقَوْلَهُ ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ هو في أصْحابِ اليَمِينِ.

الواقعة 56:39

﴿إذا رُجَّتِ﴾ [الواقعة: ٤]، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: زُلْزِلَتْ وحُرِّكَتْ بِجَذْبٍ. وقالَ أيْضًا هو وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ: (بُسَّتِ): فُتِّتَتْ، وقِيلَ: سُيِّرَتْ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ﴿رُجَّتِ﴾ [الواقعة: ٤]، و(بَسَّتِ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، (و ﴿إذا رُجَّتِ﴾ [الواقعة: ٤]) بَدَلٌ مِن ﴿إذا وقَعَتِ﴾ [الواقعة: ١]، وجَوابُ الشَّرْطِ عِنْدِي مَلْفُوظٌ بِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾، والمَعْنى إذا كانَ كَذا وكَذا، فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أسْعَدَهم وما أعْظَمَ ما يُجازَوْنَ بِهِ، أيْ إنَّ سَعادَتَهم وعِظَمَ رُتْبَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَظْهَرُ في ذَلِكَ الوَقْتِ الشَّدِيدِ الصَّعْبِ عَلى العالَمِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِخافِضَةٍ رافِعَةٍ، أيْ تَخْفِضُ وتَرْفَعُ وقْتَ رَجِّ الأرْضِ وبَسِّ الجِبالِ، لِأنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ يَنْخَفِضُ ما هو مُرْتَفِعٌ ويَرْتَفِعُ ما هو مُنْخَفِضٌ. انْتَهى. ولا يَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِهِما مَعًا، بَلْ بِأحَدِهِما، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَجْتَمِعَ مُؤَثِّرانِ عَلى أثَرٍ واحِدٍ. وقالَ ابْنُ جِنِّي وأبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: ﴿إذا رُجَّتِ﴾ [الواقعة: ٤] في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الَّذِي هو ﴿إذا وقَعَتِ﴾ [الواقعة: ١]، ولَيْسَتْ واحِدَةٌ مِنهُما شُرْطِيَّةً، بَلْ جُعِلَتْ بِمَعْنى وقْتٍ، وما بَعْدَ إذا أحْوالٌ ثَلاثَةٌ، والمَعْنى: وقْتُ وُقُوعِ الواقِعَةِ صادِقَةَ الوُقُوعِ، خافِضَةَ قَوْمٍ، رافِعَةَ آخَرِينَ وقْتُ رَجِّ الأرْضِ. وهَكَذا ادَّعى ابْنُ مالِكٍ أنَّ إذا تَكُونُ مُبْتَدَأً، واسْتَدَلَّ بِهَذا. وقَدْ ذَكَرْنا في شَرْحِ التَّسْهِيلِ ما تَبْقى بِهِ إذا عَلى مَدْلُولِها مِنَ الشَّرْطِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ الهَباءِ في سُورَةِ الفُرْقانِ. ﴿مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: ٦]: مُنْتَشِرًا. مُنْبَتًّا بِنُقْطَتَيْنِ بَدَلَ الثّاءِ المُثَلَّثَةِ، قِراءَةُ الجُمْهُورِ، أيْ مُنْقَطِعًا. (وكُنْتُمْ): خِطابٌ لِلْعالَمِ، ﴿أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة: ٧]: أصْنافًا ثَلاثَةً، وهَذِهِ رُتَبٌ لِلنّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ. ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾، قالَ الحَسَنُ والرَّبِيعُ: هُمُ المَيامِينُ عَلى أنْفُسِهِمْ. وقِيلَ: الَّذِينَ يُؤْتَوْنَ صَحائِفَهم بِأيْمانِهِمْ. وقِيلَ: أصْحابُ المَنزِلَةِ السَّنِيَّةِ، كَما تَقُولُ: هو مِنِّي بِاليَمِينِ. وقِيلَ: المَأْخُوذُ بِهِمْ ذاتُ اليَمِينِ أوْ مَيْمَنَةُ آدَمَ المَذْكُورَةُ في حَدَثِ الإسْراءِ في الأسْوِدَةِ. ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ﴾: هم مَن قابَلَ أصْحابَ المَيْمَنَةِ في هَذِهِ الأقْوالِ، فَأصْحابُ مُبْتَدَأٌ، ما مُبْتَدَأٌ ثانٍ اسْتِفْهامٌ (p-٢٠٥)فِي مَعْنى التَّعْظِيمِ، وأصْحابُ المَيْمَنَةِ خَبَرٌ عَنْ ما، وما بَعْدَها خَبَرٌ عَنْ أصْحابٍ، ورَبَطَ الجُمْلَةَ بِالمُبْتَدَأِ تَكْرارُ المُبْتَدَأِ بِلَفْظِهِ، وأكْثَرُ ما يَكُونُ ذَلِكَ في مَوْضِعِ التَّهْوِيلِ والتَّعْظِيمِ، وما تَعَجُّبٌ مِن حالِ الفَرِيقَيْنِ في السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ هم. ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾: جَوَّزُوا أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وخَبَرًا، نَحْوَ قَوْلِهِمْ: أنْتَ أنْتَ، وقَوْلِهِ: أنا أبُو النَّجْمِ، وشِعْرِي شِعْرِي، أيِ الَّذِينَ انْتَهَوْا في السَّبْقِ، أيِ الطّاعاتِ، وبَرَعُوا فِيها وعُرِفَتْ حالُهم. وأنْ يَكُونَ السّابِقُونَ تَأْكِيدًا لَفْظِيًّا، والخَبَرُ فِيما بَعْدَ ذَلِكَ؛ وأنْ يَكُونَ السّابِقُونَ مُبْتَدَأً والخَبَرُ فِيما بَعْدَهُ، وتَقِفُ عَلى قَوْلِهِ: (والسّابِقُونَ)، وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقُ السَّبْقِ الأوَّلِ مُخالِفًا لِلسَّبْقِ الثّانِي. والسّابِقُونَ إلى الإيمانِ السّابِقُونَ إلى الجَنَّةِ، فَعَلى هَذا جَوَّزُوا أنْ يَكُونَ السّابِقُونَ خَبَرًا لِقَوْلِهِ: (والسّابِقُونَ)، وأنْ يَكُونَ صِفَةً والخَبَرُ فِيما بَعْدَهُ. والوَجْهُ الأوَّلُ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ يَعْنِي السّابِقُونَ خَبَرُ الِابْتِداءِ، يَعْنِي خَبَرَ والسّابِقُونَ، وهَذا كَما تَقُولُ: النّاسُ النّاسُ، وأنْتَ أنْتَ، وهَذا عَلى تَفْخِيمِ الأمْرِ وتَعْظِيمِهِ. انْتَهى. ويُرَجِّحُ هَذا القَوْلَ أنَّهُ ذَكَرَ أصْحابَ المَيْمَنَةِ مُتَعَجِّبًا مِنهم في سَعادَتِهِمْ، وأصْحابَ المَشْأمَةِ مُتَعَجِّبًا مِنهم في شَقاوَتِهِمْ، فَناسَبَ أنْ يَذْكُرَ السّابِقُونَ مُثْبِتًا حالَهم مُعَظِّمًا، وذَلِكَ بِالإخْبارِ أنَّهم نِهايَةٌ في العَظَمَةِ والسَّعادَةِ، والسّابِقُونَ عُمُومٌ في السَّبْقِ إلى أعْمالِ الطّاعاتِ، وإلى تَرْكِ المَعاصِي. وقالَ عُثْمانُ بْنُ أبِي سَوْدَةَ: السّابِقُونَ إلى المَساجِدِ. وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: هُمُ الَّذِينَ صَلَّوْا إلى القِبْلَتَيْنِ. وقالَ كَعْبٌ: هم أهْلُ القُرْآنِ. وفي الحَدِيثِ: «سُئِلَ عَنِ السّابِقِينَ فَقالَ: هُمُ الَّذِينَ إذا أُعْطُوا الحَقَّ قَبِلُوهُ، وإذا سُئِلُوهُ بَذَلُوهُ، وحَكَمُوا لِلنّاسِ بِحُكْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ» . (أُولَئِكَ): إشارَةٌ إلى السّابِقِينَ المُقَرَّبِينَ الَّذِينَ عَلَتْ مَنازِلُهم وقَرُبَتْ دَرَجاتُهم في الجَنَّةِ مِنَ العَرْشِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي جَنّاتِ﴾، جَمْعًا. وطَلْحَةُ: في جَنَّةِ مُفْرَدًا. وقَسَّمَ السّابِقِينَ المُقَرَّبِينَ إلى ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ . وقالَ الحَسَنُ: السّابِقُونَ مِنَ الأُمَمِ، والسّابِقُونَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ. وقالَتْ عائِشَةُ: الفِرْقَتانِ في كُلِّ أُمَّةِ نَبِيٍّ، في صَدْرِها ثُلَّةٌ، وفي آخِرِها قَلِيلٌ. وقِيلَ: هُما الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كانُوا في صَدْرِ الدُّنْيا، وفي آخِرِها أقَلَّ. وفي الحَدِيثِ: «الفِرْقَتانِ في أُمَّتِي، فَسابِقٌ في أوَّلِ الأُمَّةِ ثُلَّةٌ، وسابِقُ سائِرِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ قَلِيلٌ»، وارْتَفَعَ ثُلَّةٌ عَلى إضْمارِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿عَلى سُرُرٍ﴾ بِضَمِّ الرّاءِ؛ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو السَّمّالِ: بِفَتْحِها، وهي لُغَةٌ لِبَعْضِ بَنِي تَمِيمٍ وكَلْبٍ، يَفْتَحُونَ عَيْنَ فُعَلٍ جَمْعِ فَعِيلٍ المُضَعَّفِ، نَحْوَ سَرِيرٍ، وتَقَدَّمَ ذَلِكَ في والصّافّاتِ. ﴿مَوْضُونَةٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَرْمُولَةٌ بِالذَّهَبِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: مُشَبَّكَةٌ بِالدُّرِّ والياقُوتِ. ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها﴾: أيْ عَلى السُّرُرِ، ومُتَّكِئِينَ: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في ﴿عَلى سُرُرٍ﴾، (مُتَقابِلِينَ): يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، وُصِفُوا بِحُسْنِ العِشْرَةِ وتَهْذِيبِ الأخْلاقِ وصَفاءِ بَطائِنِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا. ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾: وُصِفُوا بِالخُلْدِ، وإنْ كانَ مَن في الجَنَّةِ مُخَلَّدًا، لِيَدُلَّ عَلى أنَّهم يَبْقَوْنَ دائِمًا في سِنِّ الوِلْدانِ، لا يَكْبُرُونَ ولا يَتَحَوَّلُونَ عَنْ شَكْلِ الوَصافَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَمُوتُونَ. وقالَ الفَرّاءُ: مُقَرَّطُونَ بِالخَلَداتِ، وهي ضُرُوبٌ مِنَ الأقْراطِ. ﴿وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾، قالَ: مِن خَمْرٍ سائِلَةٍ جارِيَةٍ مُعَيَّنَةٍ. ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾، قالَ الأكْثَرُونَ: لا يَلْحَقُ رُءُوسَهُمُ الصُّداعُ الَّذِي يَلْحَقُ مِن خَمْرِ الدُّنْيا. وقَرَأْتُ عَلى أُسْتاذِنا العَلّامَةِ أبِي جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى قَوْلَ عَلْقَمَةَ في صِفَةِ الخَمْرِ: ؎تَشْفِي الصُّداعَ ولا يُؤْذِيكَ صالِبُها ولا يُخالِطُها في الرَّأْسِ تَدْوِيمُ فَقالَ: هَذِهِ صِفَةُ أهْلِ الجَنَّةِ. وقِيلَ: لا يُفَرَّقُونَ عَنْها بِمَعْنى: لا تَقْطَعُ عَنْهم لَذَّتَهم بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ، كَما تُفَرِّقُ أهْلَ خَمْرِ الدُّنْيا بِأنْواعٍ مِنَ التَّفْرِيقِ، كَما جاءَ: فَتَصَدَّعَ السَّحابُ عَنِ المَدِينَةِ: أيْ فَتَفَرَّقَ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: لا يَصَّدَّعُونَ، بِفَتْحِ الياءِ وشَدِّ الصّادِ، أصْلُهُ يَتَصَدَّعُونَ، أدْغَمَ التّاءَ في الصّادِ: أيْ لا يَتَفَرَّقُونَ، كَقَوْلِهِ: (p-٢٠٦)﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣] . والجُمْهُورُ؛ بِضَمِّ الياءِ وخِفَّةِ الصّادِ؛ والجُمْهُورُ: بِجَرِّ (وفاكِهَةٍ)؛ ولَحْمٍ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِرَفْعِهِما، أيْ ولَهم. والجُمْهُورُ: ﴿ولا يُنْزِفُونَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وجُبَيْرٌ والضَّحّاكُ: لا تَذْهَبُ عُقُولُهم سُكْرًا؛ وابْنُ أبِي إسْحاقَ: بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ، نَزَفَ البِئْرَ: اسْتَفْرَغَ ماءَها، فالمَعْنى: لا تَفْرَغُ خَمْرُهم. وابْنُ أبِي إسْحاقَ أيْضًا وعَبْدُ اللَّهِ والسُّلَمِيُّ والجَحْدَرِيُّ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وعِيسى: بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ: أيْ لا يَفْنى لَهم شَرابٌ، ﴿مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾: يَأْخُذُونَ خَيْرَهُ وأفْضَلَهُ، ﴿مِمّا يَشْتَهُونَ﴾: أيْ يَتَمَنَّوْنَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ بِرَفْعِهِما؛ وخَرَّجَ عَلِيٌّ عَلى أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (وِلْدانٌ)، أوْ عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في (مُتَّكِئِينَ)، أوْ عَلى مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هو وخَبَرُهُ تَقْدِيرُهُ: لَهم هَذا كُلُّهُ، ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾، أوْ عَلى حَذْفِ خَبَرٍ فَقَطْ: أيْ ولَهم حُورٌ، أوْ فِيهِما حُورٌ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ والحَسَنُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ والمُفَضَّلُ وأبانُ وعِصْمَةُ والكِسائِيُّ: بِجَرِّهِما؛ والنَّخَعِيُّ: وحِيرٍ عِينٍ، بِقَلْبِ الواوِ ياءً وجَرِّهِما، والجَرُّ عَطْفٌ عَلى المَجْرُورِ، أيْ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ بِكَذا وكَذا وحُورٍ عِينٍ. وقِيلَ: هو عَلى مَعْنى: ويُنَعَّمُونَ بِهَذا كُلِّهِ وبِحُورٍ عِينٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَطْفًا عَلى ﴿جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾، كَأنَّهُ قالَ: هم في جَنّاتٍ وفاكِهَةٍ ولَحْمٍ وحُورٍ. انْتَهى، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ وتَفْكِيكُ كَلامٍ مُرْتَبِطٍ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، وهو فَهْمٌ أعْجَمِيٌّ. وقَرَأ أُبَيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ: وحُورًا عِينًا بِنَصْبِهِما، قالُوا: عَلى مَعْنى ويُعْطَوْنَ هَذا كُلَّهُ وحُورًا عِينًا. وقَرَأ قَتادَةُ: وحُورُ عِينٍ بِالرَّفْعِ مُضافًا إلى عِينٍ؛ وابْنُ مِقْسَمٍ: بِالنَّصْبِ مُضافًا إلى عِينٍ؛ وعِكْرِمَةُ: وحَوْراءُ عَيْناءُ عَلى التَّوْحِيدِ اسْمُ جِنْسٍ، وبِفَتْحِ الهَمْزَةِ فِيهِما؛ فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَجْرُورًا عَطْفًا عَلى المَجْرُورِ السّابِقِ؛ واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا؛ كَقِراءَةِ أُبَيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ وحُورًا عِينًا. ووَصَفَ اللُّؤْلُؤَ بِالمَكْنُونِ، لِأنَّهُ أصْفى وأبْعَدُ مِنَ التَّغَيُّرِ. وفي الحَدِيثِ: «صَفاؤُهُنَّ كَصَفاءِ الدُّرِّ الَّذِي لا تَمَسُّهُ الأيْدِي» . وقالَ تَعالى: ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩]، وقالَ الشّاعِرُ، يَصِفُ امْرَأةً بِالصَّوْنِ وعَدَمِ الِابْتِذالِ، فَشَبَّهَها بِالدُّرَّةِ المَكْنُونَةِ في صَدَفَتِها فَقالَ: ؎قامَتْ تَراءى بَيْنَ سَجْفَيْ كِلَّةٍ ∗∗∗ كالشَّمْسِ يَوْمَ طُلُوعِها بِالأسْعُدِ ؎أوْ دُرَّةٍ صَدَفِيَّةٍ غَوّاصُها ∗∗∗ بَهِجٌ مَتى يَرَها يُهِلَّ ويَسْجُدِ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾: رُوِيَ أنَّ المَنازِلَ والقِسَمَ في الجَنَّةِ عَلى قَدْرِ الأعْمالِ، ونَفْسَ دُخُولِ الجَنَّةِ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وفَضْلِهِ لا بِعَمَلِ عامِلٍ، وفِيهِ النَّصُّ الصَّحِيحُ الصَّرِيحُ: «لا يَدْخُلُ أحَدٌ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ، قالُوا: ولا أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: ولا أنا إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي بِفَضْلٍ مِنهُ ورَحْمَةٍ "» . (لَغْوًا): سَقْطُ القَوْلِ وفُحْشُهُ، ﴿ولا تَأْثِيمًا﴾: ما يُؤْثِمُ أحَدًا والظّاهِرُ أنَّ ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، لِأنَّهُ لَمْ يَنْدَرِجْ في اللَّغْوِ ولا التَّأْثِيمِ، ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن قالَ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ. وسَلامًا، قالَ الزَّجّاجُ: هو مَصْدَرٌ نَصَبَهُ (قِيلًا)، أيْ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ﴿سَلامًا سَلامًا﴾ . وقِيلَ: نُصِبَ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، وهو مَعْمُولُ قِيلًا، أيْ قِيلًا اسْلَمُوا سَلامًا. وقِيلَ: (سَلامًا) بَدَلٌ مِن (قِيلًا) . وقِيلَ: نَعْتٌ لِقِيلًا بِالمَصْدَرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إلّا قِيلًا سالِمًا مِن هَذِهِ العُيُوبِ. ﴿فِي سِدْرٍ﴾: في الجَنَّةِ شَجَرٌ عَلى خَلْقِهِ، لَهُ ثَمَرٌ كَقِلالِ هَجَرَ طَيِّبُ الطَّعْمِ والرِّيحِ. ﴿مَخْضُودٍ﴾: عارٍ مِنَ الشَّوْكِ. وقالَ مُجاهِدٌ: المَخْضُودُ: المُوَقَّرُ الَّذِي تَثْنِي أغْصانَهُ كَثْرَةُ حَمْلِهِ، مِن خَضَدَ الغُصْنَ إذا أثْناهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وطَلْحٍ﴾ بِالحاءِ؛ وعَلِيٌّ وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وعَبْدُ اللَّهِ: بِالعَيْنِ، قَرَأها عَلى المِنبَرِ. وقالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وعَطاءٌ ومُجاهِدٌ: الطَّلْحُ: المَوْزُ. وقالَ الحَسَنُ: لَيْسَ بِالمَوْزِ، ولَكِنَّهُ شَجَرٌ ظِلُّهُ بارِدٌ رَطْبٌ. وقِيلَ: شَجَرُ أُمِّ غَيْلانَ، ولَهُ نُوّارٌ كَثِيرٌ طَيِّبُ الرّائِحَةِ. وقالَ السُّدِّيُّ: شَجَرٌ يُشْبِهُ طَلْحَ الدُّنْيا، ولَكِنْ لَهُ ثَمَرٌ أحْلى مِنَ العَسَلِ. والمَنضُودُ: الَّذِي نُضِّدَ مِن أسْفَلِهِ إلى أعْلاهُ، فَلَيْسَتْ لَهُ ساقٌ تَظْهَرُ. ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾: لا يَتَقَلَّصُ. بَلْ مُنْبَسِطٌ لا يَنْسَخُهُ شَيْءٌ. (p-٢٠٧)قالَ مُجاهِدٌ: هَذا الظِّلُّ مِن سِدْرِها وطَلْحِها. ﴿وماءٍ مَسْكُوبٍ﴾، قالَ سُفْيانُ وغَيْرُهُ: جارٍ في غَيْرِ أخادِيدَ. وقِيلَ: مُنْسابٌ لا يُتْعَبُ فِيهِ بِساقِيَةٍ ولا رِشاءٍ. ﴿لا مَقْطُوعَةٍ﴾: أيْ هي دائِمَةٌ لا تَنْقَطِعُ في بَعْضِ الأوْقاتِ، كَفاكِهَةِ الدُّنْيا، ﴿ولا مَمْنُوعَةٍ﴾: أيْ لا يُمْنَعُ مِن تَناوُلِها بِوَجْهٍ، ولا يُحْظَرُ عَلَيْها كالَّتِي في الدُّنْيا. وقُرِئَ: وفاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ بِرَفْعِهِما، أيْ وهُناكَ فاكِهَةٌ، وفُرُشٍ: جَمْعُ فِراشٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِضَمِّ الرّاءِ؛ وأبُو حَيْوَةَ: بِسُكُونِها مَرْفُوعَةً، نُضِّدَتْ حَتّى ارْتَفَعَتْ، أوْ رُفِعَتْ عَلى الأسِرَّةِ. والظّاهِرُ أنَّ الفِراشَ هو ما يُفْتَرَشُ لِلْجُلُوسِ عَلَيْهِ والنَّوْمِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: المُرادُ بِالفُرُشِ النِّساءُ، لِأنَّ المَرْأةَ يُكَنّى عَنْها بِالفِراشِ، ورَفَعَهُنَّ في الأقْدارِ والمَنازِلِ. والضَّمِيرُ في ﴿أنْشَأْناهُنَّ﴾ عائِدٌ عَلى الفُرُشِ في قَوْلِ أبِي عُبَيْدَةَ، إذْ هُنَّ النِّساءُ عِنْدَهُ، وعَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ الفُرُشُ إذا كانَ المُرادُ بِالفُرُشِ ظاهِرُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ المَلابِسِ الَّتِي تُفْرَشُ ويُضْطَجَعُ عَلَيْها، أيِ ابْتَدَأْنا خَلْقَهُنَّ ابْتِداءً جَدِيدًا مِن غَيْرِ وِلادَةٍ. والظّاهِرُ أنَّ الإنْشاءَ هو الِاخْتِراعُ الَّذِي لَمْ يُسْبَقْ بِخَلْقٍ، ويَكُونُ ذَلِكَ مَخْصُوصًا بِالحُورِ اللّاتِي لَسْنَ مِن نَسْلِ آدَمَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ إنْشاءَ الإعادَةِ فَيَكُونَ ذَلِكَ لِبَناتِ آدَمَ. ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا عُرُبًا﴾: والعَرِبُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: العَرُوبُ المُتَحَبِّبَةُ إلى زَوْجِها، وقالَهُ الحَسَنُ، وعَبَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا عَنْهُنَّ بِالعَواشِقِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: ؎وفِي الخُدُورِ عَرُوبٌ غَيْرُ فاحِشَةٍ ∗∗∗ رَيّا الرَّوادِفِ يُغْشى دُونَها البَصَرُ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: العَرُوبُ: المُحَسِّنَةُ لِلْكَلامِ. وقَرَأ حَمْزَةُ وناسٌ مِنهم شُجاعٌ وعَبّاسٌ والأصْمَعِيُّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو، وناسٌ مِنهم خارِجَةُ وكَرْدَمٌ وأبُو خُلَيْدٍ عَنْ نافِعٍ، وناسٌ مِنهم أبُو بَكْرٍ وحَمّادٌ وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: بِسُكُونِ الرّاءِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِضَمِّها. (أتْرابًا) في الشَّكْلِ والقَدِّ، وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿أنْشَأْناهُنَّ﴾ عائِدٌ عَلى الحُورِ العِينِ المَذْكُورَةِ قَبْلُ، لِأنَّ تِلْكَ قِصَّةٌ قَدِ انْقَطَعَتْ، وهي قِصَّةُ السّابِقِينَ، وهَذِهِ قِصَّةُ أصْحابِ اليَمِينِ. واللّامُ في (لِأصْحابِ) مُتَعَلِّقَةٌ بِأنْشَأْناهُنَّ. ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾: أيْ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ، ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾: أيْ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، ﷺ، ولا تَنافِيَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ وقَوْلِهِ قَبْلُ: ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِنَ الآخِرِينَ﴾ هو في السّابِقِينَ، وقَوْلَهُ ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ هو في أصْحابِ اليَمِينِ.

الواقعة 56:40

﴿إذا رُجَّتِ﴾ [الواقعة: ٤]، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: زُلْزِلَتْ وحُرِّكَتْ بِجَذْبٍ. وقالَ أيْضًا هو وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ: (بُسَّتِ): فُتِّتَتْ، وقِيلَ: سُيِّرَتْ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ﴿رُجَّتِ﴾ [الواقعة: ٤]، و(بَسَّتِ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، (و ﴿إذا رُجَّتِ﴾ [الواقعة: ٤]) بَدَلٌ مِن ﴿إذا وقَعَتِ﴾ [الواقعة: ١]، وجَوابُ الشَّرْطِ عِنْدِي مَلْفُوظٌ بِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾، والمَعْنى إذا كانَ كَذا وكَذا، فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أسْعَدَهم وما أعْظَمَ ما يُجازَوْنَ بِهِ، أيْ إنَّ سَعادَتَهم وعِظَمَ رُتْبَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَظْهَرُ في ذَلِكَ الوَقْتِ الشَّدِيدِ الصَّعْبِ عَلى العالَمِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِخافِضَةٍ رافِعَةٍ، أيْ تَخْفِضُ وتَرْفَعُ وقْتَ رَجِّ الأرْضِ وبَسِّ الجِبالِ، لِأنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ يَنْخَفِضُ ما هو مُرْتَفِعٌ ويَرْتَفِعُ ما هو مُنْخَفِضٌ. انْتَهى. ولا يَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِهِما مَعًا، بَلْ بِأحَدِهِما، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَجْتَمِعَ مُؤَثِّرانِ عَلى أثَرٍ واحِدٍ. وقالَ ابْنُ جِنِّي وأبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: ﴿إذا رُجَّتِ﴾ [الواقعة: ٤] في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الَّذِي هو ﴿إذا وقَعَتِ﴾ [الواقعة: ١]، ولَيْسَتْ واحِدَةٌ مِنهُما شُرْطِيَّةً، بَلْ جُعِلَتْ بِمَعْنى وقْتٍ، وما بَعْدَ إذا أحْوالٌ ثَلاثَةٌ، والمَعْنى: وقْتُ وُقُوعِ الواقِعَةِ صادِقَةَ الوُقُوعِ، خافِضَةَ قَوْمٍ، رافِعَةَ آخَرِينَ وقْتُ رَجِّ الأرْضِ. وهَكَذا ادَّعى ابْنُ مالِكٍ أنَّ إذا تَكُونُ مُبْتَدَأً، واسْتَدَلَّ بِهَذا. وقَدْ ذَكَرْنا في شَرْحِ التَّسْهِيلِ ما تَبْقى بِهِ إذا عَلى مَدْلُولِها مِنَ الشَّرْطِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ الهَباءِ في سُورَةِ الفُرْقانِ. ﴿مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: ٦]: مُنْتَشِرًا. مُنْبَتًّا بِنُقْطَتَيْنِ بَدَلَ الثّاءِ المُثَلَّثَةِ، قِراءَةُ الجُمْهُورِ، أيْ مُنْقَطِعًا. (وكُنْتُمْ): خِطابٌ لِلْعالَمِ، ﴿أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة: ٧]: أصْنافًا ثَلاثَةً، وهَذِهِ رُتَبٌ لِلنّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ. ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾، قالَ الحَسَنُ والرَّبِيعُ: هُمُ المَيامِينُ عَلى أنْفُسِهِمْ. وقِيلَ: الَّذِينَ يُؤْتَوْنَ صَحائِفَهم بِأيْمانِهِمْ. وقِيلَ: أصْحابُ المَنزِلَةِ السَّنِيَّةِ، كَما تَقُولُ: هو مِنِّي بِاليَمِينِ. وقِيلَ: المَأْخُوذُ بِهِمْ ذاتُ اليَمِينِ أوْ مَيْمَنَةُ آدَمَ المَذْكُورَةُ في حَدَثِ الإسْراءِ في الأسْوِدَةِ. ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ﴾: هم مَن قابَلَ أصْحابَ المَيْمَنَةِ في هَذِهِ الأقْوالِ، فَأصْحابُ مُبْتَدَأٌ، ما مُبْتَدَأٌ ثانٍ اسْتِفْهامٌ (p-٢٠٥)فِي مَعْنى التَّعْظِيمِ، وأصْحابُ المَيْمَنَةِ خَبَرٌ عَنْ ما، وما بَعْدَها خَبَرٌ عَنْ أصْحابٍ، ورَبَطَ الجُمْلَةَ بِالمُبْتَدَأِ تَكْرارُ المُبْتَدَأِ بِلَفْظِهِ، وأكْثَرُ ما يَكُونُ ذَلِكَ في مَوْضِعِ التَّهْوِيلِ والتَّعْظِيمِ، وما تَعَجُّبٌ مِن حالِ الفَرِيقَيْنِ في السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ هم. ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾: جَوَّزُوا أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وخَبَرًا، نَحْوَ قَوْلِهِمْ: أنْتَ أنْتَ، وقَوْلِهِ: أنا أبُو النَّجْمِ، وشِعْرِي شِعْرِي، أيِ الَّذِينَ انْتَهَوْا في السَّبْقِ، أيِ الطّاعاتِ، وبَرَعُوا فِيها وعُرِفَتْ حالُهم. وأنْ يَكُونَ السّابِقُونَ تَأْكِيدًا لَفْظِيًّا، والخَبَرُ فِيما بَعْدَ ذَلِكَ؛ وأنْ يَكُونَ السّابِقُونَ مُبْتَدَأً والخَبَرُ فِيما بَعْدَهُ، وتَقِفُ عَلى قَوْلِهِ: (والسّابِقُونَ)، وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقُ السَّبْقِ الأوَّلِ مُخالِفًا لِلسَّبْقِ الثّانِي. والسّابِقُونَ إلى الإيمانِ السّابِقُونَ إلى الجَنَّةِ، فَعَلى هَذا جَوَّزُوا أنْ يَكُونَ السّابِقُونَ خَبَرًا لِقَوْلِهِ: (والسّابِقُونَ)، وأنْ يَكُونَ صِفَةً والخَبَرُ فِيما بَعْدَهُ. والوَجْهُ الأوَّلُ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ يَعْنِي السّابِقُونَ خَبَرُ الِابْتِداءِ، يَعْنِي خَبَرَ والسّابِقُونَ، وهَذا كَما تَقُولُ: النّاسُ النّاسُ، وأنْتَ أنْتَ، وهَذا عَلى تَفْخِيمِ الأمْرِ وتَعْظِيمِهِ. انْتَهى. ويُرَجِّحُ هَذا القَوْلَ أنَّهُ ذَكَرَ أصْحابَ المَيْمَنَةِ مُتَعَجِّبًا مِنهم في سَعادَتِهِمْ، وأصْحابَ المَشْأمَةِ مُتَعَجِّبًا مِنهم في شَقاوَتِهِمْ، فَناسَبَ أنْ يَذْكُرَ السّابِقُونَ مُثْبِتًا حالَهم مُعَظِّمًا، وذَلِكَ بِالإخْبارِ أنَّهم نِهايَةٌ في العَظَمَةِ والسَّعادَةِ، والسّابِقُونَ عُمُومٌ في السَّبْقِ إلى أعْمالِ الطّاعاتِ، وإلى تَرْكِ المَعاصِي. وقالَ عُثْمانُ بْنُ أبِي سَوْدَةَ: السّابِقُونَ إلى المَساجِدِ. وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: هُمُ الَّذِينَ صَلَّوْا إلى القِبْلَتَيْنِ. وقالَ كَعْبٌ: هم أهْلُ القُرْآنِ. وفي الحَدِيثِ: «سُئِلَ عَنِ السّابِقِينَ فَقالَ: هُمُ الَّذِينَ إذا أُعْطُوا الحَقَّ قَبِلُوهُ، وإذا سُئِلُوهُ بَذَلُوهُ، وحَكَمُوا لِلنّاسِ بِحُكْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ» . (أُولَئِكَ): إشارَةٌ إلى السّابِقِينَ المُقَرَّبِينَ الَّذِينَ عَلَتْ مَنازِلُهم وقَرُبَتْ دَرَجاتُهم في الجَنَّةِ مِنَ العَرْشِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي جَنّاتِ﴾، جَمْعًا. وطَلْحَةُ: في جَنَّةِ مُفْرَدًا. وقَسَّمَ السّابِقِينَ المُقَرَّبِينَ إلى ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ . وقالَ الحَسَنُ: السّابِقُونَ مِنَ الأُمَمِ، والسّابِقُونَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ. وقالَتْ عائِشَةُ: الفِرْقَتانِ في كُلِّ أُمَّةِ نَبِيٍّ، في صَدْرِها ثُلَّةٌ، وفي آخِرِها قَلِيلٌ. وقِيلَ: هُما الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كانُوا في صَدْرِ الدُّنْيا، وفي آخِرِها أقَلَّ. وفي الحَدِيثِ: «الفِرْقَتانِ في أُمَّتِي، فَسابِقٌ في أوَّلِ الأُمَّةِ ثُلَّةٌ، وسابِقُ سائِرِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ قَلِيلٌ»، وارْتَفَعَ ثُلَّةٌ عَلى إضْمارِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿عَلى سُرُرٍ﴾ بِضَمِّ الرّاءِ؛ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو السَّمّالِ: بِفَتْحِها، وهي لُغَةٌ لِبَعْضِ بَنِي تَمِيمٍ وكَلْبٍ، يَفْتَحُونَ عَيْنَ فُعَلٍ جَمْعِ فَعِيلٍ المُضَعَّفِ، نَحْوَ سَرِيرٍ، وتَقَدَّمَ ذَلِكَ في والصّافّاتِ. ﴿مَوْضُونَةٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَرْمُولَةٌ بِالذَّهَبِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: مُشَبَّكَةٌ بِالدُّرِّ والياقُوتِ. ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها﴾: أيْ عَلى السُّرُرِ، ومُتَّكِئِينَ: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في ﴿عَلى سُرُرٍ﴾، (مُتَقابِلِينَ): يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، وُصِفُوا بِحُسْنِ العِشْرَةِ وتَهْذِيبِ الأخْلاقِ وصَفاءِ بَطائِنِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا. ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾: وُصِفُوا بِالخُلْدِ، وإنْ كانَ مَن في الجَنَّةِ مُخَلَّدًا، لِيَدُلَّ عَلى أنَّهم يَبْقَوْنَ دائِمًا في سِنِّ الوِلْدانِ، لا يَكْبُرُونَ ولا يَتَحَوَّلُونَ عَنْ شَكْلِ الوَصافَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَمُوتُونَ. وقالَ الفَرّاءُ: مُقَرَّطُونَ بِالخَلَداتِ، وهي ضُرُوبٌ مِنَ الأقْراطِ. ﴿وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾، قالَ: مِن خَمْرٍ سائِلَةٍ جارِيَةٍ مُعَيَّنَةٍ. ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾، قالَ الأكْثَرُونَ: لا يَلْحَقُ رُءُوسَهُمُ الصُّداعُ الَّذِي يَلْحَقُ مِن خَمْرِ الدُّنْيا. وقَرَأْتُ عَلى أُسْتاذِنا العَلّامَةِ أبِي جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى قَوْلَ عَلْقَمَةَ في صِفَةِ الخَمْرِ: ؎تَشْفِي الصُّداعَ ولا يُؤْذِيكَ صالِبُها ولا يُخالِطُها في الرَّأْسِ تَدْوِيمُ فَقالَ: هَذِهِ صِفَةُ أهْلِ الجَنَّةِ. وقِيلَ: لا يُفَرَّقُونَ عَنْها بِمَعْنى: لا تَقْطَعُ عَنْهم لَذَّتَهم بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ، كَما تُفَرِّقُ أهْلَ خَمْرِ الدُّنْيا بِأنْواعٍ مِنَ التَّفْرِيقِ، كَما جاءَ: فَتَصَدَّعَ السَّحابُ عَنِ المَدِينَةِ: أيْ فَتَفَرَّقَ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: لا يَصَّدَّعُونَ، بِفَتْحِ الياءِ وشَدِّ الصّادِ، أصْلُهُ يَتَصَدَّعُونَ، أدْغَمَ التّاءَ في الصّادِ: أيْ لا يَتَفَرَّقُونَ، كَقَوْلِهِ: (p-٢٠٦)﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣] . والجُمْهُورُ؛ بِضَمِّ الياءِ وخِفَّةِ الصّادِ؛ والجُمْهُورُ: بِجَرِّ (وفاكِهَةٍ)؛ ولَحْمٍ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِرَفْعِهِما، أيْ ولَهم. والجُمْهُورُ: ﴿ولا يُنْزِفُونَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وجُبَيْرٌ والضَّحّاكُ: لا تَذْهَبُ عُقُولُهم سُكْرًا؛ وابْنُ أبِي إسْحاقَ: بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ، نَزَفَ البِئْرَ: اسْتَفْرَغَ ماءَها، فالمَعْنى: لا تَفْرَغُ خَمْرُهم. وابْنُ أبِي إسْحاقَ أيْضًا وعَبْدُ اللَّهِ والسُّلَمِيُّ والجَحْدَرِيُّ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وعِيسى: بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ: أيْ لا يَفْنى لَهم شَرابٌ، ﴿مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾: يَأْخُذُونَ خَيْرَهُ وأفْضَلَهُ، ﴿مِمّا يَشْتَهُونَ﴾: أيْ يَتَمَنَّوْنَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ بِرَفْعِهِما؛ وخَرَّجَ عَلِيٌّ عَلى أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (وِلْدانٌ)، أوْ عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في (مُتَّكِئِينَ)، أوْ عَلى مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هو وخَبَرُهُ تَقْدِيرُهُ: لَهم هَذا كُلُّهُ، ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾، أوْ عَلى حَذْفِ خَبَرٍ فَقَطْ: أيْ ولَهم حُورٌ، أوْ فِيهِما حُورٌ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ والحَسَنُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ والمُفَضَّلُ وأبانُ وعِصْمَةُ والكِسائِيُّ: بِجَرِّهِما؛ والنَّخَعِيُّ: وحِيرٍ عِينٍ، بِقَلْبِ الواوِ ياءً وجَرِّهِما، والجَرُّ عَطْفٌ عَلى المَجْرُورِ، أيْ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ بِكَذا وكَذا وحُورٍ عِينٍ. وقِيلَ: هو عَلى مَعْنى: ويُنَعَّمُونَ بِهَذا كُلِّهِ وبِحُورٍ عِينٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَطْفًا عَلى ﴿جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾، كَأنَّهُ قالَ: هم في جَنّاتٍ وفاكِهَةٍ ولَحْمٍ وحُورٍ. انْتَهى، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ وتَفْكِيكُ كَلامٍ مُرْتَبِطٍ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، وهو فَهْمٌ أعْجَمِيٌّ. وقَرَأ أُبَيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ: وحُورًا عِينًا بِنَصْبِهِما، قالُوا: عَلى مَعْنى ويُعْطَوْنَ هَذا كُلَّهُ وحُورًا عِينًا. وقَرَأ قَتادَةُ: وحُورُ عِينٍ بِالرَّفْعِ مُضافًا إلى عِينٍ؛ وابْنُ مِقْسَمٍ: بِالنَّصْبِ مُضافًا إلى عِينٍ؛ وعِكْرِمَةُ: وحَوْراءُ عَيْناءُ عَلى التَّوْحِيدِ اسْمُ جِنْسٍ، وبِفَتْحِ الهَمْزَةِ فِيهِما؛ فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَجْرُورًا عَطْفًا عَلى المَجْرُورِ السّابِقِ؛ واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا؛ كَقِراءَةِ أُبَيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ وحُورًا عِينًا. ووَصَفَ اللُّؤْلُؤَ بِالمَكْنُونِ، لِأنَّهُ أصْفى وأبْعَدُ مِنَ التَّغَيُّرِ. وفي الحَدِيثِ: «صَفاؤُهُنَّ كَصَفاءِ الدُّرِّ الَّذِي لا تَمَسُّهُ الأيْدِي» . وقالَ تَعالى: ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩]، وقالَ الشّاعِرُ، يَصِفُ امْرَأةً بِالصَّوْنِ وعَدَمِ الِابْتِذالِ، فَشَبَّهَها بِالدُّرَّةِ المَكْنُونَةِ في صَدَفَتِها فَقالَ: ؎قامَتْ تَراءى بَيْنَ سَجْفَيْ كِلَّةٍ ∗∗∗ كالشَّمْسِ يَوْمَ طُلُوعِها بِالأسْعُدِ ؎أوْ دُرَّةٍ صَدَفِيَّةٍ غَوّاصُها ∗∗∗ بَهِجٌ مَتى يَرَها يُهِلَّ ويَسْجُدِ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾: رُوِيَ أنَّ المَنازِلَ والقِسَمَ في الجَنَّةِ عَلى قَدْرِ الأعْمالِ، ونَفْسَ دُخُولِ الجَنَّةِ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وفَضْلِهِ لا بِعَمَلِ عامِلٍ، وفِيهِ النَّصُّ الصَّحِيحُ الصَّرِيحُ: «لا يَدْخُلُ أحَدٌ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ، قالُوا: ولا أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: ولا أنا إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي بِفَضْلٍ مِنهُ ورَحْمَةٍ "» . (لَغْوًا): سَقْطُ القَوْلِ وفُحْشُهُ، ﴿ولا تَأْثِيمًا﴾: ما يُؤْثِمُ أحَدًا والظّاهِرُ أنَّ ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، لِأنَّهُ لَمْ يَنْدَرِجْ في اللَّغْوِ ولا التَّأْثِيمِ، ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن قالَ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ. وسَلامًا، قالَ الزَّجّاجُ: هو مَصْدَرٌ نَصَبَهُ (قِيلًا)، أيْ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ﴿سَلامًا سَلامًا﴾ . وقِيلَ: نُصِبَ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، وهو مَعْمُولُ قِيلًا، أيْ قِيلًا اسْلَمُوا سَلامًا. وقِيلَ: (سَلامًا) بَدَلٌ مِن (قِيلًا) . وقِيلَ: نَعْتٌ لِقِيلًا بِالمَصْدَرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إلّا قِيلًا سالِمًا مِن هَذِهِ العُيُوبِ. ﴿فِي سِدْرٍ﴾: في الجَنَّةِ شَجَرٌ عَلى خَلْقِهِ، لَهُ ثَمَرٌ كَقِلالِ هَجَرَ طَيِّبُ الطَّعْمِ والرِّيحِ. ﴿مَخْضُودٍ﴾: عارٍ مِنَ الشَّوْكِ. وقالَ مُجاهِدٌ: المَخْضُودُ: المُوَقَّرُ الَّذِي تَثْنِي أغْصانَهُ كَثْرَةُ حَمْلِهِ، مِن خَضَدَ الغُصْنَ إذا أثْناهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وطَلْحٍ﴾ بِالحاءِ؛ وعَلِيٌّ وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وعَبْدُ اللَّهِ: بِالعَيْنِ، قَرَأها عَلى المِنبَرِ. وقالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وعَطاءٌ ومُجاهِدٌ: الطَّلْحُ: المَوْزُ. وقالَ الحَسَنُ: لَيْسَ بِالمَوْزِ، ولَكِنَّهُ شَجَرٌ ظِلُّهُ بارِدٌ رَطْبٌ. وقِيلَ: شَجَرُ أُمِّ غَيْلانَ، ولَهُ نُوّارٌ كَثِيرٌ طَيِّبُ الرّائِحَةِ. وقالَ السُّدِّيُّ: شَجَرٌ يُشْبِهُ طَلْحَ الدُّنْيا، ولَكِنْ لَهُ ثَمَرٌ أحْلى مِنَ العَسَلِ. والمَنضُودُ: الَّذِي نُضِّدَ مِن أسْفَلِهِ إلى أعْلاهُ، فَلَيْسَتْ لَهُ ساقٌ تَظْهَرُ. ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾: لا يَتَقَلَّصُ. بَلْ مُنْبَسِطٌ لا يَنْسَخُهُ شَيْءٌ. (p-٢٠٧)قالَ مُجاهِدٌ: هَذا الظِّلُّ مِن سِدْرِها وطَلْحِها. ﴿وماءٍ مَسْكُوبٍ﴾، قالَ سُفْيانُ وغَيْرُهُ: جارٍ في غَيْرِ أخادِيدَ. وقِيلَ: مُنْسابٌ لا يُتْعَبُ فِيهِ بِساقِيَةٍ ولا رِشاءٍ. ﴿لا مَقْطُوعَةٍ﴾: أيْ هي دائِمَةٌ لا تَنْقَطِعُ في بَعْضِ الأوْقاتِ، كَفاكِهَةِ الدُّنْيا، ﴿ولا مَمْنُوعَةٍ﴾: أيْ لا يُمْنَعُ مِن تَناوُلِها بِوَجْهٍ، ولا يُحْظَرُ عَلَيْها كالَّتِي في الدُّنْيا. وقُرِئَ: وفاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ بِرَفْعِهِما، أيْ وهُناكَ فاكِهَةٌ، وفُرُشٍ: جَمْعُ فِراشٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِضَمِّ الرّاءِ؛ وأبُو حَيْوَةَ: بِسُكُونِها مَرْفُوعَةً، نُضِّدَتْ حَتّى ارْتَفَعَتْ، أوْ رُفِعَتْ عَلى الأسِرَّةِ. والظّاهِرُ أنَّ الفِراشَ هو ما يُفْتَرَشُ لِلْجُلُوسِ عَلَيْهِ والنَّوْمِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: المُرادُ بِالفُرُشِ النِّساءُ، لِأنَّ المَرْأةَ يُكَنّى عَنْها بِالفِراشِ، ورَفَعَهُنَّ في الأقْدارِ والمَنازِلِ. والضَّمِيرُ في ﴿أنْشَأْناهُنَّ﴾ عائِدٌ عَلى الفُرُشِ في قَوْلِ أبِي عُبَيْدَةَ، إذْ هُنَّ النِّساءُ عِنْدَهُ، وعَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ الفُرُشُ إذا كانَ المُرادُ بِالفُرُشِ ظاهِرُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ المَلابِسِ الَّتِي تُفْرَشُ ويُضْطَجَعُ عَلَيْها، أيِ ابْتَدَأْنا خَلْقَهُنَّ ابْتِداءً جَدِيدًا مِن غَيْرِ وِلادَةٍ. والظّاهِرُ أنَّ الإنْشاءَ هو الِاخْتِراعُ الَّذِي لَمْ يُسْبَقْ بِخَلْقٍ، ويَكُونُ ذَلِكَ مَخْصُوصًا بِالحُورِ اللّاتِي لَسْنَ مِن نَسْلِ آدَمَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ إنْشاءَ الإعادَةِ فَيَكُونَ ذَلِكَ لِبَناتِ آدَمَ. ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا عُرُبًا﴾: والعَرِبُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: العَرُوبُ المُتَحَبِّبَةُ إلى زَوْجِها، وقالَهُ الحَسَنُ، وعَبَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا عَنْهُنَّ بِالعَواشِقِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: ؎وفِي الخُدُورِ عَرُوبٌ غَيْرُ فاحِشَةٍ ∗∗∗ رَيّا الرَّوادِفِ يُغْشى دُونَها البَصَرُ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: العَرُوبُ: المُحَسِّنَةُ لِلْكَلامِ. وقَرَأ حَمْزَةُ وناسٌ مِنهم شُجاعٌ وعَبّاسٌ والأصْمَعِيُّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو، وناسٌ مِنهم خارِجَةُ وكَرْدَمٌ وأبُو خُلَيْدٍ عَنْ نافِعٍ، وناسٌ مِنهم أبُو بَكْرٍ وحَمّادٌ وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: بِسُكُونِ الرّاءِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِضَمِّها. (أتْرابًا) في الشَّكْلِ والقَدِّ، وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿أنْشَأْناهُنَّ﴾ عائِدٌ عَلى الحُورِ العِينِ المَذْكُورَةِ قَبْلُ، لِأنَّ تِلْكَ قِصَّةٌ قَدِ انْقَطَعَتْ، وهي قِصَّةُ السّابِقِينَ، وهَذِهِ قِصَّةُ أصْحابِ اليَمِينِ. واللّامُ في (لِأصْحابِ) مُتَعَلِّقَةٌ بِأنْشَأْناهُنَّ. ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾: أيْ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ، ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾: أيْ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، ﷺ، ولا تَنافِيَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ وقَوْلِهِ قَبْلُ: ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِنَ الآخِرِينَ﴾ هو في السّابِقِينَ، وقَوْلَهُ ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ هو في أصْحابِ اليَمِينِ.

الواقعة 56:41

﴿وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ ﴿لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ ﴿هَذا نُزُلُهم يَوْمَ الدِّينِ﴾ ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٨] ﴿لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الواقعة: ٨٠] ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ [الواقعة: ٨١] ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] ﴿وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٤] ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٥] ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ [الواقعة: ٨٦] ﴿تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٧] ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨] ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩٠] ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٣] ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤] ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦] (p-٢٠٨)اليَحْمُومُ: الأسْوَدُ البَهِيمُ. الحِنْثُ قالَ الخَطّابِيُّ وهو في كَلامِ العَرَبِ العِدْلُ الثَّقِيلُ شُبِّهَ الإثْمُ بِهِ، الهِيمُ: جَمْعُ أهْيَمَ وهَيْماءَ والهُيامُ داءٌ مُعَطِّشٌ يُصِيبُ الإبِلَ فَتَشْرَبُ حَتّى تَمُوتَ، أوْ تَسْقَمَ سُقْمًا شَدِيدًا، قالَ: ؎فَأصْبَحْتُ كالهَيْماءِ لا الماءُ مُبْرِئٌ صَداها ولا يَقْضِي عَلَيْها هُيامُها والهِيمُ: جَمْعُ هَيامٍ، وهو الرَّمْلُ بِفَتْحِ الهاءِ وهو المَشْهُورُ، وقالَ ثَعْلَبٌ بِضَمِّها، قالَ: هو الرَّمْلُ الَّذِي لا يَتَماسَكُ، فَبِالفَتْحِ كَسَحابٍ وسُحُبٍ ثُمَّ خُفِّفَ وفُعِلَ بِهِ ما فُعِلَ بِجَمْعِ أهْيَمَ مِن قَلْبِ ضَمَّتِهِ كَسْرَةً لِتَصِحَّ الياءُ أوْ بِالضَّمِّ يَكُونُ قَدْ جُمِعَ عَلى فِعْلٍ كَقُرادٍ وقِرْدٍ، ثُمَّ سُكِّنَتْ ضَمَّةُ الرّاءِ فَصارَ فِعْلًا ثُمَّ فُعِلَ بِهِ ما فُعِلَ بِبِيضٍ، أمْنى الرَّجُلُ النُّطْفَةَ، ومَنّاها قَذَفَها مِن إحْلِيلِهِ، المُزْنُ السَّحابُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎فَلا مُزْنَةٌ ودَقَتْ ودْقُها ∗∗∗ ولا أرْضٌ أبْقَلَ إبْقالُها أوْرَيْتُ النّارَ مِنَ الزِّنادِ قَدَحْتُها ووَرِيَ الزَّنْدُ نَفْسُهُ والزِّنادُ حَجَرَيْنِ أوْ مِن حَجَرٍ وحَدِيدَةٍ، ومِن شَجَرٍ لا سِيَّما في الشَّجَرِ الرَّخْوِ كالمَرْخِ والعِفارِ والكَلْحِ والعَرَبُ تَقْدَحُ بِعُودَيْنِ تَحُكُّ أحَدَهُما بِالآخَرِ ويُسَمُّونَ الأعْلى الزَّنْدَ والأسْفَلَ الزَّنْدَةَ شَبَّهُوهُما بِالعَجَلِ والطَّرُوقَةِ، أقْوى الرَّجُلُ دَخَلَ في الأرْضِ القَوى وهي القَفْرُ كَأصْحَرَ دَخَلَ في الصَّحْراءِ، وأقْوى مِن أقامَ أيّامًا لَمْ يَأْكُلْ شَيْئًا وأقْوَتِ الدّارُ صارَتْ قَفْراءَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎يا دارَ مَيَّةَ بِالعَلْياءِ فالسَّنَدِ ∗∗∗ أقْوَتْ وطالَ عَلَيْها سالِفُ الأمَدِ ادَّهَنَ لايَنَ وهاوَدَ فِيما لا يُحْمَلُ عِنْدَ المُدْهِنِ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎الحَزْمُ والقُوَّةُ خَيْرٌ مِنَ ∗∗∗ الإدْهانِ والفَكَّةِ والهاعِ الحُلْقُومُ مَجْرى الطَّعامِ، الرُّوحُ الِاسْتِراحَةُ، الرَّيْحانُ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ. ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ ﴿لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ ﴿هَذا نُزُلُهم يَوْمَ الدِّينِ﴾ ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٨] ﴿لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الواقعة: ٨٠] ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ [الواقعة: ٨١] ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] ﴿وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٤] ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٥] ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ [الواقعة: ٨٦] ﴿تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٧] ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨] ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩٠] ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٣] ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤] ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦] . (p-٢٠٩)لَمّا ذَكَرَ حالَ السّابِقِينَ، وأتْبَعَهم بِأصْحابِ المَيْمَنَةِ، ذَكَرَ حالَ أصْحابِ المَشْأمَةِ فَقالَ: ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ﴾، وتَقَدَّمَ إعْرابُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، وفي هَذا الِاسْتِفْهامِ تَعْظِيمُ مُصابِهِمْ. ﴿فِي سَمُومٍ﴾: في أشَدِّ حَرٍّ، ﴿وحَمِيمٍ﴾: ماءٌ شَدِيدُ السُّخُونَةِ. ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وأبُو مالِكٍ وابْنُ زَيْدٍ والجُمْهُورُ: دُخانٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هو سُرادِقُ النّارِ المُحِيطُ بِأهْلِها، يَرْتَفِعُ مِن كُلِّ ناحِيَةٍ حَتّى يُظِلَّهم. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: اليَحْمُومُ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ أيْضًا وابْنُ بُرَيْدَةَ: هو جَبَلٌ في النّارِ أسْوَدُ، يَفْزَعُ أهْلُ النّارِ إلى ذُراهُ، فَيَجِدُونَهُ أشَدَّ شَيْءٍ وأمَرَّ. ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾: صِفَتانِ لِلظِّلِّ نُفِيَتا، سُمِّيَ ظِلًّا وإنْ كانَ لَيْسَ كالظِّلالِ، ونُفِيَ عَنْهُ بَرْدُ الظِّلِّ ونَفْعُهُ لِمَن يَأْوِي إلَيْهِ. ﴿ولا كَرِيمٍ﴾: تَتْمِيمٌ لِنَفْيِ صِفَةِ المَدْحِ فِيهِ وتَمْحِيقٌ لِما يُتَوَهَّمُ في الظِّلِّ مِنَ الِاسْتِرْواحِ إلَيْهِ عِنْدَ شِدَّةِ الحَرِّ، أوْ نَفْيٌ لِكَرامَةِ مَن يَسْتَرْوِحُ إلَيْهِ. ونُسِبَ إلَيْهِ مَجازًا، والمُرادُ هم، أيْ يَسْتَظِلُّونَ إلَيْهِ وهم مُهانُونَ. وقَدْ يُحْتَمَلُ المَجْلِسُ الرَّدِيءُ لِنَيْلِ الكَرامَةِ، وبُدِئَ أوَّلًا بِالوَصْفِ الأصْلِيِّ الَّذِي هو الظِّلُّ، وهو كَوْنُهُ مِن يَحْمُومٍ، فَهو بَعْضُ اليَحْمُومِ. ثُمَّ نَفى عَنْهُ الوَصْفَ الَّذِي يَبْغِي لَهُ الظِّلَّ، وهو كَوْنُهُ لا بارِدًا ولا كَرِيمًا. وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ صِفَةً لِيَحْمُومٍ، ويَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونَ الظِّلُّ مَوْصُوفًا بِذَلِكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ بِجَرِّهِما؛ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِرَفْعِهِما: أيْ لا هو بارِدٌ ولا كَرِيمٌ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ؎فَأبِيتُ لا حَرِجٌ ولا مَحْرُومٌ أيْ لا أنا حَرِجٌ. ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ﴾: أيْ في الدُّنْيا، ﴿مُتْرَفِينَ﴾: فِيهِ ذَمُّ التَّرَفِ والتَّنَعُّمِ في الدُّنْيا، والتَّرَفُ طَرِيقٌ إلى البِطالَةِ وتَرْكِ التَّفَكُّرِ في العاقِبَةِ. ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ﴾: أيْ يُداوِمُونَ ويُواظِبُونَ، ﴿عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾، قالَ قَتادَةُ والضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ: الشِّرْكُ، وهو الظّاهِرُ. وقِيلَ: ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ [النحل: ٣٨] الآيَةَ مِنَ التَّكْذِيبِ بِالبَعْثِ. ويُبْعِدُهُ: ﴿وكانُوا يَقُولُونَ﴾، فَإنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، والعَطْفُ يَقْتَضِي التَّغايُرَ، فالحِنْثُ العَظِيمُ: الشِّرْكُ. فَقَوْلُهم: ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في والصّافّاتِ، وكَرَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا وهْمَهُ فَقالَ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ حَسُنَ العَطْفُ عَلى المُضْمَرِ في (لَمَبْعُوثُونَ) مِن غَيْرِ تَأْكِيدٍ بِنَحْنُ ؟ قُلْتُ: حَسُنَ لِلْفاصِلِ الَّذِي هو الهَمْزَةُ، كَما حَسُنَ في قَوْلِهِ: ﴿ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، لِفَصْلِ لا المُؤَكِّدَةِ لِلنَّفْيِ. انْتَهى. ورَدَدْنا عَلَيْهِ هُنا وهُناكَ إلى مَذْهَبِ الجَماعَةِ في أنَّهم لا يُقَدِّرُونَ بَيْنَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وحَرْفِ العَطْفِ فِعْلًا في نَحْوِ: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ [يوسف: ١٠٩]، (p-٢١٠)ولا اسْمًا في نَحْوِ: (أوَآباؤُنا)، بَلِ الواوُ والفاءُ لِعَطْفِ ما بَعْدَهُما عَلى ما قَبْلَهُما، والهَمْزَةُ في التَّقْدِيرِ مُتَأخِّرَةٌ عَنْ حَرْفِ العَطْفِ. لَكِنَّهُ لَمّا كانَ الِاسْتِفْهامُ لَهُ صَدْرُ الكَلامِ قُدِّمَتْ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى اسْتِفْهامَهم عَنِ البَعْثِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِبْعادِ والإنْكارِ، أمَرَ نَبِيَّهُ، ﷺ، أنْ يُخْبِرَهم بِبَعْثِ العالَمِ أوَّلِهِمْ وآخِرِهِمْ، لِلْحِسابِ، وبِما يَصِلُ إلَيْهِ المُكَذِّبُونَ لِلْبَعْثِ مِنَ العَذابِ. والمِيقاتُ: ما وُقِّتَ بِهِ الشَّيْءُ، أيْ حُدَّ، أيْ إلى ما وُقِّتْتُ بِهِ الدُّنْيا مِن يَوْمٍ مَعْلُومٍ، والإضافَةُ بِمَعْنى مِن، كَخاتَمِ حَدِيدٍ. (ثُمَّ إنَّكم): خِطابٌ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ، ﴿أيُّها الضّالُّونَ﴾ عَنِ الهُدى، ﴿المُكَذِّبُونَ﴾ لِلْبَعْثِ. وخِطابٌ أيْضًا لِمَن جَرى مَجْراهم في ذَلِكَ. ﴿لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾: ”مِن“ الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ أوْ لِلتَّبْعِيضِ؛ والثّانِيَةُ، إنْ كانَ مِن زَقُّومٍ بَدَلًا، فَمِن تَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ بَدَلًا، فَهي لِبَيانِ الجِنْسِ، أيْ مِن شَجَرٍ الَّذِي هو زَقُّومٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِن شَجَرٍ؛ وعَبْدُ اللَّهِ: مِن شَجَرَةٍ. ﴿فَمالِئُونَ مِنها﴾: الضَّمِيرُ في مِنها عائِدٌ عَلى شَجَرٍ، إذْ هو اسْمُ جِنْسٍ يُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ، وعَلى قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ، فَهو واضِحٌ. ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ﴾، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ذُكِرَ عَلى لَفْظِ الشَّجَرِ، كَما أُنِّثَ عَلى المَعْنى في مِنها. قالَ: ومَن قَرَأ: مِن شَجَرَةٍ مِن زَقُّومٍ، فَقَدْ جَعَلَ الضَّمِيرَيْنِ لِلشَّجَرَةِ، وإنَّما ذُكِرَ الثّانِي عَلى تَأْوِيلِ الزَّقُّومِ لِأنَّهُ يُفَسِّرُها، وهي في مَعْناهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والضَّمِيرُ في عَلَيْهِ عائِدٌ عَلى المَأْكُولِ، أوْ عَلى الأكْلِ. انْتَهى. فَلَمْ يَجْعَلْهُ عائِدًا عَلى شَجَرٍ. وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ: (شُرْبَ) بِضَمِّ الشِّينِ، وهو مَصْدَرٌ. وقِيلَ: اسْمٌ لِما يُشْرَبُ؛ ومُجاهِدٌ وأبُو عُثْمانَ النَّهْدِيُّ: بِكَسْرِها، وهو بِمَعْنى المَشْرُوبِ، اسْمٌ لا مَصْدَرٌ، كالطَّحْنِ والرَّعْيِ؛ والأعْرَجُ وابْنُ المُسَيَّبِ وشُعَيْبُ بْنُ الحَبْحابِ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ وابْنُ جُرَيْجٍ وباقِي السَّبْعَةِ: بِفَتْحِها، وهو مَصْدَرٌ مَقِيسٌ. والهِيمُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ: جَمْعُ أهْيَمَ، وهو الجَمَلُ الَّذِي أصابَهُ الهُيامُ، وقَدْ فَسَّرْناهُ في المُفْرَداتِ. وقِيلَ: جَمْعُ هَيْماءَ. وقِيلَ: جَمْعُ هائِمٍ وهائِمَةٍ، وجَمْعُ فاعِلٍ عَلى فِعْلٍ شاذٌّ، كَباذِلٍ وبِذْلٍ، وعائِذٍ وعِوْذٍ؛ والهائِمُ أيْضًا مِنَ الهُيامِ. ألا تَرى أنَّ الجَمَلَ إذا أصابَهُ ذَلِكَ هامَ عَلى وجْهِهِ وذَهَبَ ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وسُفْيانُ: الهِيمُ: الرِّمالُ الَّتِي لا تُرْوى مِنَ الماءِ، وتَقَدَّمَ الخِلافُ في مُفْرَدِهِ، أهْوَ الهَيامُ بِفَتْحِ الهاءِ، أمْ بِالضَّمِّ ؟ والمَعْنى: أنَّهُ يُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ مِنَ الجُوعِ ما يَضْطَرُّهم إلى أكْلِ الزَّقُّومِ الَّذِي كالمُهْلِ، فَإذا مَلَئُوا مِنهُ البُطُونَ، سُلِّطَ عَلَيْهِمْ مِنَ العَطَشِ ما يَضْطَرُّهم إلى شُرْبِ الحَمِيمِ الَّذِي يُقَطِّعُ أمْعاءَهم، فَيَشْرَبُونَهُ شُرْبَ الهِيمِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ أيْضًا: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ صَحَّ عَطْفُ الشّارِبِينَ عَلى الشّارِبِينَ، وهُما لِذَواتٍ مُتَّفِقَةٍ وصِفَتانِ مُتَّفِقَتانِ، فَكانَ عَطْفًا لِلشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ ؟ قُلْتُ: لَيْسَتا بِمُتَّفِقَتَيْنِ مِن حَيْثُ أنَّ كَوْنَهم شارِبِينَ لِلْحَمِيمِ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِن تَناهِي الحَرارَةِ وقَطْعِ الأمْعاءِ أمْرٌ عَجِيبٌ، وشُرْبَهم لَهُ عَلى ذَلِكَ كَما تَشْرَبُ الهِيمُ الماءَ أمْرٌ عَجِيبٌ أيْضًا؛ فَكانَتا صِفَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ. انْتَهى. والفاءُ تَقْتَضِي التَّعْقِيبَ في الشُّرْبَيْنِ، وأنَّهم أوَّلًا لَمّا عَطِشُوا شَرِبُوا مِنَ الحَمِيمِ ظَنًّا أنَّهُ يُسَكِّنُ عَطَشَهم، فازْدادَ العَطَشُ بِحَرارَةِ الحَمِيمِ، فَشَرِبُوا بَعْدَهُ شُرْبًا لا يَقَعُ بِهِ رَيٌّ أبَدًا، وهو مِثْلُ شُرْبِ الهِيمِ، فَهُما شُرْبانِ مِنَ الحَمِيمِ لا شُرْبٌ واحِدٌ، اخْتَلَفَتْ صِفَتاهُ فَعُطِفَ، والمَقْصُودُ الصِّفَةُ. والمَشْرُوبُ مِنهُ في ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى، تَقْدِيرُهُ: فَشارِبُونَ مِنهُ شُرْبَ الهِيمِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿نُزُلُهُمْ﴾ بِضَمِّ الزّايِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وخارِجَةُ عَنْ نافِعٍ ونُعَيْمٍ ومَحْبُوبٍ وأبُو زَيْدٍ وهارُونُ وعِصْمَةُ وعَبّاسٌ كُلُّهم عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِالسُّكُونِ، وهو أوَّلُ ما يَأْكُلُهُ الضَّيْفُ، وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِالكُفّارِ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎وكُنّا إذا الجَبّارُ بِالجَيْشِ ضافَنا ∗∗∗ جَعَلْنا القَنا والمُرْهِفاتِ لَهُ نُزُلا (يَوْمَ الدِّينِ): أيْ يَوْمَ الجَزاءِ. ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ بِالإعادَةِ وتُقِرُّونَ بِها، كَما أقْرَرْتُمْ بِالنَّشْأةِ (p-٢١١)الأُولى، وهي خَلْقُهم. ثُمَّ قالَ: ﴿فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ بِالإعادَةِ وتُقْرِرْنَ بِها كَما أقْرَرْتُمْ، فَهو حَضٌّ عَلى التَّصْدِيقِ. ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، أوْ: ﴿فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ أفَرَأيْتُمْ﴾، ثُمَّ حَضَّ عَلى التَّصْدِيقِ عَلى وجْهِ تَقْرِيعِهِمْ بِسِياقِ الحُجَجِ المُوجِبَةِ لِلتَّصْدِيقِ، وكانَ كافِرًا، قالَ: ولِمَ أُصَدِّقُ ؟ فَقِيلَ لَهُ: أفَرَأيْتَ كَذا مِمّا الإنْسانُ مَفْطُورٌ عَلى الإقْرارِ بِهِ ؟ فَقالَ: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾، وهو المَنِيُّ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الإنْسانِ، إذْ لَيْسَ لَهُ في خَلْقِهِ عَمَلٌ ولا إرادَةٌ ولا قُدْرَةٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿تَخْلُقُونَهُ﴾: تُقَدِّرُونَهُ وتُصَوِّرُونَهُ. انْتَهى، فَحُمِلَ الخَلْقُ عَلى التَّقْدِيرِ والتَّصْوِيرِ، لا عَلى الإنْشاءِ. ويَجُوزُ في (أأنْتُمْ) أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وخَبَرُهُ ﴿تَخْلُقُونَهُ﴾، والأوْلى أنْ يَكُونَ فاعِلًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قالَ: أتَخْلُقُونَهُ ؟ فَلَمّا حُذِفَ الفِعْلُ، انْفَصَلَ الضَّمِيرُ وجاءَ (أفَرَأيْتُمْ) هُنا مُصَرَّحًا بِمَفْعُولِها الأوَّلِ. ومَجِيءُ جُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي عَلى ما هو المُقَرَّرُ فِيها، إذا كانَتْ بِمَعْنى أخْبِرْنِي. وجاءَ بَعْدَ أمْ جُمْلَةٌ فَقِيلَ: أمْ مُنْقَطِعَةٌ، ولَيْسَتِ المُعادَلَةُ لِلْهَمْزَةِ، وذَلِكَ في أرْبَعَةِ مَواضِعَ هُنا، لِيَكُونَ ذَلِكَ عَلى اسْتِفْهامَيْنِ، فَجَوابُ الأوَّلِ لا، وجَوابُ الثّانِي نَعَمْ، فَتُقَدَّرُ أمْ عَلى هَذا، بَلْ أنَحْنُ الخالِقُونَ فَجَوابُهُ نَعَمْ. وقالَ قَوْمٌ مِنَ النُّحاةِ: أمْ هُنا مُعادِلَةٌ لِلْهَمْزَةِ، وكانَ ما جاءَ مِنَ الخَبَرِ بَعْدَ نَحْنُ جِيءَ بِهِ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، إذْ لَوْ قالَ: أمْ نَحْنُ، لَوَقَعَ الِاكْتِفاءُ بِهِ دُونَ ذِكْرِ الخَبَرِ. ونَظِيرُ ذَلِكَ جَوابُ مَن قالَ: مَن في الدّارِ ؟ زَيْدٌ في الدّارِ، أوْ زَيْدٌ فِيها، ولَوِ اقْتَصَرَ في الجَوابِ عَلى زَيْدٍ لاكْتُفِيَ بِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ما تُمْنُونَ﴾ بِضَمِّ التّاءِ؛ وابْنُ عَبّاسٍ وأبُو السَّمّالِ: بِفَتْحِها. والجُمْهُورُ: (قَدَّرْنا)، بِشَدِّ الدّالِ؛ وابْنُ كَثِيرٍ: يُخِفُّها، أيْ قَضَيْنا وأثْبَتْنا، أوْ رَتَّبْنا في التَّقَدُّمِ والتَّأخُّرِ، فَلَيْسَ مَوْتُ العالَمِ دُفْعَةً واحِدَةً، بَلْ بِتَرْتِيبٍ لا يَتَعَدّى. ويُقالُ: سَبَقْتَهُ عَلى الشَّيْءِ: أعْجَزْتَهُ عَنْهُ وغَلَبْتَهُ عَلَيْهِ ولَمْ تُمَكِّنْهُ مِنهُ، والمَعْنى: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾: أيْ نَحْنُ قادِرُونَ عَلى ذَلِكَ، لا تَغْلِبُونَنا عَلَيْهِ، إنْ أرَدْنا ذَلِكَ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: المَعْنى نَحْنُ قادِرُونَ، ﴿قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ﴾، ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾: أيْ بِمَوْتِ طائِفَةٍ ونُبَدِّلُها بِطائِفَةٍ، هَكَذا قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ. انْتَهى. فَعَلى أنْ نُبَدِّلَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا﴾، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ مُتَعَلِّقٌ (بِمَسْبُوقِينَ)، أيْ لا نُسْبَقُ. ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾، وأمْثالَكم جَمْعُ مِثْلٍ، ﴿ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ مِنَ الصِّفاتِ: أيْ نَحْنُ قادِرُونَ عَلى أنْ نَعْدِمَكم ونُنْشِئَ أمْثالَكم، وعَلى تَغْيِيرِ أوْصافِكم مِمّا لا يُحِيطُ بِهِ فِكْرُكم. وقالَ الحَسَنُ: مِن كَوْنِكم قِرَدَةً وخَنازِيرَ، قالَ ذَلِكَ لِأنَّ الآيَةَ تَنْحُو إلى الوَعِيدِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (أمْثالَكم) جَمْعَ مِثْلٍ بِمَعْنى الصِّفَةِ، أيْ نَحْنُ قادِرُونَ عَلى أنْ نُغَيِّرَ صِفاتِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها خَلْقًا وخُلُقًا، ﴿ونُنْشِئَكُمْ﴾ في صِفاتٍ لا تَعْلَمُونَها. ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى﴾: أيْ عَلِمْتُمْ أنَّهُ هو الَّذِي أنْشَأكم، أوَّلًا أنْشَأْنا إنْسانًا. وقِيلَ: نَشْأةُ آدَمَ، وأنَّهُ خُلِقَ مِن طِينٍ، ولا يُنْكِرُها أحَدٌ مِن ولَدِهِ. ﴿فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾: حَضٌّ عَلى التَّذْكِيرِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ والإقْرارِ بِالنَّشْأةِ الآخِرَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: تَذَّكَّرُونَ بِشَدِّ الذّالِ؛ وطَلْحَةُ يُخِفُّها وضَمِّ الكافِ، قالُوا: وهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى اسْتِعْمالِ القِياسِ والحَضِّ عَلَيْهِ. انْتَهى، ولا تَدُلُّ إلّا عَلى قِياسِ الأوْلى، لا عَلى جَمِيعِ أنْواعِ القِياسِ.

الواقعة 56:42

﴿وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ ﴿لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ ﴿هَذا نُزُلُهم يَوْمَ الدِّينِ﴾ ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٨] ﴿لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الواقعة: ٨٠] ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ [الواقعة: ٨١] ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] ﴿وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٤] ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٥] ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ [الواقعة: ٨٦] ﴿تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٧] ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨] ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩٠] ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٣] ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤] ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦] (p-٢٠٨)اليَحْمُومُ: الأسْوَدُ البَهِيمُ. الحِنْثُ قالَ الخَطّابِيُّ وهو في كَلامِ العَرَبِ العِدْلُ الثَّقِيلُ شُبِّهَ الإثْمُ بِهِ، الهِيمُ: جَمْعُ أهْيَمَ وهَيْماءَ والهُيامُ داءٌ مُعَطِّشٌ يُصِيبُ الإبِلَ فَتَشْرَبُ حَتّى تَمُوتَ، أوْ تَسْقَمَ سُقْمًا شَدِيدًا، قالَ: ؎فَأصْبَحْتُ كالهَيْماءِ لا الماءُ مُبْرِئٌ صَداها ولا يَقْضِي عَلَيْها هُيامُها والهِيمُ: جَمْعُ هَيامٍ، وهو الرَّمْلُ بِفَتْحِ الهاءِ وهو المَشْهُورُ، وقالَ ثَعْلَبٌ بِضَمِّها، قالَ: هو الرَّمْلُ الَّذِي لا يَتَماسَكُ، فَبِالفَتْحِ كَسَحابٍ وسُحُبٍ ثُمَّ خُفِّفَ وفُعِلَ بِهِ ما فُعِلَ بِجَمْعِ أهْيَمَ مِن قَلْبِ ضَمَّتِهِ كَسْرَةً لِتَصِحَّ الياءُ أوْ بِالضَّمِّ يَكُونُ قَدْ جُمِعَ عَلى فِعْلٍ كَقُرادٍ وقِرْدٍ، ثُمَّ سُكِّنَتْ ضَمَّةُ الرّاءِ فَصارَ فِعْلًا ثُمَّ فُعِلَ بِهِ ما فُعِلَ بِبِيضٍ، أمْنى الرَّجُلُ النُّطْفَةَ، ومَنّاها قَذَفَها مِن إحْلِيلِهِ، المُزْنُ السَّحابُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎فَلا مُزْنَةٌ ودَقَتْ ودْقُها ∗∗∗ ولا أرْضٌ أبْقَلَ إبْقالُها أوْرَيْتُ النّارَ مِنَ الزِّنادِ قَدَحْتُها ووَرِيَ الزَّنْدُ نَفْسُهُ والزِّنادُ حَجَرَيْنِ أوْ مِن حَجَرٍ وحَدِيدَةٍ، ومِن شَجَرٍ لا سِيَّما في الشَّجَرِ الرَّخْوِ كالمَرْخِ والعِفارِ والكَلْحِ والعَرَبُ تَقْدَحُ بِعُودَيْنِ تَحُكُّ أحَدَهُما بِالآخَرِ ويُسَمُّونَ الأعْلى الزَّنْدَ والأسْفَلَ الزَّنْدَةَ شَبَّهُوهُما بِالعَجَلِ والطَّرُوقَةِ، أقْوى الرَّجُلُ دَخَلَ في الأرْضِ القَوى وهي القَفْرُ كَأصْحَرَ دَخَلَ في الصَّحْراءِ، وأقْوى مِن أقامَ أيّامًا لَمْ يَأْكُلْ شَيْئًا وأقْوَتِ الدّارُ صارَتْ قَفْراءَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎يا دارَ مَيَّةَ بِالعَلْياءِ فالسَّنَدِ ∗∗∗ أقْوَتْ وطالَ عَلَيْها سالِفُ الأمَدِ ادَّهَنَ لايَنَ وهاوَدَ فِيما لا يُحْمَلُ عِنْدَ المُدْهِنِ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎الحَزْمُ والقُوَّةُ خَيْرٌ مِنَ ∗∗∗ الإدْهانِ والفَكَّةِ والهاعِ الحُلْقُومُ مَجْرى الطَّعامِ، الرُّوحُ الِاسْتِراحَةُ، الرَّيْحانُ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ. ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ ﴿لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ ﴿هَذا نُزُلُهم يَوْمَ الدِّينِ﴾ ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٨] ﴿لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الواقعة: ٨٠] ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ [الواقعة: ٨١] ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] ﴿وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٤] ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٥] ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ [الواقعة: ٨٦] ﴿تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٧] ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨] ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩٠] ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٣] ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤] ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦] . (p-٢٠٩)لَمّا ذَكَرَ حالَ السّابِقِينَ، وأتْبَعَهم بِأصْحابِ المَيْمَنَةِ، ذَكَرَ حالَ أصْحابِ المَشْأمَةِ فَقالَ: ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ﴾، وتَقَدَّمَ إعْرابُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، وفي هَذا الِاسْتِفْهامِ تَعْظِيمُ مُصابِهِمْ. ﴿فِي سَمُومٍ﴾: في أشَدِّ حَرٍّ، ﴿وحَمِيمٍ﴾: ماءٌ شَدِيدُ السُّخُونَةِ. ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وأبُو مالِكٍ وابْنُ زَيْدٍ والجُمْهُورُ: دُخانٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هو سُرادِقُ النّارِ المُحِيطُ بِأهْلِها، يَرْتَفِعُ مِن كُلِّ ناحِيَةٍ حَتّى يُظِلَّهم. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: اليَحْمُومُ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ أيْضًا وابْنُ بُرَيْدَةَ: هو جَبَلٌ في النّارِ أسْوَدُ، يَفْزَعُ أهْلُ النّارِ إلى ذُراهُ، فَيَجِدُونَهُ أشَدَّ شَيْءٍ وأمَرَّ. ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾: صِفَتانِ لِلظِّلِّ نُفِيَتا، سُمِّيَ ظِلًّا وإنْ كانَ لَيْسَ كالظِّلالِ، ونُفِيَ عَنْهُ بَرْدُ الظِّلِّ ونَفْعُهُ لِمَن يَأْوِي إلَيْهِ. ﴿ولا كَرِيمٍ﴾: تَتْمِيمٌ لِنَفْيِ صِفَةِ المَدْحِ فِيهِ وتَمْحِيقٌ لِما يُتَوَهَّمُ في الظِّلِّ مِنَ الِاسْتِرْواحِ إلَيْهِ عِنْدَ شِدَّةِ الحَرِّ، أوْ نَفْيٌ لِكَرامَةِ مَن يَسْتَرْوِحُ إلَيْهِ. ونُسِبَ إلَيْهِ مَجازًا، والمُرادُ هم، أيْ يَسْتَظِلُّونَ إلَيْهِ وهم مُهانُونَ. وقَدْ يُحْتَمَلُ المَجْلِسُ الرَّدِيءُ لِنَيْلِ الكَرامَةِ، وبُدِئَ أوَّلًا بِالوَصْفِ الأصْلِيِّ الَّذِي هو الظِّلُّ، وهو كَوْنُهُ مِن يَحْمُومٍ، فَهو بَعْضُ اليَحْمُومِ. ثُمَّ نَفى عَنْهُ الوَصْفَ الَّذِي يَبْغِي لَهُ الظِّلَّ، وهو كَوْنُهُ لا بارِدًا ولا كَرِيمًا. وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ صِفَةً لِيَحْمُومٍ، ويَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونَ الظِّلُّ مَوْصُوفًا بِذَلِكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ بِجَرِّهِما؛ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِرَفْعِهِما: أيْ لا هو بارِدٌ ولا كَرِيمٌ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ؎فَأبِيتُ لا حَرِجٌ ولا مَحْرُومٌ أيْ لا أنا حَرِجٌ. ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ﴾: أيْ في الدُّنْيا، ﴿مُتْرَفِينَ﴾: فِيهِ ذَمُّ التَّرَفِ والتَّنَعُّمِ في الدُّنْيا، والتَّرَفُ طَرِيقٌ إلى البِطالَةِ وتَرْكِ التَّفَكُّرِ في العاقِبَةِ. ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ﴾: أيْ يُداوِمُونَ ويُواظِبُونَ، ﴿عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾، قالَ قَتادَةُ والضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ: الشِّرْكُ، وهو الظّاهِرُ. وقِيلَ: ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ [النحل: ٣٨] الآيَةَ مِنَ التَّكْذِيبِ بِالبَعْثِ. ويُبْعِدُهُ: ﴿وكانُوا يَقُولُونَ﴾، فَإنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، والعَطْفُ يَقْتَضِي التَّغايُرَ، فالحِنْثُ العَظِيمُ: الشِّرْكُ. فَقَوْلُهم: ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في والصّافّاتِ، وكَرَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا وهْمَهُ فَقالَ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ حَسُنَ العَطْفُ عَلى المُضْمَرِ في (لَمَبْعُوثُونَ) مِن غَيْرِ تَأْكِيدٍ بِنَحْنُ ؟ قُلْتُ: حَسُنَ لِلْفاصِلِ الَّذِي هو الهَمْزَةُ، كَما حَسُنَ في قَوْلِهِ: ﴿ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، لِفَصْلِ لا المُؤَكِّدَةِ لِلنَّفْيِ. انْتَهى. ورَدَدْنا عَلَيْهِ هُنا وهُناكَ إلى مَذْهَبِ الجَماعَةِ في أنَّهم لا يُقَدِّرُونَ بَيْنَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وحَرْفِ العَطْفِ فِعْلًا في نَحْوِ: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ [يوسف: ١٠٩]، (p-٢١٠)ولا اسْمًا في نَحْوِ: (أوَآباؤُنا)، بَلِ الواوُ والفاءُ لِعَطْفِ ما بَعْدَهُما عَلى ما قَبْلَهُما، والهَمْزَةُ في التَّقْدِيرِ مُتَأخِّرَةٌ عَنْ حَرْفِ العَطْفِ. لَكِنَّهُ لَمّا كانَ الِاسْتِفْهامُ لَهُ صَدْرُ الكَلامِ قُدِّمَتْ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى اسْتِفْهامَهم عَنِ البَعْثِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِبْعادِ والإنْكارِ، أمَرَ نَبِيَّهُ، ﷺ، أنْ يُخْبِرَهم بِبَعْثِ العالَمِ أوَّلِهِمْ وآخِرِهِمْ، لِلْحِسابِ، وبِما يَصِلُ إلَيْهِ المُكَذِّبُونَ لِلْبَعْثِ مِنَ العَذابِ. والمِيقاتُ: ما وُقِّتَ بِهِ الشَّيْءُ، أيْ حُدَّ، أيْ إلى ما وُقِّتْتُ بِهِ الدُّنْيا مِن يَوْمٍ مَعْلُومٍ، والإضافَةُ بِمَعْنى مِن، كَخاتَمِ حَدِيدٍ. (ثُمَّ إنَّكم): خِطابٌ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ، ﴿أيُّها الضّالُّونَ﴾ عَنِ الهُدى، ﴿المُكَذِّبُونَ﴾ لِلْبَعْثِ. وخِطابٌ أيْضًا لِمَن جَرى مَجْراهم في ذَلِكَ. ﴿لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾: ”مِن“ الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ أوْ لِلتَّبْعِيضِ؛ والثّانِيَةُ، إنْ كانَ مِن زَقُّومٍ بَدَلًا، فَمِن تَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ بَدَلًا، فَهي لِبَيانِ الجِنْسِ، أيْ مِن شَجَرٍ الَّذِي هو زَقُّومٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِن شَجَرٍ؛ وعَبْدُ اللَّهِ: مِن شَجَرَةٍ. ﴿فَمالِئُونَ مِنها﴾: الضَّمِيرُ في مِنها عائِدٌ عَلى شَجَرٍ، إذْ هو اسْمُ جِنْسٍ يُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ، وعَلى قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ، فَهو واضِحٌ. ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ﴾، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ذُكِرَ عَلى لَفْظِ الشَّجَرِ، كَما أُنِّثَ عَلى المَعْنى في مِنها. قالَ: ومَن قَرَأ: مِن شَجَرَةٍ مِن زَقُّومٍ، فَقَدْ جَعَلَ الضَّمِيرَيْنِ لِلشَّجَرَةِ، وإنَّما ذُكِرَ الثّانِي عَلى تَأْوِيلِ الزَّقُّومِ لِأنَّهُ يُفَسِّرُها، وهي في مَعْناهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والضَّمِيرُ في عَلَيْهِ عائِدٌ عَلى المَأْكُولِ، أوْ عَلى الأكْلِ. انْتَهى. فَلَمْ يَجْعَلْهُ عائِدًا عَلى شَجَرٍ. وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ: (شُرْبَ) بِضَمِّ الشِّينِ، وهو مَصْدَرٌ. وقِيلَ: اسْمٌ لِما يُشْرَبُ؛ ومُجاهِدٌ وأبُو عُثْمانَ النَّهْدِيُّ: بِكَسْرِها، وهو بِمَعْنى المَشْرُوبِ، اسْمٌ لا مَصْدَرٌ، كالطَّحْنِ والرَّعْيِ؛ والأعْرَجُ وابْنُ المُسَيَّبِ وشُعَيْبُ بْنُ الحَبْحابِ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ وابْنُ جُرَيْجٍ وباقِي السَّبْعَةِ: بِفَتْحِها، وهو مَصْدَرٌ مَقِيسٌ. والهِيمُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ: جَمْعُ أهْيَمَ، وهو الجَمَلُ الَّذِي أصابَهُ الهُيامُ، وقَدْ فَسَّرْناهُ في المُفْرَداتِ. وقِيلَ: جَمْعُ هَيْماءَ. وقِيلَ: جَمْعُ هائِمٍ وهائِمَةٍ، وجَمْعُ فاعِلٍ عَلى فِعْلٍ شاذٌّ، كَباذِلٍ وبِذْلٍ، وعائِذٍ وعِوْذٍ؛ والهائِمُ أيْضًا مِنَ الهُيامِ. ألا تَرى أنَّ الجَمَلَ إذا أصابَهُ ذَلِكَ هامَ عَلى وجْهِهِ وذَهَبَ ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وسُفْيانُ: الهِيمُ: الرِّمالُ الَّتِي لا تُرْوى مِنَ الماءِ، وتَقَدَّمَ الخِلافُ في مُفْرَدِهِ، أهْوَ الهَيامُ بِفَتْحِ الهاءِ، أمْ بِالضَّمِّ ؟ والمَعْنى: أنَّهُ يُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ مِنَ الجُوعِ ما يَضْطَرُّهم إلى أكْلِ الزَّقُّومِ الَّذِي كالمُهْلِ، فَإذا مَلَئُوا مِنهُ البُطُونَ، سُلِّطَ عَلَيْهِمْ مِنَ العَطَشِ ما يَضْطَرُّهم إلى شُرْبِ الحَمِيمِ الَّذِي يُقَطِّعُ أمْعاءَهم، فَيَشْرَبُونَهُ شُرْبَ الهِيمِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ أيْضًا: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ صَحَّ عَطْفُ الشّارِبِينَ عَلى الشّارِبِينَ، وهُما لِذَواتٍ مُتَّفِقَةٍ وصِفَتانِ مُتَّفِقَتانِ، فَكانَ عَطْفًا لِلشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ ؟ قُلْتُ: لَيْسَتا بِمُتَّفِقَتَيْنِ مِن حَيْثُ أنَّ كَوْنَهم شارِبِينَ لِلْحَمِيمِ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِن تَناهِي الحَرارَةِ وقَطْعِ الأمْعاءِ أمْرٌ عَجِيبٌ، وشُرْبَهم لَهُ عَلى ذَلِكَ كَما تَشْرَبُ الهِيمُ الماءَ أمْرٌ عَجِيبٌ أيْضًا؛ فَكانَتا صِفَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ. انْتَهى. والفاءُ تَقْتَضِي التَّعْقِيبَ في الشُّرْبَيْنِ، وأنَّهم أوَّلًا لَمّا عَطِشُوا شَرِبُوا مِنَ الحَمِيمِ ظَنًّا أنَّهُ يُسَكِّنُ عَطَشَهم، فازْدادَ العَطَشُ بِحَرارَةِ الحَمِيمِ، فَشَرِبُوا بَعْدَهُ شُرْبًا لا يَقَعُ بِهِ رَيٌّ أبَدًا، وهو مِثْلُ شُرْبِ الهِيمِ، فَهُما شُرْبانِ مِنَ الحَمِيمِ لا شُرْبٌ واحِدٌ، اخْتَلَفَتْ صِفَتاهُ فَعُطِفَ، والمَقْصُودُ الصِّفَةُ. والمَشْرُوبُ مِنهُ في ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى، تَقْدِيرُهُ: فَشارِبُونَ مِنهُ شُرْبَ الهِيمِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿نُزُلُهُمْ﴾ بِضَمِّ الزّايِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وخارِجَةُ عَنْ نافِعٍ ونُعَيْمٍ ومَحْبُوبٍ وأبُو زَيْدٍ وهارُونُ وعِصْمَةُ وعَبّاسٌ كُلُّهم عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِالسُّكُونِ، وهو أوَّلُ ما يَأْكُلُهُ الضَّيْفُ، وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِالكُفّارِ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎وكُنّا إذا الجَبّارُ بِالجَيْشِ ضافَنا ∗∗∗ جَعَلْنا القَنا والمُرْهِفاتِ لَهُ نُزُلا (يَوْمَ الدِّينِ): أيْ يَوْمَ الجَزاءِ. ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ بِالإعادَةِ وتُقِرُّونَ بِها، كَما أقْرَرْتُمْ بِالنَّشْأةِ (p-٢١١)الأُولى، وهي خَلْقُهم. ثُمَّ قالَ: ﴿فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ بِالإعادَةِ وتُقْرِرْنَ بِها كَما أقْرَرْتُمْ، فَهو حَضٌّ عَلى التَّصْدِيقِ. ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، أوْ: ﴿فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ أفَرَأيْتُمْ﴾، ثُمَّ حَضَّ عَلى التَّصْدِيقِ عَلى وجْهِ تَقْرِيعِهِمْ بِسِياقِ الحُجَجِ المُوجِبَةِ لِلتَّصْدِيقِ، وكانَ كافِرًا، قالَ: ولِمَ أُصَدِّقُ ؟ فَقِيلَ لَهُ: أفَرَأيْتَ كَذا مِمّا الإنْسانُ مَفْطُورٌ عَلى الإقْرارِ بِهِ ؟ فَقالَ: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾، وهو المَنِيُّ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الإنْسانِ، إذْ لَيْسَ لَهُ في خَلْقِهِ عَمَلٌ ولا إرادَةٌ ولا قُدْرَةٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿تَخْلُقُونَهُ﴾: تُقَدِّرُونَهُ وتُصَوِّرُونَهُ. انْتَهى، فَحُمِلَ الخَلْقُ عَلى التَّقْدِيرِ والتَّصْوِيرِ، لا عَلى الإنْشاءِ. ويَجُوزُ في (أأنْتُمْ) أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وخَبَرُهُ ﴿تَخْلُقُونَهُ﴾، والأوْلى أنْ يَكُونَ فاعِلًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قالَ: أتَخْلُقُونَهُ ؟ فَلَمّا حُذِفَ الفِعْلُ، انْفَصَلَ الضَّمِيرُ وجاءَ (أفَرَأيْتُمْ) هُنا مُصَرَّحًا بِمَفْعُولِها الأوَّلِ. ومَجِيءُ جُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي عَلى ما هو المُقَرَّرُ فِيها، إذا كانَتْ بِمَعْنى أخْبِرْنِي. وجاءَ بَعْدَ أمْ جُمْلَةٌ فَقِيلَ: أمْ مُنْقَطِعَةٌ، ولَيْسَتِ المُعادَلَةُ لِلْهَمْزَةِ، وذَلِكَ في أرْبَعَةِ مَواضِعَ هُنا، لِيَكُونَ ذَلِكَ عَلى اسْتِفْهامَيْنِ، فَجَوابُ الأوَّلِ لا، وجَوابُ الثّانِي نَعَمْ، فَتُقَدَّرُ أمْ عَلى هَذا، بَلْ أنَحْنُ الخالِقُونَ فَجَوابُهُ نَعَمْ. وقالَ قَوْمٌ مِنَ النُّحاةِ: أمْ هُنا مُعادِلَةٌ لِلْهَمْزَةِ، وكانَ ما جاءَ مِنَ الخَبَرِ بَعْدَ نَحْنُ جِيءَ بِهِ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، إذْ لَوْ قالَ: أمْ نَحْنُ، لَوَقَعَ الِاكْتِفاءُ بِهِ دُونَ ذِكْرِ الخَبَرِ. ونَظِيرُ ذَلِكَ جَوابُ مَن قالَ: مَن في الدّارِ ؟ زَيْدٌ في الدّارِ، أوْ زَيْدٌ فِيها، ولَوِ اقْتَصَرَ في الجَوابِ عَلى زَيْدٍ لاكْتُفِيَ بِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ما تُمْنُونَ﴾ بِضَمِّ التّاءِ؛ وابْنُ عَبّاسٍ وأبُو السَّمّالِ: بِفَتْحِها. والجُمْهُورُ: (قَدَّرْنا)، بِشَدِّ الدّالِ؛ وابْنُ كَثِيرٍ: يُخِفُّها، أيْ قَضَيْنا وأثْبَتْنا، أوْ رَتَّبْنا في التَّقَدُّمِ والتَّأخُّرِ، فَلَيْسَ مَوْتُ العالَمِ دُفْعَةً واحِدَةً، بَلْ بِتَرْتِيبٍ لا يَتَعَدّى. ويُقالُ: سَبَقْتَهُ عَلى الشَّيْءِ: أعْجَزْتَهُ عَنْهُ وغَلَبْتَهُ عَلَيْهِ ولَمْ تُمَكِّنْهُ مِنهُ، والمَعْنى: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾: أيْ نَحْنُ قادِرُونَ عَلى ذَلِكَ، لا تَغْلِبُونَنا عَلَيْهِ، إنْ أرَدْنا ذَلِكَ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: المَعْنى نَحْنُ قادِرُونَ، ﴿قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ﴾، ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾: أيْ بِمَوْتِ طائِفَةٍ ونُبَدِّلُها بِطائِفَةٍ، هَكَذا قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ. انْتَهى. فَعَلى أنْ نُبَدِّلَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا﴾، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ مُتَعَلِّقٌ (بِمَسْبُوقِينَ)، أيْ لا نُسْبَقُ. ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾، وأمْثالَكم جَمْعُ مِثْلٍ، ﴿ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ مِنَ الصِّفاتِ: أيْ نَحْنُ قادِرُونَ عَلى أنْ نَعْدِمَكم ونُنْشِئَ أمْثالَكم، وعَلى تَغْيِيرِ أوْصافِكم مِمّا لا يُحِيطُ بِهِ فِكْرُكم. وقالَ الحَسَنُ: مِن كَوْنِكم قِرَدَةً وخَنازِيرَ، قالَ ذَلِكَ لِأنَّ الآيَةَ تَنْحُو إلى الوَعِيدِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (أمْثالَكم) جَمْعَ مِثْلٍ بِمَعْنى الصِّفَةِ، أيْ نَحْنُ قادِرُونَ عَلى أنْ نُغَيِّرَ صِفاتِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها خَلْقًا وخُلُقًا، ﴿ونُنْشِئَكُمْ﴾ في صِفاتٍ لا تَعْلَمُونَها. ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى﴾: أيْ عَلِمْتُمْ أنَّهُ هو الَّذِي أنْشَأكم، أوَّلًا أنْشَأْنا إنْسانًا. وقِيلَ: نَشْأةُ آدَمَ، وأنَّهُ خُلِقَ مِن طِينٍ، ولا يُنْكِرُها أحَدٌ مِن ولَدِهِ. ﴿فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾: حَضٌّ عَلى التَّذْكِيرِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ والإقْرارِ بِالنَّشْأةِ الآخِرَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: تَذَّكَّرُونَ بِشَدِّ الذّالِ؛ وطَلْحَةُ يُخِفُّها وضَمِّ الكافِ، قالُوا: وهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى اسْتِعْمالِ القِياسِ والحَضِّ عَلَيْهِ. انْتَهى، ولا تَدُلُّ إلّا عَلى قِياسِ الأوْلى، لا عَلى جَمِيعِ أنْواعِ القِياسِ.

الواقعة 56:43

﴿وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ ﴿لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ ﴿هَذا نُزُلُهم يَوْمَ الدِّينِ﴾ ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٨] ﴿لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الواقعة: ٨٠] ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ [الواقعة: ٨١] ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] ﴿وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٤] ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٥] ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ [الواقعة: ٨٦] ﴿تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٧] ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨] ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩٠] ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٣] ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤] ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦] (p-٢٠٨)اليَحْمُومُ: الأسْوَدُ البَهِيمُ. الحِنْثُ قالَ الخَطّابِيُّ وهو في كَلامِ العَرَبِ العِدْلُ الثَّقِيلُ شُبِّهَ الإثْمُ بِهِ، الهِيمُ: جَمْعُ أهْيَمَ وهَيْماءَ والهُيامُ داءٌ مُعَطِّشٌ يُصِيبُ الإبِلَ فَتَشْرَبُ حَتّى تَمُوتَ، أوْ تَسْقَمَ سُقْمًا شَدِيدًا، قالَ: ؎فَأصْبَحْتُ كالهَيْماءِ لا الماءُ مُبْرِئٌ صَداها ولا يَقْضِي عَلَيْها هُيامُها والهِيمُ: جَمْعُ هَيامٍ، وهو الرَّمْلُ بِفَتْحِ الهاءِ وهو المَشْهُورُ، وقالَ ثَعْلَبٌ بِضَمِّها، قالَ: هو الرَّمْلُ الَّذِي لا يَتَماسَكُ، فَبِالفَتْحِ كَسَحابٍ وسُحُبٍ ثُمَّ خُفِّفَ وفُعِلَ بِهِ ما فُعِلَ بِجَمْعِ أهْيَمَ مِن قَلْبِ ضَمَّتِهِ كَسْرَةً لِتَصِحَّ الياءُ أوْ بِالضَّمِّ يَكُونُ قَدْ جُمِعَ عَلى فِعْلٍ كَقُرادٍ وقِرْدٍ، ثُمَّ سُكِّنَتْ ضَمَّةُ الرّاءِ فَصارَ فِعْلًا ثُمَّ فُعِلَ بِهِ ما فُعِلَ بِبِيضٍ، أمْنى الرَّجُلُ النُّطْفَةَ، ومَنّاها قَذَفَها مِن إحْلِيلِهِ، المُزْنُ السَّحابُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎فَلا مُزْنَةٌ ودَقَتْ ودْقُها ∗∗∗ ولا أرْضٌ أبْقَلَ إبْقالُها أوْرَيْتُ النّارَ مِنَ الزِّنادِ قَدَحْتُها ووَرِيَ الزَّنْدُ نَفْسُهُ والزِّنادُ حَجَرَيْنِ أوْ مِن حَجَرٍ وحَدِيدَةٍ، ومِن شَجَرٍ لا سِيَّما في الشَّجَرِ الرَّخْوِ كالمَرْخِ والعِفارِ والكَلْحِ والعَرَبُ تَقْدَحُ بِعُودَيْنِ تَحُكُّ أحَدَهُما بِالآخَرِ ويُسَمُّونَ الأعْلى الزَّنْدَ والأسْفَلَ الزَّنْدَةَ شَبَّهُوهُما بِالعَجَلِ والطَّرُوقَةِ، أقْوى الرَّجُلُ دَخَلَ في الأرْضِ القَوى وهي القَفْرُ كَأصْحَرَ دَخَلَ في الصَّحْراءِ، وأقْوى مِن أقامَ أيّامًا لَمْ يَأْكُلْ شَيْئًا وأقْوَتِ الدّارُ صارَتْ قَفْراءَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎يا دارَ مَيَّةَ بِالعَلْياءِ فالسَّنَدِ ∗∗∗ أقْوَتْ وطالَ عَلَيْها سالِفُ الأمَدِ ادَّهَنَ لايَنَ وهاوَدَ فِيما لا يُحْمَلُ عِنْدَ المُدْهِنِ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎الحَزْمُ والقُوَّةُ خَيْرٌ مِنَ ∗∗∗ الإدْهانِ والفَكَّةِ والهاعِ الحُلْقُومُ مَجْرى الطَّعامِ، الرُّوحُ الِاسْتِراحَةُ، الرَّيْحانُ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ. ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ ﴿لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ ﴿هَذا نُزُلُهم يَوْمَ الدِّينِ﴾ ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٨] ﴿لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الواقعة: ٨٠] ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ [الواقعة: ٨١] ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] ﴿وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٤] ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٥] ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ [الواقعة: ٨٦] ﴿تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٧] ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨] ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩٠] ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٣] ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤] ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦] . (p-٢٠٩)لَمّا ذَكَرَ حالَ السّابِقِينَ، وأتْبَعَهم بِأصْحابِ المَيْمَنَةِ، ذَكَرَ حالَ أصْحابِ المَشْأمَةِ فَقالَ: ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ﴾، وتَقَدَّمَ إعْرابُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، وفي هَذا الِاسْتِفْهامِ تَعْظِيمُ مُصابِهِمْ. ﴿فِي سَمُومٍ﴾: في أشَدِّ حَرٍّ، ﴿وحَمِيمٍ﴾: ماءٌ شَدِيدُ السُّخُونَةِ. ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وأبُو مالِكٍ وابْنُ زَيْدٍ والجُمْهُورُ: دُخانٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هو سُرادِقُ النّارِ المُحِيطُ بِأهْلِها، يَرْتَفِعُ مِن كُلِّ ناحِيَةٍ حَتّى يُظِلَّهم. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: اليَحْمُومُ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ أيْضًا وابْنُ بُرَيْدَةَ: هو جَبَلٌ في النّارِ أسْوَدُ، يَفْزَعُ أهْلُ النّارِ إلى ذُراهُ، فَيَجِدُونَهُ أشَدَّ شَيْءٍ وأمَرَّ. ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾: صِفَتانِ لِلظِّلِّ نُفِيَتا، سُمِّيَ ظِلًّا وإنْ كانَ لَيْسَ كالظِّلالِ، ونُفِيَ عَنْهُ بَرْدُ الظِّلِّ ونَفْعُهُ لِمَن يَأْوِي إلَيْهِ. ﴿ولا كَرِيمٍ﴾: تَتْمِيمٌ لِنَفْيِ صِفَةِ المَدْحِ فِيهِ وتَمْحِيقٌ لِما يُتَوَهَّمُ في الظِّلِّ مِنَ الِاسْتِرْواحِ إلَيْهِ عِنْدَ شِدَّةِ الحَرِّ، أوْ نَفْيٌ لِكَرامَةِ مَن يَسْتَرْوِحُ إلَيْهِ. ونُسِبَ إلَيْهِ مَجازًا، والمُرادُ هم، أيْ يَسْتَظِلُّونَ إلَيْهِ وهم مُهانُونَ. وقَدْ يُحْتَمَلُ المَجْلِسُ الرَّدِيءُ لِنَيْلِ الكَرامَةِ، وبُدِئَ أوَّلًا بِالوَصْفِ الأصْلِيِّ الَّذِي هو الظِّلُّ، وهو كَوْنُهُ مِن يَحْمُومٍ، فَهو بَعْضُ اليَحْمُومِ. ثُمَّ نَفى عَنْهُ الوَصْفَ الَّذِي يَبْغِي لَهُ الظِّلَّ، وهو كَوْنُهُ لا بارِدًا ولا كَرِيمًا. وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ صِفَةً لِيَحْمُومٍ، ويَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونَ الظِّلُّ مَوْصُوفًا بِذَلِكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ بِجَرِّهِما؛ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِرَفْعِهِما: أيْ لا هو بارِدٌ ولا كَرِيمٌ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ؎فَأبِيتُ لا حَرِجٌ ولا مَحْرُومٌ أيْ لا أنا حَرِجٌ. ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ﴾: أيْ في الدُّنْيا، ﴿مُتْرَفِينَ﴾: فِيهِ ذَمُّ التَّرَفِ والتَّنَعُّمِ في الدُّنْيا، والتَّرَفُ طَرِيقٌ إلى البِطالَةِ وتَرْكِ التَّفَكُّرِ في العاقِبَةِ. ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ﴾: أيْ يُداوِمُونَ ويُواظِبُونَ، ﴿عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾، قالَ قَتادَةُ والضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ: الشِّرْكُ، وهو الظّاهِرُ. وقِيلَ: ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ [النحل: ٣٨] الآيَةَ مِنَ التَّكْذِيبِ بِالبَعْثِ. ويُبْعِدُهُ: ﴿وكانُوا يَقُولُونَ﴾، فَإنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، والعَطْفُ يَقْتَضِي التَّغايُرَ، فالحِنْثُ العَظِيمُ: الشِّرْكُ. فَقَوْلُهم: ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في والصّافّاتِ، وكَرَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا وهْمَهُ فَقالَ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ حَسُنَ العَطْفُ عَلى المُضْمَرِ في (لَمَبْعُوثُونَ) مِن غَيْرِ تَأْكِيدٍ بِنَحْنُ ؟ قُلْتُ: حَسُنَ لِلْفاصِلِ الَّذِي هو الهَمْزَةُ، كَما حَسُنَ في قَوْلِهِ: ﴿ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، لِفَصْلِ لا المُؤَكِّدَةِ لِلنَّفْيِ. انْتَهى. ورَدَدْنا عَلَيْهِ هُنا وهُناكَ إلى مَذْهَبِ الجَماعَةِ في أنَّهم لا يُقَدِّرُونَ بَيْنَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وحَرْفِ العَطْفِ فِعْلًا في نَحْوِ: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ [يوسف: ١٠٩]، (p-٢١٠)ولا اسْمًا في نَحْوِ: (أوَآباؤُنا)، بَلِ الواوُ والفاءُ لِعَطْفِ ما بَعْدَهُما عَلى ما قَبْلَهُما، والهَمْزَةُ في التَّقْدِيرِ مُتَأخِّرَةٌ عَنْ حَرْفِ العَطْفِ. لَكِنَّهُ لَمّا كانَ الِاسْتِفْهامُ لَهُ صَدْرُ الكَلامِ قُدِّمَتْ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى اسْتِفْهامَهم عَنِ البَعْثِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِبْعادِ والإنْكارِ، أمَرَ نَبِيَّهُ، ﷺ، أنْ يُخْبِرَهم بِبَعْثِ العالَمِ أوَّلِهِمْ وآخِرِهِمْ، لِلْحِسابِ، وبِما يَصِلُ إلَيْهِ المُكَذِّبُونَ لِلْبَعْثِ مِنَ العَذابِ. والمِيقاتُ: ما وُقِّتَ بِهِ الشَّيْءُ، أيْ حُدَّ، أيْ إلى ما وُقِّتْتُ بِهِ الدُّنْيا مِن يَوْمٍ مَعْلُومٍ، والإضافَةُ بِمَعْنى مِن، كَخاتَمِ حَدِيدٍ. (ثُمَّ إنَّكم): خِطابٌ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ، ﴿أيُّها الضّالُّونَ﴾ عَنِ الهُدى، ﴿المُكَذِّبُونَ﴾ لِلْبَعْثِ. وخِطابٌ أيْضًا لِمَن جَرى مَجْراهم في ذَلِكَ. ﴿لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾: ”مِن“ الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ أوْ لِلتَّبْعِيضِ؛ والثّانِيَةُ، إنْ كانَ مِن زَقُّومٍ بَدَلًا، فَمِن تَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ بَدَلًا، فَهي لِبَيانِ الجِنْسِ، أيْ مِن شَجَرٍ الَّذِي هو زَقُّومٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِن شَجَرٍ؛ وعَبْدُ اللَّهِ: مِن شَجَرَةٍ. ﴿فَمالِئُونَ مِنها﴾: الضَّمِيرُ في مِنها عائِدٌ عَلى شَجَرٍ، إذْ هو اسْمُ جِنْسٍ يُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ، وعَلى قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ، فَهو واضِحٌ. ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ﴾، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ذُكِرَ عَلى لَفْظِ الشَّجَرِ، كَما أُنِّثَ عَلى المَعْنى في مِنها. قالَ: ومَن قَرَأ: مِن شَجَرَةٍ مِن زَقُّومٍ، فَقَدْ جَعَلَ الضَّمِيرَيْنِ لِلشَّجَرَةِ، وإنَّما ذُكِرَ الثّانِي عَلى تَأْوِيلِ الزَّقُّومِ لِأنَّهُ يُفَسِّرُها، وهي في مَعْناهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والضَّمِيرُ في عَلَيْهِ عائِدٌ عَلى المَأْكُولِ، أوْ عَلى الأكْلِ. انْتَهى. فَلَمْ يَجْعَلْهُ عائِدًا عَلى شَجَرٍ. وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ: (شُرْبَ) بِضَمِّ الشِّينِ، وهو مَصْدَرٌ. وقِيلَ: اسْمٌ لِما يُشْرَبُ؛ ومُجاهِدٌ وأبُو عُثْمانَ النَّهْدِيُّ: بِكَسْرِها، وهو بِمَعْنى المَشْرُوبِ، اسْمٌ لا مَصْدَرٌ، كالطَّحْنِ والرَّعْيِ؛ والأعْرَجُ وابْنُ المُسَيَّبِ وشُعَيْبُ بْنُ الحَبْحابِ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ وابْنُ جُرَيْجٍ وباقِي السَّبْعَةِ: بِفَتْحِها، وهو مَصْدَرٌ مَقِيسٌ. والهِيمُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ: جَمْعُ أهْيَمَ، وهو الجَمَلُ الَّذِي أصابَهُ الهُيامُ، وقَدْ فَسَّرْناهُ في المُفْرَداتِ. وقِيلَ: جَمْعُ هَيْماءَ. وقِيلَ: جَمْعُ هائِمٍ وهائِمَةٍ، وجَمْعُ فاعِلٍ عَلى فِعْلٍ شاذٌّ، كَباذِلٍ وبِذْلٍ، وعائِذٍ وعِوْذٍ؛ والهائِمُ أيْضًا مِنَ الهُيامِ. ألا تَرى أنَّ الجَمَلَ إذا أصابَهُ ذَلِكَ هامَ عَلى وجْهِهِ وذَهَبَ ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وسُفْيانُ: الهِيمُ: الرِّمالُ الَّتِي لا تُرْوى مِنَ الماءِ، وتَقَدَّمَ الخِلافُ في مُفْرَدِهِ، أهْوَ الهَيامُ بِفَتْحِ الهاءِ، أمْ بِالضَّمِّ ؟ والمَعْنى: أنَّهُ يُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ مِنَ الجُوعِ ما يَضْطَرُّهم إلى أكْلِ الزَّقُّومِ الَّذِي كالمُهْلِ، فَإذا مَلَئُوا مِنهُ البُطُونَ، سُلِّطَ عَلَيْهِمْ مِنَ العَطَشِ ما يَضْطَرُّهم إلى شُرْبِ الحَمِيمِ الَّذِي يُقَطِّعُ أمْعاءَهم، فَيَشْرَبُونَهُ شُرْبَ الهِيمِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ أيْضًا: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ صَحَّ عَطْفُ الشّارِبِينَ عَلى الشّارِبِينَ، وهُما لِذَواتٍ مُتَّفِقَةٍ وصِفَتانِ مُتَّفِقَتانِ، فَكانَ عَطْفًا لِلشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ ؟ قُلْتُ: لَيْسَتا بِمُتَّفِقَتَيْنِ مِن حَيْثُ أنَّ كَوْنَهم شارِبِينَ لِلْحَمِيمِ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِن تَناهِي الحَرارَةِ وقَطْعِ الأمْعاءِ أمْرٌ عَجِيبٌ، وشُرْبَهم لَهُ عَلى ذَلِكَ كَما تَشْرَبُ الهِيمُ الماءَ أمْرٌ عَجِيبٌ أيْضًا؛ فَكانَتا صِفَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ. انْتَهى. والفاءُ تَقْتَضِي التَّعْقِيبَ في الشُّرْبَيْنِ، وأنَّهم أوَّلًا لَمّا عَطِشُوا شَرِبُوا مِنَ الحَمِيمِ ظَنًّا أنَّهُ يُسَكِّنُ عَطَشَهم، فازْدادَ العَطَشُ بِحَرارَةِ الحَمِيمِ، فَشَرِبُوا بَعْدَهُ شُرْبًا لا يَقَعُ بِهِ رَيٌّ أبَدًا، وهو مِثْلُ شُرْبِ الهِيمِ، فَهُما شُرْبانِ مِنَ الحَمِيمِ لا شُرْبٌ واحِدٌ، اخْتَلَفَتْ صِفَتاهُ فَعُطِفَ، والمَقْصُودُ الصِّفَةُ. والمَشْرُوبُ مِنهُ في ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى، تَقْدِيرُهُ: فَشارِبُونَ مِنهُ شُرْبَ الهِيمِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿نُزُلُهُمْ﴾ بِضَمِّ الزّايِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وخارِجَةُ عَنْ نافِعٍ ونُعَيْمٍ ومَحْبُوبٍ وأبُو زَيْدٍ وهارُونُ وعِصْمَةُ وعَبّاسٌ كُلُّهم عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِالسُّكُونِ، وهو أوَّلُ ما يَأْكُلُهُ الضَّيْفُ، وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِالكُفّارِ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎وكُنّا إذا الجَبّارُ بِالجَيْشِ ضافَنا ∗∗∗ جَعَلْنا القَنا والمُرْهِفاتِ لَهُ نُزُلا (يَوْمَ الدِّينِ): أيْ يَوْمَ الجَزاءِ. ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ بِالإعادَةِ وتُقِرُّونَ بِها، كَما أقْرَرْتُمْ بِالنَّشْأةِ (p-٢١١)الأُولى، وهي خَلْقُهم. ثُمَّ قالَ: ﴿فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ بِالإعادَةِ وتُقْرِرْنَ بِها كَما أقْرَرْتُمْ، فَهو حَضٌّ عَلى التَّصْدِيقِ. ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، أوْ: ﴿فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ أفَرَأيْتُمْ﴾، ثُمَّ حَضَّ عَلى التَّصْدِيقِ عَلى وجْهِ تَقْرِيعِهِمْ بِسِياقِ الحُجَجِ المُوجِبَةِ لِلتَّصْدِيقِ، وكانَ كافِرًا، قالَ: ولِمَ أُصَدِّقُ ؟ فَقِيلَ لَهُ: أفَرَأيْتَ كَذا مِمّا الإنْسانُ مَفْطُورٌ عَلى الإقْرارِ بِهِ ؟ فَقالَ: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾، وهو المَنِيُّ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الإنْسانِ، إذْ لَيْسَ لَهُ في خَلْقِهِ عَمَلٌ ولا إرادَةٌ ولا قُدْرَةٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿تَخْلُقُونَهُ﴾: تُقَدِّرُونَهُ وتُصَوِّرُونَهُ. انْتَهى، فَحُمِلَ الخَلْقُ عَلى التَّقْدِيرِ والتَّصْوِيرِ، لا عَلى الإنْشاءِ. ويَجُوزُ في (أأنْتُمْ) أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وخَبَرُهُ ﴿تَخْلُقُونَهُ﴾، والأوْلى أنْ يَكُونَ فاعِلًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قالَ: أتَخْلُقُونَهُ ؟ فَلَمّا حُذِفَ الفِعْلُ، انْفَصَلَ الضَّمِيرُ وجاءَ (أفَرَأيْتُمْ) هُنا مُصَرَّحًا بِمَفْعُولِها الأوَّلِ. ومَجِيءُ جُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي عَلى ما هو المُقَرَّرُ فِيها، إذا كانَتْ بِمَعْنى أخْبِرْنِي. وجاءَ بَعْدَ أمْ جُمْلَةٌ فَقِيلَ: أمْ مُنْقَطِعَةٌ، ولَيْسَتِ المُعادَلَةُ لِلْهَمْزَةِ، وذَلِكَ في أرْبَعَةِ مَواضِعَ هُنا، لِيَكُونَ ذَلِكَ عَلى اسْتِفْهامَيْنِ، فَجَوابُ الأوَّلِ لا، وجَوابُ الثّانِي نَعَمْ، فَتُقَدَّرُ أمْ عَلى هَذا، بَلْ أنَحْنُ الخالِقُونَ فَجَوابُهُ نَعَمْ. وقالَ قَوْمٌ مِنَ النُّحاةِ: أمْ هُنا مُعادِلَةٌ لِلْهَمْزَةِ، وكانَ ما جاءَ مِنَ الخَبَرِ بَعْدَ نَحْنُ جِيءَ بِهِ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، إذْ لَوْ قالَ: أمْ نَحْنُ، لَوَقَعَ الِاكْتِفاءُ بِهِ دُونَ ذِكْرِ الخَبَرِ. ونَظِيرُ ذَلِكَ جَوابُ مَن قالَ: مَن في الدّارِ ؟ زَيْدٌ في الدّارِ، أوْ زَيْدٌ فِيها، ولَوِ اقْتَصَرَ في الجَوابِ عَلى زَيْدٍ لاكْتُفِيَ بِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ما تُمْنُونَ﴾ بِضَمِّ التّاءِ؛ وابْنُ عَبّاسٍ وأبُو السَّمّالِ: بِفَتْحِها. والجُمْهُورُ: (قَدَّرْنا)، بِشَدِّ الدّالِ؛ وابْنُ كَثِيرٍ: يُخِفُّها، أيْ قَضَيْنا وأثْبَتْنا، أوْ رَتَّبْنا في التَّقَدُّمِ والتَّأخُّرِ، فَلَيْسَ مَوْتُ العالَمِ دُفْعَةً واحِدَةً، بَلْ بِتَرْتِيبٍ لا يَتَعَدّى. ويُقالُ: سَبَقْتَهُ عَلى الشَّيْءِ: أعْجَزْتَهُ عَنْهُ وغَلَبْتَهُ عَلَيْهِ ولَمْ تُمَكِّنْهُ مِنهُ، والمَعْنى: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾: أيْ نَحْنُ قادِرُونَ عَلى ذَلِكَ، لا تَغْلِبُونَنا عَلَيْهِ، إنْ أرَدْنا ذَلِكَ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: المَعْنى نَحْنُ قادِرُونَ، ﴿قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ﴾، ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾: أيْ بِمَوْتِ طائِفَةٍ ونُبَدِّلُها بِطائِفَةٍ، هَكَذا قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ. انْتَهى. فَعَلى أنْ نُبَدِّلَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا﴾، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ مُتَعَلِّقٌ (بِمَسْبُوقِينَ)، أيْ لا نُسْبَقُ. ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾، وأمْثالَكم جَمْعُ مِثْلٍ، ﴿ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ مِنَ الصِّفاتِ: أيْ نَحْنُ قادِرُونَ عَلى أنْ نَعْدِمَكم ونُنْشِئَ أمْثالَكم، وعَلى تَغْيِيرِ أوْصافِكم مِمّا لا يُحِيطُ بِهِ فِكْرُكم. وقالَ الحَسَنُ: مِن كَوْنِكم قِرَدَةً وخَنازِيرَ، قالَ ذَلِكَ لِأنَّ الآيَةَ تَنْحُو إلى الوَعِيدِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (أمْثالَكم) جَمْعَ مِثْلٍ بِمَعْنى الصِّفَةِ، أيْ نَحْنُ قادِرُونَ عَلى أنْ نُغَيِّرَ صِفاتِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها خَلْقًا وخُلُقًا، ﴿ونُنْشِئَكُمْ﴾ في صِفاتٍ لا تَعْلَمُونَها. ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى﴾: أيْ عَلِمْتُمْ أنَّهُ هو الَّذِي أنْشَأكم، أوَّلًا أنْشَأْنا إنْسانًا. وقِيلَ: نَشْأةُ آدَمَ، وأنَّهُ خُلِقَ مِن طِينٍ، ولا يُنْكِرُها أحَدٌ مِن ولَدِهِ. ﴿فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾: حَضٌّ عَلى التَّذْكِيرِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ والإقْرارِ بِالنَّشْأةِ الآخِرَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: تَذَّكَّرُونَ بِشَدِّ الذّالِ؛ وطَلْحَةُ يُخِفُّها وضَمِّ الكافِ، قالُوا: وهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى اسْتِعْمالِ القِياسِ والحَضِّ عَلَيْهِ. انْتَهى، ولا تَدُلُّ إلّا عَلى قِياسِ الأوْلى، لا عَلى جَمِيعِ أنْواعِ القِياسِ.

الواقعة 56:44

﴿وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ ﴿لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ ﴿هَذا نُزُلُهم يَوْمَ الدِّينِ﴾ ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٨] ﴿لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الواقعة: ٨٠] ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ [الواقعة: ٨١] ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] ﴿وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٤] ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٥] ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ [الواقعة: ٨٦] ﴿تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٧] ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨] ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩٠] ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٣] ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤] ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦] (p-٢٠٨)اليَحْمُومُ: الأسْوَدُ البَهِيمُ. الحِنْثُ قالَ الخَطّابِيُّ وهو في كَلامِ العَرَبِ العِدْلُ الثَّقِيلُ شُبِّهَ الإثْمُ بِهِ، الهِيمُ: جَمْعُ أهْيَمَ وهَيْماءَ والهُيامُ داءٌ مُعَطِّشٌ يُصِيبُ الإبِلَ فَتَشْرَبُ حَتّى تَمُوتَ، أوْ تَسْقَمَ سُقْمًا شَدِيدًا، قالَ: ؎فَأصْبَحْتُ كالهَيْماءِ لا الماءُ مُبْرِئٌ صَداها ولا يَقْضِي عَلَيْها هُيامُها والهِيمُ: جَمْعُ هَيامٍ، وهو الرَّمْلُ بِفَتْحِ الهاءِ وهو المَشْهُورُ، وقالَ ثَعْلَبٌ بِضَمِّها، قالَ: هو الرَّمْلُ الَّذِي لا يَتَماسَكُ، فَبِالفَتْحِ كَسَحابٍ وسُحُبٍ ثُمَّ خُفِّفَ وفُعِلَ بِهِ ما فُعِلَ بِجَمْعِ أهْيَمَ مِن قَلْبِ ضَمَّتِهِ كَسْرَةً لِتَصِحَّ الياءُ أوْ بِالضَّمِّ يَكُونُ قَدْ جُمِعَ عَلى فِعْلٍ كَقُرادٍ وقِرْدٍ، ثُمَّ سُكِّنَتْ ضَمَّةُ الرّاءِ فَصارَ فِعْلًا ثُمَّ فُعِلَ بِهِ ما فُعِلَ بِبِيضٍ، أمْنى الرَّجُلُ النُّطْفَةَ، ومَنّاها قَذَفَها مِن إحْلِيلِهِ، المُزْنُ السَّحابُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎فَلا مُزْنَةٌ ودَقَتْ ودْقُها ∗∗∗ ولا أرْضٌ أبْقَلَ إبْقالُها أوْرَيْتُ النّارَ مِنَ الزِّنادِ قَدَحْتُها ووَرِيَ الزَّنْدُ نَفْسُهُ والزِّنادُ حَجَرَيْنِ أوْ مِن حَجَرٍ وحَدِيدَةٍ، ومِن شَجَرٍ لا سِيَّما في الشَّجَرِ الرَّخْوِ كالمَرْخِ والعِفارِ والكَلْحِ والعَرَبُ تَقْدَحُ بِعُودَيْنِ تَحُكُّ أحَدَهُما بِالآخَرِ ويُسَمُّونَ الأعْلى الزَّنْدَ والأسْفَلَ الزَّنْدَةَ شَبَّهُوهُما بِالعَجَلِ والطَّرُوقَةِ، أقْوى الرَّجُلُ دَخَلَ في الأرْضِ القَوى وهي القَفْرُ كَأصْحَرَ دَخَلَ في الصَّحْراءِ، وأقْوى مِن أقامَ أيّامًا لَمْ يَأْكُلْ شَيْئًا وأقْوَتِ الدّارُ صارَتْ قَفْراءَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎يا دارَ مَيَّةَ بِالعَلْياءِ فالسَّنَدِ ∗∗∗ أقْوَتْ وطالَ عَلَيْها سالِفُ الأمَدِ ادَّهَنَ لايَنَ وهاوَدَ فِيما لا يُحْمَلُ عِنْدَ المُدْهِنِ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎الحَزْمُ والقُوَّةُ خَيْرٌ مِنَ ∗∗∗ الإدْهانِ والفَكَّةِ والهاعِ الحُلْقُومُ مَجْرى الطَّعامِ، الرُّوحُ الِاسْتِراحَةُ، الرَّيْحانُ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ. ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ ﴿لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ ﴿هَذا نُزُلُهم يَوْمَ الدِّينِ﴾ ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٨] ﴿لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الواقعة: ٨٠] ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ [الواقعة: ٨١] ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] ﴿وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٤] ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٥] ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ [الواقعة: ٨٦] ﴿تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٧] ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨] ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩٠] ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٣] ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤] ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦] . (p-٢٠٩)لَمّا ذَكَرَ حالَ السّابِقِينَ، وأتْبَعَهم بِأصْحابِ المَيْمَنَةِ، ذَكَرَ حالَ أصْحابِ المَشْأمَةِ فَقالَ: ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ﴾، وتَقَدَّمَ إعْرابُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، وفي هَذا الِاسْتِفْهامِ تَعْظِيمُ مُصابِهِمْ. ﴿فِي سَمُومٍ﴾: في أشَدِّ حَرٍّ، ﴿وحَمِيمٍ﴾: ماءٌ شَدِيدُ السُّخُونَةِ. ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وأبُو مالِكٍ وابْنُ زَيْدٍ والجُمْهُورُ: دُخانٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هو سُرادِقُ النّارِ المُحِيطُ بِأهْلِها، يَرْتَفِعُ مِن كُلِّ ناحِيَةٍ حَتّى يُظِلَّهم. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: اليَحْمُومُ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ أيْضًا وابْنُ بُرَيْدَةَ: هو جَبَلٌ في النّارِ أسْوَدُ، يَفْزَعُ أهْلُ النّارِ إلى ذُراهُ، فَيَجِدُونَهُ أشَدَّ شَيْءٍ وأمَرَّ. ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾: صِفَتانِ لِلظِّلِّ نُفِيَتا، سُمِّيَ ظِلًّا وإنْ كانَ لَيْسَ كالظِّلالِ، ونُفِيَ عَنْهُ بَرْدُ الظِّلِّ ونَفْعُهُ لِمَن يَأْوِي إلَيْهِ. ﴿ولا كَرِيمٍ﴾: تَتْمِيمٌ لِنَفْيِ صِفَةِ المَدْحِ فِيهِ وتَمْحِيقٌ لِما يُتَوَهَّمُ في الظِّلِّ مِنَ الِاسْتِرْواحِ إلَيْهِ عِنْدَ شِدَّةِ الحَرِّ، أوْ نَفْيٌ لِكَرامَةِ مَن يَسْتَرْوِحُ إلَيْهِ. ونُسِبَ إلَيْهِ مَجازًا، والمُرادُ هم، أيْ يَسْتَظِلُّونَ إلَيْهِ وهم مُهانُونَ. وقَدْ يُحْتَمَلُ المَجْلِسُ الرَّدِيءُ لِنَيْلِ الكَرامَةِ، وبُدِئَ أوَّلًا بِالوَصْفِ الأصْلِيِّ الَّذِي هو الظِّلُّ، وهو كَوْنُهُ مِن يَحْمُومٍ، فَهو بَعْضُ اليَحْمُومِ. ثُمَّ نَفى عَنْهُ الوَصْفَ الَّذِي يَبْغِي لَهُ الظِّلَّ، وهو كَوْنُهُ لا بارِدًا ولا كَرِيمًا. وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ صِفَةً لِيَحْمُومٍ، ويَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونَ الظِّلُّ مَوْصُوفًا بِذَلِكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ بِجَرِّهِما؛ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِرَفْعِهِما: أيْ لا هو بارِدٌ ولا كَرِيمٌ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ؎فَأبِيتُ لا حَرِجٌ ولا مَحْرُومٌ أيْ لا أنا حَرِجٌ. ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ﴾: أيْ في الدُّنْيا، ﴿مُتْرَفِينَ﴾: فِيهِ ذَمُّ التَّرَفِ والتَّنَعُّمِ في الدُّنْيا، والتَّرَفُ طَرِيقٌ إلى البِطالَةِ وتَرْكِ التَّفَكُّرِ في العاقِبَةِ. ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ﴾: أيْ يُداوِمُونَ ويُواظِبُونَ، ﴿عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾، قالَ قَتادَةُ والضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ: الشِّرْكُ، وهو الظّاهِرُ. وقِيلَ: ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ [النحل: ٣٨] الآيَةَ مِنَ التَّكْذِيبِ بِالبَعْثِ. ويُبْعِدُهُ: ﴿وكانُوا يَقُولُونَ﴾، فَإنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، والعَطْفُ يَقْتَضِي التَّغايُرَ، فالحِنْثُ العَظِيمُ: الشِّرْكُ. فَقَوْلُهم: ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في والصّافّاتِ، وكَرَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا وهْمَهُ فَقالَ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ حَسُنَ العَطْفُ عَلى المُضْمَرِ في (لَمَبْعُوثُونَ) مِن غَيْرِ تَأْكِيدٍ بِنَحْنُ ؟ قُلْتُ: حَسُنَ لِلْفاصِلِ الَّذِي هو الهَمْزَةُ، كَما حَسُنَ في قَوْلِهِ: ﴿ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، لِفَصْلِ لا المُؤَكِّدَةِ لِلنَّفْيِ. انْتَهى. ورَدَدْنا عَلَيْهِ هُنا وهُناكَ إلى مَذْهَبِ الجَماعَةِ في أنَّهم لا يُقَدِّرُونَ بَيْنَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وحَرْفِ العَطْفِ فِعْلًا في نَحْوِ: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ [يوسف: ١٠٩]، (p-٢١٠)ولا اسْمًا في نَحْوِ: (أوَآباؤُنا)، بَلِ الواوُ والفاءُ لِعَطْفِ ما بَعْدَهُما عَلى ما قَبْلَهُما، والهَمْزَةُ في التَّقْدِيرِ مُتَأخِّرَةٌ عَنْ حَرْفِ العَطْفِ. لَكِنَّهُ لَمّا كانَ الِاسْتِفْهامُ لَهُ صَدْرُ الكَلامِ قُدِّمَتْ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى اسْتِفْهامَهم عَنِ البَعْثِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِبْعادِ والإنْكارِ، أمَرَ نَبِيَّهُ، ﷺ، أنْ يُخْبِرَهم بِبَعْثِ العالَمِ أوَّلِهِمْ وآخِرِهِمْ، لِلْحِسابِ، وبِما يَصِلُ إلَيْهِ المُكَذِّبُونَ لِلْبَعْثِ مِنَ العَذابِ. والمِيقاتُ: ما وُقِّتَ بِهِ الشَّيْءُ، أيْ حُدَّ، أيْ إلى ما وُقِّتْتُ بِهِ الدُّنْيا مِن يَوْمٍ مَعْلُومٍ، والإضافَةُ بِمَعْنى مِن، كَخاتَمِ حَدِيدٍ. (ثُمَّ إنَّكم): خِطابٌ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ، ﴿أيُّها الضّالُّونَ﴾ عَنِ الهُدى، ﴿المُكَذِّبُونَ﴾ لِلْبَعْثِ. وخِطابٌ أيْضًا لِمَن جَرى مَجْراهم في ذَلِكَ. ﴿لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾: ”مِن“ الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ أوْ لِلتَّبْعِيضِ؛ والثّانِيَةُ، إنْ كانَ مِن زَقُّومٍ بَدَلًا، فَمِن تَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ بَدَلًا، فَهي لِبَيانِ الجِنْسِ، أيْ مِن شَجَرٍ الَّذِي هو زَقُّومٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِن شَجَرٍ؛ وعَبْدُ اللَّهِ: مِن شَجَرَةٍ. ﴿فَمالِئُونَ مِنها﴾: الضَّمِيرُ في مِنها عائِدٌ عَلى شَجَرٍ، إذْ هو اسْمُ جِنْسٍ يُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ، وعَلى قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ، فَهو واضِحٌ. ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ﴾، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ذُكِرَ عَلى لَفْظِ الشَّجَرِ، كَما أُنِّثَ عَلى المَعْنى في مِنها. قالَ: ومَن قَرَأ: مِن شَجَرَةٍ مِن زَقُّومٍ، فَقَدْ جَعَلَ الضَّمِيرَيْنِ لِلشَّجَرَةِ، وإنَّما ذُكِرَ الثّانِي عَلى تَأْوِيلِ الزَّقُّومِ لِأنَّهُ يُفَسِّرُها، وهي في مَعْناهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والضَّمِيرُ في عَلَيْهِ عائِدٌ عَلى المَأْكُولِ، أوْ عَلى الأكْلِ. انْتَهى. فَلَمْ يَجْعَلْهُ عائِدًا عَلى شَجَرٍ. وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ: (شُرْبَ) بِضَمِّ الشِّينِ، وهو مَصْدَرٌ. وقِيلَ: اسْمٌ لِما يُشْرَبُ؛ ومُجاهِدٌ وأبُو عُثْمانَ النَّهْدِيُّ: بِكَسْرِها، وهو بِمَعْنى المَشْرُوبِ، اسْمٌ لا مَصْدَرٌ، كالطَّحْنِ والرَّعْيِ؛ والأعْرَجُ وابْنُ المُسَيَّبِ وشُعَيْبُ بْنُ الحَبْحابِ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ وابْنُ جُرَيْجٍ وباقِي السَّبْعَةِ: بِفَتْحِها، وهو مَصْدَرٌ مَقِيسٌ. والهِيمُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ: جَمْعُ أهْيَمَ، وهو الجَمَلُ الَّذِي أصابَهُ الهُيامُ، وقَدْ فَسَّرْناهُ في المُفْرَداتِ. وقِيلَ: جَمْعُ هَيْماءَ. وقِيلَ: جَمْعُ هائِمٍ وهائِمَةٍ، وجَمْعُ فاعِلٍ عَلى فِعْلٍ شاذٌّ، كَباذِلٍ وبِذْلٍ، وعائِذٍ وعِوْذٍ؛ والهائِمُ أيْضًا مِنَ الهُيامِ. ألا تَرى أنَّ الجَمَلَ إذا أصابَهُ ذَلِكَ هامَ عَلى وجْهِهِ وذَهَبَ ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وسُفْيانُ: الهِيمُ: الرِّمالُ الَّتِي لا تُرْوى مِنَ الماءِ، وتَقَدَّمَ الخِلافُ في مُفْرَدِهِ، أهْوَ الهَيامُ بِفَتْحِ الهاءِ، أمْ بِالضَّمِّ ؟ والمَعْنى: أنَّهُ يُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ مِنَ الجُوعِ ما يَضْطَرُّهم إلى أكْلِ الزَّقُّومِ الَّذِي كالمُهْلِ، فَإذا مَلَئُوا مِنهُ البُطُونَ، سُلِّطَ عَلَيْهِمْ مِنَ العَطَشِ ما يَضْطَرُّهم إلى شُرْبِ الحَمِيمِ الَّذِي يُقَطِّعُ أمْعاءَهم، فَيَشْرَبُونَهُ شُرْبَ الهِيمِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ أيْضًا: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ صَحَّ عَطْفُ الشّارِبِينَ عَلى الشّارِبِينَ، وهُما لِذَواتٍ مُتَّفِقَةٍ وصِفَتانِ مُتَّفِقَتانِ، فَكانَ عَطْفًا لِلشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ ؟ قُلْتُ: لَيْسَتا بِمُتَّفِقَتَيْنِ مِن حَيْثُ أنَّ كَوْنَهم شارِبِينَ لِلْحَمِيمِ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِن تَناهِي الحَرارَةِ وقَطْعِ الأمْعاءِ أمْرٌ عَجِيبٌ، وشُرْبَهم لَهُ عَلى ذَلِكَ كَما تَشْرَبُ الهِيمُ الماءَ أمْرٌ عَجِيبٌ أيْضًا؛ فَكانَتا صِفَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ. انْتَهى. والفاءُ تَقْتَضِي التَّعْقِيبَ في الشُّرْبَيْنِ، وأنَّهم أوَّلًا لَمّا عَطِشُوا شَرِبُوا مِنَ الحَمِيمِ ظَنًّا أنَّهُ يُسَكِّنُ عَطَشَهم، فازْدادَ العَطَشُ بِحَرارَةِ الحَمِيمِ، فَشَرِبُوا بَعْدَهُ شُرْبًا لا يَقَعُ بِهِ رَيٌّ أبَدًا، وهو مِثْلُ شُرْبِ الهِيمِ، فَهُما شُرْبانِ مِنَ الحَمِيمِ لا شُرْبٌ واحِدٌ، اخْتَلَفَتْ صِفَتاهُ فَعُطِفَ، والمَقْصُودُ الصِّفَةُ. والمَشْرُوبُ مِنهُ في ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى، تَقْدِيرُهُ: فَشارِبُونَ مِنهُ شُرْبَ الهِيمِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿نُزُلُهُمْ﴾ بِضَمِّ الزّايِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وخارِجَةُ عَنْ نافِعٍ ونُعَيْمٍ ومَحْبُوبٍ وأبُو زَيْدٍ وهارُونُ وعِصْمَةُ وعَبّاسٌ كُلُّهم عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِالسُّكُونِ، وهو أوَّلُ ما يَأْكُلُهُ الضَّيْفُ، وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِالكُفّارِ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎وكُنّا إذا الجَبّارُ بِالجَيْشِ ضافَنا ∗∗∗ جَعَلْنا القَنا والمُرْهِفاتِ لَهُ نُزُلا (يَوْمَ الدِّينِ): أيْ يَوْمَ الجَزاءِ. ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ بِالإعادَةِ وتُقِرُّونَ بِها، كَما أقْرَرْتُمْ بِالنَّشْأةِ (p-٢١١)الأُولى، وهي خَلْقُهم. ثُمَّ قالَ: ﴿فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ بِالإعادَةِ وتُقْرِرْنَ بِها كَما أقْرَرْتُمْ، فَهو حَضٌّ عَلى التَّصْدِيقِ. ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، أوْ: ﴿فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ أفَرَأيْتُمْ﴾، ثُمَّ حَضَّ عَلى التَّصْدِيقِ عَلى وجْهِ تَقْرِيعِهِمْ بِسِياقِ الحُجَجِ المُوجِبَةِ لِلتَّصْدِيقِ، وكانَ كافِرًا، قالَ: ولِمَ أُصَدِّقُ ؟ فَقِيلَ لَهُ: أفَرَأيْتَ كَذا مِمّا الإنْسانُ مَفْطُورٌ عَلى الإقْرارِ بِهِ ؟ فَقالَ: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾، وهو المَنِيُّ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الإنْسانِ، إذْ لَيْسَ لَهُ في خَلْقِهِ عَمَلٌ ولا إرادَةٌ ولا قُدْرَةٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿تَخْلُقُونَهُ﴾: تُقَدِّرُونَهُ وتُصَوِّرُونَهُ. انْتَهى، فَحُمِلَ الخَلْقُ عَلى التَّقْدِيرِ والتَّصْوِيرِ، لا عَلى الإنْشاءِ. ويَجُوزُ في (أأنْتُمْ) أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وخَبَرُهُ ﴿تَخْلُقُونَهُ﴾، والأوْلى أنْ يَكُونَ فاعِلًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قالَ: أتَخْلُقُونَهُ ؟ فَلَمّا حُذِفَ الفِعْلُ، انْفَصَلَ الضَّمِيرُ وجاءَ (أفَرَأيْتُمْ) هُنا مُصَرَّحًا بِمَفْعُولِها الأوَّلِ. ومَجِيءُ جُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي عَلى ما هو المُقَرَّرُ فِيها، إذا كانَتْ بِمَعْنى أخْبِرْنِي. وجاءَ بَعْدَ أمْ جُمْلَةٌ فَقِيلَ: أمْ مُنْقَطِعَةٌ، ولَيْسَتِ المُعادَلَةُ لِلْهَمْزَةِ، وذَلِكَ في أرْبَعَةِ مَواضِعَ هُنا، لِيَكُونَ ذَلِكَ عَلى اسْتِفْهامَيْنِ، فَجَوابُ الأوَّلِ لا، وجَوابُ الثّانِي نَعَمْ، فَتُقَدَّرُ أمْ عَلى هَذا، بَلْ أنَحْنُ الخالِقُونَ فَجَوابُهُ نَعَمْ. وقالَ قَوْمٌ مِنَ النُّحاةِ: أمْ هُنا مُعادِلَةٌ لِلْهَمْزَةِ، وكانَ ما جاءَ مِنَ الخَبَرِ بَعْدَ نَحْنُ جِيءَ بِهِ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، إذْ لَوْ قالَ: أمْ نَحْنُ، لَوَقَعَ الِاكْتِفاءُ بِهِ دُونَ ذِكْرِ الخَبَرِ. ونَظِيرُ ذَلِكَ جَوابُ مَن قالَ: مَن في الدّارِ ؟ زَيْدٌ في الدّارِ، أوْ زَيْدٌ فِيها، ولَوِ اقْتَصَرَ في الجَوابِ عَلى زَيْدٍ لاكْتُفِيَ بِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ما تُمْنُونَ﴾ بِضَمِّ التّاءِ؛ وابْنُ عَبّاسٍ وأبُو السَّمّالِ: بِفَتْحِها. والجُمْهُورُ: (قَدَّرْنا)، بِشَدِّ الدّالِ؛ وابْنُ كَثِيرٍ: يُخِفُّها، أيْ قَضَيْنا وأثْبَتْنا، أوْ رَتَّبْنا في التَّقَدُّمِ والتَّأخُّرِ، فَلَيْسَ مَوْتُ العالَمِ دُفْعَةً واحِدَةً، بَلْ بِتَرْتِيبٍ لا يَتَعَدّى. ويُقالُ: سَبَقْتَهُ عَلى الشَّيْءِ: أعْجَزْتَهُ عَنْهُ وغَلَبْتَهُ عَلَيْهِ ولَمْ تُمَكِّنْهُ مِنهُ، والمَعْنى: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾: أيْ نَحْنُ قادِرُونَ عَلى ذَلِكَ، لا تَغْلِبُونَنا عَلَيْهِ، إنْ أرَدْنا ذَلِكَ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: المَعْنى نَحْنُ قادِرُونَ، ﴿قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ﴾، ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾: أيْ بِمَوْتِ طائِفَةٍ ونُبَدِّلُها بِطائِفَةٍ، هَكَذا قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ. انْتَهى. فَعَلى أنْ نُبَدِّلَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا﴾، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ مُتَعَلِّقٌ (بِمَسْبُوقِينَ)، أيْ لا نُسْبَقُ. ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾، وأمْثالَكم جَمْعُ مِثْلٍ، ﴿ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ مِنَ الصِّفاتِ: أيْ نَحْنُ قادِرُونَ عَلى أنْ نَعْدِمَكم ونُنْشِئَ أمْثالَكم، وعَلى تَغْيِيرِ أوْصافِكم مِمّا لا يُحِيطُ بِهِ فِكْرُكم. وقالَ الحَسَنُ: مِن كَوْنِكم قِرَدَةً وخَنازِيرَ، قالَ ذَلِكَ لِأنَّ الآيَةَ تَنْحُو إلى الوَعِيدِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (أمْثالَكم) جَمْعَ مِثْلٍ بِمَعْنى الصِّفَةِ، أيْ نَحْنُ قادِرُونَ عَلى أنْ نُغَيِّرَ صِفاتِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها خَلْقًا وخُلُقًا، ﴿ونُنْشِئَكُمْ﴾ في صِفاتٍ لا تَعْلَمُونَها. ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى﴾: أيْ عَلِمْتُمْ أنَّهُ هو الَّذِي أنْشَأكم، أوَّلًا أنْشَأْنا إنْسانًا. وقِيلَ: نَشْأةُ آدَمَ، وأنَّهُ خُلِقَ مِن طِينٍ، ولا يُنْكِرُها أحَدٌ مِن ولَدِهِ. ﴿فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾: حَضٌّ عَلى التَّذْكِيرِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ والإقْرارِ بِالنَّشْأةِ الآخِرَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: تَذَّكَّرُونَ بِشَدِّ الذّالِ؛ وطَلْحَةُ يُخِفُّها وضَمِّ الكافِ، قالُوا: وهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى اسْتِعْمالِ القِياسِ والحَضِّ عَلَيْهِ. انْتَهى، ولا تَدُلُّ إلّا عَلى قِياسِ الأوْلى، لا عَلى جَمِيعِ أنْواعِ القِياسِ.

الواقعة 56:45

﴿وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ ﴿لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ ﴿هَذا نُزُلُهم يَوْمَ الدِّينِ﴾ ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٨] ﴿لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الواقعة: ٨٠] ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ [الواقعة: ٨١] ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] ﴿وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٤] ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٥] ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ [الواقعة: ٨٦] ﴿تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٧] ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨] ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩٠] ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٣] ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤] ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦] (p-٢٠٨)اليَحْمُومُ: الأسْوَدُ البَهِيمُ. الحِنْثُ قالَ الخَطّابِيُّ وهو في كَلامِ العَرَبِ العِدْلُ الثَّقِيلُ شُبِّهَ الإثْمُ بِهِ، الهِيمُ: جَمْعُ أهْيَمَ وهَيْماءَ والهُيامُ داءٌ مُعَطِّشٌ يُصِيبُ الإبِلَ فَتَشْرَبُ حَتّى تَمُوتَ، أوْ تَسْقَمَ سُقْمًا شَدِيدًا، قالَ: ؎فَأصْبَحْتُ كالهَيْماءِ لا الماءُ مُبْرِئٌ صَداها ولا يَقْضِي عَلَيْها هُيامُها والهِيمُ: جَمْعُ هَيامٍ، وهو الرَّمْلُ بِفَتْحِ الهاءِ وهو المَشْهُورُ، وقالَ ثَعْلَبٌ بِضَمِّها، قالَ: هو الرَّمْلُ الَّذِي لا يَتَماسَكُ، فَبِالفَتْحِ كَسَحابٍ وسُحُبٍ ثُمَّ خُفِّفَ وفُعِلَ بِهِ ما فُعِلَ بِجَمْعِ أهْيَمَ مِن قَلْبِ ضَمَّتِهِ كَسْرَةً لِتَصِحَّ الياءُ أوْ بِالضَّمِّ يَكُونُ قَدْ جُمِعَ عَلى فِعْلٍ كَقُرادٍ وقِرْدٍ، ثُمَّ سُكِّنَتْ ضَمَّةُ الرّاءِ فَصارَ فِعْلًا ثُمَّ فُعِلَ بِهِ ما فُعِلَ بِبِيضٍ، أمْنى الرَّجُلُ النُّطْفَةَ، ومَنّاها قَذَفَها مِن إحْلِيلِهِ، المُزْنُ السَّحابُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎فَلا مُزْنَةٌ ودَقَتْ ودْقُها ∗∗∗ ولا أرْضٌ أبْقَلَ إبْقالُها أوْرَيْتُ النّارَ مِنَ الزِّنادِ قَدَحْتُها ووَرِيَ الزَّنْدُ نَفْسُهُ والزِّنادُ حَجَرَيْنِ أوْ مِن حَجَرٍ وحَدِيدَةٍ، ومِن شَجَرٍ لا سِيَّما في الشَّجَرِ الرَّخْوِ كالمَرْخِ والعِفارِ والكَلْحِ والعَرَبُ تَقْدَحُ بِعُودَيْنِ تَحُكُّ أحَدَهُما بِالآخَرِ ويُسَمُّونَ الأعْلى الزَّنْدَ والأسْفَلَ الزَّنْدَةَ شَبَّهُوهُما بِالعَجَلِ والطَّرُوقَةِ، أقْوى الرَّجُلُ دَخَلَ في الأرْضِ القَوى وهي القَفْرُ كَأصْحَرَ دَخَلَ في الصَّحْراءِ، وأقْوى مِن أقامَ أيّامًا لَمْ يَأْكُلْ شَيْئًا وأقْوَتِ الدّارُ صارَتْ قَفْراءَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎يا دارَ مَيَّةَ بِالعَلْياءِ فالسَّنَدِ ∗∗∗ أقْوَتْ وطالَ عَلَيْها سالِفُ الأمَدِ ادَّهَنَ لايَنَ وهاوَدَ فِيما لا يُحْمَلُ عِنْدَ المُدْهِنِ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎الحَزْمُ والقُوَّةُ خَيْرٌ مِنَ ∗∗∗ الإدْهانِ والفَكَّةِ والهاعِ الحُلْقُومُ مَجْرى الطَّعامِ، الرُّوحُ الِاسْتِراحَةُ، الرَّيْحانُ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ. ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ ﴿لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ ﴿هَذا نُزُلُهم يَوْمَ الدِّينِ﴾ ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٨] ﴿لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الواقعة: ٨٠] ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ [الواقعة: ٨١] ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] ﴿وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٤] ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٥] ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ [الواقعة: ٨٦] ﴿تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٧] ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨] ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩٠] ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٣] ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤] ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦] . (p-٢٠٩)لَمّا ذَكَرَ حالَ السّابِقِينَ، وأتْبَعَهم بِأصْحابِ المَيْمَنَةِ، ذَكَرَ حالَ أصْحابِ المَشْأمَةِ فَقالَ: ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ﴾، وتَقَدَّمَ إعْرابُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، وفي هَذا الِاسْتِفْهامِ تَعْظِيمُ مُصابِهِمْ. ﴿فِي سَمُومٍ﴾: في أشَدِّ حَرٍّ، ﴿وحَمِيمٍ﴾: ماءٌ شَدِيدُ السُّخُونَةِ. ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وأبُو مالِكٍ وابْنُ زَيْدٍ والجُمْهُورُ: دُخانٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هو سُرادِقُ النّارِ المُحِيطُ بِأهْلِها، يَرْتَفِعُ مِن كُلِّ ناحِيَةٍ حَتّى يُظِلَّهم. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: اليَحْمُومُ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ أيْضًا وابْنُ بُرَيْدَةَ: هو جَبَلٌ في النّارِ أسْوَدُ، يَفْزَعُ أهْلُ النّارِ إلى ذُراهُ، فَيَجِدُونَهُ أشَدَّ شَيْءٍ وأمَرَّ. ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾: صِفَتانِ لِلظِّلِّ نُفِيَتا، سُمِّيَ ظِلًّا وإنْ كانَ لَيْسَ كالظِّلالِ، ونُفِيَ عَنْهُ بَرْدُ الظِّلِّ ونَفْعُهُ لِمَن يَأْوِي إلَيْهِ. ﴿ولا كَرِيمٍ﴾: تَتْمِيمٌ لِنَفْيِ صِفَةِ المَدْحِ فِيهِ وتَمْحِيقٌ لِما يُتَوَهَّمُ في الظِّلِّ مِنَ الِاسْتِرْواحِ إلَيْهِ عِنْدَ شِدَّةِ الحَرِّ، أوْ نَفْيٌ لِكَرامَةِ مَن يَسْتَرْوِحُ إلَيْهِ. ونُسِبَ إلَيْهِ مَجازًا، والمُرادُ هم، أيْ يَسْتَظِلُّونَ إلَيْهِ وهم مُهانُونَ. وقَدْ يُحْتَمَلُ المَجْلِسُ الرَّدِيءُ لِنَيْلِ الكَرامَةِ، وبُدِئَ أوَّلًا بِالوَصْفِ الأصْلِيِّ الَّذِي هو الظِّلُّ، وهو كَوْنُهُ مِن يَحْمُومٍ، فَهو بَعْضُ اليَحْمُومِ. ثُمَّ نَفى عَنْهُ الوَصْفَ الَّذِي يَبْغِي لَهُ الظِّلَّ، وهو كَوْنُهُ لا بارِدًا ولا كَرِيمًا. وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ صِفَةً لِيَحْمُومٍ، ويَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونَ الظِّلُّ مَوْصُوفًا بِذَلِكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ بِجَرِّهِما؛ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِرَفْعِهِما: أيْ لا هو بارِدٌ ولا كَرِيمٌ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ؎فَأبِيتُ لا حَرِجٌ ولا مَحْرُومٌ أيْ لا أنا حَرِجٌ. ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ﴾: أيْ في الدُّنْيا، ﴿مُتْرَفِينَ﴾: فِيهِ ذَمُّ التَّرَفِ والتَّنَعُّمِ في الدُّنْيا، والتَّرَفُ طَرِيقٌ إلى البِطالَةِ وتَرْكِ التَّفَكُّرِ في العاقِبَةِ. ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ﴾: أيْ يُداوِمُونَ ويُواظِبُونَ، ﴿عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾، قالَ قَتادَةُ والضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ: الشِّرْكُ، وهو الظّاهِرُ. وقِيلَ: ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ [النحل: ٣٨] الآيَةَ مِنَ التَّكْذِيبِ بِالبَعْثِ. ويُبْعِدُهُ: ﴿وكانُوا يَقُولُونَ﴾، فَإنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، والعَطْفُ يَقْتَضِي التَّغايُرَ، فالحِنْثُ العَظِيمُ: الشِّرْكُ. فَقَوْلُهم: ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في والصّافّاتِ، وكَرَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا وهْمَهُ فَقالَ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ حَسُنَ العَطْفُ عَلى المُضْمَرِ في (لَمَبْعُوثُونَ) مِن غَيْرِ تَأْكِيدٍ بِنَحْنُ ؟ قُلْتُ: حَسُنَ لِلْفاصِلِ الَّذِي هو الهَمْزَةُ، كَما حَسُنَ في قَوْلِهِ: ﴿ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، لِفَصْلِ لا المُؤَكِّدَةِ لِلنَّفْيِ. انْتَهى. ورَدَدْنا عَلَيْهِ هُنا وهُناكَ إلى مَذْهَبِ الجَماعَةِ في أنَّهم لا يُقَدِّرُونَ بَيْنَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وحَرْفِ العَطْفِ فِعْلًا في نَحْوِ: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ [يوسف: ١٠٩]، (p-٢١٠)ولا اسْمًا في نَحْوِ: (أوَآباؤُنا)، بَلِ الواوُ والفاءُ لِعَطْفِ ما بَعْدَهُما عَلى ما قَبْلَهُما، والهَمْزَةُ في التَّقْدِيرِ مُتَأخِّرَةٌ عَنْ حَرْفِ العَطْفِ. لَكِنَّهُ لَمّا كانَ الِاسْتِفْهامُ لَهُ صَدْرُ الكَلامِ قُدِّمَتْ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى اسْتِفْهامَهم عَنِ البَعْثِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِبْعادِ والإنْكارِ، أمَرَ نَبِيَّهُ، ﷺ، أنْ يُخْبِرَهم بِبَعْثِ العالَمِ أوَّلِهِمْ وآخِرِهِمْ، لِلْحِسابِ، وبِما يَصِلُ إلَيْهِ المُكَذِّبُونَ لِلْبَعْثِ مِنَ العَذابِ. والمِيقاتُ: ما وُقِّتَ بِهِ الشَّيْءُ، أيْ حُدَّ، أيْ إلى ما وُقِّتْتُ بِهِ الدُّنْيا مِن يَوْمٍ مَعْلُومٍ، والإضافَةُ بِمَعْنى مِن، كَخاتَمِ حَدِيدٍ. (ثُمَّ إنَّكم): خِطابٌ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ، ﴿أيُّها الضّالُّونَ﴾ عَنِ الهُدى، ﴿المُكَذِّبُونَ﴾ لِلْبَعْثِ. وخِطابٌ أيْضًا لِمَن جَرى مَجْراهم في ذَلِكَ. ﴿لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾: ”مِن“ الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ أوْ لِلتَّبْعِيضِ؛ والثّانِيَةُ، إنْ كانَ مِن زَقُّومٍ بَدَلًا، فَمِن تَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ بَدَلًا، فَهي لِبَيانِ الجِنْسِ، أيْ مِن شَجَرٍ الَّذِي هو زَقُّومٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِن شَجَرٍ؛ وعَبْدُ اللَّهِ: مِن شَجَرَةٍ. ﴿فَمالِئُونَ مِنها﴾: الضَّمِيرُ في مِنها عائِدٌ عَلى شَجَرٍ، إذْ هو اسْمُ جِنْسٍ يُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ، وعَلى قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ، فَهو واضِحٌ. ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ﴾، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ذُكِرَ عَلى لَفْظِ الشَّجَرِ، كَما أُنِّثَ عَلى المَعْنى في مِنها. قالَ: ومَن قَرَأ: مِن شَجَرَةٍ مِن زَقُّومٍ، فَقَدْ جَعَلَ الضَّمِيرَيْنِ لِلشَّجَرَةِ، وإنَّما ذُكِرَ الثّانِي عَلى تَأْوِيلِ الزَّقُّومِ لِأنَّهُ يُفَسِّرُها، وهي في مَعْناهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والضَّمِيرُ في عَلَيْهِ عائِدٌ عَلى المَأْكُولِ، أوْ عَلى الأكْلِ. انْتَهى. فَلَمْ يَجْعَلْهُ عائِدًا عَلى شَجَرٍ. وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ: (شُرْبَ) بِضَمِّ الشِّينِ، وهو مَصْدَرٌ. وقِيلَ: اسْمٌ لِما يُشْرَبُ؛ ومُجاهِدٌ وأبُو عُثْمانَ النَّهْدِيُّ: بِكَسْرِها، وهو بِمَعْنى المَشْرُوبِ، اسْمٌ لا مَصْدَرٌ، كالطَّحْنِ والرَّعْيِ؛ والأعْرَجُ وابْنُ المُسَيَّبِ وشُعَيْبُ بْنُ الحَبْحابِ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ وابْنُ جُرَيْجٍ وباقِي السَّبْعَةِ: بِفَتْحِها، وهو مَصْدَرٌ مَقِيسٌ. والهِيمُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ: جَمْعُ أهْيَمَ، وهو الجَمَلُ الَّذِي أصابَهُ الهُيامُ، وقَدْ فَسَّرْناهُ في المُفْرَداتِ. وقِيلَ: جَمْعُ هَيْماءَ. وقِيلَ: جَمْعُ هائِمٍ وهائِمَةٍ، وجَمْعُ فاعِلٍ عَلى فِعْلٍ شاذٌّ، كَباذِلٍ وبِذْلٍ، وعائِذٍ وعِوْذٍ؛ والهائِمُ أيْضًا مِنَ الهُيامِ. ألا تَرى أنَّ الجَمَلَ إذا أصابَهُ ذَلِكَ هامَ عَلى وجْهِهِ وذَهَبَ ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وسُفْيانُ: الهِيمُ: الرِّمالُ الَّتِي لا تُرْوى مِنَ الماءِ، وتَقَدَّمَ الخِلافُ في مُفْرَدِهِ، أهْوَ الهَيامُ بِفَتْحِ الهاءِ، أمْ بِالضَّمِّ ؟ والمَعْنى: أنَّهُ يُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ مِنَ الجُوعِ ما يَضْطَرُّهم إلى أكْلِ الزَّقُّومِ الَّذِي كالمُهْلِ، فَإذا مَلَئُوا مِنهُ البُطُونَ، سُلِّطَ عَلَيْهِمْ مِنَ العَطَشِ ما يَضْطَرُّهم إلى شُرْبِ الحَمِيمِ الَّذِي يُقَطِّعُ أمْعاءَهم، فَيَشْرَبُونَهُ شُرْبَ الهِيمِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ أيْضًا: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ صَحَّ عَطْفُ الشّارِبِينَ عَلى الشّارِبِينَ، وهُما لِذَواتٍ مُتَّفِقَةٍ وصِفَتانِ مُتَّفِقَتانِ، فَكانَ عَطْفًا لِلشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ ؟ قُلْتُ: لَيْسَتا بِمُتَّفِقَتَيْنِ مِن حَيْثُ أنَّ كَوْنَهم شارِبِينَ لِلْحَمِيمِ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِن تَناهِي الحَرارَةِ وقَطْعِ الأمْعاءِ أمْرٌ عَجِيبٌ، وشُرْبَهم لَهُ عَلى ذَلِكَ كَما تَشْرَبُ الهِيمُ الماءَ أمْرٌ عَجِيبٌ أيْضًا؛ فَكانَتا صِفَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ. انْتَهى. والفاءُ تَقْتَضِي التَّعْقِيبَ في الشُّرْبَيْنِ، وأنَّهم أوَّلًا لَمّا عَطِشُوا شَرِبُوا مِنَ الحَمِيمِ ظَنًّا أنَّهُ يُسَكِّنُ عَطَشَهم، فازْدادَ العَطَشُ بِحَرارَةِ الحَمِيمِ، فَشَرِبُوا بَعْدَهُ شُرْبًا لا يَقَعُ بِهِ رَيٌّ أبَدًا، وهو مِثْلُ شُرْبِ الهِيمِ، فَهُما شُرْبانِ مِنَ الحَمِيمِ لا شُرْبٌ واحِدٌ، اخْتَلَفَتْ صِفَتاهُ فَعُطِفَ، والمَقْصُودُ الصِّفَةُ. والمَشْرُوبُ مِنهُ في ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى، تَقْدِيرُهُ: فَشارِبُونَ مِنهُ شُرْبَ الهِيمِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿نُزُلُهُمْ﴾ بِضَمِّ الزّايِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وخارِجَةُ عَنْ نافِعٍ ونُعَيْمٍ ومَحْبُوبٍ وأبُو زَيْدٍ وهارُونُ وعِصْمَةُ وعَبّاسٌ كُلُّهم عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِالسُّكُونِ، وهو أوَّلُ ما يَأْكُلُهُ الضَّيْفُ، وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِالكُفّارِ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎وكُنّا إذا الجَبّارُ بِالجَيْشِ ضافَنا ∗∗∗ جَعَلْنا القَنا والمُرْهِفاتِ لَهُ نُزُلا (يَوْمَ الدِّينِ): أيْ يَوْمَ الجَزاءِ. ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ بِالإعادَةِ وتُقِرُّونَ بِها، كَما أقْرَرْتُمْ بِالنَّشْأةِ (p-٢١١)الأُولى، وهي خَلْقُهم. ثُمَّ قالَ: ﴿فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ بِالإعادَةِ وتُقْرِرْنَ بِها كَما أقْرَرْتُمْ، فَهو حَضٌّ عَلى التَّصْدِيقِ. ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، أوْ: ﴿فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ أفَرَأيْتُمْ﴾، ثُمَّ حَضَّ عَلى التَّصْدِيقِ عَلى وجْهِ تَقْرِيعِهِمْ بِسِياقِ الحُجَجِ المُوجِبَةِ لِلتَّصْدِيقِ، وكانَ كافِرًا، قالَ: ولِمَ أُصَدِّقُ ؟ فَقِيلَ لَهُ: أفَرَأيْتَ كَذا مِمّا الإنْسانُ مَفْطُورٌ عَلى الإقْرارِ بِهِ ؟ فَقالَ: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾، وهو المَنِيُّ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الإنْسانِ، إذْ لَيْسَ لَهُ في خَلْقِهِ عَمَلٌ ولا إرادَةٌ ولا قُدْرَةٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿تَخْلُقُونَهُ﴾: تُقَدِّرُونَهُ وتُصَوِّرُونَهُ. انْتَهى، فَحُمِلَ الخَلْقُ عَلى التَّقْدِيرِ والتَّصْوِيرِ، لا عَلى الإنْشاءِ. ويَجُوزُ في (أأنْتُمْ) أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وخَبَرُهُ ﴿تَخْلُقُونَهُ﴾، والأوْلى أنْ يَكُونَ فاعِلًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قالَ: أتَخْلُقُونَهُ ؟ فَلَمّا حُذِفَ الفِعْلُ، انْفَصَلَ الضَّمِيرُ وجاءَ (أفَرَأيْتُمْ) هُنا مُصَرَّحًا بِمَفْعُولِها الأوَّلِ. ومَجِيءُ جُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي عَلى ما هو المُقَرَّرُ فِيها، إذا كانَتْ بِمَعْنى أخْبِرْنِي. وجاءَ بَعْدَ أمْ جُمْلَةٌ فَقِيلَ: أمْ مُنْقَطِعَةٌ، ولَيْسَتِ المُعادَلَةُ لِلْهَمْزَةِ، وذَلِكَ في أرْبَعَةِ مَواضِعَ هُنا، لِيَكُونَ ذَلِكَ عَلى اسْتِفْهامَيْنِ، فَجَوابُ الأوَّلِ لا، وجَوابُ الثّانِي نَعَمْ، فَتُقَدَّرُ أمْ عَلى هَذا، بَلْ أنَحْنُ الخالِقُونَ فَجَوابُهُ نَعَمْ. وقالَ قَوْمٌ مِنَ النُّحاةِ: أمْ هُنا مُعادِلَةٌ لِلْهَمْزَةِ، وكانَ ما جاءَ مِنَ الخَبَرِ بَعْدَ نَحْنُ جِيءَ بِهِ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، إذْ لَوْ قالَ: أمْ نَحْنُ، لَوَقَعَ الِاكْتِفاءُ بِهِ دُونَ ذِكْرِ الخَبَرِ. ونَظِيرُ ذَلِكَ جَوابُ مَن قالَ: مَن في الدّارِ ؟ زَيْدٌ في الدّارِ، أوْ زَيْدٌ فِيها، ولَوِ اقْتَصَرَ في الجَوابِ عَلى زَيْدٍ لاكْتُفِيَ بِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ما تُمْنُونَ﴾ بِضَمِّ التّاءِ؛ وابْنُ عَبّاسٍ وأبُو السَّمّالِ: بِفَتْحِها. والجُمْهُورُ: (قَدَّرْنا)، بِشَدِّ الدّالِ؛ وابْنُ كَثِيرٍ: يُخِفُّها، أيْ قَضَيْنا وأثْبَتْنا، أوْ رَتَّبْنا في التَّقَدُّمِ والتَّأخُّرِ، فَلَيْسَ مَوْتُ العالَمِ دُفْعَةً واحِدَةً، بَلْ بِتَرْتِيبٍ لا يَتَعَدّى. ويُقالُ: سَبَقْتَهُ عَلى الشَّيْءِ: أعْجَزْتَهُ عَنْهُ وغَلَبْتَهُ عَلَيْهِ ولَمْ تُمَكِّنْهُ مِنهُ، والمَعْنى: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾: أيْ نَحْنُ قادِرُونَ عَلى ذَلِكَ، لا تَغْلِبُونَنا عَلَيْهِ، إنْ أرَدْنا ذَلِكَ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: المَعْنى نَحْنُ قادِرُونَ، ﴿قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ﴾، ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾: أيْ بِمَوْتِ طائِفَةٍ ونُبَدِّلُها بِطائِفَةٍ، هَكَذا قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ. انْتَهى. فَعَلى أنْ نُبَدِّلَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا﴾، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ مُتَعَلِّقٌ (بِمَسْبُوقِينَ)، أيْ لا نُسْبَقُ. ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾، وأمْثالَكم جَمْعُ مِثْلٍ، ﴿ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ مِنَ الصِّفاتِ: أيْ نَحْنُ قادِرُونَ عَلى أنْ نَعْدِمَكم ونُنْشِئَ أمْثالَكم، وعَلى تَغْيِيرِ أوْصافِكم مِمّا لا يُحِيطُ بِهِ فِكْرُكم. وقالَ الحَسَنُ: مِن كَوْنِكم قِرَدَةً وخَنازِيرَ، قالَ ذَلِكَ لِأنَّ الآيَةَ تَنْحُو إلى الوَعِيدِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (أمْثالَكم) جَمْعَ مِثْلٍ بِمَعْنى الصِّفَةِ، أيْ نَحْنُ قادِرُونَ عَلى أنْ نُغَيِّرَ صِفاتِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها خَلْقًا وخُلُقًا، ﴿ونُنْشِئَكُمْ﴾ في صِفاتٍ لا تَعْلَمُونَها. ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى﴾: أيْ عَلِمْتُمْ أنَّهُ هو الَّذِي أنْشَأكم، أوَّلًا أنْشَأْنا إنْسانًا. وقِيلَ: نَشْأةُ آدَمَ، وأنَّهُ خُلِقَ مِن طِينٍ، ولا يُنْكِرُها أحَدٌ مِن ولَدِهِ. ﴿فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾: حَضٌّ عَلى التَّذْكِيرِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ والإقْرارِ بِالنَّشْأةِ الآخِرَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: تَذَّكَّرُونَ بِشَدِّ الذّالِ؛ وطَلْحَةُ يُخِفُّها وضَمِّ الكافِ، قالُوا: وهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى اسْتِعْمالِ القِياسِ والحَضِّ عَلَيْهِ. انْتَهى، ولا تَدُلُّ إلّا عَلى قِياسِ الأوْلى، لا عَلى جَمِيعِ أنْواعِ القِياسِ.

الواقعة 56:46

﴿وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ ﴿لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ ﴿هَذا نُزُلُهم يَوْمَ الدِّينِ﴾ ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٨] ﴿لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الواقعة: ٨٠] ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ [الواقعة: ٨١] ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] ﴿وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٤] ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٥] ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ [الواقعة: ٨٦] ﴿تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٧] ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨] ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩٠] ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٣] ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤] ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦] (p-٢٠٨)اليَحْمُومُ: الأسْوَدُ البَهِيمُ. الحِنْثُ قالَ الخَطّابِيُّ وهو في كَلامِ العَرَبِ العِدْلُ الثَّقِيلُ شُبِّهَ الإثْمُ بِهِ، الهِيمُ: جَمْعُ أهْيَمَ وهَيْماءَ والهُيامُ داءٌ مُعَطِّشٌ يُصِيبُ الإبِلَ فَتَشْرَبُ حَتّى تَمُوتَ، أوْ تَسْقَمَ سُقْمًا شَدِيدًا، قالَ: ؎فَأصْبَحْتُ كالهَيْماءِ لا الماءُ مُبْرِئٌ صَداها ولا يَقْضِي عَلَيْها هُيامُها والهِيمُ: جَمْعُ هَيامٍ، وهو الرَّمْلُ بِفَتْحِ الهاءِ وهو المَشْهُورُ، وقالَ ثَعْلَبٌ بِضَمِّها، قالَ: هو الرَّمْلُ الَّذِي لا يَتَماسَكُ، فَبِالفَتْحِ كَسَحابٍ وسُحُبٍ ثُمَّ خُفِّفَ وفُعِلَ بِهِ ما فُعِلَ بِجَمْعِ أهْيَمَ مِن قَلْبِ ضَمَّتِهِ كَسْرَةً لِتَصِحَّ الياءُ أوْ بِالضَّمِّ يَكُونُ قَدْ جُمِعَ عَلى فِعْلٍ كَقُرادٍ وقِرْدٍ، ثُمَّ سُكِّنَتْ ضَمَّةُ الرّاءِ فَصارَ فِعْلًا ثُمَّ فُعِلَ بِهِ ما فُعِلَ بِبِيضٍ، أمْنى الرَّجُلُ النُّطْفَةَ، ومَنّاها قَذَفَها مِن إحْلِيلِهِ، المُزْنُ السَّحابُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎فَلا مُزْنَةٌ ودَقَتْ ودْقُها ∗∗∗ ولا أرْضٌ أبْقَلَ إبْقالُها أوْرَيْتُ النّارَ مِنَ الزِّنادِ قَدَحْتُها ووَرِيَ الزَّنْدُ نَفْسُهُ والزِّنادُ حَجَرَيْنِ أوْ مِن حَجَرٍ وحَدِيدَةٍ، ومِن شَجَرٍ لا سِيَّما في الشَّجَرِ الرَّخْوِ كالمَرْخِ والعِفارِ والكَلْحِ والعَرَبُ تَقْدَحُ بِعُودَيْنِ تَحُكُّ أحَدَهُما بِالآخَرِ ويُسَمُّونَ الأعْلى الزَّنْدَ والأسْفَلَ الزَّنْدَةَ شَبَّهُوهُما بِالعَجَلِ والطَّرُوقَةِ، أقْوى الرَّجُلُ دَخَلَ في الأرْضِ القَوى وهي القَفْرُ كَأصْحَرَ دَخَلَ في الصَّحْراءِ، وأقْوى مِن أقامَ أيّامًا لَمْ يَأْكُلْ شَيْئًا وأقْوَتِ الدّارُ صارَتْ قَفْراءَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎يا دارَ مَيَّةَ بِالعَلْياءِ فالسَّنَدِ ∗∗∗ أقْوَتْ وطالَ عَلَيْها سالِفُ الأمَدِ ادَّهَنَ لايَنَ وهاوَدَ فِيما لا يُحْمَلُ عِنْدَ المُدْهِنِ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎الحَزْمُ والقُوَّةُ خَيْرٌ مِنَ ∗∗∗ الإدْهانِ والفَكَّةِ والهاعِ الحُلْقُومُ مَجْرى الطَّعامِ، الرُّوحُ الِاسْتِراحَةُ، الرَّيْحانُ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ. ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ ﴿لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ ﴿هَذا نُزُلُهم يَوْمَ الدِّينِ﴾ ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٨] ﴿لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الواقعة: ٨٠] ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ [الواقعة: ٨١] ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] ﴿وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٤] ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٥] ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ [الواقعة: ٨٦] ﴿تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٧] ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨] ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩٠] ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٣] ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤] ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦] . (p-٢٠٩)لَمّا ذَكَرَ حالَ السّابِقِينَ، وأتْبَعَهم بِأصْحابِ المَيْمَنَةِ، ذَكَرَ حالَ أصْحابِ المَشْأمَةِ فَقالَ: ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ﴾، وتَقَدَّمَ إعْرابُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، وفي هَذا الِاسْتِفْهامِ تَعْظِيمُ مُصابِهِمْ. ﴿فِي سَمُومٍ﴾: في أشَدِّ حَرٍّ، ﴿وحَمِيمٍ﴾: ماءٌ شَدِيدُ السُّخُونَةِ. ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وأبُو مالِكٍ وابْنُ زَيْدٍ والجُمْهُورُ: دُخانٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هو سُرادِقُ النّارِ المُحِيطُ بِأهْلِها، يَرْتَفِعُ مِن كُلِّ ناحِيَةٍ حَتّى يُظِلَّهم. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: اليَحْمُومُ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ أيْضًا وابْنُ بُرَيْدَةَ: هو جَبَلٌ في النّارِ أسْوَدُ، يَفْزَعُ أهْلُ النّارِ إلى ذُراهُ، فَيَجِدُونَهُ أشَدَّ شَيْءٍ وأمَرَّ. ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾: صِفَتانِ لِلظِّلِّ نُفِيَتا، سُمِّيَ ظِلًّا وإنْ كانَ لَيْسَ كالظِّلالِ، ونُفِيَ عَنْهُ بَرْدُ الظِّلِّ ونَفْعُهُ لِمَن يَأْوِي إلَيْهِ. ﴿ولا كَرِيمٍ﴾: تَتْمِيمٌ لِنَفْيِ صِفَةِ المَدْحِ فِيهِ وتَمْحِيقٌ لِما يُتَوَهَّمُ في الظِّلِّ مِنَ الِاسْتِرْواحِ إلَيْهِ عِنْدَ شِدَّةِ الحَرِّ، أوْ نَفْيٌ لِكَرامَةِ مَن يَسْتَرْوِحُ إلَيْهِ. ونُسِبَ إلَيْهِ مَجازًا، والمُرادُ هم، أيْ يَسْتَظِلُّونَ إلَيْهِ وهم مُهانُونَ. وقَدْ يُحْتَمَلُ المَجْلِسُ الرَّدِيءُ لِنَيْلِ الكَرامَةِ، وبُدِئَ أوَّلًا بِالوَصْفِ الأصْلِيِّ الَّذِي هو الظِّلُّ، وهو كَوْنُهُ مِن يَحْمُومٍ، فَهو بَعْضُ اليَحْمُومِ. ثُمَّ نَفى عَنْهُ الوَصْفَ الَّذِي يَبْغِي لَهُ الظِّلَّ، وهو كَوْنُهُ لا بارِدًا ولا كَرِيمًا. وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ صِفَةً لِيَحْمُومٍ، ويَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونَ الظِّلُّ مَوْصُوفًا بِذَلِكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ بِجَرِّهِما؛ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِرَفْعِهِما: أيْ لا هو بارِدٌ ولا كَرِيمٌ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ؎فَأبِيتُ لا حَرِجٌ ولا مَحْرُومٌ أيْ لا أنا حَرِجٌ. ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ﴾: أيْ في الدُّنْيا، ﴿مُتْرَفِينَ﴾: فِيهِ ذَمُّ التَّرَفِ والتَّنَعُّمِ في الدُّنْيا، والتَّرَفُ طَرِيقٌ إلى البِطالَةِ وتَرْكِ التَّفَكُّرِ في العاقِبَةِ. ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ﴾: أيْ يُداوِمُونَ ويُواظِبُونَ، ﴿عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾، قالَ قَتادَةُ والضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ: الشِّرْكُ، وهو الظّاهِرُ. وقِيلَ: ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ [النحل: ٣٨] الآيَةَ مِنَ التَّكْذِيبِ بِالبَعْثِ. ويُبْعِدُهُ: ﴿وكانُوا يَقُولُونَ﴾، فَإنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، والعَطْفُ يَقْتَضِي التَّغايُرَ، فالحِنْثُ العَظِيمُ: الشِّرْكُ. فَقَوْلُهم: ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في والصّافّاتِ، وكَرَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا وهْمَهُ فَقالَ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ حَسُنَ العَطْفُ عَلى المُضْمَرِ في (لَمَبْعُوثُونَ) مِن غَيْرِ تَأْكِيدٍ بِنَحْنُ ؟ قُلْتُ: حَسُنَ لِلْفاصِلِ الَّذِي هو الهَمْزَةُ، كَما حَسُنَ في قَوْلِهِ: ﴿ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، لِفَصْلِ لا المُؤَكِّدَةِ لِلنَّفْيِ. انْتَهى. ورَدَدْنا عَلَيْهِ هُنا وهُناكَ إلى مَذْهَبِ الجَماعَةِ في أنَّهم لا يُقَدِّرُونَ بَيْنَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وحَرْفِ العَطْفِ فِعْلًا في نَحْوِ: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ [يوسف: ١٠٩]، (p-٢١٠)ولا اسْمًا في نَحْوِ: (أوَآباؤُنا)، بَلِ الواوُ والفاءُ لِعَطْفِ ما بَعْدَهُما عَلى ما قَبْلَهُما، والهَمْزَةُ في التَّقْدِيرِ مُتَأخِّرَةٌ عَنْ حَرْفِ العَطْفِ. لَكِنَّهُ لَمّا كانَ الِاسْتِفْهامُ لَهُ صَدْرُ الكَلامِ قُدِّمَتْ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى اسْتِفْهامَهم عَنِ البَعْثِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِبْعادِ والإنْكارِ، أمَرَ نَبِيَّهُ، ﷺ، أنْ يُخْبِرَهم بِبَعْثِ العالَمِ أوَّلِهِمْ وآخِرِهِمْ، لِلْحِسابِ، وبِما يَصِلُ إلَيْهِ المُكَذِّبُونَ لِلْبَعْثِ مِنَ العَذابِ. والمِيقاتُ: ما وُقِّتَ بِهِ الشَّيْءُ، أيْ حُدَّ، أيْ إلى ما وُقِّتْتُ بِهِ الدُّنْيا مِن يَوْمٍ مَعْلُومٍ، والإضافَةُ بِمَعْنى مِن، كَخاتَمِ حَدِيدٍ. (ثُمَّ إنَّكم): خِطابٌ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ، ﴿أيُّها الضّالُّونَ﴾ عَنِ الهُدى، ﴿المُكَذِّبُونَ﴾ لِلْبَعْثِ. وخِطابٌ أيْضًا لِمَن جَرى مَجْراهم في ذَلِكَ. ﴿لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾: ”مِن“ الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ أوْ لِلتَّبْعِيضِ؛ والثّانِيَةُ، إنْ كانَ مِن زَقُّومٍ بَدَلًا، فَمِن تَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ بَدَلًا، فَهي لِبَيانِ الجِنْسِ، أيْ مِن شَجَرٍ الَّذِي هو زَقُّومٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِن شَجَرٍ؛ وعَبْدُ اللَّهِ: مِن شَجَرَةٍ. ﴿فَمالِئُونَ مِنها﴾: الضَّمِيرُ في مِنها عائِدٌ عَلى شَجَرٍ، إذْ هو اسْمُ جِنْسٍ يُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ، وعَلى قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ، فَهو واضِحٌ. ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ﴾، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ذُكِرَ عَلى لَفْظِ الشَّجَرِ، كَما أُنِّثَ عَلى المَعْنى في مِنها. قالَ: ومَن قَرَأ: مِن شَجَرَةٍ مِن زَقُّومٍ، فَقَدْ جَعَلَ الضَّمِيرَيْنِ لِلشَّجَرَةِ، وإنَّما ذُكِرَ الثّانِي عَلى تَأْوِيلِ الزَّقُّومِ لِأنَّهُ يُفَسِّرُها، وهي في مَعْناهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والضَّمِيرُ في عَلَيْهِ عائِدٌ عَلى المَأْكُولِ، أوْ عَلى الأكْلِ. انْتَهى. فَلَمْ يَجْعَلْهُ عائِدًا عَلى شَجَرٍ. وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ: (شُرْبَ) بِضَمِّ الشِّينِ، وهو مَصْدَرٌ. وقِيلَ: اسْمٌ لِما يُشْرَبُ؛ ومُجاهِدٌ وأبُو عُثْمانَ النَّهْدِيُّ: بِكَسْرِها، وهو بِمَعْنى المَشْرُوبِ، اسْمٌ لا مَصْدَرٌ، كالطَّحْنِ والرَّعْيِ؛ والأعْرَجُ وابْنُ المُسَيَّبِ وشُعَيْبُ بْنُ الحَبْحابِ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ وابْنُ جُرَيْجٍ وباقِي السَّبْعَةِ: بِفَتْحِها، وهو مَصْدَرٌ مَقِيسٌ. والهِيمُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ: جَمْعُ أهْيَمَ، وهو الجَمَلُ الَّذِي أصابَهُ الهُيامُ، وقَدْ فَسَّرْناهُ في المُفْرَداتِ. وقِيلَ: جَمْعُ هَيْماءَ. وقِيلَ: جَمْعُ هائِمٍ وهائِمَةٍ، وجَمْعُ فاعِلٍ عَلى فِعْلٍ شاذٌّ، كَباذِلٍ وبِذْلٍ، وعائِذٍ وعِوْذٍ؛ والهائِمُ أيْضًا مِنَ الهُيامِ. ألا تَرى أنَّ الجَمَلَ إذا أصابَهُ ذَلِكَ هامَ عَلى وجْهِهِ وذَهَبَ ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وسُفْيانُ: الهِيمُ: الرِّمالُ الَّتِي لا تُرْوى مِنَ الماءِ، وتَقَدَّمَ الخِلافُ في مُفْرَدِهِ، أهْوَ الهَيامُ بِفَتْحِ الهاءِ، أمْ بِالضَّمِّ ؟ والمَعْنى: أنَّهُ يُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ مِنَ الجُوعِ ما يَضْطَرُّهم إلى أكْلِ الزَّقُّومِ الَّذِي كالمُهْلِ، فَإذا مَلَئُوا مِنهُ البُطُونَ، سُلِّطَ عَلَيْهِمْ مِنَ العَطَشِ ما يَضْطَرُّهم إلى شُرْبِ الحَمِيمِ الَّذِي يُقَطِّعُ أمْعاءَهم، فَيَشْرَبُونَهُ شُرْبَ الهِيمِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ أيْضًا: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ صَحَّ عَطْفُ الشّارِبِينَ عَلى الشّارِبِينَ، وهُما لِذَواتٍ مُتَّفِقَةٍ وصِفَتانِ مُتَّفِقَتانِ، فَكانَ عَطْفًا لِلشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ ؟ قُلْتُ: لَيْسَتا بِمُتَّفِقَتَيْنِ مِن حَيْثُ أنَّ كَوْنَهم شارِبِينَ لِلْحَمِيمِ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِن تَناهِي الحَرارَةِ وقَطْعِ الأمْعاءِ أمْرٌ عَجِيبٌ، وشُرْبَهم لَهُ عَلى ذَلِكَ كَما تَشْرَبُ الهِيمُ الماءَ أمْرٌ عَجِيبٌ أيْضًا؛ فَكانَتا صِفَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ. انْتَهى. والفاءُ تَقْتَضِي التَّعْقِيبَ في الشُّرْبَيْنِ، وأنَّهم أوَّلًا لَمّا عَطِشُوا شَرِبُوا مِنَ الحَمِيمِ ظَنًّا أنَّهُ يُسَكِّنُ عَطَشَهم، فازْدادَ العَطَشُ بِحَرارَةِ الحَمِيمِ، فَشَرِبُوا بَعْدَهُ شُرْبًا لا يَقَعُ بِهِ رَيٌّ أبَدًا، وهو مِثْلُ شُرْبِ الهِيمِ، فَهُما شُرْبانِ مِنَ الحَمِيمِ لا شُرْبٌ واحِدٌ، اخْتَلَفَتْ صِفَتاهُ فَعُطِفَ، والمَقْصُودُ الصِّفَةُ. والمَشْرُوبُ مِنهُ في ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى، تَقْدِيرُهُ: فَشارِبُونَ مِنهُ شُرْبَ الهِيمِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿نُزُلُهُمْ﴾ بِضَمِّ الزّايِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وخارِجَةُ عَنْ نافِعٍ ونُعَيْمٍ ومَحْبُوبٍ وأبُو زَيْدٍ وهارُونُ وعِصْمَةُ وعَبّاسٌ كُلُّهم عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِالسُّكُونِ، وهو أوَّلُ ما يَأْكُلُهُ الضَّيْفُ، وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِالكُفّارِ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎وكُنّا إذا الجَبّارُ بِالجَيْشِ ضافَنا ∗∗∗ جَعَلْنا القَنا والمُرْهِفاتِ لَهُ نُزُلا (يَوْمَ الدِّينِ): أيْ يَوْمَ الجَزاءِ. ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ بِالإعادَةِ وتُقِرُّونَ بِها، كَما أقْرَرْتُمْ بِالنَّشْأةِ (p-٢١١)الأُولى، وهي خَلْقُهم. ثُمَّ قالَ: ﴿فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ بِالإعادَةِ وتُقْرِرْنَ بِها كَما أقْرَرْتُمْ، فَهو حَضٌّ عَلى التَّصْدِيقِ. ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، أوْ: ﴿فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ أفَرَأيْتُمْ﴾، ثُمَّ حَضَّ عَلى التَّصْدِيقِ عَلى وجْهِ تَقْرِيعِهِمْ بِسِياقِ الحُجَجِ المُوجِبَةِ لِلتَّصْدِيقِ، وكانَ كافِرًا، قالَ: ولِمَ أُصَدِّقُ ؟ فَقِيلَ لَهُ: أفَرَأيْتَ كَذا مِمّا الإنْسانُ مَفْطُورٌ عَلى الإقْرارِ بِهِ ؟ فَقالَ: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾، وهو المَنِيُّ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الإنْسانِ، إذْ لَيْسَ لَهُ في خَلْقِهِ عَمَلٌ ولا إرادَةٌ ولا قُدْرَةٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿تَخْلُقُونَهُ﴾: تُقَدِّرُونَهُ وتُصَوِّرُونَهُ. انْتَهى، فَحُمِلَ الخَلْقُ عَلى التَّقْدِيرِ والتَّصْوِيرِ، لا عَلى الإنْشاءِ. ويَجُوزُ في (أأنْتُمْ) أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وخَبَرُهُ ﴿تَخْلُقُونَهُ﴾، والأوْلى أنْ يَكُونَ فاعِلًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قالَ: أتَخْلُقُونَهُ ؟ فَلَمّا حُذِفَ الفِعْلُ، انْفَصَلَ الضَّمِيرُ وجاءَ (أفَرَأيْتُمْ) هُنا مُصَرَّحًا بِمَفْعُولِها الأوَّلِ. ومَجِيءُ جُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي عَلى ما هو المُقَرَّرُ فِيها، إذا كانَتْ بِمَعْنى أخْبِرْنِي. وجاءَ بَعْدَ أمْ جُمْلَةٌ فَقِيلَ: أمْ مُنْقَطِعَةٌ، ولَيْسَتِ المُعادَلَةُ لِلْهَمْزَةِ، وذَلِكَ في أرْبَعَةِ مَواضِعَ هُنا، لِيَكُونَ ذَلِكَ عَلى اسْتِفْهامَيْنِ، فَجَوابُ الأوَّلِ لا، وجَوابُ الثّانِي نَعَمْ، فَتُقَدَّرُ أمْ عَلى هَذا، بَلْ أنَحْنُ الخالِقُونَ فَجَوابُهُ نَعَمْ. وقالَ قَوْمٌ مِنَ النُّحاةِ: أمْ هُنا مُعادِلَةٌ لِلْهَمْزَةِ، وكانَ ما جاءَ مِنَ الخَبَرِ بَعْدَ نَحْنُ جِيءَ بِهِ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، إذْ لَوْ قالَ: أمْ نَحْنُ، لَوَقَعَ الِاكْتِفاءُ بِهِ دُونَ ذِكْرِ الخَبَرِ. ونَظِيرُ ذَلِكَ جَوابُ مَن قالَ: مَن في الدّارِ ؟ زَيْدٌ في الدّارِ، أوْ زَيْدٌ فِيها، ولَوِ اقْتَصَرَ في الجَوابِ عَلى زَيْدٍ لاكْتُفِيَ بِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ما تُمْنُونَ﴾ بِضَمِّ التّاءِ؛ وابْنُ عَبّاسٍ وأبُو السَّمّالِ: بِفَتْحِها. والجُمْهُورُ: (قَدَّرْنا)، بِشَدِّ الدّالِ؛ وابْنُ كَثِيرٍ: يُخِفُّها، أيْ قَضَيْنا وأثْبَتْنا، أوْ رَتَّبْنا في التَّقَدُّمِ والتَّأخُّرِ، فَلَيْسَ مَوْتُ العالَمِ دُفْعَةً واحِدَةً، بَلْ بِتَرْتِيبٍ لا يَتَعَدّى. ويُقالُ: سَبَقْتَهُ عَلى الشَّيْءِ: أعْجَزْتَهُ عَنْهُ وغَلَبْتَهُ عَلَيْهِ ولَمْ تُمَكِّنْهُ مِنهُ، والمَعْنى: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾: أيْ نَحْنُ قادِرُونَ عَلى ذَلِكَ، لا تَغْلِبُونَنا عَلَيْهِ، إنْ أرَدْنا ذَلِكَ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: المَعْنى نَحْنُ قادِرُونَ، ﴿قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ﴾، ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾: أيْ بِمَوْتِ طائِفَةٍ ونُبَدِّلُها بِطائِفَةٍ، هَكَذا قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ. انْتَهى. فَعَلى أنْ نُبَدِّلَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا﴾، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ مُتَعَلِّقٌ (بِمَسْبُوقِينَ)، أيْ لا نُسْبَقُ. ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾، وأمْثالَكم جَمْعُ مِثْلٍ، ﴿ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ مِنَ الصِّفاتِ: أيْ نَحْنُ قادِرُونَ عَلى أنْ نَعْدِمَكم ونُنْشِئَ أمْثالَكم، وعَلى تَغْيِيرِ أوْصافِكم مِمّا لا يُحِيطُ بِهِ فِكْرُكم. وقالَ الحَسَنُ: مِن كَوْنِكم قِرَدَةً وخَنازِيرَ، قالَ ذَلِكَ لِأنَّ الآيَةَ تَنْحُو إلى الوَعِيدِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (أمْثالَكم) جَمْعَ مِثْلٍ بِمَعْنى الصِّفَةِ، أيْ نَحْنُ قادِرُونَ عَلى أنْ نُغَيِّرَ صِفاتِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها خَلْقًا وخُلُقًا، ﴿ونُنْشِئَكُمْ﴾ في صِفاتٍ لا تَعْلَمُونَها. ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى﴾: أيْ عَلِمْتُمْ أنَّهُ هو الَّذِي أنْشَأكم، أوَّلًا أنْشَأْنا إنْسانًا. وقِيلَ: نَشْأةُ آدَمَ، وأنَّهُ خُلِقَ مِن طِينٍ، ولا يُنْكِرُها أحَدٌ مِن ولَدِهِ. ﴿فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾: حَضٌّ عَلى التَّذْكِيرِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ والإقْرارِ بِالنَّشْأةِ الآخِرَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: تَذَّكَّرُونَ بِشَدِّ الذّالِ؛ وطَلْحَةُ يُخِفُّها وضَمِّ الكافِ، قالُوا: وهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى اسْتِعْمالِ القِياسِ والحَضِّ عَلَيْهِ. انْتَهى، ولا تَدُلُّ إلّا عَلى قِياسِ الأوْلى، لا عَلى جَمِيعِ أنْواعِ القِياسِ.

الواقعة 56:47

﴿وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ ﴿لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ ﴿هَذا نُزُلُهم يَوْمَ الدِّينِ﴾ ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٨] ﴿لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الواقعة: ٨٠] ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ [الواقعة: ٨١] ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] ﴿وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٤] ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٥] ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ [الواقعة: ٨٦] ﴿تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٧] ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨] ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩٠] ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٣] ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤] ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦] (p-٢٠٨)اليَحْمُومُ: الأسْوَدُ البَهِيمُ. الحِنْثُ قالَ الخَطّابِيُّ وهو في كَلامِ العَرَبِ العِدْلُ الثَّقِيلُ شُبِّهَ الإثْمُ بِهِ، الهِيمُ: جَمْعُ أهْيَمَ وهَيْماءَ والهُيامُ داءٌ مُعَطِّشٌ يُصِيبُ الإبِلَ فَتَشْرَبُ حَتّى تَمُوتَ، أوْ تَسْقَمَ سُقْمًا شَدِيدًا، قالَ: ؎فَأصْبَحْتُ كالهَيْماءِ لا الماءُ مُبْرِئٌ صَداها ولا يَقْضِي عَلَيْها هُيامُها والهِيمُ: جَمْعُ هَيامٍ، وهو الرَّمْلُ بِفَتْحِ الهاءِ وهو المَشْهُورُ، وقالَ ثَعْلَبٌ بِضَمِّها، قالَ: هو الرَّمْلُ الَّذِي لا يَتَماسَكُ، فَبِالفَتْحِ كَسَحابٍ وسُحُبٍ ثُمَّ خُفِّفَ وفُعِلَ بِهِ ما فُعِلَ بِجَمْعِ أهْيَمَ مِن قَلْبِ ضَمَّتِهِ كَسْرَةً لِتَصِحَّ الياءُ أوْ بِالضَّمِّ يَكُونُ قَدْ جُمِعَ عَلى فِعْلٍ كَقُرادٍ وقِرْدٍ، ثُمَّ سُكِّنَتْ ضَمَّةُ الرّاءِ فَصارَ فِعْلًا ثُمَّ فُعِلَ بِهِ ما فُعِلَ بِبِيضٍ، أمْنى الرَّجُلُ النُّطْفَةَ، ومَنّاها قَذَفَها مِن إحْلِيلِهِ، المُزْنُ السَّحابُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎فَلا مُزْنَةٌ ودَقَتْ ودْقُها ∗∗∗ ولا أرْضٌ أبْقَلَ إبْقالُها أوْرَيْتُ النّارَ مِنَ الزِّنادِ قَدَحْتُها ووَرِيَ الزَّنْدُ نَفْسُهُ والزِّنادُ حَجَرَيْنِ أوْ مِن حَجَرٍ وحَدِيدَةٍ، ومِن شَجَرٍ لا سِيَّما في الشَّجَرِ الرَّخْوِ كالمَرْخِ والعِفارِ والكَلْحِ والعَرَبُ تَقْدَحُ بِعُودَيْنِ تَحُكُّ أحَدَهُما بِالآخَرِ ويُسَمُّونَ الأعْلى الزَّنْدَ والأسْفَلَ الزَّنْدَةَ شَبَّهُوهُما بِالعَجَلِ والطَّرُوقَةِ، أقْوى الرَّجُلُ دَخَلَ في الأرْضِ القَوى وهي القَفْرُ كَأصْحَرَ دَخَلَ في الصَّحْراءِ، وأقْوى مِن أقامَ أيّامًا لَمْ يَأْكُلْ شَيْئًا وأقْوَتِ الدّارُ صارَتْ قَفْراءَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎يا دارَ مَيَّةَ بِالعَلْياءِ فالسَّنَدِ ∗∗∗ أقْوَتْ وطالَ عَلَيْها سالِفُ الأمَدِ ادَّهَنَ لايَنَ وهاوَدَ فِيما لا يُحْمَلُ عِنْدَ المُدْهِنِ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎الحَزْمُ والقُوَّةُ خَيْرٌ مِنَ ∗∗∗ الإدْهانِ والفَكَّةِ والهاعِ الحُلْقُومُ مَجْرى الطَّعامِ، الرُّوحُ الِاسْتِراحَةُ، الرَّيْحانُ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ. ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ ﴿لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ ﴿هَذا نُزُلُهم يَوْمَ الدِّينِ﴾ ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٨] ﴿لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الواقعة: ٨٠] ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ [الواقعة: ٨١] ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] ﴿وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٤] ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٥] ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ [الواقعة: ٨٦] ﴿تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٧] ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨] ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩٠] ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٣] ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤] ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦] . (p-٢٠٩)لَمّا ذَكَرَ حالَ السّابِقِينَ، وأتْبَعَهم بِأصْحابِ المَيْمَنَةِ، ذَكَرَ حالَ أصْحابِ المَشْأمَةِ فَقالَ: ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ﴾، وتَقَدَّمَ إعْرابُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، وفي هَذا الِاسْتِفْهامِ تَعْظِيمُ مُصابِهِمْ. ﴿فِي سَمُومٍ﴾: في أشَدِّ حَرٍّ، ﴿وحَمِيمٍ﴾: ماءٌ شَدِيدُ السُّخُونَةِ. ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وأبُو مالِكٍ وابْنُ زَيْدٍ والجُمْهُورُ: دُخانٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هو سُرادِقُ النّارِ المُحِيطُ بِأهْلِها، يَرْتَفِعُ مِن كُلِّ ناحِيَةٍ حَتّى يُظِلَّهم. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: اليَحْمُومُ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ أيْضًا وابْنُ بُرَيْدَةَ: هو جَبَلٌ في النّارِ أسْوَدُ، يَفْزَعُ أهْلُ النّارِ إلى ذُراهُ، فَيَجِدُونَهُ أشَدَّ شَيْءٍ وأمَرَّ. ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾: صِفَتانِ لِلظِّلِّ نُفِيَتا، سُمِّيَ ظِلًّا وإنْ كانَ لَيْسَ كالظِّلالِ، ونُفِيَ عَنْهُ بَرْدُ الظِّلِّ ونَفْعُهُ لِمَن يَأْوِي إلَيْهِ. ﴿ولا كَرِيمٍ﴾: تَتْمِيمٌ لِنَفْيِ صِفَةِ المَدْحِ فِيهِ وتَمْحِيقٌ لِما يُتَوَهَّمُ في الظِّلِّ مِنَ الِاسْتِرْواحِ إلَيْهِ عِنْدَ شِدَّةِ الحَرِّ، أوْ نَفْيٌ لِكَرامَةِ مَن يَسْتَرْوِحُ إلَيْهِ. ونُسِبَ إلَيْهِ مَجازًا، والمُرادُ هم، أيْ يَسْتَظِلُّونَ إلَيْهِ وهم مُهانُونَ. وقَدْ يُحْتَمَلُ المَجْلِسُ الرَّدِيءُ لِنَيْلِ الكَرامَةِ، وبُدِئَ أوَّلًا بِالوَصْفِ الأصْلِيِّ الَّذِي هو الظِّلُّ، وهو كَوْنُهُ مِن يَحْمُومٍ، فَهو بَعْضُ اليَحْمُومِ. ثُمَّ نَفى عَنْهُ الوَصْفَ الَّذِي يَبْغِي لَهُ الظِّلَّ، وهو كَوْنُهُ لا بارِدًا ولا كَرِيمًا. وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ صِفَةً لِيَحْمُومٍ، ويَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونَ الظِّلُّ مَوْصُوفًا بِذَلِكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ بِجَرِّهِما؛ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِرَفْعِهِما: أيْ لا هو بارِدٌ ولا كَرِيمٌ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ؎فَأبِيتُ لا حَرِجٌ ولا مَحْرُومٌ أيْ لا أنا حَرِجٌ. ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ﴾: أيْ في الدُّنْيا، ﴿مُتْرَفِينَ﴾: فِيهِ ذَمُّ التَّرَفِ والتَّنَعُّمِ في الدُّنْيا، والتَّرَفُ طَرِيقٌ إلى البِطالَةِ وتَرْكِ التَّفَكُّرِ في العاقِبَةِ. ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ﴾: أيْ يُداوِمُونَ ويُواظِبُونَ، ﴿عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾، قالَ قَتادَةُ والضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ: الشِّرْكُ، وهو الظّاهِرُ. وقِيلَ: ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ [النحل: ٣٨] الآيَةَ مِنَ التَّكْذِيبِ بِالبَعْثِ. ويُبْعِدُهُ: ﴿وكانُوا يَقُولُونَ﴾، فَإنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، والعَطْفُ يَقْتَضِي التَّغايُرَ، فالحِنْثُ العَظِيمُ: الشِّرْكُ. فَقَوْلُهم: ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في والصّافّاتِ، وكَرَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا وهْمَهُ فَقالَ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ حَسُنَ العَطْفُ عَلى المُضْمَرِ في (لَمَبْعُوثُونَ) مِن غَيْرِ تَأْكِيدٍ بِنَحْنُ ؟ قُلْتُ: حَسُنَ لِلْفاصِلِ الَّذِي هو الهَمْزَةُ، كَما حَسُنَ في قَوْلِهِ: ﴿ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، لِفَصْلِ لا المُؤَكِّدَةِ لِلنَّفْيِ. انْتَهى. ورَدَدْنا عَلَيْهِ هُنا وهُناكَ إلى مَذْهَبِ الجَماعَةِ في أنَّهم لا يُقَدِّرُونَ بَيْنَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وحَرْفِ العَطْفِ فِعْلًا في نَحْوِ: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ [يوسف: ١٠٩]، (p-٢١٠)ولا اسْمًا في نَحْوِ: (أوَآباؤُنا)، بَلِ الواوُ والفاءُ لِعَطْفِ ما بَعْدَهُما عَلى ما قَبْلَهُما، والهَمْزَةُ في التَّقْدِيرِ مُتَأخِّرَةٌ عَنْ حَرْفِ العَطْفِ. لَكِنَّهُ لَمّا كانَ الِاسْتِفْهامُ لَهُ صَدْرُ الكَلامِ قُدِّمَتْ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى اسْتِفْهامَهم عَنِ البَعْثِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِبْعادِ والإنْكارِ، أمَرَ نَبِيَّهُ، ﷺ، أنْ يُخْبِرَهم بِبَعْثِ العالَمِ أوَّلِهِمْ وآخِرِهِمْ، لِلْحِسابِ، وبِما يَصِلُ إلَيْهِ المُكَذِّبُونَ لِلْبَعْثِ مِنَ العَذابِ. والمِيقاتُ: ما وُقِّتَ بِهِ الشَّيْءُ، أيْ حُدَّ، أيْ إلى ما وُقِّتْتُ بِهِ الدُّنْيا مِن يَوْمٍ مَعْلُومٍ، والإضافَةُ بِمَعْنى مِن، كَخاتَمِ حَدِيدٍ. (ثُمَّ إنَّكم): خِطابٌ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ، ﴿أيُّها الضّالُّونَ﴾ عَنِ الهُدى، ﴿المُكَذِّبُونَ﴾ لِلْبَعْثِ. وخِطابٌ أيْضًا لِمَن جَرى مَجْراهم في ذَلِكَ. ﴿لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾: ”مِن“ الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ أوْ لِلتَّبْعِيضِ؛ والثّانِيَةُ، إنْ كانَ مِن زَقُّومٍ بَدَلًا، فَمِن تَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ بَدَلًا، فَهي لِبَيانِ الجِنْسِ، أيْ مِن شَجَرٍ الَّذِي هو زَقُّومٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِن شَجَرٍ؛ وعَبْدُ اللَّهِ: مِن شَجَرَةٍ. ﴿فَمالِئُونَ مِنها﴾: الضَّمِيرُ في مِنها عائِدٌ عَلى شَجَرٍ، إذْ هو اسْمُ جِنْسٍ يُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ، وعَلى قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ، فَهو واضِحٌ. ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ﴾، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ذُكِرَ عَلى لَفْظِ الشَّجَرِ، كَما أُنِّثَ عَلى المَعْنى في مِنها. قالَ: ومَن قَرَأ: مِن شَجَرَةٍ مِن زَقُّومٍ، فَقَدْ جَعَلَ الضَّمِيرَيْنِ لِلشَّجَرَةِ، وإنَّما ذُكِرَ الثّانِي عَلى تَأْوِيلِ الزَّقُّومِ لِأنَّهُ يُفَسِّرُها، وهي في مَعْناهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والضَّمِيرُ في عَلَيْهِ عائِدٌ عَلى المَأْكُولِ، أوْ عَلى الأكْلِ. انْتَهى. فَلَمْ يَجْعَلْهُ عائِدًا عَلى شَجَرٍ. وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ: (شُرْبَ) بِضَمِّ الشِّينِ، وهو مَصْدَرٌ. وقِيلَ: اسْمٌ لِما يُشْرَبُ؛ ومُجاهِدٌ وأبُو عُثْمانَ النَّهْدِيُّ: بِكَسْرِها، وهو بِمَعْنى المَشْرُوبِ، اسْمٌ لا مَصْدَرٌ، كالطَّحْنِ والرَّعْيِ؛ والأعْرَجُ وابْنُ المُسَيَّبِ وشُعَيْبُ بْنُ الحَبْحابِ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ وابْنُ جُرَيْجٍ وباقِي السَّبْعَةِ: بِفَتْحِها، وهو مَصْدَرٌ مَقِيسٌ. والهِيمُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ: جَمْعُ أهْيَمَ، وهو الجَمَلُ الَّذِي أصابَهُ الهُيامُ، وقَدْ فَسَّرْناهُ في المُفْرَداتِ. وقِيلَ: جَمْعُ هَيْماءَ. وقِيلَ: جَمْعُ هائِمٍ وهائِمَةٍ، وجَمْعُ فاعِلٍ عَلى فِعْلٍ شاذٌّ، كَباذِلٍ وبِذْلٍ، وعائِذٍ وعِوْذٍ؛ والهائِمُ أيْضًا مِنَ الهُيامِ. ألا تَرى أنَّ الجَمَلَ إذا أصابَهُ ذَلِكَ هامَ عَلى وجْهِهِ وذَهَبَ ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وسُفْيانُ: الهِيمُ: الرِّمالُ الَّتِي لا تُرْوى مِنَ الماءِ، وتَقَدَّمَ الخِلافُ في مُفْرَدِهِ، أهْوَ الهَيامُ بِفَتْحِ الهاءِ، أمْ بِالضَّمِّ ؟ والمَعْنى: أنَّهُ يُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ مِنَ الجُوعِ ما يَضْطَرُّهم إلى أكْلِ الزَّقُّومِ الَّذِي كالمُهْلِ، فَإذا مَلَئُوا مِنهُ البُطُونَ، سُلِّطَ عَلَيْهِمْ مِنَ العَطَشِ ما يَضْطَرُّهم إلى شُرْبِ الحَمِيمِ الَّذِي يُقَطِّعُ أمْعاءَهم، فَيَشْرَبُونَهُ شُرْبَ الهِيمِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ أيْضًا: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ صَحَّ عَطْفُ الشّارِبِينَ عَلى الشّارِبِينَ، وهُما لِذَواتٍ مُتَّفِقَةٍ وصِفَتانِ مُتَّفِقَتانِ، فَكانَ عَطْفًا لِلشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ ؟ قُلْتُ: لَيْسَتا بِمُتَّفِقَتَيْنِ مِن حَيْثُ أنَّ كَوْنَهم شارِبِينَ لِلْحَمِيمِ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِن تَناهِي الحَرارَةِ وقَطْعِ الأمْعاءِ أمْرٌ عَجِيبٌ، وشُرْبَهم لَهُ عَلى ذَلِكَ كَما تَشْرَبُ الهِيمُ الماءَ أمْرٌ عَجِيبٌ أيْضًا؛ فَكانَتا صِفَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ. انْتَهى. والفاءُ تَقْتَضِي التَّعْقِيبَ في الشُّرْبَيْنِ، وأنَّهم أوَّلًا لَمّا عَطِشُوا شَرِبُوا مِنَ الحَمِيمِ ظَنًّا أنَّهُ يُسَكِّنُ عَطَشَهم، فازْدادَ العَطَشُ بِحَرارَةِ الحَمِيمِ، فَشَرِبُوا بَعْدَهُ شُرْبًا لا يَقَعُ بِهِ رَيٌّ أبَدًا، وهو مِثْلُ شُرْبِ الهِيمِ، فَهُما شُرْبانِ مِنَ الحَمِيمِ لا شُرْبٌ واحِدٌ، اخْتَلَفَتْ صِفَتاهُ فَعُطِفَ، والمَقْصُودُ الصِّفَةُ. والمَشْرُوبُ مِنهُ في ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى، تَقْدِيرُهُ: فَشارِبُونَ مِنهُ شُرْبَ الهِيمِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿نُزُلُهُمْ﴾ بِضَمِّ الزّايِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وخارِجَةُ عَنْ نافِعٍ ونُعَيْمٍ ومَحْبُوبٍ وأبُو زَيْدٍ وهارُونُ وعِصْمَةُ وعَبّاسٌ كُلُّهم عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِالسُّكُونِ، وهو أوَّلُ ما يَأْكُلُهُ الضَّيْفُ، وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِالكُفّارِ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎وكُنّا إذا الجَبّارُ بِالجَيْشِ ضافَنا ∗∗∗ جَعَلْنا القَنا والمُرْهِفاتِ لَهُ نُزُلا (يَوْمَ الدِّينِ): أيْ يَوْمَ الجَزاءِ. ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ بِالإعادَةِ وتُقِرُّونَ بِها، كَما أقْرَرْتُمْ بِالنَّشْأةِ (p-٢١١)الأُولى، وهي خَلْقُهم. ثُمَّ قالَ: ﴿فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ بِالإعادَةِ وتُقْرِرْنَ بِها كَما أقْرَرْتُمْ، فَهو حَضٌّ عَلى التَّصْدِيقِ. ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، أوْ: ﴿فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ أفَرَأيْتُمْ﴾، ثُمَّ حَضَّ عَلى التَّصْدِيقِ عَلى وجْهِ تَقْرِيعِهِمْ بِسِياقِ الحُجَجِ المُوجِبَةِ لِلتَّصْدِيقِ، وكانَ كافِرًا، قالَ: ولِمَ أُصَدِّقُ ؟ فَقِيلَ لَهُ: أفَرَأيْتَ كَذا مِمّا الإنْسانُ مَفْطُورٌ عَلى الإقْرارِ بِهِ ؟ فَقالَ: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾، وهو المَنِيُّ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الإنْسانِ، إذْ لَيْسَ لَهُ في خَلْقِهِ عَمَلٌ ولا إرادَةٌ ولا قُدْرَةٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿تَخْلُقُونَهُ﴾: تُقَدِّرُونَهُ وتُصَوِّرُونَهُ. انْتَهى، فَحُمِلَ الخَلْقُ عَلى التَّقْدِيرِ والتَّصْوِيرِ، لا عَلى الإنْشاءِ. ويَجُوزُ في (أأنْتُمْ) أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وخَبَرُهُ ﴿تَخْلُقُونَهُ﴾، والأوْلى أنْ يَكُونَ فاعِلًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قالَ: أتَخْلُقُونَهُ ؟ فَلَمّا حُذِفَ الفِعْلُ، انْفَصَلَ الضَّمِيرُ وجاءَ (أفَرَأيْتُمْ) هُنا مُصَرَّحًا بِمَفْعُولِها الأوَّلِ. ومَجِيءُ جُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي عَلى ما هو المُقَرَّرُ فِيها، إذا كانَتْ بِمَعْنى أخْبِرْنِي. وجاءَ بَعْدَ أمْ جُمْلَةٌ فَقِيلَ: أمْ مُنْقَطِعَةٌ، ولَيْسَتِ المُعادَلَةُ لِلْهَمْزَةِ، وذَلِكَ في أرْبَعَةِ مَواضِعَ هُنا، لِيَكُونَ ذَلِكَ عَلى اسْتِفْهامَيْنِ، فَجَوابُ الأوَّلِ لا، وجَوابُ الثّانِي نَعَمْ، فَتُقَدَّرُ أمْ عَلى هَذا، بَلْ أنَحْنُ الخالِقُونَ فَجَوابُهُ نَعَمْ. وقالَ قَوْمٌ مِنَ النُّحاةِ: أمْ هُنا مُعادِلَةٌ لِلْهَمْزَةِ، وكانَ ما جاءَ مِنَ الخَبَرِ بَعْدَ نَحْنُ جِيءَ بِهِ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، إذْ لَوْ قالَ: أمْ نَحْنُ، لَوَقَعَ الِاكْتِفاءُ بِهِ دُونَ ذِكْرِ الخَبَرِ. ونَظِيرُ ذَلِكَ جَوابُ مَن قالَ: مَن في الدّارِ ؟ زَيْدٌ في الدّارِ، أوْ زَيْدٌ فِيها، ولَوِ اقْتَصَرَ في الجَوابِ عَلى زَيْدٍ لاكْتُفِيَ بِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ما تُمْنُونَ﴾ بِضَمِّ التّاءِ؛ وابْنُ عَبّاسٍ وأبُو السَّمّالِ: بِفَتْحِها. والجُمْهُورُ: (قَدَّرْنا)، بِشَدِّ الدّالِ؛ وابْنُ كَثِيرٍ: يُخِفُّها، أيْ قَضَيْنا وأثْبَتْنا، أوْ رَتَّبْنا في التَّقَدُّمِ والتَّأخُّرِ، فَلَيْسَ مَوْتُ العالَمِ دُفْعَةً واحِدَةً، بَلْ بِتَرْتِيبٍ لا يَتَعَدّى. ويُقالُ: سَبَقْتَهُ عَلى الشَّيْءِ: أعْجَزْتَهُ عَنْهُ وغَلَبْتَهُ عَلَيْهِ ولَمْ تُمَكِّنْهُ مِنهُ، والمَعْنى: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾: أيْ نَحْنُ قادِرُونَ عَلى ذَلِكَ، لا تَغْلِبُونَنا عَلَيْهِ، إنْ أرَدْنا ذَلِكَ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: المَعْنى نَحْنُ قادِرُونَ، ﴿قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ﴾، ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾: أيْ بِمَوْتِ طائِفَةٍ ونُبَدِّلُها بِطائِفَةٍ، هَكَذا قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ. انْتَهى. فَعَلى أنْ نُبَدِّلَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا﴾، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ مُتَعَلِّقٌ (بِمَسْبُوقِينَ)، أيْ لا نُسْبَقُ. ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾، وأمْثالَكم جَمْعُ مِثْلٍ، ﴿ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ مِنَ الصِّفاتِ: أيْ نَحْنُ قادِرُونَ عَلى أنْ نَعْدِمَكم ونُنْشِئَ أمْثالَكم، وعَلى تَغْيِيرِ أوْصافِكم مِمّا لا يُحِيطُ بِهِ فِكْرُكم. وقالَ الحَسَنُ: مِن كَوْنِكم قِرَدَةً وخَنازِيرَ، قالَ ذَلِكَ لِأنَّ الآيَةَ تَنْحُو إلى الوَعِيدِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (أمْثالَكم) جَمْعَ مِثْلٍ بِمَعْنى الصِّفَةِ، أيْ نَحْنُ قادِرُونَ عَلى أنْ نُغَيِّرَ صِفاتِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها خَلْقًا وخُلُقًا، ﴿ونُنْشِئَكُمْ﴾ في صِفاتٍ لا تَعْلَمُونَها. ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى﴾: أيْ عَلِمْتُمْ أنَّهُ هو الَّذِي أنْشَأكم، أوَّلًا أنْشَأْنا إنْسانًا. وقِيلَ: نَشْأةُ آدَمَ، وأنَّهُ خُلِقَ مِن طِينٍ، ولا يُنْكِرُها أحَدٌ مِن ولَدِهِ. ﴿فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾: حَضٌّ عَلى التَّذْكِيرِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ والإقْرارِ بِالنَّشْأةِ الآخِرَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: تَذَّكَّرُونَ بِشَدِّ الذّالِ؛ وطَلْحَةُ يُخِفُّها وضَمِّ الكافِ، قالُوا: وهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى اسْتِعْمالِ القِياسِ والحَضِّ عَلَيْهِ. انْتَهى، ولا تَدُلُّ إلّا عَلى قِياسِ الأوْلى، لا عَلى جَمِيعِ أنْواعِ القِياسِ.

الواقعة 56:48

﴿وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ ﴿لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ ﴿هَذا نُزُلُهم يَوْمَ الدِّينِ﴾ ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٨] ﴿لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الواقعة: ٨٠] ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ [الواقعة: ٨١] ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] ﴿وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٤] ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٥] ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ [الواقعة: ٨٦] ﴿تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٧] ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨] ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩٠] ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٣] ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤] ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦] (p-٢٠٨)اليَحْمُومُ: الأسْوَدُ البَهِيمُ. الحِنْثُ قالَ الخَطّابِيُّ وهو في كَلامِ العَرَبِ العِدْلُ الثَّقِيلُ شُبِّهَ الإثْمُ بِهِ، الهِيمُ: جَمْعُ أهْيَمَ وهَيْماءَ والهُيامُ داءٌ مُعَطِّشٌ يُصِيبُ الإبِلَ فَتَشْرَبُ حَتّى تَمُوتَ، أوْ تَسْقَمَ سُقْمًا شَدِيدًا، قالَ: ؎فَأصْبَحْتُ كالهَيْماءِ لا الماءُ مُبْرِئٌ صَداها ولا يَقْضِي عَلَيْها هُيامُها والهِيمُ: جَمْعُ هَيامٍ، وهو الرَّمْلُ بِفَتْحِ الهاءِ وهو المَشْهُورُ، وقالَ ثَعْلَبٌ بِضَمِّها، قالَ: هو الرَّمْلُ الَّذِي لا يَتَماسَكُ، فَبِالفَتْحِ كَسَحابٍ وسُحُبٍ ثُمَّ خُفِّفَ وفُعِلَ بِهِ ما فُعِلَ بِجَمْعِ أهْيَمَ مِن قَلْبِ ضَمَّتِهِ كَسْرَةً لِتَصِحَّ الياءُ أوْ بِالضَّمِّ يَكُونُ قَدْ جُمِعَ عَلى فِعْلٍ كَقُرادٍ وقِرْدٍ، ثُمَّ سُكِّنَتْ ضَمَّةُ الرّاءِ فَصارَ فِعْلًا ثُمَّ فُعِلَ بِهِ ما فُعِلَ بِبِيضٍ، أمْنى الرَّجُلُ النُّطْفَةَ، ومَنّاها قَذَفَها مِن إحْلِيلِهِ، المُزْنُ السَّحابُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎فَلا مُزْنَةٌ ودَقَتْ ودْقُها ∗∗∗ ولا أرْضٌ أبْقَلَ إبْقالُها أوْرَيْتُ النّارَ مِنَ الزِّنادِ قَدَحْتُها ووَرِيَ الزَّنْدُ نَفْسُهُ والزِّنادُ حَجَرَيْنِ أوْ مِن حَجَرٍ وحَدِيدَةٍ، ومِن شَجَرٍ لا سِيَّما في الشَّجَرِ الرَّخْوِ كالمَرْخِ والعِفارِ والكَلْحِ والعَرَبُ تَقْدَحُ بِعُودَيْنِ تَحُكُّ أحَدَهُما بِالآخَرِ ويُسَمُّونَ الأعْلى الزَّنْدَ والأسْفَلَ الزَّنْدَةَ شَبَّهُوهُما بِالعَجَلِ والطَّرُوقَةِ، أقْوى الرَّجُلُ دَخَلَ في الأرْضِ القَوى وهي القَفْرُ كَأصْحَرَ دَخَلَ في الصَّحْراءِ، وأقْوى مِن أقامَ أيّامًا لَمْ يَأْكُلْ شَيْئًا وأقْوَتِ الدّارُ صارَتْ قَفْراءَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎يا دارَ مَيَّةَ بِالعَلْياءِ فالسَّنَدِ ∗∗∗ أقْوَتْ وطالَ عَلَيْها سالِفُ الأمَدِ ادَّهَنَ لايَنَ وهاوَدَ فِيما لا يُحْمَلُ عِنْدَ المُدْهِنِ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎الحَزْمُ والقُوَّةُ خَيْرٌ مِنَ ∗∗∗ الإدْهانِ والفَكَّةِ والهاعِ الحُلْقُومُ مَجْرى الطَّعامِ، الرُّوحُ الِاسْتِراحَةُ، الرَّيْحانُ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ. ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ ﴿لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ ﴿هَذا نُزُلُهم يَوْمَ الدِّينِ﴾ ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٨] ﴿لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الواقعة: ٨٠] ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ [الواقعة: ٨١] ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] ﴿وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٤] ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٥] ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ [الواقعة: ٨٦] ﴿تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٧] ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨] ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩٠] ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٣] ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤] ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦] . (p-٢٠٩)لَمّا ذَكَرَ حالَ السّابِقِينَ، وأتْبَعَهم بِأصْحابِ المَيْمَنَةِ، ذَكَرَ حالَ أصْحابِ المَشْأمَةِ فَقالَ: ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ﴾، وتَقَدَّمَ إعْرابُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، وفي هَذا الِاسْتِفْهامِ تَعْظِيمُ مُصابِهِمْ. ﴿فِي سَمُومٍ﴾: في أشَدِّ حَرٍّ، ﴿وحَمِيمٍ﴾: ماءٌ شَدِيدُ السُّخُونَةِ. ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وأبُو مالِكٍ وابْنُ زَيْدٍ والجُمْهُورُ: دُخانٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هو سُرادِقُ النّارِ المُحِيطُ بِأهْلِها، يَرْتَفِعُ مِن كُلِّ ناحِيَةٍ حَتّى يُظِلَّهم. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: اليَحْمُومُ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ أيْضًا وابْنُ بُرَيْدَةَ: هو جَبَلٌ في النّارِ أسْوَدُ، يَفْزَعُ أهْلُ النّارِ إلى ذُراهُ، فَيَجِدُونَهُ أشَدَّ شَيْءٍ وأمَرَّ. ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾: صِفَتانِ لِلظِّلِّ نُفِيَتا، سُمِّيَ ظِلًّا وإنْ كانَ لَيْسَ كالظِّلالِ، ونُفِيَ عَنْهُ بَرْدُ الظِّلِّ ونَفْعُهُ لِمَن يَأْوِي إلَيْهِ. ﴿ولا كَرِيمٍ﴾: تَتْمِيمٌ لِنَفْيِ صِفَةِ المَدْحِ فِيهِ وتَمْحِيقٌ لِما يُتَوَهَّمُ في الظِّلِّ مِنَ الِاسْتِرْواحِ إلَيْهِ عِنْدَ شِدَّةِ الحَرِّ، أوْ نَفْيٌ لِكَرامَةِ مَن يَسْتَرْوِحُ إلَيْهِ. ونُسِبَ إلَيْهِ مَجازًا، والمُرادُ هم، أيْ يَسْتَظِلُّونَ إلَيْهِ وهم مُهانُونَ. وقَدْ يُحْتَمَلُ المَجْلِسُ الرَّدِيءُ لِنَيْلِ الكَرامَةِ، وبُدِئَ أوَّلًا بِالوَصْفِ الأصْلِيِّ الَّذِي هو الظِّلُّ، وهو كَوْنُهُ مِن يَحْمُومٍ، فَهو بَعْضُ اليَحْمُومِ. ثُمَّ نَفى عَنْهُ الوَصْفَ الَّذِي يَبْغِي لَهُ الظِّلَّ، وهو كَوْنُهُ لا بارِدًا ولا كَرِيمًا. وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ صِفَةً لِيَحْمُومٍ، ويَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونَ الظِّلُّ مَوْصُوفًا بِذَلِكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ بِجَرِّهِما؛ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِرَفْعِهِما: أيْ لا هو بارِدٌ ولا كَرِيمٌ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ؎فَأبِيتُ لا حَرِجٌ ولا مَحْرُومٌ أيْ لا أنا حَرِجٌ. ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ﴾: أيْ في الدُّنْيا، ﴿مُتْرَفِينَ﴾: فِيهِ ذَمُّ التَّرَفِ والتَّنَعُّمِ في الدُّنْيا، والتَّرَفُ طَرِيقٌ إلى البِطالَةِ وتَرْكِ التَّفَكُّرِ في العاقِبَةِ. ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ﴾: أيْ يُداوِمُونَ ويُواظِبُونَ، ﴿عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾، قالَ قَتادَةُ والضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ: الشِّرْكُ، وهو الظّاهِرُ. وقِيلَ: ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ [النحل: ٣٨] الآيَةَ مِنَ التَّكْذِيبِ بِالبَعْثِ. ويُبْعِدُهُ: ﴿وكانُوا يَقُولُونَ﴾، فَإنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، والعَطْفُ يَقْتَضِي التَّغايُرَ، فالحِنْثُ العَظِيمُ: الشِّرْكُ. فَقَوْلُهم: ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في والصّافّاتِ، وكَرَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا وهْمَهُ فَقالَ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ حَسُنَ العَطْفُ عَلى المُضْمَرِ في (لَمَبْعُوثُونَ) مِن غَيْرِ تَأْكِيدٍ بِنَحْنُ ؟ قُلْتُ: حَسُنَ لِلْفاصِلِ الَّذِي هو الهَمْزَةُ، كَما حَسُنَ في قَوْلِهِ: ﴿ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، لِفَصْلِ لا المُؤَكِّدَةِ لِلنَّفْيِ. انْتَهى. ورَدَدْنا عَلَيْهِ هُنا وهُناكَ إلى مَذْهَبِ الجَماعَةِ في أنَّهم لا يُقَدِّرُونَ بَيْنَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وحَرْفِ العَطْفِ فِعْلًا في نَحْوِ: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ [يوسف: ١٠٩]، (p-٢١٠)ولا اسْمًا في نَحْوِ: (أوَآباؤُنا)، بَلِ الواوُ والفاءُ لِعَطْفِ ما بَعْدَهُما عَلى ما قَبْلَهُما، والهَمْزَةُ في التَّقْدِيرِ مُتَأخِّرَةٌ عَنْ حَرْفِ العَطْفِ. لَكِنَّهُ لَمّا كانَ الِاسْتِفْهامُ لَهُ صَدْرُ الكَلامِ قُدِّمَتْ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى اسْتِفْهامَهم عَنِ البَعْثِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِبْعادِ والإنْكارِ، أمَرَ نَبِيَّهُ، ﷺ، أنْ يُخْبِرَهم بِبَعْثِ العالَمِ أوَّلِهِمْ وآخِرِهِمْ، لِلْحِسابِ، وبِما يَصِلُ إلَيْهِ المُكَذِّبُونَ لِلْبَعْثِ مِنَ العَذابِ. والمِيقاتُ: ما وُقِّتَ بِهِ الشَّيْءُ، أيْ حُدَّ، أيْ إلى ما وُقِّتْتُ بِهِ الدُّنْيا مِن يَوْمٍ مَعْلُومٍ، والإضافَةُ بِمَعْنى مِن، كَخاتَمِ حَدِيدٍ. (ثُمَّ إنَّكم): خِطابٌ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ، ﴿أيُّها الضّالُّونَ﴾ عَنِ الهُدى، ﴿المُكَذِّبُونَ﴾ لِلْبَعْثِ. وخِطابٌ أيْضًا لِمَن جَرى مَجْراهم في ذَلِكَ. ﴿لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾: ”مِن“ الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ أوْ لِلتَّبْعِيضِ؛ والثّانِيَةُ، إنْ كانَ مِن زَقُّومٍ بَدَلًا، فَمِن تَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ بَدَلًا، فَهي لِبَيانِ الجِنْسِ، أيْ مِن شَجَرٍ الَّذِي هو زَقُّومٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِن شَجَرٍ؛ وعَبْدُ اللَّهِ: مِن شَجَرَةٍ. ﴿فَمالِئُونَ مِنها﴾: الضَّمِيرُ في مِنها عائِدٌ عَلى شَجَرٍ، إذْ هو اسْمُ جِنْسٍ يُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ، وعَلى قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ، فَهو واضِحٌ. ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ﴾، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ذُكِرَ عَلى لَفْظِ الشَّجَرِ، كَما أُنِّثَ عَلى المَعْنى في مِنها. قالَ: ومَن قَرَأ: مِن شَجَرَةٍ مِن زَقُّومٍ، فَقَدْ جَعَلَ الضَّمِيرَيْنِ لِلشَّجَرَةِ، وإنَّما ذُكِرَ الثّانِي عَلى تَأْوِيلِ الزَّقُّومِ لِأنَّهُ يُفَسِّرُها، وهي في مَعْناهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والضَّمِيرُ في عَلَيْهِ عائِدٌ عَلى المَأْكُولِ، أوْ عَلى الأكْلِ. انْتَهى. فَلَمْ يَجْعَلْهُ عائِدًا عَلى شَجَرٍ. وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ: (شُرْبَ) بِضَمِّ الشِّينِ، وهو مَصْدَرٌ. وقِيلَ: اسْمٌ لِما يُشْرَبُ؛ ومُجاهِدٌ وأبُو عُثْمانَ النَّهْدِيُّ: بِكَسْرِها، وهو بِمَعْنى المَشْرُوبِ، اسْمٌ لا مَصْدَرٌ، كالطَّحْنِ والرَّعْيِ؛ والأعْرَجُ وابْنُ المُسَيَّبِ وشُعَيْبُ بْنُ الحَبْحابِ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ وابْنُ جُرَيْجٍ وباقِي السَّبْعَةِ: بِفَتْحِها، وهو مَصْدَرٌ مَقِيسٌ. والهِيمُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ: جَمْعُ أهْيَمَ، وهو الجَمَلُ الَّذِي أصابَهُ الهُيامُ، وقَدْ فَسَّرْناهُ في المُفْرَداتِ. وقِيلَ: جَمْعُ هَيْماءَ. وقِيلَ: جَمْعُ هائِمٍ وهائِمَةٍ، وجَمْعُ فاعِلٍ عَلى فِعْلٍ شاذٌّ، كَباذِلٍ وبِذْلٍ، وعائِذٍ وعِوْذٍ؛ والهائِمُ أيْضًا مِنَ الهُيامِ. ألا تَرى أنَّ الجَمَلَ إذا أصابَهُ ذَلِكَ هامَ عَلى وجْهِهِ وذَهَبَ ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وسُفْيانُ: الهِيمُ: الرِّمالُ الَّتِي لا تُرْوى مِنَ الماءِ، وتَقَدَّمَ الخِلافُ في مُفْرَدِهِ، أهْوَ الهَيامُ بِفَتْحِ الهاءِ، أمْ بِالضَّمِّ ؟ والمَعْنى: أنَّهُ يُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ مِنَ الجُوعِ ما يَضْطَرُّهم إلى أكْلِ الزَّقُّومِ الَّذِي كالمُهْلِ، فَإذا مَلَئُوا مِنهُ البُطُونَ، سُلِّطَ عَلَيْهِمْ مِنَ العَطَشِ ما يَضْطَرُّهم إلى شُرْبِ الحَمِيمِ الَّذِي يُقَطِّعُ أمْعاءَهم، فَيَشْرَبُونَهُ شُرْبَ الهِيمِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ أيْضًا: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ صَحَّ عَطْفُ الشّارِبِينَ عَلى الشّارِبِينَ، وهُما لِذَواتٍ مُتَّفِقَةٍ وصِفَتانِ مُتَّفِقَتانِ، فَكانَ عَطْفًا لِلشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ ؟ قُلْتُ: لَيْسَتا بِمُتَّفِقَتَيْنِ مِن حَيْثُ أنَّ كَوْنَهم شارِبِينَ لِلْحَمِيمِ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِن تَناهِي الحَرارَةِ وقَطْعِ الأمْعاءِ أمْرٌ عَجِيبٌ، وشُرْبَهم لَهُ عَلى ذَلِكَ كَما تَشْرَبُ الهِيمُ الماءَ أمْرٌ عَجِيبٌ أيْضًا؛ فَكانَتا صِفَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ. انْتَهى. والفاءُ تَقْتَضِي التَّعْقِيبَ في الشُّرْبَيْنِ، وأنَّهم أوَّلًا لَمّا عَطِشُوا شَرِبُوا مِنَ الحَمِيمِ ظَنًّا أنَّهُ يُسَكِّنُ عَطَشَهم، فازْدادَ العَطَشُ بِحَرارَةِ الحَمِيمِ، فَشَرِبُوا بَعْدَهُ شُرْبًا لا يَقَعُ بِهِ رَيٌّ أبَدًا، وهو مِثْلُ شُرْبِ الهِيمِ، فَهُما شُرْبانِ مِنَ الحَمِيمِ لا شُرْبٌ واحِدٌ، اخْتَلَفَتْ صِفَتاهُ فَعُطِفَ، والمَقْصُودُ الصِّفَةُ. والمَشْرُوبُ مِنهُ في ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى، تَقْدِيرُهُ: فَشارِبُونَ مِنهُ شُرْبَ الهِيمِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿نُزُلُهُمْ﴾ بِضَمِّ الزّايِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وخارِجَةُ عَنْ نافِعٍ ونُعَيْمٍ ومَحْبُوبٍ وأبُو زَيْدٍ وهارُونُ وعِصْمَةُ وعَبّاسٌ كُلُّهم عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِالسُّكُونِ، وهو أوَّلُ ما يَأْكُلُهُ الضَّيْفُ، وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِالكُفّارِ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎وكُنّا إذا الجَبّارُ بِالجَيْشِ ضافَنا ∗∗∗ جَعَلْنا القَنا والمُرْهِفاتِ لَهُ نُزُلا (يَوْمَ الدِّينِ): أيْ يَوْمَ الجَزاءِ. ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ بِالإعادَةِ وتُقِرُّونَ بِها، كَما أقْرَرْتُمْ بِالنَّشْأةِ (p-٢١١)الأُولى، وهي خَلْقُهم. ثُمَّ قالَ: ﴿فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ بِالإعادَةِ وتُقْرِرْنَ بِها كَما أقْرَرْتُمْ، فَهو حَضٌّ عَلى التَّصْدِيقِ. ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، أوْ: ﴿فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ أفَرَأيْتُمْ﴾، ثُمَّ حَضَّ عَلى التَّصْدِيقِ عَلى وجْهِ تَقْرِيعِهِمْ بِسِياقِ الحُجَجِ المُوجِبَةِ لِلتَّصْدِيقِ، وكانَ كافِرًا، قالَ: ولِمَ أُصَدِّقُ ؟ فَقِيلَ لَهُ: أفَرَأيْتَ كَذا مِمّا الإنْسانُ مَفْطُورٌ عَلى الإقْرارِ بِهِ ؟ فَقالَ: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾، وهو المَنِيُّ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الإنْسانِ، إذْ لَيْسَ لَهُ في خَلْقِهِ عَمَلٌ ولا إرادَةٌ ولا قُدْرَةٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿تَخْلُقُونَهُ﴾: تُقَدِّرُونَهُ وتُصَوِّرُونَهُ. انْتَهى، فَحُمِلَ الخَلْقُ عَلى التَّقْدِيرِ والتَّصْوِيرِ، لا عَلى الإنْشاءِ. ويَجُوزُ في (أأنْتُمْ) أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وخَبَرُهُ ﴿تَخْلُقُونَهُ﴾، والأوْلى أنْ يَكُونَ فاعِلًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قالَ: أتَخْلُقُونَهُ ؟ فَلَمّا حُذِفَ الفِعْلُ، انْفَصَلَ الضَّمِيرُ وجاءَ (أفَرَأيْتُمْ) هُنا مُصَرَّحًا بِمَفْعُولِها الأوَّلِ. ومَجِيءُ جُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي عَلى ما هو المُقَرَّرُ فِيها، إذا كانَتْ بِمَعْنى أخْبِرْنِي. وجاءَ بَعْدَ أمْ جُمْلَةٌ فَقِيلَ: أمْ مُنْقَطِعَةٌ، ولَيْسَتِ المُعادَلَةُ لِلْهَمْزَةِ، وذَلِكَ في أرْبَعَةِ مَواضِعَ هُنا، لِيَكُونَ ذَلِكَ عَلى اسْتِفْهامَيْنِ، فَجَوابُ الأوَّلِ لا، وجَوابُ الثّانِي نَعَمْ، فَتُقَدَّرُ أمْ عَلى هَذا، بَلْ أنَحْنُ الخالِقُونَ فَجَوابُهُ نَعَمْ. وقالَ قَوْمٌ مِنَ النُّحاةِ: أمْ هُنا مُعادِلَةٌ لِلْهَمْزَةِ، وكانَ ما جاءَ مِنَ الخَبَرِ بَعْدَ نَحْنُ جِيءَ بِهِ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، إذْ لَوْ قالَ: أمْ نَحْنُ، لَوَقَعَ الِاكْتِفاءُ بِهِ دُونَ ذِكْرِ الخَبَرِ. ونَظِيرُ ذَلِكَ جَوابُ مَن قالَ: مَن في الدّارِ ؟ زَيْدٌ في الدّارِ، أوْ زَيْدٌ فِيها، ولَوِ اقْتَصَرَ في الجَوابِ عَلى زَيْدٍ لاكْتُفِيَ بِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ما تُمْنُونَ﴾ بِضَمِّ التّاءِ؛ وابْنُ عَبّاسٍ وأبُو السَّمّالِ: بِفَتْحِها. والجُمْهُورُ: (قَدَّرْنا)، بِشَدِّ الدّالِ؛ وابْنُ كَثِيرٍ: يُخِفُّها، أيْ قَضَيْنا وأثْبَتْنا، أوْ رَتَّبْنا في التَّقَدُّمِ والتَّأخُّرِ، فَلَيْسَ مَوْتُ العالَمِ دُفْعَةً واحِدَةً، بَلْ بِتَرْتِيبٍ لا يَتَعَدّى. ويُقالُ: سَبَقْتَهُ عَلى الشَّيْءِ: أعْجَزْتَهُ عَنْهُ وغَلَبْتَهُ عَلَيْهِ ولَمْ تُمَكِّنْهُ مِنهُ، والمَعْنى: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾: أيْ نَحْنُ قادِرُونَ عَلى ذَلِكَ، لا تَغْلِبُونَنا عَلَيْهِ، إنْ أرَدْنا ذَلِكَ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: المَعْنى نَحْنُ قادِرُونَ، ﴿قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ﴾، ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾: أيْ بِمَوْتِ طائِفَةٍ ونُبَدِّلُها بِطائِفَةٍ، هَكَذا قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ. انْتَهى. فَعَلى أنْ نُبَدِّلَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا﴾، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ مُتَعَلِّقٌ (بِمَسْبُوقِينَ)، أيْ لا نُسْبَقُ. ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾، وأمْثالَكم جَمْعُ مِثْلٍ، ﴿ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ مِنَ الصِّفاتِ: أيْ نَحْنُ قادِرُونَ عَلى أنْ نَعْدِمَكم ونُنْشِئَ أمْثالَكم، وعَلى تَغْيِيرِ أوْصافِكم مِمّا لا يُحِيطُ بِهِ فِكْرُكم. وقالَ الحَسَنُ: مِن كَوْنِكم قِرَدَةً وخَنازِيرَ، قالَ ذَلِكَ لِأنَّ الآيَةَ تَنْحُو إلى الوَعِيدِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (أمْثالَكم) جَمْعَ مِثْلٍ بِمَعْنى الصِّفَةِ، أيْ نَحْنُ قادِرُونَ عَلى أنْ نُغَيِّرَ صِفاتِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها خَلْقًا وخُلُقًا، ﴿ونُنْشِئَكُمْ﴾ في صِفاتٍ لا تَعْلَمُونَها. ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى﴾: أيْ عَلِمْتُمْ أنَّهُ هو الَّذِي أنْشَأكم، أوَّلًا أنْشَأْنا إنْسانًا. وقِيلَ: نَشْأةُ آدَمَ، وأنَّهُ خُلِقَ مِن طِينٍ، ولا يُنْكِرُها أحَدٌ مِن ولَدِهِ. ﴿فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾: حَضٌّ عَلى التَّذْكِيرِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ والإقْرارِ بِالنَّشْأةِ الآخِرَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: تَذَّكَّرُونَ بِشَدِّ الذّالِ؛ وطَلْحَةُ يُخِفُّها وضَمِّ الكافِ، قالُوا: وهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى اسْتِعْمالِ القِياسِ والحَضِّ عَلَيْهِ. انْتَهى، ولا تَدُلُّ إلّا عَلى قِياسِ الأوْلى، لا عَلى جَمِيعِ أنْواعِ القِياسِ.

الواقعة 56:49

﴿وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ ﴿لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ ﴿هَذا نُزُلُهم يَوْمَ الدِّينِ﴾ ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٨] ﴿لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الواقعة: ٨٠] ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ [الواقعة: ٨١] ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] ﴿وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٤] ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٥] ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ [الواقعة: ٨٦] ﴿تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٧] ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨] ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩٠] ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٣] ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤] ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦] (p-٢٠٨)اليَحْمُومُ: الأسْوَدُ البَهِيمُ. الحِنْثُ قالَ الخَطّابِيُّ وهو في كَلامِ العَرَبِ العِدْلُ الثَّقِيلُ شُبِّهَ الإثْمُ بِهِ، الهِيمُ: جَمْعُ أهْيَمَ وهَيْماءَ والهُيامُ داءٌ مُعَطِّشٌ يُصِيبُ الإبِلَ فَتَشْرَبُ حَتّى تَمُوتَ، أوْ تَسْقَمَ سُقْمًا شَدِيدًا، قالَ: ؎فَأصْبَحْتُ كالهَيْماءِ لا الماءُ مُبْرِئٌ صَداها ولا يَقْضِي عَلَيْها هُيامُها والهِيمُ: جَمْعُ هَيامٍ، وهو الرَّمْلُ بِفَتْحِ الهاءِ وهو المَشْهُورُ، وقالَ ثَعْلَبٌ بِضَمِّها، قالَ: هو الرَّمْلُ الَّذِي لا يَتَماسَكُ، فَبِالفَتْحِ كَسَحابٍ وسُحُبٍ ثُمَّ خُفِّفَ وفُعِلَ بِهِ ما فُعِلَ بِجَمْعِ أهْيَمَ مِن قَلْبِ ضَمَّتِهِ كَسْرَةً لِتَصِحَّ الياءُ أوْ بِالضَّمِّ يَكُونُ قَدْ جُمِعَ عَلى فِعْلٍ كَقُرادٍ وقِرْدٍ، ثُمَّ سُكِّنَتْ ضَمَّةُ الرّاءِ فَصارَ فِعْلًا ثُمَّ فُعِلَ بِهِ ما فُعِلَ بِبِيضٍ، أمْنى الرَّجُلُ النُّطْفَةَ، ومَنّاها قَذَفَها مِن إحْلِيلِهِ، المُزْنُ السَّحابُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎فَلا مُزْنَةٌ ودَقَتْ ودْقُها ∗∗∗ ولا أرْضٌ أبْقَلَ إبْقالُها أوْرَيْتُ النّارَ مِنَ الزِّنادِ قَدَحْتُها ووَرِيَ الزَّنْدُ نَفْسُهُ والزِّنادُ حَجَرَيْنِ أوْ مِن حَجَرٍ وحَدِيدَةٍ، ومِن شَجَرٍ لا سِيَّما في الشَّجَرِ الرَّخْوِ كالمَرْخِ والعِفارِ والكَلْحِ والعَرَبُ تَقْدَحُ بِعُودَيْنِ تَحُكُّ أحَدَهُما بِالآخَرِ ويُسَمُّونَ الأعْلى الزَّنْدَ والأسْفَلَ الزَّنْدَةَ شَبَّهُوهُما بِالعَجَلِ والطَّرُوقَةِ، أقْوى الرَّجُلُ دَخَلَ في الأرْضِ القَوى وهي القَفْرُ كَأصْحَرَ دَخَلَ في الصَّحْراءِ، وأقْوى مِن أقامَ أيّامًا لَمْ يَأْكُلْ شَيْئًا وأقْوَتِ الدّارُ صارَتْ قَفْراءَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎يا دارَ مَيَّةَ بِالعَلْياءِ فالسَّنَدِ ∗∗∗ أقْوَتْ وطالَ عَلَيْها سالِفُ الأمَدِ ادَّهَنَ لايَنَ وهاوَدَ فِيما لا يُحْمَلُ عِنْدَ المُدْهِنِ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎الحَزْمُ والقُوَّةُ خَيْرٌ مِنَ ∗∗∗ الإدْهانِ والفَكَّةِ والهاعِ الحُلْقُومُ مَجْرى الطَّعامِ، الرُّوحُ الِاسْتِراحَةُ، الرَّيْحانُ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ. ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ ﴿لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ ﴿هَذا نُزُلُهم يَوْمَ الدِّينِ﴾ ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٨] ﴿لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الواقعة: ٨٠] ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ [الواقعة: ٨١] ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] ﴿وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٤] ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٥] ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ [الواقعة: ٨٦] ﴿تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٧] ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨] ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩٠] ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٣] ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤] ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦] . (p-٢٠٩)لَمّا ذَكَرَ حالَ السّابِقِينَ، وأتْبَعَهم بِأصْحابِ المَيْمَنَةِ، ذَكَرَ حالَ أصْحابِ المَشْأمَةِ فَقالَ: ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ﴾، وتَقَدَّمَ إعْرابُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، وفي هَذا الِاسْتِفْهامِ تَعْظِيمُ مُصابِهِمْ. ﴿فِي سَمُومٍ﴾: في أشَدِّ حَرٍّ، ﴿وحَمِيمٍ﴾: ماءٌ شَدِيدُ السُّخُونَةِ. ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وأبُو مالِكٍ وابْنُ زَيْدٍ والجُمْهُورُ: دُخانٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هو سُرادِقُ النّارِ المُحِيطُ بِأهْلِها، يَرْتَفِعُ مِن كُلِّ ناحِيَةٍ حَتّى يُظِلَّهم. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: اليَحْمُومُ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ أيْضًا وابْنُ بُرَيْدَةَ: هو جَبَلٌ في النّارِ أسْوَدُ، يَفْزَعُ أهْلُ النّارِ إلى ذُراهُ، فَيَجِدُونَهُ أشَدَّ شَيْءٍ وأمَرَّ. ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾: صِفَتانِ لِلظِّلِّ نُفِيَتا، سُمِّيَ ظِلًّا وإنْ كانَ لَيْسَ كالظِّلالِ، ونُفِيَ عَنْهُ بَرْدُ الظِّلِّ ونَفْعُهُ لِمَن يَأْوِي إلَيْهِ. ﴿ولا كَرِيمٍ﴾: تَتْمِيمٌ لِنَفْيِ صِفَةِ المَدْحِ فِيهِ وتَمْحِيقٌ لِما يُتَوَهَّمُ في الظِّلِّ مِنَ الِاسْتِرْواحِ إلَيْهِ عِنْدَ شِدَّةِ الحَرِّ، أوْ نَفْيٌ لِكَرامَةِ مَن يَسْتَرْوِحُ إلَيْهِ. ونُسِبَ إلَيْهِ مَجازًا، والمُرادُ هم، أيْ يَسْتَظِلُّونَ إلَيْهِ وهم مُهانُونَ. وقَدْ يُحْتَمَلُ المَجْلِسُ الرَّدِيءُ لِنَيْلِ الكَرامَةِ، وبُدِئَ أوَّلًا بِالوَصْفِ الأصْلِيِّ الَّذِي هو الظِّلُّ، وهو كَوْنُهُ مِن يَحْمُومٍ، فَهو بَعْضُ اليَحْمُومِ. ثُمَّ نَفى عَنْهُ الوَصْفَ الَّذِي يَبْغِي لَهُ الظِّلَّ، وهو كَوْنُهُ لا بارِدًا ولا كَرِيمًا. وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ صِفَةً لِيَحْمُومٍ، ويَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونَ الظِّلُّ مَوْصُوفًا بِذَلِكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ بِجَرِّهِما؛ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِرَفْعِهِما: أيْ لا هو بارِدٌ ولا كَرِيمٌ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ؎فَأبِيتُ لا حَرِجٌ ولا مَحْرُومٌ أيْ لا أنا حَرِجٌ. ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ﴾: أيْ في الدُّنْيا، ﴿مُتْرَفِينَ﴾: فِيهِ ذَمُّ التَّرَفِ والتَّنَعُّمِ في الدُّنْيا، والتَّرَفُ طَرِيقٌ إلى البِطالَةِ وتَرْكِ التَّفَكُّرِ في العاقِبَةِ. ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ﴾: أيْ يُداوِمُونَ ويُواظِبُونَ، ﴿عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾، قالَ قَتادَةُ والضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ: الشِّرْكُ، وهو الظّاهِرُ. وقِيلَ: ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ [النحل: ٣٨] الآيَةَ مِنَ التَّكْذِيبِ بِالبَعْثِ. ويُبْعِدُهُ: ﴿وكانُوا يَقُولُونَ﴾، فَإنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، والعَطْفُ يَقْتَضِي التَّغايُرَ، فالحِنْثُ العَظِيمُ: الشِّرْكُ. فَقَوْلُهم: ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في والصّافّاتِ، وكَرَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا وهْمَهُ فَقالَ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ حَسُنَ العَطْفُ عَلى المُضْمَرِ في (لَمَبْعُوثُونَ) مِن غَيْرِ تَأْكِيدٍ بِنَحْنُ ؟ قُلْتُ: حَسُنَ لِلْفاصِلِ الَّذِي هو الهَمْزَةُ، كَما حَسُنَ في قَوْلِهِ: ﴿ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، لِفَصْلِ لا المُؤَكِّدَةِ لِلنَّفْيِ. انْتَهى. ورَدَدْنا عَلَيْهِ هُنا وهُناكَ إلى مَذْهَبِ الجَماعَةِ في أنَّهم لا يُقَدِّرُونَ بَيْنَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وحَرْفِ العَطْفِ فِعْلًا في نَحْوِ: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ [يوسف: ١٠٩]، (p-٢١٠)ولا اسْمًا في نَحْوِ: (أوَآباؤُنا)، بَلِ الواوُ والفاءُ لِعَطْفِ ما بَعْدَهُما عَلى ما قَبْلَهُما، والهَمْزَةُ في التَّقْدِيرِ مُتَأخِّرَةٌ عَنْ حَرْفِ العَطْفِ. لَكِنَّهُ لَمّا كانَ الِاسْتِفْهامُ لَهُ صَدْرُ الكَلامِ قُدِّمَتْ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى اسْتِفْهامَهم عَنِ البَعْثِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِبْعادِ والإنْكارِ، أمَرَ نَبِيَّهُ، ﷺ، أنْ يُخْبِرَهم بِبَعْثِ العالَمِ أوَّلِهِمْ وآخِرِهِمْ، لِلْحِسابِ، وبِما يَصِلُ إلَيْهِ المُكَذِّبُونَ لِلْبَعْثِ مِنَ العَذابِ. والمِيقاتُ: ما وُقِّتَ بِهِ الشَّيْءُ، أيْ حُدَّ، أيْ إلى ما وُقِّتْتُ بِهِ الدُّنْيا مِن يَوْمٍ مَعْلُومٍ، والإضافَةُ بِمَعْنى مِن، كَخاتَمِ حَدِيدٍ. (ثُمَّ إنَّكم): خِطابٌ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ، ﴿أيُّها الضّالُّونَ﴾ عَنِ الهُدى، ﴿المُكَذِّبُونَ﴾ لِلْبَعْثِ. وخِطابٌ أيْضًا لِمَن جَرى مَجْراهم في ذَلِكَ. ﴿لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾: ”مِن“ الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ أوْ لِلتَّبْعِيضِ؛ والثّانِيَةُ، إنْ كانَ مِن زَقُّومٍ بَدَلًا، فَمِن تَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ بَدَلًا، فَهي لِبَيانِ الجِنْسِ، أيْ مِن شَجَرٍ الَّذِي هو زَقُّومٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِن شَجَرٍ؛ وعَبْدُ اللَّهِ: مِن شَجَرَةٍ. ﴿فَمالِئُونَ مِنها﴾: الضَّمِيرُ في مِنها عائِدٌ عَلى شَجَرٍ، إذْ هو اسْمُ جِنْسٍ يُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ، وعَلى قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ، فَهو واضِحٌ. ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ﴾، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ذُكِرَ عَلى لَفْظِ الشَّجَرِ، كَما أُنِّثَ عَلى المَعْنى في مِنها. قالَ: ومَن قَرَأ: مِن شَجَرَةٍ مِن زَقُّومٍ، فَقَدْ جَعَلَ الضَّمِيرَيْنِ لِلشَّجَرَةِ، وإنَّما ذُكِرَ الثّانِي عَلى تَأْوِيلِ الزَّقُّومِ لِأنَّهُ يُفَسِّرُها، وهي في مَعْناهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والضَّمِيرُ في عَلَيْهِ عائِدٌ عَلى المَأْكُولِ، أوْ عَلى الأكْلِ. انْتَهى. فَلَمْ يَجْعَلْهُ عائِدًا عَلى شَجَرٍ. وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ: (شُرْبَ) بِضَمِّ الشِّينِ، وهو مَصْدَرٌ. وقِيلَ: اسْمٌ لِما يُشْرَبُ؛ ومُجاهِدٌ وأبُو عُثْمانَ النَّهْدِيُّ: بِكَسْرِها، وهو بِمَعْنى المَشْرُوبِ، اسْمٌ لا مَصْدَرٌ، كالطَّحْنِ والرَّعْيِ؛ والأعْرَجُ وابْنُ المُسَيَّبِ وشُعَيْبُ بْنُ الحَبْحابِ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ وابْنُ جُرَيْجٍ وباقِي السَّبْعَةِ: بِفَتْحِها، وهو مَصْدَرٌ مَقِيسٌ. والهِيمُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ: جَمْعُ أهْيَمَ، وهو الجَمَلُ الَّذِي أصابَهُ الهُيامُ، وقَدْ فَسَّرْناهُ في المُفْرَداتِ. وقِيلَ: جَمْعُ هَيْماءَ. وقِيلَ: جَمْعُ هائِمٍ وهائِمَةٍ، وجَمْعُ فاعِلٍ عَلى فِعْلٍ شاذٌّ، كَباذِلٍ وبِذْلٍ، وعائِذٍ وعِوْذٍ؛ والهائِمُ أيْضًا مِنَ الهُيامِ. ألا تَرى أنَّ الجَمَلَ إذا أصابَهُ ذَلِكَ هامَ عَلى وجْهِهِ وذَهَبَ ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وسُفْيانُ: الهِيمُ: الرِّمالُ الَّتِي لا تُرْوى مِنَ الماءِ، وتَقَدَّمَ الخِلافُ في مُفْرَدِهِ، أهْوَ الهَيامُ بِفَتْحِ الهاءِ، أمْ بِالضَّمِّ ؟ والمَعْنى: أنَّهُ يُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ مِنَ الجُوعِ ما يَضْطَرُّهم إلى أكْلِ الزَّقُّومِ الَّذِي كالمُهْلِ، فَإذا مَلَئُوا مِنهُ البُطُونَ، سُلِّطَ عَلَيْهِمْ مِنَ العَطَشِ ما يَضْطَرُّهم إلى شُرْبِ الحَمِيمِ الَّذِي يُقَطِّعُ أمْعاءَهم، فَيَشْرَبُونَهُ شُرْبَ الهِيمِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ أيْضًا: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ صَحَّ عَطْفُ الشّارِبِينَ عَلى الشّارِبِينَ، وهُما لِذَواتٍ مُتَّفِقَةٍ وصِفَتانِ مُتَّفِقَتانِ، فَكانَ عَطْفًا لِلشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ ؟ قُلْتُ: لَيْسَتا بِمُتَّفِقَتَيْنِ مِن حَيْثُ أنَّ كَوْنَهم شارِبِينَ لِلْحَمِيمِ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِن تَناهِي الحَرارَةِ وقَطْعِ الأمْعاءِ أمْرٌ عَجِيبٌ، وشُرْبَهم لَهُ عَلى ذَلِكَ كَما تَشْرَبُ الهِيمُ الماءَ أمْرٌ عَجِيبٌ أيْضًا؛ فَكانَتا صِفَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ. انْتَهى. والفاءُ تَقْتَضِي التَّعْقِيبَ في الشُّرْبَيْنِ، وأنَّهم أوَّلًا لَمّا عَطِشُوا شَرِبُوا مِنَ الحَمِيمِ ظَنًّا أنَّهُ يُسَكِّنُ عَطَشَهم، فازْدادَ العَطَشُ بِحَرارَةِ الحَمِيمِ، فَشَرِبُوا بَعْدَهُ شُرْبًا لا يَقَعُ بِهِ رَيٌّ أبَدًا، وهو مِثْلُ شُرْبِ الهِيمِ، فَهُما شُرْبانِ مِنَ الحَمِيمِ لا شُرْبٌ واحِدٌ، اخْتَلَفَتْ صِفَتاهُ فَعُطِفَ، والمَقْصُودُ الصِّفَةُ. والمَشْرُوبُ مِنهُ في ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى، تَقْدِيرُهُ: فَشارِبُونَ مِنهُ شُرْبَ الهِيمِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿نُزُلُهُمْ﴾ بِضَمِّ الزّايِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وخارِجَةُ عَنْ نافِعٍ ونُعَيْمٍ ومَحْبُوبٍ وأبُو زَيْدٍ وهارُونُ وعِصْمَةُ وعَبّاسٌ كُلُّهم عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِالسُّكُونِ، وهو أوَّلُ ما يَأْكُلُهُ الضَّيْفُ، وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِالكُفّارِ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎وكُنّا إذا الجَبّارُ بِالجَيْشِ ضافَنا ∗∗∗ جَعَلْنا القَنا والمُرْهِفاتِ لَهُ نُزُلا (يَوْمَ الدِّينِ): أيْ يَوْمَ الجَزاءِ. ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ بِالإعادَةِ وتُقِرُّونَ بِها، كَما أقْرَرْتُمْ بِالنَّشْأةِ (p-٢١١)الأُولى، وهي خَلْقُهم. ثُمَّ قالَ: ﴿فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ بِالإعادَةِ وتُقْرِرْنَ بِها كَما أقْرَرْتُمْ، فَهو حَضٌّ عَلى التَّصْدِيقِ. ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، أوْ: ﴿فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ أفَرَأيْتُمْ﴾، ثُمَّ حَضَّ عَلى التَّصْدِيقِ عَلى وجْهِ تَقْرِيعِهِمْ بِسِياقِ الحُجَجِ المُوجِبَةِ لِلتَّصْدِيقِ، وكانَ كافِرًا، قالَ: ولِمَ أُصَدِّقُ ؟ فَقِيلَ لَهُ: أفَرَأيْتَ كَذا مِمّا الإنْسانُ مَفْطُورٌ عَلى الإقْرارِ بِهِ ؟ فَقالَ: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾، وهو المَنِيُّ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الإنْسانِ، إذْ لَيْسَ لَهُ في خَلْقِهِ عَمَلٌ ولا إرادَةٌ ولا قُدْرَةٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿تَخْلُقُونَهُ﴾: تُقَدِّرُونَهُ وتُصَوِّرُونَهُ. انْتَهى، فَحُمِلَ الخَلْقُ عَلى التَّقْدِيرِ والتَّصْوِيرِ، لا عَلى الإنْشاءِ. ويَجُوزُ في (أأنْتُمْ) أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وخَبَرُهُ ﴿تَخْلُقُونَهُ﴾، والأوْلى أنْ يَكُونَ فاعِلًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قالَ: أتَخْلُقُونَهُ ؟ فَلَمّا حُذِفَ الفِعْلُ، انْفَصَلَ الضَّمِيرُ وجاءَ (أفَرَأيْتُمْ) هُنا مُصَرَّحًا بِمَفْعُولِها الأوَّلِ. ومَجِيءُ جُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي عَلى ما هو المُقَرَّرُ فِيها، إذا كانَتْ بِمَعْنى أخْبِرْنِي. وجاءَ بَعْدَ أمْ جُمْلَةٌ فَقِيلَ: أمْ مُنْقَطِعَةٌ، ولَيْسَتِ المُعادَلَةُ لِلْهَمْزَةِ، وذَلِكَ في أرْبَعَةِ مَواضِعَ هُنا، لِيَكُونَ ذَلِكَ عَلى اسْتِفْهامَيْنِ، فَجَوابُ الأوَّلِ لا، وجَوابُ الثّانِي نَعَمْ، فَتُقَدَّرُ أمْ عَلى هَذا، بَلْ أنَحْنُ الخالِقُونَ فَجَوابُهُ نَعَمْ. وقالَ قَوْمٌ مِنَ النُّحاةِ: أمْ هُنا مُعادِلَةٌ لِلْهَمْزَةِ، وكانَ ما جاءَ مِنَ الخَبَرِ بَعْدَ نَحْنُ جِيءَ بِهِ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، إذْ لَوْ قالَ: أمْ نَحْنُ، لَوَقَعَ الِاكْتِفاءُ بِهِ دُونَ ذِكْرِ الخَبَرِ. ونَظِيرُ ذَلِكَ جَوابُ مَن قالَ: مَن في الدّارِ ؟ زَيْدٌ في الدّارِ، أوْ زَيْدٌ فِيها، ولَوِ اقْتَصَرَ في الجَوابِ عَلى زَيْدٍ لاكْتُفِيَ بِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ما تُمْنُونَ﴾ بِضَمِّ التّاءِ؛ وابْنُ عَبّاسٍ وأبُو السَّمّالِ: بِفَتْحِها. والجُمْهُورُ: (قَدَّرْنا)، بِشَدِّ الدّالِ؛ وابْنُ كَثِيرٍ: يُخِفُّها، أيْ قَضَيْنا وأثْبَتْنا، أوْ رَتَّبْنا في التَّقَدُّمِ والتَّأخُّرِ، فَلَيْسَ مَوْتُ العالَمِ دُفْعَةً واحِدَةً، بَلْ بِتَرْتِيبٍ لا يَتَعَدّى. ويُقالُ: سَبَقْتَهُ عَلى الشَّيْءِ: أعْجَزْتَهُ عَنْهُ وغَلَبْتَهُ عَلَيْهِ ولَمْ تُمَكِّنْهُ مِنهُ، والمَعْنى: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾: أيْ نَحْنُ قادِرُونَ عَلى ذَلِكَ، لا تَغْلِبُونَنا عَلَيْهِ، إنْ أرَدْنا ذَلِكَ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: المَعْنى نَحْنُ قادِرُونَ، ﴿قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ﴾، ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾: أيْ بِمَوْتِ طائِفَةٍ ونُبَدِّلُها بِطائِفَةٍ، هَكَذا قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ. انْتَهى. فَعَلى أنْ نُبَدِّلَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا﴾، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ مُتَعَلِّقٌ (بِمَسْبُوقِينَ)، أيْ لا نُسْبَقُ. ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾، وأمْثالَكم جَمْعُ مِثْلٍ، ﴿ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ مِنَ الصِّفاتِ: أيْ نَحْنُ قادِرُونَ عَلى أنْ نَعْدِمَكم ونُنْشِئَ أمْثالَكم، وعَلى تَغْيِيرِ أوْصافِكم مِمّا لا يُحِيطُ بِهِ فِكْرُكم. وقالَ الحَسَنُ: مِن كَوْنِكم قِرَدَةً وخَنازِيرَ، قالَ ذَلِكَ لِأنَّ الآيَةَ تَنْحُو إلى الوَعِيدِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (أمْثالَكم) جَمْعَ مِثْلٍ بِمَعْنى الصِّفَةِ، أيْ نَحْنُ قادِرُونَ عَلى أنْ نُغَيِّرَ صِفاتِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها خَلْقًا وخُلُقًا، ﴿ونُنْشِئَكُمْ﴾ في صِفاتٍ لا تَعْلَمُونَها. ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى﴾: أيْ عَلِمْتُمْ أنَّهُ هو الَّذِي أنْشَأكم، أوَّلًا أنْشَأْنا إنْسانًا. وقِيلَ: نَشْأةُ آدَمَ، وأنَّهُ خُلِقَ مِن طِينٍ، ولا يُنْكِرُها أحَدٌ مِن ولَدِهِ. ﴿فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾: حَضٌّ عَلى التَّذْكِيرِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ والإقْرارِ بِالنَّشْأةِ الآخِرَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: تَذَّكَّرُونَ بِشَدِّ الذّالِ؛ وطَلْحَةُ يُخِفُّها وضَمِّ الكافِ، قالُوا: وهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى اسْتِعْمالِ القِياسِ والحَضِّ عَلَيْهِ. انْتَهى، ولا تَدُلُّ إلّا عَلى قِياسِ الأوْلى، لا عَلى جَمِيعِ أنْواعِ القِياسِ.

الواقعة 56:50

﴿وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ ﴿لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ ﴿هَذا نُزُلُهم يَوْمَ الدِّينِ﴾ ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٨] ﴿لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الواقعة: ٨٠] ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ [الواقعة: ٨١] ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] ﴿وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٤] ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٥] ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ [الواقعة: ٨٦] ﴿تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٧] ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨] ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩٠] ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٣] ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤] ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦] (p-٢٠٨)اليَحْمُومُ: الأسْوَدُ البَهِيمُ. الحِنْثُ قالَ الخَطّابِيُّ وهو في كَلامِ العَرَبِ العِدْلُ الثَّقِيلُ شُبِّهَ الإثْمُ بِهِ، الهِيمُ: جَمْعُ أهْيَمَ وهَيْماءَ والهُيامُ داءٌ مُعَطِّشٌ يُصِيبُ الإبِلَ فَتَشْرَبُ حَتّى تَمُوتَ، أوْ تَسْقَمَ سُقْمًا شَدِيدًا، قالَ: ؎فَأصْبَحْتُ كالهَيْماءِ لا الماءُ مُبْرِئٌ صَداها ولا يَقْضِي عَلَيْها هُيامُها والهِيمُ: جَمْعُ هَيامٍ، وهو الرَّمْلُ بِفَتْحِ الهاءِ وهو المَشْهُورُ، وقالَ ثَعْلَبٌ بِضَمِّها، قالَ: هو الرَّمْلُ الَّذِي لا يَتَماسَكُ، فَبِالفَتْحِ كَسَحابٍ وسُحُبٍ ثُمَّ خُفِّفَ وفُعِلَ بِهِ ما فُعِلَ بِجَمْعِ أهْيَمَ مِن قَلْبِ ضَمَّتِهِ كَسْرَةً لِتَصِحَّ الياءُ أوْ بِالضَّمِّ يَكُونُ قَدْ جُمِعَ عَلى فِعْلٍ كَقُرادٍ وقِرْدٍ، ثُمَّ سُكِّنَتْ ضَمَّةُ الرّاءِ فَصارَ فِعْلًا ثُمَّ فُعِلَ بِهِ ما فُعِلَ بِبِيضٍ، أمْنى الرَّجُلُ النُّطْفَةَ، ومَنّاها قَذَفَها مِن إحْلِيلِهِ، المُزْنُ السَّحابُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎فَلا مُزْنَةٌ ودَقَتْ ودْقُها ∗∗∗ ولا أرْضٌ أبْقَلَ إبْقالُها أوْرَيْتُ النّارَ مِنَ الزِّنادِ قَدَحْتُها ووَرِيَ الزَّنْدُ نَفْسُهُ والزِّنادُ حَجَرَيْنِ أوْ مِن حَجَرٍ وحَدِيدَةٍ، ومِن شَجَرٍ لا سِيَّما في الشَّجَرِ الرَّخْوِ كالمَرْخِ والعِفارِ والكَلْحِ والعَرَبُ تَقْدَحُ بِعُودَيْنِ تَحُكُّ أحَدَهُما بِالآخَرِ ويُسَمُّونَ الأعْلى الزَّنْدَ والأسْفَلَ الزَّنْدَةَ شَبَّهُوهُما بِالعَجَلِ والطَّرُوقَةِ، أقْوى الرَّجُلُ دَخَلَ في الأرْضِ القَوى وهي القَفْرُ كَأصْحَرَ دَخَلَ في الصَّحْراءِ، وأقْوى مِن أقامَ أيّامًا لَمْ يَأْكُلْ شَيْئًا وأقْوَتِ الدّارُ صارَتْ قَفْراءَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎يا دارَ مَيَّةَ بِالعَلْياءِ فالسَّنَدِ ∗∗∗ أقْوَتْ وطالَ عَلَيْها سالِفُ الأمَدِ ادَّهَنَ لايَنَ وهاوَدَ فِيما لا يُحْمَلُ عِنْدَ المُدْهِنِ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎الحَزْمُ والقُوَّةُ خَيْرٌ مِنَ ∗∗∗ الإدْهانِ والفَكَّةِ والهاعِ الحُلْقُومُ مَجْرى الطَّعامِ، الرُّوحُ الِاسْتِراحَةُ، الرَّيْحانُ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ. ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ ﴿لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ ﴿هَذا نُزُلُهم يَوْمَ الدِّينِ﴾ ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٨] ﴿لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الواقعة: ٨٠] ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ [الواقعة: ٨١] ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] ﴿وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٤] ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٥] ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ [الواقعة: ٨٦] ﴿تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٧] ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨] ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩٠] ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٣] ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤] ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦] . (p-٢٠٩)لَمّا ذَكَرَ حالَ السّابِقِينَ، وأتْبَعَهم بِأصْحابِ المَيْمَنَةِ، ذَكَرَ حالَ أصْحابِ المَشْأمَةِ فَقالَ: ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ﴾، وتَقَدَّمَ إعْرابُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، وفي هَذا الِاسْتِفْهامِ تَعْظِيمُ مُصابِهِمْ. ﴿فِي سَمُومٍ﴾: في أشَدِّ حَرٍّ، ﴿وحَمِيمٍ﴾: ماءٌ شَدِيدُ السُّخُونَةِ. ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وأبُو مالِكٍ وابْنُ زَيْدٍ والجُمْهُورُ: دُخانٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هو سُرادِقُ النّارِ المُحِيطُ بِأهْلِها، يَرْتَفِعُ مِن كُلِّ ناحِيَةٍ حَتّى يُظِلَّهم. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: اليَحْمُومُ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ أيْضًا وابْنُ بُرَيْدَةَ: هو جَبَلٌ في النّارِ أسْوَدُ، يَفْزَعُ أهْلُ النّارِ إلى ذُراهُ، فَيَجِدُونَهُ أشَدَّ شَيْءٍ وأمَرَّ. ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾: صِفَتانِ لِلظِّلِّ نُفِيَتا، سُمِّيَ ظِلًّا وإنْ كانَ لَيْسَ كالظِّلالِ، ونُفِيَ عَنْهُ بَرْدُ الظِّلِّ ونَفْعُهُ لِمَن يَأْوِي إلَيْهِ. ﴿ولا كَرِيمٍ﴾: تَتْمِيمٌ لِنَفْيِ صِفَةِ المَدْحِ فِيهِ وتَمْحِيقٌ لِما يُتَوَهَّمُ في الظِّلِّ مِنَ الِاسْتِرْواحِ إلَيْهِ عِنْدَ شِدَّةِ الحَرِّ، أوْ نَفْيٌ لِكَرامَةِ مَن يَسْتَرْوِحُ إلَيْهِ. ونُسِبَ إلَيْهِ مَجازًا، والمُرادُ هم، أيْ يَسْتَظِلُّونَ إلَيْهِ وهم مُهانُونَ. وقَدْ يُحْتَمَلُ المَجْلِسُ الرَّدِيءُ لِنَيْلِ الكَرامَةِ، وبُدِئَ أوَّلًا بِالوَصْفِ الأصْلِيِّ الَّذِي هو الظِّلُّ، وهو كَوْنُهُ مِن يَحْمُومٍ، فَهو بَعْضُ اليَحْمُومِ. ثُمَّ نَفى عَنْهُ الوَصْفَ الَّذِي يَبْغِي لَهُ الظِّلَّ، وهو كَوْنُهُ لا بارِدًا ولا كَرِيمًا. وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ صِفَةً لِيَحْمُومٍ، ويَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونَ الظِّلُّ مَوْصُوفًا بِذَلِكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ بِجَرِّهِما؛ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِرَفْعِهِما: أيْ لا هو بارِدٌ ولا كَرِيمٌ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ؎فَأبِيتُ لا حَرِجٌ ولا مَحْرُومٌ أيْ لا أنا حَرِجٌ. ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ﴾: أيْ في الدُّنْيا، ﴿مُتْرَفِينَ﴾: فِيهِ ذَمُّ التَّرَفِ والتَّنَعُّمِ في الدُّنْيا، والتَّرَفُ طَرِيقٌ إلى البِطالَةِ وتَرْكِ التَّفَكُّرِ في العاقِبَةِ. ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ﴾: أيْ يُداوِمُونَ ويُواظِبُونَ، ﴿عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾، قالَ قَتادَةُ والضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ: الشِّرْكُ، وهو الظّاهِرُ. وقِيلَ: ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ [النحل: ٣٨] الآيَةَ مِنَ التَّكْذِيبِ بِالبَعْثِ. ويُبْعِدُهُ: ﴿وكانُوا يَقُولُونَ﴾، فَإنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، والعَطْفُ يَقْتَضِي التَّغايُرَ، فالحِنْثُ العَظِيمُ: الشِّرْكُ. فَقَوْلُهم: ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في والصّافّاتِ، وكَرَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا وهْمَهُ فَقالَ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ حَسُنَ العَطْفُ عَلى المُضْمَرِ في (لَمَبْعُوثُونَ) مِن غَيْرِ تَأْكِيدٍ بِنَحْنُ ؟ قُلْتُ: حَسُنَ لِلْفاصِلِ الَّذِي هو الهَمْزَةُ، كَما حَسُنَ في قَوْلِهِ: ﴿ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، لِفَصْلِ لا المُؤَكِّدَةِ لِلنَّفْيِ. انْتَهى. ورَدَدْنا عَلَيْهِ هُنا وهُناكَ إلى مَذْهَبِ الجَماعَةِ في أنَّهم لا يُقَدِّرُونَ بَيْنَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وحَرْفِ العَطْفِ فِعْلًا في نَحْوِ: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ [يوسف: ١٠٩]، (p-٢١٠)ولا اسْمًا في نَحْوِ: (أوَآباؤُنا)، بَلِ الواوُ والفاءُ لِعَطْفِ ما بَعْدَهُما عَلى ما قَبْلَهُما، والهَمْزَةُ في التَّقْدِيرِ مُتَأخِّرَةٌ عَنْ حَرْفِ العَطْفِ. لَكِنَّهُ لَمّا كانَ الِاسْتِفْهامُ لَهُ صَدْرُ الكَلامِ قُدِّمَتْ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى اسْتِفْهامَهم عَنِ البَعْثِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِبْعادِ والإنْكارِ، أمَرَ نَبِيَّهُ، ﷺ، أنْ يُخْبِرَهم بِبَعْثِ العالَمِ أوَّلِهِمْ وآخِرِهِمْ، لِلْحِسابِ، وبِما يَصِلُ إلَيْهِ المُكَذِّبُونَ لِلْبَعْثِ مِنَ العَذابِ. والمِيقاتُ: ما وُقِّتَ بِهِ الشَّيْءُ، أيْ حُدَّ، أيْ إلى ما وُقِّتْتُ بِهِ الدُّنْيا مِن يَوْمٍ مَعْلُومٍ، والإضافَةُ بِمَعْنى مِن، كَخاتَمِ حَدِيدٍ. (ثُمَّ إنَّكم): خِطابٌ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ، ﴿أيُّها الضّالُّونَ﴾ عَنِ الهُدى، ﴿المُكَذِّبُونَ﴾ لِلْبَعْثِ. وخِطابٌ أيْضًا لِمَن جَرى مَجْراهم في ذَلِكَ. ﴿لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾: ”مِن“ الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ أوْ لِلتَّبْعِيضِ؛ والثّانِيَةُ، إنْ كانَ مِن زَقُّومٍ بَدَلًا، فَمِن تَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ بَدَلًا، فَهي لِبَيانِ الجِنْسِ، أيْ مِن شَجَرٍ الَّذِي هو زَقُّومٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِن شَجَرٍ؛ وعَبْدُ اللَّهِ: مِن شَجَرَةٍ. ﴿فَمالِئُونَ مِنها﴾: الضَّمِيرُ في مِنها عائِدٌ عَلى شَجَرٍ، إذْ هو اسْمُ جِنْسٍ يُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ، وعَلى قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ، فَهو واضِحٌ. ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ﴾، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ذُكِرَ عَلى لَفْظِ الشَّجَرِ، كَما أُنِّثَ عَلى المَعْنى في مِنها. قالَ: ومَن قَرَأ: مِن شَجَرَةٍ مِن زَقُّومٍ، فَقَدْ جَعَلَ الضَّمِيرَيْنِ لِلشَّجَرَةِ، وإنَّما ذُكِرَ الثّانِي عَلى تَأْوِيلِ الزَّقُّومِ لِأنَّهُ يُفَسِّرُها، وهي في مَعْناهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والضَّمِيرُ في عَلَيْهِ عائِدٌ عَلى المَأْكُولِ، أوْ عَلى الأكْلِ. انْتَهى. فَلَمْ يَجْعَلْهُ عائِدًا عَلى شَجَرٍ. وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ: (شُرْبَ) بِضَمِّ الشِّينِ، وهو مَصْدَرٌ. وقِيلَ: اسْمٌ لِما يُشْرَبُ؛ ومُجاهِدٌ وأبُو عُثْمانَ النَّهْدِيُّ: بِكَسْرِها، وهو بِمَعْنى المَشْرُوبِ، اسْمٌ لا مَصْدَرٌ، كالطَّحْنِ والرَّعْيِ؛ والأعْرَجُ وابْنُ المُسَيَّبِ وشُعَيْبُ بْنُ الحَبْحابِ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ وابْنُ جُرَيْجٍ وباقِي السَّبْعَةِ: بِفَتْحِها، وهو مَصْدَرٌ مَقِيسٌ. والهِيمُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ: جَمْعُ أهْيَمَ، وهو الجَمَلُ الَّذِي أصابَهُ الهُيامُ، وقَدْ فَسَّرْناهُ في المُفْرَداتِ. وقِيلَ: جَمْعُ هَيْماءَ. وقِيلَ: جَمْعُ هائِمٍ وهائِمَةٍ، وجَمْعُ فاعِلٍ عَلى فِعْلٍ شاذٌّ، كَباذِلٍ وبِذْلٍ، وعائِذٍ وعِوْذٍ؛ والهائِمُ أيْضًا مِنَ الهُيامِ. ألا تَرى أنَّ الجَمَلَ إذا أصابَهُ ذَلِكَ هامَ عَلى وجْهِهِ وذَهَبَ ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وسُفْيانُ: الهِيمُ: الرِّمالُ الَّتِي لا تُرْوى مِنَ الماءِ، وتَقَدَّمَ الخِلافُ في مُفْرَدِهِ، أهْوَ الهَيامُ بِفَتْحِ الهاءِ، أمْ بِالضَّمِّ ؟ والمَعْنى: أنَّهُ يُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ مِنَ الجُوعِ ما يَضْطَرُّهم إلى أكْلِ الزَّقُّومِ الَّذِي كالمُهْلِ، فَإذا مَلَئُوا مِنهُ البُطُونَ، سُلِّطَ عَلَيْهِمْ مِنَ العَطَشِ ما يَضْطَرُّهم إلى شُرْبِ الحَمِيمِ الَّذِي يُقَطِّعُ أمْعاءَهم، فَيَشْرَبُونَهُ شُرْبَ الهِيمِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ أيْضًا: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ صَحَّ عَطْفُ الشّارِبِينَ عَلى الشّارِبِينَ، وهُما لِذَواتٍ مُتَّفِقَةٍ وصِفَتانِ مُتَّفِقَتانِ، فَكانَ عَطْفًا لِلشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ ؟ قُلْتُ: لَيْسَتا بِمُتَّفِقَتَيْنِ مِن حَيْثُ أنَّ كَوْنَهم شارِبِينَ لِلْحَمِيمِ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِن تَناهِي الحَرارَةِ وقَطْعِ الأمْعاءِ أمْرٌ عَجِيبٌ، وشُرْبَهم لَهُ عَلى ذَلِكَ كَما تَشْرَبُ الهِيمُ الماءَ أمْرٌ عَجِيبٌ أيْضًا؛ فَكانَتا صِفَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ. انْتَهى. والفاءُ تَقْتَضِي التَّعْقِيبَ في الشُّرْبَيْنِ، وأنَّهم أوَّلًا لَمّا عَطِشُوا شَرِبُوا مِنَ الحَمِيمِ ظَنًّا أنَّهُ يُسَكِّنُ عَطَشَهم، فازْدادَ العَطَشُ بِحَرارَةِ الحَمِيمِ، فَشَرِبُوا بَعْدَهُ شُرْبًا لا يَقَعُ بِهِ رَيٌّ أبَدًا، وهو مِثْلُ شُرْبِ الهِيمِ، فَهُما شُرْبانِ مِنَ الحَمِيمِ لا شُرْبٌ واحِدٌ، اخْتَلَفَتْ صِفَتاهُ فَعُطِفَ، والمَقْصُودُ الصِّفَةُ. والمَشْرُوبُ مِنهُ في ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى، تَقْدِيرُهُ: فَشارِبُونَ مِنهُ شُرْبَ الهِيمِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿نُزُلُهُمْ﴾ بِضَمِّ الزّايِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وخارِجَةُ عَنْ نافِعٍ ونُعَيْمٍ ومَحْبُوبٍ وأبُو زَيْدٍ وهارُونُ وعِصْمَةُ وعَبّاسٌ كُلُّهم عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِالسُّكُونِ، وهو أوَّلُ ما يَأْكُلُهُ الضَّيْفُ، وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِالكُفّارِ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎وكُنّا إذا الجَبّارُ بِالجَيْشِ ضافَنا ∗∗∗ جَعَلْنا القَنا والمُرْهِفاتِ لَهُ نُزُلا (يَوْمَ الدِّينِ): أيْ يَوْمَ الجَزاءِ. ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ بِالإعادَةِ وتُقِرُّونَ بِها، كَما أقْرَرْتُمْ بِالنَّشْأةِ (p-٢١١)الأُولى، وهي خَلْقُهم. ثُمَّ قالَ: ﴿فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ بِالإعادَةِ وتُقْرِرْنَ بِها كَما أقْرَرْتُمْ، فَهو حَضٌّ عَلى التَّصْدِيقِ. ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، أوْ: ﴿فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ أفَرَأيْتُمْ﴾، ثُمَّ حَضَّ عَلى التَّصْدِيقِ عَلى وجْهِ تَقْرِيعِهِمْ بِسِياقِ الحُجَجِ المُوجِبَةِ لِلتَّصْدِيقِ، وكانَ كافِرًا، قالَ: ولِمَ أُصَدِّقُ ؟ فَقِيلَ لَهُ: أفَرَأيْتَ كَذا مِمّا الإنْسانُ مَفْطُورٌ عَلى الإقْرارِ بِهِ ؟ فَقالَ: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾، وهو المَنِيُّ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الإنْسانِ، إذْ لَيْسَ لَهُ في خَلْقِهِ عَمَلٌ ولا إرادَةٌ ولا قُدْرَةٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿تَخْلُقُونَهُ﴾: تُقَدِّرُونَهُ وتُصَوِّرُونَهُ. انْتَهى، فَحُمِلَ الخَلْقُ عَلى التَّقْدِيرِ والتَّصْوِيرِ، لا عَلى الإنْشاءِ. ويَجُوزُ في (أأنْتُمْ) أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وخَبَرُهُ ﴿تَخْلُقُونَهُ﴾، والأوْلى أنْ يَكُونَ فاعِلًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قالَ: أتَخْلُقُونَهُ ؟ فَلَمّا حُذِفَ الفِعْلُ، انْفَصَلَ الضَّمِيرُ وجاءَ (أفَرَأيْتُمْ) هُنا مُصَرَّحًا بِمَفْعُولِها الأوَّلِ. ومَجِيءُ جُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي عَلى ما هو المُقَرَّرُ فِيها، إذا كانَتْ بِمَعْنى أخْبِرْنِي. وجاءَ بَعْدَ أمْ جُمْلَةٌ فَقِيلَ: أمْ مُنْقَطِعَةٌ، ولَيْسَتِ المُعادَلَةُ لِلْهَمْزَةِ، وذَلِكَ في أرْبَعَةِ مَواضِعَ هُنا، لِيَكُونَ ذَلِكَ عَلى اسْتِفْهامَيْنِ، فَجَوابُ الأوَّلِ لا، وجَوابُ الثّانِي نَعَمْ، فَتُقَدَّرُ أمْ عَلى هَذا، بَلْ أنَحْنُ الخالِقُونَ فَجَوابُهُ نَعَمْ. وقالَ قَوْمٌ مِنَ النُّحاةِ: أمْ هُنا مُعادِلَةٌ لِلْهَمْزَةِ، وكانَ ما جاءَ مِنَ الخَبَرِ بَعْدَ نَحْنُ جِيءَ بِهِ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، إذْ لَوْ قالَ: أمْ نَحْنُ، لَوَقَعَ الِاكْتِفاءُ بِهِ دُونَ ذِكْرِ الخَبَرِ. ونَظِيرُ ذَلِكَ جَوابُ مَن قالَ: مَن في الدّارِ ؟ زَيْدٌ في الدّارِ، أوْ زَيْدٌ فِيها، ولَوِ اقْتَصَرَ في الجَوابِ عَلى زَيْدٍ لاكْتُفِيَ بِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ما تُمْنُونَ﴾ بِضَمِّ التّاءِ؛ وابْنُ عَبّاسٍ وأبُو السَّمّالِ: بِفَتْحِها. والجُمْهُورُ: (قَدَّرْنا)، بِشَدِّ الدّالِ؛ وابْنُ كَثِيرٍ: يُخِفُّها، أيْ قَضَيْنا وأثْبَتْنا، أوْ رَتَّبْنا في التَّقَدُّمِ والتَّأخُّرِ، فَلَيْسَ مَوْتُ العالَمِ دُفْعَةً واحِدَةً، بَلْ بِتَرْتِيبٍ لا يَتَعَدّى. ويُقالُ: سَبَقْتَهُ عَلى الشَّيْءِ: أعْجَزْتَهُ عَنْهُ وغَلَبْتَهُ عَلَيْهِ ولَمْ تُمَكِّنْهُ مِنهُ، والمَعْنى: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾: أيْ نَحْنُ قادِرُونَ عَلى ذَلِكَ، لا تَغْلِبُونَنا عَلَيْهِ، إنْ أرَدْنا ذَلِكَ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: المَعْنى نَحْنُ قادِرُونَ، ﴿قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ﴾، ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾: أيْ بِمَوْتِ طائِفَةٍ ونُبَدِّلُها بِطائِفَةٍ، هَكَذا قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ. انْتَهى. فَعَلى أنْ نُبَدِّلَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا﴾، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ مُتَعَلِّقٌ (بِمَسْبُوقِينَ)، أيْ لا نُسْبَقُ. ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾، وأمْثالَكم جَمْعُ مِثْلٍ، ﴿ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ مِنَ الصِّفاتِ: أيْ نَحْنُ قادِرُونَ عَلى أنْ نَعْدِمَكم ونُنْشِئَ أمْثالَكم، وعَلى تَغْيِيرِ أوْصافِكم مِمّا لا يُحِيطُ بِهِ فِكْرُكم. وقالَ الحَسَنُ: مِن كَوْنِكم قِرَدَةً وخَنازِيرَ، قالَ ذَلِكَ لِأنَّ الآيَةَ تَنْحُو إلى الوَعِيدِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (أمْثالَكم) جَمْعَ مِثْلٍ بِمَعْنى الصِّفَةِ، أيْ نَحْنُ قادِرُونَ عَلى أنْ نُغَيِّرَ صِفاتِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها خَلْقًا وخُلُقًا، ﴿ونُنْشِئَكُمْ﴾ في صِفاتٍ لا تَعْلَمُونَها. ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى﴾: أيْ عَلِمْتُمْ أنَّهُ هو الَّذِي أنْشَأكم، أوَّلًا أنْشَأْنا إنْسانًا. وقِيلَ: نَشْأةُ آدَمَ، وأنَّهُ خُلِقَ مِن طِينٍ، ولا يُنْكِرُها أحَدٌ مِن ولَدِهِ. ﴿فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾: حَضٌّ عَلى التَّذْكِيرِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ والإقْرارِ بِالنَّشْأةِ الآخِرَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: تَذَّكَّرُونَ بِشَدِّ الذّالِ؛ وطَلْحَةُ يُخِفُّها وضَمِّ الكافِ، قالُوا: وهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى اسْتِعْمالِ القِياسِ والحَضِّ عَلَيْهِ. انْتَهى، ولا تَدُلُّ إلّا عَلى قِياسِ الأوْلى، لا عَلى جَمِيعِ أنْواعِ القِياسِ.

الواقعة 56:51

﴿وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ ﴿لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ ﴿هَذا نُزُلُهم يَوْمَ الدِّينِ﴾ ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٨] ﴿لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الواقعة: ٨٠] ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ [الواقعة: ٨١] ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] ﴿وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٤] ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٥] ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ [الواقعة: ٨٦] ﴿تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٧] ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨] ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩٠] ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٣] ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤] ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦] (p-٢٠٨)اليَحْمُومُ: الأسْوَدُ البَهِيمُ. الحِنْثُ قالَ الخَطّابِيُّ وهو في كَلامِ العَرَبِ العِدْلُ الثَّقِيلُ شُبِّهَ الإثْمُ بِهِ، الهِيمُ: جَمْعُ أهْيَمَ وهَيْماءَ والهُيامُ داءٌ مُعَطِّشٌ يُصِيبُ الإبِلَ فَتَشْرَبُ حَتّى تَمُوتَ، أوْ تَسْقَمَ سُقْمًا شَدِيدًا، قالَ: ؎فَأصْبَحْتُ كالهَيْماءِ لا الماءُ مُبْرِئٌ صَداها ولا يَقْضِي عَلَيْها هُيامُها والهِيمُ: جَمْعُ هَيامٍ، وهو الرَّمْلُ بِفَتْحِ الهاءِ وهو المَشْهُورُ، وقالَ ثَعْلَبٌ بِضَمِّها، قالَ: هو الرَّمْلُ الَّذِي لا يَتَماسَكُ، فَبِالفَتْحِ كَسَحابٍ وسُحُبٍ ثُمَّ خُفِّفَ وفُعِلَ بِهِ ما فُعِلَ بِجَمْعِ أهْيَمَ مِن قَلْبِ ضَمَّتِهِ كَسْرَةً لِتَصِحَّ الياءُ أوْ بِالضَّمِّ يَكُونُ قَدْ جُمِعَ عَلى فِعْلٍ كَقُرادٍ وقِرْدٍ، ثُمَّ سُكِّنَتْ ضَمَّةُ الرّاءِ فَصارَ فِعْلًا ثُمَّ فُعِلَ بِهِ ما فُعِلَ بِبِيضٍ، أمْنى الرَّجُلُ النُّطْفَةَ، ومَنّاها قَذَفَها مِن إحْلِيلِهِ، المُزْنُ السَّحابُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎فَلا مُزْنَةٌ ودَقَتْ ودْقُها ∗∗∗ ولا أرْضٌ أبْقَلَ إبْقالُها أوْرَيْتُ النّارَ مِنَ الزِّنادِ قَدَحْتُها ووَرِيَ الزَّنْدُ نَفْسُهُ والزِّنادُ حَجَرَيْنِ أوْ مِن حَجَرٍ وحَدِيدَةٍ، ومِن شَجَرٍ لا سِيَّما في الشَّجَرِ الرَّخْوِ كالمَرْخِ والعِفارِ والكَلْحِ والعَرَبُ تَقْدَحُ بِعُودَيْنِ تَحُكُّ أحَدَهُما بِالآخَرِ ويُسَمُّونَ الأعْلى الزَّنْدَ والأسْفَلَ الزَّنْدَةَ شَبَّهُوهُما بِالعَجَلِ والطَّرُوقَةِ، أقْوى الرَّجُلُ دَخَلَ في الأرْضِ القَوى وهي القَفْرُ كَأصْحَرَ دَخَلَ في الصَّحْراءِ، وأقْوى مِن أقامَ أيّامًا لَمْ يَأْكُلْ شَيْئًا وأقْوَتِ الدّارُ صارَتْ قَفْراءَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎يا دارَ مَيَّةَ بِالعَلْياءِ فالسَّنَدِ ∗∗∗ أقْوَتْ وطالَ عَلَيْها سالِفُ الأمَدِ ادَّهَنَ لايَنَ وهاوَدَ فِيما لا يُحْمَلُ عِنْدَ المُدْهِنِ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎الحَزْمُ والقُوَّةُ خَيْرٌ مِنَ ∗∗∗ الإدْهانِ والفَكَّةِ والهاعِ الحُلْقُومُ مَجْرى الطَّعامِ، الرُّوحُ الِاسْتِراحَةُ، الرَّيْحانُ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ. ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ ﴿لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ ﴿هَذا نُزُلُهم يَوْمَ الدِّينِ﴾ ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٨] ﴿لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الواقعة: ٨٠] ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ [الواقعة: ٨١] ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] ﴿وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٤] ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٥] ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ [الواقعة: ٨٦] ﴿تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٧] ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨] ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩٠] ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٣] ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤] ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦] . (p-٢٠٩)لَمّا ذَكَرَ حالَ السّابِقِينَ، وأتْبَعَهم بِأصْحابِ المَيْمَنَةِ، ذَكَرَ حالَ أصْحابِ المَشْأمَةِ فَقالَ: ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ﴾، وتَقَدَّمَ إعْرابُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، وفي هَذا الِاسْتِفْهامِ تَعْظِيمُ مُصابِهِمْ. ﴿فِي سَمُومٍ﴾: في أشَدِّ حَرٍّ، ﴿وحَمِيمٍ﴾: ماءٌ شَدِيدُ السُّخُونَةِ. ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وأبُو مالِكٍ وابْنُ زَيْدٍ والجُمْهُورُ: دُخانٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هو سُرادِقُ النّارِ المُحِيطُ بِأهْلِها، يَرْتَفِعُ مِن كُلِّ ناحِيَةٍ حَتّى يُظِلَّهم. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: اليَحْمُومُ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ أيْضًا وابْنُ بُرَيْدَةَ: هو جَبَلٌ في النّارِ أسْوَدُ، يَفْزَعُ أهْلُ النّارِ إلى ذُراهُ، فَيَجِدُونَهُ أشَدَّ شَيْءٍ وأمَرَّ. ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾: صِفَتانِ لِلظِّلِّ نُفِيَتا، سُمِّيَ ظِلًّا وإنْ كانَ لَيْسَ كالظِّلالِ، ونُفِيَ عَنْهُ بَرْدُ الظِّلِّ ونَفْعُهُ لِمَن يَأْوِي إلَيْهِ. ﴿ولا كَرِيمٍ﴾: تَتْمِيمٌ لِنَفْيِ صِفَةِ المَدْحِ فِيهِ وتَمْحِيقٌ لِما يُتَوَهَّمُ في الظِّلِّ مِنَ الِاسْتِرْواحِ إلَيْهِ عِنْدَ شِدَّةِ الحَرِّ، أوْ نَفْيٌ لِكَرامَةِ مَن يَسْتَرْوِحُ إلَيْهِ. ونُسِبَ إلَيْهِ مَجازًا، والمُرادُ هم، أيْ يَسْتَظِلُّونَ إلَيْهِ وهم مُهانُونَ. وقَدْ يُحْتَمَلُ المَجْلِسُ الرَّدِيءُ لِنَيْلِ الكَرامَةِ، وبُدِئَ أوَّلًا بِالوَصْفِ الأصْلِيِّ الَّذِي هو الظِّلُّ، وهو كَوْنُهُ مِن يَحْمُومٍ، فَهو بَعْضُ اليَحْمُومِ. ثُمَّ نَفى عَنْهُ الوَصْفَ الَّذِي يَبْغِي لَهُ الظِّلَّ، وهو كَوْنُهُ لا بارِدًا ولا كَرِيمًا. وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ صِفَةً لِيَحْمُومٍ، ويَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونَ الظِّلُّ مَوْصُوفًا بِذَلِكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ بِجَرِّهِما؛ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِرَفْعِهِما: أيْ لا هو بارِدٌ ولا كَرِيمٌ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ؎فَأبِيتُ لا حَرِجٌ ولا مَحْرُومٌ أيْ لا أنا حَرِجٌ. ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ﴾: أيْ في الدُّنْيا، ﴿مُتْرَفِينَ﴾: فِيهِ ذَمُّ التَّرَفِ والتَّنَعُّمِ في الدُّنْيا، والتَّرَفُ طَرِيقٌ إلى البِطالَةِ وتَرْكِ التَّفَكُّرِ في العاقِبَةِ. ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ﴾: أيْ يُداوِمُونَ ويُواظِبُونَ، ﴿عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾، قالَ قَتادَةُ والضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ: الشِّرْكُ، وهو الظّاهِرُ. وقِيلَ: ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ [النحل: ٣٨] الآيَةَ مِنَ التَّكْذِيبِ بِالبَعْثِ. ويُبْعِدُهُ: ﴿وكانُوا يَقُولُونَ﴾، فَإنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، والعَطْفُ يَقْتَضِي التَّغايُرَ، فالحِنْثُ العَظِيمُ: الشِّرْكُ. فَقَوْلُهم: ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في والصّافّاتِ، وكَرَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا وهْمَهُ فَقالَ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ حَسُنَ العَطْفُ عَلى المُضْمَرِ في (لَمَبْعُوثُونَ) مِن غَيْرِ تَأْكِيدٍ بِنَحْنُ ؟ قُلْتُ: حَسُنَ لِلْفاصِلِ الَّذِي هو الهَمْزَةُ، كَما حَسُنَ في قَوْلِهِ: ﴿ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، لِفَصْلِ لا المُؤَكِّدَةِ لِلنَّفْيِ. انْتَهى. ورَدَدْنا عَلَيْهِ هُنا وهُناكَ إلى مَذْهَبِ الجَماعَةِ في أنَّهم لا يُقَدِّرُونَ بَيْنَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وحَرْفِ العَطْفِ فِعْلًا في نَحْوِ: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ [يوسف: ١٠٩]، (p-٢١٠)ولا اسْمًا في نَحْوِ: (أوَآباؤُنا)، بَلِ الواوُ والفاءُ لِعَطْفِ ما بَعْدَهُما عَلى ما قَبْلَهُما، والهَمْزَةُ في التَّقْدِيرِ مُتَأخِّرَةٌ عَنْ حَرْفِ العَطْفِ. لَكِنَّهُ لَمّا كانَ الِاسْتِفْهامُ لَهُ صَدْرُ الكَلامِ قُدِّمَتْ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى اسْتِفْهامَهم عَنِ البَعْثِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِبْعادِ والإنْكارِ، أمَرَ نَبِيَّهُ، ﷺ، أنْ يُخْبِرَهم بِبَعْثِ العالَمِ أوَّلِهِمْ وآخِرِهِمْ، لِلْحِسابِ، وبِما يَصِلُ إلَيْهِ المُكَذِّبُونَ لِلْبَعْثِ مِنَ العَذابِ. والمِيقاتُ: ما وُقِّتَ بِهِ الشَّيْءُ، أيْ حُدَّ، أيْ إلى ما وُقِّتْتُ بِهِ الدُّنْيا مِن يَوْمٍ مَعْلُومٍ، والإضافَةُ بِمَعْنى مِن، كَخاتَمِ حَدِيدٍ. (ثُمَّ إنَّكم): خِطابٌ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ، ﴿أيُّها الضّالُّونَ﴾ عَنِ الهُدى، ﴿المُكَذِّبُونَ﴾ لِلْبَعْثِ. وخِطابٌ أيْضًا لِمَن جَرى مَجْراهم في ذَلِكَ. ﴿لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾: ”مِن“ الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ أوْ لِلتَّبْعِيضِ؛ والثّانِيَةُ، إنْ كانَ مِن زَقُّومٍ بَدَلًا، فَمِن تَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ بَدَلًا، فَهي لِبَيانِ الجِنْسِ، أيْ مِن شَجَرٍ الَّذِي هو زَقُّومٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِن شَجَرٍ؛ وعَبْدُ اللَّهِ: مِن شَجَرَةٍ. ﴿فَمالِئُونَ مِنها﴾: الضَّمِيرُ في مِنها عائِدٌ عَلى شَجَرٍ، إذْ هو اسْمُ جِنْسٍ يُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ، وعَلى قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ، فَهو واضِحٌ. ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ﴾، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ذُكِرَ عَلى لَفْظِ الشَّجَرِ، كَما أُنِّثَ عَلى المَعْنى في مِنها. قالَ: ومَن قَرَأ: مِن شَجَرَةٍ مِن زَقُّومٍ، فَقَدْ جَعَلَ الضَّمِيرَيْنِ لِلشَّجَرَةِ، وإنَّما ذُكِرَ الثّانِي عَلى تَأْوِيلِ الزَّقُّومِ لِأنَّهُ يُفَسِّرُها، وهي في مَعْناهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والضَّمِيرُ في عَلَيْهِ عائِدٌ عَلى المَأْكُولِ، أوْ عَلى الأكْلِ. انْتَهى. فَلَمْ يَجْعَلْهُ عائِدًا عَلى شَجَرٍ. وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ: (شُرْبَ) بِضَمِّ الشِّينِ، وهو مَصْدَرٌ. وقِيلَ: اسْمٌ لِما يُشْرَبُ؛ ومُجاهِدٌ وأبُو عُثْمانَ النَّهْدِيُّ: بِكَسْرِها، وهو بِمَعْنى المَشْرُوبِ، اسْمٌ لا مَصْدَرٌ، كالطَّحْنِ والرَّعْيِ؛ والأعْرَجُ وابْنُ المُسَيَّبِ وشُعَيْبُ بْنُ الحَبْحابِ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ وابْنُ جُرَيْجٍ وباقِي السَّبْعَةِ: بِفَتْحِها، وهو مَصْدَرٌ مَقِيسٌ. والهِيمُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ: جَمْعُ أهْيَمَ، وهو الجَمَلُ الَّذِي أصابَهُ الهُيامُ، وقَدْ فَسَّرْناهُ في المُفْرَداتِ. وقِيلَ: جَمْعُ هَيْماءَ. وقِيلَ: جَمْعُ هائِمٍ وهائِمَةٍ، وجَمْعُ فاعِلٍ عَلى فِعْلٍ شاذٌّ، كَباذِلٍ وبِذْلٍ، وعائِذٍ وعِوْذٍ؛ والهائِمُ أيْضًا مِنَ الهُيامِ. ألا تَرى أنَّ الجَمَلَ إذا أصابَهُ ذَلِكَ هامَ عَلى وجْهِهِ وذَهَبَ ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وسُفْيانُ: الهِيمُ: الرِّمالُ الَّتِي لا تُرْوى مِنَ الماءِ، وتَقَدَّمَ الخِلافُ في مُفْرَدِهِ، أهْوَ الهَيامُ بِفَتْحِ الهاءِ، أمْ بِالضَّمِّ ؟ والمَعْنى: أنَّهُ يُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ مِنَ الجُوعِ ما يَضْطَرُّهم إلى أكْلِ الزَّقُّومِ الَّذِي كالمُهْلِ، فَإذا مَلَئُوا مِنهُ البُطُونَ، سُلِّطَ عَلَيْهِمْ مِنَ العَطَشِ ما يَضْطَرُّهم إلى شُرْبِ الحَمِيمِ الَّذِي يُقَطِّعُ أمْعاءَهم، فَيَشْرَبُونَهُ شُرْبَ الهِيمِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ أيْضًا: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ صَحَّ عَطْفُ الشّارِبِينَ عَلى الشّارِبِينَ، وهُما لِذَواتٍ مُتَّفِقَةٍ وصِفَتانِ مُتَّفِقَتانِ، فَكانَ عَطْفًا لِلشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ ؟ قُلْتُ: لَيْسَتا بِمُتَّفِقَتَيْنِ مِن حَيْثُ أنَّ كَوْنَهم شارِبِينَ لِلْحَمِيمِ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِن تَناهِي الحَرارَةِ وقَطْعِ الأمْعاءِ أمْرٌ عَجِيبٌ، وشُرْبَهم لَهُ عَلى ذَلِكَ كَما تَشْرَبُ الهِيمُ الماءَ أمْرٌ عَجِيبٌ أيْضًا؛ فَكانَتا صِفَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ. انْتَهى. والفاءُ تَقْتَضِي التَّعْقِيبَ في الشُّرْبَيْنِ، وأنَّهم أوَّلًا لَمّا عَطِشُوا شَرِبُوا مِنَ الحَمِيمِ ظَنًّا أنَّهُ يُسَكِّنُ عَطَشَهم، فازْدادَ العَطَشُ بِحَرارَةِ الحَمِيمِ، فَشَرِبُوا بَعْدَهُ شُرْبًا لا يَقَعُ بِهِ رَيٌّ أبَدًا، وهو مِثْلُ شُرْبِ الهِيمِ، فَهُما شُرْبانِ مِنَ الحَمِيمِ لا شُرْبٌ واحِدٌ، اخْتَلَفَتْ صِفَتاهُ فَعُطِفَ، والمَقْصُودُ الصِّفَةُ. والمَشْرُوبُ مِنهُ في ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى، تَقْدِيرُهُ: فَشارِبُونَ مِنهُ شُرْبَ الهِيمِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿نُزُلُهُمْ﴾ بِضَمِّ الزّايِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وخارِجَةُ عَنْ نافِعٍ ونُعَيْمٍ ومَحْبُوبٍ وأبُو زَيْدٍ وهارُونُ وعِصْمَةُ وعَبّاسٌ كُلُّهم عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِالسُّكُونِ، وهو أوَّلُ ما يَأْكُلُهُ الضَّيْفُ، وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِالكُفّارِ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎وكُنّا إذا الجَبّارُ بِالجَيْشِ ضافَنا ∗∗∗ جَعَلْنا القَنا والمُرْهِفاتِ لَهُ نُزُلا (يَوْمَ الدِّينِ): أيْ يَوْمَ الجَزاءِ. ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ بِالإعادَةِ وتُقِرُّونَ بِها، كَما أقْرَرْتُمْ بِالنَّشْأةِ (p-٢١١)الأُولى، وهي خَلْقُهم. ثُمَّ قالَ: ﴿فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ بِالإعادَةِ وتُقْرِرْنَ بِها كَما أقْرَرْتُمْ، فَهو حَضٌّ عَلى التَّصْدِيقِ. ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، أوْ: ﴿فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ أفَرَأيْتُمْ﴾، ثُمَّ حَضَّ عَلى التَّصْدِيقِ عَلى وجْهِ تَقْرِيعِهِمْ بِسِياقِ الحُجَجِ المُوجِبَةِ لِلتَّصْدِيقِ، وكانَ كافِرًا، قالَ: ولِمَ أُصَدِّقُ ؟ فَقِيلَ لَهُ: أفَرَأيْتَ كَذا مِمّا الإنْسانُ مَفْطُورٌ عَلى الإقْرارِ بِهِ ؟ فَقالَ: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾، وهو المَنِيُّ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الإنْسانِ، إذْ لَيْسَ لَهُ في خَلْقِهِ عَمَلٌ ولا إرادَةٌ ولا قُدْرَةٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿تَخْلُقُونَهُ﴾: تُقَدِّرُونَهُ وتُصَوِّرُونَهُ. انْتَهى، فَحُمِلَ الخَلْقُ عَلى التَّقْدِيرِ والتَّصْوِيرِ، لا عَلى الإنْشاءِ. ويَجُوزُ في (أأنْتُمْ) أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وخَبَرُهُ ﴿تَخْلُقُونَهُ﴾، والأوْلى أنْ يَكُونَ فاعِلًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قالَ: أتَخْلُقُونَهُ ؟ فَلَمّا حُذِفَ الفِعْلُ، انْفَصَلَ الضَّمِيرُ وجاءَ (أفَرَأيْتُمْ) هُنا مُصَرَّحًا بِمَفْعُولِها الأوَّلِ. ومَجِيءُ جُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي عَلى ما هو المُقَرَّرُ فِيها، إذا كانَتْ بِمَعْنى أخْبِرْنِي. وجاءَ بَعْدَ أمْ جُمْلَةٌ فَقِيلَ: أمْ مُنْقَطِعَةٌ، ولَيْسَتِ المُعادَلَةُ لِلْهَمْزَةِ، وذَلِكَ في أرْبَعَةِ مَواضِعَ هُنا، لِيَكُونَ ذَلِكَ عَلى اسْتِفْهامَيْنِ، فَجَوابُ الأوَّلِ لا، وجَوابُ الثّانِي نَعَمْ، فَتُقَدَّرُ أمْ عَلى هَذا، بَلْ أنَحْنُ الخالِقُونَ فَجَوابُهُ نَعَمْ. وقالَ قَوْمٌ مِنَ النُّحاةِ: أمْ هُنا مُعادِلَةٌ لِلْهَمْزَةِ، وكانَ ما جاءَ مِنَ الخَبَرِ بَعْدَ نَحْنُ جِيءَ بِهِ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، إذْ لَوْ قالَ: أمْ نَحْنُ، لَوَقَعَ الِاكْتِفاءُ بِهِ دُونَ ذِكْرِ الخَبَرِ. ونَظِيرُ ذَلِكَ جَوابُ مَن قالَ: مَن في الدّارِ ؟ زَيْدٌ في الدّارِ، أوْ زَيْدٌ فِيها، ولَوِ اقْتَصَرَ في الجَوابِ عَلى زَيْدٍ لاكْتُفِيَ بِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ما تُمْنُونَ﴾ بِضَمِّ التّاءِ؛ وابْنُ عَبّاسٍ وأبُو السَّمّالِ: بِفَتْحِها. والجُمْهُورُ: (قَدَّرْنا)، بِشَدِّ الدّالِ؛ وابْنُ كَثِيرٍ: يُخِفُّها، أيْ قَضَيْنا وأثْبَتْنا، أوْ رَتَّبْنا في التَّقَدُّمِ والتَّأخُّرِ، فَلَيْسَ مَوْتُ العالَمِ دُفْعَةً واحِدَةً، بَلْ بِتَرْتِيبٍ لا يَتَعَدّى. ويُقالُ: سَبَقْتَهُ عَلى الشَّيْءِ: أعْجَزْتَهُ عَنْهُ وغَلَبْتَهُ عَلَيْهِ ولَمْ تُمَكِّنْهُ مِنهُ، والمَعْنى: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾: أيْ نَحْنُ قادِرُونَ عَلى ذَلِكَ، لا تَغْلِبُونَنا عَلَيْهِ، إنْ أرَدْنا ذَلِكَ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: المَعْنى نَحْنُ قادِرُونَ، ﴿قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ﴾، ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾: أيْ بِمَوْتِ طائِفَةٍ ونُبَدِّلُها بِطائِفَةٍ، هَكَذا قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ. انْتَهى. فَعَلى أنْ نُبَدِّلَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا﴾، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ مُتَعَلِّقٌ (بِمَسْبُوقِينَ)، أيْ لا نُسْبَقُ. ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾، وأمْثالَكم جَمْعُ مِثْلٍ، ﴿ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ مِنَ الصِّفاتِ: أيْ نَحْنُ قادِرُونَ عَلى أنْ نَعْدِمَكم ونُنْشِئَ أمْثالَكم، وعَلى تَغْيِيرِ أوْصافِكم مِمّا لا يُحِيطُ بِهِ فِكْرُكم. وقالَ الحَسَنُ: مِن كَوْنِكم قِرَدَةً وخَنازِيرَ، قالَ ذَلِكَ لِأنَّ الآيَةَ تَنْحُو إلى الوَعِيدِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (أمْثالَكم) جَمْعَ مِثْلٍ بِمَعْنى الصِّفَةِ، أيْ نَحْنُ قادِرُونَ عَلى أنْ نُغَيِّرَ صِفاتِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها خَلْقًا وخُلُقًا، ﴿ونُنْشِئَكُمْ﴾ في صِفاتٍ لا تَعْلَمُونَها. ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى﴾: أيْ عَلِمْتُمْ أنَّهُ هو الَّذِي أنْشَأكم، أوَّلًا أنْشَأْنا إنْسانًا. وقِيلَ: نَشْأةُ آدَمَ، وأنَّهُ خُلِقَ مِن طِينٍ، ولا يُنْكِرُها أحَدٌ مِن ولَدِهِ. ﴿فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾: حَضٌّ عَلى التَّذْكِيرِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ والإقْرارِ بِالنَّشْأةِ الآخِرَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: تَذَّكَّرُونَ بِشَدِّ الذّالِ؛ وطَلْحَةُ يُخِفُّها وضَمِّ الكافِ، قالُوا: وهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى اسْتِعْمالِ القِياسِ والحَضِّ عَلَيْهِ. انْتَهى، ولا تَدُلُّ إلّا عَلى قِياسِ الأوْلى، لا عَلى جَمِيعِ أنْواعِ القِياسِ.

الواقعة 56:52

﴿وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ ﴿لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ ﴿هَذا نُزُلُهم يَوْمَ الدِّينِ﴾ ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٨] ﴿لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الواقعة: ٨٠] ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ [الواقعة: ٨١] ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] ﴿وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٤] ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٥] ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ [الواقعة: ٨٦] ﴿تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٧] ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨] ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩٠] ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٣] ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤] ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦] (p-٢٠٨)اليَحْمُومُ: الأسْوَدُ البَهِيمُ. الحِنْثُ قالَ الخَطّابِيُّ وهو في كَلامِ العَرَبِ العِدْلُ الثَّقِيلُ شُبِّهَ الإثْمُ بِهِ، الهِيمُ: جَمْعُ أهْيَمَ وهَيْماءَ والهُيامُ داءٌ مُعَطِّشٌ يُصِيبُ الإبِلَ فَتَشْرَبُ حَتّى تَمُوتَ، أوْ تَسْقَمَ سُقْمًا شَدِيدًا، قالَ: ؎فَأصْبَحْتُ كالهَيْماءِ لا الماءُ مُبْرِئٌ صَداها ولا يَقْضِي عَلَيْها هُيامُها والهِيمُ: جَمْعُ هَيامٍ، وهو الرَّمْلُ بِفَتْحِ الهاءِ وهو المَشْهُورُ، وقالَ ثَعْلَبٌ بِضَمِّها، قالَ: هو الرَّمْلُ الَّذِي لا يَتَماسَكُ، فَبِالفَتْحِ كَسَحابٍ وسُحُبٍ ثُمَّ خُفِّفَ وفُعِلَ بِهِ ما فُعِلَ بِجَمْعِ أهْيَمَ مِن قَلْبِ ضَمَّتِهِ كَسْرَةً لِتَصِحَّ الياءُ أوْ بِالضَّمِّ يَكُونُ قَدْ جُمِعَ عَلى فِعْلٍ كَقُرادٍ وقِرْدٍ، ثُمَّ سُكِّنَتْ ضَمَّةُ الرّاءِ فَصارَ فِعْلًا ثُمَّ فُعِلَ بِهِ ما فُعِلَ بِبِيضٍ، أمْنى الرَّجُلُ النُّطْفَةَ، ومَنّاها قَذَفَها مِن إحْلِيلِهِ، المُزْنُ السَّحابُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎فَلا مُزْنَةٌ ودَقَتْ ودْقُها ∗∗∗ ولا أرْضٌ أبْقَلَ إبْقالُها أوْرَيْتُ النّارَ مِنَ الزِّنادِ قَدَحْتُها ووَرِيَ الزَّنْدُ نَفْسُهُ والزِّنادُ حَجَرَيْنِ أوْ مِن حَجَرٍ وحَدِيدَةٍ، ومِن شَجَرٍ لا سِيَّما في الشَّجَرِ الرَّخْوِ كالمَرْخِ والعِفارِ والكَلْحِ والعَرَبُ تَقْدَحُ بِعُودَيْنِ تَحُكُّ أحَدَهُما بِالآخَرِ ويُسَمُّونَ الأعْلى الزَّنْدَ والأسْفَلَ الزَّنْدَةَ شَبَّهُوهُما بِالعَجَلِ والطَّرُوقَةِ، أقْوى الرَّجُلُ دَخَلَ في الأرْضِ القَوى وهي القَفْرُ كَأصْحَرَ دَخَلَ في الصَّحْراءِ، وأقْوى مِن أقامَ أيّامًا لَمْ يَأْكُلْ شَيْئًا وأقْوَتِ الدّارُ صارَتْ قَفْراءَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎يا دارَ مَيَّةَ بِالعَلْياءِ فالسَّنَدِ ∗∗∗ أقْوَتْ وطالَ عَلَيْها سالِفُ الأمَدِ ادَّهَنَ لايَنَ وهاوَدَ فِيما لا يُحْمَلُ عِنْدَ المُدْهِنِ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎الحَزْمُ والقُوَّةُ خَيْرٌ مِنَ ∗∗∗ الإدْهانِ والفَكَّةِ والهاعِ الحُلْقُومُ مَجْرى الطَّعامِ، الرُّوحُ الِاسْتِراحَةُ، الرَّيْحانُ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ. ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ ﴿لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ ﴿هَذا نُزُلُهم يَوْمَ الدِّينِ﴾ ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٨] ﴿لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الواقعة: ٨٠] ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ [الواقعة: ٨١] ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] ﴿وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٤] ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٥] ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ [الواقعة: ٨٦] ﴿تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٧] ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨] ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩٠] ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٣] ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤] ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦] . (p-٢٠٩)لَمّا ذَكَرَ حالَ السّابِقِينَ، وأتْبَعَهم بِأصْحابِ المَيْمَنَةِ، ذَكَرَ حالَ أصْحابِ المَشْأمَةِ فَقالَ: ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ﴾، وتَقَدَّمَ إعْرابُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، وفي هَذا الِاسْتِفْهامِ تَعْظِيمُ مُصابِهِمْ. ﴿فِي سَمُومٍ﴾: في أشَدِّ حَرٍّ، ﴿وحَمِيمٍ﴾: ماءٌ شَدِيدُ السُّخُونَةِ. ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وأبُو مالِكٍ وابْنُ زَيْدٍ والجُمْهُورُ: دُخانٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هو سُرادِقُ النّارِ المُحِيطُ بِأهْلِها، يَرْتَفِعُ مِن كُلِّ ناحِيَةٍ حَتّى يُظِلَّهم. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: اليَحْمُومُ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ أيْضًا وابْنُ بُرَيْدَةَ: هو جَبَلٌ في النّارِ أسْوَدُ، يَفْزَعُ أهْلُ النّارِ إلى ذُراهُ، فَيَجِدُونَهُ أشَدَّ شَيْءٍ وأمَرَّ. ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾: صِفَتانِ لِلظِّلِّ نُفِيَتا، سُمِّيَ ظِلًّا وإنْ كانَ لَيْسَ كالظِّلالِ، ونُفِيَ عَنْهُ بَرْدُ الظِّلِّ ونَفْعُهُ لِمَن يَأْوِي إلَيْهِ. ﴿ولا كَرِيمٍ﴾: تَتْمِيمٌ لِنَفْيِ صِفَةِ المَدْحِ فِيهِ وتَمْحِيقٌ لِما يُتَوَهَّمُ في الظِّلِّ مِنَ الِاسْتِرْواحِ إلَيْهِ عِنْدَ شِدَّةِ الحَرِّ، أوْ نَفْيٌ لِكَرامَةِ مَن يَسْتَرْوِحُ إلَيْهِ. ونُسِبَ إلَيْهِ مَجازًا، والمُرادُ هم، أيْ يَسْتَظِلُّونَ إلَيْهِ وهم مُهانُونَ. وقَدْ يُحْتَمَلُ المَجْلِسُ الرَّدِيءُ لِنَيْلِ الكَرامَةِ، وبُدِئَ أوَّلًا بِالوَصْفِ الأصْلِيِّ الَّذِي هو الظِّلُّ، وهو كَوْنُهُ مِن يَحْمُومٍ، فَهو بَعْضُ اليَحْمُومِ. ثُمَّ نَفى عَنْهُ الوَصْفَ الَّذِي يَبْغِي لَهُ الظِّلَّ، وهو كَوْنُهُ لا بارِدًا ولا كَرِيمًا. وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ صِفَةً لِيَحْمُومٍ، ويَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونَ الظِّلُّ مَوْصُوفًا بِذَلِكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ بِجَرِّهِما؛ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِرَفْعِهِما: أيْ لا هو بارِدٌ ولا كَرِيمٌ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ؎فَأبِيتُ لا حَرِجٌ ولا مَحْرُومٌ أيْ لا أنا حَرِجٌ. ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ﴾: أيْ في الدُّنْيا، ﴿مُتْرَفِينَ﴾: فِيهِ ذَمُّ التَّرَفِ والتَّنَعُّمِ في الدُّنْيا، والتَّرَفُ طَرِيقٌ إلى البِطالَةِ وتَرْكِ التَّفَكُّرِ في العاقِبَةِ. ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ﴾: أيْ يُداوِمُونَ ويُواظِبُونَ، ﴿عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾، قالَ قَتادَةُ والضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ: الشِّرْكُ، وهو الظّاهِرُ. وقِيلَ: ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ [النحل: ٣٨] الآيَةَ مِنَ التَّكْذِيبِ بِالبَعْثِ. ويُبْعِدُهُ: ﴿وكانُوا يَقُولُونَ﴾، فَإنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، والعَطْفُ يَقْتَضِي التَّغايُرَ، فالحِنْثُ العَظِيمُ: الشِّرْكُ. فَقَوْلُهم: ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في والصّافّاتِ، وكَرَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا وهْمَهُ فَقالَ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ حَسُنَ العَطْفُ عَلى المُضْمَرِ في (لَمَبْعُوثُونَ) مِن غَيْرِ تَأْكِيدٍ بِنَحْنُ ؟ قُلْتُ: حَسُنَ لِلْفاصِلِ الَّذِي هو الهَمْزَةُ، كَما حَسُنَ في قَوْلِهِ: ﴿ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، لِفَصْلِ لا المُؤَكِّدَةِ لِلنَّفْيِ. انْتَهى. ورَدَدْنا عَلَيْهِ هُنا وهُناكَ إلى مَذْهَبِ الجَماعَةِ في أنَّهم لا يُقَدِّرُونَ بَيْنَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وحَرْفِ العَطْفِ فِعْلًا في نَحْوِ: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ [يوسف: ١٠٩]، (p-٢١٠)ولا اسْمًا في نَحْوِ: (أوَآباؤُنا)، بَلِ الواوُ والفاءُ لِعَطْفِ ما بَعْدَهُما عَلى ما قَبْلَهُما، والهَمْزَةُ في التَّقْدِيرِ مُتَأخِّرَةٌ عَنْ حَرْفِ العَطْفِ. لَكِنَّهُ لَمّا كانَ الِاسْتِفْهامُ لَهُ صَدْرُ الكَلامِ قُدِّمَتْ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى اسْتِفْهامَهم عَنِ البَعْثِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِبْعادِ والإنْكارِ، أمَرَ نَبِيَّهُ، ﷺ، أنْ يُخْبِرَهم بِبَعْثِ العالَمِ أوَّلِهِمْ وآخِرِهِمْ، لِلْحِسابِ، وبِما يَصِلُ إلَيْهِ المُكَذِّبُونَ لِلْبَعْثِ مِنَ العَذابِ. والمِيقاتُ: ما وُقِّتَ بِهِ الشَّيْءُ، أيْ حُدَّ، أيْ إلى ما وُقِّتْتُ بِهِ الدُّنْيا مِن يَوْمٍ مَعْلُومٍ، والإضافَةُ بِمَعْنى مِن، كَخاتَمِ حَدِيدٍ. (ثُمَّ إنَّكم): خِطابٌ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ، ﴿أيُّها الضّالُّونَ﴾ عَنِ الهُدى، ﴿المُكَذِّبُونَ﴾ لِلْبَعْثِ. وخِطابٌ أيْضًا لِمَن جَرى مَجْراهم في ذَلِكَ. ﴿لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾: ”مِن“ الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ أوْ لِلتَّبْعِيضِ؛ والثّانِيَةُ، إنْ كانَ مِن زَقُّومٍ بَدَلًا، فَمِن تَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ بَدَلًا، فَهي لِبَيانِ الجِنْسِ، أيْ مِن شَجَرٍ الَّذِي هو زَقُّومٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِن شَجَرٍ؛ وعَبْدُ اللَّهِ: مِن شَجَرَةٍ. ﴿فَمالِئُونَ مِنها﴾: الضَّمِيرُ في مِنها عائِدٌ عَلى شَجَرٍ، إذْ هو اسْمُ جِنْسٍ يُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ، وعَلى قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ، فَهو واضِحٌ. ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ﴾، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ذُكِرَ عَلى لَفْظِ الشَّجَرِ، كَما أُنِّثَ عَلى المَعْنى في مِنها. قالَ: ومَن قَرَأ: مِن شَجَرَةٍ مِن زَقُّومٍ، فَقَدْ جَعَلَ الضَّمِيرَيْنِ لِلشَّجَرَةِ، وإنَّما ذُكِرَ الثّانِي عَلى تَأْوِيلِ الزَّقُّومِ لِأنَّهُ يُفَسِّرُها، وهي في مَعْناهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والضَّمِيرُ في عَلَيْهِ عائِدٌ عَلى المَأْكُولِ، أوْ عَلى الأكْلِ. انْتَهى. فَلَمْ يَجْعَلْهُ عائِدًا عَلى شَجَرٍ. وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ: (شُرْبَ) بِضَمِّ الشِّينِ، وهو مَصْدَرٌ. وقِيلَ: اسْمٌ لِما يُشْرَبُ؛ ومُجاهِدٌ وأبُو عُثْمانَ النَّهْدِيُّ: بِكَسْرِها، وهو بِمَعْنى المَشْرُوبِ، اسْمٌ لا مَصْدَرٌ، كالطَّحْنِ والرَّعْيِ؛ والأعْرَجُ وابْنُ المُسَيَّبِ وشُعَيْبُ بْنُ الحَبْحابِ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ وابْنُ جُرَيْجٍ وباقِي السَّبْعَةِ: بِفَتْحِها، وهو مَصْدَرٌ مَقِيسٌ. والهِيمُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ: جَمْعُ أهْيَمَ، وهو الجَمَلُ الَّذِي أصابَهُ الهُيامُ، وقَدْ فَسَّرْناهُ في المُفْرَداتِ. وقِيلَ: جَمْعُ هَيْماءَ. وقِيلَ: جَمْعُ هائِمٍ وهائِمَةٍ، وجَمْعُ فاعِلٍ عَلى فِعْلٍ شاذٌّ، كَباذِلٍ وبِذْلٍ، وعائِذٍ وعِوْذٍ؛ والهائِمُ أيْضًا مِنَ الهُيامِ. ألا تَرى أنَّ الجَمَلَ إذا أصابَهُ ذَلِكَ هامَ عَلى وجْهِهِ وذَهَبَ ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وسُفْيانُ: الهِيمُ: الرِّمالُ الَّتِي لا تُرْوى مِنَ الماءِ، وتَقَدَّمَ الخِلافُ في مُفْرَدِهِ، أهْوَ الهَيامُ بِفَتْحِ الهاءِ، أمْ بِالضَّمِّ ؟ والمَعْنى: أنَّهُ يُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ مِنَ الجُوعِ ما يَضْطَرُّهم إلى أكْلِ الزَّقُّومِ الَّذِي كالمُهْلِ، فَإذا مَلَئُوا مِنهُ البُطُونَ، سُلِّطَ عَلَيْهِمْ مِنَ العَطَشِ ما يَضْطَرُّهم إلى شُرْبِ الحَمِيمِ الَّذِي يُقَطِّعُ أمْعاءَهم، فَيَشْرَبُونَهُ شُرْبَ الهِيمِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ أيْضًا: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ صَحَّ عَطْفُ الشّارِبِينَ عَلى الشّارِبِينَ، وهُما لِذَواتٍ مُتَّفِقَةٍ وصِفَتانِ مُتَّفِقَتانِ، فَكانَ عَطْفًا لِلشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ ؟ قُلْتُ: لَيْسَتا بِمُتَّفِقَتَيْنِ مِن حَيْثُ أنَّ كَوْنَهم شارِبِينَ لِلْحَمِيمِ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِن تَناهِي الحَرارَةِ وقَطْعِ الأمْعاءِ أمْرٌ عَجِيبٌ، وشُرْبَهم لَهُ عَلى ذَلِكَ كَما تَشْرَبُ الهِيمُ الماءَ أمْرٌ عَجِيبٌ أيْضًا؛ فَكانَتا صِفَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ. انْتَهى. والفاءُ تَقْتَضِي التَّعْقِيبَ في الشُّرْبَيْنِ، وأنَّهم أوَّلًا لَمّا عَطِشُوا شَرِبُوا مِنَ الحَمِيمِ ظَنًّا أنَّهُ يُسَكِّنُ عَطَشَهم، فازْدادَ العَطَشُ بِحَرارَةِ الحَمِيمِ، فَشَرِبُوا بَعْدَهُ شُرْبًا لا يَقَعُ بِهِ رَيٌّ أبَدًا، وهو مِثْلُ شُرْبِ الهِيمِ، فَهُما شُرْبانِ مِنَ الحَمِيمِ لا شُرْبٌ واحِدٌ، اخْتَلَفَتْ صِفَتاهُ فَعُطِفَ، والمَقْصُودُ الصِّفَةُ. والمَشْرُوبُ مِنهُ في ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى، تَقْدِيرُهُ: فَشارِبُونَ مِنهُ شُرْبَ الهِيمِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿نُزُلُهُمْ﴾ بِضَمِّ الزّايِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وخارِجَةُ عَنْ نافِعٍ ونُعَيْمٍ ومَحْبُوبٍ وأبُو زَيْدٍ وهارُونُ وعِصْمَةُ وعَبّاسٌ كُلُّهم عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِالسُّكُونِ، وهو أوَّلُ ما يَأْكُلُهُ الضَّيْفُ، وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِالكُفّارِ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎وكُنّا إذا الجَبّارُ بِالجَيْشِ ضافَنا ∗∗∗ جَعَلْنا القَنا والمُرْهِفاتِ لَهُ نُزُلا (يَوْمَ الدِّينِ): أيْ يَوْمَ الجَزاءِ. ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ بِالإعادَةِ وتُقِرُّونَ بِها، كَما أقْرَرْتُمْ بِالنَّشْأةِ (p-٢١١)الأُولى، وهي خَلْقُهم. ثُمَّ قالَ: ﴿فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ بِالإعادَةِ وتُقْرِرْنَ بِها كَما أقْرَرْتُمْ، فَهو حَضٌّ عَلى التَّصْدِيقِ. ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، أوْ: ﴿فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ أفَرَأيْتُمْ﴾، ثُمَّ حَضَّ عَلى التَّصْدِيقِ عَلى وجْهِ تَقْرِيعِهِمْ بِسِياقِ الحُجَجِ المُوجِبَةِ لِلتَّصْدِيقِ، وكانَ كافِرًا، قالَ: ولِمَ أُصَدِّقُ ؟ فَقِيلَ لَهُ: أفَرَأيْتَ كَذا مِمّا الإنْسانُ مَفْطُورٌ عَلى الإقْرارِ بِهِ ؟ فَقالَ: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾، وهو المَنِيُّ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الإنْسانِ، إذْ لَيْسَ لَهُ في خَلْقِهِ عَمَلٌ ولا إرادَةٌ ولا قُدْرَةٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿تَخْلُقُونَهُ﴾: تُقَدِّرُونَهُ وتُصَوِّرُونَهُ. انْتَهى، فَحُمِلَ الخَلْقُ عَلى التَّقْدِيرِ والتَّصْوِيرِ، لا عَلى الإنْشاءِ. ويَجُوزُ في (أأنْتُمْ) أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وخَبَرُهُ ﴿تَخْلُقُونَهُ﴾، والأوْلى أنْ يَكُونَ فاعِلًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قالَ: أتَخْلُقُونَهُ ؟ فَلَمّا حُذِفَ الفِعْلُ، انْفَصَلَ الضَّمِيرُ وجاءَ (أفَرَأيْتُمْ) هُنا مُصَرَّحًا بِمَفْعُولِها الأوَّلِ. ومَجِيءُ جُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي عَلى ما هو المُقَرَّرُ فِيها، إذا كانَتْ بِمَعْنى أخْبِرْنِي. وجاءَ بَعْدَ أمْ جُمْلَةٌ فَقِيلَ: أمْ مُنْقَطِعَةٌ، ولَيْسَتِ المُعادَلَةُ لِلْهَمْزَةِ، وذَلِكَ في أرْبَعَةِ مَواضِعَ هُنا، لِيَكُونَ ذَلِكَ عَلى اسْتِفْهامَيْنِ، فَجَوابُ الأوَّلِ لا، وجَوابُ الثّانِي نَعَمْ، فَتُقَدَّرُ أمْ عَلى هَذا، بَلْ أنَحْنُ الخالِقُونَ فَجَوابُهُ نَعَمْ. وقالَ قَوْمٌ مِنَ النُّحاةِ: أمْ هُنا مُعادِلَةٌ لِلْهَمْزَةِ، وكانَ ما جاءَ مِنَ الخَبَرِ بَعْدَ نَحْنُ جِيءَ بِهِ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، إذْ لَوْ قالَ: أمْ نَحْنُ، لَوَقَعَ الِاكْتِفاءُ بِهِ دُونَ ذِكْرِ الخَبَرِ. ونَظِيرُ ذَلِكَ جَوابُ مَن قالَ: مَن في الدّارِ ؟ زَيْدٌ في الدّارِ، أوْ زَيْدٌ فِيها، ولَوِ اقْتَصَرَ في الجَوابِ عَلى زَيْدٍ لاكْتُفِيَ بِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ما تُمْنُونَ﴾ بِضَمِّ التّاءِ؛ وابْنُ عَبّاسٍ وأبُو السَّمّالِ: بِفَتْحِها. والجُمْهُورُ: (قَدَّرْنا)، بِشَدِّ الدّالِ؛ وابْنُ كَثِيرٍ: يُخِفُّها، أيْ قَضَيْنا وأثْبَتْنا، أوْ رَتَّبْنا في التَّقَدُّمِ والتَّأخُّرِ، فَلَيْسَ مَوْتُ العالَمِ دُفْعَةً واحِدَةً، بَلْ بِتَرْتِيبٍ لا يَتَعَدّى. ويُقالُ: سَبَقْتَهُ عَلى الشَّيْءِ: أعْجَزْتَهُ عَنْهُ وغَلَبْتَهُ عَلَيْهِ ولَمْ تُمَكِّنْهُ مِنهُ، والمَعْنى: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾: أيْ نَحْنُ قادِرُونَ عَلى ذَلِكَ، لا تَغْلِبُونَنا عَلَيْهِ، إنْ أرَدْنا ذَلِكَ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: المَعْنى نَحْنُ قادِرُونَ، ﴿قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ﴾، ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾: أيْ بِمَوْتِ طائِفَةٍ ونُبَدِّلُها بِطائِفَةٍ، هَكَذا قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ. انْتَهى. فَعَلى أنْ نُبَدِّلَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا﴾، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ مُتَعَلِّقٌ (بِمَسْبُوقِينَ)، أيْ لا نُسْبَقُ. ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾، وأمْثالَكم جَمْعُ مِثْلٍ، ﴿ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ مِنَ الصِّفاتِ: أيْ نَحْنُ قادِرُونَ عَلى أنْ نَعْدِمَكم ونُنْشِئَ أمْثالَكم، وعَلى تَغْيِيرِ أوْصافِكم مِمّا لا يُحِيطُ بِهِ فِكْرُكم. وقالَ الحَسَنُ: مِن كَوْنِكم قِرَدَةً وخَنازِيرَ، قالَ ذَلِكَ لِأنَّ الآيَةَ تَنْحُو إلى الوَعِيدِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (أمْثالَكم) جَمْعَ مِثْلٍ بِمَعْنى الصِّفَةِ، أيْ نَحْنُ قادِرُونَ عَلى أنْ نُغَيِّرَ صِفاتِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها خَلْقًا وخُلُقًا، ﴿ونُنْشِئَكُمْ﴾ في صِفاتٍ لا تَعْلَمُونَها. ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى﴾: أيْ عَلِمْتُمْ أنَّهُ هو الَّذِي أنْشَأكم، أوَّلًا أنْشَأْنا إنْسانًا. وقِيلَ: نَشْأةُ آدَمَ، وأنَّهُ خُلِقَ مِن طِينٍ، ولا يُنْكِرُها أحَدٌ مِن ولَدِهِ. ﴿فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾: حَضٌّ عَلى التَّذْكِيرِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ والإقْرارِ بِالنَّشْأةِ الآخِرَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: تَذَّكَّرُونَ بِشَدِّ الذّالِ؛ وطَلْحَةُ يُخِفُّها وضَمِّ الكافِ، قالُوا: وهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى اسْتِعْمالِ القِياسِ والحَضِّ عَلَيْهِ. انْتَهى، ولا تَدُلُّ إلّا عَلى قِياسِ الأوْلى، لا عَلى جَمِيعِ أنْواعِ القِياسِ.