Lafzullah

Al-Bahr Al-Muhit — المدثر 74:48 – القيامة 75:13

المؤلف / المصدر: Al-Bahr Al-Muhit

المحتويات
  1. المدثر 74:48
  2. المدثر 74:49
  3. المدثر 74:50
  4. المدثر 74:51
  5. المدثر 74:52
  6. المدثر 74:53
  7. المدثر 74:54
  8. المدثر 74:55
  9. المدثر 74:56
  10. القيامة 75:1
  11. القيامة 75:2
  12. القيامة 75:3
  13. القيامة 75:4
  14. القيامة 75:5
  15. القيامة 75:6
  16. القيامة 75:7
  17. القيامة 75:8
  18. القيامة 75:9
  19. القيامة 75:10
  20. القيامة 75:11
  21. القيامة 75:12
  22. القيامة 75:13

المدثر 74:48

﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلّا هو وما هي إلّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾ ﴿كَلّا والقَمَرِ﴾ ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ ﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ ﴿إنَّها لَإحْدى الكُبَرِ﴾ ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ﴾ ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ ﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ ﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ ﴿كَلّا بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ ﴿كَلّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ ﴿وما يَذْكُرُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ هو أهْلُ التَّقْوى وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ . الكافُ في مَحَلِّ نَصْبٍ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما قَبْلَهُ مِن مَعْنى الإضْلالِ والهُدى، أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ (p-٣٧٨)المَذْكُورِ مِنَ الإضْلالِ والهُدى، يُضِلُّ الكافِرِينَ فَيَشُكُّونَ فَيَزِيدُهم كُفْرًا وضَلالًا، ويَهْدِي المُؤْمِنِينَ فَيَزِيدُهم إيمانًا. ﴿وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلّا هُوَ﴾: إعْلامٌ بِأنَّ الأمْرَ فَوْقَ ما يُتَوَهَّمُ، وأنَّ الجَزاءَ إنَّما هو عَنْ بَعْضِ القُدْرَةِ لا عَنْ كُلِّها، والسَّماءُ عامِرَةٌ بِأنْواعٍ مِنَ المَلائِكَةِ. وفي الحَدِيثِ: «أطَّتِ السَّماءُ وحَقَّ لَها أنْ تَئِطَّ ما فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا ومَلَكٌ واضِعٌ جَبْهَتَهُ لِلَّهِ ساجِدًا» . (وما هي) أيِ: النّارُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، أوِ المُخاطَبَةُ والنِّذارَةُ، أوْ نارُ الدُّنْيا، أوِ الآياتُ الَّتِي ذُكِرَتْ، أوِ العِدَّةُ التِسْعَةَ عَشَرَ، أوِ الجُنُودُ، أقْوالٌ راجِحُها الأوَّلُ وهي سَقَرُ، ذَكَّرَ بِها البَشَرَ لِيَخافُوا ويُطِيعُوا. وقَدْ جَرى ذِكْرُ النّارِ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلْنا أصْحابَ النّارِ إلّا مَلائِكَةً﴾ . ﴿إلّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾ أيِ: الَّذِينَ أُهِّلُوا لِلتَّذَكُّرِ والِاعْتِبارِ. (كَلّا) قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَلّا إنْكارٌ بَعْدَ أنْ جَعَلَها ذِكْرى، أنْ يَكُونَ لَهم ذِكْرى لِأنَّهم لا يَتَذَكَّرُونَ. انْتَهى. ولا يَسُوغُ هَذا في حَقِّ اللَّهِ تَعالى أنْ يُخْبِرَ أنَّها ذِكْرى لِلْبَشَرِ، ثُمَّ يُنْكِرُ أنْ تَكُونَ لَهم ذِكْرى، وإنَّما قَوْلُهُ: (لِلْبَشَرِ) عامٌّ مَخْصُوصٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ رَدْعٌ لِمَن يُنْكِرُ أنْ يَكُونَ إحْدى الكُبَرِ نَذِيرًا. وقِيلَ: رَدْعٌ لِقَوْلِ أبِي جَهْلٍ وأصْحابِهِ أنَّهم يَقْدِرُونَ عَلى مُقاوَمَةِ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ. وقِيلَ: رَدْعٌ عَنِ الِاسْتِهْزاءِ بِالعِدَّةِ المَخْصُوصَةِ. وقالَ الفَرّاءُ: هي صِلَةٌ لِلْقَسَمِ، وقَدَّرَها بَعْضُهم بِحَقًّا، وبَعْضُهم بِألا الِاسْتِفْتاحِيَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها في آخِرِ سُورَةِمَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ. (والقَمَرِ ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾) أيْ: ولّى، ويُقالُ دَبَرَ وأدْبَرَ بِمَعْنًى واحِدٍ. أقْسَمَ تَعالى بِهَذِهِ الأشْياءِ تَشْرِيفًا لَها، وتَنْبِيهًا عَلى ما يَظْهَرُ بِها وفِيها مِن عَجائِبِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ، وقِوامُ الوُجُودِ بِإيجادِها. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ الزُّبَيْرِ ومُجاهِدٌ وعَطاءٌ، وابْنُ يَعْمُرَ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وأبُو الزِّنادِ، وقَتادَةُ وعُمَرُ بْنُ العَزِيزُ والحَسَنُ وطَلْحَةُ والنَّحْوِيّانِ والِابْنانِ وأبُو بَكْرٍ: (إذا) ظَرْفُ زَمانٍ مُسْتَقْبَلٍ دَبَرَ بِفَتْحِ الدّالِ. وابْنُ جُبَيْرٍ والسُّلَمِيُّ والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهم. وابْنُ سِيرِينَ والأعْرَجُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وأبُو شَيْخٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ونافِعٌ وحَمْزَةُ وحَفْصٌ: ”إذْ“ ظَرْفُ زَمانٍ ماضٍ، ”أدْبَرَ“ رُباعِيًّا. والحَسَنُ أيْضًا وأبُو رَزِينٍ وأبُو رَجاءٍ وابْنُ يَعْمُرَ أيْضًا، والسُّلَمِيُّ أيْضًا وطَلْحَةُ أيْضًا، والأعْمَشُ ويُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ ومَطَرٌ: إذا بِالألْفِ، (أدْبَرَ) بِالهَمْزِ، وكَذا هو في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ وأُبَيٍّ، وهو مُناسِبٌ لِقَوْلِهِ: ﴿إذا أسْفَرَ﴾ ويُقالُ: كَأمْسُ الدّابِرِ وأمْسُ المُدْبِرُ بِمَعْنى واحِدٍ. وقالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ: دَبَرَ: انْقَضى، وأدْبَرَ: تَوَلّى. وقالَ قَتادَةُ: دَبَرَ اللَّيْلُ: ولّى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ودَبَرَ بِمَعْنى أدْبَرَ، كـَ (قَبَلَ) بِمَعْنى أقْبَلَ. وقِيلَ: هو مِن دَبَرَ اللَّيْلُ النَّهارَ: أخْلَفَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أسْفَرَ) رُباعِيًّا. وابْنُ السَّمَيْقَعِ وعِيسى بْنُ الفَضْلِ: سَفَرَ ثُلاثِيًّا، والمَعْنى: طَرَحَ الظُّلْمَةَ عَنْ وجْهِهِ. ﴿إنَّها لَإحْدى الكُبَرِ﴾: الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ”إنَّها“ عائِدٌ عَلى النّارِ. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلنِّذارَةِ، وأمْرُ الآخِرَةِ فَهو لِلْحالِ والقِصَّةِ. وقِيلَ: إنَّ قِيامَ السّاعَةِ لَإحْدى الكُبَرِ، فَعادَ الضَّمِيرُ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ، ومَعْنى (إحْدى الكُبَرِ) الدَّواهِي الكُبَرِ، أيْ: لا نَظِيرَ لَها، كَما تَقُولُ: هو أحَدُ الرِّجالِ، وهي إحْدى النِّساءِ، والكُبَرُ: العَظائِمُ مِنَ العُقُوباتِ. (وقالَ الرّاجِزُ): ؎يا ابْنَ المُعَلّى نَزَلَتْ إحْدى الكُبَرِ داهِيَةُ الدَّهْرِ وصْماءُ الغِيَرِ والكُبَرُ جَمْعُ الكُبْرى، طُرِحَتْ ألِفُ التَّأْنِيثِ في الجَمْعِ، كَما طُرِحَتْ هَمْزَتُهُ في قاصِعاءَ فَقالُوا: قَواصِعُ. وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ: ”والكُبَرُ“ جَمْعُ كَبِيرَةٍ، ولَعَلَّهُ مِن وهْمِ النّاسِخِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لَإحْدى) بِالهَمْزِ، وهي مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ أصْلُهُ لَوِحْدى، وهو بَدَلٌ لازِمٌ. وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ووَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: بِحَذْفِ الهَمْزَةِ، وهو حَذْفٌ لا يَنْقاسُ، وتَخْفِيفُ مِثْلِ هَذِهِ الهَمْزَةِ أنْ تُجْعَلَ بَيْنَ بَيْنَ. والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ جَوابٌ لِلْقَسَمِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ تَعْلِيلٌ لِـ (كَلّا) والقَسَمُ مُعْتَرِضٌ لِلتَّوْكِيدِ. (p-٣٧٩)انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نَذِيرًا) واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنى الإنْذارِ، كالنَّكِيرِ بِمَعْنى الإنْكارِ، فَيَكُونُ تَمْيِيزًا أيْ: لَإحْدى الكُبَرِ إنْذارًا، كَما تَقُولُ: هي إحْدى النِّساءِ عَفافًا. كَما ضُمِّنَ إحْدى مَعْنى أعْظَمَ، جاءَ عَنْهُ التَّمْيِيزُ. وقالَ الفَرّاءُ: هو مَصْدَرٌ نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: أنْذِرْ إنْذارًا. واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمَ فاعِلٍ بِمَعْنى مُنْذِرٍ. فَقالَ الزَّجّاجُ: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (إنَّها) . وقِيلَ: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (إحْدى)، ومَن جَعَلَهُ مُتَّصِلًا بِـ (قُمْ) في أوَّلِ السُّورَةِ، أوْ بِـ (فَأنْذِرْ) في أوَّلِ السُّورَةِ، أوْ حالًا مِن (الكُبَرِ)، أوْ حالًا مِن ضَمِيرِ الكُبَرِ، فَهو بِمَعْزِلٍ عَنِ الصَّوابِ. قالَ أبُو البَقاءِ: والمُخْتارُ أنْ يَكُونَ حالًا مِمّا دَلَّتْ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ تَقْدِيرُهُ: عَظُمَتْ نَذِيرًا. انْتَهى، وهو قَوْلٌ لا بَأْسَ بِهِ. قالَ النَّحّاسُ: وحُذِفَتِ الهاءُ مِن (نَذِيرًا)، وإنْ كانَ لِلنّارِ عَلى مَعْنى النَّسَبِ، يَعْنِي ذاتَ الإنْذارِ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: أعْنِي نَذِيرًا. وقالَ الحَسَنُ: لِأُنْذِرَ، إذْ هي مِنَ النّارِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا القَوْلُ يَقْتَضِي أنَّ (نَذِيرًا) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ”إنَّها“، أوْ مِن قَوْلِهِ: (لَإحْدى) . قالَ أبُو رَزِينٍ: نَذِيرٌ هُنا هو اللَّهُ تَعالى، فَهو مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيِ: ادْعُوا نَذِيرًا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَذِيرٌ هُنا هو مُحَمَّدٌ ﷺ، فَهو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، أيْ: نادِ، أوْ بَلِّغْ، أوْ أعْلِنْ. وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: (نَذِيرٌ) بِالرَّفْعِ. فَإنْ كانَ مِن وصْفِ النّارِ، جازَ أنْ يَكُونَ خَبَرًا وخَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هي نَذِيرٌ. وإنْ كانَ مِن وصْفِ اللَّهِ أوِ الرَّسُولِ، فَهو عَلى إضْمارِ هو. والظّاهِرُ أنَّ (لِمَن) بَدَلٌ مِنَ البَشَرِ بِإعادَةِ الجارِّ، وأنْ يَتَقَدَّمَ مَنصُوبٌ بِـ (شاءَ) ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى مَن. وقِيلَ: الفاعِلُ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ: لِمَن شاءَ هو، أيِ: اللَّهُ تَعالى. وقالَ الحَسَنُ: هو وعِيدٌ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو بَيانٌ في النِّذارَةِ، وإعْلامٌ بِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَسْلُكُ طَرِيقَ الهُدى والحَقِّ إذا حَقَّقَ النَّظَرَ، إذْ هو بِعَيْنِهِ يَتَأخَّرُ عَنْ هَذِهِ الرُّتْبَةِ بِغَفْلَتِهِ وسُوءِ نَظَرِهِ. ثُمَّ قَوّى هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿أنْ يَتَقَدَّمَ﴾ في مَوْضِعِ الرَّفْعِ بِالِابْتِداءِ، و(لِمَن شاءَ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ، كَقَوْلِكَ لِمَن تَوَضَّأ: أنْ يُصَلِّيَ، ومَعْناهُ مُطْلَقٌ لِمَن شاءَ التَّقَدُّمَ أوِ التَّأخُّرَ أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ. والمُرادُ بِالتَّقَدُّمِ والتَّأخُّرِ: السَّبْقُ إلى الخَيْرِ والتَّخَلُّفُ عَنْهُ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] . انْتَهى، وهو مَعْنى لا يَتَبادَرُ إلى الذِّهْنِ وفِيهِ حَذْفٌ. قِيلَ: والتَّقَدُّمُ: الإيمانُ، والتَّأخُّرُ: الكُفْرُ. وقالَ السُّدِّيُّ: أنْ يَتَقَدَّمَ إلى النّارِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُها، أوْ يَتَأخَّرَ عَنْها إلى الجَنَّةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: أنْ يَتَقَدَّمَ إلى المَأْمُوراتِ، أوْ يَتَأخَّرَ عَنِ المَنهِيّاتِ، والظّاهِرُ العُمُومُ في كُلِّ نَفْسٍ. وقالَ الضَّحّاكُ: كُلُّ نَفْسٍ حَقِيقٌ عَلَيْها العَذابُ، ولا يَرْتَهِنُ اللَّهُ تَعالى أحَدًا مِن أهْلِ الجَنَّةِ، ورَهِينَةٌ بِمَعْنى رَهْنٍ، كالشَّتِيمَةِ بِمَعْنى الشَّتْمِ، ولَيْسَتْ بِمَعْنى مَفْعُولٍ؛ لِأنَّها بِغَيْرِ تاءٍ لِلْمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، نَحْوُ: رَجُلٌ قَتِيلٌ وامْرَأةٌ قَتِيلٌ، فالمَعْنى: كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهْنٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أبْعَدَ الَّذِي بِالنَّعْفِ نَعِفِ كُوَيْكِبٍ ∗∗∗ رَهِينَةُ رَمْسٍ ذِي تُرابٍ وجَنْدَلِ أيْ: رَمْسُ رَهْنٍ، والمَعْنى: أنَّ كُلَّ نَفْسٍ رَهْنٌ عِنْدَ اللَّهِ غَيْرُ مَفْكُوكٍ. وقِيلَ: الهاءُ في ”رَهِينَةٍ“ لِلْمُبالَغَةِ. وقِيلَ: عَلى تَأْنِيثِ اللَّفْظِ لا عَلى الإنْسانِ، والَّذِي أخْتارُهُ أنَّها مِمّا دَخَلَتْ فِيهِ التّاءُ، وإنْ كانَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ في الأصْلِ كالنَّطِيحَةِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ لَمّا كانَ خَبَرًا عَنِ المُذَكَّرِ كانَ بِغَيْرِ هاءٍ، قالَ تَعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١] . فَأنْتَ تَرى حَيْثُ كانَ خَبَرًا عَنِ المُذَكَّرِ أتى بِغَيْرِ تاءٍ؛ وحَيْثُ كانَ خَبَرًا عَنِ المُؤَنَّثِ أتى بِالتّاءِ، كَما في هَذِهِ الآيَةِ. فَأمّا الَّذِي في البَيْتِ فَأُنِّثَ عَلى مَعْنى النَّفْسِ. ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ المَلائِكَةُ. وقالَ عَلِيٌّ: هم أطْفالُ المُسْلِمِينَ. فَعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ يَكُونُ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، أيْ: لَكِنَّ أصْحابَ اليَمِينِ في جَنّاتٍ. وقالَ الحَسَنُ وابْنُ كَيْسانَ: هُمُ المُسْلِمُونَ المُخْلِصُونَ، لَيْسُوا بِمُرْتَهَنِينَ لِأنَّهم أدُّوا ما كانَ عَلَيْهِمْ، وهَذا كَقَوْلِ الضَّحّاكِ الَّذِي تَقَدَّمَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ (p-٣٨٠)فَإنَّهم فَكُّوا عَنْهُ رِقابَهم بِما أطابُوهُ مِن كَسْبِهِمْ، كَما يُخَلِّصُ الرّاهِنُ رَهْنَهُ بِأداءِ الحَقِّ. انْتَهى. وظاهِرُ هَذا أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ. (في جَنّاتٍ) أيْ: هم ﴿في جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ﴾ أيْ: يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا، أوْ يَكُونُ يَتَساءَلُ بِمَعْنى يَسْألُ، أيْ: يَسْألُونَ عَنْهم غَيْرَهم، كَما يُقالُ: دَعَوْتُهُ وتَداعَوْتُهُ بِمَعْناهُ. وعَلى هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ كَيْفَ جاءَ ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ بِالخِطابِ لِلْمُجْرِمِينَ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ. المَعْنى: أنَّ أصْحابَ اليَمِينِ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا، أوْ يَسْألُونَ غَيْرَهم عَنْ مَن غابَ مِن مَعارِفِهِمْ، فَإذا عَرَفُوا أنَّهم مُجْرِمُونَ في النّارِ قالُوا لَهم، أوْ قالَتْ لَهُمُ المَلائِكَةُ، هَكَذا قَدَّرَهُ بَعْضُهم، والأقْرَبُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: يَتَساءَلُونَ عَنِ المُجْرِمِينَ قائِلِينَ لَهم بَعْدَ التَّساؤُلِ: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ طابَقَ قَوْلُهُ: ﴿ما سَلَكَكُمْ﴾ ؟ وهو سُؤالٌ لِلْمُجْرِمِينَ، قَوْلَهُ: ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ ؟ وهو سُؤالٌ عَنْهم، وإنَّما كانَ يُطابِقُ ذَلِكَ لَوْ قِيلَ يَتَساءَلُونَ عَنِ المُجْرِمِينَ ما سَلَكَهم ؟ (قُلْتُ): ﴿ما سَلَكَكُمْ﴾ لَيْسَ بِبَيانٍ لِلتَّساؤُلِ عَنْهم، وإنَّما هو حِكايَةُ قَوْلِ المَسْئُولِينَ عَنْهم؛ لِأنَّ المَسْئُولِينَ يُلْقُونَ إلى السّائِلِينَ ما جَرى بَيْنَهم وبَيْنَ المُجْرِمِينَ، فَيَقُولُونَ: قُلْنا لَهم ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ إلّا أنَّ الكَلامَ جِيءَ بِهِ عَلى الحَذْفِ والِاخْتِصارِ، كَما هو نَهْجُ التَّنْزِيلِ في غَرابَةِ نَظْمِهِ. انْتَهى، وفِيهِ تَعَسُّفٌ. والأظْهَرُ أنَّ السّائِلِينَ هُمُ المُتَسائِلُونَ، وما سَلَكَكم عَلى إضْمارِ القَوْلِ كَما ذَكَرْنا، وسُؤالُهم سُؤالُ تَوْبِيخٍ لَهم وتَحْقِيرٍ، وإلّا فَهِمَ عالِمُونَ ما الَّذِي أدْخَلَهُمُ النّارَ. والجَوابُ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُتَّصِفِينَ بِخَصائِلِ الإسْلامِ مِن إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، ثُمَّ ارْتَقَوْا مِن ذَلِكَ إلى الأعْظَمِ، وهو الكُفْرُ والتَّكْذِيبُ بِيَوْمِ الجَزاءِ، كَقَوْلِهِمْ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] ثُمَّ قالَ: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧] . واليَقِينُ أيْ: يَقِينًا عَلى إنْكارِ يَوْمِ الجَزاءِ، أيْ: وقْتَ المَوْتِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: واليَقِينُ عِنْدِي صِحَّةُ ما كانُوا يُكَذِّبُونَ مِنَ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى والدّارِ الآخِرَةِ. وقالَ المُفَسِّرُونَ: اليَقِينُ: المَوْتُ، وذَلِكَ عِنْدِي هُنا مُتَعَقَّبٌ؛ لِأنَّ نَفْسَ المَوْتِ يَقِينٌ عِنْدَ الكافِرِ وهو حَيٌّ. وإنَّما اليَقِينُ الَّذِي عَنَوْا في هَذِهِ الآيَةِ الشَّيْءُ الَّذِي كانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ وهم أحْياءٌ في الدُّنْيا فَتَيَقَّنُوهُ بَعْدَ المَوْتِ، وإنَّما يَتَفَسَّرُ اليَقِينُ بِالمَوْتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] . ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾: لَيْسَ المَعْنى أنَّهم يُشْفَعُ لَهم فَلا تَنْفَعُ شَفاعَةُ مَن يَشْفَعُ لَهم، وإنَّما المَعْنى نَفْيُ الشَّفاعَةِ فانْتَفى النَّفْعُ، أيْ: لا شَفاعَةَ شافِعِينَ لَهم فَتَنْفَعُهم مِن بابِ: ؎عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ أيْ: لا مَنارَ لَهُ فَيُهْتَدى بِهِ. وتَخْصِيصُهم بِانْتِفاءِ شَفاعَةِ الشّافِعِينَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ قَدْ تَكُونُ شَفاعاتٌ ويُنْتَفَعُ بِها، ووَرَدَتْ أحادِيثُ في صِحَّةِ ذَلِكَ. ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ﴾ وهي مَواعِظُ القُرْآنِ الَّتِي تُذَكِّرُ الآخِرَةَ، (مُعْرِضِينَ) أيْ: والحالُ المُنْتَظَرَةُ هَذِهِ المَوْصُوفَةُ. ثُمَّ شَبَّهَهم بِالحُمُرِ المُسْتَنْفِرَةِ في شِدَّةِ إعْراضِهِمْ ونِفارِهِمْ عَنِ الإيمانِ وآياتِ اللَّهِ تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (حُمُرٌ) بِضَمِّ المِيمِ. والأعْمَشُ: بِإسْكانِها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ الحُمُرُ الوَحْشِيَّةُ، شَبَّهَهم تَعالى بِالحُمُرِ مَذَمَّةً وتَهْجِينًا لَهم. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: (مُسْتَنْفَرَةٌ) بِفَتْحِ الفاءِ، والمَعْنى: اسْتَنْفَرَها فَزَعُها مِنَ القَسْوَرَةِ. وباقِي السَّبْعَةِ بِكَسْرِها، أيْ: نافِرَةٌ. نَفَرَ واسْتَنْفَرَ بِمَعْنى عَجِبَ واسْتَعْجَبَ وسَخَرَ واسْتَسْخَرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: أمْسِكْ حِمارَكَ إنَّهُ مُسْتَنْفِرٌ في إثْرِ أحْمِرَةٍ عَهِدْنَ لَعُرَّبِ. ويُناسِبُ الكَسْرَ قَوْلُهُ: (فَرَّتْ) . وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلّامٍ: سَألْتُ أبا سِرارٍ الغَنَوِيَّ، وكانَ أعْرابِيًّا فَصِيحًا، فَقُلْتُ: كَأنَّهم حُمُرٌ ماذا مُسْتَنْفِرَةٌ ؟ قالَ: طَرَدَها قَسْوَرَةٌ. فَقُلْتُ: إنَّما هو ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾، قالَ: أفَرَّتْ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: فَمُسْتَنْفِرَةٌ إذَنْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ وقَتادَةُ وعِكْرِمَةُ: القَسْوَرَةُ، الرُّماةُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وأبُو هُرَيْرَةَ وجُمْهُورٌ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ: الأسَدُ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: رِجالُ (p-٣٨١)القَنْصِ، وهو قَرِيبٌ مِنَ القَوْلِ الأوَّلِ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: القَسْوَرَةُ أوَّلُ اللَّيْلِ، والمَعْنى: فَرَّتْ مِن ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، ولا شَيْءَ أشَدُّ نِفارًا مِن حُمُرِ الوَحْشِ، ولِذَلِكَ شَبَّهَتْ بِها العَرَبُ الإبِلَ في سُرْعَةِ سَيْرِها وخِفَّتِها. ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهُمْ﴾ أيْ: مِنَ المُعْرِضِينَ عَنْ عِظاتِ اللَّهِ وآياتِهِ ﴿أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ أيْ: مَنشُورَةٌ غَيْرُ مَطْوِيَّةٍ تُقْرَأُ كالكُتُبِ الَّتِي يُتَكاتَبُ بِها، أوْ كُتِبَتْ في السَّماءِ نَزَلَتْ بِها المَلائِكَةُ ساعَةَ كُتِبَتْ رَطْبَةً لَمْ تُطْوَ بَعْدُ، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لَنْ نَتَّبِعَكَ حَتّى يُؤْتى كُلٌّ واحِدٍ مِنّا بِكِتابٍ مِنَ السَّماءِ عُنْوانُهُ: مِن رَبِّ العالَمِينَ إلى فُلانِ بْنِ فُلانٍ، يُؤْمَرُ فِيها بِاتِّباعِكَ، ونَحْوُهُ ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزَّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] . ورُوِيَ أنَّ بَعْضَهم قالَ: إنْ كانَ يُكْتَبُ في صُحُفٍ ما يَعْمَلُ كُلُّ إنْسانٍ، فَلْتُعْرَضْ تِلْكَ الصُّحُفُ عَلَيْنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”صُحُفًا“ بِضَمِّ الصّادِ والحاءِ، (مُنَشَّرَةً) مُشَدَّدًا. وابْنُ جُبَيْرٍ: بِإسْكانِها (مُنْشَرَةً) مُخَفَّفًا، ونَشَرَ وأنْشَرَ مِثْلَ نَزَلَ وأنْزَلُ. شَبَّهَ نَشْرَ الصَّحِيفَةِ بِإنْشارِ اللَّهِ المَوْتى، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِـ(مُنَشَّرَةً) مِن أنُشِرَتْ، والمَحْفُوظُ في الصَّحِيفَةِ والثَّوْبِ نُشِرَ مُخَفَفًّا ثُلاثِيًّا، ويُقالُ في المَيِّتِ: أنْشَرَهُ اللَّهُ فَنُشِرَ هو، أيْ: أحْياهُ فَحَيِيَ. (كَلّا) رَدْعٌ عَنْ إرادَتِهِمْ تِلْكَ وزَجْرٌ لَهم عَنِ اقْتِراحِ الآياتِ ﴿بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ ولِذَلِكَ أعْرَضُوا عَنِ التَّذْكِرَةِ لا لِامْتِناعِ إيتاءِ الصُّحُفِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَخافُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ. وأبُو حَيْوَةَ: بِتاءِ الخِطابِ التَفاتًا. (كَلّا) رَدْعٌ عَنْ إعْراضِهِمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ ﴿إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ ذِكْرٌ في إنَّهِ وفي ذِكْرِهِ؛ لِأنَّ التَّذْكِرَةَ ذِكْرٌ. وقَرَأ نافِعٌ وسَلّامٌ ويَعْقُوبُ: تَذْكِرَةٌ بِتاءِ الخِطابِ ساكِنَةِ الذّالِ. وباقِي السَّبْعَةِ وأبُو جَعْفَرٍ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ، وعِيسى والأعْرَجُ: بِالياءِ. ورُوِيَ عَنْ أبِي حَيْوَةَ: يَذَّكَّرُونَ بِياءِ الغَيْبَةِ وشَدِّ الذّالِ. ورُوِيَ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ: تَذَّكَّرُونَ بِالتّاءِ وإدْغامِ التّاءِ في الذّالِ. ﴿هُوَ أهْلُ التَّقْوى﴾ أيْ: أهْلٌ أنْ يُتَّقى ويُخافَ، وأهْلٌ أنْ يَغْفِرَ. ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَسَّرَ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: ”يَقُولُ لَكم رَبُّكم جَلَّتْ قُدْرَتُهُ وعَظَمَتُهُ: أنا أهْلٌ أنْ أُتَّقى، فَلا يُجْعَلُ يُتَّقى إلَهٌ غَيْرِي، ومَنِ اتَّقى أنْ يَجْعَلَ مَعِيَ إلَهًا غَيْرِي فَأنا أغْفِرُ لَهُ“ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما يَذْكُرُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ يَعْنِي: إلّا أنْ يُقْسِرَهم عَلى الذِّكْرِ ويُلْجِئَهم إلَيْهِ؛ لِأنَّهم مَطْبُوعٌ عَلى قُلُوبِهِمْ، مَعْلُومٌ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ اخْتِيارًا.

المدثر 74:49

﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلّا هو وما هي إلّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾ ﴿كَلّا والقَمَرِ﴾ ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ ﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ ﴿إنَّها لَإحْدى الكُبَرِ﴾ ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ﴾ ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ ﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ ﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ ﴿كَلّا بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ ﴿كَلّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ ﴿وما يَذْكُرُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ هو أهْلُ التَّقْوى وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ . الكافُ في مَحَلِّ نَصْبٍ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما قَبْلَهُ مِن مَعْنى الإضْلالِ والهُدى، أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ (p-٣٧٨)المَذْكُورِ مِنَ الإضْلالِ والهُدى، يُضِلُّ الكافِرِينَ فَيَشُكُّونَ فَيَزِيدُهم كُفْرًا وضَلالًا، ويَهْدِي المُؤْمِنِينَ فَيَزِيدُهم إيمانًا. ﴿وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلّا هُوَ﴾: إعْلامٌ بِأنَّ الأمْرَ فَوْقَ ما يُتَوَهَّمُ، وأنَّ الجَزاءَ إنَّما هو عَنْ بَعْضِ القُدْرَةِ لا عَنْ كُلِّها، والسَّماءُ عامِرَةٌ بِأنْواعٍ مِنَ المَلائِكَةِ. وفي الحَدِيثِ: «أطَّتِ السَّماءُ وحَقَّ لَها أنْ تَئِطَّ ما فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا ومَلَكٌ واضِعٌ جَبْهَتَهُ لِلَّهِ ساجِدًا» . (وما هي) أيِ: النّارُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، أوِ المُخاطَبَةُ والنِّذارَةُ، أوْ نارُ الدُّنْيا، أوِ الآياتُ الَّتِي ذُكِرَتْ، أوِ العِدَّةُ التِسْعَةَ عَشَرَ، أوِ الجُنُودُ، أقْوالٌ راجِحُها الأوَّلُ وهي سَقَرُ، ذَكَّرَ بِها البَشَرَ لِيَخافُوا ويُطِيعُوا. وقَدْ جَرى ذِكْرُ النّارِ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلْنا أصْحابَ النّارِ إلّا مَلائِكَةً﴾ . ﴿إلّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾ أيِ: الَّذِينَ أُهِّلُوا لِلتَّذَكُّرِ والِاعْتِبارِ. (كَلّا) قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَلّا إنْكارٌ بَعْدَ أنْ جَعَلَها ذِكْرى، أنْ يَكُونَ لَهم ذِكْرى لِأنَّهم لا يَتَذَكَّرُونَ. انْتَهى. ولا يَسُوغُ هَذا في حَقِّ اللَّهِ تَعالى أنْ يُخْبِرَ أنَّها ذِكْرى لِلْبَشَرِ، ثُمَّ يُنْكِرُ أنْ تَكُونَ لَهم ذِكْرى، وإنَّما قَوْلُهُ: (لِلْبَشَرِ) عامٌّ مَخْصُوصٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ رَدْعٌ لِمَن يُنْكِرُ أنْ يَكُونَ إحْدى الكُبَرِ نَذِيرًا. وقِيلَ: رَدْعٌ لِقَوْلِ أبِي جَهْلٍ وأصْحابِهِ أنَّهم يَقْدِرُونَ عَلى مُقاوَمَةِ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ. وقِيلَ: رَدْعٌ عَنِ الِاسْتِهْزاءِ بِالعِدَّةِ المَخْصُوصَةِ. وقالَ الفَرّاءُ: هي صِلَةٌ لِلْقَسَمِ، وقَدَّرَها بَعْضُهم بِحَقًّا، وبَعْضُهم بِألا الِاسْتِفْتاحِيَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها في آخِرِ سُورَةِمَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ. (والقَمَرِ ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾) أيْ: ولّى، ويُقالُ دَبَرَ وأدْبَرَ بِمَعْنًى واحِدٍ. أقْسَمَ تَعالى بِهَذِهِ الأشْياءِ تَشْرِيفًا لَها، وتَنْبِيهًا عَلى ما يَظْهَرُ بِها وفِيها مِن عَجائِبِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ، وقِوامُ الوُجُودِ بِإيجادِها. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ الزُّبَيْرِ ومُجاهِدٌ وعَطاءٌ، وابْنُ يَعْمُرَ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وأبُو الزِّنادِ، وقَتادَةُ وعُمَرُ بْنُ العَزِيزُ والحَسَنُ وطَلْحَةُ والنَّحْوِيّانِ والِابْنانِ وأبُو بَكْرٍ: (إذا) ظَرْفُ زَمانٍ مُسْتَقْبَلٍ دَبَرَ بِفَتْحِ الدّالِ. وابْنُ جُبَيْرٍ والسُّلَمِيُّ والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهم. وابْنُ سِيرِينَ والأعْرَجُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وأبُو شَيْخٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ونافِعٌ وحَمْزَةُ وحَفْصٌ: ”إذْ“ ظَرْفُ زَمانٍ ماضٍ، ”أدْبَرَ“ رُباعِيًّا. والحَسَنُ أيْضًا وأبُو رَزِينٍ وأبُو رَجاءٍ وابْنُ يَعْمُرَ أيْضًا، والسُّلَمِيُّ أيْضًا وطَلْحَةُ أيْضًا، والأعْمَشُ ويُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ ومَطَرٌ: إذا بِالألْفِ، (أدْبَرَ) بِالهَمْزِ، وكَذا هو في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ وأُبَيٍّ، وهو مُناسِبٌ لِقَوْلِهِ: ﴿إذا أسْفَرَ﴾ ويُقالُ: كَأمْسُ الدّابِرِ وأمْسُ المُدْبِرُ بِمَعْنى واحِدٍ. وقالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ: دَبَرَ: انْقَضى، وأدْبَرَ: تَوَلّى. وقالَ قَتادَةُ: دَبَرَ اللَّيْلُ: ولّى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ودَبَرَ بِمَعْنى أدْبَرَ، كـَ (قَبَلَ) بِمَعْنى أقْبَلَ. وقِيلَ: هو مِن دَبَرَ اللَّيْلُ النَّهارَ: أخْلَفَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أسْفَرَ) رُباعِيًّا. وابْنُ السَّمَيْقَعِ وعِيسى بْنُ الفَضْلِ: سَفَرَ ثُلاثِيًّا، والمَعْنى: طَرَحَ الظُّلْمَةَ عَنْ وجْهِهِ. ﴿إنَّها لَإحْدى الكُبَرِ﴾: الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ”إنَّها“ عائِدٌ عَلى النّارِ. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلنِّذارَةِ، وأمْرُ الآخِرَةِ فَهو لِلْحالِ والقِصَّةِ. وقِيلَ: إنَّ قِيامَ السّاعَةِ لَإحْدى الكُبَرِ، فَعادَ الضَّمِيرُ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ، ومَعْنى (إحْدى الكُبَرِ) الدَّواهِي الكُبَرِ، أيْ: لا نَظِيرَ لَها، كَما تَقُولُ: هو أحَدُ الرِّجالِ، وهي إحْدى النِّساءِ، والكُبَرُ: العَظائِمُ مِنَ العُقُوباتِ. (وقالَ الرّاجِزُ): ؎يا ابْنَ المُعَلّى نَزَلَتْ إحْدى الكُبَرِ داهِيَةُ الدَّهْرِ وصْماءُ الغِيَرِ والكُبَرُ جَمْعُ الكُبْرى، طُرِحَتْ ألِفُ التَّأْنِيثِ في الجَمْعِ، كَما طُرِحَتْ هَمْزَتُهُ في قاصِعاءَ فَقالُوا: قَواصِعُ. وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ: ”والكُبَرُ“ جَمْعُ كَبِيرَةٍ، ولَعَلَّهُ مِن وهْمِ النّاسِخِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لَإحْدى) بِالهَمْزِ، وهي مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ أصْلُهُ لَوِحْدى، وهو بَدَلٌ لازِمٌ. وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ووَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: بِحَذْفِ الهَمْزَةِ، وهو حَذْفٌ لا يَنْقاسُ، وتَخْفِيفُ مِثْلِ هَذِهِ الهَمْزَةِ أنْ تُجْعَلَ بَيْنَ بَيْنَ. والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ جَوابٌ لِلْقَسَمِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ تَعْلِيلٌ لِـ (كَلّا) والقَسَمُ مُعْتَرِضٌ لِلتَّوْكِيدِ. (p-٣٧٩)انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نَذِيرًا) واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنى الإنْذارِ، كالنَّكِيرِ بِمَعْنى الإنْكارِ، فَيَكُونُ تَمْيِيزًا أيْ: لَإحْدى الكُبَرِ إنْذارًا، كَما تَقُولُ: هي إحْدى النِّساءِ عَفافًا. كَما ضُمِّنَ إحْدى مَعْنى أعْظَمَ، جاءَ عَنْهُ التَّمْيِيزُ. وقالَ الفَرّاءُ: هو مَصْدَرٌ نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: أنْذِرْ إنْذارًا. واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمَ فاعِلٍ بِمَعْنى مُنْذِرٍ. فَقالَ الزَّجّاجُ: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (إنَّها) . وقِيلَ: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (إحْدى)، ومَن جَعَلَهُ مُتَّصِلًا بِـ (قُمْ) في أوَّلِ السُّورَةِ، أوْ بِـ (فَأنْذِرْ) في أوَّلِ السُّورَةِ، أوْ حالًا مِن (الكُبَرِ)، أوْ حالًا مِن ضَمِيرِ الكُبَرِ، فَهو بِمَعْزِلٍ عَنِ الصَّوابِ. قالَ أبُو البَقاءِ: والمُخْتارُ أنْ يَكُونَ حالًا مِمّا دَلَّتْ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ تَقْدِيرُهُ: عَظُمَتْ نَذِيرًا. انْتَهى، وهو قَوْلٌ لا بَأْسَ بِهِ. قالَ النَّحّاسُ: وحُذِفَتِ الهاءُ مِن (نَذِيرًا)، وإنْ كانَ لِلنّارِ عَلى مَعْنى النَّسَبِ، يَعْنِي ذاتَ الإنْذارِ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: أعْنِي نَذِيرًا. وقالَ الحَسَنُ: لِأُنْذِرَ، إذْ هي مِنَ النّارِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا القَوْلُ يَقْتَضِي أنَّ (نَذِيرًا) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ”إنَّها“، أوْ مِن قَوْلِهِ: (لَإحْدى) . قالَ أبُو رَزِينٍ: نَذِيرٌ هُنا هو اللَّهُ تَعالى، فَهو مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيِ: ادْعُوا نَذِيرًا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَذِيرٌ هُنا هو مُحَمَّدٌ ﷺ، فَهو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، أيْ: نادِ، أوْ بَلِّغْ، أوْ أعْلِنْ. وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: (نَذِيرٌ) بِالرَّفْعِ. فَإنْ كانَ مِن وصْفِ النّارِ، جازَ أنْ يَكُونَ خَبَرًا وخَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هي نَذِيرٌ. وإنْ كانَ مِن وصْفِ اللَّهِ أوِ الرَّسُولِ، فَهو عَلى إضْمارِ هو. والظّاهِرُ أنَّ (لِمَن) بَدَلٌ مِنَ البَشَرِ بِإعادَةِ الجارِّ، وأنْ يَتَقَدَّمَ مَنصُوبٌ بِـ (شاءَ) ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى مَن. وقِيلَ: الفاعِلُ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ: لِمَن شاءَ هو، أيِ: اللَّهُ تَعالى. وقالَ الحَسَنُ: هو وعِيدٌ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو بَيانٌ في النِّذارَةِ، وإعْلامٌ بِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَسْلُكُ طَرِيقَ الهُدى والحَقِّ إذا حَقَّقَ النَّظَرَ، إذْ هو بِعَيْنِهِ يَتَأخَّرُ عَنْ هَذِهِ الرُّتْبَةِ بِغَفْلَتِهِ وسُوءِ نَظَرِهِ. ثُمَّ قَوّى هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿أنْ يَتَقَدَّمَ﴾ في مَوْضِعِ الرَّفْعِ بِالِابْتِداءِ، و(لِمَن شاءَ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ، كَقَوْلِكَ لِمَن تَوَضَّأ: أنْ يُصَلِّيَ، ومَعْناهُ مُطْلَقٌ لِمَن شاءَ التَّقَدُّمَ أوِ التَّأخُّرَ أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ. والمُرادُ بِالتَّقَدُّمِ والتَّأخُّرِ: السَّبْقُ إلى الخَيْرِ والتَّخَلُّفُ عَنْهُ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] . انْتَهى، وهو مَعْنى لا يَتَبادَرُ إلى الذِّهْنِ وفِيهِ حَذْفٌ. قِيلَ: والتَّقَدُّمُ: الإيمانُ، والتَّأخُّرُ: الكُفْرُ. وقالَ السُّدِّيُّ: أنْ يَتَقَدَّمَ إلى النّارِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُها، أوْ يَتَأخَّرَ عَنْها إلى الجَنَّةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: أنْ يَتَقَدَّمَ إلى المَأْمُوراتِ، أوْ يَتَأخَّرَ عَنِ المَنهِيّاتِ، والظّاهِرُ العُمُومُ في كُلِّ نَفْسٍ. وقالَ الضَّحّاكُ: كُلُّ نَفْسٍ حَقِيقٌ عَلَيْها العَذابُ، ولا يَرْتَهِنُ اللَّهُ تَعالى أحَدًا مِن أهْلِ الجَنَّةِ، ورَهِينَةٌ بِمَعْنى رَهْنٍ، كالشَّتِيمَةِ بِمَعْنى الشَّتْمِ، ولَيْسَتْ بِمَعْنى مَفْعُولٍ؛ لِأنَّها بِغَيْرِ تاءٍ لِلْمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، نَحْوُ: رَجُلٌ قَتِيلٌ وامْرَأةٌ قَتِيلٌ، فالمَعْنى: كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهْنٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أبْعَدَ الَّذِي بِالنَّعْفِ نَعِفِ كُوَيْكِبٍ ∗∗∗ رَهِينَةُ رَمْسٍ ذِي تُرابٍ وجَنْدَلِ أيْ: رَمْسُ رَهْنٍ، والمَعْنى: أنَّ كُلَّ نَفْسٍ رَهْنٌ عِنْدَ اللَّهِ غَيْرُ مَفْكُوكٍ. وقِيلَ: الهاءُ في ”رَهِينَةٍ“ لِلْمُبالَغَةِ. وقِيلَ: عَلى تَأْنِيثِ اللَّفْظِ لا عَلى الإنْسانِ، والَّذِي أخْتارُهُ أنَّها مِمّا دَخَلَتْ فِيهِ التّاءُ، وإنْ كانَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ في الأصْلِ كالنَّطِيحَةِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ لَمّا كانَ خَبَرًا عَنِ المُذَكَّرِ كانَ بِغَيْرِ هاءٍ، قالَ تَعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١] . فَأنْتَ تَرى حَيْثُ كانَ خَبَرًا عَنِ المُذَكَّرِ أتى بِغَيْرِ تاءٍ؛ وحَيْثُ كانَ خَبَرًا عَنِ المُؤَنَّثِ أتى بِالتّاءِ، كَما في هَذِهِ الآيَةِ. فَأمّا الَّذِي في البَيْتِ فَأُنِّثَ عَلى مَعْنى النَّفْسِ. ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ المَلائِكَةُ. وقالَ عَلِيٌّ: هم أطْفالُ المُسْلِمِينَ. فَعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ يَكُونُ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، أيْ: لَكِنَّ أصْحابَ اليَمِينِ في جَنّاتٍ. وقالَ الحَسَنُ وابْنُ كَيْسانَ: هُمُ المُسْلِمُونَ المُخْلِصُونَ، لَيْسُوا بِمُرْتَهَنِينَ لِأنَّهم أدُّوا ما كانَ عَلَيْهِمْ، وهَذا كَقَوْلِ الضَّحّاكِ الَّذِي تَقَدَّمَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ (p-٣٨٠)فَإنَّهم فَكُّوا عَنْهُ رِقابَهم بِما أطابُوهُ مِن كَسْبِهِمْ، كَما يُخَلِّصُ الرّاهِنُ رَهْنَهُ بِأداءِ الحَقِّ. انْتَهى. وظاهِرُ هَذا أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ. (في جَنّاتٍ) أيْ: هم ﴿في جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ﴾ أيْ: يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا، أوْ يَكُونُ يَتَساءَلُ بِمَعْنى يَسْألُ، أيْ: يَسْألُونَ عَنْهم غَيْرَهم، كَما يُقالُ: دَعَوْتُهُ وتَداعَوْتُهُ بِمَعْناهُ. وعَلى هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ كَيْفَ جاءَ ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ بِالخِطابِ لِلْمُجْرِمِينَ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ. المَعْنى: أنَّ أصْحابَ اليَمِينِ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا، أوْ يَسْألُونَ غَيْرَهم عَنْ مَن غابَ مِن مَعارِفِهِمْ، فَإذا عَرَفُوا أنَّهم مُجْرِمُونَ في النّارِ قالُوا لَهم، أوْ قالَتْ لَهُمُ المَلائِكَةُ، هَكَذا قَدَّرَهُ بَعْضُهم، والأقْرَبُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: يَتَساءَلُونَ عَنِ المُجْرِمِينَ قائِلِينَ لَهم بَعْدَ التَّساؤُلِ: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ طابَقَ قَوْلُهُ: ﴿ما سَلَكَكُمْ﴾ ؟ وهو سُؤالٌ لِلْمُجْرِمِينَ، قَوْلَهُ: ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ ؟ وهو سُؤالٌ عَنْهم، وإنَّما كانَ يُطابِقُ ذَلِكَ لَوْ قِيلَ يَتَساءَلُونَ عَنِ المُجْرِمِينَ ما سَلَكَهم ؟ (قُلْتُ): ﴿ما سَلَكَكُمْ﴾ لَيْسَ بِبَيانٍ لِلتَّساؤُلِ عَنْهم، وإنَّما هو حِكايَةُ قَوْلِ المَسْئُولِينَ عَنْهم؛ لِأنَّ المَسْئُولِينَ يُلْقُونَ إلى السّائِلِينَ ما جَرى بَيْنَهم وبَيْنَ المُجْرِمِينَ، فَيَقُولُونَ: قُلْنا لَهم ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ إلّا أنَّ الكَلامَ جِيءَ بِهِ عَلى الحَذْفِ والِاخْتِصارِ، كَما هو نَهْجُ التَّنْزِيلِ في غَرابَةِ نَظْمِهِ. انْتَهى، وفِيهِ تَعَسُّفٌ. والأظْهَرُ أنَّ السّائِلِينَ هُمُ المُتَسائِلُونَ، وما سَلَكَكم عَلى إضْمارِ القَوْلِ كَما ذَكَرْنا، وسُؤالُهم سُؤالُ تَوْبِيخٍ لَهم وتَحْقِيرٍ، وإلّا فَهِمَ عالِمُونَ ما الَّذِي أدْخَلَهُمُ النّارَ. والجَوابُ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُتَّصِفِينَ بِخَصائِلِ الإسْلامِ مِن إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، ثُمَّ ارْتَقَوْا مِن ذَلِكَ إلى الأعْظَمِ، وهو الكُفْرُ والتَّكْذِيبُ بِيَوْمِ الجَزاءِ، كَقَوْلِهِمْ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] ثُمَّ قالَ: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧] . واليَقِينُ أيْ: يَقِينًا عَلى إنْكارِ يَوْمِ الجَزاءِ، أيْ: وقْتَ المَوْتِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: واليَقِينُ عِنْدِي صِحَّةُ ما كانُوا يُكَذِّبُونَ مِنَ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى والدّارِ الآخِرَةِ. وقالَ المُفَسِّرُونَ: اليَقِينُ: المَوْتُ، وذَلِكَ عِنْدِي هُنا مُتَعَقَّبٌ؛ لِأنَّ نَفْسَ المَوْتِ يَقِينٌ عِنْدَ الكافِرِ وهو حَيٌّ. وإنَّما اليَقِينُ الَّذِي عَنَوْا في هَذِهِ الآيَةِ الشَّيْءُ الَّذِي كانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ وهم أحْياءٌ في الدُّنْيا فَتَيَقَّنُوهُ بَعْدَ المَوْتِ، وإنَّما يَتَفَسَّرُ اليَقِينُ بِالمَوْتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] . ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾: لَيْسَ المَعْنى أنَّهم يُشْفَعُ لَهم فَلا تَنْفَعُ شَفاعَةُ مَن يَشْفَعُ لَهم، وإنَّما المَعْنى نَفْيُ الشَّفاعَةِ فانْتَفى النَّفْعُ، أيْ: لا شَفاعَةَ شافِعِينَ لَهم فَتَنْفَعُهم مِن بابِ: ؎عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ أيْ: لا مَنارَ لَهُ فَيُهْتَدى بِهِ. وتَخْصِيصُهم بِانْتِفاءِ شَفاعَةِ الشّافِعِينَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ قَدْ تَكُونُ شَفاعاتٌ ويُنْتَفَعُ بِها، ووَرَدَتْ أحادِيثُ في صِحَّةِ ذَلِكَ. ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ﴾ وهي مَواعِظُ القُرْآنِ الَّتِي تُذَكِّرُ الآخِرَةَ، (مُعْرِضِينَ) أيْ: والحالُ المُنْتَظَرَةُ هَذِهِ المَوْصُوفَةُ. ثُمَّ شَبَّهَهم بِالحُمُرِ المُسْتَنْفِرَةِ في شِدَّةِ إعْراضِهِمْ ونِفارِهِمْ عَنِ الإيمانِ وآياتِ اللَّهِ تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (حُمُرٌ) بِضَمِّ المِيمِ. والأعْمَشُ: بِإسْكانِها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ الحُمُرُ الوَحْشِيَّةُ، شَبَّهَهم تَعالى بِالحُمُرِ مَذَمَّةً وتَهْجِينًا لَهم. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: (مُسْتَنْفَرَةٌ) بِفَتْحِ الفاءِ، والمَعْنى: اسْتَنْفَرَها فَزَعُها مِنَ القَسْوَرَةِ. وباقِي السَّبْعَةِ بِكَسْرِها، أيْ: نافِرَةٌ. نَفَرَ واسْتَنْفَرَ بِمَعْنى عَجِبَ واسْتَعْجَبَ وسَخَرَ واسْتَسْخَرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: أمْسِكْ حِمارَكَ إنَّهُ مُسْتَنْفِرٌ في إثْرِ أحْمِرَةٍ عَهِدْنَ لَعُرَّبِ. ويُناسِبُ الكَسْرَ قَوْلُهُ: (فَرَّتْ) . وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلّامٍ: سَألْتُ أبا سِرارٍ الغَنَوِيَّ، وكانَ أعْرابِيًّا فَصِيحًا، فَقُلْتُ: كَأنَّهم حُمُرٌ ماذا مُسْتَنْفِرَةٌ ؟ قالَ: طَرَدَها قَسْوَرَةٌ. فَقُلْتُ: إنَّما هو ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾، قالَ: أفَرَّتْ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: فَمُسْتَنْفِرَةٌ إذَنْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ وقَتادَةُ وعِكْرِمَةُ: القَسْوَرَةُ، الرُّماةُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وأبُو هُرَيْرَةَ وجُمْهُورٌ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ: الأسَدُ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: رِجالُ (p-٣٨١)القَنْصِ، وهو قَرِيبٌ مِنَ القَوْلِ الأوَّلِ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: القَسْوَرَةُ أوَّلُ اللَّيْلِ، والمَعْنى: فَرَّتْ مِن ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، ولا شَيْءَ أشَدُّ نِفارًا مِن حُمُرِ الوَحْشِ، ولِذَلِكَ شَبَّهَتْ بِها العَرَبُ الإبِلَ في سُرْعَةِ سَيْرِها وخِفَّتِها. ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهُمْ﴾ أيْ: مِنَ المُعْرِضِينَ عَنْ عِظاتِ اللَّهِ وآياتِهِ ﴿أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ أيْ: مَنشُورَةٌ غَيْرُ مَطْوِيَّةٍ تُقْرَأُ كالكُتُبِ الَّتِي يُتَكاتَبُ بِها، أوْ كُتِبَتْ في السَّماءِ نَزَلَتْ بِها المَلائِكَةُ ساعَةَ كُتِبَتْ رَطْبَةً لَمْ تُطْوَ بَعْدُ، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لَنْ نَتَّبِعَكَ حَتّى يُؤْتى كُلٌّ واحِدٍ مِنّا بِكِتابٍ مِنَ السَّماءِ عُنْوانُهُ: مِن رَبِّ العالَمِينَ إلى فُلانِ بْنِ فُلانٍ، يُؤْمَرُ فِيها بِاتِّباعِكَ، ونَحْوُهُ ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزَّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] . ورُوِيَ أنَّ بَعْضَهم قالَ: إنْ كانَ يُكْتَبُ في صُحُفٍ ما يَعْمَلُ كُلُّ إنْسانٍ، فَلْتُعْرَضْ تِلْكَ الصُّحُفُ عَلَيْنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”صُحُفًا“ بِضَمِّ الصّادِ والحاءِ، (مُنَشَّرَةً) مُشَدَّدًا. وابْنُ جُبَيْرٍ: بِإسْكانِها (مُنْشَرَةً) مُخَفَّفًا، ونَشَرَ وأنْشَرَ مِثْلَ نَزَلَ وأنْزَلُ. شَبَّهَ نَشْرَ الصَّحِيفَةِ بِإنْشارِ اللَّهِ المَوْتى، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِـ(مُنَشَّرَةً) مِن أنُشِرَتْ، والمَحْفُوظُ في الصَّحِيفَةِ والثَّوْبِ نُشِرَ مُخَفَفًّا ثُلاثِيًّا، ويُقالُ في المَيِّتِ: أنْشَرَهُ اللَّهُ فَنُشِرَ هو، أيْ: أحْياهُ فَحَيِيَ. (كَلّا) رَدْعٌ عَنْ إرادَتِهِمْ تِلْكَ وزَجْرٌ لَهم عَنِ اقْتِراحِ الآياتِ ﴿بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ ولِذَلِكَ أعْرَضُوا عَنِ التَّذْكِرَةِ لا لِامْتِناعِ إيتاءِ الصُّحُفِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَخافُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ. وأبُو حَيْوَةَ: بِتاءِ الخِطابِ التَفاتًا. (كَلّا) رَدْعٌ عَنْ إعْراضِهِمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ ﴿إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ ذِكْرٌ في إنَّهِ وفي ذِكْرِهِ؛ لِأنَّ التَّذْكِرَةَ ذِكْرٌ. وقَرَأ نافِعٌ وسَلّامٌ ويَعْقُوبُ: تَذْكِرَةٌ بِتاءِ الخِطابِ ساكِنَةِ الذّالِ. وباقِي السَّبْعَةِ وأبُو جَعْفَرٍ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ، وعِيسى والأعْرَجُ: بِالياءِ. ورُوِيَ عَنْ أبِي حَيْوَةَ: يَذَّكَّرُونَ بِياءِ الغَيْبَةِ وشَدِّ الذّالِ. ورُوِيَ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ: تَذَّكَّرُونَ بِالتّاءِ وإدْغامِ التّاءِ في الذّالِ. ﴿هُوَ أهْلُ التَّقْوى﴾ أيْ: أهْلٌ أنْ يُتَّقى ويُخافَ، وأهْلٌ أنْ يَغْفِرَ. ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَسَّرَ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: ”يَقُولُ لَكم رَبُّكم جَلَّتْ قُدْرَتُهُ وعَظَمَتُهُ: أنا أهْلٌ أنْ أُتَّقى، فَلا يُجْعَلُ يُتَّقى إلَهٌ غَيْرِي، ومَنِ اتَّقى أنْ يَجْعَلَ مَعِيَ إلَهًا غَيْرِي فَأنا أغْفِرُ لَهُ“ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما يَذْكُرُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ يَعْنِي: إلّا أنْ يُقْسِرَهم عَلى الذِّكْرِ ويُلْجِئَهم إلَيْهِ؛ لِأنَّهم مَطْبُوعٌ عَلى قُلُوبِهِمْ، مَعْلُومٌ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ اخْتِيارًا.

المدثر 74:50

﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلّا هو وما هي إلّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾ ﴿كَلّا والقَمَرِ﴾ ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ ﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ ﴿إنَّها لَإحْدى الكُبَرِ﴾ ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ﴾ ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ ﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ ﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ ﴿كَلّا بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ ﴿كَلّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ ﴿وما يَذْكُرُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ هو أهْلُ التَّقْوى وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ . الكافُ في مَحَلِّ نَصْبٍ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما قَبْلَهُ مِن مَعْنى الإضْلالِ والهُدى، أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ (p-٣٧٨)المَذْكُورِ مِنَ الإضْلالِ والهُدى، يُضِلُّ الكافِرِينَ فَيَشُكُّونَ فَيَزِيدُهم كُفْرًا وضَلالًا، ويَهْدِي المُؤْمِنِينَ فَيَزِيدُهم إيمانًا. ﴿وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلّا هُوَ﴾: إعْلامٌ بِأنَّ الأمْرَ فَوْقَ ما يُتَوَهَّمُ، وأنَّ الجَزاءَ إنَّما هو عَنْ بَعْضِ القُدْرَةِ لا عَنْ كُلِّها، والسَّماءُ عامِرَةٌ بِأنْواعٍ مِنَ المَلائِكَةِ. وفي الحَدِيثِ: «أطَّتِ السَّماءُ وحَقَّ لَها أنْ تَئِطَّ ما فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا ومَلَكٌ واضِعٌ جَبْهَتَهُ لِلَّهِ ساجِدًا» . (وما هي) أيِ: النّارُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، أوِ المُخاطَبَةُ والنِّذارَةُ، أوْ نارُ الدُّنْيا، أوِ الآياتُ الَّتِي ذُكِرَتْ، أوِ العِدَّةُ التِسْعَةَ عَشَرَ، أوِ الجُنُودُ، أقْوالٌ راجِحُها الأوَّلُ وهي سَقَرُ، ذَكَّرَ بِها البَشَرَ لِيَخافُوا ويُطِيعُوا. وقَدْ جَرى ذِكْرُ النّارِ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلْنا أصْحابَ النّارِ إلّا مَلائِكَةً﴾ . ﴿إلّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾ أيِ: الَّذِينَ أُهِّلُوا لِلتَّذَكُّرِ والِاعْتِبارِ. (كَلّا) قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَلّا إنْكارٌ بَعْدَ أنْ جَعَلَها ذِكْرى، أنْ يَكُونَ لَهم ذِكْرى لِأنَّهم لا يَتَذَكَّرُونَ. انْتَهى. ولا يَسُوغُ هَذا في حَقِّ اللَّهِ تَعالى أنْ يُخْبِرَ أنَّها ذِكْرى لِلْبَشَرِ، ثُمَّ يُنْكِرُ أنْ تَكُونَ لَهم ذِكْرى، وإنَّما قَوْلُهُ: (لِلْبَشَرِ) عامٌّ مَخْصُوصٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ رَدْعٌ لِمَن يُنْكِرُ أنْ يَكُونَ إحْدى الكُبَرِ نَذِيرًا. وقِيلَ: رَدْعٌ لِقَوْلِ أبِي جَهْلٍ وأصْحابِهِ أنَّهم يَقْدِرُونَ عَلى مُقاوَمَةِ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ. وقِيلَ: رَدْعٌ عَنِ الِاسْتِهْزاءِ بِالعِدَّةِ المَخْصُوصَةِ. وقالَ الفَرّاءُ: هي صِلَةٌ لِلْقَسَمِ، وقَدَّرَها بَعْضُهم بِحَقًّا، وبَعْضُهم بِألا الِاسْتِفْتاحِيَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها في آخِرِ سُورَةِمَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ. (والقَمَرِ ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾) أيْ: ولّى، ويُقالُ دَبَرَ وأدْبَرَ بِمَعْنًى واحِدٍ. أقْسَمَ تَعالى بِهَذِهِ الأشْياءِ تَشْرِيفًا لَها، وتَنْبِيهًا عَلى ما يَظْهَرُ بِها وفِيها مِن عَجائِبِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ، وقِوامُ الوُجُودِ بِإيجادِها. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ الزُّبَيْرِ ومُجاهِدٌ وعَطاءٌ، وابْنُ يَعْمُرَ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وأبُو الزِّنادِ، وقَتادَةُ وعُمَرُ بْنُ العَزِيزُ والحَسَنُ وطَلْحَةُ والنَّحْوِيّانِ والِابْنانِ وأبُو بَكْرٍ: (إذا) ظَرْفُ زَمانٍ مُسْتَقْبَلٍ دَبَرَ بِفَتْحِ الدّالِ. وابْنُ جُبَيْرٍ والسُّلَمِيُّ والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهم. وابْنُ سِيرِينَ والأعْرَجُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وأبُو شَيْخٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ونافِعٌ وحَمْزَةُ وحَفْصٌ: ”إذْ“ ظَرْفُ زَمانٍ ماضٍ، ”أدْبَرَ“ رُباعِيًّا. والحَسَنُ أيْضًا وأبُو رَزِينٍ وأبُو رَجاءٍ وابْنُ يَعْمُرَ أيْضًا، والسُّلَمِيُّ أيْضًا وطَلْحَةُ أيْضًا، والأعْمَشُ ويُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ ومَطَرٌ: إذا بِالألْفِ، (أدْبَرَ) بِالهَمْزِ، وكَذا هو في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ وأُبَيٍّ، وهو مُناسِبٌ لِقَوْلِهِ: ﴿إذا أسْفَرَ﴾ ويُقالُ: كَأمْسُ الدّابِرِ وأمْسُ المُدْبِرُ بِمَعْنى واحِدٍ. وقالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ: دَبَرَ: انْقَضى، وأدْبَرَ: تَوَلّى. وقالَ قَتادَةُ: دَبَرَ اللَّيْلُ: ولّى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ودَبَرَ بِمَعْنى أدْبَرَ، كـَ (قَبَلَ) بِمَعْنى أقْبَلَ. وقِيلَ: هو مِن دَبَرَ اللَّيْلُ النَّهارَ: أخْلَفَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أسْفَرَ) رُباعِيًّا. وابْنُ السَّمَيْقَعِ وعِيسى بْنُ الفَضْلِ: سَفَرَ ثُلاثِيًّا، والمَعْنى: طَرَحَ الظُّلْمَةَ عَنْ وجْهِهِ. ﴿إنَّها لَإحْدى الكُبَرِ﴾: الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ”إنَّها“ عائِدٌ عَلى النّارِ. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلنِّذارَةِ، وأمْرُ الآخِرَةِ فَهو لِلْحالِ والقِصَّةِ. وقِيلَ: إنَّ قِيامَ السّاعَةِ لَإحْدى الكُبَرِ، فَعادَ الضَّمِيرُ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ، ومَعْنى (إحْدى الكُبَرِ) الدَّواهِي الكُبَرِ، أيْ: لا نَظِيرَ لَها، كَما تَقُولُ: هو أحَدُ الرِّجالِ، وهي إحْدى النِّساءِ، والكُبَرُ: العَظائِمُ مِنَ العُقُوباتِ. (وقالَ الرّاجِزُ): ؎يا ابْنَ المُعَلّى نَزَلَتْ إحْدى الكُبَرِ داهِيَةُ الدَّهْرِ وصْماءُ الغِيَرِ والكُبَرُ جَمْعُ الكُبْرى، طُرِحَتْ ألِفُ التَّأْنِيثِ في الجَمْعِ، كَما طُرِحَتْ هَمْزَتُهُ في قاصِعاءَ فَقالُوا: قَواصِعُ. وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ: ”والكُبَرُ“ جَمْعُ كَبِيرَةٍ، ولَعَلَّهُ مِن وهْمِ النّاسِخِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لَإحْدى) بِالهَمْزِ، وهي مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ أصْلُهُ لَوِحْدى، وهو بَدَلٌ لازِمٌ. وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ووَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: بِحَذْفِ الهَمْزَةِ، وهو حَذْفٌ لا يَنْقاسُ، وتَخْفِيفُ مِثْلِ هَذِهِ الهَمْزَةِ أنْ تُجْعَلَ بَيْنَ بَيْنَ. والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ جَوابٌ لِلْقَسَمِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ تَعْلِيلٌ لِـ (كَلّا) والقَسَمُ مُعْتَرِضٌ لِلتَّوْكِيدِ. (p-٣٧٩)انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نَذِيرًا) واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنى الإنْذارِ، كالنَّكِيرِ بِمَعْنى الإنْكارِ، فَيَكُونُ تَمْيِيزًا أيْ: لَإحْدى الكُبَرِ إنْذارًا، كَما تَقُولُ: هي إحْدى النِّساءِ عَفافًا. كَما ضُمِّنَ إحْدى مَعْنى أعْظَمَ، جاءَ عَنْهُ التَّمْيِيزُ. وقالَ الفَرّاءُ: هو مَصْدَرٌ نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: أنْذِرْ إنْذارًا. واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمَ فاعِلٍ بِمَعْنى مُنْذِرٍ. فَقالَ الزَّجّاجُ: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (إنَّها) . وقِيلَ: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (إحْدى)، ومَن جَعَلَهُ مُتَّصِلًا بِـ (قُمْ) في أوَّلِ السُّورَةِ، أوْ بِـ (فَأنْذِرْ) في أوَّلِ السُّورَةِ، أوْ حالًا مِن (الكُبَرِ)، أوْ حالًا مِن ضَمِيرِ الكُبَرِ، فَهو بِمَعْزِلٍ عَنِ الصَّوابِ. قالَ أبُو البَقاءِ: والمُخْتارُ أنْ يَكُونَ حالًا مِمّا دَلَّتْ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ تَقْدِيرُهُ: عَظُمَتْ نَذِيرًا. انْتَهى، وهو قَوْلٌ لا بَأْسَ بِهِ. قالَ النَّحّاسُ: وحُذِفَتِ الهاءُ مِن (نَذِيرًا)، وإنْ كانَ لِلنّارِ عَلى مَعْنى النَّسَبِ، يَعْنِي ذاتَ الإنْذارِ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: أعْنِي نَذِيرًا. وقالَ الحَسَنُ: لِأُنْذِرَ، إذْ هي مِنَ النّارِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا القَوْلُ يَقْتَضِي أنَّ (نَذِيرًا) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ”إنَّها“، أوْ مِن قَوْلِهِ: (لَإحْدى) . قالَ أبُو رَزِينٍ: نَذِيرٌ هُنا هو اللَّهُ تَعالى، فَهو مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيِ: ادْعُوا نَذِيرًا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَذِيرٌ هُنا هو مُحَمَّدٌ ﷺ، فَهو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، أيْ: نادِ، أوْ بَلِّغْ، أوْ أعْلِنْ. وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: (نَذِيرٌ) بِالرَّفْعِ. فَإنْ كانَ مِن وصْفِ النّارِ، جازَ أنْ يَكُونَ خَبَرًا وخَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هي نَذِيرٌ. وإنْ كانَ مِن وصْفِ اللَّهِ أوِ الرَّسُولِ، فَهو عَلى إضْمارِ هو. والظّاهِرُ أنَّ (لِمَن) بَدَلٌ مِنَ البَشَرِ بِإعادَةِ الجارِّ، وأنْ يَتَقَدَّمَ مَنصُوبٌ بِـ (شاءَ) ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى مَن. وقِيلَ: الفاعِلُ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ: لِمَن شاءَ هو، أيِ: اللَّهُ تَعالى. وقالَ الحَسَنُ: هو وعِيدٌ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو بَيانٌ في النِّذارَةِ، وإعْلامٌ بِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَسْلُكُ طَرِيقَ الهُدى والحَقِّ إذا حَقَّقَ النَّظَرَ، إذْ هو بِعَيْنِهِ يَتَأخَّرُ عَنْ هَذِهِ الرُّتْبَةِ بِغَفْلَتِهِ وسُوءِ نَظَرِهِ. ثُمَّ قَوّى هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿أنْ يَتَقَدَّمَ﴾ في مَوْضِعِ الرَّفْعِ بِالِابْتِداءِ، و(لِمَن شاءَ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ، كَقَوْلِكَ لِمَن تَوَضَّأ: أنْ يُصَلِّيَ، ومَعْناهُ مُطْلَقٌ لِمَن شاءَ التَّقَدُّمَ أوِ التَّأخُّرَ أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ. والمُرادُ بِالتَّقَدُّمِ والتَّأخُّرِ: السَّبْقُ إلى الخَيْرِ والتَّخَلُّفُ عَنْهُ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] . انْتَهى، وهو مَعْنى لا يَتَبادَرُ إلى الذِّهْنِ وفِيهِ حَذْفٌ. قِيلَ: والتَّقَدُّمُ: الإيمانُ، والتَّأخُّرُ: الكُفْرُ. وقالَ السُّدِّيُّ: أنْ يَتَقَدَّمَ إلى النّارِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُها، أوْ يَتَأخَّرَ عَنْها إلى الجَنَّةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: أنْ يَتَقَدَّمَ إلى المَأْمُوراتِ، أوْ يَتَأخَّرَ عَنِ المَنهِيّاتِ، والظّاهِرُ العُمُومُ في كُلِّ نَفْسٍ. وقالَ الضَّحّاكُ: كُلُّ نَفْسٍ حَقِيقٌ عَلَيْها العَذابُ، ولا يَرْتَهِنُ اللَّهُ تَعالى أحَدًا مِن أهْلِ الجَنَّةِ، ورَهِينَةٌ بِمَعْنى رَهْنٍ، كالشَّتِيمَةِ بِمَعْنى الشَّتْمِ، ولَيْسَتْ بِمَعْنى مَفْعُولٍ؛ لِأنَّها بِغَيْرِ تاءٍ لِلْمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، نَحْوُ: رَجُلٌ قَتِيلٌ وامْرَأةٌ قَتِيلٌ، فالمَعْنى: كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهْنٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أبْعَدَ الَّذِي بِالنَّعْفِ نَعِفِ كُوَيْكِبٍ ∗∗∗ رَهِينَةُ رَمْسٍ ذِي تُرابٍ وجَنْدَلِ أيْ: رَمْسُ رَهْنٍ، والمَعْنى: أنَّ كُلَّ نَفْسٍ رَهْنٌ عِنْدَ اللَّهِ غَيْرُ مَفْكُوكٍ. وقِيلَ: الهاءُ في ”رَهِينَةٍ“ لِلْمُبالَغَةِ. وقِيلَ: عَلى تَأْنِيثِ اللَّفْظِ لا عَلى الإنْسانِ، والَّذِي أخْتارُهُ أنَّها مِمّا دَخَلَتْ فِيهِ التّاءُ، وإنْ كانَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ في الأصْلِ كالنَّطِيحَةِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ لَمّا كانَ خَبَرًا عَنِ المُذَكَّرِ كانَ بِغَيْرِ هاءٍ، قالَ تَعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١] . فَأنْتَ تَرى حَيْثُ كانَ خَبَرًا عَنِ المُذَكَّرِ أتى بِغَيْرِ تاءٍ؛ وحَيْثُ كانَ خَبَرًا عَنِ المُؤَنَّثِ أتى بِالتّاءِ، كَما في هَذِهِ الآيَةِ. فَأمّا الَّذِي في البَيْتِ فَأُنِّثَ عَلى مَعْنى النَّفْسِ. ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ المَلائِكَةُ. وقالَ عَلِيٌّ: هم أطْفالُ المُسْلِمِينَ. فَعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ يَكُونُ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، أيْ: لَكِنَّ أصْحابَ اليَمِينِ في جَنّاتٍ. وقالَ الحَسَنُ وابْنُ كَيْسانَ: هُمُ المُسْلِمُونَ المُخْلِصُونَ، لَيْسُوا بِمُرْتَهَنِينَ لِأنَّهم أدُّوا ما كانَ عَلَيْهِمْ، وهَذا كَقَوْلِ الضَّحّاكِ الَّذِي تَقَدَّمَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ (p-٣٨٠)فَإنَّهم فَكُّوا عَنْهُ رِقابَهم بِما أطابُوهُ مِن كَسْبِهِمْ، كَما يُخَلِّصُ الرّاهِنُ رَهْنَهُ بِأداءِ الحَقِّ. انْتَهى. وظاهِرُ هَذا أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ. (في جَنّاتٍ) أيْ: هم ﴿في جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ﴾ أيْ: يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا، أوْ يَكُونُ يَتَساءَلُ بِمَعْنى يَسْألُ، أيْ: يَسْألُونَ عَنْهم غَيْرَهم، كَما يُقالُ: دَعَوْتُهُ وتَداعَوْتُهُ بِمَعْناهُ. وعَلى هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ كَيْفَ جاءَ ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ بِالخِطابِ لِلْمُجْرِمِينَ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ. المَعْنى: أنَّ أصْحابَ اليَمِينِ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا، أوْ يَسْألُونَ غَيْرَهم عَنْ مَن غابَ مِن مَعارِفِهِمْ، فَإذا عَرَفُوا أنَّهم مُجْرِمُونَ في النّارِ قالُوا لَهم، أوْ قالَتْ لَهُمُ المَلائِكَةُ، هَكَذا قَدَّرَهُ بَعْضُهم، والأقْرَبُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: يَتَساءَلُونَ عَنِ المُجْرِمِينَ قائِلِينَ لَهم بَعْدَ التَّساؤُلِ: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ طابَقَ قَوْلُهُ: ﴿ما سَلَكَكُمْ﴾ ؟ وهو سُؤالٌ لِلْمُجْرِمِينَ، قَوْلَهُ: ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ ؟ وهو سُؤالٌ عَنْهم، وإنَّما كانَ يُطابِقُ ذَلِكَ لَوْ قِيلَ يَتَساءَلُونَ عَنِ المُجْرِمِينَ ما سَلَكَهم ؟ (قُلْتُ): ﴿ما سَلَكَكُمْ﴾ لَيْسَ بِبَيانٍ لِلتَّساؤُلِ عَنْهم، وإنَّما هو حِكايَةُ قَوْلِ المَسْئُولِينَ عَنْهم؛ لِأنَّ المَسْئُولِينَ يُلْقُونَ إلى السّائِلِينَ ما جَرى بَيْنَهم وبَيْنَ المُجْرِمِينَ، فَيَقُولُونَ: قُلْنا لَهم ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ إلّا أنَّ الكَلامَ جِيءَ بِهِ عَلى الحَذْفِ والِاخْتِصارِ، كَما هو نَهْجُ التَّنْزِيلِ في غَرابَةِ نَظْمِهِ. انْتَهى، وفِيهِ تَعَسُّفٌ. والأظْهَرُ أنَّ السّائِلِينَ هُمُ المُتَسائِلُونَ، وما سَلَكَكم عَلى إضْمارِ القَوْلِ كَما ذَكَرْنا، وسُؤالُهم سُؤالُ تَوْبِيخٍ لَهم وتَحْقِيرٍ، وإلّا فَهِمَ عالِمُونَ ما الَّذِي أدْخَلَهُمُ النّارَ. والجَوابُ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُتَّصِفِينَ بِخَصائِلِ الإسْلامِ مِن إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، ثُمَّ ارْتَقَوْا مِن ذَلِكَ إلى الأعْظَمِ، وهو الكُفْرُ والتَّكْذِيبُ بِيَوْمِ الجَزاءِ، كَقَوْلِهِمْ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] ثُمَّ قالَ: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧] . واليَقِينُ أيْ: يَقِينًا عَلى إنْكارِ يَوْمِ الجَزاءِ، أيْ: وقْتَ المَوْتِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: واليَقِينُ عِنْدِي صِحَّةُ ما كانُوا يُكَذِّبُونَ مِنَ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى والدّارِ الآخِرَةِ. وقالَ المُفَسِّرُونَ: اليَقِينُ: المَوْتُ، وذَلِكَ عِنْدِي هُنا مُتَعَقَّبٌ؛ لِأنَّ نَفْسَ المَوْتِ يَقِينٌ عِنْدَ الكافِرِ وهو حَيٌّ. وإنَّما اليَقِينُ الَّذِي عَنَوْا في هَذِهِ الآيَةِ الشَّيْءُ الَّذِي كانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ وهم أحْياءٌ في الدُّنْيا فَتَيَقَّنُوهُ بَعْدَ المَوْتِ، وإنَّما يَتَفَسَّرُ اليَقِينُ بِالمَوْتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] . ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾: لَيْسَ المَعْنى أنَّهم يُشْفَعُ لَهم فَلا تَنْفَعُ شَفاعَةُ مَن يَشْفَعُ لَهم، وإنَّما المَعْنى نَفْيُ الشَّفاعَةِ فانْتَفى النَّفْعُ، أيْ: لا شَفاعَةَ شافِعِينَ لَهم فَتَنْفَعُهم مِن بابِ: ؎عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ أيْ: لا مَنارَ لَهُ فَيُهْتَدى بِهِ. وتَخْصِيصُهم بِانْتِفاءِ شَفاعَةِ الشّافِعِينَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ قَدْ تَكُونُ شَفاعاتٌ ويُنْتَفَعُ بِها، ووَرَدَتْ أحادِيثُ في صِحَّةِ ذَلِكَ. ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ﴾ وهي مَواعِظُ القُرْآنِ الَّتِي تُذَكِّرُ الآخِرَةَ، (مُعْرِضِينَ) أيْ: والحالُ المُنْتَظَرَةُ هَذِهِ المَوْصُوفَةُ. ثُمَّ شَبَّهَهم بِالحُمُرِ المُسْتَنْفِرَةِ في شِدَّةِ إعْراضِهِمْ ونِفارِهِمْ عَنِ الإيمانِ وآياتِ اللَّهِ تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (حُمُرٌ) بِضَمِّ المِيمِ. والأعْمَشُ: بِإسْكانِها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ الحُمُرُ الوَحْشِيَّةُ، شَبَّهَهم تَعالى بِالحُمُرِ مَذَمَّةً وتَهْجِينًا لَهم. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: (مُسْتَنْفَرَةٌ) بِفَتْحِ الفاءِ، والمَعْنى: اسْتَنْفَرَها فَزَعُها مِنَ القَسْوَرَةِ. وباقِي السَّبْعَةِ بِكَسْرِها، أيْ: نافِرَةٌ. نَفَرَ واسْتَنْفَرَ بِمَعْنى عَجِبَ واسْتَعْجَبَ وسَخَرَ واسْتَسْخَرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: أمْسِكْ حِمارَكَ إنَّهُ مُسْتَنْفِرٌ في إثْرِ أحْمِرَةٍ عَهِدْنَ لَعُرَّبِ. ويُناسِبُ الكَسْرَ قَوْلُهُ: (فَرَّتْ) . وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلّامٍ: سَألْتُ أبا سِرارٍ الغَنَوِيَّ، وكانَ أعْرابِيًّا فَصِيحًا، فَقُلْتُ: كَأنَّهم حُمُرٌ ماذا مُسْتَنْفِرَةٌ ؟ قالَ: طَرَدَها قَسْوَرَةٌ. فَقُلْتُ: إنَّما هو ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾، قالَ: أفَرَّتْ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: فَمُسْتَنْفِرَةٌ إذَنْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ وقَتادَةُ وعِكْرِمَةُ: القَسْوَرَةُ، الرُّماةُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وأبُو هُرَيْرَةَ وجُمْهُورٌ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ: الأسَدُ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: رِجالُ (p-٣٨١)القَنْصِ، وهو قَرِيبٌ مِنَ القَوْلِ الأوَّلِ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: القَسْوَرَةُ أوَّلُ اللَّيْلِ، والمَعْنى: فَرَّتْ مِن ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، ولا شَيْءَ أشَدُّ نِفارًا مِن حُمُرِ الوَحْشِ، ولِذَلِكَ شَبَّهَتْ بِها العَرَبُ الإبِلَ في سُرْعَةِ سَيْرِها وخِفَّتِها. ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهُمْ﴾ أيْ: مِنَ المُعْرِضِينَ عَنْ عِظاتِ اللَّهِ وآياتِهِ ﴿أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ أيْ: مَنشُورَةٌ غَيْرُ مَطْوِيَّةٍ تُقْرَأُ كالكُتُبِ الَّتِي يُتَكاتَبُ بِها، أوْ كُتِبَتْ في السَّماءِ نَزَلَتْ بِها المَلائِكَةُ ساعَةَ كُتِبَتْ رَطْبَةً لَمْ تُطْوَ بَعْدُ، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لَنْ نَتَّبِعَكَ حَتّى يُؤْتى كُلٌّ واحِدٍ مِنّا بِكِتابٍ مِنَ السَّماءِ عُنْوانُهُ: مِن رَبِّ العالَمِينَ إلى فُلانِ بْنِ فُلانٍ، يُؤْمَرُ فِيها بِاتِّباعِكَ، ونَحْوُهُ ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزَّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] . ورُوِيَ أنَّ بَعْضَهم قالَ: إنْ كانَ يُكْتَبُ في صُحُفٍ ما يَعْمَلُ كُلُّ إنْسانٍ، فَلْتُعْرَضْ تِلْكَ الصُّحُفُ عَلَيْنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”صُحُفًا“ بِضَمِّ الصّادِ والحاءِ، (مُنَشَّرَةً) مُشَدَّدًا. وابْنُ جُبَيْرٍ: بِإسْكانِها (مُنْشَرَةً) مُخَفَّفًا، ونَشَرَ وأنْشَرَ مِثْلَ نَزَلَ وأنْزَلُ. شَبَّهَ نَشْرَ الصَّحِيفَةِ بِإنْشارِ اللَّهِ المَوْتى، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِـ(مُنَشَّرَةً) مِن أنُشِرَتْ، والمَحْفُوظُ في الصَّحِيفَةِ والثَّوْبِ نُشِرَ مُخَفَفًّا ثُلاثِيًّا، ويُقالُ في المَيِّتِ: أنْشَرَهُ اللَّهُ فَنُشِرَ هو، أيْ: أحْياهُ فَحَيِيَ. (كَلّا) رَدْعٌ عَنْ إرادَتِهِمْ تِلْكَ وزَجْرٌ لَهم عَنِ اقْتِراحِ الآياتِ ﴿بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ ولِذَلِكَ أعْرَضُوا عَنِ التَّذْكِرَةِ لا لِامْتِناعِ إيتاءِ الصُّحُفِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَخافُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ. وأبُو حَيْوَةَ: بِتاءِ الخِطابِ التَفاتًا. (كَلّا) رَدْعٌ عَنْ إعْراضِهِمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ ﴿إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ ذِكْرٌ في إنَّهِ وفي ذِكْرِهِ؛ لِأنَّ التَّذْكِرَةَ ذِكْرٌ. وقَرَأ نافِعٌ وسَلّامٌ ويَعْقُوبُ: تَذْكِرَةٌ بِتاءِ الخِطابِ ساكِنَةِ الذّالِ. وباقِي السَّبْعَةِ وأبُو جَعْفَرٍ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ، وعِيسى والأعْرَجُ: بِالياءِ. ورُوِيَ عَنْ أبِي حَيْوَةَ: يَذَّكَّرُونَ بِياءِ الغَيْبَةِ وشَدِّ الذّالِ. ورُوِيَ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ: تَذَّكَّرُونَ بِالتّاءِ وإدْغامِ التّاءِ في الذّالِ. ﴿هُوَ أهْلُ التَّقْوى﴾ أيْ: أهْلٌ أنْ يُتَّقى ويُخافَ، وأهْلٌ أنْ يَغْفِرَ. ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَسَّرَ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: ”يَقُولُ لَكم رَبُّكم جَلَّتْ قُدْرَتُهُ وعَظَمَتُهُ: أنا أهْلٌ أنْ أُتَّقى، فَلا يُجْعَلُ يُتَّقى إلَهٌ غَيْرِي، ومَنِ اتَّقى أنْ يَجْعَلَ مَعِيَ إلَهًا غَيْرِي فَأنا أغْفِرُ لَهُ“ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما يَذْكُرُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ يَعْنِي: إلّا أنْ يُقْسِرَهم عَلى الذِّكْرِ ويُلْجِئَهم إلَيْهِ؛ لِأنَّهم مَطْبُوعٌ عَلى قُلُوبِهِمْ، مَعْلُومٌ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ اخْتِيارًا.

المدثر 74:51

﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلّا هو وما هي إلّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾ ﴿كَلّا والقَمَرِ﴾ ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ ﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ ﴿إنَّها لَإحْدى الكُبَرِ﴾ ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ﴾ ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ ﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ ﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ ﴿كَلّا بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ ﴿كَلّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ ﴿وما يَذْكُرُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ هو أهْلُ التَّقْوى وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ . الكافُ في مَحَلِّ نَصْبٍ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما قَبْلَهُ مِن مَعْنى الإضْلالِ والهُدى، أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ (p-٣٧٨)المَذْكُورِ مِنَ الإضْلالِ والهُدى، يُضِلُّ الكافِرِينَ فَيَشُكُّونَ فَيَزِيدُهم كُفْرًا وضَلالًا، ويَهْدِي المُؤْمِنِينَ فَيَزِيدُهم إيمانًا. ﴿وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلّا هُوَ﴾: إعْلامٌ بِأنَّ الأمْرَ فَوْقَ ما يُتَوَهَّمُ، وأنَّ الجَزاءَ إنَّما هو عَنْ بَعْضِ القُدْرَةِ لا عَنْ كُلِّها، والسَّماءُ عامِرَةٌ بِأنْواعٍ مِنَ المَلائِكَةِ. وفي الحَدِيثِ: «أطَّتِ السَّماءُ وحَقَّ لَها أنْ تَئِطَّ ما فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا ومَلَكٌ واضِعٌ جَبْهَتَهُ لِلَّهِ ساجِدًا» . (وما هي) أيِ: النّارُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، أوِ المُخاطَبَةُ والنِّذارَةُ، أوْ نارُ الدُّنْيا، أوِ الآياتُ الَّتِي ذُكِرَتْ، أوِ العِدَّةُ التِسْعَةَ عَشَرَ، أوِ الجُنُودُ، أقْوالٌ راجِحُها الأوَّلُ وهي سَقَرُ، ذَكَّرَ بِها البَشَرَ لِيَخافُوا ويُطِيعُوا. وقَدْ جَرى ذِكْرُ النّارِ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلْنا أصْحابَ النّارِ إلّا مَلائِكَةً﴾ . ﴿إلّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾ أيِ: الَّذِينَ أُهِّلُوا لِلتَّذَكُّرِ والِاعْتِبارِ. (كَلّا) قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَلّا إنْكارٌ بَعْدَ أنْ جَعَلَها ذِكْرى، أنْ يَكُونَ لَهم ذِكْرى لِأنَّهم لا يَتَذَكَّرُونَ. انْتَهى. ولا يَسُوغُ هَذا في حَقِّ اللَّهِ تَعالى أنْ يُخْبِرَ أنَّها ذِكْرى لِلْبَشَرِ، ثُمَّ يُنْكِرُ أنْ تَكُونَ لَهم ذِكْرى، وإنَّما قَوْلُهُ: (لِلْبَشَرِ) عامٌّ مَخْصُوصٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ رَدْعٌ لِمَن يُنْكِرُ أنْ يَكُونَ إحْدى الكُبَرِ نَذِيرًا. وقِيلَ: رَدْعٌ لِقَوْلِ أبِي جَهْلٍ وأصْحابِهِ أنَّهم يَقْدِرُونَ عَلى مُقاوَمَةِ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ. وقِيلَ: رَدْعٌ عَنِ الِاسْتِهْزاءِ بِالعِدَّةِ المَخْصُوصَةِ. وقالَ الفَرّاءُ: هي صِلَةٌ لِلْقَسَمِ، وقَدَّرَها بَعْضُهم بِحَقًّا، وبَعْضُهم بِألا الِاسْتِفْتاحِيَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها في آخِرِ سُورَةِمَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ. (والقَمَرِ ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾) أيْ: ولّى، ويُقالُ دَبَرَ وأدْبَرَ بِمَعْنًى واحِدٍ. أقْسَمَ تَعالى بِهَذِهِ الأشْياءِ تَشْرِيفًا لَها، وتَنْبِيهًا عَلى ما يَظْهَرُ بِها وفِيها مِن عَجائِبِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ، وقِوامُ الوُجُودِ بِإيجادِها. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ الزُّبَيْرِ ومُجاهِدٌ وعَطاءٌ، وابْنُ يَعْمُرَ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وأبُو الزِّنادِ، وقَتادَةُ وعُمَرُ بْنُ العَزِيزُ والحَسَنُ وطَلْحَةُ والنَّحْوِيّانِ والِابْنانِ وأبُو بَكْرٍ: (إذا) ظَرْفُ زَمانٍ مُسْتَقْبَلٍ دَبَرَ بِفَتْحِ الدّالِ. وابْنُ جُبَيْرٍ والسُّلَمِيُّ والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهم. وابْنُ سِيرِينَ والأعْرَجُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وأبُو شَيْخٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ونافِعٌ وحَمْزَةُ وحَفْصٌ: ”إذْ“ ظَرْفُ زَمانٍ ماضٍ، ”أدْبَرَ“ رُباعِيًّا. والحَسَنُ أيْضًا وأبُو رَزِينٍ وأبُو رَجاءٍ وابْنُ يَعْمُرَ أيْضًا، والسُّلَمِيُّ أيْضًا وطَلْحَةُ أيْضًا، والأعْمَشُ ويُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ ومَطَرٌ: إذا بِالألْفِ، (أدْبَرَ) بِالهَمْزِ، وكَذا هو في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ وأُبَيٍّ، وهو مُناسِبٌ لِقَوْلِهِ: ﴿إذا أسْفَرَ﴾ ويُقالُ: كَأمْسُ الدّابِرِ وأمْسُ المُدْبِرُ بِمَعْنى واحِدٍ. وقالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ: دَبَرَ: انْقَضى، وأدْبَرَ: تَوَلّى. وقالَ قَتادَةُ: دَبَرَ اللَّيْلُ: ولّى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ودَبَرَ بِمَعْنى أدْبَرَ، كـَ (قَبَلَ) بِمَعْنى أقْبَلَ. وقِيلَ: هو مِن دَبَرَ اللَّيْلُ النَّهارَ: أخْلَفَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أسْفَرَ) رُباعِيًّا. وابْنُ السَّمَيْقَعِ وعِيسى بْنُ الفَضْلِ: سَفَرَ ثُلاثِيًّا، والمَعْنى: طَرَحَ الظُّلْمَةَ عَنْ وجْهِهِ. ﴿إنَّها لَإحْدى الكُبَرِ﴾: الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ”إنَّها“ عائِدٌ عَلى النّارِ. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلنِّذارَةِ، وأمْرُ الآخِرَةِ فَهو لِلْحالِ والقِصَّةِ. وقِيلَ: إنَّ قِيامَ السّاعَةِ لَإحْدى الكُبَرِ، فَعادَ الضَّمِيرُ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ، ومَعْنى (إحْدى الكُبَرِ) الدَّواهِي الكُبَرِ، أيْ: لا نَظِيرَ لَها، كَما تَقُولُ: هو أحَدُ الرِّجالِ، وهي إحْدى النِّساءِ، والكُبَرُ: العَظائِمُ مِنَ العُقُوباتِ. (وقالَ الرّاجِزُ): ؎يا ابْنَ المُعَلّى نَزَلَتْ إحْدى الكُبَرِ داهِيَةُ الدَّهْرِ وصْماءُ الغِيَرِ والكُبَرُ جَمْعُ الكُبْرى، طُرِحَتْ ألِفُ التَّأْنِيثِ في الجَمْعِ، كَما طُرِحَتْ هَمْزَتُهُ في قاصِعاءَ فَقالُوا: قَواصِعُ. وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ: ”والكُبَرُ“ جَمْعُ كَبِيرَةٍ، ولَعَلَّهُ مِن وهْمِ النّاسِخِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لَإحْدى) بِالهَمْزِ، وهي مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ أصْلُهُ لَوِحْدى، وهو بَدَلٌ لازِمٌ. وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ووَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: بِحَذْفِ الهَمْزَةِ، وهو حَذْفٌ لا يَنْقاسُ، وتَخْفِيفُ مِثْلِ هَذِهِ الهَمْزَةِ أنْ تُجْعَلَ بَيْنَ بَيْنَ. والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ جَوابٌ لِلْقَسَمِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ تَعْلِيلٌ لِـ (كَلّا) والقَسَمُ مُعْتَرِضٌ لِلتَّوْكِيدِ. (p-٣٧٩)انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نَذِيرًا) واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنى الإنْذارِ، كالنَّكِيرِ بِمَعْنى الإنْكارِ، فَيَكُونُ تَمْيِيزًا أيْ: لَإحْدى الكُبَرِ إنْذارًا، كَما تَقُولُ: هي إحْدى النِّساءِ عَفافًا. كَما ضُمِّنَ إحْدى مَعْنى أعْظَمَ، جاءَ عَنْهُ التَّمْيِيزُ. وقالَ الفَرّاءُ: هو مَصْدَرٌ نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: أنْذِرْ إنْذارًا. واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمَ فاعِلٍ بِمَعْنى مُنْذِرٍ. فَقالَ الزَّجّاجُ: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (إنَّها) . وقِيلَ: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (إحْدى)، ومَن جَعَلَهُ مُتَّصِلًا بِـ (قُمْ) في أوَّلِ السُّورَةِ، أوْ بِـ (فَأنْذِرْ) في أوَّلِ السُّورَةِ، أوْ حالًا مِن (الكُبَرِ)، أوْ حالًا مِن ضَمِيرِ الكُبَرِ، فَهو بِمَعْزِلٍ عَنِ الصَّوابِ. قالَ أبُو البَقاءِ: والمُخْتارُ أنْ يَكُونَ حالًا مِمّا دَلَّتْ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ تَقْدِيرُهُ: عَظُمَتْ نَذِيرًا. انْتَهى، وهو قَوْلٌ لا بَأْسَ بِهِ. قالَ النَّحّاسُ: وحُذِفَتِ الهاءُ مِن (نَذِيرًا)، وإنْ كانَ لِلنّارِ عَلى مَعْنى النَّسَبِ، يَعْنِي ذاتَ الإنْذارِ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: أعْنِي نَذِيرًا. وقالَ الحَسَنُ: لِأُنْذِرَ، إذْ هي مِنَ النّارِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا القَوْلُ يَقْتَضِي أنَّ (نَذِيرًا) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ”إنَّها“، أوْ مِن قَوْلِهِ: (لَإحْدى) . قالَ أبُو رَزِينٍ: نَذِيرٌ هُنا هو اللَّهُ تَعالى، فَهو مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيِ: ادْعُوا نَذِيرًا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَذِيرٌ هُنا هو مُحَمَّدٌ ﷺ، فَهو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، أيْ: نادِ، أوْ بَلِّغْ، أوْ أعْلِنْ. وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: (نَذِيرٌ) بِالرَّفْعِ. فَإنْ كانَ مِن وصْفِ النّارِ، جازَ أنْ يَكُونَ خَبَرًا وخَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هي نَذِيرٌ. وإنْ كانَ مِن وصْفِ اللَّهِ أوِ الرَّسُولِ، فَهو عَلى إضْمارِ هو. والظّاهِرُ أنَّ (لِمَن) بَدَلٌ مِنَ البَشَرِ بِإعادَةِ الجارِّ، وأنْ يَتَقَدَّمَ مَنصُوبٌ بِـ (شاءَ) ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى مَن. وقِيلَ: الفاعِلُ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ: لِمَن شاءَ هو، أيِ: اللَّهُ تَعالى. وقالَ الحَسَنُ: هو وعِيدٌ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو بَيانٌ في النِّذارَةِ، وإعْلامٌ بِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَسْلُكُ طَرِيقَ الهُدى والحَقِّ إذا حَقَّقَ النَّظَرَ، إذْ هو بِعَيْنِهِ يَتَأخَّرُ عَنْ هَذِهِ الرُّتْبَةِ بِغَفْلَتِهِ وسُوءِ نَظَرِهِ. ثُمَّ قَوّى هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿أنْ يَتَقَدَّمَ﴾ في مَوْضِعِ الرَّفْعِ بِالِابْتِداءِ، و(لِمَن شاءَ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ، كَقَوْلِكَ لِمَن تَوَضَّأ: أنْ يُصَلِّيَ، ومَعْناهُ مُطْلَقٌ لِمَن شاءَ التَّقَدُّمَ أوِ التَّأخُّرَ أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ. والمُرادُ بِالتَّقَدُّمِ والتَّأخُّرِ: السَّبْقُ إلى الخَيْرِ والتَّخَلُّفُ عَنْهُ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] . انْتَهى، وهو مَعْنى لا يَتَبادَرُ إلى الذِّهْنِ وفِيهِ حَذْفٌ. قِيلَ: والتَّقَدُّمُ: الإيمانُ، والتَّأخُّرُ: الكُفْرُ. وقالَ السُّدِّيُّ: أنْ يَتَقَدَّمَ إلى النّارِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُها، أوْ يَتَأخَّرَ عَنْها إلى الجَنَّةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: أنْ يَتَقَدَّمَ إلى المَأْمُوراتِ، أوْ يَتَأخَّرَ عَنِ المَنهِيّاتِ، والظّاهِرُ العُمُومُ في كُلِّ نَفْسٍ. وقالَ الضَّحّاكُ: كُلُّ نَفْسٍ حَقِيقٌ عَلَيْها العَذابُ، ولا يَرْتَهِنُ اللَّهُ تَعالى أحَدًا مِن أهْلِ الجَنَّةِ، ورَهِينَةٌ بِمَعْنى رَهْنٍ، كالشَّتِيمَةِ بِمَعْنى الشَّتْمِ، ولَيْسَتْ بِمَعْنى مَفْعُولٍ؛ لِأنَّها بِغَيْرِ تاءٍ لِلْمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، نَحْوُ: رَجُلٌ قَتِيلٌ وامْرَأةٌ قَتِيلٌ، فالمَعْنى: كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهْنٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أبْعَدَ الَّذِي بِالنَّعْفِ نَعِفِ كُوَيْكِبٍ ∗∗∗ رَهِينَةُ رَمْسٍ ذِي تُرابٍ وجَنْدَلِ أيْ: رَمْسُ رَهْنٍ، والمَعْنى: أنَّ كُلَّ نَفْسٍ رَهْنٌ عِنْدَ اللَّهِ غَيْرُ مَفْكُوكٍ. وقِيلَ: الهاءُ في ”رَهِينَةٍ“ لِلْمُبالَغَةِ. وقِيلَ: عَلى تَأْنِيثِ اللَّفْظِ لا عَلى الإنْسانِ، والَّذِي أخْتارُهُ أنَّها مِمّا دَخَلَتْ فِيهِ التّاءُ، وإنْ كانَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ في الأصْلِ كالنَّطِيحَةِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ لَمّا كانَ خَبَرًا عَنِ المُذَكَّرِ كانَ بِغَيْرِ هاءٍ، قالَ تَعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١] . فَأنْتَ تَرى حَيْثُ كانَ خَبَرًا عَنِ المُذَكَّرِ أتى بِغَيْرِ تاءٍ؛ وحَيْثُ كانَ خَبَرًا عَنِ المُؤَنَّثِ أتى بِالتّاءِ، كَما في هَذِهِ الآيَةِ. فَأمّا الَّذِي في البَيْتِ فَأُنِّثَ عَلى مَعْنى النَّفْسِ. ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ المَلائِكَةُ. وقالَ عَلِيٌّ: هم أطْفالُ المُسْلِمِينَ. فَعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ يَكُونُ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، أيْ: لَكِنَّ أصْحابَ اليَمِينِ في جَنّاتٍ. وقالَ الحَسَنُ وابْنُ كَيْسانَ: هُمُ المُسْلِمُونَ المُخْلِصُونَ، لَيْسُوا بِمُرْتَهَنِينَ لِأنَّهم أدُّوا ما كانَ عَلَيْهِمْ، وهَذا كَقَوْلِ الضَّحّاكِ الَّذِي تَقَدَّمَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ (p-٣٨٠)فَإنَّهم فَكُّوا عَنْهُ رِقابَهم بِما أطابُوهُ مِن كَسْبِهِمْ، كَما يُخَلِّصُ الرّاهِنُ رَهْنَهُ بِأداءِ الحَقِّ. انْتَهى. وظاهِرُ هَذا أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ. (في جَنّاتٍ) أيْ: هم ﴿في جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ﴾ أيْ: يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا، أوْ يَكُونُ يَتَساءَلُ بِمَعْنى يَسْألُ، أيْ: يَسْألُونَ عَنْهم غَيْرَهم، كَما يُقالُ: دَعَوْتُهُ وتَداعَوْتُهُ بِمَعْناهُ. وعَلى هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ كَيْفَ جاءَ ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ بِالخِطابِ لِلْمُجْرِمِينَ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ. المَعْنى: أنَّ أصْحابَ اليَمِينِ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا، أوْ يَسْألُونَ غَيْرَهم عَنْ مَن غابَ مِن مَعارِفِهِمْ، فَإذا عَرَفُوا أنَّهم مُجْرِمُونَ في النّارِ قالُوا لَهم، أوْ قالَتْ لَهُمُ المَلائِكَةُ، هَكَذا قَدَّرَهُ بَعْضُهم، والأقْرَبُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: يَتَساءَلُونَ عَنِ المُجْرِمِينَ قائِلِينَ لَهم بَعْدَ التَّساؤُلِ: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ طابَقَ قَوْلُهُ: ﴿ما سَلَكَكُمْ﴾ ؟ وهو سُؤالٌ لِلْمُجْرِمِينَ، قَوْلَهُ: ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ ؟ وهو سُؤالٌ عَنْهم، وإنَّما كانَ يُطابِقُ ذَلِكَ لَوْ قِيلَ يَتَساءَلُونَ عَنِ المُجْرِمِينَ ما سَلَكَهم ؟ (قُلْتُ): ﴿ما سَلَكَكُمْ﴾ لَيْسَ بِبَيانٍ لِلتَّساؤُلِ عَنْهم، وإنَّما هو حِكايَةُ قَوْلِ المَسْئُولِينَ عَنْهم؛ لِأنَّ المَسْئُولِينَ يُلْقُونَ إلى السّائِلِينَ ما جَرى بَيْنَهم وبَيْنَ المُجْرِمِينَ، فَيَقُولُونَ: قُلْنا لَهم ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ إلّا أنَّ الكَلامَ جِيءَ بِهِ عَلى الحَذْفِ والِاخْتِصارِ، كَما هو نَهْجُ التَّنْزِيلِ في غَرابَةِ نَظْمِهِ. انْتَهى، وفِيهِ تَعَسُّفٌ. والأظْهَرُ أنَّ السّائِلِينَ هُمُ المُتَسائِلُونَ، وما سَلَكَكم عَلى إضْمارِ القَوْلِ كَما ذَكَرْنا، وسُؤالُهم سُؤالُ تَوْبِيخٍ لَهم وتَحْقِيرٍ، وإلّا فَهِمَ عالِمُونَ ما الَّذِي أدْخَلَهُمُ النّارَ. والجَوابُ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُتَّصِفِينَ بِخَصائِلِ الإسْلامِ مِن إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، ثُمَّ ارْتَقَوْا مِن ذَلِكَ إلى الأعْظَمِ، وهو الكُفْرُ والتَّكْذِيبُ بِيَوْمِ الجَزاءِ، كَقَوْلِهِمْ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] ثُمَّ قالَ: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧] . واليَقِينُ أيْ: يَقِينًا عَلى إنْكارِ يَوْمِ الجَزاءِ، أيْ: وقْتَ المَوْتِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: واليَقِينُ عِنْدِي صِحَّةُ ما كانُوا يُكَذِّبُونَ مِنَ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى والدّارِ الآخِرَةِ. وقالَ المُفَسِّرُونَ: اليَقِينُ: المَوْتُ، وذَلِكَ عِنْدِي هُنا مُتَعَقَّبٌ؛ لِأنَّ نَفْسَ المَوْتِ يَقِينٌ عِنْدَ الكافِرِ وهو حَيٌّ. وإنَّما اليَقِينُ الَّذِي عَنَوْا في هَذِهِ الآيَةِ الشَّيْءُ الَّذِي كانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ وهم أحْياءٌ في الدُّنْيا فَتَيَقَّنُوهُ بَعْدَ المَوْتِ، وإنَّما يَتَفَسَّرُ اليَقِينُ بِالمَوْتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] . ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾: لَيْسَ المَعْنى أنَّهم يُشْفَعُ لَهم فَلا تَنْفَعُ شَفاعَةُ مَن يَشْفَعُ لَهم، وإنَّما المَعْنى نَفْيُ الشَّفاعَةِ فانْتَفى النَّفْعُ، أيْ: لا شَفاعَةَ شافِعِينَ لَهم فَتَنْفَعُهم مِن بابِ: ؎عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ أيْ: لا مَنارَ لَهُ فَيُهْتَدى بِهِ. وتَخْصِيصُهم بِانْتِفاءِ شَفاعَةِ الشّافِعِينَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ قَدْ تَكُونُ شَفاعاتٌ ويُنْتَفَعُ بِها، ووَرَدَتْ أحادِيثُ في صِحَّةِ ذَلِكَ. ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ﴾ وهي مَواعِظُ القُرْآنِ الَّتِي تُذَكِّرُ الآخِرَةَ، (مُعْرِضِينَ) أيْ: والحالُ المُنْتَظَرَةُ هَذِهِ المَوْصُوفَةُ. ثُمَّ شَبَّهَهم بِالحُمُرِ المُسْتَنْفِرَةِ في شِدَّةِ إعْراضِهِمْ ونِفارِهِمْ عَنِ الإيمانِ وآياتِ اللَّهِ تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (حُمُرٌ) بِضَمِّ المِيمِ. والأعْمَشُ: بِإسْكانِها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ الحُمُرُ الوَحْشِيَّةُ، شَبَّهَهم تَعالى بِالحُمُرِ مَذَمَّةً وتَهْجِينًا لَهم. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: (مُسْتَنْفَرَةٌ) بِفَتْحِ الفاءِ، والمَعْنى: اسْتَنْفَرَها فَزَعُها مِنَ القَسْوَرَةِ. وباقِي السَّبْعَةِ بِكَسْرِها، أيْ: نافِرَةٌ. نَفَرَ واسْتَنْفَرَ بِمَعْنى عَجِبَ واسْتَعْجَبَ وسَخَرَ واسْتَسْخَرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: أمْسِكْ حِمارَكَ إنَّهُ مُسْتَنْفِرٌ في إثْرِ أحْمِرَةٍ عَهِدْنَ لَعُرَّبِ. ويُناسِبُ الكَسْرَ قَوْلُهُ: (فَرَّتْ) . وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلّامٍ: سَألْتُ أبا سِرارٍ الغَنَوِيَّ، وكانَ أعْرابِيًّا فَصِيحًا، فَقُلْتُ: كَأنَّهم حُمُرٌ ماذا مُسْتَنْفِرَةٌ ؟ قالَ: طَرَدَها قَسْوَرَةٌ. فَقُلْتُ: إنَّما هو ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾، قالَ: أفَرَّتْ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: فَمُسْتَنْفِرَةٌ إذَنْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ وقَتادَةُ وعِكْرِمَةُ: القَسْوَرَةُ، الرُّماةُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وأبُو هُرَيْرَةَ وجُمْهُورٌ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ: الأسَدُ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: رِجالُ (p-٣٨١)القَنْصِ، وهو قَرِيبٌ مِنَ القَوْلِ الأوَّلِ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: القَسْوَرَةُ أوَّلُ اللَّيْلِ، والمَعْنى: فَرَّتْ مِن ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، ولا شَيْءَ أشَدُّ نِفارًا مِن حُمُرِ الوَحْشِ، ولِذَلِكَ شَبَّهَتْ بِها العَرَبُ الإبِلَ في سُرْعَةِ سَيْرِها وخِفَّتِها. ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهُمْ﴾ أيْ: مِنَ المُعْرِضِينَ عَنْ عِظاتِ اللَّهِ وآياتِهِ ﴿أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ أيْ: مَنشُورَةٌ غَيْرُ مَطْوِيَّةٍ تُقْرَأُ كالكُتُبِ الَّتِي يُتَكاتَبُ بِها، أوْ كُتِبَتْ في السَّماءِ نَزَلَتْ بِها المَلائِكَةُ ساعَةَ كُتِبَتْ رَطْبَةً لَمْ تُطْوَ بَعْدُ، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لَنْ نَتَّبِعَكَ حَتّى يُؤْتى كُلٌّ واحِدٍ مِنّا بِكِتابٍ مِنَ السَّماءِ عُنْوانُهُ: مِن رَبِّ العالَمِينَ إلى فُلانِ بْنِ فُلانٍ، يُؤْمَرُ فِيها بِاتِّباعِكَ، ونَحْوُهُ ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزَّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] . ورُوِيَ أنَّ بَعْضَهم قالَ: إنْ كانَ يُكْتَبُ في صُحُفٍ ما يَعْمَلُ كُلُّ إنْسانٍ، فَلْتُعْرَضْ تِلْكَ الصُّحُفُ عَلَيْنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”صُحُفًا“ بِضَمِّ الصّادِ والحاءِ، (مُنَشَّرَةً) مُشَدَّدًا. وابْنُ جُبَيْرٍ: بِإسْكانِها (مُنْشَرَةً) مُخَفَّفًا، ونَشَرَ وأنْشَرَ مِثْلَ نَزَلَ وأنْزَلُ. شَبَّهَ نَشْرَ الصَّحِيفَةِ بِإنْشارِ اللَّهِ المَوْتى، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِـ(مُنَشَّرَةً) مِن أنُشِرَتْ، والمَحْفُوظُ في الصَّحِيفَةِ والثَّوْبِ نُشِرَ مُخَفَفًّا ثُلاثِيًّا، ويُقالُ في المَيِّتِ: أنْشَرَهُ اللَّهُ فَنُشِرَ هو، أيْ: أحْياهُ فَحَيِيَ. (كَلّا) رَدْعٌ عَنْ إرادَتِهِمْ تِلْكَ وزَجْرٌ لَهم عَنِ اقْتِراحِ الآياتِ ﴿بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ ولِذَلِكَ أعْرَضُوا عَنِ التَّذْكِرَةِ لا لِامْتِناعِ إيتاءِ الصُّحُفِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَخافُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ. وأبُو حَيْوَةَ: بِتاءِ الخِطابِ التَفاتًا. (كَلّا) رَدْعٌ عَنْ إعْراضِهِمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ ﴿إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ ذِكْرٌ في إنَّهِ وفي ذِكْرِهِ؛ لِأنَّ التَّذْكِرَةَ ذِكْرٌ. وقَرَأ نافِعٌ وسَلّامٌ ويَعْقُوبُ: تَذْكِرَةٌ بِتاءِ الخِطابِ ساكِنَةِ الذّالِ. وباقِي السَّبْعَةِ وأبُو جَعْفَرٍ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ، وعِيسى والأعْرَجُ: بِالياءِ. ورُوِيَ عَنْ أبِي حَيْوَةَ: يَذَّكَّرُونَ بِياءِ الغَيْبَةِ وشَدِّ الذّالِ. ورُوِيَ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ: تَذَّكَّرُونَ بِالتّاءِ وإدْغامِ التّاءِ في الذّالِ. ﴿هُوَ أهْلُ التَّقْوى﴾ أيْ: أهْلٌ أنْ يُتَّقى ويُخافَ، وأهْلٌ أنْ يَغْفِرَ. ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَسَّرَ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: ”يَقُولُ لَكم رَبُّكم جَلَّتْ قُدْرَتُهُ وعَظَمَتُهُ: أنا أهْلٌ أنْ أُتَّقى، فَلا يُجْعَلُ يُتَّقى إلَهٌ غَيْرِي، ومَنِ اتَّقى أنْ يَجْعَلَ مَعِيَ إلَهًا غَيْرِي فَأنا أغْفِرُ لَهُ“ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما يَذْكُرُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ يَعْنِي: إلّا أنْ يُقْسِرَهم عَلى الذِّكْرِ ويُلْجِئَهم إلَيْهِ؛ لِأنَّهم مَطْبُوعٌ عَلى قُلُوبِهِمْ، مَعْلُومٌ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ اخْتِيارًا.

المدثر 74:52

﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلّا هو وما هي إلّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾ ﴿كَلّا والقَمَرِ﴾ ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ ﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ ﴿إنَّها لَإحْدى الكُبَرِ﴾ ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ﴾ ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ ﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ ﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ ﴿كَلّا بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ ﴿كَلّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ ﴿وما يَذْكُرُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ هو أهْلُ التَّقْوى وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ . الكافُ في مَحَلِّ نَصْبٍ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما قَبْلَهُ مِن مَعْنى الإضْلالِ والهُدى، أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ (p-٣٧٨)المَذْكُورِ مِنَ الإضْلالِ والهُدى، يُضِلُّ الكافِرِينَ فَيَشُكُّونَ فَيَزِيدُهم كُفْرًا وضَلالًا، ويَهْدِي المُؤْمِنِينَ فَيَزِيدُهم إيمانًا. ﴿وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلّا هُوَ﴾: إعْلامٌ بِأنَّ الأمْرَ فَوْقَ ما يُتَوَهَّمُ، وأنَّ الجَزاءَ إنَّما هو عَنْ بَعْضِ القُدْرَةِ لا عَنْ كُلِّها، والسَّماءُ عامِرَةٌ بِأنْواعٍ مِنَ المَلائِكَةِ. وفي الحَدِيثِ: «أطَّتِ السَّماءُ وحَقَّ لَها أنْ تَئِطَّ ما فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا ومَلَكٌ واضِعٌ جَبْهَتَهُ لِلَّهِ ساجِدًا» . (وما هي) أيِ: النّارُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، أوِ المُخاطَبَةُ والنِّذارَةُ، أوْ نارُ الدُّنْيا، أوِ الآياتُ الَّتِي ذُكِرَتْ، أوِ العِدَّةُ التِسْعَةَ عَشَرَ، أوِ الجُنُودُ، أقْوالٌ راجِحُها الأوَّلُ وهي سَقَرُ، ذَكَّرَ بِها البَشَرَ لِيَخافُوا ويُطِيعُوا. وقَدْ جَرى ذِكْرُ النّارِ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلْنا أصْحابَ النّارِ إلّا مَلائِكَةً﴾ . ﴿إلّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾ أيِ: الَّذِينَ أُهِّلُوا لِلتَّذَكُّرِ والِاعْتِبارِ. (كَلّا) قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَلّا إنْكارٌ بَعْدَ أنْ جَعَلَها ذِكْرى، أنْ يَكُونَ لَهم ذِكْرى لِأنَّهم لا يَتَذَكَّرُونَ. انْتَهى. ولا يَسُوغُ هَذا في حَقِّ اللَّهِ تَعالى أنْ يُخْبِرَ أنَّها ذِكْرى لِلْبَشَرِ، ثُمَّ يُنْكِرُ أنْ تَكُونَ لَهم ذِكْرى، وإنَّما قَوْلُهُ: (لِلْبَشَرِ) عامٌّ مَخْصُوصٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ رَدْعٌ لِمَن يُنْكِرُ أنْ يَكُونَ إحْدى الكُبَرِ نَذِيرًا. وقِيلَ: رَدْعٌ لِقَوْلِ أبِي جَهْلٍ وأصْحابِهِ أنَّهم يَقْدِرُونَ عَلى مُقاوَمَةِ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ. وقِيلَ: رَدْعٌ عَنِ الِاسْتِهْزاءِ بِالعِدَّةِ المَخْصُوصَةِ. وقالَ الفَرّاءُ: هي صِلَةٌ لِلْقَسَمِ، وقَدَّرَها بَعْضُهم بِحَقًّا، وبَعْضُهم بِألا الِاسْتِفْتاحِيَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها في آخِرِ سُورَةِمَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ. (والقَمَرِ ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾) أيْ: ولّى، ويُقالُ دَبَرَ وأدْبَرَ بِمَعْنًى واحِدٍ. أقْسَمَ تَعالى بِهَذِهِ الأشْياءِ تَشْرِيفًا لَها، وتَنْبِيهًا عَلى ما يَظْهَرُ بِها وفِيها مِن عَجائِبِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ، وقِوامُ الوُجُودِ بِإيجادِها. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ الزُّبَيْرِ ومُجاهِدٌ وعَطاءٌ، وابْنُ يَعْمُرَ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وأبُو الزِّنادِ، وقَتادَةُ وعُمَرُ بْنُ العَزِيزُ والحَسَنُ وطَلْحَةُ والنَّحْوِيّانِ والِابْنانِ وأبُو بَكْرٍ: (إذا) ظَرْفُ زَمانٍ مُسْتَقْبَلٍ دَبَرَ بِفَتْحِ الدّالِ. وابْنُ جُبَيْرٍ والسُّلَمِيُّ والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهم. وابْنُ سِيرِينَ والأعْرَجُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وأبُو شَيْخٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ونافِعٌ وحَمْزَةُ وحَفْصٌ: ”إذْ“ ظَرْفُ زَمانٍ ماضٍ، ”أدْبَرَ“ رُباعِيًّا. والحَسَنُ أيْضًا وأبُو رَزِينٍ وأبُو رَجاءٍ وابْنُ يَعْمُرَ أيْضًا، والسُّلَمِيُّ أيْضًا وطَلْحَةُ أيْضًا، والأعْمَشُ ويُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ ومَطَرٌ: إذا بِالألْفِ، (أدْبَرَ) بِالهَمْزِ، وكَذا هو في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ وأُبَيٍّ، وهو مُناسِبٌ لِقَوْلِهِ: ﴿إذا أسْفَرَ﴾ ويُقالُ: كَأمْسُ الدّابِرِ وأمْسُ المُدْبِرُ بِمَعْنى واحِدٍ. وقالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ: دَبَرَ: انْقَضى، وأدْبَرَ: تَوَلّى. وقالَ قَتادَةُ: دَبَرَ اللَّيْلُ: ولّى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ودَبَرَ بِمَعْنى أدْبَرَ، كـَ (قَبَلَ) بِمَعْنى أقْبَلَ. وقِيلَ: هو مِن دَبَرَ اللَّيْلُ النَّهارَ: أخْلَفَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أسْفَرَ) رُباعِيًّا. وابْنُ السَّمَيْقَعِ وعِيسى بْنُ الفَضْلِ: سَفَرَ ثُلاثِيًّا، والمَعْنى: طَرَحَ الظُّلْمَةَ عَنْ وجْهِهِ. ﴿إنَّها لَإحْدى الكُبَرِ﴾: الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ”إنَّها“ عائِدٌ عَلى النّارِ. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلنِّذارَةِ، وأمْرُ الآخِرَةِ فَهو لِلْحالِ والقِصَّةِ. وقِيلَ: إنَّ قِيامَ السّاعَةِ لَإحْدى الكُبَرِ، فَعادَ الضَّمِيرُ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ، ومَعْنى (إحْدى الكُبَرِ) الدَّواهِي الكُبَرِ، أيْ: لا نَظِيرَ لَها، كَما تَقُولُ: هو أحَدُ الرِّجالِ، وهي إحْدى النِّساءِ، والكُبَرُ: العَظائِمُ مِنَ العُقُوباتِ. (وقالَ الرّاجِزُ): ؎يا ابْنَ المُعَلّى نَزَلَتْ إحْدى الكُبَرِ داهِيَةُ الدَّهْرِ وصْماءُ الغِيَرِ والكُبَرُ جَمْعُ الكُبْرى، طُرِحَتْ ألِفُ التَّأْنِيثِ في الجَمْعِ، كَما طُرِحَتْ هَمْزَتُهُ في قاصِعاءَ فَقالُوا: قَواصِعُ. وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ: ”والكُبَرُ“ جَمْعُ كَبِيرَةٍ، ولَعَلَّهُ مِن وهْمِ النّاسِخِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لَإحْدى) بِالهَمْزِ، وهي مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ أصْلُهُ لَوِحْدى، وهو بَدَلٌ لازِمٌ. وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ووَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: بِحَذْفِ الهَمْزَةِ، وهو حَذْفٌ لا يَنْقاسُ، وتَخْفِيفُ مِثْلِ هَذِهِ الهَمْزَةِ أنْ تُجْعَلَ بَيْنَ بَيْنَ. والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ جَوابٌ لِلْقَسَمِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ تَعْلِيلٌ لِـ (كَلّا) والقَسَمُ مُعْتَرِضٌ لِلتَّوْكِيدِ. (p-٣٧٩)انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نَذِيرًا) واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنى الإنْذارِ، كالنَّكِيرِ بِمَعْنى الإنْكارِ، فَيَكُونُ تَمْيِيزًا أيْ: لَإحْدى الكُبَرِ إنْذارًا، كَما تَقُولُ: هي إحْدى النِّساءِ عَفافًا. كَما ضُمِّنَ إحْدى مَعْنى أعْظَمَ، جاءَ عَنْهُ التَّمْيِيزُ. وقالَ الفَرّاءُ: هو مَصْدَرٌ نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: أنْذِرْ إنْذارًا. واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمَ فاعِلٍ بِمَعْنى مُنْذِرٍ. فَقالَ الزَّجّاجُ: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (إنَّها) . وقِيلَ: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (إحْدى)، ومَن جَعَلَهُ مُتَّصِلًا بِـ (قُمْ) في أوَّلِ السُّورَةِ، أوْ بِـ (فَأنْذِرْ) في أوَّلِ السُّورَةِ، أوْ حالًا مِن (الكُبَرِ)، أوْ حالًا مِن ضَمِيرِ الكُبَرِ، فَهو بِمَعْزِلٍ عَنِ الصَّوابِ. قالَ أبُو البَقاءِ: والمُخْتارُ أنْ يَكُونَ حالًا مِمّا دَلَّتْ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ تَقْدِيرُهُ: عَظُمَتْ نَذِيرًا. انْتَهى، وهو قَوْلٌ لا بَأْسَ بِهِ. قالَ النَّحّاسُ: وحُذِفَتِ الهاءُ مِن (نَذِيرًا)، وإنْ كانَ لِلنّارِ عَلى مَعْنى النَّسَبِ، يَعْنِي ذاتَ الإنْذارِ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: أعْنِي نَذِيرًا. وقالَ الحَسَنُ: لِأُنْذِرَ، إذْ هي مِنَ النّارِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا القَوْلُ يَقْتَضِي أنَّ (نَذِيرًا) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ”إنَّها“، أوْ مِن قَوْلِهِ: (لَإحْدى) . قالَ أبُو رَزِينٍ: نَذِيرٌ هُنا هو اللَّهُ تَعالى، فَهو مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيِ: ادْعُوا نَذِيرًا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَذِيرٌ هُنا هو مُحَمَّدٌ ﷺ، فَهو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، أيْ: نادِ، أوْ بَلِّغْ، أوْ أعْلِنْ. وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: (نَذِيرٌ) بِالرَّفْعِ. فَإنْ كانَ مِن وصْفِ النّارِ، جازَ أنْ يَكُونَ خَبَرًا وخَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هي نَذِيرٌ. وإنْ كانَ مِن وصْفِ اللَّهِ أوِ الرَّسُولِ، فَهو عَلى إضْمارِ هو. والظّاهِرُ أنَّ (لِمَن) بَدَلٌ مِنَ البَشَرِ بِإعادَةِ الجارِّ، وأنْ يَتَقَدَّمَ مَنصُوبٌ بِـ (شاءَ) ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى مَن. وقِيلَ: الفاعِلُ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ: لِمَن شاءَ هو، أيِ: اللَّهُ تَعالى. وقالَ الحَسَنُ: هو وعِيدٌ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو بَيانٌ في النِّذارَةِ، وإعْلامٌ بِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَسْلُكُ طَرِيقَ الهُدى والحَقِّ إذا حَقَّقَ النَّظَرَ، إذْ هو بِعَيْنِهِ يَتَأخَّرُ عَنْ هَذِهِ الرُّتْبَةِ بِغَفْلَتِهِ وسُوءِ نَظَرِهِ. ثُمَّ قَوّى هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿أنْ يَتَقَدَّمَ﴾ في مَوْضِعِ الرَّفْعِ بِالِابْتِداءِ، و(لِمَن شاءَ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ، كَقَوْلِكَ لِمَن تَوَضَّأ: أنْ يُصَلِّيَ، ومَعْناهُ مُطْلَقٌ لِمَن شاءَ التَّقَدُّمَ أوِ التَّأخُّرَ أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ. والمُرادُ بِالتَّقَدُّمِ والتَّأخُّرِ: السَّبْقُ إلى الخَيْرِ والتَّخَلُّفُ عَنْهُ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] . انْتَهى، وهو مَعْنى لا يَتَبادَرُ إلى الذِّهْنِ وفِيهِ حَذْفٌ. قِيلَ: والتَّقَدُّمُ: الإيمانُ، والتَّأخُّرُ: الكُفْرُ. وقالَ السُّدِّيُّ: أنْ يَتَقَدَّمَ إلى النّارِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُها، أوْ يَتَأخَّرَ عَنْها إلى الجَنَّةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: أنْ يَتَقَدَّمَ إلى المَأْمُوراتِ، أوْ يَتَأخَّرَ عَنِ المَنهِيّاتِ، والظّاهِرُ العُمُومُ في كُلِّ نَفْسٍ. وقالَ الضَّحّاكُ: كُلُّ نَفْسٍ حَقِيقٌ عَلَيْها العَذابُ، ولا يَرْتَهِنُ اللَّهُ تَعالى أحَدًا مِن أهْلِ الجَنَّةِ، ورَهِينَةٌ بِمَعْنى رَهْنٍ، كالشَّتِيمَةِ بِمَعْنى الشَّتْمِ، ولَيْسَتْ بِمَعْنى مَفْعُولٍ؛ لِأنَّها بِغَيْرِ تاءٍ لِلْمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، نَحْوُ: رَجُلٌ قَتِيلٌ وامْرَأةٌ قَتِيلٌ، فالمَعْنى: كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهْنٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أبْعَدَ الَّذِي بِالنَّعْفِ نَعِفِ كُوَيْكِبٍ ∗∗∗ رَهِينَةُ رَمْسٍ ذِي تُرابٍ وجَنْدَلِ أيْ: رَمْسُ رَهْنٍ، والمَعْنى: أنَّ كُلَّ نَفْسٍ رَهْنٌ عِنْدَ اللَّهِ غَيْرُ مَفْكُوكٍ. وقِيلَ: الهاءُ في ”رَهِينَةٍ“ لِلْمُبالَغَةِ. وقِيلَ: عَلى تَأْنِيثِ اللَّفْظِ لا عَلى الإنْسانِ، والَّذِي أخْتارُهُ أنَّها مِمّا دَخَلَتْ فِيهِ التّاءُ، وإنْ كانَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ في الأصْلِ كالنَّطِيحَةِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ لَمّا كانَ خَبَرًا عَنِ المُذَكَّرِ كانَ بِغَيْرِ هاءٍ، قالَ تَعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١] . فَأنْتَ تَرى حَيْثُ كانَ خَبَرًا عَنِ المُذَكَّرِ أتى بِغَيْرِ تاءٍ؛ وحَيْثُ كانَ خَبَرًا عَنِ المُؤَنَّثِ أتى بِالتّاءِ، كَما في هَذِهِ الآيَةِ. فَأمّا الَّذِي في البَيْتِ فَأُنِّثَ عَلى مَعْنى النَّفْسِ. ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ المَلائِكَةُ. وقالَ عَلِيٌّ: هم أطْفالُ المُسْلِمِينَ. فَعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ يَكُونُ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، أيْ: لَكِنَّ أصْحابَ اليَمِينِ في جَنّاتٍ. وقالَ الحَسَنُ وابْنُ كَيْسانَ: هُمُ المُسْلِمُونَ المُخْلِصُونَ، لَيْسُوا بِمُرْتَهَنِينَ لِأنَّهم أدُّوا ما كانَ عَلَيْهِمْ، وهَذا كَقَوْلِ الضَّحّاكِ الَّذِي تَقَدَّمَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ (p-٣٨٠)فَإنَّهم فَكُّوا عَنْهُ رِقابَهم بِما أطابُوهُ مِن كَسْبِهِمْ، كَما يُخَلِّصُ الرّاهِنُ رَهْنَهُ بِأداءِ الحَقِّ. انْتَهى. وظاهِرُ هَذا أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ. (في جَنّاتٍ) أيْ: هم ﴿في جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ﴾ أيْ: يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا، أوْ يَكُونُ يَتَساءَلُ بِمَعْنى يَسْألُ، أيْ: يَسْألُونَ عَنْهم غَيْرَهم، كَما يُقالُ: دَعَوْتُهُ وتَداعَوْتُهُ بِمَعْناهُ. وعَلى هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ كَيْفَ جاءَ ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ بِالخِطابِ لِلْمُجْرِمِينَ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ. المَعْنى: أنَّ أصْحابَ اليَمِينِ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا، أوْ يَسْألُونَ غَيْرَهم عَنْ مَن غابَ مِن مَعارِفِهِمْ، فَإذا عَرَفُوا أنَّهم مُجْرِمُونَ في النّارِ قالُوا لَهم، أوْ قالَتْ لَهُمُ المَلائِكَةُ، هَكَذا قَدَّرَهُ بَعْضُهم، والأقْرَبُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: يَتَساءَلُونَ عَنِ المُجْرِمِينَ قائِلِينَ لَهم بَعْدَ التَّساؤُلِ: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ طابَقَ قَوْلُهُ: ﴿ما سَلَكَكُمْ﴾ ؟ وهو سُؤالٌ لِلْمُجْرِمِينَ، قَوْلَهُ: ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ ؟ وهو سُؤالٌ عَنْهم، وإنَّما كانَ يُطابِقُ ذَلِكَ لَوْ قِيلَ يَتَساءَلُونَ عَنِ المُجْرِمِينَ ما سَلَكَهم ؟ (قُلْتُ): ﴿ما سَلَكَكُمْ﴾ لَيْسَ بِبَيانٍ لِلتَّساؤُلِ عَنْهم، وإنَّما هو حِكايَةُ قَوْلِ المَسْئُولِينَ عَنْهم؛ لِأنَّ المَسْئُولِينَ يُلْقُونَ إلى السّائِلِينَ ما جَرى بَيْنَهم وبَيْنَ المُجْرِمِينَ، فَيَقُولُونَ: قُلْنا لَهم ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ إلّا أنَّ الكَلامَ جِيءَ بِهِ عَلى الحَذْفِ والِاخْتِصارِ، كَما هو نَهْجُ التَّنْزِيلِ في غَرابَةِ نَظْمِهِ. انْتَهى، وفِيهِ تَعَسُّفٌ. والأظْهَرُ أنَّ السّائِلِينَ هُمُ المُتَسائِلُونَ، وما سَلَكَكم عَلى إضْمارِ القَوْلِ كَما ذَكَرْنا، وسُؤالُهم سُؤالُ تَوْبِيخٍ لَهم وتَحْقِيرٍ، وإلّا فَهِمَ عالِمُونَ ما الَّذِي أدْخَلَهُمُ النّارَ. والجَوابُ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُتَّصِفِينَ بِخَصائِلِ الإسْلامِ مِن إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، ثُمَّ ارْتَقَوْا مِن ذَلِكَ إلى الأعْظَمِ، وهو الكُفْرُ والتَّكْذِيبُ بِيَوْمِ الجَزاءِ، كَقَوْلِهِمْ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] ثُمَّ قالَ: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧] . واليَقِينُ أيْ: يَقِينًا عَلى إنْكارِ يَوْمِ الجَزاءِ، أيْ: وقْتَ المَوْتِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: واليَقِينُ عِنْدِي صِحَّةُ ما كانُوا يُكَذِّبُونَ مِنَ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى والدّارِ الآخِرَةِ. وقالَ المُفَسِّرُونَ: اليَقِينُ: المَوْتُ، وذَلِكَ عِنْدِي هُنا مُتَعَقَّبٌ؛ لِأنَّ نَفْسَ المَوْتِ يَقِينٌ عِنْدَ الكافِرِ وهو حَيٌّ. وإنَّما اليَقِينُ الَّذِي عَنَوْا في هَذِهِ الآيَةِ الشَّيْءُ الَّذِي كانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ وهم أحْياءٌ في الدُّنْيا فَتَيَقَّنُوهُ بَعْدَ المَوْتِ، وإنَّما يَتَفَسَّرُ اليَقِينُ بِالمَوْتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] . ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾: لَيْسَ المَعْنى أنَّهم يُشْفَعُ لَهم فَلا تَنْفَعُ شَفاعَةُ مَن يَشْفَعُ لَهم، وإنَّما المَعْنى نَفْيُ الشَّفاعَةِ فانْتَفى النَّفْعُ، أيْ: لا شَفاعَةَ شافِعِينَ لَهم فَتَنْفَعُهم مِن بابِ: ؎عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ أيْ: لا مَنارَ لَهُ فَيُهْتَدى بِهِ. وتَخْصِيصُهم بِانْتِفاءِ شَفاعَةِ الشّافِعِينَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ قَدْ تَكُونُ شَفاعاتٌ ويُنْتَفَعُ بِها، ووَرَدَتْ أحادِيثُ في صِحَّةِ ذَلِكَ. ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ﴾ وهي مَواعِظُ القُرْآنِ الَّتِي تُذَكِّرُ الآخِرَةَ، (مُعْرِضِينَ) أيْ: والحالُ المُنْتَظَرَةُ هَذِهِ المَوْصُوفَةُ. ثُمَّ شَبَّهَهم بِالحُمُرِ المُسْتَنْفِرَةِ في شِدَّةِ إعْراضِهِمْ ونِفارِهِمْ عَنِ الإيمانِ وآياتِ اللَّهِ تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (حُمُرٌ) بِضَمِّ المِيمِ. والأعْمَشُ: بِإسْكانِها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ الحُمُرُ الوَحْشِيَّةُ، شَبَّهَهم تَعالى بِالحُمُرِ مَذَمَّةً وتَهْجِينًا لَهم. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: (مُسْتَنْفَرَةٌ) بِفَتْحِ الفاءِ، والمَعْنى: اسْتَنْفَرَها فَزَعُها مِنَ القَسْوَرَةِ. وباقِي السَّبْعَةِ بِكَسْرِها، أيْ: نافِرَةٌ. نَفَرَ واسْتَنْفَرَ بِمَعْنى عَجِبَ واسْتَعْجَبَ وسَخَرَ واسْتَسْخَرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: أمْسِكْ حِمارَكَ إنَّهُ مُسْتَنْفِرٌ في إثْرِ أحْمِرَةٍ عَهِدْنَ لَعُرَّبِ. ويُناسِبُ الكَسْرَ قَوْلُهُ: (فَرَّتْ) . وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلّامٍ: سَألْتُ أبا سِرارٍ الغَنَوِيَّ، وكانَ أعْرابِيًّا فَصِيحًا، فَقُلْتُ: كَأنَّهم حُمُرٌ ماذا مُسْتَنْفِرَةٌ ؟ قالَ: طَرَدَها قَسْوَرَةٌ. فَقُلْتُ: إنَّما هو ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾، قالَ: أفَرَّتْ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: فَمُسْتَنْفِرَةٌ إذَنْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ وقَتادَةُ وعِكْرِمَةُ: القَسْوَرَةُ، الرُّماةُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وأبُو هُرَيْرَةَ وجُمْهُورٌ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ: الأسَدُ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: رِجالُ (p-٣٨١)القَنْصِ، وهو قَرِيبٌ مِنَ القَوْلِ الأوَّلِ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: القَسْوَرَةُ أوَّلُ اللَّيْلِ، والمَعْنى: فَرَّتْ مِن ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، ولا شَيْءَ أشَدُّ نِفارًا مِن حُمُرِ الوَحْشِ، ولِذَلِكَ شَبَّهَتْ بِها العَرَبُ الإبِلَ في سُرْعَةِ سَيْرِها وخِفَّتِها. ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهُمْ﴾ أيْ: مِنَ المُعْرِضِينَ عَنْ عِظاتِ اللَّهِ وآياتِهِ ﴿أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ أيْ: مَنشُورَةٌ غَيْرُ مَطْوِيَّةٍ تُقْرَأُ كالكُتُبِ الَّتِي يُتَكاتَبُ بِها، أوْ كُتِبَتْ في السَّماءِ نَزَلَتْ بِها المَلائِكَةُ ساعَةَ كُتِبَتْ رَطْبَةً لَمْ تُطْوَ بَعْدُ، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لَنْ نَتَّبِعَكَ حَتّى يُؤْتى كُلٌّ واحِدٍ مِنّا بِكِتابٍ مِنَ السَّماءِ عُنْوانُهُ: مِن رَبِّ العالَمِينَ إلى فُلانِ بْنِ فُلانٍ، يُؤْمَرُ فِيها بِاتِّباعِكَ، ونَحْوُهُ ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزَّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] . ورُوِيَ أنَّ بَعْضَهم قالَ: إنْ كانَ يُكْتَبُ في صُحُفٍ ما يَعْمَلُ كُلُّ إنْسانٍ، فَلْتُعْرَضْ تِلْكَ الصُّحُفُ عَلَيْنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”صُحُفًا“ بِضَمِّ الصّادِ والحاءِ، (مُنَشَّرَةً) مُشَدَّدًا. وابْنُ جُبَيْرٍ: بِإسْكانِها (مُنْشَرَةً) مُخَفَّفًا، ونَشَرَ وأنْشَرَ مِثْلَ نَزَلَ وأنْزَلُ. شَبَّهَ نَشْرَ الصَّحِيفَةِ بِإنْشارِ اللَّهِ المَوْتى، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِـ(مُنَشَّرَةً) مِن أنُشِرَتْ، والمَحْفُوظُ في الصَّحِيفَةِ والثَّوْبِ نُشِرَ مُخَفَفًّا ثُلاثِيًّا، ويُقالُ في المَيِّتِ: أنْشَرَهُ اللَّهُ فَنُشِرَ هو، أيْ: أحْياهُ فَحَيِيَ. (كَلّا) رَدْعٌ عَنْ إرادَتِهِمْ تِلْكَ وزَجْرٌ لَهم عَنِ اقْتِراحِ الآياتِ ﴿بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ ولِذَلِكَ أعْرَضُوا عَنِ التَّذْكِرَةِ لا لِامْتِناعِ إيتاءِ الصُّحُفِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَخافُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ. وأبُو حَيْوَةَ: بِتاءِ الخِطابِ التَفاتًا. (كَلّا) رَدْعٌ عَنْ إعْراضِهِمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ ﴿إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ ذِكْرٌ في إنَّهِ وفي ذِكْرِهِ؛ لِأنَّ التَّذْكِرَةَ ذِكْرٌ. وقَرَأ نافِعٌ وسَلّامٌ ويَعْقُوبُ: تَذْكِرَةٌ بِتاءِ الخِطابِ ساكِنَةِ الذّالِ. وباقِي السَّبْعَةِ وأبُو جَعْفَرٍ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ، وعِيسى والأعْرَجُ: بِالياءِ. ورُوِيَ عَنْ أبِي حَيْوَةَ: يَذَّكَّرُونَ بِياءِ الغَيْبَةِ وشَدِّ الذّالِ. ورُوِيَ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ: تَذَّكَّرُونَ بِالتّاءِ وإدْغامِ التّاءِ في الذّالِ. ﴿هُوَ أهْلُ التَّقْوى﴾ أيْ: أهْلٌ أنْ يُتَّقى ويُخافَ، وأهْلٌ أنْ يَغْفِرَ. ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَسَّرَ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: ”يَقُولُ لَكم رَبُّكم جَلَّتْ قُدْرَتُهُ وعَظَمَتُهُ: أنا أهْلٌ أنْ أُتَّقى، فَلا يُجْعَلُ يُتَّقى إلَهٌ غَيْرِي، ومَنِ اتَّقى أنْ يَجْعَلَ مَعِيَ إلَهًا غَيْرِي فَأنا أغْفِرُ لَهُ“ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما يَذْكُرُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ يَعْنِي: إلّا أنْ يُقْسِرَهم عَلى الذِّكْرِ ويُلْجِئَهم إلَيْهِ؛ لِأنَّهم مَطْبُوعٌ عَلى قُلُوبِهِمْ، مَعْلُومٌ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ اخْتِيارًا.

المدثر 74:53

﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلّا هو وما هي إلّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾ ﴿كَلّا والقَمَرِ﴾ ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ ﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ ﴿إنَّها لَإحْدى الكُبَرِ﴾ ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ﴾ ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ ﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ ﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ ﴿كَلّا بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ ﴿كَلّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ ﴿وما يَذْكُرُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ هو أهْلُ التَّقْوى وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ . الكافُ في مَحَلِّ نَصْبٍ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما قَبْلَهُ مِن مَعْنى الإضْلالِ والهُدى، أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ (p-٣٧٨)المَذْكُورِ مِنَ الإضْلالِ والهُدى، يُضِلُّ الكافِرِينَ فَيَشُكُّونَ فَيَزِيدُهم كُفْرًا وضَلالًا، ويَهْدِي المُؤْمِنِينَ فَيَزِيدُهم إيمانًا. ﴿وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلّا هُوَ﴾: إعْلامٌ بِأنَّ الأمْرَ فَوْقَ ما يُتَوَهَّمُ، وأنَّ الجَزاءَ إنَّما هو عَنْ بَعْضِ القُدْرَةِ لا عَنْ كُلِّها، والسَّماءُ عامِرَةٌ بِأنْواعٍ مِنَ المَلائِكَةِ. وفي الحَدِيثِ: «أطَّتِ السَّماءُ وحَقَّ لَها أنْ تَئِطَّ ما فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا ومَلَكٌ واضِعٌ جَبْهَتَهُ لِلَّهِ ساجِدًا» . (وما هي) أيِ: النّارُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، أوِ المُخاطَبَةُ والنِّذارَةُ، أوْ نارُ الدُّنْيا، أوِ الآياتُ الَّتِي ذُكِرَتْ، أوِ العِدَّةُ التِسْعَةَ عَشَرَ، أوِ الجُنُودُ، أقْوالٌ راجِحُها الأوَّلُ وهي سَقَرُ، ذَكَّرَ بِها البَشَرَ لِيَخافُوا ويُطِيعُوا. وقَدْ جَرى ذِكْرُ النّارِ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلْنا أصْحابَ النّارِ إلّا مَلائِكَةً﴾ . ﴿إلّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾ أيِ: الَّذِينَ أُهِّلُوا لِلتَّذَكُّرِ والِاعْتِبارِ. (كَلّا) قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَلّا إنْكارٌ بَعْدَ أنْ جَعَلَها ذِكْرى، أنْ يَكُونَ لَهم ذِكْرى لِأنَّهم لا يَتَذَكَّرُونَ. انْتَهى. ولا يَسُوغُ هَذا في حَقِّ اللَّهِ تَعالى أنْ يُخْبِرَ أنَّها ذِكْرى لِلْبَشَرِ، ثُمَّ يُنْكِرُ أنْ تَكُونَ لَهم ذِكْرى، وإنَّما قَوْلُهُ: (لِلْبَشَرِ) عامٌّ مَخْصُوصٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ رَدْعٌ لِمَن يُنْكِرُ أنْ يَكُونَ إحْدى الكُبَرِ نَذِيرًا. وقِيلَ: رَدْعٌ لِقَوْلِ أبِي جَهْلٍ وأصْحابِهِ أنَّهم يَقْدِرُونَ عَلى مُقاوَمَةِ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ. وقِيلَ: رَدْعٌ عَنِ الِاسْتِهْزاءِ بِالعِدَّةِ المَخْصُوصَةِ. وقالَ الفَرّاءُ: هي صِلَةٌ لِلْقَسَمِ، وقَدَّرَها بَعْضُهم بِحَقًّا، وبَعْضُهم بِألا الِاسْتِفْتاحِيَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها في آخِرِ سُورَةِمَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ. (والقَمَرِ ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾) أيْ: ولّى، ويُقالُ دَبَرَ وأدْبَرَ بِمَعْنًى واحِدٍ. أقْسَمَ تَعالى بِهَذِهِ الأشْياءِ تَشْرِيفًا لَها، وتَنْبِيهًا عَلى ما يَظْهَرُ بِها وفِيها مِن عَجائِبِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ، وقِوامُ الوُجُودِ بِإيجادِها. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ الزُّبَيْرِ ومُجاهِدٌ وعَطاءٌ، وابْنُ يَعْمُرَ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وأبُو الزِّنادِ، وقَتادَةُ وعُمَرُ بْنُ العَزِيزُ والحَسَنُ وطَلْحَةُ والنَّحْوِيّانِ والِابْنانِ وأبُو بَكْرٍ: (إذا) ظَرْفُ زَمانٍ مُسْتَقْبَلٍ دَبَرَ بِفَتْحِ الدّالِ. وابْنُ جُبَيْرٍ والسُّلَمِيُّ والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهم. وابْنُ سِيرِينَ والأعْرَجُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وأبُو شَيْخٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ونافِعٌ وحَمْزَةُ وحَفْصٌ: ”إذْ“ ظَرْفُ زَمانٍ ماضٍ، ”أدْبَرَ“ رُباعِيًّا. والحَسَنُ أيْضًا وأبُو رَزِينٍ وأبُو رَجاءٍ وابْنُ يَعْمُرَ أيْضًا، والسُّلَمِيُّ أيْضًا وطَلْحَةُ أيْضًا، والأعْمَشُ ويُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ ومَطَرٌ: إذا بِالألْفِ، (أدْبَرَ) بِالهَمْزِ، وكَذا هو في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ وأُبَيٍّ، وهو مُناسِبٌ لِقَوْلِهِ: ﴿إذا أسْفَرَ﴾ ويُقالُ: كَأمْسُ الدّابِرِ وأمْسُ المُدْبِرُ بِمَعْنى واحِدٍ. وقالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ: دَبَرَ: انْقَضى، وأدْبَرَ: تَوَلّى. وقالَ قَتادَةُ: دَبَرَ اللَّيْلُ: ولّى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ودَبَرَ بِمَعْنى أدْبَرَ، كـَ (قَبَلَ) بِمَعْنى أقْبَلَ. وقِيلَ: هو مِن دَبَرَ اللَّيْلُ النَّهارَ: أخْلَفَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أسْفَرَ) رُباعِيًّا. وابْنُ السَّمَيْقَعِ وعِيسى بْنُ الفَضْلِ: سَفَرَ ثُلاثِيًّا، والمَعْنى: طَرَحَ الظُّلْمَةَ عَنْ وجْهِهِ. ﴿إنَّها لَإحْدى الكُبَرِ﴾: الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ”إنَّها“ عائِدٌ عَلى النّارِ. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلنِّذارَةِ، وأمْرُ الآخِرَةِ فَهو لِلْحالِ والقِصَّةِ. وقِيلَ: إنَّ قِيامَ السّاعَةِ لَإحْدى الكُبَرِ، فَعادَ الضَّمِيرُ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ، ومَعْنى (إحْدى الكُبَرِ) الدَّواهِي الكُبَرِ، أيْ: لا نَظِيرَ لَها، كَما تَقُولُ: هو أحَدُ الرِّجالِ، وهي إحْدى النِّساءِ، والكُبَرُ: العَظائِمُ مِنَ العُقُوباتِ. (وقالَ الرّاجِزُ): ؎يا ابْنَ المُعَلّى نَزَلَتْ إحْدى الكُبَرِ داهِيَةُ الدَّهْرِ وصْماءُ الغِيَرِ والكُبَرُ جَمْعُ الكُبْرى، طُرِحَتْ ألِفُ التَّأْنِيثِ في الجَمْعِ، كَما طُرِحَتْ هَمْزَتُهُ في قاصِعاءَ فَقالُوا: قَواصِعُ. وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ: ”والكُبَرُ“ جَمْعُ كَبِيرَةٍ، ولَعَلَّهُ مِن وهْمِ النّاسِخِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لَإحْدى) بِالهَمْزِ، وهي مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ أصْلُهُ لَوِحْدى، وهو بَدَلٌ لازِمٌ. وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ووَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: بِحَذْفِ الهَمْزَةِ، وهو حَذْفٌ لا يَنْقاسُ، وتَخْفِيفُ مِثْلِ هَذِهِ الهَمْزَةِ أنْ تُجْعَلَ بَيْنَ بَيْنَ. والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ جَوابٌ لِلْقَسَمِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ تَعْلِيلٌ لِـ (كَلّا) والقَسَمُ مُعْتَرِضٌ لِلتَّوْكِيدِ. (p-٣٧٩)انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نَذِيرًا) واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنى الإنْذارِ، كالنَّكِيرِ بِمَعْنى الإنْكارِ، فَيَكُونُ تَمْيِيزًا أيْ: لَإحْدى الكُبَرِ إنْذارًا، كَما تَقُولُ: هي إحْدى النِّساءِ عَفافًا. كَما ضُمِّنَ إحْدى مَعْنى أعْظَمَ، جاءَ عَنْهُ التَّمْيِيزُ. وقالَ الفَرّاءُ: هو مَصْدَرٌ نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: أنْذِرْ إنْذارًا. واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمَ فاعِلٍ بِمَعْنى مُنْذِرٍ. فَقالَ الزَّجّاجُ: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (إنَّها) . وقِيلَ: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (إحْدى)، ومَن جَعَلَهُ مُتَّصِلًا بِـ (قُمْ) في أوَّلِ السُّورَةِ، أوْ بِـ (فَأنْذِرْ) في أوَّلِ السُّورَةِ، أوْ حالًا مِن (الكُبَرِ)، أوْ حالًا مِن ضَمِيرِ الكُبَرِ، فَهو بِمَعْزِلٍ عَنِ الصَّوابِ. قالَ أبُو البَقاءِ: والمُخْتارُ أنْ يَكُونَ حالًا مِمّا دَلَّتْ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ تَقْدِيرُهُ: عَظُمَتْ نَذِيرًا. انْتَهى، وهو قَوْلٌ لا بَأْسَ بِهِ. قالَ النَّحّاسُ: وحُذِفَتِ الهاءُ مِن (نَذِيرًا)، وإنْ كانَ لِلنّارِ عَلى مَعْنى النَّسَبِ، يَعْنِي ذاتَ الإنْذارِ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: أعْنِي نَذِيرًا. وقالَ الحَسَنُ: لِأُنْذِرَ، إذْ هي مِنَ النّارِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا القَوْلُ يَقْتَضِي أنَّ (نَذِيرًا) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ”إنَّها“، أوْ مِن قَوْلِهِ: (لَإحْدى) . قالَ أبُو رَزِينٍ: نَذِيرٌ هُنا هو اللَّهُ تَعالى، فَهو مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيِ: ادْعُوا نَذِيرًا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَذِيرٌ هُنا هو مُحَمَّدٌ ﷺ، فَهو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، أيْ: نادِ، أوْ بَلِّغْ، أوْ أعْلِنْ. وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: (نَذِيرٌ) بِالرَّفْعِ. فَإنْ كانَ مِن وصْفِ النّارِ، جازَ أنْ يَكُونَ خَبَرًا وخَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هي نَذِيرٌ. وإنْ كانَ مِن وصْفِ اللَّهِ أوِ الرَّسُولِ، فَهو عَلى إضْمارِ هو. والظّاهِرُ أنَّ (لِمَن) بَدَلٌ مِنَ البَشَرِ بِإعادَةِ الجارِّ، وأنْ يَتَقَدَّمَ مَنصُوبٌ بِـ (شاءَ) ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى مَن. وقِيلَ: الفاعِلُ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ: لِمَن شاءَ هو، أيِ: اللَّهُ تَعالى. وقالَ الحَسَنُ: هو وعِيدٌ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو بَيانٌ في النِّذارَةِ، وإعْلامٌ بِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَسْلُكُ طَرِيقَ الهُدى والحَقِّ إذا حَقَّقَ النَّظَرَ، إذْ هو بِعَيْنِهِ يَتَأخَّرُ عَنْ هَذِهِ الرُّتْبَةِ بِغَفْلَتِهِ وسُوءِ نَظَرِهِ. ثُمَّ قَوّى هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿أنْ يَتَقَدَّمَ﴾ في مَوْضِعِ الرَّفْعِ بِالِابْتِداءِ، و(لِمَن شاءَ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ، كَقَوْلِكَ لِمَن تَوَضَّأ: أنْ يُصَلِّيَ، ومَعْناهُ مُطْلَقٌ لِمَن شاءَ التَّقَدُّمَ أوِ التَّأخُّرَ أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ. والمُرادُ بِالتَّقَدُّمِ والتَّأخُّرِ: السَّبْقُ إلى الخَيْرِ والتَّخَلُّفُ عَنْهُ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] . انْتَهى، وهو مَعْنى لا يَتَبادَرُ إلى الذِّهْنِ وفِيهِ حَذْفٌ. قِيلَ: والتَّقَدُّمُ: الإيمانُ، والتَّأخُّرُ: الكُفْرُ. وقالَ السُّدِّيُّ: أنْ يَتَقَدَّمَ إلى النّارِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُها، أوْ يَتَأخَّرَ عَنْها إلى الجَنَّةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: أنْ يَتَقَدَّمَ إلى المَأْمُوراتِ، أوْ يَتَأخَّرَ عَنِ المَنهِيّاتِ، والظّاهِرُ العُمُومُ في كُلِّ نَفْسٍ. وقالَ الضَّحّاكُ: كُلُّ نَفْسٍ حَقِيقٌ عَلَيْها العَذابُ، ولا يَرْتَهِنُ اللَّهُ تَعالى أحَدًا مِن أهْلِ الجَنَّةِ، ورَهِينَةٌ بِمَعْنى رَهْنٍ، كالشَّتِيمَةِ بِمَعْنى الشَّتْمِ، ولَيْسَتْ بِمَعْنى مَفْعُولٍ؛ لِأنَّها بِغَيْرِ تاءٍ لِلْمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، نَحْوُ: رَجُلٌ قَتِيلٌ وامْرَأةٌ قَتِيلٌ، فالمَعْنى: كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهْنٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أبْعَدَ الَّذِي بِالنَّعْفِ نَعِفِ كُوَيْكِبٍ ∗∗∗ رَهِينَةُ رَمْسٍ ذِي تُرابٍ وجَنْدَلِ أيْ: رَمْسُ رَهْنٍ، والمَعْنى: أنَّ كُلَّ نَفْسٍ رَهْنٌ عِنْدَ اللَّهِ غَيْرُ مَفْكُوكٍ. وقِيلَ: الهاءُ في ”رَهِينَةٍ“ لِلْمُبالَغَةِ. وقِيلَ: عَلى تَأْنِيثِ اللَّفْظِ لا عَلى الإنْسانِ، والَّذِي أخْتارُهُ أنَّها مِمّا دَخَلَتْ فِيهِ التّاءُ، وإنْ كانَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ في الأصْلِ كالنَّطِيحَةِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ لَمّا كانَ خَبَرًا عَنِ المُذَكَّرِ كانَ بِغَيْرِ هاءٍ، قالَ تَعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١] . فَأنْتَ تَرى حَيْثُ كانَ خَبَرًا عَنِ المُذَكَّرِ أتى بِغَيْرِ تاءٍ؛ وحَيْثُ كانَ خَبَرًا عَنِ المُؤَنَّثِ أتى بِالتّاءِ، كَما في هَذِهِ الآيَةِ. فَأمّا الَّذِي في البَيْتِ فَأُنِّثَ عَلى مَعْنى النَّفْسِ. ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ المَلائِكَةُ. وقالَ عَلِيٌّ: هم أطْفالُ المُسْلِمِينَ. فَعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ يَكُونُ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، أيْ: لَكِنَّ أصْحابَ اليَمِينِ في جَنّاتٍ. وقالَ الحَسَنُ وابْنُ كَيْسانَ: هُمُ المُسْلِمُونَ المُخْلِصُونَ، لَيْسُوا بِمُرْتَهَنِينَ لِأنَّهم أدُّوا ما كانَ عَلَيْهِمْ، وهَذا كَقَوْلِ الضَّحّاكِ الَّذِي تَقَدَّمَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ (p-٣٨٠)فَإنَّهم فَكُّوا عَنْهُ رِقابَهم بِما أطابُوهُ مِن كَسْبِهِمْ، كَما يُخَلِّصُ الرّاهِنُ رَهْنَهُ بِأداءِ الحَقِّ. انْتَهى. وظاهِرُ هَذا أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ. (في جَنّاتٍ) أيْ: هم ﴿في جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ﴾ أيْ: يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا، أوْ يَكُونُ يَتَساءَلُ بِمَعْنى يَسْألُ، أيْ: يَسْألُونَ عَنْهم غَيْرَهم، كَما يُقالُ: دَعَوْتُهُ وتَداعَوْتُهُ بِمَعْناهُ. وعَلى هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ كَيْفَ جاءَ ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ بِالخِطابِ لِلْمُجْرِمِينَ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ. المَعْنى: أنَّ أصْحابَ اليَمِينِ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا، أوْ يَسْألُونَ غَيْرَهم عَنْ مَن غابَ مِن مَعارِفِهِمْ، فَإذا عَرَفُوا أنَّهم مُجْرِمُونَ في النّارِ قالُوا لَهم، أوْ قالَتْ لَهُمُ المَلائِكَةُ، هَكَذا قَدَّرَهُ بَعْضُهم، والأقْرَبُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: يَتَساءَلُونَ عَنِ المُجْرِمِينَ قائِلِينَ لَهم بَعْدَ التَّساؤُلِ: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ طابَقَ قَوْلُهُ: ﴿ما سَلَكَكُمْ﴾ ؟ وهو سُؤالٌ لِلْمُجْرِمِينَ، قَوْلَهُ: ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ ؟ وهو سُؤالٌ عَنْهم، وإنَّما كانَ يُطابِقُ ذَلِكَ لَوْ قِيلَ يَتَساءَلُونَ عَنِ المُجْرِمِينَ ما سَلَكَهم ؟ (قُلْتُ): ﴿ما سَلَكَكُمْ﴾ لَيْسَ بِبَيانٍ لِلتَّساؤُلِ عَنْهم، وإنَّما هو حِكايَةُ قَوْلِ المَسْئُولِينَ عَنْهم؛ لِأنَّ المَسْئُولِينَ يُلْقُونَ إلى السّائِلِينَ ما جَرى بَيْنَهم وبَيْنَ المُجْرِمِينَ، فَيَقُولُونَ: قُلْنا لَهم ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ إلّا أنَّ الكَلامَ جِيءَ بِهِ عَلى الحَذْفِ والِاخْتِصارِ، كَما هو نَهْجُ التَّنْزِيلِ في غَرابَةِ نَظْمِهِ. انْتَهى، وفِيهِ تَعَسُّفٌ. والأظْهَرُ أنَّ السّائِلِينَ هُمُ المُتَسائِلُونَ، وما سَلَكَكم عَلى إضْمارِ القَوْلِ كَما ذَكَرْنا، وسُؤالُهم سُؤالُ تَوْبِيخٍ لَهم وتَحْقِيرٍ، وإلّا فَهِمَ عالِمُونَ ما الَّذِي أدْخَلَهُمُ النّارَ. والجَوابُ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُتَّصِفِينَ بِخَصائِلِ الإسْلامِ مِن إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، ثُمَّ ارْتَقَوْا مِن ذَلِكَ إلى الأعْظَمِ، وهو الكُفْرُ والتَّكْذِيبُ بِيَوْمِ الجَزاءِ، كَقَوْلِهِمْ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] ثُمَّ قالَ: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧] . واليَقِينُ أيْ: يَقِينًا عَلى إنْكارِ يَوْمِ الجَزاءِ، أيْ: وقْتَ المَوْتِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: واليَقِينُ عِنْدِي صِحَّةُ ما كانُوا يُكَذِّبُونَ مِنَ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى والدّارِ الآخِرَةِ. وقالَ المُفَسِّرُونَ: اليَقِينُ: المَوْتُ، وذَلِكَ عِنْدِي هُنا مُتَعَقَّبٌ؛ لِأنَّ نَفْسَ المَوْتِ يَقِينٌ عِنْدَ الكافِرِ وهو حَيٌّ. وإنَّما اليَقِينُ الَّذِي عَنَوْا في هَذِهِ الآيَةِ الشَّيْءُ الَّذِي كانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ وهم أحْياءٌ في الدُّنْيا فَتَيَقَّنُوهُ بَعْدَ المَوْتِ، وإنَّما يَتَفَسَّرُ اليَقِينُ بِالمَوْتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] . ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾: لَيْسَ المَعْنى أنَّهم يُشْفَعُ لَهم فَلا تَنْفَعُ شَفاعَةُ مَن يَشْفَعُ لَهم، وإنَّما المَعْنى نَفْيُ الشَّفاعَةِ فانْتَفى النَّفْعُ، أيْ: لا شَفاعَةَ شافِعِينَ لَهم فَتَنْفَعُهم مِن بابِ: ؎عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ أيْ: لا مَنارَ لَهُ فَيُهْتَدى بِهِ. وتَخْصِيصُهم بِانْتِفاءِ شَفاعَةِ الشّافِعِينَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ قَدْ تَكُونُ شَفاعاتٌ ويُنْتَفَعُ بِها، ووَرَدَتْ أحادِيثُ في صِحَّةِ ذَلِكَ. ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ﴾ وهي مَواعِظُ القُرْآنِ الَّتِي تُذَكِّرُ الآخِرَةَ، (مُعْرِضِينَ) أيْ: والحالُ المُنْتَظَرَةُ هَذِهِ المَوْصُوفَةُ. ثُمَّ شَبَّهَهم بِالحُمُرِ المُسْتَنْفِرَةِ في شِدَّةِ إعْراضِهِمْ ونِفارِهِمْ عَنِ الإيمانِ وآياتِ اللَّهِ تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (حُمُرٌ) بِضَمِّ المِيمِ. والأعْمَشُ: بِإسْكانِها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ الحُمُرُ الوَحْشِيَّةُ، شَبَّهَهم تَعالى بِالحُمُرِ مَذَمَّةً وتَهْجِينًا لَهم. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: (مُسْتَنْفَرَةٌ) بِفَتْحِ الفاءِ، والمَعْنى: اسْتَنْفَرَها فَزَعُها مِنَ القَسْوَرَةِ. وباقِي السَّبْعَةِ بِكَسْرِها، أيْ: نافِرَةٌ. نَفَرَ واسْتَنْفَرَ بِمَعْنى عَجِبَ واسْتَعْجَبَ وسَخَرَ واسْتَسْخَرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: أمْسِكْ حِمارَكَ إنَّهُ مُسْتَنْفِرٌ في إثْرِ أحْمِرَةٍ عَهِدْنَ لَعُرَّبِ. ويُناسِبُ الكَسْرَ قَوْلُهُ: (فَرَّتْ) . وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلّامٍ: سَألْتُ أبا سِرارٍ الغَنَوِيَّ، وكانَ أعْرابِيًّا فَصِيحًا، فَقُلْتُ: كَأنَّهم حُمُرٌ ماذا مُسْتَنْفِرَةٌ ؟ قالَ: طَرَدَها قَسْوَرَةٌ. فَقُلْتُ: إنَّما هو ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾، قالَ: أفَرَّتْ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: فَمُسْتَنْفِرَةٌ إذَنْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ وقَتادَةُ وعِكْرِمَةُ: القَسْوَرَةُ، الرُّماةُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وأبُو هُرَيْرَةَ وجُمْهُورٌ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ: الأسَدُ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: رِجالُ (p-٣٨١)القَنْصِ، وهو قَرِيبٌ مِنَ القَوْلِ الأوَّلِ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: القَسْوَرَةُ أوَّلُ اللَّيْلِ، والمَعْنى: فَرَّتْ مِن ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، ولا شَيْءَ أشَدُّ نِفارًا مِن حُمُرِ الوَحْشِ، ولِذَلِكَ شَبَّهَتْ بِها العَرَبُ الإبِلَ في سُرْعَةِ سَيْرِها وخِفَّتِها. ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهُمْ﴾ أيْ: مِنَ المُعْرِضِينَ عَنْ عِظاتِ اللَّهِ وآياتِهِ ﴿أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ أيْ: مَنشُورَةٌ غَيْرُ مَطْوِيَّةٍ تُقْرَأُ كالكُتُبِ الَّتِي يُتَكاتَبُ بِها، أوْ كُتِبَتْ في السَّماءِ نَزَلَتْ بِها المَلائِكَةُ ساعَةَ كُتِبَتْ رَطْبَةً لَمْ تُطْوَ بَعْدُ، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لَنْ نَتَّبِعَكَ حَتّى يُؤْتى كُلٌّ واحِدٍ مِنّا بِكِتابٍ مِنَ السَّماءِ عُنْوانُهُ: مِن رَبِّ العالَمِينَ إلى فُلانِ بْنِ فُلانٍ، يُؤْمَرُ فِيها بِاتِّباعِكَ، ونَحْوُهُ ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزَّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] . ورُوِيَ أنَّ بَعْضَهم قالَ: إنْ كانَ يُكْتَبُ في صُحُفٍ ما يَعْمَلُ كُلُّ إنْسانٍ، فَلْتُعْرَضْ تِلْكَ الصُّحُفُ عَلَيْنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”صُحُفًا“ بِضَمِّ الصّادِ والحاءِ، (مُنَشَّرَةً) مُشَدَّدًا. وابْنُ جُبَيْرٍ: بِإسْكانِها (مُنْشَرَةً) مُخَفَّفًا، ونَشَرَ وأنْشَرَ مِثْلَ نَزَلَ وأنْزَلُ. شَبَّهَ نَشْرَ الصَّحِيفَةِ بِإنْشارِ اللَّهِ المَوْتى، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِـ(مُنَشَّرَةً) مِن أنُشِرَتْ، والمَحْفُوظُ في الصَّحِيفَةِ والثَّوْبِ نُشِرَ مُخَفَفًّا ثُلاثِيًّا، ويُقالُ في المَيِّتِ: أنْشَرَهُ اللَّهُ فَنُشِرَ هو، أيْ: أحْياهُ فَحَيِيَ. (كَلّا) رَدْعٌ عَنْ إرادَتِهِمْ تِلْكَ وزَجْرٌ لَهم عَنِ اقْتِراحِ الآياتِ ﴿بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ ولِذَلِكَ أعْرَضُوا عَنِ التَّذْكِرَةِ لا لِامْتِناعِ إيتاءِ الصُّحُفِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَخافُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ. وأبُو حَيْوَةَ: بِتاءِ الخِطابِ التَفاتًا. (كَلّا) رَدْعٌ عَنْ إعْراضِهِمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ ﴿إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ ذِكْرٌ في إنَّهِ وفي ذِكْرِهِ؛ لِأنَّ التَّذْكِرَةَ ذِكْرٌ. وقَرَأ نافِعٌ وسَلّامٌ ويَعْقُوبُ: تَذْكِرَةٌ بِتاءِ الخِطابِ ساكِنَةِ الذّالِ. وباقِي السَّبْعَةِ وأبُو جَعْفَرٍ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ، وعِيسى والأعْرَجُ: بِالياءِ. ورُوِيَ عَنْ أبِي حَيْوَةَ: يَذَّكَّرُونَ بِياءِ الغَيْبَةِ وشَدِّ الذّالِ. ورُوِيَ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ: تَذَّكَّرُونَ بِالتّاءِ وإدْغامِ التّاءِ في الذّالِ. ﴿هُوَ أهْلُ التَّقْوى﴾ أيْ: أهْلٌ أنْ يُتَّقى ويُخافَ، وأهْلٌ أنْ يَغْفِرَ. ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَسَّرَ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: ”يَقُولُ لَكم رَبُّكم جَلَّتْ قُدْرَتُهُ وعَظَمَتُهُ: أنا أهْلٌ أنْ أُتَّقى، فَلا يُجْعَلُ يُتَّقى إلَهٌ غَيْرِي، ومَنِ اتَّقى أنْ يَجْعَلَ مَعِيَ إلَهًا غَيْرِي فَأنا أغْفِرُ لَهُ“ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما يَذْكُرُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ يَعْنِي: إلّا أنْ يُقْسِرَهم عَلى الذِّكْرِ ويُلْجِئَهم إلَيْهِ؛ لِأنَّهم مَطْبُوعٌ عَلى قُلُوبِهِمْ، مَعْلُومٌ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ اخْتِيارًا.

المدثر 74:54

﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلّا هو وما هي إلّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾ ﴿كَلّا والقَمَرِ﴾ ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ ﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ ﴿إنَّها لَإحْدى الكُبَرِ﴾ ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ﴾ ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ ﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ ﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ ﴿كَلّا بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ ﴿كَلّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ ﴿وما يَذْكُرُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ هو أهْلُ التَّقْوى وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ . الكافُ في مَحَلِّ نَصْبٍ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما قَبْلَهُ مِن مَعْنى الإضْلالِ والهُدى، أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ (p-٣٧٨)المَذْكُورِ مِنَ الإضْلالِ والهُدى، يُضِلُّ الكافِرِينَ فَيَشُكُّونَ فَيَزِيدُهم كُفْرًا وضَلالًا، ويَهْدِي المُؤْمِنِينَ فَيَزِيدُهم إيمانًا. ﴿وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلّا هُوَ﴾: إعْلامٌ بِأنَّ الأمْرَ فَوْقَ ما يُتَوَهَّمُ، وأنَّ الجَزاءَ إنَّما هو عَنْ بَعْضِ القُدْرَةِ لا عَنْ كُلِّها، والسَّماءُ عامِرَةٌ بِأنْواعٍ مِنَ المَلائِكَةِ. وفي الحَدِيثِ: «أطَّتِ السَّماءُ وحَقَّ لَها أنْ تَئِطَّ ما فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا ومَلَكٌ واضِعٌ جَبْهَتَهُ لِلَّهِ ساجِدًا» . (وما هي) أيِ: النّارُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، أوِ المُخاطَبَةُ والنِّذارَةُ، أوْ نارُ الدُّنْيا، أوِ الآياتُ الَّتِي ذُكِرَتْ، أوِ العِدَّةُ التِسْعَةَ عَشَرَ، أوِ الجُنُودُ، أقْوالٌ راجِحُها الأوَّلُ وهي سَقَرُ، ذَكَّرَ بِها البَشَرَ لِيَخافُوا ويُطِيعُوا. وقَدْ جَرى ذِكْرُ النّارِ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلْنا أصْحابَ النّارِ إلّا مَلائِكَةً﴾ . ﴿إلّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾ أيِ: الَّذِينَ أُهِّلُوا لِلتَّذَكُّرِ والِاعْتِبارِ. (كَلّا) قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَلّا إنْكارٌ بَعْدَ أنْ جَعَلَها ذِكْرى، أنْ يَكُونَ لَهم ذِكْرى لِأنَّهم لا يَتَذَكَّرُونَ. انْتَهى. ولا يَسُوغُ هَذا في حَقِّ اللَّهِ تَعالى أنْ يُخْبِرَ أنَّها ذِكْرى لِلْبَشَرِ، ثُمَّ يُنْكِرُ أنْ تَكُونَ لَهم ذِكْرى، وإنَّما قَوْلُهُ: (لِلْبَشَرِ) عامٌّ مَخْصُوصٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ رَدْعٌ لِمَن يُنْكِرُ أنْ يَكُونَ إحْدى الكُبَرِ نَذِيرًا. وقِيلَ: رَدْعٌ لِقَوْلِ أبِي جَهْلٍ وأصْحابِهِ أنَّهم يَقْدِرُونَ عَلى مُقاوَمَةِ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ. وقِيلَ: رَدْعٌ عَنِ الِاسْتِهْزاءِ بِالعِدَّةِ المَخْصُوصَةِ. وقالَ الفَرّاءُ: هي صِلَةٌ لِلْقَسَمِ، وقَدَّرَها بَعْضُهم بِحَقًّا، وبَعْضُهم بِألا الِاسْتِفْتاحِيَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها في آخِرِ سُورَةِمَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ. (والقَمَرِ ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾) أيْ: ولّى، ويُقالُ دَبَرَ وأدْبَرَ بِمَعْنًى واحِدٍ. أقْسَمَ تَعالى بِهَذِهِ الأشْياءِ تَشْرِيفًا لَها، وتَنْبِيهًا عَلى ما يَظْهَرُ بِها وفِيها مِن عَجائِبِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ، وقِوامُ الوُجُودِ بِإيجادِها. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ الزُّبَيْرِ ومُجاهِدٌ وعَطاءٌ، وابْنُ يَعْمُرَ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وأبُو الزِّنادِ، وقَتادَةُ وعُمَرُ بْنُ العَزِيزُ والحَسَنُ وطَلْحَةُ والنَّحْوِيّانِ والِابْنانِ وأبُو بَكْرٍ: (إذا) ظَرْفُ زَمانٍ مُسْتَقْبَلٍ دَبَرَ بِفَتْحِ الدّالِ. وابْنُ جُبَيْرٍ والسُّلَمِيُّ والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهم. وابْنُ سِيرِينَ والأعْرَجُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وأبُو شَيْخٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ونافِعٌ وحَمْزَةُ وحَفْصٌ: ”إذْ“ ظَرْفُ زَمانٍ ماضٍ، ”أدْبَرَ“ رُباعِيًّا. والحَسَنُ أيْضًا وأبُو رَزِينٍ وأبُو رَجاءٍ وابْنُ يَعْمُرَ أيْضًا، والسُّلَمِيُّ أيْضًا وطَلْحَةُ أيْضًا، والأعْمَشُ ويُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ ومَطَرٌ: إذا بِالألْفِ، (أدْبَرَ) بِالهَمْزِ، وكَذا هو في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ وأُبَيٍّ، وهو مُناسِبٌ لِقَوْلِهِ: ﴿إذا أسْفَرَ﴾ ويُقالُ: كَأمْسُ الدّابِرِ وأمْسُ المُدْبِرُ بِمَعْنى واحِدٍ. وقالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ: دَبَرَ: انْقَضى، وأدْبَرَ: تَوَلّى. وقالَ قَتادَةُ: دَبَرَ اللَّيْلُ: ولّى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ودَبَرَ بِمَعْنى أدْبَرَ، كـَ (قَبَلَ) بِمَعْنى أقْبَلَ. وقِيلَ: هو مِن دَبَرَ اللَّيْلُ النَّهارَ: أخْلَفَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أسْفَرَ) رُباعِيًّا. وابْنُ السَّمَيْقَعِ وعِيسى بْنُ الفَضْلِ: سَفَرَ ثُلاثِيًّا، والمَعْنى: طَرَحَ الظُّلْمَةَ عَنْ وجْهِهِ. ﴿إنَّها لَإحْدى الكُبَرِ﴾: الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ”إنَّها“ عائِدٌ عَلى النّارِ. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلنِّذارَةِ، وأمْرُ الآخِرَةِ فَهو لِلْحالِ والقِصَّةِ. وقِيلَ: إنَّ قِيامَ السّاعَةِ لَإحْدى الكُبَرِ، فَعادَ الضَّمِيرُ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ، ومَعْنى (إحْدى الكُبَرِ) الدَّواهِي الكُبَرِ، أيْ: لا نَظِيرَ لَها، كَما تَقُولُ: هو أحَدُ الرِّجالِ، وهي إحْدى النِّساءِ، والكُبَرُ: العَظائِمُ مِنَ العُقُوباتِ. (وقالَ الرّاجِزُ): ؎يا ابْنَ المُعَلّى نَزَلَتْ إحْدى الكُبَرِ داهِيَةُ الدَّهْرِ وصْماءُ الغِيَرِ والكُبَرُ جَمْعُ الكُبْرى، طُرِحَتْ ألِفُ التَّأْنِيثِ في الجَمْعِ، كَما طُرِحَتْ هَمْزَتُهُ في قاصِعاءَ فَقالُوا: قَواصِعُ. وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ: ”والكُبَرُ“ جَمْعُ كَبِيرَةٍ، ولَعَلَّهُ مِن وهْمِ النّاسِخِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لَإحْدى) بِالهَمْزِ، وهي مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ أصْلُهُ لَوِحْدى، وهو بَدَلٌ لازِمٌ. وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ووَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: بِحَذْفِ الهَمْزَةِ، وهو حَذْفٌ لا يَنْقاسُ، وتَخْفِيفُ مِثْلِ هَذِهِ الهَمْزَةِ أنْ تُجْعَلَ بَيْنَ بَيْنَ. والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ جَوابٌ لِلْقَسَمِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ تَعْلِيلٌ لِـ (كَلّا) والقَسَمُ مُعْتَرِضٌ لِلتَّوْكِيدِ. (p-٣٧٩)انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نَذِيرًا) واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنى الإنْذارِ، كالنَّكِيرِ بِمَعْنى الإنْكارِ، فَيَكُونُ تَمْيِيزًا أيْ: لَإحْدى الكُبَرِ إنْذارًا، كَما تَقُولُ: هي إحْدى النِّساءِ عَفافًا. كَما ضُمِّنَ إحْدى مَعْنى أعْظَمَ، جاءَ عَنْهُ التَّمْيِيزُ. وقالَ الفَرّاءُ: هو مَصْدَرٌ نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: أنْذِرْ إنْذارًا. واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمَ فاعِلٍ بِمَعْنى مُنْذِرٍ. فَقالَ الزَّجّاجُ: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (إنَّها) . وقِيلَ: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (إحْدى)، ومَن جَعَلَهُ مُتَّصِلًا بِـ (قُمْ) في أوَّلِ السُّورَةِ، أوْ بِـ (فَأنْذِرْ) في أوَّلِ السُّورَةِ، أوْ حالًا مِن (الكُبَرِ)، أوْ حالًا مِن ضَمِيرِ الكُبَرِ، فَهو بِمَعْزِلٍ عَنِ الصَّوابِ. قالَ أبُو البَقاءِ: والمُخْتارُ أنْ يَكُونَ حالًا مِمّا دَلَّتْ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ تَقْدِيرُهُ: عَظُمَتْ نَذِيرًا. انْتَهى، وهو قَوْلٌ لا بَأْسَ بِهِ. قالَ النَّحّاسُ: وحُذِفَتِ الهاءُ مِن (نَذِيرًا)، وإنْ كانَ لِلنّارِ عَلى مَعْنى النَّسَبِ، يَعْنِي ذاتَ الإنْذارِ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: أعْنِي نَذِيرًا. وقالَ الحَسَنُ: لِأُنْذِرَ، إذْ هي مِنَ النّارِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا القَوْلُ يَقْتَضِي أنَّ (نَذِيرًا) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ”إنَّها“، أوْ مِن قَوْلِهِ: (لَإحْدى) . قالَ أبُو رَزِينٍ: نَذِيرٌ هُنا هو اللَّهُ تَعالى، فَهو مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيِ: ادْعُوا نَذِيرًا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَذِيرٌ هُنا هو مُحَمَّدٌ ﷺ، فَهو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، أيْ: نادِ، أوْ بَلِّغْ، أوْ أعْلِنْ. وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: (نَذِيرٌ) بِالرَّفْعِ. فَإنْ كانَ مِن وصْفِ النّارِ، جازَ أنْ يَكُونَ خَبَرًا وخَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هي نَذِيرٌ. وإنْ كانَ مِن وصْفِ اللَّهِ أوِ الرَّسُولِ، فَهو عَلى إضْمارِ هو. والظّاهِرُ أنَّ (لِمَن) بَدَلٌ مِنَ البَشَرِ بِإعادَةِ الجارِّ، وأنْ يَتَقَدَّمَ مَنصُوبٌ بِـ (شاءَ) ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى مَن. وقِيلَ: الفاعِلُ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ: لِمَن شاءَ هو، أيِ: اللَّهُ تَعالى. وقالَ الحَسَنُ: هو وعِيدٌ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو بَيانٌ في النِّذارَةِ، وإعْلامٌ بِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَسْلُكُ طَرِيقَ الهُدى والحَقِّ إذا حَقَّقَ النَّظَرَ، إذْ هو بِعَيْنِهِ يَتَأخَّرُ عَنْ هَذِهِ الرُّتْبَةِ بِغَفْلَتِهِ وسُوءِ نَظَرِهِ. ثُمَّ قَوّى هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿أنْ يَتَقَدَّمَ﴾ في مَوْضِعِ الرَّفْعِ بِالِابْتِداءِ، و(لِمَن شاءَ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ، كَقَوْلِكَ لِمَن تَوَضَّأ: أنْ يُصَلِّيَ، ومَعْناهُ مُطْلَقٌ لِمَن شاءَ التَّقَدُّمَ أوِ التَّأخُّرَ أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ. والمُرادُ بِالتَّقَدُّمِ والتَّأخُّرِ: السَّبْقُ إلى الخَيْرِ والتَّخَلُّفُ عَنْهُ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] . انْتَهى، وهو مَعْنى لا يَتَبادَرُ إلى الذِّهْنِ وفِيهِ حَذْفٌ. قِيلَ: والتَّقَدُّمُ: الإيمانُ، والتَّأخُّرُ: الكُفْرُ. وقالَ السُّدِّيُّ: أنْ يَتَقَدَّمَ إلى النّارِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُها، أوْ يَتَأخَّرَ عَنْها إلى الجَنَّةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: أنْ يَتَقَدَّمَ إلى المَأْمُوراتِ، أوْ يَتَأخَّرَ عَنِ المَنهِيّاتِ، والظّاهِرُ العُمُومُ في كُلِّ نَفْسٍ. وقالَ الضَّحّاكُ: كُلُّ نَفْسٍ حَقِيقٌ عَلَيْها العَذابُ، ولا يَرْتَهِنُ اللَّهُ تَعالى أحَدًا مِن أهْلِ الجَنَّةِ، ورَهِينَةٌ بِمَعْنى رَهْنٍ، كالشَّتِيمَةِ بِمَعْنى الشَّتْمِ، ولَيْسَتْ بِمَعْنى مَفْعُولٍ؛ لِأنَّها بِغَيْرِ تاءٍ لِلْمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، نَحْوُ: رَجُلٌ قَتِيلٌ وامْرَأةٌ قَتِيلٌ، فالمَعْنى: كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهْنٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أبْعَدَ الَّذِي بِالنَّعْفِ نَعِفِ كُوَيْكِبٍ ∗∗∗ رَهِينَةُ رَمْسٍ ذِي تُرابٍ وجَنْدَلِ أيْ: رَمْسُ رَهْنٍ، والمَعْنى: أنَّ كُلَّ نَفْسٍ رَهْنٌ عِنْدَ اللَّهِ غَيْرُ مَفْكُوكٍ. وقِيلَ: الهاءُ في ”رَهِينَةٍ“ لِلْمُبالَغَةِ. وقِيلَ: عَلى تَأْنِيثِ اللَّفْظِ لا عَلى الإنْسانِ، والَّذِي أخْتارُهُ أنَّها مِمّا دَخَلَتْ فِيهِ التّاءُ، وإنْ كانَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ في الأصْلِ كالنَّطِيحَةِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ لَمّا كانَ خَبَرًا عَنِ المُذَكَّرِ كانَ بِغَيْرِ هاءٍ، قالَ تَعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١] . فَأنْتَ تَرى حَيْثُ كانَ خَبَرًا عَنِ المُذَكَّرِ أتى بِغَيْرِ تاءٍ؛ وحَيْثُ كانَ خَبَرًا عَنِ المُؤَنَّثِ أتى بِالتّاءِ، كَما في هَذِهِ الآيَةِ. فَأمّا الَّذِي في البَيْتِ فَأُنِّثَ عَلى مَعْنى النَّفْسِ. ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ المَلائِكَةُ. وقالَ عَلِيٌّ: هم أطْفالُ المُسْلِمِينَ. فَعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ يَكُونُ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، أيْ: لَكِنَّ أصْحابَ اليَمِينِ في جَنّاتٍ. وقالَ الحَسَنُ وابْنُ كَيْسانَ: هُمُ المُسْلِمُونَ المُخْلِصُونَ، لَيْسُوا بِمُرْتَهَنِينَ لِأنَّهم أدُّوا ما كانَ عَلَيْهِمْ، وهَذا كَقَوْلِ الضَّحّاكِ الَّذِي تَقَدَّمَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ (p-٣٨٠)فَإنَّهم فَكُّوا عَنْهُ رِقابَهم بِما أطابُوهُ مِن كَسْبِهِمْ، كَما يُخَلِّصُ الرّاهِنُ رَهْنَهُ بِأداءِ الحَقِّ. انْتَهى. وظاهِرُ هَذا أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ. (في جَنّاتٍ) أيْ: هم ﴿في جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ﴾ أيْ: يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا، أوْ يَكُونُ يَتَساءَلُ بِمَعْنى يَسْألُ، أيْ: يَسْألُونَ عَنْهم غَيْرَهم، كَما يُقالُ: دَعَوْتُهُ وتَداعَوْتُهُ بِمَعْناهُ. وعَلى هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ كَيْفَ جاءَ ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ بِالخِطابِ لِلْمُجْرِمِينَ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ. المَعْنى: أنَّ أصْحابَ اليَمِينِ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا، أوْ يَسْألُونَ غَيْرَهم عَنْ مَن غابَ مِن مَعارِفِهِمْ، فَإذا عَرَفُوا أنَّهم مُجْرِمُونَ في النّارِ قالُوا لَهم، أوْ قالَتْ لَهُمُ المَلائِكَةُ، هَكَذا قَدَّرَهُ بَعْضُهم، والأقْرَبُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: يَتَساءَلُونَ عَنِ المُجْرِمِينَ قائِلِينَ لَهم بَعْدَ التَّساؤُلِ: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ طابَقَ قَوْلُهُ: ﴿ما سَلَكَكُمْ﴾ ؟ وهو سُؤالٌ لِلْمُجْرِمِينَ، قَوْلَهُ: ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ ؟ وهو سُؤالٌ عَنْهم، وإنَّما كانَ يُطابِقُ ذَلِكَ لَوْ قِيلَ يَتَساءَلُونَ عَنِ المُجْرِمِينَ ما سَلَكَهم ؟ (قُلْتُ): ﴿ما سَلَكَكُمْ﴾ لَيْسَ بِبَيانٍ لِلتَّساؤُلِ عَنْهم، وإنَّما هو حِكايَةُ قَوْلِ المَسْئُولِينَ عَنْهم؛ لِأنَّ المَسْئُولِينَ يُلْقُونَ إلى السّائِلِينَ ما جَرى بَيْنَهم وبَيْنَ المُجْرِمِينَ، فَيَقُولُونَ: قُلْنا لَهم ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ إلّا أنَّ الكَلامَ جِيءَ بِهِ عَلى الحَذْفِ والِاخْتِصارِ، كَما هو نَهْجُ التَّنْزِيلِ في غَرابَةِ نَظْمِهِ. انْتَهى، وفِيهِ تَعَسُّفٌ. والأظْهَرُ أنَّ السّائِلِينَ هُمُ المُتَسائِلُونَ، وما سَلَكَكم عَلى إضْمارِ القَوْلِ كَما ذَكَرْنا، وسُؤالُهم سُؤالُ تَوْبِيخٍ لَهم وتَحْقِيرٍ، وإلّا فَهِمَ عالِمُونَ ما الَّذِي أدْخَلَهُمُ النّارَ. والجَوابُ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُتَّصِفِينَ بِخَصائِلِ الإسْلامِ مِن إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، ثُمَّ ارْتَقَوْا مِن ذَلِكَ إلى الأعْظَمِ، وهو الكُفْرُ والتَّكْذِيبُ بِيَوْمِ الجَزاءِ، كَقَوْلِهِمْ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] ثُمَّ قالَ: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧] . واليَقِينُ أيْ: يَقِينًا عَلى إنْكارِ يَوْمِ الجَزاءِ، أيْ: وقْتَ المَوْتِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: واليَقِينُ عِنْدِي صِحَّةُ ما كانُوا يُكَذِّبُونَ مِنَ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى والدّارِ الآخِرَةِ. وقالَ المُفَسِّرُونَ: اليَقِينُ: المَوْتُ، وذَلِكَ عِنْدِي هُنا مُتَعَقَّبٌ؛ لِأنَّ نَفْسَ المَوْتِ يَقِينٌ عِنْدَ الكافِرِ وهو حَيٌّ. وإنَّما اليَقِينُ الَّذِي عَنَوْا في هَذِهِ الآيَةِ الشَّيْءُ الَّذِي كانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ وهم أحْياءٌ في الدُّنْيا فَتَيَقَّنُوهُ بَعْدَ المَوْتِ، وإنَّما يَتَفَسَّرُ اليَقِينُ بِالمَوْتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] . ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾: لَيْسَ المَعْنى أنَّهم يُشْفَعُ لَهم فَلا تَنْفَعُ شَفاعَةُ مَن يَشْفَعُ لَهم، وإنَّما المَعْنى نَفْيُ الشَّفاعَةِ فانْتَفى النَّفْعُ، أيْ: لا شَفاعَةَ شافِعِينَ لَهم فَتَنْفَعُهم مِن بابِ: ؎عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ أيْ: لا مَنارَ لَهُ فَيُهْتَدى بِهِ. وتَخْصِيصُهم بِانْتِفاءِ شَفاعَةِ الشّافِعِينَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ قَدْ تَكُونُ شَفاعاتٌ ويُنْتَفَعُ بِها، ووَرَدَتْ أحادِيثُ في صِحَّةِ ذَلِكَ. ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ﴾ وهي مَواعِظُ القُرْآنِ الَّتِي تُذَكِّرُ الآخِرَةَ، (مُعْرِضِينَ) أيْ: والحالُ المُنْتَظَرَةُ هَذِهِ المَوْصُوفَةُ. ثُمَّ شَبَّهَهم بِالحُمُرِ المُسْتَنْفِرَةِ في شِدَّةِ إعْراضِهِمْ ونِفارِهِمْ عَنِ الإيمانِ وآياتِ اللَّهِ تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (حُمُرٌ) بِضَمِّ المِيمِ. والأعْمَشُ: بِإسْكانِها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ الحُمُرُ الوَحْشِيَّةُ، شَبَّهَهم تَعالى بِالحُمُرِ مَذَمَّةً وتَهْجِينًا لَهم. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: (مُسْتَنْفَرَةٌ) بِفَتْحِ الفاءِ، والمَعْنى: اسْتَنْفَرَها فَزَعُها مِنَ القَسْوَرَةِ. وباقِي السَّبْعَةِ بِكَسْرِها، أيْ: نافِرَةٌ. نَفَرَ واسْتَنْفَرَ بِمَعْنى عَجِبَ واسْتَعْجَبَ وسَخَرَ واسْتَسْخَرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: أمْسِكْ حِمارَكَ إنَّهُ مُسْتَنْفِرٌ في إثْرِ أحْمِرَةٍ عَهِدْنَ لَعُرَّبِ. ويُناسِبُ الكَسْرَ قَوْلُهُ: (فَرَّتْ) . وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلّامٍ: سَألْتُ أبا سِرارٍ الغَنَوِيَّ، وكانَ أعْرابِيًّا فَصِيحًا، فَقُلْتُ: كَأنَّهم حُمُرٌ ماذا مُسْتَنْفِرَةٌ ؟ قالَ: طَرَدَها قَسْوَرَةٌ. فَقُلْتُ: إنَّما هو ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾، قالَ: أفَرَّتْ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: فَمُسْتَنْفِرَةٌ إذَنْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ وقَتادَةُ وعِكْرِمَةُ: القَسْوَرَةُ، الرُّماةُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وأبُو هُرَيْرَةَ وجُمْهُورٌ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ: الأسَدُ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: رِجالُ (p-٣٨١)القَنْصِ، وهو قَرِيبٌ مِنَ القَوْلِ الأوَّلِ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: القَسْوَرَةُ أوَّلُ اللَّيْلِ، والمَعْنى: فَرَّتْ مِن ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، ولا شَيْءَ أشَدُّ نِفارًا مِن حُمُرِ الوَحْشِ، ولِذَلِكَ شَبَّهَتْ بِها العَرَبُ الإبِلَ في سُرْعَةِ سَيْرِها وخِفَّتِها. ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهُمْ﴾ أيْ: مِنَ المُعْرِضِينَ عَنْ عِظاتِ اللَّهِ وآياتِهِ ﴿أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ أيْ: مَنشُورَةٌ غَيْرُ مَطْوِيَّةٍ تُقْرَأُ كالكُتُبِ الَّتِي يُتَكاتَبُ بِها، أوْ كُتِبَتْ في السَّماءِ نَزَلَتْ بِها المَلائِكَةُ ساعَةَ كُتِبَتْ رَطْبَةً لَمْ تُطْوَ بَعْدُ، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لَنْ نَتَّبِعَكَ حَتّى يُؤْتى كُلٌّ واحِدٍ مِنّا بِكِتابٍ مِنَ السَّماءِ عُنْوانُهُ: مِن رَبِّ العالَمِينَ إلى فُلانِ بْنِ فُلانٍ، يُؤْمَرُ فِيها بِاتِّباعِكَ، ونَحْوُهُ ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزَّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] . ورُوِيَ أنَّ بَعْضَهم قالَ: إنْ كانَ يُكْتَبُ في صُحُفٍ ما يَعْمَلُ كُلُّ إنْسانٍ، فَلْتُعْرَضْ تِلْكَ الصُّحُفُ عَلَيْنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”صُحُفًا“ بِضَمِّ الصّادِ والحاءِ، (مُنَشَّرَةً) مُشَدَّدًا. وابْنُ جُبَيْرٍ: بِإسْكانِها (مُنْشَرَةً) مُخَفَّفًا، ونَشَرَ وأنْشَرَ مِثْلَ نَزَلَ وأنْزَلُ. شَبَّهَ نَشْرَ الصَّحِيفَةِ بِإنْشارِ اللَّهِ المَوْتى، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِـ(مُنَشَّرَةً) مِن أنُشِرَتْ، والمَحْفُوظُ في الصَّحِيفَةِ والثَّوْبِ نُشِرَ مُخَفَفًّا ثُلاثِيًّا، ويُقالُ في المَيِّتِ: أنْشَرَهُ اللَّهُ فَنُشِرَ هو، أيْ: أحْياهُ فَحَيِيَ. (كَلّا) رَدْعٌ عَنْ إرادَتِهِمْ تِلْكَ وزَجْرٌ لَهم عَنِ اقْتِراحِ الآياتِ ﴿بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ ولِذَلِكَ أعْرَضُوا عَنِ التَّذْكِرَةِ لا لِامْتِناعِ إيتاءِ الصُّحُفِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَخافُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ. وأبُو حَيْوَةَ: بِتاءِ الخِطابِ التَفاتًا. (كَلّا) رَدْعٌ عَنْ إعْراضِهِمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ ﴿إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ ذِكْرٌ في إنَّهِ وفي ذِكْرِهِ؛ لِأنَّ التَّذْكِرَةَ ذِكْرٌ. وقَرَأ نافِعٌ وسَلّامٌ ويَعْقُوبُ: تَذْكِرَةٌ بِتاءِ الخِطابِ ساكِنَةِ الذّالِ. وباقِي السَّبْعَةِ وأبُو جَعْفَرٍ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ، وعِيسى والأعْرَجُ: بِالياءِ. ورُوِيَ عَنْ أبِي حَيْوَةَ: يَذَّكَّرُونَ بِياءِ الغَيْبَةِ وشَدِّ الذّالِ. ورُوِيَ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ: تَذَّكَّرُونَ بِالتّاءِ وإدْغامِ التّاءِ في الذّالِ. ﴿هُوَ أهْلُ التَّقْوى﴾ أيْ: أهْلٌ أنْ يُتَّقى ويُخافَ، وأهْلٌ أنْ يَغْفِرَ. ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَسَّرَ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: ”يَقُولُ لَكم رَبُّكم جَلَّتْ قُدْرَتُهُ وعَظَمَتُهُ: أنا أهْلٌ أنْ أُتَّقى، فَلا يُجْعَلُ يُتَّقى إلَهٌ غَيْرِي، ومَنِ اتَّقى أنْ يَجْعَلَ مَعِيَ إلَهًا غَيْرِي فَأنا أغْفِرُ لَهُ“ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما يَذْكُرُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ يَعْنِي: إلّا أنْ يُقْسِرَهم عَلى الذِّكْرِ ويُلْجِئَهم إلَيْهِ؛ لِأنَّهم مَطْبُوعٌ عَلى قُلُوبِهِمْ، مَعْلُومٌ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ اخْتِيارًا.

المدثر 74:55

﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلّا هو وما هي إلّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾ ﴿كَلّا والقَمَرِ﴾ ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ ﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ ﴿إنَّها لَإحْدى الكُبَرِ﴾ ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ﴾ ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ ﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ ﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ ﴿كَلّا بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ ﴿كَلّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ ﴿وما يَذْكُرُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ هو أهْلُ التَّقْوى وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ . الكافُ في مَحَلِّ نَصْبٍ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما قَبْلَهُ مِن مَعْنى الإضْلالِ والهُدى، أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ (p-٣٧٨)المَذْكُورِ مِنَ الإضْلالِ والهُدى، يُضِلُّ الكافِرِينَ فَيَشُكُّونَ فَيَزِيدُهم كُفْرًا وضَلالًا، ويَهْدِي المُؤْمِنِينَ فَيَزِيدُهم إيمانًا. ﴿وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلّا هُوَ﴾: إعْلامٌ بِأنَّ الأمْرَ فَوْقَ ما يُتَوَهَّمُ، وأنَّ الجَزاءَ إنَّما هو عَنْ بَعْضِ القُدْرَةِ لا عَنْ كُلِّها، والسَّماءُ عامِرَةٌ بِأنْواعٍ مِنَ المَلائِكَةِ. وفي الحَدِيثِ: «أطَّتِ السَّماءُ وحَقَّ لَها أنْ تَئِطَّ ما فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا ومَلَكٌ واضِعٌ جَبْهَتَهُ لِلَّهِ ساجِدًا» . (وما هي) أيِ: النّارُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، أوِ المُخاطَبَةُ والنِّذارَةُ، أوْ نارُ الدُّنْيا، أوِ الآياتُ الَّتِي ذُكِرَتْ، أوِ العِدَّةُ التِسْعَةَ عَشَرَ، أوِ الجُنُودُ، أقْوالٌ راجِحُها الأوَّلُ وهي سَقَرُ، ذَكَّرَ بِها البَشَرَ لِيَخافُوا ويُطِيعُوا. وقَدْ جَرى ذِكْرُ النّارِ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلْنا أصْحابَ النّارِ إلّا مَلائِكَةً﴾ . ﴿إلّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾ أيِ: الَّذِينَ أُهِّلُوا لِلتَّذَكُّرِ والِاعْتِبارِ. (كَلّا) قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَلّا إنْكارٌ بَعْدَ أنْ جَعَلَها ذِكْرى، أنْ يَكُونَ لَهم ذِكْرى لِأنَّهم لا يَتَذَكَّرُونَ. انْتَهى. ولا يَسُوغُ هَذا في حَقِّ اللَّهِ تَعالى أنْ يُخْبِرَ أنَّها ذِكْرى لِلْبَشَرِ، ثُمَّ يُنْكِرُ أنْ تَكُونَ لَهم ذِكْرى، وإنَّما قَوْلُهُ: (لِلْبَشَرِ) عامٌّ مَخْصُوصٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ رَدْعٌ لِمَن يُنْكِرُ أنْ يَكُونَ إحْدى الكُبَرِ نَذِيرًا. وقِيلَ: رَدْعٌ لِقَوْلِ أبِي جَهْلٍ وأصْحابِهِ أنَّهم يَقْدِرُونَ عَلى مُقاوَمَةِ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ. وقِيلَ: رَدْعٌ عَنِ الِاسْتِهْزاءِ بِالعِدَّةِ المَخْصُوصَةِ. وقالَ الفَرّاءُ: هي صِلَةٌ لِلْقَسَمِ، وقَدَّرَها بَعْضُهم بِحَقًّا، وبَعْضُهم بِألا الِاسْتِفْتاحِيَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها في آخِرِ سُورَةِمَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ. (والقَمَرِ ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾) أيْ: ولّى، ويُقالُ دَبَرَ وأدْبَرَ بِمَعْنًى واحِدٍ. أقْسَمَ تَعالى بِهَذِهِ الأشْياءِ تَشْرِيفًا لَها، وتَنْبِيهًا عَلى ما يَظْهَرُ بِها وفِيها مِن عَجائِبِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ، وقِوامُ الوُجُودِ بِإيجادِها. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ الزُّبَيْرِ ومُجاهِدٌ وعَطاءٌ، وابْنُ يَعْمُرَ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وأبُو الزِّنادِ، وقَتادَةُ وعُمَرُ بْنُ العَزِيزُ والحَسَنُ وطَلْحَةُ والنَّحْوِيّانِ والِابْنانِ وأبُو بَكْرٍ: (إذا) ظَرْفُ زَمانٍ مُسْتَقْبَلٍ دَبَرَ بِفَتْحِ الدّالِ. وابْنُ جُبَيْرٍ والسُّلَمِيُّ والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهم. وابْنُ سِيرِينَ والأعْرَجُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وأبُو شَيْخٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ونافِعٌ وحَمْزَةُ وحَفْصٌ: ”إذْ“ ظَرْفُ زَمانٍ ماضٍ، ”أدْبَرَ“ رُباعِيًّا. والحَسَنُ أيْضًا وأبُو رَزِينٍ وأبُو رَجاءٍ وابْنُ يَعْمُرَ أيْضًا، والسُّلَمِيُّ أيْضًا وطَلْحَةُ أيْضًا، والأعْمَشُ ويُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ ومَطَرٌ: إذا بِالألْفِ، (أدْبَرَ) بِالهَمْزِ، وكَذا هو في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ وأُبَيٍّ، وهو مُناسِبٌ لِقَوْلِهِ: ﴿إذا أسْفَرَ﴾ ويُقالُ: كَأمْسُ الدّابِرِ وأمْسُ المُدْبِرُ بِمَعْنى واحِدٍ. وقالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ: دَبَرَ: انْقَضى، وأدْبَرَ: تَوَلّى. وقالَ قَتادَةُ: دَبَرَ اللَّيْلُ: ولّى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ودَبَرَ بِمَعْنى أدْبَرَ، كـَ (قَبَلَ) بِمَعْنى أقْبَلَ. وقِيلَ: هو مِن دَبَرَ اللَّيْلُ النَّهارَ: أخْلَفَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أسْفَرَ) رُباعِيًّا. وابْنُ السَّمَيْقَعِ وعِيسى بْنُ الفَضْلِ: سَفَرَ ثُلاثِيًّا، والمَعْنى: طَرَحَ الظُّلْمَةَ عَنْ وجْهِهِ. ﴿إنَّها لَإحْدى الكُبَرِ﴾: الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ”إنَّها“ عائِدٌ عَلى النّارِ. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلنِّذارَةِ، وأمْرُ الآخِرَةِ فَهو لِلْحالِ والقِصَّةِ. وقِيلَ: إنَّ قِيامَ السّاعَةِ لَإحْدى الكُبَرِ، فَعادَ الضَّمِيرُ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ، ومَعْنى (إحْدى الكُبَرِ) الدَّواهِي الكُبَرِ، أيْ: لا نَظِيرَ لَها، كَما تَقُولُ: هو أحَدُ الرِّجالِ، وهي إحْدى النِّساءِ، والكُبَرُ: العَظائِمُ مِنَ العُقُوباتِ. (وقالَ الرّاجِزُ): ؎يا ابْنَ المُعَلّى نَزَلَتْ إحْدى الكُبَرِ داهِيَةُ الدَّهْرِ وصْماءُ الغِيَرِ والكُبَرُ جَمْعُ الكُبْرى، طُرِحَتْ ألِفُ التَّأْنِيثِ في الجَمْعِ، كَما طُرِحَتْ هَمْزَتُهُ في قاصِعاءَ فَقالُوا: قَواصِعُ. وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ: ”والكُبَرُ“ جَمْعُ كَبِيرَةٍ، ولَعَلَّهُ مِن وهْمِ النّاسِخِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لَإحْدى) بِالهَمْزِ، وهي مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ أصْلُهُ لَوِحْدى، وهو بَدَلٌ لازِمٌ. وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ووَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: بِحَذْفِ الهَمْزَةِ، وهو حَذْفٌ لا يَنْقاسُ، وتَخْفِيفُ مِثْلِ هَذِهِ الهَمْزَةِ أنْ تُجْعَلَ بَيْنَ بَيْنَ. والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ جَوابٌ لِلْقَسَمِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ تَعْلِيلٌ لِـ (كَلّا) والقَسَمُ مُعْتَرِضٌ لِلتَّوْكِيدِ. (p-٣٧٩)انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نَذِيرًا) واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنى الإنْذارِ، كالنَّكِيرِ بِمَعْنى الإنْكارِ، فَيَكُونُ تَمْيِيزًا أيْ: لَإحْدى الكُبَرِ إنْذارًا، كَما تَقُولُ: هي إحْدى النِّساءِ عَفافًا. كَما ضُمِّنَ إحْدى مَعْنى أعْظَمَ، جاءَ عَنْهُ التَّمْيِيزُ. وقالَ الفَرّاءُ: هو مَصْدَرٌ نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: أنْذِرْ إنْذارًا. واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمَ فاعِلٍ بِمَعْنى مُنْذِرٍ. فَقالَ الزَّجّاجُ: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (إنَّها) . وقِيلَ: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (إحْدى)، ومَن جَعَلَهُ مُتَّصِلًا بِـ (قُمْ) في أوَّلِ السُّورَةِ، أوْ بِـ (فَأنْذِرْ) في أوَّلِ السُّورَةِ، أوْ حالًا مِن (الكُبَرِ)، أوْ حالًا مِن ضَمِيرِ الكُبَرِ، فَهو بِمَعْزِلٍ عَنِ الصَّوابِ. قالَ أبُو البَقاءِ: والمُخْتارُ أنْ يَكُونَ حالًا مِمّا دَلَّتْ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ تَقْدِيرُهُ: عَظُمَتْ نَذِيرًا. انْتَهى، وهو قَوْلٌ لا بَأْسَ بِهِ. قالَ النَّحّاسُ: وحُذِفَتِ الهاءُ مِن (نَذِيرًا)، وإنْ كانَ لِلنّارِ عَلى مَعْنى النَّسَبِ، يَعْنِي ذاتَ الإنْذارِ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: أعْنِي نَذِيرًا. وقالَ الحَسَنُ: لِأُنْذِرَ، إذْ هي مِنَ النّارِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا القَوْلُ يَقْتَضِي أنَّ (نَذِيرًا) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ”إنَّها“، أوْ مِن قَوْلِهِ: (لَإحْدى) . قالَ أبُو رَزِينٍ: نَذِيرٌ هُنا هو اللَّهُ تَعالى، فَهو مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيِ: ادْعُوا نَذِيرًا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَذِيرٌ هُنا هو مُحَمَّدٌ ﷺ، فَهو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، أيْ: نادِ، أوْ بَلِّغْ، أوْ أعْلِنْ. وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: (نَذِيرٌ) بِالرَّفْعِ. فَإنْ كانَ مِن وصْفِ النّارِ، جازَ أنْ يَكُونَ خَبَرًا وخَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هي نَذِيرٌ. وإنْ كانَ مِن وصْفِ اللَّهِ أوِ الرَّسُولِ، فَهو عَلى إضْمارِ هو. والظّاهِرُ أنَّ (لِمَن) بَدَلٌ مِنَ البَشَرِ بِإعادَةِ الجارِّ، وأنْ يَتَقَدَّمَ مَنصُوبٌ بِـ (شاءَ) ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى مَن. وقِيلَ: الفاعِلُ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ: لِمَن شاءَ هو، أيِ: اللَّهُ تَعالى. وقالَ الحَسَنُ: هو وعِيدٌ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو بَيانٌ في النِّذارَةِ، وإعْلامٌ بِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَسْلُكُ طَرِيقَ الهُدى والحَقِّ إذا حَقَّقَ النَّظَرَ، إذْ هو بِعَيْنِهِ يَتَأخَّرُ عَنْ هَذِهِ الرُّتْبَةِ بِغَفْلَتِهِ وسُوءِ نَظَرِهِ. ثُمَّ قَوّى هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿أنْ يَتَقَدَّمَ﴾ في مَوْضِعِ الرَّفْعِ بِالِابْتِداءِ، و(لِمَن شاءَ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ، كَقَوْلِكَ لِمَن تَوَضَّأ: أنْ يُصَلِّيَ، ومَعْناهُ مُطْلَقٌ لِمَن شاءَ التَّقَدُّمَ أوِ التَّأخُّرَ أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ. والمُرادُ بِالتَّقَدُّمِ والتَّأخُّرِ: السَّبْقُ إلى الخَيْرِ والتَّخَلُّفُ عَنْهُ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] . انْتَهى، وهو مَعْنى لا يَتَبادَرُ إلى الذِّهْنِ وفِيهِ حَذْفٌ. قِيلَ: والتَّقَدُّمُ: الإيمانُ، والتَّأخُّرُ: الكُفْرُ. وقالَ السُّدِّيُّ: أنْ يَتَقَدَّمَ إلى النّارِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُها، أوْ يَتَأخَّرَ عَنْها إلى الجَنَّةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: أنْ يَتَقَدَّمَ إلى المَأْمُوراتِ، أوْ يَتَأخَّرَ عَنِ المَنهِيّاتِ، والظّاهِرُ العُمُومُ في كُلِّ نَفْسٍ. وقالَ الضَّحّاكُ: كُلُّ نَفْسٍ حَقِيقٌ عَلَيْها العَذابُ، ولا يَرْتَهِنُ اللَّهُ تَعالى أحَدًا مِن أهْلِ الجَنَّةِ، ورَهِينَةٌ بِمَعْنى رَهْنٍ، كالشَّتِيمَةِ بِمَعْنى الشَّتْمِ، ولَيْسَتْ بِمَعْنى مَفْعُولٍ؛ لِأنَّها بِغَيْرِ تاءٍ لِلْمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، نَحْوُ: رَجُلٌ قَتِيلٌ وامْرَأةٌ قَتِيلٌ، فالمَعْنى: كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهْنٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أبْعَدَ الَّذِي بِالنَّعْفِ نَعِفِ كُوَيْكِبٍ ∗∗∗ رَهِينَةُ رَمْسٍ ذِي تُرابٍ وجَنْدَلِ أيْ: رَمْسُ رَهْنٍ، والمَعْنى: أنَّ كُلَّ نَفْسٍ رَهْنٌ عِنْدَ اللَّهِ غَيْرُ مَفْكُوكٍ. وقِيلَ: الهاءُ في ”رَهِينَةٍ“ لِلْمُبالَغَةِ. وقِيلَ: عَلى تَأْنِيثِ اللَّفْظِ لا عَلى الإنْسانِ، والَّذِي أخْتارُهُ أنَّها مِمّا دَخَلَتْ فِيهِ التّاءُ، وإنْ كانَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ في الأصْلِ كالنَّطِيحَةِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ لَمّا كانَ خَبَرًا عَنِ المُذَكَّرِ كانَ بِغَيْرِ هاءٍ، قالَ تَعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١] . فَأنْتَ تَرى حَيْثُ كانَ خَبَرًا عَنِ المُذَكَّرِ أتى بِغَيْرِ تاءٍ؛ وحَيْثُ كانَ خَبَرًا عَنِ المُؤَنَّثِ أتى بِالتّاءِ، كَما في هَذِهِ الآيَةِ. فَأمّا الَّذِي في البَيْتِ فَأُنِّثَ عَلى مَعْنى النَّفْسِ. ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ المَلائِكَةُ. وقالَ عَلِيٌّ: هم أطْفالُ المُسْلِمِينَ. فَعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ يَكُونُ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، أيْ: لَكِنَّ أصْحابَ اليَمِينِ في جَنّاتٍ. وقالَ الحَسَنُ وابْنُ كَيْسانَ: هُمُ المُسْلِمُونَ المُخْلِصُونَ، لَيْسُوا بِمُرْتَهَنِينَ لِأنَّهم أدُّوا ما كانَ عَلَيْهِمْ، وهَذا كَقَوْلِ الضَّحّاكِ الَّذِي تَقَدَّمَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ (p-٣٨٠)فَإنَّهم فَكُّوا عَنْهُ رِقابَهم بِما أطابُوهُ مِن كَسْبِهِمْ، كَما يُخَلِّصُ الرّاهِنُ رَهْنَهُ بِأداءِ الحَقِّ. انْتَهى. وظاهِرُ هَذا أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ. (في جَنّاتٍ) أيْ: هم ﴿في جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ﴾ أيْ: يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا، أوْ يَكُونُ يَتَساءَلُ بِمَعْنى يَسْألُ، أيْ: يَسْألُونَ عَنْهم غَيْرَهم، كَما يُقالُ: دَعَوْتُهُ وتَداعَوْتُهُ بِمَعْناهُ. وعَلى هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ كَيْفَ جاءَ ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ بِالخِطابِ لِلْمُجْرِمِينَ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ. المَعْنى: أنَّ أصْحابَ اليَمِينِ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا، أوْ يَسْألُونَ غَيْرَهم عَنْ مَن غابَ مِن مَعارِفِهِمْ، فَإذا عَرَفُوا أنَّهم مُجْرِمُونَ في النّارِ قالُوا لَهم، أوْ قالَتْ لَهُمُ المَلائِكَةُ، هَكَذا قَدَّرَهُ بَعْضُهم، والأقْرَبُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: يَتَساءَلُونَ عَنِ المُجْرِمِينَ قائِلِينَ لَهم بَعْدَ التَّساؤُلِ: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ طابَقَ قَوْلُهُ: ﴿ما سَلَكَكُمْ﴾ ؟ وهو سُؤالٌ لِلْمُجْرِمِينَ، قَوْلَهُ: ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ ؟ وهو سُؤالٌ عَنْهم، وإنَّما كانَ يُطابِقُ ذَلِكَ لَوْ قِيلَ يَتَساءَلُونَ عَنِ المُجْرِمِينَ ما سَلَكَهم ؟ (قُلْتُ): ﴿ما سَلَكَكُمْ﴾ لَيْسَ بِبَيانٍ لِلتَّساؤُلِ عَنْهم، وإنَّما هو حِكايَةُ قَوْلِ المَسْئُولِينَ عَنْهم؛ لِأنَّ المَسْئُولِينَ يُلْقُونَ إلى السّائِلِينَ ما جَرى بَيْنَهم وبَيْنَ المُجْرِمِينَ، فَيَقُولُونَ: قُلْنا لَهم ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ إلّا أنَّ الكَلامَ جِيءَ بِهِ عَلى الحَذْفِ والِاخْتِصارِ، كَما هو نَهْجُ التَّنْزِيلِ في غَرابَةِ نَظْمِهِ. انْتَهى، وفِيهِ تَعَسُّفٌ. والأظْهَرُ أنَّ السّائِلِينَ هُمُ المُتَسائِلُونَ، وما سَلَكَكم عَلى إضْمارِ القَوْلِ كَما ذَكَرْنا، وسُؤالُهم سُؤالُ تَوْبِيخٍ لَهم وتَحْقِيرٍ، وإلّا فَهِمَ عالِمُونَ ما الَّذِي أدْخَلَهُمُ النّارَ. والجَوابُ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُتَّصِفِينَ بِخَصائِلِ الإسْلامِ مِن إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، ثُمَّ ارْتَقَوْا مِن ذَلِكَ إلى الأعْظَمِ، وهو الكُفْرُ والتَّكْذِيبُ بِيَوْمِ الجَزاءِ، كَقَوْلِهِمْ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] ثُمَّ قالَ: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧] . واليَقِينُ أيْ: يَقِينًا عَلى إنْكارِ يَوْمِ الجَزاءِ، أيْ: وقْتَ المَوْتِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: واليَقِينُ عِنْدِي صِحَّةُ ما كانُوا يُكَذِّبُونَ مِنَ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى والدّارِ الآخِرَةِ. وقالَ المُفَسِّرُونَ: اليَقِينُ: المَوْتُ، وذَلِكَ عِنْدِي هُنا مُتَعَقَّبٌ؛ لِأنَّ نَفْسَ المَوْتِ يَقِينٌ عِنْدَ الكافِرِ وهو حَيٌّ. وإنَّما اليَقِينُ الَّذِي عَنَوْا في هَذِهِ الآيَةِ الشَّيْءُ الَّذِي كانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ وهم أحْياءٌ في الدُّنْيا فَتَيَقَّنُوهُ بَعْدَ المَوْتِ، وإنَّما يَتَفَسَّرُ اليَقِينُ بِالمَوْتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] . ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾: لَيْسَ المَعْنى أنَّهم يُشْفَعُ لَهم فَلا تَنْفَعُ شَفاعَةُ مَن يَشْفَعُ لَهم، وإنَّما المَعْنى نَفْيُ الشَّفاعَةِ فانْتَفى النَّفْعُ، أيْ: لا شَفاعَةَ شافِعِينَ لَهم فَتَنْفَعُهم مِن بابِ: ؎عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ أيْ: لا مَنارَ لَهُ فَيُهْتَدى بِهِ. وتَخْصِيصُهم بِانْتِفاءِ شَفاعَةِ الشّافِعِينَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ قَدْ تَكُونُ شَفاعاتٌ ويُنْتَفَعُ بِها، ووَرَدَتْ أحادِيثُ في صِحَّةِ ذَلِكَ. ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ﴾ وهي مَواعِظُ القُرْآنِ الَّتِي تُذَكِّرُ الآخِرَةَ، (مُعْرِضِينَ) أيْ: والحالُ المُنْتَظَرَةُ هَذِهِ المَوْصُوفَةُ. ثُمَّ شَبَّهَهم بِالحُمُرِ المُسْتَنْفِرَةِ في شِدَّةِ إعْراضِهِمْ ونِفارِهِمْ عَنِ الإيمانِ وآياتِ اللَّهِ تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (حُمُرٌ) بِضَمِّ المِيمِ. والأعْمَشُ: بِإسْكانِها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ الحُمُرُ الوَحْشِيَّةُ، شَبَّهَهم تَعالى بِالحُمُرِ مَذَمَّةً وتَهْجِينًا لَهم. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: (مُسْتَنْفَرَةٌ) بِفَتْحِ الفاءِ، والمَعْنى: اسْتَنْفَرَها فَزَعُها مِنَ القَسْوَرَةِ. وباقِي السَّبْعَةِ بِكَسْرِها، أيْ: نافِرَةٌ. نَفَرَ واسْتَنْفَرَ بِمَعْنى عَجِبَ واسْتَعْجَبَ وسَخَرَ واسْتَسْخَرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: أمْسِكْ حِمارَكَ إنَّهُ مُسْتَنْفِرٌ في إثْرِ أحْمِرَةٍ عَهِدْنَ لَعُرَّبِ. ويُناسِبُ الكَسْرَ قَوْلُهُ: (فَرَّتْ) . وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلّامٍ: سَألْتُ أبا سِرارٍ الغَنَوِيَّ، وكانَ أعْرابِيًّا فَصِيحًا، فَقُلْتُ: كَأنَّهم حُمُرٌ ماذا مُسْتَنْفِرَةٌ ؟ قالَ: طَرَدَها قَسْوَرَةٌ. فَقُلْتُ: إنَّما هو ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾، قالَ: أفَرَّتْ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: فَمُسْتَنْفِرَةٌ إذَنْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ وقَتادَةُ وعِكْرِمَةُ: القَسْوَرَةُ، الرُّماةُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وأبُو هُرَيْرَةَ وجُمْهُورٌ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ: الأسَدُ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: رِجالُ (p-٣٨١)القَنْصِ، وهو قَرِيبٌ مِنَ القَوْلِ الأوَّلِ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: القَسْوَرَةُ أوَّلُ اللَّيْلِ، والمَعْنى: فَرَّتْ مِن ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، ولا شَيْءَ أشَدُّ نِفارًا مِن حُمُرِ الوَحْشِ، ولِذَلِكَ شَبَّهَتْ بِها العَرَبُ الإبِلَ في سُرْعَةِ سَيْرِها وخِفَّتِها. ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهُمْ﴾ أيْ: مِنَ المُعْرِضِينَ عَنْ عِظاتِ اللَّهِ وآياتِهِ ﴿أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ أيْ: مَنشُورَةٌ غَيْرُ مَطْوِيَّةٍ تُقْرَأُ كالكُتُبِ الَّتِي يُتَكاتَبُ بِها، أوْ كُتِبَتْ في السَّماءِ نَزَلَتْ بِها المَلائِكَةُ ساعَةَ كُتِبَتْ رَطْبَةً لَمْ تُطْوَ بَعْدُ، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لَنْ نَتَّبِعَكَ حَتّى يُؤْتى كُلٌّ واحِدٍ مِنّا بِكِتابٍ مِنَ السَّماءِ عُنْوانُهُ: مِن رَبِّ العالَمِينَ إلى فُلانِ بْنِ فُلانٍ، يُؤْمَرُ فِيها بِاتِّباعِكَ، ونَحْوُهُ ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزَّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] . ورُوِيَ أنَّ بَعْضَهم قالَ: إنْ كانَ يُكْتَبُ في صُحُفٍ ما يَعْمَلُ كُلُّ إنْسانٍ، فَلْتُعْرَضْ تِلْكَ الصُّحُفُ عَلَيْنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”صُحُفًا“ بِضَمِّ الصّادِ والحاءِ، (مُنَشَّرَةً) مُشَدَّدًا. وابْنُ جُبَيْرٍ: بِإسْكانِها (مُنْشَرَةً) مُخَفَّفًا، ونَشَرَ وأنْشَرَ مِثْلَ نَزَلَ وأنْزَلُ. شَبَّهَ نَشْرَ الصَّحِيفَةِ بِإنْشارِ اللَّهِ المَوْتى، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِـ(مُنَشَّرَةً) مِن أنُشِرَتْ، والمَحْفُوظُ في الصَّحِيفَةِ والثَّوْبِ نُشِرَ مُخَفَفًّا ثُلاثِيًّا، ويُقالُ في المَيِّتِ: أنْشَرَهُ اللَّهُ فَنُشِرَ هو، أيْ: أحْياهُ فَحَيِيَ. (كَلّا) رَدْعٌ عَنْ إرادَتِهِمْ تِلْكَ وزَجْرٌ لَهم عَنِ اقْتِراحِ الآياتِ ﴿بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ ولِذَلِكَ أعْرَضُوا عَنِ التَّذْكِرَةِ لا لِامْتِناعِ إيتاءِ الصُّحُفِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَخافُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ. وأبُو حَيْوَةَ: بِتاءِ الخِطابِ التَفاتًا. (كَلّا) رَدْعٌ عَنْ إعْراضِهِمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ ﴿إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ ذِكْرٌ في إنَّهِ وفي ذِكْرِهِ؛ لِأنَّ التَّذْكِرَةَ ذِكْرٌ. وقَرَأ نافِعٌ وسَلّامٌ ويَعْقُوبُ: تَذْكِرَةٌ بِتاءِ الخِطابِ ساكِنَةِ الذّالِ. وباقِي السَّبْعَةِ وأبُو جَعْفَرٍ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ، وعِيسى والأعْرَجُ: بِالياءِ. ورُوِيَ عَنْ أبِي حَيْوَةَ: يَذَّكَّرُونَ بِياءِ الغَيْبَةِ وشَدِّ الذّالِ. ورُوِيَ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ: تَذَّكَّرُونَ بِالتّاءِ وإدْغامِ التّاءِ في الذّالِ. ﴿هُوَ أهْلُ التَّقْوى﴾ أيْ: أهْلٌ أنْ يُتَّقى ويُخافَ، وأهْلٌ أنْ يَغْفِرَ. ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَسَّرَ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: ”يَقُولُ لَكم رَبُّكم جَلَّتْ قُدْرَتُهُ وعَظَمَتُهُ: أنا أهْلٌ أنْ أُتَّقى، فَلا يُجْعَلُ يُتَّقى إلَهٌ غَيْرِي، ومَنِ اتَّقى أنْ يَجْعَلَ مَعِيَ إلَهًا غَيْرِي فَأنا أغْفِرُ لَهُ“ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما يَذْكُرُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ يَعْنِي: إلّا أنْ يُقْسِرَهم عَلى الذِّكْرِ ويُلْجِئَهم إلَيْهِ؛ لِأنَّهم مَطْبُوعٌ عَلى قُلُوبِهِمْ، مَعْلُومٌ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ اخْتِيارًا.

المدثر 74:56

﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلّا هو وما هي إلّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾ ﴿كَلّا والقَمَرِ﴾ ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ ﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ ﴿إنَّها لَإحْدى الكُبَرِ﴾ ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ﴾ ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ ﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ ﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ ﴿كَلّا بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ ﴿كَلّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ ﴿وما يَذْكُرُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ هو أهْلُ التَّقْوى وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ . الكافُ في مَحَلِّ نَصْبٍ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما قَبْلَهُ مِن مَعْنى الإضْلالِ والهُدى، أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ (p-٣٧٨)المَذْكُورِ مِنَ الإضْلالِ والهُدى، يُضِلُّ الكافِرِينَ فَيَشُكُّونَ فَيَزِيدُهم كُفْرًا وضَلالًا، ويَهْدِي المُؤْمِنِينَ فَيَزِيدُهم إيمانًا. ﴿وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلّا هُوَ﴾: إعْلامٌ بِأنَّ الأمْرَ فَوْقَ ما يُتَوَهَّمُ، وأنَّ الجَزاءَ إنَّما هو عَنْ بَعْضِ القُدْرَةِ لا عَنْ كُلِّها، والسَّماءُ عامِرَةٌ بِأنْواعٍ مِنَ المَلائِكَةِ. وفي الحَدِيثِ: «أطَّتِ السَّماءُ وحَقَّ لَها أنْ تَئِطَّ ما فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا ومَلَكٌ واضِعٌ جَبْهَتَهُ لِلَّهِ ساجِدًا» . (وما هي) أيِ: النّارُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، أوِ المُخاطَبَةُ والنِّذارَةُ، أوْ نارُ الدُّنْيا، أوِ الآياتُ الَّتِي ذُكِرَتْ، أوِ العِدَّةُ التِسْعَةَ عَشَرَ، أوِ الجُنُودُ، أقْوالٌ راجِحُها الأوَّلُ وهي سَقَرُ، ذَكَّرَ بِها البَشَرَ لِيَخافُوا ويُطِيعُوا. وقَدْ جَرى ذِكْرُ النّارِ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلْنا أصْحابَ النّارِ إلّا مَلائِكَةً﴾ . ﴿إلّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾ أيِ: الَّذِينَ أُهِّلُوا لِلتَّذَكُّرِ والِاعْتِبارِ. (كَلّا) قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَلّا إنْكارٌ بَعْدَ أنْ جَعَلَها ذِكْرى، أنْ يَكُونَ لَهم ذِكْرى لِأنَّهم لا يَتَذَكَّرُونَ. انْتَهى. ولا يَسُوغُ هَذا في حَقِّ اللَّهِ تَعالى أنْ يُخْبِرَ أنَّها ذِكْرى لِلْبَشَرِ، ثُمَّ يُنْكِرُ أنْ تَكُونَ لَهم ذِكْرى، وإنَّما قَوْلُهُ: (لِلْبَشَرِ) عامٌّ مَخْصُوصٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ رَدْعٌ لِمَن يُنْكِرُ أنْ يَكُونَ إحْدى الكُبَرِ نَذِيرًا. وقِيلَ: رَدْعٌ لِقَوْلِ أبِي جَهْلٍ وأصْحابِهِ أنَّهم يَقْدِرُونَ عَلى مُقاوَمَةِ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ. وقِيلَ: رَدْعٌ عَنِ الِاسْتِهْزاءِ بِالعِدَّةِ المَخْصُوصَةِ. وقالَ الفَرّاءُ: هي صِلَةٌ لِلْقَسَمِ، وقَدَّرَها بَعْضُهم بِحَقًّا، وبَعْضُهم بِألا الِاسْتِفْتاحِيَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها في آخِرِ سُورَةِمَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ. (والقَمَرِ ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾) أيْ: ولّى، ويُقالُ دَبَرَ وأدْبَرَ بِمَعْنًى واحِدٍ. أقْسَمَ تَعالى بِهَذِهِ الأشْياءِ تَشْرِيفًا لَها، وتَنْبِيهًا عَلى ما يَظْهَرُ بِها وفِيها مِن عَجائِبِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ، وقِوامُ الوُجُودِ بِإيجادِها. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ الزُّبَيْرِ ومُجاهِدٌ وعَطاءٌ، وابْنُ يَعْمُرَ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وأبُو الزِّنادِ، وقَتادَةُ وعُمَرُ بْنُ العَزِيزُ والحَسَنُ وطَلْحَةُ والنَّحْوِيّانِ والِابْنانِ وأبُو بَكْرٍ: (إذا) ظَرْفُ زَمانٍ مُسْتَقْبَلٍ دَبَرَ بِفَتْحِ الدّالِ. وابْنُ جُبَيْرٍ والسُّلَمِيُّ والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهم. وابْنُ سِيرِينَ والأعْرَجُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وأبُو شَيْخٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ونافِعٌ وحَمْزَةُ وحَفْصٌ: ”إذْ“ ظَرْفُ زَمانٍ ماضٍ، ”أدْبَرَ“ رُباعِيًّا. والحَسَنُ أيْضًا وأبُو رَزِينٍ وأبُو رَجاءٍ وابْنُ يَعْمُرَ أيْضًا، والسُّلَمِيُّ أيْضًا وطَلْحَةُ أيْضًا، والأعْمَشُ ويُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ ومَطَرٌ: إذا بِالألْفِ، (أدْبَرَ) بِالهَمْزِ، وكَذا هو في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ وأُبَيٍّ، وهو مُناسِبٌ لِقَوْلِهِ: ﴿إذا أسْفَرَ﴾ ويُقالُ: كَأمْسُ الدّابِرِ وأمْسُ المُدْبِرُ بِمَعْنى واحِدٍ. وقالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ: دَبَرَ: انْقَضى، وأدْبَرَ: تَوَلّى. وقالَ قَتادَةُ: دَبَرَ اللَّيْلُ: ولّى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ودَبَرَ بِمَعْنى أدْبَرَ، كـَ (قَبَلَ) بِمَعْنى أقْبَلَ. وقِيلَ: هو مِن دَبَرَ اللَّيْلُ النَّهارَ: أخْلَفَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أسْفَرَ) رُباعِيًّا. وابْنُ السَّمَيْقَعِ وعِيسى بْنُ الفَضْلِ: سَفَرَ ثُلاثِيًّا، والمَعْنى: طَرَحَ الظُّلْمَةَ عَنْ وجْهِهِ. ﴿إنَّها لَإحْدى الكُبَرِ﴾: الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ”إنَّها“ عائِدٌ عَلى النّارِ. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلنِّذارَةِ، وأمْرُ الآخِرَةِ فَهو لِلْحالِ والقِصَّةِ. وقِيلَ: إنَّ قِيامَ السّاعَةِ لَإحْدى الكُبَرِ، فَعادَ الضَّمِيرُ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ، ومَعْنى (إحْدى الكُبَرِ) الدَّواهِي الكُبَرِ، أيْ: لا نَظِيرَ لَها، كَما تَقُولُ: هو أحَدُ الرِّجالِ، وهي إحْدى النِّساءِ، والكُبَرُ: العَظائِمُ مِنَ العُقُوباتِ. (وقالَ الرّاجِزُ): ؎يا ابْنَ المُعَلّى نَزَلَتْ إحْدى الكُبَرِ داهِيَةُ الدَّهْرِ وصْماءُ الغِيَرِ والكُبَرُ جَمْعُ الكُبْرى، طُرِحَتْ ألِفُ التَّأْنِيثِ في الجَمْعِ، كَما طُرِحَتْ هَمْزَتُهُ في قاصِعاءَ فَقالُوا: قَواصِعُ. وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ: ”والكُبَرُ“ جَمْعُ كَبِيرَةٍ، ولَعَلَّهُ مِن وهْمِ النّاسِخِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لَإحْدى) بِالهَمْزِ، وهي مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ أصْلُهُ لَوِحْدى، وهو بَدَلٌ لازِمٌ. وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ووَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: بِحَذْفِ الهَمْزَةِ، وهو حَذْفٌ لا يَنْقاسُ، وتَخْفِيفُ مِثْلِ هَذِهِ الهَمْزَةِ أنْ تُجْعَلَ بَيْنَ بَيْنَ. والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ جَوابٌ لِلْقَسَمِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ تَعْلِيلٌ لِـ (كَلّا) والقَسَمُ مُعْتَرِضٌ لِلتَّوْكِيدِ. (p-٣٧٩)انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نَذِيرًا) واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنى الإنْذارِ، كالنَّكِيرِ بِمَعْنى الإنْكارِ، فَيَكُونُ تَمْيِيزًا أيْ: لَإحْدى الكُبَرِ إنْذارًا، كَما تَقُولُ: هي إحْدى النِّساءِ عَفافًا. كَما ضُمِّنَ إحْدى مَعْنى أعْظَمَ، جاءَ عَنْهُ التَّمْيِيزُ. وقالَ الفَرّاءُ: هو مَصْدَرٌ نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: أنْذِرْ إنْذارًا. واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمَ فاعِلٍ بِمَعْنى مُنْذِرٍ. فَقالَ الزَّجّاجُ: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (إنَّها) . وقِيلَ: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (إحْدى)، ومَن جَعَلَهُ مُتَّصِلًا بِـ (قُمْ) في أوَّلِ السُّورَةِ، أوْ بِـ (فَأنْذِرْ) في أوَّلِ السُّورَةِ، أوْ حالًا مِن (الكُبَرِ)، أوْ حالًا مِن ضَمِيرِ الكُبَرِ، فَهو بِمَعْزِلٍ عَنِ الصَّوابِ. قالَ أبُو البَقاءِ: والمُخْتارُ أنْ يَكُونَ حالًا مِمّا دَلَّتْ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ تَقْدِيرُهُ: عَظُمَتْ نَذِيرًا. انْتَهى، وهو قَوْلٌ لا بَأْسَ بِهِ. قالَ النَّحّاسُ: وحُذِفَتِ الهاءُ مِن (نَذِيرًا)، وإنْ كانَ لِلنّارِ عَلى مَعْنى النَّسَبِ، يَعْنِي ذاتَ الإنْذارِ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: أعْنِي نَذِيرًا. وقالَ الحَسَنُ: لِأُنْذِرَ، إذْ هي مِنَ النّارِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا القَوْلُ يَقْتَضِي أنَّ (نَذِيرًا) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ”إنَّها“، أوْ مِن قَوْلِهِ: (لَإحْدى) . قالَ أبُو رَزِينٍ: نَذِيرٌ هُنا هو اللَّهُ تَعالى، فَهو مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيِ: ادْعُوا نَذِيرًا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَذِيرٌ هُنا هو مُحَمَّدٌ ﷺ، فَهو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، أيْ: نادِ، أوْ بَلِّغْ، أوْ أعْلِنْ. وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: (نَذِيرٌ) بِالرَّفْعِ. فَإنْ كانَ مِن وصْفِ النّارِ، جازَ أنْ يَكُونَ خَبَرًا وخَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هي نَذِيرٌ. وإنْ كانَ مِن وصْفِ اللَّهِ أوِ الرَّسُولِ، فَهو عَلى إضْمارِ هو. والظّاهِرُ أنَّ (لِمَن) بَدَلٌ مِنَ البَشَرِ بِإعادَةِ الجارِّ، وأنْ يَتَقَدَّمَ مَنصُوبٌ بِـ (شاءَ) ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى مَن. وقِيلَ: الفاعِلُ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ: لِمَن شاءَ هو، أيِ: اللَّهُ تَعالى. وقالَ الحَسَنُ: هو وعِيدٌ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو بَيانٌ في النِّذارَةِ، وإعْلامٌ بِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَسْلُكُ طَرِيقَ الهُدى والحَقِّ إذا حَقَّقَ النَّظَرَ، إذْ هو بِعَيْنِهِ يَتَأخَّرُ عَنْ هَذِهِ الرُّتْبَةِ بِغَفْلَتِهِ وسُوءِ نَظَرِهِ. ثُمَّ قَوّى هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿أنْ يَتَقَدَّمَ﴾ في مَوْضِعِ الرَّفْعِ بِالِابْتِداءِ، و(لِمَن شاءَ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ، كَقَوْلِكَ لِمَن تَوَضَّأ: أنْ يُصَلِّيَ، ومَعْناهُ مُطْلَقٌ لِمَن شاءَ التَّقَدُّمَ أوِ التَّأخُّرَ أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ. والمُرادُ بِالتَّقَدُّمِ والتَّأخُّرِ: السَّبْقُ إلى الخَيْرِ والتَّخَلُّفُ عَنْهُ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] . انْتَهى، وهو مَعْنى لا يَتَبادَرُ إلى الذِّهْنِ وفِيهِ حَذْفٌ. قِيلَ: والتَّقَدُّمُ: الإيمانُ، والتَّأخُّرُ: الكُفْرُ. وقالَ السُّدِّيُّ: أنْ يَتَقَدَّمَ إلى النّارِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُها، أوْ يَتَأخَّرَ عَنْها إلى الجَنَّةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: أنْ يَتَقَدَّمَ إلى المَأْمُوراتِ، أوْ يَتَأخَّرَ عَنِ المَنهِيّاتِ، والظّاهِرُ العُمُومُ في كُلِّ نَفْسٍ. وقالَ الضَّحّاكُ: كُلُّ نَفْسٍ حَقِيقٌ عَلَيْها العَذابُ، ولا يَرْتَهِنُ اللَّهُ تَعالى أحَدًا مِن أهْلِ الجَنَّةِ، ورَهِينَةٌ بِمَعْنى رَهْنٍ، كالشَّتِيمَةِ بِمَعْنى الشَّتْمِ، ولَيْسَتْ بِمَعْنى مَفْعُولٍ؛ لِأنَّها بِغَيْرِ تاءٍ لِلْمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، نَحْوُ: رَجُلٌ قَتِيلٌ وامْرَأةٌ قَتِيلٌ، فالمَعْنى: كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهْنٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أبْعَدَ الَّذِي بِالنَّعْفِ نَعِفِ كُوَيْكِبٍ ∗∗∗ رَهِينَةُ رَمْسٍ ذِي تُرابٍ وجَنْدَلِ أيْ: رَمْسُ رَهْنٍ، والمَعْنى: أنَّ كُلَّ نَفْسٍ رَهْنٌ عِنْدَ اللَّهِ غَيْرُ مَفْكُوكٍ. وقِيلَ: الهاءُ في ”رَهِينَةٍ“ لِلْمُبالَغَةِ. وقِيلَ: عَلى تَأْنِيثِ اللَّفْظِ لا عَلى الإنْسانِ، والَّذِي أخْتارُهُ أنَّها مِمّا دَخَلَتْ فِيهِ التّاءُ، وإنْ كانَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ في الأصْلِ كالنَّطِيحَةِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ لَمّا كانَ خَبَرًا عَنِ المُذَكَّرِ كانَ بِغَيْرِ هاءٍ، قالَ تَعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١] . فَأنْتَ تَرى حَيْثُ كانَ خَبَرًا عَنِ المُذَكَّرِ أتى بِغَيْرِ تاءٍ؛ وحَيْثُ كانَ خَبَرًا عَنِ المُؤَنَّثِ أتى بِالتّاءِ، كَما في هَذِهِ الآيَةِ. فَأمّا الَّذِي في البَيْتِ فَأُنِّثَ عَلى مَعْنى النَّفْسِ. ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ المَلائِكَةُ. وقالَ عَلِيٌّ: هم أطْفالُ المُسْلِمِينَ. فَعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ يَكُونُ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، أيْ: لَكِنَّ أصْحابَ اليَمِينِ في جَنّاتٍ. وقالَ الحَسَنُ وابْنُ كَيْسانَ: هُمُ المُسْلِمُونَ المُخْلِصُونَ، لَيْسُوا بِمُرْتَهَنِينَ لِأنَّهم أدُّوا ما كانَ عَلَيْهِمْ، وهَذا كَقَوْلِ الضَّحّاكِ الَّذِي تَقَدَّمَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ (p-٣٨٠)فَإنَّهم فَكُّوا عَنْهُ رِقابَهم بِما أطابُوهُ مِن كَسْبِهِمْ، كَما يُخَلِّصُ الرّاهِنُ رَهْنَهُ بِأداءِ الحَقِّ. انْتَهى. وظاهِرُ هَذا أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ. (في جَنّاتٍ) أيْ: هم ﴿في جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ﴾ أيْ: يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا، أوْ يَكُونُ يَتَساءَلُ بِمَعْنى يَسْألُ، أيْ: يَسْألُونَ عَنْهم غَيْرَهم، كَما يُقالُ: دَعَوْتُهُ وتَداعَوْتُهُ بِمَعْناهُ. وعَلى هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ كَيْفَ جاءَ ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ بِالخِطابِ لِلْمُجْرِمِينَ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ. المَعْنى: أنَّ أصْحابَ اليَمِينِ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا، أوْ يَسْألُونَ غَيْرَهم عَنْ مَن غابَ مِن مَعارِفِهِمْ، فَإذا عَرَفُوا أنَّهم مُجْرِمُونَ في النّارِ قالُوا لَهم، أوْ قالَتْ لَهُمُ المَلائِكَةُ، هَكَذا قَدَّرَهُ بَعْضُهم، والأقْرَبُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: يَتَساءَلُونَ عَنِ المُجْرِمِينَ قائِلِينَ لَهم بَعْدَ التَّساؤُلِ: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ طابَقَ قَوْلُهُ: ﴿ما سَلَكَكُمْ﴾ ؟ وهو سُؤالٌ لِلْمُجْرِمِينَ، قَوْلَهُ: ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ ؟ وهو سُؤالٌ عَنْهم، وإنَّما كانَ يُطابِقُ ذَلِكَ لَوْ قِيلَ يَتَساءَلُونَ عَنِ المُجْرِمِينَ ما سَلَكَهم ؟ (قُلْتُ): ﴿ما سَلَكَكُمْ﴾ لَيْسَ بِبَيانٍ لِلتَّساؤُلِ عَنْهم، وإنَّما هو حِكايَةُ قَوْلِ المَسْئُولِينَ عَنْهم؛ لِأنَّ المَسْئُولِينَ يُلْقُونَ إلى السّائِلِينَ ما جَرى بَيْنَهم وبَيْنَ المُجْرِمِينَ، فَيَقُولُونَ: قُلْنا لَهم ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ إلّا أنَّ الكَلامَ جِيءَ بِهِ عَلى الحَذْفِ والِاخْتِصارِ، كَما هو نَهْجُ التَّنْزِيلِ في غَرابَةِ نَظْمِهِ. انْتَهى، وفِيهِ تَعَسُّفٌ. والأظْهَرُ أنَّ السّائِلِينَ هُمُ المُتَسائِلُونَ، وما سَلَكَكم عَلى إضْمارِ القَوْلِ كَما ذَكَرْنا، وسُؤالُهم سُؤالُ تَوْبِيخٍ لَهم وتَحْقِيرٍ، وإلّا فَهِمَ عالِمُونَ ما الَّذِي أدْخَلَهُمُ النّارَ. والجَوابُ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُتَّصِفِينَ بِخَصائِلِ الإسْلامِ مِن إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، ثُمَّ ارْتَقَوْا مِن ذَلِكَ إلى الأعْظَمِ، وهو الكُفْرُ والتَّكْذِيبُ بِيَوْمِ الجَزاءِ، كَقَوْلِهِمْ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] ثُمَّ قالَ: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧] . واليَقِينُ أيْ: يَقِينًا عَلى إنْكارِ يَوْمِ الجَزاءِ، أيْ: وقْتَ المَوْتِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: واليَقِينُ عِنْدِي صِحَّةُ ما كانُوا يُكَذِّبُونَ مِنَ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى والدّارِ الآخِرَةِ. وقالَ المُفَسِّرُونَ: اليَقِينُ: المَوْتُ، وذَلِكَ عِنْدِي هُنا مُتَعَقَّبٌ؛ لِأنَّ نَفْسَ المَوْتِ يَقِينٌ عِنْدَ الكافِرِ وهو حَيٌّ. وإنَّما اليَقِينُ الَّذِي عَنَوْا في هَذِهِ الآيَةِ الشَّيْءُ الَّذِي كانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ وهم أحْياءٌ في الدُّنْيا فَتَيَقَّنُوهُ بَعْدَ المَوْتِ، وإنَّما يَتَفَسَّرُ اليَقِينُ بِالمَوْتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] . ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾: لَيْسَ المَعْنى أنَّهم يُشْفَعُ لَهم فَلا تَنْفَعُ شَفاعَةُ مَن يَشْفَعُ لَهم، وإنَّما المَعْنى نَفْيُ الشَّفاعَةِ فانْتَفى النَّفْعُ، أيْ: لا شَفاعَةَ شافِعِينَ لَهم فَتَنْفَعُهم مِن بابِ: ؎عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ أيْ: لا مَنارَ لَهُ فَيُهْتَدى بِهِ. وتَخْصِيصُهم بِانْتِفاءِ شَفاعَةِ الشّافِعِينَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ قَدْ تَكُونُ شَفاعاتٌ ويُنْتَفَعُ بِها، ووَرَدَتْ أحادِيثُ في صِحَّةِ ذَلِكَ. ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ﴾ وهي مَواعِظُ القُرْآنِ الَّتِي تُذَكِّرُ الآخِرَةَ، (مُعْرِضِينَ) أيْ: والحالُ المُنْتَظَرَةُ هَذِهِ المَوْصُوفَةُ. ثُمَّ شَبَّهَهم بِالحُمُرِ المُسْتَنْفِرَةِ في شِدَّةِ إعْراضِهِمْ ونِفارِهِمْ عَنِ الإيمانِ وآياتِ اللَّهِ تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (حُمُرٌ) بِضَمِّ المِيمِ. والأعْمَشُ: بِإسْكانِها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ الحُمُرُ الوَحْشِيَّةُ، شَبَّهَهم تَعالى بِالحُمُرِ مَذَمَّةً وتَهْجِينًا لَهم. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: (مُسْتَنْفَرَةٌ) بِفَتْحِ الفاءِ، والمَعْنى: اسْتَنْفَرَها فَزَعُها مِنَ القَسْوَرَةِ. وباقِي السَّبْعَةِ بِكَسْرِها، أيْ: نافِرَةٌ. نَفَرَ واسْتَنْفَرَ بِمَعْنى عَجِبَ واسْتَعْجَبَ وسَخَرَ واسْتَسْخَرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: أمْسِكْ حِمارَكَ إنَّهُ مُسْتَنْفِرٌ في إثْرِ أحْمِرَةٍ عَهِدْنَ لَعُرَّبِ. ويُناسِبُ الكَسْرَ قَوْلُهُ: (فَرَّتْ) . وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلّامٍ: سَألْتُ أبا سِرارٍ الغَنَوِيَّ، وكانَ أعْرابِيًّا فَصِيحًا، فَقُلْتُ: كَأنَّهم حُمُرٌ ماذا مُسْتَنْفِرَةٌ ؟ قالَ: طَرَدَها قَسْوَرَةٌ. فَقُلْتُ: إنَّما هو ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾، قالَ: أفَرَّتْ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: فَمُسْتَنْفِرَةٌ إذَنْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ وقَتادَةُ وعِكْرِمَةُ: القَسْوَرَةُ، الرُّماةُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وأبُو هُرَيْرَةَ وجُمْهُورٌ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ: الأسَدُ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: رِجالُ (p-٣٨١)القَنْصِ، وهو قَرِيبٌ مِنَ القَوْلِ الأوَّلِ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: القَسْوَرَةُ أوَّلُ اللَّيْلِ، والمَعْنى: فَرَّتْ مِن ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، ولا شَيْءَ أشَدُّ نِفارًا مِن حُمُرِ الوَحْشِ، ولِذَلِكَ شَبَّهَتْ بِها العَرَبُ الإبِلَ في سُرْعَةِ سَيْرِها وخِفَّتِها. ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهُمْ﴾ أيْ: مِنَ المُعْرِضِينَ عَنْ عِظاتِ اللَّهِ وآياتِهِ ﴿أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ أيْ: مَنشُورَةٌ غَيْرُ مَطْوِيَّةٍ تُقْرَأُ كالكُتُبِ الَّتِي يُتَكاتَبُ بِها، أوْ كُتِبَتْ في السَّماءِ نَزَلَتْ بِها المَلائِكَةُ ساعَةَ كُتِبَتْ رَطْبَةً لَمْ تُطْوَ بَعْدُ، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لَنْ نَتَّبِعَكَ حَتّى يُؤْتى كُلٌّ واحِدٍ مِنّا بِكِتابٍ مِنَ السَّماءِ عُنْوانُهُ: مِن رَبِّ العالَمِينَ إلى فُلانِ بْنِ فُلانٍ، يُؤْمَرُ فِيها بِاتِّباعِكَ، ونَحْوُهُ ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزَّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] . ورُوِيَ أنَّ بَعْضَهم قالَ: إنْ كانَ يُكْتَبُ في صُحُفٍ ما يَعْمَلُ كُلُّ إنْسانٍ، فَلْتُعْرَضْ تِلْكَ الصُّحُفُ عَلَيْنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”صُحُفًا“ بِضَمِّ الصّادِ والحاءِ، (مُنَشَّرَةً) مُشَدَّدًا. وابْنُ جُبَيْرٍ: بِإسْكانِها (مُنْشَرَةً) مُخَفَّفًا، ونَشَرَ وأنْشَرَ مِثْلَ نَزَلَ وأنْزَلُ. شَبَّهَ نَشْرَ الصَّحِيفَةِ بِإنْشارِ اللَّهِ المَوْتى، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِـ(مُنَشَّرَةً) مِن أنُشِرَتْ، والمَحْفُوظُ في الصَّحِيفَةِ والثَّوْبِ نُشِرَ مُخَفَفًّا ثُلاثِيًّا، ويُقالُ في المَيِّتِ: أنْشَرَهُ اللَّهُ فَنُشِرَ هو، أيْ: أحْياهُ فَحَيِيَ. (كَلّا) رَدْعٌ عَنْ إرادَتِهِمْ تِلْكَ وزَجْرٌ لَهم عَنِ اقْتِراحِ الآياتِ ﴿بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ ولِذَلِكَ أعْرَضُوا عَنِ التَّذْكِرَةِ لا لِامْتِناعِ إيتاءِ الصُّحُفِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَخافُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ. وأبُو حَيْوَةَ: بِتاءِ الخِطابِ التَفاتًا. (كَلّا) رَدْعٌ عَنْ إعْراضِهِمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ ﴿إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ ذِكْرٌ في إنَّهِ وفي ذِكْرِهِ؛ لِأنَّ التَّذْكِرَةَ ذِكْرٌ. وقَرَأ نافِعٌ وسَلّامٌ ويَعْقُوبُ: تَذْكِرَةٌ بِتاءِ الخِطابِ ساكِنَةِ الذّالِ. وباقِي السَّبْعَةِ وأبُو جَعْفَرٍ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ، وعِيسى والأعْرَجُ: بِالياءِ. ورُوِيَ عَنْ أبِي حَيْوَةَ: يَذَّكَّرُونَ بِياءِ الغَيْبَةِ وشَدِّ الذّالِ. ورُوِيَ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ: تَذَّكَّرُونَ بِالتّاءِ وإدْغامِ التّاءِ في الذّالِ. ﴿هُوَ أهْلُ التَّقْوى﴾ أيْ: أهْلٌ أنْ يُتَّقى ويُخافَ، وأهْلٌ أنْ يَغْفِرَ. ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَسَّرَ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: ”يَقُولُ لَكم رَبُّكم جَلَّتْ قُدْرَتُهُ وعَظَمَتُهُ: أنا أهْلٌ أنْ أُتَّقى، فَلا يُجْعَلُ يُتَّقى إلَهٌ غَيْرِي، ومَنِ اتَّقى أنْ يَجْعَلَ مَعِيَ إلَهًا غَيْرِي فَأنا أغْفِرُ لَهُ“ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما يَذْكُرُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ يَعْنِي: إلّا أنْ يُقْسِرَهم عَلى الذِّكْرِ ويُلْجِئَهم إلَيْهِ؛ لِأنَّهم مَطْبُوعٌ عَلى قُلُوبِهِمْ، مَعْلُومٌ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ اخْتِيارًا.

القيامة 75:1

(سُورَةُ القِيامَةِ مَكِّيَّةٌ وهي أرْبَعُونَ آيَةً) (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ ﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ ﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] ﴿كَلّا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ [القيامة: ٢٠] ﴿وتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ [القيامة: ٢١] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤] ﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٥] ﴿كَلّا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ [القيامة: ٢٦] ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ [القيامة: ٢٧] ﴿وظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ [القيامة: ٢٨] ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ [القيامة: ٢٩] ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ [القيامة: ٣٠] ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١] ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣٢] ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ [القيامة: ٣٣] ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٤] ﴿ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٥] ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ [القيامة: ٣٧] ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ [القيامة: ٣٨] ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠] . (p-٣٨٢)بَرِقَ بِكَسْرِ الرّاءِ: فَزِعَ ودَهِشَ، وأصْلُهُ مِن بَرِقَ الرَّجُلُ، إذا نَظَرَ إلى البَرْقِ فَدُهِشَ بَصَرُهُ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎ولَوْ أنَّ لُقْمانَ الحَكِيمَ تَعَرَّضَتْ لِعَيْنَيْهِ مَيٌّ سافِرًا كادَ يَبْرُقُ (قالَ الأعْشى): ؎وكُنْتُ أرى في وجْهِ مِيَّةَ لُمْحَةً ∗∗∗ فَأُبْرِقُ مَغْشِيًّا عَلِيَّ مَكانِيا وبَرَقَ بِفَتْحِ الرّاءِ: شُقَّ بَصَرُهُ، وهو مِنَ البَرِيقِ، أيْ: لَمَعَ بَصَرُهُ مِن شِدَّةِ شُخُوصِهِ. الوِزْرُ: ما يَلْجَأُ إلَيْهِ مِن حِصْنٍ أوْ جَبَلٍ أوْ غَيْرِهِما، قالَ الشّاعِرُ: ؎لَعَمْرُكَ ما لِلْفَتى مِن وِزْرٍ ∗∗∗ مِنَ المَوْتِ يُدْرِكُهُ والكِبَرُ النَّضِرَةُ: النِّعْمَةُ وجَمالُ البَشَرَةِ وطَراوَتِها، قالَ الشّاعِرُ: ؎أبى لِي قَبْرٌ لا يَزالُ مُقابَلِي ∗∗∗ وضَرْبَةُ فَأْسٍ فَوْقَ رَأْسِي فاقِرَهْ أيْ: مُؤَثِّرَةٌ. التَّراقِي جَمْعُ تَرْقُوَةٍ: وهي عِظامُ الصَّدْرِ، ولِكُلِّ إنْسانٍ تَرْقُوَتانِ، وهو مَوْضِعُ الحَشْرَجَةِ، قالَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ: ؎ورُبَّ عَظِيمَةٍ دافَعْتُ عَنْهم ∗∗∗ وقَدْ بَلَغَتْ نُفُوسُهُمُ التَّراقِي رَقى يَرْقِي مِنَ الرُّقْيَةِ، وهي ما يُسْتَشْفى بِهِ لِلْمَرِيضِ مِنَ الكَلامِ المُعَدِّ لِذَلِكَ. تَمَطّى: تَبَخْتَرَ في مِشْيَتِهِ، وأصْلُهُ مِنَ المَطا وهو الظَّهْرُ، أيْ: يَلْوِي مَطاهُ تَبَخْتُرًا. وقِيلَ: أصْلُهُ تَمطَّطَ أيْ: تَمَدَّدَ في مِشْيَتِهِ، ومَدَّ مَنكِبَيْهِ، قُلِبَتِ الطّاءُ فِيهِ حَرْفَ عِلَّةٍ كَراهَةَ اجْتِماعِ الأمْثالِ، كَما قالُوا: تَظَنّى مِنَ الظَّنِّ، وأصْلُهُ تَظَنَّنَ. والمَطِيطا: التَّبَخْتُرُ ومَدُّ اليَدَيْنِ في المَشْيِ، والمَطِيطُ: الماءُ الحاثِرُ في أسْفَلِ الحَوْضِ؛ لِأنَّهُ يَتَمَطَّطُ فِيهِ، أيْ: يَمْتَدُّ. وعَلى هَذا الِاشْتِقاقِ لا يَكُونُ أصْلُهُ مِنَ المَطِّ لِاخْتِلافِ المادَّتَيْنِ، إذْ مادَّةُ المَطا (م ط و) ومادَّةُ تَمَطَّطَ (م ط ط) . سُدًى: مُهْمَلٌ، يُقالُ إبِلٌ سُدًى أيْ: مُهْمَلَةٌ تَرْعى حَيْثُ شاءَتْ بِلا راعٍ، وأسْدَيْتُ الشَّيْءَ أيْ: أهْمَلْتُهُ، وأسْدَيْتُ حاجَتِي: ضَيَّعْتُها. قالَ الشّاعِرُ: ؎فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ جَهْدَ اليَمِينِ ∗∗∗ ما خَلَقَ اللَّهُ شَيْئًا سُدى وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ دُرَيْدٍ في المَقْصُورَةِ: ؎لَمْ أرَ كالمُزْنِ سَوامًا بُهْلًا ∗∗∗ تَحْسَبُها مَرْعِيَّةً وهي سُدى (p-٣٨٣)﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَة﴾ ﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ ﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] ﴿كَلّا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ [القيامة: ٢٠] ﴿وتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ [القيامة: ٢١] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤] ﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٥] ﴿كَلّا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ [القيامة: ٢٦] ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ [القيامة: ٢٧] ﴿وظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ [القيامة: ٢٨] ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ [القيامة: ٢٩] ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ [القيامة: ٣٠] ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١] ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣٢] ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ [القيامة: ٣٣] ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٤] ﴿ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٥] ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ [القيامة: ٣٧] ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ [القيامة: ٣٨] ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠] . (p-٣٨٤)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها: أنَّ في آخِرِ ما قَبْلَها قَوْلَهُ: ﴿كَلّا بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ [المدثر: ٥٣] ﴿كَلّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٤] وفِيها كَثِيرٌ مِن أحْوالِ القِيامَةِ، فَذَكَرَ هُنا يَوْمَ القِيامَةِ وجُمَلًا مِن أحْوالِها. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿لا أُقْسِمُ﴾ . والخِلافُ في ”لا“، والخِلافُ في قِراءاتِها في أواخِرِ الواقِعَةِ. أقْسَمَ تَعالى بِيَوْمِ القِيامَةِ لِعِظَمِهِ وهَوْلِهِ. و﴿لا أُقْسِمُ﴾ قِيلَ: ”لا“ نافِيَةٌ، نَفى أنْ يُقْسِمَ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ، وأقْسَمَ بِيَوْمِ القِيامَةِ، نَصَّ عَلى هَذا الحَسَنُ. والجُمْهُورُ: عَلى أنَّ اللَّهَ أقْسَمَ بِالأمْرَيْنِ. واللَّوّامَةُ، قالَ الحَسَنُ: هي الَّتِي تَلُومُ صاحِبَها في تَرْكِ الطّاعَةِ ونَحْوِها، فَهي عَلى هَذا مَمْدُوحَةٌ، ولِذَلِكَ أقْسَمَ اللَّهُ بِها. ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَنْ مُجاهِدٍ، تَلُومُ عَلى ما فاتَ وتَنْدَمَ عَلى الشَّرِّ لِمَ فَعَلَتْهُ ؟، وعَلى الخَيْرِ لِمَ لَمْ تَسْتَكْثِرْ مِنهُ ؟ . وقِيلَ: النَّفْسُ المُتَّقِيَةُ الَّتِي تَلُومُ النُّفُوسَ في يَوْمِ القِيامَةِ عَلى تَقْصِيرِهِنَّ في التَّقْوى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: هي الفاجِرَةُ الخَشِعَةُ اللَّوّامَةُ لِصاحِبِها عَلى ما فاتَهُ مِن سَعْيِ الدُّنْيا وأعْراضِها، فَهي عَلى هَذا ذَمِيمَةٌ، ويَحْسُنُ نَفْيُ القَسَمِ بِها. والنَّفْسُ اللَّوّامَةُ: اسْمُ جِنْسٍ بِهَذا الوَصْفِ. وقِيلَ: هي نَفْسٌ مُعَيَّنَةٌ، وهي نَفْسُ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ تَزَلْ لائِمَةً لَهُ عَلى فِعْلِهِ الَّذِي أخْرَجَهُ مِنَ الجَنَّةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وكُلُّ نَفْسٍ مُتَوَسِّطَةٍ لَيْسَتْ بِمُطَمْئِنَةٍ ولا أمّارَةٍ بِالسُّوءِ، فَإنَّها لَوّامَةٌ في الطَّرَفَيْنِ، مَرَّةً تَلُومُ عَلى تَرْكِ الطّاعَةِ، ومَرَّةً تَلُومُ عَلى فَوْتِ ما تَشْتَهِي، فَإذا اطْمَأنَّتْ خَلَصَتْ وصَفَتْ. انْتَهى. والمُناسَبَةُ بَيْنَ القَسَمَيْنِ مِن حَيْثُ أحْوالِ النَّفْسِ مِن سَعادَتِها وشَقاوَتِها وظُهُورِ ذَلِكَ في يَوْمِ القِيامَةِ، وجَوابُ القَسَمِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ يَوْمُ القِيامَةِ المُقْسَمِ بِهِ وما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: (أيَحْسَبُ) الآيَةِ، وتَقْدِيرُهُ لِتُبْعَثُنَّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء: ٦٥] والأبْياتُ الَّتِي أنْشَدْتَها المُقْسَمُ عَلَيْهِ فِيها مَنفِيٌّ، وكانَ قَدْ أنْشَدَ قَوْلَ امْرِئِ القَيْسِ: ؎لا وأبِيكِ ابْنَةَ العامِرِيِّ ∗∗∗ لا يَدَّعِي القَوْمُ إنِّي أفِرُّ (وقَوْلُ غُوَيَّةَ بْنِ سُلْمى): ؎ألا نادَتْ أُمامَةُ بِاحْتِمالِي ∗∗∗ لِتُحْزِنَنِي فَلا يَكُ ما أُبالِي قالَ: فَهَلّا زَعَمْتَ أنَّ لا الَّتِي لِلْقَسَمِ زِيدَتْ مُوطِئَةً لِلنَّفْيِ بَعْدَهُ ومُؤَكِّدَةً لَهُ، وقَدَّرْتَ المُقْسَمَ عَلَيْهِ المَحْذُوفَ هاهُنا مَنفِيًّا، نَحْوُ قَوْلِكَ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ لا تُتْرَكُونَ سُدًى ؟ (قُلْتُ): لَوْ قَصَرُوا الأمْرَ عَلى النَّفْيِ دُونَ الإثْباتِ لَكانَ لِهَذا القَوْلِ مَساغٌ، ولَكِنَّهُ لَمْ يُقْسِمْ. ألا تَرى كَيْفَ لَقّى ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ [البلد: ١] بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾ [البلد: ٤] وكَذَلِكَ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] ؟ ثُمَّ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وجَوابُ القَسَمِ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ) وهو لَتُبْعَثُنَّ. انْتَهى، وهو تَقْدِيرُ النَّحّاسِ. وقَوْلُ مَن قالَ: جَوابُ القَسَمِ هو: (أيَحْسَبُ الإنْسانُ) . وما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ الجَوابَ: ﴿بَلى قادِرِينَ﴾ وما قِيلَ أنَّ ”لا“ في القَسَمَيْنِ لِنَفْيِهِما، أيْ: لا أُقْسِمُ عَلى شَيْءٍ، وأنَّ التَّقْدِيرَ: أسْألُكَ أيَحْسَبُ الإنْسانُ ؟ أقْوالٌ لا تَصْلُحُ أنْ يَرِدَ بِها، بَلْ تُطْرَحُ ولا يُسَوَّدُ بِها الوَرَقُ، ولَوْلا أنَّهم سَرَدُوها في الكُتُبِ لَمْ أُنَبِّهْ عَلَيْها. والإنْسانُ هُنا الكافِرُ المُكَذِّبُ بِالبَعْثِ. رُوِيَ «أنَّ عَدِيَّ بْنَ رَبِيعَةَ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يا مُحَمَّدُ ! حَدِّثْنِي عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ مَتى يَكُونُ أمْرُهُ ؟ فَأخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: لَوْ عايَنْتُ ذَلِكَ اليَوْمَ لَمْ (p-٣٨٥)أُصَدِّقْكَ ولَمْ أُؤْمِن بِهِ، أوْ يَجْمَعُ اللَّهُ هَذِهِ العِظامَ بَعْدَ بَلاها ؟» فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ، كانَ يَقُولُ أيَزْعُمُ مُحَمَّدٌ ﷺ أنْ يَجْمَعَ اللَّهُ هَذِهِ العِظامَ بَعْدَ بَلاها وتَفَرُّقِها، فَيُعِيدُها خَلْقًا جَدِيدًا ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿نَجْمَعَ﴾ بِنُونٍ ﴿عِظامَهُ﴾ نَصْبًا. وقَتادَةُ: بِالتّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ﴿عِظامَهُ﴾ رَفْعًا، والمَعْنى: بَعْدَ تَفَرُّقِها واخْتِلاطِها بِالتُّرابِ وتَطْيِيرِ الرِّياحِ إيّاها في أقاصِي الأرْضِ. وقَوْلُهُ: (أيَحْسَبُ) اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ، حَيْثُ يُنْكِرُ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى عَلى إعادَةِ المَعْدُومِ. (بَلى): جَوابٌ لِلِاسْتِفْهامِ المُنْسَحِبِ عَلى النَّفْيِ، أيْ: بَلى نَجْمَعُها. وذَكَرَ العِظامَ، وإنْ كانَ المَعْنى إعادَةَ الإنْسانِ وجَمْعَ أجْزائِهِ المُتَفَرِّقَةِ؛ لِأنَّ العِظامَ هي قالَبُ الخَلْقِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (قادِرِينَ) بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي في الفِعْلِ المُقَدَّرِ وهو يَجْمَعُها. وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ السَّمَيْقَعِ: قادِرُونَ، أيْ: نَحْنُ قادِرُونَ. ﴿عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾: وهي الأصابِعُ، أكْثَرُ العِظامِ تَفَرُّقًا وأدَقُّها أجْزاءً، وهي العِظامُ الَّتِي في الأنامِلِ ومَفاصِلِها، وهَذا عِنْدَ البَعْثِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والجُمْهُورُ: المَعْنى نَجْعَلُها في حَياتِهِ هَذِهِ بُضْعَةً، أوْ عَظْمًا واحِدًا كَخُفِّ البَعِيرِ لا تَفارِيقَ فِيهِ، أيْ: في الدُّنْيا فَتَقِلُّ مَنفَعَتُهُ بِها، وهَذا القَوْلُ فِيهِ تَوَعُّدٌ، والمَعْنى الأوَّلُ هو الظّاهِرُ والمَقْصُودُ مِن رَصْفِ الكَلامِ. وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ بِألْفاظٍ مُنَمَّقَةٍ عَلى عادَتِهِ في حِكايَةِ أقْوالِ المُتَقَدِّمِينَ. وقِيلَ: (قادِرِينَ) مَنصُوبٌ عَلى خَبَرِ كانَ، أيْ: بَلى كُنّا قادِرِينَ في الِابْتِداءِ. ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ﴾: بَلْ إضْرابٌ، وهو انْتِقالٌ مِن كَلامٍ إلى كَلامٍ مِن غَيْرِ إبْطالٍ. والظّاهِرُ أنَّ (يُرِيدُ) إخْبارٌ عَنْ ما يُرِيدُهُ الإنْسانُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (بَلْ يُرِيدُ) عَطْفٌ عَلى (أيَحْسَبُ) فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَبْلَهُ اسْتِفْهامًا، وأنْ يَكُونَ إيجابًا عَلى أنْ يُضْرَبَ عَنْ مُسْتَفْهَمٍ عَنْهُ إلى آخَرَ، أوْ يُضْرَبَ عَنْ مُسْتَفْهَمٍ عَنْهُ إلى مُوجِبٍ. انْتَهى. وهَذِهِ التَّقادِيرُ الثَّلاثَةُ لا تَظْهَرُ، وهي مُتَكَلَّفَةٌ، بَلِ المَعْنى: الإخْبارُ عَنِ الإنْسانِ مِن غَيْرِ إبْطالٍ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، وهي نَجْمَعُها قادِرِينَ، لِنُبَيِّنَ ما هو عَلَيْهِ الإنْسانُ مِن عَدَمِ الفِكْرِ في الآخِرَةِ وأنَّهُ مَعْنِيٌّ بِشَهَواتِهِ. ومَفْعُولُ (يُرِيدُ) مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّعْلِيلُ في ﴿لِيَفْجُرَ﴾ . قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ: مَعْنى الآيَةِ: أنَّ الإنْسانَ إنَّما يُرِيدُ شَهَواتِهِ ومَعاصِيهِ؛ لِيَمْضِيَ فِيها أبَدًا قُدُمًا راكِبًا رَأْسَهُ مُطِيعًا أمَلَهُ ومُسَوِّفًا بِتَوْبَتِهِ. قالَ السُّدِّيُّ أيْضًا: لِيَظْلِمَ عَلى قَدْرِ طاقَتِهِ، وعَلى هَذا فالضَّمِيرُ في ﴿أمامَهُ﴾ عائِدٌ عَلى الإنْسانِ، وهو الظّاهِرُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ما يَقْتَضِي أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ أنَّ الإنْسانَ في زَمانِ وُجُودِهِ أمامَ يَوْمِ القِيامَةِ، وبَيْنَ يَدَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ خَلْفَهُ، فَهو يُرِيدُ شَهَواتِهِ؛ لِيَفْجُرَ في تَكْذِيبِهِ بِالبَعْثِ وغَيْرِ ذَلِكَ بَيْنَ يَدَيْ يَوْمِ القِيامَةِ، وهو لا يَعْرِفُ القَدْرَ الَّذِي هو فِيهِ. والأمامُ ظَرْفُ مَكانٍ اسْتُعِيرَ هُنا لِلزَّمانِ، أيْ: لِيَفْجُرَ فِيما بَيْنَ يَدَيْهِ ويَسْتَقْبِلُهُ مِن زَمانِ حَياتِهِ. ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ أيْ: مَتى يَوْمُ القِيامَةِ ؟ سُؤالُ اسْتِهْزاءٍ وتَكْذِيبٍ وتَعَنُّتٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿بَرِقَ﴾ بِكَسْرِ الرّاءِ. وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والزَّعْفَرانِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ ونافِعٌ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ وهارُونَ ومَحْبُوبٍ، كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو، والحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ: بِخِلافٍ عَنْهُما بِفَتْحِها. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: بَرَقَ بِالفَتْحِ: شَقَّ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: خَفَتَ عِنْدَ المَوْتِ. قالَ مُجاهِدٌ: هَذا عِنْدَ المَوْتِ. وقالَ الحَسَنُ: هو يَوْمُ القِيامَةِ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: بَلَقَ بِاللّامِ عِوَضَ الرّاءِ، أيِ: انْفَتَحَ وانْفَرَجَ، يُقالُ: بَلَقَ البابُ وأبْلَقْتُهُ وبَلَّقْتُهُ: فَتَحْتُهُ، هَذا قَوْلُ أهْلِ اللُّغَةِ إلّا الفَرّاءَ فَإنَّهُ يَقُولُ: بَلَقَهُ وأبْلَقَهُ إذا أغْلَقَهُ. وقالَ ثَعْلَبٌ: أخْطَأ الفَرّاءُ في ذَلِكَ، إنَّما هو بَلَقَ البابَ وأبْلَقَهُ إذا فَتَحَهُ. انْتَهى. ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ اللّامُ بَدَلًا مِنَ الرّاءِ، فَهُما يَتَعاقَبانِ في بَعْضِ الكَلامِ، نَحْوُ قَوْلِهِمْ: نَثَرَهُ ونَثَلَهُ، ووَجَرَ ووَجِلَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وخَسَفَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ويَزِيدُ بْنُ (p-٣٨٦)قُطَيْبٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. يُقالُ: خَسَفَ القَمَرُ وخَسَفَهُ اللَّهُ، وكَذَلِكَ الشَّمْسُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ: الخُسُوفُ والكُسُوفُ بِمَعْنًى واحِدٍ. وقالَ ابْنُ أبِي أُوَيْسٍ: الكُسُوفُ ذَهابُ بَعْضِ الضَّوْءِ، والخُسُوفُ جَمِيعُهُ. ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾: لَمْ تَلْحَقْ عَلامَةُ التَّأْنِيثِ؛ لِأنَّ تَأْنِيثَ الشَّمْسِ مَجازٌ، أوْ لِتَغْلِيبِ التَّذْكِيرِ عَلى التَّأْنِيثِ. وقالَ الكِسائِيُّ: حُمِلَ عَلى المَعْنى، والتَّقْدِيرُ: جُمِعَ النُّورانِ أوِ الضِّياءانِ، ومَعْنى الجَمْعِ بَيْنَهُما، قالَ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ: يُجْمَعانِ فَيُلْقَيانِ في النّارِ، وعَنْهُ يُجْمَعانِ يَوْمَ القِيامَةِ ثُمَّ يُقْذَفانِ في البَحْرِ، فَيَكُونانِ نارَ اللَّهِ الكُبْرى. وقِيلَ: يُجْمَعُ بَيْنَهُما في الطُّلُوعِ مِنَ المَغْرِبِ، فَيَطْلُعانِ أسْوَدَيْنِ مُكَوَّرَيْنِ. وقالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ: يُجْعَلانِ في نُورِ الحُجُبِ، وقِيلَ: يَجْتَمِعانِ ولا يَتَفَرَّقانِ، ويَقْرُبانِ مِنَ النّاسِ فَيَلْحَقُهُمُ العَرَقُ لِشِدَّةِ الحَرِّ، فَكَأنَّ المَعْنى: يُجْمَعُ حَرُّهُما. وقِيلَ: يُجْمَعُ بَيْنَهُما في ذَهابِ الضَّوْءِ، فَلا يَكُونُ ثَمَّ تَعاقُبُ لَيْلٍ ولا نَهارٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿المَفَرُّ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ والفاءِ، أيْ: أيْنَ الفِرارُ ؟ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ بْنِ أبِي طالِبٍ، والحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ، وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وأيُّوبُ السَّخْتِيانِيُّ وكُلْثُومُ بْنُ عِياضٍ، ومُجاهِدٌ وابْنُ يَعْمُرَ وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ وأبُو رَجاءٍ وعِيسى، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والزُّهْرِيُّ: بِكَسْرِ الفاءِ، وهو مَوْضِعُ الفِرارِ. وقَرَأ الحَسَنُ: بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ الفاءِ، ونَسَبَها ابْنُ عَطِيَّةَ لِلزُّهْرِيِّ، أيِ: الجَيِّدُ الفِرارِ، وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ هَذا الوَزْنُ في الآلاتِ وفي صِفاتِ الخَيْلِ، نَحْوُ قَوْلِهِ: ؎مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعًا والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ مِن تَمامِ قَوْلِ الإنْسانِ. وقِيلَ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، لا حِكايَةً عَنِ الإنْسانِ. (كَلًّا): رَدْعٌ عَنْ طَلَبِ المَفَرِّ ﴿لا وزَرَ﴾: لا مَلْجَأ، وعَبَّرَ المُفَسِّرُونَ عَنْهُ بِالجَبَلِ. قالَ مُطَرِّفُ بْنُ الشِّخِّيرِ: هو كانَ وِزْرُ فِرارِ العَرَبِ في بِلادِهِمْ، فَلِذَلِكَ اسْتُعْمِلَ، والحَقِيقَةُ أنَّهُ المَلْجَأُ مِن جَبَلٍ أوْ حِصْنٍ أوْ سِلاحٍ أوْ رَجُلٍ أوْ غَيْرِهِ. (إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ) أيْ: إلى حُكْمِهِ يَوْمئِذٍ تَقُولُ أيْنَ المَفَرُّ ﴿المُسْتَقَرُّ﴾ أيِ: الِاسْتِقْرارُ، أوْ مَوْضِعُ اسْتِقْرارٍ مِن جَنَّةٍ أوْ نارٍ إلى مَشِيئَتِهِ تَعالى، يُدْخِلُ مَن شاءَ الجَنَّةَ، ويُدْخِلُ مَن شاءَ النّارَ. ﴿بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ قالَ عَبْدُ اللَّهِ وابْنُ عَبّاسٍ: بِما قَدَّمَ في حَياتِهِ وأخَّرَ مِن سَنَةٍ يَعْمَلُ بِها بَعْدَهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: بِما قَدَّمَ مِنَ المَعاصِي وأخَّرَ مِنَ الطّاعاتِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: بِما قَدَّمَ مِن مالِهِ لِنَفْسِهِ، وبِما أخَّرَ مِنهُ لِلْوارِثِ. وقالَ النَّخَعِيُّ ومُجاهِدٌ: بِأوَّلِ عَمَلِهِ وآخِرِهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: بِما قَدَّمَ مِن فَرْضٍ وأخَّرَ مِن فَرْضٍ. والظّاهِرُ حَمْلُهُ عَلى العُمُومِ، أيْ: يُخْبِرُهُ بِكُلِّ ما قَدَّمَ وكُلِّ ما أخَّرَ، مِمّا ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ ومِمّا لَمْ يَذْكُرُوهُ. (بَصِيرَةً): خَبَرٌ عَنِ الإنْسانِ، أيْ: شاهِدٌ، قالَهُ قَتادَةُ، والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ. وقالَ الأخْفَشُ: هو كَقَوْلِكَ فُلانٌ عِبْرَةٌ وحُجَّةٌ. وقِيلَ: أُنِّثَ لِأنَّهُ أرادَ جَوارِحَهُ، أيْ: جَوارِحُهُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ. وقِيلَ: (بَصِيرَةٌ) مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ المَوْصُوفِ، أيْ: عَيْنٌ بَصِيرَةٌ، و(عَلى نَفْسِهِ) الخَبَرُ. والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ خَبَرٍ عَنِ الإنْسانِ، والتَّقْدِيرُ: عَيْنٌ بَصِيرَةٌ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الفَرّاءُ، وأنْشَدَ: ؎كَأنَّ عَلى ذِي العَقْلِ عَيْنًا بَصِيرَةً ∗∗∗ بِمَقْعَدِهِ، أوْ مَنظَرٍ هو ناظِرُهُ ؎يُحاذِرُ حَتّى يَحْسَبَ النّاسَ كُلَّهم ∗∗∗ مِنَ الخَوْفِ لا تَخْفى عَلَيْهِمْ سَرائِرُهُ وعَلى هَذا نَخْتارُ أنْ تَكُونَ (بَصِيرَةٌ) فاعِلًا بِالجارِّ والمَجْرُورِ، وهو الخَبَرُ عَنِ الإنْسانِ. ألا تَرى أنَّهُ قَدِ اعْتَمَدَ بِوُقُوعِهِ خَبَرًا عَنِ الإنْسانِ ؟ وعَلى هَذا فالتّاءُ لِلتَّأْنِيثِ. وتَأوَّلَ ابْنُ عَبّاسٍ (البَصِيرَةَ) بِالجَوارِحِ، أوِ المَلائِكَةِ الحَفَظَةِ. والمَعاذِيرُ عِنْدَ الجُمْهُورِ الأعْذارُ، فالمَعْنى: لَوْ جاءَ بِكُلِّ مَعْذِرَةٍ يَعْتَذِرُ بِها عَنْ نَفْسِهِ، فَإنَّهُ هو الشّاهِدُ عَلَيْها والحُجَّةُ البَيِّنَةُ عَلَيْها. وقِيلَ: المَعاذِيرُ جَمْعُ مَعْذِرَةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قِياسُ مَعْذِرَةٍ مَعاذِرُ، فالمَعاذِيرُ لَيْسَ بِجَمْعِ مَعْذِرَةٍ، إنَّما هو اسْمُ جَمْعٍ لَها، ونَحْوُ المَناكِيرِ في المُنْكَرِ. انْتَهى. ولَيْسَ هَذا البِناءُ مِن (p-٣٨٧)أبْنِيَةِ أسْماءِ الجُمُوعِ، وإنَّما هو مِن أبْنِيَةِ جَمْعِ التَّكْسِيرِ، فَهو كَمَذاكِيرَ ومَلامِيحَ والمُفْرَدُ مِنهُما لَمْحَةٌ وذِكْرٌ. ولَمْ يَذْهَبْ أحَدٌ إلى أنَّهُما مِن أسْماءِ الجُمُوعِ، بَلْ قِيلَ: هُما جَمْعٌ لِلَمْحَةٍ وذِكْرٍ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، أوْ هُما جَمْعٌ لِمُفْرَدٍ لَمْ يَنْطِقْ بِهِ، وهو مِذْكارٌ ومَلْمَحَةٌ. وقالَ السُّدِّيُّ والضَّحّاكُ: المَعاذِيرُ: السُّتُورُ بِلُغَةِ اليَمَنِ، واحِدُها مِعْذارٌ، وهو يَمْنَعُ رُؤْيَةَ المُحْتَجِبِ، كَما تَمْنَعُ المَعْذِرَةُ عُقُوبَةَ الذَّنْبِ. وقالَهُ الزَّجّاجُ أيْضًا، أيْ: وإنْ رَمى مَسْتُورَةً يُرِيدُ أنْ يُخْفِيَ عَمَلَهُ، فَنَفْسُهُ شاهِدَةٌ عَلَيْهِ. وأنْشَدُوا في أنَّ المَعاذِيرَ السُّتُورُ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎ولَكِنَّها ضَنَّتْ بِمَنزِلِ ساعَةٍ ∗∗∗ عَلَيْنا، وأطَّتْ فَوْقَها بِالمَعاذِرِ وقِيلَ: البَصِيرَةُ: الكاتِبانِ يَكْتُبانِ ما يَكُونُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، أيْ: وإنْ تَسَتَّرَ بِالسُّتُورِ، وإذا كانَتْ مِنَ العُذْرِ، فَمَعْنى ﴿ولَوْ ألْقى﴾ أيْ: نَطَقَ بِمَعاذِيرِهِ وقالَها. وقِيلَ: ولَوْ رَمى بِأعْذارِهِ واسْتَسْلَمَ. وقالَ السُّدِّيُّ: ولَوْ أدْلى بِحُجَّةٍ وعُذْرٍ. وقِيلَ: ولَوْ أحالَ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْلا أنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبإ: ٣١] . والعُذْرَةُ والعُذْرى: المَعْذِرَةُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ها إنَّ ذِي عُذْرَةٍ أنْ لا تَكُنْ نَفَعَتْ وقالَ فِيها: ولا عُذْرَ لِمَجْحُودٍ.

القيامة 75:2

(سُورَةُ القِيامَةِ مَكِّيَّةٌ وهي أرْبَعُونَ آيَةً) (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ ﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ ﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] ﴿كَلّا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ [القيامة: ٢٠] ﴿وتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ [القيامة: ٢١] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤] ﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٥] ﴿كَلّا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ [القيامة: ٢٦] ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ [القيامة: ٢٧] ﴿وظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ [القيامة: ٢٨] ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ [القيامة: ٢٩] ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ [القيامة: ٣٠] ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١] ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣٢] ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ [القيامة: ٣٣] ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٤] ﴿ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٥] ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ [القيامة: ٣٧] ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ [القيامة: ٣٨] ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠] . (p-٣٨٢)بَرِقَ بِكَسْرِ الرّاءِ: فَزِعَ ودَهِشَ، وأصْلُهُ مِن بَرِقَ الرَّجُلُ، إذا نَظَرَ إلى البَرْقِ فَدُهِشَ بَصَرُهُ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎ولَوْ أنَّ لُقْمانَ الحَكِيمَ تَعَرَّضَتْ لِعَيْنَيْهِ مَيٌّ سافِرًا كادَ يَبْرُقُ (قالَ الأعْشى): ؎وكُنْتُ أرى في وجْهِ مِيَّةَ لُمْحَةً ∗∗∗ فَأُبْرِقُ مَغْشِيًّا عَلِيَّ مَكانِيا وبَرَقَ بِفَتْحِ الرّاءِ: شُقَّ بَصَرُهُ، وهو مِنَ البَرِيقِ، أيْ: لَمَعَ بَصَرُهُ مِن شِدَّةِ شُخُوصِهِ. الوِزْرُ: ما يَلْجَأُ إلَيْهِ مِن حِصْنٍ أوْ جَبَلٍ أوْ غَيْرِهِما، قالَ الشّاعِرُ: ؎لَعَمْرُكَ ما لِلْفَتى مِن وِزْرٍ ∗∗∗ مِنَ المَوْتِ يُدْرِكُهُ والكِبَرُ النَّضِرَةُ: النِّعْمَةُ وجَمالُ البَشَرَةِ وطَراوَتِها، قالَ الشّاعِرُ: ؎أبى لِي قَبْرٌ لا يَزالُ مُقابَلِي ∗∗∗ وضَرْبَةُ فَأْسٍ فَوْقَ رَأْسِي فاقِرَهْ أيْ: مُؤَثِّرَةٌ. التَّراقِي جَمْعُ تَرْقُوَةٍ: وهي عِظامُ الصَّدْرِ، ولِكُلِّ إنْسانٍ تَرْقُوَتانِ، وهو مَوْضِعُ الحَشْرَجَةِ، قالَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ: ؎ورُبَّ عَظِيمَةٍ دافَعْتُ عَنْهم ∗∗∗ وقَدْ بَلَغَتْ نُفُوسُهُمُ التَّراقِي رَقى يَرْقِي مِنَ الرُّقْيَةِ، وهي ما يُسْتَشْفى بِهِ لِلْمَرِيضِ مِنَ الكَلامِ المُعَدِّ لِذَلِكَ. تَمَطّى: تَبَخْتَرَ في مِشْيَتِهِ، وأصْلُهُ مِنَ المَطا وهو الظَّهْرُ، أيْ: يَلْوِي مَطاهُ تَبَخْتُرًا. وقِيلَ: أصْلُهُ تَمطَّطَ أيْ: تَمَدَّدَ في مِشْيَتِهِ، ومَدَّ مَنكِبَيْهِ، قُلِبَتِ الطّاءُ فِيهِ حَرْفَ عِلَّةٍ كَراهَةَ اجْتِماعِ الأمْثالِ، كَما قالُوا: تَظَنّى مِنَ الظَّنِّ، وأصْلُهُ تَظَنَّنَ. والمَطِيطا: التَّبَخْتُرُ ومَدُّ اليَدَيْنِ في المَشْيِ، والمَطِيطُ: الماءُ الحاثِرُ في أسْفَلِ الحَوْضِ؛ لِأنَّهُ يَتَمَطَّطُ فِيهِ، أيْ: يَمْتَدُّ. وعَلى هَذا الِاشْتِقاقِ لا يَكُونُ أصْلُهُ مِنَ المَطِّ لِاخْتِلافِ المادَّتَيْنِ، إذْ مادَّةُ المَطا (م ط و) ومادَّةُ تَمَطَّطَ (م ط ط) . سُدًى: مُهْمَلٌ، يُقالُ إبِلٌ سُدًى أيْ: مُهْمَلَةٌ تَرْعى حَيْثُ شاءَتْ بِلا راعٍ، وأسْدَيْتُ الشَّيْءَ أيْ: أهْمَلْتُهُ، وأسْدَيْتُ حاجَتِي: ضَيَّعْتُها. قالَ الشّاعِرُ: ؎فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ جَهْدَ اليَمِينِ ∗∗∗ ما خَلَقَ اللَّهُ شَيْئًا سُدى وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ دُرَيْدٍ في المَقْصُورَةِ: ؎لَمْ أرَ كالمُزْنِ سَوامًا بُهْلًا ∗∗∗ تَحْسَبُها مَرْعِيَّةً وهي سُدى (p-٣٨٣)﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَة﴾ ﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ ﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] ﴿كَلّا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ [القيامة: ٢٠] ﴿وتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ [القيامة: ٢١] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤] ﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٥] ﴿كَلّا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ [القيامة: ٢٦] ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ [القيامة: ٢٧] ﴿وظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ [القيامة: ٢٨] ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ [القيامة: ٢٩] ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ [القيامة: ٣٠] ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١] ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣٢] ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ [القيامة: ٣٣] ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٤] ﴿ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٥] ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ [القيامة: ٣٧] ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ [القيامة: ٣٨] ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠] . (p-٣٨٤)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها: أنَّ في آخِرِ ما قَبْلَها قَوْلَهُ: ﴿كَلّا بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ [المدثر: ٥٣] ﴿كَلّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٤] وفِيها كَثِيرٌ مِن أحْوالِ القِيامَةِ، فَذَكَرَ هُنا يَوْمَ القِيامَةِ وجُمَلًا مِن أحْوالِها. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿لا أُقْسِمُ﴾ . والخِلافُ في ”لا“، والخِلافُ في قِراءاتِها في أواخِرِ الواقِعَةِ. أقْسَمَ تَعالى بِيَوْمِ القِيامَةِ لِعِظَمِهِ وهَوْلِهِ. و﴿لا أُقْسِمُ﴾ قِيلَ: ”لا“ نافِيَةٌ، نَفى أنْ يُقْسِمَ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ، وأقْسَمَ بِيَوْمِ القِيامَةِ، نَصَّ عَلى هَذا الحَسَنُ. والجُمْهُورُ: عَلى أنَّ اللَّهَ أقْسَمَ بِالأمْرَيْنِ. واللَّوّامَةُ، قالَ الحَسَنُ: هي الَّتِي تَلُومُ صاحِبَها في تَرْكِ الطّاعَةِ ونَحْوِها، فَهي عَلى هَذا مَمْدُوحَةٌ، ولِذَلِكَ أقْسَمَ اللَّهُ بِها. ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَنْ مُجاهِدٍ، تَلُومُ عَلى ما فاتَ وتَنْدَمَ عَلى الشَّرِّ لِمَ فَعَلَتْهُ ؟، وعَلى الخَيْرِ لِمَ لَمْ تَسْتَكْثِرْ مِنهُ ؟ . وقِيلَ: النَّفْسُ المُتَّقِيَةُ الَّتِي تَلُومُ النُّفُوسَ في يَوْمِ القِيامَةِ عَلى تَقْصِيرِهِنَّ في التَّقْوى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: هي الفاجِرَةُ الخَشِعَةُ اللَّوّامَةُ لِصاحِبِها عَلى ما فاتَهُ مِن سَعْيِ الدُّنْيا وأعْراضِها، فَهي عَلى هَذا ذَمِيمَةٌ، ويَحْسُنُ نَفْيُ القَسَمِ بِها. والنَّفْسُ اللَّوّامَةُ: اسْمُ جِنْسٍ بِهَذا الوَصْفِ. وقِيلَ: هي نَفْسٌ مُعَيَّنَةٌ، وهي نَفْسُ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ تَزَلْ لائِمَةً لَهُ عَلى فِعْلِهِ الَّذِي أخْرَجَهُ مِنَ الجَنَّةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وكُلُّ نَفْسٍ مُتَوَسِّطَةٍ لَيْسَتْ بِمُطَمْئِنَةٍ ولا أمّارَةٍ بِالسُّوءِ، فَإنَّها لَوّامَةٌ في الطَّرَفَيْنِ، مَرَّةً تَلُومُ عَلى تَرْكِ الطّاعَةِ، ومَرَّةً تَلُومُ عَلى فَوْتِ ما تَشْتَهِي، فَإذا اطْمَأنَّتْ خَلَصَتْ وصَفَتْ. انْتَهى. والمُناسَبَةُ بَيْنَ القَسَمَيْنِ مِن حَيْثُ أحْوالِ النَّفْسِ مِن سَعادَتِها وشَقاوَتِها وظُهُورِ ذَلِكَ في يَوْمِ القِيامَةِ، وجَوابُ القَسَمِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ يَوْمُ القِيامَةِ المُقْسَمِ بِهِ وما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: (أيَحْسَبُ) الآيَةِ، وتَقْدِيرُهُ لِتُبْعَثُنَّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء: ٦٥] والأبْياتُ الَّتِي أنْشَدْتَها المُقْسَمُ عَلَيْهِ فِيها مَنفِيٌّ، وكانَ قَدْ أنْشَدَ قَوْلَ امْرِئِ القَيْسِ: ؎لا وأبِيكِ ابْنَةَ العامِرِيِّ ∗∗∗ لا يَدَّعِي القَوْمُ إنِّي أفِرُّ (وقَوْلُ غُوَيَّةَ بْنِ سُلْمى): ؎ألا نادَتْ أُمامَةُ بِاحْتِمالِي ∗∗∗ لِتُحْزِنَنِي فَلا يَكُ ما أُبالِي قالَ: فَهَلّا زَعَمْتَ أنَّ لا الَّتِي لِلْقَسَمِ زِيدَتْ مُوطِئَةً لِلنَّفْيِ بَعْدَهُ ومُؤَكِّدَةً لَهُ، وقَدَّرْتَ المُقْسَمَ عَلَيْهِ المَحْذُوفَ هاهُنا مَنفِيًّا، نَحْوُ قَوْلِكَ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ لا تُتْرَكُونَ سُدًى ؟ (قُلْتُ): لَوْ قَصَرُوا الأمْرَ عَلى النَّفْيِ دُونَ الإثْباتِ لَكانَ لِهَذا القَوْلِ مَساغٌ، ولَكِنَّهُ لَمْ يُقْسِمْ. ألا تَرى كَيْفَ لَقّى ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ [البلد: ١] بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾ [البلد: ٤] وكَذَلِكَ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] ؟ ثُمَّ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وجَوابُ القَسَمِ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ) وهو لَتُبْعَثُنَّ. انْتَهى، وهو تَقْدِيرُ النَّحّاسِ. وقَوْلُ مَن قالَ: جَوابُ القَسَمِ هو: (أيَحْسَبُ الإنْسانُ) . وما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ الجَوابَ: ﴿بَلى قادِرِينَ﴾ وما قِيلَ أنَّ ”لا“ في القَسَمَيْنِ لِنَفْيِهِما، أيْ: لا أُقْسِمُ عَلى شَيْءٍ، وأنَّ التَّقْدِيرَ: أسْألُكَ أيَحْسَبُ الإنْسانُ ؟ أقْوالٌ لا تَصْلُحُ أنْ يَرِدَ بِها، بَلْ تُطْرَحُ ولا يُسَوَّدُ بِها الوَرَقُ، ولَوْلا أنَّهم سَرَدُوها في الكُتُبِ لَمْ أُنَبِّهْ عَلَيْها. والإنْسانُ هُنا الكافِرُ المُكَذِّبُ بِالبَعْثِ. رُوِيَ «أنَّ عَدِيَّ بْنَ رَبِيعَةَ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يا مُحَمَّدُ ! حَدِّثْنِي عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ مَتى يَكُونُ أمْرُهُ ؟ فَأخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: لَوْ عايَنْتُ ذَلِكَ اليَوْمَ لَمْ (p-٣٨٥)أُصَدِّقْكَ ولَمْ أُؤْمِن بِهِ، أوْ يَجْمَعُ اللَّهُ هَذِهِ العِظامَ بَعْدَ بَلاها ؟» فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ، كانَ يَقُولُ أيَزْعُمُ مُحَمَّدٌ ﷺ أنْ يَجْمَعَ اللَّهُ هَذِهِ العِظامَ بَعْدَ بَلاها وتَفَرُّقِها، فَيُعِيدُها خَلْقًا جَدِيدًا ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿نَجْمَعَ﴾ بِنُونٍ ﴿عِظامَهُ﴾ نَصْبًا. وقَتادَةُ: بِالتّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ﴿عِظامَهُ﴾ رَفْعًا، والمَعْنى: بَعْدَ تَفَرُّقِها واخْتِلاطِها بِالتُّرابِ وتَطْيِيرِ الرِّياحِ إيّاها في أقاصِي الأرْضِ. وقَوْلُهُ: (أيَحْسَبُ) اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ، حَيْثُ يُنْكِرُ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى عَلى إعادَةِ المَعْدُومِ. (بَلى): جَوابٌ لِلِاسْتِفْهامِ المُنْسَحِبِ عَلى النَّفْيِ، أيْ: بَلى نَجْمَعُها. وذَكَرَ العِظامَ، وإنْ كانَ المَعْنى إعادَةَ الإنْسانِ وجَمْعَ أجْزائِهِ المُتَفَرِّقَةِ؛ لِأنَّ العِظامَ هي قالَبُ الخَلْقِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (قادِرِينَ) بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي في الفِعْلِ المُقَدَّرِ وهو يَجْمَعُها. وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ السَّمَيْقَعِ: قادِرُونَ، أيْ: نَحْنُ قادِرُونَ. ﴿عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾: وهي الأصابِعُ، أكْثَرُ العِظامِ تَفَرُّقًا وأدَقُّها أجْزاءً، وهي العِظامُ الَّتِي في الأنامِلِ ومَفاصِلِها، وهَذا عِنْدَ البَعْثِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والجُمْهُورُ: المَعْنى نَجْعَلُها في حَياتِهِ هَذِهِ بُضْعَةً، أوْ عَظْمًا واحِدًا كَخُفِّ البَعِيرِ لا تَفارِيقَ فِيهِ، أيْ: في الدُّنْيا فَتَقِلُّ مَنفَعَتُهُ بِها، وهَذا القَوْلُ فِيهِ تَوَعُّدٌ، والمَعْنى الأوَّلُ هو الظّاهِرُ والمَقْصُودُ مِن رَصْفِ الكَلامِ. وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ بِألْفاظٍ مُنَمَّقَةٍ عَلى عادَتِهِ في حِكايَةِ أقْوالِ المُتَقَدِّمِينَ. وقِيلَ: (قادِرِينَ) مَنصُوبٌ عَلى خَبَرِ كانَ، أيْ: بَلى كُنّا قادِرِينَ في الِابْتِداءِ. ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ﴾: بَلْ إضْرابٌ، وهو انْتِقالٌ مِن كَلامٍ إلى كَلامٍ مِن غَيْرِ إبْطالٍ. والظّاهِرُ أنَّ (يُرِيدُ) إخْبارٌ عَنْ ما يُرِيدُهُ الإنْسانُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (بَلْ يُرِيدُ) عَطْفٌ عَلى (أيَحْسَبُ) فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَبْلَهُ اسْتِفْهامًا، وأنْ يَكُونَ إيجابًا عَلى أنْ يُضْرَبَ عَنْ مُسْتَفْهَمٍ عَنْهُ إلى آخَرَ، أوْ يُضْرَبَ عَنْ مُسْتَفْهَمٍ عَنْهُ إلى مُوجِبٍ. انْتَهى. وهَذِهِ التَّقادِيرُ الثَّلاثَةُ لا تَظْهَرُ، وهي مُتَكَلَّفَةٌ، بَلِ المَعْنى: الإخْبارُ عَنِ الإنْسانِ مِن غَيْرِ إبْطالٍ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، وهي نَجْمَعُها قادِرِينَ، لِنُبَيِّنَ ما هو عَلَيْهِ الإنْسانُ مِن عَدَمِ الفِكْرِ في الآخِرَةِ وأنَّهُ مَعْنِيٌّ بِشَهَواتِهِ. ومَفْعُولُ (يُرِيدُ) مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّعْلِيلُ في ﴿لِيَفْجُرَ﴾ . قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ: مَعْنى الآيَةِ: أنَّ الإنْسانَ إنَّما يُرِيدُ شَهَواتِهِ ومَعاصِيهِ؛ لِيَمْضِيَ فِيها أبَدًا قُدُمًا راكِبًا رَأْسَهُ مُطِيعًا أمَلَهُ ومُسَوِّفًا بِتَوْبَتِهِ. قالَ السُّدِّيُّ أيْضًا: لِيَظْلِمَ عَلى قَدْرِ طاقَتِهِ، وعَلى هَذا فالضَّمِيرُ في ﴿أمامَهُ﴾ عائِدٌ عَلى الإنْسانِ، وهو الظّاهِرُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ما يَقْتَضِي أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ أنَّ الإنْسانَ في زَمانِ وُجُودِهِ أمامَ يَوْمِ القِيامَةِ، وبَيْنَ يَدَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ خَلْفَهُ، فَهو يُرِيدُ شَهَواتِهِ؛ لِيَفْجُرَ في تَكْذِيبِهِ بِالبَعْثِ وغَيْرِ ذَلِكَ بَيْنَ يَدَيْ يَوْمِ القِيامَةِ، وهو لا يَعْرِفُ القَدْرَ الَّذِي هو فِيهِ. والأمامُ ظَرْفُ مَكانٍ اسْتُعِيرَ هُنا لِلزَّمانِ، أيْ: لِيَفْجُرَ فِيما بَيْنَ يَدَيْهِ ويَسْتَقْبِلُهُ مِن زَمانِ حَياتِهِ. ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ أيْ: مَتى يَوْمُ القِيامَةِ ؟ سُؤالُ اسْتِهْزاءٍ وتَكْذِيبٍ وتَعَنُّتٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿بَرِقَ﴾ بِكَسْرِ الرّاءِ. وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والزَّعْفَرانِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ ونافِعٌ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ وهارُونَ ومَحْبُوبٍ، كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو، والحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ: بِخِلافٍ عَنْهُما بِفَتْحِها. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: بَرَقَ بِالفَتْحِ: شَقَّ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: خَفَتَ عِنْدَ المَوْتِ. قالَ مُجاهِدٌ: هَذا عِنْدَ المَوْتِ. وقالَ الحَسَنُ: هو يَوْمُ القِيامَةِ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: بَلَقَ بِاللّامِ عِوَضَ الرّاءِ، أيِ: انْفَتَحَ وانْفَرَجَ، يُقالُ: بَلَقَ البابُ وأبْلَقْتُهُ وبَلَّقْتُهُ: فَتَحْتُهُ، هَذا قَوْلُ أهْلِ اللُّغَةِ إلّا الفَرّاءَ فَإنَّهُ يَقُولُ: بَلَقَهُ وأبْلَقَهُ إذا أغْلَقَهُ. وقالَ ثَعْلَبٌ: أخْطَأ الفَرّاءُ في ذَلِكَ، إنَّما هو بَلَقَ البابَ وأبْلَقَهُ إذا فَتَحَهُ. انْتَهى. ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ اللّامُ بَدَلًا مِنَ الرّاءِ، فَهُما يَتَعاقَبانِ في بَعْضِ الكَلامِ، نَحْوُ قَوْلِهِمْ: نَثَرَهُ ونَثَلَهُ، ووَجَرَ ووَجِلَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وخَسَفَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ويَزِيدُ بْنُ (p-٣٨٦)قُطَيْبٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. يُقالُ: خَسَفَ القَمَرُ وخَسَفَهُ اللَّهُ، وكَذَلِكَ الشَّمْسُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ: الخُسُوفُ والكُسُوفُ بِمَعْنًى واحِدٍ. وقالَ ابْنُ أبِي أُوَيْسٍ: الكُسُوفُ ذَهابُ بَعْضِ الضَّوْءِ، والخُسُوفُ جَمِيعُهُ. ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾: لَمْ تَلْحَقْ عَلامَةُ التَّأْنِيثِ؛ لِأنَّ تَأْنِيثَ الشَّمْسِ مَجازٌ، أوْ لِتَغْلِيبِ التَّذْكِيرِ عَلى التَّأْنِيثِ. وقالَ الكِسائِيُّ: حُمِلَ عَلى المَعْنى، والتَّقْدِيرُ: جُمِعَ النُّورانِ أوِ الضِّياءانِ، ومَعْنى الجَمْعِ بَيْنَهُما، قالَ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ: يُجْمَعانِ فَيُلْقَيانِ في النّارِ، وعَنْهُ يُجْمَعانِ يَوْمَ القِيامَةِ ثُمَّ يُقْذَفانِ في البَحْرِ، فَيَكُونانِ نارَ اللَّهِ الكُبْرى. وقِيلَ: يُجْمَعُ بَيْنَهُما في الطُّلُوعِ مِنَ المَغْرِبِ، فَيَطْلُعانِ أسْوَدَيْنِ مُكَوَّرَيْنِ. وقالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ: يُجْعَلانِ في نُورِ الحُجُبِ، وقِيلَ: يَجْتَمِعانِ ولا يَتَفَرَّقانِ، ويَقْرُبانِ مِنَ النّاسِ فَيَلْحَقُهُمُ العَرَقُ لِشِدَّةِ الحَرِّ، فَكَأنَّ المَعْنى: يُجْمَعُ حَرُّهُما. وقِيلَ: يُجْمَعُ بَيْنَهُما في ذَهابِ الضَّوْءِ، فَلا يَكُونُ ثَمَّ تَعاقُبُ لَيْلٍ ولا نَهارٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿المَفَرُّ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ والفاءِ، أيْ: أيْنَ الفِرارُ ؟ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ بْنِ أبِي طالِبٍ، والحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ، وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وأيُّوبُ السَّخْتِيانِيُّ وكُلْثُومُ بْنُ عِياضٍ، ومُجاهِدٌ وابْنُ يَعْمُرَ وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ وأبُو رَجاءٍ وعِيسى، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والزُّهْرِيُّ: بِكَسْرِ الفاءِ، وهو مَوْضِعُ الفِرارِ. وقَرَأ الحَسَنُ: بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ الفاءِ، ونَسَبَها ابْنُ عَطِيَّةَ لِلزُّهْرِيِّ، أيِ: الجَيِّدُ الفِرارِ، وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ هَذا الوَزْنُ في الآلاتِ وفي صِفاتِ الخَيْلِ، نَحْوُ قَوْلِهِ: ؎مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعًا والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ مِن تَمامِ قَوْلِ الإنْسانِ. وقِيلَ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، لا حِكايَةً عَنِ الإنْسانِ. (كَلًّا): رَدْعٌ عَنْ طَلَبِ المَفَرِّ ﴿لا وزَرَ﴾: لا مَلْجَأ، وعَبَّرَ المُفَسِّرُونَ عَنْهُ بِالجَبَلِ. قالَ مُطَرِّفُ بْنُ الشِّخِّيرِ: هو كانَ وِزْرُ فِرارِ العَرَبِ في بِلادِهِمْ، فَلِذَلِكَ اسْتُعْمِلَ، والحَقِيقَةُ أنَّهُ المَلْجَأُ مِن جَبَلٍ أوْ حِصْنٍ أوْ سِلاحٍ أوْ رَجُلٍ أوْ غَيْرِهِ. (إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ) أيْ: إلى حُكْمِهِ يَوْمئِذٍ تَقُولُ أيْنَ المَفَرُّ ﴿المُسْتَقَرُّ﴾ أيِ: الِاسْتِقْرارُ، أوْ مَوْضِعُ اسْتِقْرارٍ مِن جَنَّةٍ أوْ نارٍ إلى مَشِيئَتِهِ تَعالى، يُدْخِلُ مَن شاءَ الجَنَّةَ، ويُدْخِلُ مَن شاءَ النّارَ. ﴿بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ قالَ عَبْدُ اللَّهِ وابْنُ عَبّاسٍ: بِما قَدَّمَ في حَياتِهِ وأخَّرَ مِن سَنَةٍ يَعْمَلُ بِها بَعْدَهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: بِما قَدَّمَ مِنَ المَعاصِي وأخَّرَ مِنَ الطّاعاتِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: بِما قَدَّمَ مِن مالِهِ لِنَفْسِهِ، وبِما أخَّرَ مِنهُ لِلْوارِثِ. وقالَ النَّخَعِيُّ ومُجاهِدٌ: بِأوَّلِ عَمَلِهِ وآخِرِهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: بِما قَدَّمَ مِن فَرْضٍ وأخَّرَ مِن فَرْضٍ. والظّاهِرُ حَمْلُهُ عَلى العُمُومِ، أيْ: يُخْبِرُهُ بِكُلِّ ما قَدَّمَ وكُلِّ ما أخَّرَ، مِمّا ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ ومِمّا لَمْ يَذْكُرُوهُ. (بَصِيرَةً): خَبَرٌ عَنِ الإنْسانِ، أيْ: شاهِدٌ، قالَهُ قَتادَةُ، والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ. وقالَ الأخْفَشُ: هو كَقَوْلِكَ فُلانٌ عِبْرَةٌ وحُجَّةٌ. وقِيلَ: أُنِّثَ لِأنَّهُ أرادَ جَوارِحَهُ، أيْ: جَوارِحُهُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ. وقِيلَ: (بَصِيرَةٌ) مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ المَوْصُوفِ، أيْ: عَيْنٌ بَصِيرَةٌ، و(عَلى نَفْسِهِ) الخَبَرُ. والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ خَبَرٍ عَنِ الإنْسانِ، والتَّقْدِيرُ: عَيْنٌ بَصِيرَةٌ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الفَرّاءُ، وأنْشَدَ: ؎كَأنَّ عَلى ذِي العَقْلِ عَيْنًا بَصِيرَةً ∗∗∗ بِمَقْعَدِهِ، أوْ مَنظَرٍ هو ناظِرُهُ ؎يُحاذِرُ حَتّى يَحْسَبَ النّاسَ كُلَّهم ∗∗∗ مِنَ الخَوْفِ لا تَخْفى عَلَيْهِمْ سَرائِرُهُ وعَلى هَذا نَخْتارُ أنْ تَكُونَ (بَصِيرَةٌ) فاعِلًا بِالجارِّ والمَجْرُورِ، وهو الخَبَرُ عَنِ الإنْسانِ. ألا تَرى أنَّهُ قَدِ اعْتَمَدَ بِوُقُوعِهِ خَبَرًا عَنِ الإنْسانِ ؟ وعَلى هَذا فالتّاءُ لِلتَّأْنِيثِ. وتَأوَّلَ ابْنُ عَبّاسٍ (البَصِيرَةَ) بِالجَوارِحِ، أوِ المَلائِكَةِ الحَفَظَةِ. والمَعاذِيرُ عِنْدَ الجُمْهُورِ الأعْذارُ، فالمَعْنى: لَوْ جاءَ بِكُلِّ مَعْذِرَةٍ يَعْتَذِرُ بِها عَنْ نَفْسِهِ، فَإنَّهُ هو الشّاهِدُ عَلَيْها والحُجَّةُ البَيِّنَةُ عَلَيْها. وقِيلَ: المَعاذِيرُ جَمْعُ مَعْذِرَةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قِياسُ مَعْذِرَةٍ مَعاذِرُ، فالمَعاذِيرُ لَيْسَ بِجَمْعِ مَعْذِرَةٍ، إنَّما هو اسْمُ جَمْعٍ لَها، ونَحْوُ المَناكِيرِ في المُنْكَرِ. انْتَهى. ولَيْسَ هَذا البِناءُ مِن (p-٣٨٧)أبْنِيَةِ أسْماءِ الجُمُوعِ، وإنَّما هو مِن أبْنِيَةِ جَمْعِ التَّكْسِيرِ، فَهو كَمَذاكِيرَ ومَلامِيحَ والمُفْرَدُ مِنهُما لَمْحَةٌ وذِكْرٌ. ولَمْ يَذْهَبْ أحَدٌ إلى أنَّهُما مِن أسْماءِ الجُمُوعِ، بَلْ قِيلَ: هُما جَمْعٌ لِلَمْحَةٍ وذِكْرٍ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، أوْ هُما جَمْعٌ لِمُفْرَدٍ لَمْ يَنْطِقْ بِهِ، وهو مِذْكارٌ ومَلْمَحَةٌ. وقالَ السُّدِّيُّ والضَّحّاكُ: المَعاذِيرُ: السُّتُورُ بِلُغَةِ اليَمَنِ، واحِدُها مِعْذارٌ، وهو يَمْنَعُ رُؤْيَةَ المُحْتَجِبِ، كَما تَمْنَعُ المَعْذِرَةُ عُقُوبَةَ الذَّنْبِ. وقالَهُ الزَّجّاجُ أيْضًا، أيْ: وإنْ رَمى مَسْتُورَةً يُرِيدُ أنْ يُخْفِيَ عَمَلَهُ، فَنَفْسُهُ شاهِدَةٌ عَلَيْهِ. وأنْشَدُوا في أنَّ المَعاذِيرَ السُّتُورُ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎ولَكِنَّها ضَنَّتْ بِمَنزِلِ ساعَةٍ ∗∗∗ عَلَيْنا، وأطَّتْ فَوْقَها بِالمَعاذِرِ وقِيلَ: البَصِيرَةُ: الكاتِبانِ يَكْتُبانِ ما يَكُونُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، أيْ: وإنْ تَسَتَّرَ بِالسُّتُورِ، وإذا كانَتْ مِنَ العُذْرِ، فَمَعْنى ﴿ولَوْ ألْقى﴾ أيْ: نَطَقَ بِمَعاذِيرِهِ وقالَها. وقِيلَ: ولَوْ رَمى بِأعْذارِهِ واسْتَسْلَمَ. وقالَ السُّدِّيُّ: ولَوْ أدْلى بِحُجَّةٍ وعُذْرٍ. وقِيلَ: ولَوْ أحالَ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْلا أنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبإ: ٣١] . والعُذْرَةُ والعُذْرى: المَعْذِرَةُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ها إنَّ ذِي عُذْرَةٍ أنْ لا تَكُنْ نَفَعَتْ وقالَ فِيها: ولا عُذْرَ لِمَجْحُودٍ.

القيامة 75:3

(سُورَةُ القِيامَةِ مَكِّيَّةٌ وهي أرْبَعُونَ آيَةً) (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ ﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ ﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] ﴿كَلّا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ [القيامة: ٢٠] ﴿وتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ [القيامة: ٢١] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤] ﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٥] ﴿كَلّا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ [القيامة: ٢٦] ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ [القيامة: ٢٧] ﴿وظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ [القيامة: ٢٨] ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ [القيامة: ٢٩] ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ [القيامة: ٣٠] ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١] ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣٢] ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ [القيامة: ٣٣] ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٤] ﴿ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٥] ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ [القيامة: ٣٧] ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ [القيامة: ٣٨] ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠] . (p-٣٨٢)بَرِقَ بِكَسْرِ الرّاءِ: فَزِعَ ودَهِشَ، وأصْلُهُ مِن بَرِقَ الرَّجُلُ، إذا نَظَرَ إلى البَرْقِ فَدُهِشَ بَصَرُهُ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎ولَوْ أنَّ لُقْمانَ الحَكِيمَ تَعَرَّضَتْ لِعَيْنَيْهِ مَيٌّ سافِرًا كادَ يَبْرُقُ (قالَ الأعْشى): ؎وكُنْتُ أرى في وجْهِ مِيَّةَ لُمْحَةً ∗∗∗ فَأُبْرِقُ مَغْشِيًّا عَلِيَّ مَكانِيا وبَرَقَ بِفَتْحِ الرّاءِ: شُقَّ بَصَرُهُ، وهو مِنَ البَرِيقِ، أيْ: لَمَعَ بَصَرُهُ مِن شِدَّةِ شُخُوصِهِ. الوِزْرُ: ما يَلْجَأُ إلَيْهِ مِن حِصْنٍ أوْ جَبَلٍ أوْ غَيْرِهِما، قالَ الشّاعِرُ: ؎لَعَمْرُكَ ما لِلْفَتى مِن وِزْرٍ ∗∗∗ مِنَ المَوْتِ يُدْرِكُهُ والكِبَرُ النَّضِرَةُ: النِّعْمَةُ وجَمالُ البَشَرَةِ وطَراوَتِها، قالَ الشّاعِرُ: ؎أبى لِي قَبْرٌ لا يَزالُ مُقابَلِي ∗∗∗ وضَرْبَةُ فَأْسٍ فَوْقَ رَأْسِي فاقِرَهْ أيْ: مُؤَثِّرَةٌ. التَّراقِي جَمْعُ تَرْقُوَةٍ: وهي عِظامُ الصَّدْرِ، ولِكُلِّ إنْسانٍ تَرْقُوَتانِ، وهو مَوْضِعُ الحَشْرَجَةِ، قالَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ: ؎ورُبَّ عَظِيمَةٍ دافَعْتُ عَنْهم ∗∗∗ وقَدْ بَلَغَتْ نُفُوسُهُمُ التَّراقِي رَقى يَرْقِي مِنَ الرُّقْيَةِ، وهي ما يُسْتَشْفى بِهِ لِلْمَرِيضِ مِنَ الكَلامِ المُعَدِّ لِذَلِكَ. تَمَطّى: تَبَخْتَرَ في مِشْيَتِهِ، وأصْلُهُ مِنَ المَطا وهو الظَّهْرُ، أيْ: يَلْوِي مَطاهُ تَبَخْتُرًا. وقِيلَ: أصْلُهُ تَمطَّطَ أيْ: تَمَدَّدَ في مِشْيَتِهِ، ومَدَّ مَنكِبَيْهِ، قُلِبَتِ الطّاءُ فِيهِ حَرْفَ عِلَّةٍ كَراهَةَ اجْتِماعِ الأمْثالِ، كَما قالُوا: تَظَنّى مِنَ الظَّنِّ، وأصْلُهُ تَظَنَّنَ. والمَطِيطا: التَّبَخْتُرُ ومَدُّ اليَدَيْنِ في المَشْيِ، والمَطِيطُ: الماءُ الحاثِرُ في أسْفَلِ الحَوْضِ؛ لِأنَّهُ يَتَمَطَّطُ فِيهِ، أيْ: يَمْتَدُّ. وعَلى هَذا الِاشْتِقاقِ لا يَكُونُ أصْلُهُ مِنَ المَطِّ لِاخْتِلافِ المادَّتَيْنِ، إذْ مادَّةُ المَطا (م ط و) ومادَّةُ تَمَطَّطَ (م ط ط) . سُدًى: مُهْمَلٌ، يُقالُ إبِلٌ سُدًى أيْ: مُهْمَلَةٌ تَرْعى حَيْثُ شاءَتْ بِلا راعٍ، وأسْدَيْتُ الشَّيْءَ أيْ: أهْمَلْتُهُ، وأسْدَيْتُ حاجَتِي: ضَيَّعْتُها. قالَ الشّاعِرُ: ؎فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ جَهْدَ اليَمِينِ ∗∗∗ ما خَلَقَ اللَّهُ شَيْئًا سُدى وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ دُرَيْدٍ في المَقْصُورَةِ: ؎لَمْ أرَ كالمُزْنِ سَوامًا بُهْلًا ∗∗∗ تَحْسَبُها مَرْعِيَّةً وهي سُدى (p-٣٨٣)﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَة﴾ ﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ ﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] ﴿كَلّا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ [القيامة: ٢٠] ﴿وتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ [القيامة: ٢١] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤] ﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٥] ﴿كَلّا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ [القيامة: ٢٦] ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ [القيامة: ٢٧] ﴿وظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ [القيامة: ٢٨] ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ [القيامة: ٢٩] ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ [القيامة: ٣٠] ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١] ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣٢] ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ [القيامة: ٣٣] ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٤] ﴿ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٥] ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ [القيامة: ٣٧] ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ [القيامة: ٣٨] ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠] . (p-٣٨٤)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها: أنَّ في آخِرِ ما قَبْلَها قَوْلَهُ: ﴿كَلّا بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ [المدثر: ٥٣] ﴿كَلّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٤] وفِيها كَثِيرٌ مِن أحْوالِ القِيامَةِ، فَذَكَرَ هُنا يَوْمَ القِيامَةِ وجُمَلًا مِن أحْوالِها. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿لا أُقْسِمُ﴾ . والخِلافُ في ”لا“، والخِلافُ في قِراءاتِها في أواخِرِ الواقِعَةِ. أقْسَمَ تَعالى بِيَوْمِ القِيامَةِ لِعِظَمِهِ وهَوْلِهِ. و﴿لا أُقْسِمُ﴾ قِيلَ: ”لا“ نافِيَةٌ، نَفى أنْ يُقْسِمَ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ، وأقْسَمَ بِيَوْمِ القِيامَةِ، نَصَّ عَلى هَذا الحَسَنُ. والجُمْهُورُ: عَلى أنَّ اللَّهَ أقْسَمَ بِالأمْرَيْنِ. واللَّوّامَةُ، قالَ الحَسَنُ: هي الَّتِي تَلُومُ صاحِبَها في تَرْكِ الطّاعَةِ ونَحْوِها، فَهي عَلى هَذا مَمْدُوحَةٌ، ولِذَلِكَ أقْسَمَ اللَّهُ بِها. ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَنْ مُجاهِدٍ، تَلُومُ عَلى ما فاتَ وتَنْدَمَ عَلى الشَّرِّ لِمَ فَعَلَتْهُ ؟، وعَلى الخَيْرِ لِمَ لَمْ تَسْتَكْثِرْ مِنهُ ؟ . وقِيلَ: النَّفْسُ المُتَّقِيَةُ الَّتِي تَلُومُ النُّفُوسَ في يَوْمِ القِيامَةِ عَلى تَقْصِيرِهِنَّ في التَّقْوى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: هي الفاجِرَةُ الخَشِعَةُ اللَّوّامَةُ لِصاحِبِها عَلى ما فاتَهُ مِن سَعْيِ الدُّنْيا وأعْراضِها، فَهي عَلى هَذا ذَمِيمَةٌ، ويَحْسُنُ نَفْيُ القَسَمِ بِها. والنَّفْسُ اللَّوّامَةُ: اسْمُ جِنْسٍ بِهَذا الوَصْفِ. وقِيلَ: هي نَفْسٌ مُعَيَّنَةٌ، وهي نَفْسُ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ تَزَلْ لائِمَةً لَهُ عَلى فِعْلِهِ الَّذِي أخْرَجَهُ مِنَ الجَنَّةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وكُلُّ نَفْسٍ مُتَوَسِّطَةٍ لَيْسَتْ بِمُطَمْئِنَةٍ ولا أمّارَةٍ بِالسُّوءِ، فَإنَّها لَوّامَةٌ في الطَّرَفَيْنِ، مَرَّةً تَلُومُ عَلى تَرْكِ الطّاعَةِ، ومَرَّةً تَلُومُ عَلى فَوْتِ ما تَشْتَهِي، فَإذا اطْمَأنَّتْ خَلَصَتْ وصَفَتْ. انْتَهى. والمُناسَبَةُ بَيْنَ القَسَمَيْنِ مِن حَيْثُ أحْوالِ النَّفْسِ مِن سَعادَتِها وشَقاوَتِها وظُهُورِ ذَلِكَ في يَوْمِ القِيامَةِ، وجَوابُ القَسَمِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ يَوْمُ القِيامَةِ المُقْسَمِ بِهِ وما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: (أيَحْسَبُ) الآيَةِ، وتَقْدِيرُهُ لِتُبْعَثُنَّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء: ٦٥] والأبْياتُ الَّتِي أنْشَدْتَها المُقْسَمُ عَلَيْهِ فِيها مَنفِيٌّ، وكانَ قَدْ أنْشَدَ قَوْلَ امْرِئِ القَيْسِ: ؎لا وأبِيكِ ابْنَةَ العامِرِيِّ ∗∗∗ لا يَدَّعِي القَوْمُ إنِّي أفِرُّ (وقَوْلُ غُوَيَّةَ بْنِ سُلْمى): ؎ألا نادَتْ أُمامَةُ بِاحْتِمالِي ∗∗∗ لِتُحْزِنَنِي فَلا يَكُ ما أُبالِي قالَ: فَهَلّا زَعَمْتَ أنَّ لا الَّتِي لِلْقَسَمِ زِيدَتْ مُوطِئَةً لِلنَّفْيِ بَعْدَهُ ومُؤَكِّدَةً لَهُ، وقَدَّرْتَ المُقْسَمَ عَلَيْهِ المَحْذُوفَ هاهُنا مَنفِيًّا، نَحْوُ قَوْلِكَ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ لا تُتْرَكُونَ سُدًى ؟ (قُلْتُ): لَوْ قَصَرُوا الأمْرَ عَلى النَّفْيِ دُونَ الإثْباتِ لَكانَ لِهَذا القَوْلِ مَساغٌ، ولَكِنَّهُ لَمْ يُقْسِمْ. ألا تَرى كَيْفَ لَقّى ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ [البلد: ١] بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾ [البلد: ٤] وكَذَلِكَ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] ؟ ثُمَّ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وجَوابُ القَسَمِ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ) وهو لَتُبْعَثُنَّ. انْتَهى، وهو تَقْدِيرُ النَّحّاسِ. وقَوْلُ مَن قالَ: جَوابُ القَسَمِ هو: (أيَحْسَبُ الإنْسانُ) . وما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ الجَوابَ: ﴿بَلى قادِرِينَ﴾ وما قِيلَ أنَّ ”لا“ في القَسَمَيْنِ لِنَفْيِهِما، أيْ: لا أُقْسِمُ عَلى شَيْءٍ، وأنَّ التَّقْدِيرَ: أسْألُكَ أيَحْسَبُ الإنْسانُ ؟ أقْوالٌ لا تَصْلُحُ أنْ يَرِدَ بِها، بَلْ تُطْرَحُ ولا يُسَوَّدُ بِها الوَرَقُ، ولَوْلا أنَّهم سَرَدُوها في الكُتُبِ لَمْ أُنَبِّهْ عَلَيْها. والإنْسانُ هُنا الكافِرُ المُكَذِّبُ بِالبَعْثِ. رُوِيَ «أنَّ عَدِيَّ بْنَ رَبِيعَةَ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يا مُحَمَّدُ ! حَدِّثْنِي عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ مَتى يَكُونُ أمْرُهُ ؟ فَأخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: لَوْ عايَنْتُ ذَلِكَ اليَوْمَ لَمْ (p-٣٨٥)أُصَدِّقْكَ ولَمْ أُؤْمِن بِهِ، أوْ يَجْمَعُ اللَّهُ هَذِهِ العِظامَ بَعْدَ بَلاها ؟» فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ، كانَ يَقُولُ أيَزْعُمُ مُحَمَّدٌ ﷺ أنْ يَجْمَعَ اللَّهُ هَذِهِ العِظامَ بَعْدَ بَلاها وتَفَرُّقِها، فَيُعِيدُها خَلْقًا جَدِيدًا ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿نَجْمَعَ﴾ بِنُونٍ ﴿عِظامَهُ﴾ نَصْبًا. وقَتادَةُ: بِالتّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ﴿عِظامَهُ﴾ رَفْعًا، والمَعْنى: بَعْدَ تَفَرُّقِها واخْتِلاطِها بِالتُّرابِ وتَطْيِيرِ الرِّياحِ إيّاها في أقاصِي الأرْضِ. وقَوْلُهُ: (أيَحْسَبُ) اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ، حَيْثُ يُنْكِرُ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى عَلى إعادَةِ المَعْدُومِ. (بَلى): جَوابٌ لِلِاسْتِفْهامِ المُنْسَحِبِ عَلى النَّفْيِ، أيْ: بَلى نَجْمَعُها. وذَكَرَ العِظامَ، وإنْ كانَ المَعْنى إعادَةَ الإنْسانِ وجَمْعَ أجْزائِهِ المُتَفَرِّقَةِ؛ لِأنَّ العِظامَ هي قالَبُ الخَلْقِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (قادِرِينَ) بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي في الفِعْلِ المُقَدَّرِ وهو يَجْمَعُها. وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ السَّمَيْقَعِ: قادِرُونَ، أيْ: نَحْنُ قادِرُونَ. ﴿عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾: وهي الأصابِعُ، أكْثَرُ العِظامِ تَفَرُّقًا وأدَقُّها أجْزاءً، وهي العِظامُ الَّتِي في الأنامِلِ ومَفاصِلِها، وهَذا عِنْدَ البَعْثِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والجُمْهُورُ: المَعْنى نَجْعَلُها في حَياتِهِ هَذِهِ بُضْعَةً، أوْ عَظْمًا واحِدًا كَخُفِّ البَعِيرِ لا تَفارِيقَ فِيهِ، أيْ: في الدُّنْيا فَتَقِلُّ مَنفَعَتُهُ بِها، وهَذا القَوْلُ فِيهِ تَوَعُّدٌ، والمَعْنى الأوَّلُ هو الظّاهِرُ والمَقْصُودُ مِن رَصْفِ الكَلامِ. وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ بِألْفاظٍ مُنَمَّقَةٍ عَلى عادَتِهِ في حِكايَةِ أقْوالِ المُتَقَدِّمِينَ. وقِيلَ: (قادِرِينَ) مَنصُوبٌ عَلى خَبَرِ كانَ، أيْ: بَلى كُنّا قادِرِينَ في الِابْتِداءِ. ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ﴾: بَلْ إضْرابٌ، وهو انْتِقالٌ مِن كَلامٍ إلى كَلامٍ مِن غَيْرِ إبْطالٍ. والظّاهِرُ أنَّ (يُرِيدُ) إخْبارٌ عَنْ ما يُرِيدُهُ الإنْسانُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (بَلْ يُرِيدُ) عَطْفٌ عَلى (أيَحْسَبُ) فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَبْلَهُ اسْتِفْهامًا، وأنْ يَكُونَ إيجابًا عَلى أنْ يُضْرَبَ عَنْ مُسْتَفْهَمٍ عَنْهُ إلى آخَرَ، أوْ يُضْرَبَ عَنْ مُسْتَفْهَمٍ عَنْهُ إلى مُوجِبٍ. انْتَهى. وهَذِهِ التَّقادِيرُ الثَّلاثَةُ لا تَظْهَرُ، وهي مُتَكَلَّفَةٌ، بَلِ المَعْنى: الإخْبارُ عَنِ الإنْسانِ مِن غَيْرِ إبْطالٍ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، وهي نَجْمَعُها قادِرِينَ، لِنُبَيِّنَ ما هو عَلَيْهِ الإنْسانُ مِن عَدَمِ الفِكْرِ في الآخِرَةِ وأنَّهُ مَعْنِيٌّ بِشَهَواتِهِ. ومَفْعُولُ (يُرِيدُ) مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّعْلِيلُ في ﴿لِيَفْجُرَ﴾ . قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ: مَعْنى الآيَةِ: أنَّ الإنْسانَ إنَّما يُرِيدُ شَهَواتِهِ ومَعاصِيهِ؛ لِيَمْضِيَ فِيها أبَدًا قُدُمًا راكِبًا رَأْسَهُ مُطِيعًا أمَلَهُ ومُسَوِّفًا بِتَوْبَتِهِ. قالَ السُّدِّيُّ أيْضًا: لِيَظْلِمَ عَلى قَدْرِ طاقَتِهِ، وعَلى هَذا فالضَّمِيرُ في ﴿أمامَهُ﴾ عائِدٌ عَلى الإنْسانِ، وهو الظّاهِرُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ما يَقْتَضِي أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ أنَّ الإنْسانَ في زَمانِ وُجُودِهِ أمامَ يَوْمِ القِيامَةِ، وبَيْنَ يَدَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ خَلْفَهُ، فَهو يُرِيدُ شَهَواتِهِ؛ لِيَفْجُرَ في تَكْذِيبِهِ بِالبَعْثِ وغَيْرِ ذَلِكَ بَيْنَ يَدَيْ يَوْمِ القِيامَةِ، وهو لا يَعْرِفُ القَدْرَ الَّذِي هو فِيهِ. والأمامُ ظَرْفُ مَكانٍ اسْتُعِيرَ هُنا لِلزَّمانِ، أيْ: لِيَفْجُرَ فِيما بَيْنَ يَدَيْهِ ويَسْتَقْبِلُهُ مِن زَمانِ حَياتِهِ. ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ أيْ: مَتى يَوْمُ القِيامَةِ ؟ سُؤالُ اسْتِهْزاءٍ وتَكْذِيبٍ وتَعَنُّتٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿بَرِقَ﴾ بِكَسْرِ الرّاءِ. وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والزَّعْفَرانِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ ونافِعٌ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ وهارُونَ ومَحْبُوبٍ، كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو، والحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ: بِخِلافٍ عَنْهُما بِفَتْحِها. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: بَرَقَ بِالفَتْحِ: شَقَّ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: خَفَتَ عِنْدَ المَوْتِ. قالَ مُجاهِدٌ: هَذا عِنْدَ المَوْتِ. وقالَ الحَسَنُ: هو يَوْمُ القِيامَةِ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: بَلَقَ بِاللّامِ عِوَضَ الرّاءِ، أيِ: انْفَتَحَ وانْفَرَجَ، يُقالُ: بَلَقَ البابُ وأبْلَقْتُهُ وبَلَّقْتُهُ: فَتَحْتُهُ، هَذا قَوْلُ أهْلِ اللُّغَةِ إلّا الفَرّاءَ فَإنَّهُ يَقُولُ: بَلَقَهُ وأبْلَقَهُ إذا أغْلَقَهُ. وقالَ ثَعْلَبٌ: أخْطَأ الفَرّاءُ في ذَلِكَ، إنَّما هو بَلَقَ البابَ وأبْلَقَهُ إذا فَتَحَهُ. انْتَهى. ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ اللّامُ بَدَلًا مِنَ الرّاءِ، فَهُما يَتَعاقَبانِ في بَعْضِ الكَلامِ، نَحْوُ قَوْلِهِمْ: نَثَرَهُ ونَثَلَهُ، ووَجَرَ ووَجِلَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وخَسَفَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ويَزِيدُ بْنُ (p-٣٨٦)قُطَيْبٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. يُقالُ: خَسَفَ القَمَرُ وخَسَفَهُ اللَّهُ، وكَذَلِكَ الشَّمْسُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ: الخُسُوفُ والكُسُوفُ بِمَعْنًى واحِدٍ. وقالَ ابْنُ أبِي أُوَيْسٍ: الكُسُوفُ ذَهابُ بَعْضِ الضَّوْءِ، والخُسُوفُ جَمِيعُهُ. ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾: لَمْ تَلْحَقْ عَلامَةُ التَّأْنِيثِ؛ لِأنَّ تَأْنِيثَ الشَّمْسِ مَجازٌ، أوْ لِتَغْلِيبِ التَّذْكِيرِ عَلى التَّأْنِيثِ. وقالَ الكِسائِيُّ: حُمِلَ عَلى المَعْنى، والتَّقْدِيرُ: جُمِعَ النُّورانِ أوِ الضِّياءانِ، ومَعْنى الجَمْعِ بَيْنَهُما، قالَ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ: يُجْمَعانِ فَيُلْقَيانِ في النّارِ، وعَنْهُ يُجْمَعانِ يَوْمَ القِيامَةِ ثُمَّ يُقْذَفانِ في البَحْرِ، فَيَكُونانِ نارَ اللَّهِ الكُبْرى. وقِيلَ: يُجْمَعُ بَيْنَهُما في الطُّلُوعِ مِنَ المَغْرِبِ، فَيَطْلُعانِ أسْوَدَيْنِ مُكَوَّرَيْنِ. وقالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ: يُجْعَلانِ في نُورِ الحُجُبِ، وقِيلَ: يَجْتَمِعانِ ولا يَتَفَرَّقانِ، ويَقْرُبانِ مِنَ النّاسِ فَيَلْحَقُهُمُ العَرَقُ لِشِدَّةِ الحَرِّ، فَكَأنَّ المَعْنى: يُجْمَعُ حَرُّهُما. وقِيلَ: يُجْمَعُ بَيْنَهُما في ذَهابِ الضَّوْءِ، فَلا يَكُونُ ثَمَّ تَعاقُبُ لَيْلٍ ولا نَهارٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿المَفَرُّ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ والفاءِ، أيْ: أيْنَ الفِرارُ ؟ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ بْنِ أبِي طالِبٍ، والحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ، وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وأيُّوبُ السَّخْتِيانِيُّ وكُلْثُومُ بْنُ عِياضٍ، ومُجاهِدٌ وابْنُ يَعْمُرَ وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ وأبُو رَجاءٍ وعِيسى، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والزُّهْرِيُّ: بِكَسْرِ الفاءِ، وهو مَوْضِعُ الفِرارِ. وقَرَأ الحَسَنُ: بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ الفاءِ، ونَسَبَها ابْنُ عَطِيَّةَ لِلزُّهْرِيِّ، أيِ: الجَيِّدُ الفِرارِ، وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ هَذا الوَزْنُ في الآلاتِ وفي صِفاتِ الخَيْلِ، نَحْوُ قَوْلِهِ: ؎مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعًا والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ مِن تَمامِ قَوْلِ الإنْسانِ. وقِيلَ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، لا حِكايَةً عَنِ الإنْسانِ. (كَلًّا): رَدْعٌ عَنْ طَلَبِ المَفَرِّ ﴿لا وزَرَ﴾: لا مَلْجَأ، وعَبَّرَ المُفَسِّرُونَ عَنْهُ بِالجَبَلِ. قالَ مُطَرِّفُ بْنُ الشِّخِّيرِ: هو كانَ وِزْرُ فِرارِ العَرَبِ في بِلادِهِمْ، فَلِذَلِكَ اسْتُعْمِلَ، والحَقِيقَةُ أنَّهُ المَلْجَأُ مِن جَبَلٍ أوْ حِصْنٍ أوْ سِلاحٍ أوْ رَجُلٍ أوْ غَيْرِهِ. (إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ) أيْ: إلى حُكْمِهِ يَوْمئِذٍ تَقُولُ أيْنَ المَفَرُّ ﴿المُسْتَقَرُّ﴾ أيِ: الِاسْتِقْرارُ، أوْ مَوْضِعُ اسْتِقْرارٍ مِن جَنَّةٍ أوْ نارٍ إلى مَشِيئَتِهِ تَعالى، يُدْخِلُ مَن شاءَ الجَنَّةَ، ويُدْخِلُ مَن شاءَ النّارَ. ﴿بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ قالَ عَبْدُ اللَّهِ وابْنُ عَبّاسٍ: بِما قَدَّمَ في حَياتِهِ وأخَّرَ مِن سَنَةٍ يَعْمَلُ بِها بَعْدَهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: بِما قَدَّمَ مِنَ المَعاصِي وأخَّرَ مِنَ الطّاعاتِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: بِما قَدَّمَ مِن مالِهِ لِنَفْسِهِ، وبِما أخَّرَ مِنهُ لِلْوارِثِ. وقالَ النَّخَعِيُّ ومُجاهِدٌ: بِأوَّلِ عَمَلِهِ وآخِرِهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: بِما قَدَّمَ مِن فَرْضٍ وأخَّرَ مِن فَرْضٍ. والظّاهِرُ حَمْلُهُ عَلى العُمُومِ، أيْ: يُخْبِرُهُ بِكُلِّ ما قَدَّمَ وكُلِّ ما أخَّرَ، مِمّا ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ ومِمّا لَمْ يَذْكُرُوهُ. (بَصِيرَةً): خَبَرٌ عَنِ الإنْسانِ، أيْ: شاهِدٌ، قالَهُ قَتادَةُ، والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ. وقالَ الأخْفَشُ: هو كَقَوْلِكَ فُلانٌ عِبْرَةٌ وحُجَّةٌ. وقِيلَ: أُنِّثَ لِأنَّهُ أرادَ جَوارِحَهُ، أيْ: جَوارِحُهُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ. وقِيلَ: (بَصِيرَةٌ) مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ المَوْصُوفِ، أيْ: عَيْنٌ بَصِيرَةٌ، و(عَلى نَفْسِهِ) الخَبَرُ. والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ خَبَرٍ عَنِ الإنْسانِ، والتَّقْدِيرُ: عَيْنٌ بَصِيرَةٌ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الفَرّاءُ، وأنْشَدَ: ؎كَأنَّ عَلى ذِي العَقْلِ عَيْنًا بَصِيرَةً ∗∗∗ بِمَقْعَدِهِ، أوْ مَنظَرٍ هو ناظِرُهُ ؎يُحاذِرُ حَتّى يَحْسَبَ النّاسَ كُلَّهم ∗∗∗ مِنَ الخَوْفِ لا تَخْفى عَلَيْهِمْ سَرائِرُهُ وعَلى هَذا نَخْتارُ أنْ تَكُونَ (بَصِيرَةٌ) فاعِلًا بِالجارِّ والمَجْرُورِ، وهو الخَبَرُ عَنِ الإنْسانِ. ألا تَرى أنَّهُ قَدِ اعْتَمَدَ بِوُقُوعِهِ خَبَرًا عَنِ الإنْسانِ ؟ وعَلى هَذا فالتّاءُ لِلتَّأْنِيثِ. وتَأوَّلَ ابْنُ عَبّاسٍ (البَصِيرَةَ) بِالجَوارِحِ، أوِ المَلائِكَةِ الحَفَظَةِ. والمَعاذِيرُ عِنْدَ الجُمْهُورِ الأعْذارُ، فالمَعْنى: لَوْ جاءَ بِكُلِّ مَعْذِرَةٍ يَعْتَذِرُ بِها عَنْ نَفْسِهِ، فَإنَّهُ هو الشّاهِدُ عَلَيْها والحُجَّةُ البَيِّنَةُ عَلَيْها. وقِيلَ: المَعاذِيرُ جَمْعُ مَعْذِرَةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قِياسُ مَعْذِرَةٍ مَعاذِرُ، فالمَعاذِيرُ لَيْسَ بِجَمْعِ مَعْذِرَةٍ، إنَّما هو اسْمُ جَمْعٍ لَها، ونَحْوُ المَناكِيرِ في المُنْكَرِ. انْتَهى. ولَيْسَ هَذا البِناءُ مِن (p-٣٨٧)أبْنِيَةِ أسْماءِ الجُمُوعِ، وإنَّما هو مِن أبْنِيَةِ جَمْعِ التَّكْسِيرِ، فَهو كَمَذاكِيرَ ومَلامِيحَ والمُفْرَدُ مِنهُما لَمْحَةٌ وذِكْرٌ. ولَمْ يَذْهَبْ أحَدٌ إلى أنَّهُما مِن أسْماءِ الجُمُوعِ، بَلْ قِيلَ: هُما جَمْعٌ لِلَمْحَةٍ وذِكْرٍ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، أوْ هُما جَمْعٌ لِمُفْرَدٍ لَمْ يَنْطِقْ بِهِ، وهو مِذْكارٌ ومَلْمَحَةٌ. وقالَ السُّدِّيُّ والضَّحّاكُ: المَعاذِيرُ: السُّتُورُ بِلُغَةِ اليَمَنِ، واحِدُها مِعْذارٌ، وهو يَمْنَعُ رُؤْيَةَ المُحْتَجِبِ، كَما تَمْنَعُ المَعْذِرَةُ عُقُوبَةَ الذَّنْبِ. وقالَهُ الزَّجّاجُ أيْضًا، أيْ: وإنْ رَمى مَسْتُورَةً يُرِيدُ أنْ يُخْفِيَ عَمَلَهُ، فَنَفْسُهُ شاهِدَةٌ عَلَيْهِ. وأنْشَدُوا في أنَّ المَعاذِيرَ السُّتُورُ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎ولَكِنَّها ضَنَّتْ بِمَنزِلِ ساعَةٍ ∗∗∗ عَلَيْنا، وأطَّتْ فَوْقَها بِالمَعاذِرِ وقِيلَ: البَصِيرَةُ: الكاتِبانِ يَكْتُبانِ ما يَكُونُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، أيْ: وإنْ تَسَتَّرَ بِالسُّتُورِ، وإذا كانَتْ مِنَ العُذْرِ، فَمَعْنى ﴿ولَوْ ألْقى﴾ أيْ: نَطَقَ بِمَعاذِيرِهِ وقالَها. وقِيلَ: ولَوْ رَمى بِأعْذارِهِ واسْتَسْلَمَ. وقالَ السُّدِّيُّ: ولَوْ أدْلى بِحُجَّةٍ وعُذْرٍ. وقِيلَ: ولَوْ أحالَ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْلا أنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبإ: ٣١] . والعُذْرَةُ والعُذْرى: المَعْذِرَةُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ها إنَّ ذِي عُذْرَةٍ أنْ لا تَكُنْ نَفَعَتْ وقالَ فِيها: ولا عُذْرَ لِمَجْحُودٍ.

القيامة 75:4

(سُورَةُ القِيامَةِ مَكِّيَّةٌ وهي أرْبَعُونَ آيَةً) (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ ﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ ﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] ﴿كَلّا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ [القيامة: ٢٠] ﴿وتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ [القيامة: ٢١] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤] ﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٥] ﴿كَلّا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ [القيامة: ٢٦] ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ [القيامة: ٢٧] ﴿وظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ [القيامة: ٢٨] ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ [القيامة: ٢٩] ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ [القيامة: ٣٠] ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١] ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣٢] ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ [القيامة: ٣٣] ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٤] ﴿ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٥] ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ [القيامة: ٣٧] ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ [القيامة: ٣٨] ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠] . (p-٣٨٢)بَرِقَ بِكَسْرِ الرّاءِ: فَزِعَ ودَهِشَ، وأصْلُهُ مِن بَرِقَ الرَّجُلُ، إذا نَظَرَ إلى البَرْقِ فَدُهِشَ بَصَرُهُ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎ولَوْ أنَّ لُقْمانَ الحَكِيمَ تَعَرَّضَتْ لِعَيْنَيْهِ مَيٌّ سافِرًا كادَ يَبْرُقُ (قالَ الأعْشى): ؎وكُنْتُ أرى في وجْهِ مِيَّةَ لُمْحَةً ∗∗∗ فَأُبْرِقُ مَغْشِيًّا عَلِيَّ مَكانِيا وبَرَقَ بِفَتْحِ الرّاءِ: شُقَّ بَصَرُهُ، وهو مِنَ البَرِيقِ، أيْ: لَمَعَ بَصَرُهُ مِن شِدَّةِ شُخُوصِهِ. الوِزْرُ: ما يَلْجَأُ إلَيْهِ مِن حِصْنٍ أوْ جَبَلٍ أوْ غَيْرِهِما، قالَ الشّاعِرُ: ؎لَعَمْرُكَ ما لِلْفَتى مِن وِزْرٍ ∗∗∗ مِنَ المَوْتِ يُدْرِكُهُ والكِبَرُ النَّضِرَةُ: النِّعْمَةُ وجَمالُ البَشَرَةِ وطَراوَتِها، قالَ الشّاعِرُ: ؎أبى لِي قَبْرٌ لا يَزالُ مُقابَلِي ∗∗∗ وضَرْبَةُ فَأْسٍ فَوْقَ رَأْسِي فاقِرَهْ أيْ: مُؤَثِّرَةٌ. التَّراقِي جَمْعُ تَرْقُوَةٍ: وهي عِظامُ الصَّدْرِ، ولِكُلِّ إنْسانٍ تَرْقُوَتانِ، وهو مَوْضِعُ الحَشْرَجَةِ، قالَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ: ؎ورُبَّ عَظِيمَةٍ دافَعْتُ عَنْهم ∗∗∗ وقَدْ بَلَغَتْ نُفُوسُهُمُ التَّراقِي رَقى يَرْقِي مِنَ الرُّقْيَةِ، وهي ما يُسْتَشْفى بِهِ لِلْمَرِيضِ مِنَ الكَلامِ المُعَدِّ لِذَلِكَ. تَمَطّى: تَبَخْتَرَ في مِشْيَتِهِ، وأصْلُهُ مِنَ المَطا وهو الظَّهْرُ، أيْ: يَلْوِي مَطاهُ تَبَخْتُرًا. وقِيلَ: أصْلُهُ تَمطَّطَ أيْ: تَمَدَّدَ في مِشْيَتِهِ، ومَدَّ مَنكِبَيْهِ، قُلِبَتِ الطّاءُ فِيهِ حَرْفَ عِلَّةٍ كَراهَةَ اجْتِماعِ الأمْثالِ، كَما قالُوا: تَظَنّى مِنَ الظَّنِّ، وأصْلُهُ تَظَنَّنَ. والمَطِيطا: التَّبَخْتُرُ ومَدُّ اليَدَيْنِ في المَشْيِ، والمَطِيطُ: الماءُ الحاثِرُ في أسْفَلِ الحَوْضِ؛ لِأنَّهُ يَتَمَطَّطُ فِيهِ، أيْ: يَمْتَدُّ. وعَلى هَذا الِاشْتِقاقِ لا يَكُونُ أصْلُهُ مِنَ المَطِّ لِاخْتِلافِ المادَّتَيْنِ، إذْ مادَّةُ المَطا (م ط و) ومادَّةُ تَمَطَّطَ (م ط ط) . سُدًى: مُهْمَلٌ، يُقالُ إبِلٌ سُدًى أيْ: مُهْمَلَةٌ تَرْعى حَيْثُ شاءَتْ بِلا راعٍ، وأسْدَيْتُ الشَّيْءَ أيْ: أهْمَلْتُهُ، وأسْدَيْتُ حاجَتِي: ضَيَّعْتُها. قالَ الشّاعِرُ: ؎فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ جَهْدَ اليَمِينِ ∗∗∗ ما خَلَقَ اللَّهُ شَيْئًا سُدى وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ دُرَيْدٍ في المَقْصُورَةِ: ؎لَمْ أرَ كالمُزْنِ سَوامًا بُهْلًا ∗∗∗ تَحْسَبُها مَرْعِيَّةً وهي سُدى (p-٣٨٣)﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَة﴾ ﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ ﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] ﴿كَلّا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ [القيامة: ٢٠] ﴿وتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ [القيامة: ٢١] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤] ﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٥] ﴿كَلّا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ [القيامة: ٢٦] ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ [القيامة: ٢٧] ﴿وظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ [القيامة: ٢٨] ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ [القيامة: ٢٩] ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ [القيامة: ٣٠] ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١] ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣٢] ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ [القيامة: ٣٣] ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٤] ﴿ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٥] ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ [القيامة: ٣٧] ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ [القيامة: ٣٨] ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠] . (p-٣٨٤)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها: أنَّ في آخِرِ ما قَبْلَها قَوْلَهُ: ﴿كَلّا بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ [المدثر: ٥٣] ﴿كَلّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٤] وفِيها كَثِيرٌ مِن أحْوالِ القِيامَةِ، فَذَكَرَ هُنا يَوْمَ القِيامَةِ وجُمَلًا مِن أحْوالِها. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿لا أُقْسِمُ﴾ . والخِلافُ في ”لا“، والخِلافُ في قِراءاتِها في أواخِرِ الواقِعَةِ. أقْسَمَ تَعالى بِيَوْمِ القِيامَةِ لِعِظَمِهِ وهَوْلِهِ. و﴿لا أُقْسِمُ﴾ قِيلَ: ”لا“ نافِيَةٌ، نَفى أنْ يُقْسِمَ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ، وأقْسَمَ بِيَوْمِ القِيامَةِ، نَصَّ عَلى هَذا الحَسَنُ. والجُمْهُورُ: عَلى أنَّ اللَّهَ أقْسَمَ بِالأمْرَيْنِ. واللَّوّامَةُ، قالَ الحَسَنُ: هي الَّتِي تَلُومُ صاحِبَها في تَرْكِ الطّاعَةِ ونَحْوِها، فَهي عَلى هَذا مَمْدُوحَةٌ، ولِذَلِكَ أقْسَمَ اللَّهُ بِها. ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَنْ مُجاهِدٍ، تَلُومُ عَلى ما فاتَ وتَنْدَمَ عَلى الشَّرِّ لِمَ فَعَلَتْهُ ؟، وعَلى الخَيْرِ لِمَ لَمْ تَسْتَكْثِرْ مِنهُ ؟ . وقِيلَ: النَّفْسُ المُتَّقِيَةُ الَّتِي تَلُومُ النُّفُوسَ في يَوْمِ القِيامَةِ عَلى تَقْصِيرِهِنَّ في التَّقْوى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: هي الفاجِرَةُ الخَشِعَةُ اللَّوّامَةُ لِصاحِبِها عَلى ما فاتَهُ مِن سَعْيِ الدُّنْيا وأعْراضِها، فَهي عَلى هَذا ذَمِيمَةٌ، ويَحْسُنُ نَفْيُ القَسَمِ بِها. والنَّفْسُ اللَّوّامَةُ: اسْمُ جِنْسٍ بِهَذا الوَصْفِ. وقِيلَ: هي نَفْسٌ مُعَيَّنَةٌ، وهي نَفْسُ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ تَزَلْ لائِمَةً لَهُ عَلى فِعْلِهِ الَّذِي أخْرَجَهُ مِنَ الجَنَّةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وكُلُّ نَفْسٍ مُتَوَسِّطَةٍ لَيْسَتْ بِمُطَمْئِنَةٍ ولا أمّارَةٍ بِالسُّوءِ، فَإنَّها لَوّامَةٌ في الطَّرَفَيْنِ، مَرَّةً تَلُومُ عَلى تَرْكِ الطّاعَةِ، ومَرَّةً تَلُومُ عَلى فَوْتِ ما تَشْتَهِي، فَإذا اطْمَأنَّتْ خَلَصَتْ وصَفَتْ. انْتَهى. والمُناسَبَةُ بَيْنَ القَسَمَيْنِ مِن حَيْثُ أحْوالِ النَّفْسِ مِن سَعادَتِها وشَقاوَتِها وظُهُورِ ذَلِكَ في يَوْمِ القِيامَةِ، وجَوابُ القَسَمِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ يَوْمُ القِيامَةِ المُقْسَمِ بِهِ وما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: (أيَحْسَبُ) الآيَةِ، وتَقْدِيرُهُ لِتُبْعَثُنَّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء: ٦٥] والأبْياتُ الَّتِي أنْشَدْتَها المُقْسَمُ عَلَيْهِ فِيها مَنفِيٌّ، وكانَ قَدْ أنْشَدَ قَوْلَ امْرِئِ القَيْسِ: ؎لا وأبِيكِ ابْنَةَ العامِرِيِّ ∗∗∗ لا يَدَّعِي القَوْمُ إنِّي أفِرُّ (وقَوْلُ غُوَيَّةَ بْنِ سُلْمى): ؎ألا نادَتْ أُمامَةُ بِاحْتِمالِي ∗∗∗ لِتُحْزِنَنِي فَلا يَكُ ما أُبالِي قالَ: فَهَلّا زَعَمْتَ أنَّ لا الَّتِي لِلْقَسَمِ زِيدَتْ مُوطِئَةً لِلنَّفْيِ بَعْدَهُ ومُؤَكِّدَةً لَهُ، وقَدَّرْتَ المُقْسَمَ عَلَيْهِ المَحْذُوفَ هاهُنا مَنفِيًّا، نَحْوُ قَوْلِكَ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ لا تُتْرَكُونَ سُدًى ؟ (قُلْتُ): لَوْ قَصَرُوا الأمْرَ عَلى النَّفْيِ دُونَ الإثْباتِ لَكانَ لِهَذا القَوْلِ مَساغٌ، ولَكِنَّهُ لَمْ يُقْسِمْ. ألا تَرى كَيْفَ لَقّى ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ [البلد: ١] بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾ [البلد: ٤] وكَذَلِكَ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] ؟ ثُمَّ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وجَوابُ القَسَمِ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ) وهو لَتُبْعَثُنَّ. انْتَهى، وهو تَقْدِيرُ النَّحّاسِ. وقَوْلُ مَن قالَ: جَوابُ القَسَمِ هو: (أيَحْسَبُ الإنْسانُ) . وما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ الجَوابَ: ﴿بَلى قادِرِينَ﴾ وما قِيلَ أنَّ ”لا“ في القَسَمَيْنِ لِنَفْيِهِما، أيْ: لا أُقْسِمُ عَلى شَيْءٍ، وأنَّ التَّقْدِيرَ: أسْألُكَ أيَحْسَبُ الإنْسانُ ؟ أقْوالٌ لا تَصْلُحُ أنْ يَرِدَ بِها، بَلْ تُطْرَحُ ولا يُسَوَّدُ بِها الوَرَقُ، ولَوْلا أنَّهم سَرَدُوها في الكُتُبِ لَمْ أُنَبِّهْ عَلَيْها. والإنْسانُ هُنا الكافِرُ المُكَذِّبُ بِالبَعْثِ. رُوِيَ «أنَّ عَدِيَّ بْنَ رَبِيعَةَ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يا مُحَمَّدُ ! حَدِّثْنِي عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ مَتى يَكُونُ أمْرُهُ ؟ فَأخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: لَوْ عايَنْتُ ذَلِكَ اليَوْمَ لَمْ (p-٣٨٥)أُصَدِّقْكَ ولَمْ أُؤْمِن بِهِ، أوْ يَجْمَعُ اللَّهُ هَذِهِ العِظامَ بَعْدَ بَلاها ؟» فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ، كانَ يَقُولُ أيَزْعُمُ مُحَمَّدٌ ﷺ أنْ يَجْمَعَ اللَّهُ هَذِهِ العِظامَ بَعْدَ بَلاها وتَفَرُّقِها، فَيُعِيدُها خَلْقًا جَدِيدًا ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿نَجْمَعَ﴾ بِنُونٍ ﴿عِظامَهُ﴾ نَصْبًا. وقَتادَةُ: بِالتّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ﴿عِظامَهُ﴾ رَفْعًا، والمَعْنى: بَعْدَ تَفَرُّقِها واخْتِلاطِها بِالتُّرابِ وتَطْيِيرِ الرِّياحِ إيّاها في أقاصِي الأرْضِ. وقَوْلُهُ: (أيَحْسَبُ) اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ، حَيْثُ يُنْكِرُ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى عَلى إعادَةِ المَعْدُومِ. (بَلى): جَوابٌ لِلِاسْتِفْهامِ المُنْسَحِبِ عَلى النَّفْيِ، أيْ: بَلى نَجْمَعُها. وذَكَرَ العِظامَ، وإنْ كانَ المَعْنى إعادَةَ الإنْسانِ وجَمْعَ أجْزائِهِ المُتَفَرِّقَةِ؛ لِأنَّ العِظامَ هي قالَبُ الخَلْقِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (قادِرِينَ) بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي في الفِعْلِ المُقَدَّرِ وهو يَجْمَعُها. وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ السَّمَيْقَعِ: قادِرُونَ، أيْ: نَحْنُ قادِرُونَ. ﴿عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾: وهي الأصابِعُ، أكْثَرُ العِظامِ تَفَرُّقًا وأدَقُّها أجْزاءً، وهي العِظامُ الَّتِي في الأنامِلِ ومَفاصِلِها، وهَذا عِنْدَ البَعْثِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والجُمْهُورُ: المَعْنى نَجْعَلُها في حَياتِهِ هَذِهِ بُضْعَةً، أوْ عَظْمًا واحِدًا كَخُفِّ البَعِيرِ لا تَفارِيقَ فِيهِ، أيْ: في الدُّنْيا فَتَقِلُّ مَنفَعَتُهُ بِها، وهَذا القَوْلُ فِيهِ تَوَعُّدٌ، والمَعْنى الأوَّلُ هو الظّاهِرُ والمَقْصُودُ مِن رَصْفِ الكَلامِ. وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ بِألْفاظٍ مُنَمَّقَةٍ عَلى عادَتِهِ في حِكايَةِ أقْوالِ المُتَقَدِّمِينَ. وقِيلَ: (قادِرِينَ) مَنصُوبٌ عَلى خَبَرِ كانَ، أيْ: بَلى كُنّا قادِرِينَ في الِابْتِداءِ. ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ﴾: بَلْ إضْرابٌ، وهو انْتِقالٌ مِن كَلامٍ إلى كَلامٍ مِن غَيْرِ إبْطالٍ. والظّاهِرُ أنَّ (يُرِيدُ) إخْبارٌ عَنْ ما يُرِيدُهُ الإنْسانُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (بَلْ يُرِيدُ) عَطْفٌ عَلى (أيَحْسَبُ) فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَبْلَهُ اسْتِفْهامًا، وأنْ يَكُونَ إيجابًا عَلى أنْ يُضْرَبَ عَنْ مُسْتَفْهَمٍ عَنْهُ إلى آخَرَ، أوْ يُضْرَبَ عَنْ مُسْتَفْهَمٍ عَنْهُ إلى مُوجِبٍ. انْتَهى. وهَذِهِ التَّقادِيرُ الثَّلاثَةُ لا تَظْهَرُ، وهي مُتَكَلَّفَةٌ، بَلِ المَعْنى: الإخْبارُ عَنِ الإنْسانِ مِن غَيْرِ إبْطالٍ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، وهي نَجْمَعُها قادِرِينَ، لِنُبَيِّنَ ما هو عَلَيْهِ الإنْسانُ مِن عَدَمِ الفِكْرِ في الآخِرَةِ وأنَّهُ مَعْنِيٌّ بِشَهَواتِهِ. ومَفْعُولُ (يُرِيدُ) مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّعْلِيلُ في ﴿لِيَفْجُرَ﴾ . قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ: مَعْنى الآيَةِ: أنَّ الإنْسانَ إنَّما يُرِيدُ شَهَواتِهِ ومَعاصِيهِ؛ لِيَمْضِيَ فِيها أبَدًا قُدُمًا راكِبًا رَأْسَهُ مُطِيعًا أمَلَهُ ومُسَوِّفًا بِتَوْبَتِهِ. قالَ السُّدِّيُّ أيْضًا: لِيَظْلِمَ عَلى قَدْرِ طاقَتِهِ، وعَلى هَذا فالضَّمِيرُ في ﴿أمامَهُ﴾ عائِدٌ عَلى الإنْسانِ، وهو الظّاهِرُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ما يَقْتَضِي أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ أنَّ الإنْسانَ في زَمانِ وُجُودِهِ أمامَ يَوْمِ القِيامَةِ، وبَيْنَ يَدَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ خَلْفَهُ، فَهو يُرِيدُ شَهَواتِهِ؛ لِيَفْجُرَ في تَكْذِيبِهِ بِالبَعْثِ وغَيْرِ ذَلِكَ بَيْنَ يَدَيْ يَوْمِ القِيامَةِ، وهو لا يَعْرِفُ القَدْرَ الَّذِي هو فِيهِ. والأمامُ ظَرْفُ مَكانٍ اسْتُعِيرَ هُنا لِلزَّمانِ، أيْ: لِيَفْجُرَ فِيما بَيْنَ يَدَيْهِ ويَسْتَقْبِلُهُ مِن زَمانِ حَياتِهِ. ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ أيْ: مَتى يَوْمُ القِيامَةِ ؟ سُؤالُ اسْتِهْزاءٍ وتَكْذِيبٍ وتَعَنُّتٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿بَرِقَ﴾ بِكَسْرِ الرّاءِ. وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والزَّعْفَرانِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ ونافِعٌ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ وهارُونَ ومَحْبُوبٍ، كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو، والحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ: بِخِلافٍ عَنْهُما بِفَتْحِها. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: بَرَقَ بِالفَتْحِ: شَقَّ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: خَفَتَ عِنْدَ المَوْتِ. قالَ مُجاهِدٌ: هَذا عِنْدَ المَوْتِ. وقالَ الحَسَنُ: هو يَوْمُ القِيامَةِ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: بَلَقَ بِاللّامِ عِوَضَ الرّاءِ، أيِ: انْفَتَحَ وانْفَرَجَ، يُقالُ: بَلَقَ البابُ وأبْلَقْتُهُ وبَلَّقْتُهُ: فَتَحْتُهُ، هَذا قَوْلُ أهْلِ اللُّغَةِ إلّا الفَرّاءَ فَإنَّهُ يَقُولُ: بَلَقَهُ وأبْلَقَهُ إذا أغْلَقَهُ. وقالَ ثَعْلَبٌ: أخْطَأ الفَرّاءُ في ذَلِكَ، إنَّما هو بَلَقَ البابَ وأبْلَقَهُ إذا فَتَحَهُ. انْتَهى. ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ اللّامُ بَدَلًا مِنَ الرّاءِ، فَهُما يَتَعاقَبانِ في بَعْضِ الكَلامِ، نَحْوُ قَوْلِهِمْ: نَثَرَهُ ونَثَلَهُ، ووَجَرَ ووَجِلَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وخَسَفَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ويَزِيدُ بْنُ (p-٣٨٦)قُطَيْبٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. يُقالُ: خَسَفَ القَمَرُ وخَسَفَهُ اللَّهُ، وكَذَلِكَ الشَّمْسُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ: الخُسُوفُ والكُسُوفُ بِمَعْنًى واحِدٍ. وقالَ ابْنُ أبِي أُوَيْسٍ: الكُسُوفُ ذَهابُ بَعْضِ الضَّوْءِ، والخُسُوفُ جَمِيعُهُ. ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾: لَمْ تَلْحَقْ عَلامَةُ التَّأْنِيثِ؛ لِأنَّ تَأْنِيثَ الشَّمْسِ مَجازٌ، أوْ لِتَغْلِيبِ التَّذْكِيرِ عَلى التَّأْنِيثِ. وقالَ الكِسائِيُّ: حُمِلَ عَلى المَعْنى، والتَّقْدِيرُ: جُمِعَ النُّورانِ أوِ الضِّياءانِ، ومَعْنى الجَمْعِ بَيْنَهُما، قالَ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ: يُجْمَعانِ فَيُلْقَيانِ في النّارِ، وعَنْهُ يُجْمَعانِ يَوْمَ القِيامَةِ ثُمَّ يُقْذَفانِ في البَحْرِ، فَيَكُونانِ نارَ اللَّهِ الكُبْرى. وقِيلَ: يُجْمَعُ بَيْنَهُما في الطُّلُوعِ مِنَ المَغْرِبِ، فَيَطْلُعانِ أسْوَدَيْنِ مُكَوَّرَيْنِ. وقالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ: يُجْعَلانِ في نُورِ الحُجُبِ، وقِيلَ: يَجْتَمِعانِ ولا يَتَفَرَّقانِ، ويَقْرُبانِ مِنَ النّاسِ فَيَلْحَقُهُمُ العَرَقُ لِشِدَّةِ الحَرِّ، فَكَأنَّ المَعْنى: يُجْمَعُ حَرُّهُما. وقِيلَ: يُجْمَعُ بَيْنَهُما في ذَهابِ الضَّوْءِ، فَلا يَكُونُ ثَمَّ تَعاقُبُ لَيْلٍ ولا نَهارٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿المَفَرُّ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ والفاءِ، أيْ: أيْنَ الفِرارُ ؟ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ بْنِ أبِي طالِبٍ، والحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ، وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وأيُّوبُ السَّخْتِيانِيُّ وكُلْثُومُ بْنُ عِياضٍ، ومُجاهِدٌ وابْنُ يَعْمُرَ وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ وأبُو رَجاءٍ وعِيسى، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والزُّهْرِيُّ: بِكَسْرِ الفاءِ، وهو مَوْضِعُ الفِرارِ. وقَرَأ الحَسَنُ: بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ الفاءِ، ونَسَبَها ابْنُ عَطِيَّةَ لِلزُّهْرِيِّ، أيِ: الجَيِّدُ الفِرارِ، وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ هَذا الوَزْنُ في الآلاتِ وفي صِفاتِ الخَيْلِ، نَحْوُ قَوْلِهِ: ؎مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعًا والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ مِن تَمامِ قَوْلِ الإنْسانِ. وقِيلَ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، لا حِكايَةً عَنِ الإنْسانِ. (كَلًّا): رَدْعٌ عَنْ طَلَبِ المَفَرِّ ﴿لا وزَرَ﴾: لا مَلْجَأ، وعَبَّرَ المُفَسِّرُونَ عَنْهُ بِالجَبَلِ. قالَ مُطَرِّفُ بْنُ الشِّخِّيرِ: هو كانَ وِزْرُ فِرارِ العَرَبِ في بِلادِهِمْ، فَلِذَلِكَ اسْتُعْمِلَ، والحَقِيقَةُ أنَّهُ المَلْجَأُ مِن جَبَلٍ أوْ حِصْنٍ أوْ سِلاحٍ أوْ رَجُلٍ أوْ غَيْرِهِ. (إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ) أيْ: إلى حُكْمِهِ يَوْمئِذٍ تَقُولُ أيْنَ المَفَرُّ ﴿المُسْتَقَرُّ﴾ أيِ: الِاسْتِقْرارُ، أوْ مَوْضِعُ اسْتِقْرارٍ مِن جَنَّةٍ أوْ نارٍ إلى مَشِيئَتِهِ تَعالى، يُدْخِلُ مَن شاءَ الجَنَّةَ، ويُدْخِلُ مَن شاءَ النّارَ. ﴿بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ قالَ عَبْدُ اللَّهِ وابْنُ عَبّاسٍ: بِما قَدَّمَ في حَياتِهِ وأخَّرَ مِن سَنَةٍ يَعْمَلُ بِها بَعْدَهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: بِما قَدَّمَ مِنَ المَعاصِي وأخَّرَ مِنَ الطّاعاتِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: بِما قَدَّمَ مِن مالِهِ لِنَفْسِهِ، وبِما أخَّرَ مِنهُ لِلْوارِثِ. وقالَ النَّخَعِيُّ ومُجاهِدٌ: بِأوَّلِ عَمَلِهِ وآخِرِهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: بِما قَدَّمَ مِن فَرْضٍ وأخَّرَ مِن فَرْضٍ. والظّاهِرُ حَمْلُهُ عَلى العُمُومِ، أيْ: يُخْبِرُهُ بِكُلِّ ما قَدَّمَ وكُلِّ ما أخَّرَ، مِمّا ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ ومِمّا لَمْ يَذْكُرُوهُ. (بَصِيرَةً): خَبَرٌ عَنِ الإنْسانِ، أيْ: شاهِدٌ، قالَهُ قَتادَةُ، والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ. وقالَ الأخْفَشُ: هو كَقَوْلِكَ فُلانٌ عِبْرَةٌ وحُجَّةٌ. وقِيلَ: أُنِّثَ لِأنَّهُ أرادَ جَوارِحَهُ، أيْ: جَوارِحُهُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ. وقِيلَ: (بَصِيرَةٌ) مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ المَوْصُوفِ، أيْ: عَيْنٌ بَصِيرَةٌ، و(عَلى نَفْسِهِ) الخَبَرُ. والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ خَبَرٍ عَنِ الإنْسانِ، والتَّقْدِيرُ: عَيْنٌ بَصِيرَةٌ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الفَرّاءُ، وأنْشَدَ: ؎كَأنَّ عَلى ذِي العَقْلِ عَيْنًا بَصِيرَةً ∗∗∗ بِمَقْعَدِهِ، أوْ مَنظَرٍ هو ناظِرُهُ ؎يُحاذِرُ حَتّى يَحْسَبَ النّاسَ كُلَّهم ∗∗∗ مِنَ الخَوْفِ لا تَخْفى عَلَيْهِمْ سَرائِرُهُ وعَلى هَذا نَخْتارُ أنْ تَكُونَ (بَصِيرَةٌ) فاعِلًا بِالجارِّ والمَجْرُورِ، وهو الخَبَرُ عَنِ الإنْسانِ. ألا تَرى أنَّهُ قَدِ اعْتَمَدَ بِوُقُوعِهِ خَبَرًا عَنِ الإنْسانِ ؟ وعَلى هَذا فالتّاءُ لِلتَّأْنِيثِ. وتَأوَّلَ ابْنُ عَبّاسٍ (البَصِيرَةَ) بِالجَوارِحِ، أوِ المَلائِكَةِ الحَفَظَةِ. والمَعاذِيرُ عِنْدَ الجُمْهُورِ الأعْذارُ، فالمَعْنى: لَوْ جاءَ بِكُلِّ مَعْذِرَةٍ يَعْتَذِرُ بِها عَنْ نَفْسِهِ، فَإنَّهُ هو الشّاهِدُ عَلَيْها والحُجَّةُ البَيِّنَةُ عَلَيْها. وقِيلَ: المَعاذِيرُ جَمْعُ مَعْذِرَةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قِياسُ مَعْذِرَةٍ مَعاذِرُ، فالمَعاذِيرُ لَيْسَ بِجَمْعِ مَعْذِرَةٍ، إنَّما هو اسْمُ جَمْعٍ لَها، ونَحْوُ المَناكِيرِ في المُنْكَرِ. انْتَهى. ولَيْسَ هَذا البِناءُ مِن (p-٣٨٧)أبْنِيَةِ أسْماءِ الجُمُوعِ، وإنَّما هو مِن أبْنِيَةِ جَمْعِ التَّكْسِيرِ، فَهو كَمَذاكِيرَ ومَلامِيحَ والمُفْرَدُ مِنهُما لَمْحَةٌ وذِكْرٌ. ولَمْ يَذْهَبْ أحَدٌ إلى أنَّهُما مِن أسْماءِ الجُمُوعِ، بَلْ قِيلَ: هُما جَمْعٌ لِلَمْحَةٍ وذِكْرٍ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، أوْ هُما جَمْعٌ لِمُفْرَدٍ لَمْ يَنْطِقْ بِهِ، وهو مِذْكارٌ ومَلْمَحَةٌ. وقالَ السُّدِّيُّ والضَّحّاكُ: المَعاذِيرُ: السُّتُورُ بِلُغَةِ اليَمَنِ، واحِدُها مِعْذارٌ، وهو يَمْنَعُ رُؤْيَةَ المُحْتَجِبِ، كَما تَمْنَعُ المَعْذِرَةُ عُقُوبَةَ الذَّنْبِ. وقالَهُ الزَّجّاجُ أيْضًا، أيْ: وإنْ رَمى مَسْتُورَةً يُرِيدُ أنْ يُخْفِيَ عَمَلَهُ، فَنَفْسُهُ شاهِدَةٌ عَلَيْهِ. وأنْشَدُوا في أنَّ المَعاذِيرَ السُّتُورُ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎ولَكِنَّها ضَنَّتْ بِمَنزِلِ ساعَةٍ ∗∗∗ عَلَيْنا، وأطَّتْ فَوْقَها بِالمَعاذِرِ وقِيلَ: البَصِيرَةُ: الكاتِبانِ يَكْتُبانِ ما يَكُونُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، أيْ: وإنْ تَسَتَّرَ بِالسُّتُورِ، وإذا كانَتْ مِنَ العُذْرِ، فَمَعْنى ﴿ولَوْ ألْقى﴾ أيْ: نَطَقَ بِمَعاذِيرِهِ وقالَها. وقِيلَ: ولَوْ رَمى بِأعْذارِهِ واسْتَسْلَمَ. وقالَ السُّدِّيُّ: ولَوْ أدْلى بِحُجَّةٍ وعُذْرٍ. وقِيلَ: ولَوْ أحالَ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْلا أنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبإ: ٣١] . والعُذْرَةُ والعُذْرى: المَعْذِرَةُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ها إنَّ ذِي عُذْرَةٍ أنْ لا تَكُنْ نَفَعَتْ وقالَ فِيها: ولا عُذْرَ لِمَجْحُودٍ.

القيامة 75:5

(سُورَةُ القِيامَةِ مَكِّيَّةٌ وهي أرْبَعُونَ آيَةً) (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ ﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ ﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] ﴿كَلّا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ [القيامة: ٢٠] ﴿وتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ [القيامة: ٢١] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤] ﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٥] ﴿كَلّا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ [القيامة: ٢٦] ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ [القيامة: ٢٧] ﴿وظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ [القيامة: ٢٨] ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ [القيامة: ٢٩] ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ [القيامة: ٣٠] ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١] ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣٢] ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ [القيامة: ٣٣] ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٤] ﴿ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٥] ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ [القيامة: ٣٧] ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ [القيامة: ٣٨] ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠] . (p-٣٨٢)بَرِقَ بِكَسْرِ الرّاءِ: فَزِعَ ودَهِشَ، وأصْلُهُ مِن بَرِقَ الرَّجُلُ، إذا نَظَرَ إلى البَرْقِ فَدُهِشَ بَصَرُهُ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎ولَوْ أنَّ لُقْمانَ الحَكِيمَ تَعَرَّضَتْ لِعَيْنَيْهِ مَيٌّ سافِرًا كادَ يَبْرُقُ (قالَ الأعْشى): ؎وكُنْتُ أرى في وجْهِ مِيَّةَ لُمْحَةً ∗∗∗ فَأُبْرِقُ مَغْشِيًّا عَلِيَّ مَكانِيا وبَرَقَ بِفَتْحِ الرّاءِ: شُقَّ بَصَرُهُ، وهو مِنَ البَرِيقِ، أيْ: لَمَعَ بَصَرُهُ مِن شِدَّةِ شُخُوصِهِ. الوِزْرُ: ما يَلْجَأُ إلَيْهِ مِن حِصْنٍ أوْ جَبَلٍ أوْ غَيْرِهِما، قالَ الشّاعِرُ: ؎لَعَمْرُكَ ما لِلْفَتى مِن وِزْرٍ ∗∗∗ مِنَ المَوْتِ يُدْرِكُهُ والكِبَرُ النَّضِرَةُ: النِّعْمَةُ وجَمالُ البَشَرَةِ وطَراوَتِها، قالَ الشّاعِرُ: ؎أبى لِي قَبْرٌ لا يَزالُ مُقابَلِي ∗∗∗ وضَرْبَةُ فَأْسٍ فَوْقَ رَأْسِي فاقِرَهْ أيْ: مُؤَثِّرَةٌ. التَّراقِي جَمْعُ تَرْقُوَةٍ: وهي عِظامُ الصَّدْرِ، ولِكُلِّ إنْسانٍ تَرْقُوَتانِ، وهو مَوْضِعُ الحَشْرَجَةِ، قالَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ: ؎ورُبَّ عَظِيمَةٍ دافَعْتُ عَنْهم ∗∗∗ وقَدْ بَلَغَتْ نُفُوسُهُمُ التَّراقِي رَقى يَرْقِي مِنَ الرُّقْيَةِ، وهي ما يُسْتَشْفى بِهِ لِلْمَرِيضِ مِنَ الكَلامِ المُعَدِّ لِذَلِكَ. تَمَطّى: تَبَخْتَرَ في مِشْيَتِهِ، وأصْلُهُ مِنَ المَطا وهو الظَّهْرُ، أيْ: يَلْوِي مَطاهُ تَبَخْتُرًا. وقِيلَ: أصْلُهُ تَمطَّطَ أيْ: تَمَدَّدَ في مِشْيَتِهِ، ومَدَّ مَنكِبَيْهِ، قُلِبَتِ الطّاءُ فِيهِ حَرْفَ عِلَّةٍ كَراهَةَ اجْتِماعِ الأمْثالِ، كَما قالُوا: تَظَنّى مِنَ الظَّنِّ، وأصْلُهُ تَظَنَّنَ. والمَطِيطا: التَّبَخْتُرُ ومَدُّ اليَدَيْنِ في المَشْيِ، والمَطِيطُ: الماءُ الحاثِرُ في أسْفَلِ الحَوْضِ؛ لِأنَّهُ يَتَمَطَّطُ فِيهِ، أيْ: يَمْتَدُّ. وعَلى هَذا الِاشْتِقاقِ لا يَكُونُ أصْلُهُ مِنَ المَطِّ لِاخْتِلافِ المادَّتَيْنِ، إذْ مادَّةُ المَطا (م ط و) ومادَّةُ تَمَطَّطَ (م ط ط) . سُدًى: مُهْمَلٌ، يُقالُ إبِلٌ سُدًى أيْ: مُهْمَلَةٌ تَرْعى حَيْثُ شاءَتْ بِلا راعٍ، وأسْدَيْتُ الشَّيْءَ أيْ: أهْمَلْتُهُ، وأسْدَيْتُ حاجَتِي: ضَيَّعْتُها. قالَ الشّاعِرُ: ؎فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ جَهْدَ اليَمِينِ ∗∗∗ ما خَلَقَ اللَّهُ شَيْئًا سُدى وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ دُرَيْدٍ في المَقْصُورَةِ: ؎لَمْ أرَ كالمُزْنِ سَوامًا بُهْلًا ∗∗∗ تَحْسَبُها مَرْعِيَّةً وهي سُدى (p-٣٨٣)﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَة﴾ ﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ ﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] ﴿كَلّا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ [القيامة: ٢٠] ﴿وتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ [القيامة: ٢١] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤] ﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٥] ﴿كَلّا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ [القيامة: ٢٦] ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ [القيامة: ٢٧] ﴿وظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ [القيامة: ٢٨] ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ [القيامة: ٢٩] ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ [القيامة: ٣٠] ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١] ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣٢] ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ [القيامة: ٣٣] ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٤] ﴿ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٥] ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ [القيامة: ٣٧] ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ [القيامة: ٣٨] ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠] . (p-٣٨٤)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها: أنَّ في آخِرِ ما قَبْلَها قَوْلَهُ: ﴿كَلّا بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ [المدثر: ٥٣] ﴿كَلّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٤] وفِيها كَثِيرٌ مِن أحْوالِ القِيامَةِ، فَذَكَرَ هُنا يَوْمَ القِيامَةِ وجُمَلًا مِن أحْوالِها. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿لا أُقْسِمُ﴾ . والخِلافُ في ”لا“، والخِلافُ في قِراءاتِها في أواخِرِ الواقِعَةِ. أقْسَمَ تَعالى بِيَوْمِ القِيامَةِ لِعِظَمِهِ وهَوْلِهِ. و﴿لا أُقْسِمُ﴾ قِيلَ: ”لا“ نافِيَةٌ، نَفى أنْ يُقْسِمَ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ، وأقْسَمَ بِيَوْمِ القِيامَةِ، نَصَّ عَلى هَذا الحَسَنُ. والجُمْهُورُ: عَلى أنَّ اللَّهَ أقْسَمَ بِالأمْرَيْنِ. واللَّوّامَةُ، قالَ الحَسَنُ: هي الَّتِي تَلُومُ صاحِبَها في تَرْكِ الطّاعَةِ ونَحْوِها، فَهي عَلى هَذا مَمْدُوحَةٌ، ولِذَلِكَ أقْسَمَ اللَّهُ بِها. ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَنْ مُجاهِدٍ، تَلُومُ عَلى ما فاتَ وتَنْدَمَ عَلى الشَّرِّ لِمَ فَعَلَتْهُ ؟، وعَلى الخَيْرِ لِمَ لَمْ تَسْتَكْثِرْ مِنهُ ؟ . وقِيلَ: النَّفْسُ المُتَّقِيَةُ الَّتِي تَلُومُ النُّفُوسَ في يَوْمِ القِيامَةِ عَلى تَقْصِيرِهِنَّ في التَّقْوى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: هي الفاجِرَةُ الخَشِعَةُ اللَّوّامَةُ لِصاحِبِها عَلى ما فاتَهُ مِن سَعْيِ الدُّنْيا وأعْراضِها، فَهي عَلى هَذا ذَمِيمَةٌ، ويَحْسُنُ نَفْيُ القَسَمِ بِها. والنَّفْسُ اللَّوّامَةُ: اسْمُ جِنْسٍ بِهَذا الوَصْفِ. وقِيلَ: هي نَفْسٌ مُعَيَّنَةٌ، وهي نَفْسُ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ تَزَلْ لائِمَةً لَهُ عَلى فِعْلِهِ الَّذِي أخْرَجَهُ مِنَ الجَنَّةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وكُلُّ نَفْسٍ مُتَوَسِّطَةٍ لَيْسَتْ بِمُطَمْئِنَةٍ ولا أمّارَةٍ بِالسُّوءِ، فَإنَّها لَوّامَةٌ في الطَّرَفَيْنِ، مَرَّةً تَلُومُ عَلى تَرْكِ الطّاعَةِ، ومَرَّةً تَلُومُ عَلى فَوْتِ ما تَشْتَهِي، فَإذا اطْمَأنَّتْ خَلَصَتْ وصَفَتْ. انْتَهى. والمُناسَبَةُ بَيْنَ القَسَمَيْنِ مِن حَيْثُ أحْوالِ النَّفْسِ مِن سَعادَتِها وشَقاوَتِها وظُهُورِ ذَلِكَ في يَوْمِ القِيامَةِ، وجَوابُ القَسَمِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ يَوْمُ القِيامَةِ المُقْسَمِ بِهِ وما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: (أيَحْسَبُ) الآيَةِ، وتَقْدِيرُهُ لِتُبْعَثُنَّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء: ٦٥] والأبْياتُ الَّتِي أنْشَدْتَها المُقْسَمُ عَلَيْهِ فِيها مَنفِيٌّ، وكانَ قَدْ أنْشَدَ قَوْلَ امْرِئِ القَيْسِ: ؎لا وأبِيكِ ابْنَةَ العامِرِيِّ ∗∗∗ لا يَدَّعِي القَوْمُ إنِّي أفِرُّ (وقَوْلُ غُوَيَّةَ بْنِ سُلْمى): ؎ألا نادَتْ أُمامَةُ بِاحْتِمالِي ∗∗∗ لِتُحْزِنَنِي فَلا يَكُ ما أُبالِي قالَ: فَهَلّا زَعَمْتَ أنَّ لا الَّتِي لِلْقَسَمِ زِيدَتْ مُوطِئَةً لِلنَّفْيِ بَعْدَهُ ومُؤَكِّدَةً لَهُ، وقَدَّرْتَ المُقْسَمَ عَلَيْهِ المَحْذُوفَ هاهُنا مَنفِيًّا، نَحْوُ قَوْلِكَ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ لا تُتْرَكُونَ سُدًى ؟ (قُلْتُ): لَوْ قَصَرُوا الأمْرَ عَلى النَّفْيِ دُونَ الإثْباتِ لَكانَ لِهَذا القَوْلِ مَساغٌ، ولَكِنَّهُ لَمْ يُقْسِمْ. ألا تَرى كَيْفَ لَقّى ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ [البلد: ١] بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾ [البلد: ٤] وكَذَلِكَ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] ؟ ثُمَّ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وجَوابُ القَسَمِ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ) وهو لَتُبْعَثُنَّ. انْتَهى، وهو تَقْدِيرُ النَّحّاسِ. وقَوْلُ مَن قالَ: جَوابُ القَسَمِ هو: (أيَحْسَبُ الإنْسانُ) . وما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ الجَوابَ: ﴿بَلى قادِرِينَ﴾ وما قِيلَ أنَّ ”لا“ في القَسَمَيْنِ لِنَفْيِهِما، أيْ: لا أُقْسِمُ عَلى شَيْءٍ، وأنَّ التَّقْدِيرَ: أسْألُكَ أيَحْسَبُ الإنْسانُ ؟ أقْوالٌ لا تَصْلُحُ أنْ يَرِدَ بِها، بَلْ تُطْرَحُ ولا يُسَوَّدُ بِها الوَرَقُ، ولَوْلا أنَّهم سَرَدُوها في الكُتُبِ لَمْ أُنَبِّهْ عَلَيْها. والإنْسانُ هُنا الكافِرُ المُكَذِّبُ بِالبَعْثِ. رُوِيَ «أنَّ عَدِيَّ بْنَ رَبِيعَةَ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يا مُحَمَّدُ ! حَدِّثْنِي عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ مَتى يَكُونُ أمْرُهُ ؟ فَأخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: لَوْ عايَنْتُ ذَلِكَ اليَوْمَ لَمْ (p-٣٨٥)أُصَدِّقْكَ ولَمْ أُؤْمِن بِهِ، أوْ يَجْمَعُ اللَّهُ هَذِهِ العِظامَ بَعْدَ بَلاها ؟» فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ، كانَ يَقُولُ أيَزْعُمُ مُحَمَّدٌ ﷺ أنْ يَجْمَعَ اللَّهُ هَذِهِ العِظامَ بَعْدَ بَلاها وتَفَرُّقِها، فَيُعِيدُها خَلْقًا جَدِيدًا ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿نَجْمَعَ﴾ بِنُونٍ ﴿عِظامَهُ﴾ نَصْبًا. وقَتادَةُ: بِالتّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ﴿عِظامَهُ﴾ رَفْعًا، والمَعْنى: بَعْدَ تَفَرُّقِها واخْتِلاطِها بِالتُّرابِ وتَطْيِيرِ الرِّياحِ إيّاها في أقاصِي الأرْضِ. وقَوْلُهُ: (أيَحْسَبُ) اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ، حَيْثُ يُنْكِرُ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى عَلى إعادَةِ المَعْدُومِ. (بَلى): جَوابٌ لِلِاسْتِفْهامِ المُنْسَحِبِ عَلى النَّفْيِ، أيْ: بَلى نَجْمَعُها. وذَكَرَ العِظامَ، وإنْ كانَ المَعْنى إعادَةَ الإنْسانِ وجَمْعَ أجْزائِهِ المُتَفَرِّقَةِ؛ لِأنَّ العِظامَ هي قالَبُ الخَلْقِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (قادِرِينَ) بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي في الفِعْلِ المُقَدَّرِ وهو يَجْمَعُها. وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ السَّمَيْقَعِ: قادِرُونَ، أيْ: نَحْنُ قادِرُونَ. ﴿عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾: وهي الأصابِعُ، أكْثَرُ العِظامِ تَفَرُّقًا وأدَقُّها أجْزاءً، وهي العِظامُ الَّتِي في الأنامِلِ ومَفاصِلِها، وهَذا عِنْدَ البَعْثِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والجُمْهُورُ: المَعْنى نَجْعَلُها في حَياتِهِ هَذِهِ بُضْعَةً، أوْ عَظْمًا واحِدًا كَخُفِّ البَعِيرِ لا تَفارِيقَ فِيهِ، أيْ: في الدُّنْيا فَتَقِلُّ مَنفَعَتُهُ بِها، وهَذا القَوْلُ فِيهِ تَوَعُّدٌ، والمَعْنى الأوَّلُ هو الظّاهِرُ والمَقْصُودُ مِن رَصْفِ الكَلامِ. وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ بِألْفاظٍ مُنَمَّقَةٍ عَلى عادَتِهِ في حِكايَةِ أقْوالِ المُتَقَدِّمِينَ. وقِيلَ: (قادِرِينَ) مَنصُوبٌ عَلى خَبَرِ كانَ، أيْ: بَلى كُنّا قادِرِينَ في الِابْتِداءِ. ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ﴾: بَلْ إضْرابٌ، وهو انْتِقالٌ مِن كَلامٍ إلى كَلامٍ مِن غَيْرِ إبْطالٍ. والظّاهِرُ أنَّ (يُرِيدُ) إخْبارٌ عَنْ ما يُرِيدُهُ الإنْسانُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (بَلْ يُرِيدُ) عَطْفٌ عَلى (أيَحْسَبُ) فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَبْلَهُ اسْتِفْهامًا، وأنْ يَكُونَ إيجابًا عَلى أنْ يُضْرَبَ عَنْ مُسْتَفْهَمٍ عَنْهُ إلى آخَرَ، أوْ يُضْرَبَ عَنْ مُسْتَفْهَمٍ عَنْهُ إلى مُوجِبٍ. انْتَهى. وهَذِهِ التَّقادِيرُ الثَّلاثَةُ لا تَظْهَرُ، وهي مُتَكَلَّفَةٌ، بَلِ المَعْنى: الإخْبارُ عَنِ الإنْسانِ مِن غَيْرِ إبْطالٍ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، وهي نَجْمَعُها قادِرِينَ، لِنُبَيِّنَ ما هو عَلَيْهِ الإنْسانُ مِن عَدَمِ الفِكْرِ في الآخِرَةِ وأنَّهُ مَعْنِيٌّ بِشَهَواتِهِ. ومَفْعُولُ (يُرِيدُ) مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّعْلِيلُ في ﴿لِيَفْجُرَ﴾ . قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ: مَعْنى الآيَةِ: أنَّ الإنْسانَ إنَّما يُرِيدُ شَهَواتِهِ ومَعاصِيهِ؛ لِيَمْضِيَ فِيها أبَدًا قُدُمًا راكِبًا رَأْسَهُ مُطِيعًا أمَلَهُ ومُسَوِّفًا بِتَوْبَتِهِ. قالَ السُّدِّيُّ أيْضًا: لِيَظْلِمَ عَلى قَدْرِ طاقَتِهِ، وعَلى هَذا فالضَّمِيرُ في ﴿أمامَهُ﴾ عائِدٌ عَلى الإنْسانِ، وهو الظّاهِرُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ما يَقْتَضِي أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ أنَّ الإنْسانَ في زَمانِ وُجُودِهِ أمامَ يَوْمِ القِيامَةِ، وبَيْنَ يَدَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ خَلْفَهُ، فَهو يُرِيدُ شَهَواتِهِ؛ لِيَفْجُرَ في تَكْذِيبِهِ بِالبَعْثِ وغَيْرِ ذَلِكَ بَيْنَ يَدَيْ يَوْمِ القِيامَةِ، وهو لا يَعْرِفُ القَدْرَ الَّذِي هو فِيهِ. والأمامُ ظَرْفُ مَكانٍ اسْتُعِيرَ هُنا لِلزَّمانِ، أيْ: لِيَفْجُرَ فِيما بَيْنَ يَدَيْهِ ويَسْتَقْبِلُهُ مِن زَمانِ حَياتِهِ. ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ أيْ: مَتى يَوْمُ القِيامَةِ ؟ سُؤالُ اسْتِهْزاءٍ وتَكْذِيبٍ وتَعَنُّتٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿بَرِقَ﴾ بِكَسْرِ الرّاءِ. وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والزَّعْفَرانِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ ونافِعٌ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ وهارُونَ ومَحْبُوبٍ، كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو، والحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ: بِخِلافٍ عَنْهُما بِفَتْحِها. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: بَرَقَ بِالفَتْحِ: شَقَّ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: خَفَتَ عِنْدَ المَوْتِ. قالَ مُجاهِدٌ: هَذا عِنْدَ المَوْتِ. وقالَ الحَسَنُ: هو يَوْمُ القِيامَةِ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: بَلَقَ بِاللّامِ عِوَضَ الرّاءِ، أيِ: انْفَتَحَ وانْفَرَجَ، يُقالُ: بَلَقَ البابُ وأبْلَقْتُهُ وبَلَّقْتُهُ: فَتَحْتُهُ، هَذا قَوْلُ أهْلِ اللُّغَةِ إلّا الفَرّاءَ فَإنَّهُ يَقُولُ: بَلَقَهُ وأبْلَقَهُ إذا أغْلَقَهُ. وقالَ ثَعْلَبٌ: أخْطَأ الفَرّاءُ في ذَلِكَ، إنَّما هو بَلَقَ البابَ وأبْلَقَهُ إذا فَتَحَهُ. انْتَهى. ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ اللّامُ بَدَلًا مِنَ الرّاءِ، فَهُما يَتَعاقَبانِ في بَعْضِ الكَلامِ، نَحْوُ قَوْلِهِمْ: نَثَرَهُ ونَثَلَهُ، ووَجَرَ ووَجِلَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وخَسَفَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ويَزِيدُ بْنُ (p-٣٨٦)قُطَيْبٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. يُقالُ: خَسَفَ القَمَرُ وخَسَفَهُ اللَّهُ، وكَذَلِكَ الشَّمْسُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ: الخُسُوفُ والكُسُوفُ بِمَعْنًى واحِدٍ. وقالَ ابْنُ أبِي أُوَيْسٍ: الكُسُوفُ ذَهابُ بَعْضِ الضَّوْءِ، والخُسُوفُ جَمِيعُهُ. ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾: لَمْ تَلْحَقْ عَلامَةُ التَّأْنِيثِ؛ لِأنَّ تَأْنِيثَ الشَّمْسِ مَجازٌ، أوْ لِتَغْلِيبِ التَّذْكِيرِ عَلى التَّأْنِيثِ. وقالَ الكِسائِيُّ: حُمِلَ عَلى المَعْنى، والتَّقْدِيرُ: جُمِعَ النُّورانِ أوِ الضِّياءانِ، ومَعْنى الجَمْعِ بَيْنَهُما، قالَ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ: يُجْمَعانِ فَيُلْقَيانِ في النّارِ، وعَنْهُ يُجْمَعانِ يَوْمَ القِيامَةِ ثُمَّ يُقْذَفانِ في البَحْرِ، فَيَكُونانِ نارَ اللَّهِ الكُبْرى. وقِيلَ: يُجْمَعُ بَيْنَهُما في الطُّلُوعِ مِنَ المَغْرِبِ، فَيَطْلُعانِ أسْوَدَيْنِ مُكَوَّرَيْنِ. وقالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ: يُجْعَلانِ في نُورِ الحُجُبِ، وقِيلَ: يَجْتَمِعانِ ولا يَتَفَرَّقانِ، ويَقْرُبانِ مِنَ النّاسِ فَيَلْحَقُهُمُ العَرَقُ لِشِدَّةِ الحَرِّ، فَكَأنَّ المَعْنى: يُجْمَعُ حَرُّهُما. وقِيلَ: يُجْمَعُ بَيْنَهُما في ذَهابِ الضَّوْءِ، فَلا يَكُونُ ثَمَّ تَعاقُبُ لَيْلٍ ولا نَهارٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿المَفَرُّ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ والفاءِ، أيْ: أيْنَ الفِرارُ ؟ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ بْنِ أبِي طالِبٍ، والحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ، وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وأيُّوبُ السَّخْتِيانِيُّ وكُلْثُومُ بْنُ عِياضٍ، ومُجاهِدٌ وابْنُ يَعْمُرَ وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ وأبُو رَجاءٍ وعِيسى، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والزُّهْرِيُّ: بِكَسْرِ الفاءِ، وهو مَوْضِعُ الفِرارِ. وقَرَأ الحَسَنُ: بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ الفاءِ، ونَسَبَها ابْنُ عَطِيَّةَ لِلزُّهْرِيِّ، أيِ: الجَيِّدُ الفِرارِ، وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ هَذا الوَزْنُ في الآلاتِ وفي صِفاتِ الخَيْلِ، نَحْوُ قَوْلِهِ: ؎مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعًا والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ مِن تَمامِ قَوْلِ الإنْسانِ. وقِيلَ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، لا حِكايَةً عَنِ الإنْسانِ. (كَلًّا): رَدْعٌ عَنْ طَلَبِ المَفَرِّ ﴿لا وزَرَ﴾: لا مَلْجَأ، وعَبَّرَ المُفَسِّرُونَ عَنْهُ بِالجَبَلِ. قالَ مُطَرِّفُ بْنُ الشِّخِّيرِ: هو كانَ وِزْرُ فِرارِ العَرَبِ في بِلادِهِمْ، فَلِذَلِكَ اسْتُعْمِلَ، والحَقِيقَةُ أنَّهُ المَلْجَأُ مِن جَبَلٍ أوْ حِصْنٍ أوْ سِلاحٍ أوْ رَجُلٍ أوْ غَيْرِهِ. (إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ) أيْ: إلى حُكْمِهِ يَوْمئِذٍ تَقُولُ أيْنَ المَفَرُّ ﴿المُسْتَقَرُّ﴾ أيِ: الِاسْتِقْرارُ، أوْ مَوْضِعُ اسْتِقْرارٍ مِن جَنَّةٍ أوْ نارٍ إلى مَشِيئَتِهِ تَعالى، يُدْخِلُ مَن شاءَ الجَنَّةَ، ويُدْخِلُ مَن شاءَ النّارَ. ﴿بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ قالَ عَبْدُ اللَّهِ وابْنُ عَبّاسٍ: بِما قَدَّمَ في حَياتِهِ وأخَّرَ مِن سَنَةٍ يَعْمَلُ بِها بَعْدَهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: بِما قَدَّمَ مِنَ المَعاصِي وأخَّرَ مِنَ الطّاعاتِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: بِما قَدَّمَ مِن مالِهِ لِنَفْسِهِ، وبِما أخَّرَ مِنهُ لِلْوارِثِ. وقالَ النَّخَعِيُّ ومُجاهِدٌ: بِأوَّلِ عَمَلِهِ وآخِرِهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: بِما قَدَّمَ مِن فَرْضٍ وأخَّرَ مِن فَرْضٍ. والظّاهِرُ حَمْلُهُ عَلى العُمُومِ، أيْ: يُخْبِرُهُ بِكُلِّ ما قَدَّمَ وكُلِّ ما أخَّرَ، مِمّا ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ ومِمّا لَمْ يَذْكُرُوهُ. (بَصِيرَةً): خَبَرٌ عَنِ الإنْسانِ، أيْ: شاهِدٌ، قالَهُ قَتادَةُ، والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ. وقالَ الأخْفَشُ: هو كَقَوْلِكَ فُلانٌ عِبْرَةٌ وحُجَّةٌ. وقِيلَ: أُنِّثَ لِأنَّهُ أرادَ جَوارِحَهُ، أيْ: جَوارِحُهُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ. وقِيلَ: (بَصِيرَةٌ) مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ المَوْصُوفِ، أيْ: عَيْنٌ بَصِيرَةٌ، و(عَلى نَفْسِهِ) الخَبَرُ. والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ خَبَرٍ عَنِ الإنْسانِ، والتَّقْدِيرُ: عَيْنٌ بَصِيرَةٌ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الفَرّاءُ، وأنْشَدَ: ؎كَأنَّ عَلى ذِي العَقْلِ عَيْنًا بَصِيرَةً ∗∗∗ بِمَقْعَدِهِ، أوْ مَنظَرٍ هو ناظِرُهُ ؎يُحاذِرُ حَتّى يَحْسَبَ النّاسَ كُلَّهم ∗∗∗ مِنَ الخَوْفِ لا تَخْفى عَلَيْهِمْ سَرائِرُهُ وعَلى هَذا نَخْتارُ أنْ تَكُونَ (بَصِيرَةٌ) فاعِلًا بِالجارِّ والمَجْرُورِ، وهو الخَبَرُ عَنِ الإنْسانِ. ألا تَرى أنَّهُ قَدِ اعْتَمَدَ بِوُقُوعِهِ خَبَرًا عَنِ الإنْسانِ ؟ وعَلى هَذا فالتّاءُ لِلتَّأْنِيثِ. وتَأوَّلَ ابْنُ عَبّاسٍ (البَصِيرَةَ) بِالجَوارِحِ، أوِ المَلائِكَةِ الحَفَظَةِ. والمَعاذِيرُ عِنْدَ الجُمْهُورِ الأعْذارُ، فالمَعْنى: لَوْ جاءَ بِكُلِّ مَعْذِرَةٍ يَعْتَذِرُ بِها عَنْ نَفْسِهِ، فَإنَّهُ هو الشّاهِدُ عَلَيْها والحُجَّةُ البَيِّنَةُ عَلَيْها. وقِيلَ: المَعاذِيرُ جَمْعُ مَعْذِرَةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قِياسُ مَعْذِرَةٍ مَعاذِرُ، فالمَعاذِيرُ لَيْسَ بِجَمْعِ مَعْذِرَةٍ، إنَّما هو اسْمُ جَمْعٍ لَها، ونَحْوُ المَناكِيرِ في المُنْكَرِ. انْتَهى. ولَيْسَ هَذا البِناءُ مِن (p-٣٨٧)أبْنِيَةِ أسْماءِ الجُمُوعِ، وإنَّما هو مِن أبْنِيَةِ جَمْعِ التَّكْسِيرِ، فَهو كَمَذاكِيرَ ومَلامِيحَ والمُفْرَدُ مِنهُما لَمْحَةٌ وذِكْرٌ. ولَمْ يَذْهَبْ أحَدٌ إلى أنَّهُما مِن أسْماءِ الجُمُوعِ، بَلْ قِيلَ: هُما جَمْعٌ لِلَمْحَةٍ وذِكْرٍ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، أوْ هُما جَمْعٌ لِمُفْرَدٍ لَمْ يَنْطِقْ بِهِ، وهو مِذْكارٌ ومَلْمَحَةٌ. وقالَ السُّدِّيُّ والضَّحّاكُ: المَعاذِيرُ: السُّتُورُ بِلُغَةِ اليَمَنِ، واحِدُها مِعْذارٌ، وهو يَمْنَعُ رُؤْيَةَ المُحْتَجِبِ، كَما تَمْنَعُ المَعْذِرَةُ عُقُوبَةَ الذَّنْبِ. وقالَهُ الزَّجّاجُ أيْضًا، أيْ: وإنْ رَمى مَسْتُورَةً يُرِيدُ أنْ يُخْفِيَ عَمَلَهُ، فَنَفْسُهُ شاهِدَةٌ عَلَيْهِ. وأنْشَدُوا في أنَّ المَعاذِيرَ السُّتُورُ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎ولَكِنَّها ضَنَّتْ بِمَنزِلِ ساعَةٍ ∗∗∗ عَلَيْنا، وأطَّتْ فَوْقَها بِالمَعاذِرِ وقِيلَ: البَصِيرَةُ: الكاتِبانِ يَكْتُبانِ ما يَكُونُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، أيْ: وإنْ تَسَتَّرَ بِالسُّتُورِ، وإذا كانَتْ مِنَ العُذْرِ، فَمَعْنى ﴿ولَوْ ألْقى﴾ أيْ: نَطَقَ بِمَعاذِيرِهِ وقالَها. وقِيلَ: ولَوْ رَمى بِأعْذارِهِ واسْتَسْلَمَ. وقالَ السُّدِّيُّ: ولَوْ أدْلى بِحُجَّةٍ وعُذْرٍ. وقِيلَ: ولَوْ أحالَ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْلا أنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبإ: ٣١] . والعُذْرَةُ والعُذْرى: المَعْذِرَةُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ها إنَّ ذِي عُذْرَةٍ أنْ لا تَكُنْ نَفَعَتْ وقالَ فِيها: ولا عُذْرَ لِمَجْحُودٍ.

القيامة 75:6

(سُورَةُ القِيامَةِ مَكِّيَّةٌ وهي أرْبَعُونَ آيَةً) (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ ﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ ﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] ﴿كَلّا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ [القيامة: ٢٠] ﴿وتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ [القيامة: ٢١] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤] ﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٥] ﴿كَلّا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ [القيامة: ٢٦] ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ [القيامة: ٢٧] ﴿وظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ [القيامة: ٢٨] ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ [القيامة: ٢٩] ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ [القيامة: ٣٠] ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١] ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣٢] ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ [القيامة: ٣٣] ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٤] ﴿ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٥] ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ [القيامة: ٣٧] ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ [القيامة: ٣٨] ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠] . (p-٣٨٢)بَرِقَ بِكَسْرِ الرّاءِ: فَزِعَ ودَهِشَ، وأصْلُهُ مِن بَرِقَ الرَّجُلُ، إذا نَظَرَ إلى البَرْقِ فَدُهِشَ بَصَرُهُ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎ولَوْ أنَّ لُقْمانَ الحَكِيمَ تَعَرَّضَتْ لِعَيْنَيْهِ مَيٌّ سافِرًا كادَ يَبْرُقُ (قالَ الأعْشى): ؎وكُنْتُ أرى في وجْهِ مِيَّةَ لُمْحَةً ∗∗∗ فَأُبْرِقُ مَغْشِيًّا عَلِيَّ مَكانِيا وبَرَقَ بِفَتْحِ الرّاءِ: شُقَّ بَصَرُهُ، وهو مِنَ البَرِيقِ، أيْ: لَمَعَ بَصَرُهُ مِن شِدَّةِ شُخُوصِهِ. الوِزْرُ: ما يَلْجَأُ إلَيْهِ مِن حِصْنٍ أوْ جَبَلٍ أوْ غَيْرِهِما، قالَ الشّاعِرُ: ؎لَعَمْرُكَ ما لِلْفَتى مِن وِزْرٍ ∗∗∗ مِنَ المَوْتِ يُدْرِكُهُ والكِبَرُ النَّضِرَةُ: النِّعْمَةُ وجَمالُ البَشَرَةِ وطَراوَتِها، قالَ الشّاعِرُ: ؎أبى لِي قَبْرٌ لا يَزالُ مُقابَلِي ∗∗∗ وضَرْبَةُ فَأْسٍ فَوْقَ رَأْسِي فاقِرَهْ أيْ: مُؤَثِّرَةٌ. التَّراقِي جَمْعُ تَرْقُوَةٍ: وهي عِظامُ الصَّدْرِ، ولِكُلِّ إنْسانٍ تَرْقُوَتانِ، وهو مَوْضِعُ الحَشْرَجَةِ، قالَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ: ؎ورُبَّ عَظِيمَةٍ دافَعْتُ عَنْهم ∗∗∗ وقَدْ بَلَغَتْ نُفُوسُهُمُ التَّراقِي رَقى يَرْقِي مِنَ الرُّقْيَةِ، وهي ما يُسْتَشْفى بِهِ لِلْمَرِيضِ مِنَ الكَلامِ المُعَدِّ لِذَلِكَ. تَمَطّى: تَبَخْتَرَ في مِشْيَتِهِ، وأصْلُهُ مِنَ المَطا وهو الظَّهْرُ، أيْ: يَلْوِي مَطاهُ تَبَخْتُرًا. وقِيلَ: أصْلُهُ تَمطَّطَ أيْ: تَمَدَّدَ في مِشْيَتِهِ، ومَدَّ مَنكِبَيْهِ، قُلِبَتِ الطّاءُ فِيهِ حَرْفَ عِلَّةٍ كَراهَةَ اجْتِماعِ الأمْثالِ، كَما قالُوا: تَظَنّى مِنَ الظَّنِّ، وأصْلُهُ تَظَنَّنَ. والمَطِيطا: التَّبَخْتُرُ ومَدُّ اليَدَيْنِ في المَشْيِ، والمَطِيطُ: الماءُ الحاثِرُ في أسْفَلِ الحَوْضِ؛ لِأنَّهُ يَتَمَطَّطُ فِيهِ، أيْ: يَمْتَدُّ. وعَلى هَذا الِاشْتِقاقِ لا يَكُونُ أصْلُهُ مِنَ المَطِّ لِاخْتِلافِ المادَّتَيْنِ، إذْ مادَّةُ المَطا (م ط و) ومادَّةُ تَمَطَّطَ (م ط ط) . سُدًى: مُهْمَلٌ، يُقالُ إبِلٌ سُدًى أيْ: مُهْمَلَةٌ تَرْعى حَيْثُ شاءَتْ بِلا راعٍ، وأسْدَيْتُ الشَّيْءَ أيْ: أهْمَلْتُهُ، وأسْدَيْتُ حاجَتِي: ضَيَّعْتُها. قالَ الشّاعِرُ: ؎فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ جَهْدَ اليَمِينِ ∗∗∗ ما خَلَقَ اللَّهُ شَيْئًا سُدى وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ دُرَيْدٍ في المَقْصُورَةِ: ؎لَمْ أرَ كالمُزْنِ سَوامًا بُهْلًا ∗∗∗ تَحْسَبُها مَرْعِيَّةً وهي سُدى (p-٣٨٣)﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَة﴾ ﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ ﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] ﴿كَلّا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ [القيامة: ٢٠] ﴿وتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ [القيامة: ٢١] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤] ﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٥] ﴿كَلّا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ [القيامة: ٢٦] ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ [القيامة: ٢٧] ﴿وظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ [القيامة: ٢٨] ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ [القيامة: ٢٩] ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ [القيامة: ٣٠] ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١] ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣٢] ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ [القيامة: ٣٣] ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٤] ﴿ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٥] ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ [القيامة: ٣٧] ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ [القيامة: ٣٨] ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠] . (p-٣٨٤)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها: أنَّ في آخِرِ ما قَبْلَها قَوْلَهُ: ﴿كَلّا بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ [المدثر: ٥٣] ﴿كَلّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٤] وفِيها كَثِيرٌ مِن أحْوالِ القِيامَةِ، فَذَكَرَ هُنا يَوْمَ القِيامَةِ وجُمَلًا مِن أحْوالِها. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿لا أُقْسِمُ﴾ . والخِلافُ في ”لا“، والخِلافُ في قِراءاتِها في أواخِرِ الواقِعَةِ. أقْسَمَ تَعالى بِيَوْمِ القِيامَةِ لِعِظَمِهِ وهَوْلِهِ. و﴿لا أُقْسِمُ﴾ قِيلَ: ”لا“ نافِيَةٌ، نَفى أنْ يُقْسِمَ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ، وأقْسَمَ بِيَوْمِ القِيامَةِ، نَصَّ عَلى هَذا الحَسَنُ. والجُمْهُورُ: عَلى أنَّ اللَّهَ أقْسَمَ بِالأمْرَيْنِ. واللَّوّامَةُ، قالَ الحَسَنُ: هي الَّتِي تَلُومُ صاحِبَها في تَرْكِ الطّاعَةِ ونَحْوِها، فَهي عَلى هَذا مَمْدُوحَةٌ، ولِذَلِكَ أقْسَمَ اللَّهُ بِها. ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَنْ مُجاهِدٍ، تَلُومُ عَلى ما فاتَ وتَنْدَمَ عَلى الشَّرِّ لِمَ فَعَلَتْهُ ؟، وعَلى الخَيْرِ لِمَ لَمْ تَسْتَكْثِرْ مِنهُ ؟ . وقِيلَ: النَّفْسُ المُتَّقِيَةُ الَّتِي تَلُومُ النُّفُوسَ في يَوْمِ القِيامَةِ عَلى تَقْصِيرِهِنَّ في التَّقْوى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: هي الفاجِرَةُ الخَشِعَةُ اللَّوّامَةُ لِصاحِبِها عَلى ما فاتَهُ مِن سَعْيِ الدُّنْيا وأعْراضِها، فَهي عَلى هَذا ذَمِيمَةٌ، ويَحْسُنُ نَفْيُ القَسَمِ بِها. والنَّفْسُ اللَّوّامَةُ: اسْمُ جِنْسٍ بِهَذا الوَصْفِ. وقِيلَ: هي نَفْسٌ مُعَيَّنَةٌ، وهي نَفْسُ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ تَزَلْ لائِمَةً لَهُ عَلى فِعْلِهِ الَّذِي أخْرَجَهُ مِنَ الجَنَّةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وكُلُّ نَفْسٍ مُتَوَسِّطَةٍ لَيْسَتْ بِمُطَمْئِنَةٍ ولا أمّارَةٍ بِالسُّوءِ، فَإنَّها لَوّامَةٌ في الطَّرَفَيْنِ، مَرَّةً تَلُومُ عَلى تَرْكِ الطّاعَةِ، ومَرَّةً تَلُومُ عَلى فَوْتِ ما تَشْتَهِي، فَإذا اطْمَأنَّتْ خَلَصَتْ وصَفَتْ. انْتَهى. والمُناسَبَةُ بَيْنَ القَسَمَيْنِ مِن حَيْثُ أحْوالِ النَّفْسِ مِن سَعادَتِها وشَقاوَتِها وظُهُورِ ذَلِكَ في يَوْمِ القِيامَةِ، وجَوابُ القَسَمِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ يَوْمُ القِيامَةِ المُقْسَمِ بِهِ وما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: (أيَحْسَبُ) الآيَةِ، وتَقْدِيرُهُ لِتُبْعَثُنَّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء: ٦٥] والأبْياتُ الَّتِي أنْشَدْتَها المُقْسَمُ عَلَيْهِ فِيها مَنفِيٌّ، وكانَ قَدْ أنْشَدَ قَوْلَ امْرِئِ القَيْسِ: ؎لا وأبِيكِ ابْنَةَ العامِرِيِّ ∗∗∗ لا يَدَّعِي القَوْمُ إنِّي أفِرُّ (وقَوْلُ غُوَيَّةَ بْنِ سُلْمى): ؎ألا نادَتْ أُمامَةُ بِاحْتِمالِي ∗∗∗ لِتُحْزِنَنِي فَلا يَكُ ما أُبالِي قالَ: فَهَلّا زَعَمْتَ أنَّ لا الَّتِي لِلْقَسَمِ زِيدَتْ مُوطِئَةً لِلنَّفْيِ بَعْدَهُ ومُؤَكِّدَةً لَهُ، وقَدَّرْتَ المُقْسَمَ عَلَيْهِ المَحْذُوفَ هاهُنا مَنفِيًّا، نَحْوُ قَوْلِكَ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ لا تُتْرَكُونَ سُدًى ؟ (قُلْتُ): لَوْ قَصَرُوا الأمْرَ عَلى النَّفْيِ دُونَ الإثْباتِ لَكانَ لِهَذا القَوْلِ مَساغٌ، ولَكِنَّهُ لَمْ يُقْسِمْ. ألا تَرى كَيْفَ لَقّى ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ [البلد: ١] بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾ [البلد: ٤] وكَذَلِكَ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] ؟ ثُمَّ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وجَوابُ القَسَمِ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ) وهو لَتُبْعَثُنَّ. انْتَهى، وهو تَقْدِيرُ النَّحّاسِ. وقَوْلُ مَن قالَ: جَوابُ القَسَمِ هو: (أيَحْسَبُ الإنْسانُ) . وما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ الجَوابَ: ﴿بَلى قادِرِينَ﴾ وما قِيلَ أنَّ ”لا“ في القَسَمَيْنِ لِنَفْيِهِما، أيْ: لا أُقْسِمُ عَلى شَيْءٍ، وأنَّ التَّقْدِيرَ: أسْألُكَ أيَحْسَبُ الإنْسانُ ؟ أقْوالٌ لا تَصْلُحُ أنْ يَرِدَ بِها، بَلْ تُطْرَحُ ولا يُسَوَّدُ بِها الوَرَقُ، ولَوْلا أنَّهم سَرَدُوها في الكُتُبِ لَمْ أُنَبِّهْ عَلَيْها. والإنْسانُ هُنا الكافِرُ المُكَذِّبُ بِالبَعْثِ. رُوِيَ «أنَّ عَدِيَّ بْنَ رَبِيعَةَ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يا مُحَمَّدُ ! حَدِّثْنِي عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ مَتى يَكُونُ أمْرُهُ ؟ فَأخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: لَوْ عايَنْتُ ذَلِكَ اليَوْمَ لَمْ (p-٣٨٥)أُصَدِّقْكَ ولَمْ أُؤْمِن بِهِ، أوْ يَجْمَعُ اللَّهُ هَذِهِ العِظامَ بَعْدَ بَلاها ؟» فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ، كانَ يَقُولُ أيَزْعُمُ مُحَمَّدٌ ﷺ أنْ يَجْمَعَ اللَّهُ هَذِهِ العِظامَ بَعْدَ بَلاها وتَفَرُّقِها، فَيُعِيدُها خَلْقًا جَدِيدًا ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿نَجْمَعَ﴾ بِنُونٍ ﴿عِظامَهُ﴾ نَصْبًا. وقَتادَةُ: بِالتّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ﴿عِظامَهُ﴾ رَفْعًا، والمَعْنى: بَعْدَ تَفَرُّقِها واخْتِلاطِها بِالتُّرابِ وتَطْيِيرِ الرِّياحِ إيّاها في أقاصِي الأرْضِ. وقَوْلُهُ: (أيَحْسَبُ) اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ، حَيْثُ يُنْكِرُ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى عَلى إعادَةِ المَعْدُومِ. (بَلى): جَوابٌ لِلِاسْتِفْهامِ المُنْسَحِبِ عَلى النَّفْيِ، أيْ: بَلى نَجْمَعُها. وذَكَرَ العِظامَ، وإنْ كانَ المَعْنى إعادَةَ الإنْسانِ وجَمْعَ أجْزائِهِ المُتَفَرِّقَةِ؛ لِأنَّ العِظامَ هي قالَبُ الخَلْقِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (قادِرِينَ) بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي في الفِعْلِ المُقَدَّرِ وهو يَجْمَعُها. وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ السَّمَيْقَعِ: قادِرُونَ، أيْ: نَحْنُ قادِرُونَ. ﴿عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾: وهي الأصابِعُ، أكْثَرُ العِظامِ تَفَرُّقًا وأدَقُّها أجْزاءً، وهي العِظامُ الَّتِي في الأنامِلِ ومَفاصِلِها، وهَذا عِنْدَ البَعْثِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والجُمْهُورُ: المَعْنى نَجْعَلُها في حَياتِهِ هَذِهِ بُضْعَةً، أوْ عَظْمًا واحِدًا كَخُفِّ البَعِيرِ لا تَفارِيقَ فِيهِ، أيْ: في الدُّنْيا فَتَقِلُّ مَنفَعَتُهُ بِها، وهَذا القَوْلُ فِيهِ تَوَعُّدٌ، والمَعْنى الأوَّلُ هو الظّاهِرُ والمَقْصُودُ مِن رَصْفِ الكَلامِ. وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ بِألْفاظٍ مُنَمَّقَةٍ عَلى عادَتِهِ في حِكايَةِ أقْوالِ المُتَقَدِّمِينَ. وقِيلَ: (قادِرِينَ) مَنصُوبٌ عَلى خَبَرِ كانَ، أيْ: بَلى كُنّا قادِرِينَ في الِابْتِداءِ. ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ﴾: بَلْ إضْرابٌ، وهو انْتِقالٌ مِن كَلامٍ إلى كَلامٍ مِن غَيْرِ إبْطالٍ. والظّاهِرُ أنَّ (يُرِيدُ) إخْبارٌ عَنْ ما يُرِيدُهُ الإنْسانُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (بَلْ يُرِيدُ) عَطْفٌ عَلى (أيَحْسَبُ) فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَبْلَهُ اسْتِفْهامًا، وأنْ يَكُونَ إيجابًا عَلى أنْ يُضْرَبَ عَنْ مُسْتَفْهَمٍ عَنْهُ إلى آخَرَ، أوْ يُضْرَبَ عَنْ مُسْتَفْهَمٍ عَنْهُ إلى مُوجِبٍ. انْتَهى. وهَذِهِ التَّقادِيرُ الثَّلاثَةُ لا تَظْهَرُ، وهي مُتَكَلَّفَةٌ، بَلِ المَعْنى: الإخْبارُ عَنِ الإنْسانِ مِن غَيْرِ إبْطالٍ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، وهي نَجْمَعُها قادِرِينَ، لِنُبَيِّنَ ما هو عَلَيْهِ الإنْسانُ مِن عَدَمِ الفِكْرِ في الآخِرَةِ وأنَّهُ مَعْنِيٌّ بِشَهَواتِهِ. ومَفْعُولُ (يُرِيدُ) مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّعْلِيلُ في ﴿لِيَفْجُرَ﴾ . قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ: مَعْنى الآيَةِ: أنَّ الإنْسانَ إنَّما يُرِيدُ شَهَواتِهِ ومَعاصِيهِ؛ لِيَمْضِيَ فِيها أبَدًا قُدُمًا راكِبًا رَأْسَهُ مُطِيعًا أمَلَهُ ومُسَوِّفًا بِتَوْبَتِهِ. قالَ السُّدِّيُّ أيْضًا: لِيَظْلِمَ عَلى قَدْرِ طاقَتِهِ، وعَلى هَذا فالضَّمِيرُ في ﴿أمامَهُ﴾ عائِدٌ عَلى الإنْسانِ، وهو الظّاهِرُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ما يَقْتَضِي أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ أنَّ الإنْسانَ في زَمانِ وُجُودِهِ أمامَ يَوْمِ القِيامَةِ، وبَيْنَ يَدَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ خَلْفَهُ، فَهو يُرِيدُ شَهَواتِهِ؛ لِيَفْجُرَ في تَكْذِيبِهِ بِالبَعْثِ وغَيْرِ ذَلِكَ بَيْنَ يَدَيْ يَوْمِ القِيامَةِ، وهو لا يَعْرِفُ القَدْرَ الَّذِي هو فِيهِ. والأمامُ ظَرْفُ مَكانٍ اسْتُعِيرَ هُنا لِلزَّمانِ، أيْ: لِيَفْجُرَ فِيما بَيْنَ يَدَيْهِ ويَسْتَقْبِلُهُ مِن زَمانِ حَياتِهِ. ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ أيْ: مَتى يَوْمُ القِيامَةِ ؟ سُؤالُ اسْتِهْزاءٍ وتَكْذِيبٍ وتَعَنُّتٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿بَرِقَ﴾ بِكَسْرِ الرّاءِ. وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والزَّعْفَرانِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ ونافِعٌ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ وهارُونَ ومَحْبُوبٍ، كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو، والحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ: بِخِلافٍ عَنْهُما بِفَتْحِها. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: بَرَقَ بِالفَتْحِ: شَقَّ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: خَفَتَ عِنْدَ المَوْتِ. قالَ مُجاهِدٌ: هَذا عِنْدَ المَوْتِ. وقالَ الحَسَنُ: هو يَوْمُ القِيامَةِ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: بَلَقَ بِاللّامِ عِوَضَ الرّاءِ، أيِ: انْفَتَحَ وانْفَرَجَ، يُقالُ: بَلَقَ البابُ وأبْلَقْتُهُ وبَلَّقْتُهُ: فَتَحْتُهُ، هَذا قَوْلُ أهْلِ اللُّغَةِ إلّا الفَرّاءَ فَإنَّهُ يَقُولُ: بَلَقَهُ وأبْلَقَهُ إذا أغْلَقَهُ. وقالَ ثَعْلَبٌ: أخْطَأ الفَرّاءُ في ذَلِكَ، إنَّما هو بَلَقَ البابَ وأبْلَقَهُ إذا فَتَحَهُ. انْتَهى. ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ اللّامُ بَدَلًا مِنَ الرّاءِ، فَهُما يَتَعاقَبانِ في بَعْضِ الكَلامِ، نَحْوُ قَوْلِهِمْ: نَثَرَهُ ونَثَلَهُ، ووَجَرَ ووَجِلَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وخَسَفَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ويَزِيدُ بْنُ (p-٣٨٦)قُطَيْبٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. يُقالُ: خَسَفَ القَمَرُ وخَسَفَهُ اللَّهُ، وكَذَلِكَ الشَّمْسُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ: الخُسُوفُ والكُسُوفُ بِمَعْنًى واحِدٍ. وقالَ ابْنُ أبِي أُوَيْسٍ: الكُسُوفُ ذَهابُ بَعْضِ الضَّوْءِ، والخُسُوفُ جَمِيعُهُ. ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾: لَمْ تَلْحَقْ عَلامَةُ التَّأْنِيثِ؛ لِأنَّ تَأْنِيثَ الشَّمْسِ مَجازٌ، أوْ لِتَغْلِيبِ التَّذْكِيرِ عَلى التَّأْنِيثِ. وقالَ الكِسائِيُّ: حُمِلَ عَلى المَعْنى، والتَّقْدِيرُ: جُمِعَ النُّورانِ أوِ الضِّياءانِ، ومَعْنى الجَمْعِ بَيْنَهُما، قالَ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ: يُجْمَعانِ فَيُلْقَيانِ في النّارِ، وعَنْهُ يُجْمَعانِ يَوْمَ القِيامَةِ ثُمَّ يُقْذَفانِ في البَحْرِ، فَيَكُونانِ نارَ اللَّهِ الكُبْرى. وقِيلَ: يُجْمَعُ بَيْنَهُما في الطُّلُوعِ مِنَ المَغْرِبِ، فَيَطْلُعانِ أسْوَدَيْنِ مُكَوَّرَيْنِ. وقالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ: يُجْعَلانِ في نُورِ الحُجُبِ، وقِيلَ: يَجْتَمِعانِ ولا يَتَفَرَّقانِ، ويَقْرُبانِ مِنَ النّاسِ فَيَلْحَقُهُمُ العَرَقُ لِشِدَّةِ الحَرِّ، فَكَأنَّ المَعْنى: يُجْمَعُ حَرُّهُما. وقِيلَ: يُجْمَعُ بَيْنَهُما في ذَهابِ الضَّوْءِ، فَلا يَكُونُ ثَمَّ تَعاقُبُ لَيْلٍ ولا نَهارٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿المَفَرُّ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ والفاءِ، أيْ: أيْنَ الفِرارُ ؟ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ بْنِ أبِي طالِبٍ، والحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ، وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وأيُّوبُ السَّخْتِيانِيُّ وكُلْثُومُ بْنُ عِياضٍ، ومُجاهِدٌ وابْنُ يَعْمُرَ وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ وأبُو رَجاءٍ وعِيسى، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والزُّهْرِيُّ: بِكَسْرِ الفاءِ، وهو مَوْضِعُ الفِرارِ. وقَرَأ الحَسَنُ: بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ الفاءِ، ونَسَبَها ابْنُ عَطِيَّةَ لِلزُّهْرِيِّ، أيِ: الجَيِّدُ الفِرارِ، وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ هَذا الوَزْنُ في الآلاتِ وفي صِفاتِ الخَيْلِ، نَحْوُ قَوْلِهِ: ؎مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعًا والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ مِن تَمامِ قَوْلِ الإنْسانِ. وقِيلَ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، لا حِكايَةً عَنِ الإنْسانِ. (كَلًّا): رَدْعٌ عَنْ طَلَبِ المَفَرِّ ﴿لا وزَرَ﴾: لا مَلْجَأ، وعَبَّرَ المُفَسِّرُونَ عَنْهُ بِالجَبَلِ. قالَ مُطَرِّفُ بْنُ الشِّخِّيرِ: هو كانَ وِزْرُ فِرارِ العَرَبِ في بِلادِهِمْ، فَلِذَلِكَ اسْتُعْمِلَ، والحَقِيقَةُ أنَّهُ المَلْجَأُ مِن جَبَلٍ أوْ حِصْنٍ أوْ سِلاحٍ أوْ رَجُلٍ أوْ غَيْرِهِ. (إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ) أيْ: إلى حُكْمِهِ يَوْمئِذٍ تَقُولُ أيْنَ المَفَرُّ ﴿المُسْتَقَرُّ﴾ أيِ: الِاسْتِقْرارُ، أوْ مَوْضِعُ اسْتِقْرارٍ مِن جَنَّةٍ أوْ نارٍ إلى مَشِيئَتِهِ تَعالى، يُدْخِلُ مَن شاءَ الجَنَّةَ، ويُدْخِلُ مَن شاءَ النّارَ. ﴿بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ قالَ عَبْدُ اللَّهِ وابْنُ عَبّاسٍ: بِما قَدَّمَ في حَياتِهِ وأخَّرَ مِن سَنَةٍ يَعْمَلُ بِها بَعْدَهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: بِما قَدَّمَ مِنَ المَعاصِي وأخَّرَ مِنَ الطّاعاتِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: بِما قَدَّمَ مِن مالِهِ لِنَفْسِهِ، وبِما أخَّرَ مِنهُ لِلْوارِثِ. وقالَ النَّخَعِيُّ ومُجاهِدٌ: بِأوَّلِ عَمَلِهِ وآخِرِهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: بِما قَدَّمَ مِن فَرْضٍ وأخَّرَ مِن فَرْضٍ. والظّاهِرُ حَمْلُهُ عَلى العُمُومِ، أيْ: يُخْبِرُهُ بِكُلِّ ما قَدَّمَ وكُلِّ ما أخَّرَ، مِمّا ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ ومِمّا لَمْ يَذْكُرُوهُ. (بَصِيرَةً): خَبَرٌ عَنِ الإنْسانِ، أيْ: شاهِدٌ، قالَهُ قَتادَةُ، والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ. وقالَ الأخْفَشُ: هو كَقَوْلِكَ فُلانٌ عِبْرَةٌ وحُجَّةٌ. وقِيلَ: أُنِّثَ لِأنَّهُ أرادَ جَوارِحَهُ، أيْ: جَوارِحُهُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ. وقِيلَ: (بَصِيرَةٌ) مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ المَوْصُوفِ، أيْ: عَيْنٌ بَصِيرَةٌ، و(عَلى نَفْسِهِ) الخَبَرُ. والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ خَبَرٍ عَنِ الإنْسانِ، والتَّقْدِيرُ: عَيْنٌ بَصِيرَةٌ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الفَرّاءُ، وأنْشَدَ: ؎كَأنَّ عَلى ذِي العَقْلِ عَيْنًا بَصِيرَةً ∗∗∗ بِمَقْعَدِهِ، أوْ مَنظَرٍ هو ناظِرُهُ ؎يُحاذِرُ حَتّى يَحْسَبَ النّاسَ كُلَّهم ∗∗∗ مِنَ الخَوْفِ لا تَخْفى عَلَيْهِمْ سَرائِرُهُ وعَلى هَذا نَخْتارُ أنْ تَكُونَ (بَصِيرَةٌ) فاعِلًا بِالجارِّ والمَجْرُورِ، وهو الخَبَرُ عَنِ الإنْسانِ. ألا تَرى أنَّهُ قَدِ اعْتَمَدَ بِوُقُوعِهِ خَبَرًا عَنِ الإنْسانِ ؟ وعَلى هَذا فالتّاءُ لِلتَّأْنِيثِ. وتَأوَّلَ ابْنُ عَبّاسٍ (البَصِيرَةَ) بِالجَوارِحِ، أوِ المَلائِكَةِ الحَفَظَةِ. والمَعاذِيرُ عِنْدَ الجُمْهُورِ الأعْذارُ، فالمَعْنى: لَوْ جاءَ بِكُلِّ مَعْذِرَةٍ يَعْتَذِرُ بِها عَنْ نَفْسِهِ، فَإنَّهُ هو الشّاهِدُ عَلَيْها والحُجَّةُ البَيِّنَةُ عَلَيْها. وقِيلَ: المَعاذِيرُ جَمْعُ مَعْذِرَةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قِياسُ مَعْذِرَةٍ مَعاذِرُ، فالمَعاذِيرُ لَيْسَ بِجَمْعِ مَعْذِرَةٍ، إنَّما هو اسْمُ جَمْعٍ لَها، ونَحْوُ المَناكِيرِ في المُنْكَرِ. انْتَهى. ولَيْسَ هَذا البِناءُ مِن (p-٣٨٧)أبْنِيَةِ أسْماءِ الجُمُوعِ، وإنَّما هو مِن أبْنِيَةِ جَمْعِ التَّكْسِيرِ، فَهو كَمَذاكِيرَ ومَلامِيحَ والمُفْرَدُ مِنهُما لَمْحَةٌ وذِكْرٌ. ولَمْ يَذْهَبْ أحَدٌ إلى أنَّهُما مِن أسْماءِ الجُمُوعِ، بَلْ قِيلَ: هُما جَمْعٌ لِلَمْحَةٍ وذِكْرٍ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، أوْ هُما جَمْعٌ لِمُفْرَدٍ لَمْ يَنْطِقْ بِهِ، وهو مِذْكارٌ ومَلْمَحَةٌ. وقالَ السُّدِّيُّ والضَّحّاكُ: المَعاذِيرُ: السُّتُورُ بِلُغَةِ اليَمَنِ، واحِدُها مِعْذارٌ، وهو يَمْنَعُ رُؤْيَةَ المُحْتَجِبِ، كَما تَمْنَعُ المَعْذِرَةُ عُقُوبَةَ الذَّنْبِ. وقالَهُ الزَّجّاجُ أيْضًا، أيْ: وإنْ رَمى مَسْتُورَةً يُرِيدُ أنْ يُخْفِيَ عَمَلَهُ، فَنَفْسُهُ شاهِدَةٌ عَلَيْهِ. وأنْشَدُوا في أنَّ المَعاذِيرَ السُّتُورُ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎ولَكِنَّها ضَنَّتْ بِمَنزِلِ ساعَةٍ ∗∗∗ عَلَيْنا، وأطَّتْ فَوْقَها بِالمَعاذِرِ وقِيلَ: البَصِيرَةُ: الكاتِبانِ يَكْتُبانِ ما يَكُونُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، أيْ: وإنْ تَسَتَّرَ بِالسُّتُورِ، وإذا كانَتْ مِنَ العُذْرِ، فَمَعْنى ﴿ولَوْ ألْقى﴾ أيْ: نَطَقَ بِمَعاذِيرِهِ وقالَها. وقِيلَ: ولَوْ رَمى بِأعْذارِهِ واسْتَسْلَمَ. وقالَ السُّدِّيُّ: ولَوْ أدْلى بِحُجَّةٍ وعُذْرٍ. وقِيلَ: ولَوْ أحالَ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْلا أنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبإ: ٣١] . والعُذْرَةُ والعُذْرى: المَعْذِرَةُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ها إنَّ ذِي عُذْرَةٍ أنْ لا تَكُنْ نَفَعَتْ وقالَ فِيها: ولا عُذْرَ لِمَجْحُودٍ.

القيامة 75:7

(سُورَةُ القِيامَةِ مَكِّيَّةٌ وهي أرْبَعُونَ آيَةً) (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ ﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ ﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] ﴿كَلّا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ [القيامة: ٢٠] ﴿وتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ [القيامة: ٢١] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤] ﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٥] ﴿كَلّا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ [القيامة: ٢٦] ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ [القيامة: ٢٧] ﴿وظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ [القيامة: ٢٨] ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ [القيامة: ٢٩] ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ [القيامة: ٣٠] ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١] ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣٢] ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ [القيامة: ٣٣] ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٤] ﴿ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٥] ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ [القيامة: ٣٧] ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ [القيامة: ٣٨] ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠] . (p-٣٨٢)بَرِقَ بِكَسْرِ الرّاءِ: فَزِعَ ودَهِشَ، وأصْلُهُ مِن بَرِقَ الرَّجُلُ، إذا نَظَرَ إلى البَرْقِ فَدُهِشَ بَصَرُهُ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎ولَوْ أنَّ لُقْمانَ الحَكِيمَ تَعَرَّضَتْ لِعَيْنَيْهِ مَيٌّ سافِرًا كادَ يَبْرُقُ (قالَ الأعْشى): ؎وكُنْتُ أرى في وجْهِ مِيَّةَ لُمْحَةً ∗∗∗ فَأُبْرِقُ مَغْشِيًّا عَلِيَّ مَكانِيا وبَرَقَ بِفَتْحِ الرّاءِ: شُقَّ بَصَرُهُ، وهو مِنَ البَرِيقِ، أيْ: لَمَعَ بَصَرُهُ مِن شِدَّةِ شُخُوصِهِ. الوِزْرُ: ما يَلْجَأُ إلَيْهِ مِن حِصْنٍ أوْ جَبَلٍ أوْ غَيْرِهِما، قالَ الشّاعِرُ: ؎لَعَمْرُكَ ما لِلْفَتى مِن وِزْرٍ ∗∗∗ مِنَ المَوْتِ يُدْرِكُهُ والكِبَرُ النَّضِرَةُ: النِّعْمَةُ وجَمالُ البَشَرَةِ وطَراوَتِها، قالَ الشّاعِرُ: ؎أبى لِي قَبْرٌ لا يَزالُ مُقابَلِي ∗∗∗ وضَرْبَةُ فَأْسٍ فَوْقَ رَأْسِي فاقِرَهْ أيْ: مُؤَثِّرَةٌ. التَّراقِي جَمْعُ تَرْقُوَةٍ: وهي عِظامُ الصَّدْرِ، ولِكُلِّ إنْسانٍ تَرْقُوَتانِ، وهو مَوْضِعُ الحَشْرَجَةِ، قالَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ: ؎ورُبَّ عَظِيمَةٍ دافَعْتُ عَنْهم ∗∗∗ وقَدْ بَلَغَتْ نُفُوسُهُمُ التَّراقِي رَقى يَرْقِي مِنَ الرُّقْيَةِ، وهي ما يُسْتَشْفى بِهِ لِلْمَرِيضِ مِنَ الكَلامِ المُعَدِّ لِذَلِكَ. تَمَطّى: تَبَخْتَرَ في مِشْيَتِهِ، وأصْلُهُ مِنَ المَطا وهو الظَّهْرُ، أيْ: يَلْوِي مَطاهُ تَبَخْتُرًا. وقِيلَ: أصْلُهُ تَمطَّطَ أيْ: تَمَدَّدَ في مِشْيَتِهِ، ومَدَّ مَنكِبَيْهِ، قُلِبَتِ الطّاءُ فِيهِ حَرْفَ عِلَّةٍ كَراهَةَ اجْتِماعِ الأمْثالِ، كَما قالُوا: تَظَنّى مِنَ الظَّنِّ، وأصْلُهُ تَظَنَّنَ. والمَطِيطا: التَّبَخْتُرُ ومَدُّ اليَدَيْنِ في المَشْيِ، والمَطِيطُ: الماءُ الحاثِرُ في أسْفَلِ الحَوْضِ؛ لِأنَّهُ يَتَمَطَّطُ فِيهِ، أيْ: يَمْتَدُّ. وعَلى هَذا الِاشْتِقاقِ لا يَكُونُ أصْلُهُ مِنَ المَطِّ لِاخْتِلافِ المادَّتَيْنِ، إذْ مادَّةُ المَطا (م ط و) ومادَّةُ تَمَطَّطَ (م ط ط) . سُدًى: مُهْمَلٌ، يُقالُ إبِلٌ سُدًى أيْ: مُهْمَلَةٌ تَرْعى حَيْثُ شاءَتْ بِلا راعٍ، وأسْدَيْتُ الشَّيْءَ أيْ: أهْمَلْتُهُ، وأسْدَيْتُ حاجَتِي: ضَيَّعْتُها. قالَ الشّاعِرُ: ؎فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ جَهْدَ اليَمِينِ ∗∗∗ ما خَلَقَ اللَّهُ شَيْئًا سُدى وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ دُرَيْدٍ في المَقْصُورَةِ: ؎لَمْ أرَ كالمُزْنِ سَوامًا بُهْلًا ∗∗∗ تَحْسَبُها مَرْعِيَّةً وهي سُدى (p-٣٨٣)﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَة﴾ ﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ ﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] ﴿كَلّا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ [القيامة: ٢٠] ﴿وتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ [القيامة: ٢١] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤] ﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٥] ﴿كَلّا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ [القيامة: ٢٦] ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ [القيامة: ٢٧] ﴿وظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ [القيامة: ٢٨] ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ [القيامة: ٢٩] ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ [القيامة: ٣٠] ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١] ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣٢] ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ [القيامة: ٣٣] ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٤] ﴿ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٥] ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ [القيامة: ٣٧] ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ [القيامة: ٣٨] ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠] . (p-٣٨٤)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها: أنَّ في آخِرِ ما قَبْلَها قَوْلَهُ: ﴿كَلّا بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ [المدثر: ٥٣] ﴿كَلّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٤] وفِيها كَثِيرٌ مِن أحْوالِ القِيامَةِ، فَذَكَرَ هُنا يَوْمَ القِيامَةِ وجُمَلًا مِن أحْوالِها. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿لا أُقْسِمُ﴾ . والخِلافُ في ”لا“، والخِلافُ في قِراءاتِها في أواخِرِ الواقِعَةِ. أقْسَمَ تَعالى بِيَوْمِ القِيامَةِ لِعِظَمِهِ وهَوْلِهِ. و﴿لا أُقْسِمُ﴾ قِيلَ: ”لا“ نافِيَةٌ، نَفى أنْ يُقْسِمَ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ، وأقْسَمَ بِيَوْمِ القِيامَةِ، نَصَّ عَلى هَذا الحَسَنُ. والجُمْهُورُ: عَلى أنَّ اللَّهَ أقْسَمَ بِالأمْرَيْنِ. واللَّوّامَةُ، قالَ الحَسَنُ: هي الَّتِي تَلُومُ صاحِبَها في تَرْكِ الطّاعَةِ ونَحْوِها، فَهي عَلى هَذا مَمْدُوحَةٌ، ولِذَلِكَ أقْسَمَ اللَّهُ بِها. ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَنْ مُجاهِدٍ، تَلُومُ عَلى ما فاتَ وتَنْدَمَ عَلى الشَّرِّ لِمَ فَعَلَتْهُ ؟، وعَلى الخَيْرِ لِمَ لَمْ تَسْتَكْثِرْ مِنهُ ؟ . وقِيلَ: النَّفْسُ المُتَّقِيَةُ الَّتِي تَلُومُ النُّفُوسَ في يَوْمِ القِيامَةِ عَلى تَقْصِيرِهِنَّ في التَّقْوى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: هي الفاجِرَةُ الخَشِعَةُ اللَّوّامَةُ لِصاحِبِها عَلى ما فاتَهُ مِن سَعْيِ الدُّنْيا وأعْراضِها، فَهي عَلى هَذا ذَمِيمَةٌ، ويَحْسُنُ نَفْيُ القَسَمِ بِها. والنَّفْسُ اللَّوّامَةُ: اسْمُ جِنْسٍ بِهَذا الوَصْفِ. وقِيلَ: هي نَفْسٌ مُعَيَّنَةٌ، وهي نَفْسُ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ تَزَلْ لائِمَةً لَهُ عَلى فِعْلِهِ الَّذِي أخْرَجَهُ مِنَ الجَنَّةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وكُلُّ نَفْسٍ مُتَوَسِّطَةٍ لَيْسَتْ بِمُطَمْئِنَةٍ ولا أمّارَةٍ بِالسُّوءِ، فَإنَّها لَوّامَةٌ في الطَّرَفَيْنِ، مَرَّةً تَلُومُ عَلى تَرْكِ الطّاعَةِ، ومَرَّةً تَلُومُ عَلى فَوْتِ ما تَشْتَهِي، فَإذا اطْمَأنَّتْ خَلَصَتْ وصَفَتْ. انْتَهى. والمُناسَبَةُ بَيْنَ القَسَمَيْنِ مِن حَيْثُ أحْوالِ النَّفْسِ مِن سَعادَتِها وشَقاوَتِها وظُهُورِ ذَلِكَ في يَوْمِ القِيامَةِ، وجَوابُ القَسَمِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ يَوْمُ القِيامَةِ المُقْسَمِ بِهِ وما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: (أيَحْسَبُ) الآيَةِ، وتَقْدِيرُهُ لِتُبْعَثُنَّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء: ٦٥] والأبْياتُ الَّتِي أنْشَدْتَها المُقْسَمُ عَلَيْهِ فِيها مَنفِيٌّ، وكانَ قَدْ أنْشَدَ قَوْلَ امْرِئِ القَيْسِ: ؎لا وأبِيكِ ابْنَةَ العامِرِيِّ ∗∗∗ لا يَدَّعِي القَوْمُ إنِّي أفِرُّ (وقَوْلُ غُوَيَّةَ بْنِ سُلْمى): ؎ألا نادَتْ أُمامَةُ بِاحْتِمالِي ∗∗∗ لِتُحْزِنَنِي فَلا يَكُ ما أُبالِي قالَ: فَهَلّا زَعَمْتَ أنَّ لا الَّتِي لِلْقَسَمِ زِيدَتْ مُوطِئَةً لِلنَّفْيِ بَعْدَهُ ومُؤَكِّدَةً لَهُ، وقَدَّرْتَ المُقْسَمَ عَلَيْهِ المَحْذُوفَ هاهُنا مَنفِيًّا، نَحْوُ قَوْلِكَ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ لا تُتْرَكُونَ سُدًى ؟ (قُلْتُ): لَوْ قَصَرُوا الأمْرَ عَلى النَّفْيِ دُونَ الإثْباتِ لَكانَ لِهَذا القَوْلِ مَساغٌ، ولَكِنَّهُ لَمْ يُقْسِمْ. ألا تَرى كَيْفَ لَقّى ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ [البلد: ١] بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾ [البلد: ٤] وكَذَلِكَ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] ؟ ثُمَّ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وجَوابُ القَسَمِ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ) وهو لَتُبْعَثُنَّ. انْتَهى، وهو تَقْدِيرُ النَّحّاسِ. وقَوْلُ مَن قالَ: جَوابُ القَسَمِ هو: (أيَحْسَبُ الإنْسانُ) . وما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ الجَوابَ: ﴿بَلى قادِرِينَ﴾ وما قِيلَ أنَّ ”لا“ في القَسَمَيْنِ لِنَفْيِهِما، أيْ: لا أُقْسِمُ عَلى شَيْءٍ، وأنَّ التَّقْدِيرَ: أسْألُكَ أيَحْسَبُ الإنْسانُ ؟ أقْوالٌ لا تَصْلُحُ أنْ يَرِدَ بِها، بَلْ تُطْرَحُ ولا يُسَوَّدُ بِها الوَرَقُ، ولَوْلا أنَّهم سَرَدُوها في الكُتُبِ لَمْ أُنَبِّهْ عَلَيْها. والإنْسانُ هُنا الكافِرُ المُكَذِّبُ بِالبَعْثِ. رُوِيَ «أنَّ عَدِيَّ بْنَ رَبِيعَةَ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يا مُحَمَّدُ ! حَدِّثْنِي عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ مَتى يَكُونُ أمْرُهُ ؟ فَأخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: لَوْ عايَنْتُ ذَلِكَ اليَوْمَ لَمْ (p-٣٨٥)أُصَدِّقْكَ ولَمْ أُؤْمِن بِهِ، أوْ يَجْمَعُ اللَّهُ هَذِهِ العِظامَ بَعْدَ بَلاها ؟» فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ، كانَ يَقُولُ أيَزْعُمُ مُحَمَّدٌ ﷺ أنْ يَجْمَعَ اللَّهُ هَذِهِ العِظامَ بَعْدَ بَلاها وتَفَرُّقِها، فَيُعِيدُها خَلْقًا جَدِيدًا ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿نَجْمَعَ﴾ بِنُونٍ ﴿عِظامَهُ﴾ نَصْبًا. وقَتادَةُ: بِالتّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ﴿عِظامَهُ﴾ رَفْعًا، والمَعْنى: بَعْدَ تَفَرُّقِها واخْتِلاطِها بِالتُّرابِ وتَطْيِيرِ الرِّياحِ إيّاها في أقاصِي الأرْضِ. وقَوْلُهُ: (أيَحْسَبُ) اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ، حَيْثُ يُنْكِرُ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى عَلى إعادَةِ المَعْدُومِ. (بَلى): جَوابٌ لِلِاسْتِفْهامِ المُنْسَحِبِ عَلى النَّفْيِ، أيْ: بَلى نَجْمَعُها. وذَكَرَ العِظامَ، وإنْ كانَ المَعْنى إعادَةَ الإنْسانِ وجَمْعَ أجْزائِهِ المُتَفَرِّقَةِ؛ لِأنَّ العِظامَ هي قالَبُ الخَلْقِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (قادِرِينَ) بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي في الفِعْلِ المُقَدَّرِ وهو يَجْمَعُها. وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ السَّمَيْقَعِ: قادِرُونَ، أيْ: نَحْنُ قادِرُونَ. ﴿عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾: وهي الأصابِعُ، أكْثَرُ العِظامِ تَفَرُّقًا وأدَقُّها أجْزاءً، وهي العِظامُ الَّتِي في الأنامِلِ ومَفاصِلِها، وهَذا عِنْدَ البَعْثِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والجُمْهُورُ: المَعْنى نَجْعَلُها في حَياتِهِ هَذِهِ بُضْعَةً، أوْ عَظْمًا واحِدًا كَخُفِّ البَعِيرِ لا تَفارِيقَ فِيهِ، أيْ: في الدُّنْيا فَتَقِلُّ مَنفَعَتُهُ بِها، وهَذا القَوْلُ فِيهِ تَوَعُّدٌ، والمَعْنى الأوَّلُ هو الظّاهِرُ والمَقْصُودُ مِن رَصْفِ الكَلامِ. وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ بِألْفاظٍ مُنَمَّقَةٍ عَلى عادَتِهِ في حِكايَةِ أقْوالِ المُتَقَدِّمِينَ. وقِيلَ: (قادِرِينَ) مَنصُوبٌ عَلى خَبَرِ كانَ، أيْ: بَلى كُنّا قادِرِينَ في الِابْتِداءِ. ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ﴾: بَلْ إضْرابٌ، وهو انْتِقالٌ مِن كَلامٍ إلى كَلامٍ مِن غَيْرِ إبْطالٍ. والظّاهِرُ أنَّ (يُرِيدُ) إخْبارٌ عَنْ ما يُرِيدُهُ الإنْسانُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (بَلْ يُرِيدُ) عَطْفٌ عَلى (أيَحْسَبُ) فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَبْلَهُ اسْتِفْهامًا، وأنْ يَكُونَ إيجابًا عَلى أنْ يُضْرَبَ عَنْ مُسْتَفْهَمٍ عَنْهُ إلى آخَرَ، أوْ يُضْرَبَ عَنْ مُسْتَفْهَمٍ عَنْهُ إلى مُوجِبٍ. انْتَهى. وهَذِهِ التَّقادِيرُ الثَّلاثَةُ لا تَظْهَرُ، وهي مُتَكَلَّفَةٌ، بَلِ المَعْنى: الإخْبارُ عَنِ الإنْسانِ مِن غَيْرِ إبْطالٍ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، وهي نَجْمَعُها قادِرِينَ، لِنُبَيِّنَ ما هو عَلَيْهِ الإنْسانُ مِن عَدَمِ الفِكْرِ في الآخِرَةِ وأنَّهُ مَعْنِيٌّ بِشَهَواتِهِ. ومَفْعُولُ (يُرِيدُ) مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّعْلِيلُ في ﴿لِيَفْجُرَ﴾ . قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ: مَعْنى الآيَةِ: أنَّ الإنْسانَ إنَّما يُرِيدُ شَهَواتِهِ ومَعاصِيهِ؛ لِيَمْضِيَ فِيها أبَدًا قُدُمًا راكِبًا رَأْسَهُ مُطِيعًا أمَلَهُ ومُسَوِّفًا بِتَوْبَتِهِ. قالَ السُّدِّيُّ أيْضًا: لِيَظْلِمَ عَلى قَدْرِ طاقَتِهِ، وعَلى هَذا فالضَّمِيرُ في ﴿أمامَهُ﴾ عائِدٌ عَلى الإنْسانِ، وهو الظّاهِرُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ما يَقْتَضِي أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ أنَّ الإنْسانَ في زَمانِ وُجُودِهِ أمامَ يَوْمِ القِيامَةِ، وبَيْنَ يَدَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ خَلْفَهُ، فَهو يُرِيدُ شَهَواتِهِ؛ لِيَفْجُرَ في تَكْذِيبِهِ بِالبَعْثِ وغَيْرِ ذَلِكَ بَيْنَ يَدَيْ يَوْمِ القِيامَةِ، وهو لا يَعْرِفُ القَدْرَ الَّذِي هو فِيهِ. والأمامُ ظَرْفُ مَكانٍ اسْتُعِيرَ هُنا لِلزَّمانِ، أيْ: لِيَفْجُرَ فِيما بَيْنَ يَدَيْهِ ويَسْتَقْبِلُهُ مِن زَمانِ حَياتِهِ. ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ أيْ: مَتى يَوْمُ القِيامَةِ ؟ سُؤالُ اسْتِهْزاءٍ وتَكْذِيبٍ وتَعَنُّتٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿بَرِقَ﴾ بِكَسْرِ الرّاءِ. وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والزَّعْفَرانِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ ونافِعٌ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ وهارُونَ ومَحْبُوبٍ، كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو، والحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ: بِخِلافٍ عَنْهُما بِفَتْحِها. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: بَرَقَ بِالفَتْحِ: شَقَّ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: خَفَتَ عِنْدَ المَوْتِ. قالَ مُجاهِدٌ: هَذا عِنْدَ المَوْتِ. وقالَ الحَسَنُ: هو يَوْمُ القِيامَةِ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: بَلَقَ بِاللّامِ عِوَضَ الرّاءِ، أيِ: انْفَتَحَ وانْفَرَجَ، يُقالُ: بَلَقَ البابُ وأبْلَقْتُهُ وبَلَّقْتُهُ: فَتَحْتُهُ، هَذا قَوْلُ أهْلِ اللُّغَةِ إلّا الفَرّاءَ فَإنَّهُ يَقُولُ: بَلَقَهُ وأبْلَقَهُ إذا أغْلَقَهُ. وقالَ ثَعْلَبٌ: أخْطَأ الفَرّاءُ في ذَلِكَ، إنَّما هو بَلَقَ البابَ وأبْلَقَهُ إذا فَتَحَهُ. انْتَهى. ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ اللّامُ بَدَلًا مِنَ الرّاءِ، فَهُما يَتَعاقَبانِ في بَعْضِ الكَلامِ، نَحْوُ قَوْلِهِمْ: نَثَرَهُ ونَثَلَهُ، ووَجَرَ ووَجِلَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وخَسَفَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ويَزِيدُ بْنُ (p-٣٨٦)قُطَيْبٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. يُقالُ: خَسَفَ القَمَرُ وخَسَفَهُ اللَّهُ، وكَذَلِكَ الشَّمْسُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ: الخُسُوفُ والكُسُوفُ بِمَعْنًى واحِدٍ. وقالَ ابْنُ أبِي أُوَيْسٍ: الكُسُوفُ ذَهابُ بَعْضِ الضَّوْءِ، والخُسُوفُ جَمِيعُهُ. ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾: لَمْ تَلْحَقْ عَلامَةُ التَّأْنِيثِ؛ لِأنَّ تَأْنِيثَ الشَّمْسِ مَجازٌ، أوْ لِتَغْلِيبِ التَّذْكِيرِ عَلى التَّأْنِيثِ. وقالَ الكِسائِيُّ: حُمِلَ عَلى المَعْنى، والتَّقْدِيرُ: جُمِعَ النُّورانِ أوِ الضِّياءانِ، ومَعْنى الجَمْعِ بَيْنَهُما، قالَ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ: يُجْمَعانِ فَيُلْقَيانِ في النّارِ، وعَنْهُ يُجْمَعانِ يَوْمَ القِيامَةِ ثُمَّ يُقْذَفانِ في البَحْرِ، فَيَكُونانِ نارَ اللَّهِ الكُبْرى. وقِيلَ: يُجْمَعُ بَيْنَهُما في الطُّلُوعِ مِنَ المَغْرِبِ، فَيَطْلُعانِ أسْوَدَيْنِ مُكَوَّرَيْنِ. وقالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ: يُجْعَلانِ في نُورِ الحُجُبِ، وقِيلَ: يَجْتَمِعانِ ولا يَتَفَرَّقانِ، ويَقْرُبانِ مِنَ النّاسِ فَيَلْحَقُهُمُ العَرَقُ لِشِدَّةِ الحَرِّ، فَكَأنَّ المَعْنى: يُجْمَعُ حَرُّهُما. وقِيلَ: يُجْمَعُ بَيْنَهُما في ذَهابِ الضَّوْءِ، فَلا يَكُونُ ثَمَّ تَعاقُبُ لَيْلٍ ولا نَهارٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿المَفَرُّ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ والفاءِ، أيْ: أيْنَ الفِرارُ ؟ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ بْنِ أبِي طالِبٍ، والحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ، وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وأيُّوبُ السَّخْتِيانِيُّ وكُلْثُومُ بْنُ عِياضٍ، ومُجاهِدٌ وابْنُ يَعْمُرَ وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ وأبُو رَجاءٍ وعِيسى، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والزُّهْرِيُّ: بِكَسْرِ الفاءِ، وهو مَوْضِعُ الفِرارِ. وقَرَأ الحَسَنُ: بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ الفاءِ، ونَسَبَها ابْنُ عَطِيَّةَ لِلزُّهْرِيِّ، أيِ: الجَيِّدُ الفِرارِ، وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ هَذا الوَزْنُ في الآلاتِ وفي صِفاتِ الخَيْلِ، نَحْوُ قَوْلِهِ: ؎مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعًا والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ مِن تَمامِ قَوْلِ الإنْسانِ. وقِيلَ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، لا حِكايَةً عَنِ الإنْسانِ. (كَلًّا): رَدْعٌ عَنْ طَلَبِ المَفَرِّ ﴿لا وزَرَ﴾: لا مَلْجَأ، وعَبَّرَ المُفَسِّرُونَ عَنْهُ بِالجَبَلِ. قالَ مُطَرِّفُ بْنُ الشِّخِّيرِ: هو كانَ وِزْرُ فِرارِ العَرَبِ في بِلادِهِمْ، فَلِذَلِكَ اسْتُعْمِلَ، والحَقِيقَةُ أنَّهُ المَلْجَأُ مِن جَبَلٍ أوْ حِصْنٍ أوْ سِلاحٍ أوْ رَجُلٍ أوْ غَيْرِهِ. (إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ) أيْ: إلى حُكْمِهِ يَوْمئِذٍ تَقُولُ أيْنَ المَفَرُّ ﴿المُسْتَقَرُّ﴾ أيِ: الِاسْتِقْرارُ، أوْ مَوْضِعُ اسْتِقْرارٍ مِن جَنَّةٍ أوْ نارٍ إلى مَشِيئَتِهِ تَعالى، يُدْخِلُ مَن شاءَ الجَنَّةَ، ويُدْخِلُ مَن شاءَ النّارَ. ﴿بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ قالَ عَبْدُ اللَّهِ وابْنُ عَبّاسٍ: بِما قَدَّمَ في حَياتِهِ وأخَّرَ مِن سَنَةٍ يَعْمَلُ بِها بَعْدَهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: بِما قَدَّمَ مِنَ المَعاصِي وأخَّرَ مِنَ الطّاعاتِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: بِما قَدَّمَ مِن مالِهِ لِنَفْسِهِ، وبِما أخَّرَ مِنهُ لِلْوارِثِ. وقالَ النَّخَعِيُّ ومُجاهِدٌ: بِأوَّلِ عَمَلِهِ وآخِرِهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: بِما قَدَّمَ مِن فَرْضٍ وأخَّرَ مِن فَرْضٍ. والظّاهِرُ حَمْلُهُ عَلى العُمُومِ، أيْ: يُخْبِرُهُ بِكُلِّ ما قَدَّمَ وكُلِّ ما أخَّرَ، مِمّا ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ ومِمّا لَمْ يَذْكُرُوهُ. (بَصِيرَةً): خَبَرٌ عَنِ الإنْسانِ، أيْ: شاهِدٌ، قالَهُ قَتادَةُ، والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ. وقالَ الأخْفَشُ: هو كَقَوْلِكَ فُلانٌ عِبْرَةٌ وحُجَّةٌ. وقِيلَ: أُنِّثَ لِأنَّهُ أرادَ جَوارِحَهُ، أيْ: جَوارِحُهُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ. وقِيلَ: (بَصِيرَةٌ) مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ المَوْصُوفِ، أيْ: عَيْنٌ بَصِيرَةٌ، و(عَلى نَفْسِهِ) الخَبَرُ. والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ خَبَرٍ عَنِ الإنْسانِ، والتَّقْدِيرُ: عَيْنٌ بَصِيرَةٌ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الفَرّاءُ، وأنْشَدَ: ؎كَأنَّ عَلى ذِي العَقْلِ عَيْنًا بَصِيرَةً ∗∗∗ بِمَقْعَدِهِ، أوْ مَنظَرٍ هو ناظِرُهُ ؎يُحاذِرُ حَتّى يَحْسَبَ النّاسَ كُلَّهم ∗∗∗ مِنَ الخَوْفِ لا تَخْفى عَلَيْهِمْ سَرائِرُهُ وعَلى هَذا نَخْتارُ أنْ تَكُونَ (بَصِيرَةٌ) فاعِلًا بِالجارِّ والمَجْرُورِ، وهو الخَبَرُ عَنِ الإنْسانِ. ألا تَرى أنَّهُ قَدِ اعْتَمَدَ بِوُقُوعِهِ خَبَرًا عَنِ الإنْسانِ ؟ وعَلى هَذا فالتّاءُ لِلتَّأْنِيثِ. وتَأوَّلَ ابْنُ عَبّاسٍ (البَصِيرَةَ) بِالجَوارِحِ، أوِ المَلائِكَةِ الحَفَظَةِ. والمَعاذِيرُ عِنْدَ الجُمْهُورِ الأعْذارُ، فالمَعْنى: لَوْ جاءَ بِكُلِّ مَعْذِرَةٍ يَعْتَذِرُ بِها عَنْ نَفْسِهِ، فَإنَّهُ هو الشّاهِدُ عَلَيْها والحُجَّةُ البَيِّنَةُ عَلَيْها. وقِيلَ: المَعاذِيرُ جَمْعُ مَعْذِرَةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قِياسُ مَعْذِرَةٍ مَعاذِرُ، فالمَعاذِيرُ لَيْسَ بِجَمْعِ مَعْذِرَةٍ، إنَّما هو اسْمُ جَمْعٍ لَها، ونَحْوُ المَناكِيرِ في المُنْكَرِ. انْتَهى. ولَيْسَ هَذا البِناءُ مِن (p-٣٨٧)أبْنِيَةِ أسْماءِ الجُمُوعِ، وإنَّما هو مِن أبْنِيَةِ جَمْعِ التَّكْسِيرِ، فَهو كَمَذاكِيرَ ومَلامِيحَ والمُفْرَدُ مِنهُما لَمْحَةٌ وذِكْرٌ. ولَمْ يَذْهَبْ أحَدٌ إلى أنَّهُما مِن أسْماءِ الجُمُوعِ، بَلْ قِيلَ: هُما جَمْعٌ لِلَمْحَةٍ وذِكْرٍ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، أوْ هُما جَمْعٌ لِمُفْرَدٍ لَمْ يَنْطِقْ بِهِ، وهو مِذْكارٌ ومَلْمَحَةٌ. وقالَ السُّدِّيُّ والضَّحّاكُ: المَعاذِيرُ: السُّتُورُ بِلُغَةِ اليَمَنِ، واحِدُها مِعْذارٌ، وهو يَمْنَعُ رُؤْيَةَ المُحْتَجِبِ، كَما تَمْنَعُ المَعْذِرَةُ عُقُوبَةَ الذَّنْبِ. وقالَهُ الزَّجّاجُ أيْضًا، أيْ: وإنْ رَمى مَسْتُورَةً يُرِيدُ أنْ يُخْفِيَ عَمَلَهُ، فَنَفْسُهُ شاهِدَةٌ عَلَيْهِ. وأنْشَدُوا في أنَّ المَعاذِيرَ السُّتُورُ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎ولَكِنَّها ضَنَّتْ بِمَنزِلِ ساعَةٍ ∗∗∗ عَلَيْنا، وأطَّتْ فَوْقَها بِالمَعاذِرِ وقِيلَ: البَصِيرَةُ: الكاتِبانِ يَكْتُبانِ ما يَكُونُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، أيْ: وإنْ تَسَتَّرَ بِالسُّتُورِ، وإذا كانَتْ مِنَ العُذْرِ، فَمَعْنى ﴿ولَوْ ألْقى﴾ أيْ: نَطَقَ بِمَعاذِيرِهِ وقالَها. وقِيلَ: ولَوْ رَمى بِأعْذارِهِ واسْتَسْلَمَ. وقالَ السُّدِّيُّ: ولَوْ أدْلى بِحُجَّةٍ وعُذْرٍ. وقِيلَ: ولَوْ أحالَ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْلا أنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبإ: ٣١] . والعُذْرَةُ والعُذْرى: المَعْذِرَةُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ها إنَّ ذِي عُذْرَةٍ أنْ لا تَكُنْ نَفَعَتْ وقالَ فِيها: ولا عُذْرَ لِمَجْحُودٍ.

القيامة 75:8

(سُورَةُ القِيامَةِ مَكِّيَّةٌ وهي أرْبَعُونَ آيَةً) (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ ﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ ﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] ﴿كَلّا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ [القيامة: ٢٠] ﴿وتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ [القيامة: ٢١] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤] ﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٥] ﴿كَلّا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ [القيامة: ٢٦] ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ [القيامة: ٢٧] ﴿وظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ [القيامة: ٢٨] ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ [القيامة: ٢٩] ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ [القيامة: ٣٠] ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١] ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣٢] ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ [القيامة: ٣٣] ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٤] ﴿ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٥] ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ [القيامة: ٣٧] ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ [القيامة: ٣٨] ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠] . (p-٣٨٢)بَرِقَ بِكَسْرِ الرّاءِ: فَزِعَ ودَهِشَ، وأصْلُهُ مِن بَرِقَ الرَّجُلُ، إذا نَظَرَ إلى البَرْقِ فَدُهِشَ بَصَرُهُ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎ولَوْ أنَّ لُقْمانَ الحَكِيمَ تَعَرَّضَتْ لِعَيْنَيْهِ مَيٌّ سافِرًا كادَ يَبْرُقُ (قالَ الأعْشى): ؎وكُنْتُ أرى في وجْهِ مِيَّةَ لُمْحَةً ∗∗∗ فَأُبْرِقُ مَغْشِيًّا عَلِيَّ مَكانِيا وبَرَقَ بِفَتْحِ الرّاءِ: شُقَّ بَصَرُهُ، وهو مِنَ البَرِيقِ، أيْ: لَمَعَ بَصَرُهُ مِن شِدَّةِ شُخُوصِهِ. الوِزْرُ: ما يَلْجَأُ إلَيْهِ مِن حِصْنٍ أوْ جَبَلٍ أوْ غَيْرِهِما، قالَ الشّاعِرُ: ؎لَعَمْرُكَ ما لِلْفَتى مِن وِزْرٍ ∗∗∗ مِنَ المَوْتِ يُدْرِكُهُ والكِبَرُ النَّضِرَةُ: النِّعْمَةُ وجَمالُ البَشَرَةِ وطَراوَتِها، قالَ الشّاعِرُ: ؎أبى لِي قَبْرٌ لا يَزالُ مُقابَلِي ∗∗∗ وضَرْبَةُ فَأْسٍ فَوْقَ رَأْسِي فاقِرَهْ أيْ: مُؤَثِّرَةٌ. التَّراقِي جَمْعُ تَرْقُوَةٍ: وهي عِظامُ الصَّدْرِ، ولِكُلِّ إنْسانٍ تَرْقُوَتانِ، وهو مَوْضِعُ الحَشْرَجَةِ، قالَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ: ؎ورُبَّ عَظِيمَةٍ دافَعْتُ عَنْهم ∗∗∗ وقَدْ بَلَغَتْ نُفُوسُهُمُ التَّراقِي رَقى يَرْقِي مِنَ الرُّقْيَةِ، وهي ما يُسْتَشْفى بِهِ لِلْمَرِيضِ مِنَ الكَلامِ المُعَدِّ لِذَلِكَ. تَمَطّى: تَبَخْتَرَ في مِشْيَتِهِ، وأصْلُهُ مِنَ المَطا وهو الظَّهْرُ، أيْ: يَلْوِي مَطاهُ تَبَخْتُرًا. وقِيلَ: أصْلُهُ تَمطَّطَ أيْ: تَمَدَّدَ في مِشْيَتِهِ، ومَدَّ مَنكِبَيْهِ، قُلِبَتِ الطّاءُ فِيهِ حَرْفَ عِلَّةٍ كَراهَةَ اجْتِماعِ الأمْثالِ، كَما قالُوا: تَظَنّى مِنَ الظَّنِّ، وأصْلُهُ تَظَنَّنَ. والمَطِيطا: التَّبَخْتُرُ ومَدُّ اليَدَيْنِ في المَشْيِ، والمَطِيطُ: الماءُ الحاثِرُ في أسْفَلِ الحَوْضِ؛ لِأنَّهُ يَتَمَطَّطُ فِيهِ، أيْ: يَمْتَدُّ. وعَلى هَذا الِاشْتِقاقِ لا يَكُونُ أصْلُهُ مِنَ المَطِّ لِاخْتِلافِ المادَّتَيْنِ، إذْ مادَّةُ المَطا (م ط و) ومادَّةُ تَمَطَّطَ (م ط ط) . سُدًى: مُهْمَلٌ، يُقالُ إبِلٌ سُدًى أيْ: مُهْمَلَةٌ تَرْعى حَيْثُ شاءَتْ بِلا راعٍ، وأسْدَيْتُ الشَّيْءَ أيْ: أهْمَلْتُهُ، وأسْدَيْتُ حاجَتِي: ضَيَّعْتُها. قالَ الشّاعِرُ: ؎فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ جَهْدَ اليَمِينِ ∗∗∗ ما خَلَقَ اللَّهُ شَيْئًا سُدى وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ دُرَيْدٍ في المَقْصُورَةِ: ؎لَمْ أرَ كالمُزْنِ سَوامًا بُهْلًا ∗∗∗ تَحْسَبُها مَرْعِيَّةً وهي سُدى (p-٣٨٣)﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَة﴾ ﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ ﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] ﴿كَلّا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ [القيامة: ٢٠] ﴿وتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ [القيامة: ٢١] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤] ﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٥] ﴿كَلّا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ [القيامة: ٢٦] ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ [القيامة: ٢٧] ﴿وظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ [القيامة: ٢٨] ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ [القيامة: ٢٩] ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ [القيامة: ٣٠] ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١] ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣٢] ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ [القيامة: ٣٣] ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٤] ﴿ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٥] ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ [القيامة: ٣٧] ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ [القيامة: ٣٨] ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠] . (p-٣٨٤)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها: أنَّ في آخِرِ ما قَبْلَها قَوْلَهُ: ﴿كَلّا بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ [المدثر: ٥٣] ﴿كَلّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٤] وفِيها كَثِيرٌ مِن أحْوالِ القِيامَةِ، فَذَكَرَ هُنا يَوْمَ القِيامَةِ وجُمَلًا مِن أحْوالِها. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿لا أُقْسِمُ﴾ . والخِلافُ في ”لا“، والخِلافُ في قِراءاتِها في أواخِرِ الواقِعَةِ. أقْسَمَ تَعالى بِيَوْمِ القِيامَةِ لِعِظَمِهِ وهَوْلِهِ. و﴿لا أُقْسِمُ﴾ قِيلَ: ”لا“ نافِيَةٌ، نَفى أنْ يُقْسِمَ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ، وأقْسَمَ بِيَوْمِ القِيامَةِ، نَصَّ عَلى هَذا الحَسَنُ. والجُمْهُورُ: عَلى أنَّ اللَّهَ أقْسَمَ بِالأمْرَيْنِ. واللَّوّامَةُ، قالَ الحَسَنُ: هي الَّتِي تَلُومُ صاحِبَها في تَرْكِ الطّاعَةِ ونَحْوِها، فَهي عَلى هَذا مَمْدُوحَةٌ، ولِذَلِكَ أقْسَمَ اللَّهُ بِها. ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَنْ مُجاهِدٍ، تَلُومُ عَلى ما فاتَ وتَنْدَمَ عَلى الشَّرِّ لِمَ فَعَلَتْهُ ؟، وعَلى الخَيْرِ لِمَ لَمْ تَسْتَكْثِرْ مِنهُ ؟ . وقِيلَ: النَّفْسُ المُتَّقِيَةُ الَّتِي تَلُومُ النُّفُوسَ في يَوْمِ القِيامَةِ عَلى تَقْصِيرِهِنَّ في التَّقْوى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: هي الفاجِرَةُ الخَشِعَةُ اللَّوّامَةُ لِصاحِبِها عَلى ما فاتَهُ مِن سَعْيِ الدُّنْيا وأعْراضِها، فَهي عَلى هَذا ذَمِيمَةٌ، ويَحْسُنُ نَفْيُ القَسَمِ بِها. والنَّفْسُ اللَّوّامَةُ: اسْمُ جِنْسٍ بِهَذا الوَصْفِ. وقِيلَ: هي نَفْسٌ مُعَيَّنَةٌ، وهي نَفْسُ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ تَزَلْ لائِمَةً لَهُ عَلى فِعْلِهِ الَّذِي أخْرَجَهُ مِنَ الجَنَّةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وكُلُّ نَفْسٍ مُتَوَسِّطَةٍ لَيْسَتْ بِمُطَمْئِنَةٍ ولا أمّارَةٍ بِالسُّوءِ، فَإنَّها لَوّامَةٌ في الطَّرَفَيْنِ، مَرَّةً تَلُومُ عَلى تَرْكِ الطّاعَةِ، ومَرَّةً تَلُومُ عَلى فَوْتِ ما تَشْتَهِي، فَإذا اطْمَأنَّتْ خَلَصَتْ وصَفَتْ. انْتَهى. والمُناسَبَةُ بَيْنَ القَسَمَيْنِ مِن حَيْثُ أحْوالِ النَّفْسِ مِن سَعادَتِها وشَقاوَتِها وظُهُورِ ذَلِكَ في يَوْمِ القِيامَةِ، وجَوابُ القَسَمِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ يَوْمُ القِيامَةِ المُقْسَمِ بِهِ وما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: (أيَحْسَبُ) الآيَةِ، وتَقْدِيرُهُ لِتُبْعَثُنَّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء: ٦٥] والأبْياتُ الَّتِي أنْشَدْتَها المُقْسَمُ عَلَيْهِ فِيها مَنفِيٌّ، وكانَ قَدْ أنْشَدَ قَوْلَ امْرِئِ القَيْسِ: ؎لا وأبِيكِ ابْنَةَ العامِرِيِّ ∗∗∗ لا يَدَّعِي القَوْمُ إنِّي أفِرُّ (وقَوْلُ غُوَيَّةَ بْنِ سُلْمى): ؎ألا نادَتْ أُمامَةُ بِاحْتِمالِي ∗∗∗ لِتُحْزِنَنِي فَلا يَكُ ما أُبالِي قالَ: فَهَلّا زَعَمْتَ أنَّ لا الَّتِي لِلْقَسَمِ زِيدَتْ مُوطِئَةً لِلنَّفْيِ بَعْدَهُ ومُؤَكِّدَةً لَهُ، وقَدَّرْتَ المُقْسَمَ عَلَيْهِ المَحْذُوفَ هاهُنا مَنفِيًّا، نَحْوُ قَوْلِكَ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ لا تُتْرَكُونَ سُدًى ؟ (قُلْتُ): لَوْ قَصَرُوا الأمْرَ عَلى النَّفْيِ دُونَ الإثْباتِ لَكانَ لِهَذا القَوْلِ مَساغٌ، ولَكِنَّهُ لَمْ يُقْسِمْ. ألا تَرى كَيْفَ لَقّى ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ [البلد: ١] بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾ [البلد: ٤] وكَذَلِكَ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] ؟ ثُمَّ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وجَوابُ القَسَمِ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ) وهو لَتُبْعَثُنَّ. انْتَهى، وهو تَقْدِيرُ النَّحّاسِ. وقَوْلُ مَن قالَ: جَوابُ القَسَمِ هو: (أيَحْسَبُ الإنْسانُ) . وما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ الجَوابَ: ﴿بَلى قادِرِينَ﴾ وما قِيلَ أنَّ ”لا“ في القَسَمَيْنِ لِنَفْيِهِما، أيْ: لا أُقْسِمُ عَلى شَيْءٍ، وأنَّ التَّقْدِيرَ: أسْألُكَ أيَحْسَبُ الإنْسانُ ؟ أقْوالٌ لا تَصْلُحُ أنْ يَرِدَ بِها، بَلْ تُطْرَحُ ولا يُسَوَّدُ بِها الوَرَقُ، ولَوْلا أنَّهم سَرَدُوها في الكُتُبِ لَمْ أُنَبِّهْ عَلَيْها. والإنْسانُ هُنا الكافِرُ المُكَذِّبُ بِالبَعْثِ. رُوِيَ «أنَّ عَدِيَّ بْنَ رَبِيعَةَ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يا مُحَمَّدُ ! حَدِّثْنِي عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ مَتى يَكُونُ أمْرُهُ ؟ فَأخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: لَوْ عايَنْتُ ذَلِكَ اليَوْمَ لَمْ (p-٣٨٥)أُصَدِّقْكَ ولَمْ أُؤْمِن بِهِ، أوْ يَجْمَعُ اللَّهُ هَذِهِ العِظامَ بَعْدَ بَلاها ؟» فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ، كانَ يَقُولُ أيَزْعُمُ مُحَمَّدٌ ﷺ أنْ يَجْمَعَ اللَّهُ هَذِهِ العِظامَ بَعْدَ بَلاها وتَفَرُّقِها، فَيُعِيدُها خَلْقًا جَدِيدًا ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿نَجْمَعَ﴾ بِنُونٍ ﴿عِظامَهُ﴾ نَصْبًا. وقَتادَةُ: بِالتّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ﴿عِظامَهُ﴾ رَفْعًا، والمَعْنى: بَعْدَ تَفَرُّقِها واخْتِلاطِها بِالتُّرابِ وتَطْيِيرِ الرِّياحِ إيّاها في أقاصِي الأرْضِ. وقَوْلُهُ: (أيَحْسَبُ) اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ، حَيْثُ يُنْكِرُ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى عَلى إعادَةِ المَعْدُومِ. (بَلى): جَوابٌ لِلِاسْتِفْهامِ المُنْسَحِبِ عَلى النَّفْيِ، أيْ: بَلى نَجْمَعُها. وذَكَرَ العِظامَ، وإنْ كانَ المَعْنى إعادَةَ الإنْسانِ وجَمْعَ أجْزائِهِ المُتَفَرِّقَةِ؛ لِأنَّ العِظامَ هي قالَبُ الخَلْقِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (قادِرِينَ) بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي في الفِعْلِ المُقَدَّرِ وهو يَجْمَعُها. وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ السَّمَيْقَعِ: قادِرُونَ، أيْ: نَحْنُ قادِرُونَ. ﴿عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾: وهي الأصابِعُ، أكْثَرُ العِظامِ تَفَرُّقًا وأدَقُّها أجْزاءً، وهي العِظامُ الَّتِي في الأنامِلِ ومَفاصِلِها، وهَذا عِنْدَ البَعْثِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والجُمْهُورُ: المَعْنى نَجْعَلُها في حَياتِهِ هَذِهِ بُضْعَةً، أوْ عَظْمًا واحِدًا كَخُفِّ البَعِيرِ لا تَفارِيقَ فِيهِ، أيْ: في الدُّنْيا فَتَقِلُّ مَنفَعَتُهُ بِها، وهَذا القَوْلُ فِيهِ تَوَعُّدٌ، والمَعْنى الأوَّلُ هو الظّاهِرُ والمَقْصُودُ مِن رَصْفِ الكَلامِ. وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ بِألْفاظٍ مُنَمَّقَةٍ عَلى عادَتِهِ في حِكايَةِ أقْوالِ المُتَقَدِّمِينَ. وقِيلَ: (قادِرِينَ) مَنصُوبٌ عَلى خَبَرِ كانَ، أيْ: بَلى كُنّا قادِرِينَ في الِابْتِداءِ. ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ﴾: بَلْ إضْرابٌ، وهو انْتِقالٌ مِن كَلامٍ إلى كَلامٍ مِن غَيْرِ إبْطالٍ. والظّاهِرُ أنَّ (يُرِيدُ) إخْبارٌ عَنْ ما يُرِيدُهُ الإنْسانُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (بَلْ يُرِيدُ) عَطْفٌ عَلى (أيَحْسَبُ) فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَبْلَهُ اسْتِفْهامًا، وأنْ يَكُونَ إيجابًا عَلى أنْ يُضْرَبَ عَنْ مُسْتَفْهَمٍ عَنْهُ إلى آخَرَ، أوْ يُضْرَبَ عَنْ مُسْتَفْهَمٍ عَنْهُ إلى مُوجِبٍ. انْتَهى. وهَذِهِ التَّقادِيرُ الثَّلاثَةُ لا تَظْهَرُ، وهي مُتَكَلَّفَةٌ، بَلِ المَعْنى: الإخْبارُ عَنِ الإنْسانِ مِن غَيْرِ إبْطالٍ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، وهي نَجْمَعُها قادِرِينَ، لِنُبَيِّنَ ما هو عَلَيْهِ الإنْسانُ مِن عَدَمِ الفِكْرِ في الآخِرَةِ وأنَّهُ مَعْنِيٌّ بِشَهَواتِهِ. ومَفْعُولُ (يُرِيدُ) مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّعْلِيلُ في ﴿لِيَفْجُرَ﴾ . قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ: مَعْنى الآيَةِ: أنَّ الإنْسانَ إنَّما يُرِيدُ شَهَواتِهِ ومَعاصِيهِ؛ لِيَمْضِيَ فِيها أبَدًا قُدُمًا راكِبًا رَأْسَهُ مُطِيعًا أمَلَهُ ومُسَوِّفًا بِتَوْبَتِهِ. قالَ السُّدِّيُّ أيْضًا: لِيَظْلِمَ عَلى قَدْرِ طاقَتِهِ، وعَلى هَذا فالضَّمِيرُ في ﴿أمامَهُ﴾ عائِدٌ عَلى الإنْسانِ، وهو الظّاهِرُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ما يَقْتَضِي أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ أنَّ الإنْسانَ في زَمانِ وُجُودِهِ أمامَ يَوْمِ القِيامَةِ، وبَيْنَ يَدَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ خَلْفَهُ، فَهو يُرِيدُ شَهَواتِهِ؛ لِيَفْجُرَ في تَكْذِيبِهِ بِالبَعْثِ وغَيْرِ ذَلِكَ بَيْنَ يَدَيْ يَوْمِ القِيامَةِ، وهو لا يَعْرِفُ القَدْرَ الَّذِي هو فِيهِ. والأمامُ ظَرْفُ مَكانٍ اسْتُعِيرَ هُنا لِلزَّمانِ، أيْ: لِيَفْجُرَ فِيما بَيْنَ يَدَيْهِ ويَسْتَقْبِلُهُ مِن زَمانِ حَياتِهِ. ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ أيْ: مَتى يَوْمُ القِيامَةِ ؟ سُؤالُ اسْتِهْزاءٍ وتَكْذِيبٍ وتَعَنُّتٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿بَرِقَ﴾ بِكَسْرِ الرّاءِ. وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والزَّعْفَرانِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ ونافِعٌ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ وهارُونَ ومَحْبُوبٍ، كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو، والحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ: بِخِلافٍ عَنْهُما بِفَتْحِها. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: بَرَقَ بِالفَتْحِ: شَقَّ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: خَفَتَ عِنْدَ المَوْتِ. قالَ مُجاهِدٌ: هَذا عِنْدَ المَوْتِ. وقالَ الحَسَنُ: هو يَوْمُ القِيامَةِ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: بَلَقَ بِاللّامِ عِوَضَ الرّاءِ، أيِ: انْفَتَحَ وانْفَرَجَ، يُقالُ: بَلَقَ البابُ وأبْلَقْتُهُ وبَلَّقْتُهُ: فَتَحْتُهُ، هَذا قَوْلُ أهْلِ اللُّغَةِ إلّا الفَرّاءَ فَإنَّهُ يَقُولُ: بَلَقَهُ وأبْلَقَهُ إذا أغْلَقَهُ. وقالَ ثَعْلَبٌ: أخْطَأ الفَرّاءُ في ذَلِكَ، إنَّما هو بَلَقَ البابَ وأبْلَقَهُ إذا فَتَحَهُ. انْتَهى. ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ اللّامُ بَدَلًا مِنَ الرّاءِ، فَهُما يَتَعاقَبانِ في بَعْضِ الكَلامِ، نَحْوُ قَوْلِهِمْ: نَثَرَهُ ونَثَلَهُ، ووَجَرَ ووَجِلَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وخَسَفَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ويَزِيدُ بْنُ (p-٣٨٦)قُطَيْبٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. يُقالُ: خَسَفَ القَمَرُ وخَسَفَهُ اللَّهُ، وكَذَلِكَ الشَّمْسُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ: الخُسُوفُ والكُسُوفُ بِمَعْنًى واحِدٍ. وقالَ ابْنُ أبِي أُوَيْسٍ: الكُسُوفُ ذَهابُ بَعْضِ الضَّوْءِ، والخُسُوفُ جَمِيعُهُ. ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾: لَمْ تَلْحَقْ عَلامَةُ التَّأْنِيثِ؛ لِأنَّ تَأْنِيثَ الشَّمْسِ مَجازٌ، أوْ لِتَغْلِيبِ التَّذْكِيرِ عَلى التَّأْنِيثِ. وقالَ الكِسائِيُّ: حُمِلَ عَلى المَعْنى، والتَّقْدِيرُ: جُمِعَ النُّورانِ أوِ الضِّياءانِ، ومَعْنى الجَمْعِ بَيْنَهُما، قالَ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ: يُجْمَعانِ فَيُلْقَيانِ في النّارِ، وعَنْهُ يُجْمَعانِ يَوْمَ القِيامَةِ ثُمَّ يُقْذَفانِ في البَحْرِ، فَيَكُونانِ نارَ اللَّهِ الكُبْرى. وقِيلَ: يُجْمَعُ بَيْنَهُما في الطُّلُوعِ مِنَ المَغْرِبِ، فَيَطْلُعانِ أسْوَدَيْنِ مُكَوَّرَيْنِ. وقالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ: يُجْعَلانِ في نُورِ الحُجُبِ، وقِيلَ: يَجْتَمِعانِ ولا يَتَفَرَّقانِ، ويَقْرُبانِ مِنَ النّاسِ فَيَلْحَقُهُمُ العَرَقُ لِشِدَّةِ الحَرِّ، فَكَأنَّ المَعْنى: يُجْمَعُ حَرُّهُما. وقِيلَ: يُجْمَعُ بَيْنَهُما في ذَهابِ الضَّوْءِ، فَلا يَكُونُ ثَمَّ تَعاقُبُ لَيْلٍ ولا نَهارٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿المَفَرُّ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ والفاءِ، أيْ: أيْنَ الفِرارُ ؟ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ بْنِ أبِي طالِبٍ، والحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ، وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وأيُّوبُ السَّخْتِيانِيُّ وكُلْثُومُ بْنُ عِياضٍ، ومُجاهِدٌ وابْنُ يَعْمُرَ وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ وأبُو رَجاءٍ وعِيسى، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والزُّهْرِيُّ: بِكَسْرِ الفاءِ، وهو مَوْضِعُ الفِرارِ. وقَرَأ الحَسَنُ: بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ الفاءِ، ونَسَبَها ابْنُ عَطِيَّةَ لِلزُّهْرِيِّ، أيِ: الجَيِّدُ الفِرارِ، وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ هَذا الوَزْنُ في الآلاتِ وفي صِفاتِ الخَيْلِ، نَحْوُ قَوْلِهِ: ؎مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعًا والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ مِن تَمامِ قَوْلِ الإنْسانِ. وقِيلَ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، لا حِكايَةً عَنِ الإنْسانِ. (كَلًّا): رَدْعٌ عَنْ طَلَبِ المَفَرِّ ﴿لا وزَرَ﴾: لا مَلْجَأ، وعَبَّرَ المُفَسِّرُونَ عَنْهُ بِالجَبَلِ. قالَ مُطَرِّفُ بْنُ الشِّخِّيرِ: هو كانَ وِزْرُ فِرارِ العَرَبِ في بِلادِهِمْ، فَلِذَلِكَ اسْتُعْمِلَ، والحَقِيقَةُ أنَّهُ المَلْجَأُ مِن جَبَلٍ أوْ حِصْنٍ أوْ سِلاحٍ أوْ رَجُلٍ أوْ غَيْرِهِ. (إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ) أيْ: إلى حُكْمِهِ يَوْمئِذٍ تَقُولُ أيْنَ المَفَرُّ ﴿المُسْتَقَرُّ﴾ أيِ: الِاسْتِقْرارُ، أوْ مَوْضِعُ اسْتِقْرارٍ مِن جَنَّةٍ أوْ نارٍ إلى مَشِيئَتِهِ تَعالى، يُدْخِلُ مَن شاءَ الجَنَّةَ، ويُدْخِلُ مَن شاءَ النّارَ. ﴿بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ قالَ عَبْدُ اللَّهِ وابْنُ عَبّاسٍ: بِما قَدَّمَ في حَياتِهِ وأخَّرَ مِن سَنَةٍ يَعْمَلُ بِها بَعْدَهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: بِما قَدَّمَ مِنَ المَعاصِي وأخَّرَ مِنَ الطّاعاتِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: بِما قَدَّمَ مِن مالِهِ لِنَفْسِهِ، وبِما أخَّرَ مِنهُ لِلْوارِثِ. وقالَ النَّخَعِيُّ ومُجاهِدٌ: بِأوَّلِ عَمَلِهِ وآخِرِهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: بِما قَدَّمَ مِن فَرْضٍ وأخَّرَ مِن فَرْضٍ. والظّاهِرُ حَمْلُهُ عَلى العُمُومِ، أيْ: يُخْبِرُهُ بِكُلِّ ما قَدَّمَ وكُلِّ ما أخَّرَ، مِمّا ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ ومِمّا لَمْ يَذْكُرُوهُ. (بَصِيرَةً): خَبَرٌ عَنِ الإنْسانِ، أيْ: شاهِدٌ، قالَهُ قَتادَةُ، والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ. وقالَ الأخْفَشُ: هو كَقَوْلِكَ فُلانٌ عِبْرَةٌ وحُجَّةٌ. وقِيلَ: أُنِّثَ لِأنَّهُ أرادَ جَوارِحَهُ، أيْ: جَوارِحُهُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ. وقِيلَ: (بَصِيرَةٌ) مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ المَوْصُوفِ، أيْ: عَيْنٌ بَصِيرَةٌ، و(عَلى نَفْسِهِ) الخَبَرُ. والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ خَبَرٍ عَنِ الإنْسانِ، والتَّقْدِيرُ: عَيْنٌ بَصِيرَةٌ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الفَرّاءُ، وأنْشَدَ: ؎كَأنَّ عَلى ذِي العَقْلِ عَيْنًا بَصِيرَةً ∗∗∗ بِمَقْعَدِهِ، أوْ مَنظَرٍ هو ناظِرُهُ ؎يُحاذِرُ حَتّى يَحْسَبَ النّاسَ كُلَّهم ∗∗∗ مِنَ الخَوْفِ لا تَخْفى عَلَيْهِمْ سَرائِرُهُ وعَلى هَذا نَخْتارُ أنْ تَكُونَ (بَصِيرَةٌ) فاعِلًا بِالجارِّ والمَجْرُورِ، وهو الخَبَرُ عَنِ الإنْسانِ. ألا تَرى أنَّهُ قَدِ اعْتَمَدَ بِوُقُوعِهِ خَبَرًا عَنِ الإنْسانِ ؟ وعَلى هَذا فالتّاءُ لِلتَّأْنِيثِ. وتَأوَّلَ ابْنُ عَبّاسٍ (البَصِيرَةَ) بِالجَوارِحِ، أوِ المَلائِكَةِ الحَفَظَةِ. والمَعاذِيرُ عِنْدَ الجُمْهُورِ الأعْذارُ، فالمَعْنى: لَوْ جاءَ بِكُلِّ مَعْذِرَةٍ يَعْتَذِرُ بِها عَنْ نَفْسِهِ، فَإنَّهُ هو الشّاهِدُ عَلَيْها والحُجَّةُ البَيِّنَةُ عَلَيْها. وقِيلَ: المَعاذِيرُ جَمْعُ مَعْذِرَةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قِياسُ مَعْذِرَةٍ مَعاذِرُ، فالمَعاذِيرُ لَيْسَ بِجَمْعِ مَعْذِرَةٍ، إنَّما هو اسْمُ جَمْعٍ لَها، ونَحْوُ المَناكِيرِ في المُنْكَرِ. انْتَهى. ولَيْسَ هَذا البِناءُ مِن (p-٣٨٧)أبْنِيَةِ أسْماءِ الجُمُوعِ، وإنَّما هو مِن أبْنِيَةِ جَمْعِ التَّكْسِيرِ، فَهو كَمَذاكِيرَ ومَلامِيحَ والمُفْرَدُ مِنهُما لَمْحَةٌ وذِكْرٌ. ولَمْ يَذْهَبْ أحَدٌ إلى أنَّهُما مِن أسْماءِ الجُمُوعِ، بَلْ قِيلَ: هُما جَمْعٌ لِلَمْحَةٍ وذِكْرٍ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، أوْ هُما جَمْعٌ لِمُفْرَدٍ لَمْ يَنْطِقْ بِهِ، وهو مِذْكارٌ ومَلْمَحَةٌ. وقالَ السُّدِّيُّ والضَّحّاكُ: المَعاذِيرُ: السُّتُورُ بِلُغَةِ اليَمَنِ، واحِدُها مِعْذارٌ، وهو يَمْنَعُ رُؤْيَةَ المُحْتَجِبِ، كَما تَمْنَعُ المَعْذِرَةُ عُقُوبَةَ الذَّنْبِ. وقالَهُ الزَّجّاجُ أيْضًا، أيْ: وإنْ رَمى مَسْتُورَةً يُرِيدُ أنْ يُخْفِيَ عَمَلَهُ، فَنَفْسُهُ شاهِدَةٌ عَلَيْهِ. وأنْشَدُوا في أنَّ المَعاذِيرَ السُّتُورُ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎ولَكِنَّها ضَنَّتْ بِمَنزِلِ ساعَةٍ ∗∗∗ عَلَيْنا، وأطَّتْ فَوْقَها بِالمَعاذِرِ وقِيلَ: البَصِيرَةُ: الكاتِبانِ يَكْتُبانِ ما يَكُونُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، أيْ: وإنْ تَسَتَّرَ بِالسُّتُورِ، وإذا كانَتْ مِنَ العُذْرِ، فَمَعْنى ﴿ولَوْ ألْقى﴾ أيْ: نَطَقَ بِمَعاذِيرِهِ وقالَها. وقِيلَ: ولَوْ رَمى بِأعْذارِهِ واسْتَسْلَمَ. وقالَ السُّدِّيُّ: ولَوْ أدْلى بِحُجَّةٍ وعُذْرٍ. وقِيلَ: ولَوْ أحالَ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْلا أنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبإ: ٣١] . والعُذْرَةُ والعُذْرى: المَعْذِرَةُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ها إنَّ ذِي عُذْرَةٍ أنْ لا تَكُنْ نَفَعَتْ وقالَ فِيها: ولا عُذْرَ لِمَجْحُودٍ.

القيامة 75:9

(سُورَةُ القِيامَةِ مَكِّيَّةٌ وهي أرْبَعُونَ آيَةً) (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ ﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ ﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] ﴿كَلّا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ [القيامة: ٢٠] ﴿وتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ [القيامة: ٢١] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤] ﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٥] ﴿كَلّا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ [القيامة: ٢٦] ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ [القيامة: ٢٧] ﴿وظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ [القيامة: ٢٨] ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ [القيامة: ٢٩] ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ [القيامة: ٣٠] ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١] ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣٢] ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ [القيامة: ٣٣] ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٤] ﴿ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٥] ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ [القيامة: ٣٧] ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ [القيامة: ٣٨] ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠] . (p-٣٨٢)بَرِقَ بِكَسْرِ الرّاءِ: فَزِعَ ودَهِشَ، وأصْلُهُ مِن بَرِقَ الرَّجُلُ، إذا نَظَرَ إلى البَرْقِ فَدُهِشَ بَصَرُهُ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎ولَوْ أنَّ لُقْمانَ الحَكِيمَ تَعَرَّضَتْ لِعَيْنَيْهِ مَيٌّ سافِرًا كادَ يَبْرُقُ (قالَ الأعْشى): ؎وكُنْتُ أرى في وجْهِ مِيَّةَ لُمْحَةً ∗∗∗ فَأُبْرِقُ مَغْشِيًّا عَلِيَّ مَكانِيا وبَرَقَ بِفَتْحِ الرّاءِ: شُقَّ بَصَرُهُ، وهو مِنَ البَرِيقِ، أيْ: لَمَعَ بَصَرُهُ مِن شِدَّةِ شُخُوصِهِ. الوِزْرُ: ما يَلْجَأُ إلَيْهِ مِن حِصْنٍ أوْ جَبَلٍ أوْ غَيْرِهِما، قالَ الشّاعِرُ: ؎لَعَمْرُكَ ما لِلْفَتى مِن وِزْرٍ ∗∗∗ مِنَ المَوْتِ يُدْرِكُهُ والكِبَرُ النَّضِرَةُ: النِّعْمَةُ وجَمالُ البَشَرَةِ وطَراوَتِها، قالَ الشّاعِرُ: ؎أبى لِي قَبْرٌ لا يَزالُ مُقابَلِي ∗∗∗ وضَرْبَةُ فَأْسٍ فَوْقَ رَأْسِي فاقِرَهْ أيْ: مُؤَثِّرَةٌ. التَّراقِي جَمْعُ تَرْقُوَةٍ: وهي عِظامُ الصَّدْرِ، ولِكُلِّ إنْسانٍ تَرْقُوَتانِ، وهو مَوْضِعُ الحَشْرَجَةِ، قالَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ: ؎ورُبَّ عَظِيمَةٍ دافَعْتُ عَنْهم ∗∗∗ وقَدْ بَلَغَتْ نُفُوسُهُمُ التَّراقِي رَقى يَرْقِي مِنَ الرُّقْيَةِ، وهي ما يُسْتَشْفى بِهِ لِلْمَرِيضِ مِنَ الكَلامِ المُعَدِّ لِذَلِكَ. تَمَطّى: تَبَخْتَرَ في مِشْيَتِهِ، وأصْلُهُ مِنَ المَطا وهو الظَّهْرُ، أيْ: يَلْوِي مَطاهُ تَبَخْتُرًا. وقِيلَ: أصْلُهُ تَمطَّطَ أيْ: تَمَدَّدَ في مِشْيَتِهِ، ومَدَّ مَنكِبَيْهِ، قُلِبَتِ الطّاءُ فِيهِ حَرْفَ عِلَّةٍ كَراهَةَ اجْتِماعِ الأمْثالِ، كَما قالُوا: تَظَنّى مِنَ الظَّنِّ، وأصْلُهُ تَظَنَّنَ. والمَطِيطا: التَّبَخْتُرُ ومَدُّ اليَدَيْنِ في المَشْيِ، والمَطِيطُ: الماءُ الحاثِرُ في أسْفَلِ الحَوْضِ؛ لِأنَّهُ يَتَمَطَّطُ فِيهِ، أيْ: يَمْتَدُّ. وعَلى هَذا الِاشْتِقاقِ لا يَكُونُ أصْلُهُ مِنَ المَطِّ لِاخْتِلافِ المادَّتَيْنِ، إذْ مادَّةُ المَطا (م ط و) ومادَّةُ تَمَطَّطَ (م ط ط) . سُدًى: مُهْمَلٌ، يُقالُ إبِلٌ سُدًى أيْ: مُهْمَلَةٌ تَرْعى حَيْثُ شاءَتْ بِلا راعٍ، وأسْدَيْتُ الشَّيْءَ أيْ: أهْمَلْتُهُ، وأسْدَيْتُ حاجَتِي: ضَيَّعْتُها. قالَ الشّاعِرُ: ؎فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ جَهْدَ اليَمِينِ ∗∗∗ ما خَلَقَ اللَّهُ شَيْئًا سُدى وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ دُرَيْدٍ في المَقْصُورَةِ: ؎لَمْ أرَ كالمُزْنِ سَوامًا بُهْلًا ∗∗∗ تَحْسَبُها مَرْعِيَّةً وهي سُدى (p-٣٨٣)﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَة﴾ ﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ ﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] ﴿كَلّا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ [القيامة: ٢٠] ﴿وتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ [القيامة: ٢١] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤] ﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٥] ﴿كَلّا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ [القيامة: ٢٦] ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ [القيامة: ٢٧] ﴿وظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ [القيامة: ٢٨] ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ [القيامة: ٢٩] ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ [القيامة: ٣٠] ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١] ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣٢] ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ [القيامة: ٣٣] ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٤] ﴿ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٥] ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ [القيامة: ٣٧] ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ [القيامة: ٣٨] ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠] . (p-٣٨٤)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها: أنَّ في آخِرِ ما قَبْلَها قَوْلَهُ: ﴿كَلّا بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ [المدثر: ٥٣] ﴿كَلّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٤] وفِيها كَثِيرٌ مِن أحْوالِ القِيامَةِ، فَذَكَرَ هُنا يَوْمَ القِيامَةِ وجُمَلًا مِن أحْوالِها. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿لا أُقْسِمُ﴾ . والخِلافُ في ”لا“، والخِلافُ في قِراءاتِها في أواخِرِ الواقِعَةِ. أقْسَمَ تَعالى بِيَوْمِ القِيامَةِ لِعِظَمِهِ وهَوْلِهِ. و﴿لا أُقْسِمُ﴾ قِيلَ: ”لا“ نافِيَةٌ، نَفى أنْ يُقْسِمَ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ، وأقْسَمَ بِيَوْمِ القِيامَةِ، نَصَّ عَلى هَذا الحَسَنُ. والجُمْهُورُ: عَلى أنَّ اللَّهَ أقْسَمَ بِالأمْرَيْنِ. واللَّوّامَةُ، قالَ الحَسَنُ: هي الَّتِي تَلُومُ صاحِبَها في تَرْكِ الطّاعَةِ ونَحْوِها، فَهي عَلى هَذا مَمْدُوحَةٌ، ولِذَلِكَ أقْسَمَ اللَّهُ بِها. ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَنْ مُجاهِدٍ، تَلُومُ عَلى ما فاتَ وتَنْدَمَ عَلى الشَّرِّ لِمَ فَعَلَتْهُ ؟، وعَلى الخَيْرِ لِمَ لَمْ تَسْتَكْثِرْ مِنهُ ؟ . وقِيلَ: النَّفْسُ المُتَّقِيَةُ الَّتِي تَلُومُ النُّفُوسَ في يَوْمِ القِيامَةِ عَلى تَقْصِيرِهِنَّ في التَّقْوى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: هي الفاجِرَةُ الخَشِعَةُ اللَّوّامَةُ لِصاحِبِها عَلى ما فاتَهُ مِن سَعْيِ الدُّنْيا وأعْراضِها، فَهي عَلى هَذا ذَمِيمَةٌ، ويَحْسُنُ نَفْيُ القَسَمِ بِها. والنَّفْسُ اللَّوّامَةُ: اسْمُ جِنْسٍ بِهَذا الوَصْفِ. وقِيلَ: هي نَفْسٌ مُعَيَّنَةٌ، وهي نَفْسُ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ تَزَلْ لائِمَةً لَهُ عَلى فِعْلِهِ الَّذِي أخْرَجَهُ مِنَ الجَنَّةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وكُلُّ نَفْسٍ مُتَوَسِّطَةٍ لَيْسَتْ بِمُطَمْئِنَةٍ ولا أمّارَةٍ بِالسُّوءِ، فَإنَّها لَوّامَةٌ في الطَّرَفَيْنِ، مَرَّةً تَلُومُ عَلى تَرْكِ الطّاعَةِ، ومَرَّةً تَلُومُ عَلى فَوْتِ ما تَشْتَهِي، فَإذا اطْمَأنَّتْ خَلَصَتْ وصَفَتْ. انْتَهى. والمُناسَبَةُ بَيْنَ القَسَمَيْنِ مِن حَيْثُ أحْوالِ النَّفْسِ مِن سَعادَتِها وشَقاوَتِها وظُهُورِ ذَلِكَ في يَوْمِ القِيامَةِ، وجَوابُ القَسَمِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ يَوْمُ القِيامَةِ المُقْسَمِ بِهِ وما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: (أيَحْسَبُ) الآيَةِ، وتَقْدِيرُهُ لِتُبْعَثُنَّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء: ٦٥] والأبْياتُ الَّتِي أنْشَدْتَها المُقْسَمُ عَلَيْهِ فِيها مَنفِيٌّ، وكانَ قَدْ أنْشَدَ قَوْلَ امْرِئِ القَيْسِ: ؎لا وأبِيكِ ابْنَةَ العامِرِيِّ ∗∗∗ لا يَدَّعِي القَوْمُ إنِّي أفِرُّ (وقَوْلُ غُوَيَّةَ بْنِ سُلْمى): ؎ألا نادَتْ أُمامَةُ بِاحْتِمالِي ∗∗∗ لِتُحْزِنَنِي فَلا يَكُ ما أُبالِي قالَ: فَهَلّا زَعَمْتَ أنَّ لا الَّتِي لِلْقَسَمِ زِيدَتْ مُوطِئَةً لِلنَّفْيِ بَعْدَهُ ومُؤَكِّدَةً لَهُ، وقَدَّرْتَ المُقْسَمَ عَلَيْهِ المَحْذُوفَ هاهُنا مَنفِيًّا، نَحْوُ قَوْلِكَ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ لا تُتْرَكُونَ سُدًى ؟ (قُلْتُ): لَوْ قَصَرُوا الأمْرَ عَلى النَّفْيِ دُونَ الإثْباتِ لَكانَ لِهَذا القَوْلِ مَساغٌ، ولَكِنَّهُ لَمْ يُقْسِمْ. ألا تَرى كَيْفَ لَقّى ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ [البلد: ١] بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾ [البلد: ٤] وكَذَلِكَ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] ؟ ثُمَّ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وجَوابُ القَسَمِ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ) وهو لَتُبْعَثُنَّ. انْتَهى، وهو تَقْدِيرُ النَّحّاسِ. وقَوْلُ مَن قالَ: جَوابُ القَسَمِ هو: (أيَحْسَبُ الإنْسانُ) . وما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ الجَوابَ: ﴿بَلى قادِرِينَ﴾ وما قِيلَ أنَّ ”لا“ في القَسَمَيْنِ لِنَفْيِهِما، أيْ: لا أُقْسِمُ عَلى شَيْءٍ، وأنَّ التَّقْدِيرَ: أسْألُكَ أيَحْسَبُ الإنْسانُ ؟ أقْوالٌ لا تَصْلُحُ أنْ يَرِدَ بِها، بَلْ تُطْرَحُ ولا يُسَوَّدُ بِها الوَرَقُ، ولَوْلا أنَّهم سَرَدُوها في الكُتُبِ لَمْ أُنَبِّهْ عَلَيْها. والإنْسانُ هُنا الكافِرُ المُكَذِّبُ بِالبَعْثِ. رُوِيَ «أنَّ عَدِيَّ بْنَ رَبِيعَةَ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يا مُحَمَّدُ ! حَدِّثْنِي عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ مَتى يَكُونُ أمْرُهُ ؟ فَأخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: لَوْ عايَنْتُ ذَلِكَ اليَوْمَ لَمْ (p-٣٨٥)أُصَدِّقْكَ ولَمْ أُؤْمِن بِهِ، أوْ يَجْمَعُ اللَّهُ هَذِهِ العِظامَ بَعْدَ بَلاها ؟» فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ، كانَ يَقُولُ أيَزْعُمُ مُحَمَّدٌ ﷺ أنْ يَجْمَعَ اللَّهُ هَذِهِ العِظامَ بَعْدَ بَلاها وتَفَرُّقِها، فَيُعِيدُها خَلْقًا جَدِيدًا ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿نَجْمَعَ﴾ بِنُونٍ ﴿عِظامَهُ﴾ نَصْبًا. وقَتادَةُ: بِالتّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ﴿عِظامَهُ﴾ رَفْعًا، والمَعْنى: بَعْدَ تَفَرُّقِها واخْتِلاطِها بِالتُّرابِ وتَطْيِيرِ الرِّياحِ إيّاها في أقاصِي الأرْضِ. وقَوْلُهُ: (أيَحْسَبُ) اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ، حَيْثُ يُنْكِرُ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى عَلى إعادَةِ المَعْدُومِ. (بَلى): جَوابٌ لِلِاسْتِفْهامِ المُنْسَحِبِ عَلى النَّفْيِ، أيْ: بَلى نَجْمَعُها. وذَكَرَ العِظامَ، وإنْ كانَ المَعْنى إعادَةَ الإنْسانِ وجَمْعَ أجْزائِهِ المُتَفَرِّقَةِ؛ لِأنَّ العِظامَ هي قالَبُ الخَلْقِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (قادِرِينَ) بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي في الفِعْلِ المُقَدَّرِ وهو يَجْمَعُها. وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ السَّمَيْقَعِ: قادِرُونَ، أيْ: نَحْنُ قادِرُونَ. ﴿عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾: وهي الأصابِعُ، أكْثَرُ العِظامِ تَفَرُّقًا وأدَقُّها أجْزاءً، وهي العِظامُ الَّتِي في الأنامِلِ ومَفاصِلِها، وهَذا عِنْدَ البَعْثِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والجُمْهُورُ: المَعْنى نَجْعَلُها في حَياتِهِ هَذِهِ بُضْعَةً، أوْ عَظْمًا واحِدًا كَخُفِّ البَعِيرِ لا تَفارِيقَ فِيهِ، أيْ: في الدُّنْيا فَتَقِلُّ مَنفَعَتُهُ بِها، وهَذا القَوْلُ فِيهِ تَوَعُّدٌ، والمَعْنى الأوَّلُ هو الظّاهِرُ والمَقْصُودُ مِن رَصْفِ الكَلامِ. وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ بِألْفاظٍ مُنَمَّقَةٍ عَلى عادَتِهِ في حِكايَةِ أقْوالِ المُتَقَدِّمِينَ. وقِيلَ: (قادِرِينَ) مَنصُوبٌ عَلى خَبَرِ كانَ، أيْ: بَلى كُنّا قادِرِينَ في الِابْتِداءِ. ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ﴾: بَلْ إضْرابٌ، وهو انْتِقالٌ مِن كَلامٍ إلى كَلامٍ مِن غَيْرِ إبْطالٍ. والظّاهِرُ أنَّ (يُرِيدُ) إخْبارٌ عَنْ ما يُرِيدُهُ الإنْسانُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (بَلْ يُرِيدُ) عَطْفٌ عَلى (أيَحْسَبُ) فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَبْلَهُ اسْتِفْهامًا، وأنْ يَكُونَ إيجابًا عَلى أنْ يُضْرَبَ عَنْ مُسْتَفْهَمٍ عَنْهُ إلى آخَرَ، أوْ يُضْرَبَ عَنْ مُسْتَفْهَمٍ عَنْهُ إلى مُوجِبٍ. انْتَهى. وهَذِهِ التَّقادِيرُ الثَّلاثَةُ لا تَظْهَرُ، وهي مُتَكَلَّفَةٌ، بَلِ المَعْنى: الإخْبارُ عَنِ الإنْسانِ مِن غَيْرِ إبْطالٍ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، وهي نَجْمَعُها قادِرِينَ، لِنُبَيِّنَ ما هو عَلَيْهِ الإنْسانُ مِن عَدَمِ الفِكْرِ في الآخِرَةِ وأنَّهُ مَعْنِيٌّ بِشَهَواتِهِ. ومَفْعُولُ (يُرِيدُ) مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّعْلِيلُ في ﴿لِيَفْجُرَ﴾ . قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ: مَعْنى الآيَةِ: أنَّ الإنْسانَ إنَّما يُرِيدُ شَهَواتِهِ ومَعاصِيهِ؛ لِيَمْضِيَ فِيها أبَدًا قُدُمًا راكِبًا رَأْسَهُ مُطِيعًا أمَلَهُ ومُسَوِّفًا بِتَوْبَتِهِ. قالَ السُّدِّيُّ أيْضًا: لِيَظْلِمَ عَلى قَدْرِ طاقَتِهِ، وعَلى هَذا فالضَّمِيرُ في ﴿أمامَهُ﴾ عائِدٌ عَلى الإنْسانِ، وهو الظّاهِرُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ما يَقْتَضِي أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ أنَّ الإنْسانَ في زَمانِ وُجُودِهِ أمامَ يَوْمِ القِيامَةِ، وبَيْنَ يَدَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ خَلْفَهُ، فَهو يُرِيدُ شَهَواتِهِ؛ لِيَفْجُرَ في تَكْذِيبِهِ بِالبَعْثِ وغَيْرِ ذَلِكَ بَيْنَ يَدَيْ يَوْمِ القِيامَةِ، وهو لا يَعْرِفُ القَدْرَ الَّذِي هو فِيهِ. والأمامُ ظَرْفُ مَكانٍ اسْتُعِيرَ هُنا لِلزَّمانِ، أيْ: لِيَفْجُرَ فِيما بَيْنَ يَدَيْهِ ويَسْتَقْبِلُهُ مِن زَمانِ حَياتِهِ. ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ أيْ: مَتى يَوْمُ القِيامَةِ ؟ سُؤالُ اسْتِهْزاءٍ وتَكْذِيبٍ وتَعَنُّتٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿بَرِقَ﴾ بِكَسْرِ الرّاءِ. وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والزَّعْفَرانِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ ونافِعٌ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ وهارُونَ ومَحْبُوبٍ، كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو، والحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ: بِخِلافٍ عَنْهُما بِفَتْحِها. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: بَرَقَ بِالفَتْحِ: شَقَّ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: خَفَتَ عِنْدَ المَوْتِ. قالَ مُجاهِدٌ: هَذا عِنْدَ المَوْتِ. وقالَ الحَسَنُ: هو يَوْمُ القِيامَةِ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: بَلَقَ بِاللّامِ عِوَضَ الرّاءِ، أيِ: انْفَتَحَ وانْفَرَجَ، يُقالُ: بَلَقَ البابُ وأبْلَقْتُهُ وبَلَّقْتُهُ: فَتَحْتُهُ، هَذا قَوْلُ أهْلِ اللُّغَةِ إلّا الفَرّاءَ فَإنَّهُ يَقُولُ: بَلَقَهُ وأبْلَقَهُ إذا أغْلَقَهُ. وقالَ ثَعْلَبٌ: أخْطَأ الفَرّاءُ في ذَلِكَ، إنَّما هو بَلَقَ البابَ وأبْلَقَهُ إذا فَتَحَهُ. انْتَهى. ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ اللّامُ بَدَلًا مِنَ الرّاءِ، فَهُما يَتَعاقَبانِ في بَعْضِ الكَلامِ، نَحْوُ قَوْلِهِمْ: نَثَرَهُ ونَثَلَهُ، ووَجَرَ ووَجِلَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وخَسَفَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ويَزِيدُ بْنُ (p-٣٨٦)قُطَيْبٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. يُقالُ: خَسَفَ القَمَرُ وخَسَفَهُ اللَّهُ، وكَذَلِكَ الشَّمْسُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ: الخُسُوفُ والكُسُوفُ بِمَعْنًى واحِدٍ. وقالَ ابْنُ أبِي أُوَيْسٍ: الكُسُوفُ ذَهابُ بَعْضِ الضَّوْءِ، والخُسُوفُ جَمِيعُهُ. ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾: لَمْ تَلْحَقْ عَلامَةُ التَّأْنِيثِ؛ لِأنَّ تَأْنِيثَ الشَّمْسِ مَجازٌ، أوْ لِتَغْلِيبِ التَّذْكِيرِ عَلى التَّأْنِيثِ. وقالَ الكِسائِيُّ: حُمِلَ عَلى المَعْنى، والتَّقْدِيرُ: جُمِعَ النُّورانِ أوِ الضِّياءانِ، ومَعْنى الجَمْعِ بَيْنَهُما، قالَ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ: يُجْمَعانِ فَيُلْقَيانِ في النّارِ، وعَنْهُ يُجْمَعانِ يَوْمَ القِيامَةِ ثُمَّ يُقْذَفانِ في البَحْرِ، فَيَكُونانِ نارَ اللَّهِ الكُبْرى. وقِيلَ: يُجْمَعُ بَيْنَهُما في الطُّلُوعِ مِنَ المَغْرِبِ، فَيَطْلُعانِ أسْوَدَيْنِ مُكَوَّرَيْنِ. وقالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ: يُجْعَلانِ في نُورِ الحُجُبِ، وقِيلَ: يَجْتَمِعانِ ولا يَتَفَرَّقانِ، ويَقْرُبانِ مِنَ النّاسِ فَيَلْحَقُهُمُ العَرَقُ لِشِدَّةِ الحَرِّ، فَكَأنَّ المَعْنى: يُجْمَعُ حَرُّهُما. وقِيلَ: يُجْمَعُ بَيْنَهُما في ذَهابِ الضَّوْءِ، فَلا يَكُونُ ثَمَّ تَعاقُبُ لَيْلٍ ولا نَهارٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿المَفَرُّ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ والفاءِ، أيْ: أيْنَ الفِرارُ ؟ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ بْنِ أبِي طالِبٍ، والحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ، وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وأيُّوبُ السَّخْتِيانِيُّ وكُلْثُومُ بْنُ عِياضٍ، ومُجاهِدٌ وابْنُ يَعْمُرَ وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ وأبُو رَجاءٍ وعِيسى، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والزُّهْرِيُّ: بِكَسْرِ الفاءِ، وهو مَوْضِعُ الفِرارِ. وقَرَأ الحَسَنُ: بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ الفاءِ، ونَسَبَها ابْنُ عَطِيَّةَ لِلزُّهْرِيِّ، أيِ: الجَيِّدُ الفِرارِ، وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ هَذا الوَزْنُ في الآلاتِ وفي صِفاتِ الخَيْلِ، نَحْوُ قَوْلِهِ: ؎مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعًا والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ مِن تَمامِ قَوْلِ الإنْسانِ. وقِيلَ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، لا حِكايَةً عَنِ الإنْسانِ. (كَلًّا): رَدْعٌ عَنْ طَلَبِ المَفَرِّ ﴿لا وزَرَ﴾: لا مَلْجَأ، وعَبَّرَ المُفَسِّرُونَ عَنْهُ بِالجَبَلِ. قالَ مُطَرِّفُ بْنُ الشِّخِّيرِ: هو كانَ وِزْرُ فِرارِ العَرَبِ في بِلادِهِمْ، فَلِذَلِكَ اسْتُعْمِلَ، والحَقِيقَةُ أنَّهُ المَلْجَأُ مِن جَبَلٍ أوْ حِصْنٍ أوْ سِلاحٍ أوْ رَجُلٍ أوْ غَيْرِهِ. (إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ) أيْ: إلى حُكْمِهِ يَوْمئِذٍ تَقُولُ أيْنَ المَفَرُّ ﴿المُسْتَقَرُّ﴾ أيِ: الِاسْتِقْرارُ، أوْ مَوْضِعُ اسْتِقْرارٍ مِن جَنَّةٍ أوْ نارٍ إلى مَشِيئَتِهِ تَعالى، يُدْخِلُ مَن شاءَ الجَنَّةَ، ويُدْخِلُ مَن شاءَ النّارَ. ﴿بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ قالَ عَبْدُ اللَّهِ وابْنُ عَبّاسٍ: بِما قَدَّمَ في حَياتِهِ وأخَّرَ مِن سَنَةٍ يَعْمَلُ بِها بَعْدَهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: بِما قَدَّمَ مِنَ المَعاصِي وأخَّرَ مِنَ الطّاعاتِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: بِما قَدَّمَ مِن مالِهِ لِنَفْسِهِ، وبِما أخَّرَ مِنهُ لِلْوارِثِ. وقالَ النَّخَعِيُّ ومُجاهِدٌ: بِأوَّلِ عَمَلِهِ وآخِرِهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: بِما قَدَّمَ مِن فَرْضٍ وأخَّرَ مِن فَرْضٍ. والظّاهِرُ حَمْلُهُ عَلى العُمُومِ، أيْ: يُخْبِرُهُ بِكُلِّ ما قَدَّمَ وكُلِّ ما أخَّرَ، مِمّا ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ ومِمّا لَمْ يَذْكُرُوهُ. (بَصِيرَةً): خَبَرٌ عَنِ الإنْسانِ، أيْ: شاهِدٌ، قالَهُ قَتادَةُ، والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ. وقالَ الأخْفَشُ: هو كَقَوْلِكَ فُلانٌ عِبْرَةٌ وحُجَّةٌ. وقِيلَ: أُنِّثَ لِأنَّهُ أرادَ جَوارِحَهُ، أيْ: جَوارِحُهُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ. وقِيلَ: (بَصِيرَةٌ) مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ المَوْصُوفِ، أيْ: عَيْنٌ بَصِيرَةٌ، و(عَلى نَفْسِهِ) الخَبَرُ. والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ خَبَرٍ عَنِ الإنْسانِ، والتَّقْدِيرُ: عَيْنٌ بَصِيرَةٌ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الفَرّاءُ، وأنْشَدَ: ؎كَأنَّ عَلى ذِي العَقْلِ عَيْنًا بَصِيرَةً ∗∗∗ بِمَقْعَدِهِ، أوْ مَنظَرٍ هو ناظِرُهُ ؎يُحاذِرُ حَتّى يَحْسَبَ النّاسَ كُلَّهم ∗∗∗ مِنَ الخَوْفِ لا تَخْفى عَلَيْهِمْ سَرائِرُهُ وعَلى هَذا نَخْتارُ أنْ تَكُونَ (بَصِيرَةٌ) فاعِلًا بِالجارِّ والمَجْرُورِ، وهو الخَبَرُ عَنِ الإنْسانِ. ألا تَرى أنَّهُ قَدِ اعْتَمَدَ بِوُقُوعِهِ خَبَرًا عَنِ الإنْسانِ ؟ وعَلى هَذا فالتّاءُ لِلتَّأْنِيثِ. وتَأوَّلَ ابْنُ عَبّاسٍ (البَصِيرَةَ) بِالجَوارِحِ، أوِ المَلائِكَةِ الحَفَظَةِ. والمَعاذِيرُ عِنْدَ الجُمْهُورِ الأعْذارُ، فالمَعْنى: لَوْ جاءَ بِكُلِّ مَعْذِرَةٍ يَعْتَذِرُ بِها عَنْ نَفْسِهِ، فَإنَّهُ هو الشّاهِدُ عَلَيْها والحُجَّةُ البَيِّنَةُ عَلَيْها. وقِيلَ: المَعاذِيرُ جَمْعُ مَعْذِرَةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قِياسُ مَعْذِرَةٍ مَعاذِرُ، فالمَعاذِيرُ لَيْسَ بِجَمْعِ مَعْذِرَةٍ، إنَّما هو اسْمُ جَمْعٍ لَها، ونَحْوُ المَناكِيرِ في المُنْكَرِ. انْتَهى. ولَيْسَ هَذا البِناءُ مِن (p-٣٨٧)أبْنِيَةِ أسْماءِ الجُمُوعِ، وإنَّما هو مِن أبْنِيَةِ جَمْعِ التَّكْسِيرِ، فَهو كَمَذاكِيرَ ومَلامِيحَ والمُفْرَدُ مِنهُما لَمْحَةٌ وذِكْرٌ. ولَمْ يَذْهَبْ أحَدٌ إلى أنَّهُما مِن أسْماءِ الجُمُوعِ، بَلْ قِيلَ: هُما جَمْعٌ لِلَمْحَةٍ وذِكْرٍ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، أوْ هُما جَمْعٌ لِمُفْرَدٍ لَمْ يَنْطِقْ بِهِ، وهو مِذْكارٌ ومَلْمَحَةٌ. وقالَ السُّدِّيُّ والضَّحّاكُ: المَعاذِيرُ: السُّتُورُ بِلُغَةِ اليَمَنِ، واحِدُها مِعْذارٌ، وهو يَمْنَعُ رُؤْيَةَ المُحْتَجِبِ، كَما تَمْنَعُ المَعْذِرَةُ عُقُوبَةَ الذَّنْبِ. وقالَهُ الزَّجّاجُ أيْضًا، أيْ: وإنْ رَمى مَسْتُورَةً يُرِيدُ أنْ يُخْفِيَ عَمَلَهُ، فَنَفْسُهُ شاهِدَةٌ عَلَيْهِ. وأنْشَدُوا في أنَّ المَعاذِيرَ السُّتُورُ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎ولَكِنَّها ضَنَّتْ بِمَنزِلِ ساعَةٍ ∗∗∗ عَلَيْنا، وأطَّتْ فَوْقَها بِالمَعاذِرِ وقِيلَ: البَصِيرَةُ: الكاتِبانِ يَكْتُبانِ ما يَكُونُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، أيْ: وإنْ تَسَتَّرَ بِالسُّتُورِ، وإذا كانَتْ مِنَ العُذْرِ، فَمَعْنى ﴿ولَوْ ألْقى﴾ أيْ: نَطَقَ بِمَعاذِيرِهِ وقالَها. وقِيلَ: ولَوْ رَمى بِأعْذارِهِ واسْتَسْلَمَ. وقالَ السُّدِّيُّ: ولَوْ أدْلى بِحُجَّةٍ وعُذْرٍ. وقِيلَ: ولَوْ أحالَ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْلا أنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبإ: ٣١] . والعُذْرَةُ والعُذْرى: المَعْذِرَةُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ها إنَّ ذِي عُذْرَةٍ أنْ لا تَكُنْ نَفَعَتْ وقالَ فِيها: ولا عُذْرَ لِمَجْحُودٍ.

القيامة 75:10

(سُورَةُ القِيامَةِ مَكِّيَّةٌ وهي أرْبَعُونَ آيَةً) (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ ﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ ﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] ﴿كَلّا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ [القيامة: ٢٠] ﴿وتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ [القيامة: ٢١] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤] ﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٥] ﴿كَلّا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ [القيامة: ٢٦] ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ [القيامة: ٢٧] ﴿وظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ [القيامة: ٢٨] ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ [القيامة: ٢٩] ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ [القيامة: ٣٠] ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١] ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣٢] ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ [القيامة: ٣٣] ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٤] ﴿ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٥] ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ [القيامة: ٣٧] ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ [القيامة: ٣٨] ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠] . (p-٣٨٢)بَرِقَ بِكَسْرِ الرّاءِ: فَزِعَ ودَهِشَ، وأصْلُهُ مِن بَرِقَ الرَّجُلُ، إذا نَظَرَ إلى البَرْقِ فَدُهِشَ بَصَرُهُ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎ولَوْ أنَّ لُقْمانَ الحَكِيمَ تَعَرَّضَتْ لِعَيْنَيْهِ مَيٌّ سافِرًا كادَ يَبْرُقُ (قالَ الأعْشى): ؎وكُنْتُ أرى في وجْهِ مِيَّةَ لُمْحَةً ∗∗∗ فَأُبْرِقُ مَغْشِيًّا عَلِيَّ مَكانِيا وبَرَقَ بِفَتْحِ الرّاءِ: شُقَّ بَصَرُهُ، وهو مِنَ البَرِيقِ، أيْ: لَمَعَ بَصَرُهُ مِن شِدَّةِ شُخُوصِهِ. الوِزْرُ: ما يَلْجَأُ إلَيْهِ مِن حِصْنٍ أوْ جَبَلٍ أوْ غَيْرِهِما، قالَ الشّاعِرُ: ؎لَعَمْرُكَ ما لِلْفَتى مِن وِزْرٍ ∗∗∗ مِنَ المَوْتِ يُدْرِكُهُ والكِبَرُ النَّضِرَةُ: النِّعْمَةُ وجَمالُ البَشَرَةِ وطَراوَتِها، قالَ الشّاعِرُ: ؎أبى لِي قَبْرٌ لا يَزالُ مُقابَلِي ∗∗∗ وضَرْبَةُ فَأْسٍ فَوْقَ رَأْسِي فاقِرَهْ أيْ: مُؤَثِّرَةٌ. التَّراقِي جَمْعُ تَرْقُوَةٍ: وهي عِظامُ الصَّدْرِ، ولِكُلِّ إنْسانٍ تَرْقُوَتانِ، وهو مَوْضِعُ الحَشْرَجَةِ، قالَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ: ؎ورُبَّ عَظِيمَةٍ دافَعْتُ عَنْهم ∗∗∗ وقَدْ بَلَغَتْ نُفُوسُهُمُ التَّراقِي رَقى يَرْقِي مِنَ الرُّقْيَةِ، وهي ما يُسْتَشْفى بِهِ لِلْمَرِيضِ مِنَ الكَلامِ المُعَدِّ لِذَلِكَ. تَمَطّى: تَبَخْتَرَ في مِشْيَتِهِ، وأصْلُهُ مِنَ المَطا وهو الظَّهْرُ، أيْ: يَلْوِي مَطاهُ تَبَخْتُرًا. وقِيلَ: أصْلُهُ تَمطَّطَ أيْ: تَمَدَّدَ في مِشْيَتِهِ، ومَدَّ مَنكِبَيْهِ، قُلِبَتِ الطّاءُ فِيهِ حَرْفَ عِلَّةٍ كَراهَةَ اجْتِماعِ الأمْثالِ، كَما قالُوا: تَظَنّى مِنَ الظَّنِّ، وأصْلُهُ تَظَنَّنَ. والمَطِيطا: التَّبَخْتُرُ ومَدُّ اليَدَيْنِ في المَشْيِ، والمَطِيطُ: الماءُ الحاثِرُ في أسْفَلِ الحَوْضِ؛ لِأنَّهُ يَتَمَطَّطُ فِيهِ، أيْ: يَمْتَدُّ. وعَلى هَذا الِاشْتِقاقِ لا يَكُونُ أصْلُهُ مِنَ المَطِّ لِاخْتِلافِ المادَّتَيْنِ، إذْ مادَّةُ المَطا (م ط و) ومادَّةُ تَمَطَّطَ (م ط ط) . سُدًى: مُهْمَلٌ، يُقالُ إبِلٌ سُدًى أيْ: مُهْمَلَةٌ تَرْعى حَيْثُ شاءَتْ بِلا راعٍ، وأسْدَيْتُ الشَّيْءَ أيْ: أهْمَلْتُهُ، وأسْدَيْتُ حاجَتِي: ضَيَّعْتُها. قالَ الشّاعِرُ: ؎فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ جَهْدَ اليَمِينِ ∗∗∗ ما خَلَقَ اللَّهُ شَيْئًا سُدى وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ دُرَيْدٍ في المَقْصُورَةِ: ؎لَمْ أرَ كالمُزْنِ سَوامًا بُهْلًا ∗∗∗ تَحْسَبُها مَرْعِيَّةً وهي سُدى (p-٣٨٣)﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَة﴾ ﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ ﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] ﴿كَلّا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ [القيامة: ٢٠] ﴿وتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ [القيامة: ٢١] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤] ﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٥] ﴿كَلّا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ [القيامة: ٢٦] ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ [القيامة: ٢٧] ﴿وظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ [القيامة: ٢٨] ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ [القيامة: ٢٩] ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ [القيامة: ٣٠] ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١] ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣٢] ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ [القيامة: ٣٣] ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٤] ﴿ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٥] ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ [القيامة: ٣٧] ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ [القيامة: ٣٨] ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠] . (p-٣٨٤)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها: أنَّ في آخِرِ ما قَبْلَها قَوْلَهُ: ﴿كَلّا بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ [المدثر: ٥٣] ﴿كَلّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٤] وفِيها كَثِيرٌ مِن أحْوالِ القِيامَةِ، فَذَكَرَ هُنا يَوْمَ القِيامَةِ وجُمَلًا مِن أحْوالِها. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿لا أُقْسِمُ﴾ . والخِلافُ في ”لا“، والخِلافُ في قِراءاتِها في أواخِرِ الواقِعَةِ. أقْسَمَ تَعالى بِيَوْمِ القِيامَةِ لِعِظَمِهِ وهَوْلِهِ. و﴿لا أُقْسِمُ﴾ قِيلَ: ”لا“ نافِيَةٌ، نَفى أنْ يُقْسِمَ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ، وأقْسَمَ بِيَوْمِ القِيامَةِ، نَصَّ عَلى هَذا الحَسَنُ. والجُمْهُورُ: عَلى أنَّ اللَّهَ أقْسَمَ بِالأمْرَيْنِ. واللَّوّامَةُ، قالَ الحَسَنُ: هي الَّتِي تَلُومُ صاحِبَها في تَرْكِ الطّاعَةِ ونَحْوِها، فَهي عَلى هَذا مَمْدُوحَةٌ، ولِذَلِكَ أقْسَمَ اللَّهُ بِها. ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَنْ مُجاهِدٍ، تَلُومُ عَلى ما فاتَ وتَنْدَمَ عَلى الشَّرِّ لِمَ فَعَلَتْهُ ؟، وعَلى الخَيْرِ لِمَ لَمْ تَسْتَكْثِرْ مِنهُ ؟ . وقِيلَ: النَّفْسُ المُتَّقِيَةُ الَّتِي تَلُومُ النُّفُوسَ في يَوْمِ القِيامَةِ عَلى تَقْصِيرِهِنَّ في التَّقْوى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: هي الفاجِرَةُ الخَشِعَةُ اللَّوّامَةُ لِصاحِبِها عَلى ما فاتَهُ مِن سَعْيِ الدُّنْيا وأعْراضِها، فَهي عَلى هَذا ذَمِيمَةٌ، ويَحْسُنُ نَفْيُ القَسَمِ بِها. والنَّفْسُ اللَّوّامَةُ: اسْمُ جِنْسٍ بِهَذا الوَصْفِ. وقِيلَ: هي نَفْسٌ مُعَيَّنَةٌ، وهي نَفْسُ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ تَزَلْ لائِمَةً لَهُ عَلى فِعْلِهِ الَّذِي أخْرَجَهُ مِنَ الجَنَّةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وكُلُّ نَفْسٍ مُتَوَسِّطَةٍ لَيْسَتْ بِمُطَمْئِنَةٍ ولا أمّارَةٍ بِالسُّوءِ، فَإنَّها لَوّامَةٌ في الطَّرَفَيْنِ، مَرَّةً تَلُومُ عَلى تَرْكِ الطّاعَةِ، ومَرَّةً تَلُومُ عَلى فَوْتِ ما تَشْتَهِي، فَإذا اطْمَأنَّتْ خَلَصَتْ وصَفَتْ. انْتَهى. والمُناسَبَةُ بَيْنَ القَسَمَيْنِ مِن حَيْثُ أحْوالِ النَّفْسِ مِن سَعادَتِها وشَقاوَتِها وظُهُورِ ذَلِكَ في يَوْمِ القِيامَةِ، وجَوابُ القَسَمِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ يَوْمُ القِيامَةِ المُقْسَمِ بِهِ وما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: (أيَحْسَبُ) الآيَةِ، وتَقْدِيرُهُ لِتُبْعَثُنَّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء: ٦٥] والأبْياتُ الَّتِي أنْشَدْتَها المُقْسَمُ عَلَيْهِ فِيها مَنفِيٌّ، وكانَ قَدْ أنْشَدَ قَوْلَ امْرِئِ القَيْسِ: ؎لا وأبِيكِ ابْنَةَ العامِرِيِّ ∗∗∗ لا يَدَّعِي القَوْمُ إنِّي أفِرُّ (وقَوْلُ غُوَيَّةَ بْنِ سُلْمى): ؎ألا نادَتْ أُمامَةُ بِاحْتِمالِي ∗∗∗ لِتُحْزِنَنِي فَلا يَكُ ما أُبالِي قالَ: فَهَلّا زَعَمْتَ أنَّ لا الَّتِي لِلْقَسَمِ زِيدَتْ مُوطِئَةً لِلنَّفْيِ بَعْدَهُ ومُؤَكِّدَةً لَهُ، وقَدَّرْتَ المُقْسَمَ عَلَيْهِ المَحْذُوفَ هاهُنا مَنفِيًّا، نَحْوُ قَوْلِكَ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ لا تُتْرَكُونَ سُدًى ؟ (قُلْتُ): لَوْ قَصَرُوا الأمْرَ عَلى النَّفْيِ دُونَ الإثْباتِ لَكانَ لِهَذا القَوْلِ مَساغٌ، ولَكِنَّهُ لَمْ يُقْسِمْ. ألا تَرى كَيْفَ لَقّى ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ [البلد: ١] بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾ [البلد: ٤] وكَذَلِكَ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] ؟ ثُمَّ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وجَوابُ القَسَمِ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ) وهو لَتُبْعَثُنَّ. انْتَهى، وهو تَقْدِيرُ النَّحّاسِ. وقَوْلُ مَن قالَ: جَوابُ القَسَمِ هو: (أيَحْسَبُ الإنْسانُ) . وما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ الجَوابَ: ﴿بَلى قادِرِينَ﴾ وما قِيلَ أنَّ ”لا“ في القَسَمَيْنِ لِنَفْيِهِما، أيْ: لا أُقْسِمُ عَلى شَيْءٍ، وأنَّ التَّقْدِيرَ: أسْألُكَ أيَحْسَبُ الإنْسانُ ؟ أقْوالٌ لا تَصْلُحُ أنْ يَرِدَ بِها، بَلْ تُطْرَحُ ولا يُسَوَّدُ بِها الوَرَقُ، ولَوْلا أنَّهم سَرَدُوها في الكُتُبِ لَمْ أُنَبِّهْ عَلَيْها. والإنْسانُ هُنا الكافِرُ المُكَذِّبُ بِالبَعْثِ. رُوِيَ «أنَّ عَدِيَّ بْنَ رَبِيعَةَ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يا مُحَمَّدُ ! حَدِّثْنِي عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ مَتى يَكُونُ أمْرُهُ ؟ فَأخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: لَوْ عايَنْتُ ذَلِكَ اليَوْمَ لَمْ (p-٣٨٥)أُصَدِّقْكَ ولَمْ أُؤْمِن بِهِ، أوْ يَجْمَعُ اللَّهُ هَذِهِ العِظامَ بَعْدَ بَلاها ؟» فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ، كانَ يَقُولُ أيَزْعُمُ مُحَمَّدٌ ﷺ أنْ يَجْمَعَ اللَّهُ هَذِهِ العِظامَ بَعْدَ بَلاها وتَفَرُّقِها، فَيُعِيدُها خَلْقًا جَدِيدًا ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿نَجْمَعَ﴾ بِنُونٍ ﴿عِظامَهُ﴾ نَصْبًا. وقَتادَةُ: بِالتّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ﴿عِظامَهُ﴾ رَفْعًا، والمَعْنى: بَعْدَ تَفَرُّقِها واخْتِلاطِها بِالتُّرابِ وتَطْيِيرِ الرِّياحِ إيّاها في أقاصِي الأرْضِ. وقَوْلُهُ: (أيَحْسَبُ) اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ، حَيْثُ يُنْكِرُ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى عَلى إعادَةِ المَعْدُومِ. (بَلى): جَوابٌ لِلِاسْتِفْهامِ المُنْسَحِبِ عَلى النَّفْيِ، أيْ: بَلى نَجْمَعُها. وذَكَرَ العِظامَ، وإنْ كانَ المَعْنى إعادَةَ الإنْسانِ وجَمْعَ أجْزائِهِ المُتَفَرِّقَةِ؛ لِأنَّ العِظامَ هي قالَبُ الخَلْقِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (قادِرِينَ) بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي في الفِعْلِ المُقَدَّرِ وهو يَجْمَعُها. وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ السَّمَيْقَعِ: قادِرُونَ، أيْ: نَحْنُ قادِرُونَ. ﴿عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾: وهي الأصابِعُ، أكْثَرُ العِظامِ تَفَرُّقًا وأدَقُّها أجْزاءً، وهي العِظامُ الَّتِي في الأنامِلِ ومَفاصِلِها، وهَذا عِنْدَ البَعْثِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والجُمْهُورُ: المَعْنى نَجْعَلُها في حَياتِهِ هَذِهِ بُضْعَةً، أوْ عَظْمًا واحِدًا كَخُفِّ البَعِيرِ لا تَفارِيقَ فِيهِ، أيْ: في الدُّنْيا فَتَقِلُّ مَنفَعَتُهُ بِها، وهَذا القَوْلُ فِيهِ تَوَعُّدٌ، والمَعْنى الأوَّلُ هو الظّاهِرُ والمَقْصُودُ مِن رَصْفِ الكَلامِ. وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ بِألْفاظٍ مُنَمَّقَةٍ عَلى عادَتِهِ في حِكايَةِ أقْوالِ المُتَقَدِّمِينَ. وقِيلَ: (قادِرِينَ) مَنصُوبٌ عَلى خَبَرِ كانَ، أيْ: بَلى كُنّا قادِرِينَ في الِابْتِداءِ. ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ﴾: بَلْ إضْرابٌ، وهو انْتِقالٌ مِن كَلامٍ إلى كَلامٍ مِن غَيْرِ إبْطالٍ. والظّاهِرُ أنَّ (يُرِيدُ) إخْبارٌ عَنْ ما يُرِيدُهُ الإنْسانُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (بَلْ يُرِيدُ) عَطْفٌ عَلى (أيَحْسَبُ) فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَبْلَهُ اسْتِفْهامًا، وأنْ يَكُونَ إيجابًا عَلى أنْ يُضْرَبَ عَنْ مُسْتَفْهَمٍ عَنْهُ إلى آخَرَ، أوْ يُضْرَبَ عَنْ مُسْتَفْهَمٍ عَنْهُ إلى مُوجِبٍ. انْتَهى. وهَذِهِ التَّقادِيرُ الثَّلاثَةُ لا تَظْهَرُ، وهي مُتَكَلَّفَةٌ، بَلِ المَعْنى: الإخْبارُ عَنِ الإنْسانِ مِن غَيْرِ إبْطالٍ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، وهي نَجْمَعُها قادِرِينَ، لِنُبَيِّنَ ما هو عَلَيْهِ الإنْسانُ مِن عَدَمِ الفِكْرِ في الآخِرَةِ وأنَّهُ مَعْنِيٌّ بِشَهَواتِهِ. ومَفْعُولُ (يُرِيدُ) مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّعْلِيلُ في ﴿لِيَفْجُرَ﴾ . قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ: مَعْنى الآيَةِ: أنَّ الإنْسانَ إنَّما يُرِيدُ شَهَواتِهِ ومَعاصِيهِ؛ لِيَمْضِيَ فِيها أبَدًا قُدُمًا راكِبًا رَأْسَهُ مُطِيعًا أمَلَهُ ومُسَوِّفًا بِتَوْبَتِهِ. قالَ السُّدِّيُّ أيْضًا: لِيَظْلِمَ عَلى قَدْرِ طاقَتِهِ، وعَلى هَذا فالضَّمِيرُ في ﴿أمامَهُ﴾ عائِدٌ عَلى الإنْسانِ، وهو الظّاهِرُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ما يَقْتَضِي أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ أنَّ الإنْسانَ في زَمانِ وُجُودِهِ أمامَ يَوْمِ القِيامَةِ، وبَيْنَ يَدَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ خَلْفَهُ، فَهو يُرِيدُ شَهَواتِهِ؛ لِيَفْجُرَ في تَكْذِيبِهِ بِالبَعْثِ وغَيْرِ ذَلِكَ بَيْنَ يَدَيْ يَوْمِ القِيامَةِ، وهو لا يَعْرِفُ القَدْرَ الَّذِي هو فِيهِ. والأمامُ ظَرْفُ مَكانٍ اسْتُعِيرَ هُنا لِلزَّمانِ، أيْ: لِيَفْجُرَ فِيما بَيْنَ يَدَيْهِ ويَسْتَقْبِلُهُ مِن زَمانِ حَياتِهِ. ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ أيْ: مَتى يَوْمُ القِيامَةِ ؟ سُؤالُ اسْتِهْزاءٍ وتَكْذِيبٍ وتَعَنُّتٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿بَرِقَ﴾ بِكَسْرِ الرّاءِ. وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والزَّعْفَرانِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ ونافِعٌ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ وهارُونَ ومَحْبُوبٍ، كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو، والحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ: بِخِلافٍ عَنْهُما بِفَتْحِها. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: بَرَقَ بِالفَتْحِ: شَقَّ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: خَفَتَ عِنْدَ المَوْتِ. قالَ مُجاهِدٌ: هَذا عِنْدَ المَوْتِ. وقالَ الحَسَنُ: هو يَوْمُ القِيامَةِ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: بَلَقَ بِاللّامِ عِوَضَ الرّاءِ، أيِ: انْفَتَحَ وانْفَرَجَ، يُقالُ: بَلَقَ البابُ وأبْلَقْتُهُ وبَلَّقْتُهُ: فَتَحْتُهُ، هَذا قَوْلُ أهْلِ اللُّغَةِ إلّا الفَرّاءَ فَإنَّهُ يَقُولُ: بَلَقَهُ وأبْلَقَهُ إذا أغْلَقَهُ. وقالَ ثَعْلَبٌ: أخْطَأ الفَرّاءُ في ذَلِكَ، إنَّما هو بَلَقَ البابَ وأبْلَقَهُ إذا فَتَحَهُ. انْتَهى. ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ اللّامُ بَدَلًا مِنَ الرّاءِ، فَهُما يَتَعاقَبانِ في بَعْضِ الكَلامِ، نَحْوُ قَوْلِهِمْ: نَثَرَهُ ونَثَلَهُ، ووَجَرَ ووَجِلَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وخَسَفَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ويَزِيدُ بْنُ (p-٣٨٦)قُطَيْبٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. يُقالُ: خَسَفَ القَمَرُ وخَسَفَهُ اللَّهُ، وكَذَلِكَ الشَّمْسُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ: الخُسُوفُ والكُسُوفُ بِمَعْنًى واحِدٍ. وقالَ ابْنُ أبِي أُوَيْسٍ: الكُسُوفُ ذَهابُ بَعْضِ الضَّوْءِ، والخُسُوفُ جَمِيعُهُ. ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾: لَمْ تَلْحَقْ عَلامَةُ التَّأْنِيثِ؛ لِأنَّ تَأْنِيثَ الشَّمْسِ مَجازٌ، أوْ لِتَغْلِيبِ التَّذْكِيرِ عَلى التَّأْنِيثِ. وقالَ الكِسائِيُّ: حُمِلَ عَلى المَعْنى، والتَّقْدِيرُ: جُمِعَ النُّورانِ أوِ الضِّياءانِ، ومَعْنى الجَمْعِ بَيْنَهُما، قالَ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ: يُجْمَعانِ فَيُلْقَيانِ في النّارِ، وعَنْهُ يُجْمَعانِ يَوْمَ القِيامَةِ ثُمَّ يُقْذَفانِ في البَحْرِ، فَيَكُونانِ نارَ اللَّهِ الكُبْرى. وقِيلَ: يُجْمَعُ بَيْنَهُما في الطُّلُوعِ مِنَ المَغْرِبِ، فَيَطْلُعانِ أسْوَدَيْنِ مُكَوَّرَيْنِ. وقالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ: يُجْعَلانِ في نُورِ الحُجُبِ، وقِيلَ: يَجْتَمِعانِ ولا يَتَفَرَّقانِ، ويَقْرُبانِ مِنَ النّاسِ فَيَلْحَقُهُمُ العَرَقُ لِشِدَّةِ الحَرِّ، فَكَأنَّ المَعْنى: يُجْمَعُ حَرُّهُما. وقِيلَ: يُجْمَعُ بَيْنَهُما في ذَهابِ الضَّوْءِ، فَلا يَكُونُ ثَمَّ تَعاقُبُ لَيْلٍ ولا نَهارٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿المَفَرُّ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ والفاءِ، أيْ: أيْنَ الفِرارُ ؟ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ بْنِ أبِي طالِبٍ، والحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ، وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وأيُّوبُ السَّخْتِيانِيُّ وكُلْثُومُ بْنُ عِياضٍ، ومُجاهِدٌ وابْنُ يَعْمُرَ وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ وأبُو رَجاءٍ وعِيسى، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والزُّهْرِيُّ: بِكَسْرِ الفاءِ، وهو مَوْضِعُ الفِرارِ. وقَرَأ الحَسَنُ: بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ الفاءِ، ونَسَبَها ابْنُ عَطِيَّةَ لِلزُّهْرِيِّ، أيِ: الجَيِّدُ الفِرارِ، وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ هَذا الوَزْنُ في الآلاتِ وفي صِفاتِ الخَيْلِ، نَحْوُ قَوْلِهِ: ؎مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعًا والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ مِن تَمامِ قَوْلِ الإنْسانِ. وقِيلَ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، لا حِكايَةً عَنِ الإنْسانِ. (كَلًّا): رَدْعٌ عَنْ طَلَبِ المَفَرِّ ﴿لا وزَرَ﴾: لا مَلْجَأ، وعَبَّرَ المُفَسِّرُونَ عَنْهُ بِالجَبَلِ. قالَ مُطَرِّفُ بْنُ الشِّخِّيرِ: هو كانَ وِزْرُ فِرارِ العَرَبِ في بِلادِهِمْ، فَلِذَلِكَ اسْتُعْمِلَ، والحَقِيقَةُ أنَّهُ المَلْجَأُ مِن جَبَلٍ أوْ حِصْنٍ أوْ سِلاحٍ أوْ رَجُلٍ أوْ غَيْرِهِ. (إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ) أيْ: إلى حُكْمِهِ يَوْمئِذٍ تَقُولُ أيْنَ المَفَرُّ ﴿المُسْتَقَرُّ﴾ أيِ: الِاسْتِقْرارُ، أوْ مَوْضِعُ اسْتِقْرارٍ مِن جَنَّةٍ أوْ نارٍ إلى مَشِيئَتِهِ تَعالى، يُدْخِلُ مَن شاءَ الجَنَّةَ، ويُدْخِلُ مَن شاءَ النّارَ. ﴿بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ قالَ عَبْدُ اللَّهِ وابْنُ عَبّاسٍ: بِما قَدَّمَ في حَياتِهِ وأخَّرَ مِن سَنَةٍ يَعْمَلُ بِها بَعْدَهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: بِما قَدَّمَ مِنَ المَعاصِي وأخَّرَ مِنَ الطّاعاتِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: بِما قَدَّمَ مِن مالِهِ لِنَفْسِهِ، وبِما أخَّرَ مِنهُ لِلْوارِثِ. وقالَ النَّخَعِيُّ ومُجاهِدٌ: بِأوَّلِ عَمَلِهِ وآخِرِهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: بِما قَدَّمَ مِن فَرْضٍ وأخَّرَ مِن فَرْضٍ. والظّاهِرُ حَمْلُهُ عَلى العُمُومِ، أيْ: يُخْبِرُهُ بِكُلِّ ما قَدَّمَ وكُلِّ ما أخَّرَ، مِمّا ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ ومِمّا لَمْ يَذْكُرُوهُ. (بَصِيرَةً): خَبَرٌ عَنِ الإنْسانِ، أيْ: شاهِدٌ، قالَهُ قَتادَةُ، والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ. وقالَ الأخْفَشُ: هو كَقَوْلِكَ فُلانٌ عِبْرَةٌ وحُجَّةٌ. وقِيلَ: أُنِّثَ لِأنَّهُ أرادَ جَوارِحَهُ، أيْ: جَوارِحُهُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ. وقِيلَ: (بَصِيرَةٌ) مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ المَوْصُوفِ، أيْ: عَيْنٌ بَصِيرَةٌ، و(عَلى نَفْسِهِ) الخَبَرُ. والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ خَبَرٍ عَنِ الإنْسانِ، والتَّقْدِيرُ: عَيْنٌ بَصِيرَةٌ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الفَرّاءُ، وأنْشَدَ: ؎كَأنَّ عَلى ذِي العَقْلِ عَيْنًا بَصِيرَةً ∗∗∗ بِمَقْعَدِهِ، أوْ مَنظَرٍ هو ناظِرُهُ ؎يُحاذِرُ حَتّى يَحْسَبَ النّاسَ كُلَّهم ∗∗∗ مِنَ الخَوْفِ لا تَخْفى عَلَيْهِمْ سَرائِرُهُ وعَلى هَذا نَخْتارُ أنْ تَكُونَ (بَصِيرَةٌ) فاعِلًا بِالجارِّ والمَجْرُورِ، وهو الخَبَرُ عَنِ الإنْسانِ. ألا تَرى أنَّهُ قَدِ اعْتَمَدَ بِوُقُوعِهِ خَبَرًا عَنِ الإنْسانِ ؟ وعَلى هَذا فالتّاءُ لِلتَّأْنِيثِ. وتَأوَّلَ ابْنُ عَبّاسٍ (البَصِيرَةَ) بِالجَوارِحِ، أوِ المَلائِكَةِ الحَفَظَةِ. والمَعاذِيرُ عِنْدَ الجُمْهُورِ الأعْذارُ، فالمَعْنى: لَوْ جاءَ بِكُلِّ مَعْذِرَةٍ يَعْتَذِرُ بِها عَنْ نَفْسِهِ، فَإنَّهُ هو الشّاهِدُ عَلَيْها والحُجَّةُ البَيِّنَةُ عَلَيْها. وقِيلَ: المَعاذِيرُ جَمْعُ مَعْذِرَةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قِياسُ مَعْذِرَةٍ مَعاذِرُ، فالمَعاذِيرُ لَيْسَ بِجَمْعِ مَعْذِرَةٍ، إنَّما هو اسْمُ جَمْعٍ لَها، ونَحْوُ المَناكِيرِ في المُنْكَرِ. انْتَهى. ولَيْسَ هَذا البِناءُ مِن (p-٣٨٧)أبْنِيَةِ أسْماءِ الجُمُوعِ، وإنَّما هو مِن أبْنِيَةِ جَمْعِ التَّكْسِيرِ، فَهو كَمَذاكِيرَ ومَلامِيحَ والمُفْرَدُ مِنهُما لَمْحَةٌ وذِكْرٌ. ولَمْ يَذْهَبْ أحَدٌ إلى أنَّهُما مِن أسْماءِ الجُمُوعِ، بَلْ قِيلَ: هُما جَمْعٌ لِلَمْحَةٍ وذِكْرٍ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، أوْ هُما جَمْعٌ لِمُفْرَدٍ لَمْ يَنْطِقْ بِهِ، وهو مِذْكارٌ ومَلْمَحَةٌ. وقالَ السُّدِّيُّ والضَّحّاكُ: المَعاذِيرُ: السُّتُورُ بِلُغَةِ اليَمَنِ، واحِدُها مِعْذارٌ، وهو يَمْنَعُ رُؤْيَةَ المُحْتَجِبِ، كَما تَمْنَعُ المَعْذِرَةُ عُقُوبَةَ الذَّنْبِ. وقالَهُ الزَّجّاجُ أيْضًا، أيْ: وإنْ رَمى مَسْتُورَةً يُرِيدُ أنْ يُخْفِيَ عَمَلَهُ، فَنَفْسُهُ شاهِدَةٌ عَلَيْهِ. وأنْشَدُوا في أنَّ المَعاذِيرَ السُّتُورُ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎ولَكِنَّها ضَنَّتْ بِمَنزِلِ ساعَةٍ ∗∗∗ عَلَيْنا، وأطَّتْ فَوْقَها بِالمَعاذِرِ وقِيلَ: البَصِيرَةُ: الكاتِبانِ يَكْتُبانِ ما يَكُونُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، أيْ: وإنْ تَسَتَّرَ بِالسُّتُورِ، وإذا كانَتْ مِنَ العُذْرِ، فَمَعْنى ﴿ولَوْ ألْقى﴾ أيْ: نَطَقَ بِمَعاذِيرِهِ وقالَها. وقِيلَ: ولَوْ رَمى بِأعْذارِهِ واسْتَسْلَمَ. وقالَ السُّدِّيُّ: ولَوْ أدْلى بِحُجَّةٍ وعُذْرٍ. وقِيلَ: ولَوْ أحالَ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْلا أنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبإ: ٣١] . والعُذْرَةُ والعُذْرى: المَعْذِرَةُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ها إنَّ ذِي عُذْرَةٍ أنْ لا تَكُنْ نَفَعَتْ وقالَ فِيها: ولا عُذْرَ لِمَجْحُودٍ.

القيامة 75:11

(سُورَةُ القِيامَةِ مَكِّيَّةٌ وهي أرْبَعُونَ آيَةً) (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ ﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ ﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] ﴿كَلّا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ [القيامة: ٢٠] ﴿وتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ [القيامة: ٢١] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤] ﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٥] ﴿كَلّا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ [القيامة: ٢٦] ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ [القيامة: ٢٧] ﴿وظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ [القيامة: ٢٨] ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ [القيامة: ٢٩] ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ [القيامة: ٣٠] ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١] ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣٢] ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ [القيامة: ٣٣] ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٤] ﴿ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٥] ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ [القيامة: ٣٧] ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ [القيامة: ٣٨] ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠] . (p-٣٨٢)بَرِقَ بِكَسْرِ الرّاءِ: فَزِعَ ودَهِشَ، وأصْلُهُ مِن بَرِقَ الرَّجُلُ، إذا نَظَرَ إلى البَرْقِ فَدُهِشَ بَصَرُهُ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎ولَوْ أنَّ لُقْمانَ الحَكِيمَ تَعَرَّضَتْ لِعَيْنَيْهِ مَيٌّ سافِرًا كادَ يَبْرُقُ (قالَ الأعْشى): ؎وكُنْتُ أرى في وجْهِ مِيَّةَ لُمْحَةً ∗∗∗ فَأُبْرِقُ مَغْشِيًّا عَلِيَّ مَكانِيا وبَرَقَ بِفَتْحِ الرّاءِ: شُقَّ بَصَرُهُ، وهو مِنَ البَرِيقِ، أيْ: لَمَعَ بَصَرُهُ مِن شِدَّةِ شُخُوصِهِ. الوِزْرُ: ما يَلْجَأُ إلَيْهِ مِن حِصْنٍ أوْ جَبَلٍ أوْ غَيْرِهِما، قالَ الشّاعِرُ: ؎لَعَمْرُكَ ما لِلْفَتى مِن وِزْرٍ ∗∗∗ مِنَ المَوْتِ يُدْرِكُهُ والكِبَرُ النَّضِرَةُ: النِّعْمَةُ وجَمالُ البَشَرَةِ وطَراوَتِها، قالَ الشّاعِرُ: ؎أبى لِي قَبْرٌ لا يَزالُ مُقابَلِي ∗∗∗ وضَرْبَةُ فَأْسٍ فَوْقَ رَأْسِي فاقِرَهْ أيْ: مُؤَثِّرَةٌ. التَّراقِي جَمْعُ تَرْقُوَةٍ: وهي عِظامُ الصَّدْرِ، ولِكُلِّ إنْسانٍ تَرْقُوَتانِ، وهو مَوْضِعُ الحَشْرَجَةِ، قالَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ: ؎ورُبَّ عَظِيمَةٍ دافَعْتُ عَنْهم ∗∗∗ وقَدْ بَلَغَتْ نُفُوسُهُمُ التَّراقِي رَقى يَرْقِي مِنَ الرُّقْيَةِ، وهي ما يُسْتَشْفى بِهِ لِلْمَرِيضِ مِنَ الكَلامِ المُعَدِّ لِذَلِكَ. تَمَطّى: تَبَخْتَرَ في مِشْيَتِهِ، وأصْلُهُ مِنَ المَطا وهو الظَّهْرُ، أيْ: يَلْوِي مَطاهُ تَبَخْتُرًا. وقِيلَ: أصْلُهُ تَمطَّطَ أيْ: تَمَدَّدَ في مِشْيَتِهِ، ومَدَّ مَنكِبَيْهِ، قُلِبَتِ الطّاءُ فِيهِ حَرْفَ عِلَّةٍ كَراهَةَ اجْتِماعِ الأمْثالِ، كَما قالُوا: تَظَنّى مِنَ الظَّنِّ، وأصْلُهُ تَظَنَّنَ. والمَطِيطا: التَّبَخْتُرُ ومَدُّ اليَدَيْنِ في المَشْيِ، والمَطِيطُ: الماءُ الحاثِرُ في أسْفَلِ الحَوْضِ؛ لِأنَّهُ يَتَمَطَّطُ فِيهِ، أيْ: يَمْتَدُّ. وعَلى هَذا الِاشْتِقاقِ لا يَكُونُ أصْلُهُ مِنَ المَطِّ لِاخْتِلافِ المادَّتَيْنِ، إذْ مادَّةُ المَطا (م ط و) ومادَّةُ تَمَطَّطَ (م ط ط) . سُدًى: مُهْمَلٌ، يُقالُ إبِلٌ سُدًى أيْ: مُهْمَلَةٌ تَرْعى حَيْثُ شاءَتْ بِلا راعٍ، وأسْدَيْتُ الشَّيْءَ أيْ: أهْمَلْتُهُ، وأسْدَيْتُ حاجَتِي: ضَيَّعْتُها. قالَ الشّاعِرُ: ؎فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ جَهْدَ اليَمِينِ ∗∗∗ ما خَلَقَ اللَّهُ شَيْئًا سُدى وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ دُرَيْدٍ في المَقْصُورَةِ: ؎لَمْ أرَ كالمُزْنِ سَوامًا بُهْلًا ∗∗∗ تَحْسَبُها مَرْعِيَّةً وهي سُدى (p-٣٨٣)﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَة﴾ ﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ ﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] ﴿كَلّا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ [القيامة: ٢٠] ﴿وتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ [القيامة: ٢١] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤] ﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٥] ﴿كَلّا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ [القيامة: ٢٦] ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ [القيامة: ٢٧] ﴿وظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ [القيامة: ٢٨] ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ [القيامة: ٢٩] ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ [القيامة: ٣٠] ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١] ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣٢] ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ [القيامة: ٣٣] ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٤] ﴿ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٥] ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ [القيامة: ٣٧] ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ [القيامة: ٣٨] ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠] . (p-٣٨٤)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها: أنَّ في آخِرِ ما قَبْلَها قَوْلَهُ: ﴿كَلّا بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ [المدثر: ٥٣] ﴿كَلّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٤] وفِيها كَثِيرٌ مِن أحْوالِ القِيامَةِ، فَذَكَرَ هُنا يَوْمَ القِيامَةِ وجُمَلًا مِن أحْوالِها. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿لا أُقْسِمُ﴾ . والخِلافُ في ”لا“، والخِلافُ في قِراءاتِها في أواخِرِ الواقِعَةِ. أقْسَمَ تَعالى بِيَوْمِ القِيامَةِ لِعِظَمِهِ وهَوْلِهِ. و﴿لا أُقْسِمُ﴾ قِيلَ: ”لا“ نافِيَةٌ، نَفى أنْ يُقْسِمَ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ، وأقْسَمَ بِيَوْمِ القِيامَةِ، نَصَّ عَلى هَذا الحَسَنُ. والجُمْهُورُ: عَلى أنَّ اللَّهَ أقْسَمَ بِالأمْرَيْنِ. واللَّوّامَةُ، قالَ الحَسَنُ: هي الَّتِي تَلُومُ صاحِبَها في تَرْكِ الطّاعَةِ ونَحْوِها، فَهي عَلى هَذا مَمْدُوحَةٌ، ولِذَلِكَ أقْسَمَ اللَّهُ بِها. ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَنْ مُجاهِدٍ، تَلُومُ عَلى ما فاتَ وتَنْدَمَ عَلى الشَّرِّ لِمَ فَعَلَتْهُ ؟، وعَلى الخَيْرِ لِمَ لَمْ تَسْتَكْثِرْ مِنهُ ؟ . وقِيلَ: النَّفْسُ المُتَّقِيَةُ الَّتِي تَلُومُ النُّفُوسَ في يَوْمِ القِيامَةِ عَلى تَقْصِيرِهِنَّ في التَّقْوى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: هي الفاجِرَةُ الخَشِعَةُ اللَّوّامَةُ لِصاحِبِها عَلى ما فاتَهُ مِن سَعْيِ الدُّنْيا وأعْراضِها، فَهي عَلى هَذا ذَمِيمَةٌ، ويَحْسُنُ نَفْيُ القَسَمِ بِها. والنَّفْسُ اللَّوّامَةُ: اسْمُ جِنْسٍ بِهَذا الوَصْفِ. وقِيلَ: هي نَفْسٌ مُعَيَّنَةٌ، وهي نَفْسُ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ تَزَلْ لائِمَةً لَهُ عَلى فِعْلِهِ الَّذِي أخْرَجَهُ مِنَ الجَنَّةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وكُلُّ نَفْسٍ مُتَوَسِّطَةٍ لَيْسَتْ بِمُطَمْئِنَةٍ ولا أمّارَةٍ بِالسُّوءِ، فَإنَّها لَوّامَةٌ في الطَّرَفَيْنِ، مَرَّةً تَلُومُ عَلى تَرْكِ الطّاعَةِ، ومَرَّةً تَلُومُ عَلى فَوْتِ ما تَشْتَهِي، فَإذا اطْمَأنَّتْ خَلَصَتْ وصَفَتْ. انْتَهى. والمُناسَبَةُ بَيْنَ القَسَمَيْنِ مِن حَيْثُ أحْوالِ النَّفْسِ مِن سَعادَتِها وشَقاوَتِها وظُهُورِ ذَلِكَ في يَوْمِ القِيامَةِ، وجَوابُ القَسَمِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ يَوْمُ القِيامَةِ المُقْسَمِ بِهِ وما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: (أيَحْسَبُ) الآيَةِ، وتَقْدِيرُهُ لِتُبْعَثُنَّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء: ٦٥] والأبْياتُ الَّتِي أنْشَدْتَها المُقْسَمُ عَلَيْهِ فِيها مَنفِيٌّ، وكانَ قَدْ أنْشَدَ قَوْلَ امْرِئِ القَيْسِ: ؎لا وأبِيكِ ابْنَةَ العامِرِيِّ ∗∗∗ لا يَدَّعِي القَوْمُ إنِّي أفِرُّ (وقَوْلُ غُوَيَّةَ بْنِ سُلْمى): ؎ألا نادَتْ أُمامَةُ بِاحْتِمالِي ∗∗∗ لِتُحْزِنَنِي فَلا يَكُ ما أُبالِي قالَ: فَهَلّا زَعَمْتَ أنَّ لا الَّتِي لِلْقَسَمِ زِيدَتْ مُوطِئَةً لِلنَّفْيِ بَعْدَهُ ومُؤَكِّدَةً لَهُ، وقَدَّرْتَ المُقْسَمَ عَلَيْهِ المَحْذُوفَ هاهُنا مَنفِيًّا، نَحْوُ قَوْلِكَ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ لا تُتْرَكُونَ سُدًى ؟ (قُلْتُ): لَوْ قَصَرُوا الأمْرَ عَلى النَّفْيِ دُونَ الإثْباتِ لَكانَ لِهَذا القَوْلِ مَساغٌ، ولَكِنَّهُ لَمْ يُقْسِمْ. ألا تَرى كَيْفَ لَقّى ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ [البلد: ١] بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾ [البلد: ٤] وكَذَلِكَ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] ؟ ثُمَّ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وجَوابُ القَسَمِ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ) وهو لَتُبْعَثُنَّ. انْتَهى، وهو تَقْدِيرُ النَّحّاسِ. وقَوْلُ مَن قالَ: جَوابُ القَسَمِ هو: (أيَحْسَبُ الإنْسانُ) . وما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ الجَوابَ: ﴿بَلى قادِرِينَ﴾ وما قِيلَ أنَّ ”لا“ في القَسَمَيْنِ لِنَفْيِهِما، أيْ: لا أُقْسِمُ عَلى شَيْءٍ، وأنَّ التَّقْدِيرَ: أسْألُكَ أيَحْسَبُ الإنْسانُ ؟ أقْوالٌ لا تَصْلُحُ أنْ يَرِدَ بِها، بَلْ تُطْرَحُ ولا يُسَوَّدُ بِها الوَرَقُ، ولَوْلا أنَّهم سَرَدُوها في الكُتُبِ لَمْ أُنَبِّهْ عَلَيْها. والإنْسانُ هُنا الكافِرُ المُكَذِّبُ بِالبَعْثِ. رُوِيَ «أنَّ عَدِيَّ بْنَ رَبِيعَةَ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يا مُحَمَّدُ ! حَدِّثْنِي عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ مَتى يَكُونُ أمْرُهُ ؟ فَأخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: لَوْ عايَنْتُ ذَلِكَ اليَوْمَ لَمْ (p-٣٨٥)أُصَدِّقْكَ ولَمْ أُؤْمِن بِهِ، أوْ يَجْمَعُ اللَّهُ هَذِهِ العِظامَ بَعْدَ بَلاها ؟» فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ، كانَ يَقُولُ أيَزْعُمُ مُحَمَّدٌ ﷺ أنْ يَجْمَعَ اللَّهُ هَذِهِ العِظامَ بَعْدَ بَلاها وتَفَرُّقِها، فَيُعِيدُها خَلْقًا جَدِيدًا ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿نَجْمَعَ﴾ بِنُونٍ ﴿عِظامَهُ﴾ نَصْبًا. وقَتادَةُ: بِالتّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ﴿عِظامَهُ﴾ رَفْعًا، والمَعْنى: بَعْدَ تَفَرُّقِها واخْتِلاطِها بِالتُّرابِ وتَطْيِيرِ الرِّياحِ إيّاها في أقاصِي الأرْضِ. وقَوْلُهُ: (أيَحْسَبُ) اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ، حَيْثُ يُنْكِرُ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى عَلى إعادَةِ المَعْدُومِ. (بَلى): جَوابٌ لِلِاسْتِفْهامِ المُنْسَحِبِ عَلى النَّفْيِ، أيْ: بَلى نَجْمَعُها. وذَكَرَ العِظامَ، وإنْ كانَ المَعْنى إعادَةَ الإنْسانِ وجَمْعَ أجْزائِهِ المُتَفَرِّقَةِ؛ لِأنَّ العِظامَ هي قالَبُ الخَلْقِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (قادِرِينَ) بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي في الفِعْلِ المُقَدَّرِ وهو يَجْمَعُها. وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ السَّمَيْقَعِ: قادِرُونَ، أيْ: نَحْنُ قادِرُونَ. ﴿عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾: وهي الأصابِعُ، أكْثَرُ العِظامِ تَفَرُّقًا وأدَقُّها أجْزاءً، وهي العِظامُ الَّتِي في الأنامِلِ ومَفاصِلِها، وهَذا عِنْدَ البَعْثِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والجُمْهُورُ: المَعْنى نَجْعَلُها في حَياتِهِ هَذِهِ بُضْعَةً، أوْ عَظْمًا واحِدًا كَخُفِّ البَعِيرِ لا تَفارِيقَ فِيهِ، أيْ: في الدُّنْيا فَتَقِلُّ مَنفَعَتُهُ بِها، وهَذا القَوْلُ فِيهِ تَوَعُّدٌ، والمَعْنى الأوَّلُ هو الظّاهِرُ والمَقْصُودُ مِن رَصْفِ الكَلامِ. وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ بِألْفاظٍ مُنَمَّقَةٍ عَلى عادَتِهِ في حِكايَةِ أقْوالِ المُتَقَدِّمِينَ. وقِيلَ: (قادِرِينَ) مَنصُوبٌ عَلى خَبَرِ كانَ، أيْ: بَلى كُنّا قادِرِينَ في الِابْتِداءِ. ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ﴾: بَلْ إضْرابٌ، وهو انْتِقالٌ مِن كَلامٍ إلى كَلامٍ مِن غَيْرِ إبْطالٍ. والظّاهِرُ أنَّ (يُرِيدُ) إخْبارٌ عَنْ ما يُرِيدُهُ الإنْسانُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (بَلْ يُرِيدُ) عَطْفٌ عَلى (أيَحْسَبُ) فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَبْلَهُ اسْتِفْهامًا، وأنْ يَكُونَ إيجابًا عَلى أنْ يُضْرَبَ عَنْ مُسْتَفْهَمٍ عَنْهُ إلى آخَرَ، أوْ يُضْرَبَ عَنْ مُسْتَفْهَمٍ عَنْهُ إلى مُوجِبٍ. انْتَهى. وهَذِهِ التَّقادِيرُ الثَّلاثَةُ لا تَظْهَرُ، وهي مُتَكَلَّفَةٌ، بَلِ المَعْنى: الإخْبارُ عَنِ الإنْسانِ مِن غَيْرِ إبْطالٍ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، وهي نَجْمَعُها قادِرِينَ، لِنُبَيِّنَ ما هو عَلَيْهِ الإنْسانُ مِن عَدَمِ الفِكْرِ في الآخِرَةِ وأنَّهُ مَعْنِيٌّ بِشَهَواتِهِ. ومَفْعُولُ (يُرِيدُ) مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّعْلِيلُ في ﴿لِيَفْجُرَ﴾ . قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ: مَعْنى الآيَةِ: أنَّ الإنْسانَ إنَّما يُرِيدُ شَهَواتِهِ ومَعاصِيهِ؛ لِيَمْضِيَ فِيها أبَدًا قُدُمًا راكِبًا رَأْسَهُ مُطِيعًا أمَلَهُ ومُسَوِّفًا بِتَوْبَتِهِ. قالَ السُّدِّيُّ أيْضًا: لِيَظْلِمَ عَلى قَدْرِ طاقَتِهِ، وعَلى هَذا فالضَّمِيرُ في ﴿أمامَهُ﴾ عائِدٌ عَلى الإنْسانِ، وهو الظّاهِرُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ما يَقْتَضِي أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ أنَّ الإنْسانَ في زَمانِ وُجُودِهِ أمامَ يَوْمِ القِيامَةِ، وبَيْنَ يَدَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ خَلْفَهُ، فَهو يُرِيدُ شَهَواتِهِ؛ لِيَفْجُرَ في تَكْذِيبِهِ بِالبَعْثِ وغَيْرِ ذَلِكَ بَيْنَ يَدَيْ يَوْمِ القِيامَةِ، وهو لا يَعْرِفُ القَدْرَ الَّذِي هو فِيهِ. والأمامُ ظَرْفُ مَكانٍ اسْتُعِيرَ هُنا لِلزَّمانِ، أيْ: لِيَفْجُرَ فِيما بَيْنَ يَدَيْهِ ويَسْتَقْبِلُهُ مِن زَمانِ حَياتِهِ. ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ أيْ: مَتى يَوْمُ القِيامَةِ ؟ سُؤالُ اسْتِهْزاءٍ وتَكْذِيبٍ وتَعَنُّتٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿بَرِقَ﴾ بِكَسْرِ الرّاءِ. وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والزَّعْفَرانِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ ونافِعٌ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ وهارُونَ ومَحْبُوبٍ، كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو، والحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ: بِخِلافٍ عَنْهُما بِفَتْحِها. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: بَرَقَ بِالفَتْحِ: شَقَّ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: خَفَتَ عِنْدَ المَوْتِ. قالَ مُجاهِدٌ: هَذا عِنْدَ المَوْتِ. وقالَ الحَسَنُ: هو يَوْمُ القِيامَةِ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: بَلَقَ بِاللّامِ عِوَضَ الرّاءِ، أيِ: انْفَتَحَ وانْفَرَجَ، يُقالُ: بَلَقَ البابُ وأبْلَقْتُهُ وبَلَّقْتُهُ: فَتَحْتُهُ، هَذا قَوْلُ أهْلِ اللُّغَةِ إلّا الفَرّاءَ فَإنَّهُ يَقُولُ: بَلَقَهُ وأبْلَقَهُ إذا أغْلَقَهُ. وقالَ ثَعْلَبٌ: أخْطَأ الفَرّاءُ في ذَلِكَ، إنَّما هو بَلَقَ البابَ وأبْلَقَهُ إذا فَتَحَهُ. انْتَهى. ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ اللّامُ بَدَلًا مِنَ الرّاءِ، فَهُما يَتَعاقَبانِ في بَعْضِ الكَلامِ، نَحْوُ قَوْلِهِمْ: نَثَرَهُ ونَثَلَهُ، ووَجَرَ ووَجِلَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وخَسَفَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ويَزِيدُ بْنُ (p-٣٨٦)قُطَيْبٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. يُقالُ: خَسَفَ القَمَرُ وخَسَفَهُ اللَّهُ، وكَذَلِكَ الشَّمْسُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ: الخُسُوفُ والكُسُوفُ بِمَعْنًى واحِدٍ. وقالَ ابْنُ أبِي أُوَيْسٍ: الكُسُوفُ ذَهابُ بَعْضِ الضَّوْءِ، والخُسُوفُ جَمِيعُهُ. ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾: لَمْ تَلْحَقْ عَلامَةُ التَّأْنِيثِ؛ لِأنَّ تَأْنِيثَ الشَّمْسِ مَجازٌ، أوْ لِتَغْلِيبِ التَّذْكِيرِ عَلى التَّأْنِيثِ. وقالَ الكِسائِيُّ: حُمِلَ عَلى المَعْنى، والتَّقْدِيرُ: جُمِعَ النُّورانِ أوِ الضِّياءانِ، ومَعْنى الجَمْعِ بَيْنَهُما، قالَ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ: يُجْمَعانِ فَيُلْقَيانِ في النّارِ، وعَنْهُ يُجْمَعانِ يَوْمَ القِيامَةِ ثُمَّ يُقْذَفانِ في البَحْرِ، فَيَكُونانِ نارَ اللَّهِ الكُبْرى. وقِيلَ: يُجْمَعُ بَيْنَهُما في الطُّلُوعِ مِنَ المَغْرِبِ، فَيَطْلُعانِ أسْوَدَيْنِ مُكَوَّرَيْنِ. وقالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ: يُجْعَلانِ في نُورِ الحُجُبِ، وقِيلَ: يَجْتَمِعانِ ولا يَتَفَرَّقانِ، ويَقْرُبانِ مِنَ النّاسِ فَيَلْحَقُهُمُ العَرَقُ لِشِدَّةِ الحَرِّ، فَكَأنَّ المَعْنى: يُجْمَعُ حَرُّهُما. وقِيلَ: يُجْمَعُ بَيْنَهُما في ذَهابِ الضَّوْءِ، فَلا يَكُونُ ثَمَّ تَعاقُبُ لَيْلٍ ولا نَهارٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿المَفَرُّ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ والفاءِ، أيْ: أيْنَ الفِرارُ ؟ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ بْنِ أبِي طالِبٍ، والحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ، وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وأيُّوبُ السَّخْتِيانِيُّ وكُلْثُومُ بْنُ عِياضٍ، ومُجاهِدٌ وابْنُ يَعْمُرَ وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ وأبُو رَجاءٍ وعِيسى، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والزُّهْرِيُّ: بِكَسْرِ الفاءِ، وهو مَوْضِعُ الفِرارِ. وقَرَأ الحَسَنُ: بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ الفاءِ، ونَسَبَها ابْنُ عَطِيَّةَ لِلزُّهْرِيِّ، أيِ: الجَيِّدُ الفِرارِ، وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ هَذا الوَزْنُ في الآلاتِ وفي صِفاتِ الخَيْلِ، نَحْوُ قَوْلِهِ: ؎مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعًا والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ مِن تَمامِ قَوْلِ الإنْسانِ. وقِيلَ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، لا حِكايَةً عَنِ الإنْسانِ. (كَلًّا): رَدْعٌ عَنْ طَلَبِ المَفَرِّ ﴿لا وزَرَ﴾: لا مَلْجَأ، وعَبَّرَ المُفَسِّرُونَ عَنْهُ بِالجَبَلِ. قالَ مُطَرِّفُ بْنُ الشِّخِّيرِ: هو كانَ وِزْرُ فِرارِ العَرَبِ في بِلادِهِمْ، فَلِذَلِكَ اسْتُعْمِلَ، والحَقِيقَةُ أنَّهُ المَلْجَأُ مِن جَبَلٍ أوْ حِصْنٍ أوْ سِلاحٍ أوْ رَجُلٍ أوْ غَيْرِهِ. (إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ) أيْ: إلى حُكْمِهِ يَوْمئِذٍ تَقُولُ أيْنَ المَفَرُّ ﴿المُسْتَقَرُّ﴾ أيِ: الِاسْتِقْرارُ، أوْ مَوْضِعُ اسْتِقْرارٍ مِن جَنَّةٍ أوْ نارٍ إلى مَشِيئَتِهِ تَعالى، يُدْخِلُ مَن شاءَ الجَنَّةَ، ويُدْخِلُ مَن شاءَ النّارَ. ﴿بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ قالَ عَبْدُ اللَّهِ وابْنُ عَبّاسٍ: بِما قَدَّمَ في حَياتِهِ وأخَّرَ مِن سَنَةٍ يَعْمَلُ بِها بَعْدَهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: بِما قَدَّمَ مِنَ المَعاصِي وأخَّرَ مِنَ الطّاعاتِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: بِما قَدَّمَ مِن مالِهِ لِنَفْسِهِ، وبِما أخَّرَ مِنهُ لِلْوارِثِ. وقالَ النَّخَعِيُّ ومُجاهِدٌ: بِأوَّلِ عَمَلِهِ وآخِرِهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: بِما قَدَّمَ مِن فَرْضٍ وأخَّرَ مِن فَرْضٍ. والظّاهِرُ حَمْلُهُ عَلى العُمُومِ، أيْ: يُخْبِرُهُ بِكُلِّ ما قَدَّمَ وكُلِّ ما أخَّرَ، مِمّا ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ ومِمّا لَمْ يَذْكُرُوهُ. (بَصِيرَةً): خَبَرٌ عَنِ الإنْسانِ، أيْ: شاهِدٌ، قالَهُ قَتادَةُ، والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ. وقالَ الأخْفَشُ: هو كَقَوْلِكَ فُلانٌ عِبْرَةٌ وحُجَّةٌ. وقِيلَ: أُنِّثَ لِأنَّهُ أرادَ جَوارِحَهُ، أيْ: جَوارِحُهُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ. وقِيلَ: (بَصِيرَةٌ) مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ المَوْصُوفِ، أيْ: عَيْنٌ بَصِيرَةٌ، و(عَلى نَفْسِهِ) الخَبَرُ. والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ خَبَرٍ عَنِ الإنْسانِ، والتَّقْدِيرُ: عَيْنٌ بَصِيرَةٌ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الفَرّاءُ، وأنْشَدَ: ؎كَأنَّ عَلى ذِي العَقْلِ عَيْنًا بَصِيرَةً ∗∗∗ بِمَقْعَدِهِ، أوْ مَنظَرٍ هو ناظِرُهُ ؎يُحاذِرُ حَتّى يَحْسَبَ النّاسَ كُلَّهم ∗∗∗ مِنَ الخَوْفِ لا تَخْفى عَلَيْهِمْ سَرائِرُهُ وعَلى هَذا نَخْتارُ أنْ تَكُونَ (بَصِيرَةٌ) فاعِلًا بِالجارِّ والمَجْرُورِ، وهو الخَبَرُ عَنِ الإنْسانِ. ألا تَرى أنَّهُ قَدِ اعْتَمَدَ بِوُقُوعِهِ خَبَرًا عَنِ الإنْسانِ ؟ وعَلى هَذا فالتّاءُ لِلتَّأْنِيثِ. وتَأوَّلَ ابْنُ عَبّاسٍ (البَصِيرَةَ) بِالجَوارِحِ، أوِ المَلائِكَةِ الحَفَظَةِ. والمَعاذِيرُ عِنْدَ الجُمْهُورِ الأعْذارُ، فالمَعْنى: لَوْ جاءَ بِكُلِّ مَعْذِرَةٍ يَعْتَذِرُ بِها عَنْ نَفْسِهِ، فَإنَّهُ هو الشّاهِدُ عَلَيْها والحُجَّةُ البَيِّنَةُ عَلَيْها. وقِيلَ: المَعاذِيرُ جَمْعُ مَعْذِرَةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قِياسُ مَعْذِرَةٍ مَعاذِرُ، فالمَعاذِيرُ لَيْسَ بِجَمْعِ مَعْذِرَةٍ، إنَّما هو اسْمُ جَمْعٍ لَها، ونَحْوُ المَناكِيرِ في المُنْكَرِ. انْتَهى. ولَيْسَ هَذا البِناءُ مِن (p-٣٨٧)أبْنِيَةِ أسْماءِ الجُمُوعِ، وإنَّما هو مِن أبْنِيَةِ جَمْعِ التَّكْسِيرِ، فَهو كَمَذاكِيرَ ومَلامِيحَ والمُفْرَدُ مِنهُما لَمْحَةٌ وذِكْرٌ. ولَمْ يَذْهَبْ أحَدٌ إلى أنَّهُما مِن أسْماءِ الجُمُوعِ، بَلْ قِيلَ: هُما جَمْعٌ لِلَمْحَةٍ وذِكْرٍ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، أوْ هُما جَمْعٌ لِمُفْرَدٍ لَمْ يَنْطِقْ بِهِ، وهو مِذْكارٌ ومَلْمَحَةٌ. وقالَ السُّدِّيُّ والضَّحّاكُ: المَعاذِيرُ: السُّتُورُ بِلُغَةِ اليَمَنِ، واحِدُها مِعْذارٌ، وهو يَمْنَعُ رُؤْيَةَ المُحْتَجِبِ، كَما تَمْنَعُ المَعْذِرَةُ عُقُوبَةَ الذَّنْبِ. وقالَهُ الزَّجّاجُ أيْضًا، أيْ: وإنْ رَمى مَسْتُورَةً يُرِيدُ أنْ يُخْفِيَ عَمَلَهُ، فَنَفْسُهُ شاهِدَةٌ عَلَيْهِ. وأنْشَدُوا في أنَّ المَعاذِيرَ السُّتُورُ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎ولَكِنَّها ضَنَّتْ بِمَنزِلِ ساعَةٍ ∗∗∗ عَلَيْنا، وأطَّتْ فَوْقَها بِالمَعاذِرِ وقِيلَ: البَصِيرَةُ: الكاتِبانِ يَكْتُبانِ ما يَكُونُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، أيْ: وإنْ تَسَتَّرَ بِالسُّتُورِ، وإذا كانَتْ مِنَ العُذْرِ، فَمَعْنى ﴿ولَوْ ألْقى﴾ أيْ: نَطَقَ بِمَعاذِيرِهِ وقالَها. وقِيلَ: ولَوْ رَمى بِأعْذارِهِ واسْتَسْلَمَ. وقالَ السُّدِّيُّ: ولَوْ أدْلى بِحُجَّةٍ وعُذْرٍ. وقِيلَ: ولَوْ أحالَ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْلا أنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبإ: ٣١] . والعُذْرَةُ والعُذْرى: المَعْذِرَةُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ها إنَّ ذِي عُذْرَةٍ أنْ لا تَكُنْ نَفَعَتْ وقالَ فِيها: ولا عُذْرَ لِمَجْحُودٍ.

القيامة 75:12

(سُورَةُ القِيامَةِ مَكِّيَّةٌ وهي أرْبَعُونَ آيَةً) (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ ﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ ﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] ﴿كَلّا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ [القيامة: ٢٠] ﴿وتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ [القيامة: ٢١] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤] ﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٥] ﴿كَلّا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ [القيامة: ٢٦] ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ [القيامة: ٢٧] ﴿وظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ [القيامة: ٢٨] ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ [القيامة: ٢٩] ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ [القيامة: ٣٠] ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١] ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣٢] ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ [القيامة: ٣٣] ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٤] ﴿ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٥] ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ [القيامة: ٣٧] ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ [القيامة: ٣٨] ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠] . (p-٣٨٢)بَرِقَ بِكَسْرِ الرّاءِ: فَزِعَ ودَهِشَ، وأصْلُهُ مِن بَرِقَ الرَّجُلُ، إذا نَظَرَ إلى البَرْقِ فَدُهِشَ بَصَرُهُ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎ولَوْ أنَّ لُقْمانَ الحَكِيمَ تَعَرَّضَتْ لِعَيْنَيْهِ مَيٌّ سافِرًا كادَ يَبْرُقُ (قالَ الأعْشى): ؎وكُنْتُ أرى في وجْهِ مِيَّةَ لُمْحَةً ∗∗∗ فَأُبْرِقُ مَغْشِيًّا عَلِيَّ مَكانِيا وبَرَقَ بِفَتْحِ الرّاءِ: شُقَّ بَصَرُهُ، وهو مِنَ البَرِيقِ، أيْ: لَمَعَ بَصَرُهُ مِن شِدَّةِ شُخُوصِهِ. الوِزْرُ: ما يَلْجَأُ إلَيْهِ مِن حِصْنٍ أوْ جَبَلٍ أوْ غَيْرِهِما، قالَ الشّاعِرُ: ؎لَعَمْرُكَ ما لِلْفَتى مِن وِزْرٍ ∗∗∗ مِنَ المَوْتِ يُدْرِكُهُ والكِبَرُ النَّضِرَةُ: النِّعْمَةُ وجَمالُ البَشَرَةِ وطَراوَتِها، قالَ الشّاعِرُ: ؎أبى لِي قَبْرٌ لا يَزالُ مُقابَلِي ∗∗∗ وضَرْبَةُ فَأْسٍ فَوْقَ رَأْسِي فاقِرَهْ أيْ: مُؤَثِّرَةٌ. التَّراقِي جَمْعُ تَرْقُوَةٍ: وهي عِظامُ الصَّدْرِ، ولِكُلِّ إنْسانٍ تَرْقُوَتانِ، وهو مَوْضِعُ الحَشْرَجَةِ، قالَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ: ؎ورُبَّ عَظِيمَةٍ دافَعْتُ عَنْهم ∗∗∗ وقَدْ بَلَغَتْ نُفُوسُهُمُ التَّراقِي رَقى يَرْقِي مِنَ الرُّقْيَةِ، وهي ما يُسْتَشْفى بِهِ لِلْمَرِيضِ مِنَ الكَلامِ المُعَدِّ لِذَلِكَ. تَمَطّى: تَبَخْتَرَ في مِشْيَتِهِ، وأصْلُهُ مِنَ المَطا وهو الظَّهْرُ، أيْ: يَلْوِي مَطاهُ تَبَخْتُرًا. وقِيلَ: أصْلُهُ تَمطَّطَ أيْ: تَمَدَّدَ في مِشْيَتِهِ، ومَدَّ مَنكِبَيْهِ، قُلِبَتِ الطّاءُ فِيهِ حَرْفَ عِلَّةٍ كَراهَةَ اجْتِماعِ الأمْثالِ، كَما قالُوا: تَظَنّى مِنَ الظَّنِّ، وأصْلُهُ تَظَنَّنَ. والمَطِيطا: التَّبَخْتُرُ ومَدُّ اليَدَيْنِ في المَشْيِ، والمَطِيطُ: الماءُ الحاثِرُ في أسْفَلِ الحَوْضِ؛ لِأنَّهُ يَتَمَطَّطُ فِيهِ، أيْ: يَمْتَدُّ. وعَلى هَذا الِاشْتِقاقِ لا يَكُونُ أصْلُهُ مِنَ المَطِّ لِاخْتِلافِ المادَّتَيْنِ، إذْ مادَّةُ المَطا (م ط و) ومادَّةُ تَمَطَّطَ (م ط ط) . سُدًى: مُهْمَلٌ، يُقالُ إبِلٌ سُدًى أيْ: مُهْمَلَةٌ تَرْعى حَيْثُ شاءَتْ بِلا راعٍ، وأسْدَيْتُ الشَّيْءَ أيْ: أهْمَلْتُهُ، وأسْدَيْتُ حاجَتِي: ضَيَّعْتُها. قالَ الشّاعِرُ: ؎فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ جَهْدَ اليَمِينِ ∗∗∗ ما خَلَقَ اللَّهُ شَيْئًا سُدى وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ دُرَيْدٍ في المَقْصُورَةِ: ؎لَمْ أرَ كالمُزْنِ سَوامًا بُهْلًا ∗∗∗ تَحْسَبُها مَرْعِيَّةً وهي سُدى (p-٣٨٣)﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَة﴾ ﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ ﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] ﴿كَلّا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ [القيامة: ٢٠] ﴿وتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ [القيامة: ٢١] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤] ﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٥] ﴿كَلّا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ [القيامة: ٢٦] ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ [القيامة: ٢٧] ﴿وظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ [القيامة: ٢٨] ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ [القيامة: ٢٩] ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ [القيامة: ٣٠] ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١] ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣٢] ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ [القيامة: ٣٣] ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٤] ﴿ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٥] ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ [القيامة: ٣٧] ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ [القيامة: ٣٨] ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠] . (p-٣٨٤)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها: أنَّ في آخِرِ ما قَبْلَها قَوْلَهُ: ﴿كَلّا بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ [المدثر: ٥٣] ﴿كَلّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٤] وفِيها كَثِيرٌ مِن أحْوالِ القِيامَةِ، فَذَكَرَ هُنا يَوْمَ القِيامَةِ وجُمَلًا مِن أحْوالِها. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿لا أُقْسِمُ﴾ . والخِلافُ في ”لا“، والخِلافُ في قِراءاتِها في أواخِرِ الواقِعَةِ. أقْسَمَ تَعالى بِيَوْمِ القِيامَةِ لِعِظَمِهِ وهَوْلِهِ. و﴿لا أُقْسِمُ﴾ قِيلَ: ”لا“ نافِيَةٌ، نَفى أنْ يُقْسِمَ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ، وأقْسَمَ بِيَوْمِ القِيامَةِ، نَصَّ عَلى هَذا الحَسَنُ. والجُمْهُورُ: عَلى أنَّ اللَّهَ أقْسَمَ بِالأمْرَيْنِ. واللَّوّامَةُ، قالَ الحَسَنُ: هي الَّتِي تَلُومُ صاحِبَها في تَرْكِ الطّاعَةِ ونَحْوِها، فَهي عَلى هَذا مَمْدُوحَةٌ، ولِذَلِكَ أقْسَمَ اللَّهُ بِها. ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَنْ مُجاهِدٍ، تَلُومُ عَلى ما فاتَ وتَنْدَمَ عَلى الشَّرِّ لِمَ فَعَلَتْهُ ؟، وعَلى الخَيْرِ لِمَ لَمْ تَسْتَكْثِرْ مِنهُ ؟ . وقِيلَ: النَّفْسُ المُتَّقِيَةُ الَّتِي تَلُومُ النُّفُوسَ في يَوْمِ القِيامَةِ عَلى تَقْصِيرِهِنَّ في التَّقْوى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: هي الفاجِرَةُ الخَشِعَةُ اللَّوّامَةُ لِصاحِبِها عَلى ما فاتَهُ مِن سَعْيِ الدُّنْيا وأعْراضِها، فَهي عَلى هَذا ذَمِيمَةٌ، ويَحْسُنُ نَفْيُ القَسَمِ بِها. والنَّفْسُ اللَّوّامَةُ: اسْمُ جِنْسٍ بِهَذا الوَصْفِ. وقِيلَ: هي نَفْسٌ مُعَيَّنَةٌ، وهي نَفْسُ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ تَزَلْ لائِمَةً لَهُ عَلى فِعْلِهِ الَّذِي أخْرَجَهُ مِنَ الجَنَّةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وكُلُّ نَفْسٍ مُتَوَسِّطَةٍ لَيْسَتْ بِمُطَمْئِنَةٍ ولا أمّارَةٍ بِالسُّوءِ، فَإنَّها لَوّامَةٌ في الطَّرَفَيْنِ، مَرَّةً تَلُومُ عَلى تَرْكِ الطّاعَةِ، ومَرَّةً تَلُومُ عَلى فَوْتِ ما تَشْتَهِي، فَإذا اطْمَأنَّتْ خَلَصَتْ وصَفَتْ. انْتَهى. والمُناسَبَةُ بَيْنَ القَسَمَيْنِ مِن حَيْثُ أحْوالِ النَّفْسِ مِن سَعادَتِها وشَقاوَتِها وظُهُورِ ذَلِكَ في يَوْمِ القِيامَةِ، وجَوابُ القَسَمِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ يَوْمُ القِيامَةِ المُقْسَمِ بِهِ وما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: (أيَحْسَبُ) الآيَةِ، وتَقْدِيرُهُ لِتُبْعَثُنَّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء: ٦٥] والأبْياتُ الَّتِي أنْشَدْتَها المُقْسَمُ عَلَيْهِ فِيها مَنفِيٌّ، وكانَ قَدْ أنْشَدَ قَوْلَ امْرِئِ القَيْسِ: ؎لا وأبِيكِ ابْنَةَ العامِرِيِّ ∗∗∗ لا يَدَّعِي القَوْمُ إنِّي أفِرُّ (وقَوْلُ غُوَيَّةَ بْنِ سُلْمى): ؎ألا نادَتْ أُمامَةُ بِاحْتِمالِي ∗∗∗ لِتُحْزِنَنِي فَلا يَكُ ما أُبالِي قالَ: فَهَلّا زَعَمْتَ أنَّ لا الَّتِي لِلْقَسَمِ زِيدَتْ مُوطِئَةً لِلنَّفْيِ بَعْدَهُ ومُؤَكِّدَةً لَهُ، وقَدَّرْتَ المُقْسَمَ عَلَيْهِ المَحْذُوفَ هاهُنا مَنفِيًّا، نَحْوُ قَوْلِكَ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ لا تُتْرَكُونَ سُدًى ؟ (قُلْتُ): لَوْ قَصَرُوا الأمْرَ عَلى النَّفْيِ دُونَ الإثْباتِ لَكانَ لِهَذا القَوْلِ مَساغٌ، ولَكِنَّهُ لَمْ يُقْسِمْ. ألا تَرى كَيْفَ لَقّى ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ [البلد: ١] بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾ [البلد: ٤] وكَذَلِكَ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] ؟ ثُمَّ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وجَوابُ القَسَمِ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ) وهو لَتُبْعَثُنَّ. انْتَهى، وهو تَقْدِيرُ النَّحّاسِ. وقَوْلُ مَن قالَ: جَوابُ القَسَمِ هو: (أيَحْسَبُ الإنْسانُ) . وما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ الجَوابَ: ﴿بَلى قادِرِينَ﴾ وما قِيلَ أنَّ ”لا“ في القَسَمَيْنِ لِنَفْيِهِما، أيْ: لا أُقْسِمُ عَلى شَيْءٍ، وأنَّ التَّقْدِيرَ: أسْألُكَ أيَحْسَبُ الإنْسانُ ؟ أقْوالٌ لا تَصْلُحُ أنْ يَرِدَ بِها، بَلْ تُطْرَحُ ولا يُسَوَّدُ بِها الوَرَقُ، ولَوْلا أنَّهم سَرَدُوها في الكُتُبِ لَمْ أُنَبِّهْ عَلَيْها. والإنْسانُ هُنا الكافِرُ المُكَذِّبُ بِالبَعْثِ. رُوِيَ «أنَّ عَدِيَّ بْنَ رَبِيعَةَ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يا مُحَمَّدُ ! حَدِّثْنِي عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ مَتى يَكُونُ أمْرُهُ ؟ فَأخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: لَوْ عايَنْتُ ذَلِكَ اليَوْمَ لَمْ (p-٣٨٥)أُصَدِّقْكَ ولَمْ أُؤْمِن بِهِ، أوْ يَجْمَعُ اللَّهُ هَذِهِ العِظامَ بَعْدَ بَلاها ؟» فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ، كانَ يَقُولُ أيَزْعُمُ مُحَمَّدٌ ﷺ أنْ يَجْمَعَ اللَّهُ هَذِهِ العِظامَ بَعْدَ بَلاها وتَفَرُّقِها، فَيُعِيدُها خَلْقًا جَدِيدًا ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿نَجْمَعَ﴾ بِنُونٍ ﴿عِظامَهُ﴾ نَصْبًا. وقَتادَةُ: بِالتّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ﴿عِظامَهُ﴾ رَفْعًا، والمَعْنى: بَعْدَ تَفَرُّقِها واخْتِلاطِها بِالتُّرابِ وتَطْيِيرِ الرِّياحِ إيّاها في أقاصِي الأرْضِ. وقَوْلُهُ: (أيَحْسَبُ) اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ، حَيْثُ يُنْكِرُ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى عَلى إعادَةِ المَعْدُومِ. (بَلى): جَوابٌ لِلِاسْتِفْهامِ المُنْسَحِبِ عَلى النَّفْيِ، أيْ: بَلى نَجْمَعُها. وذَكَرَ العِظامَ، وإنْ كانَ المَعْنى إعادَةَ الإنْسانِ وجَمْعَ أجْزائِهِ المُتَفَرِّقَةِ؛ لِأنَّ العِظامَ هي قالَبُ الخَلْقِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (قادِرِينَ) بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي في الفِعْلِ المُقَدَّرِ وهو يَجْمَعُها. وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ السَّمَيْقَعِ: قادِرُونَ، أيْ: نَحْنُ قادِرُونَ. ﴿عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾: وهي الأصابِعُ، أكْثَرُ العِظامِ تَفَرُّقًا وأدَقُّها أجْزاءً، وهي العِظامُ الَّتِي في الأنامِلِ ومَفاصِلِها، وهَذا عِنْدَ البَعْثِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والجُمْهُورُ: المَعْنى نَجْعَلُها في حَياتِهِ هَذِهِ بُضْعَةً، أوْ عَظْمًا واحِدًا كَخُفِّ البَعِيرِ لا تَفارِيقَ فِيهِ، أيْ: في الدُّنْيا فَتَقِلُّ مَنفَعَتُهُ بِها، وهَذا القَوْلُ فِيهِ تَوَعُّدٌ، والمَعْنى الأوَّلُ هو الظّاهِرُ والمَقْصُودُ مِن رَصْفِ الكَلامِ. وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ بِألْفاظٍ مُنَمَّقَةٍ عَلى عادَتِهِ في حِكايَةِ أقْوالِ المُتَقَدِّمِينَ. وقِيلَ: (قادِرِينَ) مَنصُوبٌ عَلى خَبَرِ كانَ، أيْ: بَلى كُنّا قادِرِينَ في الِابْتِداءِ. ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ﴾: بَلْ إضْرابٌ، وهو انْتِقالٌ مِن كَلامٍ إلى كَلامٍ مِن غَيْرِ إبْطالٍ. والظّاهِرُ أنَّ (يُرِيدُ) إخْبارٌ عَنْ ما يُرِيدُهُ الإنْسانُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (بَلْ يُرِيدُ) عَطْفٌ عَلى (أيَحْسَبُ) فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَبْلَهُ اسْتِفْهامًا، وأنْ يَكُونَ إيجابًا عَلى أنْ يُضْرَبَ عَنْ مُسْتَفْهَمٍ عَنْهُ إلى آخَرَ، أوْ يُضْرَبَ عَنْ مُسْتَفْهَمٍ عَنْهُ إلى مُوجِبٍ. انْتَهى. وهَذِهِ التَّقادِيرُ الثَّلاثَةُ لا تَظْهَرُ، وهي مُتَكَلَّفَةٌ، بَلِ المَعْنى: الإخْبارُ عَنِ الإنْسانِ مِن غَيْرِ إبْطالٍ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، وهي نَجْمَعُها قادِرِينَ، لِنُبَيِّنَ ما هو عَلَيْهِ الإنْسانُ مِن عَدَمِ الفِكْرِ في الآخِرَةِ وأنَّهُ مَعْنِيٌّ بِشَهَواتِهِ. ومَفْعُولُ (يُرِيدُ) مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّعْلِيلُ في ﴿لِيَفْجُرَ﴾ . قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ: مَعْنى الآيَةِ: أنَّ الإنْسانَ إنَّما يُرِيدُ شَهَواتِهِ ومَعاصِيهِ؛ لِيَمْضِيَ فِيها أبَدًا قُدُمًا راكِبًا رَأْسَهُ مُطِيعًا أمَلَهُ ومُسَوِّفًا بِتَوْبَتِهِ. قالَ السُّدِّيُّ أيْضًا: لِيَظْلِمَ عَلى قَدْرِ طاقَتِهِ، وعَلى هَذا فالضَّمِيرُ في ﴿أمامَهُ﴾ عائِدٌ عَلى الإنْسانِ، وهو الظّاهِرُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ما يَقْتَضِي أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ أنَّ الإنْسانَ في زَمانِ وُجُودِهِ أمامَ يَوْمِ القِيامَةِ، وبَيْنَ يَدَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ خَلْفَهُ، فَهو يُرِيدُ شَهَواتِهِ؛ لِيَفْجُرَ في تَكْذِيبِهِ بِالبَعْثِ وغَيْرِ ذَلِكَ بَيْنَ يَدَيْ يَوْمِ القِيامَةِ، وهو لا يَعْرِفُ القَدْرَ الَّذِي هو فِيهِ. والأمامُ ظَرْفُ مَكانٍ اسْتُعِيرَ هُنا لِلزَّمانِ، أيْ: لِيَفْجُرَ فِيما بَيْنَ يَدَيْهِ ويَسْتَقْبِلُهُ مِن زَمانِ حَياتِهِ. ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ أيْ: مَتى يَوْمُ القِيامَةِ ؟ سُؤالُ اسْتِهْزاءٍ وتَكْذِيبٍ وتَعَنُّتٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿بَرِقَ﴾ بِكَسْرِ الرّاءِ. وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والزَّعْفَرانِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ ونافِعٌ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ وهارُونَ ومَحْبُوبٍ، كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو، والحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ: بِخِلافٍ عَنْهُما بِفَتْحِها. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: بَرَقَ بِالفَتْحِ: شَقَّ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: خَفَتَ عِنْدَ المَوْتِ. قالَ مُجاهِدٌ: هَذا عِنْدَ المَوْتِ. وقالَ الحَسَنُ: هو يَوْمُ القِيامَةِ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: بَلَقَ بِاللّامِ عِوَضَ الرّاءِ، أيِ: انْفَتَحَ وانْفَرَجَ، يُقالُ: بَلَقَ البابُ وأبْلَقْتُهُ وبَلَّقْتُهُ: فَتَحْتُهُ، هَذا قَوْلُ أهْلِ اللُّغَةِ إلّا الفَرّاءَ فَإنَّهُ يَقُولُ: بَلَقَهُ وأبْلَقَهُ إذا أغْلَقَهُ. وقالَ ثَعْلَبٌ: أخْطَأ الفَرّاءُ في ذَلِكَ، إنَّما هو بَلَقَ البابَ وأبْلَقَهُ إذا فَتَحَهُ. انْتَهى. ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ اللّامُ بَدَلًا مِنَ الرّاءِ، فَهُما يَتَعاقَبانِ في بَعْضِ الكَلامِ، نَحْوُ قَوْلِهِمْ: نَثَرَهُ ونَثَلَهُ، ووَجَرَ ووَجِلَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وخَسَفَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ويَزِيدُ بْنُ (p-٣٨٦)قُطَيْبٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. يُقالُ: خَسَفَ القَمَرُ وخَسَفَهُ اللَّهُ، وكَذَلِكَ الشَّمْسُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ: الخُسُوفُ والكُسُوفُ بِمَعْنًى واحِدٍ. وقالَ ابْنُ أبِي أُوَيْسٍ: الكُسُوفُ ذَهابُ بَعْضِ الضَّوْءِ، والخُسُوفُ جَمِيعُهُ. ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾: لَمْ تَلْحَقْ عَلامَةُ التَّأْنِيثِ؛ لِأنَّ تَأْنِيثَ الشَّمْسِ مَجازٌ، أوْ لِتَغْلِيبِ التَّذْكِيرِ عَلى التَّأْنِيثِ. وقالَ الكِسائِيُّ: حُمِلَ عَلى المَعْنى، والتَّقْدِيرُ: جُمِعَ النُّورانِ أوِ الضِّياءانِ، ومَعْنى الجَمْعِ بَيْنَهُما، قالَ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ: يُجْمَعانِ فَيُلْقَيانِ في النّارِ، وعَنْهُ يُجْمَعانِ يَوْمَ القِيامَةِ ثُمَّ يُقْذَفانِ في البَحْرِ، فَيَكُونانِ نارَ اللَّهِ الكُبْرى. وقِيلَ: يُجْمَعُ بَيْنَهُما في الطُّلُوعِ مِنَ المَغْرِبِ، فَيَطْلُعانِ أسْوَدَيْنِ مُكَوَّرَيْنِ. وقالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ: يُجْعَلانِ في نُورِ الحُجُبِ، وقِيلَ: يَجْتَمِعانِ ولا يَتَفَرَّقانِ، ويَقْرُبانِ مِنَ النّاسِ فَيَلْحَقُهُمُ العَرَقُ لِشِدَّةِ الحَرِّ، فَكَأنَّ المَعْنى: يُجْمَعُ حَرُّهُما. وقِيلَ: يُجْمَعُ بَيْنَهُما في ذَهابِ الضَّوْءِ، فَلا يَكُونُ ثَمَّ تَعاقُبُ لَيْلٍ ولا نَهارٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿المَفَرُّ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ والفاءِ، أيْ: أيْنَ الفِرارُ ؟ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ بْنِ أبِي طالِبٍ، والحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ، وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وأيُّوبُ السَّخْتِيانِيُّ وكُلْثُومُ بْنُ عِياضٍ، ومُجاهِدٌ وابْنُ يَعْمُرَ وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ وأبُو رَجاءٍ وعِيسى، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والزُّهْرِيُّ: بِكَسْرِ الفاءِ، وهو مَوْضِعُ الفِرارِ. وقَرَأ الحَسَنُ: بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ الفاءِ، ونَسَبَها ابْنُ عَطِيَّةَ لِلزُّهْرِيِّ، أيِ: الجَيِّدُ الفِرارِ، وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ هَذا الوَزْنُ في الآلاتِ وفي صِفاتِ الخَيْلِ، نَحْوُ قَوْلِهِ: ؎مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعًا والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ مِن تَمامِ قَوْلِ الإنْسانِ. وقِيلَ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، لا حِكايَةً عَنِ الإنْسانِ. (كَلًّا): رَدْعٌ عَنْ طَلَبِ المَفَرِّ ﴿لا وزَرَ﴾: لا مَلْجَأ، وعَبَّرَ المُفَسِّرُونَ عَنْهُ بِالجَبَلِ. قالَ مُطَرِّفُ بْنُ الشِّخِّيرِ: هو كانَ وِزْرُ فِرارِ العَرَبِ في بِلادِهِمْ، فَلِذَلِكَ اسْتُعْمِلَ، والحَقِيقَةُ أنَّهُ المَلْجَأُ مِن جَبَلٍ أوْ حِصْنٍ أوْ سِلاحٍ أوْ رَجُلٍ أوْ غَيْرِهِ. (إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ) أيْ: إلى حُكْمِهِ يَوْمئِذٍ تَقُولُ أيْنَ المَفَرُّ ﴿المُسْتَقَرُّ﴾ أيِ: الِاسْتِقْرارُ، أوْ مَوْضِعُ اسْتِقْرارٍ مِن جَنَّةٍ أوْ نارٍ إلى مَشِيئَتِهِ تَعالى، يُدْخِلُ مَن شاءَ الجَنَّةَ، ويُدْخِلُ مَن شاءَ النّارَ. ﴿بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ قالَ عَبْدُ اللَّهِ وابْنُ عَبّاسٍ: بِما قَدَّمَ في حَياتِهِ وأخَّرَ مِن سَنَةٍ يَعْمَلُ بِها بَعْدَهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: بِما قَدَّمَ مِنَ المَعاصِي وأخَّرَ مِنَ الطّاعاتِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: بِما قَدَّمَ مِن مالِهِ لِنَفْسِهِ، وبِما أخَّرَ مِنهُ لِلْوارِثِ. وقالَ النَّخَعِيُّ ومُجاهِدٌ: بِأوَّلِ عَمَلِهِ وآخِرِهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: بِما قَدَّمَ مِن فَرْضٍ وأخَّرَ مِن فَرْضٍ. والظّاهِرُ حَمْلُهُ عَلى العُمُومِ، أيْ: يُخْبِرُهُ بِكُلِّ ما قَدَّمَ وكُلِّ ما أخَّرَ، مِمّا ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ ومِمّا لَمْ يَذْكُرُوهُ. (بَصِيرَةً): خَبَرٌ عَنِ الإنْسانِ، أيْ: شاهِدٌ، قالَهُ قَتادَةُ، والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ. وقالَ الأخْفَشُ: هو كَقَوْلِكَ فُلانٌ عِبْرَةٌ وحُجَّةٌ. وقِيلَ: أُنِّثَ لِأنَّهُ أرادَ جَوارِحَهُ، أيْ: جَوارِحُهُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ. وقِيلَ: (بَصِيرَةٌ) مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ المَوْصُوفِ، أيْ: عَيْنٌ بَصِيرَةٌ، و(عَلى نَفْسِهِ) الخَبَرُ. والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ خَبَرٍ عَنِ الإنْسانِ، والتَّقْدِيرُ: عَيْنٌ بَصِيرَةٌ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الفَرّاءُ، وأنْشَدَ: ؎كَأنَّ عَلى ذِي العَقْلِ عَيْنًا بَصِيرَةً ∗∗∗ بِمَقْعَدِهِ، أوْ مَنظَرٍ هو ناظِرُهُ ؎يُحاذِرُ حَتّى يَحْسَبَ النّاسَ كُلَّهم ∗∗∗ مِنَ الخَوْفِ لا تَخْفى عَلَيْهِمْ سَرائِرُهُ وعَلى هَذا نَخْتارُ أنْ تَكُونَ (بَصِيرَةٌ) فاعِلًا بِالجارِّ والمَجْرُورِ، وهو الخَبَرُ عَنِ الإنْسانِ. ألا تَرى أنَّهُ قَدِ اعْتَمَدَ بِوُقُوعِهِ خَبَرًا عَنِ الإنْسانِ ؟ وعَلى هَذا فالتّاءُ لِلتَّأْنِيثِ. وتَأوَّلَ ابْنُ عَبّاسٍ (البَصِيرَةَ) بِالجَوارِحِ، أوِ المَلائِكَةِ الحَفَظَةِ. والمَعاذِيرُ عِنْدَ الجُمْهُورِ الأعْذارُ، فالمَعْنى: لَوْ جاءَ بِكُلِّ مَعْذِرَةٍ يَعْتَذِرُ بِها عَنْ نَفْسِهِ، فَإنَّهُ هو الشّاهِدُ عَلَيْها والحُجَّةُ البَيِّنَةُ عَلَيْها. وقِيلَ: المَعاذِيرُ جَمْعُ مَعْذِرَةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قِياسُ مَعْذِرَةٍ مَعاذِرُ، فالمَعاذِيرُ لَيْسَ بِجَمْعِ مَعْذِرَةٍ، إنَّما هو اسْمُ جَمْعٍ لَها، ونَحْوُ المَناكِيرِ في المُنْكَرِ. انْتَهى. ولَيْسَ هَذا البِناءُ مِن (p-٣٨٧)أبْنِيَةِ أسْماءِ الجُمُوعِ، وإنَّما هو مِن أبْنِيَةِ جَمْعِ التَّكْسِيرِ، فَهو كَمَذاكِيرَ ومَلامِيحَ والمُفْرَدُ مِنهُما لَمْحَةٌ وذِكْرٌ. ولَمْ يَذْهَبْ أحَدٌ إلى أنَّهُما مِن أسْماءِ الجُمُوعِ، بَلْ قِيلَ: هُما جَمْعٌ لِلَمْحَةٍ وذِكْرٍ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، أوْ هُما جَمْعٌ لِمُفْرَدٍ لَمْ يَنْطِقْ بِهِ، وهو مِذْكارٌ ومَلْمَحَةٌ. وقالَ السُّدِّيُّ والضَّحّاكُ: المَعاذِيرُ: السُّتُورُ بِلُغَةِ اليَمَنِ، واحِدُها مِعْذارٌ، وهو يَمْنَعُ رُؤْيَةَ المُحْتَجِبِ، كَما تَمْنَعُ المَعْذِرَةُ عُقُوبَةَ الذَّنْبِ. وقالَهُ الزَّجّاجُ أيْضًا، أيْ: وإنْ رَمى مَسْتُورَةً يُرِيدُ أنْ يُخْفِيَ عَمَلَهُ، فَنَفْسُهُ شاهِدَةٌ عَلَيْهِ. وأنْشَدُوا في أنَّ المَعاذِيرَ السُّتُورُ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎ولَكِنَّها ضَنَّتْ بِمَنزِلِ ساعَةٍ ∗∗∗ عَلَيْنا، وأطَّتْ فَوْقَها بِالمَعاذِرِ وقِيلَ: البَصِيرَةُ: الكاتِبانِ يَكْتُبانِ ما يَكُونُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، أيْ: وإنْ تَسَتَّرَ بِالسُّتُورِ، وإذا كانَتْ مِنَ العُذْرِ، فَمَعْنى ﴿ولَوْ ألْقى﴾ أيْ: نَطَقَ بِمَعاذِيرِهِ وقالَها. وقِيلَ: ولَوْ رَمى بِأعْذارِهِ واسْتَسْلَمَ. وقالَ السُّدِّيُّ: ولَوْ أدْلى بِحُجَّةٍ وعُذْرٍ. وقِيلَ: ولَوْ أحالَ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْلا أنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبإ: ٣١] . والعُذْرَةُ والعُذْرى: المَعْذِرَةُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ها إنَّ ذِي عُذْرَةٍ أنْ لا تَكُنْ نَفَعَتْ وقالَ فِيها: ولا عُذْرَ لِمَجْحُودٍ.

القيامة 75:13

(سُورَةُ القِيامَةِ مَكِّيَّةٌ وهي أرْبَعُونَ آيَةً) (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ ﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ ﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] ﴿كَلّا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ [القيامة: ٢٠] ﴿وتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ [القيامة: ٢١] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤] ﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٥] ﴿كَلّا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ [القيامة: ٢٦] ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ [القيامة: ٢٧] ﴿وظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ [القيامة: ٢٨] ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ [القيامة: ٢٩] ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ [القيامة: ٣٠] ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١] ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣٢] ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ [القيامة: ٣٣] ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٤] ﴿ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٥] ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ [القيامة: ٣٧] ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ [القيامة: ٣٨] ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠] . (p-٣٨٢)بَرِقَ بِكَسْرِ الرّاءِ: فَزِعَ ودَهِشَ، وأصْلُهُ مِن بَرِقَ الرَّجُلُ، إذا نَظَرَ إلى البَرْقِ فَدُهِشَ بَصَرُهُ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎ولَوْ أنَّ لُقْمانَ الحَكِيمَ تَعَرَّضَتْ لِعَيْنَيْهِ مَيٌّ سافِرًا كادَ يَبْرُقُ (قالَ الأعْشى): ؎وكُنْتُ أرى في وجْهِ مِيَّةَ لُمْحَةً ∗∗∗ فَأُبْرِقُ مَغْشِيًّا عَلِيَّ مَكانِيا وبَرَقَ بِفَتْحِ الرّاءِ: شُقَّ بَصَرُهُ، وهو مِنَ البَرِيقِ، أيْ: لَمَعَ بَصَرُهُ مِن شِدَّةِ شُخُوصِهِ. الوِزْرُ: ما يَلْجَأُ إلَيْهِ مِن حِصْنٍ أوْ جَبَلٍ أوْ غَيْرِهِما، قالَ الشّاعِرُ: ؎لَعَمْرُكَ ما لِلْفَتى مِن وِزْرٍ ∗∗∗ مِنَ المَوْتِ يُدْرِكُهُ والكِبَرُ النَّضِرَةُ: النِّعْمَةُ وجَمالُ البَشَرَةِ وطَراوَتِها، قالَ الشّاعِرُ: ؎أبى لِي قَبْرٌ لا يَزالُ مُقابَلِي ∗∗∗ وضَرْبَةُ فَأْسٍ فَوْقَ رَأْسِي فاقِرَهْ أيْ: مُؤَثِّرَةٌ. التَّراقِي جَمْعُ تَرْقُوَةٍ: وهي عِظامُ الصَّدْرِ، ولِكُلِّ إنْسانٍ تَرْقُوَتانِ، وهو مَوْضِعُ الحَشْرَجَةِ، قالَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ: ؎ورُبَّ عَظِيمَةٍ دافَعْتُ عَنْهم ∗∗∗ وقَدْ بَلَغَتْ نُفُوسُهُمُ التَّراقِي رَقى يَرْقِي مِنَ الرُّقْيَةِ، وهي ما يُسْتَشْفى بِهِ لِلْمَرِيضِ مِنَ الكَلامِ المُعَدِّ لِذَلِكَ. تَمَطّى: تَبَخْتَرَ في مِشْيَتِهِ، وأصْلُهُ مِنَ المَطا وهو الظَّهْرُ، أيْ: يَلْوِي مَطاهُ تَبَخْتُرًا. وقِيلَ: أصْلُهُ تَمطَّطَ أيْ: تَمَدَّدَ في مِشْيَتِهِ، ومَدَّ مَنكِبَيْهِ، قُلِبَتِ الطّاءُ فِيهِ حَرْفَ عِلَّةٍ كَراهَةَ اجْتِماعِ الأمْثالِ، كَما قالُوا: تَظَنّى مِنَ الظَّنِّ، وأصْلُهُ تَظَنَّنَ. والمَطِيطا: التَّبَخْتُرُ ومَدُّ اليَدَيْنِ في المَشْيِ، والمَطِيطُ: الماءُ الحاثِرُ في أسْفَلِ الحَوْضِ؛ لِأنَّهُ يَتَمَطَّطُ فِيهِ، أيْ: يَمْتَدُّ. وعَلى هَذا الِاشْتِقاقِ لا يَكُونُ أصْلُهُ مِنَ المَطِّ لِاخْتِلافِ المادَّتَيْنِ، إذْ مادَّةُ المَطا (م ط و) ومادَّةُ تَمَطَّطَ (م ط ط) . سُدًى: مُهْمَلٌ، يُقالُ إبِلٌ سُدًى أيْ: مُهْمَلَةٌ تَرْعى حَيْثُ شاءَتْ بِلا راعٍ، وأسْدَيْتُ الشَّيْءَ أيْ: أهْمَلْتُهُ، وأسْدَيْتُ حاجَتِي: ضَيَّعْتُها. قالَ الشّاعِرُ: ؎فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ جَهْدَ اليَمِينِ ∗∗∗ ما خَلَقَ اللَّهُ شَيْئًا سُدى وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ دُرَيْدٍ في المَقْصُورَةِ: ؎لَمْ أرَ كالمُزْنِ سَوامًا بُهْلًا ∗∗∗ تَحْسَبُها مَرْعِيَّةً وهي سُدى (p-٣٨٣)﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَة﴾ ﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ ﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] ﴿كَلّا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ [القيامة: ٢٠] ﴿وتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ [القيامة: ٢١] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤] ﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٥] ﴿كَلّا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ [القيامة: ٢٦] ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ [القيامة: ٢٧] ﴿وظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ [القيامة: ٢٨] ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ [القيامة: ٢٩] ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ [القيامة: ٣٠] ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١] ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣٢] ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ [القيامة: ٣٣] ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٤] ﴿ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٥] ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ [القيامة: ٣٧] ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ [القيامة: ٣٨] ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠] . (p-٣٨٤)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها: أنَّ في آخِرِ ما قَبْلَها قَوْلَهُ: ﴿كَلّا بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ [المدثر: ٥٣] ﴿كَلّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٤] وفِيها كَثِيرٌ مِن أحْوالِ القِيامَةِ، فَذَكَرَ هُنا يَوْمَ القِيامَةِ وجُمَلًا مِن أحْوالِها. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿لا أُقْسِمُ﴾ . والخِلافُ في ”لا“، والخِلافُ في قِراءاتِها في أواخِرِ الواقِعَةِ. أقْسَمَ تَعالى بِيَوْمِ القِيامَةِ لِعِظَمِهِ وهَوْلِهِ. و﴿لا أُقْسِمُ﴾ قِيلَ: ”لا“ نافِيَةٌ، نَفى أنْ يُقْسِمَ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ، وأقْسَمَ بِيَوْمِ القِيامَةِ، نَصَّ عَلى هَذا الحَسَنُ. والجُمْهُورُ: عَلى أنَّ اللَّهَ أقْسَمَ بِالأمْرَيْنِ. واللَّوّامَةُ، قالَ الحَسَنُ: هي الَّتِي تَلُومُ صاحِبَها في تَرْكِ الطّاعَةِ ونَحْوِها، فَهي عَلى هَذا مَمْدُوحَةٌ، ولِذَلِكَ أقْسَمَ اللَّهُ بِها. ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَنْ مُجاهِدٍ، تَلُومُ عَلى ما فاتَ وتَنْدَمَ عَلى الشَّرِّ لِمَ فَعَلَتْهُ ؟، وعَلى الخَيْرِ لِمَ لَمْ تَسْتَكْثِرْ مِنهُ ؟ . وقِيلَ: النَّفْسُ المُتَّقِيَةُ الَّتِي تَلُومُ النُّفُوسَ في يَوْمِ القِيامَةِ عَلى تَقْصِيرِهِنَّ في التَّقْوى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: هي الفاجِرَةُ الخَشِعَةُ اللَّوّامَةُ لِصاحِبِها عَلى ما فاتَهُ مِن سَعْيِ الدُّنْيا وأعْراضِها، فَهي عَلى هَذا ذَمِيمَةٌ، ويَحْسُنُ نَفْيُ القَسَمِ بِها. والنَّفْسُ اللَّوّامَةُ: اسْمُ جِنْسٍ بِهَذا الوَصْفِ. وقِيلَ: هي نَفْسٌ مُعَيَّنَةٌ، وهي نَفْسُ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ تَزَلْ لائِمَةً لَهُ عَلى فِعْلِهِ الَّذِي أخْرَجَهُ مِنَ الجَنَّةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وكُلُّ نَفْسٍ مُتَوَسِّطَةٍ لَيْسَتْ بِمُطَمْئِنَةٍ ولا أمّارَةٍ بِالسُّوءِ، فَإنَّها لَوّامَةٌ في الطَّرَفَيْنِ، مَرَّةً تَلُومُ عَلى تَرْكِ الطّاعَةِ، ومَرَّةً تَلُومُ عَلى فَوْتِ ما تَشْتَهِي، فَإذا اطْمَأنَّتْ خَلَصَتْ وصَفَتْ. انْتَهى. والمُناسَبَةُ بَيْنَ القَسَمَيْنِ مِن حَيْثُ أحْوالِ النَّفْسِ مِن سَعادَتِها وشَقاوَتِها وظُهُورِ ذَلِكَ في يَوْمِ القِيامَةِ، وجَوابُ القَسَمِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ يَوْمُ القِيامَةِ المُقْسَمِ بِهِ وما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: (أيَحْسَبُ) الآيَةِ، وتَقْدِيرُهُ لِتُبْعَثُنَّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء: ٦٥] والأبْياتُ الَّتِي أنْشَدْتَها المُقْسَمُ عَلَيْهِ فِيها مَنفِيٌّ، وكانَ قَدْ أنْشَدَ قَوْلَ امْرِئِ القَيْسِ: ؎لا وأبِيكِ ابْنَةَ العامِرِيِّ ∗∗∗ لا يَدَّعِي القَوْمُ إنِّي أفِرُّ (وقَوْلُ غُوَيَّةَ بْنِ سُلْمى): ؎ألا نادَتْ أُمامَةُ بِاحْتِمالِي ∗∗∗ لِتُحْزِنَنِي فَلا يَكُ ما أُبالِي قالَ: فَهَلّا زَعَمْتَ أنَّ لا الَّتِي لِلْقَسَمِ زِيدَتْ مُوطِئَةً لِلنَّفْيِ بَعْدَهُ ومُؤَكِّدَةً لَهُ، وقَدَّرْتَ المُقْسَمَ عَلَيْهِ المَحْذُوفَ هاهُنا مَنفِيًّا، نَحْوُ قَوْلِكَ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ لا تُتْرَكُونَ سُدًى ؟ (قُلْتُ): لَوْ قَصَرُوا الأمْرَ عَلى النَّفْيِ دُونَ الإثْباتِ لَكانَ لِهَذا القَوْلِ مَساغٌ، ولَكِنَّهُ لَمْ يُقْسِمْ. ألا تَرى كَيْفَ لَقّى ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ [البلد: ١] بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾ [البلد: ٤] وكَذَلِكَ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] ؟ ثُمَّ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وجَوابُ القَسَمِ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ) وهو لَتُبْعَثُنَّ. انْتَهى، وهو تَقْدِيرُ النَّحّاسِ. وقَوْلُ مَن قالَ: جَوابُ القَسَمِ هو: (أيَحْسَبُ الإنْسانُ) . وما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ الجَوابَ: ﴿بَلى قادِرِينَ﴾ وما قِيلَ أنَّ ”لا“ في القَسَمَيْنِ لِنَفْيِهِما، أيْ: لا أُقْسِمُ عَلى شَيْءٍ، وأنَّ التَّقْدِيرَ: أسْألُكَ أيَحْسَبُ الإنْسانُ ؟ أقْوالٌ لا تَصْلُحُ أنْ يَرِدَ بِها، بَلْ تُطْرَحُ ولا يُسَوَّدُ بِها الوَرَقُ، ولَوْلا أنَّهم سَرَدُوها في الكُتُبِ لَمْ أُنَبِّهْ عَلَيْها. والإنْسانُ هُنا الكافِرُ المُكَذِّبُ بِالبَعْثِ. رُوِيَ «أنَّ عَدِيَّ بْنَ رَبِيعَةَ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يا مُحَمَّدُ ! حَدِّثْنِي عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ مَتى يَكُونُ أمْرُهُ ؟ فَأخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: لَوْ عايَنْتُ ذَلِكَ اليَوْمَ لَمْ (p-٣٨٥)أُصَدِّقْكَ ولَمْ أُؤْمِن بِهِ، أوْ يَجْمَعُ اللَّهُ هَذِهِ العِظامَ بَعْدَ بَلاها ؟» فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ، كانَ يَقُولُ أيَزْعُمُ مُحَمَّدٌ ﷺ أنْ يَجْمَعَ اللَّهُ هَذِهِ العِظامَ بَعْدَ بَلاها وتَفَرُّقِها، فَيُعِيدُها خَلْقًا جَدِيدًا ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿نَجْمَعَ﴾ بِنُونٍ ﴿عِظامَهُ﴾ نَصْبًا. وقَتادَةُ: بِالتّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ﴿عِظامَهُ﴾ رَفْعًا، والمَعْنى: بَعْدَ تَفَرُّقِها واخْتِلاطِها بِالتُّرابِ وتَطْيِيرِ الرِّياحِ إيّاها في أقاصِي الأرْضِ. وقَوْلُهُ: (أيَحْسَبُ) اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ، حَيْثُ يُنْكِرُ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى عَلى إعادَةِ المَعْدُومِ. (بَلى): جَوابٌ لِلِاسْتِفْهامِ المُنْسَحِبِ عَلى النَّفْيِ، أيْ: بَلى نَجْمَعُها. وذَكَرَ العِظامَ، وإنْ كانَ المَعْنى إعادَةَ الإنْسانِ وجَمْعَ أجْزائِهِ المُتَفَرِّقَةِ؛ لِأنَّ العِظامَ هي قالَبُ الخَلْقِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (قادِرِينَ) بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي في الفِعْلِ المُقَدَّرِ وهو يَجْمَعُها. وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ السَّمَيْقَعِ: قادِرُونَ، أيْ: نَحْنُ قادِرُونَ. ﴿عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾: وهي الأصابِعُ، أكْثَرُ العِظامِ تَفَرُّقًا وأدَقُّها أجْزاءً، وهي العِظامُ الَّتِي في الأنامِلِ ومَفاصِلِها، وهَذا عِنْدَ البَعْثِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والجُمْهُورُ: المَعْنى نَجْعَلُها في حَياتِهِ هَذِهِ بُضْعَةً، أوْ عَظْمًا واحِدًا كَخُفِّ البَعِيرِ لا تَفارِيقَ فِيهِ، أيْ: في الدُّنْيا فَتَقِلُّ مَنفَعَتُهُ بِها، وهَذا القَوْلُ فِيهِ تَوَعُّدٌ، والمَعْنى الأوَّلُ هو الظّاهِرُ والمَقْصُودُ مِن رَصْفِ الكَلامِ. وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ بِألْفاظٍ مُنَمَّقَةٍ عَلى عادَتِهِ في حِكايَةِ أقْوالِ المُتَقَدِّمِينَ. وقِيلَ: (قادِرِينَ) مَنصُوبٌ عَلى خَبَرِ كانَ، أيْ: بَلى كُنّا قادِرِينَ في الِابْتِداءِ. ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ﴾: بَلْ إضْرابٌ، وهو انْتِقالٌ مِن كَلامٍ إلى كَلامٍ مِن غَيْرِ إبْطالٍ. والظّاهِرُ أنَّ (يُرِيدُ) إخْبارٌ عَنْ ما يُرِيدُهُ الإنْسانُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (بَلْ يُرِيدُ) عَطْفٌ عَلى (أيَحْسَبُ) فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَبْلَهُ اسْتِفْهامًا، وأنْ يَكُونَ إيجابًا عَلى أنْ يُضْرَبَ عَنْ مُسْتَفْهَمٍ عَنْهُ إلى آخَرَ، أوْ يُضْرَبَ عَنْ مُسْتَفْهَمٍ عَنْهُ إلى مُوجِبٍ. انْتَهى. وهَذِهِ التَّقادِيرُ الثَّلاثَةُ لا تَظْهَرُ، وهي مُتَكَلَّفَةٌ، بَلِ المَعْنى: الإخْبارُ عَنِ الإنْسانِ مِن غَيْرِ إبْطالٍ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، وهي نَجْمَعُها قادِرِينَ، لِنُبَيِّنَ ما هو عَلَيْهِ الإنْسانُ مِن عَدَمِ الفِكْرِ في الآخِرَةِ وأنَّهُ مَعْنِيٌّ بِشَهَواتِهِ. ومَفْعُولُ (يُرِيدُ) مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّعْلِيلُ في ﴿لِيَفْجُرَ﴾ . قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ: مَعْنى الآيَةِ: أنَّ الإنْسانَ إنَّما يُرِيدُ شَهَواتِهِ ومَعاصِيهِ؛ لِيَمْضِيَ فِيها أبَدًا قُدُمًا راكِبًا رَأْسَهُ مُطِيعًا أمَلَهُ ومُسَوِّفًا بِتَوْبَتِهِ. قالَ السُّدِّيُّ أيْضًا: لِيَظْلِمَ عَلى قَدْرِ طاقَتِهِ، وعَلى هَذا فالضَّمِيرُ في ﴿أمامَهُ﴾ عائِدٌ عَلى الإنْسانِ، وهو الظّاهِرُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ما يَقْتَضِي أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ أنَّ الإنْسانَ في زَمانِ وُجُودِهِ أمامَ يَوْمِ القِيامَةِ، وبَيْنَ يَدَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ خَلْفَهُ، فَهو يُرِيدُ شَهَواتِهِ؛ لِيَفْجُرَ في تَكْذِيبِهِ بِالبَعْثِ وغَيْرِ ذَلِكَ بَيْنَ يَدَيْ يَوْمِ القِيامَةِ، وهو لا يَعْرِفُ القَدْرَ الَّذِي هو فِيهِ. والأمامُ ظَرْفُ مَكانٍ اسْتُعِيرَ هُنا لِلزَّمانِ، أيْ: لِيَفْجُرَ فِيما بَيْنَ يَدَيْهِ ويَسْتَقْبِلُهُ مِن زَمانِ حَياتِهِ. ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ أيْ: مَتى يَوْمُ القِيامَةِ ؟ سُؤالُ اسْتِهْزاءٍ وتَكْذِيبٍ وتَعَنُّتٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿بَرِقَ﴾ بِكَسْرِ الرّاءِ. وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والزَّعْفَرانِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ ونافِعٌ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ وهارُونَ ومَحْبُوبٍ، كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو، والحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ: بِخِلافٍ عَنْهُما بِفَتْحِها. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: بَرَقَ بِالفَتْحِ: شَقَّ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: خَفَتَ عِنْدَ المَوْتِ. قالَ مُجاهِدٌ: هَذا عِنْدَ المَوْتِ. وقالَ الحَسَنُ: هو يَوْمُ القِيامَةِ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: بَلَقَ بِاللّامِ عِوَضَ الرّاءِ، أيِ: انْفَتَحَ وانْفَرَجَ، يُقالُ: بَلَقَ البابُ وأبْلَقْتُهُ وبَلَّقْتُهُ: فَتَحْتُهُ، هَذا قَوْلُ أهْلِ اللُّغَةِ إلّا الفَرّاءَ فَإنَّهُ يَقُولُ: بَلَقَهُ وأبْلَقَهُ إذا أغْلَقَهُ. وقالَ ثَعْلَبٌ: أخْطَأ الفَرّاءُ في ذَلِكَ، إنَّما هو بَلَقَ البابَ وأبْلَقَهُ إذا فَتَحَهُ. انْتَهى. ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ اللّامُ بَدَلًا مِنَ الرّاءِ، فَهُما يَتَعاقَبانِ في بَعْضِ الكَلامِ، نَحْوُ قَوْلِهِمْ: نَثَرَهُ ونَثَلَهُ، ووَجَرَ ووَجِلَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وخَسَفَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ويَزِيدُ بْنُ (p-٣٨٦)قُطَيْبٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. يُقالُ: خَسَفَ القَمَرُ وخَسَفَهُ اللَّهُ، وكَذَلِكَ الشَّمْسُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ: الخُسُوفُ والكُسُوفُ بِمَعْنًى واحِدٍ. وقالَ ابْنُ أبِي أُوَيْسٍ: الكُسُوفُ ذَهابُ بَعْضِ الضَّوْءِ، والخُسُوفُ جَمِيعُهُ. ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾: لَمْ تَلْحَقْ عَلامَةُ التَّأْنِيثِ؛ لِأنَّ تَأْنِيثَ الشَّمْسِ مَجازٌ، أوْ لِتَغْلِيبِ التَّذْكِيرِ عَلى التَّأْنِيثِ. وقالَ الكِسائِيُّ: حُمِلَ عَلى المَعْنى، والتَّقْدِيرُ: جُمِعَ النُّورانِ أوِ الضِّياءانِ، ومَعْنى الجَمْعِ بَيْنَهُما، قالَ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ: يُجْمَعانِ فَيُلْقَيانِ في النّارِ، وعَنْهُ يُجْمَعانِ يَوْمَ القِيامَةِ ثُمَّ يُقْذَفانِ في البَحْرِ، فَيَكُونانِ نارَ اللَّهِ الكُبْرى. وقِيلَ: يُجْمَعُ بَيْنَهُما في الطُّلُوعِ مِنَ المَغْرِبِ، فَيَطْلُعانِ أسْوَدَيْنِ مُكَوَّرَيْنِ. وقالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ: يُجْعَلانِ في نُورِ الحُجُبِ، وقِيلَ: يَجْتَمِعانِ ولا يَتَفَرَّقانِ، ويَقْرُبانِ مِنَ النّاسِ فَيَلْحَقُهُمُ العَرَقُ لِشِدَّةِ الحَرِّ، فَكَأنَّ المَعْنى: يُجْمَعُ حَرُّهُما. وقِيلَ: يُجْمَعُ بَيْنَهُما في ذَهابِ الضَّوْءِ، فَلا يَكُونُ ثَمَّ تَعاقُبُ لَيْلٍ ولا نَهارٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿المَفَرُّ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ والفاءِ، أيْ: أيْنَ الفِرارُ ؟ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ بْنِ أبِي طالِبٍ، والحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ، وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وأيُّوبُ السَّخْتِيانِيُّ وكُلْثُومُ بْنُ عِياضٍ، ومُجاهِدٌ وابْنُ يَعْمُرَ وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ وأبُو رَجاءٍ وعِيسى، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والزُّهْرِيُّ: بِكَسْرِ الفاءِ، وهو مَوْضِعُ الفِرارِ. وقَرَأ الحَسَنُ: بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ الفاءِ، ونَسَبَها ابْنُ عَطِيَّةَ لِلزُّهْرِيِّ، أيِ: الجَيِّدُ الفِرارِ، وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ هَذا الوَزْنُ في الآلاتِ وفي صِفاتِ الخَيْلِ، نَحْوُ قَوْلِهِ: ؎مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعًا والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ مِن تَمامِ قَوْلِ الإنْسانِ. وقِيلَ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، لا حِكايَةً عَنِ الإنْسانِ. (كَلًّا): رَدْعٌ عَنْ طَلَبِ المَفَرِّ ﴿لا وزَرَ﴾: لا مَلْجَأ، وعَبَّرَ المُفَسِّرُونَ عَنْهُ بِالجَبَلِ. قالَ مُطَرِّفُ بْنُ الشِّخِّيرِ: هو كانَ وِزْرُ فِرارِ العَرَبِ في بِلادِهِمْ، فَلِذَلِكَ اسْتُعْمِلَ، والحَقِيقَةُ أنَّهُ المَلْجَأُ مِن جَبَلٍ أوْ حِصْنٍ أوْ سِلاحٍ أوْ رَجُلٍ أوْ غَيْرِهِ. (إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ) أيْ: إلى حُكْمِهِ يَوْمئِذٍ تَقُولُ أيْنَ المَفَرُّ ﴿المُسْتَقَرُّ﴾ أيِ: الِاسْتِقْرارُ، أوْ مَوْضِعُ اسْتِقْرارٍ مِن جَنَّةٍ أوْ نارٍ إلى مَشِيئَتِهِ تَعالى، يُدْخِلُ مَن شاءَ الجَنَّةَ، ويُدْخِلُ مَن شاءَ النّارَ. ﴿بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ قالَ عَبْدُ اللَّهِ وابْنُ عَبّاسٍ: بِما قَدَّمَ في حَياتِهِ وأخَّرَ مِن سَنَةٍ يَعْمَلُ بِها بَعْدَهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: بِما قَدَّمَ مِنَ المَعاصِي وأخَّرَ مِنَ الطّاعاتِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: بِما قَدَّمَ مِن مالِهِ لِنَفْسِهِ، وبِما أخَّرَ مِنهُ لِلْوارِثِ. وقالَ النَّخَعِيُّ ومُجاهِدٌ: بِأوَّلِ عَمَلِهِ وآخِرِهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: بِما قَدَّمَ مِن فَرْضٍ وأخَّرَ مِن فَرْضٍ. والظّاهِرُ حَمْلُهُ عَلى العُمُومِ، أيْ: يُخْبِرُهُ بِكُلِّ ما قَدَّمَ وكُلِّ ما أخَّرَ، مِمّا ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ ومِمّا لَمْ يَذْكُرُوهُ. (بَصِيرَةً): خَبَرٌ عَنِ الإنْسانِ، أيْ: شاهِدٌ، قالَهُ قَتادَةُ، والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ. وقالَ الأخْفَشُ: هو كَقَوْلِكَ فُلانٌ عِبْرَةٌ وحُجَّةٌ. وقِيلَ: أُنِّثَ لِأنَّهُ أرادَ جَوارِحَهُ، أيْ: جَوارِحُهُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ. وقِيلَ: (بَصِيرَةٌ) مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ المَوْصُوفِ، أيْ: عَيْنٌ بَصِيرَةٌ، و(عَلى نَفْسِهِ) الخَبَرُ. والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ خَبَرٍ عَنِ الإنْسانِ، والتَّقْدِيرُ: عَيْنٌ بَصِيرَةٌ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الفَرّاءُ، وأنْشَدَ: ؎كَأنَّ عَلى ذِي العَقْلِ عَيْنًا بَصِيرَةً ∗∗∗ بِمَقْعَدِهِ، أوْ مَنظَرٍ هو ناظِرُهُ ؎يُحاذِرُ حَتّى يَحْسَبَ النّاسَ كُلَّهم ∗∗∗ مِنَ الخَوْفِ لا تَخْفى عَلَيْهِمْ سَرائِرُهُ وعَلى هَذا نَخْتارُ أنْ تَكُونَ (بَصِيرَةٌ) فاعِلًا بِالجارِّ والمَجْرُورِ، وهو الخَبَرُ عَنِ الإنْسانِ. ألا تَرى أنَّهُ قَدِ اعْتَمَدَ بِوُقُوعِهِ خَبَرًا عَنِ الإنْسانِ ؟ وعَلى هَذا فالتّاءُ لِلتَّأْنِيثِ. وتَأوَّلَ ابْنُ عَبّاسٍ (البَصِيرَةَ) بِالجَوارِحِ، أوِ المَلائِكَةِ الحَفَظَةِ. والمَعاذِيرُ عِنْدَ الجُمْهُورِ الأعْذارُ، فالمَعْنى: لَوْ جاءَ بِكُلِّ مَعْذِرَةٍ يَعْتَذِرُ بِها عَنْ نَفْسِهِ، فَإنَّهُ هو الشّاهِدُ عَلَيْها والحُجَّةُ البَيِّنَةُ عَلَيْها. وقِيلَ: المَعاذِيرُ جَمْعُ مَعْذِرَةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قِياسُ مَعْذِرَةٍ مَعاذِرُ، فالمَعاذِيرُ لَيْسَ بِجَمْعِ مَعْذِرَةٍ، إنَّما هو اسْمُ جَمْعٍ لَها، ونَحْوُ المَناكِيرِ في المُنْكَرِ. انْتَهى. ولَيْسَ هَذا البِناءُ مِن (p-٣٨٧)أبْنِيَةِ أسْماءِ الجُمُوعِ، وإنَّما هو مِن أبْنِيَةِ جَمْعِ التَّكْسِيرِ، فَهو كَمَذاكِيرَ ومَلامِيحَ والمُفْرَدُ مِنهُما لَمْحَةٌ وذِكْرٌ. ولَمْ يَذْهَبْ أحَدٌ إلى أنَّهُما مِن أسْماءِ الجُمُوعِ، بَلْ قِيلَ: هُما جَمْعٌ لِلَمْحَةٍ وذِكْرٍ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، أوْ هُما جَمْعٌ لِمُفْرَدٍ لَمْ يَنْطِقْ بِهِ، وهو مِذْكارٌ ومَلْمَحَةٌ. وقالَ السُّدِّيُّ والضَّحّاكُ: المَعاذِيرُ: السُّتُورُ بِلُغَةِ اليَمَنِ، واحِدُها مِعْذارٌ، وهو يَمْنَعُ رُؤْيَةَ المُحْتَجِبِ، كَما تَمْنَعُ المَعْذِرَةُ عُقُوبَةَ الذَّنْبِ. وقالَهُ الزَّجّاجُ أيْضًا، أيْ: وإنْ رَمى مَسْتُورَةً يُرِيدُ أنْ يُخْفِيَ عَمَلَهُ، فَنَفْسُهُ شاهِدَةٌ عَلَيْهِ. وأنْشَدُوا في أنَّ المَعاذِيرَ السُّتُورُ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎ولَكِنَّها ضَنَّتْ بِمَنزِلِ ساعَةٍ ∗∗∗ عَلَيْنا، وأطَّتْ فَوْقَها بِالمَعاذِرِ وقِيلَ: البَصِيرَةُ: الكاتِبانِ يَكْتُبانِ ما يَكُونُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، أيْ: وإنْ تَسَتَّرَ بِالسُّتُورِ، وإذا كانَتْ مِنَ العُذْرِ، فَمَعْنى ﴿ولَوْ ألْقى﴾ أيْ: نَطَقَ بِمَعاذِيرِهِ وقالَها. وقِيلَ: ولَوْ رَمى بِأعْذارِهِ واسْتَسْلَمَ. وقالَ السُّدِّيُّ: ولَوْ أدْلى بِحُجَّةٍ وعُذْرٍ. وقِيلَ: ولَوْ أحالَ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْلا أنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبإ: ٣١] . والعُذْرَةُ والعُذْرى: المَعْذِرَةُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ها إنَّ ذِي عُذْرَةٍ أنْ لا تَكُنْ نَفَعَتْ وقالَ فِيها: ولا عُذْرَ لِمَجْحُودٍ.