Al-Bahr Al-Muhit — عبس 80:1 – عبس 80:42
المحتويات
- عبس 80:1
- عبس 80:2
- عبس 80:3
- عبس 80:4
- عبس 80:5
- عبس 80:6
- عبس 80:7
- عبس 80:8
- عبس 80:9
- عبس 80:10
- عبس 80:11
- عبس 80:12
- عبس 80:13
- عبس 80:14
- عبس 80:15
- عبس 80:16
- عبس 80:17
- عبس 80:18
- عبس 80:19
- عبس 80:20
- عبس 80:21
- عبس 80:22
- عبس 80:23
- عبس 80:24
- عبس 80:25
- عبس 80:26
- عبس 80:27
- عبس 80:28
- عبس 80:29
- عبس 80:30
- عبس 80:31
- عبس 80:32
- عبس 80:33
- عبس 80:34
- عبس 80:35
- عبس 80:36
- عبس 80:37
- عبس 80:38
- عبس 80:39
- عبس 80:40
- عبس 80:41
- عبس 80:42
عبس 80:1
(p-٤٢٥)سُورَةُ عَبَسَ مَكِّيَّةٌ وهي اثْنانِ وأرْبَعُونَ آيَةً
﷽
﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾ ﴿أنْ جاءَهُ الأعْمى﴾ ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ ﴿أوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى﴾ ﴿أمّا مَنِ اسْتَغْنى﴾ [عبس: ٥] ﴿فَأنْتَ لَهُ تَصَدّى﴾ [عبس: ٦] ﴿وما عَلَيْكَ ألّا يَزَّكّى﴾ [عبس: ٧] ﴿وأمّا مَن جاءَكَ يَسْعى﴾ [عبس: ٨] ﴿وهُوَ يَخْشى﴾ [عبس: ٩] ﴿فَأنْتَ عَنْهُ تَلَهّى﴾ [عبس: ١٠] ﴿كَلّا إنَّها تَذْكِرَةٌ﴾ [عبس: ١١] ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس: ١٢] ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ [عبس: ١٣] ﴿مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ [عبس: ١٤] ﴿بِأيْدِي سَفَرَةٍ﴾ [عبس: ١٥] ﴿كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٦] ﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧] ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [عبس: ١٨] ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس: ١٩] ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ [عبس: ٢٠] ﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١] ﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ [عبس: ٢٢] ﴿كَلّا لَمّا يَقْضِ ما أمَرَهُ﴾ [عبس: ٢٣] ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ﴾ [عبس: ٢٤] ﴿أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا﴾ [عبس: ٢٥] ﴿ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقًّا﴾ [عبس: ٢٦] ﴿فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ [عبس: ٢٧] ﴿وعِنَبًا وقَضْبًا﴾ [عبس: ٢٨] ﴿وزَيْتُونًا ونَخْلًا﴾ [عبس: ٢٩] ﴿وحَدائِقَ غُلْبًا﴾ [عبس: ٣٠] ﴿وفاكِهَةً وأبًّا﴾ [عبس: ٣١] ﴿مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ [عبس: ٣٢] ﴿فَإذا جاءَتِ الصّاخَّةُ﴾ [عبس: ٣٣] ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ [عبس: ٣٤] ﴿وأُمِّهِ وأبِيهِ﴾ [عبس: ٣٥] ﴿وصاحِبَتِهِ وبَنِيهِ﴾ [عبس: ٣٦] ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨] ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٩] ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠] ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤١] ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ [عبس: ٤٢]
تَصَدّى: تَعَرَّضَ، قالَ الرّاعِي:
؎تَصَدّى لِوَضّاحٍ كَأنَّ جَبِينَهُ سِراجُ الدُّجى يُجْبى إلَيْهِ الأساوِرُ
وأصْلُهُ: تَصَدَّدَ مِنَ الصَّدَدِ، وهو ما اسْتَقْبَلَكَ وصارَ قُبالَتَكَ، يُقالُ: دارِي صَدَدُ دارِهِ: أيْ قُبالَتُها. وقِيلَ: مِنَ الصَّدى، وهو العَطَشُ، وقِيلَ: مِنَ الصَّدى، وهو الصَّوْتُ الَّذِي تَسْمَعُهُ إذا تَكَلَّمْتَ مِن بُعْدٍ في خَلاءٍ كالجَبَلِ، والمُصاداةُ: المُعارَضَةُ. السَّفَرَةُ: الكَتَبَةُ، الواحِدُ سافِرٌ، وسَفَرَتِ المَرْأةُ: كَشَفَتِ النِّقابَ، وسَفَرْتُ بَيْنَ القَوْمِ أسْفِرُ سِفارَةً: أصْلَحْتُ بَيْنَهم، قالَهُ الفَرّاءُ، الواحِدُ سَفِيرٌ، والجَمْعُ سُفَراءُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎فَما أدَعُ السِّفارَةَ بَيْنَ قَوْمِي ∗∗∗ وما أسْعى بِغِشٍّ إنْ مَشَيْتُ
القَضْبُ، قالَ الخَلِيلُ، الفَصْفَصَةُ الرَّطْبَةُ، ويُقالُ بِالسِّينِ، فَإذا يَبِسَتْ فَهي القَتُّ، قالَ: والقَضْبُ اسْمٌ يَقَعُ عَلى ما يَقَعُ مِن أغْصانِ الشَّجَرَةِ لِيُتَّخَذَ مِنها سِهامٌ أوْ قِسِيٌّ. الغُلْبُ جَمْعُ غَلْباءَ، يُقالُ: حَدِيقَةٌ غَلْباءُ: غَلِيظَةُ الشَّجَرِ مُلْتَفَّةٌ، واغْلَوْلَبَ العُشْبُ: بَلَغَ والتَفَّ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، ورَجُلٌ أغْلَبُ: غَلِيظُ الرَّقَبَةِ، والأصْلُ في هَذا الوَصْفِ اسْتِعْمالُهُ في الرِّقابِ، ومِنهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ:
؎يَسْعى بِها غُلْبُ الرِّقابِ كَأنَّهم ∗∗∗ بُزْلٌ كُسِينَ مِنَ الشُّعُورِ جِلالا
الأبُّ: المَرْعى لِأنَّهُ يُؤَبُّ، أيْ يُؤَمُّ ويُنْتَجَعُ، والأبُّ والأُمُّ أخَوانِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎جِذْمُنا قَيْسٌ ونَجْدٌ دارُنا ∗∗∗ ولَنا الأبُّ بِهِ والمَكْرَعُ
وقِيلَ: ما يَأْكُلُهُ الآدَمِيُّونَ مِنَ النَّباتِ يُسَمّى الحَصِيدَ، وما أكَلَهُ غَيْرُهم يُسَمّى الأبَّ، ومِنهُ قَوْلُ الصَّحابَةِ يَمْدَحُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ:
؎لَهُ دَعْوَةٌ مَيْمُونَةٌ رِيحُها الصَّبا ∗∗∗ بِها يُنْبِتُ اللَّهُ الحَصِيدَةَ والأبّا
(الصّاخَّةُ) قالَ الخَلِيلُ: صَيْحَةٌ تَصُخُّ الآذانَ صَخًّا، أيْ تَصُمُّها لِشِدَّةِ وقْعَتِها. وقِيلَ: مَأْخُوذَةٌ مِن صَخَّهُ بِالحَجَرِ إذا صَكَّهُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أصاخَ لِحَدِيثِهِ مِثْلَ أصاخَ لَهُ. (الغَبَرَةُ) الغُبارُ. القَتَرَةُ: سَوادٌ كالدُّخانِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: القَتَرُ في كَلامِ العَرَبِ: الغُبارُ، جَمْعُ القَتَرَةِ. وقالَ الفَرَزْدَقُ:
؎مُتَوَّجٌ بِرِداءِ المُلْكِ يَتْبَعُهُ ∗∗∗ فَوْجٌ تَرى فَوْقَهُ الرّاياتِ والقَتَرا
(p-٤٢٦)﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾ ﴿أنْ جاءَهُ الأعْمى﴾ ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ ﴿أوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى﴾ ﴿أمّا مَنِ اسْتَغْنى﴾ [عبس: ٥] ﴿فَأنْتَ لَهُ تَصَدّى﴾ [عبس: ٦] ﴿وما عَلَيْكَ ألّا يَزَّكّى﴾ [عبس: ٧] ﴿وأمّا مَن جاءَكَ يَسْعى﴾ [عبس: ٨] ﴿وهُوَ يَخْشى﴾ [عبس: ٩] ﴿فَأنْتَ عَنْهُ تَلَهّى﴾ [عبس: ١٠] ﴿كَلّا إنَّها تَذْكِرَةٌ﴾ [عبس: ١١] ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس: ١٢] ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ [عبس: ١٣] ﴿مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ [عبس: ١٤] ﴿بِأيْدِي سَفَرَةٍ﴾ [عبس: ١٥] ﴿كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٦] ﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧] ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [عبس: ١٨] ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس: ١٩] ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ [عبس: ٢٠] ﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١] ﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ [عبس: ٢٢] ﴿كَلّا لَمّا يَقْضِ ما أمَرَهُ﴾ [عبس: ٢٣] ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ﴾ [عبس: ٢٤] ﴿أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا﴾ [عبس: ٢٥] ﴿ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقًّا﴾ [عبس: ٢٦] ﴿فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ [عبس: ٢٧] ﴿وعِنَبًا وقَضْبًا﴾ [عبس: ٢٨] ﴿وزَيْتُونًا ونَخْلًا﴾ [عبس: ٢٩] ﴿وحَدائِقَ غُلْبًا﴾ [عبس: ٣٠] ﴿وفاكِهَةً وأبًّا﴾ [عبس: ٣١] ﴿مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ [عبس: ٣٢] ﴿فَإذا جاءَتِ الصّاخَّةُ﴾ [عبس: ٣٣] ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ [عبس: ٣٤] ﴿وأُمِّهِ وأبِيهِ﴾ [عبس: ٣٥] ﴿وصاحِبَتِهِ وبَنِيهِ﴾ [عبس: ٣٦] ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨] ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٩] ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠] ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤١] ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ [عبس: ٤٢] .
هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، وسَبَبُ نُزُولِها مَجِيءُ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ إلَيْهِ، وقَدْ ذَكَرَ أهْلُ الحَدِيثِ وأهْلُ التَّفْسِيرِ قِصَّتَهُ. ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ (p-٤٢٧)﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النازعات: ٤٥] ذَكَرَ في هَذِهِ مَن يَنْفَعُهُ الإنْذارُ ومَن لَمْ يَنْفَعْهُ الإنْذارُ، وهُمُ الَّذِينَ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، يُناجِيهِمْ في أمْرِ الإسْلامِ: عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وأبُو جَهْلٍ، وأُبَيٌّ، وأُمَيَّةُ، ويَدْعُوهم إلَيْهِ.
﴿أنْ جاءَهُ﴾ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، أيْ لِأنْ جاءَهُ، ويَتَعَلَّقُ بِـ(تَوَلّى) عَلى مُخْتارِ البَصْرِيِّينَ في الأعْمالِ، وبِ (عَبَسَ) عَلى مُخْتارِ أهْلِ الكُوفَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (عَبَسَ) مُخَفَّفًا (أنْ) بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِشَدِّ الباءِ، وهو والحَسَنُ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وعِيسى: أآنْ بِهَمْزَةٍ ومَدَّةٍ بَعْدَها، وبَعْضُ القُرّاءِ: بِهَمْزَتَيْنِ مُحَقَّقَتَيْنِ، والهَمْزَةُ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ لِلِاسْتِفْهامِ، وفِيهِما يَقِفُ عَلى تَوَلّى. والمَعْنى: ألِأنْ جاءَهُ كادَ كَذا. وجاءَ بِضَمِيرِ الغائِبِ في ﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾ إجْلالًا لَهُ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولُطْفًا بِهِ أنْ يُخاطِبَهُ لِما في المُشافَهَةِ بِتاءِ الخِطابِ مِمّا لا يَخْفى، وجاءَ لَفْظُ (الأعْمى) إشْعارًا بِما يُناسِبُ مِنَ الرِّفْقِ بِهِ والصَّغْوِ لِما يَقْصِدُهُ، ولِابْنِ عَطِيَّةَ هُنا كَلامٌ أضْرَبْتُ عَنْهُ صَفْحًا، والضَّمِيرُ في (لَعَلَّهُ) عائِدٌ عَلى (الأعْمى) أيْ يَتَطَهَّرُ بِما يَتَلَقَّنُ مِنِ العِلْمِ، أوْ (يَذَّكَّرُ): أيْ يَتَّعِظُ (فَتَنْفَعَهُ) ذِكْراكَ، أيْ مَوْعِظَتُكَ، والظّاهِرُ نَصْبُ (يُدْرِيكَ) عَلى جُمْلَةِ التَّرَجِّي، فالمَعْنى: لا تَدْرِي ما هو مُتَرَجًّى مِنهُ مِن تَزَكٍّ أوْ تَذَكُّرٍ. وقِيلَ: المَعْنى وما يُطْلِعُكَ عَلى أمْرِهِ وعُقْبى حالِهِ.
ثُمَّ ابْتَدَأ القَوْلَ: ﴿لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ أيْ تَنْمُو بَرَكَتُهُ ويَتَطَهَّرُ لِلَّهِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (لَعَلَّهُ) لِلْكافِرِ، يَعْنِي أنَّكَ طَمِعْتَ في أنْ يَتَزَكّى بِالإسْلامِ، أوْ يَذَّكَرَ فَتُقَرِّبَهُ الذِّكْرى إلى قَبُولِ الحَقِّ، وما يُدْرِيكَ أنَّ ما طَمِعَتْ فِيهِ كائِنٌ. انْتَهى. وهَذا قَوْلٌ يُنَزَّهُ عَنْهُ حَمْلُ القُرْآنِ عَلَيْهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أوْ يَذَّكَّرُ﴾ بِشَدِّ الذّالِ والكافِ، وأصْلُهُ يَتَذَكَّرُ فَأُدْغِمَ، والأعْرَجُ وعاصِمٌ في رِوايَةٍ: (أوْ يَذْكُرُ)، بِسُكُونِ الذّالِ وضَمِّ الكافِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَتَنْفَعُهُ) بِرَفْعِ العَيْنِ عَطْفًا عَلى ﴿أوْ يَذَّكَّرُ﴾ وعاصِمٌ في المَشْهُورِ، والأعْرَجُ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، والزَّعْفَرانِيُّ: بِنَصْبِهِما، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: في جَوابِ التَّمَنِّي، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أوْ يَذَّكَّرُ﴾ في حُكْمِ قَوْلِهِ ﴿لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ . انْتَهى. وهَذا لَيْسَ تَمَنِّيًا، إنَّما هو تَرَجٍّ، وفَرْقٌ بَيْنَ التَّرَجِّي والتَّمَنِّي، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وبِالنَّصْبِ جَوابًا لِلَعَلَّ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى﴾ [غافر: ٣٧] . انْتَهى. والتَّرَجِّي عِنْدَ البَصْرِيِّينَ لا جَوابَ لَهُ، فَيُنْصَبُ بِإضْمارِ أنْ بَعْدَ الفاءِ. وأمّا الكُوفِيُّونَ فَيَقُولُونَ: يُنْصَبُ في جَوابِ التَّرَجِّي، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى﴾ [غافر: ٣٧] في قِراءَةِ حَفْصٍ، ووَجَّهْنا مَذْهَبَ البَصْرِيِّينَ في نَصْبِ المُضارِعِ.
عبس 80:2
(p-٤٢٥)سُورَةُ عَبَسَ مَكِّيَّةٌ وهي اثْنانِ وأرْبَعُونَ آيَةً
﷽
﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾ ﴿أنْ جاءَهُ الأعْمى﴾ ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ ﴿أوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى﴾ ﴿أمّا مَنِ اسْتَغْنى﴾ [عبس: ٥] ﴿فَأنْتَ لَهُ تَصَدّى﴾ [عبس: ٦] ﴿وما عَلَيْكَ ألّا يَزَّكّى﴾ [عبس: ٧] ﴿وأمّا مَن جاءَكَ يَسْعى﴾ [عبس: ٨] ﴿وهُوَ يَخْشى﴾ [عبس: ٩] ﴿فَأنْتَ عَنْهُ تَلَهّى﴾ [عبس: ١٠] ﴿كَلّا إنَّها تَذْكِرَةٌ﴾ [عبس: ١١] ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس: ١٢] ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ [عبس: ١٣] ﴿مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ [عبس: ١٤] ﴿بِأيْدِي سَفَرَةٍ﴾ [عبس: ١٥] ﴿كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٦] ﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧] ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [عبس: ١٨] ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس: ١٩] ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ [عبس: ٢٠] ﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١] ﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ [عبس: ٢٢] ﴿كَلّا لَمّا يَقْضِ ما أمَرَهُ﴾ [عبس: ٢٣] ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ﴾ [عبس: ٢٤] ﴿أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا﴾ [عبس: ٢٥] ﴿ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقًّا﴾ [عبس: ٢٦] ﴿فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ [عبس: ٢٧] ﴿وعِنَبًا وقَضْبًا﴾ [عبس: ٢٨] ﴿وزَيْتُونًا ونَخْلًا﴾ [عبس: ٢٩] ﴿وحَدائِقَ غُلْبًا﴾ [عبس: ٣٠] ﴿وفاكِهَةً وأبًّا﴾ [عبس: ٣١] ﴿مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ [عبس: ٣٢] ﴿فَإذا جاءَتِ الصّاخَّةُ﴾ [عبس: ٣٣] ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ [عبس: ٣٤] ﴿وأُمِّهِ وأبِيهِ﴾ [عبس: ٣٥] ﴿وصاحِبَتِهِ وبَنِيهِ﴾ [عبس: ٣٦] ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨] ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٩] ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠] ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤١] ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ [عبس: ٤٢]
تَصَدّى: تَعَرَّضَ، قالَ الرّاعِي:
؎تَصَدّى لِوَضّاحٍ كَأنَّ جَبِينَهُ سِراجُ الدُّجى يُجْبى إلَيْهِ الأساوِرُ
وأصْلُهُ: تَصَدَّدَ مِنَ الصَّدَدِ، وهو ما اسْتَقْبَلَكَ وصارَ قُبالَتَكَ، يُقالُ: دارِي صَدَدُ دارِهِ: أيْ قُبالَتُها. وقِيلَ: مِنَ الصَّدى، وهو العَطَشُ، وقِيلَ: مِنَ الصَّدى، وهو الصَّوْتُ الَّذِي تَسْمَعُهُ إذا تَكَلَّمْتَ مِن بُعْدٍ في خَلاءٍ كالجَبَلِ، والمُصاداةُ: المُعارَضَةُ. السَّفَرَةُ: الكَتَبَةُ، الواحِدُ سافِرٌ، وسَفَرَتِ المَرْأةُ: كَشَفَتِ النِّقابَ، وسَفَرْتُ بَيْنَ القَوْمِ أسْفِرُ سِفارَةً: أصْلَحْتُ بَيْنَهم، قالَهُ الفَرّاءُ، الواحِدُ سَفِيرٌ، والجَمْعُ سُفَراءُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎فَما أدَعُ السِّفارَةَ بَيْنَ قَوْمِي ∗∗∗ وما أسْعى بِغِشٍّ إنْ مَشَيْتُ
القَضْبُ، قالَ الخَلِيلُ، الفَصْفَصَةُ الرَّطْبَةُ، ويُقالُ بِالسِّينِ، فَإذا يَبِسَتْ فَهي القَتُّ، قالَ: والقَضْبُ اسْمٌ يَقَعُ عَلى ما يَقَعُ مِن أغْصانِ الشَّجَرَةِ لِيُتَّخَذَ مِنها سِهامٌ أوْ قِسِيٌّ. الغُلْبُ جَمْعُ غَلْباءَ، يُقالُ: حَدِيقَةٌ غَلْباءُ: غَلِيظَةُ الشَّجَرِ مُلْتَفَّةٌ، واغْلَوْلَبَ العُشْبُ: بَلَغَ والتَفَّ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، ورَجُلٌ أغْلَبُ: غَلِيظُ الرَّقَبَةِ، والأصْلُ في هَذا الوَصْفِ اسْتِعْمالُهُ في الرِّقابِ، ومِنهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ:
؎يَسْعى بِها غُلْبُ الرِّقابِ كَأنَّهم ∗∗∗ بُزْلٌ كُسِينَ مِنَ الشُّعُورِ جِلالا
الأبُّ: المَرْعى لِأنَّهُ يُؤَبُّ، أيْ يُؤَمُّ ويُنْتَجَعُ، والأبُّ والأُمُّ أخَوانِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎جِذْمُنا قَيْسٌ ونَجْدٌ دارُنا ∗∗∗ ولَنا الأبُّ بِهِ والمَكْرَعُ
وقِيلَ: ما يَأْكُلُهُ الآدَمِيُّونَ مِنَ النَّباتِ يُسَمّى الحَصِيدَ، وما أكَلَهُ غَيْرُهم يُسَمّى الأبَّ، ومِنهُ قَوْلُ الصَّحابَةِ يَمْدَحُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ:
؎لَهُ دَعْوَةٌ مَيْمُونَةٌ رِيحُها الصَّبا ∗∗∗ بِها يُنْبِتُ اللَّهُ الحَصِيدَةَ والأبّا
(الصّاخَّةُ) قالَ الخَلِيلُ: صَيْحَةٌ تَصُخُّ الآذانَ صَخًّا، أيْ تَصُمُّها لِشِدَّةِ وقْعَتِها. وقِيلَ: مَأْخُوذَةٌ مِن صَخَّهُ بِالحَجَرِ إذا صَكَّهُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أصاخَ لِحَدِيثِهِ مِثْلَ أصاخَ لَهُ. (الغَبَرَةُ) الغُبارُ. القَتَرَةُ: سَوادٌ كالدُّخانِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: القَتَرُ في كَلامِ العَرَبِ: الغُبارُ، جَمْعُ القَتَرَةِ. وقالَ الفَرَزْدَقُ:
؎مُتَوَّجٌ بِرِداءِ المُلْكِ يَتْبَعُهُ ∗∗∗ فَوْجٌ تَرى فَوْقَهُ الرّاياتِ والقَتَرا
(p-٤٢٦)﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾ ﴿أنْ جاءَهُ الأعْمى﴾ ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ ﴿أوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى﴾ ﴿أمّا مَنِ اسْتَغْنى﴾ [عبس: ٥] ﴿فَأنْتَ لَهُ تَصَدّى﴾ [عبس: ٦] ﴿وما عَلَيْكَ ألّا يَزَّكّى﴾ [عبس: ٧] ﴿وأمّا مَن جاءَكَ يَسْعى﴾ [عبس: ٨] ﴿وهُوَ يَخْشى﴾ [عبس: ٩] ﴿فَأنْتَ عَنْهُ تَلَهّى﴾ [عبس: ١٠] ﴿كَلّا إنَّها تَذْكِرَةٌ﴾ [عبس: ١١] ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس: ١٢] ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ [عبس: ١٣] ﴿مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ [عبس: ١٤] ﴿بِأيْدِي سَفَرَةٍ﴾ [عبس: ١٥] ﴿كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٦] ﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧] ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [عبس: ١٨] ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس: ١٩] ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ [عبس: ٢٠] ﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١] ﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ [عبس: ٢٢] ﴿كَلّا لَمّا يَقْضِ ما أمَرَهُ﴾ [عبس: ٢٣] ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ﴾ [عبس: ٢٤] ﴿أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا﴾ [عبس: ٢٥] ﴿ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقًّا﴾ [عبس: ٢٦] ﴿فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ [عبس: ٢٧] ﴿وعِنَبًا وقَضْبًا﴾ [عبس: ٢٨] ﴿وزَيْتُونًا ونَخْلًا﴾ [عبس: ٢٩] ﴿وحَدائِقَ غُلْبًا﴾ [عبس: ٣٠] ﴿وفاكِهَةً وأبًّا﴾ [عبس: ٣١] ﴿مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ [عبس: ٣٢] ﴿فَإذا جاءَتِ الصّاخَّةُ﴾ [عبس: ٣٣] ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ [عبس: ٣٤] ﴿وأُمِّهِ وأبِيهِ﴾ [عبس: ٣٥] ﴿وصاحِبَتِهِ وبَنِيهِ﴾ [عبس: ٣٦] ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨] ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٩] ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠] ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤١] ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ [عبس: ٤٢] .
هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، وسَبَبُ نُزُولِها مَجِيءُ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ إلَيْهِ، وقَدْ ذَكَرَ أهْلُ الحَدِيثِ وأهْلُ التَّفْسِيرِ قِصَّتَهُ. ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ (p-٤٢٧)﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النازعات: ٤٥] ذَكَرَ في هَذِهِ مَن يَنْفَعُهُ الإنْذارُ ومَن لَمْ يَنْفَعْهُ الإنْذارُ، وهُمُ الَّذِينَ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، يُناجِيهِمْ في أمْرِ الإسْلامِ: عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وأبُو جَهْلٍ، وأُبَيٌّ، وأُمَيَّةُ، ويَدْعُوهم إلَيْهِ.
﴿أنْ جاءَهُ﴾ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، أيْ لِأنْ جاءَهُ، ويَتَعَلَّقُ بِـ(تَوَلّى) عَلى مُخْتارِ البَصْرِيِّينَ في الأعْمالِ، وبِ (عَبَسَ) عَلى مُخْتارِ أهْلِ الكُوفَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (عَبَسَ) مُخَفَّفًا (أنْ) بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِشَدِّ الباءِ، وهو والحَسَنُ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وعِيسى: أآنْ بِهَمْزَةٍ ومَدَّةٍ بَعْدَها، وبَعْضُ القُرّاءِ: بِهَمْزَتَيْنِ مُحَقَّقَتَيْنِ، والهَمْزَةُ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ لِلِاسْتِفْهامِ، وفِيهِما يَقِفُ عَلى تَوَلّى. والمَعْنى: ألِأنْ جاءَهُ كادَ كَذا. وجاءَ بِضَمِيرِ الغائِبِ في ﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾ إجْلالًا لَهُ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولُطْفًا بِهِ أنْ يُخاطِبَهُ لِما في المُشافَهَةِ بِتاءِ الخِطابِ مِمّا لا يَخْفى، وجاءَ لَفْظُ (الأعْمى) إشْعارًا بِما يُناسِبُ مِنَ الرِّفْقِ بِهِ والصَّغْوِ لِما يَقْصِدُهُ، ولِابْنِ عَطِيَّةَ هُنا كَلامٌ أضْرَبْتُ عَنْهُ صَفْحًا، والضَّمِيرُ في (لَعَلَّهُ) عائِدٌ عَلى (الأعْمى) أيْ يَتَطَهَّرُ بِما يَتَلَقَّنُ مِنِ العِلْمِ، أوْ (يَذَّكَّرُ): أيْ يَتَّعِظُ (فَتَنْفَعَهُ) ذِكْراكَ، أيْ مَوْعِظَتُكَ، والظّاهِرُ نَصْبُ (يُدْرِيكَ) عَلى جُمْلَةِ التَّرَجِّي، فالمَعْنى: لا تَدْرِي ما هو مُتَرَجًّى مِنهُ مِن تَزَكٍّ أوْ تَذَكُّرٍ. وقِيلَ: المَعْنى وما يُطْلِعُكَ عَلى أمْرِهِ وعُقْبى حالِهِ.
ثُمَّ ابْتَدَأ القَوْلَ: ﴿لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ أيْ تَنْمُو بَرَكَتُهُ ويَتَطَهَّرُ لِلَّهِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (لَعَلَّهُ) لِلْكافِرِ، يَعْنِي أنَّكَ طَمِعْتَ في أنْ يَتَزَكّى بِالإسْلامِ، أوْ يَذَّكَرَ فَتُقَرِّبَهُ الذِّكْرى إلى قَبُولِ الحَقِّ، وما يُدْرِيكَ أنَّ ما طَمِعَتْ فِيهِ كائِنٌ. انْتَهى. وهَذا قَوْلٌ يُنَزَّهُ عَنْهُ حَمْلُ القُرْآنِ عَلَيْهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أوْ يَذَّكَّرُ﴾ بِشَدِّ الذّالِ والكافِ، وأصْلُهُ يَتَذَكَّرُ فَأُدْغِمَ، والأعْرَجُ وعاصِمٌ في رِوايَةٍ: (أوْ يَذْكُرُ)، بِسُكُونِ الذّالِ وضَمِّ الكافِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَتَنْفَعُهُ) بِرَفْعِ العَيْنِ عَطْفًا عَلى ﴿أوْ يَذَّكَّرُ﴾ وعاصِمٌ في المَشْهُورِ، والأعْرَجُ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، والزَّعْفَرانِيُّ: بِنَصْبِهِما، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: في جَوابِ التَّمَنِّي، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أوْ يَذَّكَّرُ﴾ في حُكْمِ قَوْلِهِ ﴿لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ . انْتَهى. وهَذا لَيْسَ تَمَنِّيًا، إنَّما هو تَرَجٍّ، وفَرْقٌ بَيْنَ التَّرَجِّي والتَّمَنِّي، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وبِالنَّصْبِ جَوابًا لِلَعَلَّ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى﴾ [غافر: ٣٧] . انْتَهى. والتَّرَجِّي عِنْدَ البَصْرِيِّينَ لا جَوابَ لَهُ، فَيُنْصَبُ بِإضْمارِ أنْ بَعْدَ الفاءِ. وأمّا الكُوفِيُّونَ فَيَقُولُونَ: يُنْصَبُ في جَوابِ التَّرَجِّي، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى﴾ [غافر: ٣٧] في قِراءَةِ حَفْصٍ، ووَجَّهْنا مَذْهَبَ البَصْرِيِّينَ في نَصْبِ المُضارِعِ.
عبس 80:3
(p-٤٢٥)سُورَةُ عَبَسَ مَكِّيَّةٌ وهي اثْنانِ وأرْبَعُونَ آيَةً
﷽
﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾ ﴿أنْ جاءَهُ الأعْمى﴾ ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ ﴿أوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى﴾ ﴿أمّا مَنِ اسْتَغْنى﴾ [عبس: ٥] ﴿فَأنْتَ لَهُ تَصَدّى﴾ [عبس: ٦] ﴿وما عَلَيْكَ ألّا يَزَّكّى﴾ [عبس: ٧] ﴿وأمّا مَن جاءَكَ يَسْعى﴾ [عبس: ٨] ﴿وهُوَ يَخْشى﴾ [عبس: ٩] ﴿فَأنْتَ عَنْهُ تَلَهّى﴾ [عبس: ١٠] ﴿كَلّا إنَّها تَذْكِرَةٌ﴾ [عبس: ١١] ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس: ١٢] ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ [عبس: ١٣] ﴿مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ [عبس: ١٤] ﴿بِأيْدِي سَفَرَةٍ﴾ [عبس: ١٥] ﴿كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٦] ﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧] ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [عبس: ١٨] ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس: ١٩] ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ [عبس: ٢٠] ﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١] ﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ [عبس: ٢٢] ﴿كَلّا لَمّا يَقْضِ ما أمَرَهُ﴾ [عبس: ٢٣] ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ﴾ [عبس: ٢٤] ﴿أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا﴾ [عبس: ٢٥] ﴿ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقًّا﴾ [عبس: ٢٦] ﴿فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ [عبس: ٢٧] ﴿وعِنَبًا وقَضْبًا﴾ [عبس: ٢٨] ﴿وزَيْتُونًا ونَخْلًا﴾ [عبس: ٢٩] ﴿وحَدائِقَ غُلْبًا﴾ [عبس: ٣٠] ﴿وفاكِهَةً وأبًّا﴾ [عبس: ٣١] ﴿مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ [عبس: ٣٢] ﴿فَإذا جاءَتِ الصّاخَّةُ﴾ [عبس: ٣٣] ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ [عبس: ٣٤] ﴿وأُمِّهِ وأبِيهِ﴾ [عبس: ٣٥] ﴿وصاحِبَتِهِ وبَنِيهِ﴾ [عبس: ٣٦] ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨] ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٩] ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠] ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤١] ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ [عبس: ٤٢]
تَصَدّى: تَعَرَّضَ، قالَ الرّاعِي:
؎تَصَدّى لِوَضّاحٍ كَأنَّ جَبِينَهُ سِراجُ الدُّجى يُجْبى إلَيْهِ الأساوِرُ
وأصْلُهُ: تَصَدَّدَ مِنَ الصَّدَدِ، وهو ما اسْتَقْبَلَكَ وصارَ قُبالَتَكَ، يُقالُ: دارِي صَدَدُ دارِهِ: أيْ قُبالَتُها. وقِيلَ: مِنَ الصَّدى، وهو العَطَشُ، وقِيلَ: مِنَ الصَّدى، وهو الصَّوْتُ الَّذِي تَسْمَعُهُ إذا تَكَلَّمْتَ مِن بُعْدٍ في خَلاءٍ كالجَبَلِ، والمُصاداةُ: المُعارَضَةُ. السَّفَرَةُ: الكَتَبَةُ، الواحِدُ سافِرٌ، وسَفَرَتِ المَرْأةُ: كَشَفَتِ النِّقابَ، وسَفَرْتُ بَيْنَ القَوْمِ أسْفِرُ سِفارَةً: أصْلَحْتُ بَيْنَهم، قالَهُ الفَرّاءُ، الواحِدُ سَفِيرٌ، والجَمْعُ سُفَراءُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎فَما أدَعُ السِّفارَةَ بَيْنَ قَوْمِي ∗∗∗ وما أسْعى بِغِشٍّ إنْ مَشَيْتُ
القَضْبُ، قالَ الخَلِيلُ، الفَصْفَصَةُ الرَّطْبَةُ، ويُقالُ بِالسِّينِ، فَإذا يَبِسَتْ فَهي القَتُّ، قالَ: والقَضْبُ اسْمٌ يَقَعُ عَلى ما يَقَعُ مِن أغْصانِ الشَّجَرَةِ لِيُتَّخَذَ مِنها سِهامٌ أوْ قِسِيٌّ. الغُلْبُ جَمْعُ غَلْباءَ، يُقالُ: حَدِيقَةٌ غَلْباءُ: غَلِيظَةُ الشَّجَرِ مُلْتَفَّةٌ، واغْلَوْلَبَ العُشْبُ: بَلَغَ والتَفَّ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، ورَجُلٌ أغْلَبُ: غَلِيظُ الرَّقَبَةِ، والأصْلُ في هَذا الوَصْفِ اسْتِعْمالُهُ في الرِّقابِ، ومِنهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ:
؎يَسْعى بِها غُلْبُ الرِّقابِ كَأنَّهم ∗∗∗ بُزْلٌ كُسِينَ مِنَ الشُّعُورِ جِلالا
الأبُّ: المَرْعى لِأنَّهُ يُؤَبُّ، أيْ يُؤَمُّ ويُنْتَجَعُ، والأبُّ والأُمُّ أخَوانِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎جِذْمُنا قَيْسٌ ونَجْدٌ دارُنا ∗∗∗ ولَنا الأبُّ بِهِ والمَكْرَعُ
وقِيلَ: ما يَأْكُلُهُ الآدَمِيُّونَ مِنَ النَّباتِ يُسَمّى الحَصِيدَ، وما أكَلَهُ غَيْرُهم يُسَمّى الأبَّ، ومِنهُ قَوْلُ الصَّحابَةِ يَمْدَحُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ:
؎لَهُ دَعْوَةٌ مَيْمُونَةٌ رِيحُها الصَّبا ∗∗∗ بِها يُنْبِتُ اللَّهُ الحَصِيدَةَ والأبّا
(الصّاخَّةُ) قالَ الخَلِيلُ: صَيْحَةٌ تَصُخُّ الآذانَ صَخًّا، أيْ تَصُمُّها لِشِدَّةِ وقْعَتِها. وقِيلَ: مَأْخُوذَةٌ مِن صَخَّهُ بِالحَجَرِ إذا صَكَّهُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أصاخَ لِحَدِيثِهِ مِثْلَ أصاخَ لَهُ. (الغَبَرَةُ) الغُبارُ. القَتَرَةُ: سَوادٌ كالدُّخانِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: القَتَرُ في كَلامِ العَرَبِ: الغُبارُ، جَمْعُ القَتَرَةِ. وقالَ الفَرَزْدَقُ:
؎مُتَوَّجٌ بِرِداءِ المُلْكِ يَتْبَعُهُ ∗∗∗ فَوْجٌ تَرى فَوْقَهُ الرّاياتِ والقَتَرا
(p-٤٢٦)﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾ ﴿أنْ جاءَهُ الأعْمى﴾ ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ ﴿أوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى﴾ ﴿أمّا مَنِ اسْتَغْنى﴾ [عبس: ٥] ﴿فَأنْتَ لَهُ تَصَدّى﴾ [عبس: ٦] ﴿وما عَلَيْكَ ألّا يَزَّكّى﴾ [عبس: ٧] ﴿وأمّا مَن جاءَكَ يَسْعى﴾ [عبس: ٨] ﴿وهُوَ يَخْشى﴾ [عبس: ٩] ﴿فَأنْتَ عَنْهُ تَلَهّى﴾ [عبس: ١٠] ﴿كَلّا إنَّها تَذْكِرَةٌ﴾ [عبس: ١١] ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس: ١٢] ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ [عبس: ١٣] ﴿مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ [عبس: ١٤] ﴿بِأيْدِي سَفَرَةٍ﴾ [عبس: ١٥] ﴿كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٦] ﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧] ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [عبس: ١٨] ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس: ١٩] ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ [عبس: ٢٠] ﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١] ﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ [عبس: ٢٢] ﴿كَلّا لَمّا يَقْضِ ما أمَرَهُ﴾ [عبس: ٢٣] ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ﴾ [عبس: ٢٤] ﴿أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا﴾ [عبس: ٢٥] ﴿ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقًّا﴾ [عبس: ٢٦] ﴿فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ [عبس: ٢٧] ﴿وعِنَبًا وقَضْبًا﴾ [عبس: ٢٨] ﴿وزَيْتُونًا ونَخْلًا﴾ [عبس: ٢٩] ﴿وحَدائِقَ غُلْبًا﴾ [عبس: ٣٠] ﴿وفاكِهَةً وأبًّا﴾ [عبس: ٣١] ﴿مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ [عبس: ٣٢] ﴿فَإذا جاءَتِ الصّاخَّةُ﴾ [عبس: ٣٣] ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ [عبس: ٣٤] ﴿وأُمِّهِ وأبِيهِ﴾ [عبس: ٣٥] ﴿وصاحِبَتِهِ وبَنِيهِ﴾ [عبس: ٣٦] ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨] ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٩] ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠] ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤١] ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ [عبس: ٤٢] .
هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، وسَبَبُ نُزُولِها مَجِيءُ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ إلَيْهِ، وقَدْ ذَكَرَ أهْلُ الحَدِيثِ وأهْلُ التَّفْسِيرِ قِصَّتَهُ. ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ (p-٤٢٧)﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النازعات: ٤٥] ذَكَرَ في هَذِهِ مَن يَنْفَعُهُ الإنْذارُ ومَن لَمْ يَنْفَعْهُ الإنْذارُ، وهُمُ الَّذِينَ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، يُناجِيهِمْ في أمْرِ الإسْلامِ: عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وأبُو جَهْلٍ، وأُبَيٌّ، وأُمَيَّةُ، ويَدْعُوهم إلَيْهِ.
﴿أنْ جاءَهُ﴾ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، أيْ لِأنْ جاءَهُ، ويَتَعَلَّقُ بِـ(تَوَلّى) عَلى مُخْتارِ البَصْرِيِّينَ في الأعْمالِ، وبِ (عَبَسَ) عَلى مُخْتارِ أهْلِ الكُوفَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (عَبَسَ) مُخَفَّفًا (أنْ) بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِشَدِّ الباءِ، وهو والحَسَنُ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وعِيسى: أآنْ بِهَمْزَةٍ ومَدَّةٍ بَعْدَها، وبَعْضُ القُرّاءِ: بِهَمْزَتَيْنِ مُحَقَّقَتَيْنِ، والهَمْزَةُ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ لِلِاسْتِفْهامِ، وفِيهِما يَقِفُ عَلى تَوَلّى. والمَعْنى: ألِأنْ جاءَهُ كادَ كَذا. وجاءَ بِضَمِيرِ الغائِبِ في ﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾ إجْلالًا لَهُ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولُطْفًا بِهِ أنْ يُخاطِبَهُ لِما في المُشافَهَةِ بِتاءِ الخِطابِ مِمّا لا يَخْفى، وجاءَ لَفْظُ (الأعْمى) إشْعارًا بِما يُناسِبُ مِنَ الرِّفْقِ بِهِ والصَّغْوِ لِما يَقْصِدُهُ، ولِابْنِ عَطِيَّةَ هُنا كَلامٌ أضْرَبْتُ عَنْهُ صَفْحًا، والضَّمِيرُ في (لَعَلَّهُ) عائِدٌ عَلى (الأعْمى) أيْ يَتَطَهَّرُ بِما يَتَلَقَّنُ مِنِ العِلْمِ، أوْ (يَذَّكَّرُ): أيْ يَتَّعِظُ (فَتَنْفَعَهُ) ذِكْراكَ، أيْ مَوْعِظَتُكَ، والظّاهِرُ نَصْبُ (يُدْرِيكَ) عَلى جُمْلَةِ التَّرَجِّي، فالمَعْنى: لا تَدْرِي ما هو مُتَرَجًّى مِنهُ مِن تَزَكٍّ أوْ تَذَكُّرٍ. وقِيلَ: المَعْنى وما يُطْلِعُكَ عَلى أمْرِهِ وعُقْبى حالِهِ.
ثُمَّ ابْتَدَأ القَوْلَ: ﴿لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ أيْ تَنْمُو بَرَكَتُهُ ويَتَطَهَّرُ لِلَّهِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (لَعَلَّهُ) لِلْكافِرِ، يَعْنِي أنَّكَ طَمِعْتَ في أنْ يَتَزَكّى بِالإسْلامِ، أوْ يَذَّكَرَ فَتُقَرِّبَهُ الذِّكْرى إلى قَبُولِ الحَقِّ، وما يُدْرِيكَ أنَّ ما طَمِعَتْ فِيهِ كائِنٌ. انْتَهى. وهَذا قَوْلٌ يُنَزَّهُ عَنْهُ حَمْلُ القُرْآنِ عَلَيْهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أوْ يَذَّكَّرُ﴾ بِشَدِّ الذّالِ والكافِ، وأصْلُهُ يَتَذَكَّرُ فَأُدْغِمَ، والأعْرَجُ وعاصِمٌ في رِوايَةٍ: (أوْ يَذْكُرُ)، بِسُكُونِ الذّالِ وضَمِّ الكافِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَتَنْفَعُهُ) بِرَفْعِ العَيْنِ عَطْفًا عَلى ﴿أوْ يَذَّكَّرُ﴾ وعاصِمٌ في المَشْهُورِ، والأعْرَجُ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، والزَّعْفَرانِيُّ: بِنَصْبِهِما، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: في جَوابِ التَّمَنِّي، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أوْ يَذَّكَّرُ﴾ في حُكْمِ قَوْلِهِ ﴿لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ . انْتَهى. وهَذا لَيْسَ تَمَنِّيًا، إنَّما هو تَرَجٍّ، وفَرْقٌ بَيْنَ التَّرَجِّي والتَّمَنِّي، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وبِالنَّصْبِ جَوابًا لِلَعَلَّ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى﴾ [غافر: ٣٧] . انْتَهى. والتَّرَجِّي عِنْدَ البَصْرِيِّينَ لا جَوابَ لَهُ، فَيُنْصَبُ بِإضْمارِ أنْ بَعْدَ الفاءِ. وأمّا الكُوفِيُّونَ فَيَقُولُونَ: يُنْصَبُ في جَوابِ التَّرَجِّي، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى﴾ [غافر: ٣٧] في قِراءَةِ حَفْصٍ، ووَجَّهْنا مَذْهَبَ البَصْرِيِّينَ في نَصْبِ المُضارِعِ.
عبس 80:4
(p-٤٢٥)سُورَةُ عَبَسَ مَكِّيَّةٌ وهي اثْنانِ وأرْبَعُونَ آيَةً
﷽
﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾ ﴿أنْ جاءَهُ الأعْمى﴾ ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ ﴿أوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى﴾ ﴿أمّا مَنِ اسْتَغْنى﴾ [عبس: ٥] ﴿فَأنْتَ لَهُ تَصَدّى﴾ [عبس: ٦] ﴿وما عَلَيْكَ ألّا يَزَّكّى﴾ [عبس: ٧] ﴿وأمّا مَن جاءَكَ يَسْعى﴾ [عبس: ٨] ﴿وهُوَ يَخْشى﴾ [عبس: ٩] ﴿فَأنْتَ عَنْهُ تَلَهّى﴾ [عبس: ١٠] ﴿كَلّا إنَّها تَذْكِرَةٌ﴾ [عبس: ١١] ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس: ١٢] ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ [عبس: ١٣] ﴿مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ [عبس: ١٤] ﴿بِأيْدِي سَفَرَةٍ﴾ [عبس: ١٥] ﴿كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٦] ﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧] ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [عبس: ١٨] ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس: ١٩] ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ [عبس: ٢٠] ﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١] ﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ [عبس: ٢٢] ﴿كَلّا لَمّا يَقْضِ ما أمَرَهُ﴾ [عبس: ٢٣] ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ﴾ [عبس: ٢٤] ﴿أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا﴾ [عبس: ٢٥] ﴿ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقًّا﴾ [عبس: ٢٦] ﴿فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ [عبس: ٢٧] ﴿وعِنَبًا وقَضْبًا﴾ [عبس: ٢٨] ﴿وزَيْتُونًا ونَخْلًا﴾ [عبس: ٢٩] ﴿وحَدائِقَ غُلْبًا﴾ [عبس: ٣٠] ﴿وفاكِهَةً وأبًّا﴾ [عبس: ٣١] ﴿مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ [عبس: ٣٢] ﴿فَإذا جاءَتِ الصّاخَّةُ﴾ [عبس: ٣٣] ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ [عبس: ٣٤] ﴿وأُمِّهِ وأبِيهِ﴾ [عبس: ٣٥] ﴿وصاحِبَتِهِ وبَنِيهِ﴾ [عبس: ٣٦] ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨] ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٩] ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠] ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤١] ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ [عبس: ٤٢]
تَصَدّى: تَعَرَّضَ، قالَ الرّاعِي:
؎تَصَدّى لِوَضّاحٍ كَأنَّ جَبِينَهُ سِراجُ الدُّجى يُجْبى إلَيْهِ الأساوِرُ
وأصْلُهُ: تَصَدَّدَ مِنَ الصَّدَدِ، وهو ما اسْتَقْبَلَكَ وصارَ قُبالَتَكَ، يُقالُ: دارِي صَدَدُ دارِهِ: أيْ قُبالَتُها. وقِيلَ: مِنَ الصَّدى، وهو العَطَشُ، وقِيلَ: مِنَ الصَّدى، وهو الصَّوْتُ الَّذِي تَسْمَعُهُ إذا تَكَلَّمْتَ مِن بُعْدٍ في خَلاءٍ كالجَبَلِ، والمُصاداةُ: المُعارَضَةُ. السَّفَرَةُ: الكَتَبَةُ، الواحِدُ سافِرٌ، وسَفَرَتِ المَرْأةُ: كَشَفَتِ النِّقابَ، وسَفَرْتُ بَيْنَ القَوْمِ أسْفِرُ سِفارَةً: أصْلَحْتُ بَيْنَهم، قالَهُ الفَرّاءُ، الواحِدُ سَفِيرٌ، والجَمْعُ سُفَراءُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎فَما أدَعُ السِّفارَةَ بَيْنَ قَوْمِي ∗∗∗ وما أسْعى بِغِشٍّ إنْ مَشَيْتُ
القَضْبُ، قالَ الخَلِيلُ، الفَصْفَصَةُ الرَّطْبَةُ، ويُقالُ بِالسِّينِ، فَإذا يَبِسَتْ فَهي القَتُّ، قالَ: والقَضْبُ اسْمٌ يَقَعُ عَلى ما يَقَعُ مِن أغْصانِ الشَّجَرَةِ لِيُتَّخَذَ مِنها سِهامٌ أوْ قِسِيٌّ. الغُلْبُ جَمْعُ غَلْباءَ، يُقالُ: حَدِيقَةٌ غَلْباءُ: غَلِيظَةُ الشَّجَرِ مُلْتَفَّةٌ، واغْلَوْلَبَ العُشْبُ: بَلَغَ والتَفَّ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، ورَجُلٌ أغْلَبُ: غَلِيظُ الرَّقَبَةِ، والأصْلُ في هَذا الوَصْفِ اسْتِعْمالُهُ في الرِّقابِ، ومِنهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ:
؎يَسْعى بِها غُلْبُ الرِّقابِ كَأنَّهم ∗∗∗ بُزْلٌ كُسِينَ مِنَ الشُّعُورِ جِلالا
الأبُّ: المَرْعى لِأنَّهُ يُؤَبُّ، أيْ يُؤَمُّ ويُنْتَجَعُ، والأبُّ والأُمُّ أخَوانِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎جِذْمُنا قَيْسٌ ونَجْدٌ دارُنا ∗∗∗ ولَنا الأبُّ بِهِ والمَكْرَعُ
وقِيلَ: ما يَأْكُلُهُ الآدَمِيُّونَ مِنَ النَّباتِ يُسَمّى الحَصِيدَ، وما أكَلَهُ غَيْرُهم يُسَمّى الأبَّ، ومِنهُ قَوْلُ الصَّحابَةِ يَمْدَحُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ:
؎لَهُ دَعْوَةٌ مَيْمُونَةٌ رِيحُها الصَّبا ∗∗∗ بِها يُنْبِتُ اللَّهُ الحَصِيدَةَ والأبّا
(الصّاخَّةُ) قالَ الخَلِيلُ: صَيْحَةٌ تَصُخُّ الآذانَ صَخًّا، أيْ تَصُمُّها لِشِدَّةِ وقْعَتِها. وقِيلَ: مَأْخُوذَةٌ مِن صَخَّهُ بِالحَجَرِ إذا صَكَّهُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أصاخَ لِحَدِيثِهِ مِثْلَ أصاخَ لَهُ. (الغَبَرَةُ) الغُبارُ. القَتَرَةُ: سَوادٌ كالدُّخانِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: القَتَرُ في كَلامِ العَرَبِ: الغُبارُ، جَمْعُ القَتَرَةِ. وقالَ الفَرَزْدَقُ:
؎مُتَوَّجٌ بِرِداءِ المُلْكِ يَتْبَعُهُ ∗∗∗ فَوْجٌ تَرى فَوْقَهُ الرّاياتِ والقَتَرا
(p-٤٢٦)﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾ ﴿أنْ جاءَهُ الأعْمى﴾ ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ ﴿أوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى﴾ ﴿أمّا مَنِ اسْتَغْنى﴾ [عبس: ٥] ﴿فَأنْتَ لَهُ تَصَدّى﴾ [عبس: ٦] ﴿وما عَلَيْكَ ألّا يَزَّكّى﴾ [عبس: ٧] ﴿وأمّا مَن جاءَكَ يَسْعى﴾ [عبس: ٨] ﴿وهُوَ يَخْشى﴾ [عبس: ٩] ﴿فَأنْتَ عَنْهُ تَلَهّى﴾ [عبس: ١٠] ﴿كَلّا إنَّها تَذْكِرَةٌ﴾ [عبس: ١١] ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس: ١٢] ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ [عبس: ١٣] ﴿مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ [عبس: ١٤] ﴿بِأيْدِي سَفَرَةٍ﴾ [عبس: ١٥] ﴿كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٦] ﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧] ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [عبس: ١٨] ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس: ١٩] ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ [عبس: ٢٠] ﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١] ﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ [عبس: ٢٢] ﴿كَلّا لَمّا يَقْضِ ما أمَرَهُ﴾ [عبس: ٢٣] ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ﴾ [عبس: ٢٤] ﴿أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا﴾ [عبس: ٢٥] ﴿ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقًّا﴾ [عبس: ٢٦] ﴿فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ [عبس: ٢٧] ﴿وعِنَبًا وقَضْبًا﴾ [عبس: ٢٨] ﴿وزَيْتُونًا ونَخْلًا﴾ [عبس: ٢٩] ﴿وحَدائِقَ غُلْبًا﴾ [عبس: ٣٠] ﴿وفاكِهَةً وأبًّا﴾ [عبس: ٣١] ﴿مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ [عبس: ٣٢] ﴿فَإذا جاءَتِ الصّاخَّةُ﴾ [عبس: ٣٣] ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ [عبس: ٣٤] ﴿وأُمِّهِ وأبِيهِ﴾ [عبس: ٣٥] ﴿وصاحِبَتِهِ وبَنِيهِ﴾ [عبس: ٣٦] ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨] ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٩] ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠] ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤١] ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ [عبس: ٤٢] .
هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، وسَبَبُ نُزُولِها مَجِيءُ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ إلَيْهِ، وقَدْ ذَكَرَ أهْلُ الحَدِيثِ وأهْلُ التَّفْسِيرِ قِصَّتَهُ. ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ (p-٤٢٧)﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النازعات: ٤٥] ذَكَرَ في هَذِهِ مَن يَنْفَعُهُ الإنْذارُ ومَن لَمْ يَنْفَعْهُ الإنْذارُ، وهُمُ الَّذِينَ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، يُناجِيهِمْ في أمْرِ الإسْلامِ: عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وأبُو جَهْلٍ، وأُبَيٌّ، وأُمَيَّةُ، ويَدْعُوهم إلَيْهِ.
﴿أنْ جاءَهُ﴾ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، أيْ لِأنْ جاءَهُ، ويَتَعَلَّقُ بِـ(تَوَلّى) عَلى مُخْتارِ البَصْرِيِّينَ في الأعْمالِ، وبِ (عَبَسَ) عَلى مُخْتارِ أهْلِ الكُوفَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (عَبَسَ) مُخَفَّفًا (أنْ) بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِشَدِّ الباءِ، وهو والحَسَنُ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وعِيسى: أآنْ بِهَمْزَةٍ ومَدَّةٍ بَعْدَها، وبَعْضُ القُرّاءِ: بِهَمْزَتَيْنِ مُحَقَّقَتَيْنِ، والهَمْزَةُ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ لِلِاسْتِفْهامِ، وفِيهِما يَقِفُ عَلى تَوَلّى. والمَعْنى: ألِأنْ جاءَهُ كادَ كَذا. وجاءَ بِضَمِيرِ الغائِبِ في ﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾ إجْلالًا لَهُ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولُطْفًا بِهِ أنْ يُخاطِبَهُ لِما في المُشافَهَةِ بِتاءِ الخِطابِ مِمّا لا يَخْفى، وجاءَ لَفْظُ (الأعْمى) إشْعارًا بِما يُناسِبُ مِنَ الرِّفْقِ بِهِ والصَّغْوِ لِما يَقْصِدُهُ، ولِابْنِ عَطِيَّةَ هُنا كَلامٌ أضْرَبْتُ عَنْهُ صَفْحًا، والضَّمِيرُ في (لَعَلَّهُ) عائِدٌ عَلى (الأعْمى) أيْ يَتَطَهَّرُ بِما يَتَلَقَّنُ مِنِ العِلْمِ، أوْ (يَذَّكَّرُ): أيْ يَتَّعِظُ (فَتَنْفَعَهُ) ذِكْراكَ، أيْ مَوْعِظَتُكَ، والظّاهِرُ نَصْبُ (يُدْرِيكَ) عَلى جُمْلَةِ التَّرَجِّي، فالمَعْنى: لا تَدْرِي ما هو مُتَرَجًّى مِنهُ مِن تَزَكٍّ أوْ تَذَكُّرٍ. وقِيلَ: المَعْنى وما يُطْلِعُكَ عَلى أمْرِهِ وعُقْبى حالِهِ.
ثُمَّ ابْتَدَأ القَوْلَ: ﴿لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ أيْ تَنْمُو بَرَكَتُهُ ويَتَطَهَّرُ لِلَّهِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (لَعَلَّهُ) لِلْكافِرِ، يَعْنِي أنَّكَ طَمِعْتَ في أنْ يَتَزَكّى بِالإسْلامِ، أوْ يَذَّكَرَ فَتُقَرِّبَهُ الذِّكْرى إلى قَبُولِ الحَقِّ، وما يُدْرِيكَ أنَّ ما طَمِعَتْ فِيهِ كائِنٌ. انْتَهى. وهَذا قَوْلٌ يُنَزَّهُ عَنْهُ حَمْلُ القُرْآنِ عَلَيْهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أوْ يَذَّكَّرُ﴾ بِشَدِّ الذّالِ والكافِ، وأصْلُهُ يَتَذَكَّرُ فَأُدْغِمَ، والأعْرَجُ وعاصِمٌ في رِوايَةٍ: (أوْ يَذْكُرُ)، بِسُكُونِ الذّالِ وضَمِّ الكافِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَتَنْفَعُهُ) بِرَفْعِ العَيْنِ عَطْفًا عَلى ﴿أوْ يَذَّكَّرُ﴾ وعاصِمٌ في المَشْهُورِ، والأعْرَجُ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، والزَّعْفَرانِيُّ: بِنَصْبِهِما، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: في جَوابِ التَّمَنِّي، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أوْ يَذَّكَّرُ﴾ في حُكْمِ قَوْلِهِ ﴿لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ . انْتَهى. وهَذا لَيْسَ تَمَنِّيًا، إنَّما هو تَرَجٍّ، وفَرْقٌ بَيْنَ التَّرَجِّي والتَّمَنِّي، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وبِالنَّصْبِ جَوابًا لِلَعَلَّ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى﴾ [غافر: ٣٧] . انْتَهى. والتَّرَجِّي عِنْدَ البَصْرِيِّينَ لا جَوابَ لَهُ، فَيُنْصَبُ بِإضْمارِ أنْ بَعْدَ الفاءِ. وأمّا الكُوفِيُّونَ فَيَقُولُونَ: يُنْصَبُ في جَوابِ التَّرَجِّي، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى﴾ [غافر: ٣٧] في قِراءَةِ حَفْصٍ، ووَجَّهْنا مَذْهَبَ البَصْرِيِّينَ في نَصْبِ المُضارِعِ.
عبس 80:5
﴿أمّا مَنِ اسْتَغْنى﴾ ظاهِرُهُ مَن كانَ ذا ثَرْوَةٍ وغِنًى. وقالَ الكَلْبِيُّ: عَنِ اللَّهِ. وقِيلَ: عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ. قِيلَ: وكَوْنُهُ بِمَعْنى الثَّرْوَةِ لا يَلِيقُ بِمَنصِبِ النُّبُوَّةِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ لَوْ كانَ مِنَ الثَّرْوَةِ لَكانَ المُقابِلُ: وأمّا مَن جاءَكَ فَقِيرًا حَقِيرًا. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، والأعْرَجُ، وعِيسى، والأعْمَشُ وجُمْهُورُ السَّبْعَةِ: (تَصَدّى) بِخَفِّ الصّادِ، وأصْلُهُ يَتَصَدّى فَحَذَفَ، والحَرَمِيّانِ: بِشَدِّها، أدْغَمَ التّاءَ في الصّادِ، وأبُو جَعْفَرٍ: تُصَدّى، بِضَمِّ التّاءِ وتَخْفِيفِ الصّادِ، أيْ يَصُدُّكَ حِرْصُكَ عَلى إسْلامِهِ. يُقالُ: تُصَدّى الرَّجُلُ وصَدَّيْتُهُ، وهَذا المُسْتَغْنِي هو الوَلِيدُ، أوْ أُمَيَّةُ، أوْ عُتْبَةُ وشَيْبَةُ، أوْ أُمَيَّةُ وجَمِيعُ المَذْكُورِينَ في سَبَبِ النُّزُولِ، أقْوالٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وهَذا كُلُّهُ غَلَطٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، لِأنَّ أُمَيَّةَ والوَلِيدَ كانا بِمَكَّةَ، وابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ كانَ بِالمَدِينَةِ ما حَضَرَ مَعَهُما، وماتا كافِرَيْنِ، أحَدُهُما قَبْلَ الهِجْرَةِ والآخَرُ في بَدْرٍ، ولَمْ يَقْصِدْ قَطُّ أُمَيَّةُ المَدِينَةَ، ولا حَضَرَ مَعَهُ مُفْرَدًا ولا مَعَ أحَدٍ. انْتَهى. والغَلَطُ مِنَ القُرْطُبِيِّ، كَيْفَ يَنْفِي حُضُورَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ مَعَهُما ؟ وهو وهْمٌ مِنهُ، وكُلُّهم مِن قُرَيْشٍ، وكانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ بِها: والسُّورَةُ كُلُّها مَكِّيَّةٌ بِالإجْماعِ، وكَيْفَ يَقُولُ: وابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ بِالمَدِينَةِ ؟ كانَ أوَّلًا بِمَكَّةَ، ثُمَّ هاجَرَ إلى المَدِينَةِ، وكانُوا جَمِيعُهم بِمَكَّةَ حِينَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَرْحِ بْنِ مالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ الفِهْرِيُّ، مِن بَنِي عامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وأُمُّ مَكْتُومٍ أُمُّ أبِيهِ عاتِكَةُ، وهو ابْنُ خالِ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها.
(p-٤٢٨)﴿وما عَلَيْكَ ألّا يَزَّكّى﴾ تَحْقِيرٌ لِأمْرِ الكافِرِ وحَضٌّ عَلى الإعْراضِ عَنْهُ وتَرْكِ الِاهْتِمامِ بِهِ، أيْ: وأيُّ شَيْءٍ عَلَيْكَ في كَوْنِهِ لا يُفْلِحُ ولا يَتَطَهَّرُ مِن دَنَسِ الكُفْرِ ؟ ﴿وأمّا مَن جاءَكَ يَسْعى﴾ أيْ يَمْشِي بِسُرْعَةٍ في أمْرِ دِينِهِ ﴿وهو يَخْشى﴾ أيْ يَخافُ اللَّهَ، أوْ يَخافُ الكُفّارَ وأذاهم، أوْ يَخافُ العِثارَ والسُّقُوطَ لِكَوْنِهِ أعْمى، وقَدْ جاءَ بِلا قائِدٍ يَقُودُهُ (تَلَهّى) تَشْتَغِلُ، يُقالُ: لَها عَنِ الشَّيْءِ يَلَهّى، إذا اشْتَغَلَ عَنْهُ. قِيلَ: ولَيْسَ مِنَ اللَّهْوِ الَّذِي هو مِن ذَواتِ الواوِ. انْتَهى. ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِنهُ، لِأنَّ ما يُبْنى عَلى فَعِلَ مِن ذَواتِ الواوِ وتَنْقَلِبُ واوُهُ ياءً لِكَسْرَةِ ما قَبْلَها، نَحْوَ: شَقِيَ يَشْقى، فَإنْ كانَ مَصْدَرُهُ جاءَ بِالياءِ، فَيَكُونُ مِن مادَّةٍ غَيْرِ مادَّةِ اللَّهْوِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَلَهّى) والبَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: (عَنْهُوتَّلَهّى) بِإدْغامِ تاءِ المُضارَعَةِ في تاءِ تَفَعَّلَ، وأبُو جَعْفَر: بِضَمِّها مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ يَشْغَلُكَ دُعاءُ الكافِرِ لِلْإسْلامِ، وطَلْحَةُ: بِتاءَيْنِ، وعَنْهُ بِتاءٍ واحِدَةٍ وسُكُونِ اللّامِ.
(كَلّا إنَّها) أيْ سُورَةُ القُرْآنِ والآياتُ (تَذْكِرَةٌ) عِظَةٌ يُنْتَفَعُ بِها ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ أيْ فَمَن شاءَ أنْ يَذْكُرَ هَذِهِ المَوْعِظَةَ ذَكَرَهُ، أتى بِالضَّمِيرِ مُذَكَّرًا؛ لِأنَّ التَّذْكِرَةَ هي الذِّكْرُ، وهي جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ تَتَضَمَّنُ الوَعْدَ والوَعِيدَ ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [المزمل: ١٩] واعْتَرَضَتْ بَيْنَ (تَذْكِرَةٌ) وبَيْنَ صِفَتِهِ، أيْ تَذْكِرَةٌ: كائِنَةٌ ﴿فِي صُحُفٍ﴾ قِيلَ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، وقِيلَ: صُحُفُ الأوْلِياءِ المُنْزَلَةُ، وقِيلَ: صُحُفُ المُسْلِمِينَ، فَيَكُونُ إخْبارًا بِمُغَيَّبٍ، إذْ لَمْ يُكْتَبِ القُرْآنُ في صُحُفٍ زَمانَ كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، بِمَكَّةَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ القُرْآنُ، ﴿مُكَرَّمَةٍ﴾ عِنْدَ اللَّهِ، و﴿مَرْفُوعَةٍ﴾ في السَّماءِ السّابِعَةِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ، أوْ مَرْفُوعَةٌ عَنِ الشُّبَهِ والتَّناقُضِ، أوْ مَرْفُوعَةُ المِقْدارِ (مُطَهَّرَةٍ) أيْ مُنَزَّهَةٍ عَنْ كُلِّ دَنَسٍ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ أيْضًا: مُطَهَّرَةٌ مِن أنْ تَنْزِلَ عَلى المُشْرِكِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُنَزَّهَةٌ عَنْ أيْدِي الشَّياطِينِ، لا تَمَسُّها إلّا أيْدِي مَلائِكَةٍ مُطَهَّرَةٍ ﴿سَفَرَةٍ﴾ كَتَبَةٍ يَنْسَخُونَ الكُتُبَ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. انْتَهى.
﴿بِأيْدِي سَفَرَةٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ المَلائِكَةُ لِأنَّهم كَتَبَةٌ. وقالَ أيْضًا: لِأنَّهم يَسْفِرُونَ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وأنْبِيائِهِ. وقالَ قَتادَةُ: هُمُ القُرّاءُ، وواحِدُ السَّفَرَةِ سافِرٌ. وقالَ وهْبٌ: هُمُ الصَّحابَةُ، لِأنَّ بَعْضَهم يَسْفِرُ إلى بَعْضٍ في الخَيْرِ والتَّعْلِيمِ والعِلْمِ.
عبس 80:6
﴿أمّا مَنِ اسْتَغْنى﴾ ظاهِرُهُ مَن كانَ ذا ثَرْوَةٍ وغِنًى. وقالَ الكَلْبِيُّ: عَنِ اللَّهِ. وقِيلَ: عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ. قِيلَ: وكَوْنُهُ بِمَعْنى الثَّرْوَةِ لا يَلِيقُ بِمَنصِبِ النُّبُوَّةِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ لَوْ كانَ مِنَ الثَّرْوَةِ لَكانَ المُقابِلُ: وأمّا مَن جاءَكَ فَقِيرًا حَقِيرًا. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، والأعْرَجُ، وعِيسى، والأعْمَشُ وجُمْهُورُ السَّبْعَةِ: (تَصَدّى) بِخَفِّ الصّادِ، وأصْلُهُ يَتَصَدّى فَحَذَفَ، والحَرَمِيّانِ: بِشَدِّها، أدْغَمَ التّاءَ في الصّادِ، وأبُو جَعْفَرٍ: تُصَدّى، بِضَمِّ التّاءِ وتَخْفِيفِ الصّادِ، أيْ يَصُدُّكَ حِرْصُكَ عَلى إسْلامِهِ. يُقالُ: تُصَدّى الرَّجُلُ وصَدَّيْتُهُ، وهَذا المُسْتَغْنِي هو الوَلِيدُ، أوْ أُمَيَّةُ، أوْ عُتْبَةُ وشَيْبَةُ، أوْ أُمَيَّةُ وجَمِيعُ المَذْكُورِينَ في سَبَبِ النُّزُولِ، أقْوالٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وهَذا كُلُّهُ غَلَطٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، لِأنَّ أُمَيَّةَ والوَلِيدَ كانا بِمَكَّةَ، وابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ كانَ بِالمَدِينَةِ ما حَضَرَ مَعَهُما، وماتا كافِرَيْنِ، أحَدُهُما قَبْلَ الهِجْرَةِ والآخَرُ في بَدْرٍ، ولَمْ يَقْصِدْ قَطُّ أُمَيَّةُ المَدِينَةَ، ولا حَضَرَ مَعَهُ مُفْرَدًا ولا مَعَ أحَدٍ. انْتَهى. والغَلَطُ مِنَ القُرْطُبِيِّ، كَيْفَ يَنْفِي حُضُورَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ مَعَهُما ؟ وهو وهْمٌ مِنهُ، وكُلُّهم مِن قُرَيْشٍ، وكانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ بِها: والسُّورَةُ كُلُّها مَكِّيَّةٌ بِالإجْماعِ، وكَيْفَ يَقُولُ: وابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ بِالمَدِينَةِ ؟ كانَ أوَّلًا بِمَكَّةَ، ثُمَّ هاجَرَ إلى المَدِينَةِ، وكانُوا جَمِيعُهم بِمَكَّةَ حِينَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَرْحِ بْنِ مالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ الفِهْرِيُّ، مِن بَنِي عامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وأُمُّ مَكْتُومٍ أُمُّ أبِيهِ عاتِكَةُ، وهو ابْنُ خالِ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها.
(p-٤٢٨)﴿وما عَلَيْكَ ألّا يَزَّكّى﴾ تَحْقِيرٌ لِأمْرِ الكافِرِ وحَضٌّ عَلى الإعْراضِ عَنْهُ وتَرْكِ الِاهْتِمامِ بِهِ، أيْ: وأيُّ شَيْءٍ عَلَيْكَ في كَوْنِهِ لا يُفْلِحُ ولا يَتَطَهَّرُ مِن دَنَسِ الكُفْرِ ؟ ﴿وأمّا مَن جاءَكَ يَسْعى﴾ أيْ يَمْشِي بِسُرْعَةٍ في أمْرِ دِينِهِ ﴿وهو يَخْشى﴾ أيْ يَخافُ اللَّهَ، أوْ يَخافُ الكُفّارَ وأذاهم، أوْ يَخافُ العِثارَ والسُّقُوطَ لِكَوْنِهِ أعْمى، وقَدْ جاءَ بِلا قائِدٍ يَقُودُهُ (تَلَهّى) تَشْتَغِلُ، يُقالُ: لَها عَنِ الشَّيْءِ يَلَهّى، إذا اشْتَغَلَ عَنْهُ. قِيلَ: ولَيْسَ مِنَ اللَّهْوِ الَّذِي هو مِن ذَواتِ الواوِ. انْتَهى. ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِنهُ، لِأنَّ ما يُبْنى عَلى فَعِلَ مِن ذَواتِ الواوِ وتَنْقَلِبُ واوُهُ ياءً لِكَسْرَةِ ما قَبْلَها، نَحْوَ: شَقِيَ يَشْقى، فَإنْ كانَ مَصْدَرُهُ جاءَ بِالياءِ، فَيَكُونُ مِن مادَّةٍ غَيْرِ مادَّةِ اللَّهْوِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَلَهّى) والبَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: (عَنْهُوتَّلَهّى) بِإدْغامِ تاءِ المُضارَعَةِ في تاءِ تَفَعَّلَ، وأبُو جَعْفَر: بِضَمِّها مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ يَشْغَلُكَ دُعاءُ الكافِرِ لِلْإسْلامِ، وطَلْحَةُ: بِتاءَيْنِ، وعَنْهُ بِتاءٍ واحِدَةٍ وسُكُونِ اللّامِ.
(كَلّا إنَّها) أيْ سُورَةُ القُرْآنِ والآياتُ (تَذْكِرَةٌ) عِظَةٌ يُنْتَفَعُ بِها ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ أيْ فَمَن شاءَ أنْ يَذْكُرَ هَذِهِ المَوْعِظَةَ ذَكَرَهُ، أتى بِالضَّمِيرِ مُذَكَّرًا؛ لِأنَّ التَّذْكِرَةَ هي الذِّكْرُ، وهي جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ تَتَضَمَّنُ الوَعْدَ والوَعِيدَ ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [المزمل: ١٩] واعْتَرَضَتْ بَيْنَ (تَذْكِرَةٌ) وبَيْنَ صِفَتِهِ، أيْ تَذْكِرَةٌ: كائِنَةٌ ﴿فِي صُحُفٍ﴾ قِيلَ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، وقِيلَ: صُحُفُ الأوْلِياءِ المُنْزَلَةُ، وقِيلَ: صُحُفُ المُسْلِمِينَ، فَيَكُونُ إخْبارًا بِمُغَيَّبٍ، إذْ لَمْ يُكْتَبِ القُرْآنُ في صُحُفٍ زَمانَ كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، بِمَكَّةَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ القُرْآنُ، ﴿مُكَرَّمَةٍ﴾ عِنْدَ اللَّهِ، و﴿مَرْفُوعَةٍ﴾ في السَّماءِ السّابِعَةِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ، أوْ مَرْفُوعَةٌ عَنِ الشُّبَهِ والتَّناقُضِ، أوْ مَرْفُوعَةُ المِقْدارِ (مُطَهَّرَةٍ) أيْ مُنَزَّهَةٍ عَنْ كُلِّ دَنَسٍ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ أيْضًا: مُطَهَّرَةٌ مِن أنْ تَنْزِلَ عَلى المُشْرِكِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُنَزَّهَةٌ عَنْ أيْدِي الشَّياطِينِ، لا تَمَسُّها إلّا أيْدِي مَلائِكَةٍ مُطَهَّرَةٍ ﴿سَفَرَةٍ﴾ كَتَبَةٍ يَنْسَخُونَ الكُتُبَ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. انْتَهى.
﴿بِأيْدِي سَفَرَةٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ المَلائِكَةُ لِأنَّهم كَتَبَةٌ. وقالَ أيْضًا: لِأنَّهم يَسْفِرُونَ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وأنْبِيائِهِ. وقالَ قَتادَةُ: هُمُ القُرّاءُ، وواحِدُ السَّفَرَةِ سافِرٌ. وقالَ وهْبٌ: هُمُ الصَّحابَةُ، لِأنَّ بَعْضَهم يَسْفِرُ إلى بَعْضٍ في الخَيْرِ والتَّعْلِيمِ والعِلْمِ.
عبس 80:7
﴿أمّا مَنِ اسْتَغْنى﴾ ظاهِرُهُ مَن كانَ ذا ثَرْوَةٍ وغِنًى. وقالَ الكَلْبِيُّ: عَنِ اللَّهِ. وقِيلَ: عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ. قِيلَ: وكَوْنُهُ بِمَعْنى الثَّرْوَةِ لا يَلِيقُ بِمَنصِبِ النُّبُوَّةِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ لَوْ كانَ مِنَ الثَّرْوَةِ لَكانَ المُقابِلُ: وأمّا مَن جاءَكَ فَقِيرًا حَقِيرًا. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، والأعْرَجُ، وعِيسى، والأعْمَشُ وجُمْهُورُ السَّبْعَةِ: (تَصَدّى) بِخَفِّ الصّادِ، وأصْلُهُ يَتَصَدّى فَحَذَفَ، والحَرَمِيّانِ: بِشَدِّها، أدْغَمَ التّاءَ في الصّادِ، وأبُو جَعْفَرٍ: تُصَدّى، بِضَمِّ التّاءِ وتَخْفِيفِ الصّادِ، أيْ يَصُدُّكَ حِرْصُكَ عَلى إسْلامِهِ. يُقالُ: تُصَدّى الرَّجُلُ وصَدَّيْتُهُ، وهَذا المُسْتَغْنِي هو الوَلِيدُ، أوْ أُمَيَّةُ، أوْ عُتْبَةُ وشَيْبَةُ، أوْ أُمَيَّةُ وجَمِيعُ المَذْكُورِينَ في سَبَبِ النُّزُولِ، أقْوالٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وهَذا كُلُّهُ غَلَطٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، لِأنَّ أُمَيَّةَ والوَلِيدَ كانا بِمَكَّةَ، وابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ كانَ بِالمَدِينَةِ ما حَضَرَ مَعَهُما، وماتا كافِرَيْنِ، أحَدُهُما قَبْلَ الهِجْرَةِ والآخَرُ في بَدْرٍ، ولَمْ يَقْصِدْ قَطُّ أُمَيَّةُ المَدِينَةَ، ولا حَضَرَ مَعَهُ مُفْرَدًا ولا مَعَ أحَدٍ. انْتَهى. والغَلَطُ مِنَ القُرْطُبِيِّ، كَيْفَ يَنْفِي حُضُورَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ مَعَهُما ؟ وهو وهْمٌ مِنهُ، وكُلُّهم مِن قُرَيْشٍ، وكانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ بِها: والسُّورَةُ كُلُّها مَكِّيَّةٌ بِالإجْماعِ، وكَيْفَ يَقُولُ: وابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ بِالمَدِينَةِ ؟ كانَ أوَّلًا بِمَكَّةَ، ثُمَّ هاجَرَ إلى المَدِينَةِ، وكانُوا جَمِيعُهم بِمَكَّةَ حِينَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَرْحِ بْنِ مالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ الفِهْرِيُّ، مِن بَنِي عامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وأُمُّ مَكْتُومٍ أُمُّ أبِيهِ عاتِكَةُ، وهو ابْنُ خالِ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها.
(p-٤٢٨)﴿وما عَلَيْكَ ألّا يَزَّكّى﴾ تَحْقِيرٌ لِأمْرِ الكافِرِ وحَضٌّ عَلى الإعْراضِ عَنْهُ وتَرْكِ الِاهْتِمامِ بِهِ، أيْ: وأيُّ شَيْءٍ عَلَيْكَ في كَوْنِهِ لا يُفْلِحُ ولا يَتَطَهَّرُ مِن دَنَسِ الكُفْرِ ؟ ﴿وأمّا مَن جاءَكَ يَسْعى﴾ أيْ يَمْشِي بِسُرْعَةٍ في أمْرِ دِينِهِ ﴿وهو يَخْشى﴾ أيْ يَخافُ اللَّهَ، أوْ يَخافُ الكُفّارَ وأذاهم، أوْ يَخافُ العِثارَ والسُّقُوطَ لِكَوْنِهِ أعْمى، وقَدْ جاءَ بِلا قائِدٍ يَقُودُهُ (تَلَهّى) تَشْتَغِلُ، يُقالُ: لَها عَنِ الشَّيْءِ يَلَهّى، إذا اشْتَغَلَ عَنْهُ. قِيلَ: ولَيْسَ مِنَ اللَّهْوِ الَّذِي هو مِن ذَواتِ الواوِ. انْتَهى. ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِنهُ، لِأنَّ ما يُبْنى عَلى فَعِلَ مِن ذَواتِ الواوِ وتَنْقَلِبُ واوُهُ ياءً لِكَسْرَةِ ما قَبْلَها، نَحْوَ: شَقِيَ يَشْقى، فَإنْ كانَ مَصْدَرُهُ جاءَ بِالياءِ، فَيَكُونُ مِن مادَّةٍ غَيْرِ مادَّةِ اللَّهْوِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَلَهّى) والبَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: (عَنْهُوتَّلَهّى) بِإدْغامِ تاءِ المُضارَعَةِ في تاءِ تَفَعَّلَ، وأبُو جَعْفَر: بِضَمِّها مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ يَشْغَلُكَ دُعاءُ الكافِرِ لِلْإسْلامِ، وطَلْحَةُ: بِتاءَيْنِ، وعَنْهُ بِتاءٍ واحِدَةٍ وسُكُونِ اللّامِ.
(كَلّا إنَّها) أيْ سُورَةُ القُرْآنِ والآياتُ (تَذْكِرَةٌ) عِظَةٌ يُنْتَفَعُ بِها ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ أيْ فَمَن شاءَ أنْ يَذْكُرَ هَذِهِ المَوْعِظَةَ ذَكَرَهُ، أتى بِالضَّمِيرِ مُذَكَّرًا؛ لِأنَّ التَّذْكِرَةَ هي الذِّكْرُ، وهي جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ تَتَضَمَّنُ الوَعْدَ والوَعِيدَ ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [المزمل: ١٩] واعْتَرَضَتْ بَيْنَ (تَذْكِرَةٌ) وبَيْنَ صِفَتِهِ، أيْ تَذْكِرَةٌ: كائِنَةٌ ﴿فِي صُحُفٍ﴾ قِيلَ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، وقِيلَ: صُحُفُ الأوْلِياءِ المُنْزَلَةُ، وقِيلَ: صُحُفُ المُسْلِمِينَ، فَيَكُونُ إخْبارًا بِمُغَيَّبٍ، إذْ لَمْ يُكْتَبِ القُرْآنُ في صُحُفٍ زَمانَ كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، بِمَكَّةَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ القُرْآنُ، ﴿مُكَرَّمَةٍ﴾ عِنْدَ اللَّهِ، و﴿مَرْفُوعَةٍ﴾ في السَّماءِ السّابِعَةِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ، أوْ مَرْفُوعَةٌ عَنِ الشُّبَهِ والتَّناقُضِ، أوْ مَرْفُوعَةُ المِقْدارِ (مُطَهَّرَةٍ) أيْ مُنَزَّهَةٍ عَنْ كُلِّ دَنَسٍ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ أيْضًا: مُطَهَّرَةٌ مِن أنْ تَنْزِلَ عَلى المُشْرِكِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُنَزَّهَةٌ عَنْ أيْدِي الشَّياطِينِ، لا تَمَسُّها إلّا أيْدِي مَلائِكَةٍ مُطَهَّرَةٍ ﴿سَفَرَةٍ﴾ كَتَبَةٍ يَنْسَخُونَ الكُتُبَ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. انْتَهى.
﴿بِأيْدِي سَفَرَةٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ المَلائِكَةُ لِأنَّهم كَتَبَةٌ. وقالَ أيْضًا: لِأنَّهم يَسْفِرُونَ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وأنْبِيائِهِ. وقالَ قَتادَةُ: هُمُ القُرّاءُ، وواحِدُ السَّفَرَةِ سافِرٌ. وقالَ وهْبٌ: هُمُ الصَّحابَةُ، لِأنَّ بَعْضَهم يَسْفِرُ إلى بَعْضٍ في الخَيْرِ والتَّعْلِيمِ والعِلْمِ.
عبس 80:8
﴿أمّا مَنِ اسْتَغْنى﴾ ظاهِرُهُ مَن كانَ ذا ثَرْوَةٍ وغِنًى. وقالَ الكَلْبِيُّ: عَنِ اللَّهِ. وقِيلَ: عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ. قِيلَ: وكَوْنُهُ بِمَعْنى الثَّرْوَةِ لا يَلِيقُ بِمَنصِبِ النُّبُوَّةِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ لَوْ كانَ مِنَ الثَّرْوَةِ لَكانَ المُقابِلُ: وأمّا مَن جاءَكَ فَقِيرًا حَقِيرًا. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، والأعْرَجُ، وعِيسى، والأعْمَشُ وجُمْهُورُ السَّبْعَةِ: (تَصَدّى) بِخَفِّ الصّادِ، وأصْلُهُ يَتَصَدّى فَحَذَفَ، والحَرَمِيّانِ: بِشَدِّها، أدْغَمَ التّاءَ في الصّادِ، وأبُو جَعْفَرٍ: تُصَدّى، بِضَمِّ التّاءِ وتَخْفِيفِ الصّادِ، أيْ يَصُدُّكَ حِرْصُكَ عَلى إسْلامِهِ. يُقالُ: تُصَدّى الرَّجُلُ وصَدَّيْتُهُ، وهَذا المُسْتَغْنِي هو الوَلِيدُ، أوْ أُمَيَّةُ، أوْ عُتْبَةُ وشَيْبَةُ، أوْ أُمَيَّةُ وجَمِيعُ المَذْكُورِينَ في سَبَبِ النُّزُولِ، أقْوالٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وهَذا كُلُّهُ غَلَطٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، لِأنَّ أُمَيَّةَ والوَلِيدَ كانا بِمَكَّةَ، وابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ كانَ بِالمَدِينَةِ ما حَضَرَ مَعَهُما، وماتا كافِرَيْنِ، أحَدُهُما قَبْلَ الهِجْرَةِ والآخَرُ في بَدْرٍ، ولَمْ يَقْصِدْ قَطُّ أُمَيَّةُ المَدِينَةَ، ولا حَضَرَ مَعَهُ مُفْرَدًا ولا مَعَ أحَدٍ. انْتَهى. والغَلَطُ مِنَ القُرْطُبِيِّ، كَيْفَ يَنْفِي حُضُورَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ مَعَهُما ؟ وهو وهْمٌ مِنهُ، وكُلُّهم مِن قُرَيْشٍ، وكانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ بِها: والسُّورَةُ كُلُّها مَكِّيَّةٌ بِالإجْماعِ، وكَيْفَ يَقُولُ: وابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ بِالمَدِينَةِ ؟ كانَ أوَّلًا بِمَكَّةَ، ثُمَّ هاجَرَ إلى المَدِينَةِ، وكانُوا جَمِيعُهم بِمَكَّةَ حِينَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَرْحِ بْنِ مالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ الفِهْرِيُّ، مِن بَنِي عامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وأُمُّ مَكْتُومٍ أُمُّ أبِيهِ عاتِكَةُ، وهو ابْنُ خالِ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها.
(p-٤٢٨)﴿وما عَلَيْكَ ألّا يَزَّكّى﴾ تَحْقِيرٌ لِأمْرِ الكافِرِ وحَضٌّ عَلى الإعْراضِ عَنْهُ وتَرْكِ الِاهْتِمامِ بِهِ، أيْ: وأيُّ شَيْءٍ عَلَيْكَ في كَوْنِهِ لا يُفْلِحُ ولا يَتَطَهَّرُ مِن دَنَسِ الكُفْرِ ؟ ﴿وأمّا مَن جاءَكَ يَسْعى﴾ أيْ يَمْشِي بِسُرْعَةٍ في أمْرِ دِينِهِ ﴿وهو يَخْشى﴾ أيْ يَخافُ اللَّهَ، أوْ يَخافُ الكُفّارَ وأذاهم، أوْ يَخافُ العِثارَ والسُّقُوطَ لِكَوْنِهِ أعْمى، وقَدْ جاءَ بِلا قائِدٍ يَقُودُهُ (تَلَهّى) تَشْتَغِلُ، يُقالُ: لَها عَنِ الشَّيْءِ يَلَهّى، إذا اشْتَغَلَ عَنْهُ. قِيلَ: ولَيْسَ مِنَ اللَّهْوِ الَّذِي هو مِن ذَواتِ الواوِ. انْتَهى. ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِنهُ، لِأنَّ ما يُبْنى عَلى فَعِلَ مِن ذَواتِ الواوِ وتَنْقَلِبُ واوُهُ ياءً لِكَسْرَةِ ما قَبْلَها، نَحْوَ: شَقِيَ يَشْقى، فَإنْ كانَ مَصْدَرُهُ جاءَ بِالياءِ، فَيَكُونُ مِن مادَّةٍ غَيْرِ مادَّةِ اللَّهْوِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَلَهّى) والبَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: (عَنْهُوتَّلَهّى) بِإدْغامِ تاءِ المُضارَعَةِ في تاءِ تَفَعَّلَ، وأبُو جَعْفَر: بِضَمِّها مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ يَشْغَلُكَ دُعاءُ الكافِرِ لِلْإسْلامِ، وطَلْحَةُ: بِتاءَيْنِ، وعَنْهُ بِتاءٍ واحِدَةٍ وسُكُونِ اللّامِ.
(كَلّا إنَّها) أيْ سُورَةُ القُرْآنِ والآياتُ (تَذْكِرَةٌ) عِظَةٌ يُنْتَفَعُ بِها ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ أيْ فَمَن شاءَ أنْ يَذْكُرَ هَذِهِ المَوْعِظَةَ ذَكَرَهُ، أتى بِالضَّمِيرِ مُذَكَّرًا؛ لِأنَّ التَّذْكِرَةَ هي الذِّكْرُ، وهي جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ تَتَضَمَّنُ الوَعْدَ والوَعِيدَ ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [المزمل: ١٩] واعْتَرَضَتْ بَيْنَ (تَذْكِرَةٌ) وبَيْنَ صِفَتِهِ، أيْ تَذْكِرَةٌ: كائِنَةٌ ﴿فِي صُحُفٍ﴾ قِيلَ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، وقِيلَ: صُحُفُ الأوْلِياءِ المُنْزَلَةُ، وقِيلَ: صُحُفُ المُسْلِمِينَ، فَيَكُونُ إخْبارًا بِمُغَيَّبٍ، إذْ لَمْ يُكْتَبِ القُرْآنُ في صُحُفٍ زَمانَ كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، بِمَكَّةَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ القُرْآنُ، ﴿مُكَرَّمَةٍ﴾ عِنْدَ اللَّهِ، و﴿مَرْفُوعَةٍ﴾ في السَّماءِ السّابِعَةِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ، أوْ مَرْفُوعَةٌ عَنِ الشُّبَهِ والتَّناقُضِ، أوْ مَرْفُوعَةُ المِقْدارِ (مُطَهَّرَةٍ) أيْ مُنَزَّهَةٍ عَنْ كُلِّ دَنَسٍ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ أيْضًا: مُطَهَّرَةٌ مِن أنْ تَنْزِلَ عَلى المُشْرِكِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُنَزَّهَةٌ عَنْ أيْدِي الشَّياطِينِ، لا تَمَسُّها إلّا أيْدِي مَلائِكَةٍ مُطَهَّرَةٍ ﴿سَفَرَةٍ﴾ كَتَبَةٍ يَنْسَخُونَ الكُتُبَ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. انْتَهى.
﴿بِأيْدِي سَفَرَةٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ المَلائِكَةُ لِأنَّهم كَتَبَةٌ. وقالَ أيْضًا: لِأنَّهم يَسْفِرُونَ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وأنْبِيائِهِ. وقالَ قَتادَةُ: هُمُ القُرّاءُ، وواحِدُ السَّفَرَةِ سافِرٌ. وقالَ وهْبٌ: هُمُ الصَّحابَةُ، لِأنَّ بَعْضَهم يَسْفِرُ إلى بَعْضٍ في الخَيْرِ والتَّعْلِيمِ والعِلْمِ.
عبس 80:9
﴿أمّا مَنِ اسْتَغْنى﴾ ظاهِرُهُ مَن كانَ ذا ثَرْوَةٍ وغِنًى. وقالَ الكَلْبِيُّ: عَنِ اللَّهِ. وقِيلَ: عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ. قِيلَ: وكَوْنُهُ بِمَعْنى الثَّرْوَةِ لا يَلِيقُ بِمَنصِبِ النُّبُوَّةِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ لَوْ كانَ مِنَ الثَّرْوَةِ لَكانَ المُقابِلُ: وأمّا مَن جاءَكَ فَقِيرًا حَقِيرًا. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، والأعْرَجُ، وعِيسى، والأعْمَشُ وجُمْهُورُ السَّبْعَةِ: (تَصَدّى) بِخَفِّ الصّادِ، وأصْلُهُ يَتَصَدّى فَحَذَفَ، والحَرَمِيّانِ: بِشَدِّها، أدْغَمَ التّاءَ في الصّادِ، وأبُو جَعْفَرٍ: تُصَدّى، بِضَمِّ التّاءِ وتَخْفِيفِ الصّادِ، أيْ يَصُدُّكَ حِرْصُكَ عَلى إسْلامِهِ. يُقالُ: تُصَدّى الرَّجُلُ وصَدَّيْتُهُ، وهَذا المُسْتَغْنِي هو الوَلِيدُ، أوْ أُمَيَّةُ، أوْ عُتْبَةُ وشَيْبَةُ، أوْ أُمَيَّةُ وجَمِيعُ المَذْكُورِينَ في سَبَبِ النُّزُولِ، أقْوالٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وهَذا كُلُّهُ غَلَطٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، لِأنَّ أُمَيَّةَ والوَلِيدَ كانا بِمَكَّةَ، وابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ كانَ بِالمَدِينَةِ ما حَضَرَ مَعَهُما، وماتا كافِرَيْنِ، أحَدُهُما قَبْلَ الهِجْرَةِ والآخَرُ في بَدْرٍ، ولَمْ يَقْصِدْ قَطُّ أُمَيَّةُ المَدِينَةَ، ولا حَضَرَ مَعَهُ مُفْرَدًا ولا مَعَ أحَدٍ. انْتَهى. والغَلَطُ مِنَ القُرْطُبِيِّ، كَيْفَ يَنْفِي حُضُورَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ مَعَهُما ؟ وهو وهْمٌ مِنهُ، وكُلُّهم مِن قُرَيْشٍ، وكانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ بِها: والسُّورَةُ كُلُّها مَكِّيَّةٌ بِالإجْماعِ، وكَيْفَ يَقُولُ: وابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ بِالمَدِينَةِ ؟ كانَ أوَّلًا بِمَكَّةَ، ثُمَّ هاجَرَ إلى المَدِينَةِ، وكانُوا جَمِيعُهم بِمَكَّةَ حِينَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَرْحِ بْنِ مالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ الفِهْرِيُّ، مِن بَنِي عامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وأُمُّ مَكْتُومٍ أُمُّ أبِيهِ عاتِكَةُ، وهو ابْنُ خالِ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها.
(p-٤٢٨)﴿وما عَلَيْكَ ألّا يَزَّكّى﴾ تَحْقِيرٌ لِأمْرِ الكافِرِ وحَضٌّ عَلى الإعْراضِ عَنْهُ وتَرْكِ الِاهْتِمامِ بِهِ، أيْ: وأيُّ شَيْءٍ عَلَيْكَ في كَوْنِهِ لا يُفْلِحُ ولا يَتَطَهَّرُ مِن دَنَسِ الكُفْرِ ؟ ﴿وأمّا مَن جاءَكَ يَسْعى﴾ أيْ يَمْشِي بِسُرْعَةٍ في أمْرِ دِينِهِ ﴿وهو يَخْشى﴾ أيْ يَخافُ اللَّهَ، أوْ يَخافُ الكُفّارَ وأذاهم، أوْ يَخافُ العِثارَ والسُّقُوطَ لِكَوْنِهِ أعْمى، وقَدْ جاءَ بِلا قائِدٍ يَقُودُهُ (تَلَهّى) تَشْتَغِلُ، يُقالُ: لَها عَنِ الشَّيْءِ يَلَهّى، إذا اشْتَغَلَ عَنْهُ. قِيلَ: ولَيْسَ مِنَ اللَّهْوِ الَّذِي هو مِن ذَواتِ الواوِ. انْتَهى. ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِنهُ، لِأنَّ ما يُبْنى عَلى فَعِلَ مِن ذَواتِ الواوِ وتَنْقَلِبُ واوُهُ ياءً لِكَسْرَةِ ما قَبْلَها، نَحْوَ: شَقِيَ يَشْقى، فَإنْ كانَ مَصْدَرُهُ جاءَ بِالياءِ، فَيَكُونُ مِن مادَّةٍ غَيْرِ مادَّةِ اللَّهْوِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَلَهّى) والبَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: (عَنْهُوتَّلَهّى) بِإدْغامِ تاءِ المُضارَعَةِ في تاءِ تَفَعَّلَ، وأبُو جَعْفَر: بِضَمِّها مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ يَشْغَلُكَ دُعاءُ الكافِرِ لِلْإسْلامِ، وطَلْحَةُ: بِتاءَيْنِ، وعَنْهُ بِتاءٍ واحِدَةٍ وسُكُونِ اللّامِ.
(كَلّا إنَّها) أيْ سُورَةُ القُرْآنِ والآياتُ (تَذْكِرَةٌ) عِظَةٌ يُنْتَفَعُ بِها ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ أيْ فَمَن شاءَ أنْ يَذْكُرَ هَذِهِ المَوْعِظَةَ ذَكَرَهُ، أتى بِالضَّمِيرِ مُذَكَّرًا؛ لِأنَّ التَّذْكِرَةَ هي الذِّكْرُ، وهي جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ تَتَضَمَّنُ الوَعْدَ والوَعِيدَ ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [المزمل: ١٩] واعْتَرَضَتْ بَيْنَ (تَذْكِرَةٌ) وبَيْنَ صِفَتِهِ، أيْ تَذْكِرَةٌ: كائِنَةٌ ﴿فِي صُحُفٍ﴾ قِيلَ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، وقِيلَ: صُحُفُ الأوْلِياءِ المُنْزَلَةُ، وقِيلَ: صُحُفُ المُسْلِمِينَ، فَيَكُونُ إخْبارًا بِمُغَيَّبٍ، إذْ لَمْ يُكْتَبِ القُرْآنُ في صُحُفٍ زَمانَ كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، بِمَكَّةَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ القُرْآنُ، ﴿مُكَرَّمَةٍ﴾ عِنْدَ اللَّهِ، و﴿مَرْفُوعَةٍ﴾ في السَّماءِ السّابِعَةِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ، أوْ مَرْفُوعَةٌ عَنِ الشُّبَهِ والتَّناقُضِ، أوْ مَرْفُوعَةُ المِقْدارِ (مُطَهَّرَةٍ) أيْ مُنَزَّهَةٍ عَنْ كُلِّ دَنَسٍ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ أيْضًا: مُطَهَّرَةٌ مِن أنْ تَنْزِلَ عَلى المُشْرِكِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُنَزَّهَةٌ عَنْ أيْدِي الشَّياطِينِ، لا تَمَسُّها إلّا أيْدِي مَلائِكَةٍ مُطَهَّرَةٍ ﴿سَفَرَةٍ﴾ كَتَبَةٍ يَنْسَخُونَ الكُتُبَ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. انْتَهى.
﴿بِأيْدِي سَفَرَةٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ المَلائِكَةُ لِأنَّهم كَتَبَةٌ. وقالَ أيْضًا: لِأنَّهم يَسْفِرُونَ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وأنْبِيائِهِ. وقالَ قَتادَةُ: هُمُ القُرّاءُ، وواحِدُ السَّفَرَةِ سافِرٌ. وقالَ وهْبٌ: هُمُ الصَّحابَةُ، لِأنَّ بَعْضَهم يَسْفِرُ إلى بَعْضٍ في الخَيْرِ والتَّعْلِيمِ والعِلْمِ.
عبس 80:10
﴿أمّا مَنِ اسْتَغْنى﴾ ظاهِرُهُ مَن كانَ ذا ثَرْوَةٍ وغِنًى. وقالَ الكَلْبِيُّ: عَنِ اللَّهِ. وقِيلَ: عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ. قِيلَ: وكَوْنُهُ بِمَعْنى الثَّرْوَةِ لا يَلِيقُ بِمَنصِبِ النُّبُوَّةِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ لَوْ كانَ مِنَ الثَّرْوَةِ لَكانَ المُقابِلُ: وأمّا مَن جاءَكَ فَقِيرًا حَقِيرًا. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، والأعْرَجُ، وعِيسى، والأعْمَشُ وجُمْهُورُ السَّبْعَةِ: (تَصَدّى) بِخَفِّ الصّادِ، وأصْلُهُ يَتَصَدّى فَحَذَفَ، والحَرَمِيّانِ: بِشَدِّها، أدْغَمَ التّاءَ في الصّادِ، وأبُو جَعْفَرٍ: تُصَدّى، بِضَمِّ التّاءِ وتَخْفِيفِ الصّادِ، أيْ يَصُدُّكَ حِرْصُكَ عَلى إسْلامِهِ. يُقالُ: تُصَدّى الرَّجُلُ وصَدَّيْتُهُ، وهَذا المُسْتَغْنِي هو الوَلِيدُ، أوْ أُمَيَّةُ، أوْ عُتْبَةُ وشَيْبَةُ، أوْ أُمَيَّةُ وجَمِيعُ المَذْكُورِينَ في سَبَبِ النُّزُولِ، أقْوالٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وهَذا كُلُّهُ غَلَطٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، لِأنَّ أُمَيَّةَ والوَلِيدَ كانا بِمَكَّةَ، وابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ كانَ بِالمَدِينَةِ ما حَضَرَ مَعَهُما، وماتا كافِرَيْنِ، أحَدُهُما قَبْلَ الهِجْرَةِ والآخَرُ في بَدْرٍ، ولَمْ يَقْصِدْ قَطُّ أُمَيَّةُ المَدِينَةَ، ولا حَضَرَ مَعَهُ مُفْرَدًا ولا مَعَ أحَدٍ. انْتَهى. والغَلَطُ مِنَ القُرْطُبِيِّ، كَيْفَ يَنْفِي حُضُورَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ مَعَهُما ؟ وهو وهْمٌ مِنهُ، وكُلُّهم مِن قُرَيْشٍ، وكانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ بِها: والسُّورَةُ كُلُّها مَكِّيَّةٌ بِالإجْماعِ، وكَيْفَ يَقُولُ: وابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ بِالمَدِينَةِ ؟ كانَ أوَّلًا بِمَكَّةَ، ثُمَّ هاجَرَ إلى المَدِينَةِ، وكانُوا جَمِيعُهم بِمَكَّةَ حِينَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَرْحِ بْنِ مالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ الفِهْرِيُّ، مِن بَنِي عامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وأُمُّ مَكْتُومٍ أُمُّ أبِيهِ عاتِكَةُ، وهو ابْنُ خالِ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها.
(p-٤٢٨)﴿وما عَلَيْكَ ألّا يَزَّكّى﴾ تَحْقِيرٌ لِأمْرِ الكافِرِ وحَضٌّ عَلى الإعْراضِ عَنْهُ وتَرْكِ الِاهْتِمامِ بِهِ، أيْ: وأيُّ شَيْءٍ عَلَيْكَ في كَوْنِهِ لا يُفْلِحُ ولا يَتَطَهَّرُ مِن دَنَسِ الكُفْرِ ؟ ﴿وأمّا مَن جاءَكَ يَسْعى﴾ أيْ يَمْشِي بِسُرْعَةٍ في أمْرِ دِينِهِ ﴿وهو يَخْشى﴾ أيْ يَخافُ اللَّهَ، أوْ يَخافُ الكُفّارَ وأذاهم، أوْ يَخافُ العِثارَ والسُّقُوطَ لِكَوْنِهِ أعْمى، وقَدْ جاءَ بِلا قائِدٍ يَقُودُهُ (تَلَهّى) تَشْتَغِلُ، يُقالُ: لَها عَنِ الشَّيْءِ يَلَهّى، إذا اشْتَغَلَ عَنْهُ. قِيلَ: ولَيْسَ مِنَ اللَّهْوِ الَّذِي هو مِن ذَواتِ الواوِ. انْتَهى. ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِنهُ، لِأنَّ ما يُبْنى عَلى فَعِلَ مِن ذَواتِ الواوِ وتَنْقَلِبُ واوُهُ ياءً لِكَسْرَةِ ما قَبْلَها، نَحْوَ: شَقِيَ يَشْقى، فَإنْ كانَ مَصْدَرُهُ جاءَ بِالياءِ، فَيَكُونُ مِن مادَّةٍ غَيْرِ مادَّةِ اللَّهْوِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَلَهّى) والبَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: (عَنْهُوتَّلَهّى) بِإدْغامِ تاءِ المُضارَعَةِ في تاءِ تَفَعَّلَ، وأبُو جَعْفَر: بِضَمِّها مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ يَشْغَلُكَ دُعاءُ الكافِرِ لِلْإسْلامِ، وطَلْحَةُ: بِتاءَيْنِ، وعَنْهُ بِتاءٍ واحِدَةٍ وسُكُونِ اللّامِ.
(كَلّا إنَّها) أيْ سُورَةُ القُرْآنِ والآياتُ (تَذْكِرَةٌ) عِظَةٌ يُنْتَفَعُ بِها ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ أيْ فَمَن شاءَ أنْ يَذْكُرَ هَذِهِ المَوْعِظَةَ ذَكَرَهُ، أتى بِالضَّمِيرِ مُذَكَّرًا؛ لِأنَّ التَّذْكِرَةَ هي الذِّكْرُ، وهي جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ تَتَضَمَّنُ الوَعْدَ والوَعِيدَ ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [المزمل: ١٩] واعْتَرَضَتْ بَيْنَ (تَذْكِرَةٌ) وبَيْنَ صِفَتِهِ، أيْ تَذْكِرَةٌ: كائِنَةٌ ﴿فِي صُحُفٍ﴾ قِيلَ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، وقِيلَ: صُحُفُ الأوْلِياءِ المُنْزَلَةُ، وقِيلَ: صُحُفُ المُسْلِمِينَ، فَيَكُونُ إخْبارًا بِمُغَيَّبٍ، إذْ لَمْ يُكْتَبِ القُرْآنُ في صُحُفٍ زَمانَ كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، بِمَكَّةَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ القُرْآنُ، ﴿مُكَرَّمَةٍ﴾ عِنْدَ اللَّهِ، و﴿مَرْفُوعَةٍ﴾ في السَّماءِ السّابِعَةِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ، أوْ مَرْفُوعَةٌ عَنِ الشُّبَهِ والتَّناقُضِ، أوْ مَرْفُوعَةُ المِقْدارِ (مُطَهَّرَةٍ) أيْ مُنَزَّهَةٍ عَنْ كُلِّ دَنَسٍ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ أيْضًا: مُطَهَّرَةٌ مِن أنْ تَنْزِلَ عَلى المُشْرِكِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُنَزَّهَةٌ عَنْ أيْدِي الشَّياطِينِ، لا تَمَسُّها إلّا أيْدِي مَلائِكَةٍ مُطَهَّرَةٍ ﴿سَفَرَةٍ﴾ كَتَبَةٍ يَنْسَخُونَ الكُتُبَ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. انْتَهى.
﴿بِأيْدِي سَفَرَةٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ المَلائِكَةُ لِأنَّهم كَتَبَةٌ. وقالَ أيْضًا: لِأنَّهم يَسْفِرُونَ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وأنْبِيائِهِ. وقالَ قَتادَةُ: هُمُ القُرّاءُ، وواحِدُ السَّفَرَةِ سافِرٌ. وقالَ وهْبٌ: هُمُ الصَّحابَةُ، لِأنَّ بَعْضَهم يَسْفِرُ إلى بَعْضٍ في الخَيْرِ والتَّعْلِيمِ والعِلْمِ.
عبس 80:11
﴿أمّا مَنِ اسْتَغْنى﴾ ظاهِرُهُ مَن كانَ ذا ثَرْوَةٍ وغِنًى. وقالَ الكَلْبِيُّ: عَنِ اللَّهِ. وقِيلَ: عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ. قِيلَ: وكَوْنُهُ بِمَعْنى الثَّرْوَةِ لا يَلِيقُ بِمَنصِبِ النُّبُوَّةِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ لَوْ كانَ مِنَ الثَّرْوَةِ لَكانَ المُقابِلُ: وأمّا مَن جاءَكَ فَقِيرًا حَقِيرًا. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، والأعْرَجُ، وعِيسى، والأعْمَشُ وجُمْهُورُ السَّبْعَةِ: (تَصَدّى) بِخَفِّ الصّادِ، وأصْلُهُ يَتَصَدّى فَحَذَفَ، والحَرَمِيّانِ: بِشَدِّها، أدْغَمَ التّاءَ في الصّادِ، وأبُو جَعْفَرٍ: تُصَدّى، بِضَمِّ التّاءِ وتَخْفِيفِ الصّادِ، أيْ يَصُدُّكَ حِرْصُكَ عَلى إسْلامِهِ. يُقالُ: تُصَدّى الرَّجُلُ وصَدَّيْتُهُ، وهَذا المُسْتَغْنِي هو الوَلِيدُ، أوْ أُمَيَّةُ، أوْ عُتْبَةُ وشَيْبَةُ، أوْ أُمَيَّةُ وجَمِيعُ المَذْكُورِينَ في سَبَبِ النُّزُولِ، أقْوالٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وهَذا كُلُّهُ غَلَطٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، لِأنَّ أُمَيَّةَ والوَلِيدَ كانا بِمَكَّةَ، وابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ كانَ بِالمَدِينَةِ ما حَضَرَ مَعَهُما، وماتا كافِرَيْنِ، أحَدُهُما قَبْلَ الهِجْرَةِ والآخَرُ في بَدْرٍ، ولَمْ يَقْصِدْ قَطُّ أُمَيَّةُ المَدِينَةَ، ولا حَضَرَ مَعَهُ مُفْرَدًا ولا مَعَ أحَدٍ. انْتَهى. والغَلَطُ مِنَ القُرْطُبِيِّ، كَيْفَ يَنْفِي حُضُورَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ مَعَهُما ؟ وهو وهْمٌ مِنهُ، وكُلُّهم مِن قُرَيْشٍ، وكانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ بِها: والسُّورَةُ كُلُّها مَكِّيَّةٌ بِالإجْماعِ، وكَيْفَ يَقُولُ: وابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ بِالمَدِينَةِ ؟ كانَ أوَّلًا بِمَكَّةَ، ثُمَّ هاجَرَ إلى المَدِينَةِ، وكانُوا جَمِيعُهم بِمَكَّةَ حِينَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَرْحِ بْنِ مالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ الفِهْرِيُّ، مِن بَنِي عامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وأُمُّ مَكْتُومٍ أُمُّ أبِيهِ عاتِكَةُ، وهو ابْنُ خالِ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها.
(p-٤٢٨)﴿وما عَلَيْكَ ألّا يَزَّكّى﴾ تَحْقِيرٌ لِأمْرِ الكافِرِ وحَضٌّ عَلى الإعْراضِ عَنْهُ وتَرْكِ الِاهْتِمامِ بِهِ، أيْ: وأيُّ شَيْءٍ عَلَيْكَ في كَوْنِهِ لا يُفْلِحُ ولا يَتَطَهَّرُ مِن دَنَسِ الكُفْرِ ؟ ﴿وأمّا مَن جاءَكَ يَسْعى﴾ أيْ يَمْشِي بِسُرْعَةٍ في أمْرِ دِينِهِ ﴿وهو يَخْشى﴾ أيْ يَخافُ اللَّهَ، أوْ يَخافُ الكُفّارَ وأذاهم، أوْ يَخافُ العِثارَ والسُّقُوطَ لِكَوْنِهِ أعْمى، وقَدْ جاءَ بِلا قائِدٍ يَقُودُهُ (تَلَهّى) تَشْتَغِلُ، يُقالُ: لَها عَنِ الشَّيْءِ يَلَهّى، إذا اشْتَغَلَ عَنْهُ. قِيلَ: ولَيْسَ مِنَ اللَّهْوِ الَّذِي هو مِن ذَواتِ الواوِ. انْتَهى. ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِنهُ، لِأنَّ ما يُبْنى عَلى فَعِلَ مِن ذَواتِ الواوِ وتَنْقَلِبُ واوُهُ ياءً لِكَسْرَةِ ما قَبْلَها، نَحْوَ: شَقِيَ يَشْقى، فَإنْ كانَ مَصْدَرُهُ جاءَ بِالياءِ، فَيَكُونُ مِن مادَّةٍ غَيْرِ مادَّةِ اللَّهْوِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَلَهّى) والبَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: (عَنْهُوتَّلَهّى) بِإدْغامِ تاءِ المُضارَعَةِ في تاءِ تَفَعَّلَ، وأبُو جَعْفَر: بِضَمِّها مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ يَشْغَلُكَ دُعاءُ الكافِرِ لِلْإسْلامِ، وطَلْحَةُ: بِتاءَيْنِ، وعَنْهُ بِتاءٍ واحِدَةٍ وسُكُونِ اللّامِ.
(كَلّا إنَّها) أيْ سُورَةُ القُرْآنِ والآياتُ (تَذْكِرَةٌ) عِظَةٌ يُنْتَفَعُ بِها ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ أيْ فَمَن شاءَ أنْ يَذْكُرَ هَذِهِ المَوْعِظَةَ ذَكَرَهُ، أتى بِالضَّمِيرِ مُذَكَّرًا؛ لِأنَّ التَّذْكِرَةَ هي الذِّكْرُ، وهي جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ تَتَضَمَّنُ الوَعْدَ والوَعِيدَ ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [المزمل: ١٩] واعْتَرَضَتْ بَيْنَ (تَذْكِرَةٌ) وبَيْنَ صِفَتِهِ، أيْ تَذْكِرَةٌ: كائِنَةٌ ﴿فِي صُحُفٍ﴾ قِيلَ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، وقِيلَ: صُحُفُ الأوْلِياءِ المُنْزَلَةُ، وقِيلَ: صُحُفُ المُسْلِمِينَ، فَيَكُونُ إخْبارًا بِمُغَيَّبٍ، إذْ لَمْ يُكْتَبِ القُرْآنُ في صُحُفٍ زَمانَ كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، بِمَكَّةَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ القُرْآنُ، ﴿مُكَرَّمَةٍ﴾ عِنْدَ اللَّهِ، و﴿مَرْفُوعَةٍ﴾ في السَّماءِ السّابِعَةِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ، أوْ مَرْفُوعَةٌ عَنِ الشُّبَهِ والتَّناقُضِ، أوْ مَرْفُوعَةُ المِقْدارِ (مُطَهَّرَةٍ) أيْ مُنَزَّهَةٍ عَنْ كُلِّ دَنَسٍ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ أيْضًا: مُطَهَّرَةٌ مِن أنْ تَنْزِلَ عَلى المُشْرِكِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُنَزَّهَةٌ عَنْ أيْدِي الشَّياطِينِ، لا تَمَسُّها إلّا أيْدِي مَلائِكَةٍ مُطَهَّرَةٍ ﴿سَفَرَةٍ﴾ كَتَبَةٍ يَنْسَخُونَ الكُتُبَ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. انْتَهى.
﴿بِأيْدِي سَفَرَةٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ المَلائِكَةُ لِأنَّهم كَتَبَةٌ. وقالَ أيْضًا: لِأنَّهم يَسْفِرُونَ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وأنْبِيائِهِ. وقالَ قَتادَةُ: هُمُ القُرّاءُ، وواحِدُ السَّفَرَةِ سافِرٌ. وقالَ وهْبٌ: هُمُ الصَّحابَةُ، لِأنَّ بَعْضَهم يَسْفِرُ إلى بَعْضٍ في الخَيْرِ والتَّعْلِيمِ والعِلْمِ.
عبس 80:12
﴿أمّا مَنِ اسْتَغْنى﴾ ظاهِرُهُ مَن كانَ ذا ثَرْوَةٍ وغِنًى. وقالَ الكَلْبِيُّ: عَنِ اللَّهِ. وقِيلَ: عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ. قِيلَ: وكَوْنُهُ بِمَعْنى الثَّرْوَةِ لا يَلِيقُ بِمَنصِبِ النُّبُوَّةِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ لَوْ كانَ مِنَ الثَّرْوَةِ لَكانَ المُقابِلُ: وأمّا مَن جاءَكَ فَقِيرًا حَقِيرًا. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، والأعْرَجُ، وعِيسى، والأعْمَشُ وجُمْهُورُ السَّبْعَةِ: (تَصَدّى) بِخَفِّ الصّادِ، وأصْلُهُ يَتَصَدّى فَحَذَفَ، والحَرَمِيّانِ: بِشَدِّها، أدْغَمَ التّاءَ في الصّادِ، وأبُو جَعْفَرٍ: تُصَدّى، بِضَمِّ التّاءِ وتَخْفِيفِ الصّادِ، أيْ يَصُدُّكَ حِرْصُكَ عَلى إسْلامِهِ. يُقالُ: تُصَدّى الرَّجُلُ وصَدَّيْتُهُ، وهَذا المُسْتَغْنِي هو الوَلِيدُ، أوْ أُمَيَّةُ، أوْ عُتْبَةُ وشَيْبَةُ، أوْ أُمَيَّةُ وجَمِيعُ المَذْكُورِينَ في سَبَبِ النُّزُولِ، أقْوالٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وهَذا كُلُّهُ غَلَطٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، لِأنَّ أُمَيَّةَ والوَلِيدَ كانا بِمَكَّةَ، وابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ كانَ بِالمَدِينَةِ ما حَضَرَ مَعَهُما، وماتا كافِرَيْنِ، أحَدُهُما قَبْلَ الهِجْرَةِ والآخَرُ في بَدْرٍ، ولَمْ يَقْصِدْ قَطُّ أُمَيَّةُ المَدِينَةَ، ولا حَضَرَ مَعَهُ مُفْرَدًا ولا مَعَ أحَدٍ. انْتَهى. والغَلَطُ مِنَ القُرْطُبِيِّ، كَيْفَ يَنْفِي حُضُورَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ مَعَهُما ؟ وهو وهْمٌ مِنهُ، وكُلُّهم مِن قُرَيْشٍ، وكانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ بِها: والسُّورَةُ كُلُّها مَكِّيَّةٌ بِالإجْماعِ، وكَيْفَ يَقُولُ: وابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ بِالمَدِينَةِ ؟ كانَ أوَّلًا بِمَكَّةَ، ثُمَّ هاجَرَ إلى المَدِينَةِ، وكانُوا جَمِيعُهم بِمَكَّةَ حِينَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَرْحِ بْنِ مالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ الفِهْرِيُّ، مِن بَنِي عامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وأُمُّ مَكْتُومٍ أُمُّ أبِيهِ عاتِكَةُ، وهو ابْنُ خالِ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها.
(p-٤٢٨)﴿وما عَلَيْكَ ألّا يَزَّكّى﴾ تَحْقِيرٌ لِأمْرِ الكافِرِ وحَضٌّ عَلى الإعْراضِ عَنْهُ وتَرْكِ الِاهْتِمامِ بِهِ، أيْ: وأيُّ شَيْءٍ عَلَيْكَ في كَوْنِهِ لا يُفْلِحُ ولا يَتَطَهَّرُ مِن دَنَسِ الكُفْرِ ؟ ﴿وأمّا مَن جاءَكَ يَسْعى﴾ أيْ يَمْشِي بِسُرْعَةٍ في أمْرِ دِينِهِ ﴿وهو يَخْشى﴾ أيْ يَخافُ اللَّهَ، أوْ يَخافُ الكُفّارَ وأذاهم، أوْ يَخافُ العِثارَ والسُّقُوطَ لِكَوْنِهِ أعْمى، وقَدْ جاءَ بِلا قائِدٍ يَقُودُهُ (تَلَهّى) تَشْتَغِلُ، يُقالُ: لَها عَنِ الشَّيْءِ يَلَهّى، إذا اشْتَغَلَ عَنْهُ. قِيلَ: ولَيْسَ مِنَ اللَّهْوِ الَّذِي هو مِن ذَواتِ الواوِ. انْتَهى. ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِنهُ، لِأنَّ ما يُبْنى عَلى فَعِلَ مِن ذَواتِ الواوِ وتَنْقَلِبُ واوُهُ ياءً لِكَسْرَةِ ما قَبْلَها، نَحْوَ: شَقِيَ يَشْقى، فَإنْ كانَ مَصْدَرُهُ جاءَ بِالياءِ، فَيَكُونُ مِن مادَّةٍ غَيْرِ مادَّةِ اللَّهْوِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَلَهّى) والبَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: (عَنْهُوتَّلَهّى) بِإدْغامِ تاءِ المُضارَعَةِ في تاءِ تَفَعَّلَ، وأبُو جَعْفَر: بِضَمِّها مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ يَشْغَلُكَ دُعاءُ الكافِرِ لِلْإسْلامِ، وطَلْحَةُ: بِتاءَيْنِ، وعَنْهُ بِتاءٍ واحِدَةٍ وسُكُونِ اللّامِ.
(كَلّا إنَّها) أيْ سُورَةُ القُرْآنِ والآياتُ (تَذْكِرَةٌ) عِظَةٌ يُنْتَفَعُ بِها ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ أيْ فَمَن شاءَ أنْ يَذْكُرَ هَذِهِ المَوْعِظَةَ ذَكَرَهُ، أتى بِالضَّمِيرِ مُذَكَّرًا؛ لِأنَّ التَّذْكِرَةَ هي الذِّكْرُ، وهي جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ تَتَضَمَّنُ الوَعْدَ والوَعِيدَ ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [المزمل: ١٩] واعْتَرَضَتْ بَيْنَ (تَذْكِرَةٌ) وبَيْنَ صِفَتِهِ، أيْ تَذْكِرَةٌ: كائِنَةٌ ﴿فِي صُحُفٍ﴾ قِيلَ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، وقِيلَ: صُحُفُ الأوْلِياءِ المُنْزَلَةُ، وقِيلَ: صُحُفُ المُسْلِمِينَ، فَيَكُونُ إخْبارًا بِمُغَيَّبٍ، إذْ لَمْ يُكْتَبِ القُرْآنُ في صُحُفٍ زَمانَ كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، بِمَكَّةَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ القُرْآنُ، ﴿مُكَرَّمَةٍ﴾ عِنْدَ اللَّهِ، و﴿مَرْفُوعَةٍ﴾ في السَّماءِ السّابِعَةِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ، أوْ مَرْفُوعَةٌ عَنِ الشُّبَهِ والتَّناقُضِ، أوْ مَرْفُوعَةُ المِقْدارِ (مُطَهَّرَةٍ) أيْ مُنَزَّهَةٍ عَنْ كُلِّ دَنَسٍ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ أيْضًا: مُطَهَّرَةٌ مِن أنْ تَنْزِلَ عَلى المُشْرِكِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُنَزَّهَةٌ عَنْ أيْدِي الشَّياطِينِ، لا تَمَسُّها إلّا أيْدِي مَلائِكَةٍ مُطَهَّرَةٍ ﴿سَفَرَةٍ﴾ كَتَبَةٍ يَنْسَخُونَ الكُتُبَ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. انْتَهى.
﴿بِأيْدِي سَفَرَةٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ المَلائِكَةُ لِأنَّهم كَتَبَةٌ. وقالَ أيْضًا: لِأنَّهم يَسْفِرُونَ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وأنْبِيائِهِ. وقالَ قَتادَةُ: هُمُ القُرّاءُ، وواحِدُ السَّفَرَةِ سافِرٌ. وقالَ وهْبٌ: هُمُ الصَّحابَةُ، لِأنَّ بَعْضَهم يَسْفِرُ إلى بَعْضٍ في الخَيْرِ والتَّعْلِيمِ والعِلْمِ.
عبس 80:13
﴿أمّا مَنِ اسْتَغْنى﴾ ظاهِرُهُ مَن كانَ ذا ثَرْوَةٍ وغِنًى. وقالَ الكَلْبِيُّ: عَنِ اللَّهِ. وقِيلَ: عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ. قِيلَ: وكَوْنُهُ بِمَعْنى الثَّرْوَةِ لا يَلِيقُ بِمَنصِبِ النُّبُوَّةِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ لَوْ كانَ مِنَ الثَّرْوَةِ لَكانَ المُقابِلُ: وأمّا مَن جاءَكَ فَقِيرًا حَقِيرًا. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، والأعْرَجُ، وعِيسى، والأعْمَشُ وجُمْهُورُ السَّبْعَةِ: (تَصَدّى) بِخَفِّ الصّادِ، وأصْلُهُ يَتَصَدّى فَحَذَفَ، والحَرَمِيّانِ: بِشَدِّها، أدْغَمَ التّاءَ في الصّادِ، وأبُو جَعْفَرٍ: تُصَدّى، بِضَمِّ التّاءِ وتَخْفِيفِ الصّادِ، أيْ يَصُدُّكَ حِرْصُكَ عَلى إسْلامِهِ. يُقالُ: تُصَدّى الرَّجُلُ وصَدَّيْتُهُ، وهَذا المُسْتَغْنِي هو الوَلِيدُ، أوْ أُمَيَّةُ، أوْ عُتْبَةُ وشَيْبَةُ، أوْ أُمَيَّةُ وجَمِيعُ المَذْكُورِينَ في سَبَبِ النُّزُولِ، أقْوالٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وهَذا كُلُّهُ غَلَطٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، لِأنَّ أُمَيَّةَ والوَلِيدَ كانا بِمَكَّةَ، وابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ كانَ بِالمَدِينَةِ ما حَضَرَ مَعَهُما، وماتا كافِرَيْنِ، أحَدُهُما قَبْلَ الهِجْرَةِ والآخَرُ في بَدْرٍ، ولَمْ يَقْصِدْ قَطُّ أُمَيَّةُ المَدِينَةَ، ولا حَضَرَ مَعَهُ مُفْرَدًا ولا مَعَ أحَدٍ. انْتَهى. والغَلَطُ مِنَ القُرْطُبِيِّ، كَيْفَ يَنْفِي حُضُورَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ مَعَهُما ؟ وهو وهْمٌ مِنهُ، وكُلُّهم مِن قُرَيْشٍ، وكانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ بِها: والسُّورَةُ كُلُّها مَكِّيَّةٌ بِالإجْماعِ، وكَيْفَ يَقُولُ: وابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ بِالمَدِينَةِ ؟ كانَ أوَّلًا بِمَكَّةَ، ثُمَّ هاجَرَ إلى المَدِينَةِ، وكانُوا جَمِيعُهم بِمَكَّةَ حِينَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَرْحِ بْنِ مالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ الفِهْرِيُّ، مِن بَنِي عامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وأُمُّ مَكْتُومٍ أُمُّ أبِيهِ عاتِكَةُ، وهو ابْنُ خالِ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها.
(p-٤٢٨)﴿وما عَلَيْكَ ألّا يَزَّكّى﴾ تَحْقِيرٌ لِأمْرِ الكافِرِ وحَضٌّ عَلى الإعْراضِ عَنْهُ وتَرْكِ الِاهْتِمامِ بِهِ، أيْ: وأيُّ شَيْءٍ عَلَيْكَ في كَوْنِهِ لا يُفْلِحُ ولا يَتَطَهَّرُ مِن دَنَسِ الكُفْرِ ؟ ﴿وأمّا مَن جاءَكَ يَسْعى﴾ أيْ يَمْشِي بِسُرْعَةٍ في أمْرِ دِينِهِ ﴿وهو يَخْشى﴾ أيْ يَخافُ اللَّهَ، أوْ يَخافُ الكُفّارَ وأذاهم، أوْ يَخافُ العِثارَ والسُّقُوطَ لِكَوْنِهِ أعْمى، وقَدْ جاءَ بِلا قائِدٍ يَقُودُهُ (تَلَهّى) تَشْتَغِلُ، يُقالُ: لَها عَنِ الشَّيْءِ يَلَهّى، إذا اشْتَغَلَ عَنْهُ. قِيلَ: ولَيْسَ مِنَ اللَّهْوِ الَّذِي هو مِن ذَواتِ الواوِ. انْتَهى. ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِنهُ، لِأنَّ ما يُبْنى عَلى فَعِلَ مِن ذَواتِ الواوِ وتَنْقَلِبُ واوُهُ ياءً لِكَسْرَةِ ما قَبْلَها، نَحْوَ: شَقِيَ يَشْقى، فَإنْ كانَ مَصْدَرُهُ جاءَ بِالياءِ، فَيَكُونُ مِن مادَّةٍ غَيْرِ مادَّةِ اللَّهْوِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَلَهّى) والبَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: (عَنْهُوتَّلَهّى) بِإدْغامِ تاءِ المُضارَعَةِ في تاءِ تَفَعَّلَ، وأبُو جَعْفَر: بِضَمِّها مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ يَشْغَلُكَ دُعاءُ الكافِرِ لِلْإسْلامِ، وطَلْحَةُ: بِتاءَيْنِ، وعَنْهُ بِتاءٍ واحِدَةٍ وسُكُونِ اللّامِ.
(كَلّا إنَّها) أيْ سُورَةُ القُرْآنِ والآياتُ (تَذْكِرَةٌ) عِظَةٌ يُنْتَفَعُ بِها ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ أيْ فَمَن شاءَ أنْ يَذْكُرَ هَذِهِ المَوْعِظَةَ ذَكَرَهُ، أتى بِالضَّمِيرِ مُذَكَّرًا؛ لِأنَّ التَّذْكِرَةَ هي الذِّكْرُ، وهي جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ تَتَضَمَّنُ الوَعْدَ والوَعِيدَ ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [المزمل: ١٩] واعْتَرَضَتْ بَيْنَ (تَذْكِرَةٌ) وبَيْنَ صِفَتِهِ، أيْ تَذْكِرَةٌ: كائِنَةٌ ﴿فِي صُحُفٍ﴾ قِيلَ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، وقِيلَ: صُحُفُ الأوْلِياءِ المُنْزَلَةُ، وقِيلَ: صُحُفُ المُسْلِمِينَ، فَيَكُونُ إخْبارًا بِمُغَيَّبٍ، إذْ لَمْ يُكْتَبِ القُرْآنُ في صُحُفٍ زَمانَ كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، بِمَكَّةَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ القُرْآنُ، ﴿مُكَرَّمَةٍ﴾ عِنْدَ اللَّهِ، و﴿مَرْفُوعَةٍ﴾ في السَّماءِ السّابِعَةِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ، أوْ مَرْفُوعَةٌ عَنِ الشُّبَهِ والتَّناقُضِ، أوْ مَرْفُوعَةُ المِقْدارِ (مُطَهَّرَةٍ) أيْ مُنَزَّهَةٍ عَنْ كُلِّ دَنَسٍ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ أيْضًا: مُطَهَّرَةٌ مِن أنْ تَنْزِلَ عَلى المُشْرِكِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُنَزَّهَةٌ عَنْ أيْدِي الشَّياطِينِ، لا تَمَسُّها إلّا أيْدِي مَلائِكَةٍ مُطَهَّرَةٍ ﴿سَفَرَةٍ﴾ كَتَبَةٍ يَنْسَخُونَ الكُتُبَ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. انْتَهى.
﴿بِأيْدِي سَفَرَةٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ المَلائِكَةُ لِأنَّهم كَتَبَةٌ. وقالَ أيْضًا: لِأنَّهم يَسْفِرُونَ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وأنْبِيائِهِ. وقالَ قَتادَةُ: هُمُ القُرّاءُ، وواحِدُ السَّفَرَةِ سافِرٌ. وقالَ وهْبٌ: هُمُ الصَّحابَةُ، لِأنَّ بَعْضَهم يَسْفِرُ إلى بَعْضٍ في الخَيْرِ والتَّعْلِيمِ والعِلْمِ.
عبس 80:14
﴿أمّا مَنِ اسْتَغْنى﴾ ظاهِرُهُ مَن كانَ ذا ثَرْوَةٍ وغِنًى. وقالَ الكَلْبِيُّ: عَنِ اللَّهِ. وقِيلَ: عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ. قِيلَ: وكَوْنُهُ بِمَعْنى الثَّرْوَةِ لا يَلِيقُ بِمَنصِبِ النُّبُوَّةِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ لَوْ كانَ مِنَ الثَّرْوَةِ لَكانَ المُقابِلُ: وأمّا مَن جاءَكَ فَقِيرًا حَقِيرًا. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، والأعْرَجُ، وعِيسى، والأعْمَشُ وجُمْهُورُ السَّبْعَةِ: (تَصَدّى) بِخَفِّ الصّادِ، وأصْلُهُ يَتَصَدّى فَحَذَفَ، والحَرَمِيّانِ: بِشَدِّها، أدْغَمَ التّاءَ في الصّادِ، وأبُو جَعْفَرٍ: تُصَدّى، بِضَمِّ التّاءِ وتَخْفِيفِ الصّادِ، أيْ يَصُدُّكَ حِرْصُكَ عَلى إسْلامِهِ. يُقالُ: تُصَدّى الرَّجُلُ وصَدَّيْتُهُ، وهَذا المُسْتَغْنِي هو الوَلِيدُ، أوْ أُمَيَّةُ، أوْ عُتْبَةُ وشَيْبَةُ، أوْ أُمَيَّةُ وجَمِيعُ المَذْكُورِينَ في سَبَبِ النُّزُولِ، أقْوالٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وهَذا كُلُّهُ غَلَطٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، لِأنَّ أُمَيَّةَ والوَلِيدَ كانا بِمَكَّةَ، وابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ كانَ بِالمَدِينَةِ ما حَضَرَ مَعَهُما، وماتا كافِرَيْنِ، أحَدُهُما قَبْلَ الهِجْرَةِ والآخَرُ في بَدْرٍ، ولَمْ يَقْصِدْ قَطُّ أُمَيَّةُ المَدِينَةَ، ولا حَضَرَ مَعَهُ مُفْرَدًا ولا مَعَ أحَدٍ. انْتَهى. والغَلَطُ مِنَ القُرْطُبِيِّ، كَيْفَ يَنْفِي حُضُورَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ مَعَهُما ؟ وهو وهْمٌ مِنهُ، وكُلُّهم مِن قُرَيْشٍ، وكانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ بِها: والسُّورَةُ كُلُّها مَكِّيَّةٌ بِالإجْماعِ، وكَيْفَ يَقُولُ: وابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ بِالمَدِينَةِ ؟ كانَ أوَّلًا بِمَكَّةَ، ثُمَّ هاجَرَ إلى المَدِينَةِ، وكانُوا جَمِيعُهم بِمَكَّةَ حِينَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَرْحِ بْنِ مالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ الفِهْرِيُّ، مِن بَنِي عامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وأُمُّ مَكْتُومٍ أُمُّ أبِيهِ عاتِكَةُ، وهو ابْنُ خالِ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها.
(p-٤٢٨)﴿وما عَلَيْكَ ألّا يَزَّكّى﴾ تَحْقِيرٌ لِأمْرِ الكافِرِ وحَضٌّ عَلى الإعْراضِ عَنْهُ وتَرْكِ الِاهْتِمامِ بِهِ، أيْ: وأيُّ شَيْءٍ عَلَيْكَ في كَوْنِهِ لا يُفْلِحُ ولا يَتَطَهَّرُ مِن دَنَسِ الكُفْرِ ؟ ﴿وأمّا مَن جاءَكَ يَسْعى﴾ أيْ يَمْشِي بِسُرْعَةٍ في أمْرِ دِينِهِ ﴿وهو يَخْشى﴾ أيْ يَخافُ اللَّهَ، أوْ يَخافُ الكُفّارَ وأذاهم، أوْ يَخافُ العِثارَ والسُّقُوطَ لِكَوْنِهِ أعْمى، وقَدْ جاءَ بِلا قائِدٍ يَقُودُهُ (تَلَهّى) تَشْتَغِلُ، يُقالُ: لَها عَنِ الشَّيْءِ يَلَهّى، إذا اشْتَغَلَ عَنْهُ. قِيلَ: ولَيْسَ مِنَ اللَّهْوِ الَّذِي هو مِن ذَواتِ الواوِ. انْتَهى. ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِنهُ، لِأنَّ ما يُبْنى عَلى فَعِلَ مِن ذَواتِ الواوِ وتَنْقَلِبُ واوُهُ ياءً لِكَسْرَةِ ما قَبْلَها، نَحْوَ: شَقِيَ يَشْقى، فَإنْ كانَ مَصْدَرُهُ جاءَ بِالياءِ، فَيَكُونُ مِن مادَّةٍ غَيْرِ مادَّةِ اللَّهْوِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَلَهّى) والبَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: (عَنْهُوتَّلَهّى) بِإدْغامِ تاءِ المُضارَعَةِ في تاءِ تَفَعَّلَ، وأبُو جَعْفَر: بِضَمِّها مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ يَشْغَلُكَ دُعاءُ الكافِرِ لِلْإسْلامِ، وطَلْحَةُ: بِتاءَيْنِ، وعَنْهُ بِتاءٍ واحِدَةٍ وسُكُونِ اللّامِ.
(كَلّا إنَّها) أيْ سُورَةُ القُرْآنِ والآياتُ (تَذْكِرَةٌ) عِظَةٌ يُنْتَفَعُ بِها ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ أيْ فَمَن شاءَ أنْ يَذْكُرَ هَذِهِ المَوْعِظَةَ ذَكَرَهُ، أتى بِالضَّمِيرِ مُذَكَّرًا؛ لِأنَّ التَّذْكِرَةَ هي الذِّكْرُ، وهي جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ تَتَضَمَّنُ الوَعْدَ والوَعِيدَ ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [المزمل: ١٩] واعْتَرَضَتْ بَيْنَ (تَذْكِرَةٌ) وبَيْنَ صِفَتِهِ، أيْ تَذْكِرَةٌ: كائِنَةٌ ﴿فِي صُحُفٍ﴾ قِيلَ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، وقِيلَ: صُحُفُ الأوْلِياءِ المُنْزَلَةُ، وقِيلَ: صُحُفُ المُسْلِمِينَ، فَيَكُونُ إخْبارًا بِمُغَيَّبٍ، إذْ لَمْ يُكْتَبِ القُرْآنُ في صُحُفٍ زَمانَ كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، بِمَكَّةَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ القُرْآنُ، ﴿مُكَرَّمَةٍ﴾ عِنْدَ اللَّهِ، و﴿مَرْفُوعَةٍ﴾ في السَّماءِ السّابِعَةِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ، أوْ مَرْفُوعَةٌ عَنِ الشُّبَهِ والتَّناقُضِ، أوْ مَرْفُوعَةُ المِقْدارِ (مُطَهَّرَةٍ) أيْ مُنَزَّهَةٍ عَنْ كُلِّ دَنَسٍ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ أيْضًا: مُطَهَّرَةٌ مِن أنْ تَنْزِلَ عَلى المُشْرِكِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُنَزَّهَةٌ عَنْ أيْدِي الشَّياطِينِ، لا تَمَسُّها إلّا أيْدِي مَلائِكَةٍ مُطَهَّرَةٍ ﴿سَفَرَةٍ﴾ كَتَبَةٍ يَنْسَخُونَ الكُتُبَ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. انْتَهى.
﴿بِأيْدِي سَفَرَةٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ المَلائِكَةُ لِأنَّهم كَتَبَةٌ. وقالَ أيْضًا: لِأنَّهم يَسْفِرُونَ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وأنْبِيائِهِ. وقالَ قَتادَةُ: هُمُ القُرّاءُ، وواحِدُ السَّفَرَةِ سافِرٌ. وقالَ وهْبٌ: هُمُ الصَّحابَةُ، لِأنَّ بَعْضَهم يَسْفِرُ إلى بَعْضٍ في الخَيْرِ والتَّعْلِيمِ والعِلْمِ.
عبس 80:15
﴿أمّا مَنِ اسْتَغْنى﴾ ظاهِرُهُ مَن كانَ ذا ثَرْوَةٍ وغِنًى. وقالَ الكَلْبِيُّ: عَنِ اللَّهِ. وقِيلَ: عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ. قِيلَ: وكَوْنُهُ بِمَعْنى الثَّرْوَةِ لا يَلِيقُ بِمَنصِبِ النُّبُوَّةِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ لَوْ كانَ مِنَ الثَّرْوَةِ لَكانَ المُقابِلُ: وأمّا مَن جاءَكَ فَقِيرًا حَقِيرًا. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، والأعْرَجُ، وعِيسى، والأعْمَشُ وجُمْهُورُ السَّبْعَةِ: (تَصَدّى) بِخَفِّ الصّادِ، وأصْلُهُ يَتَصَدّى فَحَذَفَ، والحَرَمِيّانِ: بِشَدِّها، أدْغَمَ التّاءَ في الصّادِ، وأبُو جَعْفَرٍ: تُصَدّى، بِضَمِّ التّاءِ وتَخْفِيفِ الصّادِ، أيْ يَصُدُّكَ حِرْصُكَ عَلى إسْلامِهِ. يُقالُ: تُصَدّى الرَّجُلُ وصَدَّيْتُهُ، وهَذا المُسْتَغْنِي هو الوَلِيدُ، أوْ أُمَيَّةُ، أوْ عُتْبَةُ وشَيْبَةُ، أوْ أُمَيَّةُ وجَمِيعُ المَذْكُورِينَ في سَبَبِ النُّزُولِ، أقْوالٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وهَذا كُلُّهُ غَلَطٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، لِأنَّ أُمَيَّةَ والوَلِيدَ كانا بِمَكَّةَ، وابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ كانَ بِالمَدِينَةِ ما حَضَرَ مَعَهُما، وماتا كافِرَيْنِ، أحَدُهُما قَبْلَ الهِجْرَةِ والآخَرُ في بَدْرٍ، ولَمْ يَقْصِدْ قَطُّ أُمَيَّةُ المَدِينَةَ، ولا حَضَرَ مَعَهُ مُفْرَدًا ولا مَعَ أحَدٍ. انْتَهى. والغَلَطُ مِنَ القُرْطُبِيِّ، كَيْفَ يَنْفِي حُضُورَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ مَعَهُما ؟ وهو وهْمٌ مِنهُ، وكُلُّهم مِن قُرَيْشٍ، وكانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ بِها: والسُّورَةُ كُلُّها مَكِّيَّةٌ بِالإجْماعِ، وكَيْفَ يَقُولُ: وابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ بِالمَدِينَةِ ؟ كانَ أوَّلًا بِمَكَّةَ، ثُمَّ هاجَرَ إلى المَدِينَةِ، وكانُوا جَمِيعُهم بِمَكَّةَ حِينَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَرْحِ بْنِ مالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ الفِهْرِيُّ، مِن بَنِي عامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وأُمُّ مَكْتُومٍ أُمُّ أبِيهِ عاتِكَةُ، وهو ابْنُ خالِ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها.
(p-٤٢٨)﴿وما عَلَيْكَ ألّا يَزَّكّى﴾ تَحْقِيرٌ لِأمْرِ الكافِرِ وحَضٌّ عَلى الإعْراضِ عَنْهُ وتَرْكِ الِاهْتِمامِ بِهِ، أيْ: وأيُّ شَيْءٍ عَلَيْكَ في كَوْنِهِ لا يُفْلِحُ ولا يَتَطَهَّرُ مِن دَنَسِ الكُفْرِ ؟ ﴿وأمّا مَن جاءَكَ يَسْعى﴾ أيْ يَمْشِي بِسُرْعَةٍ في أمْرِ دِينِهِ ﴿وهو يَخْشى﴾ أيْ يَخافُ اللَّهَ، أوْ يَخافُ الكُفّارَ وأذاهم، أوْ يَخافُ العِثارَ والسُّقُوطَ لِكَوْنِهِ أعْمى، وقَدْ جاءَ بِلا قائِدٍ يَقُودُهُ (تَلَهّى) تَشْتَغِلُ، يُقالُ: لَها عَنِ الشَّيْءِ يَلَهّى، إذا اشْتَغَلَ عَنْهُ. قِيلَ: ولَيْسَ مِنَ اللَّهْوِ الَّذِي هو مِن ذَواتِ الواوِ. انْتَهى. ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِنهُ، لِأنَّ ما يُبْنى عَلى فَعِلَ مِن ذَواتِ الواوِ وتَنْقَلِبُ واوُهُ ياءً لِكَسْرَةِ ما قَبْلَها، نَحْوَ: شَقِيَ يَشْقى، فَإنْ كانَ مَصْدَرُهُ جاءَ بِالياءِ، فَيَكُونُ مِن مادَّةٍ غَيْرِ مادَّةِ اللَّهْوِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَلَهّى) والبَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: (عَنْهُوتَّلَهّى) بِإدْغامِ تاءِ المُضارَعَةِ في تاءِ تَفَعَّلَ، وأبُو جَعْفَر: بِضَمِّها مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ يَشْغَلُكَ دُعاءُ الكافِرِ لِلْإسْلامِ، وطَلْحَةُ: بِتاءَيْنِ، وعَنْهُ بِتاءٍ واحِدَةٍ وسُكُونِ اللّامِ.
(كَلّا إنَّها) أيْ سُورَةُ القُرْآنِ والآياتُ (تَذْكِرَةٌ) عِظَةٌ يُنْتَفَعُ بِها ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ أيْ فَمَن شاءَ أنْ يَذْكُرَ هَذِهِ المَوْعِظَةَ ذَكَرَهُ، أتى بِالضَّمِيرِ مُذَكَّرًا؛ لِأنَّ التَّذْكِرَةَ هي الذِّكْرُ، وهي جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ تَتَضَمَّنُ الوَعْدَ والوَعِيدَ ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [المزمل: ١٩] واعْتَرَضَتْ بَيْنَ (تَذْكِرَةٌ) وبَيْنَ صِفَتِهِ، أيْ تَذْكِرَةٌ: كائِنَةٌ ﴿فِي صُحُفٍ﴾ قِيلَ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، وقِيلَ: صُحُفُ الأوْلِياءِ المُنْزَلَةُ، وقِيلَ: صُحُفُ المُسْلِمِينَ، فَيَكُونُ إخْبارًا بِمُغَيَّبٍ، إذْ لَمْ يُكْتَبِ القُرْآنُ في صُحُفٍ زَمانَ كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، بِمَكَّةَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ القُرْآنُ، ﴿مُكَرَّمَةٍ﴾ عِنْدَ اللَّهِ، و﴿مَرْفُوعَةٍ﴾ في السَّماءِ السّابِعَةِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ، أوْ مَرْفُوعَةٌ عَنِ الشُّبَهِ والتَّناقُضِ، أوْ مَرْفُوعَةُ المِقْدارِ (مُطَهَّرَةٍ) أيْ مُنَزَّهَةٍ عَنْ كُلِّ دَنَسٍ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ أيْضًا: مُطَهَّرَةٌ مِن أنْ تَنْزِلَ عَلى المُشْرِكِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُنَزَّهَةٌ عَنْ أيْدِي الشَّياطِينِ، لا تَمَسُّها إلّا أيْدِي مَلائِكَةٍ مُطَهَّرَةٍ ﴿سَفَرَةٍ﴾ كَتَبَةٍ يَنْسَخُونَ الكُتُبَ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. انْتَهى.
﴿بِأيْدِي سَفَرَةٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ المَلائِكَةُ لِأنَّهم كَتَبَةٌ. وقالَ أيْضًا: لِأنَّهم يَسْفِرُونَ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وأنْبِيائِهِ. وقالَ قَتادَةُ: هُمُ القُرّاءُ، وواحِدُ السَّفَرَةِ سافِرٌ. وقالَ وهْبٌ: هُمُ الصَّحابَةُ، لِأنَّ بَعْضَهم يَسْفِرُ إلى بَعْضٍ في الخَيْرِ والتَّعْلِيمِ والعِلْمِ.
عبس 80:16
﴿أمّا مَنِ اسْتَغْنى﴾ ظاهِرُهُ مَن كانَ ذا ثَرْوَةٍ وغِنًى. وقالَ الكَلْبِيُّ: عَنِ اللَّهِ. وقِيلَ: عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ. قِيلَ: وكَوْنُهُ بِمَعْنى الثَّرْوَةِ لا يَلِيقُ بِمَنصِبِ النُّبُوَّةِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ لَوْ كانَ مِنَ الثَّرْوَةِ لَكانَ المُقابِلُ: وأمّا مَن جاءَكَ فَقِيرًا حَقِيرًا. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، والأعْرَجُ، وعِيسى، والأعْمَشُ وجُمْهُورُ السَّبْعَةِ: (تَصَدّى) بِخَفِّ الصّادِ، وأصْلُهُ يَتَصَدّى فَحَذَفَ، والحَرَمِيّانِ: بِشَدِّها، أدْغَمَ التّاءَ في الصّادِ، وأبُو جَعْفَرٍ: تُصَدّى، بِضَمِّ التّاءِ وتَخْفِيفِ الصّادِ، أيْ يَصُدُّكَ حِرْصُكَ عَلى إسْلامِهِ. يُقالُ: تُصَدّى الرَّجُلُ وصَدَّيْتُهُ، وهَذا المُسْتَغْنِي هو الوَلِيدُ، أوْ أُمَيَّةُ، أوْ عُتْبَةُ وشَيْبَةُ، أوْ أُمَيَّةُ وجَمِيعُ المَذْكُورِينَ في سَبَبِ النُّزُولِ، أقْوالٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وهَذا كُلُّهُ غَلَطٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، لِأنَّ أُمَيَّةَ والوَلِيدَ كانا بِمَكَّةَ، وابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ كانَ بِالمَدِينَةِ ما حَضَرَ مَعَهُما، وماتا كافِرَيْنِ، أحَدُهُما قَبْلَ الهِجْرَةِ والآخَرُ في بَدْرٍ، ولَمْ يَقْصِدْ قَطُّ أُمَيَّةُ المَدِينَةَ، ولا حَضَرَ مَعَهُ مُفْرَدًا ولا مَعَ أحَدٍ. انْتَهى. والغَلَطُ مِنَ القُرْطُبِيِّ، كَيْفَ يَنْفِي حُضُورَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ مَعَهُما ؟ وهو وهْمٌ مِنهُ، وكُلُّهم مِن قُرَيْشٍ، وكانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ بِها: والسُّورَةُ كُلُّها مَكِّيَّةٌ بِالإجْماعِ، وكَيْفَ يَقُولُ: وابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ بِالمَدِينَةِ ؟ كانَ أوَّلًا بِمَكَّةَ، ثُمَّ هاجَرَ إلى المَدِينَةِ، وكانُوا جَمِيعُهم بِمَكَّةَ حِينَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَرْحِ بْنِ مالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ الفِهْرِيُّ، مِن بَنِي عامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وأُمُّ مَكْتُومٍ أُمُّ أبِيهِ عاتِكَةُ، وهو ابْنُ خالِ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها.
(p-٤٢٨)﴿وما عَلَيْكَ ألّا يَزَّكّى﴾ تَحْقِيرٌ لِأمْرِ الكافِرِ وحَضٌّ عَلى الإعْراضِ عَنْهُ وتَرْكِ الِاهْتِمامِ بِهِ، أيْ: وأيُّ شَيْءٍ عَلَيْكَ في كَوْنِهِ لا يُفْلِحُ ولا يَتَطَهَّرُ مِن دَنَسِ الكُفْرِ ؟ ﴿وأمّا مَن جاءَكَ يَسْعى﴾ أيْ يَمْشِي بِسُرْعَةٍ في أمْرِ دِينِهِ ﴿وهو يَخْشى﴾ أيْ يَخافُ اللَّهَ، أوْ يَخافُ الكُفّارَ وأذاهم، أوْ يَخافُ العِثارَ والسُّقُوطَ لِكَوْنِهِ أعْمى، وقَدْ جاءَ بِلا قائِدٍ يَقُودُهُ (تَلَهّى) تَشْتَغِلُ، يُقالُ: لَها عَنِ الشَّيْءِ يَلَهّى، إذا اشْتَغَلَ عَنْهُ. قِيلَ: ولَيْسَ مِنَ اللَّهْوِ الَّذِي هو مِن ذَواتِ الواوِ. انْتَهى. ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِنهُ، لِأنَّ ما يُبْنى عَلى فَعِلَ مِن ذَواتِ الواوِ وتَنْقَلِبُ واوُهُ ياءً لِكَسْرَةِ ما قَبْلَها، نَحْوَ: شَقِيَ يَشْقى، فَإنْ كانَ مَصْدَرُهُ جاءَ بِالياءِ، فَيَكُونُ مِن مادَّةٍ غَيْرِ مادَّةِ اللَّهْوِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَلَهّى) والبَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: (عَنْهُوتَّلَهّى) بِإدْغامِ تاءِ المُضارَعَةِ في تاءِ تَفَعَّلَ، وأبُو جَعْفَر: بِضَمِّها مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ يَشْغَلُكَ دُعاءُ الكافِرِ لِلْإسْلامِ، وطَلْحَةُ: بِتاءَيْنِ، وعَنْهُ بِتاءٍ واحِدَةٍ وسُكُونِ اللّامِ.
(كَلّا إنَّها) أيْ سُورَةُ القُرْآنِ والآياتُ (تَذْكِرَةٌ) عِظَةٌ يُنْتَفَعُ بِها ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ أيْ فَمَن شاءَ أنْ يَذْكُرَ هَذِهِ المَوْعِظَةَ ذَكَرَهُ، أتى بِالضَّمِيرِ مُذَكَّرًا؛ لِأنَّ التَّذْكِرَةَ هي الذِّكْرُ، وهي جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ تَتَضَمَّنُ الوَعْدَ والوَعِيدَ ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [المزمل: ١٩] واعْتَرَضَتْ بَيْنَ (تَذْكِرَةٌ) وبَيْنَ صِفَتِهِ، أيْ تَذْكِرَةٌ: كائِنَةٌ ﴿فِي صُحُفٍ﴾ قِيلَ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، وقِيلَ: صُحُفُ الأوْلِياءِ المُنْزَلَةُ، وقِيلَ: صُحُفُ المُسْلِمِينَ، فَيَكُونُ إخْبارًا بِمُغَيَّبٍ، إذْ لَمْ يُكْتَبِ القُرْآنُ في صُحُفٍ زَمانَ كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، بِمَكَّةَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ القُرْآنُ، ﴿مُكَرَّمَةٍ﴾ عِنْدَ اللَّهِ، و﴿مَرْفُوعَةٍ﴾ في السَّماءِ السّابِعَةِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ، أوْ مَرْفُوعَةٌ عَنِ الشُّبَهِ والتَّناقُضِ، أوْ مَرْفُوعَةُ المِقْدارِ (مُطَهَّرَةٍ) أيْ مُنَزَّهَةٍ عَنْ كُلِّ دَنَسٍ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ أيْضًا: مُطَهَّرَةٌ مِن أنْ تَنْزِلَ عَلى المُشْرِكِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُنَزَّهَةٌ عَنْ أيْدِي الشَّياطِينِ، لا تَمَسُّها إلّا أيْدِي مَلائِكَةٍ مُطَهَّرَةٍ ﴿سَفَرَةٍ﴾ كَتَبَةٍ يَنْسَخُونَ الكُتُبَ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. انْتَهى.
﴿بِأيْدِي سَفَرَةٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ المَلائِكَةُ لِأنَّهم كَتَبَةٌ. وقالَ أيْضًا: لِأنَّهم يَسْفِرُونَ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وأنْبِيائِهِ. وقالَ قَتادَةُ: هُمُ القُرّاءُ، وواحِدُ السَّفَرَةِ سافِرٌ. وقالَ وهْبٌ: هُمُ الصَّحابَةُ، لِأنَّ بَعْضَهم يَسْفِرُ إلى بَعْضٍ في الخَيْرِ والتَّعْلِيمِ والعِلْمِ.
عبس 80:17
﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ قِيلَ: نَزَلَتْ في عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ، غاضَبَ أباهُ فَأسْلَمَ، ثُمَّ اسْتَصْلَحَهُ أبُوهُ وأعْطاهُ مالًا وجَهَّزَهُ إلى الشّامِ، فَبَعَثَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أنَّهُ كافِرٌ بِرَبِّ النَّجْمِ إذا هَوى. ورُوِيَ أنَّهُ قالَ: «(اللَّهُمَّ ابْعَثْ عَلَيْهِ كَلْبَكَ يَأْكُلْهُ)» فَلَمّا انْتَهى إلى الغاضِرَةِ ذَكَرَ الدُّعاءَ، فَجَعَلَ لِمَن مَعَهُ ألْفَ دِينارٍ إنْ أصْبَحَ حَيًّا، فَجَعَلُوهُ وسَطَ الرُّفْقَةِ والمَتاعُ حَوْلَهُ، فَأقْبَلَ الأسَدُ إلى الرِّحالِ ووَثَبَ، فَإذا هو فَوْقَهُ فَمَزَّقَهُ، فَكانَ أبُوهُ يَنْدُبُهُ ويَبْكِي عَلَيْهِ، وقالَ: ما قالَ مُحَمَّدٌ شَيْئًا قَطُّ إلّا كانَ، والآيَةُ وإنْ نَزَلَتْ في مَخْصُوصٍ فالإنْسانُ يُرادُ بِهِ الكافِرُ. (وقُتِلَ) دُعاءٌ عَلَيْهِ، والقَتْلُ أعْظَمُ شَدائِدِ الدُّنْيا ﴿ما أكْفَرَهُ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ تَعَجُّبٌ مِن إفْراطِ كُفْرِهِ، والتَّعَجُّبُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَخْلُوقِينَ، إذْ هو مُسْتَحِيلٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، أيْ هو مِمَّنْ يُقالُ فِيهِ ما أكْفَرَهُ. وقِيلَ: ما اسْتِفْهامُ تَوْقِيفٍ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ أكْفَرَهُ ؟ أيْ جَعَلَهُ كافِرًا، بِمَعْنى لِأيِّ شَيْءٍ يَسُوغُ لَهُ أنْ يَكْفُرَ.
﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى مَعْنى التَّقْرِيرِ عَلى حَقارَةِ ما خُلِقَ مِنهُ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ الشَّيْءَ الَّذِي خُلِقَ مِنهُ فَقالَ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أيْ فَهَيَّأهُ لِما يَصْلُحُ لَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ في بَطْنِ أُمِّهِ، وعَنْهُ قَدَّرَ أعْضاءَهُ، وحَسَنًا ودَمِيمًا وقَصِيرًا وطَوِيلًا وشَقِيًّا وسَعِيدًا، وقِيلَ: مِن حالٍ إلى حالٍ، نُطْفَةٍ ثُمَّ عَلَقَةٍ، إلى أنْ تَمَّ خَلْقُهُ ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ أيْ ثُمَّ يَسَّرَ السَّبِيلَ، أيْ سَهَّلَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وأبُو صالِحٍ والسُّدِّيُّ: سَبِيلُ النَّظَرِ القَوِيمِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ، وتَيْسِيرُهُ لَهُ هو هِبَةُ العَقْلِ. وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ أبِي صالِحٍ عَنْهُ: السَّبِيلُ العامُّ اسْمُ الجِنْسِ في هُدًى وضَلالٍ، أيْ يَسَّرَ قَوْمًا لِهَذا، كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣] الآيَةَ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]، وعَنِ ابْنِ (p-٤٢٩)عَبّاسٍ: يَسَّرَهُ لِلْخُرُوجِ مِن بَطْنِ أُمِّهِ.
﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ أيْ جَعَلَ لَهُ قَبْرًا صِيانَةً لِجَسَدِهِ أنْ يَأْكُلَهُ الطَّيْرُ والسِّباعُ. قَبَرَهُ: دَفَنَهُ، وأقْبَرَهُ: صَيَّرَهُ بِحَيْثُ يُقْبَرُ وجَعَلَ لَهُ قَبْرًا، والقابِرُ: الدّافِنُ بِيَدِهِ، قالَ الأعْشى:
؎لَوْ أسْنَدْتَ مَيِّتًا إلى قَبْرِها عاشَ ولَمْ يُنْقَلْ إلى قابِرِ
﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ أيْ إذا أرادَ إنْشارَهُ أنْشَرَهُ، والمَعْنى: إذا بَلَغَ الوَقْتُ الَّذِي قَدْ شاءَهُ اللَّهُ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وفي كِتابِ اللَّوامِحِ: شُعَيْبُ بْنُ الحَبْحابِ: شاءَ نَشَرَهُ، بِغَيْرِ هَمْزٍ قَبْلَ النُّونِ، وهُما لُغَتانِ في الإحْياءِ، وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ: وقَرَأ شُعَيْبُ بْنُ أبِي حَمْزَةَ: شاءَ نَشَرَهُ (كَلّا) رَدْعٌ لِلْإنْسانِ عَنْ ما هو فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والطُّغْيانِ ﴿لَمّا يَقْضِ﴾ يَفِي مِن أوَّلِ مُدَّةِ تَكْلِيفِهِ إلى حِينِ إقْبارِهِ ﴿ما أمَرَهُ﴾ بِهِ اللَّهُ تَعالى، فالضَّمِيرُ في يَقْضِ لِلْإنْسانِ. وقالَ ابْنُ فُورَكٍ: لِلَّهِ تَعالى، أيْ لَمْ يَقْضِ اللَّهُ لِهَذا الكافِرِ ما أمَرَهُ بِهِ مِنَ الإيمانِ، بَلْ أمَرَهُ بِما لَمْ يَقْضِ لَهُ، ولَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ في نَفْسِ الإنْسانِ ذَكَرَ النِّعَمَ فِيما بِهِ قِوامُ حَياتِهِ، وأمَرَهُ بِالنَّظَرِ إلى طَعامِهِ وكَيْفِيّاتِ الأحْوالِ الَّتِي اعْتَوَرَتْ عَلى طَعامِهِ حَتّى صارَ بِصَدَدِ أنْ يُطْعَمَ. والظّاهِرُ أنَّ الطَّعامَ هو المَطْعُومُ، وكَيْفَ يُيَسِّرُهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الوَسائِطِ المَذْكُورَةِ مَن صَبِّ الماءِ وشَقِّ الأرْضِ والإنْباتِ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقالَ أُبَيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ وغَيْرُهم: ﴿إلى طَعامِهِ﴾ أيْ إذا صارَ رَجِيعًا لِيَتَأمَّلَ عاقِبَةَ الدُّنْيا عَلى أيِّ شَيْءٍ يَتَفانى أهْلُها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إنّا) بِكَسْرٍ الهَمْزَةِ، والأعْرَجُ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ والكُوفِيُّونَ ورُوَيْسٌ: (أنّا) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، والحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أنِّي بِفَتْحِ الهَمْزَةِ مُمالًا، فالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ في ذِكْرِ تَعْدادِ الوُصُولِ إلى الطَّعامِ، والفَتْحُ قالُوا عَلى البَدَلِ ورَدَّهُ قَوْمٌ؛ لِأنَّ الثّانِيَ لَيْسَ الأوَّلَ. قِيلَ: ولَيْسَ كَما رَدُّوا؛ لِأنَّ المَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى إنْعامِنا في طَعامِهِ، فَتَرَتَّبَ البَدَلُ وصَحَّ. انْتَهى. كَأنَّهم جَعَلُوهُ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ بَدَلُ الِاشْتِمالِ. وقِراءَةُ أُبَيٍّ مُمالًا عَلى مَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ كَيْفَ صَبَبْنا، وأسْنَدَ تَعالى الصَّبَّ والشَّقَّ إلى نَفْسِهِ إسْنادَ الفِعْلِ إلى السَّبَبِ، وصَبُّ الماءِ هو المَطَرُ. والظّاهِرُ أنَّ الشَّقَّ كِنايَةٌ عَنْ شَقِّ الفَلّاحِ بِما جَرَتِ العادَةُ أنْ يَشُقَّ بِهِ. وقِيلَ: شَقُّ الأرْضِ هو بِالنَّباتِ.
﴿حَبًّا﴾: يَشْمَلُ ما يُسَمّى حَبًّا مِن حِنْطَةٍ وشَعِيرٍ وذُرَةٍ وسُلْتٍ وعَدَسٍ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿وقَضْبًا﴾ قالَ الحَسَنُ: العَلَفُ، وأهْلُ مَكَّةَ يُسَمُّونَ القَتَّ القَضْبَ. وقِيلَ: الفَصْفَصَةُ، وضُعِّفَ لِأنَّهُ داخِلٌ في الأبِّ. وقِيلَ: ما يُقْضَبُ لِيَأْكُلَهُ ابْنُ آدَمَ غَضًّا مِنَ النَّباتِ، كالبُقُولِ والهِلْيَوْنِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الرُّطَبُ، لِأنَّهُ يُقْضَبُ مِنَ النَّخْلِ، ولِأنَّهُ ذَكَرَ العِنَبَ قَبْلَهُ ﴿غُلْبًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: غِلاظًا، وعَنْهُ: طِوالًا، وعَنْ قَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ: كِرامًا ﴿وفاكِهَةً﴾ ما يَأْكُلُهُ النّاسُ مِن ثَمَرِ الشَّجَرِ، كالخَوْخِ والتِّينِ.
﴿وأبًّا﴾ ما تَأْكُلُهُ البَهائِمُ مِنَ العُشْبِ. وقالَ الضَّحّاكُ: التِّبْنُ خاصَّةً. وقالَ الكَلْبِيُّ: كُلُّ نَباتٍ سِوى الفاكِهَةِ رَطْبُها، والأبُّ: يابِسُها.
﴿الصّاخَّةُ﴾ اسْمٌ مِن أسْماءِ القِيامَةِ يُصِمُّ نَبَؤُها الآذانَ، تَقُولُ العَرَبُ: صَخَّتْهُمُ الصّاخَّةُ ونابَتْهُمُ النّائِبَةُ، أيِ الدّاهِيَةُ. وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: الصّاخَّةُ هي الَّتِي تُورِثُ الصَّمَمَ، وإنَّها لَمُسْمِعَةٌ، وهَذا مِن بَدِيعِ الفَصاحَةِ، كَقَوْلِهِ:
؎أصَمَّهم سِرُّهم أيّامَ فُرْقَتِهِمْ ∗∗∗ فَهَلْ سَمِعْتُمْ بِسِرٍّ يُورِثُ الصَّمَما
وقَوْلِ الآخَرِ:
؎أصَمَّ بِكَ النّاعِي وإنْ كانَ أسْمَعا
ولَعَمْرُ اللَّهِ إنَّ صَيْحَةَ القِيامَةِ مُسْمِعَةٌ تُصِمُّ عَنِ الدُّنْيا وتُسْمِعُ أُمُورَ الآخِرَةِ. انْتَهى.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ﴾ بَدَلٌ مِن (إذا)، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: اشْتَغَلَ كُلُّ إنْسانٍ بِنَفْسِهِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ وفِرارُهُ مِن شِدَّةِ الهَوْلِ يَوْمَ القِيامَةِ، كَما جاءَ مِن قَوْلِ الرُّسُلِ: نَفْسِي نَفْسِي. وقِيلَ: خَوْفُ التَّبِعاتِ، لِأنَّ المُلابَسَةَ تَقْتَضِي المُطالَبَةَ. يَقُولُ الأخُ: لَمْ تُواسِنِي بِمالِكَ، والأبَوانِ: قَصَّرْتَ في بِرِّنا، والصّاحِبَةُ: أطْعَمْتَنِي الحَرامَ وفَعَلْتَ وصَنَعْتَ، والبَنُونَ: لَمْ (p-٤٣٠)تُعَلِّمْنا وتُرْشِدْنا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُغْنِيهِ): أيْ عَنِ النَّظَرِ في شَأْنِ الآخَرِ مِنِ الإغْناءِ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ السَّمَيْقَعِ: يَعْنِيهِ بِفَتْحِ الياءِ والعَيْنِ المُهْمَلَةِ، مِن قَوْلِهِمْ: عَنانِي الأمْرُ: قَصَدَنِي (مُسْفِرَةٌ) مُضِيئَةٌ مِن أسْفَرَ الصُّبْحُ: أضاءَ، و(تَرْهَقُها): تَغْشاها (قَتَرَةٌ) أيْ غُبارٌ. والأُولى ما يَغْشاهُ مِنَ العُبُوسِ عِنْدَ الهَمِّ، والثّانِيَةُ مِن غُبارِ الأرْضِ. وقِيلَ: (غَبَرَةٌ) أيْ مِن تُرابِ الأرْضِ، وقَتَرَةٌ: سَوادٌ كالدُّخانِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: الغَبَرَةُ: ما انْحَطَّتْ إلى الأرْضِ، والقَتَرَةُ: ما ارْتَفَعَتْ إلى السَّماءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: قَتَرَةٌ، بِفَتْحِ التّاءِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِإسْكانِها.
عبس 80:18
﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ قِيلَ: نَزَلَتْ في عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ، غاضَبَ أباهُ فَأسْلَمَ، ثُمَّ اسْتَصْلَحَهُ أبُوهُ وأعْطاهُ مالًا وجَهَّزَهُ إلى الشّامِ، فَبَعَثَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أنَّهُ كافِرٌ بِرَبِّ النَّجْمِ إذا هَوى. ورُوِيَ أنَّهُ قالَ: «(اللَّهُمَّ ابْعَثْ عَلَيْهِ كَلْبَكَ يَأْكُلْهُ)» فَلَمّا انْتَهى إلى الغاضِرَةِ ذَكَرَ الدُّعاءَ، فَجَعَلَ لِمَن مَعَهُ ألْفَ دِينارٍ إنْ أصْبَحَ حَيًّا، فَجَعَلُوهُ وسَطَ الرُّفْقَةِ والمَتاعُ حَوْلَهُ، فَأقْبَلَ الأسَدُ إلى الرِّحالِ ووَثَبَ، فَإذا هو فَوْقَهُ فَمَزَّقَهُ، فَكانَ أبُوهُ يَنْدُبُهُ ويَبْكِي عَلَيْهِ، وقالَ: ما قالَ مُحَمَّدٌ شَيْئًا قَطُّ إلّا كانَ، والآيَةُ وإنْ نَزَلَتْ في مَخْصُوصٍ فالإنْسانُ يُرادُ بِهِ الكافِرُ. (وقُتِلَ) دُعاءٌ عَلَيْهِ، والقَتْلُ أعْظَمُ شَدائِدِ الدُّنْيا ﴿ما أكْفَرَهُ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ تَعَجُّبٌ مِن إفْراطِ كُفْرِهِ، والتَّعَجُّبُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَخْلُوقِينَ، إذْ هو مُسْتَحِيلٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، أيْ هو مِمَّنْ يُقالُ فِيهِ ما أكْفَرَهُ. وقِيلَ: ما اسْتِفْهامُ تَوْقِيفٍ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ أكْفَرَهُ ؟ أيْ جَعَلَهُ كافِرًا، بِمَعْنى لِأيِّ شَيْءٍ يَسُوغُ لَهُ أنْ يَكْفُرَ.
﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى مَعْنى التَّقْرِيرِ عَلى حَقارَةِ ما خُلِقَ مِنهُ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ الشَّيْءَ الَّذِي خُلِقَ مِنهُ فَقالَ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أيْ فَهَيَّأهُ لِما يَصْلُحُ لَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ في بَطْنِ أُمِّهِ، وعَنْهُ قَدَّرَ أعْضاءَهُ، وحَسَنًا ودَمِيمًا وقَصِيرًا وطَوِيلًا وشَقِيًّا وسَعِيدًا، وقِيلَ: مِن حالٍ إلى حالٍ، نُطْفَةٍ ثُمَّ عَلَقَةٍ، إلى أنْ تَمَّ خَلْقُهُ ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ أيْ ثُمَّ يَسَّرَ السَّبِيلَ، أيْ سَهَّلَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وأبُو صالِحٍ والسُّدِّيُّ: سَبِيلُ النَّظَرِ القَوِيمِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ، وتَيْسِيرُهُ لَهُ هو هِبَةُ العَقْلِ. وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ أبِي صالِحٍ عَنْهُ: السَّبِيلُ العامُّ اسْمُ الجِنْسِ في هُدًى وضَلالٍ، أيْ يَسَّرَ قَوْمًا لِهَذا، كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣] الآيَةَ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]، وعَنِ ابْنِ (p-٤٢٩)عَبّاسٍ: يَسَّرَهُ لِلْخُرُوجِ مِن بَطْنِ أُمِّهِ.
﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ أيْ جَعَلَ لَهُ قَبْرًا صِيانَةً لِجَسَدِهِ أنْ يَأْكُلَهُ الطَّيْرُ والسِّباعُ. قَبَرَهُ: دَفَنَهُ، وأقْبَرَهُ: صَيَّرَهُ بِحَيْثُ يُقْبَرُ وجَعَلَ لَهُ قَبْرًا، والقابِرُ: الدّافِنُ بِيَدِهِ، قالَ الأعْشى:
؎لَوْ أسْنَدْتَ مَيِّتًا إلى قَبْرِها عاشَ ولَمْ يُنْقَلْ إلى قابِرِ
﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ أيْ إذا أرادَ إنْشارَهُ أنْشَرَهُ، والمَعْنى: إذا بَلَغَ الوَقْتُ الَّذِي قَدْ شاءَهُ اللَّهُ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وفي كِتابِ اللَّوامِحِ: شُعَيْبُ بْنُ الحَبْحابِ: شاءَ نَشَرَهُ، بِغَيْرِ هَمْزٍ قَبْلَ النُّونِ، وهُما لُغَتانِ في الإحْياءِ، وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ: وقَرَأ شُعَيْبُ بْنُ أبِي حَمْزَةَ: شاءَ نَشَرَهُ (كَلّا) رَدْعٌ لِلْإنْسانِ عَنْ ما هو فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والطُّغْيانِ ﴿لَمّا يَقْضِ﴾ يَفِي مِن أوَّلِ مُدَّةِ تَكْلِيفِهِ إلى حِينِ إقْبارِهِ ﴿ما أمَرَهُ﴾ بِهِ اللَّهُ تَعالى، فالضَّمِيرُ في يَقْضِ لِلْإنْسانِ. وقالَ ابْنُ فُورَكٍ: لِلَّهِ تَعالى، أيْ لَمْ يَقْضِ اللَّهُ لِهَذا الكافِرِ ما أمَرَهُ بِهِ مِنَ الإيمانِ، بَلْ أمَرَهُ بِما لَمْ يَقْضِ لَهُ، ولَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ في نَفْسِ الإنْسانِ ذَكَرَ النِّعَمَ فِيما بِهِ قِوامُ حَياتِهِ، وأمَرَهُ بِالنَّظَرِ إلى طَعامِهِ وكَيْفِيّاتِ الأحْوالِ الَّتِي اعْتَوَرَتْ عَلى طَعامِهِ حَتّى صارَ بِصَدَدِ أنْ يُطْعَمَ. والظّاهِرُ أنَّ الطَّعامَ هو المَطْعُومُ، وكَيْفَ يُيَسِّرُهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الوَسائِطِ المَذْكُورَةِ مَن صَبِّ الماءِ وشَقِّ الأرْضِ والإنْباتِ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقالَ أُبَيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ وغَيْرُهم: ﴿إلى طَعامِهِ﴾ أيْ إذا صارَ رَجِيعًا لِيَتَأمَّلَ عاقِبَةَ الدُّنْيا عَلى أيِّ شَيْءٍ يَتَفانى أهْلُها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إنّا) بِكَسْرٍ الهَمْزَةِ، والأعْرَجُ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ والكُوفِيُّونَ ورُوَيْسٌ: (أنّا) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، والحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أنِّي بِفَتْحِ الهَمْزَةِ مُمالًا، فالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ في ذِكْرِ تَعْدادِ الوُصُولِ إلى الطَّعامِ، والفَتْحُ قالُوا عَلى البَدَلِ ورَدَّهُ قَوْمٌ؛ لِأنَّ الثّانِيَ لَيْسَ الأوَّلَ. قِيلَ: ولَيْسَ كَما رَدُّوا؛ لِأنَّ المَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى إنْعامِنا في طَعامِهِ، فَتَرَتَّبَ البَدَلُ وصَحَّ. انْتَهى. كَأنَّهم جَعَلُوهُ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ بَدَلُ الِاشْتِمالِ. وقِراءَةُ أُبَيٍّ مُمالًا عَلى مَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ كَيْفَ صَبَبْنا، وأسْنَدَ تَعالى الصَّبَّ والشَّقَّ إلى نَفْسِهِ إسْنادَ الفِعْلِ إلى السَّبَبِ، وصَبُّ الماءِ هو المَطَرُ. والظّاهِرُ أنَّ الشَّقَّ كِنايَةٌ عَنْ شَقِّ الفَلّاحِ بِما جَرَتِ العادَةُ أنْ يَشُقَّ بِهِ. وقِيلَ: شَقُّ الأرْضِ هو بِالنَّباتِ.
﴿حَبًّا﴾: يَشْمَلُ ما يُسَمّى حَبًّا مِن حِنْطَةٍ وشَعِيرٍ وذُرَةٍ وسُلْتٍ وعَدَسٍ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿وقَضْبًا﴾ قالَ الحَسَنُ: العَلَفُ، وأهْلُ مَكَّةَ يُسَمُّونَ القَتَّ القَضْبَ. وقِيلَ: الفَصْفَصَةُ، وضُعِّفَ لِأنَّهُ داخِلٌ في الأبِّ. وقِيلَ: ما يُقْضَبُ لِيَأْكُلَهُ ابْنُ آدَمَ غَضًّا مِنَ النَّباتِ، كالبُقُولِ والهِلْيَوْنِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الرُّطَبُ، لِأنَّهُ يُقْضَبُ مِنَ النَّخْلِ، ولِأنَّهُ ذَكَرَ العِنَبَ قَبْلَهُ ﴿غُلْبًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: غِلاظًا، وعَنْهُ: طِوالًا، وعَنْ قَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ: كِرامًا ﴿وفاكِهَةً﴾ ما يَأْكُلُهُ النّاسُ مِن ثَمَرِ الشَّجَرِ، كالخَوْخِ والتِّينِ.
﴿وأبًّا﴾ ما تَأْكُلُهُ البَهائِمُ مِنَ العُشْبِ. وقالَ الضَّحّاكُ: التِّبْنُ خاصَّةً. وقالَ الكَلْبِيُّ: كُلُّ نَباتٍ سِوى الفاكِهَةِ رَطْبُها، والأبُّ: يابِسُها.
﴿الصّاخَّةُ﴾ اسْمٌ مِن أسْماءِ القِيامَةِ يُصِمُّ نَبَؤُها الآذانَ، تَقُولُ العَرَبُ: صَخَّتْهُمُ الصّاخَّةُ ونابَتْهُمُ النّائِبَةُ، أيِ الدّاهِيَةُ. وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: الصّاخَّةُ هي الَّتِي تُورِثُ الصَّمَمَ، وإنَّها لَمُسْمِعَةٌ، وهَذا مِن بَدِيعِ الفَصاحَةِ، كَقَوْلِهِ:
؎أصَمَّهم سِرُّهم أيّامَ فُرْقَتِهِمْ ∗∗∗ فَهَلْ سَمِعْتُمْ بِسِرٍّ يُورِثُ الصَّمَما
وقَوْلِ الآخَرِ:
؎أصَمَّ بِكَ النّاعِي وإنْ كانَ أسْمَعا
ولَعَمْرُ اللَّهِ إنَّ صَيْحَةَ القِيامَةِ مُسْمِعَةٌ تُصِمُّ عَنِ الدُّنْيا وتُسْمِعُ أُمُورَ الآخِرَةِ. انْتَهى.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ﴾ بَدَلٌ مِن (إذا)، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: اشْتَغَلَ كُلُّ إنْسانٍ بِنَفْسِهِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ وفِرارُهُ مِن شِدَّةِ الهَوْلِ يَوْمَ القِيامَةِ، كَما جاءَ مِن قَوْلِ الرُّسُلِ: نَفْسِي نَفْسِي. وقِيلَ: خَوْفُ التَّبِعاتِ، لِأنَّ المُلابَسَةَ تَقْتَضِي المُطالَبَةَ. يَقُولُ الأخُ: لَمْ تُواسِنِي بِمالِكَ، والأبَوانِ: قَصَّرْتَ في بِرِّنا، والصّاحِبَةُ: أطْعَمْتَنِي الحَرامَ وفَعَلْتَ وصَنَعْتَ، والبَنُونَ: لَمْ (p-٤٣٠)تُعَلِّمْنا وتُرْشِدْنا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُغْنِيهِ): أيْ عَنِ النَّظَرِ في شَأْنِ الآخَرِ مِنِ الإغْناءِ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ السَّمَيْقَعِ: يَعْنِيهِ بِفَتْحِ الياءِ والعَيْنِ المُهْمَلَةِ، مِن قَوْلِهِمْ: عَنانِي الأمْرُ: قَصَدَنِي (مُسْفِرَةٌ) مُضِيئَةٌ مِن أسْفَرَ الصُّبْحُ: أضاءَ، و(تَرْهَقُها): تَغْشاها (قَتَرَةٌ) أيْ غُبارٌ. والأُولى ما يَغْشاهُ مِنَ العُبُوسِ عِنْدَ الهَمِّ، والثّانِيَةُ مِن غُبارِ الأرْضِ. وقِيلَ: (غَبَرَةٌ) أيْ مِن تُرابِ الأرْضِ، وقَتَرَةٌ: سَوادٌ كالدُّخانِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: الغَبَرَةُ: ما انْحَطَّتْ إلى الأرْضِ، والقَتَرَةُ: ما ارْتَفَعَتْ إلى السَّماءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: قَتَرَةٌ، بِفَتْحِ التّاءِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِإسْكانِها.
عبس 80:19
﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ قِيلَ: نَزَلَتْ في عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ، غاضَبَ أباهُ فَأسْلَمَ، ثُمَّ اسْتَصْلَحَهُ أبُوهُ وأعْطاهُ مالًا وجَهَّزَهُ إلى الشّامِ، فَبَعَثَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أنَّهُ كافِرٌ بِرَبِّ النَّجْمِ إذا هَوى. ورُوِيَ أنَّهُ قالَ: «(اللَّهُمَّ ابْعَثْ عَلَيْهِ كَلْبَكَ يَأْكُلْهُ)» فَلَمّا انْتَهى إلى الغاضِرَةِ ذَكَرَ الدُّعاءَ، فَجَعَلَ لِمَن مَعَهُ ألْفَ دِينارٍ إنْ أصْبَحَ حَيًّا، فَجَعَلُوهُ وسَطَ الرُّفْقَةِ والمَتاعُ حَوْلَهُ، فَأقْبَلَ الأسَدُ إلى الرِّحالِ ووَثَبَ، فَإذا هو فَوْقَهُ فَمَزَّقَهُ، فَكانَ أبُوهُ يَنْدُبُهُ ويَبْكِي عَلَيْهِ، وقالَ: ما قالَ مُحَمَّدٌ شَيْئًا قَطُّ إلّا كانَ، والآيَةُ وإنْ نَزَلَتْ في مَخْصُوصٍ فالإنْسانُ يُرادُ بِهِ الكافِرُ. (وقُتِلَ) دُعاءٌ عَلَيْهِ، والقَتْلُ أعْظَمُ شَدائِدِ الدُّنْيا ﴿ما أكْفَرَهُ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ تَعَجُّبٌ مِن إفْراطِ كُفْرِهِ، والتَّعَجُّبُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَخْلُوقِينَ، إذْ هو مُسْتَحِيلٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، أيْ هو مِمَّنْ يُقالُ فِيهِ ما أكْفَرَهُ. وقِيلَ: ما اسْتِفْهامُ تَوْقِيفٍ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ أكْفَرَهُ ؟ أيْ جَعَلَهُ كافِرًا، بِمَعْنى لِأيِّ شَيْءٍ يَسُوغُ لَهُ أنْ يَكْفُرَ.
﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى مَعْنى التَّقْرِيرِ عَلى حَقارَةِ ما خُلِقَ مِنهُ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ الشَّيْءَ الَّذِي خُلِقَ مِنهُ فَقالَ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أيْ فَهَيَّأهُ لِما يَصْلُحُ لَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ في بَطْنِ أُمِّهِ، وعَنْهُ قَدَّرَ أعْضاءَهُ، وحَسَنًا ودَمِيمًا وقَصِيرًا وطَوِيلًا وشَقِيًّا وسَعِيدًا، وقِيلَ: مِن حالٍ إلى حالٍ، نُطْفَةٍ ثُمَّ عَلَقَةٍ، إلى أنْ تَمَّ خَلْقُهُ ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ أيْ ثُمَّ يَسَّرَ السَّبِيلَ، أيْ سَهَّلَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وأبُو صالِحٍ والسُّدِّيُّ: سَبِيلُ النَّظَرِ القَوِيمِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ، وتَيْسِيرُهُ لَهُ هو هِبَةُ العَقْلِ. وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ أبِي صالِحٍ عَنْهُ: السَّبِيلُ العامُّ اسْمُ الجِنْسِ في هُدًى وضَلالٍ، أيْ يَسَّرَ قَوْمًا لِهَذا، كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣] الآيَةَ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]، وعَنِ ابْنِ (p-٤٢٩)عَبّاسٍ: يَسَّرَهُ لِلْخُرُوجِ مِن بَطْنِ أُمِّهِ.
﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ أيْ جَعَلَ لَهُ قَبْرًا صِيانَةً لِجَسَدِهِ أنْ يَأْكُلَهُ الطَّيْرُ والسِّباعُ. قَبَرَهُ: دَفَنَهُ، وأقْبَرَهُ: صَيَّرَهُ بِحَيْثُ يُقْبَرُ وجَعَلَ لَهُ قَبْرًا، والقابِرُ: الدّافِنُ بِيَدِهِ، قالَ الأعْشى:
؎لَوْ أسْنَدْتَ مَيِّتًا إلى قَبْرِها عاشَ ولَمْ يُنْقَلْ إلى قابِرِ
﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ أيْ إذا أرادَ إنْشارَهُ أنْشَرَهُ، والمَعْنى: إذا بَلَغَ الوَقْتُ الَّذِي قَدْ شاءَهُ اللَّهُ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وفي كِتابِ اللَّوامِحِ: شُعَيْبُ بْنُ الحَبْحابِ: شاءَ نَشَرَهُ، بِغَيْرِ هَمْزٍ قَبْلَ النُّونِ، وهُما لُغَتانِ في الإحْياءِ، وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ: وقَرَأ شُعَيْبُ بْنُ أبِي حَمْزَةَ: شاءَ نَشَرَهُ (كَلّا) رَدْعٌ لِلْإنْسانِ عَنْ ما هو فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والطُّغْيانِ ﴿لَمّا يَقْضِ﴾ يَفِي مِن أوَّلِ مُدَّةِ تَكْلِيفِهِ إلى حِينِ إقْبارِهِ ﴿ما أمَرَهُ﴾ بِهِ اللَّهُ تَعالى، فالضَّمِيرُ في يَقْضِ لِلْإنْسانِ. وقالَ ابْنُ فُورَكٍ: لِلَّهِ تَعالى، أيْ لَمْ يَقْضِ اللَّهُ لِهَذا الكافِرِ ما أمَرَهُ بِهِ مِنَ الإيمانِ، بَلْ أمَرَهُ بِما لَمْ يَقْضِ لَهُ، ولَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ في نَفْسِ الإنْسانِ ذَكَرَ النِّعَمَ فِيما بِهِ قِوامُ حَياتِهِ، وأمَرَهُ بِالنَّظَرِ إلى طَعامِهِ وكَيْفِيّاتِ الأحْوالِ الَّتِي اعْتَوَرَتْ عَلى طَعامِهِ حَتّى صارَ بِصَدَدِ أنْ يُطْعَمَ. والظّاهِرُ أنَّ الطَّعامَ هو المَطْعُومُ، وكَيْفَ يُيَسِّرُهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الوَسائِطِ المَذْكُورَةِ مَن صَبِّ الماءِ وشَقِّ الأرْضِ والإنْباتِ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقالَ أُبَيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ وغَيْرُهم: ﴿إلى طَعامِهِ﴾ أيْ إذا صارَ رَجِيعًا لِيَتَأمَّلَ عاقِبَةَ الدُّنْيا عَلى أيِّ شَيْءٍ يَتَفانى أهْلُها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إنّا) بِكَسْرٍ الهَمْزَةِ، والأعْرَجُ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ والكُوفِيُّونَ ورُوَيْسٌ: (أنّا) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، والحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أنِّي بِفَتْحِ الهَمْزَةِ مُمالًا، فالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ في ذِكْرِ تَعْدادِ الوُصُولِ إلى الطَّعامِ، والفَتْحُ قالُوا عَلى البَدَلِ ورَدَّهُ قَوْمٌ؛ لِأنَّ الثّانِيَ لَيْسَ الأوَّلَ. قِيلَ: ولَيْسَ كَما رَدُّوا؛ لِأنَّ المَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى إنْعامِنا في طَعامِهِ، فَتَرَتَّبَ البَدَلُ وصَحَّ. انْتَهى. كَأنَّهم جَعَلُوهُ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ بَدَلُ الِاشْتِمالِ. وقِراءَةُ أُبَيٍّ مُمالًا عَلى مَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ كَيْفَ صَبَبْنا، وأسْنَدَ تَعالى الصَّبَّ والشَّقَّ إلى نَفْسِهِ إسْنادَ الفِعْلِ إلى السَّبَبِ، وصَبُّ الماءِ هو المَطَرُ. والظّاهِرُ أنَّ الشَّقَّ كِنايَةٌ عَنْ شَقِّ الفَلّاحِ بِما جَرَتِ العادَةُ أنْ يَشُقَّ بِهِ. وقِيلَ: شَقُّ الأرْضِ هو بِالنَّباتِ.
﴿حَبًّا﴾: يَشْمَلُ ما يُسَمّى حَبًّا مِن حِنْطَةٍ وشَعِيرٍ وذُرَةٍ وسُلْتٍ وعَدَسٍ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿وقَضْبًا﴾ قالَ الحَسَنُ: العَلَفُ، وأهْلُ مَكَّةَ يُسَمُّونَ القَتَّ القَضْبَ. وقِيلَ: الفَصْفَصَةُ، وضُعِّفَ لِأنَّهُ داخِلٌ في الأبِّ. وقِيلَ: ما يُقْضَبُ لِيَأْكُلَهُ ابْنُ آدَمَ غَضًّا مِنَ النَّباتِ، كالبُقُولِ والهِلْيَوْنِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الرُّطَبُ، لِأنَّهُ يُقْضَبُ مِنَ النَّخْلِ، ولِأنَّهُ ذَكَرَ العِنَبَ قَبْلَهُ ﴿غُلْبًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: غِلاظًا، وعَنْهُ: طِوالًا، وعَنْ قَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ: كِرامًا ﴿وفاكِهَةً﴾ ما يَأْكُلُهُ النّاسُ مِن ثَمَرِ الشَّجَرِ، كالخَوْخِ والتِّينِ.
﴿وأبًّا﴾ ما تَأْكُلُهُ البَهائِمُ مِنَ العُشْبِ. وقالَ الضَّحّاكُ: التِّبْنُ خاصَّةً. وقالَ الكَلْبِيُّ: كُلُّ نَباتٍ سِوى الفاكِهَةِ رَطْبُها، والأبُّ: يابِسُها.
﴿الصّاخَّةُ﴾ اسْمٌ مِن أسْماءِ القِيامَةِ يُصِمُّ نَبَؤُها الآذانَ، تَقُولُ العَرَبُ: صَخَّتْهُمُ الصّاخَّةُ ونابَتْهُمُ النّائِبَةُ، أيِ الدّاهِيَةُ. وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: الصّاخَّةُ هي الَّتِي تُورِثُ الصَّمَمَ، وإنَّها لَمُسْمِعَةٌ، وهَذا مِن بَدِيعِ الفَصاحَةِ، كَقَوْلِهِ:
؎أصَمَّهم سِرُّهم أيّامَ فُرْقَتِهِمْ ∗∗∗ فَهَلْ سَمِعْتُمْ بِسِرٍّ يُورِثُ الصَّمَما
وقَوْلِ الآخَرِ:
؎أصَمَّ بِكَ النّاعِي وإنْ كانَ أسْمَعا
ولَعَمْرُ اللَّهِ إنَّ صَيْحَةَ القِيامَةِ مُسْمِعَةٌ تُصِمُّ عَنِ الدُّنْيا وتُسْمِعُ أُمُورَ الآخِرَةِ. انْتَهى.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ﴾ بَدَلٌ مِن (إذا)، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: اشْتَغَلَ كُلُّ إنْسانٍ بِنَفْسِهِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ وفِرارُهُ مِن شِدَّةِ الهَوْلِ يَوْمَ القِيامَةِ، كَما جاءَ مِن قَوْلِ الرُّسُلِ: نَفْسِي نَفْسِي. وقِيلَ: خَوْفُ التَّبِعاتِ، لِأنَّ المُلابَسَةَ تَقْتَضِي المُطالَبَةَ. يَقُولُ الأخُ: لَمْ تُواسِنِي بِمالِكَ، والأبَوانِ: قَصَّرْتَ في بِرِّنا، والصّاحِبَةُ: أطْعَمْتَنِي الحَرامَ وفَعَلْتَ وصَنَعْتَ، والبَنُونَ: لَمْ (p-٤٣٠)تُعَلِّمْنا وتُرْشِدْنا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُغْنِيهِ): أيْ عَنِ النَّظَرِ في شَأْنِ الآخَرِ مِنِ الإغْناءِ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ السَّمَيْقَعِ: يَعْنِيهِ بِفَتْحِ الياءِ والعَيْنِ المُهْمَلَةِ، مِن قَوْلِهِمْ: عَنانِي الأمْرُ: قَصَدَنِي (مُسْفِرَةٌ) مُضِيئَةٌ مِن أسْفَرَ الصُّبْحُ: أضاءَ، و(تَرْهَقُها): تَغْشاها (قَتَرَةٌ) أيْ غُبارٌ. والأُولى ما يَغْشاهُ مِنَ العُبُوسِ عِنْدَ الهَمِّ، والثّانِيَةُ مِن غُبارِ الأرْضِ. وقِيلَ: (غَبَرَةٌ) أيْ مِن تُرابِ الأرْضِ، وقَتَرَةٌ: سَوادٌ كالدُّخانِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: الغَبَرَةُ: ما انْحَطَّتْ إلى الأرْضِ، والقَتَرَةُ: ما ارْتَفَعَتْ إلى السَّماءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: قَتَرَةٌ، بِفَتْحِ التّاءِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِإسْكانِها.
عبس 80:20
﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ قِيلَ: نَزَلَتْ في عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ، غاضَبَ أباهُ فَأسْلَمَ، ثُمَّ اسْتَصْلَحَهُ أبُوهُ وأعْطاهُ مالًا وجَهَّزَهُ إلى الشّامِ، فَبَعَثَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أنَّهُ كافِرٌ بِرَبِّ النَّجْمِ إذا هَوى. ورُوِيَ أنَّهُ قالَ: «(اللَّهُمَّ ابْعَثْ عَلَيْهِ كَلْبَكَ يَأْكُلْهُ)» فَلَمّا انْتَهى إلى الغاضِرَةِ ذَكَرَ الدُّعاءَ، فَجَعَلَ لِمَن مَعَهُ ألْفَ دِينارٍ إنْ أصْبَحَ حَيًّا، فَجَعَلُوهُ وسَطَ الرُّفْقَةِ والمَتاعُ حَوْلَهُ، فَأقْبَلَ الأسَدُ إلى الرِّحالِ ووَثَبَ، فَإذا هو فَوْقَهُ فَمَزَّقَهُ، فَكانَ أبُوهُ يَنْدُبُهُ ويَبْكِي عَلَيْهِ، وقالَ: ما قالَ مُحَمَّدٌ شَيْئًا قَطُّ إلّا كانَ، والآيَةُ وإنْ نَزَلَتْ في مَخْصُوصٍ فالإنْسانُ يُرادُ بِهِ الكافِرُ. (وقُتِلَ) دُعاءٌ عَلَيْهِ، والقَتْلُ أعْظَمُ شَدائِدِ الدُّنْيا ﴿ما أكْفَرَهُ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ تَعَجُّبٌ مِن إفْراطِ كُفْرِهِ، والتَّعَجُّبُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَخْلُوقِينَ، إذْ هو مُسْتَحِيلٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، أيْ هو مِمَّنْ يُقالُ فِيهِ ما أكْفَرَهُ. وقِيلَ: ما اسْتِفْهامُ تَوْقِيفٍ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ أكْفَرَهُ ؟ أيْ جَعَلَهُ كافِرًا، بِمَعْنى لِأيِّ شَيْءٍ يَسُوغُ لَهُ أنْ يَكْفُرَ.
﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى مَعْنى التَّقْرِيرِ عَلى حَقارَةِ ما خُلِقَ مِنهُ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ الشَّيْءَ الَّذِي خُلِقَ مِنهُ فَقالَ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أيْ فَهَيَّأهُ لِما يَصْلُحُ لَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ في بَطْنِ أُمِّهِ، وعَنْهُ قَدَّرَ أعْضاءَهُ، وحَسَنًا ودَمِيمًا وقَصِيرًا وطَوِيلًا وشَقِيًّا وسَعِيدًا، وقِيلَ: مِن حالٍ إلى حالٍ، نُطْفَةٍ ثُمَّ عَلَقَةٍ، إلى أنْ تَمَّ خَلْقُهُ ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ أيْ ثُمَّ يَسَّرَ السَّبِيلَ، أيْ سَهَّلَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وأبُو صالِحٍ والسُّدِّيُّ: سَبِيلُ النَّظَرِ القَوِيمِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ، وتَيْسِيرُهُ لَهُ هو هِبَةُ العَقْلِ. وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ أبِي صالِحٍ عَنْهُ: السَّبِيلُ العامُّ اسْمُ الجِنْسِ في هُدًى وضَلالٍ، أيْ يَسَّرَ قَوْمًا لِهَذا، كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣] الآيَةَ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]، وعَنِ ابْنِ (p-٤٢٩)عَبّاسٍ: يَسَّرَهُ لِلْخُرُوجِ مِن بَطْنِ أُمِّهِ.
﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ أيْ جَعَلَ لَهُ قَبْرًا صِيانَةً لِجَسَدِهِ أنْ يَأْكُلَهُ الطَّيْرُ والسِّباعُ. قَبَرَهُ: دَفَنَهُ، وأقْبَرَهُ: صَيَّرَهُ بِحَيْثُ يُقْبَرُ وجَعَلَ لَهُ قَبْرًا، والقابِرُ: الدّافِنُ بِيَدِهِ، قالَ الأعْشى:
؎لَوْ أسْنَدْتَ مَيِّتًا إلى قَبْرِها عاشَ ولَمْ يُنْقَلْ إلى قابِرِ
﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ أيْ إذا أرادَ إنْشارَهُ أنْشَرَهُ، والمَعْنى: إذا بَلَغَ الوَقْتُ الَّذِي قَدْ شاءَهُ اللَّهُ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وفي كِتابِ اللَّوامِحِ: شُعَيْبُ بْنُ الحَبْحابِ: شاءَ نَشَرَهُ، بِغَيْرِ هَمْزٍ قَبْلَ النُّونِ، وهُما لُغَتانِ في الإحْياءِ، وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ: وقَرَأ شُعَيْبُ بْنُ أبِي حَمْزَةَ: شاءَ نَشَرَهُ (كَلّا) رَدْعٌ لِلْإنْسانِ عَنْ ما هو فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والطُّغْيانِ ﴿لَمّا يَقْضِ﴾ يَفِي مِن أوَّلِ مُدَّةِ تَكْلِيفِهِ إلى حِينِ إقْبارِهِ ﴿ما أمَرَهُ﴾ بِهِ اللَّهُ تَعالى، فالضَّمِيرُ في يَقْضِ لِلْإنْسانِ. وقالَ ابْنُ فُورَكٍ: لِلَّهِ تَعالى، أيْ لَمْ يَقْضِ اللَّهُ لِهَذا الكافِرِ ما أمَرَهُ بِهِ مِنَ الإيمانِ، بَلْ أمَرَهُ بِما لَمْ يَقْضِ لَهُ، ولَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ في نَفْسِ الإنْسانِ ذَكَرَ النِّعَمَ فِيما بِهِ قِوامُ حَياتِهِ، وأمَرَهُ بِالنَّظَرِ إلى طَعامِهِ وكَيْفِيّاتِ الأحْوالِ الَّتِي اعْتَوَرَتْ عَلى طَعامِهِ حَتّى صارَ بِصَدَدِ أنْ يُطْعَمَ. والظّاهِرُ أنَّ الطَّعامَ هو المَطْعُومُ، وكَيْفَ يُيَسِّرُهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الوَسائِطِ المَذْكُورَةِ مَن صَبِّ الماءِ وشَقِّ الأرْضِ والإنْباتِ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقالَ أُبَيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ وغَيْرُهم: ﴿إلى طَعامِهِ﴾ أيْ إذا صارَ رَجِيعًا لِيَتَأمَّلَ عاقِبَةَ الدُّنْيا عَلى أيِّ شَيْءٍ يَتَفانى أهْلُها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إنّا) بِكَسْرٍ الهَمْزَةِ، والأعْرَجُ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ والكُوفِيُّونَ ورُوَيْسٌ: (أنّا) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، والحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أنِّي بِفَتْحِ الهَمْزَةِ مُمالًا، فالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ في ذِكْرِ تَعْدادِ الوُصُولِ إلى الطَّعامِ، والفَتْحُ قالُوا عَلى البَدَلِ ورَدَّهُ قَوْمٌ؛ لِأنَّ الثّانِيَ لَيْسَ الأوَّلَ. قِيلَ: ولَيْسَ كَما رَدُّوا؛ لِأنَّ المَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى إنْعامِنا في طَعامِهِ، فَتَرَتَّبَ البَدَلُ وصَحَّ. انْتَهى. كَأنَّهم جَعَلُوهُ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ بَدَلُ الِاشْتِمالِ. وقِراءَةُ أُبَيٍّ مُمالًا عَلى مَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ كَيْفَ صَبَبْنا، وأسْنَدَ تَعالى الصَّبَّ والشَّقَّ إلى نَفْسِهِ إسْنادَ الفِعْلِ إلى السَّبَبِ، وصَبُّ الماءِ هو المَطَرُ. والظّاهِرُ أنَّ الشَّقَّ كِنايَةٌ عَنْ شَقِّ الفَلّاحِ بِما جَرَتِ العادَةُ أنْ يَشُقَّ بِهِ. وقِيلَ: شَقُّ الأرْضِ هو بِالنَّباتِ.
﴿حَبًّا﴾: يَشْمَلُ ما يُسَمّى حَبًّا مِن حِنْطَةٍ وشَعِيرٍ وذُرَةٍ وسُلْتٍ وعَدَسٍ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿وقَضْبًا﴾ قالَ الحَسَنُ: العَلَفُ، وأهْلُ مَكَّةَ يُسَمُّونَ القَتَّ القَضْبَ. وقِيلَ: الفَصْفَصَةُ، وضُعِّفَ لِأنَّهُ داخِلٌ في الأبِّ. وقِيلَ: ما يُقْضَبُ لِيَأْكُلَهُ ابْنُ آدَمَ غَضًّا مِنَ النَّباتِ، كالبُقُولِ والهِلْيَوْنِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الرُّطَبُ، لِأنَّهُ يُقْضَبُ مِنَ النَّخْلِ، ولِأنَّهُ ذَكَرَ العِنَبَ قَبْلَهُ ﴿غُلْبًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: غِلاظًا، وعَنْهُ: طِوالًا، وعَنْ قَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ: كِرامًا ﴿وفاكِهَةً﴾ ما يَأْكُلُهُ النّاسُ مِن ثَمَرِ الشَّجَرِ، كالخَوْخِ والتِّينِ.
﴿وأبًّا﴾ ما تَأْكُلُهُ البَهائِمُ مِنَ العُشْبِ. وقالَ الضَّحّاكُ: التِّبْنُ خاصَّةً. وقالَ الكَلْبِيُّ: كُلُّ نَباتٍ سِوى الفاكِهَةِ رَطْبُها، والأبُّ: يابِسُها.
﴿الصّاخَّةُ﴾ اسْمٌ مِن أسْماءِ القِيامَةِ يُصِمُّ نَبَؤُها الآذانَ، تَقُولُ العَرَبُ: صَخَّتْهُمُ الصّاخَّةُ ونابَتْهُمُ النّائِبَةُ، أيِ الدّاهِيَةُ. وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: الصّاخَّةُ هي الَّتِي تُورِثُ الصَّمَمَ، وإنَّها لَمُسْمِعَةٌ، وهَذا مِن بَدِيعِ الفَصاحَةِ، كَقَوْلِهِ:
؎أصَمَّهم سِرُّهم أيّامَ فُرْقَتِهِمْ ∗∗∗ فَهَلْ سَمِعْتُمْ بِسِرٍّ يُورِثُ الصَّمَما
وقَوْلِ الآخَرِ:
؎أصَمَّ بِكَ النّاعِي وإنْ كانَ أسْمَعا
ولَعَمْرُ اللَّهِ إنَّ صَيْحَةَ القِيامَةِ مُسْمِعَةٌ تُصِمُّ عَنِ الدُّنْيا وتُسْمِعُ أُمُورَ الآخِرَةِ. انْتَهى.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ﴾ بَدَلٌ مِن (إذا)، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: اشْتَغَلَ كُلُّ إنْسانٍ بِنَفْسِهِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ وفِرارُهُ مِن شِدَّةِ الهَوْلِ يَوْمَ القِيامَةِ، كَما جاءَ مِن قَوْلِ الرُّسُلِ: نَفْسِي نَفْسِي. وقِيلَ: خَوْفُ التَّبِعاتِ، لِأنَّ المُلابَسَةَ تَقْتَضِي المُطالَبَةَ. يَقُولُ الأخُ: لَمْ تُواسِنِي بِمالِكَ، والأبَوانِ: قَصَّرْتَ في بِرِّنا، والصّاحِبَةُ: أطْعَمْتَنِي الحَرامَ وفَعَلْتَ وصَنَعْتَ، والبَنُونَ: لَمْ (p-٤٣٠)تُعَلِّمْنا وتُرْشِدْنا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُغْنِيهِ): أيْ عَنِ النَّظَرِ في شَأْنِ الآخَرِ مِنِ الإغْناءِ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ السَّمَيْقَعِ: يَعْنِيهِ بِفَتْحِ الياءِ والعَيْنِ المُهْمَلَةِ، مِن قَوْلِهِمْ: عَنانِي الأمْرُ: قَصَدَنِي (مُسْفِرَةٌ) مُضِيئَةٌ مِن أسْفَرَ الصُّبْحُ: أضاءَ، و(تَرْهَقُها): تَغْشاها (قَتَرَةٌ) أيْ غُبارٌ. والأُولى ما يَغْشاهُ مِنَ العُبُوسِ عِنْدَ الهَمِّ، والثّانِيَةُ مِن غُبارِ الأرْضِ. وقِيلَ: (غَبَرَةٌ) أيْ مِن تُرابِ الأرْضِ، وقَتَرَةٌ: سَوادٌ كالدُّخانِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: الغَبَرَةُ: ما انْحَطَّتْ إلى الأرْضِ، والقَتَرَةُ: ما ارْتَفَعَتْ إلى السَّماءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: قَتَرَةٌ، بِفَتْحِ التّاءِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِإسْكانِها.
عبس 80:21
﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ قِيلَ: نَزَلَتْ في عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ، غاضَبَ أباهُ فَأسْلَمَ، ثُمَّ اسْتَصْلَحَهُ أبُوهُ وأعْطاهُ مالًا وجَهَّزَهُ إلى الشّامِ، فَبَعَثَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أنَّهُ كافِرٌ بِرَبِّ النَّجْمِ إذا هَوى. ورُوِيَ أنَّهُ قالَ: «(اللَّهُمَّ ابْعَثْ عَلَيْهِ كَلْبَكَ يَأْكُلْهُ)» فَلَمّا انْتَهى إلى الغاضِرَةِ ذَكَرَ الدُّعاءَ، فَجَعَلَ لِمَن مَعَهُ ألْفَ دِينارٍ إنْ أصْبَحَ حَيًّا، فَجَعَلُوهُ وسَطَ الرُّفْقَةِ والمَتاعُ حَوْلَهُ، فَأقْبَلَ الأسَدُ إلى الرِّحالِ ووَثَبَ، فَإذا هو فَوْقَهُ فَمَزَّقَهُ، فَكانَ أبُوهُ يَنْدُبُهُ ويَبْكِي عَلَيْهِ، وقالَ: ما قالَ مُحَمَّدٌ شَيْئًا قَطُّ إلّا كانَ، والآيَةُ وإنْ نَزَلَتْ في مَخْصُوصٍ فالإنْسانُ يُرادُ بِهِ الكافِرُ. (وقُتِلَ) دُعاءٌ عَلَيْهِ، والقَتْلُ أعْظَمُ شَدائِدِ الدُّنْيا ﴿ما أكْفَرَهُ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ تَعَجُّبٌ مِن إفْراطِ كُفْرِهِ، والتَّعَجُّبُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَخْلُوقِينَ، إذْ هو مُسْتَحِيلٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، أيْ هو مِمَّنْ يُقالُ فِيهِ ما أكْفَرَهُ. وقِيلَ: ما اسْتِفْهامُ تَوْقِيفٍ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ أكْفَرَهُ ؟ أيْ جَعَلَهُ كافِرًا، بِمَعْنى لِأيِّ شَيْءٍ يَسُوغُ لَهُ أنْ يَكْفُرَ.
﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى مَعْنى التَّقْرِيرِ عَلى حَقارَةِ ما خُلِقَ مِنهُ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ الشَّيْءَ الَّذِي خُلِقَ مِنهُ فَقالَ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أيْ فَهَيَّأهُ لِما يَصْلُحُ لَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ في بَطْنِ أُمِّهِ، وعَنْهُ قَدَّرَ أعْضاءَهُ، وحَسَنًا ودَمِيمًا وقَصِيرًا وطَوِيلًا وشَقِيًّا وسَعِيدًا، وقِيلَ: مِن حالٍ إلى حالٍ، نُطْفَةٍ ثُمَّ عَلَقَةٍ، إلى أنْ تَمَّ خَلْقُهُ ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ أيْ ثُمَّ يَسَّرَ السَّبِيلَ، أيْ سَهَّلَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وأبُو صالِحٍ والسُّدِّيُّ: سَبِيلُ النَّظَرِ القَوِيمِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ، وتَيْسِيرُهُ لَهُ هو هِبَةُ العَقْلِ. وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ أبِي صالِحٍ عَنْهُ: السَّبِيلُ العامُّ اسْمُ الجِنْسِ في هُدًى وضَلالٍ، أيْ يَسَّرَ قَوْمًا لِهَذا، كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣] الآيَةَ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]، وعَنِ ابْنِ (p-٤٢٩)عَبّاسٍ: يَسَّرَهُ لِلْخُرُوجِ مِن بَطْنِ أُمِّهِ.
﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ أيْ جَعَلَ لَهُ قَبْرًا صِيانَةً لِجَسَدِهِ أنْ يَأْكُلَهُ الطَّيْرُ والسِّباعُ. قَبَرَهُ: دَفَنَهُ، وأقْبَرَهُ: صَيَّرَهُ بِحَيْثُ يُقْبَرُ وجَعَلَ لَهُ قَبْرًا، والقابِرُ: الدّافِنُ بِيَدِهِ، قالَ الأعْشى:
؎لَوْ أسْنَدْتَ مَيِّتًا إلى قَبْرِها عاشَ ولَمْ يُنْقَلْ إلى قابِرِ
﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ أيْ إذا أرادَ إنْشارَهُ أنْشَرَهُ، والمَعْنى: إذا بَلَغَ الوَقْتُ الَّذِي قَدْ شاءَهُ اللَّهُ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وفي كِتابِ اللَّوامِحِ: شُعَيْبُ بْنُ الحَبْحابِ: شاءَ نَشَرَهُ، بِغَيْرِ هَمْزٍ قَبْلَ النُّونِ، وهُما لُغَتانِ في الإحْياءِ، وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ: وقَرَأ شُعَيْبُ بْنُ أبِي حَمْزَةَ: شاءَ نَشَرَهُ (كَلّا) رَدْعٌ لِلْإنْسانِ عَنْ ما هو فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والطُّغْيانِ ﴿لَمّا يَقْضِ﴾ يَفِي مِن أوَّلِ مُدَّةِ تَكْلِيفِهِ إلى حِينِ إقْبارِهِ ﴿ما أمَرَهُ﴾ بِهِ اللَّهُ تَعالى، فالضَّمِيرُ في يَقْضِ لِلْإنْسانِ. وقالَ ابْنُ فُورَكٍ: لِلَّهِ تَعالى، أيْ لَمْ يَقْضِ اللَّهُ لِهَذا الكافِرِ ما أمَرَهُ بِهِ مِنَ الإيمانِ، بَلْ أمَرَهُ بِما لَمْ يَقْضِ لَهُ، ولَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ في نَفْسِ الإنْسانِ ذَكَرَ النِّعَمَ فِيما بِهِ قِوامُ حَياتِهِ، وأمَرَهُ بِالنَّظَرِ إلى طَعامِهِ وكَيْفِيّاتِ الأحْوالِ الَّتِي اعْتَوَرَتْ عَلى طَعامِهِ حَتّى صارَ بِصَدَدِ أنْ يُطْعَمَ. والظّاهِرُ أنَّ الطَّعامَ هو المَطْعُومُ، وكَيْفَ يُيَسِّرُهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الوَسائِطِ المَذْكُورَةِ مَن صَبِّ الماءِ وشَقِّ الأرْضِ والإنْباتِ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقالَ أُبَيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ وغَيْرُهم: ﴿إلى طَعامِهِ﴾ أيْ إذا صارَ رَجِيعًا لِيَتَأمَّلَ عاقِبَةَ الدُّنْيا عَلى أيِّ شَيْءٍ يَتَفانى أهْلُها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إنّا) بِكَسْرٍ الهَمْزَةِ، والأعْرَجُ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ والكُوفِيُّونَ ورُوَيْسٌ: (أنّا) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، والحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أنِّي بِفَتْحِ الهَمْزَةِ مُمالًا، فالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ في ذِكْرِ تَعْدادِ الوُصُولِ إلى الطَّعامِ، والفَتْحُ قالُوا عَلى البَدَلِ ورَدَّهُ قَوْمٌ؛ لِأنَّ الثّانِيَ لَيْسَ الأوَّلَ. قِيلَ: ولَيْسَ كَما رَدُّوا؛ لِأنَّ المَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى إنْعامِنا في طَعامِهِ، فَتَرَتَّبَ البَدَلُ وصَحَّ. انْتَهى. كَأنَّهم جَعَلُوهُ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ بَدَلُ الِاشْتِمالِ. وقِراءَةُ أُبَيٍّ مُمالًا عَلى مَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ كَيْفَ صَبَبْنا، وأسْنَدَ تَعالى الصَّبَّ والشَّقَّ إلى نَفْسِهِ إسْنادَ الفِعْلِ إلى السَّبَبِ، وصَبُّ الماءِ هو المَطَرُ. والظّاهِرُ أنَّ الشَّقَّ كِنايَةٌ عَنْ شَقِّ الفَلّاحِ بِما جَرَتِ العادَةُ أنْ يَشُقَّ بِهِ. وقِيلَ: شَقُّ الأرْضِ هو بِالنَّباتِ.
﴿حَبًّا﴾: يَشْمَلُ ما يُسَمّى حَبًّا مِن حِنْطَةٍ وشَعِيرٍ وذُرَةٍ وسُلْتٍ وعَدَسٍ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿وقَضْبًا﴾ قالَ الحَسَنُ: العَلَفُ، وأهْلُ مَكَّةَ يُسَمُّونَ القَتَّ القَضْبَ. وقِيلَ: الفَصْفَصَةُ، وضُعِّفَ لِأنَّهُ داخِلٌ في الأبِّ. وقِيلَ: ما يُقْضَبُ لِيَأْكُلَهُ ابْنُ آدَمَ غَضًّا مِنَ النَّباتِ، كالبُقُولِ والهِلْيَوْنِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الرُّطَبُ، لِأنَّهُ يُقْضَبُ مِنَ النَّخْلِ، ولِأنَّهُ ذَكَرَ العِنَبَ قَبْلَهُ ﴿غُلْبًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: غِلاظًا، وعَنْهُ: طِوالًا، وعَنْ قَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ: كِرامًا ﴿وفاكِهَةً﴾ ما يَأْكُلُهُ النّاسُ مِن ثَمَرِ الشَّجَرِ، كالخَوْخِ والتِّينِ.
﴿وأبًّا﴾ ما تَأْكُلُهُ البَهائِمُ مِنَ العُشْبِ. وقالَ الضَّحّاكُ: التِّبْنُ خاصَّةً. وقالَ الكَلْبِيُّ: كُلُّ نَباتٍ سِوى الفاكِهَةِ رَطْبُها، والأبُّ: يابِسُها.
﴿الصّاخَّةُ﴾ اسْمٌ مِن أسْماءِ القِيامَةِ يُصِمُّ نَبَؤُها الآذانَ، تَقُولُ العَرَبُ: صَخَّتْهُمُ الصّاخَّةُ ونابَتْهُمُ النّائِبَةُ، أيِ الدّاهِيَةُ. وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: الصّاخَّةُ هي الَّتِي تُورِثُ الصَّمَمَ، وإنَّها لَمُسْمِعَةٌ، وهَذا مِن بَدِيعِ الفَصاحَةِ، كَقَوْلِهِ:
؎أصَمَّهم سِرُّهم أيّامَ فُرْقَتِهِمْ ∗∗∗ فَهَلْ سَمِعْتُمْ بِسِرٍّ يُورِثُ الصَّمَما
وقَوْلِ الآخَرِ:
؎أصَمَّ بِكَ النّاعِي وإنْ كانَ أسْمَعا
ولَعَمْرُ اللَّهِ إنَّ صَيْحَةَ القِيامَةِ مُسْمِعَةٌ تُصِمُّ عَنِ الدُّنْيا وتُسْمِعُ أُمُورَ الآخِرَةِ. انْتَهى.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ﴾ بَدَلٌ مِن (إذا)، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: اشْتَغَلَ كُلُّ إنْسانٍ بِنَفْسِهِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ وفِرارُهُ مِن شِدَّةِ الهَوْلِ يَوْمَ القِيامَةِ، كَما جاءَ مِن قَوْلِ الرُّسُلِ: نَفْسِي نَفْسِي. وقِيلَ: خَوْفُ التَّبِعاتِ، لِأنَّ المُلابَسَةَ تَقْتَضِي المُطالَبَةَ. يَقُولُ الأخُ: لَمْ تُواسِنِي بِمالِكَ، والأبَوانِ: قَصَّرْتَ في بِرِّنا، والصّاحِبَةُ: أطْعَمْتَنِي الحَرامَ وفَعَلْتَ وصَنَعْتَ، والبَنُونَ: لَمْ (p-٤٣٠)تُعَلِّمْنا وتُرْشِدْنا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُغْنِيهِ): أيْ عَنِ النَّظَرِ في شَأْنِ الآخَرِ مِنِ الإغْناءِ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ السَّمَيْقَعِ: يَعْنِيهِ بِفَتْحِ الياءِ والعَيْنِ المُهْمَلَةِ، مِن قَوْلِهِمْ: عَنانِي الأمْرُ: قَصَدَنِي (مُسْفِرَةٌ) مُضِيئَةٌ مِن أسْفَرَ الصُّبْحُ: أضاءَ، و(تَرْهَقُها): تَغْشاها (قَتَرَةٌ) أيْ غُبارٌ. والأُولى ما يَغْشاهُ مِنَ العُبُوسِ عِنْدَ الهَمِّ، والثّانِيَةُ مِن غُبارِ الأرْضِ. وقِيلَ: (غَبَرَةٌ) أيْ مِن تُرابِ الأرْضِ، وقَتَرَةٌ: سَوادٌ كالدُّخانِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: الغَبَرَةُ: ما انْحَطَّتْ إلى الأرْضِ، والقَتَرَةُ: ما ارْتَفَعَتْ إلى السَّماءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: قَتَرَةٌ، بِفَتْحِ التّاءِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِإسْكانِها.
عبس 80:22
﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ قِيلَ: نَزَلَتْ في عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ، غاضَبَ أباهُ فَأسْلَمَ، ثُمَّ اسْتَصْلَحَهُ أبُوهُ وأعْطاهُ مالًا وجَهَّزَهُ إلى الشّامِ، فَبَعَثَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أنَّهُ كافِرٌ بِرَبِّ النَّجْمِ إذا هَوى. ورُوِيَ أنَّهُ قالَ: «(اللَّهُمَّ ابْعَثْ عَلَيْهِ كَلْبَكَ يَأْكُلْهُ)» فَلَمّا انْتَهى إلى الغاضِرَةِ ذَكَرَ الدُّعاءَ، فَجَعَلَ لِمَن مَعَهُ ألْفَ دِينارٍ إنْ أصْبَحَ حَيًّا، فَجَعَلُوهُ وسَطَ الرُّفْقَةِ والمَتاعُ حَوْلَهُ، فَأقْبَلَ الأسَدُ إلى الرِّحالِ ووَثَبَ، فَإذا هو فَوْقَهُ فَمَزَّقَهُ، فَكانَ أبُوهُ يَنْدُبُهُ ويَبْكِي عَلَيْهِ، وقالَ: ما قالَ مُحَمَّدٌ شَيْئًا قَطُّ إلّا كانَ، والآيَةُ وإنْ نَزَلَتْ في مَخْصُوصٍ فالإنْسانُ يُرادُ بِهِ الكافِرُ. (وقُتِلَ) دُعاءٌ عَلَيْهِ، والقَتْلُ أعْظَمُ شَدائِدِ الدُّنْيا ﴿ما أكْفَرَهُ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ تَعَجُّبٌ مِن إفْراطِ كُفْرِهِ، والتَّعَجُّبُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَخْلُوقِينَ، إذْ هو مُسْتَحِيلٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، أيْ هو مِمَّنْ يُقالُ فِيهِ ما أكْفَرَهُ. وقِيلَ: ما اسْتِفْهامُ تَوْقِيفٍ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ أكْفَرَهُ ؟ أيْ جَعَلَهُ كافِرًا، بِمَعْنى لِأيِّ شَيْءٍ يَسُوغُ لَهُ أنْ يَكْفُرَ.
﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى مَعْنى التَّقْرِيرِ عَلى حَقارَةِ ما خُلِقَ مِنهُ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ الشَّيْءَ الَّذِي خُلِقَ مِنهُ فَقالَ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أيْ فَهَيَّأهُ لِما يَصْلُحُ لَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ في بَطْنِ أُمِّهِ، وعَنْهُ قَدَّرَ أعْضاءَهُ، وحَسَنًا ودَمِيمًا وقَصِيرًا وطَوِيلًا وشَقِيًّا وسَعِيدًا، وقِيلَ: مِن حالٍ إلى حالٍ، نُطْفَةٍ ثُمَّ عَلَقَةٍ، إلى أنْ تَمَّ خَلْقُهُ ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ أيْ ثُمَّ يَسَّرَ السَّبِيلَ، أيْ سَهَّلَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وأبُو صالِحٍ والسُّدِّيُّ: سَبِيلُ النَّظَرِ القَوِيمِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ، وتَيْسِيرُهُ لَهُ هو هِبَةُ العَقْلِ. وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ أبِي صالِحٍ عَنْهُ: السَّبِيلُ العامُّ اسْمُ الجِنْسِ في هُدًى وضَلالٍ، أيْ يَسَّرَ قَوْمًا لِهَذا، كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣] الآيَةَ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]، وعَنِ ابْنِ (p-٤٢٩)عَبّاسٍ: يَسَّرَهُ لِلْخُرُوجِ مِن بَطْنِ أُمِّهِ.
﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ أيْ جَعَلَ لَهُ قَبْرًا صِيانَةً لِجَسَدِهِ أنْ يَأْكُلَهُ الطَّيْرُ والسِّباعُ. قَبَرَهُ: دَفَنَهُ، وأقْبَرَهُ: صَيَّرَهُ بِحَيْثُ يُقْبَرُ وجَعَلَ لَهُ قَبْرًا، والقابِرُ: الدّافِنُ بِيَدِهِ، قالَ الأعْشى:
؎لَوْ أسْنَدْتَ مَيِّتًا إلى قَبْرِها عاشَ ولَمْ يُنْقَلْ إلى قابِرِ
﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ أيْ إذا أرادَ إنْشارَهُ أنْشَرَهُ، والمَعْنى: إذا بَلَغَ الوَقْتُ الَّذِي قَدْ شاءَهُ اللَّهُ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وفي كِتابِ اللَّوامِحِ: شُعَيْبُ بْنُ الحَبْحابِ: شاءَ نَشَرَهُ، بِغَيْرِ هَمْزٍ قَبْلَ النُّونِ، وهُما لُغَتانِ في الإحْياءِ، وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ: وقَرَأ شُعَيْبُ بْنُ أبِي حَمْزَةَ: شاءَ نَشَرَهُ (كَلّا) رَدْعٌ لِلْإنْسانِ عَنْ ما هو فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والطُّغْيانِ ﴿لَمّا يَقْضِ﴾ يَفِي مِن أوَّلِ مُدَّةِ تَكْلِيفِهِ إلى حِينِ إقْبارِهِ ﴿ما أمَرَهُ﴾ بِهِ اللَّهُ تَعالى، فالضَّمِيرُ في يَقْضِ لِلْإنْسانِ. وقالَ ابْنُ فُورَكٍ: لِلَّهِ تَعالى، أيْ لَمْ يَقْضِ اللَّهُ لِهَذا الكافِرِ ما أمَرَهُ بِهِ مِنَ الإيمانِ، بَلْ أمَرَهُ بِما لَمْ يَقْضِ لَهُ، ولَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ في نَفْسِ الإنْسانِ ذَكَرَ النِّعَمَ فِيما بِهِ قِوامُ حَياتِهِ، وأمَرَهُ بِالنَّظَرِ إلى طَعامِهِ وكَيْفِيّاتِ الأحْوالِ الَّتِي اعْتَوَرَتْ عَلى طَعامِهِ حَتّى صارَ بِصَدَدِ أنْ يُطْعَمَ. والظّاهِرُ أنَّ الطَّعامَ هو المَطْعُومُ، وكَيْفَ يُيَسِّرُهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الوَسائِطِ المَذْكُورَةِ مَن صَبِّ الماءِ وشَقِّ الأرْضِ والإنْباتِ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقالَ أُبَيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ وغَيْرُهم: ﴿إلى طَعامِهِ﴾ أيْ إذا صارَ رَجِيعًا لِيَتَأمَّلَ عاقِبَةَ الدُّنْيا عَلى أيِّ شَيْءٍ يَتَفانى أهْلُها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إنّا) بِكَسْرٍ الهَمْزَةِ، والأعْرَجُ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ والكُوفِيُّونَ ورُوَيْسٌ: (أنّا) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، والحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أنِّي بِفَتْحِ الهَمْزَةِ مُمالًا، فالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ في ذِكْرِ تَعْدادِ الوُصُولِ إلى الطَّعامِ، والفَتْحُ قالُوا عَلى البَدَلِ ورَدَّهُ قَوْمٌ؛ لِأنَّ الثّانِيَ لَيْسَ الأوَّلَ. قِيلَ: ولَيْسَ كَما رَدُّوا؛ لِأنَّ المَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى إنْعامِنا في طَعامِهِ، فَتَرَتَّبَ البَدَلُ وصَحَّ. انْتَهى. كَأنَّهم جَعَلُوهُ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ بَدَلُ الِاشْتِمالِ. وقِراءَةُ أُبَيٍّ مُمالًا عَلى مَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ كَيْفَ صَبَبْنا، وأسْنَدَ تَعالى الصَّبَّ والشَّقَّ إلى نَفْسِهِ إسْنادَ الفِعْلِ إلى السَّبَبِ، وصَبُّ الماءِ هو المَطَرُ. والظّاهِرُ أنَّ الشَّقَّ كِنايَةٌ عَنْ شَقِّ الفَلّاحِ بِما جَرَتِ العادَةُ أنْ يَشُقَّ بِهِ. وقِيلَ: شَقُّ الأرْضِ هو بِالنَّباتِ.
﴿حَبًّا﴾: يَشْمَلُ ما يُسَمّى حَبًّا مِن حِنْطَةٍ وشَعِيرٍ وذُرَةٍ وسُلْتٍ وعَدَسٍ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿وقَضْبًا﴾ قالَ الحَسَنُ: العَلَفُ، وأهْلُ مَكَّةَ يُسَمُّونَ القَتَّ القَضْبَ. وقِيلَ: الفَصْفَصَةُ، وضُعِّفَ لِأنَّهُ داخِلٌ في الأبِّ. وقِيلَ: ما يُقْضَبُ لِيَأْكُلَهُ ابْنُ آدَمَ غَضًّا مِنَ النَّباتِ، كالبُقُولِ والهِلْيَوْنِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الرُّطَبُ، لِأنَّهُ يُقْضَبُ مِنَ النَّخْلِ، ولِأنَّهُ ذَكَرَ العِنَبَ قَبْلَهُ ﴿غُلْبًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: غِلاظًا، وعَنْهُ: طِوالًا، وعَنْ قَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ: كِرامًا ﴿وفاكِهَةً﴾ ما يَأْكُلُهُ النّاسُ مِن ثَمَرِ الشَّجَرِ، كالخَوْخِ والتِّينِ.
﴿وأبًّا﴾ ما تَأْكُلُهُ البَهائِمُ مِنَ العُشْبِ. وقالَ الضَّحّاكُ: التِّبْنُ خاصَّةً. وقالَ الكَلْبِيُّ: كُلُّ نَباتٍ سِوى الفاكِهَةِ رَطْبُها، والأبُّ: يابِسُها.
﴿الصّاخَّةُ﴾ اسْمٌ مِن أسْماءِ القِيامَةِ يُصِمُّ نَبَؤُها الآذانَ، تَقُولُ العَرَبُ: صَخَّتْهُمُ الصّاخَّةُ ونابَتْهُمُ النّائِبَةُ، أيِ الدّاهِيَةُ. وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: الصّاخَّةُ هي الَّتِي تُورِثُ الصَّمَمَ، وإنَّها لَمُسْمِعَةٌ، وهَذا مِن بَدِيعِ الفَصاحَةِ، كَقَوْلِهِ:
؎أصَمَّهم سِرُّهم أيّامَ فُرْقَتِهِمْ ∗∗∗ فَهَلْ سَمِعْتُمْ بِسِرٍّ يُورِثُ الصَّمَما
وقَوْلِ الآخَرِ:
؎أصَمَّ بِكَ النّاعِي وإنْ كانَ أسْمَعا
ولَعَمْرُ اللَّهِ إنَّ صَيْحَةَ القِيامَةِ مُسْمِعَةٌ تُصِمُّ عَنِ الدُّنْيا وتُسْمِعُ أُمُورَ الآخِرَةِ. انْتَهى.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ﴾ بَدَلٌ مِن (إذا)، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: اشْتَغَلَ كُلُّ إنْسانٍ بِنَفْسِهِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ وفِرارُهُ مِن شِدَّةِ الهَوْلِ يَوْمَ القِيامَةِ، كَما جاءَ مِن قَوْلِ الرُّسُلِ: نَفْسِي نَفْسِي. وقِيلَ: خَوْفُ التَّبِعاتِ، لِأنَّ المُلابَسَةَ تَقْتَضِي المُطالَبَةَ. يَقُولُ الأخُ: لَمْ تُواسِنِي بِمالِكَ، والأبَوانِ: قَصَّرْتَ في بِرِّنا، والصّاحِبَةُ: أطْعَمْتَنِي الحَرامَ وفَعَلْتَ وصَنَعْتَ، والبَنُونَ: لَمْ (p-٤٣٠)تُعَلِّمْنا وتُرْشِدْنا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُغْنِيهِ): أيْ عَنِ النَّظَرِ في شَأْنِ الآخَرِ مِنِ الإغْناءِ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ السَّمَيْقَعِ: يَعْنِيهِ بِفَتْحِ الياءِ والعَيْنِ المُهْمَلَةِ، مِن قَوْلِهِمْ: عَنانِي الأمْرُ: قَصَدَنِي (مُسْفِرَةٌ) مُضِيئَةٌ مِن أسْفَرَ الصُّبْحُ: أضاءَ، و(تَرْهَقُها): تَغْشاها (قَتَرَةٌ) أيْ غُبارٌ. والأُولى ما يَغْشاهُ مِنَ العُبُوسِ عِنْدَ الهَمِّ، والثّانِيَةُ مِن غُبارِ الأرْضِ. وقِيلَ: (غَبَرَةٌ) أيْ مِن تُرابِ الأرْضِ، وقَتَرَةٌ: سَوادٌ كالدُّخانِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: الغَبَرَةُ: ما انْحَطَّتْ إلى الأرْضِ، والقَتَرَةُ: ما ارْتَفَعَتْ إلى السَّماءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: قَتَرَةٌ، بِفَتْحِ التّاءِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِإسْكانِها.
عبس 80:23
﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ قِيلَ: نَزَلَتْ في عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ، غاضَبَ أباهُ فَأسْلَمَ، ثُمَّ اسْتَصْلَحَهُ أبُوهُ وأعْطاهُ مالًا وجَهَّزَهُ إلى الشّامِ، فَبَعَثَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أنَّهُ كافِرٌ بِرَبِّ النَّجْمِ إذا هَوى. ورُوِيَ أنَّهُ قالَ: «(اللَّهُمَّ ابْعَثْ عَلَيْهِ كَلْبَكَ يَأْكُلْهُ)» فَلَمّا انْتَهى إلى الغاضِرَةِ ذَكَرَ الدُّعاءَ، فَجَعَلَ لِمَن مَعَهُ ألْفَ دِينارٍ إنْ أصْبَحَ حَيًّا، فَجَعَلُوهُ وسَطَ الرُّفْقَةِ والمَتاعُ حَوْلَهُ، فَأقْبَلَ الأسَدُ إلى الرِّحالِ ووَثَبَ، فَإذا هو فَوْقَهُ فَمَزَّقَهُ، فَكانَ أبُوهُ يَنْدُبُهُ ويَبْكِي عَلَيْهِ، وقالَ: ما قالَ مُحَمَّدٌ شَيْئًا قَطُّ إلّا كانَ، والآيَةُ وإنْ نَزَلَتْ في مَخْصُوصٍ فالإنْسانُ يُرادُ بِهِ الكافِرُ. (وقُتِلَ) دُعاءٌ عَلَيْهِ، والقَتْلُ أعْظَمُ شَدائِدِ الدُّنْيا ﴿ما أكْفَرَهُ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ تَعَجُّبٌ مِن إفْراطِ كُفْرِهِ، والتَّعَجُّبُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَخْلُوقِينَ، إذْ هو مُسْتَحِيلٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، أيْ هو مِمَّنْ يُقالُ فِيهِ ما أكْفَرَهُ. وقِيلَ: ما اسْتِفْهامُ تَوْقِيفٍ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ أكْفَرَهُ ؟ أيْ جَعَلَهُ كافِرًا، بِمَعْنى لِأيِّ شَيْءٍ يَسُوغُ لَهُ أنْ يَكْفُرَ.
﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى مَعْنى التَّقْرِيرِ عَلى حَقارَةِ ما خُلِقَ مِنهُ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ الشَّيْءَ الَّذِي خُلِقَ مِنهُ فَقالَ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أيْ فَهَيَّأهُ لِما يَصْلُحُ لَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ في بَطْنِ أُمِّهِ، وعَنْهُ قَدَّرَ أعْضاءَهُ، وحَسَنًا ودَمِيمًا وقَصِيرًا وطَوِيلًا وشَقِيًّا وسَعِيدًا، وقِيلَ: مِن حالٍ إلى حالٍ، نُطْفَةٍ ثُمَّ عَلَقَةٍ، إلى أنْ تَمَّ خَلْقُهُ ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ أيْ ثُمَّ يَسَّرَ السَّبِيلَ، أيْ سَهَّلَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وأبُو صالِحٍ والسُّدِّيُّ: سَبِيلُ النَّظَرِ القَوِيمِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ، وتَيْسِيرُهُ لَهُ هو هِبَةُ العَقْلِ. وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ أبِي صالِحٍ عَنْهُ: السَّبِيلُ العامُّ اسْمُ الجِنْسِ في هُدًى وضَلالٍ، أيْ يَسَّرَ قَوْمًا لِهَذا، كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣] الآيَةَ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]، وعَنِ ابْنِ (p-٤٢٩)عَبّاسٍ: يَسَّرَهُ لِلْخُرُوجِ مِن بَطْنِ أُمِّهِ.
﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ أيْ جَعَلَ لَهُ قَبْرًا صِيانَةً لِجَسَدِهِ أنْ يَأْكُلَهُ الطَّيْرُ والسِّباعُ. قَبَرَهُ: دَفَنَهُ، وأقْبَرَهُ: صَيَّرَهُ بِحَيْثُ يُقْبَرُ وجَعَلَ لَهُ قَبْرًا، والقابِرُ: الدّافِنُ بِيَدِهِ، قالَ الأعْشى:
؎لَوْ أسْنَدْتَ مَيِّتًا إلى قَبْرِها عاشَ ولَمْ يُنْقَلْ إلى قابِرِ
﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ أيْ إذا أرادَ إنْشارَهُ أنْشَرَهُ، والمَعْنى: إذا بَلَغَ الوَقْتُ الَّذِي قَدْ شاءَهُ اللَّهُ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وفي كِتابِ اللَّوامِحِ: شُعَيْبُ بْنُ الحَبْحابِ: شاءَ نَشَرَهُ، بِغَيْرِ هَمْزٍ قَبْلَ النُّونِ، وهُما لُغَتانِ في الإحْياءِ، وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ: وقَرَأ شُعَيْبُ بْنُ أبِي حَمْزَةَ: شاءَ نَشَرَهُ (كَلّا) رَدْعٌ لِلْإنْسانِ عَنْ ما هو فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والطُّغْيانِ ﴿لَمّا يَقْضِ﴾ يَفِي مِن أوَّلِ مُدَّةِ تَكْلِيفِهِ إلى حِينِ إقْبارِهِ ﴿ما أمَرَهُ﴾ بِهِ اللَّهُ تَعالى، فالضَّمِيرُ في يَقْضِ لِلْإنْسانِ. وقالَ ابْنُ فُورَكٍ: لِلَّهِ تَعالى، أيْ لَمْ يَقْضِ اللَّهُ لِهَذا الكافِرِ ما أمَرَهُ بِهِ مِنَ الإيمانِ، بَلْ أمَرَهُ بِما لَمْ يَقْضِ لَهُ، ولَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ في نَفْسِ الإنْسانِ ذَكَرَ النِّعَمَ فِيما بِهِ قِوامُ حَياتِهِ، وأمَرَهُ بِالنَّظَرِ إلى طَعامِهِ وكَيْفِيّاتِ الأحْوالِ الَّتِي اعْتَوَرَتْ عَلى طَعامِهِ حَتّى صارَ بِصَدَدِ أنْ يُطْعَمَ. والظّاهِرُ أنَّ الطَّعامَ هو المَطْعُومُ، وكَيْفَ يُيَسِّرُهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الوَسائِطِ المَذْكُورَةِ مَن صَبِّ الماءِ وشَقِّ الأرْضِ والإنْباتِ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقالَ أُبَيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ وغَيْرُهم: ﴿إلى طَعامِهِ﴾ أيْ إذا صارَ رَجِيعًا لِيَتَأمَّلَ عاقِبَةَ الدُّنْيا عَلى أيِّ شَيْءٍ يَتَفانى أهْلُها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إنّا) بِكَسْرٍ الهَمْزَةِ، والأعْرَجُ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ والكُوفِيُّونَ ورُوَيْسٌ: (أنّا) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، والحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أنِّي بِفَتْحِ الهَمْزَةِ مُمالًا، فالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ في ذِكْرِ تَعْدادِ الوُصُولِ إلى الطَّعامِ، والفَتْحُ قالُوا عَلى البَدَلِ ورَدَّهُ قَوْمٌ؛ لِأنَّ الثّانِيَ لَيْسَ الأوَّلَ. قِيلَ: ولَيْسَ كَما رَدُّوا؛ لِأنَّ المَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى إنْعامِنا في طَعامِهِ، فَتَرَتَّبَ البَدَلُ وصَحَّ. انْتَهى. كَأنَّهم جَعَلُوهُ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ بَدَلُ الِاشْتِمالِ. وقِراءَةُ أُبَيٍّ مُمالًا عَلى مَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ كَيْفَ صَبَبْنا، وأسْنَدَ تَعالى الصَّبَّ والشَّقَّ إلى نَفْسِهِ إسْنادَ الفِعْلِ إلى السَّبَبِ، وصَبُّ الماءِ هو المَطَرُ. والظّاهِرُ أنَّ الشَّقَّ كِنايَةٌ عَنْ شَقِّ الفَلّاحِ بِما جَرَتِ العادَةُ أنْ يَشُقَّ بِهِ. وقِيلَ: شَقُّ الأرْضِ هو بِالنَّباتِ.
﴿حَبًّا﴾: يَشْمَلُ ما يُسَمّى حَبًّا مِن حِنْطَةٍ وشَعِيرٍ وذُرَةٍ وسُلْتٍ وعَدَسٍ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿وقَضْبًا﴾ قالَ الحَسَنُ: العَلَفُ، وأهْلُ مَكَّةَ يُسَمُّونَ القَتَّ القَضْبَ. وقِيلَ: الفَصْفَصَةُ، وضُعِّفَ لِأنَّهُ داخِلٌ في الأبِّ. وقِيلَ: ما يُقْضَبُ لِيَأْكُلَهُ ابْنُ آدَمَ غَضًّا مِنَ النَّباتِ، كالبُقُولِ والهِلْيَوْنِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الرُّطَبُ، لِأنَّهُ يُقْضَبُ مِنَ النَّخْلِ، ولِأنَّهُ ذَكَرَ العِنَبَ قَبْلَهُ ﴿غُلْبًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: غِلاظًا، وعَنْهُ: طِوالًا، وعَنْ قَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ: كِرامًا ﴿وفاكِهَةً﴾ ما يَأْكُلُهُ النّاسُ مِن ثَمَرِ الشَّجَرِ، كالخَوْخِ والتِّينِ.
﴿وأبًّا﴾ ما تَأْكُلُهُ البَهائِمُ مِنَ العُشْبِ. وقالَ الضَّحّاكُ: التِّبْنُ خاصَّةً. وقالَ الكَلْبِيُّ: كُلُّ نَباتٍ سِوى الفاكِهَةِ رَطْبُها، والأبُّ: يابِسُها.
﴿الصّاخَّةُ﴾ اسْمٌ مِن أسْماءِ القِيامَةِ يُصِمُّ نَبَؤُها الآذانَ، تَقُولُ العَرَبُ: صَخَّتْهُمُ الصّاخَّةُ ونابَتْهُمُ النّائِبَةُ، أيِ الدّاهِيَةُ. وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: الصّاخَّةُ هي الَّتِي تُورِثُ الصَّمَمَ، وإنَّها لَمُسْمِعَةٌ، وهَذا مِن بَدِيعِ الفَصاحَةِ، كَقَوْلِهِ:
؎أصَمَّهم سِرُّهم أيّامَ فُرْقَتِهِمْ ∗∗∗ فَهَلْ سَمِعْتُمْ بِسِرٍّ يُورِثُ الصَّمَما
وقَوْلِ الآخَرِ:
؎أصَمَّ بِكَ النّاعِي وإنْ كانَ أسْمَعا
ولَعَمْرُ اللَّهِ إنَّ صَيْحَةَ القِيامَةِ مُسْمِعَةٌ تُصِمُّ عَنِ الدُّنْيا وتُسْمِعُ أُمُورَ الآخِرَةِ. انْتَهى.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ﴾ بَدَلٌ مِن (إذا)، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: اشْتَغَلَ كُلُّ إنْسانٍ بِنَفْسِهِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ وفِرارُهُ مِن شِدَّةِ الهَوْلِ يَوْمَ القِيامَةِ، كَما جاءَ مِن قَوْلِ الرُّسُلِ: نَفْسِي نَفْسِي. وقِيلَ: خَوْفُ التَّبِعاتِ، لِأنَّ المُلابَسَةَ تَقْتَضِي المُطالَبَةَ. يَقُولُ الأخُ: لَمْ تُواسِنِي بِمالِكَ، والأبَوانِ: قَصَّرْتَ في بِرِّنا، والصّاحِبَةُ: أطْعَمْتَنِي الحَرامَ وفَعَلْتَ وصَنَعْتَ، والبَنُونَ: لَمْ (p-٤٣٠)تُعَلِّمْنا وتُرْشِدْنا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُغْنِيهِ): أيْ عَنِ النَّظَرِ في شَأْنِ الآخَرِ مِنِ الإغْناءِ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ السَّمَيْقَعِ: يَعْنِيهِ بِفَتْحِ الياءِ والعَيْنِ المُهْمَلَةِ، مِن قَوْلِهِمْ: عَنانِي الأمْرُ: قَصَدَنِي (مُسْفِرَةٌ) مُضِيئَةٌ مِن أسْفَرَ الصُّبْحُ: أضاءَ، و(تَرْهَقُها): تَغْشاها (قَتَرَةٌ) أيْ غُبارٌ. والأُولى ما يَغْشاهُ مِنَ العُبُوسِ عِنْدَ الهَمِّ، والثّانِيَةُ مِن غُبارِ الأرْضِ. وقِيلَ: (غَبَرَةٌ) أيْ مِن تُرابِ الأرْضِ، وقَتَرَةٌ: سَوادٌ كالدُّخانِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: الغَبَرَةُ: ما انْحَطَّتْ إلى الأرْضِ، والقَتَرَةُ: ما ارْتَفَعَتْ إلى السَّماءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: قَتَرَةٌ، بِفَتْحِ التّاءِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِإسْكانِها.
عبس 80:24
﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ قِيلَ: نَزَلَتْ في عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ، غاضَبَ أباهُ فَأسْلَمَ، ثُمَّ اسْتَصْلَحَهُ أبُوهُ وأعْطاهُ مالًا وجَهَّزَهُ إلى الشّامِ، فَبَعَثَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أنَّهُ كافِرٌ بِرَبِّ النَّجْمِ إذا هَوى. ورُوِيَ أنَّهُ قالَ: «(اللَّهُمَّ ابْعَثْ عَلَيْهِ كَلْبَكَ يَأْكُلْهُ)» فَلَمّا انْتَهى إلى الغاضِرَةِ ذَكَرَ الدُّعاءَ، فَجَعَلَ لِمَن مَعَهُ ألْفَ دِينارٍ إنْ أصْبَحَ حَيًّا، فَجَعَلُوهُ وسَطَ الرُّفْقَةِ والمَتاعُ حَوْلَهُ، فَأقْبَلَ الأسَدُ إلى الرِّحالِ ووَثَبَ، فَإذا هو فَوْقَهُ فَمَزَّقَهُ، فَكانَ أبُوهُ يَنْدُبُهُ ويَبْكِي عَلَيْهِ، وقالَ: ما قالَ مُحَمَّدٌ شَيْئًا قَطُّ إلّا كانَ، والآيَةُ وإنْ نَزَلَتْ في مَخْصُوصٍ فالإنْسانُ يُرادُ بِهِ الكافِرُ. (وقُتِلَ) دُعاءٌ عَلَيْهِ، والقَتْلُ أعْظَمُ شَدائِدِ الدُّنْيا ﴿ما أكْفَرَهُ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ تَعَجُّبٌ مِن إفْراطِ كُفْرِهِ، والتَّعَجُّبُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَخْلُوقِينَ، إذْ هو مُسْتَحِيلٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، أيْ هو مِمَّنْ يُقالُ فِيهِ ما أكْفَرَهُ. وقِيلَ: ما اسْتِفْهامُ تَوْقِيفٍ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ أكْفَرَهُ ؟ أيْ جَعَلَهُ كافِرًا، بِمَعْنى لِأيِّ شَيْءٍ يَسُوغُ لَهُ أنْ يَكْفُرَ.
﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى مَعْنى التَّقْرِيرِ عَلى حَقارَةِ ما خُلِقَ مِنهُ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ الشَّيْءَ الَّذِي خُلِقَ مِنهُ فَقالَ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أيْ فَهَيَّأهُ لِما يَصْلُحُ لَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ في بَطْنِ أُمِّهِ، وعَنْهُ قَدَّرَ أعْضاءَهُ، وحَسَنًا ودَمِيمًا وقَصِيرًا وطَوِيلًا وشَقِيًّا وسَعِيدًا، وقِيلَ: مِن حالٍ إلى حالٍ، نُطْفَةٍ ثُمَّ عَلَقَةٍ، إلى أنْ تَمَّ خَلْقُهُ ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ أيْ ثُمَّ يَسَّرَ السَّبِيلَ، أيْ سَهَّلَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وأبُو صالِحٍ والسُّدِّيُّ: سَبِيلُ النَّظَرِ القَوِيمِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ، وتَيْسِيرُهُ لَهُ هو هِبَةُ العَقْلِ. وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ أبِي صالِحٍ عَنْهُ: السَّبِيلُ العامُّ اسْمُ الجِنْسِ في هُدًى وضَلالٍ، أيْ يَسَّرَ قَوْمًا لِهَذا، كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣] الآيَةَ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]، وعَنِ ابْنِ (p-٤٢٩)عَبّاسٍ: يَسَّرَهُ لِلْخُرُوجِ مِن بَطْنِ أُمِّهِ.
﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ أيْ جَعَلَ لَهُ قَبْرًا صِيانَةً لِجَسَدِهِ أنْ يَأْكُلَهُ الطَّيْرُ والسِّباعُ. قَبَرَهُ: دَفَنَهُ، وأقْبَرَهُ: صَيَّرَهُ بِحَيْثُ يُقْبَرُ وجَعَلَ لَهُ قَبْرًا، والقابِرُ: الدّافِنُ بِيَدِهِ، قالَ الأعْشى:
؎لَوْ أسْنَدْتَ مَيِّتًا إلى قَبْرِها عاشَ ولَمْ يُنْقَلْ إلى قابِرِ
﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ أيْ إذا أرادَ إنْشارَهُ أنْشَرَهُ، والمَعْنى: إذا بَلَغَ الوَقْتُ الَّذِي قَدْ شاءَهُ اللَّهُ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وفي كِتابِ اللَّوامِحِ: شُعَيْبُ بْنُ الحَبْحابِ: شاءَ نَشَرَهُ، بِغَيْرِ هَمْزٍ قَبْلَ النُّونِ، وهُما لُغَتانِ في الإحْياءِ، وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ: وقَرَأ شُعَيْبُ بْنُ أبِي حَمْزَةَ: شاءَ نَشَرَهُ (كَلّا) رَدْعٌ لِلْإنْسانِ عَنْ ما هو فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والطُّغْيانِ ﴿لَمّا يَقْضِ﴾ يَفِي مِن أوَّلِ مُدَّةِ تَكْلِيفِهِ إلى حِينِ إقْبارِهِ ﴿ما أمَرَهُ﴾ بِهِ اللَّهُ تَعالى، فالضَّمِيرُ في يَقْضِ لِلْإنْسانِ. وقالَ ابْنُ فُورَكٍ: لِلَّهِ تَعالى، أيْ لَمْ يَقْضِ اللَّهُ لِهَذا الكافِرِ ما أمَرَهُ بِهِ مِنَ الإيمانِ، بَلْ أمَرَهُ بِما لَمْ يَقْضِ لَهُ، ولَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ في نَفْسِ الإنْسانِ ذَكَرَ النِّعَمَ فِيما بِهِ قِوامُ حَياتِهِ، وأمَرَهُ بِالنَّظَرِ إلى طَعامِهِ وكَيْفِيّاتِ الأحْوالِ الَّتِي اعْتَوَرَتْ عَلى طَعامِهِ حَتّى صارَ بِصَدَدِ أنْ يُطْعَمَ. والظّاهِرُ أنَّ الطَّعامَ هو المَطْعُومُ، وكَيْفَ يُيَسِّرُهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الوَسائِطِ المَذْكُورَةِ مَن صَبِّ الماءِ وشَقِّ الأرْضِ والإنْباتِ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقالَ أُبَيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ وغَيْرُهم: ﴿إلى طَعامِهِ﴾ أيْ إذا صارَ رَجِيعًا لِيَتَأمَّلَ عاقِبَةَ الدُّنْيا عَلى أيِّ شَيْءٍ يَتَفانى أهْلُها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إنّا) بِكَسْرٍ الهَمْزَةِ، والأعْرَجُ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ والكُوفِيُّونَ ورُوَيْسٌ: (أنّا) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، والحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أنِّي بِفَتْحِ الهَمْزَةِ مُمالًا، فالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ في ذِكْرِ تَعْدادِ الوُصُولِ إلى الطَّعامِ، والفَتْحُ قالُوا عَلى البَدَلِ ورَدَّهُ قَوْمٌ؛ لِأنَّ الثّانِيَ لَيْسَ الأوَّلَ. قِيلَ: ولَيْسَ كَما رَدُّوا؛ لِأنَّ المَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى إنْعامِنا في طَعامِهِ، فَتَرَتَّبَ البَدَلُ وصَحَّ. انْتَهى. كَأنَّهم جَعَلُوهُ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ بَدَلُ الِاشْتِمالِ. وقِراءَةُ أُبَيٍّ مُمالًا عَلى مَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ كَيْفَ صَبَبْنا، وأسْنَدَ تَعالى الصَّبَّ والشَّقَّ إلى نَفْسِهِ إسْنادَ الفِعْلِ إلى السَّبَبِ، وصَبُّ الماءِ هو المَطَرُ. والظّاهِرُ أنَّ الشَّقَّ كِنايَةٌ عَنْ شَقِّ الفَلّاحِ بِما جَرَتِ العادَةُ أنْ يَشُقَّ بِهِ. وقِيلَ: شَقُّ الأرْضِ هو بِالنَّباتِ.
﴿حَبًّا﴾: يَشْمَلُ ما يُسَمّى حَبًّا مِن حِنْطَةٍ وشَعِيرٍ وذُرَةٍ وسُلْتٍ وعَدَسٍ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿وقَضْبًا﴾ قالَ الحَسَنُ: العَلَفُ، وأهْلُ مَكَّةَ يُسَمُّونَ القَتَّ القَضْبَ. وقِيلَ: الفَصْفَصَةُ، وضُعِّفَ لِأنَّهُ داخِلٌ في الأبِّ. وقِيلَ: ما يُقْضَبُ لِيَأْكُلَهُ ابْنُ آدَمَ غَضًّا مِنَ النَّباتِ، كالبُقُولِ والهِلْيَوْنِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الرُّطَبُ، لِأنَّهُ يُقْضَبُ مِنَ النَّخْلِ، ولِأنَّهُ ذَكَرَ العِنَبَ قَبْلَهُ ﴿غُلْبًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: غِلاظًا، وعَنْهُ: طِوالًا، وعَنْ قَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ: كِرامًا ﴿وفاكِهَةً﴾ ما يَأْكُلُهُ النّاسُ مِن ثَمَرِ الشَّجَرِ، كالخَوْخِ والتِّينِ.
﴿وأبًّا﴾ ما تَأْكُلُهُ البَهائِمُ مِنَ العُشْبِ. وقالَ الضَّحّاكُ: التِّبْنُ خاصَّةً. وقالَ الكَلْبِيُّ: كُلُّ نَباتٍ سِوى الفاكِهَةِ رَطْبُها، والأبُّ: يابِسُها.
﴿الصّاخَّةُ﴾ اسْمٌ مِن أسْماءِ القِيامَةِ يُصِمُّ نَبَؤُها الآذانَ، تَقُولُ العَرَبُ: صَخَّتْهُمُ الصّاخَّةُ ونابَتْهُمُ النّائِبَةُ، أيِ الدّاهِيَةُ. وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: الصّاخَّةُ هي الَّتِي تُورِثُ الصَّمَمَ، وإنَّها لَمُسْمِعَةٌ، وهَذا مِن بَدِيعِ الفَصاحَةِ، كَقَوْلِهِ:
؎أصَمَّهم سِرُّهم أيّامَ فُرْقَتِهِمْ ∗∗∗ فَهَلْ سَمِعْتُمْ بِسِرٍّ يُورِثُ الصَّمَما
وقَوْلِ الآخَرِ:
؎أصَمَّ بِكَ النّاعِي وإنْ كانَ أسْمَعا
ولَعَمْرُ اللَّهِ إنَّ صَيْحَةَ القِيامَةِ مُسْمِعَةٌ تُصِمُّ عَنِ الدُّنْيا وتُسْمِعُ أُمُورَ الآخِرَةِ. انْتَهى.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ﴾ بَدَلٌ مِن (إذا)، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: اشْتَغَلَ كُلُّ إنْسانٍ بِنَفْسِهِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ وفِرارُهُ مِن شِدَّةِ الهَوْلِ يَوْمَ القِيامَةِ، كَما جاءَ مِن قَوْلِ الرُّسُلِ: نَفْسِي نَفْسِي. وقِيلَ: خَوْفُ التَّبِعاتِ، لِأنَّ المُلابَسَةَ تَقْتَضِي المُطالَبَةَ. يَقُولُ الأخُ: لَمْ تُواسِنِي بِمالِكَ، والأبَوانِ: قَصَّرْتَ في بِرِّنا، والصّاحِبَةُ: أطْعَمْتَنِي الحَرامَ وفَعَلْتَ وصَنَعْتَ، والبَنُونَ: لَمْ (p-٤٣٠)تُعَلِّمْنا وتُرْشِدْنا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُغْنِيهِ): أيْ عَنِ النَّظَرِ في شَأْنِ الآخَرِ مِنِ الإغْناءِ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ السَّمَيْقَعِ: يَعْنِيهِ بِفَتْحِ الياءِ والعَيْنِ المُهْمَلَةِ، مِن قَوْلِهِمْ: عَنانِي الأمْرُ: قَصَدَنِي (مُسْفِرَةٌ) مُضِيئَةٌ مِن أسْفَرَ الصُّبْحُ: أضاءَ، و(تَرْهَقُها): تَغْشاها (قَتَرَةٌ) أيْ غُبارٌ. والأُولى ما يَغْشاهُ مِنَ العُبُوسِ عِنْدَ الهَمِّ، والثّانِيَةُ مِن غُبارِ الأرْضِ. وقِيلَ: (غَبَرَةٌ) أيْ مِن تُرابِ الأرْضِ، وقَتَرَةٌ: سَوادٌ كالدُّخانِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: الغَبَرَةُ: ما انْحَطَّتْ إلى الأرْضِ، والقَتَرَةُ: ما ارْتَفَعَتْ إلى السَّماءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: قَتَرَةٌ، بِفَتْحِ التّاءِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِإسْكانِها.
عبس 80:25
﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ قِيلَ: نَزَلَتْ في عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ، غاضَبَ أباهُ فَأسْلَمَ، ثُمَّ اسْتَصْلَحَهُ أبُوهُ وأعْطاهُ مالًا وجَهَّزَهُ إلى الشّامِ، فَبَعَثَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أنَّهُ كافِرٌ بِرَبِّ النَّجْمِ إذا هَوى. ورُوِيَ أنَّهُ قالَ: «(اللَّهُمَّ ابْعَثْ عَلَيْهِ كَلْبَكَ يَأْكُلْهُ)» فَلَمّا انْتَهى إلى الغاضِرَةِ ذَكَرَ الدُّعاءَ، فَجَعَلَ لِمَن مَعَهُ ألْفَ دِينارٍ إنْ أصْبَحَ حَيًّا، فَجَعَلُوهُ وسَطَ الرُّفْقَةِ والمَتاعُ حَوْلَهُ، فَأقْبَلَ الأسَدُ إلى الرِّحالِ ووَثَبَ، فَإذا هو فَوْقَهُ فَمَزَّقَهُ، فَكانَ أبُوهُ يَنْدُبُهُ ويَبْكِي عَلَيْهِ، وقالَ: ما قالَ مُحَمَّدٌ شَيْئًا قَطُّ إلّا كانَ، والآيَةُ وإنْ نَزَلَتْ في مَخْصُوصٍ فالإنْسانُ يُرادُ بِهِ الكافِرُ. (وقُتِلَ) دُعاءٌ عَلَيْهِ، والقَتْلُ أعْظَمُ شَدائِدِ الدُّنْيا ﴿ما أكْفَرَهُ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ تَعَجُّبٌ مِن إفْراطِ كُفْرِهِ، والتَّعَجُّبُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَخْلُوقِينَ، إذْ هو مُسْتَحِيلٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، أيْ هو مِمَّنْ يُقالُ فِيهِ ما أكْفَرَهُ. وقِيلَ: ما اسْتِفْهامُ تَوْقِيفٍ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ أكْفَرَهُ ؟ أيْ جَعَلَهُ كافِرًا، بِمَعْنى لِأيِّ شَيْءٍ يَسُوغُ لَهُ أنْ يَكْفُرَ.
﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى مَعْنى التَّقْرِيرِ عَلى حَقارَةِ ما خُلِقَ مِنهُ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ الشَّيْءَ الَّذِي خُلِقَ مِنهُ فَقالَ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أيْ فَهَيَّأهُ لِما يَصْلُحُ لَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ في بَطْنِ أُمِّهِ، وعَنْهُ قَدَّرَ أعْضاءَهُ، وحَسَنًا ودَمِيمًا وقَصِيرًا وطَوِيلًا وشَقِيًّا وسَعِيدًا، وقِيلَ: مِن حالٍ إلى حالٍ، نُطْفَةٍ ثُمَّ عَلَقَةٍ، إلى أنْ تَمَّ خَلْقُهُ ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ أيْ ثُمَّ يَسَّرَ السَّبِيلَ، أيْ سَهَّلَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وأبُو صالِحٍ والسُّدِّيُّ: سَبِيلُ النَّظَرِ القَوِيمِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ، وتَيْسِيرُهُ لَهُ هو هِبَةُ العَقْلِ. وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ أبِي صالِحٍ عَنْهُ: السَّبِيلُ العامُّ اسْمُ الجِنْسِ في هُدًى وضَلالٍ، أيْ يَسَّرَ قَوْمًا لِهَذا، كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣] الآيَةَ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]، وعَنِ ابْنِ (p-٤٢٩)عَبّاسٍ: يَسَّرَهُ لِلْخُرُوجِ مِن بَطْنِ أُمِّهِ.
﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ أيْ جَعَلَ لَهُ قَبْرًا صِيانَةً لِجَسَدِهِ أنْ يَأْكُلَهُ الطَّيْرُ والسِّباعُ. قَبَرَهُ: دَفَنَهُ، وأقْبَرَهُ: صَيَّرَهُ بِحَيْثُ يُقْبَرُ وجَعَلَ لَهُ قَبْرًا، والقابِرُ: الدّافِنُ بِيَدِهِ، قالَ الأعْشى:
؎لَوْ أسْنَدْتَ مَيِّتًا إلى قَبْرِها عاشَ ولَمْ يُنْقَلْ إلى قابِرِ
﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ أيْ إذا أرادَ إنْشارَهُ أنْشَرَهُ، والمَعْنى: إذا بَلَغَ الوَقْتُ الَّذِي قَدْ شاءَهُ اللَّهُ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وفي كِتابِ اللَّوامِحِ: شُعَيْبُ بْنُ الحَبْحابِ: شاءَ نَشَرَهُ، بِغَيْرِ هَمْزٍ قَبْلَ النُّونِ، وهُما لُغَتانِ في الإحْياءِ، وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ: وقَرَأ شُعَيْبُ بْنُ أبِي حَمْزَةَ: شاءَ نَشَرَهُ (كَلّا) رَدْعٌ لِلْإنْسانِ عَنْ ما هو فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والطُّغْيانِ ﴿لَمّا يَقْضِ﴾ يَفِي مِن أوَّلِ مُدَّةِ تَكْلِيفِهِ إلى حِينِ إقْبارِهِ ﴿ما أمَرَهُ﴾ بِهِ اللَّهُ تَعالى، فالضَّمِيرُ في يَقْضِ لِلْإنْسانِ. وقالَ ابْنُ فُورَكٍ: لِلَّهِ تَعالى، أيْ لَمْ يَقْضِ اللَّهُ لِهَذا الكافِرِ ما أمَرَهُ بِهِ مِنَ الإيمانِ، بَلْ أمَرَهُ بِما لَمْ يَقْضِ لَهُ، ولَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ في نَفْسِ الإنْسانِ ذَكَرَ النِّعَمَ فِيما بِهِ قِوامُ حَياتِهِ، وأمَرَهُ بِالنَّظَرِ إلى طَعامِهِ وكَيْفِيّاتِ الأحْوالِ الَّتِي اعْتَوَرَتْ عَلى طَعامِهِ حَتّى صارَ بِصَدَدِ أنْ يُطْعَمَ. والظّاهِرُ أنَّ الطَّعامَ هو المَطْعُومُ، وكَيْفَ يُيَسِّرُهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الوَسائِطِ المَذْكُورَةِ مَن صَبِّ الماءِ وشَقِّ الأرْضِ والإنْباتِ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقالَ أُبَيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ وغَيْرُهم: ﴿إلى طَعامِهِ﴾ أيْ إذا صارَ رَجِيعًا لِيَتَأمَّلَ عاقِبَةَ الدُّنْيا عَلى أيِّ شَيْءٍ يَتَفانى أهْلُها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إنّا) بِكَسْرٍ الهَمْزَةِ، والأعْرَجُ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ والكُوفِيُّونَ ورُوَيْسٌ: (أنّا) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، والحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أنِّي بِفَتْحِ الهَمْزَةِ مُمالًا، فالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ في ذِكْرِ تَعْدادِ الوُصُولِ إلى الطَّعامِ، والفَتْحُ قالُوا عَلى البَدَلِ ورَدَّهُ قَوْمٌ؛ لِأنَّ الثّانِيَ لَيْسَ الأوَّلَ. قِيلَ: ولَيْسَ كَما رَدُّوا؛ لِأنَّ المَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى إنْعامِنا في طَعامِهِ، فَتَرَتَّبَ البَدَلُ وصَحَّ. انْتَهى. كَأنَّهم جَعَلُوهُ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ بَدَلُ الِاشْتِمالِ. وقِراءَةُ أُبَيٍّ مُمالًا عَلى مَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ كَيْفَ صَبَبْنا، وأسْنَدَ تَعالى الصَّبَّ والشَّقَّ إلى نَفْسِهِ إسْنادَ الفِعْلِ إلى السَّبَبِ، وصَبُّ الماءِ هو المَطَرُ. والظّاهِرُ أنَّ الشَّقَّ كِنايَةٌ عَنْ شَقِّ الفَلّاحِ بِما جَرَتِ العادَةُ أنْ يَشُقَّ بِهِ. وقِيلَ: شَقُّ الأرْضِ هو بِالنَّباتِ.
﴿حَبًّا﴾: يَشْمَلُ ما يُسَمّى حَبًّا مِن حِنْطَةٍ وشَعِيرٍ وذُرَةٍ وسُلْتٍ وعَدَسٍ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿وقَضْبًا﴾ قالَ الحَسَنُ: العَلَفُ، وأهْلُ مَكَّةَ يُسَمُّونَ القَتَّ القَضْبَ. وقِيلَ: الفَصْفَصَةُ، وضُعِّفَ لِأنَّهُ داخِلٌ في الأبِّ. وقِيلَ: ما يُقْضَبُ لِيَأْكُلَهُ ابْنُ آدَمَ غَضًّا مِنَ النَّباتِ، كالبُقُولِ والهِلْيَوْنِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الرُّطَبُ، لِأنَّهُ يُقْضَبُ مِنَ النَّخْلِ، ولِأنَّهُ ذَكَرَ العِنَبَ قَبْلَهُ ﴿غُلْبًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: غِلاظًا، وعَنْهُ: طِوالًا، وعَنْ قَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ: كِرامًا ﴿وفاكِهَةً﴾ ما يَأْكُلُهُ النّاسُ مِن ثَمَرِ الشَّجَرِ، كالخَوْخِ والتِّينِ.
﴿وأبًّا﴾ ما تَأْكُلُهُ البَهائِمُ مِنَ العُشْبِ. وقالَ الضَّحّاكُ: التِّبْنُ خاصَّةً. وقالَ الكَلْبِيُّ: كُلُّ نَباتٍ سِوى الفاكِهَةِ رَطْبُها، والأبُّ: يابِسُها.
﴿الصّاخَّةُ﴾ اسْمٌ مِن أسْماءِ القِيامَةِ يُصِمُّ نَبَؤُها الآذانَ، تَقُولُ العَرَبُ: صَخَّتْهُمُ الصّاخَّةُ ونابَتْهُمُ النّائِبَةُ، أيِ الدّاهِيَةُ. وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: الصّاخَّةُ هي الَّتِي تُورِثُ الصَّمَمَ، وإنَّها لَمُسْمِعَةٌ، وهَذا مِن بَدِيعِ الفَصاحَةِ، كَقَوْلِهِ:
؎أصَمَّهم سِرُّهم أيّامَ فُرْقَتِهِمْ ∗∗∗ فَهَلْ سَمِعْتُمْ بِسِرٍّ يُورِثُ الصَّمَما
وقَوْلِ الآخَرِ:
؎أصَمَّ بِكَ النّاعِي وإنْ كانَ أسْمَعا
ولَعَمْرُ اللَّهِ إنَّ صَيْحَةَ القِيامَةِ مُسْمِعَةٌ تُصِمُّ عَنِ الدُّنْيا وتُسْمِعُ أُمُورَ الآخِرَةِ. انْتَهى.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ﴾ بَدَلٌ مِن (إذا)، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: اشْتَغَلَ كُلُّ إنْسانٍ بِنَفْسِهِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ وفِرارُهُ مِن شِدَّةِ الهَوْلِ يَوْمَ القِيامَةِ، كَما جاءَ مِن قَوْلِ الرُّسُلِ: نَفْسِي نَفْسِي. وقِيلَ: خَوْفُ التَّبِعاتِ، لِأنَّ المُلابَسَةَ تَقْتَضِي المُطالَبَةَ. يَقُولُ الأخُ: لَمْ تُواسِنِي بِمالِكَ، والأبَوانِ: قَصَّرْتَ في بِرِّنا، والصّاحِبَةُ: أطْعَمْتَنِي الحَرامَ وفَعَلْتَ وصَنَعْتَ، والبَنُونَ: لَمْ (p-٤٣٠)تُعَلِّمْنا وتُرْشِدْنا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُغْنِيهِ): أيْ عَنِ النَّظَرِ في شَأْنِ الآخَرِ مِنِ الإغْناءِ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ السَّمَيْقَعِ: يَعْنِيهِ بِفَتْحِ الياءِ والعَيْنِ المُهْمَلَةِ، مِن قَوْلِهِمْ: عَنانِي الأمْرُ: قَصَدَنِي (مُسْفِرَةٌ) مُضِيئَةٌ مِن أسْفَرَ الصُّبْحُ: أضاءَ، و(تَرْهَقُها): تَغْشاها (قَتَرَةٌ) أيْ غُبارٌ. والأُولى ما يَغْشاهُ مِنَ العُبُوسِ عِنْدَ الهَمِّ، والثّانِيَةُ مِن غُبارِ الأرْضِ. وقِيلَ: (غَبَرَةٌ) أيْ مِن تُرابِ الأرْضِ، وقَتَرَةٌ: سَوادٌ كالدُّخانِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: الغَبَرَةُ: ما انْحَطَّتْ إلى الأرْضِ، والقَتَرَةُ: ما ارْتَفَعَتْ إلى السَّماءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: قَتَرَةٌ، بِفَتْحِ التّاءِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِإسْكانِها.
عبس 80:26
﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ قِيلَ: نَزَلَتْ في عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ، غاضَبَ أباهُ فَأسْلَمَ، ثُمَّ اسْتَصْلَحَهُ أبُوهُ وأعْطاهُ مالًا وجَهَّزَهُ إلى الشّامِ، فَبَعَثَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أنَّهُ كافِرٌ بِرَبِّ النَّجْمِ إذا هَوى. ورُوِيَ أنَّهُ قالَ: «(اللَّهُمَّ ابْعَثْ عَلَيْهِ كَلْبَكَ يَأْكُلْهُ)» فَلَمّا انْتَهى إلى الغاضِرَةِ ذَكَرَ الدُّعاءَ، فَجَعَلَ لِمَن مَعَهُ ألْفَ دِينارٍ إنْ أصْبَحَ حَيًّا، فَجَعَلُوهُ وسَطَ الرُّفْقَةِ والمَتاعُ حَوْلَهُ، فَأقْبَلَ الأسَدُ إلى الرِّحالِ ووَثَبَ، فَإذا هو فَوْقَهُ فَمَزَّقَهُ، فَكانَ أبُوهُ يَنْدُبُهُ ويَبْكِي عَلَيْهِ، وقالَ: ما قالَ مُحَمَّدٌ شَيْئًا قَطُّ إلّا كانَ، والآيَةُ وإنْ نَزَلَتْ في مَخْصُوصٍ فالإنْسانُ يُرادُ بِهِ الكافِرُ. (وقُتِلَ) دُعاءٌ عَلَيْهِ، والقَتْلُ أعْظَمُ شَدائِدِ الدُّنْيا ﴿ما أكْفَرَهُ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ تَعَجُّبٌ مِن إفْراطِ كُفْرِهِ، والتَّعَجُّبُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَخْلُوقِينَ، إذْ هو مُسْتَحِيلٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، أيْ هو مِمَّنْ يُقالُ فِيهِ ما أكْفَرَهُ. وقِيلَ: ما اسْتِفْهامُ تَوْقِيفٍ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ أكْفَرَهُ ؟ أيْ جَعَلَهُ كافِرًا، بِمَعْنى لِأيِّ شَيْءٍ يَسُوغُ لَهُ أنْ يَكْفُرَ.
﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى مَعْنى التَّقْرِيرِ عَلى حَقارَةِ ما خُلِقَ مِنهُ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ الشَّيْءَ الَّذِي خُلِقَ مِنهُ فَقالَ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أيْ فَهَيَّأهُ لِما يَصْلُحُ لَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ في بَطْنِ أُمِّهِ، وعَنْهُ قَدَّرَ أعْضاءَهُ، وحَسَنًا ودَمِيمًا وقَصِيرًا وطَوِيلًا وشَقِيًّا وسَعِيدًا، وقِيلَ: مِن حالٍ إلى حالٍ، نُطْفَةٍ ثُمَّ عَلَقَةٍ، إلى أنْ تَمَّ خَلْقُهُ ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ أيْ ثُمَّ يَسَّرَ السَّبِيلَ، أيْ سَهَّلَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وأبُو صالِحٍ والسُّدِّيُّ: سَبِيلُ النَّظَرِ القَوِيمِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ، وتَيْسِيرُهُ لَهُ هو هِبَةُ العَقْلِ. وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ أبِي صالِحٍ عَنْهُ: السَّبِيلُ العامُّ اسْمُ الجِنْسِ في هُدًى وضَلالٍ، أيْ يَسَّرَ قَوْمًا لِهَذا، كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣] الآيَةَ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]، وعَنِ ابْنِ (p-٤٢٩)عَبّاسٍ: يَسَّرَهُ لِلْخُرُوجِ مِن بَطْنِ أُمِّهِ.
﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ أيْ جَعَلَ لَهُ قَبْرًا صِيانَةً لِجَسَدِهِ أنْ يَأْكُلَهُ الطَّيْرُ والسِّباعُ. قَبَرَهُ: دَفَنَهُ، وأقْبَرَهُ: صَيَّرَهُ بِحَيْثُ يُقْبَرُ وجَعَلَ لَهُ قَبْرًا، والقابِرُ: الدّافِنُ بِيَدِهِ، قالَ الأعْشى:
؎لَوْ أسْنَدْتَ مَيِّتًا إلى قَبْرِها عاشَ ولَمْ يُنْقَلْ إلى قابِرِ
﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ أيْ إذا أرادَ إنْشارَهُ أنْشَرَهُ، والمَعْنى: إذا بَلَغَ الوَقْتُ الَّذِي قَدْ شاءَهُ اللَّهُ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وفي كِتابِ اللَّوامِحِ: شُعَيْبُ بْنُ الحَبْحابِ: شاءَ نَشَرَهُ، بِغَيْرِ هَمْزٍ قَبْلَ النُّونِ، وهُما لُغَتانِ في الإحْياءِ، وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ: وقَرَأ شُعَيْبُ بْنُ أبِي حَمْزَةَ: شاءَ نَشَرَهُ (كَلّا) رَدْعٌ لِلْإنْسانِ عَنْ ما هو فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والطُّغْيانِ ﴿لَمّا يَقْضِ﴾ يَفِي مِن أوَّلِ مُدَّةِ تَكْلِيفِهِ إلى حِينِ إقْبارِهِ ﴿ما أمَرَهُ﴾ بِهِ اللَّهُ تَعالى، فالضَّمِيرُ في يَقْضِ لِلْإنْسانِ. وقالَ ابْنُ فُورَكٍ: لِلَّهِ تَعالى، أيْ لَمْ يَقْضِ اللَّهُ لِهَذا الكافِرِ ما أمَرَهُ بِهِ مِنَ الإيمانِ، بَلْ أمَرَهُ بِما لَمْ يَقْضِ لَهُ، ولَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ في نَفْسِ الإنْسانِ ذَكَرَ النِّعَمَ فِيما بِهِ قِوامُ حَياتِهِ، وأمَرَهُ بِالنَّظَرِ إلى طَعامِهِ وكَيْفِيّاتِ الأحْوالِ الَّتِي اعْتَوَرَتْ عَلى طَعامِهِ حَتّى صارَ بِصَدَدِ أنْ يُطْعَمَ. والظّاهِرُ أنَّ الطَّعامَ هو المَطْعُومُ، وكَيْفَ يُيَسِّرُهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الوَسائِطِ المَذْكُورَةِ مَن صَبِّ الماءِ وشَقِّ الأرْضِ والإنْباتِ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقالَ أُبَيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ وغَيْرُهم: ﴿إلى طَعامِهِ﴾ أيْ إذا صارَ رَجِيعًا لِيَتَأمَّلَ عاقِبَةَ الدُّنْيا عَلى أيِّ شَيْءٍ يَتَفانى أهْلُها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إنّا) بِكَسْرٍ الهَمْزَةِ، والأعْرَجُ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ والكُوفِيُّونَ ورُوَيْسٌ: (أنّا) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، والحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أنِّي بِفَتْحِ الهَمْزَةِ مُمالًا، فالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ في ذِكْرِ تَعْدادِ الوُصُولِ إلى الطَّعامِ، والفَتْحُ قالُوا عَلى البَدَلِ ورَدَّهُ قَوْمٌ؛ لِأنَّ الثّانِيَ لَيْسَ الأوَّلَ. قِيلَ: ولَيْسَ كَما رَدُّوا؛ لِأنَّ المَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى إنْعامِنا في طَعامِهِ، فَتَرَتَّبَ البَدَلُ وصَحَّ. انْتَهى. كَأنَّهم جَعَلُوهُ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ بَدَلُ الِاشْتِمالِ. وقِراءَةُ أُبَيٍّ مُمالًا عَلى مَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ كَيْفَ صَبَبْنا، وأسْنَدَ تَعالى الصَّبَّ والشَّقَّ إلى نَفْسِهِ إسْنادَ الفِعْلِ إلى السَّبَبِ، وصَبُّ الماءِ هو المَطَرُ. والظّاهِرُ أنَّ الشَّقَّ كِنايَةٌ عَنْ شَقِّ الفَلّاحِ بِما جَرَتِ العادَةُ أنْ يَشُقَّ بِهِ. وقِيلَ: شَقُّ الأرْضِ هو بِالنَّباتِ.
﴿حَبًّا﴾: يَشْمَلُ ما يُسَمّى حَبًّا مِن حِنْطَةٍ وشَعِيرٍ وذُرَةٍ وسُلْتٍ وعَدَسٍ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿وقَضْبًا﴾ قالَ الحَسَنُ: العَلَفُ، وأهْلُ مَكَّةَ يُسَمُّونَ القَتَّ القَضْبَ. وقِيلَ: الفَصْفَصَةُ، وضُعِّفَ لِأنَّهُ داخِلٌ في الأبِّ. وقِيلَ: ما يُقْضَبُ لِيَأْكُلَهُ ابْنُ آدَمَ غَضًّا مِنَ النَّباتِ، كالبُقُولِ والهِلْيَوْنِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الرُّطَبُ، لِأنَّهُ يُقْضَبُ مِنَ النَّخْلِ، ولِأنَّهُ ذَكَرَ العِنَبَ قَبْلَهُ ﴿غُلْبًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: غِلاظًا، وعَنْهُ: طِوالًا، وعَنْ قَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ: كِرامًا ﴿وفاكِهَةً﴾ ما يَأْكُلُهُ النّاسُ مِن ثَمَرِ الشَّجَرِ، كالخَوْخِ والتِّينِ.
﴿وأبًّا﴾ ما تَأْكُلُهُ البَهائِمُ مِنَ العُشْبِ. وقالَ الضَّحّاكُ: التِّبْنُ خاصَّةً. وقالَ الكَلْبِيُّ: كُلُّ نَباتٍ سِوى الفاكِهَةِ رَطْبُها، والأبُّ: يابِسُها.
﴿الصّاخَّةُ﴾ اسْمٌ مِن أسْماءِ القِيامَةِ يُصِمُّ نَبَؤُها الآذانَ، تَقُولُ العَرَبُ: صَخَّتْهُمُ الصّاخَّةُ ونابَتْهُمُ النّائِبَةُ، أيِ الدّاهِيَةُ. وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: الصّاخَّةُ هي الَّتِي تُورِثُ الصَّمَمَ، وإنَّها لَمُسْمِعَةٌ، وهَذا مِن بَدِيعِ الفَصاحَةِ، كَقَوْلِهِ:
؎أصَمَّهم سِرُّهم أيّامَ فُرْقَتِهِمْ ∗∗∗ فَهَلْ سَمِعْتُمْ بِسِرٍّ يُورِثُ الصَّمَما
وقَوْلِ الآخَرِ:
؎أصَمَّ بِكَ النّاعِي وإنْ كانَ أسْمَعا
ولَعَمْرُ اللَّهِ إنَّ صَيْحَةَ القِيامَةِ مُسْمِعَةٌ تُصِمُّ عَنِ الدُّنْيا وتُسْمِعُ أُمُورَ الآخِرَةِ. انْتَهى.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ﴾ بَدَلٌ مِن (إذا)، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: اشْتَغَلَ كُلُّ إنْسانٍ بِنَفْسِهِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ وفِرارُهُ مِن شِدَّةِ الهَوْلِ يَوْمَ القِيامَةِ، كَما جاءَ مِن قَوْلِ الرُّسُلِ: نَفْسِي نَفْسِي. وقِيلَ: خَوْفُ التَّبِعاتِ، لِأنَّ المُلابَسَةَ تَقْتَضِي المُطالَبَةَ. يَقُولُ الأخُ: لَمْ تُواسِنِي بِمالِكَ، والأبَوانِ: قَصَّرْتَ في بِرِّنا، والصّاحِبَةُ: أطْعَمْتَنِي الحَرامَ وفَعَلْتَ وصَنَعْتَ، والبَنُونَ: لَمْ (p-٤٣٠)تُعَلِّمْنا وتُرْشِدْنا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُغْنِيهِ): أيْ عَنِ النَّظَرِ في شَأْنِ الآخَرِ مِنِ الإغْناءِ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ السَّمَيْقَعِ: يَعْنِيهِ بِفَتْحِ الياءِ والعَيْنِ المُهْمَلَةِ، مِن قَوْلِهِمْ: عَنانِي الأمْرُ: قَصَدَنِي (مُسْفِرَةٌ) مُضِيئَةٌ مِن أسْفَرَ الصُّبْحُ: أضاءَ، و(تَرْهَقُها): تَغْشاها (قَتَرَةٌ) أيْ غُبارٌ. والأُولى ما يَغْشاهُ مِنَ العُبُوسِ عِنْدَ الهَمِّ، والثّانِيَةُ مِن غُبارِ الأرْضِ. وقِيلَ: (غَبَرَةٌ) أيْ مِن تُرابِ الأرْضِ، وقَتَرَةٌ: سَوادٌ كالدُّخانِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: الغَبَرَةُ: ما انْحَطَّتْ إلى الأرْضِ، والقَتَرَةُ: ما ارْتَفَعَتْ إلى السَّماءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: قَتَرَةٌ، بِفَتْحِ التّاءِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِإسْكانِها.
عبس 80:27
﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ قِيلَ: نَزَلَتْ في عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ، غاضَبَ أباهُ فَأسْلَمَ، ثُمَّ اسْتَصْلَحَهُ أبُوهُ وأعْطاهُ مالًا وجَهَّزَهُ إلى الشّامِ، فَبَعَثَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أنَّهُ كافِرٌ بِرَبِّ النَّجْمِ إذا هَوى. ورُوِيَ أنَّهُ قالَ: «(اللَّهُمَّ ابْعَثْ عَلَيْهِ كَلْبَكَ يَأْكُلْهُ)» فَلَمّا انْتَهى إلى الغاضِرَةِ ذَكَرَ الدُّعاءَ، فَجَعَلَ لِمَن مَعَهُ ألْفَ دِينارٍ إنْ أصْبَحَ حَيًّا، فَجَعَلُوهُ وسَطَ الرُّفْقَةِ والمَتاعُ حَوْلَهُ، فَأقْبَلَ الأسَدُ إلى الرِّحالِ ووَثَبَ، فَإذا هو فَوْقَهُ فَمَزَّقَهُ، فَكانَ أبُوهُ يَنْدُبُهُ ويَبْكِي عَلَيْهِ، وقالَ: ما قالَ مُحَمَّدٌ شَيْئًا قَطُّ إلّا كانَ، والآيَةُ وإنْ نَزَلَتْ في مَخْصُوصٍ فالإنْسانُ يُرادُ بِهِ الكافِرُ. (وقُتِلَ) دُعاءٌ عَلَيْهِ، والقَتْلُ أعْظَمُ شَدائِدِ الدُّنْيا ﴿ما أكْفَرَهُ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ تَعَجُّبٌ مِن إفْراطِ كُفْرِهِ، والتَّعَجُّبُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَخْلُوقِينَ، إذْ هو مُسْتَحِيلٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، أيْ هو مِمَّنْ يُقالُ فِيهِ ما أكْفَرَهُ. وقِيلَ: ما اسْتِفْهامُ تَوْقِيفٍ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ أكْفَرَهُ ؟ أيْ جَعَلَهُ كافِرًا، بِمَعْنى لِأيِّ شَيْءٍ يَسُوغُ لَهُ أنْ يَكْفُرَ.
﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى مَعْنى التَّقْرِيرِ عَلى حَقارَةِ ما خُلِقَ مِنهُ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ الشَّيْءَ الَّذِي خُلِقَ مِنهُ فَقالَ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أيْ فَهَيَّأهُ لِما يَصْلُحُ لَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ في بَطْنِ أُمِّهِ، وعَنْهُ قَدَّرَ أعْضاءَهُ، وحَسَنًا ودَمِيمًا وقَصِيرًا وطَوِيلًا وشَقِيًّا وسَعِيدًا، وقِيلَ: مِن حالٍ إلى حالٍ، نُطْفَةٍ ثُمَّ عَلَقَةٍ، إلى أنْ تَمَّ خَلْقُهُ ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ أيْ ثُمَّ يَسَّرَ السَّبِيلَ، أيْ سَهَّلَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وأبُو صالِحٍ والسُّدِّيُّ: سَبِيلُ النَّظَرِ القَوِيمِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ، وتَيْسِيرُهُ لَهُ هو هِبَةُ العَقْلِ. وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ أبِي صالِحٍ عَنْهُ: السَّبِيلُ العامُّ اسْمُ الجِنْسِ في هُدًى وضَلالٍ، أيْ يَسَّرَ قَوْمًا لِهَذا، كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣] الآيَةَ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]، وعَنِ ابْنِ (p-٤٢٩)عَبّاسٍ: يَسَّرَهُ لِلْخُرُوجِ مِن بَطْنِ أُمِّهِ.
﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ أيْ جَعَلَ لَهُ قَبْرًا صِيانَةً لِجَسَدِهِ أنْ يَأْكُلَهُ الطَّيْرُ والسِّباعُ. قَبَرَهُ: دَفَنَهُ، وأقْبَرَهُ: صَيَّرَهُ بِحَيْثُ يُقْبَرُ وجَعَلَ لَهُ قَبْرًا، والقابِرُ: الدّافِنُ بِيَدِهِ، قالَ الأعْشى:
؎لَوْ أسْنَدْتَ مَيِّتًا إلى قَبْرِها عاشَ ولَمْ يُنْقَلْ إلى قابِرِ
﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ أيْ إذا أرادَ إنْشارَهُ أنْشَرَهُ، والمَعْنى: إذا بَلَغَ الوَقْتُ الَّذِي قَدْ شاءَهُ اللَّهُ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وفي كِتابِ اللَّوامِحِ: شُعَيْبُ بْنُ الحَبْحابِ: شاءَ نَشَرَهُ، بِغَيْرِ هَمْزٍ قَبْلَ النُّونِ، وهُما لُغَتانِ في الإحْياءِ، وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ: وقَرَأ شُعَيْبُ بْنُ أبِي حَمْزَةَ: شاءَ نَشَرَهُ (كَلّا) رَدْعٌ لِلْإنْسانِ عَنْ ما هو فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والطُّغْيانِ ﴿لَمّا يَقْضِ﴾ يَفِي مِن أوَّلِ مُدَّةِ تَكْلِيفِهِ إلى حِينِ إقْبارِهِ ﴿ما أمَرَهُ﴾ بِهِ اللَّهُ تَعالى، فالضَّمِيرُ في يَقْضِ لِلْإنْسانِ. وقالَ ابْنُ فُورَكٍ: لِلَّهِ تَعالى، أيْ لَمْ يَقْضِ اللَّهُ لِهَذا الكافِرِ ما أمَرَهُ بِهِ مِنَ الإيمانِ، بَلْ أمَرَهُ بِما لَمْ يَقْضِ لَهُ، ولَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ في نَفْسِ الإنْسانِ ذَكَرَ النِّعَمَ فِيما بِهِ قِوامُ حَياتِهِ، وأمَرَهُ بِالنَّظَرِ إلى طَعامِهِ وكَيْفِيّاتِ الأحْوالِ الَّتِي اعْتَوَرَتْ عَلى طَعامِهِ حَتّى صارَ بِصَدَدِ أنْ يُطْعَمَ. والظّاهِرُ أنَّ الطَّعامَ هو المَطْعُومُ، وكَيْفَ يُيَسِّرُهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الوَسائِطِ المَذْكُورَةِ مَن صَبِّ الماءِ وشَقِّ الأرْضِ والإنْباتِ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقالَ أُبَيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ وغَيْرُهم: ﴿إلى طَعامِهِ﴾ أيْ إذا صارَ رَجِيعًا لِيَتَأمَّلَ عاقِبَةَ الدُّنْيا عَلى أيِّ شَيْءٍ يَتَفانى أهْلُها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إنّا) بِكَسْرٍ الهَمْزَةِ، والأعْرَجُ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ والكُوفِيُّونَ ورُوَيْسٌ: (أنّا) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، والحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أنِّي بِفَتْحِ الهَمْزَةِ مُمالًا، فالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ في ذِكْرِ تَعْدادِ الوُصُولِ إلى الطَّعامِ، والفَتْحُ قالُوا عَلى البَدَلِ ورَدَّهُ قَوْمٌ؛ لِأنَّ الثّانِيَ لَيْسَ الأوَّلَ. قِيلَ: ولَيْسَ كَما رَدُّوا؛ لِأنَّ المَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى إنْعامِنا في طَعامِهِ، فَتَرَتَّبَ البَدَلُ وصَحَّ. انْتَهى. كَأنَّهم جَعَلُوهُ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ بَدَلُ الِاشْتِمالِ. وقِراءَةُ أُبَيٍّ مُمالًا عَلى مَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ كَيْفَ صَبَبْنا، وأسْنَدَ تَعالى الصَّبَّ والشَّقَّ إلى نَفْسِهِ إسْنادَ الفِعْلِ إلى السَّبَبِ، وصَبُّ الماءِ هو المَطَرُ. والظّاهِرُ أنَّ الشَّقَّ كِنايَةٌ عَنْ شَقِّ الفَلّاحِ بِما جَرَتِ العادَةُ أنْ يَشُقَّ بِهِ. وقِيلَ: شَقُّ الأرْضِ هو بِالنَّباتِ.
﴿حَبًّا﴾: يَشْمَلُ ما يُسَمّى حَبًّا مِن حِنْطَةٍ وشَعِيرٍ وذُرَةٍ وسُلْتٍ وعَدَسٍ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿وقَضْبًا﴾ قالَ الحَسَنُ: العَلَفُ، وأهْلُ مَكَّةَ يُسَمُّونَ القَتَّ القَضْبَ. وقِيلَ: الفَصْفَصَةُ، وضُعِّفَ لِأنَّهُ داخِلٌ في الأبِّ. وقِيلَ: ما يُقْضَبُ لِيَأْكُلَهُ ابْنُ آدَمَ غَضًّا مِنَ النَّباتِ، كالبُقُولِ والهِلْيَوْنِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الرُّطَبُ، لِأنَّهُ يُقْضَبُ مِنَ النَّخْلِ، ولِأنَّهُ ذَكَرَ العِنَبَ قَبْلَهُ ﴿غُلْبًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: غِلاظًا، وعَنْهُ: طِوالًا، وعَنْ قَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ: كِرامًا ﴿وفاكِهَةً﴾ ما يَأْكُلُهُ النّاسُ مِن ثَمَرِ الشَّجَرِ، كالخَوْخِ والتِّينِ.
﴿وأبًّا﴾ ما تَأْكُلُهُ البَهائِمُ مِنَ العُشْبِ. وقالَ الضَّحّاكُ: التِّبْنُ خاصَّةً. وقالَ الكَلْبِيُّ: كُلُّ نَباتٍ سِوى الفاكِهَةِ رَطْبُها، والأبُّ: يابِسُها.
﴿الصّاخَّةُ﴾ اسْمٌ مِن أسْماءِ القِيامَةِ يُصِمُّ نَبَؤُها الآذانَ، تَقُولُ العَرَبُ: صَخَّتْهُمُ الصّاخَّةُ ونابَتْهُمُ النّائِبَةُ، أيِ الدّاهِيَةُ. وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: الصّاخَّةُ هي الَّتِي تُورِثُ الصَّمَمَ، وإنَّها لَمُسْمِعَةٌ، وهَذا مِن بَدِيعِ الفَصاحَةِ، كَقَوْلِهِ:
؎أصَمَّهم سِرُّهم أيّامَ فُرْقَتِهِمْ ∗∗∗ فَهَلْ سَمِعْتُمْ بِسِرٍّ يُورِثُ الصَّمَما
وقَوْلِ الآخَرِ:
؎أصَمَّ بِكَ النّاعِي وإنْ كانَ أسْمَعا
ولَعَمْرُ اللَّهِ إنَّ صَيْحَةَ القِيامَةِ مُسْمِعَةٌ تُصِمُّ عَنِ الدُّنْيا وتُسْمِعُ أُمُورَ الآخِرَةِ. انْتَهى.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ﴾ بَدَلٌ مِن (إذا)، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: اشْتَغَلَ كُلُّ إنْسانٍ بِنَفْسِهِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ وفِرارُهُ مِن شِدَّةِ الهَوْلِ يَوْمَ القِيامَةِ، كَما جاءَ مِن قَوْلِ الرُّسُلِ: نَفْسِي نَفْسِي. وقِيلَ: خَوْفُ التَّبِعاتِ، لِأنَّ المُلابَسَةَ تَقْتَضِي المُطالَبَةَ. يَقُولُ الأخُ: لَمْ تُواسِنِي بِمالِكَ، والأبَوانِ: قَصَّرْتَ في بِرِّنا، والصّاحِبَةُ: أطْعَمْتَنِي الحَرامَ وفَعَلْتَ وصَنَعْتَ، والبَنُونَ: لَمْ (p-٤٣٠)تُعَلِّمْنا وتُرْشِدْنا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُغْنِيهِ): أيْ عَنِ النَّظَرِ في شَأْنِ الآخَرِ مِنِ الإغْناءِ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ السَّمَيْقَعِ: يَعْنِيهِ بِفَتْحِ الياءِ والعَيْنِ المُهْمَلَةِ، مِن قَوْلِهِمْ: عَنانِي الأمْرُ: قَصَدَنِي (مُسْفِرَةٌ) مُضِيئَةٌ مِن أسْفَرَ الصُّبْحُ: أضاءَ، و(تَرْهَقُها): تَغْشاها (قَتَرَةٌ) أيْ غُبارٌ. والأُولى ما يَغْشاهُ مِنَ العُبُوسِ عِنْدَ الهَمِّ، والثّانِيَةُ مِن غُبارِ الأرْضِ. وقِيلَ: (غَبَرَةٌ) أيْ مِن تُرابِ الأرْضِ، وقَتَرَةٌ: سَوادٌ كالدُّخانِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: الغَبَرَةُ: ما انْحَطَّتْ إلى الأرْضِ، والقَتَرَةُ: ما ارْتَفَعَتْ إلى السَّماءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: قَتَرَةٌ، بِفَتْحِ التّاءِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِإسْكانِها.
عبس 80:28
﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ قِيلَ: نَزَلَتْ في عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ، غاضَبَ أباهُ فَأسْلَمَ، ثُمَّ اسْتَصْلَحَهُ أبُوهُ وأعْطاهُ مالًا وجَهَّزَهُ إلى الشّامِ، فَبَعَثَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أنَّهُ كافِرٌ بِرَبِّ النَّجْمِ إذا هَوى. ورُوِيَ أنَّهُ قالَ: «(اللَّهُمَّ ابْعَثْ عَلَيْهِ كَلْبَكَ يَأْكُلْهُ)» فَلَمّا انْتَهى إلى الغاضِرَةِ ذَكَرَ الدُّعاءَ، فَجَعَلَ لِمَن مَعَهُ ألْفَ دِينارٍ إنْ أصْبَحَ حَيًّا، فَجَعَلُوهُ وسَطَ الرُّفْقَةِ والمَتاعُ حَوْلَهُ، فَأقْبَلَ الأسَدُ إلى الرِّحالِ ووَثَبَ، فَإذا هو فَوْقَهُ فَمَزَّقَهُ، فَكانَ أبُوهُ يَنْدُبُهُ ويَبْكِي عَلَيْهِ، وقالَ: ما قالَ مُحَمَّدٌ شَيْئًا قَطُّ إلّا كانَ، والآيَةُ وإنْ نَزَلَتْ في مَخْصُوصٍ فالإنْسانُ يُرادُ بِهِ الكافِرُ. (وقُتِلَ) دُعاءٌ عَلَيْهِ، والقَتْلُ أعْظَمُ شَدائِدِ الدُّنْيا ﴿ما أكْفَرَهُ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ تَعَجُّبٌ مِن إفْراطِ كُفْرِهِ، والتَّعَجُّبُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَخْلُوقِينَ، إذْ هو مُسْتَحِيلٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، أيْ هو مِمَّنْ يُقالُ فِيهِ ما أكْفَرَهُ. وقِيلَ: ما اسْتِفْهامُ تَوْقِيفٍ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ أكْفَرَهُ ؟ أيْ جَعَلَهُ كافِرًا، بِمَعْنى لِأيِّ شَيْءٍ يَسُوغُ لَهُ أنْ يَكْفُرَ.
﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى مَعْنى التَّقْرِيرِ عَلى حَقارَةِ ما خُلِقَ مِنهُ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ الشَّيْءَ الَّذِي خُلِقَ مِنهُ فَقالَ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أيْ فَهَيَّأهُ لِما يَصْلُحُ لَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ في بَطْنِ أُمِّهِ، وعَنْهُ قَدَّرَ أعْضاءَهُ، وحَسَنًا ودَمِيمًا وقَصِيرًا وطَوِيلًا وشَقِيًّا وسَعِيدًا، وقِيلَ: مِن حالٍ إلى حالٍ، نُطْفَةٍ ثُمَّ عَلَقَةٍ، إلى أنْ تَمَّ خَلْقُهُ ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ أيْ ثُمَّ يَسَّرَ السَّبِيلَ، أيْ سَهَّلَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وأبُو صالِحٍ والسُّدِّيُّ: سَبِيلُ النَّظَرِ القَوِيمِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ، وتَيْسِيرُهُ لَهُ هو هِبَةُ العَقْلِ. وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ أبِي صالِحٍ عَنْهُ: السَّبِيلُ العامُّ اسْمُ الجِنْسِ في هُدًى وضَلالٍ، أيْ يَسَّرَ قَوْمًا لِهَذا، كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣] الآيَةَ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]، وعَنِ ابْنِ (p-٤٢٩)عَبّاسٍ: يَسَّرَهُ لِلْخُرُوجِ مِن بَطْنِ أُمِّهِ.
﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ أيْ جَعَلَ لَهُ قَبْرًا صِيانَةً لِجَسَدِهِ أنْ يَأْكُلَهُ الطَّيْرُ والسِّباعُ. قَبَرَهُ: دَفَنَهُ، وأقْبَرَهُ: صَيَّرَهُ بِحَيْثُ يُقْبَرُ وجَعَلَ لَهُ قَبْرًا، والقابِرُ: الدّافِنُ بِيَدِهِ، قالَ الأعْشى:
؎لَوْ أسْنَدْتَ مَيِّتًا إلى قَبْرِها عاشَ ولَمْ يُنْقَلْ إلى قابِرِ
﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ أيْ إذا أرادَ إنْشارَهُ أنْشَرَهُ، والمَعْنى: إذا بَلَغَ الوَقْتُ الَّذِي قَدْ شاءَهُ اللَّهُ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وفي كِتابِ اللَّوامِحِ: شُعَيْبُ بْنُ الحَبْحابِ: شاءَ نَشَرَهُ، بِغَيْرِ هَمْزٍ قَبْلَ النُّونِ، وهُما لُغَتانِ في الإحْياءِ، وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ: وقَرَأ شُعَيْبُ بْنُ أبِي حَمْزَةَ: شاءَ نَشَرَهُ (كَلّا) رَدْعٌ لِلْإنْسانِ عَنْ ما هو فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والطُّغْيانِ ﴿لَمّا يَقْضِ﴾ يَفِي مِن أوَّلِ مُدَّةِ تَكْلِيفِهِ إلى حِينِ إقْبارِهِ ﴿ما أمَرَهُ﴾ بِهِ اللَّهُ تَعالى، فالضَّمِيرُ في يَقْضِ لِلْإنْسانِ. وقالَ ابْنُ فُورَكٍ: لِلَّهِ تَعالى، أيْ لَمْ يَقْضِ اللَّهُ لِهَذا الكافِرِ ما أمَرَهُ بِهِ مِنَ الإيمانِ، بَلْ أمَرَهُ بِما لَمْ يَقْضِ لَهُ، ولَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ في نَفْسِ الإنْسانِ ذَكَرَ النِّعَمَ فِيما بِهِ قِوامُ حَياتِهِ، وأمَرَهُ بِالنَّظَرِ إلى طَعامِهِ وكَيْفِيّاتِ الأحْوالِ الَّتِي اعْتَوَرَتْ عَلى طَعامِهِ حَتّى صارَ بِصَدَدِ أنْ يُطْعَمَ. والظّاهِرُ أنَّ الطَّعامَ هو المَطْعُومُ، وكَيْفَ يُيَسِّرُهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الوَسائِطِ المَذْكُورَةِ مَن صَبِّ الماءِ وشَقِّ الأرْضِ والإنْباتِ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقالَ أُبَيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ وغَيْرُهم: ﴿إلى طَعامِهِ﴾ أيْ إذا صارَ رَجِيعًا لِيَتَأمَّلَ عاقِبَةَ الدُّنْيا عَلى أيِّ شَيْءٍ يَتَفانى أهْلُها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إنّا) بِكَسْرٍ الهَمْزَةِ، والأعْرَجُ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ والكُوفِيُّونَ ورُوَيْسٌ: (أنّا) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، والحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أنِّي بِفَتْحِ الهَمْزَةِ مُمالًا، فالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ في ذِكْرِ تَعْدادِ الوُصُولِ إلى الطَّعامِ، والفَتْحُ قالُوا عَلى البَدَلِ ورَدَّهُ قَوْمٌ؛ لِأنَّ الثّانِيَ لَيْسَ الأوَّلَ. قِيلَ: ولَيْسَ كَما رَدُّوا؛ لِأنَّ المَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى إنْعامِنا في طَعامِهِ، فَتَرَتَّبَ البَدَلُ وصَحَّ. انْتَهى. كَأنَّهم جَعَلُوهُ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ بَدَلُ الِاشْتِمالِ. وقِراءَةُ أُبَيٍّ مُمالًا عَلى مَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ كَيْفَ صَبَبْنا، وأسْنَدَ تَعالى الصَّبَّ والشَّقَّ إلى نَفْسِهِ إسْنادَ الفِعْلِ إلى السَّبَبِ، وصَبُّ الماءِ هو المَطَرُ. والظّاهِرُ أنَّ الشَّقَّ كِنايَةٌ عَنْ شَقِّ الفَلّاحِ بِما جَرَتِ العادَةُ أنْ يَشُقَّ بِهِ. وقِيلَ: شَقُّ الأرْضِ هو بِالنَّباتِ.
﴿حَبًّا﴾: يَشْمَلُ ما يُسَمّى حَبًّا مِن حِنْطَةٍ وشَعِيرٍ وذُرَةٍ وسُلْتٍ وعَدَسٍ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿وقَضْبًا﴾ قالَ الحَسَنُ: العَلَفُ، وأهْلُ مَكَّةَ يُسَمُّونَ القَتَّ القَضْبَ. وقِيلَ: الفَصْفَصَةُ، وضُعِّفَ لِأنَّهُ داخِلٌ في الأبِّ. وقِيلَ: ما يُقْضَبُ لِيَأْكُلَهُ ابْنُ آدَمَ غَضًّا مِنَ النَّباتِ، كالبُقُولِ والهِلْيَوْنِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الرُّطَبُ، لِأنَّهُ يُقْضَبُ مِنَ النَّخْلِ، ولِأنَّهُ ذَكَرَ العِنَبَ قَبْلَهُ ﴿غُلْبًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: غِلاظًا، وعَنْهُ: طِوالًا، وعَنْ قَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ: كِرامًا ﴿وفاكِهَةً﴾ ما يَأْكُلُهُ النّاسُ مِن ثَمَرِ الشَّجَرِ، كالخَوْخِ والتِّينِ.
﴿وأبًّا﴾ ما تَأْكُلُهُ البَهائِمُ مِنَ العُشْبِ. وقالَ الضَّحّاكُ: التِّبْنُ خاصَّةً. وقالَ الكَلْبِيُّ: كُلُّ نَباتٍ سِوى الفاكِهَةِ رَطْبُها، والأبُّ: يابِسُها.
﴿الصّاخَّةُ﴾ اسْمٌ مِن أسْماءِ القِيامَةِ يُصِمُّ نَبَؤُها الآذانَ، تَقُولُ العَرَبُ: صَخَّتْهُمُ الصّاخَّةُ ونابَتْهُمُ النّائِبَةُ، أيِ الدّاهِيَةُ. وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: الصّاخَّةُ هي الَّتِي تُورِثُ الصَّمَمَ، وإنَّها لَمُسْمِعَةٌ، وهَذا مِن بَدِيعِ الفَصاحَةِ، كَقَوْلِهِ:
؎أصَمَّهم سِرُّهم أيّامَ فُرْقَتِهِمْ ∗∗∗ فَهَلْ سَمِعْتُمْ بِسِرٍّ يُورِثُ الصَّمَما
وقَوْلِ الآخَرِ:
؎أصَمَّ بِكَ النّاعِي وإنْ كانَ أسْمَعا
ولَعَمْرُ اللَّهِ إنَّ صَيْحَةَ القِيامَةِ مُسْمِعَةٌ تُصِمُّ عَنِ الدُّنْيا وتُسْمِعُ أُمُورَ الآخِرَةِ. انْتَهى.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ﴾ بَدَلٌ مِن (إذا)، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: اشْتَغَلَ كُلُّ إنْسانٍ بِنَفْسِهِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ وفِرارُهُ مِن شِدَّةِ الهَوْلِ يَوْمَ القِيامَةِ، كَما جاءَ مِن قَوْلِ الرُّسُلِ: نَفْسِي نَفْسِي. وقِيلَ: خَوْفُ التَّبِعاتِ، لِأنَّ المُلابَسَةَ تَقْتَضِي المُطالَبَةَ. يَقُولُ الأخُ: لَمْ تُواسِنِي بِمالِكَ، والأبَوانِ: قَصَّرْتَ في بِرِّنا، والصّاحِبَةُ: أطْعَمْتَنِي الحَرامَ وفَعَلْتَ وصَنَعْتَ، والبَنُونَ: لَمْ (p-٤٣٠)تُعَلِّمْنا وتُرْشِدْنا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُغْنِيهِ): أيْ عَنِ النَّظَرِ في شَأْنِ الآخَرِ مِنِ الإغْناءِ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ السَّمَيْقَعِ: يَعْنِيهِ بِفَتْحِ الياءِ والعَيْنِ المُهْمَلَةِ، مِن قَوْلِهِمْ: عَنانِي الأمْرُ: قَصَدَنِي (مُسْفِرَةٌ) مُضِيئَةٌ مِن أسْفَرَ الصُّبْحُ: أضاءَ، و(تَرْهَقُها): تَغْشاها (قَتَرَةٌ) أيْ غُبارٌ. والأُولى ما يَغْشاهُ مِنَ العُبُوسِ عِنْدَ الهَمِّ، والثّانِيَةُ مِن غُبارِ الأرْضِ. وقِيلَ: (غَبَرَةٌ) أيْ مِن تُرابِ الأرْضِ، وقَتَرَةٌ: سَوادٌ كالدُّخانِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: الغَبَرَةُ: ما انْحَطَّتْ إلى الأرْضِ، والقَتَرَةُ: ما ارْتَفَعَتْ إلى السَّماءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: قَتَرَةٌ، بِفَتْحِ التّاءِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِإسْكانِها.
عبس 80:29
﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ قِيلَ: نَزَلَتْ في عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ، غاضَبَ أباهُ فَأسْلَمَ، ثُمَّ اسْتَصْلَحَهُ أبُوهُ وأعْطاهُ مالًا وجَهَّزَهُ إلى الشّامِ، فَبَعَثَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أنَّهُ كافِرٌ بِرَبِّ النَّجْمِ إذا هَوى. ورُوِيَ أنَّهُ قالَ: «(اللَّهُمَّ ابْعَثْ عَلَيْهِ كَلْبَكَ يَأْكُلْهُ)» فَلَمّا انْتَهى إلى الغاضِرَةِ ذَكَرَ الدُّعاءَ، فَجَعَلَ لِمَن مَعَهُ ألْفَ دِينارٍ إنْ أصْبَحَ حَيًّا، فَجَعَلُوهُ وسَطَ الرُّفْقَةِ والمَتاعُ حَوْلَهُ، فَأقْبَلَ الأسَدُ إلى الرِّحالِ ووَثَبَ، فَإذا هو فَوْقَهُ فَمَزَّقَهُ، فَكانَ أبُوهُ يَنْدُبُهُ ويَبْكِي عَلَيْهِ، وقالَ: ما قالَ مُحَمَّدٌ شَيْئًا قَطُّ إلّا كانَ، والآيَةُ وإنْ نَزَلَتْ في مَخْصُوصٍ فالإنْسانُ يُرادُ بِهِ الكافِرُ. (وقُتِلَ) دُعاءٌ عَلَيْهِ، والقَتْلُ أعْظَمُ شَدائِدِ الدُّنْيا ﴿ما أكْفَرَهُ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ تَعَجُّبٌ مِن إفْراطِ كُفْرِهِ، والتَّعَجُّبُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَخْلُوقِينَ، إذْ هو مُسْتَحِيلٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، أيْ هو مِمَّنْ يُقالُ فِيهِ ما أكْفَرَهُ. وقِيلَ: ما اسْتِفْهامُ تَوْقِيفٍ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ أكْفَرَهُ ؟ أيْ جَعَلَهُ كافِرًا، بِمَعْنى لِأيِّ شَيْءٍ يَسُوغُ لَهُ أنْ يَكْفُرَ.
﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى مَعْنى التَّقْرِيرِ عَلى حَقارَةِ ما خُلِقَ مِنهُ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ الشَّيْءَ الَّذِي خُلِقَ مِنهُ فَقالَ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أيْ فَهَيَّأهُ لِما يَصْلُحُ لَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ في بَطْنِ أُمِّهِ، وعَنْهُ قَدَّرَ أعْضاءَهُ، وحَسَنًا ودَمِيمًا وقَصِيرًا وطَوِيلًا وشَقِيًّا وسَعِيدًا، وقِيلَ: مِن حالٍ إلى حالٍ، نُطْفَةٍ ثُمَّ عَلَقَةٍ، إلى أنْ تَمَّ خَلْقُهُ ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ أيْ ثُمَّ يَسَّرَ السَّبِيلَ، أيْ سَهَّلَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وأبُو صالِحٍ والسُّدِّيُّ: سَبِيلُ النَّظَرِ القَوِيمِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ، وتَيْسِيرُهُ لَهُ هو هِبَةُ العَقْلِ. وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ أبِي صالِحٍ عَنْهُ: السَّبِيلُ العامُّ اسْمُ الجِنْسِ في هُدًى وضَلالٍ، أيْ يَسَّرَ قَوْمًا لِهَذا، كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣] الآيَةَ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]، وعَنِ ابْنِ (p-٤٢٩)عَبّاسٍ: يَسَّرَهُ لِلْخُرُوجِ مِن بَطْنِ أُمِّهِ.
﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ أيْ جَعَلَ لَهُ قَبْرًا صِيانَةً لِجَسَدِهِ أنْ يَأْكُلَهُ الطَّيْرُ والسِّباعُ. قَبَرَهُ: دَفَنَهُ، وأقْبَرَهُ: صَيَّرَهُ بِحَيْثُ يُقْبَرُ وجَعَلَ لَهُ قَبْرًا، والقابِرُ: الدّافِنُ بِيَدِهِ، قالَ الأعْشى:
؎لَوْ أسْنَدْتَ مَيِّتًا إلى قَبْرِها عاشَ ولَمْ يُنْقَلْ إلى قابِرِ
﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ أيْ إذا أرادَ إنْشارَهُ أنْشَرَهُ، والمَعْنى: إذا بَلَغَ الوَقْتُ الَّذِي قَدْ شاءَهُ اللَّهُ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وفي كِتابِ اللَّوامِحِ: شُعَيْبُ بْنُ الحَبْحابِ: شاءَ نَشَرَهُ، بِغَيْرِ هَمْزٍ قَبْلَ النُّونِ، وهُما لُغَتانِ في الإحْياءِ، وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ: وقَرَأ شُعَيْبُ بْنُ أبِي حَمْزَةَ: شاءَ نَشَرَهُ (كَلّا) رَدْعٌ لِلْإنْسانِ عَنْ ما هو فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والطُّغْيانِ ﴿لَمّا يَقْضِ﴾ يَفِي مِن أوَّلِ مُدَّةِ تَكْلِيفِهِ إلى حِينِ إقْبارِهِ ﴿ما أمَرَهُ﴾ بِهِ اللَّهُ تَعالى، فالضَّمِيرُ في يَقْضِ لِلْإنْسانِ. وقالَ ابْنُ فُورَكٍ: لِلَّهِ تَعالى، أيْ لَمْ يَقْضِ اللَّهُ لِهَذا الكافِرِ ما أمَرَهُ بِهِ مِنَ الإيمانِ، بَلْ أمَرَهُ بِما لَمْ يَقْضِ لَهُ، ولَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ في نَفْسِ الإنْسانِ ذَكَرَ النِّعَمَ فِيما بِهِ قِوامُ حَياتِهِ، وأمَرَهُ بِالنَّظَرِ إلى طَعامِهِ وكَيْفِيّاتِ الأحْوالِ الَّتِي اعْتَوَرَتْ عَلى طَعامِهِ حَتّى صارَ بِصَدَدِ أنْ يُطْعَمَ. والظّاهِرُ أنَّ الطَّعامَ هو المَطْعُومُ، وكَيْفَ يُيَسِّرُهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الوَسائِطِ المَذْكُورَةِ مَن صَبِّ الماءِ وشَقِّ الأرْضِ والإنْباتِ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقالَ أُبَيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ وغَيْرُهم: ﴿إلى طَعامِهِ﴾ أيْ إذا صارَ رَجِيعًا لِيَتَأمَّلَ عاقِبَةَ الدُّنْيا عَلى أيِّ شَيْءٍ يَتَفانى أهْلُها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إنّا) بِكَسْرٍ الهَمْزَةِ، والأعْرَجُ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ والكُوفِيُّونَ ورُوَيْسٌ: (أنّا) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، والحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أنِّي بِفَتْحِ الهَمْزَةِ مُمالًا، فالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ في ذِكْرِ تَعْدادِ الوُصُولِ إلى الطَّعامِ، والفَتْحُ قالُوا عَلى البَدَلِ ورَدَّهُ قَوْمٌ؛ لِأنَّ الثّانِيَ لَيْسَ الأوَّلَ. قِيلَ: ولَيْسَ كَما رَدُّوا؛ لِأنَّ المَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى إنْعامِنا في طَعامِهِ، فَتَرَتَّبَ البَدَلُ وصَحَّ. انْتَهى. كَأنَّهم جَعَلُوهُ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ بَدَلُ الِاشْتِمالِ. وقِراءَةُ أُبَيٍّ مُمالًا عَلى مَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ كَيْفَ صَبَبْنا، وأسْنَدَ تَعالى الصَّبَّ والشَّقَّ إلى نَفْسِهِ إسْنادَ الفِعْلِ إلى السَّبَبِ، وصَبُّ الماءِ هو المَطَرُ. والظّاهِرُ أنَّ الشَّقَّ كِنايَةٌ عَنْ شَقِّ الفَلّاحِ بِما جَرَتِ العادَةُ أنْ يَشُقَّ بِهِ. وقِيلَ: شَقُّ الأرْضِ هو بِالنَّباتِ.
﴿حَبًّا﴾: يَشْمَلُ ما يُسَمّى حَبًّا مِن حِنْطَةٍ وشَعِيرٍ وذُرَةٍ وسُلْتٍ وعَدَسٍ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿وقَضْبًا﴾ قالَ الحَسَنُ: العَلَفُ، وأهْلُ مَكَّةَ يُسَمُّونَ القَتَّ القَضْبَ. وقِيلَ: الفَصْفَصَةُ، وضُعِّفَ لِأنَّهُ داخِلٌ في الأبِّ. وقِيلَ: ما يُقْضَبُ لِيَأْكُلَهُ ابْنُ آدَمَ غَضًّا مِنَ النَّباتِ، كالبُقُولِ والهِلْيَوْنِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الرُّطَبُ، لِأنَّهُ يُقْضَبُ مِنَ النَّخْلِ، ولِأنَّهُ ذَكَرَ العِنَبَ قَبْلَهُ ﴿غُلْبًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: غِلاظًا، وعَنْهُ: طِوالًا، وعَنْ قَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ: كِرامًا ﴿وفاكِهَةً﴾ ما يَأْكُلُهُ النّاسُ مِن ثَمَرِ الشَّجَرِ، كالخَوْخِ والتِّينِ.
﴿وأبًّا﴾ ما تَأْكُلُهُ البَهائِمُ مِنَ العُشْبِ. وقالَ الضَّحّاكُ: التِّبْنُ خاصَّةً. وقالَ الكَلْبِيُّ: كُلُّ نَباتٍ سِوى الفاكِهَةِ رَطْبُها، والأبُّ: يابِسُها.
﴿الصّاخَّةُ﴾ اسْمٌ مِن أسْماءِ القِيامَةِ يُصِمُّ نَبَؤُها الآذانَ، تَقُولُ العَرَبُ: صَخَّتْهُمُ الصّاخَّةُ ونابَتْهُمُ النّائِبَةُ، أيِ الدّاهِيَةُ. وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: الصّاخَّةُ هي الَّتِي تُورِثُ الصَّمَمَ، وإنَّها لَمُسْمِعَةٌ، وهَذا مِن بَدِيعِ الفَصاحَةِ، كَقَوْلِهِ:
؎أصَمَّهم سِرُّهم أيّامَ فُرْقَتِهِمْ ∗∗∗ فَهَلْ سَمِعْتُمْ بِسِرٍّ يُورِثُ الصَّمَما
وقَوْلِ الآخَرِ:
؎أصَمَّ بِكَ النّاعِي وإنْ كانَ أسْمَعا
ولَعَمْرُ اللَّهِ إنَّ صَيْحَةَ القِيامَةِ مُسْمِعَةٌ تُصِمُّ عَنِ الدُّنْيا وتُسْمِعُ أُمُورَ الآخِرَةِ. انْتَهى.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ﴾ بَدَلٌ مِن (إذا)، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: اشْتَغَلَ كُلُّ إنْسانٍ بِنَفْسِهِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ وفِرارُهُ مِن شِدَّةِ الهَوْلِ يَوْمَ القِيامَةِ، كَما جاءَ مِن قَوْلِ الرُّسُلِ: نَفْسِي نَفْسِي. وقِيلَ: خَوْفُ التَّبِعاتِ، لِأنَّ المُلابَسَةَ تَقْتَضِي المُطالَبَةَ. يَقُولُ الأخُ: لَمْ تُواسِنِي بِمالِكَ، والأبَوانِ: قَصَّرْتَ في بِرِّنا، والصّاحِبَةُ: أطْعَمْتَنِي الحَرامَ وفَعَلْتَ وصَنَعْتَ، والبَنُونَ: لَمْ (p-٤٣٠)تُعَلِّمْنا وتُرْشِدْنا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُغْنِيهِ): أيْ عَنِ النَّظَرِ في شَأْنِ الآخَرِ مِنِ الإغْناءِ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ السَّمَيْقَعِ: يَعْنِيهِ بِفَتْحِ الياءِ والعَيْنِ المُهْمَلَةِ، مِن قَوْلِهِمْ: عَنانِي الأمْرُ: قَصَدَنِي (مُسْفِرَةٌ) مُضِيئَةٌ مِن أسْفَرَ الصُّبْحُ: أضاءَ، و(تَرْهَقُها): تَغْشاها (قَتَرَةٌ) أيْ غُبارٌ. والأُولى ما يَغْشاهُ مِنَ العُبُوسِ عِنْدَ الهَمِّ، والثّانِيَةُ مِن غُبارِ الأرْضِ. وقِيلَ: (غَبَرَةٌ) أيْ مِن تُرابِ الأرْضِ، وقَتَرَةٌ: سَوادٌ كالدُّخانِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: الغَبَرَةُ: ما انْحَطَّتْ إلى الأرْضِ، والقَتَرَةُ: ما ارْتَفَعَتْ إلى السَّماءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: قَتَرَةٌ، بِفَتْحِ التّاءِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِإسْكانِها.
عبس 80:30
﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ قِيلَ: نَزَلَتْ في عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ، غاضَبَ أباهُ فَأسْلَمَ، ثُمَّ اسْتَصْلَحَهُ أبُوهُ وأعْطاهُ مالًا وجَهَّزَهُ إلى الشّامِ، فَبَعَثَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أنَّهُ كافِرٌ بِرَبِّ النَّجْمِ إذا هَوى. ورُوِيَ أنَّهُ قالَ: «(اللَّهُمَّ ابْعَثْ عَلَيْهِ كَلْبَكَ يَأْكُلْهُ)» فَلَمّا انْتَهى إلى الغاضِرَةِ ذَكَرَ الدُّعاءَ، فَجَعَلَ لِمَن مَعَهُ ألْفَ دِينارٍ إنْ أصْبَحَ حَيًّا، فَجَعَلُوهُ وسَطَ الرُّفْقَةِ والمَتاعُ حَوْلَهُ، فَأقْبَلَ الأسَدُ إلى الرِّحالِ ووَثَبَ، فَإذا هو فَوْقَهُ فَمَزَّقَهُ، فَكانَ أبُوهُ يَنْدُبُهُ ويَبْكِي عَلَيْهِ، وقالَ: ما قالَ مُحَمَّدٌ شَيْئًا قَطُّ إلّا كانَ، والآيَةُ وإنْ نَزَلَتْ في مَخْصُوصٍ فالإنْسانُ يُرادُ بِهِ الكافِرُ. (وقُتِلَ) دُعاءٌ عَلَيْهِ، والقَتْلُ أعْظَمُ شَدائِدِ الدُّنْيا ﴿ما أكْفَرَهُ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ تَعَجُّبٌ مِن إفْراطِ كُفْرِهِ، والتَّعَجُّبُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَخْلُوقِينَ، إذْ هو مُسْتَحِيلٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، أيْ هو مِمَّنْ يُقالُ فِيهِ ما أكْفَرَهُ. وقِيلَ: ما اسْتِفْهامُ تَوْقِيفٍ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ أكْفَرَهُ ؟ أيْ جَعَلَهُ كافِرًا، بِمَعْنى لِأيِّ شَيْءٍ يَسُوغُ لَهُ أنْ يَكْفُرَ.
﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى مَعْنى التَّقْرِيرِ عَلى حَقارَةِ ما خُلِقَ مِنهُ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ الشَّيْءَ الَّذِي خُلِقَ مِنهُ فَقالَ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أيْ فَهَيَّأهُ لِما يَصْلُحُ لَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ في بَطْنِ أُمِّهِ، وعَنْهُ قَدَّرَ أعْضاءَهُ، وحَسَنًا ودَمِيمًا وقَصِيرًا وطَوِيلًا وشَقِيًّا وسَعِيدًا، وقِيلَ: مِن حالٍ إلى حالٍ، نُطْفَةٍ ثُمَّ عَلَقَةٍ، إلى أنْ تَمَّ خَلْقُهُ ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ أيْ ثُمَّ يَسَّرَ السَّبِيلَ، أيْ سَهَّلَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وأبُو صالِحٍ والسُّدِّيُّ: سَبِيلُ النَّظَرِ القَوِيمِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ، وتَيْسِيرُهُ لَهُ هو هِبَةُ العَقْلِ. وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ أبِي صالِحٍ عَنْهُ: السَّبِيلُ العامُّ اسْمُ الجِنْسِ في هُدًى وضَلالٍ، أيْ يَسَّرَ قَوْمًا لِهَذا، كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣] الآيَةَ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]، وعَنِ ابْنِ (p-٤٢٩)عَبّاسٍ: يَسَّرَهُ لِلْخُرُوجِ مِن بَطْنِ أُمِّهِ.
﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ أيْ جَعَلَ لَهُ قَبْرًا صِيانَةً لِجَسَدِهِ أنْ يَأْكُلَهُ الطَّيْرُ والسِّباعُ. قَبَرَهُ: دَفَنَهُ، وأقْبَرَهُ: صَيَّرَهُ بِحَيْثُ يُقْبَرُ وجَعَلَ لَهُ قَبْرًا، والقابِرُ: الدّافِنُ بِيَدِهِ، قالَ الأعْشى:
؎لَوْ أسْنَدْتَ مَيِّتًا إلى قَبْرِها عاشَ ولَمْ يُنْقَلْ إلى قابِرِ
﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ أيْ إذا أرادَ إنْشارَهُ أنْشَرَهُ، والمَعْنى: إذا بَلَغَ الوَقْتُ الَّذِي قَدْ شاءَهُ اللَّهُ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وفي كِتابِ اللَّوامِحِ: شُعَيْبُ بْنُ الحَبْحابِ: شاءَ نَشَرَهُ، بِغَيْرِ هَمْزٍ قَبْلَ النُّونِ، وهُما لُغَتانِ في الإحْياءِ، وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ: وقَرَأ شُعَيْبُ بْنُ أبِي حَمْزَةَ: شاءَ نَشَرَهُ (كَلّا) رَدْعٌ لِلْإنْسانِ عَنْ ما هو فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والطُّغْيانِ ﴿لَمّا يَقْضِ﴾ يَفِي مِن أوَّلِ مُدَّةِ تَكْلِيفِهِ إلى حِينِ إقْبارِهِ ﴿ما أمَرَهُ﴾ بِهِ اللَّهُ تَعالى، فالضَّمِيرُ في يَقْضِ لِلْإنْسانِ. وقالَ ابْنُ فُورَكٍ: لِلَّهِ تَعالى، أيْ لَمْ يَقْضِ اللَّهُ لِهَذا الكافِرِ ما أمَرَهُ بِهِ مِنَ الإيمانِ، بَلْ أمَرَهُ بِما لَمْ يَقْضِ لَهُ، ولَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ في نَفْسِ الإنْسانِ ذَكَرَ النِّعَمَ فِيما بِهِ قِوامُ حَياتِهِ، وأمَرَهُ بِالنَّظَرِ إلى طَعامِهِ وكَيْفِيّاتِ الأحْوالِ الَّتِي اعْتَوَرَتْ عَلى طَعامِهِ حَتّى صارَ بِصَدَدِ أنْ يُطْعَمَ. والظّاهِرُ أنَّ الطَّعامَ هو المَطْعُومُ، وكَيْفَ يُيَسِّرُهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الوَسائِطِ المَذْكُورَةِ مَن صَبِّ الماءِ وشَقِّ الأرْضِ والإنْباتِ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقالَ أُبَيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ وغَيْرُهم: ﴿إلى طَعامِهِ﴾ أيْ إذا صارَ رَجِيعًا لِيَتَأمَّلَ عاقِبَةَ الدُّنْيا عَلى أيِّ شَيْءٍ يَتَفانى أهْلُها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إنّا) بِكَسْرٍ الهَمْزَةِ، والأعْرَجُ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ والكُوفِيُّونَ ورُوَيْسٌ: (أنّا) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، والحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أنِّي بِفَتْحِ الهَمْزَةِ مُمالًا، فالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ في ذِكْرِ تَعْدادِ الوُصُولِ إلى الطَّعامِ، والفَتْحُ قالُوا عَلى البَدَلِ ورَدَّهُ قَوْمٌ؛ لِأنَّ الثّانِيَ لَيْسَ الأوَّلَ. قِيلَ: ولَيْسَ كَما رَدُّوا؛ لِأنَّ المَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى إنْعامِنا في طَعامِهِ، فَتَرَتَّبَ البَدَلُ وصَحَّ. انْتَهى. كَأنَّهم جَعَلُوهُ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ بَدَلُ الِاشْتِمالِ. وقِراءَةُ أُبَيٍّ مُمالًا عَلى مَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ كَيْفَ صَبَبْنا، وأسْنَدَ تَعالى الصَّبَّ والشَّقَّ إلى نَفْسِهِ إسْنادَ الفِعْلِ إلى السَّبَبِ، وصَبُّ الماءِ هو المَطَرُ. والظّاهِرُ أنَّ الشَّقَّ كِنايَةٌ عَنْ شَقِّ الفَلّاحِ بِما جَرَتِ العادَةُ أنْ يَشُقَّ بِهِ. وقِيلَ: شَقُّ الأرْضِ هو بِالنَّباتِ.
﴿حَبًّا﴾: يَشْمَلُ ما يُسَمّى حَبًّا مِن حِنْطَةٍ وشَعِيرٍ وذُرَةٍ وسُلْتٍ وعَدَسٍ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿وقَضْبًا﴾ قالَ الحَسَنُ: العَلَفُ، وأهْلُ مَكَّةَ يُسَمُّونَ القَتَّ القَضْبَ. وقِيلَ: الفَصْفَصَةُ، وضُعِّفَ لِأنَّهُ داخِلٌ في الأبِّ. وقِيلَ: ما يُقْضَبُ لِيَأْكُلَهُ ابْنُ آدَمَ غَضًّا مِنَ النَّباتِ، كالبُقُولِ والهِلْيَوْنِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الرُّطَبُ، لِأنَّهُ يُقْضَبُ مِنَ النَّخْلِ، ولِأنَّهُ ذَكَرَ العِنَبَ قَبْلَهُ ﴿غُلْبًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: غِلاظًا، وعَنْهُ: طِوالًا، وعَنْ قَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ: كِرامًا ﴿وفاكِهَةً﴾ ما يَأْكُلُهُ النّاسُ مِن ثَمَرِ الشَّجَرِ، كالخَوْخِ والتِّينِ.
﴿وأبًّا﴾ ما تَأْكُلُهُ البَهائِمُ مِنَ العُشْبِ. وقالَ الضَّحّاكُ: التِّبْنُ خاصَّةً. وقالَ الكَلْبِيُّ: كُلُّ نَباتٍ سِوى الفاكِهَةِ رَطْبُها، والأبُّ: يابِسُها.
﴿الصّاخَّةُ﴾ اسْمٌ مِن أسْماءِ القِيامَةِ يُصِمُّ نَبَؤُها الآذانَ، تَقُولُ العَرَبُ: صَخَّتْهُمُ الصّاخَّةُ ونابَتْهُمُ النّائِبَةُ، أيِ الدّاهِيَةُ. وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: الصّاخَّةُ هي الَّتِي تُورِثُ الصَّمَمَ، وإنَّها لَمُسْمِعَةٌ، وهَذا مِن بَدِيعِ الفَصاحَةِ، كَقَوْلِهِ:
؎أصَمَّهم سِرُّهم أيّامَ فُرْقَتِهِمْ ∗∗∗ فَهَلْ سَمِعْتُمْ بِسِرٍّ يُورِثُ الصَّمَما
وقَوْلِ الآخَرِ:
؎أصَمَّ بِكَ النّاعِي وإنْ كانَ أسْمَعا
ولَعَمْرُ اللَّهِ إنَّ صَيْحَةَ القِيامَةِ مُسْمِعَةٌ تُصِمُّ عَنِ الدُّنْيا وتُسْمِعُ أُمُورَ الآخِرَةِ. انْتَهى.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ﴾ بَدَلٌ مِن (إذا)، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: اشْتَغَلَ كُلُّ إنْسانٍ بِنَفْسِهِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ وفِرارُهُ مِن شِدَّةِ الهَوْلِ يَوْمَ القِيامَةِ، كَما جاءَ مِن قَوْلِ الرُّسُلِ: نَفْسِي نَفْسِي. وقِيلَ: خَوْفُ التَّبِعاتِ، لِأنَّ المُلابَسَةَ تَقْتَضِي المُطالَبَةَ. يَقُولُ الأخُ: لَمْ تُواسِنِي بِمالِكَ، والأبَوانِ: قَصَّرْتَ في بِرِّنا، والصّاحِبَةُ: أطْعَمْتَنِي الحَرامَ وفَعَلْتَ وصَنَعْتَ، والبَنُونَ: لَمْ (p-٤٣٠)تُعَلِّمْنا وتُرْشِدْنا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُغْنِيهِ): أيْ عَنِ النَّظَرِ في شَأْنِ الآخَرِ مِنِ الإغْناءِ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ السَّمَيْقَعِ: يَعْنِيهِ بِفَتْحِ الياءِ والعَيْنِ المُهْمَلَةِ، مِن قَوْلِهِمْ: عَنانِي الأمْرُ: قَصَدَنِي (مُسْفِرَةٌ) مُضِيئَةٌ مِن أسْفَرَ الصُّبْحُ: أضاءَ، و(تَرْهَقُها): تَغْشاها (قَتَرَةٌ) أيْ غُبارٌ. والأُولى ما يَغْشاهُ مِنَ العُبُوسِ عِنْدَ الهَمِّ، والثّانِيَةُ مِن غُبارِ الأرْضِ. وقِيلَ: (غَبَرَةٌ) أيْ مِن تُرابِ الأرْضِ، وقَتَرَةٌ: سَوادٌ كالدُّخانِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: الغَبَرَةُ: ما انْحَطَّتْ إلى الأرْضِ، والقَتَرَةُ: ما ارْتَفَعَتْ إلى السَّماءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: قَتَرَةٌ، بِفَتْحِ التّاءِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِإسْكانِها.
عبس 80:31
﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ قِيلَ: نَزَلَتْ في عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ، غاضَبَ أباهُ فَأسْلَمَ، ثُمَّ اسْتَصْلَحَهُ أبُوهُ وأعْطاهُ مالًا وجَهَّزَهُ إلى الشّامِ، فَبَعَثَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أنَّهُ كافِرٌ بِرَبِّ النَّجْمِ إذا هَوى. ورُوِيَ أنَّهُ قالَ: «(اللَّهُمَّ ابْعَثْ عَلَيْهِ كَلْبَكَ يَأْكُلْهُ)» فَلَمّا انْتَهى إلى الغاضِرَةِ ذَكَرَ الدُّعاءَ، فَجَعَلَ لِمَن مَعَهُ ألْفَ دِينارٍ إنْ أصْبَحَ حَيًّا، فَجَعَلُوهُ وسَطَ الرُّفْقَةِ والمَتاعُ حَوْلَهُ، فَأقْبَلَ الأسَدُ إلى الرِّحالِ ووَثَبَ، فَإذا هو فَوْقَهُ فَمَزَّقَهُ، فَكانَ أبُوهُ يَنْدُبُهُ ويَبْكِي عَلَيْهِ، وقالَ: ما قالَ مُحَمَّدٌ شَيْئًا قَطُّ إلّا كانَ، والآيَةُ وإنْ نَزَلَتْ في مَخْصُوصٍ فالإنْسانُ يُرادُ بِهِ الكافِرُ. (وقُتِلَ) دُعاءٌ عَلَيْهِ، والقَتْلُ أعْظَمُ شَدائِدِ الدُّنْيا ﴿ما أكْفَرَهُ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ تَعَجُّبٌ مِن إفْراطِ كُفْرِهِ، والتَّعَجُّبُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَخْلُوقِينَ، إذْ هو مُسْتَحِيلٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، أيْ هو مِمَّنْ يُقالُ فِيهِ ما أكْفَرَهُ. وقِيلَ: ما اسْتِفْهامُ تَوْقِيفٍ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ أكْفَرَهُ ؟ أيْ جَعَلَهُ كافِرًا، بِمَعْنى لِأيِّ شَيْءٍ يَسُوغُ لَهُ أنْ يَكْفُرَ.
﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى مَعْنى التَّقْرِيرِ عَلى حَقارَةِ ما خُلِقَ مِنهُ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ الشَّيْءَ الَّذِي خُلِقَ مِنهُ فَقالَ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أيْ فَهَيَّأهُ لِما يَصْلُحُ لَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ في بَطْنِ أُمِّهِ، وعَنْهُ قَدَّرَ أعْضاءَهُ، وحَسَنًا ودَمِيمًا وقَصِيرًا وطَوِيلًا وشَقِيًّا وسَعِيدًا، وقِيلَ: مِن حالٍ إلى حالٍ، نُطْفَةٍ ثُمَّ عَلَقَةٍ، إلى أنْ تَمَّ خَلْقُهُ ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ أيْ ثُمَّ يَسَّرَ السَّبِيلَ، أيْ سَهَّلَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وأبُو صالِحٍ والسُّدِّيُّ: سَبِيلُ النَّظَرِ القَوِيمِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ، وتَيْسِيرُهُ لَهُ هو هِبَةُ العَقْلِ. وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ أبِي صالِحٍ عَنْهُ: السَّبِيلُ العامُّ اسْمُ الجِنْسِ في هُدًى وضَلالٍ، أيْ يَسَّرَ قَوْمًا لِهَذا، كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣] الآيَةَ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]، وعَنِ ابْنِ (p-٤٢٩)عَبّاسٍ: يَسَّرَهُ لِلْخُرُوجِ مِن بَطْنِ أُمِّهِ.
﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ أيْ جَعَلَ لَهُ قَبْرًا صِيانَةً لِجَسَدِهِ أنْ يَأْكُلَهُ الطَّيْرُ والسِّباعُ. قَبَرَهُ: دَفَنَهُ، وأقْبَرَهُ: صَيَّرَهُ بِحَيْثُ يُقْبَرُ وجَعَلَ لَهُ قَبْرًا، والقابِرُ: الدّافِنُ بِيَدِهِ، قالَ الأعْشى:
؎لَوْ أسْنَدْتَ مَيِّتًا إلى قَبْرِها عاشَ ولَمْ يُنْقَلْ إلى قابِرِ
﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ أيْ إذا أرادَ إنْشارَهُ أنْشَرَهُ، والمَعْنى: إذا بَلَغَ الوَقْتُ الَّذِي قَدْ شاءَهُ اللَّهُ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وفي كِتابِ اللَّوامِحِ: شُعَيْبُ بْنُ الحَبْحابِ: شاءَ نَشَرَهُ، بِغَيْرِ هَمْزٍ قَبْلَ النُّونِ، وهُما لُغَتانِ في الإحْياءِ، وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ: وقَرَأ شُعَيْبُ بْنُ أبِي حَمْزَةَ: شاءَ نَشَرَهُ (كَلّا) رَدْعٌ لِلْإنْسانِ عَنْ ما هو فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والطُّغْيانِ ﴿لَمّا يَقْضِ﴾ يَفِي مِن أوَّلِ مُدَّةِ تَكْلِيفِهِ إلى حِينِ إقْبارِهِ ﴿ما أمَرَهُ﴾ بِهِ اللَّهُ تَعالى، فالضَّمِيرُ في يَقْضِ لِلْإنْسانِ. وقالَ ابْنُ فُورَكٍ: لِلَّهِ تَعالى، أيْ لَمْ يَقْضِ اللَّهُ لِهَذا الكافِرِ ما أمَرَهُ بِهِ مِنَ الإيمانِ، بَلْ أمَرَهُ بِما لَمْ يَقْضِ لَهُ، ولَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ في نَفْسِ الإنْسانِ ذَكَرَ النِّعَمَ فِيما بِهِ قِوامُ حَياتِهِ، وأمَرَهُ بِالنَّظَرِ إلى طَعامِهِ وكَيْفِيّاتِ الأحْوالِ الَّتِي اعْتَوَرَتْ عَلى طَعامِهِ حَتّى صارَ بِصَدَدِ أنْ يُطْعَمَ. والظّاهِرُ أنَّ الطَّعامَ هو المَطْعُومُ، وكَيْفَ يُيَسِّرُهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الوَسائِطِ المَذْكُورَةِ مَن صَبِّ الماءِ وشَقِّ الأرْضِ والإنْباتِ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقالَ أُبَيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ وغَيْرُهم: ﴿إلى طَعامِهِ﴾ أيْ إذا صارَ رَجِيعًا لِيَتَأمَّلَ عاقِبَةَ الدُّنْيا عَلى أيِّ شَيْءٍ يَتَفانى أهْلُها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إنّا) بِكَسْرٍ الهَمْزَةِ، والأعْرَجُ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ والكُوفِيُّونَ ورُوَيْسٌ: (أنّا) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، والحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أنِّي بِفَتْحِ الهَمْزَةِ مُمالًا، فالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ في ذِكْرِ تَعْدادِ الوُصُولِ إلى الطَّعامِ، والفَتْحُ قالُوا عَلى البَدَلِ ورَدَّهُ قَوْمٌ؛ لِأنَّ الثّانِيَ لَيْسَ الأوَّلَ. قِيلَ: ولَيْسَ كَما رَدُّوا؛ لِأنَّ المَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى إنْعامِنا في طَعامِهِ، فَتَرَتَّبَ البَدَلُ وصَحَّ. انْتَهى. كَأنَّهم جَعَلُوهُ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ بَدَلُ الِاشْتِمالِ. وقِراءَةُ أُبَيٍّ مُمالًا عَلى مَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ كَيْفَ صَبَبْنا، وأسْنَدَ تَعالى الصَّبَّ والشَّقَّ إلى نَفْسِهِ إسْنادَ الفِعْلِ إلى السَّبَبِ، وصَبُّ الماءِ هو المَطَرُ. والظّاهِرُ أنَّ الشَّقَّ كِنايَةٌ عَنْ شَقِّ الفَلّاحِ بِما جَرَتِ العادَةُ أنْ يَشُقَّ بِهِ. وقِيلَ: شَقُّ الأرْضِ هو بِالنَّباتِ.
﴿حَبًّا﴾: يَشْمَلُ ما يُسَمّى حَبًّا مِن حِنْطَةٍ وشَعِيرٍ وذُرَةٍ وسُلْتٍ وعَدَسٍ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿وقَضْبًا﴾ قالَ الحَسَنُ: العَلَفُ، وأهْلُ مَكَّةَ يُسَمُّونَ القَتَّ القَضْبَ. وقِيلَ: الفَصْفَصَةُ، وضُعِّفَ لِأنَّهُ داخِلٌ في الأبِّ. وقِيلَ: ما يُقْضَبُ لِيَأْكُلَهُ ابْنُ آدَمَ غَضًّا مِنَ النَّباتِ، كالبُقُولِ والهِلْيَوْنِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الرُّطَبُ، لِأنَّهُ يُقْضَبُ مِنَ النَّخْلِ، ولِأنَّهُ ذَكَرَ العِنَبَ قَبْلَهُ ﴿غُلْبًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: غِلاظًا، وعَنْهُ: طِوالًا، وعَنْ قَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ: كِرامًا ﴿وفاكِهَةً﴾ ما يَأْكُلُهُ النّاسُ مِن ثَمَرِ الشَّجَرِ، كالخَوْخِ والتِّينِ.
﴿وأبًّا﴾ ما تَأْكُلُهُ البَهائِمُ مِنَ العُشْبِ. وقالَ الضَّحّاكُ: التِّبْنُ خاصَّةً. وقالَ الكَلْبِيُّ: كُلُّ نَباتٍ سِوى الفاكِهَةِ رَطْبُها، والأبُّ: يابِسُها.
﴿الصّاخَّةُ﴾ اسْمٌ مِن أسْماءِ القِيامَةِ يُصِمُّ نَبَؤُها الآذانَ، تَقُولُ العَرَبُ: صَخَّتْهُمُ الصّاخَّةُ ونابَتْهُمُ النّائِبَةُ، أيِ الدّاهِيَةُ. وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: الصّاخَّةُ هي الَّتِي تُورِثُ الصَّمَمَ، وإنَّها لَمُسْمِعَةٌ، وهَذا مِن بَدِيعِ الفَصاحَةِ، كَقَوْلِهِ:
؎أصَمَّهم سِرُّهم أيّامَ فُرْقَتِهِمْ ∗∗∗ فَهَلْ سَمِعْتُمْ بِسِرٍّ يُورِثُ الصَّمَما
وقَوْلِ الآخَرِ:
؎أصَمَّ بِكَ النّاعِي وإنْ كانَ أسْمَعا
ولَعَمْرُ اللَّهِ إنَّ صَيْحَةَ القِيامَةِ مُسْمِعَةٌ تُصِمُّ عَنِ الدُّنْيا وتُسْمِعُ أُمُورَ الآخِرَةِ. انْتَهى.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ﴾ بَدَلٌ مِن (إذا)، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: اشْتَغَلَ كُلُّ إنْسانٍ بِنَفْسِهِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ وفِرارُهُ مِن شِدَّةِ الهَوْلِ يَوْمَ القِيامَةِ، كَما جاءَ مِن قَوْلِ الرُّسُلِ: نَفْسِي نَفْسِي. وقِيلَ: خَوْفُ التَّبِعاتِ، لِأنَّ المُلابَسَةَ تَقْتَضِي المُطالَبَةَ. يَقُولُ الأخُ: لَمْ تُواسِنِي بِمالِكَ، والأبَوانِ: قَصَّرْتَ في بِرِّنا، والصّاحِبَةُ: أطْعَمْتَنِي الحَرامَ وفَعَلْتَ وصَنَعْتَ، والبَنُونَ: لَمْ (p-٤٣٠)تُعَلِّمْنا وتُرْشِدْنا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُغْنِيهِ): أيْ عَنِ النَّظَرِ في شَأْنِ الآخَرِ مِنِ الإغْناءِ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ السَّمَيْقَعِ: يَعْنِيهِ بِفَتْحِ الياءِ والعَيْنِ المُهْمَلَةِ، مِن قَوْلِهِمْ: عَنانِي الأمْرُ: قَصَدَنِي (مُسْفِرَةٌ) مُضِيئَةٌ مِن أسْفَرَ الصُّبْحُ: أضاءَ، و(تَرْهَقُها): تَغْشاها (قَتَرَةٌ) أيْ غُبارٌ. والأُولى ما يَغْشاهُ مِنَ العُبُوسِ عِنْدَ الهَمِّ، والثّانِيَةُ مِن غُبارِ الأرْضِ. وقِيلَ: (غَبَرَةٌ) أيْ مِن تُرابِ الأرْضِ، وقَتَرَةٌ: سَوادٌ كالدُّخانِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: الغَبَرَةُ: ما انْحَطَّتْ إلى الأرْضِ، والقَتَرَةُ: ما ارْتَفَعَتْ إلى السَّماءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: قَتَرَةٌ، بِفَتْحِ التّاءِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِإسْكانِها.
عبس 80:32
﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ قِيلَ: نَزَلَتْ في عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ، غاضَبَ أباهُ فَأسْلَمَ، ثُمَّ اسْتَصْلَحَهُ أبُوهُ وأعْطاهُ مالًا وجَهَّزَهُ إلى الشّامِ، فَبَعَثَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أنَّهُ كافِرٌ بِرَبِّ النَّجْمِ إذا هَوى. ورُوِيَ أنَّهُ قالَ: «(اللَّهُمَّ ابْعَثْ عَلَيْهِ كَلْبَكَ يَأْكُلْهُ)» فَلَمّا انْتَهى إلى الغاضِرَةِ ذَكَرَ الدُّعاءَ، فَجَعَلَ لِمَن مَعَهُ ألْفَ دِينارٍ إنْ أصْبَحَ حَيًّا، فَجَعَلُوهُ وسَطَ الرُّفْقَةِ والمَتاعُ حَوْلَهُ، فَأقْبَلَ الأسَدُ إلى الرِّحالِ ووَثَبَ، فَإذا هو فَوْقَهُ فَمَزَّقَهُ، فَكانَ أبُوهُ يَنْدُبُهُ ويَبْكِي عَلَيْهِ، وقالَ: ما قالَ مُحَمَّدٌ شَيْئًا قَطُّ إلّا كانَ، والآيَةُ وإنْ نَزَلَتْ في مَخْصُوصٍ فالإنْسانُ يُرادُ بِهِ الكافِرُ. (وقُتِلَ) دُعاءٌ عَلَيْهِ، والقَتْلُ أعْظَمُ شَدائِدِ الدُّنْيا ﴿ما أكْفَرَهُ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ تَعَجُّبٌ مِن إفْراطِ كُفْرِهِ، والتَّعَجُّبُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَخْلُوقِينَ، إذْ هو مُسْتَحِيلٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، أيْ هو مِمَّنْ يُقالُ فِيهِ ما أكْفَرَهُ. وقِيلَ: ما اسْتِفْهامُ تَوْقِيفٍ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ أكْفَرَهُ ؟ أيْ جَعَلَهُ كافِرًا، بِمَعْنى لِأيِّ شَيْءٍ يَسُوغُ لَهُ أنْ يَكْفُرَ.
﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى مَعْنى التَّقْرِيرِ عَلى حَقارَةِ ما خُلِقَ مِنهُ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ الشَّيْءَ الَّذِي خُلِقَ مِنهُ فَقالَ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أيْ فَهَيَّأهُ لِما يَصْلُحُ لَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ في بَطْنِ أُمِّهِ، وعَنْهُ قَدَّرَ أعْضاءَهُ، وحَسَنًا ودَمِيمًا وقَصِيرًا وطَوِيلًا وشَقِيًّا وسَعِيدًا، وقِيلَ: مِن حالٍ إلى حالٍ، نُطْفَةٍ ثُمَّ عَلَقَةٍ، إلى أنْ تَمَّ خَلْقُهُ ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ أيْ ثُمَّ يَسَّرَ السَّبِيلَ، أيْ سَهَّلَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وأبُو صالِحٍ والسُّدِّيُّ: سَبِيلُ النَّظَرِ القَوِيمِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ، وتَيْسِيرُهُ لَهُ هو هِبَةُ العَقْلِ. وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ أبِي صالِحٍ عَنْهُ: السَّبِيلُ العامُّ اسْمُ الجِنْسِ في هُدًى وضَلالٍ، أيْ يَسَّرَ قَوْمًا لِهَذا، كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣] الآيَةَ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]، وعَنِ ابْنِ (p-٤٢٩)عَبّاسٍ: يَسَّرَهُ لِلْخُرُوجِ مِن بَطْنِ أُمِّهِ.
﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ أيْ جَعَلَ لَهُ قَبْرًا صِيانَةً لِجَسَدِهِ أنْ يَأْكُلَهُ الطَّيْرُ والسِّباعُ. قَبَرَهُ: دَفَنَهُ، وأقْبَرَهُ: صَيَّرَهُ بِحَيْثُ يُقْبَرُ وجَعَلَ لَهُ قَبْرًا، والقابِرُ: الدّافِنُ بِيَدِهِ، قالَ الأعْشى:
؎لَوْ أسْنَدْتَ مَيِّتًا إلى قَبْرِها عاشَ ولَمْ يُنْقَلْ إلى قابِرِ
﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ أيْ إذا أرادَ إنْشارَهُ أنْشَرَهُ، والمَعْنى: إذا بَلَغَ الوَقْتُ الَّذِي قَدْ شاءَهُ اللَّهُ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وفي كِتابِ اللَّوامِحِ: شُعَيْبُ بْنُ الحَبْحابِ: شاءَ نَشَرَهُ، بِغَيْرِ هَمْزٍ قَبْلَ النُّونِ، وهُما لُغَتانِ في الإحْياءِ، وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ: وقَرَأ شُعَيْبُ بْنُ أبِي حَمْزَةَ: شاءَ نَشَرَهُ (كَلّا) رَدْعٌ لِلْإنْسانِ عَنْ ما هو فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والطُّغْيانِ ﴿لَمّا يَقْضِ﴾ يَفِي مِن أوَّلِ مُدَّةِ تَكْلِيفِهِ إلى حِينِ إقْبارِهِ ﴿ما أمَرَهُ﴾ بِهِ اللَّهُ تَعالى، فالضَّمِيرُ في يَقْضِ لِلْإنْسانِ. وقالَ ابْنُ فُورَكٍ: لِلَّهِ تَعالى، أيْ لَمْ يَقْضِ اللَّهُ لِهَذا الكافِرِ ما أمَرَهُ بِهِ مِنَ الإيمانِ، بَلْ أمَرَهُ بِما لَمْ يَقْضِ لَهُ، ولَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ في نَفْسِ الإنْسانِ ذَكَرَ النِّعَمَ فِيما بِهِ قِوامُ حَياتِهِ، وأمَرَهُ بِالنَّظَرِ إلى طَعامِهِ وكَيْفِيّاتِ الأحْوالِ الَّتِي اعْتَوَرَتْ عَلى طَعامِهِ حَتّى صارَ بِصَدَدِ أنْ يُطْعَمَ. والظّاهِرُ أنَّ الطَّعامَ هو المَطْعُومُ، وكَيْفَ يُيَسِّرُهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الوَسائِطِ المَذْكُورَةِ مَن صَبِّ الماءِ وشَقِّ الأرْضِ والإنْباتِ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقالَ أُبَيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ وغَيْرُهم: ﴿إلى طَعامِهِ﴾ أيْ إذا صارَ رَجِيعًا لِيَتَأمَّلَ عاقِبَةَ الدُّنْيا عَلى أيِّ شَيْءٍ يَتَفانى أهْلُها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إنّا) بِكَسْرٍ الهَمْزَةِ، والأعْرَجُ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ والكُوفِيُّونَ ورُوَيْسٌ: (أنّا) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، والحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أنِّي بِفَتْحِ الهَمْزَةِ مُمالًا، فالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ في ذِكْرِ تَعْدادِ الوُصُولِ إلى الطَّعامِ، والفَتْحُ قالُوا عَلى البَدَلِ ورَدَّهُ قَوْمٌ؛ لِأنَّ الثّانِيَ لَيْسَ الأوَّلَ. قِيلَ: ولَيْسَ كَما رَدُّوا؛ لِأنَّ المَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى إنْعامِنا في طَعامِهِ، فَتَرَتَّبَ البَدَلُ وصَحَّ. انْتَهى. كَأنَّهم جَعَلُوهُ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ بَدَلُ الِاشْتِمالِ. وقِراءَةُ أُبَيٍّ مُمالًا عَلى مَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ كَيْفَ صَبَبْنا، وأسْنَدَ تَعالى الصَّبَّ والشَّقَّ إلى نَفْسِهِ إسْنادَ الفِعْلِ إلى السَّبَبِ، وصَبُّ الماءِ هو المَطَرُ. والظّاهِرُ أنَّ الشَّقَّ كِنايَةٌ عَنْ شَقِّ الفَلّاحِ بِما جَرَتِ العادَةُ أنْ يَشُقَّ بِهِ. وقِيلَ: شَقُّ الأرْضِ هو بِالنَّباتِ.
﴿حَبًّا﴾: يَشْمَلُ ما يُسَمّى حَبًّا مِن حِنْطَةٍ وشَعِيرٍ وذُرَةٍ وسُلْتٍ وعَدَسٍ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿وقَضْبًا﴾ قالَ الحَسَنُ: العَلَفُ، وأهْلُ مَكَّةَ يُسَمُّونَ القَتَّ القَضْبَ. وقِيلَ: الفَصْفَصَةُ، وضُعِّفَ لِأنَّهُ داخِلٌ في الأبِّ. وقِيلَ: ما يُقْضَبُ لِيَأْكُلَهُ ابْنُ آدَمَ غَضًّا مِنَ النَّباتِ، كالبُقُولِ والهِلْيَوْنِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الرُّطَبُ، لِأنَّهُ يُقْضَبُ مِنَ النَّخْلِ، ولِأنَّهُ ذَكَرَ العِنَبَ قَبْلَهُ ﴿غُلْبًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: غِلاظًا، وعَنْهُ: طِوالًا، وعَنْ قَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ: كِرامًا ﴿وفاكِهَةً﴾ ما يَأْكُلُهُ النّاسُ مِن ثَمَرِ الشَّجَرِ، كالخَوْخِ والتِّينِ.
﴿وأبًّا﴾ ما تَأْكُلُهُ البَهائِمُ مِنَ العُشْبِ. وقالَ الضَّحّاكُ: التِّبْنُ خاصَّةً. وقالَ الكَلْبِيُّ: كُلُّ نَباتٍ سِوى الفاكِهَةِ رَطْبُها، والأبُّ: يابِسُها.
﴿الصّاخَّةُ﴾ اسْمٌ مِن أسْماءِ القِيامَةِ يُصِمُّ نَبَؤُها الآذانَ، تَقُولُ العَرَبُ: صَخَّتْهُمُ الصّاخَّةُ ونابَتْهُمُ النّائِبَةُ، أيِ الدّاهِيَةُ. وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: الصّاخَّةُ هي الَّتِي تُورِثُ الصَّمَمَ، وإنَّها لَمُسْمِعَةٌ، وهَذا مِن بَدِيعِ الفَصاحَةِ، كَقَوْلِهِ:
؎أصَمَّهم سِرُّهم أيّامَ فُرْقَتِهِمْ ∗∗∗ فَهَلْ سَمِعْتُمْ بِسِرٍّ يُورِثُ الصَّمَما
وقَوْلِ الآخَرِ:
؎أصَمَّ بِكَ النّاعِي وإنْ كانَ أسْمَعا
ولَعَمْرُ اللَّهِ إنَّ صَيْحَةَ القِيامَةِ مُسْمِعَةٌ تُصِمُّ عَنِ الدُّنْيا وتُسْمِعُ أُمُورَ الآخِرَةِ. انْتَهى.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ﴾ بَدَلٌ مِن (إذا)، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: اشْتَغَلَ كُلُّ إنْسانٍ بِنَفْسِهِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ وفِرارُهُ مِن شِدَّةِ الهَوْلِ يَوْمَ القِيامَةِ، كَما جاءَ مِن قَوْلِ الرُّسُلِ: نَفْسِي نَفْسِي. وقِيلَ: خَوْفُ التَّبِعاتِ، لِأنَّ المُلابَسَةَ تَقْتَضِي المُطالَبَةَ. يَقُولُ الأخُ: لَمْ تُواسِنِي بِمالِكَ، والأبَوانِ: قَصَّرْتَ في بِرِّنا، والصّاحِبَةُ: أطْعَمْتَنِي الحَرامَ وفَعَلْتَ وصَنَعْتَ، والبَنُونَ: لَمْ (p-٤٣٠)تُعَلِّمْنا وتُرْشِدْنا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُغْنِيهِ): أيْ عَنِ النَّظَرِ في شَأْنِ الآخَرِ مِنِ الإغْناءِ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ السَّمَيْقَعِ: يَعْنِيهِ بِفَتْحِ الياءِ والعَيْنِ المُهْمَلَةِ، مِن قَوْلِهِمْ: عَنانِي الأمْرُ: قَصَدَنِي (مُسْفِرَةٌ) مُضِيئَةٌ مِن أسْفَرَ الصُّبْحُ: أضاءَ، و(تَرْهَقُها): تَغْشاها (قَتَرَةٌ) أيْ غُبارٌ. والأُولى ما يَغْشاهُ مِنَ العُبُوسِ عِنْدَ الهَمِّ، والثّانِيَةُ مِن غُبارِ الأرْضِ. وقِيلَ: (غَبَرَةٌ) أيْ مِن تُرابِ الأرْضِ، وقَتَرَةٌ: سَوادٌ كالدُّخانِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: الغَبَرَةُ: ما انْحَطَّتْ إلى الأرْضِ، والقَتَرَةُ: ما ارْتَفَعَتْ إلى السَّماءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: قَتَرَةٌ، بِفَتْحِ التّاءِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِإسْكانِها.
عبس 80:33
﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ قِيلَ: نَزَلَتْ في عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ، غاضَبَ أباهُ فَأسْلَمَ، ثُمَّ اسْتَصْلَحَهُ أبُوهُ وأعْطاهُ مالًا وجَهَّزَهُ إلى الشّامِ، فَبَعَثَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أنَّهُ كافِرٌ بِرَبِّ النَّجْمِ إذا هَوى. ورُوِيَ أنَّهُ قالَ: «(اللَّهُمَّ ابْعَثْ عَلَيْهِ كَلْبَكَ يَأْكُلْهُ)» فَلَمّا انْتَهى إلى الغاضِرَةِ ذَكَرَ الدُّعاءَ، فَجَعَلَ لِمَن مَعَهُ ألْفَ دِينارٍ إنْ أصْبَحَ حَيًّا، فَجَعَلُوهُ وسَطَ الرُّفْقَةِ والمَتاعُ حَوْلَهُ، فَأقْبَلَ الأسَدُ إلى الرِّحالِ ووَثَبَ، فَإذا هو فَوْقَهُ فَمَزَّقَهُ، فَكانَ أبُوهُ يَنْدُبُهُ ويَبْكِي عَلَيْهِ، وقالَ: ما قالَ مُحَمَّدٌ شَيْئًا قَطُّ إلّا كانَ، والآيَةُ وإنْ نَزَلَتْ في مَخْصُوصٍ فالإنْسانُ يُرادُ بِهِ الكافِرُ. (وقُتِلَ) دُعاءٌ عَلَيْهِ، والقَتْلُ أعْظَمُ شَدائِدِ الدُّنْيا ﴿ما أكْفَرَهُ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ تَعَجُّبٌ مِن إفْراطِ كُفْرِهِ، والتَّعَجُّبُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَخْلُوقِينَ، إذْ هو مُسْتَحِيلٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، أيْ هو مِمَّنْ يُقالُ فِيهِ ما أكْفَرَهُ. وقِيلَ: ما اسْتِفْهامُ تَوْقِيفٍ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ أكْفَرَهُ ؟ أيْ جَعَلَهُ كافِرًا، بِمَعْنى لِأيِّ شَيْءٍ يَسُوغُ لَهُ أنْ يَكْفُرَ.
﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى مَعْنى التَّقْرِيرِ عَلى حَقارَةِ ما خُلِقَ مِنهُ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ الشَّيْءَ الَّذِي خُلِقَ مِنهُ فَقالَ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أيْ فَهَيَّأهُ لِما يَصْلُحُ لَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ في بَطْنِ أُمِّهِ، وعَنْهُ قَدَّرَ أعْضاءَهُ، وحَسَنًا ودَمِيمًا وقَصِيرًا وطَوِيلًا وشَقِيًّا وسَعِيدًا، وقِيلَ: مِن حالٍ إلى حالٍ، نُطْفَةٍ ثُمَّ عَلَقَةٍ، إلى أنْ تَمَّ خَلْقُهُ ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ أيْ ثُمَّ يَسَّرَ السَّبِيلَ، أيْ سَهَّلَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وأبُو صالِحٍ والسُّدِّيُّ: سَبِيلُ النَّظَرِ القَوِيمِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ، وتَيْسِيرُهُ لَهُ هو هِبَةُ العَقْلِ. وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ أبِي صالِحٍ عَنْهُ: السَّبِيلُ العامُّ اسْمُ الجِنْسِ في هُدًى وضَلالٍ، أيْ يَسَّرَ قَوْمًا لِهَذا، كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣] الآيَةَ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]، وعَنِ ابْنِ (p-٤٢٩)عَبّاسٍ: يَسَّرَهُ لِلْخُرُوجِ مِن بَطْنِ أُمِّهِ.
﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ أيْ جَعَلَ لَهُ قَبْرًا صِيانَةً لِجَسَدِهِ أنْ يَأْكُلَهُ الطَّيْرُ والسِّباعُ. قَبَرَهُ: دَفَنَهُ، وأقْبَرَهُ: صَيَّرَهُ بِحَيْثُ يُقْبَرُ وجَعَلَ لَهُ قَبْرًا، والقابِرُ: الدّافِنُ بِيَدِهِ، قالَ الأعْشى:
؎لَوْ أسْنَدْتَ مَيِّتًا إلى قَبْرِها عاشَ ولَمْ يُنْقَلْ إلى قابِرِ
﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ أيْ إذا أرادَ إنْشارَهُ أنْشَرَهُ، والمَعْنى: إذا بَلَغَ الوَقْتُ الَّذِي قَدْ شاءَهُ اللَّهُ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وفي كِتابِ اللَّوامِحِ: شُعَيْبُ بْنُ الحَبْحابِ: شاءَ نَشَرَهُ، بِغَيْرِ هَمْزٍ قَبْلَ النُّونِ، وهُما لُغَتانِ في الإحْياءِ، وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ: وقَرَأ شُعَيْبُ بْنُ أبِي حَمْزَةَ: شاءَ نَشَرَهُ (كَلّا) رَدْعٌ لِلْإنْسانِ عَنْ ما هو فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والطُّغْيانِ ﴿لَمّا يَقْضِ﴾ يَفِي مِن أوَّلِ مُدَّةِ تَكْلِيفِهِ إلى حِينِ إقْبارِهِ ﴿ما أمَرَهُ﴾ بِهِ اللَّهُ تَعالى، فالضَّمِيرُ في يَقْضِ لِلْإنْسانِ. وقالَ ابْنُ فُورَكٍ: لِلَّهِ تَعالى، أيْ لَمْ يَقْضِ اللَّهُ لِهَذا الكافِرِ ما أمَرَهُ بِهِ مِنَ الإيمانِ، بَلْ أمَرَهُ بِما لَمْ يَقْضِ لَهُ، ولَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ في نَفْسِ الإنْسانِ ذَكَرَ النِّعَمَ فِيما بِهِ قِوامُ حَياتِهِ، وأمَرَهُ بِالنَّظَرِ إلى طَعامِهِ وكَيْفِيّاتِ الأحْوالِ الَّتِي اعْتَوَرَتْ عَلى طَعامِهِ حَتّى صارَ بِصَدَدِ أنْ يُطْعَمَ. والظّاهِرُ أنَّ الطَّعامَ هو المَطْعُومُ، وكَيْفَ يُيَسِّرُهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الوَسائِطِ المَذْكُورَةِ مَن صَبِّ الماءِ وشَقِّ الأرْضِ والإنْباتِ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقالَ أُبَيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ وغَيْرُهم: ﴿إلى طَعامِهِ﴾ أيْ إذا صارَ رَجِيعًا لِيَتَأمَّلَ عاقِبَةَ الدُّنْيا عَلى أيِّ شَيْءٍ يَتَفانى أهْلُها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إنّا) بِكَسْرٍ الهَمْزَةِ، والأعْرَجُ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ والكُوفِيُّونَ ورُوَيْسٌ: (أنّا) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، والحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أنِّي بِفَتْحِ الهَمْزَةِ مُمالًا، فالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ في ذِكْرِ تَعْدادِ الوُصُولِ إلى الطَّعامِ، والفَتْحُ قالُوا عَلى البَدَلِ ورَدَّهُ قَوْمٌ؛ لِأنَّ الثّانِيَ لَيْسَ الأوَّلَ. قِيلَ: ولَيْسَ كَما رَدُّوا؛ لِأنَّ المَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى إنْعامِنا في طَعامِهِ، فَتَرَتَّبَ البَدَلُ وصَحَّ. انْتَهى. كَأنَّهم جَعَلُوهُ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ بَدَلُ الِاشْتِمالِ. وقِراءَةُ أُبَيٍّ مُمالًا عَلى مَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ كَيْفَ صَبَبْنا، وأسْنَدَ تَعالى الصَّبَّ والشَّقَّ إلى نَفْسِهِ إسْنادَ الفِعْلِ إلى السَّبَبِ، وصَبُّ الماءِ هو المَطَرُ. والظّاهِرُ أنَّ الشَّقَّ كِنايَةٌ عَنْ شَقِّ الفَلّاحِ بِما جَرَتِ العادَةُ أنْ يَشُقَّ بِهِ. وقِيلَ: شَقُّ الأرْضِ هو بِالنَّباتِ.
﴿حَبًّا﴾: يَشْمَلُ ما يُسَمّى حَبًّا مِن حِنْطَةٍ وشَعِيرٍ وذُرَةٍ وسُلْتٍ وعَدَسٍ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿وقَضْبًا﴾ قالَ الحَسَنُ: العَلَفُ، وأهْلُ مَكَّةَ يُسَمُّونَ القَتَّ القَضْبَ. وقِيلَ: الفَصْفَصَةُ، وضُعِّفَ لِأنَّهُ داخِلٌ في الأبِّ. وقِيلَ: ما يُقْضَبُ لِيَأْكُلَهُ ابْنُ آدَمَ غَضًّا مِنَ النَّباتِ، كالبُقُولِ والهِلْيَوْنِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الرُّطَبُ، لِأنَّهُ يُقْضَبُ مِنَ النَّخْلِ، ولِأنَّهُ ذَكَرَ العِنَبَ قَبْلَهُ ﴿غُلْبًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: غِلاظًا، وعَنْهُ: طِوالًا، وعَنْ قَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ: كِرامًا ﴿وفاكِهَةً﴾ ما يَأْكُلُهُ النّاسُ مِن ثَمَرِ الشَّجَرِ، كالخَوْخِ والتِّينِ.
﴿وأبًّا﴾ ما تَأْكُلُهُ البَهائِمُ مِنَ العُشْبِ. وقالَ الضَّحّاكُ: التِّبْنُ خاصَّةً. وقالَ الكَلْبِيُّ: كُلُّ نَباتٍ سِوى الفاكِهَةِ رَطْبُها، والأبُّ: يابِسُها.
﴿الصّاخَّةُ﴾ اسْمٌ مِن أسْماءِ القِيامَةِ يُصِمُّ نَبَؤُها الآذانَ، تَقُولُ العَرَبُ: صَخَّتْهُمُ الصّاخَّةُ ونابَتْهُمُ النّائِبَةُ، أيِ الدّاهِيَةُ. وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: الصّاخَّةُ هي الَّتِي تُورِثُ الصَّمَمَ، وإنَّها لَمُسْمِعَةٌ، وهَذا مِن بَدِيعِ الفَصاحَةِ، كَقَوْلِهِ:
؎أصَمَّهم سِرُّهم أيّامَ فُرْقَتِهِمْ ∗∗∗ فَهَلْ سَمِعْتُمْ بِسِرٍّ يُورِثُ الصَّمَما
وقَوْلِ الآخَرِ:
؎أصَمَّ بِكَ النّاعِي وإنْ كانَ أسْمَعا
ولَعَمْرُ اللَّهِ إنَّ صَيْحَةَ القِيامَةِ مُسْمِعَةٌ تُصِمُّ عَنِ الدُّنْيا وتُسْمِعُ أُمُورَ الآخِرَةِ. انْتَهى.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ﴾ بَدَلٌ مِن (إذا)، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: اشْتَغَلَ كُلُّ إنْسانٍ بِنَفْسِهِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ وفِرارُهُ مِن شِدَّةِ الهَوْلِ يَوْمَ القِيامَةِ، كَما جاءَ مِن قَوْلِ الرُّسُلِ: نَفْسِي نَفْسِي. وقِيلَ: خَوْفُ التَّبِعاتِ، لِأنَّ المُلابَسَةَ تَقْتَضِي المُطالَبَةَ. يَقُولُ الأخُ: لَمْ تُواسِنِي بِمالِكَ، والأبَوانِ: قَصَّرْتَ في بِرِّنا، والصّاحِبَةُ: أطْعَمْتَنِي الحَرامَ وفَعَلْتَ وصَنَعْتَ، والبَنُونَ: لَمْ (p-٤٣٠)تُعَلِّمْنا وتُرْشِدْنا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُغْنِيهِ): أيْ عَنِ النَّظَرِ في شَأْنِ الآخَرِ مِنِ الإغْناءِ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ السَّمَيْقَعِ: يَعْنِيهِ بِفَتْحِ الياءِ والعَيْنِ المُهْمَلَةِ، مِن قَوْلِهِمْ: عَنانِي الأمْرُ: قَصَدَنِي (مُسْفِرَةٌ) مُضِيئَةٌ مِن أسْفَرَ الصُّبْحُ: أضاءَ، و(تَرْهَقُها): تَغْشاها (قَتَرَةٌ) أيْ غُبارٌ. والأُولى ما يَغْشاهُ مِنَ العُبُوسِ عِنْدَ الهَمِّ، والثّانِيَةُ مِن غُبارِ الأرْضِ. وقِيلَ: (غَبَرَةٌ) أيْ مِن تُرابِ الأرْضِ، وقَتَرَةٌ: سَوادٌ كالدُّخانِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: الغَبَرَةُ: ما انْحَطَّتْ إلى الأرْضِ، والقَتَرَةُ: ما ارْتَفَعَتْ إلى السَّماءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: قَتَرَةٌ، بِفَتْحِ التّاءِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِإسْكانِها.
عبس 80:34
﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ قِيلَ: نَزَلَتْ في عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ، غاضَبَ أباهُ فَأسْلَمَ، ثُمَّ اسْتَصْلَحَهُ أبُوهُ وأعْطاهُ مالًا وجَهَّزَهُ إلى الشّامِ، فَبَعَثَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أنَّهُ كافِرٌ بِرَبِّ النَّجْمِ إذا هَوى. ورُوِيَ أنَّهُ قالَ: «(اللَّهُمَّ ابْعَثْ عَلَيْهِ كَلْبَكَ يَأْكُلْهُ)» فَلَمّا انْتَهى إلى الغاضِرَةِ ذَكَرَ الدُّعاءَ، فَجَعَلَ لِمَن مَعَهُ ألْفَ دِينارٍ إنْ أصْبَحَ حَيًّا، فَجَعَلُوهُ وسَطَ الرُّفْقَةِ والمَتاعُ حَوْلَهُ، فَأقْبَلَ الأسَدُ إلى الرِّحالِ ووَثَبَ، فَإذا هو فَوْقَهُ فَمَزَّقَهُ، فَكانَ أبُوهُ يَنْدُبُهُ ويَبْكِي عَلَيْهِ، وقالَ: ما قالَ مُحَمَّدٌ شَيْئًا قَطُّ إلّا كانَ، والآيَةُ وإنْ نَزَلَتْ في مَخْصُوصٍ فالإنْسانُ يُرادُ بِهِ الكافِرُ. (وقُتِلَ) دُعاءٌ عَلَيْهِ، والقَتْلُ أعْظَمُ شَدائِدِ الدُّنْيا ﴿ما أكْفَرَهُ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ تَعَجُّبٌ مِن إفْراطِ كُفْرِهِ، والتَّعَجُّبُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَخْلُوقِينَ، إذْ هو مُسْتَحِيلٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، أيْ هو مِمَّنْ يُقالُ فِيهِ ما أكْفَرَهُ. وقِيلَ: ما اسْتِفْهامُ تَوْقِيفٍ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ أكْفَرَهُ ؟ أيْ جَعَلَهُ كافِرًا، بِمَعْنى لِأيِّ شَيْءٍ يَسُوغُ لَهُ أنْ يَكْفُرَ.
﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى مَعْنى التَّقْرِيرِ عَلى حَقارَةِ ما خُلِقَ مِنهُ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ الشَّيْءَ الَّذِي خُلِقَ مِنهُ فَقالَ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أيْ فَهَيَّأهُ لِما يَصْلُحُ لَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ في بَطْنِ أُمِّهِ، وعَنْهُ قَدَّرَ أعْضاءَهُ، وحَسَنًا ودَمِيمًا وقَصِيرًا وطَوِيلًا وشَقِيًّا وسَعِيدًا، وقِيلَ: مِن حالٍ إلى حالٍ، نُطْفَةٍ ثُمَّ عَلَقَةٍ، إلى أنْ تَمَّ خَلْقُهُ ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ أيْ ثُمَّ يَسَّرَ السَّبِيلَ، أيْ سَهَّلَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وأبُو صالِحٍ والسُّدِّيُّ: سَبِيلُ النَّظَرِ القَوِيمِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ، وتَيْسِيرُهُ لَهُ هو هِبَةُ العَقْلِ. وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ أبِي صالِحٍ عَنْهُ: السَّبِيلُ العامُّ اسْمُ الجِنْسِ في هُدًى وضَلالٍ، أيْ يَسَّرَ قَوْمًا لِهَذا، كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣] الآيَةَ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]، وعَنِ ابْنِ (p-٤٢٩)عَبّاسٍ: يَسَّرَهُ لِلْخُرُوجِ مِن بَطْنِ أُمِّهِ.
﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ أيْ جَعَلَ لَهُ قَبْرًا صِيانَةً لِجَسَدِهِ أنْ يَأْكُلَهُ الطَّيْرُ والسِّباعُ. قَبَرَهُ: دَفَنَهُ، وأقْبَرَهُ: صَيَّرَهُ بِحَيْثُ يُقْبَرُ وجَعَلَ لَهُ قَبْرًا، والقابِرُ: الدّافِنُ بِيَدِهِ، قالَ الأعْشى:
؎لَوْ أسْنَدْتَ مَيِّتًا إلى قَبْرِها عاشَ ولَمْ يُنْقَلْ إلى قابِرِ
﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ أيْ إذا أرادَ إنْشارَهُ أنْشَرَهُ، والمَعْنى: إذا بَلَغَ الوَقْتُ الَّذِي قَدْ شاءَهُ اللَّهُ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وفي كِتابِ اللَّوامِحِ: شُعَيْبُ بْنُ الحَبْحابِ: شاءَ نَشَرَهُ، بِغَيْرِ هَمْزٍ قَبْلَ النُّونِ، وهُما لُغَتانِ في الإحْياءِ، وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ: وقَرَأ شُعَيْبُ بْنُ أبِي حَمْزَةَ: شاءَ نَشَرَهُ (كَلّا) رَدْعٌ لِلْإنْسانِ عَنْ ما هو فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والطُّغْيانِ ﴿لَمّا يَقْضِ﴾ يَفِي مِن أوَّلِ مُدَّةِ تَكْلِيفِهِ إلى حِينِ إقْبارِهِ ﴿ما أمَرَهُ﴾ بِهِ اللَّهُ تَعالى، فالضَّمِيرُ في يَقْضِ لِلْإنْسانِ. وقالَ ابْنُ فُورَكٍ: لِلَّهِ تَعالى، أيْ لَمْ يَقْضِ اللَّهُ لِهَذا الكافِرِ ما أمَرَهُ بِهِ مِنَ الإيمانِ، بَلْ أمَرَهُ بِما لَمْ يَقْضِ لَهُ، ولَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ في نَفْسِ الإنْسانِ ذَكَرَ النِّعَمَ فِيما بِهِ قِوامُ حَياتِهِ، وأمَرَهُ بِالنَّظَرِ إلى طَعامِهِ وكَيْفِيّاتِ الأحْوالِ الَّتِي اعْتَوَرَتْ عَلى طَعامِهِ حَتّى صارَ بِصَدَدِ أنْ يُطْعَمَ. والظّاهِرُ أنَّ الطَّعامَ هو المَطْعُومُ، وكَيْفَ يُيَسِّرُهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الوَسائِطِ المَذْكُورَةِ مَن صَبِّ الماءِ وشَقِّ الأرْضِ والإنْباتِ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقالَ أُبَيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ وغَيْرُهم: ﴿إلى طَعامِهِ﴾ أيْ إذا صارَ رَجِيعًا لِيَتَأمَّلَ عاقِبَةَ الدُّنْيا عَلى أيِّ شَيْءٍ يَتَفانى أهْلُها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إنّا) بِكَسْرٍ الهَمْزَةِ، والأعْرَجُ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ والكُوفِيُّونَ ورُوَيْسٌ: (أنّا) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، والحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أنِّي بِفَتْحِ الهَمْزَةِ مُمالًا، فالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ في ذِكْرِ تَعْدادِ الوُصُولِ إلى الطَّعامِ، والفَتْحُ قالُوا عَلى البَدَلِ ورَدَّهُ قَوْمٌ؛ لِأنَّ الثّانِيَ لَيْسَ الأوَّلَ. قِيلَ: ولَيْسَ كَما رَدُّوا؛ لِأنَّ المَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى إنْعامِنا في طَعامِهِ، فَتَرَتَّبَ البَدَلُ وصَحَّ. انْتَهى. كَأنَّهم جَعَلُوهُ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ بَدَلُ الِاشْتِمالِ. وقِراءَةُ أُبَيٍّ مُمالًا عَلى مَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ كَيْفَ صَبَبْنا، وأسْنَدَ تَعالى الصَّبَّ والشَّقَّ إلى نَفْسِهِ إسْنادَ الفِعْلِ إلى السَّبَبِ، وصَبُّ الماءِ هو المَطَرُ. والظّاهِرُ أنَّ الشَّقَّ كِنايَةٌ عَنْ شَقِّ الفَلّاحِ بِما جَرَتِ العادَةُ أنْ يَشُقَّ بِهِ. وقِيلَ: شَقُّ الأرْضِ هو بِالنَّباتِ.
﴿حَبًّا﴾: يَشْمَلُ ما يُسَمّى حَبًّا مِن حِنْطَةٍ وشَعِيرٍ وذُرَةٍ وسُلْتٍ وعَدَسٍ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿وقَضْبًا﴾ قالَ الحَسَنُ: العَلَفُ، وأهْلُ مَكَّةَ يُسَمُّونَ القَتَّ القَضْبَ. وقِيلَ: الفَصْفَصَةُ، وضُعِّفَ لِأنَّهُ داخِلٌ في الأبِّ. وقِيلَ: ما يُقْضَبُ لِيَأْكُلَهُ ابْنُ آدَمَ غَضًّا مِنَ النَّباتِ، كالبُقُولِ والهِلْيَوْنِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الرُّطَبُ، لِأنَّهُ يُقْضَبُ مِنَ النَّخْلِ، ولِأنَّهُ ذَكَرَ العِنَبَ قَبْلَهُ ﴿غُلْبًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: غِلاظًا، وعَنْهُ: طِوالًا، وعَنْ قَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ: كِرامًا ﴿وفاكِهَةً﴾ ما يَأْكُلُهُ النّاسُ مِن ثَمَرِ الشَّجَرِ، كالخَوْخِ والتِّينِ.
﴿وأبًّا﴾ ما تَأْكُلُهُ البَهائِمُ مِنَ العُشْبِ. وقالَ الضَّحّاكُ: التِّبْنُ خاصَّةً. وقالَ الكَلْبِيُّ: كُلُّ نَباتٍ سِوى الفاكِهَةِ رَطْبُها، والأبُّ: يابِسُها.
﴿الصّاخَّةُ﴾ اسْمٌ مِن أسْماءِ القِيامَةِ يُصِمُّ نَبَؤُها الآذانَ، تَقُولُ العَرَبُ: صَخَّتْهُمُ الصّاخَّةُ ونابَتْهُمُ النّائِبَةُ، أيِ الدّاهِيَةُ. وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: الصّاخَّةُ هي الَّتِي تُورِثُ الصَّمَمَ، وإنَّها لَمُسْمِعَةٌ، وهَذا مِن بَدِيعِ الفَصاحَةِ، كَقَوْلِهِ:
؎أصَمَّهم سِرُّهم أيّامَ فُرْقَتِهِمْ ∗∗∗ فَهَلْ سَمِعْتُمْ بِسِرٍّ يُورِثُ الصَّمَما
وقَوْلِ الآخَرِ:
؎أصَمَّ بِكَ النّاعِي وإنْ كانَ أسْمَعا
ولَعَمْرُ اللَّهِ إنَّ صَيْحَةَ القِيامَةِ مُسْمِعَةٌ تُصِمُّ عَنِ الدُّنْيا وتُسْمِعُ أُمُورَ الآخِرَةِ. انْتَهى.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ﴾ بَدَلٌ مِن (إذا)، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: اشْتَغَلَ كُلُّ إنْسانٍ بِنَفْسِهِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ وفِرارُهُ مِن شِدَّةِ الهَوْلِ يَوْمَ القِيامَةِ، كَما جاءَ مِن قَوْلِ الرُّسُلِ: نَفْسِي نَفْسِي. وقِيلَ: خَوْفُ التَّبِعاتِ، لِأنَّ المُلابَسَةَ تَقْتَضِي المُطالَبَةَ. يَقُولُ الأخُ: لَمْ تُواسِنِي بِمالِكَ، والأبَوانِ: قَصَّرْتَ في بِرِّنا، والصّاحِبَةُ: أطْعَمْتَنِي الحَرامَ وفَعَلْتَ وصَنَعْتَ، والبَنُونَ: لَمْ (p-٤٣٠)تُعَلِّمْنا وتُرْشِدْنا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُغْنِيهِ): أيْ عَنِ النَّظَرِ في شَأْنِ الآخَرِ مِنِ الإغْناءِ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ السَّمَيْقَعِ: يَعْنِيهِ بِفَتْحِ الياءِ والعَيْنِ المُهْمَلَةِ، مِن قَوْلِهِمْ: عَنانِي الأمْرُ: قَصَدَنِي (مُسْفِرَةٌ) مُضِيئَةٌ مِن أسْفَرَ الصُّبْحُ: أضاءَ، و(تَرْهَقُها): تَغْشاها (قَتَرَةٌ) أيْ غُبارٌ. والأُولى ما يَغْشاهُ مِنَ العُبُوسِ عِنْدَ الهَمِّ، والثّانِيَةُ مِن غُبارِ الأرْضِ. وقِيلَ: (غَبَرَةٌ) أيْ مِن تُرابِ الأرْضِ، وقَتَرَةٌ: سَوادٌ كالدُّخانِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: الغَبَرَةُ: ما انْحَطَّتْ إلى الأرْضِ، والقَتَرَةُ: ما ارْتَفَعَتْ إلى السَّماءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: قَتَرَةٌ، بِفَتْحِ التّاءِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِإسْكانِها.
عبس 80:35
﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ قِيلَ: نَزَلَتْ في عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ، غاضَبَ أباهُ فَأسْلَمَ، ثُمَّ اسْتَصْلَحَهُ أبُوهُ وأعْطاهُ مالًا وجَهَّزَهُ إلى الشّامِ، فَبَعَثَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أنَّهُ كافِرٌ بِرَبِّ النَّجْمِ إذا هَوى. ورُوِيَ أنَّهُ قالَ: «(اللَّهُمَّ ابْعَثْ عَلَيْهِ كَلْبَكَ يَأْكُلْهُ)» فَلَمّا انْتَهى إلى الغاضِرَةِ ذَكَرَ الدُّعاءَ، فَجَعَلَ لِمَن مَعَهُ ألْفَ دِينارٍ إنْ أصْبَحَ حَيًّا، فَجَعَلُوهُ وسَطَ الرُّفْقَةِ والمَتاعُ حَوْلَهُ، فَأقْبَلَ الأسَدُ إلى الرِّحالِ ووَثَبَ، فَإذا هو فَوْقَهُ فَمَزَّقَهُ، فَكانَ أبُوهُ يَنْدُبُهُ ويَبْكِي عَلَيْهِ، وقالَ: ما قالَ مُحَمَّدٌ شَيْئًا قَطُّ إلّا كانَ، والآيَةُ وإنْ نَزَلَتْ في مَخْصُوصٍ فالإنْسانُ يُرادُ بِهِ الكافِرُ. (وقُتِلَ) دُعاءٌ عَلَيْهِ، والقَتْلُ أعْظَمُ شَدائِدِ الدُّنْيا ﴿ما أكْفَرَهُ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ تَعَجُّبٌ مِن إفْراطِ كُفْرِهِ، والتَّعَجُّبُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَخْلُوقِينَ، إذْ هو مُسْتَحِيلٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، أيْ هو مِمَّنْ يُقالُ فِيهِ ما أكْفَرَهُ. وقِيلَ: ما اسْتِفْهامُ تَوْقِيفٍ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ أكْفَرَهُ ؟ أيْ جَعَلَهُ كافِرًا، بِمَعْنى لِأيِّ شَيْءٍ يَسُوغُ لَهُ أنْ يَكْفُرَ.
﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى مَعْنى التَّقْرِيرِ عَلى حَقارَةِ ما خُلِقَ مِنهُ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ الشَّيْءَ الَّذِي خُلِقَ مِنهُ فَقالَ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أيْ فَهَيَّأهُ لِما يَصْلُحُ لَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ في بَطْنِ أُمِّهِ، وعَنْهُ قَدَّرَ أعْضاءَهُ، وحَسَنًا ودَمِيمًا وقَصِيرًا وطَوِيلًا وشَقِيًّا وسَعِيدًا، وقِيلَ: مِن حالٍ إلى حالٍ، نُطْفَةٍ ثُمَّ عَلَقَةٍ، إلى أنْ تَمَّ خَلْقُهُ ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ أيْ ثُمَّ يَسَّرَ السَّبِيلَ، أيْ سَهَّلَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وأبُو صالِحٍ والسُّدِّيُّ: سَبِيلُ النَّظَرِ القَوِيمِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ، وتَيْسِيرُهُ لَهُ هو هِبَةُ العَقْلِ. وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ أبِي صالِحٍ عَنْهُ: السَّبِيلُ العامُّ اسْمُ الجِنْسِ في هُدًى وضَلالٍ، أيْ يَسَّرَ قَوْمًا لِهَذا، كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣] الآيَةَ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]، وعَنِ ابْنِ (p-٤٢٩)عَبّاسٍ: يَسَّرَهُ لِلْخُرُوجِ مِن بَطْنِ أُمِّهِ.
﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ أيْ جَعَلَ لَهُ قَبْرًا صِيانَةً لِجَسَدِهِ أنْ يَأْكُلَهُ الطَّيْرُ والسِّباعُ. قَبَرَهُ: دَفَنَهُ، وأقْبَرَهُ: صَيَّرَهُ بِحَيْثُ يُقْبَرُ وجَعَلَ لَهُ قَبْرًا، والقابِرُ: الدّافِنُ بِيَدِهِ، قالَ الأعْشى:
؎لَوْ أسْنَدْتَ مَيِّتًا إلى قَبْرِها عاشَ ولَمْ يُنْقَلْ إلى قابِرِ
﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ أيْ إذا أرادَ إنْشارَهُ أنْشَرَهُ، والمَعْنى: إذا بَلَغَ الوَقْتُ الَّذِي قَدْ شاءَهُ اللَّهُ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وفي كِتابِ اللَّوامِحِ: شُعَيْبُ بْنُ الحَبْحابِ: شاءَ نَشَرَهُ، بِغَيْرِ هَمْزٍ قَبْلَ النُّونِ، وهُما لُغَتانِ في الإحْياءِ، وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ: وقَرَأ شُعَيْبُ بْنُ أبِي حَمْزَةَ: شاءَ نَشَرَهُ (كَلّا) رَدْعٌ لِلْإنْسانِ عَنْ ما هو فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والطُّغْيانِ ﴿لَمّا يَقْضِ﴾ يَفِي مِن أوَّلِ مُدَّةِ تَكْلِيفِهِ إلى حِينِ إقْبارِهِ ﴿ما أمَرَهُ﴾ بِهِ اللَّهُ تَعالى، فالضَّمِيرُ في يَقْضِ لِلْإنْسانِ. وقالَ ابْنُ فُورَكٍ: لِلَّهِ تَعالى، أيْ لَمْ يَقْضِ اللَّهُ لِهَذا الكافِرِ ما أمَرَهُ بِهِ مِنَ الإيمانِ، بَلْ أمَرَهُ بِما لَمْ يَقْضِ لَهُ، ولَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ في نَفْسِ الإنْسانِ ذَكَرَ النِّعَمَ فِيما بِهِ قِوامُ حَياتِهِ، وأمَرَهُ بِالنَّظَرِ إلى طَعامِهِ وكَيْفِيّاتِ الأحْوالِ الَّتِي اعْتَوَرَتْ عَلى طَعامِهِ حَتّى صارَ بِصَدَدِ أنْ يُطْعَمَ. والظّاهِرُ أنَّ الطَّعامَ هو المَطْعُومُ، وكَيْفَ يُيَسِّرُهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الوَسائِطِ المَذْكُورَةِ مَن صَبِّ الماءِ وشَقِّ الأرْضِ والإنْباتِ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقالَ أُبَيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ وغَيْرُهم: ﴿إلى طَعامِهِ﴾ أيْ إذا صارَ رَجِيعًا لِيَتَأمَّلَ عاقِبَةَ الدُّنْيا عَلى أيِّ شَيْءٍ يَتَفانى أهْلُها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إنّا) بِكَسْرٍ الهَمْزَةِ، والأعْرَجُ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ والكُوفِيُّونَ ورُوَيْسٌ: (أنّا) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، والحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أنِّي بِفَتْحِ الهَمْزَةِ مُمالًا، فالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ في ذِكْرِ تَعْدادِ الوُصُولِ إلى الطَّعامِ، والفَتْحُ قالُوا عَلى البَدَلِ ورَدَّهُ قَوْمٌ؛ لِأنَّ الثّانِيَ لَيْسَ الأوَّلَ. قِيلَ: ولَيْسَ كَما رَدُّوا؛ لِأنَّ المَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى إنْعامِنا في طَعامِهِ، فَتَرَتَّبَ البَدَلُ وصَحَّ. انْتَهى. كَأنَّهم جَعَلُوهُ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ بَدَلُ الِاشْتِمالِ. وقِراءَةُ أُبَيٍّ مُمالًا عَلى مَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ كَيْفَ صَبَبْنا، وأسْنَدَ تَعالى الصَّبَّ والشَّقَّ إلى نَفْسِهِ إسْنادَ الفِعْلِ إلى السَّبَبِ، وصَبُّ الماءِ هو المَطَرُ. والظّاهِرُ أنَّ الشَّقَّ كِنايَةٌ عَنْ شَقِّ الفَلّاحِ بِما جَرَتِ العادَةُ أنْ يَشُقَّ بِهِ. وقِيلَ: شَقُّ الأرْضِ هو بِالنَّباتِ.
﴿حَبًّا﴾: يَشْمَلُ ما يُسَمّى حَبًّا مِن حِنْطَةٍ وشَعِيرٍ وذُرَةٍ وسُلْتٍ وعَدَسٍ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿وقَضْبًا﴾ قالَ الحَسَنُ: العَلَفُ، وأهْلُ مَكَّةَ يُسَمُّونَ القَتَّ القَضْبَ. وقِيلَ: الفَصْفَصَةُ، وضُعِّفَ لِأنَّهُ داخِلٌ في الأبِّ. وقِيلَ: ما يُقْضَبُ لِيَأْكُلَهُ ابْنُ آدَمَ غَضًّا مِنَ النَّباتِ، كالبُقُولِ والهِلْيَوْنِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الرُّطَبُ، لِأنَّهُ يُقْضَبُ مِنَ النَّخْلِ، ولِأنَّهُ ذَكَرَ العِنَبَ قَبْلَهُ ﴿غُلْبًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: غِلاظًا، وعَنْهُ: طِوالًا، وعَنْ قَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ: كِرامًا ﴿وفاكِهَةً﴾ ما يَأْكُلُهُ النّاسُ مِن ثَمَرِ الشَّجَرِ، كالخَوْخِ والتِّينِ.
﴿وأبًّا﴾ ما تَأْكُلُهُ البَهائِمُ مِنَ العُشْبِ. وقالَ الضَّحّاكُ: التِّبْنُ خاصَّةً. وقالَ الكَلْبِيُّ: كُلُّ نَباتٍ سِوى الفاكِهَةِ رَطْبُها، والأبُّ: يابِسُها.
﴿الصّاخَّةُ﴾ اسْمٌ مِن أسْماءِ القِيامَةِ يُصِمُّ نَبَؤُها الآذانَ، تَقُولُ العَرَبُ: صَخَّتْهُمُ الصّاخَّةُ ونابَتْهُمُ النّائِبَةُ، أيِ الدّاهِيَةُ. وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: الصّاخَّةُ هي الَّتِي تُورِثُ الصَّمَمَ، وإنَّها لَمُسْمِعَةٌ، وهَذا مِن بَدِيعِ الفَصاحَةِ، كَقَوْلِهِ:
؎أصَمَّهم سِرُّهم أيّامَ فُرْقَتِهِمْ ∗∗∗ فَهَلْ سَمِعْتُمْ بِسِرٍّ يُورِثُ الصَّمَما
وقَوْلِ الآخَرِ:
؎أصَمَّ بِكَ النّاعِي وإنْ كانَ أسْمَعا
ولَعَمْرُ اللَّهِ إنَّ صَيْحَةَ القِيامَةِ مُسْمِعَةٌ تُصِمُّ عَنِ الدُّنْيا وتُسْمِعُ أُمُورَ الآخِرَةِ. انْتَهى.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ﴾ بَدَلٌ مِن (إذا)، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: اشْتَغَلَ كُلُّ إنْسانٍ بِنَفْسِهِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ وفِرارُهُ مِن شِدَّةِ الهَوْلِ يَوْمَ القِيامَةِ، كَما جاءَ مِن قَوْلِ الرُّسُلِ: نَفْسِي نَفْسِي. وقِيلَ: خَوْفُ التَّبِعاتِ، لِأنَّ المُلابَسَةَ تَقْتَضِي المُطالَبَةَ. يَقُولُ الأخُ: لَمْ تُواسِنِي بِمالِكَ، والأبَوانِ: قَصَّرْتَ في بِرِّنا، والصّاحِبَةُ: أطْعَمْتَنِي الحَرامَ وفَعَلْتَ وصَنَعْتَ، والبَنُونَ: لَمْ (p-٤٣٠)تُعَلِّمْنا وتُرْشِدْنا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُغْنِيهِ): أيْ عَنِ النَّظَرِ في شَأْنِ الآخَرِ مِنِ الإغْناءِ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ السَّمَيْقَعِ: يَعْنِيهِ بِفَتْحِ الياءِ والعَيْنِ المُهْمَلَةِ، مِن قَوْلِهِمْ: عَنانِي الأمْرُ: قَصَدَنِي (مُسْفِرَةٌ) مُضِيئَةٌ مِن أسْفَرَ الصُّبْحُ: أضاءَ، و(تَرْهَقُها): تَغْشاها (قَتَرَةٌ) أيْ غُبارٌ. والأُولى ما يَغْشاهُ مِنَ العُبُوسِ عِنْدَ الهَمِّ، والثّانِيَةُ مِن غُبارِ الأرْضِ. وقِيلَ: (غَبَرَةٌ) أيْ مِن تُرابِ الأرْضِ، وقَتَرَةٌ: سَوادٌ كالدُّخانِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: الغَبَرَةُ: ما انْحَطَّتْ إلى الأرْضِ، والقَتَرَةُ: ما ارْتَفَعَتْ إلى السَّماءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: قَتَرَةٌ، بِفَتْحِ التّاءِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِإسْكانِها.
عبس 80:36
﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ قِيلَ: نَزَلَتْ في عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ، غاضَبَ أباهُ فَأسْلَمَ، ثُمَّ اسْتَصْلَحَهُ أبُوهُ وأعْطاهُ مالًا وجَهَّزَهُ إلى الشّامِ، فَبَعَثَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أنَّهُ كافِرٌ بِرَبِّ النَّجْمِ إذا هَوى. ورُوِيَ أنَّهُ قالَ: «(اللَّهُمَّ ابْعَثْ عَلَيْهِ كَلْبَكَ يَأْكُلْهُ)» فَلَمّا انْتَهى إلى الغاضِرَةِ ذَكَرَ الدُّعاءَ، فَجَعَلَ لِمَن مَعَهُ ألْفَ دِينارٍ إنْ أصْبَحَ حَيًّا، فَجَعَلُوهُ وسَطَ الرُّفْقَةِ والمَتاعُ حَوْلَهُ، فَأقْبَلَ الأسَدُ إلى الرِّحالِ ووَثَبَ، فَإذا هو فَوْقَهُ فَمَزَّقَهُ، فَكانَ أبُوهُ يَنْدُبُهُ ويَبْكِي عَلَيْهِ، وقالَ: ما قالَ مُحَمَّدٌ شَيْئًا قَطُّ إلّا كانَ، والآيَةُ وإنْ نَزَلَتْ في مَخْصُوصٍ فالإنْسانُ يُرادُ بِهِ الكافِرُ. (وقُتِلَ) دُعاءٌ عَلَيْهِ، والقَتْلُ أعْظَمُ شَدائِدِ الدُّنْيا ﴿ما أكْفَرَهُ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ تَعَجُّبٌ مِن إفْراطِ كُفْرِهِ، والتَّعَجُّبُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَخْلُوقِينَ، إذْ هو مُسْتَحِيلٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، أيْ هو مِمَّنْ يُقالُ فِيهِ ما أكْفَرَهُ. وقِيلَ: ما اسْتِفْهامُ تَوْقِيفٍ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ أكْفَرَهُ ؟ أيْ جَعَلَهُ كافِرًا، بِمَعْنى لِأيِّ شَيْءٍ يَسُوغُ لَهُ أنْ يَكْفُرَ.
﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى مَعْنى التَّقْرِيرِ عَلى حَقارَةِ ما خُلِقَ مِنهُ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ الشَّيْءَ الَّذِي خُلِقَ مِنهُ فَقالَ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أيْ فَهَيَّأهُ لِما يَصْلُحُ لَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ في بَطْنِ أُمِّهِ، وعَنْهُ قَدَّرَ أعْضاءَهُ، وحَسَنًا ودَمِيمًا وقَصِيرًا وطَوِيلًا وشَقِيًّا وسَعِيدًا، وقِيلَ: مِن حالٍ إلى حالٍ، نُطْفَةٍ ثُمَّ عَلَقَةٍ، إلى أنْ تَمَّ خَلْقُهُ ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ أيْ ثُمَّ يَسَّرَ السَّبِيلَ، أيْ سَهَّلَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وأبُو صالِحٍ والسُّدِّيُّ: سَبِيلُ النَّظَرِ القَوِيمِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ، وتَيْسِيرُهُ لَهُ هو هِبَةُ العَقْلِ. وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ أبِي صالِحٍ عَنْهُ: السَّبِيلُ العامُّ اسْمُ الجِنْسِ في هُدًى وضَلالٍ، أيْ يَسَّرَ قَوْمًا لِهَذا، كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣] الآيَةَ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]، وعَنِ ابْنِ (p-٤٢٩)عَبّاسٍ: يَسَّرَهُ لِلْخُرُوجِ مِن بَطْنِ أُمِّهِ.
﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ أيْ جَعَلَ لَهُ قَبْرًا صِيانَةً لِجَسَدِهِ أنْ يَأْكُلَهُ الطَّيْرُ والسِّباعُ. قَبَرَهُ: دَفَنَهُ، وأقْبَرَهُ: صَيَّرَهُ بِحَيْثُ يُقْبَرُ وجَعَلَ لَهُ قَبْرًا، والقابِرُ: الدّافِنُ بِيَدِهِ، قالَ الأعْشى:
؎لَوْ أسْنَدْتَ مَيِّتًا إلى قَبْرِها عاشَ ولَمْ يُنْقَلْ إلى قابِرِ
﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ أيْ إذا أرادَ إنْشارَهُ أنْشَرَهُ، والمَعْنى: إذا بَلَغَ الوَقْتُ الَّذِي قَدْ شاءَهُ اللَّهُ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وفي كِتابِ اللَّوامِحِ: شُعَيْبُ بْنُ الحَبْحابِ: شاءَ نَشَرَهُ، بِغَيْرِ هَمْزٍ قَبْلَ النُّونِ، وهُما لُغَتانِ في الإحْياءِ، وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ: وقَرَأ شُعَيْبُ بْنُ أبِي حَمْزَةَ: شاءَ نَشَرَهُ (كَلّا) رَدْعٌ لِلْإنْسانِ عَنْ ما هو فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والطُّغْيانِ ﴿لَمّا يَقْضِ﴾ يَفِي مِن أوَّلِ مُدَّةِ تَكْلِيفِهِ إلى حِينِ إقْبارِهِ ﴿ما أمَرَهُ﴾ بِهِ اللَّهُ تَعالى، فالضَّمِيرُ في يَقْضِ لِلْإنْسانِ. وقالَ ابْنُ فُورَكٍ: لِلَّهِ تَعالى، أيْ لَمْ يَقْضِ اللَّهُ لِهَذا الكافِرِ ما أمَرَهُ بِهِ مِنَ الإيمانِ، بَلْ أمَرَهُ بِما لَمْ يَقْضِ لَهُ، ولَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ في نَفْسِ الإنْسانِ ذَكَرَ النِّعَمَ فِيما بِهِ قِوامُ حَياتِهِ، وأمَرَهُ بِالنَّظَرِ إلى طَعامِهِ وكَيْفِيّاتِ الأحْوالِ الَّتِي اعْتَوَرَتْ عَلى طَعامِهِ حَتّى صارَ بِصَدَدِ أنْ يُطْعَمَ. والظّاهِرُ أنَّ الطَّعامَ هو المَطْعُومُ، وكَيْفَ يُيَسِّرُهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الوَسائِطِ المَذْكُورَةِ مَن صَبِّ الماءِ وشَقِّ الأرْضِ والإنْباتِ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقالَ أُبَيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ وغَيْرُهم: ﴿إلى طَعامِهِ﴾ أيْ إذا صارَ رَجِيعًا لِيَتَأمَّلَ عاقِبَةَ الدُّنْيا عَلى أيِّ شَيْءٍ يَتَفانى أهْلُها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إنّا) بِكَسْرٍ الهَمْزَةِ، والأعْرَجُ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ والكُوفِيُّونَ ورُوَيْسٌ: (أنّا) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، والحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أنِّي بِفَتْحِ الهَمْزَةِ مُمالًا، فالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ في ذِكْرِ تَعْدادِ الوُصُولِ إلى الطَّعامِ، والفَتْحُ قالُوا عَلى البَدَلِ ورَدَّهُ قَوْمٌ؛ لِأنَّ الثّانِيَ لَيْسَ الأوَّلَ. قِيلَ: ولَيْسَ كَما رَدُّوا؛ لِأنَّ المَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى إنْعامِنا في طَعامِهِ، فَتَرَتَّبَ البَدَلُ وصَحَّ. انْتَهى. كَأنَّهم جَعَلُوهُ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ بَدَلُ الِاشْتِمالِ. وقِراءَةُ أُبَيٍّ مُمالًا عَلى مَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ كَيْفَ صَبَبْنا، وأسْنَدَ تَعالى الصَّبَّ والشَّقَّ إلى نَفْسِهِ إسْنادَ الفِعْلِ إلى السَّبَبِ، وصَبُّ الماءِ هو المَطَرُ. والظّاهِرُ أنَّ الشَّقَّ كِنايَةٌ عَنْ شَقِّ الفَلّاحِ بِما جَرَتِ العادَةُ أنْ يَشُقَّ بِهِ. وقِيلَ: شَقُّ الأرْضِ هو بِالنَّباتِ.
﴿حَبًّا﴾: يَشْمَلُ ما يُسَمّى حَبًّا مِن حِنْطَةٍ وشَعِيرٍ وذُرَةٍ وسُلْتٍ وعَدَسٍ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿وقَضْبًا﴾ قالَ الحَسَنُ: العَلَفُ، وأهْلُ مَكَّةَ يُسَمُّونَ القَتَّ القَضْبَ. وقِيلَ: الفَصْفَصَةُ، وضُعِّفَ لِأنَّهُ داخِلٌ في الأبِّ. وقِيلَ: ما يُقْضَبُ لِيَأْكُلَهُ ابْنُ آدَمَ غَضًّا مِنَ النَّباتِ، كالبُقُولِ والهِلْيَوْنِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الرُّطَبُ، لِأنَّهُ يُقْضَبُ مِنَ النَّخْلِ، ولِأنَّهُ ذَكَرَ العِنَبَ قَبْلَهُ ﴿غُلْبًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: غِلاظًا، وعَنْهُ: طِوالًا، وعَنْ قَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ: كِرامًا ﴿وفاكِهَةً﴾ ما يَأْكُلُهُ النّاسُ مِن ثَمَرِ الشَّجَرِ، كالخَوْخِ والتِّينِ.
﴿وأبًّا﴾ ما تَأْكُلُهُ البَهائِمُ مِنَ العُشْبِ. وقالَ الضَّحّاكُ: التِّبْنُ خاصَّةً. وقالَ الكَلْبِيُّ: كُلُّ نَباتٍ سِوى الفاكِهَةِ رَطْبُها، والأبُّ: يابِسُها.
﴿الصّاخَّةُ﴾ اسْمٌ مِن أسْماءِ القِيامَةِ يُصِمُّ نَبَؤُها الآذانَ، تَقُولُ العَرَبُ: صَخَّتْهُمُ الصّاخَّةُ ونابَتْهُمُ النّائِبَةُ، أيِ الدّاهِيَةُ. وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: الصّاخَّةُ هي الَّتِي تُورِثُ الصَّمَمَ، وإنَّها لَمُسْمِعَةٌ، وهَذا مِن بَدِيعِ الفَصاحَةِ، كَقَوْلِهِ:
؎أصَمَّهم سِرُّهم أيّامَ فُرْقَتِهِمْ ∗∗∗ فَهَلْ سَمِعْتُمْ بِسِرٍّ يُورِثُ الصَّمَما
وقَوْلِ الآخَرِ:
؎أصَمَّ بِكَ النّاعِي وإنْ كانَ أسْمَعا
ولَعَمْرُ اللَّهِ إنَّ صَيْحَةَ القِيامَةِ مُسْمِعَةٌ تُصِمُّ عَنِ الدُّنْيا وتُسْمِعُ أُمُورَ الآخِرَةِ. انْتَهى.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ﴾ بَدَلٌ مِن (إذا)، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: اشْتَغَلَ كُلُّ إنْسانٍ بِنَفْسِهِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ وفِرارُهُ مِن شِدَّةِ الهَوْلِ يَوْمَ القِيامَةِ، كَما جاءَ مِن قَوْلِ الرُّسُلِ: نَفْسِي نَفْسِي. وقِيلَ: خَوْفُ التَّبِعاتِ، لِأنَّ المُلابَسَةَ تَقْتَضِي المُطالَبَةَ. يَقُولُ الأخُ: لَمْ تُواسِنِي بِمالِكَ، والأبَوانِ: قَصَّرْتَ في بِرِّنا، والصّاحِبَةُ: أطْعَمْتَنِي الحَرامَ وفَعَلْتَ وصَنَعْتَ، والبَنُونَ: لَمْ (p-٤٣٠)تُعَلِّمْنا وتُرْشِدْنا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُغْنِيهِ): أيْ عَنِ النَّظَرِ في شَأْنِ الآخَرِ مِنِ الإغْناءِ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ السَّمَيْقَعِ: يَعْنِيهِ بِفَتْحِ الياءِ والعَيْنِ المُهْمَلَةِ، مِن قَوْلِهِمْ: عَنانِي الأمْرُ: قَصَدَنِي (مُسْفِرَةٌ) مُضِيئَةٌ مِن أسْفَرَ الصُّبْحُ: أضاءَ، و(تَرْهَقُها): تَغْشاها (قَتَرَةٌ) أيْ غُبارٌ. والأُولى ما يَغْشاهُ مِنَ العُبُوسِ عِنْدَ الهَمِّ، والثّانِيَةُ مِن غُبارِ الأرْضِ. وقِيلَ: (غَبَرَةٌ) أيْ مِن تُرابِ الأرْضِ، وقَتَرَةٌ: سَوادٌ كالدُّخانِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: الغَبَرَةُ: ما انْحَطَّتْ إلى الأرْضِ، والقَتَرَةُ: ما ارْتَفَعَتْ إلى السَّماءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: قَتَرَةٌ، بِفَتْحِ التّاءِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِإسْكانِها.
عبس 80:37
﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ قِيلَ: نَزَلَتْ في عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ، غاضَبَ أباهُ فَأسْلَمَ، ثُمَّ اسْتَصْلَحَهُ أبُوهُ وأعْطاهُ مالًا وجَهَّزَهُ إلى الشّامِ، فَبَعَثَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أنَّهُ كافِرٌ بِرَبِّ النَّجْمِ إذا هَوى. ورُوِيَ أنَّهُ قالَ: «(اللَّهُمَّ ابْعَثْ عَلَيْهِ كَلْبَكَ يَأْكُلْهُ)» فَلَمّا انْتَهى إلى الغاضِرَةِ ذَكَرَ الدُّعاءَ، فَجَعَلَ لِمَن مَعَهُ ألْفَ دِينارٍ إنْ أصْبَحَ حَيًّا، فَجَعَلُوهُ وسَطَ الرُّفْقَةِ والمَتاعُ حَوْلَهُ، فَأقْبَلَ الأسَدُ إلى الرِّحالِ ووَثَبَ، فَإذا هو فَوْقَهُ فَمَزَّقَهُ، فَكانَ أبُوهُ يَنْدُبُهُ ويَبْكِي عَلَيْهِ، وقالَ: ما قالَ مُحَمَّدٌ شَيْئًا قَطُّ إلّا كانَ، والآيَةُ وإنْ نَزَلَتْ في مَخْصُوصٍ فالإنْسانُ يُرادُ بِهِ الكافِرُ. (وقُتِلَ) دُعاءٌ عَلَيْهِ، والقَتْلُ أعْظَمُ شَدائِدِ الدُّنْيا ﴿ما أكْفَرَهُ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ تَعَجُّبٌ مِن إفْراطِ كُفْرِهِ، والتَّعَجُّبُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَخْلُوقِينَ، إذْ هو مُسْتَحِيلٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، أيْ هو مِمَّنْ يُقالُ فِيهِ ما أكْفَرَهُ. وقِيلَ: ما اسْتِفْهامُ تَوْقِيفٍ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ أكْفَرَهُ ؟ أيْ جَعَلَهُ كافِرًا، بِمَعْنى لِأيِّ شَيْءٍ يَسُوغُ لَهُ أنْ يَكْفُرَ.
﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى مَعْنى التَّقْرِيرِ عَلى حَقارَةِ ما خُلِقَ مِنهُ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ الشَّيْءَ الَّذِي خُلِقَ مِنهُ فَقالَ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أيْ فَهَيَّأهُ لِما يَصْلُحُ لَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ في بَطْنِ أُمِّهِ، وعَنْهُ قَدَّرَ أعْضاءَهُ، وحَسَنًا ودَمِيمًا وقَصِيرًا وطَوِيلًا وشَقِيًّا وسَعِيدًا، وقِيلَ: مِن حالٍ إلى حالٍ، نُطْفَةٍ ثُمَّ عَلَقَةٍ، إلى أنْ تَمَّ خَلْقُهُ ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ أيْ ثُمَّ يَسَّرَ السَّبِيلَ، أيْ سَهَّلَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وأبُو صالِحٍ والسُّدِّيُّ: سَبِيلُ النَّظَرِ القَوِيمِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ، وتَيْسِيرُهُ لَهُ هو هِبَةُ العَقْلِ. وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ أبِي صالِحٍ عَنْهُ: السَّبِيلُ العامُّ اسْمُ الجِنْسِ في هُدًى وضَلالٍ، أيْ يَسَّرَ قَوْمًا لِهَذا، كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣] الآيَةَ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]، وعَنِ ابْنِ (p-٤٢٩)عَبّاسٍ: يَسَّرَهُ لِلْخُرُوجِ مِن بَطْنِ أُمِّهِ.
﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ أيْ جَعَلَ لَهُ قَبْرًا صِيانَةً لِجَسَدِهِ أنْ يَأْكُلَهُ الطَّيْرُ والسِّباعُ. قَبَرَهُ: دَفَنَهُ، وأقْبَرَهُ: صَيَّرَهُ بِحَيْثُ يُقْبَرُ وجَعَلَ لَهُ قَبْرًا، والقابِرُ: الدّافِنُ بِيَدِهِ، قالَ الأعْشى:
؎لَوْ أسْنَدْتَ مَيِّتًا إلى قَبْرِها عاشَ ولَمْ يُنْقَلْ إلى قابِرِ
﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ أيْ إذا أرادَ إنْشارَهُ أنْشَرَهُ، والمَعْنى: إذا بَلَغَ الوَقْتُ الَّذِي قَدْ شاءَهُ اللَّهُ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وفي كِتابِ اللَّوامِحِ: شُعَيْبُ بْنُ الحَبْحابِ: شاءَ نَشَرَهُ، بِغَيْرِ هَمْزٍ قَبْلَ النُّونِ، وهُما لُغَتانِ في الإحْياءِ، وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ: وقَرَأ شُعَيْبُ بْنُ أبِي حَمْزَةَ: شاءَ نَشَرَهُ (كَلّا) رَدْعٌ لِلْإنْسانِ عَنْ ما هو فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والطُّغْيانِ ﴿لَمّا يَقْضِ﴾ يَفِي مِن أوَّلِ مُدَّةِ تَكْلِيفِهِ إلى حِينِ إقْبارِهِ ﴿ما أمَرَهُ﴾ بِهِ اللَّهُ تَعالى، فالضَّمِيرُ في يَقْضِ لِلْإنْسانِ. وقالَ ابْنُ فُورَكٍ: لِلَّهِ تَعالى، أيْ لَمْ يَقْضِ اللَّهُ لِهَذا الكافِرِ ما أمَرَهُ بِهِ مِنَ الإيمانِ، بَلْ أمَرَهُ بِما لَمْ يَقْضِ لَهُ، ولَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ في نَفْسِ الإنْسانِ ذَكَرَ النِّعَمَ فِيما بِهِ قِوامُ حَياتِهِ، وأمَرَهُ بِالنَّظَرِ إلى طَعامِهِ وكَيْفِيّاتِ الأحْوالِ الَّتِي اعْتَوَرَتْ عَلى طَعامِهِ حَتّى صارَ بِصَدَدِ أنْ يُطْعَمَ. والظّاهِرُ أنَّ الطَّعامَ هو المَطْعُومُ، وكَيْفَ يُيَسِّرُهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الوَسائِطِ المَذْكُورَةِ مَن صَبِّ الماءِ وشَقِّ الأرْضِ والإنْباتِ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقالَ أُبَيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ وغَيْرُهم: ﴿إلى طَعامِهِ﴾ أيْ إذا صارَ رَجِيعًا لِيَتَأمَّلَ عاقِبَةَ الدُّنْيا عَلى أيِّ شَيْءٍ يَتَفانى أهْلُها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إنّا) بِكَسْرٍ الهَمْزَةِ، والأعْرَجُ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ والكُوفِيُّونَ ورُوَيْسٌ: (أنّا) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، والحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أنِّي بِفَتْحِ الهَمْزَةِ مُمالًا، فالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ في ذِكْرِ تَعْدادِ الوُصُولِ إلى الطَّعامِ، والفَتْحُ قالُوا عَلى البَدَلِ ورَدَّهُ قَوْمٌ؛ لِأنَّ الثّانِيَ لَيْسَ الأوَّلَ. قِيلَ: ولَيْسَ كَما رَدُّوا؛ لِأنَّ المَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى إنْعامِنا في طَعامِهِ، فَتَرَتَّبَ البَدَلُ وصَحَّ. انْتَهى. كَأنَّهم جَعَلُوهُ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ بَدَلُ الِاشْتِمالِ. وقِراءَةُ أُبَيٍّ مُمالًا عَلى مَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ كَيْفَ صَبَبْنا، وأسْنَدَ تَعالى الصَّبَّ والشَّقَّ إلى نَفْسِهِ إسْنادَ الفِعْلِ إلى السَّبَبِ، وصَبُّ الماءِ هو المَطَرُ. والظّاهِرُ أنَّ الشَّقَّ كِنايَةٌ عَنْ شَقِّ الفَلّاحِ بِما جَرَتِ العادَةُ أنْ يَشُقَّ بِهِ. وقِيلَ: شَقُّ الأرْضِ هو بِالنَّباتِ.
﴿حَبًّا﴾: يَشْمَلُ ما يُسَمّى حَبًّا مِن حِنْطَةٍ وشَعِيرٍ وذُرَةٍ وسُلْتٍ وعَدَسٍ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿وقَضْبًا﴾ قالَ الحَسَنُ: العَلَفُ، وأهْلُ مَكَّةَ يُسَمُّونَ القَتَّ القَضْبَ. وقِيلَ: الفَصْفَصَةُ، وضُعِّفَ لِأنَّهُ داخِلٌ في الأبِّ. وقِيلَ: ما يُقْضَبُ لِيَأْكُلَهُ ابْنُ آدَمَ غَضًّا مِنَ النَّباتِ، كالبُقُولِ والهِلْيَوْنِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الرُّطَبُ، لِأنَّهُ يُقْضَبُ مِنَ النَّخْلِ، ولِأنَّهُ ذَكَرَ العِنَبَ قَبْلَهُ ﴿غُلْبًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: غِلاظًا، وعَنْهُ: طِوالًا، وعَنْ قَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ: كِرامًا ﴿وفاكِهَةً﴾ ما يَأْكُلُهُ النّاسُ مِن ثَمَرِ الشَّجَرِ، كالخَوْخِ والتِّينِ.
﴿وأبًّا﴾ ما تَأْكُلُهُ البَهائِمُ مِنَ العُشْبِ. وقالَ الضَّحّاكُ: التِّبْنُ خاصَّةً. وقالَ الكَلْبِيُّ: كُلُّ نَباتٍ سِوى الفاكِهَةِ رَطْبُها، والأبُّ: يابِسُها.
﴿الصّاخَّةُ﴾ اسْمٌ مِن أسْماءِ القِيامَةِ يُصِمُّ نَبَؤُها الآذانَ، تَقُولُ العَرَبُ: صَخَّتْهُمُ الصّاخَّةُ ونابَتْهُمُ النّائِبَةُ، أيِ الدّاهِيَةُ. وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: الصّاخَّةُ هي الَّتِي تُورِثُ الصَّمَمَ، وإنَّها لَمُسْمِعَةٌ، وهَذا مِن بَدِيعِ الفَصاحَةِ، كَقَوْلِهِ:
؎أصَمَّهم سِرُّهم أيّامَ فُرْقَتِهِمْ ∗∗∗ فَهَلْ سَمِعْتُمْ بِسِرٍّ يُورِثُ الصَّمَما
وقَوْلِ الآخَرِ:
؎أصَمَّ بِكَ النّاعِي وإنْ كانَ أسْمَعا
ولَعَمْرُ اللَّهِ إنَّ صَيْحَةَ القِيامَةِ مُسْمِعَةٌ تُصِمُّ عَنِ الدُّنْيا وتُسْمِعُ أُمُورَ الآخِرَةِ. انْتَهى.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ﴾ بَدَلٌ مِن (إذا)، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: اشْتَغَلَ كُلُّ إنْسانٍ بِنَفْسِهِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ وفِرارُهُ مِن شِدَّةِ الهَوْلِ يَوْمَ القِيامَةِ، كَما جاءَ مِن قَوْلِ الرُّسُلِ: نَفْسِي نَفْسِي. وقِيلَ: خَوْفُ التَّبِعاتِ، لِأنَّ المُلابَسَةَ تَقْتَضِي المُطالَبَةَ. يَقُولُ الأخُ: لَمْ تُواسِنِي بِمالِكَ، والأبَوانِ: قَصَّرْتَ في بِرِّنا، والصّاحِبَةُ: أطْعَمْتَنِي الحَرامَ وفَعَلْتَ وصَنَعْتَ، والبَنُونَ: لَمْ (p-٤٣٠)تُعَلِّمْنا وتُرْشِدْنا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُغْنِيهِ): أيْ عَنِ النَّظَرِ في شَأْنِ الآخَرِ مِنِ الإغْناءِ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ السَّمَيْقَعِ: يَعْنِيهِ بِفَتْحِ الياءِ والعَيْنِ المُهْمَلَةِ، مِن قَوْلِهِمْ: عَنانِي الأمْرُ: قَصَدَنِي (مُسْفِرَةٌ) مُضِيئَةٌ مِن أسْفَرَ الصُّبْحُ: أضاءَ، و(تَرْهَقُها): تَغْشاها (قَتَرَةٌ) أيْ غُبارٌ. والأُولى ما يَغْشاهُ مِنَ العُبُوسِ عِنْدَ الهَمِّ، والثّانِيَةُ مِن غُبارِ الأرْضِ. وقِيلَ: (غَبَرَةٌ) أيْ مِن تُرابِ الأرْضِ، وقَتَرَةٌ: سَوادٌ كالدُّخانِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: الغَبَرَةُ: ما انْحَطَّتْ إلى الأرْضِ، والقَتَرَةُ: ما ارْتَفَعَتْ إلى السَّماءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: قَتَرَةٌ، بِفَتْحِ التّاءِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِإسْكانِها.
عبس 80:38
﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ قِيلَ: نَزَلَتْ في عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ، غاضَبَ أباهُ فَأسْلَمَ، ثُمَّ اسْتَصْلَحَهُ أبُوهُ وأعْطاهُ مالًا وجَهَّزَهُ إلى الشّامِ، فَبَعَثَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أنَّهُ كافِرٌ بِرَبِّ النَّجْمِ إذا هَوى. ورُوِيَ أنَّهُ قالَ: «(اللَّهُمَّ ابْعَثْ عَلَيْهِ كَلْبَكَ يَأْكُلْهُ)» فَلَمّا انْتَهى إلى الغاضِرَةِ ذَكَرَ الدُّعاءَ، فَجَعَلَ لِمَن مَعَهُ ألْفَ دِينارٍ إنْ أصْبَحَ حَيًّا، فَجَعَلُوهُ وسَطَ الرُّفْقَةِ والمَتاعُ حَوْلَهُ، فَأقْبَلَ الأسَدُ إلى الرِّحالِ ووَثَبَ، فَإذا هو فَوْقَهُ فَمَزَّقَهُ، فَكانَ أبُوهُ يَنْدُبُهُ ويَبْكِي عَلَيْهِ، وقالَ: ما قالَ مُحَمَّدٌ شَيْئًا قَطُّ إلّا كانَ، والآيَةُ وإنْ نَزَلَتْ في مَخْصُوصٍ فالإنْسانُ يُرادُ بِهِ الكافِرُ. (وقُتِلَ) دُعاءٌ عَلَيْهِ، والقَتْلُ أعْظَمُ شَدائِدِ الدُّنْيا ﴿ما أكْفَرَهُ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ تَعَجُّبٌ مِن إفْراطِ كُفْرِهِ، والتَّعَجُّبُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَخْلُوقِينَ، إذْ هو مُسْتَحِيلٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، أيْ هو مِمَّنْ يُقالُ فِيهِ ما أكْفَرَهُ. وقِيلَ: ما اسْتِفْهامُ تَوْقِيفٍ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ أكْفَرَهُ ؟ أيْ جَعَلَهُ كافِرًا، بِمَعْنى لِأيِّ شَيْءٍ يَسُوغُ لَهُ أنْ يَكْفُرَ.
﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى مَعْنى التَّقْرِيرِ عَلى حَقارَةِ ما خُلِقَ مِنهُ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ الشَّيْءَ الَّذِي خُلِقَ مِنهُ فَقالَ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أيْ فَهَيَّأهُ لِما يَصْلُحُ لَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ في بَطْنِ أُمِّهِ، وعَنْهُ قَدَّرَ أعْضاءَهُ، وحَسَنًا ودَمِيمًا وقَصِيرًا وطَوِيلًا وشَقِيًّا وسَعِيدًا، وقِيلَ: مِن حالٍ إلى حالٍ، نُطْفَةٍ ثُمَّ عَلَقَةٍ، إلى أنْ تَمَّ خَلْقُهُ ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ أيْ ثُمَّ يَسَّرَ السَّبِيلَ، أيْ سَهَّلَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وأبُو صالِحٍ والسُّدِّيُّ: سَبِيلُ النَّظَرِ القَوِيمِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ، وتَيْسِيرُهُ لَهُ هو هِبَةُ العَقْلِ. وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ أبِي صالِحٍ عَنْهُ: السَّبِيلُ العامُّ اسْمُ الجِنْسِ في هُدًى وضَلالٍ، أيْ يَسَّرَ قَوْمًا لِهَذا، كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣] الآيَةَ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]، وعَنِ ابْنِ (p-٤٢٩)عَبّاسٍ: يَسَّرَهُ لِلْخُرُوجِ مِن بَطْنِ أُمِّهِ.
﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ أيْ جَعَلَ لَهُ قَبْرًا صِيانَةً لِجَسَدِهِ أنْ يَأْكُلَهُ الطَّيْرُ والسِّباعُ. قَبَرَهُ: دَفَنَهُ، وأقْبَرَهُ: صَيَّرَهُ بِحَيْثُ يُقْبَرُ وجَعَلَ لَهُ قَبْرًا، والقابِرُ: الدّافِنُ بِيَدِهِ، قالَ الأعْشى:
؎لَوْ أسْنَدْتَ مَيِّتًا إلى قَبْرِها عاشَ ولَمْ يُنْقَلْ إلى قابِرِ
﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ أيْ إذا أرادَ إنْشارَهُ أنْشَرَهُ، والمَعْنى: إذا بَلَغَ الوَقْتُ الَّذِي قَدْ شاءَهُ اللَّهُ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وفي كِتابِ اللَّوامِحِ: شُعَيْبُ بْنُ الحَبْحابِ: شاءَ نَشَرَهُ، بِغَيْرِ هَمْزٍ قَبْلَ النُّونِ، وهُما لُغَتانِ في الإحْياءِ، وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ: وقَرَأ شُعَيْبُ بْنُ أبِي حَمْزَةَ: شاءَ نَشَرَهُ (كَلّا) رَدْعٌ لِلْإنْسانِ عَنْ ما هو فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والطُّغْيانِ ﴿لَمّا يَقْضِ﴾ يَفِي مِن أوَّلِ مُدَّةِ تَكْلِيفِهِ إلى حِينِ إقْبارِهِ ﴿ما أمَرَهُ﴾ بِهِ اللَّهُ تَعالى، فالضَّمِيرُ في يَقْضِ لِلْإنْسانِ. وقالَ ابْنُ فُورَكٍ: لِلَّهِ تَعالى، أيْ لَمْ يَقْضِ اللَّهُ لِهَذا الكافِرِ ما أمَرَهُ بِهِ مِنَ الإيمانِ، بَلْ أمَرَهُ بِما لَمْ يَقْضِ لَهُ، ولَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ في نَفْسِ الإنْسانِ ذَكَرَ النِّعَمَ فِيما بِهِ قِوامُ حَياتِهِ، وأمَرَهُ بِالنَّظَرِ إلى طَعامِهِ وكَيْفِيّاتِ الأحْوالِ الَّتِي اعْتَوَرَتْ عَلى طَعامِهِ حَتّى صارَ بِصَدَدِ أنْ يُطْعَمَ. والظّاهِرُ أنَّ الطَّعامَ هو المَطْعُومُ، وكَيْفَ يُيَسِّرُهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الوَسائِطِ المَذْكُورَةِ مَن صَبِّ الماءِ وشَقِّ الأرْضِ والإنْباتِ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقالَ أُبَيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ وغَيْرُهم: ﴿إلى طَعامِهِ﴾ أيْ إذا صارَ رَجِيعًا لِيَتَأمَّلَ عاقِبَةَ الدُّنْيا عَلى أيِّ شَيْءٍ يَتَفانى أهْلُها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إنّا) بِكَسْرٍ الهَمْزَةِ، والأعْرَجُ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ والكُوفِيُّونَ ورُوَيْسٌ: (أنّا) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، والحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أنِّي بِفَتْحِ الهَمْزَةِ مُمالًا، فالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ في ذِكْرِ تَعْدادِ الوُصُولِ إلى الطَّعامِ، والفَتْحُ قالُوا عَلى البَدَلِ ورَدَّهُ قَوْمٌ؛ لِأنَّ الثّانِيَ لَيْسَ الأوَّلَ. قِيلَ: ولَيْسَ كَما رَدُّوا؛ لِأنَّ المَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى إنْعامِنا في طَعامِهِ، فَتَرَتَّبَ البَدَلُ وصَحَّ. انْتَهى. كَأنَّهم جَعَلُوهُ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ بَدَلُ الِاشْتِمالِ. وقِراءَةُ أُبَيٍّ مُمالًا عَلى مَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ كَيْفَ صَبَبْنا، وأسْنَدَ تَعالى الصَّبَّ والشَّقَّ إلى نَفْسِهِ إسْنادَ الفِعْلِ إلى السَّبَبِ، وصَبُّ الماءِ هو المَطَرُ. والظّاهِرُ أنَّ الشَّقَّ كِنايَةٌ عَنْ شَقِّ الفَلّاحِ بِما جَرَتِ العادَةُ أنْ يَشُقَّ بِهِ. وقِيلَ: شَقُّ الأرْضِ هو بِالنَّباتِ.
﴿حَبًّا﴾: يَشْمَلُ ما يُسَمّى حَبًّا مِن حِنْطَةٍ وشَعِيرٍ وذُرَةٍ وسُلْتٍ وعَدَسٍ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿وقَضْبًا﴾ قالَ الحَسَنُ: العَلَفُ، وأهْلُ مَكَّةَ يُسَمُّونَ القَتَّ القَضْبَ. وقِيلَ: الفَصْفَصَةُ، وضُعِّفَ لِأنَّهُ داخِلٌ في الأبِّ. وقِيلَ: ما يُقْضَبُ لِيَأْكُلَهُ ابْنُ آدَمَ غَضًّا مِنَ النَّباتِ، كالبُقُولِ والهِلْيَوْنِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الرُّطَبُ، لِأنَّهُ يُقْضَبُ مِنَ النَّخْلِ، ولِأنَّهُ ذَكَرَ العِنَبَ قَبْلَهُ ﴿غُلْبًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: غِلاظًا، وعَنْهُ: طِوالًا، وعَنْ قَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ: كِرامًا ﴿وفاكِهَةً﴾ ما يَأْكُلُهُ النّاسُ مِن ثَمَرِ الشَّجَرِ، كالخَوْخِ والتِّينِ.
﴿وأبًّا﴾ ما تَأْكُلُهُ البَهائِمُ مِنَ العُشْبِ. وقالَ الضَّحّاكُ: التِّبْنُ خاصَّةً. وقالَ الكَلْبِيُّ: كُلُّ نَباتٍ سِوى الفاكِهَةِ رَطْبُها، والأبُّ: يابِسُها.
﴿الصّاخَّةُ﴾ اسْمٌ مِن أسْماءِ القِيامَةِ يُصِمُّ نَبَؤُها الآذانَ، تَقُولُ العَرَبُ: صَخَّتْهُمُ الصّاخَّةُ ونابَتْهُمُ النّائِبَةُ، أيِ الدّاهِيَةُ. وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: الصّاخَّةُ هي الَّتِي تُورِثُ الصَّمَمَ، وإنَّها لَمُسْمِعَةٌ، وهَذا مِن بَدِيعِ الفَصاحَةِ، كَقَوْلِهِ:
؎أصَمَّهم سِرُّهم أيّامَ فُرْقَتِهِمْ ∗∗∗ فَهَلْ سَمِعْتُمْ بِسِرٍّ يُورِثُ الصَّمَما
وقَوْلِ الآخَرِ:
؎أصَمَّ بِكَ النّاعِي وإنْ كانَ أسْمَعا
ولَعَمْرُ اللَّهِ إنَّ صَيْحَةَ القِيامَةِ مُسْمِعَةٌ تُصِمُّ عَنِ الدُّنْيا وتُسْمِعُ أُمُورَ الآخِرَةِ. انْتَهى.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ﴾ بَدَلٌ مِن (إذا)، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: اشْتَغَلَ كُلُّ إنْسانٍ بِنَفْسِهِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ وفِرارُهُ مِن شِدَّةِ الهَوْلِ يَوْمَ القِيامَةِ، كَما جاءَ مِن قَوْلِ الرُّسُلِ: نَفْسِي نَفْسِي. وقِيلَ: خَوْفُ التَّبِعاتِ، لِأنَّ المُلابَسَةَ تَقْتَضِي المُطالَبَةَ. يَقُولُ الأخُ: لَمْ تُواسِنِي بِمالِكَ، والأبَوانِ: قَصَّرْتَ في بِرِّنا، والصّاحِبَةُ: أطْعَمْتَنِي الحَرامَ وفَعَلْتَ وصَنَعْتَ، والبَنُونَ: لَمْ (p-٤٣٠)تُعَلِّمْنا وتُرْشِدْنا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُغْنِيهِ): أيْ عَنِ النَّظَرِ في شَأْنِ الآخَرِ مِنِ الإغْناءِ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ السَّمَيْقَعِ: يَعْنِيهِ بِفَتْحِ الياءِ والعَيْنِ المُهْمَلَةِ، مِن قَوْلِهِمْ: عَنانِي الأمْرُ: قَصَدَنِي (مُسْفِرَةٌ) مُضِيئَةٌ مِن أسْفَرَ الصُّبْحُ: أضاءَ، و(تَرْهَقُها): تَغْشاها (قَتَرَةٌ) أيْ غُبارٌ. والأُولى ما يَغْشاهُ مِنَ العُبُوسِ عِنْدَ الهَمِّ، والثّانِيَةُ مِن غُبارِ الأرْضِ. وقِيلَ: (غَبَرَةٌ) أيْ مِن تُرابِ الأرْضِ، وقَتَرَةٌ: سَوادٌ كالدُّخانِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: الغَبَرَةُ: ما انْحَطَّتْ إلى الأرْضِ، والقَتَرَةُ: ما ارْتَفَعَتْ إلى السَّماءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: قَتَرَةٌ، بِفَتْحِ التّاءِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِإسْكانِها.
عبس 80:39
﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ قِيلَ: نَزَلَتْ في عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ، غاضَبَ أباهُ فَأسْلَمَ، ثُمَّ اسْتَصْلَحَهُ أبُوهُ وأعْطاهُ مالًا وجَهَّزَهُ إلى الشّامِ، فَبَعَثَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أنَّهُ كافِرٌ بِرَبِّ النَّجْمِ إذا هَوى. ورُوِيَ أنَّهُ قالَ: «(اللَّهُمَّ ابْعَثْ عَلَيْهِ كَلْبَكَ يَأْكُلْهُ)» فَلَمّا انْتَهى إلى الغاضِرَةِ ذَكَرَ الدُّعاءَ، فَجَعَلَ لِمَن مَعَهُ ألْفَ دِينارٍ إنْ أصْبَحَ حَيًّا، فَجَعَلُوهُ وسَطَ الرُّفْقَةِ والمَتاعُ حَوْلَهُ، فَأقْبَلَ الأسَدُ إلى الرِّحالِ ووَثَبَ، فَإذا هو فَوْقَهُ فَمَزَّقَهُ، فَكانَ أبُوهُ يَنْدُبُهُ ويَبْكِي عَلَيْهِ، وقالَ: ما قالَ مُحَمَّدٌ شَيْئًا قَطُّ إلّا كانَ، والآيَةُ وإنْ نَزَلَتْ في مَخْصُوصٍ فالإنْسانُ يُرادُ بِهِ الكافِرُ. (وقُتِلَ) دُعاءٌ عَلَيْهِ، والقَتْلُ أعْظَمُ شَدائِدِ الدُّنْيا ﴿ما أكْفَرَهُ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ تَعَجُّبٌ مِن إفْراطِ كُفْرِهِ، والتَّعَجُّبُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَخْلُوقِينَ، إذْ هو مُسْتَحِيلٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، أيْ هو مِمَّنْ يُقالُ فِيهِ ما أكْفَرَهُ. وقِيلَ: ما اسْتِفْهامُ تَوْقِيفٍ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ أكْفَرَهُ ؟ أيْ جَعَلَهُ كافِرًا، بِمَعْنى لِأيِّ شَيْءٍ يَسُوغُ لَهُ أنْ يَكْفُرَ.
﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى مَعْنى التَّقْرِيرِ عَلى حَقارَةِ ما خُلِقَ مِنهُ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ الشَّيْءَ الَّذِي خُلِقَ مِنهُ فَقالَ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أيْ فَهَيَّأهُ لِما يَصْلُحُ لَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ في بَطْنِ أُمِّهِ، وعَنْهُ قَدَّرَ أعْضاءَهُ، وحَسَنًا ودَمِيمًا وقَصِيرًا وطَوِيلًا وشَقِيًّا وسَعِيدًا، وقِيلَ: مِن حالٍ إلى حالٍ، نُطْفَةٍ ثُمَّ عَلَقَةٍ، إلى أنْ تَمَّ خَلْقُهُ ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ أيْ ثُمَّ يَسَّرَ السَّبِيلَ، أيْ سَهَّلَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وأبُو صالِحٍ والسُّدِّيُّ: سَبِيلُ النَّظَرِ القَوِيمِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ، وتَيْسِيرُهُ لَهُ هو هِبَةُ العَقْلِ. وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ أبِي صالِحٍ عَنْهُ: السَّبِيلُ العامُّ اسْمُ الجِنْسِ في هُدًى وضَلالٍ، أيْ يَسَّرَ قَوْمًا لِهَذا، كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣] الآيَةَ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]، وعَنِ ابْنِ (p-٤٢٩)عَبّاسٍ: يَسَّرَهُ لِلْخُرُوجِ مِن بَطْنِ أُمِّهِ.
﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ أيْ جَعَلَ لَهُ قَبْرًا صِيانَةً لِجَسَدِهِ أنْ يَأْكُلَهُ الطَّيْرُ والسِّباعُ. قَبَرَهُ: دَفَنَهُ، وأقْبَرَهُ: صَيَّرَهُ بِحَيْثُ يُقْبَرُ وجَعَلَ لَهُ قَبْرًا، والقابِرُ: الدّافِنُ بِيَدِهِ، قالَ الأعْشى:
؎لَوْ أسْنَدْتَ مَيِّتًا إلى قَبْرِها عاشَ ولَمْ يُنْقَلْ إلى قابِرِ
﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ أيْ إذا أرادَ إنْشارَهُ أنْشَرَهُ، والمَعْنى: إذا بَلَغَ الوَقْتُ الَّذِي قَدْ شاءَهُ اللَّهُ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وفي كِتابِ اللَّوامِحِ: شُعَيْبُ بْنُ الحَبْحابِ: شاءَ نَشَرَهُ، بِغَيْرِ هَمْزٍ قَبْلَ النُّونِ، وهُما لُغَتانِ في الإحْياءِ، وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ: وقَرَأ شُعَيْبُ بْنُ أبِي حَمْزَةَ: شاءَ نَشَرَهُ (كَلّا) رَدْعٌ لِلْإنْسانِ عَنْ ما هو فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والطُّغْيانِ ﴿لَمّا يَقْضِ﴾ يَفِي مِن أوَّلِ مُدَّةِ تَكْلِيفِهِ إلى حِينِ إقْبارِهِ ﴿ما أمَرَهُ﴾ بِهِ اللَّهُ تَعالى، فالضَّمِيرُ في يَقْضِ لِلْإنْسانِ. وقالَ ابْنُ فُورَكٍ: لِلَّهِ تَعالى، أيْ لَمْ يَقْضِ اللَّهُ لِهَذا الكافِرِ ما أمَرَهُ بِهِ مِنَ الإيمانِ، بَلْ أمَرَهُ بِما لَمْ يَقْضِ لَهُ، ولَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ في نَفْسِ الإنْسانِ ذَكَرَ النِّعَمَ فِيما بِهِ قِوامُ حَياتِهِ، وأمَرَهُ بِالنَّظَرِ إلى طَعامِهِ وكَيْفِيّاتِ الأحْوالِ الَّتِي اعْتَوَرَتْ عَلى طَعامِهِ حَتّى صارَ بِصَدَدِ أنْ يُطْعَمَ. والظّاهِرُ أنَّ الطَّعامَ هو المَطْعُومُ، وكَيْفَ يُيَسِّرُهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الوَسائِطِ المَذْكُورَةِ مَن صَبِّ الماءِ وشَقِّ الأرْضِ والإنْباتِ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقالَ أُبَيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ وغَيْرُهم: ﴿إلى طَعامِهِ﴾ أيْ إذا صارَ رَجِيعًا لِيَتَأمَّلَ عاقِبَةَ الدُّنْيا عَلى أيِّ شَيْءٍ يَتَفانى أهْلُها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إنّا) بِكَسْرٍ الهَمْزَةِ، والأعْرَجُ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ والكُوفِيُّونَ ورُوَيْسٌ: (أنّا) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، والحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أنِّي بِفَتْحِ الهَمْزَةِ مُمالًا، فالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ في ذِكْرِ تَعْدادِ الوُصُولِ إلى الطَّعامِ، والفَتْحُ قالُوا عَلى البَدَلِ ورَدَّهُ قَوْمٌ؛ لِأنَّ الثّانِيَ لَيْسَ الأوَّلَ. قِيلَ: ولَيْسَ كَما رَدُّوا؛ لِأنَّ المَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى إنْعامِنا في طَعامِهِ، فَتَرَتَّبَ البَدَلُ وصَحَّ. انْتَهى. كَأنَّهم جَعَلُوهُ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ بَدَلُ الِاشْتِمالِ. وقِراءَةُ أُبَيٍّ مُمالًا عَلى مَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ كَيْفَ صَبَبْنا، وأسْنَدَ تَعالى الصَّبَّ والشَّقَّ إلى نَفْسِهِ إسْنادَ الفِعْلِ إلى السَّبَبِ، وصَبُّ الماءِ هو المَطَرُ. والظّاهِرُ أنَّ الشَّقَّ كِنايَةٌ عَنْ شَقِّ الفَلّاحِ بِما جَرَتِ العادَةُ أنْ يَشُقَّ بِهِ. وقِيلَ: شَقُّ الأرْضِ هو بِالنَّباتِ.
﴿حَبًّا﴾: يَشْمَلُ ما يُسَمّى حَبًّا مِن حِنْطَةٍ وشَعِيرٍ وذُرَةٍ وسُلْتٍ وعَدَسٍ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿وقَضْبًا﴾ قالَ الحَسَنُ: العَلَفُ، وأهْلُ مَكَّةَ يُسَمُّونَ القَتَّ القَضْبَ. وقِيلَ: الفَصْفَصَةُ، وضُعِّفَ لِأنَّهُ داخِلٌ في الأبِّ. وقِيلَ: ما يُقْضَبُ لِيَأْكُلَهُ ابْنُ آدَمَ غَضًّا مِنَ النَّباتِ، كالبُقُولِ والهِلْيَوْنِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الرُّطَبُ، لِأنَّهُ يُقْضَبُ مِنَ النَّخْلِ، ولِأنَّهُ ذَكَرَ العِنَبَ قَبْلَهُ ﴿غُلْبًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: غِلاظًا، وعَنْهُ: طِوالًا، وعَنْ قَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ: كِرامًا ﴿وفاكِهَةً﴾ ما يَأْكُلُهُ النّاسُ مِن ثَمَرِ الشَّجَرِ، كالخَوْخِ والتِّينِ.
﴿وأبًّا﴾ ما تَأْكُلُهُ البَهائِمُ مِنَ العُشْبِ. وقالَ الضَّحّاكُ: التِّبْنُ خاصَّةً. وقالَ الكَلْبِيُّ: كُلُّ نَباتٍ سِوى الفاكِهَةِ رَطْبُها، والأبُّ: يابِسُها.
﴿الصّاخَّةُ﴾ اسْمٌ مِن أسْماءِ القِيامَةِ يُصِمُّ نَبَؤُها الآذانَ، تَقُولُ العَرَبُ: صَخَّتْهُمُ الصّاخَّةُ ونابَتْهُمُ النّائِبَةُ، أيِ الدّاهِيَةُ. وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: الصّاخَّةُ هي الَّتِي تُورِثُ الصَّمَمَ، وإنَّها لَمُسْمِعَةٌ، وهَذا مِن بَدِيعِ الفَصاحَةِ، كَقَوْلِهِ:
؎أصَمَّهم سِرُّهم أيّامَ فُرْقَتِهِمْ ∗∗∗ فَهَلْ سَمِعْتُمْ بِسِرٍّ يُورِثُ الصَّمَما
وقَوْلِ الآخَرِ:
؎أصَمَّ بِكَ النّاعِي وإنْ كانَ أسْمَعا
ولَعَمْرُ اللَّهِ إنَّ صَيْحَةَ القِيامَةِ مُسْمِعَةٌ تُصِمُّ عَنِ الدُّنْيا وتُسْمِعُ أُمُورَ الآخِرَةِ. انْتَهى.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ﴾ بَدَلٌ مِن (إذا)، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: اشْتَغَلَ كُلُّ إنْسانٍ بِنَفْسِهِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ وفِرارُهُ مِن شِدَّةِ الهَوْلِ يَوْمَ القِيامَةِ، كَما جاءَ مِن قَوْلِ الرُّسُلِ: نَفْسِي نَفْسِي. وقِيلَ: خَوْفُ التَّبِعاتِ، لِأنَّ المُلابَسَةَ تَقْتَضِي المُطالَبَةَ. يَقُولُ الأخُ: لَمْ تُواسِنِي بِمالِكَ، والأبَوانِ: قَصَّرْتَ في بِرِّنا، والصّاحِبَةُ: أطْعَمْتَنِي الحَرامَ وفَعَلْتَ وصَنَعْتَ، والبَنُونَ: لَمْ (p-٤٣٠)تُعَلِّمْنا وتُرْشِدْنا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُغْنِيهِ): أيْ عَنِ النَّظَرِ في شَأْنِ الآخَرِ مِنِ الإغْناءِ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ السَّمَيْقَعِ: يَعْنِيهِ بِفَتْحِ الياءِ والعَيْنِ المُهْمَلَةِ، مِن قَوْلِهِمْ: عَنانِي الأمْرُ: قَصَدَنِي (مُسْفِرَةٌ) مُضِيئَةٌ مِن أسْفَرَ الصُّبْحُ: أضاءَ، و(تَرْهَقُها): تَغْشاها (قَتَرَةٌ) أيْ غُبارٌ. والأُولى ما يَغْشاهُ مِنَ العُبُوسِ عِنْدَ الهَمِّ، والثّانِيَةُ مِن غُبارِ الأرْضِ. وقِيلَ: (غَبَرَةٌ) أيْ مِن تُرابِ الأرْضِ، وقَتَرَةٌ: سَوادٌ كالدُّخانِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: الغَبَرَةُ: ما انْحَطَّتْ إلى الأرْضِ، والقَتَرَةُ: ما ارْتَفَعَتْ إلى السَّماءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: قَتَرَةٌ، بِفَتْحِ التّاءِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِإسْكانِها.
عبس 80:40
﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ قِيلَ: نَزَلَتْ في عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ، غاضَبَ أباهُ فَأسْلَمَ، ثُمَّ اسْتَصْلَحَهُ أبُوهُ وأعْطاهُ مالًا وجَهَّزَهُ إلى الشّامِ، فَبَعَثَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أنَّهُ كافِرٌ بِرَبِّ النَّجْمِ إذا هَوى. ورُوِيَ أنَّهُ قالَ: «(اللَّهُمَّ ابْعَثْ عَلَيْهِ كَلْبَكَ يَأْكُلْهُ)» فَلَمّا انْتَهى إلى الغاضِرَةِ ذَكَرَ الدُّعاءَ، فَجَعَلَ لِمَن مَعَهُ ألْفَ دِينارٍ إنْ أصْبَحَ حَيًّا، فَجَعَلُوهُ وسَطَ الرُّفْقَةِ والمَتاعُ حَوْلَهُ، فَأقْبَلَ الأسَدُ إلى الرِّحالِ ووَثَبَ، فَإذا هو فَوْقَهُ فَمَزَّقَهُ، فَكانَ أبُوهُ يَنْدُبُهُ ويَبْكِي عَلَيْهِ، وقالَ: ما قالَ مُحَمَّدٌ شَيْئًا قَطُّ إلّا كانَ، والآيَةُ وإنْ نَزَلَتْ في مَخْصُوصٍ فالإنْسانُ يُرادُ بِهِ الكافِرُ. (وقُتِلَ) دُعاءٌ عَلَيْهِ، والقَتْلُ أعْظَمُ شَدائِدِ الدُّنْيا ﴿ما أكْفَرَهُ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ تَعَجُّبٌ مِن إفْراطِ كُفْرِهِ، والتَّعَجُّبُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَخْلُوقِينَ، إذْ هو مُسْتَحِيلٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، أيْ هو مِمَّنْ يُقالُ فِيهِ ما أكْفَرَهُ. وقِيلَ: ما اسْتِفْهامُ تَوْقِيفٍ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ أكْفَرَهُ ؟ أيْ جَعَلَهُ كافِرًا، بِمَعْنى لِأيِّ شَيْءٍ يَسُوغُ لَهُ أنْ يَكْفُرَ.
﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى مَعْنى التَّقْرِيرِ عَلى حَقارَةِ ما خُلِقَ مِنهُ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ الشَّيْءَ الَّذِي خُلِقَ مِنهُ فَقالَ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أيْ فَهَيَّأهُ لِما يَصْلُحُ لَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ في بَطْنِ أُمِّهِ، وعَنْهُ قَدَّرَ أعْضاءَهُ، وحَسَنًا ودَمِيمًا وقَصِيرًا وطَوِيلًا وشَقِيًّا وسَعِيدًا، وقِيلَ: مِن حالٍ إلى حالٍ، نُطْفَةٍ ثُمَّ عَلَقَةٍ، إلى أنْ تَمَّ خَلْقُهُ ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ أيْ ثُمَّ يَسَّرَ السَّبِيلَ، أيْ سَهَّلَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وأبُو صالِحٍ والسُّدِّيُّ: سَبِيلُ النَّظَرِ القَوِيمِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ، وتَيْسِيرُهُ لَهُ هو هِبَةُ العَقْلِ. وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ أبِي صالِحٍ عَنْهُ: السَّبِيلُ العامُّ اسْمُ الجِنْسِ في هُدًى وضَلالٍ، أيْ يَسَّرَ قَوْمًا لِهَذا، كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣] الآيَةَ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]، وعَنِ ابْنِ (p-٤٢٩)عَبّاسٍ: يَسَّرَهُ لِلْخُرُوجِ مِن بَطْنِ أُمِّهِ.
﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ أيْ جَعَلَ لَهُ قَبْرًا صِيانَةً لِجَسَدِهِ أنْ يَأْكُلَهُ الطَّيْرُ والسِّباعُ. قَبَرَهُ: دَفَنَهُ، وأقْبَرَهُ: صَيَّرَهُ بِحَيْثُ يُقْبَرُ وجَعَلَ لَهُ قَبْرًا، والقابِرُ: الدّافِنُ بِيَدِهِ، قالَ الأعْشى:
؎لَوْ أسْنَدْتَ مَيِّتًا إلى قَبْرِها عاشَ ولَمْ يُنْقَلْ إلى قابِرِ
﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ أيْ إذا أرادَ إنْشارَهُ أنْشَرَهُ، والمَعْنى: إذا بَلَغَ الوَقْتُ الَّذِي قَدْ شاءَهُ اللَّهُ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وفي كِتابِ اللَّوامِحِ: شُعَيْبُ بْنُ الحَبْحابِ: شاءَ نَشَرَهُ، بِغَيْرِ هَمْزٍ قَبْلَ النُّونِ، وهُما لُغَتانِ في الإحْياءِ، وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ: وقَرَأ شُعَيْبُ بْنُ أبِي حَمْزَةَ: شاءَ نَشَرَهُ (كَلّا) رَدْعٌ لِلْإنْسانِ عَنْ ما هو فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والطُّغْيانِ ﴿لَمّا يَقْضِ﴾ يَفِي مِن أوَّلِ مُدَّةِ تَكْلِيفِهِ إلى حِينِ إقْبارِهِ ﴿ما أمَرَهُ﴾ بِهِ اللَّهُ تَعالى، فالضَّمِيرُ في يَقْضِ لِلْإنْسانِ. وقالَ ابْنُ فُورَكٍ: لِلَّهِ تَعالى، أيْ لَمْ يَقْضِ اللَّهُ لِهَذا الكافِرِ ما أمَرَهُ بِهِ مِنَ الإيمانِ، بَلْ أمَرَهُ بِما لَمْ يَقْضِ لَهُ، ولَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ في نَفْسِ الإنْسانِ ذَكَرَ النِّعَمَ فِيما بِهِ قِوامُ حَياتِهِ، وأمَرَهُ بِالنَّظَرِ إلى طَعامِهِ وكَيْفِيّاتِ الأحْوالِ الَّتِي اعْتَوَرَتْ عَلى طَعامِهِ حَتّى صارَ بِصَدَدِ أنْ يُطْعَمَ. والظّاهِرُ أنَّ الطَّعامَ هو المَطْعُومُ، وكَيْفَ يُيَسِّرُهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الوَسائِطِ المَذْكُورَةِ مَن صَبِّ الماءِ وشَقِّ الأرْضِ والإنْباتِ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقالَ أُبَيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ وغَيْرُهم: ﴿إلى طَعامِهِ﴾ أيْ إذا صارَ رَجِيعًا لِيَتَأمَّلَ عاقِبَةَ الدُّنْيا عَلى أيِّ شَيْءٍ يَتَفانى أهْلُها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إنّا) بِكَسْرٍ الهَمْزَةِ، والأعْرَجُ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ والكُوفِيُّونَ ورُوَيْسٌ: (أنّا) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، والحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أنِّي بِفَتْحِ الهَمْزَةِ مُمالًا، فالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ في ذِكْرِ تَعْدادِ الوُصُولِ إلى الطَّعامِ، والفَتْحُ قالُوا عَلى البَدَلِ ورَدَّهُ قَوْمٌ؛ لِأنَّ الثّانِيَ لَيْسَ الأوَّلَ. قِيلَ: ولَيْسَ كَما رَدُّوا؛ لِأنَّ المَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى إنْعامِنا في طَعامِهِ، فَتَرَتَّبَ البَدَلُ وصَحَّ. انْتَهى. كَأنَّهم جَعَلُوهُ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ بَدَلُ الِاشْتِمالِ. وقِراءَةُ أُبَيٍّ مُمالًا عَلى مَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ كَيْفَ صَبَبْنا، وأسْنَدَ تَعالى الصَّبَّ والشَّقَّ إلى نَفْسِهِ إسْنادَ الفِعْلِ إلى السَّبَبِ، وصَبُّ الماءِ هو المَطَرُ. والظّاهِرُ أنَّ الشَّقَّ كِنايَةٌ عَنْ شَقِّ الفَلّاحِ بِما جَرَتِ العادَةُ أنْ يَشُقَّ بِهِ. وقِيلَ: شَقُّ الأرْضِ هو بِالنَّباتِ.
﴿حَبًّا﴾: يَشْمَلُ ما يُسَمّى حَبًّا مِن حِنْطَةٍ وشَعِيرٍ وذُرَةٍ وسُلْتٍ وعَدَسٍ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿وقَضْبًا﴾ قالَ الحَسَنُ: العَلَفُ، وأهْلُ مَكَّةَ يُسَمُّونَ القَتَّ القَضْبَ. وقِيلَ: الفَصْفَصَةُ، وضُعِّفَ لِأنَّهُ داخِلٌ في الأبِّ. وقِيلَ: ما يُقْضَبُ لِيَأْكُلَهُ ابْنُ آدَمَ غَضًّا مِنَ النَّباتِ، كالبُقُولِ والهِلْيَوْنِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الرُّطَبُ، لِأنَّهُ يُقْضَبُ مِنَ النَّخْلِ، ولِأنَّهُ ذَكَرَ العِنَبَ قَبْلَهُ ﴿غُلْبًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: غِلاظًا، وعَنْهُ: طِوالًا، وعَنْ قَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ: كِرامًا ﴿وفاكِهَةً﴾ ما يَأْكُلُهُ النّاسُ مِن ثَمَرِ الشَّجَرِ، كالخَوْخِ والتِّينِ.
﴿وأبًّا﴾ ما تَأْكُلُهُ البَهائِمُ مِنَ العُشْبِ. وقالَ الضَّحّاكُ: التِّبْنُ خاصَّةً. وقالَ الكَلْبِيُّ: كُلُّ نَباتٍ سِوى الفاكِهَةِ رَطْبُها، والأبُّ: يابِسُها.
﴿الصّاخَّةُ﴾ اسْمٌ مِن أسْماءِ القِيامَةِ يُصِمُّ نَبَؤُها الآذانَ، تَقُولُ العَرَبُ: صَخَّتْهُمُ الصّاخَّةُ ونابَتْهُمُ النّائِبَةُ، أيِ الدّاهِيَةُ. وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: الصّاخَّةُ هي الَّتِي تُورِثُ الصَّمَمَ، وإنَّها لَمُسْمِعَةٌ، وهَذا مِن بَدِيعِ الفَصاحَةِ، كَقَوْلِهِ:
؎أصَمَّهم سِرُّهم أيّامَ فُرْقَتِهِمْ ∗∗∗ فَهَلْ سَمِعْتُمْ بِسِرٍّ يُورِثُ الصَّمَما
وقَوْلِ الآخَرِ:
؎أصَمَّ بِكَ النّاعِي وإنْ كانَ أسْمَعا
ولَعَمْرُ اللَّهِ إنَّ صَيْحَةَ القِيامَةِ مُسْمِعَةٌ تُصِمُّ عَنِ الدُّنْيا وتُسْمِعُ أُمُورَ الآخِرَةِ. انْتَهى.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ﴾ بَدَلٌ مِن (إذا)، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: اشْتَغَلَ كُلُّ إنْسانٍ بِنَفْسِهِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ وفِرارُهُ مِن شِدَّةِ الهَوْلِ يَوْمَ القِيامَةِ، كَما جاءَ مِن قَوْلِ الرُّسُلِ: نَفْسِي نَفْسِي. وقِيلَ: خَوْفُ التَّبِعاتِ، لِأنَّ المُلابَسَةَ تَقْتَضِي المُطالَبَةَ. يَقُولُ الأخُ: لَمْ تُواسِنِي بِمالِكَ، والأبَوانِ: قَصَّرْتَ في بِرِّنا، والصّاحِبَةُ: أطْعَمْتَنِي الحَرامَ وفَعَلْتَ وصَنَعْتَ، والبَنُونَ: لَمْ (p-٤٣٠)تُعَلِّمْنا وتُرْشِدْنا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُغْنِيهِ): أيْ عَنِ النَّظَرِ في شَأْنِ الآخَرِ مِنِ الإغْناءِ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ السَّمَيْقَعِ: يَعْنِيهِ بِفَتْحِ الياءِ والعَيْنِ المُهْمَلَةِ، مِن قَوْلِهِمْ: عَنانِي الأمْرُ: قَصَدَنِي (مُسْفِرَةٌ) مُضِيئَةٌ مِن أسْفَرَ الصُّبْحُ: أضاءَ، و(تَرْهَقُها): تَغْشاها (قَتَرَةٌ) أيْ غُبارٌ. والأُولى ما يَغْشاهُ مِنَ العُبُوسِ عِنْدَ الهَمِّ، والثّانِيَةُ مِن غُبارِ الأرْضِ. وقِيلَ: (غَبَرَةٌ) أيْ مِن تُرابِ الأرْضِ، وقَتَرَةٌ: سَوادٌ كالدُّخانِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: الغَبَرَةُ: ما انْحَطَّتْ إلى الأرْضِ، والقَتَرَةُ: ما ارْتَفَعَتْ إلى السَّماءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: قَتَرَةٌ، بِفَتْحِ التّاءِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِإسْكانِها.
عبس 80:41
﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ قِيلَ: نَزَلَتْ في عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ، غاضَبَ أباهُ فَأسْلَمَ، ثُمَّ اسْتَصْلَحَهُ أبُوهُ وأعْطاهُ مالًا وجَهَّزَهُ إلى الشّامِ، فَبَعَثَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أنَّهُ كافِرٌ بِرَبِّ النَّجْمِ إذا هَوى. ورُوِيَ أنَّهُ قالَ: «(اللَّهُمَّ ابْعَثْ عَلَيْهِ كَلْبَكَ يَأْكُلْهُ)» فَلَمّا انْتَهى إلى الغاضِرَةِ ذَكَرَ الدُّعاءَ، فَجَعَلَ لِمَن مَعَهُ ألْفَ دِينارٍ إنْ أصْبَحَ حَيًّا، فَجَعَلُوهُ وسَطَ الرُّفْقَةِ والمَتاعُ حَوْلَهُ، فَأقْبَلَ الأسَدُ إلى الرِّحالِ ووَثَبَ، فَإذا هو فَوْقَهُ فَمَزَّقَهُ، فَكانَ أبُوهُ يَنْدُبُهُ ويَبْكِي عَلَيْهِ، وقالَ: ما قالَ مُحَمَّدٌ شَيْئًا قَطُّ إلّا كانَ، والآيَةُ وإنْ نَزَلَتْ في مَخْصُوصٍ فالإنْسانُ يُرادُ بِهِ الكافِرُ. (وقُتِلَ) دُعاءٌ عَلَيْهِ، والقَتْلُ أعْظَمُ شَدائِدِ الدُّنْيا ﴿ما أكْفَرَهُ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ تَعَجُّبٌ مِن إفْراطِ كُفْرِهِ، والتَّعَجُّبُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَخْلُوقِينَ، إذْ هو مُسْتَحِيلٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، أيْ هو مِمَّنْ يُقالُ فِيهِ ما أكْفَرَهُ. وقِيلَ: ما اسْتِفْهامُ تَوْقِيفٍ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ أكْفَرَهُ ؟ أيْ جَعَلَهُ كافِرًا، بِمَعْنى لِأيِّ شَيْءٍ يَسُوغُ لَهُ أنْ يَكْفُرَ.
﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى مَعْنى التَّقْرِيرِ عَلى حَقارَةِ ما خُلِقَ مِنهُ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ الشَّيْءَ الَّذِي خُلِقَ مِنهُ فَقالَ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أيْ فَهَيَّأهُ لِما يَصْلُحُ لَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ في بَطْنِ أُمِّهِ، وعَنْهُ قَدَّرَ أعْضاءَهُ، وحَسَنًا ودَمِيمًا وقَصِيرًا وطَوِيلًا وشَقِيًّا وسَعِيدًا، وقِيلَ: مِن حالٍ إلى حالٍ، نُطْفَةٍ ثُمَّ عَلَقَةٍ، إلى أنْ تَمَّ خَلْقُهُ ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ أيْ ثُمَّ يَسَّرَ السَّبِيلَ، أيْ سَهَّلَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وأبُو صالِحٍ والسُّدِّيُّ: سَبِيلُ النَّظَرِ القَوِيمِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ، وتَيْسِيرُهُ لَهُ هو هِبَةُ العَقْلِ. وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ أبِي صالِحٍ عَنْهُ: السَّبِيلُ العامُّ اسْمُ الجِنْسِ في هُدًى وضَلالٍ، أيْ يَسَّرَ قَوْمًا لِهَذا، كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣] الآيَةَ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]، وعَنِ ابْنِ (p-٤٢٩)عَبّاسٍ: يَسَّرَهُ لِلْخُرُوجِ مِن بَطْنِ أُمِّهِ.
﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ أيْ جَعَلَ لَهُ قَبْرًا صِيانَةً لِجَسَدِهِ أنْ يَأْكُلَهُ الطَّيْرُ والسِّباعُ. قَبَرَهُ: دَفَنَهُ، وأقْبَرَهُ: صَيَّرَهُ بِحَيْثُ يُقْبَرُ وجَعَلَ لَهُ قَبْرًا، والقابِرُ: الدّافِنُ بِيَدِهِ، قالَ الأعْشى:
؎لَوْ أسْنَدْتَ مَيِّتًا إلى قَبْرِها عاشَ ولَمْ يُنْقَلْ إلى قابِرِ
﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ أيْ إذا أرادَ إنْشارَهُ أنْشَرَهُ، والمَعْنى: إذا بَلَغَ الوَقْتُ الَّذِي قَدْ شاءَهُ اللَّهُ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وفي كِتابِ اللَّوامِحِ: شُعَيْبُ بْنُ الحَبْحابِ: شاءَ نَشَرَهُ، بِغَيْرِ هَمْزٍ قَبْلَ النُّونِ، وهُما لُغَتانِ في الإحْياءِ، وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ: وقَرَأ شُعَيْبُ بْنُ أبِي حَمْزَةَ: شاءَ نَشَرَهُ (كَلّا) رَدْعٌ لِلْإنْسانِ عَنْ ما هو فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والطُّغْيانِ ﴿لَمّا يَقْضِ﴾ يَفِي مِن أوَّلِ مُدَّةِ تَكْلِيفِهِ إلى حِينِ إقْبارِهِ ﴿ما أمَرَهُ﴾ بِهِ اللَّهُ تَعالى، فالضَّمِيرُ في يَقْضِ لِلْإنْسانِ. وقالَ ابْنُ فُورَكٍ: لِلَّهِ تَعالى، أيْ لَمْ يَقْضِ اللَّهُ لِهَذا الكافِرِ ما أمَرَهُ بِهِ مِنَ الإيمانِ، بَلْ أمَرَهُ بِما لَمْ يَقْضِ لَهُ، ولَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ في نَفْسِ الإنْسانِ ذَكَرَ النِّعَمَ فِيما بِهِ قِوامُ حَياتِهِ، وأمَرَهُ بِالنَّظَرِ إلى طَعامِهِ وكَيْفِيّاتِ الأحْوالِ الَّتِي اعْتَوَرَتْ عَلى طَعامِهِ حَتّى صارَ بِصَدَدِ أنْ يُطْعَمَ. والظّاهِرُ أنَّ الطَّعامَ هو المَطْعُومُ، وكَيْفَ يُيَسِّرُهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الوَسائِطِ المَذْكُورَةِ مَن صَبِّ الماءِ وشَقِّ الأرْضِ والإنْباتِ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقالَ أُبَيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ وغَيْرُهم: ﴿إلى طَعامِهِ﴾ أيْ إذا صارَ رَجِيعًا لِيَتَأمَّلَ عاقِبَةَ الدُّنْيا عَلى أيِّ شَيْءٍ يَتَفانى أهْلُها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إنّا) بِكَسْرٍ الهَمْزَةِ، والأعْرَجُ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ والكُوفِيُّونَ ورُوَيْسٌ: (أنّا) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، والحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أنِّي بِفَتْحِ الهَمْزَةِ مُمالًا، فالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ في ذِكْرِ تَعْدادِ الوُصُولِ إلى الطَّعامِ، والفَتْحُ قالُوا عَلى البَدَلِ ورَدَّهُ قَوْمٌ؛ لِأنَّ الثّانِيَ لَيْسَ الأوَّلَ. قِيلَ: ولَيْسَ كَما رَدُّوا؛ لِأنَّ المَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى إنْعامِنا في طَعامِهِ، فَتَرَتَّبَ البَدَلُ وصَحَّ. انْتَهى. كَأنَّهم جَعَلُوهُ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ بَدَلُ الِاشْتِمالِ. وقِراءَةُ أُبَيٍّ مُمالًا عَلى مَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ كَيْفَ صَبَبْنا، وأسْنَدَ تَعالى الصَّبَّ والشَّقَّ إلى نَفْسِهِ إسْنادَ الفِعْلِ إلى السَّبَبِ، وصَبُّ الماءِ هو المَطَرُ. والظّاهِرُ أنَّ الشَّقَّ كِنايَةٌ عَنْ شَقِّ الفَلّاحِ بِما جَرَتِ العادَةُ أنْ يَشُقَّ بِهِ. وقِيلَ: شَقُّ الأرْضِ هو بِالنَّباتِ.
﴿حَبًّا﴾: يَشْمَلُ ما يُسَمّى حَبًّا مِن حِنْطَةٍ وشَعِيرٍ وذُرَةٍ وسُلْتٍ وعَدَسٍ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿وقَضْبًا﴾ قالَ الحَسَنُ: العَلَفُ، وأهْلُ مَكَّةَ يُسَمُّونَ القَتَّ القَضْبَ. وقِيلَ: الفَصْفَصَةُ، وضُعِّفَ لِأنَّهُ داخِلٌ في الأبِّ. وقِيلَ: ما يُقْضَبُ لِيَأْكُلَهُ ابْنُ آدَمَ غَضًّا مِنَ النَّباتِ، كالبُقُولِ والهِلْيَوْنِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الرُّطَبُ، لِأنَّهُ يُقْضَبُ مِنَ النَّخْلِ، ولِأنَّهُ ذَكَرَ العِنَبَ قَبْلَهُ ﴿غُلْبًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: غِلاظًا، وعَنْهُ: طِوالًا، وعَنْ قَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ: كِرامًا ﴿وفاكِهَةً﴾ ما يَأْكُلُهُ النّاسُ مِن ثَمَرِ الشَّجَرِ، كالخَوْخِ والتِّينِ.
﴿وأبًّا﴾ ما تَأْكُلُهُ البَهائِمُ مِنَ العُشْبِ. وقالَ الضَّحّاكُ: التِّبْنُ خاصَّةً. وقالَ الكَلْبِيُّ: كُلُّ نَباتٍ سِوى الفاكِهَةِ رَطْبُها، والأبُّ: يابِسُها.
﴿الصّاخَّةُ﴾ اسْمٌ مِن أسْماءِ القِيامَةِ يُصِمُّ نَبَؤُها الآذانَ، تَقُولُ العَرَبُ: صَخَّتْهُمُ الصّاخَّةُ ونابَتْهُمُ النّائِبَةُ، أيِ الدّاهِيَةُ. وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: الصّاخَّةُ هي الَّتِي تُورِثُ الصَّمَمَ، وإنَّها لَمُسْمِعَةٌ، وهَذا مِن بَدِيعِ الفَصاحَةِ، كَقَوْلِهِ:
؎أصَمَّهم سِرُّهم أيّامَ فُرْقَتِهِمْ ∗∗∗ فَهَلْ سَمِعْتُمْ بِسِرٍّ يُورِثُ الصَّمَما
وقَوْلِ الآخَرِ:
؎أصَمَّ بِكَ النّاعِي وإنْ كانَ أسْمَعا
ولَعَمْرُ اللَّهِ إنَّ صَيْحَةَ القِيامَةِ مُسْمِعَةٌ تُصِمُّ عَنِ الدُّنْيا وتُسْمِعُ أُمُورَ الآخِرَةِ. انْتَهى.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ﴾ بَدَلٌ مِن (إذا)، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: اشْتَغَلَ كُلُّ إنْسانٍ بِنَفْسِهِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ وفِرارُهُ مِن شِدَّةِ الهَوْلِ يَوْمَ القِيامَةِ، كَما جاءَ مِن قَوْلِ الرُّسُلِ: نَفْسِي نَفْسِي. وقِيلَ: خَوْفُ التَّبِعاتِ، لِأنَّ المُلابَسَةَ تَقْتَضِي المُطالَبَةَ. يَقُولُ الأخُ: لَمْ تُواسِنِي بِمالِكَ، والأبَوانِ: قَصَّرْتَ في بِرِّنا، والصّاحِبَةُ: أطْعَمْتَنِي الحَرامَ وفَعَلْتَ وصَنَعْتَ، والبَنُونَ: لَمْ (p-٤٣٠)تُعَلِّمْنا وتُرْشِدْنا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُغْنِيهِ): أيْ عَنِ النَّظَرِ في شَأْنِ الآخَرِ مِنِ الإغْناءِ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ السَّمَيْقَعِ: يَعْنِيهِ بِفَتْحِ الياءِ والعَيْنِ المُهْمَلَةِ، مِن قَوْلِهِمْ: عَنانِي الأمْرُ: قَصَدَنِي (مُسْفِرَةٌ) مُضِيئَةٌ مِن أسْفَرَ الصُّبْحُ: أضاءَ، و(تَرْهَقُها): تَغْشاها (قَتَرَةٌ) أيْ غُبارٌ. والأُولى ما يَغْشاهُ مِنَ العُبُوسِ عِنْدَ الهَمِّ، والثّانِيَةُ مِن غُبارِ الأرْضِ. وقِيلَ: (غَبَرَةٌ) أيْ مِن تُرابِ الأرْضِ، وقَتَرَةٌ: سَوادٌ كالدُّخانِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: الغَبَرَةُ: ما انْحَطَّتْ إلى الأرْضِ، والقَتَرَةُ: ما ارْتَفَعَتْ إلى السَّماءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: قَتَرَةٌ، بِفَتْحِ التّاءِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِإسْكانِها.
عبس 80:42
﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ قِيلَ: نَزَلَتْ في عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ، غاضَبَ أباهُ فَأسْلَمَ، ثُمَّ اسْتَصْلَحَهُ أبُوهُ وأعْطاهُ مالًا وجَهَّزَهُ إلى الشّامِ، فَبَعَثَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أنَّهُ كافِرٌ بِرَبِّ النَّجْمِ إذا هَوى. ورُوِيَ أنَّهُ قالَ: «(اللَّهُمَّ ابْعَثْ عَلَيْهِ كَلْبَكَ يَأْكُلْهُ)» فَلَمّا انْتَهى إلى الغاضِرَةِ ذَكَرَ الدُّعاءَ، فَجَعَلَ لِمَن مَعَهُ ألْفَ دِينارٍ إنْ أصْبَحَ حَيًّا، فَجَعَلُوهُ وسَطَ الرُّفْقَةِ والمَتاعُ حَوْلَهُ، فَأقْبَلَ الأسَدُ إلى الرِّحالِ ووَثَبَ، فَإذا هو فَوْقَهُ فَمَزَّقَهُ، فَكانَ أبُوهُ يَنْدُبُهُ ويَبْكِي عَلَيْهِ، وقالَ: ما قالَ مُحَمَّدٌ شَيْئًا قَطُّ إلّا كانَ، والآيَةُ وإنْ نَزَلَتْ في مَخْصُوصٍ فالإنْسانُ يُرادُ بِهِ الكافِرُ. (وقُتِلَ) دُعاءٌ عَلَيْهِ، والقَتْلُ أعْظَمُ شَدائِدِ الدُّنْيا ﴿ما أكْفَرَهُ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ تَعَجُّبٌ مِن إفْراطِ كُفْرِهِ، والتَّعَجُّبُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَخْلُوقِينَ، إذْ هو مُسْتَحِيلٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، أيْ هو مِمَّنْ يُقالُ فِيهِ ما أكْفَرَهُ. وقِيلَ: ما اسْتِفْهامُ تَوْقِيفٍ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ أكْفَرَهُ ؟ أيْ جَعَلَهُ كافِرًا، بِمَعْنى لِأيِّ شَيْءٍ يَسُوغُ لَهُ أنْ يَكْفُرَ.
﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى مَعْنى التَّقْرِيرِ عَلى حَقارَةِ ما خُلِقَ مِنهُ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ الشَّيْءَ الَّذِي خُلِقَ مِنهُ فَقالَ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أيْ فَهَيَّأهُ لِما يَصْلُحُ لَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ في بَطْنِ أُمِّهِ، وعَنْهُ قَدَّرَ أعْضاءَهُ، وحَسَنًا ودَمِيمًا وقَصِيرًا وطَوِيلًا وشَقِيًّا وسَعِيدًا، وقِيلَ: مِن حالٍ إلى حالٍ، نُطْفَةٍ ثُمَّ عَلَقَةٍ، إلى أنْ تَمَّ خَلْقُهُ ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ أيْ ثُمَّ يَسَّرَ السَّبِيلَ، أيْ سَهَّلَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وأبُو صالِحٍ والسُّدِّيُّ: سَبِيلُ النَّظَرِ القَوِيمِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ، وتَيْسِيرُهُ لَهُ هو هِبَةُ العَقْلِ. وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ أبِي صالِحٍ عَنْهُ: السَّبِيلُ العامُّ اسْمُ الجِنْسِ في هُدًى وضَلالٍ، أيْ يَسَّرَ قَوْمًا لِهَذا، كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣] الآيَةَ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]، وعَنِ ابْنِ (p-٤٢٩)عَبّاسٍ: يَسَّرَهُ لِلْخُرُوجِ مِن بَطْنِ أُمِّهِ.
﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ أيْ جَعَلَ لَهُ قَبْرًا صِيانَةً لِجَسَدِهِ أنْ يَأْكُلَهُ الطَّيْرُ والسِّباعُ. قَبَرَهُ: دَفَنَهُ، وأقْبَرَهُ: صَيَّرَهُ بِحَيْثُ يُقْبَرُ وجَعَلَ لَهُ قَبْرًا، والقابِرُ: الدّافِنُ بِيَدِهِ، قالَ الأعْشى:
؎لَوْ أسْنَدْتَ مَيِّتًا إلى قَبْرِها عاشَ ولَمْ يُنْقَلْ إلى قابِرِ
﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ أيْ إذا أرادَ إنْشارَهُ أنْشَرَهُ، والمَعْنى: إذا بَلَغَ الوَقْتُ الَّذِي قَدْ شاءَهُ اللَّهُ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وفي كِتابِ اللَّوامِحِ: شُعَيْبُ بْنُ الحَبْحابِ: شاءَ نَشَرَهُ، بِغَيْرِ هَمْزٍ قَبْلَ النُّونِ، وهُما لُغَتانِ في الإحْياءِ، وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ: وقَرَأ شُعَيْبُ بْنُ أبِي حَمْزَةَ: شاءَ نَشَرَهُ (كَلّا) رَدْعٌ لِلْإنْسانِ عَنْ ما هو فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والطُّغْيانِ ﴿لَمّا يَقْضِ﴾ يَفِي مِن أوَّلِ مُدَّةِ تَكْلِيفِهِ إلى حِينِ إقْبارِهِ ﴿ما أمَرَهُ﴾ بِهِ اللَّهُ تَعالى، فالضَّمِيرُ في يَقْضِ لِلْإنْسانِ. وقالَ ابْنُ فُورَكٍ: لِلَّهِ تَعالى، أيْ لَمْ يَقْضِ اللَّهُ لِهَذا الكافِرِ ما أمَرَهُ بِهِ مِنَ الإيمانِ، بَلْ أمَرَهُ بِما لَمْ يَقْضِ لَهُ، ولَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ في نَفْسِ الإنْسانِ ذَكَرَ النِّعَمَ فِيما بِهِ قِوامُ حَياتِهِ، وأمَرَهُ بِالنَّظَرِ إلى طَعامِهِ وكَيْفِيّاتِ الأحْوالِ الَّتِي اعْتَوَرَتْ عَلى طَعامِهِ حَتّى صارَ بِصَدَدِ أنْ يُطْعَمَ. والظّاهِرُ أنَّ الطَّعامَ هو المَطْعُومُ، وكَيْفَ يُيَسِّرُهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الوَسائِطِ المَذْكُورَةِ مَن صَبِّ الماءِ وشَقِّ الأرْضِ والإنْباتِ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقالَ أُبَيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ وغَيْرُهم: ﴿إلى طَعامِهِ﴾ أيْ إذا صارَ رَجِيعًا لِيَتَأمَّلَ عاقِبَةَ الدُّنْيا عَلى أيِّ شَيْءٍ يَتَفانى أهْلُها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إنّا) بِكَسْرٍ الهَمْزَةِ، والأعْرَجُ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ والكُوفِيُّونَ ورُوَيْسٌ: (أنّا) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، والحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أنِّي بِفَتْحِ الهَمْزَةِ مُمالًا، فالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ في ذِكْرِ تَعْدادِ الوُصُولِ إلى الطَّعامِ، والفَتْحُ قالُوا عَلى البَدَلِ ورَدَّهُ قَوْمٌ؛ لِأنَّ الثّانِيَ لَيْسَ الأوَّلَ. قِيلَ: ولَيْسَ كَما رَدُّوا؛ لِأنَّ المَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى إنْعامِنا في طَعامِهِ، فَتَرَتَّبَ البَدَلُ وصَحَّ. انْتَهى. كَأنَّهم جَعَلُوهُ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ بَدَلُ الِاشْتِمالِ. وقِراءَةُ أُبَيٍّ مُمالًا عَلى مَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ كَيْفَ صَبَبْنا، وأسْنَدَ تَعالى الصَّبَّ والشَّقَّ إلى نَفْسِهِ إسْنادَ الفِعْلِ إلى السَّبَبِ، وصَبُّ الماءِ هو المَطَرُ. والظّاهِرُ أنَّ الشَّقَّ كِنايَةٌ عَنْ شَقِّ الفَلّاحِ بِما جَرَتِ العادَةُ أنْ يَشُقَّ بِهِ. وقِيلَ: شَقُّ الأرْضِ هو بِالنَّباتِ.
﴿حَبًّا﴾: يَشْمَلُ ما يُسَمّى حَبًّا مِن حِنْطَةٍ وشَعِيرٍ وذُرَةٍ وسُلْتٍ وعَدَسٍ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿وقَضْبًا﴾ قالَ الحَسَنُ: العَلَفُ، وأهْلُ مَكَّةَ يُسَمُّونَ القَتَّ القَضْبَ. وقِيلَ: الفَصْفَصَةُ، وضُعِّفَ لِأنَّهُ داخِلٌ في الأبِّ. وقِيلَ: ما يُقْضَبُ لِيَأْكُلَهُ ابْنُ آدَمَ غَضًّا مِنَ النَّباتِ، كالبُقُولِ والهِلْيَوْنِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الرُّطَبُ، لِأنَّهُ يُقْضَبُ مِنَ النَّخْلِ، ولِأنَّهُ ذَكَرَ العِنَبَ قَبْلَهُ ﴿غُلْبًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: غِلاظًا، وعَنْهُ: طِوالًا، وعَنْ قَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ: كِرامًا ﴿وفاكِهَةً﴾ ما يَأْكُلُهُ النّاسُ مِن ثَمَرِ الشَّجَرِ، كالخَوْخِ والتِّينِ.
﴿وأبًّا﴾ ما تَأْكُلُهُ البَهائِمُ مِنَ العُشْبِ. وقالَ الضَّحّاكُ: التِّبْنُ خاصَّةً. وقالَ الكَلْبِيُّ: كُلُّ نَباتٍ سِوى الفاكِهَةِ رَطْبُها، والأبُّ: يابِسُها.
﴿الصّاخَّةُ﴾ اسْمٌ مِن أسْماءِ القِيامَةِ يُصِمُّ نَبَؤُها الآذانَ، تَقُولُ العَرَبُ: صَخَّتْهُمُ الصّاخَّةُ ونابَتْهُمُ النّائِبَةُ، أيِ الدّاهِيَةُ. وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: الصّاخَّةُ هي الَّتِي تُورِثُ الصَّمَمَ، وإنَّها لَمُسْمِعَةٌ، وهَذا مِن بَدِيعِ الفَصاحَةِ، كَقَوْلِهِ:
؎أصَمَّهم سِرُّهم أيّامَ فُرْقَتِهِمْ ∗∗∗ فَهَلْ سَمِعْتُمْ بِسِرٍّ يُورِثُ الصَّمَما
وقَوْلِ الآخَرِ:
؎أصَمَّ بِكَ النّاعِي وإنْ كانَ أسْمَعا
ولَعَمْرُ اللَّهِ إنَّ صَيْحَةَ القِيامَةِ مُسْمِعَةٌ تُصِمُّ عَنِ الدُّنْيا وتُسْمِعُ أُمُورَ الآخِرَةِ. انْتَهى.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ﴾ بَدَلٌ مِن (إذا)، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: اشْتَغَلَ كُلُّ إنْسانٍ بِنَفْسِهِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ وفِرارُهُ مِن شِدَّةِ الهَوْلِ يَوْمَ القِيامَةِ، كَما جاءَ مِن قَوْلِ الرُّسُلِ: نَفْسِي نَفْسِي. وقِيلَ: خَوْفُ التَّبِعاتِ، لِأنَّ المُلابَسَةَ تَقْتَضِي المُطالَبَةَ. يَقُولُ الأخُ: لَمْ تُواسِنِي بِمالِكَ، والأبَوانِ: قَصَّرْتَ في بِرِّنا، والصّاحِبَةُ: أطْعَمْتَنِي الحَرامَ وفَعَلْتَ وصَنَعْتَ، والبَنُونَ: لَمْ (p-٤٣٠)تُعَلِّمْنا وتُرْشِدْنا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُغْنِيهِ): أيْ عَنِ النَّظَرِ في شَأْنِ الآخَرِ مِنِ الإغْناءِ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ السَّمَيْقَعِ: يَعْنِيهِ بِفَتْحِ الياءِ والعَيْنِ المُهْمَلَةِ، مِن قَوْلِهِمْ: عَنانِي الأمْرُ: قَصَدَنِي (مُسْفِرَةٌ) مُضِيئَةٌ مِن أسْفَرَ الصُّبْحُ: أضاءَ، و(تَرْهَقُها): تَغْشاها (قَتَرَةٌ) أيْ غُبارٌ. والأُولى ما يَغْشاهُ مِنَ العُبُوسِ عِنْدَ الهَمِّ، والثّانِيَةُ مِن غُبارِ الأرْضِ. وقِيلَ: (غَبَرَةٌ) أيْ مِن تُرابِ الأرْضِ، وقَتَرَةٌ: سَوادٌ كالدُّخانِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: الغَبَرَةُ: ما انْحَطَّتْ إلى الأرْضِ، والقَتَرَةُ: ما ارْتَفَعَتْ إلى السَّماءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: قَتَرَةٌ، بِفَتْحِ التّاءِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِإسْكانِها.