Lafzullah

Al-Bahr Al-Muhit — الإنسان 76:28 – المرسلات 77:50

المؤلف / المصدر: Al-Bahr Al-Muhit

المحتويات
  1. الإنسان 76:28
  2. الإنسان 76:29
  3. الإنسان 76:30
  4. الإنسان 76:31
  5. المرسلات 77:1
  6. المرسلات 77:2
  7. المرسلات 77:3
  8. المرسلات 77:4
  9. المرسلات 77:5
  10. المرسلات 77:6
  11. المرسلات 77:7
  12. المرسلات 77:8
  13. المرسلات 77:9
  14. المرسلات 77:10
  15. المرسلات 77:11
  16. المرسلات 77:12
  17. المرسلات 77:13
  18. المرسلات 77:14
  19. المرسلات 77:15
  20. المرسلات 77:16
  21. المرسلات 77:17
  22. المرسلات 77:18
  23. المرسلات 77:19
  24. المرسلات 77:20
  25. المرسلات 77:21
  26. المرسلات 77:22
  27. المرسلات 77:23
  28. المرسلات 77:24
  29. المرسلات 77:25
  30. المرسلات 77:26
  31. المرسلات 77:27
  32. المرسلات 77:28
  33. المرسلات 77:29
  34. المرسلات 77:30
  35. المرسلات 77:31
  36. المرسلات 77:32
  37. المرسلات 77:33
  38. المرسلات 77:34
  39. المرسلات 77:35
  40. المرسلات 77:36
  41. المرسلات 77:37
  42. المرسلات 77:38
  43. المرسلات 77:39
  44. المرسلات 77:40
  45. المرسلات 77:41
  46. المرسلات 77:42
  47. المرسلات 77:43
  48. المرسلات 77:44
  49. المرسلات 77:45
  50. المرسلات 77:46
  51. المرسلات 77:47
  52. المرسلات 77:48
  53. المرسلات 77:49
  54. المرسلات 77:50

الإنسان 76:28

﴿وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ طَهُورٌ صِفَةُ مُبالَغَةٍ في الطَّهارَةِ، وهي مِن فِعْلٍ لازِمٍ، وطَهارَتُها بِكَوْنِها لَمْ يُؤْمَرْ بِاجْتِنابِها، ولَيْسَتْ كَخَمْرِ الدُّنْيا الَّتِي هي في الشَّرْعِ رِجْسٌ، أوْ لِكَوْنِها لَمْ تُدَسْ بِرِجْلٍ دَنِسَةٍ، ولَمْ تُمَسَّ بِيَدٍ وضِرَةٍ، ولَمْ تُوضَعْ في إناءٍ لَمْ يُعْنَ بِتَنْظِيفِهِ، ذَكَرَهُ بِأبْسَطَ مِن هَذا الزَّمَخْشَرِيُّ ثُمَّ قالَ: أوْ لِأنَّهُ لا يَئُولُ إلى النَّجاسَةِ؛ لِأنَّهُ يُرْشَحُ عَرَقًا مِن أبْدانِهِمْ لَهُ رِيحٌ كَرِيحِ المِسْكِ. انْتَهى. وهَذا الآخَرُ قالَهُ أبُو قِلابَةَ، والنَّخَعِيُّ، وإبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ، قالُوا: لا تَنْقَلِبُ إلى البَوْلِ، بَلْ تَكُونُ رَشْحًا مِنَ الأبْدانِ أطْيَبَ مِنِ المِسْكِ (إنَّ هَذا): أيِ النَّعِيمَ السَّرْمَدِيَّ ﴿كانَ لَكم جَزاءً﴾: أيْ لِأعْمالِكُمُ الصّالِحَةِ ﴿وكانَ سَعْيُكم مَشْكُورًا﴾: أيْ مَقْبُولًا مُثابًا، قالَ قَتادَةُ: لَقَدْ شَكَرَ اللَّهُ سَعْيًا قَلِيلًا، وهَذا عَلى إضْمارِ يُقالُ لَهم، وهَذا القَوْلُ لَهم هو عَلى سَبِيلِ التَّهْنِئَةِ والسُّرُورِ لَهم بِضِدِّ ما يُقالُ لِلْمُعاقَبِ: إنَّ هَذا بِعَمَلِكَ الرَّدِيءِ، فَيَزْدادُ غَمًّا وحُزْنًا. ولَمّا ذَكَرَ أوَّلًا حالَ الإنْسانِ وقَسَّمَهُ إلى العاصِي والطّائِعِ ذَكَرَ ما شَرَّفَ بِهِ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ، فَقالَ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ وأمَرَهُ بِالصَّبْرِ بِحُكْمِهِ، وجاءَ التَّوْكِيدُ بِإنَّ لِمَضْمُونِ الخَبَرِ ومَدْلُولِ المُخْبَرِ عَنْهُ، وأُكِّدَ الفِعْلُ بِالمَصْدَرِ ﴿ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ، قالَ: إنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلِّي لَأطَأنَّ عَلى عُنُقِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تُطِعْ﴾ الآيَةَ. والنَّهْيُ عَنْ طاعَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما أبْلَغُ مِنَ النَّهْيِ عَنْ طاعَتِهِما؛ لِأنَّهُ يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنْ أحَدِهِما، لِأنَّ في طاعَتِهِما طاعَةَ أحَدِهِما، ولَوْ قالَ: لا تَضْرِبْ زَيْدًا وعَمْرًا لَجازَ أنْ يَكُونَ نَهْيًا عَنْ ضَرْبِهِما جَمِيعًا لا عَنْ ضَرْبِ أحَدِهِما، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أوْ بِمَعْنى الواوِ، والكَفُورُ وإنْ كانَ إثْمًا، فَإنَّ فِيهِ مُبالَغَةً في الكُفْرِ، ولَمّا كانَ وصْفُ الكَفُورِ مُبايِنًا لِلْمَوْصُوفِ لِمُجَرَّدِ الإثْمِ، صَلَحَ التَّغايُرُ فَحَسُنَ العَطْفُ. وقِيلَ: الآثِمُ عُتْبَةُ، والكَفُورُ الوَلِيدُ؛ لِأنَّ عُتْبَةَ كانَ رَكّابًا لِلْمَآثِمِ مُتَعاطِيًا لِأنْواعِ الفُسُوقِ، وكانَ الوَلِيدُ غالِيًا في الكُفْرِ، شَدِيدَ الشَّكِيمَةِ في العُتُوِّ. ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً﴾: يَعْنِي صَلاةَ الصُّبْحِ، (وأصِيلًا): الظَّهْرَ والعَصْرَ، ﴿ومِنَ اللَّيْلِ﴾: المَغْرِبَ والعِشاءَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: كانَ ذَلِكَ فَرْضًا ونُسِخَ، فَلا فَرْضَ إلّا الخَمْسُ، وقالَ قَوْمٌ: هو مُحْكَمٌ عَلى وجْهِ النَّدْبِ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ﴾: إشارَةٌ إلى الكَفَرَةِ ﴿يُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾: يُؤْثِرُونَها عَلى الدُّنْيا ﴿ويَذَرُونَ وراءَهُمْ﴾: أيْ أمامَهم، وهو ما يَسْتَقْبِلُونَ مِنَ الزَّمانِ ﴿يَوْمًا ثَقِيلًا﴾: اسْتُعِيرَ الثِّقَلُ لِلْيَوْمِ لِشِدَّتِهِ، وهَوْلِهِ مِن ثِقَلِ الجُرْمِ الَّذِي يُتْعِبُ حامِلَهُ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ الأسْرِ في سُورَةِ القِتالِ ﴿وإذا شِئْنا﴾: أيْ تَبْدِيلَ أمْثالِهِمْ بِإهْلاكِهِمْ ﴿بَدَّلْنا أمْثالَهُمْ﴾ مِمَّنْ يُطِيعُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وحَقُّهُ أنْ يَجِيءَ بِإنْ لا بِإذا، كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]، ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ [النساء: ١٣٣] انْتَهى، يَعْنِي أنَّهم قالُوا: إنَّ إذا لِلْمُحَقَّقِ وإنْ لِلْمُمْكِنِ، وهو تَعالى لَمْ يَشَأْ، لَكِنَّهُ قَدْ تُوضَعُ إذا مَوْضِعَ إنْ، وإنْ مَوْضِعَ إذا، كَقَوْلِهِ: ﴿أفَإنْ مِتَّ فَهُمُ الخالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤]، (إنَّ هَذِهِ): أيِ السُّورَةَ، أوْ آياتِ القُرْآنِ أوْ جُمْلَةَ الشَّرِيعَةِ لَيْسَ عَلى جِهَةِ التَّخْيِيرِ، بَلْ عَلى جِهَةِ التَّحْذِيرِ مِنَ اتِّخاذِ غَيْرِ سَبِيلِ اللَّهِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِمَن شاءَ مِمَّنِ اخْتارَ الخَيْرَ لِنَفْسِهِ والعاقِبَةَ، واتِّخاذُ السَّبِيلِ إلى اللَّهِ عِبارَةٌ عَنِ التَّقَرُّبِ إلَيْهِ والتَّوَسُّلِ بِالطّاعَةِ، ﴿وما تَشاءُونَ﴾: الطّاعَةَ، ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾، يَقْسِرُهم عَلَيْها، ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا﴾ بِأحْوالِهِمْ وما يَكُونُ مِنهم (حَكِيمًا) حَيْثُ خَلَقَهم مَعَ عِلْمِهِ بِهِمْ. انْتَهى. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ، وقَرَأ العَرَبِيّان وابْنُ كَثِيرٍ: وما يَشاءُونَ بِياءِ الغَيْبَةِ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِتاءِ الخِطابِ، ومَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّهُ نَفْيٌ لِقُدْرَتِهِمْ عَلى الِاخْتِراعِ وإيجادِ المَعانِي في أنْفُسِهِمْ، ولا يَرُدُّ هَذا وُجُودُ ما لَهم مِنَ الِاكْتِسابِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَحَلُّ ﴿أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ ؟ قُلْتُ: النَّصْبُ عَلى الظَّرْفِ، وأصْلُهُ: إلّا وقْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: إلّا ما يَشاءُ اللَّهُ، (p-٤٠٢)لِأنَّ ما مَعَ الفِعْلِ كانَ مَعَهُ. انْتَهى. ونَصُّوا عَلى أنَّهُ لا يَقُومُ مَقامَ الظَّرْفِ إلّا المَصْدَرُ المُصَرَّحُ بِهِ، كَقَوْلِكَ: أجِيئُكَ صِياحَ الدِّيكِ، ولا يُجِيزُونَ: أجِيئُكَ أنْ يَصِيحَ الدِّيكُ، ولا ما يَصِيحُ الدِّيكُ، فَعَلى هَذا لا يَجُوزُ ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. ﴿يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ﴾: وهُمُ المُؤْمِنُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (والظّالِمِينَ) نَصْبًا بِإضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ: ﴿أعَدَّ لَهُمْ﴾، وتَقْدِيرُهُ: ويُعَذِّبُ الظّالِمِينَ، وهو مِن بابِ الِاشْتِغالِ جُمْلَةُ عَطْفٍ فِعْلِيَّةٌ عَلى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ، وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ وأبانُ بْنُ عُثْمانَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: والظّالِمُونَ. عَطَفَ جُمْلَةً اسْمِيَّةً عَلى فِعْلِيَّةٍ، وهو جائِزٌ حَسَنٌ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: ولِلظّالِمِينَ بِلامِ الجَرِّ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِأعَدَّ لَهم تَوْكِيدًا، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ الِاشْتِغالِ، ويُقَدَّرُ فِعْلٌ يُفَسِّرُهُ الفِعْلُ الَّذِي بَعْدَهُ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: وأعَدَّ لِلظّالِمِينَ أعَدَّ لَهم، وهَذا مَذْهَبُ الجُمْهُورِ، وفِيهِ خِلافٌ ضَعِيفٌ مَذْكُورٌ في النَّحْوِ، فَتَقُولُ: بِزَيْدٍ مَرَرْتُ بِهِ، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ مَرَرْتُ بِهِ، ويَكُونُ مِن بابِ الِاشْتِغالِ، والمَحْفُوظُ المَعْرُوفُ عَنِ العَرَبِ نَصْبُ الِاسْمِ وتَفْسِيرُ مَرَرْتُ المُتَأخِّرِ، وما أشْبَهَهُ مِن جِهَةِ المَعْنى فِعْلًا ماضِيًا.

الإنسان 76:29

﴿وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ طَهُورٌ صِفَةُ مُبالَغَةٍ في الطَّهارَةِ، وهي مِن فِعْلٍ لازِمٍ، وطَهارَتُها بِكَوْنِها لَمْ يُؤْمَرْ بِاجْتِنابِها، ولَيْسَتْ كَخَمْرِ الدُّنْيا الَّتِي هي في الشَّرْعِ رِجْسٌ، أوْ لِكَوْنِها لَمْ تُدَسْ بِرِجْلٍ دَنِسَةٍ، ولَمْ تُمَسَّ بِيَدٍ وضِرَةٍ، ولَمْ تُوضَعْ في إناءٍ لَمْ يُعْنَ بِتَنْظِيفِهِ، ذَكَرَهُ بِأبْسَطَ مِن هَذا الزَّمَخْشَرِيُّ ثُمَّ قالَ: أوْ لِأنَّهُ لا يَئُولُ إلى النَّجاسَةِ؛ لِأنَّهُ يُرْشَحُ عَرَقًا مِن أبْدانِهِمْ لَهُ رِيحٌ كَرِيحِ المِسْكِ. انْتَهى. وهَذا الآخَرُ قالَهُ أبُو قِلابَةَ، والنَّخَعِيُّ، وإبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ، قالُوا: لا تَنْقَلِبُ إلى البَوْلِ، بَلْ تَكُونُ رَشْحًا مِنَ الأبْدانِ أطْيَبَ مِنِ المِسْكِ (إنَّ هَذا): أيِ النَّعِيمَ السَّرْمَدِيَّ ﴿كانَ لَكم جَزاءً﴾: أيْ لِأعْمالِكُمُ الصّالِحَةِ ﴿وكانَ سَعْيُكم مَشْكُورًا﴾: أيْ مَقْبُولًا مُثابًا، قالَ قَتادَةُ: لَقَدْ شَكَرَ اللَّهُ سَعْيًا قَلِيلًا، وهَذا عَلى إضْمارِ يُقالُ لَهم، وهَذا القَوْلُ لَهم هو عَلى سَبِيلِ التَّهْنِئَةِ والسُّرُورِ لَهم بِضِدِّ ما يُقالُ لِلْمُعاقَبِ: إنَّ هَذا بِعَمَلِكَ الرَّدِيءِ، فَيَزْدادُ غَمًّا وحُزْنًا. ولَمّا ذَكَرَ أوَّلًا حالَ الإنْسانِ وقَسَّمَهُ إلى العاصِي والطّائِعِ ذَكَرَ ما شَرَّفَ بِهِ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ، فَقالَ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ وأمَرَهُ بِالصَّبْرِ بِحُكْمِهِ، وجاءَ التَّوْكِيدُ بِإنَّ لِمَضْمُونِ الخَبَرِ ومَدْلُولِ المُخْبَرِ عَنْهُ، وأُكِّدَ الفِعْلُ بِالمَصْدَرِ ﴿ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ، قالَ: إنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلِّي لَأطَأنَّ عَلى عُنُقِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تُطِعْ﴾ الآيَةَ. والنَّهْيُ عَنْ طاعَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما أبْلَغُ مِنَ النَّهْيِ عَنْ طاعَتِهِما؛ لِأنَّهُ يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنْ أحَدِهِما، لِأنَّ في طاعَتِهِما طاعَةَ أحَدِهِما، ولَوْ قالَ: لا تَضْرِبْ زَيْدًا وعَمْرًا لَجازَ أنْ يَكُونَ نَهْيًا عَنْ ضَرْبِهِما جَمِيعًا لا عَنْ ضَرْبِ أحَدِهِما، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أوْ بِمَعْنى الواوِ، والكَفُورُ وإنْ كانَ إثْمًا، فَإنَّ فِيهِ مُبالَغَةً في الكُفْرِ، ولَمّا كانَ وصْفُ الكَفُورِ مُبايِنًا لِلْمَوْصُوفِ لِمُجَرَّدِ الإثْمِ، صَلَحَ التَّغايُرُ فَحَسُنَ العَطْفُ. وقِيلَ: الآثِمُ عُتْبَةُ، والكَفُورُ الوَلِيدُ؛ لِأنَّ عُتْبَةَ كانَ رَكّابًا لِلْمَآثِمِ مُتَعاطِيًا لِأنْواعِ الفُسُوقِ، وكانَ الوَلِيدُ غالِيًا في الكُفْرِ، شَدِيدَ الشَّكِيمَةِ في العُتُوِّ. ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً﴾: يَعْنِي صَلاةَ الصُّبْحِ، (وأصِيلًا): الظَّهْرَ والعَصْرَ، ﴿ومِنَ اللَّيْلِ﴾: المَغْرِبَ والعِشاءَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: كانَ ذَلِكَ فَرْضًا ونُسِخَ، فَلا فَرْضَ إلّا الخَمْسُ، وقالَ قَوْمٌ: هو مُحْكَمٌ عَلى وجْهِ النَّدْبِ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ﴾: إشارَةٌ إلى الكَفَرَةِ ﴿يُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾: يُؤْثِرُونَها عَلى الدُّنْيا ﴿ويَذَرُونَ وراءَهُمْ﴾: أيْ أمامَهم، وهو ما يَسْتَقْبِلُونَ مِنَ الزَّمانِ ﴿يَوْمًا ثَقِيلًا﴾: اسْتُعِيرَ الثِّقَلُ لِلْيَوْمِ لِشِدَّتِهِ، وهَوْلِهِ مِن ثِقَلِ الجُرْمِ الَّذِي يُتْعِبُ حامِلَهُ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ الأسْرِ في سُورَةِ القِتالِ ﴿وإذا شِئْنا﴾: أيْ تَبْدِيلَ أمْثالِهِمْ بِإهْلاكِهِمْ ﴿بَدَّلْنا أمْثالَهُمْ﴾ مِمَّنْ يُطِيعُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وحَقُّهُ أنْ يَجِيءَ بِإنْ لا بِإذا، كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]، ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ [النساء: ١٣٣] انْتَهى، يَعْنِي أنَّهم قالُوا: إنَّ إذا لِلْمُحَقَّقِ وإنْ لِلْمُمْكِنِ، وهو تَعالى لَمْ يَشَأْ، لَكِنَّهُ قَدْ تُوضَعُ إذا مَوْضِعَ إنْ، وإنْ مَوْضِعَ إذا، كَقَوْلِهِ: ﴿أفَإنْ مِتَّ فَهُمُ الخالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤]، (إنَّ هَذِهِ): أيِ السُّورَةَ، أوْ آياتِ القُرْآنِ أوْ جُمْلَةَ الشَّرِيعَةِ لَيْسَ عَلى جِهَةِ التَّخْيِيرِ، بَلْ عَلى جِهَةِ التَّحْذِيرِ مِنَ اتِّخاذِ غَيْرِ سَبِيلِ اللَّهِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِمَن شاءَ مِمَّنِ اخْتارَ الخَيْرَ لِنَفْسِهِ والعاقِبَةَ، واتِّخاذُ السَّبِيلِ إلى اللَّهِ عِبارَةٌ عَنِ التَّقَرُّبِ إلَيْهِ والتَّوَسُّلِ بِالطّاعَةِ، ﴿وما تَشاءُونَ﴾: الطّاعَةَ، ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾، يَقْسِرُهم عَلَيْها، ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا﴾ بِأحْوالِهِمْ وما يَكُونُ مِنهم (حَكِيمًا) حَيْثُ خَلَقَهم مَعَ عِلْمِهِ بِهِمْ. انْتَهى. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ، وقَرَأ العَرَبِيّان وابْنُ كَثِيرٍ: وما يَشاءُونَ بِياءِ الغَيْبَةِ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِتاءِ الخِطابِ، ومَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّهُ نَفْيٌ لِقُدْرَتِهِمْ عَلى الِاخْتِراعِ وإيجادِ المَعانِي في أنْفُسِهِمْ، ولا يَرُدُّ هَذا وُجُودُ ما لَهم مِنَ الِاكْتِسابِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَحَلُّ ﴿أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ ؟ قُلْتُ: النَّصْبُ عَلى الظَّرْفِ، وأصْلُهُ: إلّا وقْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: إلّا ما يَشاءُ اللَّهُ، (p-٤٠٢)لِأنَّ ما مَعَ الفِعْلِ كانَ مَعَهُ. انْتَهى. ونَصُّوا عَلى أنَّهُ لا يَقُومُ مَقامَ الظَّرْفِ إلّا المَصْدَرُ المُصَرَّحُ بِهِ، كَقَوْلِكَ: أجِيئُكَ صِياحَ الدِّيكِ، ولا يُجِيزُونَ: أجِيئُكَ أنْ يَصِيحَ الدِّيكُ، ولا ما يَصِيحُ الدِّيكُ، فَعَلى هَذا لا يَجُوزُ ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. ﴿يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ﴾: وهُمُ المُؤْمِنُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (والظّالِمِينَ) نَصْبًا بِإضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ: ﴿أعَدَّ لَهُمْ﴾، وتَقْدِيرُهُ: ويُعَذِّبُ الظّالِمِينَ، وهو مِن بابِ الِاشْتِغالِ جُمْلَةُ عَطْفٍ فِعْلِيَّةٌ عَلى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ، وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ وأبانُ بْنُ عُثْمانَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: والظّالِمُونَ. عَطَفَ جُمْلَةً اسْمِيَّةً عَلى فِعْلِيَّةٍ، وهو جائِزٌ حَسَنٌ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: ولِلظّالِمِينَ بِلامِ الجَرِّ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِأعَدَّ لَهم تَوْكِيدًا، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ الِاشْتِغالِ، ويُقَدَّرُ فِعْلٌ يُفَسِّرُهُ الفِعْلُ الَّذِي بَعْدَهُ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: وأعَدَّ لِلظّالِمِينَ أعَدَّ لَهم، وهَذا مَذْهَبُ الجُمْهُورِ، وفِيهِ خِلافٌ ضَعِيفٌ مَذْكُورٌ في النَّحْوِ، فَتَقُولُ: بِزَيْدٍ مَرَرْتُ بِهِ، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ مَرَرْتُ بِهِ، ويَكُونُ مِن بابِ الِاشْتِغالِ، والمَحْفُوظُ المَعْرُوفُ عَنِ العَرَبِ نَصْبُ الِاسْمِ وتَفْسِيرُ مَرَرْتُ المُتَأخِّرِ، وما أشْبَهَهُ مِن جِهَةِ المَعْنى فِعْلًا ماضِيًا.

الإنسان 76:30

﴿وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ طَهُورٌ صِفَةُ مُبالَغَةٍ في الطَّهارَةِ، وهي مِن فِعْلٍ لازِمٍ، وطَهارَتُها بِكَوْنِها لَمْ يُؤْمَرْ بِاجْتِنابِها، ولَيْسَتْ كَخَمْرِ الدُّنْيا الَّتِي هي في الشَّرْعِ رِجْسٌ، أوْ لِكَوْنِها لَمْ تُدَسْ بِرِجْلٍ دَنِسَةٍ، ولَمْ تُمَسَّ بِيَدٍ وضِرَةٍ، ولَمْ تُوضَعْ في إناءٍ لَمْ يُعْنَ بِتَنْظِيفِهِ، ذَكَرَهُ بِأبْسَطَ مِن هَذا الزَّمَخْشَرِيُّ ثُمَّ قالَ: أوْ لِأنَّهُ لا يَئُولُ إلى النَّجاسَةِ؛ لِأنَّهُ يُرْشَحُ عَرَقًا مِن أبْدانِهِمْ لَهُ رِيحٌ كَرِيحِ المِسْكِ. انْتَهى. وهَذا الآخَرُ قالَهُ أبُو قِلابَةَ، والنَّخَعِيُّ، وإبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ، قالُوا: لا تَنْقَلِبُ إلى البَوْلِ، بَلْ تَكُونُ رَشْحًا مِنَ الأبْدانِ أطْيَبَ مِنِ المِسْكِ (إنَّ هَذا): أيِ النَّعِيمَ السَّرْمَدِيَّ ﴿كانَ لَكم جَزاءً﴾: أيْ لِأعْمالِكُمُ الصّالِحَةِ ﴿وكانَ سَعْيُكم مَشْكُورًا﴾: أيْ مَقْبُولًا مُثابًا، قالَ قَتادَةُ: لَقَدْ شَكَرَ اللَّهُ سَعْيًا قَلِيلًا، وهَذا عَلى إضْمارِ يُقالُ لَهم، وهَذا القَوْلُ لَهم هو عَلى سَبِيلِ التَّهْنِئَةِ والسُّرُورِ لَهم بِضِدِّ ما يُقالُ لِلْمُعاقَبِ: إنَّ هَذا بِعَمَلِكَ الرَّدِيءِ، فَيَزْدادُ غَمًّا وحُزْنًا. ولَمّا ذَكَرَ أوَّلًا حالَ الإنْسانِ وقَسَّمَهُ إلى العاصِي والطّائِعِ ذَكَرَ ما شَرَّفَ بِهِ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ، فَقالَ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ وأمَرَهُ بِالصَّبْرِ بِحُكْمِهِ، وجاءَ التَّوْكِيدُ بِإنَّ لِمَضْمُونِ الخَبَرِ ومَدْلُولِ المُخْبَرِ عَنْهُ، وأُكِّدَ الفِعْلُ بِالمَصْدَرِ ﴿ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ، قالَ: إنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلِّي لَأطَأنَّ عَلى عُنُقِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تُطِعْ﴾ الآيَةَ. والنَّهْيُ عَنْ طاعَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما أبْلَغُ مِنَ النَّهْيِ عَنْ طاعَتِهِما؛ لِأنَّهُ يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنْ أحَدِهِما، لِأنَّ في طاعَتِهِما طاعَةَ أحَدِهِما، ولَوْ قالَ: لا تَضْرِبْ زَيْدًا وعَمْرًا لَجازَ أنْ يَكُونَ نَهْيًا عَنْ ضَرْبِهِما جَمِيعًا لا عَنْ ضَرْبِ أحَدِهِما، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أوْ بِمَعْنى الواوِ، والكَفُورُ وإنْ كانَ إثْمًا، فَإنَّ فِيهِ مُبالَغَةً في الكُفْرِ، ولَمّا كانَ وصْفُ الكَفُورِ مُبايِنًا لِلْمَوْصُوفِ لِمُجَرَّدِ الإثْمِ، صَلَحَ التَّغايُرُ فَحَسُنَ العَطْفُ. وقِيلَ: الآثِمُ عُتْبَةُ، والكَفُورُ الوَلِيدُ؛ لِأنَّ عُتْبَةَ كانَ رَكّابًا لِلْمَآثِمِ مُتَعاطِيًا لِأنْواعِ الفُسُوقِ، وكانَ الوَلِيدُ غالِيًا في الكُفْرِ، شَدِيدَ الشَّكِيمَةِ في العُتُوِّ. ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً﴾: يَعْنِي صَلاةَ الصُّبْحِ، (وأصِيلًا): الظَّهْرَ والعَصْرَ، ﴿ومِنَ اللَّيْلِ﴾: المَغْرِبَ والعِشاءَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: كانَ ذَلِكَ فَرْضًا ونُسِخَ، فَلا فَرْضَ إلّا الخَمْسُ، وقالَ قَوْمٌ: هو مُحْكَمٌ عَلى وجْهِ النَّدْبِ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ﴾: إشارَةٌ إلى الكَفَرَةِ ﴿يُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾: يُؤْثِرُونَها عَلى الدُّنْيا ﴿ويَذَرُونَ وراءَهُمْ﴾: أيْ أمامَهم، وهو ما يَسْتَقْبِلُونَ مِنَ الزَّمانِ ﴿يَوْمًا ثَقِيلًا﴾: اسْتُعِيرَ الثِّقَلُ لِلْيَوْمِ لِشِدَّتِهِ، وهَوْلِهِ مِن ثِقَلِ الجُرْمِ الَّذِي يُتْعِبُ حامِلَهُ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ الأسْرِ في سُورَةِ القِتالِ ﴿وإذا شِئْنا﴾: أيْ تَبْدِيلَ أمْثالِهِمْ بِإهْلاكِهِمْ ﴿بَدَّلْنا أمْثالَهُمْ﴾ مِمَّنْ يُطِيعُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وحَقُّهُ أنْ يَجِيءَ بِإنْ لا بِإذا، كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]، ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ [النساء: ١٣٣] انْتَهى، يَعْنِي أنَّهم قالُوا: إنَّ إذا لِلْمُحَقَّقِ وإنْ لِلْمُمْكِنِ، وهو تَعالى لَمْ يَشَأْ، لَكِنَّهُ قَدْ تُوضَعُ إذا مَوْضِعَ إنْ، وإنْ مَوْضِعَ إذا، كَقَوْلِهِ: ﴿أفَإنْ مِتَّ فَهُمُ الخالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤]، (إنَّ هَذِهِ): أيِ السُّورَةَ، أوْ آياتِ القُرْآنِ أوْ جُمْلَةَ الشَّرِيعَةِ لَيْسَ عَلى جِهَةِ التَّخْيِيرِ، بَلْ عَلى جِهَةِ التَّحْذِيرِ مِنَ اتِّخاذِ غَيْرِ سَبِيلِ اللَّهِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِمَن شاءَ مِمَّنِ اخْتارَ الخَيْرَ لِنَفْسِهِ والعاقِبَةَ، واتِّخاذُ السَّبِيلِ إلى اللَّهِ عِبارَةٌ عَنِ التَّقَرُّبِ إلَيْهِ والتَّوَسُّلِ بِالطّاعَةِ، ﴿وما تَشاءُونَ﴾: الطّاعَةَ، ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾، يَقْسِرُهم عَلَيْها، ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا﴾ بِأحْوالِهِمْ وما يَكُونُ مِنهم (حَكِيمًا) حَيْثُ خَلَقَهم مَعَ عِلْمِهِ بِهِمْ. انْتَهى. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ، وقَرَأ العَرَبِيّان وابْنُ كَثِيرٍ: وما يَشاءُونَ بِياءِ الغَيْبَةِ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِتاءِ الخِطابِ، ومَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّهُ نَفْيٌ لِقُدْرَتِهِمْ عَلى الِاخْتِراعِ وإيجادِ المَعانِي في أنْفُسِهِمْ، ولا يَرُدُّ هَذا وُجُودُ ما لَهم مِنَ الِاكْتِسابِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَحَلُّ ﴿أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ ؟ قُلْتُ: النَّصْبُ عَلى الظَّرْفِ، وأصْلُهُ: إلّا وقْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: إلّا ما يَشاءُ اللَّهُ، (p-٤٠٢)لِأنَّ ما مَعَ الفِعْلِ كانَ مَعَهُ. انْتَهى. ونَصُّوا عَلى أنَّهُ لا يَقُومُ مَقامَ الظَّرْفِ إلّا المَصْدَرُ المُصَرَّحُ بِهِ، كَقَوْلِكَ: أجِيئُكَ صِياحَ الدِّيكِ، ولا يُجِيزُونَ: أجِيئُكَ أنْ يَصِيحَ الدِّيكُ، ولا ما يَصِيحُ الدِّيكُ، فَعَلى هَذا لا يَجُوزُ ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. ﴿يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ﴾: وهُمُ المُؤْمِنُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (والظّالِمِينَ) نَصْبًا بِإضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ: ﴿أعَدَّ لَهُمْ﴾، وتَقْدِيرُهُ: ويُعَذِّبُ الظّالِمِينَ، وهو مِن بابِ الِاشْتِغالِ جُمْلَةُ عَطْفٍ فِعْلِيَّةٌ عَلى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ، وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ وأبانُ بْنُ عُثْمانَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: والظّالِمُونَ. عَطَفَ جُمْلَةً اسْمِيَّةً عَلى فِعْلِيَّةٍ، وهو جائِزٌ حَسَنٌ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: ولِلظّالِمِينَ بِلامِ الجَرِّ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِأعَدَّ لَهم تَوْكِيدًا، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ الِاشْتِغالِ، ويُقَدَّرُ فِعْلٌ يُفَسِّرُهُ الفِعْلُ الَّذِي بَعْدَهُ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: وأعَدَّ لِلظّالِمِينَ أعَدَّ لَهم، وهَذا مَذْهَبُ الجُمْهُورِ، وفِيهِ خِلافٌ ضَعِيفٌ مَذْكُورٌ في النَّحْوِ، فَتَقُولُ: بِزَيْدٍ مَرَرْتُ بِهِ، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ مَرَرْتُ بِهِ، ويَكُونُ مِن بابِ الِاشْتِغالِ، والمَحْفُوظُ المَعْرُوفُ عَنِ العَرَبِ نَصْبُ الِاسْمِ وتَفْسِيرُ مَرَرْتُ المُتَأخِّرِ، وما أشْبَهَهُ مِن جِهَةِ المَعْنى فِعْلًا ماضِيًا.

الإنسان 76:31

﴿وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ طَهُورٌ صِفَةُ مُبالَغَةٍ في الطَّهارَةِ، وهي مِن فِعْلٍ لازِمٍ، وطَهارَتُها بِكَوْنِها لَمْ يُؤْمَرْ بِاجْتِنابِها، ولَيْسَتْ كَخَمْرِ الدُّنْيا الَّتِي هي في الشَّرْعِ رِجْسٌ، أوْ لِكَوْنِها لَمْ تُدَسْ بِرِجْلٍ دَنِسَةٍ، ولَمْ تُمَسَّ بِيَدٍ وضِرَةٍ، ولَمْ تُوضَعْ في إناءٍ لَمْ يُعْنَ بِتَنْظِيفِهِ، ذَكَرَهُ بِأبْسَطَ مِن هَذا الزَّمَخْشَرِيُّ ثُمَّ قالَ: أوْ لِأنَّهُ لا يَئُولُ إلى النَّجاسَةِ؛ لِأنَّهُ يُرْشَحُ عَرَقًا مِن أبْدانِهِمْ لَهُ رِيحٌ كَرِيحِ المِسْكِ. انْتَهى. وهَذا الآخَرُ قالَهُ أبُو قِلابَةَ، والنَّخَعِيُّ، وإبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ، قالُوا: لا تَنْقَلِبُ إلى البَوْلِ، بَلْ تَكُونُ رَشْحًا مِنَ الأبْدانِ أطْيَبَ مِنِ المِسْكِ (إنَّ هَذا): أيِ النَّعِيمَ السَّرْمَدِيَّ ﴿كانَ لَكم جَزاءً﴾: أيْ لِأعْمالِكُمُ الصّالِحَةِ ﴿وكانَ سَعْيُكم مَشْكُورًا﴾: أيْ مَقْبُولًا مُثابًا، قالَ قَتادَةُ: لَقَدْ شَكَرَ اللَّهُ سَعْيًا قَلِيلًا، وهَذا عَلى إضْمارِ يُقالُ لَهم، وهَذا القَوْلُ لَهم هو عَلى سَبِيلِ التَّهْنِئَةِ والسُّرُورِ لَهم بِضِدِّ ما يُقالُ لِلْمُعاقَبِ: إنَّ هَذا بِعَمَلِكَ الرَّدِيءِ، فَيَزْدادُ غَمًّا وحُزْنًا. ولَمّا ذَكَرَ أوَّلًا حالَ الإنْسانِ وقَسَّمَهُ إلى العاصِي والطّائِعِ ذَكَرَ ما شَرَّفَ بِهِ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ، فَقالَ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ وأمَرَهُ بِالصَّبْرِ بِحُكْمِهِ، وجاءَ التَّوْكِيدُ بِإنَّ لِمَضْمُونِ الخَبَرِ ومَدْلُولِ المُخْبَرِ عَنْهُ، وأُكِّدَ الفِعْلُ بِالمَصْدَرِ ﴿ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ، قالَ: إنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلِّي لَأطَأنَّ عَلى عُنُقِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تُطِعْ﴾ الآيَةَ. والنَّهْيُ عَنْ طاعَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما أبْلَغُ مِنَ النَّهْيِ عَنْ طاعَتِهِما؛ لِأنَّهُ يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنْ أحَدِهِما، لِأنَّ في طاعَتِهِما طاعَةَ أحَدِهِما، ولَوْ قالَ: لا تَضْرِبْ زَيْدًا وعَمْرًا لَجازَ أنْ يَكُونَ نَهْيًا عَنْ ضَرْبِهِما جَمِيعًا لا عَنْ ضَرْبِ أحَدِهِما، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أوْ بِمَعْنى الواوِ، والكَفُورُ وإنْ كانَ إثْمًا، فَإنَّ فِيهِ مُبالَغَةً في الكُفْرِ، ولَمّا كانَ وصْفُ الكَفُورِ مُبايِنًا لِلْمَوْصُوفِ لِمُجَرَّدِ الإثْمِ، صَلَحَ التَّغايُرُ فَحَسُنَ العَطْفُ. وقِيلَ: الآثِمُ عُتْبَةُ، والكَفُورُ الوَلِيدُ؛ لِأنَّ عُتْبَةَ كانَ رَكّابًا لِلْمَآثِمِ مُتَعاطِيًا لِأنْواعِ الفُسُوقِ، وكانَ الوَلِيدُ غالِيًا في الكُفْرِ، شَدِيدَ الشَّكِيمَةِ في العُتُوِّ. ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً﴾: يَعْنِي صَلاةَ الصُّبْحِ، (وأصِيلًا): الظَّهْرَ والعَصْرَ، ﴿ومِنَ اللَّيْلِ﴾: المَغْرِبَ والعِشاءَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: كانَ ذَلِكَ فَرْضًا ونُسِخَ، فَلا فَرْضَ إلّا الخَمْسُ، وقالَ قَوْمٌ: هو مُحْكَمٌ عَلى وجْهِ النَّدْبِ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ﴾: إشارَةٌ إلى الكَفَرَةِ ﴿يُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾: يُؤْثِرُونَها عَلى الدُّنْيا ﴿ويَذَرُونَ وراءَهُمْ﴾: أيْ أمامَهم، وهو ما يَسْتَقْبِلُونَ مِنَ الزَّمانِ ﴿يَوْمًا ثَقِيلًا﴾: اسْتُعِيرَ الثِّقَلُ لِلْيَوْمِ لِشِدَّتِهِ، وهَوْلِهِ مِن ثِقَلِ الجُرْمِ الَّذِي يُتْعِبُ حامِلَهُ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ الأسْرِ في سُورَةِ القِتالِ ﴿وإذا شِئْنا﴾: أيْ تَبْدِيلَ أمْثالِهِمْ بِإهْلاكِهِمْ ﴿بَدَّلْنا أمْثالَهُمْ﴾ مِمَّنْ يُطِيعُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وحَقُّهُ أنْ يَجِيءَ بِإنْ لا بِإذا، كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]، ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ [النساء: ١٣٣] انْتَهى، يَعْنِي أنَّهم قالُوا: إنَّ إذا لِلْمُحَقَّقِ وإنْ لِلْمُمْكِنِ، وهو تَعالى لَمْ يَشَأْ، لَكِنَّهُ قَدْ تُوضَعُ إذا مَوْضِعَ إنْ، وإنْ مَوْضِعَ إذا، كَقَوْلِهِ: ﴿أفَإنْ مِتَّ فَهُمُ الخالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤]، (إنَّ هَذِهِ): أيِ السُّورَةَ، أوْ آياتِ القُرْآنِ أوْ جُمْلَةَ الشَّرِيعَةِ لَيْسَ عَلى جِهَةِ التَّخْيِيرِ، بَلْ عَلى جِهَةِ التَّحْذِيرِ مِنَ اتِّخاذِ غَيْرِ سَبِيلِ اللَّهِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِمَن شاءَ مِمَّنِ اخْتارَ الخَيْرَ لِنَفْسِهِ والعاقِبَةَ، واتِّخاذُ السَّبِيلِ إلى اللَّهِ عِبارَةٌ عَنِ التَّقَرُّبِ إلَيْهِ والتَّوَسُّلِ بِالطّاعَةِ، ﴿وما تَشاءُونَ﴾: الطّاعَةَ، ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾، يَقْسِرُهم عَلَيْها، ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا﴾ بِأحْوالِهِمْ وما يَكُونُ مِنهم (حَكِيمًا) حَيْثُ خَلَقَهم مَعَ عِلْمِهِ بِهِمْ. انْتَهى. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ، وقَرَأ العَرَبِيّان وابْنُ كَثِيرٍ: وما يَشاءُونَ بِياءِ الغَيْبَةِ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِتاءِ الخِطابِ، ومَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّهُ نَفْيٌ لِقُدْرَتِهِمْ عَلى الِاخْتِراعِ وإيجادِ المَعانِي في أنْفُسِهِمْ، ولا يَرُدُّ هَذا وُجُودُ ما لَهم مِنَ الِاكْتِسابِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَحَلُّ ﴿أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ ؟ قُلْتُ: النَّصْبُ عَلى الظَّرْفِ، وأصْلُهُ: إلّا وقْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: إلّا ما يَشاءُ اللَّهُ، (p-٤٠٢)لِأنَّ ما مَعَ الفِعْلِ كانَ مَعَهُ. انْتَهى. ونَصُّوا عَلى أنَّهُ لا يَقُومُ مَقامَ الظَّرْفِ إلّا المَصْدَرُ المُصَرَّحُ بِهِ، كَقَوْلِكَ: أجِيئُكَ صِياحَ الدِّيكِ، ولا يُجِيزُونَ: أجِيئُكَ أنْ يَصِيحَ الدِّيكُ، ولا ما يَصِيحُ الدِّيكُ، فَعَلى هَذا لا يَجُوزُ ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. ﴿يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ﴾: وهُمُ المُؤْمِنُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (والظّالِمِينَ) نَصْبًا بِإضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ: ﴿أعَدَّ لَهُمْ﴾، وتَقْدِيرُهُ: ويُعَذِّبُ الظّالِمِينَ، وهو مِن بابِ الِاشْتِغالِ جُمْلَةُ عَطْفٍ فِعْلِيَّةٌ عَلى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ، وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ وأبانُ بْنُ عُثْمانَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: والظّالِمُونَ. عَطَفَ جُمْلَةً اسْمِيَّةً عَلى فِعْلِيَّةٍ، وهو جائِزٌ حَسَنٌ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: ولِلظّالِمِينَ بِلامِ الجَرِّ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِأعَدَّ لَهم تَوْكِيدًا، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ الِاشْتِغالِ، ويُقَدَّرُ فِعْلٌ يُفَسِّرُهُ الفِعْلُ الَّذِي بَعْدَهُ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: وأعَدَّ لِلظّالِمِينَ أعَدَّ لَهم، وهَذا مَذْهَبُ الجُمْهُورِ، وفِيهِ خِلافٌ ضَعِيفٌ مَذْكُورٌ في النَّحْوِ، فَتَقُولُ: بِزَيْدٍ مَرَرْتُ بِهِ، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ مَرَرْتُ بِهِ، ويَكُونُ مِن بابِ الِاشْتِغالِ، والمَحْفُوظُ المَعْرُوفُ عَنِ العَرَبِ نَصْبُ الِاسْمِ وتَفْسِيرُ مَرَرْتُ المُتَأخِّرِ، وما أشْبَهَهُ مِن جِهَةِ المَعْنى فِعْلًا ماضِيًا.

المرسلات 77:1

سُورَةُ المُرْسَلاتِ مَكِّيَّةٌ وهي خَمْسُونَ آيَةً ﷽ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ ﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ [المرسلات: ٨] ﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾ [المرسلات: ٩] ﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ [المرسلات: ١٠] ﴿وإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ [المرسلات: ١١] ﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ [المرسلات: ١٢] ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ [المرسلات: ١٣] ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ [المرسلات: ١٤] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٥] ﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ [المرسلات: ١٦] ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ [المرسلات: ١٧] ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ [المرسلات: ١٨] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٩] ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [المرسلات: ٢٠] ﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ [المرسلات: ٢١] ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [المرسلات: ٢٢] ﴿فَقَدَرْنا فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٢٤] ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥] ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ [المرسلات: ٢٦] ﴿وجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ [المرسلات: ٢٧] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٢٨] ﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المرسلات: ٢٩] ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ [المرسلات: ٣٠] ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ [المرسلات: ٣١] ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ [المرسلات: ٣٢] ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات: ٣٣] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٣٤] ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥] ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٣٧] ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ [المرسلات: ٣٨] ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ [المرسلات: ٣٩] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٤٠] ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ [المرسلات: ٤١] ﴿وفَواكِهَ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ [المرسلات: ٤٢] ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المرسلات: ٤٣] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [المرسلات: ٤٤] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٤٥] ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ [المرسلات: ٤٦] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٤٧] ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٤٩] ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [المرسلات: ٥٠] فَرَجْتُ الشَّيْءَ: فَتَحْتُهُ فانْفَرَجَ، قالَ الرّاجِزُ: ؎الفارِجُو بابِ الأمِيرِ المُبْهَمِ كَفَتَ: ضَمَّ وجَمَعَ، ومِنهُ قَوْلُهُ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: (اكْفِتُوا صِبْيانَكم) . ومِنهُ قِيلَ لِبَقِيعِ الغَرْقَدِ: كَفَتَ وكَفَتَهُ، والكِفاتُ اسْمٌ لِما يُكْفَتُ، كالضِّمامِ والجِماعِ، يُقالُ: هَذا البابُ جِماعُ الأبْوابِ، وقالَ الصَّمْصامَةُ بْنُ الطِّرْماحِ: ؎فَأنْتَ اليَوْمَ فَوْقَ الأرْضِ حَيٌّ ∗∗∗ وأنْتَ غَدًا تَضُمُّكَ في كِفاتِ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الكِفاتُ: الوِعاءُ. شَمَخَ: ارْتَفَعَ. الشَّرَرُ: ما تَطايَرَ مِنَ النّارِ مُتَبَدِّدًا في كُلِّ جِهَةٍ، واحِدُهُ شَرَرَةٌ، ولُغَةُ تَمِيمٍ: شَرارٌ بِالألِفِ واحِدُهُ شَرارَةٌ. القَصْرُ: الدّارُ الكَبِيرَةُ المُشَيَّدَةُ، والقَصْرُ: قِطَعٌ مِنَ الخَشَبِ قَدْرَ الذِّراعِ وفَوْقَهُ ودُونَهُ يُسْتَعَدُّ بِهِ لِلشِّتاءِ، واحِدُهُ قَصْرَةٌ، والقَصَرُ، بِفَتْحِ الصّادِ: (p-٤٠٣)أعْناقُ الإبِلِ والنَّخْلِ والنّاسِ، واحِدُهُ قَصَرَةٌ، وبِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصّادِ جَمْعُ قَصْرَةٍ، كَحَلْقَةٍ مِنَ الحَدِيدِ وحِلَقٍ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ ﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ [المرسلات: ٨] ﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾ [المرسلات: ٩] ﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ [المرسلات: ١٠] ﴿وإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ [المرسلات: ١١] ﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ [المرسلات: ١٢] ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ [المرسلات: ١٣] ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ [المرسلات: ١٤] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٥] ﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ [المرسلات: ١٦] ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ [المرسلات: ١٧] ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ [المرسلات: ١٨] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٩] ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [المرسلات: ٢٠] ﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ [المرسلات: ٢١] ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [المرسلات: ٢٢] ﴿فَقَدَرْنا فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٢٤] ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥] ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ [المرسلات: ٢٦] ﴿وجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ [المرسلات: ٢٧] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٢٨] . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، ومُقاتِلٍ أنَّ فِيها آيَةً مَدَنِيَّةً وهي: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨] ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ جِدًّا، وهو أنَّهُ تَعالى يَرْحَمُ مَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ الظّالِمِينَ، فَهَذا وعْدٌ مِنهُ صادِقٌ، فَأقْسَمَ عَلى وُقُوعِهِ في هَذِهِ، فَقالَ: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ ولَمّا كانَ المُقْسَمُ بِهِ مَوْصُوفاتٍ قَدْ حُذِفَتْ وأُقِيمَتْ صِفاتُها مَقامَها وقَعَ الخِلافُ في تَعْيِينِ تِلْكَ المَوْصُوفاتِ، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وأبُو صالِحٍ، ومُقاتِلٌ، والفَرّاءُ: (والمُرْسَلاتِ): المَلائِكَةُ أُرْسِلَتْ بِالعُرْفِ ضِدَّ النُّكْرِ وهو الوَحْيُ، فَبِالتَّعاقُبِ عَلى العِبادِ طَرَفَيِ النَّهارِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ: الأنْبِياءُ، (p-٤٠٤)ومَعْنى عُرْفًا: إفْضالًا مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى عِبادِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎لا يَذْهَبُ العُرْفُ بَيْنَ اللَّهِ والنّاسِ وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ أُرْسِلْنَ لِلْإحْسانِ والمَعْرُوفِ، أوْ مُتَتابِعَةً تَشْبِيهًا بِعُرْفِ الفَرَسِ في تَتابُعِ شَعْرِهِ وأعْرافِ الخَيْلِ، وتَقُولُ العَرَبُ: النّاسُ إلى فُلانٍ عُرْفٌ واحِدٌ إذا تَوَجَّهُوا إلَيْهِ مُتَتابِعِينَ، وهم عَلَيْهِ كَعُرْفِ الضَّبُعِ إذا تَألَّبُوا عَلَيْهِ، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ أيْضًا، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ: الرِّياحُ. وقالَ الحَسَنُ: السَّحابُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (عُرْفًا) بِسُكُونِ الرّاءِ، وعِيسى: بِضَمِّها. ﴿فالعاصِفاتِ﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الشَّدِيداتُ الهُبُوبِ. وقِيلَ: المَلائِكَةُ تَعْصِفُ بِأرْواحِ الكُفّارِ، أيْ تُزْعِجُها بِشِدَّةٍ، أوْ تَعْصِفُ في مُضِيِّها كَما تَعْصِفُ الرِّياحُ تَحَقُّقًا في امْتِثالِ أمْرِهِ. وقِيلَ: هي الآياتُ المُهْلِكَةُ، كالزَّلازِلِ والصَّواعِقِ والخُسُوفِ (والنّاشِراتِ) قالَ السُّدِّيُّ، وأبُو صالِحٍ، ومُقاتِلٌ: المَلائِكَةُ تَنْشُرُ صُحُفَ العِبادِ بِالأعْمالِ. وقالَ الرَّبِيعُ: المَلائِكَةُ تَنْشُرُ النّاسَ مِن قُبُورِهِمْ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: الرِّياحُ تَنْشُرُ رَحْمَةَ اللَّهِ ومَطَرَهُ. وقالَ أبُو صالِحٍ: الأمْطارُ تُحْيِي الأرْضَ بِالنَّباتِ. وقالَ الضَّحّاكُ: الصُّحُفُ تُنْشَرُ عَلى اللَّهِ تَعالى بِأعْمالِ العِبادِ، فَعَلى هَذا تَكُونُ النّاشِراتُ عَلى مَعْنى النَّسَبِ، أيْ: ذاتُ النَّشْرِ ﴿فالفارِقاتِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو صالِحٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ: المَلائِكَةُ تُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، والحَلالِ والحَرامِ. وقالَ قَتادَةُ والحَسَنُ، وابْنُ كَيْسانَ: آياتُ القُرْآنِ فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: الرِّياحُ تُفَرِّقُ بَيْنَ السَّحابِ فَتُبَدِّدُهُ. وقِيلَ: الرُّسُلُ، حَكاهُ الزَّجّاجُ. وقِيلَ: السَّحابُ الماطِرُ تَشْبِيهًا بِالنّاقَةِ الفارُوقِ، وهي الحامِلُ الَّتِي تَجْزَعُ حِينَ تَضَعُ. وقِيلَ: العُقُولُ تُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، والصَّحِيحِ والفاسِدِ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ والجُمْهُورُ: المَلائِكَةُ تُلْقِي ما حَمَلَتْ مِنَ الوَحْيِ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقالَ قُطْرُبٌ: الرُّسُلُ تُلْقِي ما أُنْزِلَ عَلَيْها إلى الأُمَمِ. وقالَ الرَّبِيعُ: آياتُ القُرْآنِ أُلْقِيَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنَ الأقْوالِ أنْ تَكُونَ ﴿والمُرْسَلاتِ﴾ إلى آخِرِ الأوْصافِ: إمّا لِلْمَلائِكَةِ، وإمّا لِلرِّياحِ، فَلِلْمَلائِكَةِ تَكُونُ عُذْرًا لِلْمُحَقِّقِينَ، أوْ نُذْرًا لِلْمُبْطِلِينَ، ولِلرِّياحِ يَكُونُ المَعْنى: فَألْقَيْنَ ذِكْرًا، إمّا عُذْرًا لِلَّذِينِ يَعْتَذِرُونَ إلى اللَّهِ تَعالى بِتَوْبَتِهِمْ واسْتِغْفارِهِمْ إذا رَأوْا نِعْمَةَ اللَّهِ في الغَيْثِ ويَشْكُرُونَها، وإمّا إنْذارًا لِلَّذِينِ يَغْفُلُونَ عَنِ الشُّكْرِ لِلَّهِ ويَنْسُبُونَ ذَلِكَ إلى الأنْواءِ، وجُعِلْنَ مُلْقِياتٍ لِلذِّكْرِ لِكَوْنِهِنَّ سَبَبًا في حُصُولِهِ إذا شُكِرَتِ النِّعْمَةُ فِيهِنَّ، أوْ كُفِرَتْ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، والَّذِي أراهُ أنَّ المُقْسَمَ بِهِ شَيْئانِ، ولِذَلِكَ جاءَ العَطْفُ بِالواوِ في (والنّاشِراتِ) والعَطْفُ بِالواوِ يُشْعِرُ بِالتَّغايُرِ، بَلْ هو مَوْضُوعُهُ في لِسانِ العَرَبِ، وأمّا العَطْفُ بِالفاءِ إذا كانَ في الصِّفاتِ، فَيَدُلُّ عَلى أنَّها راجِعَةٌ إلى العادِياتِ، وهي الخَيْلُ، وكَقَوْلِهِ: ؎يا لَهْفَ زَيّابَةَ لِلْحارِثِ فالصّا ∗∗∗ بِحِ فالغانِمِ فالآيِبِ فَهَذِهِ راجِعَةٌ لِمَوْصُوفٍ واحِدٍ وهو الحارِثُ، فَإذا تَقَرَّرَ هَذا، فالظّاهِرُ أنَّهُ أقْسَمَ أوَّلًا بِالرِّياحِ، فَهي مُرْسَلاتُهُ تَعالى، ويَدُلُّ عَلَيْهِ عَطْفُ الصِّفَةِ بِالفاءِ كَما قُلْنا، وأنَّ العَصْفَ مِن صِفاتِ الرِّيحِ في عِدَّةِ مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ، والقِسْمُ الثّانِي فِيهِ تَرَقٍ إلى أشْرَفَ مِنَ المُقْسَمِ بِهِ الأوَّلِ وهُمُ المَلائِكَةُ، ويَكُونُ ﴿فالفارِقاتِ﴾، ﴿فالمُلْقِياتِ﴾ مِن صِفاتِهِمْ، كَما قُلْنا في عَطْفِ الصِّفاتِ وإلْقاؤُهُمُ الذِّكْرَ وهو ما أنْزَلَ اللَّهُ يَصِحُّ إسْنادُهُ إلَيْهِمْ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فالمُلْقِياتِ﴾ اسْمُ فاعِلٍ خَفِيفٌ، أيْ نَطْرُقُهُ إلَيْهِمْ، وابْنُ عَبّاسٍ: مُشَدَّدٌ مِنَ التَّلْقِيَةِ، وهي أيْضًا إيصالُ الكَلامِ إلى المُخاطَبِ، يُقالُ: لَقَّيْتُهُ الذِّكْرَ فَتَلَقّاهُ، وقَرَأ أيْضًا ابْنُ عَبّاسٍ، فِيما ذَكَرَهُ الَمَهْدَوِيُّ: بِفَتْحِ اللّامِ والقافِ مُشَدَّدَةً اسْمُ مَفْعُولٍ، أيْ تَلَقَّتْهُ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى. وقَرَأ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ والنَّحْوِيّانِ (p-٤٠٥)وحَفْصٌ: ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ بِسُكُونِ الذّالَيْنِ، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وابْنُ خارِجَةَ وطَلْحَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وعِيسى، والحَسَنُ بِخِلافٍ، والأعْشى، عَنْ أبِي بَكْرٍ: بِضَمِّهِما، وأبُو جَعْفَرٍ أيْضًا وشَيْبَةُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والحَرَمِيّانِ، وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ: بِسُكُونِها في (عُذْرًا) وضَمِّها في ﴿نُذْرًا﴾، فالسُّكُونُ عَلى أنَّهُما مَصْدَرانِ مُفْرَدانِ، أوْ مَصْدَرانِ جَمْعانِ، فَـ(عُذْرًا) جَمْعُ عَذِيرٍ بِمَعْنى المَعْذِرَةِ، و﴿نُذْرًا﴾ جَمْعُ نَذِيرٍ بِمَعْنى الإنْذارِ، وانْتِصابُهُما عَلى البَدَلِ مِن (ذِكْرًا) كَأنَّهُ قِيلَ: فالمُلْقِياتِ عُذْرًا أوْ نُذْرًا، أوْ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، أوْ عَلى أنَّهُما مَصْدَرانِ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ عاذِرِينَ أوْ مُنْذِرِينَ، ويَجُوزُ مَعَ الإسْكانِ أنْ يَكُونا جَمْعَيْنِ عَلى ما قَرَّرْناهُ، وقِيلَ: يَصِحُّ انْتِصابُ ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ عَلى المَفْعُولِ بِهِ بِالمَصْدَرِ الَّذِي هو (ذِكْرًا) أيْ فالمُلْقِياتِ، أيْ فَذَكَرُوا عُذْرًا، وفِيهِ بُعْدٌ لِأنَّ المَصْدَرَ هُنا لا يُرادُ بِهِ العَمَلُ، إنَّما يُرادُ بِهِ الحَقِيقَةُ لِقَوْلِهِ: (أأُلْقِيَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ) والإعْذارُ هو بِقِيامِ الحُجَّةِ عَلى الخَلْقِ، والإنْذارُ هو بِالعَذابِ والنِّقْمَةِ ﴿إنَّما تُوعَدُونَ﴾: أيْ مِنَ الجَزاءِ بِالثَّوابِ والعِقابِ (لَواقِعٌ): وما مَوْصُولَةٌ، وإنْ كانَتْ قَدْ كُتِبَتْ مَوْصُولَةً بِإنَّ وهَذِهِ الجُمْلَةُ هي المُقْسَمُ عَلَيْها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أوْ نُذْرًا﴾ بِواوِ التَّفْصِيلِ، وإبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ: (ونُذْرًا) بِواوِ العَطْفِ.

المرسلات 77:2

سُورَةُ المُرْسَلاتِ مَكِّيَّةٌ وهي خَمْسُونَ آيَةً ﷽ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ ﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ [المرسلات: ٨] ﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾ [المرسلات: ٩] ﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ [المرسلات: ١٠] ﴿وإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ [المرسلات: ١١] ﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ [المرسلات: ١٢] ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ [المرسلات: ١٣] ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ [المرسلات: ١٤] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٥] ﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ [المرسلات: ١٦] ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ [المرسلات: ١٧] ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ [المرسلات: ١٨] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٩] ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [المرسلات: ٢٠] ﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ [المرسلات: ٢١] ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [المرسلات: ٢٢] ﴿فَقَدَرْنا فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٢٤] ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥] ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ [المرسلات: ٢٦] ﴿وجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ [المرسلات: ٢٧] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٢٨] ﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المرسلات: ٢٩] ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ [المرسلات: ٣٠] ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ [المرسلات: ٣١] ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ [المرسلات: ٣٢] ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات: ٣٣] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٣٤] ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥] ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٣٧] ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ [المرسلات: ٣٨] ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ [المرسلات: ٣٩] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٤٠] ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ [المرسلات: ٤١] ﴿وفَواكِهَ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ [المرسلات: ٤٢] ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المرسلات: ٤٣] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [المرسلات: ٤٤] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٤٥] ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ [المرسلات: ٤٦] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٤٧] ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٤٩] ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [المرسلات: ٥٠] فَرَجْتُ الشَّيْءَ: فَتَحْتُهُ فانْفَرَجَ، قالَ الرّاجِزُ: ؎الفارِجُو بابِ الأمِيرِ المُبْهَمِ كَفَتَ: ضَمَّ وجَمَعَ، ومِنهُ قَوْلُهُ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: (اكْفِتُوا صِبْيانَكم) . ومِنهُ قِيلَ لِبَقِيعِ الغَرْقَدِ: كَفَتَ وكَفَتَهُ، والكِفاتُ اسْمٌ لِما يُكْفَتُ، كالضِّمامِ والجِماعِ، يُقالُ: هَذا البابُ جِماعُ الأبْوابِ، وقالَ الصَّمْصامَةُ بْنُ الطِّرْماحِ: ؎فَأنْتَ اليَوْمَ فَوْقَ الأرْضِ حَيٌّ ∗∗∗ وأنْتَ غَدًا تَضُمُّكَ في كِفاتِ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الكِفاتُ: الوِعاءُ. شَمَخَ: ارْتَفَعَ. الشَّرَرُ: ما تَطايَرَ مِنَ النّارِ مُتَبَدِّدًا في كُلِّ جِهَةٍ، واحِدُهُ شَرَرَةٌ، ولُغَةُ تَمِيمٍ: شَرارٌ بِالألِفِ واحِدُهُ شَرارَةٌ. القَصْرُ: الدّارُ الكَبِيرَةُ المُشَيَّدَةُ، والقَصْرُ: قِطَعٌ مِنَ الخَشَبِ قَدْرَ الذِّراعِ وفَوْقَهُ ودُونَهُ يُسْتَعَدُّ بِهِ لِلشِّتاءِ، واحِدُهُ قَصْرَةٌ، والقَصَرُ، بِفَتْحِ الصّادِ: (p-٤٠٣)أعْناقُ الإبِلِ والنَّخْلِ والنّاسِ، واحِدُهُ قَصَرَةٌ، وبِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصّادِ جَمْعُ قَصْرَةٍ، كَحَلْقَةٍ مِنَ الحَدِيدِ وحِلَقٍ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ ﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ [المرسلات: ٨] ﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾ [المرسلات: ٩] ﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ [المرسلات: ١٠] ﴿وإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ [المرسلات: ١١] ﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ [المرسلات: ١٢] ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ [المرسلات: ١٣] ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ [المرسلات: ١٤] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٥] ﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ [المرسلات: ١٦] ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ [المرسلات: ١٧] ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ [المرسلات: ١٨] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٩] ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [المرسلات: ٢٠] ﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ [المرسلات: ٢١] ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [المرسلات: ٢٢] ﴿فَقَدَرْنا فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٢٤] ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥] ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ [المرسلات: ٢٦] ﴿وجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ [المرسلات: ٢٧] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٢٨] . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، ومُقاتِلٍ أنَّ فِيها آيَةً مَدَنِيَّةً وهي: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨] ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ جِدًّا، وهو أنَّهُ تَعالى يَرْحَمُ مَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ الظّالِمِينَ، فَهَذا وعْدٌ مِنهُ صادِقٌ، فَأقْسَمَ عَلى وُقُوعِهِ في هَذِهِ، فَقالَ: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ ولَمّا كانَ المُقْسَمُ بِهِ مَوْصُوفاتٍ قَدْ حُذِفَتْ وأُقِيمَتْ صِفاتُها مَقامَها وقَعَ الخِلافُ في تَعْيِينِ تِلْكَ المَوْصُوفاتِ، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وأبُو صالِحٍ، ومُقاتِلٌ، والفَرّاءُ: (والمُرْسَلاتِ): المَلائِكَةُ أُرْسِلَتْ بِالعُرْفِ ضِدَّ النُّكْرِ وهو الوَحْيُ، فَبِالتَّعاقُبِ عَلى العِبادِ طَرَفَيِ النَّهارِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ: الأنْبِياءُ، (p-٤٠٤)ومَعْنى عُرْفًا: إفْضالًا مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى عِبادِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎لا يَذْهَبُ العُرْفُ بَيْنَ اللَّهِ والنّاسِ وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ أُرْسِلْنَ لِلْإحْسانِ والمَعْرُوفِ، أوْ مُتَتابِعَةً تَشْبِيهًا بِعُرْفِ الفَرَسِ في تَتابُعِ شَعْرِهِ وأعْرافِ الخَيْلِ، وتَقُولُ العَرَبُ: النّاسُ إلى فُلانٍ عُرْفٌ واحِدٌ إذا تَوَجَّهُوا إلَيْهِ مُتَتابِعِينَ، وهم عَلَيْهِ كَعُرْفِ الضَّبُعِ إذا تَألَّبُوا عَلَيْهِ، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ أيْضًا، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ: الرِّياحُ. وقالَ الحَسَنُ: السَّحابُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (عُرْفًا) بِسُكُونِ الرّاءِ، وعِيسى: بِضَمِّها. ﴿فالعاصِفاتِ﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الشَّدِيداتُ الهُبُوبِ. وقِيلَ: المَلائِكَةُ تَعْصِفُ بِأرْواحِ الكُفّارِ، أيْ تُزْعِجُها بِشِدَّةٍ، أوْ تَعْصِفُ في مُضِيِّها كَما تَعْصِفُ الرِّياحُ تَحَقُّقًا في امْتِثالِ أمْرِهِ. وقِيلَ: هي الآياتُ المُهْلِكَةُ، كالزَّلازِلِ والصَّواعِقِ والخُسُوفِ (والنّاشِراتِ) قالَ السُّدِّيُّ، وأبُو صالِحٍ، ومُقاتِلٌ: المَلائِكَةُ تَنْشُرُ صُحُفَ العِبادِ بِالأعْمالِ. وقالَ الرَّبِيعُ: المَلائِكَةُ تَنْشُرُ النّاسَ مِن قُبُورِهِمْ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: الرِّياحُ تَنْشُرُ رَحْمَةَ اللَّهِ ومَطَرَهُ. وقالَ أبُو صالِحٍ: الأمْطارُ تُحْيِي الأرْضَ بِالنَّباتِ. وقالَ الضَّحّاكُ: الصُّحُفُ تُنْشَرُ عَلى اللَّهِ تَعالى بِأعْمالِ العِبادِ، فَعَلى هَذا تَكُونُ النّاشِراتُ عَلى مَعْنى النَّسَبِ، أيْ: ذاتُ النَّشْرِ ﴿فالفارِقاتِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو صالِحٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ: المَلائِكَةُ تُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، والحَلالِ والحَرامِ. وقالَ قَتادَةُ والحَسَنُ، وابْنُ كَيْسانَ: آياتُ القُرْآنِ فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: الرِّياحُ تُفَرِّقُ بَيْنَ السَّحابِ فَتُبَدِّدُهُ. وقِيلَ: الرُّسُلُ، حَكاهُ الزَّجّاجُ. وقِيلَ: السَّحابُ الماطِرُ تَشْبِيهًا بِالنّاقَةِ الفارُوقِ، وهي الحامِلُ الَّتِي تَجْزَعُ حِينَ تَضَعُ. وقِيلَ: العُقُولُ تُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، والصَّحِيحِ والفاسِدِ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ والجُمْهُورُ: المَلائِكَةُ تُلْقِي ما حَمَلَتْ مِنَ الوَحْيِ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقالَ قُطْرُبٌ: الرُّسُلُ تُلْقِي ما أُنْزِلَ عَلَيْها إلى الأُمَمِ. وقالَ الرَّبِيعُ: آياتُ القُرْآنِ أُلْقِيَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنَ الأقْوالِ أنْ تَكُونَ ﴿والمُرْسَلاتِ﴾ إلى آخِرِ الأوْصافِ: إمّا لِلْمَلائِكَةِ، وإمّا لِلرِّياحِ، فَلِلْمَلائِكَةِ تَكُونُ عُذْرًا لِلْمُحَقِّقِينَ، أوْ نُذْرًا لِلْمُبْطِلِينَ، ولِلرِّياحِ يَكُونُ المَعْنى: فَألْقَيْنَ ذِكْرًا، إمّا عُذْرًا لِلَّذِينِ يَعْتَذِرُونَ إلى اللَّهِ تَعالى بِتَوْبَتِهِمْ واسْتِغْفارِهِمْ إذا رَأوْا نِعْمَةَ اللَّهِ في الغَيْثِ ويَشْكُرُونَها، وإمّا إنْذارًا لِلَّذِينِ يَغْفُلُونَ عَنِ الشُّكْرِ لِلَّهِ ويَنْسُبُونَ ذَلِكَ إلى الأنْواءِ، وجُعِلْنَ مُلْقِياتٍ لِلذِّكْرِ لِكَوْنِهِنَّ سَبَبًا في حُصُولِهِ إذا شُكِرَتِ النِّعْمَةُ فِيهِنَّ، أوْ كُفِرَتْ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، والَّذِي أراهُ أنَّ المُقْسَمَ بِهِ شَيْئانِ، ولِذَلِكَ جاءَ العَطْفُ بِالواوِ في (والنّاشِراتِ) والعَطْفُ بِالواوِ يُشْعِرُ بِالتَّغايُرِ، بَلْ هو مَوْضُوعُهُ في لِسانِ العَرَبِ، وأمّا العَطْفُ بِالفاءِ إذا كانَ في الصِّفاتِ، فَيَدُلُّ عَلى أنَّها راجِعَةٌ إلى العادِياتِ، وهي الخَيْلُ، وكَقَوْلِهِ: ؎يا لَهْفَ زَيّابَةَ لِلْحارِثِ فالصّا ∗∗∗ بِحِ فالغانِمِ فالآيِبِ فَهَذِهِ راجِعَةٌ لِمَوْصُوفٍ واحِدٍ وهو الحارِثُ، فَإذا تَقَرَّرَ هَذا، فالظّاهِرُ أنَّهُ أقْسَمَ أوَّلًا بِالرِّياحِ، فَهي مُرْسَلاتُهُ تَعالى، ويَدُلُّ عَلَيْهِ عَطْفُ الصِّفَةِ بِالفاءِ كَما قُلْنا، وأنَّ العَصْفَ مِن صِفاتِ الرِّيحِ في عِدَّةِ مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ، والقِسْمُ الثّانِي فِيهِ تَرَقٍ إلى أشْرَفَ مِنَ المُقْسَمِ بِهِ الأوَّلِ وهُمُ المَلائِكَةُ، ويَكُونُ ﴿فالفارِقاتِ﴾، ﴿فالمُلْقِياتِ﴾ مِن صِفاتِهِمْ، كَما قُلْنا في عَطْفِ الصِّفاتِ وإلْقاؤُهُمُ الذِّكْرَ وهو ما أنْزَلَ اللَّهُ يَصِحُّ إسْنادُهُ إلَيْهِمْ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فالمُلْقِياتِ﴾ اسْمُ فاعِلٍ خَفِيفٌ، أيْ نَطْرُقُهُ إلَيْهِمْ، وابْنُ عَبّاسٍ: مُشَدَّدٌ مِنَ التَّلْقِيَةِ، وهي أيْضًا إيصالُ الكَلامِ إلى المُخاطَبِ، يُقالُ: لَقَّيْتُهُ الذِّكْرَ فَتَلَقّاهُ، وقَرَأ أيْضًا ابْنُ عَبّاسٍ، فِيما ذَكَرَهُ الَمَهْدَوِيُّ: بِفَتْحِ اللّامِ والقافِ مُشَدَّدَةً اسْمُ مَفْعُولٍ، أيْ تَلَقَّتْهُ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى. وقَرَأ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ والنَّحْوِيّانِ (p-٤٠٥)وحَفْصٌ: ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ بِسُكُونِ الذّالَيْنِ، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وابْنُ خارِجَةَ وطَلْحَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وعِيسى، والحَسَنُ بِخِلافٍ، والأعْشى، عَنْ أبِي بَكْرٍ: بِضَمِّهِما، وأبُو جَعْفَرٍ أيْضًا وشَيْبَةُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والحَرَمِيّانِ، وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ: بِسُكُونِها في (عُذْرًا) وضَمِّها في ﴿نُذْرًا﴾، فالسُّكُونُ عَلى أنَّهُما مَصْدَرانِ مُفْرَدانِ، أوْ مَصْدَرانِ جَمْعانِ، فَـ(عُذْرًا) جَمْعُ عَذِيرٍ بِمَعْنى المَعْذِرَةِ، و﴿نُذْرًا﴾ جَمْعُ نَذِيرٍ بِمَعْنى الإنْذارِ، وانْتِصابُهُما عَلى البَدَلِ مِن (ذِكْرًا) كَأنَّهُ قِيلَ: فالمُلْقِياتِ عُذْرًا أوْ نُذْرًا، أوْ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، أوْ عَلى أنَّهُما مَصْدَرانِ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ عاذِرِينَ أوْ مُنْذِرِينَ، ويَجُوزُ مَعَ الإسْكانِ أنْ يَكُونا جَمْعَيْنِ عَلى ما قَرَّرْناهُ، وقِيلَ: يَصِحُّ انْتِصابُ ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ عَلى المَفْعُولِ بِهِ بِالمَصْدَرِ الَّذِي هو (ذِكْرًا) أيْ فالمُلْقِياتِ، أيْ فَذَكَرُوا عُذْرًا، وفِيهِ بُعْدٌ لِأنَّ المَصْدَرَ هُنا لا يُرادُ بِهِ العَمَلُ، إنَّما يُرادُ بِهِ الحَقِيقَةُ لِقَوْلِهِ: (أأُلْقِيَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ) والإعْذارُ هو بِقِيامِ الحُجَّةِ عَلى الخَلْقِ، والإنْذارُ هو بِالعَذابِ والنِّقْمَةِ ﴿إنَّما تُوعَدُونَ﴾: أيْ مِنَ الجَزاءِ بِالثَّوابِ والعِقابِ (لَواقِعٌ): وما مَوْصُولَةٌ، وإنْ كانَتْ قَدْ كُتِبَتْ مَوْصُولَةً بِإنَّ وهَذِهِ الجُمْلَةُ هي المُقْسَمُ عَلَيْها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أوْ نُذْرًا﴾ بِواوِ التَّفْصِيلِ، وإبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ: (ونُذْرًا) بِواوِ العَطْفِ.

المرسلات 77:3

سُورَةُ المُرْسَلاتِ مَكِّيَّةٌ وهي خَمْسُونَ آيَةً ﷽ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ ﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ [المرسلات: ٨] ﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾ [المرسلات: ٩] ﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ [المرسلات: ١٠] ﴿وإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ [المرسلات: ١١] ﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ [المرسلات: ١٢] ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ [المرسلات: ١٣] ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ [المرسلات: ١٤] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٥] ﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ [المرسلات: ١٦] ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ [المرسلات: ١٧] ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ [المرسلات: ١٨] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٩] ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [المرسلات: ٢٠] ﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ [المرسلات: ٢١] ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [المرسلات: ٢٢] ﴿فَقَدَرْنا فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٢٤] ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥] ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ [المرسلات: ٢٦] ﴿وجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ [المرسلات: ٢٧] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٢٨] ﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المرسلات: ٢٩] ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ [المرسلات: ٣٠] ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ [المرسلات: ٣١] ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ [المرسلات: ٣٢] ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات: ٣٣] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٣٤] ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥] ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٣٧] ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ [المرسلات: ٣٨] ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ [المرسلات: ٣٩] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٤٠] ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ [المرسلات: ٤١] ﴿وفَواكِهَ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ [المرسلات: ٤٢] ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المرسلات: ٤٣] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [المرسلات: ٤٤] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٤٥] ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ [المرسلات: ٤٦] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٤٧] ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٤٩] ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [المرسلات: ٥٠] فَرَجْتُ الشَّيْءَ: فَتَحْتُهُ فانْفَرَجَ، قالَ الرّاجِزُ: ؎الفارِجُو بابِ الأمِيرِ المُبْهَمِ كَفَتَ: ضَمَّ وجَمَعَ، ومِنهُ قَوْلُهُ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: (اكْفِتُوا صِبْيانَكم) . ومِنهُ قِيلَ لِبَقِيعِ الغَرْقَدِ: كَفَتَ وكَفَتَهُ، والكِفاتُ اسْمٌ لِما يُكْفَتُ، كالضِّمامِ والجِماعِ، يُقالُ: هَذا البابُ جِماعُ الأبْوابِ، وقالَ الصَّمْصامَةُ بْنُ الطِّرْماحِ: ؎فَأنْتَ اليَوْمَ فَوْقَ الأرْضِ حَيٌّ ∗∗∗ وأنْتَ غَدًا تَضُمُّكَ في كِفاتِ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الكِفاتُ: الوِعاءُ. شَمَخَ: ارْتَفَعَ. الشَّرَرُ: ما تَطايَرَ مِنَ النّارِ مُتَبَدِّدًا في كُلِّ جِهَةٍ، واحِدُهُ شَرَرَةٌ، ولُغَةُ تَمِيمٍ: شَرارٌ بِالألِفِ واحِدُهُ شَرارَةٌ. القَصْرُ: الدّارُ الكَبِيرَةُ المُشَيَّدَةُ، والقَصْرُ: قِطَعٌ مِنَ الخَشَبِ قَدْرَ الذِّراعِ وفَوْقَهُ ودُونَهُ يُسْتَعَدُّ بِهِ لِلشِّتاءِ، واحِدُهُ قَصْرَةٌ، والقَصَرُ، بِفَتْحِ الصّادِ: (p-٤٠٣)أعْناقُ الإبِلِ والنَّخْلِ والنّاسِ، واحِدُهُ قَصَرَةٌ، وبِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصّادِ جَمْعُ قَصْرَةٍ، كَحَلْقَةٍ مِنَ الحَدِيدِ وحِلَقٍ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ ﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ [المرسلات: ٨] ﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾ [المرسلات: ٩] ﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ [المرسلات: ١٠] ﴿وإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ [المرسلات: ١١] ﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ [المرسلات: ١٢] ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ [المرسلات: ١٣] ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ [المرسلات: ١٤] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٥] ﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ [المرسلات: ١٦] ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ [المرسلات: ١٧] ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ [المرسلات: ١٨] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٩] ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [المرسلات: ٢٠] ﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ [المرسلات: ٢١] ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [المرسلات: ٢٢] ﴿فَقَدَرْنا فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٢٤] ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥] ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ [المرسلات: ٢٦] ﴿وجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ [المرسلات: ٢٧] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٢٨] . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، ومُقاتِلٍ أنَّ فِيها آيَةً مَدَنِيَّةً وهي: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨] ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ جِدًّا، وهو أنَّهُ تَعالى يَرْحَمُ مَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ الظّالِمِينَ، فَهَذا وعْدٌ مِنهُ صادِقٌ، فَأقْسَمَ عَلى وُقُوعِهِ في هَذِهِ، فَقالَ: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ ولَمّا كانَ المُقْسَمُ بِهِ مَوْصُوفاتٍ قَدْ حُذِفَتْ وأُقِيمَتْ صِفاتُها مَقامَها وقَعَ الخِلافُ في تَعْيِينِ تِلْكَ المَوْصُوفاتِ، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وأبُو صالِحٍ، ومُقاتِلٌ، والفَرّاءُ: (والمُرْسَلاتِ): المَلائِكَةُ أُرْسِلَتْ بِالعُرْفِ ضِدَّ النُّكْرِ وهو الوَحْيُ، فَبِالتَّعاقُبِ عَلى العِبادِ طَرَفَيِ النَّهارِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ: الأنْبِياءُ، (p-٤٠٤)ومَعْنى عُرْفًا: إفْضالًا مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى عِبادِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎لا يَذْهَبُ العُرْفُ بَيْنَ اللَّهِ والنّاسِ وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ أُرْسِلْنَ لِلْإحْسانِ والمَعْرُوفِ، أوْ مُتَتابِعَةً تَشْبِيهًا بِعُرْفِ الفَرَسِ في تَتابُعِ شَعْرِهِ وأعْرافِ الخَيْلِ، وتَقُولُ العَرَبُ: النّاسُ إلى فُلانٍ عُرْفٌ واحِدٌ إذا تَوَجَّهُوا إلَيْهِ مُتَتابِعِينَ، وهم عَلَيْهِ كَعُرْفِ الضَّبُعِ إذا تَألَّبُوا عَلَيْهِ، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ أيْضًا، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ: الرِّياحُ. وقالَ الحَسَنُ: السَّحابُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (عُرْفًا) بِسُكُونِ الرّاءِ، وعِيسى: بِضَمِّها. ﴿فالعاصِفاتِ﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الشَّدِيداتُ الهُبُوبِ. وقِيلَ: المَلائِكَةُ تَعْصِفُ بِأرْواحِ الكُفّارِ، أيْ تُزْعِجُها بِشِدَّةٍ، أوْ تَعْصِفُ في مُضِيِّها كَما تَعْصِفُ الرِّياحُ تَحَقُّقًا في امْتِثالِ أمْرِهِ. وقِيلَ: هي الآياتُ المُهْلِكَةُ، كالزَّلازِلِ والصَّواعِقِ والخُسُوفِ (والنّاشِراتِ) قالَ السُّدِّيُّ، وأبُو صالِحٍ، ومُقاتِلٌ: المَلائِكَةُ تَنْشُرُ صُحُفَ العِبادِ بِالأعْمالِ. وقالَ الرَّبِيعُ: المَلائِكَةُ تَنْشُرُ النّاسَ مِن قُبُورِهِمْ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: الرِّياحُ تَنْشُرُ رَحْمَةَ اللَّهِ ومَطَرَهُ. وقالَ أبُو صالِحٍ: الأمْطارُ تُحْيِي الأرْضَ بِالنَّباتِ. وقالَ الضَّحّاكُ: الصُّحُفُ تُنْشَرُ عَلى اللَّهِ تَعالى بِأعْمالِ العِبادِ، فَعَلى هَذا تَكُونُ النّاشِراتُ عَلى مَعْنى النَّسَبِ، أيْ: ذاتُ النَّشْرِ ﴿فالفارِقاتِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو صالِحٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ: المَلائِكَةُ تُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، والحَلالِ والحَرامِ. وقالَ قَتادَةُ والحَسَنُ، وابْنُ كَيْسانَ: آياتُ القُرْآنِ فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: الرِّياحُ تُفَرِّقُ بَيْنَ السَّحابِ فَتُبَدِّدُهُ. وقِيلَ: الرُّسُلُ، حَكاهُ الزَّجّاجُ. وقِيلَ: السَّحابُ الماطِرُ تَشْبِيهًا بِالنّاقَةِ الفارُوقِ، وهي الحامِلُ الَّتِي تَجْزَعُ حِينَ تَضَعُ. وقِيلَ: العُقُولُ تُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، والصَّحِيحِ والفاسِدِ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ والجُمْهُورُ: المَلائِكَةُ تُلْقِي ما حَمَلَتْ مِنَ الوَحْيِ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقالَ قُطْرُبٌ: الرُّسُلُ تُلْقِي ما أُنْزِلَ عَلَيْها إلى الأُمَمِ. وقالَ الرَّبِيعُ: آياتُ القُرْآنِ أُلْقِيَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنَ الأقْوالِ أنْ تَكُونَ ﴿والمُرْسَلاتِ﴾ إلى آخِرِ الأوْصافِ: إمّا لِلْمَلائِكَةِ، وإمّا لِلرِّياحِ، فَلِلْمَلائِكَةِ تَكُونُ عُذْرًا لِلْمُحَقِّقِينَ، أوْ نُذْرًا لِلْمُبْطِلِينَ، ولِلرِّياحِ يَكُونُ المَعْنى: فَألْقَيْنَ ذِكْرًا، إمّا عُذْرًا لِلَّذِينِ يَعْتَذِرُونَ إلى اللَّهِ تَعالى بِتَوْبَتِهِمْ واسْتِغْفارِهِمْ إذا رَأوْا نِعْمَةَ اللَّهِ في الغَيْثِ ويَشْكُرُونَها، وإمّا إنْذارًا لِلَّذِينِ يَغْفُلُونَ عَنِ الشُّكْرِ لِلَّهِ ويَنْسُبُونَ ذَلِكَ إلى الأنْواءِ، وجُعِلْنَ مُلْقِياتٍ لِلذِّكْرِ لِكَوْنِهِنَّ سَبَبًا في حُصُولِهِ إذا شُكِرَتِ النِّعْمَةُ فِيهِنَّ، أوْ كُفِرَتْ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، والَّذِي أراهُ أنَّ المُقْسَمَ بِهِ شَيْئانِ، ولِذَلِكَ جاءَ العَطْفُ بِالواوِ في (والنّاشِراتِ) والعَطْفُ بِالواوِ يُشْعِرُ بِالتَّغايُرِ، بَلْ هو مَوْضُوعُهُ في لِسانِ العَرَبِ، وأمّا العَطْفُ بِالفاءِ إذا كانَ في الصِّفاتِ، فَيَدُلُّ عَلى أنَّها راجِعَةٌ إلى العادِياتِ، وهي الخَيْلُ، وكَقَوْلِهِ: ؎يا لَهْفَ زَيّابَةَ لِلْحارِثِ فالصّا ∗∗∗ بِحِ فالغانِمِ فالآيِبِ فَهَذِهِ راجِعَةٌ لِمَوْصُوفٍ واحِدٍ وهو الحارِثُ، فَإذا تَقَرَّرَ هَذا، فالظّاهِرُ أنَّهُ أقْسَمَ أوَّلًا بِالرِّياحِ، فَهي مُرْسَلاتُهُ تَعالى، ويَدُلُّ عَلَيْهِ عَطْفُ الصِّفَةِ بِالفاءِ كَما قُلْنا، وأنَّ العَصْفَ مِن صِفاتِ الرِّيحِ في عِدَّةِ مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ، والقِسْمُ الثّانِي فِيهِ تَرَقٍ إلى أشْرَفَ مِنَ المُقْسَمِ بِهِ الأوَّلِ وهُمُ المَلائِكَةُ، ويَكُونُ ﴿فالفارِقاتِ﴾، ﴿فالمُلْقِياتِ﴾ مِن صِفاتِهِمْ، كَما قُلْنا في عَطْفِ الصِّفاتِ وإلْقاؤُهُمُ الذِّكْرَ وهو ما أنْزَلَ اللَّهُ يَصِحُّ إسْنادُهُ إلَيْهِمْ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فالمُلْقِياتِ﴾ اسْمُ فاعِلٍ خَفِيفٌ، أيْ نَطْرُقُهُ إلَيْهِمْ، وابْنُ عَبّاسٍ: مُشَدَّدٌ مِنَ التَّلْقِيَةِ، وهي أيْضًا إيصالُ الكَلامِ إلى المُخاطَبِ، يُقالُ: لَقَّيْتُهُ الذِّكْرَ فَتَلَقّاهُ، وقَرَأ أيْضًا ابْنُ عَبّاسٍ، فِيما ذَكَرَهُ الَمَهْدَوِيُّ: بِفَتْحِ اللّامِ والقافِ مُشَدَّدَةً اسْمُ مَفْعُولٍ، أيْ تَلَقَّتْهُ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى. وقَرَأ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ والنَّحْوِيّانِ (p-٤٠٥)وحَفْصٌ: ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ بِسُكُونِ الذّالَيْنِ، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وابْنُ خارِجَةَ وطَلْحَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وعِيسى، والحَسَنُ بِخِلافٍ، والأعْشى، عَنْ أبِي بَكْرٍ: بِضَمِّهِما، وأبُو جَعْفَرٍ أيْضًا وشَيْبَةُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والحَرَمِيّانِ، وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ: بِسُكُونِها في (عُذْرًا) وضَمِّها في ﴿نُذْرًا﴾، فالسُّكُونُ عَلى أنَّهُما مَصْدَرانِ مُفْرَدانِ، أوْ مَصْدَرانِ جَمْعانِ، فَـ(عُذْرًا) جَمْعُ عَذِيرٍ بِمَعْنى المَعْذِرَةِ، و﴿نُذْرًا﴾ جَمْعُ نَذِيرٍ بِمَعْنى الإنْذارِ، وانْتِصابُهُما عَلى البَدَلِ مِن (ذِكْرًا) كَأنَّهُ قِيلَ: فالمُلْقِياتِ عُذْرًا أوْ نُذْرًا، أوْ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، أوْ عَلى أنَّهُما مَصْدَرانِ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ عاذِرِينَ أوْ مُنْذِرِينَ، ويَجُوزُ مَعَ الإسْكانِ أنْ يَكُونا جَمْعَيْنِ عَلى ما قَرَّرْناهُ، وقِيلَ: يَصِحُّ انْتِصابُ ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ عَلى المَفْعُولِ بِهِ بِالمَصْدَرِ الَّذِي هو (ذِكْرًا) أيْ فالمُلْقِياتِ، أيْ فَذَكَرُوا عُذْرًا، وفِيهِ بُعْدٌ لِأنَّ المَصْدَرَ هُنا لا يُرادُ بِهِ العَمَلُ، إنَّما يُرادُ بِهِ الحَقِيقَةُ لِقَوْلِهِ: (أأُلْقِيَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ) والإعْذارُ هو بِقِيامِ الحُجَّةِ عَلى الخَلْقِ، والإنْذارُ هو بِالعَذابِ والنِّقْمَةِ ﴿إنَّما تُوعَدُونَ﴾: أيْ مِنَ الجَزاءِ بِالثَّوابِ والعِقابِ (لَواقِعٌ): وما مَوْصُولَةٌ، وإنْ كانَتْ قَدْ كُتِبَتْ مَوْصُولَةً بِإنَّ وهَذِهِ الجُمْلَةُ هي المُقْسَمُ عَلَيْها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أوْ نُذْرًا﴾ بِواوِ التَّفْصِيلِ، وإبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ: (ونُذْرًا) بِواوِ العَطْفِ.

المرسلات 77:4

سُورَةُ المُرْسَلاتِ مَكِّيَّةٌ وهي خَمْسُونَ آيَةً ﷽ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ ﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ [المرسلات: ٨] ﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾ [المرسلات: ٩] ﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ [المرسلات: ١٠] ﴿وإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ [المرسلات: ١١] ﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ [المرسلات: ١٢] ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ [المرسلات: ١٣] ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ [المرسلات: ١٤] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٥] ﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ [المرسلات: ١٦] ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ [المرسلات: ١٧] ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ [المرسلات: ١٨] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٩] ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [المرسلات: ٢٠] ﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ [المرسلات: ٢١] ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [المرسلات: ٢٢] ﴿فَقَدَرْنا فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٢٤] ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥] ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ [المرسلات: ٢٦] ﴿وجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ [المرسلات: ٢٧] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٢٨] ﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المرسلات: ٢٩] ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ [المرسلات: ٣٠] ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ [المرسلات: ٣١] ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ [المرسلات: ٣٢] ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات: ٣٣] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٣٤] ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥] ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٣٧] ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ [المرسلات: ٣٨] ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ [المرسلات: ٣٩] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٤٠] ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ [المرسلات: ٤١] ﴿وفَواكِهَ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ [المرسلات: ٤٢] ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المرسلات: ٤٣] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [المرسلات: ٤٤] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٤٥] ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ [المرسلات: ٤٦] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٤٧] ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٤٩] ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [المرسلات: ٥٠] فَرَجْتُ الشَّيْءَ: فَتَحْتُهُ فانْفَرَجَ، قالَ الرّاجِزُ: ؎الفارِجُو بابِ الأمِيرِ المُبْهَمِ كَفَتَ: ضَمَّ وجَمَعَ، ومِنهُ قَوْلُهُ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: (اكْفِتُوا صِبْيانَكم) . ومِنهُ قِيلَ لِبَقِيعِ الغَرْقَدِ: كَفَتَ وكَفَتَهُ، والكِفاتُ اسْمٌ لِما يُكْفَتُ، كالضِّمامِ والجِماعِ، يُقالُ: هَذا البابُ جِماعُ الأبْوابِ، وقالَ الصَّمْصامَةُ بْنُ الطِّرْماحِ: ؎فَأنْتَ اليَوْمَ فَوْقَ الأرْضِ حَيٌّ ∗∗∗ وأنْتَ غَدًا تَضُمُّكَ في كِفاتِ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الكِفاتُ: الوِعاءُ. شَمَخَ: ارْتَفَعَ. الشَّرَرُ: ما تَطايَرَ مِنَ النّارِ مُتَبَدِّدًا في كُلِّ جِهَةٍ، واحِدُهُ شَرَرَةٌ، ولُغَةُ تَمِيمٍ: شَرارٌ بِالألِفِ واحِدُهُ شَرارَةٌ. القَصْرُ: الدّارُ الكَبِيرَةُ المُشَيَّدَةُ، والقَصْرُ: قِطَعٌ مِنَ الخَشَبِ قَدْرَ الذِّراعِ وفَوْقَهُ ودُونَهُ يُسْتَعَدُّ بِهِ لِلشِّتاءِ، واحِدُهُ قَصْرَةٌ، والقَصَرُ، بِفَتْحِ الصّادِ: (p-٤٠٣)أعْناقُ الإبِلِ والنَّخْلِ والنّاسِ، واحِدُهُ قَصَرَةٌ، وبِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصّادِ جَمْعُ قَصْرَةٍ، كَحَلْقَةٍ مِنَ الحَدِيدِ وحِلَقٍ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ ﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ [المرسلات: ٨] ﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾ [المرسلات: ٩] ﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ [المرسلات: ١٠] ﴿وإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ [المرسلات: ١١] ﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ [المرسلات: ١٢] ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ [المرسلات: ١٣] ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ [المرسلات: ١٤] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٥] ﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ [المرسلات: ١٦] ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ [المرسلات: ١٧] ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ [المرسلات: ١٨] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٩] ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [المرسلات: ٢٠] ﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ [المرسلات: ٢١] ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [المرسلات: ٢٢] ﴿فَقَدَرْنا فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٢٤] ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥] ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ [المرسلات: ٢٦] ﴿وجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ [المرسلات: ٢٧] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٢٨] . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، ومُقاتِلٍ أنَّ فِيها آيَةً مَدَنِيَّةً وهي: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨] ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ جِدًّا، وهو أنَّهُ تَعالى يَرْحَمُ مَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ الظّالِمِينَ، فَهَذا وعْدٌ مِنهُ صادِقٌ، فَأقْسَمَ عَلى وُقُوعِهِ في هَذِهِ، فَقالَ: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ ولَمّا كانَ المُقْسَمُ بِهِ مَوْصُوفاتٍ قَدْ حُذِفَتْ وأُقِيمَتْ صِفاتُها مَقامَها وقَعَ الخِلافُ في تَعْيِينِ تِلْكَ المَوْصُوفاتِ، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وأبُو صالِحٍ، ومُقاتِلٌ، والفَرّاءُ: (والمُرْسَلاتِ): المَلائِكَةُ أُرْسِلَتْ بِالعُرْفِ ضِدَّ النُّكْرِ وهو الوَحْيُ، فَبِالتَّعاقُبِ عَلى العِبادِ طَرَفَيِ النَّهارِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ: الأنْبِياءُ، (p-٤٠٤)ومَعْنى عُرْفًا: إفْضالًا مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى عِبادِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎لا يَذْهَبُ العُرْفُ بَيْنَ اللَّهِ والنّاسِ وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ أُرْسِلْنَ لِلْإحْسانِ والمَعْرُوفِ، أوْ مُتَتابِعَةً تَشْبِيهًا بِعُرْفِ الفَرَسِ في تَتابُعِ شَعْرِهِ وأعْرافِ الخَيْلِ، وتَقُولُ العَرَبُ: النّاسُ إلى فُلانٍ عُرْفٌ واحِدٌ إذا تَوَجَّهُوا إلَيْهِ مُتَتابِعِينَ، وهم عَلَيْهِ كَعُرْفِ الضَّبُعِ إذا تَألَّبُوا عَلَيْهِ، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ أيْضًا، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ: الرِّياحُ. وقالَ الحَسَنُ: السَّحابُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (عُرْفًا) بِسُكُونِ الرّاءِ، وعِيسى: بِضَمِّها. ﴿فالعاصِفاتِ﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الشَّدِيداتُ الهُبُوبِ. وقِيلَ: المَلائِكَةُ تَعْصِفُ بِأرْواحِ الكُفّارِ، أيْ تُزْعِجُها بِشِدَّةٍ، أوْ تَعْصِفُ في مُضِيِّها كَما تَعْصِفُ الرِّياحُ تَحَقُّقًا في امْتِثالِ أمْرِهِ. وقِيلَ: هي الآياتُ المُهْلِكَةُ، كالزَّلازِلِ والصَّواعِقِ والخُسُوفِ (والنّاشِراتِ) قالَ السُّدِّيُّ، وأبُو صالِحٍ، ومُقاتِلٌ: المَلائِكَةُ تَنْشُرُ صُحُفَ العِبادِ بِالأعْمالِ. وقالَ الرَّبِيعُ: المَلائِكَةُ تَنْشُرُ النّاسَ مِن قُبُورِهِمْ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: الرِّياحُ تَنْشُرُ رَحْمَةَ اللَّهِ ومَطَرَهُ. وقالَ أبُو صالِحٍ: الأمْطارُ تُحْيِي الأرْضَ بِالنَّباتِ. وقالَ الضَّحّاكُ: الصُّحُفُ تُنْشَرُ عَلى اللَّهِ تَعالى بِأعْمالِ العِبادِ، فَعَلى هَذا تَكُونُ النّاشِراتُ عَلى مَعْنى النَّسَبِ، أيْ: ذاتُ النَّشْرِ ﴿فالفارِقاتِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو صالِحٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ: المَلائِكَةُ تُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، والحَلالِ والحَرامِ. وقالَ قَتادَةُ والحَسَنُ، وابْنُ كَيْسانَ: آياتُ القُرْآنِ فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: الرِّياحُ تُفَرِّقُ بَيْنَ السَّحابِ فَتُبَدِّدُهُ. وقِيلَ: الرُّسُلُ، حَكاهُ الزَّجّاجُ. وقِيلَ: السَّحابُ الماطِرُ تَشْبِيهًا بِالنّاقَةِ الفارُوقِ، وهي الحامِلُ الَّتِي تَجْزَعُ حِينَ تَضَعُ. وقِيلَ: العُقُولُ تُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، والصَّحِيحِ والفاسِدِ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ والجُمْهُورُ: المَلائِكَةُ تُلْقِي ما حَمَلَتْ مِنَ الوَحْيِ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقالَ قُطْرُبٌ: الرُّسُلُ تُلْقِي ما أُنْزِلَ عَلَيْها إلى الأُمَمِ. وقالَ الرَّبِيعُ: آياتُ القُرْآنِ أُلْقِيَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنَ الأقْوالِ أنْ تَكُونَ ﴿والمُرْسَلاتِ﴾ إلى آخِرِ الأوْصافِ: إمّا لِلْمَلائِكَةِ، وإمّا لِلرِّياحِ، فَلِلْمَلائِكَةِ تَكُونُ عُذْرًا لِلْمُحَقِّقِينَ، أوْ نُذْرًا لِلْمُبْطِلِينَ، ولِلرِّياحِ يَكُونُ المَعْنى: فَألْقَيْنَ ذِكْرًا، إمّا عُذْرًا لِلَّذِينِ يَعْتَذِرُونَ إلى اللَّهِ تَعالى بِتَوْبَتِهِمْ واسْتِغْفارِهِمْ إذا رَأوْا نِعْمَةَ اللَّهِ في الغَيْثِ ويَشْكُرُونَها، وإمّا إنْذارًا لِلَّذِينِ يَغْفُلُونَ عَنِ الشُّكْرِ لِلَّهِ ويَنْسُبُونَ ذَلِكَ إلى الأنْواءِ، وجُعِلْنَ مُلْقِياتٍ لِلذِّكْرِ لِكَوْنِهِنَّ سَبَبًا في حُصُولِهِ إذا شُكِرَتِ النِّعْمَةُ فِيهِنَّ، أوْ كُفِرَتْ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، والَّذِي أراهُ أنَّ المُقْسَمَ بِهِ شَيْئانِ، ولِذَلِكَ جاءَ العَطْفُ بِالواوِ في (والنّاشِراتِ) والعَطْفُ بِالواوِ يُشْعِرُ بِالتَّغايُرِ، بَلْ هو مَوْضُوعُهُ في لِسانِ العَرَبِ، وأمّا العَطْفُ بِالفاءِ إذا كانَ في الصِّفاتِ، فَيَدُلُّ عَلى أنَّها راجِعَةٌ إلى العادِياتِ، وهي الخَيْلُ، وكَقَوْلِهِ: ؎يا لَهْفَ زَيّابَةَ لِلْحارِثِ فالصّا ∗∗∗ بِحِ فالغانِمِ فالآيِبِ فَهَذِهِ راجِعَةٌ لِمَوْصُوفٍ واحِدٍ وهو الحارِثُ، فَإذا تَقَرَّرَ هَذا، فالظّاهِرُ أنَّهُ أقْسَمَ أوَّلًا بِالرِّياحِ، فَهي مُرْسَلاتُهُ تَعالى، ويَدُلُّ عَلَيْهِ عَطْفُ الصِّفَةِ بِالفاءِ كَما قُلْنا، وأنَّ العَصْفَ مِن صِفاتِ الرِّيحِ في عِدَّةِ مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ، والقِسْمُ الثّانِي فِيهِ تَرَقٍ إلى أشْرَفَ مِنَ المُقْسَمِ بِهِ الأوَّلِ وهُمُ المَلائِكَةُ، ويَكُونُ ﴿فالفارِقاتِ﴾، ﴿فالمُلْقِياتِ﴾ مِن صِفاتِهِمْ، كَما قُلْنا في عَطْفِ الصِّفاتِ وإلْقاؤُهُمُ الذِّكْرَ وهو ما أنْزَلَ اللَّهُ يَصِحُّ إسْنادُهُ إلَيْهِمْ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فالمُلْقِياتِ﴾ اسْمُ فاعِلٍ خَفِيفٌ، أيْ نَطْرُقُهُ إلَيْهِمْ، وابْنُ عَبّاسٍ: مُشَدَّدٌ مِنَ التَّلْقِيَةِ، وهي أيْضًا إيصالُ الكَلامِ إلى المُخاطَبِ، يُقالُ: لَقَّيْتُهُ الذِّكْرَ فَتَلَقّاهُ، وقَرَأ أيْضًا ابْنُ عَبّاسٍ، فِيما ذَكَرَهُ الَمَهْدَوِيُّ: بِفَتْحِ اللّامِ والقافِ مُشَدَّدَةً اسْمُ مَفْعُولٍ، أيْ تَلَقَّتْهُ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى. وقَرَأ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ والنَّحْوِيّانِ (p-٤٠٥)وحَفْصٌ: ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ بِسُكُونِ الذّالَيْنِ، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وابْنُ خارِجَةَ وطَلْحَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وعِيسى، والحَسَنُ بِخِلافٍ، والأعْشى، عَنْ أبِي بَكْرٍ: بِضَمِّهِما، وأبُو جَعْفَرٍ أيْضًا وشَيْبَةُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والحَرَمِيّانِ، وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ: بِسُكُونِها في (عُذْرًا) وضَمِّها في ﴿نُذْرًا﴾، فالسُّكُونُ عَلى أنَّهُما مَصْدَرانِ مُفْرَدانِ، أوْ مَصْدَرانِ جَمْعانِ، فَـ(عُذْرًا) جَمْعُ عَذِيرٍ بِمَعْنى المَعْذِرَةِ، و﴿نُذْرًا﴾ جَمْعُ نَذِيرٍ بِمَعْنى الإنْذارِ، وانْتِصابُهُما عَلى البَدَلِ مِن (ذِكْرًا) كَأنَّهُ قِيلَ: فالمُلْقِياتِ عُذْرًا أوْ نُذْرًا، أوْ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، أوْ عَلى أنَّهُما مَصْدَرانِ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ عاذِرِينَ أوْ مُنْذِرِينَ، ويَجُوزُ مَعَ الإسْكانِ أنْ يَكُونا جَمْعَيْنِ عَلى ما قَرَّرْناهُ، وقِيلَ: يَصِحُّ انْتِصابُ ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ عَلى المَفْعُولِ بِهِ بِالمَصْدَرِ الَّذِي هو (ذِكْرًا) أيْ فالمُلْقِياتِ، أيْ فَذَكَرُوا عُذْرًا، وفِيهِ بُعْدٌ لِأنَّ المَصْدَرَ هُنا لا يُرادُ بِهِ العَمَلُ، إنَّما يُرادُ بِهِ الحَقِيقَةُ لِقَوْلِهِ: (أأُلْقِيَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ) والإعْذارُ هو بِقِيامِ الحُجَّةِ عَلى الخَلْقِ، والإنْذارُ هو بِالعَذابِ والنِّقْمَةِ ﴿إنَّما تُوعَدُونَ﴾: أيْ مِنَ الجَزاءِ بِالثَّوابِ والعِقابِ (لَواقِعٌ): وما مَوْصُولَةٌ، وإنْ كانَتْ قَدْ كُتِبَتْ مَوْصُولَةً بِإنَّ وهَذِهِ الجُمْلَةُ هي المُقْسَمُ عَلَيْها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أوْ نُذْرًا﴾ بِواوِ التَّفْصِيلِ، وإبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ: (ونُذْرًا) بِواوِ العَطْفِ.

المرسلات 77:5

سُورَةُ المُرْسَلاتِ مَكِّيَّةٌ وهي خَمْسُونَ آيَةً ﷽ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ ﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ [المرسلات: ٨] ﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾ [المرسلات: ٩] ﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ [المرسلات: ١٠] ﴿وإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ [المرسلات: ١١] ﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ [المرسلات: ١٢] ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ [المرسلات: ١٣] ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ [المرسلات: ١٤] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٥] ﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ [المرسلات: ١٦] ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ [المرسلات: ١٧] ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ [المرسلات: ١٨] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٩] ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [المرسلات: ٢٠] ﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ [المرسلات: ٢١] ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [المرسلات: ٢٢] ﴿فَقَدَرْنا فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٢٤] ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥] ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ [المرسلات: ٢٦] ﴿وجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ [المرسلات: ٢٧] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٢٨] ﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المرسلات: ٢٩] ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ [المرسلات: ٣٠] ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ [المرسلات: ٣١] ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ [المرسلات: ٣٢] ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات: ٣٣] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٣٤] ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥] ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٣٧] ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ [المرسلات: ٣٨] ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ [المرسلات: ٣٩] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٤٠] ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ [المرسلات: ٤١] ﴿وفَواكِهَ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ [المرسلات: ٤٢] ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المرسلات: ٤٣] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [المرسلات: ٤٤] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٤٥] ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ [المرسلات: ٤٦] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٤٧] ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٤٩] ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [المرسلات: ٥٠] فَرَجْتُ الشَّيْءَ: فَتَحْتُهُ فانْفَرَجَ، قالَ الرّاجِزُ: ؎الفارِجُو بابِ الأمِيرِ المُبْهَمِ كَفَتَ: ضَمَّ وجَمَعَ، ومِنهُ قَوْلُهُ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: (اكْفِتُوا صِبْيانَكم) . ومِنهُ قِيلَ لِبَقِيعِ الغَرْقَدِ: كَفَتَ وكَفَتَهُ، والكِفاتُ اسْمٌ لِما يُكْفَتُ، كالضِّمامِ والجِماعِ، يُقالُ: هَذا البابُ جِماعُ الأبْوابِ، وقالَ الصَّمْصامَةُ بْنُ الطِّرْماحِ: ؎فَأنْتَ اليَوْمَ فَوْقَ الأرْضِ حَيٌّ ∗∗∗ وأنْتَ غَدًا تَضُمُّكَ في كِفاتِ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الكِفاتُ: الوِعاءُ. شَمَخَ: ارْتَفَعَ. الشَّرَرُ: ما تَطايَرَ مِنَ النّارِ مُتَبَدِّدًا في كُلِّ جِهَةٍ، واحِدُهُ شَرَرَةٌ، ولُغَةُ تَمِيمٍ: شَرارٌ بِالألِفِ واحِدُهُ شَرارَةٌ. القَصْرُ: الدّارُ الكَبِيرَةُ المُشَيَّدَةُ، والقَصْرُ: قِطَعٌ مِنَ الخَشَبِ قَدْرَ الذِّراعِ وفَوْقَهُ ودُونَهُ يُسْتَعَدُّ بِهِ لِلشِّتاءِ، واحِدُهُ قَصْرَةٌ، والقَصَرُ، بِفَتْحِ الصّادِ: (p-٤٠٣)أعْناقُ الإبِلِ والنَّخْلِ والنّاسِ، واحِدُهُ قَصَرَةٌ، وبِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصّادِ جَمْعُ قَصْرَةٍ، كَحَلْقَةٍ مِنَ الحَدِيدِ وحِلَقٍ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ ﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ [المرسلات: ٨] ﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾ [المرسلات: ٩] ﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ [المرسلات: ١٠] ﴿وإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ [المرسلات: ١١] ﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ [المرسلات: ١٢] ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ [المرسلات: ١٣] ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ [المرسلات: ١٤] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٥] ﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ [المرسلات: ١٦] ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ [المرسلات: ١٧] ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ [المرسلات: ١٨] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٩] ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [المرسلات: ٢٠] ﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ [المرسلات: ٢١] ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [المرسلات: ٢٢] ﴿فَقَدَرْنا فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٢٤] ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥] ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ [المرسلات: ٢٦] ﴿وجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ [المرسلات: ٢٧] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٢٨] . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، ومُقاتِلٍ أنَّ فِيها آيَةً مَدَنِيَّةً وهي: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨] ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ جِدًّا، وهو أنَّهُ تَعالى يَرْحَمُ مَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ الظّالِمِينَ، فَهَذا وعْدٌ مِنهُ صادِقٌ، فَأقْسَمَ عَلى وُقُوعِهِ في هَذِهِ، فَقالَ: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ ولَمّا كانَ المُقْسَمُ بِهِ مَوْصُوفاتٍ قَدْ حُذِفَتْ وأُقِيمَتْ صِفاتُها مَقامَها وقَعَ الخِلافُ في تَعْيِينِ تِلْكَ المَوْصُوفاتِ، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وأبُو صالِحٍ، ومُقاتِلٌ، والفَرّاءُ: (والمُرْسَلاتِ): المَلائِكَةُ أُرْسِلَتْ بِالعُرْفِ ضِدَّ النُّكْرِ وهو الوَحْيُ، فَبِالتَّعاقُبِ عَلى العِبادِ طَرَفَيِ النَّهارِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ: الأنْبِياءُ، (p-٤٠٤)ومَعْنى عُرْفًا: إفْضالًا مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى عِبادِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎لا يَذْهَبُ العُرْفُ بَيْنَ اللَّهِ والنّاسِ وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ أُرْسِلْنَ لِلْإحْسانِ والمَعْرُوفِ، أوْ مُتَتابِعَةً تَشْبِيهًا بِعُرْفِ الفَرَسِ في تَتابُعِ شَعْرِهِ وأعْرافِ الخَيْلِ، وتَقُولُ العَرَبُ: النّاسُ إلى فُلانٍ عُرْفٌ واحِدٌ إذا تَوَجَّهُوا إلَيْهِ مُتَتابِعِينَ، وهم عَلَيْهِ كَعُرْفِ الضَّبُعِ إذا تَألَّبُوا عَلَيْهِ، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ أيْضًا، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ: الرِّياحُ. وقالَ الحَسَنُ: السَّحابُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (عُرْفًا) بِسُكُونِ الرّاءِ، وعِيسى: بِضَمِّها. ﴿فالعاصِفاتِ﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الشَّدِيداتُ الهُبُوبِ. وقِيلَ: المَلائِكَةُ تَعْصِفُ بِأرْواحِ الكُفّارِ، أيْ تُزْعِجُها بِشِدَّةٍ، أوْ تَعْصِفُ في مُضِيِّها كَما تَعْصِفُ الرِّياحُ تَحَقُّقًا في امْتِثالِ أمْرِهِ. وقِيلَ: هي الآياتُ المُهْلِكَةُ، كالزَّلازِلِ والصَّواعِقِ والخُسُوفِ (والنّاشِراتِ) قالَ السُّدِّيُّ، وأبُو صالِحٍ، ومُقاتِلٌ: المَلائِكَةُ تَنْشُرُ صُحُفَ العِبادِ بِالأعْمالِ. وقالَ الرَّبِيعُ: المَلائِكَةُ تَنْشُرُ النّاسَ مِن قُبُورِهِمْ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: الرِّياحُ تَنْشُرُ رَحْمَةَ اللَّهِ ومَطَرَهُ. وقالَ أبُو صالِحٍ: الأمْطارُ تُحْيِي الأرْضَ بِالنَّباتِ. وقالَ الضَّحّاكُ: الصُّحُفُ تُنْشَرُ عَلى اللَّهِ تَعالى بِأعْمالِ العِبادِ، فَعَلى هَذا تَكُونُ النّاشِراتُ عَلى مَعْنى النَّسَبِ، أيْ: ذاتُ النَّشْرِ ﴿فالفارِقاتِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو صالِحٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ: المَلائِكَةُ تُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، والحَلالِ والحَرامِ. وقالَ قَتادَةُ والحَسَنُ، وابْنُ كَيْسانَ: آياتُ القُرْآنِ فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: الرِّياحُ تُفَرِّقُ بَيْنَ السَّحابِ فَتُبَدِّدُهُ. وقِيلَ: الرُّسُلُ، حَكاهُ الزَّجّاجُ. وقِيلَ: السَّحابُ الماطِرُ تَشْبِيهًا بِالنّاقَةِ الفارُوقِ، وهي الحامِلُ الَّتِي تَجْزَعُ حِينَ تَضَعُ. وقِيلَ: العُقُولُ تُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، والصَّحِيحِ والفاسِدِ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ والجُمْهُورُ: المَلائِكَةُ تُلْقِي ما حَمَلَتْ مِنَ الوَحْيِ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقالَ قُطْرُبٌ: الرُّسُلُ تُلْقِي ما أُنْزِلَ عَلَيْها إلى الأُمَمِ. وقالَ الرَّبِيعُ: آياتُ القُرْآنِ أُلْقِيَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنَ الأقْوالِ أنْ تَكُونَ ﴿والمُرْسَلاتِ﴾ إلى آخِرِ الأوْصافِ: إمّا لِلْمَلائِكَةِ، وإمّا لِلرِّياحِ، فَلِلْمَلائِكَةِ تَكُونُ عُذْرًا لِلْمُحَقِّقِينَ، أوْ نُذْرًا لِلْمُبْطِلِينَ، ولِلرِّياحِ يَكُونُ المَعْنى: فَألْقَيْنَ ذِكْرًا، إمّا عُذْرًا لِلَّذِينِ يَعْتَذِرُونَ إلى اللَّهِ تَعالى بِتَوْبَتِهِمْ واسْتِغْفارِهِمْ إذا رَأوْا نِعْمَةَ اللَّهِ في الغَيْثِ ويَشْكُرُونَها، وإمّا إنْذارًا لِلَّذِينِ يَغْفُلُونَ عَنِ الشُّكْرِ لِلَّهِ ويَنْسُبُونَ ذَلِكَ إلى الأنْواءِ، وجُعِلْنَ مُلْقِياتٍ لِلذِّكْرِ لِكَوْنِهِنَّ سَبَبًا في حُصُولِهِ إذا شُكِرَتِ النِّعْمَةُ فِيهِنَّ، أوْ كُفِرَتْ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، والَّذِي أراهُ أنَّ المُقْسَمَ بِهِ شَيْئانِ، ولِذَلِكَ جاءَ العَطْفُ بِالواوِ في (والنّاشِراتِ) والعَطْفُ بِالواوِ يُشْعِرُ بِالتَّغايُرِ، بَلْ هو مَوْضُوعُهُ في لِسانِ العَرَبِ، وأمّا العَطْفُ بِالفاءِ إذا كانَ في الصِّفاتِ، فَيَدُلُّ عَلى أنَّها راجِعَةٌ إلى العادِياتِ، وهي الخَيْلُ، وكَقَوْلِهِ: ؎يا لَهْفَ زَيّابَةَ لِلْحارِثِ فالصّا ∗∗∗ بِحِ فالغانِمِ فالآيِبِ فَهَذِهِ راجِعَةٌ لِمَوْصُوفٍ واحِدٍ وهو الحارِثُ، فَإذا تَقَرَّرَ هَذا، فالظّاهِرُ أنَّهُ أقْسَمَ أوَّلًا بِالرِّياحِ، فَهي مُرْسَلاتُهُ تَعالى، ويَدُلُّ عَلَيْهِ عَطْفُ الصِّفَةِ بِالفاءِ كَما قُلْنا، وأنَّ العَصْفَ مِن صِفاتِ الرِّيحِ في عِدَّةِ مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ، والقِسْمُ الثّانِي فِيهِ تَرَقٍ إلى أشْرَفَ مِنَ المُقْسَمِ بِهِ الأوَّلِ وهُمُ المَلائِكَةُ، ويَكُونُ ﴿فالفارِقاتِ﴾، ﴿فالمُلْقِياتِ﴾ مِن صِفاتِهِمْ، كَما قُلْنا في عَطْفِ الصِّفاتِ وإلْقاؤُهُمُ الذِّكْرَ وهو ما أنْزَلَ اللَّهُ يَصِحُّ إسْنادُهُ إلَيْهِمْ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فالمُلْقِياتِ﴾ اسْمُ فاعِلٍ خَفِيفٌ، أيْ نَطْرُقُهُ إلَيْهِمْ، وابْنُ عَبّاسٍ: مُشَدَّدٌ مِنَ التَّلْقِيَةِ، وهي أيْضًا إيصالُ الكَلامِ إلى المُخاطَبِ، يُقالُ: لَقَّيْتُهُ الذِّكْرَ فَتَلَقّاهُ، وقَرَأ أيْضًا ابْنُ عَبّاسٍ، فِيما ذَكَرَهُ الَمَهْدَوِيُّ: بِفَتْحِ اللّامِ والقافِ مُشَدَّدَةً اسْمُ مَفْعُولٍ، أيْ تَلَقَّتْهُ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى. وقَرَأ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ والنَّحْوِيّانِ (p-٤٠٥)وحَفْصٌ: ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ بِسُكُونِ الذّالَيْنِ، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وابْنُ خارِجَةَ وطَلْحَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وعِيسى، والحَسَنُ بِخِلافٍ، والأعْشى، عَنْ أبِي بَكْرٍ: بِضَمِّهِما، وأبُو جَعْفَرٍ أيْضًا وشَيْبَةُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والحَرَمِيّانِ، وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ: بِسُكُونِها في (عُذْرًا) وضَمِّها في ﴿نُذْرًا﴾، فالسُّكُونُ عَلى أنَّهُما مَصْدَرانِ مُفْرَدانِ، أوْ مَصْدَرانِ جَمْعانِ، فَـ(عُذْرًا) جَمْعُ عَذِيرٍ بِمَعْنى المَعْذِرَةِ، و﴿نُذْرًا﴾ جَمْعُ نَذِيرٍ بِمَعْنى الإنْذارِ، وانْتِصابُهُما عَلى البَدَلِ مِن (ذِكْرًا) كَأنَّهُ قِيلَ: فالمُلْقِياتِ عُذْرًا أوْ نُذْرًا، أوْ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، أوْ عَلى أنَّهُما مَصْدَرانِ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ عاذِرِينَ أوْ مُنْذِرِينَ، ويَجُوزُ مَعَ الإسْكانِ أنْ يَكُونا جَمْعَيْنِ عَلى ما قَرَّرْناهُ، وقِيلَ: يَصِحُّ انْتِصابُ ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ عَلى المَفْعُولِ بِهِ بِالمَصْدَرِ الَّذِي هو (ذِكْرًا) أيْ فالمُلْقِياتِ، أيْ فَذَكَرُوا عُذْرًا، وفِيهِ بُعْدٌ لِأنَّ المَصْدَرَ هُنا لا يُرادُ بِهِ العَمَلُ، إنَّما يُرادُ بِهِ الحَقِيقَةُ لِقَوْلِهِ: (أأُلْقِيَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ) والإعْذارُ هو بِقِيامِ الحُجَّةِ عَلى الخَلْقِ، والإنْذارُ هو بِالعَذابِ والنِّقْمَةِ ﴿إنَّما تُوعَدُونَ﴾: أيْ مِنَ الجَزاءِ بِالثَّوابِ والعِقابِ (لَواقِعٌ): وما مَوْصُولَةٌ، وإنْ كانَتْ قَدْ كُتِبَتْ مَوْصُولَةً بِإنَّ وهَذِهِ الجُمْلَةُ هي المُقْسَمُ عَلَيْها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أوْ نُذْرًا﴾ بِواوِ التَّفْصِيلِ، وإبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ: (ونُذْرًا) بِواوِ العَطْفِ.

المرسلات 77:6

سُورَةُ المُرْسَلاتِ مَكِّيَّةٌ وهي خَمْسُونَ آيَةً ﷽ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ ﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ [المرسلات: ٨] ﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾ [المرسلات: ٩] ﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ [المرسلات: ١٠] ﴿وإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ [المرسلات: ١١] ﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ [المرسلات: ١٢] ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ [المرسلات: ١٣] ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ [المرسلات: ١٤] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٥] ﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ [المرسلات: ١٦] ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ [المرسلات: ١٧] ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ [المرسلات: ١٨] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٩] ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [المرسلات: ٢٠] ﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ [المرسلات: ٢١] ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [المرسلات: ٢٢] ﴿فَقَدَرْنا فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٢٤] ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥] ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ [المرسلات: ٢٦] ﴿وجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ [المرسلات: ٢٧] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٢٨] ﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المرسلات: ٢٩] ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ [المرسلات: ٣٠] ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ [المرسلات: ٣١] ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ [المرسلات: ٣٢] ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات: ٣٣] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٣٤] ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥] ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٣٧] ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ [المرسلات: ٣٨] ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ [المرسلات: ٣٩] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٤٠] ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ [المرسلات: ٤١] ﴿وفَواكِهَ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ [المرسلات: ٤٢] ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المرسلات: ٤٣] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [المرسلات: ٤٤] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٤٥] ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ [المرسلات: ٤٦] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٤٧] ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٤٩] ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [المرسلات: ٥٠] فَرَجْتُ الشَّيْءَ: فَتَحْتُهُ فانْفَرَجَ، قالَ الرّاجِزُ: ؎الفارِجُو بابِ الأمِيرِ المُبْهَمِ كَفَتَ: ضَمَّ وجَمَعَ، ومِنهُ قَوْلُهُ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: (اكْفِتُوا صِبْيانَكم) . ومِنهُ قِيلَ لِبَقِيعِ الغَرْقَدِ: كَفَتَ وكَفَتَهُ، والكِفاتُ اسْمٌ لِما يُكْفَتُ، كالضِّمامِ والجِماعِ، يُقالُ: هَذا البابُ جِماعُ الأبْوابِ، وقالَ الصَّمْصامَةُ بْنُ الطِّرْماحِ: ؎فَأنْتَ اليَوْمَ فَوْقَ الأرْضِ حَيٌّ ∗∗∗ وأنْتَ غَدًا تَضُمُّكَ في كِفاتِ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الكِفاتُ: الوِعاءُ. شَمَخَ: ارْتَفَعَ. الشَّرَرُ: ما تَطايَرَ مِنَ النّارِ مُتَبَدِّدًا في كُلِّ جِهَةٍ، واحِدُهُ شَرَرَةٌ، ولُغَةُ تَمِيمٍ: شَرارٌ بِالألِفِ واحِدُهُ شَرارَةٌ. القَصْرُ: الدّارُ الكَبِيرَةُ المُشَيَّدَةُ، والقَصْرُ: قِطَعٌ مِنَ الخَشَبِ قَدْرَ الذِّراعِ وفَوْقَهُ ودُونَهُ يُسْتَعَدُّ بِهِ لِلشِّتاءِ، واحِدُهُ قَصْرَةٌ، والقَصَرُ، بِفَتْحِ الصّادِ: (p-٤٠٣)أعْناقُ الإبِلِ والنَّخْلِ والنّاسِ، واحِدُهُ قَصَرَةٌ، وبِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصّادِ جَمْعُ قَصْرَةٍ، كَحَلْقَةٍ مِنَ الحَدِيدِ وحِلَقٍ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ ﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ [المرسلات: ٨] ﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾ [المرسلات: ٩] ﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ [المرسلات: ١٠] ﴿وإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ [المرسلات: ١١] ﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ [المرسلات: ١٢] ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ [المرسلات: ١٣] ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ [المرسلات: ١٤] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٥] ﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ [المرسلات: ١٦] ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ [المرسلات: ١٧] ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ [المرسلات: ١٨] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٩] ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [المرسلات: ٢٠] ﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ [المرسلات: ٢١] ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [المرسلات: ٢٢] ﴿فَقَدَرْنا فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٢٤] ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥] ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ [المرسلات: ٢٦] ﴿وجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ [المرسلات: ٢٧] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٢٨] . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، ومُقاتِلٍ أنَّ فِيها آيَةً مَدَنِيَّةً وهي: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨] ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ جِدًّا، وهو أنَّهُ تَعالى يَرْحَمُ مَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ الظّالِمِينَ، فَهَذا وعْدٌ مِنهُ صادِقٌ، فَأقْسَمَ عَلى وُقُوعِهِ في هَذِهِ، فَقالَ: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ ولَمّا كانَ المُقْسَمُ بِهِ مَوْصُوفاتٍ قَدْ حُذِفَتْ وأُقِيمَتْ صِفاتُها مَقامَها وقَعَ الخِلافُ في تَعْيِينِ تِلْكَ المَوْصُوفاتِ، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وأبُو صالِحٍ، ومُقاتِلٌ، والفَرّاءُ: (والمُرْسَلاتِ): المَلائِكَةُ أُرْسِلَتْ بِالعُرْفِ ضِدَّ النُّكْرِ وهو الوَحْيُ، فَبِالتَّعاقُبِ عَلى العِبادِ طَرَفَيِ النَّهارِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ: الأنْبِياءُ، (p-٤٠٤)ومَعْنى عُرْفًا: إفْضالًا مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى عِبادِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎لا يَذْهَبُ العُرْفُ بَيْنَ اللَّهِ والنّاسِ وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ أُرْسِلْنَ لِلْإحْسانِ والمَعْرُوفِ، أوْ مُتَتابِعَةً تَشْبِيهًا بِعُرْفِ الفَرَسِ في تَتابُعِ شَعْرِهِ وأعْرافِ الخَيْلِ، وتَقُولُ العَرَبُ: النّاسُ إلى فُلانٍ عُرْفٌ واحِدٌ إذا تَوَجَّهُوا إلَيْهِ مُتَتابِعِينَ، وهم عَلَيْهِ كَعُرْفِ الضَّبُعِ إذا تَألَّبُوا عَلَيْهِ، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ أيْضًا، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ: الرِّياحُ. وقالَ الحَسَنُ: السَّحابُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (عُرْفًا) بِسُكُونِ الرّاءِ، وعِيسى: بِضَمِّها. ﴿فالعاصِفاتِ﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الشَّدِيداتُ الهُبُوبِ. وقِيلَ: المَلائِكَةُ تَعْصِفُ بِأرْواحِ الكُفّارِ، أيْ تُزْعِجُها بِشِدَّةٍ، أوْ تَعْصِفُ في مُضِيِّها كَما تَعْصِفُ الرِّياحُ تَحَقُّقًا في امْتِثالِ أمْرِهِ. وقِيلَ: هي الآياتُ المُهْلِكَةُ، كالزَّلازِلِ والصَّواعِقِ والخُسُوفِ (والنّاشِراتِ) قالَ السُّدِّيُّ، وأبُو صالِحٍ، ومُقاتِلٌ: المَلائِكَةُ تَنْشُرُ صُحُفَ العِبادِ بِالأعْمالِ. وقالَ الرَّبِيعُ: المَلائِكَةُ تَنْشُرُ النّاسَ مِن قُبُورِهِمْ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: الرِّياحُ تَنْشُرُ رَحْمَةَ اللَّهِ ومَطَرَهُ. وقالَ أبُو صالِحٍ: الأمْطارُ تُحْيِي الأرْضَ بِالنَّباتِ. وقالَ الضَّحّاكُ: الصُّحُفُ تُنْشَرُ عَلى اللَّهِ تَعالى بِأعْمالِ العِبادِ، فَعَلى هَذا تَكُونُ النّاشِراتُ عَلى مَعْنى النَّسَبِ، أيْ: ذاتُ النَّشْرِ ﴿فالفارِقاتِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو صالِحٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ: المَلائِكَةُ تُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، والحَلالِ والحَرامِ. وقالَ قَتادَةُ والحَسَنُ، وابْنُ كَيْسانَ: آياتُ القُرْآنِ فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: الرِّياحُ تُفَرِّقُ بَيْنَ السَّحابِ فَتُبَدِّدُهُ. وقِيلَ: الرُّسُلُ، حَكاهُ الزَّجّاجُ. وقِيلَ: السَّحابُ الماطِرُ تَشْبِيهًا بِالنّاقَةِ الفارُوقِ، وهي الحامِلُ الَّتِي تَجْزَعُ حِينَ تَضَعُ. وقِيلَ: العُقُولُ تُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، والصَّحِيحِ والفاسِدِ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ والجُمْهُورُ: المَلائِكَةُ تُلْقِي ما حَمَلَتْ مِنَ الوَحْيِ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقالَ قُطْرُبٌ: الرُّسُلُ تُلْقِي ما أُنْزِلَ عَلَيْها إلى الأُمَمِ. وقالَ الرَّبِيعُ: آياتُ القُرْآنِ أُلْقِيَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنَ الأقْوالِ أنْ تَكُونَ ﴿والمُرْسَلاتِ﴾ إلى آخِرِ الأوْصافِ: إمّا لِلْمَلائِكَةِ، وإمّا لِلرِّياحِ، فَلِلْمَلائِكَةِ تَكُونُ عُذْرًا لِلْمُحَقِّقِينَ، أوْ نُذْرًا لِلْمُبْطِلِينَ، ولِلرِّياحِ يَكُونُ المَعْنى: فَألْقَيْنَ ذِكْرًا، إمّا عُذْرًا لِلَّذِينِ يَعْتَذِرُونَ إلى اللَّهِ تَعالى بِتَوْبَتِهِمْ واسْتِغْفارِهِمْ إذا رَأوْا نِعْمَةَ اللَّهِ في الغَيْثِ ويَشْكُرُونَها، وإمّا إنْذارًا لِلَّذِينِ يَغْفُلُونَ عَنِ الشُّكْرِ لِلَّهِ ويَنْسُبُونَ ذَلِكَ إلى الأنْواءِ، وجُعِلْنَ مُلْقِياتٍ لِلذِّكْرِ لِكَوْنِهِنَّ سَبَبًا في حُصُولِهِ إذا شُكِرَتِ النِّعْمَةُ فِيهِنَّ، أوْ كُفِرَتْ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، والَّذِي أراهُ أنَّ المُقْسَمَ بِهِ شَيْئانِ، ولِذَلِكَ جاءَ العَطْفُ بِالواوِ في (والنّاشِراتِ) والعَطْفُ بِالواوِ يُشْعِرُ بِالتَّغايُرِ، بَلْ هو مَوْضُوعُهُ في لِسانِ العَرَبِ، وأمّا العَطْفُ بِالفاءِ إذا كانَ في الصِّفاتِ، فَيَدُلُّ عَلى أنَّها راجِعَةٌ إلى العادِياتِ، وهي الخَيْلُ، وكَقَوْلِهِ: ؎يا لَهْفَ زَيّابَةَ لِلْحارِثِ فالصّا ∗∗∗ بِحِ فالغانِمِ فالآيِبِ فَهَذِهِ راجِعَةٌ لِمَوْصُوفٍ واحِدٍ وهو الحارِثُ، فَإذا تَقَرَّرَ هَذا، فالظّاهِرُ أنَّهُ أقْسَمَ أوَّلًا بِالرِّياحِ، فَهي مُرْسَلاتُهُ تَعالى، ويَدُلُّ عَلَيْهِ عَطْفُ الصِّفَةِ بِالفاءِ كَما قُلْنا، وأنَّ العَصْفَ مِن صِفاتِ الرِّيحِ في عِدَّةِ مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ، والقِسْمُ الثّانِي فِيهِ تَرَقٍ إلى أشْرَفَ مِنَ المُقْسَمِ بِهِ الأوَّلِ وهُمُ المَلائِكَةُ، ويَكُونُ ﴿فالفارِقاتِ﴾، ﴿فالمُلْقِياتِ﴾ مِن صِفاتِهِمْ، كَما قُلْنا في عَطْفِ الصِّفاتِ وإلْقاؤُهُمُ الذِّكْرَ وهو ما أنْزَلَ اللَّهُ يَصِحُّ إسْنادُهُ إلَيْهِمْ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فالمُلْقِياتِ﴾ اسْمُ فاعِلٍ خَفِيفٌ، أيْ نَطْرُقُهُ إلَيْهِمْ، وابْنُ عَبّاسٍ: مُشَدَّدٌ مِنَ التَّلْقِيَةِ، وهي أيْضًا إيصالُ الكَلامِ إلى المُخاطَبِ، يُقالُ: لَقَّيْتُهُ الذِّكْرَ فَتَلَقّاهُ، وقَرَأ أيْضًا ابْنُ عَبّاسٍ، فِيما ذَكَرَهُ الَمَهْدَوِيُّ: بِفَتْحِ اللّامِ والقافِ مُشَدَّدَةً اسْمُ مَفْعُولٍ، أيْ تَلَقَّتْهُ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى. وقَرَأ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ والنَّحْوِيّانِ (p-٤٠٥)وحَفْصٌ: ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ بِسُكُونِ الذّالَيْنِ، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وابْنُ خارِجَةَ وطَلْحَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وعِيسى، والحَسَنُ بِخِلافٍ، والأعْشى، عَنْ أبِي بَكْرٍ: بِضَمِّهِما، وأبُو جَعْفَرٍ أيْضًا وشَيْبَةُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والحَرَمِيّانِ، وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ: بِسُكُونِها في (عُذْرًا) وضَمِّها في ﴿نُذْرًا﴾، فالسُّكُونُ عَلى أنَّهُما مَصْدَرانِ مُفْرَدانِ، أوْ مَصْدَرانِ جَمْعانِ، فَـ(عُذْرًا) جَمْعُ عَذِيرٍ بِمَعْنى المَعْذِرَةِ، و﴿نُذْرًا﴾ جَمْعُ نَذِيرٍ بِمَعْنى الإنْذارِ، وانْتِصابُهُما عَلى البَدَلِ مِن (ذِكْرًا) كَأنَّهُ قِيلَ: فالمُلْقِياتِ عُذْرًا أوْ نُذْرًا، أوْ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، أوْ عَلى أنَّهُما مَصْدَرانِ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ عاذِرِينَ أوْ مُنْذِرِينَ، ويَجُوزُ مَعَ الإسْكانِ أنْ يَكُونا جَمْعَيْنِ عَلى ما قَرَّرْناهُ، وقِيلَ: يَصِحُّ انْتِصابُ ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ عَلى المَفْعُولِ بِهِ بِالمَصْدَرِ الَّذِي هو (ذِكْرًا) أيْ فالمُلْقِياتِ، أيْ فَذَكَرُوا عُذْرًا، وفِيهِ بُعْدٌ لِأنَّ المَصْدَرَ هُنا لا يُرادُ بِهِ العَمَلُ، إنَّما يُرادُ بِهِ الحَقِيقَةُ لِقَوْلِهِ: (أأُلْقِيَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ) والإعْذارُ هو بِقِيامِ الحُجَّةِ عَلى الخَلْقِ، والإنْذارُ هو بِالعَذابِ والنِّقْمَةِ ﴿إنَّما تُوعَدُونَ﴾: أيْ مِنَ الجَزاءِ بِالثَّوابِ والعِقابِ (لَواقِعٌ): وما مَوْصُولَةٌ، وإنْ كانَتْ قَدْ كُتِبَتْ مَوْصُولَةً بِإنَّ وهَذِهِ الجُمْلَةُ هي المُقْسَمُ عَلَيْها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أوْ نُذْرًا﴾ بِواوِ التَّفْصِيلِ، وإبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ: (ونُذْرًا) بِواوِ العَطْفِ.

المرسلات 77:7

سُورَةُ المُرْسَلاتِ مَكِّيَّةٌ وهي خَمْسُونَ آيَةً ﷽ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ ﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ [المرسلات: ٨] ﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾ [المرسلات: ٩] ﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ [المرسلات: ١٠] ﴿وإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ [المرسلات: ١١] ﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ [المرسلات: ١٢] ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ [المرسلات: ١٣] ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ [المرسلات: ١٤] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٥] ﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ [المرسلات: ١٦] ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ [المرسلات: ١٧] ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ [المرسلات: ١٨] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٩] ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [المرسلات: ٢٠] ﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ [المرسلات: ٢١] ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [المرسلات: ٢٢] ﴿فَقَدَرْنا فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٢٤] ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥] ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ [المرسلات: ٢٦] ﴿وجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ [المرسلات: ٢٧] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٢٨] ﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المرسلات: ٢٩] ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ [المرسلات: ٣٠] ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ [المرسلات: ٣١] ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ [المرسلات: ٣٢] ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات: ٣٣] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٣٤] ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥] ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٣٧] ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ [المرسلات: ٣٨] ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ [المرسلات: ٣٩] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٤٠] ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ [المرسلات: ٤١] ﴿وفَواكِهَ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ [المرسلات: ٤٢] ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المرسلات: ٤٣] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [المرسلات: ٤٤] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٤٥] ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ [المرسلات: ٤٦] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٤٧] ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٤٩] ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [المرسلات: ٥٠] فَرَجْتُ الشَّيْءَ: فَتَحْتُهُ فانْفَرَجَ، قالَ الرّاجِزُ: ؎الفارِجُو بابِ الأمِيرِ المُبْهَمِ كَفَتَ: ضَمَّ وجَمَعَ، ومِنهُ قَوْلُهُ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: (اكْفِتُوا صِبْيانَكم) . ومِنهُ قِيلَ لِبَقِيعِ الغَرْقَدِ: كَفَتَ وكَفَتَهُ، والكِفاتُ اسْمٌ لِما يُكْفَتُ، كالضِّمامِ والجِماعِ، يُقالُ: هَذا البابُ جِماعُ الأبْوابِ، وقالَ الصَّمْصامَةُ بْنُ الطِّرْماحِ: ؎فَأنْتَ اليَوْمَ فَوْقَ الأرْضِ حَيٌّ ∗∗∗ وأنْتَ غَدًا تَضُمُّكَ في كِفاتِ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الكِفاتُ: الوِعاءُ. شَمَخَ: ارْتَفَعَ. الشَّرَرُ: ما تَطايَرَ مِنَ النّارِ مُتَبَدِّدًا في كُلِّ جِهَةٍ، واحِدُهُ شَرَرَةٌ، ولُغَةُ تَمِيمٍ: شَرارٌ بِالألِفِ واحِدُهُ شَرارَةٌ. القَصْرُ: الدّارُ الكَبِيرَةُ المُشَيَّدَةُ، والقَصْرُ: قِطَعٌ مِنَ الخَشَبِ قَدْرَ الذِّراعِ وفَوْقَهُ ودُونَهُ يُسْتَعَدُّ بِهِ لِلشِّتاءِ، واحِدُهُ قَصْرَةٌ، والقَصَرُ، بِفَتْحِ الصّادِ: (p-٤٠٣)أعْناقُ الإبِلِ والنَّخْلِ والنّاسِ، واحِدُهُ قَصَرَةٌ، وبِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصّادِ جَمْعُ قَصْرَةٍ، كَحَلْقَةٍ مِنَ الحَدِيدِ وحِلَقٍ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ ﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ [المرسلات: ٨] ﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾ [المرسلات: ٩] ﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ [المرسلات: ١٠] ﴿وإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ [المرسلات: ١١] ﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ [المرسلات: ١٢] ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ [المرسلات: ١٣] ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ [المرسلات: ١٤] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٥] ﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ [المرسلات: ١٦] ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ [المرسلات: ١٧] ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ [المرسلات: ١٨] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٩] ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [المرسلات: ٢٠] ﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ [المرسلات: ٢١] ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [المرسلات: ٢٢] ﴿فَقَدَرْنا فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٢٤] ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥] ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ [المرسلات: ٢٦] ﴿وجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ [المرسلات: ٢٧] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٢٨] . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، ومُقاتِلٍ أنَّ فِيها آيَةً مَدَنِيَّةً وهي: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨] ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ جِدًّا، وهو أنَّهُ تَعالى يَرْحَمُ مَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ الظّالِمِينَ، فَهَذا وعْدٌ مِنهُ صادِقٌ، فَأقْسَمَ عَلى وُقُوعِهِ في هَذِهِ، فَقالَ: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ ولَمّا كانَ المُقْسَمُ بِهِ مَوْصُوفاتٍ قَدْ حُذِفَتْ وأُقِيمَتْ صِفاتُها مَقامَها وقَعَ الخِلافُ في تَعْيِينِ تِلْكَ المَوْصُوفاتِ، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وأبُو صالِحٍ، ومُقاتِلٌ، والفَرّاءُ: (والمُرْسَلاتِ): المَلائِكَةُ أُرْسِلَتْ بِالعُرْفِ ضِدَّ النُّكْرِ وهو الوَحْيُ، فَبِالتَّعاقُبِ عَلى العِبادِ طَرَفَيِ النَّهارِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ: الأنْبِياءُ، (p-٤٠٤)ومَعْنى عُرْفًا: إفْضالًا مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى عِبادِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎لا يَذْهَبُ العُرْفُ بَيْنَ اللَّهِ والنّاسِ وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ أُرْسِلْنَ لِلْإحْسانِ والمَعْرُوفِ، أوْ مُتَتابِعَةً تَشْبِيهًا بِعُرْفِ الفَرَسِ في تَتابُعِ شَعْرِهِ وأعْرافِ الخَيْلِ، وتَقُولُ العَرَبُ: النّاسُ إلى فُلانٍ عُرْفٌ واحِدٌ إذا تَوَجَّهُوا إلَيْهِ مُتَتابِعِينَ، وهم عَلَيْهِ كَعُرْفِ الضَّبُعِ إذا تَألَّبُوا عَلَيْهِ، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ أيْضًا، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ: الرِّياحُ. وقالَ الحَسَنُ: السَّحابُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (عُرْفًا) بِسُكُونِ الرّاءِ، وعِيسى: بِضَمِّها. ﴿فالعاصِفاتِ﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الشَّدِيداتُ الهُبُوبِ. وقِيلَ: المَلائِكَةُ تَعْصِفُ بِأرْواحِ الكُفّارِ، أيْ تُزْعِجُها بِشِدَّةٍ، أوْ تَعْصِفُ في مُضِيِّها كَما تَعْصِفُ الرِّياحُ تَحَقُّقًا في امْتِثالِ أمْرِهِ. وقِيلَ: هي الآياتُ المُهْلِكَةُ، كالزَّلازِلِ والصَّواعِقِ والخُسُوفِ (والنّاشِراتِ) قالَ السُّدِّيُّ، وأبُو صالِحٍ، ومُقاتِلٌ: المَلائِكَةُ تَنْشُرُ صُحُفَ العِبادِ بِالأعْمالِ. وقالَ الرَّبِيعُ: المَلائِكَةُ تَنْشُرُ النّاسَ مِن قُبُورِهِمْ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: الرِّياحُ تَنْشُرُ رَحْمَةَ اللَّهِ ومَطَرَهُ. وقالَ أبُو صالِحٍ: الأمْطارُ تُحْيِي الأرْضَ بِالنَّباتِ. وقالَ الضَّحّاكُ: الصُّحُفُ تُنْشَرُ عَلى اللَّهِ تَعالى بِأعْمالِ العِبادِ، فَعَلى هَذا تَكُونُ النّاشِراتُ عَلى مَعْنى النَّسَبِ، أيْ: ذاتُ النَّشْرِ ﴿فالفارِقاتِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو صالِحٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ: المَلائِكَةُ تُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، والحَلالِ والحَرامِ. وقالَ قَتادَةُ والحَسَنُ، وابْنُ كَيْسانَ: آياتُ القُرْآنِ فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: الرِّياحُ تُفَرِّقُ بَيْنَ السَّحابِ فَتُبَدِّدُهُ. وقِيلَ: الرُّسُلُ، حَكاهُ الزَّجّاجُ. وقِيلَ: السَّحابُ الماطِرُ تَشْبِيهًا بِالنّاقَةِ الفارُوقِ، وهي الحامِلُ الَّتِي تَجْزَعُ حِينَ تَضَعُ. وقِيلَ: العُقُولُ تُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، والصَّحِيحِ والفاسِدِ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ والجُمْهُورُ: المَلائِكَةُ تُلْقِي ما حَمَلَتْ مِنَ الوَحْيِ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقالَ قُطْرُبٌ: الرُّسُلُ تُلْقِي ما أُنْزِلَ عَلَيْها إلى الأُمَمِ. وقالَ الرَّبِيعُ: آياتُ القُرْآنِ أُلْقِيَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنَ الأقْوالِ أنْ تَكُونَ ﴿والمُرْسَلاتِ﴾ إلى آخِرِ الأوْصافِ: إمّا لِلْمَلائِكَةِ، وإمّا لِلرِّياحِ، فَلِلْمَلائِكَةِ تَكُونُ عُذْرًا لِلْمُحَقِّقِينَ، أوْ نُذْرًا لِلْمُبْطِلِينَ، ولِلرِّياحِ يَكُونُ المَعْنى: فَألْقَيْنَ ذِكْرًا، إمّا عُذْرًا لِلَّذِينِ يَعْتَذِرُونَ إلى اللَّهِ تَعالى بِتَوْبَتِهِمْ واسْتِغْفارِهِمْ إذا رَأوْا نِعْمَةَ اللَّهِ في الغَيْثِ ويَشْكُرُونَها، وإمّا إنْذارًا لِلَّذِينِ يَغْفُلُونَ عَنِ الشُّكْرِ لِلَّهِ ويَنْسُبُونَ ذَلِكَ إلى الأنْواءِ، وجُعِلْنَ مُلْقِياتٍ لِلذِّكْرِ لِكَوْنِهِنَّ سَبَبًا في حُصُولِهِ إذا شُكِرَتِ النِّعْمَةُ فِيهِنَّ، أوْ كُفِرَتْ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، والَّذِي أراهُ أنَّ المُقْسَمَ بِهِ شَيْئانِ، ولِذَلِكَ جاءَ العَطْفُ بِالواوِ في (والنّاشِراتِ) والعَطْفُ بِالواوِ يُشْعِرُ بِالتَّغايُرِ، بَلْ هو مَوْضُوعُهُ في لِسانِ العَرَبِ، وأمّا العَطْفُ بِالفاءِ إذا كانَ في الصِّفاتِ، فَيَدُلُّ عَلى أنَّها راجِعَةٌ إلى العادِياتِ، وهي الخَيْلُ، وكَقَوْلِهِ: ؎يا لَهْفَ زَيّابَةَ لِلْحارِثِ فالصّا ∗∗∗ بِحِ فالغانِمِ فالآيِبِ فَهَذِهِ راجِعَةٌ لِمَوْصُوفٍ واحِدٍ وهو الحارِثُ، فَإذا تَقَرَّرَ هَذا، فالظّاهِرُ أنَّهُ أقْسَمَ أوَّلًا بِالرِّياحِ، فَهي مُرْسَلاتُهُ تَعالى، ويَدُلُّ عَلَيْهِ عَطْفُ الصِّفَةِ بِالفاءِ كَما قُلْنا، وأنَّ العَصْفَ مِن صِفاتِ الرِّيحِ في عِدَّةِ مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ، والقِسْمُ الثّانِي فِيهِ تَرَقٍ إلى أشْرَفَ مِنَ المُقْسَمِ بِهِ الأوَّلِ وهُمُ المَلائِكَةُ، ويَكُونُ ﴿فالفارِقاتِ﴾، ﴿فالمُلْقِياتِ﴾ مِن صِفاتِهِمْ، كَما قُلْنا في عَطْفِ الصِّفاتِ وإلْقاؤُهُمُ الذِّكْرَ وهو ما أنْزَلَ اللَّهُ يَصِحُّ إسْنادُهُ إلَيْهِمْ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فالمُلْقِياتِ﴾ اسْمُ فاعِلٍ خَفِيفٌ، أيْ نَطْرُقُهُ إلَيْهِمْ، وابْنُ عَبّاسٍ: مُشَدَّدٌ مِنَ التَّلْقِيَةِ، وهي أيْضًا إيصالُ الكَلامِ إلى المُخاطَبِ، يُقالُ: لَقَّيْتُهُ الذِّكْرَ فَتَلَقّاهُ، وقَرَأ أيْضًا ابْنُ عَبّاسٍ، فِيما ذَكَرَهُ الَمَهْدَوِيُّ: بِفَتْحِ اللّامِ والقافِ مُشَدَّدَةً اسْمُ مَفْعُولٍ، أيْ تَلَقَّتْهُ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى. وقَرَأ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ والنَّحْوِيّانِ (p-٤٠٥)وحَفْصٌ: ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ بِسُكُونِ الذّالَيْنِ، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وابْنُ خارِجَةَ وطَلْحَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وعِيسى، والحَسَنُ بِخِلافٍ، والأعْشى، عَنْ أبِي بَكْرٍ: بِضَمِّهِما، وأبُو جَعْفَرٍ أيْضًا وشَيْبَةُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والحَرَمِيّانِ، وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ: بِسُكُونِها في (عُذْرًا) وضَمِّها في ﴿نُذْرًا﴾، فالسُّكُونُ عَلى أنَّهُما مَصْدَرانِ مُفْرَدانِ، أوْ مَصْدَرانِ جَمْعانِ، فَـ(عُذْرًا) جَمْعُ عَذِيرٍ بِمَعْنى المَعْذِرَةِ، و﴿نُذْرًا﴾ جَمْعُ نَذِيرٍ بِمَعْنى الإنْذارِ، وانْتِصابُهُما عَلى البَدَلِ مِن (ذِكْرًا) كَأنَّهُ قِيلَ: فالمُلْقِياتِ عُذْرًا أوْ نُذْرًا، أوْ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، أوْ عَلى أنَّهُما مَصْدَرانِ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ عاذِرِينَ أوْ مُنْذِرِينَ، ويَجُوزُ مَعَ الإسْكانِ أنْ يَكُونا جَمْعَيْنِ عَلى ما قَرَّرْناهُ، وقِيلَ: يَصِحُّ انْتِصابُ ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ عَلى المَفْعُولِ بِهِ بِالمَصْدَرِ الَّذِي هو (ذِكْرًا) أيْ فالمُلْقِياتِ، أيْ فَذَكَرُوا عُذْرًا، وفِيهِ بُعْدٌ لِأنَّ المَصْدَرَ هُنا لا يُرادُ بِهِ العَمَلُ، إنَّما يُرادُ بِهِ الحَقِيقَةُ لِقَوْلِهِ: (أأُلْقِيَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ) والإعْذارُ هو بِقِيامِ الحُجَّةِ عَلى الخَلْقِ، والإنْذارُ هو بِالعَذابِ والنِّقْمَةِ ﴿إنَّما تُوعَدُونَ﴾: أيْ مِنَ الجَزاءِ بِالثَّوابِ والعِقابِ (لَواقِعٌ): وما مَوْصُولَةٌ، وإنْ كانَتْ قَدْ كُتِبَتْ مَوْصُولَةً بِإنَّ وهَذِهِ الجُمْلَةُ هي المُقْسَمُ عَلَيْها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أوْ نُذْرًا﴾ بِواوِ التَّفْصِيلِ، وإبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ: (ونُذْرًا) بِواوِ العَطْفِ.

المرسلات 77:8

﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾: أيْ أُذْهِبَ نُورُها فاسْتَوَتْ مَعَ جِرْمِ السَّماءِ، أوْ عُبِّرَ عَنْ إلْحاقِ ذَواتِها بِالطَّمْسِ، وهو انْتِثارُها وانْكِدارُها، أوْ أُذْهِبَ نُورُها ثُمَّ انْتَثَرَتْ مَمْحُوقَةَ النُّورِ ﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾: أيْ صارَ فِيها فُرُوجٌ بِانْفِطارٍ، وقَرَأ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: طُمِّسَتْ، فُرِّجَتْ بِشَدِّ المِيمِ والرّاءِ، والجُمْهُورُ: بِخَفِّهِما ﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾: أيْ فَرَّقَتْها الرِّياحُ، وذَلِكَ بَعْدَ التَّسْيِيرِ وقَبْلَ كَوْنِها هَباءً، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أُقِّتَتْ) بِالهَمْزِ وشَدِّ القافِ، وبِتَخْفِيفِ القافِ والهَمْزِ النَّخَعِيُّ، والحَسَنُ، وعِيسى، وخالِدٌ. وقَرَأ أبُو الأشْهَبِ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وعِيسى أيْضًا وأبُو عَمْرٍو: بِالواوِ وشَدِّ القافِ. قالَ عِيسى: وهي لُغَةُ سُفْلى مُضَرَ. وعَبْدُ اللَّهِ والحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ: بِواوٍ واحِدَةٍ وخَفِّ القافِ، والحَسَنُ أيْضًا: وُوقِتَتْ بِواوَيْنِ عَلى وزْنِ فُوعِلَتْ، والمَعْنى: جُعِلَ لَها وقْتٌ مُنْتَظَرٌ فَحانَ وجاءَ، أوْ بَلَغَتْ مِيقاتَها الَّذِي كانَتْ تَنْتَظِرُهُ وهو يَوْمُ القِيامَةِ، والواوُ في هَذا كُلِّهِ أصْلٌ والهَمْزَةُ بَدَلٌ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْنى تَوْقِيتِ الرُّسُلِ: تَبْيِينُ وقْتِها الَّذِي يَحْضُرُونَ فِيهِ لِلشَّهادَةِ عَلى أُمَمِهِمْ، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ وتَقْدِيرُهُ: إذا كانَ كَذا وكَذا وقَعَ ما تُوعَدُونَ ﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾: تَعْظِيمٌ لِذَلِكَ اليَوْمِ، وتَعْجِيبٌ لِما يَقَعُ فِيهِ مِنَ الهَوْلِ والشِّدَّةِ. والتَّأْجِيلُ مِنَ الأجَلِ، أيْ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ أُخِّرَتْ ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾: أيْ بَيْنَ الخَلائِقِ (ويْلٌ): تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ في أوَّلِ ثانِي حِزْبٍ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ، يَوْمَئِذٍ: يَوْمَ إذْ طُمِسَتِ النُّجُومُ وكانَ ما بَعْدَها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ بِضَمِّ النُّونِ، وقَتادَةُ: بِفَتْحِها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن هَلَكَهُ بِمَعْنى أهْلَكَهُ. قالَ العَجّاجُ: ؎ومَهْمَهٍ هالِكِ مَن تَعَرَّجا انْتَهى، وخَرَّجَ بَعْضُهم ”هالِكِ مَن تَعَرَّجا“ عَلى أنَّ هالِكًا هو مِنَ اللّازِمِ، ومَن مَوْصُولٌ، فاسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ الصِّفَةَ المُشَبَّهَةَ بِاسْمِ الفاعِلِ قَدْ يَكُونُ مَعْمُولُها مَوْصُولًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نُتْبِعُهُمُ) بِضَمِّ العَيْنِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وهو وعْدٌ لِأهْلِ مَكَّةَ. ويُقَوِّي الِاسْتِئْنافَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: ثُمَّ سَنُتْبِعُهم بِسِينِ الِاسْتِقْبالِ، والأعْرَجُ، والعَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِإسْكانِها، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (نُهْلِكْ) واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ سُكِّنَ تَخْفِيفًا، كَما سُكِّنَ ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩] فَهو اسْتِئْنافٌ، فَعَلى الِاسْتِئْنافِ يَكُونُ ”الأوَّلِينَ“ الأُمَمَ الَّتِي تَقَدَّمَتْ قُرَيْشًا أجْمَعا، ويَكُونُ ”الآخِرِينَ“ مَن تَأخَّرَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ، وعَلى التَّشْرِيكِ يَكُونُ ”الأوَّلِينَ“ قَوْمَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ، عَلَيْهِما السَّلامُ، ومَن كانَ مَعَهم، ”والآخِرِينَ“ قَوْمَ فِرْعَوْنَ ومَن تَأخَّرَ وقَرُبَ مِن مُدَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . والإهْلاكُ هُنا إهْلاكُ العَذابِ والنَّكالِ، ولِذَلِكَ جاءَ ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ فَأتى بِالصِّفَةِ المُقْتَضِيَةِ لِإهْلاكِ العَذابِ وهي الإجْرامُ. ولَمّا ذَكَرَ إفْناءَ (p-٤٠٦)الأوَّلِينَ والآخِرِينَ ذَكَرَ ووَقَفَ عَلى أصْلِ الخِلْقَةِ الَّتِي يَقْتَضِي النَّظَرُ فِيها تَجْوِيزَ البَعْثِ ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾: أيْ ضَعِيفٍ هو مَنِيُّ الرَّجُلِ والمَرْأةِ ﴿فِي قَرارٍ مَكِينٍ﴾ وهو الرَّحِمُ ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وهو وقْتُ الوِلادَةِ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: فَقَدَّرْنا بِشَدِّ الدّالِ مِنَ التَّقْدِيرِ، كَما قالَ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس: ١٩] وباقِي السَّبْعَةِ: بِخَفِّها مِنَ القُدْرَةِ ؟ وانْتَصَبَ ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ بِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، أيْ يَكْفِتُ أحْياءً عَلى ظَهْرِها، وأمْواتًا في بَطْنِها، واسْتَدَلَّ بِهَذا مَن قالَ: إنَّ النَّبّاشَ يُقْطَعُ، لِأنَّ بَطْنَ الأرْضِ حِرْزٌ لِلْكَفَنِ، فَإذا نَبَشَ وأخَذَ مِنهُ فَهو سارِقٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: نَكْفِتُكم أحْياءً وأمْواتًا، فَيَنْتَصِبا عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ لِأنَّهُ قَدْ عُلِمَ أنَّها كِفاتُ الإنْسِ. انْتَهى. و(رَواسِيَ): جِبالًا ثابِتاتٍ ﴿شامِخاتٍ﴾: مُرْتَفِعاتٍ، ومِنهُ شَمَخَ بِأنْفِهِ: ارْتَفَعَ، شَبَّهَ المَعْنى بِالجِرْمِ (وأسْقَيْناكم): جَعَلْناهُ سُقْيًا لِمَزارِعِكم ومَنافِعِكم.

المرسلات 77:9

﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾: أيْ أُذْهِبَ نُورُها فاسْتَوَتْ مَعَ جِرْمِ السَّماءِ، أوْ عُبِّرَ عَنْ إلْحاقِ ذَواتِها بِالطَّمْسِ، وهو انْتِثارُها وانْكِدارُها، أوْ أُذْهِبَ نُورُها ثُمَّ انْتَثَرَتْ مَمْحُوقَةَ النُّورِ ﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾: أيْ صارَ فِيها فُرُوجٌ بِانْفِطارٍ، وقَرَأ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: طُمِّسَتْ، فُرِّجَتْ بِشَدِّ المِيمِ والرّاءِ، والجُمْهُورُ: بِخَفِّهِما ﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾: أيْ فَرَّقَتْها الرِّياحُ، وذَلِكَ بَعْدَ التَّسْيِيرِ وقَبْلَ كَوْنِها هَباءً، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أُقِّتَتْ) بِالهَمْزِ وشَدِّ القافِ، وبِتَخْفِيفِ القافِ والهَمْزِ النَّخَعِيُّ، والحَسَنُ، وعِيسى، وخالِدٌ. وقَرَأ أبُو الأشْهَبِ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وعِيسى أيْضًا وأبُو عَمْرٍو: بِالواوِ وشَدِّ القافِ. قالَ عِيسى: وهي لُغَةُ سُفْلى مُضَرَ. وعَبْدُ اللَّهِ والحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ: بِواوٍ واحِدَةٍ وخَفِّ القافِ، والحَسَنُ أيْضًا: وُوقِتَتْ بِواوَيْنِ عَلى وزْنِ فُوعِلَتْ، والمَعْنى: جُعِلَ لَها وقْتٌ مُنْتَظَرٌ فَحانَ وجاءَ، أوْ بَلَغَتْ مِيقاتَها الَّذِي كانَتْ تَنْتَظِرُهُ وهو يَوْمُ القِيامَةِ، والواوُ في هَذا كُلِّهِ أصْلٌ والهَمْزَةُ بَدَلٌ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْنى تَوْقِيتِ الرُّسُلِ: تَبْيِينُ وقْتِها الَّذِي يَحْضُرُونَ فِيهِ لِلشَّهادَةِ عَلى أُمَمِهِمْ، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ وتَقْدِيرُهُ: إذا كانَ كَذا وكَذا وقَعَ ما تُوعَدُونَ ﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾: تَعْظِيمٌ لِذَلِكَ اليَوْمِ، وتَعْجِيبٌ لِما يَقَعُ فِيهِ مِنَ الهَوْلِ والشِّدَّةِ. والتَّأْجِيلُ مِنَ الأجَلِ، أيْ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ أُخِّرَتْ ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾: أيْ بَيْنَ الخَلائِقِ (ويْلٌ): تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ في أوَّلِ ثانِي حِزْبٍ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ، يَوْمَئِذٍ: يَوْمَ إذْ طُمِسَتِ النُّجُومُ وكانَ ما بَعْدَها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ بِضَمِّ النُّونِ، وقَتادَةُ: بِفَتْحِها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن هَلَكَهُ بِمَعْنى أهْلَكَهُ. قالَ العَجّاجُ: ؎ومَهْمَهٍ هالِكِ مَن تَعَرَّجا انْتَهى، وخَرَّجَ بَعْضُهم ”هالِكِ مَن تَعَرَّجا“ عَلى أنَّ هالِكًا هو مِنَ اللّازِمِ، ومَن مَوْصُولٌ، فاسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ الصِّفَةَ المُشَبَّهَةَ بِاسْمِ الفاعِلِ قَدْ يَكُونُ مَعْمُولُها مَوْصُولًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نُتْبِعُهُمُ) بِضَمِّ العَيْنِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وهو وعْدٌ لِأهْلِ مَكَّةَ. ويُقَوِّي الِاسْتِئْنافَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: ثُمَّ سَنُتْبِعُهم بِسِينِ الِاسْتِقْبالِ، والأعْرَجُ، والعَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِإسْكانِها، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (نُهْلِكْ) واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ سُكِّنَ تَخْفِيفًا، كَما سُكِّنَ ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩] فَهو اسْتِئْنافٌ، فَعَلى الِاسْتِئْنافِ يَكُونُ ”الأوَّلِينَ“ الأُمَمَ الَّتِي تَقَدَّمَتْ قُرَيْشًا أجْمَعا، ويَكُونُ ”الآخِرِينَ“ مَن تَأخَّرَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ، وعَلى التَّشْرِيكِ يَكُونُ ”الأوَّلِينَ“ قَوْمَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ، عَلَيْهِما السَّلامُ، ومَن كانَ مَعَهم، ”والآخِرِينَ“ قَوْمَ فِرْعَوْنَ ومَن تَأخَّرَ وقَرُبَ مِن مُدَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . والإهْلاكُ هُنا إهْلاكُ العَذابِ والنَّكالِ، ولِذَلِكَ جاءَ ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ فَأتى بِالصِّفَةِ المُقْتَضِيَةِ لِإهْلاكِ العَذابِ وهي الإجْرامُ. ولَمّا ذَكَرَ إفْناءَ (p-٤٠٦)الأوَّلِينَ والآخِرِينَ ذَكَرَ ووَقَفَ عَلى أصْلِ الخِلْقَةِ الَّتِي يَقْتَضِي النَّظَرُ فِيها تَجْوِيزَ البَعْثِ ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾: أيْ ضَعِيفٍ هو مَنِيُّ الرَّجُلِ والمَرْأةِ ﴿فِي قَرارٍ مَكِينٍ﴾ وهو الرَّحِمُ ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وهو وقْتُ الوِلادَةِ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: فَقَدَّرْنا بِشَدِّ الدّالِ مِنَ التَّقْدِيرِ، كَما قالَ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس: ١٩] وباقِي السَّبْعَةِ: بِخَفِّها مِنَ القُدْرَةِ ؟ وانْتَصَبَ ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ بِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، أيْ يَكْفِتُ أحْياءً عَلى ظَهْرِها، وأمْواتًا في بَطْنِها، واسْتَدَلَّ بِهَذا مَن قالَ: إنَّ النَّبّاشَ يُقْطَعُ، لِأنَّ بَطْنَ الأرْضِ حِرْزٌ لِلْكَفَنِ، فَإذا نَبَشَ وأخَذَ مِنهُ فَهو سارِقٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: نَكْفِتُكم أحْياءً وأمْواتًا، فَيَنْتَصِبا عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ لِأنَّهُ قَدْ عُلِمَ أنَّها كِفاتُ الإنْسِ. انْتَهى. و(رَواسِيَ): جِبالًا ثابِتاتٍ ﴿شامِخاتٍ﴾: مُرْتَفِعاتٍ، ومِنهُ شَمَخَ بِأنْفِهِ: ارْتَفَعَ، شَبَّهَ المَعْنى بِالجِرْمِ (وأسْقَيْناكم): جَعَلْناهُ سُقْيًا لِمَزارِعِكم ومَنافِعِكم.

المرسلات 77:10

﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾: أيْ أُذْهِبَ نُورُها فاسْتَوَتْ مَعَ جِرْمِ السَّماءِ، أوْ عُبِّرَ عَنْ إلْحاقِ ذَواتِها بِالطَّمْسِ، وهو انْتِثارُها وانْكِدارُها، أوْ أُذْهِبَ نُورُها ثُمَّ انْتَثَرَتْ مَمْحُوقَةَ النُّورِ ﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾: أيْ صارَ فِيها فُرُوجٌ بِانْفِطارٍ، وقَرَأ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: طُمِّسَتْ، فُرِّجَتْ بِشَدِّ المِيمِ والرّاءِ، والجُمْهُورُ: بِخَفِّهِما ﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾: أيْ فَرَّقَتْها الرِّياحُ، وذَلِكَ بَعْدَ التَّسْيِيرِ وقَبْلَ كَوْنِها هَباءً، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أُقِّتَتْ) بِالهَمْزِ وشَدِّ القافِ، وبِتَخْفِيفِ القافِ والهَمْزِ النَّخَعِيُّ، والحَسَنُ، وعِيسى، وخالِدٌ. وقَرَأ أبُو الأشْهَبِ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وعِيسى أيْضًا وأبُو عَمْرٍو: بِالواوِ وشَدِّ القافِ. قالَ عِيسى: وهي لُغَةُ سُفْلى مُضَرَ. وعَبْدُ اللَّهِ والحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ: بِواوٍ واحِدَةٍ وخَفِّ القافِ، والحَسَنُ أيْضًا: وُوقِتَتْ بِواوَيْنِ عَلى وزْنِ فُوعِلَتْ، والمَعْنى: جُعِلَ لَها وقْتٌ مُنْتَظَرٌ فَحانَ وجاءَ، أوْ بَلَغَتْ مِيقاتَها الَّذِي كانَتْ تَنْتَظِرُهُ وهو يَوْمُ القِيامَةِ، والواوُ في هَذا كُلِّهِ أصْلٌ والهَمْزَةُ بَدَلٌ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْنى تَوْقِيتِ الرُّسُلِ: تَبْيِينُ وقْتِها الَّذِي يَحْضُرُونَ فِيهِ لِلشَّهادَةِ عَلى أُمَمِهِمْ، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ وتَقْدِيرُهُ: إذا كانَ كَذا وكَذا وقَعَ ما تُوعَدُونَ ﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾: تَعْظِيمٌ لِذَلِكَ اليَوْمِ، وتَعْجِيبٌ لِما يَقَعُ فِيهِ مِنَ الهَوْلِ والشِّدَّةِ. والتَّأْجِيلُ مِنَ الأجَلِ، أيْ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ أُخِّرَتْ ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾: أيْ بَيْنَ الخَلائِقِ (ويْلٌ): تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ في أوَّلِ ثانِي حِزْبٍ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ، يَوْمَئِذٍ: يَوْمَ إذْ طُمِسَتِ النُّجُومُ وكانَ ما بَعْدَها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ بِضَمِّ النُّونِ، وقَتادَةُ: بِفَتْحِها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن هَلَكَهُ بِمَعْنى أهْلَكَهُ. قالَ العَجّاجُ: ؎ومَهْمَهٍ هالِكِ مَن تَعَرَّجا انْتَهى، وخَرَّجَ بَعْضُهم ”هالِكِ مَن تَعَرَّجا“ عَلى أنَّ هالِكًا هو مِنَ اللّازِمِ، ومَن مَوْصُولٌ، فاسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ الصِّفَةَ المُشَبَّهَةَ بِاسْمِ الفاعِلِ قَدْ يَكُونُ مَعْمُولُها مَوْصُولًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نُتْبِعُهُمُ) بِضَمِّ العَيْنِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وهو وعْدٌ لِأهْلِ مَكَّةَ. ويُقَوِّي الِاسْتِئْنافَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: ثُمَّ سَنُتْبِعُهم بِسِينِ الِاسْتِقْبالِ، والأعْرَجُ، والعَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِإسْكانِها، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (نُهْلِكْ) واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ سُكِّنَ تَخْفِيفًا، كَما سُكِّنَ ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩] فَهو اسْتِئْنافٌ، فَعَلى الِاسْتِئْنافِ يَكُونُ ”الأوَّلِينَ“ الأُمَمَ الَّتِي تَقَدَّمَتْ قُرَيْشًا أجْمَعا، ويَكُونُ ”الآخِرِينَ“ مَن تَأخَّرَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ، وعَلى التَّشْرِيكِ يَكُونُ ”الأوَّلِينَ“ قَوْمَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ، عَلَيْهِما السَّلامُ، ومَن كانَ مَعَهم، ”والآخِرِينَ“ قَوْمَ فِرْعَوْنَ ومَن تَأخَّرَ وقَرُبَ مِن مُدَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . والإهْلاكُ هُنا إهْلاكُ العَذابِ والنَّكالِ، ولِذَلِكَ جاءَ ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ فَأتى بِالصِّفَةِ المُقْتَضِيَةِ لِإهْلاكِ العَذابِ وهي الإجْرامُ. ولَمّا ذَكَرَ إفْناءَ (p-٤٠٦)الأوَّلِينَ والآخِرِينَ ذَكَرَ ووَقَفَ عَلى أصْلِ الخِلْقَةِ الَّتِي يَقْتَضِي النَّظَرُ فِيها تَجْوِيزَ البَعْثِ ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾: أيْ ضَعِيفٍ هو مَنِيُّ الرَّجُلِ والمَرْأةِ ﴿فِي قَرارٍ مَكِينٍ﴾ وهو الرَّحِمُ ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وهو وقْتُ الوِلادَةِ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: فَقَدَّرْنا بِشَدِّ الدّالِ مِنَ التَّقْدِيرِ، كَما قالَ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس: ١٩] وباقِي السَّبْعَةِ: بِخَفِّها مِنَ القُدْرَةِ ؟ وانْتَصَبَ ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ بِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، أيْ يَكْفِتُ أحْياءً عَلى ظَهْرِها، وأمْواتًا في بَطْنِها، واسْتَدَلَّ بِهَذا مَن قالَ: إنَّ النَّبّاشَ يُقْطَعُ، لِأنَّ بَطْنَ الأرْضِ حِرْزٌ لِلْكَفَنِ، فَإذا نَبَشَ وأخَذَ مِنهُ فَهو سارِقٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: نَكْفِتُكم أحْياءً وأمْواتًا، فَيَنْتَصِبا عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ لِأنَّهُ قَدْ عُلِمَ أنَّها كِفاتُ الإنْسِ. انْتَهى. و(رَواسِيَ): جِبالًا ثابِتاتٍ ﴿شامِخاتٍ﴾: مُرْتَفِعاتٍ، ومِنهُ شَمَخَ بِأنْفِهِ: ارْتَفَعَ، شَبَّهَ المَعْنى بِالجِرْمِ (وأسْقَيْناكم): جَعَلْناهُ سُقْيًا لِمَزارِعِكم ومَنافِعِكم.

المرسلات 77:11

﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾: أيْ أُذْهِبَ نُورُها فاسْتَوَتْ مَعَ جِرْمِ السَّماءِ، أوْ عُبِّرَ عَنْ إلْحاقِ ذَواتِها بِالطَّمْسِ، وهو انْتِثارُها وانْكِدارُها، أوْ أُذْهِبَ نُورُها ثُمَّ انْتَثَرَتْ مَمْحُوقَةَ النُّورِ ﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾: أيْ صارَ فِيها فُرُوجٌ بِانْفِطارٍ، وقَرَأ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: طُمِّسَتْ، فُرِّجَتْ بِشَدِّ المِيمِ والرّاءِ، والجُمْهُورُ: بِخَفِّهِما ﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾: أيْ فَرَّقَتْها الرِّياحُ، وذَلِكَ بَعْدَ التَّسْيِيرِ وقَبْلَ كَوْنِها هَباءً، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أُقِّتَتْ) بِالهَمْزِ وشَدِّ القافِ، وبِتَخْفِيفِ القافِ والهَمْزِ النَّخَعِيُّ، والحَسَنُ، وعِيسى، وخالِدٌ. وقَرَأ أبُو الأشْهَبِ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وعِيسى أيْضًا وأبُو عَمْرٍو: بِالواوِ وشَدِّ القافِ. قالَ عِيسى: وهي لُغَةُ سُفْلى مُضَرَ. وعَبْدُ اللَّهِ والحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ: بِواوٍ واحِدَةٍ وخَفِّ القافِ، والحَسَنُ أيْضًا: وُوقِتَتْ بِواوَيْنِ عَلى وزْنِ فُوعِلَتْ، والمَعْنى: جُعِلَ لَها وقْتٌ مُنْتَظَرٌ فَحانَ وجاءَ، أوْ بَلَغَتْ مِيقاتَها الَّذِي كانَتْ تَنْتَظِرُهُ وهو يَوْمُ القِيامَةِ، والواوُ في هَذا كُلِّهِ أصْلٌ والهَمْزَةُ بَدَلٌ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْنى تَوْقِيتِ الرُّسُلِ: تَبْيِينُ وقْتِها الَّذِي يَحْضُرُونَ فِيهِ لِلشَّهادَةِ عَلى أُمَمِهِمْ، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ وتَقْدِيرُهُ: إذا كانَ كَذا وكَذا وقَعَ ما تُوعَدُونَ ﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾: تَعْظِيمٌ لِذَلِكَ اليَوْمِ، وتَعْجِيبٌ لِما يَقَعُ فِيهِ مِنَ الهَوْلِ والشِّدَّةِ. والتَّأْجِيلُ مِنَ الأجَلِ، أيْ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ أُخِّرَتْ ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾: أيْ بَيْنَ الخَلائِقِ (ويْلٌ): تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ في أوَّلِ ثانِي حِزْبٍ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ، يَوْمَئِذٍ: يَوْمَ إذْ طُمِسَتِ النُّجُومُ وكانَ ما بَعْدَها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ بِضَمِّ النُّونِ، وقَتادَةُ: بِفَتْحِها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن هَلَكَهُ بِمَعْنى أهْلَكَهُ. قالَ العَجّاجُ: ؎ومَهْمَهٍ هالِكِ مَن تَعَرَّجا انْتَهى، وخَرَّجَ بَعْضُهم ”هالِكِ مَن تَعَرَّجا“ عَلى أنَّ هالِكًا هو مِنَ اللّازِمِ، ومَن مَوْصُولٌ، فاسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ الصِّفَةَ المُشَبَّهَةَ بِاسْمِ الفاعِلِ قَدْ يَكُونُ مَعْمُولُها مَوْصُولًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نُتْبِعُهُمُ) بِضَمِّ العَيْنِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وهو وعْدٌ لِأهْلِ مَكَّةَ. ويُقَوِّي الِاسْتِئْنافَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: ثُمَّ سَنُتْبِعُهم بِسِينِ الِاسْتِقْبالِ، والأعْرَجُ، والعَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِإسْكانِها، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (نُهْلِكْ) واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ سُكِّنَ تَخْفِيفًا، كَما سُكِّنَ ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩] فَهو اسْتِئْنافٌ، فَعَلى الِاسْتِئْنافِ يَكُونُ ”الأوَّلِينَ“ الأُمَمَ الَّتِي تَقَدَّمَتْ قُرَيْشًا أجْمَعا، ويَكُونُ ”الآخِرِينَ“ مَن تَأخَّرَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ، وعَلى التَّشْرِيكِ يَكُونُ ”الأوَّلِينَ“ قَوْمَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ، عَلَيْهِما السَّلامُ، ومَن كانَ مَعَهم، ”والآخِرِينَ“ قَوْمَ فِرْعَوْنَ ومَن تَأخَّرَ وقَرُبَ مِن مُدَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . والإهْلاكُ هُنا إهْلاكُ العَذابِ والنَّكالِ، ولِذَلِكَ جاءَ ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ فَأتى بِالصِّفَةِ المُقْتَضِيَةِ لِإهْلاكِ العَذابِ وهي الإجْرامُ. ولَمّا ذَكَرَ إفْناءَ (p-٤٠٦)الأوَّلِينَ والآخِرِينَ ذَكَرَ ووَقَفَ عَلى أصْلِ الخِلْقَةِ الَّتِي يَقْتَضِي النَّظَرُ فِيها تَجْوِيزَ البَعْثِ ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾: أيْ ضَعِيفٍ هو مَنِيُّ الرَّجُلِ والمَرْأةِ ﴿فِي قَرارٍ مَكِينٍ﴾ وهو الرَّحِمُ ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وهو وقْتُ الوِلادَةِ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: فَقَدَّرْنا بِشَدِّ الدّالِ مِنَ التَّقْدِيرِ، كَما قالَ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس: ١٩] وباقِي السَّبْعَةِ: بِخَفِّها مِنَ القُدْرَةِ ؟ وانْتَصَبَ ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ بِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، أيْ يَكْفِتُ أحْياءً عَلى ظَهْرِها، وأمْواتًا في بَطْنِها، واسْتَدَلَّ بِهَذا مَن قالَ: إنَّ النَّبّاشَ يُقْطَعُ، لِأنَّ بَطْنَ الأرْضِ حِرْزٌ لِلْكَفَنِ، فَإذا نَبَشَ وأخَذَ مِنهُ فَهو سارِقٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: نَكْفِتُكم أحْياءً وأمْواتًا، فَيَنْتَصِبا عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ لِأنَّهُ قَدْ عُلِمَ أنَّها كِفاتُ الإنْسِ. انْتَهى. و(رَواسِيَ): جِبالًا ثابِتاتٍ ﴿شامِخاتٍ﴾: مُرْتَفِعاتٍ، ومِنهُ شَمَخَ بِأنْفِهِ: ارْتَفَعَ، شَبَّهَ المَعْنى بِالجِرْمِ (وأسْقَيْناكم): جَعَلْناهُ سُقْيًا لِمَزارِعِكم ومَنافِعِكم.

المرسلات 77:12

﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾: أيْ أُذْهِبَ نُورُها فاسْتَوَتْ مَعَ جِرْمِ السَّماءِ، أوْ عُبِّرَ عَنْ إلْحاقِ ذَواتِها بِالطَّمْسِ، وهو انْتِثارُها وانْكِدارُها، أوْ أُذْهِبَ نُورُها ثُمَّ انْتَثَرَتْ مَمْحُوقَةَ النُّورِ ﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾: أيْ صارَ فِيها فُرُوجٌ بِانْفِطارٍ، وقَرَأ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: طُمِّسَتْ، فُرِّجَتْ بِشَدِّ المِيمِ والرّاءِ، والجُمْهُورُ: بِخَفِّهِما ﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾: أيْ فَرَّقَتْها الرِّياحُ، وذَلِكَ بَعْدَ التَّسْيِيرِ وقَبْلَ كَوْنِها هَباءً، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أُقِّتَتْ) بِالهَمْزِ وشَدِّ القافِ، وبِتَخْفِيفِ القافِ والهَمْزِ النَّخَعِيُّ، والحَسَنُ، وعِيسى، وخالِدٌ. وقَرَأ أبُو الأشْهَبِ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وعِيسى أيْضًا وأبُو عَمْرٍو: بِالواوِ وشَدِّ القافِ. قالَ عِيسى: وهي لُغَةُ سُفْلى مُضَرَ. وعَبْدُ اللَّهِ والحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ: بِواوٍ واحِدَةٍ وخَفِّ القافِ، والحَسَنُ أيْضًا: وُوقِتَتْ بِواوَيْنِ عَلى وزْنِ فُوعِلَتْ، والمَعْنى: جُعِلَ لَها وقْتٌ مُنْتَظَرٌ فَحانَ وجاءَ، أوْ بَلَغَتْ مِيقاتَها الَّذِي كانَتْ تَنْتَظِرُهُ وهو يَوْمُ القِيامَةِ، والواوُ في هَذا كُلِّهِ أصْلٌ والهَمْزَةُ بَدَلٌ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْنى تَوْقِيتِ الرُّسُلِ: تَبْيِينُ وقْتِها الَّذِي يَحْضُرُونَ فِيهِ لِلشَّهادَةِ عَلى أُمَمِهِمْ، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ وتَقْدِيرُهُ: إذا كانَ كَذا وكَذا وقَعَ ما تُوعَدُونَ ﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾: تَعْظِيمٌ لِذَلِكَ اليَوْمِ، وتَعْجِيبٌ لِما يَقَعُ فِيهِ مِنَ الهَوْلِ والشِّدَّةِ. والتَّأْجِيلُ مِنَ الأجَلِ، أيْ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ أُخِّرَتْ ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾: أيْ بَيْنَ الخَلائِقِ (ويْلٌ): تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ في أوَّلِ ثانِي حِزْبٍ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ، يَوْمَئِذٍ: يَوْمَ إذْ طُمِسَتِ النُّجُومُ وكانَ ما بَعْدَها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ بِضَمِّ النُّونِ، وقَتادَةُ: بِفَتْحِها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن هَلَكَهُ بِمَعْنى أهْلَكَهُ. قالَ العَجّاجُ: ؎ومَهْمَهٍ هالِكِ مَن تَعَرَّجا انْتَهى، وخَرَّجَ بَعْضُهم ”هالِكِ مَن تَعَرَّجا“ عَلى أنَّ هالِكًا هو مِنَ اللّازِمِ، ومَن مَوْصُولٌ، فاسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ الصِّفَةَ المُشَبَّهَةَ بِاسْمِ الفاعِلِ قَدْ يَكُونُ مَعْمُولُها مَوْصُولًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نُتْبِعُهُمُ) بِضَمِّ العَيْنِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وهو وعْدٌ لِأهْلِ مَكَّةَ. ويُقَوِّي الِاسْتِئْنافَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: ثُمَّ سَنُتْبِعُهم بِسِينِ الِاسْتِقْبالِ، والأعْرَجُ، والعَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِإسْكانِها، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (نُهْلِكْ) واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ سُكِّنَ تَخْفِيفًا، كَما سُكِّنَ ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩] فَهو اسْتِئْنافٌ، فَعَلى الِاسْتِئْنافِ يَكُونُ ”الأوَّلِينَ“ الأُمَمَ الَّتِي تَقَدَّمَتْ قُرَيْشًا أجْمَعا، ويَكُونُ ”الآخِرِينَ“ مَن تَأخَّرَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ، وعَلى التَّشْرِيكِ يَكُونُ ”الأوَّلِينَ“ قَوْمَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ، عَلَيْهِما السَّلامُ، ومَن كانَ مَعَهم، ”والآخِرِينَ“ قَوْمَ فِرْعَوْنَ ومَن تَأخَّرَ وقَرُبَ مِن مُدَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . والإهْلاكُ هُنا إهْلاكُ العَذابِ والنَّكالِ، ولِذَلِكَ جاءَ ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ فَأتى بِالصِّفَةِ المُقْتَضِيَةِ لِإهْلاكِ العَذابِ وهي الإجْرامُ. ولَمّا ذَكَرَ إفْناءَ (p-٤٠٦)الأوَّلِينَ والآخِرِينَ ذَكَرَ ووَقَفَ عَلى أصْلِ الخِلْقَةِ الَّتِي يَقْتَضِي النَّظَرُ فِيها تَجْوِيزَ البَعْثِ ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾: أيْ ضَعِيفٍ هو مَنِيُّ الرَّجُلِ والمَرْأةِ ﴿فِي قَرارٍ مَكِينٍ﴾ وهو الرَّحِمُ ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وهو وقْتُ الوِلادَةِ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: فَقَدَّرْنا بِشَدِّ الدّالِ مِنَ التَّقْدِيرِ، كَما قالَ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس: ١٩] وباقِي السَّبْعَةِ: بِخَفِّها مِنَ القُدْرَةِ ؟ وانْتَصَبَ ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ بِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، أيْ يَكْفِتُ أحْياءً عَلى ظَهْرِها، وأمْواتًا في بَطْنِها، واسْتَدَلَّ بِهَذا مَن قالَ: إنَّ النَّبّاشَ يُقْطَعُ، لِأنَّ بَطْنَ الأرْضِ حِرْزٌ لِلْكَفَنِ، فَإذا نَبَشَ وأخَذَ مِنهُ فَهو سارِقٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: نَكْفِتُكم أحْياءً وأمْواتًا، فَيَنْتَصِبا عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ لِأنَّهُ قَدْ عُلِمَ أنَّها كِفاتُ الإنْسِ. انْتَهى. و(رَواسِيَ): جِبالًا ثابِتاتٍ ﴿شامِخاتٍ﴾: مُرْتَفِعاتٍ، ومِنهُ شَمَخَ بِأنْفِهِ: ارْتَفَعَ، شَبَّهَ المَعْنى بِالجِرْمِ (وأسْقَيْناكم): جَعَلْناهُ سُقْيًا لِمَزارِعِكم ومَنافِعِكم.

المرسلات 77:13

﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾: أيْ أُذْهِبَ نُورُها فاسْتَوَتْ مَعَ جِرْمِ السَّماءِ، أوْ عُبِّرَ عَنْ إلْحاقِ ذَواتِها بِالطَّمْسِ، وهو انْتِثارُها وانْكِدارُها، أوْ أُذْهِبَ نُورُها ثُمَّ انْتَثَرَتْ مَمْحُوقَةَ النُّورِ ﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾: أيْ صارَ فِيها فُرُوجٌ بِانْفِطارٍ، وقَرَأ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: طُمِّسَتْ، فُرِّجَتْ بِشَدِّ المِيمِ والرّاءِ، والجُمْهُورُ: بِخَفِّهِما ﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾: أيْ فَرَّقَتْها الرِّياحُ، وذَلِكَ بَعْدَ التَّسْيِيرِ وقَبْلَ كَوْنِها هَباءً، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أُقِّتَتْ) بِالهَمْزِ وشَدِّ القافِ، وبِتَخْفِيفِ القافِ والهَمْزِ النَّخَعِيُّ، والحَسَنُ، وعِيسى، وخالِدٌ. وقَرَأ أبُو الأشْهَبِ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وعِيسى أيْضًا وأبُو عَمْرٍو: بِالواوِ وشَدِّ القافِ. قالَ عِيسى: وهي لُغَةُ سُفْلى مُضَرَ. وعَبْدُ اللَّهِ والحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ: بِواوٍ واحِدَةٍ وخَفِّ القافِ، والحَسَنُ أيْضًا: وُوقِتَتْ بِواوَيْنِ عَلى وزْنِ فُوعِلَتْ، والمَعْنى: جُعِلَ لَها وقْتٌ مُنْتَظَرٌ فَحانَ وجاءَ، أوْ بَلَغَتْ مِيقاتَها الَّذِي كانَتْ تَنْتَظِرُهُ وهو يَوْمُ القِيامَةِ، والواوُ في هَذا كُلِّهِ أصْلٌ والهَمْزَةُ بَدَلٌ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْنى تَوْقِيتِ الرُّسُلِ: تَبْيِينُ وقْتِها الَّذِي يَحْضُرُونَ فِيهِ لِلشَّهادَةِ عَلى أُمَمِهِمْ، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ وتَقْدِيرُهُ: إذا كانَ كَذا وكَذا وقَعَ ما تُوعَدُونَ ﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾: تَعْظِيمٌ لِذَلِكَ اليَوْمِ، وتَعْجِيبٌ لِما يَقَعُ فِيهِ مِنَ الهَوْلِ والشِّدَّةِ. والتَّأْجِيلُ مِنَ الأجَلِ، أيْ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ أُخِّرَتْ ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾: أيْ بَيْنَ الخَلائِقِ (ويْلٌ): تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ في أوَّلِ ثانِي حِزْبٍ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ، يَوْمَئِذٍ: يَوْمَ إذْ طُمِسَتِ النُّجُومُ وكانَ ما بَعْدَها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ بِضَمِّ النُّونِ، وقَتادَةُ: بِفَتْحِها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن هَلَكَهُ بِمَعْنى أهْلَكَهُ. قالَ العَجّاجُ: ؎ومَهْمَهٍ هالِكِ مَن تَعَرَّجا انْتَهى، وخَرَّجَ بَعْضُهم ”هالِكِ مَن تَعَرَّجا“ عَلى أنَّ هالِكًا هو مِنَ اللّازِمِ، ومَن مَوْصُولٌ، فاسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ الصِّفَةَ المُشَبَّهَةَ بِاسْمِ الفاعِلِ قَدْ يَكُونُ مَعْمُولُها مَوْصُولًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نُتْبِعُهُمُ) بِضَمِّ العَيْنِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وهو وعْدٌ لِأهْلِ مَكَّةَ. ويُقَوِّي الِاسْتِئْنافَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: ثُمَّ سَنُتْبِعُهم بِسِينِ الِاسْتِقْبالِ، والأعْرَجُ، والعَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِإسْكانِها، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (نُهْلِكْ) واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ سُكِّنَ تَخْفِيفًا، كَما سُكِّنَ ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩] فَهو اسْتِئْنافٌ، فَعَلى الِاسْتِئْنافِ يَكُونُ ”الأوَّلِينَ“ الأُمَمَ الَّتِي تَقَدَّمَتْ قُرَيْشًا أجْمَعا، ويَكُونُ ”الآخِرِينَ“ مَن تَأخَّرَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ، وعَلى التَّشْرِيكِ يَكُونُ ”الأوَّلِينَ“ قَوْمَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ، عَلَيْهِما السَّلامُ، ومَن كانَ مَعَهم، ”والآخِرِينَ“ قَوْمَ فِرْعَوْنَ ومَن تَأخَّرَ وقَرُبَ مِن مُدَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . والإهْلاكُ هُنا إهْلاكُ العَذابِ والنَّكالِ، ولِذَلِكَ جاءَ ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ فَأتى بِالصِّفَةِ المُقْتَضِيَةِ لِإهْلاكِ العَذابِ وهي الإجْرامُ. ولَمّا ذَكَرَ إفْناءَ (p-٤٠٦)الأوَّلِينَ والآخِرِينَ ذَكَرَ ووَقَفَ عَلى أصْلِ الخِلْقَةِ الَّتِي يَقْتَضِي النَّظَرُ فِيها تَجْوِيزَ البَعْثِ ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾: أيْ ضَعِيفٍ هو مَنِيُّ الرَّجُلِ والمَرْأةِ ﴿فِي قَرارٍ مَكِينٍ﴾ وهو الرَّحِمُ ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وهو وقْتُ الوِلادَةِ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: فَقَدَّرْنا بِشَدِّ الدّالِ مِنَ التَّقْدِيرِ، كَما قالَ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس: ١٩] وباقِي السَّبْعَةِ: بِخَفِّها مِنَ القُدْرَةِ ؟ وانْتَصَبَ ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ بِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، أيْ يَكْفِتُ أحْياءً عَلى ظَهْرِها، وأمْواتًا في بَطْنِها، واسْتَدَلَّ بِهَذا مَن قالَ: إنَّ النَّبّاشَ يُقْطَعُ، لِأنَّ بَطْنَ الأرْضِ حِرْزٌ لِلْكَفَنِ، فَإذا نَبَشَ وأخَذَ مِنهُ فَهو سارِقٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: نَكْفِتُكم أحْياءً وأمْواتًا، فَيَنْتَصِبا عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ لِأنَّهُ قَدْ عُلِمَ أنَّها كِفاتُ الإنْسِ. انْتَهى. و(رَواسِيَ): جِبالًا ثابِتاتٍ ﴿شامِخاتٍ﴾: مُرْتَفِعاتٍ، ومِنهُ شَمَخَ بِأنْفِهِ: ارْتَفَعَ، شَبَّهَ المَعْنى بِالجِرْمِ (وأسْقَيْناكم): جَعَلْناهُ سُقْيًا لِمَزارِعِكم ومَنافِعِكم.

المرسلات 77:14

﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾: أيْ أُذْهِبَ نُورُها فاسْتَوَتْ مَعَ جِرْمِ السَّماءِ، أوْ عُبِّرَ عَنْ إلْحاقِ ذَواتِها بِالطَّمْسِ، وهو انْتِثارُها وانْكِدارُها، أوْ أُذْهِبَ نُورُها ثُمَّ انْتَثَرَتْ مَمْحُوقَةَ النُّورِ ﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾: أيْ صارَ فِيها فُرُوجٌ بِانْفِطارٍ، وقَرَأ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: طُمِّسَتْ، فُرِّجَتْ بِشَدِّ المِيمِ والرّاءِ، والجُمْهُورُ: بِخَفِّهِما ﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾: أيْ فَرَّقَتْها الرِّياحُ، وذَلِكَ بَعْدَ التَّسْيِيرِ وقَبْلَ كَوْنِها هَباءً، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أُقِّتَتْ) بِالهَمْزِ وشَدِّ القافِ، وبِتَخْفِيفِ القافِ والهَمْزِ النَّخَعِيُّ، والحَسَنُ، وعِيسى، وخالِدٌ. وقَرَأ أبُو الأشْهَبِ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وعِيسى أيْضًا وأبُو عَمْرٍو: بِالواوِ وشَدِّ القافِ. قالَ عِيسى: وهي لُغَةُ سُفْلى مُضَرَ. وعَبْدُ اللَّهِ والحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ: بِواوٍ واحِدَةٍ وخَفِّ القافِ، والحَسَنُ أيْضًا: وُوقِتَتْ بِواوَيْنِ عَلى وزْنِ فُوعِلَتْ، والمَعْنى: جُعِلَ لَها وقْتٌ مُنْتَظَرٌ فَحانَ وجاءَ، أوْ بَلَغَتْ مِيقاتَها الَّذِي كانَتْ تَنْتَظِرُهُ وهو يَوْمُ القِيامَةِ، والواوُ في هَذا كُلِّهِ أصْلٌ والهَمْزَةُ بَدَلٌ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْنى تَوْقِيتِ الرُّسُلِ: تَبْيِينُ وقْتِها الَّذِي يَحْضُرُونَ فِيهِ لِلشَّهادَةِ عَلى أُمَمِهِمْ، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ وتَقْدِيرُهُ: إذا كانَ كَذا وكَذا وقَعَ ما تُوعَدُونَ ﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾: تَعْظِيمٌ لِذَلِكَ اليَوْمِ، وتَعْجِيبٌ لِما يَقَعُ فِيهِ مِنَ الهَوْلِ والشِّدَّةِ. والتَّأْجِيلُ مِنَ الأجَلِ، أيْ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ أُخِّرَتْ ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾: أيْ بَيْنَ الخَلائِقِ (ويْلٌ): تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ في أوَّلِ ثانِي حِزْبٍ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ، يَوْمَئِذٍ: يَوْمَ إذْ طُمِسَتِ النُّجُومُ وكانَ ما بَعْدَها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ بِضَمِّ النُّونِ، وقَتادَةُ: بِفَتْحِها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن هَلَكَهُ بِمَعْنى أهْلَكَهُ. قالَ العَجّاجُ: ؎ومَهْمَهٍ هالِكِ مَن تَعَرَّجا انْتَهى، وخَرَّجَ بَعْضُهم ”هالِكِ مَن تَعَرَّجا“ عَلى أنَّ هالِكًا هو مِنَ اللّازِمِ، ومَن مَوْصُولٌ، فاسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ الصِّفَةَ المُشَبَّهَةَ بِاسْمِ الفاعِلِ قَدْ يَكُونُ مَعْمُولُها مَوْصُولًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نُتْبِعُهُمُ) بِضَمِّ العَيْنِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وهو وعْدٌ لِأهْلِ مَكَّةَ. ويُقَوِّي الِاسْتِئْنافَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: ثُمَّ سَنُتْبِعُهم بِسِينِ الِاسْتِقْبالِ، والأعْرَجُ، والعَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِإسْكانِها، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (نُهْلِكْ) واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ سُكِّنَ تَخْفِيفًا، كَما سُكِّنَ ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩] فَهو اسْتِئْنافٌ، فَعَلى الِاسْتِئْنافِ يَكُونُ ”الأوَّلِينَ“ الأُمَمَ الَّتِي تَقَدَّمَتْ قُرَيْشًا أجْمَعا، ويَكُونُ ”الآخِرِينَ“ مَن تَأخَّرَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ، وعَلى التَّشْرِيكِ يَكُونُ ”الأوَّلِينَ“ قَوْمَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ، عَلَيْهِما السَّلامُ، ومَن كانَ مَعَهم، ”والآخِرِينَ“ قَوْمَ فِرْعَوْنَ ومَن تَأخَّرَ وقَرُبَ مِن مُدَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . والإهْلاكُ هُنا إهْلاكُ العَذابِ والنَّكالِ، ولِذَلِكَ جاءَ ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ فَأتى بِالصِّفَةِ المُقْتَضِيَةِ لِإهْلاكِ العَذابِ وهي الإجْرامُ. ولَمّا ذَكَرَ إفْناءَ (p-٤٠٦)الأوَّلِينَ والآخِرِينَ ذَكَرَ ووَقَفَ عَلى أصْلِ الخِلْقَةِ الَّتِي يَقْتَضِي النَّظَرُ فِيها تَجْوِيزَ البَعْثِ ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾: أيْ ضَعِيفٍ هو مَنِيُّ الرَّجُلِ والمَرْأةِ ﴿فِي قَرارٍ مَكِينٍ﴾ وهو الرَّحِمُ ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وهو وقْتُ الوِلادَةِ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: فَقَدَّرْنا بِشَدِّ الدّالِ مِنَ التَّقْدِيرِ، كَما قالَ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس: ١٩] وباقِي السَّبْعَةِ: بِخَفِّها مِنَ القُدْرَةِ ؟ وانْتَصَبَ ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ بِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، أيْ يَكْفِتُ أحْياءً عَلى ظَهْرِها، وأمْواتًا في بَطْنِها، واسْتَدَلَّ بِهَذا مَن قالَ: إنَّ النَّبّاشَ يُقْطَعُ، لِأنَّ بَطْنَ الأرْضِ حِرْزٌ لِلْكَفَنِ، فَإذا نَبَشَ وأخَذَ مِنهُ فَهو سارِقٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: نَكْفِتُكم أحْياءً وأمْواتًا، فَيَنْتَصِبا عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ لِأنَّهُ قَدْ عُلِمَ أنَّها كِفاتُ الإنْسِ. انْتَهى. و(رَواسِيَ): جِبالًا ثابِتاتٍ ﴿شامِخاتٍ﴾: مُرْتَفِعاتٍ، ومِنهُ شَمَخَ بِأنْفِهِ: ارْتَفَعَ، شَبَّهَ المَعْنى بِالجِرْمِ (وأسْقَيْناكم): جَعَلْناهُ سُقْيًا لِمَزارِعِكم ومَنافِعِكم.

المرسلات 77:15

﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾: أيْ أُذْهِبَ نُورُها فاسْتَوَتْ مَعَ جِرْمِ السَّماءِ، أوْ عُبِّرَ عَنْ إلْحاقِ ذَواتِها بِالطَّمْسِ، وهو انْتِثارُها وانْكِدارُها، أوْ أُذْهِبَ نُورُها ثُمَّ انْتَثَرَتْ مَمْحُوقَةَ النُّورِ ﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾: أيْ صارَ فِيها فُرُوجٌ بِانْفِطارٍ، وقَرَأ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: طُمِّسَتْ، فُرِّجَتْ بِشَدِّ المِيمِ والرّاءِ، والجُمْهُورُ: بِخَفِّهِما ﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾: أيْ فَرَّقَتْها الرِّياحُ، وذَلِكَ بَعْدَ التَّسْيِيرِ وقَبْلَ كَوْنِها هَباءً، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أُقِّتَتْ) بِالهَمْزِ وشَدِّ القافِ، وبِتَخْفِيفِ القافِ والهَمْزِ النَّخَعِيُّ، والحَسَنُ، وعِيسى، وخالِدٌ. وقَرَأ أبُو الأشْهَبِ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وعِيسى أيْضًا وأبُو عَمْرٍو: بِالواوِ وشَدِّ القافِ. قالَ عِيسى: وهي لُغَةُ سُفْلى مُضَرَ. وعَبْدُ اللَّهِ والحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ: بِواوٍ واحِدَةٍ وخَفِّ القافِ، والحَسَنُ أيْضًا: وُوقِتَتْ بِواوَيْنِ عَلى وزْنِ فُوعِلَتْ، والمَعْنى: جُعِلَ لَها وقْتٌ مُنْتَظَرٌ فَحانَ وجاءَ، أوْ بَلَغَتْ مِيقاتَها الَّذِي كانَتْ تَنْتَظِرُهُ وهو يَوْمُ القِيامَةِ، والواوُ في هَذا كُلِّهِ أصْلٌ والهَمْزَةُ بَدَلٌ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْنى تَوْقِيتِ الرُّسُلِ: تَبْيِينُ وقْتِها الَّذِي يَحْضُرُونَ فِيهِ لِلشَّهادَةِ عَلى أُمَمِهِمْ، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ وتَقْدِيرُهُ: إذا كانَ كَذا وكَذا وقَعَ ما تُوعَدُونَ ﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾: تَعْظِيمٌ لِذَلِكَ اليَوْمِ، وتَعْجِيبٌ لِما يَقَعُ فِيهِ مِنَ الهَوْلِ والشِّدَّةِ. والتَّأْجِيلُ مِنَ الأجَلِ، أيْ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ أُخِّرَتْ ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾: أيْ بَيْنَ الخَلائِقِ (ويْلٌ): تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ في أوَّلِ ثانِي حِزْبٍ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ، يَوْمَئِذٍ: يَوْمَ إذْ طُمِسَتِ النُّجُومُ وكانَ ما بَعْدَها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ بِضَمِّ النُّونِ، وقَتادَةُ: بِفَتْحِها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن هَلَكَهُ بِمَعْنى أهْلَكَهُ. قالَ العَجّاجُ: ؎ومَهْمَهٍ هالِكِ مَن تَعَرَّجا انْتَهى، وخَرَّجَ بَعْضُهم ”هالِكِ مَن تَعَرَّجا“ عَلى أنَّ هالِكًا هو مِنَ اللّازِمِ، ومَن مَوْصُولٌ، فاسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ الصِّفَةَ المُشَبَّهَةَ بِاسْمِ الفاعِلِ قَدْ يَكُونُ مَعْمُولُها مَوْصُولًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نُتْبِعُهُمُ) بِضَمِّ العَيْنِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وهو وعْدٌ لِأهْلِ مَكَّةَ. ويُقَوِّي الِاسْتِئْنافَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: ثُمَّ سَنُتْبِعُهم بِسِينِ الِاسْتِقْبالِ، والأعْرَجُ، والعَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِإسْكانِها، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (نُهْلِكْ) واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ سُكِّنَ تَخْفِيفًا، كَما سُكِّنَ ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩] فَهو اسْتِئْنافٌ، فَعَلى الِاسْتِئْنافِ يَكُونُ ”الأوَّلِينَ“ الأُمَمَ الَّتِي تَقَدَّمَتْ قُرَيْشًا أجْمَعا، ويَكُونُ ”الآخِرِينَ“ مَن تَأخَّرَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ، وعَلى التَّشْرِيكِ يَكُونُ ”الأوَّلِينَ“ قَوْمَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ، عَلَيْهِما السَّلامُ، ومَن كانَ مَعَهم، ”والآخِرِينَ“ قَوْمَ فِرْعَوْنَ ومَن تَأخَّرَ وقَرُبَ مِن مُدَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . والإهْلاكُ هُنا إهْلاكُ العَذابِ والنَّكالِ، ولِذَلِكَ جاءَ ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ فَأتى بِالصِّفَةِ المُقْتَضِيَةِ لِإهْلاكِ العَذابِ وهي الإجْرامُ. ولَمّا ذَكَرَ إفْناءَ (p-٤٠٦)الأوَّلِينَ والآخِرِينَ ذَكَرَ ووَقَفَ عَلى أصْلِ الخِلْقَةِ الَّتِي يَقْتَضِي النَّظَرُ فِيها تَجْوِيزَ البَعْثِ ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾: أيْ ضَعِيفٍ هو مَنِيُّ الرَّجُلِ والمَرْأةِ ﴿فِي قَرارٍ مَكِينٍ﴾ وهو الرَّحِمُ ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وهو وقْتُ الوِلادَةِ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: فَقَدَّرْنا بِشَدِّ الدّالِ مِنَ التَّقْدِيرِ، كَما قالَ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس: ١٩] وباقِي السَّبْعَةِ: بِخَفِّها مِنَ القُدْرَةِ ؟ وانْتَصَبَ ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ بِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، أيْ يَكْفِتُ أحْياءً عَلى ظَهْرِها، وأمْواتًا في بَطْنِها، واسْتَدَلَّ بِهَذا مَن قالَ: إنَّ النَّبّاشَ يُقْطَعُ، لِأنَّ بَطْنَ الأرْضِ حِرْزٌ لِلْكَفَنِ، فَإذا نَبَشَ وأخَذَ مِنهُ فَهو سارِقٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: نَكْفِتُكم أحْياءً وأمْواتًا، فَيَنْتَصِبا عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ لِأنَّهُ قَدْ عُلِمَ أنَّها كِفاتُ الإنْسِ. انْتَهى. و(رَواسِيَ): جِبالًا ثابِتاتٍ ﴿شامِخاتٍ﴾: مُرْتَفِعاتٍ، ومِنهُ شَمَخَ بِأنْفِهِ: ارْتَفَعَ، شَبَّهَ المَعْنى بِالجِرْمِ (وأسْقَيْناكم): جَعَلْناهُ سُقْيًا لِمَزارِعِكم ومَنافِعِكم.

المرسلات 77:16

﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾: أيْ أُذْهِبَ نُورُها فاسْتَوَتْ مَعَ جِرْمِ السَّماءِ، أوْ عُبِّرَ عَنْ إلْحاقِ ذَواتِها بِالطَّمْسِ، وهو انْتِثارُها وانْكِدارُها، أوْ أُذْهِبَ نُورُها ثُمَّ انْتَثَرَتْ مَمْحُوقَةَ النُّورِ ﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾: أيْ صارَ فِيها فُرُوجٌ بِانْفِطارٍ، وقَرَأ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: طُمِّسَتْ، فُرِّجَتْ بِشَدِّ المِيمِ والرّاءِ، والجُمْهُورُ: بِخَفِّهِما ﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾: أيْ فَرَّقَتْها الرِّياحُ، وذَلِكَ بَعْدَ التَّسْيِيرِ وقَبْلَ كَوْنِها هَباءً، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أُقِّتَتْ) بِالهَمْزِ وشَدِّ القافِ، وبِتَخْفِيفِ القافِ والهَمْزِ النَّخَعِيُّ، والحَسَنُ، وعِيسى، وخالِدٌ. وقَرَأ أبُو الأشْهَبِ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وعِيسى أيْضًا وأبُو عَمْرٍو: بِالواوِ وشَدِّ القافِ. قالَ عِيسى: وهي لُغَةُ سُفْلى مُضَرَ. وعَبْدُ اللَّهِ والحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ: بِواوٍ واحِدَةٍ وخَفِّ القافِ، والحَسَنُ أيْضًا: وُوقِتَتْ بِواوَيْنِ عَلى وزْنِ فُوعِلَتْ، والمَعْنى: جُعِلَ لَها وقْتٌ مُنْتَظَرٌ فَحانَ وجاءَ، أوْ بَلَغَتْ مِيقاتَها الَّذِي كانَتْ تَنْتَظِرُهُ وهو يَوْمُ القِيامَةِ، والواوُ في هَذا كُلِّهِ أصْلٌ والهَمْزَةُ بَدَلٌ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْنى تَوْقِيتِ الرُّسُلِ: تَبْيِينُ وقْتِها الَّذِي يَحْضُرُونَ فِيهِ لِلشَّهادَةِ عَلى أُمَمِهِمْ، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ وتَقْدِيرُهُ: إذا كانَ كَذا وكَذا وقَعَ ما تُوعَدُونَ ﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾: تَعْظِيمٌ لِذَلِكَ اليَوْمِ، وتَعْجِيبٌ لِما يَقَعُ فِيهِ مِنَ الهَوْلِ والشِّدَّةِ. والتَّأْجِيلُ مِنَ الأجَلِ، أيْ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ أُخِّرَتْ ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾: أيْ بَيْنَ الخَلائِقِ (ويْلٌ): تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ في أوَّلِ ثانِي حِزْبٍ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ، يَوْمَئِذٍ: يَوْمَ إذْ طُمِسَتِ النُّجُومُ وكانَ ما بَعْدَها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ بِضَمِّ النُّونِ، وقَتادَةُ: بِفَتْحِها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن هَلَكَهُ بِمَعْنى أهْلَكَهُ. قالَ العَجّاجُ: ؎ومَهْمَهٍ هالِكِ مَن تَعَرَّجا انْتَهى، وخَرَّجَ بَعْضُهم ”هالِكِ مَن تَعَرَّجا“ عَلى أنَّ هالِكًا هو مِنَ اللّازِمِ، ومَن مَوْصُولٌ، فاسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ الصِّفَةَ المُشَبَّهَةَ بِاسْمِ الفاعِلِ قَدْ يَكُونُ مَعْمُولُها مَوْصُولًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نُتْبِعُهُمُ) بِضَمِّ العَيْنِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وهو وعْدٌ لِأهْلِ مَكَّةَ. ويُقَوِّي الِاسْتِئْنافَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: ثُمَّ سَنُتْبِعُهم بِسِينِ الِاسْتِقْبالِ، والأعْرَجُ، والعَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِإسْكانِها، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (نُهْلِكْ) واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ سُكِّنَ تَخْفِيفًا، كَما سُكِّنَ ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩] فَهو اسْتِئْنافٌ، فَعَلى الِاسْتِئْنافِ يَكُونُ ”الأوَّلِينَ“ الأُمَمَ الَّتِي تَقَدَّمَتْ قُرَيْشًا أجْمَعا، ويَكُونُ ”الآخِرِينَ“ مَن تَأخَّرَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ، وعَلى التَّشْرِيكِ يَكُونُ ”الأوَّلِينَ“ قَوْمَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ، عَلَيْهِما السَّلامُ، ومَن كانَ مَعَهم، ”والآخِرِينَ“ قَوْمَ فِرْعَوْنَ ومَن تَأخَّرَ وقَرُبَ مِن مُدَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . والإهْلاكُ هُنا إهْلاكُ العَذابِ والنَّكالِ، ولِذَلِكَ جاءَ ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ فَأتى بِالصِّفَةِ المُقْتَضِيَةِ لِإهْلاكِ العَذابِ وهي الإجْرامُ. ولَمّا ذَكَرَ إفْناءَ (p-٤٠٦)الأوَّلِينَ والآخِرِينَ ذَكَرَ ووَقَفَ عَلى أصْلِ الخِلْقَةِ الَّتِي يَقْتَضِي النَّظَرُ فِيها تَجْوِيزَ البَعْثِ ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾: أيْ ضَعِيفٍ هو مَنِيُّ الرَّجُلِ والمَرْأةِ ﴿فِي قَرارٍ مَكِينٍ﴾ وهو الرَّحِمُ ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وهو وقْتُ الوِلادَةِ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: فَقَدَّرْنا بِشَدِّ الدّالِ مِنَ التَّقْدِيرِ، كَما قالَ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس: ١٩] وباقِي السَّبْعَةِ: بِخَفِّها مِنَ القُدْرَةِ ؟ وانْتَصَبَ ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ بِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، أيْ يَكْفِتُ أحْياءً عَلى ظَهْرِها، وأمْواتًا في بَطْنِها، واسْتَدَلَّ بِهَذا مَن قالَ: إنَّ النَّبّاشَ يُقْطَعُ، لِأنَّ بَطْنَ الأرْضِ حِرْزٌ لِلْكَفَنِ، فَإذا نَبَشَ وأخَذَ مِنهُ فَهو سارِقٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: نَكْفِتُكم أحْياءً وأمْواتًا، فَيَنْتَصِبا عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ لِأنَّهُ قَدْ عُلِمَ أنَّها كِفاتُ الإنْسِ. انْتَهى. و(رَواسِيَ): جِبالًا ثابِتاتٍ ﴿شامِخاتٍ﴾: مُرْتَفِعاتٍ، ومِنهُ شَمَخَ بِأنْفِهِ: ارْتَفَعَ، شَبَّهَ المَعْنى بِالجِرْمِ (وأسْقَيْناكم): جَعَلْناهُ سُقْيًا لِمَزارِعِكم ومَنافِعِكم.

المرسلات 77:17

﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾: أيْ أُذْهِبَ نُورُها فاسْتَوَتْ مَعَ جِرْمِ السَّماءِ، أوْ عُبِّرَ عَنْ إلْحاقِ ذَواتِها بِالطَّمْسِ، وهو انْتِثارُها وانْكِدارُها، أوْ أُذْهِبَ نُورُها ثُمَّ انْتَثَرَتْ مَمْحُوقَةَ النُّورِ ﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾: أيْ صارَ فِيها فُرُوجٌ بِانْفِطارٍ، وقَرَأ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: طُمِّسَتْ، فُرِّجَتْ بِشَدِّ المِيمِ والرّاءِ، والجُمْهُورُ: بِخَفِّهِما ﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾: أيْ فَرَّقَتْها الرِّياحُ، وذَلِكَ بَعْدَ التَّسْيِيرِ وقَبْلَ كَوْنِها هَباءً، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أُقِّتَتْ) بِالهَمْزِ وشَدِّ القافِ، وبِتَخْفِيفِ القافِ والهَمْزِ النَّخَعِيُّ، والحَسَنُ، وعِيسى، وخالِدٌ. وقَرَأ أبُو الأشْهَبِ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وعِيسى أيْضًا وأبُو عَمْرٍو: بِالواوِ وشَدِّ القافِ. قالَ عِيسى: وهي لُغَةُ سُفْلى مُضَرَ. وعَبْدُ اللَّهِ والحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ: بِواوٍ واحِدَةٍ وخَفِّ القافِ، والحَسَنُ أيْضًا: وُوقِتَتْ بِواوَيْنِ عَلى وزْنِ فُوعِلَتْ، والمَعْنى: جُعِلَ لَها وقْتٌ مُنْتَظَرٌ فَحانَ وجاءَ، أوْ بَلَغَتْ مِيقاتَها الَّذِي كانَتْ تَنْتَظِرُهُ وهو يَوْمُ القِيامَةِ، والواوُ في هَذا كُلِّهِ أصْلٌ والهَمْزَةُ بَدَلٌ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْنى تَوْقِيتِ الرُّسُلِ: تَبْيِينُ وقْتِها الَّذِي يَحْضُرُونَ فِيهِ لِلشَّهادَةِ عَلى أُمَمِهِمْ، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ وتَقْدِيرُهُ: إذا كانَ كَذا وكَذا وقَعَ ما تُوعَدُونَ ﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾: تَعْظِيمٌ لِذَلِكَ اليَوْمِ، وتَعْجِيبٌ لِما يَقَعُ فِيهِ مِنَ الهَوْلِ والشِّدَّةِ. والتَّأْجِيلُ مِنَ الأجَلِ، أيْ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ أُخِّرَتْ ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾: أيْ بَيْنَ الخَلائِقِ (ويْلٌ): تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ في أوَّلِ ثانِي حِزْبٍ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ، يَوْمَئِذٍ: يَوْمَ إذْ طُمِسَتِ النُّجُومُ وكانَ ما بَعْدَها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ بِضَمِّ النُّونِ، وقَتادَةُ: بِفَتْحِها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن هَلَكَهُ بِمَعْنى أهْلَكَهُ. قالَ العَجّاجُ: ؎ومَهْمَهٍ هالِكِ مَن تَعَرَّجا انْتَهى، وخَرَّجَ بَعْضُهم ”هالِكِ مَن تَعَرَّجا“ عَلى أنَّ هالِكًا هو مِنَ اللّازِمِ، ومَن مَوْصُولٌ، فاسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ الصِّفَةَ المُشَبَّهَةَ بِاسْمِ الفاعِلِ قَدْ يَكُونُ مَعْمُولُها مَوْصُولًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نُتْبِعُهُمُ) بِضَمِّ العَيْنِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وهو وعْدٌ لِأهْلِ مَكَّةَ. ويُقَوِّي الِاسْتِئْنافَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: ثُمَّ سَنُتْبِعُهم بِسِينِ الِاسْتِقْبالِ، والأعْرَجُ، والعَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِإسْكانِها، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (نُهْلِكْ) واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ سُكِّنَ تَخْفِيفًا، كَما سُكِّنَ ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩] فَهو اسْتِئْنافٌ، فَعَلى الِاسْتِئْنافِ يَكُونُ ”الأوَّلِينَ“ الأُمَمَ الَّتِي تَقَدَّمَتْ قُرَيْشًا أجْمَعا، ويَكُونُ ”الآخِرِينَ“ مَن تَأخَّرَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ، وعَلى التَّشْرِيكِ يَكُونُ ”الأوَّلِينَ“ قَوْمَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ، عَلَيْهِما السَّلامُ، ومَن كانَ مَعَهم، ”والآخِرِينَ“ قَوْمَ فِرْعَوْنَ ومَن تَأخَّرَ وقَرُبَ مِن مُدَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . والإهْلاكُ هُنا إهْلاكُ العَذابِ والنَّكالِ، ولِذَلِكَ جاءَ ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ فَأتى بِالصِّفَةِ المُقْتَضِيَةِ لِإهْلاكِ العَذابِ وهي الإجْرامُ. ولَمّا ذَكَرَ إفْناءَ (p-٤٠٦)الأوَّلِينَ والآخِرِينَ ذَكَرَ ووَقَفَ عَلى أصْلِ الخِلْقَةِ الَّتِي يَقْتَضِي النَّظَرُ فِيها تَجْوِيزَ البَعْثِ ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾: أيْ ضَعِيفٍ هو مَنِيُّ الرَّجُلِ والمَرْأةِ ﴿فِي قَرارٍ مَكِينٍ﴾ وهو الرَّحِمُ ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وهو وقْتُ الوِلادَةِ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: فَقَدَّرْنا بِشَدِّ الدّالِ مِنَ التَّقْدِيرِ، كَما قالَ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس: ١٩] وباقِي السَّبْعَةِ: بِخَفِّها مِنَ القُدْرَةِ ؟ وانْتَصَبَ ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ بِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، أيْ يَكْفِتُ أحْياءً عَلى ظَهْرِها، وأمْواتًا في بَطْنِها، واسْتَدَلَّ بِهَذا مَن قالَ: إنَّ النَّبّاشَ يُقْطَعُ، لِأنَّ بَطْنَ الأرْضِ حِرْزٌ لِلْكَفَنِ، فَإذا نَبَشَ وأخَذَ مِنهُ فَهو سارِقٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: نَكْفِتُكم أحْياءً وأمْواتًا، فَيَنْتَصِبا عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ لِأنَّهُ قَدْ عُلِمَ أنَّها كِفاتُ الإنْسِ. انْتَهى. و(رَواسِيَ): جِبالًا ثابِتاتٍ ﴿شامِخاتٍ﴾: مُرْتَفِعاتٍ، ومِنهُ شَمَخَ بِأنْفِهِ: ارْتَفَعَ، شَبَّهَ المَعْنى بِالجِرْمِ (وأسْقَيْناكم): جَعَلْناهُ سُقْيًا لِمَزارِعِكم ومَنافِعِكم.

المرسلات 77:18

﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾: أيْ أُذْهِبَ نُورُها فاسْتَوَتْ مَعَ جِرْمِ السَّماءِ، أوْ عُبِّرَ عَنْ إلْحاقِ ذَواتِها بِالطَّمْسِ، وهو انْتِثارُها وانْكِدارُها، أوْ أُذْهِبَ نُورُها ثُمَّ انْتَثَرَتْ مَمْحُوقَةَ النُّورِ ﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾: أيْ صارَ فِيها فُرُوجٌ بِانْفِطارٍ، وقَرَأ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: طُمِّسَتْ، فُرِّجَتْ بِشَدِّ المِيمِ والرّاءِ، والجُمْهُورُ: بِخَفِّهِما ﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾: أيْ فَرَّقَتْها الرِّياحُ، وذَلِكَ بَعْدَ التَّسْيِيرِ وقَبْلَ كَوْنِها هَباءً، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أُقِّتَتْ) بِالهَمْزِ وشَدِّ القافِ، وبِتَخْفِيفِ القافِ والهَمْزِ النَّخَعِيُّ، والحَسَنُ، وعِيسى، وخالِدٌ. وقَرَأ أبُو الأشْهَبِ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وعِيسى أيْضًا وأبُو عَمْرٍو: بِالواوِ وشَدِّ القافِ. قالَ عِيسى: وهي لُغَةُ سُفْلى مُضَرَ. وعَبْدُ اللَّهِ والحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ: بِواوٍ واحِدَةٍ وخَفِّ القافِ، والحَسَنُ أيْضًا: وُوقِتَتْ بِواوَيْنِ عَلى وزْنِ فُوعِلَتْ، والمَعْنى: جُعِلَ لَها وقْتٌ مُنْتَظَرٌ فَحانَ وجاءَ، أوْ بَلَغَتْ مِيقاتَها الَّذِي كانَتْ تَنْتَظِرُهُ وهو يَوْمُ القِيامَةِ، والواوُ في هَذا كُلِّهِ أصْلٌ والهَمْزَةُ بَدَلٌ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْنى تَوْقِيتِ الرُّسُلِ: تَبْيِينُ وقْتِها الَّذِي يَحْضُرُونَ فِيهِ لِلشَّهادَةِ عَلى أُمَمِهِمْ، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ وتَقْدِيرُهُ: إذا كانَ كَذا وكَذا وقَعَ ما تُوعَدُونَ ﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾: تَعْظِيمٌ لِذَلِكَ اليَوْمِ، وتَعْجِيبٌ لِما يَقَعُ فِيهِ مِنَ الهَوْلِ والشِّدَّةِ. والتَّأْجِيلُ مِنَ الأجَلِ، أيْ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ أُخِّرَتْ ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾: أيْ بَيْنَ الخَلائِقِ (ويْلٌ): تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ في أوَّلِ ثانِي حِزْبٍ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ، يَوْمَئِذٍ: يَوْمَ إذْ طُمِسَتِ النُّجُومُ وكانَ ما بَعْدَها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ بِضَمِّ النُّونِ، وقَتادَةُ: بِفَتْحِها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن هَلَكَهُ بِمَعْنى أهْلَكَهُ. قالَ العَجّاجُ: ؎ومَهْمَهٍ هالِكِ مَن تَعَرَّجا انْتَهى، وخَرَّجَ بَعْضُهم ”هالِكِ مَن تَعَرَّجا“ عَلى أنَّ هالِكًا هو مِنَ اللّازِمِ، ومَن مَوْصُولٌ، فاسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ الصِّفَةَ المُشَبَّهَةَ بِاسْمِ الفاعِلِ قَدْ يَكُونُ مَعْمُولُها مَوْصُولًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نُتْبِعُهُمُ) بِضَمِّ العَيْنِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وهو وعْدٌ لِأهْلِ مَكَّةَ. ويُقَوِّي الِاسْتِئْنافَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: ثُمَّ سَنُتْبِعُهم بِسِينِ الِاسْتِقْبالِ، والأعْرَجُ، والعَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِإسْكانِها، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (نُهْلِكْ) واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ سُكِّنَ تَخْفِيفًا، كَما سُكِّنَ ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩] فَهو اسْتِئْنافٌ، فَعَلى الِاسْتِئْنافِ يَكُونُ ”الأوَّلِينَ“ الأُمَمَ الَّتِي تَقَدَّمَتْ قُرَيْشًا أجْمَعا، ويَكُونُ ”الآخِرِينَ“ مَن تَأخَّرَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ، وعَلى التَّشْرِيكِ يَكُونُ ”الأوَّلِينَ“ قَوْمَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ، عَلَيْهِما السَّلامُ، ومَن كانَ مَعَهم، ”والآخِرِينَ“ قَوْمَ فِرْعَوْنَ ومَن تَأخَّرَ وقَرُبَ مِن مُدَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . والإهْلاكُ هُنا إهْلاكُ العَذابِ والنَّكالِ، ولِذَلِكَ جاءَ ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ فَأتى بِالصِّفَةِ المُقْتَضِيَةِ لِإهْلاكِ العَذابِ وهي الإجْرامُ. ولَمّا ذَكَرَ إفْناءَ (p-٤٠٦)الأوَّلِينَ والآخِرِينَ ذَكَرَ ووَقَفَ عَلى أصْلِ الخِلْقَةِ الَّتِي يَقْتَضِي النَّظَرُ فِيها تَجْوِيزَ البَعْثِ ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾: أيْ ضَعِيفٍ هو مَنِيُّ الرَّجُلِ والمَرْأةِ ﴿فِي قَرارٍ مَكِينٍ﴾ وهو الرَّحِمُ ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وهو وقْتُ الوِلادَةِ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: فَقَدَّرْنا بِشَدِّ الدّالِ مِنَ التَّقْدِيرِ، كَما قالَ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس: ١٩] وباقِي السَّبْعَةِ: بِخَفِّها مِنَ القُدْرَةِ ؟ وانْتَصَبَ ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ بِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، أيْ يَكْفِتُ أحْياءً عَلى ظَهْرِها، وأمْواتًا في بَطْنِها، واسْتَدَلَّ بِهَذا مَن قالَ: إنَّ النَّبّاشَ يُقْطَعُ، لِأنَّ بَطْنَ الأرْضِ حِرْزٌ لِلْكَفَنِ، فَإذا نَبَشَ وأخَذَ مِنهُ فَهو سارِقٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: نَكْفِتُكم أحْياءً وأمْواتًا، فَيَنْتَصِبا عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ لِأنَّهُ قَدْ عُلِمَ أنَّها كِفاتُ الإنْسِ. انْتَهى. و(رَواسِيَ): جِبالًا ثابِتاتٍ ﴿شامِخاتٍ﴾: مُرْتَفِعاتٍ، ومِنهُ شَمَخَ بِأنْفِهِ: ارْتَفَعَ، شَبَّهَ المَعْنى بِالجِرْمِ (وأسْقَيْناكم): جَعَلْناهُ سُقْيًا لِمَزارِعِكم ومَنافِعِكم.

المرسلات 77:19

﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾: أيْ أُذْهِبَ نُورُها فاسْتَوَتْ مَعَ جِرْمِ السَّماءِ، أوْ عُبِّرَ عَنْ إلْحاقِ ذَواتِها بِالطَّمْسِ، وهو انْتِثارُها وانْكِدارُها، أوْ أُذْهِبَ نُورُها ثُمَّ انْتَثَرَتْ مَمْحُوقَةَ النُّورِ ﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾: أيْ صارَ فِيها فُرُوجٌ بِانْفِطارٍ، وقَرَأ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: طُمِّسَتْ، فُرِّجَتْ بِشَدِّ المِيمِ والرّاءِ، والجُمْهُورُ: بِخَفِّهِما ﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾: أيْ فَرَّقَتْها الرِّياحُ، وذَلِكَ بَعْدَ التَّسْيِيرِ وقَبْلَ كَوْنِها هَباءً، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أُقِّتَتْ) بِالهَمْزِ وشَدِّ القافِ، وبِتَخْفِيفِ القافِ والهَمْزِ النَّخَعِيُّ، والحَسَنُ، وعِيسى، وخالِدٌ. وقَرَأ أبُو الأشْهَبِ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وعِيسى أيْضًا وأبُو عَمْرٍو: بِالواوِ وشَدِّ القافِ. قالَ عِيسى: وهي لُغَةُ سُفْلى مُضَرَ. وعَبْدُ اللَّهِ والحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ: بِواوٍ واحِدَةٍ وخَفِّ القافِ، والحَسَنُ أيْضًا: وُوقِتَتْ بِواوَيْنِ عَلى وزْنِ فُوعِلَتْ، والمَعْنى: جُعِلَ لَها وقْتٌ مُنْتَظَرٌ فَحانَ وجاءَ، أوْ بَلَغَتْ مِيقاتَها الَّذِي كانَتْ تَنْتَظِرُهُ وهو يَوْمُ القِيامَةِ، والواوُ في هَذا كُلِّهِ أصْلٌ والهَمْزَةُ بَدَلٌ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْنى تَوْقِيتِ الرُّسُلِ: تَبْيِينُ وقْتِها الَّذِي يَحْضُرُونَ فِيهِ لِلشَّهادَةِ عَلى أُمَمِهِمْ، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ وتَقْدِيرُهُ: إذا كانَ كَذا وكَذا وقَعَ ما تُوعَدُونَ ﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾: تَعْظِيمٌ لِذَلِكَ اليَوْمِ، وتَعْجِيبٌ لِما يَقَعُ فِيهِ مِنَ الهَوْلِ والشِّدَّةِ. والتَّأْجِيلُ مِنَ الأجَلِ، أيْ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ أُخِّرَتْ ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾: أيْ بَيْنَ الخَلائِقِ (ويْلٌ): تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ في أوَّلِ ثانِي حِزْبٍ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ، يَوْمَئِذٍ: يَوْمَ إذْ طُمِسَتِ النُّجُومُ وكانَ ما بَعْدَها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ بِضَمِّ النُّونِ، وقَتادَةُ: بِفَتْحِها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن هَلَكَهُ بِمَعْنى أهْلَكَهُ. قالَ العَجّاجُ: ؎ومَهْمَهٍ هالِكِ مَن تَعَرَّجا انْتَهى، وخَرَّجَ بَعْضُهم ”هالِكِ مَن تَعَرَّجا“ عَلى أنَّ هالِكًا هو مِنَ اللّازِمِ، ومَن مَوْصُولٌ، فاسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ الصِّفَةَ المُشَبَّهَةَ بِاسْمِ الفاعِلِ قَدْ يَكُونُ مَعْمُولُها مَوْصُولًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نُتْبِعُهُمُ) بِضَمِّ العَيْنِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وهو وعْدٌ لِأهْلِ مَكَّةَ. ويُقَوِّي الِاسْتِئْنافَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: ثُمَّ سَنُتْبِعُهم بِسِينِ الِاسْتِقْبالِ، والأعْرَجُ، والعَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِإسْكانِها، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (نُهْلِكْ) واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ سُكِّنَ تَخْفِيفًا، كَما سُكِّنَ ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩] فَهو اسْتِئْنافٌ، فَعَلى الِاسْتِئْنافِ يَكُونُ ”الأوَّلِينَ“ الأُمَمَ الَّتِي تَقَدَّمَتْ قُرَيْشًا أجْمَعا، ويَكُونُ ”الآخِرِينَ“ مَن تَأخَّرَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ، وعَلى التَّشْرِيكِ يَكُونُ ”الأوَّلِينَ“ قَوْمَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ، عَلَيْهِما السَّلامُ، ومَن كانَ مَعَهم، ”والآخِرِينَ“ قَوْمَ فِرْعَوْنَ ومَن تَأخَّرَ وقَرُبَ مِن مُدَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . والإهْلاكُ هُنا إهْلاكُ العَذابِ والنَّكالِ، ولِذَلِكَ جاءَ ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ فَأتى بِالصِّفَةِ المُقْتَضِيَةِ لِإهْلاكِ العَذابِ وهي الإجْرامُ. ولَمّا ذَكَرَ إفْناءَ (p-٤٠٦)الأوَّلِينَ والآخِرِينَ ذَكَرَ ووَقَفَ عَلى أصْلِ الخِلْقَةِ الَّتِي يَقْتَضِي النَّظَرُ فِيها تَجْوِيزَ البَعْثِ ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾: أيْ ضَعِيفٍ هو مَنِيُّ الرَّجُلِ والمَرْأةِ ﴿فِي قَرارٍ مَكِينٍ﴾ وهو الرَّحِمُ ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وهو وقْتُ الوِلادَةِ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: فَقَدَّرْنا بِشَدِّ الدّالِ مِنَ التَّقْدِيرِ، كَما قالَ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس: ١٩] وباقِي السَّبْعَةِ: بِخَفِّها مِنَ القُدْرَةِ ؟ وانْتَصَبَ ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ بِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، أيْ يَكْفِتُ أحْياءً عَلى ظَهْرِها، وأمْواتًا في بَطْنِها، واسْتَدَلَّ بِهَذا مَن قالَ: إنَّ النَّبّاشَ يُقْطَعُ، لِأنَّ بَطْنَ الأرْضِ حِرْزٌ لِلْكَفَنِ، فَإذا نَبَشَ وأخَذَ مِنهُ فَهو سارِقٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: نَكْفِتُكم أحْياءً وأمْواتًا، فَيَنْتَصِبا عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ لِأنَّهُ قَدْ عُلِمَ أنَّها كِفاتُ الإنْسِ. انْتَهى. و(رَواسِيَ): جِبالًا ثابِتاتٍ ﴿شامِخاتٍ﴾: مُرْتَفِعاتٍ، ومِنهُ شَمَخَ بِأنْفِهِ: ارْتَفَعَ، شَبَّهَ المَعْنى بِالجِرْمِ (وأسْقَيْناكم): جَعَلْناهُ سُقْيًا لِمَزارِعِكم ومَنافِعِكم.

المرسلات 77:20

﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾: أيْ أُذْهِبَ نُورُها فاسْتَوَتْ مَعَ جِرْمِ السَّماءِ، أوْ عُبِّرَ عَنْ إلْحاقِ ذَواتِها بِالطَّمْسِ، وهو انْتِثارُها وانْكِدارُها، أوْ أُذْهِبَ نُورُها ثُمَّ انْتَثَرَتْ مَمْحُوقَةَ النُّورِ ﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾: أيْ صارَ فِيها فُرُوجٌ بِانْفِطارٍ، وقَرَأ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: طُمِّسَتْ، فُرِّجَتْ بِشَدِّ المِيمِ والرّاءِ، والجُمْهُورُ: بِخَفِّهِما ﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾: أيْ فَرَّقَتْها الرِّياحُ، وذَلِكَ بَعْدَ التَّسْيِيرِ وقَبْلَ كَوْنِها هَباءً، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أُقِّتَتْ) بِالهَمْزِ وشَدِّ القافِ، وبِتَخْفِيفِ القافِ والهَمْزِ النَّخَعِيُّ، والحَسَنُ، وعِيسى، وخالِدٌ. وقَرَأ أبُو الأشْهَبِ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وعِيسى أيْضًا وأبُو عَمْرٍو: بِالواوِ وشَدِّ القافِ. قالَ عِيسى: وهي لُغَةُ سُفْلى مُضَرَ. وعَبْدُ اللَّهِ والحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ: بِواوٍ واحِدَةٍ وخَفِّ القافِ، والحَسَنُ أيْضًا: وُوقِتَتْ بِواوَيْنِ عَلى وزْنِ فُوعِلَتْ، والمَعْنى: جُعِلَ لَها وقْتٌ مُنْتَظَرٌ فَحانَ وجاءَ، أوْ بَلَغَتْ مِيقاتَها الَّذِي كانَتْ تَنْتَظِرُهُ وهو يَوْمُ القِيامَةِ، والواوُ في هَذا كُلِّهِ أصْلٌ والهَمْزَةُ بَدَلٌ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْنى تَوْقِيتِ الرُّسُلِ: تَبْيِينُ وقْتِها الَّذِي يَحْضُرُونَ فِيهِ لِلشَّهادَةِ عَلى أُمَمِهِمْ، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ وتَقْدِيرُهُ: إذا كانَ كَذا وكَذا وقَعَ ما تُوعَدُونَ ﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾: تَعْظِيمٌ لِذَلِكَ اليَوْمِ، وتَعْجِيبٌ لِما يَقَعُ فِيهِ مِنَ الهَوْلِ والشِّدَّةِ. والتَّأْجِيلُ مِنَ الأجَلِ، أيْ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ أُخِّرَتْ ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾: أيْ بَيْنَ الخَلائِقِ (ويْلٌ): تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ في أوَّلِ ثانِي حِزْبٍ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ، يَوْمَئِذٍ: يَوْمَ إذْ طُمِسَتِ النُّجُومُ وكانَ ما بَعْدَها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ بِضَمِّ النُّونِ، وقَتادَةُ: بِفَتْحِها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن هَلَكَهُ بِمَعْنى أهْلَكَهُ. قالَ العَجّاجُ: ؎ومَهْمَهٍ هالِكِ مَن تَعَرَّجا انْتَهى، وخَرَّجَ بَعْضُهم ”هالِكِ مَن تَعَرَّجا“ عَلى أنَّ هالِكًا هو مِنَ اللّازِمِ، ومَن مَوْصُولٌ، فاسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ الصِّفَةَ المُشَبَّهَةَ بِاسْمِ الفاعِلِ قَدْ يَكُونُ مَعْمُولُها مَوْصُولًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نُتْبِعُهُمُ) بِضَمِّ العَيْنِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وهو وعْدٌ لِأهْلِ مَكَّةَ. ويُقَوِّي الِاسْتِئْنافَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: ثُمَّ سَنُتْبِعُهم بِسِينِ الِاسْتِقْبالِ، والأعْرَجُ، والعَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِإسْكانِها، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (نُهْلِكْ) واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ سُكِّنَ تَخْفِيفًا، كَما سُكِّنَ ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩] فَهو اسْتِئْنافٌ، فَعَلى الِاسْتِئْنافِ يَكُونُ ”الأوَّلِينَ“ الأُمَمَ الَّتِي تَقَدَّمَتْ قُرَيْشًا أجْمَعا، ويَكُونُ ”الآخِرِينَ“ مَن تَأخَّرَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ، وعَلى التَّشْرِيكِ يَكُونُ ”الأوَّلِينَ“ قَوْمَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ، عَلَيْهِما السَّلامُ، ومَن كانَ مَعَهم، ”والآخِرِينَ“ قَوْمَ فِرْعَوْنَ ومَن تَأخَّرَ وقَرُبَ مِن مُدَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . والإهْلاكُ هُنا إهْلاكُ العَذابِ والنَّكالِ، ولِذَلِكَ جاءَ ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ فَأتى بِالصِّفَةِ المُقْتَضِيَةِ لِإهْلاكِ العَذابِ وهي الإجْرامُ. ولَمّا ذَكَرَ إفْناءَ (p-٤٠٦)الأوَّلِينَ والآخِرِينَ ذَكَرَ ووَقَفَ عَلى أصْلِ الخِلْقَةِ الَّتِي يَقْتَضِي النَّظَرُ فِيها تَجْوِيزَ البَعْثِ ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾: أيْ ضَعِيفٍ هو مَنِيُّ الرَّجُلِ والمَرْأةِ ﴿فِي قَرارٍ مَكِينٍ﴾ وهو الرَّحِمُ ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وهو وقْتُ الوِلادَةِ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: فَقَدَّرْنا بِشَدِّ الدّالِ مِنَ التَّقْدِيرِ، كَما قالَ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس: ١٩] وباقِي السَّبْعَةِ: بِخَفِّها مِنَ القُدْرَةِ ؟ وانْتَصَبَ ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ بِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، أيْ يَكْفِتُ أحْياءً عَلى ظَهْرِها، وأمْواتًا في بَطْنِها، واسْتَدَلَّ بِهَذا مَن قالَ: إنَّ النَّبّاشَ يُقْطَعُ، لِأنَّ بَطْنَ الأرْضِ حِرْزٌ لِلْكَفَنِ، فَإذا نَبَشَ وأخَذَ مِنهُ فَهو سارِقٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: نَكْفِتُكم أحْياءً وأمْواتًا، فَيَنْتَصِبا عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ لِأنَّهُ قَدْ عُلِمَ أنَّها كِفاتُ الإنْسِ. انْتَهى. و(رَواسِيَ): جِبالًا ثابِتاتٍ ﴿شامِخاتٍ﴾: مُرْتَفِعاتٍ، ومِنهُ شَمَخَ بِأنْفِهِ: ارْتَفَعَ، شَبَّهَ المَعْنى بِالجِرْمِ (وأسْقَيْناكم): جَعَلْناهُ سُقْيًا لِمَزارِعِكم ومَنافِعِكم.

المرسلات 77:21

﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾: أيْ أُذْهِبَ نُورُها فاسْتَوَتْ مَعَ جِرْمِ السَّماءِ، أوْ عُبِّرَ عَنْ إلْحاقِ ذَواتِها بِالطَّمْسِ، وهو انْتِثارُها وانْكِدارُها، أوْ أُذْهِبَ نُورُها ثُمَّ انْتَثَرَتْ مَمْحُوقَةَ النُّورِ ﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾: أيْ صارَ فِيها فُرُوجٌ بِانْفِطارٍ، وقَرَأ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: طُمِّسَتْ، فُرِّجَتْ بِشَدِّ المِيمِ والرّاءِ، والجُمْهُورُ: بِخَفِّهِما ﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾: أيْ فَرَّقَتْها الرِّياحُ، وذَلِكَ بَعْدَ التَّسْيِيرِ وقَبْلَ كَوْنِها هَباءً، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أُقِّتَتْ) بِالهَمْزِ وشَدِّ القافِ، وبِتَخْفِيفِ القافِ والهَمْزِ النَّخَعِيُّ، والحَسَنُ، وعِيسى، وخالِدٌ. وقَرَأ أبُو الأشْهَبِ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وعِيسى أيْضًا وأبُو عَمْرٍو: بِالواوِ وشَدِّ القافِ. قالَ عِيسى: وهي لُغَةُ سُفْلى مُضَرَ. وعَبْدُ اللَّهِ والحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ: بِواوٍ واحِدَةٍ وخَفِّ القافِ، والحَسَنُ أيْضًا: وُوقِتَتْ بِواوَيْنِ عَلى وزْنِ فُوعِلَتْ، والمَعْنى: جُعِلَ لَها وقْتٌ مُنْتَظَرٌ فَحانَ وجاءَ، أوْ بَلَغَتْ مِيقاتَها الَّذِي كانَتْ تَنْتَظِرُهُ وهو يَوْمُ القِيامَةِ، والواوُ في هَذا كُلِّهِ أصْلٌ والهَمْزَةُ بَدَلٌ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْنى تَوْقِيتِ الرُّسُلِ: تَبْيِينُ وقْتِها الَّذِي يَحْضُرُونَ فِيهِ لِلشَّهادَةِ عَلى أُمَمِهِمْ، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ وتَقْدِيرُهُ: إذا كانَ كَذا وكَذا وقَعَ ما تُوعَدُونَ ﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾: تَعْظِيمٌ لِذَلِكَ اليَوْمِ، وتَعْجِيبٌ لِما يَقَعُ فِيهِ مِنَ الهَوْلِ والشِّدَّةِ. والتَّأْجِيلُ مِنَ الأجَلِ، أيْ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ أُخِّرَتْ ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾: أيْ بَيْنَ الخَلائِقِ (ويْلٌ): تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ في أوَّلِ ثانِي حِزْبٍ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ، يَوْمَئِذٍ: يَوْمَ إذْ طُمِسَتِ النُّجُومُ وكانَ ما بَعْدَها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ بِضَمِّ النُّونِ، وقَتادَةُ: بِفَتْحِها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن هَلَكَهُ بِمَعْنى أهْلَكَهُ. قالَ العَجّاجُ: ؎ومَهْمَهٍ هالِكِ مَن تَعَرَّجا انْتَهى، وخَرَّجَ بَعْضُهم ”هالِكِ مَن تَعَرَّجا“ عَلى أنَّ هالِكًا هو مِنَ اللّازِمِ، ومَن مَوْصُولٌ، فاسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ الصِّفَةَ المُشَبَّهَةَ بِاسْمِ الفاعِلِ قَدْ يَكُونُ مَعْمُولُها مَوْصُولًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نُتْبِعُهُمُ) بِضَمِّ العَيْنِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وهو وعْدٌ لِأهْلِ مَكَّةَ. ويُقَوِّي الِاسْتِئْنافَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: ثُمَّ سَنُتْبِعُهم بِسِينِ الِاسْتِقْبالِ، والأعْرَجُ، والعَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِإسْكانِها، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (نُهْلِكْ) واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ سُكِّنَ تَخْفِيفًا، كَما سُكِّنَ ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩] فَهو اسْتِئْنافٌ، فَعَلى الِاسْتِئْنافِ يَكُونُ ”الأوَّلِينَ“ الأُمَمَ الَّتِي تَقَدَّمَتْ قُرَيْشًا أجْمَعا، ويَكُونُ ”الآخِرِينَ“ مَن تَأخَّرَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ، وعَلى التَّشْرِيكِ يَكُونُ ”الأوَّلِينَ“ قَوْمَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ، عَلَيْهِما السَّلامُ، ومَن كانَ مَعَهم، ”والآخِرِينَ“ قَوْمَ فِرْعَوْنَ ومَن تَأخَّرَ وقَرُبَ مِن مُدَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . والإهْلاكُ هُنا إهْلاكُ العَذابِ والنَّكالِ، ولِذَلِكَ جاءَ ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ فَأتى بِالصِّفَةِ المُقْتَضِيَةِ لِإهْلاكِ العَذابِ وهي الإجْرامُ. ولَمّا ذَكَرَ إفْناءَ (p-٤٠٦)الأوَّلِينَ والآخِرِينَ ذَكَرَ ووَقَفَ عَلى أصْلِ الخِلْقَةِ الَّتِي يَقْتَضِي النَّظَرُ فِيها تَجْوِيزَ البَعْثِ ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾: أيْ ضَعِيفٍ هو مَنِيُّ الرَّجُلِ والمَرْأةِ ﴿فِي قَرارٍ مَكِينٍ﴾ وهو الرَّحِمُ ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وهو وقْتُ الوِلادَةِ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: فَقَدَّرْنا بِشَدِّ الدّالِ مِنَ التَّقْدِيرِ، كَما قالَ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس: ١٩] وباقِي السَّبْعَةِ: بِخَفِّها مِنَ القُدْرَةِ ؟ وانْتَصَبَ ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ بِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، أيْ يَكْفِتُ أحْياءً عَلى ظَهْرِها، وأمْواتًا في بَطْنِها، واسْتَدَلَّ بِهَذا مَن قالَ: إنَّ النَّبّاشَ يُقْطَعُ، لِأنَّ بَطْنَ الأرْضِ حِرْزٌ لِلْكَفَنِ، فَإذا نَبَشَ وأخَذَ مِنهُ فَهو سارِقٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: نَكْفِتُكم أحْياءً وأمْواتًا، فَيَنْتَصِبا عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ لِأنَّهُ قَدْ عُلِمَ أنَّها كِفاتُ الإنْسِ. انْتَهى. و(رَواسِيَ): جِبالًا ثابِتاتٍ ﴿شامِخاتٍ﴾: مُرْتَفِعاتٍ، ومِنهُ شَمَخَ بِأنْفِهِ: ارْتَفَعَ، شَبَّهَ المَعْنى بِالجِرْمِ (وأسْقَيْناكم): جَعَلْناهُ سُقْيًا لِمَزارِعِكم ومَنافِعِكم.

المرسلات 77:22

﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾: أيْ أُذْهِبَ نُورُها فاسْتَوَتْ مَعَ جِرْمِ السَّماءِ، أوْ عُبِّرَ عَنْ إلْحاقِ ذَواتِها بِالطَّمْسِ، وهو انْتِثارُها وانْكِدارُها، أوْ أُذْهِبَ نُورُها ثُمَّ انْتَثَرَتْ مَمْحُوقَةَ النُّورِ ﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾: أيْ صارَ فِيها فُرُوجٌ بِانْفِطارٍ، وقَرَأ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: طُمِّسَتْ، فُرِّجَتْ بِشَدِّ المِيمِ والرّاءِ، والجُمْهُورُ: بِخَفِّهِما ﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾: أيْ فَرَّقَتْها الرِّياحُ، وذَلِكَ بَعْدَ التَّسْيِيرِ وقَبْلَ كَوْنِها هَباءً، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أُقِّتَتْ) بِالهَمْزِ وشَدِّ القافِ، وبِتَخْفِيفِ القافِ والهَمْزِ النَّخَعِيُّ، والحَسَنُ، وعِيسى، وخالِدٌ. وقَرَأ أبُو الأشْهَبِ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وعِيسى أيْضًا وأبُو عَمْرٍو: بِالواوِ وشَدِّ القافِ. قالَ عِيسى: وهي لُغَةُ سُفْلى مُضَرَ. وعَبْدُ اللَّهِ والحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ: بِواوٍ واحِدَةٍ وخَفِّ القافِ، والحَسَنُ أيْضًا: وُوقِتَتْ بِواوَيْنِ عَلى وزْنِ فُوعِلَتْ، والمَعْنى: جُعِلَ لَها وقْتٌ مُنْتَظَرٌ فَحانَ وجاءَ، أوْ بَلَغَتْ مِيقاتَها الَّذِي كانَتْ تَنْتَظِرُهُ وهو يَوْمُ القِيامَةِ، والواوُ في هَذا كُلِّهِ أصْلٌ والهَمْزَةُ بَدَلٌ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْنى تَوْقِيتِ الرُّسُلِ: تَبْيِينُ وقْتِها الَّذِي يَحْضُرُونَ فِيهِ لِلشَّهادَةِ عَلى أُمَمِهِمْ، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ وتَقْدِيرُهُ: إذا كانَ كَذا وكَذا وقَعَ ما تُوعَدُونَ ﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾: تَعْظِيمٌ لِذَلِكَ اليَوْمِ، وتَعْجِيبٌ لِما يَقَعُ فِيهِ مِنَ الهَوْلِ والشِّدَّةِ. والتَّأْجِيلُ مِنَ الأجَلِ، أيْ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ أُخِّرَتْ ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾: أيْ بَيْنَ الخَلائِقِ (ويْلٌ): تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ في أوَّلِ ثانِي حِزْبٍ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ، يَوْمَئِذٍ: يَوْمَ إذْ طُمِسَتِ النُّجُومُ وكانَ ما بَعْدَها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ بِضَمِّ النُّونِ، وقَتادَةُ: بِفَتْحِها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن هَلَكَهُ بِمَعْنى أهْلَكَهُ. قالَ العَجّاجُ: ؎ومَهْمَهٍ هالِكِ مَن تَعَرَّجا انْتَهى، وخَرَّجَ بَعْضُهم ”هالِكِ مَن تَعَرَّجا“ عَلى أنَّ هالِكًا هو مِنَ اللّازِمِ، ومَن مَوْصُولٌ، فاسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ الصِّفَةَ المُشَبَّهَةَ بِاسْمِ الفاعِلِ قَدْ يَكُونُ مَعْمُولُها مَوْصُولًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نُتْبِعُهُمُ) بِضَمِّ العَيْنِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وهو وعْدٌ لِأهْلِ مَكَّةَ. ويُقَوِّي الِاسْتِئْنافَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: ثُمَّ سَنُتْبِعُهم بِسِينِ الِاسْتِقْبالِ، والأعْرَجُ، والعَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِإسْكانِها، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (نُهْلِكْ) واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ سُكِّنَ تَخْفِيفًا، كَما سُكِّنَ ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩] فَهو اسْتِئْنافٌ، فَعَلى الِاسْتِئْنافِ يَكُونُ ”الأوَّلِينَ“ الأُمَمَ الَّتِي تَقَدَّمَتْ قُرَيْشًا أجْمَعا، ويَكُونُ ”الآخِرِينَ“ مَن تَأخَّرَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ، وعَلى التَّشْرِيكِ يَكُونُ ”الأوَّلِينَ“ قَوْمَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ، عَلَيْهِما السَّلامُ، ومَن كانَ مَعَهم، ”والآخِرِينَ“ قَوْمَ فِرْعَوْنَ ومَن تَأخَّرَ وقَرُبَ مِن مُدَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . والإهْلاكُ هُنا إهْلاكُ العَذابِ والنَّكالِ، ولِذَلِكَ جاءَ ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ فَأتى بِالصِّفَةِ المُقْتَضِيَةِ لِإهْلاكِ العَذابِ وهي الإجْرامُ. ولَمّا ذَكَرَ إفْناءَ (p-٤٠٦)الأوَّلِينَ والآخِرِينَ ذَكَرَ ووَقَفَ عَلى أصْلِ الخِلْقَةِ الَّتِي يَقْتَضِي النَّظَرُ فِيها تَجْوِيزَ البَعْثِ ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾: أيْ ضَعِيفٍ هو مَنِيُّ الرَّجُلِ والمَرْأةِ ﴿فِي قَرارٍ مَكِينٍ﴾ وهو الرَّحِمُ ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وهو وقْتُ الوِلادَةِ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: فَقَدَّرْنا بِشَدِّ الدّالِ مِنَ التَّقْدِيرِ، كَما قالَ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس: ١٩] وباقِي السَّبْعَةِ: بِخَفِّها مِنَ القُدْرَةِ ؟ وانْتَصَبَ ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ بِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، أيْ يَكْفِتُ أحْياءً عَلى ظَهْرِها، وأمْواتًا في بَطْنِها، واسْتَدَلَّ بِهَذا مَن قالَ: إنَّ النَّبّاشَ يُقْطَعُ، لِأنَّ بَطْنَ الأرْضِ حِرْزٌ لِلْكَفَنِ، فَإذا نَبَشَ وأخَذَ مِنهُ فَهو سارِقٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: نَكْفِتُكم أحْياءً وأمْواتًا، فَيَنْتَصِبا عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ لِأنَّهُ قَدْ عُلِمَ أنَّها كِفاتُ الإنْسِ. انْتَهى. و(رَواسِيَ): جِبالًا ثابِتاتٍ ﴿شامِخاتٍ﴾: مُرْتَفِعاتٍ، ومِنهُ شَمَخَ بِأنْفِهِ: ارْتَفَعَ، شَبَّهَ المَعْنى بِالجِرْمِ (وأسْقَيْناكم): جَعَلْناهُ سُقْيًا لِمَزارِعِكم ومَنافِعِكم.

المرسلات 77:23

﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾: أيْ أُذْهِبَ نُورُها فاسْتَوَتْ مَعَ جِرْمِ السَّماءِ، أوْ عُبِّرَ عَنْ إلْحاقِ ذَواتِها بِالطَّمْسِ، وهو انْتِثارُها وانْكِدارُها، أوْ أُذْهِبَ نُورُها ثُمَّ انْتَثَرَتْ مَمْحُوقَةَ النُّورِ ﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾: أيْ صارَ فِيها فُرُوجٌ بِانْفِطارٍ، وقَرَأ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: طُمِّسَتْ، فُرِّجَتْ بِشَدِّ المِيمِ والرّاءِ، والجُمْهُورُ: بِخَفِّهِما ﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾: أيْ فَرَّقَتْها الرِّياحُ، وذَلِكَ بَعْدَ التَّسْيِيرِ وقَبْلَ كَوْنِها هَباءً، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أُقِّتَتْ) بِالهَمْزِ وشَدِّ القافِ، وبِتَخْفِيفِ القافِ والهَمْزِ النَّخَعِيُّ، والحَسَنُ، وعِيسى، وخالِدٌ. وقَرَأ أبُو الأشْهَبِ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وعِيسى أيْضًا وأبُو عَمْرٍو: بِالواوِ وشَدِّ القافِ. قالَ عِيسى: وهي لُغَةُ سُفْلى مُضَرَ. وعَبْدُ اللَّهِ والحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ: بِواوٍ واحِدَةٍ وخَفِّ القافِ، والحَسَنُ أيْضًا: وُوقِتَتْ بِواوَيْنِ عَلى وزْنِ فُوعِلَتْ، والمَعْنى: جُعِلَ لَها وقْتٌ مُنْتَظَرٌ فَحانَ وجاءَ، أوْ بَلَغَتْ مِيقاتَها الَّذِي كانَتْ تَنْتَظِرُهُ وهو يَوْمُ القِيامَةِ، والواوُ في هَذا كُلِّهِ أصْلٌ والهَمْزَةُ بَدَلٌ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْنى تَوْقِيتِ الرُّسُلِ: تَبْيِينُ وقْتِها الَّذِي يَحْضُرُونَ فِيهِ لِلشَّهادَةِ عَلى أُمَمِهِمْ، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ وتَقْدِيرُهُ: إذا كانَ كَذا وكَذا وقَعَ ما تُوعَدُونَ ﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾: تَعْظِيمٌ لِذَلِكَ اليَوْمِ، وتَعْجِيبٌ لِما يَقَعُ فِيهِ مِنَ الهَوْلِ والشِّدَّةِ. والتَّأْجِيلُ مِنَ الأجَلِ، أيْ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ أُخِّرَتْ ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾: أيْ بَيْنَ الخَلائِقِ (ويْلٌ): تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ في أوَّلِ ثانِي حِزْبٍ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ، يَوْمَئِذٍ: يَوْمَ إذْ طُمِسَتِ النُّجُومُ وكانَ ما بَعْدَها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ بِضَمِّ النُّونِ، وقَتادَةُ: بِفَتْحِها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن هَلَكَهُ بِمَعْنى أهْلَكَهُ. قالَ العَجّاجُ: ؎ومَهْمَهٍ هالِكِ مَن تَعَرَّجا انْتَهى، وخَرَّجَ بَعْضُهم ”هالِكِ مَن تَعَرَّجا“ عَلى أنَّ هالِكًا هو مِنَ اللّازِمِ، ومَن مَوْصُولٌ، فاسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ الصِّفَةَ المُشَبَّهَةَ بِاسْمِ الفاعِلِ قَدْ يَكُونُ مَعْمُولُها مَوْصُولًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نُتْبِعُهُمُ) بِضَمِّ العَيْنِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وهو وعْدٌ لِأهْلِ مَكَّةَ. ويُقَوِّي الِاسْتِئْنافَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: ثُمَّ سَنُتْبِعُهم بِسِينِ الِاسْتِقْبالِ، والأعْرَجُ، والعَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِإسْكانِها، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (نُهْلِكْ) واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ سُكِّنَ تَخْفِيفًا، كَما سُكِّنَ ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩] فَهو اسْتِئْنافٌ، فَعَلى الِاسْتِئْنافِ يَكُونُ ”الأوَّلِينَ“ الأُمَمَ الَّتِي تَقَدَّمَتْ قُرَيْشًا أجْمَعا، ويَكُونُ ”الآخِرِينَ“ مَن تَأخَّرَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ، وعَلى التَّشْرِيكِ يَكُونُ ”الأوَّلِينَ“ قَوْمَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ، عَلَيْهِما السَّلامُ، ومَن كانَ مَعَهم، ”والآخِرِينَ“ قَوْمَ فِرْعَوْنَ ومَن تَأخَّرَ وقَرُبَ مِن مُدَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . والإهْلاكُ هُنا إهْلاكُ العَذابِ والنَّكالِ، ولِذَلِكَ جاءَ ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ فَأتى بِالصِّفَةِ المُقْتَضِيَةِ لِإهْلاكِ العَذابِ وهي الإجْرامُ. ولَمّا ذَكَرَ إفْناءَ (p-٤٠٦)الأوَّلِينَ والآخِرِينَ ذَكَرَ ووَقَفَ عَلى أصْلِ الخِلْقَةِ الَّتِي يَقْتَضِي النَّظَرُ فِيها تَجْوِيزَ البَعْثِ ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾: أيْ ضَعِيفٍ هو مَنِيُّ الرَّجُلِ والمَرْأةِ ﴿فِي قَرارٍ مَكِينٍ﴾ وهو الرَّحِمُ ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وهو وقْتُ الوِلادَةِ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: فَقَدَّرْنا بِشَدِّ الدّالِ مِنَ التَّقْدِيرِ، كَما قالَ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس: ١٩] وباقِي السَّبْعَةِ: بِخَفِّها مِنَ القُدْرَةِ ؟ وانْتَصَبَ ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ بِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، أيْ يَكْفِتُ أحْياءً عَلى ظَهْرِها، وأمْواتًا في بَطْنِها، واسْتَدَلَّ بِهَذا مَن قالَ: إنَّ النَّبّاشَ يُقْطَعُ، لِأنَّ بَطْنَ الأرْضِ حِرْزٌ لِلْكَفَنِ، فَإذا نَبَشَ وأخَذَ مِنهُ فَهو سارِقٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: نَكْفِتُكم أحْياءً وأمْواتًا، فَيَنْتَصِبا عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ لِأنَّهُ قَدْ عُلِمَ أنَّها كِفاتُ الإنْسِ. انْتَهى. و(رَواسِيَ): جِبالًا ثابِتاتٍ ﴿شامِخاتٍ﴾: مُرْتَفِعاتٍ، ومِنهُ شَمَخَ بِأنْفِهِ: ارْتَفَعَ، شَبَّهَ المَعْنى بِالجِرْمِ (وأسْقَيْناكم): جَعَلْناهُ سُقْيًا لِمَزارِعِكم ومَنافِعِكم.

المرسلات 77:24

﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾: أيْ أُذْهِبَ نُورُها فاسْتَوَتْ مَعَ جِرْمِ السَّماءِ، أوْ عُبِّرَ عَنْ إلْحاقِ ذَواتِها بِالطَّمْسِ، وهو انْتِثارُها وانْكِدارُها، أوْ أُذْهِبَ نُورُها ثُمَّ انْتَثَرَتْ مَمْحُوقَةَ النُّورِ ﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾: أيْ صارَ فِيها فُرُوجٌ بِانْفِطارٍ، وقَرَأ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: طُمِّسَتْ، فُرِّجَتْ بِشَدِّ المِيمِ والرّاءِ، والجُمْهُورُ: بِخَفِّهِما ﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾: أيْ فَرَّقَتْها الرِّياحُ، وذَلِكَ بَعْدَ التَّسْيِيرِ وقَبْلَ كَوْنِها هَباءً، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أُقِّتَتْ) بِالهَمْزِ وشَدِّ القافِ، وبِتَخْفِيفِ القافِ والهَمْزِ النَّخَعِيُّ، والحَسَنُ، وعِيسى، وخالِدٌ. وقَرَأ أبُو الأشْهَبِ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وعِيسى أيْضًا وأبُو عَمْرٍو: بِالواوِ وشَدِّ القافِ. قالَ عِيسى: وهي لُغَةُ سُفْلى مُضَرَ. وعَبْدُ اللَّهِ والحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ: بِواوٍ واحِدَةٍ وخَفِّ القافِ، والحَسَنُ أيْضًا: وُوقِتَتْ بِواوَيْنِ عَلى وزْنِ فُوعِلَتْ، والمَعْنى: جُعِلَ لَها وقْتٌ مُنْتَظَرٌ فَحانَ وجاءَ، أوْ بَلَغَتْ مِيقاتَها الَّذِي كانَتْ تَنْتَظِرُهُ وهو يَوْمُ القِيامَةِ، والواوُ في هَذا كُلِّهِ أصْلٌ والهَمْزَةُ بَدَلٌ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْنى تَوْقِيتِ الرُّسُلِ: تَبْيِينُ وقْتِها الَّذِي يَحْضُرُونَ فِيهِ لِلشَّهادَةِ عَلى أُمَمِهِمْ، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ وتَقْدِيرُهُ: إذا كانَ كَذا وكَذا وقَعَ ما تُوعَدُونَ ﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾: تَعْظِيمٌ لِذَلِكَ اليَوْمِ، وتَعْجِيبٌ لِما يَقَعُ فِيهِ مِنَ الهَوْلِ والشِّدَّةِ. والتَّأْجِيلُ مِنَ الأجَلِ، أيْ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ أُخِّرَتْ ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾: أيْ بَيْنَ الخَلائِقِ (ويْلٌ): تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ في أوَّلِ ثانِي حِزْبٍ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ، يَوْمَئِذٍ: يَوْمَ إذْ طُمِسَتِ النُّجُومُ وكانَ ما بَعْدَها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ بِضَمِّ النُّونِ، وقَتادَةُ: بِفَتْحِها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن هَلَكَهُ بِمَعْنى أهْلَكَهُ. قالَ العَجّاجُ: ؎ومَهْمَهٍ هالِكِ مَن تَعَرَّجا انْتَهى، وخَرَّجَ بَعْضُهم ”هالِكِ مَن تَعَرَّجا“ عَلى أنَّ هالِكًا هو مِنَ اللّازِمِ، ومَن مَوْصُولٌ، فاسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ الصِّفَةَ المُشَبَّهَةَ بِاسْمِ الفاعِلِ قَدْ يَكُونُ مَعْمُولُها مَوْصُولًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نُتْبِعُهُمُ) بِضَمِّ العَيْنِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وهو وعْدٌ لِأهْلِ مَكَّةَ. ويُقَوِّي الِاسْتِئْنافَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: ثُمَّ سَنُتْبِعُهم بِسِينِ الِاسْتِقْبالِ، والأعْرَجُ، والعَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِإسْكانِها، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (نُهْلِكْ) واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ سُكِّنَ تَخْفِيفًا، كَما سُكِّنَ ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩] فَهو اسْتِئْنافٌ، فَعَلى الِاسْتِئْنافِ يَكُونُ ”الأوَّلِينَ“ الأُمَمَ الَّتِي تَقَدَّمَتْ قُرَيْشًا أجْمَعا، ويَكُونُ ”الآخِرِينَ“ مَن تَأخَّرَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ، وعَلى التَّشْرِيكِ يَكُونُ ”الأوَّلِينَ“ قَوْمَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ، عَلَيْهِما السَّلامُ، ومَن كانَ مَعَهم، ”والآخِرِينَ“ قَوْمَ فِرْعَوْنَ ومَن تَأخَّرَ وقَرُبَ مِن مُدَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . والإهْلاكُ هُنا إهْلاكُ العَذابِ والنَّكالِ، ولِذَلِكَ جاءَ ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ فَأتى بِالصِّفَةِ المُقْتَضِيَةِ لِإهْلاكِ العَذابِ وهي الإجْرامُ. ولَمّا ذَكَرَ إفْناءَ (p-٤٠٦)الأوَّلِينَ والآخِرِينَ ذَكَرَ ووَقَفَ عَلى أصْلِ الخِلْقَةِ الَّتِي يَقْتَضِي النَّظَرُ فِيها تَجْوِيزَ البَعْثِ ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾: أيْ ضَعِيفٍ هو مَنِيُّ الرَّجُلِ والمَرْأةِ ﴿فِي قَرارٍ مَكِينٍ﴾ وهو الرَّحِمُ ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وهو وقْتُ الوِلادَةِ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: فَقَدَّرْنا بِشَدِّ الدّالِ مِنَ التَّقْدِيرِ، كَما قالَ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس: ١٩] وباقِي السَّبْعَةِ: بِخَفِّها مِنَ القُدْرَةِ ؟ وانْتَصَبَ ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ بِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، أيْ يَكْفِتُ أحْياءً عَلى ظَهْرِها، وأمْواتًا في بَطْنِها، واسْتَدَلَّ بِهَذا مَن قالَ: إنَّ النَّبّاشَ يُقْطَعُ، لِأنَّ بَطْنَ الأرْضِ حِرْزٌ لِلْكَفَنِ، فَإذا نَبَشَ وأخَذَ مِنهُ فَهو سارِقٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: نَكْفِتُكم أحْياءً وأمْواتًا، فَيَنْتَصِبا عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ لِأنَّهُ قَدْ عُلِمَ أنَّها كِفاتُ الإنْسِ. انْتَهى. و(رَواسِيَ): جِبالًا ثابِتاتٍ ﴿شامِخاتٍ﴾: مُرْتَفِعاتٍ، ومِنهُ شَمَخَ بِأنْفِهِ: ارْتَفَعَ، شَبَّهَ المَعْنى بِالجِرْمِ (وأسْقَيْناكم): جَعَلْناهُ سُقْيًا لِمَزارِعِكم ومَنافِعِكم.

المرسلات 77:25

﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾: أيْ أُذْهِبَ نُورُها فاسْتَوَتْ مَعَ جِرْمِ السَّماءِ، أوْ عُبِّرَ عَنْ إلْحاقِ ذَواتِها بِالطَّمْسِ، وهو انْتِثارُها وانْكِدارُها، أوْ أُذْهِبَ نُورُها ثُمَّ انْتَثَرَتْ مَمْحُوقَةَ النُّورِ ﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾: أيْ صارَ فِيها فُرُوجٌ بِانْفِطارٍ، وقَرَأ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: طُمِّسَتْ، فُرِّجَتْ بِشَدِّ المِيمِ والرّاءِ، والجُمْهُورُ: بِخَفِّهِما ﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾: أيْ فَرَّقَتْها الرِّياحُ، وذَلِكَ بَعْدَ التَّسْيِيرِ وقَبْلَ كَوْنِها هَباءً، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أُقِّتَتْ) بِالهَمْزِ وشَدِّ القافِ، وبِتَخْفِيفِ القافِ والهَمْزِ النَّخَعِيُّ، والحَسَنُ، وعِيسى، وخالِدٌ. وقَرَأ أبُو الأشْهَبِ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وعِيسى أيْضًا وأبُو عَمْرٍو: بِالواوِ وشَدِّ القافِ. قالَ عِيسى: وهي لُغَةُ سُفْلى مُضَرَ. وعَبْدُ اللَّهِ والحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ: بِواوٍ واحِدَةٍ وخَفِّ القافِ، والحَسَنُ أيْضًا: وُوقِتَتْ بِواوَيْنِ عَلى وزْنِ فُوعِلَتْ، والمَعْنى: جُعِلَ لَها وقْتٌ مُنْتَظَرٌ فَحانَ وجاءَ، أوْ بَلَغَتْ مِيقاتَها الَّذِي كانَتْ تَنْتَظِرُهُ وهو يَوْمُ القِيامَةِ، والواوُ في هَذا كُلِّهِ أصْلٌ والهَمْزَةُ بَدَلٌ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْنى تَوْقِيتِ الرُّسُلِ: تَبْيِينُ وقْتِها الَّذِي يَحْضُرُونَ فِيهِ لِلشَّهادَةِ عَلى أُمَمِهِمْ، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ وتَقْدِيرُهُ: إذا كانَ كَذا وكَذا وقَعَ ما تُوعَدُونَ ﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾: تَعْظِيمٌ لِذَلِكَ اليَوْمِ، وتَعْجِيبٌ لِما يَقَعُ فِيهِ مِنَ الهَوْلِ والشِّدَّةِ. والتَّأْجِيلُ مِنَ الأجَلِ، أيْ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ أُخِّرَتْ ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾: أيْ بَيْنَ الخَلائِقِ (ويْلٌ): تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ في أوَّلِ ثانِي حِزْبٍ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ، يَوْمَئِذٍ: يَوْمَ إذْ طُمِسَتِ النُّجُومُ وكانَ ما بَعْدَها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ بِضَمِّ النُّونِ، وقَتادَةُ: بِفَتْحِها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن هَلَكَهُ بِمَعْنى أهْلَكَهُ. قالَ العَجّاجُ: ؎ومَهْمَهٍ هالِكِ مَن تَعَرَّجا انْتَهى، وخَرَّجَ بَعْضُهم ”هالِكِ مَن تَعَرَّجا“ عَلى أنَّ هالِكًا هو مِنَ اللّازِمِ، ومَن مَوْصُولٌ، فاسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ الصِّفَةَ المُشَبَّهَةَ بِاسْمِ الفاعِلِ قَدْ يَكُونُ مَعْمُولُها مَوْصُولًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نُتْبِعُهُمُ) بِضَمِّ العَيْنِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وهو وعْدٌ لِأهْلِ مَكَّةَ. ويُقَوِّي الِاسْتِئْنافَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: ثُمَّ سَنُتْبِعُهم بِسِينِ الِاسْتِقْبالِ، والأعْرَجُ، والعَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِإسْكانِها، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (نُهْلِكْ) واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ سُكِّنَ تَخْفِيفًا، كَما سُكِّنَ ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩] فَهو اسْتِئْنافٌ، فَعَلى الِاسْتِئْنافِ يَكُونُ ”الأوَّلِينَ“ الأُمَمَ الَّتِي تَقَدَّمَتْ قُرَيْشًا أجْمَعا، ويَكُونُ ”الآخِرِينَ“ مَن تَأخَّرَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ، وعَلى التَّشْرِيكِ يَكُونُ ”الأوَّلِينَ“ قَوْمَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ، عَلَيْهِما السَّلامُ، ومَن كانَ مَعَهم، ”والآخِرِينَ“ قَوْمَ فِرْعَوْنَ ومَن تَأخَّرَ وقَرُبَ مِن مُدَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . والإهْلاكُ هُنا إهْلاكُ العَذابِ والنَّكالِ، ولِذَلِكَ جاءَ ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ فَأتى بِالصِّفَةِ المُقْتَضِيَةِ لِإهْلاكِ العَذابِ وهي الإجْرامُ. ولَمّا ذَكَرَ إفْناءَ (p-٤٠٦)الأوَّلِينَ والآخِرِينَ ذَكَرَ ووَقَفَ عَلى أصْلِ الخِلْقَةِ الَّتِي يَقْتَضِي النَّظَرُ فِيها تَجْوِيزَ البَعْثِ ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾: أيْ ضَعِيفٍ هو مَنِيُّ الرَّجُلِ والمَرْأةِ ﴿فِي قَرارٍ مَكِينٍ﴾ وهو الرَّحِمُ ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وهو وقْتُ الوِلادَةِ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: فَقَدَّرْنا بِشَدِّ الدّالِ مِنَ التَّقْدِيرِ، كَما قالَ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس: ١٩] وباقِي السَّبْعَةِ: بِخَفِّها مِنَ القُدْرَةِ ؟ وانْتَصَبَ ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ بِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، أيْ يَكْفِتُ أحْياءً عَلى ظَهْرِها، وأمْواتًا في بَطْنِها، واسْتَدَلَّ بِهَذا مَن قالَ: إنَّ النَّبّاشَ يُقْطَعُ، لِأنَّ بَطْنَ الأرْضِ حِرْزٌ لِلْكَفَنِ، فَإذا نَبَشَ وأخَذَ مِنهُ فَهو سارِقٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: نَكْفِتُكم أحْياءً وأمْواتًا، فَيَنْتَصِبا عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ لِأنَّهُ قَدْ عُلِمَ أنَّها كِفاتُ الإنْسِ. انْتَهى. و(رَواسِيَ): جِبالًا ثابِتاتٍ ﴿شامِخاتٍ﴾: مُرْتَفِعاتٍ، ومِنهُ شَمَخَ بِأنْفِهِ: ارْتَفَعَ، شَبَّهَ المَعْنى بِالجِرْمِ (وأسْقَيْناكم): جَعَلْناهُ سُقْيًا لِمَزارِعِكم ومَنافِعِكم.

المرسلات 77:26

﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾: أيْ أُذْهِبَ نُورُها فاسْتَوَتْ مَعَ جِرْمِ السَّماءِ، أوْ عُبِّرَ عَنْ إلْحاقِ ذَواتِها بِالطَّمْسِ، وهو انْتِثارُها وانْكِدارُها، أوْ أُذْهِبَ نُورُها ثُمَّ انْتَثَرَتْ مَمْحُوقَةَ النُّورِ ﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾: أيْ صارَ فِيها فُرُوجٌ بِانْفِطارٍ، وقَرَأ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: طُمِّسَتْ، فُرِّجَتْ بِشَدِّ المِيمِ والرّاءِ، والجُمْهُورُ: بِخَفِّهِما ﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾: أيْ فَرَّقَتْها الرِّياحُ، وذَلِكَ بَعْدَ التَّسْيِيرِ وقَبْلَ كَوْنِها هَباءً، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أُقِّتَتْ) بِالهَمْزِ وشَدِّ القافِ، وبِتَخْفِيفِ القافِ والهَمْزِ النَّخَعِيُّ، والحَسَنُ، وعِيسى، وخالِدٌ. وقَرَأ أبُو الأشْهَبِ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وعِيسى أيْضًا وأبُو عَمْرٍو: بِالواوِ وشَدِّ القافِ. قالَ عِيسى: وهي لُغَةُ سُفْلى مُضَرَ. وعَبْدُ اللَّهِ والحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ: بِواوٍ واحِدَةٍ وخَفِّ القافِ، والحَسَنُ أيْضًا: وُوقِتَتْ بِواوَيْنِ عَلى وزْنِ فُوعِلَتْ، والمَعْنى: جُعِلَ لَها وقْتٌ مُنْتَظَرٌ فَحانَ وجاءَ، أوْ بَلَغَتْ مِيقاتَها الَّذِي كانَتْ تَنْتَظِرُهُ وهو يَوْمُ القِيامَةِ، والواوُ في هَذا كُلِّهِ أصْلٌ والهَمْزَةُ بَدَلٌ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْنى تَوْقِيتِ الرُّسُلِ: تَبْيِينُ وقْتِها الَّذِي يَحْضُرُونَ فِيهِ لِلشَّهادَةِ عَلى أُمَمِهِمْ، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ وتَقْدِيرُهُ: إذا كانَ كَذا وكَذا وقَعَ ما تُوعَدُونَ ﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾: تَعْظِيمٌ لِذَلِكَ اليَوْمِ، وتَعْجِيبٌ لِما يَقَعُ فِيهِ مِنَ الهَوْلِ والشِّدَّةِ. والتَّأْجِيلُ مِنَ الأجَلِ، أيْ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ أُخِّرَتْ ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾: أيْ بَيْنَ الخَلائِقِ (ويْلٌ): تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ في أوَّلِ ثانِي حِزْبٍ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ، يَوْمَئِذٍ: يَوْمَ إذْ طُمِسَتِ النُّجُومُ وكانَ ما بَعْدَها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ بِضَمِّ النُّونِ، وقَتادَةُ: بِفَتْحِها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن هَلَكَهُ بِمَعْنى أهْلَكَهُ. قالَ العَجّاجُ: ؎ومَهْمَهٍ هالِكِ مَن تَعَرَّجا انْتَهى، وخَرَّجَ بَعْضُهم ”هالِكِ مَن تَعَرَّجا“ عَلى أنَّ هالِكًا هو مِنَ اللّازِمِ، ومَن مَوْصُولٌ، فاسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ الصِّفَةَ المُشَبَّهَةَ بِاسْمِ الفاعِلِ قَدْ يَكُونُ مَعْمُولُها مَوْصُولًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نُتْبِعُهُمُ) بِضَمِّ العَيْنِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وهو وعْدٌ لِأهْلِ مَكَّةَ. ويُقَوِّي الِاسْتِئْنافَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: ثُمَّ سَنُتْبِعُهم بِسِينِ الِاسْتِقْبالِ، والأعْرَجُ، والعَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِإسْكانِها، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (نُهْلِكْ) واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ سُكِّنَ تَخْفِيفًا، كَما سُكِّنَ ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩] فَهو اسْتِئْنافٌ، فَعَلى الِاسْتِئْنافِ يَكُونُ ”الأوَّلِينَ“ الأُمَمَ الَّتِي تَقَدَّمَتْ قُرَيْشًا أجْمَعا، ويَكُونُ ”الآخِرِينَ“ مَن تَأخَّرَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ، وعَلى التَّشْرِيكِ يَكُونُ ”الأوَّلِينَ“ قَوْمَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ، عَلَيْهِما السَّلامُ، ومَن كانَ مَعَهم، ”والآخِرِينَ“ قَوْمَ فِرْعَوْنَ ومَن تَأخَّرَ وقَرُبَ مِن مُدَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . والإهْلاكُ هُنا إهْلاكُ العَذابِ والنَّكالِ، ولِذَلِكَ جاءَ ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ فَأتى بِالصِّفَةِ المُقْتَضِيَةِ لِإهْلاكِ العَذابِ وهي الإجْرامُ. ولَمّا ذَكَرَ إفْناءَ (p-٤٠٦)الأوَّلِينَ والآخِرِينَ ذَكَرَ ووَقَفَ عَلى أصْلِ الخِلْقَةِ الَّتِي يَقْتَضِي النَّظَرُ فِيها تَجْوِيزَ البَعْثِ ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾: أيْ ضَعِيفٍ هو مَنِيُّ الرَّجُلِ والمَرْأةِ ﴿فِي قَرارٍ مَكِينٍ﴾ وهو الرَّحِمُ ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وهو وقْتُ الوِلادَةِ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: فَقَدَّرْنا بِشَدِّ الدّالِ مِنَ التَّقْدِيرِ، كَما قالَ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس: ١٩] وباقِي السَّبْعَةِ: بِخَفِّها مِنَ القُدْرَةِ ؟ وانْتَصَبَ ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ بِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، أيْ يَكْفِتُ أحْياءً عَلى ظَهْرِها، وأمْواتًا في بَطْنِها، واسْتَدَلَّ بِهَذا مَن قالَ: إنَّ النَّبّاشَ يُقْطَعُ، لِأنَّ بَطْنَ الأرْضِ حِرْزٌ لِلْكَفَنِ، فَإذا نَبَشَ وأخَذَ مِنهُ فَهو سارِقٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: نَكْفِتُكم أحْياءً وأمْواتًا، فَيَنْتَصِبا عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ لِأنَّهُ قَدْ عُلِمَ أنَّها كِفاتُ الإنْسِ. انْتَهى. و(رَواسِيَ): جِبالًا ثابِتاتٍ ﴿شامِخاتٍ﴾: مُرْتَفِعاتٍ، ومِنهُ شَمَخَ بِأنْفِهِ: ارْتَفَعَ، شَبَّهَ المَعْنى بِالجِرْمِ (وأسْقَيْناكم): جَعَلْناهُ سُقْيًا لِمَزارِعِكم ومَنافِعِكم.

المرسلات 77:27

﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾: أيْ أُذْهِبَ نُورُها فاسْتَوَتْ مَعَ جِرْمِ السَّماءِ، أوْ عُبِّرَ عَنْ إلْحاقِ ذَواتِها بِالطَّمْسِ، وهو انْتِثارُها وانْكِدارُها، أوْ أُذْهِبَ نُورُها ثُمَّ انْتَثَرَتْ مَمْحُوقَةَ النُّورِ ﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾: أيْ صارَ فِيها فُرُوجٌ بِانْفِطارٍ، وقَرَأ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: طُمِّسَتْ، فُرِّجَتْ بِشَدِّ المِيمِ والرّاءِ، والجُمْهُورُ: بِخَفِّهِما ﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾: أيْ فَرَّقَتْها الرِّياحُ، وذَلِكَ بَعْدَ التَّسْيِيرِ وقَبْلَ كَوْنِها هَباءً، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أُقِّتَتْ) بِالهَمْزِ وشَدِّ القافِ، وبِتَخْفِيفِ القافِ والهَمْزِ النَّخَعِيُّ، والحَسَنُ، وعِيسى، وخالِدٌ. وقَرَأ أبُو الأشْهَبِ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وعِيسى أيْضًا وأبُو عَمْرٍو: بِالواوِ وشَدِّ القافِ. قالَ عِيسى: وهي لُغَةُ سُفْلى مُضَرَ. وعَبْدُ اللَّهِ والحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ: بِواوٍ واحِدَةٍ وخَفِّ القافِ، والحَسَنُ أيْضًا: وُوقِتَتْ بِواوَيْنِ عَلى وزْنِ فُوعِلَتْ، والمَعْنى: جُعِلَ لَها وقْتٌ مُنْتَظَرٌ فَحانَ وجاءَ، أوْ بَلَغَتْ مِيقاتَها الَّذِي كانَتْ تَنْتَظِرُهُ وهو يَوْمُ القِيامَةِ، والواوُ في هَذا كُلِّهِ أصْلٌ والهَمْزَةُ بَدَلٌ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْنى تَوْقِيتِ الرُّسُلِ: تَبْيِينُ وقْتِها الَّذِي يَحْضُرُونَ فِيهِ لِلشَّهادَةِ عَلى أُمَمِهِمْ، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ وتَقْدِيرُهُ: إذا كانَ كَذا وكَذا وقَعَ ما تُوعَدُونَ ﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾: تَعْظِيمٌ لِذَلِكَ اليَوْمِ، وتَعْجِيبٌ لِما يَقَعُ فِيهِ مِنَ الهَوْلِ والشِّدَّةِ. والتَّأْجِيلُ مِنَ الأجَلِ، أيْ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ أُخِّرَتْ ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾: أيْ بَيْنَ الخَلائِقِ (ويْلٌ): تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ في أوَّلِ ثانِي حِزْبٍ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ، يَوْمَئِذٍ: يَوْمَ إذْ طُمِسَتِ النُّجُومُ وكانَ ما بَعْدَها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ بِضَمِّ النُّونِ، وقَتادَةُ: بِفَتْحِها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن هَلَكَهُ بِمَعْنى أهْلَكَهُ. قالَ العَجّاجُ: ؎ومَهْمَهٍ هالِكِ مَن تَعَرَّجا انْتَهى، وخَرَّجَ بَعْضُهم ”هالِكِ مَن تَعَرَّجا“ عَلى أنَّ هالِكًا هو مِنَ اللّازِمِ، ومَن مَوْصُولٌ، فاسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ الصِّفَةَ المُشَبَّهَةَ بِاسْمِ الفاعِلِ قَدْ يَكُونُ مَعْمُولُها مَوْصُولًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نُتْبِعُهُمُ) بِضَمِّ العَيْنِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وهو وعْدٌ لِأهْلِ مَكَّةَ. ويُقَوِّي الِاسْتِئْنافَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: ثُمَّ سَنُتْبِعُهم بِسِينِ الِاسْتِقْبالِ، والأعْرَجُ، والعَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِإسْكانِها، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (نُهْلِكْ) واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ سُكِّنَ تَخْفِيفًا، كَما سُكِّنَ ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩] فَهو اسْتِئْنافٌ، فَعَلى الِاسْتِئْنافِ يَكُونُ ”الأوَّلِينَ“ الأُمَمَ الَّتِي تَقَدَّمَتْ قُرَيْشًا أجْمَعا، ويَكُونُ ”الآخِرِينَ“ مَن تَأخَّرَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ، وعَلى التَّشْرِيكِ يَكُونُ ”الأوَّلِينَ“ قَوْمَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ، عَلَيْهِما السَّلامُ، ومَن كانَ مَعَهم، ”والآخِرِينَ“ قَوْمَ فِرْعَوْنَ ومَن تَأخَّرَ وقَرُبَ مِن مُدَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . والإهْلاكُ هُنا إهْلاكُ العَذابِ والنَّكالِ، ولِذَلِكَ جاءَ ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ فَأتى بِالصِّفَةِ المُقْتَضِيَةِ لِإهْلاكِ العَذابِ وهي الإجْرامُ. ولَمّا ذَكَرَ إفْناءَ (p-٤٠٦)الأوَّلِينَ والآخِرِينَ ذَكَرَ ووَقَفَ عَلى أصْلِ الخِلْقَةِ الَّتِي يَقْتَضِي النَّظَرُ فِيها تَجْوِيزَ البَعْثِ ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾: أيْ ضَعِيفٍ هو مَنِيُّ الرَّجُلِ والمَرْأةِ ﴿فِي قَرارٍ مَكِينٍ﴾ وهو الرَّحِمُ ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وهو وقْتُ الوِلادَةِ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: فَقَدَّرْنا بِشَدِّ الدّالِ مِنَ التَّقْدِيرِ، كَما قالَ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس: ١٩] وباقِي السَّبْعَةِ: بِخَفِّها مِنَ القُدْرَةِ ؟ وانْتَصَبَ ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ بِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، أيْ يَكْفِتُ أحْياءً عَلى ظَهْرِها، وأمْواتًا في بَطْنِها، واسْتَدَلَّ بِهَذا مَن قالَ: إنَّ النَّبّاشَ يُقْطَعُ، لِأنَّ بَطْنَ الأرْضِ حِرْزٌ لِلْكَفَنِ، فَإذا نَبَشَ وأخَذَ مِنهُ فَهو سارِقٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: نَكْفِتُكم أحْياءً وأمْواتًا، فَيَنْتَصِبا عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ لِأنَّهُ قَدْ عُلِمَ أنَّها كِفاتُ الإنْسِ. انْتَهى. و(رَواسِيَ): جِبالًا ثابِتاتٍ ﴿شامِخاتٍ﴾: مُرْتَفِعاتٍ، ومِنهُ شَمَخَ بِأنْفِهِ: ارْتَفَعَ، شَبَّهَ المَعْنى بِالجِرْمِ (وأسْقَيْناكم): جَعَلْناهُ سُقْيًا لِمَزارِعِكم ومَنافِعِكم.

المرسلات 77:28

﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾: أيْ أُذْهِبَ نُورُها فاسْتَوَتْ مَعَ جِرْمِ السَّماءِ، أوْ عُبِّرَ عَنْ إلْحاقِ ذَواتِها بِالطَّمْسِ، وهو انْتِثارُها وانْكِدارُها، أوْ أُذْهِبَ نُورُها ثُمَّ انْتَثَرَتْ مَمْحُوقَةَ النُّورِ ﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾: أيْ صارَ فِيها فُرُوجٌ بِانْفِطارٍ، وقَرَأ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: طُمِّسَتْ، فُرِّجَتْ بِشَدِّ المِيمِ والرّاءِ، والجُمْهُورُ: بِخَفِّهِما ﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾: أيْ فَرَّقَتْها الرِّياحُ، وذَلِكَ بَعْدَ التَّسْيِيرِ وقَبْلَ كَوْنِها هَباءً، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أُقِّتَتْ) بِالهَمْزِ وشَدِّ القافِ، وبِتَخْفِيفِ القافِ والهَمْزِ النَّخَعِيُّ، والحَسَنُ، وعِيسى، وخالِدٌ. وقَرَأ أبُو الأشْهَبِ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وعِيسى أيْضًا وأبُو عَمْرٍو: بِالواوِ وشَدِّ القافِ. قالَ عِيسى: وهي لُغَةُ سُفْلى مُضَرَ. وعَبْدُ اللَّهِ والحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ: بِواوٍ واحِدَةٍ وخَفِّ القافِ، والحَسَنُ أيْضًا: وُوقِتَتْ بِواوَيْنِ عَلى وزْنِ فُوعِلَتْ، والمَعْنى: جُعِلَ لَها وقْتٌ مُنْتَظَرٌ فَحانَ وجاءَ، أوْ بَلَغَتْ مِيقاتَها الَّذِي كانَتْ تَنْتَظِرُهُ وهو يَوْمُ القِيامَةِ، والواوُ في هَذا كُلِّهِ أصْلٌ والهَمْزَةُ بَدَلٌ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْنى تَوْقِيتِ الرُّسُلِ: تَبْيِينُ وقْتِها الَّذِي يَحْضُرُونَ فِيهِ لِلشَّهادَةِ عَلى أُمَمِهِمْ، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ وتَقْدِيرُهُ: إذا كانَ كَذا وكَذا وقَعَ ما تُوعَدُونَ ﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾: تَعْظِيمٌ لِذَلِكَ اليَوْمِ، وتَعْجِيبٌ لِما يَقَعُ فِيهِ مِنَ الهَوْلِ والشِّدَّةِ. والتَّأْجِيلُ مِنَ الأجَلِ، أيْ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ أُخِّرَتْ ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾: أيْ بَيْنَ الخَلائِقِ (ويْلٌ): تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ في أوَّلِ ثانِي حِزْبٍ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ، يَوْمَئِذٍ: يَوْمَ إذْ طُمِسَتِ النُّجُومُ وكانَ ما بَعْدَها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ بِضَمِّ النُّونِ، وقَتادَةُ: بِفَتْحِها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن هَلَكَهُ بِمَعْنى أهْلَكَهُ. قالَ العَجّاجُ: ؎ومَهْمَهٍ هالِكِ مَن تَعَرَّجا انْتَهى، وخَرَّجَ بَعْضُهم ”هالِكِ مَن تَعَرَّجا“ عَلى أنَّ هالِكًا هو مِنَ اللّازِمِ، ومَن مَوْصُولٌ، فاسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ الصِّفَةَ المُشَبَّهَةَ بِاسْمِ الفاعِلِ قَدْ يَكُونُ مَعْمُولُها مَوْصُولًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نُتْبِعُهُمُ) بِضَمِّ العَيْنِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وهو وعْدٌ لِأهْلِ مَكَّةَ. ويُقَوِّي الِاسْتِئْنافَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: ثُمَّ سَنُتْبِعُهم بِسِينِ الِاسْتِقْبالِ، والأعْرَجُ، والعَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِإسْكانِها، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (نُهْلِكْ) واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ سُكِّنَ تَخْفِيفًا، كَما سُكِّنَ ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩] فَهو اسْتِئْنافٌ، فَعَلى الِاسْتِئْنافِ يَكُونُ ”الأوَّلِينَ“ الأُمَمَ الَّتِي تَقَدَّمَتْ قُرَيْشًا أجْمَعا، ويَكُونُ ”الآخِرِينَ“ مَن تَأخَّرَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ، وعَلى التَّشْرِيكِ يَكُونُ ”الأوَّلِينَ“ قَوْمَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ، عَلَيْهِما السَّلامُ، ومَن كانَ مَعَهم، ”والآخِرِينَ“ قَوْمَ فِرْعَوْنَ ومَن تَأخَّرَ وقَرُبَ مِن مُدَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . والإهْلاكُ هُنا إهْلاكُ العَذابِ والنَّكالِ، ولِذَلِكَ جاءَ ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ فَأتى بِالصِّفَةِ المُقْتَضِيَةِ لِإهْلاكِ العَذابِ وهي الإجْرامُ. ولَمّا ذَكَرَ إفْناءَ (p-٤٠٦)الأوَّلِينَ والآخِرِينَ ذَكَرَ ووَقَفَ عَلى أصْلِ الخِلْقَةِ الَّتِي يَقْتَضِي النَّظَرُ فِيها تَجْوِيزَ البَعْثِ ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾: أيْ ضَعِيفٍ هو مَنِيُّ الرَّجُلِ والمَرْأةِ ﴿فِي قَرارٍ مَكِينٍ﴾ وهو الرَّحِمُ ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وهو وقْتُ الوِلادَةِ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: فَقَدَّرْنا بِشَدِّ الدّالِ مِنَ التَّقْدِيرِ، كَما قالَ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس: ١٩] وباقِي السَّبْعَةِ: بِخَفِّها مِنَ القُدْرَةِ ؟ وانْتَصَبَ ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ بِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، أيْ يَكْفِتُ أحْياءً عَلى ظَهْرِها، وأمْواتًا في بَطْنِها، واسْتَدَلَّ بِهَذا مَن قالَ: إنَّ النَّبّاشَ يُقْطَعُ، لِأنَّ بَطْنَ الأرْضِ حِرْزٌ لِلْكَفَنِ، فَإذا نَبَشَ وأخَذَ مِنهُ فَهو سارِقٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: نَكْفِتُكم أحْياءً وأمْواتًا، فَيَنْتَصِبا عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ لِأنَّهُ قَدْ عُلِمَ أنَّها كِفاتُ الإنْسِ. انْتَهى. و(رَواسِيَ): جِبالًا ثابِتاتٍ ﴿شامِخاتٍ﴾: مُرْتَفِعاتٍ، ومِنهُ شَمَخَ بِأنْفِهِ: ارْتَفَعَ، شَبَّهَ المَعْنى بِالجِرْمِ (وأسْقَيْناكم): جَعَلْناهُ سُقْيًا لِمَزارِعِكم ومَنافِعِكم.

المرسلات 77:29

﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وفَواكِهَ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ يُقالُ لِلْمُكَذِّبِينَ: ﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾: أيِ مِنَ العَذابِ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ﴾: أمْرٌ، قِراءَةُ الجُمْهُورِ تَكْرارًا أوْ بَيانًا لِلْمُنْطَلَقِ إلَيْهِ، وقَرَأ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ: بِفَتْحِ اللّامِ عَلى مَعْنى الخَبَرِ، كَأنَّهم لَمّا أُمِرُوا امْتَثَلُوا فانْطَلَقُوا، إذْ لا يُمْكِنُهُمُ التَّأْخِيرُ، إذْ صارُوا مُضْطَرِّينَ إلى الِانْطِلاقِ ﴿ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ قالَ عَطاءٌ: هو دُخانُ جَهَنَّمَ، ورُوِيَ أنَّهُ يَعْلُو مِن ثَلاثَةِ مَواضِعَ يَظُنُّ الكُفّارُ أنَّهُ مُغْنٍ مِنَ النّارِ، فَيُهْرَعُونَ إلَيْهِ فَيَجِدُونَهُ عَلى أسْوَأِ وصْفٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (p-٤٠٧)يُقالُ ذَلِكَ لِعَبَدَةِ الصَّلِيبِ، فالمُؤْمِنُونَ في ظِلِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وهم في ظِلِّ مَعْبُودِهِمْ وهو الصَّلِيبُ لَهُ ثَلاثُ شُعَبٍ، والشِّعْبُ: ما تَفَرَّقَ مِن جِسْمٍ واحِدٍ ﴿لا ظَلِيلٍ﴾: نَفْيٌ لِمَحاسِنِ الظِّلِّ ﴿ولا يُغْنِي﴾: أيْ ولا يُغْنِي عَنْهم مِن حَرِّ اللَّهَبِ شَيْئًا ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ﴾: الضَّمِيرُ في إنَّها لِجَهَنَّمَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (بِشَرَرٍ) وعِيسى: بِشَرارٍ بِألِفٍ بَيْنَ الرّاءَيْنِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مِقْسَمٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ كَسَرَ الشِّينَ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ جَمْعَ شَرَرٍ، أيْ بِشِرارٍ مِنَ العَذابِ، وأنْ يَكُونَ صِفَةً أُقِيمَتْ مَقامَ مَوْصُوفِها، أيْ بِشِرارٍ مِنَ النّاسِ، كَما تَقُولُ: قَوْمٌ شِرارٌ جَمْعُ شَرٍّ غَيْرُ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، وقَوْمٌ خِيارٌ جَمْعُ خَيْرٍ غَيْرُ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، ويُؤَنَّثُ هَذا فَيُقالُ لِلْمُؤَنَّثِ: شَرَّةٌ وخَيْرَةٌ بِخِلافِهِما، إذا كانا لِلتَّفْضِيلِ، فَلَهُما أحْكامٌ مَذْكُورَةٌ في النَّحْوِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (كالقَصْرِ) وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ مِقْسَمٍ: بِفَتْحِ القافِ والصّادِ، وابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا والحَسَنُ أيْضًا: كالقِصَرِ، بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصّادِ، وبَعْضُ القُرّاءِ: بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِ الصّادِ، وابْنُ مَسْعُودٍ: بِضَمِّهِما، كَأنَّهُ مَقْصُورٌ مِنَ القُصُورِ، كَما قَصَرُوا النَّجْمَ والنَّمِرَ مِنَ النُّجُومِ والنُّمُورِ، قالَ الرّاجِزُ: ؎فِيها عَنابِيلُ أُسُودٌ ونَمِرُ وتَقَدَّمَ شَرْحُ أكْثَرِ هَذِهِ القِراءاتِ في المُفْرَداتِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ، ومِنهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: (جِمالاتٌ) بِكَسْرِ الجِيمِ وبِالألِفِ والتّاءِ، جَمْعُ جِمالٍ جَمْعُ الجَمْعِ وهي الإبِلُ، كَقَوْلِهِمْ: رِجالاتُ قُرَيْشٍ، وابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ بِخِلافٍ عَنْهم كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم ضَمُّوا الجِيمَ، وهي جُمالُ السُّفُنِ، الواحِدُ مِنها جُمْلَةٌ لِكَوْنِهِ جُمْلَةً مِنَ الطّاقاتِ والقُوى، ثُمَّ جُمِعَ عَلى جُمَلٍ وجِمالٍ، ثُمَّ جُمِعَ جُمالٌ ثانِيًا جَمْعُ صِحَّةٍ فَقالُوا: جُمالاتٌ. وقِيلَ: الجِمالاتُ: قُلُوصُ الجُسُورِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ الأصْمَعِيِّ، وهارُونُ عَنْهُ: جِمالَةٌ بِكَسْرِ الجِيمِ، لَحِقَتْ جِمالًا التّاءُ لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ، كَحَجَرٍ وحِجارَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّلَمِيُّ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، وأبُو بَحْرِيَّةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ورُوَيْسٌ: كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم ضَمُّوا الجِيمَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: الجِمالاتُ: قُلُوصُ السُّفُنِ، وهي حِبالُهُ العِظامُ، إذا اجْتَمَعَتْ مُسْتَدِيرَةً بَعْضُها إلى بَعْضٍ جاءَ مِنها أجْرامٌ عِظامٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الجِمالاتُ: قِطَعُ النُّحاسِ الكِبارُ، وكانَ اشْتِقاقُ هَذِهِ مِنِ اسْمِ الجُمْلَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ: صُفُرٌ، بِضَمِّ الفاءِ، والجُمْهُورُ: بِإسْكانِها، شَبَّهَ الشَّرَرَ أوَّلًا بِالقَصْرِ، وهو الحِصْنُ مِن جِهَةِ العِظَمِ ومِن جِهَةِ الطُّولِ في الهَواءِ، وثانِيًا بِالجِمالِ لِبَيانِ التَّشْبِيهِ، ألا تَراهم يُشَبِّهُونَ الإبِلَ بِالأفْدانِ، وهي القُصُورُ ؟ قالَ الشّاعِرُ: ؎فَوَقَفْتُ فِيها ناقَتِي فَكَأنَّها ∗∗∗ فَدَنٌ لِأقْضِيَ حاجَةَ المُتَلَوِّمِ ومَن قَرَأ بِضَمِّ الجِيمِ، فالتَّشْبِيهُ مِن جِهَةِ العِظَمِ والطُّولِ، والصُّفْرَةُ الفاقِعَةُ أشْبَهُ بِلَوْنِ الشَّرَرِ، قالَهُ الجُمْهُورُ: وقِيلَ: صُفْرٌ سُودٌ، وقِيلَ: سُودٌ تَضْرِبُ إلى الصُّفْرَةِ، وقالَ عِمْرانُ بْنُ حِطّانَ الرَّقاشِيُّ: ؎دَعَتْهم بِأعْلى صَوْتِها ورَمَتْهم ∗∗∗ بِمِثْلِ الجِمالِ الصُّفْرِ نَزّاعَةُ الشَّوى وقَرَأ الأعْمَشُ والأعْرَجُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعِيسى وأبُو حَيْوَةَ وعاصِمٌ في رِوايَةٍ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ، والجُمْهُورُ: بِرَفْعِها، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمّا أضافَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ بَناهُ فَهي فَتْحَةُ بِناءٍ، وهي في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: قالَ عِيسى: هي لُغَةُ سُفْلى مُضَرَ، يَعْنِي بِناءَهم يَوْمَ مَعَ لا عَلى الفَتْحِ، لِأنَّهم جَعَلُوا يَوْمَ مَعَ لا كالِاسْمِ الواحِدِ، فَهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ لِأنَّهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ. انْتَهى. والجُمْلَةُ المُصَدَّرَةُ بِمُضارِعٍ مُثْبَتٍ أوْ مَنفِيٍّ لا يُجِيزُ البَصْرِيُّونَ في الظَّرْفِ المُضافِ إلَيْها البِناءَ بِوَجْهٍ، وإنَّما هَذا مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا صَحِيحًا عَلى الظَّرْفِ، فَيَصِيرُ هَذا إشارَةً إلى ما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكَلامِ دُونَ إشارَةٍ إلى (يَوْمَ)، ويَكُونُ العامِلُ في نَصْبِ (يَوْمَ) نِداءٌ تَقَدَّمَهُ مِن صِفَةِ (p-٤٠٨)جَهَنَّمَ، ورَمْيِها بِالشَّرَرِ في (يَوْمَ لا يَنْطِقُونَ)، فَيَكُونُ يَوْمَئِذٍ كَلامًا مُعْتَرِضًا لا يَمْنَعُ مِن تَفْرِيغِ العامِلِ لِلْمَعْمُولِ، كَما كانَتْ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧] ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨] انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا، وتَكُونَ الإشارَةُ بِهَذا إلى رَمْيِها بِشَرَرٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ونَصَبَهُ الأعْمَشُ، أيْ هَذا الَّذِي قَصَّ عَلَيْكم واقِعٌ يَوْمَئِذٍ، وهُنا نَفْيُ نُطْقِهِمْ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم نَطَقُوا في مَواضِعَ مِن هَذا اليَوْمِ، وذَلِكَ بِاعْتِبارِ طُولِ اليَوْمِ، فَيَصِحُّ أنْ يَنْفِيَ القَوْلَ فِيهِ في وقْتٍ ويُثْبِتَ في وقْتٍ، أوْ نَفى نُطْقَهم بِحُجَّةٍ تَنْفَعُ وجَعَلَ نُطْقَهم بِما لا يَنْفَعُ كَلا نُطْقٍ. وقَرَأ القُرّاءُ كُلُّهم فِيما أعْلَمُ: ﴿ولا يُؤْذَنُ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وحَكى أبُو عَلِيٍّ الأهْوازِيُّ أنَّ زَيْدَ بْنَ عَلِيٍّ قَرَأ: ولا يَأْذَنُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيِ اللَّهُ تَعالى ﴿فَيَعْتَذِرُونَ﴾: عَطْفٌ عَلى ﴿ولا يُؤْذَنُ﴾ داخِلٌ في حَيِّزِ نَفْيِ الإذْنِ، أيْ فَلا إذْنٌ فاعْتِذارٌ، ولَمْ يَجْعَلِ الِاعْتِذارَ مُتَسَبِّبًا عَنِ الإذْنِ فَيُنْصَبُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَمْ يُنْصَبْ في جَوابِ النَّفْيِ لِتَشابُهِ رُءُوسِ الآيِ، والوَجْهانِ جائِزانِ. انْتَهى. فَجَعَلَ امْتِناعَ النَّصْبِ هو تُشابُهُ رُءُوسِ الآيِ، وقالَ الوَجْهانِ جائِزانِ فَظَهَرَ مِن كَلامِهِ اسْتِواءُ الرَّفْعِ والنَّصْبِ وأنَّ مَعْناهُما واحِدٌ، ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ الرَّفْعَ كَما ذَكَرْنا لا يَكُونُ مُتَسَبِّبًا بَلْ صَرِيحُ عَطْفٍ، والنَّصْبُ يَكُونُ فِيهِ مُتَسَبِّبًا فافْتَرَقا، وذَهَبَ أبُو الحَجّاجِ الأعْلَمُ إلى أنَّهُ قَدْ يُرْفَعُ الفِعْلُ ويَكُونُ مَعْناهُ المَنصُوبَ بَعْدَ الفاءِ وذَلِكَ قَلِيلٌ، وإنَّما جَعَلَ النَّحْوِيُّونَ مَعْنى الرَّفْعِ غَيْرَ مَعْنى النَّصْبِ رَعْيًا لِلْأكْثَرِ في كَلامِ العَرَبِ، وجَعَلَ دَلِيلَهُ ذَلِكَ، وهَذِهِ الآيَةُ كَظاهِرِ كَلامِ ابْنِ عَطِيَّةَ، وقَدْ رَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ ابْنُ عُصْفُورٍ وغَيْرُهُ. ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكُمْ﴾ لِلْكُفّارِ، (والأوَّلِينَ): قَوْمَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وغَيْرَهم مِنَ الكُفّارِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ زَمانُهم عَلى زَمانِ المُخاطَبِينَ، أيْ جَمَعْناكم لِلْفَصْلِ بَيْنَ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ﴾: أيْ في هَذا اليَوْمِ، كَما كانَ لَكم في الدُّنْيا ما تَكِيدُونَ بِهِ دِينَ اللَّهِ وأوْلِياءَهُ، ﴿فَكِيدُونِ﴾ اليَوْمَ، وهَذا تَعْجِيزٌ لَهم وتَوْبِيخٌ، ولَمّا كانَ في سُورَةِ الإنْسانِ ذَكَرَ نَزْرًا مِن أحْوالِ الكُفّارِ في الآخِرَةِ، وأطْنَبَ في وصْفِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ فِيها، جاءَ في هَذِهِ السُّورَةِ الإطْنابُ في وصْفِ الكُفّارِ والإيجازُ في وصْفِ المُؤْمِنِينَ، فَوَقَعَ بِذَلِكَ الِاعْتِدالُ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي ظِلالٍ﴾ جَمْعُ ظِلٍّ، والأعْمَشُ: في ظُلَلٍ جَمْعُ ظُلَّةٍ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾ خِطابٌ لَهم في الآخِرَةِ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا﴾ خِطابٌ لِلْكُفّارِ في الدُّنْيا، (قَلِيلًا): أيْ زَمانًا قَلِيلًا، إذْ قُصارى أكْلِكم وتَمَتُّعِكُمُ المَوْتُ، وهو خِطابُ تَهْدِيدٍ لِمَن أجْرَمَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا﴾ مَن قالَ إنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَ هي في قُرَيْشٍ، ومَن قالَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ قالَ هي في المُنافِقِينَ، وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ «فِي ثَقِيفٍ، قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: حُطَّ عَنّا الصَّلاةَ فَإنّا لا نَنْحَنِي، إنَّها مَسَبَّةٌ، فَأبى وقالَ: لا خَيْرَ في دِينٍ لا صَلاةَ فِيهِ» . ومَعْنى ارْكَعُوا: اخْشَعُوا لِلَّهِ وتَواضَعُوا لَهُ بِقَبُولِ وحْيِهِ، وقِيلَ: الرُّكُوعُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ الصَّلاةِ، وخَصَّ مِن أفْعالِها الرُّكُوعَ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يَأْنَفُونَ مِنَ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، وجاءَ في هَذِهِ السُّورَةِ بَعْدَ كُلِّ جُمْلَةٍ قَوْلُهُ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِأنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ مِنها فِيها إخْبارُ اللَّهِ تَعالى عَنْ أشْياءَ مِن أحْوالِ الآخِرَةِ وتَقْرِيراتٍ مِن أحْوالِ الدُّنْيا، فَناسَبَ أنْ نَذْكُرَ الوَعِيدَ عَقِيبَ كُلِّ جُمْلَةٍ مِنها لِلْمُكَذِّبِ بِالوَيْلِ في يَوْمِ الآخِرَةِ، والضَّمِيرُ في (بَعْدَهُ) عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، والمَعْنى أنَّهُ قَدْ تَضَمَّنَ مِنَ الإعْجازِ والبَلاغَةِ والأخْبارِ المُغَيَّباتِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا احْتَوى عَلَيْهِ ما لَمْ يَتَضَمَّنْهُ كِتابٌ إلَهِيٌّ، فَإذا كانُوا مُكَذِّبِينَ بِهِ، فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُصَدِّقُونَ بِهِ ؟ أيْ لا يُمْكِنُ تَصْدِيقُهم بِحَدِيثٍ بَعْدَ أنْ كَذَّبُوا بِهَذا الحَدِيثِ الَّذِي هو القُرْآنُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُؤْمِنُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ، ويَعْقُوبُ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ: بِتاءِ الخِطابِ.

المرسلات 77:30

﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وفَواكِهَ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ يُقالُ لِلْمُكَذِّبِينَ: ﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾: أيِ مِنَ العَذابِ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ﴾: أمْرٌ، قِراءَةُ الجُمْهُورِ تَكْرارًا أوْ بَيانًا لِلْمُنْطَلَقِ إلَيْهِ، وقَرَأ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ: بِفَتْحِ اللّامِ عَلى مَعْنى الخَبَرِ، كَأنَّهم لَمّا أُمِرُوا امْتَثَلُوا فانْطَلَقُوا، إذْ لا يُمْكِنُهُمُ التَّأْخِيرُ، إذْ صارُوا مُضْطَرِّينَ إلى الِانْطِلاقِ ﴿ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ قالَ عَطاءٌ: هو دُخانُ جَهَنَّمَ، ورُوِيَ أنَّهُ يَعْلُو مِن ثَلاثَةِ مَواضِعَ يَظُنُّ الكُفّارُ أنَّهُ مُغْنٍ مِنَ النّارِ، فَيُهْرَعُونَ إلَيْهِ فَيَجِدُونَهُ عَلى أسْوَأِ وصْفٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (p-٤٠٧)يُقالُ ذَلِكَ لِعَبَدَةِ الصَّلِيبِ، فالمُؤْمِنُونَ في ظِلِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وهم في ظِلِّ مَعْبُودِهِمْ وهو الصَّلِيبُ لَهُ ثَلاثُ شُعَبٍ، والشِّعْبُ: ما تَفَرَّقَ مِن جِسْمٍ واحِدٍ ﴿لا ظَلِيلٍ﴾: نَفْيٌ لِمَحاسِنِ الظِّلِّ ﴿ولا يُغْنِي﴾: أيْ ولا يُغْنِي عَنْهم مِن حَرِّ اللَّهَبِ شَيْئًا ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ﴾: الضَّمِيرُ في إنَّها لِجَهَنَّمَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (بِشَرَرٍ) وعِيسى: بِشَرارٍ بِألِفٍ بَيْنَ الرّاءَيْنِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مِقْسَمٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ كَسَرَ الشِّينَ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ جَمْعَ شَرَرٍ، أيْ بِشِرارٍ مِنَ العَذابِ، وأنْ يَكُونَ صِفَةً أُقِيمَتْ مَقامَ مَوْصُوفِها، أيْ بِشِرارٍ مِنَ النّاسِ، كَما تَقُولُ: قَوْمٌ شِرارٌ جَمْعُ شَرٍّ غَيْرُ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، وقَوْمٌ خِيارٌ جَمْعُ خَيْرٍ غَيْرُ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، ويُؤَنَّثُ هَذا فَيُقالُ لِلْمُؤَنَّثِ: شَرَّةٌ وخَيْرَةٌ بِخِلافِهِما، إذا كانا لِلتَّفْضِيلِ، فَلَهُما أحْكامٌ مَذْكُورَةٌ في النَّحْوِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (كالقَصْرِ) وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ مِقْسَمٍ: بِفَتْحِ القافِ والصّادِ، وابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا والحَسَنُ أيْضًا: كالقِصَرِ، بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصّادِ، وبَعْضُ القُرّاءِ: بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِ الصّادِ، وابْنُ مَسْعُودٍ: بِضَمِّهِما، كَأنَّهُ مَقْصُورٌ مِنَ القُصُورِ، كَما قَصَرُوا النَّجْمَ والنَّمِرَ مِنَ النُّجُومِ والنُّمُورِ، قالَ الرّاجِزُ: ؎فِيها عَنابِيلُ أُسُودٌ ونَمِرُ وتَقَدَّمَ شَرْحُ أكْثَرِ هَذِهِ القِراءاتِ في المُفْرَداتِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ، ومِنهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: (جِمالاتٌ) بِكَسْرِ الجِيمِ وبِالألِفِ والتّاءِ، جَمْعُ جِمالٍ جَمْعُ الجَمْعِ وهي الإبِلُ، كَقَوْلِهِمْ: رِجالاتُ قُرَيْشٍ، وابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ بِخِلافٍ عَنْهم كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم ضَمُّوا الجِيمَ، وهي جُمالُ السُّفُنِ، الواحِدُ مِنها جُمْلَةٌ لِكَوْنِهِ جُمْلَةً مِنَ الطّاقاتِ والقُوى، ثُمَّ جُمِعَ عَلى جُمَلٍ وجِمالٍ، ثُمَّ جُمِعَ جُمالٌ ثانِيًا جَمْعُ صِحَّةٍ فَقالُوا: جُمالاتٌ. وقِيلَ: الجِمالاتُ: قُلُوصُ الجُسُورِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ الأصْمَعِيِّ، وهارُونُ عَنْهُ: جِمالَةٌ بِكَسْرِ الجِيمِ، لَحِقَتْ جِمالًا التّاءُ لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ، كَحَجَرٍ وحِجارَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّلَمِيُّ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، وأبُو بَحْرِيَّةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ورُوَيْسٌ: كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم ضَمُّوا الجِيمَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: الجِمالاتُ: قُلُوصُ السُّفُنِ، وهي حِبالُهُ العِظامُ، إذا اجْتَمَعَتْ مُسْتَدِيرَةً بَعْضُها إلى بَعْضٍ جاءَ مِنها أجْرامٌ عِظامٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الجِمالاتُ: قِطَعُ النُّحاسِ الكِبارُ، وكانَ اشْتِقاقُ هَذِهِ مِنِ اسْمِ الجُمْلَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ: صُفُرٌ، بِضَمِّ الفاءِ، والجُمْهُورُ: بِإسْكانِها، شَبَّهَ الشَّرَرَ أوَّلًا بِالقَصْرِ، وهو الحِصْنُ مِن جِهَةِ العِظَمِ ومِن جِهَةِ الطُّولِ في الهَواءِ، وثانِيًا بِالجِمالِ لِبَيانِ التَّشْبِيهِ، ألا تَراهم يُشَبِّهُونَ الإبِلَ بِالأفْدانِ، وهي القُصُورُ ؟ قالَ الشّاعِرُ: ؎فَوَقَفْتُ فِيها ناقَتِي فَكَأنَّها ∗∗∗ فَدَنٌ لِأقْضِيَ حاجَةَ المُتَلَوِّمِ ومَن قَرَأ بِضَمِّ الجِيمِ، فالتَّشْبِيهُ مِن جِهَةِ العِظَمِ والطُّولِ، والصُّفْرَةُ الفاقِعَةُ أشْبَهُ بِلَوْنِ الشَّرَرِ، قالَهُ الجُمْهُورُ: وقِيلَ: صُفْرٌ سُودٌ، وقِيلَ: سُودٌ تَضْرِبُ إلى الصُّفْرَةِ، وقالَ عِمْرانُ بْنُ حِطّانَ الرَّقاشِيُّ: ؎دَعَتْهم بِأعْلى صَوْتِها ورَمَتْهم ∗∗∗ بِمِثْلِ الجِمالِ الصُّفْرِ نَزّاعَةُ الشَّوى وقَرَأ الأعْمَشُ والأعْرَجُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعِيسى وأبُو حَيْوَةَ وعاصِمٌ في رِوايَةٍ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ، والجُمْهُورُ: بِرَفْعِها، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمّا أضافَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ بَناهُ فَهي فَتْحَةُ بِناءٍ، وهي في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: قالَ عِيسى: هي لُغَةُ سُفْلى مُضَرَ، يَعْنِي بِناءَهم يَوْمَ مَعَ لا عَلى الفَتْحِ، لِأنَّهم جَعَلُوا يَوْمَ مَعَ لا كالِاسْمِ الواحِدِ، فَهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ لِأنَّهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ. انْتَهى. والجُمْلَةُ المُصَدَّرَةُ بِمُضارِعٍ مُثْبَتٍ أوْ مَنفِيٍّ لا يُجِيزُ البَصْرِيُّونَ في الظَّرْفِ المُضافِ إلَيْها البِناءَ بِوَجْهٍ، وإنَّما هَذا مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا صَحِيحًا عَلى الظَّرْفِ، فَيَصِيرُ هَذا إشارَةً إلى ما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكَلامِ دُونَ إشارَةٍ إلى (يَوْمَ)، ويَكُونُ العامِلُ في نَصْبِ (يَوْمَ) نِداءٌ تَقَدَّمَهُ مِن صِفَةِ (p-٤٠٨)جَهَنَّمَ، ورَمْيِها بِالشَّرَرِ في (يَوْمَ لا يَنْطِقُونَ)، فَيَكُونُ يَوْمَئِذٍ كَلامًا مُعْتَرِضًا لا يَمْنَعُ مِن تَفْرِيغِ العامِلِ لِلْمَعْمُولِ، كَما كانَتْ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧] ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨] انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا، وتَكُونَ الإشارَةُ بِهَذا إلى رَمْيِها بِشَرَرٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ونَصَبَهُ الأعْمَشُ، أيْ هَذا الَّذِي قَصَّ عَلَيْكم واقِعٌ يَوْمَئِذٍ، وهُنا نَفْيُ نُطْقِهِمْ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم نَطَقُوا في مَواضِعَ مِن هَذا اليَوْمِ، وذَلِكَ بِاعْتِبارِ طُولِ اليَوْمِ، فَيَصِحُّ أنْ يَنْفِيَ القَوْلَ فِيهِ في وقْتٍ ويُثْبِتَ في وقْتٍ، أوْ نَفى نُطْقَهم بِحُجَّةٍ تَنْفَعُ وجَعَلَ نُطْقَهم بِما لا يَنْفَعُ كَلا نُطْقٍ. وقَرَأ القُرّاءُ كُلُّهم فِيما أعْلَمُ: ﴿ولا يُؤْذَنُ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وحَكى أبُو عَلِيٍّ الأهْوازِيُّ أنَّ زَيْدَ بْنَ عَلِيٍّ قَرَأ: ولا يَأْذَنُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيِ اللَّهُ تَعالى ﴿فَيَعْتَذِرُونَ﴾: عَطْفٌ عَلى ﴿ولا يُؤْذَنُ﴾ داخِلٌ في حَيِّزِ نَفْيِ الإذْنِ، أيْ فَلا إذْنٌ فاعْتِذارٌ، ولَمْ يَجْعَلِ الِاعْتِذارَ مُتَسَبِّبًا عَنِ الإذْنِ فَيُنْصَبُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَمْ يُنْصَبْ في جَوابِ النَّفْيِ لِتَشابُهِ رُءُوسِ الآيِ، والوَجْهانِ جائِزانِ. انْتَهى. فَجَعَلَ امْتِناعَ النَّصْبِ هو تُشابُهُ رُءُوسِ الآيِ، وقالَ الوَجْهانِ جائِزانِ فَظَهَرَ مِن كَلامِهِ اسْتِواءُ الرَّفْعِ والنَّصْبِ وأنَّ مَعْناهُما واحِدٌ، ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ الرَّفْعَ كَما ذَكَرْنا لا يَكُونُ مُتَسَبِّبًا بَلْ صَرِيحُ عَطْفٍ، والنَّصْبُ يَكُونُ فِيهِ مُتَسَبِّبًا فافْتَرَقا، وذَهَبَ أبُو الحَجّاجِ الأعْلَمُ إلى أنَّهُ قَدْ يُرْفَعُ الفِعْلُ ويَكُونُ مَعْناهُ المَنصُوبَ بَعْدَ الفاءِ وذَلِكَ قَلِيلٌ، وإنَّما جَعَلَ النَّحْوِيُّونَ مَعْنى الرَّفْعِ غَيْرَ مَعْنى النَّصْبِ رَعْيًا لِلْأكْثَرِ في كَلامِ العَرَبِ، وجَعَلَ دَلِيلَهُ ذَلِكَ، وهَذِهِ الآيَةُ كَظاهِرِ كَلامِ ابْنِ عَطِيَّةَ، وقَدْ رَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ ابْنُ عُصْفُورٍ وغَيْرُهُ. ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكُمْ﴾ لِلْكُفّارِ، (والأوَّلِينَ): قَوْمَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وغَيْرَهم مِنَ الكُفّارِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ زَمانُهم عَلى زَمانِ المُخاطَبِينَ، أيْ جَمَعْناكم لِلْفَصْلِ بَيْنَ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ﴾: أيْ في هَذا اليَوْمِ، كَما كانَ لَكم في الدُّنْيا ما تَكِيدُونَ بِهِ دِينَ اللَّهِ وأوْلِياءَهُ، ﴿فَكِيدُونِ﴾ اليَوْمَ، وهَذا تَعْجِيزٌ لَهم وتَوْبِيخٌ، ولَمّا كانَ في سُورَةِ الإنْسانِ ذَكَرَ نَزْرًا مِن أحْوالِ الكُفّارِ في الآخِرَةِ، وأطْنَبَ في وصْفِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ فِيها، جاءَ في هَذِهِ السُّورَةِ الإطْنابُ في وصْفِ الكُفّارِ والإيجازُ في وصْفِ المُؤْمِنِينَ، فَوَقَعَ بِذَلِكَ الِاعْتِدالُ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي ظِلالٍ﴾ جَمْعُ ظِلٍّ، والأعْمَشُ: في ظُلَلٍ جَمْعُ ظُلَّةٍ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾ خِطابٌ لَهم في الآخِرَةِ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا﴾ خِطابٌ لِلْكُفّارِ في الدُّنْيا، (قَلِيلًا): أيْ زَمانًا قَلِيلًا، إذْ قُصارى أكْلِكم وتَمَتُّعِكُمُ المَوْتُ، وهو خِطابُ تَهْدِيدٍ لِمَن أجْرَمَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا﴾ مَن قالَ إنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَ هي في قُرَيْشٍ، ومَن قالَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ قالَ هي في المُنافِقِينَ، وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ «فِي ثَقِيفٍ، قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: حُطَّ عَنّا الصَّلاةَ فَإنّا لا نَنْحَنِي، إنَّها مَسَبَّةٌ، فَأبى وقالَ: لا خَيْرَ في دِينٍ لا صَلاةَ فِيهِ» . ومَعْنى ارْكَعُوا: اخْشَعُوا لِلَّهِ وتَواضَعُوا لَهُ بِقَبُولِ وحْيِهِ، وقِيلَ: الرُّكُوعُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ الصَّلاةِ، وخَصَّ مِن أفْعالِها الرُّكُوعَ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يَأْنَفُونَ مِنَ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، وجاءَ في هَذِهِ السُّورَةِ بَعْدَ كُلِّ جُمْلَةٍ قَوْلُهُ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِأنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ مِنها فِيها إخْبارُ اللَّهِ تَعالى عَنْ أشْياءَ مِن أحْوالِ الآخِرَةِ وتَقْرِيراتٍ مِن أحْوالِ الدُّنْيا، فَناسَبَ أنْ نَذْكُرَ الوَعِيدَ عَقِيبَ كُلِّ جُمْلَةٍ مِنها لِلْمُكَذِّبِ بِالوَيْلِ في يَوْمِ الآخِرَةِ، والضَّمِيرُ في (بَعْدَهُ) عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، والمَعْنى أنَّهُ قَدْ تَضَمَّنَ مِنَ الإعْجازِ والبَلاغَةِ والأخْبارِ المُغَيَّباتِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا احْتَوى عَلَيْهِ ما لَمْ يَتَضَمَّنْهُ كِتابٌ إلَهِيٌّ، فَإذا كانُوا مُكَذِّبِينَ بِهِ، فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُصَدِّقُونَ بِهِ ؟ أيْ لا يُمْكِنُ تَصْدِيقُهم بِحَدِيثٍ بَعْدَ أنْ كَذَّبُوا بِهَذا الحَدِيثِ الَّذِي هو القُرْآنُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُؤْمِنُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ، ويَعْقُوبُ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ: بِتاءِ الخِطابِ.

المرسلات 77:31

﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وفَواكِهَ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ يُقالُ لِلْمُكَذِّبِينَ: ﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾: أيِ مِنَ العَذابِ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ﴾: أمْرٌ، قِراءَةُ الجُمْهُورِ تَكْرارًا أوْ بَيانًا لِلْمُنْطَلَقِ إلَيْهِ، وقَرَأ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ: بِفَتْحِ اللّامِ عَلى مَعْنى الخَبَرِ، كَأنَّهم لَمّا أُمِرُوا امْتَثَلُوا فانْطَلَقُوا، إذْ لا يُمْكِنُهُمُ التَّأْخِيرُ، إذْ صارُوا مُضْطَرِّينَ إلى الِانْطِلاقِ ﴿ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ قالَ عَطاءٌ: هو دُخانُ جَهَنَّمَ، ورُوِيَ أنَّهُ يَعْلُو مِن ثَلاثَةِ مَواضِعَ يَظُنُّ الكُفّارُ أنَّهُ مُغْنٍ مِنَ النّارِ، فَيُهْرَعُونَ إلَيْهِ فَيَجِدُونَهُ عَلى أسْوَأِ وصْفٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (p-٤٠٧)يُقالُ ذَلِكَ لِعَبَدَةِ الصَّلِيبِ، فالمُؤْمِنُونَ في ظِلِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وهم في ظِلِّ مَعْبُودِهِمْ وهو الصَّلِيبُ لَهُ ثَلاثُ شُعَبٍ، والشِّعْبُ: ما تَفَرَّقَ مِن جِسْمٍ واحِدٍ ﴿لا ظَلِيلٍ﴾: نَفْيٌ لِمَحاسِنِ الظِّلِّ ﴿ولا يُغْنِي﴾: أيْ ولا يُغْنِي عَنْهم مِن حَرِّ اللَّهَبِ شَيْئًا ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ﴾: الضَّمِيرُ في إنَّها لِجَهَنَّمَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (بِشَرَرٍ) وعِيسى: بِشَرارٍ بِألِفٍ بَيْنَ الرّاءَيْنِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مِقْسَمٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ كَسَرَ الشِّينَ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ جَمْعَ شَرَرٍ، أيْ بِشِرارٍ مِنَ العَذابِ، وأنْ يَكُونَ صِفَةً أُقِيمَتْ مَقامَ مَوْصُوفِها، أيْ بِشِرارٍ مِنَ النّاسِ، كَما تَقُولُ: قَوْمٌ شِرارٌ جَمْعُ شَرٍّ غَيْرُ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، وقَوْمٌ خِيارٌ جَمْعُ خَيْرٍ غَيْرُ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، ويُؤَنَّثُ هَذا فَيُقالُ لِلْمُؤَنَّثِ: شَرَّةٌ وخَيْرَةٌ بِخِلافِهِما، إذا كانا لِلتَّفْضِيلِ، فَلَهُما أحْكامٌ مَذْكُورَةٌ في النَّحْوِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (كالقَصْرِ) وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ مِقْسَمٍ: بِفَتْحِ القافِ والصّادِ، وابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا والحَسَنُ أيْضًا: كالقِصَرِ، بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصّادِ، وبَعْضُ القُرّاءِ: بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِ الصّادِ، وابْنُ مَسْعُودٍ: بِضَمِّهِما، كَأنَّهُ مَقْصُورٌ مِنَ القُصُورِ، كَما قَصَرُوا النَّجْمَ والنَّمِرَ مِنَ النُّجُومِ والنُّمُورِ، قالَ الرّاجِزُ: ؎فِيها عَنابِيلُ أُسُودٌ ونَمِرُ وتَقَدَّمَ شَرْحُ أكْثَرِ هَذِهِ القِراءاتِ في المُفْرَداتِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ، ومِنهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: (جِمالاتٌ) بِكَسْرِ الجِيمِ وبِالألِفِ والتّاءِ، جَمْعُ جِمالٍ جَمْعُ الجَمْعِ وهي الإبِلُ، كَقَوْلِهِمْ: رِجالاتُ قُرَيْشٍ، وابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ بِخِلافٍ عَنْهم كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم ضَمُّوا الجِيمَ، وهي جُمالُ السُّفُنِ، الواحِدُ مِنها جُمْلَةٌ لِكَوْنِهِ جُمْلَةً مِنَ الطّاقاتِ والقُوى، ثُمَّ جُمِعَ عَلى جُمَلٍ وجِمالٍ، ثُمَّ جُمِعَ جُمالٌ ثانِيًا جَمْعُ صِحَّةٍ فَقالُوا: جُمالاتٌ. وقِيلَ: الجِمالاتُ: قُلُوصُ الجُسُورِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ الأصْمَعِيِّ، وهارُونُ عَنْهُ: جِمالَةٌ بِكَسْرِ الجِيمِ، لَحِقَتْ جِمالًا التّاءُ لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ، كَحَجَرٍ وحِجارَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّلَمِيُّ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، وأبُو بَحْرِيَّةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ورُوَيْسٌ: كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم ضَمُّوا الجِيمَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: الجِمالاتُ: قُلُوصُ السُّفُنِ، وهي حِبالُهُ العِظامُ، إذا اجْتَمَعَتْ مُسْتَدِيرَةً بَعْضُها إلى بَعْضٍ جاءَ مِنها أجْرامٌ عِظامٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الجِمالاتُ: قِطَعُ النُّحاسِ الكِبارُ، وكانَ اشْتِقاقُ هَذِهِ مِنِ اسْمِ الجُمْلَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ: صُفُرٌ، بِضَمِّ الفاءِ، والجُمْهُورُ: بِإسْكانِها، شَبَّهَ الشَّرَرَ أوَّلًا بِالقَصْرِ، وهو الحِصْنُ مِن جِهَةِ العِظَمِ ومِن جِهَةِ الطُّولِ في الهَواءِ، وثانِيًا بِالجِمالِ لِبَيانِ التَّشْبِيهِ، ألا تَراهم يُشَبِّهُونَ الإبِلَ بِالأفْدانِ، وهي القُصُورُ ؟ قالَ الشّاعِرُ: ؎فَوَقَفْتُ فِيها ناقَتِي فَكَأنَّها ∗∗∗ فَدَنٌ لِأقْضِيَ حاجَةَ المُتَلَوِّمِ ومَن قَرَأ بِضَمِّ الجِيمِ، فالتَّشْبِيهُ مِن جِهَةِ العِظَمِ والطُّولِ، والصُّفْرَةُ الفاقِعَةُ أشْبَهُ بِلَوْنِ الشَّرَرِ، قالَهُ الجُمْهُورُ: وقِيلَ: صُفْرٌ سُودٌ، وقِيلَ: سُودٌ تَضْرِبُ إلى الصُّفْرَةِ، وقالَ عِمْرانُ بْنُ حِطّانَ الرَّقاشِيُّ: ؎دَعَتْهم بِأعْلى صَوْتِها ورَمَتْهم ∗∗∗ بِمِثْلِ الجِمالِ الصُّفْرِ نَزّاعَةُ الشَّوى وقَرَأ الأعْمَشُ والأعْرَجُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعِيسى وأبُو حَيْوَةَ وعاصِمٌ في رِوايَةٍ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ، والجُمْهُورُ: بِرَفْعِها، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمّا أضافَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ بَناهُ فَهي فَتْحَةُ بِناءٍ، وهي في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: قالَ عِيسى: هي لُغَةُ سُفْلى مُضَرَ، يَعْنِي بِناءَهم يَوْمَ مَعَ لا عَلى الفَتْحِ، لِأنَّهم جَعَلُوا يَوْمَ مَعَ لا كالِاسْمِ الواحِدِ، فَهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ لِأنَّهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ. انْتَهى. والجُمْلَةُ المُصَدَّرَةُ بِمُضارِعٍ مُثْبَتٍ أوْ مَنفِيٍّ لا يُجِيزُ البَصْرِيُّونَ في الظَّرْفِ المُضافِ إلَيْها البِناءَ بِوَجْهٍ، وإنَّما هَذا مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا صَحِيحًا عَلى الظَّرْفِ، فَيَصِيرُ هَذا إشارَةً إلى ما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكَلامِ دُونَ إشارَةٍ إلى (يَوْمَ)، ويَكُونُ العامِلُ في نَصْبِ (يَوْمَ) نِداءٌ تَقَدَّمَهُ مِن صِفَةِ (p-٤٠٨)جَهَنَّمَ، ورَمْيِها بِالشَّرَرِ في (يَوْمَ لا يَنْطِقُونَ)، فَيَكُونُ يَوْمَئِذٍ كَلامًا مُعْتَرِضًا لا يَمْنَعُ مِن تَفْرِيغِ العامِلِ لِلْمَعْمُولِ، كَما كانَتْ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧] ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨] انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا، وتَكُونَ الإشارَةُ بِهَذا إلى رَمْيِها بِشَرَرٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ونَصَبَهُ الأعْمَشُ، أيْ هَذا الَّذِي قَصَّ عَلَيْكم واقِعٌ يَوْمَئِذٍ، وهُنا نَفْيُ نُطْقِهِمْ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم نَطَقُوا في مَواضِعَ مِن هَذا اليَوْمِ، وذَلِكَ بِاعْتِبارِ طُولِ اليَوْمِ، فَيَصِحُّ أنْ يَنْفِيَ القَوْلَ فِيهِ في وقْتٍ ويُثْبِتَ في وقْتٍ، أوْ نَفى نُطْقَهم بِحُجَّةٍ تَنْفَعُ وجَعَلَ نُطْقَهم بِما لا يَنْفَعُ كَلا نُطْقٍ. وقَرَأ القُرّاءُ كُلُّهم فِيما أعْلَمُ: ﴿ولا يُؤْذَنُ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وحَكى أبُو عَلِيٍّ الأهْوازِيُّ أنَّ زَيْدَ بْنَ عَلِيٍّ قَرَأ: ولا يَأْذَنُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيِ اللَّهُ تَعالى ﴿فَيَعْتَذِرُونَ﴾: عَطْفٌ عَلى ﴿ولا يُؤْذَنُ﴾ داخِلٌ في حَيِّزِ نَفْيِ الإذْنِ، أيْ فَلا إذْنٌ فاعْتِذارٌ، ولَمْ يَجْعَلِ الِاعْتِذارَ مُتَسَبِّبًا عَنِ الإذْنِ فَيُنْصَبُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَمْ يُنْصَبْ في جَوابِ النَّفْيِ لِتَشابُهِ رُءُوسِ الآيِ، والوَجْهانِ جائِزانِ. انْتَهى. فَجَعَلَ امْتِناعَ النَّصْبِ هو تُشابُهُ رُءُوسِ الآيِ، وقالَ الوَجْهانِ جائِزانِ فَظَهَرَ مِن كَلامِهِ اسْتِواءُ الرَّفْعِ والنَّصْبِ وأنَّ مَعْناهُما واحِدٌ، ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ الرَّفْعَ كَما ذَكَرْنا لا يَكُونُ مُتَسَبِّبًا بَلْ صَرِيحُ عَطْفٍ، والنَّصْبُ يَكُونُ فِيهِ مُتَسَبِّبًا فافْتَرَقا، وذَهَبَ أبُو الحَجّاجِ الأعْلَمُ إلى أنَّهُ قَدْ يُرْفَعُ الفِعْلُ ويَكُونُ مَعْناهُ المَنصُوبَ بَعْدَ الفاءِ وذَلِكَ قَلِيلٌ، وإنَّما جَعَلَ النَّحْوِيُّونَ مَعْنى الرَّفْعِ غَيْرَ مَعْنى النَّصْبِ رَعْيًا لِلْأكْثَرِ في كَلامِ العَرَبِ، وجَعَلَ دَلِيلَهُ ذَلِكَ، وهَذِهِ الآيَةُ كَظاهِرِ كَلامِ ابْنِ عَطِيَّةَ، وقَدْ رَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ ابْنُ عُصْفُورٍ وغَيْرُهُ. ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكُمْ﴾ لِلْكُفّارِ، (والأوَّلِينَ): قَوْمَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وغَيْرَهم مِنَ الكُفّارِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ زَمانُهم عَلى زَمانِ المُخاطَبِينَ، أيْ جَمَعْناكم لِلْفَصْلِ بَيْنَ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ﴾: أيْ في هَذا اليَوْمِ، كَما كانَ لَكم في الدُّنْيا ما تَكِيدُونَ بِهِ دِينَ اللَّهِ وأوْلِياءَهُ، ﴿فَكِيدُونِ﴾ اليَوْمَ، وهَذا تَعْجِيزٌ لَهم وتَوْبِيخٌ، ولَمّا كانَ في سُورَةِ الإنْسانِ ذَكَرَ نَزْرًا مِن أحْوالِ الكُفّارِ في الآخِرَةِ، وأطْنَبَ في وصْفِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ فِيها، جاءَ في هَذِهِ السُّورَةِ الإطْنابُ في وصْفِ الكُفّارِ والإيجازُ في وصْفِ المُؤْمِنِينَ، فَوَقَعَ بِذَلِكَ الِاعْتِدالُ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي ظِلالٍ﴾ جَمْعُ ظِلٍّ، والأعْمَشُ: في ظُلَلٍ جَمْعُ ظُلَّةٍ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾ خِطابٌ لَهم في الآخِرَةِ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا﴾ خِطابٌ لِلْكُفّارِ في الدُّنْيا، (قَلِيلًا): أيْ زَمانًا قَلِيلًا، إذْ قُصارى أكْلِكم وتَمَتُّعِكُمُ المَوْتُ، وهو خِطابُ تَهْدِيدٍ لِمَن أجْرَمَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا﴾ مَن قالَ إنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَ هي في قُرَيْشٍ، ومَن قالَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ قالَ هي في المُنافِقِينَ، وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ «فِي ثَقِيفٍ، قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: حُطَّ عَنّا الصَّلاةَ فَإنّا لا نَنْحَنِي، إنَّها مَسَبَّةٌ، فَأبى وقالَ: لا خَيْرَ في دِينٍ لا صَلاةَ فِيهِ» . ومَعْنى ارْكَعُوا: اخْشَعُوا لِلَّهِ وتَواضَعُوا لَهُ بِقَبُولِ وحْيِهِ، وقِيلَ: الرُّكُوعُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ الصَّلاةِ، وخَصَّ مِن أفْعالِها الرُّكُوعَ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يَأْنَفُونَ مِنَ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، وجاءَ في هَذِهِ السُّورَةِ بَعْدَ كُلِّ جُمْلَةٍ قَوْلُهُ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِأنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ مِنها فِيها إخْبارُ اللَّهِ تَعالى عَنْ أشْياءَ مِن أحْوالِ الآخِرَةِ وتَقْرِيراتٍ مِن أحْوالِ الدُّنْيا، فَناسَبَ أنْ نَذْكُرَ الوَعِيدَ عَقِيبَ كُلِّ جُمْلَةٍ مِنها لِلْمُكَذِّبِ بِالوَيْلِ في يَوْمِ الآخِرَةِ، والضَّمِيرُ في (بَعْدَهُ) عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، والمَعْنى أنَّهُ قَدْ تَضَمَّنَ مِنَ الإعْجازِ والبَلاغَةِ والأخْبارِ المُغَيَّباتِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا احْتَوى عَلَيْهِ ما لَمْ يَتَضَمَّنْهُ كِتابٌ إلَهِيٌّ، فَإذا كانُوا مُكَذِّبِينَ بِهِ، فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُصَدِّقُونَ بِهِ ؟ أيْ لا يُمْكِنُ تَصْدِيقُهم بِحَدِيثٍ بَعْدَ أنْ كَذَّبُوا بِهَذا الحَدِيثِ الَّذِي هو القُرْآنُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُؤْمِنُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ، ويَعْقُوبُ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ: بِتاءِ الخِطابِ.

المرسلات 77:32

﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وفَواكِهَ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ يُقالُ لِلْمُكَذِّبِينَ: ﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾: أيِ مِنَ العَذابِ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ﴾: أمْرٌ، قِراءَةُ الجُمْهُورِ تَكْرارًا أوْ بَيانًا لِلْمُنْطَلَقِ إلَيْهِ، وقَرَأ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ: بِفَتْحِ اللّامِ عَلى مَعْنى الخَبَرِ، كَأنَّهم لَمّا أُمِرُوا امْتَثَلُوا فانْطَلَقُوا، إذْ لا يُمْكِنُهُمُ التَّأْخِيرُ، إذْ صارُوا مُضْطَرِّينَ إلى الِانْطِلاقِ ﴿ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ قالَ عَطاءٌ: هو دُخانُ جَهَنَّمَ، ورُوِيَ أنَّهُ يَعْلُو مِن ثَلاثَةِ مَواضِعَ يَظُنُّ الكُفّارُ أنَّهُ مُغْنٍ مِنَ النّارِ، فَيُهْرَعُونَ إلَيْهِ فَيَجِدُونَهُ عَلى أسْوَأِ وصْفٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (p-٤٠٧)يُقالُ ذَلِكَ لِعَبَدَةِ الصَّلِيبِ، فالمُؤْمِنُونَ في ظِلِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وهم في ظِلِّ مَعْبُودِهِمْ وهو الصَّلِيبُ لَهُ ثَلاثُ شُعَبٍ، والشِّعْبُ: ما تَفَرَّقَ مِن جِسْمٍ واحِدٍ ﴿لا ظَلِيلٍ﴾: نَفْيٌ لِمَحاسِنِ الظِّلِّ ﴿ولا يُغْنِي﴾: أيْ ولا يُغْنِي عَنْهم مِن حَرِّ اللَّهَبِ شَيْئًا ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ﴾: الضَّمِيرُ في إنَّها لِجَهَنَّمَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (بِشَرَرٍ) وعِيسى: بِشَرارٍ بِألِفٍ بَيْنَ الرّاءَيْنِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مِقْسَمٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ كَسَرَ الشِّينَ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ جَمْعَ شَرَرٍ، أيْ بِشِرارٍ مِنَ العَذابِ، وأنْ يَكُونَ صِفَةً أُقِيمَتْ مَقامَ مَوْصُوفِها، أيْ بِشِرارٍ مِنَ النّاسِ، كَما تَقُولُ: قَوْمٌ شِرارٌ جَمْعُ شَرٍّ غَيْرُ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، وقَوْمٌ خِيارٌ جَمْعُ خَيْرٍ غَيْرُ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، ويُؤَنَّثُ هَذا فَيُقالُ لِلْمُؤَنَّثِ: شَرَّةٌ وخَيْرَةٌ بِخِلافِهِما، إذا كانا لِلتَّفْضِيلِ، فَلَهُما أحْكامٌ مَذْكُورَةٌ في النَّحْوِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (كالقَصْرِ) وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ مِقْسَمٍ: بِفَتْحِ القافِ والصّادِ، وابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا والحَسَنُ أيْضًا: كالقِصَرِ، بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصّادِ، وبَعْضُ القُرّاءِ: بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِ الصّادِ، وابْنُ مَسْعُودٍ: بِضَمِّهِما، كَأنَّهُ مَقْصُورٌ مِنَ القُصُورِ، كَما قَصَرُوا النَّجْمَ والنَّمِرَ مِنَ النُّجُومِ والنُّمُورِ، قالَ الرّاجِزُ: ؎فِيها عَنابِيلُ أُسُودٌ ونَمِرُ وتَقَدَّمَ شَرْحُ أكْثَرِ هَذِهِ القِراءاتِ في المُفْرَداتِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ، ومِنهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: (جِمالاتٌ) بِكَسْرِ الجِيمِ وبِالألِفِ والتّاءِ، جَمْعُ جِمالٍ جَمْعُ الجَمْعِ وهي الإبِلُ، كَقَوْلِهِمْ: رِجالاتُ قُرَيْشٍ، وابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ بِخِلافٍ عَنْهم كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم ضَمُّوا الجِيمَ، وهي جُمالُ السُّفُنِ، الواحِدُ مِنها جُمْلَةٌ لِكَوْنِهِ جُمْلَةً مِنَ الطّاقاتِ والقُوى، ثُمَّ جُمِعَ عَلى جُمَلٍ وجِمالٍ، ثُمَّ جُمِعَ جُمالٌ ثانِيًا جَمْعُ صِحَّةٍ فَقالُوا: جُمالاتٌ. وقِيلَ: الجِمالاتُ: قُلُوصُ الجُسُورِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ الأصْمَعِيِّ، وهارُونُ عَنْهُ: جِمالَةٌ بِكَسْرِ الجِيمِ، لَحِقَتْ جِمالًا التّاءُ لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ، كَحَجَرٍ وحِجارَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّلَمِيُّ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، وأبُو بَحْرِيَّةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ورُوَيْسٌ: كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم ضَمُّوا الجِيمَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: الجِمالاتُ: قُلُوصُ السُّفُنِ، وهي حِبالُهُ العِظامُ، إذا اجْتَمَعَتْ مُسْتَدِيرَةً بَعْضُها إلى بَعْضٍ جاءَ مِنها أجْرامٌ عِظامٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الجِمالاتُ: قِطَعُ النُّحاسِ الكِبارُ، وكانَ اشْتِقاقُ هَذِهِ مِنِ اسْمِ الجُمْلَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ: صُفُرٌ، بِضَمِّ الفاءِ، والجُمْهُورُ: بِإسْكانِها، شَبَّهَ الشَّرَرَ أوَّلًا بِالقَصْرِ، وهو الحِصْنُ مِن جِهَةِ العِظَمِ ومِن جِهَةِ الطُّولِ في الهَواءِ، وثانِيًا بِالجِمالِ لِبَيانِ التَّشْبِيهِ، ألا تَراهم يُشَبِّهُونَ الإبِلَ بِالأفْدانِ، وهي القُصُورُ ؟ قالَ الشّاعِرُ: ؎فَوَقَفْتُ فِيها ناقَتِي فَكَأنَّها ∗∗∗ فَدَنٌ لِأقْضِيَ حاجَةَ المُتَلَوِّمِ ومَن قَرَأ بِضَمِّ الجِيمِ، فالتَّشْبِيهُ مِن جِهَةِ العِظَمِ والطُّولِ، والصُّفْرَةُ الفاقِعَةُ أشْبَهُ بِلَوْنِ الشَّرَرِ، قالَهُ الجُمْهُورُ: وقِيلَ: صُفْرٌ سُودٌ، وقِيلَ: سُودٌ تَضْرِبُ إلى الصُّفْرَةِ، وقالَ عِمْرانُ بْنُ حِطّانَ الرَّقاشِيُّ: ؎دَعَتْهم بِأعْلى صَوْتِها ورَمَتْهم ∗∗∗ بِمِثْلِ الجِمالِ الصُّفْرِ نَزّاعَةُ الشَّوى وقَرَأ الأعْمَشُ والأعْرَجُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعِيسى وأبُو حَيْوَةَ وعاصِمٌ في رِوايَةٍ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ، والجُمْهُورُ: بِرَفْعِها، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمّا أضافَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ بَناهُ فَهي فَتْحَةُ بِناءٍ، وهي في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: قالَ عِيسى: هي لُغَةُ سُفْلى مُضَرَ، يَعْنِي بِناءَهم يَوْمَ مَعَ لا عَلى الفَتْحِ، لِأنَّهم جَعَلُوا يَوْمَ مَعَ لا كالِاسْمِ الواحِدِ، فَهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ لِأنَّهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ. انْتَهى. والجُمْلَةُ المُصَدَّرَةُ بِمُضارِعٍ مُثْبَتٍ أوْ مَنفِيٍّ لا يُجِيزُ البَصْرِيُّونَ في الظَّرْفِ المُضافِ إلَيْها البِناءَ بِوَجْهٍ، وإنَّما هَذا مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا صَحِيحًا عَلى الظَّرْفِ، فَيَصِيرُ هَذا إشارَةً إلى ما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكَلامِ دُونَ إشارَةٍ إلى (يَوْمَ)، ويَكُونُ العامِلُ في نَصْبِ (يَوْمَ) نِداءٌ تَقَدَّمَهُ مِن صِفَةِ (p-٤٠٨)جَهَنَّمَ، ورَمْيِها بِالشَّرَرِ في (يَوْمَ لا يَنْطِقُونَ)، فَيَكُونُ يَوْمَئِذٍ كَلامًا مُعْتَرِضًا لا يَمْنَعُ مِن تَفْرِيغِ العامِلِ لِلْمَعْمُولِ، كَما كانَتْ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧] ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨] انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا، وتَكُونَ الإشارَةُ بِهَذا إلى رَمْيِها بِشَرَرٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ونَصَبَهُ الأعْمَشُ، أيْ هَذا الَّذِي قَصَّ عَلَيْكم واقِعٌ يَوْمَئِذٍ، وهُنا نَفْيُ نُطْقِهِمْ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم نَطَقُوا في مَواضِعَ مِن هَذا اليَوْمِ، وذَلِكَ بِاعْتِبارِ طُولِ اليَوْمِ، فَيَصِحُّ أنْ يَنْفِيَ القَوْلَ فِيهِ في وقْتٍ ويُثْبِتَ في وقْتٍ، أوْ نَفى نُطْقَهم بِحُجَّةٍ تَنْفَعُ وجَعَلَ نُطْقَهم بِما لا يَنْفَعُ كَلا نُطْقٍ. وقَرَأ القُرّاءُ كُلُّهم فِيما أعْلَمُ: ﴿ولا يُؤْذَنُ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وحَكى أبُو عَلِيٍّ الأهْوازِيُّ أنَّ زَيْدَ بْنَ عَلِيٍّ قَرَأ: ولا يَأْذَنُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيِ اللَّهُ تَعالى ﴿فَيَعْتَذِرُونَ﴾: عَطْفٌ عَلى ﴿ولا يُؤْذَنُ﴾ داخِلٌ في حَيِّزِ نَفْيِ الإذْنِ، أيْ فَلا إذْنٌ فاعْتِذارٌ، ولَمْ يَجْعَلِ الِاعْتِذارَ مُتَسَبِّبًا عَنِ الإذْنِ فَيُنْصَبُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَمْ يُنْصَبْ في جَوابِ النَّفْيِ لِتَشابُهِ رُءُوسِ الآيِ، والوَجْهانِ جائِزانِ. انْتَهى. فَجَعَلَ امْتِناعَ النَّصْبِ هو تُشابُهُ رُءُوسِ الآيِ، وقالَ الوَجْهانِ جائِزانِ فَظَهَرَ مِن كَلامِهِ اسْتِواءُ الرَّفْعِ والنَّصْبِ وأنَّ مَعْناهُما واحِدٌ، ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ الرَّفْعَ كَما ذَكَرْنا لا يَكُونُ مُتَسَبِّبًا بَلْ صَرِيحُ عَطْفٍ، والنَّصْبُ يَكُونُ فِيهِ مُتَسَبِّبًا فافْتَرَقا، وذَهَبَ أبُو الحَجّاجِ الأعْلَمُ إلى أنَّهُ قَدْ يُرْفَعُ الفِعْلُ ويَكُونُ مَعْناهُ المَنصُوبَ بَعْدَ الفاءِ وذَلِكَ قَلِيلٌ، وإنَّما جَعَلَ النَّحْوِيُّونَ مَعْنى الرَّفْعِ غَيْرَ مَعْنى النَّصْبِ رَعْيًا لِلْأكْثَرِ في كَلامِ العَرَبِ، وجَعَلَ دَلِيلَهُ ذَلِكَ، وهَذِهِ الآيَةُ كَظاهِرِ كَلامِ ابْنِ عَطِيَّةَ، وقَدْ رَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ ابْنُ عُصْفُورٍ وغَيْرُهُ. ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكُمْ﴾ لِلْكُفّارِ، (والأوَّلِينَ): قَوْمَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وغَيْرَهم مِنَ الكُفّارِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ زَمانُهم عَلى زَمانِ المُخاطَبِينَ، أيْ جَمَعْناكم لِلْفَصْلِ بَيْنَ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ﴾: أيْ في هَذا اليَوْمِ، كَما كانَ لَكم في الدُّنْيا ما تَكِيدُونَ بِهِ دِينَ اللَّهِ وأوْلِياءَهُ، ﴿فَكِيدُونِ﴾ اليَوْمَ، وهَذا تَعْجِيزٌ لَهم وتَوْبِيخٌ، ولَمّا كانَ في سُورَةِ الإنْسانِ ذَكَرَ نَزْرًا مِن أحْوالِ الكُفّارِ في الآخِرَةِ، وأطْنَبَ في وصْفِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ فِيها، جاءَ في هَذِهِ السُّورَةِ الإطْنابُ في وصْفِ الكُفّارِ والإيجازُ في وصْفِ المُؤْمِنِينَ، فَوَقَعَ بِذَلِكَ الِاعْتِدالُ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي ظِلالٍ﴾ جَمْعُ ظِلٍّ، والأعْمَشُ: في ظُلَلٍ جَمْعُ ظُلَّةٍ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾ خِطابٌ لَهم في الآخِرَةِ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا﴾ خِطابٌ لِلْكُفّارِ في الدُّنْيا، (قَلِيلًا): أيْ زَمانًا قَلِيلًا، إذْ قُصارى أكْلِكم وتَمَتُّعِكُمُ المَوْتُ، وهو خِطابُ تَهْدِيدٍ لِمَن أجْرَمَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا﴾ مَن قالَ إنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَ هي في قُرَيْشٍ، ومَن قالَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ قالَ هي في المُنافِقِينَ، وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ «فِي ثَقِيفٍ، قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: حُطَّ عَنّا الصَّلاةَ فَإنّا لا نَنْحَنِي، إنَّها مَسَبَّةٌ، فَأبى وقالَ: لا خَيْرَ في دِينٍ لا صَلاةَ فِيهِ» . ومَعْنى ارْكَعُوا: اخْشَعُوا لِلَّهِ وتَواضَعُوا لَهُ بِقَبُولِ وحْيِهِ، وقِيلَ: الرُّكُوعُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ الصَّلاةِ، وخَصَّ مِن أفْعالِها الرُّكُوعَ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يَأْنَفُونَ مِنَ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، وجاءَ في هَذِهِ السُّورَةِ بَعْدَ كُلِّ جُمْلَةٍ قَوْلُهُ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِأنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ مِنها فِيها إخْبارُ اللَّهِ تَعالى عَنْ أشْياءَ مِن أحْوالِ الآخِرَةِ وتَقْرِيراتٍ مِن أحْوالِ الدُّنْيا، فَناسَبَ أنْ نَذْكُرَ الوَعِيدَ عَقِيبَ كُلِّ جُمْلَةٍ مِنها لِلْمُكَذِّبِ بِالوَيْلِ في يَوْمِ الآخِرَةِ، والضَّمِيرُ في (بَعْدَهُ) عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، والمَعْنى أنَّهُ قَدْ تَضَمَّنَ مِنَ الإعْجازِ والبَلاغَةِ والأخْبارِ المُغَيَّباتِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا احْتَوى عَلَيْهِ ما لَمْ يَتَضَمَّنْهُ كِتابٌ إلَهِيٌّ، فَإذا كانُوا مُكَذِّبِينَ بِهِ، فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُصَدِّقُونَ بِهِ ؟ أيْ لا يُمْكِنُ تَصْدِيقُهم بِحَدِيثٍ بَعْدَ أنْ كَذَّبُوا بِهَذا الحَدِيثِ الَّذِي هو القُرْآنُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُؤْمِنُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ، ويَعْقُوبُ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ: بِتاءِ الخِطابِ.

المرسلات 77:33

﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وفَواكِهَ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ يُقالُ لِلْمُكَذِّبِينَ: ﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾: أيِ مِنَ العَذابِ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ﴾: أمْرٌ، قِراءَةُ الجُمْهُورِ تَكْرارًا أوْ بَيانًا لِلْمُنْطَلَقِ إلَيْهِ، وقَرَأ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ: بِفَتْحِ اللّامِ عَلى مَعْنى الخَبَرِ، كَأنَّهم لَمّا أُمِرُوا امْتَثَلُوا فانْطَلَقُوا، إذْ لا يُمْكِنُهُمُ التَّأْخِيرُ، إذْ صارُوا مُضْطَرِّينَ إلى الِانْطِلاقِ ﴿ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ قالَ عَطاءٌ: هو دُخانُ جَهَنَّمَ، ورُوِيَ أنَّهُ يَعْلُو مِن ثَلاثَةِ مَواضِعَ يَظُنُّ الكُفّارُ أنَّهُ مُغْنٍ مِنَ النّارِ، فَيُهْرَعُونَ إلَيْهِ فَيَجِدُونَهُ عَلى أسْوَأِ وصْفٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (p-٤٠٧)يُقالُ ذَلِكَ لِعَبَدَةِ الصَّلِيبِ، فالمُؤْمِنُونَ في ظِلِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وهم في ظِلِّ مَعْبُودِهِمْ وهو الصَّلِيبُ لَهُ ثَلاثُ شُعَبٍ، والشِّعْبُ: ما تَفَرَّقَ مِن جِسْمٍ واحِدٍ ﴿لا ظَلِيلٍ﴾: نَفْيٌ لِمَحاسِنِ الظِّلِّ ﴿ولا يُغْنِي﴾: أيْ ولا يُغْنِي عَنْهم مِن حَرِّ اللَّهَبِ شَيْئًا ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ﴾: الضَّمِيرُ في إنَّها لِجَهَنَّمَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (بِشَرَرٍ) وعِيسى: بِشَرارٍ بِألِفٍ بَيْنَ الرّاءَيْنِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مِقْسَمٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ كَسَرَ الشِّينَ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ جَمْعَ شَرَرٍ، أيْ بِشِرارٍ مِنَ العَذابِ، وأنْ يَكُونَ صِفَةً أُقِيمَتْ مَقامَ مَوْصُوفِها، أيْ بِشِرارٍ مِنَ النّاسِ، كَما تَقُولُ: قَوْمٌ شِرارٌ جَمْعُ شَرٍّ غَيْرُ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، وقَوْمٌ خِيارٌ جَمْعُ خَيْرٍ غَيْرُ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، ويُؤَنَّثُ هَذا فَيُقالُ لِلْمُؤَنَّثِ: شَرَّةٌ وخَيْرَةٌ بِخِلافِهِما، إذا كانا لِلتَّفْضِيلِ، فَلَهُما أحْكامٌ مَذْكُورَةٌ في النَّحْوِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (كالقَصْرِ) وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ مِقْسَمٍ: بِفَتْحِ القافِ والصّادِ، وابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا والحَسَنُ أيْضًا: كالقِصَرِ، بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصّادِ، وبَعْضُ القُرّاءِ: بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِ الصّادِ، وابْنُ مَسْعُودٍ: بِضَمِّهِما، كَأنَّهُ مَقْصُورٌ مِنَ القُصُورِ، كَما قَصَرُوا النَّجْمَ والنَّمِرَ مِنَ النُّجُومِ والنُّمُورِ، قالَ الرّاجِزُ: ؎فِيها عَنابِيلُ أُسُودٌ ونَمِرُ وتَقَدَّمَ شَرْحُ أكْثَرِ هَذِهِ القِراءاتِ في المُفْرَداتِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ، ومِنهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: (جِمالاتٌ) بِكَسْرِ الجِيمِ وبِالألِفِ والتّاءِ، جَمْعُ جِمالٍ جَمْعُ الجَمْعِ وهي الإبِلُ، كَقَوْلِهِمْ: رِجالاتُ قُرَيْشٍ، وابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ بِخِلافٍ عَنْهم كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم ضَمُّوا الجِيمَ، وهي جُمالُ السُّفُنِ، الواحِدُ مِنها جُمْلَةٌ لِكَوْنِهِ جُمْلَةً مِنَ الطّاقاتِ والقُوى، ثُمَّ جُمِعَ عَلى جُمَلٍ وجِمالٍ، ثُمَّ جُمِعَ جُمالٌ ثانِيًا جَمْعُ صِحَّةٍ فَقالُوا: جُمالاتٌ. وقِيلَ: الجِمالاتُ: قُلُوصُ الجُسُورِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ الأصْمَعِيِّ، وهارُونُ عَنْهُ: جِمالَةٌ بِكَسْرِ الجِيمِ، لَحِقَتْ جِمالًا التّاءُ لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ، كَحَجَرٍ وحِجارَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّلَمِيُّ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، وأبُو بَحْرِيَّةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ورُوَيْسٌ: كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم ضَمُّوا الجِيمَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: الجِمالاتُ: قُلُوصُ السُّفُنِ، وهي حِبالُهُ العِظامُ، إذا اجْتَمَعَتْ مُسْتَدِيرَةً بَعْضُها إلى بَعْضٍ جاءَ مِنها أجْرامٌ عِظامٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الجِمالاتُ: قِطَعُ النُّحاسِ الكِبارُ، وكانَ اشْتِقاقُ هَذِهِ مِنِ اسْمِ الجُمْلَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ: صُفُرٌ، بِضَمِّ الفاءِ، والجُمْهُورُ: بِإسْكانِها، شَبَّهَ الشَّرَرَ أوَّلًا بِالقَصْرِ، وهو الحِصْنُ مِن جِهَةِ العِظَمِ ومِن جِهَةِ الطُّولِ في الهَواءِ، وثانِيًا بِالجِمالِ لِبَيانِ التَّشْبِيهِ، ألا تَراهم يُشَبِّهُونَ الإبِلَ بِالأفْدانِ، وهي القُصُورُ ؟ قالَ الشّاعِرُ: ؎فَوَقَفْتُ فِيها ناقَتِي فَكَأنَّها ∗∗∗ فَدَنٌ لِأقْضِيَ حاجَةَ المُتَلَوِّمِ ومَن قَرَأ بِضَمِّ الجِيمِ، فالتَّشْبِيهُ مِن جِهَةِ العِظَمِ والطُّولِ، والصُّفْرَةُ الفاقِعَةُ أشْبَهُ بِلَوْنِ الشَّرَرِ، قالَهُ الجُمْهُورُ: وقِيلَ: صُفْرٌ سُودٌ، وقِيلَ: سُودٌ تَضْرِبُ إلى الصُّفْرَةِ، وقالَ عِمْرانُ بْنُ حِطّانَ الرَّقاشِيُّ: ؎دَعَتْهم بِأعْلى صَوْتِها ورَمَتْهم ∗∗∗ بِمِثْلِ الجِمالِ الصُّفْرِ نَزّاعَةُ الشَّوى وقَرَأ الأعْمَشُ والأعْرَجُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعِيسى وأبُو حَيْوَةَ وعاصِمٌ في رِوايَةٍ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ، والجُمْهُورُ: بِرَفْعِها، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمّا أضافَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ بَناهُ فَهي فَتْحَةُ بِناءٍ، وهي في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: قالَ عِيسى: هي لُغَةُ سُفْلى مُضَرَ، يَعْنِي بِناءَهم يَوْمَ مَعَ لا عَلى الفَتْحِ، لِأنَّهم جَعَلُوا يَوْمَ مَعَ لا كالِاسْمِ الواحِدِ، فَهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ لِأنَّهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ. انْتَهى. والجُمْلَةُ المُصَدَّرَةُ بِمُضارِعٍ مُثْبَتٍ أوْ مَنفِيٍّ لا يُجِيزُ البَصْرِيُّونَ في الظَّرْفِ المُضافِ إلَيْها البِناءَ بِوَجْهٍ، وإنَّما هَذا مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا صَحِيحًا عَلى الظَّرْفِ، فَيَصِيرُ هَذا إشارَةً إلى ما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكَلامِ دُونَ إشارَةٍ إلى (يَوْمَ)، ويَكُونُ العامِلُ في نَصْبِ (يَوْمَ) نِداءٌ تَقَدَّمَهُ مِن صِفَةِ (p-٤٠٨)جَهَنَّمَ، ورَمْيِها بِالشَّرَرِ في (يَوْمَ لا يَنْطِقُونَ)، فَيَكُونُ يَوْمَئِذٍ كَلامًا مُعْتَرِضًا لا يَمْنَعُ مِن تَفْرِيغِ العامِلِ لِلْمَعْمُولِ، كَما كانَتْ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧] ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨] انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا، وتَكُونَ الإشارَةُ بِهَذا إلى رَمْيِها بِشَرَرٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ونَصَبَهُ الأعْمَشُ، أيْ هَذا الَّذِي قَصَّ عَلَيْكم واقِعٌ يَوْمَئِذٍ، وهُنا نَفْيُ نُطْقِهِمْ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم نَطَقُوا في مَواضِعَ مِن هَذا اليَوْمِ، وذَلِكَ بِاعْتِبارِ طُولِ اليَوْمِ، فَيَصِحُّ أنْ يَنْفِيَ القَوْلَ فِيهِ في وقْتٍ ويُثْبِتَ في وقْتٍ، أوْ نَفى نُطْقَهم بِحُجَّةٍ تَنْفَعُ وجَعَلَ نُطْقَهم بِما لا يَنْفَعُ كَلا نُطْقٍ. وقَرَأ القُرّاءُ كُلُّهم فِيما أعْلَمُ: ﴿ولا يُؤْذَنُ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وحَكى أبُو عَلِيٍّ الأهْوازِيُّ أنَّ زَيْدَ بْنَ عَلِيٍّ قَرَأ: ولا يَأْذَنُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيِ اللَّهُ تَعالى ﴿فَيَعْتَذِرُونَ﴾: عَطْفٌ عَلى ﴿ولا يُؤْذَنُ﴾ داخِلٌ في حَيِّزِ نَفْيِ الإذْنِ، أيْ فَلا إذْنٌ فاعْتِذارٌ، ولَمْ يَجْعَلِ الِاعْتِذارَ مُتَسَبِّبًا عَنِ الإذْنِ فَيُنْصَبُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَمْ يُنْصَبْ في جَوابِ النَّفْيِ لِتَشابُهِ رُءُوسِ الآيِ، والوَجْهانِ جائِزانِ. انْتَهى. فَجَعَلَ امْتِناعَ النَّصْبِ هو تُشابُهُ رُءُوسِ الآيِ، وقالَ الوَجْهانِ جائِزانِ فَظَهَرَ مِن كَلامِهِ اسْتِواءُ الرَّفْعِ والنَّصْبِ وأنَّ مَعْناهُما واحِدٌ، ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ الرَّفْعَ كَما ذَكَرْنا لا يَكُونُ مُتَسَبِّبًا بَلْ صَرِيحُ عَطْفٍ، والنَّصْبُ يَكُونُ فِيهِ مُتَسَبِّبًا فافْتَرَقا، وذَهَبَ أبُو الحَجّاجِ الأعْلَمُ إلى أنَّهُ قَدْ يُرْفَعُ الفِعْلُ ويَكُونُ مَعْناهُ المَنصُوبَ بَعْدَ الفاءِ وذَلِكَ قَلِيلٌ، وإنَّما جَعَلَ النَّحْوِيُّونَ مَعْنى الرَّفْعِ غَيْرَ مَعْنى النَّصْبِ رَعْيًا لِلْأكْثَرِ في كَلامِ العَرَبِ، وجَعَلَ دَلِيلَهُ ذَلِكَ، وهَذِهِ الآيَةُ كَظاهِرِ كَلامِ ابْنِ عَطِيَّةَ، وقَدْ رَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ ابْنُ عُصْفُورٍ وغَيْرُهُ. ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكُمْ﴾ لِلْكُفّارِ، (والأوَّلِينَ): قَوْمَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وغَيْرَهم مِنَ الكُفّارِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ زَمانُهم عَلى زَمانِ المُخاطَبِينَ، أيْ جَمَعْناكم لِلْفَصْلِ بَيْنَ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ﴾: أيْ في هَذا اليَوْمِ، كَما كانَ لَكم في الدُّنْيا ما تَكِيدُونَ بِهِ دِينَ اللَّهِ وأوْلِياءَهُ، ﴿فَكِيدُونِ﴾ اليَوْمَ، وهَذا تَعْجِيزٌ لَهم وتَوْبِيخٌ، ولَمّا كانَ في سُورَةِ الإنْسانِ ذَكَرَ نَزْرًا مِن أحْوالِ الكُفّارِ في الآخِرَةِ، وأطْنَبَ في وصْفِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ فِيها، جاءَ في هَذِهِ السُّورَةِ الإطْنابُ في وصْفِ الكُفّارِ والإيجازُ في وصْفِ المُؤْمِنِينَ، فَوَقَعَ بِذَلِكَ الِاعْتِدالُ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي ظِلالٍ﴾ جَمْعُ ظِلٍّ، والأعْمَشُ: في ظُلَلٍ جَمْعُ ظُلَّةٍ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾ خِطابٌ لَهم في الآخِرَةِ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا﴾ خِطابٌ لِلْكُفّارِ في الدُّنْيا، (قَلِيلًا): أيْ زَمانًا قَلِيلًا، إذْ قُصارى أكْلِكم وتَمَتُّعِكُمُ المَوْتُ، وهو خِطابُ تَهْدِيدٍ لِمَن أجْرَمَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا﴾ مَن قالَ إنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَ هي في قُرَيْشٍ، ومَن قالَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ قالَ هي في المُنافِقِينَ، وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ «فِي ثَقِيفٍ، قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: حُطَّ عَنّا الصَّلاةَ فَإنّا لا نَنْحَنِي، إنَّها مَسَبَّةٌ، فَأبى وقالَ: لا خَيْرَ في دِينٍ لا صَلاةَ فِيهِ» . ومَعْنى ارْكَعُوا: اخْشَعُوا لِلَّهِ وتَواضَعُوا لَهُ بِقَبُولِ وحْيِهِ، وقِيلَ: الرُّكُوعُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ الصَّلاةِ، وخَصَّ مِن أفْعالِها الرُّكُوعَ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يَأْنَفُونَ مِنَ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، وجاءَ في هَذِهِ السُّورَةِ بَعْدَ كُلِّ جُمْلَةٍ قَوْلُهُ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِأنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ مِنها فِيها إخْبارُ اللَّهِ تَعالى عَنْ أشْياءَ مِن أحْوالِ الآخِرَةِ وتَقْرِيراتٍ مِن أحْوالِ الدُّنْيا، فَناسَبَ أنْ نَذْكُرَ الوَعِيدَ عَقِيبَ كُلِّ جُمْلَةٍ مِنها لِلْمُكَذِّبِ بِالوَيْلِ في يَوْمِ الآخِرَةِ، والضَّمِيرُ في (بَعْدَهُ) عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، والمَعْنى أنَّهُ قَدْ تَضَمَّنَ مِنَ الإعْجازِ والبَلاغَةِ والأخْبارِ المُغَيَّباتِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا احْتَوى عَلَيْهِ ما لَمْ يَتَضَمَّنْهُ كِتابٌ إلَهِيٌّ، فَإذا كانُوا مُكَذِّبِينَ بِهِ، فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُصَدِّقُونَ بِهِ ؟ أيْ لا يُمْكِنُ تَصْدِيقُهم بِحَدِيثٍ بَعْدَ أنْ كَذَّبُوا بِهَذا الحَدِيثِ الَّذِي هو القُرْآنُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُؤْمِنُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ، ويَعْقُوبُ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ: بِتاءِ الخِطابِ.

المرسلات 77:34

﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وفَواكِهَ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ يُقالُ لِلْمُكَذِّبِينَ: ﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾: أيِ مِنَ العَذابِ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ﴾: أمْرٌ، قِراءَةُ الجُمْهُورِ تَكْرارًا أوْ بَيانًا لِلْمُنْطَلَقِ إلَيْهِ، وقَرَأ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ: بِفَتْحِ اللّامِ عَلى مَعْنى الخَبَرِ، كَأنَّهم لَمّا أُمِرُوا امْتَثَلُوا فانْطَلَقُوا، إذْ لا يُمْكِنُهُمُ التَّأْخِيرُ، إذْ صارُوا مُضْطَرِّينَ إلى الِانْطِلاقِ ﴿ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ قالَ عَطاءٌ: هو دُخانُ جَهَنَّمَ، ورُوِيَ أنَّهُ يَعْلُو مِن ثَلاثَةِ مَواضِعَ يَظُنُّ الكُفّارُ أنَّهُ مُغْنٍ مِنَ النّارِ، فَيُهْرَعُونَ إلَيْهِ فَيَجِدُونَهُ عَلى أسْوَأِ وصْفٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (p-٤٠٧)يُقالُ ذَلِكَ لِعَبَدَةِ الصَّلِيبِ، فالمُؤْمِنُونَ في ظِلِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وهم في ظِلِّ مَعْبُودِهِمْ وهو الصَّلِيبُ لَهُ ثَلاثُ شُعَبٍ، والشِّعْبُ: ما تَفَرَّقَ مِن جِسْمٍ واحِدٍ ﴿لا ظَلِيلٍ﴾: نَفْيٌ لِمَحاسِنِ الظِّلِّ ﴿ولا يُغْنِي﴾: أيْ ولا يُغْنِي عَنْهم مِن حَرِّ اللَّهَبِ شَيْئًا ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ﴾: الضَّمِيرُ في إنَّها لِجَهَنَّمَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (بِشَرَرٍ) وعِيسى: بِشَرارٍ بِألِفٍ بَيْنَ الرّاءَيْنِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مِقْسَمٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ كَسَرَ الشِّينَ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ جَمْعَ شَرَرٍ، أيْ بِشِرارٍ مِنَ العَذابِ، وأنْ يَكُونَ صِفَةً أُقِيمَتْ مَقامَ مَوْصُوفِها، أيْ بِشِرارٍ مِنَ النّاسِ، كَما تَقُولُ: قَوْمٌ شِرارٌ جَمْعُ شَرٍّ غَيْرُ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، وقَوْمٌ خِيارٌ جَمْعُ خَيْرٍ غَيْرُ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، ويُؤَنَّثُ هَذا فَيُقالُ لِلْمُؤَنَّثِ: شَرَّةٌ وخَيْرَةٌ بِخِلافِهِما، إذا كانا لِلتَّفْضِيلِ، فَلَهُما أحْكامٌ مَذْكُورَةٌ في النَّحْوِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (كالقَصْرِ) وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ مِقْسَمٍ: بِفَتْحِ القافِ والصّادِ، وابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا والحَسَنُ أيْضًا: كالقِصَرِ، بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصّادِ، وبَعْضُ القُرّاءِ: بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِ الصّادِ، وابْنُ مَسْعُودٍ: بِضَمِّهِما، كَأنَّهُ مَقْصُورٌ مِنَ القُصُورِ، كَما قَصَرُوا النَّجْمَ والنَّمِرَ مِنَ النُّجُومِ والنُّمُورِ، قالَ الرّاجِزُ: ؎فِيها عَنابِيلُ أُسُودٌ ونَمِرُ وتَقَدَّمَ شَرْحُ أكْثَرِ هَذِهِ القِراءاتِ في المُفْرَداتِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ، ومِنهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: (جِمالاتٌ) بِكَسْرِ الجِيمِ وبِالألِفِ والتّاءِ، جَمْعُ جِمالٍ جَمْعُ الجَمْعِ وهي الإبِلُ، كَقَوْلِهِمْ: رِجالاتُ قُرَيْشٍ، وابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ بِخِلافٍ عَنْهم كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم ضَمُّوا الجِيمَ، وهي جُمالُ السُّفُنِ، الواحِدُ مِنها جُمْلَةٌ لِكَوْنِهِ جُمْلَةً مِنَ الطّاقاتِ والقُوى، ثُمَّ جُمِعَ عَلى جُمَلٍ وجِمالٍ، ثُمَّ جُمِعَ جُمالٌ ثانِيًا جَمْعُ صِحَّةٍ فَقالُوا: جُمالاتٌ. وقِيلَ: الجِمالاتُ: قُلُوصُ الجُسُورِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ الأصْمَعِيِّ، وهارُونُ عَنْهُ: جِمالَةٌ بِكَسْرِ الجِيمِ، لَحِقَتْ جِمالًا التّاءُ لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ، كَحَجَرٍ وحِجارَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّلَمِيُّ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، وأبُو بَحْرِيَّةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ورُوَيْسٌ: كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم ضَمُّوا الجِيمَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: الجِمالاتُ: قُلُوصُ السُّفُنِ، وهي حِبالُهُ العِظامُ، إذا اجْتَمَعَتْ مُسْتَدِيرَةً بَعْضُها إلى بَعْضٍ جاءَ مِنها أجْرامٌ عِظامٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الجِمالاتُ: قِطَعُ النُّحاسِ الكِبارُ، وكانَ اشْتِقاقُ هَذِهِ مِنِ اسْمِ الجُمْلَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ: صُفُرٌ، بِضَمِّ الفاءِ، والجُمْهُورُ: بِإسْكانِها، شَبَّهَ الشَّرَرَ أوَّلًا بِالقَصْرِ، وهو الحِصْنُ مِن جِهَةِ العِظَمِ ومِن جِهَةِ الطُّولِ في الهَواءِ، وثانِيًا بِالجِمالِ لِبَيانِ التَّشْبِيهِ، ألا تَراهم يُشَبِّهُونَ الإبِلَ بِالأفْدانِ، وهي القُصُورُ ؟ قالَ الشّاعِرُ: ؎فَوَقَفْتُ فِيها ناقَتِي فَكَأنَّها ∗∗∗ فَدَنٌ لِأقْضِيَ حاجَةَ المُتَلَوِّمِ ومَن قَرَأ بِضَمِّ الجِيمِ، فالتَّشْبِيهُ مِن جِهَةِ العِظَمِ والطُّولِ، والصُّفْرَةُ الفاقِعَةُ أشْبَهُ بِلَوْنِ الشَّرَرِ، قالَهُ الجُمْهُورُ: وقِيلَ: صُفْرٌ سُودٌ، وقِيلَ: سُودٌ تَضْرِبُ إلى الصُّفْرَةِ، وقالَ عِمْرانُ بْنُ حِطّانَ الرَّقاشِيُّ: ؎دَعَتْهم بِأعْلى صَوْتِها ورَمَتْهم ∗∗∗ بِمِثْلِ الجِمالِ الصُّفْرِ نَزّاعَةُ الشَّوى وقَرَأ الأعْمَشُ والأعْرَجُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعِيسى وأبُو حَيْوَةَ وعاصِمٌ في رِوايَةٍ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ، والجُمْهُورُ: بِرَفْعِها، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمّا أضافَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ بَناهُ فَهي فَتْحَةُ بِناءٍ، وهي في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: قالَ عِيسى: هي لُغَةُ سُفْلى مُضَرَ، يَعْنِي بِناءَهم يَوْمَ مَعَ لا عَلى الفَتْحِ، لِأنَّهم جَعَلُوا يَوْمَ مَعَ لا كالِاسْمِ الواحِدِ، فَهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ لِأنَّهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ. انْتَهى. والجُمْلَةُ المُصَدَّرَةُ بِمُضارِعٍ مُثْبَتٍ أوْ مَنفِيٍّ لا يُجِيزُ البَصْرِيُّونَ في الظَّرْفِ المُضافِ إلَيْها البِناءَ بِوَجْهٍ، وإنَّما هَذا مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا صَحِيحًا عَلى الظَّرْفِ، فَيَصِيرُ هَذا إشارَةً إلى ما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكَلامِ دُونَ إشارَةٍ إلى (يَوْمَ)، ويَكُونُ العامِلُ في نَصْبِ (يَوْمَ) نِداءٌ تَقَدَّمَهُ مِن صِفَةِ (p-٤٠٨)جَهَنَّمَ، ورَمْيِها بِالشَّرَرِ في (يَوْمَ لا يَنْطِقُونَ)، فَيَكُونُ يَوْمَئِذٍ كَلامًا مُعْتَرِضًا لا يَمْنَعُ مِن تَفْرِيغِ العامِلِ لِلْمَعْمُولِ، كَما كانَتْ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧] ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨] انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا، وتَكُونَ الإشارَةُ بِهَذا إلى رَمْيِها بِشَرَرٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ونَصَبَهُ الأعْمَشُ، أيْ هَذا الَّذِي قَصَّ عَلَيْكم واقِعٌ يَوْمَئِذٍ، وهُنا نَفْيُ نُطْقِهِمْ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم نَطَقُوا في مَواضِعَ مِن هَذا اليَوْمِ، وذَلِكَ بِاعْتِبارِ طُولِ اليَوْمِ، فَيَصِحُّ أنْ يَنْفِيَ القَوْلَ فِيهِ في وقْتٍ ويُثْبِتَ في وقْتٍ، أوْ نَفى نُطْقَهم بِحُجَّةٍ تَنْفَعُ وجَعَلَ نُطْقَهم بِما لا يَنْفَعُ كَلا نُطْقٍ. وقَرَأ القُرّاءُ كُلُّهم فِيما أعْلَمُ: ﴿ولا يُؤْذَنُ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وحَكى أبُو عَلِيٍّ الأهْوازِيُّ أنَّ زَيْدَ بْنَ عَلِيٍّ قَرَأ: ولا يَأْذَنُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيِ اللَّهُ تَعالى ﴿فَيَعْتَذِرُونَ﴾: عَطْفٌ عَلى ﴿ولا يُؤْذَنُ﴾ داخِلٌ في حَيِّزِ نَفْيِ الإذْنِ، أيْ فَلا إذْنٌ فاعْتِذارٌ، ولَمْ يَجْعَلِ الِاعْتِذارَ مُتَسَبِّبًا عَنِ الإذْنِ فَيُنْصَبُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَمْ يُنْصَبْ في جَوابِ النَّفْيِ لِتَشابُهِ رُءُوسِ الآيِ، والوَجْهانِ جائِزانِ. انْتَهى. فَجَعَلَ امْتِناعَ النَّصْبِ هو تُشابُهُ رُءُوسِ الآيِ، وقالَ الوَجْهانِ جائِزانِ فَظَهَرَ مِن كَلامِهِ اسْتِواءُ الرَّفْعِ والنَّصْبِ وأنَّ مَعْناهُما واحِدٌ، ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ الرَّفْعَ كَما ذَكَرْنا لا يَكُونُ مُتَسَبِّبًا بَلْ صَرِيحُ عَطْفٍ، والنَّصْبُ يَكُونُ فِيهِ مُتَسَبِّبًا فافْتَرَقا، وذَهَبَ أبُو الحَجّاجِ الأعْلَمُ إلى أنَّهُ قَدْ يُرْفَعُ الفِعْلُ ويَكُونُ مَعْناهُ المَنصُوبَ بَعْدَ الفاءِ وذَلِكَ قَلِيلٌ، وإنَّما جَعَلَ النَّحْوِيُّونَ مَعْنى الرَّفْعِ غَيْرَ مَعْنى النَّصْبِ رَعْيًا لِلْأكْثَرِ في كَلامِ العَرَبِ، وجَعَلَ دَلِيلَهُ ذَلِكَ، وهَذِهِ الآيَةُ كَظاهِرِ كَلامِ ابْنِ عَطِيَّةَ، وقَدْ رَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ ابْنُ عُصْفُورٍ وغَيْرُهُ. ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكُمْ﴾ لِلْكُفّارِ، (والأوَّلِينَ): قَوْمَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وغَيْرَهم مِنَ الكُفّارِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ زَمانُهم عَلى زَمانِ المُخاطَبِينَ، أيْ جَمَعْناكم لِلْفَصْلِ بَيْنَ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ﴾: أيْ في هَذا اليَوْمِ، كَما كانَ لَكم في الدُّنْيا ما تَكِيدُونَ بِهِ دِينَ اللَّهِ وأوْلِياءَهُ، ﴿فَكِيدُونِ﴾ اليَوْمَ، وهَذا تَعْجِيزٌ لَهم وتَوْبِيخٌ، ولَمّا كانَ في سُورَةِ الإنْسانِ ذَكَرَ نَزْرًا مِن أحْوالِ الكُفّارِ في الآخِرَةِ، وأطْنَبَ في وصْفِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ فِيها، جاءَ في هَذِهِ السُّورَةِ الإطْنابُ في وصْفِ الكُفّارِ والإيجازُ في وصْفِ المُؤْمِنِينَ، فَوَقَعَ بِذَلِكَ الِاعْتِدالُ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي ظِلالٍ﴾ جَمْعُ ظِلٍّ، والأعْمَشُ: في ظُلَلٍ جَمْعُ ظُلَّةٍ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾ خِطابٌ لَهم في الآخِرَةِ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا﴾ خِطابٌ لِلْكُفّارِ في الدُّنْيا، (قَلِيلًا): أيْ زَمانًا قَلِيلًا، إذْ قُصارى أكْلِكم وتَمَتُّعِكُمُ المَوْتُ، وهو خِطابُ تَهْدِيدٍ لِمَن أجْرَمَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا﴾ مَن قالَ إنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَ هي في قُرَيْشٍ، ومَن قالَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ قالَ هي في المُنافِقِينَ، وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ «فِي ثَقِيفٍ، قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: حُطَّ عَنّا الصَّلاةَ فَإنّا لا نَنْحَنِي، إنَّها مَسَبَّةٌ، فَأبى وقالَ: لا خَيْرَ في دِينٍ لا صَلاةَ فِيهِ» . ومَعْنى ارْكَعُوا: اخْشَعُوا لِلَّهِ وتَواضَعُوا لَهُ بِقَبُولِ وحْيِهِ، وقِيلَ: الرُّكُوعُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ الصَّلاةِ، وخَصَّ مِن أفْعالِها الرُّكُوعَ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يَأْنَفُونَ مِنَ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، وجاءَ في هَذِهِ السُّورَةِ بَعْدَ كُلِّ جُمْلَةٍ قَوْلُهُ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِأنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ مِنها فِيها إخْبارُ اللَّهِ تَعالى عَنْ أشْياءَ مِن أحْوالِ الآخِرَةِ وتَقْرِيراتٍ مِن أحْوالِ الدُّنْيا، فَناسَبَ أنْ نَذْكُرَ الوَعِيدَ عَقِيبَ كُلِّ جُمْلَةٍ مِنها لِلْمُكَذِّبِ بِالوَيْلِ في يَوْمِ الآخِرَةِ، والضَّمِيرُ في (بَعْدَهُ) عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، والمَعْنى أنَّهُ قَدْ تَضَمَّنَ مِنَ الإعْجازِ والبَلاغَةِ والأخْبارِ المُغَيَّباتِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا احْتَوى عَلَيْهِ ما لَمْ يَتَضَمَّنْهُ كِتابٌ إلَهِيٌّ، فَإذا كانُوا مُكَذِّبِينَ بِهِ، فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُصَدِّقُونَ بِهِ ؟ أيْ لا يُمْكِنُ تَصْدِيقُهم بِحَدِيثٍ بَعْدَ أنْ كَذَّبُوا بِهَذا الحَدِيثِ الَّذِي هو القُرْآنُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُؤْمِنُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ، ويَعْقُوبُ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ: بِتاءِ الخِطابِ.

المرسلات 77:35

﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وفَواكِهَ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ يُقالُ لِلْمُكَذِّبِينَ: ﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾: أيِ مِنَ العَذابِ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ﴾: أمْرٌ، قِراءَةُ الجُمْهُورِ تَكْرارًا أوْ بَيانًا لِلْمُنْطَلَقِ إلَيْهِ، وقَرَأ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ: بِفَتْحِ اللّامِ عَلى مَعْنى الخَبَرِ، كَأنَّهم لَمّا أُمِرُوا امْتَثَلُوا فانْطَلَقُوا، إذْ لا يُمْكِنُهُمُ التَّأْخِيرُ، إذْ صارُوا مُضْطَرِّينَ إلى الِانْطِلاقِ ﴿ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ قالَ عَطاءٌ: هو دُخانُ جَهَنَّمَ، ورُوِيَ أنَّهُ يَعْلُو مِن ثَلاثَةِ مَواضِعَ يَظُنُّ الكُفّارُ أنَّهُ مُغْنٍ مِنَ النّارِ، فَيُهْرَعُونَ إلَيْهِ فَيَجِدُونَهُ عَلى أسْوَأِ وصْفٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (p-٤٠٧)يُقالُ ذَلِكَ لِعَبَدَةِ الصَّلِيبِ، فالمُؤْمِنُونَ في ظِلِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وهم في ظِلِّ مَعْبُودِهِمْ وهو الصَّلِيبُ لَهُ ثَلاثُ شُعَبٍ، والشِّعْبُ: ما تَفَرَّقَ مِن جِسْمٍ واحِدٍ ﴿لا ظَلِيلٍ﴾: نَفْيٌ لِمَحاسِنِ الظِّلِّ ﴿ولا يُغْنِي﴾: أيْ ولا يُغْنِي عَنْهم مِن حَرِّ اللَّهَبِ شَيْئًا ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ﴾: الضَّمِيرُ في إنَّها لِجَهَنَّمَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (بِشَرَرٍ) وعِيسى: بِشَرارٍ بِألِفٍ بَيْنَ الرّاءَيْنِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مِقْسَمٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ كَسَرَ الشِّينَ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ جَمْعَ شَرَرٍ، أيْ بِشِرارٍ مِنَ العَذابِ، وأنْ يَكُونَ صِفَةً أُقِيمَتْ مَقامَ مَوْصُوفِها، أيْ بِشِرارٍ مِنَ النّاسِ، كَما تَقُولُ: قَوْمٌ شِرارٌ جَمْعُ شَرٍّ غَيْرُ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، وقَوْمٌ خِيارٌ جَمْعُ خَيْرٍ غَيْرُ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، ويُؤَنَّثُ هَذا فَيُقالُ لِلْمُؤَنَّثِ: شَرَّةٌ وخَيْرَةٌ بِخِلافِهِما، إذا كانا لِلتَّفْضِيلِ، فَلَهُما أحْكامٌ مَذْكُورَةٌ في النَّحْوِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (كالقَصْرِ) وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ مِقْسَمٍ: بِفَتْحِ القافِ والصّادِ، وابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا والحَسَنُ أيْضًا: كالقِصَرِ، بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصّادِ، وبَعْضُ القُرّاءِ: بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِ الصّادِ، وابْنُ مَسْعُودٍ: بِضَمِّهِما، كَأنَّهُ مَقْصُورٌ مِنَ القُصُورِ، كَما قَصَرُوا النَّجْمَ والنَّمِرَ مِنَ النُّجُومِ والنُّمُورِ، قالَ الرّاجِزُ: ؎فِيها عَنابِيلُ أُسُودٌ ونَمِرُ وتَقَدَّمَ شَرْحُ أكْثَرِ هَذِهِ القِراءاتِ في المُفْرَداتِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ، ومِنهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: (جِمالاتٌ) بِكَسْرِ الجِيمِ وبِالألِفِ والتّاءِ، جَمْعُ جِمالٍ جَمْعُ الجَمْعِ وهي الإبِلُ، كَقَوْلِهِمْ: رِجالاتُ قُرَيْشٍ، وابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ بِخِلافٍ عَنْهم كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم ضَمُّوا الجِيمَ، وهي جُمالُ السُّفُنِ، الواحِدُ مِنها جُمْلَةٌ لِكَوْنِهِ جُمْلَةً مِنَ الطّاقاتِ والقُوى، ثُمَّ جُمِعَ عَلى جُمَلٍ وجِمالٍ، ثُمَّ جُمِعَ جُمالٌ ثانِيًا جَمْعُ صِحَّةٍ فَقالُوا: جُمالاتٌ. وقِيلَ: الجِمالاتُ: قُلُوصُ الجُسُورِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ الأصْمَعِيِّ، وهارُونُ عَنْهُ: جِمالَةٌ بِكَسْرِ الجِيمِ، لَحِقَتْ جِمالًا التّاءُ لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ، كَحَجَرٍ وحِجارَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّلَمِيُّ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، وأبُو بَحْرِيَّةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ورُوَيْسٌ: كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم ضَمُّوا الجِيمَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: الجِمالاتُ: قُلُوصُ السُّفُنِ، وهي حِبالُهُ العِظامُ، إذا اجْتَمَعَتْ مُسْتَدِيرَةً بَعْضُها إلى بَعْضٍ جاءَ مِنها أجْرامٌ عِظامٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الجِمالاتُ: قِطَعُ النُّحاسِ الكِبارُ، وكانَ اشْتِقاقُ هَذِهِ مِنِ اسْمِ الجُمْلَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ: صُفُرٌ، بِضَمِّ الفاءِ، والجُمْهُورُ: بِإسْكانِها، شَبَّهَ الشَّرَرَ أوَّلًا بِالقَصْرِ، وهو الحِصْنُ مِن جِهَةِ العِظَمِ ومِن جِهَةِ الطُّولِ في الهَواءِ، وثانِيًا بِالجِمالِ لِبَيانِ التَّشْبِيهِ، ألا تَراهم يُشَبِّهُونَ الإبِلَ بِالأفْدانِ، وهي القُصُورُ ؟ قالَ الشّاعِرُ: ؎فَوَقَفْتُ فِيها ناقَتِي فَكَأنَّها ∗∗∗ فَدَنٌ لِأقْضِيَ حاجَةَ المُتَلَوِّمِ ومَن قَرَأ بِضَمِّ الجِيمِ، فالتَّشْبِيهُ مِن جِهَةِ العِظَمِ والطُّولِ، والصُّفْرَةُ الفاقِعَةُ أشْبَهُ بِلَوْنِ الشَّرَرِ، قالَهُ الجُمْهُورُ: وقِيلَ: صُفْرٌ سُودٌ، وقِيلَ: سُودٌ تَضْرِبُ إلى الصُّفْرَةِ، وقالَ عِمْرانُ بْنُ حِطّانَ الرَّقاشِيُّ: ؎دَعَتْهم بِأعْلى صَوْتِها ورَمَتْهم ∗∗∗ بِمِثْلِ الجِمالِ الصُّفْرِ نَزّاعَةُ الشَّوى وقَرَأ الأعْمَشُ والأعْرَجُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعِيسى وأبُو حَيْوَةَ وعاصِمٌ في رِوايَةٍ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ، والجُمْهُورُ: بِرَفْعِها، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمّا أضافَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ بَناهُ فَهي فَتْحَةُ بِناءٍ، وهي في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: قالَ عِيسى: هي لُغَةُ سُفْلى مُضَرَ، يَعْنِي بِناءَهم يَوْمَ مَعَ لا عَلى الفَتْحِ، لِأنَّهم جَعَلُوا يَوْمَ مَعَ لا كالِاسْمِ الواحِدِ، فَهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ لِأنَّهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ. انْتَهى. والجُمْلَةُ المُصَدَّرَةُ بِمُضارِعٍ مُثْبَتٍ أوْ مَنفِيٍّ لا يُجِيزُ البَصْرِيُّونَ في الظَّرْفِ المُضافِ إلَيْها البِناءَ بِوَجْهٍ، وإنَّما هَذا مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا صَحِيحًا عَلى الظَّرْفِ، فَيَصِيرُ هَذا إشارَةً إلى ما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكَلامِ دُونَ إشارَةٍ إلى (يَوْمَ)، ويَكُونُ العامِلُ في نَصْبِ (يَوْمَ) نِداءٌ تَقَدَّمَهُ مِن صِفَةِ (p-٤٠٨)جَهَنَّمَ، ورَمْيِها بِالشَّرَرِ في (يَوْمَ لا يَنْطِقُونَ)، فَيَكُونُ يَوْمَئِذٍ كَلامًا مُعْتَرِضًا لا يَمْنَعُ مِن تَفْرِيغِ العامِلِ لِلْمَعْمُولِ، كَما كانَتْ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧] ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨] انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا، وتَكُونَ الإشارَةُ بِهَذا إلى رَمْيِها بِشَرَرٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ونَصَبَهُ الأعْمَشُ، أيْ هَذا الَّذِي قَصَّ عَلَيْكم واقِعٌ يَوْمَئِذٍ، وهُنا نَفْيُ نُطْقِهِمْ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم نَطَقُوا في مَواضِعَ مِن هَذا اليَوْمِ، وذَلِكَ بِاعْتِبارِ طُولِ اليَوْمِ، فَيَصِحُّ أنْ يَنْفِيَ القَوْلَ فِيهِ في وقْتٍ ويُثْبِتَ في وقْتٍ، أوْ نَفى نُطْقَهم بِحُجَّةٍ تَنْفَعُ وجَعَلَ نُطْقَهم بِما لا يَنْفَعُ كَلا نُطْقٍ. وقَرَأ القُرّاءُ كُلُّهم فِيما أعْلَمُ: ﴿ولا يُؤْذَنُ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وحَكى أبُو عَلِيٍّ الأهْوازِيُّ أنَّ زَيْدَ بْنَ عَلِيٍّ قَرَأ: ولا يَأْذَنُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيِ اللَّهُ تَعالى ﴿فَيَعْتَذِرُونَ﴾: عَطْفٌ عَلى ﴿ولا يُؤْذَنُ﴾ داخِلٌ في حَيِّزِ نَفْيِ الإذْنِ، أيْ فَلا إذْنٌ فاعْتِذارٌ، ولَمْ يَجْعَلِ الِاعْتِذارَ مُتَسَبِّبًا عَنِ الإذْنِ فَيُنْصَبُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَمْ يُنْصَبْ في جَوابِ النَّفْيِ لِتَشابُهِ رُءُوسِ الآيِ، والوَجْهانِ جائِزانِ. انْتَهى. فَجَعَلَ امْتِناعَ النَّصْبِ هو تُشابُهُ رُءُوسِ الآيِ، وقالَ الوَجْهانِ جائِزانِ فَظَهَرَ مِن كَلامِهِ اسْتِواءُ الرَّفْعِ والنَّصْبِ وأنَّ مَعْناهُما واحِدٌ، ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ الرَّفْعَ كَما ذَكَرْنا لا يَكُونُ مُتَسَبِّبًا بَلْ صَرِيحُ عَطْفٍ، والنَّصْبُ يَكُونُ فِيهِ مُتَسَبِّبًا فافْتَرَقا، وذَهَبَ أبُو الحَجّاجِ الأعْلَمُ إلى أنَّهُ قَدْ يُرْفَعُ الفِعْلُ ويَكُونُ مَعْناهُ المَنصُوبَ بَعْدَ الفاءِ وذَلِكَ قَلِيلٌ، وإنَّما جَعَلَ النَّحْوِيُّونَ مَعْنى الرَّفْعِ غَيْرَ مَعْنى النَّصْبِ رَعْيًا لِلْأكْثَرِ في كَلامِ العَرَبِ، وجَعَلَ دَلِيلَهُ ذَلِكَ، وهَذِهِ الآيَةُ كَظاهِرِ كَلامِ ابْنِ عَطِيَّةَ، وقَدْ رَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ ابْنُ عُصْفُورٍ وغَيْرُهُ. ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكُمْ﴾ لِلْكُفّارِ، (والأوَّلِينَ): قَوْمَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وغَيْرَهم مِنَ الكُفّارِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ زَمانُهم عَلى زَمانِ المُخاطَبِينَ، أيْ جَمَعْناكم لِلْفَصْلِ بَيْنَ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ﴾: أيْ في هَذا اليَوْمِ، كَما كانَ لَكم في الدُّنْيا ما تَكِيدُونَ بِهِ دِينَ اللَّهِ وأوْلِياءَهُ، ﴿فَكِيدُونِ﴾ اليَوْمَ، وهَذا تَعْجِيزٌ لَهم وتَوْبِيخٌ، ولَمّا كانَ في سُورَةِ الإنْسانِ ذَكَرَ نَزْرًا مِن أحْوالِ الكُفّارِ في الآخِرَةِ، وأطْنَبَ في وصْفِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ فِيها، جاءَ في هَذِهِ السُّورَةِ الإطْنابُ في وصْفِ الكُفّارِ والإيجازُ في وصْفِ المُؤْمِنِينَ، فَوَقَعَ بِذَلِكَ الِاعْتِدالُ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي ظِلالٍ﴾ جَمْعُ ظِلٍّ، والأعْمَشُ: في ظُلَلٍ جَمْعُ ظُلَّةٍ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾ خِطابٌ لَهم في الآخِرَةِ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا﴾ خِطابٌ لِلْكُفّارِ في الدُّنْيا، (قَلِيلًا): أيْ زَمانًا قَلِيلًا، إذْ قُصارى أكْلِكم وتَمَتُّعِكُمُ المَوْتُ، وهو خِطابُ تَهْدِيدٍ لِمَن أجْرَمَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا﴾ مَن قالَ إنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَ هي في قُرَيْشٍ، ومَن قالَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ قالَ هي في المُنافِقِينَ، وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ «فِي ثَقِيفٍ، قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: حُطَّ عَنّا الصَّلاةَ فَإنّا لا نَنْحَنِي، إنَّها مَسَبَّةٌ، فَأبى وقالَ: لا خَيْرَ في دِينٍ لا صَلاةَ فِيهِ» . ومَعْنى ارْكَعُوا: اخْشَعُوا لِلَّهِ وتَواضَعُوا لَهُ بِقَبُولِ وحْيِهِ، وقِيلَ: الرُّكُوعُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ الصَّلاةِ، وخَصَّ مِن أفْعالِها الرُّكُوعَ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يَأْنَفُونَ مِنَ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، وجاءَ في هَذِهِ السُّورَةِ بَعْدَ كُلِّ جُمْلَةٍ قَوْلُهُ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِأنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ مِنها فِيها إخْبارُ اللَّهِ تَعالى عَنْ أشْياءَ مِن أحْوالِ الآخِرَةِ وتَقْرِيراتٍ مِن أحْوالِ الدُّنْيا، فَناسَبَ أنْ نَذْكُرَ الوَعِيدَ عَقِيبَ كُلِّ جُمْلَةٍ مِنها لِلْمُكَذِّبِ بِالوَيْلِ في يَوْمِ الآخِرَةِ، والضَّمِيرُ في (بَعْدَهُ) عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، والمَعْنى أنَّهُ قَدْ تَضَمَّنَ مِنَ الإعْجازِ والبَلاغَةِ والأخْبارِ المُغَيَّباتِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا احْتَوى عَلَيْهِ ما لَمْ يَتَضَمَّنْهُ كِتابٌ إلَهِيٌّ، فَإذا كانُوا مُكَذِّبِينَ بِهِ، فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُصَدِّقُونَ بِهِ ؟ أيْ لا يُمْكِنُ تَصْدِيقُهم بِحَدِيثٍ بَعْدَ أنْ كَذَّبُوا بِهَذا الحَدِيثِ الَّذِي هو القُرْآنُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُؤْمِنُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ، ويَعْقُوبُ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ: بِتاءِ الخِطابِ.

المرسلات 77:36

﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وفَواكِهَ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ يُقالُ لِلْمُكَذِّبِينَ: ﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾: أيِ مِنَ العَذابِ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ﴾: أمْرٌ، قِراءَةُ الجُمْهُورِ تَكْرارًا أوْ بَيانًا لِلْمُنْطَلَقِ إلَيْهِ، وقَرَأ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ: بِفَتْحِ اللّامِ عَلى مَعْنى الخَبَرِ، كَأنَّهم لَمّا أُمِرُوا امْتَثَلُوا فانْطَلَقُوا، إذْ لا يُمْكِنُهُمُ التَّأْخِيرُ، إذْ صارُوا مُضْطَرِّينَ إلى الِانْطِلاقِ ﴿ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ قالَ عَطاءٌ: هو دُخانُ جَهَنَّمَ، ورُوِيَ أنَّهُ يَعْلُو مِن ثَلاثَةِ مَواضِعَ يَظُنُّ الكُفّارُ أنَّهُ مُغْنٍ مِنَ النّارِ، فَيُهْرَعُونَ إلَيْهِ فَيَجِدُونَهُ عَلى أسْوَأِ وصْفٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (p-٤٠٧)يُقالُ ذَلِكَ لِعَبَدَةِ الصَّلِيبِ، فالمُؤْمِنُونَ في ظِلِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وهم في ظِلِّ مَعْبُودِهِمْ وهو الصَّلِيبُ لَهُ ثَلاثُ شُعَبٍ، والشِّعْبُ: ما تَفَرَّقَ مِن جِسْمٍ واحِدٍ ﴿لا ظَلِيلٍ﴾: نَفْيٌ لِمَحاسِنِ الظِّلِّ ﴿ولا يُغْنِي﴾: أيْ ولا يُغْنِي عَنْهم مِن حَرِّ اللَّهَبِ شَيْئًا ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ﴾: الضَّمِيرُ في إنَّها لِجَهَنَّمَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (بِشَرَرٍ) وعِيسى: بِشَرارٍ بِألِفٍ بَيْنَ الرّاءَيْنِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مِقْسَمٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ كَسَرَ الشِّينَ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ جَمْعَ شَرَرٍ، أيْ بِشِرارٍ مِنَ العَذابِ، وأنْ يَكُونَ صِفَةً أُقِيمَتْ مَقامَ مَوْصُوفِها، أيْ بِشِرارٍ مِنَ النّاسِ، كَما تَقُولُ: قَوْمٌ شِرارٌ جَمْعُ شَرٍّ غَيْرُ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، وقَوْمٌ خِيارٌ جَمْعُ خَيْرٍ غَيْرُ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، ويُؤَنَّثُ هَذا فَيُقالُ لِلْمُؤَنَّثِ: شَرَّةٌ وخَيْرَةٌ بِخِلافِهِما، إذا كانا لِلتَّفْضِيلِ، فَلَهُما أحْكامٌ مَذْكُورَةٌ في النَّحْوِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (كالقَصْرِ) وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ مِقْسَمٍ: بِفَتْحِ القافِ والصّادِ، وابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا والحَسَنُ أيْضًا: كالقِصَرِ، بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصّادِ، وبَعْضُ القُرّاءِ: بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِ الصّادِ، وابْنُ مَسْعُودٍ: بِضَمِّهِما، كَأنَّهُ مَقْصُورٌ مِنَ القُصُورِ، كَما قَصَرُوا النَّجْمَ والنَّمِرَ مِنَ النُّجُومِ والنُّمُورِ، قالَ الرّاجِزُ: ؎فِيها عَنابِيلُ أُسُودٌ ونَمِرُ وتَقَدَّمَ شَرْحُ أكْثَرِ هَذِهِ القِراءاتِ في المُفْرَداتِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ، ومِنهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: (جِمالاتٌ) بِكَسْرِ الجِيمِ وبِالألِفِ والتّاءِ، جَمْعُ جِمالٍ جَمْعُ الجَمْعِ وهي الإبِلُ، كَقَوْلِهِمْ: رِجالاتُ قُرَيْشٍ، وابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ بِخِلافٍ عَنْهم كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم ضَمُّوا الجِيمَ، وهي جُمالُ السُّفُنِ، الواحِدُ مِنها جُمْلَةٌ لِكَوْنِهِ جُمْلَةً مِنَ الطّاقاتِ والقُوى، ثُمَّ جُمِعَ عَلى جُمَلٍ وجِمالٍ، ثُمَّ جُمِعَ جُمالٌ ثانِيًا جَمْعُ صِحَّةٍ فَقالُوا: جُمالاتٌ. وقِيلَ: الجِمالاتُ: قُلُوصُ الجُسُورِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ الأصْمَعِيِّ، وهارُونُ عَنْهُ: جِمالَةٌ بِكَسْرِ الجِيمِ، لَحِقَتْ جِمالًا التّاءُ لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ، كَحَجَرٍ وحِجارَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّلَمِيُّ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، وأبُو بَحْرِيَّةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ورُوَيْسٌ: كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم ضَمُّوا الجِيمَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: الجِمالاتُ: قُلُوصُ السُّفُنِ، وهي حِبالُهُ العِظامُ، إذا اجْتَمَعَتْ مُسْتَدِيرَةً بَعْضُها إلى بَعْضٍ جاءَ مِنها أجْرامٌ عِظامٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الجِمالاتُ: قِطَعُ النُّحاسِ الكِبارُ، وكانَ اشْتِقاقُ هَذِهِ مِنِ اسْمِ الجُمْلَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ: صُفُرٌ، بِضَمِّ الفاءِ، والجُمْهُورُ: بِإسْكانِها، شَبَّهَ الشَّرَرَ أوَّلًا بِالقَصْرِ، وهو الحِصْنُ مِن جِهَةِ العِظَمِ ومِن جِهَةِ الطُّولِ في الهَواءِ، وثانِيًا بِالجِمالِ لِبَيانِ التَّشْبِيهِ، ألا تَراهم يُشَبِّهُونَ الإبِلَ بِالأفْدانِ، وهي القُصُورُ ؟ قالَ الشّاعِرُ: ؎فَوَقَفْتُ فِيها ناقَتِي فَكَأنَّها ∗∗∗ فَدَنٌ لِأقْضِيَ حاجَةَ المُتَلَوِّمِ ومَن قَرَأ بِضَمِّ الجِيمِ، فالتَّشْبِيهُ مِن جِهَةِ العِظَمِ والطُّولِ، والصُّفْرَةُ الفاقِعَةُ أشْبَهُ بِلَوْنِ الشَّرَرِ، قالَهُ الجُمْهُورُ: وقِيلَ: صُفْرٌ سُودٌ، وقِيلَ: سُودٌ تَضْرِبُ إلى الصُّفْرَةِ، وقالَ عِمْرانُ بْنُ حِطّانَ الرَّقاشِيُّ: ؎دَعَتْهم بِأعْلى صَوْتِها ورَمَتْهم ∗∗∗ بِمِثْلِ الجِمالِ الصُّفْرِ نَزّاعَةُ الشَّوى وقَرَأ الأعْمَشُ والأعْرَجُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعِيسى وأبُو حَيْوَةَ وعاصِمٌ في رِوايَةٍ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ، والجُمْهُورُ: بِرَفْعِها، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمّا أضافَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ بَناهُ فَهي فَتْحَةُ بِناءٍ، وهي في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: قالَ عِيسى: هي لُغَةُ سُفْلى مُضَرَ، يَعْنِي بِناءَهم يَوْمَ مَعَ لا عَلى الفَتْحِ، لِأنَّهم جَعَلُوا يَوْمَ مَعَ لا كالِاسْمِ الواحِدِ، فَهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ لِأنَّهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ. انْتَهى. والجُمْلَةُ المُصَدَّرَةُ بِمُضارِعٍ مُثْبَتٍ أوْ مَنفِيٍّ لا يُجِيزُ البَصْرِيُّونَ في الظَّرْفِ المُضافِ إلَيْها البِناءَ بِوَجْهٍ، وإنَّما هَذا مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا صَحِيحًا عَلى الظَّرْفِ، فَيَصِيرُ هَذا إشارَةً إلى ما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكَلامِ دُونَ إشارَةٍ إلى (يَوْمَ)، ويَكُونُ العامِلُ في نَصْبِ (يَوْمَ) نِداءٌ تَقَدَّمَهُ مِن صِفَةِ (p-٤٠٨)جَهَنَّمَ، ورَمْيِها بِالشَّرَرِ في (يَوْمَ لا يَنْطِقُونَ)، فَيَكُونُ يَوْمَئِذٍ كَلامًا مُعْتَرِضًا لا يَمْنَعُ مِن تَفْرِيغِ العامِلِ لِلْمَعْمُولِ، كَما كانَتْ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧] ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨] انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا، وتَكُونَ الإشارَةُ بِهَذا إلى رَمْيِها بِشَرَرٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ونَصَبَهُ الأعْمَشُ، أيْ هَذا الَّذِي قَصَّ عَلَيْكم واقِعٌ يَوْمَئِذٍ، وهُنا نَفْيُ نُطْقِهِمْ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم نَطَقُوا في مَواضِعَ مِن هَذا اليَوْمِ، وذَلِكَ بِاعْتِبارِ طُولِ اليَوْمِ، فَيَصِحُّ أنْ يَنْفِيَ القَوْلَ فِيهِ في وقْتٍ ويُثْبِتَ في وقْتٍ، أوْ نَفى نُطْقَهم بِحُجَّةٍ تَنْفَعُ وجَعَلَ نُطْقَهم بِما لا يَنْفَعُ كَلا نُطْقٍ. وقَرَأ القُرّاءُ كُلُّهم فِيما أعْلَمُ: ﴿ولا يُؤْذَنُ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وحَكى أبُو عَلِيٍّ الأهْوازِيُّ أنَّ زَيْدَ بْنَ عَلِيٍّ قَرَأ: ولا يَأْذَنُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيِ اللَّهُ تَعالى ﴿فَيَعْتَذِرُونَ﴾: عَطْفٌ عَلى ﴿ولا يُؤْذَنُ﴾ داخِلٌ في حَيِّزِ نَفْيِ الإذْنِ، أيْ فَلا إذْنٌ فاعْتِذارٌ، ولَمْ يَجْعَلِ الِاعْتِذارَ مُتَسَبِّبًا عَنِ الإذْنِ فَيُنْصَبُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَمْ يُنْصَبْ في جَوابِ النَّفْيِ لِتَشابُهِ رُءُوسِ الآيِ، والوَجْهانِ جائِزانِ. انْتَهى. فَجَعَلَ امْتِناعَ النَّصْبِ هو تُشابُهُ رُءُوسِ الآيِ، وقالَ الوَجْهانِ جائِزانِ فَظَهَرَ مِن كَلامِهِ اسْتِواءُ الرَّفْعِ والنَّصْبِ وأنَّ مَعْناهُما واحِدٌ، ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ الرَّفْعَ كَما ذَكَرْنا لا يَكُونُ مُتَسَبِّبًا بَلْ صَرِيحُ عَطْفٍ، والنَّصْبُ يَكُونُ فِيهِ مُتَسَبِّبًا فافْتَرَقا، وذَهَبَ أبُو الحَجّاجِ الأعْلَمُ إلى أنَّهُ قَدْ يُرْفَعُ الفِعْلُ ويَكُونُ مَعْناهُ المَنصُوبَ بَعْدَ الفاءِ وذَلِكَ قَلِيلٌ، وإنَّما جَعَلَ النَّحْوِيُّونَ مَعْنى الرَّفْعِ غَيْرَ مَعْنى النَّصْبِ رَعْيًا لِلْأكْثَرِ في كَلامِ العَرَبِ، وجَعَلَ دَلِيلَهُ ذَلِكَ، وهَذِهِ الآيَةُ كَظاهِرِ كَلامِ ابْنِ عَطِيَّةَ، وقَدْ رَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ ابْنُ عُصْفُورٍ وغَيْرُهُ. ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكُمْ﴾ لِلْكُفّارِ، (والأوَّلِينَ): قَوْمَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وغَيْرَهم مِنَ الكُفّارِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ زَمانُهم عَلى زَمانِ المُخاطَبِينَ، أيْ جَمَعْناكم لِلْفَصْلِ بَيْنَ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ﴾: أيْ في هَذا اليَوْمِ، كَما كانَ لَكم في الدُّنْيا ما تَكِيدُونَ بِهِ دِينَ اللَّهِ وأوْلِياءَهُ، ﴿فَكِيدُونِ﴾ اليَوْمَ، وهَذا تَعْجِيزٌ لَهم وتَوْبِيخٌ، ولَمّا كانَ في سُورَةِ الإنْسانِ ذَكَرَ نَزْرًا مِن أحْوالِ الكُفّارِ في الآخِرَةِ، وأطْنَبَ في وصْفِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ فِيها، جاءَ في هَذِهِ السُّورَةِ الإطْنابُ في وصْفِ الكُفّارِ والإيجازُ في وصْفِ المُؤْمِنِينَ، فَوَقَعَ بِذَلِكَ الِاعْتِدالُ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي ظِلالٍ﴾ جَمْعُ ظِلٍّ، والأعْمَشُ: في ظُلَلٍ جَمْعُ ظُلَّةٍ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾ خِطابٌ لَهم في الآخِرَةِ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا﴾ خِطابٌ لِلْكُفّارِ في الدُّنْيا، (قَلِيلًا): أيْ زَمانًا قَلِيلًا، إذْ قُصارى أكْلِكم وتَمَتُّعِكُمُ المَوْتُ، وهو خِطابُ تَهْدِيدٍ لِمَن أجْرَمَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا﴾ مَن قالَ إنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَ هي في قُرَيْشٍ، ومَن قالَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ قالَ هي في المُنافِقِينَ، وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ «فِي ثَقِيفٍ، قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: حُطَّ عَنّا الصَّلاةَ فَإنّا لا نَنْحَنِي، إنَّها مَسَبَّةٌ، فَأبى وقالَ: لا خَيْرَ في دِينٍ لا صَلاةَ فِيهِ» . ومَعْنى ارْكَعُوا: اخْشَعُوا لِلَّهِ وتَواضَعُوا لَهُ بِقَبُولِ وحْيِهِ، وقِيلَ: الرُّكُوعُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ الصَّلاةِ، وخَصَّ مِن أفْعالِها الرُّكُوعَ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يَأْنَفُونَ مِنَ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، وجاءَ في هَذِهِ السُّورَةِ بَعْدَ كُلِّ جُمْلَةٍ قَوْلُهُ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِأنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ مِنها فِيها إخْبارُ اللَّهِ تَعالى عَنْ أشْياءَ مِن أحْوالِ الآخِرَةِ وتَقْرِيراتٍ مِن أحْوالِ الدُّنْيا، فَناسَبَ أنْ نَذْكُرَ الوَعِيدَ عَقِيبَ كُلِّ جُمْلَةٍ مِنها لِلْمُكَذِّبِ بِالوَيْلِ في يَوْمِ الآخِرَةِ، والضَّمِيرُ في (بَعْدَهُ) عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، والمَعْنى أنَّهُ قَدْ تَضَمَّنَ مِنَ الإعْجازِ والبَلاغَةِ والأخْبارِ المُغَيَّباتِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا احْتَوى عَلَيْهِ ما لَمْ يَتَضَمَّنْهُ كِتابٌ إلَهِيٌّ، فَإذا كانُوا مُكَذِّبِينَ بِهِ، فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُصَدِّقُونَ بِهِ ؟ أيْ لا يُمْكِنُ تَصْدِيقُهم بِحَدِيثٍ بَعْدَ أنْ كَذَّبُوا بِهَذا الحَدِيثِ الَّذِي هو القُرْآنُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُؤْمِنُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ، ويَعْقُوبُ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ: بِتاءِ الخِطابِ.

المرسلات 77:37

﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وفَواكِهَ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ يُقالُ لِلْمُكَذِّبِينَ: ﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾: أيِ مِنَ العَذابِ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ﴾: أمْرٌ، قِراءَةُ الجُمْهُورِ تَكْرارًا أوْ بَيانًا لِلْمُنْطَلَقِ إلَيْهِ، وقَرَأ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ: بِفَتْحِ اللّامِ عَلى مَعْنى الخَبَرِ، كَأنَّهم لَمّا أُمِرُوا امْتَثَلُوا فانْطَلَقُوا، إذْ لا يُمْكِنُهُمُ التَّأْخِيرُ، إذْ صارُوا مُضْطَرِّينَ إلى الِانْطِلاقِ ﴿ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ قالَ عَطاءٌ: هو دُخانُ جَهَنَّمَ، ورُوِيَ أنَّهُ يَعْلُو مِن ثَلاثَةِ مَواضِعَ يَظُنُّ الكُفّارُ أنَّهُ مُغْنٍ مِنَ النّارِ، فَيُهْرَعُونَ إلَيْهِ فَيَجِدُونَهُ عَلى أسْوَأِ وصْفٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (p-٤٠٧)يُقالُ ذَلِكَ لِعَبَدَةِ الصَّلِيبِ، فالمُؤْمِنُونَ في ظِلِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وهم في ظِلِّ مَعْبُودِهِمْ وهو الصَّلِيبُ لَهُ ثَلاثُ شُعَبٍ، والشِّعْبُ: ما تَفَرَّقَ مِن جِسْمٍ واحِدٍ ﴿لا ظَلِيلٍ﴾: نَفْيٌ لِمَحاسِنِ الظِّلِّ ﴿ولا يُغْنِي﴾: أيْ ولا يُغْنِي عَنْهم مِن حَرِّ اللَّهَبِ شَيْئًا ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ﴾: الضَّمِيرُ في إنَّها لِجَهَنَّمَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (بِشَرَرٍ) وعِيسى: بِشَرارٍ بِألِفٍ بَيْنَ الرّاءَيْنِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مِقْسَمٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ كَسَرَ الشِّينَ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ جَمْعَ شَرَرٍ، أيْ بِشِرارٍ مِنَ العَذابِ، وأنْ يَكُونَ صِفَةً أُقِيمَتْ مَقامَ مَوْصُوفِها، أيْ بِشِرارٍ مِنَ النّاسِ، كَما تَقُولُ: قَوْمٌ شِرارٌ جَمْعُ شَرٍّ غَيْرُ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، وقَوْمٌ خِيارٌ جَمْعُ خَيْرٍ غَيْرُ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، ويُؤَنَّثُ هَذا فَيُقالُ لِلْمُؤَنَّثِ: شَرَّةٌ وخَيْرَةٌ بِخِلافِهِما، إذا كانا لِلتَّفْضِيلِ، فَلَهُما أحْكامٌ مَذْكُورَةٌ في النَّحْوِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (كالقَصْرِ) وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ مِقْسَمٍ: بِفَتْحِ القافِ والصّادِ، وابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا والحَسَنُ أيْضًا: كالقِصَرِ، بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصّادِ، وبَعْضُ القُرّاءِ: بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِ الصّادِ، وابْنُ مَسْعُودٍ: بِضَمِّهِما، كَأنَّهُ مَقْصُورٌ مِنَ القُصُورِ، كَما قَصَرُوا النَّجْمَ والنَّمِرَ مِنَ النُّجُومِ والنُّمُورِ، قالَ الرّاجِزُ: ؎فِيها عَنابِيلُ أُسُودٌ ونَمِرُ وتَقَدَّمَ شَرْحُ أكْثَرِ هَذِهِ القِراءاتِ في المُفْرَداتِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ، ومِنهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: (جِمالاتٌ) بِكَسْرِ الجِيمِ وبِالألِفِ والتّاءِ، جَمْعُ جِمالٍ جَمْعُ الجَمْعِ وهي الإبِلُ، كَقَوْلِهِمْ: رِجالاتُ قُرَيْشٍ، وابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ بِخِلافٍ عَنْهم كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم ضَمُّوا الجِيمَ، وهي جُمالُ السُّفُنِ، الواحِدُ مِنها جُمْلَةٌ لِكَوْنِهِ جُمْلَةً مِنَ الطّاقاتِ والقُوى، ثُمَّ جُمِعَ عَلى جُمَلٍ وجِمالٍ، ثُمَّ جُمِعَ جُمالٌ ثانِيًا جَمْعُ صِحَّةٍ فَقالُوا: جُمالاتٌ. وقِيلَ: الجِمالاتُ: قُلُوصُ الجُسُورِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ الأصْمَعِيِّ، وهارُونُ عَنْهُ: جِمالَةٌ بِكَسْرِ الجِيمِ، لَحِقَتْ جِمالًا التّاءُ لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ، كَحَجَرٍ وحِجارَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّلَمِيُّ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، وأبُو بَحْرِيَّةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ورُوَيْسٌ: كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم ضَمُّوا الجِيمَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: الجِمالاتُ: قُلُوصُ السُّفُنِ، وهي حِبالُهُ العِظامُ، إذا اجْتَمَعَتْ مُسْتَدِيرَةً بَعْضُها إلى بَعْضٍ جاءَ مِنها أجْرامٌ عِظامٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الجِمالاتُ: قِطَعُ النُّحاسِ الكِبارُ، وكانَ اشْتِقاقُ هَذِهِ مِنِ اسْمِ الجُمْلَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ: صُفُرٌ، بِضَمِّ الفاءِ، والجُمْهُورُ: بِإسْكانِها، شَبَّهَ الشَّرَرَ أوَّلًا بِالقَصْرِ، وهو الحِصْنُ مِن جِهَةِ العِظَمِ ومِن جِهَةِ الطُّولِ في الهَواءِ، وثانِيًا بِالجِمالِ لِبَيانِ التَّشْبِيهِ، ألا تَراهم يُشَبِّهُونَ الإبِلَ بِالأفْدانِ، وهي القُصُورُ ؟ قالَ الشّاعِرُ: ؎فَوَقَفْتُ فِيها ناقَتِي فَكَأنَّها ∗∗∗ فَدَنٌ لِأقْضِيَ حاجَةَ المُتَلَوِّمِ ومَن قَرَأ بِضَمِّ الجِيمِ، فالتَّشْبِيهُ مِن جِهَةِ العِظَمِ والطُّولِ، والصُّفْرَةُ الفاقِعَةُ أشْبَهُ بِلَوْنِ الشَّرَرِ، قالَهُ الجُمْهُورُ: وقِيلَ: صُفْرٌ سُودٌ، وقِيلَ: سُودٌ تَضْرِبُ إلى الصُّفْرَةِ، وقالَ عِمْرانُ بْنُ حِطّانَ الرَّقاشِيُّ: ؎دَعَتْهم بِأعْلى صَوْتِها ورَمَتْهم ∗∗∗ بِمِثْلِ الجِمالِ الصُّفْرِ نَزّاعَةُ الشَّوى وقَرَأ الأعْمَشُ والأعْرَجُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعِيسى وأبُو حَيْوَةَ وعاصِمٌ في رِوايَةٍ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ، والجُمْهُورُ: بِرَفْعِها، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمّا أضافَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ بَناهُ فَهي فَتْحَةُ بِناءٍ، وهي في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: قالَ عِيسى: هي لُغَةُ سُفْلى مُضَرَ، يَعْنِي بِناءَهم يَوْمَ مَعَ لا عَلى الفَتْحِ، لِأنَّهم جَعَلُوا يَوْمَ مَعَ لا كالِاسْمِ الواحِدِ، فَهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ لِأنَّهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ. انْتَهى. والجُمْلَةُ المُصَدَّرَةُ بِمُضارِعٍ مُثْبَتٍ أوْ مَنفِيٍّ لا يُجِيزُ البَصْرِيُّونَ في الظَّرْفِ المُضافِ إلَيْها البِناءَ بِوَجْهٍ، وإنَّما هَذا مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا صَحِيحًا عَلى الظَّرْفِ، فَيَصِيرُ هَذا إشارَةً إلى ما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكَلامِ دُونَ إشارَةٍ إلى (يَوْمَ)، ويَكُونُ العامِلُ في نَصْبِ (يَوْمَ) نِداءٌ تَقَدَّمَهُ مِن صِفَةِ (p-٤٠٨)جَهَنَّمَ، ورَمْيِها بِالشَّرَرِ في (يَوْمَ لا يَنْطِقُونَ)، فَيَكُونُ يَوْمَئِذٍ كَلامًا مُعْتَرِضًا لا يَمْنَعُ مِن تَفْرِيغِ العامِلِ لِلْمَعْمُولِ، كَما كانَتْ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧] ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨] انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا، وتَكُونَ الإشارَةُ بِهَذا إلى رَمْيِها بِشَرَرٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ونَصَبَهُ الأعْمَشُ، أيْ هَذا الَّذِي قَصَّ عَلَيْكم واقِعٌ يَوْمَئِذٍ، وهُنا نَفْيُ نُطْقِهِمْ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم نَطَقُوا في مَواضِعَ مِن هَذا اليَوْمِ، وذَلِكَ بِاعْتِبارِ طُولِ اليَوْمِ، فَيَصِحُّ أنْ يَنْفِيَ القَوْلَ فِيهِ في وقْتٍ ويُثْبِتَ في وقْتٍ، أوْ نَفى نُطْقَهم بِحُجَّةٍ تَنْفَعُ وجَعَلَ نُطْقَهم بِما لا يَنْفَعُ كَلا نُطْقٍ. وقَرَأ القُرّاءُ كُلُّهم فِيما أعْلَمُ: ﴿ولا يُؤْذَنُ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وحَكى أبُو عَلِيٍّ الأهْوازِيُّ أنَّ زَيْدَ بْنَ عَلِيٍّ قَرَأ: ولا يَأْذَنُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيِ اللَّهُ تَعالى ﴿فَيَعْتَذِرُونَ﴾: عَطْفٌ عَلى ﴿ولا يُؤْذَنُ﴾ داخِلٌ في حَيِّزِ نَفْيِ الإذْنِ، أيْ فَلا إذْنٌ فاعْتِذارٌ، ولَمْ يَجْعَلِ الِاعْتِذارَ مُتَسَبِّبًا عَنِ الإذْنِ فَيُنْصَبُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَمْ يُنْصَبْ في جَوابِ النَّفْيِ لِتَشابُهِ رُءُوسِ الآيِ، والوَجْهانِ جائِزانِ. انْتَهى. فَجَعَلَ امْتِناعَ النَّصْبِ هو تُشابُهُ رُءُوسِ الآيِ، وقالَ الوَجْهانِ جائِزانِ فَظَهَرَ مِن كَلامِهِ اسْتِواءُ الرَّفْعِ والنَّصْبِ وأنَّ مَعْناهُما واحِدٌ، ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ الرَّفْعَ كَما ذَكَرْنا لا يَكُونُ مُتَسَبِّبًا بَلْ صَرِيحُ عَطْفٍ، والنَّصْبُ يَكُونُ فِيهِ مُتَسَبِّبًا فافْتَرَقا، وذَهَبَ أبُو الحَجّاجِ الأعْلَمُ إلى أنَّهُ قَدْ يُرْفَعُ الفِعْلُ ويَكُونُ مَعْناهُ المَنصُوبَ بَعْدَ الفاءِ وذَلِكَ قَلِيلٌ، وإنَّما جَعَلَ النَّحْوِيُّونَ مَعْنى الرَّفْعِ غَيْرَ مَعْنى النَّصْبِ رَعْيًا لِلْأكْثَرِ في كَلامِ العَرَبِ، وجَعَلَ دَلِيلَهُ ذَلِكَ، وهَذِهِ الآيَةُ كَظاهِرِ كَلامِ ابْنِ عَطِيَّةَ، وقَدْ رَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ ابْنُ عُصْفُورٍ وغَيْرُهُ. ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكُمْ﴾ لِلْكُفّارِ، (والأوَّلِينَ): قَوْمَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وغَيْرَهم مِنَ الكُفّارِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ زَمانُهم عَلى زَمانِ المُخاطَبِينَ، أيْ جَمَعْناكم لِلْفَصْلِ بَيْنَ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ﴾: أيْ في هَذا اليَوْمِ، كَما كانَ لَكم في الدُّنْيا ما تَكِيدُونَ بِهِ دِينَ اللَّهِ وأوْلِياءَهُ، ﴿فَكِيدُونِ﴾ اليَوْمَ، وهَذا تَعْجِيزٌ لَهم وتَوْبِيخٌ، ولَمّا كانَ في سُورَةِ الإنْسانِ ذَكَرَ نَزْرًا مِن أحْوالِ الكُفّارِ في الآخِرَةِ، وأطْنَبَ في وصْفِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ فِيها، جاءَ في هَذِهِ السُّورَةِ الإطْنابُ في وصْفِ الكُفّارِ والإيجازُ في وصْفِ المُؤْمِنِينَ، فَوَقَعَ بِذَلِكَ الِاعْتِدالُ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي ظِلالٍ﴾ جَمْعُ ظِلٍّ، والأعْمَشُ: في ظُلَلٍ جَمْعُ ظُلَّةٍ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾ خِطابٌ لَهم في الآخِرَةِ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا﴾ خِطابٌ لِلْكُفّارِ في الدُّنْيا، (قَلِيلًا): أيْ زَمانًا قَلِيلًا، إذْ قُصارى أكْلِكم وتَمَتُّعِكُمُ المَوْتُ، وهو خِطابُ تَهْدِيدٍ لِمَن أجْرَمَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا﴾ مَن قالَ إنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَ هي في قُرَيْشٍ، ومَن قالَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ قالَ هي في المُنافِقِينَ، وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ «فِي ثَقِيفٍ، قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: حُطَّ عَنّا الصَّلاةَ فَإنّا لا نَنْحَنِي، إنَّها مَسَبَّةٌ، فَأبى وقالَ: لا خَيْرَ في دِينٍ لا صَلاةَ فِيهِ» . ومَعْنى ارْكَعُوا: اخْشَعُوا لِلَّهِ وتَواضَعُوا لَهُ بِقَبُولِ وحْيِهِ، وقِيلَ: الرُّكُوعُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ الصَّلاةِ، وخَصَّ مِن أفْعالِها الرُّكُوعَ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يَأْنَفُونَ مِنَ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، وجاءَ في هَذِهِ السُّورَةِ بَعْدَ كُلِّ جُمْلَةٍ قَوْلُهُ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِأنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ مِنها فِيها إخْبارُ اللَّهِ تَعالى عَنْ أشْياءَ مِن أحْوالِ الآخِرَةِ وتَقْرِيراتٍ مِن أحْوالِ الدُّنْيا، فَناسَبَ أنْ نَذْكُرَ الوَعِيدَ عَقِيبَ كُلِّ جُمْلَةٍ مِنها لِلْمُكَذِّبِ بِالوَيْلِ في يَوْمِ الآخِرَةِ، والضَّمِيرُ في (بَعْدَهُ) عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، والمَعْنى أنَّهُ قَدْ تَضَمَّنَ مِنَ الإعْجازِ والبَلاغَةِ والأخْبارِ المُغَيَّباتِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا احْتَوى عَلَيْهِ ما لَمْ يَتَضَمَّنْهُ كِتابٌ إلَهِيٌّ، فَإذا كانُوا مُكَذِّبِينَ بِهِ، فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُصَدِّقُونَ بِهِ ؟ أيْ لا يُمْكِنُ تَصْدِيقُهم بِحَدِيثٍ بَعْدَ أنْ كَذَّبُوا بِهَذا الحَدِيثِ الَّذِي هو القُرْآنُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُؤْمِنُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ، ويَعْقُوبُ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ: بِتاءِ الخِطابِ.

المرسلات 77:38

﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وفَواكِهَ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ يُقالُ لِلْمُكَذِّبِينَ: ﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾: أيِ مِنَ العَذابِ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ﴾: أمْرٌ، قِراءَةُ الجُمْهُورِ تَكْرارًا أوْ بَيانًا لِلْمُنْطَلَقِ إلَيْهِ، وقَرَأ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ: بِفَتْحِ اللّامِ عَلى مَعْنى الخَبَرِ، كَأنَّهم لَمّا أُمِرُوا امْتَثَلُوا فانْطَلَقُوا، إذْ لا يُمْكِنُهُمُ التَّأْخِيرُ، إذْ صارُوا مُضْطَرِّينَ إلى الِانْطِلاقِ ﴿ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ قالَ عَطاءٌ: هو دُخانُ جَهَنَّمَ، ورُوِيَ أنَّهُ يَعْلُو مِن ثَلاثَةِ مَواضِعَ يَظُنُّ الكُفّارُ أنَّهُ مُغْنٍ مِنَ النّارِ، فَيُهْرَعُونَ إلَيْهِ فَيَجِدُونَهُ عَلى أسْوَأِ وصْفٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (p-٤٠٧)يُقالُ ذَلِكَ لِعَبَدَةِ الصَّلِيبِ، فالمُؤْمِنُونَ في ظِلِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وهم في ظِلِّ مَعْبُودِهِمْ وهو الصَّلِيبُ لَهُ ثَلاثُ شُعَبٍ، والشِّعْبُ: ما تَفَرَّقَ مِن جِسْمٍ واحِدٍ ﴿لا ظَلِيلٍ﴾: نَفْيٌ لِمَحاسِنِ الظِّلِّ ﴿ولا يُغْنِي﴾: أيْ ولا يُغْنِي عَنْهم مِن حَرِّ اللَّهَبِ شَيْئًا ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ﴾: الضَّمِيرُ في إنَّها لِجَهَنَّمَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (بِشَرَرٍ) وعِيسى: بِشَرارٍ بِألِفٍ بَيْنَ الرّاءَيْنِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مِقْسَمٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ كَسَرَ الشِّينَ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ جَمْعَ شَرَرٍ، أيْ بِشِرارٍ مِنَ العَذابِ، وأنْ يَكُونَ صِفَةً أُقِيمَتْ مَقامَ مَوْصُوفِها، أيْ بِشِرارٍ مِنَ النّاسِ، كَما تَقُولُ: قَوْمٌ شِرارٌ جَمْعُ شَرٍّ غَيْرُ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، وقَوْمٌ خِيارٌ جَمْعُ خَيْرٍ غَيْرُ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، ويُؤَنَّثُ هَذا فَيُقالُ لِلْمُؤَنَّثِ: شَرَّةٌ وخَيْرَةٌ بِخِلافِهِما، إذا كانا لِلتَّفْضِيلِ، فَلَهُما أحْكامٌ مَذْكُورَةٌ في النَّحْوِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (كالقَصْرِ) وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ مِقْسَمٍ: بِفَتْحِ القافِ والصّادِ، وابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا والحَسَنُ أيْضًا: كالقِصَرِ، بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصّادِ، وبَعْضُ القُرّاءِ: بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِ الصّادِ، وابْنُ مَسْعُودٍ: بِضَمِّهِما، كَأنَّهُ مَقْصُورٌ مِنَ القُصُورِ، كَما قَصَرُوا النَّجْمَ والنَّمِرَ مِنَ النُّجُومِ والنُّمُورِ، قالَ الرّاجِزُ: ؎فِيها عَنابِيلُ أُسُودٌ ونَمِرُ وتَقَدَّمَ شَرْحُ أكْثَرِ هَذِهِ القِراءاتِ في المُفْرَداتِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ، ومِنهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: (جِمالاتٌ) بِكَسْرِ الجِيمِ وبِالألِفِ والتّاءِ، جَمْعُ جِمالٍ جَمْعُ الجَمْعِ وهي الإبِلُ، كَقَوْلِهِمْ: رِجالاتُ قُرَيْشٍ، وابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ بِخِلافٍ عَنْهم كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم ضَمُّوا الجِيمَ، وهي جُمالُ السُّفُنِ، الواحِدُ مِنها جُمْلَةٌ لِكَوْنِهِ جُمْلَةً مِنَ الطّاقاتِ والقُوى، ثُمَّ جُمِعَ عَلى جُمَلٍ وجِمالٍ، ثُمَّ جُمِعَ جُمالٌ ثانِيًا جَمْعُ صِحَّةٍ فَقالُوا: جُمالاتٌ. وقِيلَ: الجِمالاتُ: قُلُوصُ الجُسُورِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ الأصْمَعِيِّ، وهارُونُ عَنْهُ: جِمالَةٌ بِكَسْرِ الجِيمِ، لَحِقَتْ جِمالًا التّاءُ لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ، كَحَجَرٍ وحِجارَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّلَمِيُّ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، وأبُو بَحْرِيَّةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ورُوَيْسٌ: كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم ضَمُّوا الجِيمَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: الجِمالاتُ: قُلُوصُ السُّفُنِ، وهي حِبالُهُ العِظامُ، إذا اجْتَمَعَتْ مُسْتَدِيرَةً بَعْضُها إلى بَعْضٍ جاءَ مِنها أجْرامٌ عِظامٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الجِمالاتُ: قِطَعُ النُّحاسِ الكِبارُ، وكانَ اشْتِقاقُ هَذِهِ مِنِ اسْمِ الجُمْلَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ: صُفُرٌ، بِضَمِّ الفاءِ، والجُمْهُورُ: بِإسْكانِها، شَبَّهَ الشَّرَرَ أوَّلًا بِالقَصْرِ، وهو الحِصْنُ مِن جِهَةِ العِظَمِ ومِن جِهَةِ الطُّولِ في الهَواءِ، وثانِيًا بِالجِمالِ لِبَيانِ التَّشْبِيهِ، ألا تَراهم يُشَبِّهُونَ الإبِلَ بِالأفْدانِ، وهي القُصُورُ ؟ قالَ الشّاعِرُ: ؎فَوَقَفْتُ فِيها ناقَتِي فَكَأنَّها ∗∗∗ فَدَنٌ لِأقْضِيَ حاجَةَ المُتَلَوِّمِ ومَن قَرَأ بِضَمِّ الجِيمِ، فالتَّشْبِيهُ مِن جِهَةِ العِظَمِ والطُّولِ، والصُّفْرَةُ الفاقِعَةُ أشْبَهُ بِلَوْنِ الشَّرَرِ، قالَهُ الجُمْهُورُ: وقِيلَ: صُفْرٌ سُودٌ، وقِيلَ: سُودٌ تَضْرِبُ إلى الصُّفْرَةِ، وقالَ عِمْرانُ بْنُ حِطّانَ الرَّقاشِيُّ: ؎دَعَتْهم بِأعْلى صَوْتِها ورَمَتْهم ∗∗∗ بِمِثْلِ الجِمالِ الصُّفْرِ نَزّاعَةُ الشَّوى وقَرَأ الأعْمَشُ والأعْرَجُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعِيسى وأبُو حَيْوَةَ وعاصِمٌ في رِوايَةٍ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ، والجُمْهُورُ: بِرَفْعِها، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمّا أضافَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ بَناهُ فَهي فَتْحَةُ بِناءٍ، وهي في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: قالَ عِيسى: هي لُغَةُ سُفْلى مُضَرَ، يَعْنِي بِناءَهم يَوْمَ مَعَ لا عَلى الفَتْحِ، لِأنَّهم جَعَلُوا يَوْمَ مَعَ لا كالِاسْمِ الواحِدِ، فَهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ لِأنَّهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ. انْتَهى. والجُمْلَةُ المُصَدَّرَةُ بِمُضارِعٍ مُثْبَتٍ أوْ مَنفِيٍّ لا يُجِيزُ البَصْرِيُّونَ في الظَّرْفِ المُضافِ إلَيْها البِناءَ بِوَجْهٍ، وإنَّما هَذا مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا صَحِيحًا عَلى الظَّرْفِ، فَيَصِيرُ هَذا إشارَةً إلى ما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكَلامِ دُونَ إشارَةٍ إلى (يَوْمَ)، ويَكُونُ العامِلُ في نَصْبِ (يَوْمَ) نِداءٌ تَقَدَّمَهُ مِن صِفَةِ (p-٤٠٨)جَهَنَّمَ، ورَمْيِها بِالشَّرَرِ في (يَوْمَ لا يَنْطِقُونَ)، فَيَكُونُ يَوْمَئِذٍ كَلامًا مُعْتَرِضًا لا يَمْنَعُ مِن تَفْرِيغِ العامِلِ لِلْمَعْمُولِ، كَما كانَتْ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧] ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨] انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا، وتَكُونَ الإشارَةُ بِهَذا إلى رَمْيِها بِشَرَرٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ونَصَبَهُ الأعْمَشُ، أيْ هَذا الَّذِي قَصَّ عَلَيْكم واقِعٌ يَوْمَئِذٍ، وهُنا نَفْيُ نُطْقِهِمْ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم نَطَقُوا في مَواضِعَ مِن هَذا اليَوْمِ، وذَلِكَ بِاعْتِبارِ طُولِ اليَوْمِ، فَيَصِحُّ أنْ يَنْفِيَ القَوْلَ فِيهِ في وقْتٍ ويُثْبِتَ في وقْتٍ، أوْ نَفى نُطْقَهم بِحُجَّةٍ تَنْفَعُ وجَعَلَ نُطْقَهم بِما لا يَنْفَعُ كَلا نُطْقٍ. وقَرَأ القُرّاءُ كُلُّهم فِيما أعْلَمُ: ﴿ولا يُؤْذَنُ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وحَكى أبُو عَلِيٍّ الأهْوازِيُّ أنَّ زَيْدَ بْنَ عَلِيٍّ قَرَأ: ولا يَأْذَنُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيِ اللَّهُ تَعالى ﴿فَيَعْتَذِرُونَ﴾: عَطْفٌ عَلى ﴿ولا يُؤْذَنُ﴾ داخِلٌ في حَيِّزِ نَفْيِ الإذْنِ، أيْ فَلا إذْنٌ فاعْتِذارٌ، ولَمْ يَجْعَلِ الِاعْتِذارَ مُتَسَبِّبًا عَنِ الإذْنِ فَيُنْصَبُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَمْ يُنْصَبْ في جَوابِ النَّفْيِ لِتَشابُهِ رُءُوسِ الآيِ، والوَجْهانِ جائِزانِ. انْتَهى. فَجَعَلَ امْتِناعَ النَّصْبِ هو تُشابُهُ رُءُوسِ الآيِ، وقالَ الوَجْهانِ جائِزانِ فَظَهَرَ مِن كَلامِهِ اسْتِواءُ الرَّفْعِ والنَّصْبِ وأنَّ مَعْناهُما واحِدٌ، ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ الرَّفْعَ كَما ذَكَرْنا لا يَكُونُ مُتَسَبِّبًا بَلْ صَرِيحُ عَطْفٍ، والنَّصْبُ يَكُونُ فِيهِ مُتَسَبِّبًا فافْتَرَقا، وذَهَبَ أبُو الحَجّاجِ الأعْلَمُ إلى أنَّهُ قَدْ يُرْفَعُ الفِعْلُ ويَكُونُ مَعْناهُ المَنصُوبَ بَعْدَ الفاءِ وذَلِكَ قَلِيلٌ، وإنَّما جَعَلَ النَّحْوِيُّونَ مَعْنى الرَّفْعِ غَيْرَ مَعْنى النَّصْبِ رَعْيًا لِلْأكْثَرِ في كَلامِ العَرَبِ، وجَعَلَ دَلِيلَهُ ذَلِكَ، وهَذِهِ الآيَةُ كَظاهِرِ كَلامِ ابْنِ عَطِيَّةَ، وقَدْ رَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ ابْنُ عُصْفُورٍ وغَيْرُهُ. ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكُمْ﴾ لِلْكُفّارِ، (والأوَّلِينَ): قَوْمَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وغَيْرَهم مِنَ الكُفّارِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ زَمانُهم عَلى زَمانِ المُخاطَبِينَ، أيْ جَمَعْناكم لِلْفَصْلِ بَيْنَ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ﴾: أيْ في هَذا اليَوْمِ، كَما كانَ لَكم في الدُّنْيا ما تَكِيدُونَ بِهِ دِينَ اللَّهِ وأوْلِياءَهُ، ﴿فَكِيدُونِ﴾ اليَوْمَ، وهَذا تَعْجِيزٌ لَهم وتَوْبِيخٌ، ولَمّا كانَ في سُورَةِ الإنْسانِ ذَكَرَ نَزْرًا مِن أحْوالِ الكُفّارِ في الآخِرَةِ، وأطْنَبَ في وصْفِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ فِيها، جاءَ في هَذِهِ السُّورَةِ الإطْنابُ في وصْفِ الكُفّارِ والإيجازُ في وصْفِ المُؤْمِنِينَ، فَوَقَعَ بِذَلِكَ الِاعْتِدالُ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي ظِلالٍ﴾ جَمْعُ ظِلٍّ، والأعْمَشُ: في ظُلَلٍ جَمْعُ ظُلَّةٍ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾ خِطابٌ لَهم في الآخِرَةِ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا﴾ خِطابٌ لِلْكُفّارِ في الدُّنْيا، (قَلِيلًا): أيْ زَمانًا قَلِيلًا، إذْ قُصارى أكْلِكم وتَمَتُّعِكُمُ المَوْتُ، وهو خِطابُ تَهْدِيدٍ لِمَن أجْرَمَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا﴾ مَن قالَ إنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَ هي في قُرَيْشٍ، ومَن قالَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ قالَ هي في المُنافِقِينَ، وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ «فِي ثَقِيفٍ، قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: حُطَّ عَنّا الصَّلاةَ فَإنّا لا نَنْحَنِي، إنَّها مَسَبَّةٌ، فَأبى وقالَ: لا خَيْرَ في دِينٍ لا صَلاةَ فِيهِ» . ومَعْنى ارْكَعُوا: اخْشَعُوا لِلَّهِ وتَواضَعُوا لَهُ بِقَبُولِ وحْيِهِ، وقِيلَ: الرُّكُوعُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ الصَّلاةِ، وخَصَّ مِن أفْعالِها الرُّكُوعَ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يَأْنَفُونَ مِنَ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، وجاءَ في هَذِهِ السُّورَةِ بَعْدَ كُلِّ جُمْلَةٍ قَوْلُهُ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِأنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ مِنها فِيها إخْبارُ اللَّهِ تَعالى عَنْ أشْياءَ مِن أحْوالِ الآخِرَةِ وتَقْرِيراتٍ مِن أحْوالِ الدُّنْيا، فَناسَبَ أنْ نَذْكُرَ الوَعِيدَ عَقِيبَ كُلِّ جُمْلَةٍ مِنها لِلْمُكَذِّبِ بِالوَيْلِ في يَوْمِ الآخِرَةِ، والضَّمِيرُ في (بَعْدَهُ) عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، والمَعْنى أنَّهُ قَدْ تَضَمَّنَ مِنَ الإعْجازِ والبَلاغَةِ والأخْبارِ المُغَيَّباتِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا احْتَوى عَلَيْهِ ما لَمْ يَتَضَمَّنْهُ كِتابٌ إلَهِيٌّ، فَإذا كانُوا مُكَذِّبِينَ بِهِ، فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُصَدِّقُونَ بِهِ ؟ أيْ لا يُمْكِنُ تَصْدِيقُهم بِحَدِيثٍ بَعْدَ أنْ كَذَّبُوا بِهَذا الحَدِيثِ الَّذِي هو القُرْآنُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُؤْمِنُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ، ويَعْقُوبُ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ: بِتاءِ الخِطابِ.

المرسلات 77:39

﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وفَواكِهَ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ يُقالُ لِلْمُكَذِّبِينَ: ﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾: أيِ مِنَ العَذابِ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ﴾: أمْرٌ، قِراءَةُ الجُمْهُورِ تَكْرارًا أوْ بَيانًا لِلْمُنْطَلَقِ إلَيْهِ، وقَرَأ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ: بِفَتْحِ اللّامِ عَلى مَعْنى الخَبَرِ، كَأنَّهم لَمّا أُمِرُوا امْتَثَلُوا فانْطَلَقُوا، إذْ لا يُمْكِنُهُمُ التَّأْخِيرُ، إذْ صارُوا مُضْطَرِّينَ إلى الِانْطِلاقِ ﴿ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ قالَ عَطاءٌ: هو دُخانُ جَهَنَّمَ، ورُوِيَ أنَّهُ يَعْلُو مِن ثَلاثَةِ مَواضِعَ يَظُنُّ الكُفّارُ أنَّهُ مُغْنٍ مِنَ النّارِ، فَيُهْرَعُونَ إلَيْهِ فَيَجِدُونَهُ عَلى أسْوَأِ وصْفٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (p-٤٠٧)يُقالُ ذَلِكَ لِعَبَدَةِ الصَّلِيبِ، فالمُؤْمِنُونَ في ظِلِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وهم في ظِلِّ مَعْبُودِهِمْ وهو الصَّلِيبُ لَهُ ثَلاثُ شُعَبٍ، والشِّعْبُ: ما تَفَرَّقَ مِن جِسْمٍ واحِدٍ ﴿لا ظَلِيلٍ﴾: نَفْيٌ لِمَحاسِنِ الظِّلِّ ﴿ولا يُغْنِي﴾: أيْ ولا يُغْنِي عَنْهم مِن حَرِّ اللَّهَبِ شَيْئًا ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ﴾: الضَّمِيرُ في إنَّها لِجَهَنَّمَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (بِشَرَرٍ) وعِيسى: بِشَرارٍ بِألِفٍ بَيْنَ الرّاءَيْنِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مِقْسَمٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ كَسَرَ الشِّينَ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ جَمْعَ شَرَرٍ، أيْ بِشِرارٍ مِنَ العَذابِ، وأنْ يَكُونَ صِفَةً أُقِيمَتْ مَقامَ مَوْصُوفِها، أيْ بِشِرارٍ مِنَ النّاسِ، كَما تَقُولُ: قَوْمٌ شِرارٌ جَمْعُ شَرٍّ غَيْرُ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، وقَوْمٌ خِيارٌ جَمْعُ خَيْرٍ غَيْرُ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، ويُؤَنَّثُ هَذا فَيُقالُ لِلْمُؤَنَّثِ: شَرَّةٌ وخَيْرَةٌ بِخِلافِهِما، إذا كانا لِلتَّفْضِيلِ، فَلَهُما أحْكامٌ مَذْكُورَةٌ في النَّحْوِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (كالقَصْرِ) وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ مِقْسَمٍ: بِفَتْحِ القافِ والصّادِ، وابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا والحَسَنُ أيْضًا: كالقِصَرِ، بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصّادِ، وبَعْضُ القُرّاءِ: بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِ الصّادِ، وابْنُ مَسْعُودٍ: بِضَمِّهِما، كَأنَّهُ مَقْصُورٌ مِنَ القُصُورِ، كَما قَصَرُوا النَّجْمَ والنَّمِرَ مِنَ النُّجُومِ والنُّمُورِ، قالَ الرّاجِزُ: ؎فِيها عَنابِيلُ أُسُودٌ ونَمِرُ وتَقَدَّمَ شَرْحُ أكْثَرِ هَذِهِ القِراءاتِ في المُفْرَداتِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ، ومِنهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: (جِمالاتٌ) بِكَسْرِ الجِيمِ وبِالألِفِ والتّاءِ، جَمْعُ جِمالٍ جَمْعُ الجَمْعِ وهي الإبِلُ، كَقَوْلِهِمْ: رِجالاتُ قُرَيْشٍ، وابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ بِخِلافٍ عَنْهم كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم ضَمُّوا الجِيمَ، وهي جُمالُ السُّفُنِ، الواحِدُ مِنها جُمْلَةٌ لِكَوْنِهِ جُمْلَةً مِنَ الطّاقاتِ والقُوى، ثُمَّ جُمِعَ عَلى جُمَلٍ وجِمالٍ، ثُمَّ جُمِعَ جُمالٌ ثانِيًا جَمْعُ صِحَّةٍ فَقالُوا: جُمالاتٌ. وقِيلَ: الجِمالاتُ: قُلُوصُ الجُسُورِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ الأصْمَعِيِّ، وهارُونُ عَنْهُ: جِمالَةٌ بِكَسْرِ الجِيمِ، لَحِقَتْ جِمالًا التّاءُ لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ، كَحَجَرٍ وحِجارَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّلَمِيُّ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، وأبُو بَحْرِيَّةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ورُوَيْسٌ: كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم ضَمُّوا الجِيمَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: الجِمالاتُ: قُلُوصُ السُّفُنِ، وهي حِبالُهُ العِظامُ، إذا اجْتَمَعَتْ مُسْتَدِيرَةً بَعْضُها إلى بَعْضٍ جاءَ مِنها أجْرامٌ عِظامٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الجِمالاتُ: قِطَعُ النُّحاسِ الكِبارُ، وكانَ اشْتِقاقُ هَذِهِ مِنِ اسْمِ الجُمْلَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ: صُفُرٌ، بِضَمِّ الفاءِ، والجُمْهُورُ: بِإسْكانِها، شَبَّهَ الشَّرَرَ أوَّلًا بِالقَصْرِ، وهو الحِصْنُ مِن جِهَةِ العِظَمِ ومِن جِهَةِ الطُّولِ في الهَواءِ، وثانِيًا بِالجِمالِ لِبَيانِ التَّشْبِيهِ، ألا تَراهم يُشَبِّهُونَ الإبِلَ بِالأفْدانِ، وهي القُصُورُ ؟ قالَ الشّاعِرُ: ؎فَوَقَفْتُ فِيها ناقَتِي فَكَأنَّها ∗∗∗ فَدَنٌ لِأقْضِيَ حاجَةَ المُتَلَوِّمِ ومَن قَرَأ بِضَمِّ الجِيمِ، فالتَّشْبِيهُ مِن جِهَةِ العِظَمِ والطُّولِ، والصُّفْرَةُ الفاقِعَةُ أشْبَهُ بِلَوْنِ الشَّرَرِ، قالَهُ الجُمْهُورُ: وقِيلَ: صُفْرٌ سُودٌ، وقِيلَ: سُودٌ تَضْرِبُ إلى الصُّفْرَةِ، وقالَ عِمْرانُ بْنُ حِطّانَ الرَّقاشِيُّ: ؎دَعَتْهم بِأعْلى صَوْتِها ورَمَتْهم ∗∗∗ بِمِثْلِ الجِمالِ الصُّفْرِ نَزّاعَةُ الشَّوى وقَرَأ الأعْمَشُ والأعْرَجُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعِيسى وأبُو حَيْوَةَ وعاصِمٌ في رِوايَةٍ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ، والجُمْهُورُ: بِرَفْعِها، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمّا أضافَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ بَناهُ فَهي فَتْحَةُ بِناءٍ، وهي في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: قالَ عِيسى: هي لُغَةُ سُفْلى مُضَرَ، يَعْنِي بِناءَهم يَوْمَ مَعَ لا عَلى الفَتْحِ، لِأنَّهم جَعَلُوا يَوْمَ مَعَ لا كالِاسْمِ الواحِدِ، فَهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ لِأنَّهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ. انْتَهى. والجُمْلَةُ المُصَدَّرَةُ بِمُضارِعٍ مُثْبَتٍ أوْ مَنفِيٍّ لا يُجِيزُ البَصْرِيُّونَ في الظَّرْفِ المُضافِ إلَيْها البِناءَ بِوَجْهٍ، وإنَّما هَذا مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا صَحِيحًا عَلى الظَّرْفِ، فَيَصِيرُ هَذا إشارَةً إلى ما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكَلامِ دُونَ إشارَةٍ إلى (يَوْمَ)، ويَكُونُ العامِلُ في نَصْبِ (يَوْمَ) نِداءٌ تَقَدَّمَهُ مِن صِفَةِ (p-٤٠٨)جَهَنَّمَ، ورَمْيِها بِالشَّرَرِ في (يَوْمَ لا يَنْطِقُونَ)، فَيَكُونُ يَوْمَئِذٍ كَلامًا مُعْتَرِضًا لا يَمْنَعُ مِن تَفْرِيغِ العامِلِ لِلْمَعْمُولِ، كَما كانَتْ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧] ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨] انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا، وتَكُونَ الإشارَةُ بِهَذا إلى رَمْيِها بِشَرَرٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ونَصَبَهُ الأعْمَشُ، أيْ هَذا الَّذِي قَصَّ عَلَيْكم واقِعٌ يَوْمَئِذٍ، وهُنا نَفْيُ نُطْقِهِمْ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم نَطَقُوا في مَواضِعَ مِن هَذا اليَوْمِ، وذَلِكَ بِاعْتِبارِ طُولِ اليَوْمِ، فَيَصِحُّ أنْ يَنْفِيَ القَوْلَ فِيهِ في وقْتٍ ويُثْبِتَ في وقْتٍ، أوْ نَفى نُطْقَهم بِحُجَّةٍ تَنْفَعُ وجَعَلَ نُطْقَهم بِما لا يَنْفَعُ كَلا نُطْقٍ. وقَرَأ القُرّاءُ كُلُّهم فِيما أعْلَمُ: ﴿ولا يُؤْذَنُ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وحَكى أبُو عَلِيٍّ الأهْوازِيُّ أنَّ زَيْدَ بْنَ عَلِيٍّ قَرَأ: ولا يَأْذَنُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيِ اللَّهُ تَعالى ﴿فَيَعْتَذِرُونَ﴾: عَطْفٌ عَلى ﴿ولا يُؤْذَنُ﴾ داخِلٌ في حَيِّزِ نَفْيِ الإذْنِ، أيْ فَلا إذْنٌ فاعْتِذارٌ، ولَمْ يَجْعَلِ الِاعْتِذارَ مُتَسَبِّبًا عَنِ الإذْنِ فَيُنْصَبُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَمْ يُنْصَبْ في جَوابِ النَّفْيِ لِتَشابُهِ رُءُوسِ الآيِ، والوَجْهانِ جائِزانِ. انْتَهى. فَجَعَلَ امْتِناعَ النَّصْبِ هو تُشابُهُ رُءُوسِ الآيِ، وقالَ الوَجْهانِ جائِزانِ فَظَهَرَ مِن كَلامِهِ اسْتِواءُ الرَّفْعِ والنَّصْبِ وأنَّ مَعْناهُما واحِدٌ، ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ الرَّفْعَ كَما ذَكَرْنا لا يَكُونُ مُتَسَبِّبًا بَلْ صَرِيحُ عَطْفٍ، والنَّصْبُ يَكُونُ فِيهِ مُتَسَبِّبًا فافْتَرَقا، وذَهَبَ أبُو الحَجّاجِ الأعْلَمُ إلى أنَّهُ قَدْ يُرْفَعُ الفِعْلُ ويَكُونُ مَعْناهُ المَنصُوبَ بَعْدَ الفاءِ وذَلِكَ قَلِيلٌ، وإنَّما جَعَلَ النَّحْوِيُّونَ مَعْنى الرَّفْعِ غَيْرَ مَعْنى النَّصْبِ رَعْيًا لِلْأكْثَرِ في كَلامِ العَرَبِ، وجَعَلَ دَلِيلَهُ ذَلِكَ، وهَذِهِ الآيَةُ كَظاهِرِ كَلامِ ابْنِ عَطِيَّةَ، وقَدْ رَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ ابْنُ عُصْفُورٍ وغَيْرُهُ. ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكُمْ﴾ لِلْكُفّارِ، (والأوَّلِينَ): قَوْمَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وغَيْرَهم مِنَ الكُفّارِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ زَمانُهم عَلى زَمانِ المُخاطَبِينَ، أيْ جَمَعْناكم لِلْفَصْلِ بَيْنَ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ﴾: أيْ في هَذا اليَوْمِ، كَما كانَ لَكم في الدُّنْيا ما تَكِيدُونَ بِهِ دِينَ اللَّهِ وأوْلِياءَهُ، ﴿فَكِيدُونِ﴾ اليَوْمَ، وهَذا تَعْجِيزٌ لَهم وتَوْبِيخٌ، ولَمّا كانَ في سُورَةِ الإنْسانِ ذَكَرَ نَزْرًا مِن أحْوالِ الكُفّارِ في الآخِرَةِ، وأطْنَبَ في وصْفِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ فِيها، جاءَ في هَذِهِ السُّورَةِ الإطْنابُ في وصْفِ الكُفّارِ والإيجازُ في وصْفِ المُؤْمِنِينَ، فَوَقَعَ بِذَلِكَ الِاعْتِدالُ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي ظِلالٍ﴾ جَمْعُ ظِلٍّ، والأعْمَشُ: في ظُلَلٍ جَمْعُ ظُلَّةٍ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾ خِطابٌ لَهم في الآخِرَةِ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا﴾ خِطابٌ لِلْكُفّارِ في الدُّنْيا، (قَلِيلًا): أيْ زَمانًا قَلِيلًا، إذْ قُصارى أكْلِكم وتَمَتُّعِكُمُ المَوْتُ، وهو خِطابُ تَهْدِيدٍ لِمَن أجْرَمَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا﴾ مَن قالَ إنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَ هي في قُرَيْشٍ، ومَن قالَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ قالَ هي في المُنافِقِينَ، وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ «فِي ثَقِيفٍ، قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: حُطَّ عَنّا الصَّلاةَ فَإنّا لا نَنْحَنِي، إنَّها مَسَبَّةٌ، فَأبى وقالَ: لا خَيْرَ في دِينٍ لا صَلاةَ فِيهِ» . ومَعْنى ارْكَعُوا: اخْشَعُوا لِلَّهِ وتَواضَعُوا لَهُ بِقَبُولِ وحْيِهِ، وقِيلَ: الرُّكُوعُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ الصَّلاةِ، وخَصَّ مِن أفْعالِها الرُّكُوعَ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يَأْنَفُونَ مِنَ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، وجاءَ في هَذِهِ السُّورَةِ بَعْدَ كُلِّ جُمْلَةٍ قَوْلُهُ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِأنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ مِنها فِيها إخْبارُ اللَّهِ تَعالى عَنْ أشْياءَ مِن أحْوالِ الآخِرَةِ وتَقْرِيراتٍ مِن أحْوالِ الدُّنْيا، فَناسَبَ أنْ نَذْكُرَ الوَعِيدَ عَقِيبَ كُلِّ جُمْلَةٍ مِنها لِلْمُكَذِّبِ بِالوَيْلِ في يَوْمِ الآخِرَةِ، والضَّمِيرُ في (بَعْدَهُ) عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، والمَعْنى أنَّهُ قَدْ تَضَمَّنَ مِنَ الإعْجازِ والبَلاغَةِ والأخْبارِ المُغَيَّباتِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا احْتَوى عَلَيْهِ ما لَمْ يَتَضَمَّنْهُ كِتابٌ إلَهِيٌّ، فَإذا كانُوا مُكَذِّبِينَ بِهِ، فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُصَدِّقُونَ بِهِ ؟ أيْ لا يُمْكِنُ تَصْدِيقُهم بِحَدِيثٍ بَعْدَ أنْ كَذَّبُوا بِهَذا الحَدِيثِ الَّذِي هو القُرْآنُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُؤْمِنُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ، ويَعْقُوبُ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ: بِتاءِ الخِطابِ.

المرسلات 77:40

﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وفَواكِهَ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ يُقالُ لِلْمُكَذِّبِينَ: ﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾: أيِ مِنَ العَذابِ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ﴾: أمْرٌ، قِراءَةُ الجُمْهُورِ تَكْرارًا أوْ بَيانًا لِلْمُنْطَلَقِ إلَيْهِ، وقَرَأ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ: بِفَتْحِ اللّامِ عَلى مَعْنى الخَبَرِ، كَأنَّهم لَمّا أُمِرُوا امْتَثَلُوا فانْطَلَقُوا، إذْ لا يُمْكِنُهُمُ التَّأْخِيرُ، إذْ صارُوا مُضْطَرِّينَ إلى الِانْطِلاقِ ﴿ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ قالَ عَطاءٌ: هو دُخانُ جَهَنَّمَ، ورُوِيَ أنَّهُ يَعْلُو مِن ثَلاثَةِ مَواضِعَ يَظُنُّ الكُفّارُ أنَّهُ مُغْنٍ مِنَ النّارِ، فَيُهْرَعُونَ إلَيْهِ فَيَجِدُونَهُ عَلى أسْوَأِ وصْفٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (p-٤٠٧)يُقالُ ذَلِكَ لِعَبَدَةِ الصَّلِيبِ، فالمُؤْمِنُونَ في ظِلِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وهم في ظِلِّ مَعْبُودِهِمْ وهو الصَّلِيبُ لَهُ ثَلاثُ شُعَبٍ، والشِّعْبُ: ما تَفَرَّقَ مِن جِسْمٍ واحِدٍ ﴿لا ظَلِيلٍ﴾: نَفْيٌ لِمَحاسِنِ الظِّلِّ ﴿ولا يُغْنِي﴾: أيْ ولا يُغْنِي عَنْهم مِن حَرِّ اللَّهَبِ شَيْئًا ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ﴾: الضَّمِيرُ في إنَّها لِجَهَنَّمَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (بِشَرَرٍ) وعِيسى: بِشَرارٍ بِألِفٍ بَيْنَ الرّاءَيْنِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مِقْسَمٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ كَسَرَ الشِّينَ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ جَمْعَ شَرَرٍ، أيْ بِشِرارٍ مِنَ العَذابِ، وأنْ يَكُونَ صِفَةً أُقِيمَتْ مَقامَ مَوْصُوفِها، أيْ بِشِرارٍ مِنَ النّاسِ، كَما تَقُولُ: قَوْمٌ شِرارٌ جَمْعُ شَرٍّ غَيْرُ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، وقَوْمٌ خِيارٌ جَمْعُ خَيْرٍ غَيْرُ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، ويُؤَنَّثُ هَذا فَيُقالُ لِلْمُؤَنَّثِ: شَرَّةٌ وخَيْرَةٌ بِخِلافِهِما، إذا كانا لِلتَّفْضِيلِ، فَلَهُما أحْكامٌ مَذْكُورَةٌ في النَّحْوِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (كالقَصْرِ) وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ مِقْسَمٍ: بِفَتْحِ القافِ والصّادِ، وابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا والحَسَنُ أيْضًا: كالقِصَرِ، بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصّادِ، وبَعْضُ القُرّاءِ: بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِ الصّادِ، وابْنُ مَسْعُودٍ: بِضَمِّهِما، كَأنَّهُ مَقْصُورٌ مِنَ القُصُورِ، كَما قَصَرُوا النَّجْمَ والنَّمِرَ مِنَ النُّجُومِ والنُّمُورِ، قالَ الرّاجِزُ: ؎فِيها عَنابِيلُ أُسُودٌ ونَمِرُ وتَقَدَّمَ شَرْحُ أكْثَرِ هَذِهِ القِراءاتِ في المُفْرَداتِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ، ومِنهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: (جِمالاتٌ) بِكَسْرِ الجِيمِ وبِالألِفِ والتّاءِ، جَمْعُ جِمالٍ جَمْعُ الجَمْعِ وهي الإبِلُ، كَقَوْلِهِمْ: رِجالاتُ قُرَيْشٍ، وابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ بِخِلافٍ عَنْهم كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم ضَمُّوا الجِيمَ، وهي جُمالُ السُّفُنِ، الواحِدُ مِنها جُمْلَةٌ لِكَوْنِهِ جُمْلَةً مِنَ الطّاقاتِ والقُوى، ثُمَّ جُمِعَ عَلى جُمَلٍ وجِمالٍ، ثُمَّ جُمِعَ جُمالٌ ثانِيًا جَمْعُ صِحَّةٍ فَقالُوا: جُمالاتٌ. وقِيلَ: الجِمالاتُ: قُلُوصُ الجُسُورِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ الأصْمَعِيِّ، وهارُونُ عَنْهُ: جِمالَةٌ بِكَسْرِ الجِيمِ، لَحِقَتْ جِمالًا التّاءُ لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ، كَحَجَرٍ وحِجارَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّلَمِيُّ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، وأبُو بَحْرِيَّةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ورُوَيْسٌ: كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم ضَمُّوا الجِيمَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: الجِمالاتُ: قُلُوصُ السُّفُنِ، وهي حِبالُهُ العِظامُ، إذا اجْتَمَعَتْ مُسْتَدِيرَةً بَعْضُها إلى بَعْضٍ جاءَ مِنها أجْرامٌ عِظامٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الجِمالاتُ: قِطَعُ النُّحاسِ الكِبارُ، وكانَ اشْتِقاقُ هَذِهِ مِنِ اسْمِ الجُمْلَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ: صُفُرٌ، بِضَمِّ الفاءِ، والجُمْهُورُ: بِإسْكانِها، شَبَّهَ الشَّرَرَ أوَّلًا بِالقَصْرِ، وهو الحِصْنُ مِن جِهَةِ العِظَمِ ومِن جِهَةِ الطُّولِ في الهَواءِ، وثانِيًا بِالجِمالِ لِبَيانِ التَّشْبِيهِ، ألا تَراهم يُشَبِّهُونَ الإبِلَ بِالأفْدانِ، وهي القُصُورُ ؟ قالَ الشّاعِرُ: ؎فَوَقَفْتُ فِيها ناقَتِي فَكَأنَّها ∗∗∗ فَدَنٌ لِأقْضِيَ حاجَةَ المُتَلَوِّمِ ومَن قَرَأ بِضَمِّ الجِيمِ، فالتَّشْبِيهُ مِن جِهَةِ العِظَمِ والطُّولِ، والصُّفْرَةُ الفاقِعَةُ أشْبَهُ بِلَوْنِ الشَّرَرِ، قالَهُ الجُمْهُورُ: وقِيلَ: صُفْرٌ سُودٌ، وقِيلَ: سُودٌ تَضْرِبُ إلى الصُّفْرَةِ، وقالَ عِمْرانُ بْنُ حِطّانَ الرَّقاشِيُّ: ؎دَعَتْهم بِأعْلى صَوْتِها ورَمَتْهم ∗∗∗ بِمِثْلِ الجِمالِ الصُّفْرِ نَزّاعَةُ الشَّوى وقَرَأ الأعْمَشُ والأعْرَجُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعِيسى وأبُو حَيْوَةَ وعاصِمٌ في رِوايَةٍ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ، والجُمْهُورُ: بِرَفْعِها، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمّا أضافَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ بَناهُ فَهي فَتْحَةُ بِناءٍ، وهي في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: قالَ عِيسى: هي لُغَةُ سُفْلى مُضَرَ، يَعْنِي بِناءَهم يَوْمَ مَعَ لا عَلى الفَتْحِ، لِأنَّهم جَعَلُوا يَوْمَ مَعَ لا كالِاسْمِ الواحِدِ، فَهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ لِأنَّهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ. انْتَهى. والجُمْلَةُ المُصَدَّرَةُ بِمُضارِعٍ مُثْبَتٍ أوْ مَنفِيٍّ لا يُجِيزُ البَصْرِيُّونَ في الظَّرْفِ المُضافِ إلَيْها البِناءَ بِوَجْهٍ، وإنَّما هَذا مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا صَحِيحًا عَلى الظَّرْفِ، فَيَصِيرُ هَذا إشارَةً إلى ما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكَلامِ دُونَ إشارَةٍ إلى (يَوْمَ)، ويَكُونُ العامِلُ في نَصْبِ (يَوْمَ) نِداءٌ تَقَدَّمَهُ مِن صِفَةِ (p-٤٠٨)جَهَنَّمَ، ورَمْيِها بِالشَّرَرِ في (يَوْمَ لا يَنْطِقُونَ)، فَيَكُونُ يَوْمَئِذٍ كَلامًا مُعْتَرِضًا لا يَمْنَعُ مِن تَفْرِيغِ العامِلِ لِلْمَعْمُولِ، كَما كانَتْ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧] ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨] انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا، وتَكُونَ الإشارَةُ بِهَذا إلى رَمْيِها بِشَرَرٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ونَصَبَهُ الأعْمَشُ، أيْ هَذا الَّذِي قَصَّ عَلَيْكم واقِعٌ يَوْمَئِذٍ، وهُنا نَفْيُ نُطْقِهِمْ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم نَطَقُوا في مَواضِعَ مِن هَذا اليَوْمِ، وذَلِكَ بِاعْتِبارِ طُولِ اليَوْمِ، فَيَصِحُّ أنْ يَنْفِيَ القَوْلَ فِيهِ في وقْتٍ ويُثْبِتَ في وقْتٍ، أوْ نَفى نُطْقَهم بِحُجَّةٍ تَنْفَعُ وجَعَلَ نُطْقَهم بِما لا يَنْفَعُ كَلا نُطْقٍ. وقَرَأ القُرّاءُ كُلُّهم فِيما أعْلَمُ: ﴿ولا يُؤْذَنُ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وحَكى أبُو عَلِيٍّ الأهْوازِيُّ أنَّ زَيْدَ بْنَ عَلِيٍّ قَرَأ: ولا يَأْذَنُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيِ اللَّهُ تَعالى ﴿فَيَعْتَذِرُونَ﴾: عَطْفٌ عَلى ﴿ولا يُؤْذَنُ﴾ داخِلٌ في حَيِّزِ نَفْيِ الإذْنِ، أيْ فَلا إذْنٌ فاعْتِذارٌ، ولَمْ يَجْعَلِ الِاعْتِذارَ مُتَسَبِّبًا عَنِ الإذْنِ فَيُنْصَبُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَمْ يُنْصَبْ في جَوابِ النَّفْيِ لِتَشابُهِ رُءُوسِ الآيِ، والوَجْهانِ جائِزانِ. انْتَهى. فَجَعَلَ امْتِناعَ النَّصْبِ هو تُشابُهُ رُءُوسِ الآيِ، وقالَ الوَجْهانِ جائِزانِ فَظَهَرَ مِن كَلامِهِ اسْتِواءُ الرَّفْعِ والنَّصْبِ وأنَّ مَعْناهُما واحِدٌ، ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ الرَّفْعَ كَما ذَكَرْنا لا يَكُونُ مُتَسَبِّبًا بَلْ صَرِيحُ عَطْفٍ، والنَّصْبُ يَكُونُ فِيهِ مُتَسَبِّبًا فافْتَرَقا، وذَهَبَ أبُو الحَجّاجِ الأعْلَمُ إلى أنَّهُ قَدْ يُرْفَعُ الفِعْلُ ويَكُونُ مَعْناهُ المَنصُوبَ بَعْدَ الفاءِ وذَلِكَ قَلِيلٌ، وإنَّما جَعَلَ النَّحْوِيُّونَ مَعْنى الرَّفْعِ غَيْرَ مَعْنى النَّصْبِ رَعْيًا لِلْأكْثَرِ في كَلامِ العَرَبِ، وجَعَلَ دَلِيلَهُ ذَلِكَ، وهَذِهِ الآيَةُ كَظاهِرِ كَلامِ ابْنِ عَطِيَّةَ، وقَدْ رَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ ابْنُ عُصْفُورٍ وغَيْرُهُ. ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكُمْ﴾ لِلْكُفّارِ، (والأوَّلِينَ): قَوْمَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وغَيْرَهم مِنَ الكُفّارِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ زَمانُهم عَلى زَمانِ المُخاطَبِينَ، أيْ جَمَعْناكم لِلْفَصْلِ بَيْنَ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ﴾: أيْ في هَذا اليَوْمِ، كَما كانَ لَكم في الدُّنْيا ما تَكِيدُونَ بِهِ دِينَ اللَّهِ وأوْلِياءَهُ، ﴿فَكِيدُونِ﴾ اليَوْمَ، وهَذا تَعْجِيزٌ لَهم وتَوْبِيخٌ، ولَمّا كانَ في سُورَةِ الإنْسانِ ذَكَرَ نَزْرًا مِن أحْوالِ الكُفّارِ في الآخِرَةِ، وأطْنَبَ في وصْفِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ فِيها، جاءَ في هَذِهِ السُّورَةِ الإطْنابُ في وصْفِ الكُفّارِ والإيجازُ في وصْفِ المُؤْمِنِينَ، فَوَقَعَ بِذَلِكَ الِاعْتِدالُ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي ظِلالٍ﴾ جَمْعُ ظِلٍّ، والأعْمَشُ: في ظُلَلٍ جَمْعُ ظُلَّةٍ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾ خِطابٌ لَهم في الآخِرَةِ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا﴾ خِطابٌ لِلْكُفّارِ في الدُّنْيا، (قَلِيلًا): أيْ زَمانًا قَلِيلًا، إذْ قُصارى أكْلِكم وتَمَتُّعِكُمُ المَوْتُ، وهو خِطابُ تَهْدِيدٍ لِمَن أجْرَمَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا﴾ مَن قالَ إنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَ هي في قُرَيْشٍ، ومَن قالَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ قالَ هي في المُنافِقِينَ، وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ «فِي ثَقِيفٍ، قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: حُطَّ عَنّا الصَّلاةَ فَإنّا لا نَنْحَنِي، إنَّها مَسَبَّةٌ، فَأبى وقالَ: لا خَيْرَ في دِينٍ لا صَلاةَ فِيهِ» . ومَعْنى ارْكَعُوا: اخْشَعُوا لِلَّهِ وتَواضَعُوا لَهُ بِقَبُولِ وحْيِهِ، وقِيلَ: الرُّكُوعُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ الصَّلاةِ، وخَصَّ مِن أفْعالِها الرُّكُوعَ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يَأْنَفُونَ مِنَ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، وجاءَ في هَذِهِ السُّورَةِ بَعْدَ كُلِّ جُمْلَةٍ قَوْلُهُ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِأنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ مِنها فِيها إخْبارُ اللَّهِ تَعالى عَنْ أشْياءَ مِن أحْوالِ الآخِرَةِ وتَقْرِيراتٍ مِن أحْوالِ الدُّنْيا، فَناسَبَ أنْ نَذْكُرَ الوَعِيدَ عَقِيبَ كُلِّ جُمْلَةٍ مِنها لِلْمُكَذِّبِ بِالوَيْلِ في يَوْمِ الآخِرَةِ، والضَّمِيرُ في (بَعْدَهُ) عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، والمَعْنى أنَّهُ قَدْ تَضَمَّنَ مِنَ الإعْجازِ والبَلاغَةِ والأخْبارِ المُغَيَّباتِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا احْتَوى عَلَيْهِ ما لَمْ يَتَضَمَّنْهُ كِتابٌ إلَهِيٌّ، فَإذا كانُوا مُكَذِّبِينَ بِهِ، فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُصَدِّقُونَ بِهِ ؟ أيْ لا يُمْكِنُ تَصْدِيقُهم بِحَدِيثٍ بَعْدَ أنْ كَذَّبُوا بِهَذا الحَدِيثِ الَّذِي هو القُرْآنُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُؤْمِنُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ، ويَعْقُوبُ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ: بِتاءِ الخِطابِ.

المرسلات 77:41

﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وفَواكِهَ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ يُقالُ لِلْمُكَذِّبِينَ: ﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾: أيِ مِنَ العَذابِ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ﴾: أمْرٌ، قِراءَةُ الجُمْهُورِ تَكْرارًا أوْ بَيانًا لِلْمُنْطَلَقِ إلَيْهِ، وقَرَأ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ: بِفَتْحِ اللّامِ عَلى مَعْنى الخَبَرِ، كَأنَّهم لَمّا أُمِرُوا امْتَثَلُوا فانْطَلَقُوا، إذْ لا يُمْكِنُهُمُ التَّأْخِيرُ، إذْ صارُوا مُضْطَرِّينَ إلى الِانْطِلاقِ ﴿ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ قالَ عَطاءٌ: هو دُخانُ جَهَنَّمَ، ورُوِيَ أنَّهُ يَعْلُو مِن ثَلاثَةِ مَواضِعَ يَظُنُّ الكُفّارُ أنَّهُ مُغْنٍ مِنَ النّارِ، فَيُهْرَعُونَ إلَيْهِ فَيَجِدُونَهُ عَلى أسْوَأِ وصْفٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (p-٤٠٧)يُقالُ ذَلِكَ لِعَبَدَةِ الصَّلِيبِ، فالمُؤْمِنُونَ في ظِلِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وهم في ظِلِّ مَعْبُودِهِمْ وهو الصَّلِيبُ لَهُ ثَلاثُ شُعَبٍ، والشِّعْبُ: ما تَفَرَّقَ مِن جِسْمٍ واحِدٍ ﴿لا ظَلِيلٍ﴾: نَفْيٌ لِمَحاسِنِ الظِّلِّ ﴿ولا يُغْنِي﴾: أيْ ولا يُغْنِي عَنْهم مِن حَرِّ اللَّهَبِ شَيْئًا ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ﴾: الضَّمِيرُ في إنَّها لِجَهَنَّمَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (بِشَرَرٍ) وعِيسى: بِشَرارٍ بِألِفٍ بَيْنَ الرّاءَيْنِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مِقْسَمٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ كَسَرَ الشِّينَ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ جَمْعَ شَرَرٍ، أيْ بِشِرارٍ مِنَ العَذابِ، وأنْ يَكُونَ صِفَةً أُقِيمَتْ مَقامَ مَوْصُوفِها، أيْ بِشِرارٍ مِنَ النّاسِ، كَما تَقُولُ: قَوْمٌ شِرارٌ جَمْعُ شَرٍّ غَيْرُ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، وقَوْمٌ خِيارٌ جَمْعُ خَيْرٍ غَيْرُ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، ويُؤَنَّثُ هَذا فَيُقالُ لِلْمُؤَنَّثِ: شَرَّةٌ وخَيْرَةٌ بِخِلافِهِما، إذا كانا لِلتَّفْضِيلِ، فَلَهُما أحْكامٌ مَذْكُورَةٌ في النَّحْوِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (كالقَصْرِ) وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ مِقْسَمٍ: بِفَتْحِ القافِ والصّادِ، وابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا والحَسَنُ أيْضًا: كالقِصَرِ، بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصّادِ، وبَعْضُ القُرّاءِ: بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِ الصّادِ، وابْنُ مَسْعُودٍ: بِضَمِّهِما، كَأنَّهُ مَقْصُورٌ مِنَ القُصُورِ، كَما قَصَرُوا النَّجْمَ والنَّمِرَ مِنَ النُّجُومِ والنُّمُورِ، قالَ الرّاجِزُ: ؎فِيها عَنابِيلُ أُسُودٌ ونَمِرُ وتَقَدَّمَ شَرْحُ أكْثَرِ هَذِهِ القِراءاتِ في المُفْرَداتِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ، ومِنهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: (جِمالاتٌ) بِكَسْرِ الجِيمِ وبِالألِفِ والتّاءِ، جَمْعُ جِمالٍ جَمْعُ الجَمْعِ وهي الإبِلُ، كَقَوْلِهِمْ: رِجالاتُ قُرَيْشٍ، وابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ بِخِلافٍ عَنْهم كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم ضَمُّوا الجِيمَ، وهي جُمالُ السُّفُنِ، الواحِدُ مِنها جُمْلَةٌ لِكَوْنِهِ جُمْلَةً مِنَ الطّاقاتِ والقُوى، ثُمَّ جُمِعَ عَلى جُمَلٍ وجِمالٍ، ثُمَّ جُمِعَ جُمالٌ ثانِيًا جَمْعُ صِحَّةٍ فَقالُوا: جُمالاتٌ. وقِيلَ: الجِمالاتُ: قُلُوصُ الجُسُورِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ الأصْمَعِيِّ، وهارُونُ عَنْهُ: جِمالَةٌ بِكَسْرِ الجِيمِ، لَحِقَتْ جِمالًا التّاءُ لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ، كَحَجَرٍ وحِجارَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّلَمِيُّ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، وأبُو بَحْرِيَّةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ورُوَيْسٌ: كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم ضَمُّوا الجِيمَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: الجِمالاتُ: قُلُوصُ السُّفُنِ، وهي حِبالُهُ العِظامُ، إذا اجْتَمَعَتْ مُسْتَدِيرَةً بَعْضُها إلى بَعْضٍ جاءَ مِنها أجْرامٌ عِظامٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الجِمالاتُ: قِطَعُ النُّحاسِ الكِبارُ، وكانَ اشْتِقاقُ هَذِهِ مِنِ اسْمِ الجُمْلَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ: صُفُرٌ، بِضَمِّ الفاءِ، والجُمْهُورُ: بِإسْكانِها، شَبَّهَ الشَّرَرَ أوَّلًا بِالقَصْرِ، وهو الحِصْنُ مِن جِهَةِ العِظَمِ ومِن جِهَةِ الطُّولِ في الهَواءِ، وثانِيًا بِالجِمالِ لِبَيانِ التَّشْبِيهِ، ألا تَراهم يُشَبِّهُونَ الإبِلَ بِالأفْدانِ، وهي القُصُورُ ؟ قالَ الشّاعِرُ: ؎فَوَقَفْتُ فِيها ناقَتِي فَكَأنَّها ∗∗∗ فَدَنٌ لِأقْضِيَ حاجَةَ المُتَلَوِّمِ ومَن قَرَأ بِضَمِّ الجِيمِ، فالتَّشْبِيهُ مِن جِهَةِ العِظَمِ والطُّولِ، والصُّفْرَةُ الفاقِعَةُ أشْبَهُ بِلَوْنِ الشَّرَرِ، قالَهُ الجُمْهُورُ: وقِيلَ: صُفْرٌ سُودٌ، وقِيلَ: سُودٌ تَضْرِبُ إلى الصُّفْرَةِ، وقالَ عِمْرانُ بْنُ حِطّانَ الرَّقاشِيُّ: ؎دَعَتْهم بِأعْلى صَوْتِها ورَمَتْهم ∗∗∗ بِمِثْلِ الجِمالِ الصُّفْرِ نَزّاعَةُ الشَّوى وقَرَأ الأعْمَشُ والأعْرَجُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعِيسى وأبُو حَيْوَةَ وعاصِمٌ في رِوايَةٍ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ، والجُمْهُورُ: بِرَفْعِها، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمّا أضافَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ بَناهُ فَهي فَتْحَةُ بِناءٍ، وهي في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: قالَ عِيسى: هي لُغَةُ سُفْلى مُضَرَ، يَعْنِي بِناءَهم يَوْمَ مَعَ لا عَلى الفَتْحِ، لِأنَّهم جَعَلُوا يَوْمَ مَعَ لا كالِاسْمِ الواحِدِ، فَهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ لِأنَّهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ. انْتَهى. والجُمْلَةُ المُصَدَّرَةُ بِمُضارِعٍ مُثْبَتٍ أوْ مَنفِيٍّ لا يُجِيزُ البَصْرِيُّونَ في الظَّرْفِ المُضافِ إلَيْها البِناءَ بِوَجْهٍ، وإنَّما هَذا مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا صَحِيحًا عَلى الظَّرْفِ، فَيَصِيرُ هَذا إشارَةً إلى ما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكَلامِ دُونَ إشارَةٍ إلى (يَوْمَ)، ويَكُونُ العامِلُ في نَصْبِ (يَوْمَ) نِداءٌ تَقَدَّمَهُ مِن صِفَةِ (p-٤٠٨)جَهَنَّمَ، ورَمْيِها بِالشَّرَرِ في (يَوْمَ لا يَنْطِقُونَ)، فَيَكُونُ يَوْمَئِذٍ كَلامًا مُعْتَرِضًا لا يَمْنَعُ مِن تَفْرِيغِ العامِلِ لِلْمَعْمُولِ، كَما كانَتْ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧] ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨] انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا، وتَكُونَ الإشارَةُ بِهَذا إلى رَمْيِها بِشَرَرٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ونَصَبَهُ الأعْمَشُ، أيْ هَذا الَّذِي قَصَّ عَلَيْكم واقِعٌ يَوْمَئِذٍ، وهُنا نَفْيُ نُطْقِهِمْ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم نَطَقُوا في مَواضِعَ مِن هَذا اليَوْمِ، وذَلِكَ بِاعْتِبارِ طُولِ اليَوْمِ، فَيَصِحُّ أنْ يَنْفِيَ القَوْلَ فِيهِ في وقْتٍ ويُثْبِتَ في وقْتٍ، أوْ نَفى نُطْقَهم بِحُجَّةٍ تَنْفَعُ وجَعَلَ نُطْقَهم بِما لا يَنْفَعُ كَلا نُطْقٍ. وقَرَأ القُرّاءُ كُلُّهم فِيما أعْلَمُ: ﴿ولا يُؤْذَنُ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وحَكى أبُو عَلِيٍّ الأهْوازِيُّ أنَّ زَيْدَ بْنَ عَلِيٍّ قَرَأ: ولا يَأْذَنُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيِ اللَّهُ تَعالى ﴿فَيَعْتَذِرُونَ﴾: عَطْفٌ عَلى ﴿ولا يُؤْذَنُ﴾ داخِلٌ في حَيِّزِ نَفْيِ الإذْنِ، أيْ فَلا إذْنٌ فاعْتِذارٌ، ولَمْ يَجْعَلِ الِاعْتِذارَ مُتَسَبِّبًا عَنِ الإذْنِ فَيُنْصَبُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَمْ يُنْصَبْ في جَوابِ النَّفْيِ لِتَشابُهِ رُءُوسِ الآيِ، والوَجْهانِ جائِزانِ. انْتَهى. فَجَعَلَ امْتِناعَ النَّصْبِ هو تُشابُهُ رُءُوسِ الآيِ، وقالَ الوَجْهانِ جائِزانِ فَظَهَرَ مِن كَلامِهِ اسْتِواءُ الرَّفْعِ والنَّصْبِ وأنَّ مَعْناهُما واحِدٌ، ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ الرَّفْعَ كَما ذَكَرْنا لا يَكُونُ مُتَسَبِّبًا بَلْ صَرِيحُ عَطْفٍ، والنَّصْبُ يَكُونُ فِيهِ مُتَسَبِّبًا فافْتَرَقا، وذَهَبَ أبُو الحَجّاجِ الأعْلَمُ إلى أنَّهُ قَدْ يُرْفَعُ الفِعْلُ ويَكُونُ مَعْناهُ المَنصُوبَ بَعْدَ الفاءِ وذَلِكَ قَلِيلٌ، وإنَّما جَعَلَ النَّحْوِيُّونَ مَعْنى الرَّفْعِ غَيْرَ مَعْنى النَّصْبِ رَعْيًا لِلْأكْثَرِ في كَلامِ العَرَبِ، وجَعَلَ دَلِيلَهُ ذَلِكَ، وهَذِهِ الآيَةُ كَظاهِرِ كَلامِ ابْنِ عَطِيَّةَ، وقَدْ رَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ ابْنُ عُصْفُورٍ وغَيْرُهُ. ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكُمْ﴾ لِلْكُفّارِ، (والأوَّلِينَ): قَوْمَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وغَيْرَهم مِنَ الكُفّارِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ زَمانُهم عَلى زَمانِ المُخاطَبِينَ، أيْ جَمَعْناكم لِلْفَصْلِ بَيْنَ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ﴾: أيْ في هَذا اليَوْمِ، كَما كانَ لَكم في الدُّنْيا ما تَكِيدُونَ بِهِ دِينَ اللَّهِ وأوْلِياءَهُ، ﴿فَكِيدُونِ﴾ اليَوْمَ، وهَذا تَعْجِيزٌ لَهم وتَوْبِيخٌ، ولَمّا كانَ في سُورَةِ الإنْسانِ ذَكَرَ نَزْرًا مِن أحْوالِ الكُفّارِ في الآخِرَةِ، وأطْنَبَ في وصْفِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ فِيها، جاءَ في هَذِهِ السُّورَةِ الإطْنابُ في وصْفِ الكُفّارِ والإيجازُ في وصْفِ المُؤْمِنِينَ، فَوَقَعَ بِذَلِكَ الِاعْتِدالُ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي ظِلالٍ﴾ جَمْعُ ظِلٍّ، والأعْمَشُ: في ظُلَلٍ جَمْعُ ظُلَّةٍ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾ خِطابٌ لَهم في الآخِرَةِ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا﴾ خِطابٌ لِلْكُفّارِ في الدُّنْيا، (قَلِيلًا): أيْ زَمانًا قَلِيلًا، إذْ قُصارى أكْلِكم وتَمَتُّعِكُمُ المَوْتُ، وهو خِطابُ تَهْدِيدٍ لِمَن أجْرَمَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا﴾ مَن قالَ إنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَ هي في قُرَيْشٍ، ومَن قالَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ قالَ هي في المُنافِقِينَ، وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ «فِي ثَقِيفٍ، قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: حُطَّ عَنّا الصَّلاةَ فَإنّا لا نَنْحَنِي، إنَّها مَسَبَّةٌ، فَأبى وقالَ: لا خَيْرَ في دِينٍ لا صَلاةَ فِيهِ» . ومَعْنى ارْكَعُوا: اخْشَعُوا لِلَّهِ وتَواضَعُوا لَهُ بِقَبُولِ وحْيِهِ، وقِيلَ: الرُّكُوعُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ الصَّلاةِ، وخَصَّ مِن أفْعالِها الرُّكُوعَ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يَأْنَفُونَ مِنَ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، وجاءَ في هَذِهِ السُّورَةِ بَعْدَ كُلِّ جُمْلَةٍ قَوْلُهُ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِأنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ مِنها فِيها إخْبارُ اللَّهِ تَعالى عَنْ أشْياءَ مِن أحْوالِ الآخِرَةِ وتَقْرِيراتٍ مِن أحْوالِ الدُّنْيا، فَناسَبَ أنْ نَذْكُرَ الوَعِيدَ عَقِيبَ كُلِّ جُمْلَةٍ مِنها لِلْمُكَذِّبِ بِالوَيْلِ في يَوْمِ الآخِرَةِ، والضَّمِيرُ في (بَعْدَهُ) عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، والمَعْنى أنَّهُ قَدْ تَضَمَّنَ مِنَ الإعْجازِ والبَلاغَةِ والأخْبارِ المُغَيَّباتِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا احْتَوى عَلَيْهِ ما لَمْ يَتَضَمَّنْهُ كِتابٌ إلَهِيٌّ، فَإذا كانُوا مُكَذِّبِينَ بِهِ، فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُصَدِّقُونَ بِهِ ؟ أيْ لا يُمْكِنُ تَصْدِيقُهم بِحَدِيثٍ بَعْدَ أنْ كَذَّبُوا بِهَذا الحَدِيثِ الَّذِي هو القُرْآنُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُؤْمِنُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ، ويَعْقُوبُ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ: بِتاءِ الخِطابِ.

المرسلات 77:42

﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وفَواكِهَ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ يُقالُ لِلْمُكَذِّبِينَ: ﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾: أيِ مِنَ العَذابِ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ﴾: أمْرٌ، قِراءَةُ الجُمْهُورِ تَكْرارًا أوْ بَيانًا لِلْمُنْطَلَقِ إلَيْهِ، وقَرَأ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ: بِفَتْحِ اللّامِ عَلى مَعْنى الخَبَرِ، كَأنَّهم لَمّا أُمِرُوا امْتَثَلُوا فانْطَلَقُوا، إذْ لا يُمْكِنُهُمُ التَّأْخِيرُ، إذْ صارُوا مُضْطَرِّينَ إلى الِانْطِلاقِ ﴿ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ قالَ عَطاءٌ: هو دُخانُ جَهَنَّمَ، ورُوِيَ أنَّهُ يَعْلُو مِن ثَلاثَةِ مَواضِعَ يَظُنُّ الكُفّارُ أنَّهُ مُغْنٍ مِنَ النّارِ، فَيُهْرَعُونَ إلَيْهِ فَيَجِدُونَهُ عَلى أسْوَأِ وصْفٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (p-٤٠٧)يُقالُ ذَلِكَ لِعَبَدَةِ الصَّلِيبِ، فالمُؤْمِنُونَ في ظِلِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وهم في ظِلِّ مَعْبُودِهِمْ وهو الصَّلِيبُ لَهُ ثَلاثُ شُعَبٍ، والشِّعْبُ: ما تَفَرَّقَ مِن جِسْمٍ واحِدٍ ﴿لا ظَلِيلٍ﴾: نَفْيٌ لِمَحاسِنِ الظِّلِّ ﴿ولا يُغْنِي﴾: أيْ ولا يُغْنِي عَنْهم مِن حَرِّ اللَّهَبِ شَيْئًا ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ﴾: الضَّمِيرُ في إنَّها لِجَهَنَّمَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (بِشَرَرٍ) وعِيسى: بِشَرارٍ بِألِفٍ بَيْنَ الرّاءَيْنِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مِقْسَمٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ كَسَرَ الشِّينَ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ جَمْعَ شَرَرٍ، أيْ بِشِرارٍ مِنَ العَذابِ، وأنْ يَكُونَ صِفَةً أُقِيمَتْ مَقامَ مَوْصُوفِها، أيْ بِشِرارٍ مِنَ النّاسِ، كَما تَقُولُ: قَوْمٌ شِرارٌ جَمْعُ شَرٍّ غَيْرُ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، وقَوْمٌ خِيارٌ جَمْعُ خَيْرٍ غَيْرُ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، ويُؤَنَّثُ هَذا فَيُقالُ لِلْمُؤَنَّثِ: شَرَّةٌ وخَيْرَةٌ بِخِلافِهِما، إذا كانا لِلتَّفْضِيلِ، فَلَهُما أحْكامٌ مَذْكُورَةٌ في النَّحْوِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (كالقَصْرِ) وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ مِقْسَمٍ: بِفَتْحِ القافِ والصّادِ، وابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا والحَسَنُ أيْضًا: كالقِصَرِ، بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصّادِ، وبَعْضُ القُرّاءِ: بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِ الصّادِ، وابْنُ مَسْعُودٍ: بِضَمِّهِما، كَأنَّهُ مَقْصُورٌ مِنَ القُصُورِ، كَما قَصَرُوا النَّجْمَ والنَّمِرَ مِنَ النُّجُومِ والنُّمُورِ، قالَ الرّاجِزُ: ؎فِيها عَنابِيلُ أُسُودٌ ونَمِرُ وتَقَدَّمَ شَرْحُ أكْثَرِ هَذِهِ القِراءاتِ في المُفْرَداتِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ، ومِنهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: (جِمالاتٌ) بِكَسْرِ الجِيمِ وبِالألِفِ والتّاءِ، جَمْعُ جِمالٍ جَمْعُ الجَمْعِ وهي الإبِلُ، كَقَوْلِهِمْ: رِجالاتُ قُرَيْشٍ، وابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ بِخِلافٍ عَنْهم كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم ضَمُّوا الجِيمَ، وهي جُمالُ السُّفُنِ، الواحِدُ مِنها جُمْلَةٌ لِكَوْنِهِ جُمْلَةً مِنَ الطّاقاتِ والقُوى، ثُمَّ جُمِعَ عَلى جُمَلٍ وجِمالٍ، ثُمَّ جُمِعَ جُمالٌ ثانِيًا جَمْعُ صِحَّةٍ فَقالُوا: جُمالاتٌ. وقِيلَ: الجِمالاتُ: قُلُوصُ الجُسُورِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ الأصْمَعِيِّ، وهارُونُ عَنْهُ: جِمالَةٌ بِكَسْرِ الجِيمِ، لَحِقَتْ جِمالًا التّاءُ لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ، كَحَجَرٍ وحِجارَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّلَمِيُّ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، وأبُو بَحْرِيَّةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ورُوَيْسٌ: كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم ضَمُّوا الجِيمَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: الجِمالاتُ: قُلُوصُ السُّفُنِ، وهي حِبالُهُ العِظامُ، إذا اجْتَمَعَتْ مُسْتَدِيرَةً بَعْضُها إلى بَعْضٍ جاءَ مِنها أجْرامٌ عِظامٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الجِمالاتُ: قِطَعُ النُّحاسِ الكِبارُ، وكانَ اشْتِقاقُ هَذِهِ مِنِ اسْمِ الجُمْلَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ: صُفُرٌ، بِضَمِّ الفاءِ، والجُمْهُورُ: بِإسْكانِها، شَبَّهَ الشَّرَرَ أوَّلًا بِالقَصْرِ، وهو الحِصْنُ مِن جِهَةِ العِظَمِ ومِن جِهَةِ الطُّولِ في الهَواءِ، وثانِيًا بِالجِمالِ لِبَيانِ التَّشْبِيهِ، ألا تَراهم يُشَبِّهُونَ الإبِلَ بِالأفْدانِ، وهي القُصُورُ ؟ قالَ الشّاعِرُ: ؎فَوَقَفْتُ فِيها ناقَتِي فَكَأنَّها ∗∗∗ فَدَنٌ لِأقْضِيَ حاجَةَ المُتَلَوِّمِ ومَن قَرَأ بِضَمِّ الجِيمِ، فالتَّشْبِيهُ مِن جِهَةِ العِظَمِ والطُّولِ، والصُّفْرَةُ الفاقِعَةُ أشْبَهُ بِلَوْنِ الشَّرَرِ، قالَهُ الجُمْهُورُ: وقِيلَ: صُفْرٌ سُودٌ، وقِيلَ: سُودٌ تَضْرِبُ إلى الصُّفْرَةِ، وقالَ عِمْرانُ بْنُ حِطّانَ الرَّقاشِيُّ: ؎دَعَتْهم بِأعْلى صَوْتِها ورَمَتْهم ∗∗∗ بِمِثْلِ الجِمالِ الصُّفْرِ نَزّاعَةُ الشَّوى وقَرَأ الأعْمَشُ والأعْرَجُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعِيسى وأبُو حَيْوَةَ وعاصِمٌ في رِوايَةٍ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ، والجُمْهُورُ: بِرَفْعِها، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمّا أضافَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ بَناهُ فَهي فَتْحَةُ بِناءٍ، وهي في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: قالَ عِيسى: هي لُغَةُ سُفْلى مُضَرَ، يَعْنِي بِناءَهم يَوْمَ مَعَ لا عَلى الفَتْحِ، لِأنَّهم جَعَلُوا يَوْمَ مَعَ لا كالِاسْمِ الواحِدِ، فَهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ لِأنَّهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ. انْتَهى. والجُمْلَةُ المُصَدَّرَةُ بِمُضارِعٍ مُثْبَتٍ أوْ مَنفِيٍّ لا يُجِيزُ البَصْرِيُّونَ في الظَّرْفِ المُضافِ إلَيْها البِناءَ بِوَجْهٍ، وإنَّما هَذا مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا صَحِيحًا عَلى الظَّرْفِ، فَيَصِيرُ هَذا إشارَةً إلى ما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكَلامِ دُونَ إشارَةٍ إلى (يَوْمَ)، ويَكُونُ العامِلُ في نَصْبِ (يَوْمَ) نِداءٌ تَقَدَّمَهُ مِن صِفَةِ (p-٤٠٨)جَهَنَّمَ، ورَمْيِها بِالشَّرَرِ في (يَوْمَ لا يَنْطِقُونَ)، فَيَكُونُ يَوْمَئِذٍ كَلامًا مُعْتَرِضًا لا يَمْنَعُ مِن تَفْرِيغِ العامِلِ لِلْمَعْمُولِ، كَما كانَتْ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧] ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨] انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا، وتَكُونَ الإشارَةُ بِهَذا إلى رَمْيِها بِشَرَرٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ونَصَبَهُ الأعْمَشُ، أيْ هَذا الَّذِي قَصَّ عَلَيْكم واقِعٌ يَوْمَئِذٍ، وهُنا نَفْيُ نُطْقِهِمْ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم نَطَقُوا في مَواضِعَ مِن هَذا اليَوْمِ، وذَلِكَ بِاعْتِبارِ طُولِ اليَوْمِ، فَيَصِحُّ أنْ يَنْفِيَ القَوْلَ فِيهِ في وقْتٍ ويُثْبِتَ في وقْتٍ، أوْ نَفى نُطْقَهم بِحُجَّةٍ تَنْفَعُ وجَعَلَ نُطْقَهم بِما لا يَنْفَعُ كَلا نُطْقٍ. وقَرَأ القُرّاءُ كُلُّهم فِيما أعْلَمُ: ﴿ولا يُؤْذَنُ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وحَكى أبُو عَلِيٍّ الأهْوازِيُّ أنَّ زَيْدَ بْنَ عَلِيٍّ قَرَأ: ولا يَأْذَنُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيِ اللَّهُ تَعالى ﴿فَيَعْتَذِرُونَ﴾: عَطْفٌ عَلى ﴿ولا يُؤْذَنُ﴾ داخِلٌ في حَيِّزِ نَفْيِ الإذْنِ، أيْ فَلا إذْنٌ فاعْتِذارٌ، ولَمْ يَجْعَلِ الِاعْتِذارَ مُتَسَبِّبًا عَنِ الإذْنِ فَيُنْصَبُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَمْ يُنْصَبْ في جَوابِ النَّفْيِ لِتَشابُهِ رُءُوسِ الآيِ، والوَجْهانِ جائِزانِ. انْتَهى. فَجَعَلَ امْتِناعَ النَّصْبِ هو تُشابُهُ رُءُوسِ الآيِ، وقالَ الوَجْهانِ جائِزانِ فَظَهَرَ مِن كَلامِهِ اسْتِواءُ الرَّفْعِ والنَّصْبِ وأنَّ مَعْناهُما واحِدٌ، ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ الرَّفْعَ كَما ذَكَرْنا لا يَكُونُ مُتَسَبِّبًا بَلْ صَرِيحُ عَطْفٍ، والنَّصْبُ يَكُونُ فِيهِ مُتَسَبِّبًا فافْتَرَقا، وذَهَبَ أبُو الحَجّاجِ الأعْلَمُ إلى أنَّهُ قَدْ يُرْفَعُ الفِعْلُ ويَكُونُ مَعْناهُ المَنصُوبَ بَعْدَ الفاءِ وذَلِكَ قَلِيلٌ، وإنَّما جَعَلَ النَّحْوِيُّونَ مَعْنى الرَّفْعِ غَيْرَ مَعْنى النَّصْبِ رَعْيًا لِلْأكْثَرِ في كَلامِ العَرَبِ، وجَعَلَ دَلِيلَهُ ذَلِكَ، وهَذِهِ الآيَةُ كَظاهِرِ كَلامِ ابْنِ عَطِيَّةَ، وقَدْ رَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ ابْنُ عُصْفُورٍ وغَيْرُهُ. ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكُمْ﴾ لِلْكُفّارِ، (والأوَّلِينَ): قَوْمَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وغَيْرَهم مِنَ الكُفّارِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ زَمانُهم عَلى زَمانِ المُخاطَبِينَ، أيْ جَمَعْناكم لِلْفَصْلِ بَيْنَ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ﴾: أيْ في هَذا اليَوْمِ، كَما كانَ لَكم في الدُّنْيا ما تَكِيدُونَ بِهِ دِينَ اللَّهِ وأوْلِياءَهُ، ﴿فَكِيدُونِ﴾ اليَوْمَ، وهَذا تَعْجِيزٌ لَهم وتَوْبِيخٌ، ولَمّا كانَ في سُورَةِ الإنْسانِ ذَكَرَ نَزْرًا مِن أحْوالِ الكُفّارِ في الآخِرَةِ، وأطْنَبَ في وصْفِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ فِيها، جاءَ في هَذِهِ السُّورَةِ الإطْنابُ في وصْفِ الكُفّارِ والإيجازُ في وصْفِ المُؤْمِنِينَ، فَوَقَعَ بِذَلِكَ الِاعْتِدالُ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي ظِلالٍ﴾ جَمْعُ ظِلٍّ، والأعْمَشُ: في ظُلَلٍ جَمْعُ ظُلَّةٍ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾ خِطابٌ لَهم في الآخِرَةِ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا﴾ خِطابٌ لِلْكُفّارِ في الدُّنْيا، (قَلِيلًا): أيْ زَمانًا قَلِيلًا، إذْ قُصارى أكْلِكم وتَمَتُّعِكُمُ المَوْتُ، وهو خِطابُ تَهْدِيدٍ لِمَن أجْرَمَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا﴾ مَن قالَ إنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَ هي في قُرَيْشٍ، ومَن قالَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ قالَ هي في المُنافِقِينَ، وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ «فِي ثَقِيفٍ، قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: حُطَّ عَنّا الصَّلاةَ فَإنّا لا نَنْحَنِي، إنَّها مَسَبَّةٌ، فَأبى وقالَ: لا خَيْرَ في دِينٍ لا صَلاةَ فِيهِ» . ومَعْنى ارْكَعُوا: اخْشَعُوا لِلَّهِ وتَواضَعُوا لَهُ بِقَبُولِ وحْيِهِ، وقِيلَ: الرُّكُوعُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ الصَّلاةِ، وخَصَّ مِن أفْعالِها الرُّكُوعَ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يَأْنَفُونَ مِنَ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، وجاءَ في هَذِهِ السُّورَةِ بَعْدَ كُلِّ جُمْلَةٍ قَوْلُهُ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِأنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ مِنها فِيها إخْبارُ اللَّهِ تَعالى عَنْ أشْياءَ مِن أحْوالِ الآخِرَةِ وتَقْرِيراتٍ مِن أحْوالِ الدُّنْيا، فَناسَبَ أنْ نَذْكُرَ الوَعِيدَ عَقِيبَ كُلِّ جُمْلَةٍ مِنها لِلْمُكَذِّبِ بِالوَيْلِ في يَوْمِ الآخِرَةِ، والضَّمِيرُ في (بَعْدَهُ) عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، والمَعْنى أنَّهُ قَدْ تَضَمَّنَ مِنَ الإعْجازِ والبَلاغَةِ والأخْبارِ المُغَيَّباتِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا احْتَوى عَلَيْهِ ما لَمْ يَتَضَمَّنْهُ كِتابٌ إلَهِيٌّ، فَإذا كانُوا مُكَذِّبِينَ بِهِ، فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُصَدِّقُونَ بِهِ ؟ أيْ لا يُمْكِنُ تَصْدِيقُهم بِحَدِيثٍ بَعْدَ أنْ كَذَّبُوا بِهَذا الحَدِيثِ الَّذِي هو القُرْآنُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُؤْمِنُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ، ويَعْقُوبُ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ: بِتاءِ الخِطابِ.

المرسلات 77:43

﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وفَواكِهَ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ يُقالُ لِلْمُكَذِّبِينَ: ﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾: أيِ مِنَ العَذابِ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ﴾: أمْرٌ، قِراءَةُ الجُمْهُورِ تَكْرارًا أوْ بَيانًا لِلْمُنْطَلَقِ إلَيْهِ، وقَرَأ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ: بِفَتْحِ اللّامِ عَلى مَعْنى الخَبَرِ، كَأنَّهم لَمّا أُمِرُوا امْتَثَلُوا فانْطَلَقُوا، إذْ لا يُمْكِنُهُمُ التَّأْخِيرُ، إذْ صارُوا مُضْطَرِّينَ إلى الِانْطِلاقِ ﴿ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ قالَ عَطاءٌ: هو دُخانُ جَهَنَّمَ، ورُوِيَ أنَّهُ يَعْلُو مِن ثَلاثَةِ مَواضِعَ يَظُنُّ الكُفّارُ أنَّهُ مُغْنٍ مِنَ النّارِ، فَيُهْرَعُونَ إلَيْهِ فَيَجِدُونَهُ عَلى أسْوَأِ وصْفٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (p-٤٠٧)يُقالُ ذَلِكَ لِعَبَدَةِ الصَّلِيبِ، فالمُؤْمِنُونَ في ظِلِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وهم في ظِلِّ مَعْبُودِهِمْ وهو الصَّلِيبُ لَهُ ثَلاثُ شُعَبٍ، والشِّعْبُ: ما تَفَرَّقَ مِن جِسْمٍ واحِدٍ ﴿لا ظَلِيلٍ﴾: نَفْيٌ لِمَحاسِنِ الظِّلِّ ﴿ولا يُغْنِي﴾: أيْ ولا يُغْنِي عَنْهم مِن حَرِّ اللَّهَبِ شَيْئًا ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ﴾: الضَّمِيرُ في إنَّها لِجَهَنَّمَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (بِشَرَرٍ) وعِيسى: بِشَرارٍ بِألِفٍ بَيْنَ الرّاءَيْنِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مِقْسَمٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ كَسَرَ الشِّينَ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ جَمْعَ شَرَرٍ، أيْ بِشِرارٍ مِنَ العَذابِ، وأنْ يَكُونَ صِفَةً أُقِيمَتْ مَقامَ مَوْصُوفِها، أيْ بِشِرارٍ مِنَ النّاسِ، كَما تَقُولُ: قَوْمٌ شِرارٌ جَمْعُ شَرٍّ غَيْرُ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، وقَوْمٌ خِيارٌ جَمْعُ خَيْرٍ غَيْرُ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، ويُؤَنَّثُ هَذا فَيُقالُ لِلْمُؤَنَّثِ: شَرَّةٌ وخَيْرَةٌ بِخِلافِهِما، إذا كانا لِلتَّفْضِيلِ، فَلَهُما أحْكامٌ مَذْكُورَةٌ في النَّحْوِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (كالقَصْرِ) وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ مِقْسَمٍ: بِفَتْحِ القافِ والصّادِ، وابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا والحَسَنُ أيْضًا: كالقِصَرِ، بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصّادِ، وبَعْضُ القُرّاءِ: بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِ الصّادِ، وابْنُ مَسْعُودٍ: بِضَمِّهِما، كَأنَّهُ مَقْصُورٌ مِنَ القُصُورِ، كَما قَصَرُوا النَّجْمَ والنَّمِرَ مِنَ النُّجُومِ والنُّمُورِ، قالَ الرّاجِزُ: ؎فِيها عَنابِيلُ أُسُودٌ ونَمِرُ وتَقَدَّمَ شَرْحُ أكْثَرِ هَذِهِ القِراءاتِ في المُفْرَداتِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ، ومِنهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: (جِمالاتٌ) بِكَسْرِ الجِيمِ وبِالألِفِ والتّاءِ، جَمْعُ جِمالٍ جَمْعُ الجَمْعِ وهي الإبِلُ، كَقَوْلِهِمْ: رِجالاتُ قُرَيْشٍ، وابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ بِخِلافٍ عَنْهم كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم ضَمُّوا الجِيمَ، وهي جُمالُ السُّفُنِ، الواحِدُ مِنها جُمْلَةٌ لِكَوْنِهِ جُمْلَةً مِنَ الطّاقاتِ والقُوى، ثُمَّ جُمِعَ عَلى جُمَلٍ وجِمالٍ، ثُمَّ جُمِعَ جُمالٌ ثانِيًا جَمْعُ صِحَّةٍ فَقالُوا: جُمالاتٌ. وقِيلَ: الجِمالاتُ: قُلُوصُ الجُسُورِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ الأصْمَعِيِّ، وهارُونُ عَنْهُ: جِمالَةٌ بِكَسْرِ الجِيمِ، لَحِقَتْ جِمالًا التّاءُ لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ، كَحَجَرٍ وحِجارَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّلَمِيُّ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، وأبُو بَحْرِيَّةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ورُوَيْسٌ: كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم ضَمُّوا الجِيمَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: الجِمالاتُ: قُلُوصُ السُّفُنِ، وهي حِبالُهُ العِظامُ، إذا اجْتَمَعَتْ مُسْتَدِيرَةً بَعْضُها إلى بَعْضٍ جاءَ مِنها أجْرامٌ عِظامٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الجِمالاتُ: قِطَعُ النُّحاسِ الكِبارُ، وكانَ اشْتِقاقُ هَذِهِ مِنِ اسْمِ الجُمْلَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ: صُفُرٌ، بِضَمِّ الفاءِ، والجُمْهُورُ: بِإسْكانِها، شَبَّهَ الشَّرَرَ أوَّلًا بِالقَصْرِ، وهو الحِصْنُ مِن جِهَةِ العِظَمِ ومِن جِهَةِ الطُّولِ في الهَواءِ، وثانِيًا بِالجِمالِ لِبَيانِ التَّشْبِيهِ، ألا تَراهم يُشَبِّهُونَ الإبِلَ بِالأفْدانِ، وهي القُصُورُ ؟ قالَ الشّاعِرُ: ؎فَوَقَفْتُ فِيها ناقَتِي فَكَأنَّها ∗∗∗ فَدَنٌ لِأقْضِيَ حاجَةَ المُتَلَوِّمِ ومَن قَرَأ بِضَمِّ الجِيمِ، فالتَّشْبِيهُ مِن جِهَةِ العِظَمِ والطُّولِ، والصُّفْرَةُ الفاقِعَةُ أشْبَهُ بِلَوْنِ الشَّرَرِ، قالَهُ الجُمْهُورُ: وقِيلَ: صُفْرٌ سُودٌ، وقِيلَ: سُودٌ تَضْرِبُ إلى الصُّفْرَةِ، وقالَ عِمْرانُ بْنُ حِطّانَ الرَّقاشِيُّ: ؎دَعَتْهم بِأعْلى صَوْتِها ورَمَتْهم ∗∗∗ بِمِثْلِ الجِمالِ الصُّفْرِ نَزّاعَةُ الشَّوى وقَرَأ الأعْمَشُ والأعْرَجُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعِيسى وأبُو حَيْوَةَ وعاصِمٌ في رِوايَةٍ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ، والجُمْهُورُ: بِرَفْعِها، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمّا أضافَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ بَناهُ فَهي فَتْحَةُ بِناءٍ، وهي في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: قالَ عِيسى: هي لُغَةُ سُفْلى مُضَرَ، يَعْنِي بِناءَهم يَوْمَ مَعَ لا عَلى الفَتْحِ، لِأنَّهم جَعَلُوا يَوْمَ مَعَ لا كالِاسْمِ الواحِدِ، فَهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ لِأنَّهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ. انْتَهى. والجُمْلَةُ المُصَدَّرَةُ بِمُضارِعٍ مُثْبَتٍ أوْ مَنفِيٍّ لا يُجِيزُ البَصْرِيُّونَ في الظَّرْفِ المُضافِ إلَيْها البِناءَ بِوَجْهٍ، وإنَّما هَذا مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا صَحِيحًا عَلى الظَّرْفِ، فَيَصِيرُ هَذا إشارَةً إلى ما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكَلامِ دُونَ إشارَةٍ إلى (يَوْمَ)، ويَكُونُ العامِلُ في نَصْبِ (يَوْمَ) نِداءٌ تَقَدَّمَهُ مِن صِفَةِ (p-٤٠٨)جَهَنَّمَ، ورَمْيِها بِالشَّرَرِ في (يَوْمَ لا يَنْطِقُونَ)، فَيَكُونُ يَوْمَئِذٍ كَلامًا مُعْتَرِضًا لا يَمْنَعُ مِن تَفْرِيغِ العامِلِ لِلْمَعْمُولِ، كَما كانَتْ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧] ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨] انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا، وتَكُونَ الإشارَةُ بِهَذا إلى رَمْيِها بِشَرَرٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ونَصَبَهُ الأعْمَشُ، أيْ هَذا الَّذِي قَصَّ عَلَيْكم واقِعٌ يَوْمَئِذٍ، وهُنا نَفْيُ نُطْقِهِمْ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم نَطَقُوا في مَواضِعَ مِن هَذا اليَوْمِ، وذَلِكَ بِاعْتِبارِ طُولِ اليَوْمِ، فَيَصِحُّ أنْ يَنْفِيَ القَوْلَ فِيهِ في وقْتٍ ويُثْبِتَ في وقْتٍ، أوْ نَفى نُطْقَهم بِحُجَّةٍ تَنْفَعُ وجَعَلَ نُطْقَهم بِما لا يَنْفَعُ كَلا نُطْقٍ. وقَرَأ القُرّاءُ كُلُّهم فِيما أعْلَمُ: ﴿ولا يُؤْذَنُ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وحَكى أبُو عَلِيٍّ الأهْوازِيُّ أنَّ زَيْدَ بْنَ عَلِيٍّ قَرَأ: ولا يَأْذَنُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيِ اللَّهُ تَعالى ﴿فَيَعْتَذِرُونَ﴾: عَطْفٌ عَلى ﴿ولا يُؤْذَنُ﴾ داخِلٌ في حَيِّزِ نَفْيِ الإذْنِ، أيْ فَلا إذْنٌ فاعْتِذارٌ، ولَمْ يَجْعَلِ الِاعْتِذارَ مُتَسَبِّبًا عَنِ الإذْنِ فَيُنْصَبُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَمْ يُنْصَبْ في جَوابِ النَّفْيِ لِتَشابُهِ رُءُوسِ الآيِ، والوَجْهانِ جائِزانِ. انْتَهى. فَجَعَلَ امْتِناعَ النَّصْبِ هو تُشابُهُ رُءُوسِ الآيِ، وقالَ الوَجْهانِ جائِزانِ فَظَهَرَ مِن كَلامِهِ اسْتِواءُ الرَّفْعِ والنَّصْبِ وأنَّ مَعْناهُما واحِدٌ، ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ الرَّفْعَ كَما ذَكَرْنا لا يَكُونُ مُتَسَبِّبًا بَلْ صَرِيحُ عَطْفٍ، والنَّصْبُ يَكُونُ فِيهِ مُتَسَبِّبًا فافْتَرَقا، وذَهَبَ أبُو الحَجّاجِ الأعْلَمُ إلى أنَّهُ قَدْ يُرْفَعُ الفِعْلُ ويَكُونُ مَعْناهُ المَنصُوبَ بَعْدَ الفاءِ وذَلِكَ قَلِيلٌ، وإنَّما جَعَلَ النَّحْوِيُّونَ مَعْنى الرَّفْعِ غَيْرَ مَعْنى النَّصْبِ رَعْيًا لِلْأكْثَرِ في كَلامِ العَرَبِ، وجَعَلَ دَلِيلَهُ ذَلِكَ، وهَذِهِ الآيَةُ كَظاهِرِ كَلامِ ابْنِ عَطِيَّةَ، وقَدْ رَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ ابْنُ عُصْفُورٍ وغَيْرُهُ. ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكُمْ﴾ لِلْكُفّارِ، (والأوَّلِينَ): قَوْمَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وغَيْرَهم مِنَ الكُفّارِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ زَمانُهم عَلى زَمانِ المُخاطَبِينَ، أيْ جَمَعْناكم لِلْفَصْلِ بَيْنَ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ﴾: أيْ في هَذا اليَوْمِ، كَما كانَ لَكم في الدُّنْيا ما تَكِيدُونَ بِهِ دِينَ اللَّهِ وأوْلِياءَهُ، ﴿فَكِيدُونِ﴾ اليَوْمَ، وهَذا تَعْجِيزٌ لَهم وتَوْبِيخٌ، ولَمّا كانَ في سُورَةِ الإنْسانِ ذَكَرَ نَزْرًا مِن أحْوالِ الكُفّارِ في الآخِرَةِ، وأطْنَبَ في وصْفِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ فِيها، جاءَ في هَذِهِ السُّورَةِ الإطْنابُ في وصْفِ الكُفّارِ والإيجازُ في وصْفِ المُؤْمِنِينَ، فَوَقَعَ بِذَلِكَ الِاعْتِدالُ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي ظِلالٍ﴾ جَمْعُ ظِلٍّ، والأعْمَشُ: في ظُلَلٍ جَمْعُ ظُلَّةٍ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾ خِطابٌ لَهم في الآخِرَةِ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا﴾ خِطابٌ لِلْكُفّارِ في الدُّنْيا، (قَلِيلًا): أيْ زَمانًا قَلِيلًا، إذْ قُصارى أكْلِكم وتَمَتُّعِكُمُ المَوْتُ، وهو خِطابُ تَهْدِيدٍ لِمَن أجْرَمَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا﴾ مَن قالَ إنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَ هي في قُرَيْشٍ، ومَن قالَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ قالَ هي في المُنافِقِينَ، وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ «فِي ثَقِيفٍ، قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: حُطَّ عَنّا الصَّلاةَ فَإنّا لا نَنْحَنِي، إنَّها مَسَبَّةٌ، فَأبى وقالَ: لا خَيْرَ في دِينٍ لا صَلاةَ فِيهِ» . ومَعْنى ارْكَعُوا: اخْشَعُوا لِلَّهِ وتَواضَعُوا لَهُ بِقَبُولِ وحْيِهِ، وقِيلَ: الرُّكُوعُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ الصَّلاةِ، وخَصَّ مِن أفْعالِها الرُّكُوعَ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يَأْنَفُونَ مِنَ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، وجاءَ في هَذِهِ السُّورَةِ بَعْدَ كُلِّ جُمْلَةٍ قَوْلُهُ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِأنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ مِنها فِيها إخْبارُ اللَّهِ تَعالى عَنْ أشْياءَ مِن أحْوالِ الآخِرَةِ وتَقْرِيراتٍ مِن أحْوالِ الدُّنْيا، فَناسَبَ أنْ نَذْكُرَ الوَعِيدَ عَقِيبَ كُلِّ جُمْلَةٍ مِنها لِلْمُكَذِّبِ بِالوَيْلِ في يَوْمِ الآخِرَةِ، والضَّمِيرُ في (بَعْدَهُ) عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، والمَعْنى أنَّهُ قَدْ تَضَمَّنَ مِنَ الإعْجازِ والبَلاغَةِ والأخْبارِ المُغَيَّباتِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا احْتَوى عَلَيْهِ ما لَمْ يَتَضَمَّنْهُ كِتابٌ إلَهِيٌّ، فَإذا كانُوا مُكَذِّبِينَ بِهِ، فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُصَدِّقُونَ بِهِ ؟ أيْ لا يُمْكِنُ تَصْدِيقُهم بِحَدِيثٍ بَعْدَ أنْ كَذَّبُوا بِهَذا الحَدِيثِ الَّذِي هو القُرْآنُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُؤْمِنُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ، ويَعْقُوبُ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ: بِتاءِ الخِطابِ.

المرسلات 77:44

﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وفَواكِهَ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ يُقالُ لِلْمُكَذِّبِينَ: ﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾: أيِ مِنَ العَذابِ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ﴾: أمْرٌ، قِراءَةُ الجُمْهُورِ تَكْرارًا أوْ بَيانًا لِلْمُنْطَلَقِ إلَيْهِ، وقَرَأ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ: بِفَتْحِ اللّامِ عَلى مَعْنى الخَبَرِ، كَأنَّهم لَمّا أُمِرُوا امْتَثَلُوا فانْطَلَقُوا، إذْ لا يُمْكِنُهُمُ التَّأْخِيرُ، إذْ صارُوا مُضْطَرِّينَ إلى الِانْطِلاقِ ﴿ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ قالَ عَطاءٌ: هو دُخانُ جَهَنَّمَ، ورُوِيَ أنَّهُ يَعْلُو مِن ثَلاثَةِ مَواضِعَ يَظُنُّ الكُفّارُ أنَّهُ مُغْنٍ مِنَ النّارِ، فَيُهْرَعُونَ إلَيْهِ فَيَجِدُونَهُ عَلى أسْوَأِ وصْفٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (p-٤٠٧)يُقالُ ذَلِكَ لِعَبَدَةِ الصَّلِيبِ، فالمُؤْمِنُونَ في ظِلِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وهم في ظِلِّ مَعْبُودِهِمْ وهو الصَّلِيبُ لَهُ ثَلاثُ شُعَبٍ، والشِّعْبُ: ما تَفَرَّقَ مِن جِسْمٍ واحِدٍ ﴿لا ظَلِيلٍ﴾: نَفْيٌ لِمَحاسِنِ الظِّلِّ ﴿ولا يُغْنِي﴾: أيْ ولا يُغْنِي عَنْهم مِن حَرِّ اللَّهَبِ شَيْئًا ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ﴾: الضَّمِيرُ في إنَّها لِجَهَنَّمَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (بِشَرَرٍ) وعِيسى: بِشَرارٍ بِألِفٍ بَيْنَ الرّاءَيْنِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مِقْسَمٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ كَسَرَ الشِّينَ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ جَمْعَ شَرَرٍ، أيْ بِشِرارٍ مِنَ العَذابِ، وأنْ يَكُونَ صِفَةً أُقِيمَتْ مَقامَ مَوْصُوفِها، أيْ بِشِرارٍ مِنَ النّاسِ، كَما تَقُولُ: قَوْمٌ شِرارٌ جَمْعُ شَرٍّ غَيْرُ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، وقَوْمٌ خِيارٌ جَمْعُ خَيْرٍ غَيْرُ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، ويُؤَنَّثُ هَذا فَيُقالُ لِلْمُؤَنَّثِ: شَرَّةٌ وخَيْرَةٌ بِخِلافِهِما، إذا كانا لِلتَّفْضِيلِ، فَلَهُما أحْكامٌ مَذْكُورَةٌ في النَّحْوِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (كالقَصْرِ) وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ مِقْسَمٍ: بِفَتْحِ القافِ والصّادِ، وابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا والحَسَنُ أيْضًا: كالقِصَرِ، بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصّادِ، وبَعْضُ القُرّاءِ: بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِ الصّادِ، وابْنُ مَسْعُودٍ: بِضَمِّهِما، كَأنَّهُ مَقْصُورٌ مِنَ القُصُورِ، كَما قَصَرُوا النَّجْمَ والنَّمِرَ مِنَ النُّجُومِ والنُّمُورِ، قالَ الرّاجِزُ: ؎فِيها عَنابِيلُ أُسُودٌ ونَمِرُ وتَقَدَّمَ شَرْحُ أكْثَرِ هَذِهِ القِراءاتِ في المُفْرَداتِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ، ومِنهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: (جِمالاتٌ) بِكَسْرِ الجِيمِ وبِالألِفِ والتّاءِ، جَمْعُ جِمالٍ جَمْعُ الجَمْعِ وهي الإبِلُ، كَقَوْلِهِمْ: رِجالاتُ قُرَيْشٍ، وابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ بِخِلافٍ عَنْهم كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم ضَمُّوا الجِيمَ، وهي جُمالُ السُّفُنِ، الواحِدُ مِنها جُمْلَةٌ لِكَوْنِهِ جُمْلَةً مِنَ الطّاقاتِ والقُوى، ثُمَّ جُمِعَ عَلى جُمَلٍ وجِمالٍ، ثُمَّ جُمِعَ جُمالٌ ثانِيًا جَمْعُ صِحَّةٍ فَقالُوا: جُمالاتٌ. وقِيلَ: الجِمالاتُ: قُلُوصُ الجُسُورِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ الأصْمَعِيِّ، وهارُونُ عَنْهُ: جِمالَةٌ بِكَسْرِ الجِيمِ، لَحِقَتْ جِمالًا التّاءُ لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ، كَحَجَرٍ وحِجارَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّلَمِيُّ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، وأبُو بَحْرِيَّةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ورُوَيْسٌ: كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم ضَمُّوا الجِيمَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: الجِمالاتُ: قُلُوصُ السُّفُنِ، وهي حِبالُهُ العِظامُ، إذا اجْتَمَعَتْ مُسْتَدِيرَةً بَعْضُها إلى بَعْضٍ جاءَ مِنها أجْرامٌ عِظامٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الجِمالاتُ: قِطَعُ النُّحاسِ الكِبارُ، وكانَ اشْتِقاقُ هَذِهِ مِنِ اسْمِ الجُمْلَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ: صُفُرٌ، بِضَمِّ الفاءِ، والجُمْهُورُ: بِإسْكانِها، شَبَّهَ الشَّرَرَ أوَّلًا بِالقَصْرِ، وهو الحِصْنُ مِن جِهَةِ العِظَمِ ومِن جِهَةِ الطُّولِ في الهَواءِ، وثانِيًا بِالجِمالِ لِبَيانِ التَّشْبِيهِ، ألا تَراهم يُشَبِّهُونَ الإبِلَ بِالأفْدانِ، وهي القُصُورُ ؟ قالَ الشّاعِرُ: ؎فَوَقَفْتُ فِيها ناقَتِي فَكَأنَّها ∗∗∗ فَدَنٌ لِأقْضِيَ حاجَةَ المُتَلَوِّمِ ومَن قَرَأ بِضَمِّ الجِيمِ، فالتَّشْبِيهُ مِن جِهَةِ العِظَمِ والطُّولِ، والصُّفْرَةُ الفاقِعَةُ أشْبَهُ بِلَوْنِ الشَّرَرِ، قالَهُ الجُمْهُورُ: وقِيلَ: صُفْرٌ سُودٌ، وقِيلَ: سُودٌ تَضْرِبُ إلى الصُّفْرَةِ، وقالَ عِمْرانُ بْنُ حِطّانَ الرَّقاشِيُّ: ؎دَعَتْهم بِأعْلى صَوْتِها ورَمَتْهم ∗∗∗ بِمِثْلِ الجِمالِ الصُّفْرِ نَزّاعَةُ الشَّوى وقَرَأ الأعْمَشُ والأعْرَجُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعِيسى وأبُو حَيْوَةَ وعاصِمٌ في رِوايَةٍ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ، والجُمْهُورُ: بِرَفْعِها، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمّا أضافَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ بَناهُ فَهي فَتْحَةُ بِناءٍ، وهي في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: قالَ عِيسى: هي لُغَةُ سُفْلى مُضَرَ، يَعْنِي بِناءَهم يَوْمَ مَعَ لا عَلى الفَتْحِ، لِأنَّهم جَعَلُوا يَوْمَ مَعَ لا كالِاسْمِ الواحِدِ، فَهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ لِأنَّهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ. انْتَهى. والجُمْلَةُ المُصَدَّرَةُ بِمُضارِعٍ مُثْبَتٍ أوْ مَنفِيٍّ لا يُجِيزُ البَصْرِيُّونَ في الظَّرْفِ المُضافِ إلَيْها البِناءَ بِوَجْهٍ، وإنَّما هَذا مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا صَحِيحًا عَلى الظَّرْفِ، فَيَصِيرُ هَذا إشارَةً إلى ما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكَلامِ دُونَ إشارَةٍ إلى (يَوْمَ)، ويَكُونُ العامِلُ في نَصْبِ (يَوْمَ) نِداءٌ تَقَدَّمَهُ مِن صِفَةِ (p-٤٠٨)جَهَنَّمَ، ورَمْيِها بِالشَّرَرِ في (يَوْمَ لا يَنْطِقُونَ)، فَيَكُونُ يَوْمَئِذٍ كَلامًا مُعْتَرِضًا لا يَمْنَعُ مِن تَفْرِيغِ العامِلِ لِلْمَعْمُولِ، كَما كانَتْ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧] ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨] انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا، وتَكُونَ الإشارَةُ بِهَذا إلى رَمْيِها بِشَرَرٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ونَصَبَهُ الأعْمَشُ، أيْ هَذا الَّذِي قَصَّ عَلَيْكم واقِعٌ يَوْمَئِذٍ، وهُنا نَفْيُ نُطْقِهِمْ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم نَطَقُوا في مَواضِعَ مِن هَذا اليَوْمِ، وذَلِكَ بِاعْتِبارِ طُولِ اليَوْمِ، فَيَصِحُّ أنْ يَنْفِيَ القَوْلَ فِيهِ في وقْتٍ ويُثْبِتَ في وقْتٍ، أوْ نَفى نُطْقَهم بِحُجَّةٍ تَنْفَعُ وجَعَلَ نُطْقَهم بِما لا يَنْفَعُ كَلا نُطْقٍ. وقَرَأ القُرّاءُ كُلُّهم فِيما أعْلَمُ: ﴿ولا يُؤْذَنُ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وحَكى أبُو عَلِيٍّ الأهْوازِيُّ أنَّ زَيْدَ بْنَ عَلِيٍّ قَرَأ: ولا يَأْذَنُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيِ اللَّهُ تَعالى ﴿فَيَعْتَذِرُونَ﴾: عَطْفٌ عَلى ﴿ولا يُؤْذَنُ﴾ داخِلٌ في حَيِّزِ نَفْيِ الإذْنِ، أيْ فَلا إذْنٌ فاعْتِذارٌ، ولَمْ يَجْعَلِ الِاعْتِذارَ مُتَسَبِّبًا عَنِ الإذْنِ فَيُنْصَبُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَمْ يُنْصَبْ في جَوابِ النَّفْيِ لِتَشابُهِ رُءُوسِ الآيِ، والوَجْهانِ جائِزانِ. انْتَهى. فَجَعَلَ امْتِناعَ النَّصْبِ هو تُشابُهُ رُءُوسِ الآيِ، وقالَ الوَجْهانِ جائِزانِ فَظَهَرَ مِن كَلامِهِ اسْتِواءُ الرَّفْعِ والنَّصْبِ وأنَّ مَعْناهُما واحِدٌ، ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ الرَّفْعَ كَما ذَكَرْنا لا يَكُونُ مُتَسَبِّبًا بَلْ صَرِيحُ عَطْفٍ، والنَّصْبُ يَكُونُ فِيهِ مُتَسَبِّبًا فافْتَرَقا، وذَهَبَ أبُو الحَجّاجِ الأعْلَمُ إلى أنَّهُ قَدْ يُرْفَعُ الفِعْلُ ويَكُونُ مَعْناهُ المَنصُوبَ بَعْدَ الفاءِ وذَلِكَ قَلِيلٌ، وإنَّما جَعَلَ النَّحْوِيُّونَ مَعْنى الرَّفْعِ غَيْرَ مَعْنى النَّصْبِ رَعْيًا لِلْأكْثَرِ في كَلامِ العَرَبِ، وجَعَلَ دَلِيلَهُ ذَلِكَ، وهَذِهِ الآيَةُ كَظاهِرِ كَلامِ ابْنِ عَطِيَّةَ، وقَدْ رَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ ابْنُ عُصْفُورٍ وغَيْرُهُ. ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكُمْ﴾ لِلْكُفّارِ، (والأوَّلِينَ): قَوْمَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وغَيْرَهم مِنَ الكُفّارِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ زَمانُهم عَلى زَمانِ المُخاطَبِينَ، أيْ جَمَعْناكم لِلْفَصْلِ بَيْنَ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ﴾: أيْ في هَذا اليَوْمِ، كَما كانَ لَكم في الدُّنْيا ما تَكِيدُونَ بِهِ دِينَ اللَّهِ وأوْلِياءَهُ، ﴿فَكِيدُونِ﴾ اليَوْمَ، وهَذا تَعْجِيزٌ لَهم وتَوْبِيخٌ، ولَمّا كانَ في سُورَةِ الإنْسانِ ذَكَرَ نَزْرًا مِن أحْوالِ الكُفّارِ في الآخِرَةِ، وأطْنَبَ في وصْفِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ فِيها، جاءَ في هَذِهِ السُّورَةِ الإطْنابُ في وصْفِ الكُفّارِ والإيجازُ في وصْفِ المُؤْمِنِينَ، فَوَقَعَ بِذَلِكَ الِاعْتِدالُ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي ظِلالٍ﴾ جَمْعُ ظِلٍّ، والأعْمَشُ: في ظُلَلٍ جَمْعُ ظُلَّةٍ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾ خِطابٌ لَهم في الآخِرَةِ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا﴾ خِطابٌ لِلْكُفّارِ في الدُّنْيا، (قَلِيلًا): أيْ زَمانًا قَلِيلًا، إذْ قُصارى أكْلِكم وتَمَتُّعِكُمُ المَوْتُ، وهو خِطابُ تَهْدِيدٍ لِمَن أجْرَمَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا﴾ مَن قالَ إنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَ هي في قُرَيْشٍ، ومَن قالَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ قالَ هي في المُنافِقِينَ، وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ «فِي ثَقِيفٍ، قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: حُطَّ عَنّا الصَّلاةَ فَإنّا لا نَنْحَنِي، إنَّها مَسَبَّةٌ، فَأبى وقالَ: لا خَيْرَ في دِينٍ لا صَلاةَ فِيهِ» . ومَعْنى ارْكَعُوا: اخْشَعُوا لِلَّهِ وتَواضَعُوا لَهُ بِقَبُولِ وحْيِهِ، وقِيلَ: الرُّكُوعُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ الصَّلاةِ، وخَصَّ مِن أفْعالِها الرُّكُوعَ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يَأْنَفُونَ مِنَ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، وجاءَ في هَذِهِ السُّورَةِ بَعْدَ كُلِّ جُمْلَةٍ قَوْلُهُ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِأنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ مِنها فِيها إخْبارُ اللَّهِ تَعالى عَنْ أشْياءَ مِن أحْوالِ الآخِرَةِ وتَقْرِيراتٍ مِن أحْوالِ الدُّنْيا، فَناسَبَ أنْ نَذْكُرَ الوَعِيدَ عَقِيبَ كُلِّ جُمْلَةٍ مِنها لِلْمُكَذِّبِ بِالوَيْلِ في يَوْمِ الآخِرَةِ، والضَّمِيرُ في (بَعْدَهُ) عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، والمَعْنى أنَّهُ قَدْ تَضَمَّنَ مِنَ الإعْجازِ والبَلاغَةِ والأخْبارِ المُغَيَّباتِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا احْتَوى عَلَيْهِ ما لَمْ يَتَضَمَّنْهُ كِتابٌ إلَهِيٌّ، فَإذا كانُوا مُكَذِّبِينَ بِهِ، فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُصَدِّقُونَ بِهِ ؟ أيْ لا يُمْكِنُ تَصْدِيقُهم بِحَدِيثٍ بَعْدَ أنْ كَذَّبُوا بِهَذا الحَدِيثِ الَّذِي هو القُرْآنُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُؤْمِنُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ، ويَعْقُوبُ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ: بِتاءِ الخِطابِ.

المرسلات 77:45

﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وفَواكِهَ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ يُقالُ لِلْمُكَذِّبِينَ: ﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾: أيِ مِنَ العَذابِ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ﴾: أمْرٌ، قِراءَةُ الجُمْهُورِ تَكْرارًا أوْ بَيانًا لِلْمُنْطَلَقِ إلَيْهِ، وقَرَأ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ: بِفَتْحِ اللّامِ عَلى مَعْنى الخَبَرِ، كَأنَّهم لَمّا أُمِرُوا امْتَثَلُوا فانْطَلَقُوا، إذْ لا يُمْكِنُهُمُ التَّأْخِيرُ، إذْ صارُوا مُضْطَرِّينَ إلى الِانْطِلاقِ ﴿ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ قالَ عَطاءٌ: هو دُخانُ جَهَنَّمَ، ورُوِيَ أنَّهُ يَعْلُو مِن ثَلاثَةِ مَواضِعَ يَظُنُّ الكُفّارُ أنَّهُ مُغْنٍ مِنَ النّارِ، فَيُهْرَعُونَ إلَيْهِ فَيَجِدُونَهُ عَلى أسْوَأِ وصْفٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (p-٤٠٧)يُقالُ ذَلِكَ لِعَبَدَةِ الصَّلِيبِ، فالمُؤْمِنُونَ في ظِلِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وهم في ظِلِّ مَعْبُودِهِمْ وهو الصَّلِيبُ لَهُ ثَلاثُ شُعَبٍ، والشِّعْبُ: ما تَفَرَّقَ مِن جِسْمٍ واحِدٍ ﴿لا ظَلِيلٍ﴾: نَفْيٌ لِمَحاسِنِ الظِّلِّ ﴿ولا يُغْنِي﴾: أيْ ولا يُغْنِي عَنْهم مِن حَرِّ اللَّهَبِ شَيْئًا ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ﴾: الضَّمِيرُ في إنَّها لِجَهَنَّمَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (بِشَرَرٍ) وعِيسى: بِشَرارٍ بِألِفٍ بَيْنَ الرّاءَيْنِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مِقْسَمٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ كَسَرَ الشِّينَ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ جَمْعَ شَرَرٍ، أيْ بِشِرارٍ مِنَ العَذابِ، وأنْ يَكُونَ صِفَةً أُقِيمَتْ مَقامَ مَوْصُوفِها، أيْ بِشِرارٍ مِنَ النّاسِ، كَما تَقُولُ: قَوْمٌ شِرارٌ جَمْعُ شَرٍّ غَيْرُ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، وقَوْمٌ خِيارٌ جَمْعُ خَيْرٍ غَيْرُ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، ويُؤَنَّثُ هَذا فَيُقالُ لِلْمُؤَنَّثِ: شَرَّةٌ وخَيْرَةٌ بِخِلافِهِما، إذا كانا لِلتَّفْضِيلِ، فَلَهُما أحْكامٌ مَذْكُورَةٌ في النَّحْوِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (كالقَصْرِ) وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ مِقْسَمٍ: بِفَتْحِ القافِ والصّادِ، وابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا والحَسَنُ أيْضًا: كالقِصَرِ، بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصّادِ، وبَعْضُ القُرّاءِ: بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِ الصّادِ، وابْنُ مَسْعُودٍ: بِضَمِّهِما، كَأنَّهُ مَقْصُورٌ مِنَ القُصُورِ، كَما قَصَرُوا النَّجْمَ والنَّمِرَ مِنَ النُّجُومِ والنُّمُورِ، قالَ الرّاجِزُ: ؎فِيها عَنابِيلُ أُسُودٌ ونَمِرُ وتَقَدَّمَ شَرْحُ أكْثَرِ هَذِهِ القِراءاتِ في المُفْرَداتِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ، ومِنهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: (جِمالاتٌ) بِكَسْرِ الجِيمِ وبِالألِفِ والتّاءِ، جَمْعُ جِمالٍ جَمْعُ الجَمْعِ وهي الإبِلُ، كَقَوْلِهِمْ: رِجالاتُ قُرَيْشٍ، وابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ بِخِلافٍ عَنْهم كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم ضَمُّوا الجِيمَ، وهي جُمالُ السُّفُنِ، الواحِدُ مِنها جُمْلَةٌ لِكَوْنِهِ جُمْلَةً مِنَ الطّاقاتِ والقُوى، ثُمَّ جُمِعَ عَلى جُمَلٍ وجِمالٍ، ثُمَّ جُمِعَ جُمالٌ ثانِيًا جَمْعُ صِحَّةٍ فَقالُوا: جُمالاتٌ. وقِيلَ: الجِمالاتُ: قُلُوصُ الجُسُورِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ الأصْمَعِيِّ، وهارُونُ عَنْهُ: جِمالَةٌ بِكَسْرِ الجِيمِ، لَحِقَتْ جِمالًا التّاءُ لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ، كَحَجَرٍ وحِجارَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّلَمِيُّ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، وأبُو بَحْرِيَّةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ورُوَيْسٌ: كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم ضَمُّوا الجِيمَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: الجِمالاتُ: قُلُوصُ السُّفُنِ، وهي حِبالُهُ العِظامُ، إذا اجْتَمَعَتْ مُسْتَدِيرَةً بَعْضُها إلى بَعْضٍ جاءَ مِنها أجْرامٌ عِظامٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الجِمالاتُ: قِطَعُ النُّحاسِ الكِبارُ، وكانَ اشْتِقاقُ هَذِهِ مِنِ اسْمِ الجُمْلَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ: صُفُرٌ، بِضَمِّ الفاءِ، والجُمْهُورُ: بِإسْكانِها، شَبَّهَ الشَّرَرَ أوَّلًا بِالقَصْرِ، وهو الحِصْنُ مِن جِهَةِ العِظَمِ ومِن جِهَةِ الطُّولِ في الهَواءِ، وثانِيًا بِالجِمالِ لِبَيانِ التَّشْبِيهِ، ألا تَراهم يُشَبِّهُونَ الإبِلَ بِالأفْدانِ، وهي القُصُورُ ؟ قالَ الشّاعِرُ: ؎فَوَقَفْتُ فِيها ناقَتِي فَكَأنَّها ∗∗∗ فَدَنٌ لِأقْضِيَ حاجَةَ المُتَلَوِّمِ ومَن قَرَأ بِضَمِّ الجِيمِ، فالتَّشْبِيهُ مِن جِهَةِ العِظَمِ والطُّولِ، والصُّفْرَةُ الفاقِعَةُ أشْبَهُ بِلَوْنِ الشَّرَرِ، قالَهُ الجُمْهُورُ: وقِيلَ: صُفْرٌ سُودٌ، وقِيلَ: سُودٌ تَضْرِبُ إلى الصُّفْرَةِ، وقالَ عِمْرانُ بْنُ حِطّانَ الرَّقاشِيُّ: ؎دَعَتْهم بِأعْلى صَوْتِها ورَمَتْهم ∗∗∗ بِمِثْلِ الجِمالِ الصُّفْرِ نَزّاعَةُ الشَّوى وقَرَأ الأعْمَشُ والأعْرَجُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعِيسى وأبُو حَيْوَةَ وعاصِمٌ في رِوايَةٍ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ، والجُمْهُورُ: بِرَفْعِها، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمّا أضافَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ بَناهُ فَهي فَتْحَةُ بِناءٍ، وهي في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: قالَ عِيسى: هي لُغَةُ سُفْلى مُضَرَ، يَعْنِي بِناءَهم يَوْمَ مَعَ لا عَلى الفَتْحِ، لِأنَّهم جَعَلُوا يَوْمَ مَعَ لا كالِاسْمِ الواحِدِ، فَهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ لِأنَّهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ. انْتَهى. والجُمْلَةُ المُصَدَّرَةُ بِمُضارِعٍ مُثْبَتٍ أوْ مَنفِيٍّ لا يُجِيزُ البَصْرِيُّونَ في الظَّرْفِ المُضافِ إلَيْها البِناءَ بِوَجْهٍ، وإنَّما هَذا مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا صَحِيحًا عَلى الظَّرْفِ، فَيَصِيرُ هَذا إشارَةً إلى ما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكَلامِ دُونَ إشارَةٍ إلى (يَوْمَ)، ويَكُونُ العامِلُ في نَصْبِ (يَوْمَ) نِداءٌ تَقَدَّمَهُ مِن صِفَةِ (p-٤٠٨)جَهَنَّمَ، ورَمْيِها بِالشَّرَرِ في (يَوْمَ لا يَنْطِقُونَ)، فَيَكُونُ يَوْمَئِذٍ كَلامًا مُعْتَرِضًا لا يَمْنَعُ مِن تَفْرِيغِ العامِلِ لِلْمَعْمُولِ، كَما كانَتْ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧] ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨] انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا، وتَكُونَ الإشارَةُ بِهَذا إلى رَمْيِها بِشَرَرٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ونَصَبَهُ الأعْمَشُ، أيْ هَذا الَّذِي قَصَّ عَلَيْكم واقِعٌ يَوْمَئِذٍ، وهُنا نَفْيُ نُطْقِهِمْ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم نَطَقُوا في مَواضِعَ مِن هَذا اليَوْمِ، وذَلِكَ بِاعْتِبارِ طُولِ اليَوْمِ، فَيَصِحُّ أنْ يَنْفِيَ القَوْلَ فِيهِ في وقْتٍ ويُثْبِتَ في وقْتٍ، أوْ نَفى نُطْقَهم بِحُجَّةٍ تَنْفَعُ وجَعَلَ نُطْقَهم بِما لا يَنْفَعُ كَلا نُطْقٍ. وقَرَأ القُرّاءُ كُلُّهم فِيما أعْلَمُ: ﴿ولا يُؤْذَنُ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وحَكى أبُو عَلِيٍّ الأهْوازِيُّ أنَّ زَيْدَ بْنَ عَلِيٍّ قَرَأ: ولا يَأْذَنُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيِ اللَّهُ تَعالى ﴿فَيَعْتَذِرُونَ﴾: عَطْفٌ عَلى ﴿ولا يُؤْذَنُ﴾ داخِلٌ في حَيِّزِ نَفْيِ الإذْنِ، أيْ فَلا إذْنٌ فاعْتِذارٌ، ولَمْ يَجْعَلِ الِاعْتِذارَ مُتَسَبِّبًا عَنِ الإذْنِ فَيُنْصَبُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَمْ يُنْصَبْ في جَوابِ النَّفْيِ لِتَشابُهِ رُءُوسِ الآيِ، والوَجْهانِ جائِزانِ. انْتَهى. فَجَعَلَ امْتِناعَ النَّصْبِ هو تُشابُهُ رُءُوسِ الآيِ، وقالَ الوَجْهانِ جائِزانِ فَظَهَرَ مِن كَلامِهِ اسْتِواءُ الرَّفْعِ والنَّصْبِ وأنَّ مَعْناهُما واحِدٌ، ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ الرَّفْعَ كَما ذَكَرْنا لا يَكُونُ مُتَسَبِّبًا بَلْ صَرِيحُ عَطْفٍ، والنَّصْبُ يَكُونُ فِيهِ مُتَسَبِّبًا فافْتَرَقا، وذَهَبَ أبُو الحَجّاجِ الأعْلَمُ إلى أنَّهُ قَدْ يُرْفَعُ الفِعْلُ ويَكُونُ مَعْناهُ المَنصُوبَ بَعْدَ الفاءِ وذَلِكَ قَلِيلٌ، وإنَّما جَعَلَ النَّحْوِيُّونَ مَعْنى الرَّفْعِ غَيْرَ مَعْنى النَّصْبِ رَعْيًا لِلْأكْثَرِ في كَلامِ العَرَبِ، وجَعَلَ دَلِيلَهُ ذَلِكَ، وهَذِهِ الآيَةُ كَظاهِرِ كَلامِ ابْنِ عَطِيَّةَ، وقَدْ رَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ ابْنُ عُصْفُورٍ وغَيْرُهُ. ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكُمْ﴾ لِلْكُفّارِ، (والأوَّلِينَ): قَوْمَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وغَيْرَهم مِنَ الكُفّارِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ زَمانُهم عَلى زَمانِ المُخاطَبِينَ، أيْ جَمَعْناكم لِلْفَصْلِ بَيْنَ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ﴾: أيْ في هَذا اليَوْمِ، كَما كانَ لَكم في الدُّنْيا ما تَكِيدُونَ بِهِ دِينَ اللَّهِ وأوْلِياءَهُ، ﴿فَكِيدُونِ﴾ اليَوْمَ، وهَذا تَعْجِيزٌ لَهم وتَوْبِيخٌ، ولَمّا كانَ في سُورَةِ الإنْسانِ ذَكَرَ نَزْرًا مِن أحْوالِ الكُفّارِ في الآخِرَةِ، وأطْنَبَ في وصْفِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ فِيها، جاءَ في هَذِهِ السُّورَةِ الإطْنابُ في وصْفِ الكُفّارِ والإيجازُ في وصْفِ المُؤْمِنِينَ، فَوَقَعَ بِذَلِكَ الِاعْتِدالُ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي ظِلالٍ﴾ جَمْعُ ظِلٍّ، والأعْمَشُ: في ظُلَلٍ جَمْعُ ظُلَّةٍ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾ خِطابٌ لَهم في الآخِرَةِ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا﴾ خِطابٌ لِلْكُفّارِ في الدُّنْيا، (قَلِيلًا): أيْ زَمانًا قَلِيلًا، إذْ قُصارى أكْلِكم وتَمَتُّعِكُمُ المَوْتُ، وهو خِطابُ تَهْدِيدٍ لِمَن أجْرَمَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا﴾ مَن قالَ إنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَ هي في قُرَيْشٍ، ومَن قالَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ قالَ هي في المُنافِقِينَ، وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ «فِي ثَقِيفٍ، قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: حُطَّ عَنّا الصَّلاةَ فَإنّا لا نَنْحَنِي، إنَّها مَسَبَّةٌ، فَأبى وقالَ: لا خَيْرَ في دِينٍ لا صَلاةَ فِيهِ» . ومَعْنى ارْكَعُوا: اخْشَعُوا لِلَّهِ وتَواضَعُوا لَهُ بِقَبُولِ وحْيِهِ، وقِيلَ: الرُّكُوعُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ الصَّلاةِ، وخَصَّ مِن أفْعالِها الرُّكُوعَ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يَأْنَفُونَ مِنَ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، وجاءَ في هَذِهِ السُّورَةِ بَعْدَ كُلِّ جُمْلَةٍ قَوْلُهُ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِأنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ مِنها فِيها إخْبارُ اللَّهِ تَعالى عَنْ أشْياءَ مِن أحْوالِ الآخِرَةِ وتَقْرِيراتٍ مِن أحْوالِ الدُّنْيا، فَناسَبَ أنْ نَذْكُرَ الوَعِيدَ عَقِيبَ كُلِّ جُمْلَةٍ مِنها لِلْمُكَذِّبِ بِالوَيْلِ في يَوْمِ الآخِرَةِ، والضَّمِيرُ في (بَعْدَهُ) عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، والمَعْنى أنَّهُ قَدْ تَضَمَّنَ مِنَ الإعْجازِ والبَلاغَةِ والأخْبارِ المُغَيَّباتِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا احْتَوى عَلَيْهِ ما لَمْ يَتَضَمَّنْهُ كِتابٌ إلَهِيٌّ، فَإذا كانُوا مُكَذِّبِينَ بِهِ، فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُصَدِّقُونَ بِهِ ؟ أيْ لا يُمْكِنُ تَصْدِيقُهم بِحَدِيثٍ بَعْدَ أنْ كَذَّبُوا بِهَذا الحَدِيثِ الَّذِي هو القُرْآنُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُؤْمِنُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ، ويَعْقُوبُ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ: بِتاءِ الخِطابِ.

المرسلات 77:46

﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وفَواكِهَ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ يُقالُ لِلْمُكَذِّبِينَ: ﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾: أيِ مِنَ العَذابِ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ﴾: أمْرٌ، قِراءَةُ الجُمْهُورِ تَكْرارًا أوْ بَيانًا لِلْمُنْطَلَقِ إلَيْهِ، وقَرَأ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ: بِفَتْحِ اللّامِ عَلى مَعْنى الخَبَرِ، كَأنَّهم لَمّا أُمِرُوا امْتَثَلُوا فانْطَلَقُوا، إذْ لا يُمْكِنُهُمُ التَّأْخِيرُ، إذْ صارُوا مُضْطَرِّينَ إلى الِانْطِلاقِ ﴿ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ قالَ عَطاءٌ: هو دُخانُ جَهَنَّمَ، ورُوِيَ أنَّهُ يَعْلُو مِن ثَلاثَةِ مَواضِعَ يَظُنُّ الكُفّارُ أنَّهُ مُغْنٍ مِنَ النّارِ، فَيُهْرَعُونَ إلَيْهِ فَيَجِدُونَهُ عَلى أسْوَأِ وصْفٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (p-٤٠٧)يُقالُ ذَلِكَ لِعَبَدَةِ الصَّلِيبِ، فالمُؤْمِنُونَ في ظِلِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وهم في ظِلِّ مَعْبُودِهِمْ وهو الصَّلِيبُ لَهُ ثَلاثُ شُعَبٍ، والشِّعْبُ: ما تَفَرَّقَ مِن جِسْمٍ واحِدٍ ﴿لا ظَلِيلٍ﴾: نَفْيٌ لِمَحاسِنِ الظِّلِّ ﴿ولا يُغْنِي﴾: أيْ ولا يُغْنِي عَنْهم مِن حَرِّ اللَّهَبِ شَيْئًا ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ﴾: الضَّمِيرُ في إنَّها لِجَهَنَّمَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (بِشَرَرٍ) وعِيسى: بِشَرارٍ بِألِفٍ بَيْنَ الرّاءَيْنِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مِقْسَمٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ كَسَرَ الشِّينَ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ جَمْعَ شَرَرٍ، أيْ بِشِرارٍ مِنَ العَذابِ، وأنْ يَكُونَ صِفَةً أُقِيمَتْ مَقامَ مَوْصُوفِها، أيْ بِشِرارٍ مِنَ النّاسِ، كَما تَقُولُ: قَوْمٌ شِرارٌ جَمْعُ شَرٍّ غَيْرُ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، وقَوْمٌ خِيارٌ جَمْعُ خَيْرٍ غَيْرُ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، ويُؤَنَّثُ هَذا فَيُقالُ لِلْمُؤَنَّثِ: شَرَّةٌ وخَيْرَةٌ بِخِلافِهِما، إذا كانا لِلتَّفْضِيلِ، فَلَهُما أحْكامٌ مَذْكُورَةٌ في النَّحْوِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (كالقَصْرِ) وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ مِقْسَمٍ: بِفَتْحِ القافِ والصّادِ، وابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا والحَسَنُ أيْضًا: كالقِصَرِ، بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصّادِ، وبَعْضُ القُرّاءِ: بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِ الصّادِ، وابْنُ مَسْعُودٍ: بِضَمِّهِما، كَأنَّهُ مَقْصُورٌ مِنَ القُصُورِ، كَما قَصَرُوا النَّجْمَ والنَّمِرَ مِنَ النُّجُومِ والنُّمُورِ، قالَ الرّاجِزُ: ؎فِيها عَنابِيلُ أُسُودٌ ونَمِرُ وتَقَدَّمَ شَرْحُ أكْثَرِ هَذِهِ القِراءاتِ في المُفْرَداتِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ، ومِنهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: (جِمالاتٌ) بِكَسْرِ الجِيمِ وبِالألِفِ والتّاءِ، جَمْعُ جِمالٍ جَمْعُ الجَمْعِ وهي الإبِلُ، كَقَوْلِهِمْ: رِجالاتُ قُرَيْشٍ، وابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ بِخِلافٍ عَنْهم كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم ضَمُّوا الجِيمَ، وهي جُمالُ السُّفُنِ، الواحِدُ مِنها جُمْلَةٌ لِكَوْنِهِ جُمْلَةً مِنَ الطّاقاتِ والقُوى، ثُمَّ جُمِعَ عَلى جُمَلٍ وجِمالٍ، ثُمَّ جُمِعَ جُمالٌ ثانِيًا جَمْعُ صِحَّةٍ فَقالُوا: جُمالاتٌ. وقِيلَ: الجِمالاتُ: قُلُوصُ الجُسُورِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ الأصْمَعِيِّ، وهارُونُ عَنْهُ: جِمالَةٌ بِكَسْرِ الجِيمِ، لَحِقَتْ جِمالًا التّاءُ لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ، كَحَجَرٍ وحِجارَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّلَمِيُّ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، وأبُو بَحْرِيَّةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ورُوَيْسٌ: كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم ضَمُّوا الجِيمَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: الجِمالاتُ: قُلُوصُ السُّفُنِ، وهي حِبالُهُ العِظامُ، إذا اجْتَمَعَتْ مُسْتَدِيرَةً بَعْضُها إلى بَعْضٍ جاءَ مِنها أجْرامٌ عِظامٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الجِمالاتُ: قِطَعُ النُّحاسِ الكِبارُ، وكانَ اشْتِقاقُ هَذِهِ مِنِ اسْمِ الجُمْلَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ: صُفُرٌ، بِضَمِّ الفاءِ، والجُمْهُورُ: بِإسْكانِها، شَبَّهَ الشَّرَرَ أوَّلًا بِالقَصْرِ، وهو الحِصْنُ مِن جِهَةِ العِظَمِ ومِن جِهَةِ الطُّولِ في الهَواءِ، وثانِيًا بِالجِمالِ لِبَيانِ التَّشْبِيهِ، ألا تَراهم يُشَبِّهُونَ الإبِلَ بِالأفْدانِ، وهي القُصُورُ ؟ قالَ الشّاعِرُ: ؎فَوَقَفْتُ فِيها ناقَتِي فَكَأنَّها ∗∗∗ فَدَنٌ لِأقْضِيَ حاجَةَ المُتَلَوِّمِ ومَن قَرَأ بِضَمِّ الجِيمِ، فالتَّشْبِيهُ مِن جِهَةِ العِظَمِ والطُّولِ، والصُّفْرَةُ الفاقِعَةُ أشْبَهُ بِلَوْنِ الشَّرَرِ، قالَهُ الجُمْهُورُ: وقِيلَ: صُفْرٌ سُودٌ، وقِيلَ: سُودٌ تَضْرِبُ إلى الصُّفْرَةِ، وقالَ عِمْرانُ بْنُ حِطّانَ الرَّقاشِيُّ: ؎دَعَتْهم بِأعْلى صَوْتِها ورَمَتْهم ∗∗∗ بِمِثْلِ الجِمالِ الصُّفْرِ نَزّاعَةُ الشَّوى وقَرَأ الأعْمَشُ والأعْرَجُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعِيسى وأبُو حَيْوَةَ وعاصِمٌ في رِوايَةٍ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ، والجُمْهُورُ: بِرَفْعِها، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمّا أضافَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ بَناهُ فَهي فَتْحَةُ بِناءٍ، وهي في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: قالَ عِيسى: هي لُغَةُ سُفْلى مُضَرَ، يَعْنِي بِناءَهم يَوْمَ مَعَ لا عَلى الفَتْحِ، لِأنَّهم جَعَلُوا يَوْمَ مَعَ لا كالِاسْمِ الواحِدِ، فَهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ لِأنَّهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ. انْتَهى. والجُمْلَةُ المُصَدَّرَةُ بِمُضارِعٍ مُثْبَتٍ أوْ مَنفِيٍّ لا يُجِيزُ البَصْرِيُّونَ في الظَّرْفِ المُضافِ إلَيْها البِناءَ بِوَجْهٍ، وإنَّما هَذا مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا صَحِيحًا عَلى الظَّرْفِ، فَيَصِيرُ هَذا إشارَةً إلى ما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكَلامِ دُونَ إشارَةٍ إلى (يَوْمَ)، ويَكُونُ العامِلُ في نَصْبِ (يَوْمَ) نِداءٌ تَقَدَّمَهُ مِن صِفَةِ (p-٤٠٨)جَهَنَّمَ، ورَمْيِها بِالشَّرَرِ في (يَوْمَ لا يَنْطِقُونَ)، فَيَكُونُ يَوْمَئِذٍ كَلامًا مُعْتَرِضًا لا يَمْنَعُ مِن تَفْرِيغِ العامِلِ لِلْمَعْمُولِ، كَما كانَتْ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧] ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨] انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا، وتَكُونَ الإشارَةُ بِهَذا إلى رَمْيِها بِشَرَرٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ونَصَبَهُ الأعْمَشُ، أيْ هَذا الَّذِي قَصَّ عَلَيْكم واقِعٌ يَوْمَئِذٍ، وهُنا نَفْيُ نُطْقِهِمْ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم نَطَقُوا في مَواضِعَ مِن هَذا اليَوْمِ، وذَلِكَ بِاعْتِبارِ طُولِ اليَوْمِ، فَيَصِحُّ أنْ يَنْفِيَ القَوْلَ فِيهِ في وقْتٍ ويُثْبِتَ في وقْتٍ، أوْ نَفى نُطْقَهم بِحُجَّةٍ تَنْفَعُ وجَعَلَ نُطْقَهم بِما لا يَنْفَعُ كَلا نُطْقٍ. وقَرَأ القُرّاءُ كُلُّهم فِيما أعْلَمُ: ﴿ولا يُؤْذَنُ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وحَكى أبُو عَلِيٍّ الأهْوازِيُّ أنَّ زَيْدَ بْنَ عَلِيٍّ قَرَأ: ولا يَأْذَنُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيِ اللَّهُ تَعالى ﴿فَيَعْتَذِرُونَ﴾: عَطْفٌ عَلى ﴿ولا يُؤْذَنُ﴾ داخِلٌ في حَيِّزِ نَفْيِ الإذْنِ، أيْ فَلا إذْنٌ فاعْتِذارٌ، ولَمْ يَجْعَلِ الِاعْتِذارَ مُتَسَبِّبًا عَنِ الإذْنِ فَيُنْصَبُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَمْ يُنْصَبْ في جَوابِ النَّفْيِ لِتَشابُهِ رُءُوسِ الآيِ، والوَجْهانِ جائِزانِ. انْتَهى. فَجَعَلَ امْتِناعَ النَّصْبِ هو تُشابُهُ رُءُوسِ الآيِ، وقالَ الوَجْهانِ جائِزانِ فَظَهَرَ مِن كَلامِهِ اسْتِواءُ الرَّفْعِ والنَّصْبِ وأنَّ مَعْناهُما واحِدٌ، ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ الرَّفْعَ كَما ذَكَرْنا لا يَكُونُ مُتَسَبِّبًا بَلْ صَرِيحُ عَطْفٍ، والنَّصْبُ يَكُونُ فِيهِ مُتَسَبِّبًا فافْتَرَقا، وذَهَبَ أبُو الحَجّاجِ الأعْلَمُ إلى أنَّهُ قَدْ يُرْفَعُ الفِعْلُ ويَكُونُ مَعْناهُ المَنصُوبَ بَعْدَ الفاءِ وذَلِكَ قَلِيلٌ، وإنَّما جَعَلَ النَّحْوِيُّونَ مَعْنى الرَّفْعِ غَيْرَ مَعْنى النَّصْبِ رَعْيًا لِلْأكْثَرِ في كَلامِ العَرَبِ، وجَعَلَ دَلِيلَهُ ذَلِكَ، وهَذِهِ الآيَةُ كَظاهِرِ كَلامِ ابْنِ عَطِيَّةَ، وقَدْ رَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ ابْنُ عُصْفُورٍ وغَيْرُهُ. ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكُمْ﴾ لِلْكُفّارِ، (والأوَّلِينَ): قَوْمَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وغَيْرَهم مِنَ الكُفّارِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ زَمانُهم عَلى زَمانِ المُخاطَبِينَ، أيْ جَمَعْناكم لِلْفَصْلِ بَيْنَ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ﴾: أيْ في هَذا اليَوْمِ، كَما كانَ لَكم في الدُّنْيا ما تَكِيدُونَ بِهِ دِينَ اللَّهِ وأوْلِياءَهُ، ﴿فَكِيدُونِ﴾ اليَوْمَ، وهَذا تَعْجِيزٌ لَهم وتَوْبِيخٌ، ولَمّا كانَ في سُورَةِ الإنْسانِ ذَكَرَ نَزْرًا مِن أحْوالِ الكُفّارِ في الآخِرَةِ، وأطْنَبَ في وصْفِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ فِيها، جاءَ في هَذِهِ السُّورَةِ الإطْنابُ في وصْفِ الكُفّارِ والإيجازُ في وصْفِ المُؤْمِنِينَ، فَوَقَعَ بِذَلِكَ الِاعْتِدالُ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي ظِلالٍ﴾ جَمْعُ ظِلٍّ، والأعْمَشُ: في ظُلَلٍ جَمْعُ ظُلَّةٍ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾ خِطابٌ لَهم في الآخِرَةِ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا﴾ خِطابٌ لِلْكُفّارِ في الدُّنْيا، (قَلِيلًا): أيْ زَمانًا قَلِيلًا، إذْ قُصارى أكْلِكم وتَمَتُّعِكُمُ المَوْتُ، وهو خِطابُ تَهْدِيدٍ لِمَن أجْرَمَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا﴾ مَن قالَ إنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَ هي في قُرَيْشٍ، ومَن قالَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ قالَ هي في المُنافِقِينَ، وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ «فِي ثَقِيفٍ، قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: حُطَّ عَنّا الصَّلاةَ فَإنّا لا نَنْحَنِي، إنَّها مَسَبَّةٌ، فَأبى وقالَ: لا خَيْرَ في دِينٍ لا صَلاةَ فِيهِ» . ومَعْنى ارْكَعُوا: اخْشَعُوا لِلَّهِ وتَواضَعُوا لَهُ بِقَبُولِ وحْيِهِ، وقِيلَ: الرُّكُوعُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ الصَّلاةِ، وخَصَّ مِن أفْعالِها الرُّكُوعَ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يَأْنَفُونَ مِنَ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، وجاءَ في هَذِهِ السُّورَةِ بَعْدَ كُلِّ جُمْلَةٍ قَوْلُهُ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِأنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ مِنها فِيها إخْبارُ اللَّهِ تَعالى عَنْ أشْياءَ مِن أحْوالِ الآخِرَةِ وتَقْرِيراتٍ مِن أحْوالِ الدُّنْيا، فَناسَبَ أنْ نَذْكُرَ الوَعِيدَ عَقِيبَ كُلِّ جُمْلَةٍ مِنها لِلْمُكَذِّبِ بِالوَيْلِ في يَوْمِ الآخِرَةِ، والضَّمِيرُ في (بَعْدَهُ) عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، والمَعْنى أنَّهُ قَدْ تَضَمَّنَ مِنَ الإعْجازِ والبَلاغَةِ والأخْبارِ المُغَيَّباتِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا احْتَوى عَلَيْهِ ما لَمْ يَتَضَمَّنْهُ كِتابٌ إلَهِيٌّ، فَإذا كانُوا مُكَذِّبِينَ بِهِ، فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُصَدِّقُونَ بِهِ ؟ أيْ لا يُمْكِنُ تَصْدِيقُهم بِحَدِيثٍ بَعْدَ أنْ كَذَّبُوا بِهَذا الحَدِيثِ الَّذِي هو القُرْآنُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُؤْمِنُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ، ويَعْقُوبُ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ: بِتاءِ الخِطابِ.

المرسلات 77:47

﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وفَواكِهَ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ يُقالُ لِلْمُكَذِّبِينَ: ﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾: أيِ مِنَ العَذابِ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ﴾: أمْرٌ، قِراءَةُ الجُمْهُورِ تَكْرارًا أوْ بَيانًا لِلْمُنْطَلَقِ إلَيْهِ، وقَرَأ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ: بِفَتْحِ اللّامِ عَلى مَعْنى الخَبَرِ، كَأنَّهم لَمّا أُمِرُوا امْتَثَلُوا فانْطَلَقُوا، إذْ لا يُمْكِنُهُمُ التَّأْخِيرُ، إذْ صارُوا مُضْطَرِّينَ إلى الِانْطِلاقِ ﴿ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ قالَ عَطاءٌ: هو دُخانُ جَهَنَّمَ، ورُوِيَ أنَّهُ يَعْلُو مِن ثَلاثَةِ مَواضِعَ يَظُنُّ الكُفّارُ أنَّهُ مُغْنٍ مِنَ النّارِ، فَيُهْرَعُونَ إلَيْهِ فَيَجِدُونَهُ عَلى أسْوَأِ وصْفٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (p-٤٠٧)يُقالُ ذَلِكَ لِعَبَدَةِ الصَّلِيبِ، فالمُؤْمِنُونَ في ظِلِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وهم في ظِلِّ مَعْبُودِهِمْ وهو الصَّلِيبُ لَهُ ثَلاثُ شُعَبٍ، والشِّعْبُ: ما تَفَرَّقَ مِن جِسْمٍ واحِدٍ ﴿لا ظَلِيلٍ﴾: نَفْيٌ لِمَحاسِنِ الظِّلِّ ﴿ولا يُغْنِي﴾: أيْ ولا يُغْنِي عَنْهم مِن حَرِّ اللَّهَبِ شَيْئًا ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ﴾: الضَّمِيرُ في إنَّها لِجَهَنَّمَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (بِشَرَرٍ) وعِيسى: بِشَرارٍ بِألِفٍ بَيْنَ الرّاءَيْنِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مِقْسَمٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ كَسَرَ الشِّينَ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ جَمْعَ شَرَرٍ، أيْ بِشِرارٍ مِنَ العَذابِ، وأنْ يَكُونَ صِفَةً أُقِيمَتْ مَقامَ مَوْصُوفِها، أيْ بِشِرارٍ مِنَ النّاسِ، كَما تَقُولُ: قَوْمٌ شِرارٌ جَمْعُ شَرٍّ غَيْرُ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، وقَوْمٌ خِيارٌ جَمْعُ خَيْرٍ غَيْرُ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، ويُؤَنَّثُ هَذا فَيُقالُ لِلْمُؤَنَّثِ: شَرَّةٌ وخَيْرَةٌ بِخِلافِهِما، إذا كانا لِلتَّفْضِيلِ، فَلَهُما أحْكامٌ مَذْكُورَةٌ في النَّحْوِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (كالقَصْرِ) وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ مِقْسَمٍ: بِفَتْحِ القافِ والصّادِ، وابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا والحَسَنُ أيْضًا: كالقِصَرِ، بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصّادِ، وبَعْضُ القُرّاءِ: بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِ الصّادِ، وابْنُ مَسْعُودٍ: بِضَمِّهِما، كَأنَّهُ مَقْصُورٌ مِنَ القُصُورِ، كَما قَصَرُوا النَّجْمَ والنَّمِرَ مِنَ النُّجُومِ والنُّمُورِ، قالَ الرّاجِزُ: ؎فِيها عَنابِيلُ أُسُودٌ ونَمِرُ وتَقَدَّمَ شَرْحُ أكْثَرِ هَذِهِ القِراءاتِ في المُفْرَداتِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ، ومِنهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: (جِمالاتٌ) بِكَسْرِ الجِيمِ وبِالألِفِ والتّاءِ، جَمْعُ جِمالٍ جَمْعُ الجَمْعِ وهي الإبِلُ، كَقَوْلِهِمْ: رِجالاتُ قُرَيْشٍ، وابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ بِخِلافٍ عَنْهم كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم ضَمُّوا الجِيمَ، وهي جُمالُ السُّفُنِ، الواحِدُ مِنها جُمْلَةٌ لِكَوْنِهِ جُمْلَةً مِنَ الطّاقاتِ والقُوى، ثُمَّ جُمِعَ عَلى جُمَلٍ وجِمالٍ، ثُمَّ جُمِعَ جُمالٌ ثانِيًا جَمْعُ صِحَّةٍ فَقالُوا: جُمالاتٌ. وقِيلَ: الجِمالاتُ: قُلُوصُ الجُسُورِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ الأصْمَعِيِّ، وهارُونُ عَنْهُ: جِمالَةٌ بِكَسْرِ الجِيمِ، لَحِقَتْ جِمالًا التّاءُ لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ، كَحَجَرٍ وحِجارَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّلَمِيُّ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، وأبُو بَحْرِيَّةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ورُوَيْسٌ: كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم ضَمُّوا الجِيمَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: الجِمالاتُ: قُلُوصُ السُّفُنِ، وهي حِبالُهُ العِظامُ، إذا اجْتَمَعَتْ مُسْتَدِيرَةً بَعْضُها إلى بَعْضٍ جاءَ مِنها أجْرامٌ عِظامٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الجِمالاتُ: قِطَعُ النُّحاسِ الكِبارُ، وكانَ اشْتِقاقُ هَذِهِ مِنِ اسْمِ الجُمْلَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ: صُفُرٌ، بِضَمِّ الفاءِ، والجُمْهُورُ: بِإسْكانِها، شَبَّهَ الشَّرَرَ أوَّلًا بِالقَصْرِ، وهو الحِصْنُ مِن جِهَةِ العِظَمِ ومِن جِهَةِ الطُّولِ في الهَواءِ، وثانِيًا بِالجِمالِ لِبَيانِ التَّشْبِيهِ، ألا تَراهم يُشَبِّهُونَ الإبِلَ بِالأفْدانِ، وهي القُصُورُ ؟ قالَ الشّاعِرُ: ؎فَوَقَفْتُ فِيها ناقَتِي فَكَأنَّها ∗∗∗ فَدَنٌ لِأقْضِيَ حاجَةَ المُتَلَوِّمِ ومَن قَرَأ بِضَمِّ الجِيمِ، فالتَّشْبِيهُ مِن جِهَةِ العِظَمِ والطُّولِ، والصُّفْرَةُ الفاقِعَةُ أشْبَهُ بِلَوْنِ الشَّرَرِ، قالَهُ الجُمْهُورُ: وقِيلَ: صُفْرٌ سُودٌ، وقِيلَ: سُودٌ تَضْرِبُ إلى الصُّفْرَةِ، وقالَ عِمْرانُ بْنُ حِطّانَ الرَّقاشِيُّ: ؎دَعَتْهم بِأعْلى صَوْتِها ورَمَتْهم ∗∗∗ بِمِثْلِ الجِمالِ الصُّفْرِ نَزّاعَةُ الشَّوى وقَرَأ الأعْمَشُ والأعْرَجُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعِيسى وأبُو حَيْوَةَ وعاصِمٌ في رِوايَةٍ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ، والجُمْهُورُ: بِرَفْعِها، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمّا أضافَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ بَناهُ فَهي فَتْحَةُ بِناءٍ، وهي في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: قالَ عِيسى: هي لُغَةُ سُفْلى مُضَرَ، يَعْنِي بِناءَهم يَوْمَ مَعَ لا عَلى الفَتْحِ، لِأنَّهم جَعَلُوا يَوْمَ مَعَ لا كالِاسْمِ الواحِدِ، فَهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ لِأنَّهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ. انْتَهى. والجُمْلَةُ المُصَدَّرَةُ بِمُضارِعٍ مُثْبَتٍ أوْ مَنفِيٍّ لا يُجِيزُ البَصْرِيُّونَ في الظَّرْفِ المُضافِ إلَيْها البِناءَ بِوَجْهٍ، وإنَّما هَذا مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا صَحِيحًا عَلى الظَّرْفِ، فَيَصِيرُ هَذا إشارَةً إلى ما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكَلامِ دُونَ إشارَةٍ إلى (يَوْمَ)، ويَكُونُ العامِلُ في نَصْبِ (يَوْمَ) نِداءٌ تَقَدَّمَهُ مِن صِفَةِ (p-٤٠٨)جَهَنَّمَ، ورَمْيِها بِالشَّرَرِ في (يَوْمَ لا يَنْطِقُونَ)، فَيَكُونُ يَوْمَئِذٍ كَلامًا مُعْتَرِضًا لا يَمْنَعُ مِن تَفْرِيغِ العامِلِ لِلْمَعْمُولِ، كَما كانَتْ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧] ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨] انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا، وتَكُونَ الإشارَةُ بِهَذا إلى رَمْيِها بِشَرَرٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ونَصَبَهُ الأعْمَشُ، أيْ هَذا الَّذِي قَصَّ عَلَيْكم واقِعٌ يَوْمَئِذٍ، وهُنا نَفْيُ نُطْقِهِمْ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم نَطَقُوا في مَواضِعَ مِن هَذا اليَوْمِ، وذَلِكَ بِاعْتِبارِ طُولِ اليَوْمِ، فَيَصِحُّ أنْ يَنْفِيَ القَوْلَ فِيهِ في وقْتٍ ويُثْبِتَ في وقْتٍ، أوْ نَفى نُطْقَهم بِحُجَّةٍ تَنْفَعُ وجَعَلَ نُطْقَهم بِما لا يَنْفَعُ كَلا نُطْقٍ. وقَرَأ القُرّاءُ كُلُّهم فِيما أعْلَمُ: ﴿ولا يُؤْذَنُ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وحَكى أبُو عَلِيٍّ الأهْوازِيُّ أنَّ زَيْدَ بْنَ عَلِيٍّ قَرَأ: ولا يَأْذَنُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيِ اللَّهُ تَعالى ﴿فَيَعْتَذِرُونَ﴾: عَطْفٌ عَلى ﴿ولا يُؤْذَنُ﴾ داخِلٌ في حَيِّزِ نَفْيِ الإذْنِ، أيْ فَلا إذْنٌ فاعْتِذارٌ، ولَمْ يَجْعَلِ الِاعْتِذارَ مُتَسَبِّبًا عَنِ الإذْنِ فَيُنْصَبُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَمْ يُنْصَبْ في جَوابِ النَّفْيِ لِتَشابُهِ رُءُوسِ الآيِ، والوَجْهانِ جائِزانِ. انْتَهى. فَجَعَلَ امْتِناعَ النَّصْبِ هو تُشابُهُ رُءُوسِ الآيِ، وقالَ الوَجْهانِ جائِزانِ فَظَهَرَ مِن كَلامِهِ اسْتِواءُ الرَّفْعِ والنَّصْبِ وأنَّ مَعْناهُما واحِدٌ، ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ الرَّفْعَ كَما ذَكَرْنا لا يَكُونُ مُتَسَبِّبًا بَلْ صَرِيحُ عَطْفٍ، والنَّصْبُ يَكُونُ فِيهِ مُتَسَبِّبًا فافْتَرَقا، وذَهَبَ أبُو الحَجّاجِ الأعْلَمُ إلى أنَّهُ قَدْ يُرْفَعُ الفِعْلُ ويَكُونُ مَعْناهُ المَنصُوبَ بَعْدَ الفاءِ وذَلِكَ قَلِيلٌ، وإنَّما جَعَلَ النَّحْوِيُّونَ مَعْنى الرَّفْعِ غَيْرَ مَعْنى النَّصْبِ رَعْيًا لِلْأكْثَرِ في كَلامِ العَرَبِ، وجَعَلَ دَلِيلَهُ ذَلِكَ، وهَذِهِ الآيَةُ كَظاهِرِ كَلامِ ابْنِ عَطِيَّةَ، وقَدْ رَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ ابْنُ عُصْفُورٍ وغَيْرُهُ. ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكُمْ﴾ لِلْكُفّارِ، (والأوَّلِينَ): قَوْمَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وغَيْرَهم مِنَ الكُفّارِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ زَمانُهم عَلى زَمانِ المُخاطَبِينَ، أيْ جَمَعْناكم لِلْفَصْلِ بَيْنَ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ﴾: أيْ في هَذا اليَوْمِ، كَما كانَ لَكم في الدُّنْيا ما تَكِيدُونَ بِهِ دِينَ اللَّهِ وأوْلِياءَهُ، ﴿فَكِيدُونِ﴾ اليَوْمَ، وهَذا تَعْجِيزٌ لَهم وتَوْبِيخٌ، ولَمّا كانَ في سُورَةِ الإنْسانِ ذَكَرَ نَزْرًا مِن أحْوالِ الكُفّارِ في الآخِرَةِ، وأطْنَبَ في وصْفِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ فِيها، جاءَ في هَذِهِ السُّورَةِ الإطْنابُ في وصْفِ الكُفّارِ والإيجازُ في وصْفِ المُؤْمِنِينَ، فَوَقَعَ بِذَلِكَ الِاعْتِدالُ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي ظِلالٍ﴾ جَمْعُ ظِلٍّ، والأعْمَشُ: في ظُلَلٍ جَمْعُ ظُلَّةٍ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾ خِطابٌ لَهم في الآخِرَةِ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا﴾ خِطابٌ لِلْكُفّارِ في الدُّنْيا، (قَلِيلًا): أيْ زَمانًا قَلِيلًا، إذْ قُصارى أكْلِكم وتَمَتُّعِكُمُ المَوْتُ، وهو خِطابُ تَهْدِيدٍ لِمَن أجْرَمَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا﴾ مَن قالَ إنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَ هي في قُرَيْشٍ، ومَن قالَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ قالَ هي في المُنافِقِينَ، وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ «فِي ثَقِيفٍ، قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: حُطَّ عَنّا الصَّلاةَ فَإنّا لا نَنْحَنِي، إنَّها مَسَبَّةٌ، فَأبى وقالَ: لا خَيْرَ في دِينٍ لا صَلاةَ فِيهِ» . ومَعْنى ارْكَعُوا: اخْشَعُوا لِلَّهِ وتَواضَعُوا لَهُ بِقَبُولِ وحْيِهِ، وقِيلَ: الرُّكُوعُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ الصَّلاةِ، وخَصَّ مِن أفْعالِها الرُّكُوعَ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يَأْنَفُونَ مِنَ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، وجاءَ في هَذِهِ السُّورَةِ بَعْدَ كُلِّ جُمْلَةٍ قَوْلُهُ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِأنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ مِنها فِيها إخْبارُ اللَّهِ تَعالى عَنْ أشْياءَ مِن أحْوالِ الآخِرَةِ وتَقْرِيراتٍ مِن أحْوالِ الدُّنْيا، فَناسَبَ أنْ نَذْكُرَ الوَعِيدَ عَقِيبَ كُلِّ جُمْلَةٍ مِنها لِلْمُكَذِّبِ بِالوَيْلِ في يَوْمِ الآخِرَةِ، والضَّمِيرُ في (بَعْدَهُ) عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، والمَعْنى أنَّهُ قَدْ تَضَمَّنَ مِنَ الإعْجازِ والبَلاغَةِ والأخْبارِ المُغَيَّباتِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا احْتَوى عَلَيْهِ ما لَمْ يَتَضَمَّنْهُ كِتابٌ إلَهِيٌّ، فَإذا كانُوا مُكَذِّبِينَ بِهِ، فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُصَدِّقُونَ بِهِ ؟ أيْ لا يُمْكِنُ تَصْدِيقُهم بِحَدِيثٍ بَعْدَ أنْ كَذَّبُوا بِهَذا الحَدِيثِ الَّذِي هو القُرْآنُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُؤْمِنُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ، ويَعْقُوبُ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ: بِتاءِ الخِطابِ.

المرسلات 77:48

﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وفَواكِهَ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ يُقالُ لِلْمُكَذِّبِينَ: ﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾: أيِ مِنَ العَذابِ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ﴾: أمْرٌ، قِراءَةُ الجُمْهُورِ تَكْرارًا أوْ بَيانًا لِلْمُنْطَلَقِ إلَيْهِ، وقَرَأ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ: بِفَتْحِ اللّامِ عَلى مَعْنى الخَبَرِ، كَأنَّهم لَمّا أُمِرُوا امْتَثَلُوا فانْطَلَقُوا، إذْ لا يُمْكِنُهُمُ التَّأْخِيرُ، إذْ صارُوا مُضْطَرِّينَ إلى الِانْطِلاقِ ﴿ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ قالَ عَطاءٌ: هو دُخانُ جَهَنَّمَ، ورُوِيَ أنَّهُ يَعْلُو مِن ثَلاثَةِ مَواضِعَ يَظُنُّ الكُفّارُ أنَّهُ مُغْنٍ مِنَ النّارِ، فَيُهْرَعُونَ إلَيْهِ فَيَجِدُونَهُ عَلى أسْوَأِ وصْفٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (p-٤٠٧)يُقالُ ذَلِكَ لِعَبَدَةِ الصَّلِيبِ، فالمُؤْمِنُونَ في ظِلِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وهم في ظِلِّ مَعْبُودِهِمْ وهو الصَّلِيبُ لَهُ ثَلاثُ شُعَبٍ، والشِّعْبُ: ما تَفَرَّقَ مِن جِسْمٍ واحِدٍ ﴿لا ظَلِيلٍ﴾: نَفْيٌ لِمَحاسِنِ الظِّلِّ ﴿ولا يُغْنِي﴾: أيْ ولا يُغْنِي عَنْهم مِن حَرِّ اللَّهَبِ شَيْئًا ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ﴾: الضَّمِيرُ في إنَّها لِجَهَنَّمَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (بِشَرَرٍ) وعِيسى: بِشَرارٍ بِألِفٍ بَيْنَ الرّاءَيْنِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مِقْسَمٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ كَسَرَ الشِّينَ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ جَمْعَ شَرَرٍ، أيْ بِشِرارٍ مِنَ العَذابِ، وأنْ يَكُونَ صِفَةً أُقِيمَتْ مَقامَ مَوْصُوفِها، أيْ بِشِرارٍ مِنَ النّاسِ، كَما تَقُولُ: قَوْمٌ شِرارٌ جَمْعُ شَرٍّ غَيْرُ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، وقَوْمٌ خِيارٌ جَمْعُ خَيْرٍ غَيْرُ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، ويُؤَنَّثُ هَذا فَيُقالُ لِلْمُؤَنَّثِ: شَرَّةٌ وخَيْرَةٌ بِخِلافِهِما، إذا كانا لِلتَّفْضِيلِ، فَلَهُما أحْكامٌ مَذْكُورَةٌ في النَّحْوِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (كالقَصْرِ) وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ مِقْسَمٍ: بِفَتْحِ القافِ والصّادِ، وابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا والحَسَنُ أيْضًا: كالقِصَرِ، بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصّادِ، وبَعْضُ القُرّاءِ: بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِ الصّادِ، وابْنُ مَسْعُودٍ: بِضَمِّهِما، كَأنَّهُ مَقْصُورٌ مِنَ القُصُورِ، كَما قَصَرُوا النَّجْمَ والنَّمِرَ مِنَ النُّجُومِ والنُّمُورِ، قالَ الرّاجِزُ: ؎فِيها عَنابِيلُ أُسُودٌ ونَمِرُ وتَقَدَّمَ شَرْحُ أكْثَرِ هَذِهِ القِراءاتِ في المُفْرَداتِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ، ومِنهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: (جِمالاتٌ) بِكَسْرِ الجِيمِ وبِالألِفِ والتّاءِ، جَمْعُ جِمالٍ جَمْعُ الجَمْعِ وهي الإبِلُ، كَقَوْلِهِمْ: رِجالاتُ قُرَيْشٍ، وابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ بِخِلافٍ عَنْهم كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم ضَمُّوا الجِيمَ، وهي جُمالُ السُّفُنِ، الواحِدُ مِنها جُمْلَةٌ لِكَوْنِهِ جُمْلَةً مِنَ الطّاقاتِ والقُوى، ثُمَّ جُمِعَ عَلى جُمَلٍ وجِمالٍ، ثُمَّ جُمِعَ جُمالٌ ثانِيًا جَمْعُ صِحَّةٍ فَقالُوا: جُمالاتٌ. وقِيلَ: الجِمالاتُ: قُلُوصُ الجُسُورِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ الأصْمَعِيِّ، وهارُونُ عَنْهُ: جِمالَةٌ بِكَسْرِ الجِيمِ، لَحِقَتْ جِمالًا التّاءُ لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ، كَحَجَرٍ وحِجارَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّلَمِيُّ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، وأبُو بَحْرِيَّةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ورُوَيْسٌ: كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم ضَمُّوا الجِيمَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: الجِمالاتُ: قُلُوصُ السُّفُنِ، وهي حِبالُهُ العِظامُ، إذا اجْتَمَعَتْ مُسْتَدِيرَةً بَعْضُها إلى بَعْضٍ جاءَ مِنها أجْرامٌ عِظامٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الجِمالاتُ: قِطَعُ النُّحاسِ الكِبارُ، وكانَ اشْتِقاقُ هَذِهِ مِنِ اسْمِ الجُمْلَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ: صُفُرٌ، بِضَمِّ الفاءِ، والجُمْهُورُ: بِإسْكانِها، شَبَّهَ الشَّرَرَ أوَّلًا بِالقَصْرِ، وهو الحِصْنُ مِن جِهَةِ العِظَمِ ومِن جِهَةِ الطُّولِ في الهَواءِ، وثانِيًا بِالجِمالِ لِبَيانِ التَّشْبِيهِ، ألا تَراهم يُشَبِّهُونَ الإبِلَ بِالأفْدانِ، وهي القُصُورُ ؟ قالَ الشّاعِرُ: ؎فَوَقَفْتُ فِيها ناقَتِي فَكَأنَّها ∗∗∗ فَدَنٌ لِأقْضِيَ حاجَةَ المُتَلَوِّمِ ومَن قَرَأ بِضَمِّ الجِيمِ، فالتَّشْبِيهُ مِن جِهَةِ العِظَمِ والطُّولِ، والصُّفْرَةُ الفاقِعَةُ أشْبَهُ بِلَوْنِ الشَّرَرِ، قالَهُ الجُمْهُورُ: وقِيلَ: صُفْرٌ سُودٌ، وقِيلَ: سُودٌ تَضْرِبُ إلى الصُّفْرَةِ، وقالَ عِمْرانُ بْنُ حِطّانَ الرَّقاشِيُّ: ؎دَعَتْهم بِأعْلى صَوْتِها ورَمَتْهم ∗∗∗ بِمِثْلِ الجِمالِ الصُّفْرِ نَزّاعَةُ الشَّوى وقَرَأ الأعْمَشُ والأعْرَجُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعِيسى وأبُو حَيْوَةَ وعاصِمٌ في رِوايَةٍ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ، والجُمْهُورُ: بِرَفْعِها، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمّا أضافَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ بَناهُ فَهي فَتْحَةُ بِناءٍ، وهي في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: قالَ عِيسى: هي لُغَةُ سُفْلى مُضَرَ، يَعْنِي بِناءَهم يَوْمَ مَعَ لا عَلى الفَتْحِ، لِأنَّهم جَعَلُوا يَوْمَ مَعَ لا كالِاسْمِ الواحِدِ، فَهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ لِأنَّهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ. انْتَهى. والجُمْلَةُ المُصَدَّرَةُ بِمُضارِعٍ مُثْبَتٍ أوْ مَنفِيٍّ لا يُجِيزُ البَصْرِيُّونَ في الظَّرْفِ المُضافِ إلَيْها البِناءَ بِوَجْهٍ، وإنَّما هَذا مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا صَحِيحًا عَلى الظَّرْفِ، فَيَصِيرُ هَذا إشارَةً إلى ما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكَلامِ دُونَ إشارَةٍ إلى (يَوْمَ)، ويَكُونُ العامِلُ في نَصْبِ (يَوْمَ) نِداءٌ تَقَدَّمَهُ مِن صِفَةِ (p-٤٠٨)جَهَنَّمَ، ورَمْيِها بِالشَّرَرِ في (يَوْمَ لا يَنْطِقُونَ)، فَيَكُونُ يَوْمَئِذٍ كَلامًا مُعْتَرِضًا لا يَمْنَعُ مِن تَفْرِيغِ العامِلِ لِلْمَعْمُولِ، كَما كانَتْ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧] ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨] انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا، وتَكُونَ الإشارَةُ بِهَذا إلى رَمْيِها بِشَرَرٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ونَصَبَهُ الأعْمَشُ، أيْ هَذا الَّذِي قَصَّ عَلَيْكم واقِعٌ يَوْمَئِذٍ، وهُنا نَفْيُ نُطْقِهِمْ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم نَطَقُوا في مَواضِعَ مِن هَذا اليَوْمِ، وذَلِكَ بِاعْتِبارِ طُولِ اليَوْمِ، فَيَصِحُّ أنْ يَنْفِيَ القَوْلَ فِيهِ في وقْتٍ ويُثْبِتَ في وقْتٍ، أوْ نَفى نُطْقَهم بِحُجَّةٍ تَنْفَعُ وجَعَلَ نُطْقَهم بِما لا يَنْفَعُ كَلا نُطْقٍ. وقَرَأ القُرّاءُ كُلُّهم فِيما أعْلَمُ: ﴿ولا يُؤْذَنُ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وحَكى أبُو عَلِيٍّ الأهْوازِيُّ أنَّ زَيْدَ بْنَ عَلِيٍّ قَرَأ: ولا يَأْذَنُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيِ اللَّهُ تَعالى ﴿فَيَعْتَذِرُونَ﴾: عَطْفٌ عَلى ﴿ولا يُؤْذَنُ﴾ داخِلٌ في حَيِّزِ نَفْيِ الإذْنِ، أيْ فَلا إذْنٌ فاعْتِذارٌ، ولَمْ يَجْعَلِ الِاعْتِذارَ مُتَسَبِّبًا عَنِ الإذْنِ فَيُنْصَبُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَمْ يُنْصَبْ في جَوابِ النَّفْيِ لِتَشابُهِ رُءُوسِ الآيِ، والوَجْهانِ جائِزانِ. انْتَهى. فَجَعَلَ امْتِناعَ النَّصْبِ هو تُشابُهُ رُءُوسِ الآيِ، وقالَ الوَجْهانِ جائِزانِ فَظَهَرَ مِن كَلامِهِ اسْتِواءُ الرَّفْعِ والنَّصْبِ وأنَّ مَعْناهُما واحِدٌ، ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ الرَّفْعَ كَما ذَكَرْنا لا يَكُونُ مُتَسَبِّبًا بَلْ صَرِيحُ عَطْفٍ، والنَّصْبُ يَكُونُ فِيهِ مُتَسَبِّبًا فافْتَرَقا، وذَهَبَ أبُو الحَجّاجِ الأعْلَمُ إلى أنَّهُ قَدْ يُرْفَعُ الفِعْلُ ويَكُونُ مَعْناهُ المَنصُوبَ بَعْدَ الفاءِ وذَلِكَ قَلِيلٌ، وإنَّما جَعَلَ النَّحْوِيُّونَ مَعْنى الرَّفْعِ غَيْرَ مَعْنى النَّصْبِ رَعْيًا لِلْأكْثَرِ في كَلامِ العَرَبِ، وجَعَلَ دَلِيلَهُ ذَلِكَ، وهَذِهِ الآيَةُ كَظاهِرِ كَلامِ ابْنِ عَطِيَّةَ، وقَدْ رَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ ابْنُ عُصْفُورٍ وغَيْرُهُ. ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكُمْ﴾ لِلْكُفّارِ، (والأوَّلِينَ): قَوْمَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وغَيْرَهم مِنَ الكُفّارِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ زَمانُهم عَلى زَمانِ المُخاطَبِينَ، أيْ جَمَعْناكم لِلْفَصْلِ بَيْنَ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ﴾: أيْ في هَذا اليَوْمِ، كَما كانَ لَكم في الدُّنْيا ما تَكِيدُونَ بِهِ دِينَ اللَّهِ وأوْلِياءَهُ، ﴿فَكِيدُونِ﴾ اليَوْمَ، وهَذا تَعْجِيزٌ لَهم وتَوْبِيخٌ، ولَمّا كانَ في سُورَةِ الإنْسانِ ذَكَرَ نَزْرًا مِن أحْوالِ الكُفّارِ في الآخِرَةِ، وأطْنَبَ في وصْفِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ فِيها، جاءَ في هَذِهِ السُّورَةِ الإطْنابُ في وصْفِ الكُفّارِ والإيجازُ في وصْفِ المُؤْمِنِينَ، فَوَقَعَ بِذَلِكَ الِاعْتِدالُ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي ظِلالٍ﴾ جَمْعُ ظِلٍّ، والأعْمَشُ: في ظُلَلٍ جَمْعُ ظُلَّةٍ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾ خِطابٌ لَهم في الآخِرَةِ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا﴾ خِطابٌ لِلْكُفّارِ في الدُّنْيا، (قَلِيلًا): أيْ زَمانًا قَلِيلًا، إذْ قُصارى أكْلِكم وتَمَتُّعِكُمُ المَوْتُ، وهو خِطابُ تَهْدِيدٍ لِمَن أجْرَمَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا﴾ مَن قالَ إنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَ هي في قُرَيْشٍ، ومَن قالَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ قالَ هي في المُنافِقِينَ، وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ «فِي ثَقِيفٍ، قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: حُطَّ عَنّا الصَّلاةَ فَإنّا لا نَنْحَنِي، إنَّها مَسَبَّةٌ، فَأبى وقالَ: لا خَيْرَ في دِينٍ لا صَلاةَ فِيهِ» . ومَعْنى ارْكَعُوا: اخْشَعُوا لِلَّهِ وتَواضَعُوا لَهُ بِقَبُولِ وحْيِهِ، وقِيلَ: الرُّكُوعُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ الصَّلاةِ، وخَصَّ مِن أفْعالِها الرُّكُوعَ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يَأْنَفُونَ مِنَ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، وجاءَ في هَذِهِ السُّورَةِ بَعْدَ كُلِّ جُمْلَةٍ قَوْلُهُ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِأنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ مِنها فِيها إخْبارُ اللَّهِ تَعالى عَنْ أشْياءَ مِن أحْوالِ الآخِرَةِ وتَقْرِيراتٍ مِن أحْوالِ الدُّنْيا، فَناسَبَ أنْ نَذْكُرَ الوَعِيدَ عَقِيبَ كُلِّ جُمْلَةٍ مِنها لِلْمُكَذِّبِ بِالوَيْلِ في يَوْمِ الآخِرَةِ، والضَّمِيرُ في (بَعْدَهُ) عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، والمَعْنى أنَّهُ قَدْ تَضَمَّنَ مِنَ الإعْجازِ والبَلاغَةِ والأخْبارِ المُغَيَّباتِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا احْتَوى عَلَيْهِ ما لَمْ يَتَضَمَّنْهُ كِتابٌ إلَهِيٌّ، فَإذا كانُوا مُكَذِّبِينَ بِهِ، فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُصَدِّقُونَ بِهِ ؟ أيْ لا يُمْكِنُ تَصْدِيقُهم بِحَدِيثٍ بَعْدَ أنْ كَذَّبُوا بِهَذا الحَدِيثِ الَّذِي هو القُرْآنُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُؤْمِنُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ، ويَعْقُوبُ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ: بِتاءِ الخِطابِ.

المرسلات 77:49

﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وفَواكِهَ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ يُقالُ لِلْمُكَذِّبِينَ: ﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾: أيِ مِنَ العَذابِ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ﴾: أمْرٌ، قِراءَةُ الجُمْهُورِ تَكْرارًا أوْ بَيانًا لِلْمُنْطَلَقِ إلَيْهِ، وقَرَأ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ: بِفَتْحِ اللّامِ عَلى مَعْنى الخَبَرِ، كَأنَّهم لَمّا أُمِرُوا امْتَثَلُوا فانْطَلَقُوا، إذْ لا يُمْكِنُهُمُ التَّأْخِيرُ، إذْ صارُوا مُضْطَرِّينَ إلى الِانْطِلاقِ ﴿ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ قالَ عَطاءٌ: هو دُخانُ جَهَنَّمَ، ورُوِيَ أنَّهُ يَعْلُو مِن ثَلاثَةِ مَواضِعَ يَظُنُّ الكُفّارُ أنَّهُ مُغْنٍ مِنَ النّارِ، فَيُهْرَعُونَ إلَيْهِ فَيَجِدُونَهُ عَلى أسْوَأِ وصْفٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (p-٤٠٧)يُقالُ ذَلِكَ لِعَبَدَةِ الصَّلِيبِ، فالمُؤْمِنُونَ في ظِلِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وهم في ظِلِّ مَعْبُودِهِمْ وهو الصَّلِيبُ لَهُ ثَلاثُ شُعَبٍ، والشِّعْبُ: ما تَفَرَّقَ مِن جِسْمٍ واحِدٍ ﴿لا ظَلِيلٍ﴾: نَفْيٌ لِمَحاسِنِ الظِّلِّ ﴿ولا يُغْنِي﴾: أيْ ولا يُغْنِي عَنْهم مِن حَرِّ اللَّهَبِ شَيْئًا ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ﴾: الضَّمِيرُ في إنَّها لِجَهَنَّمَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (بِشَرَرٍ) وعِيسى: بِشَرارٍ بِألِفٍ بَيْنَ الرّاءَيْنِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مِقْسَمٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ كَسَرَ الشِّينَ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ جَمْعَ شَرَرٍ، أيْ بِشِرارٍ مِنَ العَذابِ، وأنْ يَكُونَ صِفَةً أُقِيمَتْ مَقامَ مَوْصُوفِها، أيْ بِشِرارٍ مِنَ النّاسِ، كَما تَقُولُ: قَوْمٌ شِرارٌ جَمْعُ شَرٍّ غَيْرُ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، وقَوْمٌ خِيارٌ جَمْعُ خَيْرٍ غَيْرُ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، ويُؤَنَّثُ هَذا فَيُقالُ لِلْمُؤَنَّثِ: شَرَّةٌ وخَيْرَةٌ بِخِلافِهِما، إذا كانا لِلتَّفْضِيلِ، فَلَهُما أحْكامٌ مَذْكُورَةٌ في النَّحْوِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (كالقَصْرِ) وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ مِقْسَمٍ: بِفَتْحِ القافِ والصّادِ، وابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا والحَسَنُ أيْضًا: كالقِصَرِ، بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصّادِ، وبَعْضُ القُرّاءِ: بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِ الصّادِ، وابْنُ مَسْعُودٍ: بِضَمِّهِما، كَأنَّهُ مَقْصُورٌ مِنَ القُصُورِ، كَما قَصَرُوا النَّجْمَ والنَّمِرَ مِنَ النُّجُومِ والنُّمُورِ، قالَ الرّاجِزُ: ؎فِيها عَنابِيلُ أُسُودٌ ونَمِرُ وتَقَدَّمَ شَرْحُ أكْثَرِ هَذِهِ القِراءاتِ في المُفْرَداتِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ، ومِنهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: (جِمالاتٌ) بِكَسْرِ الجِيمِ وبِالألِفِ والتّاءِ، جَمْعُ جِمالٍ جَمْعُ الجَمْعِ وهي الإبِلُ، كَقَوْلِهِمْ: رِجالاتُ قُرَيْشٍ، وابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ بِخِلافٍ عَنْهم كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم ضَمُّوا الجِيمَ، وهي جُمالُ السُّفُنِ، الواحِدُ مِنها جُمْلَةٌ لِكَوْنِهِ جُمْلَةً مِنَ الطّاقاتِ والقُوى، ثُمَّ جُمِعَ عَلى جُمَلٍ وجِمالٍ، ثُمَّ جُمِعَ جُمالٌ ثانِيًا جَمْعُ صِحَّةٍ فَقالُوا: جُمالاتٌ. وقِيلَ: الجِمالاتُ: قُلُوصُ الجُسُورِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ الأصْمَعِيِّ، وهارُونُ عَنْهُ: جِمالَةٌ بِكَسْرِ الجِيمِ، لَحِقَتْ جِمالًا التّاءُ لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ، كَحَجَرٍ وحِجارَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّلَمِيُّ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، وأبُو بَحْرِيَّةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ورُوَيْسٌ: كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم ضَمُّوا الجِيمَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: الجِمالاتُ: قُلُوصُ السُّفُنِ، وهي حِبالُهُ العِظامُ، إذا اجْتَمَعَتْ مُسْتَدِيرَةً بَعْضُها إلى بَعْضٍ جاءَ مِنها أجْرامٌ عِظامٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الجِمالاتُ: قِطَعُ النُّحاسِ الكِبارُ، وكانَ اشْتِقاقُ هَذِهِ مِنِ اسْمِ الجُمْلَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ: صُفُرٌ، بِضَمِّ الفاءِ، والجُمْهُورُ: بِإسْكانِها، شَبَّهَ الشَّرَرَ أوَّلًا بِالقَصْرِ، وهو الحِصْنُ مِن جِهَةِ العِظَمِ ومِن جِهَةِ الطُّولِ في الهَواءِ، وثانِيًا بِالجِمالِ لِبَيانِ التَّشْبِيهِ، ألا تَراهم يُشَبِّهُونَ الإبِلَ بِالأفْدانِ، وهي القُصُورُ ؟ قالَ الشّاعِرُ: ؎فَوَقَفْتُ فِيها ناقَتِي فَكَأنَّها ∗∗∗ فَدَنٌ لِأقْضِيَ حاجَةَ المُتَلَوِّمِ ومَن قَرَأ بِضَمِّ الجِيمِ، فالتَّشْبِيهُ مِن جِهَةِ العِظَمِ والطُّولِ، والصُّفْرَةُ الفاقِعَةُ أشْبَهُ بِلَوْنِ الشَّرَرِ، قالَهُ الجُمْهُورُ: وقِيلَ: صُفْرٌ سُودٌ، وقِيلَ: سُودٌ تَضْرِبُ إلى الصُّفْرَةِ، وقالَ عِمْرانُ بْنُ حِطّانَ الرَّقاشِيُّ: ؎دَعَتْهم بِأعْلى صَوْتِها ورَمَتْهم ∗∗∗ بِمِثْلِ الجِمالِ الصُّفْرِ نَزّاعَةُ الشَّوى وقَرَأ الأعْمَشُ والأعْرَجُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعِيسى وأبُو حَيْوَةَ وعاصِمٌ في رِوايَةٍ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ، والجُمْهُورُ: بِرَفْعِها، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمّا أضافَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ بَناهُ فَهي فَتْحَةُ بِناءٍ، وهي في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: قالَ عِيسى: هي لُغَةُ سُفْلى مُضَرَ، يَعْنِي بِناءَهم يَوْمَ مَعَ لا عَلى الفَتْحِ، لِأنَّهم جَعَلُوا يَوْمَ مَعَ لا كالِاسْمِ الواحِدِ، فَهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ لِأنَّهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ. انْتَهى. والجُمْلَةُ المُصَدَّرَةُ بِمُضارِعٍ مُثْبَتٍ أوْ مَنفِيٍّ لا يُجِيزُ البَصْرِيُّونَ في الظَّرْفِ المُضافِ إلَيْها البِناءَ بِوَجْهٍ، وإنَّما هَذا مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا صَحِيحًا عَلى الظَّرْفِ، فَيَصِيرُ هَذا إشارَةً إلى ما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكَلامِ دُونَ إشارَةٍ إلى (يَوْمَ)، ويَكُونُ العامِلُ في نَصْبِ (يَوْمَ) نِداءٌ تَقَدَّمَهُ مِن صِفَةِ (p-٤٠٨)جَهَنَّمَ، ورَمْيِها بِالشَّرَرِ في (يَوْمَ لا يَنْطِقُونَ)، فَيَكُونُ يَوْمَئِذٍ كَلامًا مُعْتَرِضًا لا يَمْنَعُ مِن تَفْرِيغِ العامِلِ لِلْمَعْمُولِ، كَما كانَتْ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧] ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨] انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا، وتَكُونَ الإشارَةُ بِهَذا إلى رَمْيِها بِشَرَرٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ونَصَبَهُ الأعْمَشُ، أيْ هَذا الَّذِي قَصَّ عَلَيْكم واقِعٌ يَوْمَئِذٍ، وهُنا نَفْيُ نُطْقِهِمْ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم نَطَقُوا في مَواضِعَ مِن هَذا اليَوْمِ، وذَلِكَ بِاعْتِبارِ طُولِ اليَوْمِ، فَيَصِحُّ أنْ يَنْفِيَ القَوْلَ فِيهِ في وقْتٍ ويُثْبِتَ في وقْتٍ، أوْ نَفى نُطْقَهم بِحُجَّةٍ تَنْفَعُ وجَعَلَ نُطْقَهم بِما لا يَنْفَعُ كَلا نُطْقٍ. وقَرَأ القُرّاءُ كُلُّهم فِيما أعْلَمُ: ﴿ولا يُؤْذَنُ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وحَكى أبُو عَلِيٍّ الأهْوازِيُّ أنَّ زَيْدَ بْنَ عَلِيٍّ قَرَأ: ولا يَأْذَنُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيِ اللَّهُ تَعالى ﴿فَيَعْتَذِرُونَ﴾: عَطْفٌ عَلى ﴿ولا يُؤْذَنُ﴾ داخِلٌ في حَيِّزِ نَفْيِ الإذْنِ، أيْ فَلا إذْنٌ فاعْتِذارٌ، ولَمْ يَجْعَلِ الِاعْتِذارَ مُتَسَبِّبًا عَنِ الإذْنِ فَيُنْصَبُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَمْ يُنْصَبْ في جَوابِ النَّفْيِ لِتَشابُهِ رُءُوسِ الآيِ، والوَجْهانِ جائِزانِ. انْتَهى. فَجَعَلَ امْتِناعَ النَّصْبِ هو تُشابُهُ رُءُوسِ الآيِ، وقالَ الوَجْهانِ جائِزانِ فَظَهَرَ مِن كَلامِهِ اسْتِواءُ الرَّفْعِ والنَّصْبِ وأنَّ مَعْناهُما واحِدٌ، ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ الرَّفْعَ كَما ذَكَرْنا لا يَكُونُ مُتَسَبِّبًا بَلْ صَرِيحُ عَطْفٍ، والنَّصْبُ يَكُونُ فِيهِ مُتَسَبِّبًا فافْتَرَقا، وذَهَبَ أبُو الحَجّاجِ الأعْلَمُ إلى أنَّهُ قَدْ يُرْفَعُ الفِعْلُ ويَكُونُ مَعْناهُ المَنصُوبَ بَعْدَ الفاءِ وذَلِكَ قَلِيلٌ، وإنَّما جَعَلَ النَّحْوِيُّونَ مَعْنى الرَّفْعِ غَيْرَ مَعْنى النَّصْبِ رَعْيًا لِلْأكْثَرِ في كَلامِ العَرَبِ، وجَعَلَ دَلِيلَهُ ذَلِكَ، وهَذِهِ الآيَةُ كَظاهِرِ كَلامِ ابْنِ عَطِيَّةَ، وقَدْ رَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ ابْنُ عُصْفُورٍ وغَيْرُهُ. ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكُمْ﴾ لِلْكُفّارِ، (والأوَّلِينَ): قَوْمَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وغَيْرَهم مِنَ الكُفّارِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ زَمانُهم عَلى زَمانِ المُخاطَبِينَ، أيْ جَمَعْناكم لِلْفَصْلِ بَيْنَ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ﴾: أيْ في هَذا اليَوْمِ، كَما كانَ لَكم في الدُّنْيا ما تَكِيدُونَ بِهِ دِينَ اللَّهِ وأوْلِياءَهُ، ﴿فَكِيدُونِ﴾ اليَوْمَ، وهَذا تَعْجِيزٌ لَهم وتَوْبِيخٌ، ولَمّا كانَ في سُورَةِ الإنْسانِ ذَكَرَ نَزْرًا مِن أحْوالِ الكُفّارِ في الآخِرَةِ، وأطْنَبَ في وصْفِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ فِيها، جاءَ في هَذِهِ السُّورَةِ الإطْنابُ في وصْفِ الكُفّارِ والإيجازُ في وصْفِ المُؤْمِنِينَ، فَوَقَعَ بِذَلِكَ الِاعْتِدالُ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي ظِلالٍ﴾ جَمْعُ ظِلٍّ، والأعْمَشُ: في ظُلَلٍ جَمْعُ ظُلَّةٍ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾ خِطابٌ لَهم في الآخِرَةِ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا﴾ خِطابٌ لِلْكُفّارِ في الدُّنْيا، (قَلِيلًا): أيْ زَمانًا قَلِيلًا، إذْ قُصارى أكْلِكم وتَمَتُّعِكُمُ المَوْتُ، وهو خِطابُ تَهْدِيدٍ لِمَن أجْرَمَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا﴾ مَن قالَ إنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَ هي في قُرَيْشٍ، ومَن قالَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ قالَ هي في المُنافِقِينَ، وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ «فِي ثَقِيفٍ، قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: حُطَّ عَنّا الصَّلاةَ فَإنّا لا نَنْحَنِي، إنَّها مَسَبَّةٌ، فَأبى وقالَ: لا خَيْرَ في دِينٍ لا صَلاةَ فِيهِ» . ومَعْنى ارْكَعُوا: اخْشَعُوا لِلَّهِ وتَواضَعُوا لَهُ بِقَبُولِ وحْيِهِ، وقِيلَ: الرُّكُوعُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ الصَّلاةِ، وخَصَّ مِن أفْعالِها الرُّكُوعَ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يَأْنَفُونَ مِنَ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، وجاءَ في هَذِهِ السُّورَةِ بَعْدَ كُلِّ جُمْلَةٍ قَوْلُهُ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِأنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ مِنها فِيها إخْبارُ اللَّهِ تَعالى عَنْ أشْياءَ مِن أحْوالِ الآخِرَةِ وتَقْرِيراتٍ مِن أحْوالِ الدُّنْيا، فَناسَبَ أنْ نَذْكُرَ الوَعِيدَ عَقِيبَ كُلِّ جُمْلَةٍ مِنها لِلْمُكَذِّبِ بِالوَيْلِ في يَوْمِ الآخِرَةِ، والضَّمِيرُ في (بَعْدَهُ) عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، والمَعْنى أنَّهُ قَدْ تَضَمَّنَ مِنَ الإعْجازِ والبَلاغَةِ والأخْبارِ المُغَيَّباتِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا احْتَوى عَلَيْهِ ما لَمْ يَتَضَمَّنْهُ كِتابٌ إلَهِيٌّ، فَإذا كانُوا مُكَذِّبِينَ بِهِ، فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُصَدِّقُونَ بِهِ ؟ أيْ لا يُمْكِنُ تَصْدِيقُهم بِحَدِيثٍ بَعْدَ أنْ كَذَّبُوا بِهَذا الحَدِيثِ الَّذِي هو القُرْآنُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُؤْمِنُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ، ويَعْقُوبُ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ: بِتاءِ الخِطابِ.

المرسلات 77:50

﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وفَواكِهَ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ يُقالُ لِلْمُكَذِّبِينَ: ﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾: أيِ مِنَ العَذابِ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ﴾: أمْرٌ، قِراءَةُ الجُمْهُورِ تَكْرارًا أوْ بَيانًا لِلْمُنْطَلَقِ إلَيْهِ، وقَرَأ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ: بِفَتْحِ اللّامِ عَلى مَعْنى الخَبَرِ، كَأنَّهم لَمّا أُمِرُوا امْتَثَلُوا فانْطَلَقُوا، إذْ لا يُمْكِنُهُمُ التَّأْخِيرُ، إذْ صارُوا مُضْطَرِّينَ إلى الِانْطِلاقِ ﴿ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ قالَ عَطاءٌ: هو دُخانُ جَهَنَّمَ، ورُوِيَ أنَّهُ يَعْلُو مِن ثَلاثَةِ مَواضِعَ يَظُنُّ الكُفّارُ أنَّهُ مُغْنٍ مِنَ النّارِ، فَيُهْرَعُونَ إلَيْهِ فَيَجِدُونَهُ عَلى أسْوَأِ وصْفٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (p-٤٠٧)يُقالُ ذَلِكَ لِعَبَدَةِ الصَّلِيبِ، فالمُؤْمِنُونَ في ظِلِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وهم في ظِلِّ مَعْبُودِهِمْ وهو الصَّلِيبُ لَهُ ثَلاثُ شُعَبٍ، والشِّعْبُ: ما تَفَرَّقَ مِن جِسْمٍ واحِدٍ ﴿لا ظَلِيلٍ﴾: نَفْيٌ لِمَحاسِنِ الظِّلِّ ﴿ولا يُغْنِي﴾: أيْ ولا يُغْنِي عَنْهم مِن حَرِّ اللَّهَبِ شَيْئًا ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ﴾: الضَّمِيرُ في إنَّها لِجَهَنَّمَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (بِشَرَرٍ) وعِيسى: بِشَرارٍ بِألِفٍ بَيْنَ الرّاءَيْنِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مِقْسَمٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ كَسَرَ الشِّينَ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ جَمْعَ شَرَرٍ، أيْ بِشِرارٍ مِنَ العَذابِ، وأنْ يَكُونَ صِفَةً أُقِيمَتْ مَقامَ مَوْصُوفِها، أيْ بِشِرارٍ مِنَ النّاسِ، كَما تَقُولُ: قَوْمٌ شِرارٌ جَمْعُ شَرٍّ غَيْرُ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، وقَوْمٌ خِيارٌ جَمْعُ خَيْرٍ غَيْرُ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، ويُؤَنَّثُ هَذا فَيُقالُ لِلْمُؤَنَّثِ: شَرَّةٌ وخَيْرَةٌ بِخِلافِهِما، إذا كانا لِلتَّفْضِيلِ، فَلَهُما أحْكامٌ مَذْكُورَةٌ في النَّحْوِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (كالقَصْرِ) وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ مِقْسَمٍ: بِفَتْحِ القافِ والصّادِ، وابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا والحَسَنُ أيْضًا: كالقِصَرِ، بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصّادِ، وبَعْضُ القُرّاءِ: بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِ الصّادِ، وابْنُ مَسْعُودٍ: بِضَمِّهِما، كَأنَّهُ مَقْصُورٌ مِنَ القُصُورِ، كَما قَصَرُوا النَّجْمَ والنَّمِرَ مِنَ النُّجُومِ والنُّمُورِ، قالَ الرّاجِزُ: ؎فِيها عَنابِيلُ أُسُودٌ ونَمِرُ وتَقَدَّمَ شَرْحُ أكْثَرِ هَذِهِ القِراءاتِ في المُفْرَداتِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ، ومِنهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: (جِمالاتٌ) بِكَسْرِ الجِيمِ وبِالألِفِ والتّاءِ، جَمْعُ جِمالٍ جَمْعُ الجَمْعِ وهي الإبِلُ، كَقَوْلِهِمْ: رِجالاتُ قُرَيْشٍ، وابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ بِخِلافٍ عَنْهم كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم ضَمُّوا الجِيمَ، وهي جُمالُ السُّفُنِ، الواحِدُ مِنها جُمْلَةٌ لِكَوْنِهِ جُمْلَةً مِنَ الطّاقاتِ والقُوى، ثُمَّ جُمِعَ عَلى جُمَلٍ وجِمالٍ، ثُمَّ جُمِعَ جُمالٌ ثانِيًا جَمْعُ صِحَّةٍ فَقالُوا: جُمالاتٌ. وقِيلَ: الجِمالاتُ: قُلُوصُ الجُسُورِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ الأصْمَعِيِّ، وهارُونُ عَنْهُ: جِمالَةٌ بِكَسْرِ الجِيمِ، لَحِقَتْ جِمالًا التّاءُ لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ، كَحَجَرٍ وحِجارَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّلَمِيُّ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، وأبُو بَحْرِيَّةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ورُوَيْسٌ: كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم ضَمُّوا الجِيمَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: الجِمالاتُ: قُلُوصُ السُّفُنِ، وهي حِبالُهُ العِظامُ، إذا اجْتَمَعَتْ مُسْتَدِيرَةً بَعْضُها إلى بَعْضٍ جاءَ مِنها أجْرامٌ عِظامٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الجِمالاتُ: قِطَعُ النُّحاسِ الكِبارُ، وكانَ اشْتِقاقُ هَذِهِ مِنِ اسْمِ الجُمْلَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ: صُفُرٌ، بِضَمِّ الفاءِ، والجُمْهُورُ: بِإسْكانِها، شَبَّهَ الشَّرَرَ أوَّلًا بِالقَصْرِ، وهو الحِصْنُ مِن جِهَةِ العِظَمِ ومِن جِهَةِ الطُّولِ في الهَواءِ، وثانِيًا بِالجِمالِ لِبَيانِ التَّشْبِيهِ، ألا تَراهم يُشَبِّهُونَ الإبِلَ بِالأفْدانِ، وهي القُصُورُ ؟ قالَ الشّاعِرُ: ؎فَوَقَفْتُ فِيها ناقَتِي فَكَأنَّها ∗∗∗ فَدَنٌ لِأقْضِيَ حاجَةَ المُتَلَوِّمِ ومَن قَرَأ بِضَمِّ الجِيمِ، فالتَّشْبِيهُ مِن جِهَةِ العِظَمِ والطُّولِ، والصُّفْرَةُ الفاقِعَةُ أشْبَهُ بِلَوْنِ الشَّرَرِ، قالَهُ الجُمْهُورُ: وقِيلَ: صُفْرٌ سُودٌ، وقِيلَ: سُودٌ تَضْرِبُ إلى الصُّفْرَةِ، وقالَ عِمْرانُ بْنُ حِطّانَ الرَّقاشِيُّ: ؎دَعَتْهم بِأعْلى صَوْتِها ورَمَتْهم ∗∗∗ بِمِثْلِ الجِمالِ الصُّفْرِ نَزّاعَةُ الشَّوى وقَرَأ الأعْمَشُ والأعْرَجُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعِيسى وأبُو حَيْوَةَ وعاصِمٌ في رِوايَةٍ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ، والجُمْهُورُ: بِرَفْعِها، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمّا أضافَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ بَناهُ فَهي فَتْحَةُ بِناءٍ، وهي في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: قالَ عِيسى: هي لُغَةُ سُفْلى مُضَرَ، يَعْنِي بِناءَهم يَوْمَ مَعَ لا عَلى الفَتْحِ، لِأنَّهم جَعَلُوا يَوْمَ مَعَ لا كالِاسْمِ الواحِدِ، فَهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ لِأنَّهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ. انْتَهى. والجُمْلَةُ المُصَدَّرَةُ بِمُضارِعٍ مُثْبَتٍ أوْ مَنفِيٍّ لا يُجِيزُ البَصْرِيُّونَ في الظَّرْفِ المُضافِ إلَيْها البِناءَ بِوَجْهٍ، وإنَّما هَذا مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا صَحِيحًا عَلى الظَّرْفِ، فَيَصِيرُ هَذا إشارَةً إلى ما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكَلامِ دُونَ إشارَةٍ إلى (يَوْمَ)، ويَكُونُ العامِلُ في نَصْبِ (يَوْمَ) نِداءٌ تَقَدَّمَهُ مِن صِفَةِ (p-٤٠٨)جَهَنَّمَ، ورَمْيِها بِالشَّرَرِ في (يَوْمَ لا يَنْطِقُونَ)، فَيَكُونُ يَوْمَئِذٍ كَلامًا مُعْتَرِضًا لا يَمْنَعُ مِن تَفْرِيغِ العامِلِ لِلْمَعْمُولِ، كَما كانَتْ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧] ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨] انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا، وتَكُونَ الإشارَةُ بِهَذا إلى رَمْيِها بِشَرَرٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ونَصَبَهُ الأعْمَشُ، أيْ هَذا الَّذِي قَصَّ عَلَيْكم واقِعٌ يَوْمَئِذٍ، وهُنا نَفْيُ نُطْقِهِمْ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم نَطَقُوا في مَواضِعَ مِن هَذا اليَوْمِ، وذَلِكَ بِاعْتِبارِ طُولِ اليَوْمِ، فَيَصِحُّ أنْ يَنْفِيَ القَوْلَ فِيهِ في وقْتٍ ويُثْبِتَ في وقْتٍ، أوْ نَفى نُطْقَهم بِحُجَّةٍ تَنْفَعُ وجَعَلَ نُطْقَهم بِما لا يَنْفَعُ كَلا نُطْقٍ. وقَرَأ القُرّاءُ كُلُّهم فِيما أعْلَمُ: ﴿ولا يُؤْذَنُ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وحَكى أبُو عَلِيٍّ الأهْوازِيُّ أنَّ زَيْدَ بْنَ عَلِيٍّ قَرَأ: ولا يَأْذَنُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيِ اللَّهُ تَعالى ﴿فَيَعْتَذِرُونَ﴾: عَطْفٌ عَلى ﴿ولا يُؤْذَنُ﴾ داخِلٌ في حَيِّزِ نَفْيِ الإذْنِ، أيْ فَلا إذْنٌ فاعْتِذارٌ، ولَمْ يَجْعَلِ الِاعْتِذارَ مُتَسَبِّبًا عَنِ الإذْنِ فَيُنْصَبُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَمْ يُنْصَبْ في جَوابِ النَّفْيِ لِتَشابُهِ رُءُوسِ الآيِ، والوَجْهانِ جائِزانِ. انْتَهى. فَجَعَلَ امْتِناعَ النَّصْبِ هو تُشابُهُ رُءُوسِ الآيِ، وقالَ الوَجْهانِ جائِزانِ فَظَهَرَ مِن كَلامِهِ اسْتِواءُ الرَّفْعِ والنَّصْبِ وأنَّ مَعْناهُما واحِدٌ، ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ الرَّفْعَ كَما ذَكَرْنا لا يَكُونُ مُتَسَبِّبًا بَلْ صَرِيحُ عَطْفٍ، والنَّصْبُ يَكُونُ فِيهِ مُتَسَبِّبًا فافْتَرَقا، وذَهَبَ أبُو الحَجّاجِ الأعْلَمُ إلى أنَّهُ قَدْ يُرْفَعُ الفِعْلُ ويَكُونُ مَعْناهُ المَنصُوبَ بَعْدَ الفاءِ وذَلِكَ قَلِيلٌ، وإنَّما جَعَلَ النَّحْوِيُّونَ مَعْنى الرَّفْعِ غَيْرَ مَعْنى النَّصْبِ رَعْيًا لِلْأكْثَرِ في كَلامِ العَرَبِ، وجَعَلَ دَلِيلَهُ ذَلِكَ، وهَذِهِ الآيَةُ كَظاهِرِ كَلامِ ابْنِ عَطِيَّةَ، وقَدْ رَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ ابْنُ عُصْفُورٍ وغَيْرُهُ. ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكُمْ﴾ لِلْكُفّارِ، (والأوَّلِينَ): قَوْمَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وغَيْرَهم مِنَ الكُفّارِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ زَمانُهم عَلى زَمانِ المُخاطَبِينَ، أيْ جَمَعْناكم لِلْفَصْلِ بَيْنَ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ﴾: أيْ في هَذا اليَوْمِ، كَما كانَ لَكم في الدُّنْيا ما تَكِيدُونَ بِهِ دِينَ اللَّهِ وأوْلِياءَهُ، ﴿فَكِيدُونِ﴾ اليَوْمَ، وهَذا تَعْجِيزٌ لَهم وتَوْبِيخٌ، ولَمّا كانَ في سُورَةِ الإنْسانِ ذَكَرَ نَزْرًا مِن أحْوالِ الكُفّارِ في الآخِرَةِ، وأطْنَبَ في وصْفِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ فِيها، جاءَ في هَذِهِ السُّورَةِ الإطْنابُ في وصْفِ الكُفّارِ والإيجازُ في وصْفِ المُؤْمِنِينَ، فَوَقَعَ بِذَلِكَ الِاعْتِدالُ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي ظِلالٍ﴾ جَمْعُ ظِلٍّ، والأعْمَشُ: في ظُلَلٍ جَمْعُ ظُلَّةٍ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾ خِطابٌ لَهم في الآخِرَةِ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا﴾ خِطابٌ لِلْكُفّارِ في الدُّنْيا، (قَلِيلًا): أيْ زَمانًا قَلِيلًا، إذْ قُصارى أكْلِكم وتَمَتُّعِكُمُ المَوْتُ، وهو خِطابُ تَهْدِيدٍ لِمَن أجْرَمَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا﴾ مَن قالَ إنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَ هي في قُرَيْشٍ، ومَن قالَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ قالَ هي في المُنافِقِينَ، وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ «فِي ثَقِيفٍ، قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: حُطَّ عَنّا الصَّلاةَ فَإنّا لا نَنْحَنِي، إنَّها مَسَبَّةٌ، فَأبى وقالَ: لا خَيْرَ في دِينٍ لا صَلاةَ فِيهِ» . ومَعْنى ارْكَعُوا: اخْشَعُوا لِلَّهِ وتَواضَعُوا لَهُ بِقَبُولِ وحْيِهِ، وقِيلَ: الرُّكُوعُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ الصَّلاةِ، وخَصَّ مِن أفْعالِها الرُّكُوعَ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يَأْنَفُونَ مِنَ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، وجاءَ في هَذِهِ السُّورَةِ بَعْدَ كُلِّ جُمْلَةٍ قَوْلُهُ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِأنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ مِنها فِيها إخْبارُ اللَّهِ تَعالى عَنْ أشْياءَ مِن أحْوالِ الآخِرَةِ وتَقْرِيراتٍ مِن أحْوالِ الدُّنْيا، فَناسَبَ أنْ نَذْكُرَ الوَعِيدَ عَقِيبَ كُلِّ جُمْلَةٍ مِنها لِلْمُكَذِّبِ بِالوَيْلِ في يَوْمِ الآخِرَةِ، والضَّمِيرُ في (بَعْدَهُ) عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، والمَعْنى أنَّهُ قَدْ تَضَمَّنَ مِنَ الإعْجازِ والبَلاغَةِ والأخْبارِ المُغَيَّباتِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا احْتَوى عَلَيْهِ ما لَمْ يَتَضَمَّنْهُ كِتابٌ إلَهِيٌّ، فَإذا كانُوا مُكَذِّبِينَ بِهِ، فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُصَدِّقُونَ بِهِ ؟ أيْ لا يُمْكِنُ تَصْدِيقُهم بِحَدِيثٍ بَعْدَ أنْ كَذَّبُوا بِهَذا الحَدِيثِ الَّذِي هو القُرْآنُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُؤْمِنُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ، ويَعْقُوبُ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ: بِتاءِ الخِطابِ.