Lafzullah

Al-Bahr Al-Muhit — الجن 72:14 – المزمل 73:19

المؤلف / المصدر: Al-Bahr Al-Muhit

المحتويات
  1. الجن 72:14
  2. الجن 72:15
  3. الجن 72:16
  4. الجن 72:17
  5. الجن 72:18
  6. الجن 72:19
  7. الجن 72:20
  8. الجن 72:21
  9. الجن 72:22
  10. الجن 72:23
  11. الجن 72:24
  12. الجن 72:25
  13. الجن 72:26
  14. الجن 72:27
  15. الجن 72:28
  16. المزمل 73:1
  17. المزمل 73:2
  18. المزمل 73:3
  19. المزمل 73:4
  20. المزمل 73:5
  21. المزمل 73:6
  22. المزمل 73:7
  23. المزمل 73:8
  24. المزمل 73:9
  25. المزمل 73:10
  26. المزمل 73:11
  27. المزمل 73:12
  28. المزمل 73:13
  29. المزمل 73:14
  30. المزمل 73:15
  31. المزمل 73:16
  32. المزمل 73:17
  33. المزمل 73:18
  34. المزمل 73:19

الجن 72:14

(p-٣٤٤)(سُورَةُ الجِنِّ مَكِّيَّةٌ وهي ثَمانٍ وعِشْرُونَ آيَةً) (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ فَقالُوا إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ ﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾ ﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا ما اتَّخَذَ صاحِبَةً ولا ولَدًا﴾ ﴿وأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلى اللَّهِ شَطَطًا﴾ ﴿وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ تَقُولَ الإنْسُ والجِنُّ عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ ﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ فَزادُوهم رَهَقًا﴾ ﴿وأنَّهم ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أحَدًا﴾ ﴿وأنّا لَمَسْنا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وشُهُبًا﴾ ﴿وأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ ﴿وأنّا لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا﴾ ﴿وأنّا مِنّا الصّالِحُونَ ومِنّا دُونَ ذَلِكَ كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا﴾ ﴿وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ في الأرْضِ ولَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ ﴿وأنّا لَمّا سَمِعْنا الهُدى آمَنّا بِهِ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْسًا ولا رَهَقًا﴾ ﴿وأنّا مِنّا المُسْلِمُونَ ومِنّا القاسِطُونَ فَمَن أسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ ﴿وأمّا القاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ ﴿وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦] ﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ ومَن يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا﴾ [الجن: ١٧] ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا﴾ [الجن: ١٨] ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩] ﴿قُلْ إنَّما أدْعُو رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِهِ أحَدًا﴾ [الجن: ٢٠] ﴿قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا رَشَدًا﴾ [الجن: ٢١] ﴿قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أحَدٌ ولَنْ أجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [الجن: ٢٢] ﴿إلّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ ورِسالاتِهِ ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ [الجن: ٢٣] ﴿حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَن أضْعَفُ ناصِرًا وأقَلُّ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٤] ﴿قُلْ إنْ أدْرِي أقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أمَدًا﴾ [الجن: ٢٥] ﴿عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾ [الجن: ٢٦] ﴿إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ فَإنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن: ٢٧] ﴿لِيَعْلَمَ أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وأحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وأحْصى كُلَ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨] . الجَدُّ: لُغَةً العَظَمَةُ والجَلالُ، وجَدَّ في عَيْنِي: عَظُمَ وجَلَّ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والأخْفَشُ: المُلْكُ والسُّلْطانُ، والجَدُّ: الحَظُّ، والجَدُّ: أبُو الأبِ. الحَرْسُ: اسْمُ جَمْعٍ، الواحِدُ حارِسٌ، كَغَيْبٍ واحِدُهُ غائِبٌ، وقَدْ جُمِعَ عَلى أحْراسٍ. قالَ الشّاعِرُ: ؎تَجاوَزْتُ أحْراسًا وأهْوالَ مَعْشَرٍ كَشاهِدٍ وأشْهادٍ، والحارِسُ: الحافِظُ لِلشَّيْءِ يَرْقُبُهُ. القِدَدُ: السِّيَرُ المُخْتَلِفَةُ، الواحِدَةُ قِدَةٌ. قالَ الشّاعِرُ: ؎القابِضُ الباسِطُ الهادِي بِطاعَتِهِ ∗∗∗ في فِتْنَةِ النّاسِ إذْ أهْواؤُهم قِدَدُ (وقالَ الكُمَيْتُ): ؎جُمِعَتْ بِالرَّأْيِ مِنهم كُلُّ رافِضَةٍ ∗∗∗ إذْ هم طَرائِقُ في أهْوائِهِمْ قِدَدُ تَحَرّى الشَّيْءَ: طَلَبَهُ بِاجْتِهادٍ وتَوَخّاهُ وقَصَدَهُ. الغَدَقُ: الكَثِيرُ. اللُّبَدُ، جَمْعُ لِبْدَةٍ: وهو تَراكُمُ بَعْضِهِ فَوْقَ بَعْضٍ، ومِنهُ لِبْدَةُ الأسَدِ. ويُقالُ لِلْجَرادِ الكَثِيرِ المُتَراكِمِ: لِبَدٌ، ومِنهُ اللَّبَدُ الَّذِي يُفْرَشُ. يُلَبِّدُ صُوفَهُ: يُدْخِلُ بَعْضَهُ في بَعْضٍ. (p-٣٤٥)﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ فَقالُوا إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ ﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾ ﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا ما اتَّخَذَ صاحِبَةً ولا ولَدًا﴾ ﴿وأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلى اللَّهِ شَطَطًا﴾ ﴿وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ تَقُولَ الإنْسُ والجِنُّ عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ ﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ فَزادُوهم رَهَقًا﴾ ﴿وأنَّهم ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أحَدًا﴾ ﴿وأنّا لَمَسْنا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وشُهُبًا﴾ ﴿وأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ ﴿وأنّا لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا﴾ ﴿وأنّا مِنّا الصّالِحُونَ ومِنّا دُونَ ذَلِكَ كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا﴾ ﴿وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ في الأرْضِ ولَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ ﴿وأنّا لَمّا سَمِعْنا الهُدى آمَنّا بِهِ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْسًا ولا رَهَقًا﴾ ﴿وأنّا مِنّا المُسْلِمُونَ ومِنّا القاسِطُونَ فَمَن أسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ ﴿وأمّا القاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ . (p-٣٤٦)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِما قَبْلَها: أنَّهُ لَمّا حَكى تَمادِي قَوْمِ نُوحٍ في الكُفْرِ وعُكُوفِهِمْ عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ، وكانَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أوَّلَ رَسُولٍ إلى الأرْضِ، كَما أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ آخِرُ رَسُولٍ إلى الأرْضِ، والعَرَبُ الَّذِي هو مِنهم - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانُوا عُبّادَ أصْنامٍ كَقَوْمِ نُوحٍ، حَتّى أنَّهم عَبَدُوا أصْنامًا مِثْلَ أصْنامِ أُولَئِكَ في الأسْماءِ، وكانَ ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ مِنَ القُرْآنِ هادِيًا إلى الرُّشْدِ، وقَدْ سَمِعَتْهُ العَرَبُ، وتَوَقَّفَ عَنِ الإيمانِ بِهِ أكْثَرُهم، أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى سُورَةَ الجِنِّ إثْرَ سُورَةِ نُوحٍ، تَبْكِيتًا لِقُرَيْشٍ والعَرَبِ في كَوْنِهِمْ تَباطَأُوا عَنِ الإيمانِ، إذْ كانَتِ الجِنُّ خَيْرًا مِنهم وأقْبَلَ لِلْإيمانِ، هَذا وهم مِن غَيْرِ جِنْسِ الرَّسُولِ ﷺ، ومَعَ ذَلِكَ فَبِنَفْسِ ما سَمِعُوا القُرْآنِ اسْتَعْظَمُوهُ وآمَنُوا بِهِ لِلْوَقْتِ، وعَرَفُوا أنَّهُ لَيْسَ مِن نَمَطِ كَلامِ النّاسِ، بِخِلافِ العَرَبِ فَإنَّهُ نَزَلَ بِلِسانِهِمْ وعَرَفُوا كَوْنَهُ مُعْجِزًا، وهم مَعَ ذَلِكَ مُكَذِّبُونَ لَهُ ولِمَن جاءَ بِهِ حَسَدًا وبَغْيًا أنْ يُنِزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿قُلْ أُوحِيَ﴾ رُباعِيًّا. وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والعَتَكِيُّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو، وأبُو أُناسٍ جُوَيَّةُ بْنُ عائِدٍ الأسَدِيُّ: (وحى) ثُلاثِيًّا، يُقالُ: وحى وأوْحى بِمَعْنًى واحِدٍ. قالَ العَجّاجُ: . ؎وحى إلَيْها القَرارَ فاسْتَقَرَّتْ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وجُوَيَّةُ، فِيما رُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ وابْنِ أبِي عَبْلَةَ أيْضًا: (أحى) بِإبْدالِ الواوِ هَمْزَةً، كَما قالُوا في وعَدَ: أعَدَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو مِنَ القَلْبِ المُطْلَقِ جَوازُهُ في كُلِّ واوٍ مَضْمُومَةٍ. انْتَهى. ولَيْسَ كَما ذَكَرَ، بَلْ في ذَلِكَ تَفْصِيلٌ، وذَلِكَ أنَّ الواوَ المَضْمُومَةَ قَدْ تَكُونُ أوَّلًا وحَشْوًا وآخِرًا، ولِكُلٍّ مِنها أحْكامٌ، وفي بَعْضِها خِلافٌ وتَفْصِيلٌ مَذْكُورٌ في النَّحْوِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدْ أطْلَقَهُ المازِنِيُّ في المَكْسُورِ أيْضًا، كِإشاحٍ وإسادَةٍ وإعاءِ أخِيهِ. انْتَهى، وهَذا تَكْثِيرٌ وتَبَجُّحٌ. وكانَ يَذْكُرُ هَذا في ﴿وِعاءِ أخِيهِ﴾ [يوسف: ٧٦] في سُورَةِ يُوسُفَ. وعَنِ المازِنِيِّ في ذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: القِياسُ كَما قالَ، والآخَرُ: قَصْرُ ذَلِكَ عَلى السَّماعِ. و﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، أيِ: اسْتِماعَ ﴿نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ والمَشْهُورُ أنَّ هَذا الِاسْتِماعَ هو المَذْكُورُ في الأحْقافِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] وهي قِصَّةٌ واحِدَةٌ. وقِيلَ: قِصَّتانِ، والجِنُّ الَّذِينَ أتَوْهُ بِمَكَّةَ جِنُّ نَصِيبِينَ، والَّذِينَ أتَوْهُ بِنَخْلَةَ جِنُّ نَيْنَوى، والسُّورَةُ الَّتِي اسْتَمَعُوها، قالَ عِكْرِمَةُ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] . وقِيلَ: سُورَةُ الرَّحْمَنِ. ولَمْ تَتَعَرَّضِ الآيَةُ، لا هُنا ولا في سُورَةِ الأحْقافِ، إلى أنَّهُ رَآهم وكَلَّمَهم، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ويَظْهَرُ مِنَ الحَدِيثِ «أنَّ ذَلِكَ كانَ مَرَّتَيْنِ، إحْداهُما في مَبْدَأِ مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهو في الوَقْتِ الَّذِي أخْبَرَ فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ لَيْلَةَ الجِنِّ، وقَدْ كانُوا فَقَدُوهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فالتَمَسُوهُ في الأوْدِيَةِ والشِّعابِ فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَلَمّا أصْبَحَ، إذا هو جاءٍ مِن قِبَلِ حِراءٍ، وفِيهِ: أتانِي داعِي الجِنِّ، فَذَهَبْتُ مَعَهُ (p-٣٤٧)وقَرَأْتُ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، فانْطَلَقَ بِنا وأرانا آثارَهم وآثارَ نارِهِمْ. والمَرَّةُ الأُخْرى كانَ مَعَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وقَدِ اسْتَنْدَبَ ﷺ مَن يَقُومُ مَعَهُ إلى أنْ يَتْلُوَ القُرْآنَ عَلى الجِنِّ، فَلَمْ يَقُمْ أحَدٌ غَيْرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَذَهَبَ مَعَهُ إلى الحَجُونِ عِنْدَ الشِّعْبِ، فَخَطَّ عَلَيْهِ خَطًّا وقالَ: لا تُجاوِزْهُ. فانْحَدَرَ عَلَيْهِ ﷺ أمْثالُ الحَجَرِ يَجُرُّونَ الحِجارَةَ بِأقْدامِهِمْ يَمْشُونَ يَقْرَعُونَ في دُفُوفِهِمْ كَما تَقْرَعُ النِّسْوَةُ في دُفُوفِهِنَّ، حَتّى غَشَوْهُ فَلا أراهُ فَقُمْتُ، فَأوْمَأ إلَيَّ بِيَدِهِ أنِ اجْلِسْ. فَتَلا القُرْآنَ، فَلَمْ يَزَلْ صَوْتُهُ يَرْتَفِعُ واخْتَفَوْا في الأرْضِ حَتّى ما أراهم» . الحَدِيثِ. ويَدُلُّ عَلى أنَّهُما قِصَّتانِ، اخْتِلافُهم في العَدَدِ، فَقِيلَ: سَبْعَةٌ، وقِيلَ: تِسْعَةٌ، وعَنْ زِرٍّ: كانُوا ثَلاثَةً مِن أهْلِ حَرّانَ، وأرْبَعَةً مِن أهْلِ نَصِيبِينَ، قَرْيَةٌ بِاليَمَنِ غَيْرُ القَرْيَةِ الَّتِي بِالعِراقِ. وعَنْ عِكْرِمَةَ: كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا مِن جَزِيرَةِ المُوصِلِ، وأيْنَ سَبْعَةٌ مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا ؟ ﴿فَقالُوا إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ أيْ: قالُوا لِقَوْمِهِمْ لَمّا رَجَعُوا إلَيْهِمْ، ووَصَفُوا (قُرْآنًا) بِقَوْلِهِمْ (عَجَبًا) وصْفًا بِالمَصْدَرِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، أيْ: هو عَجَبٌ في نَفْسِهِ لِفَصاحَةِ كَلامِهِ، وحُسْنِ مَبانِيهِ، ودِقَّةِ مَعانِيهِ، وغَرابَةِ أُسْلُوبِهِ، وبَلاغَةِ مَواعِظِهِ، وكَوْنِهِ مُبايِنًا لِسائِرِ الكُتُبِ. والعَجَبُ ما خَرَجَ عَنْ أحَدِ أشْكالِهِ ونَظائِرِهِ. ﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ﴾ أيْ: يَدْعُو إلى الصَّوابِ. وقِيلَ: إلى التَّوْحِيدِ والإيمانِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (الرُّشْدِ) بِضَمِّ الرّاءِ وسُكُونِ الشِّينِ. وعِيسى: بِضَمِّهِما. وعَنْهُ أيْضًا: فَتْحُهُما. ﴿فَآمَنّا بِهِ﴾ أيْ: بِالقُرْآنِ. ولَمّا كانَ الإيمانُ بِهِ مُتَضَمِّنًا الإيمانَ بِاللَّهِ وبِوَحْدانِيَّتِهِ وبَراءَةٍ مِنَ الشِّرْكِ، قالُوا: ﴿ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾ . وقَرَأ الحَرَمِيّانِ والأبَوانِ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وأنَّهُ تَعالى﴾ وما بَعْدَهُ، وهي اثْنَتا عَشْرَةَ آيَةً آخِرُها ﴿وأنّا مِنّا المُسْلِمُونَ﴾ . وباقِي السَّبْعَةِ بِالكَسْرِ. فَأمّا الكَسْرُ فَواضِحٌ؛ لِأنَّها مَعْطُوفاتٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنّا سَمِعْنا﴾ فَهي داخِلَةٌ في مَعْمُولِ القَوْلِ. وأمّا الفَتْحُ، فَقالَ أبُو حاتِمٍ: هو عَلى (أُوحِيَ) فَهو كُلُّهُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. انْتَهى. وهَذا لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ مِنَ المَعْطُوفاتِ ما لا يَصِحُّ دُخُولُهُ تَحْتَ (أُوحِيَ) وهو كُلُّ ما كانَ فِيهِ ضَمِيرُ المُتَكَلِّمِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ . ألا تَرى أنَّهُ لا يُلائِمُ ﴿أُوحِيَ إلَيَّ﴾ ﴿أنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ﴾ وكَذَلِكَ باقِيها ؟ وخَرَجَتْ قِراءَةُ الفَتْحِ عَلى أنَّ تِلْكَ كُلَّها مَعْطُوفَةٌ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في (بِهِ) مِن قَوْلِهِ: ﴿فَآمَنّا بِهِ﴾ أيْ: وبِأنَّهُ، وكَذَلِكَ باقِيها، وهَذا جائِزٌ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، وهو الصَّحِيحُ. وقَدْ تَقَدَّمَ احْتِجاجُنا عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وكُفْرٌ بِهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ٢١٧] . وقالَ مَكِّيٌّ: هو أجْوَدُ في أنَّ مِنهُ في غَيْرِها لِكَثْرَةِ حَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ مَعَ أنَّ. وقالَ الزَّجّاجُ: وجْهُهُ أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى آمَنّا بِهِ؛ لِأنَّهُ مَعْناهُ: صَدَّقْناهُ وعَلِمْناهُ، فَيَكُونُ المَعْنى: فَآمَنّا بِهِ أنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا. وسَبَقَهُ إلى نَحْوِهِ الفَرّاءُ قالَ: فُتِحَتْ أنَّ لِوُقُوعِ الإيمانِ عَلَيْها، وأنْتَ تَجِدُ الإيمانَ يَحْسُنُ في بَعْضِ ما فُتِحَ دُونَ بَعْضٍ، فَلا يَمْنَعُكَ ذَلِكَ مِن إمْضائِهِنَّ عَلى الفَتْحِ، فَإنَّهُ يَحْسُنُ فِيهِ ما يُوجِبُ فَتْحَ أنَّ نَحْوُ: صَدَّقْنا وشَهِدْنا. وأشارَ الفَرّاءُ إلى أنَّ بَعْضَ ما فُتِحَ لا يُناسِبُ تَسْلِيطَ آمَنّا عَلَيْهِ، نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ تَقُولَ الإنْسُ والجِنُّ عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ وتَبِعَهُما الزَّمَخْشَرِيُّ، فَقالَ: ومَن فَتَحَ كُلَّهُنَّ، فعَطْفًا عَلى مَحَلِّ الجارِّ والمَجْرُورِ في ﴿آمَنّا بِهِ﴾، كَأنَّهُ قِيلَ: صَدَّقْناهُ وصَدَّقْنا أنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا، وأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا، وكَذَلِكَ البَواقِي. انْتَهى. ولَمْ يَتَفَطَّنْ لِما تَفَطَّنَ لَهُ الفَرّاءُ مِن أنَّ بَعْضَها لا يَحْسُنُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ (آمَنّا) . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿جَدُّ رَبِّنا﴾ بِفَتْحِ الجِيمِ ورَفْعِ الدّالِ، مُضافًا إلى رَبِّنا أيْ: عَظَّمَتُهُ، قالَهُ الجُمْهُورُ. وقالَ أنَسٌ والحَسَنُ: غِناهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: ذِكْرُهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَدْرُهُ وأمْرُهُ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ: (جَدٌّ) مُنَوَّنًا (رَبُّنا) مَرْفُوعَ الباءِ، كَأنَّهُ قالَ: عَظِيمٌ هو رَبُّنا، فَرَبُّنا بَدَلٌ، والجَدُّ في اللُّغَةِ العَظِيمُ. وقَرَأ حُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ: جَدٌّ بِضَمِّ الجِيمِ مُضافًا، ومَعْناهُ العَظِيمُ، حَكاهُ سِيبَوَيْهِ، وهو مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، والمَعْنى: تَعالى رَبُّنا العَظِيمُ. وقَرَأ (p-٣٤٨)عِكْرِمَةُ: جَدًّا رَبُّنا، بِفَتْحِ الجِيمِ والدّالِ مُنَوَّنًا، ورَفَعَ (رَبُّنا) وانْتَصَبَ جَدًّا عَلى التَّمْيِيزِ المَنقُولِ مِنَ الفاعِلِ، أصْلُهُ ﴿تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ . وقَرَأ قَتادَةُ وعِكْرِمَةُ أيْضًا: جِدًّا بِكَسْرِ الجِيمِ والتَّنْوِينِ نَصْبًا (رَبُّنا) رُفِعَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: نَصَبَ جِدًّا عَلى الحالِ، ومَعْناهُ: تَعالى حَقِيقَةً ومُتَمِكِّنًا. وقالَ غَيْرُهُ: هو صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: تَعالَيا جِدًّا، ورَبُّنا مَرْفُوعٌ بتَعالى. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ: جَدَّيْ رَبِّنا، أيْ: جَدْواهُ ونَفْعُهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يَقُولُ سَفِيهُنا﴾: هو إبْلِيسُ. وقِيلَ: هو اسْمُ جِنْسٍ لِكُلِّ سَفِيهٍ، وإبْلِيسُ مُقَدَّمُ السُّفَهاءِ. والشَّطَطُ: التَّعَدِّي وتَجاوُزُ الجِدِّ. قالَ الأعْشى: ؎أيَنْتَهُونَ ولَنْ يَنْهى ذَوِي شَطَطٍ ∗∗∗ كالطَّعْنِ يَذْهَبُ فِيهِ الزَّيْتُ والفُتُلُ ويُقالُ: أشَطَّ في السَّوْمِ إذا أبْعَدَ فِيهِ، أيْ: قَوْلًا هو في نَفْسِهِ شَطَطٌ، وهو نِسْبَةُ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ إلى اللَّهِ تَعالى. ﴿وأنّا ظَنَنّا﴾ الآيَةِ. أيْ: كُنّا حَسَّنّا الظَّنَّ بِالإنْسِ والجِنِّ، واعْتَقَدْنا أنَّ أحَدًا لا يَجْتَرِئُ عَلى أنْ يَكْذِبَ عَلى اللَّهِ فَيَنْسِبَ إلَيْهِ الصّاحِبَةَ والوَلَدَ، فاعْتَقَدْنا صِحَّةَ ما أغْوانا بِهِ إبْلِيسُ ومَرَدَتُهُ حَتّى سَمِعْنا القُرْآنَ فَتَبَيَّنّا كَذِبَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أنْ لَنْ تَقُولَ﴾ مُضارِعُ قالَ. والحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ، ويَعْقُوبُ وابْنُ مِقْسَمٍ: تَقَوَّلَ مُضارِعُ تَتَقَوَّلُ، حُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ وانْتَصَبَ (كَذِبًا) في قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِـ (تَقُولَ) لِأنَّ الكَذِبَ نَوْعٌ مِنَ القَوْلِ، أوْ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: قَوْلًا كَذِبًا، أيْ: مَكْذُوبًا فِيهِ. وفي قِراءَةِ الشّاذِّ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِـ (تَقُولَ) لِأنَّهُ هو الكَذِبُ، فَصارَ كـَ (قَعَدْتُ جُلُوسًا) . ﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ﴾ . رَوى الجُمْهُورُ أنَّ الرَّجُلَ كانَ إذا أرادَ المَبِيتَ أوِ الحُلُولَ في وادٍ نادى بِأعْلى صَوْتِهِ: يا عَزِيزَ هَذا الوادِي ! إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ السُّفَهاءِ الَّذِينَ في طاعَتِكَ، فَيَعْتَقِدُ بِذَلِكَ أنَّ الجِنِّيَّ الَّذِي بِالوادِي يَمْنَعُهُ ويَحْمِيهِ. فَرُوِيَ أنَّ الجِنَّ كانَتْ تَقُولُ عِنْدَ ذَلِكَ: لا نَمْلِكُ لَكم ولا لِأنْفُسِنا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا. قالَ مُقاتِلٌ: أوَّلُ مَن تَعَوَّذَ بِالجِنِّ قَوْمٌ مِنَ اليَمَنِ، ثُمَّ بَنُو حَنِيفَةَ، ثُمَّ فَشا ذَلِكَ في العَرَبِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ المَرْفُوعَ في (فَزادُوهم) عائِدٌ عَلى ﴿رِجالٌ مِنَ الإنْسِ﴾ إذْ هُمُ المُحَدَّثُ عَنْهم، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ والنَّخَعِيِّ وعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ. (فَزادُوهم) أيِ: الإنْسُ (رَهَقًا) أيْ: جَراءَةً وانْتِخاءً وُطُغْيانًا وغِشْيانَ المَحارِمِ وإعْجابًا؛ بِحَيْثُ قالُوا: سُدْنا الإنْسَ والجِنَّ، وفَسَّرَ قَوْمٌ الرَّهَقَ بِالإثْمِ. وأنْشَدَ الطَّبَرِيُّ في ذَلِكَ بَيْتَ الأعْشى: ؎لا شَيْءَ يَنْفَعُنِي مِن دُونِ رُؤْيَتِها ∗∗∗ لا يَشْتَفِي وامِقٌ ما لَمْ يُصِبْ رَهَقا قالَ مَعْناهُ: ما لَمْ يَغْشَ مُحَرَّمًا، والمَعْنى: زادَتِ الإنْسُ الجِنَّ مَأْثَمًا؛ لِأنَّهم عَظَّمُوهم فَزادُوهُمُ اسْتِحْلالًا لِمَحارِمِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ قَتادَةُ وأبُو العالِيَةِ والرَّبِيعُ وابْنُ زَيْدٍ: (فَزادُوهم) أيِ: الجِنُّ زادَتِ الإنْسَ مَخافَةً يَتَخَيَّلُونَ لَهم بِمُنْتَهى طاقَتِهِمْ، ويُغْوُونَهم لَمّا رَأوْا مِن خِفَّةِ أحْلامِهِمْ، فازْدَرَوْهم واحْتَقَرُوهم. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: (رَهَقًا): كُفْرًا. وقِيلَ: لا يُطْلَقُ لَفْظُ الرِّجالِ عَلى الجِنِّ، فالمَعْنى: وإنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ مِن شَرِّ الجِنِّ بِرِجالٍ مِنَ الإنْسِ، وكانَ الرَّجُلُ يَقُولُ مَثَلًا: أعُوذُ بِحُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ مِن جِنِّ هَذا الوادِي، وهَذا قَوْلٌ غَرِيبٌ. (وأنَّهم) أيْ: كُفّارُ الإنْسِ ﴿ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ﴾ أيُّها الجِنُّ، يُخاطِبُ بِهِ بَعْضُهم بَعْضًا. وظَنُّوا وظَنَنْتُمْ، كُلٌّ مِنهُما يَطْلُبُ ﴿أنْ لَنْ يَبْعَثَ﴾ فالمَسْألَةُ مِن بابِ الإعْمالِ، وأنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (وأنَّهم) يَعُودُ عَلى الجِنِّ، والخِطابُ في ظَنَنْتُمْ لِقُرَيْشٍ، وهَذِهِ والَّتِي قَبْلَها هُما مِنَ المُوحى بِهِ لا مِن كَلامِ الجِنِّ: ﴿أنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أحَدًا﴾: الظّاهِرُ أنَّهُ بِعْثَةُ الرِّسالَةِ إلى الخَلْقِ، وهو أنْسَبُ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الآيِ ولِما تَأخَّرَ. وقِيلَ: بَعْثُ القِيامَةِ. ﴿وأنّا لَمَسْنا السَّماءَ﴾: أصْلُ اللَّمْسِ المَسُّ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلتَّطَلُّبِ، والمَعْنى: طَلَبْنا بُلُوغَ السَّماءِ؛ لِاسْتِماعِ كَلامِ أهْلِها فَوَجَدْناها مُلِئَتْ. الظّاهِرُ أنَّ وجَدَ هُنا بِمَعْنى صادَفَ وأصابَ، وتَعَدَّتْ إلى واحِدٍ، والجُمْلَةُ مِن (مُلِئَتْ) في مَوْضِعِ الحالِ، وأُجِيزَ أنْ تَكُونَ تَعَدَّتْ إلى اثْنَيْنِ، (فَمُلِئَتْ) في (p-٣٤٩)مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي. وقَرَأ الأعْرَجُ: مُلِيَتْ بِالياءِ دُونَ هَمْزٍ، والجُمْهُورُ بِالهَمْزِ، وشَدِيدًا: صِفَةٌ لِلْحَرَسِ عَلى اللَّفْظِ؛ لِأنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ، كَما قالَ: ؎أخْشى رُجَيْلًا أوْ رُكَيْبًا عادِيًا ولَوْ لُحِظَ المَعْنى لَقالَ: شِدادًا بِالجَمْعِ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالحَرَسِ: المَلائِكَةُ، أيْ: حافِظِينَ مِن أنْ تَقْرَبَها الشَّياطِينُ، وشُهُبًا جَمْعُ شِهابٍ، وهو ما يُرْجَمُ بِهِ الشَّياطِينُ إذا اسْتَمَعُوا. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الشُّهُبُ هُمُ الحَرَسُ، وكَرَّرَ المَعْنى لَمّا اخْتَلَفَ اللَّفْظُ نَحْوُ: وهِنْدٌ أتى مِن دُونِها النَّأْيُ والبُعْدُ وقَوْلُهُ: ﴿فَوَجَدْناها مُلِئَتْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّها كانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ يَطْرُقُونَ السَّماءَ ولا يَجِدُونَها قَدْ مُلِئَتْ. (مَقاعِدَ) جَمْعُ مَقْعَدٍ، وقَدْ فَسَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صُورَةَ قُعُودِ الجِنِّ «أنَّهم كانُوا واحِدًا فَوْقَ واحِدٍ، فَمَتى أحْرَقَ الأعْلى طَلَعَ الَّذِي تَحْتَهُ مَكانَهُ، فَكانُوا يَسْتَرِقُونَ الكَلِمَةَ فَيُلْقُونَها إلى الكُهّانِ ويَزِيدُونَ مَعَها، ثُمَّ يَزِيدُ الكُهّانُ الكَلِمَةَ مِائَةَ كَذْبَةٍ» . ﴿فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ﴾ الآنَ ظَرْفُ زَمانٍ لِلْحالِ، ويَسْتَمِعُ مُسْتَقْبَلٌ، فاتَّسَعَ في الظَّرْفِ واسْتُعْمِلَ لِلِاسْتِقْبالِ، كَما قالَ: ؎سَأسْعى الآنَ إذْ بَلَغَتِ أناها فالمَعْنى: فَمَن يَقَعُ مِنهُ اسْتِماعٌ في الزَّمانِ الآتِي ﴿يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ أيْ: يَرْصُدُهُ فَيَحْرِقُهُ، هَذا لِمَنِ اسْتَمَعَ. وأمّا السَّمْعُ فَقَدِ انْقَطَعَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] . والرَّجْمُ كانَ في الجاهِلِيَّةِ، وذَلِكَ مَذْكُورٌ في أشْعارِهِمْ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ الحَدِيثُ حِينَ رَأى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - نَجْمًا قَدْ رُمِيَ بِهِ، قالَ: ”«ما كُنْتُمْ تَقُولُونَ في مِثْلِ هَذا في الجاهِلِيَّةِ“ ؟ قالُوا: كُنّا نَقُولُ: يَمُوتُ عَظِيمٌ أوْ يُولَدُ عَظِيمٌ» . قالَ أوْسُ بْنُ حَجَرٍ: ؎وانْقَضَّ كالدُّرِّيِّ يَتْبَعُهُ ∗∗∗ نَقْعٌ يَثُورُ تَخالُهُ طُنُبا وقالَ عَوْفُ بْنُ الجَزْعِ: ؎فَرَدَّ عَلَيْنا العِيرَ مِن دُونِ إلْفِهِ ∗∗∗ أوِ الثَّوْرِ كالدُّرِّيِّ يَتْبَعُهُ الدَّمُ وقالَ بِشْرُ بْنُ أبِي حازِمٍ: ؎والعِيرُ يُرْهِقُها الغُبارُ، وجَحْشُها ∗∗∗ يَنْقَضُّ خَلْفَهُما انْقِضاضَ الكَوْكَبِ قالَ التِّبْرِيزِيُّ: وهَؤُلاءِ الشُّعَراءُ كُلُّهم جاهِلِيُّونَ لَيْسَ فِيهِمْ مُخَضْرَمٌ، وقالَ مَعْمَرٌ: قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ: أكانَ يُرْمى بِالنُّجُومِ في الجاهِلِيَّةِ ؟ قالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: أرَأيْتَ قَوْلَهُ: ﴿وأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ ؟ فَقالَ: غُلِّظَتْ وشُدِّدَ أمْرُها حِينَ بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ . وقالَ الجاحِظُ: القَوْلُ بِالرَّمْي أصَحُّ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَوَجَدْناها مُلِئَتْ﴾ وهَذا إخْبارٌ عَنِ الجِنِّ أنَّهُ زِيدَ في حَرَسِ السَّماءِ حَتّى امْتَلَأتْ، ولِما رَوى ابْنُ عَبّاسٍ وذَكَرَ الحَدِيثَ السّابِقَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تابِعًا لِلْجاحِظِ، وفي قَوْلِهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الحَرَسَ هو المَلْءُ والكَثْرَةُ، فَلِذَلِكَ ﴿نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ﴾ أيْ: كُنّا نَجِدُ فِيها بَعْضَ المَقاعِدِ خالِيَةً مِنَ الحَرَسِ والشُّهُبِ، والآنَ مُلِئَتِ المَقاعِدُ كُلُّها. انْتَهى. وهَذا كُلُّهُ يُبْطِلُ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّ الرَّجْمَ حَدَثَ بَعْدَ مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو إحْدى آياتِهِ. والظّاهِرُ أنَّ رَصَدًا عَلى مَعْنى: ذَوِي شِهابٍ راصِدِينَ بِالرَّجْمِ، وهُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ يَرْجُمُونَهم بِالشُّهُبِ ويَمْنَعُونَهم مِنَ الِاسْتِماعِ. ولَمّا رَأوْا ما حَدَثَ مِن كَثْرَةِ الرَّجْمِ ومَنعِ الِاسْتِراقِ قالُوا: ﴿أنّا لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ﴾ وهو كُفْرُهم بِهَذا النَّبِيِّ ﷺ، فَيَنْزِلُ بِهِمُ الشَّرُّ ﴿أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا﴾ فَيُؤْمِنُونَ بِهِ فَيَرْشُدُونَ. وحِينَ ذَكَرُوا الشَّرَّ لَمْ يُسْنِدُوهُ إلى اللَّهِ تَعالى، وحِينَ ذَكَرُوا الرُّشْدَ أسْنَدُوهُ إلَيْهِ تَعالى. ﴿وأنّا مِنّا الصّالِحُونَ﴾: أخْبَرُوا بِما هم عَلَيْهِ مِن صَلاحٍ وغَيْرِهِ. ﴿ومِنّا دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ: دُونَ الصّالِحِينَ، ويَقَعُ ”دُونَ“ في مَواضِعِ مَوْقِعِ غَيْرٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: ومِنّا غَيْرُ صالِحِينَ. ويَجُوزُ أنْ يُرِيدُوا: ومِنّا دُونُ ذَلِكَ في الصَّلاحِ، أيْ: فِيهِمْ أبْرارٌ وفِيهِمْ مَن هو غَيْرُ كامِلٍ في الصَّلاحِ، ”ودُونَ“ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِمَحْذُوفٍ، أيْ: ومِنّا قَوْمٌ دُونَ ذَلِكَ. ويَجُوزُ حَذْفُ هَذا المَوْصُوفِ في التَّفْصِيلِ ”بِمِن“، حَتّى في الجُمَلِ، قالُوا: مِنّا ظَعَنَ ومِنّا أقامَ، يُرِيدُونَ: مِنّا فَرِيقٌ ظَعَنَ ومِنّا (p-٣٥٠)فَرِيقٌ أقامَ، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا﴾ تَفْسِيرٌ لِلْقِسْمَةِ المُتَقَدِّمَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ: أهْواءٌ مُخْتَلِفَةٌ، وقِيلَ: فِرَقًا مُخْتَلِفَةً. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ كُنّا ذَوِي مَذاهِبَ مُخْتَلِفَةٍ، أوْ كُنّا في اخْتِلافِ أحْوالِنا مِثْلَ الطَّرائِقِ المُخْتَلِفَةِ، أوْ كُنّا في طَرائِقَ مُخْتَلِفَةٍ كَقَوْلِهِ: ؎كَما عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ أوْ كانَتْ طَرائِقُنا قِدَدًا، عَلى حَذْفِ المُضافِ الَّذِي هو الطَّرائِقُ، وإقامَةِ الضَّمِيرِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ. انْتَهى. وفي تَقْدِيرَيْهِ الأوَّلَيْنِ حَذْفُ المُضافِ مِن طَرائِقَ وإقامَةُ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، إذْ حَذَفَ ذَوِي ومِثْلَ. وأمّا التَّقْدِيرُ الثّالِثُ، وهو أنْ يَنْتَصِبَ عَلى إسْقاطِ (في) فَلا يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا في الضَّرُورَةِ، وقَدْ نَصَّ سِيبَوَيْهِ عَلى أنَّ عَسَلَ الطَّرِيقَ شاذٌّ، فَلا يُخَرَّجُ القُرْآنُ عَلَيْهِ. ﴿وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ﴾ أيْ: أيْقَنّا (في الأرْضِ) أيْ: كائِنِينَ في الأرْضِ ﴿ولَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ أيْ: مِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ، و(في الأرْضِ) و(هَرَبًا) حالانِ، أيْ: فارِّينَ أوْ هارِبِينَ. ﴿وأنّا لَمّا سَمِعْنا الهُدى﴾: وهو القُرْآنُ ﴿آمَنّا بِهِ﴾ أيْ: بِالقُرْآنِ ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ﴾ أيْ: فَهو لا يَخافُ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ والجُمْهُورُ: ﴿فَلا يَخافُ﴾ وخَرَجَتْ قِراءَتُهُما عَلى النَّفْيِ. وقِيلَ: الفاءُ زائِدَةٌ ولا نَفْيَ. ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وكانَ الجَوابُ بِالفاءِ أجْوَدَ مِنَ المَجِيءِ بِالفِعْلِ مَجْزُومًا دُونَ الفاءِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ بِالفاءِ كانَ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ، أيْ: فَهو لا يَخافُ. والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ أدَلُّ وآكَدُ مِنَ الفِعْلِيَّةِ عَلى تَحَقُّقِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ. (بَخْسًا) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَقْصَ الحَسَناتِ ﴿ولا رَهَقًا﴾ قالَ: زِيادَةً في السَّيِّئاتِ ﴿ولا رَهَقًا﴾ قِيلَ: تَحْمِيلُ ما لا يُطاقُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ جَزاءَ بَخْسٍ ولا رَهَقٍ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَبْخَسْ أحَدًا حَقًّا ولا رَهَقَ ظُلْمَ أحَدٍ، فَلا يَخافُ جَزاءَهُما. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: فَلا يَخافُ أنْ يُبْخَسَ، بَلْ يُجْزى الجَزاءَ الأوْفى، ولا أنْ تُرْهِقَهُ ذِلَّةٌ مِن قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ [القلم: ٤٣] . انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (بَخْسًا) بِسُكُونِ الخاءِ. وابْنُ وثّابٍ بِفَتْحِها. ﴿ومِنّا القاسِطُونَ﴾ أيِ الكافِرُونَ الجائِرُونَ عَنِ الحَقِّ. قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: وألْبَأْسَ القاسِطَ الظّالِمَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎قَوْمٌ هُمُ قَتَلُوا ابْنَ هِنْدٍ عُنْوَةً ∗∗∗ وهُمُو أقْسَطُوا عَلى النُّعْمانِ وجاءَ هَذا التَّقْسِيمُ، وإنْ كانَ قَدْ تَقَدَّمَ ﴿وأنّا مِنّا الصّالِحُونَ ومِنّا دُونَ ذَلِكَ﴾ لِيَذْكُرَ حالَ الفَرِيقَيْنِ مِنَ النَّجاةِ والهَلَكَةِ، ويُرَغِّبَ مَن يَدْخُلُ في الإسْلامِ. والظّاهِرُ أنَّ ﴿فَمَن أسْلَمَ﴾ إلى آخِرِ الشَّرْطَيْنِ مِن كَلامِ الجِنِّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الوَجْهُ أنْ يَكُونَ ﴿فَمَن أسْلَمَ﴾ مُخاطَبَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ ويُؤَيِّدُهُ ما بَعْدُ مِنَ الآياتِ. وقَرَأ الأعْرَجُ: (رُشْدًا)، بِضَمِّ الرّاءِ وسُكُونِ الشِّينِ. والجُمْهُورُ بِفَتْحِهِما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدْ زَعَمَ مَن لا يَرى لِلْجِنِّ ثَوابًا أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْعَدَ قاسِطِيهِمْ وما وعَدَ مُسْلِمِيهِمْ، وكَفى بِهِ وعِيدًا، أيْ: فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا، فَذَكَرَ سَبَبَ الثَّوابِ ومُوجِبَهُ، واللَّهُ أعْدَلُ مِن أنْ يُعاقِبَ القاسِطَ ولا يُثِيبَ الرّاشِدَ. انْتَهى، وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ في قَوْلِهِ: ومُوجِبِهِ.

الجن 72:15

(p-٣٤٤)(سُورَةُ الجِنِّ مَكِّيَّةٌ وهي ثَمانٍ وعِشْرُونَ آيَةً) (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ فَقالُوا إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ ﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾ ﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا ما اتَّخَذَ صاحِبَةً ولا ولَدًا﴾ ﴿وأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلى اللَّهِ شَطَطًا﴾ ﴿وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ تَقُولَ الإنْسُ والجِنُّ عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ ﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ فَزادُوهم رَهَقًا﴾ ﴿وأنَّهم ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أحَدًا﴾ ﴿وأنّا لَمَسْنا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وشُهُبًا﴾ ﴿وأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ ﴿وأنّا لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا﴾ ﴿وأنّا مِنّا الصّالِحُونَ ومِنّا دُونَ ذَلِكَ كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا﴾ ﴿وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ في الأرْضِ ولَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ ﴿وأنّا لَمّا سَمِعْنا الهُدى آمَنّا بِهِ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْسًا ولا رَهَقًا﴾ ﴿وأنّا مِنّا المُسْلِمُونَ ومِنّا القاسِطُونَ فَمَن أسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ ﴿وأمّا القاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ ﴿وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦] ﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ ومَن يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا﴾ [الجن: ١٧] ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا﴾ [الجن: ١٨] ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩] ﴿قُلْ إنَّما أدْعُو رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِهِ أحَدًا﴾ [الجن: ٢٠] ﴿قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا رَشَدًا﴾ [الجن: ٢١] ﴿قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أحَدٌ ولَنْ أجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [الجن: ٢٢] ﴿إلّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ ورِسالاتِهِ ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ [الجن: ٢٣] ﴿حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَن أضْعَفُ ناصِرًا وأقَلُّ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٤] ﴿قُلْ إنْ أدْرِي أقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أمَدًا﴾ [الجن: ٢٥] ﴿عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾ [الجن: ٢٦] ﴿إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ فَإنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن: ٢٧] ﴿لِيَعْلَمَ أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وأحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وأحْصى كُلَ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨] . الجَدُّ: لُغَةً العَظَمَةُ والجَلالُ، وجَدَّ في عَيْنِي: عَظُمَ وجَلَّ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والأخْفَشُ: المُلْكُ والسُّلْطانُ، والجَدُّ: الحَظُّ، والجَدُّ: أبُو الأبِ. الحَرْسُ: اسْمُ جَمْعٍ، الواحِدُ حارِسٌ، كَغَيْبٍ واحِدُهُ غائِبٌ، وقَدْ جُمِعَ عَلى أحْراسٍ. قالَ الشّاعِرُ: ؎تَجاوَزْتُ أحْراسًا وأهْوالَ مَعْشَرٍ كَشاهِدٍ وأشْهادٍ، والحارِسُ: الحافِظُ لِلشَّيْءِ يَرْقُبُهُ. القِدَدُ: السِّيَرُ المُخْتَلِفَةُ، الواحِدَةُ قِدَةٌ. قالَ الشّاعِرُ: ؎القابِضُ الباسِطُ الهادِي بِطاعَتِهِ ∗∗∗ في فِتْنَةِ النّاسِ إذْ أهْواؤُهم قِدَدُ (وقالَ الكُمَيْتُ): ؎جُمِعَتْ بِالرَّأْيِ مِنهم كُلُّ رافِضَةٍ ∗∗∗ إذْ هم طَرائِقُ في أهْوائِهِمْ قِدَدُ تَحَرّى الشَّيْءَ: طَلَبَهُ بِاجْتِهادٍ وتَوَخّاهُ وقَصَدَهُ. الغَدَقُ: الكَثِيرُ. اللُّبَدُ، جَمْعُ لِبْدَةٍ: وهو تَراكُمُ بَعْضِهِ فَوْقَ بَعْضٍ، ومِنهُ لِبْدَةُ الأسَدِ. ويُقالُ لِلْجَرادِ الكَثِيرِ المُتَراكِمِ: لِبَدٌ، ومِنهُ اللَّبَدُ الَّذِي يُفْرَشُ. يُلَبِّدُ صُوفَهُ: يُدْخِلُ بَعْضَهُ في بَعْضٍ. (p-٣٤٥)﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ فَقالُوا إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ ﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾ ﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا ما اتَّخَذَ صاحِبَةً ولا ولَدًا﴾ ﴿وأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلى اللَّهِ شَطَطًا﴾ ﴿وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ تَقُولَ الإنْسُ والجِنُّ عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ ﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ فَزادُوهم رَهَقًا﴾ ﴿وأنَّهم ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أحَدًا﴾ ﴿وأنّا لَمَسْنا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وشُهُبًا﴾ ﴿وأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ ﴿وأنّا لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا﴾ ﴿وأنّا مِنّا الصّالِحُونَ ومِنّا دُونَ ذَلِكَ كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا﴾ ﴿وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ في الأرْضِ ولَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ ﴿وأنّا لَمّا سَمِعْنا الهُدى آمَنّا بِهِ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْسًا ولا رَهَقًا﴾ ﴿وأنّا مِنّا المُسْلِمُونَ ومِنّا القاسِطُونَ فَمَن أسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ ﴿وأمّا القاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ . (p-٣٤٦)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِما قَبْلَها: أنَّهُ لَمّا حَكى تَمادِي قَوْمِ نُوحٍ في الكُفْرِ وعُكُوفِهِمْ عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ، وكانَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أوَّلَ رَسُولٍ إلى الأرْضِ، كَما أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ آخِرُ رَسُولٍ إلى الأرْضِ، والعَرَبُ الَّذِي هو مِنهم - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانُوا عُبّادَ أصْنامٍ كَقَوْمِ نُوحٍ، حَتّى أنَّهم عَبَدُوا أصْنامًا مِثْلَ أصْنامِ أُولَئِكَ في الأسْماءِ، وكانَ ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ مِنَ القُرْآنِ هادِيًا إلى الرُّشْدِ، وقَدْ سَمِعَتْهُ العَرَبُ، وتَوَقَّفَ عَنِ الإيمانِ بِهِ أكْثَرُهم، أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى سُورَةَ الجِنِّ إثْرَ سُورَةِ نُوحٍ، تَبْكِيتًا لِقُرَيْشٍ والعَرَبِ في كَوْنِهِمْ تَباطَأُوا عَنِ الإيمانِ، إذْ كانَتِ الجِنُّ خَيْرًا مِنهم وأقْبَلَ لِلْإيمانِ، هَذا وهم مِن غَيْرِ جِنْسِ الرَّسُولِ ﷺ، ومَعَ ذَلِكَ فَبِنَفْسِ ما سَمِعُوا القُرْآنِ اسْتَعْظَمُوهُ وآمَنُوا بِهِ لِلْوَقْتِ، وعَرَفُوا أنَّهُ لَيْسَ مِن نَمَطِ كَلامِ النّاسِ، بِخِلافِ العَرَبِ فَإنَّهُ نَزَلَ بِلِسانِهِمْ وعَرَفُوا كَوْنَهُ مُعْجِزًا، وهم مَعَ ذَلِكَ مُكَذِّبُونَ لَهُ ولِمَن جاءَ بِهِ حَسَدًا وبَغْيًا أنْ يُنِزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿قُلْ أُوحِيَ﴾ رُباعِيًّا. وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والعَتَكِيُّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو، وأبُو أُناسٍ جُوَيَّةُ بْنُ عائِدٍ الأسَدِيُّ: (وحى) ثُلاثِيًّا، يُقالُ: وحى وأوْحى بِمَعْنًى واحِدٍ. قالَ العَجّاجُ: . ؎وحى إلَيْها القَرارَ فاسْتَقَرَّتْ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وجُوَيَّةُ، فِيما رُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ وابْنِ أبِي عَبْلَةَ أيْضًا: (أحى) بِإبْدالِ الواوِ هَمْزَةً، كَما قالُوا في وعَدَ: أعَدَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو مِنَ القَلْبِ المُطْلَقِ جَوازُهُ في كُلِّ واوٍ مَضْمُومَةٍ. انْتَهى. ولَيْسَ كَما ذَكَرَ، بَلْ في ذَلِكَ تَفْصِيلٌ، وذَلِكَ أنَّ الواوَ المَضْمُومَةَ قَدْ تَكُونُ أوَّلًا وحَشْوًا وآخِرًا، ولِكُلٍّ مِنها أحْكامٌ، وفي بَعْضِها خِلافٌ وتَفْصِيلٌ مَذْكُورٌ في النَّحْوِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدْ أطْلَقَهُ المازِنِيُّ في المَكْسُورِ أيْضًا، كِإشاحٍ وإسادَةٍ وإعاءِ أخِيهِ. انْتَهى، وهَذا تَكْثِيرٌ وتَبَجُّحٌ. وكانَ يَذْكُرُ هَذا في ﴿وِعاءِ أخِيهِ﴾ [يوسف: ٧٦] في سُورَةِ يُوسُفَ. وعَنِ المازِنِيِّ في ذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: القِياسُ كَما قالَ، والآخَرُ: قَصْرُ ذَلِكَ عَلى السَّماعِ. و﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، أيِ: اسْتِماعَ ﴿نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ والمَشْهُورُ أنَّ هَذا الِاسْتِماعَ هو المَذْكُورُ في الأحْقافِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] وهي قِصَّةٌ واحِدَةٌ. وقِيلَ: قِصَّتانِ، والجِنُّ الَّذِينَ أتَوْهُ بِمَكَّةَ جِنُّ نَصِيبِينَ، والَّذِينَ أتَوْهُ بِنَخْلَةَ جِنُّ نَيْنَوى، والسُّورَةُ الَّتِي اسْتَمَعُوها، قالَ عِكْرِمَةُ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] . وقِيلَ: سُورَةُ الرَّحْمَنِ. ولَمْ تَتَعَرَّضِ الآيَةُ، لا هُنا ولا في سُورَةِ الأحْقافِ، إلى أنَّهُ رَآهم وكَلَّمَهم، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ويَظْهَرُ مِنَ الحَدِيثِ «أنَّ ذَلِكَ كانَ مَرَّتَيْنِ، إحْداهُما في مَبْدَأِ مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهو في الوَقْتِ الَّذِي أخْبَرَ فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ لَيْلَةَ الجِنِّ، وقَدْ كانُوا فَقَدُوهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فالتَمَسُوهُ في الأوْدِيَةِ والشِّعابِ فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَلَمّا أصْبَحَ، إذا هو جاءٍ مِن قِبَلِ حِراءٍ، وفِيهِ: أتانِي داعِي الجِنِّ، فَذَهَبْتُ مَعَهُ (p-٣٤٧)وقَرَأْتُ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، فانْطَلَقَ بِنا وأرانا آثارَهم وآثارَ نارِهِمْ. والمَرَّةُ الأُخْرى كانَ مَعَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وقَدِ اسْتَنْدَبَ ﷺ مَن يَقُومُ مَعَهُ إلى أنْ يَتْلُوَ القُرْآنَ عَلى الجِنِّ، فَلَمْ يَقُمْ أحَدٌ غَيْرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَذَهَبَ مَعَهُ إلى الحَجُونِ عِنْدَ الشِّعْبِ، فَخَطَّ عَلَيْهِ خَطًّا وقالَ: لا تُجاوِزْهُ. فانْحَدَرَ عَلَيْهِ ﷺ أمْثالُ الحَجَرِ يَجُرُّونَ الحِجارَةَ بِأقْدامِهِمْ يَمْشُونَ يَقْرَعُونَ في دُفُوفِهِمْ كَما تَقْرَعُ النِّسْوَةُ في دُفُوفِهِنَّ، حَتّى غَشَوْهُ فَلا أراهُ فَقُمْتُ، فَأوْمَأ إلَيَّ بِيَدِهِ أنِ اجْلِسْ. فَتَلا القُرْآنَ، فَلَمْ يَزَلْ صَوْتُهُ يَرْتَفِعُ واخْتَفَوْا في الأرْضِ حَتّى ما أراهم» . الحَدِيثِ. ويَدُلُّ عَلى أنَّهُما قِصَّتانِ، اخْتِلافُهم في العَدَدِ، فَقِيلَ: سَبْعَةٌ، وقِيلَ: تِسْعَةٌ، وعَنْ زِرٍّ: كانُوا ثَلاثَةً مِن أهْلِ حَرّانَ، وأرْبَعَةً مِن أهْلِ نَصِيبِينَ، قَرْيَةٌ بِاليَمَنِ غَيْرُ القَرْيَةِ الَّتِي بِالعِراقِ. وعَنْ عِكْرِمَةَ: كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا مِن جَزِيرَةِ المُوصِلِ، وأيْنَ سَبْعَةٌ مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا ؟ ﴿فَقالُوا إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ أيْ: قالُوا لِقَوْمِهِمْ لَمّا رَجَعُوا إلَيْهِمْ، ووَصَفُوا (قُرْآنًا) بِقَوْلِهِمْ (عَجَبًا) وصْفًا بِالمَصْدَرِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، أيْ: هو عَجَبٌ في نَفْسِهِ لِفَصاحَةِ كَلامِهِ، وحُسْنِ مَبانِيهِ، ودِقَّةِ مَعانِيهِ، وغَرابَةِ أُسْلُوبِهِ، وبَلاغَةِ مَواعِظِهِ، وكَوْنِهِ مُبايِنًا لِسائِرِ الكُتُبِ. والعَجَبُ ما خَرَجَ عَنْ أحَدِ أشْكالِهِ ونَظائِرِهِ. ﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ﴾ أيْ: يَدْعُو إلى الصَّوابِ. وقِيلَ: إلى التَّوْحِيدِ والإيمانِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (الرُّشْدِ) بِضَمِّ الرّاءِ وسُكُونِ الشِّينِ. وعِيسى: بِضَمِّهِما. وعَنْهُ أيْضًا: فَتْحُهُما. ﴿فَآمَنّا بِهِ﴾ أيْ: بِالقُرْآنِ. ولَمّا كانَ الإيمانُ بِهِ مُتَضَمِّنًا الإيمانَ بِاللَّهِ وبِوَحْدانِيَّتِهِ وبَراءَةٍ مِنَ الشِّرْكِ، قالُوا: ﴿ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾ . وقَرَأ الحَرَمِيّانِ والأبَوانِ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وأنَّهُ تَعالى﴾ وما بَعْدَهُ، وهي اثْنَتا عَشْرَةَ آيَةً آخِرُها ﴿وأنّا مِنّا المُسْلِمُونَ﴾ . وباقِي السَّبْعَةِ بِالكَسْرِ. فَأمّا الكَسْرُ فَواضِحٌ؛ لِأنَّها مَعْطُوفاتٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنّا سَمِعْنا﴾ فَهي داخِلَةٌ في مَعْمُولِ القَوْلِ. وأمّا الفَتْحُ، فَقالَ أبُو حاتِمٍ: هو عَلى (أُوحِيَ) فَهو كُلُّهُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. انْتَهى. وهَذا لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ مِنَ المَعْطُوفاتِ ما لا يَصِحُّ دُخُولُهُ تَحْتَ (أُوحِيَ) وهو كُلُّ ما كانَ فِيهِ ضَمِيرُ المُتَكَلِّمِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ . ألا تَرى أنَّهُ لا يُلائِمُ ﴿أُوحِيَ إلَيَّ﴾ ﴿أنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ﴾ وكَذَلِكَ باقِيها ؟ وخَرَجَتْ قِراءَةُ الفَتْحِ عَلى أنَّ تِلْكَ كُلَّها مَعْطُوفَةٌ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في (بِهِ) مِن قَوْلِهِ: ﴿فَآمَنّا بِهِ﴾ أيْ: وبِأنَّهُ، وكَذَلِكَ باقِيها، وهَذا جائِزٌ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، وهو الصَّحِيحُ. وقَدْ تَقَدَّمَ احْتِجاجُنا عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وكُفْرٌ بِهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ٢١٧] . وقالَ مَكِّيٌّ: هو أجْوَدُ في أنَّ مِنهُ في غَيْرِها لِكَثْرَةِ حَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ مَعَ أنَّ. وقالَ الزَّجّاجُ: وجْهُهُ أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى آمَنّا بِهِ؛ لِأنَّهُ مَعْناهُ: صَدَّقْناهُ وعَلِمْناهُ، فَيَكُونُ المَعْنى: فَآمَنّا بِهِ أنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا. وسَبَقَهُ إلى نَحْوِهِ الفَرّاءُ قالَ: فُتِحَتْ أنَّ لِوُقُوعِ الإيمانِ عَلَيْها، وأنْتَ تَجِدُ الإيمانَ يَحْسُنُ في بَعْضِ ما فُتِحَ دُونَ بَعْضٍ، فَلا يَمْنَعُكَ ذَلِكَ مِن إمْضائِهِنَّ عَلى الفَتْحِ، فَإنَّهُ يَحْسُنُ فِيهِ ما يُوجِبُ فَتْحَ أنَّ نَحْوُ: صَدَّقْنا وشَهِدْنا. وأشارَ الفَرّاءُ إلى أنَّ بَعْضَ ما فُتِحَ لا يُناسِبُ تَسْلِيطَ آمَنّا عَلَيْهِ، نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ تَقُولَ الإنْسُ والجِنُّ عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ وتَبِعَهُما الزَّمَخْشَرِيُّ، فَقالَ: ومَن فَتَحَ كُلَّهُنَّ، فعَطْفًا عَلى مَحَلِّ الجارِّ والمَجْرُورِ في ﴿آمَنّا بِهِ﴾، كَأنَّهُ قِيلَ: صَدَّقْناهُ وصَدَّقْنا أنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا، وأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا، وكَذَلِكَ البَواقِي. انْتَهى. ولَمْ يَتَفَطَّنْ لِما تَفَطَّنَ لَهُ الفَرّاءُ مِن أنَّ بَعْضَها لا يَحْسُنُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ (آمَنّا) . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿جَدُّ رَبِّنا﴾ بِفَتْحِ الجِيمِ ورَفْعِ الدّالِ، مُضافًا إلى رَبِّنا أيْ: عَظَّمَتُهُ، قالَهُ الجُمْهُورُ. وقالَ أنَسٌ والحَسَنُ: غِناهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: ذِكْرُهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَدْرُهُ وأمْرُهُ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ: (جَدٌّ) مُنَوَّنًا (رَبُّنا) مَرْفُوعَ الباءِ، كَأنَّهُ قالَ: عَظِيمٌ هو رَبُّنا، فَرَبُّنا بَدَلٌ، والجَدُّ في اللُّغَةِ العَظِيمُ. وقَرَأ حُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ: جَدٌّ بِضَمِّ الجِيمِ مُضافًا، ومَعْناهُ العَظِيمُ، حَكاهُ سِيبَوَيْهِ، وهو مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، والمَعْنى: تَعالى رَبُّنا العَظِيمُ. وقَرَأ (p-٣٤٨)عِكْرِمَةُ: جَدًّا رَبُّنا، بِفَتْحِ الجِيمِ والدّالِ مُنَوَّنًا، ورَفَعَ (رَبُّنا) وانْتَصَبَ جَدًّا عَلى التَّمْيِيزِ المَنقُولِ مِنَ الفاعِلِ، أصْلُهُ ﴿تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ . وقَرَأ قَتادَةُ وعِكْرِمَةُ أيْضًا: جِدًّا بِكَسْرِ الجِيمِ والتَّنْوِينِ نَصْبًا (رَبُّنا) رُفِعَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: نَصَبَ جِدًّا عَلى الحالِ، ومَعْناهُ: تَعالى حَقِيقَةً ومُتَمِكِّنًا. وقالَ غَيْرُهُ: هو صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: تَعالَيا جِدًّا، ورَبُّنا مَرْفُوعٌ بتَعالى. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ: جَدَّيْ رَبِّنا، أيْ: جَدْواهُ ونَفْعُهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يَقُولُ سَفِيهُنا﴾: هو إبْلِيسُ. وقِيلَ: هو اسْمُ جِنْسٍ لِكُلِّ سَفِيهٍ، وإبْلِيسُ مُقَدَّمُ السُّفَهاءِ. والشَّطَطُ: التَّعَدِّي وتَجاوُزُ الجِدِّ. قالَ الأعْشى: ؎أيَنْتَهُونَ ولَنْ يَنْهى ذَوِي شَطَطٍ ∗∗∗ كالطَّعْنِ يَذْهَبُ فِيهِ الزَّيْتُ والفُتُلُ ويُقالُ: أشَطَّ في السَّوْمِ إذا أبْعَدَ فِيهِ، أيْ: قَوْلًا هو في نَفْسِهِ شَطَطٌ، وهو نِسْبَةُ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ إلى اللَّهِ تَعالى. ﴿وأنّا ظَنَنّا﴾ الآيَةِ. أيْ: كُنّا حَسَّنّا الظَّنَّ بِالإنْسِ والجِنِّ، واعْتَقَدْنا أنَّ أحَدًا لا يَجْتَرِئُ عَلى أنْ يَكْذِبَ عَلى اللَّهِ فَيَنْسِبَ إلَيْهِ الصّاحِبَةَ والوَلَدَ، فاعْتَقَدْنا صِحَّةَ ما أغْوانا بِهِ إبْلِيسُ ومَرَدَتُهُ حَتّى سَمِعْنا القُرْآنَ فَتَبَيَّنّا كَذِبَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أنْ لَنْ تَقُولَ﴾ مُضارِعُ قالَ. والحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ، ويَعْقُوبُ وابْنُ مِقْسَمٍ: تَقَوَّلَ مُضارِعُ تَتَقَوَّلُ، حُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ وانْتَصَبَ (كَذِبًا) في قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِـ (تَقُولَ) لِأنَّ الكَذِبَ نَوْعٌ مِنَ القَوْلِ، أوْ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: قَوْلًا كَذِبًا، أيْ: مَكْذُوبًا فِيهِ. وفي قِراءَةِ الشّاذِّ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِـ (تَقُولَ) لِأنَّهُ هو الكَذِبُ، فَصارَ كـَ (قَعَدْتُ جُلُوسًا) . ﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ﴾ . رَوى الجُمْهُورُ أنَّ الرَّجُلَ كانَ إذا أرادَ المَبِيتَ أوِ الحُلُولَ في وادٍ نادى بِأعْلى صَوْتِهِ: يا عَزِيزَ هَذا الوادِي ! إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ السُّفَهاءِ الَّذِينَ في طاعَتِكَ، فَيَعْتَقِدُ بِذَلِكَ أنَّ الجِنِّيَّ الَّذِي بِالوادِي يَمْنَعُهُ ويَحْمِيهِ. فَرُوِيَ أنَّ الجِنَّ كانَتْ تَقُولُ عِنْدَ ذَلِكَ: لا نَمْلِكُ لَكم ولا لِأنْفُسِنا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا. قالَ مُقاتِلٌ: أوَّلُ مَن تَعَوَّذَ بِالجِنِّ قَوْمٌ مِنَ اليَمَنِ، ثُمَّ بَنُو حَنِيفَةَ، ثُمَّ فَشا ذَلِكَ في العَرَبِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ المَرْفُوعَ في (فَزادُوهم) عائِدٌ عَلى ﴿رِجالٌ مِنَ الإنْسِ﴾ إذْ هُمُ المُحَدَّثُ عَنْهم، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ والنَّخَعِيِّ وعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ. (فَزادُوهم) أيِ: الإنْسُ (رَهَقًا) أيْ: جَراءَةً وانْتِخاءً وُطُغْيانًا وغِشْيانَ المَحارِمِ وإعْجابًا؛ بِحَيْثُ قالُوا: سُدْنا الإنْسَ والجِنَّ، وفَسَّرَ قَوْمٌ الرَّهَقَ بِالإثْمِ. وأنْشَدَ الطَّبَرِيُّ في ذَلِكَ بَيْتَ الأعْشى: ؎لا شَيْءَ يَنْفَعُنِي مِن دُونِ رُؤْيَتِها ∗∗∗ لا يَشْتَفِي وامِقٌ ما لَمْ يُصِبْ رَهَقا قالَ مَعْناهُ: ما لَمْ يَغْشَ مُحَرَّمًا، والمَعْنى: زادَتِ الإنْسُ الجِنَّ مَأْثَمًا؛ لِأنَّهم عَظَّمُوهم فَزادُوهُمُ اسْتِحْلالًا لِمَحارِمِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ قَتادَةُ وأبُو العالِيَةِ والرَّبِيعُ وابْنُ زَيْدٍ: (فَزادُوهم) أيِ: الجِنُّ زادَتِ الإنْسَ مَخافَةً يَتَخَيَّلُونَ لَهم بِمُنْتَهى طاقَتِهِمْ، ويُغْوُونَهم لَمّا رَأوْا مِن خِفَّةِ أحْلامِهِمْ، فازْدَرَوْهم واحْتَقَرُوهم. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: (رَهَقًا): كُفْرًا. وقِيلَ: لا يُطْلَقُ لَفْظُ الرِّجالِ عَلى الجِنِّ، فالمَعْنى: وإنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ مِن شَرِّ الجِنِّ بِرِجالٍ مِنَ الإنْسِ، وكانَ الرَّجُلُ يَقُولُ مَثَلًا: أعُوذُ بِحُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ مِن جِنِّ هَذا الوادِي، وهَذا قَوْلٌ غَرِيبٌ. (وأنَّهم) أيْ: كُفّارُ الإنْسِ ﴿ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ﴾ أيُّها الجِنُّ، يُخاطِبُ بِهِ بَعْضُهم بَعْضًا. وظَنُّوا وظَنَنْتُمْ، كُلٌّ مِنهُما يَطْلُبُ ﴿أنْ لَنْ يَبْعَثَ﴾ فالمَسْألَةُ مِن بابِ الإعْمالِ، وأنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (وأنَّهم) يَعُودُ عَلى الجِنِّ، والخِطابُ في ظَنَنْتُمْ لِقُرَيْشٍ، وهَذِهِ والَّتِي قَبْلَها هُما مِنَ المُوحى بِهِ لا مِن كَلامِ الجِنِّ: ﴿أنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أحَدًا﴾: الظّاهِرُ أنَّهُ بِعْثَةُ الرِّسالَةِ إلى الخَلْقِ، وهو أنْسَبُ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الآيِ ولِما تَأخَّرَ. وقِيلَ: بَعْثُ القِيامَةِ. ﴿وأنّا لَمَسْنا السَّماءَ﴾: أصْلُ اللَّمْسِ المَسُّ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلتَّطَلُّبِ، والمَعْنى: طَلَبْنا بُلُوغَ السَّماءِ؛ لِاسْتِماعِ كَلامِ أهْلِها فَوَجَدْناها مُلِئَتْ. الظّاهِرُ أنَّ وجَدَ هُنا بِمَعْنى صادَفَ وأصابَ، وتَعَدَّتْ إلى واحِدٍ، والجُمْلَةُ مِن (مُلِئَتْ) في مَوْضِعِ الحالِ، وأُجِيزَ أنْ تَكُونَ تَعَدَّتْ إلى اثْنَيْنِ، (فَمُلِئَتْ) في (p-٣٤٩)مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي. وقَرَأ الأعْرَجُ: مُلِيَتْ بِالياءِ دُونَ هَمْزٍ، والجُمْهُورُ بِالهَمْزِ، وشَدِيدًا: صِفَةٌ لِلْحَرَسِ عَلى اللَّفْظِ؛ لِأنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ، كَما قالَ: ؎أخْشى رُجَيْلًا أوْ رُكَيْبًا عادِيًا ولَوْ لُحِظَ المَعْنى لَقالَ: شِدادًا بِالجَمْعِ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالحَرَسِ: المَلائِكَةُ، أيْ: حافِظِينَ مِن أنْ تَقْرَبَها الشَّياطِينُ، وشُهُبًا جَمْعُ شِهابٍ، وهو ما يُرْجَمُ بِهِ الشَّياطِينُ إذا اسْتَمَعُوا. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الشُّهُبُ هُمُ الحَرَسُ، وكَرَّرَ المَعْنى لَمّا اخْتَلَفَ اللَّفْظُ نَحْوُ: وهِنْدٌ أتى مِن دُونِها النَّأْيُ والبُعْدُ وقَوْلُهُ: ﴿فَوَجَدْناها مُلِئَتْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّها كانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ يَطْرُقُونَ السَّماءَ ولا يَجِدُونَها قَدْ مُلِئَتْ. (مَقاعِدَ) جَمْعُ مَقْعَدٍ، وقَدْ فَسَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صُورَةَ قُعُودِ الجِنِّ «أنَّهم كانُوا واحِدًا فَوْقَ واحِدٍ، فَمَتى أحْرَقَ الأعْلى طَلَعَ الَّذِي تَحْتَهُ مَكانَهُ، فَكانُوا يَسْتَرِقُونَ الكَلِمَةَ فَيُلْقُونَها إلى الكُهّانِ ويَزِيدُونَ مَعَها، ثُمَّ يَزِيدُ الكُهّانُ الكَلِمَةَ مِائَةَ كَذْبَةٍ» . ﴿فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ﴾ الآنَ ظَرْفُ زَمانٍ لِلْحالِ، ويَسْتَمِعُ مُسْتَقْبَلٌ، فاتَّسَعَ في الظَّرْفِ واسْتُعْمِلَ لِلِاسْتِقْبالِ، كَما قالَ: ؎سَأسْعى الآنَ إذْ بَلَغَتِ أناها فالمَعْنى: فَمَن يَقَعُ مِنهُ اسْتِماعٌ في الزَّمانِ الآتِي ﴿يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ أيْ: يَرْصُدُهُ فَيَحْرِقُهُ، هَذا لِمَنِ اسْتَمَعَ. وأمّا السَّمْعُ فَقَدِ انْقَطَعَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] . والرَّجْمُ كانَ في الجاهِلِيَّةِ، وذَلِكَ مَذْكُورٌ في أشْعارِهِمْ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ الحَدِيثُ حِينَ رَأى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - نَجْمًا قَدْ رُمِيَ بِهِ، قالَ: ”«ما كُنْتُمْ تَقُولُونَ في مِثْلِ هَذا في الجاهِلِيَّةِ“ ؟ قالُوا: كُنّا نَقُولُ: يَمُوتُ عَظِيمٌ أوْ يُولَدُ عَظِيمٌ» . قالَ أوْسُ بْنُ حَجَرٍ: ؎وانْقَضَّ كالدُّرِّيِّ يَتْبَعُهُ ∗∗∗ نَقْعٌ يَثُورُ تَخالُهُ طُنُبا وقالَ عَوْفُ بْنُ الجَزْعِ: ؎فَرَدَّ عَلَيْنا العِيرَ مِن دُونِ إلْفِهِ ∗∗∗ أوِ الثَّوْرِ كالدُّرِّيِّ يَتْبَعُهُ الدَّمُ وقالَ بِشْرُ بْنُ أبِي حازِمٍ: ؎والعِيرُ يُرْهِقُها الغُبارُ، وجَحْشُها ∗∗∗ يَنْقَضُّ خَلْفَهُما انْقِضاضَ الكَوْكَبِ قالَ التِّبْرِيزِيُّ: وهَؤُلاءِ الشُّعَراءُ كُلُّهم جاهِلِيُّونَ لَيْسَ فِيهِمْ مُخَضْرَمٌ، وقالَ مَعْمَرٌ: قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ: أكانَ يُرْمى بِالنُّجُومِ في الجاهِلِيَّةِ ؟ قالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: أرَأيْتَ قَوْلَهُ: ﴿وأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ ؟ فَقالَ: غُلِّظَتْ وشُدِّدَ أمْرُها حِينَ بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ . وقالَ الجاحِظُ: القَوْلُ بِالرَّمْي أصَحُّ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَوَجَدْناها مُلِئَتْ﴾ وهَذا إخْبارٌ عَنِ الجِنِّ أنَّهُ زِيدَ في حَرَسِ السَّماءِ حَتّى امْتَلَأتْ، ولِما رَوى ابْنُ عَبّاسٍ وذَكَرَ الحَدِيثَ السّابِقَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تابِعًا لِلْجاحِظِ، وفي قَوْلِهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الحَرَسَ هو المَلْءُ والكَثْرَةُ، فَلِذَلِكَ ﴿نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ﴾ أيْ: كُنّا نَجِدُ فِيها بَعْضَ المَقاعِدِ خالِيَةً مِنَ الحَرَسِ والشُّهُبِ، والآنَ مُلِئَتِ المَقاعِدُ كُلُّها. انْتَهى. وهَذا كُلُّهُ يُبْطِلُ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّ الرَّجْمَ حَدَثَ بَعْدَ مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو إحْدى آياتِهِ. والظّاهِرُ أنَّ رَصَدًا عَلى مَعْنى: ذَوِي شِهابٍ راصِدِينَ بِالرَّجْمِ، وهُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ يَرْجُمُونَهم بِالشُّهُبِ ويَمْنَعُونَهم مِنَ الِاسْتِماعِ. ولَمّا رَأوْا ما حَدَثَ مِن كَثْرَةِ الرَّجْمِ ومَنعِ الِاسْتِراقِ قالُوا: ﴿أنّا لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ﴾ وهو كُفْرُهم بِهَذا النَّبِيِّ ﷺ، فَيَنْزِلُ بِهِمُ الشَّرُّ ﴿أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا﴾ فَيُؤْمِنُونَ بِهِ فَيَرْشُدُونَ. وحِينَ ذَكَرُوا الشَّرَّ لَمْ يُسْنِدُوهُ إلى اللَّهِ تَعالى، وحِينَ ذَكَرُوا الرُّشْدَ أسْنَدُوهُ إلَيْهِ تَعالى. ﴿وأنّا مِنّا الصّالِحُونَ﴾: أخْبَرُوا بِما هم عَلَيْهِ مِن صَلاحٍ وغَيْرِهِ. ﴿ومِنّا دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ: دُونَ الصّالِحِينَ، ويَقَعُ ”دُونَ“ في مَواضِعِ مَوْقِعِ غَيْرٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: ومِنّا غَيْرُ صالِحِينَ. ويَجُوزُ أنْ يُرِيدُوا: ومِنّا دُونُ ذَلِكَ في الصَّلاحِ، أيْ: فِيهِمْ أبْرارٌ وفِيهِمْ مَن هو غَيْرُ كامِلٍ في الصَّلاحِ، ”ودُونَ“ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِمَحْذُوفٍ، أيْ: ومِنّا قَوْمٌ دُونَ ذَلِكَ. ويَجُوزُ حَذْفُ هَذا المَوْصُوفِ في التَّفْصِيلِ ”بِمِن“، حَتّى في الجُمَلِ، قالُوا: مِنّا ظَعَنَ ومِنّا أقامَ، يُرِيدُونَ: مِنّا فَرِيقٌ ظَعَنَ ومِنّا (p-٣٥٠)فَرِيقٌ أقامَ، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا﴾ تَفْسِيرٌ لِلْقِسْمَةِ المُتَقَدِّمَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ: أهْواءٌ مُخْتَلِفَةٌ، وقِيلَ: فِرَقًا مُخْتَلِفَةً. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ كُنّا ذَوِي مَذاهِبَ مُخْتَلِفَةٍ، أوْ كُنّا في اخْتِلافِ أحْوالِنا مِثْلَ الطَّرائِقِ المُخْتَلِفَةِ، أوْ كُنّا في طَرائِقَ مُخْتَلِفَةٍ كَقَوْلِهِ: ؎كَما عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ أوْ كانَتْ طَرائِقُنا قِدَدًا، عَلى حَذْفِ المُضافِ الَّذِي هو الطَّرائِقُ، وإقامَةِ الضَّمِيرِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ. انْتَهى. وفي تَقْدِيرَيْهِ الأوَّلَيْنِ حَذْفُ المُضافِ مِن طَرائِقَ وإقامَةُ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، إذْ حَذَفَ ذَوِي ومِثْلَ. وأمّا التَّقْدِيرُ الثّالِثُ، وهو أنْ يَنْتَصِبَ عَلى إسْقاطِ (في) فَلا يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا في الضَّرُورَةِ، وقَدْ نَصَّ سِيبَوَيْهِ عَلى أنَّ عَسَلَ الطَّرِيقَ شاذٌّ، فَلا يُخَرَّجُ القُرْآنُ عَلَيْهِ. ﴿وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ﴾ أيْ: أيْقَنّا (في الأرْضِ) أيْ: كائِنِينَ في الأرْضِ ﴿ولَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ أيْ: مِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ، و(في الأرْضِ) و(هَرَبًا) حالانِ، أيْ: فارِّينَ أوْ هارِبِينَ. ﴿وأنّا لَمّا سَمِعْنا الهُدى﴾: وهو القُرْآنُ ﴿آمَنّا بِهِ﴾ أيْ: بِالقُرْآنِ ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ﴾ أيْ: فَهو لا يَخافُ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ والجُمْهُورُ: ﴿فَلا يَخافُ﴾ وخَرَجَتْ قِراءَتُهُما عَلى النَّفْيِ. وقِيلَ: الفاءُ زائِدَةٌ ولا نَفْيَ. ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وكانَ الجَوابُ بِالفاءِ أجْوَدَ مِنَ المَجِيءِ بِالفِعْلِ مَجْزُومًا دُونَ الفاءِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ بِالفاءِ كانَ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ، أيْ: فَهو لا يَخافُ. والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ أدَلُّ وآكَدُ مِنَ الفِعْلِيَّةِ عَلى تَحَقُّقِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ. (بَخْسًا) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَقْصَ الحَسَناتِ ﴿ولا رَهَقًا﴾ قالَ: زِيادَةً في السَّيِّئاتِ ﴿ولا رَهَقًا﴾ قِيلَ: تَحْمِيلُ ما لا يُطاقُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ جَزاءَ بَخْسٍ ولا رَهَقٍ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَبْخَسْ أحَدًا حَقًّا ولا رَهَقَ ظُلْمَ أحَدٍ، فَلا يَخافُ جَزاءَهُما. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: فَلا يَخافُ أنْ يُبْخَسَ، بَلْ يُجْزى الجَزاءَ الأوْفى، ولا أنْ تُرْهِقَهُ ذِلَّةٌ مِن قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ [القلم: ٤٣] . انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (بَخْسًا) بِسُكُونِ الخاءِ. وابْنُ وثّابٍ بِفَتْحِها. ﴿ومِنّا القاسِطُونَ﴾ أيِ الكافِرُونَ الجائِرُونَ عَنِ الحَقِّ. قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: وألْبَأْسَ القاسِطَ الظّالِمَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎قَوْمٌ هُمُ قَتَلُوا ابْنَ هِنْدٍ عُنْوَةً ∗∗∗ وهُمُو أقْسَطُوا عَلى النُّعْمانِ وجاءَ هَذا التَّقْسِيمُ، وإنْ كانَ قَدْ تَقَدَّمَ ﴿وأنّا مِنّا الصّالِحُونَ ومِنّا دُونَ ذَلِكَ﴾ لِيَذْكُرَ حالَ الفَرِيقَيْنِ مِنَ النَّجاةِ والهَلَكَةِ، ويُرَغِّبَ مَن يَدْخُلُ في الإسْلامِ. والظّاهِرُ أنَّ ﴿فَمَن أسْلَمَ﴾ إلى آخِرِ الشَّرْطَيْنِ مِن كَلامِ الجِنِّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الوَجْهُ أنْ يَكُونَ ﴿فَمَن أسْلَمَ﴾ مُخاطَبَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ ويُؤَيِّدُهُ ما بَعْدُ مِنَ الآياتِ. وقَرَأ الأعْرَجُ: (رُشْدًا)، بِضَمِّ الرّاءِ وسُكُونِ الشِّينِ. والجُمْهُورُ بِفَتْحِهِما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدْ زَعَمَ مَن لا يَرى لِلْجِنِّ ثَوابًا أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْعَدَ قاسِطِيهِمْ وما وعَدَ مُسْلِمِيهِمْ، وكَفى بِهِ وعِيدًا، أيْ: فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا، فَذَكَرَ سَبَبَ الثَّوابِ ومُوجِبَهُ، واللَّهُ أعْدَلُ مِن أنْ يُعاقِبَ القاسِطَ ولا يُثِيبَ الرّاشِدَ. انْتَهى، وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ في قَوْلِهِ: ومُوجِبِهِ.

الجن 72:16

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: (p-٣٥١)﴿وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾ ﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ ومَن يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا﴾ ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا﴾ ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ ﴿قُلْ إنَّما أدْعُوا رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِهِ أحَدًا﴾ ﴿قُلْ إنّى لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا رَشَدًا﴾ ﴿قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أحَدٌ ولَنْ أجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ ﴿إلّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ ورِسالاتِهِ ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ [الجن: ٢٣] ﴿حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَن أضْعَفُ ناصِرًا وأقَلُّ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٤] ﴿قُلْ إنْ أدْرِي أقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أمَدًا﴾ [الجن: ٢٥] ﴿عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾ [الجن: ٢٦] ﴿إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ فَإنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن: ٢٧] ﴿لِيَعْلَمَ أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وأحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وأحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨] . (p-٣٥٢)هَذا مِن جُمْلَةِ المُوحى المُنْدَرِجِ تَحْتَ ﴿أُوحِيَ إلَيَّ﴾ [الجن: ١] وأنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، والضَّمِيرُ في (اسْتَقامُوا) . قالَ الضَّحّاكُ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وأبُو مِجْلِزٍ: هو عائِدٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَمَن أسْلَمَ﴾ [الجن: ١٤] والطَّرِيقَةُ: طَرِيقَةُ الكُفْرِ، أيْ: لَوْ كَفَرَ مَن أسْلَمَ مِنَ النّاسِ ﴿لَأسْقَيْناهُمْ﴾ إمْلاءً لَهم واسْتِدْراجًا. واسْتِعارَةُ الِاسْتِقامَةِ لِلْكُفْرِ قَلِقَةٌ لا تُناسِبُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ: هو عائِدٌ عَلى القاسِطِينَ، والمَعْنى عَلى الطَّرِيقَةِ الإسْلامُ والحَقُّ؛ لَأنْعَمْنا عَلَيْهِمْ، نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا واتَّقَوْا﴾ [المائدة: ٦٥] الآيَةِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (اسْتَقامُوا) عائِدٌ عَلى الخَلْقِ كُلِّهِمْ، و(أنْ) هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ. ﴿لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾: كِنايَةٌ عَنْ تَوْسِعَةِ الرِّزْقِ لِأنَّهُ أصْلُ المَعاشِ. وقالَ بَعْضُهم: المالُ حَيْثُ الماءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (غَدَقًا) بِفَتْحِ الدّالِ. وعاصِمٌ في رِوايَةِ الأعْشى بِكَسْرِها. ويُقالُ: غَدَقَتِ العَيْنُ تُغْدِقُ غَدَقًا فَهي غَدِقَةٌ، إذا كَثُرَ ماؤُها. (لِنَفْتِنَهم) أيْ: لِنَخْتَبِرَهم كَيْفَ يَشْكُرُونَ ما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِهِ، أوْ لِنَمْتَحِنَهم ونَسْتَدْرِجَهم، وذَلِكَ عَلى الخِلافِ فِيمَن يَعُودُ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ في (اسْتَقامُوا) . وقَرَأ الأعْمَشُ وابْنُ وثّابٍ، بِضَمِّ واوِ (لَوْ) . والجُمْهُورُ بِكَسْرِها. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: (يَسْلُكُهُ) بِالياءِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالنُّونِ. وابْنُ جُنْدُبٍ بِالنُّونِ مِن أسْلَكَ، وبَعْضُ التّابِعِينَ بِالياءِ مِن أسْلَكَ أيْضًا، وهُما لُغَتانِ: سَلَكَ وأسْلَكَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎حَتّى إذا أسْلَكُوهم في قُتائِدَةٍ وقَرَأ الجُمْهُورُ: (صَعَدًا) بِفَتْحَتَيْنِ، وذُو مَصْدَرِ صَعِدَ وصَفَ بِهِ العَذابَ، أيْ: يَعْلُو المُعَذَّبَ ويَغْلِبُهُ، وفُسِّرَ بِشاقٍّ. يُقالُ: فُلانٌ في صُعُدٍ مِن أمْرِهِ، أيْ: في مَشَقَّةٍ. وقالَ عُمَرُ: ما يُتَصَعَّدُ بِي شَيْءٌ كَما يُتَصَعَّدُ في خُطْبَةِ النِّكاحِ، أيْ: ما يَشُقُّ عَلَيَّ. وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ وابْنُ عَبّاسٍ: صَعَدٌ: جَبَلٌ في النّارِ. وقالَ الخُدْرِيُّ: كُلَّما وضَعُوا أيْدِيَهم عَلَيْهِ ذابَتْ. وقالَ عِكْرِمَةُ: هو صَخْرَةٌ مَلْساءُ في جَهَنَّمَ يُكَلَّفُ صُعُودَها، فَإذا انْتَهى إلى أعْلاها حَدَرَ إلى جَهَنَّمَ، فَعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (عَذابٍ) عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: عَذابٌ صَعَدٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (صَعَدًا) مَفْعُولَ (يَسْلُكْهُ)، (وعَذابًا) مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ. وقَرَأ قَوْمٌ: (صُعُدًا) بِضَمَّتَيْنِ. وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ بِضَمِّ الصّادِ وفَتْحِ العَيْنِ. قالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ لا راحَةَ فِيهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وأنَّ المَساجِدَ﴾ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَطْفًا عَلى ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ [الجن: ١] فَهو مِن جُمْلَةِ المُوحى. وقالَ الخَلِيلُ: مَعْنى الآيَةِ: ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا﴾ أيْ: لِهَذا السَّبَبِ، وكَذَلِكَ عِنْدَهُ ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش: ١] (فَلْيَعْبُدُوا) وكَذَلِكَ (وأنَّ هَذِهِ أُمَتُّكم) أيْ: ولِأنَّ هَذِهِ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ وطَلْحَةُ: (وإنَّ المَساجِدَ) بِكَسْرِها عَلى الِاسْتِئْنافِ وعَلى تَقْدِيرِ الخَلِيلِ، فالمَعْنى: فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا في المَساجِدِ؛ لِأنَّها لِلَّهِ خاصَّةً ولِعِبادَتِهِ، والظّاهِرُ أنَّ المَساجِدَ هي البُيُوتُ المُعَدَّةُ لِلصَّلاةِ والعِبادَةِ في كُلِّ مِلَّةٍ. وقالَ الحَسَنُ: كُلُّ مَوْضِعٍ سُجِدَ فِيهِ فَهو مَسْجِدٌ، كانَ مَخْصُوصًا لِذَلِكَ أوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأنَّ الأرْضَ كُلَّها مَسْجِدُ هَذِهِ الأُمَّةِ. وأبْعَدَ ابْنُ عَطاءٍ في قَوْلِهِ إنَّها الآرابُ الَّتِي يُسْجَدُ عَلَيْها، واحِدُها مَسْجَدٌ بِفَتْحِ الجِيمِ، وهي الجَبْهَةُ والأنْفُ واليَدانِ والرُّكْبَتانِ والقَدَمانِ، عَدَّ الجَبْهَةَ والأنْفَ واحِدًا، وأبْعَدَ أيْضًا مَن قالَ: المَسْجِدُ الحَرامُ؛ لِأنَّهُ قِبْلَةُ المَساجِدِ، وقالَ: إنَّهُ جَمَعَ مَسْجِدٌ وهو السُّجُودُ. ورُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ حِينَ تَغَلَّبَتْ قُرَيْشٌ عَلى الكَعْبَةِ، فَقِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: المَواضِعُ كُلُّها لِلَّهِ، فاعْبُدْهُ حَيْثُ كُنْتَ. «وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: نَزَلَتْ لِأنَّ الجِنَّ قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نَشْهَدُ الصَّلاةَ مَعَكَ عَلى نَأْيِنا عَنْكَ ؟ فَنَزَلَتِ الآيَةُ لِيُخاطِبَهم عَلى مَعْنى أنَّ عِبادَتَكم حَيْثُ كُنْتُمْ مَقْبُولَةٌ إذا دَخَلْنا المَساجِدَ» . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، عَطْفًا عَلى قِراءَتِهِمْ ﴿وأنَّ المَساجِدَ﴾ بِالفَتْحِ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ وطَلْحَةُ ونافِعٌ وأبُو بَكْرٍ: بِكَسْرِها عَلى الِاسْتِئْنافِ. وعَبْدُ اللَّهِ هو مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (يَدْعُوهُ) أيْ: يَدْعُو اللَّهَ (p-٣٥٣)(كادُوا) أيْ: كادَ الجِنُّ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ: يَنْقَضُّونَ عَلَيْهِ لِاسْتِماعِ القُرْآنِ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: الضَّمِيرُ في (كادُوا) لِكُفّارِ قُرَيْشٍ والعَرَبِ في اجْتِماعِهِمْ عَلى رَدِّ أمْرِهِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: المَعْنى أنَّها قَوْلُ الجِنِّ لِقَوْمِهِمْ يَحْكُونَ، والضَّمِيرُ في (كادُوا) لِأصْحابِهِ الَّذِينَ يَطَّوَّعُونَ لَهُ ويُقَيَّدُونَ بِهِ في الصَّلاةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): هَلّا قِيلَ رَسُولُ اللَّهِ أوِ النَّبِيُّ ؟ (قُلْتُ): لِأنَّ تَقْدِيرَهُ: وأُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ، فَلَمّا كانَ واقِعًا في كَلامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ نَفْسِهِ، جِيءَ بِهِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ التَّواضُعُ والتَّذَلُّلُ، أوْ لِأنَّ المَعْنى أنَّ عِبادَةَ عَبْدِ اللَّهِ لِلَّهِ لَيْسَتْ بِأمْرٍ مُسْتَبْعَدٍ عَنِ العَقْلِ، ولا مُسْتَنْكَرٍ حَتّى يَكُونُوا عَلَيْهِ لِبَدًا. ومَعْنى (قامَ يَدْعُوهُ): قامَ يَعْبُدُهُ، يُرِيدُ قِيامَهُ لِصَلاةِ الفَجْرِ بِنَخْلَةَ حِينَ أتاهُ الجِنُّ، فاسْتَمَعُوا لِقِراءَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ. ﴿كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ أيْ: يَزْدَحِمُونَ عَلَيْهِ مُتَراكِمِينَ؛ تَعَجُّبًا مِمّا رَأوْا مِن عِبادَتِهِ، واقْتِداءِ أصْحابِهِ بِهِ قائِمًا وراكِعًا وساجِدًا، وإعْجابًا بِما تَلا مِنَ القُرْآنِ؛ لِأنَّهم رَأوْا ما لَمْ يَرَوْا مِثْلَهُ، وسَمِعُوا بِما لَمْ يَسْمَعُوا بِنَظِيرِهِ. انْتَهى، وهو قَوْلٌ مُتَقَدِّمٌ كَثَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِخَطابَتِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لِبَدًا) بِكَسْرِ اللّامِ وفَتْحِ الباءِ جَمْعُ لِبْدَةٍ، نَحْوُ: كِسْرَةٍ وكِسَرٍ، وهي الجَماعاتُ شُبِّهَتْ بِالشَّيْءِ المُتَلَبِّدِ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ مَنافِ بْنِ رِبْعٍ: ؎صافُّوا بِسِتَّةِ أبْياتٍ وأرْبَعَةٍ ∗∗∗ حَتّى كَأنَّ عَلَيْهِمْ جانِبًا لِبَدًا وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أعْوانًا. وقَرَأ مُجاهِدٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ عامِرٍ: بِخِلافٍ عَنْهُ بِضَمِّ اللّامِ جَمْعُ لُبْدَةٍ، كُزُبْرَةٍ وزُبُرٍ. وعَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ أيْضًا: تَسْكِينُ الباءِ وضَمُّ اللّامِ (لُبْدًا) . وقَرَأ الحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ وأبُو حَيْوَةَ وجَماعَةٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِضَمَّتَيْنِ جَمْعٍ لَبْدٍ، كَرَهْنٍ ورُهُنٍ، أوْ جَمْعُ لَبُودٍ، كَصَبُورٍ وصُبُرٍ. وقَرَأ الحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ: بِخِلافٍ عَنْهُما، (لُبَّدًا) بِضَمِّ اللّامِ وشَدِّ الباءِ المَفْتُوحَةِ. قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: لَمّا قامَ الرَّسُولُ لِلدَّعْوَةِ، تَلَبَّدَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى هَذا الأمْرِ لِيُطْفِئُوهُ، فَأبى اللَّهُ إلّا أنْ يَنْصُرَهُ ويُتِمَّ نُورَهُ. انْتَهى. وأبْعَدَ مَن قالَ عَبْدُ اللَّهِ هُنا نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كادَ قَوْمُهُ يَقْتُلُونَهُ حَتّى اسْتَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنهم، قالَهُ الحَسَنُ. وأبْعَدَ مِنهُ قَوْلُ مَن قالَ إنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: قالَ إنَّما أدْعُو رَبِّي أيْ: أعْبُدُهُ، أيْ: قالَ لِلْمُتَظاهِرِينَ عَلَيْهِ: ﴿إنَّما أدْعُو رَبِّي﴾ أيْ: لَمْ آتِكم بِأمْرٍ يُنْكَرُ، إنَّما أعْبُدُ رَبِّي وحْدَهُ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِمّا يُوجِبُ إطْباقَكم عَلى عَداوَتِي. أوْ قالَ لِلْجِنِّ عِنْدَ ازْدِحامِهِمْ مُتَعَجِّبِينَ: لَيْسَ ما تَرَوْنَ مِن عِبادَةِ اللَّهِ بِأمْرٍ يُتَعَجَّبُ مِنهُ، إنَّما يُتَعَجَّبُ مِمَّنْ يَعْبُدُ غَيْرَهُ. أوْ قالَ الجِنُّ لِقَوْمِهِمْ: ذَلِكَ حِكايَةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهَذا كُلُّهُ مُرَتَّبٌ عَلى الخِلافِ في عَوْدِ الضَّمِيرِ في (كادُوا) . وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ وأبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ عَنْهُ: (قُلْ) أيْ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ المُزْدَحِمِينَ عَلَيْكَ، وهم إمّا الجِنُّ وإمّا المُشْرِكُونَ، عَلى اخْتِلافِ القَوْلَيْنِ في ضَمِيرِ (كادُوا) . ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى أنْ يَقُولَ لَهم ما يَدُلُّ عَلى تَبَرُّئِهِ مِنَ القُدْرَةِ عَلى إيصالِ خَيْرٍ أوْ شَرٍّ إلَيْهِمْ، وجَعَلَ الضَّرَّ مُقابِلًا لِلرُّشْدِ تَعْبِيرًا بِهِ عَنِ الغَيِّ، إذِ الغَيُّ ثَمَرَتُهُ الضَّرَرُ، يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ضَرًّا ولا نَفْعًا ولا غَيًّا ولا رَشَدًا، فَحَذَفَ مِن كُلِّ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مُقابِلَهُ. وقَرَأ الأعْرَجُ: (رُشُدًا) بِضَمَّتَيْنِ. ولَمّا تَبَرَّأ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن قُدْرَتِهِ عَلى نَفْعِهِمْ وضَرِّهِمْ، أمَرَ بِأنْ يُخْبِرَهم بِأنَّهُ مَرْبُوبٌ لِلَّهِ تَعالى، يَفْعَلُ فِيهِ رَبُّهُ ما يُرِيدُ، وأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُجِيرَهُ مِنهُ أحَدٌ، ولا يَجِدُ مِن دُونِهِ مَلْجَأً يَرْكَنُ إلَيْهِ، قالَ قَرِيبًا مِنهُ قَتادَةُ. وقالَ السُّدِّيُّ: حِرْزًا. وقالَ الكَلْبِيُّ: مَدْخَلًا في الأرْضِ، وقِيلَ: ناصِرًا، وقِيلَ: مَذْهَبًا ومَسْلَكًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎يا لَهْفَ نَفْسِي ! ونَفْسِي غَيْرُ مُجْدِيَةٍ ∗∗∗ عَنِّي، وما مِن قَضاءِ اللَّهِ مُلْتَحَدُ وقِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ وهو: قالُوا لَهُ اتْرُكْ ما تَدْعُو إلَيْهِ ونَحْنُ نُجِيرُكَ، فَقِيلَ لَهُ: قُلْ لَنْ يُجِيرَنِي. وقِيلَ: هو جَوابٌ لِقَوْلِ ورْدانَ سَيِّدِ الجِنِّ، وقَدِ ازْدَحَمُوا عَلَيْهِ، قالَ ورْدانُ: أنا أُرَحِّلُهم عَنْكَ، فَقالَ: (p-٣٥٤)إنِّي لَنْ يُجِيَرَنِي أحَدٌ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. ﴿إلّا بَلاغًا﴾ [الجن: ٢٣] قالَ الحَسَنُ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَنْ يُجِيرَنِي أحَدٌ، لَكِنْ إنْ بَلَّغْتُ رَحِمَنِي بِذَلِكَ. والإجارَةُ لِلْبَلاغِ مُسْتَعارَةٌ، إذْ هو سَبَّبُ إجارَةِ اللَّهِ تَعالى ورَحِمَتِهِ. وقِيلَ عَلى هَذا المَعْنى: هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، أيْ: لَنْ يُجِيرَنِي في أحَدٍ، لَكِنْ لَمْ أجِدْ شَيْئًا أمِيلُ إلَيْهِ وأعْتَصِمُ بِهِ إلّا أنْ أُبَلِّغَ وأُطِيعَ فَيُجِيرَنِي اللَّهُ، فَيَجُوزُ نَصْبُهُ عَلى الِاسْتِثْناءِ مِن (مُلْتَحَدًا)، وعَلى البَدَلِ وهو الوَجْهُ؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُ نَفْيًا، وعَلى البَدَلِ خَرَّجَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: هَذا الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ: ولَمْ أجِدْ مُلْتَحَدًا بَلْ، قالَ: (مِن دُونِهِ) والبَلاغُ مِنَ اللَّهِ لا يَكُونُ داخِلًا تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ لِأنَّهُ لا يَكُونُ مِن دُونِ اللَّهِ، بَلْ يَكُونُ مِنَ اللَّهِ وبِإعانَتِهِ وتَوْفِيقِهِ. وقالَ قَتادَةُ: التَّقْدِيرُ لا أمْلِكُ إلّا بَلاغًا إلَيْكم، فَأمّا الإيمانُ والكُفْرُ فَلا أمْلِكُ. انْتَهى، وفِيهِ بُعْدٌ لِطُولِ الفَصْلِ بَيْنَهُما. وقِيلَ، (إلّا) في تَقْدِيرِ الِانْفِصالِ: إنْ شَرْطِيَّةٌ ولا نافِيَةٌ، وحُذِفَ فِعْلُها لِدَلالَةِ المَصْدَرِ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: إنْ لَمْ أبْلُغْ بَلاغًا مِنَ اللَّهِ ورِسالَتِهِ، وهَذا كَما تَقُولُ: إنْ لا قِيامًا قُعُودًا، أيْ: إنْ لَمْ تَقُمْ قِيامًا فاقْعُدْ قُعُودًا، وحَذْفُ هَذا الفِعْلِ قَدْ يَكُونُ لِدَلالَةٍ عَلَيْهِ بَعْدَهُ أوْ قَبْلَهُ، كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ: ؎فَطَلِّقْها فَلَسْتَ لَها بِكُفْءٍ ∗∗∗ وإلّا يَعْلُ مَفْرِقَكَ الحُسامُ التَّقْدِيرُ: وإنْ لا تُطَلِّقْها، فَحَذَفَ (تُطَلِّقْها) لِدَلالَةِ فَطَلِّقْها عَلَيْهِ، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تابِعًا لِـ قَتادَةَ، أيْ: لا أمْلِكُ إلّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ، و﴿قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي﴾: جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ اعْتَرَضَ بِها لِتَأْكِيدِ نَفْيِ الِاسْتِطاعَةِ عَنْ نَفْسِهِ، وبَيانِ عَجْزِهِ عَلى مَعْنى إنَّ اللَّهَ إنْ أرادَ بِهِ سُوءً مِن مَرَضٍ أوْ مَوْتٍ أوْ غَيْرِهِما، لَمْ يَصِحَّ أنْ يُجِيرَهُ مِنهُ أحَدٌ أوْ يَجِدَ مِن دُونِهِ مَلاذًا يَأْوِي إلَيْهِ. انْتَهى. (ورِسالاتِهِ) قِيلَ: عَطْفٌ عَلى (بَلاغًا) أيْ: إلّا أنْ أُبَلِّغَ عَنِ اللَّهِ، أوْ أُبَلِّغَ رِسالاتِهِ. الظّاهِرُ أنَّ (رِسالاتِهِ) عَطْفٌ عَلى (اللَّهِ)، أيْ: إلّا أنْ أُبَلِّغَ عَنِ اللَّهِ وعَنْ رِسالاتِهِ.

الجن 72:17

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: (p-٣٥١)﴿وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾ ﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ ومَن يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا﴾ ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا﴾ ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ ﴿قُلْ إنَّما أدْعُوا رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِهِ أحَدًا﴾ ﴿قُلْ إنّى لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا رَشَدًا﴾ ﴿قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أحَدٌ ولَنْ أجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ ﴿إلّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ ورِسالاتِهِ ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ [الجن: ٢٣] ﴿حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَن أضْعَفُ ناصِرًا وأقَلُّ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٤] ﴿قُلْ إنْ أدْرِي أقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أمَدًا﴾ [الجن: ٢٥] ﴿عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾ [الجن: ٢٦] ﴿إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ فَإنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن: ٢٧] ﴿لِيَعْلَمَ أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وأحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وأحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨] . (p-٣٥٢)هَذا مِن جُمْلَةِ المُوحى المُنْدَرِجِ تَحْتَ ﴿أُوحِيَ إلَيَّ﴾ [الجن: ١] وأنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، والضَّمِيرُ في (اسْتَقامُوا) . قالَ الضَّحّاكُ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وأبُو مِجْلِزٍ: هو عائِدٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَمَن أسْلَمَ﴾ [الجن: ١٤] والطَّرِيقَةُ: طَرِيقَةُ الكُفْرِ، أيْ: لَوْ كَفَرَ مَن أسْلَمَ مِنَ النّاسِ ﴿لَأسْقَيْناهُمْ﴾ إمْلاءً لَهم واسْتِدْراجًا. واسْتِعارَةُ الِاسْتِقامَةِ لِلْكُفْرِ قَلِقَةٌ لا تُناسِبُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ: هو عائِدٌ عَلى القاسِطِينَ، والمَعْنى عَلى الطَّرِيقَةِ الإسْلامُ والحَقُّ؛ لَأنْعَمْنا عَلَيْهِمْ، نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا واتَّقَوْا﴾ [المائدة: ٦٥] الآيَةِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (اسْتَقامُوا) عائِدٌ عَلى الخَلْقِ كُلِّهِمْ، و(أنْ) هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ. ﴿لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾: كِنايَةٌ عَنْ تَوْسِعَةِ الرِّزْقِ لِأنَّهُ أصْلُ المَعاشِ. وقالَ بَعْضُهم: المالُ حَيْثُ الماءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (غَدَقًا) بِفَتْحِ الدّالِ. وعاصِمٌ في رِوايَةِ الأعْشى بِكَسْرِها. ويُقالُ: غَدَقَتِ العَيْنُ تُغْدِقُ غَدَقًا فَهي غَدِقَةٌ، إذا كَثُرَ ماؤُها. (لِنَفْتِنَهم) أيْ: لِنَخْتَبِرَهم كَيْفَ يَشْكُرُونَ ما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِهِ، أوْ لِنَمْتَحِنَهم ونَسْتَدْرِجَهم، وذَلِكَ عَلى الخِلافِ فِيمَن يَعُودُ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ في (اسْتَقامُوا) . وقَرَأ الأعْمَشُ وابْنُ وثّابٍ، بِضَمِّ واوِ (لَوْ) . والجُمْهُورُ بِكَسْرِها. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: (يَسْلُكُهُ) بِالياءِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالنُّونِ. وابْنُ جُنْدُبٍ بِالنُّونِ مِن أسْلَكَ، وبَعْضُ التّابِعِينَ بِالياءِ مِن أسْلَكَ أيْضًا، وهُما لُغَتانِ: سَلَكَ وأسْلَكَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎حَتّى إذا أسْلَكُوهم في قُتائِدَةٍ وقَرَأ الجُمْهُورُ: (صَعَدًا) بِفَتْحَتَيْنِ، وذُو مَصْدَرِ صَعِدَ وصَفَ بِهِ العَذابَ، أيْ: يَعْلُو المُعَذَّبَ ويَغْلِبُهُ، وفُسِّرَ بِشاقٍّ. يُقالُ: فُلانٌ في صُعُدٍ مِن أمْرِهِ، أيْ: في مَشَقَّةٍ. وقالَ عُمَرُ: ما يُتَصَعَّدُ بِي شَيْءٌ كَما يُتَصَعَّدُ في خُطْبَةِ النِّكاحِ، أيْ: ما يَشُقُّ عَلَيَّ. وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ وابْنُ عَبّاسٍ: صَعَدٌ: جَبَلٌ في النّارِ. وقالَ الخُدْرِيُّ: كُلَّما وضَعُوا أيْدِيَهم عَلَيْهِ ذابَتْ. وقالَ عِكْرِمَةُ: هو صَخْرَةٌ مَلْساءُ في جَهَنَّمَ يُكَلَّفُ صُعُودَها، فَإذا انْتَهى إلى أعْلاها حَدَرَ إلى جَهَنَّمَ، فَعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (عَذابٍ) عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: عَذابٌ صَعَدٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (صَعَدًا) مَفْعُولَ (يَسْلُكْهُ)، (وعَذابًا) مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ. وقَرَأ قَوْمٌ: (صُعُدًا) بِضَمَّتَيْنِ. وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ بِضَمِّ الصّادِ وفَتْحِ العَيْنِ. قالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ لا راحَةَ فِيهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وأنَّ المَساجِدَ﴾ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَطْفًا عَلى ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ [الجن: ١] فَهو مِن جُمْلَةِ المُوحى. وقالَ الخَلِيلُ: مَعْنى الآيَةِ: ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا﴾ أيْ: لِهَذا السَّبَبِ، وكَذَلِكَ عِنْدَهُ ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش: ١] (فَلْيَعْبُدُوا) وكَذَلِكَ (وأنَّ هَذِهِ أُمَتُّكم) أيْ: ولِأنَّ هَذِهِ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ وطَلْحَةُ: (وإنَّ المَساجِدَ) بِكَسْرِها عَلى الِاسْتِئْنافِ وعَلى تَقْدِيرِ الخَلِيلِ، فالمَعْنى: فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا في المَساجِدِ؛ لِأنَّها لِلَّهِ خاصَّةً ولِعِبادَتِهِ، والظّاهِرُ أنَّ المَساجِدَ هي البُيُوتُ المُعَدَّةُ لِلصَّلاةِ والعِبادَةِ في كُلِّ مِلَّةٍ. وقالَ الحَسَنُ: كُلُّ مَوْضِعٍ سُجِدَ فِيهِ فَهو مَسْجِدٌ، كانَ مَخْصُوصًا لِذَلِكَ أوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأنَّ الأرْضَ كُلَّها مَسْجِدُ هَذِهِ الأُمَّةِ. وأبْعَدَ ابْنُ عَطاءٍ في قَوْلِهِ إنَّها الآرابُ الَّتِي يُسْجَدُ عَلَيْها، واحِدُها مَسْجَدٌ بِفَتْحِ الجِيمِ، وهي الجَبْهَةُ والأنْفُ واليَدانِ والرُّكْبَتانِ والقَدَمانِ، عَدَّ الجَبْهَةَ والأنْفَ واحِدًا، وأبْعَدَ أيْضًا مَن قالَ: المَسْجِدُ الحَرامُ؛ لِأنَّهُ قِبْلَةُ المَساجِدِ، وقالَ: إنَّهُ جَمَعَ مَسْجِدٌ وهو السُّجُودُ. ورُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ حِينَ تَغَلَّبَتْ قُرَيْشٌ عَلى الكَعْبَةِ، فَقِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: المَواضِعُ كُلُّها لِلَّهِ، فاعْبُدْهُ حَيْثُ كُنْتَ. «وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: نَزَلَتْ لِأنَّ الجِنَّ قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نَشْهَدُ الصَّلاةَ مَعَكَ عَلى نَأْيِنا عَنْكَ ؟ فَنَزَلَتِ الآيَةُ لِيُخاطِبَهم عَلى مَعْنى أنَّ عِبادَتَكم حَيْثُ كُنْتُمْ مَقْبُولَةٌ إذا دَخَلْنا المَساجِدَ» . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، عَطْفًا عَلى قِراءَتِهِمْ ﴿وأنَّ المَساجِدَ﴾ بِالفَتْحِ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ وطَلْحَةُ ونافِعٌ وأبُو بَكْرٍ: بِكَسْرِها عَلى الِاسْتِئْنافِ. وعَبْدُ اللَّهِ هو مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (يَدْعُوهُ) أيْ: يَدْعُو اللَّهَ (p-٣٥٣)(كادُوا) أيْ: كادَ الجِنُّ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ: يَنْقَضُّونَ عَلَيْهِ لِاسْتِماعِ القُرْآنِ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: الضَّمِيرُ في (كادُوا) لِكُفّارِ قُرَيْشٍ والعَرَبِ في اجْتِماعِهِمْ عَلى رَدِّ أمْرِهِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: المَعْنى أنَّها قَوْلُ الجِنِّ لِقَوْمِهِمْ يَحْكُونَ، والضَّمِيرُ في (كادُوا) لِأصْحابِهِ الَّذِينَ يَطَّوَّعُونَ لَهُ ويُقَيَّدُونَ بِهِ في الصَّلاةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): هَلّا قِيلَ رَسُولُ اللَّهِ أوِ النَّبِيُّ ؟ (قُلْتُ): لِأنَّ تَقْدِيرَهُ: وأُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ، فَلَمّا كانَ واقِعًا في كَلامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ نَفْسِهِ، جِيءَ بِهِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ التَّواضُعُ والتَّذَلُّلُ، أوْ لِأنَّ المَعْنى أنَّ عِبادَةَ عَبْدِ اللَّهِ لِلَّهِ لَيْسَتْ بِأمْرٍ مُسْتَبْعَدٍ عَنِ العَقْلِ، ولا مُسْتَنْكَرٍ حَتّى يَكُونُوا عَلَيْهِ لِبَدًا. ومَعْنى (قامَ يَدْعُوهُ): قامَ يَعْبُدُهُ، يُرِيدُ قِيامَهُ لِصَلاةِ الفَجْرِ بِنَخْلَةَ حِينَ أتاهُ الجِنُّ، فاسْتَمَعُوا لِقِراءَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ. ﴿كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ أيْ: يَزْدَحِمُونَ عَلَيْهِ مُتَراكِمِينَ؛ تَعَجُّبًا مِمّا رَأوْا مِن عِبادَتِهِ، واقْتِداءِ أصْحابِهِ بِهِ قائِمًا وراكِعًا وساجِدًا، وإعْجابًا بِما تَلا مِنَ القُرْآنِ؛ لِأنَّهم رَأوْا ما لَمْ يَرَوْا مِثْلَهُ، وسَمِعُوا بِما لَمْ يَسْمَعُوا بِنَظِيرِهِ. انْتَهى، وهو قَوْلٌ مُتَقَدِّمٌ كَثَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِخَطابَتِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لِبَدًا) بِكَسْرِ اللّامِ وفَتْحِ الباءِ جَمْعُ لِبْدَةٍ، نَحْوُ: كِسْرَةٍ وكِسَرٍ، وهي الجَماعاتُ شُبِّهَتْ بِالشَّيْءِ المُتَلَبِّدِ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ مَنافِ بْنِ رِبْعٍ: ؎صافُّوا بِسِتَّةِ أبْياتٍ وأرْبَعَةٍ ∗∗∗ حَتّى كَأنَّ عَلَيْهِمْ جانِبًا لِبَدًا وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أعْوانًا. وقَرَأ مُجاهِدٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ عامِرٍ: بِخِلافٍ عَنْهُ بِضَمِّ اللّامِ جَمْعُ لُبْدَةٍ، كُزُبْرَةٍ وزُبُرٍ. وعَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ أيْضًا: تَسْكِينُ الباءِ وضَمُّ اللّامِ (لُبْدًا) . وقَرَأ الحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ وأبُو حَيْوَةَ وجَماعَةٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِضَمَّتَيْنِ جَمْعٍ لَبْدٍ، كَرَهْنٍ ورُهُنٍ، أوْ جَمْعُ لَبُودٍ، كَصَبُورٍ وصُبُرٍ. وقَرَأ الحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ: بِخِلافٍ عَنْهُما، (لُبَّدًا) بِضَمِّ اللّامِ وشَدِّ الباءِ المَفْتُوحَةِ. قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: لَمّا قامَ الرَّسُولُ لِلدَّعْوَةِ، تَلَبَّدَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى هَذا الأمْرِ لِيُطْفِئُوهُ، فَأبى اللَّهُ إلّا أنْ يَنْصُرَهُ ويُتِمَّ نُورَهُ. انْتَهى. وأبْعَدَ مَن قالَ عَبْدُ اللَّهِ هُنا نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كادَ قَوْمُهُ يَقْتُلُونَهُ حَتّى اسْتَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنهم، قالَهُ الحَسَنُ. وأبْعَدَ مِنهُ قَوْلُ مَن قالَ إنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: قالَ إنَّما أدْعُو رَبِّي أيْ: أعْبُدُهُ، أيْ: قالَ لِلْمُتَظاهِرِينَ عَلَيْهِ: ﴿إنَّما أدْعُو رَبِّي﴾ أيْ: لَمْ آتِكم بِأمْرٍ يُنْكَرُ، إنَّما أعْبُدُ رَبِّي وحْدَهُ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِمّا يُوجِبُ إطْباقَكم عَلى عَداوَتِي. أوْ قالَ لِلْجِنِّ عِنْدَ ازْدِحامِهِمْ مُتَعَجِّبِينَ: لَيْسَ ما تَرَوْنَ مِن عِبادَةِ اللَّهِ بِأمْرٍ يُتَعَجَّبُ مِنهُ، إنَّما يُتَعَجَّبُ مِمَّنْ يَعْبُدُ غَيْرَهُ. أوْ قالَ الجِنُّ لِقَوْمِهِمْ: ذَلِكَ حِكايَةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهَذا كُلُّهُ مُرَتَّبٌ عَلى الخِلافِ في عَوْدِ الضَّمِيرِ في (كادُوا) . وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ وأبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ عَنْهُ: (قُلْ) أيْ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ المُزْدَحِمِينَ عَلَيْكَ، وهم إمّا الجِنُّ وإمّا المُشْرِكُونَ، عَلى اخْتِلافِ القَوْلَيْنِ في ضَمِيرِ (كادُوا) . ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى أنْ يَقُولَ لَهم ما يَدُلُّ عَلى تَبَرُّئِهِ مِنَ القُدْرَةِ عَلى إيصالِ خَيْرٍ أوْ شَرٍّ إلَيْهِمْ، وجَعَلَ الضَّرَّ مُقابِلًا لِلرُّشْدِ تَعْبِيرًا بِهِ عَنِ الغَيِّ، إذِ الغَيُّ ثَمَرَتُهُ الضَّرَرُ، يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ضَرًّا ولا نَفْعًا ولا غَيًّا ولا رَشَدًا، فَحَذَفَ مِن كُلِّ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مُقابِلَهُ. وقَرَأ الأعْرَجُ: (رُشُدًا) بِضَمَّتَيْنِ. ولَمّا تَبَرَّأ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن قُدْرَتِهِ عَلى نَفْعِهِمْ وضَرِّهِمْ، أمَرَ بِأنْ يُخْبِرَهم بِأنَّهُ مَرْبُوبٌ لِلَّهِ تَعالى، يَفْعَلُ فِيهِ رَبُّهُ ما يُرِيدُ، وأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُجِيرَهُ مِنهُ أحَدٌ، ولا يَجِدُ مِن دُونِهِ مَلْجَأً يَرْكَنُ إلَيْهِ، قالَ قَرِيبًا مِنهُ قَتادَةُ. وقالَ السُّدِّيُّ: حِرْزًا. وقالَ الكَلْبِيُّ: مَدْخَلًا في الأرْضِ، وقِيلَ: ناصِرًا، وقِيلَ: مَذْهَبًا ومَسْلَكًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎يا لَهْفَ نَفْسِي ! ونَفْسِي غَيْرُ مُجْدِيَةٍ ∗∗∗ عَنِّي، وما مِن قَضاءِ اللَّهِ مُلْتَحَدُ وقِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ وهو: قالُوا لَهُ اتْرُكْ ما تَدْعُو إلَيْهِ ونَحْنُ نُجِيرُكَ، فَقِيلَ لَهُ: قُلْ لَنْ يُجِيرَنِي. وقِيلَ: هو جَوابٌ لِقَوْلِ ورْدانَ سَيِّدِ الجِنِّ، وقَدِ ازْدَحَمُوا عَلَيْهِ، قالَ ورْدانُ: أنا أُرَحِّلُهم عَنْكَ، فَقالَ: (p-٣٥٤)إنِّي لَنْ يُجِيَرَنِي أحَدٌ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. ﴿إلّا بَلاغًا﴾ [الجن: ٢٣] قالَ الحَسَنُ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَنْ يُجِيرَنِي أحَدٌ، لَكِنْ إنْ بَلَّغْتُ رَحِمَنِي بِذَلِكَ. والإجارَةُ لِلْبَلاغِ مُسْتَعارَةٌ، إذْ هو سَبَّبُ إجارَةِ اللَّهِ تَعالى ورَحِمَتِهِ. وقِيلَ عَلى هَذا المَعْنى: هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، أيْ: لَنْ يُجِيرَنِي في أحَدٍ، لَكِنْ لَمْ أجِدْ شَيْئًا أمِيلُ إلَيْهِ وأعْتَصِمُ بِهِ إلّا أنْ أُبَلِّغَ وأُطِيعَ فَيُجِيرَنِي اللَّهُ، فَيَجُوزُ نَصْبُهُ عَلى الِاسْتِثْناءِ مِن (مُلْتَحَدًا)، وعَلى البَدَلِ وهو الوَجْهُ؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُ نَفْيًا، وعَلى البَدَلِ خَرَّجَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: هَذا الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ: ولَمْ أجِدْ مُلْتَحَدًا بَلْ، قالَ: (مِن دُونِهِ) والبَلاغُ مِنَ اللَّهِ لا يَكُونُ داخِلًا تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ لِأنَّهُ لا يَكُونُ مِن دُونِ اللَّهِ، بَلْ يَكُونُ مِنَ اللَّهِ وبِإعانَتِهِ وتَوْفِيقِهِ. وقالَ قَتادَةُ: التَّقْدِيرُ لا أمْلِكُ إلّا بَلاغًا إلَيْكم، فَأمّا الإيمانُ والكُفْرُ فَلا أمْلِكُ. انْتَهى، وفِيهِ بُعْدٌ لِطُولِ الفَصْلِ بَيْنَهُما. وقِيلَ، (إلّا) في تَقْدِيرِ الِانْفِصالِ: إنْ شَرْطِيَّةٌ ولا نافِيَةٌ، وحُذِفَ فِعْلُها لِدَلالَةِ المَصْدَرِ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: إنْ لَمْ أبْلُغْ بَلاغًا مِنَ اللَّهِ ورِسالَتِهِ، وهَذا كَما تَقُولُ: إنْ لا قِيامًا قُعُودًا، أيْ: إنْ لَمْ تَقُمْ قِيامًا فاقْعُدْ قُعُودًا، وحَذْفُ هَذا الفِعْلِ قَدْ يَكُونُ لِدَلالَةٍ عَلَيْهِ بَعْدَهُ أوْ قَبْلَهُ، كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ: ؎فَطَلِّقْها فَلَسْتَ لَها بِكُفْءٍ ∗∗∗ وإلّا يَعْلُ مَفْرِقَكَ الحُسامُ التَّقْدِيرُ: وإنْ لا تُطَلِّقْها، فَحَذَفَ (تُطَلِّقْها) لِدَلالَةِ فَطَلِّقْها عَلَيْهِ، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تابِعًا لِـ قَتادَةَ، أيْ: لا أمْلِكُ إلّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ، و﴿قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي﴾: جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ اعْتَرَضَ بِها لِتَأْكِيدِ نَفْيِ الِاسْتِطاعَةِ عَنْ نَفْسِهِ، وبَيانِ عَجْزِهِ عَلى مَعْنى إنَّ اللَّهَ إنْ أرادَ بِهِ سُوءً مِن مَرَضٍ أوْ مَوْتٍ أوْ غَيْرِهِما، لَمْ يَصِحَّ أنْ يُجِيرَهُ مِنهُ أحَدٌ أوْ يَجِدَ مِن دُونِهِ مَلاذًا يَأْوِي إلَيْهِ. انْتَهى. (ورِسالاتِهِ) قِيلَ: عَطْفٌ عَلى (بَلاغًا) أيْ: إلّا أنْ أُبَلِّغَ عَنِ اللَّهِ، أوْ أُبَلِّغَ رِسالاتِهِ. الظّاهِرُ أنَّ (رِسالاتِهِ) عَطْفٌ عَلى (اللَّهِ)، أيْ: إلّا أنْ أُبَلِّغَ عَنِ اللَّهِ وعَنْ رِسالاتِهِ.

الجن 72:18

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: (p-٣٥١)﴿وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾ ﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ ومَن يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا﴾ ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا﴾ ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ ﴿قُلْ إنَّما أدْعُوا رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِهِ أحَدًا﴾ ﴿قُلْ إنّى لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا رَشَدًا﴾ ﴿قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أحَدٌ ولَنْ أجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ ﴿إلّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ ورِسالاتِهِ ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ [الجن: ٢٣] ﴿حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَن أضْعَفُ ناصِرًا وأقَلُّ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٤] ﴿قُلْ إنْ أدْرِي أقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أمَدًا﴾ [الجن: ٢٥] ﴿عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾ [الجن: ٢٦] ﴿إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ فَإنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن: ٢٧] ﴿لِيَعْلَمَ أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وأحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وأحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨] . (p-٣٥٢)هَذا مِن جُمْلَةِ المُوحى المُنْدَرِجِ تَحْتَ ﴿أُوحِيَ إلَيَّ﴾ [الجن: ١] وأنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، والضَّمِيرُ في (اسْتَقامُوا) . قالَ الضَّحّاكُ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وأبُو مِجْلِزٍ: هو عائِدٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَمَن أسْلَمَ﴾ [الجن: ١٤] والطَّرِيقَةُ: طَرِيقَةُ الكُفْرِ، أيْ: لَوْ كَفَرَ مَن أسْلَمَ مِنَ النّاسِ ﴿لَأسْقَيْناهُمْ﴾ إمْلاءً لَهم واسْتِدْراجًا. واسْتِعارَةُ الِاسْتِقامَةِ لِلْكُفْرِ قَلِقَةٌ لا تُناسِبُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ: هو عائِدٌ عَلى القاسِطِينَ، والمَعْنى عَلى الطَّرِيقَةِ الإسْلامُ والحَقُّ؛ لَأنْعَمْنا عَلَيْهِمْ، نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا واتَّقَوْا﴾ [المائدة: ٦٥] الآيَةِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (اسْتَقامُوا) عائِدٌ عَلى الخَلْقِ كُلِّهِمْ، و(أنْ) هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ. ﴿لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾: كِنايَةٌ عَنْ تَوْسِعَةِ الرِّزْقِ لِأنَّهُ أصْلُ المَعاشِ. وقالَ بَعْضُهم: المالُ حَيْثُ الماءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (غَدَقًا) بِفَتْحِ الدّالِ. وعاصِمٌ في رِوايَةِ الأعْشى بِكَسْرِها. ويُقالُ: غَدَقَتِ العَيْنُ تُغْدِقُ غَدَقًا فَهي غَدِقَةٌ، إذا كَثُرَ ماؤُها. (لِنَفْتِنَهم) أيْ: لِنَخْتَبِرَهم كَيْفَ يَشْكُرُونَ ما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِهِ، أوْ لِنَمْتَحِنَهم ونَسْتَدْرِجَهم، وذَلِكَ عَلى الخِلافِ فِيمَن يَعُودُ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ في (اسْتَقامُوا) . وقَرَأ الأعْمَشُ وابْنُ وثّابٍ، بِضَمِّ واوِ (لَوْ) . والجُمْهُورُ بِكَسْرِها. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: (يَسْلُكُهُ) بِالياءِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالنُّونِ. وابْنُ جُنْدُبٍ بِالنُّونِ مِن أسْلَكَ، وبَعْضُ التّابِعِينَ بِالياءِ مِن أسْلَكَ أيْضًا، وهُما لُغَتانِ: سَلَكَ وأسْلَكَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎حَتّى إذا أسْلَكُوهم في قُتائِدَةٍ وقَرَأ الجُمْهُورُ: (صَعَدًا) بِفَتْحَتَيْنِ، وذُو مَصْدَرِ صَعِدَ وصَفَ بِهِ العَذابَ، أيْ: يَعْلُو المُعَذَّبَ ويَغْلِبُهُ، وفُسِّرَ بِشاقٍّ. يُقالُ: فُلانٌ في صُعُدٍ مِن أمْرِهِ، أيْ: في مَشَقَّةٍ. وقالَ عُمَرُ: ما يُتَصَعَّدُ بِي شَيْءٌ كَما يُتَصَعَّدُ في خُطْبَةِ النِّكاحِ، أيْ: ما يَشُقُّ عَلَيَّ. وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ وابْنُ عَبّاسٍ: صَعَدٌ: جَبَلٌ في النّارِ. وقالَ الخُدْرِيُّ: كُلَّما وضَعُوا أيْدِيَهم عَلَيْهِ ذابَتْ. وقالَ عِكْرِمَةُ: هو صَخْرَةٌ مَلْساءُ في جَهَنَّمَ يُكَلَّفُ صُعُودَها، فَإذا انْتَهى إلى أعْلاها حَدَرَ إلى جَهَنَّمَ، فَعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (عَذابٍ) عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: عَذابٌ صَعَدٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (صَعَدًا) مَفْعُولَ (يَسْلُكْهُ)، (وعَذابًا) مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ. وقَرَأ قَوْمٌ: (صُعُدًا) بِضَمَّتَيْنِ. وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ بِضَمِّ الصّادِ وفَتْحِ العَيْنِ. قالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ لا راحَةَ فِيهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وأنَّ المَساجِدَ﴾ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَطْفًا عَلى ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ [الجن: ١] فَهو مِن جُمْلَةِ المُوحى. وقالَ الخَلِيلُ: مَعْنى الآيَةِ: ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا﴾ أيْ: لِهَذا السَّبَبِ، وكَذَلِكَ عِنْدَهُ ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش: ١] (فَلْيَعْبُدُوا) وكَذَلِكَ (وأنَّ هَذِهِ أُمَتُّكم) أيْ: ولِأنَّ هَذِهِ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ وطَلْحَةُ: (وإنَّ المَساجِدَ) بِكَسْرِها عَلى الِاسْتِئْنافِ وعَلى تَقْدِيرِ الخَلِيلِ، فالمَعْنى: فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا في المَساجِدِ؛ لِأنَّها لِلَّهِ خاصَّةً ولِعِبادَتِهِ، والظّاهِرُ أنَّ المَساجِدَ هي البُيُوتُ المُعَدَّةُ لِلصَّلاةِ والعِبادَةِ في كُلِّ مِلَّةٍ. وقالَ الحَسَنُ: كُلُّ مَوْضِعٍ سُجِدَ فِيهِ فَهو مَسْجِدٌ، كانَ مَخْصُوصًا لِذَلِكَ أوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأنَّ الأرْضَ كُلَّها مَسْجِدُ هَذِهِ الأُمَّةِ. وأبْعَدَ ابْنُ عَطاءٍ في قَوْلِهِ إنَّها الآرابُ الَّتِي يُسْجَدُ عَلَيْها، واحِدُها مَسْجَدٌ بِفَتْحِ الجِيمِ، وهي الجَبْهَةُ والأنْفُ واليَدانِ والرُّكْبَتانِ والقَدَمانِ، عَدَّ الجَبْهَةَ والأنْفَ واحِدًا، وأبْعَدَ أيْضًا مَن قالَ: المَسْجِدُ الحَرامُ؛ لِأنَّهُ قِبْلَةُ المَساجِدِ، وقالَ: إنَّهُ جَمَعَ مَسْجِدٌ وهو السُّجُودُ. ورُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ حِينَ تَغَلَّبَتْ قُرَيْشٌ عَلى الكَعْبَةِ، فَقِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: المَواضِعُ كُلُّها لِلَّهِ، فاعْبُدْهُ حَيْثُ كُنْتَ. «وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: نَزَلَتْ لِأنَّ الجِنَّ قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نَشْهَدُ الصَّلاةَ مَعَكَ عَلى نَأْيِنا عَنْكَ ؟ فَنَزَلَتِ الآيَةُ لِيُخاطِبَهم عَلى مَعْنى أنَّ عِبادَتَكم حَيْثُ كُنْتُمْ مَقْبُولَةٌ إذا دَخَلْنا المَساجِدَ» . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، عَطْفًا عَلى قِراءَتِهِمْ ﴿وأنَّ المَساجِدَ﴾ بِالفَتْحِ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ وطَلْحَةُ ونافِعٌ وأبُو بَكْرٍ: بِكَسْرِها عَلى الِاسْتِئْنافِ. وعَبْدُ اللَّهِ هو مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (يَدْعُوهُ) أيْ: يَدْعُو اللَّهَ (p-٣٥٣)(كادُوا) أيْ: كادَ الجِنُّ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ: يَنْقَضُّونَ عَلَيْهِ لِاسْتِماعِ القُرْآنِ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: الضَّمِيرُ في (كادُوا) لِكُفّارِ قُرَيْشٍ والعَرَبِ في اجْتِماعِهِمْ عَلى رَدِّ أمْرِهِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: المَعْنى أنَّها قَوْلُ الجِنِّ لِقَوْمِهِمْ يَحْكُونَ، والضَّمِيرُ في (كادُوا) لِأصْحابِهِ الَّذِينَ يَطَّوَّعُونَ لَهُ ويُقَيَّدُونَ بِهِ في الصَّلاةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): هَلّا قِيلَ رَسُولُ اللَّهِ أوِ النَّبِيُّ ؟ (قُلْتُ): لِأنَّ تَقْدِيرَهُ: وأُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ، فَلَمّا كانَ واقِعًا في كَلامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ نَفْسِهِ، جِيءَ بِهِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ التَّواضُعُ والتَّذَلُّلُ، أوْ لِأنَّ المَعْنى أنَّ عِبادَةَ عَبْدِ اللَّهِ لِلَّهِ لَيْسَتْ بِأمْرٍ مُسْتَبْعَدٍ عَنِ العَقْلِ، ولا مُسْتَنْكَرٍ حَتّى يَكُونُوا عَلَيْهِ لِبَدًا. ومَعْنى (قامَ يَدْعُوهُ): قامَ يَعْبُدُهُ، يُرِيدُ قِيامَهُ لِصَلاةِ الفَجْرِ بِنَخْلَةَ حِينَ أتاهُ الجِنُّ، فاسْتَمَعُوا لِقِراءَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ. ﴿كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ أيْ: يَزْدَحِمُونَ عَلَيْهِ مُتَراكِمِينَ؛ تَعَجُّبًا مِمّا رَأوْا مِن عِبادَتِهِ، واقْتِداءِ أصْحابِهِ بِهِ قائِمًا وراكِعًا وساجِدًا، وإعْجابًا بِما تَلا مِنَ القُرْآنِ؛ لِأنَّهم رَأوْا ما لَمْ يَرَوْا مِثْلَهُ، وسَمِعُوا بِما لَمْ يَسْمَعُوا بِنَظِيرِهِ. انْتَهى، وهو قَوْلٌ مُتَقَدِّمٌ كَثَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِخَطابَتِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لِبَدًا) بِكَسْرِ اللّامِ وفَتْحِ الباءِ جَمْعُ لِبْدَةٍ، نَحْوُ: كِسْرَةٍ وكِسَرٍ، وهي الجَماعاتُ شُبِّهَتْ بِالشَّيْءِ المُتَلَبِّدِ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ مَنافِ بْنِ رِبْعٍ: ؎صافُّوا بِسِتَّةِ أبْياتٍ وأرْبَعَةٍ ∗∗∗ حَتّى كَأنَّ عَلَيْهِمْ جانِبًا لِبَدًا وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أعْوانًا. وقَرَأ مُجاهِدٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ عامِرٍ: بِخِلافٍ عَنْهُ بِضَمِّ اللّامِ جَمْعُ لُبْدَةٍ، كُزُبْرَةٍ وزُبُرٍ. وعَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ أيْضًا: تَسْكِينُ الباءِ وضَمُّ اللّامِ (لُبْدًا) . وقَرَأ الحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ وأبُو حَيْوَةَ وجَماعَةٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِضَمَّتَيْنِ جَمْعٍ لَبْدٍ، كَرَهْنٍ ورُهُنٍ، أوْ جَمْعُ لَبُودٍ، كَصَبُورٍ وصُبُرٍ. وقَرَأ الحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ: بِخِلافٍ عَنْهُما، (لُبَّدًا) بِضَمِّ اللّامِ وشَدِّ الباءِ المَفْتُوحَةِ. قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: لَمّا قامَ الرَّسُولُ لِلدَّعْوَةِ، تَلَبَّدَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى هَذا الأمْرِ لِيُطْفِئُوهُ، فَأبى اللَّهُ إلّا أنْ يَنْصُرَهُ ويُتِمَّ نُورَهُ. انْتَهى. وأبْعَدَ مَن قالَ عَبْدُ اللَّهِ هُنا نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كادَ قَوْمُهُ يَقْتُلُونَهُ حَتّى اسْتَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنهم، قالَهُ الحَسَنُ. وأبْعَدَ مِنهُ قَوْلُ مَن قالَ إنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: قالَ إنَّما أدْعُو رَبِّي أيْ: أعْبُدُهُ، أيْ: قالَ لِلْمُتَظاهِرِينَ عَلَيْهِ: ﴿إنَّما أدْعُو رَبِّي﴾ أيْ: لَمْ آتِكم بِأمْرٍ يُنْكَرُ، إنَّما أعْبُدُ رَبِّي وحْدَهُ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِمّا يُوجِبُ إطْباقَكم عَلى عَداوَتِي. أوْ قالَ لِلْجِنِّ عِنْدَ ازْدِحامِهِمْ مُتَعَجِّبِينَ: لَيْسَ ما تَرَوْنَ مِن عِبادَةِ اللَّهِ بِأمْرٍ يُتَعَجَّبُ مِنهُ، إنَّما يُتَعَجَّبُ مِمَّنْ يَعْبُدُ غَيْرَهُ. أوْ قالَ الجِنُّ لِقَوْمِهِمْ: ذَلِكَ حِكايَةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهَذا كُلُّهُ مُرَتَّبٌ عَلى الخِلافِ في عَوْدِ الضَّمِيرِ في (كادُوا) . وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ وأبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ عَنْهُ: (قُلْ) أيْ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ المُزْدَحِمِينَ عَلَيْكَ، وهم إمّا الجِنُّ وإمّا المُشْرِكُونَ، عَلى اخْتِلافِ القَوْلَيْنِ في ضَمِيرِ (كادُوا) . ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى أنْ يَقُولَ لَهم ما يَدُلُّ عَلى تَبَرُّئِهِ مِنَ القُدْرَةِ عَلى إيصالِ خَيْرٍ أوْ شَرٍّ إلَيْهِمْ، وجَعَلَ الضَّرَّ مُقابِلًا لِلرُّشْدِ تَعْبِيرًا بِهِ عَنِ الغَيِّ، إذِ الغَيُّ ثَمَرَتُهُ الضَّرَرُ، يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ضَرًّا ولا نَفْعًا ولا غَيًّا ولا رَشَدًا، فَحَذَفَ مِن كُلِّ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مُقابِلَهُ. وقَرَأ الأعْرَجُ: (رُشُدًا) بِضَمَّتَيْنِ. ولَمّا تَبَرَّأ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن قُدْرَتِهِ عَلى نَفْعِهِمْ وضَرِّهِمْ، أمَرَ بِأنْ يُخْبِرَهم بِأنَّهُ مَرْبُوبٌ لِلَّهِ تَعالى، يَفْعَلُ فِيهِ رَبُّهُ ما يُرِيدُ، وأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُجِيرَهُ مِنهُ أحَدٌ، ولا يَجِدُ مِن دُونِهِ مَلْجَأً يَرْكَنُ إلَيْهِ، قالَ قَرِيبًا مِنهُ قَتادَةُ. وقالَ السُّدِّيُّ: حِرْزًا. وقالَ الكَلْبِيُّ: مَدْخَلًا في الأرْضِ، وقِيلَ: ناصِرًا، وقِيلَ: مَذْهَبًا ومَسْلَكًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎يا لَهْفَ نَفْسِي ! ونَفْسِي غَيْرُ مُجْدِيَةٍ ∗∗∗ عَنِّي، وما مِن قَضاءِ اللَّهِ مُلْتَحَدُ وقِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ وهو: قالُوا لَهُ اتْرُكْ ما تَدْعُو إلَيْهِ ونَحْنُ نُجِيرُكَ، فَقِيلَ لَهُ: قُلْ لَنْ يُجِيرَنِي. وقِيلَ: هو جَوابٌ لِقَوْلِ ورْدانَ سَيِّدِ الجِنِّ، وقَدِ ازْدَحَمُوا عَلَيْهِ، قالَ ورْدانُ: أنا أُرَحِّلُهم عَنْكَ، فَقالَ: (p-٣٥٤)إنِّي لَنْ يُجِيَرَنِي أحَدٌ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. ﴿إلّا بَلاغًا﴾ [الجن: ٢٣] قالَ الحَسَنُ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَنْ يُجِيرَنِي أحَدٌ، لَكِنْ إنْ بَلَّغْتُ رَحِمَنِي بِذَلِكَ. والإجارَةُ لِلْبَلاغِ مُسْتَعارَةٌ، إذْ هو سَبَّبُ إجارَةِ اللَّهِ تَعالى ورَحِمَتِهِ. وقِيلَ عَلى هَذا المَعْنى: هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، أيْ: لَنْ يُجِيرَنِي في أحَدٍ، لَكِنْ لَمْ أجِدْ شَيْئًا أمِيلُ إلَيْهِ وأعْتَصِمُ بِهِ إلّا أنْ أُبَلِّغَ وأُطِيعَ فَيُجِيرَنِي اللَّهُ، فَيَجُوزُ نَصْبُهُ عَلى الِاسْتِثْناءِ مِن (مُلْتَحَدًا)، وعَلى البَدَلِ وهو الوَجْهُ؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُ نَفْيًا، وعَلى البَدَلِ خَرَّجَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: هَذا الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ: ولَمْ أجِدْ مُلْتَحَدًا بَلْ، قالَ: (مِن دُونِهِ) والبَلاغُ مِنَ اللَّهِ لا يَكُونُ داخِلًا تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ لِأنَّهُ لا يَكُونُ مِن دُونِ اللَّهِ، بَلْ يَكُونُ مِنَ اللَّهِ وبِإعانَتِهِ وتَوْفِيقِهِ. وقالَ قَتادَةُ: التَّقْدِيرُ لا أمْلِكُ إلّا بَلاغًا إلَيْكم، فَأمّا الإيمانُ والكُفْرُ فَلا أمْلِكُ. انْتَهى، وفِيهِ بُعْدٌ لِطُولِ الفَصْلِ بَيْنَهُما. وقِيلَ، (إلّا) في تَقْدِيرِ الِانْفِصالِ: إنْ شَرْطِيَّةٌ ولا نافِيَةٌ، وحُذِفَ فِعْلُها لِدَلالَةِ المَصْدَرِ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: إنْ لَمْ أبْلُغْ بَلاغًا مِنَ اللَّهِ ورِسالَتِهِ، وهَذا كَما تَقُولُ: إنْ لا قِيامًا قُعُودًا، أيْ: إنْ لَمْ تَقُمْ قِيامًا فاقْعُدْ قُعُودًا، وحَذْفُ هَذا الفِعْلِ قَدْ يَكُونُ لِدَلالَةٍ عَلَيْهِ بَعْدَهُ أوْ قَبْلَهُ، كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ: ؎فَطَلِّقْها فَلَسْتَ لَها بِكُفْءٍ ∗∗∗ وإلّا يَعْلُ مَفْرِقَكَ الحُسامُ التَّقْدِيرُ: وإنْ لا تُطَلِّقْها، فَحَذَفَ (تُطَلِّقْها) لِدَلالَةِ فَطَلِّقْها عَلَيْهِ، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تابِعًا لِـ قَتادَةَ، أيْ: لا أمْلِكُ إلّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ، و﴿قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي﴾: جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ اعْتَرَضَ بِها لِتَأْكِيدِ نَفْيِ الِاسْتِطاعَةِ عَنْ نَفْسِهِ، وبَيانِ عَجْزِهِ عَلى مَعْنى إنَّ اللَّهَ إنْ أرادَ بِهِ سُوءً مِن مَرَضٍ أوْ مَوْتٍ أوْ غَيْرِهِما، لَمْ يَصِحَّ أنْ يُجِيرَهُ مِنهُ أحَدٌ أوْ يَجِدَ مِن دُونِهِ مَلاذًا يَأْوِي إلَيْهِ. انْتَهى. (ورِسالاتِهِ) قِيلَ: عَطْفٌ عَلى (بَلاغًا) أيْ: إلّا أنْ أُبَلِّغَ عَنِ اللَّهِ، أوْ أُبَلِّغَ رِسالاتِهِ. الظّاهِرُ أنَّ (رِسالاتِهِ) عَطْفٌ عَلى (اللَّهِ)، أيْ: إلّا أنْ أُبَلِّغَ عَنِ اللَّهِ وعَنْ رِسالاتِهِ.

الجن 72:19

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: (p-٣٥١)﴿وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾ ﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ ومَن يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا﴾ ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا﴾ ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ ﴿قُلْ إنَّما أدْعُوا رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِهِ أحَدًا﴾ ﴿قُلْ إنّى لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا رَشَدًا﴾ ﴿قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أحَدٌ ولَنْ أجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ ﴿إلّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ ورِسالاتِهِ ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ [الجن: ٢٣] ﴿حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَن أضْعَفُ ناصِرًا وأقَلُّ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٤] ﴿قُلْ إنْ أدْرِي أقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أمَدًا﴾ [الجن: ٢٥] ﴿عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾ [الجن: ٢٦] ﴿إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ فَإنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن: ٢٧] ﴿لِيَعْلَمَ أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وأحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وأحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨] . (p-٣٥٢)هَذا مِن جُمْلَةِ المُوحى المُنْدَرِجِ تَحْتَ ﴿أُوحِيَ إلَيَّ﴾ [الجن: ١] وأنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، والضَّمِيرُ في (اسْتَقامُوا) . قالَ الضَّحّاكُ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وأبُو مِجْلِزٍ: هو عائِدٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَمَن أسْلَمَ﴾ [الجن: ١٤] والطَّرِيقَةُ: طَرِيقَةُ الكُفْرِ، أيْ: لَوْ كَفَرَ مَن أسْلَمَ مِنَ النّاسِ ﴿لَأسْقَيْناهُمْ﴾ إمْلاءً لَهم واسْتِدْراجًا. واسْتِعارَةُ الِاسْتِقامَةِ لِلْكُفْرِ قَلِقَةٌ لا تُناسِبُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ: هو عائِدٌ عَلى القاسِطِينَ، والمَعْنى عَلى الطَّرِيقَةِ الإسْلامُ والحَقُّ؛ لَأنْعَمْنا عَلَيْهِمْ، نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا واتَّقَوْا﴾ [المائدة: ٦٥] الآيَةِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (اسْتَقامُوا) عائِدٌ عَلى الخَلْقِ كُلِّهِمْ، و(أنْ) هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ. ﴿لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾: كِنايَةٌ عَنْ تَوْسِعَةِ الرِّزْقِ لِأنَّهُ أصْلُ المَعاشِ. وقالَ بَعْضُهم: المالُ حَيْثُ الماءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (غَدَقًا) بِفَتْحِ الدّالِ. وعاصِمٌ في رِوايَةِ الأعْشى بِكَسْرِها. ويُقالُ: غَدَقَتِ العَيْنُ تُغْدِقُ غَدَقًا فَهي غَدِقَةٌ، إذا كَثُرَ ماؤُها. (لِنَفْتِنَهم) أيْ: لِنَخْتَبِرَهم كَيْفَ يَشْكُرُونَ ما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِهِ، أوْ لِنَمْتَحِنَهم ونَسْتَدْرِجَهم، وذَلِكَ عَلى الخِلافِ فِيمَن يَعُودُ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ في (اسْتَقامُوا) . وقَرَأ الأعْمَشُ وابْنُ وثّابٍ، بِضَمِّ واوِ (لَوْ) . والجُمْهُورُ بِكَسْرِها. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: (يَسْلُكُهُ) بِالياءِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالنُّونِ. وابْنُ جُنْدُبٍ بِالنُّونِ مِن أسْلَكَ، وبَعْضُ التّابِعِينَ بِالياءِ مِن أسْلَكَ أيْضًا، وهُما لُغَتانِ: سَلَكَ وأسْلَكَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎حَتّى إذا أسْلَكُوهم في قُتائِدَةٍ وقَرَأ الجُمْهُورُ: (صَعَدًا) بِفَتْحَتَيْنِ، وذُو مَصْدَرِ صَعِدَ وصَفَ بِهِ العَذابَ، أيْ: يَعْلُو المُعَذَّبَ ويَغْلِبُهُ، وفُسِّرَ بِشاقٍّ. يُقالُ: فُلانٌ في صُعُدٍ مِن أمْرِهِ، أيْ: في مَشَقَّةٍ. وقالَ عُمَرُ: ما يُتَصَعَّدُ بِي شَيْءٌ كَما يُتَصَعَّدُ في خُطْبَةِ النِّكاحِ، أيْ: ما يَشُقُّ عَلَيَّ. وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ وابْنُ عَبّاسٍ: صَعَدٌ: جَبَلٌ في النّارِ. وقالَ الخُدْرِيُّ: كُلَّما وضَعُوا أيْدِيَهم عَلَيْهِ ذابَتْ. وقالَ عِكْرِمَةُ: هو صَخْرَةٌ مَلْساءُ في جَهَنَّمَ يُكَلَّفُ صُعُودَها، فَإذا انْتَهى إلى أعْلاها حَدَرَ إلى جَهَنَّمَ، فَعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (عَذابٍ) عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: عَذابٌ صَعَدٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (صَعَدًا) مَفْعُولَ (يَسْلُكْهُ)، (وعَذابًا) مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ. وقَرَأ قَوْمٌ: (صُعُدًا) بِضَمَّتَيْنِ. وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ بِضَمِّ الصّادِ وفَتْحِ العَيْنِ. قالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ لا راحَةَ فِيهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وأنَّ المَساجِدَ﴾ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَطْفًا عَلى ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ [الجن: ١] فَهو مِن جُمْلَةِ المُوحى. وقالَ الخَلِيلُ: مَعْنى الآيَةِ: ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا﴾ أيْ: لِهَذا السَّبَبِ، وكَذَلِكَ عِنْدَهُ ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش: ١] (فَلْيَعْبُدُوا) وكَذَلِكَ (وأنَّ هَذِهِ أُمَتُّكم) أيْ: ولِأنَّ هَذِهِ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ وطَلْحَةُ: (وإنَّ المَساجِدَ) بِكَسْرِها عَلى الِاسْتِئْنافِ وعَلى تَقْدِيرِ الخَلِيلِ، فالمَعْنى: فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا في المَساجِدِ؛ لِأنَّها لِلَّهِ خاصَّةً ولِعِبادَتِهِ، والظّاهِرُ أنَّ المَساجِدَ هي البُيُوتُ المُعَدَّةُ لِلصَّلاةِ والعِبادَةِ في كُلِّ مِلَّةٍ. وقالَ الحَسَنُ: كُلُّ مَوْضِعٍ سُجِدَ فِيهِ فَهو مَسْجِدٌ، كانَ مَخْصُوصًا لِذَلِكَ أوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأنَّ الأرْضَ كُلَّها مَسْجِدُ هَذِهِ الأُمَّةِ. وأبْعَدَ ابْنُ عَطاءٍ في قَوْلِهِ إنَّها الآرابُ الَّتِي يُسْجَدُ عَلَيْها، واحِدُها مَسْجَدٌ بِفَتْحِ الجِيمِ، وهي الجَبْهَةُ والأنْفُ واليَدانِ والرُّكْبَتانِ والقَدَمانِ، عَدَّ الجَبْهَةَ والأنْفَ واحِدًا، وأبْعَدَ أيْضًا مَن قالَ: المَسْجِدُ الحَرامُ؛ لِأنَّهُ قِبْلَةُ المَساجِدِ، وقالَ: إنَّهُ جَمَعَ مَسْجِدٌ وهو السُّجُودُ. ورُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ حِينَ تَغَلَّبَتْ قُرَيْشٌ عَلى الكَعْبَةِ، فَقِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: المَواضِعُ كُلُّها لِلَّهِ، فاعْبُدْهُ حَيْثُ كُنْتَ. «وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: نَزَلَتْ لِأنَّ الجِنَّ قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نَشْهَدُ الصَّلاةَ مَعَكَ عَلى نَأْيِنا عَنْكَ ؟ فَنَزَلَتِ الآيَةُ لِيُخاطِبَهم عَلى مَعْنى أنَّ عِبادَتَكم حَيْثُ كُنْتُمْ مَقْبُولَةٌ إذا دَخَلْنا المَساجِدَ» . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، عَطْفًا عَلى قِراءَتِهِمْ ﴿وأنَّ المَساجِدَ﴾ بِالفَتْحِ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ وطَلْحَةُ ونافِعٌ وأبُو بَكْرٍ: بِكَسْرِها عَلى الِاسْتِئْنافِ. وعَبْدُ اللَّهِ هو مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (يَدْعُوهُ) أيْ: يَدْعُو اللَّهَ (p-٣٥٣)(كادُوا) أيْ: كادَ الجِنُّ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ: يَنْقَضُّونَ عَلَيْهِ لِاسْتِماعِ القُرْآنِ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: الضَّمِيرُ في (كادُوا) لِكُفّارِ قُرَيْشٍ والعَرَبِ في اجْتِماعِهِمْ عَلى رَدِّ أمْرِهِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: المَعْنى أنَّها قَوْلُ الجِنِّ لِقَوْمِهِمْ يَحْكُونَ، والضَّمِيرُ في (كادُوا) لِأصْحابِهِ الَّذِينَ يَطَّوَّعُونَ لَهُ ويُقَيَّدُونَ بِهِ في الصَّلاةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): هَلّا قِيلَ رَسُولُ اللَّهِ أوِ النَّبِيُّ ؟ (قُلْتُ): لِأنَّ تَقْدِيرَهُ: وأُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ، فَلَمّا كانَ واقِعًا في كَلامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ نَفْسِهِ، جِيءَ بِهِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ التَّواضُعُ والتَّذَلُّلُ، أوْ لِأنَّ المَعْنى أنَّ عِبادَةَ عَبْدِ اللَّهِ لِلَّهِ لَيْسَتْ بِأمْرٍ مُسْتَبْعَدٍ عَنِ العَقْلِ، ولا مُسْتَنْكَرٍ حَتّى يَكُونُوا عَلَيْهِ لِبَدًا. ومَعْنى (قامَ يَدْعُوهُ): قامَ يَعْبُدُهُ، يُرِيدُ قِيامَهُ لِصَلاةِ الفَجْرِ بِنَخْلَةَ حِينَ أتاهُ الجِنُّ، فاسْتَمَعُوا لِقِراءَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ. ﴿كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ أيْ: يَزْدَحِمُونَ عَلَيْهِ مُتَراكِمِينَ؛ تَعَجُّبًا مِمّا رَأوْا مِن عِبادَتِهِ، واقْتِداءِ أصْحابِهِ بِهِ قائِمًا وراكِعًا وساجِدًا، وإعْجابًا بِما تَلا مِنَ القُرْآنِ؛ لِأنَّهم رَأوْا ما لَمْ يَرَوْا مِثْلَهُ، وسَمِعُوا بِما لَمْ يَسْمَعُوا بِنَظِيرِهِ. انْتَهى، وهو قَوْلٌ مُتَقَدِّمٌ كَثَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِخَطابَتِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لِبَدًا) بِكَسْرِ اللّامِ وفَتْحِ الباءِ جَمْعُ لِبْدَةٍ، نَحْوُ: كِسْرَةٍ وكِسَرٍ، وهي الجَماعاتُ شُبِّهَتْ بِالشَّيْءِ المُتَلَبِّدِ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ مَنافِ بْنِ رِبْعٍ: ؎صافُّوا بِسِتَّةِ أبْياتٍ وأرْبَعَةٍ ∗∗∗ حَتّى كَأنَّ عَلَيْهِمْ جانِبًا لِبَدًا وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أعْوانًا. وقَرَأ مُجاهِدٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ عامِرٍ: بِخِلافٍ عَنْهُ بِضَمِّ اللّامِ جَمْعُ لُبْدَةٍ، كُزُبْرَةٍ وزُبُرٍ. وعَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ أيْضًا: تَسْكِينُ الباءِ وضَمُّ اللّامِ (لُبْدًا) . وقَرَأ الحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ وأبُو حَيْوَةَ وجَماعَةٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِضَمَّتَيْنِ جَمْعٍ لَبْدٍ، كَرَهْنٍ ورُهُنٍ، أوْ جَمْعُ لَبُودٍ، كَصَبُورٍ وصُبُرٍ. وقَرَأ الحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ: بِخِلافٍ عَنْهُما، (لُبَّدًا) بِضَمِّ اللّامِ وشَدِّ الباءِ المَفْتُوحَةِ. قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: لَمّا قامَ الرَّسُولُ لِلدَّعْوَةِ، تَلَبَّدَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى هَذا الأمْرِ لِيُطْفِئُوهُ، فَأبى اللَّهُ إلّا أنْ يَنْصُرَهُ ويُتِمَّ نُورَهُ. انْتَهى. وأبْعَدَ مَن قالَ عَبْدُ اللَّهِ هُنا نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كادَ قَوْمُهُ يَقْتُلُونَهُ حَتّى اسْتَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنهم، قالَهُ الحَسَنُ. وأبْعَدَ مِنهُ قَوْلُ مَن قالَ إنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: قالَ إنَّما أدْعُو رَبِّي أيْ: أعْبُدُهُ، أيْ: قالَ لِلْمُتَظاهِرِينَ عَلَيْهِ: ﴿إنَّما أدْعُو رَبِّي﴾ أيْ: لَمْ آتِكم بِأمْرٍ يُنْكَرُ، إنَّما أعْبُدُ رَبِّي وحْدَهُ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِمّا يُوجِبُ إطْباقَكم عَلى عَداوَتِي. أوْ قالَ لِلْجِنِّ عِنْدَ ازْدِحامِهِمْ مُتَعَجِّبِينَ: لَيْسَ ما تَرَوْنَ مِن عِبادَةِ اللَّهِ بِأمْرٍ يُتَعَجَّبُ مِنهُ، إنَّما يُتَعَجَّبُ مِمَّنْ يَعْبُدُ غَيْرَهُ. أوْ قالَ الجِنُّ لِقَوْمِهِمْ: ذَلِكَ حِكايَةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهَذا كُلُّهُ مُرَتَّبٌ عَلى الخِلافِ في عَوْدِ الضَّمِيرِ في (كادُوا) . وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ وأبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ عَنْهُ: (قُلْ) أيْ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ المُزْدَحِمِينَ عَلَيْكَ، وهم إمّا الجِنُّ وإمّا المُشْرِكُونَ، عَلى اخْتِلافِ القَوْلَيْنِ في ضَمِيرِ (كادُوا) . ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى أنْ يَقُولَ لَهم ما يَدُلُّ عَلى تَبَرُّئِهِ مِنَ القُدْرَةِ عَلى إيصالِ خَيْرٍ أوْ شَرٍّ إلَيْهِمْ، وجَعَلَ الضَّرَّ مُقابِلًا لِلرُّشْدِ تَعْبِيرًا بِهِ عَنِ الغَيِّ، إذِ الغَيُّ ثَمَرَتُهُ الضَّرَرُ، يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ضَرًّا ولا نَفْعًا ولا غَيًّا ولا رَشَدًا، فَحَذَفَ مِن كُلِّ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مُقابِلَهُ. وقَرَأ الأعْرَجُ: (رُشُدًا) بِضَمَّتَيْنِ. ولَمّا تَبَرَّأ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن قُدْرَتِهِ عَلى نَفْعِهِمْ وضَرِّهِمْ، أمَرَ بِأنْ يُخْبِرَهم بِأنَّهُ مَرْبُوبٌ لِلَّهِ تَعالى، يَفْعَلُ فِيهِ رَبُّهُ ما يُرِيدُ، وأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُجِيرَهُ مِنهُ أحَدٌ، ولا يَجِدُ مِن دُونِهِ مَلْجَأً يَرْكَنُ إلَيْهِ، قالَ قَرِيبًا مِنهُ قَتادَةُ. وقالَ السُّدِّيُّ: حِرْزًا. وقالَ الكَلْبِيُّ: مَدْخَلًا في الأرْضِ، وقِيلَ: ناصِرًا، وقِيلَ: مَذْهَبًا ومَسْلَكًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎يا لَهْفَ نَفْسِي ! ونَفْسِي غَيْرُ مُجْدِيَةٍ ∗∗∗ عَنِّي، وما مِن قَضاءِ اللَّهِ مُلْتَحَدُ وقِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ وهو: قالُوا لَهُ اتْرُكْ ما تَدْعُو إلَيْهِ ونَحْنُ نُجِيرُكَ، فَقِيلَ لَهُ: قُلْ لَنْ يُجِيرَنِي. وقِيلَ: هو جَوابٌ لِقَوْلِ ورْدانَ سَيِّدِ الجِنِّ، وقَدِ ازْدَحَمُوا عَلَيْهِ، قالَ ورْدانُ: أنا أُرَحِّلُهم عَنْكَ، فَقالَ: (p-٣٥٤)إنِّي لَنْ يُجِيَرَنِي أحَدٌ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. ﴿إلّا بَلاغًا﴾ [الجن: ٢٣] قالَ الحَسَنُ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَنْ يُجِيرَنِي أحَدٌ، لَكِنْ إنْ بَلَّغْتُ رَحِمَنِي بِذَلِكَ. والإجارَةُ لِلْبَلاغِ مُسْتَعارَةٌ، إذْ هو سَبَّبُ إجارَةِ اللَّهِ تَعالى ورَحِمَتِهِ. وقِيلَ عَلى هَذا المَعْنى: هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، أيْ: لَنْ يُجِيرَنِي في أحَدٍ، لَكِنْ لَمْ أجِدْ شَيْئًا أمِيلُ إلَيْهِ وأعْتَصِمُ بِهِ إلّا أنْ أُبَلِّغَ وأُطِيعَ فَيُجِيرَنِي اللَّهُ، فَيَجُوزُ نَصْبُهُ عَلى الِاسْتِثْناءِ مِن (مُلْتَحَدًا)، وعَلى البَدَلِ وهو الوَجْهُ؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُ نَفْيًا، وعَلى البَدَلِ خَرَّجَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: هَذا الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ: ولَمْ أجِدْ مُلْتَحَدًا بَلْ، قالَ: (مِن دُونِهِ) والبَلاغُ مِنَ اللَّهِ لا يَكُونُ داخِلًا تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ لِأنَّهُ لا يَكُونُ مِن دُونِ اللَّهِ، بَلْ يَكُونُ مِنَ اللَّهِ وبِإعانَتِهِ وتَوْفِيقِهِ. وقالَ قَتادَةُ: التَّقْدِيرُ لا أمْلِكُ إلّا بَلاغًا إلَيْكم، فَأمّا الإيمانُ والكُفْرُ فَلا أمْلِكُ. انْتَهى، وفِيهِ بُعْدٌ لِطُولِ الفَصْلِ بَيْنَهُما. وقِيلَ، (إلّا) في تَقْدِيرِ الِانْفِصالِ: إنْ شَرْطِيَّةٌ ولا نافِيَةٌ، وحُذِفَ فِعْلُها لِدَلالَةِ المَصْدَرِ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: إنْ لَمْ أبْلُغْ بَلاغًا مِنَ اللَّهِ ورِسالَتِهِ، وهَذا كَما تَقُولُ: إنْ لا قِيامًا قُعُودًا، أيْ: إنْ لَمْ تَقُمْ قِيامًا فاقْعُدْ قُعُودًا، وحَذْفُ هَذا الفِعْلِ قَدْ يَكُونُ لِدَلالَةٍ عَلَيْهِ بَعْدَهُ أوْ قَبْلَهُ، كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ: ؎فَطَلِّقْها فَلَسْتَ لَها بِكُفْءٍ ∗∗∗ وإلّا يَعْلُ مَفْرِقَكَ الحُسامُ التَّقْدِيرُ: وإنْ لا تُطَلِّقْها، فَحَذَفَ (تُطَلِّقْها) لِدَلالَةِ فَطَلِّقْها عَلَيْهِ، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تابِعًا لِـ قَتادَةَ، أيْ: لا أمْلِكُ إلّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ، و﴿قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي﴾: جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ اعْتَرَضَ بِها لِتَأْكِيدِ نَفْيِ الِاسْتِطاعَةِ عَنْ نَفْسِهِ، وبَيانِ عَجْزِهِ عَلى مَعْنى إنَّ اللَّهَ إنْ أرادَ بِهِ سُوءً مِن مَرَضٍ أوْ مَوْتٍ أوْ غَيْرِهِما، لَمْ يَصِحَّ أنْ يُجِيرَهُ مِنهُ أحَدٌ أوْ يَجِدَ مِن دُونِهِ مَلاذًا يَأْوِي إلَيْهِ. انْتَهى. (ورِسالاتِهِ) قِيلَ: عَطْفٌ عَلى (بَلاغًا) أيْ: إلّا أنْ أُبَلِّغَ عَنِ اللَّهِ، أوْ أُبَلِّغَ رِسالاتِهِ. الظّاهِرُ أنَّ (رِسالاتِهِ) عَطْفٌ عَلى (اللَّهِ)، أيْ: إلّا أنْ أُبَلِّغَ عَنِ اللَّهِ وعَنْ رِسالاتِهِ.

الجن 72:20

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: (p-٣٥١)﴿وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾ ﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ ومَن يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا﴾ ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا﴾ ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ ﴿قُلْ إنَّما أدْعُوا رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِهِ أحَدًا﴾ ﴿قُلْ إنّى لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا رَشَدًا﴾ ﴿قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أحَدٌ ولَنْ أجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ ﴿إلّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ ورِسالاتِهِ ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ [الجن: ٢٣] ﴿حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَن أضْعَفُ ناصِرًا وأقَلُّ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٤] ﴿قُلْ إنْ أدْرِي أقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أمَدًا﴾ [الجن: ٢٥] ﴿عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾ [الجن: ٢٦] ﴿إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ فَإنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن: ٢٧] ﴿لِيَعْلَمَ أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وأحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وأحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨] . (p-٣٥٢)هَذا مِن جُمْلَةِ المُوحى المُنْدَرِجِ تَحْتَ ﴿أُوحِيَ إلَيَّ﴾ [الجن: ١] وأنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، والضَّمِيرُ في (اسْتَقامُوا) . قالَ الضَّحّاكُ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وأبُو مِجْلِزٍ: هو عائِدٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَمَن أسْلَمَ﴾ [الجن: ١٤] والطَّرِيقَةُ: طَرِيقَةُ الكُفْرِ، أيْ: لَوْ كَفَرَ مَن أسْلَمَ مِنَ النّاسِ ﴿لَأسْقَيْناهُمْ﴾ إمْلاءً لَهم واسْتِدْراجًا. واسْتِعارَةُ الِاسْتِقامَةِ لِلْكُفْرِ قَلِقَةٌ لا تُناسِبُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ: هو عائِدٌ عَلى القاسِطِينَ، والمَعْنى عَلى الطَّرِيقَةِ الإسْلامُ والحَقُّ؛ لَأنْعَمْنا عَلَيْهِمْ، نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا واتَّقَوْا﴾ [المائدة: ٦٥] الآيَةِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (اسْتَقامُوا) عائِدٌ عَلى الخَلْقِ كُلِّهِمْ، و(أنْ) هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ. ﴿لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾: كِنايَةٌ عَنْ تَوْسِعَةِ الرِّزْقِ لِأنَّهُ أصْلُ المَعاشِ. وقالَ بَعْضُهم: المالُ حَيْثُ الماءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (غَدَقًا) بِفَتْحِ الدّالِ. وعاصِمٌ في رِوايَةِ الأعْشى بِكَسْرِها. ويُقالُ: غَدَقَتِ العَيْنُ تُغْدِقُ غَدَقًا فَهي غَدِقَةٌ، إذا كَثُرَ ماؤُها. (لِنَفْتِنَهم) أيْ: لِنَخْتَبِرَهم كَيْفَ يَشْكُرُونَ ما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِهِ، أوْ لِنَمْتَحِنَهم ونَسْتَدْرِجَهم، وذَلِكَ عَلى الخِلافِ فِيمَن يَعُودُ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ في (اسْتَقامُوا) . وقَرَأ الأعْمَشُ وابْنُ وثّابٍ، بِضَمِّ واوِ (لَوْ) . والجُمْهُورُ بِكَسْرِها. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: (يَسْلُكُهُ) بِالياءِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالنُّونِ. وابْنُ جُنْدُبٍ بِالنُّونِ مِن أسْلَكَ، وبَعْضُ التّابِعِينَ بِالياءِ مِن أسْلَكَ أيْضًا، وهُما لُغَتانِ: سَلَكَ وأسْلَكَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎حَتّى إذا أسْلَكُوهم في قُتائِدَةٍ وقَرَأ الجُمْهُورُ: (صَعَدًا) بِفَتْحَتَيْنِ، وذُو مَصْدَرِ صَعِدَ وصَفَ بِهِ العَذابَ، أيْ: يَعْلُو المُعَذَّبَ ويَغْلِبُهُ، وفُسِّرَ بِشاقٍّ. يُقالُ: فُلانٌ في صُعُدٍ مِن أمْرِهِ، أيْ: في مَشَقَّةٍ. وقالَ عُمَرُ: ما يُتَصَعَّدُ بِي شَيْءٌ كَما يُتَصَعَّدُ في خُطْبَةِ النِّكاحِ، أيْ: ما يَشُقُّ عَلَيَّ. وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ وابْنُ عَبّاسٍ: صَعَدٌ: جَبَلٌ في النّارِ. وقالَ الخُدْرِيُّ: كُلَّما وضَعُوا أيْدِيَهم عَلَيْهِ ذابَتْ. وقالَ عِكْرِمَةُ: هو صَخْرَةٌ مَلْساءُ في جَهَنَّمَ يُكَلَّفُ صُعُودَها، فَإذا انْتَهى إلى أعْلاها حَدَرَ إلى جَهَنَّمَ، فَعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (عَذابٍ) عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: عَذابٌ صَعَدٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (صَعَدًا) مَفْعُولَ (يَسْلُكْهُ)، (وعَذابًا) مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ. وقَرَأ قَوْمٌ: (صُعُدًا) بِضَمَّتَيْنِ. وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ بِضَمِّ الصّادِ وفَتْحِ العَيْنِ. قالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ لا راحَةَ فِيهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وأنَّ المَساجِدَ﴾ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَطْفًا عَلى ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ [الجن: ١] فَهو مِن جُمْلَةِ المُوحى. وقالَ الخَلِيلُ: مَعْنى الآيَةِ: ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا﴾ أيْ: لِهَذا السَّبَبِ، وكَذَلِكَ عِنْدَهُ ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش: ١] (فَلْيَعْبُدُوا) وكَذَلِكَ (وأنَّ هَذِهِ أُمَتُّكم) أيْ: ولِأنَّ هَذِهِ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ وطَلْحَةُ: (وإنَّ المَساجِدَ) بِكَسْرِها عَلى الِاسْتِئْنافِ وعَلى تَقْدِيرِ الخَلِيلِ، فالمَعْنى: فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا في المَساجِدِ؛ لِأنَّها لِلَّهِ خاصَّةً ولِعِبادَتِهِ، والظّاهِرُ أنَّ المَساجِدَ هي البُيُوتُ المُعَدَّةُ لِلصَّلاةِ والعِبادَةِ في كُلِّ مِلَّةٍ. وقالَ الحَسَنُ: كُلُّ مَوْضِعٍ سُجِدَ فِيهِ فَهو مَسْجِدٌ، كانَ مَخْصُوصًا لِذَلِكَ أوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأنَّ الأرْضَ كُلَّها مَسْجِدُ هَذِهِ الأُمَّةِ. وأبْعَدَ ابْنُ عَطاءٍ في قَوْلِهِ إنَّها الآرابُ الَّتِي يُسْجَدُ عَلَيْها، واحِدُها مَسْجَدٌ بِفَتْحِ الجِيمِ، وهي الجَبْهَةُ والأنْفُ واليَدانِ والرُّكْبَتانِ والقَدَمانِ، عَدَّ الجَبْهَةَ والأنْفَ واحِدًا، وأبْعَدَ أيْضًا مَن قالَ: المَسْجِدُ الحَرامُ؛ لِأنَّهُ قِبْلَةُ المَساجِدِ، وقالَ: إنَّهُ جَمَعَ مَسْجِدٌ وهو السُّجُودُ. ورُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ حِينَ تَغَلَّبَتْ قُرَيْشٌ عَلى الكَعْبَةِ، فَقِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: المَواضِعُ كُلُّها لِلَّهِ، فاعْبُدْهُ حَيْثُ كُنْتَ. «وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: نَزَلَتْ لِأنَّ الجِنَّ قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نَشْهَدُ الصَّلاةَ مَعَكَ عَلى نَأْيِنا عَنْكَ ؟ فَنَزَلَتِ الآيَةُ لِيُخاطِبَهم عَلى مَعْنى أنَّ عِبادَتَكم حَيْثُ كُنْتُمْ مَقْبُولَةٌ إذا دَخَلْنا المَساجِدَ» . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، عَطْفًا عَلى قِراءَتِهِمْ ﴿وأنَّ المَساجِدَ﴾ بِالفَتْحِ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ وطَلْحَةُ ونافِعٌ وأبُو بَكْرٍ: بِكَسْرِها عَلى الِاسْتِئْنافِ. وعَبْدُ اللَّهِ هو مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (يَدْعُوهُ) أيْ: يَدْعُو اللَّهَ (p-٣٥٣)(كادُوا) أيْ: كادَ الجِنُّ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ: يَنْقَضُّونَ عَلَيْهِ لِاسْتِماعِ القُرْآنِ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: الضَّمِيرُ في (كادُوا) لِكُفّارِ قُرَيْشٍ والعَرَبِ في اجْتِماعِهِمْ عَلى رَدِّ أمْرِهِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: المَعْنى أنَّها قَوْلُ الجِنِّ لِقَوْمِهِمْ يَحْكُونَ، والضَّمِيرُ في (كادُوا) لِأصْحابِهِ الَّذِينَ يَطَّوَّعُونَ لَهُ ويُقَيَّدُونَ بِهِ في الصَّلاةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): هَلّا قِيلَ رَسُولُ اللَّهِ أوِ النَّبِيُّ ؟ (قُلْتُ): لِأنَّ تَقْدِيرَهُ: وأُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ، فَلَمّا كانَ واقِعًا في كَلامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ نَفْسِهِ، جِيءَ بِهِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ التَّواضُعُ والتَّذَلُّلُ، أوْ لِأنَّ المَعْنى أنَّ عِبادَةَ عَبْدِ اللَّهِ لِلَّهِ لَيْسَتْ بِأمْرٍ مُسْتَبْعَدٍ عَنِ العَقْلِ، ولا مُسْتَنْكَرٍ حَتّى يَكُونُوا عَلَيْهِ لِبَدًا. ومَعْنى (قامَ يَدْعُوهُ): قامَ يَعْبُدُهُ، يُرِيدُ قِيامَهُ لِصَلاةِ الفَجْرِ بِنَخْلَةَ حِينَ أتاهُ الجِنُّ، فاسْتَمَعُوا لِقِراءَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ. ﴿كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ أيْ: يَزْدَحِمُونَ عَلَيْهِ مُتَراكِمِينَ؛ تَعَجُّبًا مِمّا رَأوْا مِن عِبادَتِهِ، واقْتِداءِ أصْحابِهِ بِهِ قائِمًا وراكِعًا وساجِدًا، وإعْجابًا بِما تَلا مِنَ القُرْآنِ؛ لِأنَّهم رَأوْا ما لَمْ يَرَوْا مِثْلَهُ، وسَمِعُوا بِما لَمْ يَسْمَعُوا بِنَظِيرِهِ. انْتَهى، وهو قَوْلٌ مُتَقَدِّمٌ كَثَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِخَطابَتِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لِبَدًا) بِكَسْرِ اللّامِ وفَتْحِ الباءِ جَمْعُ لِبْدَةٍ، نَحْوُ: كِسْرَةٍ وكِسَرٍ، وهي الجَماعاتُ شُبِّهَتْ بِالشَّيْءِ المُتَلَبِّدِ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ مَنافِ بْنِ رِبْعٍ: ؎صافُّوا بِسِتَّةِ أبْياتٍ وأرْبَعَةٍ ∗∗∗ حَتّى كَأنَّ عَلَيْهِمْ جانِبًا لِبَدًا وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أعْوانًا. وقَرَأ مُجاهِدٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ عامِرٍ: بِخِلافٍ عَنْهُ بِضَمِّ اللّامِ جَمْعُ لُبْدَةٍ، كُزُبْرَةٍ وزُبُرٍ. وعَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ أيْضًا: تَسْكِينُ الباءِ وضَمُّ اللّامِ (لُبْدًا) . وقَرَأ الحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ وأبُو حَيْوَةَ وجَماعَةٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِضَمَّتَيْنِ جَمْعٍ لَبْدٍ، كَرَهْنٍ ورُهُنٍ، أوْ جَمْعُ لَبُودٍ، كَصَبُورٍ وصُبُرٍ. وقَرَأ الحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ: بِخِلافٍ عَنْهُما، (لُبَّدًا) بِضَمِّ اللّامِ وشَدِّ الباءِ المَفْتُوحَةِ. قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: لَمّا قامَ الرَّسُولُ لِلدَّعْوَةِ، تَلَبَّدَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى هَذا الأمْرِ لِيُطْفِئُوهُ، فَأبى اللَّهُ إلّا أنْ يَنْصُرَهُ ويُتِمَّ نُورَهُ. انْتَهى. وأبْعَدَ مَن قالَ عَبْدُ اللَّهِ هُنا نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كادَ قَوْمُهُ يَقْتُلُونَهُ حَتّى اسْتَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنهم، قالَهُ الحَسَنُ. وأبْعَدَ مِنهُ قَوْلُ مَن قالَ إنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: قالَ إنَّما أدْعُو رَبِّي أيْ: أعْبُدُهُ، أيْ: قالَ لِلْمُتَظاهِرِينَ عَلَيْهِ: ﴿إنَّما أدْعُو رَبِّي﴾ أيْ: لَمْ آتِكم بِأمْرٍ يُنْكَرُ، إنَّما أعْبُدُ رَبِّي وحْدَهُ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِمّا يُوجِبُ إطْباقَكم عَلى عَداوَتِي. أوْ قالَ لِلْجِنِّ عِنْدَ ازْدِحامِهِمْ مُتَعَجِّبِينَ: لَيْسَ ما تَرَوْنَ مِن عِبادَةِ اللَّهِ بِأمْرٍ يُتَعَجَّبُ مِنهُ، إنَّما يُتَعَجَّبُ مِمَّنْ يَعْبُدُ غَيْرَهُ. أوْ قالَ الجِنُّ لِقَوْمِهِمْ: ذَلِكَ حِكايَةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهَذا كُلُّهُ مُرَتَّبٌ عَلى الخِلافِ في عَوْدِ الضَّمِيرِ في (كادُوا) . وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ وأبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ عَنْهُ: (قُلْ) أيْ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ المُزْدَحِمِينَ عَلَيْكَ، وهم إمّا الجِنُّ وإمّا المُشْرِكُونَ، عَلى اخْتِلافِ القَوْلَيْنِ في ضَمِيرِ (كادُوا) . ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى أنْ يَقُولَ لَهم ما يَدُلُّ عَلى تَبَرُّئِهِ مِنَ القُدْرَةِ عَلى إيصالِ خَيْرٍ أوْ شَرٍّ إلَيْهِمْ، وجَعَلَ الضَّرَّ مُقابِلًا لِلرُّشْدِ تَعْبِيرًا بِهِ عَنِ الغَيِّ، إذِ الغَيُّ ثَمَرَتُهُ الضَّرَرُ، يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ضَرًّا ولا نَفْعًا ولا غَيًّا ولا رَشَدًا، فَحَذَفَ مِن كُلِّ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مُقابِلَهُ. وقَرَأ الأعْرَجُ: (رُشُدًا) بِضَمَّتَيْنِ. ولَمّا تَبَرَّأ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن قُدْرَتِهِ عَلى نَفْعِهِمْ وضَرِّهِمْ، أمَرَ بِأنْ يُخْبِرَهم بِأنَّهُ مَرْبُوبٌ لِلَّهِ تَعالى، يَفْعَلُ فِيهِ رَبُّهُ ما يُرِيدُ، وأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُجِيرَهُ مِنهُ أحَدٌ، ولا يَجِدُ مِن دُونِهِ مَلْجَأً يَرْكَنُ إلَيْهِ، قالَ قَرِيبًا مِنهُ قَتادَةُ. وقالَ السُّدِّيُّ: حِرْزًا. وقالَ الكَلْبِيُّ: مَدْخَلًا في الأرْضِ، وقِيلَ: ناصِرًا، وقِيلَ: مَذْهَبًا ومَسْلَكًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎يا لَهْفَ نَفْسِي ! ونَفْسِي غَيْرُ مُجْدِيَةٍ ∗∗∗ عَنِّي، وما مِن قَضاءِ اللَّهِ مُلْتَحَدُ وقِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ وهو: قالُوا لَهُ اتْرُكْ ما تَدْعُو إلَيْهِ ونَحْنُ نُجِيرُكَ، فَقِيلَ لَهُ: قُلْ لَنْ يُجِيرَنِي. وقِيلَ: هو جَوابٌ لِقَوْلِ ورْدانَ سَيِّدِ الجِنِّ، وقَدِ ازْدَحَمُوا عَلَيْهِ، قالَ ورْدانُ: أنا أُرَحِّلُهم عَنْكَ، فَقالَ: (p-٣٥٤)إنِّي لَنْ يُجِيَرَنِي أحَدٌ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. ﴿إلّا بَلاغًا﴾ [الجن: ٢٣] قالَ الحَسَنُ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَنْ يُجِيرَنِي أحَدٌ، لَكِنْ إنْ بَلَّغْتُ رَحِمَنِي بِذَلِكَ. والإجارَةُ لِلْبَلاغِ مُسْتَعارَةٌ، إذْ هو سَبَّبُ إجارَةِ اللَّهِ تَعالى ورَحِمَتِهِ. وقِيلَ عَلى هَذا المَعْنى: هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، أيْ: لَنْ يُجِيرَنِي في أحَدٍ، لَكِنْ لَمْ أجِدْ شَيْئًا أمِيلُ إلَيْهِ وأعْتَصِمُ بِهِ إلّا أنْ أُبَلِّغَ وأُطِيعَ فَيُجِيرَنِي اللَّهُ، فَيَجُوزُ نَصْبُهُ عَلى الِاسْتِثْناءِ مِن (مُلْتَحَدًا)، وعَلى البَدَلِ وهو الوَجْهُ؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُ نَفْيًا، وعَلى البَدَلِ خَرَّجَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: هَذا الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ: ولَمْ أجِدْ مُلْتَحَدًا بَلْ، قالَ: (مِن دُونِهِ) والبَلاغُ مِنَ اللَّهِ لا يَكُونُ داخِلًا تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ لِأنَّهُ لا يَكُونُ مِن دُونِ اللَّهِ، بَلْ يَكُونُ مِنَ اللَّهِ وبِإعانَتِهِ وتَوْفِيقِهِ. وقالَ قَتادَةُ: التَّقْدِيرُ لا أمْلِكُ إلّا بَلاغًا إلَيْكم، فَأمّا الإيمانُ والكُفْرُ فَلا أمْلِكُ. انْتَهى، وفِيهِ بُعْدٌ لِطُولِ الفَصْلِ بَيْنَهُما. وقِيلَ، (إلّا) في تَقْدِيرِ الِانْفِصالِ: إنْ شَرْطِيَّةٌ ولا نافِيَةٌ، وحُذِفَ فِعْلُها لِدَلالَةِ المَصْدَرِ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: إنْ لَمْ أبْلُغْ بَلاغًا مِنَ اللَّهِ ورِسالَتِهِ، وهَذا كَما تَقُولُ: إنْ لا قِيامًا قُعُودًا، أيْ: إنْ لَمْ تَقُمْ قِيامًا فاقْعُدْ قُعُودًا، وحَذْفُ هَذا الفِعْلِ قَدْ يَكُونُ لِدَلالَةٍ عَلَيْهِ بَعْدَهُ أوْ قَبْلَهُ، كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ: ؎فَطَلِّقْها فَلَسْتَ لَها بِكُفْءٍ ∗∗∗ وإلّا يَعْلُ مَفْرِقَكَ الحُسامُ التَّقْدِيرُ: وإنْ لا تُطَلِّقْها، فَحَذَفَ (تُطَلِّقْها) لِدَلالَةِ فَطَلِّقْها عَلَيْهِ، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تابِعًا لِـ قَتادَةَ، أيْ: لا أمْلِكُ إلّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ، و﴿قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي﴾: جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ اعْتَرَضَ بِها لِتَأْكِيدِ نَفْيِ الِاسْتِطاعَةِ عَنْ نَفْسِهِ، وبَيانِ عَجْزِهِ عَلى مَعْنى إنَّ اللَّهَ إنْ أرادَ بِهِ سُوءً مِن مَرَضٍ أوْ مَوْتٍ أوْ غَيْرِهِما، لَمْ يَصِحَّ أنْ يُجِيرَهُ مِنهُ أحَدٌ أوْ يَجِدَ مِن دُونِهِ مَلاذًا يَأْوِي إلَيْهِ. انْتَهى. (ورِسالاتِهِ) قِيلَ: عَطْفٌ عَلى (بَلاغًا) أيْ: إلّا أنْ أُبَلِّغَ عَنِ اللَّهِ، أوْ أُبَلِّغَ رِسالاتِهِ. الظّاهِرُ أنَّ (رِسالاتِهِ) عَطْفٌ عَلى (اللَّهِ)، أيْ: إلّا أنْ أُبَلِّغَ عَنِ اللَّهِ وعَنْ رِسالاتِهِ.

الجن 72:21

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: (p-٣٥١)﴿وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾ ﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ ومَن يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا﴾ ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا﴾ ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ ﴿قُلْ إنَّما أدْعُوا رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِهِ أحَدًا﴾ ﴿قُلْ إنّى لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا رَشَدًا﴾ ﴿قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أحَدٌ ولَنْ أجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ ﴿إلّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ ورِسالاتِهِ ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ [الجن: ٢٣] ﴿حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَن أضْعَفُ ناصِرًا وأقَلُّ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٤] ﴿قُلْ إنْ أدْرِي أقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أمَدًا﴾ [الجن: ٢٥] ﴿عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾ [الجن: ٢٦] ﴿إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ فَإنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن: ٢٧] ﴿لِيَعْلَمَ أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وأحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وأحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨] . (p-٣٥٢)هَذا مِن جُمْلَةِ المُوحى المُنْدَرِجِ تَحْتَ ﴿أُوحِيَ إلَيَّ﴾ [الجن: ١] وأنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، والضَّمِيرُ في (اسْتَقامُوا) . قالَ الضَّحّاكُ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وأبُو مِجْلِزٍ: هو عائِدٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَمَن أسْلَمَ﴾ [الجن: ١٤] والطَّرِيقَةُ: طَرِيقَةُ الكُفْرِ، أيْ: لَوْ كَفَرَ مَن أسْلَمَ مِنَ النّاسِ ﴿لَأسْقَيْناهُمْ﴾ إمْلاءً لَهم واسْتِدْراجًا. واسْتِعارَةُ الِاسْتِقامَةِ لِلْكُفْرِ قَلِقَةٌ لا تُناسِبُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ: هو عائِدٌ عَلى القاسِطِينَ، والمَعْنى عَلى الطَّرِيقَةِ الإسْلامُ والحَقُّ؛ لَأنْعَمْنا عَلَيْهِمْ، نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا واتَّقَوْا﴾ [المائدة: ٦٥] الآيَةِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (اسْتَقامُوا) عائِدٌ عَلى الخَلْقِ كُلِّهِمْ، و(أنْ) هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ. ﴿لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾: كِنايَةٌ عَنْ تَوْسِعَةِ الرِّزْقِ لِأنَّهُ أصْلُ المَعاشِ. وقالَ بَعْضُهم: المالُ حَيْثُ الماءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (غَدَقًا) بِفَتْحِ الدّالِ. وعاصِمٌ في رِوايَةِ الأعْشى بِكَسْرِها. ويُقالُ: غَدَقَتِ العَيْنُ تُغْدِقُ غَدَقًا فَهي غَدِقَةٌ، إذا كَثُرَ ماؤُها. (لِنَفْتِنَهم) أيْ: لِنَخْتَبِرَهم كَيْفَ يَشْكُرُونَ ما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِهِ، أوْ لِنَمْتَحِنَهم ونَسْتَدْرِجَهم، وذَلِكَ عَلى الخِلافِ فِيمَن يَعُودُ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ في (اسْتَقامُوا) . وقَرَأ الأعْمَشُ وابْنُ وثّابٍ، بِضَمِّ واوِ (لَوْ) . والجُمْهُورُ بِكَسْرِها. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: (يَسْلُكُهُ) بِالياءِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالنُّونِ. وابْنُ جُنْدُبٍ بِالنُّونِ مِن أسْلَكَ، وبَعْضُ التّابِعِينَ بِالياءِ مِن أسْلَكَ أيْضًا، وهُما لُغَتانِ: سَلَكَ وأسْلَكَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎حَتّى إذا أسْلَكُوهم في قُتائِدَةٍ وقَرَأ الجُمْهُورُ: (صَعَدًا) بِفَتْحَتَيْنِ، وذُو مَصْدَرِ صَعِدَ وصَفَ بِهِ العَذابَ، أيْ: يَعْلُو المُعَذَّبَ ويَغْلِبُهُ، وفُسِّرَ بِشاقٍّ. يُقالُ: فُلانٌ في صُعُدٍ مِن أمْرِهِ، أيْ: في مَشَقَّةٍ. وقالَ عُمَرُ: ما يُتَصَعَّدُ بِي شَيْءٌ كَما يُتَصَعَّدُ في خُطْبَةِ النِّكاحِ، أيْ: ما يَشُقُّ عَلَيَّ. وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ وابْنُ عَبّاسٍ: صَعَدٌ: جَبَلٌ في النّارِ. وقالَ الخُدْرِيُّ: كُلَّما وضَعُوا أيْدِيَهم عَلَيْهِ ذابَتْ. وقالَ عِكْرِمَةُ: هو صَخْرَةٌ مَلْساءُ في جَهَنَّمَ يُكَلَّفُ صُعُودَها، فَإذا انْتَهى إلى أعْلاها حَدَرَ إلى جَهَنَّمَ، فَعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (عَذابٍ) عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: عَذابٌ صَعَدٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (صَعَدًا) مَفْعُولَ (يَسْلُكْهُ)، (وعَذابًا) مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ. وقَرَأ قَوْمٌ: (صُعُدًا) بِضَمَّتَيْنِ. وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ بِضَمِّ الصّادِ وفَتْحِ العَيْنِ. قالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ لا راحَةَ فِيهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وأنَّ المَساجِدَ﴾ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَطْفًا عَلى ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ [الجن: ١] فَهو مِن جُمْلَةِ المُوحى. وقالَ الخَلِيلُ: مَعْنى الآيَةِ: ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا﴾ أيْ: لِهَذا السَّبَبِ، وكَذَلِكَ عِنْدَهُ ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش: ١] (فَلْيَعْبُدُوا) وكَذَلِكَ (وأنَّ هَذِهِ أُمَتُّكم) أيْ: ولِأنَّ هَذِهِ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ وطَلْحَةُ: (وإنَّ المَساجِدَ) بِكَسْرِها عَلى الِاسْتِئْنافِ وعَلى تَقْدِيرِ الخَلِيلِ، فالمَعْنى: فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا في المَساجِدِ؛ لِأنَّها لِلَّهِ خاصَّةً ولِعِبادَتِهِ، والظّاهِرُ أنَّ المَساجِدَ هي البُيُوتُ المُعَدَّةُ لِلصَّلاةِ والعِبادَةِ في كُلِّ مِلَّةٍ. وقالَ الحَسَنُ: كُلُّ مَوْضِعٍ سُجِدَ فِيهِ فَهو مَسْجِدٌ، كانَ مَخْصُوصًا لِذَلِكَ أوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأنَّ الأرْضَ كُلَّها مَسْجِدُ هَذِهِ الأُمَّةِ. وأبْعَدَ ابْنُ عَطاءٍ في قَوْلِهِ إنَّها الآرابُ الَّتِي يُسْجَدُ عَلَيْها، واحِدُها مَسْجَدٌ بِفَتْحِ الجِيمِ، وهي الجَبْهَةُ والأنْفُ واليَدانِ والرُّكْبَتانِ والقَدَمانِ، عَدَّ الجَبْهَةَ والأنْفَ واحِدًا، وأبْعَدَ أيْضًا مَن قالَ: المَسْجِدُ الحَرامُ؛ لِأنَّهُ قِبْلَةُ المَساجِدِ، وقالَ: إنَّهُ جَمَعَ مَسْجِدٌ وهو السُّجُودُ. ورُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ حِينَ تَغَلَّبَتْ قُرَيْشٌ عَلى الكَعْبَةِ، فَقِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: المَواضِعُ كُلُّها لِلَّهِ، فاعْبُدْهُ حَيْثُ كُنْتَ. «وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: نَزَلَتْ لِأنَّ الجِنَّ قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نَشْهَدُ الصَّلاةَ مَعَكَ عَلى نَأْيِنا عَنْكَ ؟ فَنَزَلَتِ الآيَةُ لِيُخاطِبَهم عَلى مَعْنى أنَّ عِبادَتَكم حَيْثُ كُنْتُمْ مَقْبُولَةٌ إذا دَخَلْنا المَساجِدَ» . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، عَطْفًا عَلى قِراءَتِهِمْ ﴿وأنَّ المَساجِدَ﴾ بِالفَتْحِ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ وطَلْحَةُ ونافِعٌ وأبُو بَكْرٍ: بِكَسْرِها عَلى الِاسْتِئْنافِ. وعَبْدُ اللَّهِ هو مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (يَدْعُوهُ) أيْ: يَدْعُو اللَّهَ (p-٣٥٣)(كادُوا) أيْ: كادَ الجِنُّ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ: يَنْقَضُّونَ عَلَيْهِ لِاسْتِماعِ القُرْآنِ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: الضَّمِيرُ في (كادُوا) لِكُفّارِ قُرَيْشٍ والعَرَبِ في اجْتِماعِهِمْ عَلى رَدِّ أمْرِهِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: المَعْنى أنَّها قَوْلُ الجِنِّ لِقَوْمِهِمْ يَحْكُونَ، والضَّمِيرُ في (كادُوا) لِأصْحابِهِ الَّذِينَ يَطَّوَّعُونَ لَهُ ويُقَيَّدُونَ بِهِ في الصَّلاةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): هَلّا قِيلَ رَسُولُ اللَّهِ أوِ النَّبِيُّ ؟ (قُلْتُ): لِأنَّ تَقْدِيرَهُ: وأُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ، فَلَمّا كانَ واقِعًا في كَلامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ نَفْسِهِ، جِيءَ بِهِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ التَّواضُعُ والتَّذَلُّلُ، أوْ لِأنَّ المَعْنى أنَّ عِبادَةَ عَبْدِ اللَّهِ لِلَّهِ لَيْسَتْ بِأمْرٍ مُسْتَبْعَدٍ عَنِ العَقْلِ، ولا مُسْتَنْكَرٍ حَتّى يَكُونُوا عَلَيْهِ لِبَدًا. ومَعْنى (قامَ يَدْعُوهُ): قامَ يَعْبُدُهُ، يُرِيدُ قِيامَهُ لِصَلاةِ الفَجْرِ بِنَخْلَةَ حِينَ أتاهُ الجِنُّ، فاسْتَمَعُوا لِقِراءَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ. ﴿كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ أيْ: يَزْدَحِمُونَ عَلَيْهِ مُتَراكِمِينَ؛ تَعَجُّبًا مِمّا رَأوْا مِن عِبادَتِهِ، واقْتِداءِ أصْحابِهِ بِهِ قائِمًا وراكِعًا وساجِدًا، وإعْجابًا بِما تَلا مِنَ القُرْآنِ؛ لِأنَّهم رَأوْا ما لَمْ يَرَوْا مِثْلَهُ، وسَمِعُوا بِما لَمْ يَسْمَعُوا بِنَظِيرِهِ. انْتَهى، وهو قَوْلٌ مُتَقَدِّمٌ كَثَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِخَطابَتِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لِبَدًا) بِكَسْرِ اللّامِ وفَتْحِ الباءِ جَمْعُ لِبْدَةٍ، نَحْوُ: كِسْرَةٍ وكِسَرٍ، وهي الجَماعاتُ شُبِّهَتْ بِالشَّيْءِ المُتَلَبِّدِ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ مَنافِ بْنِ رِبْعٍ: ؎صافُّوا بِسِتَّةِ أبْياتٍ وأرْبَعَةٍ ∗∗∗ حَتّى كَأنَّ عَلَيْهِمْ جانِبًا لِبَدًا وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أعْوانًا. وقَرَأ مُجاهِدٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ عامِرٍ: بِخِلافٍ عَنْهُ بِضَمِّ اللّامِ جَمْعُ لُبْدَةٍ، كُزُبْرَةٍ وزُبُرٍ. وعَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ أيْضًا: تَسْكِينُ الباءِ وضَمُّ اللّامِ (لُبْدًا) . وقَرَأ الحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ وأبُو حَيْوَةَ وجَماعَةٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِضَمَّتَيْنِ جَمْعٍ لَبْدٍ، كَرَهْنٍ ورُهُنٍ، أوْ جَمْعُ لَبُودٍ، كَصَبُورٍ وصُبُرٍ. وقَرَأ الحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ: بِخِلافٍ عَنْهُما، (لُبَّدًا) بِضَمِّ اللّامِ وشَدِّ الباءِ المَفْتُوحَةِ. قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: لَمّا قامَ الرَّسُولُ لِلدَّعْوَةِ، تَلَبَّدَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى هَذا الأمْرِ لِيُطْفِئُوهُ، فَأبى اللَّهُ إلّا أنْ يَنْصُرَهُ ويُتِمَّ نُورَهُ. انْتَهى. وأبْعَدَ مَن قالَ عَبْدُ اللَّهِ هُنا نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كادَ قَوْمُهُ يَقْتُلُونَهُ حَتّى اسْتَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنهم، قالَهُ الحَسَنُ. وأبْعَدَ مِنهُ قَوْلُ مَن قالَ إنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: قالَ إنَّما أدْعُو رَبِّي أيْ: أعْبُدُهُ، أيْ: قالَ لِلْمُتَظاهِرِينَ عَلَيْهِ: ﴿إنَّما أدْعُو رَبِّي﴾ أيْ: لَمْ آتِكم بِأمْرٍ يُنْكَرُ، إنَّما أعْبُدُ رَبِّي وحْدَهُ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِمّا يُوجِبُ إطْباقَكم عَلى عَداوَتِي. أوْ قالَ لِلْجِنِّ عِنْدَ ازْدِحامِهِمْ مُتَعَجِّبِينَ: لَيْسَ ما تَرَوْنَ مِن عِبادَةِ اللَّهِ بِأمْرٍ يُتَعَجَّبُ مِنهُ، إنَّما يُتَعَجَّبُ مِمَّنْ يَعْبُدُ غَيْرَهُ. أوْ قالَ الجِنُّ لِقَوْمِهِمْ: ذَلِكَ حِكايَةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهَذا كُلُّهُ مُرَتَّبٌ عَلى الخِلافِ في عَوْدِ الضَّمِيرِ في (كادُوا) . وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ وأبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ عَنْهُ: (قُلْ) أيْ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ المُزْدَحِمِينَ عَلَيْكَ، وهم إمّا الجِنُّ وإمّا المُشْرِكُونَ، عَلى اخْتِلافِ القَوْلَيْنِ في ضَمِيرِ (كادُوا) . ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى أنْ يَقُولَ لَهم ما يَدُلُّ عَلى تَبَرُّئِهِ مِنَ القُدْرَةِ عَلى إيصالِ خَيْرٍ أوْ شَرٍّ إلَيْهِمْ، وجَعَلَ الضَّرَّ مُقابِلًا لِلرُّشْدِ تَعْبِيرًا بِهِ عَنِ الغَيِّ، إذِ الغَيُّ ثَمَرَتُهُ الضَّرَرُ، يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ضَرًّا ولا نَفْعًا ولا غَيًّا ولا رَشَدًا، فَحَذَفَ مِن كُلِّ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مُقابِلَهُ. وقَرَأ الأعْرَجُ: (رُشُدًا) بِضَمَّتَيْنِ. ولَمّا تَبَرَّأ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن قُدْرَتِهِ عَلى نَفْعِهِمْ وضَرِّهِمْ، أمَرَ بِأنْ يُخْبِرَهم بِأنَّهُ مَرْبُوبٌ لِلَّهِ تَعالى، يَفْعَلُ فِيهِ رَبُّهُ ما يُرِيدُ، وأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُجِيرَهُ مِنهُ أحَدٌ، ولا يَجِدُ مِن دُونِهِ مَلْجَأً يَرْكَنُ إلَيْهِ، قالَ قَرِيبًا مِنهُ قَتادَةُ. وقالَ السُّدِّيُّ: حِرْزًا. وقالَ الكَلْبِيُّ: مَدْخَلًا في الأرْضِ، وقِيلَ: ناصِرًا، وقِيلَ: مَذْهَبًا ومَسْلَكًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎يا لَهْفَ نَفْسِي ! ونَفْسِي غَيْرُ مُجْدِيَةٍ ∗∗∗ عَنِّي، وما مِن قَضاءِ اللَّهِ مُلْتَحَدُ وقِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ وهو: قالُوا لَهُ اتْرُكْ ما تَدْعُو إلَيْهِ ونَحْنُ نُجِيرُكَ، فَقِيلَ لَهُ: قُلْ لَنْ يُجِيرَنِي. وقِيلَ: هو جَوابٌ لِقَوْلِ ورْدانَ سَيِّدِ الجِنِّ، وقَدِ ازْدَحَمُوا عَلَيْهِ، قالَ ورْدانُ: أنا أُرَحِّلُهم عَنْكَ، فَقالَ: (p-٣٥٤)إنِّي لَنْ يُجِيَرَنِي أحَدٌ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. ﴿إلّا بَلاغًا﴾ [الجن: ٢٣] قالَ الحَسَنُ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَنْ يُجِيرَنِي أحَدٌ، لَكِنْ إنْ بَلَّغْتُ رَحِمَنِي بِذَلِكَ. والإجارَةُ لِلْبَلاغِ مُسْتَعارَةٌ، إذْ هو سَبَّبُ إجارَةِ اللَّهِ تَعالى ورَحِمَتِهِ. وقِيلَ عَلى هَذا المَعْنى: هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، أيْ: لَنْ يُجِيرَنِي في أحَدٍ، لَكِنْ لَمْ أجِدْ شَيْئًا أمِيلُ إلَيْهِ وأعْتَصِمُ بِهِ إلّا أنْ أُبَلِّغَ وأُطِيعَ فَيُجِيرَنِي اللَّهُ، فَيَجُوزُ نَصْبُهُ عَلى الِاسْتِثْناءِ مِن (مُلْتَحَدًا)، وعَلى البَدَلِ وهو الوَجْهُ؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُ نَفْيًا، وعَلى البَدَلِ خَرَّجَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: هَذا الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ: ولَمْ أجِدْ مُلْتَحَدًا بَلْ، قالَ: (مِن دُونِهِ) والبَلاغُ مِنَ اللَّهِ لا يَكُونُ داخِلًا تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ لِأنَّهُ لا يَكُونُ مِن دُونِ اللَّهِ، بَلْ يَكُونُ مِنَ اللَّهِ وبِإعانَتِهِ وتَوْفِيقِهِ. وقالَ قَتادَةُ: التَّقْدِيرُ لا أمْلِكُ إلّا بَلاغًا إلَيْكم، فَأمّا الإيمانُ والكُفْرُ فَلا أمْلِكُ. انْتَهى، وفِيهِ بُعْدٌ لِطُولِ الفَصْلِ بَيْنَهُما. وقِيلَ، (إلّا) في تَقْدِيرِ الِانْفِصالِ: إنْ شَرْطِيَّةٌ ولا نافِيَةٌ، وحُذِفَ فِعْلُها لِدَلالَةِ المَصْدَرِ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: إنْ لَمْ أبْلُغْ بَلاغًا مِنَ اللَّهِ ورِسالَتِهِ، وهَذا كَما تَقُولُ: إنْ لا قِيامًا قُعُودًا، أيْ: إنْ لَمْ تَقُمْ قِيامًا فاقْعُدْ قُعُودًا، وحَذْفُ هَذا الفِعْلِ قَدْ يَكُونُ لِدَلالَةٍ عَلَيْهِ بَعْدَهُ أوْ قَبْلَهُ، كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ: ؎فَطَلِّقْها فَلَسْتَ لَها بِكُفْءٍ ∗∗∗ وإلّا يَعْلُ مَفْرِقَكَ الحُسامُ التَّقْدِيرُ: وإنْ لا تُطَلِّقْها، فَحَذَفَ (تُطَلِّقْها) لِدَلالَةِ فَطَلِّقْها عَلَيْهِ، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تابِعًا لِـ قَتادَةَ، أيْ: لا أمْلِكُ إلّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ، و﴿قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي﴾: جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ اعْتَرَضَ بِها لِتَأْكِيدِ نَفْيِ الِاسْتِطاعَةِ عَنْ نَفْسِهِ، وبَيانِ عَجْزِهِ عَلى مَعْنى إنَّ اللَّهَ إنْ أرادَ بِهِ سُوءً مِن مَرَضٍ أوْ مَوْتٍ أوْ غَيْرِهِما، لَمْ يَصِحَّ أنْ يُجِيرَهُ مِنهُ أحَدٌ أوْ يَجِدَ مِن دُونِهِ مَلاذًا يَأْوِي إلَيْهِ. انْتَهى. (ورِسالاتِهِ) قِيلَ: عَطْفٌ عَلى (بَلاغًا) أيْ: إلّا أنْ أُبَلِّغَ عَنِ اللَّهِ، أوْ أُبَلِّغَ رِسالاتِهِ. الظّاهِرُ أنَّ (رِسالاتِهِ) عَطْفٌ عَلى (اللَّهِ)، أيْ: إلّا أنْ أُبَلِّغَ عَنِ اللَّهِ وعَنْ رِسالاتِهِ.

الجن 72:22

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: (p-٣٥١)﴿وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾ ﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ ومَن يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا﴾ ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا﴾ ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ ﴿قُلْ إنَّما أدْعُوا رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِهِ أحَدًا﴾ ﴿قُلْ إنّى لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا رَشَدًا﴾ ﴿قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أحَدٌ ولَنْ أجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ ﴿إلّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ ورِسالاتِهِ ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ [الجن: ٢٣] ﴿حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَن أضْعَفُ ناصِرًا وأقَلُّ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٤] ﴿قُلْ إنْ أدْرِي أقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أمَدًا﴾ [الجن: ٢٥] ﴿عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾ [الجن: ٢٦] ﴿إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ فَإنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن: ٢٧] ﴿لِيَعْلَمَ أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وأحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وأحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨] . (p-٣٥٢)هَذا مِن جُمْلَةِ المُوحى المُنْدَرِجِ تَحْتَ ﴿أُوحِيَ إلَيَّ﴾ [الجن: ١] وأنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، والضَّمِيرُ في (اسْتَقامُوا) . قالَ الضَّحّاكُ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وأبُو مِجْلِزٍ: هو عائِدٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَمَن أسْلَمَ﴾ [الجن: ١٤] والطَّرِيقَةُ: طَرِيقَةُ الكُفْرِ، أيْ: لَوْ كَفَرَ مَن أسْلَمَ مِنَ النّاسِ ﴿لَأسْقَيْناهُمْ﴾ إمْلاءً لَهم واسْتِدْراجًا. واسْتِعارَةُ الِاسْتِقامَةِ لِلْكُفْرِ قَلِقَةٌ لا تُناسِبُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ: هو عائِدٌ عَلى القاسِطِينَ، والمَعْنى عَلى الطَّرِيقَةِ الإسْلامُ والحَقُّ؛ لَأنْعَمْنا عَلَيْهِمْ، نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا واتَّقَوْا﴾ [المائدة: ٦٥] الآيَةِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (اسْتَقامُوا) عائِدٌ عَلى الخَلْقِ كُلِّهِمْ، و(أنْ) هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ. ﴿لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾: كِنايَةٌ عَنْ تَوْسِعَةِ الرِّزْقِ لِأنَّهُ أصْلُ المَعاشِ. وقالَ بَعْضُهم: المالُ حَيْثُ الماءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (غَدَقًا) بِفَتْحِ الدّالِ. وعاصِمٌ في رِوايَةِ الأعْشى بِكَسْرِها. ويُقالُ: غَدَقَتِ العَيْنُ تُغْدِقُ غَدَقًا فَهي غَدِقَةٌ، إذا كَثُرَ ماؤُها. (لِنَفْتِنَهم) أيْ: لِنَخْتَبِرَهم كَيْفَ يَشْكُرُونَ ما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِهِ، أوْ لِنَمْتَحِنَهم ونَسْتَدْرِجَهم، وذَلِكَ عَلى الخِلافِ فِيمَن يَعُودُ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ في (اسْتَقامُوا) . وقَرَأ الأعْمَشُ وابْنُ وثّابٍ، بِضَمِّ واوِ (لَوْ) . والجُمْهُورُ بِكَسْرِها. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: (يَسْلُكُهُ) بِالياءِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالنُّونِ. وابْنُ جُنْدُبٍ بِالنُّونِ مِن أسْلَكَ، وبَعْضُ التّابِعِينَ بِالياءِ مِن أسْلَكَ أيْضًا، وهُما لُغَتانِ: سَلَكَ وأسْلَكَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎حَتّى إذا أسْلَكُوهم في قُتائِدَةٍ وقَرَأ الجُمْهُورُ: (صَعَدًا) بِفَتْحَتَيْنِ، وذُو مَصْدَرِ صَعِدَ وصَفَ بِهِ العَذابَ، أيْ: يَعْلُو المُعَذَّبَ ويَغْلِبُهُ، وفُسِّرَ بِشاقٍّ. يُقالُ: فُلانٌ في صُعُدٍ مِن أمْرِهِ، أيْ: في مَشَقَّةٍ. وقالَ عُمَرُ: ما يُتَصَعَّدُ بِي شَيْءٌ كَما يُتَصَعَّدُ في خُطْبَةِ النِّكاحِ، أيْ: ما يَشُقُّ عَلَيَّ. وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ وابْنُ عَبّاسٍ: صَعَدٌ: جَبَلٌ في النّارِ. وقالَ الخُدْرِيُّ: كُلَّما وضَعُوا أيْدِيَهم عَلَيْهِ ذابَتْ. وقالَ عِكْرِمَةُ: هو صَخْرَةٌ مَلْساءُ في جَهَنَّمَ يُكَلَّفُ صُعُودَها، فَإذا انْتَهى إلى أعْلاها حَدَرَ إلى جَهَنَّمَ، فَعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (عَذابٍ) عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: عَذابٌ صَعَدٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (صَعَدًا) مَفْعُولَ (يَسْلُكْهُ)، (وعَذابًا) مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ. وقَرَأ قَوْمٌ: (صُعُدًا) بِضَمَّتَيْنِ. وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ بِضَمِّ الصّادِ وفَتْحِ العَيْنِ. قالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ لا راحَةَ فِيهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وأنَّ المَساجِدَ﴾ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَطْفًا عَلى ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ [الجن: ١] فَهو مِن جُمْلَةِ المُوحى. وقالَ الخَلِيلُ: مَعْنى الآيَةِ: ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا﴾ أيْ: لِهَذا السَّبَبِ، وكَذَلِكَ عِنْدَهُ ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش: ١] (فَلْيَعْبُدُوا) وكَذَلِكَ (وأنَّ هَذِهِ أُمَتُّكم) أيْ: ولِأنَّ هَذِهِ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ وطَلْحَةُ: (وإنَّ المَساجِدَ) بِكَسْرِها عَلى الِاسْتِئْنافِ وعَلى تَقْدِيرِ الخَلِيلِ، فالمَعْنى: فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا في المَساجِدِ؛ لِأنَّها لِلَّهِ خاصَّةً ولِعِبادَتِهِ، والظّاهِرُ أنَّ المَساجِدَ هي البُيُوتُ المُعَدَّةُ لِلصَّلاةِ والعِبادَةِ في كُلِّ مِلَّةٍ. وقالَ الحَسَنُ: كُلُّ مَوْضِعٍ سُجِدَ فِيهِ فَهو مَسْجِدٌ، كانَ مَخْصُوصًا لِذَلِكَ أوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأنَّ الأرْضَ كُلَّها مَسْجِدُ هَذِهِ الأُمَّةِ. وأبْعَدَ ابْنُ عَطاءٍ في قَوْلِهِ إنَّها الآرابُ الَّتِي يُسْجَدُ عَلَيْها، واحِدُها مَسْجَدٌ بِفَتْحِ الجِيمِ، وهي الجَبْهَةُ والأنْفُ واليَدانِ والرُّكْبَتانِ والقَدَمانِ، عَدَّ الجَبْهَةَ والأنْفَ واحِدًا، وأبْعَدَ أيْضًا مَن قالَ: المَسْجِدُ الحَرامُ؛ لِأنَّهُ قِبْلَةُ المَساجِدِ، وقالَ: إنَّهُ جَمَعَ مَسْجِدٌ وهو السُّجُودُ. ورُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ حِينَ تَغَلَّبَتْ قُرَيْشٌ عَلى الكَعْبَةِ، فَقِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: المَواضِعُ كُلُّها لِلَّهِ، فاعْبُدْهُ حَيْثُ كُنْتَ. «وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: نَزَلَتْ لِأنَّ الجِنَّ قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نَشْهَدُ الصَّلاةَ مَعَكَ عَلى نَأْيِنا عَنْكَ ؟ فَنَزَلَتِ الآيَةُ لِيُخاطِبَهم عَلى مَعْنى أنَّ عِبادَتَكم حَيْثُ كُنْتُمْ مَقْبُولَةٌ إذا دَخَلْنا المَساجِدَ» . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، عَطْفًا عَلى قِراءَتِهِمْ ﴿وأنَّ المَساجِدَ﴾ بِالفَتْحِ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ وطَلْحَةُ ونافِعٌ وأبُو بَكْرٍ: بِكَسْرِها عَلى الِاسْتِئْنافِ. وعَبْدُ اللَّهِ هو مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (يَدْعُوهُ) أيْ: يَدْعُو اللَّهَ (p-٣٥٣)(كادُوا) أيْ: كادَ الجِنُّ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ: يَنْقَضُّونَ عَلَيْهِ لِاسْتِماعِ القُرْآنِ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: الضَّمِيرُ في (كادُوا) لِكُفّارِ قُرَيْشٍ والعَرَبِ في اجْتِماعِهِمْ عَلى رَدِّ أمْرِهِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: المَعْنى أنَّها قَوْلُ الجِنِّ لِقَوْمِهِمْ يَحْكُونَ، والضَّمِيرُ في (كادُوا) لِأصْحابِهِ الَّذِينَ يَطَّوَّعُونَ لَهُ ويُقَيَّدُونَ بِهِ في الصَّلاةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): هَلّا قِيلَ رَسُولُ اللَّهِ أوِ النَّبِيُّ ؟ (قُلْتُ): لِأنَّ تَقْدِيرَهُ: وأُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ، فَلَمّا كانَ واقِعًا في كَلامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ نَفْسِهِ، جِيءَ بِهِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ التَّواضُعُ والتَّذَلُّلُ، أوْ لِأنَّ المَعْنى أنَّ عِبادَةَ عَبْدِ اللَّهِ لِلَّهِ لَيْسَتْ بِأمْرٍ مُسْتَبْعَدٍ عَنِ العَقْلِ، ولا مُسْتَنْكَرٍ حَتّى يَكُونُوا عَلَيْهِ لِبَدًا. ومَعْنى (قامَ يَدْعُوهُ): قامَ يَعْبُدُهُ، يُرِيدُ قِيامَهُ لِصَلاةِ الفَجْرِ بِنَخْلَةَ حِينَ أتاهُ الجِنُّ، فاسْتَمَعُوا لِقِراءَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ. ﴿كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ أيْ: يَزْدَحِمُونَ عَلَيْهِ مُتَراكِمِينَ؛ تَعَجُّبًا مِمّا رَأوْا مِن عِبادَتِهِ، واقْتِداءِ أصْحابِهِ بِهِ قائِمًا وراكِعًا وساجِدًا، وإعْجابًا بِما تَلا مِنَ القُرْآنِ؛ لِأنَّهم رَأوْا ما لَمْ يَرَوْا مِثْلَهُ، وسَمِعُوا بِما لَمْ يَسْمَعُوا بِنَظِيرِهِ. انْتَهى، وهو قَوْلٌ مُتَقَدِّمٌ كَثَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِخَطابَتِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لِبَدًا) بِكَسْرِ اللّامِ وفَتْحِ الباءِ جَمْعُ لِبْدَةٍ، نَحْوُ: كِسْرَةٍ وكِسَرٍ، وهي الجَماعاتُ شُبِّهَتْ بِالشَّيْءِ المُتَلَبِّدِ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ مَنافِ بْنِ رِبْعٍ: ؎صافُّوا بِسِتَّةِ أبْياتٍ وأرْبَعَةٍ ∗∗∗ حَتّى كَأنَّ عَلَيْهِمْ جانِبًا لِبَدًا وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أعْوانًا. وقَرَأ مُجاهِدٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ عامِرٍ: بِخِلافٍ عَنْهُ بِضَمِّ اللّامِ جَمْعُ لُبْدَةٍ، كُزُبْرَةٍ وزُبُرٍ. وعَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ أيْضًا: تَسْكِينُ الباءِ وضَمُّ اللّامِ (لُبْدًا) . وقَرَأ الحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ وأبُو حَيْوَةَ وجَماعَةٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِضَمَّتَيْنِ جَمْعٍ لَبْدٍ، كَرَهْنٍ ورُهُنٍ، أوْ جَمْعُ لَبُودٍ، كَصَبُورٍ وصُبُرٍ. وقَرَأ الحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ: بِخِلافٍ عَنْهُما، (لُبَّدًا) بِضَمِّ اللّامِ وشَدِّ الباءِ المَفْتُوحَةِ. قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: لَمّا قامَ الرَّسُولُ لِلدَّعْوَةِ، تَلَبَّدَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى هَذا الأمْرِ لِيُطْفِئُوهُ، فَأبى اللَّهُ إلّا أنْ يَنْصُرَهُ ويُتِمَّ نُورَهُ. انْتَهى. وأبْعَدَ مَن قالَ عَبْدُ اللَّهِ هُنا نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كادَ قَوْمُهُ يَقْتُلُونَهُ حَتّى اسْتَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنهم، قالَهُ الحَسَنُ. وأبْعَدَ مِنهُ قَوْلُ مَن قالَ إنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: قالَ إنَّما أدْعُو رَبِّي أيْ: أعْبُدُهُ، أيْ: قالَ لِلْمُتَظاهِرِينَ عَلَيْهِ: ﴿إنَّما أدْعُو رَبِّي﴾ أيْ: لَمْ آتِكم بِأمْرٍ يُنْكَرُ، إنَّما أعْبُدُ رَبِّي وحْدَهُ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِمّا يُوجِبُ إطْباقَكم عَلى عَداوَتِي. أوْ قالَ لِلْجِنِّ عِنْدَ ازْدِحامِهِمْ مُتَعَجِّبِينَ: لَيْسَ ما تَرَوْنَ مِن عِبادَةِ اللَّهِ بِأمْرٍ يُتَعَجَّبُ مِنهُ، إنَّما يُتَعَجَّبُ مِمَّنْ يَعْبُدُ غَيْرَهُ. أوْ قالَ الجِنُّ لِقَوْمِهِمْ: ذَلِكَ حِكايَةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهَذا كُلُّهُ مُرَتَّبٌ عَلى الخِلافِ في عَوْدِ الضَّمِيرِ في (كادُوا) . وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ وأبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ عَنْهُ: (قُلْ) أيْ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ المُزْدَحِمِينَ عَلَيْكَ، وهم إمّا الجِنُّ وإمّا المُشْرِكُونَ، عَلى اخْتِلافِ القَوْلَيْنِ في ضَمِيرِ (كادُوا) . ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى أنْ يَقُولَ لَهم ما يَدُلُّ عَلى تَبَرُّئِهِ مِنَ القُدْرَةِ عَلى إيصالِ خَيْرٍ أوْ شَرٍّ إلَيْهِمْ، وجَعَلَ الضَّرَّ مُقابِلًا لِلرُّشْدِ تَعْبِيرًا بِهِ عَنِ الغَيِّ، إذِ الغَيُّ ثَمَرَتُهُ الضَّرَرُ، يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ضَرًّا ولا نَفْعًا ولا غَيًّا ولا رَشَدًا، فَحَذَفَ مِن كُلِّ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مُقابِلَهُ. وقَرَأ الأعْرَجُ: (رُشُدًا) بِضَمَّتَيْنِ. ولَمّا تَبَرَّأ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن قُدْرَتِهِ عَلى نَفْعِهِمْ وضَرِّهِمْ، أمَرَ بِأنْ يُخْبِرَهم بِأنَّهُ مَرْبُوبٌ لِلَّهِ تَعالى، يَفْعَلُ فِيهِ رَبُّهُ ما يُرِيدُ، وأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُجِيرَهُ مِنهُ أحَدٌ، ولا يَجِدُ مِن دُونِهِ مَلْجَأً يَرْكَنُ إلَيْهِ، قالَ قَرِيبًا مِنهُ قَتادَةُ. وقالَ السُّدِّيُّ: حِرْزًا. وقالَ الكَلْبِيُّ: مَدْخَلًا في الأرْضِ، وقِيلَ: ناصِرًا، وقِيلَ: مَذْهَبًا ومَسْلَكًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎يا لَهْفَ نَفْسِي ! ونَفْسِي غَيْرُ مُجْدِيَةٍ ∗∗∗ عَنِّي، وما مِن قَضاءِ اللَّهِ مُلْتَحَدُ وقِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ وهو: قالُوا لَهُ اتْرُكْ ما تَدْعُو إلَيْهِ ونَحْنُ نُجِيرُكَ، فَقِيلَ لَهُ: قُلْ لَنْ يُجِيرَنِي. وقِيلَ: هو جَوابٌ لِقَوْلِ ورْدانَ سَيِّدِ الجِنِّ، وقَدِ ازْدَحَمُوا عَلَيْهِ، قالَ ورْدانُ: أنا أُرَحِّلُهم عَنْكَ، فَقالَ: (p-٣٥٤)إنِّي لَنْ يُجِيَرَنِي أحَدٌ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. ﴿إلّا بَلاغًا﴾ [الجن: ٢٣] قالَ الحَسَنُ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَنْ يُجِيرَنِي أحَدٌ، لَكِنْ إنْ بَلَّغْتُ رَحِمَنِي بِذَلِكَ. والإجارَةُ لِلْبَلاغِ مُسْتَعارَةٌ، إذْ هو سَبَّبُ إجارَةِ اللَّهِ تَعالى ورَحِمَتِهِ. وقِيلَ عَلى هَذا المَعْنى: هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، أيْ: لَنْ يُجِيرَنِي في أحَدٍ، لَكِنْ لَمْ أجِدْ شَيْئًا أمِيلُ إلَيْهِ وأعْتَصِمُ بِهِ إلّا أنْ أُبَلِّغَ وأُطِيعَ فَيُجِيرَنِي اللَّهُ، فَيَجُوزُ نَصْبُهُ عَلى الِاسْتِثْناءِ مِن (مُلْتَحَدًا)، وعَلى البَدَلِ وهو الوَجْهُ؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُ نَفْيًا، وعَلى البَدَلِ خَرَّجَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: هَذا الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ: ولَمْ أجِدْ مُلْتَحَدًا بَلْ، قالَ: (مِن دُونِهِ) والبَلاغُ مِنَ اللَّهِ لا يَكُونُ داخِلًا تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ لِأنَّهُ لا يَكُونُ مِن دُونِ اللَّهِ، بَلْ يَكُونُ مِنَ اللَّهِ وبِإعانَتِهِ وتَوْفِيقِهِ. وقالَ قَتادَةُ: التَّقْدِيرُ لا أمْلِكُ إلّا بَلاغًا إلَيْكم، فَأمّا الإيمانُ والكُفْرُ فَلا أمْلِكُ. انْتَهى، وفِيهِ بُعْدٌ لِطُولِ الفَصْلِ بَيْنَهُما. وقِيلَ، (إلّا) في تَقْدِيرِ الِانْفِصالِ: إنْ شَرْطِيَّةٌ ولا نافِيَةٌ، وحُذِفَ فِعْلُها لِدَلالَةِ المَصْدَرِ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: إنْ لَمْ أبْلُغْ بَلاغًا مِنَ اللَّهِ ورِسالَتِهِ، وهَذا كَما تَقُولُ: إنْ لا قِيامًا قُعُودًا، أيْ: إنْ لَمْ تَقُمْ قِيامًا فاقْعُدْ قُعُودًا، وحَذْفُ هَذا الفِعْلِ قَدْ يَكُونُ لِدَلالَةٍ عَلَيْهِ بَعْدَهُ أوْ قَبْلَهُ، كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ: ؎فَطَلِّقْها فَلَسْتَ لَها بِكُفْءٍ ∗∗∗ وإلّا يَعْلُ مَفْرِقَكَ الحُسامُ التَّقْدِيرُ: وإنْ لا تُطَلِّقْها، فَحَذَفَ (تُطَلِّقْها) لِدَلالَةِ فَطَلِّقْها عَلَيْهِ، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تابِعًا لِـ قَتادَةَ، أيْ: لا أمْلِكُ إلّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ، و﴿قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي﴾: جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ اعْتَرَضَ بِها لِتَأْكِيدِ نَفْيِ الِاسْتِطاعَةِ عَنْ نَفْسِهِ، وبَيانِ عَجْزِهِ عَلى مَعْنى إنَّ اللَّهَ إنْ أرادَ بِهِ سُوءً مِن مَرَضٍ أوْ مَوْتٍ أوْ غَيْرِهِما، لَمْ يَصِحَّ أنْ يُجِيرَهُ مِنهُ أحَدٌ أوْ يَجِدَ مِن دُونِهِ مَلاذًا يَأْوِي إلَيْهِ. انْتَهى. (ورِسالاتِهِ) قِيلَ: عَطْفٌ عَلى (بَلاغًا) أيْ: إلّا أنْ أُبَلِّغَ عَنِ اللَّهِ، أوْ أُبَلِّغَ رِسالاتِهِ. الظّاهِرُ أنَّ (رِسالاتِهِ) عَطْفٌ عَلى (اللَّهِ)، أيْ: إلّا أنْ أُبَلِّغَ عَنِ اللَّهِ وعَنْ رِسالاتِهِ.

الجن 72:23

﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ أيْ: بِالشِّرْكِ والكُفْرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَإنَّ لَهُ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. وقَرَأ طَلْحَةُ: بِفَتْحِها، والتَّقْدِيرُ: فَجَزاؤُهُ أنَّ لَهُ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: وسَمِعْتُ ابْنَ مُجاهِدٍ يَقُولُ: ما قَرَأ بِهِ أحَدٌ وهو لَحْنٌ؛ لِأنَّهُ بَعْدَ فاءِ الشَّرْطِ. وسَمِعْتُ ابْنَ الأنْبارِيِّ يَقُولُ: هو ضِرابٌ، ومَعْناهُ: فَجَزاؤُهُ أنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ. انْتَهى. وكانَ ابْنُ مُجاهِدٍ إمامًا في القِراءاتِ، ولَمْ يَكُنْ مُتَّسِعَ النَّقْلِ فِيها كابْنِ شَنَبُوذَ، وكانَ ضَعِيفًا في النَّحْوِ. وكَيْفَ يَقُولُ ما قَرَأ بِهِ أحَدٌ ؟ وهَذا كَطَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ قَرَأ بِهِ. وكَيْفَ يَقُولُ: وهو لَحْنٌ ؟ والنَّحْوِيُّونَ قَدْ نَصُّوا عَلى أنَّ إنَّ بَعْدَ فاءِ الشَّرْطِ يَجُوزُ فِيها الفَتْحُ والكَسْرُ. وجَمَعَ (خالِدِينَ) حَمْلًا عَلى مَعْنى (مَن)، وذَلِكَ بَعْدَ الحَمْلِ عَلى لَفْظِ (مَن) في قَوْلِهِ: (يَعْصِ) (فَإنَّ لَهُ) . ﴿حَتّى إذا رَأوْا﴾ (حَتّى) هُنا حَرْفُ ابْتِداءٍ، أيْ: يَصْلُحُ أنْ يَجِيءَ بَعْدَها جُمْلَةُ الِابْتِداءِ والخَبَرِ، ومَعَ ذَلِكَ فِيها مَعْنى الغايَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): بِمَ تَعَلَّقَ (حَتّى) وجَعَلَ ما بَعْدَهُ غايَةً لَهُ ؟ (قُلْتُ): بِقَوْلِهِ ﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩] عَلى أنَّهم يَتَظاهَرُونَ عَلَيْهِ بِالعَداوَةِ، ويَسْتَضْعِفُونَ أنْصارَهُ ويَسْتَقِلُّونَ عَدَدَهم ﴿حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ﴾ مِن يَوْمِ بَدْرٍ، وإظْهارِ اللَّهِ لَهُ عَلَيْهِمْ، أوْ مِن يَوْمِ القِيامَةِ (فَسَيَعْلَمُونَ) حِينَئِذٍ أنَّهم ﴿أضْعَفُ ناصِرًا وأقَلُّ عَدَدًا﴾ . ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ دَلَّتْ عَلَيْهِ الحالُ مِنَ اسْتِضْعافِ الكُفّارِ لَهُ واسْتِقْلالِهِمْ لِعَدَدِهِ، كَأنَّهُ لا يَزالُونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ ﴿حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ﴾ . قالَ المُشْرِكُونَ: مَتى يَكُونُ هَذا المَوْعِدُ إنْكارًا لَهُ ؟ فَقِيلَ: قُلْ إنَّهُ كائِنٌ لا رَيْبَ فِيهِ فَلا تُنْكِرُوهُ، فَإنَّ اللَّهَ قَدْ وعَدَ ذَلِكَ، وهو لا يُخْلِفُ المِيعادَ. وأمّا وقْتُهُ فَلا أدْرِي مَتى يَكُونُ؛ لِأنَّ اللَّهَ لَمْ يُبَيِّنْهُ لِما رَأى في إخْفاءِ وقْتِهِ مِنَ المَصْلَحَةِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ: بِمَ تَعَلُّقُ (إنْ) ؟ عَنى تَعَلُّقَ حَرْفِ الجَرِّ، فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأنَّها حَرْفُ ابْتِداءٍ، فَما بَعْدَها لَيْسَ في مَوْضِعِ جَرٍّ خِلافًا لِلزَّجّاجِ وابْنِ (p-٣٥٥)دَرَسْتُوَيْهِ، فَإنَّهُما زَعَما أنَّها إذا كانَتْ حَرْفَ ابْتِداءٍ، فالجُمْلَةُ الِابْتِدائِيَّةُ بَعْدَها في مَوْضِعِ جَرٍّ، وإنْ عَنى بِالتَّعَلُّقِ اتِّصالَ ما بَعْدَها بِما قَبْلَها، وكَوْنَ ما بَعْدَها غايَةً لِما قَبْلَها، فَهو صَحِيحٌ. وأمّا تَقْدِيرُهُ أنَّها تَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩] فَهو بِعِيدٌ جِدًّا لِطُولِ الفَصْلِ بَيْنَهُما بِالجُمَلِ الكَثِيرَةِ. وقالَ التِّبْرِيزِيُّ: حَتّى جازَ أنْ تَكُونَ غايَةً لِمَحْذُوفٍ، ولَمْ يُبَيِّنْ ما المَحْذُوفُ. وقِيلَ: المَعْنى دَعْهم حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ مِنَ السّاعَةِ ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَن أضْعَفُ ناصِرًا وأقَلُّ عَدَدًا﴾ أهم أمْ أهْلُ الكِتابِ ؟ والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّها غايَةٌ لِما تَضَمَّنَتْهُ الجُمْلَةُ الَّتِي قَبْلَها مِنَ الحُكْمِ بِكَيْنُونَةِ النّارِ لَهم، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ العاصِيَ يُحْكَمُ لَهُ بِكَيْنُونَةِ النّارِ لَهم، والحُكْمُ بِذَلِكَ هو وعِيدٌ حَتّى إذا رَأوْا ما حُكِمَ بِكَيْنُونَتِهِ لَهم فَسَيَعْلَمُونَ. فَقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ هو وعِيدٌ لَهم بِالنّارِ، و﴿مَن أضْعَفُ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لِما قَبْلَهُ، وهو مُعَلَّقٌ عَنْهُ لِأنَّ (مَن) اسْتِفْهامٌ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (مَن) مَوْصُولَةً في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ (سَيَعْلَمُونَ)، وأضْعَفُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. والجُمْلَةُ صِلَةٌ لِمَن، وتَقْدِيرُهُ: هو أضْعَفُ، وحَسُنَ حَذْفُهُ طُولَ الصِّلَةِ بِالمَعْمُولِ وهو ناصِرًا. قالَ مَكْحُولٌ: لَمْ يَنْزِلْ هَذا إلّا في الجِنِّ، أسْلَمَ مِنهم مَن وُفِّقَ وكَفَرَ مَن خُذِلَ كالإنْسِ، قالَ: وبَلَغَ مَن تابَعَ النَّبِيَّ ﷺ لَيْلَةَ الجِنِّ سَبْعِينَ ألْفًا، وفَزِعُوا عِنْدَ انْشِقاقِ الفَجْرِ. ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى أنْ يَقُولَ لَهم إنَّهُ لا يَدْرِي وقْتَ طُولِ ما وُعِدُوا بِهِ، أهُوَ قَرِيبٌ أمْ بَعِيدٌ ؟ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أمَدًا﴾ والأمَدُ يَكُونُ قَرِيبًا وبَعِيدًا ؟ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠] ؟ (قُلْتُ): كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَقْرِبُ المَوْعِدَ، فَكَأنَّهُ قالَ: (ما أدْرِي أهُوَ حالٌ مُتَوَقَّعٌ في كُلِّ ساعَةٍ، أمْ مُؤَجَّلٌ ضُرِبَتْ لَهُ غايَةٌ) ؟ أيْ: هو عالِمُ الغَيْبِ. ﴿فَلا يُظْهِرُ﴾: فَلا يُطْلِعُ، و(مِن رَسُولٍ) تَبْيِينٌ لِمَنِ ارْتَضى، يَعْنِي أنَّهُ لا يُطْلِعُ عَلى الغَيْبِ إلّا المُرْتَضِي الَّذِي هو مُصْطَفًى لِلنُّبُوَّةِ خاصَّةً، لا كُلٌّ مُرْتَضًى، وفي هَذا إبْطالٌ لِلْكَراماتِ؛ لِأنَّ الَّذِينَ تُضافُ إلَيْهِمْ، وإنْ كانُوا أوْلِياءَ مُرْتَضِينَ، فَلَيْسُوا بِرُسُلٍ. وقَدْ خَصَّ اللَّهُ الرُّسُلَ مِن بَيْنِ المُرْتَضِينَ بِالِاطِّلاعِ عَلى الغَيْبِ وإبْطالِ الكِهانَةِ والتَّنْجِيمِ؛ لِأنَّ أصْحابَهُما أبْعَدُ شَيْءٍ مِنَ الِارْتِضاءِ وأدْخَلُهُ في السُّخْطِ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿عالِمُ الغَيْبِ﴾ . قالَ الحَسَنُ: ما غابَ عَنْ خَلْقِهِ، وقِيلَ: السّاعَةُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (إلّا) بِمَعْنى لَكِنْ، فَجَعَلَهُ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا. وقِيلَ: (إلّا) بِمَعْنى ولا أيْ: ولا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ، و(عالِمُ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو عالِمُ الغَيْبِ، أوْ بَدَلٌ مِن (رَبِّي) . وقُرِئَ: (عالِمًا) بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ. وقالَ السُّدِّيُّ: عَلِمَ الغَيْبَ، فِعْلًا ماضِيًا ناصِبًا الغَيْبَ، والجُمْهُورُ: عالِمُ الغَيْبِ اسْمُ فاعِلٍ مَرْفُوعًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَلا يُظْهِرُ﴾ مِن أظْهَرَ. والحَسَنُ: يَظْهَرُ بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ مَن ظَهَرَ. ﴿إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ﴾: اسْتِثْناءٌ مِن (أحَدًا) أيْ: فَإنَّهُ يُظْهِرُهُ عَلى ما يَشاءُ مِن ذَلِكَ، فَإنَّهُ يَسْلُكُ اللَّهُ مِن بَيْنِ يَدَيْ ذَلِكَ الرَّسُولِ ﴿ومِن خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ أيْ: حَفَظَةٌ يَحْفَظُونَهُ مِنَ الجِنِّ ويَحْرُسُونَهُ في ضَبْطِ ما يُلْقِيهِ تَعالى إلى ذَلِكَ الرَّسُولِ مِن عِلْمِ الغَيْبِ. وعَنِ الضَّحّاكِ: ما بُعِثَ نَبِيٌّ إلّا ومَعَهُ مَلائِكَةٌ يَحْرُسُونَهُ مِنَ الشَّياطِينِ أنْ يَتَشَبَّهُوا بِصُورَةِ المَلَكِ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: قالَ العُلَماءُ: لَمّا تَمَدَّحَ سُبْحانَهُ بِعِلْمِ الغَيْبِ واسْتَأْثَرَ بِهِ دُونَ خَلْقِهِ، كانَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا يَعْلَمُ الغَيْبَ أحَدٌ سِواهُ، ثُمَّ اسْتَثْنى مَنِ ارْتَضاهُ مِنَ الرُّسُلِ، فَأوْدَعَهم ما شاءَ مِن غَيْبِهِ بِطَرِيقِ الوَحْيِ إلَيْهِمْ، وجَعَلَهُ مُعْجِزَةً لَهم ودَلالَةً صادِقَةً عَلى نُبُوَّتِهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ اسْتِدْلالًا عَلى بُطْلانِ ما يَقُولُهُ المُنَجِّمُ، ثُمَّ قالَ بِاسْتِحْلالِ دَمِ المُنَجِّمِ. وقالَ الواحِدِيُّ: في هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَنِ ادَّعى أنَّ النُّجُومَ تَدُلُّ عَلى ما يَكُونُ مِن حَياةٍ أوْ مَوْتٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَقَدْ كَفَرَ بِما في القُرْآنِ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ والواحِدَيُّ: تَجُوزُ الكَراماتُ عَلى ما قالَ صاحِبُ الكَشّافِ، فَجَعَلَها تَدَلُّ عَلى المَنعِ مِنَ الأحْكامِ النُّجُومِيَّةِ ولا تَدَلُّ عَلى الإلْهاماتِ مُجَرَّدُ تَشَبُّهٍ، وعِنْدِي أنَّ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى شَيْءٍ مِمّا قالُوهُ؛ لِأنَّ (p-٣٥٦)قَوْلَهُ: ﴿عَلى غَيْبِهِ﴾ لَيْسَ فِيهِ صِفَةُ عُمُومٍ، فَيَكْفِي في العَمَلِ بِمُقْتَضاهُ أنْ لا يُظْهِرَ خَلْقَهُ تَعالى عَلى غَيْبٍ واحِدٍ مِن غُيُوبِهِ، ويَحْمِلُهُ عَلى وقْتِ قِيامِ القِيامَةِ، فَلا يَبْقى دَلِيلٌ في الآيَةِ عَلى أنَّهُ لا يُظْهِرُ شَيْئًا مِنَ الغُيُوبِ لِأحَدٍ، ويُؤَكِّدُهُ أنَّهُ ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ عُقَيْبَ قَوْلِهِ: ﴿إنْ أدْرِي أقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ﴾ الآيَةِ، أيْ: لا أدْرِي وقْتَ وُقُوعِ القِيامَةِ، إذْ هي مِنَ الغَيْبِ الَّذِي لا يُظْهِرُهُ اللَّهُ لِأحَدٍ. و﴿إلّا مَنِ ارْتَضى﴾: اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، كَأنَّهُ قالَ: فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ المَخْصُوصِ أحَدًا إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ، فَلَهُ حَفَظَةٌ يَحْفَظُونَهُ مِن شَرِّ مَرَدَةِ الإنْسِ والجِنِّ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: واعْلَمْ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ القَطْعِ بِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لا يَطَّلِعُ أحَدٌ عَلى شَيْءٍ مِنَ المُغَيَّباتِ إلّا الرُّسُلُ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ، أحَدُها: أنَّهُ ثَبَتَ بِالأخْبارِ القَرِيبَةِ مِنَ التَّواتُرِ أنَّ شِقًّا وسَطِيحًا كانا كاهِنَيْنِ يُخْبِرانِ بِظُهُورِ مُحَمَّدٍ ﷺ قَبْلَ زَمانِ ظُهُورِهِ، وكانا في العَرَبِ مَشْهُورَيْنِ بِهَذا النَّوْعِ مِنَ العِلْمِ حَتّى رَجَعَ إلَيْهِما كِسْرى في تَعَرُّفِ أخْبارِ رَسُولِنا، ﷺ . وثانِيها: إطْباقُ الأُمَمِ عَلى صِحَّةِ عِلْمِ التَّعْبِيرِ، فَيُخْبِرُ المُعَبِّرُ عَنْ ما يَأْتِي في المُسْتَقْبَلِ ويَكُونُ صادِقًا. وثالِثُها: أنَّ الكاهِنَةَ البَغْدادِيَّةَ الَّتِي نَقَلَها السُّلْطانُ سَنْجَرُ بْنُ مَلِكْشاهْ مِن بَغْدادَ إلى خُراسانَ سَألَها عَنْ أشْياءَ في المُسْتَقْبَلِ، فَأخْبَرَتْ بِها ووَقَعَتْ عَلى وفْقِ كَلامِها، فَقَدْ رَأيْتُ أُناسًا مُحَقِّقِينَ في عُلُومِ الكَلامِ والحِكْمَةِ حَكَوْا عَنْها أنَّها أخْبَرَتْ عَنِ الأشْياءِ الغائِبَةِ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ وجاءَتْ كَذَلِكَ، وبالَغَ أبُو البَرَكاتِ صاحِبُ المُعْتَبَرِ في شَرْحِ حالِها في كِتابِ التَّعْبِيرِ، وقالَ: فَحَصْتُ عَنْ حالِها مُنْذُ ثَلاثِينَ سَنَةً حَتّى تَيَقَّنْتُ أنَّها كانَتْ تُخْبِرُ عَنِ المُغَيَّباتِ أخْبارًا مُطابِقَةً مُوافِقَةً. ورابِعُها: أنّا نُشاهِدُ أصْحابَ الإلْهاماتِ الصّادِقَةِ، لَيْسَ هَذا مُخْتَصًّا بِالأوْلِياءِ، فَقَدْ يُوجَدُ في السَّحَرَةِ وفي الأحْكامِ النُّجُومِيَّةِ ما يُوافِقُ الصِّدْقَ، وإنْ كانَ الكَذِبُ يَقَعُ مِنهم كَثِيرًا. وإذا كانَ ذَلِكَ مُشاهَدًا مَحْسُوسًا، فالقَوْلُ بِأنَّ القُرْآنَ يَدُلُّ عَلى خِلافِهِ مِمّا يَجُرُّ الطَّعْنُ إلى القُرْآنِ، وذَلِكَ باطِلٌ. فَقُلْنا: إنَّ التَّأْوِيلَ الصَّحِيحَ ما ذَكَرْناهُ. انْتَهى، وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. وإنَّما أوْرَدْنا كَلامَ هَذا الرَّجُلِ في هَذِهِ (p-٣٥٧)المَسْألَةِ لِنَنْظُرَ فِيما ذُكِرَ مِن تِلْكَ الوُجُوهِ. أمّا قِصَّةُ شِقٍّ وسَطِيحٍ فَلَيْسَ فِيها شَيْءٌ مِنَ الإخْبارِ بِالغَيْبِ؛ لِأنَّهُ مِمّا يُخْبِرُ بِهِ رَئِيُّ الكُهّانِ مِنَ الشَّياطِينِ مُسْتَرِقَةً السَّمْعَ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ: (إنَّهم يَسْمَعُونَ الكَلِمَةَ ويَكْذِبُونَ ويُلْقُونَ إلى الكَهَنَةِ ويَزِيدُ الكَهَنَةُ لِلْكَلِمَةِ مِائَةَ كَذْبَةٍ) . ولَيْسَ هَذا مِن عِلْمِ الغَيْبِ، إذْ تَكَلَّمَتْ بِهِ المَلائِكَةُ، وتَلَقَّفَها الجِنِّيُّ، وتَلَقَّفَها مِنهُ الكاهِنُ. فالكاهِنُ لَمْ يَعْلَمِ الغَيْبَ. وأمّا تَعْبِيرُ المَناماتِ، فالمُعَبِّرُ غَيْرُ المَعْصُومِ لا يُعَبِّرُ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ البَتِّ والقَطْعِ، بَلْ عَلى سَبِيلِ الحَزْرِ والتَّخْمِينِ، وقَدْ يَقَعُ ما يُعَبِّرُ بِهِ وقَدْ لا يَقَعُ. وأمّا الكاهِنَةُ البَغْدادِيَّةُ وما حُكِيَ عَنْها فَحَسْبُهُ عَقْلًا أنْ يَسْتَدِلَّ بِأحْوالِ امْرَأةٍ لَمْ يُشاهِدْها، ولَوْ شاهَدَ ذَلِكَ لَكانَ في عَقْلِهِ ما يَجُوزُ أنَّهُ لُبِّسَ عَلَيْهِ هَذا، وهو العالِمُ المُصَنِّفُ الَّذِي طَبَّقَ ذِكْرُهُ الآفاقَ، وهو الَّذِي شَكَّكَ في دَلائِلِ الفَلاسِفَةِ وسامَهُمُ الخَسْفَ. وأمّا حِكايَتُهُ عَنْ صاحِبِ المُعْتَبَرِ، فَهو يَهُودِيٌّ أظْهَرَ إسْلامَهُ وهو مُنْتَحِلٌ طَرِيقَةَ الفَلاسِفَةِ. وأمّا مُشاهَدَتُهُ أصْحابَ الإلْهاماتِ الصّادِقَةِ، فَلِي مِنَ العُمْرِ نَحْوٌ مِن ثَلاثٍ وسَبْعِينَ سَنَةً أصْحَبُ العُلَماءَ وأتَرَدَّدُ إلى مَن يَنْتَمِي إلى الصَّلاحِ، فَلَمْ أرَ أحَدًا مِنهم صاحِبَ إلْهامٍ صادِقٍ. وأمّا الكَراماتُ، فَلا أشُكُّ في صُدُورِ شَيْءٍ مِنها، لَكِنَّ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ النُّدْرَةِ، وذَلِكَ في مَن سَلَفَ مِن صُلَحاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ. ورُبَّما قَدْ يَكُونُ في أعْصارِنا مَن تَصْدُرُ مِنهُ الكَراماتُ، ولِلَّهِ تَعالى أنْ يَخُصَّ مَن شاءَ بِما شاءَ واللَّهُ المُوَفِّقُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لِيَعْلَمَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. قالَ قَتادَةُ: لِيَعْلَمَ مُحَمَّدٌ ﷺ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وحَفِظُوا. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: لِيَعْلَمَ مُحَمَّدٌ أنَّ المَلائِكَةَ الحَفَظَةَ الرُّصَّدَ النّازِلِينَ بَيْنَ يَدَيْ جِبْرِيلَ وخَلْفَهُ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ. وقالَ مُجاهِدٌ: لِيَعْلَمَ مَن أشْرَكَ وكَذَّبَ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغَتْ، وعَلى هَذا القَوْلِ لا يَقَعُ لَهم هَذا العِلْمُ إلّا في الآخِرَةِ. وقِيلَ: لِيَعْلَمَ اللَّهُ رُسُلَهُ مُبَلِّغَةً خارِجَةً إلى الوُجُودِ؛ لِأنَّ عِلْمَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ قَدْ سَبَقَ. واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا القَوْلَ الأخِيرَ فَقالَ: (لِيَعْلَمَ اللَّهُ أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ): يَعْنِي الأنْبِياءَ. وحَّدَ أوَّلًا عَلى اللَّفْظِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾، ثُمَّ جَمَعَ عَلى المَعْنى كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ﴾ والمَعْنى: لِيُبَلِّغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ كَما هي مَحْرُوسَةً مِنَ الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ، وذَكَرَ العِلْمَ كَذِكْرِهِ في قَوْلِهِ ﴿حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ﴾ [محمد: ٣١] . انْتَهى. وقِيلَ: (لِيَعْلَمَ) أيْ: أيُّ رَسُولٍ كانَ أنَّ الرُّسُلَ سِواهُ بَلَّغُوا. وقِيلَ: لِيَعْلَمَ إبْلِيسُ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ سَلِيمَةً مِن تَخْلِيطِهِ وإسْرافِ أصْحابِهِ. وقِيلَ: لِيَعْلَمَ الرُّسُلُ أنَّ المَلائِكَةَ بَلَّغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ. وقِيلَ: لِيَعْلَمَ مُحَمَّدٌ أنْ قَدْ بَلَّغَ جِبْرِيلُ ومَن مَعَهُ إلَيْهِ رِسالَةَ رَبِّهِ. وقِيلَ: لِيَعْلَمَ الجِنُّ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغُوا ما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ، ولَمْ يَكُونُوا هُمُ المُتَلَقِّينَ بِاسْتِراقِ السَّمْعِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (لِيُعْلَمَ) بِضَمِّ الياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. والزُّهْرِيُّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ اللّامِ، أيْ: لِيُعْلِمَ اللَّهُ، أيْ: مَن شاءَ أنْ يُعْلِمَهُ، أنَّ الرُّسُلَ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رِسالاتِ) عَلى الجَمْعِ. وأبُو حَيْوَةَ: عَلى الإفْرادِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وأحاطَ بِما لَدَيْهِمْ﴾ وأحاطَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، أيِ: اللَّهُ، (وأحْصى) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، أيِ: اللَّهُ كُلٌّ نَصْبًا. وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: وأُحِيطَ وأُحْصِيَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ كُلٌّ رَفْعًا. ولَمّا كانَ لِيَعْلَمَ مُضَمَّنًا مَعْنى عَلِمَ، صارَ المَعْنى: قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ، فَعَطَفَ وأحاطَ عَلى هَذا الضَّمِيرِ، والمَعْنى: وأحاطَ بِما عِنْدَ الرُّسُلِ مِنَ الحِكَمِ والشَّرائِعِ لا يَفُوتُهُ مِنها شَيْءٌ. ﴿وأحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ أيْ: مَعْدُودًا مَحْصُورًا، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وإنْ كانَ نَكِرَةً لِانْدِراجِ المَعْرِفَةِ في العُمُومِ. ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ نَصْبَ المَصْدَرِ لَأحْصى؛ لِأنَّهُ في مَعْنى إحْصاءٍ. وقالَ أبُو البَقاءِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمْيِيزًا. انْتَهى، فَيَكُونُ مَنقُولًا مِنَ المَفْعُولِ، إذْ أصْلُهُ: وأحْصى عَدَدَ كُلَّ شَيْءٍ، وفي كَوْنِهِ ثابِتًا مِن لِسانِ العَرَبِ خِلافٌ.

الجن 72:24

﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ أيْ: بِالشِّرْكِ والكُفْرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَإنَّ لَهُ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. وقَرَأ طَلْحَةُ: بِفَتْحِها، والتَّقْدِيرُ: فَجَزاؤُهُ أنَّ لَهُ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: وسَمِعْتُ ابْنَ مُجاهِدٍ يَقُولُ: ما قَرَأ بِهِ أحَدٌ وهو لَحْنٌ؛ لِأنَّهُ بَعْدَ فاءِ الشَّرْطِ. وسَمِعْتُ ابْنَ الأنْبارِيِّ يَقُولُ: هو ضِرابٌ، ومَعْناهُ: فَجَزاؤُهُ أنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ. انْتَهى. وكانَ ابْنُ مُجاهِدٍ إمامًا في القِراءاتِ، ولَمْ يَكُنْ مُتَّسِعَ النَّقْلِ فِيها كابْنِ شَنَبُوذَ، وكانَ ضَعِيفًا في النَّحْوِ. وكَيْفَ يَقُولُ ما قَرَأ بِهِ أحَدٌ ؟ وهَذا كَطَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ قَرَأ بِهِ. وكَيْفَ يَقُولُ: وهو لَحْنٌ ؟ والنَّحْوِيُّونَ قَدْ نَصُّوا عَلى أنَّ إنَّ بَعْدَ فاءِ الشَّرْطِ يَجُوزُ فِيها الفَتْحُ والكَسْرُ. وجَمَعَ (خالِدِينَ) حَمْلًا عَلى مَعْنى (مَن)، وذَلِكَ بَعْدَ الحَمْلِ عَلى لَفْظِ (مَن) في قَوْلِهِ: (يَعْصِ) (فَإنَّ لَهُ) . ﴿حَتّى إذا رَأوْا﴾ (حَتّى) هُنا حَرْفُ ابْتِداءٍ، أيْ: يَصْلُحُ أنْ يَجِيءَ بَعْدَها جُمْلَةُ الِابْتِداءِ والخَبَرِ، ومَعَ ذَلِكَ فِيها مَعْنى الغايَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): بِمَ تَعَلَّقَ (حَتّى) وجَعَلَ ما بَعْدَهُ غايَةً لَهُ ؟ (قُلْتُ): بِقَوْلِهِ ﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩] عَلى أنَّهم يَتَظاهَرُونَ عَلَيْهِ بِالعَداوَةِ، ويَسْتَضْعِفُونَ أنْصارَهُ ويَسْتَقِلُّونَ عَدَدَهم ﴿حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ﴾ مِن يَوْمِ بَدْرٍ، وإظْهارِ اللَّهِ لَهُ عَلَيْهِمْ، أوْ مِن يَوْمِ القِيامَةِ (فَسَيَعْلَمُونَ) حِينَئِذٍ أنَّهم ﴿أضْعَفُ ناصِرًا وأقَلُّ عَدَدًا﴾ . ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ دَلَّتْ عَلَيْهِ الحالُ مِنَ اسْتِضْعافِ الكُفّارِ لَهُ واسْتِقْلالِهِمْ لِعَدَدِهِ، كَأنَّهُ لا يَزالُونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ ﴿حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ﴾ . قالَ المُشْرِكُونَ: مَتى يَكُونُ هَذا المَوْعِدُ إنْكارًا لَهُ ؟ فَقِيلَ: قُلْ إنَّهُ كائِنٌ لا رَيْبَ فِيهِ فَلا تُنْكِرُوهُ، فَإنَّ اللَّهَ قَدْ وعَدَ ذَلِكَ، وهو لا يُخْلِفُ المِيعادَ. وأمّا وقْتُهُ فَلا أدْرِي مَتى يَكُونُ؛ لِأنَّ اللَّهَ لَمْ يُبَيِّنْهُ لِما رَأى في إخْفاءِ وقْتِهِ مِنَ المَصْلَحَةِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ: بِمَ تَعَلُّقُ (إنْ) ؟ عَنى تَعَلُّقَ حَرْفِ الجَرِّ، فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأنَّها حَرْفُ ابْتِداءٍ، فَما بَعْدَها لَيْسَ في مَوْضِعِ جَرٍّ خِلافًا لِلزَّجّاجِ وابْنِ (p-٣٥٥)دَرَسْتُوَيْهِ، فَإنَّهُما زَعَما أنَّها إذا كانَتْ حَرْفَ ابْتِداءٍ، فالجُمْلَةُ الِابْتِدائِيَّةُ بَعْدَها في مَوْضِعِ جَرٍّ، وإنْ عَنى بِالتَّعَلُّقِ اتِّصالَ ما بَعْدَها بِما قَبْلَها، وكَوْنَ ما بَعْدَها غايَةً لِما قَبْلَها، فَهو صَحِيحٌ. وأمّا تَقْدِيرُهُ أنَّها تَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩] فَهو بِعِيدٌ جِدًّا لِطُولِ الفَصْلِ بَيْنَهُما بِالجُمَلِ الكَثِيرَةِ. وقالَ التِّبْرِيزِيُّ: حَتّى جازَ أنْ تَكُونَ غايَةً لِمَحْذُوفٍ، ولَمْ يُبَيِّنْ ما المَحْذُوفُ. وقِيلَ: المَعْنى دَعْهم حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ مِنَ السّاعَةِ ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَن أضْعَفُ ناصِرًا وأقَلُّ عَدَدًا﴾ أهم أمْ أهْلُ الكِتابِ ؟ والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّها غايَةٌ لِما تَضَمَّنَتْهُ الجُمْلَةُ الَّتِي قَبْلَها مِنَ الحُكْمِ بِكَيْنُونَةِ النّارِ لَهم، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ العاصِيَ يُحْكَمُ لَهُ بِكَيْنُونَةِ النّارِ لَهم، والحُكْمُ بِذَلِكَ هو وعِيدٌ حَتّى إذا رَأوْا ما حُكِمَ بِكَيْنُونَتِهِ لَهم فَسَيَعْلَمُونَ. فَقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ هو وعِيدٌ لَهم بِالنّارِ، و﴿مَن أضْعَفُ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لِما قَبْلَهُ، وهو مُعَلَّقٌ عَنْهُ لِأنَّ (مَن) اسْتِفْهامٌ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (مَن) مَوْصُولَةً في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ (سَيَعْلَمُونَ)، وأضْعَفُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. والجُمْلَةُ صِلَةٌ لِمَن، وتَقْدِيرُهُ: هو أضْعَفُ، وحَسُنَ حَذْفُهُ طُولَ الصِّلَةِ بِالمَعْمُولِ وهو ناصِرًا. قالَ مَكْحُولٌ: لَمْ يَنْزِلْ هَذا إلّا في الجِنِّ، أسْلَمَ مِنهم مَن وُفِّقَ وكَفَرَ مَن خُذِلَ كالإنْسِ، قالَ: وبَلَغَ مَن تابَعَ النَّبِيَّ ﷺ لَيْلَةَ الجِنِّ سَبْعِينَ ألْفًا، وفَزِعُوا عِنْدَ انْشِقاقِ الفَجْرِ. ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى أنْ يَقُولَ لَهم إنَّهُ لا يَدْرِي وقْتَ طُولِ ما وُعِدُوا بِهِ، أهُوَ قَرِيبٌ أمْ بَعِيدٌ ؟ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أمَدًا﴾ والأمَدُ يَكُونُ قَرِيبًا وبَعِيدًا ؟ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠] ؟ (قُلْتُ): كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَقْرِبُ المَوْعِدَ، فَكَأنَّهُ قالَ: (ما أدْرِي أهُوَ حالٌ مُتَوَقَّعٌ في كُلِّ ساعَةٍ، أمْ مُؤَجَّلٌ ضُرِبَتْ لَهُ غايَةٌ) ؟ أيْ: هو عالِمُ الغَيْبِ. ﴿فَلا يُظْهِرُ﴾: فَلا يُطْلِعُ، و(مِن رَسُولٍ) تَبْيِينٌ لِمَنِ ارْتَضى، يَعْنِي أنَّهُ لا يُطْلِعُ عَلى الغَيْبِ إلّا المُرْتَضِي الَّذِي هو مُصْطَفًى لِلنُّبُوَّةِ خاصَّةً، لا كُلٌّ مُرْتَضًى، وفي هَذا إبْطالٌ لِلْكَراماتِ؛ لِأنَّ الَّذِينَ تُضافُ إلَيْهِمْ، وإنْ كانُوا أوْلِياءَ مُرْتَضِينَ، فَلَيْسُوا بِرُسُلٍ. وقَدْ خَصَّ اللَّهُ الرُّسُلَ مِن بَيْنِ المُرْتَضِينَ بِالِاطِّلاعِ عَلى الغَيْبِ وإبْطالِ الكِهانَةِ والتَّنْجِيمِ؛ لِأنَّ أصْحابَهُما أبْعَدُ شَيْءٍ مِنَ الِارْتِضاءِ وأدْخَلُهُ في السُّخْطِ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿عالِمُ الغَيْبِ﴾ . قالَ الحَسَنُ: ما غابَ عَنْ خَلْقِهِ، وقِيلَ: السّاعَةُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (إلّا) بِمَعْنى لَكِنْ، فَجَعَلَهُ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا. وقِيلَ: (إلّا) بِمَعْنى ولا أيْ: ولا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ، و(عالِمُ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو عالِمُ الغَيْبِ، أوْ بَدَلٌ مِن (رَبِّي) . وقُرِئَ: (عالِمًا) بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ. وقالَ السُّدِّيُّ: عَلِمَ الغَيْبَ، فِعْلًا ماضِيًا ناصِبًا الغَيْبَ، والجُمْهُورُ: عالِمُ الغَيْبِ اسْمُ فاعِلٍ مَرْفُوعًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَلا يُظْهِرُ﴾ مِن أظْهَرَ. والحَسَنُ: يَظْهَرُ بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ مَن ظَهَرَ. ﴿إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ﴾: اسْتِثْناءٌ مِن (أحَدًا) أيْ: فَإنَّهُ يُظْهِرُهُ عَلى ما يَشاءُ مِن ذَلِكَ، فَإنَّهُ يَسْلُكُ اللَّهُ مِن بَيْنِ يَدَيْ ذَلِكَ الرَّسُولِ ﴿ومِن خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ أيْ: حَفَظَةٌ يَحْفَظُونَهُ مِنَ الجِنِّ ويَحْرُسُونَهُ في ضَبْطِ ما يُلْقِيهِ تَعالى إلى ذَلِكَ الرَّسُولِ مِن عِلْمِ الغَيْبِ. وعَنِ الضَّحّاكِ: ما بُعِثَ نَبِيٌّ إلّا ومَعَهُ مَلائِكَةٌ يَحْرُسُونَهُ مِنَ الشَّياطِينِ أنْ يَتَشَبَّهُوا بِصُورَةِ المَلَكِ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: قالَ العُلَماءُ: لَمّا تَمَدَّحَ سُبْحانَهُ بِعِلْمِ الغَيْبِ واسْتَأْثَرَ بِهِ دُونَ خَلْقِهِ، كانَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا يَعْلَمُ الغَيْبَ أحَدٌ سِواهُ، ثُمَّ اسْتَثْنى مَنِ ارْتَضاهُ مِنَ الرُّسُلِ، فَأوْدَعَهم ما شاءَ مِن غَيْبِهِ بِطَرِيقِ الوَحْيِ إلَيْهِمْ، وجَعَلَهُ مُعْجِزَةً لَهم ودَلالَةً صادِقَةً عَلى نُبُوَّتِهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ اسْتِدْلالًا عَلى بُطْلانِ ما يَقُولُهُ المُنَجِّمُ، ثُمَّ قالَ بِاسْتِحْلالِ دَمِ المُنَجِّمِ. وقالَ الواحِدِيُّ: في هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَنِ ادَّعى أنَّ النُّجُومَ تَدُلُّ عَلى ما يَكُونُ مِن حَياةٍ أوْ مَوْتٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَقَدْ كَفَرَ بِما في القُرْآنِ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ والواحِدَيُّ: تَجُوزُ الكَراماتُ عَلى ما قالَ صاحِبُ الكَشّافِ، فَجَعَلَها تَدَلُّ عَلى المَنعِ مِنَ الأحْكامِ النُّجُومِيَّةِ ولا تَدَلُّ عَلى الإلْهاماتِ مُجَرَّدُ تَشَبُّهٍ، وعِنْدِي أنَّ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى شَيْءٍ مِمّا قالُوهُ؛ لِأنَّ (p-٣٥٦)قَوْلَهُ: ﴿عَلى غَيْبِهِ﴾ لَيْسَ فِيهِ صِفَةُ عُمُومٍ، فَيَكْفِي في العَمَلِ بِمُقْتَضاهُ أنْ لا يُظْهِرَ خَلْقَهُ تَعالى عَلى غَيْبٍ واحِدٍ مِن غُيُوبِهِ، ويَحْمِلُهُ عَلى وقْتِ قِيامِ القِيامَةِ، فَلا يَبْقى دَلِيلٌ في الآيَةِ عَلى أنَّهُ لا يُظْهِرُ شَيْئًا مِنَ الغُيُوبِ لِأحَدٍ، ويُؤَكِّدُهُ أنَّهُ ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ عُقَيْبَ قَوْلِهِ: ﴿إنْ أدْرِي أقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ﴾ الآيَةِ، أيْ: لا أدْرِي وقْتَ وُقُوعِ القِيامَةِ، إذْ هي مِنَ الغَيْبِ الَّذِي لا يُظْهِرُهُ اللَّهُ لِأحَدٍ. و﴿إلّا مَنِ ارْتَضى﴾: اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، كَأنَّهُ قالَ: فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ المَخْصُوصِ أحَدًا إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ، فَلَهُ حَفَظَةٌ يَحْفَظُونَهُ مِن شَرِّ مَرَدَةِ الإنْسِ والجِنِّ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: واعْلَمْ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ القَطْعِ بِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لا يَطَّلِعُ أحَدٌ عَلى شَيْءٍ مِنَ المُغَيَّباتِ إلّا الرُّسُلُ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ، أحَدُها: أنَّهُ ثَبَتَ بِالأخْبارِ القَرِيبَةِ مِنَ التَّواتُرِ أنَّ شِقًّا وسَطِيحًا كانا كاهِنَيْنِ يُخْبِرانِ بِظُهُورِ مُحَمَّدٍ ﷺ قَبْلَ زَمانِ ظُهُورِهِ، وكانا في العَرَبِ مَشْهُورَيْنِ بِهَذا النَّوْعِ مِنَ العِلْمِ حَتّى رَجَعَ إلَيْهِما كِسْرى في تَعَرُّفِ أخْبارِ رَسُولِنا، ﷺ . وثانِيها: إطْباقُ الأُمَمِ عَلى صِحَّةِ عِلْمِ التَّعْبِيرِ، فَيُخْبِرُ المُعَبِّرُ عَنْ ما يَأْتِي في المُسْتَقْبَلِ ويَكُونُ صادِقًا. وثالِثُها: أنَّ الكاهِنَةَ البَغْدادِيَّةَ الَّتِي نَقَلَها السُّلْطانُ سَنْجَرُ بْنُ مَلِكْشاهْ مِن بَغْدادَ إلى خُراسانَ سَألَها عَنْ أشْياءَ في المُسْتَقْبَلِ، فَأخْبَرَتْ بِها ووَقَعَتْ عَلى وفْقِ كَلامِها، فَقَدْ رَأيْتُ أُناسًا مُحَقِّقِينَ في عُلُومِ الكَلامِ والحِكْمَةِ حَكَوْا عَنْها أنَّها أخْبَرَتْ عَنِ الأشْياءِ الغائِبَةِ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ وجاءَتْ كَذَلِكَ، وبالَغَ أبُو البَرَكاتِ صاحِبُ المُعْتَبَرِ في شَرْحِ حالِها في كِتابِ التَّعْبِيرِ، وقالَ: فَحَصْتُ عَنْ حالِها مُنْذُ ثَلاثِينَ سَنَةً حَتّى تَيَقَّنْتُ أنَّها كانَتْ تُخْبِرُ عَنِ المُغَيَّباتِ أخْبارًا مُطابِقَةً مُوافِقَةً. ورابِعُها: أنّا نُشاهِدُ أصْحابَ الإلْهاماتِ الصّادِقَةِ، لَيْسَ هَذا مُخْتَصًّا بِالأوْلِياءِ، فَقَدْ يُوجَدُ في السَّحَرَةِ وفي الأحْكامِ النُّجُومِيَّةِ ما يُوافِقُ الصِّدْقَ، وإنْ كانَ الكَذِبُ يَقَعُ مِنهم كَثِيرًا. وإذا كانَ ذَلِكَ مُشاهَدًا مَحْسُوسًا، فالقَوْلُ بِأنَّ القُرْآنَ يَدُلُّ عَلى خِلافِهِ مِمّا يَجُرُّ الطَّعْنُ إلى القُرْآنِ، وذَلِكَ باطِلٌ. فَقُلْنا: إنَّ التَّأْوِيلَ الصَّحِيحَ ما ذَكَرْناهُ. انْتَهى، وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. وإنَّما أوْرَدْنا كَلامَ هَذا الرَّجُلِ في هَذِهِ (p-٣٥٧)المَسْألَةِ لِنَنْظُرَ فِيما ذُكِرَ مِن تِلْكَ الوُجُوهِ. أمّا قِصَّةُ شِقٍّ وسَطِيحٍ فَلَيْسَ فِيها شَيْءٌ مِنَ الإخْبارِ بِالغَيْبِ؛ لِأنَّهُ مِمّا يُخْبِرُ بِهِ رَئِيُّ الكُهّانِ مِنَ الشَّياطِينِ مُسْتَرِقَةً السَّمْعَ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ: (إنَّهم يَسْمَعُونَ الكَلِمَةَ ويَكْذِبُونَ ويُلْقُونَ إلى الكَهَنَةِ ويَزِيدُ الكَهَنَةُ لِلْكَلِمَةِ مِائَةَ كَذْبَةٍ) . ولَيْسَ هَذا مِن عِلْمِ الغَيْبِ، إذْ تَكَلَّمَتْ بِهِ المَلائِكَةُ، وتَلَقَّفَها الجِنِّيُّ، وتَلَقَّفَها مِنهُ الكاهِنُ. فالكاهِنُ لَمْ يَعْلَمِ الغَيْبَ. وأمّا تَعْبِيرُ المَناماتِ، فالمُعَبِّرُ غَيْرُ المَعْصُومِ لا يُعَبِّرُ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ البَتِّ والقَطْعِ، بَلْ عَلى سَبِيلِ الحَزْرِ والتَّخْمِينِ، وقَدْ يَقَعُ ما يُعَبِّرُ بِهِ وقَدْ لا يَقَعُ. وأمّا الكاهِنَةُ البَغْدادِيَّةُ وما حُكِيَ عَنْها فَحَسْبُهُ عَقْلًا أنْ يَسْتَدِلَّ بِأحْوالِ امْرَأةٍ لَمْ يُشاهِدْها، ولَوْ شاهَدَ ذَلِكَ لَكانَ في عَقْلِهِ ما يَجُوزُ أنَّهُ لُبِّسَ عَلَيْهِ هَذا، وهو العالِمُ المُصَنِّفُ الَّذِي طَبَّقَ ذِكْرُهُ الآفاقَ، وهو الَّذِي شَكَّكَ في دَلائِلِ الفَلاسِفَةِ وسامَهُمُ الخَسْفَ. وأمّا حِكايَتُهُ عَنْ صاحِبِ المُعْتَبَرِ، فَهو يَهُودِيٌّ أظْهَرَ إسْلامَهُ وهو مُنْتَحِلٌ طَرِيقَةَ الفَلاسِفَةِ. وأمّا مُشاهَدَتُهُ أصْحابَ الإلْهاماتِ الصّادِقَةِ، فَلِي مِنَ العُمْرِ نَحْوٌ مِن ثَلاثٍ وسَبْعِينَ سَنَةً أصْحَبُ العُلَماءَ وأتَرَدَّدُ إلى مَن يَنْتَمِي إلى الصَّلاحِ، فَلَمْ أرَ أحَدًا مِنهم صاحِبَ إلْهامٍ صادِقٍ. وأمّا الكَراماتُ، فَلا أشُكُّ في صُدُورِ شَيْءٍ مِنها، لَكِنَّ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ النُّدْرَةِ، وذَلِكَ في مَن سَلَفَ مِن صُلَحاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ. ورُبَّما قَدْ يَكُونُ في أعْصارِنا مَن تَصْدُرُ مِنهُ الكَراماتُ، ولِلَّهِ تَعالى أنْ يَخُصَّ مَن شاءَ بِما شاءَ واللَّهُ المُوَفِّقُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لِيَعْلَمَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. قالَ قَتادَةُ: لِيَعْلَمَ مُحَمَّدٌ ﷺ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وحَفِظُوا. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: لِيَعْلَمَ مُحَمَّدٌ أنَّ المَلائِكَةَ الحَفَظَةَ الرُّصَّدَ النّازِلِينَ بَيْنَ يَدَيْ جِبْرِيلَ وخَلْفَهُ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ. وقالَ مُجاهِدٌ: لِيَعْلَمَ مَن أشْرَكَ وكَذَّبَ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغَتْ، وعَلى هَذا القَوْلِ لا يَقَعُ لَهم هَذا العِلْمُ إلّا في الآخِرَةِ. وقِيلَ: لِيَعْلَمَ اللَّهُ رُسُلَهُ مُبَلِّغَةً خارِجَةً إلى الوُجُودِ؛ لِأنَّ عِلْمَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ قَدْ سَبَقَ. واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا القَوْلَ الأخِيرَ فَقالَ: (لِيَعْلَمَ اللَّهُ أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ): يَعْنِي الأنْبِياءَ. وحَّدَ أوَّلًا عَلى اللَّفْظِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾، ثُمَّ جَمَعَ عَلى المَعْنى كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ﴾ والمَعْنى: لِيُبَلِّغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ كَما هي مَحْرُوسَةً مِنَ الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ، وذَكَرَ العِلْمَ كَذِكْرِهِ في قَوْلِهِ ﴿حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ﴾ [محمد: ٣١] . انْتَهى. وقِيلَ: (لِيَعْلَمَ) أيْ: أيُّ رَسُولٍ كانَ أنَّ الرُّسُلَ سِواهُ بَلَّغُوا. وقِيلَ: لِيَعْلَمَ إبْلِيسُ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ سَلِيمَةً مِن تَخْلِيطِهِ وإسْرافِ أصْحابِهِ. وقِيلَ: لِيَعْلَمَ الرُّسُلُ أنَّ المَلائِكَةَ بَلَّغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ. وقِيلَ: لِيَعْلَمَ مُحَمَّدٌ أنْ قَدْ بَلَّغَ جِبْرِيلُ ومَن مَعَهُ إلَيْهِ رِسالَةَ رَبِّهِ. وقِيلَ: لِيَعْلَمَ الجِنُّ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغُوا ما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ، ولَمْ يَكُونُوا هُمُ المُتَلَقِّينَ بِاسْتِراقِ السَّمْعِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (لِيُعْلَمَ) بِضَمِّ الياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. والزُّهْرِيُّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ اللّامِ، أيْ: لِيُعْلِمَ اللَّهُ، أيْ: مَن شاءَ أنْ يُعْلِمَهُ، أنَّ الرُّسُلَ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رِسالاتِ) عَلى الجَمْعِ. وأبُو حَيْوَةَ: عَلى الإفْرادِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وأحاطَ بِما لَدَيْهِمْ﴾ وأحاطَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، أيِ: اللَّهُ، (وأحْصى) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، أيِ: اللَّهُ كُلٌّ نَصْبًا. وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: وأُحِيطَ وأُحْصِيَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ كُلٌّ رَفْعًا. ولَمّا كانَ لِيَعْلَمَ مُضَمَّنًا مَعْنى عَلِمَ، صارَ المَعْنى: قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ، فَعَطَفَ وأحاطَ عَلى هَذا الضَّمِيرِ، والمَعْنى: وأحاطَ بِما عِنْدَ الرُّسُلِ مِنَ الحِكَمِ والشَّرائِعِ لا يَفُوتُهُ مِنها شَيْءٌ. ﴿وأحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ أيْ: مَعْدُودًا مَحْصُورًا، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وإنْ كانَ نَكِرَةً لِانْدِراجِ المَعْرِفَةِ في العُمُومِ. ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ نَصْبَ المَصْدَرِ لَأحْصى؛ لِأنَّهُ في مَعْنى إحْصاءٍ. وقالَ أبُو البَقاءِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمْيِيزًا. انْتَهى، فَيَكُونُ مَنقُولًا مِنَ المَفْعُولِ، إذْ أصْلُهُ: وأحْصى عَدَدَ كُلَّ شَيْءٍ، وفي كَوْنِهِ ثابِتًا مِن لِسانِ العَرَبِ خِلافٌ.

الجن 72:25

﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ أيْ: بِالشِّرْكِ والكُفْرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَإنَّ لَهُ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. وقَرَأ طَلْحَةُ: بِفَتْحِها، والتَّقْدِيرُ: فَجَزاؤُهُ أنَّ لَهُ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: وسَمِعْتُ ابْنَ مُجاهِدٍ يَقُولُ: ما قَرَأ بِهِ أحَدٌ وهو لَحْنٌ؛ لِأنَّهُ بَعْدَ فاءِ الشَّرْطِ. وسَمِعْتُ ابْنَ الأنْبارِيِّ يَقُولُ: هو ضِرابٌ، ومَعْناهُ: فَجَزاؤُهُ أنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ. انْتَهى. وكانَ ابْنُ مُجاهِدٍ إمامًا في القِراءاتِ، ولَمْ يَكُنْ مُتَّسِعَ النَّقْلِ فِيها كابْنِ شَنَبُوذَ، وكانَ ضَعِيفًا في النَّحْوِ. وكَيْفَ يَقُولُ ما قَرَأ بِهِ أحَدٌ ؟ وهَذا كَطَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ قَرَأ بِهِ. وكَيْفَ يَقُولُ: وهو لَحْنٌ ؟ والنَّحْوِيُّونَ قَدْ نَصُّوا عَلى أنَّ إنَّ بَعْدَ فاءِ الشَّرْطِ يَجُوزُ فِيها الفَتْحُ والكَسْرُ. وجَمَعَ (خالِدِينَ) حَمْلًا عَلى مَعْنى (مَن)، وذَلِكَ بَعْدَ الحَمْلِ عَلى لَفْظِ (مَن) في قَوْلِهِ: (يَعْصِ) (فَإنَّ لَهُ) . ﴿حَتّى إذا رَأوْا﴾ (حَتّى) هُنا حَرْفُ ابْتِداءٍ، أيْ: يَصْلُحُ أنْ يَجِيءَ بَعْدَها جُمْلَةُ الِابْتِداءِ والخَبَرِ، ومَعَ ذَلِكَ فِيها مَعْنى الغايَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): بِمَ تَعَلَّقَ (حَتّى) وجَعَلَ ما بَعْدَهُ غايَةً لَهُ ؟ (قُلْتُ): بِقَوْلِهِ ﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩] عَلى أنَّهم يَتَظاهَرُونَ عَلَيْهِ بِالعَداوَةِ، ويَسْتَضْعِفُونَ أنْصارَهُ ويَسْتَقِلُّونَ عَدَدَهم ﴿حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ﴾ مِن يَوْمِ بَدْرٍ، وإظْهارِ اللَّهِ لَهُ عَلَيْهِمْ، أوْ مِن يَوْمِ القِيامَةِ (فَسَيَعْلَمُونَ) حِينَئِذٍ أنَّهم ﴿أضْعَفُ ناصِرًا وأقَلُّ عَدَدًا﴾ . ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ دَلَّتْ عَلَيْهِ الحالُ مِنَ اسْتِضْعافِ الكُفّارِ لَهُ واسْتِقْلالِهِمْ لِعَدَدِهِ، كَأنَّهُ لا يَزالُونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ ﴿حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ﴾ . قالَ المُشْرِكُونَ: مَتى يَكُونُ هَذا المَوْعِدُ إنْكارًا لَهُ ؟ فَقِيلَ: قُلْ إنَّهُ كائِنٌ لا رَيْبَ فِيهِ فَلا تُنْكِرُوهُ، فَإنَّ اللَّهَ قَدْ وعَدَ ذَلِكَ، وهو لا يُخْلِفُ المِيعادَ. وأمّا وقْتُهُ فَلا أدْرِي مَتى يَكُونُ؛ لِأنَّ اللَّهَ لَمْ يُبَيِّنْهُ لِما رَأى في إخْفاءِ وقْتِهِ مِنَ المَصْلَحَةِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ: بِمَ تَعَلُّقُ (إنْ) ؟ عَنى تَعَلُّقَ حَرْفِ الجَرِّ، فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأنَّها حَرْفُ ابْتِداءٍ، فَما بَعْدَها لَيْسَ في مَوْضِعِ جَرٍّ خِلافًا لِلزَّجّاجِ وابْنِ (p-٣٥٥)دَرَسْتُوَيْهِ، فَإنَّهُما زَعَما أنَّها إذا كانَتْ حَرْفَ ابْتِداءٍ، فالجُمْلَةُ الِابْتِدائِيَّةُ بَعْدَها في مَوْضِعِ جَرٍّ، وإنْ عَنى بِالتَّعَلُّقِ اتِّصالَ ما بَعْدَها بِما قَبْلَها، وكَوْنَ ما بَعْدَها غايَةً لِما قَبْلَها، فَهو صَحِيحٌ. وأمّا تَقْدِيرُهُ أنَّها تَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩] فَهو بِعِيدٌ جِدًّا لِطُولِ الفَصْلِ بَيْنَهُما بِالجُمَلِ الكَثِيرَةِ. وقالَ التِّبْرِيزِيُّ: حَتّى جازَ أنْ تَكُونَ غايَةً لِمَحْذُوفٍ، ولَمْ يُبَيِّنْ ما المَحْذُوفُ. وقِيلَ: المَعْنى دَعْهم حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ مِنَ السّاعَةِ ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَن أضْعَفُ ناصِرًا وأقَلُّ عَدَدًا﴾ أهم أمْ أهْلُ الكِتابِ ؟ والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّها غايَةٌ لِما تَضَمَّنَتْهُ الجُمْلَةُ الَّتِي قَبْلَها مِنَ الحُكْمِ بِكَيْنُونَةِ النّارِ لَهم، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ العاصِيَ يُحْكَمُ لَهُ بِكَيْنُونَةِ النّارِ لَهم، والحُكْمُ بِذَلِكَ هو وعِيدٌ حَتّى إذا رَأوْا ما حُكِمَ بِكَيْنُونَتِهِ لَهم فَسَيَعْلَمُونَ. فَقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ هو وعِيدٌ لَهم بِالنّارِ، و﴿مَن أضْعَفُ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لِما قَبْلَهُ، وهو مُعَلَّقٌ عَنْهُ لِأنَّ (مَن) اسْتِفْهامٌ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (مَن) مَوْصُولَةً في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ (سَيَعْلَمُونَ)، وأضْعَفُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. والجُمْلَةُ صِلَةٌ لِمَن، وتَقْدِيرُهُ: هو أضْعَفُ، وحَسُنَ حَذْفُهُ طُولَ الصِّلَةِ بِالمَعْمُولِ وهو ناصِرًا. قالَ مَكْحُولٌ: لَمْ يَنْزِلْ هَذا إلّا في الجِنِّ، أسْلَمَ مِنهم مَن وُفِّقَ وكَفَرَ مَن خُذِلَ كالإنْسِ، قالَ: وبَلَغَ مَن تابَعَ النَّبِيَّ ﷺ لَيْلَةَ الجِنِّ سَبْعِينَ ألْفًا، وفَزِعُوا عِنْدَ انْشِقاقِ الفَجْرِ. ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى أنْ يَقُولَ لَهم إنَّهُ لا يَدْرِي وقْتَ طُولِ ما وُعِدُوا بِهِ، أهُوَ قَرِيبٌ أمْ بَعِيدٌ ؟ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أمَدًا﴾ والأمَدُ يَكُونُ قَرِيبًا وبَعِيدًا ؟ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠] ؟ (قُلْتُ): كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَقْرِبُ المَوْعِدَ، فَكَأنَّهُ قالَ: (ما أدْرِي أهُوَ حالٌ مُتَوَقَّعٌ في كُلِّ ساعَةٍ، أمْ مُؤَجَّلٌ ضُرِبَتْ لَهُ غايَةٌ) ؟ أيْ: هو عالِمُ الغَيْبِ. ﴿فَلا يُظْهِرُ﴾: فَلا يُطْلِعُ، و(مِن رَسُولٍ) تَبْيِينٌ لِمَنِ ارْتَضى، يَعْنِي أنَّهُ لا يُطْلِعُ عَلى الغَيْبِ إلّا المُرْتَضِي الَّذِي هو مُصْطَفًى لِلنُّبُوَّةِ خاصَّةً، لا كُلٌّ مُرْتَضًى، وفي هَذا إبْطالٌ لِلْكَراماتِ؛ لِأنَّ الَّذِينَ تُضافُ إلَيْهِمْ، وإنْ كانُوا أوْلِياءَ مُرْتَضِينَ، فَلَيْسُوا بِرُسُلٍ. وقَدْ خَصَّ اللَّهُ الرُّسُلَ مِن بَيْنِ المُرْتَضِينَ بِالِاطِّلاعِ عَلى الغَيْبِ وإبْطالِ الكِهانَةِ والتَّنْجِيمِ؛ لِأنَّ أصْحابَهُما أبْعَدُ شَيْءٍ مِنَ الِارْتِضاءِ وأدْخَلُهُ في السُّخْطِ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿عالِمُ الغَيْبِ﴾ . قالَ الحَسَنُ: ما غابَ عَنْ خَلْقِهِ، وقِيلَ: السّاعَةُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (إلّا) بِمَعْنى لَكِنْ، فَجَعَلَهُ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا. وقِيلَ: (إلّا) بِمَعْنى ولا أيْ: ولا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ، و(عالِمُ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو عالِمُ الغَيْبِ، أوْ بَدَلٌ مِن (رَبِّي) . وقُرِئَ: (عالِمًا) بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ. وقالَ السُّدِّيُّ: عَلِمَ الغَيْبَ، فِعْلًا ماضِيًا ناصِبًا الغَيْبَ، والجُمْهُورُ: عالِمُ الغَيْبِ اسْمُ فاعِلٍ مَرْفُوعًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَلا يُظْهِرُ﴾ مِن أظْهَرَ. والحَسَنُ: يَظْهَرُ بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ مَن ظَهَرَ. ﴿إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ﴾: اسْتِثْناءٌ مِن (أحَدًا) أيْ: فَإنَّهُ يُظْهِرُهُ عَلى ما يَشاءُ مِن ذَلِكَ، فَإنَّهُ يَسْلُكُ اللَّهُ مِن بَيْنِ يَدَيْ ذَلِكَ الرَّسُولِ ﴿ومِن خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ أيْ: حَفَظَةٌ يَحْفَظُونَهُ مِنَ الجِنِّ ويَحْرُسُونَهُ في ضَبْطِ ما يُلْقِيهِ تَعالى إلى ذَلِكَ الرَّسُولِ مِن عِلْمِ الغَيْبِ. وعَنِ الضَّحّاكِ: ما بُعِثَ نَبِيٌّ إلّا ومَعَهُ مَلائِكَةٌ يَحْرُسُونَهُ مِنَ الشَّياطِينِ أنْ يَتَشَبَّهُوا بِصُورَةِ المَلَكِ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: قالَ العُلَماءُ: لَمّا تَمَدَّحَ سُبْحانَهُ بِعِلْمِ الغَيْبِ واسْتَأْثَرَ بِهِ دُونَ خَلْقِهِ، كانَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا يَعْلَمُ الغَيْبَ أحَدٌ سِواهُ، ثُمَّ اسْتَثْنى مَنِ ارْتَضاهُ مِنَ الرُّسُلِ، فَأوْدَعَهم ما شاءَ مِن غَيْبِهِ بِطَرِيقِ الوَحْيِ إلَيْهِمْ، وجَعَلَهُ مُعْجِزَةً لَهم ودَلالَةً صادِقَةً عَلى نُبُوَّتِهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ اسْتِدْلالًا عَلى بُطْلانِ ما يَقُولُهُ المُنَجِّمُ، ثُمَّ قالَ بِاسْتِحْلالِ دَمِ المُنَجِّمِ. وقالَ الواحِدِيُّ: في هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَنِ ادَّعى أنَّ النُّجُومَ تَدُلُّ عَلى ما يَكُونُ مِن حَياةٍ أوْ مَوْتٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَقَدْ كَفَرَ بِما في القُرْآنِ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ والواحِدَيُّ: تَجُوزُ الكَراماتُ عَلى ما قالَ صاحِبُ الكَشّافِ، فَجَعَلَها تَدَلُّ عَلى المَنعِ مِنَ الأحْكامِ النُّجُومِيَّةِ ولا تَدَلُّ عَلى الإلْهاماتِ مُجَرَّدُ تَشَبُّهٍ، وعِنْدِي أنَّ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى شَيْءٍ مِمّا قالُوهُ؛ لِأنَّ (p-٣٥٦)قَوْلَهُ: ﴿عَلى غَيْبِهِ﴾ لَيْسَ فِيهِ صِفَةُ عُمُومٍ، فَيَكْفِي في العَمَلِ بِمُقْتَضاهُ أنْ لا يُظْهِرَ خَلْقَهُ تَعالى عَلى غَيْبٍ واحِدٍ مِن غُيُوبِهِ، ويَحْمِلُهُ عَلى وقْتِ قِيامِ القِيامَةِ، فَلا يَبْقى دَلِيلٌ في الآيَةِ عَلى أنَّهُ لا يُظْهِرُ شَيْئًا مِنَ الغُيُوبِ لِأحَدٍ، ويُؤَكِّدُهُ أنَّهُ ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ عُقَيْبَ قَوْلِهِ: ﴿إنْ أدْرِي أقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ﴾ الآيَةِ، أيْ: لا أدْرِي وقْتَ وُقُوعِ القِيامَةِ، إذْ هي مِنَ الغَيْبِ الَّذِي لا يُظْهِرُهُ اللَّهُ لِأحَدٍ. و﴿إلّا مَنِ ارْتَضى﴾: اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، كَأنَّهُ قالَ: فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ المَخْصُوصِ أحَدًا إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ، فَلَهُ حَفَظَةٌ يَحْفَظُونَهُ مِن شَرِّ مَرَدَةِ الإنْسِ والجِنِّ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: واعْلَمْ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ القَطْعِ بِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لا يَطَّلِعُ أحَدٌ عَلى شَيْءٍ مِنَ المُغَيَّباتِ إلّا الرُّسُلُ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ، أحَدُها: أنَّهُ ثَبَتَ بِالأخْبارِ القَرِيبَةِ مِنَ التَّواتُرِ أنَّ شِقًّا وسَطِيحًا كانا كاهِنَيْنِ يُخْبِرانِ بِظُهُورِ مُحَمَّدٍ ﷺ قَبْلَ زَمانِ ظُهُورِهِ، وكانا في العَرَبِ مَشْهُورَيْنِ بِهَذا النَّوْعِ مِنَ العِلْمِ حَتّى رَجَعَ إلَيْهِما كِسْرى في تَعَرُّفِ أخْبارِ رَسُولِنا، ﷺ . وثانِيها: إطْباقُ الأُمَمِ عَلى صِحَّةِ عِلْمِ التَّعْبِيرِ، فَيُخْبِرُ المُعَبِّرُ عَنْ ما يَأْتِي في المُسْتَقْبَلِ ويَكُونُ صادِقًا. وثالِثُها: أنَّ الكاهِنَةَ البَغْدادِيَّةَ الَّتِي نَقَلَها السُّلْطانُ سَنْجَرُ بْنُ مَلِكْشاهْ مِن بَغْدادَ إلى خُراسانَ سَألَها عَنْ أشْياءَ في المُسْتَقْبَلِ، فَأخْبَرَتْ بِها ووَقَعَتْ عَلى وفْقِ كَلامِها، فَقَدْ رَأيْتُ أُناسًا مُحَقِّقِينَ في عُلُومِ الكَلامِ والحِكْمَةِ حَكَوْا عَنْها أنَّها أخْبَرَتْ عَنِ الأشْياءِ الغائِبَةِ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ وجاءَتْ كَذَلِكَ، وبالَغَ أبُو البَرَكاتِ صاحِبُ المُعْتَبَرِ في شَرْحِ حالِها في كِتابِ التَّعْبِيرِ، وقالَ: فَحَصْتُ عَنْ حالِها مُنْذُ ثَلاثِينَ سَنَةً حَتّى تَيَقَّنْتُ أنَّها كانَتْ تُخْبِرُ عَنِ المُغَيَّباتِ أخْبارًا مُطابِقَةً مُوافِقَةً. ورابِعُها: أنّا نُشاهِدُ أصْحابَ الإلْهاماتِ الصّادِقَةِ، لَيْسَ هَذا مُخْتَصًّا بِالأوْلِياءِ، فَقَدْ يُوجَدُ في السَّحَرَةِ وفي الأحْكامِ النُّجُومِيَّةِ ما يُوافِقُ الصِّدْقَ، وإنْ كانَ الكَذِبُ يَقَعُ مِنهم كَثِيرًا. وإذا كانَ ذَلِكَ مُشاهَدًا مَحْسُوسًا، فالقَوْلُ بِأنَّ القُرْآنَ يَدُلُّ عَلى خِلافِهِ مِمّا يَجُرُّ الطَّعْنُ إلى القُرْآنِ، وذَلِكَ باطِلٌ. فَقُلْنا: إنَّ التَّأْوِيلَ الصَّحِيحَ ما ذَكَرْناهُ. انْتَهى، وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. وإنَّما أوْرَدْنا كَلامَ هَذا الرَّجُلِ في هَذِهِ (p-٣٥٧)المَسْألَةِ لِنَنْظُرَ فِيما ذُكِرَ مِن تِلْكَ الوُجُوهِ. أمّا قِصَّةُ شِقٍّ وسَطِيحٍ فَلَيْسَ فِيها شَيْءٌ مِنَ الإخْبارِ بِالغَيْبِ؛ لِأنَّهُ مِمّا يُخْبِرُ بِهِ رَئِيُّ الكُهّانِ مِنَ الشَّياطِينِ مُسْتَرِقَةً السَّمْعَ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ: (إنَّهم يَسْمَعُونَ الكَلِمَةَ ويَكْذِبُونَ ويُلْقُونَ إلى الكَهَنَةِ ويَزِيدُ الكَهَنَةُ لِلْكَلِمَةِ مِائَةَ كَذْبَةٍ) . ولَيْسَ هَذا مِن عِلْمِ الغَيْبِ، إذْ تَكَلَّمَتْ بِهِ المَلائِكَةُ، وتَلَقَّفَها الجِنِّيُّ، وتَلَقَّفَها مِنهُ الكاهِنُ. فالكاهِنُ لَمْ يَعْلَمِ الغَيْبَ. وأمّا تَعْبِيرُ المَناماتِ، فالمُعَبِّرُ غَيْرُ المَعْصُومِ لا يُعَبِّرُ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ البَتِّ والقَطْعِ، بَلْ عَلى سَبِيلِ الحَزْرِ والتَّخْمِينِ، وقَدْ يَقَعُ ما يُعَبِّرُ بِهِ وقَدْ لا يَقَعُ. وأمّا الكاهِنَةُ البَغْدادِيَّةُ وما حُكِيَ عَنْها فَحَسْبُهُ عَقْلًا أنْ يَسْتَدِلَّ بِأحْوالِ امْرَأةٍ لَمْ يُشاهِدْها، ولَوْ شاهَدَ ذَلِكَ لَكانَ في عَقْلِهِ ما يَجُوزُ أنَّهُ لُبِّسَ عَلَيْهِ هَذا، وهو العالِمُ المُصَنِّفُ الَّذِي طَبَّقَ ذِكْرُهُ الآفاقَ، وهو الَّذِي شَكَّكَ في دَلائِلِ الفَلاسِفَةِ وسامَهُمُ الخَسْفَ. وأمّا حِكايَتُهُ عَنْ صاحِبِ المُعْتَبَرِ، فَهو يَهُودِيٌّ أظْهَرَ إسْلامَهُ وهو مُنْتَحِلٌ طَرِيقَةَ الفَلاسِفَةِ. وأمّا مُشاهَدَتُهُ أصْحابَ الإلْهاماتِ الصّادِقَةِ، فَلِي مِنَ العُمْرِ نَحْوٌ مِن ثَلاثٍ وسَبْعِينَ سَنَةً أصْحَبُ العُلَماءَ وأتَرَدَّدُ إلى مَن يَنْتَمِي إلى الصَّلاحِ، فَلَمْ أرَ أحَدًا مِنهم صاحِبَ إلْهامٍ صادِقٍ. وأمّا الكَراماتُ، فَلا أشُكُّ في صُدُورِ شَيْءٍ مِنها، لَكِنَّ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ النُّدْرَةِ، وذَلِكَ في مَن سَلَفَ مِن صُلَحاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ. ورُبَّما قَدْ يَكُونُ في أعْصارِنا مَن تَصْدُرُ مِنهُ الكَراماتُ، ولِلَّهِ تَعالى أنْ يَخُصَّ مَن شاءَ بِما شاءَ واللَّهُ المُوَفِّقُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لِيَعْلَمَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. قالَ قَتادَةُ: لِيَعْلَمَ مُحَمَّدٌ ﷺ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وحَفِظُوا. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: لِيَعْلَمَ مُحَمَّدٌ أنَّ المَلائِكَةَ الحَفَظَةَ الرُّصَّدَ النّازِلِينَ بَيْنَ يَدَيْ جِبْرِيلَ وخَلْفَهُ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ. وقالَ مُجاهِدٌ: لِيَعْلَمَ مَن أشْرَكَ وكَذَّبَ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغَتْ، وعَلى هَذا القَوْلِ لا يَقَعُ لَهم هَذا العِلْمُ إلّا في الآخِرَةِ. وقِيلَ: لِيَعْلَمَ اللَّهُ رُسُلَهُ مُبَلِّغَةً خارِجَةً إلى الوُجُودِ؛ لِأنَّ عِلْمَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ قَدْ سَبَقَ. واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا القَوْلَ الأخِيرَ فَقالَ: (لِيَعْلَمَ اللَّهُ أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ): يَعْنِي الأنْبِياءَ. وحَّدَ أوَّلًا عَلى اللَّفْظِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾، ثُمَّ جَمَعَ عَلى المَعْنى كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ﴾ والمَعْنى: لِيُبَلِّغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ كَما هي مَحْرُوسَةً مِنَ الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ، وذَكَرَ العِلْمَ كَذِكْرِهِ في قَوْلِهِ ﴿حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ﴾ [محمد: ٣١] . انْتَهى. وقِيلَ: (لِيَعْلَمَ) أيْ: أيُّ رَسُولٍ كانَ أنَّ الرُّسُلَ سِواهُ بَلَّغُوا. وقِيلَ: لِيَعْلَمَ إبْلِيسُ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ سَلِيمَةً مِن تَخْلِيطِهِ وإسْرافِ أصْحابِهِ. وقِيلَ: لِيَعْلَمَ الرُّسُلُ أنَّ المَلائِكَةَ بَلَّغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ. وقِيلَ: لِيَعْلَمَ مُحَمَّدٌ أنْ قَدْ بَلَّغَ جِبْرِيلُ ومَن مَعَهُ إلَيْهِ رِسالَةَ رَبِّهِ. وقِيلَ: لِيَعْلَمَ الجِنُّ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغُوا ما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ، ولَمْ يَكُونُوا هُمُ المُتَلَقِّينَ بِاسْتِراقِ السَّمْعِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (لِيُعْلَمَ) بِضَمِّ الياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. والزُّهْرِيُّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ اللّامِ، أيْ: لِيُعْلِمَ اللَّهُ، أيْ: مَن شاءَ أنْ يُعْلِمَهُ، أنَّ الرُّسُلَ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رِسالاتِ) عَلى الجَمْعِ. وأبُو حَيْوَةَ: عَلى الإفْرادِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وأحاطَ بِما لَدَيْهِمْ﴾ وأحاطَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، أيِ: اللَّهُ، (وأحْصى) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، أيِ: اللَّهُ كُلٌّ نَصْبًا. وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: وأُحِيطَ وأُحْصِيَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ كُلٌّ رَفْعًا. ولَمّا كانَ لِيَعْلَمَ مُضَمَّنًا مَعْنى عَلِمَ، صارَ المَعْنى: قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ، فَعَطَفَ وأحاطَ عَلى هَذا الضَّمِيرِ، والمَعْنى: وأحاطَ بِما عِنْدَ الرُّسُلِ مِنَ الحِكَمِ والشَّرائِعِ لا يَفُوتُهُ مِنها شَيْءٌ. ﴿وأحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ أيْ: مَعْدُودًا مَحْصُورًا، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وإنْ كانَ نَكِرَةً لِانْدِراجِ المَعْرِفَةِ في العُمُومِ. ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ نَصْبَ المَصْدَرِ لَأحْصى؛ لِأنَّهُ في مَعْنى إحْصاءٍ. وقالَ أبُو البَقاءِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمْيِيزًا. انْتَهى، فَيَكُونُ مَنقُولًا مِنَ المَفْعُولِ، إذْ أصْلُهُ: وأحْصى عَدَدَ كُلَّ شَيْءٍ، وفي كَوْنِهِ ثابِتًا مِن لِسانِ العَرَبِ خِلافٌ.

الجن 72:26

﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ أيْ: بِالشِّرْكِ والكُفْرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَإنَّ لَهُ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. وقَرَأ طَلْحَةُ: بِفَتْحِها، والتَّقْدِيرُ: فَجَزاؤُهُ أنَّ لَهُ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: وسَمِعْتُ ابْنَ مُجاهِدٍ يَقُولُ: ما قَرَأ بِهِ أحَدٌ وهو لَحْنٌ؛ لِأنَّهُ بَعْدَ فاءِ الشَّرْطِ. وسَمِعْتُ ابْنَ الأنْبارِيِّ يَقُولُ: هو ضِرابٌ، ومَعْناهُ: فَجَزاؤُهُ أنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ. انْتَهى. وكانَ ابْنُ مُجاهِدٍ إمامًا في القِراءاتِ، ولَمْ يَكُنْ مُتَّسِعَ النَّقْلِ فِيها كابْنِ شَنَبُوذَ، وكانَ ضَعِيفًا في النَّحْوِ. وكَيْفَ يَقُولُ ما قَرَأ بِهِ أحَدٌ ؟ وهَذا كَطَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ قَرَأ بِهِ. وكَيْفَ يَقُولُ: وهو لَحْنٌ ؟ والنَّحْوِيُّونَ قَدْ نَصُّوا عَلى أنَّ إنَّ بَعْدَ فاءِ الشَّرْطِ يَجُوزُ فِيها الفَتْحُ والكَسْرُ. وجَمَعَ (خالِدِينَ) حَمْلًا عَلى مَعْنى (مَن)، وذَلِكَ بَعْدَ الحَمْلِ عَلى لَفْظِ (مَن) في قَوْلِهِ: (يَعْصِ) (فَإنَّ لَهُ) . ﴿حَتّى إذا رَأوْا﴾ (حَتّى) هُنا حَرْفُ ابْتِداءٍ، أيْ: يَصْلُحُ أنْ يَجِيءَ بَعْدَها جُمْلَةُ الِابْتِداءِ والخَبَرِ، ومَعَ ذَلِكَ فِيها مَعْنى الغايَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): بِمَ تَعَلَّقَ (حَتّى) وجَعَلَ ما بَعْدَهُ غايَةً لَهُ ؟ (قُلْتُ): بِقَوْلِهِ ﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩] عَلى أنَّهم يَتَظاهَرُونَ عَلَيْهِ بِالعَداوَةِ، ويَسْتَضْعِفُونَ أنْصارَهُ ويَسْتَقِلُّونَ عَدَدَهم ﴿حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ﴾ مِن يَوْمِ بَدْرٍ، وإظْهارِ اللَّهِ لَهُ عَلَيْهِمْ، أوْ مِن يَوْمِ القِيامَةِ (فَسَيَعْلَمُونَ) حِينَئِذٍ أنَّهم ﴿أضْعَفُ ناصِرًا وأقَلُّ عَدَدًا﴾ . ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ دَلَّتْ عَلَيْهِ الحالُ مِنَ اسْتِضْعافِ الكُفّارِ لَهُ واسْتِقْلالِهِمْ لِعَدَدِهِ، كَأنَّهُ لا يَزالُونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ ﴿حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ﴾ . قالَ المُشْرِكُونَ: مَتى يَكُونُ هَذا المَوْعِدُ إنْكارًا لَهُ ؟ فَقِيلَ: قُلْ إنَّهُ كائِنٌ لا رَيْبَ فِيهِ فَلا تُنْكِرُوهُ، فَإنَّ اللَّهَ قَدْ وعَدَ ذَلِكَ، وهو لا يُخْلِفُ المِيعادَ. وأمّا وقْتُهُ فَلا أدْرِي مَتى يَكُونُ؛ لِأنَّ اللَّهَ لَمْ يُبَيِّنْهُ لِما رَأى في إخْفاءِ وقْتِهِ مِنَ المَصْلَحَةِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ: بِمَ تَعَلُّقُ (إنْ) ؟ عَنى تَعَلُّقَ حَرْفِ الجَرِّ، فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأنَّها حَرْفُ ابْتِداءٍ، فَما بَعْدَها لَيْسَ في مَوْضِعِ جَرٍّ خِلافًا لِلزَّجّاجِ وابْنِ (p-٣٥٥)دَرَسْتُوَيْهِ، فَإنَّهُما زَعَما أنَّها إذا كانَتْ حَرْفَ ابْتِداءٍ، فالجُمْلَةُ الِابْتِدائِيَّةُ بَعْدَها في مَوْضِعِ جَرٍّ، وإنْ عَنى بِالتَّعَلُّقِ اتِّصالَ ما بَعْدَها بِما قَبْلَها، وكَوْنَ ما بَعْدَها غايَةً لِما قَبْلَها، فَهو صَحِيحٌ. وأمّا تَقْدِيرُهُ أنَّها تَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩] فَهو بِعِيدٌ جِدًّا لِطُولِ الفَصْلِ بَيْنَهُما بِالجُمَلِ الكَثِيرَةِ. وقالَ التِّبْرِيزِيُّ: حَتّى جازَ أنْ تَكُونَ غايَةً لِمَحْذُوفٍ، ولَمْ يُبَيِّنْ ما المَحْذُوفُ. وقِيلَ: المَعْنى دَعْهم حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ مِنَ السّاعَةِ ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَن أضْعَفُ ناصِرًا وأقَلُّ عَدَدًا﴾ أهم أمْ أهْلُ الكِتابِ ؟ والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّها غايَةٌ لِما تَضَمَّنَتْهُ الجُمْلَةُ الَّتِي قَبْلَها مِنَ الحُكْمِ بِكَيْنُونَةِ النّارِ لَهم، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ العاصِيَ يُحْكَمُ لَهُ بِكَيْنُونَةِ النّارِ لَهم، والحُكْمُ بِذَلِكَ هو وعِيدٌ حَتّى إذا رَأوْا ما حُكِمَ بِكَيْنُونَتِهِ لَهم فَسَيَعْلَمُونَ. فَقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ هو وعِيدٌ لَهم بِالنّارِ، و﴿مَن أضْعَفُ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لِما قَبْلَهُ، وهو مُعَلَّقٌ عَنْهُ لِأنَّ (مَن) اسْتِفْهامٌ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (مَن) مَوْصُولَةً في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ (سَيَعْلَمُونَ)، وأضْعَفُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. والجُمْلَةُ صِلَةٌ لِمَن، وتَقْدِيرُهُ: هو أضْعَفُ، وحَسُنَ حَذْفُهُ طُولَ الصِّلَةِ بِالمَعْمُولِ وهو ناصِرًا. قالَ مَكْحُولٌ: لَمْ يَنْزِلْ هَذا إلّا في الجِنِّ، أسْلَمَ مِنهم مَن وُفِّقَ وكَفَرَ مَن خُذِلَ كالإنْسِ، قالَ: وبَلَغَ مَن تابَعَ النَّبِيَّ ﷺ لَيْلَةَ الجِنِّ سَبْعِينَ ألْفًا، وفَزِعُوا عِنْدَ انْشِقاقِ الفَجْرِ. ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى أنْ يَقُولَ لَهم إنَّهُ لا يَدْرِي وقْتَ طُولِ ما وُعِدُوا بِهِ، أهُوَ قَرِيبٌ أمْ بَعِيدٌ ؟ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أمَدًا﴾ والأمَدُ يَكُونُ قَرِيبًا وبَعِيدًا ؟ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠] ؟ (قُلْتُ): كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَقْرِبُ المَوْعِدَ، فَكَأنَّهُ قالَ: (ما أدْرِي أهُوَ حالٌ مُتَوَقَّعٌ في كُلِّ ساعَةٍ، أمْ مُؤَجَّلٌ ضُرِبَتْ لَهُ غايَةٌ) ؟ أيْ: هو عالِمُ الغَيْبِ. ﴿فَلا يُظْهِرُ﴾: فَلا يُطْلِعُ، و(مِن رَسُولٍ) تَبْيِينٌ لِمَنِ ارْتَضى، يَعْنِي أنَّهُ لا يُطْلِعُ عَلى الغَيْبِ إلّا المُرْتَضِي الَّذِي هو مُصْطَفًى لِلنُّبُوَّةِ خاصَّةً، لا كُلٌّ مُرْتَضًى، وفي هَذا إبْطالٌ لِلْكَراماتِ؛ لِأنَّ الَّذِينَ تُضافُ إلَيْهِمْ، وإنْ كانُوا أوْلِياءَ مُرْتَضِينَ، فَلَيْسُوا بِرُسُلٍ. وقَدْ خَصَّ اللَّهُ الرُّسُلَ مِن بَيْنِ المُرْتَضِينَ بِالِاطِّلاعِ عَلى الغَيْبِ وإبْطالِ الكِهانَةِ والتَّنْجِيمِ؛ لِأنَّ أصْحابَهُما أبْعَدُ شَيْءٍ مِنَ الِارْتِضاءِ وأدْخَلُهُ في السُّخْطِ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿عالِمُ الغَيْبِ﴾ . قالَ الحَسَنُ: ما غابَ عَنْ خَلْقِهِ، وقِيلَ: السّاعَةُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (إلّا) بِمَعْنى لَكِنْ، فَجَعَلَهُ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا. وقِيلَ: (إلّا) بِمَعْنى ولا أيْ: ولا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ، و(عالِمُ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو عالِمُ الغَيْبِ، أوْ بَدَلٌ مِن (رَبِّي) . وقُرِئَ: (عالِمًا) بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ. وقالَ السُّدِّيُّ: عَلِمَ الغَيْبَ، فِعْلًا ماضِيًا ناصِبًا الغَيْبَ، والجُمْهُورُ: عالِمُ الغَيْبِ اسْمُ فاعِلٍ مَرْفُوعًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَلا يُظْهِرُ﴾ مِن أظْهَرَ. والحَسَنُ: يَظْهَرُ بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ مَن ظَهَرَ. ﴿إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ﴾: اسْتِثْناءٌ مِن (أحَدًا) أيْ: فَإنَّهُ يُظْهِرُهُ عَلى ما يَشاءُ مِن ذَلِكَ، فَإنَّهُ يَسْلُكُ اللَّهُ مِن بَيْنِ يَدَيْ ذَلِكَ الرَّسُولِ ﴿ومِن خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ أيْ: حَفَظَةٌ يَحْفَظُونَهُ مِنَ الجِنِّ ويَحْرُسُونَهُ في ضَبْطِ ما يُلْقِيهِ تَعالى إلى ذَلِكَ الرَّسُولِ مِن عِلْمِ الغَيْبِ. وعَنِ الضَّحّاكِ: ما بُعِثَ نَبِيٌّ إلّا ومَعَهُ مَلائِكَةٌ يَحْرُسُونَهُ مِنَ الشَّياطِينِ أنْ يَتَشَبَّهُوا بِصُورَةِ المَلَكِ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: قالَ العُلَماءُ: لَمّا تَمَدَّحَ سُبْحانَهُ بِعِلْمِ الغَيْبِ واسْتَأْثَرَ بِهِ دُونَ خَلْقِهِ، كانَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا يَعْلَمُ الغَيْبَ أحَدٌ سِواهُ، ثُمَّ اسْتَثْنى مَنِ ارْتَضاهُ مِنَ الرُّسُلِ، فَأوْدَعَهم ما شاءَ مِن غَيْبِهِ بِطَرِيقِ الوَحْيِ إلَيْهِمْ، وجَعَلَهُ مُعْجِزَةً لَهم ودَلالَةً صادِقَةً عَلى نُبُوَّتِهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ اسْتِدْلالًا عَلى بُطْلانِ ما يَقُولُهُ المُنَجِّمُ، ثُمَّ قالَ بِاسْتِحْلالِ دَمِ المُنَجِّمِ. وقالَ الواحِدِيُّ: في هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَنِ ادَّعى أنَّ النُّجُومَ تَدُلُّ عَلى ما يَكُونُ مِن حَياةٍ أوْ مَوْتٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَقَدْ كَفَرَ بِما في القُرْآنِ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ والواحِدَيُّ: تَجُوزُ الكَراماتُ عَلى ما قالَ صاحِبُ الكَشّافِ، فَجَعَلَها تَدَلُّ عَلى المَنعِ مِنَ الأحْكامِ النُّجُومِيَّةِ ولا تَدَلُّ عَلى الإلْهاماتِ مُجَرَّدُ تَشَبُّهٍ، وعِنْدِي أنَّ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى شَيْءٍ مِمّا قالُوهُ؛ لِأنَّ (p-٣٥٦)قَوْلَهُ: ﴿عَلى غَيْبِهِ﴾ لَيْسَ فِيهِ صِفَةُ عُمُومٍ، فَيَكْفِي في العَمَلِ بِمُقْتَضاهُ أنْ لا يُظْهِرَ خَلْقَهُ تَعالى عَلى غَيْبٍ واحِدٍ مِن غُيُوبِهِ، ويَحْمِلُهُ عَلى وقْتِ قِيامِ القِيامَةِ، فَلا يَبْقى دَلِيلٌ في الآيَةِ عَلى أنَّهُ لا يُظْهِرُ شَيْئًا مِنَ الغُيُوبِ لِأحَدٍ، ويُؤَكِّدُهُ أنَّهُ ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ عُقَيْبَ قَوْلِهِ: ﴿إنْ أدْرِي أقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ﴾ الآيَةِ، أيْ: لا أدْرِي وقْتَ وُقُوعِ القِيامَةِ، إذْ هي مِنَ الغَيْبِ الَّذِي لا يُظْهِرُهُ اللَّهُ لِأحَدٍ. و﴿إلّا مَنِ ارْتَضى﴾: اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، كَأنَّهُ قالَ: فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ المَخْصُوصِ أحَدًا إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ، فَلَهُ حَفَظَةٌ يَحْفَظُونَهُ مِن شَرِّ مَرَدَةِ الإنْسِ والجِنِّ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: واعْلَمْ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ القَطْعِ بِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لا يَطَّلِعُ أحَدٌ عَلى شَيْءٍ مِنَ المُغَيَّباتِ إلّا الرُّسُلُ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ، أحَدُها: أنَّهُ ثَبَتَ بِالأخْبارِ القَرِيبَةِ مِنَ التَّواتُرِ أنَّ شِقًّا وسَطِيحًا كانا كاهِنَيْنِ يُخْبِرانِ بِظُهُورِ مُحَمَّدٍ ﷺ قَبْلَ زَمانِ ظُهُورِهِ، وكانا في العَرَبِ مَشْهُورَيْنِ بِهَذا النَّوْعِ مِنَ العِلْمِ حَتّى رَجَعَ إلَيْهِما كِسْرى في تَعَرُّفِ أخْبارِ رَسُولِنا، ﷺ . وثانِيها: إطْباقُ الأُمَمِ عَلى صِحَّةِ عِلْمِ التَّعْبِيرِ، فَيُخْبِرُ المُعَبِّرُ عَنْ ما يَأْتِي في المُسْتَقْبَلِ ويَكُونُ صادِقًا. وثالِثُها: أنَّ الكاهِنَةَ البَغْدادِيَّةَ الَّتِي نَقَلَها السُّلْطانُ سَنْجَرُ بْنُ مَلِكْشاهْ مِن بَغْدادَ إلى خُراسانَ سَألَها عَنْ أشْياءَ في المُسْتَقْبَلِ، فَأخْبَرَتْ بِها ووَقَعَتْ عَلى وفْقِ كَلامِها، فَقَدْ رَأيْتُ أُناسًا مُحَقِّقِينَ في عُلُومِ الكَلامِ والحِكْمَةِ حَكَوْا عَنْها أنَّها أخْبَرَتْ عَنِ الأشْياءِ الغائِبَةِ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ وجاءَتْ كَذَلِكَ، وبالَغَ أبُو البَرَكاتِ صاحِبُ المُعْتَبَرِ في شَرْحِ حالِها في كِتابِ التَّعْبِيرِ، وقالَ: فَحَصْتُ عَنْ حالِها مُنْذُ ثَلاثِينَ سَنَةً حَتّى تَيَقَّنْتُ أنَّها كانَتْ تُخْبِرُ عَنِ المُغَيَّباتِ أخْبارًا مُطابِقَةً مُوافِقَةً. ورابِعُها: أنّا نُشاهِدُ أصْحابَ الإلْهاماتِ الصّادِقَةِ، لَيْسَ هَذا مُخْتَصًّا بِالأوْلِياءِ، فَقَدْ يُوجَدُ في السَّحَرَةِ وفي الأحْكامِ النُّجُومِيَّةِ ما يُوافِقُ الصِّدْقَ، وإنْ كانَ الكَذِبُ يَقَعُ مِنهم كَثِيرًا. وإذا كانَ ذَلِكَ مُشاهَدًا مَحْسُوسًا، فالقَوْلُ بِأنَّ القُرْآنَ يَدُلُّ عَلى خِلافِهِ مِمّا يَجُرُّ الطَّعْنُ إلى القُرْآنِ، وذَلِكَ باطِلٌ. فَقُلْنا: إنَّ التَّأْوِيلَ الصَّحِيحَ ما ذَكَرْناهُ. انْتَهى، وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. وإنَّما أوْرَدْنا كَلامَ هَذا الرَّجُلِ في هَذِهِ (p-٣٥٧)المَسْألَةِ لِنَنْظُرَ فِيما ذُكِرَ مِن تِلْكَ الوُجُوهِ. أمّا قِصَّةُ شِقٍّ وسَطِيحٍ فَلَيْسَ فِيها شَيْءٌ مِنَ الإخْبارِ بِالغَيْبِ؛ لِأنَّهُ مِمّا يُخْبِرُ بِهِ رَئِيُّ الكُهّانِ مِنَ الشَّياطِينِ مُسْتَرِقَةً السَّمْعَ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ: (إنَّهم يَسْمَعُونَ الكَلِمَةَ ويَكْذِبُونَ ويُلْقُونَ إلى الكَهَنَةِ ويَزِيدُ الكَهَنَةُ لِلْكَلِمَةِ مِائَةَ كَذْبَةٍ) . ولَيْسَ هَذا مِن عِلْمِ الغَيْبِ، إذْ تَكَلَّمَتْ بِهِ المَلائِكَةُ، وتَلَقَّفَها الجِنِّيُّ، وتَلَقَّفَها مِنهُ الكاهِنُ. فالكاهِنُ لَمْ يَعْلَمِ الغَيْبَ. وأمّا تَعْبِيرُ المَناماتِ، فالمُعَبِّرُ غَيْرُ المَعْصُومِ لا يُعَبِّرُ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ البَتِّ والقَطْعِ، بَلْ عَلى سَبِيلِ الحَزْرِ والتَّخْمِينِ، وقَدْ يَقَعُ ما يُعَبِّرُ بِهِ وقَدْ لا يَقَعُ. وأمّا الكاهِنَةُ البَغْدادِيَّةُ وما حُكِيَ عَنْها فَحَسْبُهُ عَقْلًا أنْ يَسْتَدِلَّ بِأحْوالِ امْرَأةٍ لَمْ يُشاهِدْها، ولَوْ شاهَدَ ذَلِكَ لَكانَ في عَقْلِهِ ما يَجُوزُ أنَّهُ لُبِّسَ عَلَيْهِ هَذا، وهو العالِمُ المُصَنِّفُ الَّذِي طَبَّقَ ذِكْرُهُ الآفاقَ، وهو الَّذِي شَكَّكَ في دَلائِلِ الفَلاسِفَةِ وسامَهُمُ الخَسْفَ. وأمّا حِكايَتُهُ عَنْ صاحِبِ المُعْتَبَرِ، فَهو يَهُودِيٌّ أظْهَرَ إسْلامَهُ وهو مُنْتَحِلٌ طَرِيقَةَ الفَلاسِفَةِ. وأمّا مُشاهَدَتُهُ أصْحابَ الإلْهاماتِ الصّادِقَةِ، فَلِي مِنَ العُمْرِ نَحْوٌ مِن ثَلاثٍ وسَبْعِينَ سَنَةً أصْحَبُ العُلَماءَ وأتَرَدَّدُ إلى مَن يَنْتَمِي إلى الصَّلاحِ، فَلَمْ أرَ أحَدًا مِنهم صاحِبَ إلْهامٍ صادِقٍ. وأمّا الكَراماتُ، فَلا أشُكُّ في صُدُورِ شَيْءٍ مِنها، لَكِنَّ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ النُّدْرَةِ، وذَلِكَ في مَن سَلَفَ مِن صُلَحاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ. ورُبَّما قَدْ يَكُونُ في أعْصارِنا مَن تَصْدُرُ مِنهُ الكَراماتُ، ولِلَّهِ تَعالى أنْ يَخُصَّ مَن شاءَ بِما شاءَ واللَّهُ المُوَفِّقُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لِيَعْلَمَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. قالَ قَتادَةُ: لِيَعْلَمَ مُحَمَّدٌ ﷺ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وحَفِظُوا. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: لِيَعْلَمَ مُحَمَّدٌ أنَّ المَلائِكَةَ الحَفَظَةَ الرُّصَّدَ النّازِلِينَ بَيْنَ يَدَيْ جِبْرِيلَ وخَلْفَهُ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ. وقالَ مُجاهِدٌ: لِيَعْلَمَ مَن أشْرَكَ وكَذَّبَ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغَتْ، وعَلى هَذا القَوْلِ لا يَقَعُ لَهم هَذا العِلْمُ إلّا في الآخِرَةِ. وقِيلَ: لِيَعْلَمَ اللَّهُ رُسُلَهُ مُبَلِّغَةً خارِجَةً إلى الوُجُودِ؛ لِأنَّ عِلْمَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ قَدْ سَبَقَ. واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا القَوْلَ الأخِيرَ فَقالَ: (لِيَعْلَمَ اللَّهُ أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ): يَعْنِي الأنْبِياءَ. وحَّدَ أوَّلًا عَلى اللَّفْظِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾، ثُمَّ جَمَعَ عَلى المَعْنى كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ﴾ والمَعْنى: لِيُبَلِّغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ كَما هي مَحْرُوسَةً مِنَ الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ، وذَكَرَ العِلْمَ كَذِكْرِهِ في قَوْلِهِ ﴿حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ﴾ [محمد: ٣١] . انْتَهى. وقِيلَ: (لِيَعْلَمَ) أيْ: أيُّ رَسُولٍ كانَ أنَّ الرُّسُلَ سِواهُ بَلَّغُوا. وقِيلَ: لِيَعْلَمَ إبْلِيسُ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ سَلِيمَةً مِن تَخْلِيطِهِ وإسْرافِ أصْحابِهِ. وقِيلَ: لِيَعْلَمَ الرُّسُلُ أنَّ المَلائِكَةَ بَلَّغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ. وقِيلَ: لِيَعْلَمَ مُحَمَّدٌ أنْ قَدْ بَلَّغَ جِبْرِيلُ ومَن مَعَهُ إلَيْهِ رِسالَةَ رَبِّهِ. وقِيلَ: لِيَعْلَمَ الجِنُّ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغُوا ما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ، ولَمْ يَكُونُوا هُمُ المُتَلَقِّينَ بِاسْتِراقِ السَّمْعِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (لِيُعْلَمَ) بِضَمِّ الياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. والزُّهْرِيُّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ اللّامِ، أيْ: لِيُعْلِمَ اللَّهُ، أيْ: مَن شاءَ أنْ يُعْلِمَهُ، أنَّ الرُّسُلَ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رِسالاتِ) عَلى الجَمْعِ. وأبُو حَيْوَةَ: عَلى الإفْرادِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وأحاطَ بِما لَدَيْهِمْ﴾ وأحاطَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، أيِ: اللَّهُ، (وأحْصى) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، أيِ: اللَّهُ كُلٌّ نَصْبًا. وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: وأُحِيطَ وأُحْصِيَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ كُلٌّ رَفْعًا. ولَمّا كانَ لِيَعْلَمَ مُضَمَّنًا مَعْنى عَلِمَ، صارَ المَعْنى: قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ، فَعَطَفَ وأحاطَ عَلى هَذا الضَّمِيرِ، والمَعْنى: وأحاطَ بِما عِنْدَ الرُّسُلِ مِنَ الحِكَمِ والشَّرائِعِ لا يَفُوتُهُ مِنها شَيْءٌ. ﴿وأحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ أيْ: مَعْدُودًا مَحْصُورًا، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وإنْ كانَ نَكِرَةً لِانْدِراجِ المَعْرِفَةِ في العُمُومِ. ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ نَصْبَ المَصْدَرِ لَأحْصى؛ لِأنَّهُ في مَعْنى إحْصاءٍ. وقالَ أبُو البَقاءِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمْيِيزًا. انْتَهى، فَيَكُونُ مَنقُولًا مِنَ المَفْعُولِ، إذْ أصْلُهُ: وأحْصى عَدَدَ كُلَّ شَيْءٍ، وفي كَوْنِهِ ثابِتًا مِن لِسانِ العَرَبِ خِلافٌ.

الجن 72:27

﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ أيْ: بِالشِّرْكِ والكُفْرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَإنَّ لَهُ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. وقَرَأ طَلْحَةُ: بِفَتْحِها، والتَّقْدِيرُ: فَجَزاؤُهُ أنَّ لَهُ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: وسَمِعْتُ ابْنَ مُجاهِدٍ يَقُولُ: ما قَرَأ بِهِ أحَدٌ وهو لَحْنٌ؛ لِأنَّهُ بَعْدَ فاءِ الشَّرْطِ. وسَمِعْتُ ابْنَ الأنْبارِيِّ يَقُولُ: هو ضِرابٌ، ومَعْناهُ: فَجَزاؤُهُ أنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ. انْتَهى. وكانَ ابْنُ مُجاهِدٍ إمامًا في القِراءاتِ، ولَمْ يَكُنْ مُتَّسِعَ النَّقْلِ فِيها كابْنِ شَنَبُوذَ، وكانَ ضَعِيفًا في النَّحْوِ. وكَيْفَ يَقُولُ ما قَرَأ بِهِ أحَدٌ ؟ وهَذا كَطَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ قَرَأ بِهِ. وكَيْفَ يَقُولُ: وهو لَحْنٌ ؟ والنَّحْوِيُّونَ قَدْ نَصُّوا عَلى أنَّ إنَّ بَعْدَ فاءِ الشَّرْطِ يَجُوزُ فِيها الفَتْحُ والكَسْرُ. وجَمَعَ (خالِدِينَ) حَمْلًا عَلى مَعْنى (مَن)، وذَلِكَ بَعْدَ الحَمْلِ عَلى لَفْظِ (مَن) في قَوْلِهِ: (يَعْصِ) (فَإنَّ لَهُ) . ﴿حَتّى إذا رَأوْا﴾ (حَتّى) هُنا حَرْفُ ابْتِداءٍ، أيْ: يَصْلُحُ أنْ يَجِيءَ بَعْدَها جُمْلَةُ الِابْتِداءِ والخَبَرِ، ومَعَ ذَلِكَ فِيها مَعْنى الغايَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): بِمَ تَعَلَّقَ (حَتّى) وجَعَلَ ما بَعْدَهُ غايَةً لَهُ ؟ (قُلْتُ): بِقَوْلِهِ ﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩] عَلى أنَّهم يَتَظاهَرُونَ عَلَيْهِ بِالعَداوَةِ، ويَسْتَضْعِفُونَ أنْصارَهُ ويَسْتَقِلُّونَ عَدَدَهم ﴿حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ﴾ مِن يَوْمِ بَدْرٍ، وإظْهارِ اللَّهِ لَهُ عَلَيْهِمْ، أوْ مِن يَوْمِ القِيامَةِ (فَسَيَعْلَمُونَ) حِينَئِذٍ أنَّهم ﴿أضْعَفُ ناصِرًا وأقَلُّ عَدَدًا﴾ . ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ دَلَّتْ عَلَيْهِ الحالُ مِنَ اسْتِضْعافِ الكُفّارِ لَهُ واسْتِقْلالِهِمْ لِعَدَدِهِ، كَأنَّهُ لا يَزالُونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ ﴿حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ﴾ . قالَ المُشْرِكُونَ: مَتى يَكُونُ هَذا المَوْعِدُ إنْكارًا لَهُ ؟ فَقِيلَ: قُلْ إنَّهُ كائِنٌ لا رَيْبَ فِيهِ فَلا تُنْكِرُوهُ، فَإنَّ اللَّهَ قَدْ وعَدَ ذَلِكَ، وهو لا يُخْلِفُ المِيعادَ. وأمّا وقْتُهُ فَلا أدْرِي مَتى يَكُونُ؛ لِأنَّ اللَّهَ لَمْ يُبَيِّنْهُ لِما رَأى في إخْفاءِ وقْتِهِ مِنَ المَصْلَحَةِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ: بِمَ تَعَلُّقُ (إنْ) ؟ عَنى تَعَلُّقَ حَرْفِ الجَرِّ، فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأنَّها حَرْفُ ابْتِداءٍ، فَما بَعْدَها لَيْسَ في مَوْضِعِ جَرٍّ خِلافًا لِلزَّجّاجِ وابْنِ (p-٣٥٥)دَرَسْتُوَيْهِ، فَإنَّهُما زَعَما أنَّها إذا كانَتْ حَرْفَ ابْتِداءٍ، فالجُمْلَةُ الِابْتِدائِيَّةُ بَعْدَها في مَوْضِعِ جَرٍّ، وإنْ عَنى بِالتَّعَلُّقِ اتِّصالَ ما بَعْدَها بِما قَبْلَها، وكَوْنَ ما بَعْدَها غايَةً لِما قَبْلَها، فَهو صَحِيحٌ. وأمّا تَقْدِيرُهُ أنَّها تَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩] فَهو بِعِيدٌ جِدًّا لِطُولِ الفَصْلِ بَيْنَهُما بِالجُمَلِ الكَثِيرَةِ. وقالَ التِّبْرِيزِيُّ: حَتّى جازَ أنْ تَكُونَ غايَةً لِمَحْذُوفٍ، ولَمْ يُبَيِّنْ ما المَحْذُوفُ. وقِيلَ: المَعْنى دَعْهم حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ مِنَ السّاعَةِ ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَن أضْعَفُ ناصِرًا وأقَلُّ عَدَدًا﴾ أهم أمْ أهْلُ الكِتابِ ؟ والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّها غايَةٌ لِما تَضَمَّنَتْهُ الجُمْلَةُ الَّتِي قَبْلَها مِنَ الحُكْمِ بِكَيْنُونَةِ النّارِ لَهم، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ العاصِيَ يُحْكَمُ لَهُ بِكَيْنُونَةِ النّارِ لَهم، والحُكْمُ بِذَلِكَ هو وعِيدٌ حَتّى إذا رَأوْا ما حُكِمَ بِكَيْنُونَتِهِ لَهم فَسَيَعْلَمُونَ. فَقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ هو وعِيدٌ لَهم بِالنّارِ، و﴿مَن أضْعَفُ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لِما قَبْلَهُ، وهو مُعَلَّقٌ عَنْهُ لِأنَّ (مَن) اسْتِفْهامٌ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (مَن) مَوْصُولَةً في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ (سَيَعْلَمُونَ)، وأضْعَفُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. والجُمْلَةُ صِلَةٌ لِمَن، وتَقْدِيرُهُ: هو أضْعَفُ، وحَسُنَ حَذْفُهُ طُولَ الصِّلَةِ بِالمَعْمُولِ وهو ناصِرًا. قالَ مَكْحُولٌ: لَمْ يَنْزِلْ هَذا إلّا في الجِنِّ، أسْلَمَ مِنهم مَن وُفِّقَ وكَفَرَ مَن خُذِلَ كالإنْسِ، قالَ: وبَلَغَ مَن تابَعَ النَّبِيَّ ﷺ لَيْلَةَ الجِنِّ سَبْعِينَ ألْفًا، وفَزِعُوا عِنْدَ انْشِقاقِ الفَجْرِ. ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى أنْ يَقُولَ لَهم إنَّهُ لا يَدْرِي وقْتَ طُولِ ما وُعِدُوا بِهِ، أهُوَ قَرِيبٌ أمْ بَعِيدٌ ؟ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أمَدًا﴾ والأمَدُ يَكُونُ قَرِيبًا وبَعِيدًا ؟ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠] ؟ (قُلْتُ): كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَقْرِبُ المَوْعِدَ، فَكَأنَّهُ قالَ: (ما أدْرِي أهُوَ حالٌ مُتَوَقَّعٌ في كُلِّ ساعَةٍ، أمْ مُؤَجَّلٌ ضُرِبَتْ لَهُ غايَةٌ) ؟ أيْ: هو عالِمُ الغَيْبِ. ﴿فَلا يُظْهِرُ﴾: فَلا يُطْلِعُ، و(مِن رَسُولٍ) تَبْيِينٌ لِمَنِ ارْتَضى، يَعْنِي أنَّهُ لا يُطْلِعُ عَلى الغَيْبِ إلّا المُرْتَضِي الَّذِي هو مُصْطَفًى لِلنُّبُوَّةِ خاصَّةً، لا كُلٌّ مُرْتَضًى، وفي هَذا إبْطالٌ لِلْكَراماتِ؛ لِأنَّ الَّذِينَ تُضافُ إلَيْهِمْ، وإنْ كانُوا أوْلِياءَ مُرْتَضِينَ، فَلَيْسُوا بِرُسُلٍ. وقَدْ خَصَّ اللَّهُ الرُّسُلَ مِن بَيْنِ المُرْتَضِينَ بِالِاطِّلاعِ عَلى الغَيْبِ وإبْطالِ الكِهانَةِ والتَّنْجِيمِ؛ لِأنَّ أصْحابَهُما أبْعَدُ شَيْءٍ مِنَ الِارْتِضاءِ وأدْخَلُهُ في السُّخْطِ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿عالِمُ الغَيْبِ﴾ . قالَ الحَسَنُ: ما غابَ عَنْ خَلْقِهِ، وقِيلَ: السّاعَةُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (إلّا) بِمَعْنى لَكِنْ، فَجَعَلَهُ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا. وقِيلَ: (إلّا) بِمَعْنى ولا أيْ: ولا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ، و(عالِمُ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو عالِمُ الغَيْبِ، أوْ بَدَلٌ مِن (رَبِّي) . وقُرِئَ: (عالِمًا) بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ. وقالَ السُّدِّيُّ: عَلِمَ الغَيْبَ، فِعْلًا ماضِيًا ناصِبًا الغَيْبَ، والجُمْهُورُ: عالِمُ الغَيْبِ اسْمُ فاعِلٍ مَرْفُوعًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَلا يُظْهِرُ﴾ مِن أظْهَرَ. والحَسَنُ: يَظْهَرُ بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ مَن ظَهَرَ. ﴿إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ﴾: اسْتِثْناءٌ مِن (أحَدًا) أيْ: فَإنَّهُ يُظْهِرُهُ عَلى ما يَشاءُ مِن ذَلِكَ، فَإنَّهُ يَسْلُكُ اللَّهُ مِن بَيْنِ يَدَيْ ذَلِكَ الرَّسُولِ ﴿ومِن خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ أيْ: حَفَظَةٌ يَحْفَظُونَهُ مِنَ الجِنِّ ويَحْرُسُونَهُ في ضَبْطِ ما يُلْقِيهِ تَعالى إلى ذَلِكَ الرَّسُولِ مِن عِلْمِ الغَيْبِ. وعَنِ الضَّحّاكِ: ما بُعِثَ نَبِيٌّ إلّا ومَعَهُ مَلائِكَةٌ يَحْرُسُونَهُ مِنَ الشَّياطِينِ أنْ يَتَشَبَّهُوا بِصُورَةِ المَلَكِ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: قالَ العُلَماءُ: لَمّا تَمَدَّحَ سُبْحانَهُ بِعِلْمِ الغَيْبِ واسْتَأْثَرَ بِهِ دُونَ خَلْقِهِ، كانَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا يَعْلَمُ الغَيْبَ أحَدٌ سِواهُ، ثُمَّ اسْتَثْنى مَنِ ارْتَضاهُ مِنَ الرُّسُلِ، فَأوْدَعَهم ما شاءَ مِن غَيْبِهِ بِطَرِيقِ الوَحْيِ إلَيْهِمْ، وجَعَلَهُ مُعْجِزَةً لَهم ودَلالَةً صادِقَةً عَلى نُبُوَّتِهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ اسْتِدْلالًا عَلى بُطْلانِ ما يَقُولُهُ المُنَجِّمُ، ثُمَّ قالَ بِاسْتِحْلالِ دَمِ المُنَجِّمِ. وقالَ الواحِدِيُّ: في هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَنِ ادَّعى أنَّ النُّجُومَ تَدُلُّ عَلى ما يَكُونُ مِن حَياةٍ أوْ مَوْتٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَقَدْ كَفَرَ بِما في القُرْآنِ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ والواحِدَيُّ: تَجُوزُ الكَراماتُ عَلى ما قالَ صاحِبُ الكَشّافِ، فَجَعَلَها تَدَلُّ عَلى المَنعِ مِنَ الأحْكامِ النُّجُومِيَّةِ ولا تَدَلُّ عَلى الإلْهاماتِ مُجَرَّدُ تَشَبُّهٍ، وعِنْدِي أنَّ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى شَيْءٍ مِمّا قالُوهُ؛ لِأنَّ (p-٣٥٦)قَوْلَهُ: ﴿عَلى غَيْبِهِ﴾ لَيْسَ فِيهِ صِفَةُ عُمُومٍ، فَيَكْفِي في العَمَلِ بِمُقْتَضاهُ أنْ لا يُظْهِرَ خَلْقَهُ تَعالى عَلى غَيْبٍ واحِدٍ مِن غُيُوبِهِ، ويَحْمِلُهُ عَلى وقْتِ قِيامِ القِيامَةِ، فَلا يَبْقى دَلِيلٌ في الآيَةِ عَلى أنَّهُ لا يُظْهِرُ شَيْئًا مِنَ الغُيُوبِ لِأحَدٍ، ويُؤَكِّدُهُ أنَّهُ ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ عُقَيْبَ قَوْلِهِ: ﴿إنْ أدْرِي أقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ﴾ الآيَةِ، أيْ: لا أدْرِي وقْتَ وُقُوعِ القِيامَةِ، إذْ هي مِنَ الغَيْبِ الَّذِي لا يُظْهِرُهُ اللَّهُ لِأحَدٍ. و﴿إلّا مَنِ ارْتَضى﴾: اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، كَأنَّهُ قالَ: فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ المَخْصُوصِ أحَدًا إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ، فَلَهُ حَفَظَةٌ يَحْفَظُونَهُ مِن شَرِّ مَرَدَةِ الإنْسِ والجِنِّ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: واعْلَمْ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ القَطْعِ بِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لا يَطَّلِعُ أحَدٌ عَلى شَيْءٍ مِنَ المُغَيَّباتِ إلّا الرُّسُلُ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ، أحَدُها: أنَّهُ ثَبَتَ بِالأخْبارِ القَرِيبَةِ مِنَ التَّواتُرِ أنَّ شِقًّا وسَطِيحًا كانا كاهِنَيْنِ يُخْبِرانِ بِظُهُورِ مُحَمَّدٍ ﷺ قَبْلَ زَمانِ ظُهُورِهِ، وكانا في العَرَبِ مَشْهُورَيْنِ بِهَذا النَّوْعِ مِنَ العِلْمِ حَتّى رَجَعَ إلَيْهِما كِسْرى في تَعَرُّفِ أخْبارِ رَسُولِنا، ﷺ . وثانِيها: إطْباقُ الأُمَمِ عَلى صِحَّةِ عِلْمِ التَّعْبِيرِ، فَيُخْبِرُ المُعَبِّرُ عَنْ ما يَأْتِي في المُسْتَقْبَلِ ويَكُونُ صادِقًا. وثالِثُها: أنَّ الكاهِنَةَ البَغْدادِيَّةَ الَّتِي نَقَلَها السُّلْطانُ سَنْجَرُ بْنُ مَلِكْشاهْ مِن بَغْدادَ إلى خُراسانَ سَألَها عَنْ أشْياءَ في المُسْتَقْبَلِ، فَأخْبَرَتْ بِها ووَقَعَتْ عَلى وفْقِ كَلامِها، فَقَدْ رَأيْتُ أُناسًا مُحَقِّقِينَ في عُلُومِ الكَلامِ والحِكْمَةِ حَكَوْا عَنْها أنَّها أخْبَرَتْ عَنِ الأشْياءِ الغائِبَةِ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ وجاءَتْ كَذَلِكَ، وبالَغَ أبُو البَرَكاتِ صاحِبُ المُعْتَبَرِ في شَرْحِ حالِها في كِتابِ التَّعْبِيرِ، وقالَ: فَحَصْتُ عَنْ حالِها مُنْذُ ثَلاثِينَ سَنَةً حَتّى تَيَقَّنْتُ أنَّها كانَتْ تُخْبِرُ عَنِ المُغَيَّباتِ أخْبارًا مُطابِقَةً مُوافِقَةً. ورابِعُها: أنّا نُشاهِدُ أصْحابَ الإلْهاماتِ الصّادِقَةِ، لَيْسَ هَذا مُخْتَصًّا بِالأوْلِياءِ، فَقَدْ يُوجَدُ في السَّحَرَةِ وفي الأحْكامِ النُّجُومِيَّةِ ما يُوافِقُ الصِّدْقَ، وإنْ كانَ الكَذِبُ يَقَعُ مِنهم كَثِيرًا. وإذا كانَ ذَلِكَ مُشاهَدًا مَحْسُوسًا، فالقَوْلُ بِأنَّ القُرْآنَ يَدُلُّ عَلى خِلافِهِ مِمّا يَجُرُّ الطَّعْنُ إلى القُرْآنِ، وذَلِكَ باطِلٌ. فَقُلْنا: إنَّ التَّأْوِيلَ الصَّحِيحَ ما ذَكَرْناهُ. انْتَهى، وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. وإنَّما أوْرَدْنا كَلامَ هَذا الرَّجُلِ في هَذِهِ (p-٣٥٧)المَسْألَةِ لِنَنْظُرَ فِيما ذُكِرَ مِن تِلْكَ الوُجُوهِ. أمّا قِصَّةُ شِقٍّ وسَطِيحٍ فَلَيْسَ فِيها شَيْءٌ مِنَ الإخْبارِ بِالغَيْبِ؛ لِأنَّهُ مِمّا يُخْبِرُ بِهِ رَئِيُّ الكُهّانِ مِنَ الشَّياطِينِ مُسْتَرِقَةً السَّمْعَ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ: (إنَّهم يَسْمَعُونَ الكَلِمَةَ ويَكْذِبُونَ ويُلْقُونَ إلى الكَهَنَةِ ويَزِيدُ الكَهَنَةُ لِلْكَلِمَةِ مِائَةَ كَذْبَةٍ) . ولَيْسَ هَذا مِن عِلْمِ الغَيْبِ، إذْ تَكَلَّمَتْ بِهِ المَلائِكَةُ، وتَلَقَّفَها الجِنِّيُّ، وتَلَقَّفَها مِنهُ الكاهِنُ. فالكاهِنُ لَمْ يَعْلَمِ الغَيْبَ. وأمّا تَعْبِيرُ المَناماتِ، فالمُعَبِّرُ غَيْرُ المَعْصُومِ لا يُعَبِّرُ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ البَتِّ والقَطْعِ، بَلْ عَلى سَبِيلِ الحَزْرِ والتَّخْمِينِ، وقَدْ يَقَعُ ما يُعَبِّرُ بِهِ وقَدْ لا يَقَعُ. وأمّا الكاهِنَةُ البَغْدادِيَّةُ وما حُكِيَ عَنْها فَحَسْبُهُ عَقْلًا أنْ يَسْتَدِلَّ بِأحْوالِ امْرَأةٍ لَمْ يُشاهِدْها، ولَوْ شاهَدَ ذَلِكَ لَكانَ في عَقْلِهِ ما يَجُوزُ أنَّهُ لُبِّسَ عَلَيْهِ هَذا، وهو العالِمُ المُصَنِّفُ الَّذِي طَبَّقَ ذِكْرُهُ الآفاقَ، وهو الَّذِي شَكَّكَ في دَلائِلِ الفَلاسِفَةِ وسامَهُمُ الخَسْفَ. وأمّا حِكايَتُهُ عَنْ صاحِبِ المُعْتَبَرِ، فَهو يَهُودِيٌّ أظْهَرَ إسْلامَهُ وهو مُنْتَحِلٌ طَرِيقَةَ الفَلاسِفَةِ. وأمّا مُشاهَدَتُهُ أصْحابَ الإلْهاماتِ الصّادِقَةِ، فَلِي مِنَ العُمْرِ نَحْوٌ مِن ثَلاثٍ وسَبْعِينَ سَنَةً أصْحَبُ العُلَماءَ وأتَرَدَّدُ إلى مَن يَنْتَمِي إلى الصَّلاحِ، فَلَمْ أرَ أحَدًا مِنهم صاحِبَ إلْهامٍ صادِقٍ. وأمّا الكَراماتُ، فَلا أشُكُّ في صُدُورِ شَيْءٍ مِنها، لَكِنَّ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ النُّدْرَةِ، وذَلِكَ في مَن سَلَفَ مِن صُلَحاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ. ورُبَّما قَدْ يَكُونُ في أعْصارِنا مَن تَصْدُرُ مِنهُ الكَراماتُ، ولِلَّهِ تَعالى أنْ يَخُصَّ مَن شاءَ بِما شاءَ واللَّهُ المُوَفِّقُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لِيَعْلَمَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. قالَ قَتادَةُ: لِيَعْلَمَ مُحَمَّدٌ ﷺ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وحَفِظُوا. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: لِيَعْلَمَ مُحَمَّدٌ أنَّ المَلائِكَةَ الحَفَظَةَ الرُّصَّدَ النّازِلِينَ بَيْنَ يَدَيْ جِبْرِيلَ وخَلْفَهُ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ. وقالَ مُجاهِدٌ: لِيَعْلَمَ مَن أشْرَكَ وكَذَّبَ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغَتْ، وعَلى هَذا القَوْلِ لا يَقَعُ لَهم هَذا العِلْمُ إلّا في الآخِرَةِ. وقِيلَ: لِيَعْلَمَ اللَّهُ رُسُلَهُ مُبَلِّغَةً خارِجَةً إلى الوُجُودِ؛ لِأنَّ عِلْمَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ قَدْ سَبَقَ. واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا القَوْلَ الأخِيرَ فَقالَ: (لِيَعْلَمَ اللَّهُ أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ): يَعْنِي الأنْبِياءَ. وحَّدَ أوَّلًا عَلى اللَّفْظِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾، ثُمَّ جَمَعَ عَلى المَعْنى كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ﴾ والمَعْنى: لِيُبَلِّغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ كَما هي مَحْرُوسَةً مِنَ الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ، وذَكَرَ العِلْمَ كَذِكْرِهِ في قَوْلِهِ ﴿حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ﴾ [محمد: ٣١] . انْتَهى. وقِيلَ: (لِيَعْلَمَ) أيْ: أيُّ رَسُولٍ كانَ أنَّ الرُّسُلَ سِواهُ بَلَّغُوا. وقِيلَ: لِيَعْلَمَ إبْلِيسُ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ سَلِيمَةً مِن تَخْلِيطِهِ وإسْرافِ أصْحابِهِ. وقِيلَ: لِيَعْلَمَ الرُّسُلُ أنَّ المَلائِكَةَ بَلَّغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ. وقِيلَ: لِيَعْلَمَ مُحَمَّدٌ أنْ قَدْ بَلَّغَ جِبْرِيلُ ومَن مَعَهُ إلَيْهِ رِسالَةَ رَبِّهِ. وقِيلَ: لِيَعْلَمَ الجِنُّ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغُوا ما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ، ولَمْ يَكُونُوا هُمُ المُتَلَقِّينَ بِاسْتِراقِ السَّمْعِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (لِيُعْلَمَ) بِضَمِّ الياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. والزُّهْرِيُّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ اللّامِ، أيْ: لِيُعْلِمَ اللَّهُ، أيْ: مَن شاءَ أنْ يُعْلِمَهُ، أنَّ الرُّسُلَ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رِسالاتِ) عَلى الجَمْعِ. وأبُو حَيْوَةَ: عَلى الإفْرادِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وأحاطَ بِما لَدَيْهِمْ﴾ وأحاطَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، أيِ: اللَّهُ، (وأحْصى) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، أيِ: اللَّهُ كُلٌّ نَصْبًا. وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: وأُحِيطَ وأُحْصِيَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ كُلٌّ رَفْعًا. ولَمّا كانَ لِيَعْلَمَ مُضَمَّنًا مَعْنى عَلِمَ، صارَ المَعْنى: قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ، فَعَطَفَ وأحاطَ عَلى هَذا الضَّمِيرِ، والمَعْنى: وأحاطَ بِما عِنْدَ الرُّسُلِ مِنَ الحِكَمِ والشَّرائِعِ لا يَفُوتُهُ مِنها شَيْءٌ. ﴿وأحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ أيْ: مَعْدُودًا مَحْصُورًا، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وإنْ كانَ نَكِرَةً لِانْدِراجِ المَعْرِفَةِ في العُمُومِ. ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ نَصْبَ المَصْدَرِ لَأحْصى؛ لِأنَّهُ في مَعْنى إحْصاءٍ. وقالَ أبُو البَقاءِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمْيِيزًا. انْتَهى، فَيَكُونُ مَنقُولًا مِنَ المَفْعُولِ، إذْ أصْلُهُ: وأحْصى عَدَدَ كُلَّ شَيْءٍ، وفي كَوْنِهِ ثابِتًا مِن لِسانِ العَرَبِ خِلافٌ.

الجن 72:28

﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ أيْ: بِالشِّرْكِ والكُفْرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَإنَّ لَهُ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. وقَرَأ طَلْحَةُ: بِفَتْحِها، والتَّقْدِيرُ: فَجَزاؤُهُ أنَّ لَهُ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: وسَمِعْتُ ابْنَ مُجاهِدٍ يَقُولُ: ما قَرَأ بِهِ أحَدٌ وهو لَحْنٌ؛ لِأنَّهُ بَعْدَ فاءِ الشَّرْطِ. وسَمِعْتُ ابْنَ الأنْبارِيِّ يَقُولُ: هو ضِرابٌ، ومَعْناهُ: فَجَزاؤُهُ أنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ. انْتَهى. وكانَ ابْنُ مُجاهِدٍ إمامًا في القِراءاتِ، ولَمْ يَكُنْ مُتَّسِعَ النَّقْلِ فِيها كابْنِ شَنَبُوذَ، وكانَ ضَعِيفًا في النَّحْوِ. وكَيْفَ يَقُولُ ما قَرَأ بِهِ أحَدٌ ؟ وهَذا كَطَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ قَرَأ بِهِ. وكَيْفَ يَقُولُ: وهو لَحْنٌ ؟ والنَّحْوِيُّونَ قَدْ نَصُّوا عَلى أنَّ إنَّ بَعْدَ فاءِ الشَّرْطِ يَجُوزُ فِيها الفَتْحُ والكَسْرُ. وجَمَعَ (خالِدِينَ) حَمْلًا عَلى مَعْنى (مَن)، وذَلِكَ بَعْدَ الحَمْلِ عَلى لَفْظِ (مَن) في قَوْلِهِ: (يَعْصِ) (فَإنَّ لَهُ) . ﴿حَتّى إذا رَأوْا﴾ (حَتّى) هُنا حَرْفُ ابْتِداءٍ، أيْ: يَصْلُحُ أنْ يَجِيءَ بَعْدَها جُمْلَةُ الِابْتِداءِ والخَبَرِ، ومَعَ ذَلِكَ فِيها مَعْنى الغايَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): بِمَ تَعَلَّقَ (حَتّى) وجَعَلَ ما بَعْدَهُ غايَةً لَهُ ؟ (قُلْتُ): بِقَوْلِهِ ﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩] عَلى أنَّهم يَتَظاهَرُونَ عَلَيْهِ بِالعَداوَةِ، ويَسْتَضْعِفُونَ أنْصارَهُ ويَسْتَقِلُّونَ عَدَدَهم ﴿حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ﴾ مِن يَوْمِ بَدْرٍ، وإظْهارِ اللَّهِ لَهُ عَلَيْهِمْ، أوْ مِن يَوْمِ القِيامَةِ (فَسَيَعْلَمُونَ) حِينَئِذٍ أنَّهم ﴿أضْعَفُ ناصِرًا وأقَلُّ عَدَدًا﴾ . ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ دَلَّتْ عَلَيْهِ الحالُ مِنَ اسْتِضْعافِ الكُفّارِ لَهُ واسْتِقْلالِهِمْ لِعَدَدِهِ، كَأنَّهُ لا يَزالُونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ ﴿حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ﴾ . قالَ المُشْرِكُونَ: مَتى يَكُونُ هَذا المَوْعِدُ إنْكارًا لَهُ ؟ فَقِيلَ: قُلْ إنَّهُ كائِنٌ لا رَيْبَ فِيهِ فَلا تُنْكِرُوهُ، فَإنَّ اللَّهَ قَدْ وعَدَ ذَلِكَ، وهو لا يُخْلِفُ المِيعادَ. وأمّا وقْتُهُ فَلا أدْرِي مَتى يَكُونُ؛ لِأنَّ اللَّهَ لَمْ يُبَيِّنْهُ لِما رَأى في إخْفاءِ وقْتِهِ مِنَ المَصْلَحَةِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ: بِمَ تَعَلُّقُ (إنْ) ؟ عَنى تَعَلُّقَ حَرْفِ الجَرِّ، فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأنَّها حَرْفُ ابْتِداءٍ، فَما بَعْدَها لَيْسَ في مَوْضِعِ جَرٍّ خِلافًا لِلزَّجّاجِ وابْنِ (p-٣٥٥)دَرَسْتُوَيْهِ، فَإنَّهُما زَعَما أنَّها إذا كانَتْ حَرْفَ ابْتِداءٍ، فالجُمْلَةُ الِابْتِدائِيَّةُ بَعْدَها في مَوْضِعِ جَرٍّ، وإنْ عَنى بِالتَّعَلُّقِ اتِّصالَ ما بَعْدَها بِما قَبْلَها، وكَوْنَ ما بَعْدَها غايَةً لِما قَبْلَها، فَهو صَحِيحٌ. وأمّا تَقْدِيرُهُ أنَّها تَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩] فَهو بِعِيدٌ جِدًّا لِطُولِ الفَصْلِ بَيْنَهُما بِالجُمَلِ الكَثِيرَةِ. وقالَ التِّبْرِيزِيُّ: حَتّى جازَ أنْ تَكُونَ غايَةً لِمَحْذُوفٍ، ولَمْ يُبَيِّنْ ما المَحْذُوفُ. وقِيلَ: المَعْنى دَعْهم حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ مِنَ السّاعَةِ ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَن أضْعَفُ ناصِرًا وأقَلُّ عَدَدًا﴾ أهم أمْ أهْلُ الكِتابِ ؟ والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّها غايَةٌ لِما تَضَمَّنَتْهُ الجُمْلَةُ الَّتِي قَبْلَها مِنَ الحُكْمِ بِكَيْنُونَةِ النّارِ لَهم، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ العاصِيَ يُحْكَمُ لَهُ بِكَيْنُونَةِ النّارِ لَهم، والحُكْمُ بِذَلِكَ هو وعِيدٌ حَتّى إذا رَأوْا ما حُكِمَ بِكَيْنُونَتِهِ لَهم فَسَيَعْلَمُونَ. فَقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ هو وعِيدٌ لَهم بِالنّارِ، و﴿مَن أضْعَفُ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لِما قَبْلَهُ، وهو مُعَلَّقٌ عَنْهُ لِأنَّ (مَن) اسْتِفْهامٌ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (مَن) مَوْصُولَةً في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ (سَيَعْلَمُونَ)، وأضْعَفُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. والجُمْلَةُ صِلَةٌ لِمَن، وتَقْدِيرُهُ: هو أضْعَفُ، وحَسُنَ حَذْفُهُ طُولَ الصِّلَةِ بِالمَعْمُولِ وهو ناصِرًا. قالَ مَكْحُولٌ: لَمْ يَنْزِلْ هَذا إلّا في الجِنِّ، أسْلَمَ مِنهم مَن وُفِّقَ وكَفَرَ مَن خُذِلَ كالإنْسِ، قالَ: وبَلَغَ مَن تابَعَ النَّبِيَّ ﷺ لَيْلَةَ الجِنِّ سَبْعِينَ ألْفًا، وفَزِعُوا عِنْدَ انْشِقاقِ الفَجْرِ. ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى أنْ يَقُولَ لَهم إنَّهُ لا يَدْرِي وقْتَ طُولِ ما وُعِدُوا بِهِ، أهُوَ قَرِيبٌ أمْ بَعِيدٌ ؟ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أمَدًا﴾ والأمَدُ يَكُونُ قَرِيبًا وبَعِيدًا ؟ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠] ؟ (قُلْتُ): كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَقْرِبُ المَوْعِدَ، فَكَأنَّهُ قالَ: (ما أدْرِي أهُوَ حالٌ مُتَوَقَّعٌ في كُلِّ ساعَةٍ، أمْ مُؤَجَّلٌ ضُرِبَتْ لَهُ غايَةٌ) ؟ أيْ: هو عالِمُ الغَيْبِ. ﴿فَلا يُظْهِرُ﴾: فَلا يُطْلِعُ، و(مِن رَسُولٍ) تَبْيِينٌ لِمَنِ ارْتَضى، يَعْنِي أنَّهُ لا يُطْلِعُ عَلى الغَيْبِ إلّا المُرْتَضِي الَّذِي هو مُصْطَفًى لِلنُّبُوَّةِ خاصَّةً، لا كُلٌّ مُرْتَضًى، وفي هَذا إبْطالٌ لِلْكَراماتِ؛ لِأنَّ الَّذِينَ تُضافُ إلَيْهِمْ، وإنْ كانُوا أوْلِياءَ مُرْتَضِينَ، فَلَيْسُوا بِرُسُلٍ. وقَدْ خَصَّ اللَّهُ الرُّسُلَ مِن بَيْنِ المُرْتَضِينَ بِالِاطِّلاعِ عَلى الغَيْبِ وإبْطالِ الكِهانَةِ والتَّنْجِيمِ؛ لِأنَّ أصْحابَهُما أبْعَدُ شَيْءٍ مِنَ الِارْتِضاءِ وأدْخَلُهُ في السُّخْطِ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿عالِمُ الغَيْبِ﴾ . قالَ الحَسَنُ: ما غابَ عَنْ خَلْقِهِ، وقِيلَ: السّاعَةُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (إلّا) بِمَعْنى لَكِنْ، فَجَعَلَهُ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا. وقِيلَ: (إلّا) بِمَعْنى ولا أيْ: ولا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ، و(عالِمُ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو عالِمُ الغَيْبِ، أوْ بَدَلٌ مِن (رَبِّي) . وقُرِئَ: (عالِمًا) بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ. وقالَ السُّدِّيُّ: عَلِمَ الغَيْبَ، فِعْلًا ماضِيًا ناصِبًا الغَيْبَ، والجُمْهُورُ: عالِمُ الغَيْبِ اسْمُ فاعِلٍ مَرْفُوعًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَلا يُظْهِرُ﴾ مِن أظْهَرَ. والحَسَنُ: يَظْهَرُ بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ مَن ظَهَرَ. ﴿إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ﴾: اسْتِثْناءٌ مِن (أحَدًا) أيْ: فَإنَّهُ يُظْهِرُهُ عَلى ما يَشاءُ مِن ذَلِكَ، فَإنَّهُ يَسْلُكُ اللَّهُ مِن بَيْنِ يَدَيْ ذَلِكَ الرَّسُولِ ﴿ومِن خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ أيْ: حَفَظَةٌ يَحْفَظُونَهُ مِنَ الجِنِّ ويَحْرُسُونَهُ في ضَبْطِ ما يُلْقِيهِ تَعالى إلى ذَلِكَ الرَّسُولِ مِن عِلْمِ الغَيْبِ. وعَنِ الضَّحّاكِ: ما بُعِثَ نَبِيٌّ إلّا ومَعَهُ مَلائِكَةٌ يَحْرُسُونَهُ مِنَ الشَّياطِينِ أنْ يَتَشَبَّهُوا بِصُورَةِ المَلَكِ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: قالَ العُلَماءُ: لَمّا تَمَدَّحَ سُبْحانَهُ بِعِلْمِ الغَيْبِ واسْتَأْثَرَ بِهِ دُونَ خَلْقِهِ، كانَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا يَعْلَمُ الغَيْبَ أحَدٌ سِواهُ، ثُمَّ اسْتَثْنى مَنِ ارْتَضاهُ مِنَ الرُّسُلِ، فَأوْدَعَهم ما شاءَ مِن غَيْبِهِ بِطَرِيقِ الوَحْيِ إلَيْهِمْ، وجَعَلَهُ مُعْجِزَةً لَهم ودَلالَةً صادِقَةً عَلى نُبُوَّتِهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ اسْتِدْلالًا عَلى بُطْلانِ ما يَقُولُهُ المُنَجِّمُ، ثُمَّ قالَ بِاسْتِحْلالِ دَمِ المُنَجِّمِ. وقالَ الواحِدِيُّ: في هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَنِ ادَّعى أنَّ النُّجُومَ تَدُلُّ عَلى ما يَكُونُ مِن حَياةٍ أوْ مَوْتٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَقَدْ كَفَرَ بِما في القُرْآنِ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ والواحِدَيُّ: تَجُوزُ الكَراماتُ عَلى ما قالَ صاحِبُ الكَشّافِ، فَجَعَلَها تَدَلُّ عَلى المَنعِ مِنَ الأحْكامِ النُّجُومِيَّةِ ولا تَدَلُّ عَلى الإلْهاماتِ مُجَرَّدُ تَشَبُّهٍ، وعِنْدِي أنَّ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى شَيْءٍ مِمّا قالُوهُ؛ لِأنَّ (p-٣٥٦)قَوْلَهُ: ﴿عَلى غَيْبِهِ﴾ لَيْسَ فِيهِ صِفَةُ عُمُومٍ، فَيَكْفِي في العَمَلِ بِمُقْتَضاهُ أنْ لا يُظْهِرَ خَلْقَهُ تَعالى عَلى غَيْبٍ واحِدٍ مِن غُيُوبِهِ، ويَحْمِلُهُ عَلى وقْتِ قِيامِ القِيامَةِ، فَلا يَبْقى دَلِيلٌ في الآيَةِ عَلى أنَّهُ لا يُظْهِرُ شَيْئًا مِنَ الغُيُوبِ لِأحَدٍ، ويُؤَكِّدُهُ أنَّهُ ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ عُقَيْبَ قَوْلِهِ: ﴿إنْ أدْرِي أقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ﴾ الآيَةِ، أيْ: لا أدْرِي وقْتَ وُقُوعِ القِيامَةِ، إذْ هي مِنَ الغَيْبِ الَّذِي لا يُظْهِرُهُ اللَّهُ لِأحَدٍ. و﴿إلّا مَنِ ارْتَضى﴾: اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، كَأنَّهُ قالَ: فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ المَخْصُوصِ أحَدًا إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ، فَلَهُ حَفَظَةٌ يَحْفَظُونَهُ مِن شَرِّ مَرَدَةِ الإنْسِ والجِنِّ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: واعْلَمْ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ القَطْعِ بِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لا يَطَّلِعُ أحَدٌ عَلى شَيْءٍ مِنَ المُغَيَّباتِ إلّا الرُّسُلُ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ، أحَدُها: أنَّهُ ثَبَتَ بِالأخْبارِ القَرِيبَةِ مِنَ التَّواتُرِ أنَّ شِقًّا وسَطِيحًا كانا كاهِنَيْنِ يُخْبِرانِ بِظُهُورِ مُحَمَّدٍ ﷺ قَبْلَ زَمانِ ظُهُورِهِ، وكانا في العَرَبِ مَشْهُورَيْنِ بِهَذا النَّوْعِ مِنَ العِلْمِ حَتّى رَجَعَ إلَيْهِما كِسْرى في تَعَرُّفِ أخْبارِ رَسُولِنا، ﷺ . وثانِيها: إطْباقُ الأُمَمِ عَلى صِحَّةِ عِلْمِ التَّعْبِيرِ، فَيُخْبِرُ المُعَبِّرُ عَنْ ما يَأْتِي في المُسْتَقْبَلِ ويَكُونُ صادِقًا. وثالِثُها: أنَّ الكاهِنَةَ البَغْدادِيَّةَ الَّتِي نَقَلَها السُّلْطانُ سَنْجَرُ بْنُ مَلِكْشاهْ مِن بَغْدادَ إلى خُراسانَ سَألَها عَنْ أشْياءَ في المُسْتَقْبَلِ، فَأخْبَرَتْ بِها ووَقَعَتْ عَلى وفْقِ كَلامِها، فَقَدْ رَأيْتُ أُناسًا مُحَقِّقِينَ في عُلُومِ الكَلامِ والحِكْمَةِ حَكَوْا عَنْها أنَّها أخْبَرَتْ عَنِ الأشْياءِ الغائِبَةِ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ وجاءَتْ كَذَلِكَ، وبالَغَ أبُو البَرَكاتِ صاحِبُ المُعْتَبَرِ في شَرْحِ حالِها في كِتابِ التَّعْبِيرِ، وقالَ: فَحَصْتُ عَنْ حالِها مُنْذُ ثَلاثِينَ سَنَةً حَتّى تَيَقَّنْتُ أنَّها كانَتْ تُخْبِرُ عَنِ المُغَيَّباتِ أخْبارًا مُطابِقَةً مُوافِقَةً. ورابِعُها: أنّا نُشاهِدُ أصْحابَ الإلْهاماتِ الصّادِقَةِ، لَيْسَ هَذا مُخْتَصًّا بِالأوْلِياءِ، فَقَدْ يُوجَدُ في السَّحَرَةِ وفي الأحْكامِ النُّجُومِيَّةِ ما يُوافِقُ الصِّدْقَ، وإنْ كانَ الكَذِبُ يَقَعُ مِنهم كَثِيرًا. وإذا كانَ ذَلِكَ مُشاهَدًا مَحْسُوسًا، فالقَوْلُ بِأنَّ القُرْآنَ يَدُلُّ عَلى خِلافِهِ مِمّا يَجُرُّ الطَّعْنُ إلى القُرْآنِ، وذَلِكَ باطِلٌ. فَقُلْنا: إنَّ التَّأْوِيلَ الصَّحِيحَ ما ذَكَرْناهُ. انْتَهى، وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. وإنَّما أوْرَدْنا كَلامَ هَذا الرَّجُلِ في هَذِهِ (p-٣٥٧)المَسْألَةِ لِنَنْظُرَ فِيما ذُكِرَ مِن تِلْكَ الوُجُوهِ. أمّا قِصَّةُ شِقٍّ وسَطِيحٍ فَلَيْسَ فِيها شَيْءٌ مِنَ الإخْبارِ بِالغَيْبِ؛ لِأنَّهُ مِمّا يُخْبِرُ بِهِ رَئِيُّ الكُهّانِ مِنَ الشَّياطِينِ مُسْتَرِقَةً السَّمْعَ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ: (إنَّهم يَسْمَعُونَ الكَلِمَةَ ويَكْذِبُونَ ويُلْقُونَ إلى الكَهَنَةِ ويَزِيدُ الكَهَنَةُ لِلْكَلِمَةِ مِائَةَ كَذْبَةٍ) . ولَيْسَ هَذا مِن عِلْمِ الغَيْبِ، إذْ تَكَلَّمَتْ بِهِ المَلائِكَةُ، وتَلَقَّفَها الجِنِّيُّ، وتَلَقَّفَها مِنهُ الكاهِنُ. فالكاهِنُ لَمْ يَعْلَمِ الغَيْبَ. وأمّا تَعْبِيرُ المَناماتِ، فالمُعَبِّرُ غَيْرُ المَعْصُومِ لا يُعَبِّرُ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ البَتِّ والقَطْعِ، بَلْ عَلى سَبِيلِ الحَزْرِ والتَّخْمِينِ، وقَدْ يَقَعُ ما يُعَبِّرُ بِهِ وقَدْ لا يَقَعُ. وأمّا الكاهِنَةُ البَغْدادِيَّةُ وما حُكِيَ عَنْها فَحَسْبُهُ عَقْلًا أنْ يَسْتَدِلَّ بِأحْوالِ امْرَأةٍ لَمْ يُشاهِدْها، ولَوْ شاهَدَ ذَلِكَ لَكانَ في عَقْلِهِ ما يَجُوزُ أنَّهُ لُبِّسَ عَلَيْهِ هَذا، وهو العالِمُ المُصَنِّفُ الَّذِي طَبَّقَ ذِكْرُهُ الآفاقَ، وهو الَّذِي شَكَّكَ في دَلائِلِ الفَلاسِفَةِ وسامَهُمُ الخَسْفَ. وأمّا حِكايَتُهُ عَنْ صاحِبِ المُعْتَبَرِ، فَهو يَهُودِيٌّ أظْهَرَ إسْلامَهُ وهو مُنْتَحِلٌ طَرِيقَةَ الفَلاسِفَةِ. وأمّا مُشاهَدَتُهُ أصْحابَ الإلْهاماتِ الصّادِقَةِ، فَلِي مِنَ العُمْرِ نَحْوٌ مِن ثَلاثٍ وسَبْعِينَ سَنَةً أصْحَبُ العُلَماءَ وأتَرَدَّدُ إلى مَن يَنْتَمِي إلى الصَّلاحِ، فَلَمْ أرَ أحَدًا مِنهم صاحِبَ إلْهامٍ صادِقٍ. وأمّا الكَراماتُ، فَلا أشُكُّ في صُدُورِ شَيْءٍ مِنها، لَكِنَّ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ النُّدْرَةِ، وذَلِكَ في مَن سَلَفَ مِن صُلَحاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ. ورُبَّما قَدْ يَكُونُ في أعْصارِنا مَن تَصْدُرُ مِنهُ الكَراماتُ، ولِلَّهِ تَعالى أنْ يَخُصَّ مَن شاءَ بِما شاءَ واللَّهُ المُوَفِّقُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لِيَعْلَمَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. قالَ قَتادَةُ: لِيَعْلَمَ مُحَمَّدٌ ﷺ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وحَفِظُوا. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: لِيَعْلَمَ مُحَمَّدٌ أنَّ المَلائِكَةَ الحَفَظَةَ الرُّصَّدَ النّازِلِينَ بَيْنَ يَدَيْ جِبْرِيلَ وخَلْفَهُ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ. وقالَ مُجاهِدٌ: لِيَعْلَمَ مَن أشْرَكَ وكَذَّبَ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغَتْ، وعَلى هَذا القَوْلِ لا يَقَعُ لَهم هَذا العِلْمُ إلّا في الآخِرَةِ. وقِيلَ: لِيَعْلَمَ اللَّهُ رُسُلَهُ مُبَلِّغَةً خارِجَةً إلى الوُجُودِ؛ لِأنَّ عِلْمَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ قَدْ سَبَقَ. واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا القَوْلَ الأخِيرَ فَقالَ: (لِيَعْلَمَ اللَّهُ أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ): يَعْنِي الأنْبِياءَ. وحَّدَ أوَّلًا عَلى اللَّفْظِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾، ثُمَّ جَمَعَ عَلى المَعْنى كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ﴾ والمَعْنى: لِيُبَلِّغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ كَما هي مَحْرُوسَةً مِنَ الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ، وذَكَرَ العِلْمَ كَذِكْرِهِ في قَوْلِهِ ﴿حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ﴾ [محمد: ٣١] . انْتَهى. وقِيلَ: (لِيَعْلَمَ) أيْ: أيُّ رَسُولٍ كانَ أنَّ الرُّسُلَ سِواهُ بَلَّغُوا. وقِيلَ: لِيَعْلَمَ إبْلِيسُ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ سَلِيمَةً مِن تَخْلِيطِهِ وإسْرافِ أصْحابِهِ. وقِيلَ: لِيَعْلَمَ الرُّسُلُ أنَّ المَلائِكَةَ بَلَّغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ. وقِيلَ: لِيَعْلَمَ مُحَمَّدٌ أنْ قَدْ بَلَّغَ جِبْرِيلُ ومَن مَعَهُ إلَيْهِ رِسالَةَ رَبِّهِ. وقِيلَ: لِيَعْلَمَ الجِنُّ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغُوا ما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ، ولَمْ يَكُونُوا هُمُ المُتَلَقِّينَ بِاسْتِراقِ السَّمْعِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (لِيُعْلَمَ) بِضَمِّ الياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. والزُّهْرِيُّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ اللّامِ، أيْ: لِيُعْلِمَ اللَّهُ، أيْ: مَن شاءَ أنْ يُعْلِمَهُ، أنَّ الرُّسُلَ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رِسالاتِ) عَلى الجَمْعِ. وأبُو حَيْوَةَ: عَلى الإفْرادِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وأحاطَ بِما لَدَيْهِمْ﴾ وأحاطَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، أيِ: اللَّهُ، (وأحْصى) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، أيِ: اللَّهُ كُلٌّ نَصْبًا. وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: وأُحِيطَ وأُحْصِيَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ كُلٌّ رَفْعًا. ولَمّا كانَ لِيَعْلَمَ مُضَمَّنًا مَعْنى عَلِمَ، صارَ المَعْنى: قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ، فَعَطَفَ وأحاطَ عَلى هَذا الضَّمِيرِ، والمَعْنى: وأحاطَ بِما عِنْدَ الرُّسُلِ مِنَ الحِكَمِ والشَّرائِعِ لا يَفُوتُهُ مِنها شَيْءٌ. ﴿وأحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ أيْ: مَعْدُودًا مَحْصُورًا، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وإنْ كانَ نَكِرَةً لِانْدِراجِ المَعْرِفَةِ في العُمُومِ. ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ نَصْبَ المَصْدَرِ لَأحْصى؛ لِأنَّهُ في مَعْنى إحْصاءٍ. وقالَ أبُو البَقاءِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمْيِيزًا. انْتَهى، فَيَكُونُ مَنقُولًا مِنَ المَفْعُولِ، إذْ أصْلُهُ: وأحْصى عَدَدَ كُلَّ شَيْءٍ، وفي كَوْنِهِ ثابِتًا مِن لِسانِ العَرَبِ خِلافٌ.

المزمل 73:1

(p-٣٥٨)(سُورَةُ المُزَّمِّلِ مَكِّيَّةٌ وهي عِشْرُونَ آيَةً) (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا﴾ ﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هي أشَدُّ وطْئًا وأقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: ٦] ﴿إنَّ لَكَ في النَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: ٧] ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨] ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلّا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾ [المزمل: ٩] ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: ١٠] ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١١] ﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالًا وجَحِيمًا﴾ [المزمل: ١٢] ﴿وطَعامًا ذا غُصَّةٍ وعَذابًا ألِيمًا﴾ [المزمل: ١٣] ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ [المزمل: ١٤] ﴿إنّا أرْسَلْنا إلَيْكم رَسُولًا شاهِدًا عَلَيْكم كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ [المزمل: ١٥] ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأخَذْناهُ أخْذًا وبِيلًا﴾ [المزمل: ١٦] ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ [المزمل: ١٧] ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ [المزمل: ١٨] ﴿إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [المزمل: ١٩] ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ ونِصْفَهُ وثُلُثَهُ وطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ واللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ والنَّهارَ عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكم فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ مِنكم مَرْضى وآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وآخَرُونَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وأقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وما تُقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرًا وأعْظَمَ أجْرًا واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المزمل: ٢٠] . تَزَمَّلَ في ثَوْبِهِ: التَفَّ، وزَمَلَ: لَفَّ. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: كَبِيرُ أُناسٍ في بِجادٍ مُزَّمَّلِ وقالَ ذُو الرُّمَّةِ: ؎وكائِنٍ تَخَطَّتْ ناقَتِي مِن مَفازَةٍ ومِن نائِمٍ عَنْ لَيْلِها مُتَزَمِّلِ تَبَتَّلَ إلى كَذا: انْقَطَعَ إلَيْهِ، ومِنهُ هِبَةٌ بَتْلَةٌ، وطَلْقَةٌ بَتْلَةٌ، والبَتُولُ وبَتَلَ الحَبْلَ. قالَ اللَّيْثُ: البَتْلُ تَمْيِيزُ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ، والبَتُولُ المَرْأةُ المُنْقَطِعَةُ عَنِ الرِّجالِ لا شَهْوَةَ لَها ولا حاجَةَ لَها فِيهِمْ، والتَّبَتُّلُ: تَرْكُ النِّكاحِ والزُّهْدُ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎تُضِيءُ الظَّلامَ بِالعِشاءِ كَأنَّها ∗∗∗ مَنارَةُ مُمْسى راهِبٍ مُتَبَتِّلِ ومِنهُ النَّهْيُ عَنِ التَّبَتُّلِ، أيْ: عَنِ الِانْقِطاعِ عَنِ التَّزْوِيجِ. ومِنهُ قِيلَ لِلرّاهِبِ مُتَبَتِّلٌ، لِانْقِطاعِهِ عَنِ النّاسِ وانْفِرادِهِ لِلْعِبادَةِ. والغُصَّةُ: الشَّجى، وهو ما يَنْشَبُ بِالحَلْقِ مِن عَظْمٍ أوْ غَيْرِهِ، وجَمْعُها غُصَصٌ، والفِعْلُ غَصَصْتَ، فَأنْتَ غاصٌّ وغَصّانُ، قالَ: ؎كُنْتُ كالغَصّانِ بِالماءِ اعْتِصارِي الكَثِيبُ: الرَّمْلُ المُجْتَمِعُ، وجَمْعُهُ كُثُبٌ وكُثْبانُ في الكَثْرَةِ، وأكْثِبَةٌ في القِلَّةِ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ: ؎فَقُلْتُ لَها لا إنَّ أهْلِي جِيرَةٌ ∗∗∗ لِأكْثِبَةِ الدَّهْنا جَمِيعًا ومالِيا المَهِيلُ: الَّذِي يَمُرُّ تَحْتَ الرَّجُلِ، وهِلْتُ عَلَيْهِ التُّرابَ: صَبَبْتُهُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: المَهِيلُ: الَّذِي إذا وطِئَتْهُ القَدَمُ زَلَّ مِن تَحْتِها، وإذا أخَذَتْ أسْفَلَهُ انْهالَ، وأهَلْتُ لُغَةٌ في هِلْتُ. الشِّيبُ: جَمْعُ أشَيْبٍ. (p-٣٥٩)﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا﴾ ﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هي أشَدُّ وطْأً وأقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: ٦] ﴿إنَّ لَكَ في اَلنَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: ٧] ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨] ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلّا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾ [المزمل: ٩] ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: ١٠] ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١١] ﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالًا وجَحِيمًا﴾ [المزمل: ١٢] ﴿وطَعامًا ذا غُصَّةٍ وعَذابًا ألِيمًا﴾ [المزمل: ١٣] ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ [المزمل: ١٤] ﴿إنّا أرْسَلْنا إلَيْكم رَسُولًا شاهِدًا عَلَيْكم كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ [المزمل: ١٥] ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأخَذْناهُ أخْذًا وبِيلًا﴾ [المزمل: ١٦] ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ [المزمل: ١٧] ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ [المزمل: ١٨] . (p-٣٦٠)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ كُلُّها، في قَوْلِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ وجابِرٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: إلّا آيَتَيْنِ مِنها: ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ [المزمل: ١٠] والَّتِي تَلِيها، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وقالَ الجُمْهُورُ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ﴾ [المزمل: ٢٠] إلَخْ، فَإنَّهُ نَزَلَ بِالمَدِينَةِ. وسَبَبُ نُزُولِها فِيما ذَكَرَ الجُمْهُورُ: «أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمّا جاءَهُ المَلَكُ في غارِ حِراءٍ وحاوَرَهُ بِما حاوَرَهُ، رَجَعَ إلى خَدِيجَةَ فَقالَ: ”زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي“، فَنَزَلَتْ: ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] وعَلى هَذا نَزَلَتْ: ﴿ياأيُّها المُزَّمِّلُ﴾» . قالَتْ عائِشَةُ والنَّخَعِيُّ وجَماعَةٌ: ونُودِيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ في وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ مُتَزَمِّلًا بِكِساءٍ. وقالَ قَتادَةُ: كانَ تَزَمَّلَ في ثِيابِهِ لِلصَّلاةِ واسْتَعَدَّ. فَنُودِيَ عَلى مَعْنى: يا أيُّها المُسْتَعِدُّ لِلْعِبادَةِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: مَعْناهُ المُزَّمِّلُ لِلنُّبُوَّةِ وأعْبائِها، أيِ: المُشَمِّرُ المُجِدُّ، فَعَلى هَذا يَكُونُ التَّزَمُّلُ مَجازًا، وعَلى ما سَبَقَ يَكُونُ حَقِيقَةً. وما رَوَوْا أنَّ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - سُئِلَتْ: ما كانَ تَزْمِيلُهُ ؟ قالَتْ: كانَ مِرْطًا طُولُهُ أرْبَعَ عَشْرَةَ ذِراعًا، نِصْفُهُ عَلَيَّ وأنا نائِمَةٌ، ونِصْفُهُ عَلَيْهِ، إلى آخَرِ الرِّوايَةِ. كَذِبٌ صُراحٌ؛ لِأنَّ نُزُولَ ﴿ياأيُّها المُزَّمِّلُ﴾ بِـ مَكَّةَ في أوائِلِ مَبْعَثِهِ، وتَزْوِيجُهُ عائِشَةَ كانَ بِـ المَدِينَةِ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ السُّورَةُ لِما قَبْلَها: أنَّ في آخِرِ ما قَبْلَها (عالِمُ الغَيْبِ) الآياتِ، فَأتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها المُزَّمِّلُ﴾ إعْلامًا بِأنَّهُ مِمَّنِ ارْتَضاهُ مِنَ الرُّسُلِ وخَصَّهُ بِخَصائِصَ وكَفاهُ شَرَّ أعْدائِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿المُزَّمِّلُ﴾ بِشَدِّ الزّايِ وكَسْرِ المِيمِ، أصْلُهُ المُتَزَمِّلُ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الزّايِ. وقَرَأ أُبَيٌّ: (المُتَزَمِّلُ) عَلى الأصْلِ. وعِكْرِمَةُ: بِتَخْفِيفِ الزّايِ. أيِ: المُزَمِّلُ جِسْمَهُ أوْ نَفْسَهُ. وقَرَأ بَعْضُ السَّلَفِ: بِتَخْفِيفِ الزّايِ وفَتْحِ المِيمِ، أيِ: الَّذِي لُفَّ. ولِلزَّمَخْشَرِيِّ في كَيْفِيَّةِ نِداءِ اللَّهِ لَهُ بِهَذا الوَصْفِ كَلامٌ ضَرَبْتُ عَنْ ذِكْرِهِ صَفْحًا، فَلَمْ أذْكُرْهُ في كِتابِي. وقالَ السُّهَيْلِيُّ: لَيْسَ المُزَّمِّلُ بِاسْمٍ مِن أسْمائِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - يُعْرَفُ بِهِ، وإنَّما هو مُشْتَقٌّ مِن حالَتِهِ الَّتِي كانَ التَبَسَ بِها حالَةَ الخِطابِ، والعَرَبُ إذا قَصَدَتِ المُلاطَفَةَ بِالمُخاطَبِ تَتْرُكُ المُعاتَبَةَ نادَوْهُ بِاسْمٍ مُشْتَقٍّ مِن حالَتِهِ الَّتِي هو عَلَيْها، «كَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ - وقَدْ نامَ ولَصِقَ بِجَنْبِهِ التُّرابُ: ”قُمْ أبا تُرابٍ“»، إشْعارًا بِأنَّهُ مُلاطِفٌ لَهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها المُزَّمِّلُ﴾ فِيهِ تَأْنِيسٌ ومُلاطَفَةٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ بِكَسْرِ المِيمِ عَلى أصْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وأبُو السَّمّالِ: بِضَمِّها اتِّباعًا لِلْحَرَكَةِ مِنَ القافِ. وقُرِئَ: بِفَتْحِها طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ. قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: الغَرَضُ بِالحَرَكَةِ الهُرُوبُ مِنَ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَبِأيِّ حَرَكَةٍ تَحَرَّكَ الحَرْفُ حَصَلَ الغَرَضُ، وقُمْ طَلَبٌ. فَقالَ الجُمْهُورُ: هو عَلى جِهَةِ النَّدْبِ، وقِيلَ: كانَ فَرْضًا عَلى الرَّسُولِ خاصَّةً، وقِيلَ: عَلَيْهِ وعَلى الجَمِيعِ. قالَ قَتادَةُ: ودامَ عامًا أوْ عامَيْنِ. وقالَتْ عائِشَةُ: ثَمانِيَةَ أشْهُرٍ، ثُمَّ رَحِمَهُمُ اللَّهُ فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ﴾ [المزمل: ٢٠] الآياتِ، فَخَفَّفَ عَنْهم ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ . بَيَّنَ الِاسْتِثْناءُ أنَّ القِيامَ المَأْمُورَ بِهِ يَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ اللَّيْلِ، ولِذَلِكَ صَحَّ الِاسْتِثْناءُ مِنهُ، إذْ لَوْ كانَ غَيْرَ مُسْتَغْرِقٍ، لَمْ يَصِحَّ الِاسْتِثْناءُ مِنهُ، واسْتِغْراقُ جَمِيعِهِ بِالقِيامِ عَلى الدَّوامِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، لِذَلِكَ اسْتَثْنى مِنهُ لِراحَةِ الجَسَدِ. وهَذا عِنْدَ البَصْرِيِّينَ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ، وإنِ اسْتَغْرَقَهُ الفِعْلُ. وهو عِنْدُ الكُوفِيِّينَ مَفْعُولٌ بِهِ. وفي قَوْلِهِ: (إلّا قَلِيلًا) دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُسْتَثْنى قَدْ يَكُونُ مُبْهَمَ المِقْدارِ، كَقَوْلِهِ: (ما فَعَلُوهُ إلّا قَلِيلًا مِنهم) في قِراءَةِ مَن نَصَبَ ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إلّا قَلِيلًا مِنكُمْ﴾ [البقرة: ٨٣] . قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: القَلِيلُ ما دُونُ المِعْشارِ والسُّدْسِ. وقالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: (p-٣٦١)الثُّلُثُ. وقِيلَ: ما دُونُ النِّصْفِ، وجَوَّزُوا في نِصْفِهِ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ اللَّيْلِ ومِن (قَلِيلًا) . فَإذا كانَ بَدَلًا مِنَ اللَّيْلِ، كانَ الِاسْتِثْناءُ مِنهُ، وكانَ المَأْمُورُ بِقِيامِهِ نِصْفَ اللَّيْلِ إلّا قَلِيلًا مِنهُ. والضَّمِيرُ في مِنهُ وعَلَيْهِ عائِدٌ عَلى النِّصْفِ، فَيَصِيرُ المَعْنى: قُمْ نِصْفَ اللَّيْلِ إلّا قَلِيلًا، أوِ انْقُصْ مِن نِصْفِ اللَّيْلِ قَلِيلًا، أوْ زِدْ عَلى نِصْفِ اللَّيْلِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: أوِ انْقُصْ مِن نِصْفِ اللَّيْلِ قَلِيلًا، تَكْرارًا لِقَوْلِهِ: إلّا قَلِيلًا مِن نِصْفِ اللَّيْلِ، وذَلِكَ تَرْكِيبٌ غَيْرُ فَصِيحٍ يُنَزَّهُ القُرْآنُ عَنْهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ”نِصْفَهُ“ بَدَلٌ مِن ”اللَّيْلِ“، و”(إلّا قَلِيلًا)“ اسْتِثْناءٌ مِنَ النِّصْفِ، كَأنَّهُ قالَ: قُمْ أقَلَّ مِن نِصْفِ اللَّيْلِ. والضَّمِيرُ في ”مِنهُ وعَلَيْهِ“ لِلنِّصْفِ، والمَعْنى: التَّخْيِيرُ بَيْنَ أمْرَيْنِ، بَيْنَ أنْ يَقُومَ أقَلَّ مِن نِصْفِ اللَّيْلِ عَلى البَتِّ، وبَيْنَ أنْ يَخْتارَ أحَدَ الأمْرَيْنِ، وهُما النُّقْصانُ مِنَ النِّصْفِ والزِّيادَةُ عَلَيْهِ. انْتَهى. فَلَمْ يَتَنَبَّهْ لِلتَّكْرارِ الَّذِي يَلْزَمُهُ في هَذا القَوْلِ؛ لِأنَّهُ عَلى تَقْدِيرِهِ: قُمْ أقَلَّ مِن نِصْفِ اللَّيْلِ كانَ قَوْلَهُ، أوِ انْقُصْ مِن نِصْفِ اللَّيْلِ تَكْرارًا. وإذا كانَ ﴿نِصْفَهُ﴾ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: (إلّا قَلِيلًا) فالضَّمِيرُ في نِصْفِهِ إمّا أنْ يَعُودَ عَلى المُبْدَلِ مِنهُ، أوْ عَلى المُسْتَثْنى مِنهُ وهو اللَّيْلُ، لا جائِزٌ أنْ يَعُودَ عَلى المُبْدَلِ مِنهُ؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ اسْتِثْناءَ مَجْهُولٍ مِن مَجْهُولٍ، إذِ التَّقْدِيرُ إلّا قَلِيلًا نِصْفُ القَلِيلِ، وهَذا لا يَصِحُّ لَهُ مَعْنى البَتَّةِ. وإنْ عادَ الضَّمِيرُ عَلى اللَّيْلِ، فَلا فائِدَةَ في الِاسْتِثْناءِ مِنَ اللَّيْلِ، إذْ كانَ يَكُونُ أخْصَرَ وأوْضَحَ وأبْعَدَ عَنِ الإلْباسِ أنْ يَكُونَ التَّرْكِيبُ قُمِ اللَّيْلَ نِصْفَهُ. وقَدْ أبْطَلْنا قَوْلَ مَن قالَ: إلّا قَلِيلًا اسْتِثْناءٌ مِنَ البَدَلِ وهو نِصْفُهُ، وأنَّ التَّقْدِيرَ: قُمِ اللَّيْلَ نِصْفَهُ إلّا قَلِيلًا مِنهُ، أيْ: مِنَ النِّصْفِ. وأيْضًا فَفي دَعْوى أنَّ ”نِصْفَهُ“ بَدَلٌ مِن (إلّا قَلِيلًا)، والضَّمِيرُ في ﴿نِصْفَهُ﴾ عائِدٌ عَلى ”اللَّيْلَ“، إطْلاقُ القَلِيلِ عَلى النِّصْفِ، ويَلْزَمُ أيْضًا أنْ يَصِيرَ التَّقْدِيرُ: إلّا نِصْفَهُ فَلا تَقُمْهُ، أوِ انْقُصْ مِنَ النِّصْفِ الَّذِي لا تَقُومُهُ، وأزِدْ عَلَيْهِ النِّصْفَ الَّذِي لا تَقُومُهُ، وهَذا مَعْنى لا يَصِحُّ، ولَيْسَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ قَطْعًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ نِصْفَهْ بَدَلًا مِن ”قَلِيلًا“، (p-٣٦٢)وكانَ تَخْيِيرًا بَيْنَ ثَلاثٍ: بَيْنَ قِيامِ النِّصْفِ بِتَمامِهِ، وبَيْنَ قِيامِ النّاقِصِ مِنهُ، وبَيْنَ قِيامِ الزّائِدِ عَلَيْهِ. وإنَّما وصَفَ النِّصْفَ بِالقِلَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُلِّ. وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: لَمّا كانَ مَعْنى ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿نِصْفَهُ﴾: إذا أبْدَلْتَ النِّصْفَ مِنَ اللَّيْلِ، قُمْ أقَلَّ مِن نِصْفِ اللَّيْلِ، رَجَعَ الضَّمِيرُ في ”مِنهُ وعَلَيْهِ“ إلى الأقَلِّ مِنَ النِّصْفِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: قُمْ أقَلَّ مِن نِصْفِ اللَّيْلِ، وقُمْ أنْقَصَ مِن ذَلِكَ إلّا أقَلَّ أوْ أزْيَدَ مِنهُ قَلِيلًا، فَيَكُونُ التَّخْيِيرُ فِيما وراءَ النِّصْفِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الثُّلُثِ، ويَجُوزُ إذا أبْدَلْتَ نِصْفَهُ مِن (قَلِيلًا) وفَسَّرْتَهُ بِهِ أنْ تَجْعَلَ قَلِيلًا الثّانِي بِمَعْنى نِصْفِ النِّصْفِ وهو الرُّبُعُ، كَأنَّهُ قِيلَ: أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا نِصْفَهُ، وتَجْعَلُ المَزِيدَ عَلى هَذا القَلِيلَ، أعْنِي الرُّبُعَ نِصْفَ الرُّبُعِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أوْ زِدْ عَلَيْهِ قَلِيلًا نِصْفَهُ. ويَجُوزُ أنْ تَجْعَلَ الزِّيادَةَ لِكَوْنِها مُطْلَقَةً تَتِمَّةَ الثُّلُثِ، فَيَكُونُ تَخْيِيرًا بَيْنَ النِّصْفِ والثُّلُثِ والرُّبُعِ. انْتَهى. وما أوْسَعَ خَيالَ هَذا الرَّجُلِ، فَإنَّهُ يُجَوِّزُ ما يَقْرُبُ وما يَبْعُدُ، والقُرْآنُ لا يَنْبَغِي، بَلْ لا يَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ إلّا عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ الَّتِي تَأْتِي في كَلامِ العَرَبِ، كَما ذَكَرْناهُ في خُطْبَةِ هَذا الكِتابِ. ومِمَّنْ نَصَّ عَلى جَوازِ أنْ يَكُونَ ﴿نِصْفَهُ﴾ بَدَلًا مِن (اللَّيْلِ)، أوْ مِن (قَلِيلًا) الزَّمَخْشَرِيُّ، كَما ذَكَرْنا عَنْهُ. وابْنُ عَطِيَّةَ أوْرَدَهُ مَوْرِدَ الِاحْتِمالِ، وأبُو البَقاءِ، وقالَ: أشْبَهُ بِظاهِرِ الآيَةِ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ”قَلِيلًا“، ﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾، والهاءُ فِيهِما لِلنِّصْفِ. فَلَوْ كانَ الِاسْتِثْناءُ مِنَ النِّصْفِ لَصارَ التَّقْدِيرُ: قُمْ نِصْفَ اللَّيْلِ إلّا قَلِيلًا، أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا. والقَلِيلُ المُسْتَثْنى غَيْرُ مُقَدَّرٍ، فالنُّقْصانُ مِنهُ لا يَتَحَصَّلُ. انْتَهى. وأمّا الحَوْفِيُّ فَأجازَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ ”اللَّيْلَ“، ولَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَدْ يَحْتَمِلُ عِنْدِي قَوْلُهُ: (إلّا قَلِيلًا) أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِنَ القِيامِ، فَيُجْعَلُ ”اللَّيْلَ“ اسْمَ جِنْسٍ. ثُمَّ قالَ: (إلّا قَلِيلًا) أيِ: اللَّيالِي الَّتِي تُخِلُّ بِقِيامِها عِنْدَ العُذْرِ البَيِّنِ ونَحْوُهُ، وهَذا النَّظَرُ يَحْسُنُ مَعَ القَوْلِ بِالنَّدْبِ. انْتَهى، وهَذا خِلافُ الظّاهِرِ. وقِيلَ: المَعْنى أوْ نِصْفَهُ، كَما تَقُولُ: أعْطِهِ دِرْهَمًا دِرْهَمَيْنِ ثَلاثَةً، تُرِيدُ: أوْ دِرْهَمَيْنِ، أوْ ثَلاثَةً. انْتَهى، وفِيهِ حَذَفَ حَرْفَ العَطْفِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ عَلَيْهِ. وقالَ التِّبْرِيزِيُّ: الأمْرُ بِالقِيامِ والتَّخْيِيرِ في الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ وقَعَ عَلى الثُّلُثَيْنِ مِن آخَرِ اللَّيْلِ؛ لِأنَّ الثُّلُثَ الأوَّلَ وقْتَ العَتَمَةِ، والِاسْتِثْناءُ وارِدٌ عَلى المَأْمُورِ بِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: قُمْ ثُلْثَيِ اللَّيْلِ إلّا قَلِيلًا، ثُمَّ جَعَلَ نِصْفَهُ بَدَلًا مِن ”قَلِيلًا“، فَصارَ القَلِيلُ مُفَسَّرًا بِالنِّصْفِ مِنَ الثُّلْثَيْنِ، وهو قَلِيلٌ مِنَ الكُلِّ. فَقَوْلُهُ: ﴿أوِ انْقُصْ مِنهُ﴾ أيْ: مِنَ المَأْمُورِ بِهِ، وهو قِيامُ الثُّلُثِ (قَلِيلًا) أيْ: ما دُونَ نِصْفِهِ ﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ أيْ: عَلى الثُّلُثَيْنِ، فَكانَ التَّخْيِيرُ في الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ واقِعًا عَلى الثُّلُثَيْنِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: قَدْ أكْثَرَ النّاسُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، وعِنْدِي فِيهِ وجْهانِ مُلَخَّصانِ، وذَكَرَ كَلامًا طَوِيلًا مُلَفَّقًا يُوقَفُ عَلَيْهِ مِن كِتابِهِ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ التَّرْتِيلِ في آخِرِ الإسْراءِ. ﴿قَوْلًا ثَقِيلًا﴾: هو القُرْآنُ، وثِقَلُهُ بِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ، كالجِهادِ ومُداوَمَةِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ. قالَ الحَسَنُ: إنَّ الهَذَّ خَفِيفٌ، ولَكِنَّ العَمَلَ ثَقِيلٌ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: والقُرْطُبِيُّ: ثِقَلُهُ عَلى الكُفّارِ والمُنافِقِينَ بِإعْجازِهِ ووَعِيدِهِ. وقِيلَ: ثِقَلُهُ ما كانَ يَحِلُّ بِجِسْمِهِ ﷺ حالَةَ تَلَقِّيهِ الوَحْيَ، حَتّى كانَتْ ناقَتُهُ تَبْرُكُ بِهِ ذَلِكَ الوَقْتَ، وحَتّى كادَتْ رَأْسُهُ الكَرِيمَةُ أنْ تُرَضَّ فَخَذَّ زَيْدَ بْنَ ثابِتٍ. وقِيلَ: كَلامٌ لَهُ وزْنٌ ورُجْحانٌ لَيْسَ بِالسَّفْسانِيِّ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كَلامًا عَظِيمًا. وقِيلَ: ثَقِيلٌ في المِيزانِ يَوْمَ القِيامَةِ، وهو إشارَةٌ إلى العَمَلِ بِهِ. وقِيلَ: كِنايَةٌ عَنْ بَقائِهِ عَلى وجْهِ الدَّهْرِ؛ لِأنَّ الثَّقِيلَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَبْقى في مَكانِهِ.

المزمل 73:2

(p-٣٥٨)(سُورَةُ المُزَّمِّلِ مَكِّيَّةٌ وهي عِشْرُونَ آيَةً) (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا﴾ ﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هي أشَدُّ وطْئًا وأقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: ٦] ﴿إنَّ لَكَ في النَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: ٧] ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨] ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلّا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾ [المزمل: ٩] ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: ١٠] ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١١] ﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالًا وجَحِيمًا﴾ [المزمل: ١٢] ﴿وطَعامًا ذا غُصَّةٍ وعَذابًا ألِيمًا﴾ [المزمل: ١٣] ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ [المزمل: ١٤] ﴿إنّا أرْسَلْنا إلَيْكم رَسُولًا شاهِدًا عَلَيْكم كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ [المزمل: ١٥] ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأخَذْناهُ أخْذًا وبِيلًا﴾ [المزمل: ١٦] ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ [المزمل: ١٧] ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ [المزمل: ١٨] ﴿إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [المزمل: ١٩] ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ ونِصْفَهُ وثُلُثَهُ وطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ واللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ والنَّهارَ عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكم فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ مِنكم مَرْضى وآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وآخَرُونَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وأقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وما تُقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرًا وأعْظَمَ أجْرًا واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المزمل: ٢٠] . تَزَمَّلَ في ثَوْبِهِ: التَفَّ، وزَمَلَ: لَفَّ. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: كَبِيرُ أُناسٍ في بِجادٍ مُزَّمَّلِ وقالَ ذُو الرُّمَّةِ: ؎وكائِنٍ تَخَطَّتْ ناقَتِي مِن مَفازَةٍ ومِن نائِمٍ عَنْ لَيْلِها مُتَزَمِّلِ تَبَتَّلَ إلى كَذا: انْقَطَعَ إلَيْهِ، ومِنهُ هِبَةٌ بَتْلَةٌ، وطَلْقَةٌ بَتْلَةٌ، والبَتُولُ وبَتَلَ الحَبْلَ. قالَ اللَّيْثُ: البَتْلُ تَمْيِيزُ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ، والبَتُولُ المَرْأةُ المُنْقَطِعَةُ عَنِ الرِّجالِ لا شَهْوَةَ لَها ولا حاجَةَ لَها فِيهِمْ، والتَّبَتُّلُ: تَرْكُ النِّكاحِ والزُّهْدُ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎تُضِيءُ الظَّلامَ بِالعِشاءِ كَأنَّها ∗∗∗ مَنارَةُ مُمْسى راهِبٍ مُتَبَتِّلِ ومِنهُ النَّهْيُ عَنِ التَّبَتُّلِ، أيْ: عَنِ الِانْقِطاعِ عَنِ التَّزْوِيجِ. ومِنهُ قِيلَ لِلرّاهِبِ مُتَبَتِّلٌ، لِانْقِطاعِهِ عَنِ النّاسِ وانْفِرادِهِ لِلْعِبادَةِ. والغُصَّةُ: الشَّجى، وهو ما يَنْشَبُ بِالحَلْقِ مِن عَظْمٍ أوْ غَيْرِهِ، وجَمْعُها غُصَصٌ، والفِعْلُ غَصَصْتَ، فَأنْتَ غاصٌّ وغَصّانُ، قالَ: ؎كُنْتُ كالغَصّانِ بِالماءِ اعْتِصارِي الكَثِيبُ: الرَّمْلُ المُجْتَمِعُ، وجَمْعُهُ كُثُبٌ وكُثْبانُ في الكَثْرَةِ، وأكْثِبَةٌ في القِلَّةِ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ: ؎فَقُلْتُ لَها لا إنَّ أهْلِي جِيرَةٌ ∗∗∗ لِأكْثِبَةِ الدَّهْنا جَمِيعًا ومالِيا المَهِيلُ: الَّذِي يَمُرُّ تَحْتَ الرَّجُلِ، وهِلْتُ عَلَيْهِ التُّرابَ: صَبَبْتُهُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: المَهِيلُ: الَّذِي إذا وطِئَتْهُ القَدَمُ زَلَّ مِن تَحْتِها، وإذا أخَذَتْ أسْفَلَهُ انْهالَ، وأهَلْتُ لُغَةٌ في هِلْتُ. الشِّيبُ: جَمْعُ أشَيْبٍ. (p-٣٥٩)﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا﴾ ﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هي أشَدُّ وطْأً وأقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: ٦] ﴿إنَّ لَكَ في اَلنَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: ٧] ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨] ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلّا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾ [المزمل: ٩] ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: ١٠] ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١١] ﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالًا وجَحِيمًا﴾ [المزمل: ١٢] ﴿وطَعامًا ذا غُصَّةٍ وعَذابًا ألِيمًا﴾ [المزمل: ١٣] ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ [المزمل: ١٤] ﴿إنّا أرْسَلْنا إلَيْكم رَسُولًا شاهِدًا عَلَيْكم كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ [المزمل: ١٥] ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأخَذْناهُ أخْذًا وبِيلًا﴾ [المزمل: ١٦] ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ [المزمل: ١٧] ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ [المزمل: ١٨] . (p-٣٦٠)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ كُلُّها، في قَوْلِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ وجابِرٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: إلّا آيَتَيْنِ مِنها: ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ [المزمل: ١٠] والَّتِي تَلِيها، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وقالَ الجُمْهُورُ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ﴾ [المزمل: ٢٠] إلَخْ، فَإنَّهُ نَزَلَ بِالمَدِينَةِ. وسَبَبُ نُزُولِها فِيما ذَكَرَ الجُمْهُورُ: «أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمّا جاءَهُ المَلَكُ في غارِ حِراءٍ وحاوَرَهُ بِما حاوَرَهُ، رَجَعَ إلى خَدِيجَةَ فَقالَ: ”زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي“، فَنَزَلَتْ: ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] وعَلى هَذا نَزَلَتْ: ﴿ياأيُّها المُزَّمِّلُ﴾» . قالَتْ عائِشَةُ والنَّخَعِيُّ وجَماعَةٌ: ونُودِيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ في وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ مُتَزَمِّلًا بِكِساءٍ. وقالَ قَتادَةُ: كانَ تَزَمَّلَ في ثِيابِهِ لِلصَّلاةِ واسْتَعَدَّ. فَنُودِيَ عَلى مَعْنى: يا أيُّها المُسْتَعِدُّ لِلْعِبادَةِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: مَعْناهُ المُزَّمِّلُ لِلنُّبُوَّةِ وأعْبائِها، أيِ: المُشَمِّرُ المُجِدُّ، فَعَلى هَذا يَكُونُ التَّزَمُّلُ مَجازًا، وعَلى ما سَبَقَ يَكُونُ حَقِيقَةً. وما رَوَوْا أنَّ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - سُئِلَتْ: ما كانَ تَزْمِيلُهُ ؟ قالَتْ: كانَ مِرْطًا طُولُهُ أرْبَعَ عَشْرَةَ ذِراعًا، نِصْفُهُ عَلَيَّ وأنا نائِمَةٌ، ونِصْفُهُ عَلَيْهِ، إلى آخَرِ الرِّوايَةِ. كَذِبٌ صُراحٌ؛ لِأنَّ نُزُولَ ﴿ياأيُّها المُزَّمِّلُ﴾ بِـ مَكَّةَ في أوائِلِ مَبْعَثِهِ، وتَزْوِيجُهُ عائِشَةَ كانَ بِـ المَدِينَةِ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ السُّورَةُ لِما قَبْلَها: أنَّ في آخِرِ ما قَبْلَها (عالِمُ الغَيْبِ) الآياتِ، فَأتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها المُزَّمِّلُ﴾ إعْلامًا بِأنَّهُ مِمَّنِ ارْتَضاهُ مِنَ الرُّسُلِ وخَصَّهُ بِخَصائِصَ وكَفاهُ شَرَّ أعْدائِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿المُزَّمِّلُ﴾ بِشَدِّ الزّايِ وكَسْرِ المِيمِ، أصْلُهُ المُتَزَمِّلُ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الزّايِ. وقَرَأ أُبَيٌّ: (المُتَزَمِّلُ) عَلى الأصْلِ. وعِكْرِمَةُ: بِتَخْفِيفِ الزّايِ. أيِ: المُزَمِّلُ جِسْمَهُ أوْ نَفْسَهُ. وقَرَأ بَعْضُ السَّلَفِ: بِتَخْفِيفِ الزّايِ وفَتْحِ المِيمِ، أيِ: الَّذِي لُفَّ. ولِلزَّمَخْشَرِيِّ في كَيْفِيَّةِ نِداءِ اللَّهِ لَهُ بِهَذا الوَصْفِ كَلامٌ ضَرَبْتُ عَنْ ذِكْرِهِ صَفْحًا، فَلَمْ أذْكُرْهُ في كِتابِي. وقالَ السُّهَيْلِيُّ: لَيْسَ المُزَّمِّلُ بِاسْمٍ مِن أسْمائِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - يُعْرَفُ بِهِ، وإنَّما هو مُشْتَقٌّ مِن حالَتِهِ الَّتِي كانَ التَبَسَ بِها حالَةَ الخِطابِ، والعَرَبُ إذا قَصَدَتِ المُلاطَفَةَ بِالمُخاطَبِ تَتْرُكُ المُعاتَبَةَ نادَوْهُ بِاسْمٍ مُشْتَقٍّ مِن حالَتِهِ الَّتِي هو عَلَيْها، «كَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ - وقَدْ نامَ ولَصِقَ بِجَنْبِهِ التُّرابُ: ”قُمْ أبا تُرابٍ“»، إشْعارًا بِأنَّهُ مُلاطِفٌ لَهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها المُزَّمِّلُ﴾ فِيهِ تَأْنِيسٌ ومُلاطَفَةٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ بِكَسْرِ المِيمِ عَلى أصْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وأبُو السَّمّالِ: بِضَمِّها اتِّباعًا لِلْحَرَكَةِ مِنَ القافِ. وقُرِئَ: بِفَتْحِها طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ. قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: الغَرَضُ بِالحَرَكَةِ الهُرُوبُ مِنَ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَبِأيِّ حَرَكَةٍ تَحَرَّكَ الحَرْفُ حَصَلَ الغَرَضُ، وقُمْ طَلَبٌ. فَقالَ الجُمْهُورُ: هو عَلى جِهَةِ النَّدْبِ، وقِيلَ: كانَ فَرْضًا عَلى الرَّسُولِ خاصَّةً، وقِيلَ: عَلَيْهِ وعَلى الجَمِيعِ. قالَ قَتادَةُ: ودامَ عامًا أوْ عامَيْنِ. وقالَتْ عائِشَةُ: ثَمانِيَةَ أشْهُرٍ، ثُمَّ رَحِمَهُمُ اللَّهُ فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ﴾ [المزمل: ٢٠] الآياتِ، فَخَفَّفَ عَنْهم ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ . بَيَّنَ الِاسْتِثْناءُ أنَّ القِيامَ المَأْمُورَ بِهِ يَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ اللَّيْلِ، ولِذَلِكَ صَحَّ الِاسْتِثْناءُ مِنهُ، إذْ لَوْ كانَ غَيْرَ مُسْتَغْرِقٍ، لَمْ يَصِحَّ الِاسْتِثْناءُ مِنهُ، واسْتِغْراقُ جَمِيعِهِ بِالقِيامِ عَلى الدَّوامِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، لِذَلِكَ اسْتَثْنى مِنهُ لِراحَةِ الجَسَدِ. وهَذا عِنْدَ البَصْرِيِّينَ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ، وإنِ اسْتَغْرَقَهُ الفِعْلُ. وهو عِنْدُ الكُوفِيِّينَ مَفْعُولٌ بِهِ. وفي قَوْلِهِ: (إلّا قَلِيلًا) دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُسْتَثْنى قَدْ يَكُونُ مُبْهَمَ المِقْدارِ، كَقَوْلِهِ: (ما فَعَلُوهُ إلّا قَلِيلًا مِنهم) في قِراءَةِ مَن نَصَبَ ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إلّا قَلِيلًا مِنكُمْ﴾ [البقرة: ٨٣] . قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: القَلِيلُ ما دُونُ المِعْشارِ والسُّدْسِ. وقالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: (p-٣٦١)الثُّلُثُ. وقِيلَ: ما دُونُ النِّصْفِ، وجَوَّزُوا في نِصْفِهِ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ اللَّيْلِ ومِن (قَلِيلًا) . فَإذا كانَ بَدَلًا مِنَ اللَّيْلِ، كانَ الِاسْتِثْناءُ مِنهُ، وكانَ المَأْمُورُ بِقِيامِهِ نِصْفَ اللَّيْلِ إلّا قَلِيلًا مِنهُ. والضَّمِيرُ في مِنهُ وعَلَيْهِ عائِدٌ عَلى النِّصْفِ، فَيَصِيرُ المَعْنى: قُمْ نِصْفَ اللَّيْلِ إلّا قَلِيلًا، أوِ انْقُصْ مِن نِصْفِ اللَّيْلِ قَلِيلًا، أوْ زِدْ عَلى نِصْفِ اللَّيْلِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: أوِ انْقُصْ مِن نِصْفِ اللَّيْلِ قَلِيلًا، تَكْرارًا لِقَوْلِهِ: إلّا قَلِيلًا مِن نِصْفِ اللَّيْلِ، وذَلِكَ تَرْكِيبٌ غَيْرُ فَصِيحٍ يُنَزَّهُ القُرْآنُ عَنْهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ”نِصْفَهُ“ بَدَلٌ مِن ”اللَّيْلِ“، و”(إلّا قَلِيلًا)“ اسْتِثْناءٌ مِنَ النِّصْفِ، كَأنَّهُ قالَ: قُمْ أقَلَّ مِن نِصْفِ اللَّيْلِ. والضَّمِيرُ في ”مِنهُ وعَلَيْهِ“ لِلنِّصْفِ، والمَعْنى: التَّخْيِيرُ بَيْنَ أمْرَيْنِ، بَيْنَ أنْ يَقُومَ أقَلَّ مِن نِصْفِ اللَّيْلِ عَلى البَتِّ، وبَيْنَ أنْ يَخْتارَ أحَدَ الأمْرَيْنِ، وهُما النُّقْصانُ مِنَ النِّصْفِ والزِّيادَةُ عَلَيْهِ. انْتَهى. فَلَمْ يَتَنَبَّهْ لِلتَّكْرارِ الَّذِي يَلْزَمُهُ في هَذا القَوْلِ؛ لِأنَّهُ عَلى تَقْدِيرِهِ: قُمْ أقَلَّ مِن نِصْفِ اللَّيْلِ كانَ قَوْلَهُ، أوِ انْقُصْ مِن نِصْفِ اللَّيْلِ تَكْرارًا. وإذا كانَ ﴿نِصْفَهُ﴾ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: (إلّا قَلِيلًا) فالضَّمِيرُ في نِصْفِهِ إمّا أنْ يَعُودَ عَلى المُبْدَلِ مِنهُ، أوْ عَلى المُسْتَثْنى مِنهُ وهو اللَّيْلُ، لا جائِزٌ أنْ يَعُودَ عَلى المُبْدَلِ مِنهُ؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ اسْتِثْناءَ مَجْهُولٍ مِن مَجْهُولٍ، إذِ التَّقْدِيرُ إلّا قَلِيلًا نِصْفُ القَلِيلِ، وهَذا لا يَصِحُّ لَهُ مَعْنى البَتَّةِ. وإنْ عادَ الضَّمِيرُ عَلى اللَّيْلِ، فَلا فائِدَةَ في الِاسْتِثْناءِ مِنَ اللَّيْلِ، إذْ كانَ يَكُونُ أخْصَرَ وأوْضَحَ وأبْعَدَ عَنِ الإلْباسِ أنْ يَكُونَ التَّرْكِيبُ قُمِ اللَّيْلَ نِصْفَهُ. وقَدْ أبْطَلْنا قَوْلَ مَن قالَ: إلّا قَلِيلًا اسْتِثْناءٌ مِنَ البَدَلِ وهو نِصْفُهُ، وأنَّ التَّقْدِيرَ: قُمِ اللَّيْلَ نِصْفَهُ إلّا قَلِيلًا مِنهُ، أيْ: مِنَ النِّصْفِ. وأيْضًا فَفي دَعْوى أنَّ ”نِصْفَهُ“ بَدَلٌ مِن (إلّا قَلِيلًا)، والضَّمِيرُ في ﴿نِصْفَهُ﴾ عائِدٌ عَلى ”اللَّيْلَ“، إطْلاقُ القَلِيلِ عَلى النِّصْفِ، ويَلْزَمُ أيْضًا أنْ يَصِيرَ التَّقْدِيرُ: إلّا نِصْفَهُ فَلا تَقُمْهُ، أوِ انْقُصْ مِنَ النِّصْفِ الَّذِي لا تَقُومُهُ، وأزِدْ عَلَيْهِ النِّصْفَ الَّذِي لا تَقُومُهُ، وهَذا مَعْنى لا يَصِحُّ، ولَيْسَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ قَطْعًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ نِصْفَهْ بَدَلًا مِن ”قَلِيلًا“، (p-٣٦٢)وكانَ تَخْيِيرًا بَيْنَ ثَلاثٍ: بَيْنَ قِيامِ النِّصْفِ بِتَمامِهِ، وبَيْنَ قِيامِ النّاقِصِ مِنهُ، وبَيْنَ قِيامِ الزّائِدِ عَلَيْهِ. وإنَّما وصَفَ النِّصْفَ بِالقِلَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُلِّ. وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: لَمّا كانَ مَعْنى ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿نِصْفَهُ﴾: إذا أبْدَلْتَ النِّصْفَ مِنَ اللَّيْلِ، قُمْ أقَلَّ مِن نِصْفِ اللَّيْلِ، رَجَعَ الضَّمِيرُ في ”مِنهُ وعَلَيْهِ“ إلى الأقَلِّ مِنَ النِّصْفِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: قُمْ أقَلَّ مِن نِصْفِ اللَّيْلِ، وقُمْ أنْقَصَ مِن ذَلِكَ إلّا أقَلَّ أوْ أزْيَدَ مِنهُ قَلِيلًا، فَيَكُونُ التَّخْيِيرُ فِيما وراءَ النِّصْفِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الثُّلُثِ، ويَجُوزُ إذا أبْدَلْتَ نِصْفَهُ مِن (قَلِيلًا) وفَسَّرْتَهُ بِهِ أنْ تَجْعَلَ قَلِيلًا الثّانِي بِمَعْنى نِصْفِ النِّصْفِ وهو الرُّبُعُ، كَأنَّهُ قِيلَ: أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا نِصْفَهُ، وتَجْعَلُ المَزِيدَ عَلى هَذا القَلِيلَ، أعْنِي الرُّبُعَ نِصْفَ الرُّبُعِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أوْ زِدْ عَلَيْهِ قَلِيلًا نِصْفَهُ. ويَجُوزُ أنْ تَجْعَلَ الزِّيادَةَ لِكَوْنِها مُطْلَقَةً تَتِمَّةَ الثُّلُثِ، فَيَكُونُ تَخْيِيرًا بَيْنَ النِّصْفِ والثُّلُثِ والرُّبُعِ. انْتَهى. وما أوْسَعَ خَيالَ هَذا الرَّجُلِ، فَإنَّهُ يُجَوِّزُ ما يَقْرُبُ وما يَبْعُدُ، والقُرْآنُ لا يَنْبَغِي، بَلْ لا يَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ إلّا عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ الَّتِي تَأْتِي في كَلامِ العَرَبِ، كَما ذَكَرْناهُ في خُطْبَةِ هَذا الكِتابِ. ومِمَّنْ نَصَّ عَلى جَوازِ أنْ يَكُونَ ﴿نِصْفَهُ﴾ بَدَلًا مِن (اللَّيْلِ)، أوْ مِن (قَلِيلًا) الزَّمَخْشَرِيُّ، كَما ذَكَرْنا عَنْهُ. وابْنُ عَطِيَّةَ أوْرَدَهُ مَوْرِدَ الِاحْتِمالِ، وأبُو البَقاءِ، وقالَ: أشْبَهُ بِظاهِرِ الآيَةِ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ”قَلِيلًا“، ﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾، والهاءُ فِيهِما لِلنِّصْفِ. فَلَوْ كانَ الِاسْتِثْناءُ مِنَ النِّصْفِ لَصارَ التَّقْدِيرُ: قُمْ نِصْفَ اللَّيْلِ إلّا قَلِيلًا، أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا. والقَلِيلُ المُسْتَثْنى غَيْرُ مُقَدَّرٍ، فالنُّقْصانُ مِنهُ لا يَتَحَصَّلُ. انْتَهى. وأمّا الحَوْفِيُّ فَأجازَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ ”اللَّيْلَ“، ولَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَدْ يَحْتَمِلُ عِنْدِي قَوْلُهُ: (إلّا قَلِيلًا) أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِنَ القِيامِ، فَيُجْعَلُ ”اللَّيْلَ“ اسْمَ جِنْسٍ. ثُمَّ قالَ: (إلّا قَلِيلًا) أيِ: اللَّيالِي الَّتِي تُخِلُّ بِقِيامِها عِنْدَ العُذْرِ البَيِّنِ ونَحْوُهُ، وهَذا النَّظَرُ يَحْسُنُ مَعَ القَوْلِ بِالنَّدْبِ. انْتَهى، وهَذا خِلافُ الظّاهِرِ. وقِيلَ: المَعْنى أوْ نِصْفَهُ، كَما تَقُولُ: أعْطِهِ دِرْهَمًا دِرْهَمَيْنِ ثَلاثَةً، تُرِيدُ: أوْ دِرْهَمَيْنِ، أوْ ثَلاثَةً. انْتَهى، وفِيهِ حَذَفَ حَرْفَ العَطْفِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ عَلَيْهِ. وقالَ التِّبْرِيزِيُّ: الأمْرُ بِالقِيامِ والتَّخْيِيرِ في الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ وقَعَ عَلى الثُّلُثَيْنِ مِن آخَرِ اللَّيْلِ؛ لِأنَّ الثُّلُثَ الأوَّلَ وقْتَ العَتَمَةِ، والِاسْتِثْناءُ وارِدٌ عَلى المَأْمُورِ بِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: قُمْ ثُلْثَيِ اللَّيْلِ إلّا قَلِيلًا، ثُمَّ جَعَلَ نِصْفَهُ بَدَلًا مِن ”قَلِيلًا“، فَصارَ القَلِيلُ مُفَسَّرًا بِالنِّصْفِ مِنَ الثُّلْثَيْنِ، وهو قَلِيلٌ مِنَ الكُلِّ. فَقَوْلُهُ: ﴿أوِ انْقُصْ مِنهُ﴾ أيْ: مِنَ المَأْمُورِ بِهِ، وهو قِيامُ الثُّلُثِ (قَلِيلًا) أيْ: ما دُونَ نِصْفِهِ ﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ أيْ: عَلى الثُّلُثَيْنِ، فَكانَ التَّخْيِيرُ في الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ واقِعًا عَلى الثُّلُثَيْنِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: قَدْ أكْثَرَ النّاسُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، وعِنْدِي فِيهِ وجْهانِ مُلَخَّصانِ، وذَكَرَ كَلامًا طَوِيلًا مُلَفَّقًا يُوقَفُ عَلَيْهِ مِن كِتابِهِ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ التَّرْتِيلِ في آخِرِ الإسْراءِ. ﴿قَوْلًا ثَقِيلًا﴾: هو القُرْآنُ، وثِقَلُهُ بِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ، كالجِهادِ ومُداوَمَةِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ. قالَ الحَسَنُ: إنَّ الهَذَّ خَفِيفٌ، ولَكِنَّ العَمَلَ ثَقِيلٌ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: والقُرْطُبِيُّ: ثِقَلُهُ عَلى الكُفّارِ والمُنافِقِينَ بِإعْجازِهِ ووَعِيدِهِ. وقِيلَ: ثِقَلُهُ ما كانَ يَحِلُّ بِجِسْمِهِ ﷺ حالَةَ تَلَقِّيهِ الوَحْيَ، حَتّى كانَتْ ناقَتُهُ تَبْرُكُ بِهِ ذَلِكَ الوَقْتَ، وحَتّى كادَتْ رَأْسُهُ الكَرِيمَةُ أنْ تُرَضَّ فَخَذَّ زَيْدَ بْنَ ثابِتٍ. وقِيلَ: كَلامٌ لَهُ وزْنٌ ورُجْحانٌ لَيْسَ بِالسَّفْسانِيِّ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كَلامًا عَظِيمًا. وقِيلَ: ثَقِيلٌ في المِيزانِ يَوْمَ القِيامَةِ، وهو إشارَةٌ إلى العَمَلِ بِهِ. وقِيلَ: كِنايَةٌ عَنْ بَقائِهِ عَلى وجْهِ الدَّهْرِ؛ لِأنَّ الثَّقِيلَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَبْقى في مَكانِهِ.

المزمل 73:3

(p-٣٥٨)(سُورَةُ المُزَّمِّلِ مَكِّيَّةٌ وهي عِشْرُونَ آيَةً) (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا﴾ ﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هي أشَدُّ وطْئًا وأقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: ٦] ﴿إنَّ لَكَ في النَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: ٧] ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨] ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلّا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾ [المزمل: ٩] ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: ١٠] ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١١] ﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالًا وجَحِيمًا﴾ [المزمل: ١٢] ﴿وطَعامًا ذا غُصَّةٍ وعَذابًا ألِيمًا﴾ [المزمل: ١٣] ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ [المزمل: ١٤] ﴿إنّا أرْسَلْنا إلَيْكم رَسُولًا شاهِدًا عَلَيْكم كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ [المزمل: ١٥] ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأخَذْناهُ أخْذًا وبِيلًا﴾ [المزمل: ١٦] ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ [المزمل: ١٧] ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ [المزمل: ١٨] ﴿إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [المزمل: ١٩] ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ ونِصْفَهُ وثُلُثَهُ وطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ واللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ والنَّهارَ عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكم فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ مِنكم مَرْضى وآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وآخَرُونَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وأقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وما تُقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرًا وأعْظَمَ أجْرًا واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المزمل: ٢٠] . تَزَمَّلَ في ثَوْبِهِ: التَفَّ، وزَمَلَ: لَفَّ. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: كَبِيرُ أُناسٍ في بِجادٍ مُزَّمَّلِ وقالَ ذُو الرُّمَّةِ: ؎وكائِنٍ تَخَطَّتْ ناقَتِي مِن مَفازَةٍ ومِن نائِمٍ عَنْ لَيْلِها مُتَزَمِّلِ تَبَتَّلَ إلى كَذا: انْقَطَعَ إلَيْهِ، ومِنهُ هِبَةٌ بَتْلَةٌ، وطَلْقَةٌ بَتْلَةٌ، والبَتُولُ وبَتَلَ الحَبْلَ. قالَ اللَّيْثُ: البَتْلُ تَمْيِيزُ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ، والبَتُولُ المَرْأةُ المُنْقَطِعَةُ عَنِ الرِّجالِ لا شَهْوَةَ لَها ولا حاجَةَ لَها فِيهِمْ، والتَّبَتُّلُ: تَرْكُ النِّكاحِ والزُّهْدُ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎تُضِيءُ الظَّلامَ بِالعِشاءِ كَأنَّها ∗∗∗ مَنارَةُ مُمْسى راهِبٍ مُتَبَتِّلِ ومِنهُ النَّهْيُ عَنِ التَّبَتُّلِ، أيْ: عَنِ الِانْقِطاعِ عَنِ التَّزْوِيجِ. ومِنهُ قِيلَ لِلرّاهِبِ مُتَبَتِّلٌ، لِانْقِطاعِهِ عَنِ النّاسِ وانْفِرادِهِ لِلْعِبادَةِ. والغُصَّةُ: الشَّجى، وهو ما يَنْشَبُ بِالحَلْقِ مِن عَظْمٍ أوْ غَيْرِهِ، وجَمْعُها غُصَصٌ، والفِعْلُ غَصَصْتَ، فَأنْتَ غاصٌّ وغَصّانُ، قالَ: ؎كُنْتُ كالغَصّانِ بِالماءِ اعْتِصارِي الكَثِيبُ: الرَّمْلُ المُجْتَمِعُ، وجَمْعُهُ كُثُبٌ وكُثْبانُ في الكَثْرَةِ، وأكْثِبَةٌ في القِلَّةِ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ: ؎فَقُلْتُ لَها لا إنَّ أهْلِي جِيرَةٌ ∗∗∗ لِأكْثِبَةِ الدَّهْنا جَمِيعًا ومالِيا المَهِيلُ: الَّذِي يَمُرُّ تَحْتَ الرَّجُلِ، وهِلْتُ عَلَيْهِ التُّرابَ: صَبَبْتُهُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: المَهِيلُ: الَّذِي إذا وطِئَتْهُ القَدَمُ زَلَّ مِن تَحْتِها، وإذا أخَذَتْ أسْفَلَهُ انْهالَ، وأهَلْتُ لُغَةٌ في هِلْتُ. الشِّيبُ: جَمْعُ أشَيْبٍ. (p-٣٥٩)﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا﴾ ﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هي أشَدُّ وطْأً وأقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: ٦] ﴿إنَّ لَكَ في اَلنَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: ٧] ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨] ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلّا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾ [المزمل: ٩] ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: ١٠] ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١١] ﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالًا وجَحِيمًا﴾ [المزمل: ١٢] ﴿وطَعامًا ذا غُصَّةٍ وعَذابًا ألِيمًا﴾ [المزمل: ١٣] ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ [المزمل: ١٤] ﴿إنّا أرْسَلْنا إلَيْكم رَسُولًا شاهِدًا عَلَيْكم كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ [المزمل: ١٥] ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأخَذْناهُ أخْذًا وبِيلًا﴾ [المزمل: ١٦] ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ [المزمل: ١٧] ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ [المزمل: ١٨] . (p-٣٦٠)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ كُلُّها، في قَوْلِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ وجابِرٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: إلّا آيَتَيْنِ مِنها: ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ [المزمل: ١٠] والَّتِي تَلِيها، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وقالَ الجُمْهُورُ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ﴾ [المزمل: ٢٠] إلَخْ، فَإنَّهُ نَزَلَ بِالمَدِينَةِ. وسَبَبُ نُزُولِها فِيما ذَكَرَ الجُمْهُورُ: «أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمّا جاءَهُ المَلَكُ في غارِ حِراءٍ وحاوَرَهُ بِما حاوَرَهُ، رَجَعَ إلى خَدِيجَةَ فَقالَ: ”زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي“، فَنَزَلَتْ: ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] وعَلى هَذا نَزَلَتْ: ﴿ياأيُّها المُزَّمِّلُ﴾» . قالَتْ عائِشَةُ والنَّخَعِيُّ وجَماعَةٌ: ونُودِيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ في وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ مُتَزَمِّلًا بِكِساءٍ. وقالَ قَتادَةُ: كانَ تَزَمَّلَ في ثِيابِهِ لِلصَّلاةِ واسْتَعَدَّ. فَنُودِيَ عَلى مَعْنى: يا أيُّها المُسْتَعِدُّ لِلْعِبادَةِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: مَعْناهُ المُزَّمِّلُ لِلنُّبُوَّةِ وأعْبائِها، أيِ: المُشَمِّرُ المُجِدُّ، فَعَلى هَذا يَكُونُ التَّزَمُّلُ مَجازًا، وعَلى ما سَبَقَ يَكُونُ حَقِيقَةً. وما رَوَوْا أنَّ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - سُئِلَتْ: ما كانَ تَزْمِيلُهُ ؟ قالَتْ: كانَ مِرْطًا طُولُهُ أرْبَعَ عَشْرَةَ ذِراعًا، نِصْفُهُ عَلَيَّ وأنا نائِمَةٌ، ونِصْفُهُ عَلَيْهِ، إلى آخَرِ الرِّوايَةِ. كَذِبٌ صُراحٌ؛ لِأنَّ نُزُولَ ﴿ياأيُّها المُزَّمِّلُ﴾ بِـ مَكَّةَ في أوائِلِ مَبْعَثِهِ، وتَزْوِيجُهُ عائِشَةَ كانَ بِـ المَدِينَةِ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ السُّورَةُ لِما قَبْلَها: أنَّ في آخِرِ ما قَبْلَها (عالِمُ الغَيْبِ) الآياتِ، فَأتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها المُزَّمِّلُ﴾ إعْلامًا بِأنَّهُ مِمَّنِ ارْتَضاهُ مِنَ الرُّسُلِ وخَصَّهُ بِخَصائِصَ وكَفاهُ شَرَّ أعْدائِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿المُزَّمِّلُ﴾ بِشَدِّ الزّايِ وكَسْرِ المِيمِ، أصْلُهُ المُتَزَمِّلُ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الزّايِ. وقَرَأ أُبَيٌّ: (المُتَزَمِّلُ) عَلى الأصْلِ. وعِكْرِمَةُ: بِتَخْفِيفِ الزّايِ. أيِ: المُزَمِّلُ جِسْمَهُ أوْ نَفْسَهُ. وقَرَأ بَعْضُ السَّلَفِ: بِتَخْفِيفِ الزّايِ وفَتْحِ المِيمِ، أيِ: الَّذِي لُفَّ. ولِلزَّمَخْشَرِيِّ في كَيْفِيَّةِ نِداءِ اللَّهِ لَهُ بِهَذا الوَصْفِ كَلامٌ ضَرَبْتُ عَنْ ذِكْرِهِ صَفْحًا، فَلَمْ أذْكُرْهُ في كِتابِي. وقالَ السُّهَيْلِيُّ: لَيْسَ المُزَّمِّلُ بِاسْمٍ مِن أسْمائِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - يُعْرَفُ بِهِ، وإنَّما هو مُشْتَقٌّ مِن حالَتِهِ الَّتِي كانَ التَبَسَ بِها حالَةَ الخِطابِ، والعَرَبُ إذا قَصَدَتِ المُلاطَفَةَ بِالمُخاطَبِ تَتْرُكُ المُعاتَبَةَ نادَوْهُ بِاسْمٍ مُشْتَقٍّ مِن حالَتِهِ الَّتِي هو عَلَيْها، «كَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ - وقَدْ نامَ ولَصِقَ بِجَنْبِهِ التُّرابُ: ”قُمْ أبا تُرابٍ“»، إشْعارًا بِأنَّهُ مُلاطِفٌ لَهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها المُزَّمِّلُ﴾ فِيهِ تَأْنِيسٌ ومُلاطَفَةٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ بِكَسْرِ المِيمِ عَلى أصْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وأبُو السَّمّالِ: بِضَمِّها اتِّباعًا لِلْحَرَكَةِ مِنَ القافِ. وقُرِئَ: بِفَتْحِها طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ. قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: الغَرَضُ بِالحَرَكَةِ الهُرُوبُ مِنَ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَبِأيِّ حَرَكَةٍ تَحَرَّكَ الحَرْفُ حَصَلَ الغَرَضُ، وقُمْ طَلَبٌ. فَقالَ الجُمْهُورُ: هو عَلى جِهَةِ النَّدْبِ، وقِيلَ: كانَ فَرْضًا عَلى الرَّسُولِ خاصَّةً، وقِيلَ: عَلَيْهِ وعَلى الجَمِيعِ. قالَ قَتادَةُ: ودامَ عامًا أوْ عامَيْنِ. وقالَتْ عائِشَةُ: ثَمانِيَةَ أشْهُرٍ، ثُمَّ رَحِمَهُمُ اللَّهُ فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ﴾ [المزمل: ٢٠] الآياتِ، فَخَفَّفَ عَنْهم ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ . بَيَّنَ الِاسْتِثْناءُ أنَّ القِيامَ المَأْمُورَ بِهِ يَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ اللَّيْلِ، ولِذَلِكَ صَحَّ الِاسْتِثْناءُ مِنهُ، إذْ لَوْ كانَ غَيْرَ مُسْتَغْرِقٍ، لَمْ يَصِحَّ الِاسْتِثْناءُ مِنهُ، واسْتِغْراقُ جَمِيعِهِ بِالقِيامِ عَلى الدَّوامِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، لِذَلِكَ اسْتَثْنى مِنهُ لِراحَةِ الجَسَدِ. وهَذا عِنْدَ البَصْرِيِّينَ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ، وإنِ اسْتَغْرَقَهُ الفِعْلُ. وهو عِنْدُ الكُوفِيِّينَ مَفْعُولٌ بِهِ. وفي قَوْلِهِ: (إلّا قَلِيلًا) دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُسْتَثْنى قَدْ يَكُونُ مُبْهَمَ المِقْدارِ، كَقَوْلِهِ: (ما فَعَلُوهُ إلّا قَلِيلًا مِنهم) في قِراءَةِ مَن نَصَبَ ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إلّا قَلِيلًا مِنكُمْ﴾ [البقرة: ٨٣] . قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: القَلِيلُ ما دُونُ المِعْشارِ والسُّدْسِ. وقالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: (p-٣٦١)الثُّلُثُ. وقِيلَ: ما دُونُ النِّصْفِ، وجَوَّزُوا في نِصْفِهِ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ اللَّيْلِ ومِن (قَلِيلًا) . فَإذا كانَ بَدَلًا مِنَ اللَّيْلِ، كانَ الِاسْتِثْناءُ مِنهُ، وكانَ المَأْمُورُ بِقِيامِهِ نِصْفَ اللَّيْلِ إلّا قَلِيلًا مِنهُ. والضَّمِيرُ في مِنهُ وعَلَيْهِ عائِدٌ عَلى النِّصْفِ، فَيَصِيرُ المَعْنى: قُمْ نِصْفَ اللَّيْلِ إلّا قَلِيلًا، أوِ انْقُصْ مِن نِصْفِ اللَّيْلِ قَلِيلًا، أوْ زِدْ عَلى نِصْفِ اللَّيْلِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: أوِ انْقُصْ مِن نِصْفِ اللَّيْلِ قَلِيلًا، تَكْرارًا لِقَوْلِهِ: إلّا قَلِيلًا مِن نِصْفِ اللَّيْلِ، وذَلِكَ تَرْكِيبٌ غَيْرُ فَصِيحٍ يُنَزَّهُ القُرْآنُ عَنْهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ”نِصْفَهُ“ بَدَلٌ مِن ”اللَّيْلِ“، و”(إلّا قَلِيلًا)“ اسْتِثْناءٌ مِنَ النِّصْفِ، كَأنَّهُ قالَ: قُمْ أقَلَّ مِن نِصْفِ اللَّيْلِ. والضَّمِيرُ في ”مِنهُ وعَلَيْهِ“ لِلنِّصْفِ، والمَعْنى: التَّخْيِيرُ بَيْنَ أمْرَيْنِ، بَيْنَ أنْ يَقُومَ أقَلَّ مِن نِصْفِ اللَّيْلِ عَلى البَتِّ، وبَيْنَ أنْ يَخْتارَ أحَدَ الأمْرَيْنِ، وهُما النُّقْصانُ مِنَ النِّصْفِ والزِّيادَةُ عَلَيْهِ. انْتَهى. فَلَمْ يَتَنَبَّهْ لِلتَّكْرارِ الَّذِي يَلْزَمُهُ في هَذا القَوْلِ؛ لِأنَّهُ عَلى تَقْدِيرِهِ: قُمْ أقَلَّ مِن نِصْفِ اللَّيْلِ كانَ قَوْلَهُ، أوِ انْقُصْ مِن نِصْفِ اللَّيْلِ تَكْرارًا. وإذا كانَ ﴿نِصْفَهُ﴾ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: (إلّا قَلِيلًا) فالضَّمِيرُ في نِصْفِهِ إمّا أنْ يَعُودَ عَلى المُبْدَلِ مِنهُ، أوْ عَلى المُسْتَثْنى مِنهُ وهو اللَّيْلُ، لا جائِزٌ أنْ يَعُودَ عَلى المُبْدَلِ مِنهُ؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ اسْتِثْناءَ مَجْهُولٍ مِن مَجْهُولٍ، إذِ التَّقْدِيرُ إلّا قَلِيلًا نِصْفُ القَلِيلِ، وهَذا لا يَصِحُّ لَهُ مَعْنى البَتَّةِ. وإنْ عادَ الضَّمِيرُ عَلى اللَّيْلِ، فَلا فائِدَةَ في الِاسْتِثْناءِ مِنَ اللَّيْلِ، إذْ كانَ يَكُونُ أخْصَرَ وأوْضَحَ وأبْعَدَ عَنِ الإلْباسِ أنْ يَكُونَ التَّرْكِيبُ قُمِ اللَّيْلَ نِصْفَهُ. وقَدْ أبْطَلْنا قَوْلَ مَن قالَ: إلّا قَلِيلًا اسْتِثْناءٌ مِنَ البَدَلِ وهو نِصْفُهُ، وأنَّ التَّقْدِيرَ: قُمِ اللَّيْلَ نِصْفَهُ إلّا قَلِيلًا مِنهُ، أيْ: مِنَ النِّصْفِ. وأيْضًا فَفي دَعْوى أنَّ ”نِصْفَهُ“ بَدَلٌ مِن (إلّا قَلِيلًا)، والضَّمِيرُ في ﴿نِصْفَهُ﴾ عائِدٌ عَلى ”اللَّيْلَ“، إطْلاقُ القَلِيلِ عَلى النِّصْفِ، ويَلْزَمُ أيْضًا أنْ يَصِيرَ التَّقْدِيرُ: إلّا نِصْفَهُ فَلا تَقُمْهُ، أوِ انْقُصْ مِنَ النِّصْفِ الَّذِي لا تَقُومُهُ، وأزِدْ عَلَيْهِ النِّصْفَ الَّذِي لا تَقُومُهُ، وهَذا مَعْنى لا يَصِحُّ، ولَيْسَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ قَطْعًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ نِصْفَهْ بَدَلًا مِن ”قَلِيلًا“، (p-٣٦٢)وكانَ تَخْيِيرًا بَيْنَ ثَلاثٍ: بَيْنَ قِيامِ النِّصْفِ بِتَمامِهِ، وبَيْنَ قِيامِ النّاقِصِ مِنهُ، وبَيْنَ قِيامِ الزّائِدِ عَلَيْهِ. وإنَّما وصَفَ النِّصْفَ بِالقِلَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُلِّ. وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: لَمّا كانَ مَعْنى ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿نِصْفَهُ﴾: إذا أبْدَلْتَ النِّصْفَ مِنَ اللَّيْلِ، قُمْ أقَلَّ مِن نِصْفِ اللَّيْلِ، رَجَعَ الضَّمِيرُ في ”مِنهُ وعَلَيْهِ“ إلى الأقَلِّ مِنَ النِّصْفِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: قُمْ أقَلَّ مِن نِصْفِ اللَّيْلِ، وقُمْ أنْقَصَ مِن ذَلِكَ إلّا أقَلَّ أوْ أزْيَدَ مِنهُ قَلِيلًا، فَيَكُونُ التَّخْيِيرُ فِيما وراءَ النِّصْفِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الثُّلُثِ، ويَجُوزُ إذا أبْدَلْتَ نِصْفَهُ مِن (قَلِيلًا) وفَسَّرْتَهُ بِهِ أنْ تَجْعَلَ قَلِيلًا الثّانِي بِمَعْنى نِصْفِ النِّصْفِ وهو الرُّبُعُ، كَأنَّهُ قِيلَ: أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا نِصْفَهُ، وتَجْعَلُ المَزِيدَ عَلى هَذا القَلِيلَ، أعْنِي الرُّبُعَ نِصْفَ الرُّبُعِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أوْ زِدْ عَلَيْهِ قَلِيلًا نِصْفَهُ. ويَجُوزُ أنْ تَجْعَلَ الزِّيادَةَ لِكَوْنِها مُطْلَقَةً تَتِمَّةَ الثُّلُثِ، فَيَكُونُ تَخْيِيرًا بَيْنَ النِّصْفِ والثُّلُثِ والرُّبُعِ. انْتَهى. وما أوْسَعَ خَيالَ هَذا الرَّجُلِ، فَإنَّهُ يُجَوِّزُ ما يَقْرُبُ وما يَبْعُدُ، والقُرْآنُ لا يَنْبَغِي، بَلْ لا يَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ إلّا عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ الَّتِي تَأْتِي في كَلامِ العَرَبِ، كَما ذَكَرْناهُ في خُطْبَةِ هَذا الكِتابِ. ومِمَّنْ نَصَّ عَلى جَوازِ أنْ يَكُونَ ﴿نِصْفَهُ﴾ بَدَلًا مِن (اللَّيْلِ)، أوْ مِن (قَلِيلًا) الزَّمَخْشَرِيُّ، كَما ذَكَرْنا عَنْهُ. وابْنُ عَطِيَّةَ أوْرَدَهُ مَوْرِدَ الِاحْتِمالِ، وأبُو البَقاءِ، وقالَ: أشْبَهُ بِظاهِرِ الآيَةِ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ”قَلِيلًا“، ﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾، والهاءُ فِيهِما لِلنِّصْفِ. فَلَوْ كانَ الِاسْتِثْناءُ مِنَ النِّصْفِ لَصارَ التَّقْدِيرُ: قُمْ نِصْفَ اللَّيْلِ إلّا قَلِيلًا، أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا. والقَلِيلُ المُسْتَثْنى غَيْرُ مُقَدَّرٍ، فالنُّقْصانُ مِنهُ لا يَتَحَصَّلُ. انْتَهى. وأمّا الحَوْفِيُّ فَأجازَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ ”اللَّيْلَ“، ولَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَدْ يَحْتَمِلُ عِنْدِي قَوْلُهُ: (إلّا قَلِيلًا) أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِنَ القِيامِ، فَيُجْعَلُ ”اللَّيْلَ“ اسْمَ جِنْسٍ. ثُمَّ قالَ: (إلّا قَلِيلًا) أيِ: اللَّيالِي الَّتِي تُخِلُّ بِقِيامِها عِنْدَ العُذْرِ البَيِّنِ ونَحْوُهُ، وهَذا النَّظَرُ يَحْسُنُ مَعَ القَوْلِ بِالنَّدْبِ. انْتَهى، وهَذا خِلافُ الظّاهِرِ. وقِيلَ: المَعْنى أوْ نِصْفَهُ، كَما تَقُولُ: أعْطِهِ دِرْهَمًا دِرْهَمَيْنِ ثَلاثَةً، تُرِيدُ: أوْ دِرْهَمَيْنِ، أوْ ثَلاثَةً. انْتَهى، وفِيهِ حَذَفَ حَرْفَ العَطْفِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ عَلَيْهِ. وقالَ التِّبْرِيزِيُّ: الأمْرُ بِالقِيامِ والتَّخْيِيرِ في الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ وقَعَ عَلى الثُّلُثَيْنِ مِن آخَرِ اللَّيْلِ؛ لِأنَّ الثُّلُثَ الأوَّلَ وقْتَ العَتَمَةِ، والِاسْتِثْناءُ وارِدٌ عَلى المَأْمُورِ بِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: قُمْ ثُلْثَيِ اللَّيْلِ إلّا قَلِيلًا، ثُمَّ جَعَلَ نِصْفَهُ بَدَلًا مِن ”قَلِيلًا“، فَصارَ القَلِيلُ مُفَسَّرًا بِالنِّصْفِ مِنَ الثُّلْثَيْنِ، وهو قَلِيلٌ مِنَ الكُلِّ. فَقَوْلُهُ: ﴿أوِ انْقُصْ مِنهُ﴾ أيْ: مِنَ المَأْمُورِ بِهِ، وهو قِيامُ الثُّلُثِ (قَلِيلًا) أيْ: ما دُونَ نِصْفِهِ ﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ أيْ: عَلى الثُّلُثَيْنِ، فَكانَ التَّخْيِيرُ في الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ واقِعًا عَلى الثُّلُثَيْنِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: قَدْ أكْثَرَ النّاسُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، وعِنْدِي فِيهِ وجْهانِ مُلَخَّصانِ، وذَكَرَ كَلامًا طَوِيلًا مُلَفَّقًا يُوقَفُ عَلَيْهِ مِن كِتابِهِ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ التَّرْتِيلِ في آخِرِ الإسْراءِ. ﴿قَوْلًا ثَقِيلًا﴾: هو القُرْآنُ، وثِقَلُهُ بِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ، كالجِهادِ ومُداوَمَةِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ. قالَ الحَسَنُ: إنَّ الهَذَّ خَفِيفٌ، ولَكِنَّ العَمَلَ ثَقِيلٌ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: والقُرْطُبِيُّ: ثِقَلُهُ عَلى الكُفّارِ والمُنافِقِينَ بِإعْجازِهِ ووَعِيدِهِ. وقِيلَ: ثِقَلُهُ ما كانَ يَحِلُّ بِجِسْمِهِ ﷺ حالَةَ تَلَقِّيهِ الوَحْيَ، حَتّى كانَتْ ناقَتُهُ تَبْرُكُ بِهِ ذَلِكَ الوَقْتَ، وحَتّى كادَتْ رَأْسُهُ الكَرِيمَةُ أنْ تُرَضَّ فَخَذَّ زَيْدَ بْنَ ثابِتٍ. وقِيلَ: كَلامٌ لَهُ وزْنٌ ورُجْحانٌ لَيْسَ بِالسَّفْسانِيِّ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كَلامًا عَظِيمًا. وقِيلَ: ثَقِيلٌ في المِيزانِ يَوْمَ القِيامَةِ، وهو إشارَةٌ إلى العَمَلِ بِهِ. وقِيلَ: كِنايَةٌ عَنْ بَقائِهِ عَلى وجْهِ الدَّهْرِ؛ لِأنَّ الثَّقِيلَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَبْقى في مَكانِهِ.

المزمل 73:4

(p-٣٥٨)(سُورَةُ المُزَّمِّلِ مَكِّيَّةٌ وهي عِشْرُونَ آيَةً) (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا﴾ ﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هي أشَدُّ وطْئًا وأقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: ٦] ﴿إنَّ لَكَ في النَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: ٧] ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨] ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلّا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾ [المزمل: ٩] ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: ١٠] ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١١] ﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالًا وجَحِيمًا﴾ [المزمل: ١٢] ﴿وطَعامًا ذا غُصَّةٍ وعَذابًا ألِيمًا﴾ [المزمل: ١٣] ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ [المزمل: ١٤] ﴿إنّا أرْسَلْنا إلَيْكم رَسُولًا شاهِدًا عَلَيْكم كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ [المزمل: ١٥] ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأخَذْناهُ أخْذًا وبِيلًا﴾ [المزمل: ١٦] ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ [المزمل: ١٧] ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ [المزمل: ١٨] ﴿إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [المزمل: ١٩] ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ ونِصْفَهُ وثُلُثَهُ وطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ واللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ والنَّهارَ عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكم فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ مِنكم مَرْضى وآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وآخَرُونَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وأقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وما تُقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرًا وأعْظَمَ أجْرًا واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المزمل: ٢٠] . تَزَمَّلَ في ثَوْبِهِ: التَفَّ، وزَمَلَ: لَفَّ. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: كَبِيرُ أُناسٍ في بِجادٍ مُزَّمَّلِ وقالَ ذُو الرُّمَّةِ: ؎وكائِنٍ تَخَطَّتْ ناقَتِي مِن مَفازَةٍ ومِن نائِمٍ عَنْ لَيْلِها مُتَزَمِّلِ تَبَتَّلَ إلى كَذا: انْقَطَعَ إلَيْهِ، ومِنهُ هِبَةٌ بَتْلَةٌ، وطَلْقَةٌ بَتْلَةٌ، والبَتُولُ وبَتَلَ الحَبْلَ. قالَ اللَّيْثُ: البَتْلُ تَمْيِيزُ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ، والبَتُولُ المَرْأةُ المُنْقَطِعَةُ عَنِ الرِّجالِ لا شَهْوَةَ لَها ولا حاجَةَ لَها فِيهِمْ، والتَّبَتُّلُ: تَرْكُ النِّكاحِ والزُّهْدُ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎تُضِيءُ الظَّلامَ بِالعِشاءِ كَأنَّها ∗∗∗ مَنارَةُ مُمْسى راهِبٍ مُتَبَتِّلِ ومِنهُ النَّهْيُ عَنِ التَّبَتُّلِ، أيْ: عَنِ الِانْقِطاعِ عَنِ التَّزْوِيجِ. ومِنهُ قِيلَ لِلرّاهِبِ مُتَبَتِّلٌ، لِانْقِطاعِهِ عَنِ النّاسِ وانْفِرادِهِ لِلْعِبادَةِ. والغُصَّةُ: الشَّجى، وهو ما يَنْشَبُ بِالحَلْقِ مِن عَظْمٍ أوْ غَيْرِهِ، وجَمْعُها غُصَصٌ، والفِعْلُ غَصَصْتَ، فَأنْتَ غاصٌّ وغَصّانُ، قالَ: ؎كُنْتُ كالغَصّانِ بِالماءِ اعْتِصارِي الكَثِيبُ: الرَّمْلُ المُجْتَمِعُ، وجَمْعُهُ كُثُبٌ وكُثْبانُ في الكَثْرَةِ، وأكْثِبَةٌ في القِلَّةِ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ: ؎فَقُلْتُ لَها لا إنَّ أهْلِي جِيرَةٌ ∗∗∗ لِأكْثِبَةِ الدَّهْنا جَمِيعًا ومالِيا المَهِيلُ: الَّذِي يَمُرُّ تَحْتَ الرَّجُلِ، وهِلْتُ عَلَيْهِ التُّرابَ: صَبَبْتُهُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: المَهِيلُ: الَّذِي إذا وطِئَتْهُ القَدَمُ زَلَّ مِن تَحْتِها، وإذا أخَذَتْ أسْفَلَهُ انْهالَ، وأهَلْتُ لُغَةٌ في هِلْتُ. الشِّيبُ: جَمْعُ أشَيْبٍ. (p-٣٥٩)﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا﴾ ﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هي أشَدُّ وطْأً وأقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: ٦] ﴿إنَّ لَكَ في اَلنَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: ٧] ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨] ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلّا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾ [المزمل: ٩] ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: ١٠] ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١١] ﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالًا وجَحِيمًا﴾ [المزمل: ١٢] ﴿وطَعامًا ذا غُصَّةٍ وعَذابًا ألِيمًا﴾ [المزمل: ١٣] ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ [المزمل: ١٤] ﴿إنّا أرْسَلْنا إلَيْكم رَسُولًا شاهِدًا عَلَيْكم كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ [المزمل: ١٥] ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأخَذْناهُ أخْذًا وبِيلًا﴾ [المزمل: ١٦] ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ [المزمل: ١٧] ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ [المزمل: ١٨] . (p-٣٦٠)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ كُلُّها، في قَوْلِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ وجابِرٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: إلّا آيَتَيْنِ مِنها: ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ [المزمل: ١٠] والَّتِي تَلِيها، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وقالَ الجُمْهُورُ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ﴾ [المزمل: ٢٠] إلَخْ، فَإنَّهُ نَزَلَ بِالمَدِينَةِ. وسَبَبُ نُزُولِها فِيما ذَكَرَ الجُمْهُورُ: «أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمّا جاءَهُ المَلَكُ في غارِ حِراءٍ وحاوَرَهُ بِما حاوَرَهُ، رَجَعَ إلى خَدِيجَةَ فَقالَ: ”زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي“، فَنَزَلَتْ: ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] وعَلى هَذا نَزَلَتْ: ﴿ياأيُّها المُزَّمِّلُ﴾» . قالَتْ عائِشَةُ والنَّخَعِيُّ وجَماعَةٌ: ونُودِيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ في وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ مُتَزَمِّلًا بِكِساءٍ. وقالَ قَتادَةُ: كانَ تَزَمَّلَ في ثِيابِهِ لِلصَّلاةِ واسْتَعَدَّ. فَنُودِيَ عَلى مَعْنى: يا أيُّها المُسْتَعِدُّ لِلْعِبادَةِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: مَعْناهُ المُزَّمِّلُ لِلنُّبُوَّةِ وأعْبائِها، أيِ: المُشَمِّرُ المُجِدُّ، فَعَلى هَذا يَكُونُ التَّزَمُّلُ مَجازًا، وعَلى ما سَبَقَ يَكُونُ حَقِيقَةً. وما رَوَوْا أنَّ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - سُئِلَتْ: ما كانَ تَزْمِيلُهُ ؟ قالَتْ: كانَ مِرْطًا طُولُهُ أرْبَعَ عَشْرَةَ ذِراعًا، نِصْفُهُ عَلَيَّ وأنا نائِمَةٌ، ونِصْفُهُ عَلَيْهِ، إلى آخَرِ الرِّوايَةِ. كَذِبٌ صُراحٌ؛ لِأنَّ نُزُولَ ﴿ياأيُّها المُزَّمِّلُ﴾ بِـ مَكَّةَ في أوائِلِ مَبْعَثِهِ، وتَزْوِيجُهُ عائِشَةَ كانَ بِـ المَدِينَةِ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ السُّورَةُ لِما قَبْلَها: أنَّ في آخِرِ ما قَبْلَها (عالِمُ الغَيْبِ) الآياتِ، فَأتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها المُزَّمِّلُ﴾ إعْلامًا بِأنَّهُ مِمَّنِ ارْتَضاهُ مِنَ الرُّسُلِ وخَصَّهُ بِخَصائِصَ وكَفاهُ شَرَّ أعْدائِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿المُزَّمِّلُ﴾ بِشَدِّ الزّايِ وكَسْرِ المِيمِ، أصْلُهُ المُتَزَمِّلُ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الزّايِ. وقَرَأ أُبَيٌّ: (المُتَزَمِّلُ) عَلى الأصْلِ. وعِكْرِمَةُ: بِتَخْفِيفِ الزّايِ. أيِ: المُزَمِّلُ جِسْمَهُ أوْ نَفْسَهُ. وقَرَأ بَعْضُ السَّلَفِ: بِتَخْفِيفِ الزّايِ وفَتْحِ المِيمِ، أيِ: الَّذِي لُفَّ. ولِلزَّمَخْشَرِيِّ في كَيْفِيَّةِ نِداءِ اللَّهِ لَهُ بِهَذا الوَصْفِ كَلامٌ ضَرَبْتُ عَنْ ذِكْرِهِ صَفْحًا، فَلَمْ أذْكُرْهُ في كِتابِي. وقالَ السُّهَيْلِيُّ: لَيْسَ المُزَّمِّلُ بِاسْمٍ مِن أسْمائِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - يُعْرَفُ بِهِ، وإنَّما هو مُشْتَقٌّ مِن حالَتِهِ الَّتِي كانَ التَبَسَ بِها حالَةَ الخِطابِ، والعَرَبُ إذا قَصَدَتِ المُلاطَفَةَ بِالمُخاطَبِ تَتْرُكُ المُعاتَبَةَ نادَوْهُ بِاسْمٍ مُشْتَقٍّ مِن حالَتِهِ الَّتِي هو عَلَيْها، «كَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ - وقَدْ نامَ ولَصِقَ بِجَنْبِهِ التُّرابُ: ”قُمْ أبا تُرابٍ“»، إشْعارًا بِأنَّهُ مُلاطِفٌ لَهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها المُزَّمِّلُ﴾ فِيهِ تَأْنِيسٌ ومُلاطَفَةٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ بِكَسْرِ المِيمِ عَلى أصْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وأبُو السَّمّالِ: بِضَمِّها اتِّباعًا لِلْحَرَكَةِ مِنَ القافِ. وقُرِئَ: بِفَتْحِها طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ. قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: الغَرَضُ بِالحَرَكَةِ الهُرُوبُ مِنَ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَبِأيِّ حَرَكَةٍ تَحَرَّكَ الحَرْفُ حَصَلَ الغَرَضُ، وقُمْ طَلَبٌ. فَقالَ الجُمْهُورُ: هو عَلى جِهَةِ النَّدْبِ، وقِيلَ: كانَ فَرْضًا عَلى الرَّسُولِ خاصَّةً، وقِيلَ: عَلَيْهِ وعَلى الجَمِيعِ. قالَ قَتادَةُ: ودامَ عامًا أوْ عامَيْنِ. وقالَتْ عائِشَةُ: ثَمانِيَةَ أشْهُرٍ، ثُمَّ رَحِمَهُمُ اللَّهُ فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ﴾ [المزمل: ٢٠] الآياتِ، فَخَفَّفَ عَنْهم ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ . بَيَّنَ الِاسْتِثْناءُ أنَّ القِيامَ المَأْمُورَ بِهِ يَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ اللَّيْلِ، ولِذَلِكَ صَحَّ الِاسْتِثْناءُ مِنهُ، إذْ لَوْ كانَ غَيْرَ مُسْتَغْرِقٍ، لَمْ يَصِحَّ الِاسْتِثْناءُ مِنهُ، واسْتِغْراقُ جَمِيعِهِ بِالقِيامِ عَلى الدَّوامِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، لِذَلِكَ اسْتَثْنى مِنهُ لِراحَةِ الجَسَدِ. وهَذا عِنْدَ البَصْرِيِّينَ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ، وإنِ اسْتَغْرَقَهُ الفِعْلُ. وهو عِنْدُ الكُوفِيِّينَ مَفْعُولٌ بِهِ. وفي قَوْلِهِ: (إلّا قَلِيلًا) دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُسْتَثْنى قَدْ يَكُونُ مُبْهَمَ المِقْدارِ، كَقَوْلِهِ: (ما فَعَلُوهُ إلّا قَلِيلًا مِنهم) في قِراءَةِ مَن نَصَبَ ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إلّا قَلِيلًا مِنكُمْ﴾ [البقرة: ٨٣] . قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: القَلِيلُ ما دُونُ المِعْشارِ والسُّدْسِ. وقالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: (p-٣٦١)الثُّلُثُ. وقِيلَ: ما دُونُ النِّصْفِ، وجَوَّزُوا في نِصْفِهِ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ اللَّيْلِ ومِن (قَلِيلًا) . فَإذا كانَ بَدَلًا مِنَ اللَّيْلِ، كانَ الِاسْتِثْناءُ مِنهُ، وكانَ المَأْمُورُ بِقِيامِهِ نِصْفَ اللَّيْلِ إلّا قَلِيلًا مِنهُ. والضَّمِيرُ في مِنهُ وعَلَيْهِ عائِدٌ عَلى النِّصْفِ، فَيَصِيرُ المَعْنى: قُمْ نِصْفَ اللَّيْلِ إلّا قَلِيلًا، أوِ انْقُصْ مِن نِصْفِ اللَّيْلِ قَلِيلًا، أوْ زِدْ عَلى نِصْفِ اللَّيْلِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: أوِ انْقُصْ مِن نِصْفِ اللَّيْلِ قَلِيلًا، تَكْرارًا لِقَوْلِهِ: إلّا قَلِيلًا مِن نِصْفِ اللَّيْلِ، وذَلِكَ تَرْكِيبٌ غَيْرُ فَصِيحٍ يُنَزَّهُ القُرْآنُ عَنْهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ”نِصْفَهُ“ بَدَلٌ مِن ”اللَّيْلِ“، و”(إلّا قَلِيلًا)“ اسْتِثْناءٌ مِنَ النِّصْفِ، كَأنَّهُ قالَ: قُمْ أقَلَّ مِن نِصْفِ اللَّيْلِ. والضَّمِيرُ في ”مِنهُ وعَلَيْهِ“ لِلنِّصْفِ، والمَعْنى: التَّخْيِيرُ بَيْنَ أمْرَيْنِ، بَيْنَ أنْ يَقُومَ أقَلَّ مِن نِصْفِ اللَّيْلِ عَلى البَتِّ، وبَيْنَ أنْ يَخْتارَ أحَدَ الأمْرَيْنِ، وهُما النُّقْصانُ مِنَ النِّصْفِ والزِّيادَةُ عَلَيْهِ. انْتَهى. فَلَمْ يَتَنَبَّهْ لِلتَّكْرارِ الَّذِي يَلْزَمُهُ في هَذا القَوْلِ؛ لِأنَّهُ عَلى تَقْدِيرِهِ: قُمْ أقَلَّ مِن نِصْفِ اللَّيْلِ كانَ قَوْلَهُ، أوِ انْقُصْ مِن نِصْفِ اللَّيْلِ تَكْرارًا. وإذا كانَ ﴿نِصْفَهُ﴾ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: (إلّا قَلِيلًا) فالضَّمِيرُ في نِصْفِهِ إمّا أنْ يَعُودَ عَلى المُبْدَلِ مِنهُ، أوْ عَلى المُسْتَثْنى مِنهُ وهو اللَّيْلُ، لا جائِزٌ أنْ يَعُودَ عَلى المُبْدَلِ مِنهُ؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ اسْتِثْناءَ مَجْهُولٍ مِن مَجْهُولٍ، إذِ التَّقْدِيرُ إلّا قَلِيلًا نِصْفُ القَلِيلِ، وهَذا لا يَصِحُّ لَهُ مَعْنى البَتَّةِ. وإنْ عادَ الضَّمِيرُ عَلى اللَّيْلِ، فَلا فائِدَةَ في الِاسْتِثْناءِ مِنَ اللَّيْلِ، إذْ كانَ يَكُونُ أخْصَرَ وأوْضَحَ وأبْعَدَ عَنِ الإلْباسِ أنْ يَكُونَ التَّرْكِيبُ قُمِ اللَّيْلَ نِصْفَهُ. وقَدْ أبْطَلْنا قَوْلَ مَن قالَ: إلّا قَلِيلًا اسْتِثْناءٌ مِنَ البَدَلِ وهو نِصْفُهُ، وأنَّ التَّقْدِيرَ: قُمِ اللَّيْلَ نِصْفَهُ إلّا قَلِيلًا مِنهُ، أيْ: مِنَ النِّصْفِ. وأيْضًا فَفي دَعْوى أنَّ ”نِصْفَهُ“ بَدَلٌ مِن (إلّا قَلِيلًا)، والضَّمِيرُ في ﴿نِصْفَهُ﴾ عائِدٌ عَلى ”اللَّيْلَ“، إطْلاقُ القَلِيلِ عَلى النِّصْفِ، ويَلْزَمُ أيْضًا أنْ يَصِيرَ التَّقْدِيرُ: إلّا نِصْفَهُ فَلا تَقُمْهُ، أوِ انْقُصْ مِنَ النِّصْفِ الَّذِي لا تَقُومُهُ، وأزِدْ عَلَيْهِ النِّصْفَ الَّذِي لا تَقُومُهُ، وهَذا مَعْنى لا يَصِحُّ، ولَيْسَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ قَطْعًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ نِصْفَهْ بَدَلًا مِن ”قَلِيلًا“، (p-٣٦٢)وكانَ تَخْيِيرًا بَيْنَ ثَلاثٍ: بَيْنَ قِيامِ النِّصْفِ بِتَمامِهِ، وبَيْنَ قِيامِ النّاقِصِ مِنهُ، وبَيْنَ قِيامِ الزّائِدِ عَلَيْهِ. وإنَّما وصَفَ النِّصْفَ بِالقِلَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُلِّ. وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: لَمّا كانَ مَعْنى ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿نِصْفَهُ﴾: إذا أبْدَلْتَ النِّصْفَ مِنَ اللَّيْلِ، قُمْ أقَلَّ مِن نِصْفِ اللَّيْلِ، رَجَعَ الضَّمِيرُ في ”مِنهُ وعَلَيْهِ“ إلى الأقَلِّ مِنَ النِّصْفِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: قُمْ أقَلَّ مِن نِصْفِ اللَّيْلِ، وقُمْ أنْقَصَ مِن ذَلِكَ إلّا أقَلَّ أوْ أزْيَدَ مِنهُ قَلِيلًا، فَيَكُونُ التَّخْيِيرُ فِيما وراءَ النِّصْفِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الثُّلُثِ، ويَجُوزُ إذا أبْدَلْتَ نِصْفَهُ مِن (قَلِيلًا) وفَسَّرْتَهُ بِهِ أنْ تَجْعَلَ قَلِيلًا الثّانِي بِمَعْنى نِصْفِ النِّصْفِ وهو الرُّبُعُ، كَأنَّهُ قِيلَ: أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا نِصْفَهُ، وتَجْعَلُ المَزِيدَ عَلى هَذا القَلِيلَ، أعْنِي الرُّبُعَ نِصْفَ الرُّبُعِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أوْ زِدْ عَلَيْهِ قَلِيلًا نِصْفَهُ. ويَجُوزُ أنْ تَجْعَلَ الزِّيادَةَ لِكَوْنِها مُطْلَقَةً تَتِمَّةَ الثُّلُثِ، فَيَكُونُ تَخْيِيرًا بَيْنَ النِّصْفِ والثُّلُثِ والرُّبُعِ. انْتَهى. وما أوْسَعَ خَيالَ هَذا الرَّجُلِ، فَإنَّهُ يُجَوِّزُ ما يَقْرُبُ وما يَبْعُدُ، والقُرْآنُ لا يَنْبَغِي، بَلْ لا يَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ إلّا عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ الَّتِي تَأْتِي في كَلامِ العَرَبِ، كَما ذَكَرْناهُ في خُطْبَةِ هَذا الكِتابِ. ومِمَّنْ نَصَّ عَلى جَوازِ أنْ يَكُونَ ﴿نِصْفَهُ﴾ بَدَلًا مِن (اللَّيْلِ)، أوْ مِن (قَلِيلًا) الزَّمَخْشَرِيُّ، كَما ذَكَرْنا عَنْهُ. وابْنُ عَطِيَّةَ أوْرَدَهُ مَوْرِدَ الِاحْتِمالِ، وأبُو البَقاءِ، وقالَ: أشْبَهُ بِظاهِرِ الآيَةِ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ”قَلِيلًا“، ﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾، والهاءُ فِيهِما لِلنِّصْفِ. فَلَوْ كانَ الِاسْتِثْناءُ مِنَ النِّصْفِ لَصارَ التَّقْدِيرُ: قُمْ نِصْفَ اللَّيْلِ إلّا قَلِيلًا، أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا. والقَلِيلُ المُسْتَثْنى غَيْرُ مُقَدَّرٍ، فالنُّقْصانُ مِنهُ لا يَتَحَصَّلُ. انْتَهى. وأمّا الحَوْفِيُّ فَأجازَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ ”اللَّيْلَ“، ولَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَدْ يَحْتَمِلُ عِنْدِي قَوْلُهُ: (إلّا قَلِيلًا) أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِنَ القِيامِ، فَيُجْعَلُ ”اللَّيْلَ“ اسْمَ جِنْسٍ. ثُمَّ قالَ: (إلّا قَلِيلًا) أيِ: اللَّيالِي الَّتِي تُخِلُّ بِقِيامِها عِنْدَ العُذْرِ البَيِّنِ ونَحْوُهُ، وهَذا النَّظَرُ يَحْسُنُ مَعَ القَوْلِ بِالنَّدْبِ. انْتَهى، وهَذا خِلافُ الظّاهِرِ. وقِيلَ: المَعْنى أوْ نِصْفَهُ، كَما تَقُولُ: أعْطِهِ دِرْهَمًا دِرْهَمَيْنِ ثَلاثَةً، تُرِيدُ: أوْ دِرْهَمَيْنِ، أوْ ثَلاثَةً. انْتَهى، وفِيهِ حَذَفَ حَرْفَ العَطْفِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ عَلَيْهِ. وقالَ التِّبْرِيزِيُّ: الأمْرُ بِالقِيامِ والتَّخْيِيرِ في الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ وقَعَ عَلى الثُّلُثَيْنِ مِن آخَرِ اللَّيْلِ؛ لِأنَّ الثُّلُثَ الأوَّلَ وقْتَ العَتَمَةِ، والِاسْتِثْناءُ وارِدٌ عَلى المَأْمُورِ بِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: قُمْ ثُلْثَيِ اللَّيْلِ إلّا قَلِيلًا، ثُمَّ جَعَلَ نِصْفَهُ بَدَلًا مِن ”قَلِيلًا“، فَصارَ القَلِيلُ مُفَسَّرًا بِالنِّصْفِ مِنَ الثُّلْثَيْنِ، وهو قَلِيلٌ مِنَ الكُلِّ. فَقَوْلُهُ: ﴿أوِ انْقُصْ مِنهُ﴾ أيْ: مِنَ المَأْمُورِ بِهِ، وهو قِيامُ الثُّلُثِ (قَلِيلًا) أيْ: ما دُونَ نِصْفِهِ ﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ أيْ: عَلى الثُّلُثَيْنِ، فَكانَ التَّخْيِيرُ في الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ واقِعًا عَلى الثُّلُثَيْنِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: قَدْ أكْثَرَ النّاسُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، وعِنْدِي فِيهِ وجْهانِ مُلَخَّصانِ، وذَكَرَ كَلامًا طَوِيلًا مُلَفَّقًا يُوقَفُ عَلَيْهِ مِن كِتابِهِ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ التَّرْتِيلِ في آخِرِ الإسْراءِ. ﴿قَوْلًا ثَقِيلًا﴾: هو القُرْآنُ، وثِقَلُهُ بِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ، كالجِهادِ ومُداوَمَةِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ. قالَ الحَسَنُ: إنَّ الهَذَّ خَفِيفٌ، ولَكِنَّ العَمَلَ ثَقِيلٌ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: والقُرْطُبِيُّ: ثِقَلُهُ عَلى الكُفّارِ والمُنافِقِينَ بِإعْجازِهِ ووَعِيدِهِ. وقِيلَ: ثِقَلُهُ ما كانَ يَحِلُّ بِجِسْمِهِ ﷺ حالَةَ تَلَقِّيهِ الوَحْيَ، حَتّى كانَتْ ناقَتُهُ تَبْرُكُ بِهِ ذَلِكَ الوَقْتَ، وحَتّى كادَتْ رَأْسُهُ الكَرِيمَةُ أنْ تُرَضَّ فَخَذَّ زَيْدَ بْنَ ثابِتٍ. وقِيلَ: كَلامٌ لَهُ وزْنٌ ورُجْحانٌ لَيْسَ بِالسَّفْسانِيِّ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كَلامًا عَظِيمًا. وقِيلَ: ثَقِيلٌ في المِيزانِ يَوْمَ القِيامَةِ، وهو إشارَةٌ إلى العَمَلِ بِهِ. وقِيلَ: كِنايَةٌ عَنْ بَقائِهِ عَلى وجْهِ الدَّهْرِ؛ لِأنَّ الثَّقِيلَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَبْقى في مَكانِهِ.

المزمل 73:5

(p-٣٥٨)(سُورَةُ المُزَّمِّلِ مَكِّيَّةٌ وهي عِشْرُونَ آيَةً) (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا﴾ ﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هي أشَدُّ وطْئًا وأقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: ٦] ﴿إنَّ لَكَ في النَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: ٧] ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨] ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلّا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾ [المزمل: ٩] ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: ١٠] ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١١] ﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالًا وجَحِيمًا﴾ [المزمل: ١٢] ﴿وطَعامًا ذا غُصَّةٍ وعَذابًا ألِيمًا﴾ [المزمل: ١٣] ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ [المزمل: ١٤] ﴿إنّا أرْسَلْنا إلَيْكم رَسُولًا شاهِدًا عَلَيْكم كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ [المزمل: ١٥] ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأخَذْناهُ أخْذًا وبِيلًا﴾ [المزمل: ١٦] ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ [المزمل: ١٧] ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ [المزمل: ١٨] ﴿إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [المزمل: ١٩] ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ ونِصْفَهُ وثُلُثَهُ وطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ واللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ والنَّهارَ عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكم فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ مِنكم مَرْضى وآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وآخَرُونَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وأقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وما تُقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرًا وأعْظَمَ أجْرًا واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المزمل: ٢٠] . تَزَمَّلَ في ثَوْبِهِ: التَفَّ، وزَمَلَ: لَفَّ. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: كَبِيرُ أُناسٍ في بِجادٍ مُزَّمَّلِ وقالَ ذُو الرُّمَّةِ: ؎وكائِنٍ تَخَطَّتْ ناقَتِي مِن مَفازَةٍ ومِن نائِمٍ عَنْ لَيْلِها مُتَزَمِّلِ تَبَتَّلَ إلى كَذا: انْقَطَعَ إلَيْهِ، ومِنهُ هِبَةٌ بَتْلَةٌ، وطَلْقَةٌ بَتْلَةٌ، والبَتُولُ وبَتَلَ الحَبْلَ. قالَ اللَّيْثُ: البَتْلُ تَمْيِيزُ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ، والبَتُولُ المَرْأةُ المُنْقَطِعَةُ عَنِ الرِّجالِ لا شَهْوَةَ لَها ولا حاجَةَ لَها فِيهِمْ، والتَّبَتُّلُ: تَرْكُ النِّكاحِ والزُّهْدُ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎تُضِيءُ الظَّلامَ بِالعِشاءِ كَأنَّها ∗∗∗ مَنارَةُ مُمْسى راهِبٍ مُتَبَتِّلِ ومِنهُ النَّهْيُ عَنِ التَّبَتُّلِ، أيْ: عَنِ الِانْقِطاعِ عَنِ التَّزْوِيجِ. ومِنهُ قِيلَ لِلرّاهِبِ مُتَبَتِّلٌ، لِانْقِطاعِهِ عَنِ النّاسِ وانْفِرادِهِ لِلْعِبادَةِ. والغُصَّةُ: الشَّجى، وهو ما يَنْشَبُ بِالحَلْقِ مِن عَظْمٍ أوْ غَيْرِهِ، وجَمْعُها غُصَصٌ، والفِعْلُ غَصَصْتَ، فَأنْتَ غاصٌّ وغَصّانُ، قالَ: ؎كُنْتُ كالغَصّانِ بِالماءِ اعْتِصارِي الكَثِيبُ: الرَّمْلُ المُجْتَمِعُ، وجَمْعُهُ كُثُبٌ وكُثْبانُ في الكَثْرَةِ، وأكْثِبَةٌ في القِلَّةِ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ: ؎فَقُلْتُ لَها لا إنَّ أهْلِي جِيرَةٌ ∗∗∗ لِأكْثِبَةِ الدَّهْنا جَمِيعًا ومالِيا المَهِيلُ: الَّذِي يَمُرُّ تَحْتَ الرَّجُلِ، وهِلْتُ عَلَيْهِ التُّرابَ: صَبَبْتُهُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: المَهِيلُ: الَّذِي إذا وطِئَتْهُ القَدَمُ زَلَّ مِن تَحْتِها، وإذا أخَذَتْ أسْفَلَهُ انْهالَ، وأهَلْتُ لُغَةٌ في هِلْتُ. الشِّيبُ: جَمْعُ أشَيْبٍ. (p-٣٥٩)﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا﴾ ﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هي أشَدُّ وطْأً وأقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: ٦] ﴿إنَّ لَكَ في اَلنَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: ٧] ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨] ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلّا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾ [المزمل: ٩] ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: ١٠] ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١١] ﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالًا وجَحِيمًا﴾ [المزمل: ١٢] ﴿وطَعامًا ذا غُصَّةٍ وعَذابًا ألِيمًا﴾ [المزمل: ١٣] ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ [المزمل: ١٤] ﴿إنّا أرْسَلْنا إلَيْكم رَسُولًا شاهِدًا عَلَيْكم كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ [المزمل: ١٥] ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأخَذْناهُ أخْذًا وبِيلًا﴾ [المزمل: ١٦] ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ [المزمل: ١٧] ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ [المزمل: ١٨] . (p-٣٦٠)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ كُلُّها، في قَوْلِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ وجابِرٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: إلّا آيَتَيْنِ مِنها: ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ [المزمل: ١٠] والَّتِي تَلِيها، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وقالَ الجُمْهُورُ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ﴾ [المزمل: ٢٠] إلَخْ، فَإنَّهُ نَزَلَ بِالمَدِينَةِ. وسَبَبُ نُزُولِها فِيما ذَكَرَ الجُمْهُورُ: «أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمّا جاءَهُ المَلَكُ في غارِ حِراءٍ وحاوَرَهُ بِما حاوَرَهُ، رَجَعَ إلى خَدِيجَةَ فَقالَ: ”زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي“، فَنَزَلَتْ: ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] وعَلى هَذا نَزَلَتْ: ﴿ياأيُّها المُزَّمِّلُ﴾» . قالَتْ عائِشَةُ والنَّخَعِيُّ وجَماعَةٌ: ونُودِيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ في وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ مُتَزَمِّلًا بِكِساءٍ. وقالَ قَتادَةُ: كانَ تَزَمَّلَ في ثِيابِهِ لِلصَّلاةِ واسْتَعَدَّ. فَنُودِيَ عَلى مَعْنى: يا أيُّها المُسْتَعِدُّ لِلْعِبادَةِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: مَعْناهُ المُزَّمِّلُ لِلنُّبُوَّةِ وأعْبائِها، أيِ: المُشَمِّرُ المُجِدُّ، فَعَلى هَذا يَكُونُ التَّزَمُّلُ مَجازًا، وعَلى ما سَبَقَ يَكُونُ حَقِيقَةً. وما رَوَوْا أنَّ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - سُئِلَتْ: ما كانَ تَزْمِيلُهُ ؟ قالَتْ: كانَ مِرْطًا طُولُهُ أرْبَعَ عَشْرَةَ ذِراعًا، نِصْفُهُ عَلَيَّ وأنا نائِمَةٌ، ونِصْفُهُ عَلَيْهِ، إلى آخَرِ الرِّوايَةِ. كَذِبٌ صُراحٌ؛ لِأنَّ نُزُولَ ﴿ياأيُّها المُزَّمِّلُ﴾ بِـ مَكَّةَ في أوائِلِ مَبْعَثِهِ، وتَزْوِيجُهُ عائِشَةَ كانَ بِـ المَدِينَةِ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ السُّورَةُ لِما قَبْلَها: أنَّ في آخِرِ ما قَبْلَها (عالِمُ الغَيْبِ) الآياتِ، فَأتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها المُزَّمِّلُ﴾ إعْلامًا بِأنَّهُ مِمَّنِ ارْتَضاهُ مِنَ الرُّسُلِ وخَصَّهُ بِخَصائِصَ وكَفاهُ شَرَّ أعْدائِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿المُزَّمِّلُ﴾ بِشَدِّ الزّايِ وكَسْرِ المِيمِ، أصْلُهُ المُتَزَمِّلُ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الزّايِ. وقَرَأ أُبَيٌّ: (المُتَزَمِّلُ) عَلى الأصْلِ. وعِكْرِمَةُ: بِتَخْفِيفِ الزّايِ. أيِ: المُزَمِّلُ جِسْمَهُ أوْ نَفْسَهُ. وقَرَأ بَعْضُ السَّلَفِ: بِتَخْفِيفِ الزّايِ وفَتْحِ المِيمِ، أيِ: الَّذِي لُفَّ. ولِلزَّمَخْشَرِيِّ في كَيْفِيَّةِ نِداءِ اللَّهِ لَهُ بِهَذا الوَصْفِ كَلامٌ ضَرَبْتُ عَنْ ذِكْرِهِ صَفْحًا، فَلَمْ أذْكُرْهُ في كِتابِي. وقالَ السُّهَيْلِيُّ: لَيْسَ المُزَّمِّلُ بِاسْمٍ مِن أسْمائِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - يُعْرَفُ بِهِ، وإنَّما هو مُشْتَقٌّ مِن حالَتِهِ الَّتِي كانَ التَبَسَ بِها حالَةَ الخِطابِ، والعَرَبُ إذا قَصَدَتِ المُلاطَفَةَ بِالمُخاطَبِ تَتْرُكُ المُعاتَبَةَ نادَوْهُ بِاسْمٍ مُشْتَقٍّ مِن حالَتِهِ الَّتِي هو عَلَيْها، «كَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ - وقَدْ نامَ ولَصِقَ بِجَنْبِهِ التُّرابُ: ”قُمْ أبا تُرابٍ“»، إشْعارًا بِأنَّهُ مُلاطِفٌ لَهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها المُزَّمِّلُ﴾ فِيهِ تَأْنِيسٌ ومُلاطَفَةٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ بِكَسْرِ المِيمِ عَلى أصْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وأبُو السَّمّالِ: بِضَمِّها اتِّباعًا لِلْحَرَكَةِ مِنَ القافِ. وقُرِئَ: بِفَتْحِها طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ. قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: الغَرَضُ بِالحَرَكَةِ الهُرُوبُ مِنَ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَبِأيِّ حَرَكَةٍ تَحَرَّكَ الحَرْفُ حَصَلَ الغَرَضُ، وقُمْ طَلَبٌ. فَقالَ الجُمْهُورُ: هو عَلى جِهَةِ النَّدْبِ، وقِيلَ: كانَ فَرْضًا عَلى الرَّسُولِ خاصَّةً، وقِيلَ: عَلَيْهِ وعَلى الجَمِيعِ. قالَ قَتادَةُ: ودامَ عامًا أوْ عامَيْنِ. وقالَتْ عائِشَةُ: ثَمانِيَةَ أشْهُرٍ، ثُمَّ رَحِمَهُمُ اللَّهُ فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ﴾ [المزمل: ٢٠] الآياتِ، فَخَفَّفَ عَنْهم ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ . بَيَّنَ الِاسْتِثْناءُ أنَّ القِيامَ المَأْمُورَ بِهِ يَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ اللَّيْلِ، ولِذَلِكَ صَحَّ الِاسْتِثْناءُ مِنهُ، إذْ لَوْ كانَ غَيْرَ مُسْتَغْرِقٍ، لَمْ يَصِحَّ الِاسْتِثْناءُ مِنهُ، واسْتِغْراقُ جَمِيعِهِ بِالقِيامِ عَلى الدَّوامِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، لِذَلِكَ اسْتَثْنى مِنهُ لِراحَةِ الجَسَدِ. وهَذا عِنْدَ البَصْرِيِّينَ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ، وإنِ اسْتَغْرَقَهُ الفِعْلُ. وهو عِنْدُ الكُوفِيِّينَ مَفْعُولٌ بِهِ. وفي قَوْلِهِ: (إلّا قَلِيلًا) دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُسْتَثْنى قَدْ يَكُونُ مُبْهَمَ المِقْدارِ، كَقَوْلِهِ: (ما فَعَلُوهُ إلّا قَلِيلًا مِنهم) في قِراءَةِ مَن نَصَبَ ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إلّا قَلِيلًا مِنكُمْ﴾ [البقرة: ٨٣] . قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: القَلِيلُ ما دُونُ المِعْشارِ والسُّدْسِ. وقالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: (p-٣٦١)الثُّلُثُ. وقِيلَ: ما دُونُ النِّصْفِ، وجَوَّزُوا في نِصْفِهِ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ اللَّيْلِ ومِن (قَلِيلًا) . فَإذا كانَ بَدَلًا مِنَ اللَّيْلِ، كانَ الِاسْتِثْناءُ مِنهُ، وكانَ المَأْمُورُ بِقِيامِهِ نِصْفَ اللَّيْلِ إلّا قَلِيلًا مِنهُ. والضَّمِيرُ في مِنهُ وعَلَيْهِ عائِدٌ عَلى النِّصْفِ، فَيَصِيرُ المَعْنى: قُمْ نِصْفَ اللَّيْلِ إلّا قَلِيلًا، أوِ انْقُصْ مِن نِصْفِ اللَّيْلِ قَلِيلًا، أوْ زِدْ عَلى نِصْفِ اللَّيْلِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: أوِ انْقُصْ مِن نِصْفِ اللَّيْلِ قَلِيلًا، تَكْرارًا لِقَوْلِهِ: إلّا قَلِيلًا مِن نِصْفِ اللَّيْلِ، وذَلِكَ تَرْكِيبٌ غَيْرُ فَصِيحٍ يُنَزَّهُ القُرْآنُ عَنْهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ”نِصْفَهُ“ بَدَلٌ مِن ”اللَّيْلِ“، و”(إلّا قَلِيلًا)“ اسْتِثْناءٌ مِنَ النِّصْفِ، كَأنَّهُ قالَ: قُمْ أقَلَّ مِن نِصْفِ اللَّيْلِ. والضَّمِيرُ في ”مِنهُ وعَلَيْهِ“ لِلنِّصْفِ، والمَعْنى: التَّخْيِيرُ بَيْنَ أمْرَيْنِ، بَيْنَ أنْ يَقُومَ أقَلَّ مِن نِصْفِ اللَّيْلِ عَلى البَتِّ، وبَيْنَ أنْ يَخْتارَ أحَدَ الأمْرَيْنِ، وهُما النُّقْصانُ مِنَ النِّصْفِ والزِّيادَةُ عَلَيْهِ. انْتَهى. فَلَمْ يَتَنَبَّهْ لِلتَّكْرارِ الَّذِي يَلْزَمُهُ في هَذا القَوْلِ؛ لِأنَّهُ عَلى تَقْدِيرِهِ: قُمْ أقَلَّ مِن نِصْفِ اللَّيْلِ كانَ قَوْلَهُ، أوِ انْقُصْ مِن نِصْفِ اللَّيْلِ تَكْرارًا. وإذا كانَ ﴿نِصْفَهُ﴾ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: (إلّا قَلِيلًا) فالضَّمِيرُ في نِصْفِهِ إمّا أنْ يَعُودَ عَلى المُبْدَلِ مِنهُ، أوْ عَلى المُسْتَثْنى مِنهُ وهو اللَّيْلُ، لا جائِزٌ أنْ يَعُودَ عَلى المُبْدَلِ مِنهُ؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ اسْتِثْناءَ مَجْهُولٍ مِن مَجْهُولٍ، إذِ التَّقْدِيرُ إلّا قَلِيلًا نِصْفُ القَلِيلِ، وهَذا لا يَصِحُّ لَهُ مَعْنى البَتَّةِ. وإنْ عادَ الضَّمِيرُ عَلى اللَّيْلِ، فَلا فائِدَةَ في الِاسْتِثْناءِ مِنَ اللَّيْلِ، إذْ كانَ يَكُونُ أخْصَرَ وأوْضَحَ وأبْعَدَ عَنِ الإلْباسِ أنْ يَكُونَ التَّرْكِيبُ قُمِ اللَّيْلَ نِصْفَهُ. وقَدْ أبْطَلْنا قَوْلَ مَن قالَ: إلّا قَلِيلًا اسْتِثْناءٌ مِنَ البَدَلِ وهو نِصْفُهُ، وأنَّ التَّقْدِيرَ: قُمِ اللَّيْلَ نِصْفَهُ إلّا قَلِيلًا مِنهُ، أيْ: مِنَ النِّصْفِ. وأيْضًا فَفي دَعْوى أنَّ ”نِصْفَهُ“ بَدَلٌ مِن (إلّا قَلِيلًا)، والضَّمِيرُ في ﴿نِصْفَهُ﴾ عائِدٌ عَلى ”اللَّيْلَ“، إطْلاقُ القَلِيلِ عَلى النِّصْفِ، ويَلْزَمُ أيْضًا أنْ يَصِيرَ التَّقْدِيرُ: إلّا نِصْفَهُ فَلا تَقُمْهُ، أوِ انْقُصْ مِنَ النِّصْفِ الَّذِي لا تَقُومُهُ، وأزِدْ عَلَيْهِ النِّصْفَ الَّذِي لا تَقُومُهُ، وهَذا مَعْنى لا يَصِحُّ، ولَيْسَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ قَطْعًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ نِصْفَهْ بَدَلًا مِن ”قَلِيلًا“، (p-٣٦٢)وكانَ تَخْيِيرًا بَيْنَ ثَلاثٍ: بَيْنَ قِيامِ النِّصْفِ بِتَمامِهِ، وبَيْنَ قِيامِ النّاقِصِ مِنهُ، وبَيْنَ قِيامِ الزّائِدِ عَلَيْهِ. وإنَّما وصَفَ النِّصْفَ بِالقِلَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُلِّ. وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: لَمّا كانَ مَعْنى ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿نِصْفَهُ﴾: إذا أبْدَلْتَ النِّصْفَ مِنَ اللَّيْلِ، قُمْ أقَلَّ مِن نِصْفِ اللَّيْلِ، رَجَعَ الضَّمِيرُ في ”مِنهُ وعَلَيْهِ“ إلى الأقَلِّ مِنَ النِّصْفِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: قُمْ أقَلَّ مِن نِصْفِ اللَّيْلِ، وقُمْ أنْقَصَ مِن ذَلِكَ إلّا أقَلَّ أوْ أزْيَدَ مِنهُ قَلِيلًا، فَيَكُونُ التَّخْيِيرُ فِيما وراءَ النِّصْفِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الثُّلُثِ، ويَجُوزُ إذا أبْدَلْتَ نِصْفَهُ مِن (قَلِيلًا) وفَسَّرْتَهُ بِهِ أنْ تَجْعَلَ قَلِيلًا الثّانِي بِمَعْنى نِصْفِ النِّصْفِ وهو الرُّبُعُ، كَأنَّهُ قِيلَ: أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا نِصْفَهُ، وتَجْعَلُ المَزِيدَ عَلى هَذا القَلِيلَ، أعْنِي الرُّبُعَ نِصْفَ الرُّبُعِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أوْ زِدْ عَلَيْهِ قَلِيلًا نِصْفَهُ. ويَجُوزُ أنْ تَجْعَلَ الزِّيادَةَ لِكَوْنِها مُطْلَقَةً تَتِمَّةَ الثُّلُثِ، فَيَكُونُ تَخْيِيرًا بَيْنَ النِّصْفِ والثُّلُثِ والرُّبُعِ. انْتَهى. وما أوْسَعَ خَيالَ هَذا الرَّجُلِ، فَإنَّهُ يُجَوِّزُ ما يَقْرُبُ وما يَبْعُدُ، والقُرْآنُ لا يَنْبَغِي، بَلْ لا يَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ إلّا عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ الَّتِي تَأْتِي في كَلامِ العَرَبِ، كَما ذَكَرْناهُ في خُطْبَةِ هَذا الكِتابِ. ومِمَّنْ نَصَّ عَلى جَوازِ أنْ يَكُونَ ﴿نِصْفَهُ﴾ بَدَلًا مِن (اللَّيْلِ)، أوْ مِن (قَلِيلًا) الزَّمَخْشَرِيُّ، كَما ذَكَرْنا عَنْهُ. وابْنُ عَطِيَّةَ أوْرَدَهُ مَوْرِدَ الِاحْتِمالِ، وأبُو البَقاءِ، وقالَ: أشْبَهُ بِظاهِرِ الآيَةِ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ”قَلِيلًا“، ﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾، والهاءُ فِيهِما لِلنِّصْفِ. فَلَوْ كانَ الِاسْتِثْناءُ مِنَ النِّصْفِ لَصارَ التَّقْدِيرُ: قُمْ نِصْفَ اللَّيْلِ إلّا قَلِيلًا، أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا. والقَلِيلُ المُسْتَثْنى غَيْرُ مُقَدَّرٍ، فالنُّقْصانُ مِنهُ لا يَتَحَصَّلُ. انْتَهى. وأمّا الحَوْفِيُّ فَأجازَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ ”اللَّيْلَ“، ولَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَدْ يَحْتَمِلُ عِنْدِي قَوْلُهُ: (إلّا قَلِيلًا) أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِنَ القِيامِ، فَيُجْعَلُ ”اللَّيْلَ“ اسْمَ جِنْسٍ. ثُمَّ قالَ: (إلّا قَلِيلًا) أيِ: اللَّيالِي الَّتِي تُخِلُّ بِقِيامِها عِنْدَ العُذْرِ البَيِّنِ ونَحْوُهُ، وهَذا النَّظَرُ يَحْسُنُ مَعَ القَوْلِ بِالنَّدْبِ. انْتَهى، وهَذا خِلافُ الظّاهِرِ. وقِيلَ: المَعْنى أوْ نِصْفَهُ، كَما تَقُولُ: أعْطِهِ دِرْهَمًا دِرْهَمَيْنِ ثَلاثَةً، تُرِيدُ: أوْ دِرْهَمَيْنِ، أوْ ثَلاثَةً. انْتَهى، وفِيهِ حَذَفَ حَرْفَ العَطْفِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ عَلَيْهِ. وقالَ التِّبْرِيزِيُّ: الأمْرُ بِالقِيامِ والتَّخْيِيرِ في الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ وقَعَ عَلى الثُّلُثَيْنِ مِن آخَرِ اللَّيْلِ؛ لِأنَّ الثُّلُثَ الأوَّلَ وقْتَ العَتَمَةِ، والِاسْتِثْناءُ وارِدٌ عَلى المَأْمُورِ بِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: قُمْ ثُلْثَيِ اللَّيْلِ إلّا قَلِيلًا، ثُمَّ جَعَلَ نِصْفَهُ بَدَلًا مِن ”قَلِيلًا“، فَصارَ القَلِيلُ مُفَسَّرًا بِالنِّصْفِ مِنَ الثُّلْثَيْنِ، وهو قَلِيلٌ مِنَ الكُلِّ. فَقَوْلُهُ: ﴿أوِ انْقُصْ مِنهُ﴾ أيْ: مِنَ المَأْمُورِ بِهِ، وهو قِيامُ الثُّلُثِ (قَلِيلًا) أيْ: ما دُونَ نِصْفِهِ ﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ أيْ: عَلى الثُّلُثَيْنِ، فَكانَ التَّخْيِيرُ في الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ واقِعًا عَلى الثُّلُثَيْنِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: قَدْ أكْثَرَ النّاسُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، وعِنْدِي فِيهِ وجْهانِ مُلَخَّصانِ، وذَكَرَ كَلامًا طَوِيلًا مُلَفَّقًا يُوقَفُ عَلَيْهِ مِن كِتابِهِ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ التَّرْتِيلِ في آخِرِ الإسْراءِ. ﴿قَوْلًا ثَقِيلًا﴾: هو القُرْآنُ، وثِقَلُهُ بِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ، كالجِهادِ ومُداوَمَةِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ. قالَ الحَسَنُ: إنَّ الهَذَّ خَفِيفٌ، ولَكِنَّ العَمَلَ ثَقِيلٌ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: والقُرْطُبِيُّ: ثِقَلُهُ عَلى الكُفّارِ والمُنافِقِينَ بِإعْجازِهِ ووَعِيدِهِ. وقِيلَ: ثِقَلُهُ ما كانَ يَحِلُّ بِجِسْمِهِ ﷺ حالَةَ تَلَقِّيهِ الوَحْيَ، حَتّى كانَتْ ناقَتُهُ تَبْرُكُ بِهِ ذَلِكَ الوَقْتَ، وحَتّى كادَتْ رَأْسُهُ الكَرِيمَةُ أنْ تُرَضَّ فَخَذَّ زَيْدَ بْنَ ثابِتٍ. وقِيلَ: كَلامٌ لَهُ وزْنٌ ورُجْحانٌ لَيْسَ بِالسَّفْسانِيِّ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كَلامًا عَظِيمًا. وقِيلَ: ثَقِيلٌ في المِيزانِ يَوْمَ القِيامَةِ، وهو إشارَةٌ إلى العَمَلِ بِهِ. وقِيلَ: كِنايَةٌ عَنْ بَقائِهِ عَلى وجْهِ الدَّهْرِ؛ لِأنَّ الثَّقِيلَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَبْقى في مَكانِهِ.

المزمل 73:6

﴿إنَّ ناشِئَهُ اللَّيْلِ﴾ قالَ ابْنُ عُمَرَ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ: هي ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ. وقالَتْ عائِشَةُ ومُجاهِدٌ: هي القِيامُ بَعْدَ اليَوْمِ، ومَن قامَ أوَّلَ اللَّيْلِ قَبْلَ اليَوْمِ، فَلَمْ يَقُمْ ناشِئَةَ اللَّيْلِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ زَيْدٍ: هي لَفْظَةٌ حَبَشِيَّةٌ، نَشَأ الرَّجُلُ: قامَ مِنَ اللَّيْلِ، فَناشِئَةٌ عَلى هَذا جَمْعُ ناشِئٍ، أيْ: قائِمٌ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ زَيْدٍ أيْضًا وجَماعَةٌ: ناشِئَةُ (p-٣٦٣)اللَّيْلِ: ساعاتُهُ؛ لِأنَّها تَنْشَأُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ الزُّبَيْرِ والحَسَنُ وأبُو مِجْلِزٍ: ما كانَ بَعْدَ العَشاءِ فَهو ناشِئَةٌ، وما كانَ قَبْلَها فَلَيْسَ بِناشِئَةٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتْ صَلاتُهم أوَّلَ اللَّيْلِ، وقالَ هو وابْنُ الزُّبَيْرِ: اللَّيْلُ كُلُّهُ ناشِئَةٌ. وقالَ الكِسائِيُّ: ناشِئَةُ اللَّيْلِ أوَّلُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ناشِئَةُ اللَّيْلِ: النَّفْسُ النّاشِئَةُ بِاللَّيْلِ الَّتِي تَنْشَأُ مِن مَضْجَعِها إلى العِبادَةِ، أيْ: تَنْهَضُ وتَرْتَفِعُ مَن نَشَأتِ السَّحابَةُ إذا ارْتَفَعَتْ، ونَشَأ مِن مَكانِهِ ونَشَرَ إذا نَهَضَ. قالَ الشّاعِرُ: ؎نَشَأْنا إلى خُوصٍ بَرى فِيها السُّرى وألْصَقَ مِنها مُشْرِفاتِ القَماحِدِ أوْ: قِيامُ اللَّيْلِ، عَلى أنَّ النّاشِئَةَ مَصْدَرٌ مِن نَشَأ إذا قامَ ونَهَضَ عَلى فاعِلِهِ كالعاقِبَةِ. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وِطاءً) بِكَسْرِ الواوِ وفَتْحِ الطّاءِ مَمْدُودًا. وقَرَأ قَتادَةُ وشِبْلٌ، عَنْ أهْلِ مَكَّةَ: بِكَسْرِ الواوِ وسُكُونِ الطّاءِ، والهَمْزَةُ مَقْصُورَةٌ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِفَتْحِ الواوِ مَمْدُودًا، والمَعْنى أنَّها أشَدُّ مُواطَأةً، أيْ: يُواطِئُ القَلْبُ فِيها اللِّسانَ، أوْ أشَدُّ مُوافَقَةً لِما يُرادُ مِنَ الخُشُوعِ والإخْلاصِ. ومَن قَرَأ (وطْأً) أيْ: أشَدُّ ثَباتَ قَدَمٍ وأبْعَدُ مِنَ الزَّلَلِ، أوْ أثْقَلُ وأغْلَظُ عَلى المُصَلِّي مِن صَلاةِ النَّهارِ، كَما جاءَ: «اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ» . وقالَ الأخْفَشُ: أشَدُّ قِيامًا. وقالَ الفَرّاءُ: أثْبَتُ قِراءَةً وقِيامًا. وقالَ الكَلْبِيُّ: أشَدُّ نَشاطًا لِلْمُصَلِّي؛ لِأنَّهُ في زَمانِ راحَتِهِ. وقِيلَ: أثْبَتُ لِلْعَمَلِ وأدْوَمُ لِمَن أرادَ الِاسْتِكْثارَ مِنَ العِبادَةِ، واللَّيْلُ وقْتُ فَراغٍ، فالعِبادَةُ تَدُومُ. ﴿وأقْوَمُ قِيلًا﴾ أيْ: أشَدُّ اسْتِقامَةً عَلى الصَّوابِ؛ لِأنَّ الأصْواتَ هادِئَةٌ فَلا يَضْطَرِبُ عَلى المُصَلِّي ما يَقْرَؤُهُ. قالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ: أصْوَبُ لِلْقِراءَةِ وأثْبَتُ لِلْقَوْلِ؛ لِأنَّهُ زَمانُ التَّفَهُّمِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: أتَمُّ نَشاطًا وإخْلاصًا وبَرَكَةً. وحَكى ابْنُ شَجَرَةَ: أعْجَلُ إجابَةً لِلدُّعاءِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: أجْدَرُ أنْ يَتَفَقَّهَ فِيها القارِئُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (سَبْحًا) أيْ: تَصَرُّفًا وتَقَلُّبًا في المُهِمّاتِ، كَما يَتَرَدَّدُ السّابِحُ في الماءِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎أبا حَوالِكم شَرْقَ البِلادِ وغَرْبَها ∗∗∗ فَفِيها لَكم يا صاحُ سَبْحٌ مِنَ السَّبْحِ وقِيلَ: سَبْحًا سُبْحَةً، أيْ: نافِلَةً. وقَرَأ ابْنُ يَعْمُرَ وعِكْرِمَةُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: سَبْخًا بِالخاءِ المَنقُوطَةِ، ومَعْناهُ: خِفَّةٌ مِنَ التَّكالِيفِ، والتَّسْبِيخُ: التَّخْفِيفُ، وهو اسْتِعارَةٌ مِن سَبَّخَ الصُّوفَ إذا نَفَشَهُ ونَشَرَ أجْزاءَهُ، فَمَعْناهُ: انْتِشارُ الهِمَّةِ وتَفَرُّقِ الخاطِرِ بِالشَّواغِلِ. وقِيلَ: فَراغًا وسَعَةً لِنَوْمِكَ وتَصَرُّفِكَ في حَوائِجِكَ. وقِيلَ: المَعْنى إنْ فاتَ حِزْبُ اللَّيْلِ بِنَوْمٍ أوْ عُذْرٍ. فَلْيُخْلِفْ بِالنَّهارِ، فَإنَّ فِيهِ سَبْحًا طَوِيلًا. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وفَسَّرَ ابْنُ يَعْمُرَ وعِكْرِمَةُ سَبْخًا بِالخاءِ مُعْجَمَةً. وقالَ: نَوْمًا، أيْ: تَنامُ بِالنَّهارِ لِتَسْتَعِينَ بِهِ عَلى قِيامِ اللَّيْلِ. وقَدْ تَحْتَمِلُ هَذِهِ القِراءَةُ غَيْرَ هَذا المَعْنى، لَكِنَّهُما فَسَّراها، فَلا يُجاوِزُ عَنْهُ. انْتَهى. وفي الحَدِيثِ: «لا تَسَبَّخِي بِدُعائِكِ»، أيْ: لا تَخَفَّفِي. وقالَ الشّاعِرُ: ؎فَسَبِّخْ عَلَيْكَ الهَمَّ واعْلَمْ بِأنَّهُ ∗∗∗ إذا قَدَّرَ الرَّحْمَنُ شَيْئًا فَكائِنٌ وقالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ سَبَّخَ اللَّهُ عَنْكَ الحُمّى، أيْ: خَفَّفَها. وقِيلَ: السَّبْخُ: المَدُّ، يُقالُ: سَبِّخِي قُطْنَكِ أيْ: مُدِّيهِ، ويُقالُ لِقِطَعِ القُطْنِ سَبائِخُ، الواحِدَةُ سَبِيخَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ: ؎فَأرْسَلُوهُنَّ يُذْرِينَ التُّرابَ، كَما ∗∗∗ يُذْرِي سَبائِخَ قُطْنِ نَدْفُ أوْتارِ ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ أيْ: دُمْ عَلى ذِكْرِهِ، وهو يَتَناوَلُ كُلَّ ذِكْرٍ مِن تَسْبِيحٍ وتَهْلِيلٍ وغَيْرِهِما، وانْتَصَبَ ﴿تَبْتِيلًا﴾ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ، وحَسَّنَ ذَلِكَ كَوْنُهُ فاصِلَةً. وقَرَأ الأخَوانِ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ ويَعْقُوبُ: (رَبِّ) بِالخَفْضِ عَلى البَدَلِ مِن (رَبِّكَ) . وباقِي السَّبْعَةِ بِالرَّفْعِ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِالنَّصْبِ. والجُمْهُورُ: ﴿المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ مُوَحَّدَيْنِ. وعَبْدُ اللَّهِ وأصْحابُهُ وابْنُ عَبّاسٍ: بِجَمْعِهِما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: عَلى القَسَمِ. يَعْنِي: خَفَضَ (رَبِّ) بِإضْمارِ حَرْفِ القَسَمِ، كَقَوْلِكَ: اللَّهِ لَأفْعَلَنَّ، وجَوابُهُ: لا إلَهَ إلّا هو، كَما (p-٣٦٤)تَقُولُ: واللَّهِ لا أحَدَ في الدّارِ إلّا زِيدًا. انْتَهى. ولَعَلَّ هَذا التَّخْرِيجَ لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، إذْ فِيهِ إضْمارُ الجارِّ في القَسَمِ، ولا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ إلّا في لَفْظَةِ اللَّهِ، ولا يُقاسُ عَلَيْهِ. ولِأنَّ الجُمْلَةَ المَنفِيَّةَ في جَوابِ القَسَمِ إذا كانَتِ اسْمِيَّةً فَلا تُنْفى إلّا بِـ (ما) وحْدَها، ولا تُنَفى بِـ (لا) إلّا الجُمْلَةُ المُصَدَّرَةُ بِمُضارِعٍ كَثِيرًا وبِماضٍ في مَعْناهُ قَلِيلًا، نَحْوُ قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎رَدُّوا فَواللَّهِ لا زُرْناكم أبَدًا ∗∗∗ ما دامَ في مائِنا وِرْدٌ لِوَرِادٍ والزَّمَخْشَرِيُّ أوْرَدَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّجْوِيزِ والتَّسْلِيمِ، والَّذِي ذَكَرَهُ النَّحْوِيُّونَ هو نَفْيُها بِما نَحْوُ قَوْلِهِ: ؎لَعَمْرُكَ ما سَعْدٌ بِخُلَّةِ آثِمٍ ∗∗∗ ولا نَأْنَأٍ يَوْمَ الحِفاظِ ولا حَصِرْ ﴿فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾ لِأنَّ مَنِ انْفَرَدَ بِالأُلُوهِيَّةِ لَمْ يَتَّخِذْ وكِيلًا إلّا هو. (واصْبِرْ) ﴿واهْجُرْهُمْ﴾: قِيلَ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ﴾: قِيلَ نَزَلَتْ في صَنادِيدِ قُرَيْشٍ، وقِيلَ: في المُطْعِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، وتَقَدَّمَتْ أسْماؤُهم في سُورَةِ الأنْفالِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ مِثْلِ هَذا في ﴿فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ﴾ [القلم: ٤٤] . ﴿أُولِي النَّعْمَةِ﴾ أيْ: غَضارَةُ العَيْشِ وكَثْرَةُ المالِ والوَلَدِ، والنَّعْمَةُ بِالفَتْحِ: التَّنَعُّمُ، وبِالكَسْرِ: الأنْعامُ وما يُنْعِمُ بِهِ، وبِالضَّمِّ: المَسَرَّةُ، يُقالُ: نِعَمٌ ونِعْمَةُ عَيْنٍ. ﴿ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾: وعِيدٌ لَهم بِسُرْعَةِ الِانْتِقامِ مِنهم، والقَلِيلُ: مُوافاةُ آجالِهِمْ. وقِيلَ: وقْعَةُ بَدْرٍ. ﴿إنَّ لَدَيْنا﴾ أيْ: ما يُضادُّ نِعْمَتَهم (أنْكالًا): قُيُودًا في أرْجُلِهِمْ. قالَ الشَّعْبِيُّ: لَمْ تُجْعَلْ في أرْجُلِهِمْ خَوْفًا مِن هُرُوبِهِمْ، ولَكِنْ إذا أرادُوا أنْ يَرْتَفِعُوا اسْتَقَلَّتْ بِهِمْ. وقالَ الكَلْبِيُّ: الأنْكالُ: الأغْلالُ، والأوَّلُ أعْرَفُ في اللُّغَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ: ؎دَعاكَ فَقَطَّعْتَ أنْكالَهُ ∗∗∗ وقَدْ كُنَّ قَبْلَكَ لا تُقْطَعُ (وجَحِيمًا): نارًا شَدِيدَةَ الإيقادِ. ﴿وطَعامًا ذا غُصَّةٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: شَوْكٌ مِن نارٍ يَعْتَرِضُ في حُلُوقِهِمْ، لا يَخْرُجُ ولا يَنْزِلُ. وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: شَجَرَةُ الزَّقُّومِ. وقِيلَ: الضَّرِيعُ وشَجَرَةُ الزَّقُّومِ. (يَوْمَ) مَنصُوبٌ بِالعامِلِ في (لَدَيْنا)، وقِيلَ: بِـ (ذَرْنِي) (تَرْجُفُ): تَضْطَرِبُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَرْجُفُ) بِفَتْحِ التّاءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِضَمِّها مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ﴿كَثِيبًا﴾ أيْ: رَمْلًا مُجْتَمِعًا ﴿مَهِيلًا﴾ أيْ: رَخْوًا لَيِّنًا. قِيلَ: ويُقالُ: مَهِيلٌ ومَهْيُولٌ، وكَيْلٌ ومَكْيُولٌ، ومَدِينٌ ومَدْيُونٌ، الإتْمامُ في ذَواتِ الياءِ لُغَةُ تَمِيمٍ، والحَذْفُ لِأكْثَرِ العَرَبِ. ولَمّا هَدَّدَ المُكَذِّبِينَ بِأهْوالِ القِيامَةِ، ذَكَّرَهم بِحالِ فِرْعَوْنَ وكَيْفَ أخَذَهُ اللَّهُ تَعالى، إذْ كَذَّبَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّهُ إنْ دامَ تَكْذِيبُهم أهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى، فَقالَ: ﴿إنّا أرْسَلْنا إلَيْكُمْ﴾ والخِطابُ عامٌّ لِلْأسْوَدِ والأحْمَرِ. وقِيلَ: لِأهْلِ مَكَّةَ ﴿رَسُولًا شاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾ كَما قالَ: ﴿وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ﴾ [النحل: ٨٩] . وشَبَّهَ إرْسالَهُ إلى أهْلِ مَكَّةَ بِإرْسالِ مُوسى إلى فِرْعَوْنَ عَلى التَّعْيِينِ؛ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما رَبا في قَوْمِهِ واسْتُحْقِرُوا بِهِما، وكانَ عِنْدَهم عِلْمٌ بِما جَرى مِن غَرَقِ فِرْعَوْنَ، فَناسَبَ أنْ يُشَبِّهَ الإرْسالَ بِالإرْسالِ. وقِيلَ: الرَّسُولُ بِلامِ التَّعْرِيفِ؛ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَأُحِيلَ عَلَيْهِ. كَما تَقُولُ: لَقِيتُ رَجُلًا فَضَرَبْتُ الرَّجُلَ؛ لِأنَّ المَضْرُوبَ هو المَلْقِيُّ، والوَبِيلُ: الرَّدِيءُ العُقْبى، مِن قَوْلِهِمْ: كَلَأٌ وبِيلٌ أيْ: وخِيمٌ لا يُسْتَمْرَأُ لِثِقَلِهِ، أيْ: لا يَنْزِلُ في المَرِيءِ.

المزمل 73:7

﴿إنَّ ناشِئَهُ اللَّيْلِ﴾ قالَ ابْنُ عُمَرَ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ: هي ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ. وقالَتْ عائِشَةُ ومُجاهِدٌ: هي القِيامُ بَعْدَ اليَوْمِ، ومَن قامَ أوَّلَ اللَّيْلِ قَبْلَ اليَوْمِ، فَلَمْ يَقُمْ ناشِئَةَ اللَّيْلِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ زَيْدٍ: هي لَفْظَةٌ حَبَشِيَّةٌ، نَشَأ الرَّجُلُ: قامَ مِنَ اللَّيْلِ، فَناشِئَةٌ عَلى هَذا جَمْعُ ناشِئٍ، أيْ: قائِمٌ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ زَيْدٍ أيْضًا وجَماعَةٌ: ناشِئَةُ (p-٣٦٣)اللَّيْلِ: ساعاتُهُ؛ لِأنَّها تَنْشَأُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ الزُّبَيْرِ والحَسَنُ وأبُو مِجْلِزٍ: ما كانَ بَعْدَ العَشاءِ فَهو ناشِئَةٌ، وما كانَ قَبْلَها فَلَيْسَ بِناشِئَةٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتْ صَلاتُهم أوَّلَ اللَّيْلِ، وقالَ هو وابْنُ الزُّبَيْرِ: اللَّيْلُ كُلُّهُ ناشِئَةٌ. وقالَ الكِسائِيُّ: ناشِئَةُ اللَّيْلِ أوَّلُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ناشِئَةُ اللَّيْلِ: النَّفْسُ النّاشِئَةُ بِاللَّيْلِ الَّتِي تَنْشَأُ مِن مَضْجَعِها إلى العِبادَةِ، أيْ: تَنْهَضُ وتَرْتَفِعُ مَن نَشَأتِ السَّحابَةُ إذا ارْتَفَعَتْ، ونَشَأ مِن مَكانِهِ ونَشَرَ إذا نَهَضَ. قالَ الشّاعِرُ: ؎نَشَأْنا إلى خُوصٍ بَرى فِيها السُّرى وألْصَقَ مِنها مُشْرِفاتِ القَماحِدِ أوْ: قِيامُ اللَّيْلِ، عَلى أنَّ النّاشِئَةَ مَصْدَرٌ مِن نَشَأ إذا قامَ ونَهَضَ عَلى فاعِلِهِ كالعاقِبَةِ. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وِطاءً) بِكَسْرِ الواوِ وفَتْحِ الطّاءِ مَمْدُودًا. وقَرَأ قَتادَةُ وشِبْلٌ، عَنْ أهْلِ مَكَّةَ: بِكَسْرِ الواوِ وسُكُونِ الطّاءِ، والهَمْزَةُ مَقْصُورَةٌ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِفَتْحِ الواوِ مَمْدُودًا، والمَعْنى أنَّها أشَدُّ مُواطَأةً، أيْ: يُواطِئُ القَلْبُ فِيها اللِّسانَ، أوْ أشَدُّ مُوافَقَةً لِما يُرادُ مِنَ الخُشُوعِ والإخْلاصِ. ومَن قَرَأ (وطْأً) أيْ: أشَدُّ ثَباتَ قَدَمٍ وأبْعَدُ مِنَ الزَّلَلِ، أوْ أثْقَلُ وأغْلَظُ عَلى المُصَلِّي مِن صَلاةِ النَّهارِ، كَما جاءَ: «اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ» . وقالَ الأخْفَشُ: أشَدُّ قِيامًا. وقالَ الفَرّاءُ: أثْبَتُ قِراءَةً وقِيامًا. وقالَ الكَلْبِيُّ: أشَدُّ نَشاطًا لِلْمُصَلِّي؛ لِأنَّهُ في زَمانِ راحَتِهِ. وقِيلَ: أثْبَتُ لِلْعَمَلِ وأدْوَمُ لِمَن أرادَ الِاسْتِكْثارَ مِنَ العِبادَةِ، واللَّيْلُ وقْتُ فَراغٍ، فالعِبادَةُ تَدُومُ. ﴿وأقْوَمُ قِيلًا﴾ أيْ: أشَدُّ اسْتِقامَةً عَلى الصَّوابِ؛ لِأنَّ الأصْواتَ هادِئَةٌ فَلا يَضْطَرِبُ عَلى المُصَلِّي ما يَقْرَؤُهُ. قالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ: أصْوَبُ لِلْقِراءَةِ وأثْبَتُ لِلْقَوْلِ؛ لِأنَّهُ زَمانُ التَّفَهُّمِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: أتَمُّ نَشاطًا وإخْلاصًا وبَرَكَةً. وحَكى ابْنُ شَجَرَةَ: أعْجَلُ إجابَةً لِلدُّعاءِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: أجْدَرُ أنْ يَتَفَقَّهَ فِيها القارِئُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (سَبْحًا) أيْ: تَصَرُّفًا وتَقَلُّبًا في المُهِمّاتِ، كَما يَتَرَدَّدُ السّابِحُ في الماءِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎أبا حَوالِكم شَرْقَ البِلادِ وغَرْبَها ∗∗∗ فَفِيها لَكم يا صاحُ سَبْحٌ مِنَ السَّبْحِ وقِيلَ: سَبْحًا سُبْحَةً، أيْ: نافِلَةً. وقَرَأ ابْنُ يَعْمُرَ وعِكْرِمَةُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: سَبْخًا بِالخاءِ المَنقُوطَةِ، ومَعْناهُ: خِفَّةٌ مِنَ التَّكالِيفِ، والتَّسْبِيخُ: التَّخْفِيفُ، وهو اسْتِعارَةٌ مِن سَبَّخَ الصُّوفَ إذا نَفَشَهُ ونَشَرَ أجْزاءَهُ، فَمَعْناهُ: انْتِشارُ الهِمَّةِ وتَفَرُّقِ الخاطِرِ بِالشَّواغِلِ. وقِيلَ: فَراغًا وسَعَةً لِنَوْمِكَ وتَصَرُّفِكَ في حَوائِجِكَ. وقِيلَ: المَعْنى إنْ فاتَ حِزْبُ اللَّيْلِ بِنَوْمٍ أوْ عُذْرٍ. فَلْيُخْلِفْ بِالنَّهارِ، فَإنَّ فِيهِ سَبْحًا طَوِيلًا. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وفَسَّرَ ابْنُ يَعْمُرَ وعِكْرِمَةُ سَبْخًا بِالخاءِ مُعْجَمَةً. وقالَ: نَوْمًا، أيْ: تَنامُ بِالنَّهارِ لِتَسْتَعِينَ بِهِ عَلى قِيامِ اللَّيْلِ. وقَدْ تَحْتَمِلُ هَذِهِ القِراءَةُ غَيْرَ هَذا المَعْنى، لَكِنَّهُما فَسَّراها، فَلا يُجاوِزُ عَنْهُ. انْتَهى. وفي الحَدِيثِ: «لا تَسَبَّخِي بِدُعائِكِ»، أيْ: لا تَخَفَّفِي. وقالَ الشّاعِرُ: ؎فَسَبِّخْ عَلَيْكَ الهَمَّ واعْلَمْ بِأنَّهُ ∗∗∗ إذا قَدَّرَ الرَّحْمَنُ شَيْئًا فَكائِنٌ وقالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ سَبَّخَ اللَّهُ عَنْكَ الحُمّى، أيْ: خَفَّفَها. وقِيلَ: السَّبْخُ: المَدُّ، يُقالُ: سَبِّخِي قُطْنَكِ أيْ: مُدِّيهِ، ويُقالُ لِقِطَعِ القُطْنِ سَبائِخُ، الواحِدَةُ سَبِيخَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ: ؎فَأرْسَلُوهُنَّ يُذْرِينَ التُّرابَ، كَما ∗∗∗ يُذْرِي سَبائِخَ قُطْنِ نَدْفُ أوْتارِ ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ أيْ: دُمْ عَلى ذِكْرِهِ، وهو يَتَناوَلُ كُلَّ ذِكْرٍ مِن تَسْبِيحٍ وتَهْلِيلٍ وغَيْرِهِما، وانْتَصَبَ ﴿تَبْتِيلًا﴾ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ، وحَسَّنَ ذَلِكَ كَوْنُهُ فاصِلَةً. وقَرَأ الأخَوانِ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ ويَعْقُوبُ: (رَبِّ) بِالخَفْضِ عَلى البَدَلِ مِن (رَبِّكَ) . وباقِي السَّبْعَةِ بِالرَّفْعِ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِالنَّصْبِ. والجُمْهُورُ: ﴿المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ مُوَحَّدَيْنِ. وعَبْدُ اللَّهِ وأصْحابُهُ وابْنُ عَبّاسٍ: بِجَمْعِهِما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: عَلى القَسَمِ. يَعْنِي: خَفَضَ (رَبِّ) بِإضْمارِ حَرْفِ القَسَمِ، كَقَوْلِكَ: اللَّهِ لَأفْعَلَنَّ، وجَوابُهُ: لا إلَهَ إلّا هو، كَما (p-٣٦٤)تَقُولُ: واللَّهِ لا أحَدَ في الدّارِ إلّا زِيدًا. انْتَهى. ولَعَلَّ هَذا التَّخْرِيجَ لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، إذْ فِيهِ إضْمارُ الجارِّ في القَسَمِ، ولا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ إلّا في لَفْظَةِ اللَّهِ، ولا يُقاسُ عَلَيْهِ. ولِأنَّ الجُمْلَةَ المَنفِيَّةَ في جَوابِ القَسَمِ إذا كانَتِ اسْمِيَّةً فَلا تُنْفى إلّا بِـ (ما) وحْدَها، ولا تُنَفى بِـ (لا) إلّا الجُمْلَةُ المُصَدَّرَةُ بِمُضارِعٍ كَثِيرًا وبِماضٍ في مَعْناهُ قَلِيلًا، نَحْوُ قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎رَدُّوا فَواللَّهِ لا زُرْناكم أبَدًا ∗∗∗ ما دامَ في مائِنا وِرْدٌ لِوَرِادٍ والزَّمَخْشَرِيُّ أوْرَدَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّجْوِيزِ والتَّسْلِيمِ، والَّذِي ذَكَرَهُ النَّحْوِيُّونَ هو نَفْيُها بِما نَحْوُ قَوْلِهِ: ؎لَعَمْرُكَ ما سَعْدٌ بِخُلَّةِ آثِمٍ ∗∗∗ ولا نَأْنَأٍ يَوْمَ الحِفاظِ ولا حَصِرْ ﴿فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾ لِأنَّ مَنِ انْفَرَدَ بِالأُلُوهِيَّةِ لَمْ يَتَّخِذْ وكِيلًا إلّا هو. (واصْبِرْ) ﴿واهْجُرْهُمْ﴾: قِيلَ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ﴾: قِيلَ نَزَلَتْ في صَنادِيدِ قُرَيْشٍ، وقِيلَ: في المُطْعِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، وتَقَدَّمَتْ أسْماؤُهم في سُورَةِ الأنْفالِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ مِثْلِ هَذا في ﴿فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ﴾ [القلم: ٤٤] . ﴿أُولِي النَّعْمَةِ﴾ أيْ: غَضارَةُ العَيْشِ وكَثْرَةُ المالِ والوَلَدِ، والنَّعْمَةُ بِالفَتْحِ: التَّنَعُّمُ، وبِالكَسْرِ: الأنْعامُ وما يُنْعِمُ بِهِ، وبِالضَّمِّ: المَسَرَّةُ، يُقالُ: نِعَمٌ ونِعْمَةُ عَيْنٍ. ﴿ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾: وعِيدٌ لَهم بِسُرْعَةِ الِانْتِقامِ مِنهم، والقَلِيلُ: مُوافاةُ آجالِهِمْ. وقِيلَ: وقْعَةُ بَدْرٍ. ﴿إنَّ لَدَيْنا﴾ أيْ: ما يُضادُّ نِعْمَتَهم (أنْكالًا): قُيُودًا في أرْجُلِهِمْ. قالَ الشَّعْبِيُّ: لَمْ تُجْعَلْ في أرْجُلِهِمْ خَوْفًا مِن هُرُوبِهِمْ، ولَكِنْ إذا أرادُوا أنْ يَرْتَفِعُوا اسْتَقَلَّتْ بِهِمْ. وقالَ الكَلْبِيُّ: الأنْكالُ: الأغْلالُ، والأوَّلُ أعْرَفُ في اللُّغَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ: ؎دَعاكَ فَقَطَّعْتَ أنْكالَهُ ∗∗∗ وقَدْ كُنَّ قَبْلَكَ لا تُقْطَعُ (وجَحِيمًا): نارًا شَدِيدَةَ الإيقادِ. ﴿وطَعامًا ذا غُصَّةٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: شَوْكٌ مِن نارٍ يَعْتَرِضُ في حُلُوقِهِمْ، لا يَخْرُجُ ولا يَنْزِلُ. وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: شَجَرَةُ الزَّقُّومِ. وقِيلَ: الضَّرِيعُ وشَجَرَةُ الزَّقُّومِ. (يَوْمَ) مَنصُوبٌ بِالعامِلِ في (لَدَيْنا)، وقِيلَ: بِـ (ذَرْنِي) (تَرْجُفُ): تَضْطَرِبُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَرْجُفُ) بِفَتْحِ التّاءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِضَمِّها مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ﴿كَثِيبًا﴾ أيْ: رَمْلًا مُجْتَمِعًا ﴿مَهِيلًا﴾ أيْ: رَخْوًا لَيِّنًا. قِيلَ: ويُقالُ: مَهِيلٌ ومَهْيُولٌ، وكَيْلٌ ومَكْيُولٌ، ومَدِينٌ ومَدْيُونٌ، الإتْمامُ في ذَواتِ الياءِ لُغَةُ تَمِيمٍ، والحَذْفُ لِأكْثَرِ العَرَبِ. ولَمّا هَدَّدَ المُكَذِّبِينَ بِأهْوالِ القِيامَةِ، ذَكَّرَهم بِحالِ فِرْعَوْنَ وكَيْفَ أخَذَهُ اللَّهُ تَعالى، إذْ كَذَّبَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّهُ إنْ دامَ تَكْذِيبُهم أهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى، فَقالَ: ﴿إنّا أرْسَلْنا إلَيْكُمْ﴾ والخِطابُ عامٌّ لِلْأسْوَدِ والأحْمَرِ. وقِيلَ: لِأهْلِ مَكَّةَ ﴿رَسُولًا شاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾ كَما قالَ: ﴿وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ﴾ [النحل: ٨٩] . وشَبَّهَ إرْسالَهُ إلى أهْلِ مَكَّةَ بِإرْسالِ مُوسى إلى فِرْعَوْنَ عَلى التَّعْيِينِ؛ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما رَبا في قَوْمِهِ واسْتُحْقِرُوا بِهِما، وكانَ عِنْدَهم عِلْمٌ بِما جَرى مِن غَرَقِ فِرْعَوْنَ، فَناسَبَ أنْ يُشَبِّهَ الإرْسالَ بِالإرْسالِ. وقِيلَ: الرَّسُولُ بِلامِ التَّعْرِيفِ؛ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَأُحِيلَ عَلَيْهِ. كَما تَقُولُ: لَقِيتُ رَجُلًا فَضَرَبْتُ الرَّجُلَ؛ لِأنَّ المَضْرُوبَ هو المَلْقِيُّ، والوَبِيلُ: الرَّدِيءُ العُقْبى، مِن قَوْلِهِمْ: كَلَأٌ وبِيلٌ أيْ: وخِيمٌ لا يُسْتَمْرَأُ لِثِقَلِهِ، أيْ: لا يَنْزِلُ في المَرِيءِ.

المزمل 73:8

﴿إنَّ ناشِئَهُ اللَّيْلِ﴾ قالَ ابْنُ عُمَرَ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ: هي ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ. وقالَتْ عائِشَةُ ومُجاهِدٌ: هي القِيامُ بَعْدَ اليَوْمِ، ومَن قامَ أوَّلَ اللَّيْلِ قَبْلَ اليَوْمِ، فَلَمْ يَقُمْ ناشِئَةَ اللَّيْلِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ زَيْدٍ: هي لَفْظَةٌ حَبَشِيَّةٌ، نَشَأ الرَّجُلُ: قامَ مِنَ اللَّيْلِ، فَناشِئَةٌ عَلى هَذا جَمْعُ ناشِئٍ، أيْ: قائِمٌ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ زَيْدٍ أيْضًا وجَماعَةٌ: ناشِئَةُ (p-٣٦٣)اللَّيْلِ: ساعاتُهُ؛ لِأنَّها تَنْشَأُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ الزُّبَيْرِ والحَسَنُ وأبُو مِجْلِزٍ: ما كانَ بَعْدَ العَشاءِ فَهو ناشِئَةٌ، وما كانَ قَبْلَها فَلَيْسَ بِناشِئَةٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتْ صَلاتُهم أوَّلَ اللَّيْلِ، وقالَ هو وابْنُ الزُّبَيْرِ: اللَّيْلُ كُلُّهُ ناشِئَةٌ. وقالَ الكِسائِيُّ: ناشِئَةُ اللَّيْلِ أوَّلُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ناشِئَةُ اللَّيْلِ: النَّفْسُ النّاشِئَةُ بِاللَّيْلِ الَّتِي تَنْشَأُ مِن مَضْجَعِها إلى العِبادَةِ، أيْ: تَنْهَضُ وتَرْتَفِعُ مَن نَشَأتِ السَّحابَةُ إذا ارْتَفَعَتْ، ونَشَأ مِن مَكانِهِ ونَشَرَ إذا نَهَضَ. قالَ الشّاعِرُ: ؎نَشَأْنا إلى خُوصٍ بَرى فِيها السُّرى وألْصَقَ مِنها مُشْرِفاتِ القَماحِدِ أوْ: قِيامُ اللَّيْلِ، عَلى أنَّ النّاشِئَةَ مَصْدَرٌ مِن نَشَأ إذا قامَ ونَهَضَ عَلى فاعِلِهِ كالعاقِبَةِ. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وِطاءً) بِكَسْرِ الواوِ وفَتْحِ الطّاءِ مَمْدُودًا. وقَرَأ قَتادَةُ وشِبْلٌ، عَنْ أهْلِ مَكَّةَ: بِكَسْرِ الواوِ وسُكُونِ الطّاءِ، والهَمْزَةُ مَقْصُورَةٌ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِفَتْحِ الواوِ مَمْدُودًا، والمَعْنى أنَّها أشَدُّ مُواطَأةً، أيْ: يُواطِئُ القَلْبُ فِيها اللِّسانَ، أوْ أشَدُّ مُوافَقَةً لِما يُرادُ مِنَ الخُشُوعِ والإخْلاصِ. ومَن قَرَأ (وطْأً) أيْ: أشَدُّ ثَباتَ قَدَمٍ وأبْعَدُ مِنَ الزَّلَلِ، أوْ أثْقَلُ وأغْلَظُ عَلى المُصَلِّي مِن صَلاةِ النَّهارِ، كَما جاءَ: «اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ» . وقالَ الأخْفَشُ: أشَدُّ قِيامًا. وقالَ الفَرّاءُ: أثْبَتُ قِراءَةً وقِيامًا. وقالَ الكَلْبِيُّ: أشَدُّ نَشاطًا لِلْمُصَلِّي؛ لِأنَّهُ في زَمانِ راحَتِهِ. وقِيلَ: أثْبَتُ لِلْعَمَلِ وأدْوَمُ لِمَن أرادَ الِاسْتِكْثارَ مِنَ العِبادَةِ، واللَّيْلُ وقْتُ فَراغٍ، فالعِبادَةُ تَدُومُ. ﴿وأقْوَمُ قِيلًا﴾ أيْ: أشَدُّ اسْتِقامَةً عَلى الصَّوابِ؛ لِأنَّ الأصْواتَ هادِئَةٌ فَلا يَضْطَرِبُ عَلى المُصَلِّي ما يَقْرَؤُهُ. قالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ: أصْوَبُ لِلْقِراءَةِ وأثْبَتُ لِلْقَوْلِ؛ لِأنَّهُ زَمانُ التَّفَهُّمِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: أتَمُّ نَشاطًا وإخْلاصًا وبَرَكَةً. وحَكى ابْنُ شَجَرَةَ: أعْجَلُ إجابَةً لِلدُّعاءِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: أجْدَرُ أنْ يَتَفَقَّهَ فِيها القارِئُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (سَبْحًا) أيْ: تَصَرُّفًا وتَقَلُّبًا في المُهِمّاتِ، كَما يَتَرَدَّدُ السّابِحُ في الماءِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎أبا حَوالِكم شَرْقَ البِلادِ وغَرْبَها ∗∗∗ فَفِيها لَكم يا صاحُ سَبْحٌ مِنَ السَّبْحِ وقِيلَ: سَبْحًا سُبْحَةً، أيْ: نافِلَةً. وقَرَأ ابْنُ يَعْمُرَ وعِكْرِمَةُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: سَبْخًا بِالخاءِ المَنقُوطَةِ، ومَعْناهُ: خِفَّةٌ مِنَ التَّكالِيفِ، والتَّسْبِيخُ: التَّخْفِيفُ، وهو اسْتِعارَةٌ مِن سَبَّخَ الصُّوفَ إذا نَفَشَهُ ونَشَرَ أجْزاءَهُ، فَمَعْناهُ: انْتِشارُ الهِمَّةِ وتَفَرُّقِ الخاطِرِ بِالشَّواغِلِ. وقِيلَ: فَراغًا وسَعَةً لِنَوْمِكَ وتَصَرُّفِكَ في حَوائِجِكَ. وقِيلَ: المَعْنى إنْ فاتَ حِزْبُ اللَّيْلِ بِنَوْمٍ أوْ عُذْرٍ. فَلْيُخْلِفْ بِالنَّهارِ، فَإنَّ فِيهِ سَبْحًا طَوِيلًا. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وفَسَّرَ ابْنُ يَعْمُرَ وعِكْرِمَةُ سَبْخًا بِالخاءِ مُعْجَمَةً. وقالَ: نَوْمًا، أيْ: تَنامُ بِالنَّهارِ لِتَسْتَعِينَ بِهِ عَلى قِيامِ اللَّيْلِ. وقَدْ تَحْتَمِلُ هَذِهِ القِراءَةُ غَيْرَ هَذا المَعْنى، لَكِنَّهُما فَسَّراها، فَلا يُجاوِزُ عَنْهُ. انْتَهى. وفي الحَدِيثِ: «لا تَسَبَّخِي بِدُعائِكِ»، أيْ: لا تَخَفَّفِي. وقالَ الشّاعِرُ: ؎فَسَبِّخْ عَلَيْكَ الهَمَّ واعْلَمْ بِأنَّهُ ∗∗∗ إذا قَدَّرَ الرَّحْمَنُ شَيْئًا فَكائِنٌ وقالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ سَبَّخَ اللَّهُ عَنْكَ الحُمّى، أيْ: خَفَّفَها. وقِيلَ: السَّبْخُ: المَدُّ، يُقالُ: سَبِّخِي قُطْنَكِ أيْ: مُدِّيهِ، ويُقالُ لِقِطَعِ القُطْنِ سَبائِخُ، الواحِدَةُ سَبِيخَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ: ؎فَأرْسَلُوهُنَّ يُذْرِينَ التُّرابَ، كَما ∗∗∗ يُذْرِي سَبائِخَ قُطْنِ نَدْفُ أوْتارِ ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ أيْ: دُمْ عَلى ذِكْرِهِ، وهو يَتَناوَلُ كُلَّ ذِكْرٍ مِن تَسْبِيحٍ وتَهْلِيلٍ وغَيْرِهِما، وانْتَصَبَ ﴿تَبْتِيلًا﴾ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ، وحَسَّنَ ذَلِكَ كَوْنُهُ فاصِلَةً. وقَرَأ الأخَوانِ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ ويَعْقُوبُ: (رَبِّ) بِالخَفْضِ عَلى البَدَلِ مِن (رَبِّكَ) . وباقِي السَّبْعَةِ بِالرَّفْعِ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِالنَّصْبِ. والجُمْهُورُ: ﴿المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ مُوَحَّدَيْنِ. وعَبْدُ اللَّهِ وأصْحابُهُ وابْنُ عَبّاسٍ: بِجَمْعِهِما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: عَلى القَسَمِ. يَعْنِي: خَفَضَ (رَبِّ) بِإضْمارِ حَرْفِ القَسَمِ، كَقَوْلِكَ: اللَّهِ لَأفْعَلَنَّ، وجَوابُهُ: لا إلَهَ إلّا هو، كَما (p-٣٦٤)تَقُولُ: واللَّهِ لا أحَدَ في الدّارِ إلّا زِيدًا. انْتَهى. ولَعَلَّ هَذا التَّخْرِيجَ لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، إذْ فِيهِ إضْمارُ الجارِّ في القَسَمِ، ولا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ إلّا في لَفْظَةِ اللَّهِ، ولا يُقاسُ عَلَيْهِ. ولِأنَّ الجُمْلَةَ المَنفِيَّةَ في جَوابِ القَسَمِ إذا كانَتِ اسْمِيَّةً فَلا تُنْفى إلّا بِـ (ما) وحْدَها، ولا تُنَفى بِـ (لا) إلّا الجُمْلَةُ المُصَدَّرَةُ بِمُضارِعٍ كَثِيرًا وبِماضٍ في مَعْناهُ قَلِيلًا، نَحْوُ قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎رَدُّوا فَواللَّهِ لا زُرْناكم أبَدًا ∗∗∗ ما دامَ في مائِنا وِرْدٌ لِوَرِادٍ والزَّمَخْشَرِيُّ أوْرَدَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّجْوِيزِ والتَّسْلِيمِ، والَّذِي ذَكَرَهُ النَّحْوِيُّونَ هو نَفْيُها بِما نَحْوُ قَوْلِهِ: ؎لَعَمْرُكَ ما سَعْدٌ بِخُلَّةِ آثِمٍ ∗∗∗ ولا نَأْنَأٍ يَوْمَ الحِفاظِ ولا حَصِرْ ﴿فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾ لِأنَّ مَنِ انْفَرَدَ بِالأُلُوهِيَّةِ لَمْ يَتَّخِذْ وكِيلًا إلّا هو. (واصْبِرْ) ﴿واهْجُرْهُمْ﴾: قِيلَ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ﴾: قِيلَ نَزَلَتْ في صَنادِيدِ قُرَيْشٍ، وقِيلَ: في المُطْعِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، وتَقَدَّمَتْ أسْماؤُهم في سُورَةِ الأنْفالِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ مِثْلِ هَذا في ﴿فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ﴾ [القلم: ٤٤] . ﴿أُولِي النَّعْمَةِ﴾ أيْ: غَضارَةُ العَيْشِ وكَثْرَةُ المالِ والوَلَدِ، والنَّعْمَةُ بِالفَتْحِ: التَّنَعُّمُ، وبِالكَسْرِ: الأنْعامُ وما يُنْعِمُ بِهِ، وبِالضَّمِّ: المَسَرَّةُ، يُقالُ: نِعَمٌ ونِعْمَةُ عَيْنٍ. ﴿ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾: وعِيدٌ لَهم بِسُرْعَةِ الِانْتِقامِ مِنهم، والقَلِيلُ: مُوافاةُ آجالِهِمْ. وقِيلَ: وقْعَةُ بَدْرٍ. ﴿إنَّ لَدَيْنا﴾ أيْ: ما يُضادُّ نِعْمَتَهم (أنْكالًا): قُيُودًا في أرْجُلِهِمْ. قالَ الشَّعْبِيُّ: لَمْ تُجْعَلْ في أرْجُلِهِمْ خَوْفًا مِن هُرُوبِهِمْ، ولَكِنْ إذا أرادُوا أنْ يَرْتَفِعُوا اسْتَقَلَّتْ بِهِمْ. وقالَ الكَلْبِيُّ: الأنْكالُ: الأغْلالُ، والأوَّلُ أعْرَفُ في اللُّغَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ: ؎دَعاكَ فَقَطَّعْتَ أنْكالَهُ ∗∗∗ وقَدْ كُنَّ قَبْلَكَ لا تُقْطَعُ (وجَحِيمًا): نارًا شَدِيدَةَ الإيقادِ. ﴿وطَعامًا ذا غُصَّةٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: شَوْكٌ مِن نارٍ يَعْتَرِضُ في حُلُوقِهِمْ، لا يَخْرُجُ ولا يَنْزِلُ. وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: شَجَرَةُ الزَّقُّومِ. وقِيلَ: الضَّرِيعُ وشَجَرَةُ الزَّقُّومِ. (يَوْمَ) مَنصُوبٌ بِالعامِلِ في (لَدَيْنا)، وقِيلَ: بِـ (ذَرْنِي) (تَرْجُفُ): تَضْطَرِبُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَرْجُفُ) بِفَتْحِ التّاءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِضَمِّها مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ﴿كَثِيبًا﴾ أيْ: رَمْلًا مُجْتَمِعًا ﴿مَهِيلًا﴾ أيْ: رَخْوًا لَيِّنًا. قِيلَ: ويُقالُ: مَهِيلٌ ومَهْيُولٌ، وكَيْلٌ ومَكْيُولٌ، ومَدِينٌ ومَدْيُونٌ، الإتْمامُ في ذَواتِ الياءِ لُغَةُ تَمِيمٍ، والحَذْفُ لِأكْثَرِ العَرَبِ. ولَمّا هَدَّدَ المُكَذِّبِينَ بِأهْوالِ القِيامَةِ، ذَكَّرَهم بِحالِ فِرْعَوْنَ وكَيْفَ أخَذَهُ اللَّهُ تَعالى، إذْ كَذَّبَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّهُ إنْ دامَ تَكْذِيبُهم أهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى، فَقالَ: ﴿إنّا أرْسَلْنا إلَيْكُمْ﴾ والخِطابُ عامٌّ لِلْأسْوَدِ والأحْمَرِ. وقِيلَ: لِأهْلِ مَكَّةَ ﴿رَسُولًا شاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾ كَما قالَ: ﴿وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ﴾ [النحل: ٨٩] . وشَبَّهَ إرْسالَهُ إلى أهْلِ مَكَّةَ بِإرْسالِ مُوسى إلى فِرْعَوْنَ عَلى التَّعْيِينِ؛ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما رَبا في قَوْمِهِ واسْتُحْقِرُوا بِهِما، وكانَ عِنْدَهم عِلْمٌ بِما جَرى مِن غَرَقِ فِرْعَوْنَ، فَناسَبَ أنْ يُشَبِّهَ الإرْسالَ بِالإرْسالِ. وقِيلَ: الرَّسُولُ بِلامِ التَّعْرِيفِ؛ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَأُحِيلَ عَلَيْهِ. كَما تَقُولُ: لَقِيتُ رَجُلًا فَضَرَبْتُ الرَّجُلَ؛ لِأنَّ المَضْرُوبَ هو المَلْقِيُّ، والوَبِيلُ: الرَّدِيءُ العُقْبى، مِن قَوْلِهِمْ: كَلَأٌ وبِيلٌ أيْ: وخِيمٌ لا يُسْتَمْرَأُ لِثِقَلِهِ، أيْ: لا يَنْزِلُ في المَرِيءِ.

المزمل 73:9

﴿إنَّ ناشِئَهُ اللَّيْلِ﴾ قالَ ابْنُ عُمَرَ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ: هي ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ. وقالَتْ عائِشَةُ ومُجاهِدٌ: هي القِيامُ بَعْدَ اليَوْمِ، ومَن قامَ أوَّلَ اللَّيْلِ قَبْلَ اليَوْمِ، فَلَمْ يَقُمْ ناشِئَةَ اللَّيْلِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ زَيْدٍ: هي لَفْظَةٌ حَبَشِيَّةٌ، نَشَأ الرَّجُلُ: قامَ مِنَ اللَّيْلِ، فَناشِئَةٌ عَلى هَذا جَمْعُ ناشِئٍ، أيْ: قائِمٌ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ زَيْدٍ أيْضًا وجَماعَةٌ: ناشِئَةُ (p-٣٦٣)اللَّيْلِ: ساعاتُهُ؛ لِأنَّها تَنْشَأُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ الزُّبَيْرِ والحَسَنُ وأبُو مِجْلِزٍ: ما كانَ بَعْدَ العَشاءِ فَهو ناشِئَةٌ، وما كانَ قَبْلَها فَلَيْسَ بِناشِئَةٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتْ صَلاتُهم أوَّلَ اللَّيْلِ، وقالَ هو وابْنُ الزُّبَيْرِ: اللَّيْلُ كُلُّهُ ناشِئَةٌ. وقالَ الكِسائِيُّ: ناشِئَةُ اللَّيْلِ أوَّلُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ناشِئَةُ اللَّيْلِ: النَّفْسُ النّاشِئَةُ بِاللَّيْلِ الَّتِي تَنْشَأُ مِن مَضْجَعِها إلى العِبادَةِ، أيْ: تَنْهَضُ وتَرْتَفِعُ مَن نَشَأتِ السَّحابَةُ إذا ارْتَفَعَتْ، ونَشَأ مِن مَكانِهِ ونَشَرَ إذا نَهَضَ. قالَ الشّاعِرُ: ؎نَشَأْنا إلى خُوصٍ بَرى فِيها السُّرى وألْصَقَ مِنها مُشْرِفاتِ القَماحِدِ أوْ: قِيامُ اللَّيْلِ، عَلى أنَّ النّاشِئَةَ مَصْدَرٌ مِن نَشَأ إذا قامَ ونَهَضَ عَلى فاعِلِهِ كالعاقِبَةِ. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وِطاءً) بِكَسْرِ الواوِ وفَتْحِ الطّاءِ مَمْدُودًا. وقَرَأ قَتادَةُ وشِبْلٌ، عَنْ أهْلِ مَكَّةَ: بِكَسْرِ الواوِ وسُكُونِ الطّاءِ، والهَمْزَةُ مَقْصُورَةٌ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِفَتْحِ الواوِ مَمْدُودًا، والمَعْنى أنَّها أشَدُّ مُواطَأةً، أيْ: يُواطِئُ القَلْبُ فِيها اللِّسانَ، أوْ أشَدُّ مُوافَقَةً لِما يُرادُ مِنَ الخُشُوعِ والإخْلاصِ. ومَن قَرَأ (وطْأً) أيْ: أشَدُّ ثَباتَ قَدَمٍ وأبْعَدُ مِنَ الزَّلَلِ، أوْ أثْقَلُ وأغْلَظُ عَلى المُصَلِّي مِن صَلاةِ النَّهارِ، كَما جاءَ: «اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ» . وقالَ الأخْفَشُ: أشَدُّ قِيامًا. وقالَ الفَرّاءُ: أثْبَتُ قِراءَةً وقِيامًا. وقالَ الكَلْبِيُّ: أشَدُّ نَشاطًا لِلْمُصَلِّي؛ لِأنَّهُ في زَمانِ راحَتِهِ. وقِيلَ: أثْبَتُ لِلْعَمَلِ وأدْوَمُ لِمَن أرادَ الِاسْتِكْثارَ مِنَ العِبادَةِ، واللَّيْلُ وقْتُ فَراغٍ، فالعِبادَةُ تَدُومُ. ﴿وأقْوَمُ قِيلًا﴾ أيْ: أشَدُّ اسْتِقامَةً عَلى الصَّوابِ؛ لِأنَّ الأصْواتَ هادِئَةٌ فَلا يَضْطَرِبُ عَلى المُصَلِّي ما يَقْرَؤُهُ. قالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ: أصْوَبُ لِلْقِراءَةِ وأثْبَتُ لِلْقَوْلِ؛ لِأنَّهُ زَمانُ التَّفَهُّمِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: أتَمُّ نَشاطًا وإخْلاصًا وبَرَكَةً. وحَكى ابْنُ شَجَرَةَ: أعْجَلُ إجابَةً لِلدُّعاءِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: أجْدَرُ أنْ يَتَفَقَّهَ فِيها القارِئُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (سَبْحًا) أيْ: تَصَرُّفًا وتَقَلُّبًا في المُهِمّاتِ، كَما يَتَرَدَّدُ السّابِحُ في الماءِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎أبا حَوالِكم شَرْقَ البِلادِ وغَرْبَها ∗∗∗ فَفِيها لَكم يا صاحُ سَبْحٌ مِنَ السَّبْحِ وقِيلَ: سَبْحًا سُبْحَةً، أيْ: نافِلَةً. وقَرَأ ابْنُ يَعْمُرَ وعِكْرِمَةُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: سَبْخًا بِالخاءِ المَنقُوطَةِ، ومَعْناهُ: خِفَّةٌ مِنَ التَّكالِيفِ، والتَّسْبِيخُ: التَّخْفِيفُ، وهو اسْتِعارَةٌ مِن سَبَّخَ الصُّوفَ إذا نَفَشَهُ ونَشَرَ أجْزاءَهُ، فَمَعْناهُ: انْتِشارُ الهِمَّةِ وتَفَرُّقِ الخاطِرِ بِالشَّواغِلِ. وقِيلَ: فَراغًا وسَعَةً لِنَوْمِكَ وتَصَرُّفِكَ في حَوائِجِكَ. وقِيلَ: المَعْنى إنْ فاتَ حِزْبُ اللَّيْلِ بِنَوْمٍ أوْ عُذْرٍ. فَلْيُخْلِفْ بِالنَّهارِ، فَإنَّ فِيهِ سَبْحًا طَوِيلًا. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وفَسَّرَ ابْنُ يَعْمُرَ وعِكْرِمَةُ سَبْخًا بِالخاءِ مُعْجَمَةً. وقالَ: نَوْمًا، أيْ: تَنامُ بِالنَّهارِ لِتَسْتَعِينَ بِهِ عَلى قِيامِ اللَّيْلِ. وقَدْ تَحْتَمِلُ هَذِهِ القِراءَةُ غَيْرَ هَذا المَعْنى، لَكِنَّهُما فَسَّراها، فَلا يُجاوِزُ عَنْهُ. انْتَهى. وفي الحَدِيثِ: «لا تَسَبَّخِي بِدُعائِكِ»، أيْ: لا تَخَفَّفِي. وقالَ الشّاعِرُ: ؎فَسَبِّخْ عَلَيْكَ الهَمَّ واعْلَمْ بِأنَّهُ ∗∗∗ إذا قَدَّرَ الرَّحْمَنُ شَيْئًا فَكائِنٌ وقالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ سَبَّخَ اللَّهُ عَنْكَ الحُمّى، أيْ: خَفَّفَها. وقِيلَ: السَّبْخُ: المَدُّ، يُقالُ: سَبِّخِي قُطْنَكِ أيْ: مُدِّيهِ، ويُقالُ لِقِطَعِ القُطْنِ سَبائِخُ، الواحِدَةُ سَبِيخَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ: ؎فَأرْسَلُوهُنَّ يُذْرِينَ التُّرابَ، كَما ∗∗∗ يُذْرِي سَبائِخَ قُطْنِ نَدْفُ أوْتارِ ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ أيْ: دُمْ عَلى ذِكْرِهِ، وهو يَتَناوَلُ كُلَّ ذِكْرٍ مِن تَسْبِيحٍ وتَهْلِيلٍ وغَيْرِهِما، وانْتَصَبَ ﴿تَبْتِيلًا﴾ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ، وحَسَّنَ ذَلِكَ كَوْنُهُ فاصِلَةً. وقَرَأ الأخَوانِ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ ويَعْقُوبُ: (رَبِّ) بِالخَفْضِ عَلى البَدَلِ مِن (رَبِّكَ) . وباقِي السَّبْعَةِ بِالرَّفْعِ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِالنَّصْبِ. والجُمْهُورُ: ﴿المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ مُوَحَّدَيْنِ. وعَبْدُ اللَّهِ وأصْحابُهُ وابْنُ عَبّاسٍ: بِجَمْعِهِما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: عَلى القَسَمِ. يَعْنِي: خَفَضَ (رَبِّ) بِإضْمارِ حَرْفِ القَسَمِ، كَقَوْلِكَ: اللَّهِ لَأفْعَلَنَّ، وجَوابُهُ: لا إلَهَ إلّا هو، كَما (p-٣٦٤)تَقُولُ: واللَّهِ لا أحَدَ في الدّارِ إلّا زِيدًا. انْتَهى. ولَعَلَّ هَذا التَّخْرِيجَ لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، إذْ فِيهِ إضْمارُ الجارِّ في القَسَمِ، ولا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ إلّا في لَفْظَةِ اللَّهِ، ولا يُقاسُ عَلَيْهِ. ولِأنَّ الجُمْلَةَ المَنفِيَّةَ في جَوابِ القَسَمِ إذا كانَتِ اسْمِيَّةً فَلا تُنْفى إلّا بِـ (ما) وحْدَها، ولا تُنَفى بِـ (لا) إلّا الجُمْلَةُ المُصَدَّرَةُ بِمُضارِعٍ كَثِيرًا وبِماضٍ في مَعْناهُ قَلِيلًا، نَحْوُ قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎رَدُّوا فَواللَّهِ لا زُرْناكم أبَدًا ∗∗∗ ما دامَ في مائِنا وِرْدٌ لِوَرِادٍ والزَّمَخْشَرِيُّ أوْرَدَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّجْوِيزِ والتَّسْلِيمِ، والَّذِي ذَكَرَهُ النَّحْوِيُّونَ هو نَفْيُها بِما نَحْوُ قَوْلِهِ: ؎لَعَمْرُكَ ما سَعْدٌ بِخُلَّةِ آثِمٍ ∗∗∗ ولا نَأْنَأٍ يَوْمَ الحِفاظِ ولا حَصِرْ ﴿فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾ لِأنَّ مَنِ انْفَرَدَ بِالأُلُوهِيَّةِ لَمْ يَتَّخِذْ وكِيلًا إلّا هو. (واصْبِرْ) ﴿واهْجُرْهُمْ﴾: قِيلَ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ﴾: قِيلَ نَزَلَتْ في صَنادِيدِ قُرَيْشٍ، وقِيلَ: في المُطْعِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، وتَقَدَّمَتْ أسْماؤُهم في سُورَةِ الأنْفالِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ مِثْلِ هَذا في ﴿فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ﴾ [القلم: ٤٤] . ﴿أُولِي النَّعْمَةِ﴾ أيْ: غَضارَةُ العَيْشِ وكَثْرَةُ المالِ والوَلَدِ، والنَّعْمَةُ بِالفَتْحِ: التَّنَعُّمُ، وبِالكَسْرِ: الأنْعامُ وما يُنْعِمُ بِهِ، وبِالضَّمِّ: المَسَرَّةُ، يُقالُ: نِعَمٌ ونِعْمَةُ عَيْنٍ. ﴿ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾: وعِيدٌ لَهم بِسُرْعَةِ الِانْتِقامِ مِنهم، والقَلِيلُ: مُوافاةُ آجالِهِمْ. وقِيلَ: وقْعَةُ بَدْرٍ. ﴿إنَّ لَدَيْنا﴾ أيْ: ما يُضادُّ نِعْمَتَهم (أنْكالًا): قُيُودًا في أرْجُلِهِمْ. قالَ الشَّعْبِيُّ: لَمْ تُجْعَلْ في أرْجُلِهِمْ خَوْفًا مِن هُرُوبِهِمْ، ولَكِنْ إذا أرادُوا أنْ يَرْتَفِعُوا اسْتَقَلَّتْ بِهِمْ. وقالَ الكَلْبِيُّ: الأنْكالُ: الأغْلالُ، والأوَّلُ أعْرَفُ في اللُّغَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ: ؎دَعاكَ فَقَطَّعْتَ أنْكالَهُ ∗∗∗ وقَدْ كُنَّ قَبْلَكَ لا تُقْطَعُ (وجَحِيمًا): نارًا شَدِيدَةَ الإيقادِ. ﴿وطَعامًا ذا غُصَّةٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: شَوْكٌ مِن نارٍ يَعْتَرِضُ في حُلُوقِهِمْ، لا يَخْرُجُ ولا يَنْزِلُ. وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: شَجَرَةُ الزَّقُّومِ. وقِيلَ: الضَّرِيعُ وشَجَرَةُ الزَّقُّومِ. (يَوْمَ) مَنصُوبٌ بِالعامِلِ في (لَدَيْنا)، وقِيلَ: بِـ (ذَرْنِي) (تَرْجُفُ): تَضْطَرِبُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَرْجُفُ) بِفَتْحِ التّاءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِضَمِّها مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ﴿كَثِيبًا﴾ أيْ: رَمْلًا مُجْتَمِعًا ﴿مَهِيلًا﴾ أيْ: رَخْوًا لَيِّنًا. قِيلَ: ويُقالُ: مَهِيلٌ ومَهْيُولٌ، وكَيْلٌ ومَكْيُولٌ، ومَدِينٌ ومَدْيُونٌ، الإتْمامُ في ذَواتِ الياءِ لُغَةُ تَمِيمٍ، والحَذْفُ لِأكْثَرِ العَرَبِ. ولَمّا هَدَّدَ المُكَذِّبِينَ بِأهْوالِ القِيامَةِ، ذَكَّرَهم بِحالِ فِرْعَوْنَ وكَيْفَ أخَذَهُ اللَّهُ تَعالى، إذْ كَذَّبَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّهُ إنْ دامَ تَكْذِيبُهم أهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى، فَقالَ: ﴿إنّا أرْسَلْنا إلَيْكُمْ﴾ والخِطابُ عامٌّ لِلْأسْوَدِ والأحْمَرِ. وقِيلَ: لِأهْلِ مَكَّةَ ﴿رَسُولًا شاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾ كَما قالَ: ﴿وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ﴾ [النحل: ٨٩] . وشَبَّهَ إرْسالَهُ إلى أهْلِ مَكَّةَ بِإرْسالِ مُوسى إلى فِرْعَوْنَ عَلى التَّعْيِينِ؛ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما رَبا في قَوْمِهِ واسْتُحْقِرُوا بِهِما، وكانَ عِنْدَهم عِلْمٌ بِما جَرى مِن غَرَقِ فِرْعَوْنَ، فَناسَبَ أنْ يُشَبِّهَ الإرْسالَ بِالإرْسالِ. وقِيلَ: الرَّسُولُ بِلامِ التَّعْرِيفِ؛ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَأُحِيلَ عَلَيْهِ. كَما تَقُولُ: لَقِيتُ رَجُلًا فَضَرَبْتُ الرَّجُلَ؛ لِأنَّ المَضْرُوبَ هو المَلْقِيُّ، والوَبِيلُ: الرَّدِيءُ العُقْبى، مِن قَوْلِهِمْ: كَلَأٌ وبِيلٌ أيْ: وخِيمٌ لا يُسْتَمْرَأُ لِثِقَلِهِ، أيْ: لا يَنْزِلُ في المَرِيءِ.

المزمل 73:10

﴿إنَّ ناشِئَهُ اللَّيْلِ﴾ قالَ ابْنُ عُمَرَ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ: هي ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ. وقالَتْ عائِشَةُ ومُجاهِدٌ: هي القِيامُ بَعْدَ اليَوْمِ، ومَن قامَ أوَّلَ اللَّيْلِ قَبْلَ اليَوْمِ، فَلَمْ يَقُمْ ناشِئَةَ اللَّيْلِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ زَيْدٍ: هي لَفْظَةٌ حَبَشِيَّةٌ، نَشَأ الرَّجُلُ: قامَ مِنَ اللَّيْلِ، فَناشِئَةٌ عَلى هَذا جَمْعُ ناشِئٍ، أيْ: قائِمٌ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ زَيْدٍ أيْضًا وجَماعَةٌ: ناشِئَةُ (p-٣٦٣)اللَّيْلِ: ساعاتُهُ؛ لِأنَّها تَنْشَأُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ الزُّبَيْرِ والحَسَنُ وأبُو مِجْلِزٍ: ما كانَ بَعْدَ العَشاءِ فَهو ناشِئَةٌ، وما كانَ قَبْلَها فَلَيْسَ بِناشِئَةٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتْ صَلاتُهم أوَّلَ اللَّيْلِ، وقالَ هو وابْنُ الزُّبَيْرِ: اللَّيْلُ كُلُّهُ ناشِئَةٌ. وقالَ الكِسائِيُّ: ناشِئَةُ اللَّيْلِ أوَّلُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ناشِئَةُ اللَّيْلِ: النَّفْسُ النّاشِئَةُ بِاللَّيْلِ الَّتِي تَنْشَأُ مِن مَضْجَعِها إلى العِبادَةِ، أيْ: تَنْهَضُ وتَرْتَفِعُ مَن نَشَأتِ السَّحابَةُ إذا ارْتَفَعَتْ، ونَشَأ مِن مَكانِهِ ونَشَرَ إذا نَهَضَ. قالَ الشّاعِرُ: ؎نَشَأْنا إلى خُوصٍ بَرى فِيها السُّرى وألْصَقَ مِنها مُشْرِفاتِ القَماحِدِ أوْ: قِيامُ اللَّيْلِ، عَلى أنَّ النّاشِئَةَ مَصْدَرٌ مِن نَشَأ إذا قامَ ونَهَضَ عَلى فاعِلِهِ كالعاقِبَةِ. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وِطاءً) بِكَسْرِ الواوِ وفَتْحِ الطّاءِ مَمْدُودًا. وقَرَأ قَتادَةُ وشِبْلٌ، عَنْ أهْلِ مَكَّةَ: بِكَسْرِ الواوِ وسُكُونِ الطّاءِ، والهَمْزَةُ مَقْصُورَةٌ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِفَتْحِ الواوِ مَمْدُودًا، والمَعْنى أنَّها أشَدُّ مُواطَأةً، أيْ: يُواطِئُ القَلْبُ فِيها اللِّسانَ، أوْ أشَدُّ مُوافَقَةً لِما يُرادُ مِنَ الخُشُوعِ والإخْلاصِ. ومَن قَرَأ (وطْأً) أيْ: أشَدُّ ثَباتَ قَدَمٍ وأبْعَدُ مِنَ الزَّلَلِ، أوْ أثْقَلُ وأغْلَظُ عَلى المُصَلِّي مِن صَلاةِ النَّهارِ، كَما جاءَ: «اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ» . وقالَ الأخْفَشُ: أشَدُّ قِيامًا. وقالَ الفَرّاءُ: أثْبَتُ قِراءَةً وقِيامًا. وقالَ الكَلْبِيُّ: أشَدُّ نَشاطًا لِلْمُصَلِّي؛ لِأنَّهُ في زَمانِ راحَتِهِ. وقِيلَ: أثْبَتُ لِلْعَمَلِ وأدْوَمُ لِمَن أرادَ الِاسْتِكْثارَ مِنَ العِبادَةِ، واللَّيْلُ وقْتُ فَراغٍ، فالعِبادَةُ تَدُومُ. ﴿وأقْوَمُ قِيلًا﴾ أيْ: أشَدُّ اسْتِقامَةً عَلى الصَّوابِ؛ لِأنَّ الأصْواتَ هادِئَةٌ فَلا يَضْطَرِبُ عَلى المُصَلِّي ما يَقْرَؤُهُ. قالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ: أصْوَبُ لِلْقِراءَةِ وأثْبَتُ لِلْقَوْلِ؛ لِأنَّهُ زَمانُ التَّفَهُّمِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: أتَمُّ نَشاطًا وإخْلاصًا وبَرَكَةً. وحَكى ابْنُ شَجَرَةَ: أعْجَلُ إجابَةً لِلدُّعاءِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: أجْدَرُ أنْ يَتَفَقَّهَ فِيها القارِئُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (سَبْحًا) أيْ: تَصَرُّفًا وتَقَلُّبًا في المُهِمّاتِ، كَما يَتَرَدَّدُ السّابِحُ في الماءِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎أبا حَوالِكم شَرْقَ البِلادِ وغَرْبَها ∗∗∗ فَفِيها لَكم يا صاحُ سَبْحٌ مِنَ السَّبْحِ وقِيلَ: سَبْحًا سُبْحَةً، أيْ: نافِلَةً. وقَرَأ ابْنُ يَعْمُرَ وعِكْرِمَةُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: سَبْخًا بِالخاءِ المَنقُوطَةِ، ومَعْناهُ: خِفَّةٌ مِنَ التَّكالِيفِ، والتَّسْبِيخُ: التَّخْفِيفُ، وهو اسْتِعارَةٌ مِن سَبَّخَ الصُّوفَ إذا نَفَشَهُ ونَشَرَ أجْزاءَهُ، فَمَعْناهُ: انْتِشارُ الهِمَّةِ وتَفَرُّقِ الخاطِرِ بِالشَّواغِلِ. وقِيلَ: فَراغًا وسَعَةً لِنَوْمِكَ وتَصَرُّفِكَ في حَوائِجِكَ. وقِيلَ: المَعْنى إنْ فاتَ حِزْبُ اللَّيْلِ بِنَوْمٍ أوْ عُذْرٍ. فَلْيُخْلِفْ بِالنَّهارِ، فَإنَّ فِيهِ سَبْحًا طَوِيلًا. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وفَسَّرَ ابْنُ يَعْمُرَ وعِكْرِمَةُ سَبْخًا بِالخاءِ مُعْجَمَةً. وقالَ: نَوْمًا، أيْ: تَنامُ بِالنَّهارِ لِتَسْتَعِينَ بِهِ عَلى قِيامِ اللَّيْلِ. وقَدْ تَحْتَمِلُ هَذِهِ القِراءَةُ غَيْرَ هَذا المَعْنى، لَكِنَّهُما فَسَّراها، فَلا يُجاوِزُ عَنْهُ. انْتَهى. وفي الحَدِيثِ: «لا تَسَبَّخِي بِدُعائِكِ»، أيْ: لا تَخَفَّفِي. وقالَ الشّاعِرُ: ؎فَسَبِّخْ عَلَيْكَ الهَمَّ واعْلَمْ بِأنَّهُ ∗∗∗ إذا قَدَّرَ الرَّحْمَنُ شَيْئًا فَكائِنٌ وقالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ سَبَّخَ اللَّهُ عَنْكَ الحُمّى، أيْ: خَفَّفَها. وقِيلَ: السَّبْخُ: المَدُّ، يُقالُ: سَبِّخِي قُطْنَكِ أيْ: مُدِّيهِ، ويُقالُ لِقِطَعِ القُطْنِ سَبائِخُ، الواحِدَةُ سَبِيخَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ: ؎فَأرْسَلُوهُنَّ يُذْرِينَ التُّرابَ، كَما ∗∗∗ يُذْرِي سَبائِخَ قُطْنِ نَدْفُ أوْتارِ ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ أيْ: دُمْ عَلى ذِكْرِهِ، وهو يَتَناوَلُ كُلَّ ذِكْرٍ مِن تَسْبِيحٍ وتَهْلِيلٍ وغَيْرِهِما، وانْتَصَبَ ﴿تَبْتِيلًا﴾ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ، وحَسَّنَ ذَلِكَ كَوْنُهُ فاصِلَةً. وقَرَأ الأخَوانِ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ ويَعْقُوبُ: (رَبِّ) بِالخَفْضِ عَلى البَدَلِ مِن (رَبِّكَ) . وباقِي السَّبْعَةِ بِالرَّفْعِ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِالنَّصْبِ. والجُمْهُورُ: ﴿المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ مُوَحَّدَيْنِ. وعَبْدُ اللَّهِ وأصْحابُهُ وابْنُ عَبّاسٍ: بِجَمْعِهِما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: عَلى القَسَمِ. يَعْنِي: خَفَضَ (رَبِّ) بِإضْمارِ حَرْفِ القَسَمِ، كَقَوْلِكَ: اللَّهِ لَأفْعَلَنَّ، وجَوابُهُ: لا إلَهَ إلّا هو، كَما (p-٣٦٤)تَقُولُ: واللَّهِ لا أحَدَ في الدّارِ إلّا زِيدًا. انْتَهى. ولَعَلَّ هَذا التَّخْرِيجَ لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، إذْ فِيهِ إضْمارُ الجارِّ في القَسَمِ، ولا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ إلّا في لَفْظَةِ اللَّهِ، ولا يُقاسُ عَلَيْهِ. ولِأنَّ الجُمْلَةَ المَنفِيَّةَ في جَوابِ القَسَمِ إذا كانَتِ اسْمِيَّةً فَلا تُنْفى إلّا بِـ (ما) وحْدَها، ولا تُنَفى بِـ (لا) إلّا الجُمْلَةُ المُصَدَّرَةُ بِمُضارِعٍ كَثِيرًا وبِماضٍ في مَعْناهُ قَلِيلًا، نَحْوُ قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎رَدُّوا فَواللَّهِ لا زُرْناكم أبَدًا ∗∗∗ ما دامَ في مائِنا وِرْدٌ لِوَرِادٍ والزَّمَخْشَرِيُّ أوْرَدَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّجْوِيزِ والتَّسْلِيمِ، والَّذِي ذَكَرَهُ النَّحْوِيُّونَ هو نَفْيُها بِما نَحْوُ قَوْلِهِ: ؎لَعَمْرُكَ ما سَعْدٌ بِخُلَّةِ آثِمٍ ∗∗∗ ولا نَأْنَأٍ يَوْمَ الحِفاظِ ولا حَصِرْ ﴿فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾ لِأنَّ مَنِ انْفَرَدَ بِالأُلُوهِيَّةِ لَمْ يَتَّخِذْ وكِيلًا إلّا هو. (واصْبِرْ) ﴿واهْجُرْهُمْ﴾: قِيلَ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ﴾: قِيلَ نَزَلَتْ في صَنادِيدِ قُرَيْشٍ، وقِيلَ: في المُطْعِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، وتَقَدَّمَتْ أسْماؤُهم في سُورَةِ الأنْفالِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ مِثْلِ هَذا في ﴿فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ﴾ [القلم: ٤٤] . ﴿أُولِي النَّعْمَةِ﴾ أيْ: غَضارَةُ العَيْشِ وكَثْرَةُ المالِ والوَلَدِ، والنَّعْمَةُ بِالفَتْحِ: التَّنَعُّمُ، وبِالكَسْرِ: الأنْعامُ وما يُنْعِمُ بِهِ، وبِالضَّمِّ: المَسَرَّةُ، يُقالُ: نِعَمٌ ونِعْمَةُ عَيْنٍ. ﴿ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾: وعِيدٌ لَهم بِسُرْعَةِ الِانْتِقامِ مِنهم، والقَلِيلُ: مُوافاةُ آجالِهِمْ. وقِيلَ: وقْعَةُ بَدْرٍ. ﴿إنَّ لَدَيْنا﴾ أيْ: ما يُضادُّ نِعْمَتَهم (أنْكالًا): قُيُودًا في أرْجُلِهِمْ. قالَ الشَّعْبِيُّ: لَمْ تُجْعَلْ في أرْجُلِهِمْ خَوْفًا مِن هُرُوبِهِمْ، ولَكِنْ إذا أرادُوا أنْ يَرْتَفِعُوا اسْتَقَلَّتْ بِهِمْ. وقالَ الكَلْبِيُّ: الأنْكالُ: الأغْلالُ، والأوَّلُ أعْرَفُ في اللُّغَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ: ؎دَعاكَ فَقَطَّعْتَ أنْكالَهُ ∗∗∗ وقَدْ كُنَّ قَبْلَكَ لا تُقْطَعُ (وجَحِيمًا): نارًا شَدِيدَةَ الإيقادِ. ﴿وطَعامًا ذا غُصَّةٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: شَوْكٌ مِن نارٍ يَعْتَرِضُ في حُلُوقِهِمْ، لا يَخْرُجُ ولا يَنْزِلُ. وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: شَجَرَةُ الزَّقُّومِ. وقِيلَ: الضَّرِيعُ وشَجَرَةُ الزَّقُّومِ. (يَوْمَ) مَنصُوبٌ بِالعامِلِ في (لَدَيْنا)، وقِيلَ: بِـ (ذَرْنِي) (تَرْجُفُ): تَضْطَرِبُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَرْجُفُ) بِفَتْحِ التّاءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِضَمِّها مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ﴿كَثِيبًا﴾ أيْ: رَمْلًا مُجْتَمِعًا ﴿مَهِيلًا﴾ أيْ: رَخْوًا لَيِّنًا. قِيلَ: ويُقالُ: مَهِيلٌ ومَهْيُولٌ، وكَيْلٌ ومَكْيُولٌ، ومَدِينٌ ومَدْيُونٌ، الإتْمامُ في ذَواتِ الياءِ لُغَةُ تَمِيمٍ، والحَذْفُ لِأكْثَرِ العَرَبِ. ولَمّا هَدَّدَ المُكَذِّبِينَ بِأهْوالِ القِيامَةِ، ذَكَّرَهم بِحالِ فِرْعَوْنَ وكَيْفَ أخَذَهُ اللَّهُ تَعالى، إذْ كَذَّبَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّهُ إنْ دامَ تَكْذِيبُهم أهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى، فَقالَ: ﴿إنّا أرْسَلْنا إلَيْكُمْ﴾ والخِطابُ عامٌّ لِلْأسْوَدِ والأحْمَرِ. وقِيلَ: لِأهْلِ مَكَّةَ ﴿رَسُولًا شاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾ كَما قالَ: ﴿وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ﴾ [النحل: ٨٩] . وشَبَّهَ إرْسالَهُ إلى أهْلِ مَكَّةَ بِإرْسالِ مُوسى إلى فِرْعَوْنَ عَلى التَّعْيِينِ؛ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما رَبا في قَوْمِهِ واسْتُحْقِرُوا بِهِما، وكانَ عِنْدَهم عِلْمٌ بِما جَرى مِن غَرَقِ فِرْعَوْنَ، فَناسَبَ أنْ يُشَبِّهَ الإرْسالَ بِالإرْسالِ. وقِيلَ: الرَّسُولُ بِلامِ التَّعْرِيفِ؛ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَأُحِيلَ عَلَيْهِ. كَما تَقُولُ: لَقِيتُ رَجُلًا فَضَرَبْتُ الرَّجُلَ؛ لِأنَّ المَضْرُوبَ هو المَلْقِيُّ، والوَبِيلُ: الرَّدِيءُ العُقْبى، مِن قَوْلِهِمْ: كَلَأٌ وبِيلٌ أيْ: وخِيمٌ لا يُسْتَمْرَأُ لِثِقَلِهِ، أيْ: لا يَنْزِلُ في المَرِيءِ.

المزمل 73:11

﴿إنَّ ناشِئَهُ اللَّيْلِ﴾ قالَ ابْنُ عُمَرَ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ: هي ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ. وقالَتْ عائِشَةُ ومُجاهِدٌ: هي القِيامُ بَعْدَ اليَوْمِ، ومَن قامَ أوَّلَ اللَّيْلِ قَبْلَ اليَوْمِ، فَلَمْ يَقُمْ ناشِئَةَ اللَّيْلِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ زَيْدٍ: هي لَفْظَةٌ حَبَشِيَّةٌ، نَشَأ الرَّجُلُ: قامَ مِنَ اللَّيْلِ، فَناشِئَةٌ عَلى هَذا جَمْعُ ناشِئٍ، أيْ: قائِمٌ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ زَيْدٍ أيْضًا وجَماعَةٌ: ناشِئَةُ (p-٣٦٣)اللَّيْلِ: ساعاتُهُ؛ لِأنَّها تَنْشَأُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ الزُّبَيْرِ والحَسَنُ وأبُو مِجْلِزٍ: ما كانَ بَعْدَ العَشاءِ فَهو ناشِئَةٌ، وما كانَ قَبْلَها فَلَيْسَ بِناشِئَةٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتْ صَلاتُهم أوَّلَ اللَّيْلِ، وقالَ هو وابْنُ الزُّبَيْرِ: اللَّيْلُ كُلُّهُ ناشِئَةٌ. وقالَ الكِسائِيُّ: ناشِئَةُ اللَّيْلِ أوَّلُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ناشِئَةُ اللَّيْلِ: النَّفْسُ النّاشِئَةُ بِاللَّيْلِ الَّتِي تَنْشَأُ مِن مَضْجَعِها إلى العِبادَةِ، أيْ: تَنْهَضُ وتَرْتَفِعُ مَن نَشَأتِ السَّحابَةُ إذا ارْتَفَعَتْ، ونَشَأ مِن مَكانِهِ ونَشَرَ إذا نَهَضَ. قالَ الشّاعِرُ: ؎نَشَأْنا إلى خُوصٍ بَرى فِيها السُّرى وألْصَقَ مِنها مُشْرِفاتِ القَماحِدِ أوْ: قِيامُ اللَّيْلِ، عَلى أنَّ النّاشِئَةَ مَصْدَرٌ مِن نَشَأ إذا قامَ ونَهَضَ عَلى فاعِلِهِ كالعاقِبَةِ. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وِطاءً) بِكَسْرِ الواوِ وفَتْحِ الطّاءِ مَمْدُودًا. وقَرَأ قَتادَةُ وشِبْلٌ، عَنْ أهْلِ مَكَّةَ: بِكَسْرِ الواوِ وسُكُونِ الطّاءِ، والهَمْزَةُ مَقْصُورَةٌ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِفَتْحِ الواوِ مَمْدُودًا، والمَعْنى أنَّها أشَدُّ مُواطَأةً، أيْ: يُواطِئُ القَلْبُ فِيها اللِّسانَ، أوْ أشَدُّ مُوافَقَةً لِما يُرادُ مِنَ الخُشُوعِ والإخْلاصِ. ومَن قَرَأ (وطْأً) أيْ: أشَدُّ ثَباتَ قَدَمٍ وأبْعَدُ مِنَ الزَّلَلِ، أوْ أثْقَلُ وأغْلَظُ عَلى المُصَلِّي مِن صَلاةِ النَّهارِ، كَما جاءَ: «اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ» . وقالَ الأخْفَشُ: أشَدُّ قِيامًا. وقالَ الفَرّاءُ: أثْبَتُ قِراءَةً وقِيامًا. وقالَ الكَلْبِيُّ: أشَدُّ نَشاطًا لِلْمُصَلِّي؛ لِأنَّهُ في زَمانِ راحَتِهِ. وقِيلَ: أثْبَتُ لِلْعَمَلِ وأدْوَمُ لِمَن أرادَ الِاسْتِكْثارَ مِنَ العِبادَةِ، واللَّيْلُ وقْتُ فَراغٍ، فالعِبادَةُ تَدُومُ. ﴿وأقْوَمُ قِيلًا﴾ أيْ: أشَدُّ اسْتِقامَةً عَلى الصَّوابِ؛ لِأنَّ الأصْواتَ هادِئَةٌ فَلا يَضْطَرِبُ عَلى المُصَلِّي ما يَقْرَؤُهُ. قالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ: أصْوَبُ لِلْقِراءَةِ وأثْبَتُ لِلْقَوْلِ؛ لِأنَّهُ زَمانُ التَّفَهُّمِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: أتَمُّ نَشاطًا وإخْلاصًا وبَرَكَةً. وحَكى ابْنُ شَجَرَةَ: أعْجَلُ إجابَةً لِلدُّعاءِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: أجْدَرُ أنْ يَتَفَقَّهَ فِيها القارِئُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (سَبْحًا) أيْ: تَصَرُّفًا وتَقَلُّبًا في المُهِمّاتِ، كَما يَتَرَدَّدُ السّابِحُ في الماءِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎أبا حَوالِكم شَرْقَ البِلادِ وغَرْبَها ∗∗∗ فَفِيها لَكم يا صاحُ سَبْحٌ مِنَ السَّبْحِ وقِيلَ: سَبْحًا سُبْحَةً، أيْ: نافِلَةً. وقَرَأ ابْنُ يَعْمُرَ وعِكْرِمَةُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: سَبْخًا بِالخاءِ المَنقُوطَةِ، ومَعْناهُ: خِفَّةٌ مِنَ التَّكالِيفِ، والتَّسْبِيخُ: التَّخْفِيفُ، وهو اسْتِعارَةٌ مِن سَبَّخَ الصُّوفَ إذا نَفَشَهُ ونَشَرَ أجْزاءَهُ، فَمَعْناهُ: انْتِشارُ الهِمَّةِ وتَفَرُّقِ الخاطِرِ بِالشَّواغِلِ. وقِيلَ: فَراغًا وسَعَةً لِنَوْمِكَ وتَصَرُّفِكَ في حَوائِجِكَ. وقِيلَ: المَعْنى إنْ فاتَ حِزْبُ اللَّيْلِ بِنَوْمٍ أوْ عُذْرٍ. فَلْيُخْلِفْ بِالنَّهارِ، فَإنَّ فِيهِ سَبْحًا طَوِيلًا. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وفَسَّرَ ابْنُ يَعْمُرَ وعِكْرِمَةُ سَبْخًا بِالخاءِ مُعْجَمَةً. وقالَ: نَوْمًا، أيْ: تَنامُ بِالنَّهارِ لِتَسْتَعِينَ بِهِ عَلى قِيامِ اللَّيْلِ. وقَدْ تَحْتَمِلُ هَذِهِ القِراءَةُ غَيْرَ هَذا المَعْنى، لَكِنَّهُما فَسَّراها، فَلا يُجاوِزُ عَنْهُ. انْتَهى. وفي الحَدِيثِ: «لا تَسَبَّخِي بِدُعائِكِ»، أيْ: لا تَخَفَّفِي. وقالَ الشّاعِرُ: ؎فَسَبِّخْ عَلَيْكَ الهَمَّ واعْلَمْ بِأنَّهُ ∗∗∗ إذا قَدَّرَ الرَّحْمَنُ شَيْئًا فَكائِنٌ وقالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ سَبَّخَ اللَّهُ عَنْكَ الحُمّى، أيْ: خَفَّفَها. وقِيلَ: السَّبْخُ: المَدُّ، يُقالُ: سَبِّخِي قُطْنَكِ أيْ: مُدِّيهِ، ويُقالُ لِقِطَعِ القُطْنِ سَبائِخُ، الواحِدَةُ سَبِيخَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ: ؎فَأرْسَلُوهُنَّ يُذْرِينَ التُّرابَ، كَما ∗∗∗ يُذْرِي سَبائِخَ قُطْنِ نَدْفُ أوْتارِ ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ أيْ: دُمْ عَلى ذِكْرِهِ، وهو يَتَناوَلُ كُلَّ ذِكْرٍ مِن تَسْبِيحٍ وتَهْلِيلٍ وغَيْرِهِما، وانْتَصَبَ ﴿تَبْتِيلًا﴾ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ، وحَسَّنَ ذَلِكَ كَوْنُهُ فاصِلَةً. وقَرَأ الأخَوانِ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ ويَعْقُوبُ: (رَبِّ) بِالخَفْضِ عَلى البَدَلِ مِن (رَبِّكَ) . وباقِي السَّبْعَةِ بِالرَّفْعِ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِالنَّصْبِ. والجُمْهُورُ: ﴿المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ مُوَحَّدَيْنِ. وعَبْدُ اللَّهِ وأصْحابُهُ وابْنُ عَبّاسٍ: بِجَمْعِهِما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: عَلى القَسَمِ. يَعْنِي: خَفَضَ (رَبِّ) بِإضْمارِ حَرْفِ القَسَمِ، كَقَوْلِكَ: اللَّهِ لَأفْعَلَنَّ، وجَوابُهُ: لا إلَهَ إلّا هو، كَما (p-٣٦٤)تَقُولُ: واللَّهِ لا أحَدَ في الدّارِ إلّا زِيدًا. انْتَهى. ولَعَلَّ هَذا التَّخْرِيجَ لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، إذْ فِيهِ إضْمارُ الجارِّ في القَسَمِ، ولا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ إلّا في لَفْظَةِ اللَّهِ، ولا يُقاسُ عَلَيْهِ. ولِأنَّ الجُمْلَةَ المَنفِيَّةَ في جَوابِ القَسَمِ إذا كانَتِ اسْمِيَّةً فَلا تُنْفى إلّا بِـ (ما) وحْدَها، ولا تُنَفى بِـ (لا) إلّا الجُمْلَةُ المُصَدَّرَةُ بِمُضارِعٍ كَثِيرًا وبِماضٍ في مَعْناهُ قَلِيلًا، نَحْوُ قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎رَدُّوا فَواللَّهِ لا زُرْناكم أبَدًا ∗∗∗ ما دامَ في مائِنا وِرْدٌ لِوَرِادٍ والزَّمَخْشَرِيُّ أوْرَدَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّجْوِيزِ والتَّسْلِيمِ، والَّذِي ذَكَرَهُ النَّحْوِيُّونَ هو نَفْيُها بِما نَحْوُ قَوْلِهِ: ؎لَعَمْرُكَ ما سَعْدٌ بِخُلَّةِ آثِمٍ ∗∗∗ ولا نَأْنَأٍ يَوْمَ الحِفاظِ ولا حَصِرْ ﴿فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾ لِأنَّ مَنِ انْفَرَدَ بِالأُلُوهِيَّةِ لَمْ يَتَّخِذْ وكِيلًا إلّا هو. (واصْبِرْ) ﴿واهْجُرْهُمْ﴾: قِيلَ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ﴾: قِيلَ نَزَلَتْ في صَنادِيدِ قُرَيْشٍ، وقِيلَ: في المُطْعِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، وتَقَدَّمَتْ أسْماؤُهم في سُورَةِ الأنْفالِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ مِثْلِ هَذا في ﴿فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ﴾ [القلم: ٤٤] . ﴿أُولِي النَّعْمَةِ﴾ أيْ: غَضارَةُ العَيْشِ وكَثْرَةُ المالِ والوَلَدِ، والنَّعْمَةُ بِالفَتْحِ: التَّنَعُّمُ، وبِالكَسْرِ: الأنْعامُ وما يُنْعِمُ بِهِ، وبِالضَّمِّ: المَسَرَّةُ، يُقالُ: نِعَمٌ ونِعْمَةُ عَيْنٍ. ﴿ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾: وعِيدٌ لَهم بِسُرْعَةِ الِانْتِقامِ مِنهم، والقَلِيلُ: مُوافاةُ آجالِهِمْ. وقِيلَ: وقْعَةُ بَدْرٍ. ﴿إنَّ لَدَيْنا﴾ أيْ: ما يُضادُّ نِعْمَتَهم (أنْكالًا): قُيُودًا في أرْجُلِهِمْ. قالَ الشَّعْبِيُّ: لَمْ تُجْعَلْ في أرْجُلِهِمْ خَوْفًا مِن هُرُوبِهِمْ، ولَكِنْ إذا أرادُوا أنْ يَرْتَفِعُوا اسْتَقَلَّتْ بِهِمْ. وقالَ الكَلْبِيُّ: الأنْكالُ: الأغْلالُ، والأوَّلُ أعْرَفُ في اللُّغَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ: ؎دَعاكَ فَقَطَّعْتَ أنْكالَهُ ∗∗∗ وقَدْ كُنَّ قَبْلَكَ لا تُقْطَعُ (وجَحِيمًا): نارًا شَدِيدَةَ الإيقادِ. ﴿وطَعامًا ذا غُصَّةٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: شَوْكٌ مِن نارٍ يَعْتَرِضُ في حُلُوقِهِمْ، لا يَخْرُجُ ولا يَنْزِلُ. وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: شَجَرَةُ الزَّقُّومِ. وقِيلَ: الضَّرِيعُ وشَجَرَةُ الزَّقُّومِ. (يَوْمَ) مَنصُوبٌ بِالعامِلِ في (لَدَيْنا)، وقِيلَ: بِـ (ذَرْنِي) (تَرْجُفُ): تَضْطَرِبُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَرْجُفُ) بِفَتْحِ التّاءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِضَمِّها مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ﴿كَثِيبًا﴾ أيْ: رَمْلًا مُجْتَمِعًا ﴿مَهِيلًا﴾ أيْ: رَخْوًا لَيِّنًا. قِيلَ: ويُقالُ: مَهِيلٌ ومَهْيُولٌ، وكَيْلٌ ومَكْيُولٌ، ومَدِينٌ ومَدْيُونٌ، الإتْمامُ في ذَواتِ الياءِ لُغَةُ تَمِيمٍ، والحَذْفُ لِأكْثَرِ العَرَبِ. ولَمّا هَدَّدَ المُكَذِّبِينَ بِأهْوالِ القِيامَةِ، ذَكَّرَهم بِحالِ فِرْعَوْنَ وكَيْفَ أخَذَهُ اللَّهُ تَعالى، إذْ كَذَّبَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّهُ إنْ دامَ تَكْذِيبُهم أهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى، فَقالَ: ﴿إنّا أرْسَلْنا إلَيْكُمْ﴾ والخِطابُ عامٌّ لِلْأسْوَدِ والأحْمَرِ. وقِيلَ: لِأهْلِ مَكَّةَ ﴿رَسُولًا شاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾ كَما قالَ: ﴿وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ﴾ [النحل: ٨٩] . وشَبَّهَ إرْسالَهُ إلى أهْلِ مَكَّةَ بِإرْسالِ مُوسى إلى فِرْعَوْنَ عَلى التَّعْيِينِ؛ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما رَبا في قَوْمِهِ واسْتُحْقِرُوا بِهِما، وكانَ عِنْدَهم عِلْمٌ بِما جَرى مِن غَرَقِ فِرْعَوْنَ، فَناسَبَ أنْ يُشَبِّهَ الإرْسالَ بِالإرْسالِ. وقِيلَ: الرَّسُولُ بِلامِ التَّعْرِيفِ؛ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَأُحِيلَ عَلَيْهِ. كَما تَقُولُ: لَقِيتُ رَجُلًا فَضَرَبْتُ الرَّجُلَ؛ لِأنَّ المَضْرُوبَ هو المَلْقِيُّ، والوَبِيلُ: الرَّدِيءُ العُقْبى، مِن قَوْلِهِمْ: كَلَأٌ وبِيلٌ أيْ: وخِيمٌ لا يُسْتَمْرَأُ لِثِقَلِهِ، أيْ: لا يَنْزِلُ في المَرِيءِ.

المزمل 73:12

﴿إنَّ ناشِئَهُ اللَّيْلِ﴾ قالَ ابْنُ عُمَرَ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ: هي ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ. وقالَتْ عائِشَةُ ومُجاهِدٌ: هي القِيامُ بَعْدَ اليَوْمِ، ومَن قامَ أوَّلَ اللَّيْلِ قَبْلَ اليَوْمِ، فَلَمْ يَقُمْ ناشِئَةَ اللَّيْلِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ زَيْدٍ: هي لَفْظَةٌ حَبَشِيَّةٌ، نَشَأ الرَّجُلُ: قامَ مِنَ اللَّيْلِ، فَناشِئَةٌ عَلى هَذا جَمْعُ ناشِئٍ، أيْ: قائِمٌ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ زَيْدٍ أيْضًا وجَماعَةٌ: ناشِئَةُ (p-٣٦٣)اللَّيْلِ: ساعاتُهُ؛ لِأنَّها تَنْشَأُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ الزُّبَيْرِ والحَسَنُ وأبُو مِجْلِزٍ: ما كانَ بَعْدَ العَشاءِ فَهو ناشِئَةٌ، وما كانَ قَبْلَها فَلَيْسَ بِناشِئَةٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتْ صَلاتُهم أوَّلَ اللَّيْلِ، وقالَ هو وابْنُ الزُّبَيْرِ: اللَّيْلُ كُلُّهُ ناشِئَةٌ. وقالَ الكِسائِيُّ: ناشِئَةُ اللَّيْلِ أوَّلُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ناشِئَةُ اللَّيْلِ: النَّفْسُ النّاشِئَةُ بِاللَّيْلِ الَّتِي تَنْشَأُ مِن مَضْجَعِها إلى العِبادَةِ، أيْ: تَنْهَضُ وتَرْتَفِعُ مَن نَشَأتِ السَّحابَةُ إذا ارْتَفَعَتْ، ونَشَأ مِن مَكانِهِ ونَشَرَ إذا نَهَضَ. قالَ الشّاعِرُ: ؎نَشَأْنا إلى خُوصٍ بَرى فِيها السُّرى وألْصَقَ مِنها مُشْرِفاتِ القَماحِدِ أوْ: قِيامُ اللَّيْلِ، عَلى أنَّ النّاشِئَةَ مَصْدَرٌ مِن نَشَأ إذا قامَ ونَهَضَ عَلى فاعِلِهِ كالعاقِبَةِ. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وِطاءً) بِكَسْرِ الواوِ وفَتْحِ الطّاءِ مَمْدُودًا. وقَرَأ قَتادَةُ وشِبْلٌ، عَنْ أهْلِ مَكَّةَ: بِكَسْرِ الواوِ وسُكُونِ الطّاءِ، والهَمْزَةُ مَقْصُورَةٌ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِفَتْحِ الواوِ مَمْدُودًا، والمَعْنى أنَّها أشَدُّ مُواطَأةً، أيْ: يُواطِئُ القَلْبُ فِيها اللِّسانَ، أوْ أشَدُّ مُوافَقَةً لِما يُرادُ مِنَ الخُشُوعِ والإخْلاصِ. ومَن قَرَأ (وطْأً) أيْ: أشَدُّ ثَباتَ قَدَمٍ وأبْعَدُ مِنَ الزَّلَلِ، أوْ أثْقَلُ وأغْلَظُ عَلى المُصَلِّي مِن صَلاةِ النَّهارِ، كَما جاءَ: «اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ» . وقالَ الأخْفَشُ: أشَدُّ قِيامًا. وقالَ الفَرّاءُ: أثْبَتُ قِراءَةً وقِيامًا. وقالَ الكَلْبِيُّ: أشَدُّ نَشاطًا لِلْمُصَلِّي؛ لِأنَّهُ في زَمانِ راحَتِهِ. وقِيلَ: أثْبَتُ لِلْعَمَلِ وأدْوَمُ لِمَن أرادَ الِاسْتِكْثارَ مِنَ العِبادَةِ، واللَّيْلُ وقْتُ فَراغٍ، فالعِبادَةُ تَدُومُ. ﴿وأقْوَمُ قِيلًا﴾ أيْ: أشَدُّ اسْتِقامَةً عَلى الصَّوابِ؛ لِأنَّ الأصْواتَ هادِئَةٌ فَلا يَضْطَرِبُ عَلى المُصَلِّي ما يَقْرَؤُهُ. قالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ: أصْوَبُ لِلْقِراءَةِ وأثْبَتُ لِلْقَوْلِ؛ لِأنَّهُ زَمانُ التَّفَهُّمِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: أتَمُّ نَشاطًا وإخْلاصًا وبَرَكَةً. وحَكى ابْنُ شَجَرَةَ: أعْجَلُ إجابَةً لِلدُّعاءِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: أجْدَرُ أنْ يَتَفَقَّهَ فِيها القارِئُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (سَبْحًا) أيْ: تَصَرُّفًا وتَقَلُّبًا في المُهِمّاتِ، كَما يَتَرَدَّدُ السّابِحُ في الماءِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎أبا حَوالِكم شَرْقَ البِلادِ وغَرْبَها ∗∗∗ فَفِيها لَكم يا صاحُ سَبْحٌ مِنَ السَّبْحِ وقِيلَ: سَبْحًا سُبْحَةً، أيْ: نافِلَةً. وقَرَأ ابْنُ يَعْمُرَ وعِكْرِمَةُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: سَبْخًا بِالخاءِ المَنقُوطَةِ، ومَعْناهُ: خِفَّةٌ مِنَ التَّكالِيفِ، والتَّسْبِيخُ: التَّخْفِيفُ، وهو اسْتِعارَةٌ مِن سَبَّخَ الصُّوفَ إذا نَفَشَهُ ونَشَرَ أجْزاءَهُ، فَمَعْناهُ: انْتِشارُ الهِمَّةِ وتَفَرُّقِ الخاطِرِ بِالشَّواغِلِ. وقِيلَ: فَراغًا وسَعَةً لِنَوْمِكَ وتَصَرُّفِكَ في حَوائِجِكَ. وقِيلَ: المَعْنى إنْ فاتَ حِزْبُ اللَّيْلِ بِنَوْمٍ أوْ عُذْرٍ. فَلْيُخْلِفْ بِالنَّهارِ، فَإنَّ فِيهِ سَبْحًا طَوِيلًا. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وفَسَّرَ ابْنُ يَعْمُرَ وعِكْرِمَةُ سَبْخًا بِالخاءِ مُعْجَمَةً. وقالَ: نَوْمًا، أيْ: تَنامُ بِالنَّهارِ لِتَسْتَعِينَ بِهِ عَلى قِيامِ اللَّيْلِ. وقَدْ تَحْتَمِلُ هَذِهِ القِراءَةُ غَيْرَ هَذا المَعْنى، لَكِنَّهُما فَسَّراها، فَلا يُجاوِزُ عَنْهُ. انْتَهى. وفي الحَدِيثِ: «لا تَسَبَّخِي بِدُعائِكِ»، أيْ: لا تَخَفَّفِي. وقالَ الشّاعِرُ: ؎فَسَبِّخْ عَلَيْكَ الهَمَّ واعْلَمْ بِأنَّهُ ∗∗∗ إذا قَدَّرَ الرَّحْمَنُ شَيْئًا فَكائِنٌ وقالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ سَبَّخَ اللَّهُ عَنْكَ الحُمّى، أيْ: خَفَّفَها. وقِيلَ: السَّبْخُ: المَدُّ، يُقالُ: سَبِّخِي قُطْنَكِ أيْ: مُدِّيهِ، ويُقالُ لِقِطَعِ القُطْنِ سَبائِخُ، الواحِدَةُ سَبِيخَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ: ؎فَأرْسَلُوهُنَّ يُذْرِينَ التُّرابَ، كَما ∗∗∗ يُذْرِي سَبائِخَ قُطْنِ نَدْفُ أوْتارِ ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ أيْ: دُمْ عَلى ذِكْرِهِ، وهو يَتَناوَلُ كُلَّ ذِكْرٍ مِن تَسْبِيحٍ وتَهْلِيلٍ وغَيْرِهِما، وانْتَصَبَ ﴿تَبْتِيلًا﴾ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ، وحَسَّنَ ذَلِكَ كَوْنُهُ فاصِلَةً. وقَرَأ الأخَوانِ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ ويَعْقُوبُ: (رَبِّ) بِالخَفْضِ عَلى البَدَلِ مِن (رَبِّكَ) . وباقِي السَّبْعَةِ بِالرَّفْعِ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِالنَّصْبِ. والجُمْهُورُ: ﴿المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ مُوَحَّدَيْنِ. وعَبْدُ اللَّهِ وأصْحابُهُ وابْنُ عَبّاسٍ: بِجَمْعِهِما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: عَلى القَسَمِ. يَعْنِي: خَفَضَ (رَبِّ) بِإضْمارِ حَرْفِ القَسَمِ، كَقَوْلِكَ: اللَّهِ لَأفْعَلَنَّ، وجَوابُهُ: لا إلَهَ إلّا هو، كَما (p-٣٦٤)تَقُولُ: واللَّهِ لا أحَدَ في الدّارِ إلّا زِيدًا. انْتَهى. ولَعَلَّ هَذا التَّخْرِيجَ لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، إذْ فِيهِ إضْمارُ الجارِّ في القَسَمِ، ولا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ إلّا في لَفْظَةِ اللَّهِ، ولا يُقاسُ عَلَيْهِ. ولِأنَّ الجُمْلَةَ المَنفِيَّةَ في جَوابِ القَسَمِ إذا كانَتِ اسْمِيَّةً فَلا تُنْفى إلّا بِـ (ما) وحْدَها، ولا تُنَفى بِـ (لا) إلّا الجُمْلَةُ المُصَدَّرَةُ بِمُضارِعٍ كَثِيرًا وبِماضٍ في مَعْناهُ قَلِيلًا، نَحْوُ قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎رَدُّوا فَواللَّهِ لا زُرْناكم أبَدًا ∗∗∗ ما دامَ في مائِنا وِرْدٌ لِوَرِادٍ والزَّمَخْشَرِيُّ أوْرَدَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّجْوِيزِ والتَّسْلِيمِ، والَّذِي ذَكَرَهُ النَّحْوِيُّونَ هو نَفْيُها بِما نَحْوُ قَوْلِهِ: ؎لَعَمْرُكَ ما سَعْدٌ بِخُلَّةِ آثِمٍ ∗∗∗ ولا نَأْنَأٍ يَوْمَ الحِفاظِ ولا حَصِرْ ﴿فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾ لِأنَّ مَنِ انْفَرَدَ بِالأُلُوهِيَّةِ لَمْ يَتَّخِذْ وكِيلًا إلّا هو. (واصْبِرْ) ﴿واهْجُرْهُمْ﴾: قِيلَ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ﴾: قِيلَ نَزَلَتْ في صَنادِيدِ قُرَيْشٍ، وقِيلَ: في المُطْعِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، وتَقَدَّمَتْ أسْماؤُهم في سُورَةِ الأنْفالِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ مِثْلِ هَذا في ﴿فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ﴾ [القلم: ٤٤] . ﴿أُولِي النَّعْمَةِ﴾ أيْ: غَضارَةُ العَيْشِ وكَثْرَةُ المالِ والوَلَدِ، والنَّعْمَةُ بِالفَتْحِ: التَّنَعُّمُ، وبِالكَسْرِ: الأنْعامُ وما يُنْعِمُ بِهِ، وبِالضَّمِّ: المَسَرَّةُ، يُقالُ: نِعَمٌ ونِعْمَةُ عَيْنٍ. ﴿ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾: وعِيدٌ لَهم بِسُرْعَةِ الِانْتِقامِ مِنهم، والقَلِيلُ: مُوافاةُ آجالِهِمْ. وقِيلَ: وقْعَةُ بَدْرٍ. ﴿إنَّ لَدَيْنا﴾ أيْ: ما يُضادُّ نِعْمَتَهم (أنْكالًا): قُيُودًا في أرْجُلِهِمْ. قالَ الشَّعْبِيُّ: لَمْ تُجْعَلْ في أرْجُلِهِمْ خَوْفًا مِن هُرُوبِهِمْ، ولَكِنْ إذا أرادُوا أنْ يَرْتَفِعُوا اسْتَقَلَّتْ بِهِمْ. وقالَ الكَلْبِيُّ: الأنْكالُ: الأغْلالُ، والأوَّلُ أعْرَفُ في اللُّغَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ: ؎دَعاكَ فَقَطَّعْتَ أنْكالَهُ ∗∗∗ وقَدْ كُنَّ قَبْلَكَ لا تُقْطَعُ (وجَحِيمًا): نارًا شَدِيدَةَ الإيقادِ. ﴿وطَعامًا ذا غُصَّةٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: شَوْكٌ مِن نارٍ يَعْتَرِضُ في حُلُوقِهِمْ، لا يَخْرُجُ ولا يَنْزِلُ. وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: شَجَرَةُ الزَّقُّومِ. وقِيلَ: الضَّرِيعُ وشَجَرَةُ الزَّقُّومِ. (يَوْمَ) مَنصُوبٌ بِالعامِلِ في (لَدَيْنا)، وقِيلَ: بِـ (ذَرْنِي) (تَرْجُفُ): تَضْطَرِبُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَرْجُفُ) بِفَتْحِ التّاءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِضَمِّها مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ﴿كَثِيبًا﴾ أيْ: رَمْلًا مُجْتَمِعًا ﴿مَهِيلًا﴾ أيْ: رَخْوًا لَيِّنًا. قِيلَ: ويُقالُ: مَهِيلٌ ومَهْيُولٌ، وكَيْلٌ ومَكْيُولٌ، ومَدِينٌ ومَدْيُونٌ، الإتْمامُ في ذَواتِ الياءِ لُغَةُ تَمِيمٍ، والحَذْفُ لِأكْثَرِ العَرَبِ. ولَمّا هَدَّدَ المُكَذِّبِينَ بِأهْوالِ القِيامَةِ، ذَكَّرَهم بِحالِ فِرْعَوْنَ وكَيْفَ أخَذَهُ اللَّهُ تَعالى، إذْ كَذَّبَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّهُ إنْ دامَ تَكْذِيبُهم أهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى، فَقالَ: ﴿إنّا أرْسَلْنا إلَيْكُمْ﴾ والخِطابُ عامٌّ لِلْأسْوَدِ والأحْمَرِ. وقِيلَ: لِأهْلِ مَكَّةَ ﴿رَسُولًا شاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾ كَما قالَ: ﴿وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ﴾ [النحل: ٨٩] . وشَبَّهَ إرْسالَهُ إلى أهْلِ مَكَّةَ بِإرْسالِ مُوسى إلى فِرْعَوْنَ عَلى التَّعْيِينِ؛ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما رَبا في قَوْمِهِ واسْتُحْقِرُوا بِهِما، وكانَ عِنْدَهم عِلْمٌ بِما جَرى مِن غَرَقِ فِرْعَوْنَ، فَناسَبَ أنْ يُشَبِّهَ الإرْسالَ بِالإرْسالِ. وقِيلَ: الرَّسُولُ بِلامِ التَّعْرِيفِ؛ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَأُحِيلَ عَلَيْهِ. كَما تَقُولُ: لَقِيتُ رَجُلًا فَضَرَبْتُ الرَّجُلَ؛ لِأنَّ المَضْرُوبَ هو المَلْقِيُّ، والوَبِيلُ: الرَّدِيءُ العُقْبى، مِن قَوْلِهِمْ: كَلَأٌ وبِيلٌ أيْ: وخِيمٌ لا يُسْتَمْرَأُ لِثِقَلِهِ، أيْ: لا يَنْزِلُ في المَرِيءِ.

المزمل 73:13

﴿إنَّ ناشِئَهُ اللَّيْلِ﴾ قالَ ابْنُ عُمَرَ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ: هي ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ. وقالَتْ عائِشَةُ ومُجاهِدٌ: هي القِيامُ بَعْدَ اليَوْمِ، ومَن قامَ أوَّلَ اللَّيْلِ قَبْلَ اليَوْمِ، فَلَمْ يَقُمْ ناشِئَةَ اللَّيْلِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ زَيْدٍ: هي لَفْظَةٌ حَبَشِيَّةٌ، نَشَأ الرَّجُلُ: قامَ مِنَ اللَّيْلِ، فَناشِئَةٌ عَلى هَذا جَمْعُ ناشِئٍ، أيْ: قائِمٌ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ زَيْدٍ أيْضًا وجَماعَةٌ: ناشِئَةُ (p-٣٦٣)اللَّيْلِ: ساعاتُهُ؛ لِأنَّها تَنْشَأُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ الزُّبَيْرِ والحَسَنُ وأبُو مِجْلِزٍ: ما كانَ بَعْدَ العَشاءِ فَهو ناشِئَةٌ، وما كانَ قَبْلَها فَلَيْسَ بِناشِئَةٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتْ صَلاتُهم أوَّلَ اللَّيْلِ، وقالَ هو وابْنُ الزُّبَيْرِ: اللَّيْلُ كُلُّهُ ناشِئَةٌ. وقالَ الكِسائِيُّ: ناشِئَةُ اللَّيْلِ أوَّلُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ناشِئَةُ اللَّيْلِ: النَّفْسُ النّاشِئَةُ بِاللَّيْلِ الَّتِي تَنْشَأُ مِن مَضْجَعِها إلى العِبادَةِ، أيْ: تَنْهَضُ وتَرْتَفِعُ مَن نَشَأتِ السَّحابَةُ إذا ارْتَفَعَتْ، ونَشَأ مِن مَكانِهِ ونَشَرَ إذا نَهَضَ. قالَ الشّاعِرُ: ؎نَشَأْنا إلى خُوصٍ بَرى فِيها السُّرى وألْصَقَ مِنها مُشْرِفاتِ القَماحِدِ أوْ: قِيامُ اللَّيْلِ، عَلى أنَّ النّاشِئَةَ مَصْدَرٌ مِن نَشَأ إذا قامَ ونَهَضَ عَلى فاعِلِهِ كالعاقِبَةِ. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وِطاءً) بِكَسْرِ الواوِ وفَتْحِ الطّاءِ مَمْدُودًا. وقَرَأ قَتادَةُ وشِبْلٌ، عَنْ أهْلِ مَكَّةَ: بِكَسْرِ الواوِ وسُكُونِ الطّاءِ، والهَمْزَةُ مَقْصُورَةٌ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِفَتْحِ الواوِ مَمْدُودًا، والمَعْنى أنَّها أشَدُّ مُواطَأةً، أيْ: يُواطِئُ القَلْبُ فِيها اللِّسانَ، أوْ أشَدُّ مُوافَقَةً لِما يُرادُ مِنَ الخُشُوعِ والإخْلاصِ. ومَن قَرَأ (وطْأً) أيْ: أشَدُّ ثَباتَ قَدَمٍ وأبْعَدُ مِنَ الزَّلَلِ، أوْ أثْقَلُ وأغْلَظُ عَلى المُصَلِّي مِن صَلاةِ النَّهارِ، كَما جاءَ: «اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ» . وقالَ الأخْفَشُ: أشَدُّ قِيامًا. وقالَ الفَرّاءُ: أثْبَتُ قِراءَةً وقِيامًا. وقالَ الكَلْبِيُّ: أشَدُّ نَشاطًا لِلْمُصَلِّي؛ لِأنَّهُ في زَمانِ راحَتِهِ. وقِيلَ: أثْبَتُ لِلْعَمَلِ وأدْوَمُ لِمَن أرادَ الِاسْتِكْثارَ مِنَ العِبادَةِ، واللَّيْلُ وقْتُ فَراغٍ، فالعِبادَةُ تَدُومُ. ﴿وأقْوَمُ قِيلًا﴾ أيْ: أشَدُّ اسْتِقامَةً عَلى الصَّوابِ؛ لِأنَّ الأصْواتَ هادِئَةٌ فَلا يَضْطَرِبُ عَلى المُصَلِّي ما يَقْرَؤُهُ. قالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ: أصْوَبُ لِلْقِراءَةِ وأثْبَتُ لِلْقَوْلِ؛ لِأنَّهُ زَمانُ التَّفَهُّمِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: أتَمُّ نَشاطًا وإخْلاصًا وبَرَكَةً. وحَكى ابْنُ شَجَرَةَ: أعْجَلُ إجابَةً لِلدُّعاءِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: أجْدَرُ أنْ يَتَفَقَّهَ فِيها القارِئُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (سَبْحًا) أيْ: تَصَرُّفًا وتَقَلُّبًا في المُهِمّاتِ، كَما يَتَرَدَّدُ السّابِحُ في الماءِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎أبا حَوالِكم شَرْقَ البِلادِ وغَرْبَها ∗∗∗ فَفِيها لَكم يا صاحُ سَبْحٌ مِنَ السَّبْحِ وقِيلَ: سَبْحًا سُبْحَةً، أيْ: نافِلَةً. وقَرَأ ابْنُ يَعْمُرَ وعِكْرِمَةُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: سَبْخًا بِالخاءِ المَنقُوطَةِ، ومَعْناهُ: خِفَّةٌ مِنَ التَّكالِيفِ، والتَّسْبِيخُ: التَّخْفِيفُ، وهو اسْتِعارَةٌ مِن سَبَّخَ الصُّوفَ إذا نَفَشَهُ ونَشَرَ أجْزاءَهُ، فَمَعْناهُ: انْتِشارُ الهِمَّةِ وتَفَرُّقِ الخاطِرِ بِالشَّواغِلِ. وقِيلَ: فَراغًا وسَعَةً لِنَوْمِكَ وتَصَرُّفِكَ في حَوائِجِكَ. وقِيلَ: المَعْنى إنْ فاتَ حِزْبُ اللَّيْلِ بِنَوْمٍ أوْ عُذْرٍ. فَلْيُخْلِفْ بِالنَّهارِ، فَإنَّ فِيهِ سَبْحًا طَوِيلًا. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وفَسَّرَ ابْنُ يَعْمُرَ وعِكْرِمَةُ سَبْخًا بِالخاءِ مُعْجَمَةً. وقالَ: نَوْمًا، أيْ: تَنامُ بِالنَّهارِ لِتَسْتَعِينَ بِهِ عَلى قِيامِ اللَّيْلِ. وقَدْ تَحْتَمِلُ هَذِهِ القِراءَةُ غَيْرَ هَذا المَعْنى، لَكِنَّهُما فَسَّراها، فَلا يُجاوِزُ عَنْهُ. انْتَهى. وفي الحَدِيثِ: «لا تَسَبَّخِي بِدُعائِكِ»، أيْ: لا تَخَفَّفِي. وقالَ الشّاعِرُ: ؎فَسَبِّخْ عَلَيْكَ الهَمَّ واعْلَمْ بِأنَّهُ ∗∗∗ إذا قَدَّرَ الرَّحْمَنُ شَيْئًا فَكائِنٌ وقالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ سَبَّخَ اللَّهُ عَنْكَ الحُمّى، أيْ: خَفَّفَها. وقِيلَ: السَّبْخُ: المَدُّ، يُقالُ: سَبِّخِي قُطْنَكِ أيْ: مُدِّيهِ، ويُقالُ لِقِطَعِ القُطْنِ سَبائِخُ، الواحِدَةُ سَبِيخَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ: ؎فَأرْسَلُوهُنَّ يُذْرِينَ التُّرابَ، كَما ∗∗∗ يُذْرِي سَبائِخَ قُطْنِ نَدْفُ أوْتارِ ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ أيْ: دُمْ عَلى ذِكْرِهِ، وهو يَتَناوَلُ كُلَّ ذِكْرٍ مِن تَسْبِيحٍ وتَهْلِيلٍ وغَيْرِهِما، وانْتَصَبَ ﴿تَبْتِيلًا﴾ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ، وحَسَّنَ ذَلِكَ كَوْنُهُ فاصِلَةً. وقَرَأ الأخَوانِ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ ويَعْقُوبُ: (رَبِّ) بِالخَفْضِ عَلى البَدَلِ مِن (رَبِّكَ) . وباقِي السَّبْعَةِ بِالرَّفْعِ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِالنَّصْبِ. والجُمْهُورُ: ﴿المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ مُوَحَّدَيْنِ. وعَبْدُ اللَّهِ وأصْحابُهُ وابْنُ عَبّاسٍ: بِجَمْعِهِما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: عَلى القَسَمِ. يَعْنِي: خَفَضَ (رَبِّ) بِإضْمارِ حَرْفِ القَسَمِ، كَقَوْلِكَ: اللَّهِ لَأفْعَلَنَّ، وجَوابُهُ: لا إلَهَ إلّا هو، كَما (p-٣٦٤)تَقُولُ: واللَّهِ لا أحَدَ في الدّارِ إلّا زِيدًا. انْتَهى. ولَعَلَّ هَذا التَّخْرِيجَ لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، إذْ فِيهِ إضْمارُ الجارِّ في القَسَمِ، ولا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ إلّا في لَفْظَةِ اللَّهِ، ولا يُقاسُ عَلَيْهِ. ولِأنَّ الجُمْلَةَ المَنفِيَّةَ في جَوابِ القَسَمِ إذا كانَتِ اسْمِيَّةً فَلا تُنْفى إلّا بِـ (ما) وحْدَها، ولا تُنَفى بِـ (لا) إلّا الجُمْلَةُ المُصَدَّرَةُ بِمُضارِعٍ كَثِيرًا وبِماضٍ في مَعْناهُ قَلِيلًا، نَحْوُ قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎رَدُّوا فَواللَّهِ لا زُرْناكم أبَدًا ∗∗∗ ما دامَ في مائِنا وِرْدٌ لِوَرِادٍ والزَّمَخْشَرِيُّ أوْرَدَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّجْوِيزِ والتَّسْلِيمِ، والَّذِي ذَكَرَهُ النَّحْوِيُّونَ هو نَفْيُها بِما نَحْوُ قَوْلِهِ: ؎لَعَمْرُكَ ما سَعْدٌ بِخُلَّةِ آثِمٍ ∗∗∗ ولا نَأْنَأٍ يَوْمَ الحِفاظِ ولا حَصِرْ ﴿فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾ لِأنَّ مَنِ انْفَرَدَ بِالأُلُوهِيَّةِ لَمْ يَتَّخِذْ وكِيلًا إلّا هو. (واصْبِرْ) ﴿واهْجُرْهُمْ﴾: قِيلَ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ﴾: قِيلَ نَزَلَتْ في صَنادِيدِ قُرَيْشٍ، وقِيلَ: في المُطْعِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، وتَقَدَّمَتْ أسْماؤُهم في سُورَةِ الأنْفالِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ مِثْلِ هَذا في ﴿فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ﴾ [القلم: ٤٤] . ﴿أُولِي النَّعْمَةِ﴾ أيْ: غَضارَةُ العَيْشِ وكَثْرَةُ المالِ والوَلَدِ، والنَّعْمَةُ بِالفَتْحِ: التَّنَعُّمُ، وبِالكَسْرِ: الأنْعامُ وما يُنْعِمُ بِهِ، وبِالضَّمِّ: المَسَرَّةُ، يُقالُ: نِعَمٌ ونِعْمَةُ عَيْنٍ. ﴿ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾: وعِيدٌ لَهم بِسُرْعَةِ الِانْتِقامِ مِنهم، والقَلِيلُ: مُوافاةُ آجالِهِمْ. وقِيلَ: وقْعَةُ بَدْرٍ. ﴿إنَّ لَدَيْنا﴾ أيْ: ما يُضادُّ نِعْمَتَهم (أنْكالًا): قُيُودًا في أرْجُلِهِمْ. قالَ الشَّعْبِيُّ: لَمْ تُجْعَلْ في أرْجُلِهِمْ خَوْفًا مِن هُرُوبِهِمْ، ولَكِنْ إذا أرادُوا أنْ يَرْتَفِعُوا اسْتَقَلَّتْ بِهِمْ. وقالَ الكَلْبِيُّ: الأنْكالُ: الأغْلالُ، والأوَّلُ أعْرَفُ في اللُّغَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ: ؎دَعاكَ فَقَطَّعْتَ أنْكالَهُ ∗∗∗ وقَدْ كُنَّ قَبْلَكَ لا تُقْطَعُ (وجَحِيمًا): نارًا شَدِيدَةَ الإيقادِ. ﴿وطَعامًا ذا غُصَّةٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: شَوْكٌ مِن نارٍ يَعْتَرِضُ في حُلُوقِهِمْ، لا يَخْرُجُ ولا يَنْزِلُ. وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: شَجَرَةُ الزَّقُّومِ. وقِيلَ: الضَّرِيعُ وشَجَرَةُ الزَّقُّومِ. (يَوْمَ) مَنصُوبٌ بِالعامِلِ في (لَدَيْنا)، وقِيلَ: بِـ (ذَرْنِي) (تَرْجُفُ): تَضْطَرِبُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَرْجُفُ) بِفَتْحِ التّاءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِضَمِّها مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ﴿كَثِيبًا﴾ أيْ: رَمْلًا مُجْتَمِعًا ﴿مَهِيلًا﴾ أيْ: رَخْوًا لَيِّنًا. قِيلَ: ويُقالُ: مَهِيلٌ ومَهْيُولٌ، وكَيْلٌ ومَكْيُولٌ، ومَدِينٌ ومَدْيُونٌ، الإتْمامُ في ذَواتِ الياءِ لُغَةُ تَمِيمٍ، والحَذْفُ لِأكْثَرِ العَرَبِ. ولَمّا هَدَّدَ المُكَذِّبِينَ بِأهْوالِ القِيامَةِ، ذَكَّرَهم بِحالِ فِرْعَوْنَ وكَيْفَ أخَذَهُ اللَّهُ تَعالى، إذْ كَذَّبَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّهُ إنْ دامَ تَكْذِيبُهم أهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى، فَقالَ: ﴿إنّا أرْسَلْنا إلَيْكُمْ﴾ والخِطابُ عامٌّ لِلْأسْوَدِ والأحْمَرِ. وقِيلَ: لِأهْلِ مَكَّةَ ﴿رَسُولًا شاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾ كَما قالَ: ﴿وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ﴾ [النحل: ٨٩] . وشَبَّهَ إرْسالَهُ إلى أهْلِ مَكَّةَ بِإرْسالِ مُوسى إلى فِرْعَوْنَ عَلى التَّعْيِينِ؛ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما رَبا في قَوْمِهِ واسْتُحْقِرُوا بِهِما، وكانَ عِنْدَهم عِلْمٌ بِما جَرى مِن غَرَقِ فِرْعَوْنَ، فَناسَبَ أنْ يُشَبِّهَ الإرْسالَ بِالإرْسالِ. وقِيلَ: الرَّسُولُ بِلامِ التَّعْرِيفِ؛ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَأُحِيلَ عَلَيْهِ. كَما تَقُولُ: لَقِيتُ رَجُلًا فَضَرَبْتُ الرَّجُلَ؛ لِأنَّ المَضْرُوبَ هو المَلْقِيُّ، والوَبِيلُ: الرَّدِيءُ العُقْبى، مِن قَوْلِهِمْ: كَلَأٌ وبِيلٌ أيْ: وخِيمٌ لا يُسْتَمْرَأُ لِثِقَلِهِ، أيْ: لا يَنْزِلُ في المَرِيءِ.

المزمل 73:14

﴿إنَّ ناشِئَهُ اللَّيْلِ﴾ قالَ ابْنُ عُمَرَ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ: هي ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ. وقالَتْ عائِشَةُ ومُجاهِدٌ: هي القِيامُ بَعْدَ اليَوْمِ، ومَن قامَ أوَّلَ اللَّيْلِ قَبْلَ اليَوْمِ، فَلَمْ يَقُمْ ناشِئَةَ اللَّيْلِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ زَيْدٍ: هي لَفْظَةٌ حَبَشِيَّةٌ، نَشَأ الرَّجُلُ: قامَ مِنَ اللَّيْلِ، فَناشِئَةٌ عَلى هَذا جَمْعُ ناشِئٍ، أيْ: قائِمٌ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ زَيْدٍ أيْضًا وجَماعَةٌ: ناشِئَةُ (p-٣٦٣)اللَّيْلِ: ساعاتُهُ؛ لِأنَّها تَنْشَأُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ الزُّبَيْرِ والحَسَنُ وأبُو مِجْلِزٍ: ما كانَ بَعْدَ العَشاءِ فَهو ناشِئَةٌ، وما كانَ قَبْلَها فَلَيْسَ بِناشِئَةٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتْ صَلاتُهم أوَّلَ اللَّيْلِ، وقالَ هو وابْنُ الزُّبَيْرِ: اللَّيْلُ كُلُّهُ ناشِئَةٌ. وقالَ الكِسائِيُّ: ناشِئَةُ اللَّيْلِ أوَّلُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ناشِئَةُ اللَّيْلِ: النَّفْسُ النّاشِئَةُ بِاللَّيْلِ الَّتِي تَنْشَأُ مِن مَضْجَعِها إلى العِبادَةِ، أيْ: تَنْهَضُ وتَرْتَفِعُ مَن نَشَأتِ السَّحابَةُ إذا ارْتَفَعَتْ، ونَشَأ مِن مَكانِهِ ونَشَرَ إذا نَهَضَ. قالَ الشّاعِرُ: ؎نَشَأْنا إلى خُوصٍ بَرى فِيها السُّرى وألْصَقَ مِنها مُشْرِفاتِ القَماحِدِ أوْ: قِيامُ اللَّيْلِ، عَلى أنَّ النّاشِئَةَ مَصْدَرٌ مِن نَشَأ إذا قامَ ونَهَضَ عَلى فاعِلِهِ كالعاقِبَةِ. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وِطاءً) بِكَسْرِ الواوِ وفَتْحِ الطّاءِ مَمْدُودًا. وقَرَأ قَتادَةُ وشِبْلٌ، عَنْ أهْلِ مَكَّةَ: بِكَسْرِ الواوِ وسُكُونِ الطّاءِ، والهَمْزَةُ مَقْصُورَةٌ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِفَتْحِ الواوِ مَمْدُودًا، والمَعْنى أنَّها أشَدُّ مُواطَأةً، أيْ: يُواطِئُ القَلْبُ فِيها اللِّسانَ، أوْ أشَدُّ مُوافَقَةً لِما يُرادُ مِنَ الخُشُوعِ والإخْلاصِ. ومَن قَرَأ (وطْأً) أيْ: أشَدُّ ثَباتَ قَدَمٍ وأبْعَدُ مِنَ الزَّلَلِ، أوْ أثْقَلُ وأغْلَظُ عَلى المُصَلِّي مِن صَلاةِ النَّهارِ، كَما جاءَ: «اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ» . وقالَ الأخْفَشُ: أشَدُّ قِيامًا. وقالَ الفَرّاءُ: أثْبَتُ قِراءَةً وقِيامًا. وقالَ الكَلْبِيُّ: أشَدُّ نَشاطًا لِلْمُصَلِّي؛ لِأنَّهُ في زَمانِ راحَتِهِ. وقِيلَ: أثْبَتُ لِلْعَمَلِ وأدْوَمُ لِمَن أرادَ الِاسْتِكْثارَ مِنَ العِبادَةِ، واللَّيْلُ وقْتُ فَراغٍ، فالعِبادَةُ تَدُومُ. ﴿وأقْوَمُ قِيلًا﴾ أيْ: أشَدُّ اسْتِقامَةً عَلى الصَّوابِ؛ لِأنَّ الأصْواتَ هادِئَةٌ فَلا يَضْطَرِبُ عَلى المُصَلِّي ما يَقْرَؤُهُ. قالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ: أصْوَبُ لِلْقِراءَةِ وأثْبَتُ لِلْقَوْلِ؛ لِأنَّهُ زَمانُ التَّفَهُّمِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: أتَمُّ نَشاطًا وإخْلاصًا وبَرَكَةً. وحَكى ابْنُ شَجَرَةَ: أعْجَلُ إجابَةً لِلدُّعاءِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: أجْدَرُ أنْ يَتَفَقَّهَ فِيها القارِئُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (سَبْحًا) أيْ: تَصَرُّفًا وتَقَلُّبًا في المُهِمّاتِ، كَما يَتَرَدَّدُ السّابِحُ في الماءِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎أبا حَوالِكم شَرْقَ البِلادِ وغَرْبَها ∗∗∗ فَفِيها لَكم يا صاحُ سَبْحٌ مِنَ السَّبْحِ وقِيلَ: سَبْحًا سُبْحَةً، أيْ: نافِلَةً. وقَرَأ ابْنُ يَعْمُرَ وعِكْرِمَةُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: سَبْخًا بِالخاءِ المَنقُوطَةِ، ومَعْناهُ: خِفَّةٌ مِنَ التَّكالِيفِ، والتَّسْبِيخُ: التَّخْفِيفُ، وهو اسْتِعارَةٌ مِن سَبَّخَ الصُّوفَ إذا نَفَشَهُ ونَشَرَ أجْزاءَهُ، فَمَعْناهُ: انْتِشارُ الهِمَّةِ وتَفَرُّقِ الخاطِرِ بِالشَّواغِلِ. وقِيلَ: فَراغًا وسَعَةً لِنَوْمِكَ وتَصَرُّفِكَ في حَوائِجِكَ. وقِيلَ: المَعْنى إنْ فاتَ حِزْبُ اللَّيْلِ بِنَوْمٍ أوْ عُذْرٍ. فَلْيُخْلِفْ بِالنَّهارِ، فَإنَّ فِيهِ سَبْحًا طَوِيلًا. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وفَسَّرَ ابْنُ يَعْمُرَ وعِكْرِمَةُ سَبْخًا بِالخاءِ مُعْجَمَةً. وقالَ: نَوْمًا، أيْ: تَنامُ بِالنَّهارِ لِتَسْتَعِينَ بِهِ عَلى قِيامِ اللَّيْلِ. وقَدْ تَحْتَمِلُ هَذِهِ القِراءَةُ غَيْرَ هَذا المَعْنى، لَكِنَّهُما فَسَّراها، فَلا يُجاوِزُ عَنْهُ. انْتَهى. وفي الحَدِيثِ: «لا تَسَبَّخِي بِدُعائِكِ»، أيْ: لا تَخَفَّفِي. وقالَ الشّاعِرُ: ؎فَسَبِّخْ عَلَيْكَ الهَمَّ واعْلَمْ بِأنَّهُ ∗∗∗ إذا قَدَّرَ الرَّحْمَنُ شَيْئًا فَكائِنٌ وقالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ سَبَّخَ اللَّهُ عَنْكَ الحُمّى، أيْ: خَفَّفَها. وقِيلَ: السَّبْخُ: المَدُّ، يُقالُ: سَبِّخِي قُطْنَكِ أيْ: مُدِّيهِ، ويُقالُ لِقِطَعِ القُطْنِ سَبائِخُ، الواحِدَةُ سَبِيخَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ: ؎فَأرْسَلُوهُنَّ يُذْرِينَ التُّرابَ، كَما ∗∗∗ يُذْرِي سَبائِخَ قُطْنِ نَدْفُ أوْتارِ ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ أيْ: دُمْ عَلى ذِكْرِهِ، وهو يَتَناوَلُ كُلَّ ذِكْرٍ مِن تَسْبِيحٍ وتَهْلِيلٍ وغَيْرِهِما، وانْتَصَبَ ﴿تَبْتِيلًا﴾ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ، وحَسَّنَ ذَلِكَ كَوْنُهُ فاصِلَةً. وقَرَأ الأخَوانِ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ ويَعْقُوبُ: (رَبِّ) بِالخَفْضِ عَلى البَدَلِ مِن (رَبِّكَ) . وباقِي السَّبْعَةِ بِالرَّفْعِ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِالنَّصْبِ. والجُمْهُورُ: ﴿المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ مُوَحَّدَيْنِ. وعَبْدُ اللَّهِ وأصْحابُهُ وابْنُ عَبّاسٍ: بِجَمْعِهِما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: عَلى القَسَمِ. يَعْنِي: خَفَضَ (رَبِّ) بِإضْمارِ حَرْفِ القَسَمِ، كَقَوْلِكَ: اللَّهِ لَأفْعَلَنَّ، وجَوابُهُ: لا إلَهَ إلّا هو، كَما (p-٣٦٤)تَقُولُ: واللَّهِ لا أحَدَ في الدّارِ إلّا زِيدًا. انْتَهى. ولَعَلَّ هَذا التَّخْرِيجَ لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، إذْ فِيهِ إضْمارُ الجارِّ في القَسَمِ، ولا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ إلّا في لَفْظَةِ اللَّهِ، ولا يُقاسُ عَلَيْهِ. ولِأنَّ الجُمْلَةَ المَنفِيَّةَ في جَوابِ القَسَمِ إذا كانَتِ اسْمِيَّةً فَلا تُنْفى إلّا بِـ (ما) وحْدَها، ولا تُنَفى بِـ (لا) إلّا الجُمْلَةُ المُصَدَّرَةُ بِمُضارِعٍ كَثِيرًا وبِماضٍ في مَعْناهُ قَلِيلًا، نَحْوُ قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎رَدُّوا فَواللَّهِ لا زُرْناكم أبَدًا ∗∗∗ ما دامَ في مائِنا وِرْدٌ لِوَرِادٍ والزَّمَخْشَرِيُّ أوْرَدَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّجْوِيزِ والتَّسْلِيمِ، والَّذِي ذَكَرَهُ النَّحْوِيُّونَ هو نَفْيُها بِما نَحْوُ قَوْلِهِ: ؎لَعَمْرُكَ ما سَعْدٌ بِخُلَّةِ آثِمٍ ∗∗∗ ولا نَأْنَأٍ يَوْمَ الحِفاظِ ولا حَصِرْ ﴿فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾ لِأنَّ مَنِ انْفَرَدَ بِالأُلُوهِيَّةِ لَمْ يَتَّخِذْ وكِيلًا إلّا هو. (واصْبِرْ) ﴿واهْجُرْهُمْ﴾: قِيلَ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ﴾: قِيلَ نَزَلَتْ في صَنادِيدِ قُرَيْشٍ، وقِيلَ: في المُطْعِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، وتَقَدَّمَتْ أسْماؤُهم في سُورَةِ الأنْفالِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ مِثْلِ هَذا في ﴿فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ﴾ [القلم: ٤٤] . ﴿أُولِي النَّعْمَةِ﴾ أيْ: غَضارَةُ العَيْشِ وكَثْرَةُ المالِ والوَلَدِ، والنَّعْمَةُ بِالفَتْحِ: التَّنَعُّمُ، وبِالكَسْرِ: الأنْعامُ وما يُنْعِمُ بِهِ، وبِالضَّمِّ: المَسَرَّةُ، يُقالُ: نِعَمٌ ونِعْمَةُ عَيْنٍ. ﴿ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾: وعِيدٌ لَهم بِسُرْعَةِ الِانْتِقامِ مِنهم، والقَلِيلُ: مُوافاةُ آجالِهِمْ. وقِيلَ: وقْعَةُ بَدْرٍ. ﴿إنَّ لَدَيْنا﴾ أيْ: ما يُضادُّ نِعْمَتَهم (أنْكالًا): قُيُودًا في أرْجُلِهِمْ. قالَ الشَّعْبِيُّ: لَمْ تُجْعَلْ في أرْجُلِهِمْ خَوْفًا مِن هُرُوبِهِمْ، ولَكِنْ إذا أرادُوا أنْ يَرْتَفِعُوا اسْتَقَلَّتْ بِهِمْ. وقالَ الكَلْبِيُّ: الأنْكالُ: الأغْلالُ، والأوَّلُ أعْرَفُ في اللُّغَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ: ؎دَعاكَ فَقَطَّعْتَ أنْكالَهُ ∗∗∗ وقَدْ كُنَّ قَبْلَكَ لا تُقْطَعُ (وجَحِيمًا): نارًا شَدِيدَةَ الإيقادِ. ﴿وطَعامًا ذا غُصَّةٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: شَوْكٌ مِن نارٍ يَعْتَرِضُ في حُلُوقِهِمْ، لا يَخْرُجُ ولا يَنْزِلُ. وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: شَجَرَةُ الزَّقُّومِ. وقِيلَ: الضَّرِيعُ وشَجَرَةُ الزَّقُّومِ. (يَوْمَ) مَنصُوبٌ بِالعامِلِ في (لَدَيْنا)، وقِيلَ: بِـ (ذَرْنِي) (تَرْجُفُ): تَضْطَرِبُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَرْجُفُ) بِفَتْحِ التّاءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِضَمِّها مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ﴿كَثِيبًا﴾ أيْ: رَمْلًا مُجْتَمِعًا ﴿مَهِيلًا﴾ أيْ: رَخْوًا لَيِّنًا. قِيلَ: ويُقالُ: مَهِيلٌ ومَهْيُولٌ، وكَيْلٌ ومَكْيُولٌ، ومَدِينٌ ومَدْيُونٌ، الإتْمامُ في ذَواتِ الياءِ لُغَةُ تَمِيمٍ، والحَذْفُ لِأكْثَرِ العَرَبِ. ولَمّا هَدَّدَ المُكَذِّبِينَ بِأهْوالِ القِيامَةِ، ذَكَّرَهم بِحالِ فِرْعَوْنَ وكَيْفَ أخَذَهُ اللَّهُ تَعالى، إذْ كَذَّبَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّهُ إنْ دامَ تَكْذِيبُهم أهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى، فَقالَ: ﴿إنّا أرْسَلْنا إلَيْكُمْ﴾ والخِطابُ عامٌّ لِلْأسْوَدِ والأحْمَرِ. وقِيلَ: لِأهْلِ مَكَّةَ ﴿رَسُولًا شاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾ كَما قالَ: ﴿وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ﴾ [النحل: ٨٩] . وشَبَّهَ إرْسالَهُ إلى أهْلِ مَكَّةَ بِإرْسالِ مُوسى إلى فِرْعَوْنَ عَلى التَّعْيِينِ؛ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما رَبا في قَوْمِهِ واسْتُحْقِرُوا بِهِما، وكانَ عِنْدَهم عِلْمٌ بِما جَرى مِن غَرَقِ فِرْعَوْنَ، فَناسَبَ أنْ يُشَبِّهَ الإرْسالَ بِالإرْسالِ. وقِيلَ: الرَّسُولُ بِلامِ التَّعْرِيفِ؛ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَأُحِيلَ عَلَيْهِ. كَما تَقُولُ: لَقِيتُ رَجُلًا فَضَرَبْتُ الرَّجُلَ؛ لِأنَّ المَضْرُوبَ هو المَلْقِيُّ، والوَبِيلُ: الرَّدِيءُ العُقْبى، مِن قَوْلِهِمْ: كَلَأٌ وبِيلٌ أيْ: وخِيمٌ لا يُسْتَمْرَأُ لِثِقَلِهِ، أيْ: لا يَنْزِلُ في المَرِيءِ.

المزمل 73:15

﴿إنَّ ناشِئَهُ اللَّيْلِ﴾ قالَ ابْنُ عُمَرَ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ: هي ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ. وقالَتْ عائِشَةُ ومُجاهِدٌ: هي القِيامُ بَعْدَ اليَوْمِ، ومَن قامَ أوَّلَ اللَّيْلِ قَبْلَ اليَوْمِ، فَلَمْ يَقُمْ ناشِئَةَ اللَّيْلِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ زَيْدٍ: هي لَفْظَةٌ حَبَشِيَّةٌ، نَشَأ الرَّجُلُ: قامَ مِنَ اللَّيْلِ، فَناشِئَةٌ عَلى هَذا جَمْعُ ناشِئٍ، أيْ: قائِمٌ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ زَيْدٍ أيْضًا وجَماعَةٌ: ناشِئَةُ (p-٣٦٣)اللَّيْلِ: ساعاتُهُ؛ لِأنَّها تَنْشَأُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ الزُّبَيْرِ والحَسَنُ وأبُو مِجْلِزٍ: ما كانَ بَعْدَ العَشاءِ فَهو ناشِئَةٌ، وما كانَ قَبْلَها فَلَيْسَ بِناشِئَةٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتْ صَلاتُهم أوَّلَ اللَّيْلِ، وقالَ هو وابْنُ الزُّبَيْرِ: اللَّيْلُ كُلُّهُ ناشِئَةٌ. وقالَ الكِسائِيُّ: ناشِئَةُ اللَّيْلِ أوَّلُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ناشِئَةُ اللَّيْلِ: النَّفْسُ النّاشِئَةُ بِاللَّيْلِ الَّتِي تَنْشَأُ مِن مَضْجَعِها إلى العِبادَةِ، أيْ: تَنْهَضُ وتَرْتَفِعُ مَن نَشَأتِ السَّحابَةُ إذا ارْتَفَعَتْ، ونَشَأ مِن مَكانِهِ ونَشَرَ إذا نَهَضَ. قالَ الشّاعِرُ: ؎نَشَأْنا إلى خُوصٍ بَرى فِيها السُّرى وألْصَقَ مِنها مُشْرِفاتِ القَماحِدِ أوْ: قِيامُ اللَّيْلِ، عَلى أنَّ النّاشِئَةَ مَصْدَرٌ مِن نَشَأ إذا قامَ ونَهَضَ عَلى فاعِلِهِ كالعاقِبَةِ. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وِطاءً) بِكَسْرِ الواوِ وفَتْحِ الطّاءِ مَمْدُودًا. وقَرَأ قَتادَةُ وشِبْلٌ، عَنْ أهْلِ مَكَّةَ: بِكَسْرِ الواوِ وسُكُونِ الطّاءِ، والهَمْزَةُ مَقْصُورَةٌ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِفَتْحِ الواوِ مَمْدُودًا، والمَعْنى أنَّها أشَدُّ مُواطَأةً، أيْ: يُواطِئُ القَلْبُ فِيها اللِّسانَ، أوْ أشَدُّ مُوافَقَةً لِما يُرادُ مِنَ الخُشُوعِ والإخْلاصِ. ومَن قَرَأ (وطْأً) أيْ: أشَدُّ ثَباتَ قَدَمٍ وأبْعَدُ مِنَ الزَّلَلِ، أوْ أثْقَلُ وأغْلَظُ عَلى المُصَلِّي مِن صَلاةِ النَّهارِ، كَما جاءَ: «اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ» . وقالَ الأخْفَشُ: أشَدُّ قِيامًا. وقالَ الفَرّاءُ: أثْبَتُ قِراءَةً وقِيامًا. وقالَ الكَلْبِيُّ: أشَدُّ نَشاطًا لِلْمُصَلِّي؛ لِأنَّهُ في زَمانِ راحَتِهِ. وقِيلَ: أثْبَتُ لِلْعَمَلِ وأدْوَمُ لِمَن أرادَ الِاسْتِكْثارَ مِنَ العِبادَةِ، واللَّيْلُ وقْتُ فَراغٍ، فالعِبادَةُ تَدُومُ. ﴿وأقْوَمُ قِيلًا﴾ أيْ: أشَدُّ اسْتِقامَةً عَلى الصَّوابِ؛ لِأنَّ الأصْواتَ هادِئَةٌ فَلا يَضْطَرِبُ عَلى المُصَلِّي ما يَقْرَؤُهُ. قالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ: أصْوَبُ لِلْقِراءَةِ وأثْبَتُ لِلْقَوْلِ؛ لِأنَّهُ زَمانُ التَّفَهُّمِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: أتَمُّ نَشاطًا وإخْلاصًا وبَرَكَةً. وحَكى ابْنُ شَجَرَةَ: أعْجَلُ إجابَةً لِلدُّعاءِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: أجْدَرُ أنْ يَتَفَقَّهَ فِيها القارِئُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (سَبْحًا) أيْ: تَصَرُّفًا وتَقَلُّبًا في المُهِمّاتِ، كَما يَتَرَدَّدُ السّابِحُ في الماءِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎أبا حَوالِكم شَرْقَ البِلادِ وغَرْبَها ∗∗∗ فَفِيها لَكم يا صاحُ سَبْحٌ مِنَ السَّبْحِ وقِيلَ: سَبْحًا سُبْحَةً، أيْ: نافِلَةً. وقَرَأ ابْنُ يَعْمُرَ وعِكْرِمَةُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: سَبْخًا بِالخاءِ المَنقُوطَةِ، ومَعْناهُ: خِفَّةٌ مِنَ التَّكالِيفِ، والتَّسْبِيخُ: التَّخْفِيفُ، وهو اسْتِعارَةٌ مِن سَبَّخَ الصُّوفَ إذا نَفَشَهُ ونَشَرَ أجْزاءَهُ، فَمَعْناهُ: انْتِشارُ الهِمَّةِ وتَفَرُّقِ الخاطِرِ بِالشَّواغِلِ. وقِيلَ: فَراغًا وسَعَةً لِنَوْمِكَ وتَصَرُّفِكَ في حَوائِجِكَ. وقِيلَ: المَعْنى إنْ فاتَ حِزْبُ اللَّيْلِ بِنَوْمٍ أوْ عُذْرٍ. فَلْيُخْلِفْ بِالنَّهارِ، فَإنَّ فِيهِ سَبْحًا طَوِيلًا. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وفَسَّرَ ابْنُ يَعْمُرَ وعِكْرِمَةُ سَبْخًا بِالخاءِ مُعْجَمَةً. وقالَ: نَوْمًا، أيْ: تَنامُ بِالنَّهارِ لِتَسْتَعِينَ بِهِ عَلى قِيامِ اللَّيْلِ. وقَدْ تَحْتَمِلُ هَذِهِ القِراءَةُ غَيْرَ هَذا المَعْنى، لَكِنَّهُما فَسَّراها، فَلا يُجاوِزُ عَنْهُ. انْتَهى. وفي الحَدِيثِ: «لا تَسَبَّخِي بِدُعائِكِ»، أيْ: لا تَخَفَّفِي. وقالَ الشّاعِرُ: ؎فَسَبِّخْ عَلَيْكَ الهَمَّ واعْلَمْ بِأنَّهُ ∗∗∗ إذا قَدَّرَ الرَّحْمَنُ شَيْئًا فَكائِنٌ وقالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ سَبَّخَ اللَّهُ عَنْكَ الحُمّى، أيْ: خَفَّفَها. وقِيلَ: السَّبْخُ: المَدُّ، يُقالُ: سَبِّخِي قُطْنَكِ أيْ: مُدِّيهِ، ويُقالُ لِقِطَعِ القُطْنِ سَبائِخُ، الواحِدَةُ سَبِيخَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ: ؎فَأرْسَلُوهُنَّ يُذْرِينَ التُّرابَ، كَما ∗∗∗ يُذْرِي سَبائِخَ قُطْنِ نَدْفُ أوْتارِ ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ أيْ: دُمْ عَلى ذِكْرِهِ، وهو يَتَناوَلُ كُلَّ ذِكْرٍ مِن تَسْبِيحٍ وتَهْلِيلٍ وغَيْرِهِما، وانْتَصَبَ ﴿تَبْتِيلًا﴾ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ، وحَسَّنَ ذَلِكَ كَوْنُهُ فاصِلَةً. وقَرَأ الأخَوانِ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ ويَعْقُوبُ: (رَبِّ) بِالخَفْضِ عَلى البَدَلِ مِن (رَبِّكَ) . وباقِي السَّبْعَةِ بِالرَّفْعِ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِالنَّصْبِ. والجُمْهُورُ: ﴿المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ مُوَحَّدَيْنِ. وعَبْدُ اللَّهِ وأصْحابُهُ وابْنُ عَبّاسٍ: بِجَمْعِهِما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: عَلى القَسَمِ. يَعْنِي: خَفَضَ (رَبِّ) بِإضْمارِ حَرْفِ القَسَمِ، كَقَوْلِكَ: اللَّهِ لَأفْعَلَنَّ، وجَوابُهُ: لا إلَهَ إلّا هو، كَما (p-٣٦٤)تَقُولُ: واللَّهِ لا أحَدَ في الدّارِ إلّا زِيدًا. انْتَهى. ولَعَلَّ هَذا التَّخْرِيجَ لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، إذْ فِيهِ إضْمارُ الجارِّ في القَسَمِ، ولا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ إلّا في لَفْظَةِ اللَّهِ، ولا يُقاسُ عَلَيْهِ. ولِأنَّ الجُمْلَةَ المَنفِيَّةَ في جَوابِ القَسَمِ إذا كانَتِ اسْمِيَّةً فَلا تُنْفى إلّا بِـ (ما) وحْدَها، ولا تُنَفى بِـ (لا) إلّا الجُمْلَةُ المُصَدَّرَةُ بِمُضارِعٍ كَثِيرًا وبِماضٍ في مَعْناهُ قَلِيلًا، نَحْوُ قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎رَدُّوا فَواللَّهِ لا زُرْناكم أبَدًا ∗∗∗ ما دامَ في مائِنا وِرْدٌ لِوَرِادٍ والزَّمَخْشَرِيُّ أوْرَدَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّجْوِيزِ والتَّسْلِيمِ، والَّذِي ذَكَرَهُ النَّحْوِيُّونَ هو نَفْيُها بِما نَحْوُ قَوْلِهِ: ؎لَعَمْرُكَ ما سَعْدٌ بِخُلَّةِ آثِمٍ ∗∗∗ ولا نَأْنَأٍ يَوْمَ الحِفاظِ ولا حَصِرْ ﴿فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾ لِأنَّ مَنِ انْفَرَدَ بِالأُلُوهِيَّةِ لَمْ يَتَّخِذْ وكِيلًا إلّا هو. (واصْبِرْ) ﴿واهْجُرْهُمْ﴾: قِيلَ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ﴾: قِيلَ نَزَلَتْ في صَنادِيدِ قُرَيْشٍ، وقِيلَ: في المُطْعِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، وتَقَدَّمَتْ أسْماؤُهم في سُورَةِ الأنْفالِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ مِثْلِ هَذا في ﴿فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ﴾ [القلم: ٤٤] . ﴿أُولِي النَّعْمَةِ﴾ أيْ: غَضارَةُ العَيْشِ وكَثْرَةُ المالِ والوَلَدِ، والنَّعْمَةُ بِالفَتْحِ: التَّنَعُّمُ، وبِالكَسْرِ: الأنْعامُ وما يُنْعِمُ بِهِ، وبِالضَّمِّ: المَسَرَّةُ، يُقالُ: نِعَمٌ ونِعْمَةُ عَيْنٍ. ﴿ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾: وعِيدٌ لَهم بِسُرْعَةِ الِانْتِقامِ مِنهم، والقَلِيلُ: مُوافاةُ آجالِهِمْ. وقِيلَ: وقْعَةُ بَدْرٍ. ﴿إنَّ لَدَيْنا﴾ أيْ: ما يُضادُّ نِعْمَتَهم (أنْكالًا): قُيُودًا في أرْجُلِهِمْ. قالَ الشَّعْبِيُّ: لَمْ تُجْعَلْ في أرْجُلِهِمْ خَوْفًا مِن هُرُوبِهِمْ، ولَكِنْ إذا أرادُوا أنْ يَرْتَفِعُوا اسْتَقَلَّتْ بِهِمْ. وقالَ الكَلْبِيُّ: الأنْكالُ: الأغْلالُ، والأوَّلُ أعْرَفُ في اللُّغَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ: ؎دَعاكَ فَقَطَّعْتَ أنْكالَهُ ∗∗∗ وقَدْ كُنَّ قَبْلَكَ لا تُقْطَعُ (وجَحِيمًا): نارًا شَدِيدَةَ الإيقادِ. ﴿وطَعامًا ذا غُصَّةٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: شَوْكٌ مِن نارٍ يَعْتَرِضُ في حُلُوقِهِمْ، لا يَخْرُجُ ولا يَنْزِلُ. وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: شَجَرَةُ الزَّقُّومِ. وقِيلَ: الضَّرِيعُ وشَجَرَةُ الزَّقُّومِ. (يَوْمَ) مَنصُوبٌ بِالعامِلِ في (لَدَيْنا)، وقِيلَ: بِـ (ذَرْنِي) (تَرْجُفُ): تَضْطَرِبُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَرْجُفُ) بِفَتْحِ التّاءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِضَمِّها مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ﴿كَثِيبًا﴾ أيْ: رَمْلًا مُجْتَمِعًا ﴿مَهِيلًا﴾ أيْ: رَخْوًا لَيِّنًا. قِيلَ: ويُقالُ: مَهِيلٌ ومَهْيُولٌ، وكَيْلٌ ومَكْيُولٌ، ومَدِينٌ ومَدْيُونٌ، الإتْمامُ في ذَواتِ الياءِ لُغَةُ تَمِيمٍ، والحَذْفُ لِأكْثَرِ العَرَبِ. ولَمّا هَدَّدَ المُكَذِّبِينَ بِأهْوالِ القِيامَةِ، ذَكَّرَهم بِحالِ فِرْعَوْنَ وكَيْفَ أخَذَهُ اللَّهُ تَعالى، إذْ كَذَّبَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّهُ إنْ دامَ تَكْذِيبُهم أهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى، فَقالَ: ﴿إنّا أرْسَلْنا إلَيْكُمْ﴾ والخِطابُ عامٌّ لِلْأسْوَدِ والأحْمَرِ. وقِيلَ: لِأهْلِ مَكَّةَ ﴿رَسُولًا شاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾ كَما قالَ: ﴿وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ﴾ [النحل: ٨٩] . وشَبَّهَ إرْسالَهُ إلى أهْلِ مَكَّةَ بِإرْسالِ مُوسى إلى فِرْعَوْنَ عَلى التَّعْيِينِ؛ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما رَبا في قَوْمِهِ واسْتُحْقِرُوا بِهِما، وكانَ عِنْدَهم عِلْمٌ بِما جَرى مِن غَرَقِ فِرْعَوْنَ، فَناسَبَ أنْ يُشَبِّهَ الإرْسالَ بِالإرْسالِ. وقِيلَ: الرَّسُولُ بِلامِ التَّعْرِيفِ؛ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَأُحِيلَ عَلَيْهِ. كَما تَقُولُ: لَقِيتُ رَجُلًا فَضَرَبْتُ الرَّجُلَ؛ لِأنَّ المَضْرُوبَ هو المَلْقِيُّ، والوَبِيلُ: الرَّدِيءُ العُقْبى، مِن قَوْلِهِمْ: كَلَأٌ وبِيلٌ أيْ: وخِيمٌ لا يُسْتَمْرَأُ لِثِقَلِهِ، أيْ: لا يَنْزِلُ في المَرِيءِ.

المزمل 73:16

﴿إنَّ ناشِئَهُ اللَّيْلِ﴾ قالَ ابْنُ عُمَرَ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ: هي ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ. وقالَتْ عائِشَةُ ومُجاهِدٌ: هي القِيامُ بَعْدَ اليَوْمِ، ومَن قامَ أوَّلَ اللَّيْلِ قَبْلَ اليَوْمِ، فَلَمْ يَقُمْ ناشِئَةَ اللَّيْلِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ زَيْدٍ: هي لَفْظَةٌ حَبَشِيَّةٌ، نَشَأ الرَّجُلُ: قامَ مِنَ اللَّيْلِ، فَناشِئَةٌ عَلى هَذا جَمْعُ ناشِئٍ، أيْ: قائِمٌ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ زَيْدٍ أيْضًا وجَماعَةٌ: ناشِئَةُ (p-٣٦٣)اللَّيْلِ: ساعاتُهُ؛ لِأنَّها تَنْشَأُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ الزُّبَيْرِ والحَسَنُ وأبُو مِجْلِزٍ: ما كانَ بَعْدَ العَشاءِ فَهو ناشِئَةٌ، وما كانَ قَبْلَها فَلَيْسَ بِناشِئَةٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتْ صَلاتُهم أوَّلَ اللَّيْلِ، وقالَ هو وابْنُ الزُّبَيْرِ: اللَّيْلُ كُلُّهُ ناشِئَةٌ. وقالَ الكِسائِيُّ: ناشِئَةُ اللَّيْلِ أوَّلُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ناشِئَةُ اللَّيْلِ: النَّفْسُ النّاشِئَةُ بِاللَّيْلِ الَّتِي تَنْشَأُ مِن مَضْجَعِها إلى العِبادَةِ، أيْ: تَنْهَضُ وتَرْتَفِعُ مَن نَشَأتِ السَّحابَةُ إذا ارْتَفَعَتْ، ونَشَأ مِن مَكانِهِ ونَشَرَ إذا نَهَضَ. قالَ الشّاعِرُ: ؎نَشَأْنا إلى خُوصٍ بَرى فِيها السُّرى وألْصَقَ مِنها مُشْرِفاتِ القَماحِدِ أوْ: قِيامُ اللَّيْلِ، عَلى أنَّ النّاشِئَةَ مَصْدَرٌ مِن نَشَأ إذا قامَ ونَهَضَ عَلى فاعِلِهِ كالعاقِبَةِ. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وِطاءً) بِكَسْرِ الواوِ وفَتْحِ الطّاءِ مَمْدُودًا. وقَرَأ قَتادَةُ وشِبْلٌ، عَنْ أهْلِ مَكَّةَ: بِكَسْرِ الواوِ وسُكُونِ الطّاءِ، والهَمْزَةُ مَقْصُورَةٌ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِفَتْحِ الواوِ مَمْدُودًا، والمَعْنى أنَّها أشَدُّ مُواطَأةً، أيْ: يُواطِئُ القَلْبُ فِيها اللِّسانَ، أوْ أشَدُّ مُوافَقَةً لِما يُرادُ مِنَ الخُشُوعِ والإخْلاصِ. ومَن قَرَأ (وطْأً) أيْ: أشَدُّ ثَباتَ قَدَمٍ وأبْعَدُ مِنَ الزَّلَلِ، أوْ أثْقَلُ وأغْلَظُ عَلى المُصَلِّي مِن صَلاةِ النَّهارِ، كَما جاءَ: «اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ» . وقالَ الأخْفَشُ: أشَدُّ قِيامًا. وقالَ الفَرّاءُ: أثْبَتُ قِراءَةً وقِيامًا. وقالَ الكَلْبِيُّ: أشَدُّ نَشاطًا لِلْمُصَلِّي؛ لِأنَّهُ في زَمانِ راحَتِهِ. وقِيلَ: أثْبَتُ لِلْعَمَلِ وأدْوَمُ لِمَن أرادَ الِاسْتِكْثارَ مِنَ العِبادَةِ، واللَّيْلُ وقْتُ فَراغٍ، فالعِبادَةُ تَدُومُ. ﴿وأقْوَمُ قِيلًا﴾ أيْ: أشَدُّ اسْتِقامَةً عَلى الصَّوابِ؛ لِأنَّ الأصْواتَ هادِئَةٌ فَلا يَضْطَرِبُ عَلى المُصَلِّي ما يَقْرَؤُهُ. قالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ: أصْوَبُ لِلْقِراءَةِ وأثْبَتُ لِلْقَوْلِ؛ لِأنَّهُ زَمانُ التَّفَهُّمِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: أتَمُّ نَشاطًا وإخْلاصًا وبَرَكَةً. وحَكى ابْنُ شَجَرَةَ: أعْجَلُ إجابَةً لِلدُّعاءِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: أجْدَرُ أنْ يَتَفَقَّهَ فِيها القارِئُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (سَبْحًا) أيْ: تَصَرُّفًا وتَقَلُّبًا في المُهِمّاتِ، كَما يَتَرَدَّدُ السّابِحُ في الماءِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎أبا حَوالِكم شَرْقَ البِلادِ وغَرْبَها ∗∗∗ فَفِيها لَكم يا صاحُ سَبْحٌ مِنَ السَّبْحِ وقِيلَ: سَبْحًا سُبْحَةً، أيْ: نافِلَةً. وقَرَأ ابْنُ يَعْمُرَ وعِكْرِمَةُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: سَبْخًا بِالخاءِ المَنقُوطَةِ، ومَعْناهُ: خِفَّةٌ مِنَ التَّكالِيفِ، والتَّسْبِيخُ: التَّخْفِيفُ، وهو اسْتِعارَةٌ مِن سَبَّخَ الصُّوفَ إذا نَفَشَهُ ونَشَرَ أجْزاءَهُ، فَمَعْناهُ: انْتِشارُ الهِمَّةِ وتَفَرُّقِ الخاطِرِ بِالشَّواغِلِ. وقِيلَ: فَراغًا وسَعَةً لِنَوْمِكَ وتَصَرُّفِكَ في حَوائِجِكَ. وقِيلَ: المَعْنى إنْ فاتَ حِزْبُ اللَّيْلِ بِنَوْمٍ أوْ عُذْرٍ. فَلْيُخْلِفْ بِالنَّهارِ، فَإنَّ فِيهِ سَبْحًا طَوِيلًا. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وفَسَّرَ ابْنُ يَعْمُرَ وعِكْرِمَةُ سَبْخًا بِالخاءِ مُعْجَمَةً. وقالَ: نَوْمًا، أيْ: تَنامُ بِالنَّهارِ لِتَسْتَعِينَ بِهِ عَلى قِيامِ اللَّيْلِ. وقَدْ تَحْتَمِلُ هَذِهِ القِراءَةُ غَيْرَ هَذا المَعْنى، لَكِنَّهُما فَسَّراها، فَلا يُجاوِزُ عَنْهُ. انْتَهى. وفي الحَدِيثِ: «لا تَسَبَّخِي بِدُعائِكِ»، أيْ: لا تَخَفَّفِي. وقالَ الشّاعِرُ: ؎فَسَبِّخْ عَلَيْكَ الهَمَّ واعْلَمْ بِأنَّهُ ∗∗∗ إذا قَدَّرَ الرَّحْمَنُ شَيْئًا فَكائِنٌ وقالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ سَبَّخَ اللَّهُ عَنْكَ الحُمّى، أيْ: خَفَّفَها. وقِيلَ: السَّبْخُ: المَدُّ، يُقالُ: سَبِّخِي قُطْنَكِ أيْ: مُدِّيهِ، ويُقالُ لِقِطَعِ القُطْنِ سَبائِخُ، الواحِدَةُ سَبِيخَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ: ؎فَأرْسَلُوهُنَّ يُذْرِينَ التُّرابَ، كَما ∗∗∗ يُذْرِي سَبائِخَ قُطْنِ نَدْفُ أوْتارِ ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ أيْ: دُمْ عَلى ذِكْرِهِ، وهو يَتَناوَلُ كُلَّ ذِكْرٍ مِن تَسْبِيحٍ وتَهْلِيلٍ وغَيْرِهِما، وانْتَصَبَ ﴿تَبْتِيلًا﴾ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ، وحَسَّنَ ذَلِكَ كَوْنُهُ فاصِلَةً. وقَرَأ الأخَوانِ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ ويَعْقُوبُ: (رَبِّ) بِالخَفْضِ عَلى البَدَلِ مِن (رَبِّكَ) . وباقِي السَّبْعَةِ بِالرَّفْعِ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِالنَّصْبِ. والجُمْهُورُ: ﴿المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ مُوَحَّدَيْنِ. وعَبْدُ اللَّهِ وأصْحابُهُ وابْنُ عَبّاسٍ: بِجَمْعِهِما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: عَلى القَسَمِ. يَعْنِي: خَفَضَ (رَبِّ) بِإضْمارِ حَرْفِ القَسَمِ، كَقَوْلِكَ: اللَّهِ لَأفْعَلَنَّ، وجَوابُهُ: لا إلَهَ إلّا هو، كَما (p-٣٦٤)تَقُولُ: واللَّهِ لا أحَدَ في الدّارِ إلّا زِيدًا. انْتَهى. ولَعَلَّ هَذا التَّخْرِيجَ لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، إذْ فِيهِ إضْمارُ الجارِّ في القَسَمِ، ولا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ إلّا في لَفْظَةِ اللَّهِ، ولا يُقاسُ عَلَيْهِ. ولِأنَّ الجُمْلَةَ المَنفِيَّةَ في جَوابِ القَسَمِ إذا كانَتِ اسْمِيَّةً فَلا تُنْفى إلّا بِـ (ما) وحْدَها، ولا تُنَفى بِـ (لا) إلّا الجُمْلَةُ المُصَدَّرَةُ بِمُضارِعٍ كَثِيرًا وبِماضٍ في مَعْناهُ قَلِيلًا، نَحْوُ قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎رَدُّوا فَواللَّهِ لا زُرْناكم أبَدًا ∗∗∗ ما دامَ في مائِنا وِرْدٌ لِوَرِادٍ والزَّمَخْشَرِيُّ أوْرَدَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّجْوِيزِ والتَّسْلِيمِ، والَّذِي ذَكَرَهُ النَّحْوِيُّونَ هو نَفْيُها بِما نَحْوُ قَوْلِهِ: ؎لَعَمْرُكَ ما سَعْدٌ بِخُلَّةِ آثِمٍ ∗∗∗ ولا نَأْنَأٍ يَوْمَ الحِفاظِ ولا حَصِرْ ﴿فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾ لِأنَّ مَنِ انْفَرَدَ بِالأُلُوهِيَّةِ لَمْ يَتَّخِذْ وكِيلًا إلّا هو. (واصْبِرْ) ﴿واهْجُرْهُمْ﴾: قِيلَ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ﴾: قِيلَ نَزَلَتْ في صَنادِيدِ قُرَيْشٍ، وقِيلَ: في المُطْعِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، وتَقَدَّمَتْ أسْماؤُهم في سُورَةِ الأنْفالِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ مِثْلِ هَذا في ﴿فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ﴾ [القلم: ٤٤] . ﴿أُولِي النَّعْمَةِ﴾ أيْ: غَضارَةُ العَيْشِ وكَثْرَةُ المالِ والوَلَدِ، والنَّعْمَةُ بِالفَتْحِ: التَّنَعُّمُ، وبِالكَسْرِ: الأنْعامُ وما يُنْعِمُ بِهِ، وبِالضَّمِّ: المَسَرَّةُ، يُقالُ: نِعَمٌ ونِعْمَةُ عَيْنٍ. ﴿ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾: وعِيدٌ لَهم بِسُرْعَةِ الِانْتِقامِ مِنهم، والقَلِيلُ: مُوافاةُ آجالِهِمْ. وقِيلَ: وقْعَةُ بَدْرٍ. ﴿إنَّ لَدَيْنا﴾ أيْ: ما يُضادُّ نِعْمَتَهم (أنْكالًا): قُيُودًا في أرْجُلِهِمْ. قالَ الشَّعْبِيُّ: لَمْ تُجْعَلْ في أرْجُلِهِمْ خَوْفًا مِن هُرُوبِهِمْ، ولَكِنْ إذا أرادُوا أنْ يَرْتَفِعُوا اسْتَقَلَّتْ بِهِمْ. وقالَ الكَلْبِيُّ: الأنْكالُ: الأغْلالُ، والأوَّلُ أعْرَفُ في اللُّغَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ: ؎دَعاكَ فَقَطَّعْتَ أنْكالَهُ ∗∗∗ وقَدْ كُنَّ قَبْلَكَ لا تُقْطَعُ (وجَحِيمًا): نارًا شَدِيدَةَ الإيقادِ. ﴿وطَعامًا ذا غُصَّةٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: شَوْكٌ مِن نارٍ يَعْتَرِضُ في حُلُوقِهِمْ، لا يَخْرُجُ ولا يَنْزِلُ. وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: شَجَرَةُ الزَّقُّومِ. وقِيلَ: الضَّرِيعُ وشَجَرَةُ الزَّقُّومِ. (يَوْمَ) مَنصُوبٌ بِالعامِلِ في (لَدَيْنا)، وقِيلَ: بِـ (ذَرْنِي) (تَرْجُفُ): تَضْطَرِبُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَرْجُفُ) بِفَتْحِ التّاءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِضَمِّها مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ﴿كَثِيبًا﴾ أيْ: رَمْلًا مُجْتَمِعًا ﴿مَهِيلًا﴾ أيْ: رَخْوًا لَيِّنًا. قِيلَ: ويُقالُ: مَهِيلٌ ومَهْيُولٌ، وكَيْلٌ ومَكْيُولٌ، ومَدِينٌ ومَدْيُونٌ، الإتْمامُ في ذَواتِ الياءِ لُغَةُ تَمِيمٍ، والحَذْفُ لِأكْثَرِ العَرَبِ. ولَمّا هَدَّدَ المُكَذِّبِينَ بِأهْوالِ القِيامَةِ، ذَكَّرَهم بِحالِ فِرْعَوْنَ وكَيْفَ أخَذَهُ اللَّهُ تَعالى، إذْ كَذَّبَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّهُ إنْ دامَ تَكْذِيبُهم أهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى، فَقالَ: ﴿إنّا أرْسَلْنا إلَيْكُمْ﴾ والخِطابُ عامٌّ لِلْأسْوَدِ والأحْمَرِ. وقِيلَ: لِأهْلِ مَكَّةَ ﴿رَسُولًا شاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾ كَما قالَ: ﴿وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ﴾ [النحل: ٨٩] . وشَبَّهَ إرْسالَهُ إلى أهْلِ مَكَّةَ بِإرْسالِ مُوسى إلى فِرْعَوْنَ عَلى التَّعْيِينِ؛ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما رَبا في قَوْمِهِ واسْتُحْقِرُوا بِهِما، وكانَ عِنْدَهم عِلْمٌ بِما جَرى مِن غَرَقِ فِرْعَوْنَ، فَناسَبَ أنْ يُشَبِّهَ الإرْسالَ بِالإرْسالِ. وقِيلَ: الرَّسُولُ بِلامِ التَّعْرِيفِ؛ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَأُحِيلَ عَلَيْهِ. كَما تَقُولُ: لَقِيتُ رَجُلًا فَضَرَبْتُ الرَّجُلَ؛ لِأنَّ المَضْرُوبَ هو المَلْقِيُّ، والوَبِيلُ: الرَّدِيءُ العُقْبى، مِن قَوْلِهِمْ: كَلَأٌ وبِيلٌ أيْ: وخِيمٌ لا يُسْتَمْرَأُ لِثِقَلِهِ، أيْ: لا يَنْزِلُ في المَرِيءِ.

المزمل 73:17

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: (p-٣٦٥)﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ ﴿إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ ونِصْفَهُ وثُلُثَهُ وطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ واللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ والنَّهارَ عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكم فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ مِنكم مَرْضى وآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وآخَرُونَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وأقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وما تُقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرًا وأعْظَمَ أجْرًا واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . (يَوْمًا) مَنصُوبٌ بِـ (تَتَّقُونَ)، مَنصُوبٌ نَصْبَ المَفْعُولِ بِهِ عَلى المَجازِ، أيْ: كَيْفَ تَسْتَقْبِلُونَ هَذا اليَوْمَ العَظِيمَ الَّذِي مِن شَأْنِهِ كَذا وكَذا ؟ والضَّمِيرُ في (يَجْعَلُ) لِلْيَوْمِ، أُسْنِدَ إلَيْهِ الجَعْلُ لَمّا كانَ واقِعًا لَهُ عَلى سَبِيلِ المَجازِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (يَوْمًا) مَفْعُولٌ بِهِ، أيْ: فَكَيْفَ تَقُونَ أنْفُسَكم يَوْمَ القِيامَةِ وهَوْلَهُ إنْ بَقِيتُمْ عَلى الكُفْرِ ولَمْ تُؤْمِنُوا وتَعْمَلُوا صالِحًا ؟ انْتَهى. و(تَتَّقُونَ) مُضارِعُ اتَّقى، واتَّقى لَيْسَ بِمَعْنى وقى حَتّى يُفَسِّرَهُ بِهِ، واتَّقى يَتَعَدّى إلى واحِدٍ، ووَقى يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ. قالَ تَعالى: ﴿ووَقاهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ [الدخان: ٥٦] ولِذَلِكَ قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَقُونَ أنْفُسَكم يَوْمَ القِيامَةِ، لَكِنَّهُ لَيْسَ (تَتَّقُونَ) بِمَعْنى تَقُونَ، فَلا يَتَعَدّى تَعْدِيَتَهُ، ودَسَّ في قَوْلِهِ: ولَمْ تُؤْمِنُوا وتَعْمَلُوا صالِحًا الِاعْتِزالَ. قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا، أيْ: فَكَيْفَ لَكم بِالتَّقْوى في يَوْمِ القِيامَةِ إنْ كَفَرْتُمْ في الدُّنْيا ؟ قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِـ (كَفَرْتُمْ) عَلى تَأْوِيلِ جَحَدْتُمْ، أيْ: فَكَيْفَ تَتَّقُونَ اللَّهَ وتَخْشَوْنَهُ إنْ جَحَدْتُمْ يَوْمَ القِيامَةِ ؟ والجَزاءُ لِأنَّ تَقْوى اللَّهِ خَوْفُ عِقابِهِ. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَوْمًا) مُنَوَّنًا (يَجْعَلُ) بِالياءِ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (يَجْعَلُ) صِفَةٌ لِـ (يَوْمًا) فَإنْ كانَ الضَّمِيرُ في (يَجْعَلُ) عائِدًا عَلى اليَوْمِ فَواضِحٌ وهو الظّاهِرُ.، وإنْ عادَ عَلى اللَّهِ، كَما قالَ بَعْضُهم، فَلا بُدَّ مِن حَذْفِ ضَمِيرٍ يَعُودُ إلى اليَوْمِ، أيْ: يَجْعَلُ فِيهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ﴾ [البقرة: ٤٨] . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ: نَجْعَلُ بِالنُّونِ، فالظَّرْفُ مُضافٌ إلى الجُمْلَةِ، والشِّيبُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِيَجْعَلَ، أيْ: يَصِيرُ الصِّبْيانُ شُيُوخًا، وهو كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ ذَلِكَ اليَوْمِ. ويُقالُ في اليَوْمِ الشَّدِيدِ: يَوْمٌ يُشِيبُ نَواصِيَ الأطْفالِ، والأصْلُ فِيهِ أنَّ الهُمُومَ إذا تَفاقَمَتْ أسْرَعَتْ بِالشِّيبِ. قالَ المُتَنَبِّي: ؎والهَمُّ يَخْتَرِمُ الجَسِيمَ نَحافَةً ويُشِيبُ ناصِيَةَ الصَّبِيِّ ويُهْرِمُ وقالَ قَوْمٌ: ذَلِكَ حَقِيقَةٌ تَشِيبُ رُؤُوسُهم مِن شِدَّةِ الهَوْلِ، كَما قَدْ يُرى الشَّيْبُ في الدُّنْيا مِنَ الهَمِّ المُفْرِطِ، كَهَوْلِ البَحْرِ ونَحْوِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُوصَفَ اليَوْمُ بِالطُّولِ، وأنَّ الأطْفالَ يَبْلُغُونَ فِيهِ أوانَ الشَّيْخُوخَةِ. وقالَ السُّدِّيُّ: (الوِلْدانَ) أوْلادُ الزِّنا. وقِيلَ: أوْلادُ المُشْرِكِينَ، والظّاهِرُ العُمُومُ، أيْ: يَشِيبُ الصَّغِيرُ مِن غَيْرِ كِبَرٍ، وذَلِكَ حِينَ يُقالُ لِآدَمَ: يا آدَمُ ! قُمْ فابْعَثْ بَعْثَ النّارِ. وقِيلَ: هَذا وقْتَ الفَزَعِ قَبْلَ أنْ يُنْفَخَ في الصُّورِ نَفْخَةَ الصَّعْقِ. ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: يَعْنِي المُظِلَّةَ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ، فَجاءَ (مُنْفَطِرٌ) عَلى التَّذْكِيرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَلَوْ رَفَعَ السَّماءُ إلَيْهِ قَوْمًا ∗∗∗ لَحِقْنا بِالسَّماءِ وبِالسَّحابِ وعَلى القَوْلِ بِالتَّأْنِيثِ، فَقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هو مِن بابِ الجَرادِ المُنْتَشِرِ، والشَّجَرِ الأخْضَرِ، وأعْجازِ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ. انْتَهى، يَعْنِي أنَّها مِن بابِ اسْمِ الجِنْسِ الَّذِي بَيْنَهُ وبَيْنَ مُفْرَدِهِ تاءُ التَّأْنِيثِ، وأنَّ مُفْرَدَهُ سَماءٌ، واسْمُ الجِنْسِ يَجُوزُ فِيهِ التَّذْكِيرُ والتَّأْنِيثُ، فَجاءَ مُنْفَطِرٌ عَلى التَّذْكِيرِ. وقالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ، (p-٣٦٦)وأبُو عُبَيْدَةَ والكِسائِيُّ، وتَبِعَهُمُ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: مَجازُها السَّقْفُ، فَجاءَ عَلَيْهِ مُنْفَطِرٌ، ولَمْ يَقُلْ مُنْفَطِرَةً. وقالَ أبُو عَلِيٍّ أيْضًا: التَّقْدِيرُ ذاتُ انْفِطارٍ، كَقَوْلِهِمْ: امْرَأةٌ مُرْضِعٌ، أيْ: ذاتُ رَضاعٍ، فَجَرى عَلى طَرِيقِ التَّسَبُّبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوِ السَّماءُ شَيْءٌ مُنْفَطِرٌ، فَجَعَلَ (مُنْفَطِرٌ) صِفَةً لِخَبَرٍ مَحْذُوفٍ مُقَدَّرٍ بِمُذَكَّرٍ وهو شَيْءٌ، والِانْفِطارُ: التَّصَدُّعُ والِانْشِقاقُ. والضَّمِيرُ في ”بِهِ“ الظّاهِرُ أنَّهُ يَعُودُ عَلى اليَوْمِ، والباءُ لِلسَّبَبِ، أيْ: بِسَبَبِ شِدَّةِ ذَلِكَ اليَوْمِ، أوْ ظَرْفِيَّةٌ، أيْ فِيهِ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَعُودُ عَلى اللَّهِ، أيْ: بِأمْرِهِ وسُلْطانِهِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (وعْدُهُ) عائِدٌ عَلى اليَوْمِ، فَهو مِن إضافَةِ المُصَدِّرِ إلى المَفْعُولِ، أيْ: أنَّهُ تَعالى وعَدَ عِبادَهُ هَذا اليَوْمَ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، فَلا بُدَّ مِن إنْجازِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى اللَّهِ تَعالى، فَيَكُونُ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى الفاعِلِ، وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ قَرِيبٌ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّ الَّذِي هَذِهِ مَواعِيدُهُ هو اللَّهُ تَعالى. (إنَّ هَذِهِ) أيِ السُّورَةُ، أوِ الأنْكالُ وما عُطِفَ عَلَيْهِ، والأخْذُ الوَبِيلُ، أوْ آياتُ القُرْآنِ المُتَضَمِّنَةُ شِدَّةَ القِيامَةِ (تَذْكِرَةٌ) أيْ: مَوْعِظَةٌ ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ بِالتَّقَرُّبِ إلَيْهِ بِالطّاعَةِ، ومَفْعُولُ شاءَ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الشَّرْطُ؛ لِأنَّ ”مَن“ شَرْطِيَّةٌ، أيْ: فَمَن شاءَ أنْ يَتَّخِذَ سَبِيلًا اتَّخَذَهُ إلى رَبِّهِ، ولَيْسَتِ المَشِيئَةُ هُنا عَلى مَعْنى الإباحَةِ، بَلْ تَتَضَمَّنُ مَعْنى الوَعْدِ والوَعِيدِ. ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى﴾: تُصَلِّي، كَقَوْلِهِ: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ [المزمل: ٢] . لَمّا كانَ أكْثَرُ أحْوالِ الصَّلاةِ القِيامَ عَبَّرَ بِهِ عَنْها، وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ تَخْفِيفًا لِما كانَ اسْتِمْرارُ اسْتِعْمالِهِ مِن أمْرِ قِيامِ اللَّيْلِ، إمّا عَلى الوُجُوبِ، وإمّا عَلى النَّدْبِ، عَلى الخِلافِ الَّذِي سَبَقَ. ﴿أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ أيْ: زَمانًا هو أقَلُّ مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ، واسْتُعِيرَ الأدْنى، وهو الأقْرَبُ لِلْأوَّلِ؛ لِأنَّ المَسافَةَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ إذا دَنَتْ قَلَّ ما بَيْنَهُما مِنَ الأحْيازِ، وإذا بَعُدَتْ كَثُرَ ذَلِكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿مِن ثُلُثَيِ﴾ بِضَمِّ اللّامِ. والحَسَنُ وشَيْبَةُ وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ السَّمَيْقَعِ وهِشامٌ وابْنُ مُجاهِدٍ، عَنْ قُنْبُلٍ فِيما ذَكَرَ صاحِبُ الكامِلِ: بِإسْكانِها، وجاءَ ذَلِكَ عَنْ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ فِيما ذَكَرَ صاحِبُ اللَّوامِحِ. وقَرَأ العَرَبِيّانِ ونافِعٌ: ﴿ونِصْفَهُ وثُلُثَهُ﴾، بِجَرِّهِما عَطْفًا عَلى ﴿ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ . وباقِي السَّبْعَةِ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى (أدْنى) لِأنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ، أيْ: وقْتًا أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ. فَقِراءَةُ النَّصْبِ مُناسِبَةٌ لِلتَّقْسِيمِ الَّذِي في أوَّلِ السُّورَةِ؛ لِأنَّهُ إذا قامَ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا صَدَقَ عَلَيْهِ ﴿أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ لِأنَّ الزَّمانَ الَّذِي لَمْ يَقُمْ فِيهِ يَكُونُ الثُّلُثَ وشَيْئًا مِنَ الثُّلُثَيْنِ، فَيَصْدُقُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (إلّا قَلِيلًا) . وأمّا قَوْلُهُ: (ونِصْفَهُ) فَهو مُطابِقٌ لِقَوْلِهِ أوَّلًا: (نِصْفَهْ) وأمّا ( ثُلُثَهُ ( فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا﴾ [المزمل: ٣] قَدْ يَنْتَهِي النَّقْصُ في القَلِيلِ إلى أنْ يَكُونَ الوَقْتُ ثُلُثَ اللَّيْلِ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ٤] فَإنَّهُ إذا زادَ عَلى النِّصْفِ قَلِيلًا، كانَ الوَقْتُ أقَلَّ مِنَ الثُّلُثَيْنِ، فَيَكُونُ قَدْ طابَقَ قَوْلَهُ: ﴿أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا﴾ [المزمل: ٣] شَرْحًا لِمُبْهَمِ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ٢] وعَلى قِراءَةِ النَّصْبِ. قالَ الحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ: مَعْنى تُحْصُوهُ: تُطِيقُوهُ، أيْ: قَدَّرَ تَعالى أنَّهم يُقَدِّرُونَ الزَّمانَ عَلى ما مَرَّ في أوَّلِ السُّورَةِ، فَلَمْ يُطِيقُوا قِيامَهُ لِكَثْرَتِهِ وشِدَّتِهِ، فَخَفَّفَ تَعالى عَنْهم فَضْلًا مِنهُ، لا لِعِلَّةِ جَهْلِهِمْ بِالتَّقْدِيرِ وإحْصاءِ الأوْقاتِ. وأمّا قِراءَةُ الجَرِّ، فالمَعْنى أنَّهُ قِيامٌ مُخْتَلِفٌ، مَرَّةً أدْنى مِنَ الثُّلُثَيْنِ، ومَرَّةً أدْنى مِنَ النِّصْفِ، ومَرَّةً أدْنى مِنَ الثُّلُثِ، وذَلِكَ لِتَعَذُّرِ مَعْرِفَةِ البَشَرِ مَقادِيرَ الزَّمانِ مَعَ عُذْرِ النَّوْمِ. وتَقْدِيرُ الزَّمانِ حَقِيقَةٌ إنَّما هو لِلَّهِ تَعالى، والبَشَرُ لا يُحْصُونَ ذَلِكَ، أيْ: لا يُطِيقُونَ مَقادِيرَ ذَلِكَ، فَتابَ عَلَيْهِمْ، أيْ: رَجَعَ بِهِمْ مِنَ الثِّقَلِ إلى الخِفَّةِ وأمَرَهم بِقِيامِ ما تَيَسَّرَ. وعَلى القِراءَتَيْنِ يَكُونُ عِلْمُهُ تَعالى بِذَلِكَ عَلى حَسَبِ الوُقُوعِ مِنهم؛ لِأنَّهم قامُوا تِلْكَ المَقادِيرَ في أوْقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ قامُوا أدْنى مِنَ الثُّلُثَيْنِ ونِصْفًا وثُلُثًا، وقامُوا أدْنى مِنَ النِّصْفِ وأدْنى مِنَ الثُّلُثِ، فَلا تَنافِي بَيْنَ القِراءَتَيْنِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وثُلُثَهُ) بِضَمِّ اللّامِ. وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةِ شِبْلٍ: بِإسْكانِها. وطائِفَةٌ: مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ المَسْتَكِنُّ في ”تَقُومُ“، وحَسَّنَهُ الفَصْلُ بَيْنَهُما. وقَوْلُهُ: ﴿وطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ (p-٣٦٧)دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ فَرْضًا عَلى الجَمِيعِ، إذْ لَوْ كانَ فَرْضًا، لَكانَ التَّرْكِيبُ: والَّذِينَ مَعَكَ، إلّا إنِ اعْتَقَدَ أنَّهم كانَ مِنهم مَن يَقُومُ في بَيْتِهِ، ومِنهم مَن يَقُومُ مَعَهُ، فَيُمْكِنُ إذْ ذاكَ الفَرْضِيَّةُ في حَقِّ الجَمِيعِ. ﴿واللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ أيْ: هو وحْدَهُ تَعالى العالِمُ بِمَقادِيرِ السّاعاتِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وتَقْدِيمُ اسْمِهِ عَزَّ وجَلَّ مُبْتَدَأً مَبْنِيًّا عَلَيْهِ، يُقَدِّرُ هو الدّالُّ عَلى مَعْنى الِاخْتِصاصِ بِالتَّقْدِيرِ. انْتَهى. وهَذا مَذْهَبُهُ، وإنَّما اسْتُفِيدَ الِاخْتِصاصُ مِن سِياقِ الكَلامِ لا مِن تَقْدِيمِ المُبْتَدَأِ. لَوْ قُلْتَ: زَيْدٌ يَحْفَظُ القُرْآنَ أوْ يَتَفَقَّهُ في كِتابِ سِيبَوَيْهِ، لَمْ يَدُلَّ تَقْدِيمُ المُبْتَدَأِ عَلى الِاخْتِصاصِ. وأنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، والضَّمِيرُ في ”تُحْصُوهُ“، الظّاهِرُ أنَّهُ عائِدٌ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن يُقَدِّرُ، أيْ: أنْ لَنْ تُحْصُوا تَقْدِيرَ ساعاتِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، لا تُحِيطُوا بِها عَلى الحَقِيقَةِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى القِيامِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ”فَتابَ عَلَيْكم“ . قِيلَ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كانَ فِيهِمْ مَن تَرَكَ بَعْضَ ما أمَرَ بِهِ. وقِيلَ: رَجَعَ بِكم مِن ثِقَلٍ إلى خَفٍّ، ومِن عُسْرٍ إلى يُسْرٍ، ورَخَّصَ لَكم في تَرْكِ القِيامِ المُقَدَّرِ. ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾ عَبَّرَ بِالقِراءَةِ عَنِ الصَّلاةِ؛ لِأنَّها بَعْضُ أرْكانِها، كَما عَبَّرَ عَنْها بِالقِيامِ والرُّكُوعِ والسُّجُودِ، أيْ: فَصَلُّوا ما تَيَسَّرَ عَلَيْكم مِن صَلاةِ اللَّيْلِ. وقِيلَ: وهَذا ناسِخٌ لِلْأوَّلِ، ثُمَّ نُسِخا جَمِيعًا بِالصَّلَواتِ الخَمْسِ. وهَذا الأمْرُ بِقَوْلِهِ: (فاقْرَءُوا) . قالَ الجُمْهُورُ: أمْرُ إباحَةٍ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وجَماعَةٌ: هو فَرْضٌ لا بُدَّ مِنهُ، ولَوْ خَمْسِينَ آيَةً. وقالَ الحَسَنُ وابْنُ سِيرِينَ: قِيامُ اللَّيْلِ فَرْضٌ، ولَوْ قَدْرُ حَلْبِ شاةٍ. وقِيلَ: هو أمْرٌ بِقِراءَةِ القُرْآنِ بِعَيْنِها، لا كِنايَةٌ عَنِ الصَّلاةِ. وإذا كانَ المُرادُ: فاقْرَءُوا في الصَّلاةِ ما تَيَسَّرَ، فالظّاهِرُ أنَّهُ لا يَتَعَيَّنُ ما يَقْرَأُ، بَلْ إذا قَرَأ ما تَيَسَّرَ لَهُ وسَهُلَ عَلَيْهِ أجْزَأهُ. وقَدَّرَهُ أبُو حَنِيفَةَ بِآيَةٍ، حَكاهُ عَنْهُ الماوَرْدِيُّ. وبِثَلاثٍ، حَكاهُ ابْنُ العَرَبِيِّ. وعَيَّنَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ ما تَيَسَّرَ، قالا: هو فاتِحَةُ الكِتابِ، لا يَعْدِلُ عَنْها ولا يَقْتَصِرُ عَلى بَعْضِها. ﴿عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ مِنكم مَرْضى﴾ بَيانٌ لِحِكْمَةِ النَّسْخِ، وهي تَعَذُّرُ القِيامِ عَلى المَرْضى، والضّارِبِينَ في الأرْضِ لِلتِّجارَةِ، والمُجاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ﴾ كَرَّرَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ. ثُمَّ أمَرَ بِعَمُودَيِ الإسْلامِ البَدَنِيِّ والمالِيِّ، ثُمَّ قالَ: ﴿وأقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾: العَطْفُ يُشْعِرُ بِالتَّغايُرِ، فَقَوْلُهُ: (وآتُوا الزَّكاةَ) أمَرَ بِأداءِ الواجِبِ، ﴿وأقْرِضُوا اللَّهَ﴾ أمَرَ بِأداءِ الصَّدَقاتِ الَّتِي يُتَطَوَّعُ بِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿هُوَ خَيْرًا وأعْظَمَ أجْرًا﴾ بِنَصْبِهِما، واحْتَمَلَ هو أنْ يَكُونَ فَصْلًا، وأنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِضَمِيرِ النَّصْبِ في (تَجِدُوهُ) . ولَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ والحَوْفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ في إعْرابِ (هو) إلّا الفَصْلَ. وقالَ أبُو البَقاءِ: هو فَصْلٌ، أوْ بَدَلٌ، أوْ تَأْكِيدٌ. فَقَوْلُهُ: أوْ بَدَلٌ وهْمٌ، لَوْ كانَ بَدَلًا لَطابَقَ في النَّصْبِ فَكانَ يَكُونُ إيّاهُ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ وابْنُ السَّمَيْقَعِ: هو خَيْرٌ وأعْظَمُ، بِرَفْعِهِما عَلى الِابْتِداءِ أوِ الخَبَرِ. قالَ أبُو زَيْدٍ: هو لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ، يَرْفَعُونَ ما بَعْدَ الفاصِلَةِ، يَقُولُونَ: كانَ زَيْدٌ هو العاقِلُ بِالرَّفْعِ، وهَذا البَيْتُ لِقَيْسِ بْنِ ذَرِيحٍ وهو: ؎تَحِنُّ إلى لَيْلى وأنْتَ تَرَكْتَها ∗∗∗ وكُنْتَ عَلَيْها بِالمَلا أنْتَ أقْدَرُ قالَ أبُو عَمْرٍو الجَرْمِيُّ: أنْشَدَ سِيبَوَيْهِ هَذا البَيْتَ شاهِدًا لِلرَّفْعِ والقَوافِي مَرْفُوعَةٌ. ويُرْوى: أقْدَرَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو فَصْلٌ وجازَ وإنْ لَمْ يَقَعْ بَيْنَ مَعْرِفَتَيْنِ؛ لِأنَّ أفْعَلَ مِن أشْبَهَ في امْتِناعِهِ مِن حَرْفِ التَّعْرِيفِ المَعْرِفَةِ. انْتَهى. ولَيْسَ ما ذَكَرَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ. ومِنهم مَن أجازَهُ، ولَيْسَ أفْعَلُ مِن أحْكامِ الفَصْلِ ومَسائِلِهِ، والخِلافُ الوارِدُ فِيها كَثِيرٌ جِدًّا، وقَدْ جَمَعْنا فِيهِ كِتابًا سَمَّيْناهُ بِالقَوْلِ الفَصْلِ في أحْكامِ الفَصْلِ، وأوْدَعْنا مُعْظَمَهُ شَرْحَ التَّسْهِيلِ مِن تَأْلِيفِنا.

المزمل 73:18

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: (p-٣٦٥)﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ ﴿إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ ونِصْفَهُ وثُلُثَهُ وطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ واللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ والنَّهارَ عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكم فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ مِنكم مَرْضى وآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وآخَرُونَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وأقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وما تُقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرًا وأعْظَمَ أجْرًا واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . (يَوْمًا) مَنصُوبٌ بِـ (تَتَّقُونَ)، مَنصُوبٌ نَصْبَ المَفْعُولِ بِهِ عَلى المَجازِ، أيْ: كَيْفَ تَسْتَقْبِلُونَ هَذا اليَوْمَ العَظِيمَ الَّذِي مِن شَأْنِهِ كَذا وكَذا ؟ والضَّمِيرُ في (يَجْعَلُ) لِلْيَوْمِ، أُسْنِدَ إلَيْهِ الجَعْلُ لَمّا كانَ واقِعًا لَهُ عَلى سَبِيلِ المَجازِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (يَوْمًا) مَفْعُولٌ بِهِ، أيْ: فَكَيْفَ تَقُونَ أنْفُسَكم يَوْمَ القِيامَةِ وهَوْلَهُ إنْ بَقِيتُمْ عَلى الكُفْرِ ولَمْ تُؤْمِنُوا وتَعْمَلُوا صالِحًا ؟ انْتَهى. و(تَتَّقُونَ) مُضارِعُ اتَّقى، واتَّقى لَيْسَ بِمَعْنى وقى حَتّى يُفَسِّرَهُ بِهِ، واتَّقى يَتَعَدّى إلى واحِدٍ، ووَقى يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ. قالَ تَعالى: ﴿ووَقاهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ [الدخان: ٥٦] ولِذَلِكَ قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَقُونَ أنْفُسَكم يَوْمَ القِيامَةِ، لَكِنَّهُ لَيْسَ (تَتَّقُونَ) بِمَعْنى تَقُونَ، فَلا يَتَعَدّى تَعْدِيَتَهُ، ودَسَّ في قَوْلِهِ: ولَمْ تُؤْمِنُوا وتَعْمَلُوا صالِحًا الِاعْتِزالَ. قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا، أيْ: فَكَيْفَ لَكم بِالتَّقْوى في يَوْمِ القِيامَةِ إنْ كَفَرْتُمْ في الدُّنْيا ؟ قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِـ (كَفَرْتُمْ) عَلى تَأْوِيلِ جَحَدْتُمْ، أيْ: فَكَيْفَ تَتَّقُونَ اللَّهَ وتَخْشَوْنَهُ إنْ جَحَدْتُمْ يَوْمَ القِيامَةِ ؟ والجَزاءُ لِأنَّ تَقْوى اللَّهِ خَوْفُ عِقابِهِ. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَوْمًا) مُنَوَّنًا (يَجْعَلُ) بِالياءِ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (يَجْعَلُ) صِفَةٌ لِـ (يَوْمًا) فَإنْ كانَ الضَّمِيرُ في (يَجْعَلُ) عائِدًا عَلى اليَوْمِ فَواضِحٌ وهو الظّاهِرُ.، وإنْ عادَ عَلى اللَّهِ، كَما قالَ بَعْضُهم، فَلا بُدَّ مِن حَذْفِ ضَمِيرٍ يَعُودُ إلى اليَوْمِ، أيْ: يَجْعَلُ فِيهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ﴾ [البقرة: ٤٨] . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ: نَجْعَلُ بِالنُّونِ، فالظَّرْفُ مُضافٌ إلى الجُمْلَةِ، والشِّيبُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِيَجْعَلَ، أيْ: يَصِيرُ الصِّبْيانُ شُيُوخًا، وهو كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ ذَلِكَ اليَوْمِ. ويُقالُ في اليَوْمِ الشَّدِيدِ: يَوْمٌ يُشِيبُ نَواصِيَ الأطْفالِ، والأصْلُ فِيهِ أنَّ الهُمُومَ إذا تَفاقَمَتْ أسْرَعَتْ بِالشِّيبِ. قالَ المُتَنَبِّي: ؎والهَمُّ يَخْتَرِمُ الجَسِيمَ نَحافَةً ويُشِيبُ ناصِيَةَ الصَّبِيِّ ويُهْرِمُ وقالَ قَوْمٌ: ذَلِكَ حَقِيقَةٌ تَشِيبُ رُؤُوسُهم مِن شِدَّةِ الهَوْلِ، كَما قَدْ يُرى الشَّيْبُ في الدُّنْيا مِنَ الهَمِّ المُفْرِطِ، كَهَوْلِ البَحْرِ ونَحْوِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُوصَفَ اليَوْمُ بِالطُّولِ، وأنَّ الأطْفالَ يَبْلُغُونَ فِيهِ أوانَ الشَّيْخُوخَةِ. وقالَ السُّدِّيُّ: (الوِلْدانَ) أوْلادُ الزِّنا. وقِيلَ: أوْلادُ المُشْرِكِينَ، والظّاهِرُ العُمُومُ، أيْ: يَشِيبُ الصَّغِيرُ مِن غَيْرِ كِبَرٍ، وذَلِكَ حِينَ يُقالُ لِآدَمَ: يا آدَمُ ! قُمْ فابْعَثْ بَعْثَ النّارِ. وقِيلَ: هَذا وقْتَ الفَزَعِ قَبْلَ أنْ يُنْفَخَ في الصُّورِ نَفْخَةَ الصَّعْقِ. ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: يَعْنِي المُظِلَّةَ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ، فَجاءَ (مُنْفَطِرٌ) عَلى التَّذْكِيرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَلَوْ رَفَعَ السَّماءُ إلَيْهِ قَوْمًا ∗∗∗ لَحِقْنا بِالسَّماءِ وبِالسَّحابِ وعَلى القَوْلِ بِالتَّأْنِيثِ، فَقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هو مِن بابِ الجَرادِ المُنْتَشِرِ، والشَّجَرِ الأخْضَرِ، وأعْجازِ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ. انْتَهى، يَعْنِي أنَّها مِن بابِ اسْمِ الجِنْسِ الَّذِي بَيْنَهُ وبَيْنَ مُفْرَدِهِ تاءُ التَّأْنِيثِ، وأنَّ مُفْرَدَهُ سَماءٌ، واسْمُ الجِنْسِ يَجُوزُ فِيهِ التَّذْكِيرُ والتَّأْنِيثُ، فَجاءَ مُنْفَطِرٌ عَلى التَّذْكِيرِ. وقالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ، (p-٣٦٦)وأبُو عُبَيْدَةَ والكِسائِيُّ، وتَبِعَهُمُ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: مَجازُها السَّقْفُ، فَجاءَ عَلَيْهِ مُنْفَطِرٌ، ولَمْ يَقُلْ مُنْفَطِرَةً. وقالَ أبُو عَلِيٍّ أيْضًا: التَّقْدِيرُ ذاتُ انْفِطارٍ، كَقَوْلِهِمْ: امْرَأةٌ مُرْضِعٌ، أيْ: ذاتُ رَضاعٍ، فَجَرى عَلى طَرِيقِ التَّسَبُّبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوِ السَّماءُ شَيْءٌ مُنْفَطِرٌ، فَجَعَلَ (مُنْفَطِرٌ) صِفَةً لِخَبَرٍ مَحْذُوفٍ مُقَدَّرٍ بِمُذَكَّرٍ وهو شَيْءٌ، والِانْفِطارُ: التَّصَدُّعُ والِانْشِقاقُ. والضَّمِيرُ في ”بِهِ“ الظّاهِرُ أنَّهُ يَعُودُ عَلى اليَوْمِ، والباءُ لِلسَّبَبِ، أيْ: بِسَبَبِ شِدَّةِ ذَلِكَ اليَوْمِ، أوْ ظَرْفِيَّةٌ، أيْ فِيهِ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَعُودُ عَلى اللَّهِ، أيْ: بِأمْرِهِ وسُلْطانِهِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (وعْدُهُ) عائِدٌ عَلى اليَوْمِ، فَهو مِن إضافَةِ المُصَدِّرِ إلى المَفْعُولِ، أيْ: أنَّهُ تَعالى وعَدَ عِبادَهُ هَذا اليَوْمَ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، فَلا بُدَّ مِن إنْجازِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى اللَّهِ تَعالى، فَيَكُونُ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى الفاعِلِ، وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ قَرِيبٌ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّ الَّذِي هَذِهِ مَواعِيدُهُ هو اللَّهُ تَعالى. (إنَّ هَذِهِ) أيِ السُّورَةُ، أوِ الأنْكالُ وما عُطِفَ عَلَيْهِ، والأخْذُ الوَبِيلُ، أوْ آياتُ القُرْآنِ المُتَضَمِّنَةُ شِدَّةَ القِيامَةِ (تَذْكِرَةٌ) أيْ: مَوْعِظَةٌ ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ بِالتَّقَرُّبِ إلَيْهِ بِالطّاعَةِ، ومَفْعُولُ شاءَ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الشَّرْطُ؛ لِأنَّ ”مَن“ شَرْطِيَّةٌ، أيْ: فَمَن شاءَ أنْ يَتَّخِذَ سَبِيلًا اتَّخَذَهُ إلى رَبِّهِ، ولَيْسَتِ المَشِيئَةُ هُنا عَلى مَعْنى الإباحَةِ، بَلْ تَتَضَمَّنُ مَعْنى الوَعْدِ والوَعِيدِ. ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى﴾: تُصَلِّي، كَقَوْلِهِ: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ [المزمل: ٢] . لَمّا كانَ أكْثَرُ أحْوالِ الصَّلاةِ القِيامَ عَبَّرَ بِهِ عَنْها، وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ تَخْفِيفًا لِما كانَ اسْتِمْرارُ اسْتِعْمالِهِ مِن أمْرِ قِيامِ اللَّيْلِ، إمّا عَلى الوُجُوبِ، وإمّا عَلى النَّدْبِ، عَلى الخِلافِ الَّذِي سَبَقَ. ﴿أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ أيْ: زَمانًا هو أقَلُّ مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ، واسْتُعِيرَ الأدْنى، وهو الأقْرَبُ لِلْأوَّلِ؛ لِأنَّ المَسافَةَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ إذا دَنَتْ قَلَّ ما بَيْنَهُما مِنَ الأحْيازِ، وإذا بَعُدَتْ كَثُرَ ذَلِكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿مِن ثُلُثَيِ﴾ بِضَمِّ اللّامِ. والحَسَنُ وشَيْبَةُ وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ السَّمَيْقَعِ وهِشامٌ وابْنُ مُجاهِدٍ، عَنْ قُنْبُلٍ فِيما ذَكَرَ صاحِبُ الكامِلِ: بِإسْكانِها، وجاءَ ذَلِكَ عَنْ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ فِيما ذَكَرَ صاحِبُ اللَّوامِحِ. وقَرَأ العَرَبِيّانِ ونافِعٌ: ﴿ونِصْفَهُ وثُلُثَهُ﴾، بِجَرِّهِما عَطْفًا عَلى ﴿ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ . وباقِي السَّبْعَةِ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى (أدْنى) لِأنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ، أيْ: وقْتًا أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ. فَقِراءَةُ النَّصْبِ مُناسِبَةٌ لِلتَّقْسِيمِ الَّذِي في أوَّلِ السُّورَةِ؛ لِأنَّهُ إذا قامَ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا صَدَقَ عَلَيْهِ ﴿أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ لِأنَّ الزَّمانَ الَّذِي لَمْ يَقُمْ فِيهِ يَكُونُ الثُّلُثَ وشَيْئًا مِنَ الثُّلُثَيْنِ، فَيَصْدُقُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (إلّا قَلِيلًا) . وأمّا قَوْلُهُ: (ونِصْفَهُ) فَهو مُطابِقٌ لِقَوْلِهِ أوَّلًا: (نِصْفَهْ) وأمّا ( ثُلُثَهُ ( فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا﴾ [المزمل: ٣] قَدْ يَنْتَهِي النَّقْصُ في القَلِيلِ إلى أنْ يَكُونَ الوَقْتُ ثُلُثَ اللَّيْلِ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ٤] فَإنَّهُ إذا زادَ عَلى النِّصْفِ قَلِيلًا، كانَ الوَقْتُ أقَلَّ مِنَ الثُّلُثَيْنِ، فَيَكُونُ قَدْ طابَقَ قَوْلَهُ: ﴿أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا﴾ [المزمل: ٣] شَرْحًا لِمُبْهَمِ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ٢] وعَلى قِراءَةِ النَّصْبِ. قالَ الحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ: مَعْنى تُحْصُوهُ: تُطِيقُوهُ، أيْ: قَدَّرَ تَعالى أنَّهم يُقَدِّرُونَ الزَّمانَ عَلى ما مَرَّ في أوَّلِ السُّورَةِ، فَلَمْ يُطِيقُوا قِيامَهُ لِكَثْرَتِهِ وشِدَّتِهِ، فَخَفَّفَ تَعالى عَنْهم فَضْلًا مِنهُ، لا لِعِلَّةِ جَهْلِهِمْ بِالتَّقْدِيرِ وإحْصاءِ الأوْقاتِ. وأمّا قِراءَةُ الجَرِّ، فالمَعْنى أنَّهُ قِيامٌ مُخْتَلِفٌ، مَرَّةً أدْنى مِنَ الثُّلُثَيْنِ، ومَرَّةً أدْنى مِنَ النِّصْفِ، ومَرَّةً أدْنى مِنَ الثُّلُثِ، وذَلِكَ لِتَعَذُّرِ مَعْرِفَةِ البَشَرِ مَقادِيرَ الزَّمانِ مَعَ عُذْرِ النَّوْمِ. وتَقْدِيرُ الزَّمانِ حَقِيقَةٌ إنَّما هو لِلَّهِ تَعالى، والبَشَرُ لا يُحْصُونَ ذَلِكَ، أيْ: لا يُطِيقُونَ مَقادِيرَ ذَلِكَ، فَتابَ عَلَيْهِمْ، أيْ: رَجَعَ بِهِمْ مِنَ الثِّقَلِ إلى الخِفَّةِ وأمَرَهم بِقِيامِ ما تَيَسَّرَ. وعَلى القِراءَتَيْنِ يَكُونُ عِلْمُهُ تَعالى بِذَلِكَ عَلى حَسَبِ الوُقُوعِ مِنهم؛ لِأنَّهم قامُوا تِلْكَ المَقادِيرَ في أوْقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ قامُوا أدْنى مِنَ الثُّلُثَيْنِ ونِصْفًا وثُلُثًا، وقامُوا أدْنى مِنَ النِّصْفِ وأدْنى مِنَ الثُّلُثِ، فَلا تَنافِي بَيْنَ القِراءَتَيْنِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وثُلُثَهُ) بِضَمِّ اللّامِ. وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةِ شِبْلٍ: بِإسْكانِها. وطائِفَةٌ: مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ المَسْتَكِنُّ في ”تَقُومُ“، وحَسَّنَهُ الفَصْلُ بَيْنَهُما. وقَوْلُهُ: ﴿وطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ (p-٣٦٧)دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ فَرْضًا عَلى الجَمِيعِ، إذْ لَوْ كانَ فَرْضًا، لَكانَ التَّرْكِيبُ: والَّذِينَ مَعَكَ، إلّا إنِ اعْتَقَدَ أنَّهم كانَ مِنهم مَن يَقُومُ في بَيْتِهِ، ومِنهم مَن يَقُومُ مَعَهُ، فَيُمْكِنُ إذْ ذاكَ الفَرْضِيَّةُ في حَقِّ الجَمِيعِ. ﴿واللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ أيْ: هو وحْدَهُ تَعالى العالِمُ بِمَقادِيرِ السّاعاتِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وتَقْدِيمُ اسْمِهِ عَزَّ وجَلَّ مُبْتَدَأً مَبْنِيًّا عَلَيْهِ، يُقَدِّرُ هو الدّالُّ عَلى مَعْنى الِاخْتِصاصِ بِالتَّقْدِيرِ. انْتَهى. وهَذا مَذْهَبُهُ، وإنَّما اسْتُفِيدَ الِاخْتِصاصُ مِن سِياقِ الكَلامِ لا مِن تَقْدِيمِ المُبْتَدَأِ. لَوْ قُلْتَ: زَيْدٌ يَحْفَظُ القُرْآنَ أوْ يَتَفَقَّهُ في كِتابِ سِيبَوَيْهِ، لَمْ يَدُلَّ تَقْدِيمُ المُبْتَدَأِ عَلى الِاخْتِصاصِ. وأنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، والضَّمِيرُ في ”تُحْصُوهُ“، الظّاهِرُ أنَّهُ عائِدٌ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن يُقَدِّرُ، أيْ: أنْ لَنْ تُحْصُوا تَقْدِيرَ ساعاتِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، لا تُحِيطُوا بِها عَلى الحَقِيقَةِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى القِيامِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ”فَتابَ عَلَيْكم“ . قِيلَ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كانَ فِيهِمْ مَن تَرَكَ بَعْضَ ما أمَرَ بِهِ. وقِيلَ: رَجَعَ بِكم مِن ثِقَلٍ إلى خَفٍّ، ومِن عُسْرٍ إلى يُسْرٍ، ورَخَّصَ لَكم في تَرْكِ القِيامِ المُقَدَّرِ. ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾ عَبَّرَ بِالقِراءَةِ عَنِ الصَّلاةِ؛ لِأنَّها بَعْضُ أرْكانِها، كَما عَبَّرَ عَنْها بِالقِيامِ والرُّكُوعِ والسُّجُودِ، أيْ: فَصَلُّوا ما تَيَسَّرَ عَلَيْكم مِن صَلاةِ اللَّيْلِ. وقِيلَ: وهَذا ناسِخٌ لِلْأوَّلِ، ثُمَّ نُسِخا جَمِيعًا بِالصَّلَواتِ الخَمْسِ. وهَذا الأمْرُ بِقَوْلِهِ: (فاقْرَءُوا) . قالَ الجُمْهُورُ: أمْرُ إباحَةٍ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وجَماعَةٌ: هو فَرْضٌ لا بُدَّ مِنهُ، ولَوْ خَمْسِينَ آيَةً. وقالَ الحَسَنُ وابْنُ سِيرِينَ: قِيامُ اللَّيْلِ فَرْضٌ، ولَوْ قَدْرُ حَلْبِ شاةٍ. وقِيلَ: هو أمْرٌ بِقِراءَةِ القُرْآنِ بِعَيْنِها، لا كِنايَةٌ عَنِ الصَّلاةِ. وإذا كانَ المُرادُ: فاقْرَءُوا في الصَّلاةِ ما تَيَسَّرَ، فالظّاهِرُ أنَّهُ لا يَتَعَيَّنُ ما يَقْرَأُ، بَلْ إذا قَرَأ ما تَيَسَّرَ لَهُ وسَهُلَ عَلَيْهِ أجْزَأهُ. وقَدَّرَهُ أبُو حَنِيفَةَ بِآيَةٍ، حَكاهُ عَنْهُ الماوَرْدِيُّ. وبِثَلاثٍ، حَكاهُ ابْنُ العَرَبِيِّ. وعَيَّنَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ ما تَيَسَّرَ، قالا: هو فاتِحَةُ الكِتابِ، لا يَعْدِلُ عَنْها ولا يَقْتَصِرُ عَلى بَعْضِها. ﴿عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ مِنكم مَرْضى﴾ بَيانٌ لِحِكْمَةِ النَّسْخِ، وهي تَعَذُّرُ القِيامِ عَلى المَرْضى، والضّارِبِينَ في الأرْضِ لِلتِّجارَةِ، والمُجاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ﴾ كَرَّرَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ. ثُمَّ أمَرَ بِعَمُودَيِ الإسْلامِ البَدَنِيِّ والمالِيِّ، ثُمَّ قالَ: ﴿وأقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾: العَطْفُ يُشْعِرُ بِالتَّغايُرِ، فَقَوْلُهُ: (وآتُوا الزَّكاةَ) أمَرَ بِأداءِ الواجِبِ، ﴿وأقْرِضُوا اللَّهَ﴾ أمَرَ بِأداءِ الصَّدَقاتِ الَّتِي يُتَطَوَّعُ بِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿هُوَ خَيْرًا وأعْظَمَ أجْرًا﴾ بِنَصْبِهِما، واحْتَمَلَ هو أنْ يَكُونَ فَصْلًا، وأنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِضَمِيرِ النَّصْبِ في (تَجِدُوهُ) . ولَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ والحَوْفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ في إعْرابِ (هو) إلّا الفَصْلَ. وقالَ أبُو البَقاءِ: هو فَصْلٌ، أوْ بَدَلٌ، أوْ تَأْكِيدٌ. فَقَوْلُهُ: أوْ بَدَلٌ وهْمٌ، لَوْ كانَ بَدَلًا لَطابَقَ في النَّصْبِ فَكانَ يَكُونُ إيّاهُ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ وابْنُ السَّمَيْقَعِ: هو خَيْرٌ وأعْظَمُ، بِرَفْعِهِما عَلى الِابْتِداءِ أوِ الخَبَرِ. قالَ أبُو زَيْدٍ: هو لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ، يَرْفَعُونَ ما بَعْدَ الفاصِلَةِ، يَقُولُونَ: كانَ زَيْدٌ هو العاقِلُ بِالرَّفْعِ، وهَذا البَيْتُ لِقَيْسِ بْنِ ذَرِيحٍ وهو: ؎تَحِنُّ إلى لَيْلى وأنْتَ تَرَكْتَها ∗∗∗ وكُنْتَ عَلَيْها بِالمَلا أنْتَ أقْدَرُ قالَ أبُو عَمْرٍو الجَرْمِيُّ: أنْشَدَ سِيبَوَيْهِ هَذا البَيْتَ شاهِدًا لِلرَّفْعِ والقَوافِي مَرْفُوعَةٌ. ويُرْوى: أقْدَرَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو فَصْلٌ وجازَ وإنْ لَمْ يَقَعْ بَيْنَ مَعْرِفَتَيْنِ؛ لِأنَّ أفْعَلَ مِن أشْبَهَ في امْتِناعِهِ مِن حَرْفِ التَّعْرِيفِ المَعْرِفَةِ. انْتَهى. ولَيْسَ ما ذَكَرَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ. ومِنهم مَن أجازَهُ، ولَيْسَ أفْعَلُ مِن أحْكامِ الفَصْلِ ومَسائِلِهِ، والخِلافُ الوارِدُ فِيها كَثِيرٌ جِدًّا، وقَدْ جَمَعْنا فِيهِ كِتابًا سَمَّيْناهُ بِالقَوْلِ الفَصْلِ في أحْكامِ الفَصْلِ، وأوْدَعْنا مُعْظَمَهُ شَرْحَ التَّسْهِيلِ مِن تَأْلِيفِنا.

المزمل 73:19

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: (p-٣٦٥)﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ ﴿إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ ونِصْفَهُ وثُلُثَهُ وطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ واللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ والنَّهارَ عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكم فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ مِنكم مَرْضى وآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وآخَرُونَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وأقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وما تُقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرًا وأعْظَمَ أجْرًا واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . (يَوْمًا) مَنصُوبٌ بِـ (تَتَّقُونَ)، مَنصُوبٌ نَصْبَ المَفْعُولِ بِهِ عَلى المَجازِ، أيْ: كَيْفَ تَسْتَقْبِلُونَ هَذا اليَوْمَ العَظِيمَ الَّذِي مِن شَأْنِهِ كَذا وكَذا ؟ والضَّمِيرُ في (يَجْعَلُ) لِلْيَوْمِ، أُسْنِدَ إلَيْهِ الجَعْلُ لَمّا كانَ واقِعًا لَهُ عَلى سَبِيلِ المَجازِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (يَوْمًا) مَفْعُولٌ بِهِ، أيْ: فَكَيْفَ تَقُونَ أنْفُسَكم يَوْمَ القِيامَةِ وهَوْلَهُ إنْ بَقِيتُمْ عَلى الكُفْرِ ولَمْ تُؤْمِنُوا وتَعْمَلُوا صالِحًا ؟ انْتَهى. و(تَتَّقُونَ) مُضارِعُ اتَّقى، واتَّقى لَيْسَ بِمَعْنى وقى حَتّى يُفَسِّرَهُ بِهِ، واتَّقى يَتَعَدّى إلى واحِدٍ، ووَقى يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ. قالَ تَعالى: ﴿ووَقاهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ [الدخان: ٥٦] ولِذَلِكَ قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَقُونَ أنْفُسَكم يَوْمَ القِيامَةِ، لَكِنَّهُ لَيْسَ (تَتَّقُونَ) بِمَعْنى تَقُونَ، فَلا يَتَعَدّى تَعْدِيَتَهُ، ودَسَّ في قَوْلِهِ: ولَمْ تُؤْمِنُوا وتَعْمَلُوا صالِحًا الِاعْتِزالَ. قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا، أيْ: فَكَيْفَ لَكم بِالتَّقْوى في يَوْمِ القِيامَةِ إنْ كَفَرْتُمْ في الدُّنْيا ؟ قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِـ (كَفَرْتُمْ) عَلى تَأْوِيلِ جَحَدْتُمْ، أيْ: فَكَيْفَ تَتَّقُونَ اللَّهَ وتَخْشَوْنَهُ إنْ جَحَدْتُمْ يَوْمَ القِيامَةِ ؟ والجَزاءُ لِأنَّ تَقْوى اللَّهِ خَوْفُ عِقابِهِ. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَوْمًا) مُنَوَّنًا (يَجْعَلُ) بِالياءِ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (يَجْعَلُ) صِفَةٌ لِـ (يَوْمًا) فَإنْ كانَ الضَّمِيرُ في (يَجْعَلُ) عائِدًا عَلى اليَوْمِ فَواضِحٌ وهو الظّاهِرُ.، وإنْ عادَ عَلى اللَّهِ، كَما قالَ بَعْضُهم، فَلا بُدَّ مِن حَذْفِ ضَمِيرٍ يَعُودُ إلى اليَوْمِ، أيْ: يَجْعَلُ فِيهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ﴾ [البقرة: ٤٨] . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ: نَجْعَلُ بِالنُّونِ، فالظَّرْفُ مُضافٌ إلى الجُمْلَةِ، والشِّيبُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِيَجْعَلَ، أيْ: يَصِيرُ الصِّبْيانُ شُيُوخًا، وهو كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ ذَلِكَ اليَوْمِ. ويُقالُ في اليَوْمِ الشَّدِيدِ: يَوْمٌ يُشِيبُ نَواصِيَ الأطْفالِ، والأصْلُ فِيهِ أنَّ الهُمُومَ إذا تَفاقَمَتْ أسْرَعَتْ بِالشِّيبِ. قالَ المُتَنَبِّي: ؎والهَمُّ يَخْتَرِمُ الجَسِيمَ نَحافَةً ويُشِيبُ ناصِيَةَ الصَّبِيِّ ويُهْرِمُ وقالَ قَوْمٌ: ذَلِكَ حَقِيقَةٌ تَشِيبُ رُؤُوسُهم مِن شِدَّةِ الهَوْلِ، كَما قَدْ يُرى الشَّيْبُ في الدُّنْيا مِنَ الهَمِّ المُفْرِطِ، كَهَوْلِ البَحْرِ ونَحْوِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُوصَفَ اليَوْمُ بِالطُّولِ، وأنَّ الأطْفالَ يَبْلُغُونَ فِيهِ أوانَ الشَّيْخُوخَةِ. وقالَ السُّدِّيُّ: (الوِلْدانَ) أوْلادُ الزِّنا. وقِيلَ: أوْلادُ المُشْرِكِينَ، والظّاهِرُ العُمُومُ، أيْ: يَشِيبُ الصَّغِيرُ مِن غَيْرِ كِبَرٍ، وذَلِكَ حِينَ يُقالُ لِآدَمَ: يا آدَمُ ! قُمْ فابْعَثْ بَعْثَ النّارِ. وقِيلَ: هَذا وقْتَ الفَزَعِ قَبْلَ أنْ يُنْفَخَ في الصُّورِ نَفْخَةَ الصَّعْقِ. ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: يَعْنِي المُظِلَّةَ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ، فَجاءَ (مُنْفَطِرٌ) عَلى التَّذْكِيرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَلَوْ رَفَعَ السَّماءُ إلَيْهِ قَوْمًا ∗∗∗ لَحِقْنا بِالسَّماءِ وبِالسَّحابِ وعَلى القَوْلِ بِالتَّأْنِيثِ، فَقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هو مِن بابِ الجَرادِ المُنْتَشِرِ، والشَّجَرِ الأخْضَرِ، وأعْجازِ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ. انْتَهى، يَعْنِي أنَّها مِن بابِ اسْمِ الجِنْسِ الَّذِي بَيْنَهُ وبَيْنَ مُفْرَدِهِ تاءُ التَّأْنِيثِ، وأنَّ مُفْرَدَهُ سَماءٌ، واسْمُ الجِنْسِ يَجُوزُ فِيهِ التَّذْكِيرُ والتَّأْنِيثُ، فَجاءَ مُنْفَطِرٌ عَلى التَّذْكِيرِ. وقالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ، (p-٣٦٦)وأبُو عُبَيْدَةَ والكِسائِيُّ، وتَبِعَهُمُ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: مَجازُها السَّقْفُ، فَجاءَ عَلَيْهِ مُنْفَطِرٌ، ولَمْ يَقُلْ مُنْفَطِرَةً. وقالَ أبُو عَلِيٍّ أيْضًا: التَّقْدِيرُ ذاتُ انْفِطارٍ، كَقَوْلِهِمْ: امْرَأةٌ مُرْضِعٌ، أيْ: ذاتُ رَضاعٍ، فَجَرى عَلى طَرِيقِ التَّسَبُّبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوِ السَّماءُ شَيْءٌ مُنْفَطِرٌ، فَجَعَلَ (مُنْفَطِرٌ) صِفَةً لِخَبَرٍ مَحْذُوفٍ مُقَدَّرٍ بِمُذَكَّرٍ وهو شَيْءٌ، والِانْفِطارُ: التَّصَدُّعُ والِانْشِقاقُ. والضَّمِيرُ في ”بِهِ“ الظّاهِرُ أنَّهُ يَعُودُ عَلى اليَوْمِ، والباءُ لِلسَّبَبِ، أيْ: بِسَبَبِ شِدَّةِ ذَلِكَ اليَوْمِ، أوْ ظَرْفِيَّةٌ، أيْ فِيهِ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَعُودُ عَلى اللَّهِ، أيْ: بِأمْرِهِ وسُلْطانِهِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (وعْدُهُ) عائِدٌ عَلى اليَوْمِ، فَهو مِن إضافَةِ المُصَدِّرِ إلى المَفْعُولِ، أيْ: أنَّهُ تَعالى وعَدَ عِبادَهُ هَذا اليَوْمَ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، فَلا بُدَّ مِن إنْجازِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى اللَّهِ تَعالى، فَيَكُونُ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى الفاعِلِ، وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ قَرِيبٌ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّ الَّذِي هَذِهِ مَواعِيدُهُ هو اللَّهُ تَعالى. (إنَّ هَذِهِ) أيِ السُّورَةُ، أوِ الأنْكالُ وما عُطِفَ عَلَيْهِ، والأخْذُ الوَبِيلُ، أوْ آياتُ القُرْآنِ المُتَضَمِّنَةُ شِدَّةَ القِيامَةِ (تَذْكِرَةٌ) أيْ: مَوْعِظَةٌ ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ بِالتَّقَرُّبِ إلَيْهِ بِالطّاعَةِ، ومَفْعُولُ شاءَ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الشَّرْطُ؛ لِأنَّ ”مَن“ شَرْطِيَّةٌ، أيْ: فَمَن شاءَ أنْ يَتَّخِذَ سَبِيلًا اتَّخَذَهُ إلى رَبِّهِ، ولَيْسَتِ المَشِيئَةُ هُنا عَلى مَعْنى الإباحَةِ، بَلْ تَتَضَمَّنُ مَعْنى الوَعْدِ والوَعِيدِ. ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى﴾: تُصَلِّي، كَقَوْلِهِ: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ [المزمل: ٢] . لَمّا كانَ أكْثَرُ أحْوالِ الصَّلاةِ القِيامَ عَبَّرَ بِهِ عَنْها، وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ تَخْفِيفًا لِما كانَ اسْتِمْرارُ اسْتِعْمالِهِ مِن أمْرِ قِيامِ اللَّيْلِ، إمّا عَلى الوُجُوبِ، وإمّا عَلى النَّدْبِ، عَلى الخِلافِ الَّذِي سَبَقَ. ﴿أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ أيْ: زَمانًا هو أقَلُّ مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ، واسْتُعِيرَ الأدْنى، وهو الأقْرَبُ لِلْأوَّلِ؛ لِأنَّ المَسافَةَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ إذا دَنَتْ قَلَّ ما بَيْنَهُما مِنَ الأحْيازِ، وإذا بَعُدَتْ كَثُرَ ذَلِكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿مِن ثُلُثَيِ﴾ بِضَمِّ اللّامِ. والحَسَنُ وشَيْبَةُ وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ السَّمَيْقَعِ وهِشامٌ وابْنُ مُجاهِدٍ، عَنْ قُنْبُلٍ فِيما ذَكَرَ صاحِبُ الكامِلِ: بِإسْكانِها، وجاءَ ذَلِكَ عَنْ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ فِيما ذَكَرَ صاحِبُ اللَّوامِحِ. وقَرَأ العَرَبِيّانِ ونافِعٌ: ﴿ونِصْفَهُ وثُلُثَهُ﴾، بِجَرِّهِما عَطْفًا عَلى ﴿ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ . وباقِي السَّبْعَةِ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى (أدْنى) لِأنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ، أيْ: وقْتًا أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ. فَقِراءَةُ النَّصْبِ مُناسِبَةٌ لِلتَّقْسِيمِ الَّذِي في أوَّلِ السُّورَةِ؛ لِأنَّهُ إذا قامَ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا صَدَقَ عَلَيْهِ ﴿أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ لِأنَّ الزَّمانَ الَّذِي لَمْ يَقُمْ فِيهِ يَكُونُ الثُّلُثَ وشَيْئًا مِنَ الثُّلُثَيْنِ، فَيَصْدُقُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (إلّا قَلِيلًا) . وأمّا قَوْلُهُ: (ونِصْفَهُ) فَهو مُطابِقٌ لِقَوْلِهِ أوَّلًا: (نِصْفَهْ) وأمّا ( ثُلُثَهُ ( فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا﴾ [المزمل: ٣] قَدْ يَنْتَهِي النَّقْصُ في القَلِيلِ إلى أنْ يَكُونَ الوَقْتُ ثُلُثَ اللَّيْلِ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ٤] فَإنَّهُ إذا زادَ عَلى النِّصْفِ قَلِيلًا، كانَ الوَقْتُ أقَلَّ مِنَ الثُّلُثَيْنِ، فَيَكُونُ قَدْ طابَقَ قَوْلَهُ: ﴿أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا﴾ [المزمل: ٣] شَرْحًا لِمُبْهَمِ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ٢] وعَلى قِراءَةِ النَّصْبِ. قالَ الحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ: مَعْنى تُحْصُوهُ: تُطِيقُوهُ، أيْ: قَدَّرَ تَعالى أنَّهم يُقَدِّرُونَ الزَّمانَ عَلى ما مَرَّ في أوَّلِ السُّورَةِ، فَلَمْ يُطِيقُوا قِيامَهُ لِكَثْرَتِهِ وشِدَّتِهِ، فَخَفَّفَ تَعالى عَنْهم فَضْلًا مِنهُ، لا لِعِلَّةِ جَهْلِهِمْ بِالتَّقْدِيرِ وإحْصاءِ الأوْقاتِ. وأمّا قِراءَةُ الجَرِّ، فالمَعْنى أنَّهُ قِيامٌ مُخْتَلِفٌ، مَرَّةً أدْنى مِنَ الثُّلُثَيْنِ، ومَرَّةً أدْنى مِنَ النِّصْفِ، ومَرَّةً أدْنى مِنَ الثُّلُثِ، وذَلِكَ لِتَعَذُّرِ مَعْرِفَةِ البَشَرِ مَقادِيرَ الزَّمانِ مَعَ عُذْرِ النَّوْمِ. وتَقْدِيرُ الزَّمانِ حَقِيقَةٌ إنَّما هو لِلَّهِ تَعالى، والبَشَرُ لا يُحْصُونَ ذَلِكَ، أيْ: لا يُطِيقُونَ مَقادِيرَ ذَلِكَ، فَتابَ عَلَيْهِمْ، أيْ: رَجَعَ بِهِمْ مِنَ الثِّقَلِ إلى الخِفَّةِ وأمَرَهم بِقِيامِ ما تَيَسَّرَ. وعَلى القِراءَتَيْنِ يَكُونُ عِلْمُهُ تَعالى بِذَلِكَ عَلى حَسَبِ الوُقُوعِ مِنهم؛ لِأنَّهم قامُوا تِلْكَ المَقادِيرَ في أوْقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ قامُوا أدْنى مِنَ الثُّلُثَيْنِ ونِصْفًا وثُلُثًا، وقامُوا أدْنى مِنَ النِّصْفِ وأدْنى مِنَ الثُّلُثِ، فَلا تَنافِي بَيْنَ القِراءَتَيْنِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وثُلُثَهُ) بِضَمِّ اللّامِ. وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةِ شِبْلٍ: بِإسْكانِها. وطائِفَةٌ: مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ المَسْتَكِنُّ في ”تَقُومُ“، وحَسَّنَهُ الفَصْلُ بَيْنَهُما. وقَوْلُهُ: ﴿وطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ (p-٣٦٧)دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ فَرْضًا عَلى الجَمِيعِ، إذْ لَوْ كانَ فَرْضًا، لَكانَ التَّرْكِيبُ: والَّذِينَ مَعَكَ، إلّا إنِ اعْتَقَدَ أنَّهم كانَ مِنهم مَن يَقُومُ في بَيْتِهِ، ومِنهم مَن يَقُومُ مَعَهُ، فَيُمْكِنُ إذْ ذاكَ الفَرْضِيَّةُ في حَقِّ الجَمِيعِ. ﴿واللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ أيْ: هو وحْدَهُ تَعالى العالِمُ بِمَقادِيرِ السّاعاتِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وتَقْدِيمُ اسْمِهِ عَزَّ وجَلَّ مُبْتَدَأً مَبْنِيًّا عَلَيْهِ، يُقَدِّرُ هو الدّالُّ عَلى مَعْنى الِاخْتِصاصِ بِالتَّقْدِيرِ. انْتَهى. وهَذا مَذْهَبُهُ، وإنَّما اسْتُفِيدَ الِاخْتِصاصُ مِن سِياقِ الكَلامِ لا مِن تَقْدِيمِ المُبْتَدَأِ. لَوْ قُلْتَ: زَيْدٌ يَحْفَظُ القُرْآنَ أوْ يَتَفَقَّهُ في كِتابِ سِيبَوَيْهِ، لَمْ يَدُلَّ تَقْدِيمُ المُبْتَدَأِ عَلى الِاخْتِصاصِ. وأنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، والضَّمِيرُ في ”تُحْصُوهُ“، الظّاهِرُ أنَّهُ عائِدٌ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن يُقَدِّرُ، أيْ: أنْ لَنْ تُحْصُوا تَقْدِيرَ ساعاتِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، لا تُحِيطُوا بِها عَلى الحَقِيقَةِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى القِيامِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ”فَتابَ عَلَيْكم“ . قِيلَ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كانَ فِيهِمْ مَن تَرَكَ بَعْضَ ما أمَرَ بِهِ. وقِيلَ: رَجَعَ بِكم مِن ثِقَلٍ إلى خَفٍّ، ومِن عُسْرٍ إلى يُسْرٍ، ورَخَّصَ لَكم في تَرْكِ القِيامِ المُقَدَّرِ. ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾ عَبَّرَ بِالقِراءَةِ عَنِ الصَّلاةِ؛ لِأنَّها بَعْضُ أرْكانِها، كَما عَبَّرَ عَنْها بِالقِيامِ والرُّكُوعِ والسُّجُودِ، أيْ: فَصَلُّوا ما تَيَسَّرَ عَلَيْكم مِن صَلاةِ اللَّيْلِ. وقِيلَ: وهَذا ناسِخٌ لِلْأوَّلِ، ثُمَّ نُسِخا جَمِيعًا بِالصَّلَواتِ الخَمْسِ. وهَذا الأمْرُ بِقَوْلِهِ: (فاقْرَءُوا) . قالَ الجُمْهُورُ: أمْرُ إباحَةٍ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وجَماعَةٌ: هو فَرْضٌ لا بُدَّ مِنهُ، ولَوْ خَمْسِينَ آيَةً. وقالَ الحَسَنُ وابْنُ سِيرِينَ: قِيامُ اللَّيْلِ فَرْضٌ، ولَوْ قَدْرُ حَلْبِ شاةٍ. وقِيلَ: هو أمْرٌ بِقِراءَةِ القُرْآنِ بِعَيْنِها، لا كِنايَةٌ عَنِ الصَّلاةِ. وإذا كانَ المُرادُ: فاقْرَءُوا في الصَّلاةِ ما تَيَسَّرَ، فالظّاهِرُ أنَّهُ لا يَتَعَيَّنُ ما يَقْرَأُ، بَلْ إذا قَرَأ ما تَيَسَّرَ لَهُ وسَهُلَ عَلَيْهِ أجْزَأهُ. وقَدَّرَهُ أبُو حَنِيفَةَ بِآيَةٍ، حَكاهُ عَنْهُ الماوَرْدِيُّ. وبِثَلاثٍ، حَكاهُ ابْنُ العَرَبِيِّ. وعَيَّنَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ ما تَيَسَّرَ، قالا: هو فاتِحَةُ الكِتابِ، لا يَعْدِلُ عَنْها ولا يَقْتَصِرُ عَلى بَعْضِها. ﴿عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ مِنكم مَرْضى﴾ بَيانٌ لِحِكْمَةِ النَّسْخِ، وهي تَعَذُّرُ القِيامِ عَلى المَرْضى، والضّارِبِينَ في الأرْضِ لِلتِّجارَةِ، والمُجاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ﴾ كَرَّرَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ. ثُمَّ أمَرَ بِعَمُودَيِ الإسْلامِ البَدَنِيِّ والمالِيِّ، ثُمَّ قالَ: ﴿وأقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾: العَطْفُ يُشْعِرُ بِالتَّغايُرِ، فَقَوْلُهُ: (وآتُوا الزَّكاةَ) أمَرَ بِأداءِ الواجِبِ، ﴿وأقْرِضُوا اللَّهَ﴾ أمَرَ بِأداءِ الصَّدَقاتِ الَّتِي يُتَطَوَّعُ بِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿هُوَ خَيْرًا وأعْظَمَ أجْرًا﴾ بِنَصْبِهِما، واحْتَمَلَ هو أنْ يَكُونَ فَصْلًا، وأنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِضَمِيرِ النَّصْبِ في (تَجِدُوهُ) . ولَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ والحَوْفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ في إعْرابِ (هو) إلّا الفَصْلَ. وقالَ أبُو البَقاءِ: هو فَصْلٌ، أوْ بَدَلٌ، أوْ تَأْكِيدٌ. فَقَوْلُهُ: أوْ بَدَلٌ وهْمٌ، لَوْ كانَ بَدَلًا لَطابَقَ في النَّصْبِ فَكانَ يَكُونُ إيّاهُ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ وابْنُ السَّمَيْقَعِ: هو خَيْرٌ وأعْظَمُ، بِرَفْعِهِما عَلى الِابْتِداءِ أوِ الخَبَرِ. قالَ أبُو زَيْدٍ: هو لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ، يَرْفَعُونَ ما بَعْدَ الفاصِلَةِ، يَقُولُونَ: كانَ زَيْدٌ هو العاقِلُ بِالرَّفْعِ، وهَذا البَيْتُ لِقَيْسِ بْنِ ذَرِيحٍ وهو: ؎تَحِنُّ إلى لَيْلى وأنْتَ تَرَكْتَها ∗∗∗ وكُنْتَ عَلَيْها بِالمَلا أنْتَ أقْدَرُ قالَ أبُو عَمْرٍو الجَرْمِيُّ: أنْشَدَ سِيبَوَيْهِ هَذا البَيْتَ شاهِدًا لِلرَّفْعِ والقَوافِي مَرْفُوعَةٌ. ويُرْوى: أقْدَرَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو فَصْلٌ وجازَ وإنْ لَمْ يَقَعْ بَيْنَ مَعْرِفَتَيْنِ؛ لِأنَّ أفْعَلَ مِن أشْبَهَ في امْتِناعِهِ مِن حَرْفِ التَّعْرِيفِ المَعْرِفَةِ. انْتَهى. ولَيْسَ ما ذَكَرَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ. ومِنهم مَن أجازَهُ، ولَيْسَ أفْعَلُ مِن أحْكامِ الفَصْلِ ومَسائِلِهِ، والخِلافُ الوارِدُ فِيها كَثِيرٌ جِدًّا، وقَدْ جَمَعْنا فِيهِ كِتابًا سَمَّيْناهُ بِالقَوْلِ الفَصْلِ في أحْكامِ الفَصْلِ، وأوْدَعْنا مُعْظَمَهُ شَرْحَ التَّسْهِيلِ مِن تَأْلِيفِنا.