Lafzullah

Al-Basit — التوبة 9:1 – التوبة 9:99

المؤلف / المصدر: Al-Basit

المحتويات
  1. التوبة 9:1
  2. التوبة 9:2
  3. التوبة 9:3
  4. التوبة 9:4
  5. التوبة 9:5
  6. التوبة 9:6
  7. التوبة 9:7
  8. التوبة 9:8
  9. التوبة 9:9
  10. التوبة 9:10
  11. التوبة 9:11
  12. التوبة 9:12
  13. التوبة 9:13
  14. التوبة 9:14
  15. التوبة 9:15
  16. التوبة 9:16
  17. التوبة 9:17
  18. التوبة 9:18
  19. التوبة 9:19
  20. التوبة 9:20
  21. التوبة 9:21
  22. التوبة 9:23
  23. التوبة 9:24
  24. التوبة 9:25
  25. التوبة 9:26
  26. التوبة 9:27
  27. التوبة 9:28
  28. التوبة 9:29
  29. التوبة 9:30
  30. التوبة 9:31
  31. التوبة 9:32
  32. التوبة 9:33
  33. التوبة 9:34
  34. التوبة 9:35
  35. التوبة 9:36
  36. التوبة 9:37
  37. التوبة 9:38
  38. التوبة 9:39
  39. التوبة 9:40
  40. التوبة 9:41
  41. التوبة 9:42
  42. التوبة 9:43
  43. التوبة 9:44
  44. التوبة 9:45
  45. التوبة 9:46
  46. التوبة 9:48
  47. التوبة 9:49
  48. التوبة 9:50
  49. التوبة 9:51
  50. التوبة 9:52
  51. التوبة 9:53
  52. التوبة 9:54
  53. التوبة 9:55
  54. التوبة 9:56
  55. التوبة 9:57
  56. التوبة 9:58
  57. التوبة 9:59
  58. التوبة 9:60
  59. التوبة 9:61
  60. التوبة 9:62
  61. التوبة 9:63
  62. التوبة 9:64
  63. التوبة 9:65
  64. التوبة 9:66
  65. التوبة 9:67
  66. التوبة 9:68
  67. التوبة 9:69
  68. التوبة 9:70
  69. التوبة 9:71
  70. التوبة 9:72
  71. التوبة 9:73
  72. التوبة 9:74
  73. التوبة 9:75
  74. التوبة 9:77
  75. التوبة 9:79
  76. التوبة 9:80
  77. التوبة 9:81
  78. التوبة 9:82
  79. التوبة 9:83
  80. التوبة 9:84
  81. التوبة 9:85
  82. التوبة 9:86
  83. التوبة 9:87
  84. التوبة 9:88
  85. التوبة 9:90
  86. التوبة 9:91
  87. التوبة 9:92
  88. التوبة 9:94
  89. التوبة 9:95
  90. التوبة 9:96
  91. التوبة 9:97
  92. التوبة 9:98
  93. التوبة 9:99

التوبة 9:1

قوله -عز وجل-: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية، ومعى البراءة في اللغة: انقطاع العصمة، يقال: برئت من فلان أبرأ براءة، أي: انقطعت بيننا العصمة ولم يبق بيننا علقة، ومن هذا يقال: برئت من الدين، وليس فيها إلا لغة واحدة، كسر العين في الماضي، وفتحها في المستقبل، ويقال: بريء إلى فلان من كذا، أي: أخبره أنه [[في (ى): (أني).]] بريء منه. ومعنى ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي: براءة الله، فلما نون أدخل "من" كما تقول: هذا فضل الله، ورحمة الله، ثم ينون فتدخل "من"، فتقول: فضل من الله ورحمة منه. قال المفسرون: "أخذت العرب تنقض عهودًا بينهم [[في (م): (بينها).]] وبين رسول الله ﷺ فأمره الله تعالى أن ينقض عهودهم وأن ينبذ ذلك إليهم ففعل ما أمر به" [[انظر نحو هذا القول في: "معاني القرآن وإعرابه" للفراء 1/ 420، و"تفسير الثعلبي" 6/ 76 أ، و"زاد المسير" 3/ 390.]]. قال أبو إسحاق: "أي قد بريء الله ورسوله من إعطائهم العهود والوفاء بها إذ نكثوا" [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 428 بمعناه.]]. والخطاب في ﴿عَاهَدْتُمْ﴾ لأصحاب رسول الله -ﷺ-[والمتولي للعقد رسول الله -ﷺ-] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و (ى).]] والمعنى: إلى الذين عاهد [[يعني رسول الله ﷺ وفي (ح): (عاهدتم، والصواب ما أثبته وهو موافق لما في "تفسير ابن جرير" 10/ 58 - 59.]]، ولكن أدخلوا في الخطاب لأنهم راضون بفعله، فكأنهم عقدوا وعاهدوا. و ﴿بَرَاءَةٌ﴾ ترتفع على وجهين: أحدهما: على خبر الابتداء، على معنى: هذه الآيات براءة من الله، وعلى الابتداء [[هذا هو الوجه الثاني للرفع.]]، ويكون الخبر: ﴿إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ﴾؛ لأن براءة موصولة بـ"من" و ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ صفة لها، والوجهان ذكرهما الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 428.]]، واختار الفراء الوجه الأول، ومثله بقولك إذا نظرت إلى رجل: جميلٌ والله، تريد: هذا جميل والله [["معاني القرآن" 1/ 420.]].

التوبة 9:2

قوله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ الآية [[ساقطة من (م).]]، قال ابن الأنباري: "قال اللغويون [[في (ح) و (ى): (النحويون).]]: أصل السياحة الضرب في الأرض، والاتساع في السير، والبعد عن المدن ومواضع العمارة مع الإقلال من الطعام والشراب، وقيل للصائم: سائح، لأنه يشبه السائح لتركه المطعم والمشرب" [[انظر: "لسان العرب" (سيح) 4/ 2167.]]، قال الفراء: "يقال: ساح يسيح سياحة وسيوحًا" [[لم أقف عليه.]]. قال الزجاج: "معناه: اذهبوا فيها وأقبلوا وأدبروا" [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 429.]]. قال ابن الأنباري: "ويضمر القول على تقدير: فقل لهم: سيحوا، ويكون هذا رجوعًا من الغيبة إلى الخطاب، كقوله: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ ثم قال: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ ...﴾ الآية [الإنسان: 22]. قال المفسّرون: "هذا تأجيل من الله للمشركين أربعة أشهر، فمن كانت مدّة عهده أكثر من أربعة أشهر حطه إلى الأربعة أشهر [[هذا القول غير صحح؛ بل من كانت مدة عهده أكثر من أربعة أشهر فعهده باقٍ إلى إتمام مدته ويدل على ذلك لأدلة التالية: أ- قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة: 4]. ب- قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة:7]. جـ- عن زيد بن أثيع قال: "سألنا عليًا: بأي شيء بعثت؟ يعني يوم بعثه النبي -ﷺ- مع أبي بكر في الحجة، قال: بعثت بأربع: لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين النبي -ﷺ- عهد فعهده إلى مدته، ولا يحج المشركون والمسلمون بعد عامهم هذا". رواه الترمذي (871)، ئ ب الحج، باب ما جاء في كراهية الطواف عريانًا، وقال: حديث حسن، ورواه أيضًا أحمد في== "المسند" 2/ 32 (تحقيق: أحمد شاكر) وقال المحقق: إسناده صحيح، وصححه الألباني في "إرواء الغليل" رقم (1101)، والقول بأن صاحب العهد عهده باق إلى تمام مدته ذهب إليه ابن جرير 10/ 65، وابن كثير 2/ 366.]]، ومن كانت مدته أقل أربعة أشهر رفعه إلى الأربعة، ومن لم يكن له مدة جعل له خمسين يوما أجلًا" [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" للفراء 1/ 420، و"تفسير البغوي" 4/ 8، ونحوه في تفسير الثعلبي 6/ 75 أ، وابن جرير 15/ 59 - 61، والماوردي 2/ 338، ونسبه لابن عباس والضحاك وقتادة]]. وروى الوالبي عن ابن عباس في هذه الآية قال: "حدّ الله للذين عاهدوا رسول الله أربعة أشهر يسيحون فيها حيثما شاؤا، وأجل من ليس له عهدٌ عند انسلاخ الأشهر الحرم، من يوم النحر إلى انسلاخ المحرم، خمسين ليلة، فإذا انسلخ الأشهر الحرم أمره بأن يضع السيف فيهم حتى يدخلوا في الإسلام" [[رواه بنحوه ابن جرير 10/ 60، وابن أبي حاتم 6/ 1746، وابن المنذر كما في "الدر المنثور" 3/ 380.]]، قال [[يعني ابن عباس، وهذا القوك ليس من رواية الوالبي الصحيحة كما يبدو من صنيع المؤلف بل من رواية العوفي وهي ضعيفة جدًا. انظرها في: "تفسير ابن جرير" 10/ 60.]] "ولم يبق لأحد من المشركين عهد ولا ذمة منذ نزلت "براءة" وانسلخ الأشهر الحرم، ومدّة من كان له عهد من المشركين قبل أن تنزل "براءة" عادت إلى أربعة أشهر، من يوم أذّن بـ"براءة" إلى عشر من ربيع الآخر وذلك أربعة أشهر". وقال محمد بن إسحاق: "من كانت مدة عهده أقل من أربعة أشهر أمهل تمام الأربعة، ومن كانت مدة عهده بغير أجل محدود قصر به على أربعة أشهر، ليرتاد لنفسه ثم هو حرب بعد ذلك لله ولرسوله وللمؤمنين يقتل حيثما أدرك، وأما من لم يكن له عهد فإنما أجله انسلاخ الأشهر الحرم وذلك خمسون يومًا، وابتداء هذا الأجل يوم النحر وانقضاؤه إلى عشر [[في (جـ): (عشرين)، وهو تصحيف بين، والصواب ما أثبته.]] من شهر ربيع الآخر لمن كانت مدته أربعة أشهر" [[لم أجد هذا القول في "السيرة النبوية"، وقد ذكره الثعلبي في "تفسيره" 6/ 75 أمنسوبًا إلى محمد بن إسحاق وغيره، وذكر بعضه ابن جرير 10/ 59 شارحًا به قول محمد بن إسحاق. والذي يظهر لي أن أصل القول لابن جرير موضحًا به قول ابن إسحاق، ونقله عنه الثعلبي بهذا المعنى وزاد عليه زيادات، فتوهم الواحدي أنه قول ابن إسحاق، والله أعلم.]]. وقال الزهري: "الأربعة أشهر شوال، وذو القعدة، وذو الحجة والمحرم؛ لأن هذه الآية نزلت في شهر شوال" [[رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 240، وابن جرير 10/ 62، والنحاس في "الناسخ والمنسوخ" 2/ 412، وهو قول مردود بدلالة أن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- إنما قرأ على المشركين هذه الآية في ذي الحجة، يوم الحج الأكبر، فيجب أن يكون هذا اليوم أول الشهور. انظر: "الناسخ والمنسوخ" للنحاس، الموضع السابق.]]. وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾، قال ابن عباس: "يريد: حيثما كنتم وحيثما توجهتم لا يعجز الله عن نقمته فيكم" [["الوسيط" 2/ 476، وفي "تنوير المقباس" (187): "غير فائتين من القتل".]]. وقال الزجاج: "إي وإن أُجلتم هذه الأربعة أشهر فلن تفوتوا الله" [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 429.]]، وقال غيره [[ذكر نحو هذا القول: ابن جرير 10/ 67.]]: "المعنى أنكم فائتين كما يفوت ما يعجز عنه لأنكم حيثما [[في (م): (حيث).]] كنتم في ملك الله وسلطانه". وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ قال ابن عباس: "بالقتل في الدنيا، والعذاب في الآخرة" [["الوسيط" 2/ 476، و"تفسير الرازي" 16/ 220.]]، وقال الزجاج: "هذا ضمان من الله -عز وجل- نصرة المؤمنين [[في (م): (نصرة للمؤمنين)، وفي"معاني القرآن" للزجاج: بنصرة المؤمنين.]] على الكافرين" [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 429.]]. والإخزاء [[في (ح): (والآخر)، وفي (م): (والأخرى)، وكلاهما خطأ.]]: الإذلال بما فيه الفضيحة والعار، والخزي: النكال [[في (ى): (والنكال).]] الفاضح.

التوبة 9:3

وقوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ الآية، أذان: رفع بالعطف على براءة قاله الفراء [["معاني القرآن" 1/ 420.]]، والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 429.]]، ومعنى الأذان: الإعلام في قول المفسرين [[انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 67، والسمرقندي 2/ 33، والزمخشري 2/ 173.]] وأهل المعاني [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 2/ 429، و"غريب القرآن وتفسيره" لليزيدي ص 161، و"تفسير المشكل من غريب القرآن" ص 95.]]. قال الأزهري: "يقال: آذنته أوذنه إيذاناً وآذانًا، فالأذان اسم [[في (م): (أهم).]] يقوم مقام الإيذان، وهو المصدر الحقيقي" [["تهذيب اللغة" (أذن) 1/ 139.]]. قال أبو علي: قوله: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ صفة لـ ﴿وَأَذَانٌ﴾ وكذلك ﴿إِلَى النَّاسِ﴾ [["الحجة للقراء السبعة" 2/ 405.]]. ومعناه: للناس، كما يقال: هذا غلام من فلان لك واليك، وأراد بالناس: المؤمن والمشرك؛ لأن الكل داخلون في هذا الإعلام. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾، قال أبو علي: "يجوز أن يتعلق الظرف بالصفة ويجوز أن يتعلق بالخبر الذي هو: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ ولا يجوز أن يتعلق بـ"أذان" لأنك قد وصفته والموصوف إذا وصفته لم يتعلق بشيء" [["الحجة للقراء السبعة" 2/ 406.]]. واختلفوا في يوم الحج الأكبر فقال ابن عباس في رواية عكرمة: "إنه يوم عرفة" [[رواه ابن جرير 1/ 69، والثعلبي 6/ 77 ب.]]، وهو قول عمر وسعيد بن المسيب وابن الزبير وعطاء وطاووس وإحدى الروايتين عن علي -رضي الله عنه- [[رواه عنهم جميعًا ابن جرير 10/ 67 - 69 إلا أنه قال: طاوس عن أبيه، ورواه عنهم أيضًا عدا طاوس، الثعلبي 6/ 77 ب، 78 أ، ورواه أيضًا عنهم ابن أبي حاتم 6/ 1747 إلا أن روايته عن علي مرفوعة، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 3/ 396، وابن كثير 2/ 369.]]، ورواية المسور بن مخرمة عن رسول الله ﷺ وهو أنه قال: خطب رسول الله ﷺ عشية عرفة فقال: "أما بعد إن هذا يوم الحج الاكبر" [[رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه كما في "الدر المنثور" 3/ 382، ورواه ابن جرير 10/ 69، وابن أبي حاتم 6/ 1748 عن محمد بن قيس مرسلًا.]]. وقال ابن عباس في رواية عطاء: "يوم الحج الأكبر يوم النحر" [[رواه ابن جرير 10/ 70 من رواية عكرمة، 10/ 72 من رواية سعيد بن جبير.]]، وهو قول الشعبي والنخعي والسدي وابن زيد وإحدى الروايتين عن علي وقول المغيرة بن شعبة وسعيد بن جبير [[أخرج آثارهم ابن جرير 10/ 69 - 74، والثعلبي 6/ 78 أ.]]. وروى ابن جريج عن مجاهد قال: "يوم الحج الأكبر أيام منى كلها" [[رواه ابن جرير 10/ 74، والثعلبي 6/ 78 ب.]]، وهو مذهب سفيان الثوري، وكان يقول: يوم الحج الأكبر أيامه كلها مثل يوم صفين ويوم الجمل ويوم بعاث [[يوم بعاث: بضم الباء: يوم كانت فيه حرب بين الأوس والخزرج في الجاهلية، وبعاث: حصن للأوس. انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام 2/ 183، و"لسان العرب" (بعث) 1/ 307.]] يراد به الحين والزمان؛ لأن كل حرب من هذه الحروب دامت أيامًا كثيرة [[ذكره بلفظه الثعلبي 6/ 78 ب، ورواه مختصرًا ابن جرير 10/ 74.]]. فمن قال: إنه يوم عرفة احتج بأن معظم الحج يقضى فيه وهو الوقوف، ومن قال: إنه يوم النحر احتج بأن أعمال الحج وقضاء المناسك يوم النحر؛ لأن في ليلة نهار [[ساقطة من (م).]] يوم النحر الوقوف بعرفة غير فائت إلى طلوع الفجر، وفي صبيحتها تعمل أعمال الحج، فالحج كله يوم النحر [[قلت: بل أقوى من هذا التعليل ما رواه البخاري تعليقاً عن ابن عمر-رضي الله عنهما- قال: وقف النبي -ﷺ- يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حج بهذا، وقال: "هذا يوم الحج الأكبر". "صحيح البخاري"، كتاب الحج، باب الخطبة أيام منى 3/ 574، ورواه موصولًا أبو داود في "سننه" 1945، كتاب المناسك، باب يوم الحج الأكبر، والحاكم في "المستدرك"، كتاب التفسير، تفسير سورة التوبة 2/ 331 مطولًا، وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.]]، ومعنى الحج الأكبر: الحج بجميع أعماله، والحج الأصغر: العمرة، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء [[ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 477.]]، والزهري [[رواه الثعلبي 6/ 79 أ، والبغوي 4/ 12، ورواه بمعناه إخبارًا عن قول أهل الجاهلية عبد الرازق 1/ 2/ 266، وابن جرير 10/ 76.]] والشعبي [[رواه ابن جرير 10/ 76، والثعلبي 6/ 79 أ، والبغوي 4/ 12.]]. قالوا: الحج الأكبر: الوقوف بعرفة والحج الأصغر: العمرة لنقصان عملها عن [[في (م): (من).]] عمل الحج. قوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾، قال أبو علي: "لا بد من تقدير الجار في قوله ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ فتقول: بأن الله، لأن [[في "الحجة": لأن "أن الله .. ".]] ﴿اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ لا يكون الإعلام، كما يكون الثاني الأول في نحو قولك: خبرك أنك خارج [[أ. هـ. كلام أبي علي، انظر: "الحجة للقراء السبعة" 2/ 406.]]، وخبر الابتداء يجب أن يكون الأول إذ له فيه ذكر، و ﴿وَأَذَانٌ﴾ ابتداء فلا يكون ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ﴾ خبره إلا بتقدير الجار، ومعنى الآية: إن الله بريء من عهد المشركين، فهو من باب حذف المضاف، و"ورسوله" رفع بالابتداء وخبره مضمر على معنى: ورسوله أيضاً بريء، ودل الخبر عن الله على الخبر عن الرسول ومثله. فإني وقيارٌ بها لغريب [[عجز بيت وصدره. فمن يك أمسى بالمدينة رحله والبيت لضابئ بن الحارث البرجمي كما في "الأصمعيات" (ص184)، "وخزانة الأدب" 9/ 326، و"الشعر والشعراء" ص219، و"كتاب سيبويه" 1/ 75، و "نوادر أبي زيد" (ص20)، وقوله: قيار، هكذا بالرفع، وهو كذلك في بعض المصادر، قال الجوهري في "الصحاح" (قير) 2/ 801: قيار: اسم جمل ضابئ بن الحارث، ثم ذكر البيت ثم قال: برفع قيار على الموضع.]] وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تُبْتُمْ﴾ رجع إلى خطاب المشركين، قال ابن عباس: "يريد: فإن رجعتم عن الشرك إلى توحيد الله" [["تنوير المقباس" (ص187) بنحوه من رواية الكلبي، وحاله لا تخفى.]]، ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من الإقامة على الشرك ﴿وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ يريد: عن الإيمان {فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ} أي: إنكم لا تفوتون بأنفسكم من أن يحل بكم عذابه في الدنيا، ثم أوعدهم بعذاب الآخرة فقال: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، قال المفسرون: "لما فتح الله مكة على رسول الله -ﷺ- سنة ثمان من الهجرة وخرج رسول الله -ﷺ- إلى غزاة تبوك وتخلف من تخلف من المنافقين وأرجفوا الأراجيف جعل المشركون ينقضون عهودهم فأمر الله رسوله بإلقاء عهودهم إليهم ليأذنوا بالحرب، فلما كانت سنة تسع أراد رسول الله -ﷺ- الحج ثم قال: "إنه يحضر المشركون فيطوفون عراة فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك" [[رواه ابن جرير 10/ 61 - 62 مرسلًا عن مجاهد، وطواف المشركين عراة مخرج في "صحيح البخاري" (1665)، كتاب الحج، باب الوقوف بعرفة، وفي "صحيح مسلم" (1219)، كتاب الحج، باب في الوقوف.]] فبعث رسول الله -ﷺ- أبا بكر تلك السنة أميرًا على الموسم ليقيم للناس الحج وبعث معه بأربعين آية من صدر براءة ليقرأها على أهل الموسم، فلما سار دعا رسول الله -ﷺ- عليًا فقال: "اخرج بهذه القصة من صدر براءة وأذن بذلك فى الناس إذا اجتمعوا" فخرج علي -رضي الله عنه- على ناقة رسول الله -ﷺ- العضباء حتى أدرك أبا بكر بذي الحليفة فرجع أبو بكر إلى النبي -ﷺ- فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي أنزل في شأني شيء قال: "لا، ولكن لا يبلغ عني غيري أو رجل مني، أما ترضى يا أبا بكر أنك كنت معي في الغار وأنك صاحبي على الحوض؟! " [[رواه ابن جرير (10/ 65) عن السدي، ورواه بنحوه 10/ 64 عن ابن عباس، وروى صدره بمعناه الترمذي (3090)، كتاب التفسير، باب: ومن سورة التوبة، وقال: حديث حسن غريب من حديث أنس، وكذلك رواه أحمد في المسند 1/ 3.]]، قال: بلى يا رسول الله، فسار أبو بكر أميرًا على الحج، وعليّ ليؤذن ببراءة، فقدما مكة، فلما كان قبل التروية بيوم قام أبو بكر فخطب الناس وحدثهم عن مناسكهم، وأقام للناس الحج، والعرب إذ ذاك في تلك السنة على منازلهم التي كانوا عليها في الجاهلية من الحج، حتى إذا كان يوم النحر قام علي بن أبي طالب فأذن في الناس بالذي أمره به، وقرأ عليهم سورة براءة، فقال المشركون: "نحن نبرأ من عهدك وعهد ابن عمك إلا من الطعن والضرب" [[تفسير الثعلبي 6/ 76 أونسبه إلى محمد بن إسحاق ومجاهد وغيرهما، وقد ذكر الزمخشري في "تفسيره" 2/ 172 نحو هذا الأثر، وعلق عليه ابن حجر بقوله: "هذا ملفق من مواضع". انظر: حاشية "تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف" للزيلعي 2/ 49.]]. وذكر أبو إسحاق السبب في تولية علي تلاوة براءة على المشركين قال: "وذلك لأن العرب جرت عادتها في عقد عهدوها [[في "معاني القرآن وإعرابه": عقودها.]] ونقضها أن يتولى ذلك على القبيلة رجل منها، وكان جائزًا أن تقول العرب إذا تُلي عليها نقض العهد من الرسول ﷺ هذا خلاف ما يعرف فينا في نقض العهود، فأزاح رسول الله -ﷺ- العلة في ذلك" [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 428.]]. وقال عمرو [[في (ح): (عمر)، وهو: عمرو بن بحر بن محبوب، أبو عثمان الجاحظ، البصري المعتزلي، العلامة المتبحر في فنون الأدب وصاحب التصانيف المشهورة، كان أحد الأذكياء الحفاظ، لكنه كان ماجنًا قيل الدين، كثير الكذب وتوليد الحكايات، توفي سنة 255 هـ. انظر: "تاريخ بغداد" 12/ 212، و"نزهة الألباء" ص 148، و"سير أعلام النبلاء" 11/ 526.]] بن بحر: "إن النبي -ﷺ- بعث أبا بكر أميرًا على الحاج وولاه الموسم وبعث عليًّا يقرأ على الناس آيات من سورة براءة فكان أبو بكر الإمام وعلي المؤتم، وكان أبو بكر الخطيب وعلي المستمع، وكان أبو بكر الدافع بالموسم ولم يكن لعلي أن يدفع حتى يدفع أبو بكر، وأما قوله ﷺ "لا يبلغ عني إلا رجل مني" [[رواه الترمذي (3090)، كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة التوبة، وأحمد في "المسند".]] فإن النبي -ﷺ- لم يقل ذلك تفضيلًا منه لعلي على غيره في الدين، ولكن عامل العرب على مثل ما كان بعضهم يتعارفه من بعض، وكعادتهم في عقد الحلف وحل العقد، وكان السيد منهم إذا عقد لقوم حلفًا أو عاهد عهدا لم يحل ذلك العقد غيره أو رجل من رهطه دنيا [[في "لسان العرب" (دنا): (قالوا: "هو ابن عمي دنية، ودنيًا، منون، ودنيا، غير منون، ودنيا، مقصور: إذا كان ابن عمه لحا .. وكأن أجل ذلك كله (دنيا) أي: رحمًا أدنى إليّ من غيرها".]] كأخ أو عم فلذلك قال النبي -ﷺ- ذلك القول [[انظر قول الجاحظ في كتابه العثمانية ص 129 بنحوه، و"زاد المسير" 3/ 392.]].

التوبة 9:4

قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ الآية، قال أبو إسحاق: "الذين" في موضع نصب، أي: وقعت البراءة من المعاهدين الناقضين للعهود، إلا الذين عاهدتم ثم لم ينقصوكم أي ليسوا داخلين في البراءة" [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 430 باختصار يسير.]]، قال المفسرون [[انظر: "تفسير الثعلبي" 6/ 79 ب، والبغوي 4/ 12، وهو قول السدي رواه أبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 383 - 384.]] في هذه الآية: "هؤلاء قوم مخصوصون أمر النبي -ﷺ- بإتمام عهده وهم بنو ضمرة وبنو كنانة ومن اتبعهم وكان بقي لهم من مدتهم تسعة أشهر فأمر باتمامها لهم". وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾ أي من شروط العهد شيئًا {وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا}، قال ابن عباس: "ولم يعاونوا عليكم عدوًا" [["تنوير المقباس" ص 187.]]، وقوله [[ساقط من (ح) و (ى).]]: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ معناه: إلى انقضاء مدتهم، ومعنى المدة زمان طويل [[في "لسان العرب" 7/ 4158 (مدد): المدة: طائفة من الزمان تقع على القليل والكثير، ومادّ فيها أي أطالها.]] للفسحة؛ لأنه من مددتُ له في الأجل للمهلة، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ أي: يحب من اتقاه بطاعته وأداء فرائضه واجتناب معاصيه.

التوبة 9:5

قوله تعالى ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾، قال الليث: "يقال سلخت الشهر إذا خرجت منه فصرت في آخر يومه [[في كتاب"العين" و"تهذيب اللغة": في آخر يوم منه.]]، وانسلخ [[في النسخة (ح): (فانسلخ). وما أثبته موافق لكتاب "العين" و"تهذيب اللغة".]] الشهر" [["تهذيب اللغة" (سلخ) 2/ 1730، والنص في كتاب"العين" (سلخ) 4/ 198.]]، وكشف أبو الهيثم [[تقدمت ترجمته.]] عن هذا المعنى فقال: "يقال: أهللنا هلال شهر كذا أي دخلنا فيه ولبسناه فنحن نزداد كل ليلة إلى مضي نصفه [[في (ى): (نفسه)، وهو خطأ.]] لباسًا منه ثم نسلخه عن أنفسنا [بعد تكامل النصف منه جزءًا فجزءًا حتى نسلخه عن أنفسنا] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح).]] كله فينسلخ، وأنشد [[البيت بغير نسبة في: "تهذيب اللغة" (سلخ) 2/ 1731، و"أساس البلاغة" (سلخ) 2/ 453، و"لسان العرب" (سلخ) 4/ 2063.]]: إذا ما سلخت الشهر أهللت مثله ... كفى قاتلا سلخي الشهور وإهلالي [[اهـ كلام أبي الهيثم، انظر: "تهذيب اللغة" (سلخ) 2/ 1731.]] واختلفوا في معنى الأشهر الحرم هاهنا فمنهم من حملها على ذي القعدة وذي الحجة والمحرم ويحل [[ساقط من (ح).]] القتال بانسلاخ المحرم على الإطلاق عند من جعل تاريخ [[في (م): (من تاريخ).]] الأشهر الأربعة من أول شوال وهو وقت نزول براءة [[هذا قول الزهري وحده، وقد سبق تخريجه، وانظر رد هذا القول هناك، وفي "الناسخ والمنسوخ" للنحاس 2/ 412.]]، ومن قال: إن تاريخ الأشهر الأربعة من يوم النحر حمل قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [على التخصيص، ومعناه: فإذا انسلخ الأشهر الحرم ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و (ى).]] الذين أمهلناهم خمسين يومًا وهم الذين لم يكن لهم ذمة سابقة مع رسول الله -ﷺ-، هذا على قول من يقول الأشهر الحرم هذه الثلاثة التي تعرف بالحرم [[روى هذا القول ابن جرير 10/ 60 - 61، عن ابن عباس والضحاك وقتادة.]] ومنهم من قال: المراد بالأشهر الحرم شهور العهد [[يعني شهور السياحة التي ذكرها الله بقوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: 2]. إذ أن هذا هو قول جميع من نسب إليهم المؤلف هذا القول، وذكر الشوكاني في تفسيره 2/ 337 احتمالاً آخر للمراد بها، وأنها المشار إليها بقوله تعالى: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾.]]، قيل لها: حرم لأن الله تعالى حرم على المؤمنين فيها دماء المشركين، فإذا مضت قد [[في (ح): (ذلك)، وفي (ى): (دلل)، ولا معنى لهما.]] حل قتالهم عامًا مطلقًا، وهذا قول الحسن [[ذكره عنه الهواري 2/ 114، والماوردي 2/ 340، وابن الجوزي 3/ 398.]]، ومجاهد [[رواه ابن جرير 10/ 79، والثعلبي 6/ 79 ب، والبغوي 4/ 13، وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 384 - 385، وهو في "تفسير مجاهد" ص 363.]]، وابن إسحاق [[انظر: "السيرة النبوية" 4/ 204.]]، وابن زيد [[رواه ابن جرير 10/ 79، والثعلبي 6/ 79 ب.]]، وعمرو بن شعيب (¬2)، والسدي [[رواه ابن جرير 10/ 79، وابن أبي حاتم 6/ 1752 - 1753.]]. وقوله تعالى: ﴿حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ يوجب تعميم الحل والحرم، قال الفراء: "في الأشهر الحرم وغيرها في الحل والحرم" [["معاني القرآن" 1/ 421.]] ﴿وَخُذُوهُمْ﴾ أي [[ساقط من (م).]] بالأسر، والأخيذ: الأسير ﴿وَاحْصُرُوهُمْ﴾ معنى الحصر: المنع عن الخروج من محيط، قال ابن عباس: يريد: إن تحصنوا فاحصروهم" [[ذكره ابن الجوزي في"زاد المسير" 3/ 398.]]، وقال الفراء: "حصرهم: أن يمنعوا من البيت الحرام" [["معاني القرآن" 1/ 421.]]، وقال ابن الأنباري: "يريد: أن احبسوهم واقطعوهم عن البيت الحرام". وقوله تعالى: ﴿وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ المرصد: الموضع الذي يرقب فيه العدو، من قولهم: رصدت فلانًا أرصده: إذا ترقبته، قال المفسرون [[انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 78، والسمرقندي 2/ 34، والثعلبي 6/ 79 ب، والبغوي 4/ 13.]]: يقول: اقعدوا لهم على كل طريق يأخذون فيه إلى البيت أو إلى تجارة، قال أبو عبيدة في قوله: ﴿كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ المعنى: كل طريق" [["مجاز القرآن" 1/ 253 بمعناه.]]، وقال أبو الحسن الأخفش: " (على) محذوفة، المعنى: على كل مرصد، وأنشد [[البيت لرجل من قيس، كما في كتاب "المعاني الكبير" 1/ 386، وهو بلا نسبة في "معاني القرآن" للأخفش 1/ 85، و"لسان العرب" (رخص) 3/ 1616.]]: نغالي اللحم للأضياف نيئًا ... ونرخصه إلا نضج القدور المعنى نغالى باللحم [[اهـ كلام الأخفش، انظر: "معاني القرآن" له 1/ 353.]]، فحذف الباء هاهنا فكذلك حذف (على)، قال الزجاج: " ﴿كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ ظرف، كقولك: ذهبت مذهبًا، وذهبت طريقًا، وذهبت كل طريق، فلست تحتاج أن تقول في هذا إلا بما تقوله في الظروف نحو: خلف وأمام وقدام" [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 431.]]. قال أبو علي: "ذهب أبو الحسن إلى أن المرصد اسم للطريق كما فسره أبو عبيدة، وإذا [[في (ح): (فإذا)، وما أثبته موافق لما في "الإغفال".]] كان اسمًا [[في (ح): (اسم).]] للطريق كان مخصوصًا، وإذا كان مخصوصًا وجب ألا يصل الفعل الذي لا يتعدى إليه إلا بحرف جر [[كلمة (جر) ليست موجودة في "الإغفال".]] نحو: ذهبت إلى زيد، وقعدت على الطريق، إلا أن يجيء في ذلك اتساع فيكون الحرف معه محذوفًا كما حكاه سيبويه [[انظر: "كتاب سيبويه" 1/ 414.]] من قولهم: ذهبت الشام ودخلت البيت فالأسماء المخصوصة إذا تعدت إليها الأفعال التي لا تتعدى فإنما هو على الاتساع، والحكم في تعديها إليها والأصل أن يكون بالحرف، وقد غلط أبو إسحاق في قوله [[في "الإغفال": قوله -عز وجل-.]]: ﴿كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ ظرف كقولك ذهبت مذهبًا في أن جعل الطريق ظرفًا كالمذهب وليس الطريق بظرف، ألا ترى [أن الطريق] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و (ي)، وفي "الإغفال": إلا أنه مكان ... إلخ.]] مكان مخصوص كما أن البيت والمسجد مخصوصان، وقد نص سيبويه على اختصاصه [[انظر: "كتاب سيبويه" 1/ 35.]] والنص به ليس كالمذهب والمكان، ألا ترى أنَّه حمل قول ساعدة [[هو: ساعدة بن جؤية الهذلي، من شعراء هذيل المجيدين، وشعره محشو بالغريب والمعاني الغامضة، وهو من مخضرمي الجاهلية والإسلام، وقد أسلم، ولم يلق النبي -ﷺ-. انظر: "خزانة الأدب" 1/ 476، و"سمط اللآلئ" ص 115، و"الأعلام" 3/ 70.]]: لَدْنٌ بهز الكف [[في (ى): (الكهف).]] يعسل متنه ... فيه [[ساقطة من (م).]] كما عسل الطريق الثعلب [[البيت لساعدة بن جؤية كما في "شرح أشعار الهذليين" ص 1120، و"كتاب سيبويه" 1/ 36، و"لسان العرب" (عسل) 5/ 2946، و"نوادر أبي زيد" ص15. ورواية المصدر الأول: لذٌ. أي تلذ الكف بهزه. ومعنى: لدن: أي لين. والمتن: الظهر، ويعسل: يضطرب، وعسل الطريق الثعلب: أي اضطرب في الطريق. والشاعر يصف سنانًا مرهفًا يهتز في الكف. انظر: "شرح أشعار الهذليين" ص 1119، 1120، و"لسان العرب" (عسل) 5/ 2946.]] على أنه حذف الحرف اتساعًا، كما حذف عنده من ذهبت الشام [[انظر: "كتاب سيبويه" (1/ 35، 36).]]، وقال أبو إسحاق في هذا المعنى خلاف ما قاله هنا، [وهو أنه قال في قوله -عز وجل- [[في"الإغفال": ألا ترى أنه قال في قوله "لأقعدن .... " إلخ.]]: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: 16]: أي على طريقك، قال: ولا اختلاف بين النحويين أن (على) محذوفة" [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 324.]]، وإذا كان كذلك بلا خلاف لم يجز أن يجعله ههنا مثل ما هو ظرف [[في "الإغفال": مبهم ظرف.]] بلا خلاف من قوله: ذهبت مذهبًا، وإذا كان الصراط [اسمًا للطريق وكان اسمًا مخصوصًا ومما لا يصح أن يكون ظرفًا لاختصاصه فالمرصد] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]] أيضًا [[في (ى): (هاهنا).]] مثله في الاختصاص، وأن لا يكون ظرفًا، كما لم يكن الصراط والطريق ظرفًا" [[انظر: "الإغفال"، سورة التوبة، المسألة الأولى ص 848 - 852.]]. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾، قال ابن عباس: "يريد: من الشرك" [["تنوير المقباس" 187.]]، ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ قال أصحابنا [[يعني أئمة الشافعية. انظر: "كتاب الأم" 1/ 424، و"أحكام القرآن" للهراس 3/ 177.]]: هذه الآية دليل على أن تارك اصلاة يقتل؛ لأن الله أباح في دماءهم، ثم قال: "فإن تابوا" يعني من الشرك "وأقاموا الصلاة" وهذا اللفظ للفعل لا للاعتقاد؛ ولأن الاعتقاد مندرج تحت التوبة، فإذا لم يقم الصلاة بقي دمه على الإباحة، وإن تاب من الشرك بحكم ظاهر الآية، ودل الظاهر على التسوية بين الصلاة والزكاة فاقتضى الإجماع ترك الظاهر في الزكاة. وقوله تعالى: ﴿وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾، قال ابن عباس: "يريد: زكاة الأموال من العين والمواشي والثمار" [[لم أقف عليه، وقد ذكره في "الوسيط" 2/ 479 بلا نسبة.]]، وقوله تعالى: ﴿فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ قيل: يعني: إلى البيت الحرام، وقيل: إلى التصرف في أمصاركم للتجارة وغيرها، وقوله [[ساقط من (ح) و (ى).]]: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لمن تاب وآمن.

التوبة 9:6

قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ الآية، قال الفراء: ﴿اسْتَجَارَكَ﴾ في موضع جزم وإن فرق بين الجازم والمجزوم بـ"أحد" وذلك سهل في (إن) خاصة دون حروف الجزاء؛ لأنها شرط وليست باسم، فلم يحفلوا أن يفرقوا بينها وبين المجزوم بالمرفوع والمنصوب، فأما المنصوب فمثل قولك: إن أخاك ضربت ظلمت، والمرفوع مثل قوله: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ [النساء: 176] ولو حولت "هلك" إلى (يهلك) [[في "معاني القرآن": إن يهلك.]] لجزمته [["معاني القرآن" للفراء 1/ 422.]]، ونحو هذا قال الزجاج، فقال: وإنما يجوز الفصل في باب (إن) لأن (إن) أم الجزاء، لا تزول [[في (ح) و (ي): (لا تزال)، والمثبت من (م) وهو موافق لـ "معاني القرآن وإعرابه".]] عنه إلى غيره، فأما أخواتها فلا يجوز ذلك فيها إلا في الشعر، قال الشاعر [[البيت لعدي بن زيد العبادي، كما في ملحق "ديوانه" 156، و"خزانة الأدب" 3/ 46، و"كتاب سيبويه" 3/ 113.]]: فمتى واغل يزرهم [[في النسخة (ح) و (م): (ينبهم)، وأثبت ما في النسخة (ى) لأنه موافق لما في "معاني القرآن وإعرابه"، والواغل: الداخل على القوم في شرابهم أو طعامهم ولم يدع. انظر: "مجمل اللغة" (وغل) 4/ 931، و"القاموس المحيط"، باب اللام، فصل الواو ص 1069.]] يحيوه ... وتُعطفْ عليه كأس الساقي [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 432.]] قال ابن عباس: " ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ ممن لم يكن له عهد" [[لم أقف على مصدره.]]، وقال محمد بن إسحاق: "أي: من هؤلاء الذين أمرتك بقتالهم" [["السيرة النبوية" 4/ 202.]]، وقال سعيد بن جبير: "جاء رجل من المشركين إلى علي بن أبي طالب: فقال: إن [[في (ح): (إذا)، وما أثبته موافق للمصدر الثاني.]] أراد الرجل منا أن يأتي محمدًا بعد انقضاء هذا الأجل فيسمع كلام الله أو يأتيه لحاجة قتل؟! فقال علي: لا؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ الآية [["تفسير الثعلبي" 6/ 81 أ.]]، وقال الزجاج: "المعنى: إن طلب منك أحد منهم أن تجيره من القتل إلى أن يسمع كلام الله فأجره" [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 431.]]. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾، قال السدي [[رواه ابن جرير 14/ 80، وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 386.]] ومقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 126 أ.]]: "يعني القرآن"، وقال عطاء عن ابن عباس: "يريد: ما أعد [[في (ي): (ما عطا)، وسقطت (ما) من النسخة (ح).]] الله لأوليائه من الثواب ولأعدائه من العقاب وما افترض في دينه من الصلاة والزكاة وصيام شهر رمضان وحج البيت وجميع الفرائض" [[لم أعثر عليه.]]. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ قال: "يريد: الموضع الذي يأمن فيه" [[رواه بمعناه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 187.]] يريد: إذا لم يتب، فإن تاب ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾، وقال ابن زيد: "يقول: إن لم يوافقه ما تتلو [[في (ح): (يتلى)، والمثبت موافق لـ"تفسير ابن جرير".]] عليه فأبلغه مأمنه" [[رواه ابن جرير 10/ 80، وبنحوه ابن أبي حاتم 6/ 1756.]]. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يعني: يفعل كل هذا لأنهم جهلة، لا يعلمون دين الله وتوحيده وما افترض عليهم، وقال أبو إسحاق "أي: الأمر ذلك، أي: وجب أن يعرّفوا ويجاروا؛ لجهلهم بالعلم فربما يتبينون به الإسلام" [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 431.]]. وهذا بيان عن حال الطالب للعلم [[في (ى): (طالب العلم).]]، وليس له عهد من الإمام، حتى يسمع الدليل على الحق، ثم يُردّ إلى مأمنه لينظر في أمره، وقال الحسن في هذه الآية: "إن استعاذك فأعذه حتى يسمع كلام الله، فتقيم عليه حجة الله، وتبين له دين الله، فإن أسلم فقد دخل في عز الإسلام وإن أبى فأبلغه مأمنه ولا تعرض له" [[لم أعثر عليه في مظانه من كتب التفسير.]]. وقال أهل العلم: "الكافر الحربي إذا دخل دار الإسلام كان مغنومًا مع ماله إلا أن يدخل مستجيرًا لغرض شرعي، كاستماع كلام الله رجاء الإسلام، أو دخل لتجارة، فإن دخل بأمان صبي أو مجنون فأمانهما شبهة أمان [[أمان المجنون لا يصح بالإجماع كالصبي غير المميز، أما الصبي المميز فللعلماء في أمانه قولان: الأول: لا يصح أمانه، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد. الثاني: يصح أمانه، وهو قول مالك، والرواية المشهورة عن أحمد، وهو الصحيح، لقول الرسول ﷺ "ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم". رواه البخاري (3179)، كتاب الجزية، باب: إثم من عاهد ثم غدر 4/ 217، ومسلم (1370)، كتاب الحج، باب فضل المدينة. وانظر: "المهذب" 2/ 235، و"المغني" 13/ 77.]]، فيجب تبليغه مأمنه، وهو أن يبلغ محروسًا في نفسه وماله إلى مكانه الذي هو مأمن له، ومن دخل منهم دار الإسلام رسولاً فالرسالة له [[ساقط من (م).]] أمان [[ساقط من (ى).]]، ومن دخل ليأخذ مالاً له في دار الإسلام، ولماله أمان فأمان ماله أمانه [[في (ى): (أمان).]] " [[انظر: "المهذب في فقه الإمام الشافعي" 2/ 263 بنحوه]].

التوبة 9:7

قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية، قال الفراء: "هذا على التعجب [كما تقول: كيف] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]] يستبقى مثلك؟ أي لا ينبغي أن يستبقى، قال: وإذا استفهمت بشيء من حروف الاستفهام فلك أن تدعه استفهامًا ولك أن تنوي به الجحد، من ذلك قولك: هل أنت إلا كواحد [[في (م): (واحدًا).]] منا؟! [معناه: ما أنت إلا واحد منا" [["معاني القرآن" 1/ 423.]]] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح).]] وقال غيره من أهل المعاني: "في الآية محذوف تقديره: كيف يكون للمشركين عهد مع إضمار الغدر فيما وقع من العهد" [[هذا القول للحوفي في "البرهان" 11/ 142 ب، وذكره الرازي 15/ 229، والقرطبي 8/ 78 دون تعيين القائل.]]. وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، قال الزجاج: "أي: ليس العهد إلا لهؤلاء الذين لم ينكثوا"، قال: "وموضع "الذين" نصب بالاستثناء" [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 432.]]. واختلفوا في المعنيّ بقوله: ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ﴾ والذي يشهد له ظاهر اللفظ أنهم بنو ضمرة وبنو كنانة الذين ذكروا في قوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا} [التوبة: 4] وهو قول السدي [[رواه الثعلبي 6/ 81 أ، والبغوي 4/ 15، ورواه ابن جرير 10/ 81 بلفظ: هم بنو جذيمة بن الدئل، ورواه ابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" 3/ 386 بلفظ: هم بنو خزيمة بن فلان.]] وابن إسحاق [[انظر: "السيرة النبوية" 4/ 202 وسيذكر المؤلف لفظه.]] والكلبي [[سقط اسم الكلبي من النسخة (ح)، وانظر قوله في: "تفسير الثعلبي" 6/ 81 أ، والبغوي 4/ 15.]] قالوا: "هم قبائل بني جذيمة [[هم بنو جذيمة بن عامر بن عبد كنانة. انظر: "جمهرة أنساب العرب" 187.]] وبنو مدلج [[هم بنو مدلج بن مرة بن عبد مناة بن كنانة انظر: المصدر السابق، نفس الموضع.]] وبنو ضمرة [[هم بنو ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة. المصدر السابق ص 185، و"نهاية الأرب" ص 293.]] وبنو الدئل [[هم بنو الدئل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة. انظر: "جمهرة أنساب العرب" ص 184، و"نهاية الأرب" ص 61.]] من بني بكر [[هم بنو بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة. انظر: "جمهرة أنساب العرب" ص180، و"نهاية الأرب" 180، وليس لبكر من هذه القبائل سوى بني ضمرة وبني الدئل، أما بنو جذيمة وبنو مدلج فهم أبناء أخويه.]]. وكذلك قال ابن جريج [[لم أقف على من ذكره، وقد رواه ابن جرير 10/ 81 عنه عن محمد بن عباد.]]. قال محمد بن إسحاق: "هم قبائل من بني بكر [[في السيرة النبوية: من بني بكر.]] الذين [[ساقط من (ح) و (ى).]] كانوا دخلوا في عهد قريش مع النبي -ﷺ- يوم الحديبية إلى المدة التي كانت بين النبي -ﷺ- وبين قريش، فلم يكن نقضه إلا هذا الحي من قريش [[في المصدر السابق زيادة. وبنو الدئل من بني بكر. اهـ. وهو الصواب.]] فأمر النبي -ﷺ- باتمام العهد لمن لم يكن نقض من بني بكر" [[المصدر السابق 4/ 544.]]. وقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾، قال ابن عباس: "يريد ما أوفوا بعهدهم أوفوا بعهدكم" [[رواه بنحوه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص188.]]، وقال الزجاج: "أي ما أقاموا على الوفاء بعهدهم فأقيموا أنتم" [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 432، وجملة: فأقيموا أنتم ليست من كلام الزجاج.]]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ يعني من اتقى الله وراقبه في أداء فرائضه، والوفاء بعهده لمن عاهده.

التوبة 9:8

قوله تعالى: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ الآية، قال الفراء [["معاني القرآن وإعرابه" 1/ 424.]] والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 433.]] وابن الأنباري وجميع أهل المعاني [[انظر: "معاني القرآن" للنحاس 3/ 186، و"إعراب القرآن" له 2/ 6، و"مشكل إعراب القرآن" لمكي بن أبي طالب ص 324، و"البرهان" للحوفي 11/ 143. قلت: قوله "جميع أهل المعاني" فيه نظر؛ فإن الأخفش الأوسط قدر المضمر بقوله: كيف لا تقتلونهم. انظر: "معاني القرآن" له 1/ 355، وجوز أبو البقاء أن يكون المقدر: كيف تطمئنون إليهم. انظر: "التبيان في إعراب القرآن" ص 415.]]: "أي كيف يكون لهم عهد وحالهم ما وصف في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا﴾ الآية، ولكنه حذف ما يتعلق به (كيف)؛ لأنه قد ذكر قبل هذا في الآية المتقدمة فاكتفى به، قال الفراء: "وإذا أعيد الحرف وقد مضى معناه استجازوا حذف الفعل، وأنشدوا [[في "معاني القرآن": كما قال الشاعر.]]: وخبرتماني أنما الموت في القرى ... فكيف وهذي هضبة وكثيب [[البيت لكعب بن سعد الغنوي من قصيدة يرثي فيها أخاه أبا المغوار الذي مات في البادية، وكان أخوه فرّ به من وباء المدينة انظر: "الأصمعيات" ص97، و"شرح أبيات سيبويه" 2/ 269، و"كتاب سيبويه" 3/ 487، و"لسان العرب" (تفسير هذا) 6/ 3780 (قول). يقول الشاعر: لقد أخبرني الناس أن الموت يكون في القرى حيث الوباء، فكيف مات أخي في الصحراء حيث الهضاب والكثبان وطيب الهواء.]] [["معاني القرآن" للفراء 1/ 424.]] أي فكيف مات وليس بقرية، وأنشد أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 433.]] وأبو بكر قول الحطيئة: فكيف ولم أعلمهُم خذلوكمُ ... على معظَم ولا أديمكمُ قدُّوا [["ديوانه" ص 140، وفيه: على موطن، ونسب إليه أيضاً في "معاني القرآن" للفراء 1/ 424، و"معاني القرآن" للزجاج 2/ 479، و"الدر المصون" 6/ 16. وقوله: على معظم: أي أمر عظيم. والأديم: الجلد، وقده: شقه، والمراد: لم يطعنوا في أعراضكم ولم يأكلوا لحومكم بالغيبة.]] أراد: فكيف يكون ما تقولون حقًّا والأمر على ما أصف. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ يقال: ظهرت على فلان: إذا علوته، وظهرت على السطح: إذا صرت فوقه، قال الليث: "الظهور: الظفر بالشيء" [["تهذيب اللغة" (ظهر) 3/ 2259 ت والنص في كتاب "العين" (ظهر) 4/ 37.]]، وأظهر الله المسلمين على المشركين أي أعلاهم عليهم، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: 14] وقوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: 33، الفتح: 28، الصف: 9]، أي: ليعليه [[ساقط من (ى).]]، قال أهل المعاني: "الظهور: العلو بالغلبة [[ساقط من (ى).]]، وأصله خروج الشيء إلى حيث يصلح أن يدرك" [[في "المفردات" (ظهر) ص 318: ("ظهر الشيء: أصله أن يحصل شيء على ظهر الأرض ثم صار مستعملًا في كل بارز مبصر". اهـ. باختصار.]]، قال ابن عباس: "يريد: أن يقدروا عليكم" [["تنوير المقباس" ص 188 بمعناه.]]. وقوله تعالى: ﴿لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾، قال الليث: "رقب الإنسان يرقبه رقبة ورقوبًا [[في "تهذيب اللغة" وكتاب العين: رقبانًا.]]، وهو أن ينتظره، ورقيب القوم حارسهم" [["تهذيب اللغة" (رقب) 2/ 1448، ونحوه في كتاب "العين" (رقب) 5/ 154.]]، وقوله: ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: 94] أي لم تحفظه، وقيل: لم تنتظر [[هذا قول ابن جريج، والأول قول ابن عباس، رواه عنهما ابن المنذر كما في "الدر المنثور" 4/ 548.]]، وهذان معنيان يرجعان إلى واحد، وهو أن معنى الرقوب: العمل في الأمر على ما تقدم به العهد، فالحفظ والانتظار داخل في هذا، قال ابن عباس: "لا يحفظوا" [[انظر: "تفسير الثعلبي" 6/ 81 ب، والبغوي 4/ 15.]]، وقال الضحاك: "لا ينتظروا" (¬7)، وقال قطرب: "لا يراعوا" (¬7). واختلفوا في معنى الإل [[في (ى): (الأول)، وهو خطأ.]]، فقال أبو عبيدة: "الإل: العهد" [["مجاز القرآن" 1/ 253 ونص قوله: العهد والعقد واليمين.]]، وقال الفراء: "الإل: القرابة" [["تهذيب اللغة" (أل) 1/ 184، و"لسان العرب" (ألل) 1/ 112.]]، وقال إسحاق: "وقيل [[ساقط من (ي).]]: الإل: الحلف، يعني الجوار، وقيل: الإل: اسم من أسماء الله -عز وجل-" [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 433.]]. وأما قول المفسرين: فقال ابن عباس والضحاك: "قرابة" [[رواه عنهما ابن جرير 10/ 84، والثعلبي 6/ 81 أ، وابن أبي حاتم 6/ 1758.]]، وهو رواية منصور [[هو ابن المعتمر.]] عن مجاهد [[رواه بمعناه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 6/ 1758 من رواية ابن أبي نجيح.]]، وقال قتادة: "الإل: الحلف" [[رواه ابن جرير 10/ 84، والثعلبي 6/ 81 أ، والبغوي 4/ 15.]]، وقال السدي وابن زيد: "هو العهد" [[رواه عنهما ابن جرير 10/ 84، والثعلبي 6/ 82 أ.]]، وهو إحدى الروايات عن مجاهد [[هي رواية ابن أبي نجيح وخصيف عنه. انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 85، و"تفسير الإمام مجاهد" ص 365.]]، وقال في سائر الروايات: "الإل هو الله -عز وجل-" [[انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 83، والثعلبي 6/ 82 أ، وابن أبي حاتم 6/ 1758.]]، وهو قول أبي مجلز [[هو: لاحق بن حميد الشيباني السدوسي البصري، من كبار التابعين، إمام ثقة، مشهور بكنيته، توفي سنة 106هـ على القول المشهور. انظر: "الكاشف" 3/ 217، و"تهذيب التهذيب" 4/ 582، و"تقريب التهذيب" ص 586 (7490).]] [[رواه ابن جرير 10/ 83، والثعلبي 6/ 82 أ، قال ابن حجر في"فتح الباري" 6/ 267: "عن مجاهد: الإل: الله، وأنكره عليه غير واحد".]]، وبكل هذه المعاني في الإل جاءت الأشعار، قال حسان: لعمرك إن إلك من قريش ... كإل السقب [[في (ح): (السيف)، وهو خطأ.]] من رأل النعام [["ديوانه" ص 216، و"تفسير ابن جرير" 10/ 85، و"لسان العرب" (ألل) 1/ 113. == والسقب: الذكر من ولد الناقة، كما في "الصحاح" (سقب) 1/ 148، والرأل: ولد النعام، كما في المصدر نفسه (رأل) 4/ 1703. والمعنى: ما قرابتك من قريش إلا كقرابة ولد الناقة من ولد النعام، فأنت دعي ملصق فيهم.]] يعني القرابة، وقال أوس بن حجر: لولا بنو مالك والإل مرقبة ... ومالك فيهم الإلاء والشرف [["ديوانه" ص31، وتفسير الثعلبي 6/ 81 ب.]] يعني الحلف، وقال آخر [[لم أهتد إلى قائله، وهو بلا نسبة في "تفسير الطبري" 10/ 85، والثعلبي 6/ 82 أ، و"البرهان" للحوفي 11/ 145 ب، و"الدر المصون" 6/ 17.]]: وجدناهم كاذبًا إِلّهم ... وذو الإِلّ والعهد لا يكذب يعني العهد، وفي حديث أبي بكر أنه قال: "إن هذا الكلام لم يخرج من إل" [[ذكر هذا الأثر أبو عبيد في غريب الحديث 1/ 100، والثعلبي في "تفسيره" 6/ 82 أ، ونصه عنده: إن ناسًا قدموا على أبي بكر -رضي الله عنه- من قوم مسيلمة فاستقرأهم أبو بكر كتاب مسيلمة فقرءوا، فقال أبو بكر: إن هذا ... إلخ.]]، يعني الله -عز وجل-. قال أبو إسحاق: "وليس عندنا بالوجه قول من قال: الإل اسم من أسماء الله معروفة ومعلومة كما تُليت في القرآن، وسمعت في الأخبار، ولم يسمع الداعي يقول في الدعاء يا إل، قال: وحقيقة "الإل" عندي على [[ساقطة من (ى).]] ما توجبه اللغة: تحديد الشيء [[في (ى): (تحديدًا للشيء)، وما أثبته موافق لسائر النسخ، و"معاني القرآن وإعرابه"، و"تهذيب اللغة".]]، فمن ذلك الألة: الحربة [[في (ح): (الجزية)، وهو خطأ.]] وأذن مؤَلَّلة [[في "معاني القرآن وإعرابه"، و"تهذيب اللغة". آذن مؤللة: إذا كانت محددة.]]، فالإل يخرج في جميع ما فسر من العهد والقرابة والجوار من [[في"معاني القرآن وإعرابه" و"تهذيب اللغة": على.]] هذا، إذا [[هكذا في جميع النسخ و"تهذيب اللغة"، وفي"معاني القرآن وإعرابه": فإذا.]] قطت في العهد: بينهما إلّ، [فتأويله أنهما قد حددا في أخذ العهود] [[ما بين المعقوفين ساقط من "معاني القرآن وإعرابه" المطبوع، كما يظهر بالمقابلة مع هذا النص ومع "تهذيب اللغة" و"لسان العرب" (ألل).]] [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 434، و"تهذيب اللغة" (أل) 1/ 184 - 185 مع اختلاف يسير.]]، وكذلك في الجوار والقرابة، وقال الأزهري: "إيل من أسماء الله -عز وجل- بالعبرانية، فجائز أن يكون أعرب فقيل: إل [[في"تهذيب اللغة": إسرائيل.]] " [["تهذيب اللغة" (أل) 1/ 184 - 185، وقد نسب الأزهري الجملة الأولى لابن السكيت.]]. وقال بعض أهل المعاني: "الأصل في جميع ما فسر به الإل: العهد، وهو مأخوذ من قولهم ألّ يؤلّ [[في (ى): (يؤول).]] إلا، إذا صفا وبرق ولمع، ومنه الألّه للمعانها، وأذن مؤللة: مشبهة بالحربة في تحديدها، فالعهد سمي إلا [[في (ح) و (ى): (الإل).]] لظهوره وصفائه من شائب الغدر" [[ذكر نحو هذا القول الرازي في "تفسيره" 15/ 231.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا ذِمَّةً﴾ الذمة: العهد، وجمعها ذمم وذمام، وهو كل حرمة تلزمك إذا ضيعتها المذمة، وقال أبو عبيدة: "الذمة: ما يتذمم منه" [["مجاز القرآن" 1/ 253، ونص قوله: "الذمة: التذمم ممن لا عهد له".]]. يعني ما يجتنب فيه الذم، يقال: تذمم فلان أي: ألقى عن نفسه الذم، نحو: تحوب [[تحوب: قال أبو عبيد في "غريب الحديث" 2/ 221: "قد يكون التحوب: التعبد== والتجنب للمأثم" اهـ. وفي "لسان العرب" (حوب) 2/ 1036، يقال: "تحوب: إذا تعبد، كأنه يلقي الحُوب عن نفسه، كما يقال: تأثم، وتحنث".]] وتأثم وتحرج، وذُكر في التفسير الوجهان في معنى الذمة، فقال الأكثرون: العهد، وهو قول ابن عباس [[رواه ابن جرير 10/ 84، وابن أبي حاتم 6/ 1758.]]، ومن فسر الإلّ بالعهد قال: "إنما كرر لاختلاف اللفظين للتأكيد والمعنى واحد" [[هذا قول ابن زيد، انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 84، و"البرهان" للحوفي 11/ 145 أ.]]، وهو مذهب المبرد [[لم أقف على مصدره.]]، وحكى محمد بن جرير [[يعني الطبري، انظر: "تفسيره" 10/ 85، والقول لأبي عبيدة كما في "مجاز القرآن" 1/ 253.]]: "إن الذمة في هذا الموضع: التذمم ممن لا عهد له". وقوله تعالى: ﴿يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ [وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]]﴾، قال ابن عباس: "يريد: يقولون بألسنتهم كلاما حلوًا، وفي القلب [[في (ى): (قلوبهم).]] ضمير لا يحبه الله" [["تنوير المقباس" ص 188 بمعناه.]]، وقال سعيد بن جبير: "يرضونكم بالحسن من القول وتأبى قلوبهم الوفاء به" [[لم أقف على مصدره.]]. وقوله تعالى: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾، قال ابن عباس: "يريد: كاذبون" [[ذكره ابن الجوزي 3/ 403 بمعناه.]]، وقال غيره: "ناقضون العهد" [[هذا قول ابن جرير باختصار، انظر: "تفسيره" 10/ 85.]]، وقال أهل المعاني: "الكفار كلهم فاسقون وتخصيص أكثرهم ههنا [[ساقط من (ى).]] على وجهين: أحدهما: أنه أراد المتمردين، والثاني: أنه وضع الخصوص موضع العموم" [[انظر: "البحر المحيط" 5/ 13.]].

التوبة 9:9

قوله تعالى: ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ أي استبدلوا بالقرآن متاع الدنيا، ومضى الكلام في حقيقة معنى هذا في مواضع [[انظر: "البسيط" آل عمران: 77، 187، 199، المائدة: 44.]]، قال مجاهد: "أطعم أبو سفيان بن حرب حُلفاءه وترك حلفاء النبي -ﷺ-" [[رواه ابن جرير 10/ 86، وابن أبي حاتم 6/ 1759، وابن المنذر وأبو الشيخ، كما في "الدر المنثور" 3/ 387، وانظر: "تفسير الإمام مجاهد" ص 365.]]، فنقضوا العهد الذي كان بينهم وبين النبي -ﷺ- بتلك الأكلة [[هذا التعليل من كلام المؤلف، ولعل المقصود أن أبا سفيان اشترى ذمم حلفائه بمثل ذلك الإطعام، فنقضوا عهد النبي -ﷺ-.]]. قوله تعالى: ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أي: فأعرضوا عن طاعة الله، وقال عطاء: "كان أبو سفيان يعطي البعير والناقة والطعام ليصد الناس بذلك عن متابعة النبي -ﷺ-" [[ذكره الثعلبي 6/ 82 ب.]]، وعلى هذا: معنى "فصدوا عن سبيله": منعوا الناس [[ساقط من (ح) و (ى).]] به عن الدخول في الإسلام، وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي من اشترائهم [[في (ى): (اشتراء).]] الكفر بالإيمان.

التوبة 9:10

قوله تعالى: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ يعني هؤلاء الناقضين للعهد الذين اشتروا بآيات الله ثمنًا قليلاً، وهذا ذم لهم بترك المراقبة للعهد والذمة للمؤمن، وقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾، قال الكلبي: "أي المعتدون للحلال إلى الحرام بنقض العهد" [[رواه الفيرزأبادي في "تنوير المقباس" ص 188 عن الكلبي عن ابن عباس.]].

التوبة 9:11

قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾، قال ابن عباس: "يريد: عن الشرك" [[المصدر السابق، نفس الموضع.]]. ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ قال ابن مسعود: "أُمرتم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة جميعاً ولم يُزك فلا صلاة له" [[رواه ابن جرير 10/ 87، والثعلبي 6/ 82 ب، والبغوي 4/ 16.]]، وقال ابن زيد: "افترضت الصلاة مع الزكاة جميعًا ولم يفرق بينهما وأبى الله أن يقبل الصلاة إلا بالزكاة" [[رواه ابن جرير 10/ 87، والثعلبي 6/ 82 ب.]]، وقال: "يرحم الله أبا بكر ما كان [[(كان) ساقطة من (ى).]] أفقهه" [[هذا الأثر تابع للأثر السابق. وانظره في المصدرين السابقين.]]. وقال أهل العلم: "هذه الآية دليل على أن الصلاة والزكاة مقرونتان بالشهادة في كف السيف وحقن الدم ودليل على أن المؤاخاة بالإسلام بين المسلمين موقوفة على فعل الصلاة والزكاة جميعًا لأن الله تعالى شرطهما في إثبات المؤاخاة ومن لم يكن من أهل وجوب الزكاة وجب عليه أن يقر بحكمها فإذا أقر بحكمها دخل في الصفة التي تجب بها الأخوة" [[انظر نحو هذا القول في كتاب "الأم" 1/ 424، و"أحكام القرآن" للهراسي 3/ 177، و"الإكليل استنباط التنزيل" ص116.]]. وقوله تعالى: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ﴾، قال الفراء: "معناه: فهم إخوانكم، يرتفع مثل هذا من الكلام بأن يضمر له اسمه مكنيًا عنه كقوله [[في (ى): (قوله)، وفي "معاني القرآن": ومثله.]]: {فَإِنْ لَمْ ﴿تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الأحزاب: 5] أي: فهم إخوانكم" [["معاني القرآن" 1/ 425.]]. قال أبو حاتم: "قال أهل البصرة أجمعون: "الإخوة" في النسب، و"الإخوان" في الصداقة، قال: وهذا غلط، يقال للأصدقاء وغير الأصدقاء: إخوة وإخوان قال الله سبحانه [[في (ح): (قال الله تعالى)، وفي "تهذيب اللغة": قال الله جل وعز.]] وتعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10] لم يعن [[في (ى): (يعني).]] النسب، وقال -عز وجل-: ﴿أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ﴾ [النور: 61] وهذا في النسب" [["تهذيب اللغة" 1/ 128 بنحوه.]]. قال ابن عباس: "حرمت هذا الآية دماء أهل القبلة" [[رواه ابن جرير 10/ 87 وفي سنده رجل لم يسم.]]. ﴿وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [أي: نبينها، يعني آيات القرآن ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]] أنها من عند الله.

التوبة 9:12

قوله تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ يقال: نكث فلان عهده: إذا نقضه بعد إحكامه كما ينكث خيط الصوف بعد إبرامه [[في (م): (انبرامه).]]، وهو الغزل من الصوف والشعر يُبرم وُينسج، فإذا أخلقت [[في (ى): (اختلفت)، وما أثبته موافق لما في "تهذيب اللغة" (نكث) 4/ 3658، وفي "مجمل اللغة" (نكث) 4/ 884: النكث: أن تنقض أخلاق الأكسية، وتغزل ثانية.]] النسيجة قطعت ونكثت [[في (م): (ونكث).]] خيوطها المبرمة وخلطت بالصوف وميشت [[الميش: خلط الشعر بالصوف، انظر: "تهذيب اللغة" (ماش) 4/ 3326، و"القاموس المحيط"، فصل الميم، باب الشين ص 606.]]، ثم غزل ثانية، ومنه قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ [النحل: 92] والأيمان: جمع يمين، بمعنى الحلف والقسم، وقيل للحلف يمين باسم اليد، وكانوا يبسطون أيمانهم إذا حلفوا أو تحالفوا أو تعاقدوا، وقيل: سمي القسم يميناً ليمن البرّ فيه. قال [[في (ى): (وقال).]] المفسرون: يعني مشركي قريش، يقول: "إن نقضوا عهودهم" [[انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 87 - 89، والبغوي 4/ 17، و"زاد المسير" 3/ 404.]]. وقوله تعالى: ﴿وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [قال ابن عباس: يريد: اغتابوكم وغمصوا عليكم في دينكم] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي) والغمص: الاحتقار والاستصغار. انظر: "لسان العرب" (غمص) (7/ 61.]]، يقال: طعنه بالرمح يطعنه، وطعن بالقول السيىء [[في (م): (السيء الذي).]] يطعن [[بضم العين. قال الكسائي: لم أسمع أحدًا من العرب يقول: يطعَن بالرمح ولا في الحسب، وإنما سمعت "يطعُنُ". وقال الفراء: سمعت أنا "يطعَن" بالرمح. انظر: "تهذيب اللغة" (طعن) 3/ 2195.]]، قال الليث: "وبعضهم يقول: يطعُن بالرمح ويطعَن بالقول، فيفرق بينهما" [["تهذيب اللغة" (طعن) 3/ 2195، ونحوه في كتاب "العين" (طعن) 2/ 15، وقد رد الخليل هذا القول، وقال: كلاهما مضموم.]]، وقال الزجاج: "وهذه الآية توجب قتل الذمي إذا أظهر الطعن في الإسلام؛ لأن العهد معقود عليه ألا يطعن فإن طعن فقد نكث" [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 434.]]. قال أصحابنا [[يعني أئمة الشافعية انظر: "روضة الطالبين" 10/ 337.]]: "إذا بلغنا عن طائفة من أهل الذمة الطعن في ديننا انتقض بذلك عهدهم لقوله: ﴿وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾. قال ابن عباس والمفسرون: "هم رؤوس قريش وصناديدها" [[انظر أقوال المفسرين سوى ابن عباس في: "تفسير ابن جرير" 10/ 88، وابن أبي حاتم 6/ 1761، وروياه عن ابن عباس بلفظ مغاير، قال: يعني أهل العهد من المشركين، وأثر ابن عباس الذي ذكره المصنف ذكره أيضًا في "أسباب النزول" ص 246، ورواه أبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 388، والبغوي 4/ 17، قال القرطبي 8/ 84: هذا بعيد؛ فإن الآية في سورة "براءة" حين نزلت وقرئت على الناس كان الله قد استأصل شأفة قريش فلم يبق إلا مسلم أو مسالم". قلت: ومما يؤيد قول القرطبي -رحمه الله- ما رواه ابن جرير 10/ 88، وابن أبي حاتم 6/ 1761 عن حذيفة قال: ما قوتل أهل هذه الآية بعد، وأصله في صحيح البخاري (4658)، كتاب التفسير: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ ..﴾. ولا يقال إن هذه الآية نزلت قبل فتح مكة ثم ضمت إلى سورة "براءة" لثبوت بعث علي -رضي الله عنه- بصدر سورة "براءة" وقت نزولها، وثبوت أن المبعوث معه كان أربعين آية. انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 65، وقد صحح المحقق السند كما في المصدر نفسه 5/ 170.]]، وقال الزجاج: "أئمة الكفر: رؤساء الكافرين وقادتهم لأن الإمام متبع [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 434.]]، وذكرنا معنى [[ساقط من (ى).]] الإمام عند قوله: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا [[ساقط من (ح).]]﴾ [[من الآية: 124 من سورة البقرة. وانظر "النسخة الأزهرية" 1/ 85 أ، وقد قال هناك: "الإمام: كل من ائتم به قوم كانوا على الصراط المستقيم أو كانوا ضالين، والنبي إمام أمته، والخليفة إمام رعيته، والقرآن إمام المسلمين ... إلخ".]] وفي: "أئمة" قراءتان [[قرأ ابن عامر والكوفيون (أئمة) بتحقيق الهمزتين، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع على المشهور عنه (أيمة) بهمزة بعدها ياء. انظر: كتاب "السبعة" ص 312، و"إرشاد المبتدئ" ص 350، و"التبصرة في القراءات" 214.]] بتحقيق الهمزتين، وقلب الثانية ياء [[ساقط من (ى).]]. قال أبو إسحاق: "الأصل في أئمة أَأْمِمَة [[في (ى): (أممة)، وما أثبته موافق لما في "معاني القرآن واعرابه" و"تهذيب اللغة" (أم) 1/ 206.]]؛ لأنها جمع إمام، مثل: قال وأمثلة، ولكنّ الميمين لما اجتمعتا أدغمت الأولى في الثانية وأُلقيت حركتها [[في (ى): (لحركتها)، وما في (ح) موافق لما في "معاني القرآن وإعرابه" و"تهذيب اللغة" (أم) 1/ 206.]] على الهمزة فصارت أئمة فأبدل من الهمزة المكسورة الياء [[اهـ. كلام الزجاج، انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 435.]]؛ لكراهة اجتماع الهمزتين في كلمة واحدة، هذا هو الاختيار عند جميع النحويين [[نسبه للنحويين أيضًا الزجاج في "معاني القرآن" 2/ 434، وانظر: "كتاب سيبويه" 3/ 443، و"المقتضب" 1/ 159، و"تهذيب اللغة" (أم) 1/ 206، و"الخصائص" لابن جني 3/ 143، و"أوضح المسالك" 3/ 324 - 326.]]، وذكرنا وجه هذا عند قوله: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ [البقرة: 6]. قال الزجاج: ومن قرأ بهمزتين فينبغي [[في (ح): (فينبغي له)، والزيادة غير موجودة في "معاني القرآن وإعرابه" ولا في "تهذيب اللغة" (أم).]] أن يقرأ أَأْدم بهمزتين، والإجماع أن آدم فيه همزة واحدة، والاختلاف يرد إلى الإجماع وليس "أئمة" باجتماع الهمزتين من مذهب [[في (م): (مذاهب).]] أصحابنا [[يعني البصريين، انظر: "كتاب سيبويه" 3/ 551، وكتاب "التكملة" ص 219.]] وإلا ما يحكى عن ابن أبي إسحاق [[في "معاني القرآن وإعرابه": ابن إسحاق، وفي "تهذيب اللغة" (أم)، و"لسان العرب" (أمم): أبي إسحاق، وما ذكره الواحدي موافق لما في "الحجة للقراء السبعة" 1/ 274. والصواب ما ذكره الواحدي؛ إذ هو عبد الله بن أبي إسحاق زيد بن الحارث الحضرمي مولاهم البصري النحوي المقرئ، من قدماء النحويين، وهو أول من مد القياس في النحو، وشرح العلل، وتوسع في ذلك، توفي سنة 117هـ، وقيل 129 هـ. انظر: "طبقات النحويين واللغويين" ص31، و"غاية النهاية" 1/ 410. وانظر: مذهب ابن أبي إسحاق في اجتماع الهمزتين في "كتاب سيبويه" 3/ 443، و"المقتضب" 1/ 159، و"إعراب القرآن للنحاس" 2/ 7، و"الحجة" 1/ 274.]] أنه كان يُجيز اجتماعها" [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 434 - 435 بتصرف.]]. واختلفوا في التفضيل في الإمامة فعند المازني يقال: "هذا أومّ من هذا بالواو؛ لأن الأصل أأمّ فلم يمكن أن يبدل من الهمزة الثانية ألفاً لاجتماع الساكنين فجعلت واوًا مفتوحة كما قالوا في جمع آدم: أوادم، وآخر: أواخر [[انظر رأي المازني في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 435، و"لسان العرب" (أمم) 1/ 133، هكذا نقل عن المازني وفي "المنصف شرح التصريف" 2/ 318: قال أبو عثمان -يعني المازني-: "والقياس عندي أن أقول في "هذا أفعل من هذا" من "أممت" وأخواتها: هذا أيم من هذا".]]. وعند الأخفش يقال: أيمّ [[انظر: "معاني القرآن" له 1/ 355، و"معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 2/ 435، وفي "المنصف شرح التصريف" 2/ 315، سألت أبا الحسن -يعني الأخفش- عن. "هذا أفعل من هذا من أممت، أي قصدت" فقال: أقول: "هذا أوم من هذا".]]؛ لأن الهمزة الثانية من هذه الكلمة كلما تحركت [[في (ح): (تحرك).]] أبدل [[في (ي): (أبدلت).]] منها ياء، نحو: أيمة، قال الزجاج: "والقياس هو الأول" [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 435.]]. قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾، قال الفراء: "أي لا عهود لهم" [["معاني القرآن" 1/ 425.]]، وفيه قراءتان: فتح الهمزة وكسرها [[قرأ ابن عامر بكسر الهمزة من كلمة "إيمان" وقرأ الباقون بفتحها. انظر: "كتاب السبعة" ص312، و"الغاية في القراءات العشر" ص164، و"التبصرة في القراءات" ص 214، و"تقريب النشر" ص 120.]]. قال الزجاج: "من قرأ: ﴿لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ فقد وصفهم بالنكث في العهود وهو أجود القراءتين [[كلا القراءتين سبعيتان متواترتان عن رسول الله -ﷺ- وقد خفي ذلك على الإمام ابن جرير -رحمه الله- فرد قراءة ابن عامر، وزعم أن القراءة بها لا تجوز. انظر: "تفسيره" 10/ 89، وانظر الرد عليه في كتاب: "القراءات المتواترة التي أنكرها ابن جرير" ص 452.]] " [[اهـ. كلام الزجاج. انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 435.]]. والذي يقوي الفتح قوله: ﴿قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ [التوبة: 13] ولأنه إذا قال: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ عُلم أنه لا إيمان لهم، فالفتح في قوله: ﴿لَا أَيْمَانَ﴾ أولى؛ لأنه لا يكون تكريرًا إذ لم يقع عليه دلالة من الكلام الذي تقدمه كما وقع على الكسر. ومعنى ﴿لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ أي لا أيمان لهم صادقة؛ لأنه قد أثبت لهم الأيمان في قوله: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ [وفي قوله: ﴿قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح).]] [التوبة: 13] فالمنفي هاهنا غير الموجب هناك؛ لأن معنى المنفي: لا أيمان لهم يفون بها، ولا أيمان لهم صادقة كما قال [[لم أهتد إلى القائل، والبيت بلا نسبة في "تفسير الثعلبي" 6/ 83 أ، و"الجامع== لأحكام القرآن" للقرطبي 8/ 81، و"الدر المصون" 6/ 26، والنأي: البعد كما في الصحاح (نأي) 6/ 2499.]]: وإن حلفت لا ينقض النأيُ عهدها ... فليس لمخضوب البنان يمين أي ليس لها [[ساقط من (ح).]] يمين تقي بها. ومن قرأ بالكسر فقال الفراء: "يريد: أنهم كفرة لا إسلام لهم" قال: "وقد يكون المعنى: لا تُؤمنوهم، فيكون مصدر قولك: آمنته إيماناً" [["معاني القرآن" 1/ 425، وفي "لسان العرب" (أمن) 1/ 141: "يقال: آمن فلانٌ العدو إيمانًا، فأمن يأمن والعدو مؤمن".]]. وذكر أبو إسحاق أيضًا الوجهين [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 435، 436.]]. وشرح أبو علي هذا فقال: "الإيمان ههنا يراد به الذي هو ضد التخويف، أي: ليس لأئمة الكفر من المشركين إيمان كما يكون لذوي الذمة من أهل الكتاب؛ لأن المشركين لا يقرون على دينهم، فلا يكون على هذا: الإيمان الذي هو خلاف الكفر، فيكون تكريرًا لدلالة ما تقدم من قوله: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ على أن أهل الكفر لا إيمان لهم" [["الحجة للقراء السبعة" 4/ 178 باختصار وتصرف.]]. وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾، قال ابن عباس: "يريد: كي ينتهوا عن الشرك بالله" [[ذكر الأثر المصنف في "الوسيط" 2/ 481.]]. وقال الزجاج: "أي ليرجى منهم الانتهاء" [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 436.]].

التوبة 9:13

قوله تعالى: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ الآية، قال ابن عباس: "هذا تحريض من الله لأوليائه على أعدائه" [["تنوير المقباس" ص188 بمعناه.]]، وقال الزجاج: "هذا على جهة التوبيخ، ومعناه: الحض على قتالهم" [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 436.]]. قال أهل المعاني: "إذا قلت: ألا [[في (ى): (لا).]] تفعل كذا [[في (ح): (ألا تفعل ذلك كذا).]]، فإنما [تستعمل ذلك في فعل تقدر وجوده، وإذا قلت: ألست تفعل؟] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]] فإنما تقول ذلك في فعل تحقق وجوده، والفرق [[في (ح): (والفرقة).]] بينهما أن (لا) يُنفى بها المستقبل، فإذا [[في (ى): (وإذا).]] دخلت عليها الألف صار [[هكذا في جميع النسخ، وكذلك في "تفسير الرازي" 15/ 235، والسياق يقتضي أن يقول: صارت.]] تحضيضًا [على فعل ما يستقبل] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح).]]، و (ليس) إنما تستعمل لنفي الحال، فإذا [[في (م): (وإذا).]] دخلت عليها الألف صار [[كذا في جميع النسخ وكذلك في "تفسير الرازي" 15/ 235 - 236، والسياق يقتضي أن يقول: صارت.]] لتحقيق الحال" [[ذكره عن أهل المعاني الرازي في "تفسيره" 15/ 235 نقلاً عن الواحدي. وانظر في (ألا) "شر المفصل" 8/ 113، و"المغني" ص77، و "همع الهوامع" 2/ 70.]]. وقوله تعالى: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ يدل على أن قتال الناكثين أولى من قتال غيرهم من الكفارة ليكون ذلك زجرًا لغيرهم، قال محمد بن إسحاق والسدي والكلبي: "نزلت في كفار مكة نكثوا أيمانهم بعد عهد الحديبية وأعانوا بني بكر على خزاعة" [[انظر: قول السدي في "تفسير ابن جرير" 10/ 90، وابن أبي حاتم 6/ 1762، وانظر قول الكلبي في: "تفسير هود بن محكم" 2/ 117، والقرطبي 8/ 85 بمعناه، ورواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص188، عن الكلبي عن ابن عباس. أما قول محمد بن إسحاق فلم أجده بهذا المعنى، ولفظه كما في "السيرة النبوية" 4/ 10، و"تفسير ابن جرير" 10/ 90: "ثم أمر رسوله ﷺ بجهاد أهل الشرك، ممن نقض من أهل العهد الخاص، ومن كان من أهل العهد العام، بعد الأربعة الأشهر التي ضرب لهم أجلاً إلا أن يعدو فيها عاد منهم فيقتل بعدائه، فقال: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ ...﴾ الآيات" اهـ. ومعلوم أن أهل مكة أسلموا قبل نزول هذه الآيات فالقول بأنها نزلت فيهم فيه نظر.]]. وقوله تعالى: ﴿وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ﴾، قال المفسرون: "كانوا هموا بذلك بأن [[في (م) و (ى): (وأن).]] يخرجوه من مكة على حالة فظيعة فصان الله رسوله عنها، وأمره بالهجرة إلى المدينة، وحين جلسوا [[في (ح): (حبسوا)، وهو خطأ.]] في دار الندوة للمكر به، كان من رأي بعضهم إخراجه من مكة" [[انظر: "السيرة النبوية" 2/ 93، 94، و"الكشاف" 2/ 177، و"زاد المسير" 3/ 405، وفي الآية أقوال أخرى انظرها في "المحرر الوجيز" 6/ 428، و"البحر المحيط" 5/ 16.]]. فبان بهذا أنهم قصدوا إخراجه، وهموا به فلم يمكنهم الله من ذلك [[لعله يعني على الحالة الفظيعة التي ذكرها؛ وإلا فقد أخرجوا رسول الله ﷺ والمؤمنين من مكة كما قال تعالى: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا﴾ [الممتحنة: == 1]. وكما قال الرسول ﷺ: "لولا أني أخرجت منك ما خرجت"، رواه الإمام أحمد 4/ 305، وغيره وسنده صحيح كما في "صحيح الجامع الصغير" 2/ 1192، ولذا قال المفسرون: هموا بإخراج الرسول وفعلوا، انظر: "تفسير ابن جرير" 10 - 89 - 90، وابن عطية 6/ 428 - 429.]]. قوله تعالى: ﴿وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، قال ابن عباس: "يريد: بالقطيعه والهجرة والعداوة" [[لم أقف عليه.]]، وذكر المفسرون في هذا قولين: أحدهما: أنه أراد بدؤكم بالقتال يوم بدر [[ذكر هذا القول ابن جرير 10/ 90، ورواه عن السدي وهو قول مقاتل، انظر: "تفسيره" 126 ب، وانظر أيضاً: "تفسير الثعلبي" 6/ 83 ب، والبغوي 4/ 18.]]؛ لأنهم حين سلم العير قالوا: لا ننصرف حتى نستأصل محمدًا ومن معه، والثاني: أنه أراد أنهم قاتلوا حلفاءك خزاعة فبدؤا بنقض العهد وهذا قول الأكثرين [[انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 90، وابن أبي حاتم 6/ 1762، والثعلبي 6/ 83 أ، وابن الجوزي 3/ 405، و"الدر المنثور" 3/ 389.]]، واختيار الفراء [["معاني القرآن" 1/ 425.]] والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 436.]]. وقوله تعالى: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ﴾، قال الزجاج: "المعنى: أتخشون أن ينالكم من قتالهم مكروه فتتركون قتالهم؟ ﴿فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ﴾ أي: فمكروه عذاب الله أحق أن يخشى في ترك قتالهم [[قوله: "في ترك قتالهم" ليس موجودًا في "معاني القرآن وإعرابه" المطبوع.]] ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: مصدقين بعقاب الله وثوابه" [[ا. هـ. كلام الزجاج. المصدر السابق، نفس الموضع.]]، ودلت هذه الآية على أن المؤمن ينبغي أن يخشى ربه دون غيره.

التوبة 9:14

قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ " [قال مقاتل: وعدهم الله النصر بهذه الآية" [["تفسير مقاتل" 126 ب.]]، ومعنى: ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح).]] يقتلهم بسيوفكم ورماحكم، في معنى قول ابن عباس والمفسرين [[انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 90 - 91، والثعلبي 6/ 83 ب، والسمرقندي 2/ 36. وانظر قول ابن عباس في: "تنوير المقباس" ص 189، ولا يخفى ضعف سند هذا التفسير إذ هو من رواية الكلبي الباطلة. انظر: "الإتقان" 4/ 239.]]. وقوله تعالى: ﴿وَيُخْزِهِمْ﴾، قال ابن عباس: "بعد [[في (ى): (يريد)، والصواب ما أثبته من غيرها بدلالة استنباط المؤلف من الرواية.]] قتلكم إياهم" [[لم أقف عليه.]]. وهذا يدل على أن هذا الإخزاء وقع بهم في الآخرة، وقال آخرون: "معناه: يذلهم بالقهر والأسر" [[انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 90 - 91، والسمرقندي 2/ 36، والثعلبي 6/ 83 ب، والبغوي 4/ 18.]]. وقوله تعالى: ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾، قال ابن عباس والسدي ومجاهد: "يعني بني خزاعة" [[انظر: قول ابن عباس في "زاد المسير" 3/ 406، و"تنوير المقباس" (ص 189)، وانظر: قول السدي ومجاهد في "تفسير ابن جرير" 10/ 91، وابن أبي حاتم 6/ 1763 ب، و"الدر المنثور" 3/ 389.]]، وذلك حين أعانت قريش بني بكر عليهم حتى نكوا [[بغير همز، يقال: نكيت في العدو أنكي نكاية فأنا ناك: إذا أكثرت فيهم الجراح والقتل فوهنوا لذلك، أما بالهمز فيقال: نكأت القرحة: إذا قرفتها وقشرقها. انظر: "القاموس المحيط" (نكى) 1340، و"لسان العرب" (نكى) 8/ 4545.]] فيهم [[في (م): (نكأوا عليهم).]]، فشفى الله صدورهم من بني بكر واستوفى ثأرهم بالنبي ﷺ والمؤمنين حين استووا في القتل، وذلك أنه لما جاء المستغيث من خزاعة رسول الله -ﷺ- وأنشد [[هو: عمرو بن سالم الخزاعي سيد خزاعة، وقد انحاز هو وقبيلته إلى النبي -ﷺ- ودخلوا في عقده وعهده وذلك حين تم صلح الحديبية بين المسلمين وكفار قريش، بينما دخلت بنو بكر في عقد قريش وعهدهم، واستمرت الهدنة بين القبيلتين عدة أشهر، ثم إن بني بكر وثبوا على خزاعة ليلاً، وبيتوهم على ماء لهم قرب مكة، وأعانتهم قريش، وأمدوهم بالسلاح للضغن على رسول الله -ﷺ-، فركب عمرو بن سالم وقدم المدينة وأخبره بما كان من بني بكر وقريش، وأنشد: اللهم إني ناشد محمدًا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا كنا والدًا وكنت ولدًا ... ثمت أسلمنا ولم ننزع يداً فانصر رسول الله نصرًا عندًا ... وادع عباد الله يأتوا مددًا .. إلى أن قال: هم بيتونا بالهجير هجدًا ... وقتلونا ركعًا وسجدًا انظر: "السيرة النبوية" 4/ 10، و"الاستيعاب" 3/ 259، و"مجمع الزوائد" 6/ 240، و"الدر المنثور" 3/ 389.]]: اللهمَّ إني ناشد محمدًا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا [[في (ى): (الألتدا)، وهو خطأ، والأتلد: الأقدم. انظر: "لسان العرب" (تلد) 1/ 439.]] .. الأبيات. قال رسول الله -ﷺ-: "لا نُصرت إن لم أنصركم" [[ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" 6/ 237 - 241 بألفاظ مقاربة وقال في أحدها: رواه أبو يعلى عن حزام بن هشام بن حبيش، عن أبيه، وقد وثقهما ابن حبان، وبقية رجاله رجال الصحيح" وقال الهيثمي في لفظ آخر: "رواه الطبراني في الصغير والكبير، وفيه يحيى بن سليمان بن نضلة، وهو ضعيف".]] وغضب لهم، وخرج إلى مكة ونصر الله رسوله وشفى صدور خزاعة. قال أبو إسحاق: "وفي هذه الآية، دليل على تثبيت النبوة؛ لأنه وعدهم النصر ووفى به، فدل به على صدق ما أتى به محمد ﷺ" [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 436 بنحوه.]]، ودلّ كلام أبي إسحاق [[(إسحاق) ساقط من (ى).]] في تفسير قوله: ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ أن هذا يراد به أصحاب النبي -ﷺ- لا حلفاؤه من خزاعة؛ لأنه قال: "فيه دليل على أنهم اشتد غضبهم لله عز وجل" [[المصدر السابق، نفس الموضع.]]، فعنده الشفاء إنما هو من داء الغضب لله ولدينه ورسوله، وعند غيره من المفسرين: الشفاء من داء الحقد لخزاعة على بني بكر وقريش [[هذا قول مجاهد وعكرمة وقتادة والسدي. انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 91، وابن أبي حاتم 6/ 1763، و"الدر المنثور" 3/ 389.]].

التوبة 9:15

قوله تعالى: ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾، قال المفسرون: "يعني: كربها ووجدها بمعونة قريش بكرًا عليهم" [[هذا نص قول الثعلبي في "تفسيره" 6/ 83 ب، ومثله البغوي 4/ 18، وبنحوه قال ابن جرير 10/ 91.]]. ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ يعني [[من (م).]] من المشركين كأبي سفيان وعكرمة ابن أبي جهل [[هو: عكرمة بن أبي جهل عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي القرشي المكي، الشريف الشهيد، كان سيد بني مخزوم بعد قتل أبيه، ثم أسلم وحسن إسلامه، وأبلى في الإسلام بلاءً حسنًا، وقتل في معركة أجنادين أو اليرموك سنة 13 هـ أو 15هـ. انظر: "المعارف" ص188، و"سير أعلام النبلاء" 1/ 323، و"البداية والنهاية" 7/ 4، 32، و"الإصابة" 4/ 496.]] وسهيل بن عمرو [[هو: سهيل بن عمرو بن عبد شمس العامري القرشي خطيب قريش وفصيحهم، == ومن أشرافهم، أسلم بعد فتح مكة وحسن إسلامه، وكان سمحًا جوادًا مفوهًا، كثير الصلاة والصوم والصدقة، مات في طاعون عمواس سنة 18هـ، وقيل: بل قتل في معركة اليرموك سنة 13هـ أو 15هـ. انظر: "المعارف" 161، و"سير أعلام النبلاء" 1/ 194، و"الإصابة" 3/ 93.]]، تاب الله عليهم، وهداهم للإسلام. قال الزجاج: "قوله تعالى: ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ﴾ ليس بجواب لقوله: ﴿قَاتِلُوهُمْ﴾ ولكنه مستأنف؛ لأن ﴿يَتُوبُ﴾ ليس من جنس ما يجاب به ﴿قَاتِلُوهُمْ﴾ " [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 437.]]. وقال الفراء: "رفع قوله: ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ﴾ لأن معناه ليس من شروط الجزاء، إنما هو استئناف، كقولك للرجل: ائتني أعطك، وأحبُّك بعد وأكرمُك، استئناف ليس بشرط للجزاء، ومثله قوله: ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشورى:24] تم الجزاء ههنا، ثم استأنف: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾ [[قوله (يمح) كتبت في جميع النسخ هكذا: "يمحو" بإثبات الواو، وهي في رسم المصحف العثماني وفي "معاني القرآن" للفراء بإسقاط الواو، قال العكبري في "التبيان في إعراب القرآن" ص 416: و"يمح": مرفوع مستأنف، وليس من الجواب؛ لأنه يمحو الباطل من غير شرط، وسقطت الواو من اللفظ لالتقاء الساكنين، ومن المصحف حملاً على اللفظ). وانظر أيضاً: "البيان في غريب إعراب القرآن" 2/ 347 فقد ذكر نحو ذلك.]] " [["معاني القرآن" 1/ 426 بتصرف يسير.]]. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، قال ابن عباس: "يريد: "عليم" بنيات المؤمنين وحبهم لله "حكيم" فيما قضى في الذين نقضوا القضية [[في (ى): (العهد).]] " [[في "تنوير المقباس" ص 189: "والله عليم" بمن تاب وبمن لم يتب منهم "حكيم" فيما حكم عليهم.]].

التوبة 9:16

قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا﴾ الآية، قال الفراء: "هذا من الاستفهام الذي يتوسط الكلام فيجعل بـ"أم" ليفرق بينه وبين الاستفهام المبتدأ الذي لم يتصل بكلام، ولو أريد به الابتداء لكان بالألف أو بـ"هل" [[اهـ. "معاني القرآن" 1/ 426.]] " وهذا مما قد [[ساقط من (ى).]] أحكمناه [[في (ى): (حكيناه).]] في سورة البقرة [[انظر: "البسيط" البقرة: 214.]]. قال ابن عباس: "الخطاب في هذه الآية للمنافقين كانوا يتوسلون إلى رسول الله -ﷺ- بالخروج معه إلى الجهاد تعذيرا، والنفاق في قلوبهم" [[ذكر الأثر عنه ابن الجوزي في: "زاد المسير" 3/ 406 بمعناه.]]. ومعنى: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ أي: العلم الذي يجازي عليه؛ لأنه إنما يجازي على ما عملوا [[قال ابن الجوزي في المصدر السابق، الصفحة التالية: "ولما يعلم الله" أي: ولم تجاهدوا فيعلم الله وجود ذلك منكم، وقد كان يعلم ذلك غيبًا، فأراد إظهار ما علم ليجازي عليه.]]، قاله الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 437.]]، وهذا مما ذكرناه في سورة البقرة عند قوله: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ [[من الآية: 143 من سورة البقرة، وقال في هذا الموضع: "إلا لنعلم" والله تعالى عالم لم يزل، ولا يجوز أن يحدث له علم، واختلف أهل المعاني في وجه تأويله، فذهب جماعة إلى أن العلم له منزلتان: علم بالشيء قبل وجوده، وعلم به بعد وجوده، والحكم للحلم بعد الوجود؛ لأنه يوجب الثواب والعقاب ... الخ).]] وفي سورة آل عمران [142]. ﴿الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾، قال ابن عباس: "يريد: بنية صادقة" [[لم أقف على مصدره.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾، قال الكفراء: "الوليجة: البطانة من المشركين يتخذونهم فيفشون إليهم أسرارهم" [["معاني القرآن" 1/ 426.]]. وقال أبو عبيدة: "كل شيء أدخلته في شيء ليس منه فهو وليجة، والرجل يكون في القوم وليس منهم: وليجة" [[اهـ. كلام أبي عبيدة، انظر: "مجاز القرآن" 1/ 254.]]. وأصله من الولوج، فوليجة الرجل: من يختصه بدخلة أمره دون الناس، يقال هو وليجتي وهم وليجتى للواحد والجمع. قال ابن عباس في قوله: ﴿وَلِيجَةً﴾ "يريد: أولياء من المشركين" [[ذكره المصنف في "الوسيط" 2/ 482، وروى ابن أبي حاتم 6/ 1764، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 390 عنه قال: الوليجة: البطانة من غير دينهم.]]. وقال قتادة: "خيانة" [[رواه الثعلبي 6/ 84 أ، وعبد بن حميد وابن المنذر كما في "الدر المنثور" 3/ 390، و"فتح القدير" 2/ 343، وقد تصحف في "الدر" إلى: حنانة.]]، وقال الضحاك: "خديعة" [[رواه الثعلبي 6/ 84 أ.]]. وهذان القولان ليسا تفسيرًا للوليجة، بل هما تفسير لعلة اتخاذ الوليجة، كأنهما قالا: ولم يتخذوا وليجة للخيانة والخديعة؛ لأن اتخاذ الوليجة من الكفار خيانة وخديعة، قال ابن عباس: "إن الله لا يرضى أن يكون الباطن خلافًا للظاهر ولا الظاهر خلافًا للباطن، إنما يريد الله من خلقه الاستقامة كما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: 30]، الأحقاف: 13] [[لم أقف عليه في مظانه.]] ". وقال أبو [[في (ى): (ابن)، وهو خطأ.]] إسحاق: "لما فرض القتال تبين المنافق من غيره، ومن يوالي المؤمنين ممن يوالي أعداءهم فأنزل الله هذه الآية" [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 437.]]. وتقدير لفظ الآية مع المعنى: ولما يعلم الله المجاهدين والممتنعين من اتخاذ الوليجة.

التوبة 9:17

قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ الآية، قال ابن عباس: "لما أسر العباس يوم بدر أقبل عليه المسلمون فعيروه بكفره بالله وقطيعة الرحم وأغلظ عليّ القول، فقال العباس: ما لكم تذكرون مساوئنا ولا تذكرون محاسننا؟ قال له علىّ: ألكم محاسن؟! فقال: نعم، إنا لنعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة ونسقي الحاج ونفك العاني، فأنزل الله -عز وجل- ردًا على العباس ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [[ذكره الثعلبي 6/ 84 أ، والمصنف في "أسباب النزول" ص 246 بغير سند، ورواه مختصرًا بن جرير 10/ 95، وابن أبي حاتم 5/ 1765 من طريق الوالبي.]]. ومعنى ما كان لهم ذلك: أنه أوجب على المسلمين منعهم عن ذلك، وأكثر المفسرين حملوا العمارة ههنا على دخول المسجد الحرام [[من (م).]] والقعود فيه [[انظر: "تفسير الثعلبي" 6/ 84 ب، والبغوي 4/ 20، والسمرقندي 2/ 38، والآية التالية وسبب النزول الذي ذكره المؤلف يدلان على أن المراد بالعمارة العمارة المعروفة من البناء والترميم.]]، وهو قول ابن عباس والحسن، قال [[لفظ: (قال) ساقط من (ح). والقائل ابن عباس، وسيأتي قول الحسن وتخريجه.]] في رواية عطاء: "يريد: لا يدخلوه ولا يقعدوا فيه كما كانوا قبل ذلك" [[لم أقف عليه فيما بين يديّ من مصادر.]]. وقال الحسن: "يقول [[ساقط من (ى).]]: ما كان للمشركين أن يتركوا فيكونوا أهل المسجد الحرام" [[ذكره الثعلبي 6/ 84 ب، والمصنف في "الوسيط" 2/ 482، والبغوي 4/ 20.]]. وقال الكلبي: "ما كان للمشركين أن يدخلوا المسجد وهم مشركون" [[لم أقف عليه يما بين يديّ من مصادر.]]. وذهب آخرون إلى [[في (ح): زيادة (أن) بعد (إلى).]] العمارة المعروفة من رم المسترم [[في (ى): (المستهدم، وهما بمعنى واحد، قال في "لسان العرب" (رم) 3/ 1736: "الرم: إصلاح الشيء الذي فسد .. واسترام الحائط: أي حان له أن يرم إذا بعد عهده بالتطيين".]] من أبنية المسجد [[انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 93، والبغوي 4/ 19، وابن الجوزي 3/ 409، والقرطبي 8/ 90.]]، وهذا محظور على الكافر يمنع منه ولا يمكن. واختلف القراء في قوله: ﴿مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ فقرأ أبو عمرو وابن كثير على التوحيد [[وكذلك يعقوب، وقرأ باقي العشرة بالجمع. انظر: "الغاية في القراءات العشر" ص 164، و"تقريب النشر" ص120، و"تحبير التيسير" ص 119.]] وحجتهما قوله: ﴿وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ومن جمع فحجته أن المشركين ليسوا بأولياء لمساجد المسلمين، لا المسجد الحرام ولا غيره [وإذا لم يكونوا أولياءها لم يكن لهم عمارتها، إنما عمارتها للمسلمين الذين هم أولياؤه [[هكذا في (ى) و (م) و"الحجة للقراء السبعة" 4/ 180 الذي نقك المؤلف النص منه، والسياق يقتضي أن يقول: أولياؤها.]] فدخل في ذلك المسجد الحرام وغيره، [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح).]]، ويدل على أنهم ليس لهم عمارة المسجد قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال: 34]، قال الفراء في هذه الآية: "ربما ذهبت العرب بالواحد إلى الجمع، ألا ترى الرجل على البرذون [[قال الأزهري في "تهذيب اللغة" (برذن) 1/ 307: "البراذين من الخيل: ما كان من غير نتاج العراب".]] فتقول: قد أخذتَ في ركوب البراذين؟ وترى الرجل كثير الدراهم فتقول: إنه لكثير الدرهم [[في (ح) و (ى): (الدراهم، وهو خطأ).]]، وتقول العرب: عليه أخلاق نعلين، وأخلاق ثوب، ومنه قول الشاعر [[صدر بيت وعجزه: شراذم بعجب منه التواق ولم أهتد إلى قائله، وقال البغدادي في "الخزانة" 1/ 234: "نسب أبو حنيفة الدينوري في كتاب النبات هذا البيت إلى بعض الأعراب" اهـ. والبيت بلا نسبة في "لسان العرب" (توق). وثوب أخلاق -بالجمع- إذا بلي كله. وثوب شراذم: قطع، والتواق: اسم ابن الشاعر. انظر: "خزانة الأدب"، الموضع السابق.]]: جاء الشتاء وقميصي أخلاق [[اهـ. كلام الفراء من "معاني القرآن" 1/ 427 مع اختلاف يسير.]] وقوله تعالى: ﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾، قال الزجاج: "شاهدين" [[في (ح): زيادة "على أنفسهم بالكفر" وهذه الزيادة غير موجودة في المصدر.]] حال، المعنى: ما كانت [[في (ى): (كان).]] لهم عمارة المسجد في حال إقرارهم بالكفر" [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 437.]]. ومعنى: ﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾: قال ابن عباس في رواية الضحاك: "شهادتهم على أنفسهم بالكفر: سجودهم لأصنامهم وإقرارهم أنها مخلوقة" [[رواه الثعلبي 6/ 85 أ، وفي سنده جويبر وهو ضعيف جداً، ثم إن الضحاك لم يلق ابن عباس كما في "تهذيب التهذيب" 2/ 226، ورواه البغوي 4/ 20 مختصرًا.]]، وقال في رواية عطاء: "يريد: حين اتخذوا لله شفعاء وأنداداً" [[لم أقف عليه.]]، وهذا معنى القول [[في (ى): (قول).]] الأول. وقال الحسن: "لم يقولوا نحن كفار ولكن كلامهم بالكفر شاهد عليهم بكفرهم" [[رواه الثعلبي 6/ 85 أ، والبغوي 4/ 20.]] يعني أن [[ساقط من (ى).]] فيما يخبرون به دليلًا على كفرهم، لا أنهم يقولون نحن كفار، ولكن كما تقول للرجل: كلامك يشهد أنك ظالم، وقال السدي: "شهادتهم على أنفسهم بالكفر هو أن النصراني يُسأل ما أنت؟ فيقول: نصراني واليهودي يقول: يهودي، وعابد الوثن يقول: مشرك" [[رواه بنحوه ابن جرير 10/ 93، وابن أبي حاتم 6/ 1765، والثعلبي 6/ 85 أ، والبغوي 4/ 20.]]. وذكر ابن الأنباري في هذا وجهين: أحدهما: أنه قال: شهادتهم على أنفسهم بالكفر عدولهم عن أمر النبي -ﷺ- وهو حق لا يخفى على مميز، ولا يرتاب به عاقل، فكانوا [[في (م): (كانوا).]] في ذلك بمنزلة من شهد على نفسه بالكفر. والثاني: أنهم آمنوا بأنبياء [[في (ي): (بالأنبياء).]] شهدوا لمحمد ﷺ بالصدق فلما آمنوا بهم وكذبوه دلوا على كفرهم [[هذا الوجه يصح في حق أهل الكتاب دون مشركي العرب فإنهم ما كانوا يؤمنون بالأنبياء، ولا يعرفون الوحي، كما قال تعالى: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [ق: 2]، وقال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: 94].]]، وجرى ذلك مجرى الشهادة منهم على أنفسهم بالكفر" [[ذكر قول ابن الأنباري بلفظ مقارب ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 408.]]. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾، قال ابن عباس: "يريد: أن أعمالهم لغير الله" [[لم أقف عليه.]]. وقال الزجاج: "أي كفرهم قد أذهب ثواب أعمالهم" [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 437.]]. ودلت هذه الآية مع ما ذكرنا من التفسير في العمارة أن الكافر ممنوع من عمارة مسجد من مساجد المسلمين، ولو أوصى بها [[أي بالعمارة، وفي (ى): (لها)، أي للمساجد، وأثبت ما في (م) و (ح) لموافقته ما في"تفسير الرازي" 16/ 7 - 8 نقلاً عن الواحدي.]] لم تقبل وصيته، ويمنع عن دخول المساجد، فإن دخل بغير إذن مسلم استحق التعزير، وإن دخل بإذن لم يعزر، والأولى تعظيم المساجد ومنعهم منها للآية، وقد أنزل رسول الله ﷺ وفد ثقيف في المسجد وهم كفار [[انظر: "مسند الإمام أحمد" 4/ 218، و"سنن أبي داود"، (3025) كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب ما جاء في خبر الطائف.]]، وشد ثمامة [[هو: ثمامة بن أثال بن النعمان الحنفي أبو أمامة اليمامي الصحابي، كان سيد أهل اليمامة، وقد حاصر أهل مكة أقتصاديًا ولما ارتد أهل اليمامة في فتنة مسيلمة ثبت هو على إسلامه وقاتل المرتدين من أهل البحرين، وقتل غيلة سنة12هـ. == انظر: "الاستيعاب" 1/ 287 (282)، و"الإصابة" 1/ 203 (961).]] بن أثال الحنفي على سارية من سواري المسجد وهو كافر [[رواه البخاري (469)، كتاب الصلاة، باب دخول المشرك المسجد 1/ 202.]]، وليس في الآية حجة لمن جعل دخول الكافر المسجد وصلاته فيه إيمانًا منه؛ لأنا [[(لأنا) ساقط من (ح).]] لا نأمن أن تكون صلاته قبل سماع الشهادتين منه سخرية واستهزاءً، ولا يكون فعله [[يعني دخوله المسجد وصلاته فيه.]] عمارة للمسجد ما لم تتقدم منه كلمة الإيمان، وإن حملنا العمارة على عمارة البناء سقط هذا الاستدلال.

التوبة 9:18

قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ أي: إنما يعمرها بحقها من آمن بالله، وقال رسول الله -ﷺ- "إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالايمان؛ فإن الله -عز وجل- يقول ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ " [[رواه الترمذي في "سننه" (3093)، كتاب التفسير، باب ومن سورة التوبة، وقال: حديث حسن غريب، ورواه أيضًا الدارمي في "سننه"، كتاب الصلاة، باب المحافظة على الصلوات، رقم (1223) 1/ 302، وأحمد في "المسند" 3/ 68، 76، والحاكم في "المستدرك"، كتاب الصلاة 1/ 212 وصححه، وتعقبه الذهبي بأن في سنده دراجًا وهو كثير المناكير. قلت: وجميع أسانيد هذا الحديث في مصادره السابقة تدور على دراج بن سمعان عن أبي الهيثم وهي ضعيفة. قال الحافظ ابن حجر في ترجمته في "التقريب" ص 201 (1824): (صدوق، في حديثه عن أبي الهيثم ضعف. وضعف الحديث أيضًا الألباني في "ضعيف الجامع الصغير وزياداته" رقم (608) 1/ 184.]]، وهذا يدل على أن المراد بالعمارة دخول المسجد والقعود فيه. وقوله تعالى: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾، قال ابن عباس: "يعني المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان" [[لم أقف على مصدره.]]، والإيمان بالله يجمع الصلاة والزكاة، ولكنهما من أوكد أقسام الإسلام وما أوجبه الإيمان، فذكرهما، قال الزجاج: "ولم يذكر الرسول ﷺ في هذا [[في (ى): (في هذه الآية)، وما أثبته موافق لما في المصدر التالى.]]؛ لأن في قوله: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ دليل على تصديقه؛ لأن المعنى: وآتى الزكاة التي أتى بتحديدها الرسول ﷺ [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 438 بتصرف.]]. قال أهل المعاني: "يريد من كان بهذه الصفة كان من أهل عمارة المسجد، وليس المعنى أن من عمرها كان بهذه الصفة" [[انظر: "زاد المسير" 3/ 409، و"الوسيط" 2/ 484، ولم أجده في كتاب أهل المعاني.]]، غير أنه قلَّ من يعمرها إلا وقد جمع هذه الصفات، كما قال رسول الله -ﷺ- في الخبر الذي ذكرنا. وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾، قال الزجاج: "تأويله: لم يخف في باب الدين إلا الله جل وعز" [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 438، وليس فيه لفظ (جل وعز).]]. وقال أهل المعاني: "يعني: لا يترك هذه العبادات لخشية أحد ولكن يخشى الله فيقيم ذلك، والخشية من غير الله المنهي عنها أن يترك أمر الله لخشية غيره، فأما أن يخشى الناس خشية لا تؤديه إلى ترك أمر الله فليس بمنهى عنه" [[ذكر العلماء أن الخشية والخوف أربعة أقسام: == الأول: خوف السر، وهو أن يخاف من غير الله أن يصيبه بما يشاء من مرض أو فقر ونحو ذلك بقدرته ومشيئته، فهذا الخوف لا يجوز تعلقه بغير الله أصلاً، ومن خاف غيره هذا الخوف فهو مشرك شركًا أكبر. قال تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: 40]. الثاني: أن يترك الإنسان ما يجب عليه من الطاعة من غير عذر إلا خوف الناس، فهذا محرم. الثالث: خوف وعيد الله الذي توعد به العصاة، وهذا من أعلى مراتب الإيمان. الرابع: الخوف الطبيعي، كالخوف من عدو أو سبع ونحو ذلك، فهذا لا يذم، وهو الذي ذكره الله عن موسى-عليه السلام- في قوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: 22]. انظر: "تيسير العزيز الحميد" ص 486، و"فتح المجيد" ص 352.]]. وقوله تعالى: ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ أي فأولئك هم المهتدون، وعسى من الله واجبة، ولكن ذكر بلفظ "عسى" ليكونوا على رجاء وطمع وحذر، وابن عباس والمفسرون يقولون: "عسى واجبة من الله" [[رواه عن ابن عباس، ابن جرير 10/ 94، وابن أبي حاتم 6/ 1766 من طريق علي ابن أبي طلحة الوالبي وهو في صحيفته ص260، وقد ذهب إلى هذا القول الثعلبي 6/ 85 ب، والبغوي 4/ 20، والماوردي 2/ 348، والقرطبي 8/ 91 وغيرهم، ولم أجده عن الحسن.]]، ومعنى الاهتداء ههنا الإمساك بطاعة الله التي تؤدي إلى الجنة.

التوبة 9:19

قوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ الآية، ذكر المفسرون أقوالًا في نزول هذه الآية فقال ابن عباس في رواية الوالبي: "قال العباس: لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج، فأنزل الله هذه الآية" [[رواه الثعلبي 6/ 86 أ، والبغوي 4/ 22، وبنحوه ابن جرير 10/ 95، وابن أبي حاتم 6/ 1768.]]، وقال في رواية العوفي: "إن المشركين قالوا: عمارة بيت الله وقيام على السقاية خير من الإيمان والجهاد، فأنزل الله هذه الآية" [[رواه ابن جرير 10/ 95، وابن أبي حاتم 6/ 1768، والثعلبي 6/ 86 أ.]]. وقال الحسن والشعبي والقرظي: "افتخر علي والعباس وطلحة بن شيبة [[قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "طلحة بن شيبة لا وجود له، وإنما خادم الكعبة هو شيبة بن عثمان بن أبي طلحة". انظر: "منهاج السنة" 5/ 18.]]: فقال طلحة: أنا صاحب البيت بيدي مفتاحه؛ ولو أشاء بتُّ فيه، وقال العباس: [أنا صاحب السقاية والقائم عليها، وقال علي] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]]: أنا صاحب الجهاد، فأنزل الله هذه الآية" [[ذكر الأثر عنهم الثعلبي 6/ 86 أ، والواحدي في "أسباب النزول" 248، والبغوي 4/ 22، ورواه ابن جرير 10/ 96 عن القرظي بلفظه، وعن الحسن والشعبي بمعناه مختصرًا، وفي سند ابن جرير عن القرظي علتان: جهالة أحد رواته، والإرسال، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة 5/ 18 - 19: "هذا اللفظ لا يعرف في شيء من كتب الحديث المعتمدة، بل ودلالات الكذب عليه ظاهرة".]]. والسقاية: الموضع الذي يتخذ فيه [[في (ح): (منه).]] الشراب في المواسم وغيرها، ومنه قوله تعالى: ﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ [يوسف: 70]، يعني إناء، قاله الليث [["تهذيب اللغة" (سقي) 2/ 1715، والنص موجود بنحوه في كتاب "العين" (سقي) 5/ 189.]]، قال: وسقاية الحاج: سقيهم الشراب" [[المصدرين السابقين، نفس الموضع.]]. فالسقاية يجوز أن تكون اسمًا، ويجوز أن تكون مصدرًا، كالرعاية والحماية [[في (ى): (والرعاية)، وهو خطأ.]]، فإن جعلته اسمًا فالمعنى: أجعلتم أهل [["أهل" ساقط من (ى).]] سقاية الحاج أو [[في (ى): (و).]] أصحابها؟ ثم حذفت المضاف، وإن جعلته مصدرًا فهو مصدرٌ يراد به الفاعل على تقدير: أجعلتم ساقي الحاج [أو سقاة [[في (ح): (سقاية). وهو خطأ.]] الحاج] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]] وعمار [[في (ح) و (ى): (وعمارة)، وهو خطأ.]] المسجد، كمن آمن [[قال ابن جني: ولست أدفع مع هذا أن يكون "سقاية الحاج" جمع ساق، و"عمارة المسجد الحرام" جمع عامر، فيكون كقائم وقيام، وصاحب وصحاب، وراع ورعاء، إلا أنه أنث (فعالًا) على ما مضى فصار كحجارة وعيارة ... إلخ". "المحتسب" 1/ 286.]]، وإن شئت تركتها مصدرًا وأضمرت المضاف في قوله: ﴿كَمَنْ آمَنَ﴾ فقلت: التقدير: أجعلتم سقاية الحاج كإيمان من آمن؟ وهذه الوجوه ذكرها الفراء [["معاني القرآن" 1/ 427 وقد ذكر وجهًا واحداً وهو أن "السقاية" و"العمارة" مصدر يكفي من الاسم.]] والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 438، وقد ذكر وجهًا واحداً، وهو أن المضاف محذوف، والتقدير: أهل سقاية الحاج وأهل عمارة المسجد.]] وابن الأنباري [[في كتابه "معاني القرآن" ولم يُعثر عليه حتى الآن.]]، وقد استقصينا ما في هذا عند قوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [[من الآية: 177 من سورة البقرة. وانظر "النسخة الأزهرية" 1/ 107 ب وقد قال في هذا الموضع: "ولكن البر من آمن بالله" البر مصدر، ولا يخبر عن المصادر بالأسماء و (من) اسم، واختلف النحويون وأهل المعاني في وجهه، وقال أبو عبيدة: البر ههنا بمعنى البار، والفاعل قد يسمى بالمصدر .. وحكى الزجاج أن معناه: ذا البر فحذف كقوله "هم درجات عند الله" أي ذو درجات، وقال قطرب والفراء: معناه: ولكن البر بر من آمن فحذف المضاف ..).]]، قال الحسن: "وكانت السقاية نبيذ زبيب" [[ذكره الثعلبي 6/ 86 ب، وابن الجوزي 3/ 410.]] وقوله تعالى: ﴿وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، قال ابن عباس: "يريد: تجميره وتخليقه [[التجمير: التبخير بالعود، والتخليق: الطلي بالخلوق، والخلوق: طيب معروف يتخذ من الزعفران وغيره من أنواع الطيب، وتغلب عليه العمرة والصفرة. انظر: "لسان العرب" (جمر) 2/ 675 و (خلق) 2/ 1247.]] " [[ذكر الأثر ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 411، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 486.]]. وقوله تعالى: ﴿كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ قال العوفي عن ابن عباس: "أخبر أن عمارتهم المسجد الحرام، وقيامهم على السقاية لا ينفعهم عند الله مع الشرك [[في (م): (الشريك).]] بالله، [وأن الإيمان بالله والجهاد مع نبيه خير مما هم عليه" [[رواه الثعلبي 6/ 86 أبهذا اللفظ، ورواه ابن جرير 10/ 95 بنحوه مع تقديم ما بين المعقوفين على ما قبلها.]]] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح).]]. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ أي قد هدى المؤمنين الذين وصفهم، ولم يهد الذين سووا بهم [[يعني التسوية المذكورة في قوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ الآية، وعبارة المؤلف ليست على إطلاقها فإن ممن سوي بهم العباس وشيبة بن عثمان، وقد هداهما الله تعالى.]]، وقال مقاتل: "لا يستوون عند الله في الفضل" [["تفسير مقاتل" ص 127 ب.]]، وقال الكلبي: "في الثواب" [["تنوير المقباس" ص189 عنه عن ابن عباس.]]، وقال الأشتر بن عبد الله [[هكذا في (م) و (ى) وفي (ح): (الأشترين عند الله)، ولم أجد فيما بين يدي من مصادر من اسمه الأشتر بن عبد الله، وأرجح أن في النص تصحيف، والصواب: وقال -يعني الكلبي-: الأشرين عند الله الذين زعموا .. الخ، ويؤكد هذا أن الأثر قد رواه ابن جرير 10/ 95، وابن أبي حاتم 6/ 1769 عن ابن عباس من طريق العوفي دون قوله "الأشرين عند الله"، وقد روي عن العرب صيغة أفعل التفضيل "أشر" وإن كانت لغة قليلة ورديئة كما في "الصحاح" (شرر) 2/ 695، و"لسان العرب" (شرر) 4/ 2232.]]. "الذين زعموا أنهم أهل العمارة سماهم الله ظالمين بشركهم فلم تغن عنهم العمارة شيئًا".

التوبة 9:20

ثم نعت المهاجرين فقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى قوله: ﴿أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي من الذين افتخروا بعمارة البيت وسقي الحاج، فإن قيل: إنهم كانوا كفارًا فكيف جاز في صفة المؤمنين أنهم أعظم درجة عند الله منهم، ولا درجة لهم عند الله؟ قيل: هذا على ما كانوا يقدرون هم لأنفسهم وإن كان ذلك التقدير خطأ [[في (ح): حقًّا، والصواب ما أثبته من (ى) و (م).]]، كقوله [[(كقوله) ساقط من (ح).]]: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: 24]، وقال الزجاج: "المعنى: أعظم من غيرهم درجة" [[اهـ. كلام الزجاج، انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 438.]]، فيدخل في هذا كل ذي درجة ويحصل للمهاجرين المزية. وقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ معنى الفوز في اللغة: الظفر بالبغية وإدراك الطلبة [[انظر: "الصحاح" (فوز) 3/ 890، و"تهذيب اللغة" 3/ 2718 (فاز).]]، قال الزجاج: "والفائز: الذي يظفر بأمنيته من الخير" [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 439.]]، وهذا مما قد سبق [[انظر: "البسيط" آل عمران: 185.]].

التوبة 9:21

قوله تعالى: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ﴾ الآية، قال أبو إسحاق: "أي: يعلمهم في الدنيا مالهم في الآخرة" [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 439.]] [وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ النعيم: نقيض البؤس، وهو لين العيش من النعمة [[انظر: "الصحاح" (نعم) 5/ 2042.]]، وهي اللين، والمقيم: الدائم الذي لا يزول ولا يبرح [[انظر: "لسان العرب" (قوم) 6/ 3781.]]، وهذه الآية والتي بعدها [[يعني قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ودليل التخصيص الآية السابقة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا ...﴾ إلخ.]] في المهاجرين خاصة] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح).]].

التوبة 9:23

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ الآية، قال ابن عباس في رواية الضحاك: "لما أمر الله المسلمين بالهجرة وكان قبل فتح مكة من آمن ولم يهاجر، لم يقبل الله إيمانه حتى يجانب الآباء والأقرباء إن كانوا كفارًا" [[رواه الثعلبي 6/ 87 أمطولاً، وفي سنده جويبر ضعيف.]]، وقال في رواية أبي صالح [[هو: باذام. تقدمت ترجمته، وقد روى تفسيره الكلبي.]]: "لما أمر رسول الله -ﷺ- لناس بالهجرة إلى المدينة فمن الناس من يوافقه أهله وزوجته وأقاربه على الهجرة، ومنهم من تتعلق به زوجته وعياله وولده، فيقولون: ننشدك الله أن تضيعنا، فيرق فيجلس ويدع الهجرة، فأنزل الله هذه الآية" [[رواه الثعلبي 6/ 87 أ، والبغوي 4/ 24 مختصرًا عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس.]]، فقوله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ أي: بطانة وأصدقاء، تؤثرون المقام بين أظهرهم على الهجرة إلى دار الإسلام. وقال ابن عباس: "يريد: لا تتولوهم في شيء من أمورهم، لا في النكاح ولا في الميراث ولا في الطعام ولا في الشراب ولا في السلام ولا في الكلام حتى يؤمنوا ويوحدوا الله" [[لم أقف عليه.]]. وقوله تعالى: ﴿إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ﴾ الاستحباب: طلب المحبة، ثم يقال: استحب كذا بمعنى أحبه كأنه طلب محبته، كما يقال: استجاب بمعنى أجاب. وقوله [[من (م).]]: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، قال ابن عباس: "يريد: مشرك مثلهم" [["تفسير الرازي" 16/ 18، والقرطبي 8/ 94.]]، وقال الحسن: "من تولى المشرك فهو مشرك، وذلك أنه راض بشركه كما أن من تولى الفاسق فهو فاسق لرضاه بفسقه" [[لم أقف على مصدره، وقد ذكره من غير نسبة هود بن محكم في "تفسيره" 2/ 121.]].

التوبة 9:24

قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ﴾ الآية، قال ابن عباس في رواية الضحاك: "لما أمر المسلمون بالهجرة ومجانبة أقاربهم الكفرة قالوا: يا نبي الله، إن نحن اعتزلنا من خالفنا في الدين نقطع آباءنا وعشائرنا وتذهب تجارتنا وتخرب ديارنا فأنزل الله هذه الآية" [[رواه الثعلبي 6/ 87 أمطولاً، وانظر: "زاد المسير" 3/ 411 وسنده ضعيف؛ لأن الضحاك لم يلق ابن عباس كما في "تهذيب التهذيب" 2/ 226.]]. وقوله تعالى: ﴿وَعَشِيرَتُكُمْ﴾ عشيرة الرجل: أهله الأدنون، وهم الذين يعاشرونه وقريء "وعشيراتكم" بالجمع [[وهي قراءة شعبة عن عاصم وحده، وقرأ حفص عن عاصم وباقي القراء العشرة بالإفراد. انظر: "الغاية في القراءات العشر" ص 164، و"التبصرة في القراءات" ص 214، و"تقريب النشر" ص 120.]]، وذلك أن كل واحد من المخاطبين له عشيرة، فإذا جُمعت قيل: "وعشيراتكم"، ومن أفرد قال: العشيرة واقعة على الجمع فاستغنى عن جمعها، ويقوي ذلك أن الأخفش قال: "لا تكاد العرب تجمع عشيرة: عشيرات، إنما يجمعونها [[في (ج): (يجمعونه).]] عشائر" [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 4/ 180، و"الوسيط" 2/ 486، و"زاد المسير" 3/ 412، و"لسان العرب" (عشر) 5/ 2955، وقول الأخفش هذا ليس موجودًا في كتابه "معاني القرآن".]]. وقوله تعالى: ﴿وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا﴾ الاقتراف: الاكتساب، قال ابن عباس: "يريد [كسبتموها" [["الوجيز" 6/ 446.]]. وقوله تعالى: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ قال ابن عباس] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]]: "يريد: فتربصوا بما تحبون فليس لكم عند الله ثواب في إيمانكم" [[ذكره المصنف في "الوسيط" 2/ 487.]]، ومعنى [[ساقط من (ى).]]: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ يعني فتح مكة في قول مجاهد [[رواه ابن جرير 10/ 99، وابن أبي حاتم 6/ 1772، وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 4/ 157، والقول في "تفسير مجاهد" ص 366.]] ومقاتل [["تفسير مقاتل" ص 127 ب.]] والأكثرين [[لم يذكره ابن جرير وابن أبي حاتم والماوردي والسيوطي إلا عن مجاهد، وزاد الثعلبي مقاتل، وقد ذكر ما ذكره المصنف من أنه قول الأكثرين. البغوي 4/ 487، وابن الجوزي 3/ 413. قال الشيخ ابن عاشور في "التحرير والتنوير" 10/ 154: == (ومن فسر أمر الله بفتح مكة فقد ذهل؛ لأن هذه السورة نزلت بعد الفتح). وانظر ما يؤكد قوله في: "تفسير ابن جرير" 10/ 98.]]، ومعنى هذا: إن كنتم تؤثرون المقام في دوركم وأهليكم وتتركون الهجرة فأقيموا غير مثابين حتى يفتح الله مكة فيسقط فرض الهجرة، ولا يكون الأمر بالتربص أمر إباحة [[في (ى): (أمرًا بإباحة)، والصواب ما أثبته.]] بل هو أمر تهديد، وقال الحسن: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ أي: من عقوبة عاجلة أو آجلة" [[ذكره الماوردي في "النكت والعيون" 2/ 349، والزمخشري في "الكشاف" 2/ 181، وبمعناه ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 413.]]، وهذا أقرب؛ لأنه أليق بالوعيد. وقوله [[من (م).]]: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ أي: الخارجين عن طاعته إلى معصيته، وهذا أيضًا تهديد لهؤلاء بحرمان الهداية.

التوبة 9:25

قوله تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ الآية، النصر: المعونة على العدو خاصة، والمواطن، وهو كل مقام أقام به الإنسان لأمر، ومثله الوطن [[في (ى): (الموطن).]]، والأوطان: كالمواطن، وأوطن فلان أرض كذا: أي: اتخذها محلا ومسكنًا يقيم فيها [[انظر: كتاب "العين" (وطن) 7/ 454، و"تهذيب اللغة" (وطن) 4/ 3911.]]، قال الزجاج: "في مواطن: أي في أمكنة" [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 439.]]، وقال الفراء: "مواطن لا تنصرف؛ لأنه مثال لم يأت عليه شيء من الأسماء المفردة [[يعني الأسماء التي تدل على الواحد، قال الزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 440: "ومعنى ليس على مثال الواحد: أي ليس في ألفاظ الواحد ما جاء على لفظه، وأنه ألا يجمع كما يجمع الواحد جمع تكسير".]]، وأنه غاية للجمع إذا انتهى الجمع إليه فينبغي أن لا يجمع، ألا ترى أنك لا تقول: دراهمات ولا دنانيرات ولا مساجدات، وربما اضطر إليه الشاعر فجمعه وليس يوجد [في الكلام] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]] ما يجوز في الشعر، قال الشاعر [[هو: الأحمر كما في "لسان العرب" (حدد) 2/ 800، وانظر البيت بلا نسبة في: "معاني القرآن" للزجاج 2/ 439، و"الخصائص" 3/ 236، وكتاب "الحلل" (ص 405)، و"المذكر والمؤنث" لابن الأنباري 2/ 305، و"خزانة الأدب" 1/ 208. ورواية البيت في جميع هذه المصادر: فهن يعلكن ... إلخ. والبيت ضمن أبيات في وصف الخيل منها: أصبحن في قرح وفي داراتها ... سبع ليال غير معلوفاتها فهن يعلكن ... إلخ.]]: فهن يجمعن حدائداتها فهذا من المرفوض [[في (ى): (الفروض)، وهو تصحيف.]] إلا في الشعر" [["معاني القرآن" 1/ 428 بتصرف يسير.]]. انتهى كلامه. ومعنى هذا أن الجمع من العلل المانعة للصرف، وهذا النوع من [الجمع غاية] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]] المجموع، فكأن الجمع قد تكرر فيه فصارت هذه العلة تقوم مقام علتين فأوجبت ترك الصرف. وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾، قال الزجاج [[ساقط من (ى).]]: "أي: وفي يوم حنين، أي: ونصركم في يوم حنين" [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 439.]]، ونحو ذلك قال ابن عباس: "ونصركم يوم حنين" [["تنوير المقباس" ص190بمعناه.]]، قال قتادة: "حنين: واد بين مكة والطائف قاتل عليه نبي الله ﷺ هوازن وثقيفًا" [[رواه ابن أبي حاتم 6/ 1772.]]. وجرى [[إجراء الاسم عند الكوفيين: صرفه وتنوينه، وعدم إجرائه: منع صرفه.]] (حنين) لأنه اسم مذكر [سمي به مذكر] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي)، وليس موجودا في "معاني القرآن" للفراء.]] نحو: بدر وأحد وحراء وثبير [[ثبير: جبل معروف عند مكة المكرمة انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" (ثبر) 1/ 207.]]، وربما جعلت العرب حنين [[هكذا في جميع النسخ، والأولى: حنينًا؛ لأنه صرف بدرًا بعده.]] وبدرًا اسمًا للبلدة والبقعة فلا يُجْرونه [[بضم الياء وإسكان الجيم.]] نحو قول الشاعر [[هو: جرير كما في "كتاب سيبويه" 2/ 24، و"لسان العرب" (حرى) 2/ 853، وليس في ديوانه، وانظر البيت بلا نسبة في: "الصحاح" (حرا) 6/ 2312، و"المقتضب" 3/ 359، و"الدر المصون" 6/ 37، وصدر البيت عند سيبويه والمبرد هكذا: ستعلم أينا خيرٌ قديمًا قال ابن بري: هكذا أنشده سيبويه، وهو لجرير، وأنشده الجوهري: ألسنا أكرم الثقلين طرًّا .. " اهـ "لسان العرب"، الموضع السابق.]]: ألسنا أكثر الثقلين رحلًا ... وأعظمهم ببطن حراء نارًا وقال آخر [[هو: حسان بن ثابت -رضي الله عنه- والبيت في "ديوانه" ص 194، و"لسان العرب" (حنن) 2/ 1032، وبلا نسبة في "الصحاح" (حنن) 5/ 2105، ورواية الديوان والفراء وغيرهما هكذا: يوم تواكل الأبطال.]]: نصروا نبيهم وشدوا أزره ... بحنين حين تواكل الأبطال هذا قول الفراء وكلامه [[يعني من قوله: وجرى (حنين)، انظر: "معاني القرآن" 1/ 429.]]. قال المفسرون: "لما افتتح رسول الله -ﷺ- مكة وقد بقيت عليه أيام من شهر رمضان، خرج متوجهًا إلى حنين لقتال هوازن وثقيف" [[انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 6/ 1772 - 1773، والثعلبي 6/ 88 أ، والبغوي 4/ 25، وانظر الآثار الواردة في غزوة حنين في "الدر المنثور" 3/ 404 - 408.]]. وقوله تعالى: ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾، قال قتادة: "كانوا اثنى عشر ألفاً" [[رواه ابن جرير 10/ 100، والثعلبي 6/ 88 أ، والبغوي 4/ 26.]]. وقال مقاتل: "كانوا أحد [[في (ى): (إحدى)، والصواب ما أثبته، وهو موافق لما في "تفسير مقاتل".]] عشر ألفًا وخمسمائة" [["تفسير مقاتل" ص127 ب.]]. وقال الكلبي: "كانوا عشرة آلاف، وكانوا يومئذ أكثر ما كانوا قط" [["تفسير الثعلبي" 6/ 88 أ، والبغوي 4/ 26، والرازي 15/ 21.]]. وقال عطاء عن ابن عباس: "خرج رسول الله -ﷺ- من مكة إلى حنين في ستة عشر ألفًا، وكان معه رجل من الأنصار يقال له: سلمة بن سلامة بن وقش [[هو: سلمة بن سلامة بن وقش بن زغبة الأشهلي الأنصاري شهد العقبتين وبدرًا وأحدًا والمشاهد، توفي سنة 34 هـ، وقيل سنة 45 هـ. انظر: "التاريخ"الكبير" 4/ 68 (1986)، و"سير أعلام النبلاء" 2/ 355، و"الإصابة" 2/ 95 (3381).]] فعجب لكثرة الناس، فقال: لن نغلب اليوم من قلة، فساء رسول الله ﷺ كلامه، ووكلوا إلى كلمة الرجل، فذلك قوله تعالى: ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ " [[ذكره المصنف في "الوسيط" 2/ 487، وذكر بعضه الزمخشري في الكشاف 2/ 182، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 413.]]. وقوله تعالى: ﴿فَلَمْ [[في (ي): (فلن)، وهو خطأ محض.]] تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾ معنى الإغناء: إعطاء ما يدفع الحاجة. وقوله: ﴿فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾ أي لم تعطكم شيئًا يدفع حاجتكم، قال الزجاج: "أعلمهم الله أنهم ليس بكثرتهم يغلبون، وأنهم إنما يغلبون بنصر الله إياهم" [[اهـ كلام الزجاج، انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 440.]]، فوكلوا ذلك اليوم إلى كثرتهم؛ فانهزموا ثم تداركهم الله بنصره حتى ظفروا. وقوله تعالى: ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ يقال: رحب يرحب رحبًا ورحابة، قال ابن شميل: "ضاقت عليه بما رحبت [[هكذا، وفي "تهذيب اللغة": "ضاقت عليهم الأرض بما رحبت" ... إلخ.]]: أي: على رحبها وسعتها" [["تهذيب اللغة" (رحب) 2/ 1387.]]، فمعنى قوله: ﴿بِمَا رَحُبَتْ﴾ أي برحبها، ومعناه: مع رحبها، و"ما" ههنا مع الفعل بمنزلة المصدر كقوله: ﴿لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ [يس: 26، 27] أي بمغفرته لي، ومعنى الآية: إنكم لشدة ما لحقكم من الخوف ضاقت عليكم الأرض فلم تجدوا فيها موضعًا يصلح لكم لفراركم عن عدوكم. قال ابن عباس: "يقول: هي واسعة، ولكم فيها رحاب ومتسع، فضاقت عليكم لموضع العجب" [["تنوير المقباس" ص190 بمعناه مختصرًا.]]. قال الزجاج: "جعل الله عقوبتهم على إعجابهم بالكثرة أن رَعَبهم [[بفتح العين غير المشددة، أي: أفزعهم وأخافهم، و"لسان العرب" (رعب) 3/ 1667.]] حتى ولّوا مدبرين" [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 440.]]. قال البراء بن عازب: كانت هوازن رماة، وإنا لما حملنا عليهم انكشفوا وأكببنا [[في (ى): (وانحنينا)، وفي "الصحيحين": فأكببنا.]] على الغنائم فاستقبلونا [[في (ى): (فاستقبلوا).]] بالسهام فانكشف المسلمون عن رسول الله -ﷺ-، ولم يبق معه إلا العباس بن عبد المطلب وأبو سفيان بن الحارث" [[رواه مختصرًا البخاري في "صحيحه" (4315)، كتاب: المغازي، باب قول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ...﴾، ومسلم في "صحيحه" (1776)، كتاب الجهاد والسير.]]، قال البراء: "والذي لا إله إلا هو ما ولى رسول الله -ﷺ- دبره قط، لقد رأيته، وأبو سفيان آخذ بالركاب [[الركاب: موضع في سرج الدابة، وهو كالغرز للرجل. انظر "القاموس المحيط"، فصل الراء، باب الباء 9155، و"لسان العرب" (ركب) 3/ 1713.]]، والعباس آخذ بلجام الدابة، وهو يقول: "أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب" وطفق يركض بغلته نحو الكفار لا يألو، وكانت بغلة شهباء، ثم قال للعباس: " [ناد: يا معشر الأنصار، يا معشر المهاجرين، وكان العباس رجلاً صيتًا، فجعل ينادي: يا عباد الله] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح).]]، يا أصحاب [[في (ح): يا معشر أصحاب الشجرة.]] الشجرة، يا أصحاب سورة البقرة، فجاء المسلمون حين سمعوا صوته عنقًا واحداً [[العنق: الجماعة الكثيرة من الناس، وجاء القوم عنقًا عنقًا: أي طوائف. انظر: "لسان العرب" (عنق) 10/ 273.]]، وأخذ رسول الله -ﷺ- بيده كفًا من الحصباء فرماهم بها، وقال: " شاهت الوجوه"، فما زال أمرهم مدبرًا، وحدهم كليلًا حتى هزمهم الله، ولم يبق منهم أحدٌ يومئذٍ إلا وامتلأت عيناه من ذلك التراب" [[هذا الأثر ملفق من عدة روايات، وليس للبراء وحده كما يدل عليه صنيع المؤلف، وهو نقله عن الثعلبي مع التصرف، والثعلبي صرح بأنه لفقه من عدة روايات فقال: (وكانت قصة حنين على ما ذكره المفسرون بروايات كثيرة لفقتها ونسقتها لتكون أقرب إلى الأفهام، وأحسن للنظام). "تفسير الثعلبي" 6/ 88 أ، بل إن الثعلبي ميّز قول البراء من قول غيره، وعلى أي حال فهذا الأثر ملفق من الروايات التالية:- 1 - رواية البراء، وقد رواها الثعلبي 6/ 88/ ب بلفظ المؤلف، وهي تنتهي عند لفظ "عبد المطلب" وبنحوها رواها البخاري (4315)، كتاب: المغازي، باب قول الله تعالى: ﴿ويوم حنين ..﴾ 5/ 310، ومسلم (1776)، كتاب الجهاد والسير. 2 - رواية العباس بن عبد المطلب، رواها مسلم (1775)، كتاب الجهاد والسير، باب في غزوة حنين، وأحمد في "المسند" 1/ 207. 3 - رواية قتادة، رواها ابن جرير 10/ 104. 4 - رواية سلمة بن الأكوع، رواها مسلم (1777)، كتاب الجهاد، باب في غزوة حنين.]].

التوبة 9:26

فذلك قوله: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ السكينة: ما يسكن إليه القلب والنفس، قال الليث: "السكينة: الوداعة والوقار" [[كتاب "العين" (سكن) 5/ 313.]]، وقيل [[في (ى): (وقال)، وأثبت ما في (ح) و (م) لعدم وجود هذا القول في كتاب العين.]]: السكينة: الأمنة والطمأنينة" [[هذا قول ابن جرير 10/ 104، والثعلبي 6/ 91 ب.]]، وهي المراد ههنا؛ لأن الرعب يوجب الاضطراب والهزيمة، وضده الأمنة التي توجب الطمأنينة والوقار، قال ابن عباس: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ﴾: يريد رحمته"، يعني أن تلك السكينة إنما أنزلت عليهم من رحمة الله. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ قال [[يعني ابن عباس، كما صرح بذلك في "الوسيط" 2/ 488، وذكره أيضًا ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 416.]]: يريد الملائكة" وقال سعيد بن جبير: "أمدّ الله نبيه بخمسة آلاف من الملائكة" [[رواه ابن أبي حاتم 6/ 1774، وذكره بغير سند الثعلبي 6/ 89 أ، وابن الجوزي 3/ 416.]]، وقال سعيد بن المسيب: "حدثني رجل كان [[لفظ: (كان) ساقط من (ح)، وهو موجود في مصادر التخريج التالية.]] في [[في (ى): (من)، وأثبت ما في (ح) و (م) لموافقته لمصادر التخريج التالية.]] المشركين يوم حنين قال: لما كشفنا المسلمين جعلنا نسوقهم إذ [[هكذا في جميع النسخ، وكذلك في "تفسير الثعلبي"، وفي "الوسيط": حتى إذا. وفي "تفسير الرازي" وأبي حيان: فلما.]] انتهينا إلى صاحب [[(إلى صاحب) مكرر في (ى).]] البغلة الشهباء [[يعني رسول الله ﷺ انظر: "صحيح مسلم" (1775) كتاب: الجهاد والسير، باب في غزوة حنين، و"تفسير الثعلبي" 6/ 89 ب.]]، فتلقانا رجال بيض الوجوه حسان، فقالوا لنا: شاهت الوجوه ارجعوا فرجعنا وركبوا أكتافنا" [[ذكره الثعلبي 6/ 89 ب، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 488، والرازي في "تفسيره" 16/ 22، وأبو حيان في "البحر" 5/ 25.]]. وقال الزجاج: "أنزل الله -عز وجل- عليهم السكينة حتى عادوا وظفروا، فأراهم الله في ذلك اليوم من آياته ما زادهم تثبيتًا بنبوة النبي -ﷺ" [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 440.]]. وقوله تعالى: ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، قال ابن عباس: "يريد بأسيافكم ورماحكم" [[لم أقف عليه إلا في "الوجيز" للمؤلف 6/ 450، وفي "تنوير المقباس" ص190: "وعذب الذين كفروا": بالقتل والهزيمة.]]. وقال غيره: "أي بالقتل والأسر، وسبي العيال، وسلب الأموال، مع الصَّغار والإذلال" [[هذا قول الثعلبي في "تفسيره" 6/ 91 ب دون قوله: مع الصغار والإذلال، وبلفظ الثعلبي ذكره ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 416، ونسبه للبعض دون تحديد، وقال ابن جرير 10/ 104 "بالقتل وسبي الأهلين والذراري، وسلب الأموال والذمة".]]، ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾.

التوبة 9:27

قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ فيهديه إلى الإسلام ولا يؤاخذه بما سلف منه، قال ابن عباس: "يريد ممن كان في علم الله أن يهديه للإسلام" [["تنوير المقباس" ص191 بمعناه.]]، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾ لمن اهتدى ﴿رَحِيمٌ﴾ لمن آمن.

التوبة 9:28

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ الآية، قال الفراء: "لا تكاد العرب تقول: نجس إلا وقبلها رجس، فإذا أفردوا قالوا: نجس لا غير، ولا يجمع ولا يؤنث، وهو مثل دنف [[الدنَف (بفتح النون): (المرض الملازم، وبكسرها: المريض الذي براه المرض حتى أضفى على الموت. "لسان العرب" (دنف) 3/ 1432.]] " [["معاني القرآن" 1/ 430.]]. وقال الليث: "النجس: الشيء القذر من الناس ومن كل شيء [[في "تهذيب اللغة": ومن كل شيء قذرته، وفي كتاب "العين": وكل شيء قذرته فهو نجس.]]، ورجل نجس وقوم أنجاس، ولغة أخرى [[يعني في الكملة أخرى باعتباره مصدرًا فلا يثنى ولا يؤنث ولا يجمع.]]: رجل نجس وقوم نجس وامرأة نجس" [["تهذيب اللغة" (نجس) 4/ 3519 - 3520، ونحوه مختصرًا في كتاب "العين" (نجس) 6/ 55.]]، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ أي أخباث أنجاس. قال ابن عباس في رواية عطاء: "يريد لا يغتسلون من الجنابة، ولا يتوضؤون لله، ولا يصلون له" [[ذكره المصنف في "الوسيط" 2/ 488، والرازي في "تفسيره" 16/ 25.]]، ونحو هذا قال قتادة: سماهم نجسًا لأنهم يجنبون ولا يغتسلون، ويحدثون ولا يتوضؤون" [[رواه البغوي 4/ 31، ورواه مختصرًا عبد الرزاق الصنعاني في "تفسيره" 1/ 2/271، وابن جرير 10/ 105، وابن أبي حاتم 6/ 1775.]]. قال أهل العلم وأصحاب [[في (ح): (إلى أصحاب)، وهو خطأ بين.]] المعاني: "هذه النجاسة التي وصف الله بها المشركين نجاسة الحكم لا نجاسة العين، سموا نجسًا على الذم، ولو كانت أعيانهم نجسة لما طهرهم الإسلام، ولكن شركهم يجري مجرى القذر في أنه يوجب نجسهم فسموا نجسًا لهذا المعنى" [[انظر: "تفسير الثعلبي" 6/ 92 أ، والبغوي 4/ 31، وابن الجوزي 3/ 417، وأحكام القرآن للهراسي 4/ 36، و"أحكام القرآن" لابن العربي 2/ 913، و"تفسير ابن كثير" 2/ 382.]]، وقال أبو علي: معنى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ أي: ليسوا من أهل الطهارة وإن لم تكن عليه [[أي على أحدهم.]] نجاسة من نحو البول والدم والخمر، والمعنى: إن الطهارة الثابتة للمسلمين هم خارجون عنها [[ساقط من (ح).]]، ومباينون لها، وهذه الطهارة هي ما ثبتت لهم في قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة: 103] [["الحجة للقراء السبعة" 4/ 307.]]. وقوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [قال المفسرون: "أراد منعهم من دخول الحرم وذلك أنهم إذا دخلوا الحرم فقد قربوا المسجد الحرام" [[انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 105، والثعلبي 6/ 92 أ.]]] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح).]]. وقال بعضهم: "المراد بالمسجد الحرام: الحرم" [[هذا قول ابن عباس وسعيد بن جير ومجاهد وعطاء وابن شهاب كما في "تفسير ابن أبي حاتم" 6/ 1776، ورواه ابن جرير 10/ 105، والثعلبي 6/ 92 أعن عطاء.]]، وهو كقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء:1] وإنما رفع من بيت أم هانئ [[هي: أم هانئ بنت أبي طالب بن عبد المطلب، بنت عم النبي -ﷺ- وأخت علي أمير المؤمنين -رضي الله عنه-، اسمها فاختة، وقيل: فاطمة، وقيل: هند، لها أحاديث في الكتب الستة، وتوفيت بعد سنة 50 هـ. انظر: "الكاشف" 2/ 528، و"الإصابة" 4/ 503.]] [[رفع النبي -ﷺ- من بيت أم هانئ رواه الطبراني في الكبير 24/ 432، 434، قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 1/ 246: "فيه عبد الأعلي بن أبي المشاور، متروك كذاب" اهـ. ورواه أيضاً ابن جرير 15/ 2 (طبعة الحلبي) من طريق ابن إسحاق عن محمد بن السائب الكلبي، والكلبي متهم بالكذب.]]، وهذا مذهب عطاء، وقال: الحرم كله قبلة ومسجد" [[رواه ابن جرير 10/ 105، والثعلبي 6/ 92 أ.]]، وتلا هذه الآية. وقوله تعالى: ﴿بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾، قال قتادة: "يعني عام حج بالناس أبو بكر، وتلا علي سورة براءة" [[رواه ابن جرير 10/ 106، وابن أبي حاتم 6/ 1776، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 408.]]، وقال عطاء عن ابن عباس: "يريد: يوم الفتح" [["الوجيز" 6/ 453 وفيه نظر إذ أن الثابت أن المشركين لم ينهوا عن الحج إلا في السنة التاسعة، كما في "صحيح البخاري" (4655)، كتاب: التفسير، سورة براءة، باب: قوله "فسيحوا في الأرض أربعة أشهر".]]، وقال الزجاج: "هذا وقع سنة تسع من الهجرة، أُمر المسلمون بمنع المشركين من الحج" [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 441.]]. فأما الكلام في حكم هذه الآية: فروى جابر عن النبي -ﷺ- قال [[(قال) ساقط من (ى).]]: "لا يدخل الحرم إلا أهل الجزية أو عبد رجل من المسلمين" [[ذكره الثعلبي 6/ 92 أبدون سند، ورواه بمعناه أحمد في "المسند" 3/ 392، وابن أبي حاتم 6/ 1776 ولفظهما: "لا يدخل المسجد الحرام" وفي سنده ثلاث علل: أ- أشعث بن سوار الكندي، قال في "تقريب التهذيب" ص 113 (524): (ضعيف). ب- شريك بن عبد الله، قال في التقريب ص 266 (2787): (صدوق يخطئ). ج- عنعنة الحسن البصري، وهو مدلس كما في إتحاف ذوي الرسوخ (ص 22).]]. قال أصحابنا [[يعني الشافعية: انظر "المهذب في فقه الإمام الشافعي" 2/ 258، وبعض القول في "الأم" (4/ 252، 253، 413).]]: "الحرم حرام على المشركين، ولو كان الإمام بمكة فجاء رسول من المشركين فليخرج إلى الحل لاستماع الرسالة، وإن دخل مشرك الحرم متواريًا فمرض فيه أخرجناه مريضًا، وإن مات ودفن ولم يعلم نبشناه وأخرجنا عظامه إذا أمكن، فليس لهم الاستيطان ولا الاجتياز، وإن التجؤا إلى مكة لم يجز لنا نصب القتال عليهم، إنما أحلت لرسول الله ﷺ ساعة من نهار، فإن بدؤنا فيها بالقتال حلت المدافعة، فأما من وجب عليه القصاص أو الحد فلاذ بالحرم [[ساقط من (ح).]] فالحرم لا يعيذ [[في (م): (لا يصير)، وهو خطأ.]] عاصيًا [[ذهب المحققون من العلماء إلى التفريق بين الجاني في الحرم وبين الجاني في الحل ثم لاذ بالحرم فالأول يقام عليه الحد والثاني لا يقام عليه الحد؛ بل الحرم يعيذه ويحميه، قال الإمام ابن القيم في "زاد المعاد" 3/ 444: "وهذا قول جمهور التابعين ومن بعدهم، بل لا يحفظ عن تابعي ولا صحابي خلافه، وإليه ذهب أبو حنيفة ومن وافقه من أهل العراق، والإمام أحمد ومن وافقه من أهل الحديث، وذهب مالك والشافعي إلى أنه يستوفى منه في الحرم"، ثم ساق ابن القيم أدلة الفريقين، وفند أدلة القول المرجوح، وبين الفرق بين الجاني في الحرم واللاجيء إليه، فانظره هناك فإنه بحث قيم.]] عندنا [[يعني الشافعية، انظر: "الأم" (4/ 413، 414).]]، وقد مضى الكلام في هذا، فأما جزائر العرب فقد قال رسول الله -ﷺ- "لئن عشت إلى قابل لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب" [[رواه بنحوه مسلم في (1767)، كتاب الجهاد والسير، باب إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، وأبو داود (3039)، كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب في إخراج اليهود من جزيرة العرب، والترمذي (1606)، كتاب السير، باب في إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، وأحمد في "المسند" 1/ 32.]]، فلا يجوز تمكين المشركين من استيطانها بعدما أجلاهم عمر -رضي الله عنه- بوصية رسول الله -ﷺ-، ويجوز لهم الاجتياز بشرط ألا يقيم المجتاز [في موضع] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]] أكثر من ثلاثة أيام، هذه سنة عمر فيهم [[رواه عبد الرزاق الصنعاني في المصنف، كتاب أهل الكتاب، باب لا يدخل مشرك المدينة رقم (9977) 6/ 51، وانظر "المغني" 13/ 244.]]. وقد أكثروا في تحديد جزيرة العرب، وقد قال الشافعي -وهو أعلم الناس بذلك-: "جزيرة العرب: مكة والمدينة واليمامة ومخاليفها" [[انظر: "المهذب في فقه الإمام الشافعي" 2/ 257، والشافعي -رحمه الله- إنما فسر بذلك الحجاز، ونص عبارته: "وإن سأل من تؤخذ منه الجزية أن يعطيها == ويجري عليه الحكم على أن يسكن الحجاز لم يكن ذلك له، والحجاز: مكة والمدينة واليمامة مخاليف كلها" كتاب "الأم" 4/ 251، ثم قال في الصفحة التالية بعد أن بين أن اليمن ليست بحجاز: فأما سائر البلدان -ما خلا الحجاز- فلا بأس أن يصالحوا على المقام بها". وفي"تهذيب اللغة" (جزر) 1/ 596: "جزيرة العرب: محالها، سميت جزبرة لأن البحرين بحر فارس، وبحر السودان أحاطا بجانبيها، وأحاط بالجانب الشمالي دجلة والفرات، وهي أرض العرب ومعدنها".]]. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ العيلة: الفقر، يقال [[(يقال) ساقط من (ح).]]: عال الرجل يعيل عيلة فهو عائل إذا افتقر، قال ابن عباس: "يريد خفتم حاجة" [[رواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 191.]]، قال مجاهد [[رواه بمعناه ابن جرير 10/ 108، وابن أبي حاتم 6/ 1777، وهو في "تفسير مجاهد" ص 367.]] ومقاتل [["تفسير مقاتل" ص 128 أبمعناه.]] وقتادة [[رواه بمعناه ابن جرير 10/ 108، وابن أبي حاتم 6/ 1777، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 408.]] والمفسرون [[انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 105 - 109، وابن أبي حاتم 6/ 1777، و"الدر المنثور" 3/ 408 - 410.]]: "لما منع المشركون من دخول الحرم قال المسلمون: إنهم كانوا يأتون بالمير [[المير: جمع ميرة، وهي جلب الطعام. انظر: "لسان العرب" (مير) 7/ 4306.]] ويتبايعون، فالآن تنقطع المتاجر ويضيق العيش فأنزل الله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، قال ابن عباس: "يريد: يتفضل عليكم بما هو أوسع وأكثر" [[ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 488.]]، قال مقاتل: "أسلم أهل جدة وصنعاء وجرش [[جرش: مدينة في اليمن وفي الأردن، انظر: "معجم البلدان" 2/ 127، والمراد بها هنا التي باليمن؛ لأن أهلها أسلموا في عهد رسول الله -ﷺ- أما بلاد الأردن والشام فلم تفتح إلا في عهد أبي بكر وعمر.]] وحملوا الطعام إلى مكة وكفاهم الله ما كانوا يتخوفون" [[ذكره عنه الثعلبي 6/ 92 ب، وهو في "تفسير مقاتل" 128 أبلفظ: "فكفاهم الله ما كانوا يتخوفون فأسلم أهل نجد وجرش وأهل صنعاء فحملوا الطعام".]]، وقال الضحاك وقضادة: "أغناهم الله عما خافوا من العيلة بالجزية" [[رواه عنهما ابن جرير 10/ 107 - 108، وابن أبي حاتم 6/ 1777.]]، وقوله تعالى: ﴿إِنْ شَاءَ﴾ قال أهل المعاني: "شرط المشيئة في الغنى [[في (ى): (المعنى).]] لأنه علم أن فيهم من لا يبلغ هذا الغنى [[في (ج): (المعنى).]] الموعود، وقيل لتنقطع الآمال إلى الله -عز وجل- كما قال: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: 27]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، قال ابن عباس: "عليم بما يصلحكم، حكيم فيما حكم في المشركين" [[ذكره ابن الجوزي في"زاد المسير" 3/ 418، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 488.]].

التوبة 9:29

وقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية، هذه الآية نزلت في أهل الكتاب، قال مجاهد: "نزلت حين أمر رسول الله -ﷺ- بحرب الروم فغزا [[في (ى): (فغزوا)، وأثبت ما في (ح) و (م) لأنه أسد في انتظام الكلام، ولموافقته لما في تفسير الثعلبي.]] بعد نزولها غزوة تبوك" [[رواه الثعلبي 6/ 92 ب وهو كذلك في تفسير مجاهد ص 367.]]، وقال الكلبي: "نزلت في قريظة والنضير من اليهود وأراد رسول الله -ﷺ- قتالهم فصالحوه، فكانت أول جزية أصابها أهل الإسلام، وأول ذل أصاب أهل الكتاب بأيدي المسلمين" [[ذكره الثعلبي 6/ 92 ب.]]. وإذا كانت الآية نازلة فيهم فمعنى قوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أن إقرارهم عن غير معرفة فليس بإيمان، وهذا معنى قول أبي إسحاق: "إنهم لا يؤمنون بالله إيمان الموحدين، فأعلم الله -عز وجل- أن ذلك غير إيمان، وأن إيمانهم بالبعث ليس على جهة الإيمان لأنهم لا [[(لا) ساقطة من (ح).]] يقرون بأن [[في (ى): (أن)، وما أثبته موافق لـ"معاني القرآن وإعرابه".]] أهل الجنة يأكلون ويشربون [[قال الإمام ابن كثير في "تفسيره" 2/ 382: "لما كفروا بمحمد ﷺ لم يبق لهم إيمان صحيح بأحد الرسل، ولا بما جاؤوا به، وإنما يتبعون آراءهم وأهواءهم وآباءهم فيما هم فيه، لا لأنه شرع الله ودينه؛ لأنهم لو كانوا مؤمنين بما بأيديهم إيمانًا صحيحًا لقادهم ذلك إلى الإيمان بمحمد ﷺ؛لأن جميع الأنبياء بشروا به وأمروا باتباعه"ا. هـ.]] " [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 441، وقد اختصر المؤلف كلام الزجاج.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، قال ابن عباس: "يريد من الميتة والدم ولحم الخنزير" [[لم أقف على مصدره.]]، وقال الكلبي: "يعني الخمر" [[لم أقف على مصدره، وقد رواه ابن أبي حاتم 6/ 1778، عن سعيد بن جبير.]]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾، قال الكلبي: "ولا يعبدون عبادة الحق" [[في "تنوير المقباس" عنه عن ابن عباس ص 191: ("لا يخضعون لله بالتوحيد").]]، والحق هو الله تعالى، وروى شيبان [[هو: شيبان بن عبد الرحمن التيمي مولاهم، أبو معاوية البصري، المؤدب، كان == معلمًا صدوقًا ثقة صاحب كتاب، روى عن قتادة والحسن البصري وغيرهما، وتوفي سنة 641 هـ. انظر: "الكاشف" 1/ 491، و"تقريب التهذيب" ص 369 (2833)، و"تهذيب التهذيب" 2/ 475.]] عن قتادة: الحق هو الله ودينه الإسلام، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 19]: [[انظر قول قتادة في تفسير الثعلبي 6/ 93 أ، والبغوي 4/ 34.]] [وقال أبو عبيدة: معناه] [[ما بين المعقوفين من (م).]] ولا يطيعون الله طاعة أهل الإسلام، وكل من أطاع ملكًا أو ذا سلطان فقد دان له، ومنه قول زهير [[البيت في "شرح ديوانه" ص 183، و"تفسير ابن جرير" 10/ 109. و"جو": موضع في ديار بني أسد، و"عمرو": هو عمرو بن هند بن المنذر بن ماء السماء، و"فدك": قرية معروفة شمال الحجاز. والشاعر يخاطب الحارث بن ورقاء الأسدي، الذي أغار على إبل زهير، وأسر راعيه وكانت بنو أسد تحت نفوذ عمرو بن هند ملك العراق، فهدد زهير الحارث بهجاء لاذع إن لم يرد الإبل والراعي، يقول بعد البيت المذكور: ليأتينك مني منطق قذع ... باق، كما دنس القبطية الودك انظر: "شرح الديوان" ص 164، 183.]]: لئن حللت [[(حللت) ساقط من (ى).]] بجوٍ في بني أسد ... في دين عمرو وحالت بيننا فدك [[اهـ. كلام أبي عبيدة، انظر: "مجاز القرآن" 1/ 255.]] أي في طاعة عمرو، وطى هذا التقدير: لا يدينون دين أهل الحق، أي طاعة أهل الإسلام فحذف المضاف، وقوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، قال ابن عباس: "يريد من اليهود والنصارى والصابئين" [["تنوير المقباس" ص191، دون ذكر الصابئين، وقد اختلف المؤرخون والمفسرون في حقيقة دين الصابئة، والصححيح أن هذا الاسم يطلق على فرقتين: الأولى: الصابئة الحرانية، وهؤلاء هم امتداد قوم إبراهيم -عليه السلام-، ويذكر الدكتور == النشار نقلاً -عن البيروني- أن هؤلاء الوثنيين عباد الكواكب إنما تسموا باسم الصابئة أيام المأمون بفتوى شيخ فقيه من أهل حران حتى ينجوا من القتل أو إلزامهم بالإسلام. الثانية: الصابئة على وجه الحقيقة، وهؤلاء قوم من اليهود تخلفوا ببابل بعد عودة قومهم إلى فلسطين، ووضعوا مذهبًا ممتزجًا من اليهودية والمجوسية، ويتجهون في صلاتهم نحو القطب الشمالي ولا يزال لهم وجود في العراق. انظر: "المصنف" للصنعاني 6/ 124، و"الملل والنحل" للشهرستاني (الهامش في) 2/ 95، و"المغني" 13/ 203، و"تفسير الرازي" 16/ 31، و"نشأة الفكر الفلسفي" د. النشار 1/ 209 - 219.]]، وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾، قال الحسن: "قاتل رسول الله، ﷺ أهل هذه [[ساقط من (ي).]] الجزيرة من العرب على الإسلام ولم يقبل منهم غيره، وكان أفضل الجهاد، وكان بعده جهاد آخر على هذه الطعمة [[هذا يوحي بأن جهاد أهل الكتاب من أجل الجزية، والواقع أن الهدف من القتال نشر نور الله في الآفاق، والقضاء على الحواجز التي تحول دون إبلاغ الناس كلام الله، والجزية ضريبة على المعاهد الذي رغب البقاء على دينه، وهي في مقابل حمايته والدفاع عنه، وتأمين الأمن له في ظل الدولة الإسلامية.]] -يعني الجزية- في شأن أهل الكتاب وهو قوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [[رواه الثعلبي 6/ 93 ب، لكنه لم يقل: يعني الجزية ورواه أيضًا ابن أبي شيبة وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 412 لكن لفظهما "على هذه الأمة" بدل "على هذه الطعمة" وبه يزول الإشكال.]]. والجزية هي [[ساقط من (ى).]]: ما يعطي المعاهد على عهده، وهي (فِعْلة) من جزى يجزي إذا قضى ما عليه، وقوله: ﴿عَنْ يَدٍ﴾، قال ابن عباس: "هو أنهم يعطونها بأيديهم يمشون بها كارهين ولا يجيئون بها ركبانًا، ولا يرسلون بها" [[رواه الثعلبي 6/ 94 ب، ورواه مختصرًا البغوي 4/ 33، وأشار إليه ابن جرير 10/ 110 بقوله: وذلك قول روي عن ابن عباس من وجه فيه نظر.]]. وهو قوله: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ أي: ذليلون مقهورون يتلتلون بها تلتلة [[في (ى): (ثلثله)، والتلتله: الشدة والعنف في السوق، انظر: "لسان العرب" (تلل) 1/ 442.]]، يريد أنهم يُجرّون إلى الموضع الذي تقبض منهم فيه [[(فيه) ساقط من (ى).]] بالعنف حتى يؤدوها من يدهم، وروى يحيى بن آدم [[هو: يحيى بن آدم بن سليمان، أبو زكريا الأموي مولاهم الكوفي، العلامة الحافظ المجود، كان ثقة، كثير الحديث، من كبار أئمة الاجتهاد، توفي سنة 203 هـ. انظر: "التاريخ الكبير" 8/ 261، و"تذكرة الحفاظ" 1/ 359، و"سير أعلام النبلاء" 9/ 522، و"تهذيب التهذيب" 4/ 337.]] عن عثمان البُري [[هو: عثمان بن مقسم البري، أبو سلمة الكندي مولاهم البصري أحد فقهاء البصرة المفتين، على ضعف في حديثه وبدعة فيه، وقد تركه النسائي والقطان وابن معين وغيرهم. انظر: "التاريخ" 6/ 252، وكتاب "الضعفاء الصغير" ص 164، و"سير أعلام النبلاء" 7/ 325، و"ميزان الاعتدال" 3/ 453. ملحوظة: عثمان المذكور روى له الترمذي (1941)، كتاب: البر، باب: ما جاء في الخيانة والغش حديثًا من طريق زيد بن الحباب عن أبي سلمة الكندي عن فرقد. وقد اعتبر ابن حجر في "تقريب التهذيب" ص 646 (8146) أبا سلمة مجهولاً، والصحيح أنه هو عثمان البري. انظر: السير، الموضع السابق.]] في قوله: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ قال: "نقد [[هكذا في جميع النسخ، وفي "تهذيب اللغة": نقدًا. ومراد المؤلف: عن نقد، كما في "معالم التنزيل" 4/ 33.]] ليس بنسيئة" [["تهذيب اللغة" (يدى) 4/ 3975، ولفظه: قال: نقدًا عن ظهر يد، ليس بنسيئة.]]. وذكر أهل المعاني في قوله: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ أقوالاً:- روى أبو عبيد عن أبي عبيدة قال: "كل من انطاع [[في (م): (أطاع).]] لمن قهره فأعطى عن غير طيبة نفس فقد أعطى عن يد" [[اهـ. كلام أبي عبيدة، انظر: "مجاز القرآن" 1/ 256.]]، ومعنى هذا أنه أعطى عن ذل واستسلام كما يقال: أعطى فلان بيده: إذا ذل واعترف بالانقياد، ودل على هذا قوله: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، قال القتيبي: "يقال أعطاه عن يد، وعن ظهر يد: إذا أعطاه مبتدئًا غير مكافيء" [[اهـ. كلام القتيبي، انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 184.]]، وهذا بالعكس أولى؛ فإنهم يبذلون الجزية دفعًا عن رقابهم ومكافأة للمسلمين بإقرارهم على دينهم، ولكن المعنى ههنا "عن يد" أي عن غير مكافأة [منكم إياهم] [[في (ح): (ومنكم أتاهم)، وهو خطأ.]] بما أعطوا من المال [[ابن قتيبة ينفي مكافأة أهل الذمة للمسلمين، بل يدفعون الجزية بلا مقابل، والمؤلف ينفي مكافأة المسلمين لهم، فهم إذا دفعوا الجزية لا يرد المسلمون مكافأة لها.]]، وذكر أبو إسحاق فيه أوجهًا [[في (ي): (وجهًا).]]: أحدها [[في (ى): (آخر).]]: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ أي عن ذلٍ واعترافٍ للمسلمين بأن أيديهم فوق أيديهم. والثاني: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ عن قهر وذلٍ، كما تقول اليد في هذا لفلان أي: الأمر النافذ لفلان [[ساقط من (ى).]]. والثالث: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ أي: عن إنعام عليهم بذاك؛ لأن قبول الجزية منهم [[في (ى): (منكم).]] وترك أنفسهم لهم نعمة عليهم ويد من المعروف جزيلة [[ساقط من (ح).]] " [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 442 بنحوه، والنص منقول من "تهذيب اللغة" (يدي) 14/ 240.]]. وحكى غيره: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ أي: عن جماعة، لا يعفى عن ذي فضل منهم لفضله" واليد: جماعة القوم، يقال: القوم على يد واحدة أي هم مجتمعون [[في "لسان العرب" (يدي) 8/ 4954: "يد الرجل: جماعة قومه وأنصاره، عن ابن الأعرابي".]]، ومنه قوله ﷺ [[من (م) وفي سائر النسخ: عليه السلام.]] "وهم يد على من سواهم" [[رواه ابن ماجه (1683)، كتاب الديات، باب المسلمون تتكافأ دماؤهم، وأحمد في "المسند" 2/ 215، وسنده حسن كما في "صحيح الجامع الصغير" رقم (6712) 2/ 1137.]] يعني هم جميعاً، كلمتهم ونصرتهم واحدة على جميع الملل، وقال أبو علي: "ويجوز ﴿عَنْ يَدٍ﴾: عن ظهور عليهم وغلبة لهم من قولهم: لا يد لي [[في (ى): (له).]] به أي لا قوة لي عليه" [[لم أجده فيما بين يدي من كتب أبي علي الفارسي.]]. وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ قد ذكرنا قولًا واحداً فيه عن ابن عباس، وهو أنهم يمشون بها من غير ركوب ولا توكيل [[تقدم تخريجه.]]، وقال عطاء: "يريد ذليلًا قائمًا على رجليه وهو صاغر" [[لم أجد من ذكره.]]، يعني أنه يعطي ذلك عن قيام ولا يجلس، وهذا قول عكرمة [[رواه ابن جرير 10/ 109، والبغوي 4/ 33.]]، وقال الكلبي: "هو أنه إذا أعطى الجزية صفع في قفاه" [[ذكره الثعلبي 6/ 94 أ، والبغوي 4/ 33.]]، وقيل: معنى الصغار ههنا: "هو إعطاؤهم إياها" [[ذكر هذا القول من غير نسبة ابن جرير 10/ 109، والثعلبي 6/ 94 أ، والبغوي 4/ 34، والماوردي 2/ 352، وابن الجوزي 3/ 421.]]. فأما حكم هذه الآية: فاعلم أن المشركين فريقان: فريق هم عبدة الأوثان، وعبدة ما استحسنوا، فهؤلاء لا يقرون على دينهم بأخذ الجزية ويجب قتالهم حتى يقولوا: لا إله إلا الله، وفريق هم أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى والصابئون [[سبق التعريف بهم.]] والسامرة [[السامرة: فرقة من اليهود لهم توراة غير التوراة التي بأيدي سائر اليهود وينكرون نبوة من عدا موسى وهارون ويوشع بن نون عليهم السلام والنبي المنتظر، وقبلتهم جبل بنابلس، ولا يعرفون حرمة لبيت المقدس، وهم فرقتان: الدوستانية الألفانية، والكوسانية، والأولى لا تقر بالبعث في الآخرة. انظر: "الفصل في الملل والأهواء والنحل" 1/ 98، و"الملل والنحل" (بهامش الفصل) 2/ 58.]] وهذان الصنفان [[يعني الصابئين والسامرة.]] سبيلهم في أهل الكتاب سبيل أهل البدع فينا، وكذلك المجوس سبيلهم سبيل أهل الكتاب؛ لأن النبي -ﷺ-: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" [[رواه مالك في "الموطأ"، كتاب الزكاة (42) 1/ 233، ومن طريقه رواه الشافعي في "الأم" 4/ 246، والبيهقي في "السنن الصغير"، كتاب الجزية رقم (3703) 4/ 4، و"الكبرى"، كتاب الجزية، باب المجوس 9/ 319، وابن أبي شيبة في "المصنف" كتاب الجهاد، باب ما قالوا في المجوس رقم (12697) 12/ 243، وهو حديث ضعيف كما في "فتح الباري" 6/ 261، و"إرواء الغليل" رقم (1248) 5/ 88.]]، ويروى أنه عليه الصلاة والسلام أخذ الجزية من مجوس هجر [[رواه البخاري (3157)، كتاب الجزية، باب: الجزية والموادعة (1586)، وأبو داود، (2501) كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب في أخذ الجزية من المجوس والترمذي، كتاب السير، باب ما جاء في أخذ الجزية من المجوس، والدارمي، كتاب الجهاد، باب في أخذ الجزية من المجوس، رقم (2501) 2/ 307، وأحمد في "المسند" 1/ 191.]]، فهؤلاء يجب قتالهم حتى يعطوا الجزية، ويعاهدوا المسلمين على أداء الجزية. وأما قدرها فقال أنس: "قسم رسول الله -ﷺ- على كل محتلم دينارًا" [[ذكره الثعلبي 6/ 93 ب مع أثر عمر الذي بعده، بغير سند، والحديث مشهور عن معاذ، فقد رواه عنه أبو داود (1576)، كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة، والترمذي (623)، كتاب الزكاة، باب ما جاء في زكاة البقر، والنسائي، كتاب الزكاة، باب زكاة البقر 5/ 25، والحاكم 1/ 398 قال الترمذي: حديث حسن، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.]]، وقسم عمر -رضي الله عنه- على الفقراء من أهل الذمة اثنى عشر درهمًا، وعلى الأوساط [[في (ح): (الأوسط).]] أربعة وعشرين، وعلى أهل الثروة ثمانية وأربعين درهما [[رواه أبو عبيد في كتاب "الأموال" (ص 50)، وابن أبي شيبة في "المصنف"، كتاب الجهاد، باب ما قالوا في وضع الجزية رقم (12689) 12/ 241 بنحوه عن محمد ابن عبد الله الثقفي.]]، قال أصحابنا: "وأقل الجزية دينار ولا يزاد على الدينار إلا بالتراضي [[هذا مذهب الشافعي -رحمه الله- انظر: "الأم" 4/ 253 - 256، وفي المسألة أقوال للفقهاء انظرها في كتاب "الأموال" لأبي عبيد ص 49 - 52، و"المغني" 13/ 209 - 212.]]، فإذا رضوا والتزموا الزيادة ضربنا على المتوسط دينارين وعلى الغني أربعة دنانير، والاختيار في الابتداء إليهم، فإذا قبلوا وجب على الإمام تقريرهم في بلاد الإسلام، إلا أن يخاف فتنة، فالمصلحة مفوضة إلى اجتهاده، فإن قبل الواحد منهم أربعة دنانير ثم بدا له وأراد أن يقر في بلاد الإسلام بدينار واحد لم يكن له إلى ذلك سبيل، فإن نقض العهد كلفناه [[في (ح): (كلفنا).]] الخروج إلى دار الحرب، فإن قبل بعد النقض دينارا واحدا لزمنا [[في (ى): (ألزمناه).]] تقريره [[انظر: كتاب "الأم" 4/ 267، وهذا بناء على أن الاختيار في الابتداء إليهم، وناقض العهد يعتبر مبتدئًا.]]، قال المفسرون: "وإنما أقر هؤلاء على دينهم بأخذ الجزية حرمة لآبائهم الذين انقرضوا على الحق من شريعة التوراة والإنجيل؛ ولأن في أيديهم كتابهم فربما يتفكرون وينظرون فيعرفون صدق محمد ﷺ ونبوته، فأمهلوا لهذا المعنى" [[انظر: "لباب التأويل في معاني التنزيل" 2/ 215، و"تفسير الرازي" 16/ 32.]]. ومصرف الجزية مصرف الفيء ولا يجوز صرف شيء منها إلى مصرف الصدقات [[قال أبو إسحاق الشيرازي في "المهذب في فقه الإمام الشافعي" 2/ 248، 249: "اختلف قول الشافعي -رضي الله عنه- فيما يحصل من مال الفيء بعد رسول الله -ﷺ- فقال في أحد القولين: يصرف في المصالح؛ لأنه مال راتب لرسول الله ﷺ فصرف بعد موته في المصالح كخمس الخمس، فعلى هذا يبدأ بالأهم، وهو سد الثغور، وأرزاق المقاتلة، ثم الأهم فالأهم، وقال في القول الثاني: هو للمقاتلة ... ولا يعطى من الفيء صبي ولا مجنون ولا عبد ولا امرأة ولا ضعيف لا يقدر على القتال؛ لأن الفيء للمجاهدين". وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "اتفق العلماء على أن يصرف منه -يعني الفيء- أرزاق الجند المقاتلين، الذين يقاتلون الكفار، فإن تقويتهم تذل الكفار، فيؤخذ منهم الفيء، وتنازعوا هل يصرف في سائر مصالح المسلمين، أم تختص به == المقاتلة؟ على قولين للشافعي، ووجهين في مذهب الإمام أحمد، لكن المشهور في مذهبه، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك: أنه لا يختص به المقاتلة، بل يصرف في المصالح كلها" ثم قال: " .. فيصرف منه إلى كل من للمسلمين به منفعة عامة كالمجاهدين، وكولاة أمورهم، من ولاة الحرب، وولاة الديوان، وولاة الحكم ... ويصرف منه إلى ذوي الحاجات منهم أيضاً". "مجموع فتاوى شيخ الإسلام" (28/ 565، 566).]].

التوبة 9:30

قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ الآية، قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير وعكرمة [[هكذا قال الواحدي تبعًا للثعلبي في "تفسيره" 6/ 94/ ب، والصواب: أو عكرمة كما في "تفسير ابن جرير" و"تفسير ابن أبي حاتم".]]: "أتى رسول الله -ﷺ- جماعة من اليهود: سلام بن مشكم [[هو أحد بني النضير وزعيم من زعمائها، وصاحب كنزهم الذي يعدونه لنوائبهم، وقد شمر عن ساعد الجد في العداوة لرسول الله، والسعي لإطفاء نور الله، وزوجه زينب بنت الحارث التي وضعت السم لرسول الله ﷺ. انظر: "السيرة النبوية" 2/ 136، 173، 197، 422، 423.]] والنعمان بن أوفى [[أبو أنس، من أحبار يهود بني قينقاع، كما في "السيرة النبوية" 2/ 137، 200.]] وشاس [[في (ى): (شماس، وفي (ح): (شاتين، والصواب ما أثبته من (م) وهو موافق لمصادر تخريج الأثر. وهو شاس بن قيس من أحبار يهود بني قينقاع الذين ناصبوا رسول الله -ﷺ- العداء، وكان شيخًا قد عمي، عظيم الكفر شديد الضغن على المسلمين، شديد الحسد لهم، وهو الذي سعى لتذكير الأوس والخزرج بما كان بينهما من حروب في الجاهلية حتى كاد الحيان أن يقتتلا. انظر: "السيرة النبوية" 2/ 137، 196.]] بن قيس ومالك ابن الصيف [[من أحبار يهود بني قينقاع، وكان ممن يتعنت في سؤال رسول الله -ﷺ- للبس الحق بالباطل. انظر: "السيرة النبوية" (2/ 137، 174، 197)]] فقالوا: كيف نتبعك وأنت [[ساقط من (ح).]] قد تركت قبلتنا، وأنت لا تزعم أن عزيرًا بن الله؟ فأنزل الله في قولهم هذه الآية" [[رواه ابن جرير 10/ 110 - 111، وابن أبي حاتم 6/ 1781، وابن إسحاق في "السيرة" 2/ 202، وأبو الشيخ وابن مردويه كما في "الدر المنثور" 3/ 413.]]. وقال عبيد [[في (م): (عبيدة)، وهو خطأ.]] بن عمير: "إنما قال هذه المقالة رجل واحد من اليهود اسمه فنحاص بن عازوراء [[من أحبار يهود بني قينقاع الذين نصبوا لرسول الله ﷺ العداوة، وهو القائل: إن الله فقير ونحن أغنياء، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا. انظر: "السيرة النبوية" (2/ 137، 187، 201).]] " [[ذكره الثعلبي 6/ 95 أ، والبغوي 4/ 36، ورواه ابن جرير 10/ 110 عن عبد الله ابن عبيد بن عمير.]]، فعلى هذا أوقع الله عليه [[في (م): (عليهم).]] اسم الجماعة على مذهب العرب في قولها: ركبت البغال ولعله [[ساقط من (ى).]] لم يركب إلا واحداً قاله ابن الأنباري [[لم أقف عليه.]]، وقال غيره: "إذا كان فيهم من يذهب إلى هذا القول جاز أن ينسب إليهم كما تقول: المعتزلة تقول كذا، وإن كانت طائفة منهم تقوله" [[انظر: "المحرر الوجير" 6/ 461، و"تفسير الطبري" 10/ 110.]]. وأما السبب الذي لأجله قالوا هذه المقالة فقال ابن عباس في رواية عطية: "إن اليهود أضاعوا التوراة وعملوا بغير الحق فرفع الله عنهم التابوت، وأنساهم التوراة، ونسخها من صدورهم، فدعا الله عزير وابتهل إليه أن يرد إليه الذي نسخ من صدورهم، فنزل نور من السماء فدخل جوفه فعاد إليه الذي كان ذهب [[ساقط من (ى).]] من جوفه [من التوراة] [[ما بين المعقوفين من (ح).]]، فنادى في قومه: قد رد الله إليّ التوراة، وطفق يعلمهم، ثم إن التابوت نزل بعد ذلك فعرضوا ما كان فيه على الذي كان عزير يعلمهم فوجدوه مثله، فقالوا: والله ما أُوتي عزير هذا إلا لأنه [[في (ى): (أنه).]] ابن الله" [[رواه ابن جرير 10/ 111، وابن أبي حاتم 6/ 1781، والثعلبي 6/ 95 أ، والبغوي 4/ 37، وسنده ضعيف جدًّا، وهو من الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب.]]، فسبب هذه المقالة عند جميع المفسرين تجديد عزير التوراة لهم عن ظهر قلبه بعد ذهابها عنهم، وإن اختلفوا في كيفية الذهاب، فابن عباس في رواية عطية ذهب إلى ما ذكرنا، وذهب الكلبي إلى قتل بُخْتُنَصَّر [[أحد ملوك بابل الجبابرة قبل ميلاد عيسى-عليه السلام- وهو الذي هدم بيت المقدس، وفي القاموس (نصر): (بُختُنصَّر: معروف وهو الذي كان خرب بيت المقدس -عمره الله تعالى- قال الأصمعي: "إنما هو (بُوخَتْنَصَّر) فأعرب، وبوخت: ابن، ونصَّر: صنم، وكان وجد عند الصنم، ولم يعرف له أب، فقيل هو ابن الصنم" اهـ. وانظر شيئًا من أخباره في "تاريخ الطبري" 1/ 538 - 560، و"الكامل" لابن الأثير 1/ 147 - 154، و"البداية والنهاية" 2/ 34 - 39.]] علماءهم [[رواه مطولًا الثعبي 6/ 96 أ، والبغوي 4/ 37، وهو من الإسرائيليات التي لا يعرف صدقها من كذبها، والأولى تنزيه كتب التفسير منها.]]، وذهب السدي إلى أن العمالقة ظهرت عليهم فقتلوهم [[رواه مطولًا ابن جرير 10/ 111، وابن أبي حاتم 6/ 1781، وهو من الإسرائيليات التي تسللت إلى كتب التفسير، وفي بقية الخبر مبالغات تبدو عليها سيما الكذب.]]. واختلف القراء في"عزير" فقرؤوه بالتنوين وبغيره [[قرأ عاصم والكسائي ويعقوب بالتنوين، وقرأ الباقون بغير تنوين. انظر: "الغاية" ص 164، و"التبصرة" ص214، و"تقريب النشر" ص 120.]]، قال أبو إسحاق: "الوجه إثبات التنوين؛ لأن "ابن" [[في "معاني القرآن وإعرابه". ابنًا.]] خبر، وإنما يحذف التنوين في الصفة نحو قولك: جاءني زيد بن عمرو، فيحذف التنوين لالتقاء الساكنين ولأن النعت والمنعوت كالشيء الواحد، فإذا كان خبرًا فالتنوين، [وقد يجوز حذف التنوين] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]] على ضعف لالتقاء الساكنين وقد قرئت ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:1،2] فحذف [[في "معاني القرآن وإعرابه": بحذف.]] التنوين [[يعني تنوين "أحد" وقد رواها هارون عن أبي عمرو، وقرأ بها أيضًا أبان بن عثمان وزيد بن علي ونصر بن عاصم وابن سيرين والحسن وابن أبي إسحاق وأبو السمال وآخرون، وحكم عليها ابن خالويه بالشذوذ. انظر: كتاب "السبعة في القراءات" (ص700)، و"مختصر في شواذ القرآن" ص 183، و"مشكل إعراب القرآن" 2/ 852، و"البحر المحيط" 10/ 571.]] لسكونه وسكون اللام [[يعني اللام في لفظ الجلالة المذكور في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ وفي "معاني القرآن وإعرابه": وسكون الباء في قوله: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ اهـ.]]، وفيه وجه آخر أن يكون الخبر محذوفًا ويكون معناه: عزير ابن الله معبودنا [[في (ى): (معبودًا)، وهو خطأ من الناحية الإعرابية.]] فيكون "ابن" نعتا [[وهذا الوجه ضعيف؛ لأنه لا دليل على الخبر المحذوف.]]، ولا اختلاف بين النحويين أن إثبات التنوين أجود" هذا كلامه [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 442 بنحوه.]]. وقد شرح أبو علي وأبو الفتح [[(وأبو الفتح) ساقط من (ى) وهو ابن جني.]] ما ذكره أبو إسحاق وهو أن من نون "عزيرًا" جعله مبتدأ وجعل "ابن" خبره، وإذا كان كذلك فلا بد من إثبات التنوين في حال السعة والاختيار؛ لأن "عزيرًا" ونحوه ينصرف عجميًا كان أو عربيًا، وأما من حذف التنوين فإن حذفه على وجهين: أحدهما: أنه جعل الصفة والموصوف بمنزلة اسم واحد نحو قولهم: لا رجل ظريف، وحذف التنوين ولم يحرك لالتقاء الساكنين كما يحرك في زيد العاقل؛ لأن الساكنين كأنهما التقيا في تضاعيف كلمة واحدة فحذف الأول منهما ولم يحرك لكثرة الاستعمال، ولا يجوز إثبات التنوين إذا كان الابن صفة وإن كان الأصل؛ لأنهم جعلوه من الأصول المرفوضة كما أن إظهار الأول من المثلين في نحو ضننوا لا يجوز في الكلام، وإذا كان "عزير" مع "ابن" بمنزلة اسم مفرد، والاسم المفرد لا يكون جملة مستقلة مفيدة في هذا النحو فلا بد من إضمار جزء آخر يقدر انضمامه إليه ليتم جملة وتجعل الظاهر [إما مبتدأ و] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]] إما خبر المبتدأ فيكون التقدير: صاحبنا أو نسيبنا أو نبينا عزير ابن الله، إن قدرت المضمر المبتدأ، وإن قدرته بعكس ذلك جاز، فهذا أحد [[في (م): (آخر).]] الوجهين. فإن قلت [[الإشكال والجواب عليه لابن جني في "سر صناعة الإعراب" 2/ 533، وما قبله لأبي علي في "الحجة" 4/ 181 - 183.]]: فإن من أجرى ابنا صفة على عزير ولم ينون فقد أخبر عنه أيضًا بأنه ابن كما أخبر عنه من نون عزيرًا فأي فرق بين الحالين [[في (ى): (الحالتين).]]؟ والجواب عن ذلك: أنك إذا قلت: زيد ظريف فجعلت ظريفًا خبرًا عن زيد، فقد استأنفت الآن تعريف هذه الحال وإفادتها للسامع، وإذا قلت: هو زيد الظريف، فإنما أخبرت عن ذلك المضمر بأنه زيد، وأفدت هذا من حاله ثم حليته بالظريف، أي هو زيد المعروف قديمًا بالظرف، وليس غرضك أن تفيد الآن أنه حينئذٍ [[في (ى) زيادة (أنه) بعد كلمة (حينئذٍ).]] استحق عندك [[في (ح): (عند).]] الوصف بالظرف فهذا أحد الفروق بين الخبر والوصف، فكذلك أيضًا لو كان تقديره: هو عزير الذي عرف قديما بأنه ابن الله، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا [[في (ح): (كثيراً).]] جاز حذف التنوين وساغ، بل وجب ذلك، وليس المعنى كذلك، إنما ذكر الله عنهم أنهم أخبروا بهذا الخبر، واعتقدوا هذا الاعتقاد [[اهـ. كلام أبي الفتح ابن جني في "سر صناعة الإعراب" 2/ 533 بتصرف. وما بعده من كلام أبي علي وأبي الفتح.]]. الوجه الآخر: أن لا تجعلهما اسما واحداً ولكن تجعل الأول المبتدأ والآخر الخبر، فيكون المعنى فيه على هذا كالمعنى في إثبات التنوين، وتكون القراءتان [[في (ى): (القراءتين). وهو خطأ.]] متفقتين، إلا أنك حذفت التنوين لالتقاء الساكنين، كما تُحذف حروف اللين لذلك في نحو: رمى القوم، وقاضي البلد، ويدعو الإنسان، كذلك [[في (ح): (لذلك).]] حذف التنوين لالتقاء الساكنين وهو مراد؛ لأنه ضارع حروف اللين بما فيه من الغنة، ألا ترى أنه قد جرى مجراها في نحو: لم يك زيد منطلقا، وقد أدغم [في الياء والواو كما أدغم] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح).]] كل واحد منهما في الآخر بعد قلب الحرف إلى ما يدغم فيه [[اختصر الواحدي عبارة أبي علي اختصارًا مخلاً ونصها: "في نحو: لم يك زيد منطلقًا، وفي نحو: صنعاني، وبهراني، وقد أدغم .. "إلخ، فقول أبي علي. وقد أدغم .. إلخ إنما هو في كلمتي صنعاني وبهراني.]]، وأبدلوا الألف من النون نحو: رأيت زيدًا، و ﴿لَنَسْفَعًا﴾ [العلق: 15] فإذا اجتمعت النون مع حروف اللين في هذه المواضع وشابهتها جاز أن تتفق معها في الحذف لالتقاء الساكنين، وعلى هذا ما يروى من قراءة بعضهم: "أحدُ الله" [[يعني بحذف التنوين من (أحد) وقد سبق تخريج القراءة والآية قبل عدة أسطر.]]، وقد جاء ذلك في الشعر كثيراً، قال حميد [[البيت لحميد الأمجي نسبة إلى (أمَج) وهي بلدة قرب المدينة، وكان معاصرًا لعمر ابن عبد العزيز. والشاهد في البيت حذف التنوين من (حميد). انظر: "الكامل" 1/ 252، و"المقتضب" 2/ 313، و"المسائل العسكريات" (ص 177)، و"معجم البلدان" (أمج) 1/ 250.]]: حميدُ الذي أمج داره ... أخو الخمر ذو الشيبة الأصلع وقال ابن الرقيات [[هو: عبيد الله أو عبد الله بن قيس بن شريح العامري القرشي، شاعر قريش في العصر الأموي، ويعرف بابن قيس الرقيات لأنه كان يتغزل بثلاث نسوة، يقال لهن جميعًا: رقية، وكان أكثر شعره الغزل، توفي سنة 85 هـ تقريبًا. انظر: "الأغاني" 4/ 154، و"سمط اللآلي" (ص 294)، و"الشعر والشعراء" (ص 359).]]: تذهل الشيخ عن بنيه وتبدي ... عن خدام العقيلةُ العذراءُ [[البيت في ديوانه (ص 95) وقبله: كيف نومي على الفراش ولما ... تشمل الشام غارةٌ شعواء والخدام: جمع الخدمة، وهي الخلخال، والعقيلة: المرأة الكريمة. والشاهد: عدم تنوين "خدام". انظر: أمالي ابن الشجري 2/ 163.]] وأنشد أبو زيد [["نوادر أبي زيد" ص 321 وقبله: == لتجدني بالأمير برًّا ... وبالقناة مدعسًا مكرًا إذا غطيف .. الخ. وانظر: الأبيات في "معاني القرآن" للفراء 1/ 431، و"الأمالي الشجرية" 3/ 53، و"ضرائر الشعر" ص 106، واللسان (دعس) 3/ 1380.]]: إذا غطيف السلمي فرا وأنشد أبو العباس [[يعني المبرد، وقد تقدمت ترجمته، وانظر البيت في كتابيه: "الكامل" 1/ 252، و"المقتضب" 2/ 312، وقد اعترض علي بن حمزة في كتابه "التنبيهات على أغاليط الرواة" على المبرد في رواية هذا البيت، وقال: الرواية: عمرو العلا. قلت: قد ذكر المبرد البيت بهذه الرواية في "المقتضب" 2/ 316، ولا شاهد في هذه الرواية لأنه مضاف.]]: عمرو [[في (ح): (وعمرو)، وهو هاشم بن عبد مناف جد الرسول ﷺ، قال السهيلي في "الروض الأنف" 1/ 94: "ذكر أصحاب الأخبار أن هاشمًا كان يستعين على إطعام الحاج بقريش فيرفدونه بأموالهم ويعينونه، ثم جاءت أزمة شديدة فكره أن يكلف قريشًا أمر الرفادة، فاحتمل إلى الشام بجميع ماله، واشترى به أجمع كعكًا ودقيقًا، ثم أتى الموسم فهشم ذلك الكعك هشيمًا، ودقه دقًا، وصنع للحاج طعامًا مثل الثريد، وبذلك سمي هاشمًا، ودقه دقًا؛ لأن الكعك اليابس لا يثرد وإنما يهشم هشمًا، فبذلك مُدح حتى قال شاعرهم فيه: وهو عبد الله بن الزبعرى .. "، وذكر البيت ضمن أبيات، وذُكر البيت أيضًا في اللسان (سنت، مح) منسوبًا لابن الزبعرى، وفي "هشم" لابنة هاشم، وفي "الاشتقاف" لابن دريد ص13 لمطرود الخزاعي، وفي "نوادر أبي زيد" ص 167 بلا نسبة.]] الذي هشم الثريد لقومه وقال آخر [[تقدم تخريج البيت.]]: وحاتم الطائي وهاب المئي وأنشدوا أيضًا [[البيت غير منسوب في كتاب "الحيوان" 4/ 300، و"أدب الكاتب" ص 166. قال البطليوسي في "الاقتضاب" ص 355: ("هذا البيت لا أعلم قائله، ولا ما يتصل به، والظاهر من معناه أن قائله سليم خطة ولم يرضها ورأى قدره يجل عنها، فقال: لو كنت ممن يرضى بما سمتموني إياه، وأهّلتموني له لكنت كالعبد الذي يأكل الوزغ" اهـ، وانظر البيت أيضًا في "المنصف" 2/ 332، و"الصحاح" (برص) 3/ 1530، و"اللسان" (برص) 1/ 258.]]: والله لو كنت لهذا خالصًا ... لكنت عبدًا آكل الأبارصا أي آكلاً" [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 4/ 181 - 186، و"سر صناعة الإعراب" 2/ 532 - 536.]]، وهو في الشعر كثير. قال أبو علي: "الوجه في هذه القراءة: الحمل على الوجه الأول؛ لأنه لم يستمر [[في "الحجة": يستقر.]] حذف التنوين في الكلام، وإن حصلت المشابهات بين النون وحروف [[في (ى): (حرف).]] اللين [[ساقط من (ح).]] " [["الحجة للقراء السبعة" 4/ 186.]]. وقال أبو الفتح: الاختيار: الوجه الثاني، وإن كان فيه ضرورة؛ لأنه أشبه، لموافقته معنى [[في (ى): (مع).]] قراءة من نون وجعل "ابنًا" خبرًا عن"عزير" [["سر صناعة الإعراب" 2/ 532 بمعناه.]]. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾، قال المفسرون في سبب شرك النصارى بهذه الكلمة: "إنهم كانوا على الحق بعدما رفع عيسى حتى وقع حرب بينهم وبين اليهود، وكان في اليهود رجل شجاع يقال له: بولس [[هو: شاول اليهودي ولد في طرسوس ونشأ في مدينة القدس، وكان من أشد أعداء النصارى، ثم انتقل فجأة إلى النصرانية، وتسمى باسم بولس، وكان قوي الشخصية دائب الحركة، مؤثرًا ذكيا، وقد استطاع بمكره وكيده أن يحرف كثيراً من تعاليم المسيح وأن يطمس معالمها الصحيحة، يقال: إنه قتل في اضطهادات نيرون للنصارى سنة 66 م. انظر: "الديانات والعقائد في مختلف العصور" 3/ 254، و"محاضرات في النصرانية" لأبي زهرة ص 82.]] قتل جملة من أصحاب عيسى [[جاء في أول الإصحاح التاسع من سفر أعمال الرسل: "أما شاول (اسم بولس قبل تنصره) فكان لم يزل ينفث تهددًا وقتلًا على تلاميذ الرب". انظر: "محاضرات في النصرانية" ص 87.]]، ثم قال لليهود: إن كان الحق مع عيسى فقد كفرنا والنار مصيرنا، ونحن مغبونون إن دخلوا الجنة ودخلنا النار، وإني أحتال فأضلهم، فعرقب فرسه [[عرقب الدابة: قطع عرقوبها، وعرقوب الدابة في رجلها بمنزلة الركبة في يدها، وعرقوبا الفرس: ما ضم ملتقى الوظيفين (ما فوق الرسغ إلى مفصل الساق) والساقين من مآخرهما من العصب. انظر: "القاموس المحيط"، فصل: العين، باب الباء 1/ 103، و"لسان العرب" (عرقب) 5/ 2909، انظر: معنى (الوظيفين) في كتاب "العين" (وظف) 8/ 169، و"تهذيب اللغة" (وظف) 4/ 3913.]]، وأظهر الندامة مما كان صنع، ووضع على رأسه التراب [[في (ى): (فوضع التراب على رأسه).]]، وقال: نوديت من السماء: ليست لك توبة إلا أن تتنصر وقد تبت، فأدخله النصارى الكنيسة ومكث سنة لا يخرج، وتعلم الإنجيل، فصدقوه وأحبوه، ثم مضى إلى بيت المقدس واستخلف عليهم رجلاً اسمه نسطور [[لم أقف له على ترجمة.]]، وعلمه أن عيسى ومريم والإله كانوا ثلاثة [[يعني آلهة.]]، ثم توجه إلى الروم وعلمهم اللاهوت والناسوت [[قال أبو البقاء الكفوي في "الكليات" ص 798: ("اللاهوت: الخالق، والناسوت: المخلوق، وربما يطلق الأول على الروح والثاني على البدن وربما يطلق أيضاً على العالم العلوي، والثاني على العالم السفلي .. " الخ. والمراد به هنا اجتماع العنصر الإلهي والعنصر الإنساني في المسيح كما يزعم النصارى. انظر: "محاضرات في النصرانية" ص 168.]]، وقال: لم يكن عيسى بإنس ولا جسم ولكنه ابن الله، وعلم رجلاً يقال له: يعقوب [[لم أقف له على ترجمة.]] ذلك، ثم دعا رجلاً يقال له: ملكا [[لم أقف له على ترجمة.]] فقال له: إن الإله لم يزل ولا يزال عيسى، ثم دعا هؤلاء الثلاثة وقال لكل واحد منهم: أنت خالصتي فادع الناس إلى نحلتك، ولقد رأيت عيسى في المنام فرضي عني، وإني غدًا أذبح نفسي لمرضاة عيسى، ثم دخل المذبح فذبح نفسه [[ذكر بعض المؤرخين أن بولس قتل في اضطهادات الإمبراطور نيرون للنصارى. انظر: "محاضرات في النصرانية" ص89.]]، ودعا كل واحد من هؤلاء الثلاثة الناس إلى نحلته، فتبع كل واحد طائفة من الناس، واقتتلوا واختلفوا إلى يومنا هذا" [[ذكره الثعلبي 6/ 96 ب، والبغوي 4/ 37، والرازي 16/ 34، والخازن 2/ 215 وهذا من الإسرائيليات التي ينبغي تنزيه كتب التفسير منها، وليس لدى المؤرخين مستند يثبت صحة هذا، والمعروف أن تأليه عيسى -عليه السلام- حدث بسبب المجامع الكنسية بعد اعتناق الرومان الديانة النصرانية بعد الميلاد بثلاثمائة سنة. انظر: "البداية والنهاية" 2/ 96.]]، فجميع النصارى من الفرق الثلاث. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾، قال ابن عباس: "يريد: كذبا منهم وافتراءً"، وقال أهل المعاني: "أي يقولونه بألسنتهم من غير علم وليس يرجع قولهم إلى معنى صحيح [[في (ح): (معنى علم صحيح).]] فهو لا يجاوز الفم، والمعنى الصحيح ما رجع إلى اضطرار [[في (ح): (الاضطرار).]] أو [[في (ى): (وبرهان).]] برهان" [[انظر: "مفاتيح الغيب" 16/ 37، و"الجامع لأحكام القرآن" 8/ 118 ولم أقف عليه عند أهل المعاني.]]، قال الزجاج: "المعنى: إنه ليس فيه برهان ولا بيان إنما هو قول بالفم لا معنى تحته صحيح، لأنهم [[لفظ: (نهم) ساقط من (ى).]] معترفون بأن الله لم يتخذ صاحبة فكيف يزعمون أن له ولدًا، فإنما هو تكذيب [[في"معاني القرآن وإعربه": تكذب، وهو أولى، قال ابن منظور: "تكذّب فلان: إذا تكلف الكذب". "لسان العرب" (كذب) 7/ 3841.]] وقول فقط" [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 443.]]، وقال ابن الأنباري: "القول يكون باللسان ويكون بالقلب، وقول القلب هو الذي يقع عليه اسم الظن، ولهذا المعنى ذهبت العرب بالقول مذهب الظن، فقالوا [[في (ح): (وقالوا).]]: أتقول عبد الله خارج؟، ومتى تقول: محمد منطلق؟ يريدون متى تظن، قال الشاعر [[البيت لعمر بن أبي ربيعة وهو في "ديوانه" ص 394. وانظر: "خزانة الأدب" 2/ 439، و"شرح أبيات سيبويه" 1/ 179، و"كتاب سيبويه" 1/ 124.]]: أما الرحيل فدون بعد غد ... فمتى تقول الدار تجمعنا؟ ولو لم يقل: ﴿بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ لجاز أن يذهب الوهم إلى قول القلب وقد بين الله -عز وجل- هذا في قوله: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ [المنافقون:1] الآية، فلم كذب الله قول ألسنتهم بل كذب قول قلوبهم. وقوله تعالى: ﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ المضاهاة: المشابهة، قال الفراء: " [يقال ضاهيته] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]] ضهًا ومضاهاة" [[ذكره الرازي في "تفسيره" 16/ 36، وفي"تهذيب اللغة" (ضهي) 3/ 2141: قال الفراء: "يضاهون: يضارعون قول الذين كفروا" وسقط لفظ "يضارعون" من كتابه "معانى القرآن" 1/ 433.]]، هذا قول أْكثر أهل اللغة في المضاهاة [[انظر: "الصحاح" (ضهى) 6/ 2410، و"القاموس"، فصل الضاد، باب الواو والياء 1306.]]، وقال شمر: "قال قالد بن جنبه [[لم أجد ترجمته فيما بين يدي من المصادر.]]: المضاهاة: المتابعة، فلان يضاهي فلانًا أي: يتابعه" [["تهذيب اللغة" (ضهى) 3/ 2142.]]، قال ابن عباس: "يريد [[ساقط من (ح).]]: يتشبهون بقول الأمم الخالية" [[رواه مختصرًا بمعناه ابن جرير 10/ 112، وابن أبي حاتم 6/ 1783، والثعلبي 6/ 97 أ، والبغوي 4/ 38. وذكره البخاري في "صحيحه" معلقًا 8/ 316، كتاب التفسير، باب: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.]]، وهذا قول مجاهد والحسن واختيار أبي علي، قال مجاهد: "يضاهئون قول المشركين حين قالوا: اللات والعزى ومناة بنات الله" [[رواه الثعلبى 6/ 97 ب، والبغوي 4/ 38]]، وقال الحسن: "شبه كفرهم بكفر الذين مضوا من الأمم الكافرة" [[المصدرين السابقين، نفس الموضع.]]. وقال أبو علي: "يشبه أن يكون "الذين [[ساقط من (ح).]] كفروا": المشركين الذين لا كتاب لهم لأنهم ادعوا في الملائكة أنها بنات الله، قال: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ﴾ [النحل: 57] وقال: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (21)﴾ [النجم: 21] وقال: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 100] [[اهـ كلام أبي علي، انظر: "الحجة للقراء السبعة" 4/ 186.]]. وقال ابن الأنباري: "يشابهون في قولهم قول [[ساقط من (ى).]] المشركين إذ زعموا أنهم يعبدون ثلاثة: الله وعيسى ومريم، وقال المشركون: نعبد اللات والعزى ومناة" [[ذكره مختصرًا دون تعيين القائل القرطبي في "تفسيره" 8/ 118.]]، وعلى ما ذكر ابن الأنباري: الفعل في ﴿يُضَاهِئُونَ﴾ يرجع إلى النصارى دون اليهود، وهو قول قتادة والسدي إلا أنهما جعلا المشابهة من وجه آخر وهو أنهما قالا: "ضاهت النصارى قول اليهود من قبل، فقالت النصارى: المسيح ابن الله، كما قالت اليهود: عزيرٌ ابن الله" [[رواه عنهما الثعلبي 6/ 97 ب، والبغوي 4/ 38، ورواه الصنعاني في "تفسيره" 1/ 2/ 271 عن قتادة، ورواه ابن جرير 10/ 112، وابن أبي حاتم 6/ 1783 مختصراً عن قتادة بلفظه، وعن السدي بمعناه.]] فجعلا [[في (ح) و (م): (فجعل)، وهو خطأ.]] ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ اليهود، وهو قول ابن عباس في رواية الوالبي قال: "ضاهت النصارى قول اليهود قبلهم [[في (ى): (قولهم)، وهو خطأ.]] " [[لم أجد من ذكره عن ابن عباس بهذا اللفظ، وقد أخرج رواية الوالبي ابن جرير 10/ 112، وابن أبي حاتم 6/ 1783، والثعلبي 6/ 97 أ، والبخاري تعليقًا في "صحيحه" 8/ 316 كتاب التفسير باب: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ﴾ جميعهم بلفظ == "يشبهون". أما اللفظ الذي ذكره المؤلف فقد أخرجه ابن جرير 10/ 112، وابن أبي حاتم 6/ 1783، عن قتاد فلعل المؤلف -رحمه الله- وهم فنسبه لابن عباس.]]. وقال الزجاج: "معناه [[ساقط من (ى).]]: يشابهون في قولهم هذا من تقدم من كفر منهم، أي إنما قالوه اتباعًا لمن تقدم منهم، الدليل على هذا قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 31] أي قبلوا فهم أن [[ساقط من (ح).]] العزير والمسيح ابنا الله" [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 443.]]، وهذا اختيار ابن قتيبة؛ لأنه قال: "يريد أن من كان في عصر النبي -ﷺ- من اليهود والنصارى يقولون ما قاله أولوهم" [["تفسير غريب القرآن" (ص 184).]]، فأما قول المفسرين في معنى: ﴿يُضَاهِئُونَ﴾ فقد ذكرنا قول ابن عباس، وقال مجاهد: "يواطئون" [[رواه الثعلبي 6/ 97 ب، والبغوي 4/ 38.]]، وقال الحسن: "يوافقون" [[انظر: المصدرين السابقين، نفس الموضع.]]. وقرأ عاصم ﴿يُضَاهِئُونَ﴾ مهموزًا [[انظر: "الغاية في القراءات العشر" ص 165، وكتاب "إرشاد المبتدي" ص 352، و "تقريب النشر"، باب الهمز المفرد ص 34.]]، قال أحمد بن يحيى [[أبو العباس ثعلب.]]: لم يتابع عاصمًا أحد [[في (م): (أحد عاصمًا).]] على الهمز [[يعني من أصحاب القراءات المتواترة، وقد قرأ بها من غيرهم طلحة بن مصرف. انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 210، و"المحرر الوجيز" 6/ 465، و"البحر المحيط" 5/ 403.]] " [["الحجة للقراء السبعة" 4/ 186، و"زاد المسير" 3/ 425.]]، قال الليث: "وربما همزوا فيه" [["تهذيب اللغة" (ضهي) 3/ 2141، والنص في كتاب "العين" (ضهي) 4/ 70.]]، وحكى ابن الأنباري: "ضاهيت وضاهأت" [["زاد المسير" 3/ 425.]]، قال أبو علي [[في (ى): (أبو عبيد)، والصواب ما أثبته إذ النص في "الحجة للقراء السبعة" 4/ 187 من قول أبي علي الفارسي.]]: "يشبه أن يكون ما قرأ به عاصم من الهمز لغة [[هذا من عجيب القول إذ كيف لا يجزم بثبوت اللغة بقراءة متواترة، وأمثاله من اللغويين يثبتونها ببيت شعري، أو جملة منقولة عن أعرابي، وقد أثبت الفراء أن الهمز لغة أهل الطائف، وذكر ابن جرير 10/ 113 أنها لغة ثقيف، كما أثبت الخليل بن أحمد اللغتين في الكلمة. انظر: كتاب "العين" (ضهي) 4/ 70، و"تفسير ابن جرير" 10/ 213، و"الحجة" 4/ 187، و"لسان العرب" (ضهي) 5/ 2617.]] فيكون في الكلمة لغتان، مثل أرجيت وأرجأت" [["الحجة للقراء السبعة" 4/ 187.]]. وقوله تعالى: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾، قال ابن عباس وأكثر المفسرين: "لعنهم" [[رواه عن ابن عباس الإمام ابن جرير 10/ 113، وابن أبي حاتم 6/ 1783، والثعلبي 6/ 97، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 415، وقد نسب هذا القول إلى المفسرين أبو منصور الأزهري في "تهذيب اللغة" (قتل) 2/ 2884.]]. قال الأزهري: "وليس هذا من القتال الذي هو بمعنى المحاربة بين اثنين؛ لأن قولهم: قاتله بمعنى لعنه، من واحد" [["تهذيب اللغة" 2/ 2884.]]، وقال ابن جريج: " ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ أي قتلهم الله، وهو بمعنى التعجب" [[رواه الثعلبي 6/ 97 ب، ورواه البغوي 4/ 38 بلفظ: قتلهم الله، وذكره القرطبي 8/ 119: بلفظ: هو بمعنى التعجب.]]. وقال أهل المعاني: "عاداهم الله" [[هذا قول ابن الأنباري كما في "تهذيب اللغة" (قتل) 2/ 2884، و"زاد المسير" 3/ 425.]]، فعبر عن هذا بالمقاتلة لما بين المقاتلين [[كذا في جميع النسخ، وهو يريد المتقاتلين.]] من العداوة، وقال ابن الأنباري: "وهذا تعليم لنا الدعاء عليهم، معناه: قولوا إذا دعوتهم عليهم: قاتلهم الله، أي لعنهم الله" [[لم أقف على مصدره.]]، كذا قال المفسرون في: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾، والمقاتلة أصلها من المقتول أُخبر عن الله بها كانت بمعنى اللعنة؛ لأن من لعنه الله فهو بمنزلة المقتول الهالك. وقوله تعالى: ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ الإفك: الصرف، يقال: أُفك الرجل عن الخير أي قلب وصرف، ورجل مأفوك: أي مصروف عن الخير، يقول: كيف يصدون ويصرفون عن الحق بعد وضوح الدليل حتى يجعلوا لله الولد [[في (ى): (ولدًا).]]؟! وهذا التعجب [[في (ى): (التعجيب)، وأثبت ما في النسخ الأخرى لأنه أسد في المعنى ولموافقته لما في "تفسير الرازي" 16/ 36 الذي نقل تفسير الجملة عن الواحدي بلفظه دون أن يشير لذلك.]] إنما هو راجع إلى الخلق، والله لا يتعجب من شيء [[مذهب السلف إثبات العجب لله كغيره من الصفات الثابتة في الكتاب أو السنة، وإن لم تعرف كيفيتها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الفرقة الناجية -أهل السنة والجماعة- يؤمنون بذلك -يعني أحاديث الصفات- كما يؤمنون بما أخبر الله به في كتابه العزيز من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل". وقال: وأما قوله -يعني النافي صفة التعجب-: "التعجب استعظام للمتعجب منه"!!. فيقال: نعم. وقد يكون بجهل بسبب التعجب، وقد يكون لما خرج عن نظائره، == والله تعالى بكل شيء عليم، فلا يجوز عليه أن لا يعلم سبب ما تعجب منه، بل يتعجب لخروجه عن نظائره تعظيمًا له، والله تعالى يعظم ما هو عظيم، إما لعظمة سببه، أو لعظمته، فإنه وصف بعض الخير بأنه عظيم، ووصف بعض الشر بأنه عظيم". "مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية" 3/ 141، 6/ 123. وقد دل على صفة العجب قوله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات: 12] بضم التاء على قراءة الكوفيين غير عاصم كما في "الغاية" ص 249، وقول النبي ﷺ "عجيب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل". رواه البخاري (3010)، كتاب الجهاد، باب الأسارى في السلاسل 4/ 145، انظر: "تفسير ابن جرير" 23/ 43 (ط الحلبي)، و"قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر" ص 69.]]، ولكن هذا الخطاب على عادة العرب في مخاطباتهم، والله تعالى عجيب نبيه من تركهم الحق وإتيانهم الباطل [[في (ج): (بالباطل).]] في زعمهم.

التوبة 9:31

قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ﴾، قال أبو عبيد: الأحبار: "الفقهاء" [[لم أجده إلا في "تفسير الرازي" 16/ 37، وهو كثير النقل من "البسيط" للواحدي، ويغلب على الظن أنه وهم من المؤلف فإن عبارة أبي عبيد في "غريب الحديث" 1/ 60 نصها: وأما الحبر من قول الله تعالى: ﴿مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ﴾ فإن الفقهاء يختلفون فيه فبعضهم يقول: حَبْرٌ، وبعضهم يقول: حِبْرٌ، وقال الفراء: "إنما هو حِبْرٌ يقال للعالم ذلك". فلعل المؤلف نظر نظرة عجلى إلى هذا النص وحسب أن كلمة (الفقهاء) فيه تفسير للأحبار، لا سيما أنه موطن اشباه، والله أعلم.]]، واختلفوا في واحده فبعضهم يقول: حَبْر، وبعضهم يقول حِبْر، قال: وقال الفراء: "إنما هو حِبْر، يقال ذلك للعالم". وقال الأصمعي: "لا أدري أهو الحَبر أو الحِبر للرجل العالم" [[ا. هـ. كلام أبي عبيد، و"غريب الحديث" 1/ 61، وانظر: قول الفراء أيضًا في "تهذيب اللغة" (حبر) 1/ 721، و"تفسير ابن جرير" 10/ 113 - 114 ولم أجده في "معاني القرآن".]]. وكان أبو الهيثم يقول: واحد الأحبار حَبر بالفتح لا غير، وينكر الكسر [[ساقط من (ح).]] [["تهذيب اللغة" (حبر) 1/ 721.]]. ابن السكيت عن ابن الأعرابي: حِبْر وحَبْر للعالم [["إصلاح المنطق" ص 32، والمصدر السابق، نفس الموضع.]]. [وقال الليث: "هو حِبْر وحَبْر للعالم] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]] ذميا كان أو مسلما بعد [[في عبارة النسخة (ى) اضطراب، ونصها: ذميًّا كان أو مسلمًا بعد حبر وحبر أن يكون ... إلخ.]] أن يكون من أهل الكتاب" [["تهذيب اللغة" (حبر) 1/ 721، والنص في كتاب "العين" (حبر) 3/ 218، وانظر إطلاق الحبر على العالم المسلم ولو لم يكن من أهل الكتاب في "صحيح البخاري" (6736)، كتاب الفرائض، باب ميراث ابنة ابن مع ابن.]]. والكلام في الرهبان قد مضى عند قوله: ﴿قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ [المائدة: 82] [[انظر: النسخة (ح) 2/ 67 أحيث قال: (وأما الرهبان فهو جمع راهب، مثل راكب وركبان، وفارس وفرسان، قال الليث: الرهبانية مصدر الراهب، والترهب: التعبد في صومعة .. وأصل الرهبانية من الرهبة بمعنى المخافة).]]. وقال أهل المعاني: "الحبر: العالم الذي صناعته تحبير المعاني بحسن البيان عنها، والراهب: الخاشي الذي يظهر عليه لباس الخشية، وكثير استعماله في متنسكي النصارى" [[انظر: "تفسير الرازي" 16/ 37.]]. قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ﴾: فقهاؤهم وعبادهم" [[ذكره المصنف في "الوسيط" 2/ 490، ورواه ابن أبي حاتم 6/ 1784 بلفظ: الأحبار: القراء، وفي "تنوير المقباس" ص191: "اتخذوا أحبارهم": علماءهم.]]. وقال الضحاك: "علماؤهم وقراؤهم" [[رواه ابن جرير 10/ 114، وابن أبي حاتم 6/ 1784.]]. وقال عدي بن حاتم: "انتهيت إلى رسول الله -ﷺ- وهو يقرأ من سورة براءة فقرأ هذه الآية، فقلت له: إنا لسنا نعبدهم! وكان عدي نصرانيا، فقال: "أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه [[في (م): (فتستحلونه).]]؟ " فقلت بلى، فقال: "فتلك عبادتهم" [[رواه الترمذي (3095)، كتاب التفسير، باب: ومن سورة التوبة، والبيهقي في "السنن الكبرى"، كتاب آداب القاضي، رقم (20350) 10/ 198، وابن جرير 10/ 114، وابن أبي حاتم 6/ 1784، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 3/ 415، وزاد نسبته إلى ابن سعد وعبد بن حميد وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه، وفي سند الترمذي والبيهقي وابن جرير وابن أبي حاتم غطيف بن أعين، وهو ضعيف كما في "تقريب التهذيب" ص 443 (5364)، وكتاب "الضعفاء والمتروكين" ص324، وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب، وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث. لكن للحديث طرق انظرها في: "كتاب تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف" 2/ 66.]]. وقال أبو البختري [[هو: سعيد بن فيروز الطائي مولاهم، أبو البختري الكوفي، تابعي فقيه ثقة، وكان مقدم الصالحين القراء الذين ثاروا على الحجاج في فتنة ابن الأشعث، وقتل في وقعة الجماجم سنة 83 هـ. انظر: "سيرأعلام النبلاء" 4/ 279، و"تهذيب التهذيب" 2/ 38، و"شذرات الذهب" 1/ 92.]] في هذه الآية: "أما إنهم لم يصلوا لهم، ولو أمروهم أن يعبدوهم من دون الله ما أطاعوهم، ولكنهم أمروهم فجعلوا حلال الله حرامه، وحرامه حلاله فأطاعوهم، فكانت تلك الربوبية" [[رواه الثعلبي 6/ 98 أ، ورواه بمعناه ابن جرير 10/ 115.]]. وقال الربيع: "قلت لأبي العالية: كيف كانت تلك [[من (م).]] الربوبية في بني إسرائيل؟ فقال: إنهم وجدوا في كتاب الله ما أمروا به وما نهوا عنه، (فقالوا [[في (ى): (فقال).]]: لن نسبق أحبارنا بشيء) [[ما بين القوسين تحرف في تفسير ابن جرير (تحقيق: شاكر) هكذا: "قال: لم يسبوا أحبارنا بشيء مضى" وأشار المحقق إلى أنه لم يهتد للصواب، وحذفت الجملة برمتها في طبعة الحلبي، فليصحح.]]، فما أمرونا به ائتمرنا، وما نُهينا [[هكذا في جميع النسخ، والأولى: نهونا، كما في تفسير ابن جرير والثعلبي.]] عنه انتهينا، فاستنصحوا الرجال ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم" [[رواه الثعلبي 6/ 98ب، وبنحوه ابن جرير 10/ 115، وأشار إليه ابن أبي حاتم 6/ 1784.]]. قال أهل المعاني: "معناه: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم كالأرباب حيث [[ساقط من (ح).]] أطاعوهم في كل شيء، كقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا﴾ [الكهف: 96] أي كنار" [[ذكره الثعلبي 6/ 98 ب، والقرطبي 8/ 120 منسوبا إلى أهل المعاني دون تعيين.]]. وهذا بيان أن مخالف أمر الله في التحريم والتحليل كالمشرك في عبادة الله، لأن استحلال ما حرم الله كفر بالإجماع، وكل كافر مشرك، ومن اعتقد طاعة أحد لعينه أو لصفة فيه فأطاعه في خلاف ما أمر الله فهو من الذين ذكروا في هذه الآية أنهم كانوا يعتقدون وجوب طاعة أحبارهم، فأخبر الله تعالى أنهم اتخذوهم أربابًا. وقوله تعالى: ﴿وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾، قال ابن عباس: "يريد: اتخذوه ربًا" [[ذكره المصنف في "الوسيط" 2/ 490، ورواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 191 بلفظ: اتخذوا المسيح ابن مريم إلهًا.]]. [وقوله -عز وجل-] [[من (م).]] ﴿وَمَا أُمِرُوا﴾، قال: يريد في التوراة والإنجيل" [[ذكره المصنف في "الوسيط" 2/ 490، ورواه الفيروزأبادي ص 191 بلفظ: في جملة الكتب.]]، ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ وهو الذي ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [[في (م): (وهو الذي لا إله غيره).]] سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ نزه نفسه أن يكون له ولدٌ، أو شريك، قال الزجاج: "معناه: تنزيها له عن شركهم" [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 444.]].

التوبة 9:32

وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾، قال ابن عباس: "يريدون أن يخمدوا دين الله بتكذيبهم" [[ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 426، والمصنف في "الوسيط" 2/ 491، وبنحوه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 192.]]، فمعنى نور الله في قول أكثرهم: الإسلام [[انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 116، وابن أبي حاتم 6/ 1784، والثعلبي 6/ 98 ب.]]، يعني أنهم يكذبون به، ولعرضون عنه، يريدون إبطاله بذلك. وقال الكلبي: "يردون [[في (ح): (يريدون)، وهو خطأ.]] القرآن بألسنتهم تكذيبًا له" [[رواه الثعلبي 6/ 98 ب، والبغوي 4/ 39.]]، وقوله تعالى: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾. قال الفراء: "لم يجىء عن العرب حرف على (فعل) (يفعل) مفتوح العين في الماضي والغابر إلا وثانيه أو ثالثه أحد حروف الحلق، غير أبى يأبى، جاء نادرًا" [["تهذيب اللغة" (أبى) 1/ 113، وقد زاد اللغويون: قلى يقلى، وغشى يغشى، وشجى يشجى، وجبى يجبى. انظر: المصدر السابق، نفس الموضع.]]، ويقال: رجل أبيٌّ، وأبيان [[ساقط من (ى).]]، وأباء: ذو إباء شديد، وأخذه إباء [[في (ح): (إباءة)، والصواب ما أثبته وهو موافق لما في "تهذيب اللغة" (أبى) 1/ 113.]]: إذا كان يأبى الطعام فلا يشتهيه. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾، قال ابن عباس: "إلا أن يظهر دينه" [[رواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 192.]]. قال الفراء: "دخلت (إلا) لأن في (أبيت) طرفًا من الجحد، ألا ترى أن (أبيت) كقولك: لم أفعل [[في النسخة (ح) اضطراب وتحريف، ونص قول الفراء فيها: ودخلت (إلا) أن في أثبت طرفًا من الجحد ألا ترى أن أثبت لقولك لم أفعل ... إلخ، وما في (م) و (ى) موافق لما في "معاني القرآن".]]، ولا أفعل، ولولا ذلك لم يجز دخول (إلا) كما إنك لا تقول: ضربت إلا أخاك، ولا ذهب إلا أخوك، [دون أن تقول: ضربت القوم، وذهب القوم] [[ما بين المعقوفين ليس موجودًا في "معاني القرآن" 1/ 433.]] وأنشد: فهل [[في "معاني القرآن": وهل.]] لي أم غيرها إن تركتها ... أبى الله إلا أن أكون لها ابنما [[في (ح) و (م): (ابنا، والصواب ما في (ي) كما في "معاني القرآن" 1/ 433.]] [[البيت للمتلمس، وهو في "ديوانه" ص30 وانظر: "الأصمعيات" ص 245، و"خزانة الأدب" 10/ 58، و"المقاصد النحوية" 4/ 568، و"المقتضب" 2/ 93.]] وقال الزجاج: "دخلت (إلا) ولا جحد في الكلام، وأنت لا تقول: ضربت إلا زيدا؛ لأن الكلام غير دال على المحذوف، وإذا قلت: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ فالمعنى: ويأبى الله كل شيء إلا إتمام نوره، والحذف مستعمل مع الإباء" [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 444.]]، وأنكر قول الفراء فقال: "لو جاز ما قال على أن فيه طرفًا من الجحد لجاز: كرهت إلا أخاك، ولا دليل ههنا على المكروه ما هو؟ ولا من هو؟ فـ (كرهت) مثل (أبيت) [إلا أن أبيت] [[ما بين المعقوفين ساقط من: (ح).]] الحذف مستعمل معها [[ساقط من: (ح).]] " [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 444 وأكثر الجمل منقولة بالمعنى.]].

التوبة 9:33

قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾، قال ابن عباس: "يريد: محمدًا ﷺ [[رواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 192.]] ﴿بِالْهُدَى﴾ قال: بالقرآن [[رواه الثعلبي 6/ 99 أ، والفيروزأبادي ص 192.]]، وقيل: بالبيان الذي يؤدي إلى نعيم الثواب في الجنة" [[ذكره بنحوه الثعلبي في الموضع السابق، ولم يعين القائل.]]، ﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾، قال ابن عباس: "يريد الحنيفية" [[رواه الفيروزأبادي ص 192 بلفظ: "دين الإسلام، شهادة أن لا إله إلا الله".]]، ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [قال ابن عباس: "ليظهر الرسول على الدين كله" [[رواه ابن جرير 10/ 117، وابن أبي حاتم 6/ 1786، والبيهقي في "سننه" 9/ 306، والثعلبي 6/ 99 أوهو من رواية علي بن أبي طلحة.]]] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]] يعني [[من (م).]]: ليعلمه شرائع الدين كلها فيظهر عليها حتى لا يخفى عليه منها شيء. وقال في رواية عطاء: "ليعليه على جميع الأديان" [[رواه بمعناه ابن أبي حاتم 6/ 1786 ب، والبيهقي في "السنن الكبرى"، كتاب النكاح، رقم (13986) 7/ 280 من رواية عكرمة. قال الإمام الشافعي: "فقد أظهر الله جل ثناؤه دينه الذي بعث به رسول الله -ﷺ- على الأديان بأن أبان لكل من سمعه أنه الحق وما خالفه من الأديان باطل، وأظهره بأن جماع الشرك دينان: دين أهل الكتاب، ودين الأميين فقهر رسول الله ﷺ الأميين .. وقتل من أهل الكتاب وسبق حتى دان بعضهم الإسلام، وأعطى بعضٌ الجزية صاغرين وجرى عليهم حكمه ﷺ وهذا ظهور الدين كله". "سنن البيهقي الكبرى"، كتاب السير، باب ظهور دين النبي 9/ 301.]]، وعلى هذا اختلفوا: فقال أبو هريرة والضحاك: "ذلك عند خروج عيسى" [[رواه عن أبي هريرة الإمام ابن جرير 10/ 116، وفي سنده راوٍ لم يسم. ورواه أيضاً عبد بن حميد وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 4/ 176، وذكره عنه بغير سند الثعلبي 6/ 99 أ، والبغوي 4/ 40 وقد روياه في نفس الموضع عن الضحاك. وقد جاء في "الصحيحين" ما يشهد له من بعض الوجوه، وهو قول النبي -ﷺ-: "لا تقوم الساعة حتى ينزل فيكم ابن مريم حكمًا مقسطًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد". رواه البخاري (2476)، كتاب المظالم، باب كسر الصليب، ومسلم (155)، كتاب الإيمان، باب نزول عيسى -عليه السلام- ...]]. وقال السدي: "ذلك عند خروج المهدي لا يبقى أحد إلا دخل في دين الإسلام، أو أدى الخراج" [[رواه الثعلبي 6/ 99 أ، وذكره القرطبي 8/ 121.]]، وقال الكلبي: "لا تقوم الساعة حتى يكون ذلك" [[رواه الثعلبى في الموضع السابق.]]. وقال أهل المعاني: "معناه: ليعلي دين الإسلام على كل دين بالحجة والغلبة" [[رواه بنحوه الثعلبي 6/ 99 ب، عن الحسين بن الفضل الموصوف بأنه إمام عصره في معاني القرآن كما في "طبقات المفسرين" للسيوطي ص 37، وهو أيضاً قول النحاس في "إعراب القرآن" 2/ 14.]]، وقد صح ظهوره عليها فحجة هذا الدين أقوى الحجج، والغلبة لهذا الدين على سائر الأديان؛ فإن أهل الإسلام يغزون أهل سائر الملل، [وأهل سائر الملل] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح).]] لا يغزون أهل الإسلام [[هذا يوم كان المسلمون أمة واحدة معتصمين بحبل الله، مستمسكين بدينه، وكان الله يدافع عنهم، ويعلي شأنهم، ويقذف الرعب في قلوب أعدائهم، أما اليوم بعد أن طال على المسلمين الأمد، وقست قلوبهم، وتفرقت كلمتهم، وقذف في قلوبهم الوهن -حب الحياة وكراهية الموت- فقد تسلط عليهم الأعداء، وأصبحت بلاد المسلمين نهبًا لكل طامع، وصدق فيهم قول نبيهم ﷺ: "يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قيل: يا رسول الله! فمن قلة يومئذٍ؟ قال: لا، ولكنكم غثاء كغثاء السيل". رواه أحمد 5/ 178 بسند صحيح كما في "صحيح الجامع الصغير" رقم (8183).]]. وقيل: أراد في جزيرة العرب [[ذكره بمعناه الثعلبي 6/ 99 ب، والبغوي 4/ 40، وبلفظه القرطبي 8/ 122، وأبو حيان 5/ 33، ولم يعين أحد منهم القائل. وهذا القول فيه نظر؛ فقد صح عن النبي -ﷺ- أنه قال: "ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزًا يعز الله به الإسلام وذلًا يذل الله به الكفر". رواه أحمد في "المسند" 4/ 6،103/ 4.]]، وحصل ذلك بإجلاء أهل الذمة منها، وظهور الدين فيها كلها.

التوبة 9:34

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ﴾ قال ابن عباس: "يريد أن كثيراً من الفقهاء والعباد من أهل الكتاب" [[ذكره السمرقندي 2/ 46 بلفظ: الأحبار: العلماء، والرهبان: أصحاب الصوامع، وبنحوه في "تنوير المقباس" ص 292.]]، وقال السدي: "أما الأحبار فمن اليهود، وأما الرهبان فمن النصارى" [[رواه ابن جرير 10/ 117، وابن أبي حاتم 6/ 1787، وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 417.]]. وقوله تعالى: ﴿لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ هو ما ذكرنا في مواضع من أخذهم الرشى [[الرشى: بضم الراء وكسرها، جمع رشوة، وهي ما يعطاه من يعين على الباطل. انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" (رشا) 2/ 226، و"لسان العرب" (رشا) 3/ 1653.]] في الحكم وما كانوا يصيبونه من المآكل من سفلتهم، وخافوا ذهاب ذلك عنهم بتصديق النبي -ﷺ- لو صدقوه، فصرفوا الناس عن الإيمان به، فذلك قوله [[ساقط من (ح).]]: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، قال ابن عباس: "يريد قريظة والنضير وصدهم [[في (ح) و (ى): (فصدهم).]] عن طاعة الله" [[في "تنوير المقباس" ص 192: ("ويصدون عن سبيل الله": عن دين الله وطاعته.]]، قال أهل المعاني: "أراد بقوله: ﴿لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ يتملكونها، فوضع يأكلون موضعه؛ لأن الأكل عرّضهم لذلك" [[انظر: "زاد المسير" 3/ 428، و"مفاتيح الغيب" 16/ 43 ولبم أجد من ذكره من أهل المعاني.]]. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ ذكر في محل "الذين" قولان: أحدهما: النصب بالعطف على اسم إن، فيكون المعنى ويأكلها الذين يكنزون. والثاني: الرفع بالاستئناف [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 14 - 15، و"البحر المحيط" 5/ 36، و"الدر المصون" 6/ 41.]]، والقولان مبنيان على سبب النزول. واختلفوا في نزول الآية، فالأكثرون على أن قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ﴾ إلى آخره مستأنف نازل في هذه الأمة، قال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ يريد: من المؤمنين" [[ذكره بنحوه ابن الجوزي 3/ 429.]]، وقال السدي: "أما الذين يكنزون الذهب والفضة فهم أهل القبلة" [[رواه ابن جرير 10/ 118، وابن أبي حاتم 6/ 1788.]]، وروي عن ابن عباس أنه قرأ هذه الآية فقال: هم أهل الكتاب، وهي خاصة [عامة] [[رواه ابن جرير 10/ 120 من رواية العوفي.]]، قال أهل العلم: "أراد أن الآية نازلة في أهل الكتاب وهي خاصة] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح).]] فيمن لم يؤد الزكاة من المسلمين، عامة في جميع أهل الكتاب من أنفق ومن [[من (م).]] لم ينفق؛ لأنهم كفار لا تقبل منهم نفقاتهم وإن أنفقوا" [[القول لابن جرير، انظر: "تفسيره" 10/ 121، والمتبادر إلى الذهن أن معنى قول ابن عباس -إن صح عنه -: هي خاصة في أهل الكتاب، عامة فيمن فعل فعلهم من المسلمين.]]، وقال أبو ذر: "كنت بالشام فقرأت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ فقال معاوية: ليست هذه الآية فينا، إنما هذه الآية في أهل الكتاب، فقلت: إنها لفينا وفيهم" [[رواه بهذا اللفظ ابن أبي شيبة في "المصنف"، كتاب الزكاة، باب ما ذكر في الكنز .. == 3/ 212، ورواه مطولاً البخاري (1406)، كتاب: الزكاة، باب ما أدي زكاته فليس بكنز، وابن جرير 10/ 121 - 122، والثعلبي 6/ 103 ب.]]. وأصل الكنز في كلام العرب: الجمع، وكل شيء جمع بعضه إلى بعض فهو مكنوز، على ظهر الأرض كان أو في بطنها، يدل على ذلك قول الهذلي [[هو: المتنخل الهذلي، وهو مالك بن عويمر أو عمرو بن عثمان بن حبيث الهذلي، أبو أثيلة، شاعر مجيد، من نوابغ شعراء هذيل. انظر: "خزانة الأدب" 2/ 135، و"الشعر والشعراء" ص 438، و"الأعلام" 5/ 264.]]: لا دَرَّ دَرّي إن أطعمت نازلكم ... قِرْف الحتيّ وعندي البر مكنوز [[البيت منسوب للمتنخل في "شرح أشعار الهذليين" 3/ 1263، و"جمهرة اللغة" (برر) 1/ 67، و"شرح أبيات سيبويه" 1/ 550، و"لسان العرب" (برر) 1/ 254، كتاب "المعاني الكبير" 1/ 384، ونسب البيت لأبي ذؤيب الهذلي في كتاب "الحيوان" 5/ 285، و"شرح شواهد الشافية" ص 488، ونسب أيضًا للمتلمس، وهو في ملحق "ديوانه" ص 291. قال ابن قتيبة: "يقال: لا در در فلان: أي لا كانت له حلوبة ولا رزق، والحتي: سويق المقل، والقرف: ما انقشر منه" كتاب "المعاني الكبير" 1/ 384.]] وقال الليث: "يقال: كنز الإنسان مالاً يكنزه، والكنز: اسم للمال إذا أحرز في وعاء" [["تهذيب اللغة" (كنز) 4/ 3192، ونحوه في كتاب "العين" (كنز) 5/ 321.]]، يقال: كنزت البر في الجراب فاكتنز، واختلفوا في المراد بهذا الكنز، وترك هذا الإنفاق، فالذي عليه الأكثرون -وهو الإجماع اليوم- أن المراد بهذا الكنز هو جمع المال الذي لا تؤدى زكاته [[انظر: "المصنف" للصنعاني 4/ 106 - 108، ولابن أبي شيبة 3/ 190، و"تفسير ابن جرير" 10/ 117 - 122، وابن أبي حاتم 6/ 1788 - 1789، والثعلبي 6/ 100 أ - 101 ب، و"الدر المنثور" 3/ 417 - 419.]]. ومعنى قوله: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لا يؤدون زكاتها وهذا مذهب عمر وابنه وجابر، وقول ابن عباس [[سيأتي تخريج قول ابن عباس ومن ذكر قبله.]] والضحاك [[رواه الثعلبي 6/ 100 أ.]] والسدي [[رواه ابن جرير 10/ 118، والثعلبي 6/ 100 أ.]]، قال ابن عمر: "كل ما أدي زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين، وكل مال لم تؤد زكاته فهو كنز، وإن كان فوق الأرض" [[رواه الصنعاني في "المصنف"، كتاب الزكاة، باب إذا أديت زكاته فليس بكنز، رقم (7141) 4/ 107، وابن جرير 10/ 118، وابن أبي حاتم 6/ 1788، والثعلبي 6/ 100 أ، والبيهقي في "السنن الكبرى"، كتاب الزكاة، باب تفسير الكنز رقم (7230) 4/ 139، ورواه مختصرًا مالك في "الموطأ"، كتاب الزكاة، باب ما جاء في الكنز 1/ 218، وابن أبي شيبة في "المصنف"، كتاب الزكاة، باب ما قالوا في المال الذي تؤدى زكاته فليس بكنز 3/ 190.]]، وقال عمر: "ما أدي [[في (ى): (ما أدري).]] زكاته فليس بكنز" [[رواه الصنعاني وابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم والثعلبي في المصادر السابقة، نفس المواضع.]]، وقال جابر: "إذا أخرجت الصدقة من مالك فقد أذهبت عنه شره وليس بكنز" [[المصادر السابقة، نفس المواضع، عدا ابن جرير وابن أبي حاتم، ورواه أيضًا البيهقي في "السنن الكبرى"، كتاب الزكاة، باب الدليل على أن من أدى فرض الله ... إلخ رقم (7239) 4/ 141.]]. وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ "يريد: الذين لا يؤدون زكاة أموالهم" [[رواه ابن جرير 10/ 121، وابن المنذر كما في "الدر المنثور" 3/ 417، وهو من رواية علي بن أبي طلحة.]]. وذهب آخرون إلى أن المراد بهذا جمع المال وإن أديت الزكاة، قال [[في (ى): (وقال)، وهو خطأ.]] علي -رضي الله عنه-: "كل مال زاد على أربعة آلاف فهو كنز أديت منه [[في (ح): (عنه).]] الزكاة أو لم تؤد" [[رواه الصنعاني في "المصنف"، كتاب الزكاة، باب كم الكنز؟ رقم (7150) 4/ 109، وابن جرير 10/ 119، وابن أبي حاتم 6/ 1788، والثعلبي 6/ 100 ب.]]، وقال عبد الواحد بن زيد [[هو: عبد الواحد بن زيد القاص، أبو عبيدة البصري، عابد قاص مشهور، له حكايات في الزهد والرقائق، لكنه لبس له علم بالحديث، قال البخاري: منكر الحديث، يذكر بالقدر، وقال الجوزجاني: سيء المذهب، ليس من معادن الصدق، وقال ابن عبد البر: أجمعوا على ضعفه. انظر: "حلية الأولياء" 6/ 155، و"صفة الصفوة" 3/ 217، و"تعجيل المنفعة" 1/ 830.]]: "كل ما فضل من المال عن حاجته [[ساقط من (ح).]] صاحبه إليه فهو كنز" [["تفسير الثعلبي" 6/ 100 ب.]]، وروى ثوبان عن رسول الله -ﷺ- أنه قال لما نزلت هذه الآية: "تبًا للذهب تبًا للفضة يقولها ثلاثًا" قالوا: يا رسول الله: فأي المال نتخذ؟ قال: "لسانا ذاكرًا، وقلبا شاكرًا، وزوجة مؤمنة تعين أحدكم على دينه" [[رواه الترمذي (3094)، كتاب تفسير القرآن، سورة براءة، وابن ماجه، (1856) كتاب النكاح، باب أفضل النساء، وأحمد في "المسند" (5/ 278، 282، 366)، وابن جرير 10/ 119، والواحدي في "أسباب النزول" (ص 250)، وصححه الألباني كما في "صحيح ابن ماجه" (1505)، وقال الترمذي: حديث حسن، وقال الزيلعي في "تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف" 2/ 71: حديث ضعيف لما فيه من الاضطراب.]]. وعن أبي ذر قال: أتيت رسول الله -ﷺ- وهو في ظل الكعبة، فلما رآني قد أقبلت قال: "هم الأخسرون ورب الكعبة، [هم الأخسرون ورب الكعبة] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]] " قلت: من هم فداك أبي وأمي؟ قال: "الأكثرون، إلا من قال بالمال في عباد الله هكذا وهكذا، عن يمينه وعن شماله ومن خلفه، وقليل ما هم" [[رواه البخاري (6638)، كتاب الأيمان والنذور، باب كيف كانت يمين النبي؟ ومسلم (990)، كتاب الزكاة، باب تغليظ عقوبة من لا يؤدي الزكاة، والترمذي (617)، كتاب الزكاة، باب ما جاء عن رسول الله -ﷺ- في منع الزكاة من التشديد، والنسائي، كتاب الزكاة، باب التغليظ في حبس الزكاة 5/ 10، 11.]]. وروي هنا أيضًا عن جماعة من الصحابة أنهم ذهبوا إلى أن [[ساقط من (ى).]] هذه الآية فيمن ادخر المال عن الإنفاق في سبيل الله بعد الزكاة أيضًا [[ذكر منهم علي بن أبي طالب وأبو ذر وأبو هريرة وعمار بن ياسر. انظر: "تفسير الثعلبي" 6/ 101 أ، وابن كثير 2/ 388، وبعض الأسانيد إليهم ضعيفة.]]. والصواب: القول الأول؛ لأنه لا وعيد لمن جمع المال من الحلال وأدى الزكاة لقوله ﷺ: "من أدى زكاة ماله فقد أدى الحق الذي عليه" [[حديث ضعيف، رواه أبو داود في "المراسيل" عن الحسن عن النبي -ﷺ-، كما في "تلخيص الحبير" 2/ 160، ومن طريق أبي داود رواه البيهقي في "السنن الكبرى"، كتاب الزكاة، باب الدليل على أن من أدى فرض الله ... إلخ رقم (7241) 4/ 142، وانظر "ضعيف الجامع الصغير"، رقم (5379).]]، وقوله ﷺ: "نعما بالمال الصالح للرجل الصالح" [[رواه الإمام أحمد في "المسند" 4/ 202، وذكره البغوي في "شرح السنة"، كتاب الرقاق، باب استحباب طول العمر ... 7/ 319 بغير سند.]]، وقول ابن عمر -وسئل عن هذه الآية-، فقال: "من كنزها فلم يؤد زكاتها فويل له، وما أبالي لو كان لي مثل أحد ذهبًا أعلم عدده أزكيه وأعمل بطاعة الله فيه" [[رواه ابن ماجه (1787)، كتاب الزكاة، باب ما أدي زكاته فليس بكنز، والبيهقي في "السنن الكبرى"، باب تفسير الكنز .. رقم (7229) 4/ 139، ورواه البخاري (1404) مختصرًا، كتاب الزكاة، باب ما أدي زكاته فليس بكنز.]]، فعلى هذا من كان له دراهم أو دنانير فدفنها تحت الأرض وهو [[من (م).]] يؤدي زكاتها فهو بمعزل عن [[في (ى): (من).]] الوعيد المذكور في هذه الآية، ولا يطلق اسم الكنز بالشرع على ذلك المال [[ومما يؤيد ذلك ما يأتي: أ- أن الله تعالى شرع الوصية والمواريث، ولو كان انفاق جميع المال واجبًا لما كان لمشروعية ذلك فائدة. ب- نهي النبي -ﷺ- سعدًا أن يتصدق بجميع ماله، بل وأن يتصدق بأكثر من الثلث وذلك في مرضه الذي غلب على ظنه موته فيه، ثم تعليل النبي -ﷺ- ذلك بقوله: " .. فالثلث والثلث كثير، إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس في أيديهم" رواه البخاري في "صحيحه"، كتاب الوصايا، باب أن يترك ورثته أغنياء خير .. 4/ 47، وهذا الحديث كان بعد فتح مكة كما جاء في أوله، فهو مبين ما استقر عليه الإسلام.]]، وإن كان له مال فوق الأرض وهو لا يؤدي زكاته فذلك المال بالشرع يسمى [[في (م): (يسمى بالشرع) ... إ الخ.]] كنزًا، ولحقه الوعيد. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، قال الفراء والزجاج: "إن شئت جعلت الكناية [[يقصد الضمير في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾ بالإفراد، وهو يعود إلى الذهب والفضة، وكان الظاهر أن يقول: ولا ينفقونهما.]] راجعة إلى مدلول عليه، وهو الكنوز كأنه قال: ولا ينفقون الكنوز" [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 434، و"معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 2/ 445.]]، قال الزجاج: "ويجوز أن يكون محمولًا على الأموال [[اهـ. كلام الزجاج، المصدر السابق، نفس الموضع.]]؛ لأن الأموال هي الذهب والفضة، قال: ويجوز أن تكون: ولا ينفقون الفضة، وحذف الذهمب لأنه داخل في الفضة" [[المصدر السابق، نفس الموضع.]]، وهذا معنى قول الفراء: "وإن شئت اكتفيت بذكر أحدهما من صاحبه، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة:11] فجعله [[في (ج): (فجعلها).]] للتجارة، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ [النساء: 112] [[قد كرر ناسخ (ح) ذكر هذه الآية وزاد بعد الموضع الأول قوله: فجعله للتجارة.]] فجعله للإثم، وأنشدوا [[عبارة الفراء: وقال الشاعر في مثل ذلك.]]: نحن بما عندنا وأنت بما عندك ... راض والرأي مختلف [[البيت لعمرو بن امرئ القيس الخزرجي كما في "مجاز القرآن" 1/ 39، و"شرح أبيات سيبويه" 1/ 279، و"شرح شواهد الإيضاح" ص128، و"اللسان" (فجر) وقيل: هو لقيس بن الخطيم، كما في "زيادات ديوانه" ص239، و"تلخيص الشواهد" ص 205، و"الدرر اللوامع" 5/ 314، و"كتاب سيبويه" 1/ 75، ونسب في "الإنصاف" ص 85 لدرهم بن زيد الأنصاري.]] وأنشد الفراء للفرزدق: إني ضمنت لمن أتاني ما جنى ... وأبي [[في (ح): (وأتى).]] وكان وكنت غير غدور [[البيت للفرزدق كما في: "الإنصاف" 8555، و"شرح أبيات سيبويه" 1/ 226، و"كتاب سيبويه" 1/ 76، و"لسان العرب" (قعد) 6/ 3688 وليس في ديوانه.]] ولم يقل غدورين، وذلك لاتفاق المعنى يكتفى بذكر الواحد" [["معاني القرآن" 1/ 434.]]. وهذا أيضًا مذهب أبي عبيدة قال: "صار الخبر عن أحدهما كالخبر [[في (ى): (عن الآخر).]] عنهما، وأنشد قول ضابيء البرجمي [[هو بن الحارث بن أرطاة البرجمي التميمي. تقدمت ترجمته.]]: فمن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقيار بها لغريب [[البيت لضابىء البرجمي كما في "الأصمعيات" ص 184، و"الإنصاف" ص 85، و"خزانة الأدب" 9/ 326، و"كتاب سيبويه" 1/ 75، و"لسان العرب" (قير) 6/ 3793، و"نوادر أبي زيد" ص 20.]] [["مجاز القرآن" 1/ 257 بنحوه.]] وإلى هذا ذهب صاحب النظم وزاد بياناً فقال: "الذهب والفضة في أنهما جميعًا ثمنان للأشياء كلها [[ساقط من (ى).]] ويكنزان، وهما جميعًا جوهران يدخران يجريان في عامة الأمور مجرى واحداً، فاقتصر في الكناية عن أحدهما دون الآخر؛ إذ [[ساقط من (ى).]] في ذكر أحدهما ذكر لهما [[في (ح) و (ى): (ذكرهما).]] جميعًا"، وقال أبو بكر بن الأنباري: "اكتفى بإعادة الذكر على الفضة لأنها أقرب إلى العائد وأعم وأغلب، كقوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا﴾ [البقرة: 45] ردّ الكناية إلى الأغلب والأقرب" [[ذكر قول ابن الأنباري بلفظ مقارب الثعلبي في "تفسيره" 6/ 102 أ.]]. وقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي ضع الوعيد بالعذاب الأليم موضع [[في (ى): (مع).]] البشرى بالنعيم، ويجوز أن يكون المعنى: فأخبرهم؛ لأن أصل البشرى: ما يظهر في بشرة الوجه من فرح أو غم، إلا أنه أكثر [[في (م): (كثر).]] في الفرح، وكلا القولين بما مضى الكلام فيه [[انظر: "تفسير البسيط" البقرة: 97.]].

التوبة 9:35

وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ الآية، "يوم" ظرف للعذاب الأليم في قوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. وقوله: ﴿يَوْمَ يُحْمَى﴾: قال الأصمعي: "أحميت الحديدة في النار فأنا أحميها إحماءً حتى حميت تحمى [[ساقط من: (ى).]] حميا" [[اهـ. كلام الأصمعي، انظر: "تهذيب اللغة" (حمي) 1013.]]، وذلك إذا أوقدت عليها، وقوله: ﴿عَلَيْهَا﴾ ليس منه [[ساقط من (ح).]] صلة الإحماء؛ لأنه يقال: أحميت الحديدة ولا يقال: على الحديدة، إلا إذا جعل (على) من صلة معنى الإحماء، وهو الإيقاد فمعنى قوله: "يحمى عليها" أي يوقد عليها، أنشد ابن السكيت [[انظر: "تهذيب إصلاح المنطق" ص83، و"تهذيب اللغة" (أبس) 1/ 107.]]: إن كنت جلمود بصر [[في (ح): (نصرًا)، وهو خطأ.]] لا أؤبسه ... أوقد عليه فأحميه فينصدع [[البيت لعباس بن مرداس. انظر "ديوانه" ص 86، و"تهذيب إصلاح المنطق" ص 83، و"لسان العرب" (أبس) و (بصر). والجلمود: الصخر الغليظ، والبصر: الحجارة الرخوة تضرب إلى البياض، == ومعنى أؤبسه: أذللَه. انظر: "لسان العرب" (أبس، بصر، جلمد)، قال ابن السكيت: "يقول: إني أقدر عليك على كل وجه، ولو كنت حجرًا لا يذلل لأوقدت عليه حتى يتفتت". "تهذيب إصلاح المنطق" ص 83.]] والكناية [[ساقط من (ح).]] في ﴿عَلَيْهَا﴾ تعود إلى ما عادت في قوله: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾ [[في (ى): (زيادة نصها: "إلصاق الحار من النار"، ولا معنى لها في هذا الموضع، وسيأتي موضعها عند قوله تعالى: ﴿فَتُكْوَى بِهَا﴾.]]، قال ابن عباس: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا﴾ أي: على الكنوز" [[ذكره المصنف في "الوسيط" 2/ 492، والفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 192.]]، وقوله تعالى: ﴿فَتُكْوَى بِهَا﴾ معنى الكي في اللغة: إلصاق الحار من نار [[في (ي): (بالنار).]] أو حديدة بالعضو حتى يحترق الجلد، يقال: كوى البيطار [[البيطار: "معالج الدواب". انظر: "لسان العرب" (بطر) 1/ 301.]] بالمكواة يكوي كيًا، وقوله تعالى: ﴿جِبَاهُهُمْ﴾ جمع الجبهة وهي مستوى ما بين الحاجبين إلى الناصية، والأجبه: الرجل العريض الجبهة، وجبهت الرجل: إذا استقبلته بمكروه، كأنك ضربت به جبهته. والجنوب: جمع الجنب، وهو الجانب المشبك بالعظام المقوسة، قال المفسرون: "من كان له مال في الدنيا لم يؤد زكاته أحمي دراهمه ودنانيره في نار جهنم وكوي بها في هذه المواضع، لا يوضع دينار مكان دينار ولا درهم مكان درهم، ولكن يوسع جلده، فيوضع بكل درهم ودينار كية على جلده" [[انظر: "تفسير الثعلبي" 6/ 102 ب، والبغوي 4/ 44، و"الدر المنثور" 3/ 419 - 420.]]، وهذا معنى قول ابن مسعود [[رواه ابن جرير 10/ 124، وابن أبي حاتم 6/ 1790، والثعلبي 6/ 102 ب، والطبراني وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 419. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 104: "رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح".]] وابن عباس [[رواه مختصرًا ابن المنذر، كما في "الدر المنثور" 3/ 419.]]، وكان أبو ذر يقول: "بشر الكانزين بكي في الجباه وكي في الجنوب وكي في الظهور حتى يلتقي الحر في أجوافهم" [[رواه بنحوه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 273، وابن جرير 10/ 123.]]، ولهذا المعنى الذي أشار إليه أبو ذر خصت هذه المواضع [بالكي؛ لأن داخلها جوف بخلاف اليد والرجل، وكان أبو بكر الوراق [[هو: محمد بن إسماعيل بن العباس، أبو بكر الوراق، الإمام المحدث، كان حافظًا ثقة من شيوخ الدارقطني والبرقاني، ولد سنة 293 هـ، وتوفي سنة 378 هـ. انظر: "تاريخ بغداد" 2/ 53، و"سير أعلام النبلاء" 16/ 388، و"شذرات الذهب" 3/ 92.]] يقول: خُصت هذه المواضع] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]]؛ لأن صاحب المال إذا رأى الفقير قبض جبهته وزوى ما بين عينيه وطوى عنه كشحه [[الكشح: ما بين الخاصرة إلى الضلع من الخلف، وقيل غير ذلك، وطوى عنه كشحه: أي قاطعه وعاداه، وقيل: أعرض عنه وتباعد. انظر: "مجمل اللغة" (كشح) 3/ 786، و"لسان العرب" (كشح) 7/ 3880.]]، وولاه ظهره" [[ذكره البغوي 4/ 44، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 493، وبمعناه الثعلبي 6/ 102 ب.]]. وقوله تعالى: ﴿هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ أي: يقال لهم: هذا الذي تكوون به ما جمعتم لأنفسكم وبخلتم به عن حق الله، وإضمار القول كثير في القرآن. وقوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ من باب حذف المضاف، أي: ذوقوا عذاب ما كنتم تكنزون، وحديث أبي هريرة يفسّر هذه الآية، وهو ما أخبرنا الأستاذ أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم [[هو الثعلبي، شيخ المؤلف، وقد تقدمت ترجمته عند ذكر شيوخه.]] [رحمه الله قال [[سقطت كلمة: (قال) من (ح) و (م) في جميع السند على عادة المحدثين.]]: أنا [[في (م): (حدثنا) في جميع السند دون اختصار الكلمة.]] أبو محمد عبد الله بن حامد الأصفهاني قال: أخبرنا [[في (ى): (أنا)، على عادة المحدثين.]] أبو يحيى أحمد بن محمد بن إبراهيم] [[ما بين المعقوفين ساقط من (م).]] السمرقندي [[هو: أحمد بن محمد بن إبراهيم بن حازم أبو يحيى السمرقندي الكرابيسي، روى عن محمد بن نصر وابن خزيمة، اتهم في إكثاره من الرواية عن ابن نصر، وقد ثبت أن ابن نصر أجاز له بما صح عنده عنه. انظر: "ميزان الاعتدال" 1/ 129، و"لسان الميزان" 1/ 251.]] قال: ثنا محمد بن نصر المروزي [[هو: محمد بن نصر بن الحجاج المروزي، الإمام شيخ الإسلام أبو عبد الله الحافظ، إمام عصره في الحديث بلا مدافعة، وكان من أعلم أهل زمانه بالاختلاف، وأكثرهم صيانة في العلم، مع حسن العبادة، وجودة التصنيف، توفي سنة 294 هـ. انظر: "تذكرة الحفاظ" 2/ 650، و"البداية والنهاية" 11/ 102، و"تهذيب التهذيب" 3/ 717.]] قال: ثنا محمد بن عبد الملك ابن أبي الشوارب [[هو: محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب محمد بن عبد الله الأموي، أبو عبد الله البصري، إمام ثقة محدث فقيه، من رجال مسلم، توفي سنة 244 هـ. انظر: "تاريخ بغداد" 2/ 344، و"سير أعلام النبلاء" 11/ 103، و"تهذيب التهذيب" 3/ 634.]] قال: ثنا عبد العزيز بن المختار [[هو: عبد العزيز بن المختار الأنصاري، أبو إسحاق الدباغ البصري، مولى حفصة == بنت سيرين، ثقة مكثر، من رجال البخاري ومسلم، وهو من الطبقة السابعة الذين توفوا بعد سنة 100 هـ. انظر: "الكاشف" 2/ 658، و"تقريب التهذيب" 359/ 4120، و"تهذيب التهذيب" 2/ 593.]] قال: ثنا سهيل [[هو: سهيل بن أبي صالح ذكوان السمان، أبو يزيد المدني، محدث مكثر، وثقه الجمهور وضعفه ابن معين وغيره، وقد تغير حفظه بآخره، وهو من رجال مسلم، وروى له البخاري مقرونًا بغيره، توفي سنة 138 هـ. انظر: "الكاشف" 2/ 471، و"تقريب التهذيب" 259/ 2675، و"تهذيب التهذيب" 2/ 128.]] عن أبيه [[هو ذكوان، أبو صالح السمان الزيات، مولى جويرية بنت الأحمس الغطفاني، تابعي ثقة ثبت من أجل الناس وأوثقهم، كثير الحديث، مات سنة 101هـ. انظر: "الكاشف" 2/ 386، و"تقريب التهذيب" 203 (1842)، و"تهذيب التهذيب" 1/ 579.]] عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ: "ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته إلا أحمي عليه في نار جهنم، فيجعل صفائح، فتكوى بها جبينه وجنباه، حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار" [[رواه مسلم في "صحيحه" (987)، كتاب الزكاة، باب إثم مانع الزكاة، وأبو داود في "سننه" (1658)، كتاب الزكاة، باب في حقوق المال، وأحمد في "المسند" 2/ 262، 383.]].

التوبة 9:36

قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ الآية، قد ذكرنا معنى العدة والشهر في سورة البقرة [[انظر النسخة الأزهرية: (1/ 112 ب) وقد قال هنا: (والعدة: (فعله) من العد، وهو بمعنى المعدود، كالطحن بمعنى المطحون، ومنه يقال للجماعة المعدودة من الناس: عدة، وعدة المرأة من هذا) اهـ. وقال في نفس النسخة (1/ 113 ب): (الشهر مأخوذ من الشهرة، تقول: شهر الشيء يشهره شهرًا، إذا أظهره، وسمي الشهر شهرًا لشهرة أمره في حاجة الناس إليه في معاملاتهم ... إلخ).]]، قال أبو إسحاق: "أعلم الله -عز وجل- أن عدة شهور المسلمين التي تُعبدوا بأن يجعلوها لسنتهم اثنا عشر شهراً، على منازل القمر، واستهلال الأهلة، وكان أهل الكتاب يعملون على أن السنة ثلثمائة وخمس وستون يومًا وبعض يوم، على هذا يجري أمر النصارى واليهود، فأعلم الله -عز وجل- أن سني المسلمين على الأهلة" [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 145 باختصار وتصرف.]]. قوله تعالى: ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾، قال الواقدي: "يعني اللوح المحفوظ" [[لم أجده في كتابه "المغازي".]]، وهو قول عامة أهل التأويل [[انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 124 - 129، والثعلبي 6/ 105 أ، وابن الجوزي 3/ 432.]]، ونحو هذا يحكى عن ابن عباس ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ قال: "في الإمام [[في (م): (الأيام)، وهو خطأ.]] الذي عند الله كتبه يوم خلق السموات والأرض" [[ذكر، ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 432، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 494.]]. قال أبو علي الفارسي: " [لا يجوز تعلق] [[في (ح): (يجوز أن لا يعلق)، وما أثبته موافق لما في "الحجة للقراء السبعة".]] الكتاب بالعدة؛ لأن فيه [[في (ف): (فيها)، وما أثبته موافق لما في "الحجة".]] فصلاً بين الصلة والموصول بالخبر الذي هو اثنا عشر، ولكنه يتعلق بمحذوف على أن يكون صفة للخبر تقديره: "اثنا عشر شهرًا مكتوبًا في كتاب الله"، قال: والكتاب لا يكون إلا مصدرًا، ولا يجوز أن يعني به كتاب من الكتب؛ وذلك لتعلق اليوم به، وسائر الظروف لا تتعلق بأسماء الأعيان؛ لأنه لا معاني في أسماء الأعيان للفعل، (لا تقول: غلامك يوم الجمعة)، على أن يتعلق اليوم بالغلام، فبهذا يعلم أنه مصدر" هذا كلامه [["الحجة للقراء السبعة" 2/ 458 بتصرف، والجملة التي بين القوسين مزيدة في كلام أبي علي.]]. ويمكن أن يكون الكتاب اسمًا على ما ذكره أهل التفسير [[سبق ذكر قول ابن عباس وعامة أهل التأويل.]]، ويضمر للظرف ما [[في (ح): (وما).]] يتعلق به على أن يكون المعنى: ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾: كتبه يوم خلق السموات والأرض، على ما يحكى عن ابن عباس [[سبق تخريجه عند ذكر أول الآية.]]، وذكر أبو علي هذه الآية في "المسائل الحلبية"، فقال: "الفائدة في قوله: ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ بعد قوله: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أن في ﴿كِتَابِ اللَّهِ﴾ من الاختصاص ما ليس في قوله: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ ألا ترى أنه قد توصف أشياء بأنها عنده ولا توصف بأنها في كتابه كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: 34] ففي ﴿كِتَابَ اللَّهِ﴾ معنى زائد على ما في ﴿عِنْدِ اللَّهِ﴾ فجرى في هذا المعنى مجرى قولك: خرج من الدار من البيت [[في (ى): (خرج من البيت)، والصواب ما في (ح) و (م)، وهو موافق لما في المسائل الحلبيات.]] و ﴿عِنْدِ اللَّهِ﴾ متعلق بالمصدر الذي هو العدة وهو العامل فيه. وقوله تعالى: ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ متعلق بمحذوف لأنه صفة لـ (اثني عشر) قال: ويجوز أن يكون متعلقا بـ"حرم" على تقدير: منها أربعة حرم في كتاب الله، أي: فيما كتب الله يوم خلق السموات والأرض، والمعنى: أن الحرم منها في كتاب الله أي فيما فرض كونه [[في (ى): (من كونه)، وما في (ح) و (م) موافق لما في "المسائل الحلبيات".]] حرمًا أربعة أشهر لا أكثر منه [[في "الحلبيات": منها.]]، فإذا نسأتم أنتم المشهور فجعلتم [[هكذا في جميع النسخ، وفي "الحلبيات": جعلتم، وتصرف الواحدي يغيّر المعنى الذي يريده أبو علي؛ فمعنى عبارة أبي علي: إن الله حرّم أربعة أشهر فقط فإذا نسأتم المشهور كانت الحرم أكثر من أربعة، بينما جملة (فجعلتم أكثر من أربعة أشهر) في عبارة الواحدي تفسير لمعنى النسيء ولا يتم بها المعنى، ولذا اضطر لزيادة جملة (كان ذلك زيادة في الكفر) ليتم المعنى، وهذه الجملة بهذا المعنى مقحمة في كلام أبي علي.]] أكثر من أربعة أشهر وحللتم ما حرم الله وحرمتم ما أحل الله كان ذلك زيادة في الكفر، كما ذمهم الله بفعل ذلك" [["المسائل الحلبيات" ص 307 بتصرف.]]. وقوله تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ وهي: رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم [[في (ح) و (ى): (رجب والمحرم ... إلخ.]]، في قول الجميع، ومعنى الحرم: أنه يعظم انتهاك المحارم فيها بأشد [[في (ى): (أشد)، وقد أثبت ما في (ح) و (م) لموافقته لما في "الوسيط" 2/ 494.]] مما يعظم في غيرها، وكانت العرب تعظمها حتى لو لقي الرجل منهم قاتل أبيه لم يهجه. قال أهل المعاني: "وفي جعل بعض المشهور أعظم حرمة من بعض فوائد من المصلحة في الكف عن الظلم فيها لعظم منزلتها في حكم خالقها، فربما أدى ذلك إلى ترك الظلم رأسًا؛ لانطفاء الثائرة في تلك المدة" [[ذكره بنحوه الماوردي في "النكت والعيون" 2/ 360، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 434 دون نسبة، ولم أجده في كتب أهل المعاني التي بين يدي.]]. وقد ذكرنا هذا مستقصى عند قوله: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: 97] [[انظر النسخة (ح) 2/ 74 أحيث قال: (اختلف المفسرون وأصحاب المعاني في هذه الآية، فقال ابن عباس في بعض الروايات: "قوله ﴿قيامًا للناس﴾ قيامًا لدينهم ومعالم لحجهم"، وقال سعيد بن جير: " ﴿قيامًا للناس﴾ صلاحًا لدينهم" فعلى هذا، القيام مصدر قولك: قام قيامًا والمعنى: إن الله جعل الكعبة سببًا لقيام الناس إليها للحج وقضاء النسك، فيصلح بذلك دينهم، لأنه يحط عنهم الذنوب والأوزار عندها .. وقال جماعة من المفسرين وأكثر أصحاب المعاني: القيام ههنا يراد به القوام، وهو العماد الذي يقوم به الشيء، والتقدير فيه: جعل الله الحج للكعبة البيت الحرام قيامًا لمعاش الناس ومكاسبهم ..) إلخ.]] الآية. وقوله: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ الدين له معان كثيرة في اللغة، ومناه ههنا [[ساقط من (ى).]]: الحساب، ومنه قيل: "الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت" [[هذا بعض حديث رواه الترمذي (2459)، كتاب صفة القيامة، وابن ماجه (2460) في "السنن"، كتاب الزهد، باب ذكر الموت، وأحمد في "المسند" 4/ 124، والحاكم في "المستدرك"، كتاب الإيمان 1/ 57، والبيهقي في "السنن الكبرى"، كتاب الجنائز، باب ما ينبغي لكل مسلم .. رقم (6514) 3/ 517، والبغوي في "شرح السنة"، كتاب الرقاق، باب الاجتناب عن الشهوات، رقم (4011) 7/ 333. قال الترمذي: حديث حسن، وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط البخاري، وتعقبه الذهبي بقوله: لا والله، أبو بكر واه. قلت: والحديث في جميع المصادر السابقة يدور على هذا الراوي الضعيف وهو أبو بكر ابن عبد الله بن أبي مريم الغساني الشامي، قال الحافظ في "تقريب التهذيب" ص 623 (7974): "ضعيف، وكان قد سرق بيته فاختلط".]] أي: حاسبها، و"القيم": معناه المستقيم، وقد ذكرناه عند قوله: ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ [الأنعام: 161]. قال المفسرون وأهل المعاني: "ذلك الحساب المستقيم الصحيح، والعدد المستوي" [[انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 194، و"معاني القرآن" للنحاس 3/ 206، و"النكت والعيون" 2/ 360، و"زاد المسير" 3/ 432.]]. وقال الحسن: " ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾: الذي [[في (ى): (أي).]] لا يبدل ولا يغير" [[ذكره الفخر الرازي في "تفسيره" 16/ 53.]]، فالقيم على هذا بمعنى [[في (ج): (معنى).]]: القائم الدائم الذي لا يزول. قال أهل العلم: "فالواجب على المسلمين بدليل هذه الآية أن يعتبروا به في بيوعهم، ومُدد ديونهم، وأحوال زكاتهم، وسائر أحكامهم، السنة العربية بالأهلة، ولا يجوز لهم [[ساقط من: (ى).]] اعتبار السنة العجمية والرومية [[السنة العجمية هي السنة الفارسية وهي اثنا عشر شهرًا، كل شهر ثلاثون يومًا عدا شهر واحد فإنه خمسة وثلاثون يومًا، وأما السنة الرومية فهي أيضًا اثنا عشر شهرًا، لكن الشهور مختلفة فشهر ثمانية وعشرون يومًا، وشهر ثلاثون يومًا وشهر واحد وثلاثون يومًا، وتعرف اليوم بالسنة الميلادية. انظر تفصيل ما سبق في: "أحكام القرآن" لابن العربي 2/ 936.]] [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 2/ 445، و"أحكام القرآن" لإلكيا الهراسي 4/ 199، و"تفسير الرازي" 16/ 55، و"الجامع الأحكام القرآن" للقرطبي 8/ 133.]]. قوله تعالى: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾، قال ابن عباس في رواية عطاء: "تحفّظوا من أنفسكم فيها واجتنبوا الخطايا، فإن الحسنات فيها تضعف والسيئات فيها تضعف [[السيئة لا تضعف بالمعنى المتبادر للتضعيف، وإنما يجزى بمثلها من غير زيادة كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام: 160]، ولكن السيئة تعظم لسبب من الأسباب فيعظم جزاؤها، ومن ذلك: حرمة الزمان كما في هذه الآية وحرمة المكان كالحرم، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: 25] ومن ذلك أيضًا مكانة الشخص، قال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: 30]، وكون الشخص ممن يقتدى به، قال تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: 25]، وغير ذلك من أسباب عظمة السيئة، وعلى هذا يحمل قول ابن عباس المذكور -ولا يصح عنه- وقد جاء ذلك مصرحًا به في رواية الوالبي الصحيحة، ونصها: "ثم خص من ذلك أربعة أشهر فجعلهن حرمًا، وعظم حرماتهن، وجعل الذنب فيهن أعظم، والعمل الصالح والأجر أعظم". انظر تخريج الرواية في الهامش التالي.]] " [["الوسيط" 2/ 494، وقد سبق بيان أن رواية عطاء مكذوبة ورواه بمعناه من رواية الوالبي الإمام ابن جرير 10/ 126، وابن أبي حاتم 6/ 1793، وابن المنذر والبيهقي في "شعب الإيمان" كما في "الدر المنثور" 3/ 425 وفيه زيادة.]]، فعلى هذا القول: الكناية تعود إلى الحرم، وهو قول قتادة، قال: "الظلم في الأشهر الحرم أعظم وزرًا من الظلم فيما سواها، وإن كان الظلم على كل حال عظيما، ولكن الله يعظم من أمره ما يشاء، فاصطفى من الملائكة رسلاً، ومن الناس، ومن الأرض والمساجد، والأيام والشهور والليالي، فعظموا ما عظم الله" [[ذكر المؤلف قول قتادة بمعناه، وقد أخرجه ابن جرير 10/ 127، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 425، ورواه مختصرًا ابن أبي حاتم 6/ 1793، والثعلبي 6/ 105 ب.]]. وقال محمد بن إسحاق: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ بأن تجعلوا حرامها حلالاً، وحلالها حرامًا كما فعل أهل الشرك في النسيء" [["سيرة ابن هشام" 2/ 206.]]، وعلى هذا: الكناية تعود إلى الشهور كلها [وقد روي عن ابن عباس أنه [[ساقط من (ى).]] قال: " ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [[ساقط من (ح).]]: في الشهور كلها" [[رواه ابن جرير 10/ 126، وابن أبي حاتم 6/ 1792، واللفظ له، وابن المنذر والبيهقي في "شعب الإيمان" كما في "الدر المنثور" 3/ 425.]]] [[ما بين المعقوفين ساقط من (م).]]، وحكى الزجاج القولين جميعًا، وقال: "من قال في الأربعة: أراد تعظيم شأن المعاصي فيهن كما قال تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 197]، وهذه الأشياء لا تجوز في غير الحج، ولكنه -عز وجل- عرّف الأيام التي تكون فيها المعاصي أكثر إثمًا وعقابًا" [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 446 بنحوه.]]، واختار الفراء أن تكون الكناية راجعة إلى الأربعة لقوله: ﴿فِيهِنَّ﴾ ولم يقل (فيها) كما قال: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ لما عادت الكناية إلى كلها، قال: وكذلك كلام العرب لما بين الثلاثة إلى العشرة يقولون: لثلاث خلون، إلى العشرة [(فإذا جُزت العشرة) [[ما بين القوسين ساقط من (ى).]] قالوا: خلت، ويقولون لما بين الثلاثة إلى العشرة] [[ما بين المعقوفين ساقط من (م).]]: (هن) و (هؤلاء) [[من (م).]] فإذا جزت العشرة قالوا: (هي) و (هذه) إرادة أن تُعرف سمة القليل من الكثير، قال: "ويجوز في كل واحد ما جار في صاحبه"، وأنشد: أصبحن في قُرح وفي داراتها ... سبع ليال غير معلوفاتها [[في (ى): (معروفاتها)، وهو خطأ.]] [[سبق تخريج هذا الرجز عند تفسير الآية 25 من سورة براءة. وقد بين ابن منظور في "لسان العرب" 6/ 3574 أن (قُرْح) بضم القاف وسكون الراء: اسم وادي القرى أو سوق فيه. والدارات: جمع دارة وهي كل أرض واسعة بين جبال. المصدر نفسه (دور) 4/ 296.]] ولم يقل: غير معلوفاتهن وهي سبع، وكل صواب؛ إلا أن المؤْثر ما فسرت لك [["معاني القرآن" 1/ 435 باختصار.]]. والأصل في هذا أن جمع القلة يكنى عنه كما يكنى عن جماعة مؤنثة، ويكنى عن جمع الكثرة كما يكنى عن واحدة مؤنثة، كما قال حسان: لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى [[في (ى): (في الضحى)، والمثبت موافق لديوانه.]] ... وأسيافنا يقطرن من نجدة [[في (م): (حدة)، والمثبت موافق لديوانه.]] دما [[انظر: "شرح ديوان حسان" ص 221 وقال الشارح: الجفنات: القصاع، والغر: البيض من كثرة الشحم وبياض اللحم، يصف حسان قومه بالندى والبأس.]] فقال: يلمعن ويقطرن؛ لأن الأسياف والجفنات جمع قلة، ولو جمع جمع [[ساقط من (ى).]] الكثرة لقال: تلمع وتقطر، هذا هو الاختيار، ويجوز إجراء أحدهما مجرى الآخر، كقول النابغة: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب [[انظر: البيت في "ديوان النابغة" ص 32، ونسب إليه أيضًا في "إصلاح المنطق" ص 24، و"خزانة الأدب" 3/ 327، و"كتاب سيبويه" 2/ 326.]] فقال: بهن والسيوف جمع كثرة، وروي عن ابن عباس أيضًا أنه قال: " ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ باستحلال القتل والغارة فيهن" [[رواه الثعلبي 6/ 105 ب، والبغوي 4/ 45.]]، وهذا يوجب ترك القتال في الأربعة الحرم، وبقاؤها على ما كانت قبل الإسلام، وقد ذكرنا الخلاف في هذا الحكم في سورة البقرة [[انظر النسخة الأزهرية: 1/ 132 أحيث قال: (وأما حكم القتال في الشهر الحرام اليوم فالعلماء فيه مختلفون، قال ابن جريج: "حلف لي عطاء بالله ما يحل للناس أن يغزوا في الحرم ولا في الشهر الحرام، إلا أن يقاتلوا"، وروى أبو الزبير عن جابر قال: "لم يكن رسول الله -ﷺ- يغزوا في الشهر الحرام إلا أن يغزا، فإذا حضر ذلك أقام حتى ينسلخ"، وسئل سعيد بن المسيب هل يصلح للمسلمين أن يقاتلوا الكفار في الشهر الحرام؟ قال: نعم، وقال ذلك سليمان بن يسار، وهو مذهب قتادة وغيره من العلماء، يرون القتال في الشهر الحرام، قال أبو عبيدة: والناس اليوم بالثغور جميعًا على هذا القول).]]، في قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: 217]. وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾، قال ابن عباس: "كافة: جميعًا" [[رواه ابن جرير 10/ 128، وابن أبي حاتم 6/ 1793، وابن المنذر والبيهقي في "شعب الإيمان" كما في "الدر المنثور" 3/ 425، وهو من رواية علي بن أبي طلحة.]]، يريد: قاتلوهم كلهم ولا تُحابوا [[في (ى): (تخافوا)، وأثبت ما في (ح) و (م) لموافقته لـ"الوسيط" 2/ 494، و"تفسير الرازي" 16/ 54، والمحاباة: قال الخليل في كتاب "العين" (حبو) 3/ 309: "الحباء: عطاء بلا مَنٍّ ولا جزاء، حبوته أحبوه حباء، ومنه أخذت المحاباة". وفي "لسان العرب" (حبو) 2/ 766: "حابى الرجل حباء: نصره واختصه ومال إليه".]] بعضهم بترك القتال؛ كما أنهم يستحلون قتال جميعكم، ويجوز أن يكون المعنى: قاتلوهم بأجمعكم، مجتمعين على قتالهم كما يفعلون هم، يريد: تعاونوا وتناصروا على ذلك ولا تتجادلوا، وكلا المعنيين يحتمله قوله [[يعني ابن عباس.]]: جميعًا، والمعنى الثاني يوجب تعين فرض القتال على كل أحد، ونذكر الخلاف فيه في قوله -عز وجل-: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: 41] الآية. قال الفراء: "كافة يقول: جميعًا، والكافة لا تكون مذكرة ولا مجموعة على عدد الرجال، فتقول: كافّين أو كافات للنسوة، ولكنها (كافة) بالهاء والتوحيد؛ لأنها وإن كانت على لفظ (فاعلة) فإنها في مذهب مصدر مثل: الخاصة والعاقبة والعافية [[من (ى).]]؛ لذلك لم تُدخل فيها العرب الألف واللام؛ لأنها في [[في (ى): (من)، وأثبت ما في (ح) و (م) لموافقته و"معاني القرآن" للفراء.]] مذهب قولك: قاموا معًا، [وقاموا جميعًا" [[اهـ. كلام الفراء، انظر: "معاني القرآن" 1/ 436.]]] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]]. وقال الزجاج: ﴿كَافَّةً﴾ منصوب على الحال، وهو مصدر على (فاعلة) كما قالوا: العاقبة والعافية، ولا يجوز أن يثنى ويجمع، كما أنك إذا قلت: قاتلوهم عامة لم تثن ولم تجمع، وكذلك (خاصة)، هذا مذهب النحويين" [["معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 2/ 446 باختصار. انظر نسبة القول للنحويين في: "تهذيب اللغة" (كف) 4/ 3164، و"لسان العرب" (كفف) 7/ 3905، وانظر توضيح المسألة في: "البحر المحيط" 2/ 120، و"الكليات" لأبي البقاء ص 775.]]. وقد أحكمنا الكلام في هذا الحرف عند قوله: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: 208] [[انظر: النسخة الأزهرية: 1/ 126 ب حيث قال: ومعنى (الكافة) في اللغة: الحاجزة المانعة، يقال: كففت فلانًا عن السوء فكفّ يكف كفًّا .. وقيل لطرف اليد كف لأنه يكف بها عن سائر البدن، ورجل مكفوف: كف بصره من أن ينظر، فالكافة معناها المانعة، ثم صارت اسمًا للجملة الجامعة؛ لأنها تمنع من الشذوذ والتفرق.]]. وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾، قال ابن عباس: "يريد مع أوليائه الذين يخافونه فيما كلفهم من أمره ونهيه" [["الوجيز" 6/ 486 مختصرًا.]]، قال الزجاج: "تأويله أنه ضامن لهم النصر" [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 447، والمراد أن هذه معية خاصة لأوليائه، تستلزم النصر والتأييد والحفظ والرعاية.]].

التوبة 9:37

قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ الآية، قال أبو زيد: "نسأت الإبل عن الحوض فأنا أنسأها نسأ: إذا أخرتها عنه [[ساقط من (ح).]]، وأنساته الدين إنساءً: إذا أخرته عنه، واسم ذلك النسيئة والنسء" [["تهذيب اللغة" (نسأ) 4/ 3566 بلفظ مقارب، وبعضه في "الحجة" 4/ 193.]]. قال [[من (ى).]] [أبو عبيد عن الأصمعي: "أنسأ الله فلانا أجله [ونسأ في أجله] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح).]]: [أي أخره" [["تهذيب اللغة" (نسأ) 4/ 3566، وهو في "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 23 من غير نسبة.]]] [[ما بين المعقوفين ساقط من (م) و (ى)، وهو كذلك غير موجود في المصدرين التاليين.]]، [وذكر الزجاج في باب الوفاق: "نسأ الله في أجله وأنسأ أجله: أي أخره" [[اهـ. كلام الزجاج، انظر: كتاب "فعلت وأفعلت" ص 40، و"معاني القرآن وإعرابه" 1/ 190 ولعل الزجاج ذكره في كتاب آخر فيه باب الوفاق، ولم أعثر عليه.]]] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح).]]، فالنسيء في اللغة: معناه: التأخير على ما ذكره أهل اللغة [[انظر أيضًا: "الصحاح" (نسأ) 1/ 76، و"مجمل اللغة" (نسى) 3/ 766.]]. وكان النسيء في الشهور: تأخير حرمةٍ لشهر إلى شهر آخر ليست له تلك الحرمة، قال الفراء: "النسيء: المصدر، ويكون المنسوء، مثل قتيل ومقتول" [["معاني القرآن" 1/ 437.]]. وقال الأزهري: "النسيء في هذه الآية بمعنى الإنساء، اسم وضع موضع المصدر الحقيقي من أنسأت، قال: وقد قال بعضهم: نسأت في هذا الموضع بمعنى أنسأت، ومنه قول عمير بن قيس بن جذل الطعان [[هو: عمير بن قيس أحد بني علقمة بن فراس بن غنم بن ثعلبة بن مالك بن كنانة، وجذل الطعان: لقب لجده علقمة، وقيل: بل لقب له، والأول هو الظاهر من مصادر تخريج البيت، وسمي بذلك لثباته في الحرب كأنه جذل شجرة واقف، وقيل: لأنه كان يستشفى برأيه ويستراح إليه كما تستريح البهيمة الجرياء إلى الجذل تحتك به. انظر: "سيرة ابن هشام" 1/ 45، و"الروض الأنف" 1/ 251.]]: ألسنا الناسئين على معد ... شهور الحل نجعلها حراما [[انظر البيت منسوبًا لعمير بن قيس في "سيرة ابن هشام" 1/ 46، و"تهذيب اللغة" (نسأ) 4/ 3556، و"لسان العرب" (نسأ) 7/ 4403.]] [[اهـ. كلام الأزهري، انظر: "تهذيب اللغة" (نسأ) 4/ 3556.]] قال أبو علي: "النسيء: مصدر كالنذير والنكير، ولا يجوز أن يكون (فعيلا) بمعنى (مفعول)؛ لأنه إن [[ساقط من: (ى).]] حمل على ذلك كان معناه [[في (ى): (المعنى).]]: إنما المؤخَّر زيادة في الكفر [[في (ح): (بالكفر).]]، والمؤخر الشهر؛ وليس الشهر نفسه زيادة في الكفر إنما الزيادة في الكفر تأخير حرمة الشهر إلى شهر آخر ليست له تلك الحرمة، فأما نفس الشهر فلا" [["الحجة للقراء السبعة" 4/ 193.]]، فقد وافق أبو علي الأزهريَّ في أن النسيء موضوع [[ساقط من (ى).]] موضع المصدر. وهذا قراءة العامة [["كتاب السبعة" (ص 314)، و"التبصرة في القراءات" ص 215، و"تقريب النشر" ص 34، وقد أفاد المصدران الأخيران أن ورشًا وافق الجمهور في إحدى الروايتين عنه، وله رواية أخرى لفظها: (إنما النسىُّ) بغير همز ولا مد، والياء مشددة.]]، وروي عن ابن كثير [[هو: عبد الله بن كثير بن عمرو بن عبد الله الداري أبو معبد المكي، إمام المكيين في القراءة، واحد القراء السبعة، كان فصيحًا بليغًا مفوهًا، عليه سكينة ووقار، توفي سنة 120هـ. انظر: "معرفة القراء الكبار" 1/ 86، و"سير أعلام النبلاء" 5/ 318، و"تقريب التهذيب" ص318 (3550)، و"غاية النهاية" 1/ 443.]] من طريق شبل [[في (ى): (ابن شبل)، والصواب ما في (ح) و (م) كما في كتاب "السبعة في القراءات" ص 314، و"الحجة للقراء السبعة" 4/ 193، وهو شبل بن عباد المكي، صاحب ابن كثير، ومقرئ مكة، وأحد شيوخ حمزة الزيات، كان ثقة من رجال البخاري، توفي بعد سنة 150 هـ. انظر: "معرفة القراء الكبار" 1/ 129، و"الكاشف" 1/ 478، و"تقريب التهذيب" ص 263 (2737).]]: (النَّسء) بوزن النسع [[كتاب "السبعة" ص 314، و"الحجة للقراء السبعة" 4/ 191، و"إعراب القراءات السبع وعللها" لابن خالويه 1/ 247.]]، وهو المصدر الحقيقي كقولهم: نَسَأت: أي أخرت، وروي عنه أيضًا (النسي) مخففة الياء [[انظر: المصادر السابقة، نفس المواضع، لكن ابن خالويه جعلها بالألف المقصورة على وزن: الدُّمى.]]، ولعله لغة في (النسء) بالهمز مثل: أرجيت وأرجأت [[كررت الكلمة في (ى).]]، وروي عنه أيضًا (النسيُّ) مشددة الياء بغير همز [[انظر: المصادر السابقة، نفس المواضع.]]، وهذا على التخفيف القياسي، كما أن (مقروة) في (مقرؤة) في (مقرؤة) تخفيف قياسي [[انظر: "الحجة" 4/ 194، و"لسان العرب" (قرأ) 6/ 3618.]]. فأما معنى "النسيء" في هذه الآية، قال العلماء وأهل التفسير: "إن العرب كانت تحرم الشهور الأربعة، وكان ذلك ما تمسكت به من ملة إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام- وكانت العرب أصحاب حروب وغارات، فشق عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر متوالية لا يُغيْرون فيها، وقالوا: لئن [[في (ح): (التي).]] توالت علينا ثلاثة أشهر حرم لا نصيب فيها شيئًا لنهلكن، فكانوا يؤخرون تحريم المحرم إلى صفر، فيحرمونه، ويستحلون المحرم، [وكانوا يمكثون بذلك زمانا يحرمون صفر وهم يريدون به المحرم] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]]، ويقولون: هو أحد الصفرين" [[انظر: "تفسير السمرقندي" 2/ 48، والثعلبي 6/ 106 ب، والبغوي 4/ 45، وابن الجوزي 3/ 435، والرازي 16/ 57، وقد رواه ابن حاتم في "تفسيره" 6/ 1794 بمعناه عن السدي.]]. ولقد تأول بعض الناس قوله ﷺ: "لا صفر" [[رواه البخاري (5717) في "صحيحه"، كتاب الطب، باب لا صفر وهو داء يأخذ البطن، ومسلم (2220) في "صحيحه"، كتاب السلام، باب لا عدوى .. ، وتفسير البخاري للحديث هو المشهور عند العلماء، انظر: "فتح الباري" 10/ 171.]] على هذا [[هذا تأويل الإمام مالك -رحمه الله- انظر: "فتح الباري" 10/ 171، وقد ذكر التأويل من غير نسبة أبو عبيد في غريب الحديث 1/ 26، والثعلبي في "تفسيره" 6/ 106 ب.]]. قال أبو عبيدة: "كانوا يؤخرون المحرم وذلك نسء الشهور، ولا يفعلون ذلك إلا في ذي الحجة، إذا اجتمعت العرب للموسم فينادي مناد: أن افعلوا ذلك، لحرب أو لحاجة وليس كل سنة يفعلون ذلك، فإذا أرادوا أن يحلوا المحرم نادوا: هذا صفر وإن المحرم الأكبر صفر [[نص عبارة أبي عبيدة: (نادى مناد: إن المحرم في صفر، وكانوا يسمون المحرم وصفر: الصفرين، والمحرم صفر الأكبر، وصفر المحرم الأصغر).]]، فيذهب الناس إلى منازلهم إذا نادى المنادي بذلك، وكانوا يسمون المحرم وصفر صفرين، ويقدمون صفرًا سنة ويؤخرونه" [["مجاز القرآن" 1/ 258 بمعناه مع الزيادة وتقديم بعض الجمل.]]. قال ابن عباس والضحاك وقتادة ومجاهد: "أول من نسأ النسيء: بنو مالك بن كنانة [[هم بنو مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر. انظر: "جمهرة أنساب العرب" ص 10، و"نسب قريش" ص 11.]]، وكانوا ثلاثة [[لم يذكر من الثلاثة في هذه الرواية سوى واحد، وكذلك ابن جرير 10/ 130 - 131، والثعلبي 6/ 107 أ، والبغوي 4/ 46، وقد ذكر المفسرون والعلماء أكثر من ثلاثة منهم: 1 - عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف، رواه الثعلبي 6/ 107 ب، والبغوي 4/ 47 عن بن عباس بسند واه. == 2 - أبو ثمامة صفوان بن أمية أحد بني الحارث بن مالك الكناني، رواه ابن جرير 10/ 131 عن قتادة، وانظر: "المحبر" (ص 133)، و"أمالي القالي" 1/ 240. 3 - الحارث بن ثعلبة، ذكره عن مجاهد الحافظ ابن حجر في "الإصابة" 1/ 275. 4 - نعيم بن ثعلبة، رواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" (ص 193) من رواية الكلبي عن ابن عباس، ورواه الثعلبي 6/ 107 أ. 5 - 9 - القلمس، وهو حذيفة بن عبد بن فقيم الكناني، ثم ابنه عباد بن حذيفة، ثم ابنه قلع بن عباد، ثم ابنه أمية بن قلع، ثم ابنه عوف بن أمية، ذكرهم ابن إسحاق في "السيرة النبوية" 1/ 45. 10 - أبو ثمامة جنادة بن عوف بن أمية الكناني، وكان آخرهم وفي زمنه أبطل الله النسيء، انظر: "تفسير ابن جرير" 7/ 130، و"السيرة النبوية" 1/ 45، و"الإصابة في تمييز الصحابة" 1/ 246.]]: أبو ثمامة جنادة بن عوف بن أمية الكناني [[هو: جنادة بن عوف بن أمية بن قلع من بني فقيم ثم من بني مالك بن كنانة، أبو ثمامة الكناني، نسأ الشهور أربعين سنة، وكان أبعد النسأة ذكرًا، وأطولهم أمدًا، وقد أسلم، وأدرك زمن عمر-رضي الله عنهما-. انظر: "السيرة النبوية" 1/ 45، و"الإصابة" 1/ 246.]]، كان يوافي الموسم على حمار فيقول: إني لا أعاب ولا أحاب [[أحاب: بالحاء المهملة في (ح) و (م)، وكذلك في "المحبر" ص 157، وهو من الحوب، أي الإثم، انظر: "لسان العرب" (حوب)، والمعنى: لا أنسب إلى الإثم، وفي النسخة (ى) و"معاني القرآن" للفراء 1/ 436: أجاب، وفي "تفسير الثعلبي": أخاب من الخيبة، أي: لا يُخيّب لي قول ولا يرد، أما معنى أجاب، فأقرب ما وجدت من معانيه أنه من المجاوبة: أي التحاور، والمعنى: لا أحاور ولا أجادل فيما أقول، وقد ذكر ابن منظور في "لسان العرب" (جوب): (أن المجاوبة والتجاوب: التحاور.]] ولا مردّ لما أقول: إن آلهتكم قد أقسمت لتحرمنّ -وربما قال: لتحلّن- هذا الشهر -يعني: المحرم-، فيحلونه [[ساقط من: (ى).]] ويحرمون صفرًا، وإن حرموه أحلوا صفرًا" [[ذكر الأثر عنهم جميعًا الثعلبي 6/ 107 أوهو لفّقه من رواياتهم جميعًا، وذكر الإمام ابن جرير تلك الروايات مفصلة، انظر "تفسيره" 10/ 129 - 132.]]، وقال الكلبي: "أول من فعل ذلك رجل من بني كنانة يقال له: نُعيم بن ثعلبة [[لم أقف له على ترجمة، ولم يذكره سوى الكلبي وحاله لا تخفى.]]، وكان من بعده جنادة بن عوف وهو الذي أدركه رسول الله -ﷺ-" [[ذكره الثعلبي 6/ 106 أ، والبغوي 4/ 46.]]، ونحو هذا قال الفراء [[انظر: "معاني القرآن" 1/ 436.]]، وقال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس: "أول من فعل ذلك عمرو بن لحي بن قمعة بن خندق [[جد جاهلي قديم، وزعيم من طواغيت العرب، وقد صح في شأنه أمور منها: أ- أن اسمه عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف، رواه البخاري في (3520)، كتاب المناقب، باب قصة خزاعة ب- أنه جد خزاعة القبيلة العربية المعروفة، رواه البخاري في الموضع السابق، لكن بعض العلماء يرى أن الحديث تصحف على بعض الرواة فقال: أبو خزاعة، والصواب: أخو خزاعة وهذا هو المشهور، انظر: "البداية والنهاية" 2/ 189. ج- أنه أول من غير دين إبراهيم عليه السلام فقد روى مسلم في "صحيحه" أن رسول الله -ﷺ- قال: "رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار، وكان أول من سيب السوائب، وبحر البحيرة، وغير دين إسماعيل".]] " [[رواه الثعلبي 6/ 107 ب، والبغوي 4/ 47.]]، قال أبو بكر بن الأنباري: "وكان الذي يلي النسيء يظفر بالرئاسة، ويشرف ولده والمنتمون إليه، بعلوه وترئيس [[في (م): (وتزيين)، ولا معنى له.]] العرب إياه. قال الشاعر [[سبق تخريج هذا البيت عند تفسير أول الآية.]] مفتخرًا بذلك: وكان الناسئين على معد ... شهور الحل نجعلها حرامًا وقال آخر [[لم أهتد إليه، والبيت بلا نسبة في كتاب "الأمالي" للقالي 1/ 4، و"تفسير ابن عطية" 6/ 489، و"البحر المحيط" 5/ 40، و"الدر المصون" 6/ 47.]]: نسؤا المشهور بها وكانوا أهلها ... من قبلكم والعز لم يتحول وأكثر العلماء على أن هذا التأخير كان من المحرم إلى صفر على ما ذكرنا [[انظر: "تفسير ابن جرير" 1/ 130 - 132، وابن أبي حاتم 6/ 1794، والثعلبي 6/ 106، والبغوي 4/ 45، وابن الجوزي 3/ 435، و"السيرة النبوية" لابن هشام 1/ 44 - 45.]]، وقال جماعة من العلماء: "ربما كانوا يحتاجون إلى تأخير صفر إلى الشهر الذي بعده كحاجتهم إلى تأخير المحرم، فيؤخرون تحريمه إلى ربيع، ثم يمكثون بذلك ما شاء الله، ثم يحتاجون إلى مثله، ثم كذلك، وكذلك تتدافع شهرًا بعد شهر حتى استدار التحريم على السنة كلها، فقام الإسلام وقد رجع المحرم إلى موضعه الذي وضعه الله به، وذلك بعد دهر طويل [[في (ح): (دهور طويلة). والمثبت موافق لما في "تفسير الثعلبي".]] " [[هذا معنى قول عبد الله بن عمرو كما في "الدر المنثور" 3/ 426، وقول مجاهد كما في "تفسير ابن جرير" 10/ 131، وقول ابن أبي نجيح كما في "تفسير ابن أبي حاتم" 6/ 1794، والعبارة للثعلبي في "تفسيره" 6/ 106 ب، واعتبره الرازي 16/ 57 هو الصحيح في تفسير الآية، وأقول: إن المتأمل في مجموع الروايات الواردة في هذه القضية يتبين له أن النسيء عند العرب على ضربين: الأول: تأخير تحريم شهر محرم إلى صفر؛ لحاجتهم إلى الغزو والنهب، وهذا هو المذكور في هذه الآية بدلالة قوله تعالى: ﴿يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾. الثاني: تأخيرهم الحج عن وقته، ليكون ثابتًا في فصل من فصول السنة، كالأشهر في السنة الشمسية، فقد روى الطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه كما في "الدر المنثور" 3/ 425 عن عبد الله بن عمرو "أن العرب كانوا لا يصيبون الحج -يعني == في شهر ذي الحجة- إلا في كل ست وعشرين سنة مرة". وروى عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 275، وابن جرير 10/ 131 عن مجاهد قال: " .. فكانوا يحجون في كل شهر عامين" ومما يدل على هذا النوع من النسيء ما روي أن حجة أبي بكر -رضي الله عنه- سنة تسع كانت في ذي القعدة، قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" 8/ 82: ذكر ابن سعد وغيره بإسناد صحيح عن مجاهد أن حجة أبي بكر وقعت في ذي القعدة، ووافقه عكرمة بن خالد فيما أخرجه الحاكم في "الإكليل" ا. هـ وأنكر الإمام ابن كثير في "تفسيره" 2/ 393 ذلك بشدة. هذا وقد بين الرازي في "تفسيره" 16/ 56 - 57 أن غرضهم من ذلك هو المواءمة بين موسم الحج ومواسم التجارة في سائر البلدان. واختار الإمام أبو عبيد القول الثاني؛ لقول النبي -ﷺ- "إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السموات والأرض" وليس في التفسير الآخر استدارة. انظر: "غريب الحديث"، له 1/ 291، 293.]]، فذلك حين قال رسول الله -ﷺ- في خطبته في حجة [[في (ى): (خطبة حجة الوداع).]] الوداع: "ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا منها أربعة حرم، ثلاث [[هكذا في النسخ، وهو موافق لرواية البخاري (7447) كتاب التفسير، سورة براءة، ورواية أبي داود وأحمد، قال الحافظ ابن حجر: (قال ابن التين: الصواب: ثلاثة متوالية؛ يعني لأن المميز الشهر، قال: ولعله أعاده على المعنى، أي ثلاث مدد متواليات. انتهى، أو باعتبار العدة، مع أن الذي لا يذكر التمييز معه يجوز فيه التذكير والتأنيث). "فتح الباري" 8/ 325، والجدير بالتنبيه أن البخاري روى الحديث في موضع آخر بلفظ: ثلاثة.]] متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان" [[رواه البخاري في "صحيحه" في عدة مواضع منها كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في سبع أرضين (4662)، وكتاب التفسير، سورة براءة (7447)، وكتاب التوحيد، باب قوله الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، ورواه أيضًا مسلم (1679)، كتاب القسامة، باب تغليظ تحريم الدماء، وأبو داود (1947)، كتاب المناسك، باب الأشهر الحرم، وأحمد في "المسند" 5/ 37.]]، أراد إن الأشهر الحرم رجعت إلى مواضعها، فهذا الذي ذكرنا أكثر قول [[هكذا في جميع النسخ.]] أهل اللغة في النسيء والمفسرين. وقال قطرب: "معنى النسيء وأصله: من الزيادة يقال: نسأ في الأجل وأنسأ: إذا زاد فيه [[ساقط من (ى).]]، وكذلك قيل للبن: النسيء؛ لزيادة الماء فيه ونُسئت المرأة: إذا حبلت، جعل زيادة الولد فيها كزيادة الماء في اللبن، وقيل للناقة: نسأتها: أي زجرتها ليزداد سيرها، وكل زيادة حدثت في شيء فهو نسيء" [[ذكر قول قطرب الرازي 16/ 55 - 56، وبنحوه الثعلبي 6/ 106 أ.]]، وهذا مذهب قتادة من المفسرين قال: "إنهم عمدوا فزادوا صفرًا في الأشهر الحرم فقرنوه بالمحرم في التحريم، وأشركوا بينهما في الاسم فقالوا للمحرم وصفر: صفران" [[رواه بمعناه مختصرًا ابن جرير 10/ 131، والثعلبي 6/ 106 أ، وابن المنذر كما في "الدر المنثور" 16/ 426.]]، والصحيح: القول الأول، وأن أصل النسيء: التأخير، ونُسِئت المرأة: إذا حبلت؛ لتأخر حيضها، ونَسَأتُ الناقة معناه: زجرتها عن التأخير، ونَسَأتُ اللبن: إذا أخرته حتى كثر الماء فيه [[من عادة اللبن أن الماء يطفو فوقه إذا ترك فترة.]]، وقول قتادة: "أنهم زادوا صفرا في الحرم، فذلك يعود إلى تأخيرهم التحريم من المحرم إليه ولم يزيدوه [[في (ي): (ولا يزيدونه).]] زيادة أصل تبلغ به عدد الحرم خمسة أشهر؛ لأن الله تعالى قال: ﴿يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ فبين أنهم لم يزيدوا في العدد وإنما نقلوا التحريم من موضعه. وقوله تعالى: ﴿زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾، قال ابن عباس: يريد زيادة في كفرهم حيث أحلوا ما حرم الله وحرموا ما أحل الله [[ذكره المصنف في "الوسيط" 2/ 495، ورواه بمعناه مطولاً ابن جرير 10/ 130 من رواية علي بن أبي طلحة.]]، قال أهل المعاني: والزيادة في الكفر هو منه وفي معناه؛ لأنه كفر، كالزيادة في الدار هي منها؛ لأنها تصير معها دارًا واحدة [[انظر: "تفسير الأصفهاني" 4/ 35 ب بمعناه ولم أجده في كتب أهل المعاني التي بين يدي، وقد زاد القرطبي هذا المعنى إيضاحًا فقال: قوله تعالى: ﴿زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ بيان لما فعلته العرب من جمعها أنواعًا من الكفر، فإنها أنكرت وجود الباري -تعالى- فقالت: (وما الرحمن) في أصح الوجوه، وأنكرت البعث فقالت: (من يحيى العظام وهي رميم) وأنكرت بعثه الرسل فقالوا: (أبشرًا واحدًا نتبعه) .. إلخ. "تفسير القرطبي" 8/ 139.]]. وقوله تعالى: ﴿يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهذه قراءة العامة [[يعني بفتح الياء وكسر الضاد، وهي قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر، انظر: "كتاب السبعة" ص 314، و"الغاية في القراءات العشر" ص 165، و"تقريب النشر" ص120.]]، وهو حسن؛ لإسناد الضلال إلى الذين كفروا؛ لأنهم إن كانوا ضالين في أنفسهم حسن إسناد الضلال إليهم، وإن كانوا مضلين لغيرهم حسن أيضًا؛ لأن المضل لغيره ضال بفعله إضلال غيره. وقرأ أهل الكوفة ﴿يُضَلُّ﴾ بضم الياء وفتح [[في (ي): (وضم)، وهو خطأ.]] الضاد [[هذه قراءة حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص. انظر: المصادر السابقة، نفس المواضع.]]، ومعناه: أن كبراءهم يضلونهم بحملهم على هذا التأخير في الشهور، فأسند الفعل إلى المفعول كقوله في هذه الآية: ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾ أي: زين لهم ذلك حاملوهم وداعوهم [[في (ح): (ودعواهم)، وهو خطأ.]] إليه، وقرأ أبو عمرو في رواية أوقية [[هو: عامر بن عمر بن صالح أبو الفتح الموصلي، المعروف بأوقية، مقرئ حاذق، وتولى قضاء الموصل، توفي سنة 250 هـ. انظر: "معرفة القراء الكبار" 1/ 220، و"غاية النهاية" 1/ 350.]] من طريق ابن مقسم [[هو: محمد بن الحسن بن يعقوب بن الحسن البغدادي، أبو بكر ابن مقسم العطار، كان إمامًا مقرئًا نحويًا، ثقة، ومن أحفظ الناس لنحو الكوفيين، وأعرفهم بالقراءات، وصنف في التفسير والمعاني، توفي سنة 354 هـ. انظر: "تاريخ بغداد" 2/ 206، و"إنباه الرواة" 3/ 100، و"غاية النهاية" 2/ 123.]]: (يُضِلُّ بهِ الذين كَفَروا) بضم الياء وكسر الضاد [[انظر: "الغاية في القراءات العشر" ص 165، و"البحر المحيط" 5/ 40.]]، وله ثلاثة أوجه: أحدها: يضل الله به الذين كفروا، والثاني: يضل الشيطان [[في (م): (الشياطين).]] به الذين كفروا، والثالث: وهو أقواها يضل به الذين كفروا تابعيهم والآخذين بذلك، وإنما كان هذا الوجه أقوى لأنه لم يجر ذكر الله ولا ذكر الشيطان فيبنى الفعل لهما، والكناية في (به) تعود إلى النسيء. وقوله تعالى: ﴿يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾، قال ابن عباس: يريد: إذا قاتلوا فيه أحلوه وحرموا مكانه صفرًا، وإذا لم يقاتلوا فيه حرموه [[ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 495، و"الوجيز" 6/ 491.]]، والكناية في ﴿يُحِلُّونَهُ﴾ و ﴿وَيُحَرِّمُونَهُ﴾ تعود إلى النسيء [[وإلى هذا ذهب أيضًا ابن جرير 10/ 130، والثعلبي 6/ 108 أ، والبغوي 4/ 47.]]، أي: يحلون التأخير عاما، وهو العام الذي يريدون أن يقاتلوا في المحرم، ويحرمون التأخير عامًا، وهو العام الذي يدعون [[في (ي): (الذي يريدون أن يدعوا .. إلخ). ولم أثبت هذه الزيادة لثلاثة أسباب: أ- عدم وجودها في (ح) و (م). ب- أن الرازي نقل الجملة منسوبة للواحدي وليس فيها هذه الزيادة، انظر: "مفاتيح الغيب" 16/ 59. جـ- كثرة الأخطاء والسقط في النسخة (ي).]] المحرم على تحريمه. وقوله تعالى: ﴿لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾، قال أهل اللغة: ليوافقوا. يقال: واطأت فلانًا على كذا: إذا وافقته عليه [[انظر: "تهذيب اللغة" (وطئ) 4/ 3912، و"الصحاح" (وطأ) 1/ 81.]]، قال الزجاج: المواطأة: الموافقة على الشيء [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 447 ولفظه: المواطأة: المماثلة والاتفاق على الشيء.]]، وقال المبرد: يقال: واطأت القوم على كذا، وتواطئوا [[في (ي): (وواطؤهم).]] هم: إذا اجتمعوا على أمر واحد، كأنّ كل واحد [[في (ح): (أحد).]] يطأ حيث يطأ صاحبه، والإيطاء [[في (ح): (ولا يطأ)، وهو خطأ.]] في الشعر من هذا، وهو أن يأتي في القصيدة بقافيتين على لفظ واحد ومعنى واحد [[انظر معنى الإيطاء في "تهذيب اللغة" (وطئ) 4/ 3912، و"طبقات فحول الشعراء" 1/ 72، ولم أقف على مصدر قول المبرد.]]. قال ابن عباس: ليواطؤا أربعة أشهر؛ لأن الله حرم منها أربعة [[رواه بمعناه مطولاً ابن مردويه كما في "الدر المنثور" 3/ 426.]]. قال المؤرج: هو أنهم لم يحلوا شهرًا من الحرم إلا حرموا مكانه شهرًا من الحلال [[في (ح): (الحرم)، والصواب ما في (م) و (ي)، وهو موافق لما في "تفسير الثعلبي".]]، [ولم يحرموا شهرًا من الحلال إلا أحلوا مكانه شهرًا من الحرم] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ج).]] لئلا تكون الحرم أكثر من الأربعة كما حرم الله، فتكون موافقة للعدد، فذلك المواطأة [[انظر: قول مؤرج في "تفسير الثعلبي" 6/ 108 أ.]]. وقال الزجاج: يجعلون صفرًا كالمحرم في العدد، ويقولون: إن هذه أربعة [[في (ي): (الأربعة)، وما أثبته موافق لما في "معاني القرآن وإعرابه".]] بمنزلة أربعة [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 447.]]، وقال الفراء: يقول [[في (ي): (يقولون)، وما أثبته موافق لما في "معاني القرآن".]]: لا يخرجون من تحريم أربعة أشهر [[ساقط من (م).]] [["معاني القرآن" 1/ 437.]]. وقوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾، قال ابن عباس والحسن: يريد، زين لهم الشيطان هذا [[انظر: "تفسير البغوي" 4/ 47، والرازي 16/ 58، و"الوسيط" 2/ 495.]]. وقوله [[من (م).]]: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾، قال: يريد: لا يرشد كل كفار أثيم.

التوبة 9:38

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية، أجمع المفسرون على أن هذه الآية حثٌ لمن تثاقل عن غزوة تبوك، وذلك كان في زمان [[في (ي). (زمن)، وأثبت ما في (ح) و (م) لموافقته لـ"الوسيط" و"تفسير الثعلبي".]] عسرة من الناس، وجدب من البلاد، وشدة من الحر، حين أخرفت النخل، وطابت الثمار، فعظم ذلك على الناس وشق عليهم الخروج إلى القتال، فأنزل الله هذه الآية [[ساقط من (ج).]] يحرض أولياءه على ذلك [[انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 133، وابن أبي حاتم 6/ 1796، والسمرقندي 2/ 49، والثعلبي 6/ 108أ، والبغوي 4/ 48، و"أسباب النزول" ص250 - 251، و"الوسيط" للمؤلف 2/ 495، وذكر الزجاج أيضًا إجماع المفسرين على ذلك، انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 447.]]، وقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ﴾ استفهام معناه التوبيخ، كقولك لمن تستبطئه في أمر: مالك متباطئًا عن هذا الأمر؟!. وقوله تعالى: ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا﴾ يقال: استنفر الإمام الناس لجهاد [[في (ي): (للجهاد).]] العدو [[ساقطة من (ي).]] فنفروا ينفرون نفرًا ونفيرًا: إذا حثهم ودعاهم إليه، ومنه قول النبي -ﷺ-: "وإذا استنفرتم فانفروا" [[رواه البخاري (2825) في عدة مواضع، منها كتاب: الجهاد، باب: وجوب النفير، ورواه مسلم (1353)، كتاب: الإمارة، باب: تحريم رجوع المهاجر إلى استيطان وطنه، والنسائي في "سننه" كتاب: البيعة، باب: ذكر الاختلاف في انقطاع الهجرة 7/ 146، والترمذي (1590) كتاب: السير، باب: ما جاء في الهجرة، وأبو داود (1479) كتاب: الجهاد، باب: الهجرة هل انقطعت، وأحمد في "المسند" 1/ 226.]]، وأصل النفر: الخروج إلى مكان لأمر هاج عليه [[عبارة الطبري 10/ 133: لأمر هاجه على ذلك، وعبارة "الوسيط" 2/ 496: لأمر أوجب الخروج.]]، واسم ذلك القوم الذين يخرجون: النفير، ومنه قولهم: فلان لا في العير ولا في النفير [[قال الأزهري: قيل هذا المثل لقريش من بين العرب، وذلك أن النبي -ﷺ- لما هاجر إلى المدينة، ونهض منها ليلقى عير قريش سمع مشركو قريش بذلك فنهضوا ولقوه ببدر ليأمن عيرهم المقبل من الشام مع أبي سفيان، فكان من أمرهم بما كان، ولم يكن تخلف عن العير والقتال إلا زمن أو من لا خير فيه، فكانوا يقولون لمن لا == يستصلحونه لمهم: فلان لا في العير ولا في النفير، فالعير من كان منهم مع أبي سفيان، والنفير: من كان منهم مع عتبة بن ربيعة قائدهم يوم بدر. "تهذيب اللغة" (نفر) 4/ 3628.]]. وقوله تعالى: ﴿اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾، قال ابن عباس: يريد أحببتم المقام [["تنوير المقالة" ص 193 بمعناه.]]، وقال الزجاج: معناه تثاقلتم إلى الإقامة بأرضكم، قال: ويجوز: اثاقلتم إلى شهوات الدنيا [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 447.]]، وهذا نحو قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [الأعراف: 176] وقد مر. واثاقلتم: أصله: تثاقلتم [ومعناه: تباطأتم] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح).]]، وهو نحو قوله: ﴿فَادَّارَأْتُمْ﴾ [البقرة: 72] و ﴿اطَّيَّرْنَا﴾ [النمل: 47] وقد مرّ. وقوله تعالى: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾، قال ابن عباس: يريد: قدّمتم الدنيا على الآخرة [[ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 496.]] يريد بالآخرة الجنّة، قال الزجاج: "أي رضيتم بنعيم الحياة الدنيا من نعيم الآخرة، وقال أبو علي الفارسي: المعنى [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 447.]]: أرضيتم بالحياة الدنيا بدلاً من الآخرة، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [[ساقط من (ح).]] أي بدلاً منكم [["الحجة للقراء السبعة" 2/ 24.]]. قال الراعي: أخذوا المخاض من الفصيل غُلَّبة ... ظلمًا ويكتب للأمير فصيلاً [[انظر: "ديوان الراعي" ص 145، و"جمهرة أشعار العرب" ص 336، و"شرح أبيات المغني" الشاهد رقم (529) 1/ 342. والمخاض: الناقة الحامل. والفصيل: ولد الناقة المفصول عن الرضاعة. انظر: "لسان العرب" (مخض وفصل). والشاعر يشكو جباة الزكاة ويذكر ظلمهم.]] أراد: بدلاً من الفصيل. ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، قال ابن عباس: يريد: الدنيا كلها [[ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 496، ورواه بمعناه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 193.]]. ﴿إِلَّا قَلِيلٌ﴾ عند شيء من الجنة [[روى مسلم في (2858)، كتاب: الجنة، باب: فناء الدنيا عن المستورد بن شداد أن رسول الله -ﷺ- قال: "والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه هذه -وأشار يحيى (أحد الرواة) بالسبابة- في اليم فلينظر بم ترجع".]]، وقال الزجاج: أي ما يتمتع به في الدنيا قليل عند ما يتمتع به أولياء الله في الجنة [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 448.]].

التوبة 9:39

قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، قال مقاتل: إلا تنفروا مع نبيكم إلى الجهاد يعذبكم عذابًا أليمًا [["تفسير مقاتل" 129 أ، ولفظه: إلا تنفروا في غزاة تبوك إلى عدوكم يعذبكم عذابًا أليمًا.]]، وروي عن ابن عباس أنه قال: هذا العذاب المتوعد به على ترك النفير هو إمساك المطر [[هذا هو معنى أثر ابن عباس التالي.]]، قال: استنفر رسول الله -ﷺ- حيًّا من الأحياء فتثاقلوا عنه فأمسك عنهم المطر [[رواه ابن جرير 10/ 134، والحاكم في "المستدرك" 2/ 118، وصححه، ووافقه == الذهبي، ورواه أيضًا البيهقي في "السنن الكبرى"، كتاب: الجهاد، باب: النفير، رقم (17943) 9/ 83، ورواه مختصرًا أبو داود (2506)، كتاب: الجهاد، باب: في نسخ نفير العامة بالخاصة.]]، وقال الزجاج: هذا وعيد شديد في التخلف عن الجهاد [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 448.]]، قال عكرمة والحسن: هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: 122] [[رواه عنهما ابن جرير 10/ 135، وابن أبي حاتم 6/ 1797 - 1798، والصواب أن هذه الآية، وكذلك الآية التالية ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ محكمتان غير منسوختين؛ لأنه لا تنافي بينهم وبين الآية المدعى أنها ناسخة، وذلك لإمكان توجيه كل آية لحالة غير التي للأخرى، فالآيتان الأوليان لبيان حكم النفير حالة كون الجهاد فرض عين كحالة غلبة العدو على بلاد الإسلام، أو استنفار الإمام قومًا معينين، أو احتيج للجميع، أو كان النبي -ﷺ- خارجاً للجهاد. أما قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ فهي لبيان حكم النفير حالة كون الجهاد فرض كفاية، فالآية تبين أن النفر في هذه الحالة واجب على بعضهم دون بعض. انظر: "الناسخ والمنسوخ" للنحاس 2/ 436، و"الناسخ والمنسوخ" لابن العربي 2/ 249، و"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه" لمكي بن أبي طالب ص 273، و"زاد المسير" 3/ 438، و"تفسير ابن كثير" 2/ 395.]]، قال المفسرون: الصحيح أن هذه الآية خاصة فيمن استنفره رسول الله -ﷺ- [[انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 135، وابن الجوزي 3/ 438، والرازي 16/ 59.]]. وقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾، قال ابن عباس: يريد: من التابعين بإحسان [[انظر: "تفسير الرازي" 16/ 61.]]، وهذا كالاستعتاب من الله تعالى لأولئك القوم، والتوعد لهم أنهم إن تركوا الغزو مع رسول الله -ﷺ-، أتى الله بقوم آخرين ينصر بهم الدين، وهم التابعون في قول ابن عباس [[سبق ذكره وتخريجه.]]، وقال سعيد بن جبير: هم أبناء فارس [[رواه الثعلبي 6/ 109 أ، والبغوي 4/ 48.]]، وقال أبو روق: هم أهل اليمن [[انظر: "تفسير الثعلبي" 6/ 109 أ، والبغوي 4/ 48، والرازي 16/ 61. قال الشوكاني في "فتح القدير" 2/ 526: ولا وجه للتعيين بدون دليل أقول: إن مراد السلف التمثيل لا الحصر، والله أعلم.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ الكناية في قول الحسن راجعة إلى الله تعالى [[انظر: "زاد المسير" 3/ 438، و"تفسير الرازي" 16/ 61، والماوردي 2/ 363.]] أي: لا تضروا الله لأنه غني عنكم، وعن كل شيء، وفي قول الباقين: تعود إلى الرسول ﷺ [[انظر المصادر السابقة، نفس المواضع.]]، أي: لا تضروه لأن الله عصمه عن [[كذا، والأصح أن يقول: من.]] الناس، ولأنه لا يخذله إن تثاقلتم عنه.

التوبة 9:40

قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية، قال أبو إسحاق: أعلمهم [[في (م): (أعلم)، وما أثبته موافق للمصدر التالي.]] الله أنهم إن تركوا نصره فلن يضره ذلك شيئًا، كما لم يضره قلة ناصريه حين كان بمكة [[اهـ. كلام أبي إسحاق الزجاج، انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 448.]]، وهم به الكفار ما هموا، فتولى الله تعالى نصريه ورد كيد من ناوأه خائبًا، ومعنى قوله: ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: أعانه على أعدائه حين مكر به المشركون، وهو أن بعث إليه جبريل حتى أمره بالخروج [[رواه ابن إسحاق كما في "سيرة ابن هشام" 4/ 206 وفي سنده راوٍ لم يسم.]]، وجعل كيدهم في تباب، وأراد بقوله: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ حين قصدوا إهلاكه، وذكرنا ذلك في قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ﴾ [الأنفال: 30] الآية، وأضاف إخراجه إلى الكفار لأنهم لما هموا بقتله صعب عليه المقام، واحتاج [[في (ج): (فاحتاج).]] إلى الخروج من مكة، فأضيف الإخراج إليهم لما كانوا السبب في خروجه، قال ابن عباس في قوله: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: يريد: من مكة هاربًا منهم [["تنوير المقباس" ص 193 بمعناه.]]، وأما قوله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ﴾ [الأنفال: 5] يريد: أمره إياه بالخروج [[عبارة المؤلف توحي بأنه يرى أن الإخراج المذكور في الآيتين واحد، وهو الإخراج من مكة، ومن ثم جمع بين الآيتين، والصحيح أن الإخراج المذكور في آية الأنفال إنما هو من المدينة إلى بدر. انظر: "تفسير ابن جرير" 9/ 182.]]. وقوله تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ أي واحد اثنين، قال الزجاج: وهو نصب على الحال، المعنى: فقد نصره الله أحد اثنين أي نصره منفردًا [[في (ي): (مفردًا)، وما أثبته موافق لما في "معاني القرآن وإعرابه".]] إلا من أبي بكر [[في (ي): (هو أبو بكر)، وهو خطأ.]] [[اهـ. كلام الزجاج، انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 449.]]، وهذا معنى قول الشعبي: عاتب الله -عز وجل- أهل الأرض جميعًا في هذه الآية غير أبي بكر [[رواه الثعلبي 6/ 110 أ، وابن المنذر كما في "الدر المنثور" 3/ 435، وفي سند الثعلبي داود بن المحبر وهو متروك، كما في "تقريب التهذيب" 200 (1811)، كما أن في متن هذا الأثر نظرًا من ثلاثة أوجه: أحدها: أن الله تعالى هو الذي كف أيدي أصحاب نبيه ﷺ عن نصرته في مكة كما أفاد ذلك قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ [النساء: 77]. الثاني: أنه ليس في الآية ما يفيد أن الصحابة -رضي الله عنهم- كلفوا بنصرة نبيهم بمكة فتخلوا عنه حتى تكون عتاباً، أما قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ﴾ فهو إخبار عن مستقبل، وقد قام الصحابة بذلك خير قيام وفدوه بالنفس والمال، ويكفي شاهدًا على ذلك أنه لم == يتخلف عنه في غزوة تبوك من المؤمنين الصادقين الذين لا عذر لهم سوى بضعة نفر على الرغم من بعد الشقة وحرج الموقف. الثالث: أن هناك من أصحاب رسول الله -ﷺ- من شارك أبا بكر في نصرة النبي -ﷺ- أيام هجرته منهم علي بن أبي طالب الذي نام في فراش النبي -ﷺ- وتسجى ببردته، وعرض نفسه للخطر، وعبد الله بن أبي بكر الذي كان يتحسس أخبار المشركين ثم يخبر بها النبي -ﷺ- وصاحبه، وكذلك بنتا أبي بكر اللتان جهزتا الراحلتين، وعامر ابن فهيرة الذي كان يرعى حولهما الغنم فيشربان من لبنها. انظر: "صحيح البخاري" (3905) كتاب: المناقب، باب: هجرة النبي -ﷺ-، و"مسند الإمام أحمد" 1/ 331.]]، قال ابن عباس: والجمع في قوله: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ هو وأبو بكر [[في (ي): (هو أبو بكر)، والصواب ما أثبته وهو موافق لما في "الوسيط" 2/ 497، ولم ينسبه فيه لأحد، وانظر: قول ابن عباس في "تنوير المقباس" ص 193 بنحوه.]]، ويقال: فلان ثاني اثنين أي هو أحدهما مضاف، ولا يقال: هو ثان اثنين بالتنوين، وقد مرّ تفسيره مشبعًا في قوله: ﴿ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: 73] [[انظر النسخة (ج) 2/ 65 أوقد قال هنا: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾. قال الفراء: ثالث ثلاثة لا يكون إلا مضافًا ولا يجوز التنوين في (ثالث) فينصب الثلاثة، وكذلك قوله: (ثانى اثنين) لا يكون (اثنين) إلا مضافًا؛ لأن المعنى مذهب اسم، كأنك قلت: واحد من اثنين، وواحد من ثلاثة، ولو قلت أنت: ثالث اثنين، جاز الإضافة وجاز التنوين ونصب الاثنين ... إلخ.]]، وقال صاحب النظم: (ثاني اثنين) أي: أحد اثنين ولو ذهب فيه مذهب الفعل كما تقول: كان واحداً فثنيته أي صيرته اثنين بنفسي لقيل: (ثاني واحد)، وكذلك قوله: (ثالث ثلاثة) أي: أحد ثلاثة، ولو ذهب به مذهب الفعل لقيل: (ثالث اثنين). وقوله تعالى: ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾، الغار: نقب في الجبل عظيم، قال قتادة: هو غار في جبل بمكة يقال له: ثور [[رواه ابن جرير10/ 136، وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 435.]]، قال مجاهد: مكثا في الغار ثلاثًا [[رواه ابن جرير 10/ 136، والثعلبي 6/ 109 ب، وابن أبي شيبة كما في "الدر المنثور" 3/ 436.]]، وقال عروة بن الزبير: وكان عامر بن فهيرة [[هو: عامر بن فهيرة التيمي مولاهم، يقال: إن أصله من الأزد، أو من عنز بن وائل، استرق في الجاهلية فاشتراه أبو بكر الصديق، ثم أعتقه، وهو من السابقين إلى الإسلام وممن كان يعذب في الله، وقد هاجر وشهد بدرًا وأحدًا واستشهد يوم بئر معونة سنة 4 هـ. انظر: "سيرة ابن هشام" 1/ 272، و"الإصابة" 2/ 256 (4415)، و"تهذيب التهذيب" 2/ 270.]] يروح عليهما بغنم لأبي بكر [[رواه ابن جرير 10/ 136، والثعلبي 6/ 109 ب، وقد رواه موصولاً عن عروة عن عائشة الإمام البخاري (3905) في "صحيحه"، كتاب: المناقب، باب: هجرة النبي -ﷺ- ضمن حديث الهجرة الطويل.]]، وقال قتادة: كان عبد الرحمن بن أبي بكر [[هو: عبد الرحمن بن أبي بكر عبد الله بن أبي قحافة عثمان القرشي التيمي، أبو محمد، أكبر ولد أبي بكر الصديق، تأخر إسلامه إلى أيام صلح الحديبية ثم أسلم وحسن إسلامه، كان رجلاً صالحًا شجاعًا راميًا لم يجرب عليه كذبة قط، توفي فجأة قرب مكة سنة 58 هـ. انظر: "المعارف" ص 102، و"الإصابة" 2/ 392 (2588). وانظر التعليق التالي.]] يختلف إليهما [[الثابت في "صحيح البخاري" (3905)، كتاب: المناقب، باب: هجرة النبي ﷺ أن الذي كان يختلف إليهما عبد الله بن أبي بكر، وهو الصواب، وقد أسلم قديمًا مع آل أبي بكر، أما أخوه عبد الرحمن فقد تأخر إسلامه، كما مر في ترجمته.]]، فلما أراد رسول الله -ﷺ- الخروج جاءهما بناقتين [[في "صحيح البخاري" في الموضع السابق، حديث الهجرة الطويل وفيه: واستأجر رسول الله -ﷺ- وأبو بكر رجلاً من بني الديل .. أمناه فدفعا إليه راحلتيهما ووعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما.]] [[رواه الثعلبي 6/ 109 ب.]]. وقوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ﴾ خطب أبو بكر -رضي الله عنه-، فقال: أيكم يقرأ سورة التوبة؟ فقال رجل: أنا، [قال: اقرأ] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]] فلما بلغ: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ﴾ بكى أبو بكر، وقال: أنا صاحبه [[رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 6/ 1800.]]، قال المفسرون: وهذه الصحبة كانت بأمر الله؛ لأن جبريل لما أمر رسول الله -ﷺ- بالخروج قال: "ومن يخرج معي؟ " قال: أبو بكر [[في (ج): تكررت جملة: (قال: أبو بكر).]] [[ذكره الزمخشري في "الكشاف" 2/ 190 بصيغة التمريض، وذكره الزيلعي في "تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف" 3/ 75 ولم يذكر من أخرجه.]]، قال الحسين ابن الفضل: من أنكر أن يكون عمر أو عثمان أو أحد [[في (ج): (واحد)، وما أثبته موافق لما في "الوسيط".]] من الصحابة كان صاحب رسول الله -ﷺ- فهو كذاب مبتدع، ومن أنكر أن يكون [[ساقط من (ي).]] أبو بكر صاحب رسول الله -ﷺ- كان كافرًا؛ لأنه رد نص القرآن [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 49، و"الوسيط" 2/ 99.]]. وقوله تعالى: ﴿لَا تَحْزَنْ﴾، قال ابن عباس: خرج رسول الله -ﷺ- وأبو بكر معه إلى الغار ليلاً، وأصبح المشركون يطلبونهما فاقتصوا الأثر إلى الغار، فحزن أبو بكر، وقال: أتينا يا رسول الله، فقال: "اللهم أعم أبصارهم" فعميت أبصارهم، وجعلوا يضربون يمينًا وشمالاً حول الغار [[أخرجه ابن عساكر كما في "الدر المنثور" 3/ 433 بنحوه، وذكر الثعلبي 6/ 109 ب قول الرسول ﷺ وما بعده، عن الزهري.]]. وقال المفسرون: قال أبو بكر لرسول الله ﷺ لما خاف [[في (ي): (ضاق).]] الطلب: يا رسول الله: إن قتلتُ فأنا رجل واحد، وإن قتلت هلكت الأمة، وكان حزنه شفقة [[في (ج): (شفقته)، والصواب ما أثبته بدلالة السياق.]] على رسول الله -ﷺ-، وخوفًا أن يُطِّلَع عليه [[في هذا أبلغ الرد على الرافضة الذين ينتقصون أبا بكر بحزنه المذكور، وانظر تفصيل ذلك في: "أحكام القرآن" لابن العربي 2/ 953.]]، فقال رسول الله -ﷺ-: "لا تحزن إن الله معنا" [[انظر: "تفسير الثعلبي" 6/ 109 أ، والبغوي 4/ 49.]]، قال الزجاج: لما أصبح المشركون اجتازوا بالغار فبكى أبو بكر، فقال رسول الله -ﷺ- "ما يبكيك؟ " فقال: أخاف أن تقتل فلا يعبد الله بعد اليوم، فقال له رسول الله -ﷺ: "لا تحزن إن الله معنا" أي إن الله -عز وجل- يمنعهم منا وينصرنا، قال: أهكذا يا رسول الله؟ قال: "نعم" فرقأ دمع أبي بكر وسكن [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 448، وقد روى الأثر بمعناه مختصرًا ابن أبي حاتم في "تفسيره" 6/ 1798 - 1799 ولفظه: فقلت: هذا الطلب قد لحقنا يا رسول الله وبكيت، فقال: "ما يبكيك؟ " فقلت: أما والله ما على نفسي أبكي، ولكن أبكي عليك. لكن هذا في مسيرهما إلى المدينة وليس في الغار.]]، وقال أبو بكر: قلتُ للنبي ﷺ ونحن في الغار: لو [أن واحداً] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]] نظر إلى قدميه لأبصرنا، فقال: "يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما" [[رواه بنحوه البخاري (4381) كتاب التفسير، باب قوله ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾، ومسلم (2381) كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل أبي بكر الصديق.]] فهذا معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾. وقوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ اختلفوا في رجوع الكناية من (عليه)، فقال أبو روق: على النبي -ﷺ- [[لم أجد من ذكره عنه، وقد رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 6/ 1801 عن حبيب بن أبي ثابت، وذكره ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 440 عنه وعن علي وابن عباس.]]، قال الزجاج: لأن الله ألقى في قلبه ما سكن به وعلم أنهم غير واصلين إليه [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 449، وهذا أولى لأن في القول الثاني تفكيك للضمائر.]]، وقال ابن عباس: على أبي بكر، فأما النبي -ﷺ- فكانت [[في (ج): (كانت).]] السكينة عليه من [[ساقط من (ج).]] قبل ذلك [[رواه ابن أبي حاتم 6/ 1801، والثعلبي 6/ 110 ب، وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في "الدلائل" وابن عساكر في "تاريخه" كما في "الدر المنثور" 3/ 439.]]، قال أهل المعاني: وهذا أولى لأنه الخائف الذي احتاج إلى الأمن، والنبي ﷺ كان آمناً؛ لأنه كان قد وعد بالنصر، فكان ساكن القلب [[ذكره بمعناه ابن قتيبة في "غريب القرآن" 2/ 12، والنحاس في "معاني القرآن الكريم" 3/ 210، وفي "إعراب القرآن" 2/ 215.]]، وقال عطاء، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ يريد: رحمته على نبيه وعلى صاحبه [[ذكره مختصرًا الماوردي في "النكت" 2/ 364، وأبو حيان في "البحر المحيط" 5/ 43.]]، وعلى هذا: الكناية راجعة إليهما، وهو مذهب المبرد، قال: ويجوز أن تكون عليهما فاكتفى بذكر أحدهما كقوله: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: 62] [[لم أجده في كتب المبرد التي بين يدي.]]. وذكر ابن الأنباري هذه الأقوال في رجوع الكناية، ونصر مذهب المبرد، وقال: التقدير: فأنزل الله سكينته عليهما وأيدهما، فاكتفى بإعادة الذكر على أحدهما من إعادته عليهما جميعًا كما قال: {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ} [التوبة: 62] الآية، وكما قال: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: 11] [[ذكر قول ابن الأنباري باختصار ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 441 ولم أجده في كتبه المطبوعة.]]. وقوله تعالى: ﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾، قال ابن عباس: يريد: وقواه بجنود لم تروها [["الوسيط" 2/ 449، وبمعناه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 193.]]، يريد: الملائكة يدعون الله له [[هذا التخصيص لا دليل عليه، وليس في سياق الرواية ما يشعر به.]]، وقال الزجاج: أيده بملائكة يصرفون وجوه الكفار وأبصارهم عن أن يروه [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 449.]]، وقال غيره: يعني ما كان من تقوية الملائكة لقلبه بالبشارة بالنصر من ربه، ومن إلقاء اليأس في قلوب المشركين حتى انصرفوا خائبين [[ذكر معنى هذا القول مختصرا ابن عطية في "تفسيره" 6/ 500.]]، وهذه الأقوال على أن هذا التأييد بالملائكة كان في الغار، والكلام في الكناية في قوله: (وأيده) كالكلام في الكناية في (عليه) غير أنه لا يجوز أن تكون الهاء في (وأيده) عائدة على أبي بكر خاصة؛ لأن المؤيد بالجنود هو رسول الله ﷺ، والاختيار أن تكون الكناية الأولى راجعة على أبي بكر، والثانية راجعة على النبي -ﷺ-. وقال الكلبي: وأيده بجنود لم تروها أي: قواه وأعانه بالملائكة يوم بدر [[رواه البغوي في "تفسيره" 4/ 53، وانظر: "الوسيط" 2/ 449.]]، ونحو هذا قال مجاهد، قال: ذكر الله ما كان في أول شأنه [[رواه ابن جرير 10/ 136، وابن أبي حاتم 6/ 1801، وعزاه إلى السدي، وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" ولفظه عندهم: قال: ذكر== ما كان في أول شأنه حين بعث يقول الله: فأنا فاعل ذلك به وناصره كما نصرته إذ ذاك وهو ثاني اثنين، وهو في "تفسير مجاهد" 369 بلفظ: قال: ذكر ما كان من أول شأنه حين أخرجوه، فالله ناصره كما نصره وهو ثاني اثنين.]]، ومعنى قول الكلبي: أن الله تعالى أخبر أنه صرف عنه كيد أعدائه ثم أظهر نصره بالملائكة يوم بدر، ومعنى قول مجاهد: أن هذه السورة من آخر ما نزل في القرآن، ويوم بدر كان في حدثان قدوم النبي -ﷺ-المدينة، فذكر في هذه السورة [[في (ي): (تكرار لبعض ما سبق ذكره، ولفظ الزيادة: من آخر ما نزل في القرآن، وذكر في هذه السورة.]] ما كان من نصره إياه في أول شأنه وهو يوم بدر [[هذا معنى قول مجاهد عند المؤلف، والمتأمل في لفظي قول مجاهد -وقد سبق ذكرهما في التعليق الأسبق- يظهر له أن معناه: لقد ذكر الله تعالى نصرته لعبده في أول شأنه حين بعث إذ كان ثاني اثنين في الغار، فالله ناصره بعد ذلك كما نصره في تلك الحادثة.]]. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾. قال ابن عباس: (السفلى) كلمة [[في (ج): (كلمة السفلى: الشرك).]] الشرك، و (العليا) لا إله إلا الله [[رواه ابن جرير 10/ 137، وابن أبي حا تم 6/ 1801، والثعلبي 110/ 6 ب، والبيهقي في كتاب: "الأسماء والصفات"، باب: ما جاء في فضل الكلمة الباقية .. 1/ 184 وهو من رواية علي بن أبي طلحة، ولفظ: "وكان هذا يوم بدر" ليس من كلام ابن عباس حسب المصادر السابقة.]]، وكان هذا يوم بدر، وهذا قول مقاتل [[انظر: "تفسيره" 29 أ.]]، واختيار الفراء [[انظر: "معاني القرآن" 1/ 438، ولم يذكر الفراء أن ذلك كان يوم بدر.]]، وقال عطاء عن ابن عباس: يريد ما كادوا به النبي -ﷺ- ومكروا جعله في ضلالة وندامة ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ﴾: يريد: موعد الله ومكره هو الأعلى [[ذكره مختصرًا ابن الجوزي في "الزاد" 3/ 441، وأبو حيان في "البحر" 5/ 44، وأشار إليه المصنف في "الوسيط" 2/ 499.]]، وهذا اختيار ابن كيسان، قال: ﴿كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: ما قدروا بينهم في الكيد به ليقتلوه فلم ينالوا أملهم، ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ﴾: وعد الله أنه ناصره هو الحق [[هكذا في جميع النسخ، ولعل الصواب: وهو الحق.]] [["الوسيط" 2/ 449 دون جملة: هو الحق.]]. والاختيار في قوله: ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ﴾ هو الرفع [[على الابتداء و (هي) الخبر، أو تكون فصلاً والخبر (العليا).]]، وهو قراءة العامة [[قرأ بها العشرة غير يعقوب، انظر: "الغاية في القراءات العشر" ص 165، و"تقريب النشر" ص 120، و"إتحاف فضلاء البشر" ص 242، وهذه القراءة أبلغ لأن الجملة الاسمية تدل على الدوام والثبوت بخلاف الجملة الفعلية التي تدل على الحدوث والتجدد، ولأن كلمة الله في ذاتها عالية ثابتة فلا حاجة إلى جعلها كذلك.]] على الائتناف من غير در الفعل الذي هو (جعل)، قال الفراء: ويجوز: ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ﴾ بالنصب [[وقرأ بها يعقوب والحسن والأعمش في رواية المطوعي. انظر: "إتحاف فضلاء البشر" ص 242 عطفًا على (كلمة الذين كفروا)، والمعنى: وجعل كلمة الذين كفروا، وجعل كلمة الله هي العليا.]] ولست أستحب ذلك لظهور اسم الله؛ لأنه لو نصبها والفعل فعله كان أجود الكلام أن يقال: وكلمته هي العليا، ألا ترى أنك تقول: قد أعتق أبوك غلامه، ولا تكاد تقول: أعتق أبوك غلام أبيك، وقال الشاعر في إجازة ذلك: متى تأتي زيدًا قاعدًا عند حوضه ..... لتهدم ظلمًا حوض زيد تقارع [[لم أهتد إلى قائله. وانظر البيت بلا نسبة في: "شرح أبيات معاني القرآن" ص 214.]] فذكر زيدًا مرتين ولم يكن عنه في الثانية، والكناية وجه الكلام [["معاني القرآن" 1/ 438 وقد رد النحاس قول الفراء هذا فقال: قرأ الحسن ويعقوب (وكلمةَ الله) بالنصب عطفًا على الأول، وزعم الفراء أن هذا بعيد؛ قال: لأنك تقول: أعتق فلان غلام أبيه، ولا تقول: غلام أبي فلان. قال أبو جعفر: الذي ذكره الفراء لا يشبه الآية، ولكن يشبهها ما أنشده سيبوبه: لا أرى الموت يسبق الموت شيء ..... نغص الموت ذا الغنى والفقيرا وهذا جيد حسن؛ لأنه لا إشكال فيه، بل يقول النحويون الحذاق: إن في إعادة الذكر في مثل هذا فائدة وهي أن فيه معنى التعظيم، قال الله عز وجل: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: 1 - 2] فهذا لا إشكال فيه. "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 752.]]. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، قال ابن عباس: عزيز في ملكه، حكيم في خلقه [[لم أعثر على مصدره.]]. وقال ابن كيسان: عزيز في انتقامه من أهل الكفر، حكيم في تدبيره خلقه [[لم أعثر على مصدر هذا القول، وقد ذكره ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 442، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 499 من غير نسبة.]].

التوبة 9:41

قوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ الآية، اختلفوا في تفسير الخفاف والثقال، فقال ابن عباس في رواية عطاء: شبانا وكهولاً [[ذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 6/ 1802 بغير سند وبصيغة التمريض.]]، وهو قول أنس والضحاك ومجاهد وقتادة وعكرمة وشمر بن عطية [[هو: شمر بن عطية بن عبد الرحمن الأسدي الكاهلي الكوفي، راوٍ صدوق، له أحاديث صالحة، وثقه النسائي وابن معين وغيرهما، توفي بعد سنة 100 هـ. انظر: "الكاشف" 1/ 490، و"تقريب التهذيب" 2681 (2821)، و"تهذيب التهذيب" 2/ 179.]]، ومقاتل بن حيان والحسن، هؤلاء قالوا: شبانًا وشيوخًا، وشبانا وشيبًا [[ذكره عنهم جميعًا الثعلبي 6/ 110 ب، وكذلك -عدا أنس- الإمام ابن جرير 10/ 138، وابن أبي حاتم 6/ 1802. والجدير بالتنبيه أن في تفسير ابن جرير: بثمر بن عطية، وذكر المحقق أن في اسمه اضطرابًا ولم يهتد للصواب، والصواب: شمر بن عطية،، كما ذكره الواحدي وابن أبي حاتم والثعلبي، فليصحح.]]، وروى عطاء عنه أيضًا: (رجّالة وركبانا) [[ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 442، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 449.]] وهو قول عطية [[ذكره الثعلبي 6/ 111 أ، والبغوي 4/ 53.]]، وروى طاوس عنه: نشاطًا وغير نشاط [[رواه ابن جرير 10/ 139، من وراية العوفي وكذلك ابن أبي حاتم 3/ 1803، وذكره الثعلبي 6/ 111 أدون ذكر الراوي عنه.]]، وروي عنه أيضًا: ﴿خِفَافًا﴾ أهل الميسرة من المال، ﴿وَثِقَالًا﴾: أهل العسرة [[ذكره البغوي 4/ 53 بصيغة التمريض، وكذلك ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 442، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 499.]]، وهو اختيار الزجاج، قال: موسرين ومعسرين [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 499.]]. وعلى العكس من هذا قال أبو صالح: ﴿خِفَافًا﴾ من المال، أي فقراء، ﴿وَثِقَالًا﴾ منه، أي أغنياء [[رواه الثعلبي 6/ 111 أ، وبنحوه ابن جرير 10/ 139، والبغوي 4/ 53.]]، وهو اختيار الفراء قال: "الخفاف: ذوو العسرة وقلة العيال، والثقال: ذوو العيال والميسرة [["معاني القرآن" 1/ 439.]] ". قال أهل المعاني: الأولى أن يقال: هذا عام في كل حال، وفي كل أحد؛ لأنه ما من أحد إلا وهو ممن تخف عليه الحركة أو تثقل، فهو ممن أمر في هذه الآية بالنفير [[ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 499، وبمعناه النحاس في "معاني القرآن الكريم" 3/ 212.]] ألا ترى إلى [[في (ج): (أن).]] ما روي عن أبي أيوب الأنصاري أنه شهد بدرًا ثم لم يتخلف عن غزوة للمسلمين [[بل ذكرت المصادر التالية أن أبا أيوب -رضي الله عنه- تخلف عامًا واحداً، وذكر بعضها أنه ندم على ذلك.]]، وكان يقول: قال الله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ ولا أجدني إلا خفيفًا أو ثقيلاً [[رواه ابن جرير 14/ 138، والحاكم في "المستدرك"، كتاب "معرفة الصحابة" 3/ 458، وابن سعد في "الطبقات" 3/ 2/49.]]، وقيل للمقداد بن الأسود، وهو يريد الغزو وكان قد كبر وأسن: قد أعذر الله إليك، يعني: في القعود عن [[في (ج): (في).]] الغزو، فقال: أبت علينا سورة براءة ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [[رواه ابن جرير 10/ 139 - 140، والحاكم في "المستدرك" كتاب: معرفة الصحابة 3/ 349، وقال: صحيح الإسناد، وابن أبي حاتم 6/ 1802.]] وروي أيضًا أن أبا طلحة [[هو: زيد بن سهل بن الأسود النجاري الخزرجي، أبو طلحة الأنصاري صاحب رسول الله -ﷺ- ومن بني أخواله، وأحد أعيان البدريين، واحد النقباء الاثني عشر ليلة العقبة، توفي سنة 34 هـ. انظر: "المعارف" 154، و"سير أعلام النبلاء" 2/ 27، و"الإصابة" 1/ 566.]] قرأ هذه الآية فقال لبنيه: جهزوني جهزوني، فقالوا: لقد غزوت مع النبي -ﷺ- ومع أبي بكر وعمر حتى ماتوا فنحن نغزو عنك، فقال: لا، جهزوني جهزوني [[ساقط من (ج) و (م).]]، ما أرى الله إلا يستنفرنا شبانا وشيوخًا [[رواه الحاكم في "المستدرك"، كتاب: معرفة الصحابة، ذكر مناقب أبي طلحة == 3/ 353، وابن حبان في "صحيحه" (الإحسان) كتاب: المناقب، ذكر الموضع الذي مات فيه أبو طلحة، رقم (7184) 16/ 512، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 6/ 1802، وصححه الحاكم، وقال: على شرط مسلم، وقال الذهبي: على شرط الشيخين.]]. وهذه الآية مما دل بظاهره على وجوب [[في (ج): (وجود)، وهو خطأ.]] الجهاد بكل حال، قال عطاء الخراسانى عن ابن عباس في هذه الآية: نسختها ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: 122] [[رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 6/ 1803، والبغوي في "تفسيره" 4/ 54 بغير سند، والبيهقي في "السنن الكبرى"، كتاب: السير، باب: النفير .. رقم (17938) 9/ 81 وفي سنده عثمان بن عطاء الخرساني، قال الحافظ ابن حجر في "تقريب التهذيب" 385 (4502): (ضعيف. اهـ. وفيه علة أخرى وهي الإرسال؛ فإن عطاء الخرساني لم يسمع من ابن عباس كما في "العبر" 1/ 140، و"تهذيب التهذيب" 3/ 71، 72، وقد سبق بيان التحقيق في نسخ هذه الآية عند قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ﴾.]] الآية، وقد ذكرنا في سورة البقرة أن الجهاد كان واجبًا على الأعيان، وهل ذلك يجب [[في (ي): (وهل يجب ذلك).]] اليوم كما كان يجب؟ ذكرنا الاختلاف فيه في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:216] [[انظر: "النسخة الأزهرية" 1/ 131 أوقد قال في هذا الموضع: اختلف العلماء في حكم هذه الآية، فمذهب عطاء أن المعني بهذا أصحاب رسول الله -ﷺ- خاصة دون غيرهم؛ لأنه قال: كان القتال مع النبي -ﷺ- فريضة .. وقال بعضهم: كان الجهاد في الابتداء من فرائض الأعيان، ثم صار فرض كفاية، لقوله عز وجل ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ ولو كان القاعد مضيعًا فرضًا ما كان موعوداً بالحسنى، وقال بعضهم: لم يزل الجهاد فرض كفاية، غير أن رسول الله -ﷺ- كان إذا استنفرهم تعين عليهم النفير، لوجوب طاعته، .. والإجماع اليوم على أنه من فروض الكفاية، إلا أن ==أن يدخل المشركون ديار المسلمين فإنه يتعين على كافة المسلمين إلى أن يقوم بكفايتهم من يصرف وجوههم.]]. وقوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، قال أهل العلم: هذا يدل على أن الموسر يجب عليه الجهاد بالمال إذا عجز عن الجهاد ببدنه لزمانة [[الزمانة: العاهة والبلوى، انظر: "القاموس المحيط"، فصل الزاي، باب: النون ص 1203، و"مختار الصحاح" (ز م ن) ص 275.]] أو علة، فوجوب الجهاد بالمال كوجوب الجهاد بالبدن على الكفاية [[انظر: "تفسير ابن الجوزي" 3/ 443، والرازي 16/ 70 - 71، والخازن 2/ 228، و"حاشية الروض المربع" 4/ 256، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: والعاجز عن الجهاد بنفسه يجب عليه الجهاد بماله في أصح قولي العلماء .. فإن الله أمر بالجهاد بالمال والنفس في غير موضع من القرآن، و"مجموع فتاوى شيخ الإسلام" 28/ 87.]]، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ قيل: ذلكم خير لكم من التثاقل إلى الأرض إذا استنفرتم [[هذا قول ابن جرير، انظر "تفسيره" 10/ 140.]]، وقيل: معناه: أن الخير فيه لا في تركه [[ذكر هذا القول الماوردي في "النكت والعيون" 2/ 366، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 444.]]، فـ (خير) هاهنا ليس بالذي يصحبه (من)، وليس للتفضيل؛ لأن (خيرًا) [[في (ج): (ص).]] تستعمل بمعنيين: أحدهما [[في (ج): (أحد).]] بمعنى: هذا خير من ذاك، والثاني أنه بمعنى: خير في نفسه، كقوله: ﴿إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: 24]: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ﴾ [العاديات: 8] ومثله كثير. وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: قال ابن عباس: إن كنتم تعلمون ما لكم من الثواب [[لم أجد من ذكره سوى المؤلف في "الوجيز" 1/ 465.]] والجزاء، وقيل: [إن كنتم] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ج).]] تعلمون الخير في الجملة فاعلموا أن هذا خير [[لم أهتد إلى القائل.]].

التوبة 9:42

وقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا﴾ الآية، قال المفسرون: نزلت هذه الآية في المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك [[انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 141، والثعلبي 6/ 111 ب، والبغوي 4/ 54، وابن الجوزي 3/ 444، و"أسباب النزول" للمؤلف ص 251.]]، قال الكلبي: لما رجع رسول الله -ﷺ- من تبوك أبدى الله نفاقهم، وأنزل هذه الآية [[ذكره بمعناه الهواري في "تفسيره" 2/ 134.]]، قال الزجاج والمبرد وغيرهما: لو كان ما دعوا إليه أو [[في (ج): (و).]] لو كان المدعو إليه سفرًا قاصدًا، فحذف اسم (كان) لدلالة ما تقدم من الكلام عليه [[انظر: قول الزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 449، وانظر أيضًا: "تفسير الطبري" 10/ 141، والثعلبي 6/ 111 ب، والبغوي 4/ 54، وابن الجوزي 3/ 444، وأبي حيان 5/ 45، ولم أجد مصدر قول المبرد، ولعله في كتابه "معاني القرآن" الذي لم أعثر عليه.]] و ﴿عَرَضًا قَرِيبًا﴾ يريد: من عرض الدنيا، قاله ابن عباس [[رواه بمعناه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 6/ 1804، والفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 194.]]، وقال الضحاك: غنيمة قريبة [[لم أجد من ذكره عنه، وقد رواه ابن أبي حاتم في المصدر السابق، نفس الموضع عن الضحاك عن ابن عباس.]]. وقال الكلبي: مالاً قريبًا [[ذكره الهواري في "تفسيره" 1/ 134 بنحوه.]]، ومضى الكلام في العرض عند قوله: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾ [الأعراف: 169]. وقوله تعالى: ﴿وَسَفَرًا قَاصِدًا﴾، قال الليث: القصد [[ساقط من (ج).]]: استقامة الطريقة يقال: قصد يقصد قصدًا فهو قاصد [["تهذيب اللغة" (قصد) 3/ 2971، والنص في كتاب: "العين" (قصد) 5/ 54.]]، قال ابن عباس: سفرًا قاصدًا يريد: قريبًا [["تنوير المقباس" 194 بمعناه.]]، وقال الكلبي: هينا [[ذكره الهواري في "تفسيره" 2/ 134.]]، وقال الزجاج: أي سهلاً قريبًا [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 449.]]، وقال أهل المعاني: وسفرًا قاصدًا سهلاً باقتصاده من غير طول في أمره، وإنما قيل للعدل قصد لأنه مما ينبغي أن يقصد [[ذكر نحو هذا القول الرازي في "تفسيره" 16/ 72، ولم أجد من ذكره من أهل المعاني.]]، وقال المبرد: قاصدًا: ذا قصد، أي ذا اعتدال في غير طول، أو ذا لين وسهولة واستقامة، كقولهم: لابن [[لابن: أي ذو لبن. انظر: "لسان العرب" (لبن) 7/ 3989، (رمح) 3/ 1724.]] ورامح [[رامح: أي ذو رمح. انظر: المصدر السابق (رمح) 3/ 1724.]] وتامر [[الكلمة ساقطة من (ي)، ومعناها: ذو تمر. انظر: الممدر السابق، نفس الموضعين.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾، قال الليث: الشقة: بعد مسير إلى أرض بعيدة، يقال: شقة شاقة [["تهذيب اللغة" (شق) 2/ 1906، والنص في كتاب: "العين" (شق) 5/ 7 دون قوله: يقال .. إلخ.]]، قال الضحاك: {بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ}: المسافة [[لم أعثر على من خرجه، وقد رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 6/ 1804 عن الضحاك عن ابن عباس بلفظ: المسيرة.]]، وقال الكلبي: يعني السفر إلى الشام [[ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 500.]]، وقال الزجاج: بعدت عليهم الغاية التي تقصدها [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 450.]]، ونحوه قال ابن كيسان [[انظر قوله في "تفسير الثعلبي" 6/ 111 ب.]]، وقال قطرب: الشقة: السفر البعيد؛ لأنه يشق على الإنسان [[انظر قوله في المصدر السابق، نفس الموضع.]]، وقال غيره: الشقة: القطعة من الأرض التي يشق ركوبها على صاحبها [[هذا قول علي بن عيسى الرماني. انظر: "البحر المحيط" 5/ 45.]]. وقوله تعالى: ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾، قال الكلبي: يعني: لو قدرنا وكان لنا سعة في المال [[لم أجد من ذكره عنه، وقد ذكره من غير نسبة المؤلف في "الوسيط" 2/ 500، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 444، والماوردي في "النكت والعيون" 2/ 367.]]، قال أهل المعاني: وفي هذا دلالة على نبوة محمد ﷺ لأنه أخبر أنهم سيحلفون، ثم جاءوا فحلفوا كما أخبر أنه سيكون منهم [[القول للحوفي في كتابه "البرهان" 11/ 185 أ، وانظر: "الكشاف" 2/ 191، و"مفاتيح الغيب" 16/ 75.]]. وقوله تعالى: ﴿يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾، قال ابن عباس: بالكذب والنفاق [[ذكره الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 194 بلفظ: بالحلف الكاذبة.]]، وقوله [[من (م).]]: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، قال قتادة: لأنهم كانوا يستطيعون الخروج ولكن كانت تبطئة من عند أنفسهم زهادة في الخير [[رواه ابن جرير 10/ 141، وعبد بن حميد وابن المنذر كما في "الدر المنثور" 3/ 441.]]، وقال الحسن: لكاذبون: أي مستطيعون [[في (ي): (مستطيعين).]] للخروج [[ساقط من (ج).]] [[لم أقف عليه.]]، وقال مجاهد: أي ذلك الذي قالوا بألسنتهم مخالف لما في قلوبهم [[لم أعثر عليه في المصادر التي بين يدي.]]. فإن قيل: أليس عندكم لو استطاعوا لخرجوا وإذ [[في (ج): (فإذا).]] لم يخرجوا فلأنهم لم يستطيعوا، والله تعالى قد كذبهم في قولهم [[في (ج) و (ي): (قوله)، وهو خطأ.]] لم نستطيع، فبان أنهم استطاعوا ولم يخرجوا؟ [[ذكر الرازي أن ممن اعترض هذا الاعتراض أبا على الجبائي والكعبي. انظر: "تفسير الفخر الرازي" 16/ 72 - 73.]] قلنا: الاستطاعة ههنا معناه: الزاد والسلاح والمركوب وكانوا مياسير ذوي عدة فاستطاعتهم كان بالعدة وكُذّبوا في قولهم: لم نستطع [[يشير المؤلف -رحمه الله- إلى خلاف محتدم بين المعتزلة والأشاعرة في باب الاستطاعة والقدرة، وفي المسألة عدة أقوال أبرزها: الأول: قول المعتزلة، وهو أن الاستطاعة قبل الفعل، يقول عبد الجبار الهمداني: وجملة ذلك أن من مذهبنا أن القدرة متقدمة لمقدورها، وعند المجبرة أنها مقارنة له. "شرح الأصول الخمسة" ص 398، وانظر أيضًا: "مقالات الإسلاميين" 1/ 300، و"الفرق بين الفرق" ص 137، و"شرح العقيدة الطحاوية" 2/ 633. الثاني: قول الأشاعرة ومن وافقهم، وهو أن الاستطاعة تكون مع الفعل، ولا يجوز أن تتقدمه البتة، يقول الجويني في "الإرشاد" ص 219. والدليل على أن الحادث == مقدور، وأن الاستطاعة تقارن الفعل، أن نقول: القدرة من الصفات المتعلقة، ويستحيل تقديرها دون متعلق لها، فإن فرضنا قدرة متقدمة، وفرضنا مقدوراً بعدها في حالتين متعاقبتين فلا يتقرر على أصول المعتزلة تعلق القدرة بالمقدور، فإنا إذا نظرنا إلى الحالة الثانية فلا تعلق للقدرة فيها، فإذا لم يتحقق في الحالة الأولى إمكان، ولم يتقرر في الحالة الثانية اقتدار، فلا يبقى لتعلق القدرة معنى. أهـ. وانظر أيضًا: "غاية المرام من علوم الكلام" ص 245، و"شرح العقيدة الطحاوية" 2/ 633. الثالث: قول عامة أهل السنة ومحققي المتكلمين، وهو أن الاستطاعة قسمان: أ- استطاعة للعبد بمعنى الصحة والوسع، وسلامة الآلات والتمكن وانتفاء الموانع، فهذه قد تتقدم الفعل، وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97]، وكذا في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: 4]، فالمراد من الاستطاعة في الآيتين استطاعة الأسباب والآلات وانتفاء المانع. ب- استطاعة للعبد تكون موجبة للفعل، محققة له، فيها يتحقق وجوده، ويظهر كيانه، وهذه الاستطاعة مقارنة للفعل لا تتقدمه. انظر: "مجموع فتاوى شيخ الإسلام" 8/ 372، و"شرح العقيدة الطحاوية" 2/ 633.]].

التوبة 9:43

وقوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾، قال المفسرون: أذن رسول الله -ﷺ- لطائفة في التخلف عنه فأنزل الله هذه الآية [[انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 142، وابن أبي حاتم 6/ 1805، والسمرقندي 2/ 53، وابن الجوزي 3/ 445.]]، قال الحسين بن الفضل: هذا من لطيف المعاتبة ولو لم يفتتح الخطاب بالعفو ما كان يقوم لقوله: ﴿لِمَ [[ساقط من (ج).]] أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ فطيب الله نفسه بتصدير العفو، وذلك أنه أذن لهم من غير مؤامرة [[يعني: من غير أمر الله له بذلك.]]، ولم [[ساقط من (ج).]] يكن [[في (ج): (لكن).]] له أن يمضي [[في (ج): (ينهي).]] شيئاً إلا بوحي [[لم أجد من ذكره عنه، وكتاب الحسين بن الفضل في معان القرآن مفقود.]]، قال قتادة وعمرو بن ميمون [[هو: عمرو بن ميمون الأودي، أبو عبد الله الكوفي، أسلم في حياة النبي -ﷺ- ولم يلقه، كان ثقة عابداً كثير الحج، وتوفي سنة 74 هـ. انظر: "الكاشف" 2/ 89، و"تهذيب التهذيب" /307 - 308.]]: اثنان فعلهما رسول -ﷺ- ولم يؤمر فيهما بشيء: إذنه للمنافقين، وأخذه الفداء من الأسارى، فعاتبه الله كما تسمعون [[انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 142، والثعلبي 6/ 111 ب، والبغوي 4/ 54، وابن الجوزي 3/ 445، والقرطبي 8/ 154.]] وقوله تعالى: ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾، قال ابن عباس: يريد في التخلف [["تنوير المقباس" 194 بنحوه.]]، قال أهل المعاني: وهذا يدل على أنه فعل ما لم يؤذن له فيه، لأنه لا يقال: لم فعلت: فيما أذن له في فعله [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 21.]]. وقوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ أي: حتى تعرف من له العذر منهم في تخلفه ومن لا عذر له، فيكون إذنك لمن أذنت له على عذر، وقال ابن عباس: وذلك أن رسول الله -ﷺ- لم يكن يعرف يومئذ المنافقين، وما عرفهم إلا بعدما نزلت [[في (ي): (بعد نزول).]] سورة [[ساقط من (ي).]] براءة [[ذكره بنحوه البغوي 4/ 55، وإبن الجوزي 3/ 445، والقرطبي 8/ 155، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 501.]]، وقال أهل المعاني: هذه الآية بيان عما توجبه العجلة في الأمر قبل التبين من التنبيه على ما ينبغي من التثبت حتى تظهر الحال فيعامل كل فريق بما يستحقه من التقريب أو الإبعاد [[ذكره الرازي بمعناه ولم ينسبه لأحد. انظر: "تفسيره" 16/ 73.]]، وذكر ابن الأنباري وغيره من أهل الحقائق في قوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ وجها آخر سوى ما ذكرنا، وهو أنه قال: لم يأت النبي -ﷺ- مأثمًا ولم يخاطب بالذي خوطب به لجرم أجرمه، لكن الله تعالى وقره [[في (ي): (وفقه)، وهو خطأ. وما أثبته موافق لـ"زاد المسير".]] ورفع من شأنه بافتتاح الكلام بالدعاء له [[ساقط من (ج).]] كما يقول الرجل لمخاطبه إذا كان كريمًا عنده: عفا الله عنك، ما صنعت في حاجتي؟ ورضي الله عنك، ألا زرتني؟ وعافاك الله، ألا عرفت حقي؟ فلا يقصد فيما يفتتح به من الدعاء إلا قصد التبجيل لمخاطبه والرفع لمحله [[ذكر أكثره ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 445 عن ابن الأنباري، واعتبره النحاس قولاً مرجوحًا في الآية. انظر: "إعراب القرآن" له 2/ 217، وحكاه القرطبي في "تفسيره" 8/ 154، عن مكي والمهدوي، وضعفه الشوكاني في "فتح القدير" 2/ 532، وقبله الكرماني في "غرائب القرآن" 1/ 455.]].

التوبة 9:44

وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية. قال ابن عباس: هذا تعيير للمنافقين حين استأذنوا في القعود عن الجهاد [[رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم 6/ 1806، والنحاس في "الناسخ والمنسوخ" 2/ 439.]]، [وقال الزجاج:] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]] أعلم الله نبيه أن علامة النفاق في ذلك الوقت الاستئذان [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 450، وبقية النص: في التخلف عن الجهاد.]]. وقوله تعالى: ﴿أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾، قال: موضع (أن) نصب، المعنى: لا يستأذنك هؤلاء في أن يجاهدوا [[ذكر النحاس في "إعراب القرآن" 2/ 21 هذا التقدير عن الزجاج ثم قال: قال غيره: هذا غلط، وإنما المعنى ضد هذا، ولكن التقدير: (إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر) في التخلف لئلا يجاهدوا، وحقيقته في العربية: كراهة أن يجاهدوا كما قال جل وعز: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: 176]. وانظر: "الكشاف" 2/ 192 وحاشيته، فقد جوّز الزمخشري ما ذهب إليه الزجاج، وزاده إيضاحًا ابن المنير، واعتبره أدباً إسلاميًا يجب أن يقتفى فلا يليق بالمرء أن يستأذن أخاه أن يسدي إليه معروفًا. وأقول: إن أسباب النزول وسياق الآيات لا سيما قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ يدل على ضعف هذا القول، فما كان الله ليعاتب نبيه على إذنه لهم بالجهاد، بل على إذنه بالتخلف عن الجهاد، وهذا يدل على أنهم استأذنوه القعود لا في الجهاد.]]، ولكن (في) حذفت فأفضى الفعل فنصب (أن) [[القول للزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 450.]]. قال سيبويه: ويجوز أن يكون موضعه [[في "معاني القرآن وإعرابه": موضعها.]] جرًا لأن حذفها هاهنا جاز من ظهور (أن) فلو أظهرت المصدر لم تحذف (في)، لا يجوز: لا يستأذنك القوم الجهاد [[في (ج): (أن يجاهدوا)، والصواب ما أثبته وهو موافق لـ"معاني القرآن وإعرابه".]] [حتى تقول: في الجهاد، ويجوز: لا يستأذنك القوم أن يجاهدوا] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ج).]] [[انظر قول سيبويه في "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 2/ 450 ولم أجده في مظانه في كتاب سيبويه، كما أن الأستاذين د/ محمد عبد الخالق عضيمة، وعبد السلام هارون لم يذكرا هذه الآية في فهرسيهما لكتاب سيبويه، وقد ذكر سيبويه النصب على نزع الخافض في عدة مواضع في كتابه منها: 1/ 38، 159، 3/ 127، 135، 137 ومن أقواله في كتابه 3/ 154: واعلم أن اللام ونحوها من حروف ==الجر قد تحذف من (أن) كما حذفت من (أنَّ)، جعلوها بمنزلة المصدر حين قلت: فعلت ذلك حذر الشر، أي لحذر الشر، ويكون مجرورًا على التفسير الآخر.]]. قال أصحاب الحقائق [[أهل الحقائق عند المؤلف هنا هم أهل المعاني كابن الأنباري كما بين ذلك من قبل.]]: ليست هذه الآية على ظاهرها؛ لأن ترك الاستئذان عن [[هكذا في جميع النسخ، والصواب: (من)، عبارة المؤلف في "الوسيط" 3/ 501: .. وإلا فالاستئذان من الإمام في القعود عن الجهاد غير مذموم.]] الإمام في الجهاد مذموم، وهؤلاء محمودون في هذه الآية بترك الاستئذان [[في (ي): (الإيذان).]]، وهاهنا إضمار وهو أحد شيئين: أحدهما: أن يكون التقدير: لا يستأذنك هؤلاء أن يجاهدوا فحذف (لا)، والثاني: لا يستأذنك هؤلاء كراهية أن يجاهدوا [[ذكر بعض هذا القول النحاس في "إعراب القرآن" 2/ 21، والرازي في "تفسيره" 16/ 76.]]، وقد ذكرنا نحو هذا في قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: 176] وفي غيره من المواضع، والذي دل على هذا المحذوف ذم المنافقين وسياق القصة، وهو قوله: ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ إنما كان ذلك إذنًا في القعود عن الجهاد لا في الجهاد، ويدل عليه أيضًا ما بعده من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ أي في القعود عن الجهاد. وقال صاحب النظم: ظاهر نظم [[ساقط من (ي).]] هذه الآية والتي بعدها يوهم أن الاستئذان في الجهاد مذموم، وهذا غير سائغ في المعنى؛ لأن الذم إنما وقع على من يستأذن في القعود عن الجهاد، فالتأويل: لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر في القعود عن الجهاد، فجاء هذا النظم على سبق العلم من الجميع إلى أنه [[في (ي): (لأنه).]] لا يقع الذم في مثل هذا إلا على من يستأذن [[في (ي): (يستأذنك).]] في ترك الجهاد والقعود عنه، ومثله قوله: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء:127] فهذا أيضًا ظاهره أنهم يرغبون في نكاحهن والمعنى على خلافه؛ لأن هذا ورد في عضل الولي [[في "الصحاح" (عضل) 5/ 1767: عضل الرجل أيمه: إذا منعها من التزويج.]] عن التزويج وامتناعه من أن يتزوجها، والعرب تقول: رغبت أن أفعل كذا بمعنى: عن أن أفعله، ورغبت أن أفعله [بمعنى في أن أفعله] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ج).]] ولا يعرف ذلك إلا بالاعتبار بمكانه [[في (ج): (لمكانه)، وهو خطأ.]] الذي وقع به، والقصة التي حدث فيها، من ذلك قول الخنساء: يا صخر ورّاد ماء قد تناذره .... أهل الموارد ما في ورده عار [[انظر: "ديوان الخنساء" ص 48، ومعنى تناذره: أنذر بعضهم بعضًا، والموارد: جمع مورد، وهو المنهل والماء الذي يورد للسقيا. وهي تعني الموت، أي لإقدامه وشجاعته. انظر: "الكامل" 4/ 48، و"أنيس الجلساء في شرح ديوان الخنساء" ص75.]] ظاهر قولها: ما [[لفظ: (ما) ساقط من (ج).]] في ورده عار، أن معناه [: ما على من ورده عار] [[نص ما بين المعقوفتين في (ي) هكذا: (على ما ورده عار)، وهو خطأ ظاهر.]] ومعناه في الباطن: ما في ترك ورده مخافة عار؛ لأنها عنت: ماء ورده في موضع مخوف يتناذره الناس ويتحامونه، تقول: فهو يرد هذا الماء لشجاعته وجرأته، وإن ترك ورده تارك لم يكن عليه عار لهول ما فيه. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾، قال ابن عباس: يريد: ليس فيهم منافق [[في "تنوير المقباس" ص 194: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ الكفر والشرك.]]. قال أهل المعاني: لم يخرجهم من [[ساقط من (ج).]] صفة المتقين إلا لأنه علم أنهم ليسوا منهم [["البرهان" للحوفي 11/ 192 ب بنحوه.]].

التوبة 9:45

قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآية، أجمعوا على أن هذا الاستئذان في القعود عن الجهاد، وإخبار أن من فعل ذلك غير مؤمن بالله [[انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 143، والسمرقندي 2/ 53، والبغوي 4/ 55، وقول المؤلف: وإخبار أن من فعل ذلك غير مؤمن بالله، ليس على إطلاقه، فإن الاستئذان في التخلف عن الجهاد قد يكون عن ريبة وشك ونفاق، وقد يكون جنباً أو كسلاً، وقد قيد بعض العلماء الآية بزمن رسول الله -ﷺ-، قال الزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 450: أعلمه -جل وعلا- أن علامة النفاق في ذلك الوقت الاستئذان في التخلف عن الجهاد. وانظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 143، والرازي 16/ 76 - 77، والقرطبي 8/ 155.]]. وقوله تعالى: ﴿وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، قال ابن عباس: يريد: شكوا في دينهم، ﴿فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾، قال: يريد في شكهم يتمادون [[في (م): (يتمارون)، وما أثبته موافق لـ"الوسيط" و"الوجيز".]] [["الوسيط" 2/ 501، و"الوجيز" 6/ 508 - 509، ونحوه في "تنوير المقباس" ص 194.]]. وقال أهل المعاني: هذه صفة الشاك المتحير في دينه الذي ليس [[في (ي): (ليس له).]] على بصيرة من أمره، لا يجد ثقة الإيمان لما هو عليه من الحيرة والاضطراب حتى زهد في الجهاد، واستأذن في المقام بما لا يجوز من الاعتذار، وقال أبو إسحاق: أعلم الله -جل وعز- أن من ارتاب وشك في الله وفي البعث فهو كافر [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 450.]].

التوبة 9:46

وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾، قال ابن عباس: يريد: من الزاد والماء وما يركبون؛ لأن سفرهم بعيد، وفي زمان شديد [[ذكره الرازي في "تفسيره" 16/ 78، وأبو حيان في "البحر المحيط" 5/ 48، وبمعناه ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 446.]]، وقال الزجاج: فتركهم العدة دليل على إرادتهم التخلف [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 450.]]، وقال غيره: هذا إشارة إلى أنهم كانوا مياسير قادرين على أخذ العدة لو أرادوا الخروج إلى الجهاد [[ذكر ذلك من غير تعيين الرازي في: "تفسيره" 16/ 78، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 501، و"الوجيز" 6/ 510 - 511.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ الانبعاث: الانطلاق في الأمر، يقال: بعثت [[في (م): (بعث).]] البعير فانبعث، وبعثته لأمر كذا فانبعث: أي نفذ فيه [[انظر: "تهذيب اللغة" (بعث) 1/ 354، و"الصحاح" (بعث) 1/ 273.]]، ومنه الحديث في عقر الناقة: "فانبعث لها رجل عارم [[عارم: أي خبيث شرير، والعُرام: الشدة والقوة والبطش. انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" (عرم) 3/ 223.]] " [[رواه مطولاً البخاريَ (4942)، كتاب: التفسير، سورة الشمس وضحاها، ومسلم (2855)، كتاب: الجنة، باب: النار يدخلها الجبارون، والجنة يدخلها الضعفاء، والترمذي (3343)،كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة الشمس وضحاها، == وأحمد في "المسند" 4/ 17.]]. قال ابن عباس في تفسير ﴿انْبِعَاثَهُمْ﴾: يريد: خروجهم معك ونحوه قول [[في (ج): (قال).]] الزجاج: (كره الله أن يخرجوا معكم) [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 450.]]، قال أصحابنا: معنى: (كره الله): لم يرد الله؛ لأن الكراهة للشيء ضد الإرادة له [[انظر: "رسالة إلى أهل الثغر" للأشعري ص231، وكتاب: "أصول الدين" للبغدادي ص 102. وهذا القول من تأويل الأشاعرة لصفات الله الفعلية وردّها إلى الإرادة، ومذهب السلف إثبات صفة الكراهة، بناء على قاعدتهم بأن الله يوصف بما وصف به نفسه، وبما وصفته به رسله نفيًا وإثباتًا، من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل. انظر: "عقيدة السلف" للصابوني ص 189، 223، وكتاب: "الأسماء والصفات" للبيهقي 2/ 113، و"مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية" 3/ 3، 17، و"شرح العقيدة الطحاوية" 2/ 685، و"مدارج السالكين" 1/ 278، و"معارج القبول" 1/ 346، 356.]]. وقوله تعالى: ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ التثبيط: ردُّك الإنسان عن الشيء يفعله، قال ابن عباس: يريد: فخذلهم وكسلهم عن الخروج [[ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 501، و"الوجيز" 1/ 466، وبنحوه أبوحيان في "البحر المحيط" 5/ 48.]]، وعنه أيضًا: (فحبسهم) في رواية الضحاك [[أخرجها ابن أبي حاتم في "تفسيره" 6/ 1807، ومثلها رواية الكلبي كما في"تنوير المقباس" ص 194.]]، والأول في رواية عطاء، وقال الحسن: (خذلهم) [[لم أعثر عليه.]]، وهذا ظاهر في أن الله تعالى يخلق الخذلان والكفر، ألا تري [[في (ج): (ألا تراه).]] أنه [[ساقط من (ج) و (م).]] أضاف حبسهم ومنعهم من الخروج إلى نفسه في قوله: ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ [[وهذا مذهب أهل السنة قاطبة، انظر: "شرح العقيدة الطحاوية" 2/ 640، ولكن يجدر بالتنبيه أن الله تعالى لا يخلق الكفر في نفس إنسان إلا إذا باشر أسباب ذلك كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: 5].]]. وقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾، قال ابن عباس: يعني: أولى الضرر والزمنى [[لم أجد من ذكره إلا المؤلف في "الوجيز" 1/ 466.]]، وقال عطية: يعني الصبيان والنساء [[ذكره الثعلبي 6/ 135، والبغوي 4/ 81، عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ دون تعيين القائل.]]، واختلفوا في أن هذا القول ممن كان؟ فقال بعضهم: رسول الله قال لهم لما [[في (ج): (كما)، وهو خطأ.]] استأذنوا: اقعدوا مع الخالفين غضبًا منه عليهم، ولم يقصد بذلك سوى الوعيد فاغتنموا هذه اللفظة، وقالوا: قد أذن لنا رسول الله -ﷺ- [[ذكر هذا القول مختصرًا النحاس في: "إعراب القرآن" 2/ 22، والماوردي في "النكت والعيون" 2/ 368، والخازن في "تفسيره" 2/ 230، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 8/ 156. ولا يخفى ضعف هذا القول لما يأتي: أ- أن الأصل في اللفظ الحقيقة، ولا يجوز تجريد نفظ كلام الله من حقيقته إلا ببرهان قاطع، وليس ثمت برهان. ب- أن الآية صُدّرت بقوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ المشعر بأن رسول الله -ﷺ- خالف الأولى، فدد ذلك على أنه أذن للمنافقين بالقعود إذنًا حققيًّا لا صوريًّا. جـ- أن جميع من ذكر هذا القول لم يسنده إلى شاهد حال، وإنما قيل على وجه الظن والتخمين.]]، فقال الله تعالى: ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ والمراد لفظ الإذن لا حقيقته [[في (ج): (لا حقيقة الإذن).]]، وقال مقاتل: وحيًا إلى قلوبهم [["تفسير مقاتل" ص 129.]]، يعني أن الله ألهمهم أسباب الخذلان، وأوحى إلى قلوبهم: ﴿اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ ويجوز أن يكون بعضهم قال لبعض [[وهذا ما اعتمده البغوي في "تفسيره" 4/ 55، وانظر: "الكشاف" 2/ 193.]]. وقوله تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ﴾ الآية، قال ابن زيد: هذا تسلية للنبي ﷺ عن حزنه على تخلف من تخلف عنه من المنافقين فقال: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ [[هذا معنى أثر ابن زيد، وقد رواه ابن جرير 10/ 145، وابن أبي حاتم 6/ 1807.]]، وقال الزجاج: أعلم الله تعالى لم كره خروجهم بقوله: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ﴾ الآية [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 450.]]، قال ابن عباس: لو خرجوا معكم [[رواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" 194 من رواية الكلبي، وسنده لا يخفى.]]. وقوله تعالى: ﴿مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ الخبال: الفساد والشر في كل شيء [[انظر: "الصحاح" (خبل) 4/ 1682، و"الكشاف" 2/ 194.]]، وهو مما ذكرناه في سورة آل عمران [118]، والمراد بالخبال هاهنا: الاضطراب في الرأي، وذلك [[ساقط من (ي).]] بتزيين أمر لفريق وتقبيحه عند فريق ليختلفوا فتفترق كلمتهم ولا تنتظم، يقول: لو خرجوا لأفسدوا عليكم أمركم، هذا معنى قول المفسرين [[انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 144، والثعلبي 6/ 112 أ، والبغوي 4/ 56.]]. قال ابن عباس في قوله: ﴿مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ يريد: عجزًا وجبنا [[ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 501، وذكره أيضا الماوردي في "النكت والعيون" 2/ 368 بلفظ: فسادًا.]]، يعني: أنهم يجبنونهم [[في (م): (يجبنوهم).]] عن لقاء العدو بتهويل الأمر عليهم، وقال الكلبي: "إلا شرًّا" [[رواه الثعلبي 6/ 112 ب.]] وقال مرة [[في (ي): (المرة) والصواب ما أثبته، وهو مرة الهمداني.]]: "إلا غشًّا" [[لم أجده.]]، وقال يمان [[هو: يمان بن رئاب (بكسر الراء) البصري الخراساني، وهو ضعيف في باب الرواية.]]: "إلا مكرًا" [[ذكره الرازي في "تفسيره" 16/ 80.]]، وقال الضحاك: "إلا غدرًا" [[رواه الثعلبي 6/ 112 ب.]]. قال أصحاب النحو والعربية: هذا أمر الاستثناء المنقطع بتقدير: ما زادوكم قوة لكن طلبوا لكم الخبال، وذلك أنهم لم يكونوا على خبال فيزداودا ذلك [[انظر: "البحر المحيط" 5/ 49، و"الدر المصون" 6/ 59، وقد أنكر الزمخشري ذلك في "كشافه" 2/ 194، فقال: ("إلا خبالاً": ليس من الاستثناء المنقطع في شيء كما يقولون؛ لأن الاستثناء المنقطع هو أن يكون المستثنى من غير جنس المستنثى منه، كقولك: ما زادوكم خيرًا إلا خبالاً، والمستثنى منه في هذا الكلام غير مذكور، وإذا لم يذكر وقع الاستثناء من أعم العام الذي هو الشيء فكان استثناء متصلاً؛ لأن الخبال بعض أعم العام كأنه قال: ما زادوكم شيئًا إلى خبالاً).]]، ويجوز أن يكونوا [[في (ي): (يكون).]] على تلون في الرأي لما يعرض في النفس، فكانوا يصيرونه خبالاً [[المعنى: أنه قد يطرأ على نفوس الصحابة شيء من اختلاف الرأي ونحوه، فإذا == وُجد هؤلاء المفسدون ضخموا هذا العارض، وتلونوا في آرائهم لتفريق الصف، وتصيير الخبال.]] فلا يكون استثناء منقطعًا. وقوله تعالى: ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ﴾، قال النضر: وضع البعير إذا عدا، وأوضعته أنا: إذا حملته عليه [[انظر قول النضر بن شميل في: "تهذيب اللغة" (وضع) 4/ 3905.]]، ونحو ذلك قال أبو زيد [[انظر: "النوادر في اللغة" لأبي زيد ص 221.]]، وأنشد الليث [[انظر: "تهذيب اللغة" (وضع) 4/ 3905. ولم أجده في مادة (كل) و (وضع) من كتاب: العين.]]: لماذا [[في "تهذيب اللغة" بماذا.]] تردّين امرأ جاء لا يرى .... كودّك ودًا قد أكل [[في (ج): (أذل)، وأثبت ما في (م) و (ي) لموافقته ما في المصدر السابق.]] وأوضعا [[لم أهتد إلى قائله، وانظر البيت بلا نسبة في: "تهذيب اللغة" (وضع) 1/ 3905، و"لسان العرب" (وضع) 8/ 4859.]] وقال الفراء: العرب تقول: أوضع الراكب، ووضعت الناقة، وربما قالوا للراكب: وضع، وأنشد: إني إذا ما كان يوم ذو فزع .... ألفيتني محتملاً بزّي [[هكذا في جميع النسخ و"تهذيب اللغة"، وفي "معاني القرآن" للفراء 1/ 440، و"لسان العرب" (وضع): (بذي. والبز: الثياب، انظر: "لسان العرب" (بزز) 1/ 274. أما علي رواية الفراء فقد قال المحقق في حاشية الموضع السابق: قوله: بذي، كأنه يريد: بذي الناقة، أو بذي الفرس، وقد يكون المراد: محتملاً رحلي -على صيغة اسم الفاعل- بالبعير الذي أضعه، فذي هنا موصول على لغة الطائيين.]] أضع [[لم أهتد لقائلهما، والبيت الثاني بلا نسبة في "تهذيب اللغة" (وضع) 1/ 3905، و"لسان العرب" (وضع) 8/ 4859، وهما بلا نسبة أيضًا في "شرح أبيات معاني القرآن" ص 201.]] وقال الأخفش: يقال: أوضعت [[في (ج): (وضعت)، وأثبت ما في (م) و (ي) لموافقته لـ"تهذيب اللغة".]] وجئت موضعًا ولا توقعه على شيء، قال: وقد يقول بعض قيس [[هو جد قديم، وهو قيس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، وبنوه قبائل كثيرة منه "هوازن" و"سليم" و"غطفان" و"باهلة". انظر: "جمهرة أنساب العرب" ص 232، و"الأعلام" 5/ 207.]]: أوضعت بعيري، فلا يكون لحنا [[انظر: قول الأخفش في "تهذيب اللغة" (وضع) 1/ 3905.]]، وقال أبو عبيد: فيما روي عنه ﷺ أنه أفاض من عرفة وعليه السكينة، وأوضع في وادي محسر [[رواه النسائي في "سننه"، كتاب: مناسك الحج، باب: الأمر بالسكينة في الإفاضة 5/ 258، والدارمي في "سننه"، كتاب: المناسك، باب: الوضع في وادي محسر رقم (1891) 2/ 84، وأحمد في "المسند" 3/ 332، 367، 391، وبنحوه الترمذي (886) كتاب: الحج، باب: ما جاء في الإفاضة من عرفات.]]، الإيضاع: سير مثل الخبب [["غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 460.]]، فحصل من هذه الأقوال أن الإيضاع في قول أكثر أهل اللغة معناه حمل البعير على العدو، حتى لا يجوز أن يقال: أوضع الرجل: إذا سار بنفسه سيرًا حثيثًا، [وعند الأخفش وأبي عبيد يجوز أن يقال: أوضع بمعنى سار سيرًا حثيثًا] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ج).]] من غير أن يراد أوضع ناقته أو بعيره، وأكثر ما جاء في الشعر (أوضع) إنما جاء من غير إيقاع على شيء، قال لبيد [[لم أجد من ذكر البيت للبيد سوى الرازي 16/ 81 وهو ناقل النص من الواحدي بدلالة السياق، والمشهور أنه لامرئ القيس وهو في "ديوانه" ص 43 ونسب إليه أيضاً في "الصحاح" (سحر) 2/ 679 مع الشك في ذلك، وعبارته: ويُنشد لامريء القيس، وذكر البيت، كما نسب إليه أيضًا في "البحر المحيط" 5/ 49، و"الدر المصون" 2/ 31، و"لسان العرب" (سحر) 4/ 1952 وبعده في الديوان: == عصافير وذبان ودود .... وأجرأُ من مجلحة الذئاب وينسب البيت أيضًا لزهير وهو في "ديوانه" ص 100 (طبعة دار صادر ودار بيروت عام 1379 هـ) وبعده: كما سحرت به إرم وعاد ...... فأضحوا مثل أحلام النيام ومعنى (نسحر): (نعلل، أو نخدع، وقوله: (لحتم غيب): (في المصادر السابقة: لأمر غيب، وهو يريد الموت، انظر: "البحر المحيط" و"لسان العرب"، نفس الموضع السابق.]]: أرانا موضعين لحتم غيب ... ونسحر بالطعام وبالشراب أرد: مسرعين، ولا يجوز أن يريد: موضعين [[في (ي): (موضعين لحتم)، وهو خطأ.]] الإبل أو المطية؛ لأنه لم يرد السير في الطريق، وقال عمر بن أبي ربيعة: تبالهن [[في (ج): (تناهلن)، والصواب ما أثبته كما في "شرح الديوان"، وفيه: تباهلن: تصنعن البله وتكلفنه، وأكل: أتعب راحلته، وأوضع: أي سار أشد السير.]] بالعرفان لما عرفنني ..... وقُلن امرؤ باغ أكلَّ وأوضعا [[انظر: "شرح ديوانه" ص 171.]] والآية أيضًا تشهد لقول الأخفش وأبي عبيد. وقوله تعالى: ﴿خِلَالَكُمْ﴾ أي: فيما بينكم، ومنه [[ساقط من (ي).]] قوله: ﴿وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا﴾ [الكهف: 33]، وقوله: ﴿فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ﴾ [الإسراء: 5]، وأصله من الخلل وهو الفرجة بين الشيئين، وجمعه خلال [[في (ج): (خلا)، وهو سهو من الناسخ.]]. ومنه قوله: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ [النور: 43] [[الودق: المطر. انظر: "تفسير البغوي" 6/ 54.]]، وقرئ: (من خَلله) [[بفتح الخاء وبلا ألف على الإفراد، وهي قراءة ابن مسعود وابن عباس والضحاك ومعاذ العنبري، عن أبي عمرو والزعفراني والأعمش، انظر: "مختصر في شواذ القرآن" ص 102، و"البحر المحيط" 6/ 464، و"إتحاف فضلاء البشر" ص 325.]] وهي مخارج مصب القطر، وقال الأصمعي: "تخللت القوم: إذا دخلت من [[في (م): (تخللت بين).]] خللهم وخلالهم" [[تهذيب اللغة" (خل) 1/ 1097.]]، ويقال: جلسنا خلال بيوت الحي، وخلال دورهم، أي جلسنا بين البيوت ووسط الدور. قال أهل المعاني: ومعنى الإيضاع هاهنا: إسراعهم في الدخول بينهم للتضريب [[في"لسان العرب" (ضرب) 5/ 2568: ضربت الشيء بالشيء وضربته: خلطته، وضربت بينهم بالشر: خلطت، والتضريب بين القوم: الإغراء.]] ينقل الكلام على التحريف [[ذكر معناه ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 448 عن الحسن ولم أجده فيما بين يدي من كتب أهل المعاني.]]، وعلى هذا المعنى دل كلام المفسرين، قال عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ﴾ يريد: أضعفوا شجاعتكم [[لم أجده بهذا اللفظ، وانظر المعنى في: "الوجيز" 6/ 512.]]، يعني: بالتضريب بينهم لتفترق الكلمة فتجبنوا عن العدو، وقال الحسن: ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ﴾ بالنميمة لإفساد ذات بينكم [[ذكره ابن الجوزي في: "زاد المسير" 3/ 448، وابن القيم كما في "التفسير القيم" 2/ 358.]]، هذا هو المعنى الصحيح، وقال الكلبي: يعني ساروا بينكم يبغونكم العنت [[رواه الثعلبي 6/ 112 ب، والبغوي 3/ 56، لكنه تصحف في "تفسير البغوي"، فقال: العيب.]]، وعلى هذا قوله: ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ﴾ عبارة عن سيرهم فيما بينهم فقط، وقوله تعالى: ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ حال لهذا السير ولهم، وقال أصحاب العربية في قوله: ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ﴾: أي أوضعوا مراكبهم خلالكم [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 440، و"تهذيب اللغة" (وضع) 4/ 3906، و"لسان العرب" (وضع) 8/ 4859.]]، وهو قول أبي الهيثم [[انظر: قوله في "تهذيب اللغة" (وضع) 4/ 3906.]]، ونحوه الكسائي: خيبوا [[الخبب: ضرب من العدو. انظر: "مجمل اللغة" (خب) 2/ 277.]] ركائبهم فيما بينكم [[لم أجده فيما بين يدي من مصادر.]]. ولا يكون في [[في (ي): (على).]] هذا ذمًا لهم إلا أن يحمل هذا على معنى قول الكلبي، وقال ابن الأعرابي: أي: لأسرعوا في الهرب خلالكم [[لم أجده فيما بين يدي من مصادر.]]، ونحوه قال ابن الأنباري: أسرعوا الفرار في أوساطكم [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 6/ 112 ب، وأبو حيان في "البحر المحيط" 5/ 49.]]، وهذا قول بعيد؛ لأن لفظ الآية ليس يدل على معنى الهرب، [وأي فائدة لقوله في [[كذا. ولا معنى لذكر لفظ (في).]] ﴿خِلَالَكُمْ﴾ لو أراد بالإيضاع: الهرب] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]]، وقال أبو إسحاق: أي: ولأسرعوا فيما يخل بكم [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 451.]]، وهذا راجع إلى القول الأول وهو أنه إسراع بالنميمة، والنميمة [[ساقط من (ي).]] مما يخل بهم. وقوله [[يعني الزجاج في قوله السابق.]]: يخل بكم، ليس من لفظ الخلال [[في (ي): (الخيال)، وهو خطأ.]]، ولا بتفسير له، بل هو مضمن في الإيضاع يعني: ولأوضعوا مخلين بكم بالنميمة، وليس الخلال من الإخلال في شيء، هذا معنى قول أبي إسحاق [[يعني الذي تقدم ذكره.]]، وكتب في المصاحف ﴿وَلَأَاوْضَعُوا﴾ بزيادة ألف ومثله: ﴿أَوْ لَأَاذْبَحَنَّهُ﴾ [النمل: 21] في بعضها، قال الفراء: وهو من سوء هجاء الأولين، وقال الزجاج: إنهم كانوا في ذلك الزمان يكتبون الفتحة ألفًا ولم يكن ذلك من هجاء العرب، والكتابة بالعربية ابتدئ به بقرب نزول القرآن فوقع فيه زيادات في أمكنة [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 452، ووافقه الزمخشري أيضاً في "الكشاف" 2/ 194 وخالفهم الإمام أبو عمرو الداني الذي بين أن زيادة الألف هنا لفائدة فقال: أما زيادة الألف في (لأاوضعوا) و (لأاذبحنه) فلمعان أربعة، هذا إذا كانت الزائدة فيهما المنفصلة عن اللام، وكانت الهمزة هي المتصلة باللام، وهو قول أصحاب المصاحف: فأحدها: أن تكون صورة لفتحة الهمزة، من حيث كانت الفتحة مأخوذة منها. والثاني: أن تكون الحركة نفسها، لا صورة لها، على مذهب العرب في تصوير الحركات حروفًا. والثالث: أن تكون دليلًا على إشباع فتحة الهمزة وتمطيطها في اللفظ؛ لخفاء الهمزة، وبعد مخرجها، وفرقًا بين ما يحقق من الحركات، وبين ما يختلس منهن، وليس ذلك الإشباع والتمطيط بالمؤكد للحروف، إذ ليس من مذهب أحد من أئمة القراءة، وإنما هو إتمام الصوت بالحركة لا غير. والرابع: أن تكون تقوية للهمزة وبيانًا لها. وإذا كانت الزائدة من إحدق الألفين المتصلة في الرسم باللام، وكانت الهمزة هي المنفصلة عنها وهو قول الفراء وأحمد بن يحيي من النحاة -فزيادتها لمعنيين: == أحدهما: الدلالة على إشباع فتحة اللام وتمطيط اللفظ بها. والثاني: تقوية للهمزة، وتأكيدًا لها وبيانًا. "المحكم في نقط المصاحف" للداني ص 176، 177.]] وقوله تعالى: ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ أي: يبغون لكم، قال كعب بن زهير: إذا ما نتجنا أربعًا عام كفأة ... بغاها خناسيرًا فأهلك أربعًا [[البيت في "شرح ديوان كعب بن زهير"، ونسب إليه أيضًا في "تهذيب اللغة" (بغى) 1/ 367، و"تهذيب إصلاح المنطق" ص 292. وفي المصدر الأخير: نتج فلان إبله كَفأة وكُفأة: وهو أن يفرق إبله فرقتين، فيُضرب الفحل العام إحدى الفرقتين، ويدع الأخرى، فإذا كان العام المقبل أرسل الفحل في الفرقة التي لم يكن أضربها الفحل في العام الماضي، وترك التي أضربها في العام الماضي؛ لأن أفضل النتاج أن يُحمل على الإبل الفحول عاما، وتترك عامًا .. ونتج الرجل الناقة: إذا ولدت عنده، يقول: إذا نُتجت أربع من إبله أربعة أولاد، هلك من إبله الكبار أربع، فيكون ما هلك منه أعظم مما أصاب، والخناسير: الهُلاك، لا واحد له وفي (بغاها) ضمير من الجد -يعني: الحظ- هو الفاعل. "تهذيب إصلاح المنطق" 291 - 292 مختصرًا. وقال السكري في "شرح الديوان" ص 227: يقول: إنه من شؤم حظه إذا نتج أربع نوق أتت الدواهي فأهلكتهن.]] أي: بغى لها خناسير، وهي الدواهي، ومعنى بغى هاهنا: طلب. الأصمعي: يقال ابغني كذا أي: اطلبه لي، ومعنى ابغني وابغ لي سواء، وإذا قال: أبغني فمعناه أعنيِّ على بُغائه [["تهذيب اللغة" (بغى) 1/ 367.]]. أبو عبيد عن الكسائي: أبغيتك [[في (ج) و (ي): (بغيتك)، هنا أثبته من (م) وهو موافق لمصدري تخريج القول.]] الشيء، إذا أردت: أعنته على طلبه، فإذا أردت أنك فعلت ذلك له [[ساقط من (ي).]] قلت: بغيته، وكذلك أعكمتك [[في (ج): (علمتك، وما في (ي): (موافق لما في "تهذيب اللغة" "لسان العرب"، يقال: عكم المتاع يعكمه عكمًا: شده بثوب، وهو أن يبسطه ويجعل فيه المتاع ويشده، ويسمى حينئذ عكمًا، والعكام، ما عكم به، وهو الحبل الذي يعكم عليه. "لسان العرب" (عكم) 5/ 306.]]، وأحلبتك [[كذا في جميع النسخ، وكذلك في "تفسير الثعلبي"، ولفظ "تهذيب اللغة" و"لسان العرب": أحملتك، أي: أعنتك على حمل المتاع، ومعنى أحلبتك: أعنتك على حلب الناقة ونحوها كما فسره الثعلبي في "الكشف والبيان" 6/ 112 ب.]]: إذا أعنته، وعكمتك العكم [[في (ج): (علمتك العلم)، والصواب ما أثبته وهو موافق لمصدري تخريج القول.]]: أي فعلته لك [[انظر: قول الكسائي في "تهذيب اللغة" (بغى) 1/ 367، و"لسان لعرب" (بغا) 1/ 322.]]، ونحو هذا قال الفراء [[انظر: "معاني القرآن" له 1/ 440.]]، ومعنى الفتنة هاهنا: النفاق في قول ابن عباس [[لم أقف على مصدر هذا القول.]]، والشرك، في قول محمد بن مسلم [[يعني ابن قتيبة، انظر: "تفسير غريب القرآن"، له ص 196.]]، باختلاف كلمتهم وافتراقهم فيما بينهم وذلك شرك ونفاق، وهو أن يختلفوا على النبي -ﷺ- [[قال الإمام ابن كثير في "تفسيره" 2/ 397 - 398 عند تفسير قول الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾: فليحذر وليخشى من خالف شريعة الرسول باطنًا وظاهرًا (أن تصيبهم فتنة) أي: في قلوبهم، من كفر أو نفاق أو بدعة.]]، وقال الكلبي: يبغونكم العنت، يبطئونكم [[في (ي): (يبغونكم الفتنة يثبطونكم).]] [[رواه الثعلبي في "تفسيره" 6/ 112 ب، والبغوي في "تفسيره" 4/ 56 بلفظ: العنت والشر.]]. وقوله تعالى: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ أي: عيون لهم ينقلون إليهم ما يسمعون منكم، هذا قول مجاهد [[رواه ابن جرير10/ 146، وابن أبي حاتم 6/ 1809، وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 443.]] وابن زيد [[رواه ابن جرير10/ 146، وابن أبي حاتم 6/ 1809.]] والكلبي [[لم أقف على مصدر قوله.]]، وقال قتادة: وفيكم من يسمع كلامهم ويطيعهم [[رواه ابن جرير 10/ 146، والثعلبي 6/ 112 ب.]]، وقال ابن إسحاق: وفيكم قوم أهل محبة لهم وطاعة [فيما يدعونهم إليه لشرفهم فيهم [["السيرة النبوية" لابن هشام 4/ 208.]]، ومعناه على هذا: وفيكم أهل سمع لهم وطاعة] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ج).]] لو صحبهم هؤلاء المنافقون أفسدوهم عليكم [[في (ي): (عليك).]] بتثبيطهم إياهم عن [[في (ي): (على).]] السير معكم، وكل هذا إخبار عن حال المنافقين من حرصهم على خبال المؤمنين وطلب الغوائل لهم [[المنافق لا يخرج للجهاد إلا تقية وخوفًا من المسلمين، أو طمعًا في غنيمة، ثم هو ذو قلب حائر يبث الخور والضعف في الصفوف، وذو نفس خائنة تمثل خطرًا على الجيش، فمثله لا يزيد المسلمين قوة، بل فوضى واضطرابًا، وفتنة وتفريقًا، وهي العامل الأساسي في انهيار الجيوش وهزيمتها.]]. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾، قال ابن عباس: (يريد المنافقين) [["تنوير المقباس" ص 194، و"الوسيط" 2/ 501.]].

التوبة 9:48

قوله تعالى: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ﴾، قال ابن عباس: "طلبوا لك العنت والشرمن قبل تبوك" [["تنوير المقباس" ص 195، بنحوه وهو في "زاد المسير" 3/ 448 مختصرًا.]]، قال العوفي وابن جريج: وهو أن اثني عشر رجلاً من المنافقين وقفوا على ثنية الوداع ليلة العقبة [[المراد بذلك: ليلة هبوط العقبة في غزوة تبوك كما سيأتي.]] ليفتكوا بالنبي ﷺ [[ذكره عن ابن جريج الإمام القرطبي في "تفسيره" 8/ 157، وأبو حيان في "البحر المحيط" 5/ 50، وقد روى القصة الإمام أحمد في "المسند" 5/ 453 عن أبي الطفيل، قال: لما أقبل رسول الله -ﷺ- من غزوة تبوك، أمر مناديًا فنادى إن رسول الله ﷺ آخذ العقبة فلا يأخذها أحد، فبينما رسول الله -ﷺ- يقوده حذيفة، ويسوق به عمار إذا أقبل وهي متلثمون على الرواحل غشوا عمارًا وهو يسوق برسول الله ﷺ أو أقبل عمار يضرب وجوه الرواحل، فقال رسول الله -ﷺ- لحذيفة: "قد قد" حتى هبط رسول الله ﷺ فلما هبط رسول الله -ﷺ- نزل، ورجع عمار، فقال: "يا عمار هل عرفت القوم؟ " فقال: قد عرفت عامة الرواحل، والقوم متلثمون، قال: "هل تدري ما أرادوا؟! " قال: الله ورسوله أعلم، قال: "أرادو اأن ينفروا برسول الله ﷺ فيطرحوه" الحديث، وأصله في "صحيح مسلم" (2779/ 11)، كتاب: صفات المنافقين.]]. وقال كثير من المفسرين: يعني: طلبوا صد أصحابك عن الدين وردهم إلى الكفر وتخذيل الناس عنك قبل هذا، وهو ما فعل عبد الله بن أبي يوم أحد حين انصرف عنك بأصحابه [[انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 147، والثعلبي /113 أ، والبغوي 4/ 56، وكان عبد الله بن أبي انخزل عن رسول الله ﷺ يوم أحد بثلث الجيش. انظر: "السيرة النبوية" 4/ 208.]]، فمعنى الفتنة هاهنا: الاختلاف الموجب للفرقة بعد الألفة، وهو الذي طلبه المنافقون للمؤمنين فسلمهم الله منهم [[وهذا ما اعتمده الشوكاني في "تفسيره" 2/ 534، ويري ابن جرير أن الفتنة: صد == المؤمنين عن دينهم، وحصرهم على رده إلى الكفر بالتخذيل عنه، و"تفسير ابن جرير" 10/ 147.]]. وقوله تعالى: ﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾ تقليب الأمر: تصريفه وترديده للتدبير يعني: اجتهدوا في الحيلة عليك، والكيد بك، قال ابن عباس وابن إسحاق: "أداروا [[في (ي): (إذا رأوا)، وسقط لفظ (لك) من (م).]] لك الأمور، وبغوا لك الغوائل ليخذلوا عنك أصحابك ويردوا عليك أمرك" [[لفظ ابن عباس: بغوا لك الغوائل، كما في "زاد المسير" 3/ 448، و"تنوير المقباس" ص 195، ولفظ ابن إسحاق: ﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾: أي: ليخذلوا عنك أصحابك، ويردوا عليك أمرك) كما في "السيرة النبوية" 4/ 208.]]. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ﴾ إلى آخره، أي: حتي أخزاهم الله بإظهار الحق، وإعزاز الدين على رغم منهم وكره [[في (م): (على كره منهم ورغم).]].

التوبة 9:49

وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾، قال ابن عباس والمفسرون كلهم: نزلت في جد بن قيس [[هو: جد بن قيس بن صخر بن خنساء أحد بني جشم بن الخزرج ثم من بني سلمة، كان سيد بني سلمة، وروى الطبراني وابن منده بسند قوي -كما يقول الحافظ ابن حجر- أنه ممن شهد بيعة العقبة، وذكر عنه عدة روايات تصمه بالنفاق، لكن أسانيدها لا تخلو من ضعف، وروى عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ قال: هم نفر ممن تخلف عن غزوة تبوك منهم أبو لبابة ومنهم جد بن قيس ثم تيب عليهم، مات الجد في خلافة عثمان. انظر: "تفسير عبد الرزاق" 1/ 2/ 286، و"الإصابة في تمييز الصحابة" 1/ 228 (1110).]] المنافق، قال له رسول الله -ﷺ- لما أرادوا غزو تبوك: "هل لك يا جد العام في جلاد بني الأصفر -[يعني: الروم] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ج).]] - تتخذ منهم سراري ووصفاء؟ " وكان [[في (ج): (قال).]] رسول الله -ﷺ- حرض المؤمنين على غزاة بني الأصفر، وقال: "إن الله تعالى أمرني أن أغزوهم"، وقال [[في (ج): زيادة لا معنى لها، ونصها: (إن الله تعالى).]]: "إنكم لن تغزوا أكرم أحسابًا [[في (ج): (أجسامًا).]]، ولا أصبح وجوهًا، ولا أعذب أفواهًا منهم [[ساقط من (ج).]] ". فقال جد: ائذن لي في القعود عنك، وأعينك بمالي فقد عرف قومي أني مغرم بالنساء، وإني أخشى إن رأيت بنات الأصفر ألا أصبر عنهن، فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ﴾ [[رواه بنحوه الطبراني في "الكبير" (12654) 12/ 122 من طريق الضحاك عن ابن عباس، وإسناده ضعيف كما في "مجمع الزوائد" 7/ 106، ورواه مختصرًا ابن جرير من طريق حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس. وفي سنده انقطاع بين ابن عباس وابن جريج، ورواه مختصرًا أيضًا الطبراني في "الكبير" رقم (11052) 11/ 63 دون ذكر الاسم، قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 106 فيه أبو شيبة إبراهيم بن عثمان، وهو ضعيف.]]. قال ابن عباس: يريد جد بن قيس، ﴿ائْذَنْ لِي﴾ في التخلف، ﴿وَلَا تَفْتِنِّي﴾، قال: يريد لصباحة وجوههم، وعذوبة أفواههم [[رواه بنحوه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 277 عن الكلبي.]]، يعني: لا تفتني ببنات الأصفر، [فإني مستهتر [[في (م): (مشتهر)، ومعناهما متقارب، إذ الاستهتار، الولوع بالشيء والإفراط فيه انظر: "لسان العرب" (هتر) 5/ 249.]] بالنساء، وهذا قول مجاهد [[رواه ابن جرير 10/ 148 وهو مرسل.]]، وقتادة [[لم أجد من ذكره عن قتادة، لكن روى ابن جرير 10/ 148 عنه تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَفْتِنِّي﴾ قال: ولا تؤثمني، ألا في الإثم سقطوا، ولم يذكر الجد، وقد روى عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/286 بسند صحيح ما يدل على أن قتادة يرى أن الجد بن قيس من المؤمنين الذين خلطوا عملاً صالحًا وآخر سيئًا، وقد تيب عليه، وليس من المنافقين.]]، وابن جريج [[المذكور في "كتب التفسير" قول ابن جريج، عن ابن عباس، انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 148.]]، واختيار الفراء [["معاني القرآن" 1/ 440.]]، والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 451 ولم يسم المنافق الذي قال ذلك.]]، قال ابن عباس: اعتل جد بن قيس بقوله: ولا تفتني ببنات الأصفر] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ج).]] ولم يكن له علة إلا النفاق، وكراهة الخروج [[رواه البغوي 4/ 57 بنحوه، وفي تفسير البغوي إشكال علمي أفقده بعض قيمته العلمية، حيث أنه ذكر أسانيده في المقدمة فقط، فإذا كان المفسر كابن عباس مثلاً له عدة أسانيد بعضها صحيح، وبعضها ضعيف أو مكذوب، اختلطت الأقوال ببعضها، ولم يستطع الباحث الحكم على الأثر ما لم يرد في كتاب آخر الأسانيد مفصلة، ومثل البغوي أبو إسحاق الثعلبي.]]، وقال الحسن: ﴿وَلَا تَفْتِنِّي﴾ لا تهلكني في ضيعتي ومالي بالخروج معك [[أشار إلى معناه ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 449.]]، ونحو هذا قال ابن زيد: ﴿وَلَا تَفْتِنِّي﴾ أي: إن لم تأذن لي افتتنت وعصيت [[رواه ابن جرير 10/ 149.]]، وقال الضحاك: إلا تحرجني) [[رواه أبو الشيخ مطولاً كما في "الدر المنثور" 3/ 445.]]، وقال قتادة: (لا تؤثمني) [[رواه ابن جرير 10/ 149، والثعلبي 6/ 113 أ.]]، وقال أبو العالية: (لا تعرضني للفتنة) [[لم أقف عليه.]]، فقول قتادة وأبي العالية يحتمل الوجهين [[يعني الفتنة بالنساء أو الفتنة بالتخلف وعصيان أمر رسول الله -ﷺ-.]]. وقوله تعالى: ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾، قال ابن كيسان: يريد أن اعتلالهم بالباطل هو الفتنة لأنها الشرك والكفر [[ذكره في "الوسيط" 2/ 502.]]، وقال الزجاج: أعلم الله أنهم قد سقطوا في الإثم [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 452.]]، وقال قتادة: فما سقط فيه من الفتنة بتخلفه عن رسول الله -ﷺ-، والرغبة بنفسه عنه أعظم [[هذا اللفظ رواه ابن جرير في "تفسيره" 10/ 148 عن ابن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة وغيره، والنص في "سيرة ابن هشام"، أما ما روي عن قتادة في هذه الجملة فلفظه: "ألا في الإثم سقطوا". انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 149.]]، قال المفسرون: أي في الشرك والإثم وقعوا بنفاقهم وخلافهم أمر رسول الله -ﷺ- [[انظر: "تفسير السمرقندي" 2/ 54، والثعلبي 6/ 13 أ، والبغوي 4/ 57.]]، قال أهل المعاني: وهذا بيان عما يوجبه التعليل [[في المصدر التالي: (التعلل)، وهو أصوب.]] بالباطل من أنه ينقلب على صاحبه حتى يقع به [["البرهان في علوم القرآن" للحوفي 11/ 197.]]، وجمع الكناية في قوله: ﴿سَقَطُوا﴾ لأنه أراد جدًّا وأصحابه من المنافقين المتخلفين. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ يقول [[من (م).]]: هي من ورائهم يصيرون إليها بأعمالهم الخبيثة، وقال يمان: هي محدقة بمن كفر بالله جامعة لهم [[ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 502.]].

التوبة 9:50

قوله تعالى: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾، قال ابن عباس والمفسرون: يريد النصر والغنيمة ﴿وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾ من القتل والهزيمة [[رواه بنحوه الفيروزأبادي في "التنوير المقباس" ص 195، وبمعناه ابن جرير 10/ 150، وهو قول مجاهد وقتادة والسدي كما في "الدر المنثور" 3/ 445، واعتمده الثعلبي في "تفسيره" 6/ 13 ب، والبغوي 4/ 57، والسمرقندي 2/ 55 وغيرهم.]]، ﴿يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ﴾، قال ابن عباس: يريد: قد أخذنا حذرنا حين تخلفنا [[رواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 195، وانظر: "الوجيز" 6/ 517.]]، ونحو ذلك قال مجاهد [[رواه ابن جرير10/ 150 وابن أبي حاتم 6/ 1811، وهو في "تفسير مجاهد" ص 370.]]، ووَال الزجاج: أي قد عملنا بالحزم في التخلف [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 452.]]، قال أهل المعاني: كأنه قيل: قد أخذنا أمرنا عن مواضع الهلكة، فسلمنا مما وقعوا [[في (ج): (وقعنا)، وهو خطأ.]] فيه [["البرهان" للحوفي 11/ 201 بنحوه.]]. وقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل هذه المصيبة ﴿وَيَتَوَلَّوْا﴾، قال الكلبي: (عن الإيمان) [[لم أقف عليه في مصدرآخر.]]، ﴿وَهُمْ فَرِحُونَ﴾: معجبون بذلك [[ساقط من (ي).]] وهذا بيان عما توجبه العداوة من الاغتمام بتجدد النعمة والفرح بلحاق المصيبة.

التوبة 9:51

قوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ أي: لن يصبنا خير وشر وشدة ورخاء إلا وهو مقدر علينا، مكتوب في اللوح المحفوظ، وهذا معنى قول الحسن [[ذكره الماوردي في "النكت والعيون" 2/ 371.]]، ومقاتل [[انظر: "تفسيره" ص 130 أ.]]، ونظير هذه الآية قوله: (ما أَصابَ [[في (ي): (ما أصابكم)، وهو خطأ.]] مِنْ مُصِيْبَةٍ في الأَرْضِ ولا في أَنْفُسِكُم [[في (ج): (ولا في السماء)، وهو خطأ.]]) الآية [الحديد: 22]، وقال ابن عباس: يريد: ما قضى الله لنا من الشهادة [[ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 450، والفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 195 مختصرًا.]]، وهذا كأنه جواب لهم عن شماتتهم بهم [[من (م).]] إذا أصابتهم مصيبة، أي إن أعظم ما يصيبنا القتل وهو شهادة لنا، فليس يصيبنا غير هذا، وعلى هذا القول ﴿مَا كَتَبَ اللَّهُ﴾ مخصوص هاهنا بالشهادة، وفي القول الأول عام في كل ما يصيب. قال الزجاج: وفيه وجه آخر: ﴿لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ أي: بين الله لنا في كتابه من أنا نظفر فيكون ذلك حسنى لنا، أو نقتل فتكون الشهادة حسنى لنا أيضاً، أي فقد كتب الله ما يصيبنا وعلمنا ما لنا فيه من الحظ [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 452 بتصرف وهذا القول فيه بعد وتكلف، والظاهر هو القول الأول وأنه عام في كل مصيبة، وهو الذي تدل عليه نظائر الآية.]]. والأكثرون من المفسرين على القول الأول [[وهو ما اعتمده ابن جرير10/ 150، والثعلبي 6/ 13 ب، والبغوي 4/ 57، وابن كثير 2/ 399.]]، وقالوا: هذا يدل على أن أمر [[في (ج): (من)، هو خطأ.]] العباد يجري على تقدير قد أحكم، وتدبير قد أبرم [[في (في): (أدبر).]]، فلا يحدث في الكائنات شيء إلا وقد جرى به قضاء سابق. وقوله تعالى: ﴿هُوَ مَوْلَانَا﴾، قال ابن عباس: (ناصرنا) [[ذكره الماوردي في "النكت والعيون" 2/ 371 من غير نسبة.]]، وقيل: الذي يتولى حياطتنا ودفع الضرر عنا [[انظر: "الوسيط" 2/ 503، و"البحر المحيط" 5/ 52.]]، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾، أي: وإليه فليفوض المؤمنون أمورهم على الرضا بتدبيره والثقة بحسن اختياره، قال أصحاب المعاني: وهذا بيان عما يوجبه إظهار شماتة الأعداء من الإقرار بأنه لا يصيب العبد إلا ما قضى [[هكذا في جميع النسخ، والسياق يقتضي أن يقول: ما قضى الله عليه.]] عليه والتسليم لأمره، والتوكل عليه.

التوبة 9:52

قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ الآية، يقال: فلان يتربص بفلان الدوائر: إذا كان ينتظر وقوع [[ساقط من (م).]] مكروه [[في (ي): (المكروه).]] به، وهذا مما سبق الكلام فيه [[انظر: "تفسير البسيط" المائدة: 52.]]، وقال أهل المعاني: التربص: التمسك بما ينتظر به مجيء حينه، وكذلك قيل: تربص بالطعام إذا تمسك به إلى حين زيادة سعره [[انظر معنى التربص في: "تهذيب اللغة" (ربص) 2/ 1344، و"لسان العرب" (ربص) 3/ 1558.]]، وابن عباس والمفسرون يقولون في التربص هاهنا: الانتظار [["البرهان" للحوفي 11/ 203 أ، و"تنوير المقباس" ص 195، و"الوسيط" 2/ 503، عن ابن عباس، وانظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 151، والثعلبي 6/ 114 أ، والبغوي 4/ 57.]] والحسنى: تأنيث الأحسن. قال ابن عباس وجميع المفسرين في: ﴿إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ يعني الغنيمة والفتح، أو [[في (ج): (و).]] الشهادة والمغفرة [[أخرجه ابن عباس الإمام ابن جرير 10/ 151، وابن أبي حاتم 6/ 1812، وهو قول مجاهد وقتادة وابن جريج. انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 151، والبغوي 4/ 57.]]، وقد قال رسول الله -ﷺ- "تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرج إلا إيمانًا بالله وتصديقًا لرسوله أن يرزقه الشهادة، أو يرده إلى أهله مغفورًا نائلاً ما نال من أجر وغنيمة" [[رواه بنحوه البخاري (3123)، كتاب: الخمس، باب: قول النبي -ﷺ-: "أحلت لكم الغنائم" رقم، ومسلم (1876) كتاب: الإمارة، باب: فضل الجهاد، ورواه بلفظه الثعلبي في "تفسيره" 3/ 114 أ.]]. أخبرناه [[في (ج): (أخبرنا).]] الأستاذ أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم [[هو: الثعلبي المفسر.]]، قال: أخبرنا الحسن بن محمد بن الحسن المفسر [[هو: الحسن بن الحسن بن حبيب بن أيوب، أبو القاسم النيسابوري الواعظ المفسر، كان إمام عصره في معاني القرآن وعلومه، أديبًا نحويًّا، عارفًا بالمغازي والسير، وسمع الحديث الكثير، وله مصنفات في القراءات والتفسير والآداب، توفي سنة 406 هـ. انظر: "العبر" 2/ 212، و"طبقات المفسرين" للداودي 1/ 144.]] قال [[ساقط من (ج) و (م).]]: أنبأ أبو بكر محمد ابن أحمد بن جعفر العدل [[لم أقف على ترجمة له فيما بين يدي من مصادر.]]، ثنا أبو [[ساقطة من (ي).]] عبد الله محمد بن إبراهيم العبدي [[هو: محمد بن إبراهيم بن سعيد بن عبد الرحمن العبدي، أبو عبد الله البوشنجي المالكي النيسابوري الإمام العلامة الحافظ، ذو الفنون، شيخ أهل الحديث في عصره بنيسابور، ارتحل في طلب الحديث ولقي الكبار، وصنف، وسار ذكره، وبعد صيته. توفي في غرة محرم سنة 291 هـ. انظر: "سير أعلام النبلاء" 13/ 581، و"تذكرة الحفاظ" 2/ 657، و"تهذيب التهذيب" 3/ 489.]]، ثنا أبو بكر أمية بن بسطام [[هو: أمية بن بسطام بن المنتثسر، أبو بكر العيشي البصري، الحافظ الثقة، حدث عنه البخاري ومسلم في صحيحيهما، ومات سنة 231 هـ. انظر: "التاريخ الكبير" 2/ 11، و"سير أعلام النبلاء" 11/ 9، و"تهذيب التهذيب" 1/ 187.]]، أنبأ يزيد بن زريع [[هو: يزيد بن زريع العيشي، أبو معاوية البصري، ثقة ثبت حافظ، إليه المنتهى في التثبت بالبصرة، وهو من رجال الصحيحين والسنن الأربع، توفي سنة 182 هـ. انظر: "الكاشف" 2/ 382، و"تقريب التهذيب" 601 (7713)، و"تهذيب التهذيب" 4/ 411.]]، عن روح ابن القاسم [[هو: روح بن القاسم التميمي العنبري، أبو غياث البصري، كان ثقة ثبتًا حافظًا متقنًا، وهو من رجال الكتب الستة، توفي سنة 141 هـ. انظر: "الكاشف" 1/ 399، و"تقريب التهذيب" 211 (1970)، و"تهذيب التهذيب" 1/ 616.]]، عن سهيل، عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ فذكر الحديث. وأخبرناه أبو منصور عبد القاهر بن طاهر بن محمد بن إبراهيم بن يحيي التميمي [[تقدمت ترجمته عند ذكر شيوخ الواحدي.]] أنبا أبو عمرو إسماعيل بن أبي أحمد السلمي [[هو: إسماعيل بن نُجيد بن أحمد بن يوسف السلمي، النيسابوري، الصوفي، كبير الطائفة، وصنمه الذهبي بقوله: شيخ عصره، ومسند مصره. سمع عبد الله بن أحمد ابن حنبل ومحمد بن إبراهيم العبدي وغيرهما، وروى عنه جماعة منهم أبو منصور == البغدادي وأبو عبد الله الحاكم، وتوفي سنة 365 هـ. انظر: "سير أعلام النبلاء" 16/ 146، و"تاريخ الإسلام" (وفيات سنة 365 هـ) ص 235، و"الإكمال" لابن ماكولا 1/ 188.]]، أنبا، العبدي فذكره بإسناده، وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 74]. وقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ﴾، قال ابن عباس: ننتظر بكم [[ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 503، والفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 195.]]، ﴿أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ [[في (ي): (زيادة نصها: كما أصاب الأمم الخالية. اهـ. وهي التباس من الناسخ بسبب الجملة التالية.]]، قال: يريد بقارعة من السماء [[رواه الثعلبي في "تفسيره" 6/ 114 أبلفظ: الصواعق، ومثله ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 451.]]، وقال الكلبي: بعذاب من عنده كما أصاب الأمم الخالية [[لم أجد من نسبه للكلبي، وقد اعتمده الثعلبي في "تفسيره" 6/ 114 أ، والبغوي 4/ 58، والقرطبي 8/ 160 وغيرهم.]]. وقوله تعالى: ﴿أَوْ بِأَيْدِينَا﴾، قال ابن عباس: يريد بإذن الله لنا في قتلكم فنقتلكم [[ذكره ابن جرير في "تفسيره" 10/ 151، مختصرًا من رواية ابن جريج وهي منقطعة.]]، وقال ابن كيسان: أي إن أظهرتم ما في قلوبكم قتلناكم [[لم أجد من ذكره عنه، وقد اعتمده الثعلبي في"تفسيره" 6/ 114 أ.]]. وقوله تعالى: ﴿فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾، قال ابن عباس: فانتظروا [[في (ج): (وانتظروا).]] إنا معكم منتظرون [["تنوير المقباس" ص 195.]]، وقال الحسن: فتربصوا مواعيد الشيطان إنا معكم متربصون مواعبد الله، من إظهاره دينه واستئصال من خالفه [[رواه الثعلبي 6/ 114 أ، والبغوي 4/ 58.]] وكان الشيطان يمني المنافقين موت النبي -ﷺ- وهو قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور: 30]. وقال أبو إسحاق: يقول أنتم تربصون بنا إحدى الحسنيين، ونحن نتربص بكم إحدى السوأتين [[في "معاني القرآن وإعرابه": الشرتين. وفي "الوسيط" 2/ 0503 السوأتين أيضاً لكن المحققين أبدلوا اللفظ إلى: الشرين.]] فبين ما تنتظرونه وننتظر [[في (ج): (وينتظرون)، وفي "معاني القرآن وإعرابه": وننتظره.]] فرق عظيم [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 452.]]. وقال أهل المعاني: ومعنى صيغة الأمر في قوله: فتربصوا التهدد [[انظر: "مفاتيح الغيب" 16/ 90 ولم أجده عند أهل المعاني.]]، وذلك أن تربصهم تمسك بما يؤدي إلى الهلاك، وتربص المؤمنين تمسك بما يؤدي إلى النجاة، وهذا بيان عما يوجبه اختلاف أحوال المحق والمُبطل.

التوبة 9:53

قوله تعالى: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾، قال ابن عباس: نزلت في جد بن قيس حين قال للنبي ﷺ: ائذن لي في القعود وهذا مالي أعينك به [[رواه ابن جرير في "تفسيره" 10/ 152 بسند منقطع. ورواه أيضًا الثعلبي 6/ 114 أ، والبغوي 4/ 58، وقد سبق بيان أن أسانيد الثعلبي والبغوي لا يتميز غثها من سمينها وصحيحها من ضعيفها بسبب اكتفائهما بذكر الأسانيد في المقدمة.]]، قال الفراء والزجاج: هذا لفظ أمر، ومعناه معنى الشرط والجزاء، المعنى: إن أنفقتم طائعين أو مكرهين لن يتقبل منكم، وأنشدا قول كُثّير: أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ..... لدينا ولا مقلية إن تقّلت [[انظر: "ديوانه" 1/ 53، ونسب إليه في "لسان العرب" (قلا) 6/ 3731، و"زاد المسير" 3/ 451، ومعنى (تقلت) أي: تقلبت بمعنى: تبغضت. انظر: "اللسان"، الموضع السابق.]] [[الكلام السابق كله للزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 453، وللفراء نحوه في "معاني القرآن" 1/ 441.]] قال الزجاج: فلم يأمرها بالإساءة ولكن أعلمها أنها إن أساءت أو أحسنت فهو على عهدها [["معاني القرآن وإعرابه"، الموضع السابق.]]، ووقوع الأمر في موقع الخبر كوقوع لفظ الخبر في معني الأمر في الدعاء كقولك: غفر الله لفلان ورحمه، ومعناه: اغفر له وارحمه. قال الفراء: ومثل هذه الآية في قوله: ﴿أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المنافقون: 6] الآية [["معاني القرآن" 1/ 441.]]، ونذكره في موضعه إن شاء الله [[قال في هذا الموضع: (.. ثم ذكر أن استغفاره لا ينفعهم، فقال: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾. قال قتادة ومقاتل: نزلت هذه الآية بعد قوله: ﴿أَسْتَغْفَرَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية، ولك أنها لما نزلت قال نبي الله ﷺ: "خيرني ربي فلأزيدنهم على السبعين"، فأنزل الله هذه الآية).]]، وقال ابن عباس في قوله: ﴿طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ يريد: طائعين أو كارهين [["تنوير المقباس" ص 195 بمعناه.]]. وقوله تعالى: ﴿لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ﴾ الآية، قال [[ساقط من (ج) والقائل ابن عباس.]]: يريد [أنه [[ساقط من (ج).]] لا يتقبل من أعدائه صدقاتهم ونفقاتهم [[ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 504.]]، ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ قال: يريد] [[ما بين المعقوفين ساقط من (م).]] عاصين لله على غير طريقة الإسلام [["الوسيط"، الموضع السابق. وفي "تنوير المقباس" ص 195: منافقين.]].

التوبة 9:54

وقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ﴾ وقرئ: يقبل بالياء [[قرأ حمزة والكسائي وخلف (أن يقبل) بالياء، والباقون بالتاء. انظر: "الغاية في القراءات العشر" ص 165، و"إرشاد المبتدي" 353، و"تحبير التيسير" ص 120.]]، فمن قرأ بالتاء فلأن الفعل مسند إلى مؤنث، ومن قرأ بالياء ذهب إلى أن النفقات [[في (ي): (النفاق)، وهو خطأ.]] بمعنى الإنفاق [[ذكر أبو علي الفارسي في "الحجة" 4/ 196 وجهًا آخر للقراءة بالياء وهو أن التأنيث غير حقيقي.]]، كقوله: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ﴾ [البقرة: 275]. قال الفراء والزجاج وجميع النحويين: موضع (أن) الأولى نصب، والثانية في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ رفع، والتقدير: وما منعهم قبول نفقاتهم إلا كفرهم [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 442، و"معاني القرآن واعرابه" للزجاج 2/ 453، و"إعراب القرآن" للنحاس 2/ 25، و"مشكل إعراب القرآن" لمكي ص 330.]]، قال أهل العلم: وهذه الآية دليل على أن الكافر لا يقبل له عمل ولا يكتب له معروف، فإن أسلم كتب له ما أتاه من طاعة في الشرك [[انظر: "المحرر الوجيز" 6/ 524، و"الجامع لأحكام القرآن" 8/ 161، و"صحيح مسلم بشرح النووي" 2/ 140، و"فتح الباري" 1/ 99، وقد ذكر النووي رحمه الله أقوالاً كثيرة ثم قال: (وذهب ابن بطال وغيره من المحققين إلى أن الحديث -يعني: حديث حكيم الذي ذكره المؤلف- على ظاهره، وأنه إذا أسلم الكافر ومات على الإسلام يثاب على ما فعله من الخير في حال الكفر واستدلوا بحديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: "إذا أسلم الكافر فحسن إسلامه == كتب الله تعالى له كل حسنة زلفها، ومحا عنه كل سيئة زلفها" .. قال ابن بطال رحمه الله تعالى: بعد ذكره الحديث: "ولله تعالى أن يتفضل على عباده بما يشاء، لا اعتراض لأحد عليه" .. ثم قال النووي: وأما قول الفقهاء لا يصح من الكافر عبادة، يعتد بها، فمرادهم أنه لا يعتد له بها في أحكام الدنيا، وليس فيه تعرض لثواب الآخرة، فإن أقدم قائل على التصريح بأنه إذا أسلم لا يثاب عليها في الآخرة رد قوله بهذه السنة الصحيحة)، و"صحيح مسلم بشرح النووي" 2/ 140 - 143، وقال الحافظ ابن حجر: قال المازري: (الكافر لا يصح منه التقرب، فلا يثاب على العمل الصالح الصادر منه في شركه؛ لأن من شرط المتقرب أن يكون عارفاً لمن يتقرب إليه والكافر ليس كذلك)، ثم نقل رد النووي هذا القول، ثم قال: والحق أنه لا يلزم من كتابة الثواب للمسلم في حال إسلامه تفضلاً من الله وإحسانًا أن يكون ذلك لكون عمله الصادر منه في الكفر مقبولاً، والحديث إنما تضمن كتابة الثواب ولم يتعرض للقبول، ويحتمل أن يكون القبول يصير معلقًا على إسلامه فيقبل ويثاب إن أسلم وإلا فلا، وهذا قوي، و"فتح الباري" 1/ 99. قلت: والقول الأخير سالم من الاعتراضات وما قيل في غيره من مخالفة القواعد، وله نظائر في الشريعة ككون الدعاء يرد القضاء، وصلة الرحم تزيد العمر أي أن ذلك معلق بذلك، فإن دعا رد عنه القضاء، وإن وصل رحمه زاد عمره وإلا فلا.]]. قال حكيم بن حزام لرسول [[في (ج): (يا رسول).]] الله ﷺ: إنا كنا نتحنث بأعمال في الجاهلية، فقال رسول الله ﷺ: "أما أنت فقد أسلمت على ما قدمت من الخير" [[رواه البخاري في (1436)، كتاب: الزكاة، باب: من تصدق في الشرك ثم أسلم، ومسلم (123)، كتاب: الإيمان، باب: بيان حكم عمل الكافر إذا أسلم بعده، وأحمد في "المسند" 3/ 402.]]. قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾ مضى الكلام في (كسالى) في سورة النساء [142]. قال عطاء عن ابن عباس: يريد إن كان في جماعة صلى، وإن كان وحده لم يصل [[ذكره الرازي في "تفسيره" 16/ 90 ونسبه للمفسرين.]]، يريد إن صلى لم يرجُ لها ثوابًا، وإن تركها لم يخف عليها عقابًا، هذا معنى يأتونها [[في (ي): (يأتوها)، والصواب ما أثبته.]] كسالى، فإن قيل: أي صلاة تصح لهم حتى ذُموا بالكسل عنها؟ قيل: إنما ذمّوا بأنهم صلوها [[في (ي): (صلوا).]] على غير الوجه الذي أمروا به من النفاق الذي يبعث على الكسل عنها، دون الإيمان الذي يبعث على النشاط لها [[في (م): (بها).]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾، قال المفسرون: وذلك أنهم يعدون الإنفاق مغرمًا ومنعه مغنمًا [[انظر: "تفسير الثعلبي" 6/ 114 ب، والبغوي 4/ 58، وابن الجوزي 3/ 452.]]، وهذا يوجب أن تكون النفس طيبة عند أداء الزكاة والإنفاق في سبيل الله؛ لأن الله ذم المنافقين بكراهتهم الإنفاق وهذا معنى قوله -ﷺ-: "وأدوا زكاة أموالكم طيبة بها أنفسكم" [[هذا الحديث جزء من خطبة خطبها النبي -ﷺ- في حجة الوداع، وقد رواه بلفظ المصنف الإمام أحمد في "المسند" 5/ 262، ورواه بنحوه الترمذي (616)، كتاب: أبواب الصلاة، باب: ما ذكر في فضل الصلاة، وابن حبان في "صحيحه" (الإحسان)، كتاب: السير، باب: طاعة الأئمة، رقم (4563) 10/ 426، والحاكم في "المستدرك" كتاب: الزكاة 1/ 389، وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.]] فإن أداها وهو كاره لذلك كان من علامات الكفر والنفاق.

التوبة 9:55

قوله تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ﴾ الآية، معنى الإعجاب، السرور بما يتعجب منه، قال المفسرون: يقول لا تستحسن [[في (ي): (ما يستحسن).]] ما أنعمنا عليه من الأموال الكثيرة والأولاد، فإن العبد إذا كان مستدرجًا كثر ماله وولده [[انظر: "تفسير الثعلبي" 6/ 114 ب، والبغوي 4/ 59.]]، قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾ هو أن كثيراً من المنافقين كان لهم أولاد أتقياء كحنظلة بن أبي [[ساقط من (ي).]] عامر [[هو: حنظلة بن أبي عامر بن صيفي الأوسي الأنصاري، المعروف بغسيل الملائكة، وكان أبوه في الجاهلية يعرف بالراهب، ويذكر البعث ودين الحنيفية، فلما بعث النبي -ﷺ- حسده وعاداه، وخرج إلى مكة ثم إلى الروم للتأليب على المسلمين، وكان ابنه حنظلة حسن الإسلام، واستأذن النبي -ﷺ- في قتل أبيه فلم يأذن له، ولما سمع الهيعة يوم أحد خرج وعليه جنابة فقتل فغسلته الملائكة. انظر: "الاستيعاب" 1/ 432، و"الإصابة" 1/ 360 - 361.]]، غسلته الملائكة وعبد الله بن عبد الله بن أبيّ [[هو: عبد الله بن عبد الله بن أبي بن مالك الخزرجي الأنصاري، والده رأس المنافقين المعروف بابن أُبي بن سلول، وكانت سلول جدة له فعرف بها. كان عبد الله الابن حسن الإسلام، وشهد بدرًا، واستأذن النبي -ﷺ- في قتل أبيه فنهاه، واستشهد باليمامة في قتال مسيلمة الكذاب سنة 12 هـ. انظر: "الاستيعاب" 3/ 71، و"الإصابة" 2/ 335 - 336.]]، شهد بدرًا وكان من الله بمكان، وهم بشرٌ كثيرٌ صالحون أبرياء من النفاق [[لم أقف على مصدره.]]، يريد أن صلاح أولادهم لأنفسهم وهم لا يغنون عن هؤلاء شيئًا، وعلى هذا يحتمل [[في (ي): (محتمل).]] أن يكون المعنى في أموالهم [[في (ي). (أولادهم)، وهو وهم من الناسخ.]] ما ينفقون منها في سبيل الله ولا ينفعهم ذلك فإنه لا يقبل منهم [[حكى هذا القول القشيري كما في "البحر المحيط" 5/ 54 والمعنى المشهور أن == الآية كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 153، وابن عطية 6/ 525، وابن كثير 2/ 399.]]. [وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا﴾، قال النحويون: في الآية مقدر كأنه قيل: إنما يريد الله أن يملي لهم فيها ليعذبهم، فتكون هذه اللام لام العاقبة [[ذكر أبو حيان أن هذا القول للرماني المعتزلي، واستنكره. انظر: "البحر المحيط" 5/ 54.]]، ويجوز أن تكون هذه اللام بمعنى (أن) تعاقبها [[يعني أن اللام و (أن) تعتقبان وتحل إحداهما مكان الأخرى، كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: 26] أي: أن يبين لكم.]]] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ج).]]. وقوله تعالى: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، قال مجاهد [[رواه الثعلبي 6/ 114 ب، والبغوي 4/ 59.]]، وقتادة [[رواه ابن جرير 10/ 153، وابن أبي حاتم 6/ 1813، والثعلبي والبغوي، نفس الموضعين السابقين.]]، والسدي [[رواه ابن أبي حاتم والثعلبي، نفس الموضعين السابقين.]]: المراد بهذا: التقديم، على تقدير: أموالهم [[اختصر المؤلف الجملة، وفي "تفسير الثعلبي" والبغوي وغيرهما: فلا تعجبك أموالهم ... إلخ.]] وأولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة، وهذا يروى عن ابن عباس أيضًا: رواه الوالبي [[رواه ابن جرير 10/ 153، وابن المنذر كما في "الدر المنثور" 3/ 447.]]، ومن المفسرين من أقره في موضعه [[منهم الإمام ابن جرير حيث قال في "تفسيره" 10/ 153: (وأولى التأويلين بالصواب في ذلك عندنا، التأويل الذي ذكرنا عن الحسن؛ لأن ذلك هو الظاهر من == التنزيل، فصرف تأويله إلى ما دل عليه ظاهره أولى من صرفه إلى باطن لا دلالة على صحته)، واختاره أيضًا ابن كثير في "تفسيره" 2/ 399، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 8/ 164.]]، قال الحسن: إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا بأخذ الزكاة والنفقة في سبيل الله [[رواه ابن جرير 10/ 153، والثعلبي 6/ 114 ب، والبغوي 4/ 59.]]، وقال ابن زيد: يعذبهم بها في الحياة الدنيا بالمصائب فيها، فهي لهم عذاب وللمؤمن أجر [[رواه ابن جرير 10/ 153، وابن أبي حاتم 6/ 13.]]، وقيل: بالتعب في جمعه والوجل في حفظه والكره في إنفاقه [[انظر: "تفسير الثعلبي" 69/ 115 أ، والبغوي 4/ 59، ولم يعينا القائل.]]، والقولان ذكرهما الفراء [["معاني القرآن" 1/ 442.]]، والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 454.]]. وقوله تعالى: ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ﴾، قال ابن عباس: (يريد: وتموت أنفسهم) [[رواه بمعناه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 196.]]، يقال: زهقت نفسه فهي تزهق: أي تذهب [[انظر: "الصحاح" (زهق) 4/ 1493.]]، قال الكسائي: زهقت نفسه وزهقت لغتان [["تهذيب اللغة" (زهق) 2/ 1571.]]، وقال أبو زيد: (زهقت نفسه وزهق الباطل، وزهق إذا سبق، ليس في شيء منه زهق) [[المصدر السابق، نفس الموضع، بنحوه، والمقصود أن الفعل (زهق) دائمًا مفتوح الهاء، وقال الجوهري في "الصحاح" (زهق) 4/ 1493 حكى بعضهم: زهقت نفسه تزهق زهوقًا بالكسر، لغة في زهقت.]]، قال الزجاج: المعنى وتخرج أنفسهم وهم على الكفر [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 454، لكن بلفظ: وتخرج أنفسهم، أي: يغلظ عليهم المكروه حتى تزهق أنفسهم.]]. قال أصحابنا: وهذا نص في أن الله يريد أن يموتوا كافرين [[انظر: معنى هذا القول في "رسالة إلى أهل الثغر" ص 252، و"الغنية في أصول الدين" ص 130، وكتاب: "الإرشاد إلى قواطع الأدلة" ص192، و"تفسير الرازي" 16/ 95، والإرادة المذكورة هي الإرادة الكونية التي تستلزم الوقوع، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، أما من ناحية الإرادة الشرعية فالله لا يريد الكفر، كما قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: 55، 56] وهذه الإرادة لا تستلزم الوقوع.]].

التوبة 9:56

قوله تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾، قال أبو إسحاق: أي يحلفون بالله أنهم مؤمنون كما أنتم مؤمنون فأكذبهم الله بقوله: ﴿وَمَا هُمْ مِنْكُمْ﴾ [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 454 بنحوه.]]، قال ابن عباس: يريد أنهم ليسوا بأنصار ولا كرامة [["تنوير المقباس" ص 196 بمعناه.]]، وقال الزجاج: لأنهم يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 454.]].

التوبة 9:57

وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ أي: [يفرقون أن] [[ما بين المعقوفين ساقط من (م).]] يظهروا [[في (ي): (نظهر).]] ما هم عليه فيقتلوا، قال الضحاك: أي إنما يحلفون تقية [[رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 6/ 1814، وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 447.]]، والفرق: الخوف، ومنه قيل: رجل فروقة وهو الشديد الخوف. قوله تعالى: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ الملجأ: المكان الذي يتحصن فيه، ومثله اللجأ مقصور ومهموز [[في (ي): (مقصور مهموز)، وما أثبته موافق لـ"معاني القرآن وإعرابه".]]، قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 454.]]: وأصله من لجأ إلى كذا يلجأ لجأ، بفتح اللام وسكون الجيم، ومثله: إلتجأ [[كررت الكلمة في (ي).]]، وألجأته إلى كذا أي: اصطررته [[في (ي): (أضررته)، وهو خطأ.]] إليه، قال ابن عباس: يريد مهربًا [[ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 504، ورواه ابن جرير 10/ 155، وابن أبي حاتم 6/ 1814، بلفظ: الملجأ: الحرز في الجبال، كما رواه الثعلبي 6/ 115 أ، والبغوي 4/ 59، عن عطاء بلفظ المؤلف.]]. وقوله تعالى: ﴿أَوْ مَغَارَاتٍ﴾ هي جمع مغارة، وهي الموضع الذي تغور فيه أي: تستتر، قال أبو عبيدة: كل شيء غرت فيه فغبت فهي مغارة [[في (ي): (مغارات).]] لك [[عبارة أبي عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 262: (ما يغورون فيه فيدخلون فيه ويغيبون). اهـ. أما اللفظ الذي ذكره المؤلف فقد عزاه الثعلبي في "تفسيره" 6/ 115 أإلى الأخفش.]]، ومنه [[في (ي): (مثله)، وما أثبته من (ح) و (م) موافق لما في "تفسير الثعلبي".]] غار الماء في الأرض وغارت العين، قال عطاء، عن ابن عباس: يعني سراديب [[ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 504، والقرطبي 8/ 165، ورواه ابن جرير 10/ 155، وابن أبي حاتم 6/ 1814 بلفظ: (الغيران في الجبال)، كما رواه الثعلبي 6/ 115/ أ، والبغوي 4/ 59 بلفظ المؤلف عن عطاء.]]. وقوله تعالى: ﴿أَوْ مُدَّخَلًا﴾، قال الزجاج: أصله مدتخل والتاء بعد الدال تبدل دالاً؛ لأن التاء مهموسة والدال مجهورة، وهما من مكان واحد [[اهـ. كلام الزجاج، انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 455، وقد نقله الواحدي بمعناه.]]، وهو (مفتعل) من الدخول كالمتلج [[في (ج): (المبتلج).]] من [[في (ي): (في).]] الولوج، ومعناه المسلك الذي يتدسس بالدخول فيه، قال قتادة: سربا [[رواه ابن جرير 10/ 155، والثعلبي 6/ 115 أ، والبغوي 4/ 59.]]، وقال الكلبي وابن زيد: نفقا كنفق اليربوع [[رواه عنهما الثعلبي 6/ 115 أ، كما رواه عن الكلبي، البغوي 4/ 59.]]، وقال الضحاك: مأوى [[رواه الثعلبي، في المصدر السابق، نفس الموضع، ورواه ابن أبي حاتم 6/ 1815 عن الضحاك عن ابن عباس.]]، وقال الحسن: وجهاً يدخلونه [[رواه الثعلبي 6/ 115 ب، والبغوي 4/ 59 ولفظه عندهما: (وجهًا يدخلونه على خلاف رسول الله -ﷺ) اهـ. فالحسن -رحمه الله- يقصد أن هؤلاء المنافقين يتحينون الفرصة للخلاف والمشاقة والمعاندة، لا يقصد محسوسًا يسلكونه.]]. وقوله تعالى: ﴿لَوَلَّوْا إِلَيْهِ﴾، قال ابن قتيبة: لرجعوا إليه [[اهـ. كلام ابن قتيبة، انظر: "تفسير غريب القرآن" له ص 196.]] [وأدبروا إليه] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ج).]]، يقال: ولي إليه بنفسه إذا انصرف، وولى غيره: إذا صرفه [[في (ي): (أصرفه).]]. وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ أي: يسرعون إسراعًا لا يرد وجوههم شيء، ومن هذا يقال: جمح الفرس، وهو فرس جموح وهو [[في (ج): (وهذا)، وما أثبته موافق لما في "تهذيب اللغة".]] الذي إذا حمل لم [[في (ي): (لا)، وأثبت ما في (ح) و (م) لموافقته لما في "تهذيب اللغة".]] يرده اللجام [[انظر: "تهذيب اللغة" (جمح) 1/ 645.]]، قال ابن عباس: ﴿وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ [[ما بين المعقوفين ساقط من (م).]]: يريد مثل ما يجمع الفرس [[في "تنوير المقباس" ص 196: يهرولون هرولة.]]، قال ابن كيسان والزجاج وغيرهما: معنى الآية أن هؤلاء المنافقين لا بصيرة لهم في الدين ولا احتساب، وإنما هم فيه كالمسخرين، حتى لو وجدوا أحد هذه الأشياء التي ذكرت لأسرعوا إليه طلبًا للفرار [[لم أعثر على هذا القول في مظانه من كتب التفسير، ولم يذكره الزجاج في "معاني القرآن وإعرابه"، ومعناه في "البرهان" للحوفي 11/ 209 أمنسوبًا لابن عباس ومجاهد وقتادة.]].

التوبة 9:58

وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ الآية، قال أبو سعيد الخدري: بينما رسول الله -ﷺ- يقسم مالاً إذ جاءه ابن ذي [[في (ج) و (ي): (ابن الخويصرة. وآثرت ما في (م) لموافقته لما في "صحيح البخاري"، و"تفسير الثعلبي"، و"أسباب النزول" للمؤلف.]] الخويصرة التميمي وهو حرقوص بن زهير [[هو: حرقوص بن زهير السعدي التميمي، ذكره الطبري في "تاريخه" 4/ 76 فقال: (إن الهرمزان الفارسي -صاحب خوزستان- كفر ومنعه ما قبله، واستعان بالأكراد، فكثف جمعه، فكتب سلمى ومن معه بذلك إلى عتبة بن غزوان، فكتب عتبة إلى عمر بن الخطاب، فكتب إليه عمر يأمره بقصده، وأمدّ المسلمين بحرقوص بن زهير السعدي، وكانت له صحبة من رسول الله -ﷺ-، وأمَّره على القتال وعلى ما غلب عليه، فاقتتل المسلمون والهرمزان، وانهزم الهرمزان، وفتح حرقوص سوق الأهواز، ونزل بها، وله أثر كبير في قتال الهرمزان، وبقي حرقوص إلى أيام علي، وشهد معه صفين، ثم صار من الخوارج، ومن أشدهم على علي بن أبي طالب، وكان من الخوارج لما قاتلهم علي، فقتل يومئذ سنة 37 هـ. اهـ. وانظر: "أسد الغابة" 1/ 474، و"الإصابة" 1/ 320. وعندي شك أن ابن ذي الخويصرة هو حرقوص المذكور، فقد روى البخاري في "صحيحه"، (6933) كتاب استتابة المرتدين، باب: من ترك قتال الخوارج للتألف 9/ 30 عن أبي سعيد قال: بينا النبي -ﷺ- يقسم جاء عبد الله بن ذي الخويصرة التميمي فقال: اعدل يا رسول الله ﷺ:فقال. "ويلك من يعدل إذا لم أعدل؟! " قال عمر بن الخطاب: دعني أضرب عنقه، قال: "دعه، فإن له أصحابًا يحقر أحدكم صلاته مع صلاته، وصيامه مع صيامه، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرَّميَّة .. "الحديث فهذا يفيد: == أولاً: أن اسم ابن ذي الخويصرة عبد الله. ثانيًا: أن عمر -رضي الله عنه- كان حاضرًا القصة وكان شديدًا على الرجل، فهل يليق بالفاروق أن يوليه قيادة الجيوش، وإمرة ما فتح بعد أن سمع نعته من رسول الله -ﷺ-؟!. ويؤكد هذا الشك ما ذكر الحافظ ابن حجر عن الهيثم بن عدي قال: إن الخوارج تزعم أن حرقوص بن زهير كان من أصحاب النبي -ﷺ- وأنه قتل معهم يوم النهروان، قال: فسألت عن ذلك، فلم أجد أحدًا يعرفه. "الإصابة" 1/ 320.]]، أصل الخوارج، فقال: اعدل يا رسول الله، فقال: "ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل؟! " فنزلت هذه الآية [[رواه بنحوه مطولاً البخاري في "صحيحه" في عدة مواضع منها (6933) كتاب استتابة المرتدين .. باب: من ترك قتال الخوارج للتألف، ومسلم (148)، كتاب: الزكاة، باب: ذكر الخوارج وصفاتهم، وأحمد في "المسند" 3/ 56، ورواه بلفظ المؤلف مطولاً الثعلبي في "تفسيره" 6/ 116 أ، ومن طريقة المؤلف في "أسباب النزول" ص 248.]]. وقال الكلبي: نزلت في المؤلفة قلوبهم وهم المنافقون [[المؤلفة قلوبهم في عهد رسول الله -ﷺ- ليسوا منافقين، بل صنفان: الأول: كفار صرحاء فأعطاهم النبي تأليفًا لهم على الإسلام كصفوان بن أمية. انظر: "الإصابة" 2/ 187. الثاني: حديثو عهد بإسلام ولم يتمكن الإيمان من قلوبهم، كأبي سفيان بن حرب، والحارث بن هشام، وعيينة بن حصن وغيرهم. انظر: "المعارف" ص 192.]]، قال رجل منهم يقال له أبو الجواظ [[لم أجد له ترجمة، والكلبي كذاب لا يوثق بروايته، انظر: "تهذيب التهذيب" 3/ 569.]]: لم تقسم بالسوية فأنزل الله هذه الآية [[رواه الثعلبي 6/ 116 ب، والبغوي 4/ 60، وذكره المؤلف بغير سند في "أسباب النزول" ص 253 - 254.]]. ونحو ذلك قال ابن زيد. هؤلاء المنافقون قالوا: والله [[ساقط من (ي)، وما أثبه موافق لـ "تفسير ابن جرير".]] ما يعطيها محمد إلا من [[في (ي): (لمن)، وما أثبته موافق لـ"تفسير ابن جرير".]] أحب ولا يؤثر بها [[ساقط من (ي). واللفظ ثابت في (ج) و (م) و"تفسير ابن جرير".]] إلا هواه [[رواه ابن جرير 10/ 157.]]. قال الليث: اللمز كالغمز في الوجه، رجل لمزة يعيبك في وجهك [ورجل همزة يعيبك بالغيب [["تهذيب اللغة" (لمز) 4/ 3296، ونحوه في كتاب "العين" (لمز) 7/ 272.]]] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]]، وقال الزجاج: يقال: لمزتُ الرجل ألمزه بكسر الميم، ولَمُزت بضم الميم [[اضطرب قول الزجاج في النسخة (ج) ونصه فيها: (يقال: لمزه الرجل بكسر الميم، واللُمزة بضم الميم: إذا عبته) وما أثبته موافق لما في "معاني القرآن وإعرابه".]]: [إذا عبته] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]] وكذلك همزته أهمزه: إذا عبته، والهمزة اللمزة الذي يغتاب الناس ويغضهم [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 455، وتفسير الهمزة اللمزة ليس فيه، بل في "تهذيب اللغة" (لمز) 4/ 3296.]]، وكذلك قال ابن السكيت، ولم يفرق بينهما [[انظر: "المشوف المعلم في ترتيب الإصلاح على حروف المعجم" (لمز) 2/ 682، و (همز) 2/ 810 حيث لم يفرق ابن السكيت بينهما، وانظر أيضًا: "تهذيب اللغة" (لمز) 4/ 3296.]]، وكذلك قال الفراء [["معاني القرآن" 3/ 289 وعبارته: .. يهمز الناس ويلمزهم: يغتابهم ويعيبهم.]]. قال الأزهري: وأصل الهمزة واللمز الدفع، قال الكسائي: يقال: همزته ولمزته ولهزته [[في (ي): (ونهرته)، والصواب ما أثبته وهو موافق لما في "تهذيب اللغة".]]: إذا دفعته [["تهذيب اللغة" (لمز) 4/ 3296، والكسائي يعني أن أصل تلك الكلمات: == الدفع كما بينه أبو منصور الأزهري في الموضع نفسه، ولا يعني أن معنى الآية كذلك.]]. قال ابن عباس في رواية عطاء: يلمزك يغتابك [[رواه الثعلبي 6/ 116 ب عن عطاء.]]. وقال قتادة: يطعن عليك [[رواه ابن جرير 10/ 156.]]. وقال الكلبي: ﴿يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ أي: يعيبك في أمرها، ويطعن عليك فيها [[ذكره مختصرًا الرازي في "تفسيره" 16/ 98، ونحوه في "تنوير المقباس" ص 196 عنه عن ابن عباس.]]. وقال أبو علي: المعنى في حذف الإضافة والتقدير: يعيبك في تفريق الصدقات [["الحجة للقراء السبعة" 4/ 198.]]. وقال أهل المعاني: هذه [[ساقط من (ج).]] الآية بيان عما يوجبه الخلق الدني [[في (ج): (الذي)، وهو خطأ.]] من الشره إلى الصدقة حتى يعيب ما لا عيب فيه إذا لم يعطه ما يرضيه [[القول بنصه للحوفي في "البرهان" 11/ 211 أ.]]. وقال جويبر عن الضحاك في هذه الآية: كان رسول الله -ﷺ- يقسم بينهم ما آتاه الله من قليل المال وكثيره، وكان المؤمنون يرضون بما أعطوا ويحمدون الله عليه، وأما المنافقون فإن أعطوا كثيراً فرحوا، وإن أعطوا قليلاً سخطوا [[رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 6/ 1816.]].

التوبة 9:59

قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا﴾ الآية، جواب (لو) محذوف بتقدير: لكان خيرًا لهم، وأعود عليهم [[رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 6/ 1816. في "لسان العرب" (عود) 5/ 3157: قال الليثُ: هذا الأمر أعود عليك: أي أرفق بك وأنفع؛ لأنه يعود عليك برفق ويسر.]]، قال ابن عباس: ولكن غلب عليهم النفاق، ولم يحق الإيمان في قلوبهم، فيتوكلوا على الله حق توكله [[لم أقف على مصدره.]]. ثم إن الله تعالى بين لمن الصدقات فقال:

التوبة 9:60

﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ الآية، قال ابن عباس: يريد صدقات الأموال [[لم أقف على مصدره.]]. وذكرنا معنى الصدقة عند قوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: 271] الآية [[انظر: "النسخة الأزهرية" 1/ 161 أحيث قال: الصدقة تطلق على الفرض والنفل، والزكاة لا تطلق إلا على القرض، قال الزجاجي: (ص د ق) على هذا الترتيب موضوع للصحة والكمال، من ذلك قولهم: رجل صدق النظر، وصدق اللقاء وصدقوهم القتال، وفلان صادق المودة .. وسمى الله تعالى الزكاة صدقة؛ لأن المال بها يصح ويكمل، فهي سبب لكمال المال.]]. واختلفوا في معنى الفقير والمسكين، والكلام في اشتقاقهما قد سبق [[ذكر الكلام في اشتقاق المسكنة عند تفسير الآية 61 من سورة البقرة، وذكر اشتقاق الفقير عند قوله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ [البقرة: 268]، وأصله في اللغة: المفقور الذي نزعت فقرة من فقر ظهره، فكأنه انقطع ظهره من شدة الفقر، فصرف من مفقور إلى فقير، كما قيل: مجروح وجريح. انظر: "تهذيب اللغة" (فقر) 3/ 2812 - 2813، و"اللسان" (فقر) 6/ 3444.]]، فأما معناهما: فقال ابن عباس والحسن وجابر بن زيد [[هو: جابر بن زيد الأزدي اليحمدي مولاهم، البصري، المعروف بأبي الشعثاء، كان عالم أهل البصرة، في زمانه، وفي طبقة الحسن البصري وابن سيرين، ومن كبار تلاميذ ابن عباس، كان لبيبًا مجتهدًا في العبادة، توفي سنة 93هـ. == انظر: "التاريخ الكبير" 2/ 204، و"حلية الأولياء" 3/ 85، و"سير أعلام النبلاء" 4/ 481، و"تهذيب التهذيب" 2/ 279.]] والزهري ومجاهد وابن زيد: الفقير: المتعفف الذي لا يسأل الناس [[ساقط من (م).]]، والمسكين الذي يسأل [[أخرج آثارهم بألفاظ متقاربة ابن جرير 10/ 158 - 160، والثعلبي 6/ 117 أ، كما خرج أكثرها السيوطي في "الدر المنثور" 3/ 449 - 450.]]، وهذا اختيار الفراء، قال: الفقراء أهل الصفة لم تكن لهم عشائر ولا مال كانوا يأوون إلى مسجد رسول الله -ﷺ- والمساكين: الطوافون على الأبواب [["معاني القرآن" 1/ 443 بتصرف ويعني الفراء التمثيل بأهل الصفة لا الحصر.]] [[رجح هذا القول أبو جعفر النحاس في "الناسخ والمنسوخ" 2/ 446 وأيده بالحجج النقلية واللغوية، ورد ما يمكن أن يعترض به عليه. وقد قال قبل ذلك: إن قول من قال: المسكين كذا، والفقير كذا، لم يقل إنه لا يقال لغيره مسكين ولا فقير. وانظر أيضًا: "تفسير الطبري" 10/ 159 - 160 فهو يؤيد هذا القول.]]. وسئل أبو العباس عن تفسير الفقير والمسكين فقال: قال أبو عمرو بن العلاء فيما روى عنه [[في (ج): (عن)، وما أثبته موافق لما في "تهذيب اللغة".]] الأصمعي: الفقير [الذي له ما يأكل، والمسكين الذي لا شيء له [["تهذيب اللغة" (فقر) 3/ 2812.]]. وقال يونس [[هو: يونس بن حبيب البصري.]]:] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]] الفقير يكون له بعض ما يقيمه، والمسكين الذي لا شيء له، وقال [[ساقط من (ي)، والقائل يونس كما بينه الأزهري المصدر التالي.]]: قلت لأعرابي أفقير أنت؟ قال: لا والله بل مسكين، قال: فالمسكين أسوأ حالاً من الفقير، والفقير الذي له بلغة من العيش [[انظر أقوال يونس في "تهذيب اللغة" (فقير) 3/ 2813.]]، ونحو هذا قال ابن السكيت [[انظر: "المشوف المعلم في ترتيب الإصلاح على حروف المعجم" (فقر) 2/ 572.]] وابن قتيبة [[انظر: "تفسير غريب القرآن"، له ص 196.]]، وهو مذهب أهل العراق [[انظر: "بدائع الصنائع" 2/ 901، و"المغني" لابن قدامة 9/ 306، 307، و"تفسير البغوي" 4/ 62، و"حاشية ابن عابدين" 2/ 339.]]، واحتجوا على هذا بقول الراعي: أما الفقير الذي كانت حلوبته ... وفق العيال فلم يترك له سبد [[انظر: "ديوانه" ص 64 ونسب إليه أيضاً في: "طبقات فحول الشعراء" 1/ 511، و"لسان العرب" (فقر)، و"المخصص" 12/ 285. والسبد: الوبر، والعرب تقول: ما له سبد ولا لبد، أي ماله ذو وبر ولا صوف متلبد، انظر: "لسان العرب" (سبد) 4/ 1918، والشاعر يشكو السعاة والعاملين على الصدقات من قبل عبد الملك بن مروان، ويقول: إنهم لم يرحموا أحدًا حتى الفقير الذي لا يملك إلا ناقة حلوبًا على قد عياله، أخذت منه، ولم يترك له شيء.]] فسماه فقيرًا، وله حلوبة تكفيه وعياله [[ذكر الأزهري أنه لا حجة في هذا البيت؛ لأن المعنى: كانت لهذا الفقير حلوبة فيما مضى دون الحالة الحاضرة. انظر: "تهذيب اللغة" (فقر) 3/ 2813، وسبقه أبو بكر بن الأنباري في "الزاهر في معاني كلمات الناس" 1/ 128.]]. وقال محمد بن مسلمة [[في (ي): (سلمة)، وما أثبته موافق لمصدري تخريج القول.]] [[هو: محمد بن مسلمة بن الوليد، أبو جعفر الواسطي الطيالسي، محدث معمر، قال الدارقطني: لا بأس به، وقال الخطيب: رأيت أبا القاسم اللالكائي والحسن بن محمد الخلال يضعفانه، قال: وله مناكير، توفي سنة 282 هـ. انظر: "تاريخ بغداد" 3/ 305، و"سير أعلام النبلاء" 13/ 395. أقول: هذا ما ترجح لدي أنه المذكور، ولست على يقين بذلك وأستبعد أن يكون هو محمد بن مسلمة ألأنصاري الصحابي كما جزم بذلك مفهرس "تفسير القرطبي" 22/ 326؛ ألأن النص في "تفسير الثعلبي" طويل، وفيه تعليلات لم يعهد مثلها في == كلام الصحابة، ونص قوله: .. (والمسكين: الذي لا ملك له، قال: وكل محتاج إلى شيء فهو مفتقر إليه، وإن كان غنيًا عن غيره، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر: 15]، والمسكين المحتاج إلى كل شيء، ألم تر كيف حض على إطعامه ..) إلخ. انظر: "تفسير الثعلبي" 6/ 117 ب.]]: الفقير الذي له المسكن يسكنه والخادم يخدمه [[هذا خلاف ما رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو، وسأله رجل فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال له عبد الله: ألك امرأة تأوي إليها؟ قال: نعم، قال ألك مسكن تسكنه؟ قال: نعم. قال: فأنت من الأغنياء، قال: فإن لي خادمًا، قال: فأنت من الملوك. "صحيح مسلم" (2979) كتاب: الزهد.]]، والمسكين الذي لا ملك له [["تفسير الثعلبي" 6/ 117 ب، والقرطبي 8/ 171.]]، وهؤلاء قالوا [[في "تفسير الثعلبي" القائل هو: محمد بن مسلمة.]]: كل محتاج إلى شيء فهو مفتقر إليه وإن كان غنيًا عن غيره، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر: 15] والمسكين المحتاج إلى كل شيء، ألا ترى كيف حض على إطعامه وجعل الكفارات من الأطعمة له ولا فاقة أعظم من سد الجوعة. وقال الشافعي: الفقراء: الزمنى الضعاف الذي لا حرفة لهم وأهل الحرفة الضعيفة التي لا تقع حرفته من حاجتهم موقعًا، [والمساكين: السؤال ممن لهم حرفة تقع موقعًا] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ج).]] ولا تغنيه وعياله [["الأم" 2/ 110.]]، فالفقير أشدهما حالاً عند الشافعي وإلى هذا ذهب جماعة [[ساقط من (ج). وانظر: "كتاب الأموال" ص 717 - 719؛ و"المغني" 9/ 306، و"لسان العرب" (فقر) 6/ 3444 - 3445.]]، وقال أحمد بن عبيد [[هو: أحمد بن عبيد بن ناصح الديلمي ثم البغدادي، أبو جعفر النحوي، المعروف == بأبي عصيدة، من نحاة الكوفة، كان نحويًّا محدثًا رأسًا في العربية من أهل الصدق، وهو من تلاميذ الأصمعي ومن شيوخ أبي بكر بن الأنباري، توفي سنة 278 هـ. انظر: "تاريخ بغداد" 4/ 258، و"نزهة الألباء" ص 158، و"وإنباه الرواة" 1/ 119.]]: المسكين أحسن حالاً من الفقير؛ لأن الفقير أصله في اللغة المفقور الذي نزعت فقرة من فقر ظهره، فصرف عن مفقور إلى فقير كما قيل: مطبوخ وطبيخ ومجروح وجريح [[ذكره بنحوه أبو بكر بن الأنباري في كتابه "الزاهر في معاني كلمات الناس" 1/ 128، وانظر أيضًا: "تهذيب اللغة" (فقر) 3/ 2813، (سكن) 2/ 1724.]]. وقال خالد بن يزيد [[هو أبو الهيثم الرازي.]]: كأن الفقير إنما سمي فقيرًا لزمانة تصيبه مع حاجة شديدة، تمنعه الزمانة من التقلب في الكسب على نفسه فهذا هو الفقير [[اهـ. كلام خالد بن يزيد في "تهذيب اللغة" (فقر) 3/ 2813.]]، ولا حال في الإقلال والبؤس هي أوكد من هذه الحال، وأنشدوا للبيد: لما رأى لبد النسور تطايرت ... رفع القوادم [[في (ي): (الفقير)، وهو خطأ.]] كالفقير الأعزل [[البيت في "ديوان لبيد" ص34، وفي "شرحه" ص 274، ونسب إليه أيضًا في "تهذيب اللغة" (فقر) 3/ 2813، و"لسان العرب" (فقر) 6/ 3445. ولبد: هو النسر السابع من نسور لقمان بن عاد، والأعزل من الخيل: المائل الذنب. والشاعر يذكر قصة متداولة عند العرب؛ إذ يقال أن لقمان بن عاد خُيّر في عمره، فاختار أن يكون كعمر سبعة أنسر، فكان يأخذ فرخ النسر فيجعله في فجوة في الجبل الذي هو في أصله، فيعيش الفرخ خمسمائة سنة أو أقل أو أكثر، فإذا مات أخذ آخر مكانه، حتى هلكت ستة، فأخذ السابع وسماه لبدًا، وكان أطولها عمرًا حتى ضرب به المخل، فقيل: طال الأبد على لبد، ثم هلك النسر، فمات لقمان، وقد زعموا أنه عاش ثلاثة آلاف وخمسمائة سنة. انظر: "شرح ديوان لبيد" ص 274، و"مجمع الأمثال" 1/ 429.]] قال ابن الأعرابي في هذا البيت: الفقير: المكسور الفقار يضرب مثلاً لكل ضعيف لا ينفذ في الأمور [["تهذيب اللغة" (فقر) 3/ 2813.]]. وقال قتادة: الفقير: الزمن المحتاج، والمسكين: الصحيح المحتاج [[رواه ابن جرير 10/ 158، وابن أبي حاتم 6/ 1819 - 1820، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 3/ 449، وزاد: عبد الرزاق وابن المنذر والنحاس وأبو الشيخ.]]، فجعل الفقير أسوأ حالاً، ومما يدل على صحة هذا القول أن الله ابتدأ بذكرهم، فدل أنهم أولى الأصناف بالصدقات لسوء حالهم، وما روي أن رسول الله -ﷺ- تعوذ من الفقر [[رواه أبو داود (1544) كتاب: الصلاة، باب: في الاستعاذة، والنسائي في "سننه" كتاب: الاستعاذة، الاستعاذة من القلة 8/ 261، وابن ماجه (2842)، كتاب: الدعاء، باب: ما تعوذ منه رسول الله -ﷺ-، وأحمد في "المسند" 2/ 305، والحاكم في "المستدرك"، كتاب: الدعاء 1/ 541. وقال: صحيح الإسناد. اهـ. ولفظ الحديث عنده وعند أحمد: "اللهم إني أعوذ بك من الفقر والقلة .. " الحديث.]]، وروي عنه أنه قال: "اللهم أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينًا [[قال ابن الأثير: أراد به التواضع والإخبات، وأن لا يكون من الجبارين المتكبرين. "النهاية في غريب الحديث" (سكن) 2/ 385، ونحوه في "السنن الكبرى" للبيهقي 7/ 19.]]، واحشرني في زمرة المساكين" [[رواه الترمذي (2352) كتاب: الزهد، باب: ما جاء أن فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم، وقال: حديث غريب، وابن ماجه (4126)، كتاب: الزهد، باب. مجالسة الفقراء، والحاكم في "المستدرك" كتاب: الرقاق 4/ 322، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وهو وهم منهما؛ لأن جميع أسانيد الحديث لا تخلو من قادح، ولذا قال الألباني بعد أن ذكر من صححه: (وهذا عجيب منهم، خاصة الذهبي فقد أورد يزيد بن خالد هذا في "الضعفاء" ص 207، == و"الميزان" 6/ 95، وساق أقوال الأئمة فيه، وكلها تتفق على تضعيفه، وساق له أحاديث فيما أنكرت عليه هذا أحدها). ثم ساق الألباني شاهدين ضعيفين للحديث ثم قال: (والخلاصة: أن جميع طرق الحديث لا تخلو من قادح، إلا أن مجموعها يدل على أن للحديث أصلاً، فإن بعضها ليس شديد الضعف كحديث أبي سعيد وعبادة، والأحاديث تصل بمجموعها إلى درجة الحسن. يعني: الحسن لغيره). انظر: "إرواء الغليل" رقم (8611) 3/ 358 - 363.]]. فلو كان المسكين أسوأ حالاً من الفقير لتناقض الحديثان؛ لأنه يتعوذ من الفقر ثم يسأل حالاً أسوأ منه، ولا تناقض بينهما؛ لأنه تعوذ بالله من الضر [[في (ج): (الضرر).]]، وسوء الحال، وسأله الخضوع وأن لا يجعله من الجبارين. والمسكنة حرف مأخوذ من السكون، يقال: تمسكن الرجل: إذا لان وتواضع وخشع، ومنه قول النبي -ﷺ-: "تبأس وتمسكن" [[هذا بعض حديث رواه أبو داود (1296)، كتاب: الصلاة، باب: في صلاة النهار، وابن ماجه (1325)، كتاب: إقامة الصلاة، باب: ما جاء في صلاة الليل والنهار مثنى مثنى.]] يريد: تواضع وتخشع، فيجوز أن يكون الرجل يملك شيئًا، وله حالة من الدنيا، ويكون مسكيناً على ما ذكرنا، ألا ترى أن الله تعالى استجاب دعاء نبيه -عليه السلام- وأعاذه من الفقر؛ لأنه قبضه موسرًا غنيًا بما أفاء عليه، وإن كان لم يضع درهمًا على درهم، والله -عز وجل- يقول: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: 8]. هذا الذي ذكرنا كلام ابن قتيبة في هذين الحديثين [[انظر: "تأويل مختلف الحديث" ص 196.]]. واحتد ابن الأنباري لهذه [[في (ج): (بهذه).]] الطريقة بقوله: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ} [الكهف: 79] الآية، فوصف بالمسكنة من له سفينة من سفن البحر تساوي جملة من الدنانير [[ليس في هذا دليل على ما ذكر؛ لأن العرب تطلق لفظ المسكين على الذليل الخاضع، فإن كان الذي أذله هو الفقر، كان فقيرًا مسكينًا، وإن كان الذي أذلة غير الفقر، فهو مسكين غير فقير، كما أشار إلى ذلك المؤلف، قال ابن عرفة بعد أن ذكر نحو ما سبق: "إذا كان مسكينًا قد أذله سوى الفقر فالصدقة لا تحل له، إذ كان شائعًا في اللغة أن يقال: ضرب فلان المسكين، وظلم المسكين، وهو من أهل الثروة واليسار". "لسان العرب" (فقر) 6/ 3444.]]، وبقوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16)﴾ [البلد: 14 - 16]، ومسكين ذو متربة: هو الفقير الذي قد لصق بالتراب من شدة الفقر، والمسكين الذي ليس بذي متربة هو أحسن حالاً من الفقير؛ لأنه ذو مال، ونعت الله تعالى هذا المسكين بأنه ذو متربة يدل على أن ثم مسكينًا ليس بذي متربة يخالف المنعوت ولا يبلغ منزلته في شدة الفقر. وأما احتجاجهم ببيت الراعي، قلنا: قد ذكر الفقير وحده وكل فقير أفردته بالاسم جاز إطلاق المسكين عليه، وكذلك إطلاق الفقير على المسكين، وإنما يتبين مقصود هذه المسألة عند الجمع بينهما وفائدة هذا الخلاف لا تبين في تفريق الصدقات، وإنما تبين في الوصايا، وهو أن رجلاً لو [[ساقط من (ي).]] قال: أوصيت للفقراء بمائتين وللمساكين بخمسين وجب [[في (ج): (يوجب).]] دفع المائتين إلى من هو أسوأ حالاً من الفريقين. ومن الناس من سوى بين الفقير والمسكين وقال: هما واحد إلا أنه ذكر [[في (ي): (ذكرنا).]] بالصفتين لتأكيد أمره [[ذكر القرطبي في "تفسيره" 8/ 169، 170 أن هذا أحد قولي الشافعي، وإليه ذهب أبو يوسف وابن القاسم وسائر أصحاب مالك، وانظر: "حاشية ابن عابدين" 2/ 339.]]. والظاهر من هذه الأقوال الذي يوافق اللغة قول قتادة، هو أن الفقير ذو الزمانة سنة من أهل الحاجة، والمسكين الصحيح منهم، وهو في اللغة (مفعيل) من السكون مثل المنطيق من النطق، ومضى الكلام فيه عند قوله تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ [البقرة: 61]. وحدّ الفقير والمسكين الذي يجوز دفع الزكاة إليه هو من لا يفي دخله بخرجه. وقوله تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾، قال ابن عباس: يريد الذين يستخرجونها [[رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 6/ 1821 بلفظ: السعاة أصحاب الصدقة.]]. وقال الزهري وابن زيد: هم السعاة لجباية الصدقة [[رواه ابن جرير 10/ 160 مختصرًا عن الزهري، وبمعناه عن ابن زيد.]]. وهؤلاء يعطون من الصدقات بقدر أجور أمثالهم، وهو مذهب الشافعي [[انظر: "الأم" 2/ 111.]]، وقول عبد الله بن عمرو [[في (ي): (عمر)، والصواب ما أثبته، وانظر قوله في "تفسير ابن جرير" 10/ 161، والثعلبي 6/ 118 ب.]]، وابن زيد [[رواه ابن جرير 10/ 161، والثعلبي 6/ 118 ب.]]، وقال مجاهد والضحاك: يعطون الثُّمُن من الصدقات [[رواه ابن جرير 10/ 160 - 161 بإسنادين ضعيفين، ففي سنده عن مجاهد مجهول، ومسلم بن خالد الزنجي قال الحافظ ابن حجر في "تقريب التهذيب" ص 529 (6625): صدوق كثير الأوهام، وفي سنده عن الضحاك ضعيف، وهو جويبر.]]. والصحيح أن الهاشمي والمطلبي [[الهاشمي: نشة إلى هاشم بن عبد مناف بن قصي، والمطلبي: نسبة إلى المطلب بن عبد مناف بن قصي. انظر: "السيرة النبوية" 1/ 118.]] لا يجوز أن يكون عاملاً على الصدقات [بعمالة منها؛ لأن رسول الله -ﷺ- أبي أن يبعث أبا رافع [[للنبي ﷺ موليان بهذا الاسم، أبو رافع عبد أبي أحيحة، وقد أعتق كل من بنيه نصيبه منه سوى واحد فإنه وهب نصيبه للنبي ﷺ فأعتقه، والثاني أبو رافع القبطي وقد أفاد الذهبي أنه هو المذكور في حديث الصدقة، واختلف في اسمه، فقيل: أسلم، وقيل: إبراهيم، وقيل غير ذلك، والأول أشهر، كان عبدًا للعباس فوهبه للنبي ﷺ، فلما أن بشر النبي -ﷺ- بإسلام العباس أعتقه، وكان ذا علم وفضل، وقد شهد غزوة أحد وما بعدها، وتوفي بالكوفة سنة 40 هـ. وقيل قبل ذلك: انظر: "المعارف" ص 85، و"سير أعلام النبلاء" 2/ 16، و"الإصابة" 4/ 67 - 68 (396).]] عاملاً على الصدقات] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ج).]]، وقال: "أما علمت أن مولى القوم منهم؟! " [[رواه النسائي في "سننه"، كتاب: الزكاة، باب: مولى القوم منهم 5/ 107، والترمذي (657)، كتاب: الزكاة، باب: ما جاء في كراهية الصدقة للنبي .. ، وأبو داود (1650)، كتاب: الزكاة، باب: الصدقة على بني هاشم، وأحمد في "المسند" 6/ 8، والحديث بنحوه دون ذكر أبي رافع في "صحيح البخاري" (6761)، كتاب: الفرائض، باب: مولى القوم من أنفسهم.]]. وقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾، قال ابن عباس: هم قوم من أشراف العرب استألفهم رسول الله ﷺ ليردوا عنه قومهم ويعينوه على عدوه، منهم عباس بن مرادس السلمي، وعيينة بن حصن الفزاري [[هو: عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري، أبو مالك، زعيم فزارة وغطفان، أسلم قبل فتح مكة وشهدها، وشهد حنينًا والطائف، ثم ارتد في عهد أبي بكر ثم عاد إلى الإسلام، وكان من المؤلفة قلوبهم، وفيه جفاء البادية، مع حمق وتيه، توفي في خلافة عثمان -رضي الله عنه-.= انظر: "المعارف" ص 171، و"الإصابة" 3/ 54 (6151).]]، والأقرع بن حابس التميمي [[هو: الأقرع بن حابس بن عقال بن محمد المجاشعي الدارمي التميمي، من زعماء بني تميم، أسلم قبل فتح مكة وشهد فتحها وحنينًا والطائف، وكان من المؤلفة قلوبهم، ثم حسن إسلامه، وكان حكيمًا شريفًا في الجاهلية والإسلام، قتل بجوزجان في خلافة عثمان رضي الله عنهما. انظر: "السيرة النبوية" 4/ 135، 141، 143، و"الإصابة" 1/ 58.]]، والحارث بن هشام المخزومي، وأبو سفيان بن حرب الأموي، وجماعة [[ذكر نحوه الرازي في "تفسيره" 16/ 111، وروى ابن جرير 10/ 161 عن ابن عباس قال: (هم قوم كانوا يأتون رسول الله -ﷺ- قد أسلموا .. فإذا أعطاهم من الصدقات فأصابوا منها خيرًا قالوا: هذا دين صالح؛ وإن كان غير ذلك عابوه وتركوه). وانظر: "إرواء الغليل" 3/ 369.]]، وهذا قول الكلبي [[رواه الثعلبي 6/ 118.]] والأكثرين [[مثل يحيي بن أبي كثير، ومجاهد. والحسن، وقتادة والضحاك وسعيد بن جبير والشعبي، انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 161 - 162، و"الدر المنثور" 3/ 450 - 451.]]. وكان رسول الله -ﷺ- يعطيهم سهمًا من الزكاة، فأما اليوم فقد أغنى الله المسلمين عن ذلك إنما كانوا على عهد رسول الله -ﷺ- خاصة، وهذا قول الحسن [[رواه ابن جرير 10/ 162، والثعلبي 6/ 116.]] والشعبي [[انظر المصدرين السابقين، نفس الموضع، و"تفسير ابن أبي حاتم" 6/ 1822.]]، فإن رأى الإمام على مقتضى الحال يريد أن يؤلف قلوب قوم على الإسلام فله الإعطاء إذا كانوا مسلمين، إذ لا يجوز صرف شيء من زكاة الأموال إلى المشركين، فأما المؤلفة من المشركين فإنما يعطون من مال الفيء لا من الصدقات [[انظر: كتاب "الأم" للإمام الشافعي 2/ 97، ومذهب الإمام أحمد جواز إعطاء المؤلفة قلوبهم من الزكاة ولو كانوا مشركين، انظر: "المغني" 9/ 318.]]. وقوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾، قال ابن عباس: (يريد المكاتبين) [["تنوير المقباس" ص 196، و"تفسير الرازي" 16/ 112، و"الوسيط" 2/ 506.]]، وقال الزجاج: (كأن يعاون المكاتب حتى يفك رقبته) [[اهـ. كلام الزجاج، انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 456.]]. وهذا على حذف المضاف؛ لأن المعنى: وفي فك الرقاب، وقد مضى مثل هذا في سورة البقرة [177] في قوله تعالى: ﴿وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾. وسهم الرقاب موضوع في المكاتبين [[المكاتب: العبد يكاتب على نفسه بثمنه، فإذا دفع ثمنه لسيده عتق. انظر: "معجم مقاييس اللغة" (كتب) 5/ 159، و"لسان العرب" (كتب) 6/ 3817.]] ليعتقوا به، وهذا مذهب الشافعي [[انظر: كتاب "الأم" 2/ 113.]] والليث بن سعد [[انظر: "فتح الباري" 3/ 332.]]. ومذهب مالك [[هذه إحدى الروايات عن الإمام مالك، انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي 2/ 967، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي 8/ 182.]] وأحمد [[هذه إحدى الروايات عن الإمام أحمد، لكن لا يعني ذلك أن المكاتبين لا يعانون من الزكاة عنده، بل يعان منها المكاتب ويعتق منها العبيد، واستحب أن لا يعتق الفرد من زكاته رقبة كاملة انظر: "المغني" 9/ 391 - 321.]] وإسحاق [[انظر قوله في: "المغني" 9/ 320، و"فتح الباري" 3/ 332، والمذكور هو إسحاق ابن إبراهيم بن مخلد الحنظلي التميمي أبو يعقوب المروزي.]]: أنه موضوع [[في (ى): (موضع)، والصواب ما أثبته بدلالة ما قبله.]] لعتق الرقاب يشترى به عبيد فيعتقون. ومذهب [[من هنا إلى قوله: فيعتقون، مكرر في (ح).]] أبي حنيفة وأصحابه أنه لا يعتق من الزكاة رقبة كاملة، ولكن يعطى منها رقبة ويعان بها مكاتب [[انظر: "بدائع الصنائع" 2/ 906.]]، وهذا قول سعيد بن جبير [[رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" 3/ 179 كتاب: الزكاة، باب: في الرقبة تعتق من الزكاة، وأبو عبيد في كتاب "الأموال"، باب: سهم الرقاب والغارمين ص 723، ولفظه عند أبي عبيد: (لا تعتق من زكاة مالك فإنه يجر الولاء).]] والنخعي [[رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" 3/ 179، كتاب: الزكاة، باب: في الرقبة تعتق من الزكاة، وأبو عبيد في كتاب "الأموال"، باب: سهم الرقاب والغارمين ص 723، ولفظه عند أبي عبيد: (قال: يعان منها في الرقبة ولا يعتق منها)، ورواه ابن المنذر كما في "الدر المنثور" 3/ 452، ولفظه: (لا يعتق من الزكاة رقبة تامة، ويعطى في رقبة، ولا بأس أن يعين بها مكاتبًا).]]. وقال الزهري: (سهم الرقاب نصفان نصف للمكاتبين المسلمين، ونصف يشترى به رقاب ممن صلوا وصاموا وقدم إسلامهم، فيعتقون، من الذكور والإناث) [[ذكره عن الزهري، الثعلبي في "تفسيره" 6/ 120 أ، والصواب أن الزهري رواه عن عمر بن عبد العزيز كما في "تفسير ابن أبي حاتم" 6/ 1824، وانظر: "الدر المنثور" 3/ 451.]]. قال أصحابنا: (والاحتياط في سهم الرقاب دفعه إلى السيد بإذن المكاتب [[في (ح): (بإذن عبد المكاتب)، وهو خطأ ولا معنى له.]]) [[انظر: "روضة الطالبين" 2/ 315.]]، وهذا معنى تغيير اللفظ على ما ذكره صاحب "النظم"، وهو أنه قال: قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾ إلى قوله: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ فصل جاء بنظم له معنى خاص دون ما بعده، وذلك أن الله تعالى قصد به دفع الصدقات إلى هؤلاء ليعملوا فيما يعطون ما شاؤوا في نفقاتهم وغيرها، ثم قال: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ إلى آخر الآية [[في (ى): (آخرها).]] فجاء هذا بنظم غير ذلك النظم، فكأنه -عز وجل- أمر بأن يوضع ما يقدر لهم في المواضع التي بها استحقوا الصدقة دون أن يدفع إليهم فيصرفوه في غيره، فيجب أن يوضع في الرقاب بأن يؤدى عنهم، وكذلك: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ ويصرف ما أوجب للسبيل وابنه إلى ما يحتاجون إليه من آلة ونفقة، دون دفعه إليهم، وإنما قلنا هذا على ظاهر النظم لأنه لم يجعله فصلين بنظمين مختلفين إلا وقد قصد به معنيين متغايرين. وقوله تعالى: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾، قال ابن عباس: (يريد أهل الدين) [["تنوير المقباس" 196.]]، وقال مجاهد [[رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"، كتاب: الزكاة، باب: ما قالوا في الغارمين منهم 3/ 207، وابن جرير 10/ 164، وابن أبي حاتم 6/ 1824.]] وقتادة [[رواه ابن جرير 10/ 164، والثعلبي 6/ 120 ب.]] والزهري [[رواه ابن أبي شيبة، وابن جرير في المصدرين السابقين، نفس الموضع.]]: (الغارمون: الذين لزمهم الديون في غير معصية ولا إسراف). قال الشافعي: (وهم صنفان: صنف أدانوا في مصلحتهم أو معروف أو غير معصية ثم عجزوا عن أداء ذلك في العرض والنقد، فيعطون في غرمهم، وصنف أدانوا في حمالات وصلاح ذات بين، ولهم عروض إن بيعت أضر بهم فيعطى هؤلاء وتوفر عروضهم [["الأم" 2/ 97 بتصرف يسير واختصار، والكلام التالي ذكره الشافعي في كتاب "الأم" 2/ 113.]]، وذلك إذا كان دينهم في غير فسق ولا تبذير ولا معصية، فأما من أدان في معصية الله فلا أرى أن يعطى)، قال الزجاج: (لأن ذا المعصية إن أدي عنه الدين كان ذلك تقوية له على المعاصي) [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 456.]]. وأصل الغرم في اللغة: لزوم ما يشق ويتعذر، والغرام: العذاب اللازم أو [[في (ح): (و).]] العشق أو الشر اللازم، وفلان مغرم بالنساء: -إذا كان مولعًا بهن- من هذا [[انظر: "اللسان" (غرم) 6/ 3247.]]. وقوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني: الغزاة والمرابطين، عند عامة المفسرين [[انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 165، وابن أبي حاتم 6/ 1824 - 1825، و"الدر المنثور" 3/ 452.]]، قال الزجاج: (أي للمجاهدين حق في الصدقة) [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 456.]]. ومذهب الشافعي في هذا: أن المغازي يجوز أن يعطى وإن كان غنيا إذا طلب [["الأم" 2/ 98.]] وهو مذهب مالك [[انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي 2/ 969، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي 8/ 185.]] وإسحق [[انظر: "المغني" 9/ 326.]] وأبي [[في (ى): (ابن)، وهو خطأ.]] عبيد [[كتاب: "الأموال"، له ص 726.]]. وقال أبو حنيفة وصاحباه [[هما أبو يوسف ومحمد بن الحسن.]]: (لا يعطى المغازي إلا أن يكون محتاجًا [[انظر: "بدائع الصنائع" 2/ 907، و"المغني" 9/ 326.]]، واحتج [[في (ح): (واحتاج).]] الشافعي بما روي أن النبي -ﷺ- قال: "لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: رجل عمل عليها، أو رجل اشتراها بماله، أو في سبيل الله [[في (ح): (سبيل)، دون لفظ الجلالة.]]، أو ابن السبيل [[هكذا ذكر الواحدي: (ابن السبيل) ومثله ابن جرير 10/ 165، والثعلبي 6/ 120 ب، ولم يذكره الشافعي ولا غيره ممن أخرج الحديث ممن سيأتي ذكرهم، وإنما ذكروا مكانه (الغارم). ورواية ابن جرير ضعيفة للإرسال ولضعف ابن وكيع، فهو ساقط الحديث كما بينه ابن حجر في "التقريب" ص 245 (2456)، أما الثعلبي فقد ذكر الحديث بغير سند.]]، أو رجل كان له جار فتصدق عليه فأهداها له" [[انظر: "الأم" 2/ 98، وقد ذكر الواحدي رواية ابن جرير، ولفظه عند الشافعي: (لا تحل الصدقة إلا لغاز في سبيل الله أو لعامل عليها، أو لغارم، أو لرجل اشتراها بماله، أو لرجل له جار مسكين فتصدق على المسكين فأهدى المسكين للغني) ولفظه عند غيره: (لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة، لغاز ..) إلخ، رواه أبو داود (1635)، كتاب: الزكاة، باب: من يجوز له أخذ الصدقة وهو غني، وابن ماجه (1841)، كتاب: الزكاة، باب: من تحل له الصدقة، وأحمد في "المسند" 3/ 56، والحاكم في "المستدرك"، كتاب: الزكاة 2/ 407، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.]]. وقوله تعالى: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾، قال ابن عباس: (يريد عابر السبيل) [[في (ح): سبيل، وقد روى الأثر ابن أبي حاتم في "تفسيره" كما في "الدر المنثور" بلفظ: المسافر.]]، قال المفسرون: (المسافر المنقطع يأخذ من الصدقة وإن كان غنيًا في بلده [[انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 165، و"الدر المنثور" 3/ 452.]]، وهذا قول مجاهد [[رواه ابن جرير 10/ 166.]] والزهري [[رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"، كتاب: الزكاة، باب: ما قالوا في الغارمين من هم 3/ 207، وابن جرير 10/ 166.]]، وقال الزجاج: (هو الذي قطع عليه الطريق) [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 456.]]. قال الشافعي: (ابن السبيل المستحق للصدقة: هو الذي يريد السفر في غير معصية، فيعجز عن بلوغ سفره إلا بمعونة) [["الأم" 2/ 98.]]، قال أصحابنا: (ومن أنشأ السفر من بلده لحاجة جاز أن يدفع إليه سهم ابن السبيل كالمجتاز ببلدك) [[انظر: "المهذب في فقه الإمام الشافعي" 1/ 173، و"روضة الطالبين" 2/ 325.]]. وقوله تعالى: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾، قال الزجاج: (منصوب على التوكيد؛ لأن قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾ لهؤلاء كقوله: فرض الله الصدقات [[في (ى): (الصدقة الصدقات)، وهذه الزيادة لا معنى لها، وليست في "معاني القرآن وإعرابه".]] لهؤلاء) [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 457. ومراد الزجاج أن المعنى: فرض الله الصدقات لهؤلاء فريضة.]]. ﴿فَرِيضَةً﴾، قال ابن عباس: (يريد أن الله تبارك وتعالى افترض هذا على الأغنياء في أموالهم) [["الوجيز" 6/ 546.]] ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بخلقه ﴿حَكِيمٌ﴾ بما حكم فيهم [[في (ح): (فيه).]]. فأما حكم هذه الآية فقال قوم: قاسم الصدقة له أن يضعها في أي هؤلاء الأصناف شاء، وإنما سمى [[في (ى): أسمي، وأثبت ما في (ح) و (م) لموافقته لما في "تفسير الثعلبي".]] الله الأصناف الثمانية [[في (ح): الثلاثة، وهو خطأ.]] إعلاماً منه أن الصدقة لا تخرج من هذه الأصناف إلى غيرها، وهذا قول عمر وحذيفة وابن عباس وابن جبير وعطاء وأبي العالية وإبراهيم [[روى أثر إبراهيم ومن قبله ابن أبي شيبة في "المصنف"، كتاب: الزكاة، باب: ما قالوا إذا وضع الصدقة في صنف واحد 3/ 182، وابن جرير 10/ 166 - 167، وابن أبي حاتم 6/ 1817، والثعلبي 6/ 121 أ، والبيهقي في "السنن الكبرى"، كتاب: قسم الصدقات، باب: من جعل الصدقة في صنف واحد 7/ 11، 12.]]، ومذهب أبي حنيفة [[انظر: "بدائع الصنائع" 2/ 908. وهو أيضًا مذهب الحنابلة كما في "المغني" 4/ 127.]] [[قلت: ومن أقوى أدلة هذا القول حديث سلمة بن صخر الذي ظاهر من امرأته ثم واقعها، وفيه: (اذهب إلى صاحب صدقة بني زريق، فقل له: فليدفعها إليك)، رواه أبو داود رقم (2213)، كتاب: الطلاق، باب: في الظهار، والترمذي رقم (3299)، كتاب التفسير، باب: ومن سورة المجادلة، وابن ماجه رقم (2062)، كتاب: الطلاق، باب: الظهار، وأحمد 4/ 37، والحاكم 2/ 203، وقد حسنه الترمذي، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وقال الألباني في "إراوء الغليل" 7/ 179: (وبالجملة فالحديث بطرقه وشاهده صحيح). والشاهد فيه أن النبي -ﷺ- أعطاه صدقة بني زريق كلها ولم يقسمها على الأصناف الثمانية. وكذلك قول النبي -ﷺ- لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: "فإن هم أطاعوك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم"، رواه البخاري (1395)، كتاب: الزكاة، باب: وجوب الزكاة، فلم يأمره النبي -ﷺ- أن يقسم الزكاة على الأصناف الثمانية.]]. وكان الشافعي يجري الآية على ظاهرها ويقول: ذكر الله تعالى ثمانية أصناف فبين أن كل صنف منهم يستحق سهمه فلا يجوز حرمان صنف موجود، وكيف يجوز مع هذه القسمة [[في (ى): (التسمية).]] التي تولاها سبحانه ثم أكدها بقوله: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ فإذا تولى رب المال قسمها فإن عليه وضعها في ستة أصناف [لأن سهم] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]] المؤلفة ساقط، وسهم العاملين [[في (ى): الغارمين، والصواب ما أثبته وهو موافق لما في كتاب: "الأم".]] يبطل بقسمة إياها، ولا يجزئه أن يعطي من كل صنف منهم أقل من ثلاثة أنفس، ولا يصرف منها سهم ولا شيء منه عن أهله ما دام من أهله أحد [[ساقط من (ح).]] يستحقه، ولا يخرج من بلد وفيه أهله، وترد حصة من لم يوجد من أهل السهمان على من وجد منهم) [[انظر: أول قول الشافعي إلى قوله (فريضة من الله) في كتاب: "الأم" 2/ 94 - 96 بمعناه، وانظر: بقية قوله في المصدر نفسه ص 106 بتصرف.]]، وهذا قول عمر [[هو: عمر بن عبد العزيز بن مروان الأموي، أبو حفص، أمير المؤمنين، وخامس الخلفاء الراشدين، ومضرب المثل في العدل وحسن السياسة، وكان أحد الأئمة المجتهدين، توفي سنة 101هـ. انظر: "العبر" 1/ 91، و"تقريب التهذيب" ص 415 (4940).]] بن عبد العزيز [[رواه ابن أبي حاتم مفرقًا في مواضع من "تفسيره"، انظر 4/ 59 أ- 60 ب- 61 أ، وانظر أيضاً "تفسير الثعلبي" 3/ 121 ب.]] وعكرمة [[ذكره الثعلبي 6/ 121 ب، والبغوي 4/ 65، وقد روى عنه ابن أبي شيبة في "المصنف" 3/ 183 مثل قول الجمهور.]] والزهري [[ذكره الثعلبي 6/ 121 ب.]]. قال أصحابنا: (أقل عدد كل صنف ثلاثة فصاعدًا، للفظ الجمع في [[ساقط من (ح).]] الآية، فإن دفع سهم الفقراء إلى فقيرين ضمن نصيب الثالث، وهو ثلث سهم الفقراء، يضمنه لفقير واحد أو [[في (ح): (و).]] أكثر) [[انظر: "المهذب في فقه الإمام الشافعي" 1/ 173، و"روضة الطالبين" 2/ 329.]]. وأما كيفية قسمها فهو أن تنظر فإن وجدت خمسة أصناف وقد لزمك أن تتصدق بعشرة دراهم، جعلت العشرة خمسة أسهم، كل سهم درهمان، ولا يجوز التفاضل، ثم يلزمك أن تدفع إلى كل صنف درهمين، وأقل عددهم ثلاثة ولا تلزمك التسوية بينهم، ولك أن تعطي فقيرًا درهمًا، وفقيرًا خمسة أسداس، وفقيرًا سدس درهم، هذه صفة قسم الصدقات على مذهب الشافعي [[انظر: "الأم"، كتاب: قسم الصدقات 2/ 94 وما بعدها، و"روضة الطالبين" 2/ 330.]].

التوبة 9:61

قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾، قال المفسرون: (نزلت في رجل من المنافقين يقال له نبتل بن الحارث [[هو: نبتل بن الحارث بن قيس الأوسي، أخو بني عمرو بن عوف، ذكره ابن إسحاق في المنافقين، على وجه الظن من غير سند واعتمد قوله من جاء بعده. وقال الحافظ ابن حجر: (يحتمل أن يكون أبو عبيدة اطلع على أنه تاب). انظر: "السيرة النبوية" 4/ 208، و"تفسير ابن جرير" 10/ 168، و"الإصابة" 3/ 549.]] وجماعة معه، كانوا يؤذون رسول الله -ﷺ- ويبلغون حديثه إلى المنافقين ويعيبونه، ويقولون فيما بينهم: نقول ما شئنا ثم نأتيه ونحلف له ونقول: ما قلنا فيصدقنا؛ لأنه أذن، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ [[انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 168، والثعلبي 6/ 122 أ، والبغوي 4/ 67، و"السيرة النبوية" لابن هشام 4/ 208، و"أسباب النزول" للمؤلف ص 254.]] يعني [[ساقط من (ى).]] من المنافقين من يوذيه بنقل حديثه، وعيبه ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ أي يسمع من كل أحد ما يقول ويقبله، وقال [[في (ى): (قال).]] الحسن: (قالوا: ما هذا الرجل إلا أذن، من شاء صرفه كيف شاء، ليست له عزيمة [[ذكره عن الحسن، الشيخ هود بن محكم في "تفسيره" 2/ 145، والرازي في "تفسيره" 16/ 116، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 507.]]. وقرأ نافعٌ (أذن) بالتخفيف [[انظر: "كتاب السبعة في القراءات" ص 315، و"إتحاف فضلاء البشر" ص 243.]]، مثل عنق وظفر وطنب، وكل ذلك يجيء فيه [[في (ى): (في).]] التخفيف، والأذن في الأصل عبارة عن جارحة مخصوصة، ويجوز أن يطلق على الجملة، ويوصف به، كما قال الخليل في الناب من الإبل: (إنه سميت به لمكان الناب البازل [[قال الجوهري في "الصحاح" (بزل) 4/ 1633: (بزل البعير يبزل بزولاً: فطر نابه، أي انشق، فهو بازل، ذكرًا كان أو أنثى وذلك في السنة التاسعة، وربما بزل في السنة الثامنة، والبازل أيضًا: اسم للسن التي طلعت).]] فسميت الجملة كلها به [[في (ح): (بها).]]) [[انظر: "كتاب سيبويه" 3/ 483، و"الحجة للقراء السبعة" 4/ 199.]]. وكما قالوا للربيئة [[قال ابن فارس في "مجمل اللغة" (ربو) 2/ 417: (الربيئة: عين القوم، يكون فوق مربأ من الأرض)، ونحوه في "تهذيب اللغة" (ربا) 1/ 1334.]]، وهو عين القوم، ويجوز أن يجري الاسم وصفًا للشيء إذا وجد معنى ذلك الاسم فيه [[ساقط من (ح).]]، وذلك كما أنشد أبو عثمان [[هو: بكر بن محمد، أبو عمان المازني.]]: مئبرة العرقوب إشفى المرفق [[لم أهتد إلى قائله، وانظر الرجز بلا نسبة في: "الخصائص" 2/ 221، 3/ 195، و"المخصص" 15/ 106، و"الممتع في التصريف" 1/ 74. والمئبر: ما رقّ من الرمل، وإبرة الفرس: ما انحد من عرقوبيه. اللسان (أبر). والإشفى: المثقب. المصدر السابق (شفا). يقول: إنها حادة العرقوب، حادة المرفق بسبب الهزال.]] فوصف المرفق بالإشفى لما أراد من الدقة [[في (ى): (الذمة)، وهو خطأ.]] والهزال، وخلاف الدرم [[الدرم في الكعب: أن يوازيه اللحم حتى لا يكون له حجم، ودرم الكعب والعرقوب والساق درمًا: استوى، والأدرم: الذي لا حجم لعظامه، وكل ما غطاه الشحم واللحم وخفي حجمه فقد درم. انظر: "اللسان" (درم) 3/ 1366.]]. وقال آخر [[البيت لمنذر بن حسان كما في "المقاصد النحوية" 3/ 140، وهو بلا نسبة في "الخصائص" 2/ 221، و"الدرر اللوامع" 2/ 136، و"شرح الأشموني" 2/ 362، و"لسان العرب" (غربل) 6/ 3231، و"المخصص" 15/ 106.]]: فلولا الله والمهر المفدى ... لأبت وأنت غربال الإهاب فجعله غربالًا لكثرة الخروق فيه من آثار الطعن، فكذلك ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾ أجرى على الجملة اسم الجارحة لإرادة [[في (ح) و (ي): (لإرادته).]] كثرة استعمالها [[في (م): (استعماله لها).]] في الاصغاء بها، ويجوز أن تكون (فعلا) من أذن يأذن: إذا استمع، ويكون معناه: إنه كثير الاستماع، وفي التنزيل: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [[الآية: 2 والآيه: 5 من سورة الانشقاق.]] أي استمعت، وقالوا: ائذن لكلامي: أي استمع له، وفي الحديث: "ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي يتغنى بالقرآن" [[الحديث بهذا اللفظ رواه مسلم في "صحيحه"، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن، (رقم 234) 1/ 546، وبنحوه رواه البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب من لم يتغن بالقرآن، (رقم 42) 6/ 328.]]، ومنه قول عدي [[هو: عدي بن زيد بن حمار العبادي التميمي، شاعر جاهلي، من دهاة العرب، كان يسكن الحيرة، ويحسن الفارسية فاتخذه كسرى ترجمانًا بينه وبين العرب، وعلماء العربية لا يرون شعره حجة لتأثره بالعجم، قتله النعمان بن المنذر نحو سنة 25 ق هـ. انظر: "طبقات فحول الشعراء" 1/ 137، 140، و"الشعر والشعراء" ص 130، و"الأعلام" 4/ 220.]]: في سماع يأذن الشيخ له ... وحديث مثل ماذي مشار [[البيت لعدي بن زيد كما في "ديوانه" ص 95، و"شرح حماسة التبريزي" 4/ 24، والمرزوقي ص 1451، و"اللسان" (شور) 4/ 2356. والماذي: العسل الأبيض، والمشار: المجتنى. انظر: "لسان العرب"، الموضع السابق.]] ويقوي هذا الوجه أن أبا زيد قال: رجل أُذُنٌ، ويَقَنٌ: إذا كان يصدق بكل ما يسمع [["النوادر في اللغة"، له ص 321، و"الحجة للقراء السبعة" 4/ 201.]]، فكما أن يَقَنٌ صفة كبطل [[ساقط من (ى).]]، كذلك أُذُن كأنُف. وقوله تعالى: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ أي مستمع خير وصلاح ومصغ إليه، لا مستمع شر وفساد، وروى الأعشى [[هو: يعقوب بن محمد بن خليفة الكوفي، أبو يوسف الأعشى، أجل تلاميذ شعبة، كان قارئًا مجيدًا ضابطًا، توفي نحو سنة 200 هـ. انظر: "معرفة الاقراء الكبار" 1/ 159، و"غاية النهاية" 2/ 390.]] والبرجمي [[هو: عبد الحميد بن صالح بن عجلان البرجمي التميمي، أبو صالح الكوفي، مقرئ ثقة، من تلاميذ شعبة، توفي سنة230هـ. انظر: "معرفة القراء الكبار" 1/ 202، و"غاية النهاية" 1/ 360.]]: (أذنٌ خيرٌ) [[يعني بالرفع والتنوين في الكلمتين، وقد روى هذه القراءة الأعشى والبرجمي عن أبي بكر عن عاصم، انظر: "الغاية في القراءات العشر" ص 165، و"حجة القراءات" لابن زنجلة ص 319، و"تفسير البغوي" 4/ 67.]] على وصف الأذن بـ (خير) ومعناه: أن يسمع منكم ويصدقكم خير لكم من أن يكذبكم ولا يقبل قولكم، و ﴿خَيْرٍ﴾ في القراءة الأولى بمعنى صلاح [[في (ى): (صاد).]]، وفي الثانية بمعنى أصلح، قال أبو إسحاق: (من قرأ (أذنٌ خيرٌ) بالتنوين، فالمعنى: قل من يسمع منكم، ويكون قريبًا منكم، قابلًا للعذر، خير لكم [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 457.]]. والقراءة هي الأولى؛ لأن ما بعده يؤكده، وهو قوله: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي يسمع ما ينزله [[في (ح): (ما بين).]] الله جل وعز عليه [[من (م).]] فيصدق به ويصدق المؤمنين فيما يخبرونه به، فهو أذن خير، لا أذن شر، وقال عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ (يريد: يسمع كلام جبريل فينهاكم عن معاصي الله، ويأمركم بطاعته، ولتطرحوا عنكم ما علم الله في قلوبكم من النفاق) [[هذا الأثر من رواية عطاء التي لم أعثر على مصدرها.]]، وقال الفراء في قوله: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾: أي يصدق بالله، و ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ويصدق المؤمنين أراد: لكنه لا يصدقكم إنما يصدق المؤمنين، قال: وهو كقوله: ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: 154] أي يرهبون ربهم [["معاني القرآن" 1/ 444.]]. ويقال: آمن به وآمنه وآمن له، أي: صدقه، وقال أبو علي: اللام في ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ على حدها في قوله ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: 72] أو على المعنى؛ لأن معنى يؤمن: يصدق، فعدى باللام كما عدي مصدق به في نحو: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ [المائدة: 46] [["الحجة" 4/ 204.]]. قال المفسرون [[القول للإمام ابن جرير، انظر: "تفسيره" 10/ 169، وانظر معناه في: "تفسير الثعلبي" 6/ 122 ب، والبغوي 4/ 67.]]: وهذا تكذيب من الله للمنافقين، كأنه قال: إن محمدًا يصدق الله ويصدق المؤمنين، قال: وهو كقوله: ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: 154]. وتكلم صاحب "النظم" في هذه الآية فأفاد، وهو أنه قال: من قرأ بترك الإضافة فقوله: ﴿أُذُنٌ﴾ رفع بالابتداء في الظاهر، وموضعه في الباطن نصب على الحال؛ لأن تأويله: قل هو أذنًا خير لكم، أي: إذا كان أذنًا خير لكم، و (خير) بمنزلة (أفعل) لأنه يقبل منكم ما تقولون فيما تعتذرون به، وليس ذلك راجعًا عليه بعيب، ويكون قوله: (هو) -لو ظهر- مبتدأ، وقوله تعالى: (أذنًا) [[يعني في حالة التأويل.]] بعده حال. وقوله تعالى: ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ خبر للمبتدأ، كما تقول في الكلام: هو حافظًا خير لك [[في (ح): (لكم)، وأثبت ما في (م) و (ى) لموافقته للموضعين بعده.]]، [أي: في حال الحفظ خير لك] [[ما بين المعقوفتين ساقط من (ى).]]، فلما كف -عز وجل- ذكره (هو) وضع ما بعده من الحال موضعه فصار مبتدأ، كما تقول في الكلام: هو حافظ خير لك، والعرب تضمر (هو) في الكلام، كقوله: {سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ} [الكهف: 22] الآية [[انظر: قول صاحب النظم في "تفسير الرازي" 16/ 117 - 118 وقال: هذا الوجه شديد التكلف.]]. ومن قرأ بالإضافة في (خير) ليس على (أفعل) وتقديره [[ساقط من (ح).]] تقدير (فضل) و (نفع) [بمعنى: قل هو أذن نفع] [[ما بين المعقوفين ساقط عن (ح).]] لكم، لما [[في (ح): (ما).]] تجدون فيه وعنده من السهولة والمسامحة فيما يبلغه عنكم، ثم بين الله -عز وجل- ذلك بقوله: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي يصدقهم كما قال -عز وجل-: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران: 73] أي: لا تصدقوا، والمؤمنون هاهنا: المنافقون [[في (ى): (المنافقين)، وهو خطأ.]] الذين آمنوا بألسنتهم ولم [[في (ح): (وإن لم).]] يخلصوا بقلوبهم، فقبل ﷺ ظاهرهم، وخلطهم بالمؤمنين في الأحكام، ومنه قوله: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: 10] [فسماهن مؤمنات بإقبالهن إلى الهجرة ثم قال: ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]] ولا يقع الامتحان إلا على من لا يُعرف إيمانه، ثم قال: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ أي بما يظهرن من الإيمان بألسنتهن. وأما قوله: ﴿وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ فهم [[ساقط من (ح).]] المخلصون؛ لأن الرحمة لا تنال إلا من أخلص إيمانه، وقد يحتمل أن يكون قوله: ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي يصدق المؤمنين المخلصين فأما غير المخلصين فإنه يسمع منهم ما يقولون ولا يظهر لهم التكذيب، ويكل أمرهم إلى الله -عز وجل [[وهذا الوجه هو اختيار ابن جرير في تفسيره 10/ 169 حيث قال: يقول جل ثناؤه: إنما محمد ﷺ مستمع خير، يصدق بالله وبما جاء من عنده، ويصدق المؤمنين، لا أهل النفاق والكفر بالله.]] -، والله أعلم بما أراد من ذلك. وقوله تعالى: ﴿وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾، قال الزجاج: (أي وهو رحمة؛ لأنه كان سبب إيمان المؤمنين) [[اهـ. كلام الزجاج، كما في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 457.]]، فجعله الرحمة لكثرة هذا المعنى منه، وعلى هذا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]. وقرأ حمزة (ورحمةٍ) بالجر [[كتاب: "السبعة" ص 315، وكتاب: "التيسير" ص 118.]]، عطفا على خير، كأنه: أذن خير ورحمة، أي مستمع رحمة، وجاز هذا كما جاز مستمع خير، ألا ترى أن الرحمة من الخير، فإنه قيل: فهلا [[في (ى): (هلا)، وأثبت ما في (ح) و (م) لموافقة لما في "الحجة للقراء السبعة"؛ لأن النص منقول منه حرفيًّا.]] استغنى بشمول الخير للرحمة وغيرها عن [[في (ى): (من)، وأثبت ما في (ح) للسبب السابق.]] تقدير عطف الرحمة عليه؟ فالقول: إن ذلك لا يمتنع، كما لم يمتنع ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1]، ثم خص فقال: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق: 2] كذلك الرحمة، وإن كانت من الخير، لم يمتنع أن تُعطف عليه [[ساقط من (ى).]] فتخصص [[في (ح): (فتخص).]] الرحمة بالذكر من بين ضروب الخير لغلبة ذلك في وصف النبي -ﷺ- وكثرته، قال أبو عبيد: (هذه القراءة بعيدة في مذهب النحو [[في (ى): (النحويين).]]؛ لأنه تباعد عن الذي عطفته عليه) [[انظر: "تفسير الرازي" 16/ 118 ولم أجد قول أبي عبيد في مصدر آخر، وانظر اختياره لقراءة الجمهور في "تفسير الثعلبي" 6/ 122 ب.]]. قال أبو علي: (البعد بين [[في (م): (من).]] الجار وما عطف عليه لا يمنع من العطف، ألا ترى أن من قرأ ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ﴾ [الزخرف: 88] إنما يحمله على: (﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ وعلم قيله [[يعني أنه قد بعد ما بين المعطوف والمعطوف عليه، فإن قوله: ﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ من الآية 85 من السورة نفسها.]]) [["الحجة للقراء السبعة" 4/ 204.]].

التوبة 9:62

قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾ أي يحلف هؤلاء المنافقون فيما بلغكم عنهم من أذى رسول الله -ﷺ- والطعن عليه أنهم بما أتوا ذلك، قال الزجاج: (حلفوا أنهم ما قالوا ما حكي عنهم ليرضوا المؤمنين بيمينهم) [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 458 مع تصرف يسير.]]. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ ولم يقل: يرضوهما لأن المعنى يدل عليه، فحذف استخفافًا؛ لأن رضا الرسول ﷺ برضا الله -عز وجل-. وهذه المسألة قد مضت عند قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: 34] وفي [[ساقط من (ى).]] غيرها من الآيات [[انظر مثلاً: تفسير الآية: 20، والآية: 24 من سورة الأنفال.]]. وقوله تعالى: ﴿إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾، قال الزجاج: (أي إن كانوا على ما يظهرون، فكان [[ساقط من (م).]] ينبغي ألا يعيبوا النبي -ﷺ- فيكونوا بقبولهم [[في (ى): (بقولهم)، وفي "معاني القرآن وإعرابه": بتوليهم النبي.]] قوله، وترك عيبه مؤمنين [[في (ى): (المؤمنين)، والصواب ما أثبته وهو موافق لما في "معاني القرآن وإعرابه".]]) [[اهـ. كلام الزجاج، انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 458.]]، وهذا تهجين لهؤلاء السفهاء بطلب مرضاة العباد مع ترك مرضاة رب العباد، والرسول المبعوث لصلاح العباد [[في (ى): (المبعوث من رب العباد).]].

التوبة 9:63

قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ﴾ الآية، قال ابن عباس والكلبي: (نزلت في المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك [[ذكره عن الكلبي سببًا لنزول الآية السابقة الثعلبي 6/ 123 أ، والبغوي 4/ 68، وابن الجوزي 3/ 461، وفي "تنوير المقباس" ص 197: (ألم يعلموا): يعني جلاسًا وأصحابه.]]، قال أهل المعاني: معنى قولك: ألم تعلم [لمن لا يعلم] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح).]]: [الاستبطاء له] [[في (ح) و (ى): (الاستطالة).]] في تخلفه عن ذلك العلم [[ذكره بمعناه مع النسبة إلى أهل المعاني، الرازي في "تفسيره" 16/ 119، والخازن في "تفسيره" 2/ 238 ولم أجده في كتبهم التي بين يدي.]]. وقوله تعالى: ﴿أَنَّهُ﴾ [[ساقط من (ي).]] الكناية فيه ضمير الشأن والقصة، قال أبو علي الجرجاني: (وذلك أن (أن) يتضمن ما بعده من المبتدأ والخبر، ويشتمل عليهما [[في (ح): (عليها).]] حتى يصير معهما [[في (ح): (معها)، وفي (ى): (معًا).]] قصة وشأنًا، مثل قولك: زيد مريض، فإذا أردت أن تعلم غيرك مرضه قلت: اعلم أن زيدًا [[في (ى): (زيد)، وهو خطأ.]] مريض، ولو قلت: اعلم زيدًا مريضًا، كان العلم واقعًا على زيد نفسه دون المرض وانتقل المعنى عما كان عليه، فإذا قلت: اعلم أنه زيد مريض فقد تضمن (أن) ما بعده من المبتدأ والخبر، وجمع معناهما في الهاء التي وقع عليها [[في (ح): (عليهما).]] (أن) وعمل (أن) فيها، وشغل بها عن غيرها، فصارت الهاء كناية عن القصة والشأن، وارتفع ما بعدها من المبتدأ والخبر لشغلك (أن) بالهاء، وصار ما بعد الهاء من المبتدأ والخبر بيانا لما في الهاء من نية تلك القصة لأنها مبهمة، فقوله -عز وجل-: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ﴾ الهاء [[ساقط من (ح).]] قد تضمنت ما بعدها من المبتدأ وخبره، وما بعدها من قوله: ﴿مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ﴾ مبتدأ، ولذلك [[في (ح): (وكذلك)، وهو خطأ.]] جزم لأنه شرطٌ مبتدأ [[(من) الجازمة شرطية، وهي اسم باتفاق. انظر: "أوضح المسالك" 3/ 189.]]. وقوله تعالى: ﴿مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ قال الليث: (حاددته أي: عاصيته [[اهـ. الكلام المنسوب لليث، انظر: "تهذيب اللغة" (حد) 1/ 760، والنص في كتاب: "العين" للخليل (حد) 3/ 20.]] وخالفته، والمحادة كالمجانبة والمخالفة والمعاداة، وذكر الزجاج اشتقاقه من الحد، قال: (ومعنى حاد فلان فلانًا: أي: صار في حد غير حده، كقولك: شاقه، ومعنى: ﴿مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ﴾ أي يصير في حد غير حد أولياء الله بالمخالفة) [[ذكر الزجاج بعفر معنى هذا القول في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 458، والبعض الآخر في المصدر السابق: نفسه 5/ 136.]]. قال ابن عباس: (يعني من يخالف الله ورسوله بتكذيب نبيه، والإظهار باللسان خلاف ما في القلب) [[انظر: "زاد المسير" 3/ 462، و"الوسيط" 2/ 507.]]، وقال الأخفش: ﴿يُحَادِدِ اللَّهَ﴾: يحارب الله) [[لم أجده، وقد ذكره من غير تعيين القائل الرازي 16/ 119 - 120، و"الخازن" 2/ 238.]]، وقال قطرب: (يعاند الله) [[انظر: المصدرين السابقين، نفس الموضع، دون تعيين القائل.]]، وقال الزجاج: (يعاد [[في (م): (يضاد)، وفي "معاني القرآن": يعادي، وذكره الرازي 16/ 120 بمثل ما أثبته.]] الله) [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 458.]]. ﴿فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [المعنى: فله نار جهنم] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح).]] ولكنه لما طال الكلام أعيد (أن) ليكون أوكد، ويجوز كسر (فإن) على الاستئناف بعد الفاء، والقراءة بالفتح [[يعني القراءة المتواترة، وقد قرأ ابن أبي عبلة وأبو رزين وأبو عمران وغيرهما بالكسر، انظر: "المحرر الوجيز" 6/ 552 - 553، و"زاد المسير" 3/ 462، و"البحر المحيط" 5/ 64.]]، هذا معنى كلام أبي إسحاق [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 459 لكنه قال: (القراءة بالفتح والكسر). وكذلك قال أبو البقاء العكبري في "التبيان في إعراب القرآن" ص 423، وأنكر قراءة الكسر ابن جرير في "تفسيره" 10/ 170 - 171، ولا شك أنها شاذة، انظر التعليق السابق.]]، والكلام في إعراب هذه الآية يأتي [[في (ح): (بأن).]] في قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ [الحج: 4] [[انظر: "النسخة الأزهرية" 4/ 3 أحيث قال: (قال أبو إسحاق: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ﴾ (أنه) في موضع رفع ﴿فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ عطف عليه، والفاء الأجود فيها أن == تكون في معنى الجزاء، وجائز كسر (إن) مع الفاء، وتكون جزاء لا غير، .. وحقيقة (أن) الثانية أنها مكررة على جهة التوكيد؛ لأن المعنى: كتب عليه أنه من تولاه أضله) ثم ذكر رأي أبي علي الفارسي وأطال في ذلك.]].

التوبة 9:64

قوله تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ﴾ الآية، قال مجاهد والكلبي: (كان المنافقون يعيبون رسول الله ﷺ فيما بينهم، يقولون: عسى الله أن لا يفشي علينا سرنا، فأنزل الله هذه الآية) [[رواه عن مجاهد بنحوه ابن جرير 10/ 171، وابن أبي حاتم 6/ 1829، والثعلي 6/ 123 أولم أجد من ذكره عن الكلبي.]]. وقوله تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ﴾ إخبار عنهم بما كانوا يفرقون من هتكهم وفضيحتهم، قال الزجاج: (ويجوز أن يكون لفظه خبرًا ومعناه أمرًا) [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 459 بنحوه.]]، وهذا بعيد، وآخر الآية دليل على أن المراد بقوله: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ﴾ [[من (ى).]] الخبر وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ﴾. وقوله: ﴿أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ﴾ الظاهر أن الكناية عائدة على المنافقين، والوجه أن ترجع إلى المؤمنين، [والمعنى: أن تنزل على المؤمنين، [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]] سورة تنبئهم بما في قلوب المنافقين [[في (ى): (قلوبهم).]]، [ونحو هذا قال الحسن [[ذكر عن الحسن عدة أقوال بهذا المعنى، فروى عنه الثعلبي في "تفسيره" 6/ 123 أأنه قال: (كان المسلمون يسمون هذه السورة الحفارة حفرت في قلوب المنافقين فأظهرته)، وذكره عنه الهواري في "تفسيره" 2/ 147 بلفظ: (كانت تسمى حافرة، أنبأت بما في قلوب المنافقين)، وقال ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 463: في == قوله (يحذر المنافقون) قولان: أحدهما: أنه إخبار من الله -عز وجل- عن حالهم، قاله الحسن .. إلخ.]]. وقوله تعالى: ﴿تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]] قال ابن عباس: (يريد: ينزل الله في تلك السورة [ما استتروا به من الناس) والمعنى: يظهر] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]] ما في قلوبهم من الحسد لرسول الله ﷺ والمؤمنين وما كانوا ينطوون [[في (ى): (ينطون)، بلا نقط في جميع الحروف.]] عليه من العداوة لهم. وقوله تعالى: ﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا﴾ أمر وعيد ﴿إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ﴾ مظهر ﴿مَا تَحْذَرُونَ﴾ ظهوره، قال عطاء عن ابن عباس: (أنزل الله أسماء المنافقين وكانوا سبعين رجلاً فأنزل الله أسماءهم، وأسماء آبائهم وعشائرهم في القرآن، ثم نسخ تلك الأسماء رأفة منه ورحمة؛ لأن أولادهم كانوا مسلمين، والناس يعير بعضهم بعضًا) [[رواه البغوي في "تفسيره" 4/ 68 بنحوه.]]، فعلى هذا قد أنجز الله وعده بإظهار ذلك في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ﴾، وقال بعضهم: (إن الله أخرج ذلك حيث ألهم النبي -ﷺ- معرفتهم فقال: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: 30] [[ذكره القرطبي في "تفسيره" 8/ 196 ولم يعين القائل، واعتمد هذا القول المؤلف في "الوسيط" 2/ 507.]]، قال عطاء ومقاتل وقتادة: (كانت تسمى هذه السورة الفاضحة والمثيرة والمبعثرة، أثارت مخازي المنافقين وفضحتهم) [[رواه عن قتادة بلفظه الثعلبي 6/ 123، والبغوي 4/ 68، وبنحوه ابن جرير 10/ 171، وابن أبي حاتم 6/ 1829، وانظر: قول مقاتل في "تفسيره" 131 أمختصرًا، ولم أجد من ذكره عن عطاء.]] فإن قيل: أكان المنافقون يحذرون هذا وهم ينطوون [[في (ى): (يبطنون)، بلا نقط.]] على الكفر ومجانبة الإيمان؟. قيل: هذا لا يلزم على مذهب الزجاج، حيث جعل [[في (م): (يجعل).]] قوله: (يحذر) بمعنى الأمر [[انظر: "معاني القرآن واعرابه" 2/ 459.]]، وإن جعلته خبرًا فالمنافقون كانوا ينحرفون عن النبي -ﷺ- حسدًا له [[ساقط من (ى).]] وبغيًا، وقلوبهم تشهد بصدقه، وهم يخافون نزول سورة عليه يكشف فيها أمرهم، إذا كانوا لا يشكون في نزول الملائكة عليه، وأن الله يطلعه من الغيب على ما هو مستور عن غيره، هذا كلام ابن الأنباري [[ذكره ابن الجوزي 3/ 463 بمعناه مختصرًا، وأشار إلى أن محمد بن القاسم بن الأنباري اختاره.]]، وقد أشار الزجاج إلى هذه الجملة حيمث قال في قوله: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ﴾: (ويجوز أن يكون خبرًا عنهم؛ لأنهم كانوا يكفرون عنادًا وحسدًا) [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 459.]].

التوبة 9:65

وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾، قال ابن عمر، وزيد بن أسلم والقرظي: (قال رجل من المنافقين في غزوة تبوك: ما رأيت مثل هؤلاء أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسنًا، ولا أجبن عند اللقاء، يعني رسول الله -ﷺ- والمؤمنين، فقال له عوف بن مالك [[هو: عوف بن مالك بن أبي عوف الأشجعي، صحابي مشهور، من مسلمة الفتح، وقيل: إنه شهد الفتح، وكانت معه راية أشجع، توفي سنة 73 هـ. انظر: "الكاشف" 2/ 101، و"الإصابة" 3/ 182، و"تقريب التهذيب" ص 433 (5217).]]: كذبت، ولكنك منافق [لا خير فيك] [[ما بين المعقوفين ساقط من (م).]]، لأخبرن رسول الله -ﷺ-، فذهب عوف ليخبره فوجد القرآن قد سبقه، فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله -ﷺ- وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله -ﷺ-، إنما كنا نلعب ونتحدث بحديث الركب نقطع به عناء الطريق، قال ابن عمر: كأني انظر إليه متعلقًا بنسعة [[النسع: سير عريض، تشد به الرحال، والقطعة منه نسعة، وسمي نسعًا لطوله "القاموس المحيط"، فصل النون، باب: العين ص 766.]] ناقة رسول الله ﷺ وإن الحجارة لتنكب رجليه، وهو [[ساقط من (م).]] يقول: إنما كنا نخوض ونلعب، ورسول الله ﷺ يقول: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ ما يلتفت إليه، وما يزيده عليه [[ذكره عنهم بنحو هذا اللفظ الثعلبي في "تفسيره" 6/ 123 ب، ورواه عنهم ابن جرير بألفاظ مختلفة. انظر: "تفسيره" 10/ 172 - 173، وانظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 6/ 1829 - 1830.]]. وقال قتادة والحسن: "إن المنافقين قالوا في غزوة تبوك أيرجو هذا الرجل أن يفتح قصور الشام وحصونها، هيهات هيهات [[ساقط من (ح).]]، فأطلع الله [[ساقط من (ى).]] نبيه على ما قالوا [[في (ح): (قاله).]] " [[ذكره عنهما بهذا اللفظ الماوردي في "النكت والعيون" 2/ 378، ورواه عن قتادة مطولًا ابن جرير 10/ 172، وابن أبي حاتم 6/ 1830، والثعلبي 6/ 124 أ.]]، فقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾، قال الزجاج: (عما كانوا فيه من الاستهزاء) [[لم يذكر الزجاج هذا القول عند تفسير هذه الآية في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 459.]]. وقال غيره: هذا سؤال تأنيب كقولك للإنسان: لم فعلت هذا القبيح [[لم أعثر فيما بين يدي من المصادر على هذا القول.]]؟ وكذلك قيل لهم: لم طعنتم في الدين بالباطل والزور؟ فأجابوا بما لا عذر فيه، بل هو وبال على المجيب، وهو قولهم: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ وأصل الخوض الدخول في مائع، مثل الماء والطين، ثم كثر حتى صار في كل دخول فيه تلويث وأذى، فمعنى ﴿نَخُوضُ﴾: أي: في الباطل من الكلام كما يخوض الركب يقطعون به الطريق، ﴿وَنَلْعَبُ﴾، فأجابهم الرسول ﷺ ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ﴾، قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: حدوده وفرائضه ﴿كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾. وذكر الكلبي ومقاتل بن سليمان وغيرهما في سبب نزول هذه الآية غير ما ذكرنا أولاً، وهو أنهم قالوا: كان رسول الله -ﷺ- راجعًا من غزوة تبوك في مسيره، وثلاثة نفر [[في "تفسير مقاتل": النفر الأربعة، وقد جاء في السيرة النبوية 4/ 209 تسمية اثنين منهما هما وديعة بن ثابت، ومخشي بن حمير.]] يسيرون بين يديه، فجعل رجلان منهم يستهزآن بالقرآن ورسول [الله ﷺ] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]] والثالث يضحك، فنزل جبريل وأخبر رسول الله -ﷺ-، فقال رسول الله -ﷺ- للمؤمنين: "أتدرون ما يتحدث به هؤلاء النفر الثلاثة [[في (ح): (الثلاثة النفر).]]؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "فإنهم يستهزؤن بالله ورسوله وبالقرآن، نزل علي جبريل فأخبرني بذلك، ولئن أرسلت إليهم فسألتهم مم كانوا يضحكون؟ ليقولن: كنا نتحدث بحديث الركب ونضحك"، ثم قال لعمار بن ياسر: "انطلق فاسألهم عما كانوا [[من (م).]] يضحكون ويتحدثون، وقل لهم: [احترقتم أحرقكم الله"، فأتبعهم عمار فلحقهم، وقال لهم:] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]] مم تضحكون وتتحدثون؟ قالوا: نتحدث بحديث الركب ونضحك بيننا، فقال: صدق الله ورسوله [[في (ى): (صدق رسول الله).]]، احترقتم أحرقكم الله [["تفسير مقاتل" 131 أبنحوه، وذكره بلفظ مقارب ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 464 عن أبي صالح عن ابن عباس، ورواه عن الكلبي مختصرًا عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 282، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 456، وروى بعضه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 6/ 1830 عن كعب بن مالك، وانظر: "السيرة النبوية" 4/ 209.]].

التوبة 9:66

قوله تعالى: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا﴾، قال المفضل بن سلمة: (معنى الاعتذار هو أثر الموجدة، من قولهم اعتذرت المنازل إذا درست) [[اهـ. كلام المفضل، انظر: "تهذيب اللغة" (عذر) 3/ 2368.]]، يقال: مررت بمنزل معتذر بال. قال ابن أحمر في الاعتذار بمعنى الدروس: قد كنت تعرف آيات فقد جَعَلت ... أطلال إلفك بالودكاء تعتذر [[البيت لابن أحمر كما في "تهذيب اللغة" (عذر) 3/ 2368، و"لسان العرب" 5/ 2859، و (ودك) 10/ 509. والودكاء: موضع، أو رملة. انظر: "لسان العرب"، الموضع السابق الأخير. والشاعر يذكر شيخوخته وزوال شبابه، إذ يقول في بيت سابق: بان الشباب وأفنى ضعفه العمر ... لله درك، أي العيش تنتظر يقول: عشت ضعف عمر رجل، فما معنى البقاء والانتظار، ثم إن الآيات والعلامات في بقايا وأطلال المكان الذي كنت آلفه قد بدأت تندرس وتزول.]] وأخذ الاعتذار من هذا؛ لأن من اعتذر شاب اعتذاره بكذب [[في (ح): (بكدر)، وأتبت ما في (م) و (ى) لموافقته لما في "تهذيب اللغة" (عذر).]] يعفي على ذنبه. وقال ابن الأعرابي: (اعتذرت إليه: هو قطع ما في قلبه) [[اهـ. كلام ابن الأعرابي، انظر: "تهذيب اللغة" (عذر) 3/ 2368.]]، ومنه عذرة الغلام لقُلفته، وهي ما يقطع عند الختان، وعذرة الجارية سميت عذرة بالعذر وهو القطع، قاله اللحياني [[انظر قوله في: "تهذيب اللغة" (عذر) 3/ 2368.]]، لأنها إذا خفضت [[الخفض للجارية: كالختان للغلام. "لسان العرب" (خفض).]] قطعت نواتها، وإذا افترعت [[في "لسان العرب" (فرع) 6/ 3395: افترع البكر: افتضها، والفرعة: دمها، وقيل له: افتراع لأنه أول جماعها.]] انقطع حاتم عذرتها، ومن هذا يقال: اعتذرت المياه إذا انقطعت، وعلى هذا معنى العذر [[ساقط من (ح).]]: قطع اللائمة عن الجاني، فالقولان قريبان من السواء لأن هو أثر الموجدة قطع له. وقوله تعالى: ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾، قال أبو إسحاق: (تأويله: قد ظهر كفركم بعد إظهاركم الإيمان) [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 459، وقول الزجاج هذا بناء على أنهم كانوا كفارًا منافقين قبل هذا القول، لكن لفظ الآية أعم بما ذكره الزجاج، فالاستهزاء بالله أو رسوله أو شيء بما جاء به الإسلام يعد باب من أبواب الكفر الأكبر؛ لأنه يدل على الاستخفاف والاستصغار، وأساس الإيمان تعظيم الله تعالى وما يمت إليه بسبب بأقصى ما يمكن.]]. وقوله تعالى: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾، قال المفسرون: (الطائفتان كانوا ثلاثة نفر هزيء اثنان وضحك واحد على ما بينا) [[انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 173، و"الدر المنثور" 3/ 456 - 457.]]، فالطائفة الأولى الضاحك، والأخرى الهازئان، قال مجاهد في قوله، تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 2]، أقلها واحد [[رواه ابن جرير 18/ 69 (ط. الحلبي) وعبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 50، والبغوي في "تفسيره" 6/ 8، وابن المنذر وابن أبي حاتم، كما في "الدر المنثور" 3/ 457.]]، وقال عطاء: أقلها اثنان [[رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 50، والبغوي 6/ 8]]. وقال أبو إسحاق: (الطائفة في اللغة: أصلها الجماعة؛ لأنها المقدار الذي يطيف بالشيء، وقد يجوز أن يقال [[في (ى): (تكون)، وهو خطأ.]] للواحد: طائفة يراد نفسٌ طائفة) [["معاني القرآن واعرابه" 2/ 460.]]. وقال ابن الأنباري: (العرب توقع الجمع على الواحد فتقول: خرج فلان إلى مكة على الجمال، والله تعالى يقول [[ساقط من (ح).]]: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ﴾ [آل عمران: 173] يعني نعيم بن مسعود. قال: ويجوز أن تكون الطائفة إذا أريد بها الواحد يكون أصلها طائفا فتدخل الهاء للمبالغة) [[انظر: "زاد المسير" 3/ 466 مختصرًا.]]. وروى الفراء بإسناده عن ابن عباس قال: (الطائفة: الواحد فما فوقه) [["معاني القرآن" 2/ 245 وسنده واهٍ؛ إذ هو من رواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس.]]، قال الكلبي: (الذي ضحك هو المعفو عنه) [[رواه بمعناه عبد الرزاق في"تفسيره" 1/ 2/ 282، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 456، وذكره بلفظ مقارب ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 364.]]، وقال محمد بن إسحاق: (الذي عفي عنه رجل واحد يقال له: مخشي [[في السيرة النبوية: مخشن، وقد أشار ابن هشام في موضع سابق 4/ 524 إلى الاختلاف في اسمه، وأثبت ابن حجر في "الإصابة" 3/ 391 ما ذكره المؤلف، ولم يشر إلى الخلاف، بل إن ابن جرير رواه في "تفسيره" 10/ 173 عن ابن إسحاق بلفظ المؤلف، وهذا يدل على أنه الراجح في اسمه.]] بن حُمير الأشجعي [[هو: مخشي بن حُمير -مصغرًا- الأشجعي، كان ممن نزل فيه قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ فكان ممن عفي عنه، فقال يا رسول الله: غير اسمي واسم أبي، فسماه عبد الله بن عبد الرحمن، فدعا ربه أن يقتل شهيداً حيث لا يعلم به، فقتل يوم اليمامة ولم يعلم له أثر. انظر: "السيرة النبوية" 4/ 209، و"الإصابة" 3/ 391.]]، أنكر [[في (ح): (نكر).]] عليهم بعض ما سمع، وجعل يسير مجانبًا لهم، فلما نزلت هذه الآية بريء من النفاق) [["السيرة النبوية" 4/ 209.]].

التوبة 9:67

قوله تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾، قال ابن عباس: (أي على دين بعض) [[ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 467، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 508.]]. قال أبو علي: (أي بعضهم يلابس بعضا، ويوالي بعضا، وليس المعنى على النسل [[في (ح): (النسك)، وهو خطأ.]] والولادة؛ لأنه قد يكون من نسل المنافق مؤمن، ومن نسل المؤمن منافق) [["الحجة للقراء السبعة" 1/ 172.]]. وقال أبو إسحاق: (هذا يتلو قوله: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾ [التوبة: 56] أي ليس المنافقون من المؤمنين) [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 460.]]. وقال غيره من أهل المعاني: (معنى ﴿بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ يضاف إلى بعض بالاجتماع على النفاق [[ذكره الماوردي في "النكت والعيون" 2/ 379، والبغوي في "تفسيره" 4/ 71، دون تعيين القائل.]]، كما تقول للإنسان [[في (ح): (يقول الإنسان).]]: أنت مني وأنا منك، أي أمرنا واحد لا ينفصل) [[لم أجده عند أهل المعاني، وانظر معناه في: "تفسير الرازي" 16/ 126.]]، وقد ذكرنا هذا عند قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [النساء: 25]. وقوله تعالى: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ﴾، قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: بالنفاق والتثبيط عن الجهاد في سبيل الله، والتكذيب برسول الله -ﷺ-) [[رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 6/ 1831 من رواية علي بن أبي طلحة بلفظ: التكذيب، ورواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 197 من رواية الكلبي عن أبي صالح عنه بلفظ: (بالكفر ومخالفة الرسول).]]، وقال الضحاك: (يأمرون بالكفر بمحمد) [[لم أقف عليه.]]، ونحوه قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 460.]]. ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾، قال ابن عباس: (عن اتباع رسول الله -ﷺ- [[رواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 197 بلفظ: (عن الإيمان وموافقة الرسول).]]، وقال عطاء عنه: (الإخلاص لله بنية صادقة) [[رواه بمعناه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 6/ 1832 من رواية علي بن أبي طلحة.]]، وقال الزجاج: (عن الإيمان بمحمد -ﷺ-) [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 460.]]. وقال الضحاك: (عن الإسلام وأداء الصدقات إلى رسول الله -ﷺ-) [[لم أجد من أخرجه فيما بين يدي من المصادر.]]. وقوله تعالى: ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾، قال ابن عباس: (عن النفقة في سبيل الله) [["زاد المسير" 3/ 467، و"تنوير المقباس" ص 197.]]، وهو قول الحسن [[ذكره الماوردي في "النكت والعيون" 2/ 379، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 467.]] ومجاهد [[رواه ابن جرير 10/ 174، وابن أبي حاتم 6/ 1832، وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 4/ 233.]]. وقال قتادة: (لا يبسطونها بخير) [[رواه ابن جرير 14/ 338، وابن أبي حاتم 4/ 65 أ، وبنحوه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/283.]]، وقال القرظي: (يقبضون أيديهم عن كل خير) [[لم أجد من ذكره فيما بين يدي من المصادر.]]. وقال الزجاج: (أي: لا يصدقون ولا يزكون) [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 460.]]. والأصل في هذا أن [[ساقط من (ى).]] المعطي يمد يده ويبسطها بالعطاء، فقيل لمن بخل ومنع: قد قبض يده، وقد ذكرنا هذا المعنى [[ساقط من (ى).]] مستقصى في [[في (ى): (عند).]] قوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: 64] [[انظر النسخة (ج) 2/ 61 ب وقد قال في هذا الموضع: (قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾: [قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد الإمساك عن الرزق) وقال في رواية الوالبي: ليسوا يعنون بذلك أن يده موثقة، ولكن يقولون: إنه بخيل أمسك ما عنده) .. قال الفراء: (أرادوا ممسكة عن الإنفات والإسباغ علينا).]]. وقوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾، قال ابن عباس: (تركوا ما أمرهم [به من] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]] طاعته [[في (ى): (بطاعته).]]، وحضهم عليه من الجهاد في سبيله، فتركهم وخذلهم في الشك في قلوبهم) [[رواه بنحوه ابن أبي حاتم 6/ 1832 وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 458، ولفظ ابن أبي حاتم: (تركوا الله فتركهم من ثوابه وكرامته).]]، وقال الضحاك: ([تركوا أمر الله فتركهم من كل خير) [[رواه أبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 458.]]، وقال أهل المعاني: (معناه:] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]]: تركوا أمره حتى صار بمنزلة المنسي بالسهو عنه، فجازاهم بأن صيرهم بمنزلة المنسي من ثوابه ورحمته، وجاء هذا على مزاوجة الكلام) [[انظر موضوع مزاوجة الكلام وتشابه الألفاظ مع اختلاف المعنى في: "تأويل مشكل إعراب القرآن" ص 277، و"الحجة للقراء السبعة" 1/ 315.]]. ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أي: العاصون الله [[في (ى): (لله).]] والخارجون عن أمره وطاعته.

التوبة 9:68

قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ﴾ الآية، يقال: وعده بالخير وعدًا، ووعده بالشر وعيدًا، وقوله تعالى: ﴿نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ [العامل في الحال محذوف بتقدير: أن يصلوها [[في (ح): (أي يصلونها).]] ﴿خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]]، قال الزجاج وغيره: (هي كفاية [[في (ى): (كناية)، والصواب ما في (ح) و (م).]] ذنوبهم، ووفاء لجزاء عملهم، كما يقال: عذبتك حسب فعلك، وحسب فلان ما نزل به، أي ذلك على قدر فعله) [[في (ح): (فعلك). وأثبت ما في (م) و (ى) لموافقته لما في "معاني القرآن وإعرابه".]] [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 460.]].

التوبة 9:69

قوله تعالى: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ هذا الرجوع من الخبر إلى الخطاب، قال الفراء: (فعلتم كأفعال الذين من قبلكم) [["معاني القرآن" 1/ 446.]]، يعني أن قوله: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ وصف لهم بهذه الأفعال، ثم قال: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي فعلتم هذه الأفعال [كأفعال الذين من قبلكم] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح).]] فيكون المعنى على حذف المضاف، وقال الزجاج: (موضع الكاف نصب، أي وعدهم الله -عز وجل- على الكفر به كما وعد الذين من قبلكم [[في المصدر التالي: قبلهم. وهو أولى لتناسق الضمائر.]]) [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 460.]]، فعلى هذا: قوله: ﴿كَالَّذِينَ﴾ أي: كوعد الذين، والكاف متعلق بقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ﴾. وقال غيره [[هو الحوفي في "البرهان" 11/ 233 أ.]]: (شبه المنافقون في عدولهم عن أمر الله للاستمتاع بلذات الدنيا بمن قبلهم) فعلى هذا: الكاف في محل الرفع بأنه خبر [[في (ح): (في خبر).]] ابتداء محذوف على تقدير: أنتم كالذين من قبلكم [[هذا أحد قولي الزمخشري في "كشافه" 2/ 201، وانظر: "تفسير القرطبي" 8/ 200، و"البحر المحيط" 5/ 68]]. قال ابن عباس: (يريد الأمم الخالية) [[رواه بمعناه ابن جرير 10/ 176، وابن أبي حاتم 6/ 1834.]]. وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ﴾، قال: (يريد: بنصيبهم في الدنيا) [[رواه بنحوه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص198، وذكره ابن الجوزي 3/ 467.]]، قال الفراء: (يقول رضوا بنصيبهم في الدنيا من [[ساقط من (ى).]] أنصبائهم [[في (ح): (أصابهم).]] في الآخرة) [["معاني القرآن" 1/ 446.]]، وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ﴾ يعني: أن هؤلاء استمتعوا بنصيبهم من الخير العاجل، وباعوا بذلك الخير الآجل فهلكوا بشر استبدال، وقال الفراء: (أي أردتم ما أراد الذين من قبلكم) [[المصدر السابق: السابق، نفس الموضع.]]. وقوله تعالى: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾، قال: يريد: كخوضهم الذي خاضوا [[اهـ. كلام الفراء، المصدر السابق، نفس الموضع، وانظر: "المسائل العضديات" ص 170، حيث نسب هذا التقدير للبغداديين أيضاً.]]، فـ (الذي) صفة مصدر محذوف، دل عليه الفعل، قال ابن عباس: (يريد في الطعن علي أنبيائهم)، وقال أهل المعاني: (يعني في كل باطل؛ لأن الخوض الدخول فيما يؤدي إلى تلويث صاحبه). وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ أي: بطلت حسناتهم في الدنيا بأنها لا تقبل منهم، وفي الآخرة بأنهم لا [[ساقط من (ح).]] يثابون عليها، وقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾، قال عطاء عن ابن عباس: (يريد في الدنيا مقتهم المؤمنون، وفي الآخرة العذاب والخزي) [[لم أقف عليه.]]، ويروى عنه: الخاسرون أنفسهم ومنازلهم وخدمهم في الجنة، وورثها المؤمنون) (¬8).

التوبة 9:70

قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ الآية، احتج الله -عز وجل- على الكفار والمنافقين بالكفار الماضية، أي أنهم إذا هلكوا بعلة التكذيب فلم يأمن هؤلاء أن ينزل بهم مثل ما نزل بمن قبلهم؟ قال الزجاج: (أي ألم يأتهم خبر الذين أهلكوا في الدنيا بذنوبهم [[ساقط من (ى).]] فيتعظوا؟) [[اهـ. كلام الزجاج، انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 461.]] وهذا الاستفهام للتنبيه والتحذير والتوبيخ. وقوله تعالى: ﴿وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ﴾، قال ابن عباس: (يريد: نمرود بن كنعان [[يقال: إنه النمرود بن كنعان بن كوش بن سام بن نوح، وكان أحد ملوك إلى الدنيا، وقد طغا وبغى وتجبر، وادعى الربوبية، وأنكر الخالق جل جلاله وسعى لإحراق إبراهيم -عليه السلام-، ويذكر أن سبب هلاكه بعوضة دخلت في منخره. والله أعلم. انظر: "تاريخ ابن جرير" 1/ 233 - 242، و"البداية والنهاية" 1/ 148.]]) [[ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 468، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 509.]]. وقوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ﴾ مدين [[ساقط من (ح).]]: اسم البلد الذي كان فيه قوم شعيب [قال المفسرون: يعني قوم شعيب] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]] أهلكوا بعذاب يوم الظلة [[انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 177، والثعلبي 6/ 126 أ، والبغوي 4/ 72.]]. وقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتِ﴾ قال المفسرون: يعني [[ساقطة من (ى).]] قريات قوم لوط [[انظر المصادر السابقة، نغسر المواضع.]]، وهي جمع مؤتفكة، ومعنى الائتفاك في اللغة: الانقلاب [[قال ابن فارس: أئتفكت البلدة بأهلها: انقلبت. "مجمل اللغة" (أفك) 1/ 99.]]، وتلك القرى ائتفكت بأهلها، أي انقلبت بأهلها [[من (ى).]] فصار أعلاها أسفلها و (المؤتفكات) معطوفة على (مدين) يعني: وأصحاب المؤتفكات. ويقال: أفكه فائتفك أي: قلبه فانقلب [[انظر: "لسان العرب" (أفك) 1/ 97.]]. وقوله تعالى: ﴿أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾، قال عطاء عن ابن عباس: (لوط وحده) [[لم أقف عليه.]] فعلى هذا قال المفسرون: (كان لوط قد بعث في كل قرية رسولاً يدعوهم إلى الله) [[ذكر هذا التوجيه ابن جرير 10/ 178، والقرطبي 8/ 202، وأبو حيان في "البحر المحيط" 5/ 70.]]، ويجوز أن يكون هذا من الجمع الذي أريد به الواحد كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [المؤمنون: 51] ولم يكن في عصره سواه رسول، وقال آخرون: (الكناية في الرسل تعود إلى جميع الأمم المذكورة) [[انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 178، وابن الجوزي 3/ 468، وهود بن محكم 2/ 150، واستظهر هذا القول أبو حيان في "البحر المحيط" 5/ 458.]]. وقوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾، قال ابن عباس: (يريد ليهلكهم حتى يبعث إليهم نبيا ينذرهم) [[ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 468، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 509.]] ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [قال أبو إسحاق: (أعلم الله -عز وجل- أن تعذيبهم كان باستحقاقهم وأن ذلك عدل منه) [["معاني والقرآن وإعرابه" للزجاج 2/ 461.]]] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]].

التوبة 9:71

قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾، قال ابن عباس: (يريد في الرحمة والمحبة) [[ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 509، ورواه بمعناه أبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 459.]]. قال أبو علي: (المعنى فيه أن بعضهم يوالي بعضًا ولا يبرأ بعضهم من بعض كما يبرؤون ممن خالفهم وشاقهم، ولكنهم يد واحدة في النصرة والموالاة، فهم أهل كلمة واحدة لا يفترقون، ومن ثم قالوا في خلاف الولاية: العداوة، ألا ترى أن العداوة من عدا الشيء: إذا جاوزه، فمن ثم كانت [[في (ح): (كأنه)، وما أثبته موافق للمصدر التالي.]] خلاف الولاية) [["الحجة للقراء السبعة" 2/ 233.]]. وقوله تعالى: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾، قال ابن عباس: (بأنه لا إله إلا الله) [[رواه بمعناه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 198.]] ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ يريد: عن الشرك بالله) (¬4)، قال أبو العالية: (كل ما ذكر الله في كتابه من الأمر بالمعروف فهو الدعاء إلى الإسلام، والنهي عن المنكر: النهي عن عبادة الأوثان) [[رواه بنحوه ابن جرير 10/ 179، والثعلبى 6/ 126، والفيروزأبادي ص 198.]]. وقال بعض أهل المعاني: [ذكر الله المنافقين] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح).]]، فقال: ﴿بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ وذكر المؤمنين فقال: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ وذلك أن المعنى في المنافقين: أن بعضهم يضاف إلى بعض بالاجتماع على النفاق، ولا يكون بينهم موالاة؛ لأن قلوبهم تكون مختلفة، ولا تكون كقلوب المؤمنين في التواد والتعاطف) [[ذكر هذا القول بنحوه القرطبي في "تفسيره" 8/ 203، وبمعناه ابن عطية في "المحرر الوجيز" 3/ 58، ولم ينساه لأحد.]].

التوبة 9:72

قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾ قال عطاء عن ابن عباس: (يريد قصور الزبرجد والدر والياقوت يفوح طيبها من مسيرة خمسمائة عام) [[ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 509، كما ذكره من غير نسبة القرطبي في "تفسيره" 8/ 204، وأبو حيان في "البحر المحيط" 5/ 71.]]، ونحوه قال الحسن [[روى ابن جرير في "تفسيره" 10/ 179، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 6/ 1839 - 1840 أثرًا نحو هذا الأثر عن الحسن عن عمران بن حصين وأبي هريرة عن النبي -ﷺ-، وفي سنده جسر بن فرقد، قال البخاري في "التاريخ الكبير" 2/ 246: (ليس بذاك) وذكره الدارقطني في كتابه "الضعفاء والمتروكون"، رقم (146) ص 171، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 106 بعد أن ساق الخبر: رواه البزار والطبراني في الأوسط، وفيه: جسر بن فرقد، وهو ضعيف، وقد وثقه سعيد بن عامر، وبقية رجال الطبراني ثقات.]]. وقوله تعالى: ﴿فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾، قال الأزهري: (العدن مأخوذ من قولك: عدن فلان بالمكان إذا أقام به يعدن عدونًا، قال ذلك أبو زيد وابن الأعرابي. وقال شمر: تقول العرب: تركت إبل بني فلان عوادن بمكان كذا، وهو أن تلزم الإبل المكان فتألفه ولا تبرحه، قال: ومنه المعدن لإنبات الله -عز وجل- الجوهر فيه وإنباته إياه في الأرض حتى عدن فيها أي ثبت) [[اهـ. كلام الأزهري، انظر: "تهذيب اللغة" (عدن) 3/ 2362 - 2363 وقد تصرف الواحدي في عبارته.]]، ونحو هذا قال أبو عبيدة وغيره من أهل اللغة: (إن معنى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾: جنات إقامة) [[انظر: قول أبي عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 263، وانظر: "تهذيب إصلاح المنطق" (العدن) ص 156، و"مجمل اللغة" (عدن) 3/ 652.]]. قال ابن مسعود: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾: (بطنان الجنة) [[رواه ابن جرير 10/ 181، وابن أبي حاتم 6/ 1840.]]، قال الأزهري: (وبطنانها وسطها، وبطنان الأودية: المواضع التي يستنقع فيها ماء السيل فيكرُم نباتها واحدها بطن) [["تهذيب اللغة" (عدن) 3/ 2362 - 2363.]]. وقال عطاء عن ابن عباس: (هي قصبة الجنة، وسقفها عرش الرحمن) [[ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 510، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 469، ورواه الثعلبي في "تفسيره" 6/ 127 أعن عطاء.]]. وقال الضحاك: (هي مدينة الجنة، وفيها الرسل والأنبياء والشهداء وأئمة الهدى، والناس حولهم بعد، والجنات حولها) [[رواه ابن جرير 10/ 182، والثعلبى 6/ 127 أ.]]. [وقال مقاتل والكلبي: (عدن: أعلى درجة في الجنة وفيها عين التسنيم، والجنان حولها] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح).]] محدقة بها وهي مغطاة من يوم خلقها الله حتى ينزلها [[في (ى): (يتركها)، وهو خطأ مخالف للنسختين الآخرين ولمصادر تخريج الأثر التالية.]] أهلها الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون، وفيها قصور الدر والياقوت والذهب، فتهب ريح طيبة من تحت العرش فتدخل عليهم كثبان المسك الأبيض) [[رواه عنهما الثعلبي في "تفسيره" 6/ 127 أ، والبغوي 4/ 73، وهو في "تفسير مقاتل" ص 132 أمختصرًا.]]. وقال عبد الله بن عمرو [[في (ح): (عمر). وما أثبته موافق لمصادر تخريج الأثر.]]: (إن في الجنة قصرًا يقال له: عدن، حوله البروج والمروج [[في (ى): (المروح)، وفي (م): (البرج)، وفي "تفسير الطبري" (في كلا الطبعتين): (الروح). وما أثبته من (ح) وهو موافق لما في "تفسير الثعلبي والبغوي".]]، له خمسة آلاف باب، على كل باب خمس آلاف حبرة [[الحبرة: بكسر الحاء وفتح الباء، وبفتحهما: ضرب من برود اليمن منمر، والحبرة: الوشي، والحبير من البرود: ما كان موشيًا مخططًا. "لسان العرب" (حبر) 2/ 749، فكأن المراد: على كل باب ستور موشية، وفي (م): (خيرة).]]، لا يدخله [[في (ح): (لا يدخلها)، وما أثبته موافق لما في مصادر التخريج.]] إلا نبي أو صديق أو شهيد) [[رواه ابن جرير 10/ 182، والثعلبى 6/ 126 ب، والبغوي 4/ 73.]]، فعلى قول المفسرين وأهل الأثر: جنات عدن مخصوصة من سائر الجنات، كما ذكرنا [[في (ح) و (ى): (ذكروا).]]، وعلى قول أهل اللغة: هي عامة؛ لأن الجنات كلها جنات إقامة، إذ أهلها مخلدون فيها لا يظعنون عنها. وقوله تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾، قال ابن عباس: (أي أكبر مما يوصف) [[ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 469، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 511.]]، وقال أبو إسحاق: (أي أكبر مما هم فيه من النعيم) [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 461.]]، وقال أهل المعاني: (إنما صار الرضوان أكبر من الثواب؛ لأنه لا يوجد شيء منه إلا بالرضوان، إذ هو الداعي إليه، والموجب له) [[ذكره نحوه مختصرًا بن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 469، ولم أقف عليه عند أهل المعاني.]]، وقال الحسن: (لأن ما يصل إلى قلبه من السرور برضوان الله -عز وجل- أكبر من جميع ذلك) [[ذكره بنحوه هود بن محكم في "تفسيره" 2/ 152.]].

التوبة 9:73

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾، قال ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة: (أمره الله بجهاد الكفار بالسيف، والمنافقين باللسان) [[رواه ابن جرير 10/ 183، وابن أبي حاتم 6/ 1841 - 1842، وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي كما في "الدر المنثور" 3/ 462.]]، وزاد عطاء عنه بيانًا فقال: (يريد جاهد الكفار بالسيوف والرماح والنبل، والمنافقين باللسان وشدة الانتهار وترك الرفق) [[ذكر بعض هذا الأثر ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 470، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 512.]]، ونحو هذا قال ابن جريج والضحاك: (بتغليظ الكلام) [[رواه عنهما الثعلبي 6/ 127 ب، ورواه عن الضحاك أيضًا البغوي 4/ 74، وبمعناه ابن جرير 10/ 183، وابن أبي حاتم 6/ 1842.]]. وقال عبد الله [[يعني ابن مسعود كما في مصادر تخريج قوله.]] في قوله: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ قال: بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، فمن لم يستطع فليكفهر في وجهه [[فليكفهر في وجهه: أي ليلقه بوجه عابس قطوب لا طلاقة فيه ولا انبساط. انظر: "لسان العرب" (كفهر) 7/ 3907.]] إذا لقيه [[رواه ابن جرير 10/ 183، وابن أبي حاتم 6/ 1841، والثعلبي 6/ 127 ب، والبغوي 4/ 74، وانظر: "الدر المنثور" 3/ 462.]]. قال أبو إسحاق: (لما كشفت حال المنافقين أمر بجهادهم، والمعنى: جاهدهم بالحجة، فالحجة على المنافق جهاد لهم) [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 461.]]، وعلى هذا الاحتجاج على المنافقين والملحدين والرادين للكتاب [[في (ح): (الكتاب).]] والسنة، والمخالفين لهما من الجهاد. وقوله تعالى: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ يقال: غلظ الشيء يغلظ غلظا في الخلقة، ثم يقال: رجل غليظ: إذا كان فظا، وغلظ له القول وأغلظ: إذا لم يرفق به، وهذا نحو قوله: ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة: 123]، قال أهل المعاني: (وهي قوة القلب على إحلال الألم بصاحبه، كما [[في (ى): (على).]] أن الرقة ضعف القلب عن ذلك) [["البرهان" للحوفي 11/ 234 مختصرًا.]]. قال ابن عباس: (يريد شدة الانتهار، والنظر بالبغضة، والمقت) [["زاد المسير" 3/ 470.]]. وقال ابن مسعود: (هو أن تكفهر في وجوههم) [[سبق تخريجه عند تفسير أول هذه الآية.]]، قال عطاء: (وهذه الآية نسخت كل شيء من العفو والصفح) [[رواه الثعلبي في "تفسيره" 6/ 127 ب، والبغوي 4/ 74، وذهب إلى هذا القول القرطبي في "تفسيره" 8/ 205، والصواب عدم النسخ، وقد سبق بيان ذلك وذكر أقوال بعض العلماء عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: 61].]].

التوبة 9:74

قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ الآية، نزلت حين بلغ النبي -ﷺ- أن المنافقين يسيؤون فيه القول ويطعنون فيه، وفي الدين والقرآن، فأنكر ذلك عليهم فحلفوا ما قالوا فكذبهم الله تعالى فقال: ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ [[انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 185، والثعلبي 6/ 127 ب، و"أسباب النزول" للمؤلف ص 256.]] يعني سبهم الرسول، وطعنهم في الدين، وقال قتادة: (قالوا [[ساقطة من (ي).]]: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: 8] فسعي بها إلى النبي -ﷺ-، فدعاهم فحلفوا ما قالوا) [[رواه بنحوه ابن جرير 10/ 186، وابن أبي حاتم 6/ 1842 - 1843، والثعلبي 6/ 12 ب.]]، وكان هذا في غزوة تبوك [[قوله: (وكان هذا في غزوة تبوك) ليس من كلام قتادة وفيه نظر؛ لأن القائل: (لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل) عبد الله بن أُبي كما في "صحيح البخاري" (3518)، كتاب: المناقب، باب: ما ينهى عن دعوى الجاهلية، و"صحيح مسلم" (2772)، كتاب: صفات المنافقين، وقد بين الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" 6/ 547 أن ذلك كان في غزوة المريسيع، وكذلك ابن إسحاق كما في "السيرة النبوية" 3/ 334 - 336 ثم إن أبيا كان ممن تخلف عن غزوة تبوك، كما في المصدر السابق 4/ 407 - 208.]]، وقال السدي: (قالوا: إذا قدمنا المدينة عقدنا على رأس عبد الله بن أبي تاجًا يباهي به رسول الله -ﷺ-) [[رواه الثعلي في "تفسيره" 6/ 12 ب، وبنحوه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 6/ 1843 - 1844.]]. وقوله تعالى: ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾، قال ابن عباس ومجاهد: (هم المنافقون بقتل المؤمن الذي أنكر عليهم طعنهم في الرسول [[ذكره عن ابن عباس -رضي الله عنه- ابن الجوزي 3/ 470، ورواه الثعلبي 6/ 128 أعن الكلبي، كما رواه عن مجاهد الإمام ابن جرير 10/ 187، وابن أبي حاتم 6/ 1854، والثعلبي 6/ 12 ب، والبغوي 4/ 75.]]، قال [[ساقط من (ى): والقائل ابن عباس كما في تفسير الثعلبي وابن الجوزي، ولم يصح عنه لأنه من رواية الكلبي.]]: وهو عامر بن قيس [[هكذا رواه الكلبي عن ابن عباس، وقد روى ابن أبي حاتم 6/ 1843، 70/ أعن ابن عباس، وكعب بن مالك أن المؤمن هو: عمير بن سعد، وكذلك أخرج عبد الرزاق وابن المنذر وأبو الشيخ عن عروة، كما في "الدر المنثور" 4/ 464، وانظر: "السيرة النبوية" 4/ 208، قال الحافظ ابن حجر في "الإصابة" 2/ 256: == (عامر بن قيس الأنصاري، ابن عم الجلاس بن سويد، ذكره موسى بن عقبة في "المغازي"، وأنه أحد من سمع الجلاس بن سويد يقول: إن كان ما يقول محمد حقًا لنحن شر من الحمر، فبلغ ذلك النبي -ﷺ- فحلف الجلاس ما قال ذلك، فنزلت ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ الآية، وكذلك ذكره أبو الأسود عن عروة، ونقله الثعلبي عن قتادة والسدي، والقصة مشهورة لعمير بن سعد). وعمير بن سعد هو: عمير بن سعد بن عبيد الأوسي الأنصاري، كان يتيمًا في حجر الجلاس بن سويد، وشهد فتوح الشام، وكان يعجب عمر بن الخطاب، ويسميه نسيج وحده، وولاه حمص، فقام بعمله خير قيام مع الزهد والورع، وتوفي في خلافة عمر وقيل غير ذلك. انظر: "سير أعلام النبلاء" 2/ 103، و"الإصابة" 3/ 32.]] الذي سعى بهم، وقال السدي: (هو أنهم لم ينالوا ما هموا به من عقد التاج على رأس عبد الله بن أبي) [[رواه بمعناه الثعلبي 6/ 12 ب.]]، وقال الكلبي: (هموا أن يفتكوا بالنبي ﷺ ليلاً ويغتالوه فأعلمه الله ذلك فأمر من نحاهم عن طريقه وسماهم رجلاً رجلاً، وكانوا خمسة عشر رجلاً) [[رواه الثعلبي 6/ 12 ب، وذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 512.]]، وهذا اختيار أبي إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 461.]]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، قال ابن عباس: (يريد مما كانوا غنموا حتى صارت لهم العقد [[في"تهذيب اللغة" (عقد) 3/ 2512. العقد: كل ما يعتقده الإنسان من العقار فهو عقدة له. وفي "القاموس المحيط" فصل العين، باب: الدال ص300: العقدة: الولاية على البلد، ج: كصرد، والضيعة والعقار الذي اعتقده صاحبه ملكًا.]] والأموال من العين [[العين: الدينار والذهب. انظر: "القاموس المحيط" (عين) ص 1218، و"لسان العرب" (عين) 6/ 3198.]] والحيوان) [[ذكره المؤلف فى "الوسيط" 2/ 512]]. وقال الكلبي: (كانوا قبل قدوم النبي -ﷺ-، في ضنك من عيشهم لا يركبون الخيل، ولا يحوزون الغنيمة، فلما قدم عليهم رسول الله -ﷺ-، استغنوا بالغنائم) [[رواه الثعلبي 6/ 129 أ، والبغوي 4/ 75، وذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 512، وابن الجوزي 3/ 472، والقرطبي 8/ 208.]]، وذكرنا معنى ﴿نَقَمُوا﴾ عند قوله: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا﴾ [المائدة: 59] [[انظر: النسخة (ح) 2/ 40 أوقد قال في هذا الموضع: (قوله تعالى: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا﴾ يقال: نقمت على الرجل أنقم، ونقمت عليه أنقم، والأجود فتح الماضي، وهو الأكثر في القراءة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البروج: 8] ومعنى نقمت: بالغت في كراهة الشيء، فمعنى (تنقمون) أي تكرهون وتنكرون).]]. قال أهل المعاني في هذه الآية: (إنهم عملوا بضد الواجب فجعلوا موضع شكر الغني أن نقموه فهذا معنى قوله: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ﴾ [["البرهان" للحوفي 11/ 245 بمعناه.]] ويجوز أن يكون المعنى: إنهم بطروا النعمة [[في (ح): (ذو النعمة).]] بالغني فنقموا بطرُا وأشرًا [[في (ى): (شرًّا).]]، وقال ابن قتيبة: (أي: ليس ينقمون شيئًا ولا يتعرفون من الله إلا الصنع [[في (ح): (لصنيع)، وما في (ى) موافق لما في "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة، والصنع: مصدر قولك: صنع إليه معروفًا وجميلًا. انظر: "اللسان" (صنع).]]، [وهذا كقول الشاعر: ما نقموا من بني أمية إلا ... أنهم يحلمون إن غضبوا] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح) والبيت لابن قيس الرقيات.]] وهذا ليس مما ينقم، وإنما أراد: إن الناس لا ينقمون عليهم [[في (ح): (عليه)، وما أثبته موافق لما في "تفسير غريب القرآن".]] شيئا كقول النابغة: ولا عيب فيهم غير إن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب [[انظر: "ديوان النابغة الذبياني" ص 44، و"إصلاح المنطق" ص 29، و"خزانة الأدب" 3/ 327.]] أي ليس فيهم عيب) [["تفسير غريب القرآن" ص 198.]]. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾، قال الكلبي: (لما نزلت هذه الآية قام [[في (ى): (قال).]] الجلاس بن سويد [[هو: جلاس بن سويد بن الصامت الأنصاري، كان من المنافقين ثم تاب وحسنت توبته، وكان زوج أم عمير بن سعد، وكان عمير في حجره، فسمعه يقول: لئن كان محمد صادقًا لنحن شر من الحمير، فبلغ عمير رسول الله -ﷺ-، ونزل في الجلاس قرآن، ثم تاب وأحسن لعمير. انظر: "الاستيعاب" 1/ 330، و"الإصابة" 1/ 241.]]، وكان ممن طعن علي النبي -ﷺ-، فقال: أسمع الله قد عرض علي التوبة، وأنا أستغفر الله وأتوب إليه بما قلته فقبل رسول الله -ﷺ- توبته) [[رواه الثعلبي 6/ 128 أ، والبغوي 4/ 74.]]، ونحو هذا روى عطاء عن ابن عباس. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَوَلَّوْا﴾ أي يعرضوا عن الإيمان، قال ابن عباس: ([يريد كما تولى ابن أبي) [[ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 472، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 512.]]. ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا﴾ بالقتل، قال الزجاج] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]]: (لأنهم [[في (م): (لأنه). وما أثبته موافق للمصدر التالي.]] أمر بقتلهم) [[اهـ. كلام الزجاج، و"معاني القرآن وإعرابه" 2/ 462، وعذاب الله في الدنيا أشمل من القتل، ولعل مراد الزجاج أن المنافق إذا أظهر كفره جاز قتله.]] وفي ﴿الْآخِرَةِ﴾: بالنار، ﴿وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾، قال عطاء: (يريد لا يتولاهم أحد من الأنصار) [[ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 512 عن ابن عباس.]].

التوبة 9:75

قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ الآية، المعاهدة: معاقدة بعزيمة تتحقق بذكر الله، نحو: علي عهد [[في (ح): (عبد)، وهو خطأ جلي.]] الله لأفعلن كذا، قال ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة: (أتى ثعلبة بن حاطب [[هو: ثعلبة بن حاطب بن عمرو بن عبيد بن أمية بن زيد بن عوف بن عمرو بن عوف الأوسي الأنصاري صحابي جليل شهد بدرًا وأحدًا، واختلف في وفاته فقيل: إنه قتل يوم أحد، وقيل: يوم خيبر، وقيل: مات بعد ذلك، وهو بريء من هذه القصة المفتراة، وللعلماء في تبرئته منها طريقتان: الأولى: بيان زيف هذه القصة، وهذا دليل على براءة هذا الصحابي البدري منها، وسيأتي بيان ذلك. الثانية: أن صاحب هذه القصة رجل آخر غير البدري موافق له في الاسم، وهذا رأي الحافظ ابن حجر حيث ذكر في "الإصابة" 1/ 198 رجلين بهذا الاسم، أحدهما البدري، والآخر صحاب القصة وهو ممن شارك في بناء مسجد الضرار، ثم قال: (وفي كون صاحب القصة إن صح الخبر ولا أظنه يصح هو البدري قبله نظر، وقد تأكدت المغايرة بينهما بقول ابن الكلبي: (إن البدري استشهد بأحد، ويقوي ذلك أيضًا أن ابن مردويه روى في "تفسيره" من طريق عطية عن ابن عباس في الآية المذكورة، قال: وذلك أن رجلاً يقال له ثعلبة بن أبي حاطب من الأنصار أتى مجلسًا فأشهدهم فقال: ﴿لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية، فذكر القصة بطولها، فقال: إنه ثعلبة بن أبي حاطب، والبدري اتفقوا على أنه ثعلبة بن حاطب، وقد ثبت أنه -ﷺ- قال: "لا يدخل النار أحد شهد بدرًا والحديبية"، وحكى عن ربه أنه قال لأهل بدر: (اعملوا ما شئتم قد غفرت لكم) فمن يكون بهذه المثابة كيف يعقبه الله نفاقًا في قلبه، وينزل فيه ما نزل؟ فالظاهر أنه غيره). ومحاولة الحافظ ابن حجر إثبات شخصية تلصق بها القصة إنما هو لتبرئة البدري، وهو بريء منها دون هذه المحاولة التي لم تستند إلى برهان علمي لما يأتي: 1 - أن الحافظ ابن حجر قال في الكلام السابق: (إن صح الخبر وما أظنه يصح)، وجزم بعدم صحته في "تخريج أحاديث الكشاف" فقال: (هذا إسناد ضعيف جداً) اهـ. والخبر الضعيف جدًا لا يثبت شيئاً. == 2 - أن حديث ابن عباس الذي ذكره باطل كما سيأتي، فكيف يؤكد المغايرة بين الشخصين. 3 - أن ابن الكلبي -وهو هشام بن محمد المؤرخ النسابة- متروك. انظر: "المغني في الضعفاء" 2/ 711 بل متهم بالوضع والاختلاق، كما في كتاب "التنبيه على حدوث التصحيف" ص 118، 119 فخبر مثله لا يؤكد شيئًا ولا يقويه. وبهذا يتأكد أنه لا يوجد إلا شخص واحد بهذا الاسم، وقد جزم بذلك الإمام الذهبي فلم يذكر في كتابه "تجريد أسماء الصحابة" 1/ 66 سوى البدري، ونسبة القصة إليه محض اختلاق كما سيأتي بيان ذلك.]] مجلسًا من الأنصار فأشهدهم وقال: (لئن آتاني الله من فضله آتيت منه كل ذي حق حقه، وتصدقت منه، ووصلت منه القرابة، فابتلاه الله، فلم يف بما قال) [[الأثر عن ابن عباس رواه ابن جرير في "تفسيره" 10/ 189، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 6/ 1847، بسند مسلسل بالضعفاء وبعضهم أشد ضعفًا من بعض، ومنهم: أ- الحسين بن الحسن بن عطية العوفي، قال ابن معين والنسائي وأبو حاتم: ضعيف، وقال ابن حبان: يروي أشياء لا يتابع عليها .. لا يجوز الاحتجاج بخبره، وقال الجوزجاني: واهي الحديث، وقال ابن سعد: كان ضعيفًا في الحديث. انظر: "تاريخ بغداد" 8/ 29، وضعفاء العقيلي 1/ 250، و"المجروحين" لابن حبان 1/ 246، و"الكامل" 3/ 237 (492)، و"طبقات ابن سعد" 7/ 331، و"لسان الميزان" 2/ 278. ب- الحسن بن عطية بن سعد العوفي، قال ابن حبان في كتاب "المجروحين" 1/ 234: (منكر الحديث، فلا أدري البلية في أحاديثه منه أو من أبيه أو منهما معًا؟ لأن أباه ليس بشيء في الحديث، وأكثر روايته عن أبيه، فمن هنا اشتبه أمره، ووجب تركه). وقال البخاري في "التاريخ الكبير" 2/ 301: (ليس بذاك). وقال الحافظ ابن حجر في "تقريب التهذيب" ص 162 (1256): (ضعيف). جـ- عطية بن سعد العوفي قال ابن حبان في كتاب "المجروحين" 2/ 176: (لا يحل الاحتجاج به، ولا كتابة حديثه إلا على جهة التعجب) اهـ. == ومن عجائبه أنه كنى الكلبي المتهم بالكذب أبا سعيد، ثم حدث عنه بهذه الكنية فيتوهم من يسمعه أنه يحدث عن أبي سعيد الخدري، ذكر ذلك عنه الحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب" 3/ 114، ثم ذكر من ضعفه ومنهم علي بن المديني وأحمد وأبو داود والساجي وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي وابن عدي، وشذ ابن سعد فقال: (ثقة إن شاء الله، وله أحاديث صالحة ومن الناس من لا يحتج به). وبهذا يتبين أن خبر ابن عباس هذا ضعيف جدًّا. وأما أثر سعيد بن جبير فقد ذكره الثعلبي في "تفسيره" 6/ 130 ب بغير سند، إذ أن الثعلبي ذكر أسانيده في المقدمة ولم يذكر سنده إلى سعيد بن جبير. وأما أثر قتادة فقد رواه ابن جرير 10/ 190 بلفظ: (ذكر لنا أن رجلاً من الأنصار أتى على مجلس من الأنصار فقال: لئن آتاه الله مالاً ليؤدين إلى كل ذي حق حقه، فأتاه الله مالاً فصنع فيه ما تسمعون). وفي هذا الأثر مجهول، إذ لم يسم قتادة من حدثه به، ثم إنه ليس في هذا الأثر ذكر لثعلبة ولا لغيره.]]. وقال أبو أمامة الباهلي: (عاود ثعلبة رسول الله -ﷺ- مرارًا كل ذلك يقول: ادع الله أن يرزقني مالاً ورسول الله -ﷺ- يقول له: "قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه" حتى قال: والذي بعثك بالحق نبيًا [[ساقط من (ى).]] لئن رزقني الله مالاً لأعطين كل ذي حق حقه، فقال رسول الله -ﷺ-: "اللهم ارزق ثعلبة مالًا" فاتخذ غنمًا وكثر ماله حتى اشتغل به عن الصلاة مع رسول الله -ﷺ-، وخرج عن المدينة، ومنع الزكاة، وبلغ من أمره ما قص الله في كتابه) [[هذا بعض أثر طويل رواه ابن جرير في "تفسيره" 10/ 189، والبيهقي في "دلائل النبوة" 5/ 289، والطبراني في "المعجم الكبير" 8/ 260 رقم (7873)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 6/ 1847 - 1849، وغيرهم كما في "الدر المنثور" 3/ 467 وفي سنده عدة رجال مجروحين منهم: أ- معان بن رفاعة السلامي الدمشقي، وثقه أحمد وعلي بن المديني ودحيم، وقال أبو حاتم: لا يحتج به، وقال ابن معين: ضعيف، وقال الجوزجاني: ليس بحجة، وقال ابن حبان: منكر الحديث، يروي مراسيل كثيرة، ويحدث عن أقوام == مجاهيل، لا يشبه حديثه حديث الأثبات، فلما صار الغالب في رواياته ما ينكره القلب استحق ترك الاحتجاج به، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه. ولخص الحافظ ابن حجر حاله فقال في "التقريب": (لين الحديث، كثير الإرسال). انظر ترجمته في: "الضعفاء" للعقيلي 4/ 256، و"الكامل" 8/ 1808، و"الميزان" 5/ 259 (8619)، و"تهذيب التهذيب" 4/ 104. ب- علي بن يزيد الألهاني الشامي، قال البخاري: (منكر الحديث) وقال النسائي: (متروك) وكذلك قال الأزدي والدارقطني والبرقي، وقال الحاكم أبو أحمد: (ذاهب الحديث) وقال الساجي: (اتفق أهل العلم على ضعفه). وقال ابن حبان: (إذا اجتمع في إسناد خبر عبيد الله بن زحر وعلي بن يزيد والقاسم أبو عبد الرحمن لم يكن متن ذلك الخبر إلا مما عملته أيديهم) اهـ. وعلق الحافظ ابن حجر على هذا القول بقوله: (وليس في الثلاثة من اتهم إلا علي بن يزيد). انظر: "التاريخ الكبير" 2/ 3/ 301، و"الكامل" 6/ 1338، و"المجروحين" 2/ 110، و"تهذيب التهذيب" 3/ 199، 334. جـ- القاسم بن عبد الرحمن الشامي أبو عبد الرحمن الدمشقي، كان عابدًا متقشفًا وثقه البخاري وابن معين والترمذي وغيرهم، وقال الإمام أحمد: (منكر الحديث، ما أرى البلاء إلا من قبل القاسم)، وقال ابن حبان: (يروي عن أصحاب رسول الله -ﷺ- المعضلات، ويأتي عن الثقات بالأشاء المقلوبات حتى يسبق إلى القلب أنه كان المتعمد لها). انظر: "الضعفاء" للعقيلي 3/ 476، و"المجروحين" 2/ 211، و"تهذيب التهذيب" 8/ 280. وبهذا يتين تهافت هذا الخبر، قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 108 (فيه علي بن يزيد الألهاني وهو متروك). وقال الحافظ ابن حجر في "الكافي الشافي" ص 77: (رواه الطبراني والبيهقي في "الدلائل" و"الشعب" وابن أبي حاتم، والطبري وابن مردويه كلهم من طريق علي ابن يزيد الألهانى عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة، وهذا إسناد ضعيف جداً). =]]. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقوله تعالى: ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ﴾، قال الزجاج: (الأصل: لنتصدقن ولكن التاء أدغمت في الصاد لقربها منها) [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 462.]]. قال الليث: (المتصدق: المعطي والمتصدق: السائل) [["تهذيب اللغة" (صدق) 2/ 1991 وقد وهم الأزهري في فهم عبارة كتاب "العين"، إذ نص العبارة فيه: والمتصدق: المعطى للصدقة، وأصدق: أخذ الصدقات من الغنم، قال الأعشى: ودَّ المصَدّق من بني عمرو ... أن القبائل كلها غنم كتاب "العين" (صدق) 5/ 57. فهو يريد بالمصدق العامل على الصدقات وليس السائل بدلالة استشهاده ببيت الشعر، ثم هو لم يقل المتصدق، كما قال الأزهري.]]، وأنكر ذلك [[ساقط من (ى).]] أهل اللغة، ولم يجيزوا أن يقال للسائل: متصدق، قال ذلك الفراء [["تهذيب اللغة" (صدق) 2/ 1991.]] والأصمعي [[المصدر السابق، نفس الموضوع.]] وغيرهما، فالمتصدق المعطي، قال الله تعالى: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ [يوسف: 88]. وقوله تعالى: ﴿وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أي لنعملن ما يعمل أهل الصلاح في أموالهم من صلة الرحم، والنفقة في الخير، وقال عطاء عن ابن عباس: (يريد الحج) [[ذكره الزمخشري في "الكشاف" 2/ 203.]]، لأن ثعلبة كان مسكينًا فعاهد الله لئن وسع الله عليه [[في (ي): (علينا).]] ليصدقن وليحجن. وقال الضحاك: (نزلت هذه الآيات في رجال من المنافقين سماهم، بسط الله لهم الدنيا فبخلوا بها بعدما عاهدوا أن يتصدقوا) [[رواه الثعلبي في "تفسيره" 6/ 131 أ.]].

التوبة 9:77

قوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ الآية، قال الليث: (يقال أعقبت [[في (ح): (أعقب).]] فلانًا ندامة: إذا صيرت عاقبة أمره ذلك، وأنشد للهذلي [[هو: أبو ذؤيب. انظر: "شرح أشعار الهذليين" 1/ 6، و"خزانة الأدب" 1/ 420، و"كتاب العين" (عقب) 1/ 179، و"لسان العرب" (عقب) 5/ 3024.]]: أودى [[أودى: هلك، و"لسان العرب" (ودى) 1/ 3895.]] بني وأعقبوني حسرة ..... بعد الرقاد وعبرة لا [[في (م) و (ى): (ما)، وما أثبته موافق لـ"الشرح" و"الخزانة".]] تقلع [[لم أجد هذا النص المنسوب لليث في "تهذيب اللغة" (عقب) ولا في كتاب "العين" (عقب)، وقد استشهد الخليل بالبيت المذكور في نفس الموضع على أن (أعقب) لغة في (عقب) وقال في نفس الموضع: (أعقب هذا ذاك: أي صار مكانه، وأعقب عزه ذلًا: أي: أبدل منه). كتاب: "العين" (عقب) 1/ 180 فلعل المؤلف فهم من هذا القول ما ذكره عن الليث، وأغلب النحاة -لاسيما البصريين- ينسبون كتاب "العين" لليث بن المظفر، انظر: مقدمة كتاب "العين" 1/ 19.]] قال الأزهري: (ويقال: أكل فلان أكلة أعقبته سقمًا، وأعقبه الله خيرًا بإحسانه [[في (ح): (بإحسانًا)، وما أثبته موافق للمصدر.]] بمعنى عوضه وأبدله، وهو معنى قول النابغة [[هو الذبياني، انظر "ديوانه" ص 21 والشاعر يخاطب النعمان بن المنذر ممدوحه.]]: ومن أطاع فأبدله [[في (ح): (فأعقبهم)، وفي "الديوان"، و"تهذيب اللغة": (فأعقبه).]] بطاعته ...... كما أطاعك واد لله على الرشد [[أهـ. كلام الأزهري، وقد جمع المؤلف بين قولين له، انظر: "تهذيب اللغة" (عقب) 3/ 2506، 2508.]] فإن [[في (ى): و (إن).]] شئت قلت في قوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا﴾ صير عاقبة أمرهم ذلك، وإن شئت قلت [[في (ح): (قلت في قوله ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا﴾ وعوضهم .. إلخ).]]: عوضهم وأبدلهم والمعنى واحد؛ لأنه التصيير إلى حالة [[في (ى): (حالة واحدة).]] مخصوصة في العاقبة بخير أو بشر، فالخير ما ذكره النابغة، والشر ما ذكره الله في هذه الآية، قال عطاء عن ابن عباس: (فأعقبه الله نفاقًا حتى مات) [[ذكره بمعناه ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 475، والفيروزأبادي في "تنوير المقباس" 199.]]. وقال مجاهد: (أعقبهم الله ذلك بحرمان التوبة كما حرم إبليس) [[لم أجد من ذكره عن مجاهد سوى المؤلف هنا وفي "الوسيط" 2/ 514، وقد رواه بلفظ مقارب ابن جرير 10/ 191 عن عبد الرحمن بن زيد.]]. قال الزجاج: ([والمعنى: أضلهم بفعلهم، قال: ويجوز أن يكون لما قال: ﴿بَخِلُوا بِهِ﴾ قال: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا﴾، [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]] أي فأعقبهم بخلهم نفاقًا) [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 462 بمعناه.]]. وقوله تعالى: ﴿إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ هذا دليل على أنه مات منافقا، فقد روي أنه أتى النبي -ﷺ- بصدقته فقال: "إن الله منعني أن أقبل منك صدقتك" ثم لم يقبلها أبو بكر ولا عمر ولا عثمان، ومات في خلافته [[هذا بعض حديث أبي أمامة الذي سبق تخريجه وبيان ضعفه الشديد، وهذا النص يؤكد بطلان القصة إذ أن الله تعالى يقول: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38].]]، فمن قال: أعقبهم الله [[في (ى): (بخلهم)، وهو خطأ واضح بدلالة السياق.]] رد الضمير في ﴿يَلْقَوْنَهُ﴾ إلى اسم الله عز وجل، ومن قال: أعقبهم بخلهم، رد الضمير إليه، بمعنى: يلقون جزاء بخلهم [[قال ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 475: في الضمير في (أعقبهم) قولان: أحدهما: أنها ترجع إلى الله، فالمعنى: جازاهم الله بالنفاق، وهذا قول ابن عباس ومجاهد. والثاني: أنها ترجع إلى البخل، فالمعنى: أعقبهم بخلهم بما نذروا إانفاقًا. قاله الحسن.]]. وقوله تعالى: ﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ هذا بيان عما يوجبه الكذب مع إخلاف الوعد من النفاق، فمن أخلف في المواثيق مع الله فقد تعرض للنفاق، وكان جزاؤه من الله إفساد قلبه بما يكسبه [[في (ى): (كسبه)، وفي (م): (يكسب).]] النفاق، فأما ما روي عن النبي -ﷺ-: "ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صلى وصام وزعم أنه مؤمن، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان" [[رواه مسلم (109)، كتاب: الإيمان، باب: بيان خصال المنافق، وأحمد في "المسند" 2/ 397، ورواه مختصرًا البخاري (33)، كتاب: الإيمان، باب: علامة المنافق، والترمذي (2631)، كتاب: الإيمان، باب: ما جاء في علامة المنافق.]]، فقد أجرى هذا الخبر على ظاهره الحسن [[انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 192 - 193، والثعلبي 6/ 132 وفي سنده محمد المحرم، منكر الحديث كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" 1/ 248، ثم إن في آخر الحديث ما يفيد رجوع الحسن عن رأيه.]] وعبد الله بن عمرو [[انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 191 - 192 وليس في خبره ما يشعر أن عبد الله بن عمرو أجراه على ظاهره، بل ذكر آية المنافق، واستشهد على قوله بالآية المذكورة.]] ومحمد بن كعب [[انظر: المصدر السابق، الصفحة التالية.]]، وقال عطاء بن أبي [[ساقط من (ح).]] رباح: (حدثني جابر بن عبد الله أن رسول الله -ﷺ- إنما قال هذا الحديث في المنافقين خاصة، الذين حدثوا النبي -ﷺ- فكذبوه، وائتمنهم على سره [[ساقط من (ى).]] فخانوه، ووعدوا أن يخرجوا معه في الغزو فأخلفوه) [[رواه ابن جرير في "تفسيره" 10/ 192، والثعلبي في "تفسيره" 6/ 133 أ، وفي سنده محمد المحرم، وهو منكر الحديث كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" 1/ 248. وقد قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" 1/ 91: (منهم من ادعى أنها للعهد -يعني ال في المنافق- فقال: إنه ورد في حق شخص معين، أو في حق المنافقين في عهد النبي -ﷺ-وتمسك هؤلاء بأحاديث ضعيفة).]] فعنده هذا الحديث خاص في المنافقين [[للعلماء في توجيه الحديث عدة أجوبة منها: أولًا: قال النووي في "شرح صحيح مسلم" 2/ 47: (هذا الحديث ليس فيه بحمد الله إشكال، ولكن اختلف العلماء في معناه، فالذي قاله المحققون والأكثرون وهو الصحيح المختار: إن معناه أن هذه الخصال خصال نفاق، وصاحبها شبيه بالمنافقين في هذه الخصال ومتخلق بأخلاقهم، فإن النفاق هو إظهار ما يبطن خلافه، وهذا المعنى موجود في صاحب هذه الخصال، ويكون نفاقه في حق من حدثه ووعده وائتمنه وخاصمه وعاهده من الناس لا أنه منافق في الإسلام فيظهره وهو يبطن الكفر). ثانيًا: ذهب بعض العلماء إلى أن هذا الحديث من أحاديث الوعيد التي قصد بها الترهيب، وظاهرها غير مراد، وهذا ما ارتضاه الخطابي كما في "فتح الباري" 1/ 90. ثالثًا: أن النفاق قسمان، نفاق العمل، وهو المذكور في الحديث، وهو غير مخرج من الإسلام، ونفاق الاعتقاد وهو إظهار الإسلام وإبطان الكفر وهو مخرج من الإسلام، وهذا الوجه عليه كثير من المحققين، قال الترمذي في "سننه" 5/ 20 بعد إيراد الحديث: (وإنما معنى هذا عند أهل العلم نفاق العمل، وإنما كان نفاق == التكذيب على عهد رسول الله -ﷺ-، هكذا روي عن الحسن البصري شيئًا من هذا أنه قال: النفاق نفاقان: نفاق العمل، ونفاق التكذيب) اهـ. وانظر: "مجموع فتاوى شيخ الإسلام" 11/ 140، 28/ 435، و"فتح الباري" 1/ 90.]].

التوبة 9:79

قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ﴾ الآية، مضى الكلام في اللمز عند قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: 58]. والمطوعون: المتطوعون [[في (م): (والمطوعين المتطوعين).]]، والتطوع التنفل، وهو الطاعة لله عز وجل فيما ليس بواجب، ومضى الكلام في إدغام التاء في الطاء عند قوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ [البقرة: 158] [[انظر: "النسخة الأزهرية" 1/ 100 أوقد قال هنا: (الوجه الثاني من القراءة (يطوع) بالياء وجزم العين، وتقديره يتطوع، إلا أن التاء أدغم في الطاء لتقاربهما).]]، وقوله: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: 222] [[انظر: "النسخة الأزهرية" 1/ 135 ب وقد قال في هذا الموضع: (حتى يطهرن) أي: يتطهرن، ومعناه يغتسلن بالماء بعد النقاء من الدم، فأدغمت الثاني بالطاء، هذه قراءة أهل الكوفة).]]، قال المفسرون: حث النبي -ﷺ- على الصدقة فجاء عمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف، بصدقة عظيمة، وجاء رجل يقال له: أبو عقيل الأنصاري [[أبو عقيل الأنصاري، صحابي أنصاري معروف بكنيته، واختلف في اسمه اختلافًا كثيراً، فقيل: الحبحاب، وقيل: الحثحاث، وقيل: هذا لقب له واسمه سهل بن رافع، وقيل: هو عبد الرحمن بن بيحان، وقيل: هو أبو عقيل بن عبد الله بن ثعلبة البلوي شهد بدراً، واستشهد باليمامة، وقيل غير ذلك. انظر: "فتح الباري" 8/ 331، و"الأصابة" 4/ 136 (776).]] بصاع من تمر وكان قد أجر نفسه ليلة إلى الصبح يسقي نخل رجل، فأخذ أجرته فجعل نصفها صدقة لوجه الله تعالى ونصفها لعياله، فلمزهم المنافقون وقالوا: ما أخرج هؤلاء صدقاتهم إلا رياء، وأما أبو عقيل فإنما جاء بصاعه ليذكر نفسه، وإن كان الله ورسوله لغنيين عن صاعه، فأنزل الله هذه الآية [[انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 194 - 198، و"الدر المنثور" 3/ 469 - 472، وقد روى نحوه البخاري (4668)، كتاب: التفسير، باب: قوله الذين يلمزون المطوعين، ومسلم (1018)، كتاب: الزكاة، باب: الحمل أجرة يتصدق بها، والنسائي، كتاب: الزكاة، [باب] جهد المقل 5/ 59.]]. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ يعني أبا عقيل، وقال عطاء عن ابن عباس: هو سهل بن نافع [[هكذا في النسخ التي بين يدي، ولم يذكر ابن حجر في "الإصابة" أحدًا من الصحابة بهذا الاسم، فلعل في اسمه تصحيف والصواب سهل بن رافع، أحد بني النجار الأنصاري الخزرجي، فقد قال الحافظ ابن حجر في ترجمته في "الإصابة" 2/ 87: (يقال: إنه صاحب الصاع قال ابن منده: شهد أحدًا، ومات في خلافة عمر، وروى عيسى بن يونس عن سعيد بن عثمان البلوي عن جدته بنت عدي عن أمها عميرة بنت سهل بن رافع صاحب الصاع الذي لمزه المنافقون، خرج بزكاته صاع تمر وبابنته عميرة إلى النبي -ﷺ- فقال: ادع الله لي ولها بالبركة فما لي غيرها فوضع يده عليها فدعا له). وقد رجح الحافظ في "فتح الباري" 8/ 331 تعدد من جاء بالصاع فلمزه المنافقون.]]. قال الليث: الجهد شيء قليل يعيش به المقل [["تهذيب اللغة" (جهد) 1/ 675 والنص في كتاب: "العين" للخليل بن أحمد (جهد) 3/ 386.]]. وقال الزجاج: (إلا جهدهم) و (جهدهم) بالفتح والضم [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 462، والقراة بالفتح شاذة قرأ بها الأعرج وعطاء ومجاهد. انظر: "مختصر في شواذ القرآن" من كتاب "البديع" لابن خالويه ص 54.]]. قال الفراء: الضم لغة أهل الحجاز والفتح لغيرهم [["معاني القرآن" 1/ 447 بمعناه.]]، وحكى [[في (م): (وقال).]] ابن السكيت عنه الفرق بينهما فقال: الجُهد: الطاقة، تقول: هذا جهدي أي طاقتي، والجهد: المشقة، تقول: اجهد جهدك [["تهذيب إصلاح المنطق" (جهد) ص 227، و"المشوف المعلم في ترتيب الإصلاح على حروف المعجم" (جهد) 1/ 171 بنحوه.]]. وقال الشعبي: الجهد في العمل، والجهل في القوت [[رواه ابن جرير 10/ 198، وبمعناه ابن أبي حاتم 6/ 1853.]]. وقوله تعالى: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ﴾ الكناية تعود إلى الذين لا يجدون إلا جهدهم، وقوله تعالى: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ خبر الابتداء الذي هو قوله: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ ومعناه: جازاهم جزاء سخريتهم، ومضى الكلام في هذا [[انظر: "البسيط" البقرة: 212.]]، قال ابن عباس: (يريد حيث صاروا إلى النار) [[ذكره القرطبي في "تفسيره" 8/ 215.]]. وقال صاحب "النظم": قوله: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ صفة للمكني المتصل بقوله في الآية التي قبل هذه: ﴿سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ [التوبة: 78] ولا يحتمل أن يكون قوله: (الَّذِينَ [[ساقط من (ى).]] يَلْمِزُونَ) مبتدأ؛ لأنه لم يجيء له جواب، وقوله تعالى: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ لا يحتمل أن يكون جوابًا لأنه فعل ماض [[ذهب النحاس في "إعراب القرآن" 2/ 206، والقرطبي في "تفسيره" 8/ 215 إلى أن (الذين يلمزون) مبتدأ و (سخر الله منهم) خبره، وذكر أبو البقاء العكيري عدة وجوه في الخبر: == الأول: (فيسخرون) ودخلت الفاء لما في (الذين) من الشبه بالشرط. الثاني: أن الخبر (سخر الله منهم). الثالث: أن الخبر محذوف، تقديره: منهم الذين يلمزون. انظر: "التبيان في إعراب القرآن" ص 425.]]، وهذه السخرية لا تكون إلا في الآخرة، فكان هذا القول دعاء، وقد قال بعضهم [[انظر التعليق السابق.]]: ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ منقطع مما قبله وقوله: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ خبره، دعاء كان أو خبرًا، في الدنيا كان أو في الآخرة.

التوبة 9:80

قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية، قال الفراء: (ظاهر الآية أنه أمر ونهي، خيره بينهما، وإنما [[في (ى): (وانهما)، وهو خطأ.]] هو على تأويل الجزاء، بمعنى إن تستغفر لهم أو لا تستغفر لهم) [["معاني القرآن" 1/ 441 بمعناه.]]، وقد ذكرنا هذا عند قوله: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [التوبة: 53] الآية، وقال غيره من أهل المعاني: (معنى صيغة الأمر والنهي في هذه الآية: المبالغة في اليأس من المغفرة بأنه لو طلبها طلب المأمور بها، أو [[في (ح): (و).]] تركها ترك المنهي عنها لكان ذلك سواء في أن الله لا يوقعها [[في (م): (يرفعها).]]) [[لم أقف عليه.]]. وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ قال المتأخرون من أهل التفسير: (السبعون عند العرب غاية مستقصاة؛ لأنه جمع سبعة والسبعة تتمة عدد الخلق كالسماوات والأرض والبحار [[لم يتبين لي مراده بذلك، والبحار المعروفة أكثر من سبعة.]] والأقاليم [[لم يتين لي المراد بذلك، ولا يمكن أن يقال: إن مراده القارات السبع؛ لأن ثلاثًا منها على الأقل لم تكشف إلا بعد وفاة المؤلف بدهر.]] والنجوم [[يعني النجوم السيارة في المجموعة الشمسية، وقد كان المعروف منها زمن المؤلف سبع. انظر: "تفسير الرازي" 16/ 148. وقد اكتشف فيما بعد غيرها.]] والأعضاء [[لعله يعني الأعضاء السبعة التي يسجد عليها المصلي، وذكر ابن عطية في "المحرر الوجيز" 6/ 582 - 583 نحو هذا القول، وفسر الأعضاء بالجوارح التي بها يطيع الإنسان ربه ويعصيه، وهي عيناه وأذناه ولسانه وبطنه وفرجه ويداه ورجلاه، وفيه نظر لأن الطاعة والمعصية ليست محصورة بهذه الأعضاء فالأنف قد يشم ما حرم الله، والقلب قد يحمل حقدًا وحسدًا واحتقارًا لمسلم، والمرأة قد تعصي ربها بإبداء زينتها ووجهها لأجنبي.]]) [[هذا القول للثعلبي، انظر: "تفسيره" 6/ 134 ب.]]، وذكر في بعض الكتب [[في (ى): (بعض أهل الكتب)، وهو خطأ.]]: (إن تستغفر لهم سبعين مرة) إنما خص هذا العدد لأنه يروى أن النبي -ﷺ- صلى على حمزة سبعين تكبيرة، فكأنه قيل: إن تستغفر لهم سبعين مرة بإزاء صلاتك على حمزة) [[انظر: "تفسير الثعلبي" 6/ 134 ب، ولم يذكر سنده.]]. وقال الأزهري: (العرب تضع التسبيع [[في (ح): (السبع).]] في موضع التضعيف، حكى أبو عمرو أن رجلاً أعطى أعرابيًا درهمًا، فقال [[في (ى): (فقال له)، وأثبت ما في (ح) و (م) لموافقته لما في "تهذيب اللعة".]]: سبع الله له الأجر، قال: أراد التضعيف، وفي نوادر الأعراب: سبع الله لفلان تسبيعًا وتبع له تتبيعًا، أي: تابع له الشيء [بعد الشيء] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]]. قال: والأصل في هذا: قول الله عز وجل: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: 261]، وقال عليه السلام "الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة" [[رواه البخاري (41، 42)، كتاب: الإيمان، باب: حسن إسلام المرء، ومسلم (164)، كتاب: الصيام، باب: فضل الصيام، والنسائي في "سننه"، كتاب: الإيمان، باب: حسن إسلام المرء 8/ 105، وابن ماجه (1638)، كتاب: الصيام، باب: ما جاء في فضل الصيام، وأحمد في "المسند" 1/ 446.]] فلما ذكر الله تعالى ورسوله هذا العدد في موضع التضعيف صار أصلاً فيه، فقوله: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ من باب التكثير والتضعيف لا من باب حصر العدد، ولم يرد الله أنه [[ساقط من (ى) و (م).]] إن زاد على السبعين غفر لهم، ولكن المعنى: إن استكثرت من الدعاء بالاستغفار للمنافقين لم يغفر الله لهم [[اهـ. كلام الأزهري، انظر: "تهذيب اللغة" (سبع) 2/ 1617.]]. هذا الذي ذكرنا في هذه الآية مذهب أهل اللغة وأصحاب المعاني [[انظر: "تهذيب اللغة" (سبع) 2/ 1617، و"لسان العرب" (سبع) 3/ 1924.]]، وأما المفسرون فإنهم أجروا الآية على ظاهرها، فقالوا: إن قوله: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ تخيير، وقوله: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ حصر بهذا العدد [[نسبة المؤلف هذا القول للمفسرين على وجه العموم فيه نظر، إذ هم فريقان في هذه المسألة، فبعضهم ذهب إليه، وقد ذكر القرطبي بعضهم في "تفسيره" 8/ 220 حيث قال. (وقالت طائفة - منهم الحسن وقتادة وعروة: إن شئت استغفر لهم، وإن شئت لا تستغفر) اهـ. واعتمد هذا القول السمرقندي في "تفسيره" 2/ 65، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 515، وابن عطية في "المحرر الوجيز" 6/ 580، وابن العربي في "أحكام القرآن" 2/ 990 ولم تذكر كتب الرواية كـ"تفسير ابن جرير" وابن أبي حاتم == و"الدر المنثور" قولاً لأحد المفسرين السابقين بهذا المعنى، وإنما ذكرت عن جمع من مفسري السلف -منهم عروة وقتادة- رواية عن النبي -ﷺ- بالتخيير، فلعل من نسب هذا القول إلى الرواة بناء على أن الراوي لا يخالف روايته، وهذا ليس على إطلاقه. وقد خالف هذا القول كثير من المفسرين، فابن جرير قال في تفسير الآية 10/ 198 هذا كلام خرج مخرج الأمر، وتأويله الخبر، ومعاه: إن استغفرت لهم يا محمد أو لم تستغفر لهم فلن يغفر الله لهم، وقال الثعلبي في "تفسيره" 6/ 134/ ب: (لفظه أمر، ومعاه جزاء، تقديره: إن استغفرت لهم أو لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم). وقال البغوي في "تفسيره" 4/ 79: (لفظه أمر، ومعاه خبر، تقديره: استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم .. وذكر عدد السبعين للمبالغة في اليأس عن طمع المغفرة). وقال الماوردي في "النكت والعيون" 2/ 386: (قوله ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ ليس بحد لوقوع المغفرة بعدها، وإنما هو على وجه المبالغة بذكر هذا العدد). وانظر: "تفسير الزمخشري" 2/ 195، 204، وابن كثير 2/ 414. وعلى أي حال فالقول بأن قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ تخيير للنبي -ﷺ- هو الصحيح؛ لقوله -ﷺ-: "إني خيرت فاخترت"، وهذا الحديث نص في هذه المسألة فلا ينبغي العدول عنه.]]، ورووا في هذا عن النبي -ﷺ- ما يوافق هذا المذهب، وهو ما روي أن النبي -ﷺ- لما أراد الصلاة علي عبدالله بن أبي قال له عمر: أتصلي على عدو الله القائل يوم كذا: كذا وكذا؟! فقال: "إني خيرت فاخترت، قد قيل لي: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ " [[رواه البخاري (4670)، كتاب: التفسير، باب: قوله ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾، ومسلم (2400)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل عمر، والنسائي، كتاب: الجنائز، [باب] الصلاة على المنافقين 4/ 67، والترمذي (3097)، كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة التوبة 5/ 279، وأحمد في "المسند" 1/ 16.]]. وقال الضحاك: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله -ﷺ-: "إن الله رخص لي فسأزيدن [[في "تفسير البغوي": (فلأزيدن)، وفي "تفسير الثعلبي": (فسأزيد).]] على السبعين لعل الله أن يغفر لهم" [[رواه الثعلبي في "تفسيره" 6/ 134 ب، والبغوي في "تفسيره" 4/ 79، وهو ضعيف لإرساله، وقال القشيري: لم يثبت أنه قال: "لأزيدن على السبعين". "تفسير القرطبي" 8/ 219.]]، ونحو هذا قال عروة بن الزبير والحسن وقتادة: إن النبي -ﷺ- قال: "لأزيدن علي السبعين" فأنزل الله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون: 6] [[رواه ابن جرير 10/ 198 - 200 عن عروة وقتادة، ورواه عن عروة أيضًا ابن أبي حاتم 6/ 1854، وأشار القرطبي في "تفسيره" 8/ 220 إلى قول الحسن، وأقوالهم هذه مراسيل.]]، قال مقاتل: (فصار قوله: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ منسوخًا بقوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ [["تفسير مقاتل" 133 أبنحوه.]]. فهذا الذي ذكرنا من قولهم يدل على أنهم جعلوا قوله: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ [أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]]﴾ تخييرًا، وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ حصرًا لهذا العدد لا تكثرًا.

التوبة 9:81

قوله تعالى: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ﴾، قال ابن عباس وغيره: (يريد المنافقين الذين تخلفوا عن رسول الله -ﷺ- في غزوة تبوك) [["تنوير المقباس" ص 200، وبنحوه قال قتادة والضحاك وابن الجوزي وغيرهم. انظر: "زاد المسير" 3/ 478، و"الدر المنثور" 3/ 474.]]، والمخلف: المتروك خلف [[في (ح): (وخلف).]] من مضى. وقوله تعالى: ﴿بِمَقْعَدِهِمْ﴾، قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: المدينة) [[ذكره الرازي في "تفسيره" 16/ 149.]] فعلى هذا، المقعد: اسم المكان، وقال مقاتل: (بمقعدهم: بقعودهم) [[المصدر السابق، نفس الموضع، ولعل هذا القول لمقاتل بن حيان؛ لأن مقاتل بن سليمان لم يذكره في "تفسيره".]]، وعلى هذا هو اسم للمصدر، قال أبو علي: (المقعد هاهنا: مصدر في معنى القعود ولا يكون اسمًا للمكان؛ لأن أسماء الأماكن لا يتعلق بها شيء) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 114.]]. وقوله تعالى: ﴿خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾، قال قطرب والمؤرج: (يعني مخالفة رسول الله -ﷺ- حين سار وأقاموا) [[انظر: "تفسير الثعلبي" 6/ 135 أ، و"البحر المحيط" 5/ 79، و"الدر المصون" 6/ 91.]]، واختاره الزجاج، فقال: (معناه: مخالفة رسول الله -ﷺ-، قال: وهو منصوب؛ لأنه مفعول له، المعنى: بأن قعدوا لمخالفة رسول الله -ﷺ-) [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 463.]]، وعلى هذا القول: فالخلاف مصدر مضاف [[في (م): (يضاف).]] إلى المفعول به. وزعم أبو عبيدة: أن معناه: بعد رسول الله -ﷺ- [["مجاز القرآن" 1/ 264.]]، ونحو هذا قال الأخفش: إن (خلاف): في معنى [[في (ح): (بمعنى).]]: خلف، وأن يونس روى ذلك عن عيسى [[هو: عيسى بن عمر الثقفي، أبو عمر البصري، العلامة، إمام النحو، وشيخ الخليل بن أحمد، كان مقرئًا نحويًّا عالمًا ثقة، وهو من أوائل من وضع النحو وصنف فيه، توفي سنة 149 هـ على قول القفطي، وقال الذهبي: لعله بقي إلى بعد سنة160 هـ. انظر: "أخبار النحويين البصريين" ص 49، و"إنباه الرواة" 2/ 374، و"سير أعلام النبلاء" 7/ 200.]] قال: ومعناه: بعد رسول الله -ﷺ-) [[ذكر قول الأخفش هذا وروايته الرازي في "تفسيره" 16/ 149، وأشار إليه أبو حيان في "البحر المحيط" 5/ 79، والسمين الحلبي في "الدر المصون" 6/ 91، أما الأخفش في "معاني القرآن" 1/ 362 فقد نسب هذا القول إلى غيره، ورجح هو أن (خلاف) بمعنى خالفة، وأنه مصدر (خالفوا).]]، ولقوي هذا الوجه قراءة من قرأ (خَلْفْ رَسُولِ اللهِ) [[هي قراءة شاذة قرأ بها ابن عباس وأبو حيوة وعمرو بن ميمون، انظر: "مختصر في شواذ القرآن" ص 54، و"البحر المحيط" 5/ 79.]] وعلى هذا القول، الخلاف [[ساقط من (ح).]]: اسم للجملة كالخلف، وهو على حذف المضاف كأنه خلاف خروج [[ساقط من (ح).]] رسول الله -ﷺ-، ونحو هذا قال ابن عباس في رواية عطاء قال: (يريد بعد خروج رسول الله -ﷺ- إلى تبوك) ففسر الخلاف ببعد، وذكر المضاف المحذوف، و (خلاف) بمعنى (خلف) مستعمل، أنشد أبو عبيدة [[انظر: "مجاز القرآن" 1/ 264.]] للأحوص [[هو: عبد الله بن محمد بن عبد الله الأنصاري، الملقب بالأحوص لضيق مؤخر عينيه، كان شاعر هجاء وغزل، وجعله ابن سلام في الطبقة السادسة من الإسلاميين، وكان معاصرًا لجرير والفرزدق، وتوفي سنة 105 هـ. انظر: "طبقات فحول الشعراء" 2/ 148، 655، و"الشعر والشعراء" ص 345، و"الأعلام" 4/ 116.]]: عَقَبَ الربيعُ خلافهم فكأنما ..... بَسَطَ الشواطبُ بينهن حصيرًا [[نسب المؤلف البيت للأحوص، والصحيح أنه للحارث بن خالد المخزومي كما في "ديوانه" ص 63، و"مجاز القرآن" 1/ 164، و"الأغاني" 15/ 128، و"لسان العرب" (خلف) 2/ 1237. ورواية "الديوان": عقب الرذاذ. والشواطب: النساء اللواتي يشققن الخوص، ويقشرن العسب، ليتخذن منه الحصر. انظر: "اللسان" (شطب) 4/ 2261.]] وقوله تعالى: ﴿لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ يعني مع محمد إلى تبوك: ﴿لْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾، قال ابن عباس: (يريد: يفهمون ويعقلون أن مصير المنافقين إليها) [["تنوير المقباس" ص 200 مختصرًا.]]، وهذا ذم للمنافقين بفرحهم بالقعود عن الجهاد، والفرار من حر الشمس إلى حر الجمر.

التوبة 9:82

قوله تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾، قال أبو رزين [[هو: مسعود بن مالك الأسدي مولاهم، أبو رزين الكوفي، تابعي ثقة، من رجال مسلم، توفي سنة 85 هـ. انظر: "الكاشف" 2/ 257، و"تهذيب التهذيب" 4/ 63، و"تقريب التهذيب" ص 528 (6612).]]: (يقول الله تعالى: مقامهم [[ساقط من (ح).]] في الدنيا قليل فليضحكوا فيها ما شاؤوا، فإذا صاروا إلى الآخرة بكوا [[في (ح): (يكون)، وهو خطأ.]] بكاء [[في (ح): (نكالًا)، وهو وهم من الناسخ.]] لا ينفعهم فذلك الكثير) [[رواه بنحوه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 6/ 1855، وابن جرير10/ 202 وابن أبي شيبة كما في "الدر المنثور" 3/ 474.]]. وقال الحسن: (قوله: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا﴾ وعيد من الله لهم، يقول: فإن ذلك منهم قليل لأن الدنيا كلها قليل يفنى وينقطع، [فضحكهم قليل فيها، وسرورهم وفرحهم قليل لأنه ينقطع] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح).]]، وكل شيء ينقطع فهو قليل. ﴿وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ في النار لا انقطاع له [[رواه ابن جرير 10/ 202 مختصرًا، وذكر بعضه ابن أبي حاتم 6/ 1856 بغير سند، ورواه بمعناه مختصرًا عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 284.]]، قال ابن عباس: (إن أهل النفاق ليبكون [[في (ى): (ليبكوا).]] في النار عمر الدنيا فلا يرقأ لهم دمع) [[رواه الثعلبى 6/ 135 ب.]]، وقال أبو موسى: (حتى لو أجريت السفن في دموعهم لجرت) [[رواه أحمد في كتاب: "الزهد" 2/ 152، وأبو نعيم في "الحلية" 1/ 261، ورواه الحاكم عنه مرفوعًا "المستدرك" 4/ 605، وقال: صحيح الإسناد، قلت: في سنده محمد بن الفضل عارم، قال الحافظ ابن حجر في "تقريب التهذيب" ص502 (6226): ثقة ثبت تغير، في آخر عمره.]]. قال صاحب "النظم": (هذا فصل [[هكذا في النسخ ولعل الصواب: (فعل).]] جاء مجيء الأمر وتأويله الخبر، أي [[ساقط من (ى).]]: أنهم سيضحكون قليلا وسيبكون كثيراً، يدل [[في (م): (دل).]] على ذلك قوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. وقال أبو إسحاق: (﴿جَزَاءً﴾ مفعول له، المعنى: وليبكوا لهذا الفعل) [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 463، وعبارته: جزاء لهذا الفعل.]]. وقال ابن عباس: في قوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (أي: في الدنيا من النفاق والتكذيب) [["تنوير المقباس" ص 200 بمعناه.]].

التوبة 9:83

قال تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ﴾، قال ابن عباس: (يريد: إن ردك الله إلى المدينة) [[ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 516، وبمعناه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 200.]] ومعنى الرجع: تصيير الشيء إلى المكان الذي كان فيه، يقال: رجعته رجعًا، كقولك: رددته ردًّا. وقوله تعالى: ﴿إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾، قال ابن عباس: (يريد المنافقين خاصة) [["تنوير المقباس" ص 200 بنحوه.]]، قال المفسرون: (إنما خصص لأن جميع من أقام بالمدينة ما كانوا منافقين بل كان بعضهم مسلمين [[من (م).]] مخلصين معذورين، وبعضهم لا عذر له [[في (ح): (لهم)، وما أثبته موائم لما بعده.]] ثم عفى الله عنه) [[انظر: "تفسير الثعلبي" 6/ 135 ب، والبغوي 4/ 81، وابن الجوزي 3/ 479، والقرطبي 8/ 217.]]. وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ﴾، قال [[القائل ابن عباس، وانظر: "الوسيط" 2/ 516، و"تنوير المقباس" ص 200.]]: (يريد للغزو معك). وقوله [[من (م).]]: ﴿فَقُلْ [[في (ى) و (م): (قل).]] لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا﴾ إلى غزاة. قال ابن عباس: (وذلك أنه لم يكن يومئذ بقي أحد من المشركين إلا لحق بالشام، وصار في مملكة الروم، ودخل في الإسلام سائرهم) [[لم أقف عليه.]]، ﴿وَلَنْ [[في (ح): (ولم)، وهو خطأ.]] تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ قال: (يريد: من أهل الكتاب) [["الوسيط" 2/ 516 ولا دليل على هذا التخصيص.]]، ﴿إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ يعني لم [[في (ى): (لن)، وهو خطأ.]] تخرجوا إلى تبوك. وقوله تعالى: ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ ذكروا في المخالفين قولين: قال الأخفش وأبو عبيدة: (الخالف الذي خلفني فقعد بعدي) [[انظر: قول أبي عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 265، وذكره الرازي في "تفسيره" 16/ 151 عن الأخفش، ولم أجده في كتابه "معاني القرآن".]]، ومنه قولهم: (اللهم اخلفني في أهلي) [[روى الدارمي في "سننه" 2/ 373 حديث دعاء المسافر وفيه: (اللهم اصحبنا في سفرنا واخلفنا في أهلنا بخير).]]. وقال المؤرج: (الخالف من يخلف) [[لم أجد من ذكره.]]. وقال ابن قتيبة: (﴿مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ واحدهم خالف، وهو من يخلف الرجل [[ساقط من (ى).]] في قومه وماله) [["تفسير غريب القرآن"، له ص 199.]]. وقال الفراء: (﴿مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ من الرجال) [["معاني القرآن" 1/ 447.]]، يريد الذين يخلفون في البيت فلا يبرحون، وهذا القول هو معنى ما ذكره المفسرون. قال ابن عباس: (﴿مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ [مع الرجال] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]] الذين تخلفوا بغير [[في (ى): (من غير)، وما أثبته موافق لرواية الثعلبي.]] عذر) [[رواه الثعلبي 6/ 135 ب، والبغوي 4/ 81، وبنحوه ابن المنذر كما في "الدر المنثور"، ورواه مختصرًا ابن جرير10/ 204، وابن أبي حاتم 6/ 1857.]]، يريد الذين خلفوا من سار فأقاموا بعدهم. وقال الحسن [[ذكره الماوردي في "تفسيره" 2/ 388، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 516، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 480، وذكره القرطبي في "تفسيره" 8/ 218 بلفظ: مع النساء والضعفاء من الرجال، وذكره هود بن محكم في "تفسيره" 2/ 158 بلفظ: مع النساء.]] والضحاك [[رواه الثعلبي في "تفسيره" 6/ 135 ب.]] وقتادة [[ذكره الماوردي في "تفسيره" 2/ 388، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 516، وقد رواه ابن جرير 10/ 204 بلفظ: مع النساء.]]: (يعني النساء والصبيان)، وهؤلاء هم الذين يخلفون الذاهبين إلى السفر والغزو فعلى هذا القول، الخالف: كل من تأخر عن الشاخص. القول الثاني في المخالفين: أن معناه: المخالفين، قال الفراء: (يقال: عبد [[في (ى): (عبده)، وما أثبته موافق للمصدر التالي.]] خالف وصاحب خالف: إذا كان مخالفًا) [["معاني القرآن" 1/ 447.]]. وقال الأخفش: (فلان خالفة أهل بيته: إذا كان فاسدًاً) [[لم أجده عن الأخفش، وانظر: المعنى في "لسان العرب" (خلف) 2/ 1240.]]. وقال أبو عبيدة: (فلان خالفة أهله أي: مخالفهم لا خير فيه) [["مجاز القرآن" 1/ 265.]]. وقال الليث: (هذا رجل خالفةٌ: أي مخالف كثير الخلاف، وقوم خالفون، وكذلك رجل راوية ولحانة ونسابة ونحو ذلك، فإذا جمعت [[في (ى): (اجتمعت)، وما أثبته موافق لكتاب "العين".]] قلت: الخالفون والراوون) [[كتاب "العين" (خلف) 4/ 269 وذكره باختصار الأزهري في "تهذيب اللغة" (خلف) 1/ 1091.]]. وقال الأصمعي: (يقال: خلف فلان عن كل خير، فهو يخلف خلوفًا إذا فسد ولم يفلح [[في (ى): (يخلف)، وما أثبته موافق لـ"تهذيب اللغة".]] فهو خالف وخالفة [[في "تهذيب اللغة": وهي (خالفة).]]) [["تهذيب اللغة" (خلف) 1/ 1088.]]، فجاء من هذه الأقوال أن الخالف يكون بمعنى المخالف وبمعنى الفاسد، وكلاهما يجوز في الآية، وقول ابن عباس في هذه الآية: ﴿مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ مع الرجال الذين تخلفوا) [[سبق تخريجه قبل عدة أسطر.]]، يجوز أن يكون من هذا؛ لأن من تخلف عنك فقد خالفك، وقال جماعة من المفسرين: (يريد مع أهل الفساد) [[انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 204، والثعلبي 6/ 135 ب، والرازي 16/ 151.]]، وهذا معنى ما ذكرنا من قولهم خلف فلان: إذا فسد، ومثله خلف اللبن وخلف النبيذ. وهذه الآية دليل على أن من ظهر منه نفاق وتخذيل لا يجوز للإمام أن يستصحبه في الغزو، اقتداءً برسول الله ﷺ فيما أمره الله به [[ساقط من (ح).]] من مباعدتهم عن الجماعة التي تصحب في السفر وتنصر على العدو من أهل الطاعة [[انظر: "المغني" لابن قدامة 13/ 15، و"حاشية الروض" 4/ 263.]].

التوبة 9:84

وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾، ﴿مَات﴾ [[ساقط من (ح).]] في موضع جر؛ لأنه صفة للنكرة كأنه قيل: على أحد منهم ميت، و ﴿أَبَدًا﴾ ظرف لـ ﴿تُصَلِّ﴾، كأنه قيل: ولا تصل أبدًا على أحد منهم. قال عامة المفسرين: (لما مرض عبد الله بن أبي أرسل [[هذه رواية قتادة كما في "تفسير ابن جرير" 10/ 206ورواية "الصحيحين" عن ابن عمر أن السائل عبد الله بن عبد الله بن أبي، وجمع الثعلبي في "تفسيره" 6/ 13 أبين الأمرين بأن عبد الله بن أبي طلب ذلك من النبي -ﷺ-، فلما مات عبد الله انطلق ابنه إلى النبي -ﷺ- ودعاه إلى جنازة أبيه. اهـ. ويؤيد ذلك ما رواه ابن جرير وابن ماجه والبزار وأبو الشيخ وابن مردويه (كما في "الدر المنثور" 3/ 475). عن جابر قال: مات رأس المنافقين بالمدينة، فأوصى أن يصلي عليه النبي -ﷺ- وأن يكفنه في قميصه، فجاء ابنه إلى النبي -ﷺ- فقال: أبي أوصى أن يكفن في قميصك ..) إلخ، فتبين من مجموع الروايات أن ابن أبي طلب من النبي -ﷺ- ذلك، وحرص عليه، وأوصى به، وأن ابنه نفذ وصيته، وشفع له عند النبي -ﷺ- حتى تم الأمر.]] إلى رسول الله -ﷺ- يسأله أن يكفنه في قميصه الذي يلي بدنه ويصلي عليه، فلما مات فعل ذلك رسول الله -ﷺ-، وشهد دفنه، ودلاه في قبره، فما لبث إلا يسيرًا حتى نزلت هذه الآية، ثم كُلم رسول -ﷺ- فيما فعل بعبد الله بن أبي، فقال: "وما يغني عنه قميصي وصلاتي من الله، والله إني كنت أرجو أن يسلم به ألف من قومه" فيروى أنه أسلم ألف من الخزرج لما رأوه يطلب الاستشفاء بثوب رسول الله -ﷺ- [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 463، و"تفسير ابن جرير" 10/ 204 - 206، والثعلبي 6/ 136 أ، والبغوي 4/ 81، و"الدر المنثور" 3/ 476، وأصل القصة في "صحيح البخاري" (4670)، كتاب: التفسير، باب: قوله ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾، و"صحيح مسلم" (2400)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل عمر.]]. قال أبو إسحاق: ويروى أنه -ﷺ- إنما أجاز الصلاة عليه لأن ظاهره كان الإسلام فأعلمه الله عز وجل أنه إذا علم منه النفاق فلا صلاة عليه) [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 464.]]، وقال أنس: (أراد النبي -ﷺ- أن يصلي عليه فأخذ جبريل بثوبه [[ساقط من (ح).]]، وقال: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ [[ساقط من (ى).]] مَاتَ أَبَدًا﴾ الآية [[رواه ابن جرير 10/ 205، وأبو يعلى وابن مردويه كما في "الدر المنثور" 3/ 476، وفي سند ابن جرير ضعيف بل متروك، وهو يزيد بن أبان الرقاشي كما في "تهذيب التهذيب" 4/ 403، ثم إن في الأثر علة قادحة لمخالفته رواية "الصحيحين" السابقة وفيها أن النبي -ﷺ- صلى عليه.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾، قال الزجاج: (كان رسول الله -ﷺ- إذا دفن الميت وقف على قبره ودعا له) [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 464، والحديث رواه أبو داود (3221)، كتاب: الجنائز، باب: الاستغفار عن القبر للميت، وهو حديث صحيح كما في "صحيح الجامع وزياداته"، رقم (4760) 2/ 865.]]، وقال الكلبي: (لا تدفنه ولا تله) [[ذكره بنحوه الرازي في "تفسيره" 16/ 153.]]، وهذا من قولهم: قام فلان بأمر فلان إذا كفاه أمره وتولاه.

التوبة 9:85

قوله تعالى: ﴿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ﴾ قد تقدم تفسير هذه الآية في قوله تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾ [التوبة: 55]. قال أهل المعاني: (إنما كرر هذه الآية للبيان عن قوة هذا المعنى فيما ينبغي أن يحذر منه مع أنه للتذكير به في موطنين يبعد أحدهما عن الآخر فتجب العناية بأمره، قالوا: ويجوز أن يكون في فريقين من المنافقين، فيجري مجرى قول القائل: (لا تعجبك حال زيد، لا تعجبك حال عمرو) [[انظر: "تفسير الرازي" 16/ 155 - 156، و"الخازن" 2/ 251، ولم أجده في كتب أهل المعاني.]].

التوبة 9:86

قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ موضع (أن) نصب بحذف حرف الجر على تقدير: بأن آمنوا، كأنه قيل بالإيمان. قال أهل المعاني: (ومعنى الأمر للمؤمنين بالإيمان: الدوام عليه والتمسك به في مستقبل الأوقات) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 2/ 119، و"معاني القرآن الكريم" للنحاس 2/ 215.]]، مع أن هذا أمر عام يدخل فيه أمر المنافقين بالإيمان، ثم الجهاد؛ لأنه لا ينفعهم ذاك مع النفاق. وقوله تعالى: ﴿أُولُو الطَّوْلِ﴾، قال ابن عباس والحسن: (استأذنك أهل الغنى في التخلف) [[رواه عن ابن عباس بنحوه ابن جرير 10/ 207، وابن أبي حاتم 6/ 1858، وذكره عن الحسن بمعناه الرازي في "تفسيره" 16/ 156، وأبو حيان في "البحر المحيط" 5/ 82.]]. وقال مقاتل: (أهل السعة في المال) [["تفسير مقاتل" 133 ب.]]. وقال ابن كيسان: (يعني الكبراء المنظور إليهم) [[انظر: "تفسير الرازي" 16/ 156، و"البحر المحيط" 5/ 82.]]، وخص هؤلاء بالذكر لأن الذم لهم ألزم بكونهم قادرين على الجهاد والسفر، ومضى الكلام في الطول [[انظر: "تفسير البسيط" النساء: 25.]]، والصحيح أنه ذكر ﴿أُولُو الطَّوْلِ﴾ لأن من لا مال له ولا قدرة على السفر لا يحتاج إلى الاستئذان في القعود؛ لأنه معذور، وهؤلاء لا عذر لهم في القعود، فيستأذنون ويقعدون، وقد فضح الله عز وجل المنافقين بهذه الصفات التي ذكرهم بها أشد الفضيحة.

التوبة 9:87

قوله تعالى: ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾، قال المفسرون: (يعني النساء) [[انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 208، وابن أبي حاتم 6/ 1859، و"الدر المنثور" 3/ 477.]]، قال الفراء: (النساء الخوالف: اللاتي يخلفن في البيت ولا يبرحن) [["معاني القرآن" 1/ 447.]]. [وقال الزجاج] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]]: (أي رضوا بأن يكونوا في تخلفهم عن الجهاد كالنساء، قال: وقد [[ساقط من (ى).]] يجوز أن يكون جمع خالفة في الرجال والخالفة: الذي هو غير نجيب [[في "معاني القرآن وإعرابه": منجب. وفي "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 34 مثل ما ذكره المؤلف. والنجيب: الكريم الفاضل. انظر: "لسان العرب" (نجب) 7/ 4342]]، ولم يأت (فاعل) صفة جمعه (فواعل) إلا حرفان، قالوا: فارس وفوارس، وهالك وهوالك [[زاد الأزهري في "تهذيب اللغة" (خلف) 1/ 1090، نقلاً عن بعض النحويين: خالف وخوالف. ويرى النحاس أن (خوالف) في الآية جمع (خالفة) ولا يجمع (فاعل) صفة على (فواعل) إلا في الشعر إلا في الحرفين المذكورين. انظر: "إعراب القرآن"، له 2/ 34.]] [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 465.]]. وذكرنا الكلام في الخالف مستقصى في قوله تعالى: ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ [التوبة: 83]. وقوله تعالى: ﴿وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾، قال ابن عباس: (يريد بالنفاق) [[ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 517.]]، ﴿فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾، قال الضحاك: (لا يعلمون أمر الله) [[لم أعثر على من ذكره عنه.]]. وقال الحسن: (ليسوا بفقهاء ولا علماء، ولو كانوا فقهاء لما تخلفوا عن الجهاد معه) [[لم أجده.]]، وذكرنا الكلام في هذا عند قوله: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: 155]، وقوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: 7].

التوبة 9:88

قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ﴾ [[هذه الجملة بعض قول الله تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ الآية، وإتيان المؤلف ببعض الآية لا ينسجم مع ما قبلها.]]، قال الأخفش [[كتاب: "معاني القرآن"، له 1/ 135.]] وأبو عبيدة [["مجاز القرآن" 1/ 267.]] والمبرد [[لم أقف على قوله.]]: (الخيرات جمع خيرة، وهن الجواري الفاضلات الحسان)، أبو زيد: يقال: (هي خيرة النساء، وشرة النساء) [["تهذيب اللغة" (خار) 1/ 959.]]، وأنشد أبو عبيدة: ربلات هند خيرة الملكات [[هذا عجز بيت، وصدره: ولقد طعنت مجامع الربلات ذكره أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 267، ونسبه لرجل جاهلي من بني عدي، عدي تميم، ومثله ابن منظور في "لسان العرب" (خير) 4/ 1298، ومعنى الربلات: جمع ربلة، بتسكين الباء وتحريكها وهي كل لحمة غليظة، وقيل: هي باطن الفخذ، وقيل: أصول الأفخاذ. انظر: "لسان العرب" (ربل) 3/ 1571.]]

التوبة 9:90

قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾ الآية، ذكرنا معنى العذر والاعتذار وأصله في اللغة عند قوله: ﴿قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا﴾ [التوبة: 66]، وتقول: أعذر [[في (ح): (عذر). وأثبت ما في (م) و (ى) لموافقته لما في "تهذيب اللغة" (عذر) 3/ 2366.]] فلان أي كان منه ما يُعذر به، ومنه قولهم: قد أعذر من أنذر، واعتذر اعتذارًا: إذا أتى بعذر صدق فيه أو كذب، وعذر تعذيرًا: أي قصر ولم يبالغ. يقال: قام فلان قيام [[في (ح): (مقام). وأثبت ما في (م) و (ى) لموافقته لما في "تهذيب اللغة" (عذر) 3/ 2366 إذ النص منقول منه.]] تعذير فيما استكفتيه: إذا لم يبالغ، وقصر فيما اعتمد عليه، فمن قرأ (المُعَذِرُون) بالتخفيف وهو قراءة جماعة من الصحابة والتابعين [[روى هذه القراءة ابن جرير عن ابن عباس ومجاهد، وهي أيضًا قراءة زيد بن علي والضحاك والأعرج وأبو صالح وعيسى بن هلال، ومن العشرة يعقوب والكسائي في رواية، وقرأ الباقون بالتشديد. انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 209 - 211، و"الغاية في القراءات العشر" 166، و"تقريب النشر" ص 121، و"البحر المحيط" 5/ 83 - 84.]]، فمعناه المجتهدون المبالغون في العذر، روى الضحاك عن ابن عباس أنه قرأ: (وجاء المعذرون) [["تفسير ابن جرير" 10/ 210، وابن أبي حاتم 46/ 1860، وفي سنده بشر بن عمارة، قال البخاري: يُعرف وينكر، وقال الدارقطني: متروك. انظر: "كتاب الضعفاء الصغير" ص46، و"الضعفاء والمتروكون" ص 160، و"تهذيب التهذيب" 1/ 230، ثم إن في الأثر علة أخرى حيث إن الضحاك لم يلق ابن عباس على القول الصحيح، انظر: "تهذيب التهذيب" 2/ 226.]]، وقال (لعن الله المعذرين) [[رواه الفراء في "معاني القرآن" 1/ 448 وعنه ابن الأنباري في "كتاب الأضداد" ص 321 بإسنادين شديدي الضعف، إذ في أحدهما الكلبي وهو متهم بالكذب كما في "التقريب" ص479 (5901)، وفي الثاني جويبر البلخي، وهو ضعيف جدًّا كما في "المصدر السابق" ص 143 (987).]] ذهب إلى أن المعذرين هم الذين لا عذر لهم [[في (م): (الذين لهم عذر)، وهو خطأ.]]. و ﴿الْمُعَذِّرُونَ﴾ [[في (ى): (والمعذر).]] بالتشديد: الذين يعتذرون بلا عذر، كأنهم المقصرون الذين لا عذر لهم، وعلى هذه القراءة، معنى الآية: إن الله تعالى فصل بين أصحاب العذر وبين الكاذبين، قال ابن عباس: (هم الذين تخلفوا بعذر بإذن رسول الله -ﷺ-) [[رواه الثعلبي في "تفسيره" 6/ 137 أ، وبنحوه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 6/ 1860، وابن جرير 10/ 210.]]. وقال عطاء عنه: (يريد الأعراب [الذين يعتذرون] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]] إلى النبي -ﷺ- في تخلفهم ليؤذن لهم في التخلف) [["تنوير المقباس" ص 201 بنحوه من رواية الكلبىِ.]]. وقال الضحاك: (هم وهي عامر بن الطفيل [[هو: عامر بن الطفيل بن مالك العامري سيد بني عامر بن صعصعة، كان من فرسان العرب وفتاكها وشعرائها، وهو الذي فتك بأصحاب رسول الله -ﷺ- في بئر معونة، ثم حال الغدر بالنبي -ﷺ- وظل جادًا في سعيه لإطفاء نور الله، حتى هلك سنة 11هـ. انظر: "السيرة النبوية" 3/ 185، 4/ 233، و"الشعر والشعراء" ص 207، و"الإصابة" 3/ 125.]] جاؤا [[في (ح): (جاء).]] إلى رسول الله -ﷺ-، وقالوا: إن نحن غزونا معك تُغير أعراب طيء على حلائلنا [[الحلائل: جمع حليلة وهي الزوجة. انظر: "الصحاح" (حلل) 4/ 1673.]] وأولادنا ومواشينا فعذرهم رسول الله -ﷺ-) [[رواه الثعلبي 6/ 137 أ، والبغوي 4/ 83.]]. ونحو هذا قال مجاهد: (هم أهل العذر) [[رواه ابن جرير 10/ 210.]]، ومن قرأ: ﴿الْمُعَذِّرُونَ﴾ بالتشديد وهو قراءة العامة [[هي قراءة العشرة عدا يعقوب، وقتيبة عن الكسائي. انظر: "الغاية في القراءات العشر" ص 166، و"تقريب النشر" ص 121.]] فله وجهان من العربية والتأويل: أحدهما: ما ذكره الفراء والزجاج وابن الأنباري: (وهو أن الأصل في هذا اللفظ عند النحويين: المعتذرون فحولت فتحة التاء إلى العين وأبدلت الذال من التاء، وأدغمت في الذال التي بعدها فصارتا ذالًا مشددة [[في (م): (مشدودة).]]) [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 447، و"معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 2/ 464، و"كتاب الأضداد" لابن الأنباري ص 321.]]. والاعتذار ينقسم في كلام العرب على قسمين، يقال: اعتذر [[في (ح): (اعتذرت).]]: إذا كذب في عذره، قال الله تعالى: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾، فدل على فساد عذرهم بقوله [[في (ح): (لقوله).]]: ﴿قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا﴾ [التوبة: 94]، ويقال: اعتذر: إذا جاء بعذر صحيح، ومنه قول لبيد: ومن يبك حولًا كاملًا فقد اعتذر [[هذا عجز بيت، وصدره: إلى الحول ثم اسم السلام عليكما وهو للبيد بن ربيعة العامري في "ديوانه" ص 214، و"كتاب الأضداد" لابن الأنباري ص 321، و"تهذيب اللغة" (عذر)، و"الخصائص" 3/ 29، و"لسان العرب" (عذر) 5/ 2855. والشاعر يوصي ابنتيه بالبكاء عليه بعد موته حولًا كاملاً، وقبل هذا البيت قال: فقوما فقولا بالذي قد علمتما ... ولا تخمشا وجهًا ولا تحلقا شعر]] يريد فقد جاء بعذر صحيح. (الوجه الثاني من العربية - أن يكون ﴿الْمُعَذِّرُونَ﴾ [[في (ى): (المعذورون)، وهو خطأ.]] على (مفعلين) من التعذير الذي هو التقصير على ما بينا، فإن قلنا: المعذرون [[في (ى): (المعذورون)، وهو خطأ.]] [معناه: المعتذرون بعذر] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و (ى).]] صحيح فوجهه من التأويل ما ذكرنا في قراءة من خفف، وإن قلنا أن معناه: المعتذرون بعذر باطل، أو أخذناه من التعذير فوجهه من التأويل ما قال قتادة) [[ما بين القوسين مضطرب في النسخة (ح) وفيه تقديم وتأخير ونقص ضاع معه المعنى، ونصه: (الوجه الثاني من العربية أن يكون المعذرون صحيح فوجهه من التأويل ما ذكرنا في قراءة من خفف وإن قلنا إن معناه المعتذرون بعذر باطل على (مفعلين) من التعذير الذي هو التقصير على ما بينا، فإن قلنا: المعذرون باطل أو أخذنا من التعذير فوجهه من التأويل ما قال قتادة).]]: (هم الذين اعتذروا بالكذب) [[رواه ابن جرير 10/ 210.]]، ونحو هذا قال محمد بن إسحاق: (هم أعراب من غفار، اعتذروا فلم يعذرهم الله) [["السيرة النبوية" لابن هشام، و"تفسير ابن جرير" 10/ 211.]]. فإن قيل على هذا: إذا كانوا مقصرين فلم أفردوا من الكاذبين الله ورسوله؟ والجواب عن هذا ما أخبرني العروضي [[هو: أحمد بن محمد النيسابوري، تقدمت ترجمته عند ذكر شيوخ المؤلف.]] عن الأزهري قال أخبرني المنذري عن ابن فهم [[هو: الحسين بن محمد بن عبد الرحمن بن فهم البغدادي، حافظ علامة نسابة أخباري، وكان متفننًا في العلوم، كثير الحفظ للحديث، ولأصناف الأخبار والنسب والشعر، والمعرفة بالرجال، وتوفي سنة 289 هـ. انظر: "تاريخ بغداد" 8/ 92، و"سير أعلام النبلاء" 13/ 427، و"البداية والنهاية" 11/ 95، و"طبقات الحفاظ" للسيوطي ص 299]] عن محمد بن سلام [[هو: محمد بن سلام بن عبيد الله الجمحي مولاهم، أبو عبد الله البصري، كان عالمًا أخباريًّا، أديبًا بارعًا، إمامًا في رواية الشعر، من أهل الصدق، وهو صاحب "طبقات فحول الشعراء" المشهور، توفي سنة 231 هـ. انظر: "تاريخ بغداد" 5/ 327، و"مراتب النحويين" ص67، و"طبقات النحويين واللغويين" ص 180، و"سير أعلام النبلاء" 10/ 651.]] عن يونس النحوي أنه سأله عن قوله: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ﴾، قال: قلت ليونس (المعذرون) مخففة كأنها أقيس؛ لأن المعذر الذي له عذر، والمعذر الذي يعتذر ولا عذر له، فقال يونس: (قال أبو عمرو [[في (ى): (قال عمرو)، وهو خطأ.]] بن العلاء: كلا الفريقين كان [[في (ى): (جاء)، وفي (ح): (كانا).]] مسيئًا، جاء قوم فعذروا، وجلح [[في (ى): صلح، وما أثبته موافق لما في "تهذيب اللغة"، ومعنى جلح: ركب رأسه، والتجليح: الإقدام الشديد والتصميم في الأمر والمضي، والمجالح: المكابر. انظر: "لسان العرب" (جلح) 2/ 652.]] آخرون فقعدوا) [["تهذيب اللغة" (عذر) 3/ 2366.]]، يريد أن قومًا تكلفوا عذرًا بالباطل، فهم الذين عناهم [[في (ى): (أغناهم)، وهو خطأ.]] الله بقوله: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ﴾ وتخلف آخرون [[في (ح): (الآخرون).]] من غير تكلف عذر وإظهار علة جرأة على الله ورسوله، وهو معنى قوله: وجلح آخرون فقعدوا). وقوله تعالى: ﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، قال عطاء عن ابن عباس: (يريد لم يصدقوا نبيه واتخذوا إسلامهم جنة) [["تنوير المقباس" ص 201 بمعناه من رواية الكلبي.]]، فبان بهذا أنه ليس يريد الكذب في العذر إنما يريد كذبهم في قولهم [[في (ى): (قوله).]]: إنا مؤمنون.

التوبة 9:91

ثم ذكر الله تعالى أهل العذر فقال: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ﴾، قال ابن عباس: (يريد الزمنى والمشايخ والعجزة) [[رواه الثعلبي 6/ 137 ب، والبغوي 4/ 84.]]، ﴿وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ يعني المقلين من المؤمنين، ﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، قال ابن عباس: (يريد لم يعدلوا بالله شيئاً، وعرفوا الله بتوحيده، وأن ما جاء به محمد ﷺ حق وصدق، وغضبوا لله ورسوله، وأبغضوا من أبغض الله وأحبوا أولياء [[في (ى): (وأحبوا من أحب الملة).]] الله) [[لم أقف عليه.]]، ففسر ابن عباس النصح لله ورسوله بما ذكر. وقال أهل المعاني: (معنى النصح إخلاص العمل من الغش) [[انظر: "تهذيب اللغة" (نصح 4/ 5/ 85، و"تفسير القرطبي" 8/ 227.]]، ومنه التوبة النصوح، فمعنى: ﴿نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أخلصوا أعمالهم من الغش والنفاق لهما. وفائدة قوله: ﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ بعدما ذكر عذرهم أن المعذور يكون على قسمين: أحدهما فريق منهم يغتنمون عذرهم، فهؤلاء [ليسوا ممن نصح لله ورسوله، وفريق يتمنون أن لم يكن لهم عذر فيتمكنوا من الجهاد، فهؤلاء] [[ما بين المعقوفين ساقط من (م).]] هم [[ساقط من (م) و (ى).]] الذين نصحوا لله ورسوله، وهم الذين أرادهم الله بقوله: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾، قال ابن عباس: (من إثم) [["تنوير المقباس" ص 201 بمعناه.]]. وقال أهل المعاني: (من طريق العقاب) [[انظر: "زاد المسير" 3/ 485، و"البحر المحيط" 5/ 85، ولم أجده في كتب أهل المعاني.]]، يعني أنه قد سد بإحسانه طريق العقاب على نفسه. ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، قال ابن عباس: (يريد لمن كان على هذه الخصال) [[لم أقف عليه.]].

التوبة 9:92

قوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾، قال المفسرون: (نزلت هذه الآية في البكائين) [[انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 212 - 213، والثعلبي 6/ 137 ب، والبغوي 4/ 84.]]، قال ابن عباس [[رواه ابن جرير 10/ 212، وابن أبي حاتم 6/ 1863، لكن من غير ذكر العدد.]] ومقاتل [["تفسيره" 133 ب.]] ومحمد بن كعب [[هو القرظي، وانظر قوله في: "تفسير ابن جرير" 10/ 213.]] ومحمد بن إسحاق [[انظر: "السيرة النبوية" 4/ 172، و"تفسير ابن جرير" 10/ 213.]]: (هم سبعة نفر من قبائل شتى، وذكروا أسماءهم [[هناك خلاف في أسمائهم، وقد روى ابن جرير في "تفسيره" 10/ 213 عن محمد بن كعب وغيره أنهم سبعة نفر وهم: سالم بن عمير، وهرمي بن عمرو، وعبد الرحمن== ابن كعب، وسلمان بن صخر، وعبد الرحمن بن يزيد، وعمرو بن غنمة، وعبد الله ابن عمرو المزني. واتفق معه ابن إسحاق في أربعة أسماءهم: سالم بن عمير، وعبد الرحمن بن كعب، وعبد الله بن عمرو المزني، وهرمي بن معمرو، واختلف معه في الباقين فذكر بدلاً منهم: عُلبة بن زيد، وعمرو بن حمام بن الجموح، وعرباض بن سارية. انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام 4/ 172.]]. وقال مجاهد [[في (ى): (محمد).]]: (هم ثلاثة إخوة: معقل [[هو: معقل بن مقرن بن عائذ المزني، أبو عمرة، صحابي أعرابي، ثم سكن الكوفة، انظر: "الاستيعاب" 3/ 484، و"الإصابة" 3/ 447.]] وسويد [[هو: سويد بن مقرن بن عائذ المزني، أبو عدي، صحابي مشهور، روى عن النبي -ﷺ- وحديثه عند مسلم وأصحاب السنن. انظر: " الاستيعاب" 2/ 239، و"تهذيب التهذيب" 2/ 136، و"الإصابة" 2/ 100.]] والنعمان [[هو: النعمان بن مقرن المزني، أبو حكيم، أو أبو عمرو، صاحب رسول الله -ﷺ-، أسند إليه لواء قومه يوم فتح مكة، ثم ولاه عمر قيادة الجيش الذي فتح نهاوند، واستشهد يومئذٍ سنة 21 هـ. وكان -رضي الله عنه- شجاعًا مجاب الدعوة. انظر: "الاستيعاب" 4/ 67 - 69، و"سير أعلام النبلاء" 2/ 256، و"الإصابة" 3/ 565.]] بنو مقرن، سألوا رسول الله -ﷺ- أن يحملهم على الخفاف المرقوعة والنعال المخصوفة ليغزوا، فقال النبي -ﷺ-: "لا أجد ما أحملكم عليه" فتولوا وهم يبكون) [[رواه مختصرًا ابن جرير 10/ 212، وابن أبي حاتم 6/ 1863، والثعلبي 6/ 138 أ.]]، وقال ابن عباس: (سألوه أن يحملهم على الدواب، فقال النبي -ﷺ-: "لا أجد ما أحملكم عليه" [["معالم التنزيل" 4/ 84، و"زاد المسير" 3/ 486.]] لأن الشقة بعيدة، والرجل يحتاج إلى بعيرين بعير يركبه، وبعير يحمل ماءه وزاده. وقال الحسن: نزلت في أبي موسى الأشعري وأصحابه أتوا رسول الله ﷺ يستحملونه، ووافق ذلك منه غضبًا فقال: "والله لا أحملكم ولا أجد ما أحملكم عليه" فتولوا يبكون، فدعاهم رسول الله -ﷺ- وأعطاهم ذودًا [[الذود: القطيع من الإبل ما بين الثلاثة إلى التسع، وقيل: أكثر من ذلك. انظر: "لسان العرب" (ذود) 3/ 1525.]] غر الذرى [[غر الذرى: قال النووي في "شرح صحيح مسلم" 11/ 109: (أما الذرى: فبضم الذال وكسرها، وفتح الراء المخففة: جمع ذروة، بكسر الذال وضمها، وذروة كل شيء أعلاه، والمراد هنا الأسنمة، وأما الغر: فهي البيض، .. ومعناه: أمر لنا بإبل بيض الأسنمة).]]، فقال أبو موسى: ألست حلفت [[ساقط من (ى).]] يا رسول الله؟ فقال: "أما إني [إن شاء الله] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]] لا أحلف بيمين [[في (ى): (يمينًا).]] فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني" [[رواه بنحوه البخاري في عدة مواضع في "صحيحه" (6621)، منها كتاب الإيمان والنذور، باب: قول الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾، ومسلم (1649)، كتاب: الأيمان، باب: ندب من حلف يمينًا .. الخ، والنسائي في "سننه"، كتاب: الأيمان والنذور، باب: الكفارة قبل الحنث 7/ 9، وابن ماجه (1207)، كتاب: الكفارات، باب: من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها، ولم يذكره أحد من هؤلاء عن الحسن، ولا ذكروا بكاء الأشعريين ولا نزول الآية فيهم، وذكره عز الحسن الرازي في "تفسيره" 16/ 162، والقرطبي في "تفسيره" 8/ 228.]]. وقوله تعالى: ﴿قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ﴾ [قال صاحب "النظم": (جاء قوله: ﴿قُلْتَ لَا أَجِدُ﴾ مجيء الخبر لقوله: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ﴾ وليس بخبر، وإنما هو منسوق على ما قبله، وتأويله: ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم وقلت لا أجد ما أحملكم عليه] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]] فهو مبتدأ منسوق على ما قبله بغير واو، والجواب في قوله: ﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا﴾ ومعناه جرت أعينهم من [[في (م): (عن).]] امتلاء من [[ساقط من (ى).]] حزن في قلوبهم).

التوبة 9:94

قوله تعالى: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ﴾، قال ابن عباس: (يريد بالأباطيل [[في (م): (بالباطل).]]) [[ذكره بمعناه ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 486.]] ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ من غزوة تبوك، ﴿قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ لن نصدقكم ﴿قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ يريد: قد أخبرنا الله بسرائركم وما تخفي صدوركم ﴿وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ أي فيما تستأنفون، تبتم عن النفاق أو أقمتم عليه ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ يريد: يعلم ما غاب عنا من ضمائركم ونياتكم، ومعنى: ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ﴾ أي للجزاء ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ قال [[يعني ابن عباس، وانظر قوله بمعناه في: "تنوير المقباس" ص 202.]]: يريد: يخبركم بما كنتم [[قوله: (تعملون. قال يريد يخبركم بما كنتم) ساقط من (ح).]] تكتمون وتسرون.

التوبة 9:95

قوله تعالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ أي إذا [[ساقط من (ى).]] رجعتم إليهم من تبوك، والمحلوف عليه محذوف من الآية على معنى: يحلفون بالله لكم أنهم ما قدروا على الخروج، أو ما أشبه هذا ﴿لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ أي: لتصفحوا عنهم فلا تؤنبوهم [[في (ح): (تؤنبهم)، وفي (ى): (تونههم) بلا نقطة على النون.]]. والمعنى: لتعرضوا عن لائمتهم، فهو من باب حذف المضاف. قال الله تعالى: ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾، قال ابن عباس: (يريد ترك الكلام والسلام والموالاة) [[رواه الثعلبي 6/ 138 أ، والبغوي 4/ 85.]]. وقال مقاتل: (قال النبي -ﷺ- حين قدم المدينة: "لا تجالسوهم ولا تكلموهم" [["تفسير مقاتل" 134 أ، وقد روى الحديث ابن أبي حاتم في "تفسيره" 6/ 1865 مرسلًا عن السدي، ثم هو من رواية أسباط بن نصر عنه، وهو ضعيف عند أكثر الأئمة، ولخص الإمام ابن حجر حاله فقال: صدوق كثير الخطأ يغرب) انظر: "تقريب التهذيب" ص98 (321)، و"تهذيب التهذيب" 1/ 109، ثم إن في المتن نكارة وهو مخالفته لحديث كعب بن مالك المتفق عليه، ولفظه عند البخاري: (ولم ينه عن كلام أحد من المتخلفين غيرنا)، ولفظه عند مسلم: (ونهى رسول الله -ﷺ- عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه). انظر: "صحيح البخاري"، كتاب: التفسير، باب: وعلى الثلاثة .. 6/ 134، و"صحيح مسلم" (2769)، كتاب: التوبة، رقم (2769) 4/ 2124.]]. وقال أهل المعاني: (هؤلاء طلبوا إعراض الصفح، فأعطوا إعراض المقت) [["تفسير الرازي" 16/ 164، و"الخازن" 2/ 254. منسوبًا لأهل المعاني، ولم أجده فيما بين يدي من كتبهم.]]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾، قال ابن عباس: (يريد: إن عملهم رجس من عمل الشيطان ليس لله برضى) [[رواه الثعلبي في "تفسيره" 6/ 138 أمختصرًا عن عطاء.]]، فعلى هذا يكون التقدير: إنهم ذوو رجس أي ذوو عمل قبيح، وذكرنا الكلام في معنى الرجس عند قوله: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: 90] [[انظر "النسخة" (ح) 2/ 69 أحيث قال: (الرجس في اللغة: اسم لكل ما استقذر من عمل، يقال: رجس الرجل رجسًا، ورجس: إذا عمل عملًا قبيحًا، وأصله من الرجسر -بفتح الراء- وهو شدة الصوت، يقال: سحاب رجاس: إذا كان شديد الصوت بالرعد .. فكأن الرجس العمل الذي يقبح ذكره جدًا، ويرتفع في القبح).]].

التوبة 9:96

قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾، قال مقاتل: (وذلك أن عبد الله بن أبي حلف للنبي ﷺ بالله الذي لا إله إلا هو أن لا يتخلف عنه وليكونن [[في (ى): (وليكون)، وأثبت ما في (ح) و (م) لموافقته لتفسير مقاتل.]] معه على عدوه، وطلب إلى النبي -ﷺ- أن يرضى عنه) [[أهـ. كلام مقاتل، انظر: "تفسيره" 134 أ، و"تفسير الثعلبي" 6/ 136 أ، والبغوي 4/ 85.]] [وحلف عبد الله بن سعد بن أبي سرح [[هو: عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري القرشي، أبو يحيى، كان أخًا لعثمان من الرضاعة، وأسلم وجعله النبي -ﷺ- من كتابه، ثم أزله الشيطان فارتد ولحق بالمشركين، وأهدر النبي -ﷺ- دمه يوم الفتح، وشفع له عثمان وقبلت شفاعته، فأسلم وحسن إسلامه، وتولى إمرة الصعيد في خلافة عمر، وضم إليه عثمان مصر كلها، وكان محمودًا في ولايته، كثير الغزو، وهو الذي فتح بلاد النوبة وغزا أفريقيا، ونازل الروم في وقعة ذات الصواري، ثم اعتزل أيام الفتنة، وتوفي سنة 59 هـ. انظر: "التاريخ الكبير" 5/ 29، و"سير أعلام النبلاء" 3/ 33، و"الإصابة" 2/ 316 - 317.]] لعمر بن الخطاب أن يرضى عنه] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح).]] فأنزل الله هذه الآية [[انظر: "زاد المسير" 3/ 487.]]، قال عطاء عن ابن عباس في هذه الآية: (يريد أن المؤمن إذا حلف له بالله اطمأن قلبه، فأحب الله أن يخبر المؤمنين بما في قلوبهم حتى لا يصدقوهم) [[لم أقف عليه.]]. وقد كان رسول الله -ﷺ- إذا اعتذر إليه أحد بعذر وإن كان كاذبًا قبل علانيته، ووكل سريرته إلى الله، حتى أخبره الله بنفاق المنافقين وأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم [[ساقط من (ى).]]. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾، قال ابن عباس: (يريد الذين ألسنتهم مخالفة لما في قلوبهم) [[ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 519، ومعناه في "تنوير المقباس" ص 202.]]، والله لا يرضى أن يكون ما في اللسان غير ما في القلب، وقال أهل المعاني: (هذا بيان عن التفصيل الذي يحتاج إليه لئلا يتوهم متوهم أن رضي المؤمنين عنهم يقتضي أن يرضي الله تعالى عنهم، فجاء على اليأس من هذا) [[لم أقف عليه.]]، وهذه الآية وما قبلها دليل على أن المنافقين تحقن دماؤهم بسبب الشهادتين، ولا تجوز موالاتهم والرضا عنهم.

التوبة 9:97

قوله تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾، قال ابن عباس: (نزلت في أعاريب أسد وغطفان وأعراب من حوالي المدينة) [[ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 488، رواه بنحوه أبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 481 عن الكلبي، وانظر "تنوير المقباس" ص 202.]]. قال العلماء من أهل اللغة: (يقال رجل عربي إذا كان نسبه في العرب ثابتًا، وجمعه العرب، كما يقال: مجوسي ويهودي، ثم تحذف ياء النسبة في الجمع فيقال: المجوس واليهود، ورجل أعرابي -بالألف- إذا كان بدويًا صاحب نجعة وانتواء [[النجعة: المذهب في طلب الكلأ في موضعه، والانتواء: البعد. انظر: "لسان العرب" (نجع) 7/ 4353 و (نأى) 7/ 4314.]]، وارتياد للكلأ، وتتبع لمساقط الغيث، وسواء كان من العرب أو من مواليهم، ويجمع الأعرابي على الأعراب والأعاريب، والأعرابي إذا قيل له: يا عربي فرح بذلك، والعربي إذا قيل له يا أعرابي غضب له، فمن نزل البادية أو جاور البادين وظعن بظعنهم فهم أعراب، ومن استوطن القرى العربية فهم عرب) [[انظر: "تهذيب اللغة" (عرب) 3/ 2381 والنص منقول منه، وانظر أيضًا: "مجمل اللغة" (عرب) 3/ 664، و "مختار الصحاح" (عرب) ص 421، و"لسان العرب" (عرب) 5/ 2864.]]. قال الأزهري: (والذي لا يفرق بين الأعراب والعرب والأعرابي والعربي [[ساقط من (ى).]] ربما تحامل على العرب بما يتأوله في هذه الآية، ولا يجوز أن يقال للمهاجرين والأنصار أعراب، إنما هم عرب) [[أهـ. كلام الأزهري، انظر: "تهذيب اللغة" (عرب) 3/ 2381.]]، وهم مقدمون في مراتب الدين على الأعراب، ولذلك قال رسول الله -ﷺ-: "لا تَؤُمَّنَّ امرأة رجلاً، ولا فاسق مؤمنًا، ولا أعرابي مهاجرًا" [[رواه مطولًا ابن ماجه (1081)، كتاب: إقامة الصلاة، باب: فرض الجمعة، وفي سنده متهم بوضع الحديث وآخر ضعيف كما في "التلخيص الحبير"، رقم (569) 2/ 32.]]. وقال أهل العلم: (إنما سمي العرب عربًا؛ لأن أولاد إسماعيل نشأوا بعربة [[عربة هي مكة المكرمة، انظر: "معجم البلدان" 4/ 109.]] وهي من تهامة فنسبوا إلى بلدهم، وكل من سكن بلاد العرب وجزيرتها ونطق بلسان أهلها فهو منهم، وسموا عربًا باسم بلدهم عربة) [[انظر: "تهذيب اللغة" (عرب) 3/ 2381، و"لسان العرب" (عرب) 5/ 2864، وذكره القرطبي في "تفسيره" 8/ 233 عن القشيري.]]. قال إسحاق بن الفرج [[هو: إسحاق بن الفرج، أبو تراب الخراساني لغوي معروف بكنيته، وهو من تلاميذ شِمْر الهروي، وله تصانيف في اللغة منها "الاعتقاب" و"الاستدراك على الخليل". قال الأزهري: (أملى بهراة من كتاب الاعتقاب أجزاء ثم عاد إلى نيسابور وأملى بها باقي الكتاب، وقد قرأت كتابه فاستحسنته) أ. هـ وذكر ابن النديم أنه ممن لا يعرف اسمه وخبره على استقصاء. انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 45، و"الفهرست" لابن النديم ص 124، و"إنباه الرواة" 4/ 102، و"معجم البلدان" لياقوت 4/ 109 وهو الذي نص على اسمه.]]: عربة باحة العرب ودار إسماعيل بن إبراهيم، وفيها يقول قائلهم [[البيت لأبي طالب بن عبد المطلب كما يقول ياقوت الحموي في "معجم البلدان" 4/ 109، وعندي شك في ذلك لأن أبا طالب توفي قبل الهجرة، ومكة إنما أحلت للنبي ﷺ في سنة 8 هـ. وانظر البيت بلا نسبة في: "الدر المصون" 6/ 430، و"لسان العرب" (عرب) 5/ 2864. واللوذعي: الذكي الظريف، والحلاحل: السيد الركين. انظر: "الصحاح" (الذع) و (حلل).]]: وعربة أرض ما يُحل حرامها ... من الناس إلا اللوذعي الحُلاحل يعني النبي -ﷺ-: (أحلت له مكة ساعة من النهار) [[انظر: "صحيح البخاري" (112) كتاب: العلم، باب: كتابة العلم.]]. واضطر الشاعر إلى شيئين: سكون الراء من عربة وهي مفتوحة، وكان [يجب أن يقول أحلت له فقال يُحل هو [["تهذيب اللغة" (عرب) 3/ 2381.]]. وقال [[يعني إسحاق بن الفرج، وانظر قوله في المصدر السابق، نفس الموضع.]]: أقامت قريش بعربة وانتشر سائر] [[ما بيق المعقوفيق ساقط من (ى).]] العرب في جزيرتها، فنسبوا كلهم إلى عربة؛ لأن أباهم إسماعيل -عليه السلام- بها [[ساقط من (ى).]] نشأ وربل [[في (ح) و (ى): (ربا) أي نما وزاد، وأثبت ما في (م) لموافقته لمصدر القول إذ فيه: وربل أولاده: أي كثروا.]] أولاده بها [[ساقط من (ى).]] وكثروا فلما لم تحتملهم البلد انتشروا وأقامت قريش بها. وقال أهل المعاني: (هذه الآية دليل على أن اللفظ العام يرد للخاص؛ لأن الأعراب لفظ عام [[في (ى): (العام).]] وليس المراد به جميع الأعراب) [[انظر: "المحرر الوجيز" 7/ 6، ولم أجده في كتب أهل المعاني.]]. وقوله تعالى: ﴿أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾، قال أبو إسحاق: (كفرهم أشد لأنهم أقسى وأجفى من أهل المدر [[في (ى): (المدن). وما أثبته موافق للمصدر التالي، وهما بمعنى واحد كما في "اللسان" (مدر).]]، وهم أيضاً أبعد عن سماع التنزيل، وإنذار الرسول -ﷺ-) [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 465.]]. والمعنى: أشد كفرًا من أهل الحضر لجفاء صدورهم [ونبو طباعهم [[في (ح): (باطنكم عنهم)، وهو وهم من الناسخ.]]، وكذلك الأكراد والأتراك، وسائر أهل الخباء [[في (ح): الخبت، وهي المفازة كما في "مجمل اللغة" (خبت) 2/ 310، والخباء: من بيوت الأعراب، وهو ما كان من وبر أو صوف، ولا يكون من شعر، وهو على عمودين أو ثلاثة. انظر: "لسان العرب" (خبا) 2/ 1098.]] أو العمد [[العمد -بفتح العين- اسم للجمع، وأهل العمد: أصحاب الأخبية الذين ينتقلون إلى الكلأ حيث كان، والعمود: الخشبة التي تقوم عليها الخيمة وبيت الشعر. انظر: "لسان العرب" (عمد) 5/ 3097.]]] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]]. وقوله تعالى: ﴿وَأَجْدَرُ﴾: أي أولى وأخلق، قال الليث: (يقال فلان جدير لذلك الأمر: أي خليق له، وما كان جديرًا، ولقد جدر جدارة، وأجدر به) [[اهـ. الكلام المنسوب لليث، انظر: "تهذيب اللغة" (جدر) 1/ 558، والنص بنحوه في كتاب: العين (جدر) 6/ 75.]]، وإنه لجدير، وإنهما لجديران، وإنهم لجديرون، قال زهير: جديرون يومًا أن ينالوا ويستعلوا [[في (م): (فيستعلوا). وما أثبته موافق لرواية الديوان.]] [[هذا عجز بيت، وصدره: بخيل عليها جنة عبقرية انظر: "ديوان زهير" ص103، و"المحتسب" 2/ 306، و"لسان العرب" (عبقر) 5/ 2788. وجنة: جمع جن. وعبقرية: أي منسوبة إلى عبقر وهو موضع بالبادية تكثر فيه الجن كما تقول العرب. انظر: "اللسان" (عبقر) 5/ 2788.]] [والمرأة جديرة، والنساء جديرات وجدائر قاله اللحياني [["تهذيب اللغة" (جدر) 1/ 42، وبدايته من نهاية الكلام المنسوب لليث. واللحياني هو: علي بن حازم أبو الحسن اللحياني، من كبار أهل اللغة ومن مشهوري نحاة الكوفة، كان معاصرًا للفراء وتصدر في أيامه، وله كتاب حسن في "النوادر".]]، وهو مأخوذ من حيدر الحائط وهو رفعه بالبناء له، فقولهم: ذاك أجدر أن تظفر] [[ما بين المعقوفين مكرر في (ى).]] بحاجتك: أي أقرب أن تستعلي عليها، فكذلك هؤلاء أقرب أن يستعلوا على الجهل بالتمكن فيه، وقوله تعالى: ﴿أَلَّا يَعْلَمُوا﴾، قال الفراء والزجاج: (أن) في موضع نصب لأن الباء محذوفة [["معاني القرآن" للفراء 1/ 499، و"معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 2/ 465.]]. وقوله تعالى: ﴿حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [قال ابن عباس: (يريد فرائض ما أنزل الله على رسوله) [[ذكره السمرقندي في "تفسيره" 2/ 69 عن الكلبي.]]] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح) ومكرر في (م).]] ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بما في قلوب خلقه، ﴿حَكِيمٌ﴾ بما فرض من فرائضه. وقال يمان: وأجدر ألا يعلموا الحلال والحرام [[لم أجده فيما بين يدي من المراجع.]]، وقال ابن كيسان: (يعني حجج الله في توحيده وتثبيت رسالة [[ساقط من (ى).]] رسوله ﷺ؛ لأنهم لا ينظرون فيها) [[ذكره بنحوه القرطبي في "تفسيره" 8/ 232.]].

التوبة 9:98

قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا﴾ الآية، المغرم مصدر كالغرم، ومعنى الغرم لزوم نائبة في المال من غير جناية [[في (ح): (خيانة).]] فيثقل ذلك على الإنسان، ومضى الكلام في هذا عند قوله: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ [التوبة: 60] يعني: يتخذ ما ينفق في الجهاد والغزو مغرمًا، قال ابن عباس: (يريد: لا يرجو له ثوابًا، ولا يخاف على إمساكه عقابًا) [[رواه الثعلبي 6/ 138 ب، والبغوي 4/ 86.]]. وقوله تعالي: ﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ﴾ الدوائر [[ساقط من (ح).]]: جمع دائرة، وهي الحال المنقلبة عن [[في (م): (من).]] النعمة إلى البلية، وخصت بانقلاب النعمة دون انقلاب النقمة لأن النعمة أغلب وأعم، إذ كل أحد فعليه نعمة من الله، وليس كذلك النقمة؛ لأنها خاصة، مع أنه قد يقال: (دارت [الدوائر: أي) [[ما بين القوسين ساقط من (م).]] دارت لهم] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح).]] الدنيا، بخلاف ما دامت عليهم، ومضى الكلام في هذا عند قوله: ﴿نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ [المائدة: 52] [[انظر: النسخة (ح) 2/ 57 ب وقد قال في هذا الموضع: (الدائرة: من دوائر الدهر كالدولة، وهي التي تدور من قوم إلى قوم، والدائرة التي تخشى كالهزيمة والدبرة والقحط والحوادث المخوفة، قال عبد الله بن مسلم: نخشى أن يدور الدهر علينا بمكروه، ويعنون الجدب فلا تميروننا).]]. قال ابن عباس في قوله: ﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ﴾ يعني الموت أو القتل [["تنوير المقباس" ص 202 بنحوه.]]، ونحوه قال الفراء [["معاني القرآن" 1/ 449.]] والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 465.]]. وقال يمان: (أي ينتظر أن تقلب الأمور عليكم، فيموت الرسول ويظهر [[في (ح): (ويذهب)، وهو خطأ.]] عليكم المشركون) [[ذكره بنحوه الثعلبي 6/ 138 ب، والبغوي 4/ 86]]. ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ الدائرة هاهنا: يجوز أن تكون [واحدة الدوائر، وتكون صفة غالبة، ويجوز أن تكون] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]] مصدرًا، كالعاقبة والعافية، قال أبو علي: (والصفة أكثر في الكلام فينبغي أن يحمل عليها، والمعنى فيها: أنها خلة تحيط بالإنسان حتى لا يكون له منها مخلص) [["الحجة للقراء السبعة" 4/ 207.]]. وقوله: ﴿السَّوْءِ﴾ قرئ بفتح السين وضمه [[قرأ ابن كثير وأبو عمرو بضم السين، وباقي العشرة بفتحها. انظر: "الغاية في القراءات العشر" ص 166، وكتاب "إرشاد المبتدي" ص 355، و"تقريب النشر" ص 121.]]، قال الفراء: (فتح السين هو وجه الكلام؛ لأنه مصدر قولك: سؤته سوءًا ومسائية ومساءة [[كررت في (خ).]] وسوائية، فهذه مصادر [[ذكر هذه المصادر ابن منظور في "لسان العرب" (سوأ)، وزاد: سوءا -بضم السين- وسواء وسواءة وسواية ومساية ومساء.]]، ومن رفع السين جعله اسمًا كقولك: عليهم دائرة البلاء والعذاب، ولا يجوز ضم السين في قوله: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ﴾ [مريم: 28] ولا في قوله: ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ [الفتح: 12] لأنه ضد لقولك: هذا رجل صدق، وثوب صدق، فليس للسوء هاهنا معنى في عذاب ولا بلاء فيضم) [["معاني القرآن" 1/ 450.]]. وقال الأخفش وأبو عبيد: (من فتح السين فهو كقولك: رجل سوء، وامرأة سوء، ثم تدخل الألف واللام فتقول: رجل السوء، وأنشد الأخفش: وكنت كذئب السوء لما رأى دمًا ... بصاحبه يوما أحال [[في (ح): (أخاك).]] على الدم [[البيت للفرزدق، انظر: ديوانه 2/ 187، و"طبقات فحول الشعراء" 1/ 362، و"كتاب الحيوان" 6/ 298. وقوله: أحال على الدم: قال الجاحظ: (الذئبان ربما أقبلا على الإنسان إقبالًا واحداً، وهما سواء على عداوته، والجزم على أكله، فإذا أدمي أحدهما وثب على صاحبه المدمي فمزقه وأكله، وترك الإنسان). انظر: "كتاب الحيوان" 6/ 298.]] ومن ضم السين أراد بالسوء: المضرة والشر والمكروه والبلاء، كأنه قيل: عليهم دائرة الهزيمة والمكروه، وبهم يحيق ذلك) [[انظر: قول الأخفش في كتاب "معاني القرآن"، له 1/ 363، وقول أبي عبيد في "تفسير الرازي" 16/ 167، وقد دمج المؤلف قول الأخفش في قول أبي عبيد.]]، وعلى هذا القياس تقول: رجل السوء [[قوله: وعلى هذا القياس تقول: رجل السوء، ليس في كتاب "معاني القرآن" وهو في "الحجة للقراء السبعة" 4/ 209.]]، [قال [[يعني: الأخفش.]]: وذا [[عبارة الأخفش: (وقد قرئت (دائرة السوء) وذا ضعيف) أهـ. فالإشارة تعود إلى القراءة بضم السين لا إلى قول القائل: رجل السوء، كما يوهم صنيع أبي علي الفارسي الذي نقل المؤلف عبارته علمًا أن هذا القول ضعيف أيضاً عند الأخفش كما في التعليق التالي، والجدير بالتنبيه أن القراءة بضم السين قراءة سبعية فلا يصح الطعن فيها.]] ضعيف، ودائرة السوء أحسن من رجل السوء [[ضُبطت في كتاب "معاني القرآن" بفتح السين، ولعل الصواب الضم، قال ابن بري: قد أجاز الأخفش أن يقال: (رجل السوء، ورجل سَوء، فتح السين فيهما، ولم يجوز رجل سُوء، بضم السين لأن السوء اسم للضر وسوء الحال، وإنما يضاف إلى المصدر السابق: الذي هو فعله، كما يقال: رجل الضرب والطعن، فيقوم مقام قولك: رجلٌ ضراب وطعان، فلهذا جاز أن يقال: رجل السوء، بالفتح، ولم يجز أن يقال: هذا رجل السوء، بالضم). "لسان العرب" (سوأ) 4/ 2160.]]] [[ما بين المعقوفين ساقط من (م).]] [والرجل لا يضاف إلى السوء كما يضاف هذا [["كتاب معاني القرآن" 1/ 364 وبقية عبارته: الآن هذا يفسر به الخير والشر). وقد جعلت المحققة اسم الإشارة (هذا) بين علامتي تنصيص مما زاد في غموض العبارة، واسم الإشارة يعود إلى الدائرة.]]. قال أبو علي الفارسي: (الدائرة لو لم تضف إلى السوء] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح).]] أو السوء عرف منها معنى الشر؛ لأن الدائرة من دوائر الدهر تستعمل للمكروه، ووجه الإضافة هاهنا التوكيد والزيادة في التبيين، كقولك لَحْيَا رأسه، وشمس النهار، فأما السوء فإنه يراد به الرداءة والفساد، ودائرة السوء: دائرة الضرر والمكروه [[قال المؤلف في "الوسيط" 2/ 519: السوء بالفتح: الرداءة والفساد، وبالضم: الضرر والمكروه.]]) [[أهـ. كلام أبي علي، انظر: "الحجة" 4/ 207، 208، وقد اختصر المؤلف عبارته وتصرف فيها.]]. وقال يمان: (عليهم يدور النبلاء والحزن فلا يرون في محمد ودينه إلا ما يسوؤهم) [[ذكره البغوي في "تفسيره" 4/ 86.]]. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، قال ابن عباس: (يريد: سميع لقولهم عليم بنياتهم) [["تنوير المقباس" ص 202 بنحوه.]].

التوبة 9:99

قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، قال ابن عباس: (يعني من أسلم من أعراب أسد وجهينة وغفار) [["زاد المسير" 3/ 489، وبنحوه رواه الثعلبي في "تفسيره" 6/ 139 أ، والبغوي في "تفسيره" 4/ 86 عن الكلبي.]]، وقال مجاهد: (هم بنو مقرن من مزينة) [[رواه ابن جرير 11/ 5، وابن أبي حاتم 6/ 1867، وسنيد وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 482.]]، وقال الضحاك: (يعني عبد الله ذا البجادين [[هو: عبد الله بن عبد نهم بن عفيف المزني، المشهور بلقبه ذي البجادين؛ لأنه لما أسلم ضيق عليه قومه حتى لم يتركوا معه شيئًا فأخذ بجادًا من شعر -وهو الكساء- فقطعه نصفين فاتزر نصفًا، وارتدى نصفًا، وهاجر ولزم النبي -ﷺ- حتى مات في غزوة تبوك، وكان من الأواهين، كثير الذكر وتلاوة القرآن. انظر: "حلية الأولياء" 1/ 121، و"صفة الصفوة" 1/ 677، و"الإصابة" 338 - 339.]] ورهطه) [[رواه الثعلبي في "تفسيره" 6/ 139 أ.]]. وقوله تعالى: ﴿وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [قال ابن عباس] [[ما بين المعقوين ساقط من (ى).]]: (يريد: يتقرب بذلك من الله) [[ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 519.]]، قال الزجاج: (يجوز [[ساقط من (ى).]] في القربات ثلاثة أوجه: ضم الراء وإسكانها وفتحها) [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 465.]]. وقوله تعالى: ﴿وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾، قال قتادة: (يعني دعاءه بالخير والبركة) [[رواه مختصرًا بن جرير 11/ 5، وابن أبي حاتم 6/ 1867.]]، وقال ابن عباس والحسن: (يعني استغفار الرسول لهم) [[رواه عن ابن عباس الإمام ابن جرير 11/ 5، وابن أبي حاتم 6/ 1867، وابن المنذر وابن مردويه كما في "الدر المنثور" 3/ 482، ولم أجد من ذكره عن الحسن.]]. وقال عطاء: (يريد: يرغب [[في (ى): (ترغيب)، وفي المصدرين التاليين: يرغبون.]] في دعاء الرسول [[في (م): (رسول الله).]] ﷺ) [["تفسير البغوي" 4/ 87، و"الوسيط" 2/ 519.]]، ويجوز عطف الصلوات على (ما) في قوله: ﴿وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ﴾ [والمعنى أنه] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح)، وقد وضع الناسخ مكانه ما نصه: (قربات عند الله)، قال ابن عباس: يريد .. وهو خطأ من الناسخ والتباس بما ذكره المؤلف في الجملة المذكورة.]] يتقرب بصدقته ودعاء الرسول إلى الله، ويجوز عطفها [[في (ى): (عطفًا).]] على (القربات)، كأنه يتخذ إنفاقه قربة، ويلتمس به [[ساقط من (ح).]] صلوات الرسول ودعاءه كما يلتمس القربات. وقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾ القربة: ما يدني من رحمة الله من فعل خير وإسداء عرف، وقرأ نافع في بعض الروايات (قربة) بضم الراء [[هي رواية ورش وابن جماز وإسماعيل بن جعفر وغيرهم عنه، أما رواية قالون وابن أبي أويس والمسيبي عنه فبالتخفيف كباقي العشرة، انظر "كتاب السبعة" ص 317، و"الغاية في القراءات العشر" ص 166، و"تقريب النشر" ص 119.]]، وهو الأصل، ثم تخفف نحو كتُب ورسُل وطنُب، فالأصل الضم، والإسكان تخفيف، ومثله ما حكاه محمد بن يزيد [[هو: المبرد، وانظر قوله في: "الحجة للقراء السبعة" 4/ 212.]]: بُسْرة وبُسُرة وهُدْبة وهُدُبة، قال أبو علي الفارسي: (ولا يجوز أن يكون الأصل التخفيف ثم يثقل لأن ذلك إنما يجوز إما في الوقف كقوله [[البيت من الرجز، وبعده: وجاءت الخيل أثابي زمر وقد اختلف في قائله، ففي "لسان العرب" (نقر) نسب لعبيد بن ماوية الطائي، == ونسب له أو لفدكي بن عبد الله في "الدرر اللوامع" 6/ 300، ولفدكي المنقري في القاموس (فصل النون، باب الراء) 486، ولبعض السعديين في "كتاب سيبويه" 4/ 173. والنقر: قال الفيروزأبادي في الموضع السابق: (أن تلزق طرف لسانك بحنكك ثم تصوت، أو هو اضطراب اللسان، أو هو صويت تزعج به الفرس). أما الأثابي: فهي الجماعات. انظر: "لسان العرب" (ثبا) 1/ 470.]]: أنا ابن ماوية إذ جد النُّقُرْ حرك القاف بالحركة التي كانت تكون للام في الإدراج، وإما في إتباعٍ [[هذا هو الوجه الثاني في جواز أن يكون الأصل التخفيف ثم يثقل.]] لما قبلها للضرورة نحو قول الشاعر [[هو: عبد مناف بن ربع الهذلي، كما في "شرح أشعار الهذليين" 2/ 672، و"جمهرة اللغة" (علج) 1/ 483، و"لسان العرب" (لعج) 7/ 4041، و"نوادر أبي زيد" ص 30.]]: إذا تجرد نوح قامتا معه ... ضربا أليمًا بسبتٍ يلعج الجِلِدا كسر اللام إتباعًا لحركة فاء الفعل للضرورة، ولا يجوز واحد من الوجهين في الآية؛ لأن قوله: (قُربة) ليس موقوفًا عليه، ولا يجوز أن تحمل حركة الراء على إتباع ما قبلها؛ لأن ذلك إنما يجوز في الضرورة، وإذا لم يجز الحمل على واحد من الأمرين علمت أن الحركة هي الأصل [["الحجة" 4/ 209 - 212 باختصار وتصرف.]]. قال ابن عباس في قوله: ﴿أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾، يريد نور [[ساقط من (ح).]] لهم ومكرمة [[في (م): (تكرمة).]] عند الله [["الوسيط" 2/ 519.]]. قوله تعالى: ﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ قال يريد: (في جنته) [["زاد المسير" 3/ 490، و"تنوير المقباس" ص 202.]]، ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لذنوبهم ﴿رَحِيمٌ﴾ بأوليائه وأهل طاعته.