Al-Bahr Al-Muhit — الحاقة 69:42 – المعارج 70:27
المحتويات
- الحاقة 69:42
- الحاقة 69:43
- الحاقة 69:44
- الحاقة 69:45
- الحاقة 69:46
- الحاقة 69:47
- الحاقة 69:48
- الحاقة 69:49
- الحاقة 69:50
- الحاقة 69:51
- الحاقة 69:52
- المعارج 70:1
- المعارج 70:2
- المعارج 70:3
- المعارج 70:4
- المعارج 70:5
- المعارج 70:6
- المعارج 70:7
- المعارج 70:8
- المعارج 70:9
- المعارج 70:10
- المعارج 70:11
- المعارج 70:12
- المعارج 70:13
- المعارج 70:14
- المعارج 70:15
- المعارج 70:16
- المعارج 70:17
- المعارج 70:18
- المعارج 70:19
- المعارج 70:20
- المعارج 70:21
- المعارج 70:22
- المعارج 70:23
- المعارج 70:24
- المعارج 70:25
- المعارج 70:26
- المعارج 70:27
الحاقة 69:42
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ رتَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿وإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلى الكافِرِينَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ .
(p-٣٢٨)تَقَدَّمَ الكَلامُ في ”لا“ قَبْلَ القَسَمِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] وقِراءَةُ الحَسَنِ: لَأُقْسِمُ بِجَعْلِها لا ما دَخَلَتْ عَلى أقُسِمَ. وقِيلَ: ”لا“ هُنا نَفْيٌ لِلْقَسَمِ، أيْ: لا يَحْتاجُ في هَذا إلى قَسَمٍ لِوُضُوحِ الحَقِّ في ذَلِكَ، وعَلى هَذا فَجَوابُهُ جَوابُ القَسَمِ. قالَ مُقاتِلٌ: سَبَبُ ذَلِكَ أنَّ الوَلِيدَ قالَ: إنَّ مُحَمَّدًا ساحِرٌ، وقالَ أبُو جَهْلٍ: شاعِرٌ، وقالَ: كاهِنٌ. فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وما لا تُبْصِرُونَ﴾ عامٌّ في جَمِيعِ مَخْلُوقاتِهِ. وقالَ عَطاءٌ: ما تُبْصِرُونَ مِن آثارِ القُدْرَةِ، وما لا تُبْصِرُونَ مِن أسْرارِ القُدْرَةِ. وقِيلَ: ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾: المَلائِكَةُ. وقِيلَ: الأجْسادُ والأرْواحُ. (إنَّهُ) أيْ: إنَّ القُرْآنَ ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾: هو مُحَمَّدٌ ﷺ في قَوْلِ الأكْثَرِينَ، ويُؤَيِّدُهُ: ﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ﴾ وما بَعْدَهُ، ونَسَبَ القَوْلَ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ هو مُبَلِّغُهُ والعامِلُ بِهِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ ومُقاتِلٌ وابْنُ قُتَيْبَةَ: هو جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ هو الرَّسُولُ عَنِ اللَّهِ.
ونَفى تَعالى أنْ يَكُونَ قَوْلَ شاعِرٍ لِمُبايَنَتِهِ لِضُرُوبِ الشِّعْرِ. ولا قَوْلَ كاهِنٍ؛ لِأنَّهُ ورَدَ بِسَبَبِ الشَّياطِينِ. وانْتَصَبَ (قَلِيلًا) عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أوْ لِزَمانٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: تُؤْمِنُونَ إيمانًا قَلِيلًا أوْ زَمانًا قَلِيلًا. وكَذا التَّقْدِيرُ في: ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ والقِلَّةُ هو إقْرارُهم إذا سُئِلُوا مَن خَلَقَهم قالُوا: اللَّهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ونُصِبَ (قَلِيلًا) بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ (تُؤْمِنُونَ) وما تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ نافِيَةً فَيَنْتَفِي إيمانُهُمُ البَتَّةَ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ، والمُتَّصِفُ بِالقِلَّةِ هو الإيمانُ اللُّغَوِيُّ؛ لِأنَّهم قَدْ صَدَّقُوا بِأشْياءَ يَسِيرَةٍ لا تُغْنِي عَنْهم شَيْئًا، إذْ كانُوا يُصَدِّقُونَ أنَّ الخَيْرَ والصِّلَةَ والعَفافَ الَّذِي كانَ يَأْمُرُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هو حَقٌّ صَوابٌ. انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: ونُصِبَ ”قَلِيلًا“ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ تُؤْمِنُونَ فَلا يَصِحُّ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ الدّالَّ عَلَيْهِ (تُؤْمِنُونَ) إمّا أنْ تَكُونَ ما نافِيَةً أوْ مَصْدَرِيَّةً، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ. فَإنْ كانَتْ نافِيَةً، فَذَلِكَ الفِعْلُ المُضْمَرُ الدّالُّ عَلَيْهِ تُؤْمِنُونَ المَنفِيُّ بِما يَكُونُ مَنفِيًّا، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ما تُؤْمِنُونَ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ، والفِعْلُ المَنفِيُّ بِما لا يَجُوزُ حَذْفُهُ ولا حَذْفَ ما لا يَجُوزُ زَيْدًا ما أضْرَبَهُ، عَلى تَقْدِيرِ ما أضْرَبَ زَيْدًا ما أضْرَبَهُ، وإنْ كانَتْ مَصْدَرِيَّةً كانَتْ ”ما“ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِـ (قَلِيلًا) أيْ: قَلِيلًا إيمانُكم، ويَبْقى ”قَلِيلًا“ لا يَتَقَدَّمُهُ ما يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ حَتّى يَعْمَلَ ولا ناصِبَ لَهُ؛ وإمّا في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، فَيَكُونُ مُبْتَدَأً لا خَبَرَ لَهُ؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُ مَنصُوبٌ لا مَرْفُوعٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والقِلَّةُ في مَعْنى العَدَمِ، أيْ: لا تُؤْمِنُونَ ولا تَذَكَّرُونَ البَتَّةَ، والمَعْنى: ما أكْفَرَكم وما أغْفَلَكم. انْتَهى. ولا يُرادُ بِـ (قَلِيلًا) هُنا النَّفْيُ المَحْضُ، كَما زَعَمَ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في أقَلَّ، نَحْوُ: أقَلُّ رَجُلٍ يَقُولُ ذَلِكَ إلّا زَيْدًا، وفي قَلَّ نَحْوُ: قَلَّ رَجُلٌ يَقُولُ ذَلِكَ إلّا زَيْدًا. وقَدْ تُسْتَعْمَلُ في قَلِيلٍ وقَلِيلَةٍ إذا كانا مَرْفُوعَيْنِ، نَحْوُ ما جَوَّزُوا في قَوْلِهِ:
؎قَلِيلٍ بِها الأصْواتُ إلّا بُغامُها
أمّا إذا كانَ مَنصُوبًا نَحْوُ: قَلِيلًا ضَرَبْتُ، أوْ قَلِيلًا ما ضَرَبْتُ، عَلى أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَجُورُ؛ لِأنَّهُ في: قَلِيلًا ضَرَبْتُ (p-٣٢٩)مَنصُوبٌ بِـ (ضَرَبْتُ) ولَمْ تَسْتَعْمِلِ العَرَبُ قَلِيلًا إذا انْتَصَبَ بِالفِعْلِ نَفْيًا، بَلْ مُقابِلًا لِكَثِيرٍ. وأمّا في (قَلِيلًا ما ضَرَبْتُ) عَلى أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، فَتَحْتاجُ إلى رَفْعِ قَلِيلٍ؛ لِأنَّ ما المَصْدَرِيَّةُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ عَنْهُما. والجَحْدَرِيُّ والحَسَنُ: يُؤْمِنُونَ، يَذَّكَّرُونَ: بِالياءِ فِيهِما. وباقِي السَّبْعَةِ بِتاءِ الخِطابِ. وأُبَيٌّ: بِياءَيْنِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَنْزِيلٌ) بِالرَّفْعِ. وأبُو السَّمّالِ: تَنْزِيلًا بِالنَّصْبِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ﴾ والتَّقَوُّلُ أنْ يَقُولَ الإنْسانُ عَنْ آخَرَ إنَّهُ قالَ شَيْئًا لَمْ يَقُلْهُ. وقَرَأ ذَكْوانُ وابْنُهُ مُحَمَّدٌ: يَقُولُ مُضارِعُ قالَ، وهَذِهِ القِراءَةُ مُعْتَرَضَةٌ بِما صَرَّحَتْ بِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ. وقُرِئَ: ولَوْ تُقُوِّلَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وحُذِفَ الفاعِلُ وقامَ المَفْعُولُ مَقامَهُ، وهو (بَعْضَ) إنْ كانَ قُرِئَ مَرْفُوعًا. وإنْ كانَ قُرِئَ مَنصُوبًا بِعَلَيْنا قامَ مَقامَ الفاعِلِ، والمَعْنى: ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا مُتَقَوِّلٌ. ولا يَكُونُ الضَّمِيرُ في تَقَوَّلَ عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ ﷺ لِاسْتِحالَةِ وُقُوعِ ذَلِكَ مِنهُ، فَنَحْنُ نَمْنَعُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ في حَقِّهِ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. والأقاوِيلُ جَمْعُ الجَمْعِ، وهو أقْوالٌ كَبَيْتٍ وأبْياتٍ وأبايِيتٍ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وسَمّى الأقْوالَ المَنقُولَةَ أقاوِيلَ تَصْغِيرًا لَها وتَحْقِيرًا، كَقَوْلِكَ: الأعاجِيبُ والأضاحِيكُ، كَأنَّها جَمْعُ أُفْعُولَةٍ مِنَ القَوْلِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (بِاليَمِينِ) المُرادُ بِهِ الجارِحَةُ. فَقالَ الحَسَنُ: المَعْنى قَطَعْناهُ عِبْرَةً ونَكالًا، والباءُ عَلى هَذا زائِدَةٌ. وقِيلَ: الأخْذُ عَلى ظاهِرِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى ولَوِ ادَّعى مُدَّعٍ عَلَيْنا شَيْئًا لَمْ نَقُلْهُ لَقَتَلْناهُ صَبْرًا، كَما تَفْعَلُ المُلُوكُ بِمَن يَتَكَذَّبُ عَلَيْهِمْ مُعاجَلَةً بِالسَّخَطِ والِانْتِقامِ، فَصَوَّرَ قَتْلَ الصَّبْرِ بِصُورَتِهِ لِيَكُونَ أهْوَلَ، وهو أنْ يُؤْخَذَ بِيَدِهِ وتُضْرَبَ رَقَبَتُهُ، وخُصَّ اليَمِينُ عَلى اليَسارِ؛ لِأنَّ القَتّالَ إذا أرادَ أنْ يُوقِعَ الضَّرْبَ في قَفاهُ أخَذَ بِيُسارُهُ، وإذا أرادَ أنْ يُوقِعَهُ في جِيدِهِ وأنْ يُلْحِفَهُ بِالسَّيْفِ، وهو أشَدُّ عَلى المَصْبُورِ لِنَظَرِهِ إلى السَّيْفِ، أُخِذَ بِيَمِينِهِ.
ومَعْنى ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾: لَأخَذْنا بِيَمِينِهِ، كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾: لَقَطَعْنا وتِينَهُ. انْتَهى، وهو قَوْلٌ لِلْمُتَقَدِّمِينَ حَسَّنَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِتَكْثِيرِ ألْفاظِهِ ومَصاغِها. قالُوا: المَعْنى لَأخَذْنا بِيَدِهِ الَّتِي هي اليَمِينُ عَلى جِهَةِ الإذْلالِ والصَّغارِ، كَما يَقُولُ السُّلْطانُ إذا أرادَ عُقُوبَةَ رَجُلٍ: يا غُلامُ خُذْ بِيَدِهِ وافْعَلْ كَذا، قالَهُ أوْ قَرِيبًا مِنهُ الطَّبَرِيُّ. وقِيلَ: اليَمِينُ هُنا مَجازٌ. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِاليَمِينِ: بِالقُوَّةِ، مَعْناهُ لَنِلْنا مِنهُ عِقابَهُ بِقُوَّةٍ مِنّا. وقالَ مُجاهِدٌ: بِالقُدْرَةِ. وقالَ السُّدِّيُّ: عاقَبْناهُ بِالحَقِّ ومَن عَلى هَذا صِلَةٌ. وقالَ نِفْطَوَيْهِ: لَقَبَضْنا بِيَمِينِهِ عَنِ التَّصَرُّفِ. وقِيلَ: لَنَزَعْنا مِنهُ قُوَّتَهُ. وقِيلَ: لَأذْلَلْناهُ وأعْجَزْناهُ.
﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهو نِياطُ القَلْبِ. وقالَ مُجاهِدٌ: حَبْلُ القَلْبِ الَّذِي في الظَّهْرِ وهو النُّخاعُ. والمَوْتُونُ الَّذِي قُطِعَ وتِينُهُ، والمَعْنى: لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا لَأذْهَبْنا حَياتَهُ مُعَجَّلًا، والضَّمِيرُ في عَنْهُ الظّاهِرُ أنَّهُ يَعُودُ عَلى الَّذِي تَقَوَّلَ، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى القَتْلِ، أيْ: لا يَقْدِرُ أحَدٌ مِنكم أنْ يَحْجِزَهُ عَنْ ذَلِكَ ويَدْفَعَهُ عَنْهُ، والخِطابُ في ”مِنكم“ لِلنّاسِ، والظّاهِرُ في (حاجِزِينَ) أنْ يَكُونَ خَبَرًا لِـ (ما) عَلى لُغَةِ الحِجازِ؛ لِأنَّ حاجِزِينَ هو مَحَطُّ الفائِدَةِ، ويَكُونُ ”مِنكم“ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً لِأحَدٍ، فَلَمّا تَقَدَّمَ صارَ حالًا، وفي جَوازِ هَذا نَظَرٌ. أوْ يَكُونُ لِلْبَيانِ، أوْ تَتَعَلَّقُ بِحاجِزِينَ، كَما تَقُولُ: ما فِيكَ زَيْدٌ راغِبًا، ولا يَمْنَعُ هَذا الفَصْلُ مِنَ انْتِصابِ خَبَرِ ”ما“ . وقالَ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ: ”حاجِزِينَ“ نَعْتٌ لِأحَدٍ عَلى اللَّفْظِ، وجُمِعَ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّهُ في مَعْنى الجَماعَةِ يَقَعُ في النَّفْيِ العامِّ لِلْواحِدِ والجَمْعِ والمُذَكِّرِ والمُؤَنَّثِ، ومِنهُ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] وقَوْلُهُ: ﴿لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢] مَثَّلَ بِهِما الزَّمَخْشَرِيُّ، وقَدْ تَكَلَّمْنا عَلى ذَيْنِكَ في مَوْضِعَيْهِما. وفي الحَدِيثِ: ”لَمْ تَحِلَّ لِأحَدٍ سُودِ الرُّؤُوسِ قَبْلَكم“ . وإذا كانَ ”حاجِزِينَ“ نَعْتًا فَـ ”مِن أحَدٍ“ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ ”مِنكم“، ويَضْعُفُ هَذا القَوْلُ؛ لِأنَّ النَّفْيَ يَتَسَلَّطُ عَلى الخَبَرِ وهو كَيْنُونَتُهُ ”مِنكم“، فَلا يَتَسَلَّطُ عَلى الحَجْزِ. وإذا كانَ (حاجِزِينَ) (p-٣٣٠)خَبَرًا. تَسَلَّطَ النَّفْيُ عَلَيْهِ وصارَ المَعْنى: ما أحَدٌ مِنكم يَحْجِزُهُ عَنْ ما يُرِيدُ بِهِ مِن ذَلِكَ.
﴿وإنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ﴾ أيْ: وإنَّ القُرْآنَ أوِ الرَّسُولَ، ﷺ .
﴿وإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾: وعِيدٌ، أيْ: مُكَذِّبِينَ بِالقُرْآنِ أوْ بِالرَّسُولِ، ﷺ .
﴿وإنَّهُ لَحَسْرَةٌ﴾ أيِ: القُرْآنُ مِن حَيْثُ كَفَرُوا بِهِ، ويَرَوْنَ مَن آمَنَ بِهِ يُنَعَّمُ وهم مُعَذَّبُونَ. وقالَ مُقاتِلٌ: وإنَّ تَكْذِيبَهم بِالقُرْآنِ لَحَسْرَةٌ عَلَيْهِمْ، عادَ الضَّمِيرُ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: (مُكَذِّبِينَ) كَقَوْلِهِ:
؎إذا نَهى السَّفِيهُ جَرى إلَيْهِ
أيْ: لِلسَّفَهِ. (وإنَّهُ) أيْ: وإنَّ القُرْآنَ ﴿لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ وسَبَقَ الكَلامُ عَلى إضافَةِ (حَقٍّ) إلى اليَقِينِ في آخِرِ الواقِعَةِ.
الحاقة 69:43
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ رتَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿وإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلى الكافِرِينَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ .
(p-٣٢٨)تَقَدَّمَ الكَلامُ في ”لا“ قَبْلَ القَسَمِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] وقِراءَةُ الحَسَنِ: لَأُقْسِمُ بِجَعْلِها لا ما دَخَلَتْ عَلى أقُسِمَ. وقِيلَ: ”لا“ هُنا نَفْيٌ لِلْقَسَمِ، أيْ: لا يَحْتاجُ في هَذا إلى قَسَمٍ لِوُضُوحِ الحَقِّ في ذَلِكَ، وعَلى هَذا فَجَوابُهُ جَوابُ القَسَمِ. قالَ مُقاتِلٌ: سَبَبُ ذَلِكَ أنَّ الوَلِيدَ قالَ: إنَّ مُحَمَّدًا ساحِرٌ، وقالَ أبُو جَهْلٍ: شاعِرٌ، وقالَ: كاهِنٌ. فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وما لا تُبْصِرُونَ﴾ عامٌّ في جَمِيعِ مَخْلُوقاتِهِ. وقالَ عَطاءٌ: ما تُبْصِرُونَ مِن آثارِ القُدْرَةِ، وما لا تُبْصِرُونَ مِن أسْرارِ القُدْرَةِ. وقِيلَ: ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾: المَلائِكَةُ. وقِيلَ: الأجْسادُ والأرْواحُ. (إنَّهُ) أيْ: إنَّ القُرْآنَ ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾: هو مُحَمَّدٌ ﷺ في قَوْلِ الأكْثَرِينَ، ويُؤَيِّدُهُ: ﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ﴾ وما بَعْدَهُ، ونَسَبَ القَوْلَ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ هو مُبَلِّغُهُ والعامِلُ بِهِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ ومُقاتِلٌ وابْنُ قُتَيْبَةَ: هو جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ هو الرَّسُولُ عَنِ اللَّهِ.
ونَفى تَعالى أنْ يَكُونَ قَوْلَ شاعِرٍ لِمُبايَنَتِهِ لِضُرُوبِ الشِّعْرِ. ولا قَوْلَ كاهِنٍ؛ لِأنَّهُ ورَدَ بِسَبَبِ الشَّياطِينِ. وانْتَصَبَ (قَلِيلًا) عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أوْ لِزَمانٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: تُؤْمِنُونَ إيمانًا قَلِيلًا أوْ زَمانًا قَلِيلًا. وكَذا التَّقْدِيرُ في: ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ والقِلَّةُ هو إقْرارُهم إذا سُئِلُوا مَن خَلَقَهم قالُوا: اللَّهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ونُصِبَ (قَلِيلًا) بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ (تُؤْمِنُونَ) وما تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ نافِيَةً فَيَنْتَفِي إيمانُهُمُ البَتَّةَ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ، والمُتَّصِفُ بِالقِلَّةِ هو الإيمانُ اللُّغَوِيُّ؛ لِأنَّهم قَدْ صَدَّقُوا بِأشْياءَ يَسِيرَةٍ لا تُغْنِي عَنْهم شَيْئًا، إذْ كانُوا يُصَدِّقُونَ أنَّ الخَيْرَ والصِّلَةَ والعَفافَ الَّذِي كانَ يَأْمُرُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هو حَقٌّ صَوابٌ. انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: ونُصِبَ ”قَلِيلًا“ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ تُؤْمِنُونَ فَلا يَصِحُّ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ الدّالَّ عَلَيْهِ (تُؤْمِنُونَ) إمّا أنْ تَكُونَ ما نافِيَةً أوْ مَصْدَرِيَّةً، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ. فَإنْ كانَتْ نافِيَةً، فَذَلِكَ الفِعْلُ المُضْمَرُ الدّالُّ عَلَيْهِ تُؤْمِنُونَ المَنفِيُّ بِما يَكُونُ مَنفِيًّا، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ما تُؤْمِنُونَ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ، والفِعْلُ المَنفِيُّ بِما لا يَجُوزُ حَذْفُهُ ولا حَذْفَ ما لا يَجُوزُ زَيْدًا ما أضْرَبَهُ، عَلى تَقْدِيرِ ما أضْرَبَ زَيْدًا ما أضْرَبَهُ، وإنْ كانَتْ مَصْدَرِيَّةً كانَتْ ”ما“ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِـ (قَلِيلًا) أيْ: قَلِيلًا إيمانُكم، ويَبْقى ”قَلِيلًا“ لا يَتَقَدَّمُهُ ما يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ حَتّى يَعْمَلَ ولا ناصِبَ لَهُ؛ وإمّا في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، فَيَكُونُ مُبْتَدَأً لا خَبَرَ لَهُ؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُ مَنصُوبٌ لا مَرْفُوعٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والقِلَّةُ في مَعْنى العَدَمِ، أيْ: لا تُؤْمِنُونَ ولا تَذَكَّرُونَ البَتَّةَ، والمَعْنى: ما أكْفَرَكم وما أغْفَلَكم. انْتَهى. ولا يُرادُ بِـ (قَلِيلًا) هُنا النَّفْيُ المَحْضُ، كَما زَعَمَ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في أقَلَّ، نَحْوُ: أقَلُّ رَجُلٍ يَقُولُ ذَلِكَ إلّا زَيْدًا، وفي قَلَّ نَحْوُ: قَلَّ رَجُلٌ يَقُولُ ذَلِكَ إلّا زَيْدًا. وقَدْ تُسْتَعْمَلُ في قَلِيلٍ وقَلِيلَةٍ إذا كانا مَرْفُوعَيْنِ، نَحْوُ ما جَوَّزُوا في قَوْلِهِ:
؎قَلِيلٍ بِها الأصْواتُ إلّا بُغامُها
أمّا إذا كانَ مَنصُوبًا نَحْوُ: قَلِيلًا ضَرَبْتُ، أوْ قَلِيلًا ما ضَرَبْتُ، عَلى أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَجُورُ؛ لِأنَّهُ في: قَلِيلًا ضَرَبْتُ (p-٣٢٩)مَنصُوبٌ بِـ (ضَرَبْتُ) ولَمْ تَسْتَعْمِلِ العَرَبُ قَلِيلًا إذا انْتَصَبَ بِالفِعْلِ نَفْيًا، بَلْ مُقابِلًا لِكَثِيرٍ. وأمّا في (قَلِيلًا ما ضَرَبْتُ) عَلى أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، فَتَحْتاجُ إلى رَفْعِ قَلِيلٍ؛ لِأنَّ ما المَصْدَرِيَّةُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ عَنْهُما. والجَحْدَرِيُّ والحَسَنُ: يُؤْمِنُونَ، يَذَّكَّرُونَ: بِالياءِ فِيهِما. وباقِي السَّبْعَةِ بِتاءِ الخِطابِ. وأُبَيٌّ: بِياءَيْنِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَنْزِيلٌ) بِالرَّفْعِ. وأبُو السَّمّالِ: تَنْزِيلًا بِالنَّصْبِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ﴾ والتَّقَوُّلُ أنْ يَقُولَ الإنْسانُ عَنْ آخَرَ إنَّهُ قالَ شَيْئًا لَمْ يَقُلْهُ. وقَرَأ ذَكْوانُ وابْنُهُ مُحَمَّدٌ: يَقُولُ مُضارِعُ قالَ، وهَذِهِ القِراءَةُ مُعْتَرَضَةٌ بِما صَرَّحَتْ بِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ. وقُرِئَ: ولَوْ تُقُوِّلَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وحُذِفَ الفاعِلُ وقامَ المَفْعُولُ مَقامَهُ، وهو (بَعْضَ) إنْ كانَ قُرِئَ مَرْفُوعًا. وإنْ كانَ قُرِئَ مَنصُوبًا بِعَلَيْنا قامَ مَقامَ الفاعِلِ، والمَعْنى: ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا مُتَقَوِّلٌ. ولا يَكُونُ الضَّمِيرُ في تَقَوَّلَ عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ ﷺ لِاسْتِحالَةِ وُقُوعِ ذَلِكَ مِنهُ، فَنَحْنُ نَمْنَعُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ في حَقِّهِ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. والأقاوِيلُ جَمْعُ الجَمْعِ، وهو أقْوالٌ كَبَيْتٍ وأبْياتٍ وأبايِيتٍ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وسَمّى الأقْوالَ المَنقُولَةَ أقاوِيلَ تَصْغِيرًا لَها وتَحْقِيرًا، كَقَوْلِكَ: الأعاجِيبُ والأضاحِيكُ، كَأنَّها جَمْعُ أُفْعُولَةٍ مِنَ القَوْلِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (بِاليَمِينِ) المُرادُ بِهِ الجارِحَةُ. فَقالَ الحَسَنُ: المَعْنى قَطَعْناهُ عِبْرَةً ونَكالًا، والباءُ عَلى هَذا زائِدَةٌ. وقِيلَ: الأخْذُ عَلى ظاهِرِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى ولَوِ ادَّعى مُدَّعٍ عَلَيْنا شَيْئًا لَمْ نَقُلْهُ لَقَتَلْناهُ صَبْرًا، كَما تَفْعَلُ المُلُوكُ بِمَن يَتَكَذَّبُ عَلَيْهِمْ مُعاجَلَةً بِالسَّخَطِ والِانْتِقامِ، فَصَوَّرَ قَتْلَ الصَّبْرِ بِصُورَتِهِ لِيَكُونَ أهْوَلَ، وهو أنْ يُؤْخَذَ بِيَدِهِ وتُضْرَبَ رَقَبَتُهُ، وخُصَّ اليَمِينُ عَلى اليَسارِ؛ لِأنَّ القَتّالَ إذا أرادَ أنْ يُوقِعَ الضَّرْبَ في قَفاهُ أخَذَ بِيُسارُهُ، وإذا أرادَ أنْ يُوقِعَهُ في جِيدِهِ وأنْ يُلْحِفَهُ بِالسَّيْفِ، وهو أشَدُّ عَلى المَصْبُورِ لِنَظَرِهِ إلى السَّيْفِ، أُخِذَ بِيَمِينِهِ.
ومَعْنى ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾: لَأخَذْنا بِيَمِينِهِ، كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾: لَقَطَعْنا وتِينَهُ. انْتَهى، وهو قَوْلٌ لِلْمُتَقَدِّمِينَ حَسَّنَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِتَكْثِيرِ ألْفاظِهِ ومَصاغِها. قالُوا: المَعْنى لَأخَذْنا بِيَدِهِ الَّتِي هي اليَمِينُ عَلى جِهَةِ الإذْلالِ والصَّغارِ، كَما يَقُولُ السُّلْطانُ إذا أرادَ عُقُوبَةَ رَجُلٍ: يا غُلامُ خُذْ بِيَدِهِ وافْعَلْ كَذا، قالَهُ أوْ قَرِيبًا مِنهُ الطَّبَرِيُّ. وقِيلَ: اليَمِينُ هُنا مَجازٌ. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِاليَمِينِ: بِالقُوَّةِ، مَعْناهُ لَنِلْنا مِنهُ عِقابَهُ بِقُوَّةٍ مِنّا. وقالَ مُجاهِدٌ: بِالقُدْرَةِ. وقالَ السُّدِّيُّ: عاقَبْناهُ بِالحَقِّ ومَن عَلى هَذا صِلَةٌ. وقالَ نِفْطَوَيْهِ: لَقَبَضْنا بِيَمِينِهِ عَنِ التَّصَرُّفِ. وقِيلَ: لَنَزَعْنا مِنهُ قُوَّتَهُ. وقِيلَ: لَأذْلَلْناهُ وأعْجَزْناهُ.
﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهو نِياطُ القَلْبِ. وقالَ مُجاهِدٌ: حَبْلُ القَلْبِ الَّذِي في الظَّهْرِ وهو النُّخاعُ. والمَوْتُونُ الَّذِي قُطِعَ وتِينُهُ، والمَعْنى: لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا لَأذْهَبْنا حَياتَهُ مُعَجَّلًا، والضَّمِيرُ في عَنْهُ الظّاهِرُ أنَّهُ يَعُودُ عَلى الَّذِي تَقَوَّلَ، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى القَتْلِ، أيْ: لا يَقْدِرُ أحَدٌ مِنكم أنْ يَحْجِزَهُ عَنْ ذَلِكَ ويَدْفَعَهُ عَنْهُ، والخِطابُ في ”مِنكم“ لِلنّاسِ، والظّاهِرُ في (حاجِزِينَ) أنْ يَكُونَ خَبَرًا لِـ (ما) عَلى لُغَةِ الحِجازِ؛ لِأنَّ حاجِزِينَ هو مَحَطُّ الفائِدَةِ، ويَكُونُ ”مِنكم“ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً لِأحَدٍ، فَلَمّا تَقَدَّمَ صارَ حالًا، وفي جَوازِ هَذا نَظَرٌ. أوْ يَكُونُ لِلْبَيانِ، أوْ تَتَعَلَّقُ بِحاجِزِينَ، كَما تَقُولُ: ما فِيكَ زَيْدٌ راغِبًا، ولا يَمْنَعُ هَذا الفَصْلُ مِنَ انْتِصابِ خَبَرِ ”ما“ . وقالَ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ: ”حاجِزِينَ“ نَعْتٌ لِأحَدٍ عَلى اللَّفْظِ، وجُمِعَ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّهُ في مَعْنى الجَماعَةِ يَقَعُ في النَّفْيِ العامِّ لِلْواحِدِ والجَمْعِ والمُذَكِّرِ والمُؤَنَّثِ، ومِنهُ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] وقَوْلُهُ: ﴿لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢] مَثَّلَ بِهِما الزَّمَخْشَرِيُّ، وقَدْ تَكَلَّمْنا عَلى ذَيْنِكَ في مَوْضِعَيْهِما. وفي الحَدِيثِ: ”لَمْ تَحِلَّ لِأحَدٍ سُودِ الرُّؤُوسِ قَبْلَكم“ . وإذا كانَ ”حاجِزِينَ“ نَعْتًا فَـ ”مِن أحَدٍ“ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ ”مِنكم“، ويَضْعُفُ هَذا القَوْلُ؛ لِأنَّ النَّفْيَ يَتَسَلَّطُ عَلى الخَبَرِ وهو كَيْنُونَتُهُ ”مِنكم“، فَلا يَتَسَلَّطُ عَلى الحَجْزِ. وإذا كانَ (حاجِزِينَ) (p-٣٣٠)خَبَرًا. تَسَلَّطَ النَّفْيُ عَلَيْهِ وصارَ المَعْنى: ما أحَدٌ مِنكم يَحْجِزُهُ عَنْ ما يُرِيدُ بِهِ مِن ذَلِكَ.
﴿وإنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ﴾ أيْ: وإنَّ القُرْآنَ أوِ الرَّسُولَ، ﷺ .
﴿وإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾: وعِيدٌ، أيْ: مُكَذِّبِينَ بِالقُرْآنِ أوْ بِالرَّسُولِ، ﷺ .
﴿وإنَّهُ لَحَسْرَةٌ﴾ أيِ: القُرْآنُ مِن حَيْثُ كَفَرُوا بِهِ، ويَرَوْنَ مَن آمَنَ بِهِ يُنَعَّمُ وهم مُعَذَّبُونَ. وقالَ مُقاتِلٌ: وإنَّ تَكْذِيبَهم بِالقُرْآنِ لَحَسْرَةٌ عَلَيْهِمْ، عادَ الضَّمِيرُ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: (مُكَذِّبِينَ) كَقَوْلِهِ:
؎إذا نَهى السَّفِيهُ جَرى إلَيْهِ
أيْ: لِلسَّفَهِ. (وإنَّهُ) أيْ: وإنَّ القُرْآنَ ﴿لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ وسَبَقَ الكَلامُ عَلى إضافَةِ (حَقٍّ) إلى اليَقِينِ في آخِرِ الواقِعَةِ.
الحاقة 69:44
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ رتَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿وإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلى الكافِرِينَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ .
(p-٣٢٨)تَقَدَّمَ الكَلامُ في ”لا“ قَبْلَ القَسَمِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] وقِراءَةُ الحَسَنِ: لَأُقْسِمُ بِجَعْلِها لا ما دَخَلَتْ عَلى أقُسِمَ. وقِيلَ: ”لا“ هُنا نَفْيٌ لِلْقَسَمِ، أيْ: لا يَحْتاجُ في هَذا إلى قَسَمٍ لِوُضُوحِ الحَقِّ في ذَلِكَ، وعَلى هَذا فَجَوابُهُ جَوابُ القَسَمِ. قالَ مُقاتِلٌ: سَبَبُ ذَلِكَ أنَّ الوَلِيدَ قالَ: إنَّ مُحَمَّدًا ساحِرٌ، وقالَ أبُو جَهْلٍ: شاعِرٌ، وقالَ: كاهِنٌ. فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وما لا تُبْصِرُونَ﴾ عامٌّ في جَمِيعِ مَخْلُوقاتِهِ. وقالَ عَطاءٌ: ما تُبْصِرُونَ مِن آثارِ القُدْرَةِ، وما لا تُبْصِرُونَ مِن أسْرارِ القُدْرَةِ. وقِيلَ: ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾: المَلائِكَةُ. وقِيلَ: الأجْسادُ والأرْواحُ. (إنَّهُ) أيْ: إنَّ القُرْآنَ ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾: هو مُحَمَّدٌ ﷺ في قَوْلِ الأكْثَرِينَ، ويُؤَيِّدُهُ: ﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ﴾ وما بَعْدَهُ، ونَسَبَ القَوْلَ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ هو مُبَلِّغُهُ والعامِلُ بِهِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ ومُقاتِلٌ وابْنُ قُتَيْبَةَ: هو جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ هو الرَّسُولُ عَنِ اللَّهِ.
ونَفى تَعالى أنْ يَكُونَ قَوْلَ شاعِرٍ لِمُبايَنَتِهِ لِضُرُوبِ الشِّعْرِ. ولا قَوْلَ كاهِنٍ؛ لِأنَّهُ ورَدَ بِسَبَبِ الشَّياطِينِ. وانْتَصَبَ (قَلِيلًا) عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أوْ لِزَمانٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: تُؤْمِنُونَ إيمانًا قَلِيلًا أوْ زَمانًا قَلِيلًا. وكَذا التَّقْدِيرُ في: ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ والقِلَّةُ هو إقْرارُهم إذا سُئِلُوا مَن خَلَقَهم قالُوا: اللَّهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ونُصِبَ (قَلِيلًا) بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ (تُؤْمِنُونَ) وما تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ نافِيَةً فَيَنْتَفِي إيمانُهُمُ البَتَّةَ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ، والمُتَّصِفُ بِالقِلَّةِ هو الإيمانُ اللُّغَوِيُّ؛ لِأنَّهم قَدْ صَدَّقُوا بِأشْياءَ يَسِيرَةٍ لا تُغْنِي عَنْهم شَيْئًا، إذْ كانُوا يُصَدِّقُونَ أنَّ الخَيْرَ والصِّلَةَ والعَفافَ الَّذِي كانَ يَأْمُرُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هو حَقٌّ صَوابٌ. انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: ونُصِبَ ”قَلِيلًا“ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ تُؤْمِنُونَ فَلا يَصِحُّ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ الدّالَّ عَلَيْهِ (تُؤْمِنُونَ) إمّا أنْ تَكُونَ ما نافِيَةً أوْ مَصْدَرِيَّةً، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ. فَإنْ كانَتْ نافِيَةً، فَذَلِكَ الفِعْلُ المُضْمَرُ الدّالُّ عَلَيْهِ تُؤْمِنُونَ المَنفِيُّ بِما يَكُونُ مَنفِيًّا، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ما تُؤْمِنُونَ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ، والفِعْلُ المَنفِيُّ بِما لا يَجُوزُ حَذْفُهُ ولا حَذْفَ ما لا يَجُوزُ زَيْدًا ما أضْرَبَهُ، عَلى تَقْدِيرِ ما أضْرَبَ زَيْدًا ما أضْرَبَهُ، وإنْ كانَتْ مَصْدَرِيَّةً كانَتْ ”ما“ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِـ (قَلِيلًا) أيْ: قَلِيلًا إيمانُكم، ويَبْقى ”قَلِيلًا“ لا يَتَقَدَّمُهُ ما يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ حَتّى يَعْمَلَ ولا ناصِبَ لَهُ؛ وإمّا في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، فَيَكُونُ مُبْتَدَأً لا خَبَرَ لَهُ؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُ مَنصُوبٌ لا مَرْفُوعٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والقِلَّةُ في مَعْنى العَدَمِ، أيْ: لا تُؤْمِنُونَ ولا تَذَكَّرُونَ البَتَّةَ، والمَعْنى: ما أكْفَرَكم وما أغْفَلَكم. انْتَهى. ولا يُرادُ بِـ (قَلِيلًا) هُنا النَّفْيُ المَحْضُ، كَما زَعَمَ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في أقَلَّ، نَحْوُ: أقَلُّ رَجُلٍ يَقُولُ ذَلِكَ إلّا زَيْدًا، وفي قَلَّ نَحْوُ: قَلَّ رَجُلٌ يَقُولُ ذَلِكَ إلّا زَيْدًا. وقَدْ تُسْتَعْمَلُ في قَلِيلٍ وقَلِيلَةٍ إذا كانا مَرْفُوعَيْنِ، نَحْوُ ما جَوَّزُوا في قَوْلِهِ:
؎قَلِيلٍ بِها الأصْواتُ إلّا بُغامُها
أمّا إذا كانَ مَنصُوبًا نَحْوُ: قَلِيلًا ضَرَبْتُ، أوْ قَلِيلًا ما ضَرَبْتُ، عَلى أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَجُورُ؛ لِأنَّهُ في: قَلِيلًا ضَرَبْتُ (p-٣٢٩)مَنصُوبٌ بِـ (ضَرَبْتُ) ولَمْ تَسْتَعْمِلِ العَرَبُ قَلِيلًا إذا انْتَصَبَ بِالفِعْلِ نَفْيًا، بَلْ مُقابِلًا لِكَثِيرٍ. وأمّا في (قَلِيلًا ما ضَرَبْتُ) عَلى أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، فَتَحْتاجُ إلى رَفْعِ قَلِيلٍ؛ لِأنَّ ما المَصْدَرِيَّةُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ عَنْهُما. والجَحْدَرِيُّ والحَسَنُ: يُؤْمِنُونَ، يَذَّكَّرُونَ: بِالياءِ فِيهِما. وباقِي السَّبْعَةِ بِتاءِ الخِطابِ. وأُبَيٌّ: بِياءَيْنِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَنْزِيلٌ) بِالرَّفْعِ. وأبُو السَّمّالِ: تَنْزِيلًا بِالنَّصْبِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ﴾ والتَّقَوُّلُ أنْ يَقُولَ الإنْسانُ عَنْ آخَرَ إنَّهُ قالَ شَيْئًا لَمْ يَقُلْهُ. وقَرَأ ذَكْوانُ وابْنُهُ مُحَمَّدٌ: يَقُولُ مُضارِعُ قالَ، وهَذِهِ القِراءَةُ مُعْتَرَضَةٌ بِما صَرَّحَتْ بِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ. وقُرِئَ: ولَوْ تُقُوِّلَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وحُذِفَ الفاعِلُ وقامَ المَفْعُولُ مَقامَهُ، وهو (بَعْضَ) إنْ كانَ قُرِئَ مَرْفُوعًا. وإنْ كانَ قُرِئَ مَنصُوبًا بِعَلَيْنا قامَ مَقامَ الفاعِلِ، والمَعْنى: ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا مُتَقَوِّلٌ. ولا يَكُونُ الضَّمِيرُ في تَقَوَّلَ عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ ﷺ لِاسْتِحالَةِ وُقُوعِ ذَلِكَ مِنهُ، فَنَحْنُ نَمْنَعُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ في حَقِّهِ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. والأقاوِيلُ جَمْعُ الجَمْعِ، وهو أقْوالٌ كَبَيْتٍ وأبْياتٍ وأبايِيتٍ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وسَمّى الأقْوالَ المَنقُولَةَ أقاوِيلَ تَصْغِيرًا لَها وتَحْقِيرًا، كَقَوْلِكَ: الأعاجِيبُ والأضاحِيكُ، كَأنَّها جَمْعُ أُفْعُولَةٍ مِنَ القَوْلِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (بِاليَمِينِ) المُرادُ بِهِ الجارِحَةُ. فَقالَ الحَسَنُ: المَعْنى قَطَعْناهُ عِبْرَةً ونَكالًا، والباءُ عَلى هَذا زائِدَةٌ. وقِيلَ: الأخْذُ عَلى ظاهِرِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى ولَوِ ادَّعى مُدَّعٍ عَلَيْنا شَيْئًا لَمْ نَقُلْهُ لَقَتَلْناهُ صَبْرًا، كَما تَفْعَلُ المُلُوكُ بِمَن يَتَكَذَّبُ عَلَيْهِمْ مُعاجَلَةً بِالسَّخَطِ والِانْتِقامِ، فَصَوَّرَ قَتْلَ الصَّبْرِ بِصُورَتِهِ لِيَكُونَ أهْوَلَ، وهو أنْ يُؤْخَذَ بِيَدِهِ وتُضْرَبَ رَقَبَتُهُ، وخُصَّ اليَمِينُ عَلى اليَسارِ؛ لِأنَّ القَتّالَ إذا أرادَ أنْ يُوقِعَ الضَّرْبَ في قَفاهُ أخَذَ بِيُسارُهُ، وإذا أرادَ أنْ يُوقِعَهُ في جِيدِهِ وأنْ يُلْحِفَهُ بِالسَّيْفِ، وهو أشَدُّ عَلى المَصْبُورِ لِنَظَرِهِ إلى السَّيْفِ، أُخِذَ بِيَمِينِهِ.
ومَعْنى ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾: لَأخَذْنا بِيَمِينِهِ، كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾: لَقَطَعْنا وتِينَهُ. انْتَهى، وهو قَوْلٌ لِلْمُتَقَدِّمِينَ حَسَّنَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِتَكْثِيرِ ألْفاظِهِ ومَصاغِها. قالُوا: المَعْنى لَأخَذْنا بِيَدِهِ الَّتِي هي اليَمِينُ عَلى جِهَةِ الإذْلالِ والصَّغارِ، كَما يَقُولُ السُّلْطانُ إذا أرادَ عُقُوبَةَ رَجُلٍ: يا غُلامُ خُذْ بِيَدِهِ وافْعَلْ كَذا، قالَهُ أوْ قَرِيبًا مِنهُ الطَّبَرِيُّ. وقِيلَ: اليَمِينُ هُنا مَجازٌ. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِاليَمِينِ: بِالقُوَّةِ، مَعْناهُ لَنِلْنا مِنهُ عِقابَهُ بِقُوَّةٍ مِنّا. وقالَ مُجاهِدٌ: بِالقُدْرَةِ. وقالَ السُّدِّيُّ: عاقَبْناهُ بِالحَقِّ ومَن عَلى هَذا صِلَةٌ. وقالَ نِفْطَوَيْهِ: لَقَبَضْنا بِيَمِينِهِ عَنِ التَّصَرُّفِ. وقِيلَ: لَنَزَعْنا مِنهُ قُوَّتَهُ. وقِيلَ: لَأذْلَلْناهُ وأعْجَزْناهُ.
﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهو نِياطُ القَلْبِ. وقالَ مُجاهِدٌ: حَبْلُ القَلْبِ الَّذِي في الظَّهْرِ وهو النُّخاعُ. والمَوْتُونُ الَّذِي قُطِعَ وتِينُهُ، والمَعْنى: لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا لَأذْهَبْنا حَياتَهُ مُعَجَّلًا، والضَّمِيرُ في عَنْهُ الظّاهِرُ أنَّهُ يَعُودُ عَلى الَّذِي تَقَوَّلَ، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى القَتْلِ، أيْ: لا يَقْدِرُ أحَدٌ مِنكم أنْ يَحْجِزَهُ عَنْ ذَلِكَ ويَدْفَعَهُ عَنْهُ، والخِطابُ في ”مِنكم“ لِلنّاسِ، والظّاهِرُ في (حاجِزِينَ) أنْ يَكُونَ خَبَرًا لِـ (ما) عَلى لُغَةِ الحِجازِ؛ لِأنَّ حاجِزِينَ هو مَحَطُّ الفائِدَةِ، ويَكُونُ ”مِنكم“ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً لِأحَدٍ، فَلَمّا تَقَدَّمَ صارَ حالًا، وفي جَوازِ هَذا نَظَرٌ. أوْ يَكُونُ لِلْبَيانِ، أوْ تَتَعَلَّقُ بِحاجِزِينَ، كَما تَقُولُ: ما فِيكَ زَيْدٌ راغِبًا، ولا يَمْنَعُ هَذا الفَصْلُ مِنَ انْتِصابِ خَبَرِ ”ما“ . وقالَ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ: ”حاجِزِينَ“ نَعْتٌ لِأحَدٍ عَلى اللَّفْظِ، وجُمِعَ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّهُ في مَعْنى الجَماعَةِ يَقَعُ في النَّفْيِ العامِّ لِلْواحِدِ والجَمْعِ والمُذَكِّرِ والمُؤَنَّثِ، ومِنهُ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] وقَوْلُهُ: ﴿لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢] مَثَّلَ بِهِما الزَّمَخْشَرِيُّ، وقَدْ تَكَلَّمْنا عَلى ذَيْنِكَ في مَوْضِعَيْهِما. وفي الحَدِيثِ: ”لَمْ تَحِلَّ لِأحَدٍ سُودِ الرُّؤُوسِ قَبْلَكم“ . وإذا كانَ ”حاجِزِينَ“ نَعْتًا فَـ ”مِن أحَدٍ“ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ ”مِنكم“، ويَضْعُفُ هَذا القَوْلُ؛ لِأنَّ النَّفْيَ يَتَسَلَّطُ عَلى الخَبَرِ وهو كَيْنُونَتُهُ ”مِنكم“، فَلا يَتَسَلَّطُ عَلى الحَجْزِ. وإذا كانَ (حاجِزِينَ) (p-٣٣٠)خَبَرًا. تَسَلَّطَ النَّفْيُ عَلَيْهِ وصارَ المَعْنى: ما أحَدٌ مِنكم يَحْجِزُهُ عَنْ ما يُرِيدُ بِهِ مِن ذَلِكَ.
﴿وإنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ﴾ أيْ: وإنَّ القُرْآنَ أوِ الرَّسُولَ، ﷺ .
﴿وإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾: وعِيدٌ، أيْ: مُكَذِّبِينَ بِالقُرْآنِ أوْ بِالرَّسُولِ، ﷺ .
﴿وإنَّهُ لَحَسْرَةٌ﴾ أيِ: القُرْآنُ مِن حَيْثُ كَفَرُوا بِهِ، ويَرَوْنَ مَن آمَنَ بِهِ يُنَعَّمُ وهم مُعَذَّبُونَ. وقالَ مُقاتِلٌ: وإنَّ تَكْذِيبَهم بِالقُرْآنِ لَحَسْرَةٌ عَلَيْهِمْ، عادَ الضَّمِيرُ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: (مُكَذِّبِينَ) كَقَوْلِهِ:
؎إذا نَهى السَّفِيهُ جَرى إلَيْهِ
أيْ: لِلسَّفَهِ. (وإنَّهُ) أيْ: وإنَّ القُرْآنَ ﴿لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ وسَبَقَ الكَلامُ عَلى إضافَةِ (حَقٍّ) إلى اليَقِينِ في آخِرِ الواقِعَةِ.
الحاقة 69:45
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ رتَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿وإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلى الكافِرِينَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ .
(p-٣٢٨)تَقَدَّمَ الكَلامُ في ”لا“ قَبْلَ القَسَمِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] وقِراءَةُ الحَسَنِ: لَأُقْسِمُ بِجَعْلِها لا ما دَخَلَتْ عَلى أقُسِمَ. وقِيلَ: ”لا“ هُنا نَفْيٌ لِلْقَسَمِ، أيْ: لا يَحْتاجُ في هَذا إلى قَسَمٍ لِوُضُوحِ الحَقِّ في ذَلِكَ، وعَلى هَذا فَجَوابُهُ جَوابُ القَسَمِ. قالَ مُقاتِلٌ: سَبَبُ ذَلِكَ أنَّ الوَلِيدَ قالَ: إنَّ مُحَمَّدًا ساحِرٌ، وقالَ أبُو جَهْلٍ: شاعِرٌ، وقالَ: كاهِنٌ. فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وما لا تُبْصِرُونَ﴾ عامٌّ في جَمِيعِ مَخْلُوقاتِهِ. وقالَ عَطاءٌ: ما تُبْصِرُونَ مِن آثارِ القُدْرَةِ، وما لا تُبْصِرُونَ مِن أسْرارِ القُدْرَةِ. وقِيلَ: ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾: المَلائِكَةُ. وقِيلَ: الأجْسادُ والأرْواحُ. (إنَّهُ) أيْ: إنَّ القُرْآنَ ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾: هو مُحَمَّدٌ ﷺ في قَوْلِ الأكْثَرِينَ، ويُؤَيِّدُهُ: ﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ﴾ وما بَعْدَهُ، ونَسَبَ القَوْلَ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ هو مُبَلِّغُهُ والعامِلُ بِهِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ ومُقاتِلٌ وابْنُ قُتَيْبَةَ: هو جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ هو الرَّسُولُ عَنِ اللَّهِ.
ونَفى تَعالى أنْ يَكُونَ قَوْلَ شاعِرٍ لِمُبايَنَتِهِ لِضُرُوبِ الشِّعْرِ. ولا قَوْلَ كاهِنٍ؛ لِأنَّهُ ورَدَ بِسَبَبِ الشَّياطِينِ. وانْتَصَبَ (قَلِيلًا) عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أوْ لِزَمانٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: تُؤْمِنُونَ إيمانًا قَلِيلًا أوْ زَمانًا قَلِيلًا. وكَذا التَّقْدِيرُ في: ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ والقِلَّةُ هو إقْرارُهم إذا سُئِلُوا مَن خَلَقَهم قالُوا: اللَّهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ونُصِبَ (قَلِيلًا) بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ (تُؤْمِنُونَ) وما تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ نافِيَةً فَيَنْتَفِي إيمانُهُمُ البَتَّةَ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ، والمُتَّصِفُ بِالقِلَّةِ هو الإيمانُ اللُّغَوِيُّ؛ لِأنَّهم قَدْ صَدَّقُوا بِأشْياءَ يَسِيرَةٍ لا تُغْنِي عَنْهم شَيْئًا، إذْ كانُوا يُصَدِّقُونَ أنَّ الخَيْرَ والصِّلَةَ والعَفافَ الَّذِي كانَ يَأْمُرُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هو حَقٌّ صَوابٌ. انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: ونُصِبَ ”قَلِيلًا“ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ تُؤْمِنُونَ فَلا يَصِحُّ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ الدّالَّ عَلَيْهِ (تُؤْمِنُونَ) إمّا أنْ تَكُونَ ما نافِيَةً أوْ مَصْدَرِيَّةً، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ. فَإنْ كانَتْ نافِيَةً، فَذَلِكَ الفِعْلُ المُضْمَرُ الدّالُّ عَلَيْهِ تُؤْمِنُونَ المَنفِيُّ بِما يَكُونُ مَنفِيًّا، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ما تُؤْمِنُونَ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ، والفِعْلُ المَنفِيُّ بِما لا يَجُوزُ حَذْفُهُ ولا حَذْفَ ما لا يَجُوزُ زَيْدًا ما أضْرَبَهُ، عَلى تَقْدِيرِ ما أضْرَبَ زَيْدًا ما أضْرَبَهُ، وإنْ كانَتْ مَصْدَرِيَّةً كانَتْ ”ما“ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِـ (قَلِيلًا) أيْ: قَلِيلًا إيمانُكم، ويَبْقى ”قَلِيلًا“ لا يَتَقَدَّمُهُ ما يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ حَتّى يَعْمَلَ ولا ناصِبَ لَهُ؛ وإمّا في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، فَيَكُونُ مُبْتَدَأً لا خَبَرَ لَهُ؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُ مَنصُوبٌ لا مَرْفُوعٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والقِلَّةُ في مَعْنى العَدَمِ، أيْ: لا تُؤْمِنُونَ ولا تَذَكَّرُونَ البَتَّةَ، والمَعْنى: ما أكْفَرَكم وما أغْفَلَكم. انْتَهى. ولا يُرادُ بِـ (قَلِيلًا) هُنا النَّفْيُ المَحْضُ، كَما زَعَمَ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في أقَلَّ، نَحْوُ: أقَلُّ رَجُلٍ يَقُولُ ذَلِكَ إلّا زَيْدًا، وفي قَلَّ نَحْوُ: قَلَّ رَجُلٌ يَقُولُ ذَلِكَ إلّا زَيْدًا. وقَدْ تُسْتَعْمَلُ في قَلِيلٍ وقَلِيلَةٍ إذا كانا مَرْفُوعَيْنِ، نَحْوُ ما جَوَّزُوا في قَوْلِهِ:
؎قَلِيلٍ بِها الأصْواتُ إلّا بُغامُها
أمّا إذا كانَ مَنصُوبًا نَحْوُ: قَلِيلًا ضَرَبْتُ، أوْ قَلِيلًا ما ضَرَبْتُ، عَلى أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَجُورُ؛ لِأنَّهُ في: قَلِيلًا ضَرَبْتُ (p-٣٢٩)مَنصُوبٌ بِـ (ضَرَبْتُ) ولَمْ تَسْتَعْمِلِ العَرَبُ قَلِيلًا إذا انْتَصَبَ بِالفِعْلِ نَفْيًا، بَلْ مُقابِلًا لِكَثِيرٍ. وأمّا في (قَلِيلًا ما ضَرَبْتُ) عَلى أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، فَتَحْتاجُ إلى رَفْعِ قَلِيلٍ؛ لِأنَّ ما المَصْدَرِيَّةُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ عَنْهُما. والجَحْدَرِيُّ والحَسَنُ: يُؤْمِنُونَ، يَذَّكَّرُونَ: بِالياءِ فِيهِما. وباقِي السَّبْعَةِ بِتاءِ الخِطابِ. وأُبَيٌّ: بِياءَيْنِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَنْزِيلٌ) بِالرَّفْعِ. وأبُو السَّمّالِ: تَنْزِيلًا بِالنَّصْبِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ﴾ والتَّقَوُّلُ أنْ يَقُولَ الإنْسانُ عَنْ آخَرَ إنَّهُ قالَ شَيْئًا لَمْ يَقُلْهُ. وقَرَأ ذَكْوانُ وابْنُهُ مُحَمَّدٌ: يَقُولُ مُضارِعُ قالَ، وهَذِهِ القِراءَةُ مُعْتَرَضَةٌ بِما صَرَّحَتْ بِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ. وقُرِئَ: ولَوْ تُقُوِّلَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وحُذِفَ الفاعِلُ وقامَ المَفْعُولُ مَقامَهُ، وهو (بَعْضَ) إنْ كانَ قُرِئَ مَرْفُوعًا. وإنْ كانَ قُرِئَ مَنصُوبًا بِعَلَيْنا قامَ مَقامَ الفاعِلِ، والمَعْنى: ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا مُتَقَوِّلٌ. ولا يَكُونُ الضَّمِيرُ في تَقَوَّلَ عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ ﷺ لِاسْتِحالَةِ وُقُوعِ ذَلِكَ مِنهُ، فَنَحْنُ نَمْنَعُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ في حَقِّهِ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. والأقاوِيلُ جَمْعُ الجَمْعِ، وهو أقْوالٌ كَبَيْتٍ وأبْياتٍ وأبايِيتٍ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وسَمّى الأقْوالَ المَنقُولَةَ أقاوِيلَ تَصْغِيرًا لَها وتَحْقِيرًا، كَقَوْلِكَ: الأعاجِيبُ والأضاحِيكُ، كَأنَّها جَمْعُ أُفْعُولَةٍ مِنَ القَوْلِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (بِاليَمِينِ) المُرادُ بِهِ الجارِحَةُ. فَقالَ الحَسَنُ: المَعْنى قَطَعْناهُ عِبْرَةً ونَكالًا، والباءُ عَلى هَذا زائِدَةٌ. وقِيلَ: الأخْذُ عَلى ظاهِرِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى ولَوِ ادَّعى مُدَّعٍ عَلَيْنا شَيْئًا لَمْ نَقُلْهُ لَقَتَلْناهُ صَبْرًا، كَما تَفْعَلُ المُلُوكُ بِمَن يَتَكَذَّبُ عَلَيْهِمْ مُعاجَلَةً بِالسَّخَطِ والِانْتِقامِ، فَصَوَّرَ قَتْلَ الصَّبْرِ بِصُورَتِهِ لِيَكُونَ أهْوَلَ، وهو أنْ يُؤْخَذَ بِيَدِهِ وتُضْرَبَ رَقَبَتُهُ، وخُصَّ اليَمِينُ عَلى اليَسارِ؛ لِأنَّ القَتّالَ إذا أرادَ أنْ يُوقِعَ الضَّرْبَ في قَفاهُ أخَذَ بِيُسارُهُ، وإذا أرادَ أنْ يُوقِعَهُ في جِيدِهِ وأنْ يُلْحِفَهُ بِالسَّيْفِ، وهو أشَدُّ عَلى المَصْبُورِ لِنَظَرِهِ إلى السَّيْفِ، أُخِذَ بِيَمِينِهِ.
ومَعْنى ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾: لَأخَذْنا بِيَمِينِهِ، كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾: لَقَطَعْنا وتِينَهُ. انْتَهى، وهو قَوْلٌ لِلْمُتَقَدِّمِينَ حَسَّنَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِتَكْثِيرِ ألْفاظِهِ ومَصاغِها. قالُوا: المَعْنى لَأخَذْنا بِيَدِهِ الَّتِي هي اليَمِينُ عَلى جِهَةِ الإذْلالِ والصَّغارِ، كَما يَقُولُ السُّلْطانُ إذا أرادَ عُقُوبَةَ رَجُلٍ: يا غُلامُ خُذْ بِيَدِهِ وافْعَلْ كَذا، قالَهُ أوْ قَرِيبًا مِنهُ الطَّبَرِيُّ. وقِيلَ: اليَمِينُ هُنا مَجازٌ. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِاليَمِينِ: بِالقُوَّةِ، مَعْناهُ لَنِلْنا مِنهُ عِقابَهُ بِقُوَّةٍ مِنّا. وقالَ مُجاهِدٌ: بِالقُدْرَةِ. وقالَ السُّدِّيُّ: عاقَبْناهُ بِالحَقِّ ومَن عَلى هَذا صِلَةٌ. وقالَ نِفْطَوَيْهِ: لَقَبَضْنا بِيَمِينِهِ عَنِ التَّصَرُّفِ. وقِيلَ: لَنَزَعْنا مِنهُ قُوَّتَهُ. وقِيلَ: لَأذْلَلْناهُ وأعْجَزْناهُ.
﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهو نِياطُ القَلْبِ. وقالَ مُجاهِدٌ: حَبْلُ القَلْبِ الَّذِي في الظَّهْرِ وهو النُّخاعُ. والمَوْتُونُ الَّذِي قُطِعَ وتِينُهُ، والمَعْنى: لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا لَأذْهَبْنا حَياتَهُ مُعَجَّلًا، والضَّمِيرُ في عَنْهُ الظّاهِرُ أنَّهُ يَعُودُ عَلى الَّذِي تَقَوَّلَ، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى القَتْلِ، أيْ: لا يَقْدِرُ أحَدٌ مِنكم أنْ يَحْجِزَهُ عَنْ ذَلِكَ ويَدْفَعَهُ عَنْهُ، والخِطابُ في ”مِنكم“ لِلنّاسِ، والظّاهِرُ في (حاجِزِينَ) أنْ يَكُونَ خَبَرًا لِـ (ما) عَلى لُغَةِ الحِجازِ؛ لِأنَّ حاجِزِينَ هو مَحَطُّ الفائِدَةِ، ويَكُونُ ”مِنكم“ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً لِأحَدٍ، فَلَمّا تَقَدَّمَ صارَ حالًا، وفي جَوازِ هَذا نَظَرٌ. أوْ يَكُونُ لِلْبَيانِ، أوْ تَتَعَلَّقُ بِحاجِزِينَ، كَما تَقُولُ: ما فِيكَ زَيْدٌ راغِبًا، ولا يَمْنَعُ هَذا الفَصْلُ مِنَ انْتِصابِ خَبَرِ ”ما“ . وقالَ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ: ”حاجِزِينَ“ نَعْتٌ لِأحَدٍ عَلى اللَّفْظِ، وجُمِعَ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّهُ في مَعْنى الجَماعَةِ يَقَعُ في النَّفْيِ العامِّ لِلْواحِدِ والجَمْعِ والمُذَكِّرِ والمُؤَنَّثِ، ومِنهُ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] وقَوْلُهُ: ﴿لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢] مَثَّلَ بِهِما الزَّمَخْشَرِيُّ، وقَدْ تَكَلَّمْنا عَلى ذَيْنِكَ في مَوْضِعَيْهِما. وفي الحَدِيثِ: ”لَمْ تَحِلَّ لِأحَدٍ سُودِ الرُّؤُوسِ قَبْلَكم“ . وإذا كانَ ”حاجِزِينَ“ نَعْتًا فَـ ”مِن أحَدٍ“ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ ”مِنكم“، ويَضْعُفُ هَذا القَوْلُ؛ لِأنَّ النَّفْيَ يَتَسَلَّطُ عَلى الخَبَرِ وهو كَيْنُونَتُهُ ”مِنكم“، فَلا يَتَسَلَّطُ عَلى الحَجْزِ. وإذا كانَ (حاجِزِينَ) (p-٣٣٠)خَبَرًا. تَسَلَّطَ النَّفْيُ عَلَيْهِ وصارَ المَعْنى: ما أحَدٌ مِنكم يَحْجِزُهُ عَنْ ما يُرِيدُ بِهِ مِن ذَلِكَ.
﴿وإنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ﴾ أيْ: وإنَّ القُرْآنَ أوِ الرَّسُولَ، ﷺ .
﴿وإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾: وعِيدٌ، أيْ: مُكَذِّبِينَ بِالقُرْآنِ أوْ بِالرَّسُولِ، ﷺ .
﴿وإنَّهُ لَحَسْرَةٌ﴾ أيِ: القُرْآنُ مِن حَيْثُ كَفَرُوا بِهِ، ويَرَوْنَ مَن آمَنَ بِهِ يُنَعَّمُ وهم مُعَذَّبُونَ. وقالَ مُقاتِلٌ: وإنَّ تَكْذِيبَهم بِالقُرْآنِ لَحَسْرَةٌ عَلَيْهِمْ، عادَ الضَّمِيرُ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: (مُكَذِّبِينَ) كَقَوْلِهِ:
؎إذا نَهى السَّفِيهُ جَرى إلَيْهِ
أيْ: لِلسَّفَهِ. (وإنَّهُ) أيْ: وإنَّ القُرْآنَ ﴿لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ وسَبَقَ الكَلامُ عَلى إضافَةِ (حَقٍّ) إلى اليَقِينِ في آخِرِ الواقِعَةِ.
الحاقة 69:46
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ رتَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿وإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلى الكافِرِينَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ .
(p-٣٢٨)تَقَدَّمَ الكَلامُ في ”لا“ قَبْلَ القَسَمِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] وقِراءَةُ الحَسَنِ: لَأُقْسِمُ بِجَعْلِها لا ما دَخَلَتْ عَلى أقُسِمَ. وقِيلَ: ”لا“ هُنا نَفْيٌ لِلْقَسَمِ، أيْ: لا يَحْتاجُ في هَذا إلى قَسَمٍ لِوُضُوحِ الحَقِّ في ذَلِكَ، وعَلى هَذا فَجَوابُهُ جَوابُ القَسَمِ. قالَ مُقاتِلٌ: سَبَبُ ذَلِكَ أنَّ الوَلِيدَ قالَ: إنَّ مُحَمَّدًا ساحِرٌ، وقالَ أبُو جَهْلٍ: شاعِرٌ، وقالَ: كاهِنٌ. فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وما لا تُبْصِرُونَ﴾ عامٌّ في جَمِيعِ مَخْلُوقاتِهِ. وقالَ عَطاءٌ: ما تُبْصِرُونَ مِن آثارِ القُدْرَةِ، وما لا تُبْصِرُونَ مِن أسْرارِ القُدْرَةِ. وقِيلَ: ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾: المَلائِكَةُ. وقِيلَ: الأجْسادُ والأرْواحُ. (إنَّهُ) أيْ: إنَّ القُرْآنَ ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾: هو مُحَمَّدٌ ﷺ في قَوْلِ الأكْثَرِينَ، ويُؤَيِّدُهُ: ﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ﴾ وما بَعْدَهُ، ونَسَبَ القَوْلَ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ هو مُبَلِّغُهُ والعامِلُ بِهِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ ومُقاتِلٌ وابْنُ قُتَيْبَةَ: هو جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ هو الرَّسُولُ عَنِ اللَّهِ.
ونَفى تَعالى أنْ يَكُونَ قَوْلَ شاعِرٍ لِمُبايَنَتِهِ لِضُرُوبِ الشِّعْرِ. ولا قَوْلَ كاهِنٍ؛ لِأنَّهُ ورَدَ بِسَبَبِ الشَّياطِينِ. وانْتَصَبَ (قَلِيلًا) عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أوْ لِزَمانٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: تُؤْمِنُونَ إيمانًا قَلِيلًا أوْ زَمانًا قَلِيلًا. وكَذا التَّقْدِيرُ في: ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ والقِلَّةُ هو إقْرارُهم إذا سُئِلُوا مَن خَلَقَهم قالُوا: اللَّهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ونُصِبَ (قَلِيلًا) بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ (تُؤْمِنُونَ) وما تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ نافِيَةً فَيَنْتَفِي إيمانُهُمُ البَتَّةَ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ، والمُتَّصِفُ بِالقِلَّةِ هو الإيمانُ اللُّغَوِيُّ؛ لِأنَّهم قَدْ صَدَّقُوا بِأشْياءَ يَسِيرَةٍ لا تُغْنِي عَنْهم شَيْئًا، إذْ كانُوا يُصَدِّقُونَ أنَّ الخَيْرَ والصِّلَةَ والعَفافَ الَّذِي كانَ يَأْمُرُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هو حَقٌّ صَوابٌ. انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: ونُصِبَ ”قَلِيلًا“ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ تُؤْمِنُونَ فَلا يَصِحُّ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ الدّالَّ عَلَيْهِ (تُؤْمِنُونَ) إمّا أنْ تَكُونَ ما نافِيَةً أوْ مَصْدَرِيَّةً، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ. فَإنْ كانَتْ نافِيَةً، فَذَلِكَ الفِعْلُ المُضْمَرُ الدّالُّ عَلَيْهِ تُؤْمِنُونَ المَنفِيُّ بِما يَكُونُ مَنفِيًّا، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ما تُؤْمِنُونَ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ، والفِعْلُ المَنفِيُّ بِما لا يَجُوزُ حَذْفُهُ ولا حَذْفَ ما لا يَجُوزُ زَيْدًا ما أضْرَبَهُ، عَلى تَقْدِيرِ ما أضْرَبَ زَيْدًا ما أضْرَبَهُ، وإنْ كانَتْ مَصْدَرِيَّةً كانَتْ ”ما“ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِـ (قَلِيلًا) أيْ: قَلِيلًا إيمانُكم، ويَبْقى ”قَلِيلًا“ لا يَتَقَدَّمُهُ ما يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ حَتّى يَعْمَلَ ولا ناصِبَ لَهُ؛ وإمّا في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، فَيَكُونُ مُبْتَدَأً لا خَبَرَ لَهُ؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُ مَنصُوبٌ لا مَرْفُوعٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والقِلَّةُ في مَعْنى العَدَمِ، أيْ: لا تُؤْمِنُونَ ولا تَذَكَّرُونَ البَتَّةَ، والمَعْنى: ما أكْفَرَكم وما أغْفَلَكم. انْتَهى. ولا يُرادُ بِـ (قَلِيلًا) هُنا النَّفْيُ المَحْضُ، كَما زَعَمَ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في أقَلَّ، نَحْوُ: أقَلُّ رَجُلٍ يَقُولُ ذَلِكَ إلّا زَيْدًا، وفي قَلَّ نَحْوُ: قَلَّ رَجُلٌ يَقُولُ ذَلِكَ إلّا زَيْدًا. وقَدْ تُسْتَعْمَلُ في قَلِيلٍ وقَلِيلَةٍ إذا كانا مَرْفُوعَيْنِ، نَحْوُ ما جَوَّزُوا في قَوْلِهِ:
؎قَلِيلٍ بِها الأصْواتُ إلّا بُغامُها
أمّا إذا كانَ مَنصُوبًا نَحْوُ: قَلِيلًا ضَرَبْتُ، أوْ قَلِيلًا ما ضَرَبْتُ، عَلى أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَجُورُ؛ لِأنَّهُ في: قَلِيلًا ضَرَبْتُ (p-٣٢٩)مَنصُوبٌ بِـ (ضَرَبْتُ) ولَمْ تَسْتَعْمِلِ العَرَبُ قَلِيلًا إذا انْتَصَبَ بِالفِعْلِ نَفْيًا، بَلْ مُقابِلًا لِكَثِيرٍ. وأمّا في (قَلِيلًا ما ضَرَبْتُ) عَلى أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، فَتَحْتاجُ إلى رَفْعِ قَلِيلٍ؛ لِأنَّ ما المَصْدَرِيَّةُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ عَنْهُما. والجَحْدَرِيُّ والحَسَنُ: يُؤْمِنُونَ، يَذَّكَّرُونَ: بِالياءِ فِيهِما. وباقِي السَّبْعَةِ بِتاءِ الخِطابِ. وأُبَيٌّ: بِياءَيْنِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَنْزِيلٌ) بِالرَّفْعِ. وأبُو السَّمّالِ: تَنْزِيلًا بِالنَّصْبِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ﴾ والتَّقَوُّلُ أنْ يَقُولَ الإنْسانُ عَنْ آخَرَ إنَّهُ قالَ شَيْئًا لَمْ يَقُلْهُ. وقَرَأ ذَكْوانُ وابْنُهُ مُحَمَّدٌ: يَقُولُ مُضارِعُ قالَ، وهَذِهِ القِراءَةُ مُعْتَرَضَةٌ بِما صَرَّحَتْ بِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ. وقُرِئَ: ولَوْ تُقُوِّلَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وحُذِفَ الفاعِلُ وقامَ المَفْعُولُ مَقامَهُ، وهو (بَعْضَ) إنْ كانَ قُرِئَ مَرْفُوعًا. وإنْ كانَ قُرِئَ مَنصُوبًا بِعَلَيْنا قامَ مَقامَ الفاعِلِ، والمَعْنى: ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا مُتَقَوِّلٌ. ولا يَكُونُ الضَّمِيرُ في تَقَوَّلَ عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ ﷺ لِاسْتِحالَةِ وُقُوعِ ذَلِكَ مِنهُ، فَنَحْنُ نَمْنَعُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ في حَقِّهِ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. والأقاوِيلُ جَمْعُ الجَمْعِ، وهو أقْوالٌ كَبَيْتٍ وأبْياتٍ وأبايِيتٍ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وسَمّى الأقْوالَ المَنقُولَةَ أقاوِيلَ تَصْغِيرًا لَها وتَحْقِيرًا، كَقَوْلِكَ: الأعاجِيبُ والأضاحِيكُ، كَأنَّها جَمْعُ أُفْعُولَةٍ مِنَ القَوْلِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (بِاليَمِينِ) المُرادُ بِهِ الجارِحَةُ. فَقالَ الحَسَنُ: المَعْنى قَطَعْناهُ عِبْرَةً ونَكالًا، والباءُ عَلى هَذا زائِدَةٌ. وقِيلَ: الأخْذُ عَلى ظاهِرِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى ولَوِ ادَّعى مُدَّعٍ عَلَيْنا شَيْئًا لَمْ نَقُلْهُ لَقَتَلْناهُ صَبْرًا، كَما تَفْعَلُ المُلُوكُ بِمَن يَتَكَذَّبُ عَلَيْهِمْ مُعاجَلَةً بِالسَّخَطِ والِانْتِقامِ، فَصَوَّرَ قَتْلَ الصَّبْرِ بِصُورَتِهِ لِيَكُونَ أهْوَلَ، وهو أنْ يُؤْخَذَ بِيَدِهِ وتُضْرَبَ رَقَبَتُهُ، وخُصَّ اليَمِينُ عَلى اليَسارِ؛ لِأنَّ القَتّالَ إذا أرادَ أنْ يُوقِعَ الضَّرْبَ في قَفاهُ أخَذَ بِيُسارُهُ، وإذا أرادَ أنْ يُوقِعَهُ في جِيدِهِ وأنْ يُلْحِفَهُ بِالسَّيْفِ، وهو أشَدُّ عَلى المَصْبُورِ لِنَظَرِهِ إلى السَّيْفِ، أُخِذَ بِيَمِينِهِ.
ومَعْنى ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾: لَأخَذْنا بِيَمِينِهِ، كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾: لَقَطَعْنا وتِينَهُ. انْتَهى، وهو قَوْلٌ لِلْمُتَقَدِّمِينَ حَسَّنَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِتَكْثِيرِ ألْفاظِهِ ومَصاغِها. قالُوا: المَعْنى لَأخَذْنا بِيَدِهِ الَّتِي هي اليَمِينُ عَلى جِهَةِ الإذْلالِ والصَّغارِ، كَما يَقُولُ السُّلْطانُ إذا أرادَ عُقُوبَةَ رَجُلٍ: يا غُلامُ خُذْ بِيَدِهِ وافْعَلْ كَذا، قالَهُ أوْ قَرِيبًا مِنهُ الطَّبَرِيُّ. وقِيلَ: اليَمِينُ هُنا مَجازٌ. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِاليَمِينِ: بِالقُوَّةِ، مَعْناهُ لَنِلْنا مِنهُ عِقابَهُ بِقُوَّةٍ مِنّا. وقالَ مُجاهِدٌ: بِالقُدْرَةِ. وقالَ السُّدِّيُّ: عاقَبْناهُ بِالحَقِّ ومَن عَلى هَذا صِلَةٌ. وقالَ نِفْطَوَيْهِ: لَقَبَضْنا بِيَمِينِهِ عَنِ التَّصَرُّفِ. وقِيلَ: لَنَزَعْنا مِنهُ قُوَّتَهُ. وقِيلَ: لَأذْلَلْناهُ وأعْجَزْناهُ.
﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهو نِياطُ القَلْبِ. وقالَ مُجاهِدٌ: حَبْلُ القَلْبِ الَّذِي في الظَّهْرِ وهو النُّخاعُ. والمَوْتُونُ الَّذِي قُطِعَ وتِينُهُ، والمَعْنى: لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا لَأذْهَبْنا حَياتَهُ مُعَجَّلًا، والضَّمِيرُ في عَنْهُ الظّاهِرُ أنَّهُ يَعُودُ عَلى الَّذِي تَقَوَّلَ، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى القَتْلِ، أيْ: لا يَقْدِرُ أحَدٌ مِنكم أنْ يَحْجِزَهُ عَنْ ذَلِكَ ويَدْفَعَهُ عَنْهُ، والخِطابُ في ”مِنكم“ لِلنّاسِ، والظّاهِرُ في (حاجِزِينَ) أنْ يَكُونَ خَبَرًا لِـ (ما) عَلى لُغَةِ الحِجازِ؛ لِأنَّ حاجِزِينَ هو مَحَطُّ الفائِدَةِ، ويَكُونُ ”مِنكم“ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً لِأحَدٍ، فَلَمّا تَقَدَّمَ صارَ حالًا، وفي جَوازِ هَذا نَظَرٌ. أوْ يَكُونُ لِلْبَيانِ، أوْ تَتَعَلَّقُ بِحاجِزِينَ، كَما تَقُولُ: ما فِيكَ زَيْدٌ راغِبًا، ولا يَمْنَعُ هَذا الفَصْلُ مِنَ انْتِصابِ خَبَرِ ”ما“ . وقالَ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ: ”حاجِزِينَ“ نَعْتٌ لِأحَدٍ عَلى اللَّفْظِ، وجُمِعَ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّهُ في مَعْنى الجَماعَةِ يَقَعُ في النَّفْيِ العامِّ لِلْواحِدِ والجَمْعِ والمُذَكِّرِ والمُؤَنَّثِ، ومِنهُ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] وقَوْلُهُ: ﴿لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢] مَثَّلَ بِهِما الزَّمَخْشَرِيُّ، وقَدْ تَكَلَّمْنا عَلى ذَيْنِكَ في مَوْضِعَيْهِما. وفي الحَدِيثِ: ”لَمْ تَحِلَّ لِأحَدٍ سُودِ الرُّؤُوسِ قَبْلَكم“ . وإذا كانَ ”حاجِزِينَ“ نَعْتًا فَـ ”مِن أحَدٍ“ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ ”مِنكم“، ويَضْعُفُ هَذا القَوْلُ؛ لِأنَّ النَّفْيَ يَتَسَلَّطُ عَلى الخَبَرِ وهو كَيْنُونَتُهُ ”مِنكم“، فَلا يَتَسَلَّطُ عَلى الحَجْزِ. وإذا كانَ (حاجِزِينَ) (p-٣٣٠)خَبَرًا. تَسَلَّطَ النَّفْيُ عَلَيْهِ وصارَ المَعْنى: ما أحَدٌ مِنكم يَحْجِزُهُ عَنْ ما يُرِيدُ بِهِ مِن ذَلِكَ.
﴿وإنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ﴾ أيْ: وإنَّ القُرْآنَ أوِ الرَّسُولَ، ﷺ .
﴿وإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾: وعِيدٌ، أيْ: مُكَذِّبِينَ بِالقُرْآنِ أوْ بِالرَّسُولِ، ﷺ .
﴿وإنَّهُ لَحَسْرَةٌ﴾ أيِ: القُرْآنُ مِن حَيْثُ كَفَرُوا بِهِ، ويَرَوْنَ مَن آمَنَ بِهِ يُنَعَّمُ وهم مُعَذَّبُونَ. وقالَ مُقاتِلٌ: وإنَّ تَكْذِيبَهم بِالقُرْآنِ لَحَسْرَةٌ عَلَيْهِمْ، عادَ الضَّمِيرُ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: (مُكَذِّبِينَ) كَقَوْلِهِ:
؎إذا نَهى السَّفِيهُ جَرى إلَيْهِ
أيْ: لِلسَّفَهِ. (وإنَّهُ) أيْ: وإنَّ القُرْآنَ ﴿لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ وسَبَقَ الكَلامُ عَلى إضافَةِ (حَقٍّ) إلى اليَقِينِ في آخِرِ الواقِعَةِ.
الحاقة 69:47
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ رتَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿وإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلى الكافِرِينَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ .
(p-٣٢٨)تَقَدَّمَ الكَلامُ في ”لا“ قَبْلَ القَسَمِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] وقِراءَةُ الحَسَنِ: لَأُقْسِمُ بِجَعْلِها لا ما دَخَلَتْ عَلى أقُسِمَ. وقِيلَ: ”لا“ هُنا نَفْيٌ لِلْقَسَمِ، أيْ: لا يَحْتاجُ في هَذا إلى قَسَمٍ لِوُضُوحِ الحَقِّ في ذَلِكَ، وعَلى هَذا فَجَوابُهُ جَوابُ القَسَمِ. قالَ مُقاتِلٌ: سَبَبُ ذَلِكَ أنَّ الوَلِيدَ قالَ: إنَّ مُحَمَّدًا ساحِرٌ، وقالَ أبُو جَهْلٍ: شاعِرٌ، وقالَ: كاهِنٌ. فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وما لا تُبْصِرُونَ﴾ عامٌّ في جَمِيعِ مَخْلُوقاتِهِ. وقالَ عَطاءٌ: ما تُبْصِرُونَ مِن آثارِ القُدْرَةِ، وما لا تُبْصِرُونَ مِن أسْرارِ القُدْرَةِ. وقِيلَ: ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾: المَلائِكَةُ. وقِيلَ: الأجْسادُ والأرْواحُ. (إنَّهُ) أيْ: إنَّ القُرْآنَ ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾: هو مُحَمَّدٌ ﷺ في قَوْلِ الأكْثَرِينَ، ويُؤَيِّدُهُ: ﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ﴾ وما بَعْدَهُ، ونَسَبَ القَوْلَ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ هو مُبَلِّغُهُ والعامِلُ بِهِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ ومُقاتِلٌ وابْنُ قُتَيْبَةَ: هو جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ هو الرَّسُولُ عَنِ اللَّهِ.
ونَفى تَعالى أنْ يَكُونَ قَوْلَ شاعِرٍ لِمُبايَنَتِهِ لِضُرُوبِ الشِّعْرِ. ولا قَوْلَ كاهِنٍ؛ لِأنَّهُ ورَدَ بِسَبَبِ الشَّياطِينِ. وانْتَصَبَ (قَلِيلًا) عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أوْ لِزَمانٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: تُؤْمِنُونَ إيمانًا قَلِيلًا أوْ زَمانًا قَلِيلًا. وكَذا التَّقْدِيرُ في: ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ والقِلَّةُ هو إقْرارُهم إذا سُئِلُوا مَن خَلَقَهم قالُوا: اللَّهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ونُصِبَ (قَلِيلًا) بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ (تُؤْمِنُونَ) وما تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ نافِيَةً فَيَنْتَفِي إيمانُهُمُ البَتَّةَ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ، والمُتَّصِفُ بِالقِلَّةِ هو الإيمانُ اللُّغَوِيُّ؛ لِأنَّهم قَدْ صَدَّقُوا بِأشْياءَ يَسِيرَةٍ لا تُغْنِي عَنْهم شَيْئًا، إذْ كانُوا يُصَدِّقُونَ أنَّ الخَيْرَ والصِّلَةَ والعَفافَ الَّذِي كانَ يَأْمُرُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هو حَقٌّ صَوابٌ. انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: ونُصِبَ ”قَلِيلًا“ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ تُؤْمِنُونَ فَلا يَصِحُّ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ الدّالَّ عَلَيْهِ (تُؤْمِنُونَ) إمّا أنْ تَكُونَ ما نافِيَةً أوْ مَصْدَرِيَّةً، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ. فَإنْ كانَتْ نافِيَةً، فَذَلِكَ الفِعْلُ المُضْمَرُ الدّالُّ عَلَيْهِ تُؤْمِنُونَ المَنفِيُّ بِما يَكُونُ مَنفِيًّا، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ما تُؤْمِنُونَ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ، والفِعْلُ المَنفِيُّ بِما لا يَجُوزُ حَذْفُهُ ولا حَذْفَ ما لا يَجُوزُ زَيْدًا ما أضْرَبَهُ، عَلى تَقْدِيرِ ما أضْرَبَ زَيْدًا ما أضْرَبَهُ، وإنْ كانَتْ مَصْدَرِيَّةً كانَتْ ”ما“ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِـ (قَلِيلًا) أيْ: قَلِيلًا إيمانُكم، ويَبْقى ”قَلِيلًا“ لا يَتَقَدَّمُهُ ما يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ حَتّى يَعْمَلَ ولا ناصِبَ لَهُ؛ وإمّا في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، فَيَكُونُ مُبْتَدَأً لا خَبَرَ لَهُ؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُ مَنصُوبٌ لا مَرْفُوعٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والقِلَّةُ في مَعْنى العَدَمِ، أيْ: لا تُؤْمِنُونَ ولا تَذَكَّرُونَ البَتَّةَ، والمَعْنى: ما أكْفَرَكم وما أغْفَلَكم. انْتَهى. ولا يُرادُ بِـ (قَلِيلًا) هُنا النَّفْيُ المَحْضُ، كَما زَعَمَ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في أقَلَّ، نَحْوُ: أقَلُّ رَجُلٍ يَقُولُ ذَلِكَ إلّا زَيْدًا، وفي قَلَّ نَحْوُ: قَلَّ رَجُلٌ يَقُولُ ذَلِكَ إلّا زَيْدًا. وقَدْ تُسْتَعْمَلُ في قَلِيلٍ وقَلِيلَةٍ إذا كانا مَرْفُوعَيْنِ، نَحْوُ ما جَوَّزُوا في قَوْلِهِ:
؎قَلِيلٍ بِها الأصْواتُ إلّا بُغامُها
أمّا إذا كانَ مَنصُوبًا نَحْوُ: قَلِيلًا ضَرَبْتُ، أوْ قَلِيلًا ما ضَرَبْتُ، عَلى أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَجُورُ؛ لِأنَّهُ في: قَلِيلًا ضَرَبْتُ (p-٣٢٩)مَنصُوبٌ بِـ (ضَرَبْتُ) ولَمْ تَسْتَعْمِلِ العَرَبُ قَلِيلًا إذا انْتَصَبَ بِالفِعْلِ نَفْيًا، بَلْ مُقابِلًا لِكَثِيرٍ. وأمّا في (قَلِيلًا ما ضَرَبْتُ) عَلى أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، فَتَحْتاجُ إلى رَفْعِ قَلِيلٍ؛ لِأنَّ ما المَصْدَرِيَّةُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ عَنْهُما. والجَحْدَرِيُّ والحَسَنُ: يُؤْمِنُونَ، يَذَّكَّرُونَ: بِالياءِ فِيهِما. وباقِي السَّبْعَةِ بِتاءِ الخِطابِ. وأُبَيٌّ: بِياءَيْنِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَنْزِيلٌ) بِالرَّفْعِ. وأبُو السَّمّالِ: تَنْزِيلًا بِالنَّصْبِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ﴾ والتَّقَوُّلُ أنْ يَقُولَ الإنْسانُ عَنْ آخَرَ إنَّهُ قالَ شَيْئًا لَمْ يَقُلْهُ. وقَرَأ ذَكْوانُ وابْنُهُ مُحَمَّدٌ: يَقُولُ مُضارِعُ قالَ، وهَذِهِ القِراءَةُ مُعْتَرَضَةٌ بِما صَرَّحَتْ بِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ. وقُرِئَ: ولَوْ تُقُوِّلَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وحُذِفَ الفاعِلُ وقامَ المَفْعُولُ مَقامَهُ، وهو (بَعْضَ) إنْ كانَ قُرِئَ مَرْفُوعًا. وإنْ كانَ قُرِئَ مَنصُوبًا بِعَلَيْنا قامَ مَقامَ الفاعِلِ، والمَعْنى: ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا مُتَقَوِّلٌ. ولا يَكُونُ الضَّمِيرُ في تَقَوَّلَ عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ ﷺ لِاسْتِحالَةِ وُقُوعِ ذَلِكَ مِنهُ، فَنَحْنُ نَمْنَعُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ في حَقِّهِ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. والأقاوِيلُ جَمْعُ الجَمْعِ، وهو أقْوالٌ كَبَيْتٍ وأبْياتٍ وأبايِيتٍ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وسَمّى الأقْوالَ المَنقُولَةَ أقاوِيلَ تَصْغِيرًا لَها وتَحْقِيرًا، كَقَوْلِكَ: الأعاجِيبُ والأضاحِيكُ، كَأنَّها جَمْعُ أُفْعُولَةٍ مِنَ القَوْلِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (بِاليَمِينِ) المُرادُ بِهِ الجارِحَةُ. فَقالَ الحَسَنُ: المَعْنى قَطَعْناهُ عِبْرَةً ونَكالًا، والباءُ عَلى هَذا زائِدَةٌ. وقِيلَ: الأخْذُ عَلى ظاهِرِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى ولَوِ ادَّعى مُدَّعٍ عَلَيْنا شَيْئًا لَمْ نَقُلْهُ لَقَتَلْناهُ صَبْرًا، كَما تَفْعَلُ المُلُوكُ بِمَن يَتَكَذَّبُ عَلَيْهِمْ مُعاجَلَةً بِالسَّخَطِ والِانْتِقامِ، فَصَوَّرَ قَتْلَ الصَّبْرِ بِصُورَتِهِ لِيَكُونَ أهْوَلَ، وهو أنْ يُؤْخَذَ بِيَدِهِ وتُضْرَبَ رَقَبَتُهُ، وخُصَّ اليَمِينُ عَلى اليَسارِ؛ لِأنَّ القَتّالَ إذا أرادَ أنْ يُوقِعَ الضَّرْبَ في قَفاهُ أخَذَ بِيُسارُهُ، وإذا أرادَ أنْ يُوقِعَهُ في جِيدِهِ وأنْ يُلْحِفَهُ بِالسَّيْفِ، وهو أشَدُّ عَلى المَصْبُورِ لِنَظَرِهِ إلى السَّيْفِ، أُخِذَ بِيَمِينِهِ.
ومَعْنى ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾: لَأخَذْنا بِيَمِينِهِ، كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾: لَقَطَعْنا وتِينَهُ. انْتَهى، وهو قَوْلٌ لِلْمُتَقَدِّمِينَ حَسَّنَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِتَكْثِيرِ ألْفاظِهِ ومَصاغِها. قالُوا: المَعْنى لَأخَذْنا بِيَدِهِ الَّتِي هي اليَمِينُ عَلى جِهَةِ الإذْلالِ والصَّغارِ، كَما يَقُولُ السُّلْطانُ إذا أرادَ عُقُوبَةَ رَجُلٍ: يا غُلامُ خُذْ بِيَدِهِ وافْعَلْ كَذا، قالَهُ أوْ قَرِيبًا مِنهُ الطَّبَرِيُّ. وقِيلَ: اليَمِينُ هُنا مَجازٌ. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِاليَمِينِ: بِالقُوَّةِ، مَعْناهُ لَنِلْنا مِنهُ عِقابَهُ بِقُوَّةٍ مِنّا. وقالَ مُجاهِدٌ: بِالقُدْرَةِ. وقالَ السُّدِّيُّ: عاقَبْناهُ بِالحَقِّ ومَن عَلى هَذا صِلَةٌ. وقالَ نِفْطَوَيْهِ: لَقَبَضْنا بِيَمِينِهِ عَنِ التَّصَرُّفِ. وقِيلَ: لَنَزَعْنا مِنهُ قُوَّتَهُ. وقِيلَ: لَأذْلَلْناهُ وأعْجَزْناهُ.
﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهو نِياطُ القَلْبِ. وقالَ مُجاهِدٌ: حَبْلُ القَلْبِ الَّذِي في الظَّهْرِ وهو النُّخاعُ. والمَوْتُونُ الَّذِي قُطِعَ وتِينُهُ، والمَعْنى: لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا لَأذْهَبْنا حَياتَهُ مُعَجَّلًا، والضَّمِيرُ في عَنْهُ الظّاهِرُ أنَّهُ يَعُودُ عَلى الَّذِي تَقَوَّلَ، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى القَتْلِ، أيْ: لا يَقْدِرُ أحَدٌ مِنكم أنْ يَحْجِزَهُ عَنْ ذَلِكَ ويَدْفَعَهُ عَنْهُ، والخِطابُ في ”مِنكم“ لِلنّاسِ، والظّاهِرُ في (حاجِزِينَ) أنْ يَكُونَ خَبَرًا لِـ (ما) عَلى لُغَةِ الحِجازِ؛ لِأنَّ حاجِزِينَ هو مَحَطُّ الفائِدَةِ، ويَكُونُ ”مِنكم“ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً لِأحَدٍ، فَلَمّا تَقَدَّمَ صارَ حالًا، وفي جَوازِ هَذا نَظَرٌ. أوْ يَكُونُ لِلْبَيانِ، أوْ تَتَعَلَّقُ بِحاجِزِينَ، كَما تَقُولُ: ما فِيكَ زَيْدٌ راغِبًا، ولا يَمْنَعُ هَذا الفَصْلُ مِنَ انْتِصابِ خَبَرِ ”ما“ . وقالَ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ: ”حاجِزِينَ“ نَعْتٌ لِأحَدٍ عَلى اللَّفْظِ، وجُمِعَ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّهُ في مَعْنى الجَماعَةِ يَقَعُ في النَّفْيِ العامِّ لِلْواحِدِ والجَمْعِ والمُذَكِّرِ والمُؤَنَّثِ، ومِنهُ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] وقَوْلُهُ: ﴿لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢] مَثَّلَ بِهِما الزَّمَخْشَرِيُّ، وقَدْ تَكَلَّمْنا عَلى ذَيْنِكَ في مَوْضِعَيْهِما. وفي الحَدِيثِ: ”لَمْ تَحِلَّ لِأحَدٍ سُودِ الرُّؤُوسِ قَبْلَكم“ . وإذا كانَ ”حاجِزِينَ“ نَعْتًا فَـ ”مِن أحَدٍ“ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ ”مِنكم“، ويَضْعُفُ هَذا القَوْلُ؛ لِأنَّ النَّفْيَ يَتَسَلَّطُ عَلى الخَبَرِ وهو كَيْنُونَتُهُ ”مِنكم“، فَلا يَتَسَلَّطُ عَلى الحَجْزِ. وإذا كانَ (حاجِزِينَ) (p-٣٣٠)خَبَرًا. تَسَلَّطَ النَّفْيُ عَلَيْهِ وصارَ المَعْنى: ما أحَدٌ مِنكم يَحْجِزُهُ عَنْ ما يُرِيدُ بِهِ مِن ذَلِكَ.
﴿وإنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ﴾ أيْ: وإنَّ القُرْآنَ أوِ الرَّسُولَ، ﷺ .
﴿وإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾: وعِيدٌ، أيْ: مُكَذِّبِينَ بِالقُرْآنِ أوْ بِالرَّسُولِ، ﷺ .
﴿وإنَّهُ لَحَسْرَةٌ﴾ أيِ: القُرْآنُ مِن حَيْثُ كَفَرُوا بِهِ، ويَرَوْنَ مَن آمَنَ بِهِ يُنَعَّمُ وهم مُعَذَّبُونَ. وقالَ مُقاتِلٌ: وإنَّ تَكْذِيبَهم بِالقُرْآنِ لَحَسْرَةٌ عَلَيْهِمْ، عادَ الضَّمِيرُ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: (مُكَذِّبِينَ) كَقَوْلِهِ:
؎إذا نَهى السَّفِيهُ جَرى إلَيْهِ
أيْ: لِلسَّفَهِ. (وإنَّهُ) أيْ: وإنَّ القُرْآنَ ﴿لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ وسَبَقَ الكَلامُ عَلى إضافَةِ (حَقٍّ) إلى اليَقِينِ في آخِرِ الواقِعَةِ.
الحاقة 69:48
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ رتَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿وإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلى الكافِرِينَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ .
(p-٣٢٨)تَقَدَّمَ الكَلامُ في ”لا“ قَبْلَ القَسَمِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] وقِراءَةُ الحَسَنِ: لَأُقْسِمُ بِجَعْلِها لا ما دَخَلَتْ عَلى أقُسِمَ. وقِيلَ: ”لا“ هُنا نَفْيٌ لِلْقَسَمِ، أيْ: لا يَحْتاجُ في هَذا إلى قَسَمٍ لِوُضُوحِ الحَقِّ في ذَلِكَ، وعَلى هَذا فَجَوابُهُ جَوابُ القَسَمِ. قالَ مُقاتِلٌ: سَبَبُ ذَلِكَ أنَّ الوَلِيدَ قالَ: إنَّ مُحَمَّدًا ساحِرٌ، وقالَ أبُو جَهْلٍ: شاعِرٌ، وقالَ: كاهِنٌ. فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وما لا تُبْصِرُونَ﴾ عامٌّ في جَمِيعِ مَخْلُوقاتِهِ. وقالَ عَطاءٌ: ما تُبْصِرُونَ مِن آثارِ القُدْرَةِ، وما لا تُبْصِرُونَ مِن أسْرارِ القُدْرَةِ. وقِيلَ: ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾: المَلائِكَةُ. وقِيلَ: الأجْسادُ والأرْواحُ. (إنَّهُ) أيْ: إنَّ القُرْآنَ ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾: هو مُحَمَّدٌ ﷺ في قَوْلِ الأكْثَرِينَ، ويُؤَيِّدُهُ: ﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ﴾ وما بَعْدَهُ، ونَسَبَ القَوْلَ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ هو مُبَلِّغُهُ والعامِلُ بِهِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ ومُقاتِلٌ وابْنُ قُتَيْبَةَ: هو جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ هو الرَّسُولُ عَنِ اللَّهِ.
ونَفى تَعالى أنْ يَكُونَ قَوْلَ شاعِرٍ لِمُبايَنَتِهِ لِضُرُوبِ الشِّعْرِ. ولا قَوْلَ كاهِنٍ؛ لِأنَّهُ ورَدَ بِسَبَبِ الشَّياطِينِ. وانْتَصَبَ (قَلِيلًا) عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أوْ لِزَمانٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: تُؤْمِنُونَ إيمانًا قَلِيلًا أوْ زَمانًا قَلِيلًا. وكَذا التَّقْدِيرُ في: ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ والقِلَّةُ هو إقْرارُهم إذا سُئِلُوا مَن خَلَقَهم قالُوا: اللَّهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ونُصِبَ (قَلِيلًا) بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ (تُؤْمِنُونَ) وما تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ نافِيَةً فَيَنْتَفِي إيمانُهُمُ البَتَّةَ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ، والمُتَّصِفُ بِالقِلَّةِ هو الإيمانُ اللُّغَوِيُّ؛ لِأنَّهم قَدْ صَدَّقُوا بِأشْياءَ يَسِيرَةٍ لا تُغْنِي عَنْهم شَيْئًا، إذْ كانُوا يُصَدِّقُونَ أنَّ الخَيْرَ والصِّلَةَ والعَفافَ الَّذِي كانَ يَأْمُرُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هو حَقٌّ صَوابٌ. انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: ونُصِبَ ”قَلِيلًا“ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ تُؤْمِنُونَ فَلا يَصِحُّ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ الدّالَّ عَلَيْهِ (تُؤْمِنُونَ) إمّا أنْ تَكُونَ ما نافِيَةً أوْ مَصْدَرِيَّةً، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ. فَإنْ كانَتْ نافِيَةً، فَذَلِكَ الفِعْلُ المُضْمَرُ الدّالُّ عَلَيْهِ تُؤْمِنُونَ المَنفِيُّ بِما يَكُونُ مَنفِيًّا، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ما تُؤْمِنُونَ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ، والفِعْلُ المَنفِيُّ بِما لا يَجُوزُ حَذْفُهُ ولا حَذْفَ ما لا يَجُوزُ زَيْدًا ما أضْرَبَهُ، عَلى تَقْدِيرِ ما أضْرَبَ زَيْدًا ما أضْرَبَهُ، وإنْ كانَتْ مَصْدَرِيَّةً كانَتْ ”ما“ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِـ (قَلِيلًا) أيْ: قَلِيلًا إيمانُكم، ويَبْقى ”قَلِيلًا“ لا يَتَقَدَّمُهُ ما يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ حَتّى يَعْمَلَ ولا ناصِبَ لَهُ؛ وإمّا في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، فَيَكُونُ مُبْتَدَأً لا خَبَرَ لَهُ؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُ مَنصُوبٌ لا مَرْفُوعٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والقِلَّةُ في مَعْنى العَدَمِ، أيْ: لا تُؤْمِنُونَ ولا تَذَكَّرُونَ البَتَّةَ، والمَعْنى: ما أكْفَرَكم وما أغْفَلَكم. انْتَهى. ولا يُرادُ بِـ (قَلِيلًا) هُنا النَّفْيُ المَحْضُ، كَما زَعَمَ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في أقَلَّ، نَحْوُ: أقَلُّ رَجُلٍ يَقُولُ ذَلِكَ إلّا زَيْدًا، وفي قَلَّ نَحْوُ: قَلَّ رَجُلٌ يَقُولُ ذَلِكَ إلّا زَيْدًا. وقَدْ تُسْتَعْمَلُ في قَلِيلٍ وقَلِيلَةٍ إذا كانا مَرْفُوعَيْنِ، نَحْوُ ما جَوَّزُوا في قَوْلِهِ:
؎قَلِيلٍ بِها الأصْواتُ إلّا بُغامُها
أمّا إذا كانَ مَنصُوبًا نَحْوُ: قَلِيلًا ضَرَبْتُ، أوْ قَلِيلًا ما ضَرَبْتُ، عَلى أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَجُورُ؛ لِأنَّهُ في: قَلِيلًا ضَرَبْتُ (p-٣٢٩)مَنصُوبٌ بِـ (ضَرَبْتُ) ولَمْ تَسْتَعْمِلِ العَرَبُ قَلِيلًا إذا انْتَصَبَ بِالفِعْلِ نَفْيًا، بَلْ مُقابِلًا لِكَثِيرٍ. وأمّا في (قَلِيلًا ما ضَرَبْتُ) عَلى أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، فَتَحْتاجُ إلى رَفْعِ قَلِيلٍ؛ لِأنَّ ما المَصْدَرِيَّةُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ عَنْهُما. والجَحْدَرِيُّ والحَسَنُ: يُؤْمِنُونَ، يَذَّكَّرُونَ: بِالياءِ فِيهِما. وباقِي السَّبْعَةِ بِتاءِ الخِطابِ. وأُبَيٌّ: بِياءَيْنِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَنْزِيلٌ) بِالرَّفْعِ. وأبُو السَّمّالِ: تَنْزِيلًا بِالنَّصْبِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ﴾ والتَّقَوُّلُ أنْ يَقُولَ الإنْسانُ عَنْ آخَرَ إنَّهُ قالَ شَيْئًا لَمْ يَقُلْهُ. وقَرَأ ذَكْوانُ وابْنُهُ مُحَمَّدٌ: يَقُولُ مُضارِعُ قالَ، وهَذِهِ القِراءَةُ مُعْتَرَضَةٌ بِما صَرَّحَتْ بِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ. وقُرِئَ: ولَوْ تُقُوِّلَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وحُذِفَ الفاعِلُ وقامَ المَفْعُولُ مَقامَهُ، وهو (بَعْضَ) إنْ كانَ قُرِئَ مَرْفُوعًا. وإنْ كانَ قُرِئَ مَنصُوبًا بِعَلَيْنا قامَ مَقامَ الفاعِلِ، والمَعْنى: ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا مُتَقَوِّلٌ. ولا يَكُونُ الضَّمِيرُ في تَقَوَّلَ عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ ﷺ لِاسْتِحالَةِ وُقُوعِ ذَلِكَ مِنهُ، فَنَحْنُ نَمْنَعُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ في حَقِّهِ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. والأقاوِيلُ جَمْعُ الجَمْعِ، وهو أقْوالٌ كَبَيْتٍ وأبْياتٍ وأبايِيتٍ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وسَمّى الأقْوالَ المَنقُولَةَ أقاوِيلَ تَصْغِيرًا لَها وتَحْقِيرًا، كَقَوْلِكَ: الأعاجِيبُ والأضاحِيكُ، كَأنَّها جَمْعُ أُفْعُولَةٍ مِنَ القَوْلِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (بِاليَمِينِ) المُرادُ بِهِ الجارِحَةُ. فَقالَ الحَسَنُ: المَعْنى قَطَعْناهُ عِبْرَةً ونَكالًا، والباءُ عَلى هَذا زائِدَةٌ. وقِيلَ: الأخْذُ عَلى ظاهِرِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى ولَوِ ادَّعى مُدَّعٍ عَلَيْنا شَيْئًا لَمْ نَقُلْهُ لَقَتَلْناهُ صَبْرًا، كَما تَفْعَلُ المُلُوكُ بِمَن يَتَكَذَّبُ عَلَيْهِمْ مُعاجَلَةً بِالسَّخَطِ والِانْتِقامِ، فَصَوَّرَ قَتْلَ الصَّبْرِ بِصُورَتِهِ لِيَكُونَ أهْوَلَ، وهو أنْ يُؤْخَذَ بِيَدِهِ وتُضْرَبَ رَقَبَتُهُ، وخُصَّ اليَمِينُ عَلى اليَسارِ؛ لِأنَّ القَتّالَ إذا أرادَ أنْ يُوقِعَ الضَّرْبَ في قَفاهُ أخَذَ بِيُسارُهُ، وإذا أرادَ أنْ يُوقِعَهُ في جِيدِهِ وأنْ يُلْحِفَهُ بِالسَّيْفِ، وهو أشَدُّ عَلى المَصْبُورِ لِنَظَرِهِ إلى السَّيْفِ، أُخِذَ بِيَمِينِهِ.
ومَعْنى ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾: لَأخَذْنا بِيَمِينِهِ، كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾: لَقَطَعْنا وتِينَهُ. انْتَهى، وهو قَوْلٌ لِلْمُتَقَدِّمِينَ حَسَّنَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِتَكْثِيرِ ألْفاظِهِ ومَصاغِها. قالُوا: المَعْنى لَأخَذْنا بِيَدِهِ الَّتِي هي اليَمِينُ عَلى جِهَةِ الإذْلالِ والصَّغارِ، كَما يَقُولُ السُّلْطانُ إذا أرادَ عُقُوبَةَ رَجُلٍ: يا غُلامُ خُذْ بِيَدِهِ وافْعَلْ كَذا، قالَهُ أوْ قَرِيبًا مِنهُ الطَّبَرِيُّ. وقِيلَ: اليَمِينُ هُنا مَجازٌ. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِاليَمِينِ: بِالقُوَّةِ، مَعْناهُ لَنِلْنا مِنهُ عِقابَهُ بِقُوَّةٍ مِنّا. وقالَ مُجاهِدٌ: بِالقُدْرَةِ. وقالَ السُّدِّيُّ: عاقَبْناهُ بِالحَقِّ ومَن عَلى هَذا صِلَةٌ. وقالَ نِفْطَوَيْهِ: لَقَبَضْنا بِيَمِينِهِ عَنِ التَّصَرُّفِ. وقِيلَ: لَنَزَعْنا مِنهُ قُوَّتَهُ. وقِيلَ: لَأذْلَلْناهُ وأعْجَزْناهُ.
﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهو نِياطُ القَلْبِ. وقالَ مُجاهِدٌ: حَبْلُ القَلْبِ الَّذِي في الظَّهْرِ وهو النُّخاعُ. والمَوْتُونُ الَّذِي قُطِعَ وتِينُهُ، والمَعْنى: لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا لَأذْهَبْنا حَياتَهُ مُعَجَّلًا، والضَّمِيرُ في عَنْهُ الظّاهِرُ أنَّهُ يَعُودُ عَلى الَّذِي تَقَوَّلَ، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى القَتْلِ، أيْ: لا يَقْدِرُ أحَدٌ مِنكم أنْ يَحْجِزَهُ عَنْ ذَلِكَ ويَدْفَعَهُ عَنْهُ، والخِطابُ في ”مِنكم“ لِلنّاسِ، والظّاهِرُ في (حاجِزِينَ) أنْ يَكُونَ خَبَرًا لِـ (ما) عَلى لُغَةِ الحِجازِ؛ لِأنَّ حاجِزِينَ هو مَحَطُّ الفائِدَةِ، ويَكُونُ ”مِنكم“ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً لِأحَدٍ، فَلَمّا تَقَدَّمَ صارَ حالًا، وفي جَوازِ هَذا نَظَرٌ. أوْ يَكُونُ لِلْبَيانِ، أوْ تَتَعَلَّقُ بِحاجِزِينَ، كَما تَقُولُ: ما فِيكَ زَيْدٌ راغِبًا، ولا يَمْنَعُ هَذا الفَصْلُ مِنَ انْتِصابِ خَبَرِ ”ما“ . وقالَ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ: ”حاجِزِينَ“ نَعْتٌ لِأحَدٍ عَلى اللَّفْظِ، وجُمِعَ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّهُ في مَعْنى الجَماعَةِ يَقَعُ في النَّفْيِ العامِّ لِلْواحِدِ والجَمْعِ والمُذَكِّرِ والمُؤَنَّثِ، ومِنهُ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] وقَوْلُهُ: ﴿لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢] مَثَّلَ بِهِما الزَّمَخْشَرِيُّ، وقَدْ تَكَلَّمْنا عَلى ذَيْنِكَ في مَوْضِعَيْهِما. وفي الحَدِيثِ: ”لَمْ تَحِلَّ لِأحَدٍ سُودِ الرُّؤُوسِ قَبْلَكم“ . وإذا كانَ ”حاجِزِينَ“ نَعْتًا فَـ ”مِن أحَدٍ“ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ ”مِنكم“، ويَضْعُفُ هَذا القَوْلُ؛ لِأنَّ النَّفْيَ يَتَسَلَّطُ عَلى الخَبَرِ وهو كَيْنُونَتُهُ ”مِنكم“، فَلا يَتَسَلَّطُ عَلى الحَجْزِ. وإذا كانَ (حاجِزِينَ) (p-٣٣٠)خَبَرًا. تَسَلَّطَ النَّفْيُ عَلَيْهِ وصارَ المَعْنى: ما أحَدٌ مِنكم يَحْجِزُهُ عَنْ ما يُرِيدُ بِهِ مِن ذَلِكَ.
﴿وإنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ﴾ أيْ: وإنَّ القُرْآنَ أوِ الرَّسُولَ، ﷺ .
﴿وإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾: وعِيدٌ، أيْ: مُكَذِّبِينَ بِالقُرْآنِ أوْ بِالرَّسُولِ، ﷺ .
﴿وإنَّهُ لَحَسْرَةٌ﴾ أيِ: القُرْآنُ مِن حَيْثُ كَفَرُوا بِهِ، ويَرَوْنَ مَن آمَنَ بِهِ يُنَعَّمُ وهم مُعَذَّبُونَ. وقالَ مُقاتِلٌ: وإنَّ تَكْذِيبَهم بِالقُرْآنِ لَحَسْرَةٌ عَلَيْهِمْ، عادَ الضَّمِيرُ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: (مُكَذِّبِينَ) كَقَوْلِهِ:
؎إذا نَهى السَّفِيهُ جَرى إلَيْهِ
أيْ: لِلسَّفَهِ. (وإنَّهُ) أيْ: وإنَّ القُرْآنَ ﴿لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ وسَبَقَ الكَلامُ عَلى إضافَةِ (حَقٍّ) إلى اليَقِينِ في آخِرِ الواقِعَةِ.
الحاقة 69:49
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ رتَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿وإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلى الكافِرِينَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ .
(p-٣٢٨)تَقَدَّمَ الكَلامُ في ”لا“ قَبْلَ القَسَمِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] وقِراءَةُ الحَسَنِ: لَأُقْسِمُ بِجَعْلِها لا ما دَخَلَتْ عَلى أقُسِمَ. وقِيلَ: ”لا“ هُنا نَفْيٌ لِلْقَسَمِ، أيْ: لا يَحْتاجُ في هَذا إلى قَسَمٍ لِوُضُوحِ الحَقِّ في ذَلِكَ، وعَلى هَذا فَجَوابُهُ جَوابُ القَسَمِ. قالَ مُقاتِلٌ: سَبَبُ ذَلِكَ أنَّ الوَلِيدَ قالَ: إنَّ مُحَمَّدًا ساحِرٌ، وقالَ أبُو جَهْلٍ: شاعِرٌ، وقالَ: كاهِنٌ. فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وما لا تُبْصِرُونَ﴾ عامٌّ في جَمِيعِ مَخْلُوقاتِهِ. وقالَ عَطاءٌ: ما تُبْصِرُونَ مِن آثارِ القُدْرَةِ، وما لا تُبْصِرُونَ مِن أسْرارِ القُدْرَةِ. وقِيلَ: ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾: المَلائِكَةُ. وقِيلَ: الأجْسادُ والأرْواحُ. (إنَّهُ) أيْ: إنَّ القُرْآنَ ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾: هو مُحَمَّدٌ ﷺ في قَوْلِ الأكْثَرِينَ، ويُؤَيِّدُهُ: ﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ﴾ وما بَعْدَهُ، ونَسَبَ القَوْلَ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ هو مُبَلِّغُهُ والعامِلُ بِهِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ ومُقاتِلٌ وابْنُ قُتَيْبَةَ: هو جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ هو الرَّسُولُ عَنِ اللَّهِ.
ونَفى تَعالى أنْ يَكُونَ قَوْلَ شاعِرٍ لِمُبايَنَتِهِ لِضُرُوبِ الشِّعْرِ. ولا قَوْلَ كاهِنٍ؛ لِأنَّهُ ورَدَ بِسَبَبِ الشَّياطِينِ. وانْتَصَبَ (قَلِيلًا) عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أوْ لِزَمانٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: تُؤْمِنُونَ إيمانًا قَلِيلًا أوْ زَمانًا قَلِيلًا. وكَذا التَّقْدِيرُ في: ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ والقِلَّةُ هو إقْرارُهم إذا سُئِلُوا مَن خَلَقَهم قالُوا: اللَّهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ونُصِبَ (قَلِيلًا) بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ (تُؤْمِنُونَ) وما تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ نافِيَةً فَيَنْتَفِي إيمانُهُمُ البَتَّةَ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ، والمُتَّصِفُ بِالقِلَّةِ هو الإيمانُ اللُّغَوِيُّ؛ لِأنَّهم قَدْ صَدَّقُوا بِأشْياءَ يَسِيرَةٍ لا تُغْنِي عَنْهم شَيْئًا، إذْ كانُوا يُصَدِّقُونَ أنَّ الخَيْرَ والصِّلَةَ والعَفافَ الَّذِي كانَ يَأْمُرُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هو حَقٌّ صَوابٌ. انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: ونُصِبَ ”قَلِيلًا“ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ تُؤْمِنُونَ فَلا يَصِحُّ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ الدّالَّ عَلَيْهِ (تُؤْمِنُونَ) إمّا أنْ تَكُونَ ما نافِيَةً أوْ مَصْدَرِيَّةً، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ. فَإنْ كانَتْ نافِيَةً، فَذَلِكَ الفِعْلُ المُضْمَرُ الدّالُّ عَلَيْهِ تُؤْمِنُونَ المَنفِيُّ بِما يَكُونُ مَنفِيًّا، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ما تُؤْمِنُونَ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ، والفِعْلُ المَنفِيُّ بِما لا يَجُوزُ حَذْفُهُ ولا حَذْفَ ما لا يَجُوزُ زَيْدًا ما أضْرَبَهُ، عَلى تَقْدِيرِ ما أضْرَبَ زَيْدًا ما أضْرَبَهُ، وإنْ كانَتْ مَصْدَرِيَّةً كانَتْ ”ما“ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِـ (قَلِيلًا) أيْ: قَلِيلًا إيمانُكم، ويَبْقى ”قَلِيلًا“ لا يَتَقَدَّمُهُ ما يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ حَتّى يَعْمَلَ ولا ناصِبَ لَهُ؛ وإمّا في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، فَيَكُونُ مُبْتَدَأً لا خَبَرَ لَهُ؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُ مَنصُوبٌ لا مَرْفُوعٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والقِلَّةُ في مَعْنى العَدَمِ، أيْ: لا تُؤْمِنُونَ ولا تَذَكَّرُونَ البَتَّةَ، والمَعْنى: ما أكْفَرَكم وما أغْفَلَكم. انْتَهى. ولا يُرادُ بِـ (قَلِيلًا) هُنا النَّفْيُ المَحْضُ، كَما زَعَمَ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في أقَلَّ، نَحْوُ: أقَلُّ رَجُلٍ يَقُولُ ذَلِكَ إلّا زَيْدًا، وفي قَلَّ نَحْوُ: قَلَّ رَجُلٌ يَقُولُ ذَلِكَ إلّا زَيْدًا. وقَدْ تُسْتَعْمَلُ في قَلِيلٍ وقَلِيلَةٍ إذا كانا مَرْفُوعَيْنِ، نَحْوُ ما جَوَّزُوا في قَوْلِهِ:
؎قَلِيلٍ بِها الأصْواتُ إلّا بُغامُها
أمّا إذا كانَ مَنصُوبًا نَحْوُ: قَلِيلًا ضَرَبْتُ، أوْ قَلِيلًا ما ضَرَبْتُ، عَلى أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَجُورُ؛ لِأنَّهُ في: قَلِيلًا ضَرَبْتُ (p-٣٢٩)مَنصُوبٌ بِـ (ضَرَبْتُ) ولَمْ تَسْتَعْمِلِ العَرَبُ قَلِيلًا إذا انْتَصَبَ بِالفِعْلِ نَفْيًا، بَلْ مُقابِلًا لِكَثِيرٍ. وأمّا في (قَلِيلًا ما ضَرَبْتُ) عَلى أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، فَتَحْتاجُ إلى رَفْعِ قَلِيلٍ؛ لِأنَّ ما المَصْدَرِيَّةُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ عَنْهُما. والجَحْدَرِيُّ والحَسَنُ: يُؤْمِنُونَ، يَذَّكَّرُونَ: بِالياءِ فِيهِما. وباقِي السَّبْعَةِ بِتاءِ الخِطابِ. وأُبَيٌّ: بِياءَيْنِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَنْزِيلٌ) بِالرَّفْعِ. وأبُو السَّمّالِ: تَنْزِيلًا بِالنَّصْبِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ﴾ والتَّقَوُّلُ أنْ يَقُولَ الإنْسانُ عَنْ آخَرَ إنَّهُ قالَ شَيْئًا لَمْ يَقُلْهُ. وقَرَأ ذَكْوانُ وابْنُهُ مُحَمَّدٌ: يَقُولُ مُضارِعُ قالَ، وهَذِهِ القِراءَةُ مُعْتَرَضَةٌ بِما صَرَّحَتْ بِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ. وقُرِئَ: ولَوْ تُقُوِّلَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وحُذِفَ الفاعِلُ وقامَ المَفْعُولُ مَقامَهُ، وهو (بَعْضَ) إنْ كانَ قُرِئَ مَرْفُوعًا. وإنْ كانَ قُرِئَ مَنصُوبًا بِعَلَيْنا قامَ مَقامَ الفاعِلِ، والمَعْنى: ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا مُتَقَوِّلٌ. ولا يَكُونُ الضَّمِيرُ في تَقَوَّلَ عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ ﷺ لِاسْتِحالَةِ وُقُوعِ ذَلِكَ مِنهُ، فَنَحْنُ نَمْنَعُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ في حَقِّهِ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. والأقاوِيلُ جَمْعُ الجَمْعِ، وهو أقْوالٌ كَبَيْتٍ وأبْياتٍ وأبايِيتٍ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وسَمّى الأقْوالَ المَنقُولَةَ أقاوِيلَ تَصْغِيرًا لَها وتَحْقِيرًا، كَقَوْلِكَ: الأعاجِيبُ والأضاحِيكُ، كَأنَّها جَمْعُ أُفْعُولَةٍ مِنَ القَوْلِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (بِاليَمِينِ) المُرادُ بِهِ الجارِحَةُ. فَقالَ الحَسَنُ: المَعْنى قَطَعْناهُ عِبْرَةً ونَكالًا، والباءُ عَلى هَذا زائِدَةٌ. وقِيلَ: الأخْذُ عَلى ظاهِرِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى ولَوِ ادَّعى مُدَّعٍ عَلَيْنا شَيْئًا لَمْ نَقُلْهُ لَقَتَلْناهُ صَبْرًا، كَما تَفْعَلُ المُلُوكُ بِمَن يَتَكَذَّبُ عَلَيْهِمْ مُعاجَلَةً بِالسَّخَطِ والِانْتِقامِ، فَصَوَّرَ قَتْلَ الصَّبْرِ بِصُورَتِهِ لِيَكُونَ أهْوَلَ، وهو أنْ يُؤْخَذَ بِيَدِهِ وتُضْرَبَ رَقَبَتُهُ، وخُصَّ اليَمِينُ عَلى اليَسارِ؛ لِأنَّ القَتّالَ إذا أرادَ أنْ يُوقِعَ الضَّرْبَ في قَفاهُ أخَذَ بِيُسارُهُ، وإذا أرادَ أنْ يُوقِعَهُ في جِيدِهِ وأنْ يُلْحِفَهُ بِالسَّيْفِ، وهو أشَدُّ عَلى المَصْبُورِ لِنَظَرِهِ إلى السَّيْفِ، أُخِذَ بِيَمِينِهِ.
ومَعْنى ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾: لَأخَذْنا بِيَمِينِهِ، كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾: لَقَطَعْنا وتِينَهُ. انْتَهى، وهو قَوْلٌ لِلْمُتَقَدِّمِينَ حَسَّنَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِتَكْثِيرِ ألْفاظِهِ ومَصاغِها. قالُوا: المَعْنى لَأخَذْنا بِيَدِهِ الَّتِي هي اليَمِينُ عَلى جِهَةِ الإذْلالِ والصَّغارِ، كَما يَقُولُ السُّلْطانُ إذا أرادَ عُقُوبَةَ رَجُلٍ: يا غُلامُ خُذْ بِيَدِهِ وافْعَلْ كَذا، قالَهُ أوْ قَرِيبًا مِنهُ الطَّبَرِيُّ. وقِيلَ: اليَمِينُ هُنا مَجازٌ. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِاليَمِينِ: بِالقُوَّةِ، مَعْناهُ لَنِلْنا مِنهُ عِقابَهُ بِقُوَّةٍ مِنّا. وقالَ مُجاهِدٌ: بِالقُدْرَةِ. وقالَ السُّدِّيُّ: عاقَبْناهُ بِالحَقِّ ومَن عَلى هَذا صِلَةٌ. وقالَ نِفْطَوَيْهِ: لَقَبَضْنا بِيَمِينِهِ عَنِ التَّصَرُّفِ. وقِيلَ: لَنَزَعْنا مِنهُ قُوَّتَهُ. وقِيلَ: لَأذْلَلْناهُ وأعْجَزْناهُ.
﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهو نِياطُ القَلْبِ. وقالَ مُجاهِدٌ: حَبْلُ القَلْبِ الَّذِي في الظَّهْرِ وهو النُّخاعُ. والمَوْتُونُ الَّذِي قُطِعَ وتِينُهُ، والمَعْنى: لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا لَأذْهَبْنا حَياتَهُ مُعَجَّلًا، والضَّمِيرُ في عَنْهُ الظّاهِرُ أنَّهُ يَعُودُ عَلى الَّذِي تَقَوَّلَ، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى القَتْلِ، أيْ: لا يَقْدِرُ أحَدٌ مِنكم أنْ يَحْجِزَهُ عَنْ ذَلِكَ ويَدْفَعَهُ عَنْهُ، والخِطابُ في ”مِنكم“ لِلنّاسِ، والظّاهِرُ في (حاجِزِينَ) أنْ يَكُونَ خَبَرًا لِـ (ما) عَلى لُغَةِ الحِجازِ؛ لِأنَّ حاجِزِينَ هو مَحَطُّ الفائِدَةِ، ويَكُونُ ”مِنكم“ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً لِأحَدٍ، فَلَمّا تَقَدَّمَ صارَ حالًا، وفي جَوازِ هَذا نَظَرٌ. أوْ يَكُونُ لِلْبَيانِ، أوْ تَتَعَلَّقُ بِحاجِزِينَ، كَما تَقُولُ: ما فِيكَ زَيْدٌ راغِبًا، ولا يَمْنَعُ هَذا الفَصْلُ مِنَ انْتِصابِ خَبَرِ ”ما“ . وقالَ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ: ”حاجِزِينَ“ نَعْتٌ لِأحَدٍ عَلى اللَّفْظِ، وجُمِعَ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّهُ في مَعْنى الجَماعَةِ يَقَعُ في النَّفْيِ العامِّ لِلْواحِدِ والجَمْعِ والمُذَكِّرِ والمُؤَنَّثِ، ومِنهُ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] وقَوْلُهُ: ﴿لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢] مَثَّلَ بِهِما الزَّمَخْشَرِيُّ، وقَدْ تَكَلَّمْنا عَلى ذَيْنِكَ في مَوْضِعَيْهِما. وفي الحَدِيثِ: ”لَمْ تَحِلَّ لِأحَدٍ سُودِ الرُّؤُوسِ قَبْلَكم“ . وإذا كانَ ”حاجِزِينَ“ نَعْتًا فَـ ”مِن أحَدٍ“ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ ”مِنكم“، ويَضْعُفُ هَذا القَوْلُ؛ لِأنَّ النَّفْيَ يَتَسَلَّطُ عَلى الخَبَرِ وهو كَيْنُونَتُهُ ”مِنكم“، فَلا يَتَسَلَّطُ عَلى الحَجْزِ. وإذا كانَ (حاجِزِينَ) (p-٣٣٠)خَبَرًا. تَسَلَّطَ النَّفْيُ عَلَيْهِ وصارَ المَعْنى: ما أحَدٌ مِنكم يَحْجِزُهُ عَنْ ما يُرِيدُ بِهِ مِن ذَلِكَ.
﴿وإنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ﴾ أيْ: وإنَّ القُرْآنَ أوِ الرَّسُولَ، ﷺ .
﴿وإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾: وعِيدٌ، أيْ: مُكَذِّبِينَ بِالقُرْآنِ أوْ بِالرَّسُولِ، ﷺ .
﴿وإنَّهُ لَحَسْرَةٌ﴾ أيِ: القُرْآنُ مِن حَيْثُ كَفَرُوا بِهِ، ويَرَوْنَ مَن آمَنَ بِهِ يُنَعَّمُ وهم مُعَذَّبُونَ. وقالَ مُقاتِلٌ: وإنَّ تَكْذِيبَهم بِالقُرْآنِ لَحَسْرَةٌ عَلَيْهِمْ، عادَ الضَّمِيرُ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: (مُكَذِّبِينَ) كَقَوْلِهِ:
؎إذا نَهى السَّفِيهُ جَرى إلَيْهِ
أيْ: لِلسَّفَهِ. (وإنَّهُ) أيْ: وإنَّ القُرْآنَ ﴿لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ وسَبَقَ الكَلامُ عَلى إضافَةِ (حَقٍّ) إلى اليَقِينِ في آخِرِ الواقِعَةِ.
الحاقة 69:50
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ رتَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿وإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلى الكافِرِينَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ .
(p-٣٢٨)تَقَدَّمَ الكَلامُ في ”لا“ قَبْلَ القَسَمِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] وقِراءَةُ الحَسَنِ: لَأُقْسِمُ بِجَعْلِها لا ما دَخَلَتْ عَلى أقُسِمَ. وقِيلَ: ”لا“ هُنا نَفْيٌ لِلْقَسَمِ، أيْ: لا يَحْتاجُ في هَذا إلى قَسَمٍ لِوُضُوحِ الحَقِّ في ذَلِكَ، وعَلى هَذا فَجَوابُهُ جَوابُ القَسَمِ. قالَ مُقاتِلٌ: سَبَبُ ذَلِكَ أنَّ الوَلِيدَ قالَ: إنَّ مُحَمَّدًا ساحِرٌ، وقالَ أبُو جَهْلٍ: شاعِرٌ، وقالَ: كاهِنٌ. فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وما لا تُبْصِرُونَ﴾ عامٌّ في جَمِيعِ مَخْلُوقاتِهِ. وقالَ عَطاءٌ: ما تُبْصِرُونَ مِن آثارِ القُدْرَةِ، وما لا تُبْصِرُونَ مِن أسْرارِ القُدْرَةِ. وقِيلَ: ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾: المَلائِكَةُ. وقِيلَ: الأجْسادُ والأرْواحُ. (إنَّهُ) أيْ: إنَّ القُرْآنَ ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾: هو مُحَمَّدٌ ﷺ في قَوْلِ الأكْثَرِينَ، ويُؤَيِّدُهُ: ﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ﴾ وما بَعْدَهُ، ونَسَبَ القَوْلَ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ هو مُبَلِّغُهُ والعامِلُ بِهِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ ومُقاتِلٌ وابْنُ قُتَيْبَةَ: هو جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ هو الرَّسُولُ عَنِ اللَّهِ.
ونَفى تَعالى أنْ يَكُونَ قَوْلَ شاعِرٍ لِمُبايَنَتِهِ لِضُرُوبِ الشِّعْرِ. ولا قَوْلَ كاهِنٍ؛ لِأنَّهُ ورَدَ بِسَبَبِ الشَّياطِينِ. وانْتَصَبَ (قَلِيلًا) عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أوْ لِزَمانٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: تُؤْمِنُونَ إيمانًا قَلِيلًا أوْ زَمانًا قَلِيلًا. وكَذا التَّقْدِيرُ في: ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ والقِلَّةُ هو إقْرارُهم إذا سُئِلُوا مَن خَلَقَهم قالُوا: اللَّهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ونُصِبَ (قَلِيلًا) بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ (تُؤْمِنُونَ) وما تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ نافِيَةً فَيَنْتَفِي إيمانُهُمُ البَتَّةَ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ، والمُتَّصِفُ بِالقِلَّةِ هو الإيمانُ اللُّغَوِيُّ؛ لِأنَّهم قَدْ صَدَّقُوا بِأشْياءَ يَسِيرَةٍ لا تُغْنِي عَنْهم شَيْئًا، إذْ كانُوا يُصَدِّقُونَ أنَّ الخَيْرَ والصِّلَةَ والعَفافَ الَّذِي كانَ يَأْمُرُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هو حَقٌّ صَوابٌ. انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: ونُصِبَ ”قَلِيلًا“ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ تُؤْمِنُونَ فَلا يَصِحُّ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ الدّالَّ عَلَيْهِ (تُؤْمِنُونَ) إمّا أنْ تَكُونَ ما نافِيَةً أوْ مَصْدَرِيَّةً، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ. فَإنْ كانَتْ نافِيَةً، فَذَلِكَ الفِعْلُ المُضْمَرُ الدّالُّ عَلَيْهِ تُؤْمِنُونَ المَنفِيُّ بِما يَكُونُ مَنفِيًّا، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ما تُؤْمِنُونَ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ، والفِعْلُ المَنفِيُّ بِما لا يَجُوزُ حَذْفُهُ ولا حَذْفَ ما لا يَجُوزُ زَيْدًا ما أضْرَبَهُ، عَلى تَقْدِيرِ ما أضْرَبَ زَيْدًا ما أضْرَبَهُ، وإنْ كانَتْ مَصْدَرِيَّةً كانَتْ ”ما“ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِـ (قَلِيلًا) أيْ: قَلِيلًا إيمانُكم، ويَبْقى ”قَلِيلًا“ لا يَتَقَدَّمُهُ ما يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ حَتّى يَعْمَلَ ولا ناصِبَ لَهُ؛ وإمّا في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، فَيَكُونُ مُبْتَدَأً لا خَبَرَ لَهُ؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُ مَنصُوبٌ لا مَرْفُوعٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والقِلَّةُ في مَعْنى العَدَمِ، أيْ: لا تُؤْمِنُونَ ولا تَذَكَّرُونَ البَتَّةَ، والمَعْنى: ما أكْفَرَكم وما أغْفَلَكم. انْتَهى. ولا يُرادُ بِـ (قَلِيلًا) هُنا النَّفْيُ المَحْضُ، كَما زَعَمَ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في أقَلَّ، نَحْوُ: أقَلُّ رَجُلٍ يَقُولُ ذَلِكَ إلّا زَيْدًا، وفي قَلَّ نَحْوُ: قَلَّ رَجُلٌ يَقُولُ ذَلِكَ إلّا زَيْدًا. وقَدْ تُسْتَعْمَلُ في قَلِيلٍ وقَلِيلَةٍ إذا كانا مَرْفُوعَيْنِ، نَحْوُ ما جَوَّزُوا في قَوْلِهِ:
؎قَلِيلٍ بِها الأصْواتُ إلّا بُغامُها
أمّا إذا كانَ مَنصُوبًا نَحْوُ: قَلِيلًا ضَرَبْتُ، أوْ قَلِيلًا ما ضَرَبْتُ، عَلى أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَجُورُ؛ لِأنَّهُ في: قَلِيلًا ضَرَبْتُ (p-٣٢٩)مَنصُوبٌ بِـ (ضَرَبْتُ) ولَمْ تَسْتَعْمِلِ العَرَبُ قَلِيلًا إذا انْتَصَبَ بِالفِعْلِ نَفْيًا، بَلْ مُقابِلًا لِكَثِيرٍ. وأمّا في (قَلِيلًا ما ضَرَبْتُ) عَلى أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، فَتَحْتاجُ إلى رَفْعِ قَلِيلٍ؛ لِأنَّ ما المَصْدَرِيَّةُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ عَنْهُما. والجَحْدَرِيُّ والحَسَنُ: يُؤْمِنُونَ، يَذَّكَّرُونَ: بِالياءِ فِيهِما. وباقِي السَّبْعَةِ بِتاءِ الخِطابِ. وأُبَيٌّ: بِياءَيْنِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَنْزِيلٌ) بِالرَّفْعِ. وأبُو السَّمّالِ: تَنْزِيلًا بِالنَّصْبِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ﴾ والتَّقَوُّلُ أنْ يَقُولَ الإنْسانُ عَنْ آخَرَ إنَّهُ قالَ شَيْئًا لَمْ يَقُلْهُ. وقَرَأ ذَكْوانُ وابْنُهُ مُحَمَّدٌ: يَقُولُ مُضارِعُ قالَ، وهَذِهِ القِراءَةُ مُعْتَرَضَةٌ بِما صَرَّحَتْ بِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ. وقُرِئَ: ولَوْ تُقُوِّلَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وحُذِفَ الفاعِلُ وقامَ المَفْعُولُ مَقامَهُ، وهو (بَعْضَ) إنْ كانَ قُرِئَ مَرْفُوعًا. وإنْ كانَ قُرِئَ مَنصُوبًا بِعَلَيْنا قامَ مَقامَ الفاعِلِ، والمَعْنى: ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا مُتَقَوِّلٌ. ولا يَكُونُ الضَّمِيرُ في تَقَوَّلَ عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ ﷺ لِاسْتِحالَةِ وُقُوعِ ذَلِكَ مِنهُ، فَنَحْنُ نَمْنَعُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ في حَقِّهِ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. والأقاوِيلُ جَمْعُ الجَمْعِ، وهو أقْوالٌ كَبَيْتٍ وأبْياتٍ وأبايِيتٍ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وسَمّى الأقْوالَ المَنقُولَةَ أقاوِيلَ تَصْغِيرًا لَها وتَحْقِيرًا، كَقَوْلِكَ: الأعاجِيبُ والأضاحِيكُ، كَأنَّها جَمْعُ أُفْعُولَةٍ مِنَ القَوْلِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (بِاليَمِينِ) المُرادُ بِهِ الجارِحَةُ. فَقالَ الحَسَنُ: المَعْنى قَطَعْناهُ عِبْرَةً ونَكالًا، والباءُ عَلى هَذا زائِدَةٌ. وقِيلَ: الأخْذُ عَلى ظاهِرِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى ولَوِ ادَّعى مُدَّعٍ عَلَيْنا شَيْئًا لَمْ نَقُلْهُ لَقَتَلْناهُ صَبْرًا، كَما تَفْعَلُ المُلُوكُ بِمَن يَتَكَذَّبُ عَلَيْهِمْ مُعاجَلَةً بِالسَّخَطِ والِانْتِقامِ، فَصَوَّرَ قَتْلَ الصَّبْرِ بِصُورَتِهِ لِيَكُونَ أهْوَلَ، وهو أنْ يُؤْخَذَ بِيَدِهِ وتُضْرَبَ رَقَبَتُهُ، وخُصَّ اليَمِينُ عَلى اليَسارِ؛ لِأنَّ القَتّالَ إذا أرادَ أنْ يُوقِعَ الضَّرْبَ في قَفاهُ أخَذَ بِيُسارُهُ، وإذا أرادَ أنْ يُوقِعَهُ في جِيدِهِ وأنْ يُلْحِفَهُ بِالسَّيْفِ، وهو أشَدُّ عَلى المَصْبُورِ لِنَظَرِهِ إلى السَّيْفِ، أُخِذَ بِيَمِينِهِ.
ومَعْنى ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾: لَأخَذْنا بِيَمِينِهِ، كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾: لَقَطَعْنا وتِينَهُ. انْتَهى، وهو قَوْلٌ لِلْمُتَقَدِّمِينَ حَسَّنَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِتَكْثِيرِ ألْفاظِهِ ومَصاغِها. قالُوا: المَعْنى لَأخَذْنا بِيَدِهِ الَّتِي هي اليَمِينُ عَلى جِهَةِ الإذْلالِ والصَّغارِ، كَما يَقُولُ السُّلْطانُ إذا أرادَ عُقُوبَةَ رَجُلٍ: يا غُلامُ خُذْ بِيَدِهِ وافْعَلْ كَذا، قالَهُ أوْ قَرِيبًا مِنهُ الطَّبَرِيُّ. وقِيلَ: اليَمِينُ هُنا مَجازٌ. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِاليَمِينِ: بِالقُوَّةِ، مَعْناهُ لَنِلْنا مِنهُ عِقابَهُ بِقُوَّةٍ مِنّا. وقالَ مُجاهِدٌ: بِالقُدْرَةِ. وقالَ السُّدِّيُّ: عاقَبْناهُ بِالحَقِّ ومَن عَلى هَذا صِلَةٌ. وقالَ نِفْطَوَيْهِ: لَقَبَضْنا بِيَمِينِهِ عَنِ التَّصَرُّفِ. وقِيلَ: لَنَزَعْنا مِنهُ قُوَّتَهُ. وقِيلَ: لَأذْلَلْناهُ وأعْجَزْناهُ.
﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهو نِياطُ القَلْبِ. وقالَ مُجاهِدٌ: حَبْلُ القَلْبِ الَّذِي في الظَّهْرِ وهو النُّخاعُ. والمَوْتُونُ الَّذِي قُطِعَ وتِينُهُ، والمَعْنى: لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا لَأذْهَبْنا حَياتَهُ مُعَجَّلًا، والضَّمِيرُ في عَنْهُ الظّاهِرُ أنَّهُ يَعُودُ عَلى الَّذِي تَقَوَّلَ، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى القَتْلِ، أيْ: لا يَقْدِرُ أحَدٌ مِنكم أنْ يَحْجِزَهُ عَنْ ذَلِكَ ويَدْفَعَهُ عَنْهُ، والخِطابُ في ”مِنكم“ لِلنّاسِ، والظّاهِرُ في (حاجِزِينَ) أنْ يَكُونَ خَبَرًا لِـ (ما) عَلى لُغَةِ الحِجازِ؛ لِأنَّ حاجِزِينَ هو مَحَطُّ الفائِدَةِ، ويَكُونُ ”مِنكم“ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً لِأحَدٍ، فَلَمّا تَقَدَّمَ صارَ حالًا، وفي جَوازِ هَذا نَظَرٌ. أوْ يَكُونُ لِلْبَيانِ، أوْ تَتَعَلَّقُ بِحاجِزِينَ، كَما تَقُولُ: ما فِيكَ زَيْدٌ راغِبًا، ولا يَمْنَعُ هَذا الفَصْلُ مِنَ انْتِصابِ خَبَرِ ”ما“ . وقالَ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ: ”حاجِزِينَ“ نَعْتٌ لِأحَدٍ عَلى اللَّفْظِ، وجُمِعَ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّهُ في مَعْنى الجَماعَةِ يَقَعُ في النَّفْيِ العامِّ لِلْواحِدِ والجَمْعِ والمُذَكِّرِ والمُؤَنَّثِ، ومِنهُ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] وقَوْلُهُ: ﴿لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢] مَثَّلَ بِهِما الزَّمَخْشَرِيُّ، وقَدْ تَكَلَّمْنا عَلى ذَيْنِكَ في مَوْضِعَيْهِما. وفي الحَدِيثِ: ”لَمْ تَحِلَّ لِأحَدٍ سُودِ الرُّؤُوسِ قَبْلَكم“ . وإذا كانَ ”حاجِزِينَ“ نَعْتًا فَـ ”مِن أحَدٍ“ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ ”مِنكم“، ويَضْعُفُ هَذا القَوْلُ؛ لِأنَّ النَّفْيَ يَتَسَلَّطُ عَلى الخَبَرِ وهو كَيْنُونَتُهُ ”مِنكم“، فَلا يَتَسَلَّطُ عَلى الحَجْزِ. وإذا كانَ (حاجِزِينَ) (p-٣٣٠)خَبَرًا. تَسَلَّطَ النَّفْيُ عَلَيْهِ وصارَ المَعْنى: ما أحَدٌ مِنكم يَحْجِزُهُ عَنْ ما يُرِيدُ بِهِ مِن ذَلِكَ.
﴿وإنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ﴾ أيْ: وإنَّ القُرْآنَ أوِ الرَّسُولَ، ﷺ .
﴿وإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾: وعِيدٌ، أيْ: مُكَذِّبِينَ بِالقُرْآنِ أوْ بِالرَّسُولِ، ﷺ .
﴿وإنَّهُ لَحَسْرَةٌ﴾ أيِ: القُرْآنُ مِن حَيْثُ كَفَرُوا بِهِ، ويَرَوْنَ مَن آمَنَ بِهِ يُنَعَّمُ وهم مُعَذَّبُونَ. وقالَ مُقاتِلٌ: وإنَّ تَكْذِيبَهم بِالقُرْآنِ لَحَسْرَةٌ عَلَيْهِمْ، عادَ الضَّمِيرُ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: (مُكَذِّبِينَ) كَقَوْلِهِ:
؎إذا نَهى السَّفِيهُ جَرى إلَيْهِ
أيْ: لِلسَّفَهِ. (وإنَّهُ) أيْ: وإنَّ القُرْآنَ ﴿لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ وسَبَقَ الكَلامُ عَلى إضافَةِ (حَقٍّ) إلى اليَقِينِ في آخِرِ الواقِعَةِ.
الحاقة 69:51
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ رتَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿وإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلى الكافِرِينَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ .
(p-٣٢٨)تَقَدَّمَ الكَلامُ في ”لا“ قَبْلَ القَسَمِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] وقِراءَةُ الحَسَنِ: لَأُقْسِمُ بِجَعْلِها لا ما دَخَلَتْ عَلى أقُسِمَ. وقِيلَ: ”لا“ هُنا نَفْيٌ لِلْقَسَمِ، أيْ: لا يَحْتاجُ في هَذا إلى قَسَمٍ لِوُضُوحِ الحَقِّ في ذَلِكَ، وعَلى هَذا فَجَوابُهُ جَوابُ القَسَمِ. قالَ مُقاتِلٌ: سَبَبُ ذَلِكَ أنَّ الوَلِيدَ قالَ: إنَّ مُحَمَّدًا ساحِرٌ، وقالَ أبُو جَهْلٍ: شاعِرٌ، وقالَ: كاهِنٌ. فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وما لا تُبْصِرُونَ﴾ عامٌّ في جَمِيعِ مَخْلُوقاتِهِ. وقالَ عَطاءٌ: ما تُبْصِرُونَ مِن آثارِ القُدْرَةِ، وما لا تُبْصِرُونَ مِن أسْرارِ القُدْرَةِ. وقِيلَ: ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾: المَلائِكَةُ. وقِيلَ: الأجْسادُ والأرْواحُ. (إنَّهُ) أيْ: إنَّ القُرْآنَ ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾: هو مُحَمَّدٌ ﷺ في قَوْلِ الأكْثَرِينَ، ويُؤَيِّدُهُ: ﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ﴾ وما بَعْدَهُ، ونَسَبَ القَوْلَ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ هو مُبَلِّغُهُ والعامِلُ بِهِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ ومُقاتِلٌ وابْنُ قُتَيْبَةَ: هو جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ هو الرَّسُولُ عَنِ اللَّهِ.
ونَفى تَعالى أنْ يَكُونَ قَوْلَ شاعِرٍ لِمُبايَنَتِهِ لِضُرُوبِ الشِّعْرِ. ولا قَوْلَ كاهِنٍ؛ لِأنَّهُ ورَدَ بِسَبَبِ الشَّياطِينِ. وانْتَصَبَ (قَلِيلًا) عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أوْ لِزَمانٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: تُؤْمِنُونَ إيمانًا قَلِيلًا أوْ زَمانًا قَلِيلًا. وكَذا التَّقْدِيرُ في: ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ والقِلَّةُ هو إقْرارُهم إذا سُئِلُوا مَن خَلَقَهم قالُوا: اللَّهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ونُصِبَ (قَلِيلًا) بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ (تُؤْمِنُونَ) وما تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ نافِيَةً فَيَنْتَفِي إيمانُهُمُ البَتَّةَ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ، والمُتَّصِفُ بِالقِلَّةِ هو الإيمانُ اللُّغَوِيُّ؛ لِأنَّهم قَدْ صَدَّقُوا بِأشْياءَ يَسِيرَةٍ لا تُغْنِي عَنْهم شَيْئًا، إذْ كانُوا يُصَدِّقُونَ أنَّ الخَيْرَ والصِّلَةَ والعَفافَ الَّذِي كانَ يَأْمُرُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هو حَقٌّ صَوابٌ. انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: ونُصِبَ ”قَلِيلًا“ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ تُؤْمِنُونَ فَلا يَصِحُّ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ الدّالَّ عَلَيْهِ (تُؤْمِنُونَ) إمّا أنْ تَكُونَ ما نافِيَةً أوْ مَصْدَرِيَّةً، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ. فَإنْ كانَتْ نافِيَةً، فَذَلِكَ الفِعْلُ المُضْمَرُ الدّالُّ عَلَيْهِ تُؤْمِنُونَ المَنفِيُّ بِما يَكُونُ مَنفِيًّا، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ما تُؤْمِنُونَ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ، والفِعْلُ المَنفِيُّ بِما لا يَجُوزُ حَذْفُهُ ولا حَذْفَ ما لا يَجُوزُ زَيْدًا ما أضْرَبَهُ، عَلى تَقْدِيرِ ما أضْرَبَ زَيْدًا ما أضْرَبَهُ، وإنْ كانَتْ مَصْدَرِيَّةً كانَتْ ”ما“ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِـ (قَلِيلًا) أيْ: قَلِيلًا إيمانُكم، ويَبْقى ”قَلِيلًا“ لا يَتَقَدَّمُهُ ما يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ حَتّى يَعْمَلَ ولا ناصِبَ لَهُ؛ وإمّا في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، فَيَكُونُ مُبْتَدَأً لا خَبَرَ لَهُ؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُ مَنصُوبٌ لا مَرْفُوعٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والقِلَّةُ في مَعْنى العَدَمِ، أيْ: لا تُؤْمِنُونَ ولا تَذَكَّرُونَ البَتَّةَ، والمَعْنى: ما أكْفَرَكم وما أغْفَلَكم. انْتَهى. ولا يُرادُ بِـ (قَلِيلًا) هُنا النَّفْيُ المَحْضُ، كَما زَعَمَ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في أقَلَّ، نَحْوُ: أقَلُّ رَجُلٍ يَقُولُ ذَلِكَ إلّا زَيْدًا، وفي قَلَّ نَحْوُ: قَلَّ رَجُلٌ يَقُولُ ذَلِكَ إلّا زَيْدًا. وقَدْ تُسْتَعْمَلُ في قَلِيلٍ وقَلِيلَةٍ إذا كانا مَرْفُوعَيْنِ، نَحْوُ ما جَوَّزُوا في قَوْلِهِ:
؎قَلِيلٍ بِها الأصْواتُ إلّا بُغامُها
أمّا إذا كانَ مَنصُوبًا نَحْوُ: قَلِيلًا ضَرَبْتُ، أوْ قَلِيلًا ما ضَرَبْتُ، عَلى أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَجُورُ؛ لِأنَّهُ في: قَلِيلًا ضَرَبْتُ (p-٣٢٩)مَنصُوبٌ بِـ (ضَرَبْتُ) ولَمْ تَسْتَعْمِلِ العَرَبُ قَلِيلًا إذا انْتَصَبَ بِالفِعْلِ نَفْيًا، بَلْ مُقابِلًا لِكَثِيرٍ. وأمّا في (قَلِيلًا ما ضَرَبْتُ) عَلى أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، فَتَحْتاجُ إلى رَفْعِ قَلِيلٍ؛ لِأنَّ ما المَصْدَرِيَّةُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ عَنْهُما. والجَحْدَرِيُّ والحَسَنُ: يُؤْمِنُونَ، يَذَّكَّرُونَ: بِالياءِ فِيهِما. وباقِي السَّبْعَةِ بِتاءِ الخِطابِ. وأُبَيٌّ: بِياءَيْنِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَنْزِيلٌ) بِالرَّفْعِ. وأبُو السَّمّالِ: تَنْزِيلًا بِالنَّصْبِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ﴾ والتَّقَوُّلُ أنْ يَقُولَ الإنْسانُ عَنْ آخَرَ إنَّهُ قالَ شَيْئًا لَمْ يَقُلْهُ. وقَرَأ ذَكْوانُ وابْنُهُ مُحَمَّدٌ: يَقُولُ مُضارِعُ قالَ، وهَذِهِ القِراءَةُ مُعْتَرَضَةٌ بِما صَرَّحَتْ بِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ. وقُرِئَ: ولَوْ تُقُوِّلَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وحُذِفَ الفاعِلُ وقامَ المَفْعُولُ مَقامَهُ، وهو (بَعْضَ) إنْ كانَ قُرِئَ مَرْفُوعًا. وإنْ كانَ قُرِئَ مَنصُوبًا بِعَلَيْنا قامَ مَقامَ الفاعِلِ، والمَعْنى: ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا مُتَقَوِّلٌ. ولا يَكُونُ الضَّمِيرُ في تَقَوَّلَ عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ ﷺ لِاسْتِحالَةِ وُقُوعِ ذَلِكَ مِنهُ، فَنَحْنُ نَمْنَعُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ في حَقِّهِ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. والأقاوِيلُ جَمْعُ الجَمْعِ، وهو أقْوالٌ كَبَيْتٍ وأبْياتٍ وأبايِيتٍ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وسَمّى الأقْوالَ المَنقُولَةَ أقاوِيلَ تَصْغِيرًا لَها وتَحْقِيرًا، كَقَوْلِكَ: الأعاجِيبُ والأضاحِيكُ، كَأنَّها جَمْعُ أُفْعُولَةٍ مِنَ القَوْلِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (بِاليَمِينِ) المُرادُ بِهِ الجارِحَةُ. فَقالَ الحَسَنُ: المَعْنى قَطَعْناهُ عِبْرَةً ونَكالًا، والباءُ عَلى هَذا زائِدَةٌ. وقِيلَ: الأخْذُ عَلى ظاهِرِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى ولَوِ ادَّعى مُدَّعٍ عَلَيْنا شَيْئًا لَمْ نَقُلْهُ لَقَتَلْناهُ صَبْرًا، كَما تَفْعَلُ المُلُوكُ بِمَن يَتَكَذَّبُ عَلَيْهِمْ مُعاجَلَةً بِالسَّخَطِ والِانْتِقامِ، فَصَوَّرَ قَتْلَ الصَّبْرِ بِصُورَتِهِ لِيَكُونَ أهْوَلَ، وهو أنْ يُؤْخَذَ بِيَدِهِ وتُضْرَبَ رَقَبَتُهُ، وخُصَّ اليَمِينُ عَلى اليَسارِ؛ لِأنَّ القَتّالَ إذا أرادَ أنْ يُوقِعَ الضَّرْبَ في قَفاهُ أخَذَ بِيُسارُهُ، وإذا أرادَ أنْ يُوقِعَهُ في جِيدِهِ وأنْ يُلْحِفَهُ بِالسَّيْفِ، وهو أشَدُّ عَلى المَصْبُورِ لِنَظَرِهِ إلى السَّيْفِ، أُخِذَ بِيَمِينِهِ.
ومَعْنى ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾: لَأخَذْنا بِيَمِينِهِ، كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾: لَقَطَعْنا وتِينَهُ. انْتَهى، وهو قَوْلٌ لِلْمُتَقَدِّمِينَ حَسَّنَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِتَكْثِيرِ ألْفاظِهِ ومَصاغِها. قالُوا: المَعْنى لَأخَذْنا بِيَدِهِ الَّتِي هي اليَمِينُ عَلى جِهَةِ الإذْلالِ والصَّغارِ، كَما يَقُولُ السُّلْطانُ إذا أرادَ عُقُوبَةَ رَجُلٍ: يا غُلامُ خُذْ بِيَدِهِ وافْعَلْ كَذا، قالَهُ أوْ قَرِيبًا مِنهُ الطَّبَرِيُّ. وقِيلَ: اليَمِينُ هُنا مَجازٌ. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِاليَمِينِ: بِالقُوَّةِ، مَعْناهُ لَنِلْنا مِنهُ عِقابَهُ بِقُوَّةٍ مِنّا. وقالَ مُجاهِدٌ: بِالقُدْرَةِ. وقالَ السُّدِّيُّ: عاقَبْناهُ بِالحَقِّ ومَن عَلى هَذا صِلَةٌ. وقالَ نِفْطَوَيْهِ: لَقَبَضْنا بِيَمِينِهِ عَنِ التَّصَرُّفِ. وقِيلَ: لَنَزَعْنا مِنهُ قُوَّتَهُ. وقِيلَ: لَأذْلَلْناهُ وأعْجَزْناهُ.
﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهو نِياطُ القَلْبِ. وقالَ مُجاهِدٌ: حَبْلُ القَلْبِ الَّذِي في الظَّهْرِ وهو النُّخاعُ. والمَوْتُونُ الَّذِي قُطِعَ وتِينُهُ، والمَعْنى: لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا لَأذْهَبْنا حَياتَهُ مُعَجَّلًا، والضَّمِيرُ في عَنْهُ الظّاهِرُ أنَّهُ يَعُودُ عَلى الَّذِي تَقَوَّلَ، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى القَتْلِ، أيْ: لا يَقْدِرُ أحَدٌ مِنكم أنْ يَحْجِزَهُ عَنْ ذَلِكَ ويَدْفَعَهُ عَنْهُ، والخِطابُ في ”مِنكم“ لِلنّاسِ، والظّاهِرُ في (حاجِزِينَ) أنْ يَكُونَ خَبَرًا لِـ (ما) عَلى لُغَةِ الحِجازِ؛ لِأنَّ حاجِزِينَ هو مَحَطُّ الفائِدَةِ، ويَكُونُ ”مِنكم“ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً لِأحَدٍ، فَلَمّا تَقَدَّمَ صارَ حالًا، وفي جَوازِ هَذا نَظَرٌ. أوْ يَكُونُ لِلْبَيانِ، أوْ تَتَعَلَّقُ بِحاجِزِينَ، كَما تَقُولُ: ما فِيكَ زَيْدٌ راغِبًا، ولا يَمْنَعُ هَذا الفَصْلُ مِنَ انْتِصابِ خَبَرِ ”ما“ . وقالَ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ: ”حاجِزِينَ“ نَعْتٌ لِأحَدٍ عَلى اللَّفْظِ، وجُمِعَ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّهُ في مَعْنى الجَماعَةِ يَقَعُ في النَّفْيِ العامِّ لِلْواحِدِ والجَمْعِ والمُذَكِّرِ والمُؤَنَّثِ، ومِنهُ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] وقَوْلُهُ: ﴿لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢] مَثَّلَ بِهِما الزَّمَخْشَرِيُّ، وقَدْ تَكَلَّمْنا عَلى ذَيْنِكَ في مَوْضِعَيْهِما. وفي الحَدِيثِ: ”لَمْ تَحِلَّ لِأحَدٍ سُودِ الرُّؤُوسِ قَبْلَكم“ . وإذا كانَ ”حاجِزِينَ“ نَعْتًا فَـ ”مِن أحَدٍ“ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ ”مِنكم“، ويَضْعُفُ هَذا القَوْلُ؛ لِأنَّ النَّفْيَ يَتَسَلَّطُ عَلى الخَبَرِ وهو كَيْنُونَتُهُ ”مِنكم“، فَلا يَتَسَلَّطُ عَلى الحَجْزِ. وإذا كانَ (حاجِزِينَ) (p-٣٣٠)خَبَرًا. تَسَلَّطَ النَّفْيُ عَلَيْهِ وصارَ المَعْنى: ما أحَدٌ مِنكم يَحْجِزُهُ عَنْ ما يُرِيدُ بِهِ مِن ذَلِكَ.
﴿وإنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ﴾ أيْ: وإنَّ القُرْآنَ أوِ الرَّسُولَ، ﷺ .
﴿وإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾: وعِيدٌ، أيْ: مُكَذِّبِينَ بِالقُرْآنِ أوْ بِالرَّسُولِ، ﷺ .
﴿وإنَّهُ لَحَسْرَةٌ﴾ أيِ: القُرْآنُ مِن حَيْثُ كَفَرُوا بِهِ، ويَرَوْنَ مَن آمَنَ بِهِ يُنَعَّمُ وهم مُعَذَّبُونَ. وقالَ مُقاتِلٌ: وإنَّ تَكْذِيبَهم بِالقُرْآنِ لَحَسْرَةٌ عَلَيْهِمْ، عادَ الضَّمِيرُ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: (مُكَذِّبِينَ) كَقَوْلِهِ:
؎إذا نَهى السَّفِيهُ جَرى إلَيْهِ
أيْ: لِلسَّفَهِ. (وإنَّهُ) أيْ: وإنَّ القُرْآنَ ﴿لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ وسَبَقَ الكَلامُ عَلى إضافَةِ (حَقٍّ) إلى اليَقِينِ في آخِرِ الواقِعَةِ.
الحاقة 69:52
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ رتَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿وإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلى الكافِرِينَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ .
(p-٣٢٨)تَقَدَّمَ الكَلامُ في ”لا“ قَبْلَ القَسَمِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] وقِراءَةُ الحَسَنِ: لَأُقْسِمُ بِجَعْلِها لا ما دَخَلَتْ عَلى أقُسِمَ. وقِيلَ: ”لا“ هُنا نَفْيٌ لِلْقَسَمِ، أيْ: لا يَحْتاجُ في هَذا إلى قَسَمٍ لِوُضُوحِ الحَقِّ في ذَلِكَ، وعَلى هَذا فَجَوابُهُ جَوابُ القَسَمِ. قالَ مُقاتِلٌ: سَبَبُ ذَلِكَ أنَّ الوَلِيدَ قالَ: إنَّ مُحَمَّدًا ساحِرٌ، وقالَ أبُو جَهْلٍ: شاعِرٌ، وقالَ: كاهِنٌ. فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وما لا تُبْصِرُونَ﴾ عامٌّ في جَمِيعِ مَخْلُوقاتِهِ. وقالَ عَطاءٌ: ما تُبْصِرُونَ مِن آثارِ القُدْرَةِ، وما لا تُبْصِرُونَ مِن أسْرارِ القُدْرَةِ. وقِيلَ: ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾: المَلائِكَةُ. وقِيلَ: الأجْسادُ والأرْواحُ. (إنَّهُ) أيْ: إنَّ القُرْآنَ ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾: هو مُحَمَّدٌ ﷺ في قَوْلِ الأكْثَرِينَ، ويُؤَيِّدُهُ: ﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ﴾ وما بَعْدَهُ، ونَسَبَ القَوْلَ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ هو مُبَلِّغُهُ والعامِلُ بِهِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ ومُقاتِلٌ وابْنُ قُتَيْبَةَ: هو جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ هو الرَّسُولُ عَنِ اللَّهِ.
ونَفى تَعالى أنْ يَكُونَ قَوْلَ شاعِرٍ لِمُبايَنَتِهِ لِضُرُوبِ الشِّعْرِ. ولا قَوْلَ كاهِنٍ؛ لِأنَّهُ ورَدَ بِسَبَبِ الشَّياطِينِ. وانْتَصَبَ (قَلِيلًا) عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أوْ لِزَمانٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: تُؤْمِنُونَ إيمانًا قَلِيلًا أوْ زَمانًا قَلِيلًا. وكَذا التَّقْدِيرُ في: ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ والقِلَّةُ هو إقْرارُهم إذا سُئِلُوا مَن خَلَقَهم قالُوا: اللَّهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ونُصِبَ (قَلِيلًا) بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ (تُؤْمِنُونَ) وما تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ نافِيَةً فَيَنْتَفِي إيمانُهُمُ البَتَّةَ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ، والمُتَّصِفُ بِالقِلَّةِ هو الإيمانُ اللُّغَوِيُّ؛ لِأنَّهم قَدْ صَدَّقُوا بِأشْياءَ يَسِيرَةٍ لا تُغْنِي عَنْهم شَيْئًا، إذْ كانُوا يُصَدِّقُونَ أنَّ الخَيْرَ والصِّلَةَ والعَفافَ الَّذِي كانَ يَأْمُرُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هو حَقٌّ صَوابٌ. انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: ونُصِبَ ”قَلِيلًا“ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ تُؤْمِنُونَ فَلا يَصِحُّ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ الدّالَّ عَلَيْهِ (تُؤْمِنُونَ) إمّا أنْ تَكُونَ ما نافِيَةً أوْ مَصْدَرِيَّةً، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ. فَإنْ كانَتْ نافِيَةً، فَذَلِكَ الفِعْلُ المُضْمَرُ الدّالُّ عَلَيْهِ تُؤْمِنُونَ المَنفِيُّ بِما يَكُونُ مَنفِيًّا، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ما تُؤْمِنُونَ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ، والفِعْلُ المَنفِيُّ بِما لا يَجُوزُ حَذْفُهُ ولا حَذْفَ ما لا يَجُوزُ زَيْدًا ما أضْرَبَهُ، عَلى تَقْدِيرِ ما أضْرَبَ زَيْدًا ما أضْرَبَهُ، وإنْ كانَتْ مَصْدَرِيَّةً كانَتْ ”ما“ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِـ (قَلِيلًا) أيْ: قَلِيلًا إيمانُكم، ويَبْقى ”قَلِيلًا“ لا يَتَقَدَّمُهُ ما يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ حَتّى يَعْمَلَ ولا ناصِبَ لَهُ؛ وإمّا في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، فَيَكُونُ مُبْتَدَأً لا خَبَرَ لَهُ؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُ مَنصُوبٌ لا مَرْفُوعٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والقِلَّةُ في مَعْنى العَدَمِ، أيْ: لا تُؤْمِنُونَ ولا تَذَكَّرُونَ البَتَّةَ، والمَعْنى: ما أكْفَرَكم وما أغْفَلَكم. انْتَهى. ولا يُرادُ بِـ (قَلِيلًا) هُنا النَّفْيُ المَحْضُ، كَما زَعَمَ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في أقَلَّ، نَحْوُ: أقَلُّ رَجُلٍ يَقُولُ ذَلِكَ إلّا زَيْدًا، وفي قَلَّ نَحْوُ: قَلَّ رَجُلٌ يَقُولُ ذَلِكَ إلّا زَيْدًا. وقَدْ تُسْتَعْمَلُ في قَلِيلٍ وقَلِيلَةٍ إذا كانا مَرْفُوعَيْنِ، نَحْوُ ما جَوَّزُوا في قَوْلِهِ:
؎قَلِيلٍ بِها الأصْواتُ إلّا بُغامُها
أمّا إذا كانَ مَنصُوبًا نَحْوُ: قَلِيلًا ضَرَبْتُ، أوْ قَلِيلًا ما ضَرَبْتُ، عَلى أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَجُورُ؛ لِأنَّهُ في: قَلِيلًا ضَرَبْتُ (p-٣٢٩)مَنصُوبٌ بِـ (ضَرَبْتُ) ولَمْ تَسْتَعْمِلِ العَرَبُ قَلِيلًا إذا انْتَصَبَ بِالفِعْلِ نَفْيًا، بَلْ مُقابِلًا لِكَثِيرٍ. وأمّا في (قَلِيلًا ما ضَرَبْتُ) عَلى أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، فَتَحْتاجُ إلى رَفْعِ قَلِيلٍ؛ لِأنَّ ما المَصْدَرِيَّةُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ عَنْهُما. والجَحْدَرِيُّ والحَسَنُ: يُؤْمِنُونَ، يَذَّكَّرُونَ: بِالياءِ فِيهِما. وباقِي السَّبْعَةِ بِتاءِ الخِطابِ. وأُبَيٌّ: بِياءَيْنِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَنْزِيلٌ) بِالرَّفْعِ. وأبُو السَّمّالِ: تَنْزِيلًا بِالنَّصْبِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ﴾ والتَّقَوُّلُ أنْ يَقُولَ الإنْسانُ عَنْ آخَرَ إنَّهُ قالَ شَيْئًا لَمْ يَقُلْهُ. وقَرَأ ذَكْوانُ وابْنُهُ مُحَمَّدٌ: يَقُولُ مُضارِعُ قالَ، وهَذِهِ القِراءَةُ مُعْتَرَضَةٌ بِما صَرَّحَتْ بِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ. وقُرِئَ: ولَوْ تُقُوِّلَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وحُذِفَ الفاعِلُ وقامَ المَفْعُولُ مَقامَهُ، وهو (بَعْضَ) إنْ كانَ قُرِئَ مَرْفُوعًا. وإنْ كانَ قُرِئَ مَنصُوبًا بِعَلَيْنا قامَ مَقامَ الفاعِلِ، والمَعْنى: ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا مُتَقَوِّلٌ. ولا يَكُونُ الضَّمِيرُ في تَقَوَّلَ عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ ﷺ لِاسْتِحالَةِ وُقُوعِ ذَلِكَ مِنهُ، فَنَحْنُ نَمْنَعُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ في حَقِّهِ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. والأقاوِيلُ جَمْعُ الجَمْعِ، وهو أقْوالٌ كَبَيْتٍ وأبْياتٍ وأبايِيتٍ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وسَمّى الأقْوالَ المَنقُولَةَ أقاوِيلَ تَصْغِيرًا لَها وتَحْقِيرًا، كَقَوْلِكَ: الأعاجِيبُ والأضاحِيكُ، كَأنَّها جَمْعُ أُفْعُولَةٍ مِنَ القَوْلِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (بِاليَمِينِ) المُرادُ بِهِ الجارِحَةُ. فَقالَ الحَسَنُ: المَعْنى قَطَعْناهُ عِبْرَةً ونَكالًا، والباءُ عَلى هَذا زائِدَةٌ. وقِيلَ: الأخْذُ عَلى ظاهِرِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى ولَوِ ادَّعى مُدَّعٍ عَلَيْنا شَيْئًا لَمْ نَقُلْهُ لَقَتَلْناهُ صَبْرًا، كَما تَفْعَلُ المُلُوكُ بِمَن يَتَكَذَّبُ عَلَيْهِمْ مُعاجَلَةً بِالسَّخَطِ والِانْتِقامِ، فَصَوَّرَ قَتْلَ الصَّبْرِ بِصُورَتِهِ لِيَكُونَ أهْوَلَ، وهو أنْ يُؤْخَذَ بِيَدِهِ وتُضْرَبَ رَقَبَتُهُ، وخُصَّ اليَمِينُ عَلى اليَسارِ؛ لِأنَّ القَتّالَ إذا أرادَ أنْ يُوقِعَ الضَّرْبَ في قَفاهُ أخَذَ بِيُسارُهُ، وإذا أرادَ أنْ يُوقِعَهُ في جِيدِهِ وأنْ يُلْحِفَهُ بِالسَّيْفِ، وهو أشَدُّ عَلى المَصْبُورِ لِنَظَرِهِ إلى السَّيْفِ، أُخِذَ بِيَمِينِهِ.
ومَعْنى ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾: لَأخَذْنا بِيَمِينِهِ، كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾: لَقَطَعْنا وتِينَهُ. انْتَهى، وهو قَوْلٌ لِلْمُتَقَدِّمِينَ حَسَّنَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِتَكْثِيرِ ألْفاظِهِ ومَصاغِها. قالُوا: المَعْنى لَأخَذْنا بِيَدِهِ الَّتِي هي اليَمِينُ عَلى جِهَةِ الإذْلالِ والصَّغارِ، كَما يَقُولُ السُّلْطانُ إذا أرادَ عُقُوبَةَ رَجُلٍ: يا غُلامُ خُذْ بِيَدِهِ وافْعَلْ كَذا، قالَهُ أوْ قَرِيبًا مِنهُ الطَّبَرِيُّ. وقِيلَ: اليَمِينُ هُنا مَجازٌ. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِاليَمِينِ: بِالقُوَّةِ، مَعْناهُ لَنِلْنا مِنهُ عِقابَهُ بِقُوَّةٍ مِنّا. وقالَ مُجاهِدٌ: بِالقُدْرَةِ. وقالَ السُّدِّيُّ: عاقَبْناهُ بِالحَقِّ ومَن عَلى هَذا صِلَةٌ. وقالَ نِفْطَوَيْهِ: لَقَبَضْنا بِيَمِينِهِ عَنِ التَّصَرُّفِ. وقِيلَ: لَنَزَعْنا مِنهُ قُوَّتَهُ. وقِيلَ: لَأذْلَلْناهُ وأعْجَزْناهُ.
﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهو نِياطُ القَلْبِ. وقالَ مُجاهِدٌ: حَبْلُ القَلْبِ الَّذِي في الظَّهْرِ وهو النُّخاعُ. والمَوْتُونُ الَّذِي قُطِعَ وتِينُهُ، والمَعْنى: لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا لَأذْهَبْنا حَياتَهُ مُعَجَّلًا، والضَّمِيرُ في عَنْهُ الظّاهِرُ أنَّهُ يَعُودُ عَلى الَّذِي تَقَوَّلَ، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى القَتْلِ، أيْ: لا يَقْدِرُ أحَدٌ مِنكم أنْ يَحْجِزَهُ عَنْ ذَلِكَ ويَدْفَعَهُ عَنْهُ، والخِطابُ في ”مِنكم“ لِلنّاسِ، والظّاهِرُ في (حاجِزِينَ) أنْ يَكُونَ خَبَرًا لِـ (ما) عَلى لُغَةِ الحِجازِ؛ لِأنَّ حاجِزِينَ هو مَحَطُّ الفائِدَةِ، ويَكُونُ ”مِنكم“ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً لِأحَدٍ، فَلَمّا تَقَدَّمَ صارَ حالًا، وفي جَوازِ هَذا نَظَرٌ. أوْ يَكُونُ لِلْبَيانِ، أوْ تَتَعَلَّقُ بِحاجِزِينَ، كَما تَقُولُ: ما فِيكَ زَيْدٌ راغِبًا، ولا يَمْنَعُ هَذا الفَصْلُ مِنَ انْتِصابِ خَبَرِ ”ما“ . وقالَ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ: ”حاجِزِينَ“ نَعْتٌ لِأحَدٍ عَلى اللَّفْظِ، وجُمِعَ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّهُ في مَعْنى الجَماعَةِ يَقَعُ في النَّفْيِ العامِّ لِلْواحِدِ والجَمْعِ والمُذَكِّرِ والمُؤَنَّثِ، ومِنهُ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] وقَوْلُهُ: ﴿لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢] مَثَّلَ بِهِما الزَّمَخْشَرِيُّ، وقَدْ تَكَلَّمْنا عَلى ذَيْنِكَ في مَوْضِعَيْهِما. وفي الحَدِيثِ: ”لَمْ تَحِلَّ لِأحَدٍ سُودِ الرُّؤُوسِ قَبْلَكم“ . وإذا كانَ ”حاجِزِينَ“ نَعْتًا فَـ ”مِن أحَدٍ“ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ ”مِنكم“، ويَضْعُفُ هَذا القَوْلُ؛ لِأنَّ النَّفْيَ يَتَسَلَّطُ عَلى الخَبَرِ وهو كَيْنُونَتُهُ ”مِنكم“، فَلا يَتَسَلَّطُ عَلى الحَجْزِ. وإذا كانَ (حاجِزِينَ) (p-٣٣٠)خَبَرًا. تَسَلَّطَ النَّفْيُ عَلَيْهِ وصارَ المَعْنى: ما أحَدٌ مِنكم يَحْجِزُهُ عَنْ ما يُرِيدُ بِهِ مِن ذَلِكَ.
﴿وإنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ﴾ أيْ: وإنَّ القُرْآنَ أوِ الرَّسُولَ، ﷺ .
﴿وإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾: وعِيدٌ، أيْ: مُكَذِّبِينَ بِالقُرْآنِ أوْ بِالرَّسُولِ، ﷺ .
﴿وإنَّهُ لَحَسْرَةٌ﴾ أيِ: القُرْآنُ مِن حَيْثُ كَفَرُوا بِهِ، ويَرَوْنَ مَن آمَنَ بِهِ يُنَعَّمُ وهم مُعَذَّبُونَ. وقالَ مُقاتِلٌ: وإنَّ تَكْذِيبَهم بِالقُرْآنِ لَحَسْرَةٌ عَلَيْهِمْ، عادَ الضَّمِيرُ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: (مُكَذِّبِينَ) كَقَوْلِهِ:
؎إذا نَهى السَّفِيهُ جَرى إلَيْهِ
أيْ: لِلسَّفَهِ. (وإنَّهُ) أيْ: وإنَّ القُرْآنَ ﴿لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ وسَبَقَ الكَلامُ عَلى إضافَةِ (حَقٍّ) إلى اليَقِينِ في آخِرِ الواقِعَةِ.
المعارج 70:1
(سُورَةُ المَعارِجِ مَكِّيَّةٌ وهي أرْبَعٌ وأرْبَعُونَ آيَةً)
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ ﴿لِلْكافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ﴾ ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي المَعارِجِ﴾ [المعارج: ٣] ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] ﴿فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ [المعارج: ٥] ﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ [المعارج: ٦] ﴿ونَراهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: ٧] ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ [المعارج: ٨] ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ﴾ [المعارج: ٩] ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج: ١٠] ﴿يُبَصَّرُونَهم يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾ [المعارج: ١١] ﴿وصاحِبَتِهِ وأخِيهِ﴾ [المعارج: ١٢] ﴿وفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ [المعارج: ١٣] ﴿ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾ [المعارج: ١٤] ﴿كَلّا إنَّها لَظى﴾ [المعارج: ١٥] ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ [المعارج: ١٦] ﴿تَدْعُو مَن أدْبَرَ وتَوَلّى﴾ [المعارج: ١٧] ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ [المعارج: ١٨] ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج: ١٩] ﴿إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ [المعارج: ٢٠] ﴿وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ٢١] ﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾ [المعارج: ٢٢] ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ [المعارج: ٢٣] ﴿والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج: ٢٤] ﴿لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٥] ﴿والَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المعارج: ٢٦] ﴿والَّذِينَ هم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المعارج: ٢٧] ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ [المعارج: ٢٨] ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ [المعارج: ٢٩] ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المعارج: ٣٠] ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ [المعارج: ٣١] ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ [المعارج: ٣٢] ﴿والَّذِينَ هم بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ﴾ [المعارج: ٣٣] ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ [المعارج: ٣٤] ﴿أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ [المعارج: ٣٥] ﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ [المعارج: ٣٦] ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ﴾ [المعارج: ٣٧] ﴿أيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ [المعارج: ٣٨] ﴿كَلّا إنّا خَلَقْناهم مِمّا يَعْلَمُونَ﴾ [المعارج: ٣٩] ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ إنّا لَقادِرُونَ﴾ [المعارج: ٤٠] ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنهم وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ [المعارج: ٤١] ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [المعارج: ٤٢] ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ سِراعًا كَأنَّهم إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣] ﴿خاشِعَةً أبْصارُهم تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ ذَلِكَ اليَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ [المعارج: ٤٤] .
العِهْنُ: الصُّوفُ دُونَ تَقْيِيدٍ، أوِ الأحْمَرُ، أوِ المَصْبُوغُ ألْوانًا، أقْوالٌ. الفَصِيلَةُ، قالَ ثَعْلَبٌ: الآباءُ الأدْنُونَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الفَخْذُ. وقِيلَ: عَشِيرَتُهُ الأقْرَبُونَ. لَظى: اسْمٌ لِجَهَنَّمَ، أوْ لِلدَّرَكَةِ الثّانِيَةِ مِن دَرَكاتِها، وهو عَلَمٌ مَنقُولٌ مِنَ اللَّظى، وهو اللَّهَبُ، ومَنعُ الصَّرْفِ هو لِلْعَلِمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ. والشَّوى جَمْعُ شَواةٍ، وهي جِلْدَةُ الرَّأْسِ. وقالَ الأعْشى:
؎قالَتْ قُتَيْلَةُ ما لَهُ قَدْ جُلِّلَتْ شَيْبًا شَواتُهُ
والشَّوى: جِلْدُ الإنْسانِ، والشَّوى: قَوائِمُ الحَيَوانِ، والشَّوى: كُلُّ عُضْوٍ لَيْسَ بِمَقْتَلٍ، ومِنهُ: رَمى فَأشْوى: إذا لَمْ يُصِبِ المَقْتَلَ، والشَّوى: زَوالُ المالِ، والشَّوى: الشَّيْءُ الهَيِّنُ اليَسِيرُ. الهَلَعُ: الفَزَعُ والِاضْطِرابُ السَّرِيعُ عِنْدَ مَسِّ المَكْرُوهِ، والمَنعُ السَّرِيعُ عِنْدَ مَسِّ الخَيْرِ، مِن قَوْلِهِمْ: ناقَةٌ هَلُوعٌ، سَرِيعَةُ السَّيْرِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الهَلَعُ في اللُّغَةِ أشَدُّ الحِرْصِ وأسْوَأُ الجَزَعِ. الجَزَعُ: الخَوْفُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎جَزَعْتُ ولَمْ أجْزَعْ مِنَ البَيْنِ مَجْزَعًا
عِزِينَ جَمْعُ عِزَةٍ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: جَماعاتٌ في تَفْرِقَةٍ، (p-٣٣١)وقِيلَ: الجَمْعُ اليَسِيرُ كَثَلاثَةٍ ثَلاثَةٍ وأرْبَعَةٍ أرْبَعَةٍ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: في الدّارِ عِزُونَ أيْ: أصْنافٌ مِنَ النّاسِ، وقالَ عَنْتَرَةُ:
؎وقَرْنٍ قَدْ تَرَكْتُ لِذِي ولِيٍّ ∗∗∗ عَلَيْهِ الطَّيْرُ كالعُصْبِ العَزِينِ
(وقالَ الرّاعِي):
؎أخَلِيفَةَ الرَّحْمَنِ إنَّ عَشِيرَتِي ∗∗∗ أمْسى سَوامُهم عِزِينَ فُلُولا
(وقالَ الكُمَيْتُ):
؎ونَحْنُ وجَنْدَلٌ باغٍ تَرَكْنا ∗∗∗ كَتائِبَ جَنْدَلٍ شَتّى عِزِينا
(وقالَ آخَرُ):
؎تَرانا عِنْدَهُ واللَّيْلُ داجٍ ∗∗∗ عَلى أبْوابِهِ حِلَقًا عِزِينا
(وقالَ آخَرُ):
؎فَلَمّا أنْ أتَيْنَ عَلى أُضاحٍ ∗∗∗ ضَرَحْنَ حَصاهُ أشْتاتًا عِزِينا
و(عِزَةٌ) مِمّا حُذِفَتْ لامُهُ، فَقِيلَ: هي واوٌ وأصْلُهُ عِزْوَةٌ، كَأنَّ كُلَّ فِرْقَةٍ تَعْتَزِي إلى غَيْرِ مَن تَعْتَزِي إلَيْهِ الأُخْرى، فَهم مُتَفَرِّقُونَ. ويُقالُ: عَزاهُ يَعْزُوهُ: إذا أضافَهُ إلى غَيْرِهِ. وقِيلَ: لامُها هاءٌ والأصْلُ عِزْهَةٌ، وجُمِعَتْ عِزَةٌ بِالواوِ والنُّونِ، كَما جُمِعَتْ سَنَةٌ وأخَواتُها بِذَلِكَ، وتُكْسَرُ العَيْنُ في الجَمْعِ وتُضَمُّ. وقالُوا: عِزًى عَلى فِعَلٍ، ولَمْ يَقُولُوا عِزاتٍ.
﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ ﴿لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ﴾ ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي المَعارِجِ﴾ [المعارج: ٣] ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] ﴿فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ [المعارج: ٥] ﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ [المعارج: ٦] ﴿ونَراهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: ٧] ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ [المعارج: ٨] ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ﴾ [المعارج: ٩] ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج: ١٠] ﴿يُبَصَّرُونَهم يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾ [المعارج: ١١] ﴿وصاحِبَتِهِ وأخِيهِ﴾ [المعارج: ١٢] ﴿وفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ [المعارج: ١٣] ﴿ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾ [المعارج: ١٤] ﴿كَلّا إنَّها لَظى﴾ [المعارج: ١٥] ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ [المعارج: ١٦] ﴿تَدْعُو مَن أدْبَرَ وتَوَلّى﴾ [المعارج: ١٧] ﴿وجَمَعَ فَأوْعى إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج: ١٨] ﴿إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ [المعارج: ٢٠] ﴿وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ٢١] ﴿إلّا المُصَلِّينَ الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ [المعارج: ٢٢] ﴿والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج: ٢٤] ﴿لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٥] ﴿والَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المعارج: ٢٦] ﴿والَّذِينَ هم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المعارج: ٢٧] ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ [المعارج: ٢٨] ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ [المعارج: ٢٩] ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المعارج: ٣٠] ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ [المعارج: ٣١] ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ [المعارج: ٣٢] ﴿والَّذِينَ هم بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ﴾ [المعارج: ٣٣] ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ [المعارج: ٣٤] ﴿أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ [المعارج: ٣٥] .
(p-٣٣٢)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. قالَ الجُمْهُورُ: نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ حِينَ قالَ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآيَةِ. وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: في أبِي جَهْلٍ. وقِيلَ: في جَماعَةٍ مِن قُرَيْشٍ قالُوا: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآيَةِ. وقِيلَ: السّائِلُ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَألَ العَذابَ عَلى الكافِرِينَ. وقِيلَ: السّائِلُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَألَ اللَّهَ أنْ يَشْدُدَ وطْأتَهُ عَلى مُضَرَ. الحَدِيثَ، فاسْتَجابَ اللَّهُ دَعَوْتَهُ. ومُناسَبَةُ أوَّلِها لِآخِرِ ما قَبْلَها: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ ﴿وإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾ [الحاقة: ٤٩] أخْبَرَ عَنْ ما صَدَرَ عَنْ بَعْضِ المُكَذِّبِينَ بِنِقَمِ اللَّهِ، وإنْ كانَ السّائِلُ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوِ الرَّسُولَ، ﷺ . فَناسَبَ تَكْذِيبَ المُكَذِّبِينَ أنْ دَعا عَلَيْهِمْ رَسُولُهم حَتّى يُصابُوا فَيَعْرِفُوا صِدْقَ ما جاءَهم بِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿سَألَ﴾ بِالهَمْزِ أيْ: دَعا داعٍ، مِن قَوْلِهِمْ: دَعا بِكَذا: إذا اسْتَدْعاهُ وطَلَبَهُ، فالباءُ عَلى أصْلِها. وقِيلَ: المَعْنى بَحَثَ باحِثٌ واسْتَفْهَمَ. قِيلَ: فالباءُ بِمَعْنى (عَنْ) .
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: (سالَ) بِألِفٍ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ أُبْدِلَتْ هَمْزَتُهُ ألِفًا، وهو بَدَلٌ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، وإنَّما قِياسُ هَذا بَيْنَ بَيْنَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى لُغَةِ مَن قالَ: سَلْتُ أسالُ، حَكاها سِيبَوَيْهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هي لُغَةُ قُرَيْشٍ، يَقُولُونَ: سَلْتَ تَسالُ، وهُما يَتَسايَلانِ. انْتَهى. ويَنْبَغِي أنْ يُتَثَبَّتَ في قَوْلِهِ إنَّها لُغَةُ قُرَيْشٍ؛ لِأنَّ ما جاءَ في القُرْآنِ مِن بابِ السُّؤالِ هو مَهْمُوزٌ أوْ أصْلُهُ الهَمْزُ، كَقِراءَةِ مَن قَرَأ: وسَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ، إذْ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن سالَ الَّتِي عَيْنُها واوٌ، إذْ كانَ يَكُونُ ذَلِكَ وسَلُوا اللَّهَ مِثْلَ: خافُوا الأمْرَ، فَيَبْعُدُ أنْ يَجِيءَ ذَلِكَ كُلُّهُ عَلى لُغَةٍ غَيْرَ قُرَيْشٍ، وهُمُ الَّذِينَ نَزَلَ القُرْآنُ بِلُغَتِهِمْ إلّا يَسِيرًا فِيهِ لُغَةُ غَيْرِهِمْ. ثُمَّ جاءَ في كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ: وهُما يَتَسايَلانِ، بِالياءِ، وأظُنُّهُ مِنَ النّاسِخِ، وإنَّما هو يَتَساوَلانِ بِالواوِ. فَإنْ تَوافَقَتِ النُّسَخُ بِالياءِ، فَيَكُونُ التَّحْرِيفُ مِنَ الزَّمَخْشَرِيِّ. وعَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ مِنَ السُّؤالِ، فَسائِلٌ اسْمُ فاعِلٍ مِنهُ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الخِلافِ في السّائِلِ مَن هو. وقِيلَ: سالَ مِنَ السَّيَلانِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ: سالَ سايِلٌ. وقالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: في جَهَنَّمَ وادٍ يُسَمّى سايِلًا وأخْبَرَ هُنا عَنْهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ إنْ لَمْ يَصِحَّ أمْرُ الوادِي أنْ يَكُونَ الإخْبارُ عَنْ نُفُوذِ القَدَرِ بِذَلِكَ العَذابِ قَدِ اسْتُعِيرَ لَهُ السَّيْلُ لِما عُهِدَ مِن نُفُوذِ السَّيْلِ وتَصْمِيمِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والسَّيْلُ مَصْدَرٌ في مَعْنى السّايِلِ، كالغَوْرِ بِمَعْنى الغايِرِ، والمَعْنى: انْدَفَعَ عَلَيْهِمْ وادِي عَذابٍ، فَذَهَبَ بِهِمْ وأهْلَكَهم. انْتَهى. وإذا كانَ السّائِلُ هُمُ الكُفّارُ، فَسُؤالُهم إنَّما كانَ عَلى أنَّهُ كَذِبٌ عِنْدَهم، فَأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ واقِعٌ وعِيدًا لَهم. وقَرَأ أُبَيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ: سالَ سالٍ، مِثْلُ: مالٍ، بِإلْقاءِ صُورَةِ الهَمْزَةِ، وهي الياءُ مِنَ الخَطِّ تَخْفِيفًا. قِيلَ: والمُرادُ سائِلٌ. انْتَهى. ولَمْ يُحْكَ هَلْ قَرَأ بِالهَمْزِ أوْ بِإسْقاطِها البَتَّةَ. فَإنْ قَرَأ بِالهَمْزِ فَظاهِرٌ، وإنْ قَرَأ بِحَذْفِها فَهو مِثْلُ شاكَ شايِكٌ، حُذِفَتْ عَيْنُهُ واللّامُ جَرى فِيها الإعْرابُ، والظّاهِرُ تَعَلُّقُ (بِعَذابٍ) بِـ (سالَ) وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: يَتَعَلَّقُ بِمَصْدَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما سُؤالُهُ ؟ فَقِيلَ: سُؤالُهُ بِعَذابٍ، والظّاهِرُ اتِّصالُ الكافِرِينَ بِـ (واقِعٍ) فَيَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِهِ، واللّامُ لِلْعِلَّةِ، أيْ: نازِلٌ بِهِمْ لِأجْلِهِمْ، أيْ: لِأجْلِ كُفْرِهِمْ، أوْ عَلى أنَّ اللّامَ بِمَعْنى (عَلى) قالَهُ بَعْضُ النُّحاةِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ: عَلى الكافِرِينَ، أوْ عَلى أنَّهُ في مَوْضِعٍ، أيْ: واقِعٌ كائِنٌ لِلْكافِرِينَ. وقالَ قَتادَةُ والحَسَنُ: المَعْنى كَأنَّ قائِلًا قالَ: لِمَن هَذا العَذابُ الواقِعُ ؟ فَقِيلَ: لِلْكافِرِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ بِالفِعْلِ، أيْ دُعاءٌ لِلْكافِرِينَ، (p-٣٣٣)ثُمَّ قالَ: وعَلى الثّانِي - وهو ثانِي ما ذَكَرَ مِن تَوْجِيهِهِ في الكافِرِينَ - قالَ: هو كَلامٌ مُبْتَدَأٌ جَوابٌ لِلسّائِلِ، أيْ: هو لِلْكافِرِينَ، وكانَ قَدْ قَرَّرَ أنَّ سالَ ضُمِّنَ مَعْنى دَعا، فَعُدِّيَ تَعْدِيَتَهُ كَأنَّهُ قالَ: دَعا داعٍ بِعَذابٍ مِن قَوْلِكَ: دَعا بِكَذا: إذا اسْتَدْعاهُ وطَلَبَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ [الدخان: ٥٥] . انْتَهى. فَعَلى ما قَرَّرَهُ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ (دَعا) يَعْنِي بِـ (سالَ) فَكَيْفَ يَكُونُ كَلامًا مُبْتَدَأً جَوابًا لِلسّائِلِ ؟ أيْ هو لِلْكافِرِينَ ؟ هَذا لا يَصِحُّ. فَقَدْ أخَذَ قَوْلَ قَتادَةَ والحَسَنِ وأفْسَدَهُ، والأجْوَدُ أنْ يَكُونَ (مِنَ اللَّهِ) مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: (واقِعٍ) . و﴿لَيْسَ لَهُ دافِعٌ﴾: جُمْلَةُ اعْتِراضٍ بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ. وقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِدافِعٍ، أيْ: مِن جِهَتِهِ إذا جاءَ وقْتُهُ.
المعارج 70:2
(سُورَةُ المَعارِجِ مَكِّيَّةٌ وهي أرْبَعٌ وأرْبَعُونَ آيَةً)
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ ﴿لِلْكافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ﴾ ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي المَعارِجِ﴾ [المعارج: ٣] ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] ﴿فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ [المعارج: ٥] ﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ [المعارج: ٦] ﴿ونَراهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: ٧] ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ [المعارج: ٨] ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ﴾ [المعارج: ٩] ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج: ١٠] ﴿يُبَصَّرُونَهم يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾ [المعارج: ١١] ﴿وصاحِبَتِهِ وأخِيهِ﴾ [المعارج: ١٢] ﴿وفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ [المعارج: ١٣] ﴿ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾ [المعارج: ١٤] ﴿كَلّا إنَّها لَظى﴾ [المعارج: ١٥] ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ [المعارج: ١٦] ﴿تَدْعُو مَن أدْبَرَ وتَوَلّى﴾ [المعارج: ١٧] ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ [المعارج: ١٨] ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج: ١٩] ﴿إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ [المعارج: ٢٠] ﴿وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ٢١] ﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾ [المعارج: ٢٢] ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ [المعارج: ٢٣] ﴿والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج: ٢٤] ﴿لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٥] ﴿والَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المعارج: ٢٦] ﴿والَّذِينَ هم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المعارج: ٢٧] ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ [المعارج: ٢٨] ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ [المعارج: ٢٩] ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المعارج: ٣٠] ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ [المعارج: ٣١] ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ [المعارج: ٣٢] ﴿والَّذِينَ هم بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ﴾ [المعارج: ٣٣] ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ [المعارج: ٣٤] ﴿أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ [المعارج: ٣٥] ﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ [المعارج: ٣٦] ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ﴾ [المعارج: ٣٧] ﴿أيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ [المعارج: ٣٨] ﴿كَلّا إنّا خَلَقْناهم مِمّا يَعْلَمُونَ﴾ [المعارج: ٣٩] ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ إنّا لَقادِرُونَ﴾ [المعارج: ٤٠] ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنهم وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ [المعارج: ٤١] ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [المعارج: ٤٢] ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ سِراعًا كَأنَّهم إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣] ﴿خاشِعَةً أبْصارُهم تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ ذَلِكَ اليَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ [المعارج: ٤٤] .
العِهْنُ: الصُّوفُ دُونَ تَقْيِيدٍ، أوِ الأحْمَرُ، أوِ المَصْبُوغُ ألْوانًا، أقْوالٌ. الفَصِيلَةُ، قالَ ثَعْلَبٌ: الآباءُ الأدْنُونَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الفَخْذُ. وقِيلَ: عَشِيرَتُهُ الأقْرَبُونَ. لَظى: اسْمٌ لِجَهَنَّمَ، أوْ لِلدَّرَكَةِ الثّانِيَةِ مِن دَرَكاتِها، وهو عَلَمٌ مَنقُولٌ مِنَ اللَّظى، وهو اللَّهَبُ، ومَنعُ الصَّرْفِ هو لِلْعَلِمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ. والشَّوى جَمْعُ شَواةٍ، وهي جِلْدَةُ الرَّأْسِ. وقالَ الأعْشى:
؎قالَتْ قُتَيْلَةُ ما لَهُ قَدْ جُلِّلَتْ شَيْبًا شَواتُهُ
والشَّوى: جِلْدُ الإنْسانِ، والشَّوى: قَوائِمُ الحَيَوانِ، والشَّوى: كُلُّ عُضْوٍ لَيْسَ بِمَقْتَلٍ، ومِنهُ: رَمى فَأشْوى: إذا لَمْ يُصِبِ المَقْتَلَ، والشَّوى: زَوالُ المالِ، والشَّوى: الشَّيْءُ الهَيِّنُ اليَسِيرُ. الهَلَعُ: الفَزَعُ والِاضْطِرابُ السَّرِيعُ عِنْدَ مَسِّ المَكْرُوهِ، والمَنعُ السَّرِيعُ عِنْدَ مَسِّ الخَيْرِ، مِن قَوْلِهِمْ: ناقَةٌ هَلُوعٌ، سَرِيعَةُ السَّيْرِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الهَلَعُ في اللُّغَةِ أشَدُّ الحِرْصِ وأسْوَأُ الجَزَعِ. الجَزَعُ: الخَوْفُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎جَزَعْتُ ولَمْ أجْزَعْ مِنَ البَيْنِ مَجْزَعًا
عِزِينَ جَمْعُ عِزَةٍ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: جَماعاتٌ في تَفْرِقَةٍ، (p-٣٣١)وقِيلَ: الجَمْعُ اليَسِيرُ كَثَلاثَةٍ ثَلاثَةٍ وأرْبَعَةٍ أرْبَعَةٍ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: في الدّارِ عِزُونَ أيْ: أصْنافٌ مِنَ النّاسِ، وقالَ عَنْتَرَةُ:
؎وقَرْنٍ قَدْ تَرَكْتُ لِذِي ولِيٍّ ∗∗∗ عَلَيْهِ الطَّيْرُ كالعُصْبِ العَزِينِ
(وقالَ الرّاعِي):
؎أخَلِيفَةَ الرَّحْمَنِ إنَّ عَشِيرَتِي ∗∗∗ أمْسى سَوامُهم عِزِينَ فُلُولا
(وقالَ الكُمَيْتُ):
؎ونَحْنُ وجَنْدَلٌ باغٍ تَرَكْنا ∗∗∗ كَتائِبَ جَنْدَلٍ شَتّى عِزِينا
(وقالَ آخَرُ):
؎تَرانا عِنْدَهُ واللَّيْلُ داجٍ ∗∗∗ عَلى أبْوابِهِ حِلَقًا عِزِينا
(وقالَ آخَرُ):
؎فَلَمّا أنْ أتَيْنَ عَلى أُضاحٍ ∗∗∗ ضَرَحْنَ حَصاهُ أشْتاتًا عِزِينا
و(عِزَةٌ) مِمّا حُذِفَتْ لامُهُ، فَقِيلَ: هي واوٌ وأصْلُهُ عِزْوَةٌ، كَأنَّ كُلَّ فِرْقَةٍ تَعْتَزِي إلى غَيْرِ مَن تَعْتَزِي إلَيْهِ الأُخْرى، فَهم مُتَفَرِّقُونَ. ويُقالُ: عَزاهُ يَعْزُوهُ: إذا أضافَهُ إلى غَيْرِهِ. وقِيلَ: لامُها هاءٌ والأصْلُ عِزْهَةٌ، وجُمِعَتْ عِزَةٌ بِالواوِ والنُّونِ، كَما جُمِعَتْ سَنَةٌ وأخَواتُها بِذَلِكَ، وتُكْسَرُ العَيْنُ في الجَمْعِ وتُضَمُّ. وقالُوا: عِزًى عَلى فِعَلٍ، ولَمْ يَقُولُوا عِزاتٍ.
﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ ﴿لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ﴾ ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي المَعارِجِ﴾ [المعارج: ٣] ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] ﴿فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ [المعارج: ٥] ﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ [المعارج: ٦] ﴿ونَراهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: ٧] ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ [المعارج: ٨] ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ﴾ [المعارج: ٩] ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج: ١٠] ﴿يُبَصَّرُونَهم يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾ [المعارج: ١١] ﴿وصاحِبَتِهِ وأخِيهِ﴾ [المعارج: ١٢] ﴿وفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ [المعارج: ١٣] ﴿ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾ [المعارج: ١٤] ﴿كَلّا إنَّها لَظى﴾ [المعارج: ١٥] ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ [المعارج: ١٦] ﴿تَدْعُو مَن أدْبَرَ وتَوَلّى﴾ [المعارج: ١٧] ﴿وجَمَعَ فَأوْعى إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج: ١٨] ﴿إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ [المعارج: ٢٠] ﴿وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ٢١] ﴿إلّا المُصَلِّينَ الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ [المعارج: ٢٢] ﴿والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج: ٢٤] ﴿لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٥] ﴿والَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المعارج: ٢٦] ﴿والَّذِينَ هم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المعارج: ٢٧] ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ [المعارج: ٢٨] ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ [المعارج: ٢٩] ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المعارج: ٣٠] ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ [المعارج: ٣١] ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ [المعارج: ٣٢] ﴿والَّذِينَ هم بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ﴾ [المعارج: ٣٣] ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ [المعارج: ٣٤] ﴿أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ [المعارج: ٣٥] .
(p-٣٣٢)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. قالَ الجُمْهُورُ: نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ حِينَ قالَ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآيَةِ. وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: في أبِي جَهْلٍ. وقِيلَ: في جَماعَةٍ مِن قُرَيْشٍ قالُوا: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآيَةِ. وقِيلَ: السّائِلُ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَألَ العَذابَ عَلى الكافِرِينَ. وقِيلَ: السّائِلُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَألَ اللَّهَ أنْ يَشْدُدَ وطْأتَهُ عَلى مُضَرَ. الحَدِيثَ، فاسْتَجابَ اللَّهُ دَعَوْتَهُ. ومُناسَبَةُ أوَّلِها لِآخِرِ ما قَبْلَها: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ ﴿وإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾ [الحاقة: ٤٩] أخْبَرَ عَنْ ما صَدَرَ عَنْ بَعْضِ المُكَذِّبِينَ بِنِقَمِ اللَّهِ، وإنْ كانَ السّائِلُ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوِ الرَّسُولَ، ﷺ . فَناسَبَ تَكْذِيبَ المُكَذِّبِينَ أنْ دَعا عَلَيْهِمْ رَسُولُهم حَتّى يُصابُوا فَيَعْرِفُوا صِدْقَ ما جاءَهم بِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿سَألَ﴾ بِالهَمْزِ أيْ: دَعا داعٍ، مِن قَوْلِهِمْ: دَعا بِكَذا: إذا اسْتَدْعاهُ وطَلَبَهُ، فالباءُ عَلى أصْلِها. وقِيلَ: المَعْنى بَحَثَ باحِثٌ واسْتَفْهَمَ. قِيلَ: فالباءُ بِمَعْنى (عَنْ) .
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: (سالَ) بِألِفٍ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ أُبْدِلَتْ هَمْزَتُهُ ألِفًا، وهو بَدَلٌ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، وإنَّما قِياسُ هَذا بَيْنَ بَيْنَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى لُغَةِ مَن قالَ: سَلْتُ أسالُ، حَكاها سِيبَوَيْهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هي لُغَةُ قُرَيْشٍ، يَقُولُونَ: سَلْتَ تَسالُ، وهُما يَتَسايَلانِ. انْتَهى. ويَنْبَغِي أنْ يُتَثَبَّتَ في قَوْلِهِ إنَّها لُغَةُ قُرَيْشٍ؛ لِأنَّ ما جاءَ في القُرْآنِ مِن بابِ السُّؤالِ هو مَهْمُوزٌ أوْ أصْلُهُ الهَمْزُ، كَقِراءَةِ مَن قَرَأ: وسَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ، إذْ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن سالَ الَّتِي عَيْنُها واوٌ، إذْ كانَ يَكُونُ ذَلِكَ وسَلُوا اللَّهَ مِثْلَ: خافُوا الأمْرَ، فَيَبْعُدُ أنْ يَجِيءَ ذَلِكَ كُلُّهُ عَلى لُغَةٍ غَيْرَ قُرَيْشٍ، وهُمُ الَّذِينَ نَزَلَ القُرْآنُ بِلُغَتِهِمْ إلّا يَسِيرًا فِيهِ لُغَةُ غَيْرِهِمْ. ثُمَّ جاءَ في كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ: وهُما يَتَسايَلانِ، بِالياءِ، وأظُنُّهُ مِنَ النّاسِخِ، وإنَّما هو يَتَساوَلانِ بِالواوِ. فَإنْ تَوافَقَتِ النُّسَخُ بِالياءِ، فَيَكُونُ التَّحْرِيفُ مِنَ الزَّمَخْشَرِيِّ. وعَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ مِنَ السُّؤالِ، فَسائِلٌ اسْمُ فاعِلٍ مِنهُ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الخِلافِ في السّائِلِ مَن هو. وقِيلَ: سالَ مِنَ السَّيَلانِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ: سالَ سايِلٌ. وقالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: في جَهَنَّمَ وادٍ يُسَمّى سايِلًا وأخْبَرَ هُنا عَنْهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ إنْ لَمْ يَصِحَّ أمْرُ الوادِي أنْ يَكُونَ الإخْبارُ عَنْ نُفُوذِ القَدَرِ بِذَلِكَ العَذابِ قَدِ اسْتُعِيرَ لَهُ السَّيْلُ لِما عُهِدَ مِن نُفُوذِ السَّيْلِ وتَصْمِيمِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والسَّيْلُ مَصْدَرٌ في مَعْنى السّايِلِ، كالغَوْرِ بِمَعْنى الغايِرِ، والمَعْنى: انْدَفَعَ عَلَيْهِمْ وادِي عَذابٍ، فَذَهَبَ بِهِمْ وأهْلَكَهم. انْتَهى. وإذا كانَ السّائِلُ هُمُ الكُفّارُ، فَسُؤالُهم إنَّما كانَ عَلى أنَّهُ كَذِبٌ عِنْدَهم، فَأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ واقِعٌ وعِيدًا لَهم. وقَرَأ أُبَيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ: سالَ سالٍ، مِثْلُ: مالٍ، بِإلْقاءِ صُورَةِ الهَمْزَةِ، وهي الياءُ مِنَ الخَطِّ تَخْفِيفًا. قِيلَ: والمُرادُ سائِلٌ. انْتَهى. ولَمْ يُحْكَ هَلْ قَرَأ بِالهَمْزِ أوْ بِإسْقاطِها البَتَّةَ. فَإنْ قَرَأ بِالهَمْزِ فَظاهِرٌ، وإنْ قَرَأ بِحَذْفِها فَهو مِثْلُ شاكَ شايِكٌ، حُذِفَتْ عَيْنُهُ واللّامُ جَرى فِيها الإعْرابُ، والظّاهِرُ تَعَلُّقُ (بِعَذابٍ) بِـ (سالَ) وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: يَتَعَلَّقُ بِمَصْدَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما سُؤالُهُ ؟ فَقِيلَ: سُؤالُهُ بِعَذابٍ، والظّاهِرُ اتِّصالُ الكافِرِينَ بِـ (واقِعٍ) فَيَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِهِ، واللّامُ لِلْعِلَّةِ، أيْ: نازِلٌ بِهِمْ لِأجْلِهِمْ، أيْ: لِأجْلِ كُفْرِهِمْ، أوْ عَلى أنَّ اللّامَ بِمَعْنى (عَلى) قالَهُ بَعْضُ النُّحاةِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ: عَلى الكافِرِينَ، أوْ عَلى أنَّهُ في مَوْضِعٍ، أيْ: واقِعٌ كائِنٌ لِلْكافِرِينَ. وقالَ قَتادَةُ والحَسَنُ: المَعْنى كَأنَّ قائِلًا قالَ: لِمَن هَذا العَذابُ الواقِعُ ؟ فَقِيلَ: لِلْكافِرِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ بِالفِعْلِ، أيْ دُعاءٌ لِلْكافِرِينَ، (p-٣٣٣)ثُمَّ قالَ: وعَلى الثّانِي - وهو ثانِي ما ذَكَرَ مِن تَوْجِيهِهِ في الكافِرِينَ - قالَ: هو كَلامٌ مُبْتَدَأٌ جَوابٌ لِلسّائِلِ، أيْ: هو لِلْكافِرِينَ، وكانَ قَدْ قَرَّرَ أنَّ سالَ ضُمِّنَ مَعْنى دَعا، فَعُدِّيَ تَعْدِيَتَهُ كَأنَّهُ قالَ: دَعا داعٍ بِعَذابٍ مِن قَوْلِكَ: دَعا بِكَذا: إذا اسْتَدْعاهُ وطَلَبَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ [الدخان: ٥٥] . انْتَهى. فَعَلى ما قَرَّرَهُ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ (دَعا) يَعْنِي بِـ (سالَ) فَكَيْفَ يَكُونُ كَلامًا مُبْتَدَأً جَوابًا لِلسّائِلِ ؟ أيْ هو لِلْكافِرِينَ ؟ هَذا لا يَصِحُّ. فَقَدْ أخَذَ قَوْلَ قَتادَةَ والحَسَنِ وأفْسَدَهُ، والأجْوَدُ أنْ يَكُونَ (مِنَ اللَّهِ) مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: (واقِعٍ) . و﴿لَيْسَ لَهُ دافِعٌ﴾: جُمْلَةُ اعْتِراضٍ بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ. وقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِدافِعٍ، أيْ: مِن جِهَتِهِ إذا جاءَ وقْتُهُ.
المعارج 70:3
﴿ذِي المَعارِجِ﴾: المَعارِجُ لُغَةً الدَّرَجُ وهُنا اسْتِعارَةٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: في الرُّتَبِ والفَواضِلِ والصِّفاتِ الحَمِيدَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَعارِجُ، السَّماواتُ تَعْرُجُ فِيها المَلائِكَةُ مِن سَماءٍ إلى سَماءٍ. وقالَ الحَسَنُ: هي المَراقِي إلى السَّماءِ، وقِيلَ: المَعارِجُ، الغُرَفُ، أيْ: جَعَلَها لِأوْلِيائِهِ في الجَنَّةِ.
(تَعْرُجُ) قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِالتّاءِ عَلى التَّأْنِيثِ، وعَبْدُ اللَّهِ والكِسائِيُّ وابْنُ مِقْسَمٍ وزائِدَةُ عَنِ الأعْمَشِ بِالياءِ. (والرُّوحُ) قالَ الجُمْهُورُ: هو جِبْرِيلُ، خُصَّ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا، وأُخِّرَ هُنا بَعْدَ المَلائِكَةِ، وقُدِّمَ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبإ: ٣٨] . وقالَ مُجاهِدٌ: مَلائِكَةٌ حَفَظَةٌ لِلْمَلائِكَةِ الحافِظِينَ لِبَنِي آدَمَ، لا تَراهُمُ الحَفَظَةُ كَما لا نَرى نَحْنُ حَفَظَتَنا. وقِيلَ: الرُّوحُ مَلَكٌ غَيْرُ جِبْرِيلُ عَظِيمُ الخِلْقَةِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: خَلْقٌ كَهَيْئَةِ النّاسِ ولَيْسُوا بِالنّاسِ. وقالَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ: رُوحُ المَيِّتِ حِينَ تُقْبَضُ إلَيْهِ، الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ إلى عَرْشِهِ وحَيْثُ يَهْبِطُ مِنهُ أمْرُهُ تَعالى. وقِيلَ: ”إلَيْهِ“ أيْ: إلى المَكانِ الَّذِي هو مَحِلُّهم وهو في السَّماءِ؛ لِأنَّها مَحِلُّ بِرِّهِ وكَرامَتِهِ، والظّاهِرُ أنَّ المَعْنى: أنَّها تَعْرُجُ في يَوْمٍ مِن أيّامِكم هَذِهِ، ومِقْدارُ المَسافَةِ أنْ لَوْ عَرَجَها آدَمِيٌّ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ إسْحاقَ، وجَماعَةٌ مِنَ الحُذّاقِ مِنهُمُ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ. فَإنْ كانَ العارِجُ مَلَكًا، فَقالَ مُجاهِدٌ: المَسافَةُ هي مِن قَعْرِ الأرْضِ السّابِعَةِ إلى العَرْشِ. ومَن جَعَلَ الرُّوحَ جِنْسَ أنْواعِ الحَيَوانِ. قالَ وهْبٌ: المَسافَةُ مِن وجْهِ الأرْضِ إلى مُنْتَهى العَرْشِ. وقالَ عِكْرِمَةُ والحَكَمُ: أرادَ مُدَّةَ الدُّنْيا، فَإنَّها خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ لا يَدْرِي أحَدٌ ما مَضى مِنها وما بَقِيَ، أيْ: تَعْرُجُ في مُدَّةِ الدُّنْيا وبَقاءِ هَذِهِ البِنْيَةَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هو يَوْمُ القِيامَةِ. وقِيلَ: طُولُهُ ذَلِكَ العَدَدُ، وهَذا ظاهِرُ ما جاءَ في الحَدِيثِ في مانِعِ الزَّكاةِ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: قَدَّرَهُ في رَزاياهُ وهَوْلِهِ وشِدَّتِهِ لِلْكُفّارِ ذَلِكَ العَدَدَ. وفي الحَدِيثِ: ”يَخِفُّ عَلى المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ أخَفَّ عَلَيْهِ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ“ . وقالَ عِكْرِمَةُ: مِقْدارُ ما يَنْقَضِي فِيهِ مِنَ الحِسابِ قَدْرُ ما يَقْضِي بِالعَدْلِ في خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا. وقالَ الحَسَنُ نَحْوَهُ. وقِيلَ: لا يُرادُ حَقِيقَةَ العَدَدِ، إنَّما أُرِيدَ بِهِ طُولُ المَوْقِفِ يَوْمَ القِيامَةِ وما فِيهِ مِنَ الشَّدائِدِ، والعَرَبُ تَصِفُ أيّامَ الشِّدَّةِ بِالطُّولِ، وأيّامَ الفَرَحِ بِالقِصَرِ. قالَ الشّاعِرُ يَصِفُ أيّامَ الفَرَحِ والسُّرُورِ:
؎ويَوْمٍ كَظِلِّ الرُّمْحِ قَصَّرَ طُولَهُ دَمُ الزِّقِّ عَنّا واصْطِفاقُ المَزاهِرِ
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: في يَوْمٍ مُتَعَلِّقٌ بِـ (تَعَرُّجِ) وقِيلَ: بِـ (دافِعٍ) والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (تَعْرُجُ) اعْتِراضٌ. ولَمّا كانُوا قَدْ سَألُوا اسْتِعْجالَ العَذابِ، وكانَ السُّؤالُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والتَّكْذِيبِ، وكانُوا قَدْ وُعِدُوا بِهِ، أمَرَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ، ومَن جَعَلَهُ مِنَ السَّيَلانِ، فالمَعْنى: أنَّهُ أشْرَفَ عَلى الوُقُوعِ، والضَّمِيرُ في ﴿يَرَوْنَهُ﴾ عائِدٌ عَلى العَذابِ أوْ عَلى اليَوْمِ، إذا أُرِيدَ بِهِ يَوْمُ القِيامَةِ، وهَذا الِاسْتِبْعادُ هو عَلى سَبِيلِ الإحالَةِ مِنهم.
﴿ونَراهُ قَرِيبًا﴾ أيْ: هَيِّنًا في قُدْرَتِنا، غَيْرَ بَعِيدٍ عَلَيْنا ولا مُتَعَذِّرٍ، وكُلُّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ، والبُعْدُ والقُرْبُ في الإمْكانِ لا في المَسافَةِ.
﴿يَوْمَ تَكُونُ﴾: مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: يَقَعُ يَوْمَ تَكُونُ، أوْ ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ كانَ (p-٣٣٤)كَيْتَ وكَيْتَ، أوْ بِـ (قَرِيبًا) أوْ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ ”نَراهُ“ إذا كانَ عائِدًا عَلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ هو بَدَلٌ مِن في يَوْمٍ فِيمَن عَلَّقَهُ بِـ (واقِعٍ) . انْتَهى. ولا يَجُوزُ هَذا؛ لِأنَّ في يَوْمٍ وإنْ كانَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لا يُبْدَلُ مِنهُ مَنصُوبٌ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا لَيْسَ مِنَ المَواضِعِ الَّتِي تُراعى في التَّوابِعِ؛ لِأنَّ حَرْفَ الجَرِّ فِيها لَيْسَ بِزائِدٍ، ولا مَحْكُومٍ لَهُ بِحُكْمِ الزّائِدِ كَـ (رُبَّ) وإنَّما يَجُوزُ مُراعاةُ المَواضِعِ في حَرْفِ الجَرِّ الزّائِدِ كَقَوْلِهِ:
؎يا بَنِي لُبَيْنى لَسْتُما بِيَدٍ ∗∗∗ إلّا يَدًا لَيْسَتْ لَها عَضُدُ
ولِذَلِكَ لا يَجُوزُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ الخَيّاطِ، عَلى مُراعاةِ مَوْضِعِ بِزَيْدٍ، ولا مَرَرْتُ بِزَيْدٍ وعَمْرًا، ولا غَضِبْتُ عَلى زَيْدٍ وجَعْفَرًا، ولا مَرَرْتُ بِعَمْرٍو أخاكَ عَلى مُراعاةِ المَوْضِعِ. (فَإنْ قُلْتَ): الحَرَكَةُ في (يَوْمَ) تَكُونُ حَرَكَةَ بِناءٍ لا حَرَكَةَ إعْرابٍ، فَهو مَجْرُورٌ مِثْلُ في يَوْمٍ (قُلْتُ): لا يَجُوزُ بِناؤُهُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّهُ أُضِيفَ إلى مُعْرَبٍ، لَكِنَّهُ يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، فَيَتَمَشّى كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ عَلى مَذْهَبِهِمْ إنْ كانَ اسْتَحْضَرَهُ وقَصَدَهُ.
(كالمُهْلِ) تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في سُورَةِ الدُّخانِ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] كَما في القارِعَةِ، لَمّا نُسِفَتْ طارَتْ في الجَوِّ كالصُّوفِ المَنفُوشِ إذا طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ. قالَ الحَسَنُ: تَسِيرُ الجِبالُ مَعَ الرِّياحِ، ثُمَّ تَنْهَدُّ، ثُمَّ تَصِيرُ كالعِهْنِ، ثُمَّ تُنْسَفُ فَتَصِيرُ هَباءً. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ولا يَسْألُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، أيْ: لا يَسْألُهُ نُصْرَةً ولا مَنفَعَةً لِعِلْمِهِ أنَّهُ لا يَجِدُ ذَلِكَ عِنْدَهُ. وقالَ قَتادَةُ: لا يَسْألُهُ عَنْ حالِهِ لِأنَّها ظاهِرَةٌ. وقِيلَ: لا يَسْألُهُ أنْ يَحْمِلَ عَنْهُ مِن أوْزارِهِ شَيْئًا لِيَأْسِهِ عَنْ ذَلِكَ. وقِيلَ: شَفاعَةً. وقِيلَ: ”حَمِيمًا“ مَنصُوبٌ عَلى إسْقاطِ عَنْ، أيْ: عَنْ حَمِيمٍ، لِشَغْلِهِ بِما هو فِيهِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ والبَزِّيُّ بِخِلافٍ عَنْ ثَلاثَتِهِمْ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ: لا يُسْألُ إحْضارَهُ، كُلٌّ مِنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ لَهُ سِيما يُعْرَفُ بِها. وقِيلَ: عَنْ ذُنُوبِ حَمِيمِهِ لِيُؤْخَذَ بِها.
﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾: اسْتِئْنافُ كَلامٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في المَحْشَرِ يُبَصَّرُ الحَمِيمُ حَمِيمَهُ، ثُمَّ يَفِرُّ عَنْهُ لِشُغْلِهِ بِنَفْسِهِ. وقِيلَ: يُبَصَّرُونَهم في النّارِ. وقِيلَ: يُبَصَّرُونَهم فَلا يَحْتاجُونَ إلى السُّؤالِ والطَّلَبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”يُبَصَّرُونَهم“ صِفَةً، أيْ: حَمِيمًا مُبَصَّرِينَ مُصَرِّفِينَ إيّاهم. انْتَهى. و﴿حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾: نَكِرَتانِ في سِياقِ النَّفْيِ فَيَعُمّانِ، ولِذَلِكَ جُمِعَ الضَّمِيرُ. وقَرَأ قَتادَةُ: ”يُبْصِرُونَهم“ مُخَفَّفًا مَعَ كَسْرِ الصّادِ، أيْ: يُبْصِرُ المُؤْمِنُ الكافِرَ في النّارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُبْصِرُ الكافِرُ مَن أضَلَّهُ في النّارِ عِبْرَةً وانْتِقامًا وحُزْنًا.
﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ﴾ أيِ: الكافِرُ، وقَدْ يَنْدَرِجُ فِيهِ المُؤْمِنُ العاصِي الَّذِي يُعَذَّبُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِن عَذابِ مُضافًا. وأبُو حَيْوَةَ بِفَتْحِها. (وصاحِبَتِهِ): زَوْجَتُهُ ﴿وفَصِيلَتِهِ﴾: أقْرِباؤُهُ الأدْنُونَ ﴿تُؤْوِيهِ﴾: تَضُمُّهُ انْتِماءً إلَيْها، أوْ لِياذًا بِها في النَّوائِبِ.
﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾: عَطْفٌ عَلى ﴿يَفْتَدِي﴾ أيْ: يُنْجِيهِ بِالِافْتِداءِ، أوْ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهم. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: تُؤْوِيهِ وتُنْجِيهِ بِضَمِّ الهاءَيْنِ. (كَلّا): رَدْعٌ لِوِدادَتِهِمُ الِافْتِداءَ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا يَنْفَعُ. (إنَّها): الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ، و﴿لَظى نَزّاعَةً﴾: تَفْسِيرٌ لَها أوْ لِلنّارِ الدّالِّ عَلَيْها ﴿عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ و﴿لَظى﴾ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ، و﴿نَزّاعَةً﴾ خَبَرُ إنَّ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، و﴿لَظى﴾ خَبَرُ إنَّ أيْ: هي نَزّاعَةٌ، أوْ بَدَلٌ مِن ﴿لَظى﴾ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ. كُلُّ هَذا ذَكَرُوهُ، وذَلِكَ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِرَفْعِ ”نَزّاعَةٌ“ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا مُبْهَمًا تَرْجَمَ عَنْهُ الخَبَرُ. انْتَهى. ولا أدْرِي ما هَذا المُضْمَرُ الَّذِي تَرْجَمَ عَنْهُ الخَبَرُ، ولَيْسَ هَذا مِنَ المَواضِعِ الَّتِي يُفَسِّرُ فِيها المُفْرَدُ الضَّمِيرَ، ولَوْلا أنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ هَذا: أوْ ضَمِيرُ القِصَّةِ، لَحَمَلْتُ كَلامَهُ عَلَيْهِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو حَيْوَةَ، والزَّعْفَرانِيُّ وابْنُ مِقْسَمٍ وحَفْصٌ واليَزِيدِيُّ في اخْتِيارِهِ ”نَزّاعَةً“ بِالنَّصْبِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ ﴿لَظى﴾ خَبَرًا لِـ (إنَّ) والضَّمِيرُ في ”إنَّها“ عائِدٌ عَلى النّارِ الدّالِّ عَلَيْها (عَذابٌ) وانْتَصَبَ ”نَزّاعَةً“ عَلى الحالِ المُؤَكَّدَةِ أوِ المُبَيَّنَةِ، والعامِلُ فِيها ﴿لَظى﴾ وإنْ كانَ عامِلًا لِما فِيهِ مِن مَعْنى التَّلَظِّي، كَما عَمِلَ العَلَمُ في الظَّرْفِ في قَوْلِهِ:
؎أنا أبُو المِنهالِ بَعْضَ الأحْيانِ
أيْ: المَشْهُورُ بَعْضَ (p-٣٣٥)الأحْيانِ، أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ لِلتَّهْوِيلِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وكَأنَّهُ يَعْنِي القَطْعَ. فالنَّصْبُ فِيها كالرَّفْعِ فِيها، إذا أضْمَرْتَ (هو) فَتُضْمِرُ هُنا، أعْنِي تَدْعُو، أيْ حَقِيقَةً يَخْلُقُ اللَّهُ فِيها الكَلامَ كَما يَخْلُقُهُ في الأعْضاءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، تَدْعُوهم بِأسْمائِهِمْ وأسْماءِ آبائِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَما خَلَقَهُ في الشَّجَرَةِ. انْتَهى، فَلَمْ يَتْرُكْ مَذْهَبَ الِاعْتِزالِ. وقالَ الخَلِيلُ: مَجازٌ عَنِ اسْتِدْنائِها مِنهم وما تُوقِعُهُ بِهِمْ مِن عَذابِها. وقالَ ثَعْلَبٌ: يَهْلِكُ، تَقُولُ العَرَبُ: دَعا اللَّهَ، أيْ أهْلَكَكَ، وحَكاهُ الخَلِيلُ عَنِ العَرَبِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَيالِيَ يَدْعُونِي الهَوى فَأُجِيبُهُ ∗∗∗ وأعْيُنُ مَن أهْوى إلَيَّ رَوانِي
(وقالَ آخَرُ):
؎تَرَفَّعَ لِلْعِيانِ وكُلُّ فَجٍّ ∗∗∗ طَباهُ الرِّعْيُ مِنهُ والخَلاءُ
يَصِفُ ظَلِيمًا، وطَباهُ أيْ: دَعاهُ، والهَوى والرِّعْيُ لا يُدْعَوانِ حَقِيقَةً، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ فِيهِما ما يَجْذِبُ صارا داعِيَيْنِ مَجازًا. وقِيلَ: تَدْعُو، أيْ: خَزَنَةُ جَهَنَّمَ، أُضِيفَ دُعاؤُهم إلَيْها ﴿مَن أدْبَرَ﴾ عَنِ الحَقِّ ﴿وتَوَلّى وجَمَعَ فَأوْعى﴾ أيْ: وجَمَعَ المالَ، فَجَعَلَهُ في وِعاءٍ وكَنَزَهُ ولَمْ يُؤَدِّ حَقَّ اللَّهِ فِيهِ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى كُفّارٍ أغْنِياءَ. وقالَ الحَكِيمُ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَكِيمٍ لا يَرْبُطُ كِيسَهُ ويَقُولُ: سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ .
﴿إنَّ الإنْسانَ﴾ جِنْسٌ، ولِذَلِكَ اسْتَثْنى مِنهُ ﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾ . وقِيلَ: الإشارَةُ إلى الكُفّارِ. وقالَ ثَعْلَبٌ: قالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طاهِرٍ: ما الهَلَعُ ؟ فَقُلْتُ: قَدْ فَسَّرَهُ اللَّهُ تَعالى، ولا يَكُونُ تَفْسِيرٌ أبْيَنَ مِن تَفْسِيرِهِ، وهو الَّذِي إذا نالَهُ شَرٌّ أظْهَرَ شِدَّةَ الجَزَعِ، وإذا نالَهُ خَيْرٌ بَخِلَ بِهِ ومَنَعَهُ النّاسَ. انْتَهى.
ولَمّا كانَ شِدَّةُ الجَزَعِ والمَنعِ مُتَمَكِّنَةً في الإنْسانِ، جُعِلَ كَأنَّهُ خُلِقَ مَحْمُولًا عَلَيْهِما، كَقَوْلِهِ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] والخَيْرُ: المالُ.
﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾: اسْتِثْناءٌ كَما قُلْنا مِنَ الإنْسانِ، ولِذَلِكَ وصَفَهم بِما وصَفَهم بِهِ مِنَ الصَّبْرِ عَلى المَكارِهِ، والصِّفاتِ الجَمِيلَةِ الَّتِي حاوَرُوها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: عَلى صَلاتِهِمْ بِالإفْرادِ. والحَسَنُ جَمْعًا. ودَيْمُومَتُها، قالَ الجُمْهُورُ: المُواظَبَةُ عَلَيْها. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: صَلاتُها لِوَقْتِها. وقالَ عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ: يُقِرُّونَ فِيها ولا يَلْتَفِتُونَ يَمِينًا ولا شِمالًا، ومِنهُ المالُ الدّائِمُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: دَوامُهم عَلَيْها أنْ يُواظِبُوا عَلى أدائِها ولا يَشْتَغِلُونَ عَنْها بِشَيْءٍ، ومُحافَظَتُهم عَلَيْها أنْ يُراعُوا إسْباغَ الوُضُوءِ لَها ومَواقِيتِها، ويُقِيمُوا أرْكانَها ويُكْمِلُوها بِسُنَنِها وأدائِها، ويَحْفَظُونَها مِنَ الإحْباطِ بِاقْتِرانِ المَآثِمِ، والدَّوامِ يَرْجِعُ إلى أنْفُسِ الصَّلَواتِ والمُحافَظَةِ عَلى أحْوالِها. انْتَهى. وهو جَوابُهُ لِسُؤالِهِ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ قالَ: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ . وأقُولُ: إنَّ الدَّيْمُومَةَ عَلى الشَّيْءِ والمُحافَظَةِ عَلَيْهِ شَيْءٌ واحِدٌ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَتِ الصَّلاةُ هي عَمُودُ الإسْلامِ بُولِغَ في التَّوْكِيدِ فِيها، فَذُكِرَتْ أوَّلَ خِصالِ الإسْلامِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ وآخِرَها؛ لِيُعْلَمَ مَرْتَبَتُها في الأرْكانِ الَّتِي بُنِيَ الإسْلامُ عَلَيْها، والصِّفاتُ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها، ومُعْظَمُها في سُورَةِ قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”بِشَهادَتِهِمْ“ عَلى الإفْرادِ. والسُّلَمِيُّ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ: عَلى الجَمْعِ.
المعارج 70:4
﴿ذِي المَعارِجِ﴾: المَعارِجُ لُغَةً الدَّرَجُ وهُنا اسْتِعارَةٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: في الرُّتَبِ والفَواضِلِ والصِّفاتِ الحَمِيدَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَعارِجُ، السَّماواتُ تَعْرُجُ فِيها المَلائِكَةُ مِن سَماءٍ إلى سَماءٍ. وقالَ الحَسَنُ: هي المَراقِي إلى السَّماءِ، وقِيلَ: المَعارِجُ، الغُرَفُ، أيْ: جَعَلَها لِأوْلِيائِهِ في الجَنَّةِ.
(تَعْرُجُ) قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِالتّاءِ عَلى التَّأْنِيثِ، وعَبْدُ اللَّهِ والكِسائِيُّ وابْنُ مِقْسَمٍ وزائِدَةُ عَنِ الأعْمَشِ بِالياءِ. (والرُّوحُ) قالَ الجُمْهُورُ: هو جِبْرِيلُ، خُصَّ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا، وأُخِّرَ هُنا بَعْدَ المَلائِكَةِ، وقُدِّمَ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبإ: ٣٨] . وقالَ مُجاهِدٌ: مَلائِكَةٌ حَفَظَةٌ لِلْمَلائِكَةِ الحافِظِينَ لِبَنِي آدَمَ، لا تَراهُمُ الحَفَظَةُ كَما لا نَرى نَحْنُ حَفَظَتَنا. وقِيلَ: الرُّوحُ مَلَكٌ غَيْرُ جِبْرِيلُ عَظِيمُ الخِلْقَةِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: خَلْقٌ كَهَيْئَةِ النّاسِ ولَيْسُوا بِالنّاسِ. وقالَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ: رُوحُ المَيِّتِ حِينَ تُقْبَضُ إلَيْهِ، الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ إلى عَرْشِهِ وحَيْثُ يَهْبِطُ مِنهُ أمْرُهُ تَعالى. وقِيلَ: ”إلَيْهِ“ أيْ: إلى المَكانِ الَّذِي هو مَحِلُّهم وهو في السَّماءِ؛ لِأنَّها مَحِلُّ بِرِّهِ وكَرامَتِهِ، والظّاهِرُ أنَّ المَعْنى: أنَّها تَعْرُجُ في يَوْمٍ مِن أيّامِكم هَذِهِ، ومِقْدارُ المَسافَةِ أنْ لَوْ عَرَجَها آدَمِيٌّ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ إسْحاقَ، وجَماعَةٌ مِنَ الحُذّاقِ مِنهُمُ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ. فَإنْ كانَ العارِجُ مَلَكًا، فَقالَ مُجاهِدٌ: المَسافَةُ هي مِن قَعْرِ الأرْضِ السّابِعَةِ إلى العَرْشِ. ومَن جَعَلَ الرُّوحَ جِنْسَ أنْواعِ الحَيَوانِ. قالَ وهْبٌ: المَسافَةُ مِن وجْهِ الأرْضِ إلى مُنْتَهى العَرْشِ. وقالَ عِكْرِمَةُ والحَكَمُ: أرادَ مُدَّةَ الدُّنْيا، فَإنَّها خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ لا يَدْرِي أحَدٌ ما مَضى مِنها وما بَقِيَ، أيْ: تَعْرُجُ في مُدَّةِ الدُّنْيا وبَقاءِ هَذِهِ البِنْيَةَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هو يَوْمُ القِيامَةِ. وقِيلَ: طُولُهُ ذَلِكَ العَدَدُ، وهَذا ظاهِرُ ما جاءَ في الحَدِيثِ في مانِعِ الزَّكاةِ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: قَدَّرَهُ في رَزاياهُ وهَوْلِهِ وشِدَّتِهِ لِلْكُفّارِ ذَلِكَ العَدَدَ. وفي الحَدِيثِ: ”يَخِفُّ عَلى المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ أخَفَّ عَلَيْهِ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ“ . وقالَ عِكْرِمَةُ: مِقْدارُ ما يَنْقَضِي فِيهِ مِنَ الحِسابِ قَدْرُ ما يَقْضِي بِالعَدْلِ في خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا. وقالَ الحَسَنُ نَحْوَهُ. وقِيلَ: لا يُرادُ حَقِيقَةَ العَدَدِ، إنَّما أُرِيدَ بِهِ طُولُ المَوْقِفِ يَوْمَ القِيامَةِ وما فِيهِ مِنَ الشَّدائِدِ، والعَرَبُ تَصِفُ أيّامَ الشِّدَّةِ بِالطُّولِ، وأيّامَ الفَرَحِ بِالقِصَرِ. قالَ الشّاعِرُ يَصِفُ أيّامَ الفَرَحِ والسُّرُورِ:
؎ويَوْمٍ كَظِلِّ الرُّمْحِ قَصَّرَ طُولَهُ دَمُ الزِّقِّ عَنّا واصْطِفاقُ المَزاهِرِ
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: في يَوْمٍ مُتَعَلِّقٌ بِـ (تَعَرُّجِ) وقِيلَ: بِـ (دافِعٍ) والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (تَعْرُجُ) اعْتِراضٌ. ولَمّا كانُوا قَدْ سَألُوا اسْتِعْجالَ العَذابِ، وكانَ السُّؤالُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والتَّكْذِيبِ، وكانُوا قَدْ وُعِدُوا بِهِ، أمَرَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ، ومَن جَعَلَهُ مِنَ السَّيَلانِ، فالمَعْنى: أنَّهُ أشْرَفَ عَلى الوُقُوعِ، والضَّمِيرُ في ﴿يَرَوْنَهُ﴾ عائِدٌ عَلى العَذابِ أوْ عَلى اليَوْمِ، إذا أُرِيدَ بِهِ يَوْمُ القِيامَةِ، وهَذا الِاسْتِبْعادُ هو عَلى سَبِيلِ الإحالَةِ مِنهم.
﴿ونَراهُ قَرِيبًا﴾ أيْ: هَيِّنًا في قُدْرَتِنا، غَيْرَ بَعِيدٍ عَلَيْنا ولا مُتَعَذِّرٍ، وكُلُّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ، والبُعْدُ والقُرْبُ في الإمْكانِ لا في المَسافَةِ.
﴿يَوْمَ تَكُونُ﴾: مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: يَقَعُ يَوْمَ تَكُونُ، أوْ ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ كانَ (p-٣٣٤)كَيْتَ وكَيْتَ، أوْ بِـ (قَرِيبًا) أوْ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ ”نَراهُ“ إذا كانَ عائِدًا عَلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ هو بَدَلٌ مِن في يَوْمٍ فِيمَن عَلَّقَهُ بِـ (واقِعٍ) . انْتَهى. ولا يَجُوزُ هَذا؛ لِأنَّ في يَوْمٍ وإنْ كانَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لا يُبْدَلُ مِنهُ مَنصُوبٌ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا لَيْسَ مِنَ المَواضِعِ الَّتِي تُراعى في التَّوابِعِ؛ لِأنَّ حَرْفَ الجَرِّ فِيها لَيْسَ بِزائِدٍ، ولا مَحْكُومٍ لَهُ بِحُكْمِ الزّائِدِ كَـ (رُبَّ) وإنَّما يَجُوزُ مُراعاةُ المَواضِعِ في حَرْفِ الجَرِّ الزّائِدِ كَقَوْلِهِ:
؎يا بَنِي لُبَيْنى لَسْتُما بِيَدٍ ∗∗∗ إلّا يَدًا لَيْسَتْ لَها عَضُدُ
ولِذَلِكَ لا يَجُوزُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ الخَيّاطِ، عَلى مُراعاةِ مَوْضِعِ بِزَيْدٍ، ولا مَرَرْتُ بِزَيْدٍ وعَمْرًا، ولا غَضِبْتُ عَلى زَيْدٍ وجَعْفَرًا، ولا مَرَرْتُ بِعَمْرٍو أخاكَ عَلى مُراعاةِ المَوْضِعِ. (فَإنْ قُلْتَ): الحَرَكَةُ في (يَوْمَ) تَكُونُ حَرَكَةَ بِناءٍ لا حَرَكَةَ إعْرابٍ، فَهو مَجْرُورٌ مِثْلُ في يَوْمٍ (قُلْتُ): لا يَجُوزُ بِناؤُهُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّهُ أُضِيفَ إلى مُعْرَبٍ، لَكِنَّهُ يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، فَيَتَمَشّى كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ عَلى مَذْهَبِهِمْ إنْ كانَ اسْتَحْضَرَهُ وقَصَدَهُ.
(كالمُهْلِ) تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في سُورَةِ الدُّخانِ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] كَما في القارِعَةِ، لَمّا نُسِفَتْ طارَتْ في الجَوِّ كالصُّوفِ المَنفُوشِ إذا طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ. قالَ الحَسَنُ: تَسِيرُ الجِبالُ مَعَ الرِّياحِ، ثُمَّ تَنْهَدُّ، ثُمَّ تَصِيرُ كالعِهْنِ، ثُمَّ تُنْسَفُ فَتَصِيرُ هَباءً. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ولا يَسْألُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، أيْ: لا يَسْألُهُ نُصْرَةً ولا مَنفَعَةً لِعِلْمِهِ أنَّهُ لا يَجِدُ ذَلِكَ عِنْدَهُ. وقالَ قَتادَةُ: لا يَسْألُهُ عَنْ حالِهِ لِأنَّها ظاهِرَةٌ. وقِيلَ: لا يَسْألُهُ أنْ يَحْمِلَ عَنْهُ مِن أوْزارِهِ شَيْئًا لِيَأْسِهِ عَنْ ذَلِكَ. وقِيلَ: شَفاعَةً. وقِيلَ: ”حَمِيمًا“ مَنصُوبٌ عَلى إسْقاطِ عَنْ، أيْ: عَنْ حَمِيمٍ، لِشَغْلِهِ بِما هو فِيهِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ والبَزِّيُّ بِخِلافٍ عَنْ ثَلاثَتِهِمْ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ: لا يُسْألُ إحْضارَهُ، كُلٌّ مِنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ لَهُ سِيما يُعْرَفُ بِها. وقِيلَ: عَنْ ذُنُوبِ حَمِيمِهِ لِيُؤْخَذَ بِها.
﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾: اسْتِئْنافُ كَلامٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في المَحْشَرِ يُبَصَّرُ الحَمِيمُ حَمِيمَهُ، ثُمَّ يَفِرُّ عَنْهُ لِشُغْلِهِ بِنَفْسِهِ. وقِيلَ: يُبَصَّرُونَهم في النّارِ. وقِيلَ: يُبَصَّرُونَهم فَلا يَحْتاجُونَ إلى السُّؤالِ والطَّلَبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”يُبَصَّرُونَهم“ صِفَةً، أيْ: حَمِيمًا مُبَصَّرِينَ مُصَرِّفِينَ إيّاهم. انْتَهى. و﴿حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾: نَكِرَتانِ في سِياقِ النَّفْيِ فَيَعُمّانِ، ولِذَلِكَ جُمِعَ الضَّمِيرُ. وقَرَأ قَتادَةُ: ”يُبْصِرُونَهم“ مُخَفَّفًا مَعَ كَسْرِ الصّادِ، أيْ: يُبْصِرُ المُؤْمِنُ الكافِرَ في النّارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُبْصِرُ الكافِرُ مَن أضَلَّهُ في النّارِ عِبْرَةً وانْتِقامًا وحُزْنًا.
﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ﴾ أيِ: الكافِرُ، وقَدْ يَنْدَرِجُ فِيهِ المُؤْمِنُ العاصِي الَّذِي يُعَذَّبُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِن عَذابِ مُضافًا. وأبُو حَيْوَةَ بِفَتْحِها. (وصاحِبَتِهِ): زَوْجَتُهُ ﴿وفَصِيلَتِهِ﴾: أقْرِباؤُهُ الأدْنُونَ ﴿تُؤْوِيهِ﴾: تَضُمُّهُ انْتِماءً إلَيْها، أوْ لِياذًا بِها في النَّوائِبِ.
﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾: عَطْفٌ عَلى ﴿يَفْتَدِي﴾ أيْ: يُنْجِيهِ بِالِافْتِداءِ، أوْ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهم. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: تُؤْوِيهِ وتُنْجِيهِ بِضَمِّ الهاءَيْنِ. (كَلّا): رَدْعٌ لِوِدادَتِهِمُ الِافْتِداءَ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا يَنْفَعُ. (إنَّها): الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ، و﴿لَظى نَزّاعَةً﴾: تَفْسِيرٌ لَها أوْ لِلنّارِ الدّالِّ عَلَيْها ﴿عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ و﴿لَظى﴾ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ، و﴿نَزّاعَةً﴾ خَبَرُ إنَّ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، و﴿لَظى﴾ خَبَرُ إنَّ أيْ: هي نَزّاعَةٌ، أوْ بَدَلٌ مِن ﴿لَظى﴾ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ. كُلُّ هَذا ذَكَرُوهُ، وذَلِكَ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِرَفْعِ ”نَزّاعَةٌ“ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا مُبْهَمًا تَرْجَمَ عَنْهُ الخَبَرُ. انْتَهى. ولا أدْرِي ما هَذا المُضْمَرُ الَّذِي تَرْجَمَ عَنْهُ الخَبَرُ، ولَيْسَ هَذا مِنَ المَواضِعِ الَّتِي يُفَسِّرُ فِيها المُفْرَدُ الضَّمِيرَ، ولَوْلا أنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ هَذا: أوْ ضَمِيرُ القِصَّةِ، لَحَمَلْتُ كَلامَهُ عَلَيْهِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو حَيْوَةَ، والزَّعْفَرانِيُّ وابْنُ مِقْسَمٍ وحَفْصٌ واليَزِيدِيُّ في اخْتِيارِهِ ”نَزّاعَةً“ بِالنَّصْبِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ ﴿لَظى﴾ خَبَرًا لِـ (إنَّ) والضَّمِيرُ في ”إنَّها“ عائِدٌ عَلى النّارِ الدّالِّ عَلَيْها (عَذابٌ) وانْتَصَبَ ”نَزّاعَةً“ عَلى الحالِ المُؤَكَّدَةِ أوِ المُبَيَّنَةِ، والعامِلُ فِيها ﴿لَظى﴾ وإنْ كانَ عامِلًا لِما فِيهِ مِن مَعْنى التَّلَظِّي، كَما عَمِلَ العَلَمُ في الظَّرْفِ في قَوْلِهِ:
؎أنا أبُو المِنهالِ بَعْضَ الأحْيانِ
أيْ: المَشْهُورُ بَعْضَ (p-٣٣٥)الأحْيانِ، أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ لِلتَّهْوِيلِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وكَأنَّهُ يَعْنِي القَطْعَ. فالنَّصْبُ فِيها كالرَّفْعِ فِيها، إذا أضْمَرْتَ (هو) فَتُضْمِرُ هُنا، أعْنِي تَدْعُو، أيْ حَقِيقَةً يَخْلُقُ اللَّهُ فِيها الكَلامَ كَما يَخْلُقُهُ في الأعْضاءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، تَدْعُوهم بِأسْمائِهِمْ وأسْماءِ آبائِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَما خَلَقَهُ في الشَّجَرَةِ. انْتَهى، فَلَمْ يَتْرُكْ مَذْهَبَ الِاعْتِزالِ. وقالَ الخَلِيلُ: مَجازٌ عَنِ اسْتِدْنائِها مِنهم وما تُوقِعُهُ بِهِمْ مِن عَذابِها. وقالَ ثَعْلَبٌ: يَهْلِكُ، تَقُولُ العَرَبُ: دَعا اللَّهَ، أيْ أهْلَكَكَ، وحَكاهُ الخَلِيلُ عَنِ العَرَبِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَيالِيَ يَدْعُونِي الهَوى فَأُجِيبُهُ ∗∗∗ وأعْيُنُ مَن أهْوى إلَيَّ رَوانِي
(وقالَ آخَرُ):
؎تَرَفَّعَ لِلْعِيانِ وكُلُّ فَجٍّ ∗∗∗ طَباهُ الرِّعْيُ مِنهُ والخَلاءُ
يَصِفُ ظَلِيمًا، وطَباهُ أيْ: دَعاهُ، والهَوى والرِّعْيُ لا يُدْعَوانِ حَقِيقَةً، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ فِيهِما ما يَجْذِبُ صارا داعِيَيْنِ مَجازًا. وقِيلَ: تَدْعُو، أيْ: خَزَنَةُ جَهَنَّمَ، أُضِيفَ دُعاؤُهم إلَيْها ﴿مَن أدْبَرَ﴾ عَنِ الحَقِّ ﴿وتَوَلّى وجَمَعَ فَأوْعى﴾ أيْ: وجَمَعَ المالَ، فَجَعَلَهُ في وِعاءٍ وكَنَزَهُ ولَمْ يُؤَدِّ حَقَّ اللَّهِ فِيهِ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى كُفّارٍ أغْنِياءَ. وقالَ الحَكِيمُ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَكِيمٍ لا يَرْبُطُ كِيسَهُ ويَقُولُ: سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ .
﴿إنَّ الإنْسانَ﴾ جِنْسٌ، ولِذَلِكَ اسْتَثْنى مِنهُ ﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾ . وقِيلَ: الإشارَةُ إلى الكُفّارِ. وقالَ ثَعْلَبٌ: قالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طاهِرٍ: ما الهَلَعُ ؟ فَقُلْتُ: قَدْ فَسَّرَهُ اللَّهُ تَعالى، ولا يَكُونُ تَفْسِيرٌ أبْيَنَ مِن تَفْسِيرِهِ، وهو الَّذِي إذا نالَهُ شَرٌّ أظْهَرَ شِدَّةَ الجَزَعِ، وإذا نالَهُ خَيْرٌ بَخِلَ بِهِ ومَنَعَهُ النّاسَ. انْتَهى.
ولَمّا كانَ شِدَّةُ الجَزَعِ والمَنعِ مُتَمَكِّنَةً في الإنْسانِ، جُعِلَ كَأنَّهُ خُلِقَ مَحْمُولًا عَلَيْهِما، كَقَوْلِهِ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] والخَيْرُ: المالُ.
﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾: اسْتِثْناءٌ كَما قُلْنا مِنَ الإنْسانِ، ولِذَلِكَ وصَفَهم بِما وصَفَهم بِهِ مِنَ الصَّبْرِ عَلى المَكارِهِ، والصِّفاتِ الجَمِيلَةِ الَّتِي حاوَرُوها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: عَلى صَلاتِهِمْ بِالإفْرادِ. والحَسَنُ جَمْعًا. ودَيْمُومَتُها، قالَ الجُمْهُورُ: المُواظَبَةُ عَلَيْها. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: صَلاتُها لِوَقْتِها. وقالَ عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ: يُقِرُّونَ فِيها ولا يَلْتَفِتُونَ يَمِينًا ولا شِمالًا، ومِنهُ المالُ الدّائِمُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: دَوامُهم عَلَيْها أنْ يُواظِبُوا عَلى أدائِها ولا يَشْتَغِلُونَ عَنْها بِشَيْءٍ، ومُحافَظَتُهم عَلَيْها أنْ يُراعُوا إسْباغَ الوُضُوءِ لَها ومَواقِيتِها، ويُقِيمُوا أرْكانَها ويُكْمِلُوها بِسُنَنِها وأدائِها، ويَحْفَظُونَها مِنَ الإحْباطِ بِاقْتِرانِ المَآثِمِ، والدَّوامِ يَرْجِعُ إلى أنْفُسِ الصَّلَواتِ والمُحافَظَةِ عَلى أحْوالِها. انْتَهى. وهو جَوابُهُ لِسُؤالِهِ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ قالَ: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ . وأقُولُ: إنَّ الدَّيْمُومَةَ عَلى الشَّيْءِ والمُحافَظَةِ عَلَيْهِ شَيْءٌ واحِدٌ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَتِ الصَّلاةُ هي عَمُودُ الإسْلامِ بُولِغَ في التَّوْكِيدِ فِيها، فَذُكِرَتْ أوَّلَ خِصالِ الإسْلامِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ وآخِرَها؛ لِيُعْلَمَ مَرْتَبَتُها في الأرْكانِ الَّتِي بُنِيَ الإسْلامُ عَلَيْها، والصِّفاتُ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها، ومُعْظَمُها في سُورَةِ قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”بِشَهادَتِهِمْ“ عَلى الإفْرادِ. والسُّلَمِيُّ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ: عَلى الجَمْعِ.
المعارج 70:5
﴿ذِي المَعارِجِ﴾: المَعارِجُ لُغَةً الدَّرَجُ وهُنا اسْتِعارَةٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: في الرُّتَبِ والفَواضِلِ والصِّفاتِ الحَمِيدَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَعارِجُ، السَّماواتُ تَعْرُجُ فِيها المَلائِكَةُ مِن سَماءٍ إلى سَماءٍ. وقالَ الحَسَنُ: هي المَراقِي إلى السَّماءِ، وقِيلَ: المَعارِجُ، الغُرَفُ، أيْ: جَعَلَها لِأوْلِيائِهِ في الجَنَّةِ.
(تَعْرُجُ) قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِالتّاءِ عَلى التَّأْنِيثِ، وعَبْدُ اللَّهِ والكِسائِيُّ وابْنُ مِقْسَمٍ وزائِدَةُ عَنِ الأعْمَشِ بِالياءِ. (والرُّوحُ) قالَ الجُمْهُورُ: هو جِبْرِيلُ، خُصَّ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا، وأُخِّرَ هُنا بَعْدَ المَلائِكَةِ، وقُدِّمَ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبإ: ٣٨] . وقالَ مُجاهِدٌ: مَلائِكَةٌ حَفَظَةٌ لِلْمَلائِكَةِ الحافِظِينَ لِبَنِي آدَمَ، لا تَراهُمُ الحَفَظَةُ كَما لا نَرى نَحْنُ حَفَظَتَنا. وقِيلَ: الرُّوحُ مَلَكٌ غَيْرُ جِبْرِيلُ عَظِيمُ الخِلْقَةِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: خَلْقٌ كَهَيْئَةِ النّاسِ ولَيْسُوا بِالنّاسِ. وقالَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ: رُوحُ المَيِّتِ حِينَ تُقْبَضُ إلَيْهِ، الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ إلى عَرْشِهِ وحَيْثُ يَهْبِطُ مِنهُ أمْرُهُ تَعالى. وقِيلَ: ”إلَيْهِ“ أيْ: إلى المَكانِ الَّذِي هو مَحِلُّهم وهو في السَّماءِ؛ لِأنَّها مَحِلُّ بِرِّهِ وكَرامَتِهِ، والظّاهِرُ أنَّ المَعْنى: أنَّها تَعْرُجُ في يَوْمٍ مِن أيّامِكم هَذِهِ، ومِقْدارُ المَسافَةِ أنْ لَوْ عَرَجَها آدَمِيٌّ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ إسْحاقَ، وجَماعَةٌ مِنَ الحُذّاقِ مِنهُمُ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ. فَإنْ كانَ العارِجُ مَلَكًا، فَقالَ مُجاهِدٌ: المَسافَةُ هي مِن قَعْرِ الأرْضِ السّابِعَةِ إلى العَرْشِ. ومَن جَعَلَ الرُّوحَ جِنْسَ أنْواعِ الحَيَوانِ. قالَ وهْبٌ: المَسافَةُ مِن وجْهِ الأرْضِ إلى مُنْتَهى العَرْشِ. وقالَ عِكْرِمَةُ والحَكَمُ: أرادَ مُدَّةَ الدُّنْيا، فَإنَّها خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ لا يَدْرِي أحَدٌ ما مَضى مِنها وما بَقِيَ، أيْ: تَعْرُجُ في مُدَّةِ الدُّنْيا وبَقاءِ هَذِهِ البِنْيَةَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هو يَوْمُ القِيامَةِ. وقِيلَ: طُولُهُ ذَلِكَ العَدَدُ، وهَذا ظاهِرُ ما جاءَ في الحَدِيثِ في مانِعِ الزَّكاةِ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: قَدَّرَهُ في رَزاياهُ وهَوْلِهِ وشِدَّتِهِ لِلْكُفّارِ ذَلِكَ العَدَدَ. وفي الحَدِيثِ: ”يَخِفُّ عَلى المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ أخَفَّ عَلَيْهِ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ“ . وقالَ عِكْرِمَةُ: مِقْدارُ ما يَنْقَضِي فِيهِ مِنَ الحِسابِ قَدْرُ ما يَقْضِي بِالعَدْلِ في خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا. وقالَ الحَسَنُ نَحْوَهُ. وقِيلَ: لا يُرادُ حَقِيقَةَ العَدَدِ، إنَّما أُرِيدَ بِهِ طُولُ المَوْقِفِ يَوْمَ القِيامَةِ وما فِيهِ مِنَ الشَّدائِدِ، والعَرَبُ تَصِفُ أيّامَ الشِّدَّةِ بِالطُّولِ، وأيّامَ الفَرَحِ بِالقِصَرِ. قالَ الشّاعِرُ يَصِفُ أيّامَ الفَرَحِ والسُّرُورِ:
؎ويَوْمٍ كَظِلِّ الرُّمْحِ قَصَّرَ طُولَهُ دَمُ الزِّقِّ عَنّا واصْطِفاقُ المَزاهِرِ
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: في يَوْمٍ مُتَعَلِّقٌ بِـ (تَعَرُّجِ) وقِيلَ: بِـ (دافِعٍ) والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (تَعْرُجُ) اعْتِراضٌ. ولَمّا كانُوا قَدْ سَألُوا اسْتِعْجالَ العَذابِ، وكانَ السُّؤالُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والتَّكْذِيبِ، وكانُوا قَدْ وُعِدُوا بِهِ، أمَرَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ، ومَن جَعَلَهُ مِنَ السَّيَلانِ، فالمَعْنى: أنَّهُ أشْرَفَ عَلى الوُقُوعِ، والضَّمِيرُ في ﴿يَرَوْنَهُ﴾ عائِدٌ عَلى العَذابِ أوْ عَلى اليَوْمِ، إذا أُرِيدَ بِهِ يَوْمُ القِيامَةِ، وهَذا الِاسْتِبْعادُ هو عَلى سَبِيلِ الإحالَةِ مِنهم.
﴿ونَراهُ قَرِيبًا﴾ أيْ: هَيِّنًا في قُدْرَتِنا، غَيْرَ بَعِيدٍ عَلَيْنا ولا مُتَعَذِّرٍ، وكُلُّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ، والبُعْدُ والقُرْبُ في الإمْكانِ لا في المَسافَةِ.
﴿يَوْمَ تَكُونُ﴾: مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: يَقَعُ يَوْمَ تَكُونُ، أوْ ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ كانَ (p-٣٣٤)كَيْتَ وكَيْتَ، أوْ بِـ (قَرِيبًا) أوْ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ ”نَراهُ“ إذا كانَ عائِدًا عَلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ هو بَدَلٌ مِن في يَوْمٍ فِيمَن عَلَّقَهُ بِـ (واقِعٍ) . انْتَهى. ولا يَجُوزُ هَذا؛ لِأنَّ في يَوْمٍ وإنْ كانَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لا يُبْدَلُ مِنهُ مَنصُوبٌ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا لَيْسَ مِنَ المَواضِعِ الَّتِي تُراعى في التَّوابِعِ؛ لِأنَّ حَرْفَ الجَرِّ فِيها لَيْسَ بِزائِدٍ، ولا مَحْكُومٍ لَهُ بِحُكْمِ الزّائِدِ كَـ (رُبَّ) وإنَّما يَجُوزُ مُراعاةُ المَواضِعِ في حَرْفِ الجَرِّ الزّائِدِ كَقَوْلِهِ:
؎يا بَنِي لُبَيْنى لَسْتُما بِيَدٍ ∗∗∗ إلّا يَدًا لَيْسَتْ لَها عَضُدُ
ولِذَلِكَ لا يَجُوزُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ الخَيّاطِ، عَلى مُراعاةِ مَوْضِعِ بِزَيْدٍ، ولا مَرَرْتُ بِزَيْدٍ وعَمْرًا، ولا غَضِبْتُ عَلى زَيْدٍ وجَعْفَرًا، ولا مَرَرْتُ بِعَمْرٍو أخاكَ عَلى مُراعاةِ المَوْضِعِ. (فَإنْ قُلْتَ): الحَرَكَةُ في (يَوْمَ) تَكُونُ حَرَكَةَ بِناءٍ لا حَرَكَةَ إعْرابٍ، فَهو مَجْرُورٌ مِثْلُ في يَوْمٍ (قُلْتُ): لا يَجُوزُ بِناؤُهُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّهُ أُضِيفَ إلى مُعْرَبٍ، لَكِنَّهُ يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، فَيَتَمَشّى كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ عَلى مَذْهَبِهِمْ إنْ كانَ اسْتَحْضَرَهُ وقَصَدَهُ.
(كالمُهْلِ) تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في سُورَةِ الدُّخانِ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] كَما في القارِعَةِ، لَمّا نُسِفَتْ طارَتْ في الجَوِّ كالصُّوفِ المَنفُوشِ إذا طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ. قالَ الحَسَنُ: تَسِيرُ الجِبالُ مَعَ الرِّياحِ، ثُمَّ تَنْهَدُّ، ثُمَّ تَصِيرُ كالعِهْنِ، ثُمَّ تُنْسَفُ فَتَصِيرُ هَباءً. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ولا يَسْألُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، أيْ: لا يَسْألُهُ نُصْرَةً ولا مَنفَعَةً لِعِلْمِهِ أنَّهُ لا يَجِدُ ذَلِكَ عِنْدَهُ. وقالَ قَتادَةُ: لا يَسْألُهُ عَنْ حالِهِ لِأنَّها ظاهِرَةٌ. وقِيلَ: لا يَسْألُهُ أنْ يَحْمِلَ عَنْهُ مِن أوْزارِهِ شَيْئًا لِيَأْسِهِ عَنْ ذَلِكَ. وقِيلَ: شَفاعَةً. وقِيلَ: ”حَمِيمًا“ مَنصُوبٌ عَلى إسْقاطِ عَنْ، أيْ: عَنْ حَمِيمٍ، لِشَغْلِهِ بِما هو فِيهِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ والبَزِّيُّ بِخِلافٍ عَنْ ثَلاثَتِهِمْ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ: لا يُسْألُ إحْضارَهُ، كُلٌّ مِنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ لَهُ سِيما يُعْرَفُ بِها. وقِيلَ: عَنْ ذُنُوبِ حَمِيمِهِ لِيُؤْخَذَ بِها.
﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾: اسْتِئْنافُ كَلامٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في المَحْشَرِ يُبَصَّرُ الحَمِيمُ حَمِيمَهُ، ثُمَّ يَفِرُّ عَنْهُ لِشُغْلِهِ بِنَفْسِهِ. وقِيلَ: يُبَصَّرُونَهم في النّارِ. وقِيلَ: يُبَصَّرُونَهم فَلا يَحْتاجُونَ إلى السُّؤالِ والطَّلَبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”يُبَصَّرُونَهم“ صِفَةً، أيْ: حَمِيمًا مُبَصَّرِينَ مُصَرِّفِينَ إيّاهم. انْتَهى. و﴿حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾: نَكِرَتانِ في سِياقِ النَّفْيِ فَيَعُمّانِ، ولِذَلِكَ جُمِعَ الضَّمِيرُ. وقَرَأ قَتادَةُ: ”يُبْصِرُونَهم“ مُخَفَّفًا مَعَ كَسْرِ الصّادِ، أيْ: يُبْصِرُ المُؤْمِنُ الكافِرَ في النّارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُبْصِرُ الكافِرُ مَن أضَلَّهُ في النّارِ عِبْرَةً وانْتِقامًا وحُزْنًا.
﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ﴾ أيِ: الكافِرُ، وقَدْ يَنْدَرِجُ فِيهِ المُؤْمِنُ العاصِي الَّذِي يُعَذَّبُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِن عَذابِ مُضافًا. وأبُو حَيْوَةَ بِفَتْحِها. (وصاحِبَتِهِ): زَوْجَتُهُ ﴿وفَصِيلَتِهِ﴾: أقْرِباؤُهُ الأدْنُونَ ﴿تُؤْوِيهِ﴾: تَضُمُّهُ انْتِماءً إلَيْها، أوْ لِياذًا بِها في النَّوائِبِ.
﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾: عَطْفٌ عَلى ﴿يَفْتَدِي﴾ أيْ: يُنْجِيهِ بِالِافْتِداءِ، أوْ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهم. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: تُؤْوِيهِ وتُنْجِيهِ بِضَمِّ الهاءَيْنِ. (كَلّا): رَدْعٌ لِوِدادَتِهِمُ الِافْتِداءَ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا يَنْفَعُ. (إنَّها): الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ، و﴿لَظى نَزّاعَةً﴾: تَفْسِيرٌ لَها أوْ لِلنّارِ الدّالِّ عَلَيْها ﴿عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ و﴿لَظى﴾ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ، و﴿نَزّاعَةً﴾ خَبَرُ إنَّ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، و﴿لَظى﴾ خَبَرُ إنَّ أيْ: هي نَزّاعَةٌ، أوْ بَدَلٌ مِن ﴿لَظى﴾ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ. كُلُّ هَذا ذَكَرُوهُ، وذَلِكَ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِرَفْعِ ”نَزّاعَةٌ“ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا مُبْهَمًا تَرْجَمَ عَنْهُ الخَبَرُ. انْتَهى. ولا أدْرِي ما هَذا المُضْمَرُ الَّذِي تَرْجَمَ عَنْهُ الخَبَرُ، ولَيْسَ هَذا مِنَ المَواضِعِ الَّتِي يُفَسِّرُ فِيها المُفْرَدُ الضَّمِيرَ، ولَوْلا أنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ هَذا: أوْ ضَمِيرُ القِصَّةِ، لَحَمَلْتُ كَلامَهُ عَلَيْهِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو حَيْوَةَ، والزَّعْفَرانِيُّ وابْنُ مِقْسَمٍ وحَفْصٌ واليَزِيدِيُّ في اخْتِيارِهِ ”نَزّاعَةً“ بِالنَّصْبِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ ﴿لَظى﴾ خَبَرًا لِـ (إنَّ) والضَّمِيرُ في ”إنَّها“ عائِدٌ عَلى النّارِ الدّالِّ عَلَيْها (عَذابٌ) وانْتَصَبَ ”نَزّاعَةً“ عَلى الحالِ المُؤَكَّدَةِ أوِ المُبَيَّنَةِ، والعامِلُ فِيها ﴿لَظى﴾ وإنْ كانَ عامِلًا لِما فِيهِ مِن مَعْنى التَّلَظِّي، كَما عَمِلَ العَلَمُ في الظَّرْفِ في قَوْلِهِ:
؎أنا أبُو المِنهالِ بَعْضَ الأحْيانِ
أيْ: المَشْهُورُ بَعْضَ (p-٣٣٥)الأحْيانِ، أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ لِلتَّهْوِيلِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وكَأنَّهُ يَعْنِي القَطْعَ. فالنَّصْبُ فِيها كالرَّفْعِ فِيها، إذا أضْمَرْتَ (هو) فَتُضْمِرُ هُنا، أعْنِي تَدْعُو، أيْ حَقِيقَةً يَخْلُقُ اللَّهُ فِيها الكَلامَ كَما يَخْلُقُهُ في الأعْضاءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، تَدْعُوهم بِأسْمائِهِمْ وأسْماءِ آبائِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَما خَلَقَهُ في الشَّجَرَةِ. انْتَهى، فَلَمْ يَتْرُكْ مَذْهَبَ الِاعْتِزالِ. وقالَ الخَلِيلُ: مَجازٌ عَنِ اسْتِدْنائِها مِنهم وما تُوقِعُهُ بِهِمْ مِن عَذابِها. وقالَ ثَعْلَبٌ: يَهْلِكُ، تَقُولُ العَرَبُ: دَعا اللَّهَ، أيْ أهْلَكَكَ، وحَكاهُ الخَلِيلُ عَنِ العَرَبِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَيالِيَ يَدْعُونِي الهَوى فَأُجِيبُهُ ∗∗∗ وأعْيُنُ مَن أهْوى إلَيَّ رَوانِي
(وقالَ آخَرُ):
؎تَرَفَّعَ لِلْعِيانِ وكُلُّ فَجٍّ ∗∗∗ طَباهُ الرِّعْيُ مِنهُ والخَلاءُ
يَصِفُ ظَلِيمًا، وطَباهُ أيْ: دَعاهُ، والهَوى والرِّعْيُ لا يُدْعَوانِ حَقِيقَةً، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ فِيهِما ما يَجْذِبُ صارا داعِيَيْنِ مَجازًا. وقِيلَ: تَدْعُو، أيْ: خَزَنَةُ جَهَنَّمَ، أُضِيفَ دُعاؤُهم إلَيْها ﴿مَن أدْبَرَ﴾ عَنِ الحَقِّ ﴿وتَوَلّى وجَمَعَ فَأوْعى﴾ أيْ: وجَمَعَ المالَ، فَجَعَلَهُ في وِعاءٍ وكَنَزَهُ ولَمْ يُؤَدِّ حَقَّ اللَّهِ فِيهِ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى كُفّارٍ أغْنِياءَ. وقالَ الحَكِيمُ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَكِيمٍ لا يَرْبُطُ كِيسَهُ ويَقُولُ: سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ .
﴿إنَّ الإنْسانَ﴾ جِنْسٌ، ولِذَلِكَ اسْتَثْنى مِنهُ ﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾ . وقِيلَ: الإشارَةُ إلى الكُفّارِ. وقالَ ثَعْلَبٌ: قالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طاهِرٍ: ما الهَلَعُ ؟ فَقُلْتُ: قَدْ فَسَّرَهُ اللَّهُ تَعالى، ولا يَكُونُ تَفْسِيرٌ أبْيَنَ مِن تَفْسِيرِهِ، وهو الَّذِي إذا نالَهُ شَرٌّ أظْهَرَ شِدَّةَ الجَزَعِ، وإذا نالَهُ خَيْرٌ بَخِلَ بِهِ ومَنَعَهُ النّاسَ. انْتَهى.
ولَمّا كانَ شِدَّةُ الجَزَعِ والمَنعِ مُتَمَكِّنَةً في الإنْسانِ، جُعِلَ كَأنَّهُ خُلِقَ مَحْمُولًا عَلَيْهِما، كَقَوْلِهِ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] والخَيْرُ: المالُ.
﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾: اسْتِثْناءٌ كَما قُلْنا مِنَ الإنْسانِ، ولِذَلِكَ وصَفَهم بِما وصَفَهم بِهِ مِنَ الصَّبْرِ عَلى المَكارِهِ، والصِّفاتِ الجَمِيلَةِ الَّتِي حاوَرُوها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: عَلى صَلاتِهِمْ بِالإفْرادِ. والحَسَنُ جَمْعًا. ودَيْمُومَتُها، قالَ الجُمْهُورُ: المُواظَبَةُ عَلَيْها. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: صَلاتُها لِوَقْتِها. وقالَ عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ: يُقِرُّونَ فِيها ولا يَلْتَفِتُونَ يَمِينًا ولا شِمالًا، ومِنهُ المالُ الدّائِمُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: دَوامُهم عَلَيْها أنْ يُواظِبُوا عَلى أدائِها ولا يَشْتَغِلُونَ عَنْها بِشَيْءٍ، ومُحافَظَتُهم عَلَيْها أنْ يُراعُوا إسْباغَ الوُضُوءِ لَها ومَواقِيتِها، ويُقِيمُوا أرْكانَها ويُكْمِلُوها بِسُنَنِها وأدائِها، ويَحْفَظُونَها مِنَ الإحْباطِ بِاقْتِرانِ المَآثِمِ، والدَّوامِ يَرْجِعُ إلى أنْفُسِ الصَّلَواتِ والمُحافَظَةِ عَلى أحْوالِها. انْتَهى. وهو جَوابُهُ لِسُؤالِهِ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ قالَ: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ . وأقُولُ: إنَّ الدَّيْمُومَةَ عَلى الشَّيْءِ والمُحافَظَةِ عَلَيْهِ شَيْءٌ واحِدٌ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَتِ الصَّلاةُ هي عَمُودُ الإسْلامِ بُولِغَ في التَّوْكِيدِ فِيها، فَذُكِرَتْ أوَّلَ خِصالِ الإسْلامِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ وآخِرَها؛ لِيُعْلَمَ مَرْتَبَتُها في الأرْكانِ الَّتِي بُنِيَ الإسْلامُ عَلَيْها، والصِّفاتُ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها، ومُعْظَمُها في سُورَةِ قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”بِشَهادَتِهِمْ“ عَلى الإفْرادِ. والسُّلَمِيُّ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ: عَلى الجَمْعِ.
المعارج 70:6
﴿ذِي المَعارِجِ﴾: المَعارِجُ لُغَةً الدَّرَجُ وهُنا اسْتِعارَةٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: في الرُّتَبِ والفَواضِلِ والصِّفاتِ الحَمِيدَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَعارِجُ، السَّماواتُ تَعْرُجُ فِيها المَلائِكَةُ مِن سَماءٍ إلى سَماءٍ. وقالَ الحَسَنُ: هي المَراقِي إلى السَّماءِ، وقِيلَ: المَعارِجُ، الغُرَفُ، أيْ: جَعَلَها لِأوْلِيائِهِ في الجَنَّةِ.
(تَعْرُجُ) قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِالتّاءِ عَلى التَّأْنِيثِ، وعَبْدُ اللَّهِ والكِسائِيُّ وابْنُ مِقْسَمٍ وزائِدَةُ عَنِ الأعْمَشِ بِالياءِ. (والرُّوحُ) قالَ الجُمْهُورُ: هو جِبْرِيلُ، خُصَّ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا، وأُخِّرَ هُنا بَعْدَ المَلائِكَةِ، وقُدِّمَ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبإ: ٣٨] . وقالَ مُجاهِدٌ: مَلائِكَةٌ حَفَظَةٌ لِلْمَلائِكَةِ الحافِظِينَ لِبَنِي آدَمَ، لا تَراهُمُ الحَفَظَةُ كَما لا نَرى نَحْنُ حَفَظَتَنا. وقِيلَ: الرُّوحُ مَلَكٌ غَيْرُ جِبْرِيلُ عَظِيمُ الخِلْقَةِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: خَلْقٌ كَهَيْئَةِ النّاسِ ولَيْسُوا بِالنّاسِ. وقالَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ: رُوحُ المَيِّتِ حِينَ تُقْبَضُ إلَيْهِ، الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ إلى عَرْشِهِ وحَيْثُ يَهْبِطُ مِنهُ أمْرُهُ تَعالى. وقِيلَ: ”إلَيْهِ“ أيْ: إلى المَكانِ الَّذِي هو مَحِلُّهم وهو في السَّماءِ؛ لِأنَّها مَحِلُّ بِرِّهِ وكَرامَتِهِ، والظّاهِرُ أنَّ المَعْنى: أنَّها تَعْرُجُ في يَوْمٍ مِن أيّامِكم هَذِهِ، ومِقْدارُ المَسافَةِ أنْ لَوْ عَرَجَها آدَمِيٌّ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ إسْحاقَ، وجَماعَةٌ مِنَ الحُذّاقِ مِنهُمُ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ. فَإنْ كانَ العارِجُ مَلَكًا، فَقالَ مُجاهِدٌ: المَسافَةُ هي مِن قَعْرِ الأرْضِ السّابِعَةِ إلى العَرْشِ. ومَن جَعَلَ الرُّوحَ جِنْسَ أنْواعِ الحَيَوانِ. قالَ وهْبٌ: المَسافَةُ مِن وجْهِ الأرْضِ إلى مُنْتَهى العَرْشِ. وقالَ عِكْرِمَةُ والحَكَمُ: أرادَ مُدَّةَ الدُّنْيا، فَإنَّها خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ لا يَدْرِي أحَدٌ ما مَضى مِنها وما بَقِيَ، أيْ: تَعْرُجُ في مُدَّةِ الدُّنْيا وبَقاءِ هَذِهِ البِنْيَةَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هو يَوْمُ القِيامَةِ. وقِيلَ: طُولُهُ ذَلِكَ العَدَدُ، وهَذا ظاهِرُ ما جاءَ في الحَدِيثِ في مانِعِ الزَّكاةِ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: قَدَّرَهُ في رَزاياهُ وهَوْلِهِ وشِدَّتِهِ لِلْكُفّارِ ذَلِكَ العَدَدَ. وفي الحَدِيثِ: ”يَخِفُّ عَلى المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ أخَفَّ عَلَيْهِ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ“ . وقالَ عِكْرِمَةُ: مِقْدارُ ما يَنْقَضِي فِيهِ مِنَ الحِسابِ قَدْرُ ما يَقْضِي بِالعَدْلِ في خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا. وقالَ الحَسَنُ نَحْوَهُ. وقِيلَ: لا يُرادُ حَقِيقَةَ العَدَدِ، إنَّما أُرِيدَ بِهِ طُولُ المَوْقِفِ يَوْمَ القِيامَةِ وما فِيهِ مِنَ الشَّدائِدِ، والعَرَبُ تَصِفُ أيّامَ الشِّدَّةِ بِالطُّولِ، وأيّامَ الفَرَحِ بِالقِصَرِ. قالَ الشّاعِرُ يَصِفُ أيّامَ الفَرَحِ والسُّرُورِ:
؎ويَوْمٍ كَظِلِّ الرُّمْحِ قَصَّرَ طُولَهُ دَمُ الزِّقِّ عَنّا واصْطِفاقُ المَزاهِرِ
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: في يَوْمٍ مُتَعَلِّقٌ بِـ (تَعَرُّجِ) وقِيلَ: بِـ (دافِعٍ) والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (تَعْرُجُ) اعْتِراضٌ. ولَمّا كانُوا قَدْ سَألُوا اسْتِعْجالَ العَذابِ، وكانَ السُّؤالُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والتَّكْذِيبِ، وكانُوا قَدْ وُعِدُوا بِهِ، أمَرَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ، ومَن جَعَلَهُ مِنَ السَّيَلانِ، فالمَعْنى: أنَّهُ أشْرَفَ عَلى الوُقُوعِ، والضَّمِيرُ في ﴿يَرَوْنَهُ﴾ عائِدٌ عَلى العَذابِ أوْ عَلى اليَوْمِ، إذا أُرِيدَ بِهِ يَوْمُ القِيامَةِ، وهَذا الِاسْتِبْعادُ هو عَلى سَبِيلِ الإحالَةِ مِنهم.
﴿ونَراهُ قَرِيبًا﴾ أيْ: هَيِّنًا في قُدْرَتِنا، غَيْرَ بَعِيدٍ عَلَيْنا ولا مُتَعَذِّرٍ، وكُلُّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ، والبُعْدُ والقُرْبُ في الإمْكانِ لا في المَسافَةِ.
﴿يَوْمَ تَكُونُ﴾: مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: يَقَعُ يَوْمَ تَكُونُ، أوْ ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ كانَ (p-٣٣٤)كَيْتَ وكَيْتَ، أوْ بِـ (قَرِيبًا) أوْ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ ”نَراهُ“ إذا كانَ عائِدًا عَلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ هو بَدَلٌ مِن في يَوْمٍ فِيمَن عَلَّقَهُ بِـ (واقِعٍ) . انْتَهى. ولا يَجُوزُ هَذا؛ لِأنَّ في يَوْمٍ وإنْ كانَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لا يُبْدَلُ مِنهُ مَنصُوبٌ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا لَيْسَ مِنَ المَواضِعِ الَّتِي تُراعى في التَّوابِعِ؛ لِأنَّ حَرْفَ الجَرِّ فِيها لَيْسَ بِزائِدٍ، ولا مَحْكُومٍ لَهُ بِحُكْمِ الزّائِدِ كَـ (رُبَّ) وإنَّما يَجُوزُ مُراعاةُ المَواضِعِ في حَرْفِ الجَرِّ الزّائِدِ كَقَوْلِهِ:
؎يا بَنِي لُبَيْنى لَسْتُما بِيَدٍ ∗∗∗ إلّا يَدًا لَيْسَتْ لَها عَضُدُ
ولِذَلِكَ لا يَجُوزُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ الخَيّاطِ، عَلى مُراعاةِ مَوْضِعِ بِزَيْدٍ، ولا مَرَرْتُ بِزَيْدٍ وعَمْرًا، ولا غَضِبْتُ عَلى زَيْدٍ وجَعْفَرًا، ولا مَرَرْتُ بِعَمْرٍو أخاكَ عَلى مُراعاةِ المَوْضِعِ. (فَإنْ قُلْتَ): الحَرَكَةُ في (يَوْمَ) تَكُونُ حَرَكَةَ بِناءٍ لا حَرَكَةَ إعْرابٍ، فَهو مَجْرُورٌ مِثْلُ في يَوْمٍ (قُلْتُ): لا يَجُوزُ بِناؤُهُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّهُ أُضِيفَ إلى مُعْرَبٍ، لَكِنَّهُ يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، فَيَتَمَشّى كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ عَلى مَذْهَبِهِمْ إنْ كانَ اسْتَحْضَرَهُ وقَصَدَهُ.
(كالمُهْلِ) تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في سُورَةِ الدُّخانِ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] كَما في القارِعَةِ، لَمّا نُسِفَتْ طارَتْ في الجَوِّ كالصُّوفِ المَنفُوشِ إذا طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ. قالَ الحَسَنُ: تَسِيرُ الجِبالُ مَعَ الرِّياحِ، ثُمَّ تَنْهَدُّ، ثُمَّ تَصِيرُ كالعِهْنِ، ثُمَّ تُنْسَفُ فَتَصِيرُ هَباءً. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ولا يَسْألُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، أيْ: لا يَسْألُهُ نُصْرَةً ولا مَنفَعَةً لِعِلْمِهِ أنَّهُ لا يَجِدُ ذَلِكَ عِنْدَهُ. وقالَ قَتادَةُ: لا يَسْألُهُ عَنْ حالِهِ لِأنَّها ظاهِرَةٌ. وقِيلَ: لا يَسْألُهُ أنْ يَحْمِلَ عَنْهُ مِن أوْزارِهِ شَيْئًا لِيَأْسِهِ عَنْ ذَلِكَ. وقِيلَ: شَفاعَةً. وقِيلَ: ”حَمِيمًا“ مَنصُوبٌ عَلى إسْقاطِ عَنْ، أيْ: عَنْ حَمِيمٍ، لِشَغْلِهِ بِما هو فِيهِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ والبَزِّيُّ بِخِلافٍ عَنْ ثَلاثَتِهِمْ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ: لا يُسْألُ إحْضارَهُ، كُلٌّ مِنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ لَهُ سِيما يُعْرَفُ بِها. وقِيلَ: عَنْ ذُنُوبِ حَمِيمِهِ لِيُؤْخَذَ بِها.
﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾: اسْتِئْنافُ كَلامٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في المَحْشَرِ يُبَصَّرُ الحَمِيمُ حَمِيمَهُ، ثُمَّ يَفِرُّ عَنْهُ لِشُغْلِهِ بِنَفْسِهِ. وقِيلَ: يُبَصَّرُونَهم في النّارِ. وقِيلَ: يُبَصَّرُونَهم فَلا يَحْتاجُونَ إلى السُّؤالِ والطَّلَبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”يُبَصَّرُونَهم“ صِفَةً، أيْ: حَمِيمًا مُبَصَّرِينَ مُصَرِّفِينَ إيّاهم. انْتَهى. و﴿حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾: نَكِرَتانِ في سِياقِ النَّفْيِ فَيَعُمّانِ، ولِذَلِكَ جُمِعَ الضَّمِيرُ. وقَرَأ قَتادَةُ: ”يُبْصِرُونَهم“ مُخَفَّفًا مَعَ كَسْرِ الصّادِ، أيْ: يُبْصِرُ المُؤْمِنُ الكافِرَ في النّارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُبْصِرُ الكافِرُ مَن أضَلَّهُ في النّارِ عِبْرَةً وانْتِقامًا وحُزْنًا.
﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ﴾ أيِ: الكافِرُ، وقَدْ يَنْدَرِجُ فِيهِ المُؤْمِنُ العاصِي الَّذِي يُعَذَّبُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِن عَذابِ مُضافًا. وأبُو حَيْوَةَ بِفَتْحِها. (وصاحِبَتِهِ): زَوْجَتُهُ ﴿وفَصِيلَتِهِ﴾: أقْرِباؤُهُ الأدْنُونَ ﴿تُؤْوِيهِ﴾: تَضُمُّهُ انْتِماءً إلَيْها، أوْ لِياذًا بِها في النَّوائِبِ.
﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾: عَطْفٌ عَلى ﴿يَفْتَدِي﴾ أيْ: يُنْجِيهِ بِالِافْتِداءِ، أوْ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهم. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: تُؤْوِيهِ وتُنْجِيهِ بِضَمِّ الهاءَيْنِ. (كَلّا): رَدْعٌ لِوِدادَتِهِمُ الِافْتِداءَ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا يَنْفَعُ. (إنَّها): الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ، و﴿لَظى نَزّاعَةً﴾: تَفْسِيرٌ لَها أوْ لِلنّارِ الدّالِّ عَلَيْها ﴿عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ و﴿لَظى﴾ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ، و﴿نَزّاعَةً﴾ خَبَرُ إنَّ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، و﴿لَظى﴾ خَبَرُ إنَّ أيْ: هي نَزّاعَةٌ، أوْ بَدَلٌ مِن ﴿لَظى﴾ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ. كُلُّ هَذا ذَكَرُوهُ، وذَلِكَ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِرَفْعِ ”نَزّاعَةٌ“ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا مُبْهَمًا تَرْجَمَ عَنْهُ الخَبَرُ. انْتَهى. ولا أدْرِي ما هَذا المُضْمَرُ الَّذِي تَرْجَمَ عَنْهُ الخَبَرُ، ولَيْسَ هَذا مِنَ المَواضِعِ الَّتِي يُفَسِّرُ فِيها المُفْرَدُ الضَّمِيرَ، ولَوْلا أنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ هَذا: أوْ ضَمِيرُ القِصَّةِ، لَحَمَلْتُ كَلامَهُ عَلَيْهِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو حَيْوَةَ، والزَّعْفَرانِيُّ وابْنُ مِقْسَمٍ وحَفْصٌ واليَزِيدِيُّ في اخْتِيارِهِ ”نَزّاعَةً“ بِالنَّصْبِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ ﴿لَظى﴾ خَبَرًا لِـ (إنَّ) والضَّمِيرُ في ”إنَّها“ عائِدٌ عَلى النّارِ الدّالِّ عَلَيْها (عَذابٌ) وانْتَصَبَ ”نَزّاعَةً“ عَلى الحالِ المُؤَكَّدَةِ أوِ المُبَيَّنَةِ، والعامِلُ فِيها ﴿لَظى﴾ وإنْ كانَ عامِلًا لِما فِيهِ مِن مَعْنى التَّلَظِّي، كَما عَمِلَ العَلَمُ في الظَّرْفِ في قَوْلِهِ:
؎أنا أبُو المِنهالِ بَعْضَ الأحْيانِ
أيْ: المَشْهُورُ بَعْضَ (p-٣٣٥)الأحْيانِ، أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ لِلتَّهْوِيلِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وكَأنَّهُ يَعْنِي القَطْعَ. فالنَّصْبُ فِيها كالرَّفْعِ فِيها، إذا أضْمَرْتَ (هو) فَتُضْمِرُ هُنا، أعْنِي تَدْعُو، أيْ حَقِيقَةً يَخْلُقُ اللَّهُ فِيها الكَلامَ كَما يَخْلُقُهُ في الأعْضاءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، تَدْعُوهم بِأسْمائِهِمْ وأسْماءِ آبائِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَما خَلَقَهُ في الشَّجَرَةِ. انْتَهى، فَلَمْ يَتْرُكْ مَذْهَبَ الِاعْتِزالِ. وقالَ الخَلِيلُ: مَجازٌ عَنِ اسْتِدْنائِها مِنهم وما تُوقِعُهُ بِهِمْ مِن عَذابِها. وقالَ ثَعْلَبٌ: يَهْلِكُ، تَقُولُ العَرَبُ: دَعا اللَّهَ، أيْ أهْلَكَكَ، وحَكاهُ الخَلِيلُ عَنِ العَرَبِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَيالِيَ يَدْعُونِي الهَوى فَأُجِيبُهُ ∗∗∗ وأعْيُنُ مَن أهْوى إلَيَّ رَوانِي
(وقالَ آخَرُ):
؎تَرَفَّعَ لِلْعِيانِ وكُلُّ فَجٍّ ∗∗∗ طَباهُ الرِّعْيُ مِنهُ والخَلاءُ
يَصِفُ ظَلِيمًا، وطَباهُ أيْ: دَعاهُ، والهَوى والرِّعْيُ لا يُدْعَوانِ حَقِيقَةً، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ فِيهِما ما يَجْذِبُ صارا داعِيَيْنِ مَجازًا. وقِيلَ: تَدْعُو، أيْ: خَزَنَةُ جَهَنَّمَ، أُضِيفَ دُعاؤُهم إلَيْها ﴿مَن أدْبَرَ﴾ عَنِ الحَقِّ ﴿وتَوَلّى وجَمَعَ فَأوْعى﴾ أيْ: وجَمَعَ المالَ، فَجَعَلَهُ في وِعاءٍ وكَنَزَهُ ولَمْ يُؤَدِّ حَقَّ اللَّهِ فِيهِ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى كُفّارٍ أغْنِياءَ. وقالَ الحَكِيمُ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَكِيمٍ لا يَرْبُطُ كِيسَهُ ويَقُولُ: سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ .
﴿إنَّ الإنْسانَ﴾ جِنْسٌ، ولِذَلِكَ اسْتَثْنى مِنهُ ﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾ . وقِيلَ: الإشارَةُ إلى الكُفّارِ. وقالَ ثَعْلَبٌ: قالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طاهِرٍ: ما الهَلَعُ ؟ فَقُلْتُ: قَدْ فَسَّرَهُ اللَّهُ تَعالى، ولا يَكُونُ تَفْسِيرٌ أبْيَنَ مِن تَفْسِيرِهِ، وهو الَّذِي إذا نالَهُ شَرٌّ أظْهَرَ شِدَّةَ الجَزَعِ، وإذا نالَهُ خَيْرٌ بَخِلَ بِهِ ومَنَعَهُ النّاسَ. انْتَهى.
ولَمّا كانَ شِدَّةُ الجَزَعِ والمَنعِ مُتَمَكِّنَةً في الإنْسانِ، جُعِلَ كَأنَّهُ خُلِقَ مَحْمُولًا عَلَيْهِما، كَقَوْلِهِ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] والخَيْرُ: المالُ.
﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾: اسْتِثْناءٌ كَما قُلْنا مِنَ الإنْسانِ، ولِذَلِكَ وصَفَهم بِما وصَفَهم بِهِ مِنَ الصَّبْرِ عَلى المَكارِهِ، والصِّفاتِ الجَمِيلَةِ الَّتِي حاوَرُوها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: عَلى صَلاتِهِمْ بِالإفْرادِ. والحَسَنُ جَمْعًا. ودَيْمُومَتُها، قالَ الجُمْهُورُ: المُواظَبَةُ عَلَيْها. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: صَلاتُها لِوَقْتِها. وقالَ عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ: يُقِرُّونَ فِيها ولا يَلْتَفِتُونَ يَمِينًا ولا شِمالًا، ومِنهُ المالُ الدّائِمُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: دَوامُهم عَلَيْها أنْ يُواظِبُوا عَلى أدائِها ولا يَشْتَغِلُونَ عَنْها بِشَيْءٍ، ومُحافَظَتُهم عَلَيْها أنْ يُراعُوا إسْباغَ الوُضُوءِ لَها ومَواقِيتِها، ويُقِيمُوا أرْكانَها ويُكْمِلُوها بِسُنَنِها وأدائِها، ويَحْفَظُونَها مِنَ الإحْباطِ بِاقْتِرانِ المَآثِمِ، والدَّوامِ يَرْجِعُ إلى أنْفُسِ الصَّلَواتِ والمُحافَظَةِ عَلى أحْوالِها. انْتَهى. وهو جَوابُهُ لِسُؤالِهِ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ قالَ: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ . وأقُولُ: إنَّ الدَّيْمُومَةَ عَلى الشَّيْءِ والمُحافَظَةِ عَلَيْهِ شَيْءٌ واحِدٌ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَتِ الصَّلاةُ هي عَمُودُ الإسْلامِ بُولِغَ في التَّوْكِيدِ فِيها، فَذُكِرَتْ أوَّلَ خِصالِ الإسْلامِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ وآخِرَها؛ لِيُعْلَمَ مَرْتَبَتُها في الأرْكانِ الَّتِي بُنِيَ الإسْلامُ عَلَيْها، والصِّفاتُ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها، ومُعْظَمُها في سُورَةِ قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”بِشَهادَتِهِمْ“ عَلى الإفْرادِ. والسُّلَمِيُّ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ: عَلى الجَمْعِ.
المعارج 70:7
﴿ذِي المَعارِجِ﴾: المَعارِجُ لُغَةً الدَّرَجُ وهُنا اسْتِعارَةٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: في الرُّتَبِ والفَواضِلِ والصِّفاتِ الحَمِيدَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَعارِجُ، السَّماواتُ تَعْرُجُ فِيها المَلائِكَةُ مِن سَماءٍ إلى سَماءٍ. وقالَ الحَسَنُ: هي المَراقِي إلى السَّماءِ، وقِيلَ: المَعارِجُ، الغُرَفُ، أيْ: جَعَلَها لِأوْلِيائِهِ في الجَنَّةِ.
(تَعْرُجُ) قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِالتّاءِ عَلى التَّأْنِيثِ، وعَبْدُ اللَّهِ والكِسائِيُّ وابْنُ مِقْسَمٍ وزائِدَةُ عَنِ الأعْمَشِ بِالياءِ. (والرُّوحُ) قالَ الجُمْهُورُ: هو جِبْرِيلُ، خُصَّ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا، وأُخِّرَ هُنا بَعْدَ المَلائِكَةِ، وقُدِّمَ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبإ: ٣٨] . وقالَ مُجاهِدٌ: مَلائِكَةٌ حَفَظَةٌ لِلْمَلائِكَةِ الحافِظِينَ لِبَنِي آدَمَ، لا تَراهُمُ الحَفَظَةُ كَما لا نَرى نَحْنُ حَفَظَتَنا. وقِيلَ: الرُّوحُ مَلَكٌ غَيْرُ جِبْرِيلُ عَظِيمُ الخِلْقَةِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: خَلْقٌ كَهَيْئَةِ النّاسِ ولَيْسُوا بِالنّاسِ. وقالَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ: رُوحُ المَيِّتِ حِينَ تُقْبَضُ إلَيْهِ، الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ إلى عَرْشِهِ وحَيْثُ يَهْبِطُ مِنهُ أمْرُهُ تَعالى. وقِيلَ: ”إلَيْهِ“ أيْ: إلى المَكانِ الَّذِي هو مَحِلُّهم وهو في السَّماءِ؛ لِأنَّها مَحِلُّ بِرِّهِ وكَرامَتِهِ، والظّاهِرُ أنَّ المَعْنى: أنَّها تَعْرُجُ في يَوْمٍ مِن أيّامِكم هَذِهِ، ومِقْدارُ المَسافَةِ أنْ لَوْ عَرَجَها آدَمِيٌّ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ إسْحاقَ، وجَماعَةٌ مِنَ الحُذّاقِ مِنهُمُ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ. فَإنْ كانَ العارِجُ مَلَكًا، فَقالَ مُجاهِدٌ: المَسافَةُ هي مِن قَعْرِ الأرْضِ السّابِعَةِ إلى العَرْشِ. ومَن جَعَلَ الرُّوحَ جِنْسَ أنْواعِ الحَيَوانِ. قالَ وهْبٌ: المَسافَةُ مِن وجْهِ الأرْضِ إلى مُنْتَهى العَرْشِ. وقالَ عِكْرِمَةُ والحَكَمُ: أرادَ مُدَّةَ الدُّنْيا، فَإنَّها خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ لا يَدْرِي أحَدٌ ما مَضى مِنها وما بَقِيَ، أيْ: تَعْرُجُ في مُدَّةِ الدُّنْيا وبَقاءِ هَذِهِ البِنْيَةَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هو يَوْمُ القِيامَةِ. وقِيلَ: طُولُهُ ذَلِكَ العَدَدُ، وهَذا ظاهِرُ ما جاءَ في الحَدِيثِ في مانِعِ الزَّكاةِ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: قَدَّرَهُ في رَزاياهُ وهَوْلِهِ وشِدَّتِهِ لِلْكُفّارِ ذَلِكَ العَدَدَ. وفي الحَدِيثِ: ”يَخِفُّ عَلى المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ أخَفَّ عَلَيْهِ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ“ . وقالَ عِكْرِمَةُ: مِقْدارُ ما يَنْقَضِي فِيهِ مِنَ الحِسابِ قَدْرُ ما يَقْضِي بِالعَدْلِ في خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا. وقالَ الحَسَنُ نَحْوَهُ. وقِيلَ: لا يُرادُ حَقِيقَةَ العَدَدِ، إنَّما أُرِيدَ بِهِ طُولُ المَوْقِفِ يَوْمَ القِيامَةِ وما فِيهِ مِنَ الشَّدائِدِ، والعَرَبُ تَصِفُ أيّامَ الشِّدَّةِ بِالطُّولِ، وأيّامَ الفَرَحِ بِالقِصَرِ. قالَ الشّاعِرُ يَصِفُ أيّامَ الفَرَحِ والسُّرُورِ:
؎ويَوْمٍ كَظِلِّ الرُّمْحِ قَصَّرَ طُولَهُ دَمُ الزِّقِّ عَنّا واصْطِفاقُ المَزاهِرِ
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: في يَوْمٍ مُتَعَلِّقٌ بِـ (تَعَرُّجِ) وقِيلَ: بِـ (دافِعٍ) والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (تَعْرُجُ) اعْتِراضٌ. ولَمّا كانُوا قَدْ سَألُوا اسْتِعْجالَ العَذابِ، وكانَ السُّؤالُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والتَّكْذِيبِ، وكانُوا قَدْ وُعِدُوا بِهِ، أمَرَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ، ومَن جَعَلَهُ مِنَ السَّيَلانِ، فالمَعْنى: أنَّهُ أشْرَفَ عَلى الوُقُوعِ، والضَّمِيرُ في ﴿يَرَوْنَهُ﴾ عائِدٌ عَلى العَذابِ أوْ عَلى اليَوْمِ، إذا أُرِيدَ بِهِ يَوْمُ القِيامَةِ، وهَذا الِاسْتِبْعادُ هو عَلى سَبِيلِ الإحالَةِ مِنهم.
﴿ونَراهُ قَرِيبًا﴾ أيْ: هَيِّنًا في قُدْرَتِنا، غَيْرَ بَعِيدٍ عَلَيْنا ولا مُتَعَذِّرٍ، وكُلُّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ، والبُعْدُ والقُرْبُ في الإمْكانِ لا في المَسافَةِ.
﴿يَوْمَ تَكُونُ﴾: مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: يَقَعُ يَوْمَ تَكُونُ، أوْ ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ كانَ (p-٣٣٤)كَيْتَ وكَيْتَ، أوْ بِـ (قَرِيبًا) أوْ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ ”نَراهُ“ إذا كانَ عائِدًا عَلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ هو بَدَلٌ مِن في يَوْمٍ فِيمَن عَلَّقَهُ بِـ (واقِعٍ) . انْتَهى. ولا يَجُوزُ هَذا؛ لِأنَّ في يَوْمٍ وإنْ كانَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لا يُبْدَلُ مِنهُ مَنصُوبٌ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا لَيْسَ مِنَ المَواضِعِ الَّتِي تُراعى في التَّوابِعِ؛ لِأنَّ حَرْفَ الجَرِّ فِيها لَيْسَ بِزائِدٍ، ولا مَحْكُومٍ لَهُ بِحُكْمِ الزّائِدِ كَـ (رُبَّ) وإنَّما يَجُوزُ مُراعاةُ المَواضِعِ في حَرْفِ الجَرِّ الزّائِدِ كَقَوْلِهِ:
؎يا بَنِي لُبَيْنى لَسْتُما بِيَدٍ ∗∗∗ إلّا يَدًا لَيْسَتْ لَها عَضُدُ
ولِذَلِكَ لا يَجُوزُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ الخَيّاطِ، عَلى مُراعاةِ مَوْضِعِ بِزَيْدٍ، ولا مَرَرْتُ بِزَيْدٍ وعَمْرًا، ولا غَضِبْتُ عَلى زَيْدٍ وجَعْفَرًا، ولا مَرَرْتُ بِعَمْرٍو أخاكَ عَلى مُراعاةِ المَوْضِعِ. (فَإنْ قُلْتَ): الحَرَكَةُ في (يَوْمَ) تَكُونُ حَرَكَةَ بِناءٍ لا حَرَكَةَ إعْرابٍ، فَهو مَجْرُورٌ مِثْلُ في يَوْمٍ (قُلْتُ): لا يَجُوزُ بِناؤُهُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّهُ أُضِيفَ إلى مُعْرَبٍ، لَكِنَّهُ يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، فَيَتَمَشّى كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ عَلى مَذْهَبِهِمْ إنْ كانَ اسْتَحْضَرَهُ وقَصَدَهُ.
(كالمُهْلِ) تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في سُورَةِ الدُّخانِ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] كَما في القارِعَةِ، لَمّا نُسِفَتْ طارَتْ في الجَوِّ كالصُّوفِ المَنفُوشِ إذا طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ. قالَ الحَسَنُ: تَسِيرُ الجِبالُ مَعَ الرِّياحِ، ثُمَّ تَنْهَدُّ، ثُمَّ تَصِيرُ كالعِهْنِ، ثُمَّ تُنْسَفُ فَتَصِيرُ هَباءً. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ولا يَسْألُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، أيْ: لا يَسْألُهُ نُصْرَةً ولا مَنفَعَةً لِعِلْمِهِ أنَّهُ لا يَجِدُ ذَلِكَ عِنْدَهُ. وقالَ قَتادَةُ: لا يَسْألُهُ عَنْ حالِهِ لِأنَّها ظاهِرَةٌ. وقِيلَ: لا يَسْألُهُ أنْ يَحْمِلَ عَنْهُ مِن أوْزارِهِ شَيْئًا لِيَأْسِهِ عَنْ ذَلِكَ. وقِيلَ: شَفاعَةً. وقِيلَ: ”حَمِيمًا“ مَنصُوبٌ عَلى إسْقاطِ عَنْ، أيْ: عَنْ حَمِيمٍ، لِشَغْلِهِ بِما هو فِيهِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ والبَزِّيُّ بِخِلافٍ عَنْ ثَلاثَتِهِمْ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ: لا يُسْألُ إحْضارَهُ، كُلٌّ مِنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ لَهُ سِيما يُعْرَفُ بِها. وقِيلَ: عَنْ ذُنُوبِ حَمِيمِهِ لِيُؤْخَذَ بِها.
﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾: اسْتِئْنافُ كَلامٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في المَحْشَرِ يُبَصَّرُ الحَمِيمُ حَمِيمَهُ، ثُمَّ يَفِرُّ عَنْهُ لِشُغْلِهِ بِنَفْسِهِ. وقِيلَ: يُبَصَّرُونَهم في النّارِ. وقِيلَ: يُبَصَّرُونَهم فَلا يَحْتاجُونَ إلى السُّؤالِ والطَّلَبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”يُبَصَّرُونَهم“ صِفَةً، أيْ: حَمِيمًا مُبَصَّرِينَ مُصَرِّفِينَ إيّاهم. انْتَهى. و﴿حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾: نَكِرَتانِ في سِياقِ النَّفْيِ فَيَعُمّانِ، ولِذَلِكَ جُمِعَ الضَّمِيرُ. وقَرَأ قَتادَةُ: ”يُبْصِرُونَهم“ مُخَفَّفًا مَعَ كَسْرِ الصّادِ، أيْ: يُبْصِرُ المُؤْمِنُ الكافِرَ في النّارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُبْصِرُ الكافِرُ مَن أضَلَّهُ في النّارِ عِبْرَةً وانْتِقامًا وحُزْنًا.
﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ﴾ أيِ: الكافِرُ، وقَدْ يَنْدَرِجُ فِيهِ المُؤْمِنُ العاصِي الَّذِي يُعَذَّبُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِن عَذابِ مُضافًا. وأبُو حَيْوَةَ بِفَتْحِها. (وصاحِبَتِهِ): زَوْجَتُهُ ﴿وفَصِيلَتِهِ﴾: أقْرِباؤُهُ الأدْنُونَ ﴿تُؤْوِيهِ﴾: تَضُمُّهُ انْتِماءً إلَيْها، أوْ لِياذًا بِها في النَّوائِبِ.
﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾: عَطْفٌ عَلى ﴿يَفْتَدِي﴾ أيْ: يُنْجِيهِ بِالِافْتِداءِ، أوْ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهم. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: تُؤْوِيهِ وتُنْجِيهِ بِضَمِّ الهاءَيْنِ. (كَلّا): رَدْعٌ لِوِدادَتِهِمُ الِافْتِداءَ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا يَنْفَعُ. (إنَّها): الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ، و﴿لَظى نَزّاعَةً﴾: تَفْسِيرٌ لَها أوْ لِلنّارِ الدّالِّ عَلَيْها ﴿عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ و﴿لَظى﴾ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ، و﴿نَزّاعَةً﴾ خَبَرُ إنَّ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، و﴿لَظى﴾ خَبَرُ إنَّ أيْ: هي نَزّاعَةٌ، أوْ بَدَلٌ مِن ﴿لَظى﴾ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ. كُلُّ هَذا ذَكَرُوهُ، وذَلِكَ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِرَفْعِ ”نَزّاعَةٌ“ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا مُبْهَمًا تَرْجَمَ عَنْهُ الخَبَرُ. انْتَهى. ولا أدْرِي ما هَذا المُضْمَرُ الَّذِي تَرْجَمَ عَنْهُ الخَبَرُ، ولَيْسَ هَذا مِنَ المَواضِعِ الَّتِي يُفَسِّرُ فِيها المُفْرَدُ الضَّمِيرَ، ولَوْلا أنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ هَذا: أوْ ضَمِيرُ القِصَّةِ، لَحَمَلْتُ كَلامَهُ عَلَيْهِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو حَيْوَةَ، والزَّعْفَرانِيُّ وابْنُ مِقْسَمٍ وحَفْصٌ واليَزِيدِيُّ في اخْتِيارِهِ ”نَزّاعَةً“ بِالنَّصْبِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ ﴿لَظى﴾ خَبَرًا لِـ (إنَّ) والضَّمِيرُ في ”إنَّها“ عائِدٌ عَلى النّارِ الدّالِّ عَلَيْها (عَذابٌ) وانْتَصَبَ ”نَزّاعَةً“ عَلى الحالِ المُؤَكَّدَةِ أوِ المُبَيَّنَةِ، والعامِلُ فِيها ﴿لَظى﴾ وإنْ كانَ عامِلًا لِما فِيهِ مِن مَعْنى التَّلَظِّي، كَما عَمِلَ العَلَمُ في الظَّرْفِ في قَوْلِهِ:
؎أنا أبُو المِنهالِ بَعْضَ الأحْيانِ
أيْ: المَشْهُورُ بَعْضَ (p-٣٣٥)الأحْيانِ، أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ لِلتَّهْوِيلِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وكَأنَّهُ يَعْنِي القَطْعَ. فالنَّصْبُ فِيها كالرَّفْعِ فِيها، إذا أضْمَرْتَ (هو) فَتُضْمِرُ هُنا، أعْنِي تَدْعُو، أيْ حَقِيقَةً يَخْلُقُ اللَّهُ فِيها الكَلامَ كَما يَخْلُقُهُ في الأعْضاءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، تَدْعُوهم بِأسْمائِهِمْ وأسْماءِ آبائِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَما خَلَقَهُ في الشَّجَرَةِ. انْتَهى، فَلَمْ يَتْرُكْ مَذْهَبَ الِاعْتِزالِ. وقالَ الخَلِيلُ: مَجازٌ عَنِ اسْتِدْنائِها مِنهم وما تُوقِعُهُ بِهِمْ مِن عَذابِها. وقالَ ثَعْلَبٌ: يَهْلِكُ، تَقُولُ العَرَبُ: دَعا اللَّهَ، أيْ أهْلَكَكَ، وحَكاهُ الخَلِيلُ عَنِ العَرَبِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَيالِيَ يَدْعُونِي الهَوى فَأُجِيبُهُ ∗∗∗ وأعْيُنُ مَن أهْوى إلَيَّ رَوانِي
(وقالَ آخَرُ):
؎تَرَفَّعَ لِلْعِيانِ وكُلُّ فَجٍّ ∗∗∗ طَباهُ الرِّعْيُ مِنهُ والخَلاءُ
يَصِفُ ظَلِيمًا، وطَباهُ أيْ: دَعاهُ، والهَوى والرِّعْيُ لا يُدْعَوانِ حَقِيقَةً، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ فِيهِما ما يَجْذِبُ صارا داعِيَيْنِ مَجازًا. وقِيلَ: تَدْعُو، أيْ: خَزَنَةُ جَهَنَّمَ، أُضِيفَ دُعاؤُهم إلَيْها ﴿مَن أدْبَرَ﴾ عَنِ الحَقِّ ﴿وتَوَلّى وجَمَعَ فَأوْعى﴾ أيْ: وجَمَعَ المالَ، فَجَعَلَهُ في وِعاءٍ وكَنَزَهُ ولَمْ يُؤَدِّ حَقَّ اللَّهِ فِيهِ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى كُفّارٍ أغْنِياءَ. وقالَ الحَكِيمُ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَكِيمٍ لا يَرْبُطُ كِيسَهُ ويَقُولُ: سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ .
﴿إنَّ الإنْسانَ﴾ جِنْسٌ، ولِذَلِكَ اسْتَثْنى مِنهُ ﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾ . وقِيلَ: الإشارَةُ إلى الكُفّارِ. وقالَ ثَعْلَبٌ: قالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طاهِرٍ: ما الهَلَعُ ؟ فَقُلْتُ: قَدْ فَسَّرَهُ اللَّهُ تَعالى، ولا يَكُونُ تَفْسِيرٌ أبْيَنَ مِن تَفْسِيرِهِ، وهو الَّذِي إذا نالَهُ شَرٌّ أظْهَرَ شِدَّةَ الجَزَعِ، وإذا نالَهُ خَيْرٌ بَخِلَ بِهِ ومَنَعَهُ النّاسَ. انْتَهى.
ولَمّا كانَ شِدَّةُ الجَزَعِ والمَنعِ مُتَمَكِّنَةً في الإنْسانِ، جُعِلَ كَأنَّهُ خُلِقَ مَحْمُولًا عَلَيْهِما، كَقَوْلِهِ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] والخَيْرُ: المالُ.
﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾: اسْتِثْناءٌ كَما قُلْنا مِنَ الإنْسانِ، ولِذَلِكَ وصَفَهم بِما وصَفَهم بِهِ مِنَ الصَّبْرِ عَلى المَكارِهِ، والصِّفاتِ الجَمِيلَةِ الَّتِي حاوَرُوها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: عَلى صَلاتِهِمْ بِالإفْرادِ. والحَسَنُ جَمْعًا. ودَيْمُومَتُها، قالَ الجُمْهُورُ: المُواظَبَةُ عَلَيْها. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: صَلاتُها لِوَقْتِها. وقالَ عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ: يُقِرُّونَ فِيها ولا يَلْتَفِتُونَ يَمِينًا ولا شِمالًا، ومِنهُ المالُ الدّائِمُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: دَوامُهم عَلَيْها أنْ يُواظِبُوا عَلى أدائِها ولا يَشْتَغِلُونَ عَنْها بِشَيْءٍ، ومُحافَظَتُهم عَلَيْها أنْ يُراعُوا إسْباغَ الوُضُوءِ لَها ومَواقِيتِها، ويُقِيمُوا أرْكانَها ويُكْمِلُوها بِسُنَنِها وأدائِها، ويَحْفَظُونَها مِنَ الإحْباطِ بِاقْتِرانِ المَآثِمِ، والدَّوامِ يَرْجِعُ إلى أنْفُسِ الصَّلَواتِ والمُحافَظَةِ عَلى أحْوالِها. انْتَهى. وهو جَوابُهُ لِسُؤالِهِ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ قالَ: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ . وأقُولُ: إنَّ الدَّيْمُومَةَ عَلى الشَّيْءِ والمُحافَظَةِ عَلَيْهِ شَيْءٌ واحِدٌ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَتِ الصَّلاةُ هي عَمُودُ الإسْلامِ بُولِغَ في التَّوْكِيدِ فِيها، فَذُكِرَتْ أوَّلَ خِصالِ الإسْلامِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ وآخِرَها؛ لِيُعْلَمَ مَرْتَبَتُها في الأرْكانِ الَّتِي بُنِيَ الإسْلامُ عَلَيْها، والصِّفاتُ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها، ومُعْظَمُها في سُورَةِ قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”بِشَهادَتِهِمْ“ عَلى الإفْرادِ. والسُّلَمِيُّ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ: عَلى الجَمْعِ.
المعارج 70:8
﴿ذِي المَعارِجِ﴾: المَعارِجُ لُغَةً الدَّرَجُ وهُنا اسْتِعارَةٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: في الرُّتَبِ والفَواضِلِ والصِّفاتِ الحَمِيدَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَعارِجُ، السَّماواتُ تَعْرُجُ فِيها المَلائِكَةُ مِن سَماءٍ إلى سَماءٍ. وقالَ الحَسَنُ: هي المَراقِي إلى السَّماءِ، وقِيلَ: المَعارِجُ، الغُرَفُ، أيْ: جَعَلَها لِأوْلِيائِهِ في الجَنَّةِ.
(تَعْرُجُ) قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِالتّاءِ عَلى التَّأْنِيثِ، وعَبْدُ اللَّهِ والكِسائِيُّ وابْنُ مِقْسَمٍ وزائِدَةُ عَنِ الأعْمَشِ بِالياءِ. (والرُّوحُ) قالَ الجُمْهُورُ: هو جِبْرِيلُ، خُصَّ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا، وأُخِّرَ هُنا بَعْدَ المَلائِكَةِ، وقُدِّمَ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبإ: ٣٨] . وقالَ مُجاهِدٌ: مَلائِكَةٌ حَفَظَةٌ لِلْمَلائِكَةِ الحافِظِينَ لِبَنِي آدَمَ، لا تَراهُمُ الحَفَظَةُ كَما لا نَرى نَحْنُ حَفَظَتَنا. وقِيلَ: الرُّوحُ مَلَكٌ غَيْرُ جِبْرِيلُ عَظِيمُ الخِلْقَةِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: خَلْقٌ كَهَيْئَةِ النّاسِ ولَيْسُوا بِالنّاسِ. وقالَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ: رُوحُ المَيِّتِ حِينَ تُقْبَضُ إلَيْهِ، الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ إلى عَرْشِهِ وحَيْثُ يَهْبِطُ مِنهُ أمْرُهُ تَعالى. وقِيلَ: ”إلَيْهِ“ أيْ: إلى المَكانِ الَّذِي هو مَحِلُّهم وهو في السَّماءِ؛ لِأنَّها مَحِلُّ بِرِّهِ وكَرامَتِهِ، والظّاهِرُ أنَّ المَعْنى: أنَّها تَعْرُجُ في يَوْمٍ مِن أيّامِكم هَذِهِ، ومِقْدارُ المَسافَةِ أنْ لَوْ عَرَجَها آدَمِيٌّ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ إسْحاقَ، وجَماعَةٌ مِنَ الحُذّاقِ مِنهُمُ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ. فَإنْ كانَ العارِجُ مَلَكًا، فَقالَ مُجاهِدٌ: المَسافَةُ هي مِن قَعْرِ الأرْضِ السّابِعَةِ إلى العَرْشِ. ومَن جَعَلَ الرُّوحَ جِنْسَ أنْواعِ الحَيَوانِ. قالَ وهْبٌ: المَسافَةُ مِن وجْهِ الأرْضِ إلى مُنْتَهى العَرْشِ. وقالَ عِكْرِمَةُ والحَكَمُ: أرادَ مُدَّةَ الدُّنْيا، فَإنَّها خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ لا يَدْرِي أحَدٌ ما مَضى مِنها وما بَقِيَ، أيْ: تَعْرُجُ في مُدَّةِ الدُّنْيا وبَقاءِ هَذِهِ البِنْيَةَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هو يَوْمُ القِيامَةِ. وقِيلَ: طُولُهُ ذَلِكَ العَدَدُ، وهَذا ظاهِرُ ما جاءَ في الحَدِيثِ في مانِعِ الزَّكاةِ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: قَدَّرَهُ في رَزاياهُ وهَوْلِهِ وشِدَّتِهِ لِلْكُفّارِ ذَلِكَ العَدَدَ. وفي الحَدِيثِ: ”يَخِفُّ عَلى المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ أخَفَّ عَلَيْهِ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ“ . وقالَ عِكْرِمَةُ: مِقْدارُ ما يَنْقَضِي فِيهِ مِنَ الحِسابِ قَدْرُ ما يَقْضِي بِالعَدْلِ في خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا. وقالَ الحَسَنُ نَحْوَهُ. وقِيلَ: لا يُرادُ حَقِيقَةَ العَدَدِ، إنَّما أُرِيدَ بِهِ طُولُ المَوْقِفِ يَوْمَ القِيامَةِ وما فِيهِ مِنَ الشَّدائِدِ، والعَرَبُ تَصِفُ أيّامَ الشِّدَّةِ بِالطُّولِ، وأيّامَ الفَرَحِ بِالقِصَرِ. قالَ الشّاعِرُ يَصِفُ أيّامَ الفَرَحِ والسُّرُورِ:
؎ويَوْمٍ كَظِلِّ الرُّمْحِ قَصَّرَ طُولَهُ دَمُ الزِّقِّ عَنّا واصْطِفاقُ المَزاهِرِ
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: في يَوْمٍ مُتَعَلِّقٌ بِـ (تَعَرُّجِ) وقِيلَ: بِـ (دافِعٍ) والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (تَعْرُجُ) اعْتِراضٌ. ولَمّا كانُوا قَدْ سَألُوا اسْتِعْجالَ العَذابِ، وكانَ السُّؤالُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والتَّكْذِيبِ، وكانُوا قَدْ وُعِدُوا بِهِ، أمَرَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ، ومَن جَعَلَهُ مِنَ السَّيَلانِ، فالمَعْنى: أنَّهُ أشْرَفَ عَلى الوُقُوعِ، والضَّمِيرُ في ﴿يَرَوْنَهُ﴾ عائِدٌ عَلى العَذابِ أوْ عَلى اليَوْمِ، إذا أُرِيدَ بِهِ يَوْمُ القِيامَةِ، وهَذا الِاسْتِبْعادُ هو عَلى سَبِيلِ الإحالَةِ مِنهم.
﴿ونَراهُ قَرِيبًا﴾ أيْ: هَيِّنًا في قُدْرَتِنا، غَيْرَ بَعِيدٍ عَلَيْنا ولا مُتَعَذِّرٍ، وكُلُّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ، والبُعْدُ والقُرْبُ في الإمْكانِ لا في المَسافَةِ.
﴿يَوْمَ تَكُونُ﴾: مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: يَقَعُ يَوْمَ تَكُونُ، أوْ ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ كانَ (p-٣٣٤)كَيْتَ وكَيْتَ، أوْ بِـ (قَرِيبًا) أوْ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ ”نَراهُ“ إذا كانَ عائِدًا عَلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ هو بَدَلٌ مِن في يَوْمٍ فِيمَن عَلَّقَهُ بِـ (واقِعٍ) . انْتَهى. ولا يَجُوزُ هَذا؛ لِأنَّ في يَوْمٍ وإنْ كانَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لا يُبْدَلُ مِنهُ مَنصُوبٌ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا لَيْسَ مِنَ المَواضِعِ الَّتِي تُراعى في التَّوابِعِ؛ لِأنَّ حَرْفَ الجَرِّ فِيها لَيْسَ بِزائِدٍ، ولا مَحْكُومٍ لَهُ بِحُكْمِ الزّائِدِ كَـ (رُبَّ) وإنَّما يَجُوزُ مُراعاةُ المَواضِعِ في حَرْفِ الجَرِّ الزّائِدِ كَقَوْلِهِ:
؎يا بَنِي لُبَيْنى لَسْتُما بِيَدٍ ∗∗∗ إلّا يَدًا لَيْسَتْ لَها عَضُدُ
ولِذَلِكَ لا يَجُوزُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ الخَيّاطِ، عَلى مُراعاةِ مَوْضِعِ بِزَيْدٍ، ولا مَرَرْتُ بِزَيْدٍ وعَمْرًا، ولا غَضِبْتُ عَلى زَيْدٍ وجَعْفَرًا، ولا مَرَرْتُ بِعَمْرٍو أخاكَ عَلى مُراعاةِ المَوْضِعِ. (فَإنْ قُلْتَ): الحَرَكَةُ في (يَوْمَ) تَكُونُ حَرَكَةَ بِناءٍ لا حَرَكَةَ إعْرابٍ، فَهو مَجْرُورٌ مِثْلُ في يَوْمٍ (قُلْتُ): لا يَجُوزُ بِناؤُهُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّهُ أُضِيفَ إلى مُعْرَبٍ، لَكِنَّهُ يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، فَيَتَمَشّى كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ عَلى مَذْهَبِهِمْ إنْ كانَ اسْتَحْضَرَهُ وقَصَدَهُ.
(كالمُهْلِ) تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في سُورَةِ الدُّخانِ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] كَما في القارِعَةِ، لَمّا نُسِفَتْ طارَتْ في الجَوِّ كالصُّوفِ المَنفُوشِ إذا طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ. قالَ الحَسَنُ: تَسِيرُ الجِبالُ مَعَ الرِّياحِ، ثُمَّ تَنْهَدُّ، ثُمَّ تَصِيرُ كالعِهْنِ، ثُمَّ تُنْسَفُ فَتَصِيرُ هَباءً. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ولا يَسْألُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، أيْ: لا يَسْألُهُ نُصْرَةً ولا مَنفَعَةً لِعِلْمِهِ أنَّهُ لا يَجِدُ ذَلِكَ عِنْدَهُ. وقالَ قَتادَةُ: لا يَسْألُهُ عَنْ حالِهِ لِأنَّها ظاهِرَةٌ. وقِيلَ: لا يَسْألُهُ أنْ يَحْمِلَ عَنْهُ مِن أوْزارِهِ شَيْئًا لِيَأْسِهِ عَنْ ذَلِكَ. وقِيلَ: شَفاعَةً. وقِيلَ: ”حَمِيمًا“ مَنصُوبٌ عَلى إسْقاطِ عَنْ، أيْ: عَنْ حَمِيمٍ، لِشَغْلِهِ بِما هو فِيهِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ والبَزِّيُّ بِخِلافٍ عَنْ ثَلاثَتِهِمْ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ: لا يُسْألُ إحْضارَهُ، كُلٌّ مِنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ لَهُ سِيما يُعْرَفُ بِها. وقِيلَ: عَنْ ذُنُوبِ حَمِيمِهِ لِيُؤْخَذَ بِها.
﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾: اسْتِئْنافُ كَلامٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في المَحْشَرِ يُبَصَّرُ الحَمِيمُ حَمِيمَهُ، ثُمَّ يَفِرُّ عَنْهُ لِشُغْلِهِ بِنَفْسِهِ. وقِيلَ: يُبَصَّرُونَهم في النّارِ. وقِيلَ: يُبَصَّرُونَهم فَلا يَحْتاجُونَ إلى السُّؤالِ والطَّلَبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”يُبَصَّرُونَهم“ صِفَةً، أيْ: حَمِيمًا مُبَصَّرِينَ مُصَرِّفِينَ إيّاهم. انْتَهى. و﴿حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾: نَكِرَتانِ في سِياقِ النَّفْيِ فَيَعُمّانِ، ولِذَلِكَ جُمِعَ الضَّمِيرُ. وقَرَأ قَتادَةُ: ”يُبْصِرُونَهم“ مُخَفَّفًا مَعَ كَسْرِ الصّادِ، أيْ: يُبْصِرُ المُؤْمِنُ الكافِرَ في النّارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُبْصِرُ الكافِرُ مَن أضَلَّهُ في النّارِ عِبْرَةً وانْتِقامًا وحُزْنًا.
﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ﴾ أيِ: الكافِرُ، وقَدْ يَنْدَرِجُ فِيهِ المُؤْمِنُ العاصِي الَّذِي يُعَذَّبُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِن عَذابِ مُضافًا. وأبُو حَيْوَةَ بِفَتْحِها. (وصاحِبَتِهِ): زَوْجَتُهُ ﴿وفَصِيلَتِهِ﴾: أقْرِباؤُهُ الأدْنُونَ ﴿تُؤْوِيهِ﴾: تَضُمُّهُ انْتِماءً إلَيْها، أوْ لِياذًا بِها في النَّوائِبِ.
﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾: عَطْفٌ عَلى ﴿يَفْتَدِي﴾ أيْ: يُنْجِيهِ بِالِافْتِداءِ، أوْ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهم. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: تُؤْوِيهِ وتُنْجِيهِ بِضَمِّ الهاءَيْنِ. (كَلّا): رَدْعٌ لِوِدادَتِهِمُ الِافْتِداءَ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا يَنْفَعُ. (إنَّها): الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ، و﴿لَظى نَزّاعَةً﴾: تَفْسِيرٌ لَها أوْ لِلنّارِ الدّالِّ عَلَيْها ﴿عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ و﴿لَظى﴾ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ، و﴿نَزّاعَةً﴾ خَبَرُ إنَّ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، و﴿لَظى﴾ خَبَرُ إنَّ أيْ: هي نَزّاعَةٌ، أوْ بَدَلٌ مِن ﴿لَظى﴾ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ. كُلُّ هَذا ذَكَرُوهُ، وذَلِكَ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِرَفْعِ ”نَزّاعَةٌ“ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا مُبْهَمًا تَرْجَمَ عَنْهُ الخَبَرُ. انْتَهى. ولا أدْرِي ما هَذا المُضْمَرُ الَّذِي تَرْجَمَ عَنْهُ الخَبَرُ، ولَيْسَ هَذا مِنَ المَواضِعِ الَّتِي يُفَسِّرُ فِيها المُفْرَدُ الضَّمِيرَ، ولَوْلا أنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ هَذا: أوْ ضَمِيرُ القِصَّةِ، لَحَمَلْتُ كَلامَهُ عَلَيْهِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو حَيْوَةَ، والزَّعْفَرانِيُّ وابْنُ مِقْسَمٍ وحَفْصٌ واليَزِيدِيُّ في اخْتِيارِهِ ”نَزّاعَةً“ بِالنَّصْبِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ ﴿لَظى﴾ خَبَرًا لِـ (إنَّ) والضَّمِيرُ في ”إنَّها“ عائِدٌ عَلى النّارِ الدّالِّ عَلَيْها (عَذابٌ) وانْتَصَبَ ”نَزّاعَةً“ عَلى الحالِ المُؤَكَّدَةِ أوِ المُبَيَّنَةِ، والعامِلُ فِيها ﴿لَظى﴾ وإنْ كانَ عامِلًا لِما فِيهِ مِن مَعْنى التَّلَظِّي، كَما عَمِلَ العَلَمُ في الظَّرْفِ في قَوْلِهِ:
؎أنا أبُو المِنهالِ بَعْضَ الأحْيانِ
أيْ: المَشْهُورُ بَعْضَ (p-٣٣٥)الأحْيانِ، أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ لِلتَّهْوِيلِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وكَأنَّهُ يَعْنِي القَطْعَ. فالنَّصْبُ فِيها كالرَّفْعِ فِيها، إذا أضْمَرْتَ (هو) فَتُضْمِرُ هُنا، أعْنِي تَدْعُو، أيْ حَقِيقَةً يَخْلُقُ اللَّهُ فِيها الكَلامَ كَما يَخْلُقُهُ في الأعْضاءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، تَدْعُوهم بِأسْمائِهِمْ وأسْماءِ آبائِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَما خَلَقَهُ في الشَّجَرَةِ. انْتَهى، فَلَمْ يَتْرُكْ مَذْهَبَ الِاعْتِزالِ. وقالَ الخَلِيلُ: مَجازٌ عَنِ اسْتِدْنائِها مِنهم وما تُوقِعُهُ بِهِمْ مِن عَذابِها. وقالَ ثَعْلَبٌ: يَهْلِكُ، تَقُولُ العَرَبُ: دَعا اللَّهَ، أيْ أهْلَكَكَ، وحَكاهُ الخَلِيلُ عَنِ العَرَبِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَيالِيَ يَدْعُونِي الهَوى فَأُجِيبُهُ ∗∗∗ وأعْيُنُ مَن أهْوى إلَيَّ رَوانِي
(وقالَ آخَرُ):
؎تَرَفَّعَ لِلْعِيانِ وكُلُّ فَجٍّ ∗∗∗ طَباهُ الرِّعْيُ مِنهُ والخَلاءُ
يَصِفُ ظَلِيمًا، وطَباهُ أيْ: دَعاهُ، والهَوى والرِّعْيُ لا يُدْعَوانِ حَقِيقَةً، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ فِيهِما ما يَجْذِبُ صارا داعِيَيْنِ مَجازًا. وقِيلَ: تَدْعُو، أيْ: خَزَنَةُ جَهَنَّمَ، أُضِيفَ دُعاؤُهم إلَيْها ﴿مَن أدْبَرَ﴾ عَنِ الحَقِّ ﴿وتَوَلّى وجَمَعَ فَأوْعى﴾ أيْ: وجَمَعَ المالَ، فَجَعَلَهُ في وِعاءٍ وكَنَزَهُ ولَمْ يُؤَدِّ حَقَّ اللَّهِ فِيهِ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى كُفّارٍ أغْنِياءَ. وقالَ الحَكِيمُ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَكِيمٍ لا يَرْبُطُ كِيسَهُ ويَقُولُ: سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ .
﴿إنَّ الإنْسانَ﴾ جِنْسٌ، ولِذَلِكَ اسْتَثْنى مِنهُ ﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾ . وقِيلَ: الإشارَةُ إلى الكُفّارِ. وقالَ ثَعْلَبٌ: قالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طاهِرٍ: ما الهَلَعُ ؟ فَقُلْتُ: قَدْ فَسَّرَهُ اللَّهُ تَعالى، ولا يَكُونُ تَفْسِيرٌ أبْيَنَ مِن تَفْسِيرِهِ، وهو الَّذِي إذا نالَهُ شَرٌّ أظْهَرَ شِدَّةَ الجَزَعِ، وإذا نالَهُ خَيْرٌ بَخِلَ بِهِ ومَنَعَهُ النّاسَ. انْتَهى.
ولَمّا كانَ شِدَّةُ الجَزَعِ والمَنعِ مُتَمَكِّنَةً في الإنْسانِ، جُعِلَ كَأنَّهُ خُلِقَ مَحْمُولًا عَلَيْهِما، كَقَوْلِهِ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] والخَيْرُ: المالُ.
﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾: اسْتِثْناءٌ كَما قُلْنا مِنَ الإنْسانِ، ولِذَلِكَ وصَفَهم بِما وصَفَهم بِهِ مِنَ الصَّبْرِ عَلى المَكارِهِ، والصِّفاتِ الجَمِيلَةِ الَّتِي حاوَرُوها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: عَلى صَلاتِهِمْ بِالإفْرادِ. والحَسَنُ جَمْعًا. ودَيْمُومَتُها، قالَ الجُمْهُورُ: المُواظَبَةُ عَلَيْها. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: صَلاتُها لِوَقْتِها. وقالَ عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ: يُقِرُّونَ فِيها ولا يَلْتَفِتُونَ يَمِينًا ولا شِمالًا، ومِنهُ المالُ الدّائِمُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: دَوامُهم عَلَيْها أنْ يُواظِبُوا عَلى أدائِها ولا يَشْتَغِلُونَ عَنْها بِشَيْءٍ، ومُحافَظَتُهم عَلَيْها أنْ يُراعُوا إسْباغَ الوُضُوءِ لَها ومَواقِيتِها، ويُقِيمُوا أرْكانَها ويُكْمِلُوها بِسُنَنِها وأدائِها، ويَحْفَظُونَها مِنَ الإحْباطِ بِاقْتِرانِ المَآثِمِ، والدَّوامِ يَرْجِعُ إلى أنْفُسِ الصَّلَواتِ والمُحافَظَةِ عَلى أحْوالِها. انْتَهى. وهو جَوابُهُ لِسُؤالِهِ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ قالَ: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ . وأقُولُ: إنَّ الدَّيْمُومَةَ عَلى الشَّيْءِ والمُحافَظَةِ عَلَيْهِ شَيْءٌ واحِدٌ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَتِ الصَّلاةُ هي عَمُودُ الإسْلامِ بُولِغَ في التَّوْكِيدِ فِيها، فَذُكِرَتْ أوَّلَ خِصالِ الإسْلامِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ وآخِرَها؛ لِيُعْلَمَ مَرْتَبَتُها في الأرْكانِ الَّتِي بُنِيَ الإسْلامُ عَلَيْها، والصِّفاتُ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها، ومُعْظَمُها في سُورَةِ قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”بِشَهادَتِهِمْ“ عَلى الإفْرادِ. والسُّلَمِيُّ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ: عَلى الجَمْعِ.
المعارج 70:9
﴿ذِي المَعارِجِ﴾: المَعارِجُ لُغَةً الدَّرَجُ وهُنا اسْتِعارَةٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: في الرُّتَبِ والفَواضِلِ والصِّفاتِ الحَمِيدَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَعارِجُ، السَّماواتُ تَعْرُجُ فِيها المَلائِكَةُ مِن سَماءٍ إلى سَماءٍ. وقالَ الحَسَنُ: هي المَراقِي إلى السَّماءِ، وقِيلَ: المَعارِجُ، الغُرَفُ، أيْ: جَعَلَها لِأوْلِيائِهِ في الجَنَّةِ.
(تَعْرُجُ) قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِالتّاءِ عَلى التَّأْنِيثِ، وعَبْدُ اللَّهِ والكِسائِيُّ وابْنُ مِقْسَمٍ وزائِدَةُ عَنِ الأعْمَشِ بِالياءِ. (والرُّوحُ) قالَ الجُمْهُورُ: هو جِبْرِيلُ، خُصَّ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا، وأُخِّرَ هُنا بَعْدَ المَلائِكَةِ، وقُدِّمَ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبإ: ٣٨] . وقالَ مُجاهِدٌ: مَلائِكَةٌ حَفَظَةٌ لِلْمَلائِكَةِ الحافِظِينَ لِبَنِي آدَمَ، لا تَراهُمُ الحَفَظَةُ كَما لا نَرى نَحْنُ حَفَظَتَنا. وقِيلَ: الرُّوحُ مَلَكٌ غَيْرُ جِبْرِيلُ عَظِيمُ الخِلْقَةِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: خَلْقٌ كَهَيْئَةِ النّاسِ ولَيْسُوا بِالنّاسِ. وقالَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ: رُوحُ المَيِّتِ حِينَ تُقْبَضُ إلَيْهِ، الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ إلى عَرْشِهِ وحَيْثُ يَهْبِطُ مِنهُ أمْرُهُ تَعالى. وقِيلَ: ”إلَيْهِ“ أيْ: إلى المَكانِ الَّذِي هو مَحِلُّهم وهو في السَّماءِ؛ لِأنَّها مَحِلُّ بِرِّهِ وكَرامَتِهِ، والظّاهِرُ أنَّ المَعْنى: أنَّها تَعْرُجُ في يَوْمٍ مِن أيّامِكم هَذِهِ، ومِقْدارُ المَسافَةِ أنْ لَوْ عَرَجَها آدَمِيٌّ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ إسْحاقَ، وجَماعَةٌ مِنَ الحُذّاقِ مِنهُمُ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ. فَإنْ كانَ العارِجُ مَلَكًا، فَقالَ مُجاهِدٌ: المَسافَةُ هي مِن قَعْرِ الأرْضِ السّابِعَةِ إلى العَرْشِ. ومَن جَعَلَ الرُّوحَ جِنْسَ أنْواعِ الحَيَوانِ. قالَ وهْبٌ: المَسافَةُ مِن وجْهِ الأرْضِ إلى مُنْتَهى العَرْشِ. وقالَ عِكْرِمَةُ والحَكَمُ: أرادَ مُدَّةَ الدُّنْيا، فَإنَّها خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ لا يَدْرِي أحَدٌ ما مَضى مِنها وما بَقِيَ، أيْ: تَعْرُجُ في مُدَّةِ الدُّنْيا وبَقاءِ هَذِهِ البِنْيَةَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هو يَوْمُ القِيامَةِ. وقِيلَ: طُولُهُ ذَلِكَ العَدَدُ، وهَذا ظاهِرُ ما جاءَ في الحَدِيثِ في مانِعِ الزَّكاةِ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: قَدَّرَهُ في رَزاياهُ وهَوْلِهِ وشِدَّتِهِ لِلْكُفّارِ ذَلِكَ العَدَدَ. وفي الحَدِيثِ: ”يَخِفُّ عَلى المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ أخَفَّ عَلَيْهِ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ“ . وقالَ عِكْرِمَةُ: مِقْدارُ ما يَنْقَضِي فِيهِ مِنَ الحِسابِ قَدْرُ ما يَقْضِي بِالعَدْلِ في خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا. وقالَ الحَسَنُ نَحْوَهُ. وقِيلَ: لا يُرادُ حَقِيقَةَ العَدَدِ، إنَّما أُرِيدَ بِهِ طُولُ المَوْقِفِ يَوْمَ القِيامَةِ وما فِيهِ مِنَ الشَّدائِدِ، والعَرَبُ تَصِفُ أيّامَ الشِّدَّةِ بِالطُّولِ، وأيّامَ الفَرَحِ بِالقِصَرِ. قالَ الشّاعِرُ يَصِفُ أيّامَ الفَرَحِ والسُّرُورِ:
؎ويَوْمٍ كَظِلِّ الرُّمْحِ قَصَّرَ طُولَهُ دَمُ الزِّقِّ عَنّا واصْطِفاقُ المَزاهِرِ
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: في يَوْمٍ مُتَعَلِّقٌ بِـ (تَعَرُّجِ) وقِيلَ: بِـ (دافِعٍ) والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (تَعْرُجُ) اعْتِراضٌ. ولَمّا كانُوا قَدْ سَألُوا اسْتِعْجالَ العَذابِ، وكانَ السُّؤالُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والتَّكْذِيبِ، وكانُوا قَدْ وُعِدُوا بِهِ، أمَرَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ، ومَن جَعَلَهُ مِنَ السَّيَلانِ، فالمَعْنى: أنَّهُ أشْرَفَ عَلى الوُقُوعِ، والضَّمِيرُ في ﴿يَرَوْنَهُ﴾ عائِدٌ عَلى العَذابِ أوْ عَلى اليَوْمِ، إذا أُرِيدَ بِهِ يَوْمُ القِيامَةِ، وهَذا الِاسْتِبْعادُ هو عَلى سَبِيلِ الإحالَةِ مِنهم.
﴿ونَراهُ قَرِيبًا﴾ أيْ: هَيِّنًا في قُدْرَتِنا، غَيْرَ بَعِيدٍ عَلَيْنا ولا مُتَعَذِّرٍ، وكُلُّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ، والبُعْدُ والقُرْبُ في الإمْكانِ لا في المَسافَةِ.
﴿يَوْمَ تَكُونُ﴾: مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: يَقَعُ يَوْمَ تَكُونُ، أوْ ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ كانَ (p-٣٣٤)كَيْتَ وكَيْتَ، أوْ بِـ (قَرِيبًا) أوْ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ ”نَراهُ“ إذا كانَ عائِدًا عَلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ هو بَدَلٌ مِن في يَوْمٍ فِيمَن عَلَّقَهُ بِـ (واقِعٍ) . انْتَهى. ولا يَجُوزُ هَذا؛ لِأنَّ في يَوْمٍ وإنْ كانَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لا يُبْدَلُ مِنهُ مَنصُوبٌ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا لَيْسَ مِنَ المَواضِعِ الَّتِي تُراعى في التَّوابِعِ؛ لِأنَّ حَرْفَ الجَرِّ فِيها لَيْسَ بِزائِدٍ، ولا مَحْكُومٍ لَهُ بِحُكْمِ الزّائِدِ كَـ (رُبَّ) وإنَّما يَجُوزُ مُراعاةُ المَواضِعِ في حَرْفِ الجَرِّ الزّائِدِ كَقَوْلِهِ:
؎يا بَنِي لُبَيْنى لَسْتُما بِيَدٍ ∗∗∗ إلّا يَدًا لَيْسَتْ لَها عَضُدُ
ولِذَلِكَ لا يَجُوزُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ الخَيّاطِ، عَلى مُراعاةِ مَوْضِعِ بِزَيْدٍ، ولا مَرَرْتُ بِزَيْدٍ وعَمْرًا، ولا غَضِبْتُ عَلى زَيْدٍ وجَعْفَرًا، ولا مَرَرْتُ بِعَمْرٍو أخاكَ عَلى مُراعاةِ المَوْضِعِ. (فَإنْ قُلْتَ): الحَرَكَةُ في (يَوْمَ) تَكُونُ حَرَكَةَ بِناءٍ لا حَرَكَةَ إعْرابٍ، فَهو مَجْرُورٌ مِثْلُ في يَوْمٍ (قُلْتُ): لا يَجُوزُ بِناؤُهُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّهُ أُضِيفَ إلى مُعْرَبٍ، لَكِنَّهُ يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، فَيَتَمَشّى كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ عَلى مَذْهَبِهِمْ إنْ كانَ اسْتَحْضَرَهُ وقَصَدَهُ.
(كالمُهْلِ) تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في سُورَةِ الدُّخانِ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] كَما في القارِعَةِ، لَمّا نُسِفَتْ طارَتْ في الجَوِّ كالصُّوفِ المَنفُوشِ إذا طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ. قالَ الحَسَنُ: تَسِيرُ الجِبالُ مَعَ الرِّياحِ، ثُمَّ تَنْهَدُّ، ثُمَّ تَصِيرُ كالعِهْنِ، ثُمَّ تُنْسَفُ فَتَصِيرُ هَباءً. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ولا يَسْألُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، أيْ: لا يَسْألُهُ نُصْرَةً ولا مَنفَعَةً لِعِلْمِهِ أنَّهُ لا يَجِدُ ذَلِكَ عِنْدَهُ. وقالَ قَتادَةُ: لا يَسْألُهُ عَنْ حالِهِ لِأنَّها ظاهِرَةٌ. وقِيلَ: لا يَسْألُهُ أنْ يَحْمِلَ عَنْهُ مِن أوْزارِهِ شَيْئًا لِيَأْسِهِ عَنْ ذَلِكَ. وقِيلَ: شَفاعَةً. وقِيلَ: ”حَمِيمًا“ مَنصُوبٌ عَلى إسْقاطِ عَنْ، أيْ: عَنْ حَمِيمٍ، لِشَغْلِهِ بِما هو فِيهِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ والبَزِّيُّ بِخِلافٍ عَنْ ثَلاثَتِهِمْ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ: لا يُسْألُ إحْضارَهُ، كُلٌّ مِنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ لَهُ سِيما يُعْرَفُ بِها. وقِيلَ: عَنْ ذُنُوبِ حَمِيمِهِ لِيُؤْخَذَ بِها.
﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾: اسْتِئْنافُ كَلامٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في المَحْشَرِ يُبَصَّرُ الحَمِيمُ حَمِيمَهُ، ثُمَّ يَفِرُّ عَنْهُ لِشُغْلِهِ بِنَفْسِهِ. وقِيلَ: يُبَصَّرُونَهم في النّارِ. وقِيلَ: يُبَصَّرُونَهم فَلا يَحْتاجُونَ إلى السُّؤالِ والطَّلَبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”يُبَصَّرُونَهم“ صِفَةً، أيْ: حَمِيمًا مُبَصَّرِينَ مُصَرِّفِينَ إيّاهم. انْتَهى. و﴿حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾: نَكِرَتانِ في سِياقِ النَّفْيِ فَيَعُمّانِ، ولِذَلِكَ جُمِعَ الضَّمِيرُ. وقَرَأ قَتادَةُ: ”يُبْصِرُونَهم“ مُخَفَّفًا مَعَ كَسْرِ الصّادِ، أيْ: يُبْصِرُ المُؤْمِنُ الكافِرَ في النّارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُبْصِرُ الكافِرُ مَن أضَلَّهُ في النّارِ عِبْرَةً وانْتِقامًا وحُزْنًا.
﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ﴾ أيِ: الكافِرُ، وقَدْ يَنْدَرِجُ فِيهِ المُؤْمِنُ العاصِي الَّذِي يُعَذَّبُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِن عَذابِ مُضافًا. وأبُو حَيْوَةَ بِفَتْحِها. (وصاحِبَتِهِ): زَوْجَتُهُ ﴿وفَصِيلَتِهِ﴾: أقْرِباؤُهُ الأدْنُونَ ﴿تُؤْوِيهِ﴾: تَضُمُّهُ انْتِماءً إلَيْها، أوْ لِياذًا بِها في النَّوائِبِ.
﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾: عَطْفٌ عَلى ﴿يَفْتَدِي﴾ أيْ: يُنْجِيهِ بِالِافْتِداءِ، أوْ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهم. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: تُؤْوِيهِ وتُنْجِيهِ بِضَمِّ الهاءَيْنِ. (كَلّا): رَدْعٌ لِوِدادَتِهِمُ الِافْتِداءَ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا يَنْفَعُ. (إنَّها): الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ، و﴿لَظى نَزّاعَةً﴾: تَفْسِيرٌ لَها أوْ لِلنّارِ الدّالِّ عَلَيْها ﴿عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ و﴿لَظى﴾ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ، و﴿نَزّاعَةً﴾ خَبَرُ إنَّ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، و﴿لَظى﴾ خَبَرُ إنَّ أيْ: هي نَزّاعَةٌ، أوْ بَدَلٌ مِن ﴿لَظى﴾ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ. كُلُّ هَذا ذَكَرُوهُ، وذَلِكَ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِرَفْعِ ”نَزّاعَةٌ“ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا مُبْهَمًا تَرْجَمَ عَنْهُ الخَبَرُ. انْتَهى. ولا أدْرِي ما هَذا المُضْمَرُ الَّذِي تَرْجَمَ عَنْهُ الخَبَرُ، ولَيْسَ هَذا مِنَ المَواضِعِ الَّتِي يُفَسِّرُ فِيها المُفْرَدُ الضَّمِيرَ، ولَوْلا أنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ هَذا: أوْ ضَمِيرُ القِصَّةِ، لَحَمَلْتُ كَلامَهُ عَلَيْهِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو حَيْوَةَ، والزَّعْفَرانِيُّ وابْنُ مِقْسَمٍ وحَفْصٌ واليَزِيدِيُّ في اخْتِيارِهِ ”نَزّاعَةً“ بِالنَّصْبِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ ﴿لَظى﴾ خَبَرًا لِـ (إنَّ) والضَّمِيرُ في ”إنَّها“ عائِدٌ عَلى النّارِ الدّالِّ عَلَيْها (عَذابٌ) وانْتَصَبَ ”نَزّاعَةً“ عَلى الحالِ المُؤَكَّدَةِ أوِ المُبَيَّنَةِ، والعامِلُ فِيها ﴿لَظى﴾ وإنْ كانَ عامِلًا لِما فِيهِ مِن مَعْنى التَّلَظِّي، كَما عَمِلَ العَلَمُ في الظَّرْفِ في قَوْلِهِ:
؎أنا أبُو المِنهالِ بَعْضَ الأحْيانِ
أيْ: المَشْهُورُ بَعْضَ (p-٣٣٥)الأحْيانِ، أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ لِلتَّهْوِيلِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وكَأنَّهُ يَعْنِي القَطْعَ. فالنَّصْبُ فِيها كالرَّفْعِ فِيها، إذا أضْمَرْتَ (هو) فَتُضْمِرُ هُنا، أعْنِي تَدْعُو، أيْ حَقِيقَةً يَخْلُقُ اللَّهُ فِيها الكَلامَ كَما يَخْلُقُهُ في الأعْضاءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، تَدْعُوهم بِأسْمائِهِمْ وأسْماءِ آبائِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَما خَلَقَهُ في الشَّجَرَةِ. انْتَهى، فَلَمْ يَتْرُكْ مَذْهَبَ الِاعْتِزالِ. وقالَ الخَلِيلُ: مَجازٌ عَنِ اسْتِدْنائِها مِنهم وما تُوقِعُهُ بِهِمْ مِن عَذابِها. وقالَ ثَعْلَبٌ: يَهْلِكُ، تَقُولُ العَرَبُ: دَعا اللَّهَ، أيْ أهْلَكَكَ، وحَكاهُ الخَلِيلُ عَنِ العَرَبِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَيالِيَ يَدْعُونِي الهَوى فَأُجِيبُهُ ∗∗∗ وأعْيُنُ مَن أهْوى إلَيَّ رَوانِي
(وقالَ آخَرُ):
؎تَرَفَّعَ لِلْعِيانِ وكُلُّ فَجٍّ ∗∗∗ طَباهُ الرِّعْيُ مِنهُ والخَلاءُ
يَصِفُ ظَلِيمًا، وطَباهُ أيْ: دَعاهُ، والهَوى والرِّعْيُ لا يُدْعَوانِ حَقِيقَةً، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ فِيهِما ما يَجْذِبُ صارا داعِيَيْنِ مَجازًا. وقِيلَ: تَدْعُو، أيْ: خَزَنَةُ جَهَنَّمَ، أُضِيفَ دُعاؤُهم إلَيْها ﴿مَن أدْبَرَ﴾ عَنِ الحَقِّ ﴿وتَوَلّى وجَمَعَ فَأوْعى﴾ أيْ: وجَمَعَ المالَ، فَجَعَلَهُ في وِعاءٍ وكَنَزَهُ ولَمْ يُؤَدِّ حَقَّ اللَّهِ فِيهِ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى كُفّارٍ أغْنِياءَ. وقالَ الحَكِيمُ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَكِيمٍ لا يَرْبُطُ كِيسَهُ ويَقُولُ: سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ .
﴿إنَّ الإنْسانَ﴾ جِنْسٌ، ولِذَلِكَ اسْتَثْنى مِنهُ ﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾ . وقِيلَ: الإشارَةُ إلى الكُفّارِ. وقالَ ثَعْلَبٌ: قالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طاهِرٍ: ما الهَلَعُ ؟ فَقُلْتُ: قَدْ فَسَّرَهُ اللَّهُ تَعالى، ولا يَكُونُ تَفْسِيرٌ أبْيَنَ مِن تَفْسِيرِهِ، وهو الَّذِي إذا نالَهُ شَرٌّ أظْهَرَ شِدَّةَ الجَزَعِ، وإذا نالَهُ خَيْرٌ بَخِلَ بِهِ ومَنَعَهُ النّاسَ. انْتَهى.
ولَمّا كانَ شِدَّةُ الجَزَعِ والمَنعِ مُتَمَكِّنَةً في الإنْسانِ، جُعِلَ كَأنَّهُ خُلِقَ مَحْمُولًا عَلَيْهِما، كَقَوْلِهِ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] والخَيْرُ: المالُ.
﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾: اسْتِثْناءٌ كَما قُلْنا مِنَ الإنْسانِ، ولِذَلِكَ وصَفَهم بِما وصَفَهم بِهِ مِنَ الصَّبْرِ عَلى المَكارِهِ، والصِّفاتِ الجَمِيلَةِ الَّتِي حاوَرُوها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: عَلى صَلاتِهِمْ بِالإفْرادِ. والحَسَنُ جَمْعًا. ودَيْمُومَتُها، قالَ الجُمْهُورُ: المُواظَبَةُ عَلَيْها. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: صَلاتُها لِوَقْتِها. وقالَ عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ: يُقِرُّونَ فِيها ولا يَلْتَفِتُونَ يَمِينًا ولا شِمالًا، ومِنهُ المالُ الدّائِمُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: دَوامُهم عَلَيْها أنْ يُواظِبُوا عَلى أدائِها ولا يَشْتَغِلُونَ عَنْها بِشَيْءٍ، ومُحافَظَتُهم عَلَيْها أنْ يُراعُوا إسْباغَ الوُضُوءِ لَها ومَواقِيتِها، ويُقِيمُوا أرْكانَها ويُكْمِلُوها بِسُنَنِها وأدائِها، ويَحْفَظُونَها مِنَ الإحْباطِ بِاقْتِرانِ المَآثِمِ، والدَّوامِ يَرْجِعُ إلى أنْفُسِ الصَّلَواتِ والمُحافَظَةِ عَلى أحْوالِها. انْتَهى. وهو جَوابُهُ لِسُؤالِهِ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ قالَ: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ . وأقُولُ: إنَّ الدَّيْمُومَةَ عَلى الشَّيْءِ والمُحافَظَةِ عَلَيْهِ شَيْءٌ واحِدٌ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَتِ الصَّلاةُ هي عَمُودُ الإسْلامِ بُولِغَ في التَّوْكِيدِ فِيها، فَذُكِرَتْ أوَّلَ خِصالِ الإسْلامِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ وآخِرَها؛ لِيُعْلَمَ مَرْتَبَتُها في الأرْكانِ الَّتِي بُنِيَ الإسْلامُ عَلَيْها، والصِّفاتُ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها، ومُعْظَمُها في سُورَةِ قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”بِشَهادَتِهِمْ“ عَلى الإفْرادِ. والسُّلَمِيُّ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ: عَلى الجَمْعِ.
المعارج 70:10
﴿ذِي المَعارِجِ﴾: المَعارِجُ لُغَةً الدَّرَجُ وهُنا اسْتِعارَةٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: في الرُّتَبِ والفَواضِلِ والصِّفاتِ الحَمِيدَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَعارِجُ، السَّماواتُ تَعْرُجُ فِيها المَلائِكَةُ مِن سَماءٍ إلى سَماءٍ. وقالَ الحَسَنُ: هي المَراقِي إلى السَّماءِ، وقِيلَ: المَعارِجُ، الغُرَفُ، أيْ: جَعَلَها لِأوْلِيائِهِ في الجَنَّةِ.
(تَعْرُجُ) قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِالتّاءِ عَلى التَّأْنِيثِ، وعَبْدُ اللَّهِ والكِسائِيُّ وابْنُ مِقْسَمٍ وزائِدَةُ عَنِ الأعْمَشِ بِالياءِ. (والرُّوحُ) قالَ الجُمْهُورُ: هو جِبْرِيلُ، خُصَّ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا، وأُخِّرَ هُنا بَعْدَ المَلائِكَةِ، وقُدِّمَ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبإ: ٣٨] . وقالَ مُجاهِدٌ: مَلائِكَةٌ حَفَظَةٌ لِلْمَلائِكَةِ الحافِظِينَ لِبَنِي آدَمَ، لا تَراهُمُ الحَفَظَةُ كَما لا نَرى نَحْنُ حَفَظَتَنا. وقِيلَ: الرُّوحُ مَلَكٌ غَيْرُ جِبْرِيلُ عَظِيمُ الخِلْقَةِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: خَلْقٌ كَهَيْئَةِ النّاسِ ولَيْسُوا بِالنّاسِ. وقالَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ: رُوحُ المَيِّتِ حِينَ تُقْبَضُ إلَيْهِ، الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ إلى عَرْشِهِ وحَيْثُ يَهْبِطُ مِنهُ أمْرُهُ تَعالى. وقِيلَ: ”إلَيْهِ“ أيْ: إلى المَكانِ الَّذِي هو مَحِلُّهم وهو في السَّماءِ؛ لِأنَّها مَحِلُّ بِرِّهِ وكَرامَتِهِ، والظّاهِرُ أنَّ المَعْنى: أنَّها تَعْرُجُ في يَوْمٍ مِن أيّامِكم هَذِهِ، ومِقْدارُ المَسافَةِ أنْ لَوْ عَرَجَها آدَمِيٌّ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ إسْحاقَ، وجَماعَةٌ مِنَ الحُذّاقِ مِنهُمُ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ. فَإنْ كانَ العارِجُ مَلَكًا، فَقالَ مُجاهِدٌ: المَسافَةُ هي مِن قَعْرِ الأرْضِ السّابِعَةِ إلى العَرْشِ. ومَن جَعَلَ الرُّوحَ جِنْسَ أنْواعِ الحَيَوانِ. قالَ وهْبٌ: المَسافَةُ مِن وجْهِ الأرْضِ إلى مُنْتَهى العَرْشِ. وقالَ عِكْرِمَةُ والحَكَمُ: أرادَ مُدَّةَ الدُّنْيا، فَإنَّها خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ لا يَدْرِي أحَدٌ ما مَضى مِنها وما بَقِيَ، أيْ: تَعْرُجُ في مُدَّةِ الدُّنْيا وبَقاءِ هَذِهِ البِنْيَةَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هو يَوْمُ القِيامَةِ. وقِيلَ: طُولُهُ ذَلِكَ العَدَدُ، وهَذا ظاهِرُ ما جاءَ في الحَدِيثِ في مانِعِ الزَّكاةِ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: قَدَّرَهُ في رَزاياهُ وهَوْلِهِ وشِدَّتِهِ لِلْكُفّارِ ذَلِكَ العَدَدَ. وفي الحَدِيثِ: ”يَخِفُّ عَلى المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ أخَفَّ عَلَيْهِ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ“ . وقالَ عِكْرِمَةُ: مِقْدارُ ما يَنْقَضِي فِيهِ مِنَ الحِسابِ قَدْرُ ما يَقْضِي بِالعَدْلِ في خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا. وقالَ الحَسَنُ نَحْوَهُ. وقِيلَ: لا يُرادُ حَقِيقَةَ العَدَدِ، إنَّما أُرِيدَ بِهِ طُولُ المَوْقِفِ يَوْمَ القِيامَةِ وما فِيهِ مِنَ الشَّدائِدِ، والعَرَبُ تَصِفُ أيّامَ الشِّدَّةِ بِالطُّولِ، وأيّامَ الفَرَحِ بِالقِصَرِ. قالَ الشّاعِرُ يَصِفُ أيّامَ الفَرَحِ والسُّرُورِ:
؎ويَوْمٍ كَظِلِّ الرُّمْحِ قَصَّرَ طُولَهُ دَمُ الزِّقِّ عَنّا واصْطِفاقُ المَزاهِرِ
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: في يَوْمٍ مُتَعَلِّقٌ بِـ (تَعَرُّجِ) وقِيلَ: بِـ (دافِعٍ) والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (تَعْرُجُ) اعْتِراضٌ. ولَمّا كانُوا قَدْ سَألُوا اسْتِعْجالَ العَذابِ، وكانَ السُّؤالُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والتَّكْذِيبِ، وكانُوا قَدْ وُعِدُوا بِهِ، أمَرَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ، ومَن جَعَلَهُ مِنَ السَّيَلانِ، فالمَعْنى: أنَّهُ أشْرَفَ عَلى الوُقُوعِ، والضَّمِيرُ في ﴿يَرَوْنَهُ﴾ عائِدٌ عَلى العَذابِ أوْ عَلى اليَوْمِ، إذا أُرِيدَ بِهِ يَوْمُ القِيامَةِ، وهَذا الِاسْتِبْعادُ هو عَلى سَبِيلِ الإحالَةِ مِنهم.
﴿ونَراهُ قَرِيبًا﴾ أيْ: هَيِّنًا في قُدْرَتِنا، غَيْرَ بَعِيدٍ عَلَيْنا ولا مُتَعَذِّرٍ، وكُلُّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ، والبُعْدُ والقُرْبُ في الإمْكانِ لا في المَسافَةِ.
﴿يَوْمَ تَكُونُ﴾: مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: يَقَعُ يَوْمَ تَكُونُ، أوْ ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ كانَ (p-٣٣٤)كَيْتَ وكَيْتَ، أوْ بِـ (قَرِيبًا) أوْ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ ”نَراهُ“ إذا كانَ عائِدًا عَلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ هو بَدَلٌ مِن في يَوْمٍ فِيمَن عَلَّقَهُ بِـ (واقِعٍ) . انْتَهى. ولا يَجُوزُ هَذا؛ لِأنَّ في يَوْمٍ وإنْ كانَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لا يُبْدَلُ مِنهُ مَنصُوبٌ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا لَيْسَ مِنَ المَواضِعِ الَّتِي تُراعى في التَّوابِعِ؛ لِأنَّ حَرْفَ الجَرِّ فِيها لَيْسَ بِزائِدٍ، ولا مَحْكُومٍ لَهُ بِحُكْمِ الزّائِدِ كَـ (رُبَّ) وإنَّما يَجُوزُ مُراعاةُ المَواضِعِ في حَرْفِ الجَرِّ الزّائِدِ كَقَوْلِهِ:
؎يا بَنِي لُبَيْنى لَسْتُما بِيَدٍ ∗∗∗ إلّا يَدًا لَيْسَتْ لَها عَضُدُ
ولِذَلِكَ لا يَجُوزُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ الخَيّاطِ، عَلى مُراعاةِ مَوْضِعِ بِزَيْدٍ، ولا مَرَرْتُ بِزَيْدٍ وعَمْرًا، ولا غَضِبْتُ عَلى زَيْدٍ وجَعْفَرًا، ولا مَرَرْتُ بِعَمْرٍو أخاكَ عَلى مُراعاةِ المَوْضِعِ. (فَإنْ قُلْتَ): الحَرَكَةُ في (يَوْمَ) تَكُونُ حَرَكَةَ بِناءٍ لا حَرَكَةَ إعْرابٍ، فَهو مَجْرُورٌ مِثْلُ في يَوْمٍ (قُلْتُ): لا يَجُوزُ بِناؤُهُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّهُ أُضِيفَ إلى مُعْرَبٍ، لَكِنَّهُ يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، فَيَتَمَشّى كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ عَلى مَذْهَبِهِمْ إنْ كانَ اسْتَحْضَرَهُ وقَصَدَهُ.
(كالمُهْلِ) تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في سُورَةِ الدُّخانِ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] كَما في القارِعَةِ، لَمّا نُسِفَتْ طارَتْ في الجَوِّ كالصُّوفِ المَنفُوشِ إذا طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ. قالَ الحَسَنُ: تَسِيرُ الجِبالُ مَعَ الرِّياحِ، ثُمَّ تَنْهَدُّ، ثُمَّ تَصِيرُ كالعِهْنِ، ثُمَّ تُنْسَفُ فَتَصِيرُ هَباءً. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ولا يَسْألُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، أيْ: لا يَسْألُهُ نُصْرَةً ولا مَنفَعَةً لِعِلْمِهِ أنَّهُ لا يَجِدُ ذَلِكَ عِنْدَهُ. وقالَ قَتادَةُ: لا يَسْألُهُ عَنْ حالِهِ لِأنَّها ظاهِرَةٌ. وقِيلَ: لا يَسْألُهُ أنْ يَحْمِلَ عَنْهُ مِن أوْزارِهِ شَيْئًا لِيَأْسِهِ عَنْ ذَلِكَ. وقِيلَ: شَفاعَةً. وقِيلَ: ”حَمِيمًا“ مَنصُوبٌ عَلى إسْقاطِ عَنْ، أيْ: عَنْ حَمِيمٍ، لِشَغْلِهِ بِما هو فِيهِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ والبَزِّيُّ بِخِلافٍ عَنْ ثَلاثَتِهِمْ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ: لا يُسْألُ إحْضارَهُ، كُلٌّ مِنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ لَهُ سِيما يُعْرَفُ بِها. وقِيلَ: عَنْ ذُنُوبِ حَمِيمِهِ لِيُؤْخَذَ بِها.
﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾: اسْتِئْنافُ كَلامٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في المَحْشَرِ يُبَصَّرُ الحَمِيمُ حَمِيمَهُ، ثُمَّ يَفِرُّ عَنْهُ لِشُغْلِهِ بِنَفْسِهِ. وقِيلَ: يُبَصَّرُونَهم في النّارِ. وقِيلَ: يُبَصَّرُونَهم فَلا يَحْتاجُونَ إلى السُّؤالِ والطَّلَبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”يُبَصَّرُونَهم“ صِفَةً، أيْ: حَمِيمًا مُبَصَّرِينَ مُصَرِّفِينَ إيّاهم. انْتَهى. و﴿حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾: نَكِرَتانِ في سِياقِ النَّفْيِ فَيَعُمّانِ، ولِذَلِكَ جُمِعَ الضَّمِيرُ. وقَرَأ قَتادَةُ: ”يُبْصِرُونَهم“ مُخَفَّفًا مَعَ كَسْرِ الصّادِ، أيْ: يُبْصِرُ المُؤْمِنُ الكافِرَ في النّارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُبْصِرُ الكافِرُ مَن أضَلَّهُ في النّارِ عِبْرَةً وانْتِقامًا وحُزْنًا.
﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ﴾ أيِ: الكافِرُ، وقَدْ يَنْدَرِجُ فِيهِ المُؤْمِنُ العاصِي الَّذِي يُعَذَّبُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِن عَذابِ مُضافًا. وأبُو حَيْوَةَ بِفَتْحِها. (وصاحِبَتِهِ): زَوْجَتُهُ ﴿وفَصِيلَتِهِ﴾: أقْرِباؤُهُ الأدْنُونَ ﴿تُؤْوِيهِ﴾: تَضُمُّهُ انْتِماءً إلَيْها، أوْ لِياذًا بِها في النَّوائِبِ.
﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾: عَطْفٌ عَلى ﴿يَفْتَدِي﴾ أيْ: يُنْجِيهِ بِالِافْتِداءِ، أوْ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهم. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: تُؤْوِيهِ وتُنْجِيهِ بِضَمِّ الهاءَيْنِ. (كَلّا): رَدْعٌ لِوِدادَتِهِمُ الِافْتِداءَ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا يَنْفَعُ. (إنَّها): الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ، و﴿لَظى نَزّاعَةً﴾: تَفْسِيرٌ لَها أوْ لِلنّارِ الدّالِّ عَلَيْها ﴿عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ و﴿لَظى﴾ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ، و﴿نَزّاعَةً﴾ خَبَرُ إنَّ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، و﴿لَظى﴾ خَبَرُ إنَّ أيْ: هي نَزّاعَةٌ، أوْ بَدَلٌ مِن ﴿لَظى﴾ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ. كُلُّ هَذا ذَكَرُوهُ، وذَلِكَ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِرَفْعِ ”نَزّاعَةٌ“ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا مُبْهَمًا تَرْجَمَ عَنْهُ الخَبَرُ. انْتَهى. ولا أدْرِي ما هَذا المُضْمَرُ الَّذِي تَرْجَمَ عَنْهُ الخَبَرُ، ولَيْسَ هَذا مِنَ المَواضِعِ الَّتِي يُفَسِّرُ فِيها المُفْرَدُ الضَّمِيرَ، ولَوْلا أنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ هَذا: أوْ ضَمِيرُ القِصَّةِ، لَحَمَلْتُ كَلامَهُ عَلَيْهِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو حَيْوَةَ، والزَّعْفَرانِيُّ وابْنُ مِقْسَمٍ وحَفْصٌ واليَزِيدِيُّ في اخْتِيارِهِ ”نَزّاعَةً“ بِالنَّصْبِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ ﴿لَظى﴾ خَبَرًا لِـ (إنَّ) والضَّمِيرُ في ”إنَّها“ عائِدٌ عَلى النّارِ الدّالِّ عَلَيْها (عَذابٌ) وانْتَصَبَ ”نَزّاعَةً“ عَلى الحالِ المُؤَكَّدَةِ أوِ المُبَيَّنَةِ، والعامِلُ فِيها ﴿لَظى﴾ وإنْ كانَ عامِلًا لِما فِيهِ مِن مَعْنى التَّلَظِّي، كَما عَمِلَ العَلَمُ في الظَّرْفِ في قَوْلِهِ:
؎أنا أبُو المِنهالِ بَعْضَ الأحْيانِ
أيْ: المَشْهُورُ بَعْضَ (p-٣٣٥)الأحْيانِ، أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ لِلتَّهْوِيلِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وكَأنَّهُ يَعْنِي القَطْعَ. فالنَّصْبُ فِيها كالرَّفْعِ فِيها، إذا أضْمَرْتَ (هو) فَتُضْمِرُ هُنا، أعْنِي تَدْعُو، أيْ حَقِيقَةً يَخْلُقُ اللَّهُ فِيها الكَلامَ كَما يَخْلُقُهُ في الأعْضاءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، تَدْعُوهم بِأسْمائِهِمْ وأسْماءِ آبائِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَما خَلَقَهُ في الشَّجَرَةِ. انْتَهى، فَلَمْ يَتْرُكْ مَذْهَبَ الِاعْتِزالِ. وقالَ الخَلِيلُ: مَجازٌ عَنِ اسْتِدْنائِها مِنهم وما تُوقِعُهُ بِهِمْ مِن عَذابِها. وقالَ ثَعْلَبٌ: يَهْلِكُ، تَقُولُ العَرَبُ: دَعا اللَّهَ، أيْ أهْلَكَكَ، وحَكاهُ الخَلِيلُ عَنِ العَرَبِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَيالِيَ يَدْعُونِي الهَوى فَأُجِيبُهُ ∗∗∗ وأعْيُنُ مَن أهْوى إلَيَّ رَوانِي
(وقالَ آخَرُ):
؎تَرَفَّعَ لِلْعِيانِ وكُلُّ فَجٍّ ∗∗∗ طَباهُ الرِّعْيُ مِنهُ والخَلاءُ
يَصِفُ ظَلِيمًا، وطَباهُ أيْ: دَعاهُ، والهَوى والرِّعْيُ لا يُدْعَوانِ حَقِيقَةً، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ فِيهِما ما يَجْذِبُ صارا داعِيَيْنِ مَجازًا. وقِيلَ: تَدْعُو، أيْ: خَزَنَةُ جَهَنَّمَ، أُضِيفَ دُعاؤُهم إلَيْها ﴿مَن أدْبَرَ﴾ عَنِ الحَقِّ ﴿وتَوَلّى وجَمَعَ فَأوْعى﴾ أيْ: وجَمَعَ المالَ، فَجَعَلَهُ في وِعاءٍ وكَنَزَهُ ولَمْ يُؤَدِّ حَقَّ اللَّهِ فِيهِ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى كُفّارٍ أغْنِياءَ. وقالَ الحَكِيمُ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَكِيمٍ لا يَرْبُطُ كِيسَهُ ويَقُولُ: سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ .
﴿إنَّ الإنْسانَ﴾ جِنْسٌ، ولِذَلِكَ اسْتَثْنى مِنهُ ﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾ . وقِيلَ: الإشارَةُ إلى الكُفّارِ. وقالَ ثَعْلَبٌ: قالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طاهِرٍ: ما الهَلَعُ ؟ فَقُلْتُ: قَدْ فَسَّرَهُ اللَّهُ تَعالى، ولا يَكُونُ تَفْسِيرٌ أبْيَنَ مِن تَفْسِيرِهِ، وهو الَّذِي إذا نالَهُ شَرٌّ أظْهَرَ شِدَّةَ الجَزَعِ، وإذا نالَهُ خَيْرٌ بَخِلَ بِهِ ومَنَعَهُ النّاسَ. انْتَهى.
ولَمّا كانَ شِدَّةُ الجَزَعِ والمَنعِ مُتَمَكِّنَةً في الإنْسانِ، جُعِلَ كَأنَّهُ خُلِقَ مَحْمُولًا عَلَيْهِما، كَقَوْلِهِ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] والخَيْرُ: المالُ.
﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾: اسْتِثْناءٌ كَما قُلْنا مِنَ الإنْسانِ، ولِذَلِكَ وصَفَهم بِما وصَفَهم بِهِ مِنَ الصَّبْرِ عَلى المَكارِهِ، والصِّفاتِ الجَمِيلَةِ الَّتِي حاوَرُوها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: عَلى صَلاتِهِمْ بِالإفْرادِ. والحَسَنُ جَمْعًا. ودَيْمُومَتُها، قالَ الجُمْهُورُ: المُواظَبَةُ عَلَيْها. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: صَلاتُها لِوَقْتِها. وقالَ عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ: يُقِرُّونَ فِيها ولا يَلْتَفِتُونَ يَمِينًا ولا شِمالًا، ومِنهُ المالُ الدّائِمُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: دَوامُهم عَلَيْها أنْ يُواظِبُوا عَلى أدائِها ولا يَشْتَغِلُونَ عَنْها بِشَيْءٍ، ومُحافَظَتُهم عَلَيْها أنْ يُراعُوا إسْباغَ الوُضُوءِ لَها ومَواقِيتِها، ويُقِيمُوا أرْكانَها ويُكْمِلُوها بِسُنَنِها وأدائِها، ويَحْفَظُونَها مِنَ الإحْباطِ بِاقْتِرانِ المَآثِمِ، والدَّوامِ يَرْجِعُ إلى أنْفُسِ الصَّلَواتِ والمُحافَظَةِ عَلى أحْوالِها. انْتَهى. وهو جَوابُهُ لِسُؤالِهِ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ قالَ: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ . وأقُولُ: إنَّ الدَّيْمُومَةَ عَلى الشَّيْءِ والمُحافَظَةِ عَلَيْهِ شَيْءٌ واحِدٌ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَتِ الصَّلاةُ هي عَمُودُ الإسْلامِ بُولِغَ في التَّوْكِيدِ فِيها، فَذُكِرَتْ أوَّلَ خِصالِ الإسْلامِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ وآخِرَها؛ لِيُعْلَمَ مَرْتَبَتُها في الأرْكانِ الَّتِي بُنِيَ الإسْلامُ عَلَيْها، والصِّفاتُ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها، ومُعْظَمُها في سُورَةِ قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”بِشَهادَتِهِمْ“ عَلى الإفْرادِ. والسُّلَمِيُّ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ: عَلى الجَمْعِ.
المعارج 70:11
﴿ذِي المَعارِجِ﴾: المَعارِجُ لُغَةً الدَّرَجُ وهُنا اسْتِعارَةٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: في الرُّتَبِ والفَواضِلِ والصِّفاتِ الحَمِيدَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَعارِجُ، السَّماواتُ تَعْرُجُ فِيها المَلائِكَةُ مِن سَماءٍ إلى سَماءٍ. وقالَ الحَسَنُ: هي المَراقِي إلى السَّماءِ، وقِيلَ: المَعارِجُ، الغُرَفُ، أيْ: جَعَلَها لِأوْلِيائِهِ في الجَنَّةِ.
(تَعْرُجُ) قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِالتّاءِ عَلى التَّأْنِيثِ، وعَبْدُ اللَّهِ والكِسائِيُّ وابْنُ مِقْسَمٍ وزائِدَةُ عَنِ الأعْمَشِ بِالياءِ. (والرُّوحُ) قالَ الجُمْهُورُ: هو جِبْرِيلُ، خُصَّ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا، وأُخِّرَ هُنا بَعْدَ المَلائِكَةِ، وقُدِّمَ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبإ: ٣٨] . وقالَ مُجاهِدٌ: مَلائِكَةٌ حَفَظَةٌ لِلْمَلائِكَةِ الحافِظِينَ لِبَنِي آدَمَ، لا تَراهُمُ الحَفَظَةُ كَما لا نَرى نَحْنُ حَفَظَتَنا. وقِيلَ: الرُّوحُ مَلَكٌ غَيْرُ جِبْرِيلُ عَظِيمُ الخِلْقَةِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: خَلْقٌ كَهَيْئَةِ النّاسِ ولَيْسُوا بِالنّاسِ. وقالَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ: رُوحُ المَيِّتِ حِينَ تُقْبَضُ إلَيْهِ، الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ إلى عَرْشِهِ وحَيْثُ يَهْبِطُ مِنهُ أمْرُهُ تَعالى. وقِيلَ: ”إلَيْهِ“ أيْ: إلى المَكانِ الَّذِي هو مَحِلُّهم وهو في السَّماءِ؛ لِأنَّها مَحِلُّ بِرِّهِ وكَرامَتِهِ، والظّاهِرُ أنَّ المَعْنى: أنَّها تَعْرُجُ في يَوْمٍ مِن أيّامِكم هَذِهِ، ومِقْدارُ المَسافَةِ أنْ لَوْ عَرَجَها آدَمِيٌّ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ إسْحاقَ، وجَماعَةٌ مِنَ الحُذّاقِ مِنهُمُ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ. فَإنْ كانَ العارِجُ مَلَكًا، فَقالَ مُجاهِدٌ: المَسافَةُ هي مِن قَعْرِ الأرْضِ السّابِعَةِ إلى العَرْشِ. ومَن جَعَلَ الرُّوحَ جِنْسَ أنْواعِ الحَيَوانِ. قالَ وهْبٌ: المَسافَةُ مِن وجْهِ الأرْضِ إلى مُنْتَهى العَرْشِ. وقالَ عِكْرِمَةُ والحَكَمُ: أرادَ مُدَّةَ الدُّنْيا، فَإنَّها خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ لا يَدْرِي أحَدٌ ما مَضى مِنها وما بَقِيَ، أيْ: تَعْرُجُ في مُدَّةِ الدُّنْيا وبَقاءِ هَذِهِ البِنْيَةَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هو يَوْمُ القِيامَةِ. وقِيلَ: طُولُهُ ذَلِكَ العَدَدُ، وهَذا ظاهِرُ ما جاءَ في الحَدِيثِ في مانِعِ الزَّكاةِ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: قَدَّرَهُ في رَزاياهُ وهَوْلِهِ وشِدَّتِهِ لِلْكُفّارِ ذَلِكَ العَدَدَ. وفي الحَدِيثِ: ”يَخِفُّ عَلى المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ أخَفَّ عَلَيْهِ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ“ . وقالَ عِكْرِمَةُ: مِقْدارُ ما يَنْقَضِي فِيهِ مِنَ الحِسابِ قَدْرُ ما يَقْضِي بِالعَدْلِ في خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا. وقالَ الحَسَنُ نَحْوَهُ. وقِيلَ: لا يُرادُ حَقِيقَةَ العَدَدِ، إنَّما أُرِيدَ بِهِ طُولُ المَوْقِفِ يَوْمَ القِيامَةِ وما فِيهِ مِنَ الشَّدائِدِ، والعَرَبُ تَصِفُ أيّامَ الشِّدَّةِ بِالطُّولِ، وأيّامَ الفَرَحِ بِالقِصَرِ. قالَ الشّاعِرُ يَصِفُ أيّامَ الفَرَحِ والسُّرُورِ:
؎ويَوْمٍ كَظِلِّ الرُّمْحِ قَصَّرَ طُولَهُ دَمُ الزِّقِّ عَنّا واصْطِفاقُ المَزاهِرِ
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: في يَوْمٍ مُتَعَلِّقٌ بِـ (تَعَرُّجِ) وقِيلَ: بِـ (دافِعٍ) والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (تَعْرُجُ) اعْتِراضٌ. ولَمّا كانُوا قَدْ سَألُوا اسْتِعْجالَ العَذابِ، وكانَ السُّؤالُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والتَّكْذِيبِ، وكانُوا قَدْ وُعِدُوا بِهِ، أمَرَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ، ومَن جَعَلَهُ مِنَ السَّيَلانِ، فالمَعْنى: أنَّهُ أشْرَفَ عَلى الوُقُوعِ، والضَّمِيرُ في ﴿يَرَوْنَهُ﴾ عائِدٌ عَلى العَذابِ أوْ عَلى اليَوْمِ، إذا أُرِيدَ بِهِ يَوْمُ القِيامَةِ، وهَذا الِاسْتِبْعادُ هو عَلى سَبِيلِ الإحالَةِ مِنهم.
﴿ونَراهُ قَرِيبًا﴾ أيْ: هَيِّنًا في قُدْرَتِنا، غَيْرَ بَعِيدٍ عَلَيْنا ولا مُتَعَذِّرٍ، وكُلُّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ، والبُعْدُ والقُرْبُ في الإمْكانِ لا في المَسافَةِ.
﴿يَوْمَ تَكُونُ﴾: مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: يَقَعُ يَوْمَ تَكُونُ، أوْ ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ كانَ (p-٣٣٤)كَيْتَ وكَيْتَ، أوْ بِـ (قَرِيبًا) أوْ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ ”نَراهُ“ إذا كانَ عائِدًا عَلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ هو بَدَلٌ مِن في يَوْمٍ فِيمَن عَلَّقَهُ بِـ (واقِعٍ) . انْتَهى. ولا يَجُوزُ هَذا؛ لِأنَّ في يَوْمٍ وإنْ كانَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لا يُبْدَلُ مِنهُ مَنصُوبٌ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا لَيْسَ مِنَ المَواضِعِ الَّتِي تُراعى في التَّوابِعِ؛ لِأنَّ حَرْفَ الجَرِّ فِيها لَيْسَ بِزائِدٍ، ولا مَحْكُومٍ لَهُ بِحُكْمِ الزّائِدِ كَـ (رُبَّ) وإنَّما يَجُوزُ مُراعاةُ المَواضِعِ في حَرْفِ الجَرِّ الزّائِدِ كَقَوْلِهِ:
؎يا بَنِي لُبَيْنى لَسْتُما بِيَدٍ ∗∗∗ إلّا يَدًا لَيْسَتْ لَها عَضُدُ
ولِذَلِكَ لا يَجُوزُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ الخَيّاطِ، عَلى مُراعاةِ مَوْضِعِ بِزَيْدٍ، ولا مَرَرْتُ بِزَيْدٍ وعَمْرًا، ولا غَضِبْتُ عَلى زَيْدٍ وجَعْفَرًا، ولا مَرَرْتُ بِعَمْرٍو أخاكَ عَلى مُراعاةِ المَوْضِعِ. (فَإنْ قُلْتَ): الحَرَكَةُ في (يَوْمَ) تَكُونُ حَرَكَةَ بِناءٍ لا حَرَكَةَ إعْرابٍ، فَهو مَجْرُورٌ مِثْلُ في يَوْمٍ (قُلْتُ): لا يَجُوزُ بِناؤُهُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّهُ أُضِيفَ إلى مُعْرَبٍ، لَكِنَّهُ يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، فَيَتَمَشّى كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ عَلى مَذْهَبِهِمْ إنْ كانَ اسْتَحْضَرَهُ وقَصَدَهُ.
(كالمُهْلِ) تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في سُورَةِ الدُّخانِ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] كَما في القارِعَةِ، لَمّا نُسِفَتْ طارَتْ في الجَوِّ كالصُّوفِ المَنفُوشِ إذا طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ. قالَ الحَسَنُ: تَسِيرُ الجِبالُ مَعَ الرِّياحِ، ثُمَّ تَنْهَدُّ، ثُمَّ تَصِيرُ كالعِهْنِ، ثُمَّ تُنْسَفُ فَتَصِيرُ هَباءً. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ولا يَسْألُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، أيْ: لا يَسْألُهُ نُصْرَةً ولا مَنفَعَةً لِعِلْمِهِ أنَّهُ لا يَجِدُ ذَلِكَ عِنْدَهُ. وقالَ قَتادَةُ: لا يَسْألُهُ عَنْ حالِهِ لِأنَّها ظاهِرَةٌ. وقِيلَ: لا يَسْألُهُ أنْ يَحْمِلَ عَنْهُ مِن أوْزارِهِ شَيْئًا لِيَأْسِهِ عَنْ ذَلِكَ. وقِيلَ: شَفاعَةً. وقِيلَ: ”حَمِيمًا“ مَنصُوبٌ عَلى إسْقاطِ عَنْ، أيْ: عَنْ حَمِيمٍ، لِشَغْلِهِ بِما هو فِيهِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ والبَزِّيُّ بِخِلافٍ عَنْ ثَلاثَتِهِمْ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ: لا يُسْألُ إحْضارَهُ، كُلٌّ مِنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ لَهُ سِيما يُعْرَفُ بِها. وقِيلَ: عَنْ ذُنُوبِ حَمِيمِهِ لِيُؤْخَذَ بِها.
﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾: اسْتِئْنافُ كَلامٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في المَحْشَرِ يُبَصَّرُ الحَمِيمُ حَمِيمَهُ، ثُمَّ يَفِرُّ عَنْهُ لِشُغْلِهِ بِنَفْسِهِ. وقِيلَ: يُبَصَّرُونَهم في النّارِ. وقِيلَ: يُبَصَّرُونَهم فَلا يَحْتاجُونَ إلى السُّؤالِ والطَّلَبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”يُبَصَّرُونَهم“ صِفَةً، أيْ: حَمِيمًا مُبَصَّرِينَ مُصَرِّفِينَ إيّاهم. انْتَهى. و﴿حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾: نَكِرَتانِ في سِياقِ النَّفْيِ فَيَعُمّانِ، ولِذَلِكَ جُمِعَ الضَّمِيرُ. وقَرَأ قَتادَةُ: ”يُبْصِرُونَهم“ مُخَفَّفًا مَعَ كَسْرِ الصّادِ، أيْ: يُبْصِرُ المُؤْمِنُ الكافِرَ في النّارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُبْصِرُ الكافِرُ مَن أضَلَّهُ في النّارِ عِبْرَةً وانْتِقامًا وحُزْنًا.
﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ﴾ أيِ: الكافِرُ، وقَدْ يَنْدَرِجُ فِيهِ المُؤْمِنُ العاصِي الَّذِي يُعَذَّبُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِن عَذابِ مُضافًا. وأبُو حَيْوَةَ بِفَتْحِها. (وصاحِبَتِهِ): زَوْجَتُهُ ﴿وفَصِيلَتِهِ﴾: أقْرِباؤُهُ الأدْنُونَ ﴿تُؤْوِيهِ﴾: تَضُمُّهُ انْتِماءً إلَيْها، أوْ لِياذًا بِها في النَّوائِبِ.
﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾: عَطْفٌ عَلى ﴿يَفْتَدِي﴾ أيْ: يُنْجِيهِ بِالِافْتِداءِ، أوْ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهم. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: تُؤْوِيهِ وتُنْجِيهِ بِضَمِّ الهاءَيْنِ. (كَلّا): رَدْعٌ لِوِدادَتِهِمُ الِافْتِداءَ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا يَنْفَعُ. (إنَّها): الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ، و﴿لَظى نَزّاعَةً﴾: تَفْسِيرٌ لَها أوْ لِلنّارِ الدّالِّ عَلَيْها ﴿عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ و﴿لَظى﴾ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ، و﴿نَزّاعَةً﴾ خَبَرُ إنَّ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، و﴿لَظى﴾ خَبَرُ إنَّ أيْ: هي نَزّاعَةٌ، أوْ بَدَلٌ مِن ﴿لَظى﴾ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ. كُلُّ هَذا ذَكَرُوهُ، وذَلِكَ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِرَفْعِ ”نَزّاعَةٌ“ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا مُبْهَمًا تَرْجَمَ عَنْهُ الخَبَرُ. انْتَهى. ولا أدْرِي ما هَذا المُضْمَرُ الَّذِي تَرْجَمَ عَنْهُ الخَبَرُ، ولَيْسَ هَذا مِنَ المَواضِعِ الَّتِي يُفَسِّرُ فِيها المُفْرَدُ الضَّمِيرَ، ولَوْلا أنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ هَذا: أوْ ضَمِيرُ القِصَّةِ، لَحَمَلْتُ كَلامَهُ عَلَيْهِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو حَيْوَةَ، والزَّعْفَرانِيُّ وابْنُ مِقْسَمٍ وحَفْصٌ واليَزِيدِيُّ في اخْتِيارِهِ ”نَزّاعَةً“ بِالنَّصْبِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ ﴿لَظى﴾ خَبَرًا لِـ (إنَّ) والضَّمِيرُ في ”إنَّها“ عائِدٌ عَلى النّارِ الدّالِّ عَلَيْها (عَذابٌ) وانْتَصَبَ ”نَزّاعَةً“ عَلى الحالِ المُؤَكَّدَةِ أوِ المُبَيَّنَةِ، والعامِلُ فِيها ﴿لَظى﴾ وإنْ كانَ عامِلًا لِما فِيهِ مِن مَعْنى التَّلَظِّي، كَما عَمِلَ العَلَمُ في الظَّرْفِ في قَوْلِهِ:
؎أنا أبُو المِنهالِ بَعْضَ الأحْيانِ
أيْ: المَشْهُورُ بَعْضَ (p-٣٣٥)الأحْيانِ، أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ لِلتَّهْوِيلِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وكَأنَّهُ يَعْنِي القَطْعَ. فالنَّصْبُ فِيها كالرَّفْعِ فِيها، إذا أضْمَرْتَ (هو) فَتُضْمِرُ هُنا، أعْنِي تَدْعُو، أيْ حَقِيقَةً يَخْلُقُ اللَّهُ فِيها الكَلامَ كَما يَخْلُقُهُ في الأعْضاءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، تَدْعُوهم بِأسْمائِهِمْ وأسْماءِ آبائِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَما خَلَقَهُ في الشَّجَرَةِ. انْتَهى، فَلَمْ يَتْرُكْ مَذْهَبَ الِاعْتِزالِ. وقالَ الخَلِيلُ: مَجازٌ عَنِ اسْتِدْنائِها مِنهم وما تُوقِعُهُ بِهِمْ مِن عَذابِها. وقالَ ثَعْلَبٌ: يَهْلِكُ، تَقُولُ العَرَبُ: دَعا اللَّهَ، أيْ أهْلَكَكَ، وحَكاهُ الخَلِيلُ عَنِ العَرَبِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَيالِيَ يَدْعُونِي الهَوى فَأُجِيبُهُ ∗∗∗ وأعْيُنُ مَن أهْوى إلَيَّ رَوانِي
(وقالَ آخَرُ):
؎تَرَفَّعَ لِلْعِيانِ وكُلُّ فَجٍّ ∗∗∗ طَباهُ الرِّعْيُ مِنهُ والخَلاءُ
يَصِفُ ظَلِيمًا، وطَباهُ أيْ: دَعاهُ، والهَوى والرِّعْيُ لا يُدْعَوانِ حَقِيقَةً، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ فِيهِما ما يَجْذِبُ صارا داعِيَيْنِ مَجازًا. وقِيلَ: تَدْعُو، أيْ: خَزَنَةُ جَهَنَّمَ، أُضِيفَ دُعاؤُهم إلَيْها ﴿مَن أدْبَرَ﴾ عَنِ الحَقِّ ﴿وتَوَلّى وجَمَعَ فَأوْعى﴾ أيْ: وجَمَعَ المالَ، فَجَعَلَهُ في وِعاءٍ وكَنَزَهُ ولَمْ يُؤَدِّ حَقَّ اللَّهِ فِيهِ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى كُفّارٍ أغْنِياءَ. وقالَ الحَكِيمُ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَكِيمٍ لا يَرْبُطُ كِيسَهُ ويَقُولُ: سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ .
﴿إنَّ الإنْسانَ﴾ جِنْسٌ، ولِذَلِكَ اسْتَثْنى مِنهُ ﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾ . وقِيلَ: الإشارَةُ إلى الكُفّارِ. وقالَ ثَعْلَبٌ: قالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طاهِرٍ: ما الهَلَعُ ؟ فَقُلْتُ: قَدْ فَسَّرَهُ اللَّهُ تَعالى، ولا يَكُونُ تَفْسِيرٌ أبْيَنَ مِن تَفْسِيرِهِ، وهو الَّذِي إذا نالَهُ شَرٌّ أظْهَرَ شِدَّةَ الجَزَعِ، وإذا نالَهُ خَيْرٌ بَخِلَ بِهِ ومَنَعَهُ النّاسَ. انْتَهى.
ولَمّا كانَ شِدَّةُ الجَزَعِ والمَنعِ مُتَمَكِّنَةً في الإنْسانِ، جُعِلَ كَأنَّهُ خُلِقَ مَحْمُولًا عَلَيْهِما، كَقَوْلِهِ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] والخَيْرُ: المالُ.
﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾: اسْتِثْناءٌ كَما قُلْنا مِنَ الإنْسانِ، ولِذَلِكَ وصَفَهم بِما وصَفَهم بِهِ مِنَ الصَّبْرِ عَلى المَكارِهِ، والصِّفاتِ الجَمِيلَةِ الَّتِي حاوَرُوها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: عَلى صَلاتِهِمْ بِالإفْرادِ. والحَسَنُ جَمْعًا. ودَيْمُومَتُها، قالَ الجُمْهُورُ: المُواظَبَةُ عَلَيْها. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: صَلاتُها لِوَقْتِها. وقالَ عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ: يُقِرُّونَ فِيها ولا يَلْتَفِتُونَ يَمِينًا ولا شِمالًا، ومِنهُ المالُ الدّائِمُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: دَوامُهم عَلَيْها أنْ يُواظِبُوا عَلى أدائِها ولا يَشْتَغِلُونَ عَنْها بِشَيْءٍ، ومُحافَظَتُهم عَلَيْها أنْ يُراعُوا إسْباغَ الوُضُوءِ لَها ومَواقِيتِها، ويُقِيمُوا أرْكانَها ويُكْمِلُوها بِسُنَنِها وأدائِها، ويَحْفَظُونَها مِنَ الإحْباطِ بِاقْتِرانِ المَآثِمِ، والدَّوامِ يَرْجِعُ إلى أنْفُسِ الصَّلَواتِ والمُحافَظَةِ عَلى أحْوالِها. انْتَهى. وهو جَوابُهُ لِسُؤالِهِ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ قالَ: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ . وأقُولُ: إنَّ الدَّيْمُومَةَ عَلى الشَّيْءِ والمُحافَظَةِ عَلَيْهِ شَيْءٌ واحِدٌ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَتِ الصَّلاةُ هي عَمُودُ الإسْلامِ بُولِغَ في التَّوْكِيدِ فِيها، فَذُكِرَتْ أوَّلَ خِصالِ الإسْلامِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ وآخِرَها؛ لِيُعْلَمَ مَرْتَبَتُها في الأرْكانِ الَّتِي بُنِيَ الإسْلامُ عَلَيْها، والصِّفاتُ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها، ومُعْظَمُها في سُورَةِ قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”بِشَهادَتِهِمْ“ عَلى الإفْرادِ. والسُّلَمِيُّ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ: عَلى الجَمْعِ.
المعارج 70:12
﴿ذِي المَعارِجِ﴾: المَعارِجُ لُغَةً الدَّرَجُ وهُنا اسْتِعارَةٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: في الرُّتَبِ والفَواضِلِ والصِّفاتِ الحَمِيدَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَعارِجُ، السَّماواتُ تَعْرُجُ فِيها المَلائِكَةُ مِن سَماءٍ إلى سَماءٍ. وقالَ الحَسَنُ: هي المَراقِي إلى السَّماءِ، وقِيلَ: المَعارِجُ، الغُرَفُ، أيْ: جَعَلَها لِأوْلِيائِهِ في الجَنَّةِ.
(تَعْرُجُ) قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِالتّاءِ عَلى التَّأْنِيثِ، وعَبْدُ اللَّهِ والكِسائِيُّ وابْنُ مِقْسَمٍ وزائِدَةُ عَنِ الأعْمَشِ بِالياءِ. (والرُّوحُ) قالَ الجُمْهُورُ: هو جِبْرِيلُ، خُصَّ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا، وأُخِّرَ هُنا بَعْدَ المَلائِكَةِ، وقُدِّمَ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبإ: ٣٨] . وقالَ مُجاهِدٌ: مَلائِكَةٌ حَفَظَةٌ لِلْمَلائِكَةِ الحافِظِينَ لِبَنِي آدَمَ، لا تَراهُمُ الحَفَظَةُ كَما لا نَرى نَحْنُ حَفَظَتَنا. وقِيلَ: الرُّوحُ مَلَكٌ غَيْرُ جِبْرِيلُ عَظِيمُ الخِلْقَةِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: خَلْقٌ كَهَيْئَةِ النّاسِ ولَيْسُوا بِالنّاسِ. وقالَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ: رُوحُ المَيِّتِ حِينَ تُقْبَضُ إلَيْهِ، الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ إلى عَرْشِهِ وحَيْثُ يَهْبِطُ مِنهُ أمْرُهُ تَعالى. وقِيلَ: ”إلَيْهِ“ أيْ: إلى المَكانِ الَّذِي هو مَحِلُّهم وهو في السَّماءِ؛ لِأنَّها مَحِلُّ بِرِّهِ وكَرامَتِهِ، والظّاهِرُ أنَّ المَعْنى: أنَّها تَعْرُجُ في يَوْمٍ مِن أيّامِكم هَذِهِ، ومِقْدارُ المَسافَةِ أنْ لَوْ عَرَجَها آدَمِيٌّ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ إسْحاقَ، وجَماعَةٌ مِنَ الحُذّاقِ مِنهُمُ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ. فَإنْ كانَ العارِجُ مَلَكًا، فَقالَ مُجاهِدٌ: المَسافَةُ هي مِن قَعْرِ الأرْضِ السّابِعَةِ إلى العَرْشِ. ومَن جَعَلَ الرُّوحَ جِنْسَ أنْواعِ الحَيَوانِ. قالَ وهْبٌ: المَسافَةُ مِن وجْهِ الأرْضِ إلى مُنْتَهى العَرْشِ. وقالَ عِكْرِمَةُ والحَكَمُ: أرادَ مُدَّةَ الدُّنْيا، فَإنَّها خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ لا يَدْرِي أحَدٌ ما مَضى مِنها وما بَقِيَ، أيْ: تَعْرُجُ في مُدَّةِ الدُّنْيا وبَقاءِ هَذِهِ البِنْيَةَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هو يَوْمُ القِيامَةِ. وقِيلَ: طُولُهُ ذَلِكَ العَدَدُ، وهَذا ظاهِرُ ما جاءَ في الحَدِيثِ في مانِعِ الزَّكاةِ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: قَدَّرَهُ في رَزاياهُ وهَوْلِهِ وشِدَّتِهِ لِلْكُفّارِ ذَلِكَ العَدَدَ. وفي الحَدِيثِ: ”يَخِفُّ عَلى المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ أخَفَّ عَلَيْهِ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ“ . وقالَ عِكْرِمَةُ: مِقْدارُ ما يَنْقَضِي فِيهِ مِنَ الحِسابِ قَدْرُ ما يَقْضِي بِالعَدْلِ في خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا. وقالَ الحَسَنُ نَحْوَهُ. وقِيلَ: لا يُرادُ حَقِيقَةَ العَدَدِ، إنَّما أُرِيدَ بِهِ طُولُ المَوْقِفِ يَوْمَ القِيامَةِ وما فِيهِ مِنَ الشَّدائِدِ، والعَرَبُ تَصِفُ أيّامَ الشِّدَّةِ بِالطُّولِ، وأيّامَ الفَرَحِ بِالقِصَرِ. قالَ الشّاعِرُ يَصِفُ أيّامَ الفَرَحِ والسُّرُورِ:
؎ويَوْمٍ كَظِلِّ الرُّمْحِ قَصَّرَ طُولَهُ دَمُ الزِّقِّ عَنّا واصْطِفاقُ المَزاهِرِ
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: في يَوْمٍ مُتَعَلِّقٌ بِـ (تَعَرُّجِ) وقِيلَ: بِـ (دافِعٍ) والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (تَعْرُجُ) اعْتِراضٌ. ولَمّا كانُوا قَدْ سَألُوا اسْتِعْجالَ العَذابِ، وكانَ السُّؤالُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والتَّكْذِيبِ، وكانُوا قَدْ وُعِدُوا بِهِ، أمَرَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ، ومَن جَعَلَهُ مِنَ السَّيَلانِ، فالمَعْنى: أنَّهُ أشْرَفَ عَلى الوُقُوعِ، والضَّمِيرُ في ﴿يَرَوْنَهُ﴾ عائِدٌ عَلى العَذابِ أوْ عَلى اليَوْمِ، إذا أُرِيدَ بِهِ يَوْمُ القِيامَةِ، وهَذا الِاسْتِبْعادُ هو عَلى سَبِيلِ الإحالَةِ مِنهم.
﴿ونَراهُ قَرِيبًا﴾ أيْ: هَيِّنًا في قُدْرَتِنا، غَيْرَ بَعِيدٍ عَلَيْنا ولا مُتَعَذِّرٍ، وكُلُّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ، والبُعْدُ والقُرْبُ في الإمْكانِ لا في المَسافَةِ.
﴿يَوْمَ تَكُونُ﴾: مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: يَقَعُ يَوْمَ تَكُونُ، أوْ ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ كانَ (p-٣٣٤)كَيْتَ وكَيْتَ، أوْ بِـ (قَرِيبًا) أوْ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ ”نَراهُ“ إذا كانَ عائِدًا عَلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ هو بَدَلٌ مِن في يَوْمٍ فِيمَن عَلَّقَهُ بِـ (واقِعٍ) . انْتَهى. ولا يَجُوزُ هَذا؛ لِأنَّ في يَوْمٍ وإنْ كانَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لا يُبْدَلُ مِنهُ مَنصُوبٌ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا لَيْسَ مِنَ المَواضِعِ الَّتِي تُراعى في التَّوابِعِ؛ لِأنَّ حَرْفَ الجَرِّ فِيها لَيْسَ بِزائِدٍ، ولا مَحْكُومٍ لَهُ بِحُكْمِ الزّائِدِ كَـ (رُبَّ) وإنَّما يَجُوزُ مُراعاةُ المَواضِعِ في حَرْفِ الجَرِّ الزّائِدِ كَقَوْلِهِ:
؎يا بَنِي لُبَيْنى لَسْتُما بِيَدٍ ∗∗∗ إلّا يَدًا لَيْسَتْ لَها عَضُدُ
ولِذَلِكَ لا يَجُوزُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ الخَيّاطِ، عَلى مُراعاةِ مَوْضِعِ بِزَيْدٍ، ولا مَرَرْتُ بِزَيْدٍ وعَمْرًا، ولا غَضِبْتُ عَلى زَيْدٍ وجَعْفَرًا، ولا مَرَرْتُ بِعَمْرٍو أخاكَ عَلى مُراعاةِ المَوْضِعِ. (فَإنْ قُلْتَ): الحَرَكَةُ في (يَوْمَ) تَكُونُ حَرَكَةَ بِناءٍ لا حَرَكَةَ إعْرابٍ، فَهو مَجْرُورٌ مِثْلُ في يَوْمٍ (قُلْتُ): لا يَجُوزُ بِناؤُهُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّهُ أُضِيفَ إلى مُعْرَبٍ، لَكِنَّهُ يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، فَيَتَمَشّى كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ عَلى مَذْهَبِهِمْ إنْ كانَ اسْتَحْضَرَهُ وقَصَدَهُ.
(كالمُهْلِ) تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في سُورَةِ الدُّخانِ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] كَما في القارِعَةِ، لَمّا نُسِفَتْ طارَتْ في الجَوِّ كالصُّوفِ المَنفُوشِ إذا طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ. قالَ الحَسَنُ: تَسِيرُ الجِبالُ مَعَ الرِّياحِ، ثُمَّ تَنْهَدُّ، ثُمَّ تَصِيرُ كالعِهْنِ، ثُمَّ تُنْسَفُ فَتَصِيرُ هَباءً. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ولا يَسْألُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، أيْ: لا يَسْألُهُ نُصْرَةً ولا مَنفَعَةً لِعِلْمِهِ أنَّهُ لا يَجِدُ ذَلِكَ عِنْدَهُ. وقالَ قَتادَةُ: لا يَسْألُهُ عَنْ حالِهِ لِأنَّها ظاهِرَةٌ. وقِيلَ: لا يَسْألُهُ أنْ يَحْمِلَ عَنْهُ مِن أوْزارِهِ شَيْئًا لِيَأْسِهِ عَنْ ذَلِكَ. وقِيلَ: شَفاعَةً. وقِيلَ: ”حَمِيمًا“ مَنصُوبٌ عَلى إسْقاطِ عَنْ، أيْ: عَنْ حَمِيمٍ، لِشَغْلِهِ بِما هو فِيهِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ والبَزِّيُّ بِخِلافٍ عَنْ ثَلاثَتِهِمْ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ: لا يُسْألُ إحْضارَهُ، كُلٌّ مِنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ لَهُ سِيما يُعْرَفُ بِها. وقِيلَ: عَنْ ذُنُوبِ حَمِيمِهِ لِيُؤْخَذَ بِها.
﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾: اسْتِئْنافُ كَلامٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في المَحْشَرِ يُبَصَّرُ الحَمِيمُ حَمِيمَهُ، ثُمَّ يَفِرُّ عَنْهُ لِشُغْلِهِ بِنَفْسِهِ. وقِيلَ: يُبَصَّرُونَهم في النّارِ. وقِيلَ: يُبَصَّرُونَهم فَلا يَحْتاجُونَ إلى السُّؤالِ والطَّلَبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”يُبَصَّرُونَهم“ صِفَةً، أيْ: حَمِيمًا مُبَصَّرِينَ مُصَرِّفِينَ إيّاهم. انْتَهى. و﴿حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾: نَكِرَتانِ في سِياقِ النَّفْيِ فَيَعُمّانِ، ولِذَلِكَ جُمِعَ الضَّمِيرُ. وقَرَأ قَتادَةُ: ”يُبْصِرُونَهم“ مُخَفَّفًا مَعَ كَسْرِ الصّادِ، أيْ: يُبْصِرُ المُؤْمِنُ الكافِرَ في النّارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُبْصِرُ الكافِرُ مَن أضَلَّهُ في النّارِ عِبْرَةً وانْتِقامًا وحُزْنًا.
﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ﴾ أيِ: الكافِرُ، وقَدْ يَنْدَرِجُ فِيهِ المُؤْمِنُ العاصِي الَّذِي يُعَذَّبُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِن عَذابِ مُضافًا. وأبُو حَيْوَةَ بِفَتْحِها. (وصاحِبَتِهِ): زَوْجَتُهُ ﴿وفَصِيلَتِهِ﴾: أقْرِباؤُهُ الأدْنُونَ ﴿تُؤْوِيهِ﴾: تَضُمُّهُ انْتِماءً إلَيْها، أوْ لِياذًا بِها في النَّوائِبِ.
﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾: عَطْفٌ عَلى ﴿يَفْتَدِي﴾ أيْ: يُنْجِيهِ بِالِافْتِداءِ، أوْ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهم. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: تُؤْوِيهِ وتُنْجِيهِ بِضَمِّ الهاءَيْنِ. (كَلّا): رَدْعٌ لِوِدادَتِهِمُ الِافْتِداءَ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا يَنْفَعُ. (إنَّها): الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ، و﴿لَظى نَزّاعَةً﴾: تَفْسِيرٌ لَها أوْ لِلنّارِ الدّالِّ عَلَيْها ﴿عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ و﴿لَظى﴾ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ، و﴿نَزّاعَةً﴾ خَبَرُ إنَّ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، و﴿لَظى﴾ خَبَرُ إنَّ أيْ: هي نَزّاعَةٌ، أوْ بَدَلٌ مِن ﴿لَظى﴾ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ. كُلُّ هَذا ذَكَرُوهُ، وذَلِكَ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِرَفْعِ ”نَزّاعَةٌ“ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا مُبْهَمًا تَرْجَمَ عَنْهُ الخَبَرُ. انْتَهى. ولا أدْرِي ما هَذا المُضْمَرُ الَّذِي تَرْجَمَ عَنْهُ الخَبَرُ، ولَيْسَ هَذا مِنَ المَواضِعِ الَّتِي يُفَسِّرُ فِيها المُفْرَدُ الضَّمِيرَ، ولَوْلا أنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ هَذا: أوْ ضَمِيرُ القِصَّةِ، لَحَمَلْتُ كَلامَهُ عَلَيْهِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو حَيْوَةَ، والزَّعْفَرانِيُّ وابْنُ مِقْسَمٍ وحَفْصٌ واليَزِيدِيُّ في اخْتِيارِهِ ”نَزّاعَةً“ بِالنَّصْبِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ ﴿لَظى﴾ خَبَرًا لِـ (إنَّ) والضَّمِيرُ في ”إنَّها“ عائِدٌ عَلى النّارِ الدّالِّ عَلَيْها (عَذابٌ) وانْتَصَبَ ”نَزّاعَةً“ عَلى الحالِ المُؤَكَّدَةِ أوِ المُبَيَّنَةِ، والعامِلُ فِيها ﴿لَظى﴾ وإنْ كانَ عامِلًا لِما فِيهِ مِن مَعْنى التَّلَظِّي، كَما عَمِلَ العَلَمُ في الظَّرْفِ في قَوْلِهِ:
؎أنا أبُو المِنهالِ بَعْضَ الأحْيانِ
أيْ: المَشْهُورُ بَعْضَ (p-٣٣٥)الأحْيانِ، أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ لِلتَّهْوِيلِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وكَأنَّهُ يَعْنِي القَطْعَ. فالنَّصْبُ فِيها كالرَّفْعِ فِيها، إذا أضْمَرْتَ (هو) فَتُضْمِرُ هُنا، أعْنِي تَدْعُو، أيْ حَقِيقَةً يَخْلُقُ اللَّهُ فِيها الكَلامَ كَما يَخْلُقُهُ في الأعْضاءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، تَدْعُوهم بِأسْمائِهِمْ وأسْماءِ آبائِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَما خَلَقَهُ في الشَّجَرَةِ. انْتَهى، فَلَمْ يَتْرُكْ مَذْهَبَ الِاعْتِزالِ. وقالَ الخَلِيلُ: مَجازٌ عَنِ اسْتِدْنائِها مِنهم وما تُوقِعُهُ بِهِمْ مِن عَذابِها. وقالَ ثَعْلَبٌ: يَهْلِكُ، تَقُولُ العَرَبُ: دَعا اللَّهَ، أيْ أهْلَكَكَ، وحَكاهُ الخَلِيلُ عَنِ العَرَبِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَيالِيَ يَدْعُونِي الهَوى فَأُجِيبُهُ ∗∗∗ وأعْيُنُ مَن أهْوى إلَيَّ رَوانِي
(وقالَ آخَرُ):
؎تَرَفَّعَ لِلْعِيانِ وكُلُّ فَجٍّ ∗∗∗ طَباهُ الرِّعْيُ مِنهُ والخَلاءُ
يَصِفُ ظَلِيمًا، وطَباهُ أيْ: دَعاهُ، والهَوى والرِّعْيُ لا يُدْعَوانِ حَقِيقَةً، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ فِيهِما ما يَجْذِبُ صارا داعِيَيْنِ مَجازًا. وقِيلَ: تَدْعُو، أيْ: خَزَنَةُ جَهَنَّمَ، أُضِيفَ دُعاؤُهم إلَيْها ﴿مَن أدْبَرَ﴾ عَنِ الحَقِّ ﴿وتَوَلّى وجَمَعَ فَأوْعى﴾ أيْ: وجَمَعَ المالَ، فَجَعَلَهُ في وِعاءٍ وكَنَزَهُ ولَمْ يُؤَدِّ حَقَّ اللَّهِ فِيهِ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى كُفّارٍ أغْنِياءَ. وقالَ الحَكِيمُ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَكِيمٍ لا يَرْبُطُ كِيسَهُ ويَقُولُ: سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ .
﴿إنَّ الإنْسانَ﴾ جِنْسٌ، ولِذَلِكَ اسْتَثْنى مِنهُ ﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾ . وقِيلَ: الإشارَةُ إلى الكُفّارِ. وقالَ ثَعْلَبٌ: قالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طاهِرٍ: ما الهَلَعُ ؟ فَقُلْتُ: قَدْ فَسَّرَهُ اللَّهُ تَعالى، ولا يَكُونُ تَفْسِيرٌ أبْيَنَ مِن تَفْسِيرِهِ، وهو الَّذِي إذا نالَهُ شَرٌّ أظْهَرَ شِدَّةَ الجَزَعِ، وإذا نالَهُ خَيْرٌ بَخِلَ بِهِ ومَنَعَهُ النّاسَ. انْتَهى.
ولَمّا كانَ شِدَّةُ الجَزَعِ والمَنعِ مُتَمَكِّنَةً في الإنْسانِ، جُعِلَ كَأنَّهُ خُلِقَ مَحْمُولًا عَلَيْهِما، كَقَوْلِهِ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] والخَيْرُ: المالُ.
﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾: اسْتِثْناءٌ كَما قُلْنا مِنَ الإنْسانِ، ولِذَلِكَ وصَفَهم بِما وصَفَهم بِهِ مِنَ الصَّبْرِ عَلى المَكارِهِ، والصِّفاتِ الجَمِيلَةِ الَّتِي حاوَرُوها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: عَلى صَلاتِهِمْ بِالإفْرادِ. والحَسَنُ جَمْعًا. ودَيْمُومَتُها، قالَ الجُمْهُورُ: المُواظَبَةُ عَلَيْها. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: صَلاتُها لِوَقْتِها. وقالَ عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ: يُقِرُّونَ فِيها ولا يَلْتَفِتُونَ يَمِينًا ولا شِمالًا، ومِنهُ المالُ الدّائِمُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: دَوامُهم عَلَيْها أنْ يُواظِبُوا عَلى أدائِها ولا يَشْتَغِلُونَ عَنْها بِشَيْءٍ، ومُحافَظَتُهم عَلَيْها أنْ يُراعُوا إسْباغَ الوُضُوءِ لَها ومَواقِيتِها، ويُقِيمُوا أرْكانَها ويُكْمِلُوها بِسُنَنِها وأدائِها، ويَحْفَظُونَها مِنَ الإحْباطِ بِاقْتِرانِ المَآثِمِ، والدَّوامِ يَرْجِعُ إلى أنْفُسِ الصَّلَواتِ والمُحافَظَةِ عَلى أحْوالِها. انْتَهى. وهو جَوابُهُ لِسُؤالِهِ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ قالَ: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ . وأقُولُ: إنَّ الدَّيْمُومَةَ عَلى الشَّيْءِ والمُحافَظَةِ عَلَيْهِ شَيْءٌ واحِدٌ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَتِ الصَّلاةُ هي عَمُودُ الإسْلامِ بُولِغَ في التَّوْكِيدِ فِيها، فَذُكِرَتْ أوَّلَ خِصالِ الإسْلامِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ وآخِرَها؛ لِيُعْلَمَ مَرْتَبَتُها في الأرْكانِ الَّتِي بُنِيَ الإسْلامُ عَلَيْها، والصِّفاتُ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها، ومُعْظَمُها في سُورَةِ قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”بِشَهادَتِهِمْ“ عَلى الإفْرادِ. والسُّلَمِيُّ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ: عَلى الجَمْعِ.
المعارج 70:13
﴿ذِي المَعارِجِ﴾: المَعارِجُ لُغَةً الدَّرَجُ وهُنا اسْتِعارَةٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: في الرُّتَبِ والفَواضِلِ والصِّفاتِ الحَمِيدَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَعارِجُ، السَّماواتُ تَعْرُجُ فِيها المَلائِكَةُ مِن سَماءٍ إلى سَماءٍ. وقالَ الحَسَنُ: هي المَراقِي إلى السَّماءِ، وقِيلَ: المَعارِجُ، الغُرَفُ، أيْ: جَعَلَها لِأوْلِيائِهِ في الجَنَّةِ.
(تَعْرُجُ) قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِالتّاءِ عَلى التَّأْنِيثِ، وعَبْدُ اللَّهِ والكِسائِيُّ وابْنُ مِقْسَمٍ وزائِدَةُ عَنِ الأعْمَشِ بِالياءِ. (والرُّوحُ) قالَ الجُمْهُورُ: هو جِبْرِيلُ، خُصَّ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا، وأُخِّرَ هُنا بَعْدَ المَلائِكَةِ، وقُدِّمَ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبإ: ٣٨] . وقالَ مُجاهِدٌ: مَلائِكَةٌ حَفَظَةٌ لِلْمَلائِكَةِ الحافِظِينَ لِبَنِي آدَمَ، لا تَراهُمُ الحَفَظَةُ كَما لا نَرى نَحْنُ حَفَظَتَنا. وقِيلَ: الرُّوحُ مَلَكٌ غَيْرُ جِبْرِيلُ عَظِيمُ الخِلْقَةِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: خَلْقٌ كَهَيْئَةِ النّاسِ ولَيْسُوا بِالنّاسِ. وقالَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ: رُوحُ المَيِّتِ حِينَ تُقْبَضُ إلَيْهِ، الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ إلى عَرْشِهِ وحَيْثُ يَهْبِطُ مِنهُ أمْرُهُ تَعالى. وقِيلَ: ”إلَيْهِ“ أيْ: إلى المَكانِ الَّذِي هو مَحِلُّهم وهو في السَّماءِ؛ لِأنَّها مَحِلُّ بِرِّهِ وكَرامَتِهِ، والظّاهِرُ أنَّ المَعْنى: أنَّها تَعْرُجُ في يَوْمٍ مِن أيّامِكم هَذِهِ، ومِقْدارُ المَسافَةِ أنْ لَوْ عَرَجَها آدَمِيٌّ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ إسْحاقَ، وجَماعَةٌ مِنَ الحُذّاقِ مِنهُمُ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ. فَإنْ كانَ العارِجُ مَلَكًا، فَقالَ مُجاهِدٌ: المَسافَةُ هي مِن قَعْرِ الأرْضِ السّابِعَةِ إلى العَرْشِ. ومَن جَعَلَ الرُّوحَ جِنْسَ أنْواعِ الحَيَوانِ. قالَ وهْبٌ: المَسافَةُ مِن وجْهِ الأرْضِ إلى مُنْتَهى العَرْشِ. وقالَ عِكْرِمَةُ والحَكَمُ: أرادَ مُدَّةَ الدُّنْيا، فَإنَّها خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ لا يَدْرِي أحَدٌ ما مَضى مِنها وما بَقِيَ، أيْ: تَعْرُجُ في مُدَّةِ الدُّنْيا وبَقاءِ هَذِهِ البِنْيَةَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هو يَوْمُ القِيامَةِ. وقِيلَ: طُولُهُ ذَلِكَ العَدَدُ، وهَذا ظاهِرُ ما جاءَ في الحَدِيثِ في مانِعِ الزَّكاةِ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: قَدَّرَهُ في رَزاياهُ وهَوْلِهِ وشِدَّتِهِ لِلْكُفّارِ ذَلِكَ العَدَدَ. وفي الحَدِيثِ: ”يَخِفُّ عَلى المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ أخَفَّ عَلَيْهِ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ“ . وقالَ عِكْرِمَةُ: مِقْدارُ ما يَنْقَضِي فِيهِ مِنَ الحِسابِ قَدْرُ ما يَقْضِي بِالعَدْلِ في خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا. وقالَ الحَسَنُ نَحْوَهُ. وقِيلَ: لا يُرادُ حَقِيقَةَ العَدَدِ، إنَّما أُرِيدَ بِهِ طُولُ المَوْقِفِ يَوْمَ القِيامَةِ وما فِيهِ مِنَ الشَّدائِدِ، والعَرَبُ تَصِفُ أيّامَ الشِّدَّةِ بِالطُّولِ، وأيّامَ الفَرَحِ بِالقِصَرِ. قالَ الشّاعِرُ يَصِفُ أيّامَ الفَرَحِ والسُّرُورِ:
؎ويَوْمٍ كَظِلِّ الرُّمْحِ قَصَّرَ طُولَهُ دَمُ الزِّقِّ عَنّا واصْطِفاقُ المَزاهِرِ
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: في يَوْمٍ مُتَعَلِّقٌ بِـ (تَعَرُّجِ) وقِيلَ: بِـ (دافِعٍ) والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (تَعْرُجُ) اعْتِراضٌ. ولَمّا كانُوا قَدْ سَألُوا اسْتِعْجالَ العَذابِ، وكانَ السُّؤالُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والتَّكْذِيبِ، وكانُوا قَدْ وُعِدُوا بِهِ، أمَرَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ، ومَن جَعَلَهُ مِنَ السَّيَلانِ، فالمَعْنى: أنَّهُ أشْرَفَ عَلى الوُقُوعِ، والضَّمِيرُ في ﴿يَرَوْنَهُ﴾ عائِدٌ عَلى العَذابِ أوْ عَلى اليَوْمِ، إذا أُرِيدَ بِهِ يَوْمُ القِيامَةِ، وهَذا الِاسْتِبْعادُ هو عَلى سَبِيلِ الإحالَةِ مِنهم.
﴿ونَراهُ قَرِيبًا﴾ أيْ: هَيِّنًا في قُدْرَتِنا، غَيْرَ بَعِيدٍ عَلَيْنا ولا مُتَعَذِّرٍ، وكُلُّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ، والبُعْدُ والقُرْبُ في الإمْكانِ لا في المَسافَةِ.
﴿يَوْمَ تَكُونُ﴾: مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: يَقَعُ يَوْمَ تَكُونُ، أوْ ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ كانَ (p-٣٣٤)كَيْتَ وكَيْتَ، أوْ بِـ (قَرِيبًا) أوْ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ ”نَراهُ“ إذا كانَ عائِدًا عَلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ هو بَدَلٌ مِن في يَوْمٍ فِيمَن عَلَّقَهُ بِـ (واقِعٍ) . انْتَهى. ولا يَجُوزُ هَذا؛ لِأنَّ في يَوْمٍ وإنْ كانَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لا يُبْدَلُ مِنهُ مَنصُوبٌ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا لَيْسَ مِنَ المَواضِعِ الَّتِي تُراعى في التَّوابِعِ؛ لِأنَّ حَرْفَ الجَرِّ فِيها لَيْسَ بِزائِدٍ، ولا مَحْكُومٍ لَهُ بِحُكْمِ الزّائِدِ كَـ (رُبَّ) وإنَّما يَجُوزُ مُراعاةُ المَواضِعِ في حَرْفِ الجَرِّ الزّائِدِ كَقَوْلِهِ:
؎يا بَنِي لُبَيْنى لَسْتُما بِيَدٍ ∗∗∗ إلّا يَدًا لَيْسَتْ لَها عَضُدُ
ولِذَلِكَ لا يَجُوزُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ الخَيّاطِ، عَلى مُراعاةِ مَوْضِعِ بِزَيْدٍ، ولا مَرَرْتُ بِزَيْدٍ وعَمْرًا، ولا غَضِبْتُ عَلى زَيْدٍ وجَعْفَرًا، ولا مَرَرْتُ بِعَمْرٍو أخاكَ عَلى مُراعاةِ المَوْضِعِ. (فَإنْ قُلْتَ): الحَرَكَةُ في (يَوْمَ) تَكُونُ حَرَكَةَ بِناءٍ لا حَرَكَةَ إعْرابٍ، فَهو مَجْرُورٌ مِثْلُ في يَوْمٍ (قُلْتُ): لا يَجُوزُ بِناؤُهُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّهُ أُضِيفَ إلى مُعْرَبٍ، لَكِنَّهُ يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، فَيَتَمَشّى كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ عَلى مَذْهَبِهِمْ إنْ كانَ اسْتَحْضَرَهُ وقَصَدَهُ.
(كالمُهْلِ) تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في سُورَةِ الدُّخانِ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] كَما في القارِعَةِ، لَمّا نُسِفَتْ طارَتْ في الجَوِّ كالصُّوفِ المَنفُوشِ إذا طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ. قالَ الحَسَنُ: تَسِيرُ الجِبالُ مَعَ الرِّياحِ، ثُمَّ تَنْهَدُّ، ثُمَّ تَصِيرُ كالعِهْنِ، ثُمَّ تُنْسَفُ فَتَصِيرُ هَباءً. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ولا يَسْألُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، أيْ: لا يَسْألُهُ نُصْرَةً ولا مَنفَعَةً لِعِلْمِهِ أنَّهُ لا يَجِدُ ذَلِكَ عِنْدَهُ. وقالَ قَتادَةُ: لا يَسْألُهُ عَنْ حالِهِ لِأنَّها ظاهِرَةٌ. وقِيلَ: لا يَسْألُهُ أنْ يَحْمِلَ عَنْهُ مِن أوْزارِهِ شَيْئًا لِيَأْسِهِ عَنْ ذَلِكَ. وقِيلَ: شَفاعَةً. وقِيلَ: ”حَمِيمًا“ مَنصُوبٌ عَلى إسْقاطِ عَنْ، أيْ: عَنْ حَمِيمٍ، لِشَغْلِهِ بِما هو فِيهِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ والبَزِّيُّ بِخِلافٍ عَنْ ثَلاثَتِهِمْ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ: لا يُسْألُ إحْضارَهُ، كُلٌّ مِنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ لَهُ سِيما يُعْرَفُ بِها. وقِيلَ: عَنْ ذُنُوبِ حَمِيمِهِ لِيُؤْخَذَ بِها.
﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾: اسْتِئْنافُ كَلامٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في المَحْشَرِ يُبَصَّرُ الحَمِيمُ حَمِيمَهُ، ثُمَّ يَفِرُّ عَنْهُ لِشُغْلِهِ بِنَفْسِهِ. وقِيلَ: يُبَصَّرُونَهم في النّارِ. وقِيلَ: يُبَصَّرُونَهم فَلا يَحْتاجُونَ إلى السُّؤالِ والطَّلَبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”يُبَصَّرُونَهم“ صِفَةً، أيْ: حَمِيمًا مُبَصَّرِينَ مُصَرِّفِينَ إيّاهم. انْتَهى. و﴿حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾: نَكِرَتانِ في سِياقِ النَّفْيِ فَيَعُمّانِ، ولِذَلِكَ جُمِعَ الضَّمِيرُ. وقَرَأ قَتادَةُ: ”يُبْصِرُونَهم“ مُخَفَّفًا مَعَ كَسْرِ الصّادِ، أيْ: يُبْصِرُ المُؤْمِنُ الكافِرَ في النّارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُبْصِرُ الكافِرُ مَن أضَلَّهُ في النّارِ عِبْرَةً وانْتِقامًا وحُزْنًا.
﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ﴾ أيِ: الكافِرُ، وقَدْ يَنْدَرِجُ فِيهِ المُؤْمِنُ العاصِي الَّذِي يُعَذَّبُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِن عَذابِ مُضافًا. وأبُو حَيْوَةَ بِفَتْحِها. (وصاحِبَتِهِ): زَوْجَتُهُ ﴿وفَصِيلَتِهِ﴾: أقْرِباؤُهُ الأدْنُونَ ﴿تُؤْوِيهِ﴾: تَضُمُّهُ انْتِماءً إلَيْها، أوْ لِياذًا بِها في النَّوائِبِ.
﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾: عَطْفٌ عَلى ﴿يَفْتَدِي﴾ أيْ: يُنْجِيهِ بِالِافْتِداءِ، أوْ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهم. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: تُؤْوِيهِ وتُنْجِيهِ بِضَمِّ الهاءَيْنِ. (كَلّا): رَدْعٌ لِوِدادَتِهِمُ الِافْتِداءَ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا يَنْفَعُ. (إنَّها): الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ، و﴿لَظى نَزّاعَةً﴾: تَفْسِيرٌ لَها أوْ لِلنّارِ الدّالِّ عَلَيْها ﴿عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ و﴿لَظى﴾ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ، و﴿نَزّاعَةً﴾ خَبَرُ إنَّ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، و﴿لَظى﴾ خَبَرُ إنَّ أيْ: هي نَزّاعَةٌ، أوْ بَدَلٌ مِن ﴿لَظى﴾ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ. كُلُّ هَذا ذَكَرُوهُ، وذَلِكَ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِرَفْعِ ”نَزّاعَةٌ“ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا مُبْهَمًا تَرْجَمَ عَنْهُ الخَبَرُ. انْتَهى. ولا أدْرِي ما هَذا المُضْمَرُ الَّذِي تَرْجَمَ عَنْهُ الخَبَرُ، ولَيْسَ هَذا مِنَ المَواضِعِ الَّتِي يُفَسِّرُ فِيها المُفْرَدُ الضَّمِيرَ، ولَوْلا أنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ هَذا: أوْ ضَمِيرُ القِصَّةِ، لَحَمَلْتُ كَلامَهُ عَلَيْهِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو حَيْوَةَ، والزَّعْفَرانِيُّ وابْنُ مِقْسَمٍ وحَفْصٌ واليَزِيدِيُّ في اخْتِيارِهِ ”نَزّاعَةً“ بِالنَّصْبِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ ﴿لَظى﴾ خَبَرًا لِـ (إنَّ) والضَّمِيرُ في ”إنَّها“ عائِدٌ عَلى النّارِ الدّالِّ عَلَيْها (عَذابٌ) وانْتَصَبَ ”نَزّاعَةً“ عَلى الحالِ المُؤَكَّدَةِ أوِ المُبَيَّنَةِ، والعامِلُ فِيها ﴿لَظى﴾ وإنْ كانَ عامِلًا لِما فِيهِ مِن مَعْنى التَّلَظِّي، كَما عَمِلَ العَلَمُ في الظَّرْفِ في قَوْلِهِ:
؎أنا أبُو المِنهالِ بَعْضَ الأحْيانِ
أيْ: المَشْهُورُ بَعْضَ (p-٣٣٥)الأحْيانِ، أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ لِلتَّهْوِيلِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وكَأنَّهُ يَعْنِي القَطْعَ. فالنَّصْبُ فِيها كالرَّفْعِ فِيها، إذا أضْمَرْتَ (هو) فَتُضْمِرُ هُنا، أعْنِي تَدْعُو، أيْ حَقِيقَةً يَخْلُقُ اللَّهُ فِيها الكَلامَ كَما يَخْلُقُهُ في الأعْضاءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، تَدْعُوهم بِأسْمائِهِمْ وأسْماءِ آبائِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَما خَلَقَهُ في الشَّجَرَةِ. انْتَهى، فَلَمْ يَتْرُكْ مَذْهَبَ الِاعْتِزالِ. وقالَ الخَلِيلُ: مَجازٌ عَنِ اسْتِدْنائِها مِنهم وما تُوقِعُهُ بِهِمْ مِن عَذابِها. وقالَ ثَعْلَبٌ: يَهْلِكُ، تَقُولُ العَرَبُ: دَعا اللَّهَ، أيْ أهْلَكَكَ، وحَكاهُ الخَلِيلُ عَنِ العَرَبِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَيالِيَ يَدْعُونِي الهَوى فَأُجِيبُهُ ∗∗∗ وأعْيُنُ مَن أهْوى إلَيَّ رَوانِي
(وقالَ آخَرُ):
؎تَرَفَّعَ لِلْعِيانِ وكُلُّ فَجٍّ ∗∗∗ طَباهُ الرِّعْيُ مِنهُ والخَلاءُ
يَصِفُ ظَلِيمًا، وطَباهُ أيْ: دَعاهُ، والهَوى والرِّعْيُ لا يُدْعَوانِ حَقِيقَةً، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ فِيهِما ما يَجْذِبُ صارا داعِيَيْنِ مَجازًا. وقِيلَ: تَدْعُو، أيْ: خَزَنَةُ جَهَنَّمَ، أُضِيفَ دُعاؤُهم إلَيْها ﴿مَن أدْبَرَ﴾ عَنِ الحَقِّ ﴿وتَوَلّى وجَمَعَ فَأوْعى﴾ أيْ: وجَمَعَ المالَ، فَجَعَلَهُ في وِعاءٍ وكَنَزَهُ ولَمْ يُؤَدِّ حَقَّ اللَّهِ فِيهِ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى كُفّارٍ أغْنِياءَ. وقالَ الحَكِيمُ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَكِيمٍ لا يَرْبُطُ كِيسَهُ ويَقُولُ: سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ .
﴿إنَّ الإنْسانَ﴾ جِنْسٌ، ولِذَلِكَ اسْتَثْنى مِنهُ ﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾ . وقِيلَ: الإشارَةُ إلى الكُفّارِ. وقالَ ثَعْلَبٌ: قالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طاهِرٍ: ما الهَلَعُ ؟ فَقُلْتُ: قَدْ فَسَّرَهُ اللَّهُ تَعالى، ولا يَكُونُ تَفْسِيرٌ أبْيَنَ مِن تَفْسِيرِهِ، وهو الَّذِي إذا نالَهُ شَرٌّ أظْهَرَ شِدَّةَ الجَزَعِ، وإذا نالَهُ خَيْرٌ بَخِلَ بِهِ ومَنَعَهُ النّاسَ. انْتَهى.
ولَمّا كانَ شِدَّةُ الجَزَعِ والمَنعِ مُتَمَكِّنَةً في الإنْسانِ، جُعِلَ كَأنَّهُ خُلِقَ مَحْمُولًا عَلَيْهِما، كَقَوْلِهِ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] والخَيْرُ: المالُ.
﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾: اسْتِثْناءٌ كَما قُلْنا مِنَ الإنْسانِ، ولِذَلِكَ وصَفَهم بِما وصَفَهم بِهِ مِنَ الصَّبْرِ عَلى المَكارِهِ، والصِّفاتِ الجَمِيلَةِ الَّتِي حاوَرُوها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: عَلى صَلاتِهِمْ بِالإفْرادِ. والحَسَنُ جَمْعًا. ودَيْمُومَتُها، قالَ الجُمْهُورُ: المُواظَبَةُ عَلَيْها. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: صَلاتُها لِوَقْتِها. وقالَ عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ: يُقِرُّونَ فِيها ولا يَلْتَفِتُونَ يَمِينًا ولا شِمالًا، ومِنهُ المالُ الدّائِمُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: دَوامُهم عَلَيْها أنْ يُواظِبُوا عَلى أدائِها ولا يَشْتَغِلُونَ عَنْها بِشَيْءٍ، ومُحافَظَتُهم عَلَيْها أنْ يُراعُوا إسْباغَ الوُضُوءِ لَها ومَواقِيتِها، ويُقِيمُوا أرْكانَها ويُكْمِلُوها بِسُنَنِها وأدائِها، ويَحْفَظُونَها مِنَ الإحْباطِ بِاقْتِرانِ المَآثِمِ، والدَّوامِ يَرْجِعُ إلى أنْفُسِ الصَّلَواتِ والمُحافَظَةِ عَلى أحْوالِها. انْتَهى. وهو جَوابُهُ لِسُؤالِهِ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ قالَ: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ . وأقُولُ: إنَّ الدَّيْمُومَةَ عَلى الشَّيْءِ والمُحافَظَةِ عَلَيْهِ شَيْءٌ واحِدٌ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَتِ الصَّلاةُ هي عَمُودُ الإسْلامِ بُولِغَ في التَّوْكِيدِ فِيها، فَذُكِرَتْ أوَّلَ خِصالِ الإسْلامِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ وآخِرَها؛ لِيُعْلَمَ مَرْتَبَتُها في الأرْكانِ الَّتِي بُنِيَ الإسْلامُ عَلَيْها، والصِّفاتُ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها، ومُعْظَمُها في سُورَةِ قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”بِشَهادَتِهِمْ“ عَلى الإفْرادِ. والسُّلَمِيُّ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ: عَلى الجَمْعِ.
المعارج 70:14
﴿ذِي المَعارِجِ﴾: المَعارِجُ لُغَةً الدَّرَجُ وهُنا اسْتِعارَةٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: في الرُّتَبِ والفَواضِلِ والصِّفاتِ الحَمِيدَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَعارِجُ، السَّماواتُ تَعْرُجُ فِيها المَلائِكَةُ مِن سَماءٍ إلى سَماءٍ. وقالَ الحَسَنُ: هي المَراقِي إلى السَّماءِ، وقِيلَ: المَعارِجُ، الغُرَفُ، أيْ: جَعَلَها لِأوْلِيائِهِ في الجَنَّةِ.
(تَعْرُجُ) قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِالتّاءِ عَلى التَّأْنِيثِ، وعَبْدُ اللَّهِ والكِسائِيُّ وابْنُ مِقْسَمٍ وزائِدَةُ عَنِ الأعْمَشِ بِالياءِ. (والرُّوحُ) قالَ الجُمْهُورُ: هو جِبْرِيلُ، خُصَّ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا، وأُخِّرَ هُنا بَعْدَ المَلائِكَةِ، وقُدِّمَ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبإ: ٣٨] . وقالَ مُجاهِدٌ: مَلائِكَةٌ حَفَظَةٌ لِلْمَلائِكَةِ الحافِظِينَ لِبَنِي آدَمَ، لا تَراهُمُ الحَفَظَةُ كَما لا نَرى نَحْنُ حَفَظَتَنا. وقِيلَ: الرُّوحُ مَلَكٌ غَيْرُ جِبْرِيلُ عَظِيمُ الخِلْقَةِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: خَلْقٌ كَهَيْئَةِ النّاسِ ولَيْسُوا بِالنّاسِ. وقالَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ: رُوحُ المَيِّتِ حِينَ تُقْبَضُ إلَيْهِ، الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ إلى عَرْشِهِ وحَيْثُ يَهْبِطُ مِنهُ أمْرُهُ تَعالى. وقِيلَ: ”إلَيْهِ“ أيْ: إلى المَكانِ الَّذِي هو مَحِلُّهم وهو في السَّماءِ؛ لِأنَّها مَحِلُّ بِرِّهِ وكَرامَتِهِ، والظّاهِرُ أنَّ المَعْنى: أنَّها تَعْرُجُ في يَوْمٍ مِن أيّامِكم هَذِهِ، ومِقْدارُ المَسافَةِ أنْ لَوْ عَرَجَها آدَمِيٌّ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ إسْحاقَ، وجَماعَةٌ مِنَ الحُذّاقِ مِنهُمُ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ. فَإنْ كانَ العارِجُ مَلَكًا، فَقالَ مُجاهِدٌ: المَسافَةُ هي مِن قَعْرِ الأرْضِ السّابِعَةِ إلى العَرْشِ. ومَن جَعَلَ الرُّوحَ جِنْسَ أنْواعِ الحَيَوانِ. قالَ وهْبٌ: المَسافَةُ مِن وجْهِ الأرْضِ إلى مُنْتَهى العَرْشِ. وقالَ عِكْرِمَةُ والحَكَمُ: أرادَ مُدَّةَ الدُّنْيا، فَإنَّها خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ لا يَدْرِي أحَدٌ ما مَضى مِنها وما بَقِيَ، أيْ: تَعْرُجُ في مُدَّةِ الدُّنْيا وبَقاءِ هَذِهِ البِنْيَةَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هو يَوْمُ القِيامَةِ. وقِيلَ: طُولُهُ ذَلِكَ العَدَدُ، وهَذا ظاهِرُ ما جاءَ في الحَدِيثِ في مانِعِ الزَّكاةِ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: قَدَّرَهُ في رَزاياهُ وهَوْلِهِ وشِدَّتِهِ لِلْكُفّارِ ذَلِكَ العَدَدَ. وفي الحَدِيثِ: ”يَخِفُّ عَلى المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ أخَفَّ عَلَيْهِ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ“ . وقالَ عِكْرِمَةُ: مِقْدارُ ما يَنْقَضِي فِيهِ مِنَ الحِسابِ قَدْرُ ما يَقْضِي بِالعَدْلِ في خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا. وقالَ الحَسَنُ نَحْوَهُ. وقِيلَ: لا يُرادُ حَقِيقَةَ العَدَدِ، إنَّما أُرِيدَ بِهِ طُولُ المَوْقِفِ يَوْمَ القِيامَةِ وما فِيهِ مِنَ الشَّدائِدِ، والعَرَبُ تَصِفُ أيّامَ الشِّدَّةِ بِالطُّولِ، وأيّامَ الفَرَحِ بِالقِصَرِ. قالَ الشّاعِرُ يَصِفُ أيّامَ الفَرَحِ والسُّرُورِ:
؎ويَوْمٍ كَظِلِّ الرُّمْحِ قَصَّرَ طُولَهُ دَمُ الزِّقِّ عَنّا واصْطِفاقُ المَزاهِرِ
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: في يَوْمٍ مُتَعَلِّقٌ بِـ (تَعَرُّجِ) وقِيلَ: بِـ (دافِعٍ) والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (تَعْرُجُ) اعْتِراضٌ. ولَمّا كانُوا قَدْ سَألُوا اسْتِعْجالَ العَذابِ، وكانَ السُّؤالُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والتَّكْذِيبِ، وكانُوا قَدْ وُعِدُوا بِهِ، أمَرَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ، ومَن جَعَلَهُ مِنَ السَّيَلانِ، فالمَعْنى: أنَّهُ أشْرَفَ عَلى الوُقُوعِ، والضَّمِيرُ في ﴿يَرَوْنَهُ﴾ عائِدٌ عَلى العَذابِ أوْ عَلى اليَوْمِ، إذا أُرِيدَ بِهِ يَوْمُ القِيامَةِ، وهَذا الِاسْتِبْعادُ هو عَلى سَبِيلِ الإحالَةِ مِنهم.
﴿ونَراهُ قَرِيبًا﴾ أيْ: هَيِّنًا في قُدْرَتِنا، غَيْرَ بَعِيدٍ عَلَيْنا ولا مُتَعَذِّرٍ، وكُلُّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ، والبُعْدُ والقُرْبُ في الإمْكانِ لا في المَسافَةِ.
﴿يَوْمَ تَكُونُ﴾: مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: يَقَعُ يَوْمَ تَكُونُ، أوْ ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ كانَ (p-٣٣٤)كَيْتَ وكَيْتَ، أوْ بِـ (قَرِيبًا) أوْ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ ”نَراهُ“ إذا كانَ عائِدًا عَلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ هو بَدَلٌ مِن في يَوْمٍ فِيمَن عَلَّقَهُ بِـ (واقِعٍ) . انْتَهى. ولا يَجُوزُ هَذا؛ لِأنَّ في يَوْمٍ وإنْ كانَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لا يُبْدَلُ مِنهُ مَنصُوبٌ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا لَيْسَ مِنَ المَواضِعِ الَّتِي تُراعى في التَّوابِعِ؛ لِأنَّ حَرْفَ الجَرِّ فِيها لَيْسَ بِزائِدٍ، ولا مَحْكُومٍ لَهُ بِحُكْمِ الزّائِدِ كَـ (رُبَّ) وإنَّما يَجُوزُ مُراعاةُ المَواضِعِ في حَرْفِ الجَرِّ الزّائِدِ كَقَوْلِهِ:
؎يا بَنِي لُبَيْنى لَسْتُما بِيَدٍ ∗∗∗ إلّا يَدًا لَيْسَتْ لَها عَضُدُ
ولِذَلِكَ لا يَجُوزُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ الخَيّاطِ، عَلى مُراعاةِ مَوْضِعِ بِزَيْدٍ، ولا مَرَرْتُ بِزَيْدٍ وعَمْرًا، ولا غَضِبْتُ عَلى زَيْدٍ وجَعْفَرًا، ولا مَرَرْتُ بِعَمْرٍو أخاكَ عَلى مُراعاةِ المَوْضِعِ. (فَإنْ قُلْتَ): الحَرَكَةُ في (يَوْمَ) تَكُونُ حَرَكَةَ بِناءٍ لا حَرَكَةَ إعْرابٍ، فَهو مَجْرُورٌ مِثْلُ في يَوْمٍ (قُلْتُ): لا يَجُوزُ بِناؤُهُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّهُ أُضِيفَ إلى مُعْرَبٍ، لَكِنَّهُ يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، فَيَتَمَشّى كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ عَلى مَذْهَبِهِمْ إنْ كانَ اسْتَحْضَرَهُ وقَصَدَهُ.
(كالمُهْلِ) تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في سُورَةِ الدُّخانِ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] كَما في القارِعَةِ، لَمّا نُسِفَتْ طارَتْ في الجَوِّ كالصُّوفِ المَنفُوشِ إذا طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ. قالَ الحَسَنُ: تَسِيرُ الجِبالُ مَعَ الرِّياحِ، ثُمَّ تَنْهَدُّ، ثُمَّ تَصِيرُ كالعِهْنِ، ثُمَّ تُنْسَفُ فَتَصِيرُ هَباءً. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ولا يَسْألُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، أيْ: لا يَسْألُهُ نُصْرَةً ولا مَنفَعَةً لِعِلْمِهِ أنَّهُ لا يَجِدُ ذَلِكَ عِنْدَهُ. وقالَ قَتادَةُ: لا يَسْألُهُ عَنْ حالِهِ لِأنَّها ظاهِرَةٌ. وقِيلَ: لا يَسْألُهُ أنْ يَحْمِلَ عَنْهُ مِن أوْزارِهِ شَيْئًا لِيَأْسِهِ عَنْ ذَلِكَ. وقِيلَ: شَفاعَةً. وقِيلَ: ”حَمِيمًا“ مَنصُوبٌ عَلى إسْقاطِ عَنْ، أيْ: عَنْ حَمِيمٍ، لِشَغْلِهِ بِما هو فِيهِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ والبَزِّيُّ بِخِلافٍ عَنْ ثَلاثَتِهِمْ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ: لا يُسْألُ إحْضارَهُ، كُلٌّ مِنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ لَهُ سِيما يُعْرَفُ بِها. وقِيلَ: عَنْ ذُنُوبِ حَمِيمِهِ لِيُؤْخَذَ بِها.
﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾: اسْتِئْنافُ كَلامٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في المَحْشَرِ يُبَصَّرُ الحَمِيمُ حَمِيمَهُ، ثُمَّ يَفِرُّ عَنْهُ لِشُغْلِهِ بِنَفْسِهِ. وقِيلَ: يُبَصَّرُونَهم في النّارِ. وقِيلَ: يُبَصَّرُونَهم فَلا يَحْتاجُونَ إلى السُّؤالِ والطَّلَبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”يُبَصَّرُونَهم“ صِفَةً، أيْ: حَمِيمًا مُبَصَّرِينَ مُصَرِّفِينَ إيّاهم. انْتَهى. و﴿حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾: نَكِرَتانِ في سِياقِ النَّفْيِ فَيَعُمّانِ، ولِذَلِكَ جُمِعَ الضَّمِيرُ. وقَرَأ قَتادَةُ: ”يُبْصِرُونَهم“ مُخَفَّفًا مَعَ كَسْرِ الصّادِ، أيْ: يُبْصِرُ المُؤْمِنُ الكافِرَ في النّارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُبْصِرُ الكافِرُ مَن أضَلَّهُ في النّارِ عِبْرَةً وانْتِقامًا وحُزْنًا.
﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ﴾ أيِ: الكافِرُ، وقَدْ يَنْدَرِجُ فِيهِ المُؤْمِنُ العاصِي الَّذِي يُعَذَّبُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِن عَذابِ مُضافًا. وأبُو حَيْوَةَ بِفَتْحِها. (وصاحِبَتِهِ): زَوْجَتُهُ ﴿وفَصِيلَتِهِ﴾: أقْرِباؤُهُ الأدْنُونَ ﴿تُؤْوِيهِ﴾: تَضُمُّهُ انْتِماءً إلَيْها، أوْ لِياذًا بِها في النَّوائِبِ.
﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾: عَطْفٌ عَلى ﴿يَفْتَدِي﴾ أيْ: يُنْجِيهِ بِالِافْتِداءِ، أوْ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهم. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: تُؤْوِيهِ وتُنْجِيهِ بِضَمِّ الهاءَيْنِ. (كَلّا): رَدْعٌ لِوِدادَتِهِمُ الِافْتِداءَ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا يَنْفَعُ. (إنَّها): الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ، و﴿لَظى نَزّاعَةً﴾: تَفْسِيرٌ لَها أوْ لِلنّارِ الدّالِّ عَلَيْها ﴿عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ و﴿لَظى﴾ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ، و﴿نَزّاعَةً﴾ خَبَرُ إنَّ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، و﴿لَظى﴾ خَبَرُ إنَّ أيْ: هي نَزّاعَةٌ، أوْ بَدَلٌ مِن ﴿لَظى﴾ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ. كُلُّ هَذا ذَكَرُوهُ، وذَلِكَ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِرَفْعِ ”نَزّاعَةٌ“ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا مُبْهَمًا تَرْجَمَ عَنْهُ الخَبَرُ. انْتَهى. ولا أدْرِي ما هَذا المُضْمَرُ الَّذِي تَرْجَمَ عَنْهُ الخَبَرُ، ولَيْسَ هَذا مِنَ المَواضِعِ الَّتِي يُفَسِّرُ فِيها المُفْرَدُ الضَّمِيرَ، ولَوْلا أنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ هَذا: أوْ ضَمِيرُ القِصَّةِ، لَحَمَلْتُ كَلامَهُ عَلَيْهِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو حَيْوَةَ، والزَّعْفَرانِيُّ وابْنُ مِقْسَمٍ وحَفْصٌ واليَزِيدِيُّ في اخْتِيارِهِ ”نَزّاعَةً“ بِالنَّصْبِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ ﴿لَظى﴾ خَبَرًا لِـ (إنَّ) والضَّمِيرُ في ”إنَّها“ عائِدٌ عَلى النّارِ الدّالِّ عَلَيْها (عَذابٌ) وانْتَصَبَ ”نَزّاعَةً“ عَلى الحالِ المُؤَكَّدَةِ أوِ المُبَيَّنَةِ، والعامِلُ فِيها ﴿لَظى﴾ وإنْ كانَ عامِلًا لِما فِيهِ مِن مَعْنى التَّلَظِّي، كَما عَمِلَ العَلَمُ في الظَّرْفِ في قَوْلِهِ:
؎أنا أبُو المِنهالِ بَعْضَ الأحْيانِ
أيْ: المَشْهُورُ بَعْضَ (p-٣٣٥)الأحْيانِ، أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ لِلتَّهْوِيلِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وكَأنَّهُ يَعْنِي القَطْعَ. فالنَّصْبُ فِيها كالرَّفْعِ فِيها، إذا أضْمَرْتَ (هو) فَتُضْمِرُ هُنا، أعْنِي تَدْعُو، أيْ حَقِيقَةً يَخْلُقُ اللَّهُ فِيها الكَلامَ كَما يَخْلُقُهُ في الأعْضاءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، تَدْعُوهم بِأسْمائِهِمْ وأسْماءِ آبائِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَما خَلَقَهُ في الشَّجَرَةِ. انْتَهى، فَلَمْ يَتْرُكْ مَذْهَبَ الِاعْتِزالِ. وقالَ الخَلِيلُ: مَجازٌ عَنِ اسْتِدْنائِها مِنهم وما تُوقِعُهُ بِهِمْ مِن عَذابِها. وقالَ ثَعْلَبٌ: يَهْلِكُ، تَقُولُ العَرَبُ: دَعا اللَّهَ، أيْ أهْلَكَكَ، وحَكاهُ الخَلِيلُ عَنِ العَرَبِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَيالِيَ يَدْعُونِي الهَوى فَأُجِيبُهُ ∗∗∗ وأعْيُنُ مَن أهْوى إلَيَّ رَوانِي
(وقالَ آخَرُ):
؎تَرَفَّعَ لِلْعِيانِ وكُلُّ فَجٍّ ∗∗∗ طَباهُ الرِّعْيُ مِنهُ والخَلاءُ
يَصِفُ ظَلِيمًا، وطَباهُ أيْ: دَعاهُ، والهَوى والرِّعْيُ لا يُدْعَوانِ حَقِيقَةً، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ فِيهِما ما يَجْذِبُ صارا داعِيَيْنِ مَجازًا. وقِيلَ: تَدْعُو، أيْ: خَزَنَةُ جَهَنَّمَ، أُضِيفَ دُعاؤُهم إلَيْها ﴿مَن أدْبَرَ﴾ عَنِ الحَقِّ ﴿وتَوَلّى وجَمَعَ فَأوْعى﴾ أيْ: وجَمَعَ المالَ، فَجَعَلَهُ في وِعاءٍ وكَنَزَهُ ولَمْ يُؤَدِّ حَقَّ اللَّهِ فِيهِ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى كُفّارٍ أغْنِياءَ. وقالَ الحَكِيمُ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَكِيمٍ لا يَرْبُطُ كِيسَهُ ويَقُولُ: سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ .
﴿إنَّ الإنْسانَ﴾ جِنْسٌ، ولِذَلِكَ اسْتَثْنى مِنهُ ﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾ . وقِيلَ: الإشارَةُ إلى الكُفّارِ. وقالَ ثَعْلَبٌ: قالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طاهِرٍ: ما الهَلَعُ ؟ فَقُلْتُ: قَدْ فَسَّرَهُ اللَّهُ تَعالى، ولا يَكُونُ تَفْسِيرٌ أبْيَنَ مِن تَفْسِيرِهِ، وهو الَّذِي إذا نالَهُ شَرٌّ أظْهَرَ شِدَّةَ الجَزَعِ، وإذا نالَهُ خَيْرٌ بَخِلَ بِهِ ومَنَعَهُ النّاسَ. انْتَهى.
ولَمّا كانَ شِدَّةُ الجَزَعِ والمَنعِ مُتَمَكِّنَةً في الإنْسانِ، جُعِلَ كَأنَّهُ خُلِقَ مَحْمُولًا عَلَيْهِما، كَقَوْلِهِ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] والخَيْرُ: المالُ.
﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾: اسْتِثْناءٌ كَما قُلْنا مِنَ الإنْسانِ، ولِذَلِكَ وصَفَهم بِما وصَفَهم بِهِ مِنَ الصَّبْرِ عَلى المَكارِهِ، والصِّفاتِ الجَمِيلَةِ الَّتِي حاوَرُوها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: عَلى صَلاتِهِمْ بِالإفْرادِ. والحَسَنُ جَمْعًا. ودَيْمُومَتُها، قالَ الجُمْهُورُ: المُواظَبَةُ عَلَيْها. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: صَلاتُها لِوَقْتِها. وقالَ عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ: يُقِرُّونَ فِيها ولا يَلْتَفِتُونَ يَمِينًا ولا شِمالًا، ومِنهُ المالُ الدّائِمُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: دَوامُهم عَلَيْها أنْ يُواظِبُوا عَلى أدائِها ولا يَشْتَغِلُونَ عَنْها بِشَيْءٍ، ومُحافَظَتُهم عَلَيْها أنْ يُراعُوا إسْباغَ الوُضُوءِ لَها ومَواقِيتِها، ويُقِيمُوا أرْكانَها ويُكْمِلُوها بِسُنَنِها وأدائِها، ويَحْفَظُونَها مِنَ الإحْباطِ بِاقْتِرانِ المَآثِمِ، والدَّوامِ يَرْجِعُ إلى أنْفُسِ الصَّلَواتِ والمُحافَظَةِ عَلى أحْوالِها. انْتَهى. وهو جَوابُهُ لِسُؤالِهِ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ قالَ: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ . وأقُولُ: إنَّ الدَّيْمُومَةَ عَلى الشَّيْءِ والمُحافَظَةِ عَلَيْهِ شَيْءٌ واحِدٌ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَتِ الصَّلاةُ هي عَمُودُ الإسْلامِ بُولِغَ في التَّوْكِيدِ فِيها، فَذُكِرَتْ أوَّلَ خِصالِ الإسْلامِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ وآخِرَها؛ لِيُعْلَمَ مَرْتَبَتُها في الأرْكانِ الَّتِي بُنِيَ الإسْلامُ عَلَيْها، والصِّفاتُ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها، ومُعْظَمُها في سُورَةِ قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”بِشَهادَتِهِمْ“ عَلى الإفْرادِ. والسُّلَمِيُّ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ: عَلى الجَمْعِ.
المعارج 70:15
﴿ذِي المَعارِجِ﴾: المَعارِجُ لُغَةً الدَّرَجُ وهُنا اسْتِعارَةٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: في الرُّتَبِ والفَواضِلِ والصِّفاتِ الحَمِيدَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَعارِجُ، السَّماواتُ تَعْرُجُ فِيها المَلائِكَةُ مِن سَماءٍ إلى سَماءٍ. وقالَ الحَسَنُ: هي المَراقِي إلى السَّماءِ، وقِيلَ: المَعارِجُ، الغُرَفُ، أيْ: جَعَلَها لِأوْلِيائِهِ في الجَنَّةِ.
(تَعْرُجُ) قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِالتّاءِ عَلى التَّأْنِيثِ، وعَبْدُ اللَّهِ والكِسائِيُّ وابْنُ مِقْسَمٍ وزائِدَةُ عَنِ الأعْمَشِ بِالياءِ. (والرُّوحُ) قالَ الجُمْهُورُ: هو جِبْرِيلُ، خُصَّ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا، وأُخِّرَ هُنا بَعْدَ المَلائِكَةِ، وقُدِّمَ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبإ: ٣٨] . وقالَ مُجاهِدٌ: مَلائِكَةٌ حَفَظَةٌ لِلْمَلائِكَةِ الحافِظِينَ لِبَنِي آدَمَ، لا تَراهُمُ الحَفَظَةُ كَما لا نَرى نَحْنُ حَفَظَتَنا. وقِيلَ: الرُّوحُ مَلَكٌ غَيْرُ جِبْرِيلُ عَظِيمُ الخِلْقَةِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: خَلْقٌ كَهَيْئَةِ النّاسِ ولَيْسُوا بِالنّاسِ. وقالَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ: رُوحُ المَيِّتِ حِينَ تُقْبَضُ إلَيْهِ، الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ إلى عَرْشِهِ وحَيْثُ يَهْبِطُ مِنهُ أمْرُهُ تَعالى. وقِيلَ: ”إلَيْهِ“ أيْ: إلى المَكانِ الَّذِي هو مَحِلُّهم وهو في السَّماءِ؛ لِأنَّها مَحِلُّ بِرِّهِ وكَرامَتِهِ، والظّاهِرُ أنَّ المَعْنى: أنَّها تَعْرُجُ في يَوْمٍ مِن أيّامِكم هَذِهِ، ومِقْدارُ المَسافَةِ أنْ لَوْ عَرَجَها آدَمِيٌّ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ إسْحاقَ، وجَماعَةٌ مِنَ الحُذّاقِ مِنهُمُ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ. فَإنْ كانَ العارِجُ مَلَكًا، فَقالَ مُجاهِدٌ: المَسافَةُ هي مِن قَعْرِ الأرْضِ السّابِعَةِ إلى العَرْشِ. ومَن جَعَلَ الرُّوحَ جِنْسَ أنْواعِ الحَيَوانِ. قالَ وهْبٌ: المَسافَةُ مِن وجْهِ الأرْضِ إلى مُنْتَهى العَرْشِ. وقالَ عِكْرِمَةُ والحَكَمُ: أرادَ مُدَّةَ الدُّنْيا، فَإنَّها خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ لا يَدْرِي أحَدٌ ما مَضى مِنها وما بَقِيَ، أيْ: تَعْرُجُ في مُدَّةِ الدُّنْيا وبَقاءِ هَذِهِ البِنْيَةَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هو يَوْمُ القِيامَةِ. وقِيلَ: طُولُهُ ذَلِكَ العَدَدُ، وهَذا ظاهِرُ ما جاءَ في الحَدِيثِ في مانِعِ الزَّكاةِ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: قَدَّرَهُ في رَزاياهُ وهَوْلِهِ وشِدَّتِهِ لِلْكُفّارِ ذَلِكَ العَدَدَ. وفي الحَدِيثِ: ”يَخِفُّ عَلى المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ أخَفَّ عَلَيْهِ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ“ . وقالَ عِكْرِمَةُ: مِقْدارُ ما يَنْقَضِي فِيهِ مِنَ الحِسابِ قَدْرُ ما يَقْضِي بِالعَدْلِ في خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا. وقالَ الحَسَنُ نَحْوَهُ. وقِيلَ: لا يُرادُ حَقِيقَةَ العَدَدِ، إنَّما أُرِيدَ بِهِ طُولُ المَوْقِفِ يَوْمَ القِيامَةِ وما فِيهِ مِنَ الشَّدائِدِ، والعَرَبُ تَصِفُ أيّامَ الشِّدَّةِ بِالطُّولِ، وأيّامَ الفَرَحِ بِالقِصَرِ. قالَ الشّاعِرُ يَصِفُ أيّامَ الفَرَحِ والسُّرُورِ:
؎ويَوْمٍ كَظِلِّ الرُّمْحِ قَصَّرَ طُولَهُ دَمُ الزِّقِّ عَنّا واصْطِفاقُ المَزاهِرِ
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: في يَوْمٍ مُتَعَلِّقٌ بِـ (تَعَرُّجِ) وقِيلَ: بِـ (دافِعٍ) والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (تَعْرُجُ) اعْتِراضٌ. ولَمّا كانُوا قَدْ سَألُوا اسْتِعْجالَ العَذابِ، وكانَ السُّؤالُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والتَّكْذِيبِ، وكانُوا قَدْ وُعِدُوا بِهِ، أمَرَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ، ومَن جَعَلَهُ مِنَ السَّيَلانِ، فالمَعْنى: أنَّهُ أشْرَفَ عَلى الوُقُوعِ، والضَّمِيرُ في ﴿يَرَوْنَهُ﴾ عائِدٌ عَلى العَذابِ أوْ عَلى اليَوْمِ، إذا أُرِيدَ بِهِ يَوْمُ القِيامَةِ، وهَذا الِاسْتِبْعادُ هو عَلى سَبِيلِ الإحالَةِ مِنهم.
﴿ونَراهُ قَرِيبًا﴾ أيْ: هَيِّنًا في قُدْرَتِنا، غَيْرَ بَعِيدٍ عَلَيْنا ولا مُتَعَذِّرٍ، وكُلُّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ، والبُعْدُ والقُرْبُ في الإمْكانِ لا في المَسافَةِ.
﴿يَوْمَ تَكُونُ﴾: مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: يَقَعُ يَوْمَ تَكُونُ، أوْ ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ كانَ (p-٣٣٤)كَيْتَ وكَيْتَ، أوْ بِـ (قَرِيبًا) أوْ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ ”نَراهُ“ إذا كانَ عائِدًا عَلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ هو بَدَلٌ مِن في يَوْمٍ فِيمَن عَلَّقَهُ بِـ (واقِعٍ) . انْتَهى. ولا يَجُوزُ هَذا؛ لِأنَّ في يَوْمٍ وإنْ كانَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لا يُبْدَلُ مِنهُ مَنصُوبٌ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا لَيْسَ مِنَ المَواضِعِ الَّتِي تُراعى في التَّوابِعِ؛ لِأنَّ حَرْفَ الجَرِّ فِيها لَيْسَ بِزائِدٍ، ولا مَحْكُومٍ لَهُ بِحُكْمِ الزّائِدِ كَـ (رُبَّ) وإنَّما يَجُوزُ مُراعاةُ المَواضِعِ في حَرْفِ الجَرِّ الزّائِدِ كَقَوْلِهِ:
؎يا بَنِي لُبَيْنى لَسْتُما بِيَدٍ ∗∗∗ إلّا يَدًا لَيْسَتْ لَها عَضُدُ
ولِذَلِكَ لا يَجُوزُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ الخَيّاطِ، عَلى مُراعاةِ مَوْضِعِ بِزَيْدٍ، ولا مَرَرْتُ بِزَيْدٍ وعَمْرًا، ولا غَضِبْتُ عَلى زَيْدٍ وجَعْفَرًا، ولا مَرَرْتُ بِعَمْرٍو أخاكَ عَلى مُراعاةِ المَوْضِعِ. (فَإنْ قُلْتَ): الحَرَكَةُ في (يَوْمَ) تَكُونُ حَرَكَةَ بِناءٍ لا حَرَكَةَ إعْرابٍ، فَهو مَجْرُورٌ مِثْلُ في يَوْمٍ (قُلْتُ): لا يَجُوزُ بِناؤُهُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّهُ أُضِيفَ إلى مُعْرَبٍ، لَكِنَّهُ يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، فَيَتَمَشّى كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ عَلى مَذْهَبِهِمْ إنْ كانَ اسْتَحْضَرَهُ وقَصَدَهُ.
(كالمُهْلِ) تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في سُورَةِ الدُّخانِ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] كَما في القارِعَةِ، لَمّا نُسِفَتْ طارَتْ في الجَوِّ كالصُّوفِ المَنفُوشِ إذا طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ. قالَ الحَسَنُ: تَسِيرُ الجِبالُ مَعَ الرِّياحِ، ثُمَّ تَنْهَدُّ، ثُمَّ تَصِيرُ كالعِهْنِ، ثُمَّ تُنْسَفُ فَتَصِيرُ هَباءً. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ولا يَسْألُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، أيْ: لا يَسْألُهُ نُصْرَةً ولا مَنفَعَةً لِعِلْمِهِ أنَّهُ لا يَجِدُ ذَلِكَ عِنْدَهُ. وقالَ قَتادَةُ: لا يَسْألُهُ عَنْ حالِهِ لِأنَّها ظاهِرَةٌ. وقِيلَ: لا يَسْألُهُ أنْ يَحْمِلَ عَنْهُ مِن أوْزارِهِ شَيْئًا لِيَأْسِهِ عَنْ ذَلِكَ. وقِيلَ: شَفاعَةً. وقِيلَ: ”حَمِيمًا“ مَنصُوبٌ عَلى إسْقاطِ عَنْ، أيْ: عَنْ حَمِيمٍ، لِشَغْلِهِ بِما هو فِيهِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ والبَزِّيُّ بِخِلافٍ عَنْ ثَلاثَتِهِمْ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ: لا يُسْألُ إحْضارَهُ، كُلٌّ مِنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ لَهُ سِيما يُعْرَفُ بِها. وقِيلَ: عَنْ ذُنُوبِ حَمِيمِهِ لِيُؤْخَذَ بِها.
﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾: اسْتِئْنافُ كَلامٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في المَحْشَرِ يُبَصَّرُ الحَمِيمُ حَمِيمَهُ، ثُمَّ يَفِرُّ عَنْهُ لِشُغْلِهِ بِنَفْسِهِ. وقِيلَ: يُبَصَّرُونَهم في النّارِ. وقِيلَ: يُبَصَّرُونَهم فَلا يَحْتاجُونَ إلى السُّؤالِ والطَّلَبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”يُبَصَّرُونَهم“ صِفَةً، أيْ: حَمِيمًا مُبَصَّرِينَ مُصَرِّفِينَ إيّاهم. انْتَهى. و﴿حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾: نَكِرَتانِ في سِياقِ النَّفْيِ فَيَعُمّانِ، ولِذَلِكَ جُمِعَ الضَّمِيرُ. وقَرَأ قَتادَةُ: ”يُبْصِرُونَهم“ مُخَفَّفًا مَعَ كَسْرِ الصّادِ، أيْ: يُبْصِرُ المُؤْمِنُ الكافِرَ في النّارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُبْصِرُ الكافِرُ مَن أضَلَّهُ في النّارِ عِبْرَةً وانْتِقامًا وحُزْنًا.
﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ﴾ أيِ: الكافِرُ، وقَدْ يَنْدَرِجُ فِيهِ المُؤْمِنُ العاصِي الَّذِي يُعَذَّبُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِن عَذابِ مُضافًا. وأبُو حَيْوَةَ بِفَتْحِها. (وصاحِبَتِهِ): زَوْجَتُهُ ﴿وفَصِيلَتِهِ﴾: أقْرِباؤُهُ الأدْنُونَ ﴿تُؤْوِيهِ﴾: تَضُمُّهُ انْتِماءً إلَيْها، أوْ لِياذًا بِها في النَّوائِبِ.
﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾: عَطْفٌ عَلى ﴿يَفْتَدِي﴾ أيْ: يُنْجِيهِ بِالِافْتِداءِ، أوْ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهم. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: تُؤْوِيهِ وتُنْجِيهِ بِضَمِّ الهاءَيْنِ. (كَلّا): رَدْعٌ لِوِدادَتِهِمُ الِافْتِداءَ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا يَنْفَعُ. (إنَّها): الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ، و﴿لَظى نَزّاعَةً﴾: تَفْسِيرٌ لَها أوْ لِلنّارِ الدّالِّ عَلَيْها ﴿عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ و﴿لَظى﴾ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ، و﴿نَزّاعَةً﴾ خَبَرُ إنَّ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، و﴿لَظى﴾ خَبَرُ إنَّ أيْ: هي نَزّاعَةٌ، أوْ بَدَلٌ مِن ﴿لَظى﴾ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ. كُلُّ هَذا ذَكَرُوهُ، وذَلِكَ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِرَفْعِ ”نَزّاعَةٌ“ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا مُبْهَمًا تَرْجَمَ عَنْهُ الخَبَرُ. انْتَهى. ولا أدْرِي ما هَذا المُضْمَرُ الَّذِي تَرْجَمَ عَنْهُ الخَبَرُ، ولَيْسَ هَذا مِنَ المَواضِعِ الَّتِي يُفَسِّرُ فِيها المُفْرَدُ الضَّمِيرَ، ولَوْلا أنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ هَذا: أوْ ضَمِيرُ القِصَّةِ، لَحَمَلْتُ كَلامَهُ عَلَيْهِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو حَيْوَةَ، والزَّعْفَرانِيُّ وابْنُ مِقْسَمٍ وحَفْصٌ واليَزِيدِيُّ في اخْتِيارِهِ ”نَزّاعَةً“ بِالنَّصْبِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ ﴿لَظى﴾ خَبَرًا لِـ (إنَّ) والضَّمِيرُ في ”إنَّها“ عائِدٌ عَلى النّارِ الدّالِّ عَلَيْها (عَذابٌ) وانْتَصَبَ ”نَزّاعَةً“ عَلى الحالِ المُؤَكَّدَةِ أوِ المُبَيَّنَةِ، والعامِلُ فِيها ﴿لَظى﴾ وإنْ كانَ عامِلًا لِما فِيهِ مِن مَعْنى التَّلَظِّي، كَما عَمِلَ العَلَمُ في الظَّرْفِ في قَوْلِهِ:
؎أنا أبُو المِنهالِ بَعْضَ الأحْيانِ
أيْ: المَشْهُورُ بَعْضَ (p-٣٣٥)الأحْيانِ، أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ لِلتَّهْوِيلِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وكَأنَّهُ يَعْنِي القَطْعَ. فالنَّصْبُ فِيها كالرَّفْعِ فِيها، إذا أضْمَرْتَ (هو) فَتُضْمِرُ هُنا، أعْنِي تَدْعُو، أيْ حَقِيقَةً يَخْلُقُ اللَّهُ فِيها الكَلامَ كَما يَخْلُقُهُ في الأعْضاءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، تَدْعُوهم بِأسْمائِهِمْ وأسْماءِ آبائِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَما خَلَقَهُ في الشَّجَرَةِ. انْتَهى، فَلَمْ يَتْرُكْ مَذْهَبَ الِاعْتِزالِ. وقالَ الخَلِيلُ: مَجازٌ عَنِ اسْتِدْنائِها مِنهم وما تُوقِعُهُ بِهِمْ مِن عَذابِها. وقالَ ثَعْلَبٌ: يَهْلِكُ، تَقُولُ العَرَبُ: دَعا اللَّهَ، أيْ أهْلَكَكَ، وحَكاهُ الخَلِيلُ عَنِ العَرَبِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَيالِيَ يَدْعُونِي الهَوى فَأُجِيبُهُ ∗∗∗ وأعْيُنُ مَن أهْوى إلَيَّ رَوانِي
(وقالَ آخَرُ):
؎تَرَفَّعَ لِلْعِيانِ وكُلُّ فَجٍّ ∗∗∗ طَباهُ الرِّعْيُ مِنهُ والخَلاءُ
يَصِفُ ظَلِيمًا، وطَباهُ أيْ: دَعاهُ، والهَوى والرِّعْيُ لا يُدْعَوانِ حَقِيقَةً، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ فِيهِما ما يَجْذِبُ صارا داعِيَيْنِ مَجازًا. وقِيلَ: تَدْعُو، أيْ: خَزَنَةُ جَهَنَّمَ، أُضِيفَ دُعاؤُهم إلَيْها ﴿مَن أدْبَرَ﴾ عَنِ الحَقِّ ﴿وتَوَلّى وجَمَعَ فَأوْعى﴾ أيْ: وجَمَعَ المالَ، فَجَعَلَهُ في وِعاءٍ وكَنَزَهُ ولَمْ يُؤَدِّ حَقَّ اللَّهِ فِيهِ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى كُفّارٍ أغْنِياءَ. وقالَ الحَكِيمُ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَكِيمٍ لا يَرْبُطُ كِيسَهُ ويَقُولُ: سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ .
﴿إنَّ الإنْسانَ﴾ جِنْسٌ، ولِذَلِكَ اسْتَثْنى مِنهُ ﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾ . وقِيلَ: الإشارَةُ إلى الكُفّارِ. وقالَ ثَعْلَبٌ: قالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طاهِرٍ: ما الهَلَعُ ؟ فَقُلْتُ: قَدْ فَسَّرَهُ اللَّهُ تَعالى، ولا يَكُونُ تَفْسِيرٌ أبْيَنَ مِن تَفْسِيرِهِ، وهو الَّذِي إذا نالَهُ شَرٌّ أظْهَرَ شِدَّةَ الجَزَعِ، وإذا نالَهُ خَيْرٌ بَخِلَ بِهِ ومَنَعَهُ النّاسَ. انْتَهى.
ولَمّا كانَ شِدَّةُ الجَزَعِ والمَنعِ مُتَمَكِّنَةً في الإنْسانِ، جُعِلَ كَأنَّهُ خُلِقَ مَحْمُولًا عَلَيْهِما، كَقَوْلِهِ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] والخَيْرُ: المالُ.
﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾: اسْتِثْناءٌ كَما قُلْنا مِنَ الإنْسانِ، ولِذَلِكَ وصَفَهم بِما وصَفَهم بِهِ مِنَ الصَّبْرِ عَلى المَكارِهِ، والصِّفاتِ الجَمِيلَةِ الَّتِي حاوَرُوها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: عَلى صَلاتِهِمْ بِالإفْرادِ. والحَسَنُ جَمْعًا. ودَيْمُومَتُها، قالَ الجُمْهُورُ: المُواظَبَةُ عَلَيْها. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: صَلاتُها لِوَقْتِها. وقالَ عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ: يُقِرُّونَ فِيها ولا يَلْتَفِتُونَ يَمِينًا ولا شِمالًا، ومِنهُ المالُ الدّائِمُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: دَوامُهم عَلَيْها أنْ يُواظِبُوا عَلى أدائِها ولا يَشْتَغِلُونَ عَنْها بِشَيْءٍ، ومُحافَظَتُهم عَلَيْها أنْ يُراعُوا إسْباغَ الوُضُوءِ لَها ومَواقِيتِها، ويُقِيمُوا أرْكانَها ويُكْمِلُوها بِسُنَنِها وأدائِها، ويَحْفَظُونَها مِنَ الإحْباطِ بِاقْتِرانِ المَآثِمِ، والدَّوامِ يَرْجِعُ إلى أنْفُسِ الصَّلَواتِ والمُحافَظَةِ عَلى أحْوالِها. انْتَهى. وهو جَوابُهُ لِسُؤالِهِ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ قالَ: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ . وأقُولُ: إنَّ الدَّيْمُومَةَ عَلى الشَّيْءِ والمُحافَظَةِ عَلَيْهِ شَيْءٌ واحِدٌ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَتِ الصَّلاةُ هي عَمُودُ الإسْلامِ بُولِغَ في التَّوْكِيدِ فِيها، فَذُكِرَتْ أوَّلَ خِصالِ الإسْلامِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ وآخِرَها؛ لِيُعْلَمَ مَرْتَبَتُها في الأرْكانِ الَّتِي بُنِيَ الإسْلامُ عَلَيْها، والصِّفاتُ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها، ومُعْظَمُها في سُورَةِ قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”بِشَهادَتِهِمْ“ عَلى الإفْرادِ. والسُّلَمِيُّ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ: عَلى الجَمْعِ.
المعارج 70:16
﴿ذِي المَعارِجِ﴾: المَعارِجُ لُغَةً الدَّرَجُ وهُنا اسْتِعارَةٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: في الرُّتَبِ والفَواضِلِ والصِّفاتِ الحَمِيدَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَعارِجُ، السَّماواتُ تَعْرُجُ فِيها المَلائِكَةُ مِن سَماءٍ إلى سَماءٍ. وقالَ الحَسَنُ: هي المَراقِي إلى السَّماءِ، وقِيلَ: المَعارِجُ، الغُرَفُ، أيْ: جَعَلَها لِأوْلِيائِهِ في الجَنَّةِ.
(تَعْرُجُ) قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِالتّاءِ عَلى التَّأْنِيثِ، وعَبْدُ اللَّهِ والكِسائِيُّ وابْنُ مِقْسَمٍ وزائِدَةُ عَنِ الأعْمَشِ بِالياءِ. (والرُّوحُ) قالَ الجُمْهُورُ: هو جِبْرِيلُ، خُصَّ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا، وأُخِّرَ هُنا بَعْدَ المَلائِكَةِ، وقُدِّمَ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبإ: ٣٨] . وقالَ مُجاهِدٌ: مَلائِكَةٌ حَفَظَةٌ لِلْمَلائِكَةِ الحافِظِينَ لِبَنِي آدَمَ، لا تَراهُمُ الحَفَظَةُ كَما لا نَرى نَحْنُ حَفَظَتَنا. وقِيلَ: الرُّوحُ مَلَكٌ غَيْرُ جِبْرِيلُ عَظِيمُ الخِلْقَةِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: خَلْقٌ كَهَيْئَةِ النّاسِ ولَيْسُوا بِالنّاسِ. وقالَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ: رُوحُ المَيِّتِ حِينَ تُقْبَضُ إلَيْهِ، الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ إلى عَرْشِهِ وحَيْثُ يَهْبِطُ مِنهُ أمْرُهُ تَعالى. وقِيلَ: ”إلَيْهِ“ أيْ: إلى المَكانِ الَّذِي هو مَحِلُّهم وهو في السَّماءِ؛ لِأنَّها مَحِلُّ بِرِّهِ وكَرامَتِهِ، والظّاهِرُ أنَّ المَعْنى: أنَّها تَعْرُجُ في يَوْمٍ مِن أيّامِكم هَذِهِ، ومِقْدارُ المَسافَةِ أنْ لَوْ عَرَجَها آدَمِيٌّ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ إسْحاقَ، وجَماعَةٌ مِنَ الحُذّاقِ مِنهُمُ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ. فَإنْ كانَ العارِجُ مَلَكًا، فَقالَ مُجاهِدٌ: المَسافَةُ هي مِن قَعْرِ الأرْضِ السّابِعَةِ إلى العَرْشِ. ومَن جَعَلَ الرُّوحَ جِنْسَ أنْواعِ الحَيَوانِ. قالَ وهْبٌ: المَسافَةُ مِن وجْهِ الأرْضِ إلى مُنْتَهى العَرْشِ. وقالَ عِكْرِمَةُ والحَكَمُ: أرادَ مُدَّةَ الدُّنْيا، فَإنَّها خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ لا يَدْرِي أحَدٌ ما مَضى مِنها وما بَقِيَ، أيْ: تَعْرُجُ في مُدَّةِ الدُّنْيا وبَقاءِ هَذِهِ البِنْيَةَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هو يَوْمُ القِيامَةِ. وقِيلَ: طُولُهُ ذَلِكَ العَدَدُ، وهَذا ظاهِرُ ما جاءَ في الحَدِيثِ في مانِعِ الزَّكاةِ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: قَدَّرَهُ في رَزاياهُ وهَوْلِهِ وشِدَّتِهِ لِلْكُفّارِ ذَلِكَ العَدَدَ. وفي الحَدِيثِ: ”يَخِفُّ عَلى المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ أخَفَّ عَلَيْهِ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ“ . وقالَ عِكْرِمَةُ: مِقْدارُ ما يَنْقَضِي فِيهِ مِنَ الحِسابِ قَدْرُ ما يَقْضِي بِالعَدْلِ في خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا. وقالَ الحَسَنُ نَحْوَهُ. وقِيلَ: لا يُرادُ حَقِيقَةَ العَدَدِ، إنَّما أُرِيدَ بِهِ طُولُ المَوْقِفِ يَوْمَ القِيامَةِ وما فِيهِ مِنَ الشَّدائِدِ، والعَرَبُ تَصِفُ أيّامَ الشِّدَّةِ بِالطُّولِ، وأيّامَ الفَرَحِ بِالقِصَرِ. قالَ الشّاعِرُ يَصِفُ أيّامَ الفَرَحِ والسُّرُورِ:
؎ويَوْمٍ كَظِلِّ الرُّمْحِ قَصَّرَ طُولَهُ دَمُ الزِّقِّ عَنّا واصْطِفاقُ المَزاهِرِ
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: في يَوْمٍ مُتَعَلِّقٌ بِـ (تَعَرُّجِ) وقِيلَ: بِـ (دافِعٍ) والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (تَعْرُجُ) اعْتِراضٌ. ولَمّا كانُوا قَدْ سَألُوا اسْتِعْجالَ العَذابِ، وكانَ السُّؤالُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والتَّكْذِيبِ، وكانُوا قَدْ وُعِدُوا بِهِ، أمَرَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ، ومَن جَعَلَهُ مِنَ السَّيَلانِ، فالمَعْنى: أنَّهُ أشْرَفَ عَلى الوُقُوعِ، والضَّمِيرُ في ﴿يَرَوْنَهُ﴾ عائِدٌ عَلى العَذابِ أوْ عَلى اليَوْمِ، إذا أُرِيدَ بِهِ يَوْمُ القِيامَةِ، وهَذا الِاسْتِبْعادُ هو عَلى سَبِيلِ الإحالَةِ مِنهم.
﴿ونَراهُ قَرِيبًا﴾ أيْ: هَيِّنًا في قُدْرَتِنا، غَيْرَ بَعِيدٍ عَلَيْنا ولا مُتَعَذِّرٍ، وكُلُّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ، والبُعْدُ والقُرْبُ في الإمْكانِ لا في المَسافَةِ.
﴿يَوْمَ تَكُونُ﴾: مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: يَقَعُ يَوْمَ تَكُونُ، أوْ ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ كانَ (p-٣٣٤)كَيْتَ وكَيْتَ، أوْ بِـ (قَرِيبًا) أوْ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ ”نَراهُ“ إذا كانَ عائِدًا عَلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ هو بَدَلٌ مِن في يَوْمٍ فِيمَن عَلَّقَهُ بِـ (واقِعٍ) . انْتَهى. ولا يَجُوزُ هَذا؛ لِأنَّ في يَوْمٍ وإنْ كانَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لا يُبْدَلُ مِنهُ مَنصُوبٌ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا لَيْسَ مِنَ المَواضِعِ الَّتِي تُراعى في التَّوابِعِ؛ لِأنَّ حَرْفَ الجَرِّ فِيها لَيْسَ بِزائِدٍ، ولا مَحْكُومٍ لَهُ بِحُكْمِ الزّائِدِ كَـ (رُبَّ) وإنَّما يَجُوزُ مُراعاةُ المَواضِعِ في حَرْفِ الجَرِّ الزّائِدِ كَقَوْلِهِ:
؎يا بَنِي لُبَيْنى لَسْتُما بِيَدٍ ∗∗∗ إلّا يَدًا لَيْسَتْ لَها عَضُدُ
ولِذَلِكَ لا يَجُوزُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ الخَيّاطِ، عَلى مُراعاةِ مَوْضِعِ بِزَيْدٍ، ولا مَرَرْتُ بِزَيْدٍ وعَمْرًا، ولا غَضِبْتُ عَلى زَيْدٍ وجَعْفَرًا، ولا مَرَرْتُ بِعَمْرٍو أخاكَ عَلى مُراعاةِ المَوْضِعِ. (فَإنْ قُلْتَ): الحَرَكَةُ في (يَوْمَ) تَكُونُ حَرَكَةَ بِناءٍ لا حَرَكَةَ إعْرابٍ، فَهو مَجْرُورٌ مِثْلُ في يَوْمٍ (قُلْتُ): لا يَجُوزُ بِناؤُهُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّهُ أُضِيفَ إلى مُعْرَبٍ، لَكِنَّهُ يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، فَيَتَمَشّى كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ عَلى مَذْهَبِهِمْ إنْ كانَ اسْتَحْضَرَهُ وقَصَدَهُ.
(كالمُهْلِ) تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في سُورَةِ الدُّخانِ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] كَما في القارِعَةِ، لَمّا نُسِفَتْ طارَتْ في الجَوِّ كالصُّوفِ المَنفُوشِ إذا طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ. قالَ الحَسَنُ: تَسِيرُ الجِبالُ مَعَ الرِّياحِ، ثُمَّ تَنْهَدُّ، ثُمَّ تَصِيرُ كالعِهْنِ، ثُمَّ تُنْسَفُ فَتَصِيرُ هَباءً. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ولا يَسْألُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، أيْ: لا يَسْألُهُ نُصْرَةً ولا مَنفَعَةً لِعِلْمِهِ أنَّهُ لا يَجِدُ ذَلِكَ عِنْدَهُ. وقالَ قَتادَةُ: لا يَسْألُهُ عَنْ حالِهِ لِأنَّها ظاهِرَةٌ. وقِيلَ: لا يَسْألُهُ أنْ يَحْمِلَ عَنْهُ مِن أوْزارِهِ شَيْئًا لِيَأْسِهِ عَنْ ذَلِكَ. وقِيلَ: شَفاعَةً. وقِيلَ: ”حَمِيمًا“ مَنصُوبٌ عَلى إسْقاطِ عَنْ، أيْ: عَنْ حَمِيمٍ، لِشَغْلِهِ بِما هو فِيهِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ والبَزِّيُّ بِخِلافٍ عَنْ ثَلاثَتِهِمْ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ: لا يُسْألُ إحْضارَهُ، كُلٌّ مِنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ لَهُ سِيما يُعْرَفُ بِها. وقِيلَ: عَنْ ذُنُوبِ حَمِيمِهِ لِيُؤْخَذَ بِها.
﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾: اسْتِئْنافُ كَلامٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في المَحْشَرِ يُبَصَّرُ الحَمِيمُ حَمِيمَهُ، ثُمَّ يَفِرُّ عَنْهُ لِشُغْلِهِ بِنَفْسِهِ. وقِيلَ: يُبَصَّرُونَهم في النّارِ. وقِيلَ: يُبَصَّرُونَهم فَلا يَحْتاجُونَ إلى السُّؤالِ والطَّلَبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”يُبَصَّرُونَهم“ صِفَةً، أيْ: حَمِيمًا مُبَصَّرِينَ مُصَرِّفِينَ إيّاهم. انْتَهى. و﴿حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾: نَكِرَتانِ في سِياقِ النَّفْيِ فَيَعُمّانِ، ولِذَلِكَ جُمِعَ الضَّمِيرُ. وقَرَأ قَتادَةُ: ”يُبْصِرُونَهم“ مُخَفَّفًا مَعَ كَسْرِ الصّادِ، أيْ: يُبْصِرُ المُؤْمِنُ الكافِرَ في النّارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُبْصِرُ الكافِرُ مَن أضَلَّهُ في النّارِ عِبْرَةً وانْتِقامًا وحُزْنًا.
﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ﴾ أيِ: الكافِرُ، وقَدْ يَنْدَرِجُ فِيهِ المُؤْمِنُ العاصِي الَّذِي يُعَذَّبُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِن عَذابِ مُضافًا. وأبُو حَيْوَةَ بِفَتْحِها. (وصاحِبَتِهِ): زَوْجَتُهُ ﴿وفَصِيلَتِهِ﴾: أقْرِباؤُهُ الأدْنُونَ ﴿تُؤْوِيهِ﴾: تَضُمُّهُ انْتِماءً إلَيْها، أوْ لِياذًا بِها في النَّوائِبِ.
﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾: عَطْفٌ عَلى ﴿يَفْتَدِي﴾ أيْ: يُنْجِيهِ بِالِافْتِداءِ، أوْ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهم. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: تُؤْوِيهِ وتُنْجِيهِ بِضَمِّ الهاءَيْنِ. (كَلّا): رَدْعٌ لِوِدادَتِهِمُ الِافْتِداءَ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا يَنْفَعُ. (إنَّها): الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ، و﴿لَظى نَزّاعَةً﴾: تَفْسِيرٌ لَها أوْ لِلنّارِ الدّالِّ عَلَيْها ﴿عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ و﴿لَظى﴾ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ، و﴿نَزّاعَةً﴾ خَبَرُ إنَّ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، و﴿لَظى﴾ خَبَرُ إنَّ أيْ: هي نَزّاعَةٌ، أوْ بَدَلٌ مِن ﴿لَظى﴾ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ. كُلُّ هَذا ذَكَرُوهُ، وذَلِكَ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِرَفْعِ ”نَزّاعَةٌ“ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا مُبْهَمًا تَرْجَمَ عَنْهُ الخَبَرُ. انْتَهى. ولا أدْرِي ما هَذا المُضْمَرُ الَّذِي تَرْجَمَ عَنْهُ الخَبَرُ، ولَيْسَ هَذا مِنَ المَواضِعِ الَّتِي يُفَسِّرُ فِيها المُفْرَدُ الضَّمِيرَ، ولَوْلا أنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ هَذا: أوْ ضَمِيرُ القِصَّةِ، لَحَمَلْتُ كَلامَهُ عَلَيْهِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو حَيْوَةَ، والزَّعْفَرانِيُّ وابْنُ مِقْسَمٍ وحَفْصٌ واليَزِيدِيُّ في اخْتِيارِهِ ”نَزّاعَةً“ بِالنَّصْبِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ ﴿لَظى﴾ خَبَرًا لِـ (إنَّ) والضَّمِيرُ في ”إنَّها“ عائِدٌ عَلى النّارِ الدّالِّ عَلَيْها (عَذابٌ) وانْتَصَبَ ”نَزّاعَةً“ عَلى الحالِ المُؤَكَّدَةِ أوِ المُبَيَّنَةِ، والعامِلُ فِيها ﴿لَظى﴾ وإنْ كانَ عامِلًا لِما فِيهِ مِن مَعْنى التَّلَظِّي، كَما عَمِلَ العَلَمُ في الظَّرْفِ في قَوْلِهِ:
؎أنا أبُو المِنهالِ بَعْضَ الأحْيانِ
أيْ: المَشْهُورُ بَعْضَ (p-٣٣٥)الأحْيانِ، أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ لِلتَّهْوِيلِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وكَأنَّهُ يَعْنِي القَطْعَ. فالنَّصْبُ فِيها كالرَّفْعِ فِيها، إذا أضْمَرْتَ (هو) فَتُضْمِرُ هُنا، أعْنِي تَدْعُو، أيْ حَقِيقَةً يَخْلُقُ اللَّهُ فِيها الكَلامَ كَما يَخْلُقُهُ في الأعْضاءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، تَدْعُوهم بِأسْمائِهِمْ وأسْماءِ آبائِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَما خَلَقَهُ في الشَّجَرَةِ. انْتَهى، فَلَمْ يَتْرُكْ مَذْهَبَ الِاعْتِزالِ. وقالَ الخَلِيلُ: مَجازٌ عَنِ اسْتِدْنائِها مِنهم وما تُوقِعُهُ بِهِمْ مِن عَذابِها. وقالَ ثَعْلَبٌ: يَهْلِكُ، تَقُولُ العَرَبُ: دَعا اللَّهَ، أيْ أهْلَكَكَ، وحَكاهُ الخَلِيلُ عَنِ العَرَبِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَيالِيَ يَدْعُونِي الهَوى فَأُجِيبُهُ ∗∗∗ وأعْيُنُ مَن أهْوى إلَيَّ رَوانِي
(وقالَ آخَرُ):
؎تَرَفَّعَ لِلْعِيانِ وكُلُّ فَجٍّ ∗∗∗ طَباهُ الرِّعْيُ مِنهُ والخَلاءُ
يَصِفُ ظَلِيمًا، وطَباهُ أيْ: دَعاهُ، والهَوى والرِّعْيُ لا يُدْعَوانِ حَقِيقَةً، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ فِيهِما ما يَجْذِبُ صارا داعِيَيْنِ مَجازًا. وقِيلَ: تَدْعُو، أيْ: خَزَنَةُ جَهَنَّمَ، أُضِيفَ دُعاؤُهم إلَيْها ﴿مَن أدْبَرَ﴾ عَنِ الحَقِّ ﴿وتَوَلّى وجَمَعَ فَأوْعى﴾ أيْ: وجَمَعَ المالَ، فَجَعَلَهُ في وِعاءٍ وكَنَزَهُ ولَمْ يُؤَدِّ حَقَّ اللَّهِ فِيهِ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى كُفّارٍ أغْنِياءَ. وقالَ الحَكِيمُ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَكِيمٍ لا يَرْبُطُ كِيسَهُ ويَقُولُ: سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ .
﴿إنَّ الإنْسانَ﴾ جِنْسٌ، ولِذَلِكَ اسْتَثْنى مِنهُ ﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾ . وقِيلَ: الإشارَةُ إلى الكُفّارِ. وقالَ ثَعْلَبٌ: قالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طاهِرٍ: ما الهَلَعُ ؟ فَقُلْتُ: قَدْ فَسَّرَهُ اللَّهُ تَعالى، ولا يَكُونُ تَفْسِيرٌ أبْيَنَ مِن تَفْسِيرِهِ، وهو الَّذِي إذا نالَهُ شَرٌّ أظْهَرَ شِدَّةَ الجَزَعِ، وإذا نالَهُ خَيْرٌ بَخِلَ بِهِ ومَنَعَهُ النّاسَ. انْتَهى.
ولَمّا كانَ شِدَّةُ الجَزَعِ والمَنعِ مُتَمَكِّنَةً في الإنْسانِ، جُعِلَ كَأنَّهُ خُلِقَ مَحْمُولًا عَلَيْهِما، كَقَوْلِهِ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] والخَيْرُ: المالُ.
﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾: اسْتِثْناءٌ كَما قُلْنا مِنَ الإنْسانِ، ولِذَلِكَ وصَفَهم بِما وصَفَهم بِهِ مِنَ الصَّبْرِ عَلى المَكارِهِ، والصِّفاتِ الجَمِيلَةِ الَّتِي حاوَرُوها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: عَلى صَلاتِهِمْ بِالإفْرادِ. والحَسَنُ جَمْعًا. ودَيْمُومَتُها، قالَ الجُمْهُورُ: المُواظَبَةُ عَلَيْها. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: صَلاتُها لِوَقْتِها. وقالَ عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ: يُقِرُّونَ فِيها ولا يَلْتَفِتُونَ يَمِينًا ولا شِمالًا، ومِنهُ المالُ الدّائِمُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: دَوامُهم عَلَيْها أنْ يُواظِبُوا عَلى أدائِها ولا يَشْتَغِلُونَ عَنْها بِشَيْءٍ، ومُحافَظَتُهم عَلَيْها أنْ يُراعُوا إسْباغَ الوُضُوءِ لَها ومَواقِيتِها، ويُقِيمُوا أرْكانَها ويُكْمِلُوها بِسُنَنِها وأدائِها، ويَحْفَظُونَها مِنَ الإحْباطِ بِاقْتِرانِ المَآثِمِ، والدَّوامِ يَرْجِعُ إلى أنْفُسِ الصَّلَواتِ والمُحافَظَةِ عَلى أحْوالِها. انْتَهى. وهو جَوابُهُ لِسُؤالِهِ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ قالَ: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ . وأقُولُ: إنَّ الدَّيْمُومَةَ عَلى الشَّيْءِ والمُحافَظَةِ عَلَيْهِ شَيْءٌ واحِدٌ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَتِ الصَّلاةُ هي عَمُودُ الإسْلامِ بُولِغَ في التَّوْكِيدِ فِيها، فَذُكِرَتْ أوَّلَ خِصالِ الإسْلامِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ وآخِرَها؛ لِيُعْلَمَ مَرْتَبَتُها في الأرْكانِ الَّتِي بُنِيَ الإسْلامُ عَلَيْها، والصِّفاتُ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها، ومُعْظَمُها في سُورَةِ قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”بِشَهادَتِهِمْ“ عَلى الإفْرادِ. والسُّلَمِيُّ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ: عَلى الجَمْعِ.
المعارج 70:17
﴿ذِي المَعارِجِ﴾: المَعارِجُ لُغَةً الدَّرَجُ وهُنا اسْتِعارَةٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: في الرُّتَبِ والفَواضِلِ والصِّفاتِ الحَمِيدَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَعارِجُ، السَّماواتُ تَعْرُجُ فِيها المَلائِكَةُ مِن سَماءٍ إلى سَماءٍ. وقالَ الحَسَنُ: هي المَراقِي إلى السَّماءِ، وقِيلَ: المَعارِجُ، الغُرَفُ، أيْ: جَعَلَها لِأوْلِيائِهِ في الجَنَّةِ.
(تَعْرُجُ) قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِالتّاءِ عَلى التَّأْنِيثِ، وعَبْدُ اللَّهِ والكِسائِيُّ وابْنُ مِقْسَمٍ وزائِدَةُ عَنِ الأعْمَشِ بِالياءِ. (والرُّوحُ) قالَ الجُمْهُورُ: هو جِبْرِيلُ، خُصَّ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا، وأُخِّرَ هُنا بَعْدَ المَلائِكَةِ، وقُدِّمَ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبإ: ٣٨] . وقالَ مُجاهِدٌ: مَلائِكَةٌ حَفَظَةٌ لِلْمَلائِكَةِ الحافِظِينَ لِبَنِي آدَمَ، لا تَراهُمُ الحَفَظَةُ كَما لا نَرى نَحْنُ حَفَظَتَنا. وقِيلَ: الرُّوحُ مَلَكٌ غَيْرُ جِبْرِيلُ عَظِيمُ الخِلْقَةِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: خَلْقٌ كَهَيْئَةِ النّاسِ ولَيْسُوا بِالنّاسِ. وقالَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ: رُوحُ المَيِّتِ حِينَ تُقْبَضُ إلَيْهِ، الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ إلى عَرْشِهِ وحَيْثُ يَهْبِطُ مِنهُ أمْرُهُ تَعالى. وقِيلَ: ”إلَيْهِ“ أيْ: إلى المَكانِ الَّذِي هو مَحِلُّهم وهو في السَّماءِ؛ لِأنَّها مَحِلُّ بِرِّهِ وكَرامَتِهِ، والظّاهِرُ أنَّ المَعْنى: أنَّها تَعْرُجُ في يَوْمٍ مِن أيّامِكم هَذِهِ، ومِقْدارُ المَسافَةِ أنْ لَوْ عَرَجَها آدَمِيٌّ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ إسْحاقَ، وجَماعَةٌ مِنَ الحُذّاقِ مِنهُمُ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ. فَإنْ كانَ العارِجُ مَلَكًا، فَقالَ مُجاهِدٌ: المَسافَةُ هي مِن قَعْرِ الأرْضِ السّابِعَةِ إلى العَرْشِ. ومَن جَعَلَ الرُّوحَ جِنْسَ أنْواعِ الحَيَوانِ. قالَ وهْبٌ: المَسافَةُ مِن وجْهِ الأرْضِ إلى مُنْتَهى العَرْشِ. وقالَ عِكْرِمَةُ والحَكَمُ: أرادَ مُدَّةَ الدُّنْيا، فَإنَّها خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ لا يَدْرِي أحَدٌ ما مَضى مِنها وما بَقِيَ، أيْ: تَعْرُجُ في مُدَّةِ الدُّنْيا وبَقاءِ هَذِهِ البِنْيَةَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هو يَوْمُ القِيامَةِ. وقِيلَ: طُولُهُ ذَلِكَ العَدَدُ، وهَذا ظاهِرُ ما جاءَ في الحَدِيثِ في مانِعِ الزَّكاةِ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: قَدَّرَهُ في رَزاياهُ وهَوْلِهِ وشِدَّتِهِ لِلْكُفّارِ ذَلِكَ العَدَدَ. وفي الحَدِيثِ: ”يَخِفُّ عَلى المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ أخَفَّ عَلَيْهِ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ“ . وقالَ عِكْرِمَةُ: مِقْدارُ ما يَنْقَضِي فِيهِ مِنَ الحِسابِ قَدْرُ ما يَقْضِي بِالعَدْلِ في خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا. وقالَ الحَسَنُ نَحْوَهُ. وقِيلَ: لا يُرادُ حَقِيقَةَ العَدَدِ، إنَّما أُرِيدَ بِهِ طُولُ المَوْقِفِ يَوْمَ القِيامَةِ وما فِيهِ مِنَ الشَّدائِدِ، والعَرَبُ تَصِفُ أيّامَ الشِّدَّةِ بِالطُّولِ، وأيّامَ الفَرَحِ بِالقِصَرِ. قالَ الشّاعِرُ يَصِفُ أيّامَ الفَرَحِ والسُّرُورِ:
؎ويَوْمٍ كَظِلِّ الرُّمْحِ قَصَّرَ طُولَهُ دَمُ الزِّقِّ عَنّا واصْطِفاقُ المَزاهِرِ
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: في يَوْمٍ مُتَعَلِّقٌ بِـ (تَعَرُّجِ) وقِيلَ: بِـ (دافِعٍ) والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (تَعْرُجُ) اعْتِراضٌ. ولَمّا كانُوا قَدْ سَألُوا اسْتِعْجالَ العَذابِ، وكانَ السُّؤالُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والتَّكْذِيبِ، وكانُوا قَدْ وُعِدُوا بِهِ، أمَرَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ، ومَن جَعَلَهُ مِنَ السَّيَلانِ، فالمَعْنى: أنَّهُ أشْرَفَ عَلى الوُقُوعِ، والضَّمِيرُ في ﴿يَرَوْنَهُ﴾ عائِدٌ عَلى العَذابِ أوْ عَلى اليَوْمِ، إذا أُرِيدَ بِهِ يَوْمُ القِيامَةِ، وهَذا الِاسْتِبْعادُ هو عَلى سَبِيلِ الإحالَةِ مِنهم.
﴿ونَراهُ قَرِيبًا﴾ أيْ: هَيِّنًا في قُدْرَتِنا، غَيْرَ بَعِيدٍ عَلَيْنا ولا مُتَعَذِّرٍ، وكُلُّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ، والبُعْدُ والقُرْبُ في الإمْكانِ لا في المَسافَةِ.
﴿يَوْمَ تَكُونُ﴾: مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: يَقَعُ يَوْمَ تَكُونُ، أوْ ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ كانَ (p-٣٣٤)كَيْتَ وكَيْتَ، أوْ بِـ (قَرِيبًا) أوْ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ ”نَراهُ“ إذا كانَ عائِدًا عَلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ هو بَدَلٌ مِن في يَوْمٍ فِيمَن عَلَّقَهُ بِـ (واقِعٍ) . انْتَهى. ولا يَجُوزُ هَذا؛ لِأنَّ في يَوْمٍ وإنْ كانَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لا يُبْدَلُ مِنهُ مَنصُوبٌ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا لَيْسَ مِنَ المَواضِعِ الَّتِي تُراعى في التَّوابِعِ؛ لِأنَّ حَرْفَ الجَرِّ فِيها لَيْسَ بِزائِدٍ، ولا مَحْكُومٍ لَهُ بِحُكْمِ الزّائِدِ كَـ (رُبَّ) وإنَّما يَجُوزُ مُراعاةُ المَواضِعِ في حَرْفِ الجَرِّ الزّائِدِ كَقَوْلِهِ:
؎يا بَنِي لُبَيْنى لَسْتُما بِيَدٍ ∗∗∗ إلّا يَدًا لَيْسَتْ لَها عَضُدُ
ولِذَلِكَ لا يَجُوزُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ الخَيّاطِ، عَلى مُراعاةِ مَوْضِعِ بِزَيْدٍ، ولا مَرَرْتُ بِزَيْدٍ وعَمْرًا، ولا غَضِبْتُ عَلى زَيْدٍ وجَعْفَرًا، ولا مَرَرْتُ بِعَمْرٍو أخاكَ عَلى مُراعاةِ المَوْضِعِ. (فَإنْ قُلْتَ): الحَرَكَةُ في (يَوْمَ) تَكُونُ حَرَكَةَ بِناءٍ لا حَرَكَةَ إعْرابٍ، فَهو مَجْرُورٌ مِثْلُ في يَوْمٍ (قُلْتُ): لا يَجُوزُ بِناؤُهُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّهُ أُضِيفَ إلى مُعْرَبٍ، لَكِنَّهُ يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، فَيَتَمَشّى كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ عَلى مَذْهَبِهِمْ إنْ كانَ اسْتَحْضَرَهُ وقَصَدَهُ.
(كالمُهْلِ) تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في سُورَةِ الدُّخانِ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] كَما في القارِعَةِ، لَمّا نُسِفَتْ طارَتْ في الجَوِّ كالصُّوفِ المَنفُوشِ إذا طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ. قالَ الحَسَنُ: تَسِيرُ الجِبالُ مَعَ الرِّياحِ، ثُمَّ تَنْهَدُّ، ثُمَّ تَصِيرُ كالعِهْنِ، ثُمَّ تُنْسَفُ فَتَصِيرُ هَباءً. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ولا يَسْألُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، أيْ: لا يَسْألُهُ نُصْرَةً ولا مَنفَعَةً لِعِلْمِهِ أنَّهُ لا يَجِدُ ذَلِكَ عِنْدَهُ. وقالَ قَتادَةُ: لا يَسْألُهُ عَنْ حالِهِ لِأنَّها ظاهِرَةٌ. وقِيلَ: لا يَسْألُهُ أنْ يَحْمِلَ عَنْهُ مِن أوْزارِهِ شَيْئًا لِيَأْسِهِ عَنْ ذَلِكَ. وقِيلَ: شَفاعَةً. وقِيلَ: ”حَمِيمًا“ مَنصُوبٌ عَلى إسْقاطِ عَنْ، أيْ: عَنْ حَمِيمٍ، لِشَغْلِهِ بِما هو فِيهِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ والبَزِّيُّ بِخِلافٍ عَنْ ثَلاثَتِهِمْ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ: لا يُسْألُ إحْضارَهُ، كُلٌّ مِنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ لَهُ سِيما يُعْرَفُ بِها. وقِيلَ: عَنْ ذُنُوبِ حَمِيمِهِ لِيُؤْخَذَ بِها.
﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾: اسْتِئْنافُ كَلامٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في المَحْشَرِ يُبَصَّرُ الحَمِيمُ حَمِيمَهُ، ثُمَّ يَفِرُّ عَنْهُ لِشُغْلِهِ بِنَفْسِهِ. وقِيلَ: يُبَصَّرُونَهم في النّارِ. وقِيلَ: يُبَصَّرُونَهم فَلا يَحْتاجُونَ إلى السُّؤالِ والطَّلَبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”يُبَصَّرُونَهم“ صِفَةً، أيْ: حَمِيمًا مُبَصَّرِينَ مُصَرِّفِينَ إيّاهم. انْتَهى. و﴿حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾: نَكِرَتانِ في سِياقِ النَّفْيِ فَيَعُمّانِ، ولِذَلِكَ جُمِعَ الضَّمِيرُ. وقَرَأ قَتادَةُ: ”يُبْصِرُونَهم“ مُخَفَّفًا مَعَ كَسْرِ الصّادِ، أيْ: يُبْصِرُ المُؤْمِنُ الكافِرَ في النّارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُبْصِرُ الكافِرُ مَن أضَلَّهُ في النّارِ عِبْرَةً وانْتِقامًا وحُزْنًا.
﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ﴾ أيِ: الكافِرُ، وقَدْ يَنْدَرِجُ فِيهِ المُؤْمِنُ العاصِي الَّذِي يُعَذَّبُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِن عَذابِ مُضافًا. وأبُو حَيْوَةَ بِفَتْحِها. (وصاحِبَتِهِ): زَوْجَتُهُ ﴿وفَصِيلَتِهِ﴾: أقْرِباؤُهُ الأدْنُونَ ﴿تُؤْوِيهِ﴾: تَضُمُّهُ انْتِماءً إلَيْها، أوْ لِياذًا بِها في النَّوائِبِ.
﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾: عَطْفٌ عَلى ﴿يَفْتَدِي﴾ أيْ: يُنْجِيهِ بِالِافْتِداءِ، أوْ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهم. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: تُؤْوِيهِ وتُنْجِيهِ بِضَمِّ الهاءَيْنِ. (كَلّا): رَدْعٌ لِوِدادَتِهِمُ الِافْتِداءَ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا يَنْفَعُ. (إنَّها): الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ، و﴿لَظى نَزّاعَةً﴾: تَفْسِيرٌ لَها أوْ لِلنّارِ الدّالِّ عَلَيْها ﴿عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ و﴿لَظى﴾ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ، و﴿نَزّاعَةً﴾ خَبَرُ إنَّ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، و﴿لَظى﴾ خَبَرُ إنَّ أيْ: هي نَزّاعَةٌ، أوْ بَدَلٌ مِن ﴿لَظى﴾ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ. كُلُّ هَذا ذَكَرُوهُ، وذَلِكَ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِرَفْعِ ”نَزّاعَةٌ“ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا مُبْهَمًا تَرْجَمَ عَنْهُ الخَبَرُ. انْتَهى. ولا أدْرِي ما هَذا المُضْمَرُ الَّذِي تَرْجَمَ عَنْهُ الخَبَرُ، ولَيْسَ هَذا مِنَ المَواضِعِ الَّتِي يُفَسِّرُ فِيها المُفْرَدُ الضَّمِيرَ، ولَوْلا أنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ هَذا: أوْ ضَمِيرُ القِصَّةِ، لَحَمَلْتُ كَلامَهُ عَلَيْهِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو حَيْوَةَ، والزَّعْفَرانِيُّ وابْنُ مِقْسَمٍ وحَفْصٌ واليَزِيدِيُّ في اخْتِيارِهِ ”نَزّاعَةً“ بِالنَّصْبِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ ﴿لَظى﴾ خَبَرًا لِـ (إنَّ) والضَّمِيرُ في ”إنَّها“ عائِدٌ عَلى النّارِ الدّالِّ عَلَيْها (عَذابٌ) وانْتَصَبَ ”نَزّاعَةً“ عَلى الحالِ المُؤَكَّدَةِ أوِ المُبَيَّنَةِ، والعامِلُ فِيها ﴿لَظى﴾ وإنْ كانَ عامِلًا لِما فِيهِ مِن مَعْنى التَّلَظِّي، كَما عَمِلَ العَلَمُ في الظَّرْفِ في قَوْلِهِ:
؎أنا أبُو المِنهالِ بَعْضَ الأحْيانِ
أيْ: المَشْهُورُ بَعْضَ (p-٣٣٥)الأحْيانِ، أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ لِلتَّهْوِيلِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وكَأنَّهُ يَعْنِي القَطْعَ. فالنَّصْبُ فِيها كالرَّفْعِ فِيها، إذا أضْمَرْتَ (هو) فَتُضْمِرُ هُنا، أعْنِي تَدْعُو، أيْ حَقِيقَةً يَخْلُقُ اللَّهُ فِيها الكَلامَ كَما يَخْلُقُهُ في الأعْضاءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، تَدْعُوهم بِأسْمائِهِمْ وأسْماءِ آبائِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَما خَلَقَهُ في الشَّجَرَةِ. انْتَهى، فَلَمْ يَتْرُكْ مَذْهَبَ الِاعْتِزالِ. وقالَ الخَلِيلُ: مَجازٌ عَنِ اسْتِدْنائِها مِنهم وما تُوقِعُهُ بِهِمْ مِن عَذابِها. وقالَ ثَعْلَبٌ: يَهْلِكُ، تَقُولُ العَرَبُ: دَعا اللَّهَ، أيْ أهْلَكَكَ، وحَكاهُ الخَلِيلُ عَنِ العَرَبِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَيالِيَ يَدْعُونِي الهَوى فَأُجِيبُهُ ∗∗∗ وأعْيُنُ مَن أهْوى إلَيَّ رَوانِي
(وقالَ آخَرُ):
؎تَرَفَّعَ لِلْعِيانِ وكُلُّ فَجٍّ ∗∗∗ طَباهُ الرِّعْيُ مِنهُ والخَلاءُ
يَصِفُ ظَلِيمًا، وطَباهُ أيْ: دَعاهُ، والهَوى والرِّعْيُ لا يُدْعَوانِ حَقِيقَةً، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ فِيهِما ما يَجْذِبُ صارا داعِيَيْنِ مَجازًا. وقِيلَ: تَدْعُو، أيْ: خَزَنَةُ جَهَنَّمَ، أُضِيفَ دُعاؤُهم إلَيْها ﴿مَن أدْبَرَ﴾ عَنِ الحَقِّ ﴿وتَوَلّى وجَمَعَ فَأوْعى﴾ أيْ: وجَمَعَ المالَ، فَجَعَلَهُ في وِعاءٍ وكَنَزَهُ ولَمْ يُؤَدِّ حَقَّ اللَّهِ فِيهِ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى كُفّارٍ أغْنِياءَ. وقالَ الحَكِيمُ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَكِيمٍ لا يَرْبُطُ كِيسَهُ ويَقُولُ: سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ .
﴿إنَّ الإنْسانَ﴾ جِنْسٌ، ولِذَلِكَ اسْتَثْنى مِنهُ ﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾ . وقِيلَ: الإشارَةُ إلى الكُفّارِ. وقالَ ثَعْلَبٌ: قالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طاهِرٍ: ما الهَلَعُ ؟ فَقُلْتُ: قَدْ فَسَّرَهُ اللَّهُ تَعالى، ولا يَكُونُ تَفْسِيرٌ أبْيَنَ مِن تَفْسِيرِهِ، وهو الَّذِي إذا نالَهُ شَرٌّ أظْهَرَ شِدَّةَ الجَزَعِ، وإذا نالَهُ خَيْرٌ بَخِلَ بِهِ ومَنَعَهُ النّاسَ. انْتَهى.
ولَمّا كانَ شِدَّةُ الجَزَعِ والمَنعِ مُتَمَكِّنَةً في الإنْسانِ، جُعِلَ كَأنَّهُ خُلِقَ مَحْمُولًا عَلَيْهِما، كَقَوْلِهِ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] والخَيْرُ: المالُ.
﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾: اسْتِثْناءٌ كَما قُلْنا مِنَ الإنْسانِ، ولِذَلِكَ وصَفَهم بِما وصَفَهم بِهِ مِنَ الصَّبْرِ عَلى المَكارِهِ، والصِّفاتِ الجَمِيلَةِ الَّتِي حاوَرُوها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: عَلى صَلاتِهِمْ بِالإفْرادِ. والحَسَنُ جَمْعًا. ودَيْمُومَتُها، قالَ الجُمْهُورُ: المُواظَبَةُ عَلَيْها. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: صَلاتُها لِوَقْتِها. وقالَ عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ: يُقِرُّونَ فِيها ولا يَلْتَفِتُونَ يَمِينًا ولا شِمالًا، ومِنهُ المالُ الدّائِمُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: دَوامُهم عَلَيْها أنْ يُواظِبُوا عَلى أدائِها ولا يَشْتَغِلُونَ عَنْها بِشَيْءٍ، ومُحافَظَتُهم عَلَيْها أنْ يُراعُوا إسْباغَ الوُضُوءِ لَها ومَواقِيتِها، ويُقِيمُوا أرْكانَها ويُكْمِلُوها بِسُنَنِها وأدائِها، ويَحْفَظُونَها مِنَ الإحْباطِ بِاقْتِرانِ المَآثِمِ، والدَّوامِ يَرْجِعُ إلى أنْفُسِ الصَّلَواتِ والمُحافَظَةِ عَلى أحْوالِها. انْتَهى. وهو جَوابُهُ لِسُؤالِهِ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ قالَ: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ . وأقُولُ: إنَّ الدَّيْمُومَةَ عَلى الشَّيْءِ والمُحافَظَةِ عَلَيْهِ شَيْءٌ واحِدٌ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَتِ الصَّلاةُ هي عَمُودُ الإسْلامِ بُولِغَ في التَّوْكِيدِ فِيها، فَذُكِرَتْ أوَّلَ خِصالِ الإسْلامِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ وآخِرَها؛ لِيُعْلَمَ مَرْتَبَتُها في الأرْكانِ الَّتِي بُنِيَ الإسْلامُ عَلَيْها، والصِّفاتُ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها، ومُعْظَمُها في سُورَةِ قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”بِشَهادَتِهِمْ“ عَلى الإفْرادِ. والسُّلَمِيُّ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ: عَلى الجَمْعِ.
المعارج 70:18
﴿ذِي المَعارِجِ﴾: المَعارِجُ لُغَةً الدَّرَجُ وهُنا اسْتِعارَةٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: في الرُّتَبِ والفَواضِلِ والصِّفاتِ الحَمِيدَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَعارِجُ، السَّماواتُ تَعْرُجُ فِيها المَلائِكَةُ مِن سَماءٍ إلى سَماءٍ. وقالَ الحَسَنُ: هي المَراقِي إلى السَّماءِ، وقِيلَ: المَعارِجُ، الغُرَفُ، أيْ: جَعَلَها لِأوْلِيائِهِ في الجَنَّةِ.
(تَعْرُجُ) قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِالتّاءِ عَلى التَّأْنِيثِ، وعَبْدُ اللَّهِ والكِسائِيُّ وابْنُ مِقْسَمٍ وزائِدَةُ عَنِ الأعْمَشِ بِالياءِ. (والرُّوحُ) قالَ الجُمْهُورُ: هو جِبْرِيلُ، خُصَّ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا، وأُخِّرَ هُنا بَعْدَ المَلائِكَةِ، وقُدِّمَ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبإ: ٣٨] . وقالَ مُجاهِدٌ: مَلائِكَةٌ حَفَظَةٌ لِلْمَلائِكَةِ الحافِظِينَ لِبَنِي آدَمَ، لا تَراهُمُ الحَفَظَةُ كَما لا نَرى نَحْنُ حَفَظَتَنا. وقِيلَ: الرُّوحُ مَلَكٌ غَيْرُ جِبْرِيلُ عَظِيمُ الخِلْقَةِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: خَلْقٌ كَهَيْئَةِ النّاسِ ولَيْسُوا بِالنّاسِ. وقالَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ: رُوحُ المَيِّتِ حِينَ تُقْبَضُ إلَيْهِ، الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ إلى عَرْشِهِ وحَيْثُ يَهْبِطُ مِنهُ أمْرُهُ تَعالى. وقِيلَ: ”إلَيْهِ“ أيْ: إلى المَكانِ الَّذِي هو مَحِلُّهم وهو في السَّماءِ؛ لِأنَّها مَحِلُّ بِرِّهِ وكَرامَتِهِ، والظّاهِرُ أنَّ المَعْنى: أنَّها تَعْرُجُ في يَوْمٍ مِن أيّامِكم هَذِهِ، ومِقْدارُ المَسافَةِ أنْ لَوْ عَرَجَها آدَمِيٌّ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ إسْحاقَ، وجَماعَةٌ مِنَ الحُذّاقِ مِنهُمُ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ. فَإنْ كانَ العارِجُ مَلَكًا، فَقالَ مُجاهِدٌ: المَسافَةُ هي مِن قَعْرِ الأرْضِ السّابِعَةِ إلى العَرْشِ. ومَن جَعَلَ الرُّوحَ جِنْسَ أنْواعِ الحَيَوانِ. قالَ وهْبٌ: المَسافَةُ مِن وجْهِ الأرْضِ إلى مُنْتَهى العَرْشِ. وقالَ عِكْرِمَةُ والحَكَمُ: أرادَ مُدَّةَ الدُّنْيا، فَإنَّها خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ لا يَدْرِي أحَدٌ ما مَضى مِنها وما بَقِيَ، أيْ: تَعْرُجُ في مُدَّةِ الدُّنْيا وبَقاءِ هَذِهِ البِنْيَةَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هو يَوْمُ القِيامَةِ. وقِيلَ: طُولُهُ ذَلِكَ العَدَدُ، وهَذا ظاهِرُ ما جاءَ في الحَدِيثِ في مانِعِ الزَّكاةِ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: قَدَّرَهُ في رَزاياهُ وهَوْلِهِ وشِدَّتِهِ لِلْكُفّارِ ذَلِكَ العَدَدَ. وفي الحَدِيثِ: ”يَخِفُّ عَلى المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ أخَفَّ عَلَيْهِ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ“ . وقالَ عِكْرِمَةُ: مِقْدارُ ما يَنْقَضِي فِيهِ مِنَ الحِسابِ قَدْرُ ما يَقْضِي بِالعَدْلِ في خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا. وقالَ الحَسَنُ نَحْوَهُ. وقِيلَ: لا يُرادُ حَقِيقَةَ العَدَدِ، إنَّما أُرِيدَ بِهِ طُولُ المَوْقِفِ يَوْمَ القِيامَةِ وما فِيهِ مِنَ الشَّدائِدِ، والعَرَبُ تَصِفُ أيّامَ الشِّدَّةِ بِالطُّولِ، وأيّامَ الفَرَحِ بِالقِصَرِ. قالَ الشّاعِرُ يَصِفُ أيّامَ الفَرَحِ والسُّرُورِ:
؎ويَوْمٍ كَظِلِّ الرُّمْحِ قَصَّرَ طُولَهُ دَمُ الزِّقِّ عَنّا واصْطِفاقُ المَزاهِرِ
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: في يَوْمٍ مُتَعَلِّقٌ بِـ (تَعَرُّجِ) وقِيلَ: بِـ (دافِعٍ) والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (تَعْرُجُ) اعْتِراضٌ. ولَمّا كانُوا قَدْ سَألُوا اسْتِعْجالَ العَذابِ، وكانَ السُّؤالُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والتَّكْذِيبِ، وكانُوا قَدْ وُعِدُوا بِهِ، أمَرَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ، ومَن جَعَلَهُ مِنَ السَّيَلانِ، فالمَعْنى: أنَّهُ أشْرَفَ عَلى الوُقُوعِ، والضَّمِيرُ في ﴿يَرَوْنَهُ﴾ عائِدٌ عَلى العَذابِ أوْ عَلى اليَوْمِ، إذا أُرِيدَ بِهِ يَوْمُ القِيامَةِ، وهَذا الِاسْتِبْعادُ هو عَلى سَبِيلِ الإحالَةِ مِنهم.
﴿ونَراهُ قَرِيبًا﴾ أيْ: هَيِّنًا في قُدْرَتِنا، غَيْرَ بَعِيدٍ عَلَيْنا ولا مُتَعَذِّرٍ، وكُلُّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ، والبُعْدُ والقُرْبُ في الإمْكانِ لا في المَسافَةِ.
﴿يَوْمَ تَكُونُ﴾: مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: يَقَعُ يَوْمَ تَكُونُ، أوْ ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ كانَ (p-٣٣٤)كَيْتَ وكَيْتَ، أوْ بِـ (قَرِيبًا) أوْ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ ”نَراهُ“ إذا كانَ عائِدًا عَلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ هو بَدَلٌ مِن في يَوْمٍ فِيمَن عَلَّقَهُ بِـ (واقِعٍ) . انْتَهى. ولا يَجُوزُ هَذا؛ لِأنَّ في يَوْمٍ وإنْ كانَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لا يُبْدَلُ مِنهُ مَنصُوبٌ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا لَيْسَ مِنَ المَواضِعِ الَّتِي تُراعى في التَّوابِعِ؛ لِأنَّ حَرْفَ الجَرِّ فِيها لَيْسَ بِزائِدٍ، ولا مَحْكُومٍ لَهُ بِحُكْمِ الزّائِدِ كَـ (رُبَّ) وإنَّما يَجُوزُ مُراعاةُ المَواضِعِ في حَرْفِ الجَرِّ الزّائِدِ كَقَوْلِهِ:
؎يا بَنِي لُبَيْنى لَسْتُما بِيَدٍ ∗∗∗ إلّا يَدًا لَيْسَتْ لَها عَضُدُ
ولِذَلِكَ لا يَجُوزُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ الخَيّاطِ، عَلى مُراعاةِ مَوْضِعِ بِزَيْدٍ، ولا مَرَرْتُ بِزَيْدٍ وعَمْرًا، ولا غَضِبْتُ عَلى زَيْدٍ وجَعْفَرًا، ولا مَرَرْتُ بِعَمْرٍو أخاكَ عَلى مُراعاةِ المَوْضِعِ. (فَإنْ قُلْتَ): الحَرَكَةُ في (يَوْمَ) تَكُونُ حَرَكَةَ بِناءٍ لا حَرَكَةَ إعْرابٍ، فَهو مَجْرُورٌ مِثْلُ في يَوْمٍ (قُلْتُ): لا يَجُوزُ بِناؤُهُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّهُ أُضِيفَ إلى مُعْرَبٍ، لَكِنَّهُ يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، فَيَتَمَشّى كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ عَلى مَذْهَبِهِمْ إنْ كانَ اسْتَحْضَرَهُ وقَصَدَهُ.
(كالمُهْلِ) تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في سُورَةِ الدُّخانِ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] كَما في القارِعَةِ، لَمّا نُسِفَتْ طارَتْ في الجَوِّ كالصُّوفِ المَنفُوشِ إذا طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ. قالَ الحَسَنُ: تَسِيرُ الجِبالُ مَعَ الرِّياحِ، ثُمَّ تَنْهَدُّ، ثُمَّ تَصِيرُ كالعِهْنِ، ثُمَّ تُنْسَفُ فَتَصِيرُ هَباءً. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ولا يَسْألُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، أيْ: لا يَسْألُهُ نُصْرَةً ولا مَنفَعَةً لِعِلْمِهِ أنَّهُ لا يَجِدُ ذَلِكَ عِنْدَهُ. وقالَ قَتادَةُ: لا يَسْألُهُ عَنْ حالِهِ لِأنَّها ظاهِرَةٌ. وقِيلَ: لا يَسْألُهُ أنْ يَحْمِلَ عَنْهُ مِن أوْزارِهِ شَيْئًا لِيَأْسِهِ عَنْ ذَلِكَ. وقِيلَ: شَفاعَةً. وقِيلَ: ”حَمِيمًا“ مَنصُوبٌ عَلى إسْقاطِ عَنْ، أيْ: عَنْ حَمِيمٍ، لِشَغْلِهِ بِما هو فِيهِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ والبَزِّيُّ بِخِلافٍ عَنْ ثَلاثَتِهِمْ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ: لا يُسْألُ إحْضارَهُ، كُلٌّ مِنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ لَهُ سِيما يُعْرَفُ بِها. وقِيلَ: عَنْ ذُنُوبِ حَمِيمِهِ لِيُؤْخَذَ بِها.
﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾: اسْتِئْنافُ كَلامٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في المَحْشَرِ يُبَصَّرُ الحَمِيمُ حَمِيمَهُ، ثُمَّ يَفِرُّ عَنْهُ لِشُغْلِهِ بِنَفْسِهِ. وقِيلَ: يُبَصَّرُونَهم في النّارِ. وقِيلَ: يُبَصَّرُونَهم فَلا يَحْتاجُونَ إلى السُّؤالِ والطَّلَبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”يُبَصَّرُونَهم“ صِفَةً، أيْ: حَمِيمًا مُبَصَّرِينَ مُصَرِّفِينَ إيّاهم. انْتَهى. و﴿حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾: نَكِرَتانِ في سِياقِ النَّفْيِ فَيَعُمّانِ، ولِذَلِكَ جُمِعَ الضَّمِيرُ. وقَرَأ قَتادَةُ: ”يُبْصِرُونَهم“ مُخَفَّفًا مَعَ كَسْرِ الصّادِ، أيْ: يُبْصِرُ المُؤْمِنُ الكافِرَ في النّارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُبْصِرُ الكافِرُ مَن أضَلَّهُ في النّارِ عِبْرَةً وانْتِقامًا وحُزْنًا.
﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ﴾ أيِ: الكافِرُ، وقَدْ يَنْدَرِجُ فِيهِ المُؤْمِنُ العاصِي الَّذِي يُعَذَّبُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِن عَذابِ مُضافًا. وأبُو حَيْوَةَ بِفَتْحِها. (وصاحِبَتِهِ): زَوْجَتُهُ ﴿وفَصِيلَتِهِ﴾: أقْرِباؤُهُ الأدْنُونَ ﴿تُؤْوِيهِ﴾: تَضُمُّهُ انْتِماءً إلَيْها، أوْ لِياذًا بِها في النَّوائِبِ.
﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾: عَطْفٌ عَلى ﴿يَفْتَدِي﴾ أيْ: يُنْجِيهِ بِالِافْتِداءِ، أوْ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهم. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: تُؤْوِيهِ وتُنْجِيهِ بِضَمِّ الهاءَيْنِ. (كَلّا): رَدْعٌ لِوِدادَتِهِمُ الِافْتِداءَ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا يَنْفَعُ. (إنَّها): الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ، و﴿لَظى نَزّاعَةً﴾: تَفْسِيرٌ لَها أوْ لِلنّارِ الدّالِّ عَلَيْها ﴿عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ و﴿لَظى﴾ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ، و﴿نَزّاعَةً﴾ خَبَرُ إنَّ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، و﴿لَظى﴾ خَبَرُ إنَّ أيْ: هي نَزّاعَةٌ، أوْ بَدَلٌ مِن ﴿لَظى﴾ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ. كُلُّ هَذا ذَكَرُوهُ، وذَلِكَ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِرَفْعِ ”نَزّاعَةٌ“ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا مُبْهَمًا تَرْجَمَ عَنْهُ الخَبَرُ. انْتَهى. ولا أدْرِي ما هَذا المُضْمَرُ الَّذِي تَرْجَمَ عَنْهُ الخَبَرُ، ولَيْسَ هَذا مِنَ المَواضِعِ الَّتِي يُفَسِّرُ فِيها المُفْرَدُ الضَّمِيرَ، ولَوْلا أنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ هَذا: أوْ ضَمِيرُ القِصَّةِ، لَحَمَلْتُ كَلامَهُ عَلَيْهِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو حَيْوَةَ، والزَّعْفَرانِيُّ وابْنُ مِقْسَمٍ وحَفْصٌ واليَزِيدِيُّ في اخْتِيارِهِ ”نَزّاعَةً“ بِالنَّصْبِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ ﴿لَظى﴾ خَبَرًا لِـ (إنَّ) والضَّمِيرُ في ”إنَّها“ عائِدٌ عَلى النّارِ الدّالِّ عَلَيْها (عَذابٌ) وانْتَصَبَ ”نَزّاعَةً“ عَلى الحالِ المُؤَكَّدَةِ أوِ المُبَيَّنَةِ، والعامِلُ فِيها ﴿لَظى﴾ وإنْ كانَ عامِلًا لِما فِيهِ مِن مَعْنى التَّلَظِّي، كَما عَمِلَ العَلَمُ في الظَّرْفِ في قَوْلِهِ:
؎أنا أبُو المِنهالِ بَعْضَ الأحْيانِ
أيْ: المَشْهُورُ بَعْضَ (p-٣٣٥)الأحْيانِ، أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ لِلتَّهْوِيلِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وكَأنَّهُ يَعْنِي القَطْعَ. فالنَّصْبُ فِيها كالرَّفْعِ فِيها، إذا أضْمَرْتَ (هو) فَتُضْمِرُ هُنا، أعْنِي تَدْعُو، أيْ حَقِيقَةً يَخْلُقُ اللَّهُ فِيها الكَلامَ كَما يَخْلُقُهُ في الأعْضاءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، تَدْعُوهم بِأسْمائِهِمْ وأسْماءِ آبائِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَما خَلَقَهُ في الشَّجَرَةِ. انْتَهى، فَلَمْ يَتْرُكْ مَذْهَبَ الِاعْتِزالِ. وقالَ الخَلِيلُ: مَجازٌ عَنِ اسْتِدْنائِها مِنهم وما تُوقِعُهُ بِهِمْ مِن عَذابِها. وقالَ ثَعْلَبٌ: يَهْلِكُ، تَقُولُ العَرَبُ: دَعا اللَّهَ، أيْ أهْلَكَكَ، وحَكاهُ الخَلِيلُ عَنِ العَرَبِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَيالِيَ يَدْعُونِي الهَوى فَأُجِيبُهُ ∗∗∗ وأعْيُنُ مَن أهْوى إلَيَّ رَوانِي
(وقالَ آخَرُ):
؎تَرَفَّعَ لِلْعِيانِ وكُلُّ فَجٍّ ∗∗∗ طَباهُ الرِّعْيُ مِنهُ والخَلاءُ
يَصِفُ ظَلِيمًا، وطَباهُ أيْ: دَعاهُ، والهَوى والرِّعْيُ لا يُدْعَوانِ حَقِيقَةً، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ فِيهِما ما يَجْذِبُ صارا داعِيَيْنِ مَجازًا. وقِيلَ: تَدْعُو، أيْ: خَزَنَةُ جَهَنَّمَ، أُضِيفَ دُعاؤُهم إلَيْها ﴿مَن أدْبَرَ﴾ عَنِ الحَقِّ ﴿وتَوَلّى وجَمَعَ فَأوْعى﴾ أيْ: وجَمَعَ المالَ، فَجَعَلَهُ في وِعاءٍ وكَنَزَهُ ولَمْ يُؤَدِّ حَقَّ اللَّهِ فِيهِ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى كُفّارٍ أغْنِياءَ. وقالَ الحَكِيمُ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَكِيمٍ لا يَرْبُطُ كِيسَهُ ويَقُولُ: سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ .
﴿إنَّ الإنْسانَ﴾ جِنْسٌ، ولِذَلِكَ اسْتَثْنى مِنهُ ﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾ . وقِيلَ: الإشارَةُ إلى الكُفّارِ. وقالَ ثَعْلَبٌ: قالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طاهِرٍ: ما الهَلَعُ ؟ فَقُلْتُ: قَدْ فَسَّرَهُ اللَّهُ تَعالى، ولا يَكُونُ تَفْسِيرٌ أبْيَنَ مِن تَفْسِيرِهِ، وهو الَّذِي إذا نالَهُ شَرٌّ أظْهَرَ شِدَّةَ الجَزَعِ، وإذا نالَهُ خَيْرٌ بَخِلَ بِهِ ومَنَعَهُ النّاسَ. انْتَهى.
ولَمّا كانَ شِدَّةُ الجَزَعِ والمَنعِ مُتَمَكِّنَةً في الإنْسانِ، جُعِلَ كَأنَّهُ خُلِقَ مَحْمُولًا عَلَيْهِما، كَقَوْلِهِ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] والخَيْرُ: المالُ.
﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾: اسْتِثْناءٌ كَما قُلْنا مِنَ الإنْسانِ، ولِذَلِكَ وصَفَهم بِما وصَفَهم بِهِ مِنَ الصَّبْرِ عَلى المَكارِهِ، والصِّفاتِ الجَمِيلَةِ الَّتِي حاوَرُوها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: عَلى صَلاتِهِمْ بِالإفْرادِ. والحَسَنُ جَمْعًا. ودَيْمُومَتُها، قالَ الجُمْهُورُ: المُواظَبَةُ عَلَيْها. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: صَلاتُها لِوَقْتِها. وقالَ عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ: يُقِرُّونَ فِيها ولا يَلْتَفِتُونَ يَمِينًا ولا شِمالًا، ومِنهُ المالُ الدّائِمُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: دَوامُهم عَلَيْها أنْ يُواظِبُوا عَلى أدائِها ولا يَشْتَغِلُونَ عَنْها بِشَيْءٍ، ومُحافَظَتُهم عَلَيْها أنْ يُراعُوا إسْباغَ الوُضُوءِ لَها ومَواقِيتِها، ويُقِيمُوا أرْكانَها ويُكْمِلُوها بِسُنَنِها وأدائِها، ويَحْفَظُونَها مِنَ الإحْباطِ بِاقْتِرانِ المَآثِمِ، والدَّوامِ يَرْجِعُ إلى أنْفُسِ الصَّلَواتِ والمُحافَظَةِ عَلى أحْوالِها. انْتَهى. وهو جَوابُهُ لِسُؤالِهِ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ قالَ: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ . وأقُولُ: إنَّ الدَّيْمُومَةَ عَلى الشَّيْءِ والمُحافَظَةِ عَلَيْهِ شَيْءٌ واحِدٌ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَتِ الصَّلاةُ هي عَمُودُ الإسْلامِ بُولِغَ في التَّوْكِيدِ فِيها، فَذُكِرَتْ أوَّلَ خِصالِ الإسْلامِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ وآخِرَها؛ لِيُعْلَمَ مَرْتَبَتُها في الأرْكانِ الَّتِي بُنِيَ الإسْلامُ عَلَيْها، والصِّفاتُ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها، ومُعْظَمُها في سُورَةِ قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”بِشَهادَتِهِمْ“ عَلى الإفْرادِ. والسُّلَمِيُّ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ: عَلى الجَمْعِ.
المعارج 70:19
﴿ذِي المَعارِجِ﴾: المَعارِجُ لُغَةً الدَّرَجُ وهُنا اسْتِعارَةٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: في الرُّتَبِ والفَواضِلِ والصِّفاتِ الحَمِيدَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَعارِجُ، السَّماواتُ تَعْرُجُ فِيها المَلائِكَةُ مِن سَماءٍ إلى سَماءٍ. وقالَ الحَسَنُ: هي المَراقِي إلى السَّماءِ، وقِيلَ: المَعارِجُ، الغُرَفُ، أيْ: جَعَلَها لِأوْلِيائِهِ في الجَنَّةِ.
(تَعْرُجُ) قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِالتّاءِ عَلى التَّأْنِيثِ، وعَبْدُ اللَّهِ والكِسائِيُّ وابْنُ مِقْسَمٍ وزائِدَةُ عَنِ الأعْمَشِ بِالياءِ. (والرُّوحُ) قالَ الجُمْهُورُ: هو جِبْرِيلُ، خُصَّ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا، وأُخِّرَ هُنا بَعْدَ المَلائِكَةِ، وقُدِّمَ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبإ: ٣٨] . وقالَ مُجاهِدٌ: مَلائِكَةٌ حَفَظَةٌ لِلْمَلائِكَةِ الحافِظِينَ لِبَنِي آدَمَ، لا تَراهُمُ الحَفَظَةُ كَما لا نَرى نَحْنُ حَفَظَتَنا. وقِيلَ: الرُّوحُ مَلَكٌ غَيْرُ جِبْرِيلُ عَظِيمُ الخِلْقَةِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: خَلْقٌ كَهَيْئَةِ النّاسِ ولَيْسُوا بِالنّاسِ. وقالَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ: رُوحُ المَيِّتِ حِينَ تُقْبَضُ إلَيْهِ، الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ إلى عَرْشِهِ وحَيْثُ يَهْبِطُ مِنهُ أمْرُهُ تَعالى. وقِيلَ: ”إلَيْهِ“ أيْ: إلى المَكانِ الَّذِي هو مَحِلُّهم وهو في السَّماءِ؛ لِأنَّها مَحِلُّ بِرِّهِ وكَرامَتِهِ، والظّاهِرُ أنَّ المَعْنى: أنَّها تَعْرُجُ في يَوْمٍ مِن أيّامِكم هَذِهِ، ومِقْدارُ المَسافَةِ أنْ لَوْ عَرَجَها آدَمِيٌّ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ إسْحاقَ، وجَماعَةٌ مِنَ الحُذّاقِ مِنهُمُ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ. فَإنْ كانَ العارِجُ مَلَكًا، فَقالَ مُجاهِدٌ: المَسافَةُ هي مِن قَعْرِ الأرْضِ السّابِعَةِ إلى العَرْشِ. ومَن جَعَلَ الرُّوحَ جِنْسَ أنْواعِ الحَيَوانِ. قالَ وهْبٌ: المَسافَةُ مِن وجْهِ الأرْضِ إلى مُنْتَهى العَرْشِ. وقالَ عِكْرِمَةُ والحَكَمُ: أرادَ مُدَّةَ الدُّنْيا، فَإنَّها خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ لا يَدْرِي أحَدٌ ما مَضى مِنها وما بَقِيَ، أيْ: تَعْرُجُ في مُدَّةِ الدُّنْيا وبَقاءِ هَذِهِ البِنْيَةَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هو يَوْمُ القِيامَةِ. وقِيلَ: طُولُهُ ذَلِكَ العَدَدُ، وهَذا ظاهِرُ ما جاءَ في الحَدِيثِ في مانِعِ الزَّكاةِ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: قَدَّرَهُ في رَزاياهُ وهَوْلِهِ وشِدَّتِهِ لِلْكُفّارِ ذَلِكَ العَدَدَ. وفي الحَدِيثِ: ”يَخِفُّ عَلى المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ أخَفَّ عَلَيْهِ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ“ . وقالَ عِكْرِمَةُ: مِقْدارُ ما يَنْقَضِي فِيهِ مِنَ الحِسابِ قَدْرُ ما يَقْضِي بِالعَدْلِ في خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا. وقالَ الحَسَنُ نَحْوَهُ. وقِيلَ: لا يُرادُ حَقِيقَةَ العَدَدِ، إنَّما أُرِيدَ بِهِ طُولُ المَوْقِفِ يَوْمَ القِيامَةِ وما فِيهِ مِنَ الشَّدائِدِ، والعَرَبُ تَصِفُ أيّامَ الشِّدَّةِ بِالطُّولِ، وأيّامَ الفَرَحِ بِالقِصَرِ. قالَ الشّاعِرُ يَصِفُ أيّامَ الفَرَحِ والسُّرُورِ:
؎ويَوْمٍ كَظِلِّ الرُّمْحِ قَصَّرَ طُولَهُ دَمُ الزِّقِّ عَنّا واصْطِفاقُ المَزاهِرِ
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: في يَوْمٍ مُتَعَلِّقٌ بِـ (تَعَرُّجِ) وقِيلَ: بِـ (دافِعٍ) والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (تَعْرُجُ) اعْتِراضٌ. ولَمّا كانُوا قَدْ سَألُوا اسْتِعْجالَ العَذابِ، وكانَ السُّؤالُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والتَّكْذِيبِ، وكانُوا قَدْ وُعِدُوا بِهِ، أمَرَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ، ومَن جَعَلَهُ مِنَ السَّيَلانِ، فالمَعْنى: أنَّهُ أشْرَفَ عَلى الوُقُوعِ، والضَّمِيرُ في ﴿يَرَوْنَهُ﴾ عائِدٌ عَلى العَذابِ أوْ عَلى اليَوْمِ، إذا أُرِيدَ بِهِ يَوْمُ القِيامَةِ، وهَذا الِاسْتِبْعادُ هو عَلى سَبِيلِ الإحالَةِ مِنهم.
﴿ونَراهُ قَرِيبًا﴾ أيْ: هَيِّنًا في قُدْرَتِنا، غَيْرَ بَعِيدٍ عَلَيْنا ولا مُتَعَذِّرٍ، وكُلُّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ، والبُعْدُ والقُرْبُ في الإمْكانِ لا في المَسافَةِ.
﴿يَوْمَ تَكُونُ﴾: مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: يَقَعُ يَوْمَ تَكُونُ، أوْ ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ كانَ (p-٣٣٤)كَيْتَ وكَيْتَ، أوْ بِـ (قَرِيبًا) أوْ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ ”نَراهُ“ إذا كانَ عائِدًا عَلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ هو بَدَلٌ مِن في يَوْمٍ فِيمَن عَلَّقَهُ بِـ (واقِعٍ) . انْتَهى. ولا يَجُوزُ هَذا؛ لِأنَّ في يَوْمٍ وإنْ كانَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لا يُبْدَلُ مِنهُ مَنصُوبٌ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا لَيْسَ مِنَ المَواضِعِ الَّتِي تُراعى في التَّوابِعِ؛ لِأنَّ حَرْفَ الجَرِّ فِيها لَيْسَ بِزائِدٍ، ولا مَحْكُومٍ لَهُ بِحُكْمِ الزّائِدِ كَـ (رُبَّ) وإنَّما يَجُوزُ مُراعاةُ المَواضِعِ في حَرْفِ الجَرِّ الزّائِدِ كَقَوْلِهِ:
؎يا بَنِي لُبَيْنى لَسْتُما بِيَدٍ ∗∗∗ إلّا يَدًا لَيْسَتْ لَها عَضُدُ
ولِذَلِكَ لا يَجُوزُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ الخَيّاطِ، عَلى مُراعاةِ مَوْضِعِ بِزَيْدٍ، ولا مَرَرْتُ بِزَيْدٍ وعَمْرًا، ولا غَضِبْتُ عَلى زَيْدٍ وجَعْفَرًا، ولا مَرَرْتُ بِعَمْرٍو أخاكَ عَلى مُراعاةِ المَوْضِعِ. (فَإنْ قُلْتَ): الحَرَكَةُ في (يَوْمَ) تَكُونُ حَرَكَةَ بِناءٍ لا حَرَكَةَ إعْرابٍ، فَهو مَجْرُورٌ مِثْلُ في يَوْمٍ (قُلْتُ): لا يَجُوزُ بِناؤُهُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّهُ أُضِيفَ إلى مُعْرَبٍ، لَكِنَّهُ يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، فَيَتَمَشّى كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ عَلى مَذْهَبِهِمْ إنْ كانَ اسْتَحْضَرَهُ وقَصَدَهُ.
(كالمُهْلِ) تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في سُورَةِ الدُّخانِ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] كَما في القارِعَةِ، لَمّا نُسِفَتْ طارَتْ في الجَوِّ كالصُّوفِ المَنفُوشِ إذا طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ. قالَ الحَسَنُ: تَسِيرُ الجِبالُ مَعَ الرِّياحِ، ثُمَّ تَنْهَدُّ، ثُمَّ تَصِيرُ كالعِهْنِ، ثُمَّ تُنْسَفُ فَتَصِيرُ هَباءً. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ولا يَسْألُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، أيْ: لا يَسْألُهُ نُصْرَةً ولا مَنفَعَةً لِعِلْمِهِ أنَّهُ لا يَجِدُ ذَلِكَ عِنْدَهُ. وقالَ قَتادَةُ: لا يَسْألُهُ عَنْ حالِهِ لِأنَّها ظاهِرَةٌ. وقِيلَ: لا يَسْألُهُ أنْ يَحْمِلَ عَنْهُ مِن أوْزارِهِ شَيْئًا لِيَأْسِهِ عَنْ ذَلِكَ. وقِيلَ: شَفاعَةً. وقِيلَ: ”حَمِيمًا“ مَنصُوبٌ عَلى إسْقاطِ عَنْ، أيْ: عَنْ حَمِيمٍ، لِشَغْلِهِ بِما هو فِيهِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ والبَزِّيُّ بِخِلافٍ عَنْ ثَلاثَتِهِمْ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ: لا يُسْألُ إحْضارَهُ، كُلٌّ مِنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ لَهُ سِيما يُعْرَفُ بِها. وقِيلَ: عَنْ ذُنُوبِ حَمِيمِهِ لِيُؤْخَذَ بِها.
﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾: اسْتِئْنافُ كَلامٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في المَحْشَرِ يُبَصَّرُ الحَمِيمُ حَمِيمَهُ، ثُمَّ يَفِرُّ عَنْهُ لِشُغْلِهِ بِنَفْسِهِ. وقِيلَ: يُبَصَّرُونَهم في النّارِ. وقِيلَ: يُبَصَّرُونَهم فَلا يَحْتاجُونَ إلى السُّؤالِ والطَّلَبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”يُبَصَّرُونَهم“ صِفَةً، أيْ: حَمِيمًا مُبَصَّرِينَ مُصَرِّفِينَ إيّاهم. انْتَهى. و﴿حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾: نَكِرَتانِ في سِياقِ النَّفْيِ فَيَعُمّانِ، ولِذَلِكَ جُمِعَ الضَّمِيرُ. وقَرَأ قَتادَةُ: ”يُبْصِرُونَهم“ مُخَفَّفًا مَعَ كَسْرِ الصّادِ، أيْ: يُبْصِرُ المُؤْمِنُ الكافِرَ في النّارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُبْصِرُ الكافِرُ مَن أضَلَّهُ في النّارِ عِبْرَةً وانْتِقامًا وحُزْنًا.
﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ﴾ أيِ: الكافِرُ، وقَدْ يَنْدَرِجُ فِيهِ المُؤْمِنُ العاصِي الَّذِي يُعَذَّبُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِن عَذابِ مُضافًا. وأبُو حَيْوَةَ بِفَتْحِها. (وصاحِبَتِهِ): زَوْجَتُهُ ﴿وفَصِيلَتِهِ﴾: أقْرِباؤُهُ الأدْنُونَ ﴿تُؤْوِيهِ﴾: تَضُمُّهُ انْتِماءً إلَيْها، أوْ لِياذًا بِها في النَّوائِبِ.
﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾: عَطْفٌ عَلى ﴿يَفْتَدِي﴾ أيْ: يُنْجِيهِ بِالِافْتِداءِ، أوْ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهم. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: تُؤْوِيهِ وتُنْجِيهِ بِضَمِّ الهاءَيْنِ. (كَلّا): رَدْعٌ لِوِدادَتِهِمُ الِافْتِداءَ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا يَنْفَعُ. (إنَّها): الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ، و﴿لَظى نَزّاعَةً﴾: تَفْسِيرٌ لَها أوْ لِلنّارِ الدّالِّ عَلَيْها ﴿عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ و﴿لَظى﴾ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ، و﴿نَزّاعَةً﴾ خَبَرُ إنَّ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، و﴿لَظى﴾ خَبَرُ إنَّ أيْ: هي نَزّاعَةٌ، أوْ بَدَلٌ مِن ﴿لَظى﴾ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ. كُلُّ هَذا ذَكَرُوهُ، وذَلِكَ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِرَفْعِ ”نَزّاعَةٌ“ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا مُبْهَمًا تَرْجَمَ عَنْهُ الخَبَرُ. انْتَهى. ولا أدْرِي ما هَذا المُضْمَرُ الَّذِي تَرْجَمَ عَنْهُ الخَبَرُ، ولَيْسَ هَذا مِنَ المَواضِعِ الَّتِي يُفَسِّرُ فِيها المُفْرَدُ الضَّمِيرَ، ولَوْلا أنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ هَذا: أوْ ضَمِيرُ القِصَّةِ، لَحَمَلْتُ كَلامَهُ عَلَيْهِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو حَيْوَةَ، والزَّعْفَرانِيُّ وابْنُ مِقْسَمٍ وحَفْصٌ واليَزِيدِيُّ في اخْتِيارِهِ ”نَزّاعَةً“ بِالنَّصْبِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ ﴿لَظى﴾ خَبَرًا لِـ (إنَّ) والضَّمِيرُ في ”إنَّها“ عائِدٌ عَلى النّارِ الدّالِّ عَلَيْها (عَذابٌ) وانْتَصَبَ ”نَزّاعَةً“ عَلى الحالِ المُؤَكَّدَةِ أوِ المُبَيَّنَةِ، والعامِلُ فِيها ﴿لَظى﴾ وإنْ كانَ عامِلًا لِما فِيهِ مِن مَعْنى التَّلَظِّي، كَما عَمِلَ العَلَمُ في الظَّرْفِ في قَوْلِهِ:
؎أنا أبُو المِنهالِ بَعْضَ الأحْيانِ
أيْ: المَشْهُورُ بَعْضَ (p-٣٣٥)الأحْيانِ، أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ لِلتَّهْوِيلِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وكَأنَّهُ يَعْنِي القَطْعَ. فالنَّصْبُ فِيها كالرَّفْعِ فِيها، إذا أضْمَرْتَ (هو) فَتُضْمِرُ هُنا، أعْنِي تَدْعُو، أيْ حَقِيقَةً يَخْلُقُ اللَّهُ فِيها الكَلامَ كَما يَخْلُقُهُ في الأعْضاءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، تَدْعُوهم بِأسْمائِهِمْ وأسْماءِ آبائِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَما خَلَقَهُ في الشَّجَرَةِ. انْتَهى، فَلَمْ يَتْرُكْ مَذْهَبَ الِاعْتِزالِ. وقالَ الخَلِيلُ: مَجازٌ عَنِ اسْتِدْنائِها مِنهم وما تُوقِعُهُ بِهِمْ مِن عَذابِها. وقالَ ثَعْلَبٌ: يَهْلِكُ، تَقُولُ العَرَبُ: دَعا اللَّهَ، أيْ أهْلَكَكَ، وحَكاهُ الخَلِيلُ عَنِ العَرَبِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَيالِيَ يَدْعُونِي الهَوى فَأُجِيبُهُ ∗∗∗ وأعْيُنُ مَن أهْوى إلَيَّ رَوانِي
(وقالَ آخَرُ):
؎تَرَفَّعَ لِلْعِيانِ وكُلُّ فَجٍّ ∗∗∗ طَباهُ الرِّعْيُ مِنهُ والخَلاءُ
يَصِفُ ظَلِيمًا، وطَباهُ أيْ: دَعاهُ، والهَوى والرِّعْيُ لا يُدْعَوانِ حَقِيقَةً، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ فِيهِما ما يَجْذِبُ صارا داعِيَيْنِ مَجازًا. وقِيلَ: تَدْعُو، أيْ: خَزَنَةُ جَهَنَّمَ، أُضِيفَ دُعاؤُهم إلَيْها ﴿مَن أدْبَرَ﴾ عَنِ الحَقِّ ﴿وتَوَلّى وجَمَعَ فَأوْعى﴾ أيْ: وجَمَعَ المالَ، فَجَعَلَهُ في وِعاءٍ وكَنَزَهُ ولَمْ يُؤَدِّ حَقَّ اللَّهِ فِيهِ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى كُفّارٍ أغْنِياءَ. وقالَ الحَكِيمُ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَكِيمٍ لا يَرْبُطُ كِيسَهُ ويَقُولُ: سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ .
﴿إنَّ الإنْسانَ﴾ جِنْسٌ، ولِذَلِكَ اسْتَثْنى مِنهُ ﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾ . وقِيلَ: الإشارَةُ إلى الكُفّارِ. وقالَ ثَعْلَبٌ: قالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طاهِرٍ: ما الهَلَعُ ؟ فَقُلْتُ: قَدْ فَسَّرَهُ اللَّهُ تَعالى، ولا يَكُونُ تَفْسِيرٌ أبْيَنَ مِن تَفْسِيرِهِ، وهو الَّذِي إذا نالَهُ شَرٌّ أظْهَرَ شِدَّةَ الجَزَعِ، وإذا نالَهُ خَيْرٌ بَخِلَ بِهِ ومَنَعَهُ النّاسَ. انْتَهى.
ولَمّا كانَ شِدَّةُ الجَزَعِ والمَنعِ مُتَمَكِّنَةً في الإنْسانِ، جُعِلَ كَأنَّهُ خُلِقَ مَحْمُولًا عَلَيْهِما، كَقَوْلِهِ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] والخَيْرُ: المالُ.
﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾: اسْتِثْناءٌ كَما قُلْنا مِنَ الإنْسانِ، ولِذَلِكَ وصَفَهم بِما وصَفَهم بِهِ مِنَ الصَّبْرِ عَلى المَكارِهِ، والصِّفاتِ الجَمِيلَةِ الَّتِي حاوَرُوها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: عَلى صَلاتِهِمْ بِالإفْرادِ. والحَسَنُ جَمْعًا. ودَيْمُومَتُها، قالَ الجُمْهُورُ: المُواظَبَةُ عَلَيْها. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: صَلاتُها لِوَقْتِها. وقالَ عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ: يُقِرُّونَ فِيها ولا يَلْتَفِتُونَ يَمِينًا ولا شِمالًا، ومِنهُ المالُ الدّائِمُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: دَوامُهم عَلَيْها أنْ يُواظِبُوا عَلى أدائِها ولا يَشْتَغِلُونَ عَنْها بِشَيْءٍ، ومُحافَظَتُهم عَلَيْها أنْ يُراعُوا إسْباغَ الوُضُوءِ لَها ومَواقِيتِها، ويُقِيمُوا أرْكانَها ويُكْمِلُوها بِسُنَنِها وأدائِها، ويَحْفَظُونَها مِنَ الإحْباطِ بِاقْتِرانِ المَآثِمِ، والدَّوامِ يَرْجِعُ إلى أنْفُسِ الصَّلَواتِ والمُحافَظَةِ عَلى أحْوالِها. انْتَهى. وهو جَوابُهُ لِسُؤالِهِ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ قالَ: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ . وأقُولُ: إنَّ الدَّيْمُومَةَ عَلى الشَّيْءِ والمُحافَظَةِ عَلَيْهِ شَيْءٌ واحِدٌ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَتِ الصَّلاةُ هي عَمُودُ الإسْلامِ بُولِغَ في التَّوْكِيدِ فِيها، فَذُكِرَتْ أوَّلَ خِصالِ الإسْلامِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ وآخِرَها؛ لِيُعْلَمَ مَرْتَبَتُها في الأرْكانِ الَّتِي بُنِيَ الإسْلامُ عَلَيْها، والصِّفاتُ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها، ومُعْظَمُها في سُورَةِ قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”بِشَهادَتِهِمْ“ عَلى الإفْرادِ. والسُّلَمِيُّ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ: عَلى الجَمْعِ.
المعارج 70:20
﴿ذِي المَعارِجِ﴾: المَعارِجُ لُغَةً الدَّرَجُ وهُنا اسْتِعارَةٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: في الرُّتَبِ والفَواضِلِ والصِّفاتِ الحَمِيدَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَعارِجُ، السَّماواتُ تَعْرُجُ فِيها المَلائِكَةُ مِن سَماءٍ إلى سَماءٍ. وقالَ الحَسَنُ: هي المَراقِي إلى السَّماءِ، وقِيلَ: المَعارِجُ، الغُرَفُ، أيْ: جَعَلَها لِأوْلِيائِهِ في الجَنَّةِ.
(تَعْرُجُ) قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِالتّاءِ عَلى التَّأْنِيثِ، وعَبْدُ اللَّهِ والكِسائِيُّ وابْنُ مِقْسَمٍ وزائِدَةُ عَنِ الأعْمَشِ بِالياءِ. (والرُّوحُ) قالَ الجُمْهُورُ: هو جِبْرِيلُ، خُصَّ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا، وأُخِّرَ هُنا بَعْدَ المَلائِكَةِ، وقُدِّمَ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبإ: ٣٨] . وقالَ مُجاهِدٌ: مَلائِكَةٌ حَفَظَةٌ لِلْمَلائِكَةِ الحافِظِينَ لِبَنِي آدَمَ، لا تَراهُمُ الحَفَظَةُ كَما لا نَرى نَحْنُ حَفَظَتَنا. وقِيلَ: الرُّوحُ مَلَكٌ غَيْرُ جِبْرِيلُ عَظِيمُ الخِلْقَةِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: خَلْقٌ كَهَيْئَةِ النّاسِ ولَيْسُوا بِالنّاسِ. وقالَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ: رُوحُ المَيِّتِ حِينَ تُقْبَضُ إلَيْهِ، الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ إلى عَرْشِهِ وحَيْثُ يَهْبِطُ مِنهُ أمْرُهُ تَعالى. وقِيلَ: ”إلَيْهِ“ أيْ: إلى المَكانِ الَّذِي هو مَحِلُّهم وهو في السَّماءِ؛ لِأنَّها مَحِلُّ بِرِّهِ وكَرامَتِهِ، والظّاهِرُ أنَّ المَعْنى: أنَّها تَعْرُجُ في يَوْمٍ مِن أيّامِكم هَذِهِ، ومِقْدارُ المَسافَةِ أنْ لَوْ عَرَجَها آدَمِيٌّ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ إسْحاقَ، وجَماعَةٌ مِنَ الحُذّاقِ مِنهُمُ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ. فَإنْ كانَ العارِجُ مَلَكًا، فَقالَ مُجاهِدٌ: المَسافَةُ هي مِن قَعْرِ الأرْضِ السّابِعَةِ إلى العَرْشِ. ومَن جَعَلَ الرُّوحَ جِنْسَ أنْواعِ الحَيَوانِ. قالَ وهْبٌ: المَسافَةُ مِن وجْهِ الأرْضِ إلى مُنْتَهى العَرْشِ. وقالَ عِكْرِمَةُ والحَكَمُ: أرادَ مُدَّةَ الدُّنْيا، فَإنَّها خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ لا يَدْرِي أحَدٌ ما مَضى مِنها وما بَقِيَ، أيْ: تَعْرُجُ في مُدَّةِ الدُّنْيا وبَقاءِ هَذِهِ البِنْيَةَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هو يَوْمُ القِيامَةِ. وقِيلَ: طُولُهُ ذَلِكَ العَدَدُ، وهَذا ظاهِرُ ما جاءَ في الحَدِيثِ في مانِعِ الزَّكاةِ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: قَدَّرَهُ في رَزاياهُ وهَوْلِهِ وشِدَّتِهِ لِلْكُفّارِ ذَلِكَ العَدَدَ. وفي الحَدِيثِ: ”يَخِفُّ عَلى المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ أخَفَّ عَلَيْهِ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ“ . وقالَ عِكْرِمَةُ: مِقْدارُ ما يَنْقَضِي فِيهِ مِنَ الحِسابِ قَدْرُ ما يَقْضِي بِالعَدْلِ في خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا. وقالَ الحَسَنُ نَحْوَهُ. وقِيلَ: لا يُرادُ حَقِيقَةَ العَدَدِ، إنَّما أُرِيدَ بِهِ طُولُ المَوْقِفِ يَوْمَ القِيامَةِ وما فِيهِ مِنَ الشَّدائِدِ، والعَرَبُ تَصِفُ أيّامَ الشِّدَّةِ بِالطُّولِ، وأيّامَ الفَرَحِ بِالقِصَرِ. قالَ الشّاعِرُ يَصِفُ أيّامَ الفَرَحِ والسُّرُورِ:
؎ويَوْمٍ كَظِلِّ الرُّمْحِ قَصَّرَ طُولَهُ دَمُ الزِّقِّ عَنّا واصْطِفاقُ المَزاهِرِ
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: في يَوْمٍ مُتَعَلِّقٌ بِـ (تَعَرُّجِ) وقِيلَ: بِـ (دافِعٍ) والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (تَعْرُجُ) اعْتِراضٌ. ولَمّا كانُوا قَدْ سَألُوا اسْتِعْجالَ العَذابِ، وكانَ السُّؤالُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والتَّكْذِيبِ، وكانُوا قَدْ وُعِدُوا بِهِ، أمَرَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ، ومَن جَعَلَهُ مِنَ السَّيَلانِ، فالمَعْنى: أنَّهُ أشْرَفَ عَلى الوُقُوعِ، والضَّمِيرُ في ﴿يَرَوْنَهُ﴾ عائِدٌ عَلى العَذابِ أوْ عَلى اليَوْمِ، إذا أُرِيدَ بِهِ يَوْمُ القِيامَةِ، وهَذا الِاسْتِبْعادُ هو عَلى سَبِيلِ الإحالَةِ مِنهم.
﴿ونَراهُ قَرِيبًا﴾ أيْ: هَيِّنًا في قُدْرَتِنا، غَيْرَ بَعِيدٍ عَلَيْنا ولا مُتَعَذِّرٍ، وكُلُّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ، والبُعْدُ والقُرْبُ في الإمْكانِ لا في المَسافَةِ.
﴿يَوْمَ تَكُونُ﴾: مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: يَقَعُ يَوْمَ تَكُونُ، أوْ ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ كانَ (p-٣٣٤)كَيْتَ وكَيْتَ، أوْ بِـ (قَرِيبًا) أوْ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ ”نَراهُ“ إذا كانَ عائِدًا عَلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ هو بَدَلٌ مِن في يَوْمٍ فِيمَن عَلَّقَهُ بِـ (واقِعٍ) . انْتَهى. ولا يَجُوزُ هَذا؛ لِأنَّ في يَوْمٍ وإنْ كانَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لا يُبْدَلُ مِنهُ مَنصُوبٌ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا لَيْسَ مِنَ المَواضِعِ الَّتِي تُراعى في التَّوابِعِ؛ لِأنَّ حَرْفَ الجَرِّ فِيها لَيْسَ بِزائِدٍ، ولا مَحْكُومٍ لَهُ بِحُكْمِ الزّائِدِ كَـ (رُبَّ) وإنَّما يَجُوزُ مُراعاةُ المَواضِعِ في حَرْفِ الجَرِّ الزّائِدِ كَقَوْلِهِ:
؎يا بَنِي لُبَيْنى لَسْتُما بِيَدٍ ∗∗∗ إلّا يَدًا لَيْسَتْ لَها عَضُدُ
ولِذَلِكَ لا يَجُوزُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ الخَيّاطِ، عَلى مُراعاةِ مَوْضِعِ بِزَيْدٍ، ولا مَرَرْتُ بِزَيْدٍ وعَمْرًا، ولا غَضِبْتُ عَلى زَيْدٍ وجَعْفَرًا، ولا مَرَرْتُ بِعَمْرٍو أخاكَ عَلى مُراعاةِ المَوْضِعِ. (فَإنْ قُلْتَ): الحَرَكَةُ في (يَوْمَ) تَكُونُ حَرَكَةَ بِناءٍ لا حَرَكَةَ إعْرابٍ، فَهو مَجْرُورٌ مِثْلُ في يَوْمٍ (قُلْتُ): لا يَجُوزُ بِناؤُهُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّهُ أُضِيفَ إلى مُعْرَبٍ، لَكِنَّهُ يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، فَيَتَمَشّى كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ عَلى مَذْهَبِهِمْ إنْ كانَ اسْتَحْضَرَهُ وقَصَدَهُ.
(كالمُهْلِ) تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في سُورَةِ الدُّخانِ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] كَما في القارِعَةِ، لَمّا نُسِفَتْ طارَتْ في الجَوِّ كالصُّوفِ المَنفُوشِ إذا طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ. قالَ الحَسَنُ: تَسِيرُ الجِبالُ مَعَ الرِّياحِ، ثُمَّ تَنْهَدُّ، ثُمَّ تَصِيرُ كالعِهْنِ، ثُمَّ تُنْسَفُ فَتَصِيرُ هَباءً. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ولا يَسْألُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، أيْ: لا يَسْألُهُ نُصْرَةً ولا مَنفَعَةً لِعِلْمِهِ أنَّهُ لا يَجِدُ ذَلِكَ عِنْدَهُ. وقالَ قَتادَةُ: لا يَسْألُهُ عَنْ حالِهِ لِأنَّها ظاهِرَةٌ. وقِيلَ: لا يَسْألُهُ أنْ يَحْمِلَ عَنْهُ مِن أوْزارِهِ شَيْئًا لِيَأْسِهِ عَنْ ذَلِكَ. وقِيلَ: شَفاعَةً. وقِيلَ: ”حَمِيمًا“ مَنصُوبٌ عَلى إسْقاطِ عَنْ، أيْ: عَنْ حَمِيمٍ، لِشَغْلِهِ بِما هو فِيهِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ والبَزِّيُّ بِخِلافٍ عَنْ ثَلاثَتِهِمْ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ: لا يُسْألُ إحْضارَهُ، كُلٌّ مِنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ لَهُ سِيما يُعْرَفُ بِها. وقِيلَ: عَنْ ذُنُوبِ حَمِيمِهِ لِيُؤْخَذَ بِها.
﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾: اسْتِئْنافُ كَلامٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في المَحْشَرِ يُبَصَّرُ الحَمِيمُ حَمِيمَهُ، ثُمَّ يَفِرُّ عَنْهُ لِشُغْلِهِ بِنَفْسِهِ. وقِيلَ: يُبَصَّرُونَهم في النّارِ. وقِيلَ: يُبَصَّرُونَهم فَلا يَحْتاجُونَ إلى السُّؤالِ والطَّلَبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”يُبَصَّرُونَهم“ صِفَةً، أيْ: حَمِيمًا مُبَصَّرِينَ مُصَرِّفِينَ إيّاهم. انْتَهى. و﴿حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾: نَكِرَتانِ في سِياقِ النَّفْيِ فَيَعُمّانِ، ولِذَلِكَ جُمِعَ الضَّمِيرُ. وقَرَأ قَتادَةُ: ”يُبْصِرُونَهم“ مُخَفَّفًا مَعَ كَسْرِ الصّادِ، أيْ: يُبْصِرُ المُؤْمِنُ الكافِرَ في النّارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُبْصِرُ الكافِرُ مَن أضَلَّهُ في النّارِ عِبْرَةً وانْتِقامًا وحُزْنًا.
﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ﴾ أيِ: الكافِرُ، وقَدْ يَنْدَرِجُ فِيهِ المُؤْمِنُ العاصِي الَّذِي يُعَذَّبُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِن عَذابِ مُضافًا. وأبُو حَيْوَةَ بِفَتْحِها. (وصاحِبَتِهِ): زَوْجَتُهُ ﴿وفَصِيلَتِهِ﴾: أقْرِباؤُهُ الأدْنُونَ ﴿تُؤْوِيهِ﴾: تَضُمُّهُ انْتِماءً إلَيْها، أوْ لِياذًا بِها في النَّوائِبِ.
﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾: عَطْفٌ عَلى ﴿يَفْتَدِي﴾ أيْ: يُنْجِيهِ بِالِافْتِداءِ، أوْ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهم. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: تُؤْوِيهِ وتُنْجِيهِ بِضَمِّ الهاءَيْنِ. (كَلّا): رَدْعٌ لِوِدادَتِهِمُ الِافْتِداءَ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا يَنْفَعُ. (إنَّها): الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ، و﴿لَظى نَزّاعَةً﴾: تَفْسِيرٌ لَها أوْ لِلنّارِ الدّالِّ عَلَيْها ﴿عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ و﴿لَظى﴾ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ، و﴿نَزّاعَةً﴾ خَبَرُ إنَّ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، و﴿لَظى﴾ خَبَرُ إنَّ أيْ: هي نَزّاعَةٌ، أوْ بَدَلٌ مِن ﴿لَظى﴾ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ. كُلُّ هَذا ذَكَرُوهُ، وذَلِكَ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِرَفْعِ ”نَزّاعَةٌ“ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا مُبْهَمًا تَرْجَمَ عَنْهُ الخَبَرُ. انْتَهى. ولا أدْرِي ما هَذا المُضْمَرُ الَّذِي تَرْجَمَ عَنْهُ الخَبَرُ، ولَيْسَ هَذا مِنَ المَواضِعِ الَّتِي يُفَسِّرُ فِيها المُفْرَدُ الضَّمِيرَ، ولَوْلا أنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ هَذا: أوْ ضَمِيرُ القِصَّةِ، لَحَمَلْتُ كَلامَهُ عَلَيْهِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو حَيْوَةَ، والزَّعْفَرانِيُّ وابْنُ مِقْسَمٍ وحَفْصٌ واليَزِيدِيُّ في اخْتِيارِهِ ”نَزّاعَةً“ بِالنَّصْبِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ ﴿لَظى﴾ خَبَرًا لِـ (إنَّ) والضَّمِيرُ في ”إنَّها“ عائِدٌ عَلى النّارِ الدّالِّ عَلَيْها (عَذابٌ) وانْتَصَبَ ”نَزّاعَةً“ عَلى الحالِ المُؤَكَّدَةِ أوِ المُبَيَّنَةِ، والعامِلُ فِيها ﴿لَظى﴾ وإنْ كانَ عامِلًا لِما فِيهِ مِن مَعْنى التَّلَظِّي، كَما عَمِلَ العَلَمُ في الظَّرْفِ في قَوْلِهِ:
؎أنا أبُو المِنهالِ بَعْضَ الأحْيانِ
أيْ: المَشْهُورُ بَعْضَ (p-٣٣٥)الأحْيانِ، أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ لِلتَّهْوِيلِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وكَأنَّهُ يَعْنِي القَطْعَ. فالنَّصْبُ فِيها كالرَّفْعِ فِيها، إذا أضْمَرْتَ (هو) فَتُضْمِرُ هُنا، أعْنِي تَدْعُو، أيْ حَقِيقَةً يَخْلُقُ اللَّهُ فِيها الكَلامَ كَما يَخْلُقُهُ في الأعْضاءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، تَدْعُوهم بِأسْمائِهِمْ وأسْماءِ آبائِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَما خَلَقَهُ في الشَّجَرَةِ. انْتَهى، فَلَمْ يَتْرُكْ مَذْهَبَ الِاعْتِزالِ. وقالَ الخَلِيلُ: مَجازٌ عَنِ اسْتِدْنائِها مِنهم وما تُوقِعُهُ بِهِمْ مِن عَذابِها. وقالَ ثَعْلَبٌ: يَهْلِكُ، تَقُولُ العَرَبُ: دَعا اللَّهَ، أيْ أهْلَكَكَ، وحَكاهُ الخَلِيلُ عَنِ العَرَبِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَيالِيَ يَدْعُونِي الهَوى فَأُجِيبُهُ ∗∗∗ وأعْيُنُ مَن أهْوى إلَيَّ رَوانِي
(وقالَ آخَرُ):
؎تَرَفَّعَ لِلْعِيانِ وكُلُّ فَجٍّ ∗∗∗ طَباهُ الرِّعْيُ مِنهُ والخَلاءُ
يَصِفُ ظَلِيمًا، وطَباهُ أيْ: دَعاهُ، والهَوى والرِّعْيُ لا يُدْعَوانِ حَقِيقَةً، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ فِيهِما ما يَجْذِبُ صارا داعِيَيْنِ مَجازًا. وقِيلَ: تَدْعُو، أيْ: خَزَنَةُ جَهَنَّمَ، أُضِيفَ دُعاؤُهم إلَيْها ﴿مَن أدْبَرَ﴾ عَنِ الحَقِّ ﴿وتَوَلّى وجَمَعَ فَأوْعى﴾ أيْ: وجَمَعَ المالَ، فَجَعَلَهُ في وِعاءٍ وكَنَزَهُ ولَمْ يُؤَدِّ حَقَّ اللَّهِ فِيهِ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى كُفّارٍ أغْنِياءَ. وقالَ الحَكِيمُ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَكِيمٍ لا يَرْبُطُ كِيسَهُ ويَقُولُ: سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ .
﴿إنَّ الإنْسانَ﴾ جِنْسٌ، ولِذَلِكَ اسْتَثْنى مِنهُ ﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾ . وقِيلَ: الإشارَةُ إلى الكُفّارِ. وقالَ ثَعْلَبٌ: قالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طاهِرٍ: ما الهَلَعُ ؟ فَقُلْتُ: قَدْ فَسَّرَهُ اللَّهُ تَعالى، ولا يَكُونُ تَفْسِيرٌ أبْيَنَ مِن تَفْسِيرِهِ، وهو الَّذِي إذا نالَهُ شَرٌّ أظْهَرَ شِدَّةَ الجَزَعِ، وإذا نالَهُ خَيْرٌ بَخِلَ بِهِ ومَنَعَهُ النّاسَ. انْتَهى.
ولَمّا كانَ شِدَّةُ الجَزَعِ والمَنعِ مُتَمَكِّنَةً في الإنْسانِ، جُعِلَ كَأنَّهُ خُلِقَ مَحْمُولًا عَلَيْهِما، كَقَوْلِهِ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] والخَيْرُ: المالُ.
﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾: اسْتِثْناءٌ كَما قُلْنا مِنَ الإنْسانِ، ولِذَلِكَ وصَفَهم بِما وصَفَهم بِهِ مِنَ الصَّبْرِ عَلى المَكارِهِ، والصِّفاتِ الجَمِيلَةِ الَّتِي حاوَرُوها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: عَلى صَلاتِهِمْ بِالإفْرادِ. والحَسَنُ جَمْعًا. ودَيْمُومَتُها، قالَ الجُمْهُورُ: المُواظَبَةُ عَلَيْها. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: صَلاتُها لِوَقْتِها. وقالَ عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ: يُقِرُّونَ فِيها ولا يَلْتَفِتُونَ يَمِينًا ولا شِمالًا، ومِنهُ المالُ الدّائِمُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: دَوامُهم عَلَيْها أنْ يُواظِبُوا عَلى أدائِها ولا يَشْتَغِلُونَ عَنْها بِشَيْءٍ، ومُحافَظَتُهم عَلَيْها أنْ يُراعُوا إسْباغَ الوُضُوءِ لَها ومَواقِيتِها، ويُقِيمُوا أرْكانَها ويُكْمِلُوها بِسُنَنِها وأدائِها، ويَحْفَظُونَها مِنَ الإحْباطِ بِاقْتِرانِ المَآثِمِ، والدَّوامِ يَرْجِعُ إلى أنْفُسِ الصَّلَواتِ والمُحافَظَةِ عَلى أحْوالِها. انْتَهى. وهو جَوابُهُ لِسُؤالِهِ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ قالَ: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ . وأقُولُ: إنَّ الدَّيْمُومَةَ عَلى الشَّيْءِ والمُحافَظَةِ عَلَيْهِ شَيْءٌ واحِدٌ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَتِ الصَّلاةُ هي عَمُودُ الإسْلامِ بُولِغَ في التَّوْكِيدِ فِيها، فَذُكِرَتْ أوَّلَ خِصالِ الإسْلامِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ وآخِرَها؛ لِيُعْلَمَ مَرْتَبَتُها في الأرْكانِ الَّتِي بُنِيَ الإسْلامُ عَلَيْها، والصِّفاتُ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها، ومُعْظَمُها في سُورَةِ قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”بِشَهادَتِهِمْ“ عَلى الإفْرادِ. والسُّلَمِيُّ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ: عَلى الجَمْعِ.
المعارج 70:21
﴿ذِي المَعارِجِ﴾: المَعارِجُ لُغَةً الدَّرَجُ وهُنا اسْتِعارَةٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: في الرُّتَبِ والفَواضِلِ والصِّفاتِ الحَمِيدَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَعارِجُ، السَّماواتُ تَعْرُجُ فِيها المَلائِكَةُ مِن سَماءٍ إلى سَماءٍ. وقالَ الحَسَنُ: هي المَراقِي إلى السَّماءِ، وقِيلَ: المَعارِجُ، الغُرَفُ، أيْ: جَعَلَها لِأوْلِيائِهِ في الجَنَّةِ.
(تَعْرُجُ) قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِالتّاءِ عَلى التَّأْنِيثِ، وعَبْدُ اللَّهِ والكِسائِيُّ وابْنُ مِقْسَمٍ وزائِدَةُ عَنِ الأعْمَشِ بِالياءِ. (والرُّوحُ) قالَ الجُمْهُورُ: هو جِبْرِيلُ، خُصَّ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا، وأُخِّرَ هُنا بَعْدَ المَلائِكَةِ، وقُدِّمَ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبإ: ٣٨] . وقالَ مُجاهِدٌ: مَلائِكَةٌ حَفَظَةٌ لِلْمَلائِكَةِ الحافِظِينَ لِبَنِي آدَمَ، لا تَراهُمُ الحَفَظَةُ كَما لا نَرى نَحْنُ حَفَظَتَنا. وقِيلَ: الرُّوحُ مَلَكٌ غَيْرُ جِبْرِيلُ عَظِيمُ الخِلْقَةِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: خَلْقٌ كَهَيْئَةِ النّاسِ ولَيْسُوا بِالنّاسِ. وقالَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ: رُوحُ المَيِّتِ حِينَ تُقْبَضُ إلَيْهِ، الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ إلى عَرْشِهِ وحَيْثُ يَهْبِطُ مِنهُ أمْرُهُ تَعالى. وقِيلَ: ”إلَيْهِ“ أيْ: إلى المَكانِ الَّذِي هو مَحِلُّهم وهو في السَّماءِ؛ لِأنَّها مَحِلُّ بِرِّهِ وكَرامَتِهِ، والظّاهِرُ أنَّ المَعْنى: أنَّها تَعْرُجُ في يَوْمٍ مِن أيّامِكم هَذِهِ، ومِقْدارُ المَسافَةِ أنْ لَوْ عَرَجَها آدَمِيٌّ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ إسْحاقَ، وجَماعَةٌ مِنَ الحُذّاقِ مِنهُمُ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ. فَإنْ كانَ العارِجُ مَلَكًا، فَقالَ مُجاهِدٌ: المَسافَةُ هي مِن قَعْرِ الأرْضِ السّابِعَةِ إلى العَرْشِ. ومَن جَعَلَ الرُّوحَ جِنْسَ أنْواعِ الحَيَوانِ. قالَ وهْبٌ: المَسافَةُ مِن وجْهِ الأرْضِ إلى مُنْتَهى العَرْشِ. وقالَ عِكْرِمَةُ والحَكَمُ: أرادَ مُدَّةَ الدُّنْيا، فَإنَّها خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ لا يَدْرِي أحَدٌ ما مَضى مِنها وما بَقِيَ، أيْ: تَعْرُجُ في مُدَّةِ الدُّنْيا وبَقاءِ هَذِهِ البِنْيَةَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هو يَوْمُ القِيامَةِ. وقِيلَ: طُولُهُ ذَلِكَ العَدَدُ، وهَذا ظاهِرُ ما جاءَ في الحَدِيثِ في مانِعِ الزَّكاةِ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: قَدَّرَهُ في رَزاياهُ وهَوْلِهِ وشِدَّتِهِ لِلْكُفّارِ ذَلِكَ العَدَدَ. وفي الحَدِيثِ: ”يَخِفُّ عَلى المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ أخَفَّ عَلَيْهِ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ“ . وقالَ عِكْرِمَةُ: مِقْدارُ ما يَنْقَضِي فِيهِ مِنَ الحِسابِ قَدْرُ ما يَقْضِي بِالعَدْلِ في خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا. وقالَ الحَسَنُ نَحْوَهُ. وقِيلَ: لا يُرادُ حَقِيقَةَ العَدَدِ، إنَّما أُرِيدَ بِهِ طُولُ المَوْقِفِ يَوْمَ القِيامَةِ وما فِيهِ مِنَ الشَّدائِدِ، والعَرَبُ تَصِفُ أيّامَ الشِّدَّةِ بِالطُّولِ، وأيّامَ الفَرَحِ بِالقِصَرِ. قالَ الشّاعِرُ يَصِفُ أيّامَ الفَرَحِ والسُّرُورِ:
؎ويَوْمٍ كَظِلِّ الرُّمْحِ قَصَّرَ طُولَهُ دَمُ الزِّقِّ عَنّا واصْطِفاقُ المَزاهِرِ
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: في يَوْمٍ مُتَعَلِّقٌ بِـ (تَعَرُّجِ) وقِيلَ: بِـ (دافِعٍ) والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (تَعْرُجُ) اعْتِراضٌ. ولَمّا كانُوا قَدْ سَألُوا اسْتِعْجالَ العَذابِ، وكانَ السُّؤالُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والتَّكْذِيبِ، وكانُوا قَدْ وُعِدُوا بِهِ، أمَرَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ، ومَن جَعَلَهُ مِنَ السَّيَلانِ، فالمَعْنى: أنَّهُ أشْرَفَ عَلى الوُقُوعِ، والضَّمِيرُ في ﴿يَرَوْنَهُ﴾ عائِدٌ عَلى العَذابِ أوْ عَلى اليَوْمِ، إذا أُرِيدَ بِهِ يَوْمُ القِيامَةِ، وهَذا الِاسْتِبْعادُ هو عَلى سَبِيلِ الإحالَةِ مِنهم.
﴿ونَراهُ قَرِيبًا﴾ أيْ: هَيِّنًا في قُدْرَتِنا، غَيْرَ بَعِيدٍ عَلَيْنا ولا مُتَعَذِّرٍ، وكُلُّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ، والبُعْدُ والقُرْبُ في الإمْكانِ لا في المَسافَةِ.
﴿يَوْمَ تَكُونُ﴾: مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: يَقَعُ يَوْمَ تَكُونُ، أوْ ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ كانَ (p-٣٣٤)كَيْتَ وكَيْتَ، أوْ بِـ (قَرِيبًا) أوْ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ ”نَراهُ“ إذا كانَ عائِدًا عَلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ هو بَدَلٌ مِن في يَوْمٍ فِيمَن عَلَّقَهُ بِـ (واقِعٍ) . انْتَهى. ولا يَجُوزُ هَذا؛ لِأنَّ في يَوْمٍ وإنْ كانَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لا يُبْدَلُ مِنهُ مَنصُوبٌ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا لَيْسَ مِنَ المَواضِعِ الَّتِي تُراعى في التَّوابِعِ؛ لِأنَّ حَرْفَ الجَرِّ فِيها لَيْسَ بِزائِدٍ، ولا مَحْكُومٍ لَهُ بِحُكْمِ الزّائِدِ كَـ (رُبَّ) وإنَّما يَجُوزُ مُراعاةُ المَواضِعِ في حَرْفِ الجَرِّ الزّائِدِ كَقَوْلِهِ:
؎يا بَنِي لُبَيْنى لَسْتُما بِيَدٍ ∗∗∗ إلّا يَدًا لَيْسَتْ لَها عَضُدُ
ولِذَلِكَ لا يَجُوزُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ الخَيّاطِ، عَلى مُراعاةِ مَوْضِعِ بِزَيْدٍ، ولا مَرَرْتُ بِزَيْدٍ وعَمْرًا، ولا غَضِبْتُ عَلى زَيْدٍ وجَعْفَرًا، ولا مَرَرْتُ بِعَمْرٍو أخاكَ عَلى مُراعاةِ المَوْضِعِ. (فَإنْ قُلْتَ): الحَرَكَةُ في (يَوْمَ) تَكُونُ حَرَكَةَ بِناءٍ لا حَرَكَةَ إعْرابٍ، فَهو مَجْرُورٌ مِثْلُ في يَوْمٍ (قُلْتُ): لا يَجُوزُ بِناؤُهُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّهُ أُضِيفَ إلى مُعْرَبٍ، لَكِنَّهُ يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، فَيَتَمَشّى كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ عَلى مَذْهَبِهِمْ إنْ كانَ اسْتَحْضَرَهُ وقَصَدَهُ.
(كالمُهْلِ) تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في سُورَةِ الدُّخانِ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] كَما في القارِعَةِ، لَمّا نُسِفَتْ طارَتْ في الجَوِّ كالصُّوفِ المَنفُوشِ إذا طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ. قالَ الحَسَنُ: تَسِيرُ الجِبالُ مَعَ الرِّياحِ، ثُمَّ تَنْهَدُّ، ثُمَّ تَصِيرُ كالعِهْنِ، ثُمَّ تُنْسَفُ فَتَصِيرُ هَباءً. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ولا يَسْألُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، أيْ: لا يَسْألُهُ نُصْرَةً ولا مَنفَعَةً لِعِلْمِهِ أنَّهُ لا يَجِدُ ذَلِكَ عِنْدَهُ. وقالَ قَتادَةُ: لا يَسْألُهُ عَنْ حالِهِ لِأنَّها ظاهِرَةٌ. وقِيلَ: لا يَسْألُهُ أنْ يَحْمِلَ عَنْهُ مِن أوْزارِهِ شَيْئًا لِيَأْسِهِ عَنْ ذَلِكَ. وقِيلَ: شَفاعَةً. وقِيلَ: ”حَمِيمًا“ مَنصُوبٌ عَلى إسْقاطِ عَنْ، أيْ: عَنْ حَمِيمٍ، لِشَغْلِهِ بِما هو فِيهِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ والبَزِّيُّ بِخِلافٍ عَنْ ثَلاثَتِهِمْ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ: لا يُسْألُ إحْضارَهُ، كُلٌّ مِنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ لَهُ سِيما يُعْرَفُ بِها. وقِيلَ: عَنْ ذُنُوبِ حَمِيمِهِ لِيُؤْخَذَ بِها.
﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾: اسْتِئْنافُ كَلامٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في المَحْشَرِ يُبَصَّرُ الحَمِيمُ حَمِيمَهُ، ثُمَّ يَفِرُّ عَنْهُ لِشُغْلِهِ بِنَفْسِهِ. وقِيلَ: يُبَصَّرُونَهم في النّارِ. وقِيلَ: يُبَصَّرُونَهم فَلا يَحْتاجُونَ إلى السُّؤالِ والطَّلَبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”يُبَصَّرُونَهم“ صِفَةً، أيْ: حَمِيمًا مُبَصَّرِينَ مُصَرِّفِينَ إيّاهم. انْتَهى. و﴿حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾: نَكِرَتانِ في سِياقِ النَّفْيِ فَيَعُمّانِ، ولِذَلِكَ جُمِعَ الضَّمِيرُ. وقَرَأ قَتادَةُ: ”يُبْصِرُونَهم“ مُخَفَّفًا مَعَ كَسْرِ الصّادِ، أيْ: يُبْصِرُ المُؤْمِنُ الكافِرَ في النّارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُبْصِرُ الكافِرُ مَن أضَلَّهُ في النّارِ عِبْرَةً وانْتِقامًا وحُزْنًا.
﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ﴾ أيِ: الكافِرُ، وقَدْ يَنْدَرِجُ فِيهِ المُؤْمِنُ العاصِي الَّذِي يُعَذَّبُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِن عَذابِ مُضافًا. وأبُو حَيْوَةَ بِفَتْحِها. (وصاحِبَتِهِ): زَوْجَتُهُ ﴿وفَصِيلَتِهِ﴾: أقْرِباؤُهُ الأدْنُونَ ﴿تُؤْوِيهِ﴾: تَضُمُّهُ انْتِماءً إلَيْها، أوْ لِياذًا بِها في النَّوائِبِ.
﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾: عَطْفٌ عَلى ﴿يَفْتَدِي﴾ أيْ: يُنْجِيهِ بِالِافْتِداءِ، أوْ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهم. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: تُؤْوِيهِ وتُنْجِيهِ بِضَمِّ الهاءَيْنِ. (كَلّا): رَدْعٌ لِوِدادَتِهِمُ الِافْتِداءَ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا يَنْفَعُ. (إنَّها): الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ، و﴿لَظى نَزّاعَةً﴾: تَفْسِيرٌ لَها أوْ لِلنّارِ الدّالِّ عَلَيْها ﴿عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ و﴿لَظى﴾ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ، و﴿نَزّاعَةً﴾ خَبَرُ إنَّ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، و﴿لَظى﴾ خَبَرُ إنَّ أيْ: هي نَزّاعَةٌ، أوْ بَدَلٌ مِن ﴿لَظى﴾ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ. كُلُّ هَذا ذَكَرُوهُ، وذَلِكَ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِرَفْعِ ”نَزّاعَةٌ“ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا مُبْهَمًا تَرْجَمَ عَنْهُ الخَبَرُ. انْتَهى. ولا أدْرِي ما هَذا المُضْمَرُ الَّذِي تَرْجَمَ عَنْهُ الخَبَرُ، ولَيْسَ هَذا مِنَ المَواضِعِ الَّتِي يُفَسِّرُ فِيها المُفْرَدُ الضَّمِيرَ، ولَوْلا أنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ هَذا: أوْ ضَمِيرُ القِصَّةِ، لَحَمَلْتُ كَلامَهُ عَلَيْهِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو حَيْوَةَ، والزَّعْفَرانِيُّ وابْنُ مِقْسَمٍ وحَفْصٌ واليَزِيدِيُّ في اخْتِيارِهِ ”نَزّاعَةً“ بِالنَّصْبِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ ﴿لَظى﴾ خَبَرًا لِـ (إنَّ) والضَّمِيرُ في ”إنَّها“ عائِدٌ عَلى النّارِ الدّالِّ عَلَيْها (عَذابٌ) وانْتَصَبَ ”نَزّاعَةً“ عَلى الحالِ المُؤَكَّدَةِ أوِ المُبَيَّنَةِ، والعامِلُ فِيها ﴿لَظى﴾ وإنْ كانَ عامِلًا لِما فِيهِ مِن مَعْنى التَّلَظِّي، كَما عَمِلَ العَلَمُ في الظَّرْفِ في قَوْلِهِ:
؎أنا أبُو المِنهالِ بَعْضَ الأحْيانِ
أيْ: المَشْهُورُ بَعْضَ (p-٣٣٥)الأحْيانِ، أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ لِلتَّهْوِيلِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وكَأنَّهُ يَعْنِي القَطْعَ. فالنَّصْبُ فِيها كالرَّفْعِ فِيها، إذا أضْمَرْتَ (هو) فَتُضْمِرُ هُنا، أعْنِي تَدْعُو، أيْ حَقِيقَةً يَخْلُقُ اللَّهُ فِيها الكَلامَ كَما يَخْلُقُهُ في الأعْضاءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، تَدْعُوهم بِأسْمائِهِمْ وأسْماءِ آبائِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَما خَلَقَهُ في الشَّجَرَةِ. انْتَهى، فَلَمْ يَتْرُكْ مَذْهَبَ الِاعْتِزالِ. وقالَ الخَلِيلُ: مَجازٌ عَنِ اسْتِدْنائِها مِنهم وما تُوقِعُهُ بِهِمْ مِن عَذابِها. وقالَ ثَعْلَبٌ: يَهْلِكُ، تَقُولُ العَرَبُ: دَعا اللَّهَ، أيْ أهْلَكَكَ، وحَكاهُ الخَلِيلُ عَنِ العَرَبِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَيالِيَ يَدْعُونِي الهَوى فَأُجِيبُهُ ∗∗∗ وأعْيُنُ مَن أهْوى إلَيَّ رَوانِي
(وقالَ آخَرُ):
؎تَرَفَّعَ لِلْعِيانِ وكُلُّ فَجٍّ ∗∗∗ طَباهُ الرِّعْيُ مِنهُ والخَلاءُ
يَصِفُ ظَلِيمًا، وطَباهُ أيْ: دَعاهُ، والهَوى والرِّعْيُ لا يُدْعَوانِ حَقِيقَةً، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ فِيهِما ما يَجْذِبُ صارا داعِيَيْنِ مَجازًا. وقِيلَ: تَدْعُو، أيْ: خَزَنَةُ جَهَنَّمَ، أُضِيفَ دُعاؤُهم إلَيْها ﴿مَن أدْبَرَ﴾ عَنِ الحَقِّ ﴿وتَوَلّى وجَمَعَ فَأوْعى﴾ أيْ: وجَمَعَ المالَ، فَجَعَلَهُ في وِعاءٍ وكَنَزَهُ ولَمْ يُؤَدِّ حَقَّ اللَّهِ فِيهِ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى كُفّارٍ أغْنِياءَ. وقالَ الحَكِيمُ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَكِيمٍ لا يَرْبُطُ كِيسَهُ ويَقُولُ: سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ .
﴿إنَّ الإنْسانَ﴾ جِنْسٌ، ولِذَلِكَ اسْتَثْنى مِنهُ ﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾ . وقِيلَ: الإشارَةُ إلى الكُفّارِ. وقالَ ثَعْلَبٌ: قالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طاهِرٍ: ما الهَلَعُ ؟ فَقُلْتُ: قَدْ فَسَّرَهُ اللَّهُ تَعالى، ولا يَكُونُ تَفْسِيرٌ أبْيَنَ مِن تَفْسِيرِهِ، وهو الَّذِي إذا نالَهُ شَرٌّ أظْهَرَ شِدَّةَ الجَزَعِ، وإذا نالَهُ خَيْرٌ بَخِلَ بِهِ ومَنَعَهُ النّاسَ. انْتَهى.
ولَمّا كانَ شِدَّةُ الجَزَعِ والمَنعِ مُتَمَكِّنَةً في الإنْسانِ، جُعِلَ كَأنَّهُ خُلِقَ مَحْمُولًا عَلَيْهِما، كَقَوْلِهِ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] والخَيْرُ: المالُ.
﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾: اسْتِثْناءٌ كَما قُلْنا مِنَ الإنْسانِ، ولِذَلِكَ وصَفَهم بِما وصَفَهم بِهِ مِنَ الصَّبْرِ عَلى المَكارِهِ، والصِّفاتِ الجَمِيلَةِ الَّتِي حاوَرُوها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: عَلى صَلاتِهِمْ بِالإفْرادِ. والحَسَنُ جَمْعًا. ودَيْمُومَتُها، قالَ الجُمْهُورُ: المُواظَبَةُ عَلَيْها. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: صَلاتُها لِوَقْتِها. وقالَ عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ: يُقِرُّونَ فِيها ولا يَلْتَفِتُونَ يَمِينًا ولا شِمالًا، ومِنهُ المالُ الدّائِمُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: دَوامُهم عَلَيْها أنْ يُواظِبُوا عَلى أدائِها ولا يَشْتَغِلُونَ عَنْها بِشَيْءٍ، ومُحافَظَتُهم عَلَيْها أنْ يُراعُوا إسْباغَ الوُضُوءِ لَها ومَواقِيتِها، ويُقِيمُوا أرْكانَها ويُكْمِلُوها بِسُنَنِها وأدائِها، ويَحْفَظُونَها مِنَ الإحْباطِ بِاقْتِرانِ المَآثِمِ، والدَّوامِ يَرْجِعُ إلى أنْفُسِ الصَّلَواتِ والمُحافَظَةِ عَلى أحْوالِها. انْتَهى. وهو جَوابُهُ لِسُؤالِهِ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ قالَ: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ . وأقُولُ: إنَّ الدَّيْمُومَةَ عَلى الشَّيْءِ والمُحافَظَةِ عَلَيْهِ شَيْءٌ واحِدٌ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَتِ الصَّلاةُ هي عَمُودُ الإسْلامِ بُولِغَ في التَّوْكِيدِ فِيها، فَذُكِرَتْ أوَّلَ خِصالِ الإسْلامِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ وآخِرَها؛ لِيُعْلَمَ مَرْتَبَتُها في الأرْكانِ الَّتِي بُنِيَ الإسْلامُ عَلَيْها، والصِّفاتُ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها، ومُعْظَمُها في سُورَةِ قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”بِشَهادَتِهِمْ“ عَلى الإفْرادِ. والسُّلَمِيُّ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ: عَلى الجَمْعِ.
المعارج 70:22
﴿ذِي المَعارِجِ﴾: المَعارِجُ لُغَةً الدَّرَجُ وهُنا اسْتِعارَةٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: في الرُّتَبِ والفَواضِلِ والصِّفاتِ الحَمِيدَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَعارِجُ، السَّماواتُ تَعْرُجُ فِيها المَلائِكَةُ مِن سَماءٍ إلى سَماءٍ. وقالَ الحَسَنُ: هي المَراقِي إلى السَّماءِ، وقِيلَ: المَعارِجُ، الغُرَفُ، أيْ: جَعَلَها لِأوْلِيائِهِ في الجَنَّةِ.
(تَعْرُجُ) قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِالتّاءِ عَلى التَّأْنِيثِ، وعَبْدُ اللَّهِ والكِسائِيُّ وابْنُ مِقْسَمٍ وزائِدَةُ عَنِ الأعْمَشِ بِالياءِ. (والرُّوحُ) قالَ الجُمْهُورُ: هو جِبْرِيلُ، خُصَّ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا، وأُخِّرَ هُنا بَعْدَ المَلائِكَةِ، وقُدِّمَ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبإ: ٣٨] . وقالَ مُجاهِدٌ: مَلائِكَةٌ حَفَظَةٌ لِلْمَلائِكَةِ الحافِظِينَ لِبَنِي آدَمَ، لا تَراهُمُ الحَفَظَةُ كَما لا نَرى نَحْنُ حَفَظَتَنا. وقِيلَ: الرُّوحُ مَلَكٌ غَيْرُ جِبْرِيلُ عَظِيمُ الخِلْقَةِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: خَلْقٌ كَهَيْئَةِ النّاسِ ولَيْسُوا بِالنّاسِ. وقالَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ: رُوحُ المَيِّتِ حِينَ تُقْبَضُ إلَيْهِ، الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ إلى عَرْشِهِ وحَيْثُ يَهْبِطُ مِنهُ أمْرُهُ تَعالى. وقِيلَ: ”إلَيْهِ“ أيْ: إلى المَكانِ الَّذِي هو مَحِلُّهم وهو في السَّماءِ؛ لِأنَّها مَحِلُّ بِرِّهِ وكَرامَتِهِ، والظّاهِرُ أنَّ المَعْنى: أنَّها تَعْرُجُ في يَوْمٍ مِن أيّامِكم هَذِهِ، ومِقْدارُ المَسافَةِ أنْ لَوْ عَرَجَها آدَمِيٌّ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ إسْحاقَ، وجَماعَةٌ مِنَ الحُذّاقِ مِنهُمُ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ. فَإنْ كانَ العارِجُ مَلَكًا، فَقالَ مُجاهِدٌ: المَسافَةُ هي مِن قَعْرِ الأرْضِ السّابِعَةِ إلى العَرْشِ. ومَن جَعَلَ الرُّوحَ جِنْسَ أنْواعِ الحَيَوانِ. قالَ وهْبٌ: المَسافَةُ مِن وجْهِ الأرْضِ إلى مُنْتَهى العَرْشِ. وقالَ عِكْرِمَةُ والحَكَمُ: أرادَ مُدَّةَ الدُّنْيا، فَإنَّها خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ لا يَدْرِي أحَدٌ ما مَضى مِنها وما بَقِيَ، أيْ: تَعْرُجُ في مُدَّةِ الدُّنْيا وبَقاءِ هَذِهِ البِنْيَةَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هو يَوْمُ القِيامَةِ. وقِيلَ: طُولُهُ ذَلِكَ العَدَدُ، وهَذا ظاهِرُ ما جاءَ في الحَدِيثِ في مانِعِ الزَّكاةِ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: قَدَّرَهُ في رَزاياهُ وهَوْلِهِ وشِدَّتِهِ لِلْكُفّارِ ذَلِكَ العَدَدَ. وفي الحَدِيثِ: ”يَخِفُّ عَلى المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ أخَفَّ عَلَيْهِ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ“ . وقالَ عِكْرِمَةُ: مِقْدارُ ما يَنْقَضِي فِيهِ مِنَ الحِسابِ قَدْرُ ما يَقْضِي بِالعَدْلِ في خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا. وقالَ الحَسَنُ نَحْوَهُ. وقِيلَ: لا يُرادُ حَقِيقَةَ العَدَدِ، إنَّما أُرِيدَ بِهِ طُولُ المَوْقِفِ يَوْمَ القِيامَةِ وما فِيهِ مِنَ الشَّدائِدِ، والعَرَبُ تَصِفُ أيّامَ الشِّدَّةِ بِالطُّولِ، وأيّامَ الفَرَحِ بِالقِصَرِ. قالَ الشّاعِرُ يَصِفُ أيّامَ الفَرَحِ والسُّرُورِ:
؎ويَوْمٍ كَظِلِّ الرُّمْحِ قَصَّرَ طُولَهُ دَمُ الزِّقِّ عَنّا واصْطِفاقُ المَزاهِرِ
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: في يَوْمٍ مُتَعَلِّقٌ بِـ (تَعَرُّجِ) وقِيلَ: بِـ (دافِعٍ) والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (تَعْرُجُ) اعْتِراضٌ. ولَمّا كانُوا قَدْ سَألُوا اسْتِعْجالَ العَذابِ، وكانَ السُّؤالُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والتَّكْذِيبِ، وكانُوا قَدْ وُعِدُوا بِهِ، أمَرَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ، ومَن جَعَلَهُ مِنَ السَّيَلانِ، فالمَعْنى: أنَّهُ أشْرَفَ عَلى الوُقُوعِ، والضَّمِيرُ في ﴿يَرَوْنَهُ﴾ عائِدٌ عَلى العَذابِ أوْ عَلى اليَوْمِ، إذا أُرِيدَ بِهِ يَوْمُ القِيامَةِ، وهَذا الِاسْتِبْعادُ هو عَلى سَبِيلِ الإحالَةِ مِنهم.
﴿ونَراهُ قَرِيبًا﴾ أيْ: هَيِّنًا في قُدْرَتِنا، غَيْرَ بَعِيدٍ عَلَيْنا ولا مُتَعَذِّرٍ، وكُلُّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ، والبُعْدُ والقُرْبُ في الإمْكانِ لا في المَسافَةِ.
﴿يَوْمَ تَكُونُ﴾: مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: يَقَعُ يَوْمَ تَكُونُ، أوْ ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ كانَ (p-٣٣٤)كَيْتَ وكَيْتَ، أوْ بِـ (قَرِيبًا) أوْ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ ”نَراهُ“ إذا كانَ عائِدًا عَلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ هو بَدَلٌ مِن في يَوْمٍ فِيمَن عَلَّقَهُ بِـ (واقِعٍ) . انْتَهى. ولا يَجُوزُ هَذا؛ لِأنَّ في يَوْمٍ وإنْ كانَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لا يُبْدَلُ مِنهُ مَنصُوبٌ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا لَيْسَ مِنَ المَواضِعِ الَّتِي تُراعى في التَّوابِعِ؛ لِأنَّ حَرْفَ الجَرِّ فِيها لَيْسَ بِزائِدٍ، ولا مَحْكُومٍ لَهُ بِحُكْمِ الزّائِدِ كَـ (رُبَّ) وإنَّما يَجُوزُ مُراعاةُ المَواضِعِ في حَرْفِ الجَرِّ الزّائِدِ كَقَوْلِهِ:
؎يا بَنِي لُبَيْنى لَسْتُما بِيَدٍ ∗∗∗ إلّا يَدًا لَيْسَتْ لَها عَضُدُ
ولِذَلِكَ لا يَجُوزُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ الخَيّاطِ، عَلى مُراعاةِ مَوْضِعِ بِزَيْدٍ، ولا مَرَرْتُ بِزَيْدٍ وعَمْرًا، ولا غَضِبْتُ عَلى زَيْدٍ وجَعْفَرًا، ولا مَرَرْتُ بِعَمْرٍو أخاكَ عَلى مُراعاةِ المَوْضِعِ. (فَإنْ قُلْتَ): الحَرَكَةُ في (يَوْمَ) تَكُونُ حَرَكَةَ بِناءٍ لا حَرَكَةَ إعْرابٍ، فَهو مَجْرُورٌ مِثْلُ في يَوْمٍ (قُلْتُ): لا يَجُوزُ بِناؤُهُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّهُ أُضِيفَ إلى مُعْرَبٍ، لَكِنَّهُ يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، فَيَتَمَشّى كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ عَلى مَذْهَبِهِمْ إنْ كانَ اسْتَحْضَرَهُ وقَصَدَهُ.
(كالمُهْلِ) تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في سُورَةِ الدُّخانِ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] كَما في القارِعَةِ، لَمّا نُسِفَتْ طارَتْ في الجَوِّ كالصُّوفِ المَنفُوشِ إذا طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ. قالَ الحَسَنُ: تَسِيرُ الجِبالُ مَعَ الرِّياحِ، ثُمَّ تَنْهَدُّ، ثُمَّ تَصِيرُ كالعِهْنِ، ثُمَّ تُنْسَفُ فَتَصِيرُ هَباءً. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ولا يَسْألُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، أيْ: لا يَسْألُهُ نُصْرَةً ولا مَنفَعَةً لِعِلْمِهِ أنَّهُ لا يَجِدُ ذَلِكَ عِنْدَهُ. وقالَ قَتادَةُ: لا يَسْألُهُ عَنْ حالِهِ لِأنَّها ظاهِرَةٌ. وقِيلَ: لا يَسْألُهُ أنْ يَحْمِلَ عَنْهُ مِن أوْزارِهِ شَيْئًا لِيَأْسِهِ عَنْ ذَلِكَ. وقِيلَ: شَفاعَةً. وقِيلَ: ”حَمِيمًا“ مَنصُوبٌ عَلى إسْقاطِ عَنْ، أيْ: عَنْ حَمِيمٍ، لِشَغْلِهِ بِما هو فِيهِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ والبَزِّيُّ بِخِلافٍ عَنْ ثَلاثَتِهِمْ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ: لا يُسْألُ إحْضارَهُ، كُلٌّ مِنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ لَهُ سِيما يُعْرَفُ بِها. وقِيلَ: عَنْ ذُنُوبِ حَمِيمِهِ لِيُؤْخَذَ بِها.
﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾: اسْتِئْنافُ كَلامٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في المَحْشَرِ يُبَصَّرُ الحَمِيمُ حَمِيمَهُ، ثُمَّ يَفِرُّ عَنْهُ لِشُغْلِهِ بِنَفْسِهِ. وقِيلَ: يُبَصَّرُونَهم في النّارِ. وقِيلَ: يُبَصَّرُونَهم فَلا يَحْتاجُونَ إلى السُّؤالِ والطَّلَبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”يُبَصَّرُونَهم“ صِفَةً، أيْ: حَمِيمًا مُبَصَّرِينَ مُصَرِّفِينَ إيّاهم. انْتَهى. و﴿حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾: نَكِرَتانِ في سِياقِ النَّفْيِ فَيَعُمّانِ، ولِذَلِكَ جُمِعَ الضَّمِيرُ. وقَرَأ قَتادَةُ: ”يُبْصِرُونَهم“ مُخَفَّفًا مَعَ كَسْرِ الصّادِ، أيْ: يُبْصِرُ المُؤْمِنُ الكافِرَ في النّارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُبْصِرُ الكافِرُ مَن أضَلَّهُ في النّارِ عِبْرَةً وانْتِقامًا وحُزْنًا.
﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ﴾ أيِ: الكافِرُ، وقَدْ يَنْدَرِجُ فِيهِ المُؤْمِنُ العاصِي الَّذِي يُعَذَّبُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِن عَذابِ مُضافًا. وأبُو حَيْوَةَ بِفَتْحِها. (وصاحِبَتِهِ): زَوْجَتُهُ ﴿وفَصِيلَتِهِ﴾: أقْرِباؤُهُ الأدْنُونَ ﴿تُؤْوِيهِ﴾: تَضُمُّهُ انْتِماءً إلَيْها، أوْ لِياذًا بِها في النَّوائِبِ.
﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾: عَطْفٌ عَلى ﴿يَفْتَدِي﴾ أيْ: يُنْجِيهِ بِالِافْتِداءِ، أوْ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهم. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: تُؤْوِيهِ وتُنْجِيهِ بِضَمِّ الهاءَيْنِ. (كَلّا): رَدْعٌ لِوِدادَتِهِمُ الِافْتِداءَ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا يَنْفَعُ. (إنَّها): الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ، و﴿لَظى نَزّاعَةً﴾: تَفْسِيرٌ لَها أوْ لِلنّارِ الدّالِّ عَلَيْها ﴿عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ و﴿لَظى﴾ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ، و﴿نَزّاعَةً﴾ خَبَرُ إنَّ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، و﴿لَظى﴾ خَبَرُ إنَّ أيْ: هي نَزّاعَةٌ، أوْ بَدَلٌ مِن ﴿لَظى﴾ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ. كُلُّ هَذا ذَكَرُوهُ، وذَلِكَ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِرَفْعِ ”نَزّاعَةٌ“ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا مُبْهَمًا تَرْجَمَ عَنْهُ الخَبَرُ. انْتَهى. ولا أدْرِي ما هَذا المُضْمَرُ الَّذِي تَرْجَمَ عَنْهُ الخَبَرُ، ولَيْسَ هَذا مِنَ المَواضِعِ الَّتِي يُفَسِّرُ فِيها المُفْرَدُ الضَّمِيرَ، ولَوْلا أنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ هَذا: أوْ ضَمِيرُ القِصَّةِ، لَحَمَلْتُ كَلامَهُ عَلَيْهِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو حَيْوَةَ، والزَّعْفَرانِيُّ وابْنُ مِقْسَمٍ وحَفْصٌ واليَزِيدِيُّ في اخْتِيارِهِ ”نَزّاعَةً“ بِالنَّصْبِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ ﴿لَظى﴾ خَبَرًا لِـ (إنَّ) والضَّمِيرُ في ”إنَّها“ عائِدٌ عَلى النّارِ الدّالِّ عَلَيْها (عَذابٌ) وانْتَصَبَ ”نَزّاعَةً“ عَلى الحالِ المُؤَكَّدَةِ أوِ المُبَيَّنَةِ، والعامِلُ فِيها ﴿لَظى﴾ وإنْ كانَ عامِلًا لِما فِيهِ مِن مَعْنى التَّلَظِّي، كَما عَمِلَ العَلَمُ في الظَّرْفِ في قَوْلِهِ:
؎أنا أبُو المِنهالِ بَعْضَ الأحْيانِ
أيْ: المَشْهُورُ بَعْضَ (p-٣٣٥)الأحْيانِ، أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ لِلتَّهْوِيلِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وكَأنَّهُ يَعْنِي القَطْعَ. فالنَّصْبُ فِيها كالرَّفْعِ فِيها، إذا أضْمَرْتَ (هو) فَتُضْمِرُ هُنا، أعْنِي تَدْعُو، أيْ حَقِيقَةً يَخْلُقُ اللَّهُ فِيها الكَلامَ كَما يَخْلُقُهُ في الأعْضاءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، تَدْعُوهم بِأسْمائِهِمْ وأسْماءِ آبائِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَما خَلَقَهُ في الشَّجَرَةِ. انْتَهى، فَلَمْ يَتْرُكْ مَذْهَبَ الِاعْتِزالِ. وقالَ الخَلِيلُ: مَجازٌ عَنِ اسْتِدْنائِها مِنهم وما تُوقِعُهُ بِهِمْ مِن عَذابِها. وقالَ ثَعْلَبٌ: يَهْلِكُ، تَقُولُ العَرَبُ: دَعا اللَّهَ، أيْ أهْلَكَكَ، وحَكاهُ الخَلِيلُ عَنِ العَرَبِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَيالِيَ يَدْعُونِي الهَوى فَأُجِيبُهُ ∗∗∗ وأعْيُنُ مَن أهْوى إلَيَّ رَوانِي
(وقالَ آخَرُ):
؎تَرَفَّعَ لِلْعِيانِ وكُلُّ فَجٍّ ∗∗∗ طَباهُ الرِّعْيُ مِنهُ والخَلاءُ
يَصِفُ ظَلِيمًا، وطَباهُ أيْ: دَعاهُ، والهَوى والرِّعْيُ لا يُدْعَوانِ حَقِيقَةً، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ فِيهِما ما يَجْذِبُ صارا داعِيَيْنِ مَجازًا. وقِيلَ: تَدْعُو، أيْ: خَزَنَةُ جَهَنَّمَ، أُضِيفَ دُعاؤُهم إلَيْها ﴿مَن أدْبَرَ﴾ عَنِ الحَقِّ ﴿وتَوَلّى وجَمَعَ فَأوْعى﴾ أيْ: وجَمَعَ المالَ، فَجَعَلَهُ في وِعاءٍ وكَنَزَهُ ولَمْ يُؤَدِّ حَقَّ اللَّهِ فِيهِ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى كُفّارٍ أغْنِياءَ. وقالَ الحَكِيمُ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَكِيمٍ لا يَرْبُطُ كِيسَهُ ويَقُولُ: سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ .
﴿إنَّ الإنْسانَ﴾ جِنْسٌ، ولِذَلِكَ اسْتَثْنى مِنهُ ﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾ . وقِيلَ: الإشارَةُ إلى الكُفّارِ. وقالَ ثَعْلَبٌ: قالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طاهِرٍ: ما الهَلَعُ ؟ فَقُلْتُ: قَدْ فَسَّرَهُ اللَّهُ تَعالى، ولا يَكُونُ تَفْسِيرٌ أبْيَنَ مِن تَفْسِيرِهِ، وهو الَّذِي إذا نالَهُ شَرٌّ أظْهَرَ شِدَّةَ الجَزَعِ، وإذا نالَهُ خَيْرٌ بَخِلَ بِهِ ومَنَعَهُ النّاسَ. انْتَهى.
ولَمّا كانَ شِدَّةُ الجَزَعِ والمَنعِ مُتَمَكِّنَةً في الإنْسانِ، جُعِلَ كَأنَّهُ خُلِقَ مَحْمُولًا عَلَيْهِما، كَقَوْلِهِ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] والخَيْرُ: المالُ.
﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾: اسْتِثْناءٌ كَما قُلْنا مِنَ الإنْسانِ، ولِذَلِكَ وصَفَهم بِما وصَفَهم بِهِ مِنَ الصَّبْرِ عَلى المَكارِهِ، والصِّفاتِ الجَمِيلَةِ الَّتِي حاوَرُوها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: عَلى صَلاتِهِمْ بِالإفْرادِ. والحَسَنُ جَمْعًا. ودَيْمُومَتُها، قالَ الجُمْهُورُ: المُواظَبَةُ عَلَيْها. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: صَلاتُها لِوَقْتِها. وقالَ عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ: يُقِرُّونَ فِيها ولا يَلْتَفِتُونَ يَمِينًا ولا شِمالًا، ومِنهُ المالُ الدّائِمُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: دَوامُهم عَلَيْها أنْ يُواظِبُوا عَلى أدائِها ولا يَشْتَغِلُونَ عَنْها بِشَيْءٍ، ومُحافَظَتُهم عَلَيْها أنْ يُراعُوا إسْباغَ الوُضُوءِ لَها ومَواقِيتِها، ويُقِيمُوا أرْكانَها ويُكْمِلُوها بِسُنَنِها وأدائِها، ويَحْفَظُونَها مِنَ الإحْباطِ بِاقْتِرانِ المَآثِمِ، والدَّوامِ يَرْجِعُ إلى أنْفُسِ الصَّلَواتِ والمُحافَظَةِ عَلى أحْوالِها. انْتَهى. وهو جَوابُهُ لِسُؤالِهِ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ قالَ: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ . وأقُولُ: إنَّ الدَّيْمُومَةَ عَلى الشَّيْءِ والمُحافَظَةِ عَلَيْهِ شَيْءٌ واحِدٌ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَتِ الصَّلاةُ هي عَمُودُ الإسْلامِ بُولِغَ في التَّوْكِيدِ فِيها، فَذُكِرَتْ أوَّلَ خِصالِ الإسْلامِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ وآخِرَها؛ لِيُعْلَمَ مَرْتَبَتُها في الأرْكانِ الَّتِي بُنِيَ الإسْلامُ عَلَيْها، والصِّفاتُ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها، ومُعْظَمُها في سُورَةِ قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”بِشَهادَتِهِمْ“ عَلى الإفْرادِ. والسُّلَمِيُّ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ: عَلى الجَمْعِ.
المعارج 70:23
﴿ذِي المَعارِجِ﴾: المَعارِجُ لُغَةً الدَّرَجُ وهُنا اسْتِعارَةٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: في الرُّتَبِ والفَواضِلِ والصِّفاتِ الحَمِيدَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَعارِجُ، السَّماواتُ تَعْرُجُ فِيها المَلائِكَةُ مِن سَماءٍ إلى سَماءٍ. وقالَ الحَسَنُ: هي المَراقِي إلى السَّماءِ، وقِيلَ: المَعارِجُ، الغُرَفُ، أيْ: جَعَلَها لِأوْلِيائِهِ في الجَنَّةِ.
(تَعْرُجُ) قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِالتّاءِ عَلى التَّأْنِيثِ، وعَبْدُ اللَّهِ والكِسائِيُّ وابْنُ مِقْسَمٍ وزائِدَةُ عَنِ الأعْمَشِ بِالياءِ. (والرُّوحُ) قالَ الجُمْهُورُ: هو جِبْرِيلُ، خُصَّ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا، وأُخِّرَ هُنا بَعْدَ المَلائِكَةِ، وقُدِّمَ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبإ: ٣٨] . وقالَ مُجاهِدٌ: مَلائِكَةٌ حَفَظَةٌ لِلْمَلائِكَةِ الحافِظِينَ لِبَنِي آدَمَ، لا تَراهُمُ الحَفَظَةُ كَما لا نَرى نَحْنُ حَفَظَتَنا. وقِيلَ: الرُّوحُ مَلَكٌ غَيْرُ جِبْرِيلُ عَظِيمُ الخِلْقَةِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: خَلْقٌ كَهَيْئَةِ النّاسِ ولَيْسُوا بِالنّاسِ. وقالَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ: رُوحُ المَيِّتِ حِينَ تُقْبَضُ إلَيْهِ، الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ إلى عَرْشِهِ وحَيْثُ يَهْبِطُ مِنهُ أمْرُهُ تَعالى. وقِيلَ: ”إلَيْهِ“ أيْ: إلى المَكانِ الَّذِي هو مَحِلُّهم وهو في السَّماءِ؛ لِأنَّها مَحِلُّ بِرِّهِ وكَرامَتِهِ، والظّاهِرُ أنَّ المَعْنى: أنَّها تَعْرُجُ في يَوْمٍ مِن أيّامِكم هَذِهِ، ومِقْدارُ المَسافَةِ أنْ لَوْ عَرَجَها آدَمِيٌّ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ إسْحاقَ، وجَماعَةٌ مِنَ الحُذّاقِ مِنهُمُ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ. فَإنْ كانَ العارِجُ مَلَكًا، فَقالَ مُجاهِدٌ: المَسافَةُ هي مِن قَعْرِ الأرْضِ السّابِعَةِ إلى العَرْشِ. ومَن جَعَلَ الرُّوحَ جِنْسَ أنْواعِ الحَيَوانِ. قالَ وهْبٌ: المَسافَةُ مِن وجْهِ الأرْضِ إلى مُنْتَهى العَرْشِ. وقالَ عِكْرِمَةُ والحَكَمُ: أرادَ مُدَّةَ الدُّنْيا، فَإنَّها خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ لا يَدْرِي أحَدٌ ما مَضى مِنها وما بَقِيَ، أيْ: تَعْرُجُ في مُدَّةِ الدُّنْيا وبَقاءِ هَذِهِ البِنْيَةَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هو يَوْمُ القِيامَةِ. وقِيلَ: طُولُهُ ذَلِكَ العَدَدُ، وهَذا ظاهِرُ ما جاءَ في الحَدِيثِ في مانِعِ الزَّكاةِ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: قَدَّرَهُ في رَزاياهُ وهَوْلِهِ وشِدَّتِهِ لِلْكُفّارِ ذَلِكَ العَدَدَ. وفي الحَدِيثِ: ”يَخِفُّ عَلى المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ أخَفَّ عَلَيْهِ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ“ . وقالَ عِكْرِمَةُ: مِقْدارُ ما يَنْقَضِي فِيهِ مِنَ الحِسابِ قَدْرُ ما يَقْضِي بِالعَدْلِ في خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا. وقالَ الحَسَنُ نَحْوَهُ. وقِيلَ: لا يُرادُ حَقِيقَةَ العَدَدِ، إنَّما أُرِيدَ بِهِ طُولُ المَوْقِفِ يَوْمَ القِيامَةِ وما فِيهِ مِنَ الشَّدائِدِ، والعَرَبُ تَصِفُ أيّامَ الشِّدَّةِ بِالطُّولِ، وأيّامَ الفَرَحِ بِالقِصَرِ. قالَ الشّاعِرُ يَصِفُ أيّامَ الفَرَحِ والسُّرُورِ:
؎ويَوْمٍ كَظِلِّ الرُّمْحِ قَصَّرَ طُولَهُ دَمُ الزِّقِّ عَنّا واصْطِفاقُ المَزاهِرِ
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: في يَوْمٍ مُتَعَلِّقٌ بِـ (تَعَرُّجِ) وقِيلَ: بِـ (دافِعٍ) والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (تَعْرُجُ) اعْتِراضٌ. ولَمّا كانُوا قَدْ سَألُوا اسْتِعْجالَ العَذابِ، وكانَ السُّؤالُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والتَّكْذِيبِ، وكانُوا قَدْ وُعِدُوا بِهِ، أمَرَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ، ومَن جَعَلَهُ مِنَ السَّيَلانِ، فالمَعْنى: أنَّهُ أشْرَفَ عَلى الوُقُوعِ، والضَّمِيرُ في ﴿يَرَوْنَهُ﴾ عائِدٌ عَلى العَذابِ أوْ عَلى اليَوْمِ، إذا أُرِيدَ بِهِ يَوْمُ القِيامَةِ، وهَذا الِاسْتِبْعادُ هو عَلى سَبِيلِ الإحالَةِ مِنهم.
﴿ونَراهُ قَرِيبًا﴾ أيْ: هَيِّنًا في قُدْرَتِنا، غَيْرَ بَعِيدٍ عَلَيْنا ولا مُتَعَذِّرٍ، وكُلُّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ، والبُعْدُ والقُرْبُ في الإمْكانِ لا في المَسافَةِ.
﴿يَوْمَ تَكُونُ﴾: مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: يَقَعُ يَوْمَ تَكُونُ، أوْ ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ كانَ (p-٣٣٤)كَيْتَ وكَيْتَ، أوْ بِـ (قَرِيبًا) أوْ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ ”نَراهُ“ إذا كانَ عائِدًا عَلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ هو بَدَلٌ مِن في يَوْمٍ فِيمَن عَلَّقَهُ بِـ (واقِعٍ) . انْتَهى. ولا يَجُوزُ هَذا؛ لِأنَّ في يَوْمٍ وإنْ كانَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لا يُبْدَلُ مِنهُ مَنصُوبٌ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا لَيْسَ مِنَ المَواضِعِ الَّتِي تُراعى في التَّوابِعِ؛ لِأنَّ حَرْفَ الجَرِّ فِيها لَيْسَ بِزائِدٍ، ولا مَحْكُومٍ لَهُ بِحُكْمِ الزّائِدِ كَـ (رُبَّ) وإنَّما يَجُوزُ مُراعاةُ المَواضِعِ في حَرْفِ الجَرِّ الزّائِدِ كَقَوْلِهِ:
؎يا بَنِي لُبَيْنى لَسْتُما بِيَدٍ ∗∗∗ إلّا يَدًا لَيْسَتْ لَها عَضُدُ
ولِذَلِكَ لا يَجُوزُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ الخَيّاطِ، عَلى مُراعاةِ مَوْضِعِ بِزَيْدٍ، ولا مَرَرْتُ بِزَيْدٍ وعَمْرًا، ولا غَضِبْتُ عَلى زَيْدٍ وجَعْفَرًا، ولا مَرَرْتُ بِعَمْرٍو أخاكَ عَلى مُراعاةِ المَوْضِعِ. (فَإنْ قُلْتَ): الحَرَكَةُ في (يَوْمَ) تَكُونُ حَرَكَةَ بِناءٍ لا حَرَكَةَ إعْرابٍ، فَهو مَجْرُورٌ مِثْلُ في يَوْمٍ (قُلْتُ): لا يَجُوزُ بِناؤُهُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّهُ أُضِيفَ إلى مُعْرَبٍ، لَكِنَّهُ يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، فَيَتَمَشّى كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ عَلى مَذْهَبِهِمْ إنْ كانَ اسْتَحْضَرَهُ وقَصَدَهُ.
(كالمُهْلِ) تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في سُورَةِ الدُّخانِ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] كَما في القارِعَةِ، لَمّا نُسِفَتْ طارَتْ في الجَوِّ كالصُّوفِ المَنفُوشِ إذا طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ. قالَ الحَسَنُ: تَسِيرُ الجِبالُ مَعَ الرِّياحِ، ثُمَّ تَنْهَدُّ، ثُمَّ تَصِيرُ كالعِهْنِ، ثُمَّ تُنْسَفُ فَتَصِيرُ هَباءً. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ولا يَسْألُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، أيْ: لا يَسْألُهُ نُصْرَةً ولا مَنفَعَةً لِعِلْمِهِ أنَّهُ لا يَجِدُ ذَلِكَ عِنْدَهُ. وقالَ قَتادَةُ: لا يَسْألُهُ عَنْ حالِهِ لِأنَّها ظاهِرَةٌ. وقِيلَ: لا يَسْألُهُ أنْ يَحْمِلَ عَنْهُ مِن أوْزارِهِ شَيْئًا لِيَأْسِهِ عَنْ ذَلِكَ. وقِيلَ: شَفاعَةً. وقِيلَ: ”حَمِيمًا“ مَنصُوبٌ عَلى إسْقاطِ عَنْ، أيْ: عَنْ حَمِيمٍ، لِشَغْلِهِ بِما هو فِيهِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ والبَزِّيُّ بِخِلافٍ عَنْ ثَلاثَتِهِمْ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ: لا يُسْألُ إحْضارَهُ، كُلٌّ مِنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ لَهُ سِيما يُعْرَفُ بِها. وقِيلَ: عَنْ ذُنُوبِ حَمِيمِهِ لِيُؤْخَذَ بِها.
﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾: اسْتِئْنافُ كَلامٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في المَحْشَرِ يُبَصَّرُ الحَمِيمُ حَمِيمَهُ، ثُمَّ يَفِرُّ عَنْهُ لِشُغْلِهِ بِنَفْسِهِ. وقِيلَ: يُبَصَّرُونَهم في النّارِ. وقِيلَ: يُبَصَّرُونَهم فَلا يَحْتاجُونَ إلى السُّؤالِ والطَّلَبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”يُبَصَّرُونَهم“ صِفَةً، أيْ: حَمِيمًا مُبَصَّرِينَ مُصَرِّفِينَ إيّاهم. انْتَهى. و﴿حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾: نَكِرَتانِ في سِياقِ النَّفْيِ فَيَعُمّانِ، ولِذَلِكَ جُمِعَ الضَّمِيرُ. وقَرَأ قَتادَةُ: ”يُبْصِرُونَهم“ مُخَفَّفًا مَعَ كَسْرِ الصّادِ، أيْ: يُبْصِرُ المُؤْمِنُ الكافِرَ في النّارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُبْصِرُ الكافِرُ مَن أضَلَّهُ في النّارِ عِبْرَةً وانْتِقامًا وحُزْنًا.
﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ﴾ أيِ: الكافِرُ، وقَدْ يَنْدَرِجُ فِيهِ المُؤْمِنُ العاصِي الَّذِي يُعَذَّبُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِن عَذابِ مُضافًا. وأبُو حَيْوَةَ بِفَتْحِها. (وصاحِبَتِهِ): زَوْجَتُهُ ﴿وفَصِيلَتِهِ﴾: أقْرِباؤُهُ الأدْنُونَ ﴿تُؤْوِيهِ﴾: تَضُمُّهُ انْتِماءً إلَيْها، أوْ لِياذًا بِها في النَّوائِبِ.
﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾: عَطْفٌ عَلى ﴿يَفْتَدِي﴾ أيْ: يُنْجِيهِ بِالِافْتِداءِ، أوْ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهم. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: تُؤْوِيهِ وتُنْجِيهِ بِضَمِّ الهاءَيْنِ. (كَلّا): رَدْعٌ لِوِدادَتِهِمُ الِافْتِداءَ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا يَنْفَعُ. (إنَّها): الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ، و﴿لَظى نَزّاعَةً﴾: تَفْسِيرٌ لَها أوْ لِلنّارِ الدّالِّ عَلَيْها ﴿عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ و﴿لَظى﴾ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ، و﴿نَزّاعَةً﴾ خَبَرُ إنَّ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، و﴿لَظى﴾ خَبَرُ إنَّ أيْ: هي نَزّاعَةٌ، أوْ بَدَلٌ مِن ﴿لَظى﴾ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ. كُلُّ هَذا ذَكَرُوهُ، وذَلِكَ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِرَفْعِ ”نَزّاعَةٌ“ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا مُبْهَمًا تَرْجَمَ عَنْهُ الخَبَرُ. انْتَهى. ولا أدْرِي ما هَذا المُضْمَرُ الَّذِي تَرْجَمَ عَنْهُ الخَبَرُ، ولَيْسَ هَذا مِنَ المَواضِعِ الَّتِي يُفَسِّرُ فِيها المُفْرَدُ الضَّمِيرَ، ولَوْلا أنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ هَذا: أوْ ضَمِيرُ القِصَّةِ، لَحَمَلْتُ كَلامَهُ عَلَيْهِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو حَيْوَةَ، والزَّعْفَرانِيُّ وابْنُ مِقْسَمٍ وحَفْصٌ واليَزِيدِيُّ في اخْتِيارِهِ ”نَزّاعَةً“ بِالنَّصْبِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ ﴿لَظى﴾ خَبَرًا لِـ (إنَّ) والضَّمِيرُ في ”إنَّها“ عائِدٌ عَلى النّارِ الدّالِّ عَلَيْها (عَذابٌ) وانْتَصَبَ ”نَزّاعَةً“ عَلى الحالِ المُؤَكَّدَةِ أوِ المُبَيَّنَةِ، والعامِلُ فِيها ﴿لَظى﴾ وإنْ كانَ عامِلًا لِما فِيهِ مِن مَعْنى التَّلَظِّي، كَما عَمِلَ العَلَمُ في الظَّرْفِ في قَوْلِهِ:
؎أنا أبُو المِنهالِ بَعْضَ الأحْيانِ
أيْ: المَشْهُورُ بَعْضَ (p-٣٣٥)الأحْيانِ، أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ لِلتَّهْوِيلِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وكَأنَّهُ يَعْنِي القَطْعَ. فالنَّصْبُ فِيها كالرَّفْعِ فِيها، إذا أضْمَرْتَ (هو) فَتُضْمِرُ هُنا، أعْنِي تَدْعُو، أيْ حَقِيقَةً يَخْلُقُ اللَّهُ فِيها الكَلامَ كَما يَخْلُقُهُ في الأعْضاءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، تَدْعُوهم بِأسْمائِهِمْ وأسْماءِ آبائِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَما خَلَقَهُ في الشَّجَرَةِ. انْتَهى، فَلَمْ يَتْرُكْ مَذْهَبَ الِاعْتِزالِ. وقالَ الخَلِيلُ: مَجازٌ عَنِ اسْتِدْنائِها مِنهم وما تُوقِعُهُ بِهِمْ مِن عَذابِها. وقالَ ثَعْلَبٌ: يَهْلِكُ، تَقُولُ العَرَبُ: دَعا اللَّهَ، أيْ أهْلَكَكَ، وحَكاهُ الخَلِيلُ عَنِ العَرَبِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَيالِيَ يَدْعُونِي الهَوى فَأُجِيبُهُ ∗∗∗ وأعْيُنُ مَن أهْوى إلَيَّ رَوانِي
(وقالَ آخَرُ):
؎تَرَفَّعَ لِلْعِيانِ وكُلُّ فَجٍّ ∗∗∗ طَباهُ الرِّعْيُ مِنهُ والخَلاءُ
يَصِفُ ظَلِيمًا، وطَباهُ أيْ: دَعاهُ، والهَوى والرِّعْيُ لا يُدْعَوانِ حَقِيقَةً، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ فِيهِما ما يَجْذِبُ صارا داعِيَيْنِ مَجازًا. وقِيلَ: تَدْعُو، أيْ: خَزَنَةُ جَهَنَّمَ، أُضِيفَ دُعاؤُهم إلَيْها ﴿مَن أدْبَرَ﴾ عَنِ الحَقِّ ﴿وتَوَلّى وجَمَعَ فَأوْعى﴾ أيْ: وجَمَعَ المالَ، فَجَعَلَهُ في وِعاءٍ وكَنَزَهُ ولَمْ يُؤَدِّ حَقَّ اللَّهِ فِيهِ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى كُفّارٍ أغْنِياءَ. وقالَ الحَكِيمُ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَكِيمٍ لا يَرْبُطُ كِيسَهُ ويَقُولُ: سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ .
﴿إنَّ الإنْسانَ﴾ جِنْسٌ، ولِذَلِكَ اسْتَثْنى مِنهُ ﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾ . وقِيلَ: الإشارَةُ إلى الكُفّارِ. وقالَ ثَعْلَبٌ: قالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طاهِرٍ: ما الهَلَعُ ؟ فَقُلْتُ: قَدْ فَسَّرَهُ اللَّهُ تَعالى، ولا يَكُونُ تَفْسِيرٌ أبْيَنَ مِن تَفْسِيرِهِ، وهو الَّذِي إذا نالَهُ شَرٌّ أظْهَرَ شِدَّةَ الجَزَعِ، وإذا نالَهُ خَيْرٌ بَخِلَ بِهِ ومَنَعَهُ النّاسَ. انْتَهى.
ولَمّا كانَ شِدَّةُ الجَزَعِ والمَنعِ مُتَمَكِّنَةً في الإنْسانِ، جُعِلَ كَأنَّهُ خُلِقَ مَحْمُولًا عَلَيْهِما، كَقَوْلِهِ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] والخَيْرُ: المالُ.
﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾: اسْتِثْناءٌ كَما قُلْنا مِنَ الإنْسانِ، ولِذَلِكَ وصَفَهم بِما وصَفَهم بِهِ مِنَ الصَّبْرِ عَلى المَكارِهِ، والصِّفاتِ الجَمِيلَةِ الَّتِي حاوَرُوها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: عَلى صَلاتِهِمْ بِالإفْرادِ. والحَسَنُ جَمْعًا. ودَيْمُومَتُها، قالَ الجُمْهُورُ: المُواظَبَةُ عَلَيْها. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: صَلاتُها لِوَقْتِها. وقالَ عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ: يُقِرُّونَ فِيها ولا يَلْتَفِتُونَ يَمِينًا ولا شِمالًا، ومِنهُ المالُ الدّائِمُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: دَوامُهم عَلَيْها أنْ يُواظِبُوا عَلى أدائِها ولا يَشْتَغِلُونَ عَنْها بِشَيْءٍ، ومُحافَظَتُهم عَلَيْها أنْ يُراعُوا إسْباغَ الوُضُوءِ لَها ومَواقِيتِها، ويُقِيمُوا أرْكانَها ويُكْمِلُوها بِسُنَنِها وأدائِها، ويَحْفَظُونَها مِنَ الإحْباطِ بِاقْتِرانِ المَآثِمِ، والدَّوامِ يَرْجِعُ إلى أنْفُسِ الصَّلَواتِ والمُحافَظَةِ عَلى أحْوالِها. انْتَهى. وهو جَوابُهُ لِسُؤالِهِ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ قالَ: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ . وأقُولُ: إنَّ الدَّيْمُومَةَ عَلى الشَّيْءِ والمُحافَظَةِ عَلَيْهِ شَيْءٌ واحِدٌ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَتِ الصَّلاةُ هي عَمُودُ الإسْلامِ بُولِغَ في التَّوْكِيدِ فِيها، فَذُكِرَتْ أوَّلَ خِصالِ الإسْلامِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ وآخِرَها؛ لِيُعْلَمَ مَرْتَبَتُها في الأرْكانِ الَّتِي بُنِيَ الإسْلامُ عَلَيْها، والصِّفاتُ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها، ومُعْظَمُها في سُورَةِ قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”بِشَهادَتِهِمْ“ عَلى الإفْرادِ. والسُّلَمِيُّ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ: عَلى الجَمْعِ.
المعارج 70:24
﴿ذِي المَعارِجِ﴾: المَعارِجُ لُغَةً الدَّرَجُ وهُنا اسْتِعارَةٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: في الرُّتَبِ والفَواضِلِ والصِّفاتِ الحَمِيدَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَعارِجُ، السَّماواتُ تَعْرُجُ فِيها المَلائِكَةُ مِن سَماءٍ إلى سَماءٍ. وقالَ الحَسَنُ: هي المَراقِي إلى السَّماءِ، وقِيلَ: المَعارِجُ، الغُرَفُ، أيْ: جَعَلَها لِأوْلِيائِهِ في الجَنَّةِ.
(تَعْرُجُ) قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِالتّاءِ عَلى التَّأْنِيثِ، وعَبْدُ اللَّهِ والكِسائِيُّ وابْنُ مِقْسَمٍ وزائِدَةُ عَنِ الأعْمَشِ بِالياءِ. (والرُّوحُ) قالَ الجُمْهُورُ: هو جِبْرِيلُ، خُصَّ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا، وأُخِّرَ هُنا بَعْدَ المَلائِكَةِ، وقُدِّمَ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبإ: ٣٨] . وقالَ مُجاهِدٌ: مَلائِكَةٌ حَفَظَةٌ لِلْمَلائِكَةِ الحافِظِينَ لِبَنِي آدَمَ، لا تَراهُمُ الحَفَظَةُ كَما لا نَرى نَحْنُ حَفَظَتَنا. وقِيلَ: الرُّوحُ مَلَكٌ غَيْرُ جِبْرِيلُ عَظِيمُ الخِلْقَةِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: خَلْقٌ كَهَيْئَةِ النّاسِ ولَيْسُوا بِالنّاسِ. وقالَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ: رُوحُ المَيِّتِ حِينَ تُقْبَضُ إلَيْهِ، الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ إلى عَرْشِهِ وحَيْثُ يَهْبِطُ مِنهُ أمْرُهُ تَعالى. وقِيلَ: ”إلَيْهِ“ أيْ: إلى المَكانِ الَّذِي هو مَحِلُّهم وهو في السَّماءِ؛ لِأنَّها مَحِلُّ بِرِّهِ وكَرامَتِهِ، والظّاهِرُ أنَّ المَعْنى: أنَّها تَعْرُجُ في يَوْمٍ مِن أيّامِكم هَذِهِ، ومِقْدارُ المَسافَةِ أنْ لَوْ عَرَجَها آدَمِيٌّ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ إسْحاقَ، وجَماعَةٌ مِنَ الحُذّاقِ مِنهُمُ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ. فَإنْ كانَ العارِجُ مَلَكًا، فَقالَ مُجاهِدٌ: المَسافَةُ هي مِن قَعْرِ الأرْضِ السّابِعَةِ إلى العَرْشِ. ومَن جَعَلَ الرُّوحَ جِنْسَ أنْواعِ الحَيَوانِ. قالَ وهْبٌ: المَسافَةُ مِن وجْهِ الأرْضِ إلى مُنْتَهى العَرْشِ. وقالَ عِكْرِمَةُ والحَكَمُ: أرادَ مُدَّةَ الدُّنْيا، فَإنَّها خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ لا يَدْرِي أحَدٌ ما مَضى مِنها وما بَقِيَ، أيْ: تَعْرُجُ في مُدَّةِ الدُّنْيا وبَقاءِ هَذِهِ البِنْيَةَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هو يَوْمُ القِيامَةِ. وقِيلَ: طُولُهُ ذَلِكَ العَدَدُ، وهَذا ظاهِرُ ما جاءَ في الحَدِيثِ في مانِعِ الزَّكاةِ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: قَدَّرَهُ في رَزاياهُ وهَوْلِهِ وشِدَّتِهِ لِلْكُفّارِ ذَلِكَ العَدَدَ. وفي الحَدِيثِ: ”يَخِفُّ عَلى المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ أخَفَّ عَلَيْهِ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ“ . وقالَ عِكْرِمَةُ: مِقْدارُ ما يَنْقَضِي فِيهِ مِنَ الحِسابِ قَدْرُ ما يَقْضِي بِالعَدْلِ في خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا. وقالَ الحَسَنُ نَحْوَهُ. وقِيلَ: لا يُرادُ حَقِيقَةَ العَدَدِ، إنَّما أُرِيدَ بِهِ طُولُ المَوْقِفِ يَوْمَ القِيامَةِ وما فِيهِ مِنَ الشَّدائِدِ، والعَرَبُ تَصِفُ أيّامَ الشِّدَّةِ بِالطُّولِ، وأيّامَ الفَرَحِ بِالقِصَرِ. قالَ الشّاعِرُ يَصِفُ أيّامَ الفَرَحِ والسُّرُورِ:
؎ويَوْمٍ كَظِلِّ الرُّمْحِ قَصَّرَ طُولَهُ دَمُ الزِّقِّ عَنّا واصْطِفاقُ المَزاهِرِ
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: في يَوْمٍ مُتَعَلِّقٌ بِـ (تَعَرُّجِ) وقِيلَ: بِـ (دافِعٍ) والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (تَعْرُجُ) اعْتِراضٌ. ولَمّا كانُوا قَدْ سَألُوا اسْتِعْجالَ العَذابِ، وكانَ السُّؤالُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والتَّكْذِيبِ، وكانُوا قَدْ وُعِدُوا بِهِ، أمَرَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ، ومَن جَعَلَهُ مِنَ السَّيَلانِ، فالمَعْنى: أنَّهُ أشْرَفَ عَلى الوُقُوعِ، والضَّمِيرُ في ﴿يَرَوْنَهُ﴾ عائِدٌ عَلى العَذابِ أوْ عَلى اليَوْمِ، إذا أُرِيدَ بِهِ يَوْمُ القِيامَةِ، وهَذا الِاسْتِبْعادُ هو عَلى سَبِيلِ الإحالَةِ مِنهم.
﴿ونَراهُ قَرِيبًا﴾ أيْ: هَيِّنًا في قُدْرَتِنا، غَيْرَ بَعِيدٍ عَلَيْنا ولا مُتَعَذِّرٍ، وكُلُّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ، والبُعْدُ والقُرْبُ في الإمْكانِ لا في المَسافَةِ.
﴿يَوْمَ تَكُونُ﴾: مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: يَقَعُ يَوْمَ تَكُونُ، أوْ ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ كانَ (p-٣٣٤)كَيْتَ وكَيْتَ، أوْ بِـ (قَرِيبًا) أوْ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ ”نَراهُ“ إذا كانَ عائِدًا عَلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ هو بَدَلٌ مِن في يَوْمٍ فِيمَن عَلَّقَهُ بِـ (واقِعٍ) . انْتَهى. ولا يَجُوزُ هَذا؛ لِأنَّ في يَوْمٍ وإنْ كانَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لا يُبْدَلُ مِنهُ مَنصُوبٌ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا لَيْسَ مِنَ المَواضِعِ الَّتِي تُراعى في التَّوابِعِ؛ لِأنَّ حَرْفَ الجَرِّ فِيها لَيْسَ بِزائِدٍ، ولا مَحْكُومٍ لَهُ بِحُكْمِ الزّائِدِ كَـ (رُبَّ) وإنَّما يَجُوزُ مُراعاةُ المَواضِعِ في حَرْفِ الجَرِّ الزّائِدِ كَقَوْلِهِ:
؎يا بَنِي لُبَيْنى لَسْتُما بِيَدٍ ∗∗∗ إلّا يَدًا لَيْسَتْ لَها عَضُدُ
ولِذَلِكَ لا يَجُوزُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ الخَيّاطِ، عَلى مُراعاةِ مَوْضِعِ بِزَيْدٍ، ولا مَرَرْتُ بِزَيْدٍ وعَمْرًا، ولا غَضِبْتُ عَلى زَيْدٍ وجَعْفَرًا، ولا مَرَرْتُ بِعَمْرٍو أخاكَ عَلى مُراعاةِ المَوْضِعِ. (فَإنْ قُلْتَ): الحَرَكَةُ في (يَوْمَ) تَكُونُ حَرَكَةَ بِناءٍ لا حَرَكَةَ إعْرابٍ، فَهو مَجْرُورٌ مِثْلُ في يَوْمٍ (قُلْتُ): لا يَجُوزُ بِناؤُهُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّهُ أُضِيفَ إلى مُعْرَبٍ، لَكِنَّهُ يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، فَيَتَمَشّى كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ عَلى مَذْهَبِهِمْ إنْ كانَ اسْتَحْضَرَهُ وقَصَدَهُ.
(كالمُهْلِ) تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في سُورَةِ الدُّخانِ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] كَما في القارِعَةِ، لَمّا نُسِفَتْ طارَتْ في الجَوِّ كالصُّوفِ المَنفُوشِ إذا طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ. قالَ الحَسَنُ: تَسِيرُ الجِبالُ مَعَ الرِّياحِ، ثُمَّ تَنْهَدُّ، ثُمَّ تَصِيرُ كالعِهْنِ، ثُمَّ تُنْسَفُ فَتَصِيرُ هَباءً. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ولا يَسْألُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، أيْ: لا يَسْألُهُ نُصْرَةً ولا مَنفَعَةً لِعِلْمِهِ أنَّهُ لا يَجِدُ ذَلِكَ عِنْدَهُ. وقالَ قَتادَةُ: لا يَسْألُهُ عَنْ حالِهِ لِأنَّها ظاهِرَةٌ. وقِيلَ: لا يَسْألُهُ أنْ يَحْمِلَ عَنْهُ مِن أوْزارِهِ شَيْئًا لِيَأْسِهِ عَنْ ذَلِكَ. وقِيلَ: شَفاعَةً. وقِيلَ: ”حَمِيمًا“ مَنصُوبٌ عَلى إسْقاطِ عَنْ، أيْ: عَنْ حَمِيمٍ، لِشَغْلِهِ بِما هو فِيهِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ والبَزِّيُّ بِخِلافٍ عَنْ ثَلاثَتِهِمْ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ: لا يُسْألُ إحْضارَهُ، كُلٌّ مِنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ لَهُ سِيما يُعْرَفُ بِها. وقِيلَ: عَنْ ذُنُوبِ حَمِيمِهِ لِيُؤْخَذَ بِها.
﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾: اسْتِئْنافُ كَلامٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في المَحْشَرِ يُبَصَّرُ الحَمِيمُ حَمِيمَهُ، ثُمَّ يَفِرُّ عَنْهُ لِشُغْلِهِ بِنَفْسِهِ. وقِيلَ: يُبَصَّرُونَهم في النّارِ. وقِيلَ: يُبَصَّرُونَهم فَلا يَحْتاجُونَ إلى السُّؤالِ والطَّلَبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”يُبَصَّرُونَهم“ صِفَةً، أيْ: حَمِيمًا مُبَصَّرِينَ مُصَرِّفِينَ إيّاهم. انْتَهى. و﴿حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾: نَكِرَتانِ في سِياقِ النَّفْيِ فَيَعُمّانِ، ولِذَلِكَ جُمِعَ الضَّمِيرُ. وقَرَأ قَتادَةُ: ”يُبْصِرُونَهم“ مُخَفَّفًا مَعَ كَسْرِ الصّادِ، أيْ: يُبْصِرُ المُؤْمِنُ الكافِرَ في النّارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُبْصِرُ الكافِرُ مَن أضَلَّهُ في النّارِ عِبْرَةً وانْتِقامًا وحُزْنًا.
﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ﴾ أيِ: الكافِرُ، وقَدْ يَنْدَرِجُ فِيهِ المُؤْمِنُ العاصِي الَّذِي يُعَذَّبُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِن عَذابِ مُضافًا. وأبُو حَيْوَةَ بِفَتْحِها. (وصاحِبَتِهِ): زَوْجَتُهُ ﴿وفَصِيلَتِهِ﴾: أقْرِباؤُهُ الأدْنُونَ ﴿تُؤْوِيهِ﴾: تَضُمُّهُ انْتِماءً إلَيْها، أوْ لِياذًا بِها في النَّوائِبِ.
﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾: عَطْفٌ عَلى ﴿يَفْتَدِي﴾ أيْ: يُنْجِيهِ بِالِافْتِداءِ، أوْ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهم. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: تُؤْوِيهِ وتُنْجِيهِ بِضَمِّ الهاءَيْنِ. (كَلّا): رَدْعٌ لِوِدادَتِهِمُ الِافْتِداءَ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا يَنْفَعُ. (إنَّها): الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ، و﴿لَظى نَزّاعَةً﴾: تَفْسِيرٌ لَها أوْ لِلنّارِ الدّالِّ عَلَيْها ﴿عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ و﴿لَظى﴾ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ، و﴿نَزّاعَةً﴾ خَبَرُ إنَّ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، و﴿لَظى﴾ خَبَرُ إنَّ أيْ: هي نَزّاعَةٌ، أوْ بَدَلٌ مِن ﴿لَظى﴾ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ. كُلُّ هَذا ذَكَرُوهُ، وذَلِكَ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِرَفْعِ ”نَزّاعَةٌ“ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا مُبْهَمًا تَرْجَمَ عَنْهُ الخَبَرُ. انْتَهى. ولا أدْرِي ما هَذا المُضْمَرُ الَّذِي تَرْجَمَ عَنْهُ الخَبَرُ، ولَيْسَ هَذا مِنَ المَواضِعِ الَّتِي يُفَسِّرُ فِيها المُفْرَدُ الضَّمِيرَ، ولَوْلا أنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ هَذا: أوْ ضَمِيرُ القِصَّةِ، لَحَمَلْتُ كَلامَهُ عَلَيْهِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو حَيْوَةَ، والزَّعْفَرانِيُّ وابْنُ مِقْسَمٍ وحَفْصٌ واليَزِيدِيُّ في اخْتِيارِهِ ”نَزّاعَةً“ بِالنَّصْبِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ ﴿لَظى﴾ خَبَرًا لِـ (إنَّ) والضَّمِيرُ في ”إنَّها“ عائِدٌ عَلى النّارِ الدّالِّ عَلَيْها (عَذابٌ) وانْتَصَبَ ”نَزّاعَةً“ عَلى الحالِ المُؤَكَّدَةِ أوِ المُبَيَّنَةِ، والعامِلُ فِيها ﴿لَظى﴾ وإنْ كانَ عامِلًا لِما فِيهِ مِن مَعْنى التَّلَظِّي، كَما عَمِلَ العَلَمُ في الظَّرْفِ في قَوْلِهِ:
؎أنا أبُو المِنهالِ بَعْضَ الأحْيانِ
أيْ: المَشْهُورُ بَعْضَ (p-٣٣٥)الأحْيانِ، أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ لِلتَّهْوِيلِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وكَأنَّهُ يَعْنِي القَطْعَ. فالنَّصْبُ فِيها كالرَّفْعِ فِيها، إذا أضْمَرْتَ (هو) فَتُضْمِرُ هُنا، أعْنِي تَدْعُو، أيْ حَقِيقَةً يَخْلُقُ اللَّهُ فِيها الكَلامَ كَما يَخْلُقُهُ في الأعْضاءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، تَدْعُوهم بِأسْمائِهِمْ وأسْماءِ آبائِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَما خَلَقَهُ في الشَّجَرَةِ. انْتَهى، فَلَمْ يَتْرُكْ مَذْهَبَ الِاعْتِزالِ. وقالَ الخَلِيلُ: مَجازٌ عَنِ اسْتِدْنائِها مِنهم وما تُوقِعُهُ بِهِمْ مِن عَذابِها. وقالَ ثَعْلَبٌ: يَهْلِكُ، تَقُولُ العَرَبُ: دَعا اللَّهَ، أيْ أهْلَكَكَ، وحَكاهُ الخَلِيلُ عَنِ العَرَبِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَيالِيَ يَدْعُونِي الهَوى فَأُجِيبُهُ ∗∗∗ وأعْيُنُ مَن أهْوى إلَيَّ رَوانِي
(وقالَ آخَرُ):
؎تَرَفَّعَ لِلْعِيانِ وكُلُّ فَجٍّ ∗∗∗ طَباهُ الرِّعْيُ مِنهُ والخَلاءُ
يَصِفُ ظَلِيمًا، وطَباهُ أيْ: دَعاهُ، والهَوى والرِّعْيُ لا يُدْعَوانِ حَقِيقَةً، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ فِيهِما ما يَجْذِبُ صارا داعِيَيْنِ مَجازًا. وقِيلَ: تَدْعُو، أيْ: خَزَنَةُ جَهَنَّمَ، أُضِيفَ دُعاؤُهم إلَيْها ﴿مَن أدْبَرَ﴾ عَنِ الحَقِّ ﴿وتَوَلّى وجَمَعَ فَأوْعى﴾ أيْ: وجَمَعَ المالَ، فَجَعَلَهُ في وِعاءٍ وكَنَزَهُ ولَمْ يُؤَدِّ حَقَّ اللَّهِ فِيهِ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى كُفّارٍ أغْنِياءَ. وقالَ الحَكِيمُ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَكِيمٍ لا يَرْبُطُ كِيسَهُ ويَقُولُ: سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ .
﴿إنَّ الإنْسانَ﴾ جِنْسٌ، ولِذَلِكَ اسْتَثْنى مِنهُ ﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾ . وقِيلَ: الإشارَةُ إلى الكُفّارِ. وقالَ ثَعْلَبٌ: قالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طاهِرٍ: ما الهَلَعُ ؟ فَقُلْتُ: قَدْ فَسَّرَهُ اللَّهُ تَعالى، ولا يَكُونُ تَفْسِيرٌ أبْيَنَ مِن تَفْسِيرِهِ، وهو الَّذِي إذا نالَهُ شَرٌّ أظْهَرَ شِدَّةَ الجَزَعِ، وإذا نالَهُ خَيْرٌ بَخِلَ بِهِ ومَنَعَهُ النّاسَ. انْتَهى.
ولَمّا كانَ شِدَّةُ الجَزَعِ والمَنعِ مُتَمَكِّنَةً في الإنْسانِ، جُعِلَ كَأنَّهُ خُلِقَ مَحْمُولًا عَلَيْهِما، كَقَوْلِهِ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] والخَيْرُ: المالُ.
﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾: اسْتِثْناءٌ كَما قُلْنا مِنَ الإنْسانِ، ولِذَلِكَ وصَفَهم بِما وصَفَهم بِهِ مِنَ الصَّبْرِ عَلى المَكارِهِ، والصِّفاتِ الجَمِيلَةِ الَّتِي حاوَرُوها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: عَلى صَلاتِهِمْ بِالإفْرادِ. والحَسَنُ جَمْعًا. ودَيْمُومَتُها، قالَ الجُمْهُورُ: المُواظَبَةُ عَلَيْها. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: صَلاتُها لِوَقْتِها. وقالَ عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ: يُقِرُّونَ فِيها ولا يَلْتَفِتُونَ يَمِينًا ولا شِمالًا، ومِنهُ المالُ الدّائِمُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: دَوامُهم عَلَيْها أنْ يُواظِبُوا عَلى أدائِها ولا يَشْتَغِلُونَ عَنْها بِشَيْءٍ، ومُحافَظَتُهم عَلَيْها أنْ يُراعُوا إسْباغَ الوُضُوءِ لَها ومَواقِيتِها، ويُقِيمُوا أرْكانَها ويُكْمِلُوها بِسُنَنِها وأدائِها، ويَحْفَظُونَها مِنَ الإحْباطِ بِاقْتِرانِ المَآثِمِ، والدَّوامِ يَرْجِعُ إلى أنْفُسِ الصَّلَواتِ والمُحافَظَةِ عَلى أحْوالِها. انْتَهى. وهو جَوابُهُ لِسُؤالِهِ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ قالَ: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ . وأقُولُ: إنَّ الدَّيْمُومَةَ عَلى الشَّيْءِ والمُحافَظَةِ عَلَيْهِ شَيْءٌ واحِدٌ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَتِ الصَّلاةُ هي عَمُودُ الإسْلامِ بُولِغَ في التَّوْكِيدِ فِيها، فَذُكِرَتْ أوَّلَ خِصالِ الإسْلامِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ وآخِرَها؛ لِيُعْلَمَ مَرْتَبَتُها في الأرْكانِ الَّتِي بُنِيَ الإسْلامُ عَلَيْها، والصِّفاتُ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها، ومُعْظَمُها في سُورَةِ قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”بِشَهادَتِهِمْ“ عَلى الإفْرادِ. والسُّلَمِيُّ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ: عَلى الجَمْعِ.
المعارج 70:25
﴿ذِي المَعارِجِ﴾: المَعارِجُ لُغَةً الدَّرَجُ وهُنا اسْتِعارَةٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: في الرُّتَبِ والفَواضِلِ والصِّفاتِ الحَمِيدَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَعارِجُ، السَّماواتُ تَعْرُجُ فِيها المَلائِكَةُ مِن سَماءٍ إلى سَماءٍ. وقالَ الحَسَنُ: هي المَراقِي إلى السَّماءِ، وقِيلَ: المَعارِجُ، الغُرَفُ، أيْ: جَعَلَها لِأوْلِيائِهِ في الجَنَّةِ.
(تَعْرُجُ) قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِالتّاءِ عَلى التَّأْنِيثِ، وعَبْدُ اللَّهِ والكِسائِيُّ وابْنُ مِقْسَمٍ وزائِدَةُ عَنِ الأعْمَشِ بِالياءِ. (والرُّوحُ) قالَ الجُمْهُورُ: هو جِبْرِيلُ، خُصَّ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا، وأُخِّرَ هُنا بَعْدَ المَلائِكَةِ، وقُدِّمَ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبإ: ٣٨] . وقالَ مُجاهِدٌ: مَلائِكَةٌ حَفَظَةٌ لِلْمَلائِكَةِ الحافِظِينَ لِبَنِي آدَمَ، لا تَراهُمُ الحَفَظَةُ كَما لا نَرى نَحْنُ حَفَظَتَنا. وقِيلَ: الرُّوحُ مَلَكٌ غَيْرُ جِبْرِيلُ عَظِيمُ الخِلْقَةِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: خَلْقٌ كَهَيْئَةِ النّاسِ ولَيْسُوا بِالنّاسِ. وقالَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ: رُوحُ المَيِّتِ حِينَ تُقْبَضُ إلَيْهِ، الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ إلى عَرْشِهِ وحَيْثُ يَهْبِطُ مِنهُ أمْرُهُ تَعالى. وقِيلَ: ”إلَيْهِ“ أيْ: إلى المَكانِ الَّذِي هو مَحِلُّهم وهو في السَّماءِ؛ لِأنَّها مَحِلُّ بِرِّهِ وكَرامَتِهِ، والظّاهِرُ أنَّ المَعْنى: أنَّها تَعْرُجُ في يَوْمٍ مِن أيّامِكم هَذِهِ، ومِقْدارُ المَسافَةِ أنْ لَوْ عَرَجَها آدَمِيٌّ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ إسْحاقَ، وجَماعَةٌ مِنَ الحُذّاقِ مِنهُمُ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ. فَإنْ كانَ العارِجُ مَلَكًا، فَقالَ مُجاهِدٌ: المَسافَةُ هي مِن قَعْرِ الأرْضِ السّابِعَةِ إلى العَرْشِ. ومَن جَعَلَ الرُّوحَ جِنْسَ أنْواعِ الحَيَوانِ. قالَ وهْبٌ: المَسافَةُ مِن وجْهِ الأرْضِ إلى مُنْتَهى العَرْشِ. وقالَ عِكْرِمَةُ والحَكَمُ: أرادَ مُدَّةَ الدُّنْيا، فَإنَّها خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ لا يَدْرِي أحَدٌ ما مَضى مِنها وما بَقِيَ، أيْ: تَعْرُجُ في مُدَّةِ الدُّنْيا وبَقاءِ هَذِهِ البِنْيَةَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هو يَوْمُ القِيامَةِ. وقِيلَ: طُولُهُ ذَلِكَ العَدَدُ، وهَذا ظاهِرُ ما جاءَ في الحَدِيثِ في مانِعِ الزَّكاةِ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: قَدَّرَهُ في رَزاياهُ وهَوْلِهِ وشِدَّتِهِ لِلْكُفّارِ ذَلِكَ العَدَدَ. وفي الحَدِيثِ: ”يَخِفُّ عَلى المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ أخَفَّ عَلَيْهِ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ“ . وقالَ عِكْرِمَةُ: مِقْدارُ ما يَنْقَضِي فِيهِ مِنَ الحِسابِ قَدْرُ ما يَقْضِي بِالعَدْلِ في خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا. وقالَ الحَسَنُ نَحْوَهُ. وقِيلَ: لا يُرادُ حَقِيقَةَ العَدَدِ، إنَّما أُرِيدَ بِهِ طُولُ المَوْقِفِ يَوْمَ القِيامَةِ وما فِيهِ مِنَ الشَّدائِدِ، والعَرَبُ تَصِفُ أيّامَ الشِّدَّةِ بِالطُّولِ، وأيّامَ الفَرَحِ بِالقِصَرِ. قالَ الشّاعِرُ يَصِفُ أيّامَ الفَرَحِ والسُّرُورِ:
؎ويَوْمٍ كَظِلِّ الرُّمْحِ قَصَّرَ طُولَهُ دَمُ الزِّقِّ عَنّا واصْطِفاقُ المَزاهِرِ
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: في يَوْمٍ مُتَعَلِّقٌ بِـ (تَعَرُّجِ) وقِيلَ: بِـ (دافِعٍ) والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (تَعْرُجُ) اعْتِراضٌ. ولَمّا كانُوا قَدْ سَألُوا اسْتِعْجالَ العَذابِ، وكانَ السُّؤالُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والتَّكْذِيبِ، وكانُوا قَدْ وُعِدُوا بِهِ، أمَرَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ، ومَن جَعَلَهُ مِنَ السَّيَلانِ، فالمَعْنى: أنَّهُ أشْرَفَ عَلى الوُقُوعِ، والضَّمِيرُ في ﴿يَرَوْنَهُ﴾ عائِدٌ عَلى العَذابِ أوْ عَلى اليَوْمِ، إذا أُرِيدَ بِهِ يَوْمُ القِيامَةِ، وهَذا الِاسْتِبْعادُ هو عَلى سَبِيلِ الإحالَةِ مِنهم.
﴿ونَراهُ قَرِيبًا﴾ أيْ: هَيِّنًا في قُدْرَتِنا، غَيْرَ بَعِيدٍ عَلَيْنا ولا مُتَعَذِّرٍ، وكُلُّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ، والبُعْدُ والقُرْبُ في الإمْكانِ لا في المَسافَةِ.
﴿يَوْمَ تَكُونُ﴾: مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: يَقَعُ يَوْمَ تَكُونُ، أوْ ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ كانَ (p-٣٣٤)كَيْتَ وكَيْتَ، أوْ بِـ (قَرِيبًا) أوْ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ ”نَراهُ“ إذا كانَ عائِدًا عَلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ هو بَدَلٌ مِن في يَوْمٍ فِيمَن عَلَّقَهُ بِـ (واقِعٍ) . انْتَهى. ولا يَجُوزُ هَذا؛ لِأنَّ في يَوْمٍ وإنْ كانَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لا يُبْدَلُ مِنهُ مَنصُوبٌ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا لَيْسَ مِنَ المَواضِعِ الَّتِي تُراعى في التَّوابِعِ؛ لِأنَّ حَرْفَ الجَرِّ فِيها لَيْسَ بِزائِدٍ، ولا مَحْكُومٍ لَهُ بِحُكْمِ الزّائِدِ كَـ (رُبَّ) وإنَّما يَجُوزُ مُراعاةُ المَواضِعِ في حَرْفِ الجَرِّ الزّائِدِ كَقَوْلِهِ:
؎يا بَنِي لُبَيْنى لَسْتُما بِيَدٍ ∗∗∗ إلّا يَدًا لَيْسَتْ لَها عَضُدُ
ولِذَلِكَ لا يَجُوزُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ الخَيّاطِ، عَلى مُراعاةِ مَوْضِعِ بِزَيْدٍ، ولا مَرَرْتُ بِزَيْدٍ وعَمْرًا، ولا غَضِبْتُ عَلى زَيْدٍ وجَعْفَرًا، ولا مَرَرْتُ بِعَمْرٍو أخاكَ عَلى مُراعاةِ المَوْضِعِ. (فَإنْ قُلْتَ): الحَرَكَةُ في (يَوْمَ) تَكُونُ حَرَكَةَ بِناءٍ لا حَرَكَةَ إعْرابٍ، فَهو مَجْرُورٌ مِثْلُ في يَوْمٍ (قُلْتُ): لا يَجُوزُ بِناؤُهُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّهُ أُضِيفَ إلى مُعْرَبٍ، لَكِنَّهُ يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، فَيَتَمَشّى كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ عَلى مَذْهَبِهِمْ إنْ كانَ اسْتَحْضَرَهُ وقَصَدَهُ.
(كالمُهْلِ) تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في سُورَةِ الدُّخانِ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] كَما في القارِعَةِ، لَمّا نُسِفَتْ طارَتْ في الجَوِّ كالصُّوفِ المَنفُوشِ إذا طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ. قالَ الحَسَنُ: تَسِيرُ الجِبالُ مَعَ الرِّياحِ، ثُمَّ تَنْهَدُّ، ثُمَّ تَصِيرُ كالعِهْنِ، ثُمَّ تُنْسَفُ فَتَصِيرُ هَباءً. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ولا يَسْألُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، أيْ: لا يَسْألُهُ نُصْرَةً ولا مَنفَعَةً لِعِلْمِهِ أنَّهُ لا يَجِدُ ذَلِكَ عِنْدَهُ. وقالَ قَتادَةُ: لا يَسْألُهُ عَنْ حالِهِ لِأنَّها ظاهِرَةٌ. وقِيلَ: لا يَسْألُهُ أنْ يَحْمِلَ عَنْهُ مِن أوْزارِهِ شَيْئًا لِيَأْسِهِ عَنْ ذَلِكَ. وقِيلَ: شَفاعَةً. وقِيلَ: ”حَمِيمًا“ مَنصُوبٌ عَلى إسْقاطِ عَنْ، أيْ: عَنْ حَمِيمٍ، لِشَغْلِهِ بِما هو فِيهِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ والبَزِّيُّ بِخِلافٍ عَنْ ثَلاثَتِهِمْ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ: لا يُسْألُ إحْضارَهُ، كُلٌّ مِنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ لَهُ سِيما يُعْرَفُ بِها. وقِيلَ: عَنْ ذُنُوبِ حَمِيمِهِ لِيُؤْخَذَ بِها.
﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾: اسْتِئْنافُ كَلامٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في المَحْشَرِ يُبَصَّرُ الحَمِيمُ حَمِيمَهُ، ثُمَّ يَفِرُّ عَنْهُ لِشُغْلِهِ بِنَفْسِهِ. وقِيلَ: يُبَصَّرُونَهم في النّارِ. وقِيلَ: يُبَصَّرُونَهم فَلا يَحْتاجُونَ إلى السُّؤالِ والطَّلَبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”يُبَصَّرُونَهم“ صِفَةً، أيْ: حَمِيمًا مُبَصَّرِينَ مُصَرِّفِينَ إيّاهم. انْتَهى. و﴿حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾: نَكِرَتانِ في سِياقِ النَّفْيِ فَيَعُمّانِ، ولِذَلِكَ جُمِعَ الضَّمِيرُ. وقَرَأ قَتادَةُ: ”يُبْصِرُونَهم“ مُخَفَّفًا مَعَ كَسْرِ الصّادِ، أيْ: يُبْصِرُ المُؤْمِنُ الكافِرَ في النّارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُبْصِرُ الكافِرُ مَن أضَلَّهُ في النّارِ عِبْرَةً وانْتِقامًا وحُزْنًا.
﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ﴾ أيِ: الكافِرُ، وقَدْ يَنْدَرِجُ فِيهِ المُؤْمِنُ العاصِي الَّذِي يُعَذَّبُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِن عَذابِ مُضافًا. وأبُو حَيْوَةَ بِفَتْحِها. (وصاحِبَتِهِ): زَوْجَتُهُ ﴿وفَصِيلَتِهِ﴾: أقْرِباؤُهُ الأدْنُونَ ﴿تُؤْوِيهِ﴾: تَضُمُّهُ انْتِماءً إلَيْها، أوْ لِياذًا بِها في النَّوائِبِ.
﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾: عَطْفٌ عَلى ﴿يَفْتَدِي﴾ أيْ: يُنْجِيهِ بِالِافْتِداءِ، أوْ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهم. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: تُؤْوِيهِ وتُنْجِيهِ بِضَمِّ الهاءَيْنِ. (كَلّا): رَدْعٌ لِوِدادَتِهِمُ الِافْتِداءَ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا يَنْفَعُ. (إنَّها): الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ، و﴿لَظى نَزّاعَةً﴾: تَفْسِيرٌ لَها أوْ لِلنّارِ الدّالِّ عَلَيْها ﴿عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ و﴿لَظى﴾ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ، و﴿نَزّاعَةً﴾ خَبَرُ إنَّ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، و﴿لَظى﴾ خَبَرُ إنَّ أيْ: هي نَزّاعَةٌ، أوْ بَدَلٌ مِن ﴿لَظى﴾ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ. كُلُّ هَذا ذَكَرُوهُ، وذَلِكَ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِرَفْعِ ”نَزّاعَةٌ“ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا مُبْهَمًا تَرْجَمَ عَنْهُ الخَبَرُ. انْتَهى. ولا أدْرِي ما هَذا المُضْمَرُ الَّذِي تَرْجَمَ عَنْهُ الخَبَرُ، ولَيْسَ هَذا مِنَ المَواضِعِ الَّتِي يُفَسِّرُ فِيها المُفْرَدُ الضَّمِيرَ، ولَوْلا أنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ هَذا: أوْ ضَمِيرُ القِصَّةِ، لَحَمَلْتُ كَلامَهُ عَلَيْهِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو حَيْوَةَ، والزَّعْفَرانِيُّ وابْنُ مِقْسَمٍ وحَفْصٌ واليَزِيدِيُّ في اخْتِيارِهِ ”نَزّاعَةً“ بِالنَّصْبِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ ﴿لَظى﴾ خَبَرًا لِـ (إنَّ) والضَّمِيرُ في ”إنَّها“ عائِدٌ عَلى النّارِ الدّالِّ عَلَيْها (عَذابٌ) وانْتَصَبَ ”نَزّاعَةً“ عَلى الحالِ المُؤَكَّدَةِ أوِ المُبَيَّنَةِ، والعامِلُ فِيها ﴿لَظى﴾ وإنْ كانَ عامِلًا لِما فِيهِ مِن مَعْنى التَّلَظِّي، كَما عَمِلَ العَلَمُ في الظَّرْفِ في قَوْلِهِ:
؎أنا أبُو المِنهالِ بَعْضَ الأحْيانِ
أيْ: المَشْهُورُ بَعْضَ (p-٣٣٥)الأحْيانِ، أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ لِلتَّهْوِيلِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وكَأنَّهُ يَعْنِي القَطْعَ. فالنَّصْبُ فِيها كالرَّفْعِ فِيها، إذا أضْمَرْتَ (هو) فَتُضْمِرُ هُنا، أعْنِي تَدْعُو، أيْ حَقِيقَةً يَخْلُقُ اللَّهُ فِيها الكَلامَ كَما يَخْلُقُهُ في الأعْضاءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، تَدْعُوهم بِأسْمائِهِمْ وأسْماءِ آبائِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَما خَلَقَهُ في الشَّجَرَةِ. انْتَهى، فَلَمْ يَتْرُكْ مَذْهَبَ الِاعْتِزالِ. وقالَ الخَلِيلُ: مَجازٌ عَنِ اسْتِدْنائِها مِنهم وما تُوقِعُهُ بِهِمْ مِن عَذابِها. وقالَ ثَعْلَبٌ: يَهْلِكُ، تَقُولُ العَرَبُ: دَعا اللَّهَ، أيْ أهْلَكَكَ، وحَكاهُ الخَلِيلُ عَنِ العَرَبِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَيالِيَ يَدْعُونِي الهَوى فَأُجِيبُهُ ∗∗∗ وأعْيُنُ مَن أهْوى إلَيَّ رَوانِي
(وقالَ آخَرُ):
؎تَرَفَّعَ لِلْعِيانِ وكُلُّ فَجٍّ ∗∗∗ طَباهُ الرِّعْيُ مِنهُ والخَلاءُ
يَصِفُ ظَلِيمًا، وطَباهُ أيْ: دَعاهُ، والهَوى والرِّعْيُ لا يُدْعَوانِ حَقِيقَةً، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ فِيهِما ما يَجْذِبُ صارا داعِيَيْنِ مَجازًا. وقِيلَ: تَدْعُو، أيْ: خَزَنَةُ جَهَنَّمَ، أُضِيفَ دُعاؤُهم إلَيْها ﴿مَن أدْبَرَ﴾ عَنِ الحَقِّ ﴿وتَوَلّى وجَمَعَ فَأوْعى﴾ أيْ: وجَمَعَ المالَ، فَجَعَلَهُ في وِعاءٍ وكَنَزَهُ ولَمْ يُؤَدِّ حَقَّ اللَّهِ فِيهِ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى كُفّارٍ أغْنِياءَ. وقالَ الحَكِيمُ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَكِيمٍ لا يَرْبُطُ كِيسَهُ ويَقُولُ: سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ .
﴿إنَّ الإنْسانَ﴾ جِنْسٌ، ولِذَلِكَ اسْتَثْنى مِنهُ ﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾ . وقِيلَ: الإشارَةُ إلى الكُفّارِ. وقالَ ثَعْلَبٌ: قالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طاهِرٍ: ما الهَلَعُ ؟ فَقُلْتُ: قَدْ فَسَّرَهُ اللَّهُ تَعالى، ولا يَكُونُ تَفْسِيرٌ أبْيَنَ مِن تَفْسِيرِهِ، وهو الَّذِي إذا نالَهُ شَرٌّ أظْهَرَ شِدَّةَ الجَزَعِ، وإذا نالَهُ خَيْرٌ بَخِلَ بِهِ ومَنَعَهُ النّاسَ. انْتَهى.
ولَمّا كانَ شِدَّةُ الجَزَعِ والمَنعِ مُتَمَكِّنَةً في الإنْسانِ، جُعِلَ كَأنَّهُ خُلِقَ مَحْمُولًا عَلَيْهِما، كَقَوْلِهِ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] والخَيْرُ: المالُ.
﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾: اسْتِثْناءٌ كَما قُلْنا مِنَ الإنْسانِ، ولِذَلِكَ وصَفَهم بِما وصَفَهم بِهِ مِنَ الصَّبْرِ عَلى المَكارِهِ، والصِّفاتِ الجَمِيلَةِ الَّتِي حاوَرُوها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: عَلى صَلاتِهِمْ بِالإفْرادِ. والحَسَنُ جَمْعًا. ودَيْمُومَتُها، قالَ الجُمْهُورُ: المُواظَبَةُ عَلَيْها. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: صَلاتُها لِوَقْتِها. وقالَ عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ: يُقِرُّونَ فِيها ولا يَلْتَفِتُونَ يَمِينًا ولا شِمالًا، ومِنهُ المالُ الدّائِمُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: دَوامُهم عَلَيْها أنْ يُواظِبُوا عَلى أدائِها ولا يَشْتَغِلُونَ عَنْها بِشَيْءٍ، ومُحافَظَتُهم عَلَيْها أنْ يُراعُوا إسْباغَ الوُضُوءِ لَها ومَواقِيتِها، ويُقِيمُوا أرْكانَها ويُكْمِلُوها بِسُنَنِها وأدائِها، ويَحْفَظُونَها مِنَ الإحْباطِ بِاقْتِرانِ المَآثِمِ، والدَّوامِ يَرْجِعُ إلى أنْفُسِ الصَّلَواتِ والمُحافَظَةِ عَلى أحْوالِها. انْتَهى. وهو جَوابُهُ لِسُؤالِهِ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ قالَ: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ . وأقُولُ: إنَّ الدَّيْمُومَةَ عَلى الشَّيْءِ والمُحافَظَةِ عَلَيْهِ شَيْءٌ واحِدٌ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَتِ الصَّلاةُ هي عَمُودُ الإسْلامِ بُولِغَ في التَّوْكِيدِ فِيها، فَذُكِرَتْ أوَّلَ خِصالِ الإسْلامِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ وآخِرَها؛ لِيُعْلَمَ مَرْتَبَتُها في الأرْكانِ الَّتِي بُنِيَ الإسْلامُ عَلَيْها، والصِّفاتُ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها، ومُعْظَمُها في سُورَةِ قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”بِشَهادَتِهِمْ“ عَلى الإفْرادِ. والسُّلَمِيُّ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ: عَلى الجَمْعِ.
المعارج 70:26
﴿ذِي المَعارِجِ﴾: المَعارِجُ لُغَةً الدَّرَجُ وهُنا اسْتِعارَةٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: في الرُّتَبِ والفَواضِلِ والصِّفاتِ الحَمِيدَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَعارِجُ، السَّماواتُ تَعْرُجُ فِيها المَلائِكَةُ مِن سَماءٍ إلى سَماءٍ. وقالَ الحَسَنُ: هي المَراقِي إلى السَّماءِ، وقِيلَ: المَعارِجُ، الغُرَفُ، أيْ: جَعَلَها لِأوْلِيائِهِ في الجَنَّةِ.
(تَعْرُجُ) قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِالتّاءِ عَلى التَّأْنِيثِ، وعَبْدُ اللَّهِ والكِسائِيُّ وابْنُ مِقْسَمٍ وزائِدَةُ عَنِ الأعْمَشِ بِالياءِ. (والرُّوحُ) قالَ الجُمْهُورُ: هو جِبْرِيلُ، خُصَّ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا، وأُخِّرَ هُنا بَعْدَ المَلائِكَةِ، وقُدِّمَ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبإ: ٣٨] . وقالَ مُجاهِدٌ: مَلائِكَةٌ حَفَظَةٌ لِلْمَلائِكَةِ الحافِظِينَ لِبَنِي آدَمَ، لا تَراهُمُ الحَفَظَةُ كَما لا نَرى نَحْنُ حَفَظَتَنا. وقِيلَ: الرُّوحُ مَلَكٌ غَيْرُ جِبْرِيلُ عَظِيمُ الخِلْقَةِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: خَلْقٌ كَهَيْئَةِ النّاسِ ولَيْسُوا بِالنّاسِ. وقالَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ: رُوحُ المَيِّتِ حِينَ تُقْبَضُ إلَيْهِ، الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ إلى عَرْشِهِ وحَيْثُ يَهْبِطُ مِنهُ أمْرُهُ تَعالى. وقِيلَ: ”إلَيْهِ“ أيْ: إلى المَكانِ الَّذِي هو مَحِلُّهم وهو في السَّماءِ؛ لِأنَّها مَحِلُّ بِرِّهِ وكَرامَتِهِ، والظّاهِرُ أنَّ المَعْنى: أنَّها تَعْرُجُ في يَوْمٍ مِن أيّامِكم هَذِهِ، ومِقْدارُ المَسافَةِ أنْ لَوْ عَرَجَها آدَمِيٌّ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ إسْحاقَ، وجَماعَةٌ مِنَ الحُذّاقِ مِنهُمُ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ. فَإنْ كانَ العارِجُ مَلَكًا، فَقالَ مُجاهِدٌ: المَسافَةُ هي مِن قَعْرِ الأرْضِ السّابِعَةِ إلى العَرْشِ. ومَن جَعَلَ الرُّوحَ جِنْسَ أنْواعِ الحَيَوانِ. قالَ وهْبٌ: المَسافَةُ مِن وجْهِ الأرْضِ إلى مُنْتَهى العَرْشِ. وقالَ عِكْرِمَةُ والحَكَمُ: أرادَ مُدَّةَ الدُّنْيا، فَإنَّها خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ لا يَدْرِي أحَدٌ ما مَضى مِنها وما بَقِيَ، أيْ: تَعْرُجُ في مُدَّةِ الدُّنْيا وبَقاءِ هَذِهِ البِنْيَةَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هو يَوْمُ القِيامَةِ. وقِيلَ: طُولُهُ ذَلِكَ العَدَدُ، وهَذا ظاهِرُ ما جاءَ في الحَدِيثِ في مانِعِ الزَّكاةِ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: قَدَّرَهُ في رَزاياهُ وهَوْلِهِ وشِدَّتِهِ لِلْكُفّارِ ذَلِكَ العَدَدَ. وفي الحَدِيثِ: ”يَخِفُّ عَلى المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ أخَفَّ عَلَيْهِ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ“ . وقالَ عِكْرِمَةُ: مِقْدارُ ما يَنْقَضِي فِيهِ مِنَ الحِسابِ قَدْرُ ما يَقْضِي بِالعَدْلِ في خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا. وقالَ الحَسَنُ نَحْوَهُ. وقِيلَ: لا يُرادُ حَقِيقَةَ العَدَدِ، إنَّما أُرِيدَ بِهِ طُولُ المَوْقِفِ يَوْمَ القِيامَةِ وما فِيهِ مِنَ الشَّدائِدِ، والعَرَبُ تَصِفُ أيّامَ الشِّدَّةِ بِالطُّولِ، وأيّامَ الفَرَحِ بِالقِصَرِ. قالَ الشّاعِرُ يَصِفُ أيّامَ الفَرَحِ والسُّرُورِ:
؎ويَوْمٍ كَظِلِّ الرُّمْحِ قَصَّرَ طُولَهُ دَمُ الزِّقِّ عَنّا واصْطِفاقُ المَزاهِرِ
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: في يَوْمٍ مُتَعَلِّقٌ بِـ (تَعَرُّجِ) وقِيلَ: بِـ (دافِعٍ) والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (تَعْرُجُ) اعْتِراضٌ. ولَمّا كانُوا قَدْ سَألُوا اسْتِعْجالَ العَذابِ، وكانَ السُّؤالُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والتَّكْذِيبِ، وكانُوا قَدْ وُعِدُوا بِهِ، أمَرَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ، ومَن جَعَلَهُ مِنَ السَّيَلانِ، فالمَعْنى: أنَّهُ أشْرَفَ عَلى الوُقُوعِ، والضَّمِيرُ في ﴿يَرَوْنَهُ﴾ عائِدٌ عَلى العَذابِ أوْ عَلى اليَوْمِ، إذا أُرِيدَ بِهِ يَوْمُ القِيامَةِ، وهَذا الِاسْتِبْعادُ هو عَلى سَبِيلِ الإحالَةِ مِنهم.
﴿ونَراهُ قَرِيبًا﴾ أيْ: هَيِّنًا في قُدْرَتِنا، غَيْرَ بَعِيدٍ عَلَيْنا ولا مُتَعَذِّرٍ، وكُلُّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ، والبُعْدُ والقُرْبُ في الإمْكانِ لا في المَسافَةِ.
﴿يَوْمَ تَكُونُ﴾: مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: يَقَعُ يَوْمَ تَكُونُ، أوْ ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ كانَ (p-٣٣٤)كَيْتَ وكَيْتَ، أوْ بِـ (قَرِيبًا) أوْ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ ”نَراهُ“ إذا كانَ عائِدًا عَلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ هو بَدَلٌ مِن في يَوْمٍ فِيمَن عَلَّقَهُ بِـ (واقِعٍ) . انْتَهى. ولا يَجُوزُ هَذا؛ لِأنَّ في يَوْمٍ وإنْ كانَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لا يُبْدَلُ مِنهُ مَنصُوبٌ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا لَيْسَ مِنَ المَواضِعِ الَّتِي تُراعى في التَّوابِعِ؛ لِأنَّ حَرْفَ الجَرِّ فِيها لَيْسَ بِزائِدٍ، ولا مَحْكُومٍ لَهُ بِحُكْمِ الزّائِدِ كَـ (رُبَّ) وإنَّما يَجُوزُ مُراعاةُ المَواضِعِ في حَرْفِ الجَرِّ الزّائِدِ كَقَوْلِهِ:
؎يا بَنِي لُبَيْنى لَسْتُما بِيَدٍ ∗∗∗ إلّا يَدًا لَيْسَتْ لَها عَضُدُ
ولِذَلِكَ لا يَجُوزُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ الخَيّاطِ، عَلى مُراعاةِ مَوْضِعِ بِزَيْدٍ، ولا مَرَرْتُ بِزَيْدٍ وعَمْرًا، ولا غَضِبْتُ عَلى زَيْدٍ وجَعْفَرًا، ولا مَرَرْتُ بِعَمْرٍو أخاكَ عَلى مُراعاةِ المَوْضِعِ. (فَإنْ قُلْتَ): الحَرَكَةُ في (يَوْمَ) تَكُونُ حَرَكَةَ بِناءٍ لا حَرَكَةَ إعْرابٍ، فَهو مَجْرُورٌ مِثْلُ في يَوْمٍ (قُلْتُ): لا يَجُوزُ بِناؤُهُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّهُ أُضِيفَ إلى مُعْرَبٍ، لَكِنَّهُ يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، فَيَتَمَشّى كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ عَلى مَذْهَبِهِمْ إنْ كانَ اسْتَحْضَرَهُ وقَصَدَهُ.
(كالمُهْلِ) تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في سُورَةِ الدُّخانِ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] كَما في القارِعَةِ، لَمّا نُسِفَتْ طارَتْ في الجَوِّ كالصُّوفِ المَنفُوشِ إذا طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ. قالَ الحَسَنُ: تَسِيرُ الجِبالُ مَعَ الرِّياحِ، ثُمَّ تَنْهَدُّ، ثُمَّ تَصِيرُ كالعِهْنِ، ثُمَّ تُنْسَفُ فَتَصِيرُ هَباءً. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ولا يَسْألُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، أيْ: لا يَسْألُهُ نُصْرَةً ولا مَنفَعَةً لِعِلْمِهِ أنَّهُ لا يَجِدُ ذَلِكَ عِنْدَهُ. وقالَ قَتادَةُ: لا يَسْألُهُ عَنْ حالِهِ لِأنَّها ظاهِرَةٌ. وقِيلَ: لا يَسْألُهُ أنْ يَحْمِلَ عَنْهُ مِن أوْزارِهِ شَيْئًا لِيَأْسِهِ عَنْ ذَلِكَ. وقِيلَ: شَفاعَةً. وقِيلَ: ”حَمِيمًا“ مَنصُوبٌ عَلى إسْقاطِ عَنْ، أيْ: عَنْ حَمِيمٍ، لِشَغْلِهِ بِما هو فِيهِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ والبَزِّيُّ بِخِلافٍ عَنْ ثَلاثَتِهِمْ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ: لا يُسْألُ إحْضارَهُ، كُلٌّ مِنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ لَهُ سِيما يُعْرَفُ بِها. وقِيلَ: عَنْ ذُنُوبِ حَمِيمِهِ لِيُؤْخَذَ بِها.
﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾: اسْتِئْنافُ كَلامٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في المَحْشَرِ يُبَصَّرُ الحَمِيمُ حَمِيمَهُ، ثُمَّ يَفِرُّ عَنْهُ لِشُغْلِهِ بِنَفْسِهِ. وقِيلَ: يُبَصَّرُونَهم في النّارِ. وقِيلَ: يُبَصَّرُونَهم فَلا يَحْتاجُونَ إلى السُّؤالِ والطَّلَبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”يُبَصَّرُونَهم“ صِفَةً، أيْ: حَمِيمًا مُبَصَّرِينَ مُصَرِّفِينَ إيّاهم. انْتَهى. و﴿حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾: نَكِرَتانِ في سِياقِ النَّفْيِ فَيَعُمّانِ، ولِذَلِكَ جُمِعَ الضَّمِيرُ. وقَرَأ قَتادَةُ: ”يُبْصِرُونَهم“ مُخَفَّفًا مَعَ كَسْرِ الصّادِ، أيْ: يُبْصِرُ المُؤْمِنُ الكافِرَ في النّارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُبْصِرُ الكافِرُ مَن أضَلَّهُ في النّارِ عِبْرَةً وانْتِقامًا وحُزْنًا.
﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ﴾ أيِ: الكافِرُ، وقَدْ يَنْدَرِجُ فِيهِ المُؤْمِنُ العاصِي الَّذِي يُعَذَّبُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِن عَذابِ مُضافًا. وأبُو حَيْوَةَ بِفَتْحِها. (وصاحِبَتِهِ): زَوْجَتُهُ ﴿وفَصِيلَتِهِ﴾: أقْرِباؤُهُ الأدْنُونَ ﴿تُؤْوِيهِ﴾: تَضُمُّهُ انْتِماءً إلَيْها، أوْ لِياذًا بِها في النَّوائِبِ.
﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾: عَطْفٌ عَلى ﴿يَفْتَدِي﴾ أيْ: يُنْجِيهِ بِالِافْتِداءِ، أوْ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهم. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: تُؤْوِيهِ وتُنْجِيهِ بِضَمِّ الهاءَيْنِ. (كَلّا): رَدْعٌ لِوِدادَتِهِمُ الِافْتِداءَ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا يَنْفَعُ. (إنَّها): الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ، و﴿لَظى نَزّاعَةً﴾: تَفْسِيرٌ لَها أوْ لِلنّارِ الدّالِّ عَلَيْها ﴿عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ و﴿لَظى﴾ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ، و﴿نَزّاعَةً﴾ خَبَرُ إنَّ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، و﴿لَظى﴾ خَبَرُ إنَّ أيْ: هي نَزّاعَةٌ، أوْ بَدَلٌ مِن ﴿لَظى﴾ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ. كُلُّ هَذا ذَكَرُوهُ، وذَلِكَ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِرَفْعِ ”نَزّاعَةٌ“ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا مُبْهَمًا تَرْجَمَ عَنْهُ الخَبَرُ. انْتَهى. ولا أدْرِي ما هَذا المُضْمَرُ الَّذِي تَرْجَمَ عَنْهُ الخَبَرُ، ولَيْسَ هَذا مِنَ المَواضِعِ الَّتِي يُفَسِّرُ فِيها المُفْرَدُ الضَّمِيرَ، ولَوْلا أنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ هَذا: أوْ ضَمِيرُ القِصَّةِ، لَحَمَلْتُ كَلامَهُ عَلَيْهِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو حَيْوَةَ، والزَّعْفَرانِيُّ وابْنُ مِقْسَمٍ وحَفْصٌ واليَزِيدِيُّ في اخْتِيارِهِ ”نَزّاعَةً“ بِالنَّصْبِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ ﴿لَظى﴾ خَبَرًا لِـ (إنَّ) والضَّمِيرُ في ”إنَّها“ عائِدٌ عَلى النّارِ الدّالِّ عَلَيْها (عَذابٌ) وانْتَصَبَ ”نَزّاعَةً“ عَلى الحالِ المُؤَكَّدَةِ أوِ المُبَيَّنَةِ، والعامِلُ فِيها ﴿لَظى﴾ وإنْ كانَ عامِلًا لِما فِيهِ مِن مَعْنى التَّلَظِّي، كَما عَمِلَ العَلَمُ في الظَّرْفِ في قَوْلِهِ:
؎أنا أبُو المِنهالِ بَعْضَ الأحْيانِ
أيْ: المَشْهُورُ بَعْضَ (p-٣٣٥)الأحْيانِ، أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ لِلتَّهْوِيلِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وكَأنَّهُ يَعْنِي القَطْعَ. فالنَّصْبُ فِيها كالرَّفْعِ فِيها، إذا أضْمَرْتَ (هو) فَتُضْمِرُ هُنا، أعْنِي تَدْعُو، أيْ حَقِيقَةً يَخْلُقُ اللَّهُ فِيها الكَلامَ كَما يَخْلُقُهُ في الأعْضاءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، تَدْعُوهم بِأسْمائِهِمْ وأسْماءِ آبائِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَما خَلَقَهُ في الشَّجَرَةِ. انْتَهى، فَلَمْ يَتْرُكْ مَذْهَبَ الِاعْتِزالِ. وقالَ الخَلِيلُ: مَجازٌ عَنِ اسْتِدْنائِها مِنهم وما تُوقِعُهُ بِهِمْ مِن عَذابِها. وقالَ ثَعْلَبٌ: يَهْلِكُ، تَقُولُ العَرَبُ: دَعا اللَّهَ، أيْ أهْلَكَكَ، وحَكاهُ الخَلِيلُ عَنِ العَرَبِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَيالِيَ يَدْعُونِي الهَوى فَأُجِيبُهُ ∗∗∗ وأعْيُنُ مَن أهْوى إلَيَّ رَوانِي
(وقالَ آخَرُ):
؎تَرَفَّعَ لِلْعِيانِ وكُلُّ فَجٍّ ∗∗∗ طَباهُ الرِّعْيُ مِنهُ والخَلاءُ
يَصِفُ ظَلِيمًا، وطَباهُ أيْ: دَعاهُ، والهَوى والرِّعْيُ لا يُدْعَوانِ حَقِيقَةً، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ فِيهِما ما يَجْذِبُ صارا داعِيَيْنِ مَجازًا. وقِيلَ: تَدْعُو، أيْ: خَزَنَةُ جَهَنَّمَ، أُضِيفَ دُعاؤُهم إلَيْها ﴿مَن أدْبَرَ﴾ عَنِ الحَقِّ ﴿وتَوَلّى وجَمَعَ فَأوْعى﴾ أيْ: وجَمَعَ المالَ، فَجَعَلَهُ في وِعاءٍ وكَنَزَهُ ولَمْ يُؤَدِّ حَقَّ اللَّهِ فِيهِ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى كُفّارٍ أغْنِياءَ. وقالَ الحَكِيمُ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَكِيمٍ لا يَرْبُطُ كِيسَهُ ويَقُولُ: سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ .
﴿إنَّ الإنْسانَ﴾ جِنْسٌ، ولِذَلِكَ اسْتَثْنى مِنهُ ﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾ . وقِيلَ: الإشارَةُ إلى الكُفّارِ. وقالَ ثَعْلَبٌ: قالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طاهِرٍ: ما الهَلَعُ ؟ فَقُلْتُ: قَدْ فَسَّرَهُ اللَّهُ تَعالى، ولا يَكُونُ تَفْسِيرٌ أبْيَنَ مِن تَفْسِيرِهِ، وهو الَّذِي إذا نالَهُ شَرٌّ أظْهَرَ شِدَّةَ الجَزَعِ، وإذا نالَهُ خَيْرٌ بَخِلَ بِهِ ومَنَعَهُ النّاسَ. انْتَهى.
ولَمّا كانَ شِدَّةُ الجَزَعِ والمَنعِ مُتَمَكِّنَةً في الإنْسانِ، جُعِلَ كَأنَّهُ خُلِقَ مَحْمُولًا عَلَيْهِما، كَقَوْلِهِ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] والخَيْرُ: المالُ.
﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾: اسْتِثْناءٌ كَما قُلْنا مِنَ الإنْسانِ، ولِذَلِكَ وصَفَهم بِما وصَفَهم بِهِ مِنَ الصَّبْرِ عَلى المَكارِهِ، والصِّفاتِ الجَمِيلَةِ الَّتِي حاوَرُوها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: عَلى صَلاتِهِمْ بِالإفْرادِ. والحَسَنُ جَمْعًا. ودَيْمُومَتُها، قالَ الجُمْهُورُ: المُواظَبَةُ عَلَيْها. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: صَلاتُها لِوَقْتِها. وقالَ عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ: يُقِرُّونَ فِيها ولا يَلْتَفِتُونَ يَمِينًا ولا شِمالًا، ومِنهُ المالُ الدّائِمُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: دَوامُهم عَلَيْها أنْ يُواظِبُوا عَلى أدائِها ولا يَشْتَغِلُونَ عَنْها بِشَيْءٍ، ومُحافَظَتُهم عَلَيْها أنْ يُراعُوا إسْباغَ الوُضُوءِ لَها ومَواقِيتِها، ويُقِيمُوا أرْكانَها ويُكْمِلُوها بِسُنَنِها وأدائِها، ويَحْفَظُونَها مِنَ الإحْباطِ بِاقْتِرانِ المَآثِمِ، والدَّوامِ يَرْجِعُ إلى أنْفُسِ الصَّلَواتِ والمُحافَظَةِ عَلى أحْوالِها. انْتَهى. وهو جَوابُهُ لِسُؤالِهِ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ قالَ: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ . وأقُولُ: إنَّ الدَّيْمُومَةَ عَلى الشَّيْءِ والمُحافَظَةِ عَلَيْهِ شَيْءٌ واحِدٌ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَتِ الصَّلاةُ هي عَمُودُ الإسْلامِ بُولِغَ في التَّوْكِيدِ فِيها، فَذُكِرَتْ أوَّلَ خِصالِ الإسْلامِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ وآخِرَها؛ لِيُعْلَمَ مَرْتَبَتُها في الأرْكانِ الَّتِي بُنِيَ الإسْلامُ عَلَيْها، والصِّفاتُ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها، ومُعْظَمُها في سُورَةِ قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”بِشَهادَتِهِمْ“ عَلى الإفْرادِ. والسُّلَمِيُّ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ: عَلى الجَمْعِ.
المعارج 70:27
﴿ذِي المَعارِجِ﴾: المَعارِجُ لُغَةً الدَّرَجُ وهُنا اسْتِعارَةٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: في الرُّتَبِ والفَواضِلِ والصِّفاتِ الحَمِيدَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَعارِجُ، السَّماواتُ تَعْرُجُ فِيها المَلائِكَةُ مِن سَماءٍ إلى سَماءٍ. وقالَ الحَسَنُ: هي المَراقِي إلى السَّماءِ، وقِيلَ: المَعارِجُ، الغُرَفُ، أيْ: جَعَلَها لِأوْلِيائِهِ في الجَنَّةِ.
(تَعْرُجُ) قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِالتّاءِ عَلى التَّأْنِيثِ، وعَبْدُ اللَّهِ والكِسائِيُّ وابْنُ مِقْسَمٍ وزائِدَةُ عَنِ الأعْمَشِ بِالياءِ. (والرُّوحُ) قالَ الجُمْهُورُ: هو جِبْرِيلُ، خُصَّ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا، وأُخِّرَ هُنا بَعْدَ المَلائِكَةِ، وقُدِّمَ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبإ: ٣٨] . وقالَ مُجاهِدٌ: مَلائِكَةٌ حَفَظَةٌ لِلْمَلائِكَةِ الحافِظِينَ لِبَنِي آدَمَ، لا تَراهُمُ الحَفَظَةُ كَما لا نَرى نَحْنُ حَفَظَتَنا. وقِيلَ: الرُّوحُ مَلَكٌ غَيْرُ جِبْرِيلُ عَظِيمُ الخِلْقَةِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: خَلْقٌ كَهَيْئَةِ النّاسِ ولَيْسُوا بِالنّاسِ. وقالَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ: رُوحُ المَيِّتِ حِينَ تُقْبَضُ إلَيْهِ، الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ إلى عَرْشِهِ وحَيْثُ يَهْبِطُ مِنهُ أمْرُهُ تَعالى. وقِيلَ: ”إلَيْهِ“ أيْ: إلى المَكانِ الَّذِي هو مَحِلُّهم وهو في السَّماءِ؛ لِأنَّها مَحِلُّ بِرِّهِ وكَرامَتِهِ، والظّاهِرُ أنَّ المَعْنى: أنَّها تَعْرُجُ في يَوْمٍ مِن أيّامِكم هَذِهِ، ومِقْدارُ المَسافَةِ أنْ لَوْ عَرَجَها آدَمِيٌّ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ إسْحاقَ، وجَماعَةٌ مِنَ الحُذّاقِ مِنهُمُ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ. فَإنْ كانَ العارِجُ مَلَكًا، فَقالَ مُجاهِدٌ: المَسافَةُ هي مِن قَعْرِ الأرْضِ السّابِعَةِ إلى العَرْشِ. ومَن جَعَلَ الرُّوحَ جِنْسَ أنْواعِ الحَيَوانِ. قالَ وهْبٌ: المَسافَةُ مِن وجْهِ الأرْضِ إلى مُنْتَهى العَرْشِ. وقالَ عِكْرِمَةُ والحَكَمُ: أرادَ مُدَّةَ الدُّنْيا، فَإنَّها خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ لا يَدْرِي أحَدٌ ما مَضى مِنها وما بَقِيَ، أيْ: تَعْرُجُ في مُدَّةِ الدُّنْيا وبَقاءِ هَذِهِ البِنْيَةَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هو يَوْمُ القِيامَةِ. وقِيلَ: طُولُهُ ذَلِكَ العَدَدُ، وهَذا ظاهِرُ ما جاءَ في الحَدِيثِ في مانِعِ الزَّكاةِ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: قَدَّرَهُ في رَزاياهُ وهَوْلِهِ وشِدَّتِهِ لِلْكُفّارِ ذَلِكَ العَدَدَ. وفي الحَدِيثِ: ”يَخِفُّ عَلى المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ أخَفَّ عَلَيْهِ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ“ . وقالَ عِكْرِمَةُ: مِقْدارُ ما يَنْقَضِي فِيهِ مِنَ الحِسابِ قَدْرُ ما يَقْضِي بِالعَدْلِ في خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا. وقالَ الحَسَنُ نَحْوَهُ. وقِيلَ: لا يُرادُ حَقِيقَةَ العَدَدِ، إنَّما أُرِيدَ بِهِ طُولُ المَوْقِفِ يَوْمَ القِيامَةِ وما فِيهِ مِنَ الشَّدائِدِ، والعَرَبُ تَصِفُ أيّامَ الشِّدَّةِ بِالطُّولِ، وأيّامَ الفَرَحِ بِالقِصَرِ. قالَ الشّاعِرُ يَصِفُ أيّامَ الفَرَحِ والسُّرُورِ:
؎ويَوْمٍ كَظِلِّ الرُّمْحِ قَصَّرَ طُولَهُ دَمُ الزِّقِّ عَنّا واصْطِفاقُ المَزاهِرِ
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: في يَوْمٍ مُتَعَلِّقٌ بِـ (تَعَرُّجِ) وقِيلَ: بِـ (دافِعٍ) والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (تَعْرُجُ) اعْتِراضٌ. ولَمّا كانُوا قَدْ سَألُوا اسْتِعْجالَ العَذابِ، وكانَ السُّؤالُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والتَّكْذِيبِ، وكانُوا قَدْ وُعِدُوا بِهِ، أمَرَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ، ومَن جَعَلَهُ مِنَ السَّيَلانِ، فالمَعْنى: أنَّهُ أشْرَفَ عَلى الوُقُوعِ، والضَّمِيرُ في ﴿يَرَوْنَهُ﴾ عائِدٌ عَلى العَذابِ أوْ عَلى اليَوْمِ، إذا أُرِيدَ بِهِ يَوْمُ القِيامَةِ، وهَذا الِاسْتِبْعادُ هو عَلى سَبِيلِ الإحالَةِ مِنهم.
﴿ونَراهُ قَرِيبًا﴾ أيْ: هَيِّنًا في قُدْرَتِنا، غَيْرَ بَعِيدٍ عَلَيْنا ولا مُتَعَذِّرٍ، وكُلُّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ، والبُعْدُ والقُرْبُ في الإمْكانِ لا في المَسافَةِ.
﴿يَوْمَ تَكُونُ﴾: مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: يَقَعُ يَوْمَ تَكُونُ، أوْ ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ كانَ (p-٣٣٤)كَيْتَ وكَيْتَ، أوْ بِـ (قَرِيبًا) أوْ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ ”نَراهُ“ إذا كانَ عائِدًا عَلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ هو بَدَلٌ مِن في يَوْمٍ فِيمَن عَلَّقَهُ بِـ (واقِعٍ) . انْتَهى. ولا يَجُوزُ هَذا؛ لِأنَّ في يَوْمٍ وإنْ كانَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لا يُبْدَلُ مِنهُ مَنصُوبٌ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا لَيْسَ مِنَ المَواضِعِ الَّتِي تُراعى في التَّوابِعِ؛ لِأنَّ حَرْفَ الجَرِّ فِيها لَيْسَ بِزائِدٍ، ولا مَحْكُومٍ لَهُ بِحُكْمِ الزّائِدِ كَـ (رُبَّ) وإنَّما يَجُوزُ مُراعاةُ المَواضِعِ في حَرْفِ الجَرِّ الزّائِدِ كَقَوْلِهِ:
؎يا بَنِي لُبَيْنى لَسْتُما بِيَدٍ ∗∗∗ إلّا يَدًا لَيْسَتْ لَها عَضُدُ
ولِذَلِكَ لا يَجُوزُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ الخَيّاطِ، عَلى مُراعاةِ مَوْضِعِ بِزَيْدٍ، ولا مَرَرْتُ بِزَيْدٍ وعَمْرًا، ولا غَضِبْتُ عَلى زَيْدٍ وجَعْفَرًا، ولا مَرَرْتُ بِعَمْرٍو أخاكَ عَلى مُراعاةِ المَوْضِعِ. (فَإنْ قُلْتَ): الحَرَكَةُ في (يَوْمَ) تَكُونُ حَرَكَةَ بِناءٍ لا حَرَكَةَ إعْرابٍ، فَهو مَجْرُورٌ مِثْلُ في يَوْمٍ (قُلْتُ): لا يَجُوزُ بِناؤُهُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّهُ أُضِيفَ إلى مُعْرَبٍ، لَكِنَّهُ يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، فَيَتَمَشّى كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ عَلى مَذْهَبِهِمْ إنْ كانَ اسْتَحْضَرَهُ وقَصَدَهُ.
(كالمُهْلِ) تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في سُورَةِ الدُّخانِ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] كَما في القارِعَةِ، لَمّا نُسِفَتْ طارَتْ في الجَوِّ كالصُّوفِ المَنفُوشِ إذا طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ. قالَ الحَسَنُ: تَسِيرُ الجِبالُ مَعَ الرِّياحِ، ثُمَّ تَنْهَدُّ، ثُمَّ تَصِيرُ كالعِهْنِ، ثُمَّ تُنْسَفُ فَتَصِيرُ هَباءً. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ولا يَسْألُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، أيْ: لا يَسْألُهُ نُصْرَةً ولا مَنفَعَةً لِعِلْمِهِ أنَّهُ لا يَجِدُ ذَلِكَ عِنْدَهُ. وقالَ قَتادَةُ: لا يَسْألُهُ عَنْ حالِهِ لِأنَّها ظاهِرَةٌ. وقِيلَ: لا يَسْألُهُ أنْ يَحْمِلَ عَنْهُ مِن أوْزارِهِ شَيْئًا لِيَأْسِهِ عَنْ ذَلِكَ. وقِيلَ: شَفاعَةً. وقِيلَ: ”حَمِيمًا“ مَنصُوبٌ عَلى إسْقاطِ عَنْ، أيْ: عَنْ حَمِيمٍ، لِشَغْلِهِ بِما هو فِيهِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ والبَزِّيُّ بِخِلافٍ عَنْ ثَلاثَتِهِمْ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ: لا يُسْألُ إحْضارَهُ، كُلٌّ مِنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ لَهُ سِيما يُعْرَفُ بِها. وقِيلَ: عَنْ ذُنُوبِ حَمِيمِهِ لِيُؤْخَذَ بِها.
﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾: اسْتِئْنافُ كَلامٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في المَحْشَرِ يُبَصَّرُ الحَمِيمُ حَمِيمَهُ، ثُمَّ يَفِرُّ عَنْهُ لِشُغْلِهِ بِنَفْسِهِ. وقِيلَ: يُبَصَّرُونَهم في النّارِ. وقِيلَ: يُبَصَّرُونَهم فَلا يَحْتاجُونَ إلى السُّؤالِ والطَّلَبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”يُبَصَّرُونَهم“ صِفَةً، أيْ: حَمِيمًا مُبَصَّرِينَ مُصَرِّفِينَ إيّاهم. انْتَهى. و﴿حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾: نَكِرَتانِ في سِياقِ النَّفْيِ فَيَعُمّانِ، ولِذَلِكَ جُمِعَ الضَّمِيرُ. وقَرَأ قَتادَةُ: ”يُبْصِرُونَهم“ مُخَفَّفًا مَعَ كَسْرِ الصّادِ، أيْ: يُبْصِرُ المُؤْمِنُ الكافِرَ في النّارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُبْصِرُ الكافِرُ مَن أضَلَّهُ في النّارِ عِبْرَةً وانْتِقامًا وحُزْنًا.
﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ﴾ أيِ: الكافِرُ، وقَدْ يَنْدَرِجُ فِيهِ المُؤْمِنُ العاصِي الَّذِي يُعَذَّبُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِن عَذابِ مُضافًا. وأبُو حَيْوَةَ بِفَتْحِها. (وصاحِبَتِهِ): زَوْجَتُهُ ﴿وفَصِيلَتِهِ﴾: أقْرِباؤُهُ الأدْنُونَ ﴿تُؤْوِيهِ﴾: تَضُمُّهُ انْتِماءً إلَيْها، أوْ لِياذًا بِها في النَّوائِبِ.
﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾: عَطْفٌ عَلى ﴿يَفْتَدِي﴾ أيْ: يُنْجِيهِ بِالِافْتِداءِ، أوْ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهم. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: تُؤْوِيهِ وتُنْجِيهِ بِضَمِّ الهاءَيْنِ. (كَلّا): رَدْعٌ لِوِدادَتِهِمُ الِافْتِداءَ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا يَنْفَعُ. (إنَّها): الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ، و﴿لَظى نَزّاعَةً﴾: تَفْسِيرٌ لَها أوْ لِلنّارِ الدّالِّ عَلَيْها ﴿عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ و﴿لَظى﴾ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ، و﴿نَزّاعَةً﴾ خَبَرُ إنَّ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، و﴿لَظى﴾ خَبَرُ إنَّ أيْ: هي نَزّاعَةٌ، أوْ بَدَلٌ مِن ﴿لَظى﴾ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ. كُلُّ هَذا ذَكَرُوهُ، وذَلِكَ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِرَفْعِ ”نَزّاعَةٌ“ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا مُبْهَمًا تَرْجَمَ عَنْهُ الخَبَرُ. انْتَهى. ولا أدْرِي ما هَذا المُضْمَرُ الَّذِي تَرْجَمَ عَنْهُ الخَبَرُ، ولَيْسَ هَذا مِنَ المَواضِعِ الَّتِي يُفَسِّرُ فِيها المُفْرَدُ الضَّمِيرَ، ولَوْلا أنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ هَذا: أوْ ضَمِيرُ القِصَّةِ، لَحَمَلْتُ كَلامَهُ عَلَيْهِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو حَيْوَةَ، والزَّعْفَرانِيُّ وابْنُ مِقْسَمٍ وحَفْصٌ واليَزِيدِيُّ في اخْتِيارِهِ ”نَزّاعَةً“ بِالنَّصْبِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ ﴿لَظى﴾ خَبَرًا لِـ (إنَّ) والضَّمِيرُ في ”إنَّها“ عائِدٌ عَلى النّارِ الدّالِّ عَلَيْها (عَذابٌ) وانْتَصَبَ ”نَزّاعَةً“ عَلى الحالِ المُؤَكَّدَةِ أوِ المُبَيَّنَةِ، والعامِلُ فِيها ﴿لَظى﴾ وإنْ كانَ عامِلًا لِما فِيهِ مِن مَعْنى التَّلَظِّي، كَما عَمِلَ العَلَمُ في الظَّرْفِ في قَوْلِهِ:
؎أنا أبُو المِنهالِ بَعْضَ الأحْيانِ
أيْ: المَشْهُورُ بَعْضَ (p-٣٣٥)الأحْيانِ، أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ لِلتَّهْوِيلِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وكَأنَّهُ يَعْنِي القَطْعَ. فالنَّصْبُ فِيها كالرَّفْعِ فِيها، إذا أضْمَرْتَ (هو) فَتُضْمِرُ هُنا، أعْنِي تَدْعُو، أيْ حَقِيقَةً يَخْلُقُ اللَّهُ فِيها الكَلامَ كَما يَخْلُقُهُ في الأعْضاءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، تَدْعُوهم بِأسْمائِهِمْ وأسْماءِ آبائِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَما خَلَقَهُ في الشَّجَرَةِ. انْتَهى، فَلَمْ يَتْرُكْ مَذْهَبَ الِاعْتِزالِ. وقالَ الخَلِيلُ: مَجازٌ عَنِ اسْتِدْنائِها مِنهم وما تُوقِعُهُ بِهِمْ مِن عَذابِها. وقالَ ثَعْلَبٌ: يَهْلِكُ، تَقُولُ العَرَبُ: دَعا اللَّهَ، أيْ أهْلَكَكَ، وحَكاهُ الخَلِيلُ عَنِ العَرَبِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَيالِيَ يَدْعُونِي الهَوى فَأُجِيبُهُ ∗∗∗ وأعْيُنُ مَن أهْوى إلَيَّ رَوانِي
(وقالَ آخَرُ):
؎تَرَفَّعَ لِلْعِيانِ وكُلُّ فَجٍّ ∗∗∗ طَباهُ الرِّعْيُ مِنهُ والخَلاءُ
يَصِفُ ظَلِيمًا، وطَباهُ أيْ: دَعاهُ، والهَوى والرِّعْيُ لا يُدْعَوانِ حَقِيقَةً، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ فِيهِما ما يَجْذِبُ صارا داعِيَيْنِ مَجازًا. وقِيلَ: تَدْعُو، أيْ: خَزَنَةُ جَهَنَّمَ، أُضِيفَ دُعاؤُهم إلَيْها ﴿مَن أدْبَرَ﴾ عَنِ الحَقِّ ﴿وتَوَلّى وجَمَعَ فَأوْعى﴾ أيْ: وجَمَعَ المالَ، فَجَعَلَهُ في وِعاءٍ وكَنَزَهُ ولَمْ يُؤَدِّ حَقَّ اللَّهِ فِيهِ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى كُفّارٍ أغْنِياءَ. وقالَ الحَكِيمُ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَكِيمٍ لا يَرْبُطُ كِيسَهُ ويَقُولُ: سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ .
﴿إنَّ الإنْسانَ﴾ جِنْسٌ، ولِذَلِكَ اسْتَثْنى مِنهُ ﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾ . وقِيلَ: الإشارَةُ إلى الكُفّارِ. وقالَ ثَعْلَبٌ: قالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طاهِرٍ: ما الهَلَعُ ؟ فَقُلْتُ: قَدْ فَسَّرَهُ اللَّهُ تَعالى، ولا يَكُونُ تَفْسِيرٌ أبْيَنَ مِن تَفْسِيرِهِ، وهو الَّذِي إذا نالَهُ شَرٌّ أظْهَرَ شِدَّةَ الجَزَعِ، وإذا نالَهُ خَيْرٌ بَخِلَ بِهِ ومَنَعَهُ النّاسَ. انْتَهى.
ولَمّا كانَ شِدَّةُ الجَزَعِ والمَنعِ مُتَمَكِّنَةً في الإنْسانِ، جُعِلَ كَأنَّهُ خُلِقَ مَحْمُولًا عَلَيْهِما، كَقَوْلِهِ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] والخَيْرُ: المالُ.
﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾: اسْتِثْناءٌ كَما قُلْنا مِنَ الإنْسانِ، ولِذَلِكَ وصَفَهم بِما وصَفَهم بِهِ مِنَ الصَّبْرِ عَلى المَكارِهِ، والصِّفاتِ الجَمِيلَةِ الَّتِي حاوَرُوها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: عَلى صَلاتِهِمْ بِالإفْرادِ. والحَسَنُ جَمْعًا. ودَيْمُومَتُها، قالَ الجُمْهُورُ: المُواظَبَةُ عَلَيْها. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: صَلاتُها لِوَقْتِها. وقالَ عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ: يُقِرُّونَ فِيها ولا يَلْتَفِتُونَ يَمِينًا ولا شِمالًا، ومِنهُ المالُ الدّائِمُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: دَوامُهم عَلَيْها أنْ يُواظِبُوا عَلى أدائِها ولا يَشْتَغِلُونَ عَنْها بِشَيْءٍ، ومُحافَظَتُهم عَلَيْها أنْ يُراعُوا إسْباغَ الوُضُوءِ لَها ومَواقِيتِها، ويُقِيمُوا أرْكانَها ويُكْمِلُوها بِسُنَنِها وأدائِها، ويَحْفَظُونَها مِنَ الإحْباطِ بِاقْتِرانِ المَآثِمِ، والدَّوامِ يَرْجِعُ إلى أنْفُسِ الصَّلَواتِ والمُحافَظَةِ عَلى أحْوالِها. انْتَهى. وهو جَوابُهُ لِسُؤالِهِ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ قالَ: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ . وأقُولُ: إنَّ الدَّيْمُومَةَ عَلى الشَّيْءِ والمُحافَظَةِ عَلَيْهِ شَيْءٌ واحِدٌ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَتِ الصَّلاةُ هي عَمُودُ الإسْلامِ بُولِغَ في التَّوْكِيدِ فِيها، فَذُكِرَتْ أوَّلَ خِصالِ الإسْلامِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ وآخِرَها؛ لِيُعْلَمَ مَرْتَبَتُها في الأرْكانِ الَّتِي بُنِيَ الإسْلامُ عَلَيْها، والصِّفاتُ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها، ومُعْظَمُها في سُورَةِ قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”بِشَهادَتِهِمْ“ عَلى الإفْرادِ. والسُّلَمِيُّ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ: عَلى الجَمْعِ.