Al Dur Al Masun Lil Samin Al Halabi — يونس 10:1 – هود 11:123
المحتويات
- يونس 10:1
- يونس 10:2
- يونس 10:3
- يونس 10:4
- يونس 10:5
- يونس 10:6
- يونس 10:7
- يونس 10:8
- يونس 10:9
- يونس 10:10
- يونس 10:11
- يونس 10:12
- يونس 10:13
- يونس 10:14
- يونس 10:15
- يونس 10:16
- يونس 10:18
- يونس 10:21
- يونس 10:22
- يونس 10:23
- يونس 10:24
- يونس 10:26
- يونس 10:27
- يونس 10:28
- يونس 10:29
- يونس 10:30
- يونس 10:31
- يونس 10:32
- يونس 10:33
- يونس 10:34
- يونس 10:35
- يونس 10:36
- يونس 10:37
- يونس 10:38
- يونس 10:39
- يونس 10:42
- يونس 10:43
- يونس 10:44
- يونس 10:45
- يونس 10:46
- يونس 10:49
- يونس 10:50
- يونس 10:51
- يونس 10:52
- يونس 10:53
- يونس 10:54
- يونس 10:56
- يونس 10:57
- يونس 10:58
- يونس 10:59
- يونس 10:60
- يونس 10:61
- يونس 10:63
- يونس 10:64
- يونس 10:65
- يونس 10:66
- يونس 10:67
- يونس 10:68
- يونس 10:70
- يونس 10:71
- يونس 10:73
- يونس 10:74
- يونس 10:76
- يونس 10:77
- يونس 10:78
- يونس 10:79
- يونس 10:81
- يونس 10:82
- يونس 10:83
- يونس 10:84
- يونس 10:87
- يونس 10:88
- يونس 10:89
- يونس 10:90
- يونس 10:92
- يونس 10:93
- يونس 10:94
- يونس 10:98
- يونس 10:99
- يونس 10:100
- يونس 10:101
- يونس 10:103
- يونس 10:104
- يونس 10:105
- يونس 10:106
- يونس 10:107
- يونس 10:108
- هود 11:1
- هود 11:2
- هود 11:3
- هود 11:5
- هود 11:6
- هود 11:7
- هود 11:8
- هود 11:10
- هود 11:11
- هود 11:12
- هود 11:13
- هود 11:14
- هود 11:16
- هود 11:17
- هود 11:18
- هود 11:19
- هود 11:20
- هود 11:22
- هود 11:23
- هود 11:24
- هود 11:25
- هود 11:26
- هود 11:27
- هود 11:28
- هود 11:29
- هود 11:31
- هود 11:32
- هود 11:34
- هود 11:35
- هود 11:36
- هود 11:37
- هود 11:38
- هود 11:39
- هود 11:40
- هود 11:41
- هود 11:42
- هود 11:43
- هود 11:44
- هود 11:45
- هود 11:46
- هود 11:47
- هود 11:48
- هود 11:49
- هود 11:50
- هود 11:51
- هود 11:52
- هود 11:53
- هود 11:54
- هود 11:55
- هود 11:56
- هود 11:57
- هود 11:59
- هود 11:61
- هود 11:62
- هود 11:63
- هود 11:64
- هود 11:65
- هود 11:66
- هود 11:67
- هود 11:68
- هود 11:69
- هود 11:70
- هود 11:71
- هود 11:72
- هود 11:73
- هود 11:74
- هود 11:75
- هود 11:76
- هود 11:77
- هود 11:79
- هود 11:80
- هود 11:81
- هود 11:82
- هود 11:83
- هود 11:84
- هود 11:86
- هود 11:87
- هود 11:88
- هود 11:89
- هود 11:90
- هود 11:91
- هود 11:92
- هود 11:93
- هود 11:94
- هود 11:98
- هود 11:99
- هود 11:100
- هود 11:101
- هود 11:102
- هود 11:103
- هود 11:104
- هود 11:105
- هود 11:106
- هود 11:107
- هود 11:108
- هود 11:109
- هود 11:110
- هود 11:111
- هود 11:112
- هود 11:113
- هود 11:114
- هود 11:116
- هود 11:117
- هود 11:119
- هود 11:120
- هود 11:123
يونس 10:1
قد تقدَّم الكلامُ على الحروف المقطعة في أوائل هذا الموضوع، واختلافُ القُرَّاء في إمالة هذه الحروف إذا كان في آخرها ألفٌ وهي: را، وطا، وها، ويا، وحا. فأمال «را» من جميع سورها إمالةً محضة الكوفيون إلا حفصاً، وأبو عمر وأبن عامر. وأمال الأخَوَان وأبو بكر «طا» من جميع سُوَرِها نحو: طس، طسم، طه، و «يا» من يس. وافقهم ابنُ عامر والسوسي على «يا» من كهيعص، بخلاف عن السوسي. وأمال الأخَوان وأبو عمرو وورش وأبو بكر «ها» من طه، وكذلك أمالها من كهيعص أبو عمرو والكسائي وأبو بكر دون حمزةَ وورش. وأمال أبو عمرو وورش والأخَوَان وأبو بكر وابن ذكوان حا من جميع سورها السبع. إلا أن أبا عمروٍ ووَرْشاً يُميلان بين بين، [وللقراء في هذا عمل كثير] بيَّنْتُه في «شرح القصيد» .
و «الحكيم» : يجوز أن يكونَ بمعنى فاعِل، أي: الحاكم، وأن يكونَ بمعنى مفعول، أي: مُحْكَم، قال الأعشى:
2558 - وغريبةٍ تأتي الملوكَ حكيمةً ... قد قلتُها لِيُقالَ مَنْ ذا قالها
يونس 10:2
قوله تعالى: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ} : الهمزة للإِنكار و «أن أوحينا» اسمُها. و «عجباً» خبرها. و «للناس» متعلق بمحذوف على أنه حالٌ مِنْ «عَجَباً» لأنه في الأصل صفة له، أو متعلِّقٌ ب «عَجَباً» ، ولا يَضُرُّ كونُه مصدراً لأنه يُتَّسع في الظرف وعديلهِ ما لا يُتَّسع في غيرهما. وقيل: لأن «عجباً» مصدرٌ واقعٌ موقعَ اسمِ الفاعل أو اسم المفعول، ومتى كان كذلك جاز تقديمُ معمولِه. وقيل: هو متعلق ب «كان» الناقصة، وهذا على رأيِ مَن يُجيز فيها ذلك. وهذا مرتَّبٌ على الخلاف في دلالة «كان» الناقصة على الحدث، فإن قلنا: إنها تدلُّ على ذلك فيجوز وإلا فلا وقيل: هو متعلقٌ بمحذوفٍ على التبين، والتقدير في الآية: أكان إيحاؤنا إلى رجلٍ منهم عجباً لهم. و «منهم» صفة ل «رجل» .
وقرأ رؤبة «رَجْل» بسكون الجيم، وهي لغة تميم، يُسَكِّنون فَعُلاً نحو: سَبُع وعَضُد. وقرأ عبد الله بن مسعود «عَجَبٌ» . وفيها تخريجان، أظهرهما: أنها التامة، أي: أَحَدَثَ للناس عجب، و «أنْ أَوْحَيْنا» متعلق ب «عَجَب» على حَذْف لامِ العلة، أي: عَجَبٌ لأَِنْ أوحينا، أو يكون على حَذْف «مِنْ» ، أي: مِنْ أَنْ أوحينا. والثاني: أن تكون الناقصة، ويكون قد جعل اسمَها النكرةَ وخبرَها المعرفةَ، على حَدِّ قوله:
2559 -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... يكونُ مزاجَها عَسَلٌ وماءُ
وقال الزمخشري: «والأجودُ أن تكونَ التامةَ، و» أنْ أَوْحَيْنا «بدلٌ من» عجب «. يعني به بدلَ اشتمال أو كل من كل؛ لأنه جُعِل هذا نفسَ العَجَب مبالغةً. والتخريج الثاني لابن عطية.
قوله: {أَنْ أَنذِرِ} يجوز أن تكونَ المصدرية، وأن تكونَ التفسيريةَ. ثم لك في المصدرية اعتباران، أحدهما: أن تجعلَها المخففةَ مِن الثقيلة، واسمها ضمير الأمر والشأن محذوف. كذا قال الشيخ، وفيه نظر من حيث إن أخبارَ هذه الأحرف لا تكون جملةً طلبية، حتى لو ورد ما يُوهم ذلك يُؤوَّل على إضمار القول كقوله:
2560 - ولو أصابَتْ لقالَتْ وَهْي صادقةٌ ... إنَّ الرياضةَ لا تُنْصِبْكَ للشِّيبِ
وقول الآخر: 2561 - إنَّ الذين قتلتُمْ أمسِ سَيِّدَهُمْ ... لا تحسَبوا ليلَهم عن ليلِكم ناما
وأيضاً فإن الخبرَ في هذا البابِ إذا وقع جملةً فعلية فلا بد من الفصلِ بأشياءَ ذكرتُها في المائدة، ولكن ذلك الفاصلَ هنا متعذَّرٌ. والثاني: أنها التي بصدد أن/ تنصِبَ الفعلَ المضارعَ، وهي تُوصل بالفعل المتصرِّف مطلقاً نحو:» كتبت إليه بأَنْ قم «. وقد تقدَّم لنا في ذلك بحث أيضاً ولم يُذْكر المُنْذَرُ به، وقد ذكر المُبَشَّرَ به كما سيأتي لأنَّ المقامَ يقتضي ذلك.
قوله: {أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ} «أنَّ» وما في حَيِّزها هي المبشَّرُ بها، أي: بَشِّرهم باستقرارِ قَدَمِ صِدْق، فَحُذفت الباء، فجرى في محلِّها المذهبان. والمرادُ بقدَمِ صِدْقٍ السابقةُ والفضلُ والمنزلةُ الرفيعة. وإليه ذهب الزجاج والزمخشري ومنه قولُ ذي الرمة:
2562 - لهمْ قَدَمٌ لا يُنْكِرُ الناسُ أنها ... مع الحَسَبِ العاديِّ طَمَّتْ على البحر ... لمَّا كان السعي والسَّبْقُ بالقدم سُمِّي السَّعْيُ المحمود قَدَماً، كما سُمِّيت اليدُ نِعْمة لمَّا كانت صادرةً عنها، وأُضيف إلى الصدق دلالةً على فضلِه، وهو من باب رجلُ صدقٍ ورجلُ سوءٍ. وقيل: هو سابقةُ الخير التي قَدَّموها، ومنه قول وضَّاح اليمني:
2563 - مالك وضَّاحُ دائمَ الغَزَلِ ... أَلَسْتَ تخشى تقارُبَ الأَجَلِ
صَلِّ لذي العرشِ واتَّخِذْ قَدَماً ... تُنْجيك يوم العِثارِ والزَّلَلِ وقيل: هو التقدُّمُ في الشرف، ومنه قول العجاج:
2564 - ذَلَّ بنو العَوَّامِ مِنْ آل الحَكَمْ ... وتركوا المُلْكَ لمَلْكٍ ذي قَدَمْ
أي: ذي تقدُّمٍ وشرفٍ. و «لهم» خبر مقدم، و «قَدَمَ» اسمُها، و «عند ربهم» صفةٌ ل «قَدَم» . ومن جَوَّز أن يتقدَّمَ معمولُ خبرِ «أنَّ» على اسمها إذا كان حرف جر كقوله:
2565 - فلا تَلْحَني فيها فإنَّ بحبِّها ... أخاك مصابُ القلب جَمٌّ بَلابلُهْ
قال: ف «بحبها» متعلقٌ ب «مُصاب» ، وقد تقدَّم على الاسم فكذلك «لهم» يجوز أن يكونَ متعلقاً ب «عند ربهم» لِما تَضَمَّنَ من الاستقرار، ويكونُ «عند ربهم» هو الخبر.
وقرأ نافعٌ وأبو عمرو وابن عامر «لَسِحْرٌ» والباقون «لَساحر» ، ف «هذا» يجوزُ أن يكونَ إشارةً للقرآن، وأن يكونَ إشارة للرسول على القراءة الأولى، ولكن لا بد من تأويل على قولنا: إن المشار إليه هو النبي عليه السلام، أي: ذو سحر أو جعلوه إياه مبالغةً. وأمَّا على القراءةِ الثانيةِ فالإِشارةُ للرسولِ عليه السلام فقط.
يونس 10:3
قوله تعالى: {يُدَبِّرُ الأمر} فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنه في محلِّ رفعٍ خبراً ثانياً ل «إنَّ» . الثاني: أنه حالٌ. الثالث: أنه مستأنفٌ لا محلَّ له من الإِعراب.
يونس 10:4
قوله تعالى: {وَعْدَ الله} : منصوبٌ على المصدر المؤكِّدِ، لأنَّ معنى «إليه مَرْجِعُكُمْ» : وَعَدَكم بذلك.
وقوله: {حَقّاً} مصدرٌ آخرُ مؤكِّدٌ لمعنى هذا الوعد، وناصبُه مضمر، أي: أَحُقُّ ذلك حقاً. وقيل: انتصب «حقاً» ب «وَعْدَ» على تقدير «في» ، أي: وَعْدَ الله في حق، يعني على التشبيه بالظرف. وقال الأخفش الصغير: «التقدير: وقتَ حق» وأنشد:
2566 - أحقاً عبادَ الله أنْ لَسْتُ ذاهباً ... ولا والِجاً إلا عليَّ رقيبُ
قوله: {إِنَّهُ يَبْدَأُ} الجمهورُ على كسر الهمزة للاستئناف. وقرأ عبد الله وابن القعقاع والأعمش وسهل بن شعيب بفتحها. وفيها تأويلاتٌ، أحدها: أن تكونَ فاعلاً بما نصب «حقاً» ، أي: حَقَّ حَقَّاً بَدْءُ الخلق، ثم إعادتُه، كقوله:
2567 - أحقاً عبادَ الله أَنْ لستُ جائِياً ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
البيت. وهو مذهبُ الفراء فإنه قال: «والتقدير: يحقُّ أنه يبدأ الخلق. الثاني: أنه منصوبٌ بالفعل الذي نَصَبَ» وعد الله «أي: وَعَدَ الله تعالى بَدْء الخلق ثم إعادتَه، والمعنى إعادة الخلق بعد بَدْئه. الثالث: أنه على حَذْف لام الجر أي: لأنه، ذكر هذا الأوجهَ الثلاثة الزمخشري وغيره. الرابع: أنه بدلٌ من» وَعْدَ الله «قاله ابن عطية. الخامس: أنه مرفوعٌ بنفس» حقاً «أي: بالمصدر المنون، وهذا إنما يتأتى على جَعْل» حقاً «غيرَ مؤكدٍ؛ لأنَّ المصدر المؤكدَ لا عملَ له إلا إذا ناب عن فعلِه، وفيه بحثٌ. السادس: أن يكونَ» حقاً «مشبهاً بالظرف خبراً مقدماً و» أنَّه «في محلِّ رفعٍ مبتدأً مؤخراً كقولهم: أحقاً أنك ذاهب قالوا: تقديره: أفي حقٍ ذهابك.
وقرأ ابن أبي عبلة:» حَقٌّ أنه «برفع [حق] وفتح» أنَّ «على الابتداء والخبر. قال الشيخ:» وكونُ «حق» خبرَ مبتدأ، و «أنه» هو المبتدأ هو الوجه في الإِعراب، كما تقول: «صحيحٌ أنك تخرج» لأن [اسم] «أنَّ» / معرفة، والذي تقدَّمها في هذا المثال نكرة «. قلت: فظاهرُ هذه العبارةِ يُشعر بجواز العكس، وهذا قد ورد في باب» إنَّ «كقوله:
2568 - وإن حراماً أن أَسُبَّ مُجاشعاً ... بآبائيَ الشُّمِّ الكرامِ الخَضَارمِ
وقوله:
2569 - وإن شفاءً عَبْرَةٌ أَنْ سَفَحْتُها وهل عند رسمٍ دارسٍ مِنْ مُعَوَّل ...
على جَعْل» أنْ سفحتُها «بدلاً من» عبرة «. وقد أخبر في» كان «عن نكرةٍ بمعرفةٍ كقوله:
2570 -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... ولا يكُ موقفٌ منكِ الوَدَاعا
وقوله:
2571 -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... يكون مزاجَها عَسَلٌ وماءُ
وقال مكي:» وأجاز الفراء رفع «وعد» ، يجعله خبراً ل «مرجعكم» .
وأجاز رفعَ «وعد» و «حق» على الابتداء والخبر، وهو حسنٌ، ولم يقرأ به أحد «. قلت: نعم لم يرفع وعد وحق معاً أحد، وأمَّا رفعُ» حق «وحده فقد تقدم أن ابن أبي عبلة قرأه، وتقدَّم توجيهُه. ولا يجوز أن يكون» وعدَ الله «عاملاً في» أنه «لأنه قد وُصِف بقوله» حقاً «قاله أبو الفتح.
وقرىء» وَعَدَ اللَّهُ «بلفظ الفعل الماضي ورفعِ الجلالة فاعلةً، وعلى هذه يكون» أنه يَبْدَأ «معمولاً له إنْ كان هذا القارىءُ يفتح» أنه «.
والجمهور على» يَبْدأُ «بفتح الياء مِنْ بدأ، وابن أبي طلحة» يُبْدِىء «مِنْ أَبْدأ، وبَدَأ وأبدأ بمعنى.
قوله: {لِيَجْزِيَ} متعلق بقوله» ثم يُعيده «، و» بالقسطِ «متعلقٌ ب» يَجْزي «. ويجوز أن يكونَ حالاً: إمَّا من الفاعلِ أو المفعول أي: يَجْزيهم ملتبساً بالقسط أو ملتبسين به. والقِسْط: العدل.
قوله: {والذين كَفَرُواْ} يحتمل وجهين، أحدهما: أن يكون مرفوعاً بالابتداء، والجملةُ بعده [خبره] . الثاني: أن يكون منصوباً عطفاً على الموصول قبلَه، وتكونُ الجملةُ بعده مبيِّنَةً لجزائهم. و» شراب « [يجوز أَنْ] يكونَ فاعلاً، وأن يكون مبتدأ، [والأولُ أولى] .
قوله: {بِمَا كَانُواْ} الظاهرُ تعلُّقُه بالاستقرار المضمر في الجارِّ الواقع خبراً، والتقدير: استقر لهم شراب من جهنم وعذاب أليم بما كانوا. وجَوَّز أبو البقاء فيه وجهين ولم يذكر غيرهما الأول: أن يكونَ صفةً أخرى ل» عذاب «. والثاني: أن يكونَ خبر مبتدأ محذوف، وهذا لا معنى له ولا حاجةَ إلى العُدول عن الأول.
يونس 10:5
قوله تعالى: {ضِيَآءً} : إمَّا مفعولٌ ثانٍ على أَنَّ الجَعْلَ للتصيير، وإمَّا حالٌ على أنه بمعنى الإِنشاء. والجمهور على «ضياء» بصريح الياء قبل الألف، وأصلُها واو لأنه من الضوء. وقرأ قنبل عن ابن كثير هنا وفي الأنبياء والقصص «ضِئاءً» بقلب الياء همزة، فتصير ألف بين همزتين. وأُوِّلت على أنه مقلوبٌ قُدِّمت لامُه وأُخِّرت عينه فوقعت الياء طرفاً بعد ألف زائدة فقلبت همزة على حَدِّ «رداء» . وإن شئت قلتَ: لمَّا قُلِبت الكلمة صار «ضياواً» بالواو، عادت العين إلى أصلها مِن الواو لعدم موجِبِ قَلْبِها ياءً وهو الكسرُ السابقُها، ثم أُبْدلت الواوُ همزةً على حَدِّ كساء. وقال أبو البقاء: «إنها قُلبت ألفاً ثم قُلِبت الألفُ همزةً لئلا تجتمعَ ألفان» .
واستُبْعِدت هذه القراءة من حيث إن اللغةَ مبنيَّة على تسهيلِ الهمزِ فكيف يَتَخَيَّلون في قَلْب الحرفِ الخفيف إلى أثقلَ منه؟ قلت: لا غَرْو في ذلك، فقد قلبوا حرف العلةِ الألف والواو والياء همزة في مواضع لا تُحصرُ إلا بعُسْرٍ، إلا أنه هنا ثقيلٌ لاجتماع همزتين. قال أبو شامة: «وهذه قراءة ضعيفةٌ، فإن قياسَ اللغة الفِرارُ من اجتماع همزتين إلى تخفيف إحداهما، فكيف يُتَخَيَّل بتقديم وتأخيرٍ يؤدي إلى اجتماع همزتين لم يكونا في الأصل؟ هذا خلافُ حكم اللغة.» .
وقال أبو بكر ابن مجاهد وهو ممَّن على قنبل: «ابنُ كثير وحدَه» ضِئاء «بهمزتين في كل القرآن: الهمزة الأولى قبل الألف، والثانية بعدها، كذلك قَرَأْتُ على قنبل وهو غلط، وكان أصحاب البزي وابن فليح يُنْكرون هذا ويَقْرؤون» ضياء «مثلَ الناس» . قلت: كثيراً ما يتجرأ أبو بكر على شيخه ويُغَلِّطه، وسيمُّر بك مواضعُ من ذلك، وهذا لا ينبغي أن يكون، فإنَّ قُنْبُلاً بالمكان الذي يَمنع أن يتكلَّمَ فيه أحد.
وقوله في جانب الشمس «ضياء» لأن الضوء أقوى من النور، وقد تقدَّم ذلك في أول البقرة. و «ضياء ونوراً» يُحْتمل أن يكونا مصدرين، وجُعِلا نفسَ الكوكبين مبالغةً، أو على حَذْف مضاف أي: ذات ضياء وذا نور. وضياء يحتمل أن يكونَ جمع «ضوء» كسَوْط وسِياط، وحَوْض حياض.
و «منازل» نُصِب على ظرف المكان، وجعله الزمخشري على حذف مضاف: إمَّا من الأول أي: قَدَّره مَسيره، وإمَّا من الثاني أي: قدَّره ذا منازل، فعلى التقدير الأول يكون «منازل» ظرفاً كما مر، وعلى الثانى يكون مفعولاً ثانياً على تضمين «قَدَّر» معنى: صَيَّره ذا منازل بالتقدير. وقال الشيخ بعد أن ذكرَ التقديرين، ولم يَعْزُهما للزمخشري: «أو قدَّر له منازل، فحذفَ، وأوصل الفعل إليه فانتصب بحسب هذه التقاديرِ عل الظرف أو الحال أو المفعول كقوله: {والقمر / قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ} [يس: 39] وقد سبقَه إلى ذلك أبو البقاء أيضاً.
والضمير في» قَدَّرناه «يعود على القمر وحده؛ لأنه هو عمدةُ العربِ في تواريخهم. وقال ابن عطية:» ويُحتمل أن يريدهما معاً بحسب أنهما يتصرَّفان في معرفة عدد السنين والحساب، لكنه اجتُزِىءَ بذِكْر أحدهما كقوله تعالى: {والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ} [التوبة: 62] وكما قال الشاعر:
2572 - رماني بأمرٍ كنتُ منه ووالدي ... بريئاً ومِنْ أجل الطَّوِيِّ رماني
يونس 10:6
قوله تعالى: {لِتَعْلَمُواْ} : متعلق ب «قَدَّره» . وسُئل أبو عمرو عن الحساب: «أتنصِبُه أم تجرُّه؟ فقال:» ومَنْ يدري ما عدد الحساب؟ يعني أنه سُئل: هل تعطفه على «عَددَ» فتنصبَه أم على «السنين» فتجرَّه؟ فكأنه قال: لا يمكنُ جَرُّه؛ إذ يقتضي ذلك أن يُعلم عدد الحساب، ولا يقدر أحد أَنْ يعلمَ عددَه. و «ذلك» إشارةٌ إلى ما تقدم أي: ما خلق الله ذلك المذكور إلا ملتبساً بالحق فيكون حالاً: إمَّا من الفاعل وإما من المفعول. وقيل: الباء بمعنى اللام أي: للحق، ولا حاجة إليه.
وقرأ ابنُ كثير وأبو عمرو «يُفَصِّل» بياء الغيبة جَرْياً على اسم الله تعالى، والباقون بنون العظمة التفاتاً من الغَيْبة إلى التكلُّم للتعظيم.
يونس 10:7
قوله تعالى: {واطمأنوا} : يجوز أن يكون عطفاً على الصلة، وهو الظاهرُ، وأن تكونَ الواوُ للحال، والتقدير: وقد اطمأنُّوا. وقوله: «والذين هم» يحتمل أن يكون من باب عطف الصفات، بمعنى أنَّهم جامعون بين عدم رجال لقاءِ الله وبين الغَفْلة عن الآيات، وأن يكون هذا الموصولُ غيرَ الأول، فيكونَ عطفاً على اسم «إن» أي: إن الذين لا يَرْجُون، وإن الذين هم.
يونس 10:8
و: {أولئك} : مبتدأ و «مَأْواهم» مبتدأ ثانٍ، و «النار» خبرُ هذا الثاني، والثاني وخبره خبر «أولئك» و «أولئك» وخبره خبر «إن الذين» . و «بما كانوا» متعلقٌ بما تضمَّنته الجملة من قوله: «مَأْواهم النار» والباءُ سببيةٌ، و «ما» مصدريةٌ، وجيء بالفعل بعدها مضارعاً دلالةً على استمرارِ ذلك في كل زمان. وقال أبو البقاء: «إن الباء تتعلَّق بمحذوف أي: جُوزوا بما كانوا» .
يونس 10:9
قوله تعالى: {تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنهار} : يجوز أن يكونَ حالاً من مفعول «يَهْديهم» ، وأن يكونَ مستأنفاً، وأن يكونَ معطوفاً على ما قبله، حُذِف منه حرفُ العطف. قوله «في جنات» يجوز أن يتعلَّق ب «تَجْري» وأن يكون حالاً من «الأنهار» ، وأن يكونَ خبراً بعد خبر ل «إنَّ» ، وأن يكون متعلِّقاً ب «يَهْدي» .
يونس 10:10
قوله تعالى: {دَعْوَاهُمْ} : مبتدأٌ و «سبحانَك» معمول لفعلٍ مقدر لا يجوز إظهارُه هو الخبر، والخبرُ هنا هو نفس المبتدأ، والمعنى: أن دعاءَهم هذا اللفظُ، ف «دعوى» يجوز أن يكون بمعنى الدعاء، ويدلُّ عليه «اللهم» لأنه نداء في معنى يا الله، ويجوز أن يكون هذا الدعاءً هنا بمعنى العبادة، ف «دَعْوى» مصدرٌ مضاف للفاعل، ثم إنْ شِئْتَ أن تجعلَ هذا من باب الإِسناد اللفظي أي: دعاؤهم في الجنة هذا اللفظُ، فيكون نفسُ «سبحانك» هو الخبرَ، وجاء به مَحْكياً على نصبه بذلك الفعل، وإن شِئْتَ جَعَلْتَه من باب الإِسناد المعنوي فلا يلزمُ أن يقولوا هذا اللفظَ فقط، بل يقولونه وما يؤدِّي معناه من جميع صفات التنزيهِ والتقديس، وقد تقدم لك نظيرُ هذا عند قولِه تعالى: {وَقُولُواْ حِطَّةٌ} [البقرة: 58] ، فعليك بالالتفات إليه.
و «تحيَّتُهم» مبتدأٌ، و «سَلامٌ» خبرُها، وهو كالذي قبله، والمصدرُ هنا يحتمل أن يكونَ مضافاً لفاعله أي: تحيتهم التي يُحَيُّون بها بعضَهم سلامٌ، ويُحتمل أن يكونَ مضافاً لمفعوله أي: تحيتهم التي تُحَيِّيهم بها الملائكةُ سلام، ويدلُّ له {وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم} [الرعد: 23] . و «فيها» في الموضعين متعلقٌ بالمصدرِ قبله، و «قبل» يجوز أن يكون حالاً ممَّا بعده فيتعلَّقَ بمحذوف، وليس بذاك. وقال بعضُهم: «يجوز أن يكون» تحيتهم «مِمَّا أضيف فيه المصدرُ لفاعله ومفعوله معاً؛ لأنَّ المعنى: يُحَيِّي بعضُهم بعضاً، ويكون كقوله تعالى: {وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} [الأنبياء: 78] حيث أضافَه لداود وسليمان وهما الحاكمان، وإلى المحكوم عليه، وهذا مبنيٌّ على مسألةٍ أخرى وهو أنه: هل يجوز الجمعُ بين الحقيقةِ والمجازِ أم لا؟ فإن قلنا: نعم، جاز ذلك لأن إضافةَ المصدرِ لفاعله حقيقةٌ ولمفعوله مجاز، ومَنْ منع ذلك أجاب بأن أَقَلَّ الجمعِ اثنان فلذلك قال: /» لحكمهم «.
قوله: {وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ} مبتدأ، و» أَنْ «هي المخففة من الثقيلة، واسمُها ضميرُ الأمر والشأن حُذِف، والجملةُ الاسميةُ بعدَها في محلِّ الرفع خبراً لها كقول الشاعر:
2573 - في فتية كسيوفِ الهند قد علموا ... أَنْ هالِكٌ كلُّ مَنْ يحفى ويَنْتَعِلُ
و» أنْ «واسمُها وخبرها في محلَّ رفعٍ خبراً للمبتدأ الأول. وزعم الجرجانيُّ أن» أَنْ «هنا زائدة والتقدير: وآخر دعواهم الحمد لله، وهي دعوى لا دليلَ عليها مخالفةٌ لنص سيبويه والنحويين. وزعم المبرد أيضاً أن» أَنْ «المخففة يجوز إعمالُها مخففةً كهي مشددةً، وقد تقدم ذلك.
وتخفيفُ» أَنْ «ورفعُ» الحمد «هو قراءةُ العامة. وقرأ عكرمة وأبو مجلز وأبو حيوة وقتادة ومجاهد وابنُ يعمر وبلال بن أبي بردة وابن محيصن ويعقوب بتشديدها ونصبِ دال» الحمد «على أنه اسمُها. وهذه تؤيدُ أنها المخففةُ في قراءة العامةِ، وتردُّ على الجرجاني.
يونس 10:11
قوله تعالى: {وَلَوْ يُعَجِّلُ} : هذا الامتناعُ نفي في المعنى تقديره: لا يُعَجِّلُ لهم الشرَّ. قال الزمخشري: «فإن قلت: كيفَ اتَّصل به قولُه:» فَنَذَرُ الذين لا يَرْجُون لقاءَنا وما معناه؟ قلت: قولُه: «ولو يُعَجِّل» متضمِّنٌ معنى نفي التعجيل كأنه قيل: ولا نُعَجِّل لهم بالشرِّ ولا نَقْضي إليهم أجلَهم «.
قوله: {استعجالهم} فيه أوجهٌ، أحدها: أنه منصوبٌ على المصدرِ التشبيهيِّ تقديرُه: استعجالاً مثلَ استعجالِهم، ثم حَذَفَ الموصوفَ وهو» استعجال «وأقامَ صفتَه مُقامه وهي» مثل «فبقي: ولو يعجل اللَّهُ مثل استعجالِهم، ثم حَذَفَ المضافَ وأقام المُضاف إليه مُقامه. قال مكي:» وهذا مذهبُ سيبويه «قلت: وقد تقدَّم غيرَ مرةٍ أن مذهبَ سيبويه في مثل هذا أنه منصوبٌ على الحالِ من ذلك المصدرِ المقدَّرِ، وإن كان مشهورُ أقوالِ المُعْرِبين غيرَه، ففي نسبةِ ما ذكرته أولاً لسيبويه نظرٌ.
الثاني: أن تقديرَه: تعجيلاً مثلَ استعجالهم، ثم فُعِل به ما تقدَّم قبلَه. وهذا تقديرُ أبي البقاء، فقدَّر المحذوف مطابقاً للفعل الذي قبلَه، فإنَّ» تعجيلاً «مصدر ل» عَجَّل «وما ذكره مكي موافقٌ للمصدر الذي بعده، والذي يظهر ما قدَّره أو البقاء لأن موافقةَ الفعلِ أولى، ويكون قد شبَّه تعجيلَه تعالى باستعجالهم، بخلاف ما قدَّره مكي فإنه لا يظهر، إذ ليس» استعجال «مصدراً ل» عجَّل «.
وقال الزمخشري: أصلُه: ولو يُعَجِّل الله للناسِ الشرَّ تعجيلَه لهم الخير، فوضع» استعجالهم بالخير «موضعَ» تعجيله لهم الخيرَ «إشعاراً بسرعة إجابته لهم وإسعافِه بطلبهم، كأنَّ استعجالَهم بالخير تعجيلٌ لهم» . قال الشيخ: «ومدلولُ» عَجَّل «غيرُ مدلولِ» استعجل «لأنَّ» عَجَّل «يدلُّ على الوقوع، و» استعجل «يدلُّ على طلب التعجيل، وذلك واقعٌ من الله، وهذا مضافٌ إليهم، فلا يكون التقدير على ما قاله الزمخشري، فيحتمل وجهين، أحدهما: أن يكون التقدير: تعجيلاً مثل استعجالهم بالخير، فشبَّه التعجيلَ بالاستعجال؛ لأن طلبَهم [للخير] ووقوعَ تعجيله مقدَّمٌ عندهم على كل شيء. والثاني: أن يكون ثَمَّ محذوفٌ يدلُّ عليه المصدرُ تقديرُه: ولو يعجِّل اللَّهُ للناسِ الشرَّ إذا استعجلوا به استعجالَهم بالخير، لأنهم كانوا يستعجلون بالشرِّ ووقوعِه على سبيل التهكم كما كانوا يستعجلون بالخير» . الثالث: أنه منصوبٌ على إسقاط كافِ التشبيهِ، والتقدير: كاستعجالهم. قال أبو البقاء. «وهو بعيدٌ، إذ لو جاز ذلك لجاز» زيد غلامَ عمرو «أي: كغلام عمرو» وبهذا ضَعَّفه جماعةٌ وليس بتضعيفٍ صحيحٍ، إذ ليس في المثال الذي ذكر فعلٌ يتعدى بنفسه عند حذف الجار، وفي الآيةِ فعلٌ يَصِحُّ فيه ذلك وهو قوله «يُعَجِّل» .
وقال مكي: «وَيَلْزَمُ مَنْ يُجَوِّز حَذْفَ حرفِ الجر منه أن يجيز» زيدُ الأسدُ «أي: كالأسدِ» قلت: قوله «ويلزم إلى آخره» لا ردَّ فيه على هذا القائل إذ يلتزمه، وهو التزام صحيح سائغ، إذ لا ينكر أحد «زيد الأسدُ» على معنى «كالأسد» ، وعلى تقدير التسليمِ فالفرقُ ما ذكره أبو البقاء أي: إن الفعل يطلب مصدراً مشبَّهاً فصار مدلولاً عليه. وقال بعضهم: تقديره: في استعجالهم، نقله مكي، فلمَّا حُذِفت «في» انتصبَ، وهذا لا معنى له.
قوله: {لَقُضِي} / قرأ ابن عامر «لقضى» بفتح الفاء والعين مبنياً للفاعل وهو الله تعالى، «أجلهم» نصباً. والباقون «لقُضِيَ» بالضم والكسر مبنياً للمفعول، «أَجَلُهم» رفعاً لقيامِه مقامَ الفاعل. وقرأ الأعمش «لقَضَيْنا» مسنداً لضمير المعظِّم نفسَه، وهي مؤيدةٌ لقراءةِ ابن عامر.
قوله: {فَنَذَرُ} فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنه معطوفٌ على قوله {وَلَوْ يُعَجِّلُ الله} على معنى أنه في قوة النفي، وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك في سؤال الزمخشري وجوابِه فيه. إلا أن أبا البقاء ردَّ عطفه على «يُعَجِّل» فقال: «ولا يجوزُ أن يكونَ معطوفاً على» يُعَجِّل «إذ لو كان كذلك لدَخَلَ في الامتناع الذي تقتضيه» لو «وليس كذلك، لأنَّ التعجيلَ لم يقع، وتَرْكَهم في طغيانهم وقع» . قلت: إنما يَتمُّ هذا الردُّ لو كان معطوفاً على «يُعَجِّل» فقط باقياً على معناه، وقد تقدَّم أن الكلامَ صار في قوةِ {لا نعجِّل لهم الشرَّ فَنَذَرُهم} فيكون «فَنَذَرُهم» معطوفاً على جملة النفي لا على الفعلِ الممتنع وحدَه حتى يلزمَ ما قال. والثاني: أنه معطوفٌ على جملةٍ مقدرة: «ولكن نُمْهِلُهم فَنَذَرُ» قاله أبو البقاء. والثالث: أن تكون جملةً مستأنفةً، أي: فنحن نَذَرُ الذين. قاله الحوفي.
يونس 10:12
قوله تعالى: {لِجَنبِهِ} : في محلِّ نصبٍ على الحال، ولذلك عَطَفَ الحالَ الصريحة، والتقدير: دعانا مضطجعاً لجنبه، أو مُلْقِياً لجَنْبه. واللامُ على بابها عند البصريين، وزعم بعضهم أنها بمعنى «على» ، ولا حاجةَ إليه. واختُلف في ذي الحال، فقيل: الإِنسان، والعامل فيها «مَسَّ» قاله ابن عطية. ونَقَله أبو البقاء عن غيره، واستضعفه من جهين، أحدهما: أن الحالَ على هذا واقعةٌ بعد جواب «إذا» وليس بالوجهِ. قلت: كأنه يعني أنه ينبغي ألاَّ يجابَ الشرطُ إلا إذا استوفى معمولاتِه، وهذه الحالُ معمولة للشرط وهو «مَسَّ» ، وقد أُجيب قبل أن يَسْتوفي معموله. ثم قال: «والثاني: أن المعنى: كثرةُ دعائِه في كل أحواله لا على أن الضرَّ يصيبه في كل أحوالِه، وعليه جاءَتْ آياتٌ كثيرةٌ في القرآن» .
قال الشيخ: «وهذا الثاني يلزم فيه مِنْ مَسِّه الضرُّ في هذه الأحوالِ دعاؤه في هذه الأحوال، لأنه جوابُ ما ذُكِرت فيه هذه الأحوال [فالقيد في الشرط قيدٌ في الجواب كما تقول:» إذا جاءنا زيدٌ فقيراً فقد أَحْسَنَّا إليه «فالمعنى:] أَحْسَنَّا إليه في حال فقرِه» .
وقيل: صاحبُ الحال هو الضمير الفاعل في «دعانا» وهو واضحٌ، أي: دعانا في جميع أحواله لأن هذه الأحوال الثلاثة لا يخلو الإِنسان عن واحدة منها. ثم قيل: المراد بالإِنسان الجنسُ، وهذه الأحوالُ بالنسبة إلى المجموع، أي: منهم مَنْ يدعو مُسْتلقياً، ومنهم مَنْ يدعو قائماً، أو يُراد به شخصٌ واحد جَمَع بين هذه الأحوال الثلاثة بحسبِ الأوقاتِ، فيدعو في وقتٍ على هذه الحال، وفي وقت على أخرى.
قوله: {كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ} قد تقدَّم الكلامُ على مثل هذا عند قوله: {كَأَنْ لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ} قال الزمخشري: «فَحَذفَ ضميرَ الشأن كقوله:
2574 -. . . . . . . . . . . . . . . . . . ... كأنْ ثَدْياه حُقَّانِ»
يعني على روايةِ مَنْ رواه «ثَدْيان» بالألف، ويُروى «كأنْ ثَدْيَيْه» بالياءِ على أنها أُعملت في الظاهر وهو شاذٌّ، وصدر هذا البيت:
وصَدْرٍ مُشْرقِ النَّحْرِ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهذه الجملةُ التشبيهيةُ في محلِّ نصبٍ على الحال مِنْ فاعل «مرَّ» ، أي: مضى على طريقته مشبهاً مَنْ لم يَدْعُ إلى كشف ضر. و «مَسَّه» صفةٌ ل «ضُرّ» ، قال صاحب النظم: {وَإِذَا مَسَّ الإنسان} وَصْفُه للمستقبل، و «فلمَّا كشفنا» للماضي، فهذا النَّظْم يدلُّ على معنى الآية أنه كان هكذا فيما مضى، وهكذا يكون مما يُستقبل، فدل ما في الآية من الفعل المستقبل على ما فيه من المعنى المستقبل «.
والكافُ مِنْ» كذلك زُيِّن «في موضع نصب على المصدر، أي: مثلَ ذلك التزيين والإِعراض عن الابتهال. وفاعل» زُيِّن «المحذوف: إمَّا الله تعالى وإمَّا الشيطان. و {مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} في محل رفع لقيامه مقام الفاعل. و» ما «يجوزُ أن تكون مصدريةً، وأن تكونَ بمعنى الذي.
يونس 10:13
قوله تعالى: {مِن قَبْلِكُمْ} : متعلقٌ ب «أَهْلكنا» ، ولا يجوز أن يكونَ حالاً من «القرون» لأنه ظرف زمان فلا يقع حالاً عن الجثة كما لا يقع خبراً عنها. وقد تقدَّم تحقيق هذا في أول البقرة، وقد تقدَّم الكلامُ على «لمَّا» أيضاً.
قوله: {وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم} يجوز أن يكون معطوفاً على «ظلموا» فلا محلَّ له عند سيبويه، ومحله الجر عند غيره، لأنه عطف على ما هو في محلِّ جرٍ بإضافة الظرف إليه، ويجوز أن يكونَ في محلِّ نصبٍ على الحال، أي: ظلموا بالتكذيب وقد جاءتهم رسلُهم بالحُجَجِ والشواهد على صدقهم و «بالبينات» يجوزُ أن يتعلَّق ب «جاءتهم» ، ويجوز أن يتعلَّق بمحذوفٍ على أنه حالٌ من «رسلهم» [أي:] جاؤوا ملتبسين بالبينات مصاحبين لها.
قوله: {وَمَا كَانُواْ} الظاهرُ عَطْفه على «ظلموا» . وجَوَّز الزمخشري أن يكونَ/ اعتراضاً قال: «واللامُ لتأكيد فني إيمانهم، ويعني بالاعتراض كونَه وقع بين الفعل ومصدرهِ التشبيهي في قوله» كذلك نَجزي «. والضميرُ في» كانوا «عائد على» القرون «. وجَوَّز مقاتل أن يكونَ ضميرَ أهل مكة، وعلى هذا يكونُ التفاتاً إذ فيه خروجٌ من ضمير الخطاب في قوله» قبلكم «إلى الغَيْبة، والمعنى: وما كنتم لتؤمنوا، و» كذلك «نعتٌ لمصدرٍ محذوف، أي مثلَ ذلك الجزاء نجزي. وقُرِىء» يَجْزي «بياء الغيبة، وهو التفاتٌ من التكلم في قوله» أَهْلكنا «إلى الغَيْبة.
يونس 10:14
قوله تعالى: {لِنَنظُرَ} : متعلق بالجَعْل. وقرأ يحيى الذماري بنون واحدة وتشديد الظاء. وقال يحيى: «هكذا رأيته في مصحف عثمان» يعني أنه رآها بنون واحدة، ولا يعني أنه رآها مشددة؛ لأنَّ هذا الشكل الخاص إنما حَدَث بعد عثمان. وخرَّجوها على إدغامِ النون الثانية في الظاء وهو رديءٌ جداً، وأحسنُ ما يقال فيه: إنه بالغ في إخفاءِ غُنَّة النون الساكنة فظنَّه السامع إدغاماً، ورؤيتُه له بنونٍ واحدة لا يدلُّ على قراءته إياه مشددَ الظاء ولا مخفَّفَها. قال الشيخ: «ولا يدلُّ» على حَذْفَ النون من اللفظ «. وفيه نظرٌ لأنه كيف يقرأ ما لم يكن مكتوباً في المصحف الذي رآه؟
وقوله: {كَيْفَ} منصوبٌ ب» تعملون «على المصدر، أي: أيَّ عملٍ تعملون، وهي معلِّقة للنظر.
يونس 10:15
قوله تعالى: {أَوْ بَدِّلْهُ} : يحتمل التبديلُ في الذات والتبديلُ في الصفات، يعني اجعلْ آيةَ عذاب مكانَ آية رحمة. فإن قيل: يلزمُ على الأولِ التكرار في قوله: {ائت بِقُرْآنٍ غَيْرِ هاذآ} ، فالجوابُ أن معنى الأول: ائت بقرآن غيره مع بقائه، أو بَدِّله بأنْ تُزيل ذاتَه بالكلية، فيتغاير المطلوبان.
و «تِلْقاء» مصدرٌ على تِفْعال، ولم يجيء مصدر بكسر التاء إلا هذا والتِّبْيان. وقرىء شاذاً بفتح التاء، وهو قياسُ المصادر الدالة على التكرار كالتَّطْواف والتَّجوال. وقد يُسْتعمل التِّلقاء بمعنى قبالتك، فينتصبُ انتصابَ الظروف المكانية.
يونس 10:16
قوله تعالى: {وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ} : أي: ولا أَعْلمكم الله به، مِنْ دَرَيْتُ، أي: علمتُ. ويقال: دَرَيْتُ بكذا وأَدْرَيْتك بكذا، أي: أحطت به بطريق الدِّراية، وكذلك في «علمت به» فَتَضَمَّن العلمُ معنى الإِحاطة فتعَدَّى تَعْدِيَتَها.
وقرأ ابنُ كثير بخلاف عن البزي «ولأَدْراكم» بلام داخلة على «أَدْراكم» مثبتاً. والمعنى: ولأُعْلِمَكم به من غير وساطتي: إمَّا بوساطة مَلَكٍ أو رسولٍ غيري من البشر، ولكنه خَصَّني بهذه الفضيلة. وقراءةُ الجمهور «لا» فيها مؤكدةٌ؛ لأنَّ المعطوفَ على المنفيّ منفيّ، وليست «لا» هذه هي التي يُنْفَى بها الفعل، لأنه لا يَصِحُّ نفيُ الفعل بها إذا وقع جواباً، والمعطوفُ على الجواب جواب، ولو قلت: «لو كان كذا لا كان كذا» لم يَجُزْ، بل تقول: «ما كان كذا» . وقرأ ابن عباس والحسن وابن سيرين وأبو رجاء: {ولا أَدْرَأْتُكم به} بهمزةٍ ساكنةٍ بعد الراء. وفي هذه القراءةِ تخريجان، أحدهما: أنها مُبْدَلةٌ من ألف، والألف منقلبةٌ عن ياءٍ لانفتاحِ ما قبلها وهي لغةٌ لعُقَيْلٍ حكاها قطرب، يقولون في أعطيتك: أعطأتك. وقال أبو حاتم: «قَلَبَ الحسنُ الياءَ ألفاً، كما في لغة بني الحرث يقولون: عَلاَك وإلاك، ثم هَمَزَ على لغة من قال في العالم: العَأْلَم، وقيل: بل أُبْدلت الهمزة من نفس الياء نحو:» لَبَأْتُ بالحج «و» رثَأْت فلاناً «، أي: لبَّيْتُ ورَثَيْتُ. والثاني: أن الهمزة أصلية وأن اشتقاقه مِنَ الدَّرْء وهو الدّفْع كقوله: {وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا العذاب} [النور: 8] ، ويقال: أَدْرأته، أي: جَعَلْته دارِئاً، والمعنى: ولأَجْعَلَنَّكم بتلاوته خُصَماء تَدْرَؤُونني بالجدال. قال أبو البقاء:» وقيل: هو غلط «، لأنَّ قارِئَها ظَنَّ أنها من الدَّرْءِ وهو الدَّفْعُ. وقيل: ليس بغلطٍ والمعنى: لو شاء اللَّه لدَفَعَكم عن الإِيمان به» .
وقرأ شهر بن حوشب والأعمش: «ولا أَنْذَرْتُكم» من الإِنذار، وكذلك/ هي في حرف عبد الله.
والضمير في «قبله» عائد على القرآن. وقيل: على النزول. وقيل: على وقت النزول. و «عُمُراً» مشبهٌ بظرف الزمان فانتصبَ انتصابَه، أي: مدة متطاولة. وقيل: هو على حَذْف مضاف، أي: مقدار عُمُر. وقرأ الأعمش «عُمْراً» بسكون الميم كقولهم: «عَضْد» في «عَضُد» .
يونس 10:18
قوله تعالى: {مَا لاَ يَضُرُّهُمْ} : «ما» موصولة، أو نكرةٌ موصوفةٌ وهي واقعةٌ على الأصنام، ولذلك راعى لفظها، فأفرد في قوله: {مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ} ومعناها فجمع في قوله «هؤلاء شفعاؤنا» .
قوله: {أَتُنَبِّئُونَ} قرأ بعضهم: «أتُنْبِئون» مخففاً مِنْ أنبأ، يقال: أنبأ ونبَّأ كأخبرَ وخبَّر. وقوله: {بِمَا لاَ يَعْلَمُ} «ما» موصولةٌ بمعنى الذي أو نكرة موصوفة كالتي تقدمت. وعلى كلا التقديرين فالعائد محذوف، أي: يعلمه. والفاعل هو ضمير الباري تعالى، والمعنى: أتنبِّئوون الله بالذي لا يعلمه الله، وإذا لم يعلم الله شيئاً استحال وجودُ ذلك الشيء، لأنه تعالى لا يَعْزُب عن علمه شيء، وذلك الشيء هو الشفاعة، ف «ما» عبارة عن الشفاعة.
والمعنى: أن الشفاعةَ لو كانَتْ لَعَلِمَهَا الباري تعالى. وقوله: {فِي السماوات وَلاَ فِي الأرض} تأكيدٌ لنفيه، لأنَّ كل موجود لا يَخْرج عنهما. ويجوزُ أن تكونَ «ما» عبارةً عن الأصنام. وفاعل «يعلمُ» ضميرٌ عائد عليها. والمعنى: أَتُعَلِّمون اللَّهَ بالأصنامِ التي لا تَعْلَم شيئاً في السموات ولا في الأرض، وإذا ثَبَتَ أنها لا تعلم فكيف تشفع؟ والشافع لا بد وأن يعرفَ المشفوعَ عنده، والمشفوعَ له، هكذا أعربه الشيخ، فجعل «ما» عبارة عن الأصنام لا عن الشفاعة، والأول أظهر. و «ما» في «عَمَّا يشركون» يُحتمل أن تكونَ بمعنى الذي، أي: عن شركائهم الذي يُشْركونهم به في العبادة. أو مصدريةٌ، أي: عن إشراكهم به غيره.
وقرأ الأخَوان هنا «عَمَّا يُشْركون» ، وفي النحل موضعين، الأول: {سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ يُنَزِّلُ الملائكة} [الآية: 1] ، والثاني: {بالحق تعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الآية: 3] . وفي الروم: {هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مِّن شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الآية: 40] بالخطاب. والباقون بالغَيْبة في الجميع. والخطاب والغيبة واضحتان.
وأتى هنا ب «يُشْركون» مضارعاً دون الماضي تنبيهاً على استمرار حالِهم كما جاؤوا يعبدون، وتنبيهاً أيضاً على أنَّهم على الشرك في المستقبل، كما كانوا عليه في الماضي.
يونس 10:21
قوله تعالى: {وَإِذَآ أَذَقْنَا} : شرطيةٌ جوابُها «إذا الفجائيةُ في قوله: {إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ} ، والعاملُ في» إذا «الفجائيةِ الاستقرارُ الذي في» لهم «.
وقد تقدَّم لك خلافٌ في» إذا «هذه: هل هي حرفٌ أو ظرفُ زمان على بابها أو ظرفُ مكان؟ وقال أبو البقاء:» وقيل: «إذا» الثانية زمانيةٌ أيضاً، والثانية وما بعدها جواب الأولى «. وهذا الذي حكاه قولٌ ساقط لا يُفهم معناه.
وقوله: {في آيَاتِنَا} متعلقٌ ب» مَكْر «جعل الآيات مَحَلاًّ للمكر والمبالغة، ويَضْعف أن يكون الجارُّ صفةً ل» مكر «. وقوله:» مكراً «نصبٌ على التمييز. وهو واجبُ النصبِ، لأنك لو صُغْتَ مِنْ» أَفْعل «فعلاً وأَسْنَدْتَه إلى تمييزِه فاعلاً لصَحَّ أن يُقال:» سَرُع مَكْرُه «وأيضاً فإنَّ شرطَ جوازِ الخفضِ صِدْقُ التمييز على موصوفِ أفعل التفضيل نحو:» زيدٌ أحسنُ فقيه «. و» أَسْرَعُ «مأخوذٌ مِنْ سَرُع ثلاثياً، حكاه الفارسي. وقيل: بل مِنْ أسرع، وفي بناء أفعل وفعلي التعجب مِنْ أفعل ثلاثةُ مذاهب: الجوازُ مطلقاً، المنعُ مطلقاً، التفضيلُ: بين أن تكونَ الهمزةُ للتعدية فيمتنعَ، أو لا فيجوزَ، وتحريرُها في كتب النحاة. وقال بعضُهم:» أَسْرع هنا ليست للتفضيل «وهذا ليس بشيءٍ إذ السياق يردُّه. وجعله ابن عطية: أعني كونَ أسرع للتفضيل نظيرَ قوله:» لهي أسودُ مِنَ القار «. قال الشيخ:» وأما تنظيره «أسود من القار» ب «أسرع» ففاسد/ لأن «أسود» ليس فعلُه على وزِن أَفْعَل، وإنما هو على وزن فَعِل نحو: سَوِدَ فهو أسود، ولم يمتنع التعجب ولا بناء أفعل التفضيل عند البصريين مِنْ نحو سَوِدَ وحَمِرَ وأَدِمَ إلا لكونه لوناً. وقد أجاز ذلك بعض الكوفيين في الألوان مطلقاً، وبعضهم في السواد، والبياض فقط «، قلت: تنظيره به ليس بفاسد، لأنَّ مرادَه بناءُ أفعل مما زاد على ثلاثة أحرف وإن لم يكن على وزن أَفْعَل، وسَوِد وإن كان على ثلاثةٍ لكنه في معنى الزائد على ثلاثة، إذ هو في معنى أسود، وحَمِرَ في معنى أحمر، نصَّ على ذلك النحويون، وجعلوه هو العلةَ المانعةَ من التعجب في الألوان.
وقرأ الحسنُ وقتادة ومجاهد والأعرج ونافعٌ في روايةٍ:» يَمْكرون «بياء الغيبة جَرْياً على ما سَبَق. والباقون بالخطابِ مبالغةً في الإِعلام بمكرهم والتفاتاً لقوله:» قل الله «، إذ التقديرُ: قل لهم، فناسَبَ الخطابَ. وفي قوله:» إنْ رسلَنا «التفاتٌ أيضاً، إذ لو جرى على قوله:» قل الله «، لقيل: إنَّ رسله.
يونس 10:22
قوله تعالى: {يُسَيِّرُكُمْ} : قراءةُ ابنِ عامر مِن النَّشْر ضد الطيّ، والمعنى: يُفَرِّقكم ويَبُثُّكم. وقرأ الحسن: «يُنْشِركم» مِنْ أَنْشَر، أي: أَحْيا وهي قراءةُ ابنِ مسعود أيضاً. وقرأ بعض الشاميين «يُنْشِّركم» بالتشديد للتكثير مِن النَّشْر الذي هو مطاوع الانتشار. وقرأ الباقون «يُسَيِّركم» من التَّسْيير، والتضعيفُ فيه للتعديةِ تقول: سار الرجل وسَيَّرْتُه أنا. وقال الفارسي: «هو تضعيفُ مبالغةٍ لا تضعيفُ تعديةٍ، لأنَّ العربَ تقول:» سِرْتُ الرجلَ وسيَّرته «، ومنه قول الهذلي: 2575 - فلا تجزعَنْ مِنْ سُنَّةٍ أنت سِرْتها ... فأولُ راضٍ سنةٍ مَنْ يَسِيْرُها
وهذا الذي قاله أبو علي غير ظاهر؛ لأن الأكثر في لسان العرب أنَّ» سار «قاصرٌ، فَجَعْلُ المضعفِ مأخوذاً من الكثير أَوْلَى. وقال ابنُ عطية:» وعلى هذا البيتِ اعتراضٌ حتى لا يكونَ شاهداً في هذا، وهو أن يكون الضميرُ كالظرفُ، كما تقول: «سِرْتُ الطريق» . قال الشيخ: «وأمَّا جَعْلُ ابن عطية الضميرَ كالظرفِ كما تقول:» سِرْتَ الطريقَ «فهذا لا يجوزُ عند الجمهور، لأنَّ» الطريقَ «عندهم ظرفٌ مختصٌّ كالدار فلا يَصِلُ إليها الفعلُ غيرَ» دخلت «عند سيبويه، و» انطلقت «و» ذهبت «عند الفراء إلا بوساطة» في «إلا في ضرورة، وإذا كان كذلك فضميرُه أَحْرى أَنْ لا يتعدى إليه الفعل» . وزعم ابن الطراوة أنَّ «الطريق» ظرفٌ غيرُ مختصٍ فيصلُ إليه الفعلُ بنفسه، وأباه النحاة.
قوله: {حتى إِذَا} «حتى» متعلقةٌ ب «يُسَيِّركم» . وقد تقدَّم الكلامُ على «حتى» هذه الداخلةِ على «إذا» وما قيل فيها. قال الزمخشري: «كيف جَعَلَ الكونَ في الفلك غايةَ التسييرِ في البحر، والتسيُير في البحر إنما هو بالكون في الفُلْك؟ قلت: لم يجعلِ الكونَ في الفلك غايةَ التسيير، ولكنَّ مضمونَ الجملةِ الشرطيةِ الواقعةِ بعد» حتى «بما في حيِّزها كأنه قال: يُسَيِّركم حتى إذا وقعت هذه الحادثةُ فكان كيت وكيتَ مِنْ مجيء الريحِ العاصفةِ وتراكُمِ الأمواج والظن للهلاك والدعاء بالإِنجاء» .
وقرأ أبو الدَّرْدَاء وأمُّ الدرداء «في الفُلْكيّ» بياء النسب. وتخريجُها يَحْتمل وجهين، أحدهما: أن يُراد به الماءُ الغَمْرُ الكثيرُ الذي لا يَجْْري الفُلْكُ إلا فيه، كأنه قيل: كنتم في اللُّلجِّ الفُلْكِيِّ، ويكونُ الضمير في «جَرَيْنَ» عائداً على الفلك لدلالةِ «الفلكي» عليه لفظاً ولزوماً. والثاني: أن يكونَ من باب النسبةِ إلى الصفة لقولهم: «أَحْمَريّ» كقوله:
2576 - أَطَرَباً وأنت قِنَّسْرِيُّ ... والدهرُ بالإِنسان دوَّارِيُّ
وكنِسْبَتهم إلى العَلَم في قولهم: «الصَّلَتَانيّ» كقوله:
2577 - أَنَا الصَّلَتَانِيُّ الذي قد عَلِمْتُمُ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فزاد ياءَي النسبِ في اسمه.
قوله: {وَجَرَيْنَ} يجوز أن يكونَ نسقاً على «كنتم» ، وأن يكونَ حالاً على إضمار «قد» . والضميرُ عائدٌ على «الفلك» ، والمرادُ به هنا الجُمع، وقد تقدَّم أنه مكسرَّ، وأن تغييره تقديريٌّ، فضمَّتُه كضمةِ «بُدْن» ، وأنه ليس باسم جمع، كما زعم الأخفش.
وقوله: {بِهِم} فيه التفاتٌ من الخطابِ إلى الغَيْبة. قال الزمخشري: / «فإن قلت: ما فائدةُ صَرْفِ الكلامِ عن الخطابِ إلى الغَيْبة؟ قلت: المبالغةُ كأنه يَذْكُرُ لغيرهم حالَه ليُعْجِبَهم منها ويَسْتدعي منهم الإِنكارَ والتقبيح» . وقال ابن عطية: «بهم» خروجٌ من الخطاب إلى الغَيْبة وحَسُنَ ذلك لأن قوله: {كُنتُمْ فِي الفلك} هو بالمعنى المعقول، حتى إذا حَصَلَ بعضُكم في السفن «انتهى. فقدَّر اسماً غائباً وهو ذلك المضافُ المحذوف، فالضميرُ الغائب يعود عليه. ومثلُه {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ} [النور: 40] تقديره: أو كذي ظلمات» وعلى هذا فليس من الالتفات في شيءٍ. وقال الشيخ: «والذي يَظْهر أنَّ حكمةَ الالتفاتِ هنا هي أن قولَه {هُوَ الذي يُسَيِّرُكُمْ} خطابٌ فيه امتنانٌ وإظهارُ نعمةٍ للمخاطبين، والمسيَّرون في البر والبحر مؤمنون وكفَّار، والخطابُ شاملٌ، فَحَسُن خطابُهم بذلك ليستديمَ الصالحُ الشكرَ، ولعلَّ الطالحَ يتذكر هذه النعمةَ، ولمَّا كان في آخر الآية ما يقتضي أنهم إذا نَجَوا بَغَوا في الأرضِ عَدَلَ عن خطابهم بذلك إلى الغَيْبة لئلا يخاطب المؤمنين بما لا يليق صُدورُه منهم وهو البغيُ بغير الحق» قوله: {بِرِيحٍ} متعلقٌ ب «جَرَيْنَ» ، فيقال: كيف يتعدى فعلٌ واحدٌ إلى معمولَيْن بحرفِ جرٍ متحدٍ لفظاً ومعنى؟ . فالجوابُ أن الباءَ الأولى للتعدية كهي في «مررت بزيد» والثانية للسبب فاختلف المعنيان، فلذلك تعلَّقا بعاملِ واحدٍ. يجوز أن تكونَ الباءُ الثانيةُ للحالِ فتتعلقَ بمحذوف، والتقدير: جَرَيْنَ بهم ملتبسةً بريح، فتكونُ الحالُ من ضمير الفلك.
قوله: {وَفَرِحُواْ بِهَا} ، يجوز أن تكون هذه الجملةُ نَسَقاً على «جَرَيْنَ» ، وأن تكونَ حالاً، و «قد» معها مضمرةٌ عند بعضهم، أي: وقد فَرِحوا، وصاحبُ الحال الضمير في «بهم» .
قوله: {جَآءَتْهَا} الظاهرُ أن هذه الجملةَ الفعلية جواب «إذا» ، وأن الضميرَ في «جاءَتْها» ضميرُ الريح الطيبة، أي: جاءَتِ الريحَ الطيبةَ ريحٌ عاصفٌ، أي: خَلَفَتْها. وبهذا بدأ الزمخشري، وسبقه إليه الفراء وجَوَّز أن يكونَ الضميرُ للفلك، ورجَّح هذا بأن الفُلْكَ هو المُحَدَّث عنه.
قوله: {وظنوا} يجوز أن يكونَ معطوفاً على «جاءتها» الذي هو جوابُ «إذا» ، ويجوز أن يكونَ معطوفاً على «كنتم» وهو قولُ الطبريّ ولذلك قال: «وظنُّوا» جوابُه «دَعَوا الله» .
قال الشيخ: «ظاهره العطف على جواب» إذا «لا أنَّه معطوفٌ على» كنتم «لكنه محتمل كما تقول:» إذا زارك فلانٌ فأكرمه، وجاءك خالد فأحسِنْ إليه «وأنَّ أداةَ الشرط مذكورة» . وقرأ زيد ابن عليّ «حِيط» ثلاثياً.
قوله: {دَعَوُاْ الله} ، قال أبو البقاء: «هو جواب ما اشتمل عليه المعنى مِنْ معنى الشرط، تقديره: لما ظَنُّوا أنهم أُحيط بهم دَعَوُا الله» ، وهذا كلامٌ فارغ. وقال الزمخشري: «هي بدلٌ مِنْ» ظنُّوا «لأنَّ دعاءهم مِنْ لوازم ظنِّهم الهلاكَ فهو متلبسٌ به» . ونقل الشيخ عن شيخه أبي جعفر أنه جوابٌ لسؤال مقدر، كأنه قيل: فماذا كان حالُهم إذ ذاك؟ فقيل: دَعَوُا الله «. و» مخلصين «حال. و» له «متعلقٌ به. و» الدين «مفعوله.
قوله: {لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا} اللامُ موطِّئةٌ للقسم المحذوف، و» لنكونَنَّ «جوابه، والقسمُ وجوابهُ في محل نصب بقول مقدر، وذلك القولُ المقدرُ في محلِّ نصبٍ على الحال، والتقدير: دَعَوا قائلين: لئن أَنْجَيْتنا من هذه لنكوننَّ. ويجوزُ أن يجرى» دَعَوا «مجرى» قالوا «، لأن الدعاء بمعنى القول، إذ هو نوعٌ مِنْ أنواعه، وهو مذهب كوفي.
يونس 10:23
قوله تعالى: {إِذَا هُمْ يَبْغُونَ} : جوابُ «لمَّا» ، وهي «إذا» الفجائية. وقوله: «بغير الحق» حالٌ، أي: ملتبسين بغير الحق. قال الزمخشري: «فإنْ قلتَ: ما معنى قوله:» بغير الحق «والبغيُ لا يكونُ بحق؟ قلت: بلى وهو استيلاء المسلمين على أرضِ الكفار وهَدْمُ دورِهم وإحراقُ زروعِهم وقَطْعُ أشجارهم، كما فعل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ببني قريظة» ، وكان قد فَسَّر البغيَ بالفسادِ والإِمعان فيه، مِنْ «بغى الجرحُ: إذا ترامى للفساد» . ولذلك قال الزجاج: «إنه الترقّي في الفساد» ، وقال الأصمعيُّ أيضاً: «بغى الجرحُ: ترقى إلى الفساد، وبَغَت المرأة: فَجَرَت» ، قال الشيخ/ «ولا يَصِحُّ أن يُقال في المسلمين إنهم باغُون على الكفرة، إلا إنْ ذُكر أنَّ صلَ البغيِ هو الطلبُ مطلقاً، ولا يتضمَّن الفسادَ، فحينئذ ينقسم إلى طلبٍ بحق وطلب بغير حق» ، قلت: وقد تقدَّم أنَّ هذه الآيةَ تَرُدُّ على الفارسي أنَّ «لمَّا» ظرف بمعنى حين؛ لأن ما بعد «إذا» الفجائية لا يَعْمل فيما قبلها، وإذ قد فَرَضَ كونَ «لمَّا» ظرفاً لزمَ أن يكونَ لها عاملٌ.
قوله: {مَّتَاعَ الحياة} قرأ حفص «متاعَ» نصباً، ونصبُه على خمسة أوجه، أحدُها: أنه منصوب على الظرف الزماني نحو «مَقْدَم الحاج» ، أي: زَمَن متاع الحياة. والثاني: أنه منصوبٌ على المصدر الواقع موقع الحال، أي: مُتَمتعين. والعاملُ في هذا الظرف وهذه الحالِ الاستقرار الذي في الخبر، وهو «عليكم» . ولا يجوزُ أن يكونا منصوبين بالمصدر لأنه يلزم منه الفصلُ بين المصدرِ ومعمولِه بالخبر، وقد تقدَّم أنه لا يُخْبَرُ عن الموصول إلا بعد تمامِ صلته. والثالث: نصبُه على المصدرِ المؤكِّد بفعلٍ مقدر، أي: يتمتعون متاع الحياة. الرابع: أنه منصوبٌ على المفعول به بفعلٍ مقدر يدلُّ عليه المصدر، أي: يبغون متاعَ الحياة. ولا جائزٌ أن ينتصِبَ بالمصدر لِما تقدم. الخامس: أن ينتصب على المفعولِ مِنْ أجله، أي: لأجلِ متاع والعامل فيه: إمَّا الاستقرارُ المقدَّرُ في «عليكم» ، وإمَّا فعلٌ مقدر. ويجوز أن يكونَ الناصبُ له حالَ جعله ظرفاً أو حالاً او مفعولاً من أجله نفسَ البغي لا على جَعْل «على أنفسكم» خبراً بل على جَعْله متعلقاً بنفس البغي، والخبرُ محذوفٌ لطول الكلام، والتقدير: إنما بَغْيُكم على أنفسكم متاعَ الحياة مذومٌ أو مكروهٌ أو منهيٌّ عنه.
وقرأ باقي السبعة «متاعُ» بالرفع. وفيه أوجه، أحدُها: وهو الأظهر أنه خبرُ «بَغْيكم» و «على أنفسِكم» متعلقٌ بالبغي.
ويجوز أن [يكونَ] «عليكم» خبراً، و «متاع» خبراً ثانياً، ويجوزُ أن يكونَ خبرَ مبتدأ محذوفٍ، أي: هو متاع. ومعنى «على أنفسكم» ، أي: على بعضِكم وجنسِكم كقوله {وَلاَ تقتلوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: 29] {وَلاَ تلمزوا أَنفُسَكُمْ} [الحجرات: 11] ، أو يكونُ المعنى: إنَّ وبالَ البغي راجعٌ عليكم لا يتعدَّاكم كقولِه: {وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} [الإسراء: 7] {وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا} [فصلت: 46] .
وقرأ ابنُ أبي إسحاق «متاعاً الحياة» بنصب «متاعاً» و «الحياةَ» . ف «متاعاً» على ما تقدَّم. وأما «الحياة» فيجوز أن تكونَ مفعولاً بها، والناصب لها المصدر، ولا يجوز والحالةُ هذه أن يكونَ «متاعاً» مصدراً مؤكداً لأنَّ المؤكِّد لا يعمل. ويجوزُ أَنْ تنتصبَ «الحياة» على البدل من «متاعاً» لأنها مشتملةٌ عليه.
وقُرىء أيضاً «متاعِ الحياة» بجرِّ «متاع» ، وخُرِّجت على النعت لأنفسكم، ولا بُدَّ مِنْ حَذْفِ مضافٍ حينئذ تقديرُه: على أنفسكم ذواتِ متاع الحياة، كذا خرَّجه بعضهم. ويجوز أن يكونَ ممَّا حُذِف منه حرفُ الجر وبقي عملُه، أي: إنما بَغْيُكم على أنفسِكم لأجِل متاع، ويدلُّ على ذلك قراءةُ النصب في وجه مَنْ يجعله مفعولاً من أجله، وحَذْفُ حرفِ الجر وإبقاءُ عملِه قليلٌ، وهذه القراءةُ لا تتباعَدُ عنه. وقال أبو البقاء: «ويجوزُ أن يكونَ المصدرُ بمعنى اسم الفاعل، أي: متمتعات» يعني أنه يَجْعل المصدرَ نعتاً ل «أنفسكم» من غيرِ حَذْفِ مضافٍ بل على المبالغة أو على جَعْلِ المصدر بمعنى اسم الفاعل. ثم قال: «ويَضْعُفُ أن يكونَ بدلاً إذ أمكن أن يُجْعَلَ صفةً» ، قلت: وإذا جُعِل بدلاً على ضعفه فمِنْ أيِّ قبيل البدلِ يُجعل؟ والظاهر أنه مِنْ بدل الاشتمال، ولا بد من ضميرٍ محذوفٍ حنيئذ، أي: متاع الحياة الدنيا لها.
وقرىء «فيُنَبِّئَكُم» بياءِ الغَيْبة، والفاعلُ ضميرُ الباري تعالى.
يونس 10:24
قوله تعالى: {إِنَّمَا مَثَلُ} : هذه الجملةُ سِيْقَتْ لتشبيهِ الدنيا بنباتِ الأرض، وقد شَرَحَ الله تعالى وجهَ التشبيه بما ذكر. قال الزمخشري: «وهذا مِنْ/ التشبيهِ المركب، شُبِّهَتْ حالُ الدنيا في سرعةِ تَقَضِّيها وانقراضِ نعيمِها بعد الإِقبال بحالِ نبات الأرض في جَفَافه وذهابه حُطاماً بعدما التفَّ وتكاتَف وزيَّن الأرض بخضرتِه ورفيفه» ، قلت: التشبيهُ المركب في اصطلاح البيانيين: إمَّا أن يكون طرفاه مركبين، أي: تشبيه مركب بمركب كقول بشار بن برد:
2578 - كان مُثَارَ النَّقْعِ فوقَ رؤوسنا ... وأسيافَنا ليلٌ تهاوى كواكبُهْ
وذلك أنه يُشَبِّه الهيئةَ الحاصلةَ من هُوِيِّ أجرامٍ مشرقة مستطيلةٍ متناسبةِ المقدارِ متفرقةٍ في جوانبِ شيءٍ مظلم بليلٍ سقطت كواكبُه، وإمَّا أن يكونَ طرفاه مختلفَيْن بالإِفراد والتركيب. وتقسيماتُه في غير هذا الموضوع.
وقوله: {كَمَآءٍ} هو خبرُ المبتدأ، و «أنزلناه» صفةٌ ل «ماء» ، و «من السماء» متعلقٌ ب «أَنْزلناه» ويَضْعُفُ جَعْلُه حالاً من الضمير المنصوب. وقوله: «فاختلطَ به» في هذه الباءِ وجهان، أحدهما: أنها سببيَّةٌ. قال الزمخشري: «فاشتبك بسببه حتى خالط بعضُه بعضاً» ، وقال ابن عطية: «وَصَلَتْ فِرْقَةٌ» النباتَ «بقوله:» فاختلط «، أي: اختلط النباتُ بعضُه ببعض بسبب الماء» . والثاني: أنها للمصاحبة بمعنى أنَّ الماءَ يجري مجرى الغذاء له فهو مصاحبه. وزعم بعضُهم أن الوقفَ على قولِه: «فاختلط» على أن الفعلَ ضميرٌ عائد على الماء، وتَبْتَدىء {بِهِ نَبَاتُ الأرض} على الابتداء والخبر. والضمير في «به» على هذا يجوز عَوْدُه على الماء، وأن يعود على الاختلاط الذي تضمنَّه الفعل، قاله ابن عطية. قال الشيخ: «الوقف على قوله:» فاختلط «لا يجوزُ، وخاصةً في القرآن لأنه تفكيكٌ للكلام المتصلِ الصحيح والمعنى الفصيحِ، وذهابٌ إلى اللُّغْز والتعقيد» .
قوله: {مِمَّا يَأْكُلُ} فيه وجهان، أحدهما: أنه متعلقٌ ب «اختلط» وبه قال الحوفي. والثاني: أنه حالٌ من «النبات» وبه قال أبو البقاء، وهو الظاهرُ، والعاملُ فيه محذوفٌ على القاعدة المستقرة، أي: كائناً أو مستقراً ممَّا يأكل. ولو قيل «مِنْ» لبيان الجنس لجاز. وقوله: «حتى» غايةٌ فلا بد لها من شيءٍ مُغَيَّا، والفعلُ الذي قبلها وهو «اختلط» لا يصلح أن يكون مُغَيَّا لقصرِ زمنهِ.
فقيل: ثَمَّ فعل محذوف، أي: لم يزلِ النباتُ ينمو حتى كان كيت وكيت. وقيل: يُتَجَوَّزُ في «فاختلط» بمعنى: فدامَ اختلاطُه حتى كان كيت وكيت. و «إذا» بعد «حتى» هذه تقدَّم التنبيهُ عليها.
قوله: {وازينت} قرأ الجمهور «ازَّيَّنَتْ» بوصل الهمزة وتشديد الزاي والياء، والأصلُ «وتَزَيَّنت» فلمَّا أريد إدغامُ التاء في الزاي بعدها قُلبت زاياً وسَكَنَتْ فاجتلبت همزة الوصل لتعذُّر الابتداء بالساكن فصار «ازَّيَّنت» كما ترى، وقد تقدَّم تحريرُ هذا عند قولِه تعالى: {فادارأتم فِيهَا} [البقرة: 72] . وقرأ أُبَيّ بن كعب وعبد الله وزيدٌ بن علي والأعمش «وتَزَيَّنَتْ» على تَفَعَّلَتْ، وهو الأصلُ المشار إليه. وقرأ سعد ابن أبي وقاص والسلمي وابن يعمر والحسن والشعبي وأبو العالية ونصر بن عاصم وابن هرمز وعيسى الثقفي: «وأَزْيَنَتْ على وزن أَفْعلَتْ وأفْعَل هنا بمعنى صار ذا كذا كأَحُصَدَ الزرعُ وأَغَدَّ البعيرُ، والمعنى: صارت ذا زينة، أي: حَضَرت زينتها وحانَتْ وكان مِنْ حَقِّ الياءِ على هذه القراءة أن تُقْلَبَ ألفاً فيقال: أَزَانَتْ، كأَنَابت فَتُعَلُّ بنقلِ حركتِها إلى الساكن قبلها فتتحرك حينئذ، وينفتح ما قبلَها فتقلب ألفاً كما تقدَّم ذلك في نحو: أقام وأناب، إلا أنها صَحَّتْ شذوذاً كقولِه:» أَغْيَمت السماء، وأَغْيَلَت المرأة «، وقد وَرَدَ ذلك في القرآن نحو: {استحوذ} [المجادلة: 19] وقياسُه استحاذَ كاستقام.
وقرأ أبو عثمان النهدي وعزاه ابن عطية لفرقةٍ غيرِ معينة» وازْيَأَنَّتْ «بهمزة وصل بعدها زايٌ ساكنة، / بعدها ياءٌ مفتوحة خفيفة، بعدها همزةٌ مفتوحة، بعدها نون مشددة. قالوا: وأصلها: وازيانَّتْ بوزن احَمَارَّت بألف صريحة، ولكنهم كَرِهُوا الجمعَ بين الساكنين فقلبت الألفُ همزةً كقراءة» الضألّين «و» جَأَنْ «. وعليه قولهم:» احمأرَّت «بالهمز وأنشد:
2579 -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... إذا ما الهَواديْ بالعَبيطِ احمأرَّتِ
وقد تقدم لك هذا مشبعاً في أواخر الفاتحة. وقرأ أشياخ عوف ابن أبي جميلة:» وازْيأنَّتْ «بالأصل المشار إليه، وعزاها ابن عطية لأبي عثمان النهدي. وقرىء» وازَّايَنَتْ «والأصلُ: تزاينت فأدغم.
وقوله: {أَهْلُهَآ} ، أي: أهل نباتها. و» أتاها «هو جوابُ» إذا «فهو العاملُ فيها. وقيل: الضميرُ عائد على الزينة. وقيل: على الغَلَّة، أي: القُوت فلا حَذْفَ حينئذ.
و» ليلاً ونهاراً «ظرفان للإِتيان أو للأمر. والجَعْل هنا تصيير. وحصيد: فعيل بمعنى مفعول؛ ولذلك لم يؤنَّثْ بالتاء وإن كان عبارة عن مؤنث كقولهم: امرأة جريح.
قوله: {كَأَن لَّمْ تَغْنَ} هذه الجملةُ يجوز أن تكون حالاً مِنْ مفعول» جَعَلْناها «الأول، وأن تكون مستأنفةً جواباً لسؤال مقدر. وقرأ مروان ابن الحكم» تتغَنَّ «بتاءين بزنة تنفَعَّل، ومثله قول الأعشى:
2580 -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... طويلَ الثَّواءِ طويلَ التَّغَنّ
وهو بمعنى الإِقامة، وقد تقدَّم تحقيقُه في الأعراف. وقرأ الحسن وقتادة {كأن لم يَغْنَ} بياء الغيبة، وفي هذا الضميرِ ثلاثةُ أوجهٍ، أجودُها: أن يعودَ على الحصيد لأنه أقرب مذكور. وقيل: يعودُ على الزخرف، أي: كأن لم يَقُم الزخرف. وقيل: يعود على النبات أو الزرع الذي قدَّرته مضافاً، أي: كأن لم يَغْنَ زَرْعُها ونباتها.
و» بالأمس «المرادُ به الزمن الماضي لا اليوم الذي قبل يومك، فهو كقول زهير:
2581 - وأعلمُ علمَ اليومِ والأمسِ قبلَه ... ولكنني عن عِلْمِ ما في غدٍ عَمِ
لم يَقْصد بها حقائقَها، والفرقُ بين الأَمْسَيْن أن الذي يراد به قبل يومِك مبنيٌّ لتضمُّنه معنى الألف واللام، وهذا مُعْرب تدخل عليه أل ويضاف.
وقوله: {كذلك نُفَصِّلُ} نعت مصدر محذوف، أي: مثل هذا التفصيل الذي فَصَّلْناه في الماضي نُفَصِّل في المستقبل.
يونس 10:26
قوله تعالى: {وَلاَ يَرْهَقُ} : فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أنها مستأنفةٌ. والثاني: أنها في محل نصب على الحال، والعامل في هذه الحال الاستقرار الذي تضمَّنه الجارُّ، وهو «للذين» لوقوعه خبراً عن «الحسنى» قاله أبو البقاء، وقدَّره بقوله: «استقرَّ لهم الحسنى مضموماً لهم السَّلامة» ، وهذا ليس بجائز لأن المضارعَ متى وقع حالاً منفيَّاً ب «لا» امتنع دخولُ واو الحال عليه كالمثبت، وإن وَرَدَ ما يُوهم ذلك يُؤَوَّل بإضمار مبتدأ، وقد تقدم تحقيقُه غيرَ مرة. والثالث: أنه في محلِّ رفع نسقاً على «الحسنى» ، ولا بدَّ حينئذٍ من إضمار حرفٍ مصدري يَصِحُّ جَعْلُه معه مخبراً عنه بالجارّ، والتقدير: للذين أحسنوا الحسنى، وأنْ لا يرهق، أي: وعدم رَهَقِهم، فلمَّا حُذِفت «أن» رُفع الفعلُ المضارع لأنه ليس من مواضع إضمار «أنْ» ناصبة وهذا كقوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ} [الروم: 24] ، أي: أن يُرِيَكم، وقوله: «تَسْمع بالمُعَيْدِيّ خيرٌ من أن تراه» ، وقوله:
2582 - ألا أيُّهذا الزاجري أحضرُ الوَغَى ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أي: أن أحضر. رُوي برفع «أحضر» ونصبه. ومنع أبو البقاء هذا الوجه، فقال: «ولا يجوز أن يكون معطوفاً على» الحسنى «لأن الفعل إذا عُطِفَ على المصدر احتاج إلى» أَنْ «ذِكْراً أو تقديراً، و» أنْ «غيرُ مقدرة لأن الفعلَ مرفوع» ، فقوله: «وأَنْ غيرُ مقدرةٍ، لأن الفعل مرفوع» ليس بجيد لأن قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ} [الروم: 24] معه «أنْ» مقدرة مع أنه مرفوع، ولا يَلْزم من إضمار «أنْ» نصب المضارع، بل المشهورُ أنه إذا أُضْمرت «أن» في غير المواضع التي نصَّ النحويون على إضمارها ناصبة ارتفعَ الفعلُ، والنصبُ قليلٌ جدا.
والرَّهَق: الغِشْيان. يقال: رَهِقَه يَرْهَقُه رَهَقا، أي: غَشِيَهُ بسرعة، ومنه {وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي} [الكهف: 37] {فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً} [الجن: 13] / يقال: رَهِقْتُه وأَرْهَقْتُه نحو: رَدِفْتُه وأَرْدَفْتُه، فَفَعَل وأَفْعل بمعنىً، ومنه: «أَرْهَقْت الصلاةَ» إذا أخَّرْتَها حتى غَشِي وقتُ الأخرى، ورجلٌ مُرْهَق، أي: يغشاه الأضياف. وقال الأزهري: «الرَّهَق» اسمٌ من الإِرهاق، وهو أن يَحْمِلَ الإِنسانُ على نفسه ما لا يُطيق، ويقال: «أَرْهَقْتُه عن الصلاة» ، أي: أَعْجَلْتُه عنها. وقال بعضهم. أصلُ الرَّهَق: المقاربة، ومنه غلامٌ مراهِق، أي: قارب الحُلُم، وفي الحديث: «ارهَقُوا القِبلة» ، أي: اقرُبوا منها، ومنه «رَهِقَتِ الكلابُ الصيدَ» ، أي: لحقته.
والقَتَر والقَتَرة: الغبار معه سوادٌ وأنشدوا للفرزدق:
2583 - مُتَوَّجٌ برِداء المُلك يَتْبَعُه ... موجٌ ترى فوقه الراياتِ والقترا
أي: غبار العسكر. وقيل: القَتَرُ: الدخان، ومنه «قُتار القِدْر» . وقيل: القَتْر: التقليل ومنه {لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ} [الفرقان: 67] ، ويقال: قَتَرْتُ الشيء وأَقْتَرْتُه وقتَّرته، أي: قَلَّلْته، ومنه {وَعَلَى المقتر قَدَرُهُ} [البقرة: 236] ، وقد تقدم. والقُتْرَةُ: ناموس الصائد. وقيل: الحفرة، ومنه قول امرىء القيس:
2584 - رُبَّ رامٍ من بني ثُعَلٍ ... مُتْلِجٍ كَفَّيْهِ في قُتَرِهْ
أي: في حفرته التي يَحْفرها. وقرأ الحسن وعيسى بن عمر وأبو رجاء والأعمش «قَتْرٌ» بسكونِ التاء وهما لغتان قَتْر وقَتَرَ كقَدْر وقَدَر.
يونس 10:27
قوله تعالى: {والذين كَسَبُواْ} : فيه سبعةُ أوجه: أحدُها: «أن يكونَ» والذين «نسقاً على» للذين أحسنوا «أي: للذين أحسنوا الحسنى، واللذين كسبوا السيئاتِ جزاءُ سيئةٍ بمثلها، فيتعادل التقسيم كقولك:» في الدار زيدٌ والحجرةِ عمروٌ «، وهذا يسميه النحويون عطفاً على معمولي عاملين. وفيه ثلاثة مذاهب، أحدها: الجواز مطلقاً، وهو قول الفراء. والثاني: المنعُ مطلقاً وهو مذهب سيبويه. والثالث: التفصيل بين أن يتقدَّم الجارُّ نحو:» في الدار زيد والحجرةِ عمرو «، فيجوز، أو لا، فيمتنع نحو:» إن زيداً في الدار وعمراً القصر «، أي: وإن عمراً في القصر. وسيبويه وأتباعه يُخَرِّجون ما ورد منه على إضمار الجارِّ كقوله تعالى: {واختلاف الليل والنهار. . .
لآيَاتٍ} [الجاثية: 5] بنصب» آيات «في قراءة الأخوين على ما سيأتي، وكقوله:
2585 - أكلَّ امرىءٍ تحسبين امرأً ... ونارٍ توقَّدُ بالليل نارا
وقول الآخر:
2586 - أَوْصَيْتَ مَنْ تَوَّه قلباً حُرَّاً ... بالكلبِ خيراً والحماةِ شَرَّا
وسيأتي لهذا مزيدُ بيان في غضون هذا التصنيف. وممَّن ذهب إلى أن هذا الموصولَ مجرور عطفاً على الموصول قبله ابن عطية وأبو القاسم الزمخشري. الثاني: أن» الذين «مبتدأ، وجزاء سيئة مبتدأ ثانٍ، وخبره» بمثلها «، والباء فيه زائدة، أي: وجزاءُ سيئةٍ مثلها كقوله تعالى: {وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} [الشورى: 40] ، كما زِيْدَتْ في الخبر كقوله:
2587 - فلا تطمعْ أبيت اللعنَ - فيها ... ومَنْعُكها بشيءٍ يُسْتطاع
أي: شيء يستطاع، كقول امرىء القيس:
2588 - فإن تَنْأَ عنها حقبةً لا تلاقِها ... فإنَّك ممَّا أَحْدَثْتَ بالمجرِّب أي: المجرِّب، وهذا قولُ ابن كيسان في الآية. الثالث: أن الباءَ ليست بزائدةٍ والتقدير: مُقَدَّر بمثلها أو مستقر بمثلها، والمبتدأ الثاني وخبرُه خبرٌ عن الاول. الرابع: أن خبرَ» جزاء سيئة «محذوفٌ، فقدَّره الحوفي بقوله:» لهم جزاء سيئة «قال: ودَلَّ على تقدير» لهم «قوله: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى} حتى تتشاكلَ هذه بهذه. وقدَّره أبو البقاء: جزاء سيئة بمثلها واقع، وهو وخبره أيضاً خبر عن الأول. وعلى هذين التقديرين فالباءُ متعلقةٌ بنفس جزاء، لأن هذه المادةَ تتعدَّى بالباء، قال تعالى: {جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُواْ} [سبأ: 17] {وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ} [الإنسان: 12] إلى غير ذلك. فإن قلت: أين الرابطُ ين هذه الجملةِ والموصولِ الذي هو المبتدأ؟ ، قلت: على تقديرِ الحوفي هو الضميرُ المجرور باللام المقدر خبراً، وعلى تقديرِ أبي البقاء هو الضميرُ المجرور باللام المقدر خبراً، وعلى تقدير أبي البقاء هو محذوف/ تقديرُه: جزاءُ سيئة بمثلها منهم واقعٌ، نحو:» السَّمْن مَنَوان بدرهم «وهو حَذْفٌ مُطَّرد لِما عرفْتَه غيرَ مرة.
الخامس: أن يكونَ الخبرُ الجملةَ المنفية من قوله: {مَّا لَهُمْ مِّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ} ، ويكون» مِنْ عاصم «إمَّا فاعلاً بالجارِّ قبله لاعتماده على النفي، وإمَّا مبتدأً، وخبرُه الجارُّ مقدماً عليه، و» مِنْ «مزيدة فيه على كلا القولين.
و «من الله» متعلقٌ ب «عاصم» . وعلى كون هذه الجملة خبر الموصول يكون قد فَصَلَ بين المبتدأ وخبره بجملتي اعتراضٍ. وفي ذلك خلافٌ عن الفارسي تقدَّم التنبيهُ عليه وما استدلَّ به عليه.
السادس: أن الخبرَ هو الجملةُ التشبيهية من قوله: {كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ} ، و «كأنما» حرف مكفوف، و «ما» هذه زائدة تسمَّى كافَّةً ومهيِّئة، وتقدَّم ذلك. وعلى هذا الوجه فيكون قد فَصَلَ بين المبتدأ وخبره بثلاثِ جملِ اعتراض.
السابع: أن الخبر هو الجملة من قوله: {أولئك أَصْحَابُ النار} ، وعلى هذا القولِ فيكونُ قد فصل بأربعِ جمل معترضة وهي: {جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا} ، والثانية: «وتَرْهَقُهم ذلة» ، والثالث: {مَّا لَهُمْ مِّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ} ، الرابع: «كأنما أُغْشيت» . وينبغي أن لا يجوز الفصل بثلاثِ جملٍ فضلاً عن أربع.
وقوله: {وَتَرْهَقُهُمْ} فيها وجهان أحدهما: أنها في محل نصب على الحال. ولم يُبَيِّنْ أبو البقاء صاحبَها، وصاحبُها هو الموصولُ أو ضميرُه. وفيه ضعفٌ لمباشرته الواو، إلا أن يُجْعَلَ خبرَ مبتدأ محذوف. الثاني: أنها معطوفة على «كسبوا» . قال أبو البقاء: «وهو ضعيف لأن المستقبلَ لا يُعْطَفُ على الماضي. فإن قيل: هو بمعنى الماضي فضعيفٌ جداً» . وقرىء: «ويَرْهقهم» بالياء من تحت، لأنَّ تأنيثَها مجازي.
قوله: {قِطَعاً} قرأ ابن كثير والكسائي «قِطْعاً» بسكون الطاء، والباقون بفتحها. فأما القراءة الأولى فاختلفت عبارات الناس فيها، فقال أهل اللغة: «القِطْع» ظلمة آخر الليل. وقال الأخفش في قوله: «بقِطْع من الليل» بسواد من الليل. وقال بعضهم: «طائف من الليل» ، وأنشد الأخفش: 2589 - افتحي الباب فانظري في النجومِ ... كم علينا من قِطْعِ ليلٍ بَهيم
وأمَّا قراءةُ الباقين فجمعُ «قِطْعة» نحو: دِمْنة وَدِمَن، وكِسْرة وكِسَر وعلى القراءتين يختلف إعراب «مظلماً» ، فإنه على قراءةِ الكسائي وابن كثير يجوز أن يكونَ نعتاً ل «قِطْعاً» ، ووُصِف بذلك مبالغةً في وَصْف وجوهِهم بالسواد، ويجوز أن يكونَ حالاً فيه ثلاثةُ أوجه، أحدها: أنه حالٌ من «قِطْعاً» ، وجاز ذلك لتخصُّصه بالوصف بالجارِّ بعده وهو «من الليل» ، والثاني: أنه حالٌ من «الليل» ، والثالث: أنه حالٌ من الضميرِ المستتر في الجارِّ لوقوعه صفة.
قال الزمخشري: «فإن قلت: إذا جعلت» مظلماً «حالاً من» الليل «فما العاملُ فيه؟ قلت: لا يخلو: إما أن يكونَ» أُغْشِيَتْ «من قِبل أنَّ» من الليل «صفةٌ لقوله:» قِطْعاً «، وكان إفضاؤه إلى الموصوفِ كإفضائه إلى الصفة، وإما أن يكونَ معنى الفعل في» من الليل «.
قال الشيخ: «أمَّا الوجه الأول فهو بعيدٌ لأنَّ الأصلَ أن يكون العاملُ في الحال هو العاملَ في ذي الحال، والعاملُ في» من الليل «هو الاستقرار، و» أُغْشِيَتْ «عاملٌ في قوله:» قطعاً «الموصوف بقوله:» من الليل «فاختلفا، فلذلك كان الوجهُ الأخير أَوْلى، أي: قطعاً مستقرةً من الليل، أو كائنةً من الليل في حال إظلامه» . قلت: ولا يَعْني الزمخشري بقوله: «إنَّ العامل أُغْشِيَتْ» إلا أنَّ الموصوفَ وهو «قِطْعاً» معمول لأُِغْشِيَتْ والعامل في الموصوف هو عاملٌ في الصفة، والصفة هي «من الليل» فهي معمولةٌ ل «أُغْشِيَتْ» ، وهي صاحبةُ الحال، والعاملُ في الحال هو العاملُ في ذي الحال، فجاء من ذلك أنَّ العاملَ في الحال هو العاملُ في صاحبها بهذه الطريقةِ. ويجوز أن يكونَ «قِطْعاً» جمع قطعة، أي: اسم جنس، فيجوز حينئذٍ وصفُه بالتذكير نحو: «نَخْلٌ مُنْقَعِر» والتأنيث نحو: «نخل خاوية» .
وأمَّا قراءة الباقين فقال مكي وغيره: «إنَّ» مظلماً «حال من» الليل «فقط. ولا يجوز أن يكون صفةً ل» قِطَعاً «، ولا حالاً منه، ولا من الضمير في» من الليل «، لأنه كان يجب أن يقال فيه: مظلمة» . قلت: يَعْنُون أنَّ الموصوف حينئذ جمعٌ، وكذا صاحب الحال فتجب المطابقةُ. وأجاز بعضهم ما منعه هؤلاء وقالوا: جاز ذلك لأنَّه في معنى الكثير، وهذا فيه تعسُّفٌ.
وقرأ أُبَي/ {تغشى وجوهَهم قِطْعٌ} بالرفع، «مظلمٌ» . وقرأ ابن أبي عبلة كذلك، إلا أنه فتح الطاء. وإذا جَعَلْتَ «مُظْلماً نعتاً ل» قطعاً «، فتكون قد قَدَّمْتَ النعتَ غير الصريح على الصريح. قال ابن عطية:» فإذا كان نعتاً يعني مظلماً نعتاً لقطع فكان حقه أن يكون قبلَ الجملة، ولكن قد يجيءُ بعد هذا، وتقدير الجملة: قطعاً استقرَّ من الليل مظلماً على نحو قوله: {وهذا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ} [الأنعام: 155] . قال الشيخ: «ولا يتعيَّنُ تقديرُ العاملِ في المجرور بالفعل فيكونُ جملة، بل الظاهرُ تقديره باسم الفاعل فيكون من قبيل الوصف بالمفرد، والتقدير: قطعاً كائناً من الليل مظلماً» . قلت: المحذورُ تقديمُ غيرِ الصريحِ على الصريح ولو كان مقدَّراً بمفرد.
و «قطعاً» منصوبٌ ب «أُغْشِيَتْ» مفعولاً ثانياً.
يونس 10:28
قوله تعالى: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ} : «يوم» منصوب بفعلٍ مقدر، أي: خَوِّفْهم، أو ذكِّرْهم يوم. والضميرُ عائد على الفريقين، أي: الذين أحسنوا والذين كسبوا. و «جميعاً» حال. ويجوز أن تكون تأكيداً عند مَنْ عَدَّها مِنْ ألفاظ التأكيد.
قوله: {مَكَانَكُمْ} ، «مكانكم» اسمُ فعل، ففسَّره النحويون ب «اثبتوا» فيحمل ضميراً، ولذلك أُكِّد بقوله: «أنتم» وعُطِف عليه «شركاؤكم» ، ومثله قول الشاعر:
2590 - وقَوْلِي كلما جَشَأَتْ وجاشَتْ ... مكانَكِ تُحْمَدي أو تَسْتريحي
أي: اثبتي، ويدلُّ على جزمُ جوابِه وهو «تُحْمَدي» . وفسَّره الزمخشري ب «الزموا» قال: «مكانكم» أي: الزموا مكانكم، ولا تَبْرحوا حتى تنظروا ما يُفْعل بكم «. قال الشيخ:» وتقديره له ب «الزموا» ليس بجيد، إذ لو كان كذلك لتعدَّى كما يتعدَّى ما ناب هذا عنه، فإنَّ اسمَ الفعلِ يُعامل معاملةَ مسمَّاه، ولذلك لمَّا قدَّروا «عليك» بمعنى «الزم» عدَّوْه تعديتَه نحو: عليك زيداً. و [عند] الحوفي «مكانكم» نُصب بإضمار فعل، أي: الزموا مكانكم أو اثبتوا «. قلت: فالزمخشري قد سُبِق بهذا التفسير. والعذرُ لمَنْ فسَّره بذلك أنه قصد تفسير المعنى، وكذلك فَسَّره أبو البقاء فقال:» مكانكم «ظرفٌ مبنيٌّ لوقوعِه موقعَ الأمر، أي: الزموا» .
وهذا الذي ذكره مِنْ كونه مبنياً فيه خلاف للنحويين: منهم مَنْ ذهب إلى ما ذَكَر، ومنهم مَنْ ذهب إلى أنها حركةُ إعراب، وهذان الوجهان مبنيَّان على خلافٍ في أسماء الأفعال: هل لها محلٌّ من الإِعراب أو لا؟ ، فإن قلنا لها محلٌّ كانت حركاتُ الظرفِ حركاتِ إعراب، وإن قلنا: لا موضع لها كانت حركاتِ بناء. وأمَّا تقديرُه ب «الزموا» فقد تقدَّم جوابه.
وقوله: {أَنتُمْ} فيه وجهان أحدهما: أنه تأكيدٌ للضمير المستتر في الظرفِ لقيامِه مقامَ الفاعلِ كما تقدَّم التنبيه عليه. والثاني: أجازه ابن عطية، وهو أن يكونَ مبتدأً، و «شركاؤكم» معطوف عليه، وخبرُه محذوفٌ قال: «تقديرُه: أنتم وشركاؤكم مُهاون أو مُعَذَّبون» ، وعلى هذا فيُوقَفُ على قوله: «مكانكم» ثم يُبتدأ بقوله: «أنتم» ، وهذا لا يَنْبغي أن يقال، لأن فيه تفكيكاً لأفصحِ كلام وتبتيراً لنظمه من غير داعيةٍ إلى ذلك، ولأن قراءةَ مَنْ قرأ «وشركاءَكم» نصباً تدل على ضعفه، إذ لا تكونُ إلا من الوجه الأول، ولقولِه: «فزيَّلْنا بينهم» ، فهذا يدلُّ على أنهم أُمِروا هم وشركاؤهم بالثبات في مكانٍ واحدٍ حتى يحصلَ التَّزْيِِيْلُ بينهم.
وقال ابن عطية أيضاً: «ويجوزُ أن يكون» أنتم «تأكيداً للضمير الذي في الفعل المقدر الذي هو» قفوا «ونحوه» .
قال الشيخ «وهذا ليس بجيدٍ، إذ لو كان تأكيداً لذلك الضمير المتصل بالفعل لجاز تقديمُه على الظرف، إذ الظرفُ لم يتحمَّلْ ضميراً على هذا القول فيلزمُ تأخيرُه [عنه] وهو غير جائز، لا تقول:» أنت مكانَك «ولا يُحْفظ من كلامهم. والأصحُّ أنه لا يجوز حَذْفُ المؤكَّد في التأكيد المعنوي، فكذلك هذا لأن التأكيدَ ينافي الحذف، وليس من كلامهم:» أنت زيداً «لمَنْ رأيته قد شَهَرَ سَيْفاً، وأنت تريد:» اضرب أنت زيداً «إنما كلامُ العرب:» زيداً «تريد: اضرب زيداً» . قلت: لم يَعْنِ ابنُ عطية أن «أنت» تأكيد لذلك الضمير في «قفوا» من/ حيث إنَّ الفعلَ مرادٌ غير منوبٍ عنه، بل لأنه نابَ عنه هذا الظرفُ، فهو تأكيدٌ له في الأصلِ قبل النيابة عنه بالظرف، وإنما قال: الذي هو «قفوا» تفسيراً للمعنى المقدر.
وقرأ فرقةُ «وشكركاءَكم» نصباً على المعية. والناصبُ له اسم الفعل.
قوله: {فَزَيَّلْنَا} ، أي: فرَّقْنا وميَّزْنا كقوله تعالى: {لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا} [الفتح: 25] . واختلفوا في «زيَّل» هل وزنُه فَعَّل أو فَيْعَل؟ والظاهرُ الأول، والتضعيفُ فيه للتكثيرِ لا للتعديةِ لأنَّ ثلاثيَّه متعدٍّ بنفسِه. حكى الفراء «زِلْتُ الضَّأن من المَعِز فلم تَزِل» ، ويقال: زِلْت الشيء مِنْ مكانه أَزيله، وهو على هذا من ذواتِ الياء. والثاني: أنه فَيْعَل كبَيْطَر وبَيْقَر وهو مِنْ زال يَزُول، والأصل: زَيْوَلْنا فاجتمعت الياء والواو وسَبَقَت إحداهما بالسكون فأُعِلَّت الإِعلالَ المشهورَ وهو قَلْبُ الواوِ ياءً وإدغامُ الياء فيها كميِّت وسَيّد في مَيْوِت وسَيْودِ، وعلى هذا فهو من مادة الواو. وإلى هذا ذهبَ ابن قتيبة، وتبعه أبو البقاء.
وقال مكي: «ولا يجوز أن يكون فَعَّلْنا مِنْ زال يزول لأنه [يلزم] فيه الواوُ فيكون زَوَّلنا» ، قلت: هذا صحيحٌ، وقد تقدم تحريرُ ذلك في قوله: {أَوْ مُتَحَيِّزاً إلى فِئَةٍ} [الأنفال: 16] . وقد ردَّ الشيخ كونَه فيْعَل بأنَّ فعَّل أكثر من فَيْعَل، ولأن مصدره التزييل، ولو كان فَيْعَل لكان مصدرُه فَيْعَلة كبَيْطَرة؛ لأن فَيْعَل ملحقٌ بفَعْلَل، ولقولهم في معناه زايَل، ولم يقولوا: زاول بمعنى فارق، إنما قالوه بمعنى حاول وخالط «. وحكى الفراء» «فزايَلْنا» وبها قرأت فرقة. قال الزمخشري: «مثل صاعَرَ خَدَّه وصَعَّره، وكالمتُه وكلَّمْته» ، قلت: يعني أن فاعَل بمعنى فَعَّل. وزايَلَ بمعنى فارَقَ. قال:
2591 - وقال العذارى إنَّما أنت عَمُّنا ... وكان الشبابُ كالخليطِ نُزايِلُهْ
وقال آخر:
2592 - لعَمْري لَمَوْتٌ لا عقوبةَ بعده ... لِذي البَثِّ أَشْفَى مِنْ هوىً لا يُزايلُهْ
وقوله: {فَزَيَّلْنَا} و «قال» هذان الفعلان ماضيان لفظاً مستقبلان معنىً لعطفِهما على مستقبل وهو «ويوم نحشرهم» وهما نظيرُ قولِه تعالى: {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القيامة فَأَوْرَدَهُمُ} [هود: 98] . و «إيَّانا» مفعولٌ مقدمٌ قُدِّم للاهتمام به والاختصاص، وهو واجبُ التقديمِ على ناصبِه لأنه ضميرٌ منفصل لو تأخر عنه لَزِمَ اتصالُه.
يونس 10:29
وقد تقدَّم الكلامُ على ما بعد هذا مِنْ {وكفى} [النساء: 6] و «إنْ» المخففة، واللام التي بعدها بما يُغْني عن إعادته.
يونس 10:30
قوله تعالى: {هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ} : في «هنالك» وجهان، الظاهرُ بقاؤه على أصلِه مِنْ دلالته على ظرف المكان، أي: في ذلك الموقفِ الدَّحْض والمكان الدَّهِش. وقيل: هو هنا ظرف زمان على سبيل الاستعارة، ومثله {هُنَالِكَ ابتلي المؤمنون} [الأحزاب: 11] ، أي: في ذلك الوقت وكقوله:
2593 - وإذا الأمورُ تعاظَمَتْ وتشاكَلَتْ ... فهناك يَعْترفون أينَ المَفْزَعُ
وإذا أمكنَ بقاءُ الشيءِ على موضوعِه فهو أولى.
وقرأ الأخَوان «تَتْلو» بتاءَيْن منقوطتين من فوق، أي: تطلُب وتتبَع ما أسلفَتْه مِنْ أعمالها، ومن هذا قوله:
2594 - إنَّ المُريبَ يَتْبَع المُريبا ... كما رأيت الذِّيبَ يتلو الذِّيبا
أي: يَتْبَعه ويَتَطَلَّبه. ويجوز أن يكونَ من التلاوة المتعارفة، أي: تقرأ كلُّ نفسٍ ما عَمِلَتْه مُسَطَّراً في صحف الحفظة لقوله تعالى: {ياويلتنا مَالِ هذا الكتاب لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا} [الكهف: 49] ، وقوله: {وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القيامة كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً اقرأ كتابك} [الإسراء: 13] .
وقرأ الباقون: «تَبْلو» مِن البَلاء وهو الاختبار، أي: يَعْرف عملَها: أخيرٌ هو أم شر. وقرأ عاصم في روايةٍ «نبلو» بالنون والباءِ الموحدة، أي: نختبر نحن. و «كل» منصوب على المفعول به. وقوله: «وما أَسْلَفَتْ» على هذه القراءةِ يحتمل أن يكونَ في محلِّ نصبٍ على إسقاطِ الخافض، أي: بما أسْلَفَتْ، فلمَّا سقط الخافض انتصبَ مجرورُه كقوله:
2595 - تمرُّون الديار ولم تعوجوا ... كلامُكمُ عليَّ إذنْ حَرامُ
ويحتمل أن يكونَ منصوباً على البدل من «كل نفس» ويكون من بدلِ الاشتمال. ويجوز أن يكون «نَبْلو» من البلاء وهو العذاب، أي: نُعَذِّبها بسبب ما أَسْلَفَتْ.
و «ما» يجوز أن تكونَ موصولةً اسميةً أو حرفيةً أو نكرةً موصوفة، والعائدُ محذوفٌ على التقدير/ الأول والآخِر دون الثاني على المشهور.
وقرأ ابن وثاب «ورِدُّوا» بكسر الراء تشبيهاً للعين المضعفة بالمعتلَّة، نحو: «قيل» و «بيع» ، ومثله:
2596 - وما حِلَّ مِنْ جَهْلٍ حُبا حُلَمائِنا ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بكسر الحاء، وقد تقدَّم بيانُ ذلك بأوضحَ من هذا.
وقوله: {إِلَى الله} لا بدَّ من مضاف، أي: إلى جزاء الله، أو موقفِ جزائه. والجمهور على «الحق» جَرَّاً. وقرىء منصوباً على أحد وجهين: إمَّا القطعِ، وأصلُه أنه تابعٌ فقُطع بإضمارِ «أمدح» كقولهم: الحمدُ للَّهِ أهلِ الحمد «، وإمَّا أنه مصدر مؤكد لمضمونِ الجملةِ المتقدمةِ وهو {وردوا إِلَى الله} وإليه نحا الزمخشري، قال:» كقولك: «هذا عبد الله الحق لا الباطل» على التأكيد لقوله {وردوا إِلَى الله} . وقال مكي: «ويجوز نصبه على المصدر ولم يُقْرأ به» ، قلت: كأنه لم يَطَّلِعْ على هذه القراءة.
وقوله: {مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} «ما» تحتمل الأوجه الثلاثة.
يونس 10:31
قوله تعالى: {مِّنَ السمآء} : «مِنْ» يجوز أَنْ تكونَ لابتداء الغاية، وأن تكونَ للتبعيضِ، وأن تكونَ لبيان الجنس، ولا بد على هذين الوجهين من تقديرِ مضافٍ محذوف، أي: من أهل السماء.
قوله: {أَمْ} هذه «أم» المنقطعة لأنه لم تتقدَّمْها همزةُ استفهام ولا تسوية، ولكن إنما تُقَدَّر هنا ب «بل» وحدها دونَ الهمزة. وقد تقرَّر أن المنقطعةَ عند الجمهور تُقَدَّر بهما، وإنما لم تتقدَّرْ هنا ب «بل» والهمزةِ، لأنَّها وقع بعدها اسم استفهام صريح وهو «مَنْ» ، فهو كقوله تعالى: {أَمَّا ذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [النمل: 84] . والإِضرابُ هنا على القاعدةِ المقررة في القرآن أنه إضرابُ انتقالٍ لا إضرابُ إبطالٍ
يونس 10:32
قوله تعالى: {فَمَاذَا بَعْدَ} : يجوز أن يكونَ «ماذا» كلُّه اسماً واحداً لتركُّبهما، وغُلِّب الاستفهامُ على اسم الإِشارة، وصار معنى الاستفهامِ هنا النفيَ ولذلك أوجب بعده ب «إلا» ، ويجوز أن يكون «ذا» موصولاً بمعنى الذي، والاستفهام أيضاً بمعنى النفي، والتقدير: ما الذي بعد الحق إلا الضلال؟
يونس 10:33
قوله تعالى: {كَذَلِكَ حَقَّتْ} : الكافُ في محلِّ نصب نعتاً لمصدر محذوف، والإِشارةُ ب «ذلك» إلى المصدرِ المفهوم مِنْ «تُصْرفون» ، أي: مثلَ صَرْفِهم عن الحق بعد الإِقرار به في قوله تعالى: {فَسَيَقُولُونَ الله} [يونس: 31] . وقيل إشارةٌ إلى الحق. قال الزمخشري: «كذلك: مثلَ ذلك الحقِّ حَقَّتْ كلمةُ ربك» .
قوله: {أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} ، فيه أربعةُ أوجه، أحدها: أنَّها في محلِّ رفعِ بدلاً من «كلمةُ» ، أي: حَقَّ عليهم انتفاء الإِيمان. الثاني: أنها في محلِّ رفعٍ خبراً لمبتدأ محذوف، أي: الأمر عدمُ إيمانِهم. الثالث: أنها في محلِّ نصبٍ بعد إسقاط الحرف الجارّ. الرابع: أنها في محلِّ جرٍّ على إعمالِه محذوفاً إذا الأصل: لأنهم لا يُؤْمنون. قال الزمخشري: «أو أراد بالكلمة العِدَة بالعذاب، و {أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} تعليل، أي: لأنهم» .
وقرأ أبو عمرو وابنُ كثير والكوفيون «كلمة» بالإِفراد، وكذا في آخر السورة. وقد تقدَّم ذلك في الأنعام. وقرأ ابن أبي عبلة {أَنهم لا يُؤْمنون} بكسر «إنَّ» على الاستئناف وفيها معنى التعليل، وهذه مقويِّةُ للوجه الصائر إلى التعليل.
يونس 10:34
قوله تعالى: {قُلِ الله يَبْدَأُ الخلق} : هذه الجملةُ جواب لقوله: {هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ} وإنما أتى بالجواب جملةً اسميةً مُصَرَّحاً بجزأيها مُعَاداً فيها الخبر مطابقاً لخبر اسم الاستفهام للتأكيدِ والتثيبتِ، ولمَّا كان الاستفهام قبل هذا لا مَنْدوحةَ لهم عن الاعتراف به جاءَت الجملةُ محذوفاً منها أحدُ جُزْأَيْها في قوله {فَسَيَقُولُونَ الله} [يونس: 31] ، ولم يَحْتَجْ إلى التأكيد بتصريح جزأيها.
يونس 10:35
قوله تعالى: {يهدي إِلَى الحق} : قد تقدم في أول هذا الموضوع أنَّ «هدى» يتعدى إلى اثنين ثانيهما: إمَّا باللام أو بإلى، وقد يُحْذَفُ الحرفُ تخفيفاً. وقد جُمع بين التعديتين هنا بحرف الجر فَعَدَّى الأول والثالث ب «إلى» والثاني باللام، وحُذِف المفعولُ الأول من الأفعال الثلاثة، والتقدير: هل مِنْ شركائكم مَنْ يَهْدي غيره إلى الحق قل اللَّهُ يَهْدي مَنْ يشاء للحق، أفَمَنْ يهدي غيرَه إلى الحق. وزعم الكسائي والفراء وتبعهما الزمخشري أنَّ «يهدي» الأولَ قاصرٌ، وأنه بمعنى اهتدى. وفيه نظر، لأن مُقابلَه وهو {قُلِ الله يَهْدِي لِلْحَقِّ} متعدٍّ. وقد أنكر المبرد أيضاً مقالة الكسائي والفراء وقال: «لا نَعْرِفُ هَدَى بمعنى اهتدى» قلت: الكسائي والفراء أَثْبتاه بما نقلاه، ولكن إنما ضَعُف ذلك هنا لِما ذَكَرْت لك من مقابلته بالمتعدي، وقد تقدَّم أن التعديةَ ب «إلى» أو اللام من باب التفنُّن في البلاغة، ولذلك قال الزمخشري: «يقال: هَدَاه للحق وإلى الحق، فجمع بين اللغتين» . وقال غيره: «إنما عدى المسندَ إلى الله باللام/ لأنها أَدَلُّ في بابها على المعنى المرادِ من» إلى «؛ إذ أصلُها لإِفادةِ المُلْك، فكأن الهداية مملوكة لله تعالى» وفيه نظر، لأن المراد بقوله: {أَفَمَن يهدي إِلَى الحق} هو الله تعالى مع تَعدِّي الفعلِ المسند إليه ب «إلى» .
قوله: {أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ} خبرٌ لقوله: «أَفَمَنْ يَهْدي» و «أَنْ» في موضعِ نصبٍ أو جرٍّ بعد حذف الخافض، والمفضَّلُ عليه محذوفٌ، وتقديرُ هذا كله: «أَفَمَنْ يهْدي إلى الحقّ أَحَقُّ بأن يُتَّبَع ممَّن لا يَهْدي» . ذكر ذلك مكي ابن أبي طالب، فجعل «أحقّ» هنا على بابها من كونها للتفضيل. وقد منع الشيخ كونَها هنا للتفضيل فقال: «وأحق» ليست للتفضيل، بل المعنى: حقيقٌ بأن يُتَّبع «. وجوَّز مكي أيضاً في المسألة وجهين آخرين أحدهما: أن تكون» مَنْ «مبتدأ أيضاً، و» أنْ «في محلِّ رفع بدلاً منها بدلَ اشتمال، و» أحقُّ «خبرٌ على ما كان. والثاني: أن يكون» أن يُتَّبع «في محلِّ رفعٍ بالابتداء، و» أحقُّ «خبرُه مقدَّم عليه. وهذه الجملةُ خبر ل» مَنْ يَهْدي «، فَتَحَصَّل في المسألة ثلاثة أوجه.
قوله: {أَمَّن لاَّ يهدي} نسقٌ على» أفمن «، وجاء هنا على الأفصحِ مِنْ حيث إنَّه قد فُصِل بين» أم «وما عُطِفَتْ عليه بالخبر كقولك:» زيدٌ قائم أم عمرو «ومثله:
{أذلك خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الخلد} [الفرقان: 15] . وهذا بخلاف قوله تعالى: {أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ} [الأنبياء: 109] وسيأتي هذا في موضعه.
وقرأ أبو بكر عن عاصم بكسر ياء «يهدي» وهائه. وحفص بكسر الهاء دون الياء. فأمَّا كسر الهاء فلالتقاء الساكنين، وذلك أن أصلَه يَهْتدي، فلما قُصِد إدغامُه سكنَتْ التاء، والهاءُ قبلَها ساكنة فكُسِرَتْ الهاءُ لالتقاء الساكنين. وأبو بكر أتبع الياء للهاء في الكسر. وقال أبو حاتم في قراءة حفص «هي لغة سُفْلَى مُضَر» ، ونَقَل عن سيبويه أنه لا يُجيز «يِهْدي» ويجيز «تِهْدي ونِهْدي وإهدي» ، قال: «لأن الكسرةَ تَثْقُل في الياء» ، قلت: يعني أنه يُجيز كَسْرَ حرفِ المضارعة من هذا النحو نحو: تِهْدي ونِهدي وإهدي إذ لا ثِقَلَ في ذلك، ولم يُجِزْهُ في الياء لثقل الحركةِ المجانسةِ لها عليها. وهذا فيه غَضٌّ من قراءة أبي بكر، ولكنه قد تواتَرَ قراءةً فهو مقبول.
وقرأ أبو عمرو وقالون عن نافع بفتح الياء واختلاس فتحة الهاء وتَشْديد الدال، وذلك أنهما لَمَّا ثقَّلا الفتحة لإِدغام اختلسا الفتحة تنبيهاً على أن الهاءَ ليس أصلُها الحركةَ بل السكون. وقرأ ابن كثير وابن عامر وورش بإكمال فتحة الهاء على أصل النقل. وقد رُوي عن أبي عمرو وقالون اختلاسُ كسرةِ الهاءِ على أصل التقاء الساكين، والاختلاس للتنبيه على أنَّ أصلَ الهاءِ السكون كما تقدم.
وقرأ أهلُ المدينة خلاورشاً بفتح الياء وسكون الهاء وتشديدِ الدال. وهذه القراءةُ استشكلها جماعةٌ من حيث الجمعُ بين الساكنين. قال المبرد: «مَنْ رام هذا لا بد أن يُحَرِّكَ حركةً خفيَّة» . وقال أبو جعفر النحاس: « لا يقدر أحدٌ أن يَنْطِقَ به» ، قلت: وقد قال في «التيسير» : «والنصُّ عن قالون بالإِسكان» ، قلت: ولا بُعْدَ في ذلك فقد تقدَّم أن بعضَ القُرَّاء يَقْرأ {نِعِمَّا} [النساء: 58] و {لاَ تَعْدُواْ} [النساء: 154] بالجمع بين الساكنين، وتقدَّمت لك قراءاتٌ كثيرة في قوله: {يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ} [البقرة: 20] ، وسيأتي لك مثلُ هذا في {يَخِصِّمُونَ} [يس: 49] .
وقرأ الأخَوان «يَهْدي» بفتح الياء وسكون الهاء وتخفيفِ الدال مِنْ هدى يَهْدي وفيه قولان، أحدهما: أنَّ «هدى» بمعنى اهتدى. والثاني: أنه متعدٍّ، ومفعولُه محذوف كما تقدَّم تحريره. وقد تقدم قول الكسائي والفراء في ذلك ورَدَّ المبرد عليهما. وقال ابن عطية: «والذي أقوال: قراءةُ حمزة والكسائي تحتمل أن يكون المعنى: أَمْ مَنْ لا يهدي أحداً إلا أن يهدى ذلك الأحدُ بهداية الله، وأمَّا على غيرِها مِنَ القراءات التي مقتضاها» أم لا يَهْتدي إلا أن يهدى «فيتجه المعنى على ما تقدَّم» ثم قال: «وقيل: تمَّ الكلامُ عند قوله:» أم مَنْ لا يَهِدِّي، أي: لا يَهِدِّي غيره «.
ثم قال: {إِلاَّ أَن يهدى} استثناءٌ منقطع، أي: لكنه يحتاج إلى أن يهدى كما تقول: فلان لا يسمع غيره إلا أَنْ يُسْمع، أي: لكنه يحتاج إلى أن يَسمع «. انتهى. ويجوز أن يكونَ استثناءً متصلاً، لأنه إذ ذاك يكون فيهم قابليةُ الهدايةِ بخلافِ الأصنام. ويجوز أن يكونَ استثناء من تمامِ المفعول له، أي: لا يهدي لشيءٍ من الأشياءِ إلا لأَجْل أن يهدى بغيره.
وقوله: {فَمَا لَكُمْ} مبتدأ وخبر. ومعنى الاستفهام هنا الإِنكارُ والتعجبُ، أي: أيُّ شيءٍ لكم في اتخاذ هؤلاء إذ كانوا عاجزين عن هدايةِ أنفسهم فكيف يمكن أن يَهْدُوا غيرَهم؟ وقد تقدَّم أن بعضَ النحويين نصَّ على أن مثل هذا التركيبِ لا يتمُّ إلا بحالٍ بعده، نحو: {فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ} [المدثر: 49] {وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ} [المائدة: 84] إلى غير ذلك، وهنا لا يمكن أن تُقَدَّر الجملةُ بعد هذا التركيب حالاً لأنها استفهامية، والاستفهامية لا تقع حالاً. وقوله:» كيف تحكمون «استفهامٌ آخرُ، أي: كيف تحكمون بالباطل وتجعلون لله أنداداً وشركاء؟ .
يونس 10:36
قوله تعالى: {لاَ يُغْنِي} : خبرُ «إن» ، و «شيئاً» / منصوبٌ على المصدر، أي: شيئاً من الإِغناء. و «من الحق» نصبٌ على الحال من «شيئاً» لأنه في الأصلِ صفةٌ له. ويجوز أن تكونَ «مِنْ» بمعنى «بدل» ، أي: لا يُغنْي بدلَ الحق. وقرأ الجمهور «يَفْعلون» على الغيبة. وقرأ عبد الله «تَفْعلون» خطاباً وهو التفاتٌ بليغ.
يونس 10:37
قوله تعالى: {أَن يفترى} : فيه وجهان أحدهما: أنه خبرٌ «كان» تقديرُه: وما كان هذا القرآن افتراء، أي: ذا افتراء، إذ جُعِل نفسُ المصدر مبالغةً، أو يكونُ بمعنى مفترى. والثاني: زعم بعضهم أنَّ «أنْ» هذه هي المضمرة بعد لامِ الجحود، والأصل: وما كان هذا القرآنُ ليفترى، فلمَّا حُذِفَتْ لامُ الجحود ظهرت «أن» . وزعم أن اللامَ و «أنْ» يتعاقبان، فتُحْذف هذه تارة، وتَثْبُت الأخرى. وهذا قولٌ مرغوبٌ عنه، وعلى هذا القولِ يكون خبر «كان» محذوفاً، وأنْ وما في حَيِّزها متعلقةٌ بذلك الخبر، وقد تقدَّم تقريرُ ذلك محرراً. و «مِنْ دون» متعلقٌ ب «يفترى» والقائمُ مقامَ الفاعل ضميرٌ عائد على القرآن.
قوله {ولكن تَصْدِيقَ} «تَصْديق» عطف على خبر كان، ووقعت «لكن» أحسنَ موقع إذ هي بين نقيضين: وهما التكذيبُ والتصديقُ المتضمِّن للصدق. وقرأ الجمهور «تصديق» و «تفصيلَ» بالنصب وفيه أوجهٌ، أحدُها: العطف على خبر «كان» وقد تقدَّم ذلك، ومثله: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ ولكن رَّسُولَ الله} [الأحزاب: 40] . والثاني: أنه خبر «كان» مضمرة تقديره: ولكن كان تصديقَ، وإليه ذهب الكسائي والفراء وابن سعدان والزجاج. وهذا كالذي قبله في المعنى. والثالث: أنه منصوبٌ على المفعول من أجله لفعل مقدر، أي: وما كان هذا القرآنُ أن يفترى، ولكن أُنزل للتصديق. والرابع: أنه منصوبٌ على المصدر بفعل مقدر أيضاً. والتقدير: ولكن يُصَدِّق تصديقَ الذي بين يديه من الكتب.
وقرأ عيسى بن عمر: «تَصْديقُ» بالرفع، وكذلك التي في يوسف. ووجهُه الرفعُ على خبر مبتدأ محذوف، أي: ولكن هو تصديق، ومثله قوله الشاعر: 2597 - ولستُ الشاعرَ السَّفْسَافَ فيهمْ ... ولكن مِدْرَهُ الحربِ العَوانِ
برفع «مِدْرَه» على تقدير: أنا مِدْره. وقال مكي: «ويجوز عندهما أي عند الكسائي والفراء الرفع على تقدير: ولكن هو تصديق» ، قلت: كأنه لم يَطَّلِعْ على أنها قراءة.
وزعم الفراء وجماعةٌ أن العرب إذا قالت: «ولكن» بالواو آثَرَتْ تشديد النون، وإذا لم تكن الواو آثرت التخفيفَ. وقد وَرَدَ في قراءات السبعة التخفيفُ. وقد وَرَدَ في قراءات السبعة التخفيف والتشديد نحو {ولكن الشياطين} [البقرة: 102] {ولكن الله رمى} [الأنفال: 17] .
قوله: {لاَ رَيْبَ فِيهِ} فيه أوجه أحدها: أن يكون حالاً من «الكتاب» وجاز مجيءُ الحال من المضاف إليه لأنه مفعولٌ في المعنى. والمعنى: وتفصيل الكتاب منتفياً عنه الرَّيْب. والثاني: أنه مستأنفٌ فلا محلَّ له من الإِعراب. والثالث: أنه معترضٌ بين «تصديق» وبين {مِن رَّبِّ العالمين} إذ التقديرُ: ولكن تصديق الذين بين يديه مِنْ رب العالمين.
قال الزمخشري: فإن قلت: بم اتَّصَلَ قولُه {لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ العالمين} ؟ قلت: هو داخلٌ في حَيِّز الاستدراك كأنه قيل: ولكن كان تصديقاً وتفصيلاً منتفياً عنه الريبُ كائناً من رب العالمين. ويجوز أن يراد به «ولكن كان تصديقاً من رب العالمين [وتفصيلاً منه لا ريب في ذلك، فيكون من رب العالمين] متعلقاً ب» تصديق «و» تفصيل «ويكون {لاَ رَيْبَ فِيهِ} اعتراضاً كما تقول: زيدٌ لا شكَّ فيه كريم» انتهى.
قوله: {مِن رَّبِّ} يجوز فيه أوجهٌ أحدُها: أن يكونَ متعلقاً ب «تصديق» أو ب «تفصيل» ، وتكون المسألة من باب التنازع؛ إذ يَصِحُّ أَنْ يتعلَّقَ بكلٍ من العاملين من جهة المعنى. وهذا هو الذي أراد الزمخشري بقوله: «فيكون» مِنْ رب «متعلِّقاً ب» تصديق «و» تفصيل «يعني أنه متعلقٌ بكلٍ منهما من حيث المعنى. وأمَّا من حيث الإِعرابُ فلا يتعلَّق إلا بأحدهما، وأمَّا الآخرُ فيعمل في ضميره كما تقدَّم تحريره غيرَ مرة، والإِعمالُ هنا حينئذ إنما هو للثاني بدليلِ الحَذْفِ من الأول. والوجه الثاني: أنَّ» مِنْ رب «حال ثانية. والثالث: إنه متعلقٌ بذلك الفعلِ المقدرِ، أي: أُنْزِل للتصديق من ربَّ العالمين.
يونس 10:38
قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ} : في «أم» وجهان أحدهما: أنها منقطعةٌ فتتقدر ب «بل» والهمزة عند الجمهور: سيبويه وأتباعهِ، والتقديرُ: بل أتقولون، انتقل عن الكلام الأول وأَخَذَ في إنكارِ قولٍ آخر. والثاني: أنها متصلةٌ ولا بدَّ حينئذٍ مِنْ حَذْفِ جملةٍ ليصِحَّ التعادلُ والتقدير: أيقرُّون به أم يقولون افتراه. وقال بعضُهم: / هذه بمنزلة الهمزةِ فقط. وعَبَّر بعضهم عن ذلك فقال: «الميمُ زائدة على الهمزة» وهذا قولٌ ساقط، إذ زيادة الميم قليلة جداً لا سيما هنا. وزعم أبو عبيدة أنها بمعنى الواو والتقدير: ويقولون افتراه.
قوله: {قُلْ فَأْتُواْ} جوابُ شرطٍ مقدر قال الزمخشري: «قل: إن كان الأمرُ كما تَزْعمون فَأْتوا أنتم على وجه الافتراءِ بسورةِ مثلِه في العربية والفصاحة والأَبْلغيَّة» . وقرأ عمرو بن فائد «بسورة مثلِه» بإضافة «سورة» إلى «مثله» على حَذْف الموصول وإقامة الصفة مُقامَه، والتقدير: بسورةِ كتابٍ مثلِه أبو بسورةِ كلام مثله. ويجوز أن يكون التقديرُ: فَأْتوا بسورةِ بشرٍ مثلِه فالضمير يجوز أن يعودَ في هذه القراءةِ على القرآن، وأن يعودَ على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وأمَّا في قراءة العامة فالضمير للقرآن فقط.
يونس 10:39
قوله تعالى: {وَلَمَّا يَأْتِهِمْ} : جملةٌ حالية من الموصول أي: سارعوا إلى تكذيبهِ حالَ عدم إتيان التأويل. قال الزمخشري: «فإن قلت: ما معنى التوقُّع في قوله تعالى: {وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} ؟ قلت: معناه أنهم كذَّبوا به على البديهة قبل التدبُّر ومعرفةِ التأويل» ، ثم قال أيضاً: «ويجوز أن يكونَ المعنى: ولم تأتِهم بعدُ تأويلُ ما فيه من الإِخبار بالغيوب، أي: عاقبته حتى يتبيَّنَ لهم أَكَذِبٌ هو أم صدقٌ» انتهى. وفي وَضْعه «لم» موضعَ «لَمَّا» نظرٌ لِمَا عَرَفْت ما بينهما من الفرق. ونُفِيَتْ جملةُ الإِحاطة ب «لم» وجملةُ إتيانِ التأويل ب «لمَّا» لأن «لم» للنفي المطلق على الصحيح، و «لَمَّا» لنفي الفعل المتصل بزمن الحال، فالمعنى: أنَّ عَدَمَ التأويل متصل بزمن الإِخبار.
و «كذلك» نعتٌ لمصدرٍ محذوف، أي: مثل ذلك التكذيب كَذَّب الذين من قبلهم، أي: قبل النظر والتدبُّر.
وقوله: {فانظر كَيْفَ كَانَ} «كيف» خبر ل «كان» ، والاستفهامُ معلِّقٌ للنظر. قال ابن عطية: «قال الزجاج:» كيف «في موضع نصب على خبر كان، ولا يجوز أن يعمل فيها» انظر «لأنَّ ما قبل الاستفهام لا يَعْمل فيه، هذا قانونُ النحويين لأنهم عاملوا» كيف «في كل مكان معاملةَ الاستفهامِ المَحْض في قولك» كيف زيد «ول» كيف «تصرُّفاتٌ غيرُ هذا فتحلُّ محلَّ المصدرِ الذي هو» كيفية «وتخلعُ معنى الاستفهام، ويحتمل هذا الموضعُ أن يكونَ منها. ومن تصرُّفاتها قولُهم:» كن كيف شئت «وانظر قول البخاري:» كيف كان بدء الوحي «فإنه لم يستفهم» . انتهى. فقول الزجاج «لا يجوز أن تعمل» انظر «في» كيف «يعني لا تتسلَّط عليها ولكن هو متسلِّطٌ على الجملة المنسحبِ عليها حكمُ الاستفهام وهكذا سبيلُ كلِّ تعليقٍ.
قال [الشيخ] :» وقولُ ابن عطية: هذا قانون النحويين إلى آخره ليس كما ذكر بل ل «كيف» معنيان، أحدُهما: الاستفهامُ المحض، وهو سؤال عن الهيئة إلا أن يُعَلَّق عنها العامل، فمعناها معنى الأسماء التي يُستفهم بها إذا عُلِّق عنها العاملُ. والثاني: الشرط كقول العرب: «كيف تكونُ أكونُ» . وقوله: «ول» كيف «تصرفات إلى آخره ليس» كيف «تحلُّ محلَّ المصدر، ولا لفظ» كيفية «هو مصدرٌ، إنما ذلك نسبةٌ إلى» كيف «، وقوله:» ويحتمل أن يكونَ هذا الموضعُ منها، ومِنْ تصرفاتها قولهم: «كن كيف شئت» لا يَحْتمل أن يكون منها؛ لأنه لم يثبتْ لها المعنى الذي ذكر مِنْ كونِ «كيف» بمعنى كيفية وادِّعاءُ مصدرية «كيفية» .
وأمَّا «كن كيف شئت» ف «كيف» ليست بمعنى كيفية، وإنما هي شرطيةٌ وهو المعنى الثاني الذي لها، وجوابها محذوف، التقدير: كيف شئت فكن، كما تقول: «قم متى شئت» ف «متى» اسمُ شرطٍ ظرفٌ لا يعمل فيه «قم» والجواب محذوف تقديره: متى شئت فقم، وحُذِفَ الجوابُ لدلالة ما قبله عليه كقولِهم: «اضربْ زيداً إن أساء إليك» ، التقدير: إن أساءَ إليك فاضرِبْه، وحُذِف «فاضربه» لدلالة «اضرِبْ» المتقدِّم عليه. وأمَّا قولُ البخاري: «كيف كان بدء الوحي» فهو استفهامٌ مَحْضٌ: إمَّا على سبيل الحكاية كأن سائلاً سأله فقال: كيف كان بَدْءُ الوحي، [وإما أن يكونَ من قوله هو، كأنه سأل نفسه: كيف كان بدء الوحي؟] فأجاب بالحديثِ الذي فيه كيفيةُ ذلك «.
وقوله: {الظالمين} مِنْ وَضْعِ الظاهر موضعَ المضمر، ويجوز أن يرادَ به ضميرُ مَنْ عاد عليه ضمير» بل كَذَّبوا «، وأن يُرادَ به {الذين مِن قَبْلِهِمْ} .
يونس 10:42
قوله تعالى: {مَّن يَسْتَمِعُونَ} : مبتدأ وخبرهُ الجار قبله وأعاد الضميرَ جمعاً مراعاة لمعنى «مَنْ» ، والأكثرُ مراعاةُ لفظه كقوله:
{وَمِنهُمْ مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ}
يونس 10:43
{وَمِنهُمْ مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ} : قال ابن عطية: «جاء» ينظر «على لفظ» مَنْ «، وإذا جاء على لفظها فجائز أن يعطف عليه آخرُ على المعنى، وإذا جاء أولاً على معناها فلا يجوز أن/ يُعْطَفَ آخرُ على اللفظ لأنَّ الكلامَ يُلْبَسُ حينئذ» . قال الشيخ: وليس كما قال، بل يجوز أن تراعيَ المعنى أولاً فتعيدَ الضميرَ على حسبِ ما تريد من المعنى مِنْ تأنيثٍ وتثنية وجمعٍ، ثم تراعي اللفظَ فتعيدُ الضميرَ مفرداً مذكراً، وفي ذلك تفصيلٌ ذُكر في النحو «، قلت: قد تقدَّم تحريره أولَ البقرة.
يونس 10:44
قوله تعالى: {لاَ يَظْلِمُ الناس شيئاً} : يجوز أن ينتصب «شيئاً» على المصدر، أي: شيئاً من الظلم قليلاً ولا كثيراً، وأن ينتصبَ مفعولاً ثانياً ل «يَظْلم» بمعنى: لا يُنْقِص الناسَ شيئاً من أعمالهم.
قوله: {ولكن الناس} قرأ الأخَوان بتخفيف «لكن» ، ومن ضرورة ذلك كسرُ النونِ لالتقاء الساكنين وَصْلاً ورفع «الناس» ، والباقون بالتشديد ونصب «الناس» وتقدم توجيه ذلك في البقرة.
يونس 10:45
قوله تعالى: {وَيَوْمَ} : منصوب على الظرف. وفي ناصبه أوجه، أحدُها: أنه منصوبٌ بالفعل الذي تضمَّنه قوله: {كَأَن لَّمْ يلبثوا} الثاني: أنه منصوبٌ ب «يتعارفون» . والثالث: أنه منصوبٌ بمقدر، أي: اذكر يومَ. وقرأ الأعمش «يَحْشُرهم» بياء الغيبة، والضمير لله تعالى لتقدُّم اسمه في قوله: {إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ} .
قوله: {كَأَن لَّمْ يلبثوا} قد تقدَّم الكلامُ على «كأنْ» هذه. ولكن اختلفوا في محلِّ هذه الجملة على أوجهٍ، أحدها: أنها في محلِّ نصبٍ صفةً للظرف وهو «يوم» قاله ابن عطية. قال الشيخ: «لا يَصِحُّ لأنَّ» يومَ يحشرُهم «معرفةٌ والجملَ نكرات، ولا تُنْعَتُ المعرفةُ بالنكرة، لا يقال: إن الجملَ التي يُضاف إليها أسماءُ الزمانِ نكرةٌ على الإِطلاق لأنها إن كانَتْ في التقدير تَنْحَلُّ إلى معرفة فإن ما أُضيف إليها يتعرَّفُ، وإن كانت تَنْحَلُّ إلى نكرة كان ما أُضيف إليها نكرةً، تقول» مررت في يوم قَدِم زيدٌ الماضي «فتصِفُ» يوم «بالمعرفة، و» جئت ليلةَ قَدِم زيدٌ المباركة علينا «وأيضاً فكأنَّ لم يلبثوا لا يمكن أن يكون صفة لليوم من جهةِ المعنى؛ لأنَّ ذلك من وصف المحشورين لا مِنْ وصف يوم حشرهم. وقد تكلَّفَ بعضُهم تقديرَ رابطٍ يَرْبطه فقدَّره» كأن لم يَلْبثوا قبله «فحذف» قبله «، أي: قبل اليوم، وحَذْفُ مثلِ هذا الرباطِ لا يجوز» ، قلت: قوله: «بعضهم» ، هو مكي ابن أبي طالب فإنه قال: «الكافُ وما بعدها مِنْ» كأنْ «صفةٌ لليوم، وفي الكلامِ حَذْفُ ضميرٍ يعودُ على الموصوفِ تقديرُه: كأنْ لم يَلْبثوا قبلَه، فحذف» قبل «فصارت الهاءُ متصلةً ب» يَلْبثوا «فحُذِفَتْ لطولِ الاسم كما تُحْذَفُ من الصِّلات» ونَقَل هذا التقدير أيضاً أبو البقاء ولم يُسَمِّ قائلَه فقال: «وقيل» فذكره.
والوجه الثاني: أن تكونَ الجملةُ في محلِّ نصبٍ على الحال من مفعول «يَحْشُرهم» ، أي: يَحْشُرهم مُشْبهين بمَنْ لم يلبث إلا ساعةً، هذا تقديرُ الزمخشري. وممَّنْ جَوَّز الحالية أيضاً ابنُ عطية ومكي وأبو البقاء، وجعله بعضُهم هو الظاهر.
الوجه الثالث: أن تكونَ الجملةُ نعتاً لمصدر محذوف، والتقدير: يَحْشُرهم حَشْراتً كأنْ لم يَلْبَثُوا «ذكر ذلك ابن عطية وأبو البقاء ومكي. وقدّر مكي وأبو البقاء العائد محذوفاً كما قَدَّراه حالَ جَعْلِهما الجملةَ صفةً لليوم، وقد تقدَّم ما في ذلك.
الرابع: قال ابن عطية:» ويَصِحُّ أن يكونَ قوله {كَأَن لَّمْ يلبثوا} كلاماً مجملاً «ولم يُبَيِّنْ الفعلَ الذي يتضمَّنه {كَأَن لَّمْ يلبثوا} .
قال الشيخ: «ولعلَّه أرادَ ما قاله الحوفي مِنْ أنَّ الكاف في موضعِ نصبٍ بما تضمَّنَتْه من معنى الكلام وهو السرعة» انتهى. قال: «فيكونُ التقدير: ويوم يحشرهم يُسْرعون كأنْ لم يَلْبثوا» قلت: فيكونُ «يسرعون» حالاً من مفعول «يَحْشرهم» ويكون {كَأَن لَّمْ يلبثوا} حالاً من فاعل «يُسْرعون» ، ويجوز أن تكونَ «كأنْ لم» مفسرةً ل «يُسْرعون» المقدرة.
قوله: {يَتَعَارَفُونَ} فيه أوجهٌ، أحدُها: أن الجملةَ في محل نصبٍ على الحال من فاعل «يَلْبثوا» . قال الحوفي: «يتعارفون» فعل مستقبلٌ في موضع الحال من الضمير في «يلبثوا» وهو العامل، كأنه قال: متعارفين، والمعنى اجتمعوا متعارفين «. والثاني: أنها حالٌ من مفعول» يَحْشُرهم «أي: يَحْشُرهم متعارفين والعاملُ فعلُ الحشر، وعلى هذا فَمَنْ جوَّز تعدُّدَ الحال جوَّز أن تكونَ» كأَنْ لم «حالاً أولى، وهذه حالٌ ثانية، ومَنْ مَنَعَ ذلك جَعَلَ» كأَنْ لم «على ما تقدم من غيرِ الحالية. قال أبو البقاء:» وهي حالٌ مقدرة لأنَّ التعارفَ لا يكونُ حالَ الحشر «. والثالث: مستأنفةٌ، أخبر تعالى عنهم بذلك قال الزمخشري:» فإن قلت: كأن لم يَلْبثوا ويتعارفون كيف موقعهما؟ قلت: أمَّا الأولى فحالٌ منهم أي: يَحْشُرهم مُشْبهين بمَنْ لم يَلْبث إلا ساعةً، وأمَّا الثانية: فإمَّا أن تتعلق بالظرف يعني فتكون حالاً وإما أن تكونَ مبينةً لقوله: كأن لم يَلْبثوا إلا ساعةً؛ لأن التعارف لا يبقى مع طول العهد وينقلب تناكراً «.
قوله: {قَدْ خَسِرَ} فيها وجهان، أحدهما: أنها مستأنفة أخبر تعالى بأن المكذِّبينَ بلقائِه خاسرون لا محالة، ولذلك أتى بحرفِ التحقيق. والثاني: أن يكونَ في محل نصبٍ بإضمارِ قولٍ أي: قائلين قد خسر الذين. ثم لك في هذا القول المقدر/ وجهان، أحدهما: أنه حال مِنْ مفعول» يحشرهم «أي: يحشرهم قائلين ذلك. والثاني: أنه حالٌ من فاعل» يتعارفون «. وقد ذهب إلى الاستئناف والحالية مِنْ فاعل» يتعارفون «الزمخشري فإنه قال:» هو استئنافٌ فيه معنى التعجب كأنه قيل: ما أحشرهم «ثم قال:» قد خَسِر «على إرادة القولِ أي: يتعارفون بينهم قائلين ذلك» ، وذهبَ إلى أنها حالٌ من مفعول «يحشرهم» ابن عطية.
قوله: {وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} يجوزُ فيها وجهان، أحدهما: أن تكونَ معطوفةً على قولِه «قد خَسِر» فيكونُ حكمُه حكمَه. والثاني: أن تكونَ معطوفةً على صلةِ الذين، وهي كالتوكيد للجملة التي وقعتْ صلةً؛ لأنَّ مَنْ كذَّب بلقاء الله غيرُ مهتدٍ.
يونس 10:46
قوله تعالى: {وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ} : «إمَّا» هذه قد تقدَّم الكلامُ عليها مستوفىً. وقال ابن عطية: «ولأجلها أي: لأجل زيادةِ» ما «جاز دخولُ النونِ الثقيلة ولو كانَتْ» إنْ «وحدَها لم يَجُزْ» يعني أن توكيد الفعل بالنونِ مشروطٌ بزيادة «ما» بعد «إنْ» ، وهو مخَالفٌ لظاهرِ كلامِ سيبويه، وقد جاء التوكيد في الشرط بغير «إنْ» كقوله: 2598 - مَنْ نثقفَنْ منهم فليس بآيبٍ ... أبداً وقَتْل بني قتيبةَ شافي
قال ابن خروف: «أجاز سيبويهِ الإِتيانَ ب» ما «وأن لا يؤتى بها، والإِتيانُ بالنون مع» ما «وأن لا يؤتى بها» والإِراءَةُ هنا من البصر؛ ولذلك تعدَّى الفعلُ إلى اثنين بالهمزة أي: نجعلك رائياً بعضَ الموعودين «.
قوله: {فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ} مبتدأ وخبر، وفيه وجهان أظهرهما: أنه جوابٌ للشرط وما عُطف عليه، إذ معناه صالحٌ لذلك. وإلى هذا ذهب الحوفي وابن عطية. والثاني: أنه جوابٌ لقوله» أو نتوفَيَنَّك «، وجواب الأول محذوف قال الزمخشري:» كأنه قيل: وإمَّا نُرِيَنَّك بعضَ الذي نَعِدُهم فذاك، أو نتوفينَّك قبل أن نريك فنحن نُريك في الآخرة «. قال الشيخ:» فجعل الزمخشري في الكلام شرطين لهما جوابان، ولا حاجةَ إلى [تقدير] جواب محذوف لأنَّ قولهَ «فإلينا مَرْجعهم» صالحٌ لأن يكونَ جواباً للشرط والمعطوفِ عليه، وأيضاً فقولُ الزمخشري «فذاك» هو اسمٌ مفردٌ لا يَنْعقد منه جوابُ شرطٍ فكان ينبغي أن يأتي بجملةٍ يَصِحُّ منها جوابُ الشرط إذ لا يُفْهَمُ مِنْ قوله «فذاك» الجزء الذي حُذِف، المتحصَّل به فائدةُ الإِسناد «. قلت: قد تقررَّ أنَّ اسمَ الإِشارة قد يُشار به إلى شيئين فأكثر وهو بلفظِ الإِفراد، فكأنَّ ذاك واقعٌ موقعَ الجملة الواقعة جواباً، ويجوزُ أن يكونَ قد حُذِفَ الخبر لدلالة المعنى عليه إذ التقديرُ: فذاك المراد أو المتمنَّى أو نحوه. وقوله:» إذ لا يُفْهم الجزء الذي حُذِف «إلى آخره ممنوعٌ بل هو مفهومٌ كما رأيت، وهي شيءٌ يَتبارد إليه الذهن.
قوله: {ثُمَّ الله شَهِيدٌ} ليست هنا للترتيب الزماني بل هي لترتيبِ الأخبارِ لا لترتيبِ القصصِ في أنفسها. قال أبو البقاء:» كقولك زيدٌ عالم ثم هو كريم «. وقال الزمخشري:» فإن قلت: اللَّهُ شهيدٌ على ما يفعلون في الدارَيْن فما معنى ثم؟ قلت: ذُكِرَت الشهادة، والمراد مقتضاها ونتيجتها، وهو العقاب، كأنه قيل: ثم الله معاقِبٌ على ما يفعلونه «.
وقرأ إبرهيم ابن أبي عبلة» ثَمَّ «بفتح الثاء جعله ظرفاً لشهادة الله، فيكون» ثَمَّ «منصوباً ب» شهيد «أي: اللَّهُ شهيدٌ عليهم في ذلك المكان، وهو مكانُ حَشْرِهم. ويجوز أن يكونَ ظرفاً لمَرْجِعهم أي: فإلينا مَرْجِعُهم يعني رجوعهم في ذلك المكانِ الذي يُثاب فيه المُحْسِن ويُعاقَبُ فيه المسيءُ.
يونس 10:49
قوله تعالى: {إِلاَّ مَا شَآءَ الله} : فيه وجهان أحدهما: أنه استثناءٌ متصل تقديرُه: إلا ما شاء الله أن أَمْلكه وأٌقْدِر عليه. والثاني: أنه منقطعٌ. قال الزمخشري: «هو استثناءٌ منقطع أي: ولكنْ ما شاء الله من ذلك كائن، فكيف أَمْلك لكم الضررَ وجَلْبَ العذاب؟» .
يونس 10:50
قوله تعالى: {أَرَأَيْتُمْ} : قد تقدَّم الكلام على/ «أَرَأَيْتَ» هذه، وأنها تتضمَّن معنى أخبرني فتتعدى إلى اثنين، ثانيهما غالباً جملة استفهامية فينعقد منها مع ما قبلها مبتدأٌ وخبرٌ كقولِهم: «أرأيتَك زيداً ما صنع» وتقدَّم مذاهبُ الناسِ فيها في سورة الأنعام فعليك باعتباره ثَمَّة. ومفعولُها الأول في هذه الآية الكريمة محذوفٌ، والمسألةُ من بابِ الإِعمال لأنه تنازع أرأيت وأتاكم في «عذاب» ، والمسألةُ من إعمال الثاني، إذ هو المختار عند البصريين، ولمَّا أعمله أضمر في الأول وحَذَفَه، لأنَّ إبقاءَه مخصوصٌ بالضرورة، أو جائزُ الذكرِ على قلةٍ عند آخرين، ولو أعمل الأول لأضمرَ في الثاني؛ إذ الحذف منه لا يكون إلا في ضرورة أو في قليلٍ من الكلام، ومعنى الكلام: قل لهم يا محمد أخبروني عن عذاب الله إن أتاكم، أيُّ شيءٍ تستعجلون منه، وليس شيءٌ من العذاب يُسْتعجل به لمرارته وشدة إصابته فهو مُقْتَضٍ لنفورِ الطَّبَع منه. قال الزمخشري «فإن قلت: بم يتعلَّق الاستفهامُ وأين جوابُ الشرط؟ قلت: تعلَّق ب» أرأيتم «لأن المعنى: أخبروني ماذا يَسْتعجل منه المجرمون، وجوابُ الشرط محذوف وهو» تَنْدموا على الاستعجال «أو» تعرفوا الخطأ فيه «. قال الشيخ:» وما قَدَّره غيرُ سائغ لأنه لا يُقَدَّر الجوابُ إلا ممَّا تقدَّمَه لفظاً أو تقديراً تقول: «أنت ظالمٌ إن فعلت» التقدير: إن فعلت فأنت ظالم، وكذلك: {وَإِنَّآ إِن شَآءَ الله لَمُهْتَدُونَ} [البقرة: 70] التقدير: إن شاءَ الله نَهْتَدِ، فالذي يُسَوِّغ أن يُقَدَّر: إن أتاكم عذابه فأخبروني ماذا يستعجل منه المجرمون «.
وقال الزمخشري أيضاً:» ويجوزُ أن يكونَ «ماذا يَسْتعجل منه المجرمون» جواباً للشرط كقولك: إنْ أَتَيْتك ما تُطْعمني؟ ثم تتعلَّق الجملةُ ب «أرأيتم» ، وأن يكونَ «أثُمَّ إذا ما وقع آمنتم به» . جواباً للشرط، و «ماذا يَسْتعجل منه المجرمون» اعتراضاً، والمعنى: إنْ أتاكم عذابه آمنتم به بعد وقوعِه حينَ لا ينفعكم الإِيمان «. قال الشيخ:» أمَّا تجويزُه أن يكون «ماذا» جواباً للشرط فلا يَصِح، لأن جوابَ الشرط إذا كان استفهاماً فلا بد فيه من الفاء تقول: إنْ زارنا فلان فأيُّ رجل هو، وإن زارَنا فلانٌ فأيُّ يدٍ له بذلك، ولا يجوز حذفها إلا إن كان في ضرورةٍ، والمثالُ الذي ذكره وهو «إن أتيتك ما تُطْعمني؟» هو مِنْ تمثيلهِ لا من كلام العرب. وأمَّا قوله: «ثمَّ تتعلَّق الجملةُ ب» أرأيتم «إن عنى بالجملة» ماذا يَسْتعجل «فلا يصحُّ ذلك، لأنه قد جعلها جواباً للشرط، وإن عَنَى بالجملة جملةَ الشرط فقد فسَّر هو» أرأيتم «بمعنى أخبروني، و» أخبرني «يطلب متعلقاً مفعولاً، ولا تقع جملةُ الشرط موقعَ مفعول أخبرني.
وأمَّا تجويزُه أن يكون «أثم إذا ما وقع آمنتم به» جواباً للشرط و «ماذا يستعجل منه المجرمون» اعتراضاً فلا يَصِحُّ أيضاً لِما ذكرناه مِنْ أنَّ جملةَ الاستفهام لا تقع جواباً للشرط إلا ومعها فاءُ الجواب، وأيضاً ف «ثم» هنا هي حرف عطفٍ تَعْطِفُ الجملةَ التي بعدها على التي قبلها، فالجملةُ الاستفهامية معطوفةٌ، وإذا كانت معطوفة لم يَصِحَّ أن تقعَ جوابَ الشرط، وأيضاً ف «أرأيتم» بمعنى «أخبروني» تحتاج إلى مفعول، ولا تقعُ جملةُ شرط موقعَه «.
وكونُ» أرأيتم «بمعنى» أخبروني «هو الظاهر المشهور. وقال الحوفي:» الرؤيةُ مِنْ رؤية القلب التي بمعنى العلم لأنها داخلةٌ على الجملة من الاستفهام التي معناها التقرير، وجوابُ الشرط محذوفٌ، وتقديرُ الكلام: أرأيتم ما يستعجل من العذاب المجرمون إنْ أتاكم عذابه «. انتهى، فهذا ظاهرٌ في أنَّ» أرأيتم «غيرُ مضمنةٍ معنى الإِخبار، وأن الجملةَ الاستفهامية سَدَّت مَسَدَّ المفعولين، ولكن المشهور الأول. /
قوله: {مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ} قد تقدَّم الكلام على هذه الكلمة ومذاهبِ الناس فيها. وجَوَّز بعضُهم هنا أن تكون» ما «مبتدأً و» ذا «خبره، وهو موصولٌ بعني الذي، و» يستعجل «صلتُه وعائدُه محذوفٌ تقديره: أيُّ شيء الذي يستعجله منه أي من العذاب، أو من الله تعالى. وجوَّز آخرون كمكي وأنظارِه أن يكونَ» ماذا «كلُّه مبتدأً أي: يُجعل الاسمان بمنزلةِ اسمٍ واحد، والجملةُ بعده خبره. وقال أبو علي:» وهو ضعيفٌ لخلوِّ الجملةِ من ضمير يعود على المبتدأ «. وقد أجاب أبو البقاء عن هذا فقال:» ورُدَّ هذا القول بأنَّ الهاء في «منه» تعودُ على المبتدأ كقولك: «زيدٌ أَخَذْتُ منه درهماً» . قلت: ومِثْلُ أبي علي لا يخفى عليه مثل ذلك، إلا أنه لا يَرَى عَوْدَ الهاءِ على الموصولِ لأن الظاهرِ عَوْدُها على العذاب. قال الشيخ: «والظاهرُ عَوْدُ الضمير في» منه «على العذاب، وبه يَحْصُل الربطُ لجملةِ الاستفهامِ بمفعول» أرأيتم «المحذوف الذي هو مبتدأٌ في الأصل» . وقال مكي: «وإن شئت جعلت» ما «و» ذا «بمنزلة اسمٍ واحدٍ في موضع رفع بالابتداء، والجملةُ التي بعده الخبر، والهاءُ في» منه «تعود أيضاً على العذاب» . قلت: فقد تُرك المبتدأُ بلا رابطٍ لفظي حيث جَعَل الهاءَ عائدةً على غير المبتدأ فيكون العائدُ عند محذوفاً. لكنه قال بعد ذلك: «فإنْ جعلت الهاء في» منه «تعود على الله جلَّ ذكره و» ما «و» ذا «اسماً واحداً كانت» ما «في موضع نصب ب» يستعجل «والمعنى: أيَّ شيء يستعجل المجرمون من الله» فقوله هذا يؤذنَ بأن الضميرَ لمَّا عاد على غير المبتدأ جعله مفعولاً مقدماً، وهذا الوجهُ بعينه جائزٌ فيما إذا جُعل الضمير عائداً على العذاب. ووجهُ الرفعِ على الابتداء جائزٌ فيما إذا جُعِل الضمير عائداً على الله تعالى إذ العائدُ الرابطُ مقدرٌ كما تقدم التنبيهُ عليه.
يونس 10:51
قوله تعالى: {أَثُمَّ} : قد تقدَّم خلافُ الزمخشري للجمهور في ذلك، حيث يقدِّر جملةً بين همزة الاستفهام وحرف العطف. و «ثمَّ» حرفُ عطف، وقد قال الطبري ما لا يوافَق عليه فقال: «وأثُمَّ هذه بضمِّ الثاء ليست التي بمعنى العطف، وإنما هي بمعنى هنالك» فإن كان قَصَدَ تفسير المعنى وهو بعيدٌ فقد أبهم في قوله، لأن هذا المعنى لا يُعْرَفُ في «ثُمَّ» بضم الثاء، إلا أنه قد قرأ طلحة بن مصرف «أثَمَّ» بفتح الثاء، وحينئذ يَصِحُّ تفسيرها بمعنى هنالك.
قوله: {الآنَ} قد تقدَّم الكلام في «الآن» . وقرأ الجمهور «ألآن» بهمزة استفهام داخلة على «الآن» وقد تقدم مذاهب القراء في ذلك. و «الآن» نصبٌ بمضمر تقديره: الآن آمنتم. ودلَّ على هذا الفعلِ المقدرِ الفعلُ الذي تقدَّمه وهو قولُه: {أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ} . ولا يجوز أن يعملَ فيه «آمنتم» الظاهرُ؛ لأنَّ ما قبلَ الاستفهام لا يَعْمل فيما بعده، كما أنَّ ما بعدَه لا يعملُ فيما قبله لأنَّ له صدرَ الكلام، وهذا الفعلُ المقدرُ ومعمولُه على إضمار قول أي: قِيل لهم إذ آمنوا بعد وقوعِ العذابِ: آمنتم الآن به.
والقراءةُ بالاستفهامِ هي قراءةُ العامة، وقد عَرَفْتَ تخريجَها. وقرأ عيسى وطلحة «آمنتم به الآن» بوصل الهمزة من غيرِ استفهامٍ، وعلى هذه القراءةِ ف «الآن» منصوبٌ ب «آمنتم» هذا الظاهر.
قولُه: {وَقَدْ كُنتُم} جملةٌ حاليةٌ. قال الزمخشري: {وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ} يعني تُكَذِّبون، لأنَّ استعجالَهم كان على جهةِ التكذيبِ والإِنكارِ «. قلت: فَجَعَله من باب الكناية لأنه دلالةٌ على الشيءِ بلازِمِه نحو» هو طويلُ النِّجاد «كَنَيْتَ به عن طولِ قامتِه؛ لأنَّ طولَ نِجادِه لازمٌ لطول قامتِه وهو باب بليغ.
يونس 10:52
وقوله تعالى: {ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ} : هذه الجملةُ على قراءةِ العامة عطفٌ على ذلك الفعلِ المقدَّرِ الناصبِ ل «الآن» ، وعلى قراءةِ طلحة هو استئنافُ إخبارٍ عَمَّا يُقال لهم يومَ القيامة، و «ذوقوا» ، و «هل تُجْزَوْن» كلُّه في محلِّ نصبٍ بالقول، وقوله «إلا بما» هو المفعولُ الثاني ل «تُجْزَون» ، والأولُ قائمٌ مقامَ الفاعلِ، وهو استثناءٌ/ مفرغ.
يونس 10:53
قوله تعالى: {أَحَقٌّ هُوَ} : يجوز أن يكونَ «حَقٌّ» مبتدأ و «هو» مرفوعاً بالفاعلية سدَّ مَسَدَّ الخبر، و «حق» وإن كان في الأصلِ مصدراً ليس بمعنى اسم فاعل ولا مفعول، لكنه في قوةِ «ثابت» فلذلك رَفَعَ الظاهرَ. ويجوز أن يكون «حَقٌّ» خبراً مقدماً و «هو» مبتدأً مؤخراً.
واختلف في «يَسْتَنْبِئُونك» هذه هل هي متعديةٌ إلى واحد أو إلى اثنين أو إلى ثلاثة؟ فقال الزمخشري: «ويَسْتَنْبِئونك فيقول: أحقٌّ هو» فظاهرُ هذه العبارةِ أنها متعديةٌ لواحد، وأن الجملةَ الاستفهاميةَ في محلِّ نصبٍ بذلك القولِ المضمرِ المعطوفِ على «يَسْتَنْبِئُونك» وكذا فَهِم عنه الشيخ أعني تعدِّيَها لواحدٍ. وقال مكي: «أحقٌّ هو ابتداءٌ وخبرٌ في موضعِ المفعولِ الثاني إذا جَعَلْتَ» يستنبؤنك «بمعنى يَسْتَخْبِرونك، فإذا جَعَلْتَ» يستنبئونك « بمعنى يَسْتَعْلِمونك كان» أحقٌّ هو «ابتداءً وخبراً في موضع المفعولَيْن لأنَّ» أَنْبأ «إذا كان بمعنى أَعْلَم كان متعدياً إلى ثلاثةِ مفعولِيْن يجوزُ الاكتفاءُ بواحدٍ، ولا يجوزُ الاكتفاء باثنين دون الثالث، وإذا كانت» أنبأ «بمعنى أَخْبر تَعَدَّتْ إلى مفعولَيْن، لا يجوز الاكتفاءُ بواحد دون الثاني: وأنبأ ونبَّأ في التعدِّي سواءٌ» . وقال ابنُ عطية: «معناه يَسْتَخْبرونك، وهو على هذا يتعدَّى إلى مفعولين أحدهما الكافُ، والآخرُ في الابتداء والخبر» فعلى ما قال تكون «يَسْتنبئونك» معلقة بالاستفهام، وأصل استنبأ أن يتعدَّى إلى مفعولين أحدهما ب «عن» ، تقول: اسْتَنْبأت زيداً عن عمرو أي: طلبت منه أن يُنْبِئَني عن عمرو. ثم قال: «والظاهر أنها تحتاج إلى مفعولِين ثلاثةٍ أحدُهما الكافُ، والابتداءُ والخبرُ سَدَّ مَسَدَّ المفعولَيْن» . قال الشيخ: «وليس كما ذكر لأن» استعلم «لا يُحْفظ كونُها متعديةً إلى مفاعيلَ ثلاثةٍ، لا يُحْفظ» استعملت زيداً عمراً قائماً «فتكونُ جملةُ الاستفهامِ سَدَّتْ مَسدَّ المفعولين، ولا يَلْزَمُ مِنْ كونها بمعنى» يَسْتعلمونك «أن تتعدَّى إلى ثلاثة؛ لأنَّ» استعلم «لا يتعدَّى إلى ثلاثةٍ كما ذكرنا» .
قلت: قد سَبَقَ أبا محمد إلى هذا مكي بن أبي طالب كما قدَّمْتُ حكايته عنه، والظاهرُ جوازُ ذلك، ويكون التعدي إلى ثالث قد حَصَلَ بالسين، لأنهم نَصُّوا على أن السين تُعَدّي، فيكونُ الأصلُ: «علم زيدٌ عمراً قائماً» ثم تقول: «استعلمْتُ زيداً عمراً قائماً» ، إلا أنَّ النحويين نَصُّوا على أنه لا يتعدَّى إلى ثلاثةٍ إلا «عَلِم» و «رأى» المنقولَيْن بخصوصيةِ همزةِ التعدِّي إلى ثالثٍ، وأنبأ ونَبَّأ وأخبر وخبَّر وحدَّث.
وقرأ الأعمش «آلحقُّ» بلامِ التعريف. قال الزمخشري: «وهو أَدْخَلُ في الاستهزاء لتضمُّنه معنى التعريض بأنه باطلٌ، ذلك أن اللامُ للجنس وكأنه قيل: أهو الحقُّ لا الباطلُ، أو: أهو الذي سَمَّيْتموه الحق» .
قوله: {إي} حرفُ جوابٍ بمعنى نعم ولكنها تختصُّ بالقسم أي: لا تُسْتعمل إلا في القسم بخلافِ نعم. قال الزمخشري: «وإي بمعنى نعم في القسم خاصةً كما كان» هل «بمعنى» قد «في الاستفهامِ خاصةً، وسَمِعْتهم يقولون في التصديق» إيْوَ «فَيَصِلُونه بواو القسم ولا يَنْطِقون به وحده» . قال الشيخ: «لا حجَّةَ فيما سمعه لعدمِ الحُجة في كلامِ مَنْ سمعه لفسادِ كلامه وكلامِ مَنْ قبله بأزمانٍ كثيرة» . وقال ابن عطية: «وهي لفظةٌ تتقدَّم القسمَ بمعنى نعم، ويجيءُ بعدها حرفُ القسم وقد لا يجيءُ تقول: إي وربي، إي ربي» .
قوله: {وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ} يجوزُ أن تكونَ الحجازيةَ، وأن تكونَ التميميةَ، لخفاءِ النصبِ أو الرفع في الخبر. وهذا عند غيرِ الفارسي وأتباعِه، عني جوازَ زيادةِ الباء في خبر التميمية. وهذه الجملةُ تحتملُ وجهين، أحدهما: أن تكون معطوفةً على جوابِ القسم، فيكونَ قد أجاب القسم بجملتين إحداهما مثبتةٌ مؤكَّدةٌ ب «إنَّ» واللام، والأخرى منفيةٌ مؤكَّدةٌ بزيادة الباء. والثاني: أنها مستأنفةٌ سِيْقَتْ للإِخبار بعَجْزهم عن التعجيز. و «مُعْجز» مِنْ أعجز فهو متعدٍّ لواحدٍ كقوله تعالى: {وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَباً} [الجن: 12] فالمفعول هنا محذوفٌ أي: بمعجزين الله. وقال الزجاج: «أي: ما أنتم مِمَّن يُعْجِزُ مَنْ يُعَذِّبكم» . ويجوز أن يكونَ استُعْمل استعمَال اللازم؛ لأنه قد كثُر فيه حَذْفُ المفعولِ حتى قالت العرب: «أعْجزَ فلانٌ» : إذا ذهب في الأرض فلم يُقْدَرْ عليه.
يونس 10:54
قوله تعالى: {لاَفْتَدَتْ بِهِ} : «افتدى» يجوز أن يكون متعدياً وأن يكونَ قاصراً، فإذا كان مطاوعاً ل «فَدَى» كان قاصراً تقول: فَدَيْتُه فافتدى، ويكونُ بمعنى فَدَى فيتعدى لواحد. والفعلُ هنا يحتملُ الوجهين: فإنْ جعلناه متعدياً فمفعولُه محذوفٌ تقديرُه: لافتدَتْ به نفسَها، وهو في المجاز كقولِه: {كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا} [النحل: 111] .
وقوله: {وَأَسَرُّواْ} / قيل: «أسرَّ» مِنَ الأضداد، يُسْتعمل بمعنى أظهر، كقوله الفرزدق:
2599 - ولمَّا رأى الحجَّاجَ جرَّد سيفَه ... أسَرَّ الحَرُوريُّ الذي كانوا أضمرا
وقول الآخر:
2600 - فأسرَرْتُ الندامةَ يوم نادى ... بِرَدِّ جِمالِ غاضِرةَ المُنادي
ويُسْتعمل بمعنى: «أخفى» وهو المشهورُ في اللغةِ كقوله: {يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} [النحل: 19] وهو في الآيةِ يحتمل الوجهين. وقيل: إنه ماض على بابه قد وقع. وقيل: بل هو بمعنى المستقبل. وقد أبعدَ بعضُهم فقال: «أسرُّوا الندامةَ» أي: بَدَتْ بالندامة أسِرَّةُ وجوهِهم أي: تكاسيرُ جباهِهم.
و {لَمَّا رَأَوُاْ} يجوز أن تكونَ حرفاً، وجوابُها محذوف لدلالة ما تقدَّم عليه، وهو المتقدمُ عند مَنْ يَرى تقديمَ جواب الشرط جائزاً. ويجوز أن تكونَ بمعنى حين والناصبُ لها «أسَرُّوا» . وقوله: «ظلَمْت» في محل جرِّ صفةٍ ل «نفس» أي: لكل نفس ظالمة. و {مَّا فِي الأرض} اسمُ أن، و «لكلٍ» هو الخبر.
وقوله: {وَقُضِيَ} يجوزُ أن يكونَ مستأنفاً، وهوالظاهر، ويجوز أن يكونَ معطوفاً على «رأوا» فيكونَ داخلاً في حَيِّز «لَمَّا» والضميرُ في «بينهم» يعودُ على «كل نفس» في المعنى. وقال الزمخشري: «بين الظالمين والمظلومين، دلَّ على ذلك ذِكْرُ الظلم» وقال بعضُهم: إنه يعود على الرؤساء والأتباع. و «بالقسط» يجوز أن تكونَ الباءُ للمصاحبةِ، وأن تكونَ للآلة.
يونس 10:56
وقوله تعالى: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} : قدَّمَ الجارَّ للاختصاص أي: إليه لا إلى غيرِه تُرْجَعون ولأجل الفواصل. وقرأ العامَّةُ: «تُرْجَعون» بالخطاب. وقرأ الحسن وعيسى بن عمر «يُرْجَعُون» بياء الغَيْبة.
يونس 10:57
قوله تعالى: {مِّن رَّبِّكُمْ} : يجوز أن تكونَ «مِنْ» لابتداء الغاية فتتعلَّقَ حينئذ ب «جاءَتْكم» ، وابتداءُ الغايةِ مجازٌ، ويجوز أن تكونَ للتبعيضِ فتتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنها صفة لموعظة أي: موعظةٌ كائنةٌ مِنْ مواعظِ ربكم. وقوله: {مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي الصدور وَهُدًى وَرَحْمَةٌ} من باب ما عُطِف فيه الصفات بعضُها على بعض أي: قد جاءتكم موعظةٌ جامعةٌ لهذه الأشياءِ كلِّها.
و «شِفاء» في الأصلِ مصدرٌ جُعِل وَصْفاً مبالغة، أو هو اسمٌ لما يُشْفَى به أي: يداوى، فهو كالدواءِ لما يداوى. و {لِّمَا فِي الصدور} يجوزُ أن يكونَ صفةً ل «شفاء» فيتعلَّقَ بمحذوف، وأن تكونَ اللامُ زائدةً في المفعول؛ لأن العاملَ فرعٌ إذا قلنا بأنه مصدرٌ. وقوله: «للمؤمنين» محتملٌ لهذين الوجهين وهو من التنازع؛ لأنَّ كلاً من الهدى والرحمة يَطْلبه.
يونس 10:58
قوله تعالى: {بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ} : في تعلُّق هذا الجارِّ أوجهٌ، أحدُها: أنَّ «بفضل» و «برحمته» متعلقٌ بمحذوفٍ تقديرُه: بفضل الله وبرحمته ليَفْرحوا بذلك فَلْيفرحوا، فحذفَ الفعلَ الأولَ لدلالة الثاني عليه، فهما جملتان، ويدلُّ على ذلك قولُ الزمخشري: «أصلُ الكلام: بفضل الله وبرحمته فَلْيفرحوا فبذلك والتكرير للتأكيد والتقريرِ وإيجابِ اختصاص الفضل والرحمة بالفرح دونَ ما عَداهما من فوائدِ الدنيا، فحُذِفَ أحدُ الفعَلْين لدلالةِ المذكورِ عليه، والفاء داخلةٌ لمعنى الشرط كأنه قيل: إنْ فَرِحوا بشيءٍ فَلْيَخُصُّوهما بالفرح فإنه لا مفروحَ به أحقُّ منهما.
الثاني: أن الجارَّ الأولَ متعلقٌ أيضاً بمحذوفٍ دلَّ عليه السياقُ والمعنى، لا نفس الفعلِ الملفوظِ به والتقديرُ: بفضل الله وبرحمتِه فَلْيَعْتَنوا فبذلك فليفرحوا قاله الزمخشري.
الثالث: أن يتعلق الجارُّ الأول ب» جاءتكم «قال الزمخشري:» ويجوز أن يُراد «قد جاءَتْكم موعظةٌ بفضلِ الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا، أي فبمجيئِها فَلْيفرحوا» . قال الشيخ: «أما إضمار» فليعتنوا «فلا دليلَ عليه» قلت: الدلالةُ عليه من السياق واضحةٌ، وليس شرطُ الدلالةِ أن تكونَ لفظية.
وقال الشيخ: «وأمَّا تعلُّقه بقوله:» قد جاءتكم «فينبغي أن يقدَّرَ محذوفاً بعد» قل «، ولا يكونُ متعلِّقاً ب» جاءتكم «الأولى للفصل بينهما ب» قل «. قلت: هذا إيرادٌ واضحٌ، ويجوزُ أن تكونَ» بفضل الله «صفةً ل» موعظة «أي: موعظةٌ مصاحبةٌ أو ملتبسَةٌ بفضل الله.
الرابع: قال الحوفي:» الباءُ متعلقةٌ بما دَلَّ عليه المعنى أي: قد جاءتكم الموعظةُ بفضل الله «.
الخامس: أنَّ الفاءَ الأولى زائدةٌ، وأن قولَه» بذلك «بدلٌ مِمَّا قبله وهو {بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ} وأُشير بذلك إلى اثنين وهما الفضلُ والرحمةُ كقوله: / {لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذلك} [البقرة: 68] ، وكقوله:
2601 - إنَّ للخيرِ وللشرِ مَدَى ... وكِلا ذلك وَجْهٌ وقَبَلْ
وفي هاتين الفاءَيْن أوجهٌ، أحدُهما: أنَّ الأولى زائدةٌ، وقد تقدَّم تحريرُه في الوجه الخامس. الثاني: أن الفاءَ الثانية مكررةٌ للتوكيد، فعلى هذا لا تكونُ الأولى زائدةً، ويكونُ أصلُ التركيبِ: فبذلك ليفرحوا، وعلى القولِ الأول قبله يكون أصلُ التركيب: بذلك فَلْيفرحوا. الثالث: قال أبو البقاء:» الفاءُ الأولى مرتبطةٌ بما قبلها، والثانيةُ بفعلٍ محذوفٍ تقديرُه: فليَعْجبوا بذلك فَلْيفرحوا كقولهم: «زيداً فاضربه أي: تَعمَّدْ زيداً فاضْرِبه» .
والجمهورُ على «فَلْيفرحوا» بياء الغيبة. وقرأ عثمان بن عفان وأبيّ وأنس والحسن وأبو رَجاء وابن هرمز وابن سيرين بتاء الخطاب، وهي قراءةُ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال الزمخشري: «وهو الأصلُ والقياسُ» .
وقال الشيخ: «إنها لغةٌ قليلة» يعني أن القياسَ أن يُؤْمَرَ المخاطب بصيغة افعل، وبهذا الأصلِ قرأ أُبَيُّ «فافرحوا» وهي في مصحفِه كذلك، وهذه قاعدةٌ كليةٌ: وهي أن الأمر باللام يَكْثُر في الغائب والمخاطبِ المبني للمفعول مثال الأول: «ليقم زيداً» وكالآية الكريمة في قراءة الجمهور، ومثال الثاني: ليُعْنَ بحاجتي، ولتُضْرَبْ يا زيد. فإن كان مبنياً للفاعل كان قليلاً كقراءة عثمان ومن معه. وفي الحديث «لتأخذوا مصافَّكم» بل الكثيرُ في هذا النوع الأمرُ بصيغة افْعَلْ نحو: قم يا زيد وقوموا، وكذلك يَضْعُف الأمر باللام للمتكلم وحده أو ومعه غيره، فالأول نحو «لأقُمْ» تأمر نفسك بالقيام، ومنه قوله عليه السلام: «قوموا فلأصلّ لكم» .
ومثالُ الثاني: لنقمْ أي: نحن وكذلك النهي، ومنه قول الشاعر:
2602 - إذا ما خَرَجْنا مِنْ دمشقَ فلا نَعُدْ ... بها أبداً ما دام فيها الجُراضِمُ
ونَقَل ابن عطية عن ابنِ عامر أنه قرأ «فَلْتَفْرحوا» خطاباً، وهذه ليست مشهورةً عنه. وقرأ الحسن وأبو التيَّاح «فَلِيفرحوا» بكسرِ اللام، وهو الأصل.
قوله: {هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} «هو» عائدٌ على الفضل والرحمة، وإن كانا شيئين؛ لأنهما بمعنى شيء واحد، عُبِّر عنه بلفظتين على سبيل التأكيد، ولذلك أُشير إليهما بإشارة الواحد. وقرأ ابن عامر «تَجْمعون» بالتاء خطاباً وهو يحتمل وجهين أحدُهما: أن يكونَ من باب الالتفات فيكونَ في المعنى كقراءة الجماعة، فإن الضمير يُراد به مَنْ يراد بالضمير في قولِه: «فَلْيفرحوا» . والثاني: أنه خطابٌ لقوله: {ياأيها الناس قَدْ جَآءَتْكُمْ} [يونس: 57] ، وهذه القراءةُ تناسبُ قراءةَ الخطاب في قوله: «فَلْيفرحوا» ، وقد تقدَّم أن ابنَ عطية نقلها عنه أيضاً.
يونس 10:59
قوله تعالى: {أَرَأَيْتُمْ} : هذه بمعنى أخبروني. وقوله «ما أنزل» يجوزُ أن تكونَ «ما» موصولةً بمعنى الذي، والعائدُ محذوفُ أي: ما أنزله، وهي في محل نصبٍ مفعولاً أول، والثاني هو الجملةُ من قوله: {ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ} والعائدُ من هذه الجملةِ على المفعولِ الأول محذوفٌ تقديرُه: اللَّهُ أَذِن لكم فيه. واعتُرِضَ على هذه بأنَّ قولَه «قُلْ» يمنع من وقوع الجملةِ بعده مفعولاً ثانياً. وأُجيب عنه بأنه كُرِّر توكيداً. ويجوز أن تكونَ «ما» استفهامية منصوبةً المحلِّ ب «أَنْزَلَ» وهي حينئذ مُعَلِّقَةٌ ل «أَرَأَيْتم» ، وإلى هذا ذهب الحوفي والزمخشري. ويجوز أن تكونَ «ما» الاستفهاميةُ في محلِّ رفعٍ بالابتداء، والجملةُ من قوله: {ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ} خبره، والعائدُ محذوفٌ كما تقدَّم أي: أَذِن لكم فيه، وهذه الجملةُ الاستفهاميةُ معلِّقَةٌ ل «أَرَأَيتم» ، والظاهرُ من هذه الوجهِ هو الوجهُ الأولُ، لأنَّ فيه إبقاءَ «أرأيت» على بابها مِنْ تَعَدِّيها إلى اثنين، وأنها مؤثرةٌ في أولِهما بخلافِ جَعْلِ «ما» استفهاميةً فإنها معلقةٌ ل «أرأيت» وسادَّةٌ مَسَدَّ المفعولين.
وقوله: {مِّن رِّزْقٍ} يجوزُ أن يكونَ حالاً من الموصول، وأن تكونَ «مِنْ» لبيان الجنس و «أنزل» على بابها وهو على حَذْف مضاف أي: أنزله من سببِ رزقٍ وهو المطر. وقيل: تُجُوِّز بالإِنزال عن الخلقِ كقولِه {وَأَنزْلْنَا الحديد} [الحديد: 25] {وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ الأنعام} [الزمر: 6] .
قوله: {أَمْ عَلَى الله تَفْتَرُونَ} في «أم» هذه وجهان أحدهما: أنها متصلةٌ عاطفةٌ/ تقديرُه: أخبروني: آللَّهُ أَذِنَ لكم في التحليلِ والتحريم، فإنهم يفعلون ذلك بإذنه أم يَكْذِبون على الله في نسبة ذلك إليه. والثاني: أن تكونَ منقطعةً. قال الزمخشري: «ويجوز أن تكونَ الهمزةُ للإِنكار و» أم «منقطعةٌ بمعنى: بل أَتَفْترون على الله، تقريراً للافتراء» . والظاهر هو الأول إذ المعادلةُ بين هاتين الجملتين اللتين بمعنى المفردين واضحةٌ، إذ التقدير: أيُّ الأمرينِ وَقَعَ: إذْنُ اللَّهِ لكم في ذلك أم افتراؤكم عليه؟
يونس 10:60
قوله تعالى: {وَمَا ظَنُّ} : «ما» مبتدأةٌ استفهامية، و «ظنُّ» خبرُها، و «يومَ» منصوبٌ بنفس الظن، والمصدرُ مضافٌ لفاعلِه، ومفعولا الظن محذوفان، والمعنى: وأيُّ شيءٍ يَظُنُّ الذين يَفْترون يومَ القيامة أني فاعلٌ بهم أَأُنجيهم من العذاب أم أنتقمُ منهم؟
وقرأ عيسى بن عمر: «وما ظَنَّ الذين» جَعَلَه فعلاً ماضياً والموصولُ فاعلُه، و «ما» على هذه القراءة استفهاميةٌ أيضاً في محلِّ نصبٍ على المصدرِ، وقُدّمَتْ لأنَّ الاستفهامَ له صدرُ الكلام والتقدير: أيَّ ظنٍ ظنَّ المفترون، و «ما» الاستفهاميةُ قد تَنُوب عن المصدر، ومنه قول الشاعر:
2603 - ماذا يَغيرُ ابنَتْي رَبْعٍ عويلُهما ... لا تَرْقُدان ولا بؤسى لمَنْ رَقَدا
وتقول: «ما تَضْرب زيداً» ، تريد: أيَّ ضربٍ تَضْربه. قال الزمخشري: أتى به فعلاً ماضياً، لأنه واقعٌ لا محالةَ، فكأنه قد وقع وانقضى «وهذا لا يستقيمُ هنا لأنه صار نصاً في الاستقبال لعملهِ في الظرف المستقبل وهو يومُ القيامة، وإن كان بلفظ الماضي.
يونس 10:61
قوله تعالى: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ} : «ما» نافية في الموضعين، ولذلك عَطَفَ بإعادة «لا» النافية، وأَوْجب ب «إلا» بعد الأفعال لكونها منفيةً. و «في شأن» خبر «تكون» والضميرُ في «منه» عائدٌ على «شأن» و «مِنْ قرآن» تفسير للضمير، وخُصَّ من العمومِ، لأنَّ القرآنَ هو أعظمُ شؤونه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقيل: يعودُ على التنزيل، وفُسِّر بالقرآن لأنَّ كلَّ جزء منه قرآن، وإنما أَضْمَرَ قبل الذكرِ تعظيماً له. وقيل: يعود على الله، أي: وما تتلو مِنْ عند الله من قرآنٍ. وقال أبو البقاء: «من الشأن» ، أي: مِنْ أجله، و «من قرآن» مفعول «تتلو» و «مِنْ» زائدةٌ «. يعني أنها زِيْدت في المفعول به، و» من «الأولى جارةٌ للمفعولِ مِنْ أجله، تقديره: وما تتْلو من أجل الشأن قرآناً، وزِيْدَت لأنَّ الكلامَ غيرُ موجَبٍ والمجرور نكرةٌ. وقال مكي:» منه «الهاء عند الفراء تعود على الشأن على تقديرِ حَذْفِ مضافٍِ تقديرُه: وما تتلو من أجل الشأن، أي: يحدث لك شأنٌ فتتلو القرآنَ من أجله» .
والشَّأْنُ مصدرُ شَأنَ يَشْأَنُ شَأَنَه، أي: قَصَد يَقْصِدُ قَصْدَه، وأصلُه الهمز، ويجوز تخفيفه. والشأن أيضاً الأمرُ، ويُجْمع على شُؤُون.
وقوله: {إِلاَّ كُنَّا} هذه الجملةُ حاليةٌ وهو استثناء مفرغ، وولي «إلا» هنا الفعلُ الماضي دون قد لأنه قد تقدَّمها فعلٌ وهو مُجَوِّز لذلك.
وقوله: «إذ» هذا الظرفُ معمولٌ ل «شُهودا» ولمَّا كانت الأفعالُ السابقةُ المرادُ بها الحالةُ الدائمةُ وتنسحب على الأفعالِ الماضيةِ كان الظرفُ ماضياً، وكان المعنى: وما كنت، وما تكون، ولا عَمِلْتم، إلا كنا عليكم شهوداً، إلا أفضتم فيه. و «إذ» تُخَلِّصُ المضارعَ لمعنى الماضي.
قوله: {وَمَا يَعْزُبُ} قرأ الكسائي هنا وفي سبأ «يَعْزِب» بكسرِ العين، والباقون بضمها، وهما لغتان في مضارع عَزَبَ، يقال: عَزَب يَعْزِب العين، ويَعْزُب، أي: غابَ حتى خفي، ومنه الروضُ العازِبُ. قال أبو تمام:
2604 - وقَلْقَلَ نَأْيٌ مِنْ خراسانَ جَأْشَها ... فقلتُ اطمئنِّي أَنْضَرُ الروضِ عزِبُه
وقيل للغائب عن أهله: عازِب، حتى قالوا لمن لا زوجَ له: عازب. وقال الراغب: «العازِبُ: المتباعِدُ في طلب الكلأ. ويقال: رجل عَزَبٌ وامرأة عَزَبة، وعَزَب عنه حِلْمُه، أي: غاب، وقوم مُعَزَّبون، أي: عَزَبَتْ عنهم إبلُهم، وفي الحديث:» من قرأ القرآن في أربعين يوماً فقد عَزَب «، أي: فقد بَعُد عهدُه بالخَتْمة. وقال قريباً منه الهروي فإنه قال: /» أي: بَعُدَ عهدُه بما ابتدأ منه وأبطأ في تلاوتِه «، وفي حديث أم مَعْبد:» والشاءُ عازِبٌ حِيال «، قال:» والعازِب: البعيدُ الذهابِ في المَرْعَى.
والحائلُ: التي ضَرَبَها الفحلُ فلم تَحْمل لجُدُوبة السَّنة. وفي الحديث أيضاً:
«أصبحنا بأرضٍ عَزيبةٍ صحراءَ» ، أي: بعيدةِ المرعى. ويقال للمال الغائب: عازِب، وللحاضرِ عاهِن. والمعنى في الآية: وما يَبْعُد أو ما يخفى أو ما يَغيب عن ربك.
و «مِنْ مِثْقال» فاعل، و «مِنْ» مزيدةٌ فيه، أي: ما يبعد عنه مثقالُ. والمثْقال هنا: اسمٌ لا صفةٌ، والمعنيُّ به الوزنُ، أي: وزن ذرة.
قوله: {وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلك ولا أَكْبَرَ} قرأ حمزة برفع راء «أَصْغر» و «أكبر» ، والباقون بفتحها. فأما الفتحُ ففيه وجهان، أحدهما: وعليه أكثر المُعْربين أنه جَرٌّ، وإنما كان بالفتحةِ لأنه لا يَنْصَرف للوزن والوصف، والجرُّ لأجلِ عطفِه على المجرور وهو: إمَّا «مثقال» ، وإمَّا «ذرة» . وأمَّا الوجهُ الثاني فهو أنَّ «لا» نافيةٌ للجنس، و «أصغر» و «أكبر» اسمُها، فهما مَبْنيان على الفتح. وأمَّا الرفعُ فمن وجهين أيضاً، أشهرهُما عند المُعْربين: العطفُ على محل «مثقال» إذ هو مرفوعٌ بالفاعلية و «مِنْ» مزيدة فيه كقولك: «ما قام مِنْ رجل ولا امرأة» بجرِّ «امرأة» ورَفِعْها. والثاني: أنه مبتدأ، قال الزمخشري: «والوجهُ النصبُ على نفي الجنس، والرفع على الابتداء ليكون كلاماً برأسِه، وفي العطفِ على محل» مثقال ذرة «، أو على لفظ» مثقال ذرة «فتحاً في موضع الجرِّ لامتناع الصرف إشكالٌ؛ لأنَّ قولَك:» لا يَعْزُب عنه شيءٌ إلا في كتاب مشكل «انتهى. وهذان الوجهان اختيار الزجاج، وإنما كان هذا مُشْكلاً عنده لأنه يصير التقدير: إلا في كتاب مبين فيعزبُ، وهو كلامٌ لا يصحُّ. وقد يزول هذا الإِشكالُ بما ذكره أبو البقاء: وهو أن يكون {إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} استثناءٌ منقطعاً، قال: {إِلاَّ فِي كِتَابٍ} ، أي: إلا هو في كتاب، والاستثناءُ منقطع» .
وقال الإِمام فخر الدين بعد حكايته الإِشكالَ المتقدم: «أجاب بعضُ المحققين مِنْ وجهين، أحدهما: أن الاستثناءَ منقطع، والآخر: أن العُزوبَ عبارةٌ عن مُطْلق البعد، والمخلوقاتِ قسمان، قسمٌ أوجده اللهُ ابتداءً مِنْ غير واسطةٍ كالملائكة والسمواتِ والأرض، وقسمٌ أوجده بواسطةِ القسم الأول مثلِ الحوادث الحادثة في عالم الكون والفساد، وهذا قد يتباعدُ في سلسلةِ العِلِّيَّة والمعلولِيَّة عن مرتبة وجود واجبِ الوجود، فالمعنى: لا يَبْعد عن مرتبة وجوده مثقالُ ذرة في الأرض ولا في السماء إلا وهو في كتاب مبين، كتبه الله وأثبت فيه صورَ تلك المعلومات» .
قلت: فقد آل الأمرُ إلى أنه جَعَله استثناءً مفرغاً، وهو حال من «أصغر» و «أكبر» ، وهو في قوة الاستثناءِ المتصل، ولا يُقال في هذا: إنه متصل ولا منقطع، إذ المفرَّغُ لا يُقال فيه ذلك.
وقال الجرجاني: «إلا» بمعنى الواو، أي: وهو في كتاب مبين، والعربُ تضعُ «إلا» موضعَ واو النسق كقوله: {إِلاَّ مَن ظُلِمَ} [النساء: 148] {إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ} [البقرة: 150] . وهذا الذي قاله الجرجانيُّ ضعيفٌ جداً، وقد تقدَّم الكلامُ في هذه المسألة في البقرة، وأنه شيءٌ قال به الأخفش، ولم يَثْبُت ذلك بدليل صحيح. وقال الشيخ أبو شامةَ: «ويُزيل الإِشكالَ أن تُقَدِّر قبلَ قوله: {إِلاَّ فِي كِتَابٍ} » ليس شيء من ذلك إلا في كتاب «وكذا تقدِّر في آية الأنعام.
ولم يُقرأ في سبأ إلا بالرفع، وهو يُقَوِّي قولَ مَنْ يقول إنه معطوف على» مثقال «ويُبَيِّنه أن» مثقال «فيها بالرفع، إذ ليس قبله حرفُ جر. وقد تقدَّمَ الكلامُ على نظير هذه المسألة والإِشكالُ فيها في سورة الأنعام في قوله: {وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ} [يونس: 59] ، إلى قوله: {إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [يونس: 59] ، وأنَّ صاحبَ» النظم «الجرجانيَّ هذا أحال الكلامَ فيها على الكلامِ في هذه السورة، وأن أبا البقاء قال:» لو جَعَلْناه كذا لفَسَدَ المعنى «، وقد بيَّنْتُ تقريرَ فسادِه والجوابَ عنه في كلام طويل هناك فعليك باعتبارِه ونَقْلِ ما يمكن نَقْلُه إلى هنا.
يونس 10:63
قوله تعالى: {الذين آمَنُواْ} : في محلِّه أوجهٌ، أحدُها: أنه مرفوعٌ على خبرِ ابتداءٍ مضمر، أي: هم الذين آمنوا، أو على أنه خيرٌ ثانٍ ل «إنَّ» ، أو على الابتداءِ، والخبرُ الجملةُ من قوله: «لهم البشرى» ، أو على النعت على موضع «أولياء» لأنَّ موضعَه رفعٌ بالابتداء قبل دخول «إنَّ» أو على البدل من الموضع أيضاً، ذكرهما مكي. وهذان الوجهان على مذهب الكوفيين لأنهم يُجْرون التوابعَ كلَّها مُجرى عطفِ النسق في اعتبار المحل/ محلِّ الجر بدلاً من الهاء والميم في «عليهم» . وقيل: منصوبُ المحلِّ نعتاً ل «أولياء» ، أو بدلاً منهم على اللفظ أو على إضمارِ فعلٍ لائقٍ وهو «أمدحُ» ، فقذ تَحَصَّل فيه تسعةُ أوجهٍ: الرفعُ من خمسة، والجرُّ من وجه واحد، والنصبُ من ثلاثة. وإذا لم تجعلِ الجملةَ من قوله: «لهم البشرى» ، خبراً للذين جاز فيها الاستئنافُ، وأن تكونَ خبراً ثانياً ل «إنَّ» أو ثالثاً.
يونس 10:64
قوله تعالى: {فِي الحياة الدنيا} : يجوز فيه وجهان، أظهرهما: أنه متعلقٌ بالبشرى، أي: البشرى تقع في الدنيا، وفُسِّرت بالرؤيا الصالحةِ. والثاني: أنها حالٌ من «البشرى» فتتعلق بمحذوف، والعاملُ في الحال الاستقرارُ في «لهم» لوقوعه خبراً. وقوله: «لا تبديلَ» جملةٌ مستأنفة. وقوله: «ذلك» إشارةُ للبشرى وإن كانت مؤنثةً لأنها في معنى التبشير. وقيل: هو إشارةٌ إلى النعيم، قاله ابن عطية. وقال الزمخشري: «ذلك» إشارةٌ إلى كونهم مبشَّرين في الدارين «.
يونس 10:65
قوله تعالى: {إِنَّ العزة} : العامَّةُ على كسرِ «إنَّ» استئنافاً وهو مُشْعِرٌ بالعِلِّيَّة. وقيل: هو جوابُ سؤالٍ مقدرٍ كأنَّ قائلاً قال: لِمَ لا يُحْزِنُه قولُهم، وهو ممَّا يُحْزِن؟ فأجيب بقوله: {إِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً} ، ليس لهم منها شيءٌ فكيف تبالي بهم وبقولهم؟ .
والوقفُ على قولِه: {قَوْلُهُمْ} ينبغي أن يُعْتمد ويُقْصَدَ ثم يُبتدأ بقوله: «إن العزَّة» وإن كان من المستحيلِ أن يتوهَّم أحد أن هذا مِنْ مقولهم، إلا مَنْ لا يُعْتَبَرُ بفهمه.
وقرأ أبو حيوة: «أنَّ العزة» بفتح «أنَّ» . وفيها تخريجان، أحدهما: أنها على حَذْفِ لام العلة، أي: لا يَحْزنك قولهم لأجل أن العزة لله جميعاً. والثاني: أنَّ «أنَّ» وما في حيِّزها بدل من «قولهم» كأنه قيل: ولا يَحْزُنك أن العَّزة لله، وكيف يَظْهَرُ هذا التوجيهُ أو يجوز القول به، وكيف ينهى رسولَ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن ذلك في المعنى وهو لم يَتَعاطَ شيئاً من تلك الأسباب، وأيضاً فمِنْ أيِّ قبيلٍ الإِبدالُ هذا؟ قال الزمخشري: «ومَنْ جعله بدلاً من» قولهم «ثم أنكره فالمُنْكَر هو تخريجُه لا ما أنكره من القراءة به» ، يعني أن إنكارَه للقراءة مُنْكَرٌ؛ لأنَّ معناها صحيحٌ على ما ذَكَرْتُ لك مِنَ التعليلِ، وإنما المُنْكَر هذا التخريجُ.
وقد أنكر جماعةٌ هذه القراءةَ ونَسَبُوها للغلَط ولأكثر منه. قال القاضي: «فَتْحُها شاذٌّ يُقارِبُ الكفر، وإذا كُسِرت كان استئنافاً وهذا يدلُّ على فضيلة علم الإِعراب» . وقال ابن قتيبة: «لا يجوز فتحُ» إنَّ «في هذا الموضعِ وهو كفرٌ وغلوٌّ» ، وقال الشيخ: «وإنما قالا ذلك بناءً منهما على أن» أنَّ «معمولةٌ ل» قولهم «. قلت: كيف تكون معمولةً ل» قولهم «وهي واجبةُ الكسرِ بعد القول إذا حُكِيَتْ به، كيف يُتَوَهَّم ذلك؟ وكما لا يُتَوَهَّم هذا المعنى مع كسرِها لا يُتَوَهَّم أيضاً مع فتحها ما دام له وجهٌ صحيح.
و» جميعاً «حال من» العِزَّة «ويجوز أن يكون توكيداً ولم يؤنَّثْ بالتاءِ، لأنَّ فعيلاً يستوي فيه المذكر والمؤنث لشبهه بالمصادرِ، وقد تقدَّم تحريرُه في قوله: {إِنَّ رَحْمَتَ الله قَرِيبٌ} [الأعراف: 56] .
وقوله: {قَوْلُهُمْ} ، قيل: حُذِفَتْ صفتُه لِفَهْم المعنى، إذ التقديرُ: ولا يَحْزنك قولُهم الدالُّ على تكذيبك، وحَذْفُ الصفةِ وإبقاءُ الموصوفِ قليلٌ بخلافِ عكسِه. وقيل: بل هو عامٌّ أُريد به الخاص.
يونس 10:66
وقوله تعالى: {مَن فِي السماوات وَمَنْ فِي الأرض} : يجوزُ أن يُرادَ [به] العقلاءُ خاصةً، ويكون من باب التنبيه بالأعلى على الأدنى، وذلك أنه تعالى إذا كان يملك أشرفَ المخلوقات وهما الثَّقَلان العقلاءُ من الملائكة والإِنس والجن فَلأَنْ يملكَ ما سواهم بطريق الأَْوْلى والأَْحْرى. ويجوز أن يُرادَ العمومُ، وغَلَّبَ العاقلَ على غيرِه.
قوله: {وَمَا يَتَّبِعُ} يجوز في «ما» هذه أن تكون نافيةً وهو الظاهرُ. و «شركاء» مفعولُ «يَتَّبع» ، ومفعولُ «يَدْعون» محذوفٌ لفَهْمِ المعنى، والتقدير: وما يتبع الذين يَدْعُون مِنْ دون الله آلهةً شركاءَ، فآلهةً مفعول «يَدْعون» و «شركاءَ» مفعول «يتبع» ، وهو قولُ الزمخشري، قال: «ومعنى وما يَتَّبعون شركاءَ: وما يتَّبعون حقيقة الشركاء وإن كانوا يُسَمُّونها شركاءَ؛ لأن شركةَ الله في الربوبيةِ مُحال، إن يتبعونَ إلا ظنَّهم أنها شركاءُ» . ثم قال: «ويجوز أن تكون» ما «استفهاماً، يعني: وأيَّ شيءٍ يَتَّبعون، و» شركاء «على هذا نُصِب ب» يدعون «، وعلى الأول ب» يَتَّبع «وكان حقُّه» وما يتبع الذين يَدْعُون من دون الله شركاءَ شركاءَ «فاقتصر على أحدهما للدلالة» .
وهذا الذي/ ذكره الزمخشري قد رَدَّه مكي ابن أبي طالب وأبو البقاء. أمَّا مكيٌّن فقال: «انتصَبَ شركاء ب» يَدْعون «ومفعول» يَتَّبع «قام مقامَه» إنْ يتبعون إلا الظنَّ لأنه هو، ولا ينتصِبُ الشركاء ب «يَتَّبع» لأنك تَنْفي عنهم ذلك، والله قد أَخْبر به عنهم «. وقال أبو البقاء:» وشركاء مفعولٌ «يَدْعون» ولا يجوزُ أن يكونَ مفعول «يتبعون» ؛ لأنَّ المعنى يَصير إلى أنَّهم لم يَتَّبعوا شركاء، وليس كذلك.
قلت: معنى كلامِهما أنه يَؤُول المعنى إلى نفي اتِّباعهم الشركاءَ، والواقعُ أنهم قد اتَّبعوا الشركاء. وجوابه ما تقدَّم من أنَّ المعنى أنهم وإن اتَّبعوا شركاءَ فليسوا بشركاءَ في الحقيقة؛ بل في تسميتهم هم لهم بذلك، فكأنهم لم يَتَّخذوا شركاءَ ولا اتَّبعوهم لسلب الصفة الحقيقية عنهم، ومثلُه قولُك: «ما رأيتُ رجلاً» ، أي: مَنْ يستحقُّ أن يُسَمَّى رجلاً، وإن كنت قد رأيت الذَّكر من بني آدم. ويجوز أن تكونَ «ما» استفهامية، وتكون حينئذٍ منصوبةً بما بعدها، وقد تقدَّم قولُ الزمخشري في ذلك. وقال مكي: «لو جعلتَ» ما «استفهاماً بمعنى الإِنكار والتوبيخ كانت اسماً في موضعِ نصبٍ ب» يتَّبع «. وقال أبو البقاء نحوه.
ويجوزُ أنَ تكونَ» ما «موصولةً بمعنى الذي نسقاً على» مَنْ «في قوله: {ألا إِنَّ للَّهِ مَن فِي السماوات} ، قال الزمخشري:» ويجوز أن تكونَ «ما» موصولةً معطوفةً على «مَنْ» ، كأنه قيل: وللَّهِ ما يتَّبعه الذين يَدْعون من دونَ الله شركاء، أي: وله شركاؤكم «.
ويجوز أن تكون «ما» هذه الموصولةَ في محل رفع بالابتداء، والخبرُ محذوفٌ تقديرُه: والذي يَتَّبعه المشركون باطلٌ. فهذه أربعةُ أوجهٍ.
وقرأ السلمي «تَدْعُون» بالخطاب، وعزاها الزمخشري لعليّ ابن أبي طالب. قال ابن عطية: «وهي قراءةٌ غيرُ متَّجهة» قلت: قد ذكرِ توجيهَها أبو القاسم، فقال: «ووجهُه أن يُحْمل» وما يتَّبع «على الاستفهام، أي: وأيُّ شيء يتَّبع الذين تَدْعونهم شركاءَ من الملائكة والنبيين، يعني أنهم يتَّبعون الله تعالى ويطيعونه، فما لكم لا تَفْعلون مثلَ فعلِهم كقوله تعالى: {أولئك الذين يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوسيلة أَيُّهُمْ أَقْرَبُ} [الإسراء: 57] .
قوله: {إِن يَتَّبِعُونَ} » إنْ «نافية، و» الظن «مفعولٌ به، فهو استثناءٌ مفرَّغ، ومفعولُ الظن محذوفٌ تقديرُه: إن يتبعون إلا الظنَّ أنهم شركاءُ، وعند الكوفيين تكون أل عوضاً من الضمير تقديره:» إن يَتَّبعون إلا ظنَّهم أنهم شركاءُ. والأحسنُ أن لا يُقَدَّر للظن معمولٌ؛ إذ المعنى: إن يتبعون إلا الظن لا اليقين.
وقوله: {إِن يَتَّبِعُونَ} مَنْ قرأ «يَدْعُون» بياء الغيبة فقد جاء ب «يَتَّبعون» مطابقاً له، ومَنْ قرأ «تدعون» بالخطاب فيكون «يتبعون» التفاتاً، إذ هو خروج من خطاب إلى غَيْبة.
يونس 10:67
قوله تعالى: {جَعَلَ لَكُمُ الليل} :. . . الآية. انظر إلى فصاحة هذه الآية، حيث حَذَفَ من كل جملةٍ ما ثبت في الأخرى، وذلك أنه ذكر علة جَعْل الليل لنا، وهي قوله «لتسكنوا» وحَذَفها مِنْ جَعْل النهار، وذَكَر صفةَ النهار وهي قوله «مُبْصِراً» وحَذَفَها من الليل لدلالة المقابل عليه، والتقدير: هو الذي جَعَل لكم الليل مُظْلماً لتَسْكُنوا فيه والنهارَ مُبْصِراً للتحرَّكوا فيه لمعاشِكم، فحذف «مُظْلماً» لدلالة «مبصراً» عليه، وحذف «لتتحَرَّكوا» لدلالة «لتسكنوا» وهذا أفصحُ كلامٍ.
وقوله: {مُبْصِراً} أسند الإِبصارَ إلى الظرف مجازاً كقولِهم «نهارُه صائم وليله قائم ونائم» قال:
2605 -. . . . . . . . . . . . . . . . . . ... ونِمْتِ وما ليلُ المَطِيِّ بنائمِ
وقال قطرب: «يقال: أَظْلَمَ الليلُ: صار ذا ظلمة، وأضاء النهار: صار ذا ضياء، فيكون هذا من باب النسبِ كقولهم لابن وتامر، وقوله تعالى: {عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ} [الحاقة: 20] ، إلا أن ذلك إنما جاء في الثلاثي، وفي فعَّل بالتضعيف عند بعضِهم في قوله تعالى: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} [فصلت: 46] ، في أحد الأوجه.
يونس 10:68
قوله تعالى: {إِنْ عِندَكُمْ مِّن سُلْطَانٍ} : «إنْ» نافية و «عندكم» يجوز أن يكونَ خبراً مقدماً، و «مِنْ سلطان» مبتدأ مؤخراً، ويجوز أن يكونَ «مِنْ سلطان» مرفوعاً بالفاعلية بالظرف قبلَه لاعتمادِه على النفي، و «مِنْ» مزيدةٌ على كلا التقديرين، وبهذا يجوز أن يتعلَّقَ بسلطان لأنه بمعنى الحجة والبرهان، وأن يتعلَّقَ بمحذوف صفةً له، فيُحكمَ على موضعه بالجرِّ على اللفظ، وبالرفعِ على المحل؛ لأنَّ موصوفَه مجرور بحرفِ جرٍّ زائدٍ، وأن يتعلق بالاستقرار. قال الزمخشري: «الباءُ حقُّها أن تتعلَّقَ بقوله:» إنْ عندكم «على أن يُجْعَلَ القولُ مكاناً للسلطان كقولك:» ما عندكم بأرضِكم مَوْزٌ «كأنه قيل: إنْ عندكم/ بما تقولون سُلْطان» . وقال الحوفي: «وبهذا» متعلقٌ بمعنى الاستقرار «، يعني الذي تَعَلَّق به الظرف.
يونس 10:70
قوله تعالى: {مَتَاعٌ فِي الدنيا} : يجوز رفع «متاع» مِنْ وجهين، أحدهما: أنه خبرُ مبتدأ محذوف، والجملة جوابٌ لسؤالٍ مقدر فهي استئنافيةٌ كأن قائلاً قال: كيف لا يَعْلمون وهم في الدنيا مُفْلحون بأنواعٍ ممَّا يتلذذون به؟ فقيل: ذلك متاع. والثاني: أنه مبتدأ والخبر محذوفٌ تقديرُه، لهم متاعٌ، و «في الدنيا» يجوز أن يتعلقَ بنفس «متاع» ، أي: تَمَتُّعٌ في الدنيا، ويجوز أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه نعتٌ ل «متاع» فهو في محلِّ رفعٍ. ولم يُقرأ بنصبه هنا بخلاف قوله: «متاع الحياة» في أول السورة.
وقوله: {بِمَا كَانُواْ} الباءُ للسببية، و «ما» مصدريةٌ، أي: بسببِ كونهم كافرين.
يونس 10:71
قوله تعالى: {إِذْ قَالَ} : يجوز أن تكونَ «إذ» معمولةً ل «نَبأ» ، ويجوز أن تكونَ بدلاً مِنْ «نبأ» بدلَ اشتمال. وجوَّز أبو البقاء أن تكونَ حالاً من «نبأ» وليس بظاهرٍ، ولا يجوزُ أن يكونَ منصوباً ب «اتلُ» لفساده، إذ «اتلُ» مستقبلٌ، و «إذا» ماض، و «لقومه» اللام: إمَّا للتبليغ وهو الظاهرُ، وإمَّا للعلة وليس بظاهرٍ.
وقوله: {كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِي} من باب الإِسناد المجازي كقولهم: «ثَقُل عليَّ ظلُّه» .
وقرأ أبو رجاء وأبو مجلز وأبو الجوزاء «مُقامي» بضم الميم، و «المقام» بالفتح مكان القيام، وبالضم مكان الإِقامة أو الإِقامة نفسها. وقال ابن عطية: «ولم يُقرأ هنا بضم الميم» كأنه لم يَطَّلع على قراءةِ هؤلاء الآباء.
قوله: {فَعَلَى الله} جواب الشرط.
وقوله: {فأجمعوا} عطف على الجواب، ولم يذكر أبو البقاء غيرَه. واستُشْكِل عليه أنه متوكلٌ على الله دائماً كَبُر عليهم مقامُه أو لم يكبر. وقيل: جوابُ الشرط قوله «فأجمعوا» وقوله {فَعَلَى الله تَوَكَّلْتُ} جملةٌ اعتراضية بين الشرط وجوابه، وهو كقول الشاعر:
2606 - إمَّا تَرَيْني قد نَحَلْتُ ومَنْ يكنْ ... غَرَضاً لأطراف الأَسِنَّة يَنْحَلِ
فلرُبَّ أبْلَجَ مثلِ ثِقْلِكِ بادِنٍ ... ضخمٍ على ظهر الجَوادِ مُهَبَّلِ وقيل: الجوابُ محذوف، أي: فافعلوا ما شئتم.
وقرأ العامة: «فَأَجْمعوا» أمراً مِنْ «أَجْمع» بهمزة القطع يقال: أَجْمع في المعاني، وجَمَع في الأعيان، فيقال: أجمعت أمري وجمعت الجيش، هذا هو الأكثر. قال الحارث بن حلزة:
2607 - أَجْمَعُوا أمرهم بليلٍ فلمَّا ... أصبحوا أصبحت لهم ضَوْضَاءُ
وقال آخر:
2608 - يا ليت شعري والمُنَى لا تَنْفَعُ ... هل أَغْدُوَنْ يوماً وأَمْري مُجْمَعُ
وهل أَجْمَعَ متعدٍّ بنفسه أو بحرف جر ثم حُذِف اتِّساعاً؟ فقال أبو البقاء: «مِنْ قولك» أجمعتُ على الأمر: إذا عَزَمْتَ عليه، إلا أنه حُذِفَ حرفُ الجر فوصل الفعل إليه. وقيل: هو متعدٍّ بنفسه في الأصل «وأنشد قولَ الحارث. وقال أبو فيد السدوسي:» أَجْمعت الأمر «أفصحُ مِنْ أَجْمعت عليه» وقال أبو الهثيم: «أجمعَ أمرَه جَعَله مجموعاً بعدما كان متفرقاً» قال: «وَتفْرِقَتُه أن يقولُ مرةً افعل كذا، ومرة افعل كذا، وإذا عَزَم على أمرٍ واحد فقد جَمَعه أي: جعله جميعاً، فهذا هو الأصلُ في الإِجماع، ثم صار بمعنى العَزْم حتى وصل ب» على «فقيل: أَجْمَعْتُ على الأمر أي: عَزَمْتُ عليه، والأصل: أجمعت الأمر.
وقرأ العامَّةُ:» وشركاءَكم «نصباً وفيه أوجه، أحدها: أنه معطوفٌ على» أَمْرَكم «بتقدير حذف مضاف، أي: وأمر شركاءكم كقوله:
{وَسْئَلِ القرية} [يوسف: 82] ، ودلَّ على ذلك ما قدَّمْتُه من أن «أَجْمع» للمعاني. والثاني: أنه عطف عليه من غير تقدير حذف مضاف، قيل: لأنه يقال أيضاً: أجمعت شركائي. الثالث: أنه منصوب بإضمار فعلٍ لائق، أي: وأجمعوا شركاءكم بوصل الهمزة. وقيل: تقديره: وادعوا، وكذلك هي في مصحف أُبَيّ «وادعوا» فأضمرَ فعلاً لائقاً كقوله تعالى: {والذين تَبَوَّءُوا الدار والإيمان} [الحشر: 9] ، أي: واعتقدوا الإِيمانَ، ومثلُه قولُ الآخر:
2609 - فَعَلَفْتُها تِبْناً وماءً بارداً ... حتى شَتَتْ هَمَّالةً عيناها
وكقوله:
2610 - يا ليت زوجَك قد غدا ... مُتَقَلِّداً سَيْفاً ورُمْحاً
/ وقول الآخر:
2611 - إذا ما الغانياتُ بَرَزْنَ يوماً ... وزَجَّجْنَ الحواجبَ والعيونا
يريد: ومُعْتَقِلاً رُمْحاً، وكحَّلْنَ العيونا. وقد تقدم أن في هذه الأماكن غيرَ هذا التخريج. الرابع: أنه مفعولٌ معه، أي: مع «شركائكم» قال الفارسي: «وقد يُنْصب الشركاء بواو مع، كما قالوا: جاء البردُ والطَّيالسةَ» ، ولم يذكر الزمخشري غيرَ قولِ أبي علي. قال الشيخ: «وينبغي أَنْ يكونَ هذا التخريجُ على أنه مفعول معه من الفاعل، وهو الضمير في» فَأَجْمعوا «لا من المفعول الذي هو» أَمْرَكُمْ «وذلك على أشهرِ الاستعمالين، لأنه يقال:» أجمع الشركاءُ أمرَهم، ولا يقال: «جَمَع الشركاء أمرهم» إلا قليلاً، قلت: يعني أنه إذا جعلناه مفعولاً معه من الفاعل كان جائزاً بلا خلافٍ، لأنَّ مِن النحويين مَنْ اشترط في صحةِ نصبِ المفعول معه أن يصلح عَطْفُه على ما قبله، فإن لم يَصْلُحْ عطفُه لم يَصِحَّ نصبُه مفعولاً معه، فلو جعلناه من المفعول لم يَجُزْ على المشهور، إذ لا يَصْلُح عَطْفُه على ما قبله، إذ لا يقال: أجمعت شركائي، بل جَمَعْت.
وقرأ الزهري والأعمش والأعرج والجحدري وأبو رجاء ويعقوب والأصمعي عن نافع «فأجْمَعُوا» بوصل الألف وفتح الميم من جَمَع يَجْمَع، و «شركاءَكم» على هذه القراءةِ يتضح نصبه نسقاً على ما قبله، ويجوز فيه ما تقدم في القراءة الأولى من الأوجه. قال صاحب «اللوامح» : «أَجْمَعْتُ الأمر: أي: جَعَلْتُه جميعاً، وجَمَعْتُ الأموال جمعاً، فكان الإِجماعُ في الأحداث والجمع في الأعيان، وقد يُسْتعمل كلُّ واحد مكان الآخر، وفي التنزيل: {فَجَمَعَ كَيْدَهُ} [طه: 60] . قلت: وقد اختلف القراء في قوله تعالى: {فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ} [طه: 64] ، فقرأ الستة بقطع الهمزة، جعلوه مِنْ أجمع وهو موافقٌ لِما قيل:» إنَّ «أجمع» في المعاني. وقرأ أبو عمرو وحدَه «فاجمعوا» بوصل الألفِ، وقد اتفقوا على قولِه «فَجَمع كيدَه ثم أتى» فإنه مِن الثلاثي، مع أنه متسلِّطٌ على معنى لا عَيْنٍ. ومنهم مَنْ جَعَل للثلاثي معنىً غيرَ معنى الرباعي فقال في قراءة أبي عمرو مِنْ جَمَع يَجْمع ضد فرَّق يُفَرِّق، وجَعَلَ قراءةَ الباقين مِنْ «أجمع أمرَه» إذا أحكمه وعزم عليه، ومنه قول الشاعر: 2612 - يا ليت شعري والمنى لا تَنْفَعُ ... هل أَغْدُوَنْ يوماً وأَمْري مُجْمَعُ
وقيل: المعنى: فاجْمَعوا على كيدكم، فحذف حرف الجر.
وقرأ الحسن والسلمي وعيسى بن عمر وابن أبي إسحاق وسلام ويعقوب «وشركاؤكم» رفعاً. وفيه تخريجان، أحدهما: أنه نسقٌ على الضمير المرفوع بأَجْمِعُوا قبله، وجاز ذلك إذ الفصلُ بالمفعولِ سَوَّغ العطف، والثاني: أنه مبتدأ محذوف الخبر، تقديرُه: وشركاؤكم فَلْيُجْمِعوا أمرهم.
وشَذَّتْ فرقةٌ فقرأت: «وشركائكم» بالخفض ووُجِّهَتْ على حذف المضاف وإبقاء المضاف إليه مجروراً على حاله كقوله:
2613 - أكلَّ امرِىءٍ تحسبين أمرَأً ... ونارٍ تَوَقَّدُ بالليل نارا
أي: وكل نار، فتقدير الآية: وأمر شركائكم، فحذف الأمر وأبقى ما بعدَه على حاله، ومَنْ رأى برأي الكوفيين جوَّز عطفه على الضمير في «أمركم» من غيرِ تأويل، وقد تقدَّم ما فيه من المذاهب أعني العطفَ على الضميرِ المجرور مِنْ غير إعادة الجارِّ في سورة البقرة.
قوله: {غُمَّةً} يقال: غَمٌّ وغُمَّة نحو كَرْبٌ وكُرْبَةٌ. قال أبو الهيثم: «هو مِنْ قولهم:» غَمَّ علينا الهلالُ فهو مغموم إذا التُمِس فلم يُر. قال طرفة ابن العبد.
2614 - لعَمْرك ما أمري عليَّ بغُمَّةٍ ... نهاري ولا ليلي عليَّ بسَرْمَدِ
وقال الليث: «يُقال: هو في غُمَّة مِنْ أمره إذا لم يتبيَّنْ له.
قوله: {ثُمَّ اقضوا} مفعول» اقضوا «محذوف، أي: اقضُوا إليَّ ذلك الأمر/ الذي تريدون إيقاعه كقوله: {وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الأمر} [الحجر: 66] فعدَّاه لمفعولٍ صريح. وقرأ السَّرِيُّ» ثم أفْضُوا «بقطع الهمزة والفاء، مِنْ أفضى يُفْضي إذا انتهى، يقال: أَفْضَيْتُ إليك، قال تعالى: {وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ} [النساء: 21] فالمعنى: ثم افضُوا إلى سِرِّكم، أي: انتهوا به إليَّ. وقيل: معناه: أَسْرِعوا به إليَّ. وقيل: هو مِنْ أفضى، أي: خَرَج إلى الفضاء، أي: فأصحِروا به إليَّ، وأَبْرِزوه لي كقوله:
2615 - أبى الضيمَ والنعمانُ يَحْرِقُ نابَه ... عليه فأفضى والسيوفُ مَعاقِلُهْ
ولامُ الفضاءِ واوٌ؛ لأنه مِنْ فَضَا يَفْضُو، أي: اتَّسَع. وقوله:» لا تُنْظِرون «، أي: لا تُؤَخِّرون من النَّظِرة وهي التأخير.
يونس 10:73
وقوله تعالى: {فِي الفلك} : يجوز فيه وجهان، أحدهما: أن يتعلق بأَنْجَيْناه، أي: وقع الإِنْجاء في هذا المكان. والثاني: أن يتعلَّقَ بالاستقرار الذي تعلَّق به الظرفُ، وهو «معه» لوقوعه صلةً، أي: والذين استقروا معه في الفلك.
وقوله: {وَجَعَلْنَاهُمْ} ، أي: صَيَّرناهم، وجُمع الضميرُ في «جَعَلْناهم» حَمْلا على معنى «مِنْ» ، و «خلائف» جمع خَلِيفة، أي: يَخْلُفون الغارقين.
يونس 10:74
قوله تعالى: {مِن بَعْدِهِ} : أي: بعد نوح. «بالبينات» متعلقٌ ب «جاؤُوهم» ، أو بمحذوفٍ على أنه حال، أي: ملتبسين بالبينات. وقوله: «ليؤمِنوا» أتى بلام الجحود توكيداً. والضمير في «كَذَّبوا» عائدٌ على مَنْ عاد عليه الضمير في «كانوا» وهم قومُ الرسل. والمعنى: أنَّ حالَهم بعد بعثِ الرسل كحالِهم قبلها في كونهم أهلَ جاهلية، وقال أبو البقاء ومكي: «إن الضميرَ في» كانوا «يعود على قوم الرسل، وفي» كَذَّبوا «يعودُ على قوم نوح، والمعنى: فما كان قومُ الرسلِ ليؤمنوا بما كَذَّب به قومُ نوح، أي: بمثلِه. ويجوز أن تكونَ الهاءُ عائدةً على نوح نفسه من غير حَذْفِ مضافٍ، والتقدير: فما كان قومُ الرسلِ بعد نوح ليؤمنوا بنوحٍ، إذ لو آمنوا به لآمنوا بأنبيائهم. و» من قبل «متعلقٌ ب» كَذَّبوا «أي من قبل بعثة الرسل. وقيل: الضمائرُ كلُّها تعودُ على قوم الرسل بمعنى آخر: وهو أنهم بادروا رسلَهم بالتكذيب، كلما جاءَ رسولٌ لَجُّوا في الكفرِ وتمادَوْا عليه فلم يكونوا لِيؤمنوا بما سَبَقَ به تكذيبُهم من قبلِ لَجِّهم في الكفر وتمادِيهم.
وقال ابن عطية:» ويحتمل اللفظُ عندي معنى آخر، وهو أن تكونَ «ما» مصدرية، والمعنى: فكذَّبوا رسلَهم فكان عقابهم من الله أَنْ لم يكونوا ليؤمنوا بتكذيبهم مِنْ قبل، أي: من سببه ومن جزائه، ويؤيِّد هذا التأويلَ «كذلك نطبع» ، وهو كلامٌ يحتاج لتأمُّل «. قال الشيخ:» والظاهرُ أنَّ «ما» موصولةٌ، ولذلك عاد الضمير عليها في قوله: {بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ} ولو كانت مصدريةً بقي الضميرُ غيرَ عائدٍ على مذكور، فتحتاج أن يتُكلَّفَ ما يعود عليه الضمير «. قلت: الشيخ بناه على قولِ جمهورِ النحاة في عدمِ كونِ» ما « المصدرية اسماً فيعود عليها ضميرٌ، وقد نبَّهْتُك غيرَ مرةٍ أن مذهبَ الأخفش وابن السراج أنها اسمٌ فيعود عليها الضمير.
وقرأ العامَّةُ» نَطْبع «بالنون الدالة على تعظيم المتكلم. وقرأ العباس بن الفضل بياء الغيبة وهو الله تعالى، ولذلك صرَّح به في موضعٍ آخرَ {كَذَلِكَ يَطْبَعُ الله} [الأعراف: 101] . والكافُ نعتٌ لمصدر محذوف، أو حالٌ من ضمير ذلك المصدرِ على حسبِ ما عرفته من الخلاف، أي: مثلَ ذلك الطَّبْع المُحْكمِ الممتنعِ زوالُه نطبع على قلوب المُعْتدين على خَلْق الله.
يونس 10:76
وقرأ مجاهد وابن جبير والأعمش «لساحر» اسم فاعل، والإِشارة ب «هذا» حينئذٍ إلى موسى، أُشير إليه لتقدُّم ذكره، وفي قراءةِ الجماعةِ المشارُ إليه الشيءُ الذي جاء به موسى من قَلْبِ العصا حَيَّةً وإخراج يده بيضاء كالشمس. ويجوز أن يُشارَ ب «هذا» في قراءةِ ابن جبير إلى المعنى الذي جاء به موسى مبالغةً، حيث وَصَفوا المعاني بصفاتِ الأعيانِ كقولهم: «شعرٌ شاعرٌ» و «جَدَّ جَدُّه» .
يونس 10:77
قوله تعالى: {أَتقُولُونَ} : في معمولِ هذا القولِ وجهان/، أحدهما: أنه مذكورٌ، وهو الجملةُ من قوله: «أسحرٌ هذا» إلى آخره، كأنهم قالوا: أجئتما بالسحر تطلبانِ به الفلاحَ ولا يفلح الساحرون، كقولِ موسى على نبيِّنا وعليه وعلى سائر الأنبياء أفضلُ الصلاة والسلام للسحرة: {مَا جِئْتُمْ بِهِ السحر إِنَّ الله سَيُبْطِلُهُ} . والثاني: أن معموله محذوفٌ، وهو مدلولٌ عليه بما تقدَّم ذكرُه، وهو: إن هذا لسحرٌ مبين. ومعمولُ القول يُحذف للدلالةِ عليه كثيراً، كما يُحذف نفسُ القولِ كثيراً، ومثلُ الآية في حَذْفِ المقول قولُ الشاعر:
2616 - لَنحن الأُلى قُلْتُمْ فأنَّى مُلِئْتُمُ ... برؤيتنا قبلَ اهتمامٍ بكمْ رُعْبا
وفي كتاب سيبويه: «متى رأيت أو قلت زيداً منطلقاً» على إعمال الأول، وحَذْفِ معمولِ القول، ويجوز إعمالُ القولِ بمعنى الحكاية به فيقال: «متى رأيت أو قلت زيد منطلق» ، وقيل: القول في الآية بمعنى العَيْب والطعن، والمعنى: أتعيبون الحق وتَطْعنون فيه، وكان مِنْ حَقِّكم تعظيمُه والإِذعانُ له مِنْ قولهم: «فلان يخاف القالة» ، و «بين الناس تقاوُلٌ» ، إذا قال بعضهم لبعض ما يسْوءُه، ونَحْوُ القولِ الذكرُ في قوله: {سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ} [الأنبياء: 60] وكلُّ هذا ملخَّصٌّ من كلام الزمخشري.
يونس 10:78
قوله تعالى: {أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا} : اللامُ متعلقةٌ بالمجيء أي: أجئت لهذا الغرض، أنكروا عليه مجيئَه لهذه العلة. واللَّفْتُ: الَّليُّ والصَرْفُ، لَفَتَه عن كذا أي: صَرَفَه ولواه عنه. وقال الأزهري: «لَفَتَ الشيءَ وفَتَلَه: لواه، وهذا من المقلوب» قلت: ولا يدعى فيه قَلْبٌ حتى يَرْجَعَ أحدُ اللفظين في الاستعمال على الآخر، ولذلك لم يَجْعلوا جَذَبَ وجَبَذَ وحَمِدَ ومَدَح من هذا القبيل لتساويهما. ومطاوعُ لَفَتَ: التَفَتَ. وقيل: انفتل، وكأنهم استَغْنَوا بمطاوع «فَتَل» عن مطاوع لَفَتَ، وامرأة لَفُوت: أي: تَلْتَفِتُ لولدها عن زوجها إذا كان الولد لغيره، واللَّفِيْتَةُ: ما يَغْلُظُ من العَصِيدة.
قوله: {وَتَكُونَ لَكُمَا الكبريآء} الكِبْرياء: اسم كان، و «لكم» الخبر، و «في الأرض» : جَوَّز فيها أبو البقاء خمسةَ أوجه أحدها: أن تكونَ متعلقةً بنفس الكبرياء. الثاني: أن يُعَلَّق بنفس «تكون» . الثالث: أن يتعلَّقَ بالاستقرار في «لكم» لوقوعه خبراً. الرابع: أن يكونَ حالاً من «الكبرياء» . الخامس: أن يكون حالاً من الضمير في «لكما» لتحمُّلِه إياه.
والكِبْرياء مصدرٌ على وزنِ فِعْلِياء، ومعناها العظمة. قال عديّ ابن الرِّقاع:
2617 - سُؤْدُدٌ غيرُ فاحِشٍ لا يُدا ... نِيه تَجْبارَةٌ ولا كِبْرِيا
وقال ابن الرقيات:
2618 - مُلْكُه مُلْكُ رأفةٍ ليس فيه ... جَبَروتٌ منهُ ولا كِبْرِياءُ
يعني: ليس هو ما عليه الملوكُ من التجبُّر والتعظيم.
والجمهورُ على «تكون» بالتأنيث مراعاةً لتأنيث اللفظ. وقرأ ابن مسعود والحسن وإسماعيل وأبو عمرو وعاصم في روايةٍ: «ويكون» بالياء من تحتُ، لأنه تأنيثٌ مجازي.
يونس 10:79
وقوله تعالى: {بِكُلِّ سَاحِرٍ} : قرأ الأخَوان «سَحَّار» وهي قراءةُ ابنِ مُصَرِّف وابن وثاب وعيسى بن عمر.
يونس 10:81
قوله تعالى: {مَا جِئْتُمْ بِهِ السحر} : قرأ أبو عمرو وحده دون باقي السبعة «آلسحرُ» بهمزة الاستفهام، وبعدها ألف محضةٌ، وهي بدل عن همزة الوصلِ الداخلةِ على لام التعريف، ويجوز أن تُسَهَّل بينَ بينَ، وقد تقدَّم تحقيق هذين الوجهين في قوله: {ءَآلذَّكَرَيْنِ} [الأنعام: 143] وهي قراءةُ مجاهدٍ وأصحابه وأبي جعفر. وقرأ باقي السبعة بهمزةِ وصلٍ تَسْقط في الدَّرْج. فأمَّا قراءة أبي عمرو ففيها أوجهٌ، أحدها: أنَّ «ما» استفهاميةٌ في محلِّ رفعٍ بالابتداء، و «جِئْتُمْ به» الخبرُ، والتقديرُ: أيُّ شيءٍ جئتم، كأنه استفهامُ إنكارٍ وتقليلٌ للشيءِ المُجَاء به. و «السحر» بدلٌ من اسم الاستفهام، ولذلك أُعِيد معه أداتُه لما قرَّرْتُه في كتب النحو. الثاني: أن يكون «السحر» مبتدأً خبرُه محذوف، تقديره: أهو السحر. الثالث: أن يكونَ مبتدأً محذوفَ الخبر تقديره: السحر هو. ذكر هذين الوجهين أبو البقاء، وذكر الثاني مكي، وفيهما بُعد. الرابع: أن تكونَ «ما» موصولةً بمعنى الذي، وجئتم به صلتُها، والموصولُ في محلِّ رفعٍ بالابتداء، و «السحر» على وجهيه من كونِه خبرَ مبتدأ محذوف، أو مبتدأً محذوفَ الخبر، تقديره: الذي جئتم به/ أهو السحر، أو الذي جئتم به السحر هو، وهذا الضميرُ هو الرابط كقولك: الذي جاءك أزيدٌ هو، قاله الشيخ.
قلت: قد منع مكي أن تكونَ «ما» موصولةً على قراءة أبي عمرو فقال: «وقد قرأ أبو عمرو» آلسحرُ «بالمد، فعلى هذه القراءةِ تكون» ما «استفهاماً مبتدأ، و» جئتم به «الخبر، و» السحر «خبرُ ابتداء محذوف، أي: أهو السحر، ولا يجوزُ أن تكونَ» ما «بمعنى الذي على هذه القراءةِ إذا لا خبر لها» . قلت: ليس كما ذكر، بل خبرُها الجملةُ المقدَّرُ أحدُ جُزْأيها، وكذلك الزمخشري وأبو البقاء لم يُجيزا كونَها موصولةً إلا في قراءة غيرِ أبي عمرو، لكنهما لم يتعرَّضا لعدمِ جوازه.
الخامس: أن تكونَ «ما» استفهاميةً في محلِّ نصب بفعل مقدرٍ بعدها لأنَّ لها صدرَ الكلام، و «جئتم به» مفسِّر لذلك الفعل المقدر، وتكون المسألةُ حينئذٍ من باب الاشتغال، والتقدير: أيُّ شيءٍ أَتَيْتُمْ جئتم به، و «السحر» على ما تقدم، ولو قرىء بنصب «السحر» على أنه بدلٌ مِنْ «ما» بهذا التقديرِ لكان له وجه، لكنه لم يُقرأ به فيما عَلِمْت، وسيأتي ما حكاه مكي عن الفراء مِنْ جواز نصبِه لمَدْرَكٍ آخرَ على أنها قراءةٌ منقولة [عن الفرَّاء] .
وأمَّا قراءةُ الباقين ففيها أوجهٌ أيضاً، أحدها: أن تكون «ما» بمعنى الذي في محلِّ رفعٍ بالابتداء، و «جئتم به» صلةٌ وعائدُه، و «السحرُ» خبرهُ، والتقدير: الذي جئتم به السحرُ، ويؤيِّد هذا التقديرَ قراءةُ أُبَيّ وما في مصحفه: {ما أتيتم به سحرٌ} وقراءةُ عبد الله والأعمش {مَا جِئْتُمْ بِهِ السحر} .
الثاني: أن تكونَ «ما» استفهاميةً في محلِّ نصبٍ بإضمارِ فعل على ما تقرَّر، و «السحر» خبر ابتداء مضمر أو مبتدأٌ مضمرُ الخبر. الثالث: أن تكونَ «ما» في محلِّ رفعٍ بالابتداءِ، و «السحر» على ما تقدَّم مِنْ كونِه مبتدأً أو خبراً، والجملةُ خبر «ما» الاستفهامية. قال الشيخ بعدما ذكر الوجه الأول: «ويجوز عندي أن تكونَ في هذا الوجهِ استفهاميةً في موضع رفع بالابتداء، أو في موضع نصبٍ على الاشتغال، وهو استفهامٌ على سبيل التحقيرِ والتقليلِ لِما جاؤوا به، و» السحر «خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: هو السحر» .
قلت: ظاهرُ عبارتِه أنه لم يَرَه غيرُه، حيث قال «عندي» ، وهذا قد جوَّزه أبو البقاء ومكي. قال أبو البقاء: لمَّا ذكر قراءة غير أبي عمرو «ويُقرأ بلفظِ الخبر، وفيه وجهان» ، ثم قال: «ويجوزُ أن تكونَ» ما «استفهاماً، و» السحر «خبر مبتدأ محذوف» . وقال مكي في قراءةِ غيرِ أبي عمرو بعد ذِكره كونَ «ما» بمعنى الذي: «ويجوز أن تكونَ» ما «رفعاً بالابتداء وهي استفهامُ، و» جئتم به «الخبر، و» السحر «خبرُ مبتدأ محذوف، أي: هو السحر، ويجوز أن تكونَ» ما «في موضعِ نصبٍ على إضمارِ فعلٍ بعد» ما «تقديرُه: أيُّ شيء جئتم [به] ، و» السحرُ «خبر ابتداء محذوف» .
الرابع: أن تكونَ هذه القراءةُ كقراءة أبي عمرو في المعنى، أي: إنها على نيةِ الاستفهام، ولكن حُذِفَتْ أداتُه للعلم بها، قال أبو البقاء: «ويُقرأ بلفظِ الخبر، وفيه وجهان، أحدُهما: أنه استفهامٌ في المعنى أيضاً: وحُذِفَتْ الهمزةُ للعِلْم بها» ، وعلى هذا الذي ذكره يكونُ الإِعرابُ على ما تقدم. واعلم أنَّك إذا جَعَلْتَ «ما» موصولةً بمعنى الذي امتنع نصبُها بفعلٍ مقدرٍ على الاشتغال. قال مكي: «ولا يجوز أن تكونَ» ما «بمعنى الذي في موضعِ نصبٍ لأن ما بعدها صلتُها، والصلةُ لا تعملُ في الموصول، ولا يكون تفسيراً للعامل في الموصول» ، وهو كلامٌ صحيح، فتلخَّص من هذا أنها إذا كانَتْ استفهاميةً جاز أن تكونَ في محل رفع أو نصب، وإذا كانت موصولةً تعيَّن أن يكون مَحَلُّها الرفع بالابتداء.
وقال مكي: «وأجاز الفراءُ نصبَ» السحر «، تجعل» ما «شرطاً، وتنصِبُ» السحرَ «على المصدر، وتضمرُ الفاء مع» إن الله سيُبْطِله «، وتجعلُ الألفَ واللامَ في» السحر «زائدتين، وذلك كلُّه بعيدٌ، وقد أجاز علي ابن سليمان حَذْفَ الفاءِ من جواب الشرط في الكلام، واستدلَّ على جوازه بقوله تعالى: / {وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [الشورى: 30] ، ولم يُجِزْه غيره إلا في ضرورة شعر» . قلت: وإذا مَشَيْنا مع الفراء فتكون «ما» شرطاً يُراد بها المصدرُ، تقديره: أيَّ سحر جئتم به فإن الله سيبطله، ويُبَيِّن أن «ما» يراد بها السحر قولُه: «السحر» ، ولكن يَقْلَقُ قولُه: «إن نصب» السحر «على المصدرية» ، فيكون تأويله أنه منصوبٌ على المصدرِ الواقعِ موقعَ الحال، ولذلك قدَّره بالنكرة، وجَعَلَ أل مزيدةً منه.
وقد نُقِلَ عن الفراء أن هذه الألف واللام للتعريف، وهو تعريف العهد، قال الفراء: «وإنما قال» السحر «بالألف واللام لأنَّ النكرةَ إذا أُعيدت أعيدَتْ بالألِفِ واللام» ، يعني أن النكرةَ قد تَقَدَّمَتْ في قوله: {إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ} ، وبهذا شَرَحَه ابنُ عطية. قال ابن عطية: «والتعريفُ هنا في» السحر «أَرْتَبُ لأنه قد تقدَّم منكَّراً في قولهم:» إنَّ هذا لسِحْر «، فجاء هنا بلام العهد، كما يقال أول الرسالة» سلامٌ عليك «. قال الشيخ:» وما ذكراه هنا في «السحر» ليس مِنْ تقدُّم النكرة، ثم أخبر عنها بعد ذلك، لأنَّ شَرْطَ هذا أن يكون المعرَّفُ بأل هو المنكَّرَ المتقدَّمَ، ولا يكون غيره، كقوله تعالى: {كَمَآ أَرْسَلْنَآ إلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً فعصى فِرْعَوْنُ الرسول} [المزمل: 15-16] ، وتقول: «زارني رجلٌ فأكرمت الرجل» لَمَّا كان إياه جاز أن يُؤْتى بضميره بَدَلَه، فتقول: فأكرمتُه، والسحرُ هنا ليس هو السحرَ الذي في قولهم: «إنَّ هذا لسحر» لأن الذي أخبروا عنه بأنه سحرٌ هو ما ظهر على يَدَي موسى من معجزة العصا والسحر الذي في قولِ موسى، إنما هو سحرهم الذي جاؤوا به، فقد اختلف المدلولان، إذ قالوا هم عن معجزة موسى، وقال موسى عَمَّا جاؤوا به، ولذلك لا يجوز أن يُؤْتى هنا بالضمير بدلَ السحر، فيكونَ عائداً على قولهم: «لسِحْر» .
قلت: والجوابُ أن الفراء وابن عطية إنما أراد السحر المتقدمَ الذِّكر في اللفظ، وإن كان الثاني هو غيرَ عينِ الأول في المعنى، ولكن لمَّا أُطْلِق عليهما لفظ «السحر» جاز أن يُقال ذلك، ويدلُّ على هذا أنهم قالوا في قوله تعالى: {والسلام عَلَيَّ} [مريم: 33] : إن الألفَ واللام للعهد لتقدُّم ذكر السلام في قوله تعالى: {وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ} [مريم: 15] ، وإن كان السلامُ الواقعُ على عيسى هو غيرَ السلام الواقع على يحيى، لاختصاص كلِّ سلام بصاحبه من حيث اختصاصُه به، وهذا النقل المذكورُ عن الفراء في الألف واللام ينافي ما نَقَله عنه مكيٌّ فيهما، اللهم إلا أن يُقال: يُحتمل أن يكونَ له مقالتان، وليس ببعيدٍ فإنه كلما كَثُر العلمُ اتسعت المقالاتُ.
وقوله: {المفسدين} مِنْ وقوع الظاهرِ موقعَ ضمير المخاطب إذ الأصلُ: لا يُصلح عملَكم، فأبرزهم في هذه الصفةِ الذَّميمةِ شهادةً عليهم بها.
يونس 10:82
وقرىء «بكلمته» بالتوحيد، وقد تقدَّم نظيرُه.
يونس 10:83
قوله تعالى: {فَمَآ آمَنَ} : الفاءُ للتعقيب، وفيها إشعارٌ بأن إيمانَهم لم يتأخر عن الإِلقاء، بل وقع عقيبه، لأنَّ الفاءَ تفيد ذلك، وقد تقدَّم توجيهُ تَعْدِيةِ «آمن» باللام. والضمير في «قومه» فيه وجهان، أحدهما: وهو الظاهرُ عودُه على موسى لأنه هو المحدَّث عنه، ولأنه أقربُ مذكورٍ، ولو عاد على فرعون لم يكرِّر لفظَه ظاهراً، بل كان التركيب «على خوفٍ منه» ، وإلى هذا ذهب ابنُ عباس وغيرُه.
والثاني: أنه يعود على فرعون، ويُروى عن ابن عباس أيضاً، ورَجَّح ابنُ عطية هذا، وضَعَّف الأول فقال: «ومما يُضَعِّف عودَ الضمير على موسى أن المعروفَ من أخبارِ بني إسرائيل أنهم كانوا قد فَشَتْ فيهم النبواتُ، وكانوا قد نالهم ذلٌّ مُفْرِط، وكانوا يَرْجُوْن كَشْفَه بظهورِ مولود، فلمَّا جاءهم موسى أَصْفقوا عليه وتابعوه، ولم يُحْفَظ أن طائفةً من بني إسرائيل كفرت بموسى، فكيف تعطي هذه الآيةُ أنَّ الأقلَ منهم كان الذي آمن؟ ، فالذين يَتَرَجَّح عَوْدُه على فرعون، ويؤيِّده أيضاً ما تقدَّم مِنْ محاورة/ موسى ورَدِّه عليهم وتوبيخهم» .
قوله: {على خَوْفٍ} حال، أي: آمنوا كائنين على خوف، والضمير في «وملئهم» فيه أوجه، أحدُها: أنه عائدٌ على الذرِّيَّة، وهذا قولُ أبي الحسن واختيارُ ابن جرير، أي: خوفٍ من مَلأَ الذرية، وهم أشرافُ بني إسرائيل.
الثاني: أنه يعودُ على قومِه بوجهيه، أي: سواءٌ جَعَلْنا الضمير في «قومه» لموسى أو لفرعون، أي: وملأ قوم موسى أو ملأ قوم فرعون.
الثالث: أن يعودَ على فرعون، واعتُرِضَ على هذا بأنه كيف يعودُ ضميرُ جمعٍ على مفرد؟ وقد اعتذر أبو البقاء عن ذلك بوجهين، أحدُهما: أنَّ فرعونَ لمَّا كان عظيماً عندهم عاد الضمير عليه جميعاً، كما يقول العظيم، نحن نأمرُ، وهذا فيه نظرٌ، لأنه لو وَرَدَ ذلك مِنْ كلامهم مَحْكيَّاً عنهم لاحتمل ذلك. والثاني: أنَّ فرعونَ صار اسماً لأتباعه، كما أن ثمودَ اسمٌ للقبيلة كلها «. وقال مكي وجهين آخرين قريبين من هذين، ولكنهما أخلصُ منهما، قال:» إنما جُمع الضميرُ في «مَلَئهم» لأنه إبخار عن جبّار، والجبَّار يُخْبَر عنه بلفظِ الجمع، وقيل: لَمَّا ذُكِرَ فرعونُ عُلِمَ أنَّ معه غيرَه، فَرَجَع الضميرُ عليه وعلى مَنْ معه «. قلت: وقد تقدَّم نحوٌ مِنْ هذا عند قوله: {الذين قَالَ لَهُمُ الناس إِنَّ الناس} [آل عمران: 173] ، والمرادُ بالقائل نعيم بن مسعود، لأنه لا يَخْلو من مُساعدٍ له على ذلك القول.
الرابع: أنْ يعودَ على مضافٍ محذوف وهو آل، تقديره: على خوفٍ مِنْ آل فرعون ومَلَئهم، قاله الفراء، كما حُذِف في قوله
{وَسْئَلِ القرية} [يوسف: 82] .
قال أبو البقاء بعد أن حكى هذا ولم يَعْزُه لأحد: «وهذا عندنا غَلَط، لأنَّ المحذوفَ لا يعود إليه ضمير، إذ لو جاز ذلك لجاز أن يقول:» زيد قاموا «وأنت تريد» غلمان زيد قاموا «. قلت: قوله» لأن المحذوف لا يعودُ إليه ضمير «ممنوعٌ، بل إذا حُذِف مضافٌ فللعرب فيه مذهبان: الالتفاتٌ إليه وعَدَمُه وهو الأكثر، ويدل على ذلك أنه قد جَمَع بين الأمرين في قوله {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا} [الأعراف: 4] أي: أهل قريةٍ، ثم قال:» أو هم قائلون «وقد حَقَّقْتُ ذلك في موضعِه المشارِ إليه. وقوله:» لجاز زيد قاموا «ليس نظيرَه، فإنَّ فيه حَذْفاً من غيرِ دليلٍ بخلاف الآية.
وقال الشيخ بعد أن حكى كلامَ الفراء» ورُدَّ عليه بأن الخوفَ يُمكن مِنْ فرعون، ولا يمكن سؤالُ القرية، فلا يُحْذَفُ إلا ما دلَّ عليه الدليل، وقد يقال: ويَدُلُّ على هذا المحذوفِ جَمْعُ الضمير في «ومَلَئهم» . قلت: يعني أنهم رَدُّوا على الفراء بالفرق بين {وَسْئَلِ القرية} وبين هذه الآيةِ بأنَّ سؤالَ القرية غيرُ ممكنٍ فاضْطُرِرْنا إلى تقدير المضاف بخلاف الآية، فإن الخوف تَمَكَّن مِنْ فرعونَ فلا اضطرارَ بنا يَدُلُّنا على مضاف محذوف. وجوابُ هذا أنَّ الحَذْفَ قد يكون لدليلٍ عقلي أو لفظي، على أنه قيل في «واسأل القرية» إنه حقيقةٌ، إذ يمكنُ النبيُّ أن يسألَ القريةَ فتجيبَه.
الخامس: أن ثمَّ معطوفاً محذوفاً حُذِف للدلالة عليه، والدليلُ كونُ المَلِك لا يكونُ وحدَه، بل له حاشية وعساكر وجندٌ، فكان التقدير: على خَوْفٍ مِنْ فرعون وقومه ومَلَئهم، أي: ملأ فرعون وقومه، وهو منقولٌ عن الفراء أيضاً. قلت: حَذْفُ المعطوفِ قليلٌ في كلامهم، ومنه عند بعضهم قولُه تعالى {تَقِيكُمُ الحر} [النحل: 81] أي: والبرد، وقول الآخر:
2619 - كأن الحصى مِنْ خلفها وأمامِها ... إذا حَذَفَتْه رِجْلُها حَذْفُ أَعْسَرا
أي: ويدُها.
قوله: {أَن يَفْتِنَهُمْ} فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه في محلِّ جرٍ على البدل مِنْ «فرعون» ، وهو بدلُ اشتمالٍ تقديره: على خوفٍ من فرعون فِتْنَتِه كقولك: «أعجبني زيد علْمُه» . الثاني: أنه في موضعِ نصبٍ على المفعول به بالمصدر أي: خوفٍ فتنتَه، وإعمالُ المصدرِ المنوَّنِ كثيرٌ كقوله: {أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً} [البلد: 14-15] . وقولِ الآخر:
2620 - فلولا رجاءُ النصرِ منك ورَهْبَةٌ ... عقابَك قد كانوا لنا بالمَوارد
الثالث: أنه منصوبٌ على المفعول من أجله بعد حَذْفِ اللام، ويَجْري فيها الخلافُ المشهورُ.
وقرأ الحسن ونبيح «يُفْتِنَهم» بضمِّ الياء وقد تقدَّم ذلك.
و «في الأرض» متعلقٌ ب «عالٍ» أي: قاهر فيها أو ظالم كقوله:
2621 - فاعمِدْ لِما تَعْلُوا فمالك بالذي ... لا تَسْتطيع من الأمور يَدانِ
أي: لِما تَقْهر. ويجوز أن يكون «في الأرض» متعلقاً بمحذوف لكونه صفة ل «عالٍ» فيكون مرفوع المحل، ويُرَجِّح الأولَ قولُه: {وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأرض} .
يونس 10:84
قوله تعالى: {إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بالله فَعَلَيْهِ تَوَكَّلوا} : جوابُ الشرط الأول، والشرطُ الثاني وهو إن كنتم مسلمين شرطٌ في الأول، وذلك أن الشرطين متى لم يترتبا في الوجود فالشرطُ الثاني شرطٌ في الأول، ولذلك يجب تقدُّمُه على الأول، وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك.
يونس 10:87
قوله تعالى: {أَن تَبَوَّءَا} : يجوز في «أَنْ» أن تكون المفسِّرة؛ لأنه قد تقدَّمها ما هو بمعنى القول وهو الإِيحاء، ويجوز أن تكونَ المصدريةَ فتكونَ في موضع نصب بأوحينا مفعولاً به أي: أَوْحَيْنا إليهما التبوُّءَ.
والجمهورُ على الهمزة في «تبوَّآ» . وقرأ حفص «تَبَوَّيا» بياءٍ خالصة، وهي بدلٌ عن الهمزة، وهو تخفيفٌ غيرُ قياسي، إذ قياسُ تخفيفِ مثلِ هذه الهمزة أن تكونَ بين الهمزة والألف، وقد أنكر هذه الروايةَ عن حفص جماعةٌ من القراء، وقد خَصَّها بعضُهم بحالةِ الوقف، وهو الذي لم يَحْكِ أبو عمرو الداني والشاطبي غيرَه. وبعضُهم يُطْلق إبدالَها عنه ياءً وصلاً ووقفاً، وعلى الجملةِ فهي قراءةٌ ضعيفة في العربية وفي الرواية، وتركتُ نصوصَ أهل القراءة خوفَ السآمة، واستغناءً بما وضَعْتُه في «شرح القصيد» .
والتبوُّءُ: النزولُ والرجوعُ، وقد تقدَّم تحقيق المادة في قوله {تُبَوِّىءُ المؤمنين} [آل عمران: 121] .
قوله: {لِقَوْمِكُمَا} يجوزُ أن تكونَ اللامُ زائدةً في المفعول الأول، و «بيوتاً» مفعولٌ ثان بمعنى بَوِّآ قومكما بيوتاً، أي: أنْزِلوهم، وفَعَّل وتفعَّل بمعنىً مثل «عَلَّقَها» و «تَعَلَّقها» قاله أبو البقاء. وفيه ضعفٌ من حيث إنه زِيدت اللام، والعاملُ غير فرع، ولم يتقدَّم المعمول. الثاني: أنها غير زائدة، وفيها حينئذ وجهان، أحدهما: أنها حالٌ من «البيوت» . والثاني: أنها وما بعدها مفعول «تَبَوَّآ» .
قوله: {بِمِصْرَ} جَوَّز فيه أبو البقاء أوجهاً، أحدها: أنه متعلِّق ب «تَبَوَّآ» ، وهو الظاهرُ. الثاني: أنه حالٌ من ضمير «تبوَّآء» ، واستضعفه، ولم يبيِّن وجهَ ضعفهِ لوضوحه. الثالث: أنه حالٌ من «البيوت» . الرابع: أنه حالٌ من «لِقومكما» ، وقد ثنى الضميرَ في «تبوَّآ» وجمع في قوله «واجعلوا» و «أقيموا» ، وأفرد في قوله: «وبشِّر» ؛ لأن الأولَ أمرٌ لهما، والثاني لهما ولقومهما، والثالث لموسى فقط؛ لأن أخاه تَبَعٌ له، ولمَّا كان فِعْلُ البِشارة شريفاً خَصَّ به موسى لأنه هو الأصل.
يونس 10:88
قوله تعالى: {لِيُضِلُّواْ} : في هذه اللامِ ثلاثةُ أوجه، أحدها: أنها لامُ العلة، والمعنى: أنك أتيتَهم ما أتيتهم على سبيل الاستدراج فكان الإِيتاءُ لهذه العلة. والثاني: أنها لام الصيرورة والعاقبة كقوله: {فالتقطه آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} [القصص: 8] . وقولِه:
2622 - لِدُوا للموت وابنُوا للخراب ... . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقولِه:
2623 - فللموتِ تَغْذو الوالداتُ سِخالَها ... كما لخرابِ الدُّوْرِ تُبْنَى المساكنُ وقوله:
2624 - وللمنايا تُرَبِّى كلُّ مُرْضِعَةٍ ... وللخرابِ يَجِدُّ الناسُ عِمْرانا
والثالث: أنها للدعاء عليهم بذلك، كأنه قال: ليثبتوا على ما هم عليه من الضلال وليكونوا ضُلاَّلاً، وإليه ذهب الحسن البصري وبدأ به الزمخشري. وقد استُبْعِد هذا التأويلُ بقراءة الكوفيين «ليُضِلُّوا» بضم الياء فإنه يَبْعُد أن يَدْعُوَ عليهم بأن يُضِلُّوا غيرهم، وقرأ الباقون بفتحها، وقرأ الشعبي بكسرها، فوالى بين ثلاث كسَرات إحداها في ياء. وقرأ [أبو] الفضل الرياشي «أإنك أَتَيْتَ» على الاستفهام. وقال الجبائي: إنَّ «لا» مقدرةٌ بين اللام والفعل تقديره: لئلا يَضِلوا «، ورأيُ البصريين في مثل هذا تقديرُ» كراهةَ «أي: كراهة أن يَضِلُّوا.
قوله: {فَلاَ يُؤْمِنُواْ} يحتمل النصبَ والجزم، فالنصب من وجهين، أحدُهما: عطفُه على» ليضلُّوا «. والثاني: نصبه على جواب الدعاء في قوله» اطمِسْ «. والجزم على أنَّ» لا «للدعاء كقولك:» لا تعذِّبْني يا رب «وهو قريبٌ من معنى» ليُضلوا «في كونِه دعاءً، هذا في جانب شبه النهي، وذلك في جانب شبه الأمر، و» حتى يَرَوا «غايةٌ لنفي إيمانهم، والأول قول الأخفش، والثاني بدأ به الزمخشري، والثالث قول الكسائي والفراء، وأنشد قولَ الشاعر:
2625 - فلا يَنْبَسِطْ من بين عينِك ما انزوى ... ولا تَلْقَني إلا وأنفُكَ راغِمُ
وعلى القول بأنه معطوفٌ على» ليَضِلُّوا «يكون ما بينهما اعتراضاً.
يونس 10:89
قوله تعالى: {أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا} : الضمير لموسى وهرون، وفي التفسير: كان موسى يدعو وهرون يُؤَمِّن، فنسب الدعاء إليهما. وقال بعضُهم: المرادُ موسى وحدَه، ولكن كنى عن الواحد بضمير الاثنين. وقرأ السلميُّ والضحاك «دَعَواتكما» على/ الجمع. وقرأ ابن السَّمَيْفَع «قد أَجَبْتُ دعوتكما» بتاء المتكلم وهو الباري تعالى، و «دعوتَكما» نصب على المفعول به. وقرأ الربيع «أَجَبْتُ دَعْوَتَيْكما» بتاء المتكلم أيضاً. ودَعْوَتَيْكما تثنيةٌ، وهي تدلُّ لمن قال: إن هرون شارك موسى في الدعاء.
قوله: {وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ} قرأ العامة بتشديد التاء والنون، وقرأ حفص بتخفيف النونِ مكسورةً مع تشديد التاء وتخفيفها، وللقُرَّاء في ذلك كلامٌ مضطربٌ بالنسبة للنقل عنه. فأمَّا قراءةُ العامَّة ف «لا» فيها للنهي ولذلك أَكَّد الفعلَ بعدها، ويَضْعُف أن تكونَ نافيةً لأنَّ تأكيدَ المنفيِّ ضعيفٌ، ولا ضرورة بنا إلى ادِّعائه، وإن كان بعضُهم قد ادعى ذلك في قولِه: {لاَّ تُصِيبَنَّ الذين ظَلَمُواْ} [الأنفال: 25] لضرورةٍ دَعَتْ إلى ذلك هناك، وقد تقدَّم تحريرُه ودليلُه في موضعه، وعلى الصحيح تكون هذه جملةَ نهيٍ معطوفةً على جملة أمر.
وأمَّا قراءة حفص ف «لا» تحتمل أن تكون للنفي وأن تكونَ للنهي. فإن كانت للنفي كانت النونُ نونَ رفعٍ، والجملةُ حينئذٍ فيها أوجه، أحدُها: أنها في موضع الحال أي: فاستقيما غيرَ مُتَّبِعَيْنِ، إلا أنَّ هذا معترَض بما قَدَّمْتُه غيرَ مرة مِنْ أنَّ المضارع المنفي ب «لا» كالمثبت في كونِه لا تباشره واوُ الحال، إلا أنْ يُقَدَّر قبلَه مبتدأ فتكونَ الجملةُ اسميةً أي: وأنتما لا تَتَّبعان. والثاني: أنه نفيٌ في معنى النهي كقولِه تعالى: {لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ الله} [البقرة: 83] . الثالث: أنه خبرٌ محضٌ مستأنف لا تَعَلُّقَ له بما قبله، والمعنى: أنهما أُخْبِرا بأنهما لا يتَّبعانِ سبيل الذين لا يعلمون، وإن كانت للنهي كانت النونُ للتوكيد، وهي الخفيفة، وهذا لا يَراه سيبويه والكسائي، أعني وقوعَ النونِ الخفيفة بعد الألف، سواءً كانت الألفُ ألفَ تثنية أو ألفَ فصلٍ بين نونِ الإِناث ونونِ التوكيد نحو: «هل تَضْرِبْنان يا نسوة» . وقد أجاز يونس والفراء وقوعَ الخفيفةِ بعد الألف وعلى قولِهما تتخرَّج القراءةُ. وقيل: أصلُها التشديد وإنما خُفِّفت للثقل فيها كقولهم: «رُبَ» في «رُبَّ» . وأمَّا تشديدُ التاء وتخفيفُها فلغتان مِن اتَّبع يَتَّبع وتَبع يَتْبَع، وقد تقدم هل هما بمعنى واحد أو مختلفان في المعنى؟ وملخصُه أنَّ تَبِعه بشيءٍ: خَلَفه، واتَّبَعَه كذلك، إلا أنه حاذاه في المَشْي، وأَتْبعه: لحقه.
يونس 10:90
قوله تعالى: {وَجَاوَزْنَا ببني} : قد تقدَّم الكلام فيه. وقرأ الحسن «وجَوَّزْنا» بتشديدِ الواو، قال الزمخشري: «وجَوَّزْنا: مِنْ أجاز المكان وجاوَزَه وجَوَّزه، وليس مِنْ جَوَّز الذي في بيت الأعشى:
2626 - وإذا تُجَوِّزُها حبالُ قبيلة ... أَخَذْتَ من الأخرى إليك حبالَها
لأنه لو كان منه لكان حَقُّه أن يقال: وجَوَّزْنا بني إسرائيل في البحر كما قال:
2627 -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... كما جَوَّز السَّكَّيَّ في الباب فَيْتَقُ
يعني أن فَعَّل بمعنى فاعَلَ وأَفْعَل، وليس التضعيفُ للتعدية، إذ لو كان كذلك لتعدَّى بنفسه كما في البيت المشار إليه دون الباء.
وقرأ الحسن» فاتَّبَعَهُم «بالتشديد، وقد تقدم الفرق.
قوله: {بَغْياً وَعَدْواً} يجوز أن يكونا مفعولين مِنْ أجلهما أي: لأجلِ البَغْي والعَدْوِ، وشروطُ النصب متوفرةٌ، ويجوزُ أن يكونا مصدرين في موضع الحال أي: باغين متعدِّين. وقرأ الحسن» وعُدُوَّاً «بضم العين والدال المشددة، وقد تقدَّم ذلك في سورة الأنعام.
قوله: {حتى إِذَآ} غايةٌ لاتِّباعه.
قوله: {آمَنتُ أَنَّهُ} قرأ الأخَوان بكسر إنَّ وفيها أوجه، أحدها: أنها استئنافُ إخبار، فلذلك كُسِرت لوقوعِها ابتداءَ كلام. والثاني: أنه على إضمار القول أي: فقال إنه، ويكون هذا القولُ مفسراً لقوله آمنت. والثالث: أن تكون هذه الجملةُ بدلاً من قوله:» آمنت «، وإبدالُ الجملةِ الاسمية من الفعلية جائزٌ لأنها في معناها، وحينئذ تكون مكسورةً لأنها محكيَّة ب» قال «هذا الظاهر. والرابع: أن» آمنتُ «ضُمِّن معنى القول لأنه قولٌ. وقال الزمخشري:» كَرَّر المخذولُ المعنى الواحدَ ثلاثَ مرات في ثلاث عبارات حِرْصاً على القبول «يعني أنه قال:» آمنتُ «، فهذه مرة، وقال: {أَنَّهُ لا إله إِلاَّ الذي آمَنَتْ بِهِ بنوا إِسْرَائِيلَ} فهذه ثانيةٌ، وقال: {وَأَنَاْ مِنَ المسلمين} فهذه ثالثةٌ، والمعنى واحد» وهذا جنوحٌ منه إلى الاستئنافِ في «إنه» .
وقرأ الباقون بفتحِها وفيها أوجهٌ أيضاً، أحدُها: أنها في محلِّ نصب على المفعولِ به أي: آمَنْتُ توحيدَ، لأنه بمعنى صدَّقْتُ. الثاني: أنها في موضع نصبٍ بعد إسقاط الجارِّ أي: لأنه. الثالث: أنها في محل جر بذلك الجارِّ وقد عَرَفْتَ ما فيه من الخلاف.
يونس 10:92
قوله تعالى: {الآنَ} : منصوبٌ بمحذوفٍ أي: آمنْتَ الآن، أو/ أتؤمن الآن. وقوله: «وقد عَصَيْتَ» جملةٌ حالية، وقد تقدَّم نظيرُ ذلك قريباً.
قوله: {بِبَدَنِكَ} فيه وجهان، أحدُهما: أنها باءُ المصاحبةِ بمعنى مصاحباً لبدنك وهي الدِّرْع، وفي التفسير: لم يُصَدِّقوا بغرقه، وكانت له دِرْعُ تُعْرَفُ فأُلقي بنَجْوة من الأرض وعليه دِرْعُه ليعرفوه، والعربُ تطلِقُ البدنَ على الدرع، قال عمرو بن معد يكرب:
2628 - أعاذِلُ شِكَّتي بدني وسيفي ... وكلّ مُقَلَّصٍ سَلِس القِيادِ
وقال آخر:
2629 - ترى الأبْدانَ فيها مُسْبَغَاتٍ ... على الأبطالِ واليَلَبَ الحصينا
وقيل: ببدنك أي عُرْيانَ لا شيءَ عليه، وقيل: بدناً بلا روح.
والثاني: أن تكونَ سببيةً على سبيل المجاز؛ لأنَّ بدنه سبب في تنجيته، وذلك على قراءةِ ابن مسعود وابن السَّمَيْفَع «بندائك» من النداء وهو الدعاءِ أي: بما نادى به في قومه من كفرانه في قولِه {ونادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ} [الزخرف: 51] {فَحَشَرَ فنادى فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعلى} [النازعات: 23-24] {ياأيها الملأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرِي} [القصص: 38] .
وقرأ يعقوب «نُنْجِيْك» مخففاً مِنْ أنجاه. وقرأ أبو حنيفة «بأبدانك» جمعاً: إمَّا على إرادة الأدْراع لأنه كان يلبس كثيراً منها خوفاً على نفسِه، أو جعل كلَّ جزء مِنْ بدنه بدناً كقوله: «شابت مَفارِقُه» قال:
2630 -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... شابَ المَفارِقُ واكتَسَيْنَ قَتِيرا
وقرأ ابن مسعود وابن السَّمَيْفَع ويزيد البربري «نُنَحِّيْكَ» بالحاء المهملةِ من التَّنْحِيَة أي: نُلْقيك بناحيةٍ فيما يلي البحر، وفي التفسير: أنَّه رماه إلى ساحل البحر كالثور. وهل ننجِّيك من النجاة بمعنى نُبْعدك ممَّا وقع فيه قومُك مِنْ قعر البحر وهو تهكُّم بهم، أو مِنْ ألقاه على نَجْوة أي: رَبْوة مرتفعة، أو مِن النجاة وهو التَّرْكُ أو من النجاء وهو العلامة، وكلُّ هذه معانٍ لائقة بالقصة. والظاهر أن قوله: «فاليوم نُنَجِّيك» خبرٌ محض. وزعم بعضهم أنه على نية همزةِ الاستفهام وفيه بُعْدٌ لحَذْفِها من غيرِ دليل، ولأنَّ التعليلَ بقوله «لتكونَ» لا يناسب الاستفهام.
و «لتكون» متعلِّقٌ ب «نُنَجِّيك» و «آية» أي: علامة، و «لمَنْ خلفك» في محلِّ نصبٍ على الحال مِنْ «آية» لأنه في الأصلِ صفةٌ لها.
يونس 10:93
وقوله تعالى: {مُبَوَّأَ صِدْقٍ} : يجوز أن يكونَ منصوباً على المصدر تقديرُه: بَوَّأناهم مُبَوَّأ صِدْقٍ، وأن يكونَ مكاناً أي: مكان تبوُّء صدق. وقرىء «لمَنْ خَلَفَك» بفتح اللام جعله فعلاً ماضياً، والمعنى: لمَنْ خَلَفَك من الجبابرة ليتَّعِظوا بذلك. وقرىء «لمَنْ خَلَقَك» بالقاف فعلاً ماضياً وهو الله تعالى أي: ليجعلك الله آيةً في عباده. ويجوز أن ينتصب «مُبَّوَّأ» على أنه مفعولٌ ثانٍ كقولِه تعالى: {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ الجنة غُرَفَاً} أي: لنُنْزِلَنَّهُمْ.
يونس 10:94
قوله تعالى: {فَإِن كُنتَ} : في «إنْ» هذه وجهان، الظاهر منهما: أنها شرطيةٌ، ثم استشكلوا على ذلك أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يكنْ في شك قط. قال الزمخشري: «فإن قلت كيف قال لرسوله: {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ} مع قوله للكفرة: {وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ} [هود: 110] ؟ قلت: فرقٌ عظيم بين إثباته الشكَّ لهم على سبيل التوكيد والتحقيق، وبين قوله:» فإن كنت «بمعنى الفَرَض والتمثيل» . وقال الشيخ: «وإذا كانت شرطيةً فقالوا: إنها تدخُل على الممكنِ وجودُه أو المحقَّقِ وجودُه المبهمِ زمنُ وقوعِه كقوله تعالى: {أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ الخالدون} [الأنبياء: 34] . قال» والذي أقولُه إنَّ «إنْ» الشرطية تقتضي تعليق شيءٍ على شيء، ولا تستلزمُ تحتُّمَ وقوعِه ولا إمكانَه، بل قد يكون ذلك في المستحيل عقلاً كقولِه تعالى: {إِن كَانَ للرحمن وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين} [الزخرف: 81] ، ومستحيلٌ أن يكونَ له ولدٌ فكذلك [هذا] ، مستحيلٌ أن يكون في شك، وفي المستحيل عادةً كقوله تعالى: {فَإِن استطعت أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الأرض} [الأنعام: 35] لكنَّ وقوعَها في تعليق المستحيل قليلٌ «. ثم قال:» ولمَّا خَفِي هذا الوجه على أكثر الناس اختلفوا في تخريج هذه الآية، فقال ابن عطية: «الصواب أنها مخاطبةٌ، والمرادُ مَنْ سواه مِنْ أمته ممَّن يمكن أن يَشُكَّ أو يعارِض» . وقيل: كنى بالشك عن الضيق. وقيل: كنى به عن العجب، ووجه المجازِ فيه أن كلاً منهما فيه تَرَدُّد، وقال الكسائي: إنْ كنت في شك أنَّ هذا عادتُهم مع الأنبياء فَسَلْهُمْ كيف كان صبر موسى عليه السلام؟
الوجه الثاني مِنْ وجهي «إنْ» أنها نافية. قال الزمخشري: «أي: فما كنت في شك فاسأل، يعني لا نأمرك بالسؤال لكونِك شاكَّاً ولكن لتزداد يقيناً كما ازدادَ إبراهيم عليه السلام بمعاينة إحياء الموتى. وهذا القولُ سبقه إليه الحسنُ البصري والحسين بن الفضل وكأنه فرارٌ من الإِشكال المتقدِّم في جَعْلها شرطيةً، وقد تقدَّم جوابُه مِنْ وجوهٍ.
وقرأ يحيى وإبراهيم:» يَقْرؤون الكتب «بالجمع، وهي مبينة أن المرادَ بالكتاب الجنسُ لا كتابٌ واحد.
يونس 10:98
قوله تعالى: {فَلَوْلاَ} : «لولا» هنا تحضيضية وفيها معنى التوبيخ، كقول الفرزدق:
2631 - تَعُدُّون عقر النيبِ أفضلَ مَجْدِكُمْ ... بني ضَوْطَرى لولا الكَمِيَّ المقنَّعا
وفي مصحف أُبَي وعبد الله وقرأ كذلك «فهلاَّ» وهي نصُّ في التحضيض. و «كانت» هنا تامة، و «آمنَتْ» صفة لقرية، و «فَنَفَعَها» نسقٌ على الصفة.
قوله: {إِلاَّ قَوْمَ} فيه وجهان، أحدهما: أنه استثناء منقطعٌ وإليه ذهبَ سيبويه والكسائي والأخفش/ والفراء، ولذلك أدخله سيبويه في باب ما لا يكون فيه إلا النصبُ لانقطاعِه، وإنما كان منقطعاً؛ لأن ما بعد «إلا» لا يندرجُ تحت لفظ «قرية» . والثاني: أنه متصل. قال الزمخشري: «استثناءٌ من القرى لأن المرادَ أهاليها، ويجوز أن يكون متصلاً، والجملةُ في معنى النفي كأنه قيل: ما آمنت قريةٌ من القرى الهالكة إلا قوم يونس» .
وقال ابن عطية: «هو بحسب اللفظ استثناءٌ منقطع، وكذلك رسمه النحويون، وهو بحسبِ المعنى متصلٌ لأن تقديره: ما آمنَ أهل قريةٍ إلا قومَ يونس» . قلت: وتقديرُ هذا المضافِ هو الذي صَحَّح كونَه استثناء متصلاً، وكذلك قال أبو البقاء ومكي وابن عطية وغيرهُم. وأمَّا الزمخشري فإن ظاهرَ عبارتِه أنَّ المصحِّحَ لكونه متصلاً كونُ الكلام في معنى النفي، وليس كذلك بل المسوِّغ كونُ القرى يراد بها أهاليها من بابِ إطلاق المحلِّ على الحالِّ، وهو أحد الأوجهِ المذكورة في قوله: {وَسْئَلِ القرية} [يوسف: 82] .
وقرأت فرقة: «إلا قومُ» بالرفع. قال الزمخشري «وقُرىء بالرفعِ على البدل، رُوي ذلك عن الجرميّ والكسائي. وقال المهدوي:» والرفعُ على البدل من «قرية» . فظاهر هاتين العبارتين أنها قراءةٌ منقولةٌ، وظاهرُ قول مكي وأبي البقاء أنها ليسَتْ قراءة، وإنما ذلك من الجائز، وجعلا الرفعَ على وجهٍ آخرَ غيرِ البدل وهو كونُ «إلا» بمعنى: «غير» في وقوعها صفةً. قال مكي: «ويجوزُ الرفعُ على أن تُجْعل» إلا «بمعنى» غير «صفةً للأهل المحذوفين في المعنى ثم يُعْرَبَ ما بعد» إلا «بإعراب» غير «لو ظهَرَتْ في موضع» إلا «. وقال أبو البقاء: وأظنه أخذه منه» ولو كان قد قُرىء بالرفع لكانت «إلا» فيه بمنزلة «غير» فتكون صفة «. وقد تقدم أن في نون يونس ثلاث قراءات قُرىء بها.
يونس 10:99
قوله تعالى: {أَفَأَنتَ تُكْرِهُ} : يجوز في «أنت» وجهان أحدهما: أن يرتفعَ بفعلٍ مقدرٍ مفسَّرٍ بالظاهر بعده وهو الأرجح؛ لأن الاسمَ قد ولي أداةً هي بالفعل أولى. والثاني: أنه مبتدأ والجملة بعده خبرُه، وقد عُرِف ما في ذلك من ذلك من كون الهمزة مقدمةً على العاطف أو ثَمَّ جملةٌ محذوفة كما هو رأي الزمخشري. وفائدة إيلاءِ الاسمِ للاستفهام إعلامٌ بأن الإِكراه ممكنٌ مقدورٌ عليه، وإنما الشأنُ في المُكْرِه مَنْ هو؟ وما هو إلا هو وحده لا يشاركه فيه غيرُه. و «حتى» غايةٌ للإِكراه.
يونس 10:100
وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ} : كقوله: «أن تموتَ» وقد تقدَّم ذلك في آل عمران.
قوله: {وَيَجْعَلُ} قرأ أبو بكر عن عاصم بنون العظمة. والباقون بياء الغيبة وهو الله تعالى. وقرأ الأعمش فصرَّح به {ويجعل اللَّهُ الرِّجْزَ} بالزاي دون السين، وقد تقدَّم هل هما بمعنى أو بينهما فرقٌ؟
يونس 10:101
قوله تعالى: {مَاذَا فِي السماوات} : يجوز أن يكون «ماذا» كله استفهاماً مبتدأ، و «في السموات» خبرُه أي: أيُّ شيءٍ في السموات؟ ويجوزُ أن تكونَ «ما» مبتدأً و «ذا» بمعنى الذي، و «في السموات» صلتُه وهو خبرُ المبتدأ، وعلى التقديرين فالمبتدأُ وخبرُه في محلِّ نصبٍ بإسقاط الخافضِ؛ لأن الفعلَ قبله مُعَلَّقٌ بالاستفهام، ويجوزُ على ضَعْفٍ أن يكونَ «ماذا» كله موصولاً بمعنى الذي وهو في محل نصب ب «انظروا» . ووجهُ ضعفِه أنه لا يخلو: إمَّا أن يكونَ النظر بمعنى البصر فيعدى ب «إلى» ، وإمَّا أن يكونَ قلبيَّاً فيعدَّى ب «في» وقد تقدَّم الكلام في «ماذا» .
قوله: {وَمَا تُغْنِي} ، يجوز في «ما» أن تكون استفهامية، وهي واقعةٌ موقعَ المصدر أي: أيَّ غَناءٍ تُغْني الآيات؟ ويجوز أن تكونَ نافيةً، وهذا هو الظاهر. وقال ابن عطية: ويحتمل أن تكونَ «ما» في قوله: «وما تغني» مفعولةً بقوله: «انظروا» ، معطوفةً على قوله: «ماذا» أي: تأمَّلوا قَدْر غَناء الآيات والنُّذُر عن الكفار «. قال الشيخ:» وفيه ضعفٌ، وفي قوله: «معطوفة على» ماذا «تجُّوزٌ، يعني أن الجملةَ الاستفهامية التي هي {مَاذَا فِي السماوات} في موضع المفعول، إلا أن» ماذا «وحده منصوب ب» انظروا «فتكون» ماذا «موصولةً، و» انظروا «بصرية لما تقدم» يعني لِما تقدم مِنْ أنه لو كانت بصرية لتعدَّتْ ب «إلى» .
و «النُّذُرُ» يجوز أن يكونَ جمعَ نذير، والمراد به المصدر فيكونَ التقدير: وما تُغْني الآيات والإِنذارات، وأن يكونَ جمعَ «نذير» مراداً به اسمَ الفاعل بمعنى مُنْذِر فيكون التقدير: والمنذرون وهم الرسل.
يونس 10:103
قوله تعالى: {ثُمَّ نُنَجِّي} : قال الزمخشري: «هو معطوفٌ على كلامٍ محذوف يدلُّ عليه» إلا مثلَ أيامِ الذين خَلَوا من قبلهم «كأنه قيل: نُهْلك الأمم ثم ننجِّي رسلَنا، معطوفٌ على حكايةِ الأحوال الماضية.
قوله: {كَذَلِكَ} في هذه الكاف وجهان، أظهرهُما: أنه في محلِّ نصب تقديرُه: مثلَ ذلك الإِنجاء الذي نَجَّينا الرسلَ ومؤمنيهم ننجي مَنْ آمن بك يا محمد. والثاني: أنها في/ محل رفع على خبر ابتداء مضمر، وقدَّره ابن عطية وأبو البقاء بقولك: الأمر كذلك.
قوله: {حَقّاً} فيه أوجه، أحدها: أن يكون منصوباً بفعل مقدر أي: حَقَّ ذلك حقاً. والثاني: أن يكون بدلاً من المحذوف النائب عنه الكافُ تقديره: إنجاءً مثل ذلك حقاً والثالث: أن يكونَ» كذلك «و» حقاً «منصوبين ب» نُنْجِ «الذي بعدهما. والرابع: أن يكونَ» كذلك «منصوباً ب» نُنَجِّي « الأولى، و» حقاً «ب» نُنْج «الثانية. وقال الزمخشري:» مثلَ ذلك الإِنجاء ننجي المؤمنين منكم ونهلك المشركين، و «حَقّاً علينا» اعتراض، يعني حَقَّ ذلك علينا حقاً «.
وقرأ الكسائي وحفص» نُنْجي المؤمنين «مخففاً مِنْ أنجى يقال: أنجى ونجى كأَبْدَلَ وبَدَّل، وجمهورُ القراء لم ينقلوا الخلافَ إلا في هذا دون قوله: {فاليوم نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ} [يونس: 92] ودونَ قوله: {ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا} . وقد نقل أبو علي الأهوازي الخلافَ فيهما أيضاً، ورُسِم في المصاحف» نُنْجِ «بجيمٍ دون ياء.
يونس 10:104
قوله تعالى: {فَلاَ أَعْبُدُ} : جواب الشرط، والفعل خبر ابتداء مضمر تقديره: فأنا لا أعبد، ولو وقع المضارعُ منفياً ب «لا» دون فاء لَجُزِمَ، ولكنه مع الفاءِ يُرْفَع على ما ذكرت لك، وكذا لو لم يُنْفَ ب «لا» كقولِه تعالى: {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ} [المائدة: 95] . أي: فهو ينتقم.
قوله: {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ} ، قال الزمخشري: «أصله بأن أكونَ» ، فحُذِفَ الجارُّ، وهذا الحذفُ يحتمل أن يكونَ مِنَ الحذف المطَّرد الذي هو حَذْفُ الحروفِ الجارَّةِ مع أَنْ [وأنَّ] ، وأن يكونَ مِن الحذفِ غيرِ المطرد وهو قوله:
2632 - أَمَرْتُكَ الخيرَ. . . . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
{فاصدع بِمَا تُؤْمَرُ} [الحجر: 94] . قلت: يعني بغيرِ المطَّرد أنَّ حذفَ حرف الجر مسموعٌ في أفعالٍ لا يجوز القياسُ عليها وهي: أمر واستغفر، وقد ذكرتُها فيما تقدَّم، وأشار بقوله: «أمرتك» إلى البيت المشهور:
أَمَرْتُك الخيرَ فافعلْ ما أُمِرْت به ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقد قاس ذلك بعضُ النحويين، ولكن يُشترط أن يتعيَّن ذلك الحرف ويتعيَّن موضعُه أيضاً، وهو رأي علي بن سليمان فيُجيز «بريتُ القلمَ السكين» بخلاف «صَكَكْت الحجرَ بالخشبة» .
يونس 10:105
قوله تعالى: {وَأَنْ أَقِمْ} : يجوزُ أن يكونَ على إضمار فعل أي: وأُوحي إليَّ أَنْ أقم. ثم لك في «أنْ» وجهان، أحدهما: أن تكونَ تفسيريةً لتلك الجملةِ المقدرة، كذا قاله الشيخ وفيه نظرٌ، إذ المفسَّرُ لا يجوز حَذْفُه، وقد رَدَّ هو بذلك في موضعٍ غير هذا. والثاني: أن تكونَ المصدرية فتكون هي وما في حَيِّزها في محل رفع بذلك الفعل المقدر. ويحتمل أن تكون «أن» مصدريةً فقط، وهي على هذا معمولةٌ لقوله: «أمرْتُ» مراعى فيها معنى الكلام، لأنَّ قوله: «أن أكون» كونٌ من أكوان المؤمنين، ووصْلُ «أَنْ» بصيغة الأمرِ جائزٌ، وقد تقدم تحرير بذلك.
وقال الزمخشري: «فإن قلت: عَطْفُ قولِه:» وأَنْ أقم «على» أن أكونَ «فيه إشكالٌ؛ لأن» أنْ «لا تخلو: إمَّا أَنْ تكونَ التي للعبارة، أو التي تكونُ مع الفعل في تأويل المصدر، فلا يَصِحُّ أن تكونَ التي للعبارة وإن كان الأمر ممَّا يتضمَّن معنى القول؛ لأن عطفَها على الموصولة يأبى ذلك، والقولُ بكونِها موصولةً مثلَ الأولى لا يساعدُ عليه لفظُ الأمر وهو» أَقِمْ «؛ لأنَ الصلة حقُّها أن تكونَ جملةً تحتمل الصدق والكذب. قلت: قد سَوَّغ سيبويه أن توصلَ» أنْ «بالأمر والنهي، وشَبَّهَ ذلك بقولهم:» أنت الذي تفعل «على الخطابِ لأن الغرضَ وَصْلُها بما تكونُ معه في تأويل المصدر، والأمرُ والنهيُ دالاَّن على المصدر دلالةَ غيرهما من الأفعال» . قلت: قد قدَّمْتُ الإِشكال في ذلك وهو أنه إذا قُدِّرَتْ بالمصدرِ فاتت الدلالةُ على الأمر والنهي.
ورجَّح الشيخُ كونَها مصدريةً على إضمار فعل كما تقدم تقريره قال: «ليزولَ قَلَقُ العطفِ لوجود الكاف، إذ لو كان» وأنْ أَقِمْ «عطفاً على» أن أكون «لكان التركيب» وجهي «بياء المتكلم، ومراعاةُ المعنى فيه ضَعْفٌ، وإضمارُ الفعل أكثر» .
قوله: {حَنِيفاً} يجوز أن يكونَ حالاً من «الذين» ، وأن يكون حالاً من فاعل «أَقِمْ» أو مفعوله.
يونس 10:106
قوله تعالى: {وَلاَ تَدْعُ} : يجوز أن تكونَ هذه الجملةُ استئنافيةً، ويجوز أن تكونَ عطفاً على جملة الأمر وهي: «أَقِمْ» / فتكونَ داخلةً في صلة «أنْ» بوجهيها، أعني كونَها تفسيريةً أو مصدريةً وقد تقدَّم تحريره. وقوله: {مَا لاَ يَنفَعُكَ} يجوز أن تكون نكرةً موصوفةً، وأن تكونَ موصولةً.
قوله: {فَإِنَّكَ} هو جواب الشرط و «إذن» حرفُ جوابٍ توسَّطت بين الاسمِ والخبر، ورُتْبَتُها التأخيرُ عن الخبر، وإنما وُسِّطَتْ رَعْياً للفواصل. وقال الزمخشري: «إذن» جواب الشرط وجوابٌ لسؤال مقدر، كأن سائلاً سأل عن تَبِعة عبادة الأوثان «. وفي جَعْله» إذن «جزاءً للشرط نظرٌ، إذ جوابُ الشرط محصورٌ في أشياءَ ليس هذا منها.
يونس 10:107
قوله تعالى: {وَإِن يَمْسَسْكَ} : قد تقدَّم ما في ذلك من صناعة البديع في سورة الأنعام. وقال هنا في جواب الشرط الأول بنفي عام وإيجاب، وفي جواب الثاني بنفي عام دونَ إيجاب، لأنَّ ما أراده لا يَرُدُّه رادٌّ، لا هو ولا غيره؛ لأن إرادتَه قديمةٌ لا تتغيَّر، فلذلك لم يَجِيْء التركيب فلا رادَّ له إلا هو، هذه عبارةُ الشيخ، وفيها نظرٌ، وكأنه يقول بخلاف الكشف فإنه هو الفاعل لذلك وحدَه دون غيره بخلافِ إرادته تعالى، فإنها لا يُتَصَوَّر فيها الوقوعُ على خلافها، وهي مسألةٌ خلافية بين أهل السنة والاعتزال. قال الزمخشري: «فإن قلت: لِمَ ذُكِر المَسُّ في أحدهما والإِرادةُ في الثاني؟ قلت: كأنه أراد أن يذكر الأمرين جميعاً: الإِرادة والإِصابة في كلِّ واحد من الضُّر والخير، وأنه لا رادَّ لِما يريده منهما، ولا مُزيلَ لما يُصيب به منهما، فأوجزَ الكلام بأنْ ذكرَ المَسَّ وهو الإِصابةُ في أحدهما والإِرادة في الآخر ليدلَّ بما ذَكَرَ على ما تَرَك، على أنه قد ذَكَر الإِصابة في الخير في قوله: {يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ} .
يونس 10:108
وقوله تعالى: {مِن رَّبِّكُمْ} : يجوز أن يتعلَّقَ ب «جاءكم» و «مِنْ» لابتداء الغاية مجازاً، ويجوز أن يكونَ حالاً من «الحق» .
قوله: {فَمَنُ اهتدى} «ومَنْ ضَلَّ» يجوز أن تكون «مَنْ» شرطاً، فالفاءُ واجبةُ الدخول، وأن تكونَ موصولةً فالفاءُ جائزتُه.
قوله: {وَمَآ أَنَاْ} ، يجوزُ أن تكون الحجازية أو التميميةَّ؛ لخفاء النصب في الخبر. وباقيها واضح.
هود 11:1
قوله تعالى: {كِتَابٌ} : يجوز أن يكون خبراً ل «ألر» أَخْبر عن هذه الأحرفِ بأنها كتابٌ موصوفٌ ب كيتَ وكيتَ/ وأن يكون خبرَ ابتداءٍ مضمرٍ تقديرُه: ذلك كتابٌ، يدلُّ على ذلك ظهوره في قوله تعالى: {ذَلِكَ الكتاب} [البقرة: 2] ، وقد تقدَّم في أولِ هذا التصنيف ما يكفيك في ذلك.
قوله: {أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} في محلِّ رفعٍ صفةً ل «كتاب» ، والهمزةُ في «أُحْكِمَتْ» يجوز أن تكونَ للنقل مِنْ «حَكُمَ» بضم الكاف، أي: صار حكيماً بمعنى جُعِلَتْ حكيمة، كقوله تعالى: {تِلْكَ آيَاتُ الكتاب الحكيم} [لقمان: 2] . ويجوز أنْ يكونَ من قولهم: «أَحْكَمْتُ الدابة» إذا وَضَعْتَ عليها الحَكَمَةَ لمَنْعِها من الجِماح كقول جرير:
2633 - أبني حَنِيْفَةَ أَحْكِموا سُفَهاءَكمْ ... إني أخافُ عليكمُ أَنْ أَغْضبا
فالمعنى أنها مُنِعَتْ من الفساد. ويجوز أَنْ يكونَ لغير النقل، مِن الإِحكام وهو الإِتقان كالبناء المُحْكَمِ المُرْصَفِ، والمعنى: أنهى نُظِمَتْ نَظْماً رصيناً متقناً.
قوله: {ثُمَّ فُصِّلَتْ} «ثم» على بابها مِن التراخي لأنها أُحكمَتْ ثم فُصِّلَتْ بحسب أسبابِ النزول. وقرأ عكرمة والضحاك والجحدري وزيد ابن علي وابن كثير في روايةٍ «فَصَلَتْ» بفتحتين خفيفةَ العين. قال أبو البقاء: «والمعنى: فَرَقَتْ، كقوله: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ} [البقرة: 249] ، أي: فارق» . وفَسَّر هنا غيرُه بمعنى فَصَلَتْ بين المُحِقِّ والمُبْطِل وهو أحسنُ. وجعل الزمخشري «ثم» للترتيب في الإِخبار لا لترتيب الوقوع في الزمان فقال: «فإن قلت: ما معنى» ثم «؟ قلت: ليس معناها التراخي في الوقت ولكن في الحال، كما تقول: هي مُحْكَمَةٌ أحسنَ الإِحكام ثم مُفَصَّلةٌ أحسنَ التفصيل، وفلانٌ كريمٌ الأصل ثم كريمُ الفعل» وقُرِىء أيضاً: «أحْكَمْتُ آياتِه ثم فَصَّلْتُ» بإسناد الفعلين إلى تاء المتكلم ونَصْبِ «آياته» مفعولاً بها، أي: أحكمتُ أنا آياتِه ثم فَصَّلْتُها، حكى هذه القراءةَ الزمخشري.
قوله: {مِن لَّدُنْ} يجوز أن تكونَ صفةً ثانية ل «كتاب» ، وأن تكون خبراً ثانياً عند مَنْ يرى جوازَ ذلك، ويجوز أن تكون معمولةً لأحد الفعلين المتقدِّمين أعني «أُحْكِمَتْ» أو «فُصِّلَتْ» ويكون ذلك من بابِ التنازع، ويكون من إعمال الثاني، إذ لو أَعْمل الأولَ لأضمر في الثاني، وإليه نحا الزمخشري في [قوله] : «وأن يكون صلةَ» أُحْكِمت «و» فُصَّلَتْ «، أي: من عندِ أحكامُها وتفصيلُها، وفيه طباق حسن لأن المعنى: أحكمها حكيم وفصَّلها، أي: شَرَحها وبيَّنها خبيرٌ بكيفيات الأمور» . قال الشيخ: «لا يريد أنَّ» مِنْ لدن «متعلقٌ بالفعلين معاً من حيث صناعةُ الإِعراب بل يريد أن ذلك من بابِ الإِعمال فهي متعلقةٌ بهما من حيث المعنى» وهو معنى قولِ أبي البقاء أيضاً «ويجوز أن يكونَ مفعولاً، والعاملُ فيه» فُصِّلَتْ «.
هود 11:2
قوله تعالى: {أَن لاَّ تعبدوا} : فيها أوجهٌ، أحدُها: أن تكون مخففةً من الثقيلة، و «لا تَعْبُدوا» جملةُ نهيٍ في محلِّ رفعٍ خبراً ل «أنْ» المخففةِ، واسمُها على ما تقرَّر ضميرُ الأمرِ والشأنِ محذوفٌ. والثاني: أنها المصدريةُ الناصبة، ووُصِلَتْ هنا بالنهي ويجوزُ أَنْ تكون «لا» نافيةً، والفعلُ بعدها منصوبٌ ب «أَنْ» نفسها، وعلى هذه التقادير ف «أَنْ» : إمَّا في محل جر أو نصب أو رفع، فالنصبُ والجرُّ على أنَّ الأصل: لأنْ لا تَعْبدوا، أو بأن لا تعبدوا، فلمَّا حُذِفَ الخافضُ جرى الخلافُ المشهور، والعامل: إمَّا «فُصِّلَتْ» وهو المشهور، وإمَّا «أُحْكِمَتْ» عند الكوفيين، فتكون المسألة من الإِعمال، لأن المعنى: أُحْكِمَتْ لئلا تَعْبدوا أو بأن لا تعبدوا أو فُصِّلَتْ لأنْ لا تعبدوا، أو بأن لا تعبدوا. وقيل: نصب بفعل مقدر تقديره ضَمَّن آيَ الكتابِ أن لا تعبدوا، ف «أنْ لا تعبدوا» هو المفعولُ الثاني ل «ضَمَّن» والأولُ قام مقام الفاعل.
والرفعُ فمِنْ أوجه، أحدها: أنها مبتدأٌ، وخبرُها محذوفٌ فقيل: تقديرُه: مِن النظر أن لا تعبدوا إلا اللَّه. وقيل: تقديره: في الكتابِ أن لا تعبدوا إلا اللَّهَ. والثاني: خبرُ مبتدأ محذوف، فقيل: تقديرُه: تفصيلُه أن لا تعبدوا إلا اللَّه. وقيل: تقديرُه: هي أن لا تعبدوا إلا اللَّه. والثالث: أنه مرفوعٌ على البدل من «آياته» قال الشيخ: «وأما مَنْ أعربه أنه بدل من لفظ» آيات «أو مِنْ موضعها» قلت: يعني أنها في الأصل مفعولٌ بها/ فموضعُها نصبٌ وهي مسألةُ خلاف: هل يجوز أن يراعى أصلُ المفعولِ القائمِ مقامَ الفاعلِ فيُتبعَ لفظُه تارة وموضعُه أخرى فيُقال: «ضُرِبَتْ هندٌ العاقلة» بنصب «العاقلة» باعتبار المحلِّ، ورفعِها باعتبار اللفظ، أم لا، مذهبان، المشهورُ مراعاةُ اللفظِ فقط.
والثالث: أن تكونَ تفسيريةً؛ لأن في تفصيلِ الآيات معنى القول، فكأنه قيل: لا تعبدوا إلا اللَّه أو أَمَرَكم، وهذا أظهرُ الأقوال؛ لأنه لا يُحْوج إلى إضمار.
قوله: «منه» في هذا الضمير وجهان: أحدهما وهو الظاهرُ أنه يعودُ على اللَّه تعالى، أي: إنني لكم مِنْ جهة اللَّه نذيرٌ وبشير. قال الشيخ: «فيكون في موضع الصفةِ فيتعلَّقُ بمحذوفٍ، أي: كائن من جهته» . وهذا على ظاهره ليس بجيد؛ لأن الصفةَ لا تتقدمُ على الموصوف فكيف تُجعلِ صفةً ل «نذير» ؟ كأنه يريد أنه صفةٌ في الأصلِ لو تأخَّر، ولكنْ لمَّا تقدَّم صارَ حالاً، وكذا صَرَّح به أبو البقاء، فكان صوابه أن يقول: فيكون في موضع الحال، والتقدير: كائناً مِنْ جهته. الثاني: أنه يعودُ على الكتاب، أي: نذيرٌ لكم مِنْ مخالفته وبشيرٌ منه لمَنْ آمن وعمل صالحاً.
وفي متعلَّقِ هذا الجارِّ أيضاً وجهان، أحدهما: أنه حال من «نذير» ، فيتعلَّق بمحذوف كما تقدم. والثاني: أنه متعلق بنفس «نذير» أي: أُنْذركم مِنْه ومِنْ عذابِه إنْ كفرتم، وأبشِّرُكم بثوابه إنْ آمنتم. وقدَّم الإِنذار لأنَّ التخويف أَهَمُّ إذ يحصُل به الانزجار.
هود 11:3
قوله تعالى: {وَأَنِ استغفروا} : فيها وجهان: أحدهما: أنه عطفٌ على «أنْ» الأولى سواءً كانت «لا» بعدها نفياً أو نهياً، فتعودُ الأوجهُ المنقولةُ فيها إلى «أَنْ» هذه. والثاني: أن تكونَ منصوبةً على الإِغراء. قال الزمخشري في هذا الوجه: «ويجوز أن يكونَ كلاماً مبتدأً منقطعاً عَمَّا قبلَه على لسان النبي صلى اللَّه عليه وسلم إغراءً منه على اختصاص اللَّه تعالى بالعبادة، ويدل عليه قولُه: إني لكم منه نذيرٌ وبشير كأنه قال: تركَ عبادةَ غيرِ اللَّه إنني لكم منه نذيرٌ كقولِه تعالى: {فَضَرْبَ الرقاب} [محمد: 4] .
قوله: {ثُمَّ توبوا} عطفٌ على ما قبلَه من الأمر بالاستغفار و» ثم «على بابِها من التراخي لأنه يستغفرُ أولاً ثم يتوبُ ويتجرَّدُ من ذلك الذنبِ المستغفَرِ منه. قال الزمخشري:» فإن قلتَ: ما معنى «ثم» في قوله {ثُمَّ توبوا إِلَيْهِ} ؟ قلت: معناه: استغفروا من الشرك ثم ارجعوا إليه بالطاعة، أو استغفروا والاستغفارُ توبةٌ ثم أَخْلِصوا التوبةَ واستقيموا عليها كقوله تعالى: {ثُمَّ استقاموا} [الأحقاف: 13] . قلت: قوله: «أو استغفروا» إلى آخره يعني أن بعضَهم جَعَلَ الاستغفارَ والتوبةَ بمعنى واحد، فلذلك احتاج إلى تأويل «توبوا» ب «أَخْلِصوا التوبة» .
قوله: {يُمَتِّعْكُمْ} جوابُ الأمر. وقد تقدَّم الخلافُ في الجازم: هل هو نفسُ الجملةِ الطلبية أو حرفُ شرطٍ مقدَّر. وقرأ الحسن وابن هرمز وزيد بن علي وابن محيصن «يُمْتِعْكم» بالتخفيف مِنْ أَمْتَعَ، وقد تقدَّم أن نافعاً وابن عامر قرأ {فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً} [البقرة: 126] في البقرة بالتخفيف كهذه القراءة.
قوله: {مَّتَاعاً} في نصبه وجهان، أحدهما: أنه منصوب على المصدرِ بحذفِ الزوائد، إذ التقدير: تمتيعاً فهو كقوله: {أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأرض نَبَاتاً} [نوح: 17] . والثاني: أنه ينتصبَ على المفعول به، والمراد بالمتاعِ اسمُ ما يُتَمَتَّع به فهو كقولك: «متَّعْتُ زيداً أثواباً» .
قوله: {كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} «كلَّ» مفعول أول، و «فضلَه» مفعولٌ ثانٍ، وقد تقدَّم للسهيلي خلافٌ في ذلك. والضمير في «فضله» يجوز أن يعودَ على اللَّه تعالى، أي: يعطي كلَّ صاحب فضلٍ فضلَه، أي: ثوابَه، وأن يعودَ على لفظ كل، أي: يعطي كلَّ صاحبِ فضلٍ جزاءَ فَضْلِهِ، لا يَبْخَسُ منه شيئاً أي: جزاء عمله.
قوله: {وَإِن تَوَلَّوْاْ} قرأ الجمهور «تَوَلَّوا» بفتح التاء والواو واللامِ المشددة، وفيها احتمالان، أحدهما: أن الفعلَ مضارعُ تَوَلَّى، وحُذِف منه إحدى التاءين تخفيفاً نحو: تَنَزَّلُ، وقد تقدَّم: أيتُهما المحذوفةُ، وهذا هو الظاهر، ولذلك جاء الخطاب في قوله «عليكم» . والثاني: أنه فعلٌ ماضٍ مسندٌ لضمير الغائبين، وجاء الخطابُ على إضمار القول، أي: فقل لهم: إني أخاف عليكم، ولولا ذلك لكان التركيب: فإني أخاف عليهم.
وقرأ اليماني وعيسى بن عمر: «تُوَلُّوا» بضم التاء وفتح الواو وضم اللام، وهو مضارعُ ولَّى كقولك زكَّى يزكِّي. ونقل صاحب «اللوامح» عن اليماني وعيسى: «وإن تُوُلُّوا» بثلاث ضمَّات مبنياً للمفعول. قلت: ولم يُبَيِّن ما هو ولا تصريفَه؟ وهو فعلٌ ماضٍ، ولما بُني للمفعول ضُمَّ أولُه على الفاعل، وضُمَّ ثانيه أيضاً؛ لأنه مفتتحٌ بتاءِ مطاوَعَةٍ/ وكلُّ ما افْتُتِح بتاءِ مطاوعةٍ ضُمًّ أولُه وثانيه، وضُمَّت اللام أيضاً وإن كان أصلُها الكسرَ لأجل واو الضمير، والأصل «تُوُلِّيُوا» نحو: تُدُحْرِجوا، فاسْتُثْقِلت الضمةُ على الياء، فحُذِفت فالتقى ساكنان، فحُذِفت الياءُ لأنها أولهما، فبقي ما قبل واوِ الضمير مكسوراً فَضُمَّ ليجانِسَ الضميرَ، فصار وزنُه تُفُعُّوا بحَذْف لامِه، والواوُ قائمةٌ مقامَ الفاعل.
وقرأ الأعرج «تُوْلُوا» بضم التاء وسكون الواو وضم اللام مضارعَ أَوْلَى، وهذه القراءةُ لا يظهر لها معنى طائلٌ هنا، والمفعولُ محذوفٌ يُقَدَّر لائقاً بالمعنى
و «كبير» صفةٌ ل «يوم» مبالغةً لما يقع فيه من الأهوال وقيل: بل «كبير» صفةٌ ل «عذاب» فهو منصوبٌ وإنما خُفِضَ على الجِوار كقولهم: «هذا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ» بجرِّ «خَرِبٍ» وهو صفةٌ ل «جُحر» وقولِ امرىء القيس:
2634 - كأن ثَبِيراً في عَرانين وَبْلِه ... كبيرُ أناسٍ في بِجادٍ مُزَمَّل
بجر «مُزَمّل» وهو صفةٌ ل «كبيرُ» . وقد تقدَّمَ القولُ في ذلك مشبعاً في سورة المائدة.
هود 11:5
قوله تعالى: {يَثْنُونَ} : قراءةُ الجمهورِ بفتح الياء وسكونِ الثاءِ المثلثةِ، وهو مضارعُ ثنى يَثْني ثَنْياً، أي: طوى وزوى، و «صدورَهم» مفعول به والمعنى: «يَحْرِفون صدورَهم ووجوههم عن الحق وقبولِه» والأصل: يَثْنِيُون فأُعِلَّ بحذفِ الضمةِ عن الياء، ثم تُحْذَفُ الياءُ لالتقاءِ الساكنين.
وقرأ سعيد بن جبير «يُثْنُون» بضم الياء وهو مضارع أثنى كأكرم.
واستشكل الناسُ هذه القراءةَ فقال أبو البقاء: «ماضيه أَثْنى، ولا يُعرف في اللغة، إلا أن يُقالَ: معناه عَرَضوها للانثناء، كما يُقال: أَبَعْتُ الفرسَ: إذا عَرَضْتَه للبيع» . وقال صاحب «اللوامح» : «ولا يُعرف الإِثناء في هذا الباب، إلا أن يُرادَ بها: وَجَدْتُها مَثْنِيَّة، مثل: أَحْمَدْتُه وأَمْجَدْتُه، ولعله فتح النون، وهذا ممَّا فُعِل بهم فيكون نصب» صدورَهم «بنزع الجارِّ، ويجوز إلى ذلك أن يكون» صدورهم «رَفْعاً على البدلِ بدلِ البعض من الكل» . قلت: يعني بقوله: «فلعله فتح النون» ، أي: ولعل ابنَ جبير قرأ ذلك بفتح نونِ «يُثْنَون» فيكون مبنياً للمفعول، وهو معنى قولِه «وهذا مما فُعِل بهم، أي: وُجِدوا كذلك، فعلى هذا يكون» صدورَهم «منصوباً بنزع الخافض، أي: في صدورهم، أي: يوجد الثَّنْيُ في صدورهم، ولذلك جَوَّز رفعَه على البدل كقولك:» ضُرِب زيدٌ الظهرُ «. ومَنْ جوَّز تعريفَ التمييز لا يَبْعُدُ عنده أن ينتصبَ» صدورَهم «على التمييز بهذا التقديرِ الذي قدَّره.
وقرأ ابن عباس وعلي بن الحسين وابناه زيد ومحمد وابنه جعفر ومجاهد وابن يعمر وعبد الرحمن بن أبزى وأبو الأسود:» تثنونى «مضارع» اثنونى «على وزن افْعَوْعَل من الثَّنْي كاحلولى من الحَلاوة وهو بناءُ مبالغةٍ،» صدورُهم «بالرفع على الفاعلية، ونُقِل عن ابن عباس وابن يعمر ومجاهد وابن أبي إسحاق:» يثنونى صدورُهم «بالتاء والياء، لأن التأنيثَ مجازيٌّ، فجاز تذكيرُ الفعلِ باعتبار تأوُّل فاعلِه بالجمع، وتأنيثُه باعتبار تَأْويل فاعلِه بالجماعة.
وقرأ ابن عباس أيضاً وعروة وابن أبزى والأعشى» تَثْنَوِنُّ «بفتح التاء وسكونِ الثاء وفتح النون وكسر الواو وتشديد النون الأخيرة والأصلُ: تَثْنَوْنِنُ بوزن تَفْعَوْعِلُ وهو الثِّنُّ وهو ما هشَّ وضَعُفَ مِن الكلأ، يريد مطاوعةَ نفوسِهم للثَّنْي كما يُثْنى الهشُّ من النبات، أو أراد ضَعْفَ إيمانهم ومرض قلوبهم. و» صدورُهم «بالرفع على الفاعلية.
وقرأ مجاهد وعروة أيضاً كذلك، إلا أنهما جَعَلا مكانَ الواوِ المكسورة همزةً مكسورةً فأخرجاها مثل» تطمئن «. وفيها تخريجان، أحدهما: أنَّ الواوَ قُلِبَتْ همزةً لاستثقال الكسرة عليها، ومثله إعاء وإشاح في وِعاء ووشاح، لَمَّا استثقلوا الكسرةَ على الواو أبدلوها همزةً.
والثاني: أن وزنه تَفْعَيلُّ من الثِّن وهو ما ضَعُف من النبات كما تقدم، وذلك أنه مضارع ل «اثْنانَّ» مثل احْمارَّ واصْفارَّ، وقد تقدَّم لك أن مِن العرب مَنْ يقلبُ مثلَ هذه الألفِ همزةً كقوله:
2635 -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . بالعَبيطِ ادْهَأَمَّتِ
فجاء مضارع اثْنَأَنَّ على ذلك كقولك: احْمَأَرَّ يَحْمَئِرُّ كاطمأَنَّ يطمئِنُّ. وأمَّا «صدورُهم» فبالرفع على ما تقدم.
وقرأ الأعشى أيضاً «تَثْنَؤُوْنَ» بفتح التاء وسكون المثلثة وفتح النون وهمزةٍ مضمومةٍ وواوٍ ساكنةٍ بزنة تَفْعَلُون كتَرْهَبُون. «صدورَهم» بالنصب. قال صاحب «اللوامح» ولا أعرفُ وجهَه لأنه يُقال «ثَنَيْتُ» ولم أسمعْ «ثَنَأْت» ، ويجوز أنه قلبَ الياءَ ألفاً على لغة مَنْ يقول «أَعْطَات» في أَعْطَيْت، ثم هَمَز الألفَ على لغةِ مَنْ يقول {وَلاَ الضألين} [الفاتحة: 7] .
وقرأ ابنُ عباس أيضاً «تَثْنَوي» بفتح التاء وسكون/ المثلثة وفَتْحِ النونِ وكسرِ الواو بعدها ياءٌ ساكنةً بزِنَة تَرْعَوي وهي قراءةٌ مُشْكلة جداً حتى قال أبو حاتم: «وهذه القراءةُ غلطٌ لا تتَّجه» وإنما قال: إنها غلط؛ لأنه لا معنى للواو في هذا الفعل إذ لا يُقال: «ثَنَوْتُه فانثوى كرَعَوْته، أي: كفَفْتُه فارعوى، أي: فانكفَّ ووزنه افعلَّ كاحمرَّ.
وقرأ نصر بن عاصم وابن يَعْمر وابن أبي إسحاق» يَثْنُون «بتقديم النون الساكنة على المثلثة.
وقرأ ابنُ عباس أيضاً» لتَثْنَوْنِ «بلام التأكيد في خبر» إنَّ «وفتح التاءِ وسكون المثلثة وفتح النون وسكون الواو بعدها نونٌ مكسورةٌ وهي بزنة تَفْعَوْعِلُ، كما تقدَّم، إلا أنها حُذِفَت التاء التي هي لامُ الفعل تخفيفاً كقولهم: لا أدرِ وما أَدْرِ. و» صدورُهم «فاعلٌ كما تقدم.
وقرأ طائفةٌ:» تَثْنَؤُنَّ «بفتح التاء ثم ثاء مثلثة ساكنة ثم نونٍ مفتوحةٍ ثم همزةٍ مضمومةٍ ثم نون مشددة، مثل تَقْرَؤُنَّ، وهو مِنْ ثَنَيْتُ، إلا أنه قَلَبَ الياءَ واواً لأن الضمةَ تنافِرُها، فجُعِلَت الحركةُ على مجانِسها، فصار اللفظُ تَثْنَوُوْنَ ثم قُلبت الواوُ المضمومةُ همزةً كقولهم:» أُجوه «في» وُجوه «و» أُقِّتَتْ «في» وقِّتت «فصار» تَثْنَؤُون «، فلمَّا أُكِّد الفعلُ بنونِ التوكيد حُذِفَتْ نونُ الرفع فالتقى ساكنان: وهما واوُ الضمير والنون الأولى مِنْ نون التوكيد، فحُذِفَتْ الواو وبقيت الضمةُ تدلُّ عليها فصار تَثْنَؤُنَّ كما ترى. و» صدورَهم «منصوب مفعولاً به فهذه إحدى عشرةَ قراءةً بالغْتُ في ضبطها باللفظ وإيضاح تصريفها؛ لأني رأيتها في الكتب مهملةً من الضبط باللفظ وغالبِ التصريف، وكأنهم اتَّكلوا في ذلك على الضبطِ بالشكل في الكتابة وهذا متعبٌ جداً.
قوله {لِيَسْتَخْفُواْ} فيه وجهان، أحدهما: أن هذه اللام متعلقةٌ ب» يَثْنُون «وكذا قاله الحوفي، والمعنى أنهم يفعلون ثَنْي الصدورِ لهذه العلة.
وهذا المعنى منقولٌ في التفسير ولا كُلْفَةَ فيه. والثاني: أن اللام متعلقةٌ بمحذوفٍ، قال الزمخشري: «ليَسْتَخْفُوا منه» يعني ويريدون: ليستَخْفُوا من اللَّه فلا يُطْلِعُ رسولَه والمؤمنين على ازْوِرارهم، ونظيرُ إضمارِ «يريدون» لعَوْدِ المعنى إلى إضماره الإِضمارُ في قولِه تعالى: {أَنِ اضرب بِّعَصَاكَ البحر فانفلق} [الشعراء: 63] معناه: «فضرب فانفلق» قلت: ليس المعنى الذي يقودُنا إلى إضمار الفعل هناك كالمعنى هنا؛ لأن ثَمَّ لا بد منْ حذفِ معطوفٍ يُضْطر العقلُ إلى تقديره؛ لأنه ليس مِن لازم الأمر بالضرب انفلاقُ البحر فلا بد أن يُتَعقَّل «فضرب فانفلق» ، وأمَّا في هذه فالاستخفاف علة صالحةٌ لتَثْنيهم صدورَهم فلا اضطرار بنا إلى إضمار الإِرادة.
والضميرُ في «منه» فيه وجهان، أحدهما: أنه عائد على رسولِ اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وهو ظاهرٌ على تعلُّق اللام ب «يَثْنون» . والثاني: أنه عائدٌ على اللَّه تعالى كما قال الزمخشري.
قوله: {أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ} في هذا الظرف وجهان، أحدهما: أنَّ ناصبَه مضمرٌ، فقدَّره الزمخشري ب «يريدون» كما تقدَّم، فقال: «ومعنى ألا حين يَسْتَغْشُون ثيابهم: ويريدون الاستخفاء حين يستغشون ثيابَهم أيضاً كراهةً لاستماع كلامِ اللَّه كقولِ نوحٍ عليه السلام {جعلوا أَصَابِعَهُمْ في آذَانِهِمْ واستغشوا ثِيَابَهُمْ} [نوح: 7] ، وقدَّره أبو البقاء فقال:» ألا حين يَسْتَغْشون ثيابهم يَسْتخفون «. والثاني: أن الناصبَ له» يَعْلَمُ «، أي: ألا يعلمُ سِرَّهم وعَلَنهم حين يفعلون كذا، وهو معنى واضح، وكأنهم إنما جوَّزوا غيره لئلا يلزم تقييد علمه تعالى بسرِّهم وعَلَنِهم بهذا الوقت الخاص، وهو تعالى عالمٌ بذلك في كل وقت. وهذا غيرُ لازمٍ، لأنه إذا عُلِم سِرُهم وعلنُهم في وقتِ التغشية الذي يخفى فيه السرُّ فأَوْلى في غيره، وهذا بحسب العادةِ وإلا فاللَّهُ تعالى لا يتفاوتُ عِلْمُه. و» ما «يجوز أن تكونَ» مصدريةً «، وأن تكونَ بمعنى الذي، والعائد محذوف، أي: تُسِرُّونه وتُعْلِنونه.
هود 11:6
قوله تعالى: {مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا} : يجوز أن يكونا مصدَرْين، أي: استقرارها واستيداعها، ويجوز أن يكونا مكانين، أي: مكان استقرارها واستيداعها. ويجوز أن يكون مستودعها اسمَ مفعول لتعدِّي فِعْلِه، ولا يجوز ذلك في «مستقر» لأنَّ فعلَه لازمٌ، ونظيرُه في المصدرية قولُ الشاعر:
2636 - ألم تعلمْ مُسَرَّحِيَ القوافي ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أي: تَسْريحي.
قوله: {كُلٌّ} المضافُ إليه محذوفٌ تقديرُه: كل دابةٍ وزرقُها ومستقرُّها ومستودَعُها في كتاب مبين.
هود 11:7
قوله تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ} : في هذه اللام وجهان، أحدهما: أنها متعلقةٌ بمحذوفٍ فقيل: تقديرُه: أَعْلَمَ بذلك ليبلوَكم. وقيل: ثَمَّ جملٌ محذوفةٌ والتقدير: وكان خلقُه لهما لمنافعَ يعودُ عليكم نفعُها في الدنيا دون الآخرة وفَعَل ذلك لِيَبْلُوَكم. وقيل: / تقديرُه: وخلقكم ليبلوَكم. والثاني: أنها متعلقةٌ ب «خلق» قال الزمخشري: «أي: خلقهُنَّ لحكمةٍ بالغةٍ وهي أَنْ يَجْعَلَها مساكنَ لعباده وينعمَ عليهم فيها بصنوف النِّعَمِ ويُكَلِّفهم فعلَ الطاعاتِ واجتنابَ المعاصي، فَمَنْ شكر وأطاع أثابه، ومَنْ كفر وعصى عاقبه، ولمَّا أَشْبَهَ ذلك اختبارَ المُخْتبر قال» ليبلوَكم «، يريد: ليفعلَ بكم ما يفعل المبتلي لأحوالكم.
قوله: {أَيُّكُمْ أَحْسَنُ} مبتدأٌ وخبر في محل نصب بإسقاط الخافضِ؛ لأنه مُعَلِّقٌ لقوله» ليبلوكم «. قال الزمخشري:» فإن قلت: كيف جاز تعليقُ فعلِ البلوى؟ قلت: لما في الاختيار من معنى العلم؛ لأنه طريقٌ إليه فهو ملابسٌ له كما تقول: «انظر أيُّهم أحسنُ وجهاً، واسمع أيُّهم أحسنُ صوتاً» لأن النظر والاستماع من طرق العلم «. وقد واخذه الشيخُ في تمثيله بقوله» واسمع «قال:» لم أعلمْ أحداً ذكر أنَّ «استمع» يُعَلَّق، وإنما ذكروا من غيرِ أفعالِ القلوب «سَلْ» ، و «انظر» ، وفي جواز تعليق «رأى» البصريةِ خلافٌ «.
قوله: {وَلَئِن قُلْتَ} : هذه لامُ التوطئة للقسم، و» ليقولُنَّ «جوابُه، وحُذِفَ جوابُ الشرط لدلالة جواب القسم عليه، و» إنكم «محكيٌّ بالقول، ولذلك كُسِرت في قراءة الجمهور. وقُرىء بفتحها، وفيها تأويلان ذكرهما الزمخشري، أحدهما: أنها بمعنى لعلَّ، قال:» مِنْ قولهم: «ائت السُّوق أنك تشتري لحماً» ، أي: لعلك، أي: ولئن قلت لهم: لعلكم مبعوثون بمعنى توقَّعوا بَعْثَكم وظُنُّوه، ولا تَبُثُّوا القولَ بإنكاره، لقالوا «. والثاني: أن تُضَمِّنَ» قلتَ «معنى» ذَكَرْتَ «يعنى فتفتح الهمزة لأنها مفعول» ذكرْتَ «.
قوله: {إِنْ هاذآ إِلاَّ سِحْرٌ} قد تقدم أنه قُرىء» سِحْر «و» ساحر «، فَمَنْ قَرَأَ» سِحْر «ف» هذا «إشارةٌ إلى البعث المدلولِ عليه بما تقدَّم، أو إشارةٌ إلى القرآن لأنه ناطق بالبعث. ومَنْ قرأ» ساحر «فالإِشارةُ ب» هذا «إلى النبي صلى اللَّه عليه وسلم ويجوز أن يُرادَ ب» هذا «في القراءة الأولى النبيُّ صلى اللَّه عليه وسلم أيضاً، ويكون جَعَلوه سِحْراً مبالغةً، أو على حذف مضاف، أي: إلا ذو سحر. ويجوز أن يُراد ب» ساحر «نفسُ القرآنِ مجازاً كقولهم» شعرٌ شاعرٌ «و» جَدَّ جَدُّه «.
هود 11:8
قوله تعالى: {لَّيَقُولُنَّ} : هذا الفعلُ معربٌ على المشهور لأن النونَ مفصولةٌ تقديراً، إذا الأصلُ: ليقولونَنَّ: النون الأولى للرفع، وبعدها نونٌ مشددة، فاستثقلَ توالي ثلاثةِ أمثال، فحُذِفَتْ نونُ الرفع لأنها لا تدلُّ مِن المعنى على ما تدل عليه نون التوكيد، فالتقى ساكنان، فحذفت الواوُ التي هي ضميرُ الفاعل لالتقائِهما، وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك.
و «ما يَحْبِسُه» استفهامٌ، ف «ما» مبتدأ، و «يحبسُه» خبره، وفاعلُ الفعل ضميرُ اسم الاستفهام، والمنصوب يعود على العذاب، والمعنى: أيُّ شيءٍ من الأشياء يَحْبِسُ العذاب؟ .
قوله: {يَوْمَ يَأْتِيهِمْ} منصوبٌ ب «مصروفاً» الذي هو خبر «ليس» ، وقد استدلَّ به جمهور البصريين على جواز تقديم خبر «ليس عليها، ووجهُ ذلك أن تقديمَ المعمول يُؤْذن بتقديم العامل، و» يومَ «منصوب ب» مصروفاً «وقد تقدَّم على» ليس «فليَجُزْ تقديمُ الخبرِ بطريق الأولى؛ لأنه إذا تقدَّم الفرعُ فأولى أن يتقدَّم الأصلُ. وقد رَدَّ بعضهم هذا الدليلَ بشيئين، أحدهما: أن الظرفَ يُتوسَّع فيه ما لا يُتوسَّع في غيره. والثاني: أن هذه القاعدةَ منخرمةٌ، إذ لنا مواضعُ يتقدم فيها المعمولُ ولا يتقدم فيها العامل، وأوردَ مِنْ ذلك نحوَ قوله تعالى: {فَأَمَّا اليتيم فَلاَ تَقْهَرْ وَأَمَّا السآئل فَلاَ تَنْهَرْ} [الضحى: 9-10] فاليتيمَ منصوب ب» تقهرْ «، و» السائلَ «منصوبٌ ب» تَنْهَرْ «وقد تَقَدَّما على» لا «الناهية، ولا يتقدَّمُ العاملُ وهو المجزوم على» لا «، وللبحث في هذه المسألة موضعٌ هو أليقُ به. قال الشيخ:» وقد تَتَبَّعْتُ جملةً من دواوين العرب فلم أظفر بتقديم خبر «ليس» عليها ولا بمعموله إلا ما دلَّ عليه ظاهرُ هذه الآية وقولِ الشاعر:
2637 - فيأبى فما يَزْدادُ إلا لَجاجَةً ... وكنتُ أَبِيَّاً في الخَفَا لستُ أُقْدِمُ
واسمُ «ليس» ضميرٌ عائد على «العذاب» ، وكذلك فاعل «يأَْتيهم» ، والتقدير: ألا ليسَ العذاب مصروفاً عنهم يوم يأتيهم العذاب. وحكى أبو البقاء عن بعضهم أن العاملَ في «يومَ يأتيهم» محذوف، تقديره: أي: لا يُصْرَفُ عنهم العذابُ يوم يأتيهم، ودلَّ على هذا المحذوفِ سياق الكلام.
هود 11:10
قوله تعالى: {لَفَرِحٌ} : قرأ الجمهور بكسرِ الراء، وهو قياسُ اسمِ الفاعل من فَعِل اللازم بكسر العين نحو: أَشِرَ فهو أَشِرٌ، وبَطِرَ فهو بَطِرٌ. وقرىء شاذاً «لَفَرُح» بضم الراء نحو: يَقِظ ويَقُظ، ونَدِس ونَدُس.
هود 11:11
قوله تعالى: {إِلاَّ الذين صَبَرُواْ} : فيه ثلاثةُ أوجه، أحدها: أنه منصوبٌ على الاستثناء المتصل؛ إذ المرادُ به جنس/ الإِنسانِ لا واحدٌ بعينه. والثاني: أنه منقطعٌ، إذ المراد بالإِنسان شخصٌ معين، وهو على هذين الوجهين منصوبُ المحل. والثالث: أنه مبتدأ، والخبرُ الجملةُ من قوله {أولئك لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ} وهو منقطعٌ أيضاً. وقوله: «مغفرةٌ» يجوز أن يكونَ مبتدأ، و «لهم» الخبر، والجملةُ خبرُ «أولئك» ، ويجوز أن يكونَ «لهم» خبرَ «أولئك» و «مغفرة» فاعلٌ بالاستقرار.
هود 11:12
قوله تعالى: {فَلَعَلَّكَ} : الأحسنُ أن تكونَ على بابها من الترجِّي بالنسبة إلى المخاطب. وقيل: هي للاستفهام كقوله عليه السلام: «لعلنا أعجلناك»
قوله: {وَضَآئِقٌ} نسقٌ على «تارك» . وعَدَلَ عن «ضيّق» وإن كان أكثر من « ضائق» قال الزمخشري: «ليدلَّ على أنه ضيِّق عارضٌ غيرُ ثابت، ومثلُه سَيِّد وجَواد، فإذا أردْتَ الحدوثَ قلت: سائدٌ وجائد» . قال الشيخ: «وليس هذا الحكمُ مختصاً بهذه الألفاظ، بل كلُّ ما بُني من الثلاثي للثبوتِ والاستقرارِ على غير فاعِل رُدَّ إليه إذا أريد به معنى الحدوث تقول: حاسِن وثاقِل وسامِن في حَسُن وثَقُل وسَمُنَ» وأنشد:
2638 - بمنزلةٍ أمَا اللئيمُ فسامِنٌ ... بها وكرامُ الناسِ بادٍ شُحوبُها
وقيل: إنما عَدَل عن ضيِّق إلى ضائق ليناسب وزن تارك.
والهاءُ في «به» تعود على «بعض» . وقيل: على «ما» . وقيل: على التكذيب. و «صدرُك» فاعل ب «ضائق» . ويجوز أن يكون «ضائقٌ» خبراً مقدماً، و «صدرك» مبتدأٌ مؤخرٌ، والجملة خبرٌ عن الكاف في «لعلك» ، فيكون قد أخبر بخبرين، أحدهما مفرد، والثاني جملة عُطِفت على مفرد، إذ هي بمعناه، فهو نظير: «إنَّ زيداً قائم وأبوه منطلق» ، أي: إن زيداً أبوه منطلق.
قوله: {أَن يَقُولُواْ} في محلِّ نصبٍ أو جرٍّ على الخلاف المشهور في «أنْ» بعد حَذْف حرف الجر أو المضاف، تقديره: كراهة أو مخافةَ أَنْ يقولوا، أو لئلا يقولوا، أو بأن يقولوا. وقال أبو البقاء: «لأن يقولوا، أي: لأَنْ قالوا، فهو بمعنى الماضي» وهذا لا حاجة إليه، وكيف يدعى ذلك فيه ومعه ما هو نصٍّ في الاستقبال وهو الناصب؟ و «لولا» تحضيضيةٌ، وجملةُ التحضيضِ منصوبةٌ بالقول.
هود 11:13
قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ} : في «أم» هذه وجهان، أحدهما: أنها منقطعةٌ فتقدَّر ب «بل» والهمزة، فالتقدير: بل أتقولون افتراه. والضمير في «افتراه» لما يوحى. والثاني: أنها متصلة، فقدَّروها بمعنى: أيكتفون بما أوحينا إليك من القرآن أم يقولون إنه ليس من عند اللَّه؟ .
قوله: {مِّثْلِهِ} نعت ل «سُوَر» و «مثل» وإن كانت بلفظ الإِفراد فإنها يُوصف بها المثنى والمجموعُ والمؤنث، كقوله تعالى: {أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا} [المؤمنون: 47] ، ويجوز المطابقةُ قال تعالى: {وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ} [الواقعة: 23] ، وقال تعالى: {ثُمَّ لاَ يكونوا أَمْثَالَكُم} [محمد: 38] والهاءُ في «مثلِه» تعود لما يوحي أيضاً، و «مفتريات» صفة ل «سُوَر» جمع مُفْتراة كمُصْطَفَيات في «مصطفاة» فانقلبت الألفُ ياءً كالتثنية.
هود 11:14
قوله تعالى: {أَنَّمَآ أُنزِلِ} : «ما» يجوز أن تكون كافةً مهيِّئة. وفي «أُنْزِل» ضميرٌ يعود على ما يوحى إليك، و «بعلمٍ» حال أي: ملتبساً بعلمِه، ويجوزُ أن تكونَ موصولةً اسميةً أو حرفية اسماً ل «إنَّ» فالخبرُ الجارُّ تقديرُه: فاعلموا أن تنزيلَه، أو أنَّ الذي أُنْزِل ملتبسٌ بعلمٍ.
وقرأ زيد بن علي «نَزَّل» بفتح النون والزاي المشددة، وفاعل «نَزَّل» ضميرُ اللَّه تعالى، و {وَأَن لاَّ إله إِلاَّ هُوَ} نسقٌ على «أنَّ» قبلها، ولكن هذه مخففةٌ فاسمُها محذوفٌ، وجملةُ النفي خبرُها.
قوله: {نُوَفِّ} الجمهورُ على «نُوَفِّ» بنون العظمة وتشديد الفاء مِنْ وَفَّى يُوَفِّي، وطلحة وميمون بياء الغيبة، وزيد بن علي كذلك إلا أنه خَفَّفَ الفاءَ مِنْ أوفى يوفي، والفاعلُ في هاتَيْن القراءتين ضميرُ اللَّه تعالى. وقرىء «تُوَفَّ» بضم التاء وفتح الفاء مشددةً مِنْ وفى يُوَفِّى مبنياً للمفعول. «أعمالُهم» بالرفع قائماً مقام الفاعل. وانجزم «نُوَفِّ» على هذه القراءاتِ لكونِه جواباً للشرط، كما في قوله تعالى {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة نَزِدْ لَهُ [فِي حَرْثِهِ] وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدنيا نُؤْتِهِ مِنهَا} [الشورى: 20] .
وزعم الفراء أن «كان» زائدة قال: «ولذلك جَزَم جوابَه» ولعلَّ هذا لا يصح إذ لو كانت زائدةً لكان «يريد» هو الشرط، ولو كان شرطاً لانجزم، فكان يُقال: مَنْ كان يُرِدْ «.
وزعم بعضُهم أنه لا يؤتى بفعل الشرط ماضياً والجزاء مضارعاً إلا مع» كان «خاصة، ولهذا لم يَجِىءْ في القرآن إلا كذلك، وهذا ليس بصحيحٍ لوروده في غير» كان «قال زهير:
2639 - ومَنْ هاب أسبابَ المنايا يَنَلْنَه ... ولو رام أسبابَ السماء بسُلَّمِ
وأما القرآن فجاء من باب الاتفاق أنه كذلك.
وقرأ الحسن البصري» نوفِي «بتخفيف الفاء/ وثبوتِ الياء مِنْ أوفى، ثم هذه القراءةُ محتمِلَةٌ: لأن يكون الفعل مجزوماً، وقُدِّر جزمُه بحذفِ الحركة المقَّدرة كقوله:
2640 - ألم يَأْتيك والأنباءُ تُنْمي ... بما لاقَتْ لَبُونُ بني زياد
على أن ذلك قد يأتي في السَّعَةِ نحو: {إِنَّهُ مَن يَتَّقِ} [يوسف: 90] ، وسيأتي محرَّراً في سُورته، ولأن يكون الفعلُ مرفوعاً لوقوع الشرط ماضياً كقوله:
2641 - وإنْ شُلَّ رَيْعانُ الجميعِ مخافةً ... نقولُ جِهاراً ويَلْكُمْ لا تُنَفِّروا
وكقول زهير:
2642 - وإنْ أتاه خليلٌ يومَ مَسْألةٍ ... يقولُ لا غائبٌ مالي ولا حَرِمُ
وهل الرفعُ لأنه على نيةِ التقديمِ وهو مذهبُ سيبويه أو على نية الفاءِ، كما هو مذهب المبرد؟ خلافٌ مشهور.
هود 11:16
قوله تعالى: {وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا} : يجوز أن يتعلَّقَ «فيها» ب «حَبِط» ، والضميرُ على هذا يعود على الآخرة، أي: وظهر حبوطُ ما صنعوا في الآخرة. ويجوز أن يتعلَّقَ ب «صنعوا» فالضمير على هذا يعود على الحياة الدنيا كما عاد عليها في قوله {نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا} . و «ما» في «ما صنعوا» يجوز أن تكون بمعنى الذي فالعائدُ محذوفٌ، أي: الذي صنعوه، وأن تكونَ مصدريةً، وحَبِط صُنْعُهم.
قوله: {وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ} الجمهورُ قرؤوا برفع الباطل، وفيه ثلاثة أوجه، أحدها: أن يكونَ «باطل» خبراً مقدماً، و {مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} مبتدأٌ مؤخرٌ. و «ما» تحتمل أن تكن مصدريةً، أي: وباطلٌ كونُهم عاملين، وأن تكونَ بمعنى الذي والعائد محذوف، أي: يعملونه، وهذا على أنَّ الكلامَ من عطفَ الجمل، عَطَفَ هذه الجملةَ على ما قبلها. الثاني: أن يكونَ «باطل» مبتدأً و {مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} خبرُه، هكذا قال مكي بن أبي طالب وهو لا يَبْعُدُ على الغلط، والعجبُ أنه لم يّذْكر غيره. الثالث: أن يكونَ «باطل» عطفاً على الأخبارِ قبله، أي: أولئك باطلٌ ما كانوا يعملون، و {مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} فاعلٌ ب «باطل» ، ويرجح هذا ما قرأ به زيد بن علي: {وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} جعله فعلاً ماضياً معطوفاً على «حَبِط» .
وقرأ أُبَيّ وابن مسعود قال مكي: «وهي في مصحفهما كذلك» ونقلها الزمخشري عن عاصم «وباطلاً» نصباً وفيها ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه منصوبٌ ب «يعملون» و «ما» مزيدة، وإلى هذا ذهب مكي وأبو البقاء وصاحب «اللوامح» ، وفيه تقديمُ معمولِ خبرِ «كان» على «كان» وهي مسألة خلاف، والصحيحُ جوازُها كقوله تعالى: {أهؤلاء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ} [سبأ: 40] فالظاهرُ أن «إياكم» منصوب ب «يعبدون» . والثاني: أن تكونَ «ما» إبهاميةً، وتنتصب ب «يعملون» ومعناه: «باطلاً أيَّ باطلٍ كانوا يعملون» ، والثالث: أن يكون «باطلاً» بمعنى المصدر على بَطَلَ بُطْلاناً ما كانوا يعملون، ذكر هذين الوجهين الزمخشري، ومعنى قوله «ما» إبهامية أنها هنا صفةٌ للنكرة قبلها، ولذلك قَدَّرها ب «باطلاً أيَّ باطل» فهو كقوله:
2643 -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... وحديثٌ ما على قِصَرِهْ
و «لأمرٍ ما جَدَعَ قصيرٌ أَنْفَه» ، وقد قدَّم هو ذلك في قوله تعالى: {مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً} [الزمر: 9] .
هود 11:17
قوله تعالى: {أَفَمَن كَانَ} فيه وجهان، أحدهما: أنه مبتدأ والخبرُ محذوفٌ، تقديره: أفَمَنْ كان على هذه الأشياء كغيره، كذا قدَّره أبو البقاء، وأحسنُ منه «أَفَمَنْ كان كذا كمن يريد الحياة الدنيا وزينتها» ، وحَذْفُ المعادلِ الذي دخلت عليه الهمزةُ كثيرةٌ نحو: {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سواء عَمَلِهِ} [فاطر: 8] {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ} [الزمر: 9] إلى غير ذلك. وهذا الاستفهام بمعنى التقرير. الثاني وإليه نحا الزمخشري أن هذا معطوفٌ على شيءٍ محذوفٍ قبله، تقديره: أمَّن كان يريد الحياة الدنيا وزينتها كمَنْ كان على بَيِّنَة، أي: لا يعقبونهم في المنزلة ولا يقاربونهم، يريد أنَّ بين الفريقين تفاوتاً، والمرادُ مَنْ آمَن مِن اليهود كعبد اللَّه بن سلام، وهذا على قاعدتِه مِنْ تقديره معطوفاً بين همزة الاستفهام وحرفِ العطف، وهو مبتدأٌ أيضاً، والخبرُ محذوفٌ كما تقدَّم تقريرُه.
قوله: {وَيَتْلُوهُ} اختلفوا في هذه الضمائر، أعني في «يتلوه» ، وفي «منه» ، وفي «قبله» : فقيل: الهاء في «يتلوه» تعود/ على «مَنْ» ، والمرادُ به النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكذلك الضميران في «منه» و «قبله» والمرادُ بالشاهد لسانُه عليه السلام، والتقدير: ويتلو ذلك الذي على بَيِّنة، أي: ويتلو محمداً أي صِدْقَ محمدٍ لسانُه، ومِنْ قبلِه، أي قبل محمد. وقيل: الشاهدُ هو جبريلُ، والضمير في «منه» للَّه تعالى، و «من قبله» للنبي. وقيل: الشاهدُ الإِنجيلُ و «كتاب موسى» عطف على «شاهد» ، والمعنى أن التوراة والإِنجيل يتلوان محمداً في التصديق، وقد فَصَلَ بين حرفِ العطف والمعطوف بقوله: «من قبله» ، والتقدير: شاهدٌ منه، وكتاب موسى من قبله، وقد تقدَّم الكلامُ على الفصل بين حرف العطفِ والمعطوفِ مُشْبعاً في النساء.
وقيل: الضمير في «يتلوه» للقرآن وفي «منه» لمحمد عليه السلام. وقيل: لجبريل، والتقدير: ويتلو القرآنَ شاهدٌ من محمدٍ وهو لسانُه، أو مِن جبريلَ. والهاءُ في «من قبلِه» أيضاً للقرآن. وقيل: الهاءُ في «يَتْلوه» تعود على البيان المدلولِ عليه بالبيِّنة. وقيل: المرادُ بالشاهدِ إعجازُ القرآن، فالضمائر الثلاثة للقرآن. وهذا كافٍ، ووراء ذلك أقوالٌ مضطربةٌ غالبُها يَرْجِع لما ذكرْتُ.
وقرأ محمد بن السائب الكلبي «كتابَ موسى» بالنصبِ وفيه وجهان، أحدهما وهو الظاهر أنه معطوف على الهاء في «يتلوه» ، أي: يتلوه ويتلو كتابَ موسى، وفصلَ بالجارِّ بين العاطفِ والمعطوف. والثاني: أنه منصوبٌ بإضمارِ فعلٍ. قال أبو البقاء: وقيل: تمَّ الكلامُ عند قولِه «منه» و «كتابَ موسى» ، أي: ويتلو كتابَ موسى «فقدَّر فعلاً مثلَ الملفوظِ به، وكأنه لم يرَ الفصلَ بين العاطفِ والمعطوفِ فلذلك قَدَّر فعلاً.
و «إماماً ورحمةً» منصوبان على الحال من «كتاب موسى» سواءً أقرىء رفعاً أم نصباً.
والهاءُ في «به» يجوز أن تعودَ على «كتاب موسى» وهو أقربُ مذكورٍ. وقيل: بالقرآن، وقيل: بمحمد، وكذلك الهاء في «به» .
والأَحْزاب: الجماعةُ التي فيها غِلْظَةٌ، كأنهم لكثرتهم وُصِفوا بذلك، ومنه وَصْفُ حمارِ الوحش ب «حَزَابِيَة» لغِلَظِه. والأحزاب: جمع حِزْب وهو جماعةُ الناس.
و «المِرْية» بكسر الميم وضَمِّها الشكُّ، لغتان أشهرُهما الكسرُ، وهي لغة أهل الحجاز، وبها قرأ جماهيرُ الناس، والضمُّ لغةُ أسد وتميم، وبها قرأ السُّلمي وأبو رجاء وأبو الخطاب السدوسي. و «وأولئك» إشارةٌ إلى مَنْ كان على بَيِّنة، جُمِع على معناها، وهذا إنْ أريد ب «مَنْ كان» النبيُّ وصحابتُه، وإن أريدَ هو وحدَه فيجوز أن يكونَ عظَّمه بإشارة الجمع كقوله: 2644 - فإن شِئْتِ حَرَمْتُ النساءَ سواكمُ ... وإن شِئْتِ لم أَطْعَمْ نُقاخاً ولا بَرْدا
و «موعده» اسمُ مكانِ وَعْدِه، قال حسان رضي اللَّه عنه:
2645 - أورَدْتُموها حِياضَ الموتِ ضاحيةً ... فالنارُ موعدُها والموتُ ساقيها
هود 11:18
والأَشْهاد جمعُ شاهد كصاحب وأَصْحاب، أو جمعُ شهيد كشريف وأشراف.
هود 11:19
وقوله تعالى: {وَهُمْ بالآخرة هُمْ} : «هم» الثانية توكيدٌ للأولى توكيداً لفظياً.
هود 11:20
قوله تعالى: {مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ} : يجوز في «ما» هذه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أن تكونَ نافيةً، نفى عنهم ذلك لمَّا لم ينتفعوا به، وإن كانوا ذوي أسماع وأبصار، أو يكونُ متعلَّقُ السمعِ والبصرِ شيئاً خاصاً. والثاني: أن تكون مصدريةً، وفيها حينئذٍ تأويلان، أحدهما: أنها قائمة مقامَ الظرف، أي: مدةَ استطاعتهم، وتكون «ما» منصوبةً ب «يُضاعف» ، أي: يضاعف لهم العذاب مدةَ استطاعتهم السمعَ والأبصار. والتأويل الثاني: أنها منصوبةُ المحلِّ على إسقاط حرف الجر، كما يُحذف من أنْ وأنَّ أختيها، وإليه ذهب الفراء، وذلك الجارُّ متعلقٌ أيضاً ب «يُضاعَف» ، أي: يضاعف لهم بكونهم كانوا يسمعون ويبصرون ولا يَنْتفعون. الثالث: أن تكون «ما» بمعنى الذي، وتكونَ على حذف حرف الجر أيضاً، أي: بالذي كانوا، وفيه بُعْدٌ لأنَّ حَذْفَ الحرفِ لا يَطَّرد.
والجملةُ من قوله «يُضاعف» مستأنفة. وقيل: إنَّ الضمير في قوله: « ما كانوا» يعودُ على «أولياء» وهم آلهتُهم، أي: فما كان لهم في الحقيقة مِنْ أولياء «، وإن كانوا يعتقدون أنهم أولياءُ، فعلى هذا يكون {يُضَاعَفُ لَهُمُ العذاب} معترضاً.
هود 11:22
قوله تعالى: {لاَ جَرَمَ} : في هذه اللفظةِ خلافٌ بين النحويين، ويتلخص ذلك في خمسة أوجه، أحدها: وهو مذهب/ الخليلِ وسيبويه وجماهير الناس أنهما رُكِّبَتَا من «لا» النافيةِ و «جَرَم» ، وبُنِيَتَا على تركيبهما تركيبَ خمسةَ عشرَ، وصار معناهما معنى فِعْلٍ وهو «حقَّ» ، فعلى هذا يرتفعُ ما بعدهما بالفاعلية، فقوله تعالى: {لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النار} [النحل: 62] ، أي حَقَّ وثَبَتَ كونُ النار لهم، أو استقرارها لهم. الوجه الثاني: أنَّ «لا جَرَمَ» بمنزلة لا رجل، في كون «لا» نافيةً للجنس، و «جَرَم» اسمُها مبنيٌّ معها على الفتح وهي واسمُها في محلِّ رفعٍ بالابتداء وما بعدهما خبرُ «لا» النافية، وصار معناها: لا محالة ولا بُدَّ.
الثالث: كالذي قبله إلا أن «أنَّ» وما بعدها في محلِّ نصبٍ أو جرٍّ بعد حذف الجار، إذ التقدير: لا محالةَ في أنهم في الآخرة، أي: في خسرانهم. الرابع: أن «لا» نافيةٌ لكلامٍ متقدمٍ تكلَّم به الكفرة، فردَّ اللَّه عليهم ذلك بقولِه: «لا» ، كما تَرُدُّ «لا» هذه قبل القسم في قوله: {لاَ أُقْسِمُ} [القيامة: 1] ، وقوله تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ} [النساء: 65] وقد تقدَّم تحقيقه، ثم أتى بعدها بجملةٍ فعليةٍ وهي «جرم أنَّ لهم كذا» . وجَرَمَ فعلٌ ماضٍ معناه كسب، وفاعله مستتر يعود على فعلهم المدلولِ عليه بسياقِ الكلام، و «أنَّ» وما في حيِّزها في موضع المفعول به لأنَّ «جَرَم» يتعدى إذ هو بمعنى كَسَبَ. قال الشاعر:
2646 - نَصَبْنا رأسَه في جِذْعِ نَخْلٍ ... بما جَرَمَتْ يداه وما اعتدَيْنا
أي: بما كسبَتْ، وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك في المائدة. وجريمةُ القومِ كاسبُهم، قال:
2647 - جريمةُ ناهِضٍ في رأسِ نِيْقٍ ... ترى لعظامِ ما جَمَعَتْ صَليبا
فتقديرُ الآية: كَسَبَهم فِعْلُهم أو قولُهم خسرانَهم، وهذا هو قولُ أبي إسحاق الزجاج، وعلى هذا فالوقف على قوله: «لا» ثم يُبتدأ ب «جَرَمَ» بخلاف ما تقدَّم.
الوجه الخامس: أنَّ معناها لا صَدَّ ولا مَنْعَ، وتكون «جَرَمَ» بمعنى القطع، تقول: جَرَمْتُ، أي: قطعت، فيكون «جرم» اسمَ «لا» مبنيٌّ معها على الفتح كما تقدم، وخبرها «أنَّ» وما في حيِّزها، أو على حَذْف حرف الجر، أي: لا منع من خسرانهم، فيعود فيه الخلافُ المشهور.
وفي هذه اللفظةِ لغاتٌ: يُقال لا جِرَمَ بكسر الجيم، ولا جُرَم بضمِّها، ولا جَرَ بحذف الميم، ولا ذا جَرَم، ولا إنَّ ذا جَرَم، ولا ذو جَرَم، ولا عن ذا جَرَم، ولا إنْ جَرَم، ولا عن جَرَم، ولا ذا جَرَ واللَّهِ لا أفعل ذلك.
وعن أبي عمروٍ: «لا جَرُم أنَّ لهم النار» على وزن لا كَرُم، يعني بضم الراء، ولا جَرَ، قال: «حَذَفوه لكثرة الاستعمال كما قالوا:» سَوْ ترى «يريدون: سوف.
وقوله: {هُمُ الأخسرون} يجوز أن يكون» هم «فَصْلاً وأن يكونَ توكيداً، وأن يكونَ مبتدأً وما بعده خبره، والجملة خبرُ» أنَّ «.
هود 11:23
قوله تعالى: {إِنَّ الذين آمَنُواْ} : الموصولُ اسمُ إنَّ، والجملة مِنْ قولِه: {أولئك أَصْحَابُ الجنة} خبرها.
والإِخباتُ: الاطمئنان والتذلُّل والتواضع، وأصله من الخَبْت وهو المكانُ المطمئنُّ، أي: المنخفضُ من الأرض، وأَخْبَتَ الرجلُ: دخل في مكان خَبْت، كأَنْجَدَ وأَتْهَمَ إذا دخل في أحد هذين المكانين، ثم تُوُسِّع فيه فقيل: خَبَتَ ذِكْرُه، أي: خمد، ويقال للشيء الدنيء الخبيت، قال الشاعر:
2648 - ينفع الطيِّبُ القليلُ من الرِّزْ ... قِ ولا يَنْفَعُ الكثير الخبيتُ
هكذا يُنْشدون هذا البيتَ في هذه المادة، الزمخشري وغيره، والظاهر أن يكونَ بالثاءِ المثلثة ولا سيما لمقابلته بالطِّيب، ولكن الظاهر من عبارتهم أنه بالتاء المثنَّاة لأنهم يَسُوقونه في هذه المادة، ويدلُّ على أن معنى البيت إنما هو على الثاء المثلثة قولُ الزمخشري: «وقيل: التاءُ فيه بدل من الثاء» . ومن مجيء الخَبْت بمعنى المكان المطمئن قوله:
2649 - أفاطمُ لو شَهِدْتِ ببطنِ خَبْتٍ ... وقد قتل الهزبرَ أخاك بشرا
وفي تركيب البيتِ قَلَقٌ، وحَلُّه: لو شهدْتِ أخاك بِشْرا وقد قتل الهزبرَ، ففاعل «قتل» ضمير يعودُ على «أخاك» . وأخبت يتعدى بإلى كهذه الآية، وباللام كقوله تعالى: {فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ} [الحج: 54] .
هود 11:24
قوله تعالى: {مَثَلُ الفريقين} : مبتدأٌ، و «كالأعمى» خبره، ثم هذه الكافُ يحتمل أن تكونَ هي نفسَ الخبر، فتقدَّر ب «مثل» ، تقديرُه: مَثَلُ الفريقين مثلُ الأعمى. ويجوز أن تكون «مثل» بمعنى «صفة» ، ومعنى الكاف معنى مِثْلِ، فيقدَّر مضافٌ محذوفٌ، أي: كمثل الأعمى. وقوله: {مَثَلُ الفريقين كالأعمى} يجوز أن/ يكونَ من باب تشبيه شيئين بشيئين، فقابل العمى بالبصَر، والصمم بالسمع وهو من الطِّباق، وأن يكونَ من تشبيهِ شيءٍ واحد بوصفَيْهِ بشيءٍ واحدٍ بوصفَيْهِ، وحينئذٍ يكون قولُه: «كالأعمى والأصمِّ» وقوله «والبصير والسميع» من باب عطف الصفات كقوله:
2650 - إلى المَلِكِ القَرْمِ وابنِ الهُمامِ ... ولَيْثِ الكتيبةِ في المُزْدَحَمْ
وقد أحسنَ الزمخشريُّ في التعبير عن ذلك فقال: «شبَّه فريق الكافرين بالأَعْمى والأصمِّ، وفريقَ المؤمنين بالبصير والسميع، وهو من اللَّفِّ والطِّباق، وفيه معنيان: أن يُشَبِّه الفريقين تشبيهين اثنين، كما شبَّه امرؤ القيس قلوبَ الطير بالحَشَف والعُنَّاب، وأن يُشَبِّهَ بالذي جمع بين العمى والصَّمَم، والذي جمع بين البصر والسمع، على أن تكونَ الواوُ في» والأصمِّ «وفي» والسميع «لعطفِ الصفة على الصفةِ كقوله:
2651 -. . . . . . . . . . . . . . . . . . ال ... صَابحِ فالغانِمِ فالآئِبِ
قلت: يريد بقوله» اللفّ «أنه لفَّ المؤمنين والكافرين اللذين هما مشبهان بقوله» الفريقين «، ولو فسَّرهما لقال: مَثَلُ الفريق المؤمن كالبصير والسميع، ومثل الكافر كالأعمى والأصم، وهي عبارةٌ مشهورة في علم البيان: لفظتان متقابلتان: اللفُّ والنشر، وأشارَ لقول امرىء القيس وهو:
2652 - كأنَّ قلوبَ الطيرِ رَطْباً ويابِساً ... لدى وكرِها العُنَّابُ والحَشَفُ البالي
أصلُ الكلامِ: كأن الرَّطْبَ من قلوب الطير: العُنَّابُ، واليابسَ منها: الحَشَفُ، فلفَّ ونشر، واللف والنشر في علم البيان تقسيمٌ كبير، ليس هذا موضعَه.
وأشار بقوله» الصابح فالغانم «إلى قوله:
2653 - يا ويحَ زَيَّابَةَ للحارثِ ال ... صابحِ فالغانم فالآئِبِ
وقد تقدَّم ذلك أولَ البقرة وتحريرُه.
فإن قلت: لِمَ قَدَّم تشبيهَ الكافر على المؤمن؟ أجيب بأن المتقدِّمَ ذِكْرُ الكفار فلذلك قدَّم تمثيلهم. فإن قيل: ما الحكمةُ في العدولِ عن هذا التركيب لو قيل: كالأعمى والبصير والأصم والسميع لتتقابلَ كلُّ لفظةٍ مع ضدها، ويظهرَ بذلك التضادُّ؟ أجيب: بأنه تعالى لمَّا ذكر انسدادَ العين أتبعه بانسداد الأذن، ولمَّا ذكر انفتاح العين أتبعه بانفتاح الأذن، وهذا التشبيهُ أحدُ الأقسامِ وهو تشبيهُ أمرٍ معقول بأمرٍ محسوس: وذلك أنه شبَّه عمى البصيرة وصَمَمها بعمى البصر وصمم السمع، ذاك متردِّدٌ في ظُلَم الضلالات، كما أن هذا متحيِّز في الطرقات. وهذه فوائد علم البيان.
قوله: {مَثَلاً} تمييز، وهو منقولٌ من الفاعلية، والأصل: هل يَسْتوي مَثَلُهما، كقوله تعالى: {واشتعل الرأس شَيْباً} [مريم: 4] . وجوَّز ابنُ عطية رحمه اللَّه أن يكون حالاً، وفيه بَعْدٌ صناعةً ومعنى؛ لأنه على معنى» مِنْ «لا على معنى» في «.
هود 11:25
قوله تعالى: {إِنَّي لَكُمْ} : قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي «أني» بفتح الهمزة، والباقون بكسرها. فأمَّا الفتح فعلى إضمار حرفِ الجر، أي: بأني لكم. قال الفارسي: «في قراءة الفتح خروجٌ من الغَيْبة إلى المخاطبةِ» . قال ابن عطية: وفي هذا نظر، وإنما هي حكايةُ مخاطبتهِ لقومه، وليس هذا حقيقة الخروج من غَيْبةٍ إلى مخاطبة، ولو كان الكلام أن أَنْذِرْهم ونحوه لصح ذلك «. وقد قال بهذه المقالة أعني الالتفات مكي فإنه قال:» الأصل: بأني والجارُّ والمجرور في موضع المفعول الثاني، وكان الأصلُ: أنه، لكنه جاء على طريقة الالتفات «. انتهى، ولكن هذا الالتفاتَ غيرُ الذي ذكره أبو علي، فإنَّ ذاك من غيبة إلى خطاب، وهذا من غيبةٍ إلى تكلُّم، وكلاهما غير محتاج إليه، وإن كان قولُ مكي أقربَ.
وقال الزمخشري:» الجارُّ والمجرور صلةٌ لحالٍ محذوفة، والمعنى: أرسلناه ملتبساً بهذا الكلام، وهو قوله: {إِنَّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} بالكسر، فلما اتصل به الجارُّ فُتِح كما فتح في «كأنَّ» والمعنى على الكسر في قولك: «إن زيداً كالأسد» . وأما الكسرُ فعلى إضمار القول، وكثراً ما يُضْمر، وهو غني عن الشواهد.
هود 11:26
وقوله تعالى: {أَن لاَّ تعبدوا} : كقوله: {أَن لاَّ تعبدوا} في أول السورة، ونزيد هنا شيئاً آخر، وهو أنها على قراءة مَنْ فتح «أني» تحتمل وجهين، أحدُهما: أن تكون بدلاً من قوله: «أني لكم» ، أي: أَرْسَلْناه بأن لا تعبدوا. والثاني: / أن تكون مفسِّرة، والمفسَّر بها: إمَّا أرسلنا، وإمَّا نذير. وأمَّا على قراءة مَنْ كسر فيجوز أن تكونَ المصدرية، وهي معمولةٌ لأرسلنا، ويجوز أن تكونَ المفسرةَ بحالَيْها.
قوله: {أَلِيمٍ} إسناد الألم إلى اليوم مجازٌ لوقوعه فيه لا به، وقال الزمخشري: «فإذا وُصِفَ به العذابُ قلت: مجازٌ مثلُه؛ لأنَّ الأليمَ في الحقيقة هو المعذِّب، فنظيرها قولك: نهارك صائم» . قال الشيخ: «وهذا على أن يكون» أليم «صفةُ مبالغةٍ وهو مَنْ كَثُرَ ألمه، وإن كان أليم بمعنى مُؤْلم فنسبتُه لليوم مجازٌ وللعذاب حقيقة» .
هود 11:27
قوله تعالى: {وَمَا نَرَاكَ} : يجوز أن تكون قلبيةً، وأن تكون بصريةً. فعلى الأول تكون الجملةُ من قوله «اتَّبعك» في محل نصب مفعولاً ثانياً، وعلى الثاني في محلِّ نصب على الحال، و «قد» مقدرةٌ عند مَنْ يشترط ذلك.
والأراذِلُ فيه وجهان، أحدهما: أنه جمعُ الجمع، والثاني: جمعٌ فقط. والقائلون بالأول اختلفوا فقيل: جمع ل «أَرْذُل» ، وأَرْذُل جمع لرَذْل نحو: كَلْب وأَكْلُب وأَكَالب. وقيل: بل جمع لأرْذال، وأَرْذال جمع لرَذْل أيضاً. والقائلون بأنه ليس جمعَ جمعٍ، بل جمعٌ فقط قالوا: هو جَمْعٌ لأَرْذُل، وإنما جاز أن يكون جمعاً لأَرْذُل لجريانه مَجْرى الأسماءِ من حيث إنه هُجِر موصوفُه كالأَبْطح والأبرق وقال بعضهم: هو جمع أَرْذَل الذي للتفضيل، وجاء جمعاً كما جاء {أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا} [الأنعام: 123] و {أحاسِنُكم أخلاقاً} [الأنعام: 123] . ويقال: رجل رَذْل ورُذال، ك «رَخْل» و «رُخال» وهو المرغوبُ عنه لرداءته.
قوله: {بَادِيَ الرأي} قرأ أبو عمرو من السبعة وعيسى الثقفي «بادِئَ» بالهمز، والباقون بياءٍ صريحةٍ مكانَ الهمزة. فأمَّا الهمزُ فمعناه: بادئَ الرأي، أي: أولَ الرأي بمعنى أنه غيرُ صادرٍ عن رَوِّية وتَأَمُّل، بل من أولِ وَهْلة. وأمَّا مَنْ لم يهمز فيحتمل أن يكونَ أصلُه كما تقدَّم، ويحتمل أن يكونَ مِنْ بدا يَبْدو أي ظهر، والمعنى: ظاهر الرأي دون باطنه، أي: لو تُؤُمِّل لعُرِفَ باطنُه، وهو في المعنى كالأول.
وفي انتصابهِ على كلتا القراءتين سبعةُ أوجه، أحدها: أنه منصوبٌ على الظرف، وفي العاملِ فيه على هذا ثلاثة أوجه، أحدُها: «نراك» ، أي: وما نراك في أول رأينا، على قراءة أبي عمرو، أو فيما يَظْهر لنا من الرأي في قراءة الباقين. والثاني من الأوجه الثلاثة: أن يكونَ منصوباً ب «اتَّبعك» ، أي: ما نراك اتبعك أولَ رأيهم، أو ظاهرَ رأيهم، وهذا يحتمل معنيين، أحدهما: أن يريدوا اتَّبعوك في ظاهر أمرهم، وبواطنهم ليست معك. والثاني: أنهم اتَّبعوك بأول نظرٍ، وبالرأي البادي دون تثبُّت، ولو تثبَّتوا لَمَا اتبعوك. الثالث من الأوجه الثلاثة: أنَّ العاملَ فيه «أراذِلُنا» والمعنى: أراذِلُنا بأولِ نظرٍ منهم، أو بظاهر الرأي نعلم ذلك، أي: إنَّ رذالَتَهم مكشوفةٌ ظاهرةٌ لكونهم أصحابَ حِرَفٍ دنيَّة.
ثم القول بكونِ «باديَ» ظرفاً يحتاج إلى اعتذار فإنه اسمُ فاعلٍ وليس بظرفٍ في الأصل، فقال مكي: «وإنما جاز أن يكون فاعِل ظرفاً كما جاز ذلك في فعيل نحو: قريب ومليء، وفاعل وفعيل يتعاقبان كراحِم ورحيم، وعالم وعليم، وحَسُن ذلك في فاعِل لإِضافته إلى الرأي، والرأي يُضاف إليه المصدر، وينتصبُ المصدرُ معه على الظرف نحو:» أما جَهْدَ رأيٍ فإنك منطلقٌ «، أي: في» جَهْد «.
وقال الزمخشري: «وانتصابه على الظرف، أصلُه: وقتَ حدوثِ أول أمرهم، أو وقت حدوثِ ظاهرِ رأيهم، فَحُذِفَ ذلك وأقيم المضافُ إليه مُقامه» .
الوجه الثاني من السبعة: أن ينتصبَ على المفعول به، حُذف معه حرفُ الجر مثل {واختار موسى قَوْمَهُ} [الأعراف: 155] كذا قاله مكي. وفيه نظرٌ من حيث إنه ليس هنا فعلٌ صالحٌ للتعدي إلى اثنين، إلى ثانيهما بإسقاط الخافض.
الثالث من السبعة: أن ينتصبَ على المصدر، ومجيءُ المصدر على فاعلِ أيضاً ليس بالقياسِ، والعاملُ في هذا المصدرِ كالعامل في الظرف كما تقدم، ويكون من باب ما جاء فيه المصدرُ من معنى الفعل لا من لفظه، تقديرُه: رؤيةَ بَدْءٍ أو ظهور، أو اتباعَ بَدْءٍ أو ظهور، أو رَذالة بَدْءٍ أو ظهور.
الرابع من السبعة: أن يكونَ نعتاً لبشر، أي: ما نراك إلا بشراً مثلنا/ باديَ الرأي، أي: ظاهرَه، أو مبتدِئاً فيه. وفيه بُعْدٌ للفصلِ بين النعت والمنعوت بالجملة المعطوفة. الخامس: أنه حالٌ من مفعول «اتَّبَعَكَ» ، أي: وأنت مكشوفُ الرأي ظاهرَ لا قوةَ فيه ولا حصافةَ لك. السادس: أنه منادى والمراد به نوحٌ عليه السلام، كأنهم قالوا: يا باديَ الرأي، أي: ما في نفسِك ظاهرٌ لكلِّ أحدٍ، قالوا ذلك على سبيل الاستهزاء به والاستقلال له. السابع: أن العاملَ فيه مضمر، تقديره: أتقول ذلك بادي الرأي، ذكره أبو البقاء، والأصلُ عدم الإِضمار مع الاستغناء عنه، وعلى هذه الأوجهِ الأربعةِ الأخيرة هو اسمُ فاعلٍ من غير تأويل، بخلاف ما تقدَّم من الأوجه فإنه ظرفٌ أو مصدر.
واعلم أنك إذا نَصَبْتَ «باديَ» على الظرف أو المصدر بما قبل «إلا» احتجْتَ إلى جوابٍ عن إشكال وهو أنَّ ما بعد «إلا» لا يكون معمولاً لما قبلها، إلا إن كان مستثنى منه نحو: «ما قام إلا زيداً القوم» أو مستثنى نحو: «قام القومُ إلا زيداً» ، أو تابعاً للمستثنى منه نحو: «ما جاءني أحدُ إلا زيدٌ أخيرٌ من عمرو» و «بادي الرأي» ليس شيئاً من ذلك. وقال مكي: «فلو قلت في الكلام:» ما أعطيت [أحداً] إلا زيداً درهماً] فأوقعتَ اسمين مفعولين بعد «إلا» لم يَجُزْ؛ لأن الفعلَ لا يصلُ ب «إلا» إلى مفعولين، إنما يصل إلى اسمٍ واحد كسائر الحروف، ألا ترى أنك لو قلت: «مررت بزيدٍ عمروٍ» فأوصلْتَ الفعلَ إليهما بحرفٍ واحدٍ لم يَجُزْ، ولذلك لو قلت: «استوى الماءُ والخشبة الحائط» فتنصب اسمين بواو «مع» لم يجز إلا أن تأتيَ في جميعِ ذلك بواو العطف فيجوز وصولُ الفعل «.
والجوابُ الذي ذكروه هو أنَّ الظروف يُتَّسع فيها ما لا يُتَّسع في غيرِها. وهذا جماعٌ القولِ في هذه المسألة باختصار.
والرأي: يجوز أن يكونَ من رؤيةِ العين أو من الفكرة والتأمُّل. وقوله {بَيِّنَةٍ مِّن ربي} » مِنْ ربي «نعتٌ ل» بَيِّنة «، أي: بَيِّنَةٌ من بَيِّنات ربي.
هود 11:28
قوله تعالى: {رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ} : يجوز في الجارِّ أيضاً أن يكونَ نعتاً ل «رحمة» وأن يكونَ متعلقاً ب «آتاني» .
قوله: {فَعُمِّيَتْ} قرأ الأخوان وحفص بضم العين وتشديد الميم، والباقون بالفتح والتخفيف. فأما القراءة الأولى فأصلها: عَمَاها اللَّهُ عليكم، أي: أَبْهمهما عقوبةً لكم، ثم بُني الفعل لما لم يُسَمَّ فاعلُه، فحُذِفَ فاعلُه للعلمِ به وهو اللَّه تعالى، وأقيم المفعولُ وهو ضميرُ الرحمة مُقامه، ويدل على ذلك قراءةُ أُبَيّ بهذا الأصل «فعماها اللَّهُ عليكم» ، ورُوي عنه أيضاً وعن الحسن وعليّ والسُّلَمي «فعماها» من غير ذِكْرِ فاعلٍ لفظي، ورُوي عن الأعمش وابن وثاب «وعُمِّيَتْ» بالواو دون الفاء.
وأمَّا القراءة الثانية فإنه أسند الفعل إليها مجازاً. قال الزمخشري: «فإن قلت: ما حقيقته؟ قلت: حقيقته أنَّ الحجةَ كما جُعِلَتْ بصيرةً ومُبْصرة جُعلت عمياء؛ لأنَّ الأعمى لا يَهْتدي ولا يَهْدي غيرَه، فمعنى» فَعَمِيَتْ عليكم البَيِّنَةُ «: فلم تَهْدِكم كما لو عَمِي على القوم دليلُهم في المفازَةِ بقُوا بغيرِ هادٍ» .
وقيل: هذا من باب القلب، وأصلها فَعَمِيْتُم أنتم عنها كما تقول: أدخلت القلنسوة في رأسي، وأدخلت الخاتم في إصبعي وهو كثيرٌ، وتقدم تحريرُ الخلافِ فيه، وأنشدوا على ذلك:
2654 - ترى الثورَ فيها مُدْخِلَ الظلِّ رأسَه ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال أبو علي: «وهذا مما يُقْلَبُ، إذ ليس في إشكال، وفي القرآن {فَلاَ تَحْسَبَنَّ الله مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ} [إبراهيم: 47] ، وبعضهم يُخَرِّج البيت على الاتساعِ في الظرف. وأمَّا آيةُ إبراهيم فَأَخْلَفَ يتعدَّى لاثنين، فأنت بالخيار: أن تضيفَ إلى أيِّهما شِئْتَ فليس من باب القلب. وقد رَدَّ بعضُهم كونَ هذه الآية من باب المقلوب بأنه لو كان كذلك لتعدَّى ب» عن «دون» على «، ألا ترى أنك تقول:» عَمِيْتُ عن كذا «لا» على كذا «.
واختُلِفَ في الضمير في» عُمِّيَتْ «هل هو عائد على البيِّنة فيكونَ قولُه:» وآتاني رحمة «جملة معترضة بين المتعاطفين، إذ حقُّه {على بَيِّنَةٍ مِّن ربي. . . فَعُمِّيَتْ} . وإن قيل بأنه عائد على الرحمة فيكون قد حُذف من الأول لدلالة الثاني، والأصل: على بينة من ربي فَعُمِّيَتْ. قال الزمخشري:» وآتاني رحمة بإتيان البيِّنة، على أن البيِّنة في نفسها هي الرحمة. ويجوز أن يريدَ بالبينة المعجزة، وبالرحمة النبوَّةَ. فإن قلت: فقوله: «فعُمِّيَتْ» ظاهر على الوجه الأول فما وجهُه على الوجه الثاني، وحقُّه أن يقال: فَعَمِيَتَا؟ قلت: الوجهُ أن يُقَدَّر: فعُمِّيَتْ بعد البينة، وأن يكون حَذَفَه/ للاقتصار على ذِكْرِه مرةً «.
انتهى.
وقد تقدَّم الكلامُ على «أرأيتم» هذه في الأنعام، وتلخيصُه هنا أنَّ «أَرَأَيْتُم» يطلب البينة منصوبةً، وفعل الشرط يطلبُها مجرورةً ب «على» ، فأعمل الثاني وأضمر في الأول، والتقدير: أرأيتم البيِّنَةَ من ربي إن كنتُ عليها أَنَلْزِمكموها، فحذف المفعولُ الأول، والجملةُ الاستفهامية هي في محل الثاني، وجواب الشرط محذوفٌ للدلالة عليه.
وقوله: {أَنُلْزِمُكُمُوهَا} أتى هنا بالضميرين متصلين، وتقدم ضمير الخطاب لأنه أخصُّ، ولو جيء بالغائب أولاً لا نفصل الضميرُ وجوباً. وقد أجاز بعضُهم الاتِّصال، واستشهد عثمان «أراهُمُني الباطل شيطاناً» . وقال الزمخشري: «يجوز أن يكون الثاني منفصلاً كقوله:» أَنُلْزِمكم إياها «ونحوه: {فَسَيَكْفِيكَهُمُ الله} [البقرة: 137] ويجوز» فسيكفيك إياهم «. وهذا الذي قاله الزمخشريُّ ظاهرُ قول سيبويه وإن كان بعضُهم مَنَعه.
وإشباعُ الميم في مثل هذا التركيب واجبٌ، ويضعف سكونُها، وعليه» أراهُمني الباطل «. وقال أبو البقاء:» وقرىء بإسكان الميم فِراراً من توالي الحركات «فقوله هذا يحتمل أن يكون أراد سكونَ ميم الجمع؛ لأنه قد ذكر ذلك بعدما قال:» ودَخَلَتِ الواوُ هنا تتمةً للميم، وهو الأصل في ميم الجمع، وقرىء بإسكان الميم «. انتهى. وهذا إن ثَبَتَ قراءةً فهو مذهبٌ ليونس: يُجَوِّزُ» الدرهمَ أعطيتكمْه «وغيرُه يأباه. ويحتمل أَنْ يريد سكونَ ميم الفعل، ويدل عليه ما قال الزجاج» أجمع النحويون البصريون على أنه لا يجوز إسكانُ حركةِ الإِعرابِ إلا في ضرورة الشعر، فأمَّا ما روي عن أبي عمرو فلم يَضْبطه عنه القرَّاء، وروى عنه سيبويه أنه كان يُخِفُّ الحركةَ ويختلِسُها، وهذا هو الحقُّ، وإنما يَجُوز الإِسكانُ في الشعرِ نحو قولِ امرىء القيس:
2655 - فاليَومَ أشرَبْ غير مُسْتَحْقِبٍ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وكذا قال الزمخشري أيضاً: «وحُكي عن أبي عمرو إسكانُ الميم، ووجهُه أنَّ الحركةَ لم تكن إلا خِلْسةً خفيفةً، فظنَّها الراوي سكوناً، والإِسكانُ الصريحُ لحنٌ عند الخليل وسيبويه وحُذَّاقِ البصريين؛ لأن الحركةَ الإِعرابيةِ لا يُسَوَّغ طَرْحُها إلا في ضرورةِ الشعر» .
قلت: وقد حكى الكسائي والفراء «أَنُلْزِمْكموها» بسكون هذه الميم، وقد تقدم القول في ذلك مشبعاً في سورة البقرة، أعني تسكينَ حركةِ الإِعراب فكيف يَجْعلونه لحناً؟ .
و «ألزم» يتعدَّى لاثنين، أوَّلهُما ضمير الخطاب، والثاني ضمير الغيبة. و {وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} جملة حالية، يجوز أن تكون للفاعلِ أو لأحد المفعولين. وقدَّم الجارَّ لأجل الفواصل. وفي الآية قراءاتٌ شاذَّةٌ مخالِفَةٌ للسَّواد أَضْرِبُ عنها لذلك.
هود 11:29
والضمير في «عليه» يجوز أن يعودَ على الإِنذار المفهوم من «نذير» ، وأن يعودَ على الدين الذي هو المِلَّة، وأن يعود على التبليغ. وقُرِىء «بطاردٍ الذين» بتنوين «طاردٍ» قال الزمخشري: «على الأصل» . يعني أن أصل اسم الفاعل بمعنى الحال والاستقبال العملُ، وهو ظاهرُ قولِ سيبويه. قال الشيخ: «ويمكن أن يُقال: الأصلُ الإِضافةُ لا العملُ؛ لأنه قد اعتوره شَبَهان، أحدهما: لشَبَهه بالمضارع وهو شَبَهٌ بغير جنسه، والآخر: شَبَهُه بالأسماء إذا كانت فيه الإِضافة، فكان إلحاقُه بجنسه أَوْلى» .
وقوله {إِنَّهُمْ مُّلاَقُو} استئنافٌ يفيدُ التعليل. وقوله: «تَجْهلون» صفةٌ لا بُدَّ منها إذ الإِتيانُ بهذا الموصوفِ دون صفتِه لا يفيد، وأتى بها فعلاً ليدلَّ على التجدُّد كلَّ وقت.
هود 11:31
و «تَزْدَري» تَفْتَعِل مِنْ زرى يَزْري، أي: حَقَرَ، فأُبدلت تاءُ الافتعال دالاً بعد الزاي وهو مُطَّرِد، ويقال: «زَرَيْتُ عليه» إذا عِبْتَه، و «أَزْرَيْتُ به» ، أي: قَصَّرت به. وعائدُ الموصولِ محذوفٌ، أي: تَزْدَريهم أعينُكم، أي: تحتقرهم وتُقَصِّر بهم، قال الشاعر:
2656 - تَرَى الرجلَ النحيفَ فَتَزْدَريه ... وفي أثوابهِ أسدٌ هَصُورُ
وقال أيضاً:
2657 - يباعِدُه الصَّديقُ وتَزْدريهِ حَلِيْلتُه ... ويَنْهرَهُ الصغيرُ
واللام في «للذين» للتعليل، أي: لأجل الذين، ولا يجوز أن تكونَ التي للتبليغ إذ لو كانت لكان القياس «لن يؤتيكم» بالخطاب.
وقوله: {وَلاَ أَعْلَمُ الغيب} الظاهر أن هذه الجملةَ لا محلَّ لها عطفاً على قولِه {وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ} كأنه أخبر عن نفسه بهذه [الجمل الثلاث] . وقد تقدَّم في الأنعام [أن هذا هو المختار] وأن الزمخشري قال: «إنَّ قوله تعالى: {وَلاَ أَعْلَمُ الغيب} معطوفٌ على» عندي خزائن «، أي: لا أقولُ: عندي خزائن اللَّه، ولا أقول: أنا أعلمُ الغيب» . /
هود 11:32
وقوله تعالى: {جِدَالَنَا} : قرأ ابن عباس «جَدَلنا» كقوله: { أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} [الكهف: 54] . ونقل أبو البقاء أنه قُرىء «جَدَلْتَنا فأَكْثرت جَدَلَنَا» بغير ألفٍ فيهما قال: وهو بمعنى غَلَبْتَنا بالجدل «.
وقوله: {بِمَا تَعِدُنَآ} فيجوز أن تكونَ» ما «بمعنى الذي، فالعائدُ محذوفٌ، أي: تَعِدَناه. ويجوز أن تكونَ مصدريةً، أي: بوعدك إيانا. وقوله» إنْ كنت «جوابُه محذوف أو متقدِّم وهو» فَأْتِنا «.
هود 11:34
قوله تعالى: {إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ} : قد تقدم حُكْمُ توالي الشرطين وأنَّ ثانيَهما قيدٌ في الأول، وأنه لا بد من سَبْقه للأول. وقال الزمخشريُّ هنا: «إن كان اللَّه» جزاؤُه ما دلَّ عليه قولُه: «لا ينفعكم نُصْحي» ، وهذا الدليلُ في حكم ما دلَّ عليه، فوُصِل بشرطٍ، كما وُصِل الجزاء بالشرط في قوله «إنْ أَحْسَنْتَ إليَّ أحسنتُ إليك إنْ أمكنني» .
وقال أبو البقاء: «حكمُ الشرطِ إذا دَخَل على الشرط أن يكون الشرطُ الثاني والجواب جواباً للشرط الأول نحو:» إنْ أَتَيْتني إنْ كلَّمتني أَكْرَمْتك «فقولُك» إنْ كَلَّمْتني أكرمتُك «: جوابُ» إن أتيتني «جميعُ ما بعده، وإذا كان كذلك صار الشرطُ الأول في الذِّكْرِ مؤخَّراً في المعنى، حتى إنْ أتاه ثم كلَّمه لم يجب الإِكرام، ولكن إنْ كلَّمه ثم أتاه وَجَبَ الإِكرام، وعلةُ ذلك أن الجواب صار مُعَوَّقاً بالشرط الثاني، وقد جاء في القرآن منه {إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النبي} [الأحزاب: 50] .
قلت: أمَّا قولُه:» إنْ وَهَبَتْ. . . أن أراد «فظاهره وظاهرُ القصةِ المَرْوِيَّةِ يدل على عدم اشتراطِ تقدُّم الشرط الثاني على الأول، وذلك أن إرادتَه عليه السلام للنكاح إنما هو مُرَتَّبٌ على هِبة المرأةِ نفسَها له، وكذا الواقعُ في القصة لمَّا وَهَبَت أراد نكاحَها، ولم يُرْوَ أنه أراد نكاحَها فوهبت، وهو يحتاج إلى جوابٍ، وسيأتي هذا إن شاء اللَّهُ في موضِعِه.
وقال ابن عطية هنا:» وليس نُصحي لكم بنافع، ولا إرادتي الخيرَ لكم مُغْنيةً إذا أراد اللَّه تعالى بكم الإِغواء، والشرطُ الثاني اعتراض بين الكلام، وفيه بلاغةٌ من اقتران الإِرادتين، وأن إرادة البشرِ غيرُ مُغْنيةٍ، وتعلُّقُ هذا الشرطِ هو «بنصحي» ، وتعلُّقُ الآخر ب «لا ينفع» .
وتلخص من ذلك أن الشرطَ مدلولٌ على جوابه بقوله: «ولا ينفعكم» لأنه عَقِبُه، وجوابُ الثاني أيضاً ما دلَّ على جواب الأول، وكأنَّ التقدير: وإنْ أَرَدْتُ أن أنصحَ لكم إن كان اللَّه يريد أن يُغْوِيَكم فلا يَنْفعكم نصحي. وهو مِنْ حيث المعنى كالشرط إذا كان بالفاء نحو: إن كان اللَّهُ يريدُ أن يُغْويكم فإن أَرَدْتُ أن أنصح لكم فلا ينفعكم نُصْحي.
وقرأ الجمهور «نُصْحي» بضم النون وهو يحتمل وجهين، أحدهما: المصدريةُ كالشُّكر والكُفْر. والثاني: أنه اسمٌ لا مصدر. وقرأ عيسى ابن عمر «نَصْحي» بفتح النون، وهو مصدرٌ فقط.
وفي غضون كلام الزمخشري: «إذا عرف اللَّهُ» وهذا لا يجوز؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى لا يُسْنَدُ إليه هذا الفعلُ ولا يُوصف بمعناه، وقد تقدَّم علةُ ذلك غيرَ مرةٍ. وفي غضون كلام الشيخ «وللمعتزليِّ أن يقول: لا يتعيَّن أن تكون» إنْ «شرطيةً بل هي نافيةٌ والمعنى: ما كان اللَّه يريد أن يُغْويكم» . قلت: لا أظنُّ أحداً يرضى بهذه المقالة وإن كانت توافق مذهبه.
هود 11:35
قوله تعالى: {فَعَلَيَّ إِجْرَامِي} : مبتدأ وخبرٌ أو فعلٌ وفاعل. والجمهورُ على كسرِ همزة «إجرامي» وهو مصدر أجرم، وأجرم هو الفاشي، ويجوز جَرَمَ ثلاثياً وأنشدوا:
2658 - طَريدُ عشيرةٍ ورهينُ ذَنْبٍ ... بما جَرَمت يَدي وجَنَى لساني
وقُرىء في الشاذ «أجرامي» بفتحها، حكاه النحاس، وخَرَّجه على أنه جمعُ جُرْم كقُفْل أَقْفال، والمراد آثامي.
هود 11:36
قوله تعالى: {وَأُوحِيَ} : الجمهور على «أُوحي» مبنياً للمفعول، والقائمُ مقامَ الفاعل «أنه لن يؤمن» أي: أُوحي إليه عدمُ إيمان بعض. وقرأ أبو البرهسم «أوحى» مبنياً للفاعل وهو اللَّه تعالى، «إنه» بكسر الهمزة. وفيها وجهان أحدهما: وهو أصلٌ للبصريين - أنه على إجراء الإِيحاء مُجْرى القول.
وقوله: {فَلاَ تَبْتَئِسْ} هو تَفْتَعِل من البُؤْس ومعناه الحزنُ في استكانة، ويقال: ابتأسَ فلانٌ أي: بلغه ما يَكْرهه قال:
2659 - ما يَقْسِمِ اللَّهُ أَقْبَلْ غيرَ مُبْتَئِسٍ ... منه وأقْعُدْ كريماً ناعمَ البالِ
/ وقال آخر:
2660 - وكم مِنْ خليلٍ أو حَميمٍ رُزِئْتُه ... فلم نَبْتَئِس والرُّزْء فيه جَليل
هود 11:37
قوله تعالى: {بِأَعْيُنِنَا} : حالٌ من فاعل «اصنع» أي: محفوظاً بأعيننا، وهو مجازٌ عن كلام اللَّه له بالحفظ. وقيل: المراد بهم الملائكة تشبيهاً لهم بعيونِ الناس أي: الذين يتفقَّدون الأخبار، والجمع حينئذ حقيقةٌ. وقرأ طلحة بن مصرف «بأعيُنَّا» مدغمة.
هود 11:38
قوله تعالى: {وَكُلَّمَا مَرَّ} : العامل في «كلما» سَخِر «، و» قال «مستأنف؛ إذ هو جوابٌ لسؤال سائل. وقيل: بل العامل في» كلما «:» قال «، و» سخروا «على هذا: إمَّا صفة لَمَلأ، وإمَّا بدلٌ مِنْ» مرَّ «، وهو بعيدٌ جداً، إذ ليس» سَخِرَ «نوعاً من المرور ولا هو هو فكيف يُبدل منه؟ والجملةُ من قوله» كلما «إلى آخره في محلِّ نصب على الحال أي: يصنع الفلك والحالُ أنه كلما مرَّ.
هود 11:39
قوله تعالى: {مَن يَأْتِيهِ} : في «مَنْ» وجهان، أحدهما: أن تكونَ موصولةً. والثاني: أن تكونَ استفهاميةً، وعلى كلا التقديرين ف «تعلمون» : إمَّا من باب اليقين فتتعدَّى لاثنين، وإمَّا من باب العرفان فتتعدَّى لواحد. فإذا كانت هذه عرفانيةً و «مَنْ» استفهامية كانت «مَنْ» وما بعدها سادَّة مسدَّ مفعول واحد، وإن كانَتْ متعديةً لاثنين كانت سادَّة مَسَدَّ المفعولين، وإذا كانت «تعلمون» متعديةً لاثنين و «مَنْ» موصولة كانت في موضع المفعول الأول، والثاني محذوف. قال ابن عطية: «وجائز أن تكونَ المتعديةَ إلى مفعولين، واقتصر على الواحد» وهذه العبارةُ ليست جيدةٌ؛ لأن الاقتصَارَ في هذا الباب على أحد المفعولين لا يجوز؛ لِما تقرَّر غيرَ مرة من أنهما مبتدأٌ وخبر في الأصل، وأمَّا حَذْفُ الاختصار فهو ممتنعٌ أيضاً، إذ لا دليلَ على ذلك. وإن كانت متعديةً لواحد و «مَنْ» موصولةٌ فأمرُها واضح.
وحكى الزهراوي: «ويَحُلُّ» بضم الحاء بمعنى يجب.
و «التنور» معروفٌ. وقيل: هو وجهُ الأرض. وهل أل فيه للعهدِ أو للجنس؟ ووزنَ تَنُّور قيل: تَفْعُول مِنْ لفظ النور فقُلبت الواوُ الأولى همزةً لانضمامِها، ثم حُذِفت تخفيفاً، ثم شددوا النون كالعوضِ عن المحذوف، ويُعزَى هذا لثعلب. وقيل: وزنه فَعُّول ويعزى لأبي علي الفارسي. وقيل: هو أعجمي وعلى هذا فلا اشتقاقَ له. والمشهورُ أنه مما اتَّفق فيه لغة العرب والعجم كالصابون.
هود 11:40
قوله تعالى: {مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ} : قرأ العامة بإضافة «كل» لزوجين. وقرأ حفص بتنوين «كل» . فأمَّا العامَّة فقيل: إن مفعول «احمل» «اثنين» و {مِن كُلٍّ زَوْجَيْنٍ} في محل نصب على الحال من المفعول لأنه كان صفةً للنكرة فلما قُدِّم عليها نُصب حالاً. وقيل: بل «مِنْ» زائدة، و «كل» مفعول به، و «اثنين» نعت لزوجين على التأكيد، وهذا إنما يتمُّ على قول مَنْ يرى زيادةَ «مِنْ» مطلقاً، أو في كلامٍ موجب. وقيل: قوله: «زوجين» بمعنى العموم أي: من كل ما لَه ازدواجٌ، هذا معنى قوله: {مِن كُلٍّ زَوْجَيْنٍ} وهو قول الفارسي وغيره. قال ابن عطية: «ولو كان المعنى: احمل فيها من كل زوجين حاصلين اثنين لوجب أن يَحْمل من كلِّ نوعٍ أربعةً، والزوج في مشهور كلامهم للواحد مما له ازدواجٌ» .
وأمَّا قراءة حفص فمعناها من كل حيوان، و «زوجين» مفعول به، و «اثنين» نعتُ على التأكيد، و «مِنْ كلٍ» على هذه القراءة يجوز أن يتعلق ب «احمل» وهو الظاهر، وأن يتعلق بمحذوف على أنها حال من «زوجين» وهذا الخلافُ والتخريجُ جاريان أيضاً في سورة {قَدْ أَفْلَحَ} [المؤمنون: 27] .
قوله: {وَأَهْلَكَ} نسق على «اثنين» في قراءة مَنْ أضاف «كل» لزوجين، وعلى «زوجين» في قراءة مَنْ نوَّن «كلاً» وقولُه: {إِلاَّ مَن سَبَقَ} استثناءٌ متصل في موجَب، فهو واجبُ النصب على المشهور.
وقوله: {وَمَنْ آمَنَ} مفعول به نسقاً على مفعول «احمِلْ» .
هود 11:41
قوله تعالى: {وَقَالَ} : يجوز أن يكونَ الفاعلُ ضميرَ نوح عليه السلام، ويجوز أن يكونَ ضمير الباري تعالى أي: وقال اللَّه لنوح ومَنْ معه. و «فيها متعلقٌ ب» اركبوا «وعُدِّي ب» في «لتضمُّنه معنى» ادخلوا فيها راكبين «أو سيروا فيها. وقيل: تقديره: اركبوا الماء فيها. وقيل:» في «زائدةٌ للتوكيد.
قوله: {بِسْمِ الله} يجوز أن يكونَ هذا الجار والمجرور حالاً من فاعل» اركبوا «أو مِنْ» ها «في» فيها «، ويكون» مجراها «و» مرساها «فاعلين بالاستقرار الذي تَضَمَّنه الجارُّ لوقوعه حالاً. ويجوز أن يكونَ» بسم اللَّه «خبراً مقدماً، و» مَجْراها «/ مبتدأً مؤخراً، والجملة أيضاً حالٌ مما تقدَّم، وهي على كلا التقديرين حالٌ مقدَّرةٌ كذا أعربه أبو البقاء وغيرُه. إلا أنَّ مكيَّاً منع ذلك لخلوِّ الجملة من ضمير يعود على ذي الحال إذا أَعْرَبْنا الجملةَ أو الجارَّ حالاً من فاعل» اركبوا «قال:» ولا يَحْسُنُ أن تكونَ هذه الجملةُ حالاً من فاعل «اركبوا» لأنه لا عائدَ في الجملةِ يعودُ على المضمر في «اركبوا» ؛ لأن المضمرَ في «بسم اللَّه» إنْ جَعَلْتَه خبراً ل «مَجْراها» فإنما يعود على المبتدأ وهو مجراها، وإن رَفَعْتَ «مجراها» بالظرفِ لم يكن فيه ضميرُ الهاء في «مجراها» وإنما تعود على الضمير في «فيها، وإذا نَصَبْتَ» مجراها «على الظرفِ عَمِل فيه» بسم اللَّه «، وكانت الجملةُ حالاً من فاعل» اركبوا «.
وقيل: {بِسْمِ الله} حال من فاعل» اركبوا «ومَجْراها ومُرْساها في موضع الظرف المكاني أو الزماني، والتقدير: اركبوا فيها مُسَمِّين موضعَ جريانها ورُسُوِّها، أو وقتَ جريانِها ورسوِّها. والعامل في هذين الظرفين حينئذٍ ما تضمَّنه» بسم اللَّه «من الاستقرار، والتقدير: اركبوا فيها متبرِّكين باسم اللَّه في هذين المكانين أو الوقتين. قال مكي:» ولا يجوزُ أن يكونَ العاملُ فيهما «اركبوا» لأنه لم يُرِدْ: اركبوا فيها في وقت الجَرْي والرسُوِّ، إنما المعنى: سَمُّوا اسمَ اللَّه في وقت الجَرْي والرسوِّ «.
ويجوزُ أيضاً أن يكون» مَجْراها ومُرْساها «مصدرين، و» بسم اللَّه «حالٌ كما تقدَّم، رافعاً لهذين المصدرين على الفاعلين أي: استقرَّ بسم اللَّه إجراؤها وإرساؤها، ولا يكون الجارُّ حينئذٍ إلا حالاً من» ها «في» فيها «لوجود الرابط، ولا يكون حالاً من فاعل» اركبوا «لعدمِ الرابط.
وعلى هذه الأعاريبِ يكون الكلامُ جملةً واحدةً. ويجوز أن يكون {بِسْمِ الله مجراها وَمُرْسَاهَا} جملةً مستأنفة لا تعلُّق لها بالأولى من حيث الإِعراب، ويكون قد أمرهم في الجملة الأولى بالركوب، وأخبر أن مجراها ومُرْساها باسم اللَّه، وفي التفسير: كان إذا قال: «بسم اللَّه» وقَفَتْ، وإذا قالها جَرَتْ عند إرادته ذلك، فالجملتان محكيَّتان ب «قال» .
وقرأ الأخوان وحفص «مَجْراها» بفتح الميم والباقون بضمها. واتفق السبعة على ضمِّ ميم «مُرْساها» . وقد قرأ ابن مسعود وعيسى الثقفي وزيد بن علي والأعمش «مَرْساها» بفتح الميم أيضاً. فالضمُّ فيهما لأنهما مِنْ أَجْرى وأرسى، والفتح لأنهما مِنْ جَرَتْ ورَسَتْ وهما: إمَّا ظرفا زمان أو مكان أو مصدران، على ما سبق من التقادير.
وقرأ الضحاك والنخعي وابن وثاب ومجاهد وأبو رجاء والكلبي والجحدري وابن جندب «مُجْرِيها ومُرْسِيها» بكسر الراء بعدهما ياء صريحة، وهما اسما فاعلَيْن مِنْ أجرى وأَرْسى، وتخريجُهما على أنهما بدلان من اسم اللَّه. وقال ابن عطية وأبو البقاء ومكي: إنهما نعتان للَّه تعالى، وهذا الذي ذكروه إنما يتمُّ على تقديرِ كونهما معرفتين بتمحض الإِضافة وقد قال الخليل: «إنَّ كلَّ إضافةٍ غيرُ محضةٍ قد تُجْعل مَحْضة إلا إضافةَ الصفةِ المشبهة فلا تتمحَّض» .
وقال مكي: «ولو جُعِلت» مجراها «و» مرساها «في موضع اسم الفاعل لكانت حالاً مقدرة، ولجازَ ذلك ولَجَعَلْتَها في موضع نصبٍ على الحال من اسم اللَّه تعالى» قلت: وقد طَوَّل مكي رحمه اللَّه تعالى كلامه في هذه المسألة، وقال في آخرها: «وهذه المسألةُ يُوقف فيها على جميع ما كان في الكلام والقرآن مِنْ نظيرها، وذلك لمَنْ فَهمها حقَّ فَهْما وتدبَّرها حَقَّ تدبُّرها فهي من غُرَر المسائِل المُشْكلة» .
قوله: {وَهِيَ تَجْرِي} في هذه الجملة ثلاثة أوجه، أحدها: أنها مستأنفةٌ أخبر اللَّه تعالى عن السفينة بذلك. والثاني: أنها في محلِّ نصبٍ على الحال من الضمير المستتر في «بسم اللَّه» أي: جريانها استقرَّ بسم اللَّه حالَ كونِها جارية. والثالث: أنها حالٌ مِنْ شيءٍ محذوفٍ تضمَّنته جملةٌ دَلَّ عليها سياقُ الكلام. قال الزمخشري: «فإن قلت: بِمَ اتصل قوله: {وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ} ؟ قلت: بمحذوفٍ دلَّ عليه قوله {اركبوا فِيهَا بِسْمِ الله} كأنه قيل: فركبوا فيها يقولون: بسم اللَّه وهي تجري بهم.
وقوله: {بِهِمْ} يجوزُ فيه وجهان، أحدهما: أن يتعلَّق ب» تَجْري «. والثاني: أنه متعلقٌ بمحذوفٍ أي: تجري ملتبسةً بهم، ولذلك فَسَّره الزمخشري بقوله:» أي: تجري وهم فيها «.
والرُّسُوُّ: الثبات والاستقرار، يقال: رَسَا يَرْسُو وأَرْسَيْتُه أنا. قال:
2661 - فَصَبَرْتُ نَفْساً عند ذلك حُرَّةً ... تَرْسُو إذا نفسُ الجبان تَطَلَّعُ
أي: تثبت وتستقرُّ عندما تضطربُ وتتحرك نفسُ الجبان.
هود 11:42
قوله تعالى: {كالجبال} : صفةٌ ل «مَوْج» . قوله: «نوحٌ ابنَه» الجمهورُ على كسر تنوين «نوح» لالتقاء الساكنين. وقرأ وكيع/ بضمِّه اتباعاً لحركة الإِعراب. واسْتَرْذَلَ أبو حاتم هذه القراءة وقال: «هي لغة سوء لا تُعرف» .
وقرأ العامة «ابنه» بوصل هاء الكناية بواو، وهي اللغةُ الفصيحةُ الفاشية. وقرأ ابن عباس بسكون الهاء. قال بعضهم: «هذا مخصوصٌ بالضرورة وأنشد:
2662 - وأَشْربُ الماء ما بيْ نحوَه عَطَشٌ ... إلا لأنَّ عيونَهُ سيلُ واديها
وبعضُهم لا يَخُصُّه بها. وقال ابن عطية: إنها لغةٌ لأَزْد السراة ومنه قوله:
2663 -. . . . . . . . . . . . . . . . . . ... ومِطْوايَ مُشْتاقان لَهْ أَرِقانِ
وقال بعضهم:» هي لغة عُقَيل وبني كلاب «.
وقرأ السدي:» ابناهْ «بألف وهاء السكت. قال ابن جني:» وهو على النداء «. وقال أبو البقاء:» ابناه: على التَرَثِّي وليس بندبة، لأنَّ الندبةَ لا تكون بالهمزة «وهو كلامٌ مُشْكِلٌ في نفسه، وأين الهمزةُ هنا؟ إن عنى همزةَ النداءِ فلا نسلِّم أن المقدَّرَ مِنْ حروف النداء هو الهمزة، لأنَّ النحاةَ نصُّوا على أنه لا يُضْمر في حروف النداء إلا» يا «لأنها أمُّ الباب. وقوله:» الترثّي «هو قريب في المعنى من الندبة. وقد نَصُّوا على أنه لا يجوز حَذْفُ النداء من المندوب وهذا شبيه به.
وقرأ عليٌّ عليه السلام:» ابنها «إضافة إلى امرأته كأنه اعتبرَ قولَه» ليس من أهلك «. وقوله:» ابني «و» من أهلي «لا يدلُّ له لاحتمالِ أن يكونَ ذلك لأجل الحنوّ، وهو قول الحسن وجماعة.
وقرأ محمد بن علي وعروة والزبير:» ابْنَهَ «بهاء مفتوحة دون ألف، وهي كالقراءةِ قبلَها، إلا أنه حَذَفَ ألف» ها «مُجْتزئاً عنها بالفتحة، كما تُحذف الياءُ مُجْتَزَأً عنها بالكسرة. قال ابن عطية:» هي لغة «وأنشد:
2664 - أمَا تقودُ بها شاةً فتأكلُها ... أو أنْ تبيعَهَ في بعض الأراكيبِ
يريد:» تبيعَها «فاجتزأ بالفتحة عن الألف، كما اجتزأ الآخر عنها في قوله: أنشده ابن الأعرابي على ذلك.
2665 - فلستُ براجعٍ ما فاتَ مني ... بِلَهْفَ ولا بِلَيْتَ ولا لوَاني
يريد: يا لَهْفا، فحذف، وهذا يخصُّه بعضهم بالضرورة، ويمنع في السَّعة يا غلامَ في يا غلاما. قلت: وسيأتي في نحو:» يا أبتَ «بالفتح: هل ثَمَّ ألفٌ محذوفة أم لا؟ وتقدم لنا خلاف في نحو: يابنَ أمَّ ويابنَ عَمَّ: هل ثَمَّ ألفٌ محذوفة مجتزَأٌ عنها بالفتحة أم لا؟ فهذا أيضاً كذلك، ولكن الظاهرَ عدمُ اقتياسه.
وقد خطَّأ النحاس أبا حاتم في حَذْفِ هذه الألفِ، وفيه نظرٌ.
قوله: {وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ} جملةٌ في موضع نصب على الحال، وصاحبُها هو «ابنه» ، والحالُ تأتي مِن المنادى لأنه مفعول. والمَعْزِل بكسر الزاي اسم مكان العزلة. وكذلك اسم الزمان أيضاً، وبالفتح هو المصدر. قال أبو البقاء: «ولم أعلم أحداً قرأ بالفتح» . قلت: لأنَّ المصدر ليس حاوياً له ولا ظرفَه، فكيف يُقرأ به إلا بمجاز بعيد؟
وقرأ البزي وقالون وخلاَّد بإظهار ياء «اركب» قبل ميم «معنا» بخلافٍ عنهم، والباقون بالإِدغام، وقرأ عاصم هنا «يا بنيَّ» بفتح الياء. وأمَّا في غير هذه السورة فإن حفصاً عنه فَعَلَ ذلك، والباقون بكسر الياء في جميع القرآن إلا ابنَ كثيرٍ فإنه في الأول من لقمان وهو قوله: {لاَ تُشْرِكْ بالله} [لقمان: 13] فإنه سكَّنه وصلاً ووقفاً، وفي الثاني كغيره أعني أنه يكسر ياءه، وحفص على أصله من فتحه. وفي الثالث وهو قولُه: {يابني أَقِمِ الصلاة} [لقمان: 17] اختُلِف عنه، فروى عنه البزي كحفصٍ، وروى عنه قنبل السكون كالأول. هذا ضبطُ القراءة.
وأمَّا تخريجُها فَمَنْ فتح فقيل: أصلها: يا بُنَيَّا بالألف فحُذفت الألفُ تخفيفاً، اجْتَزَأ عنها بالفتحة، وقد تقدَّم من ذلك أمثلةٌ كثيرة. وقيل بل حُذِفت لالتقاء الساكنين؛ لأنها وقع بعدها راءُ «اركب» وهذا تعليلٌ فاسدٌ جداً، بدليل سقوطها في سورة لقمان في ثلاثة مواضعَ حيث لا ساكنان. وكأن هذا المُعَلِّلَ لم يَعْلم بقراءة عاصم في غيرِ هذه السورة، ولا بقراءةِ البزي للأخير في لقمان، وقد نَقَل ذلك أبو البقاء ولم يُنْكِرْه.
وأمَّا مَنْ كَسَرَ فحُذِفَت الياءُ أيضاً: إمَّا تخفيفاً وهو الصحيح، وإمَّا لالتقاءِ الساكنين، وقد تقدَّم فسادُه. وأمَّا مَنْ سكَّن فلِما رأى مِنْ الثِّقَل مع مطلق الحركة، ولا شك أن السكونَ أخفُّ مِنْ أخفِّ الحركات، ولا يقال: فلِم/ وافق ابنُ كثير غيرَ حفصٍ في ثاني لقمان، ووافق حفصاً في الأخيرة في رواية البزي عنه، وسكَّن الأول؟ لأنَّ ذلك جَمَعَ بين اللغات، والمفرِّق آتٍ بمُحالٍ.
وأصلُ هذه اللفظةِ بثلاثِ ياءات: الأولى للتصغير، والثانيةُ لامُ الكلمة، وهل هي ياءٌ بطريق الأصالة أو مُبْدَلةٌ من واو؟ خلافٌ تقدَّم تحقيقُه أولَ هذا الموضوعِ في لام «ابن» ما هي؟ ، والثالثةُ ياءُ المتكلم مضافٌ إليها، وهي التي طَرَأَ عليها القلبُ ألفاً ثم الحذفُ، أو الحذفُ وهي ياءٌ بحالِها.
هود 11:43
قوله تعالى: {لاَ عَاصِمَ اليوم} : فيه أقوالٌ، أحدها: أنه استثناءٌ منقطع، وذلك أن تَجْعَلَ عاصماً على حقيقته، ومَنْ رَحِم هو المعصوم، وفي «رَحِم» ضميرٌ مرفوعٌ يعود على اللَّه تعالى، ومفعولُه ضميرُ الموصولِ وهو «مَنْ» حُذِف لاستكمالِ الشروط، والتقدير: لا عاصمَ اليومَ البتةَ مِنْ أمر اللَّه، لكن مَنْ رَحِمه اللَّه فهو معصوم. الثاني: أن يكونَ المرادُ ب «مَنْ رَحِم» هو الباري تعالى كأنه قيل: لا عاصمَ اليومَ إلا الراحمَ. الثالث: أن عاصماً بمعنى مَعْصوم، وفاعِل قد يجيءُ بمعنى مفعول نحو: ماء دافق، أي: مدفوق، وأنشدوا:
2666 - بطيءُ القيامِ رخيمُ الكلا ... مِ أَمْسى فؤادي به فاتِنا
أي مفتوناً، و «مَنْ» مرادٌ بها المعصومُ، والتقدير: لا معصومَ اليومَ مِنْ أَمْرِ اللَّه إلا مَنْ رحمه اللَّه فإنه يُعْصَم. الرابع: أن يكون «عاصم» هنا بمعنى النَّسَب، أي: ذا عِصْمة نحو: لابن وتامر، وذو العصمة ينطلق على العاصم وعلى المعصوم، والمرادُ به هنا المَعْصوم.
وهو على هذه التقاديرِ استثناءٌ متصلٌ، وقد جعله الزمخشري متصلاً لمَدْرك آخرَ، وهو حذفُ مضافٍ تقديرُه: لا يعصمك اليومَ معتصِمٌ قط مِنْ جبلٍ ونحوِه سوى معتصمٍ واحد، وهو مكان مَن رحمهم اللَّه ونجَّاهم، يعني في السفينة «.
وأمَّا خبرُ» لا «فالأحسنُ أن يُجْعل محذوفاً، وذلك لأنه إذا دلَّ عليه دليلٌ وَجَبَ حذفُه عند تميم، وكَثُر عند الحجاز، والتقدير: لا عاصمَ موجودٌ. وجَوَّز الحوفي وابن عطية أن يكون خبرُها هو الظرف وهو اليوم. قال الحوفي:» ويجوز أن يكونَ «اليوم» خبراً فيتعلَّق قالاستقرار، وبه يتعلق {مِنْ أَمْرِ الله} . وقد رَدَّ أبو البقاء ذلك فقال: «فأمَّا خبرُ» لا «فلا يجوز أن يكونَ» اليوم «؛ لأنَّ ظرفَ الزمان لا يكون خبراً عن الجثة، بل الخبر {مِنْ أَمْرِ الله} و» اليوم «معمولُ {مِنْ أَمْرِ الله} .
وأمَّا» اليومَ «و {مِنْ أَمْرِ الله} فقد تَقدَّم أن بعضهم جَعَل أحدَها خبراً، فيتعلَّقُ الآخر بالاستقرار الذي يتضمنَّه الواقعُ خبراً. ويجوز في» اليوم «أن يتعلَّقَ بنفس {مِنْ أَمْرِ الله} لكونِه بمعنى الفعل. وجَوَّز الحوفي أن يكون» اليوم «نعتاً ل» عاصم «، وهو فاسدٌ بما أفسدَ بوقوعِه خبراً عن الجثث.
وقُرىء {إِلاَّ مَن رَّحِمَ} مبنياً للمفعول، وهي مقويةٌ لقولِ مَنْ يَدَّعي أنَّ» مَنْ رَحِم «في قراءة العامة المرادُ به المرحوم لا الراحم، كما تقدَّم تأويلُه. ولا يجوز أن يكون» اليوم «ولا {مِنْ أَمْرِ الله} متعلِّقين ب» عاصم «وكذلك الواحد منهما؛ لأنه كان يكون الاسمُ مطوَّلاً، ومتى كان مطوَّلاً أُعْرِبَ، ومتى أُعرب نُوِّن، ولا عبرةَ بخلاف الزجاج: حيث زعم أن اسمَ» لا «معربٌ حُذِفَ تنوينُه تخفيفاً.
هود 11:44
قوله تعالى: {ابلعي} : البَلْع معروفٌ. والفعل منه مكسورُ العين ومفتوحُها: بَلعِ وبَلَع حكاهما الكسائي والفراء. والإِقلاع: الإِمساك، ومنه «أَقْلَعَت الحمى» . وقيل: أقلع عن الشيء، أي: تركه وهو قريبٌ من الأول. والغَيْضُ: النقصان وفعله لازم ومتعدٍ، فمِن اللازمِ قولُه تعالى: {وَمَا تَغِيضُ الأرحام} [الرعد: 8] ، أي: تَنْقُص. وقيل: بل هو هنا متعدٍّ أيضاً وسيأتي، ومن المتعدِّي هذه الآيةُ؛ لأنه لا يُبنى للمفعول مِنْ غير واسطة حرف جر إلا المتعدي بنفسه.
والجُودِيُّ: جبلٌ بعينه بالمَوْصل. وقيل: بل كل جبل يقال له جُودي ومنه قولُ عمرو بن نفيل: /
2667 - سبحانَه ثم سُبْحاناً نعوذُ به ... وقبلَنا سَبَّح الجُودِيُّ والجُمُدُ
ولا أدري ما في ذلك مِن الدلالة على أنه عامٌّ في كل جبل. وقرأ الأعمش وابن أبي عبلة بتخفيف «الجُوْدِيْ» . قال ابن عطية: «وهما لغتان» . والصواب أن يقال: خُفِّفَتْ ياءُ النسب، وإن كان لا يجوزُ ذلك في كلامهم الفاشي.
قوله {بُعْداً} منصوبٌ على المصدر بفعلٍ مقدر، أي: وقيل: ابعدوا بُعْداً، فهو مصدرٌ بمعنى الدعاء عليهم نحو: جَدْعاً، يُقال: بَعِد يَبْعَد بَعَداً إذا هلك، قال:
2668 - يقولون لا تَبْعَدْ وهم يَدْفِنونه ... ولا بُعْدَ إلا ما تُواري الصَّفائحُ
واللام إمَّا [أن] تتعلق بفعل محذوف، ويكون على سبيل البيان كما تقدَّم في نحو «سَقْياً لك ورَعْياً» ، وإمَّا أن تتعلقَ بقيل، أي: لأجلهم هذا القولَ.
قال الزمخشري: «ومجيءُ إخبارِه على الفعلِ المبني للمفعول للدلالة على الجلال والكبرياء، وأن تلك الأمورَ العظامَ لا تكون إلا بفعلِ قادرٍ وتكوينِ مكوِّنٍ قاهرٍ، وأنَّ فاعلَ هذه الأفعال فاعل واحد لا يُشارَكُ في أفعاله، فلا يذهبُ الوهمُ إلى أن يقول غيره: يا أرضُ ابلعي ماءك، ولا أن يَقْضي ذلك الأمر الهائل إلا هو، ولا أَنْ تَسْتوي السفينة على الجوديِّ وتستقر عليه إلا بتسويته وإقرارِه، ولِما ذَكَرْنا من المعاني والنُّكَت استفصح علماءُ البيان هذه الآيةَ ورقصوا لها رؤوسَهم لا لتجانُس الكلمتين وهما قوله: ابلعي وأقلعي، وذلك وإن كان الكلام لا يخلو مِنْ حُسْنٍ فهو كغير الملتفَتِ إليه بإزاء تلك المحاسن التي هي اللُّبُّ وما عداها قشورٌ» . يعني أن بعض الناس عَدَّ من فصاحة الآية التجانسَ فقال: إن هذا ليس بطائل بالنسبة إلى ما ذكر من المعاني، ولعَمرْي لقد صَدَق.
ولمَّا حكى الشيخ عنه هذا الكلام الرائع لم يكن جزاؤُه عنده إلا «وأكثرُه خَطابة» .
وقول الزمخشري «ورقَصوا لها رؤوسهم» يحتمل أن يُريد ما يُحكى أن جماعةً من بلغاء زمانهم اجتمعوا في الموسم بعرفةً وتفرَّقوا على أن يُعارِض كلٌّ منهم شيئاً من القرآن ليروزوا قواهم في الفصاحة، فتفرَّقوا على أن يجتمعوا في القابل ففتح أحدهم قيل هو ابن المقفَّع المصحف فَوَجَد هذه الآية، فكعَّ لها وأَذْعَنَ، وقال: «لا يقدر أحدٌ أن يَصْنَعَ مثلَ هذا» .
هود 11:45
قوله تعالى: {فَقَالَ} : عطفٌ على «نادى» قال الزمخشري «فإن قلت: وإذا كان النداءُ هو قوله» رَبّ «فكيف عطف» فقال ربِّ «على» نادى «بالفاء؟ قلت: أريد بالنداء إرادةُ النداء، ولو أريد النداءُ نفسه لجاء كما جاء في قوله {إِذْ نادى رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً} » قال ربِّ «بغير فاء.
هود 11:46
قوله تعالى: {عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} : قرأ الكسائي «عَمِل» فعلاً ماضياً، و «غيرَ» نصباً، والباقون «عَمَلٌ» بفتح الميمِ وتنوينهِ على أنه اسمٌ، و «غيرُ» بالرفع. فقراءةُ الكسائي: الضمير فيها يتعيَّنُ عَوْدُه على ابن نوح، وفاعل «عمل» ضميرٌ يعودُ عليه أيضاً، و «غيرَ» مفعول به. ويجوز أن يكونَ نعتاً لمصدرٍ محذوف، تقديرُه: عَمل عملاً غيرَ صالحٍ كقوله {واعملوا صَالِحاً} [المؤمنون: 51] .
وأمَّا قراءةُ الباقين ففي الضمير أوجه، أظهرها: أنه عائدٌ على ابنِ نوح، ويكونُ في الإِخبار عنه بالمصدر المذاهبُ الثلاثةُ في «رجل عدل» . والثاني: أنه يعود على النداء المفهوم مِنْ قوله «ونادى» ، أي: نداؤك وسؤالُك. وإلى هذا ذهب أبو البقاء ومكي والزمخشري. وهذا فيه خطرٌ عظيم، كيف يُقال ذلك في حقِّ نبي من الأنبياء، فضلاً عن أول رسولٍ أُرْسِل إلى أهل الأرض من بعدِ آدم عليهما السلام؟ ولما حكاه أبو القاسم قال: «وليس بذاك» ولقد أصاب. واستدلَّ من قال بذلك أنَّ في حرف عبد اللَّه بن مسعود «إنه عملٌ غيرُ صالحٍ أن تسألني ما ليس لك به علمٌ» وهذا مخالِفٌ للسَّواد.
الثالث: أنه يعودُ على ركوب ابنِ نوح المدلولِ عليه بقوله «اركب معنا» . الرابع: أنَّه يعودُ على تركه الركوب وكونِه مع المؤمنين، أي: إنَّ تَرْكَه الركوبَ مع المؤمنين وكونَه مع الكافرين عملٌ غيرُ صالح، وعلى الأوجهِ الثلاثةِ لا يُحتاج في الإِخبارِ بالمصدر [إلى] تأويلٍ، لأنَّ كليهما معنى من المعاني، وعلى الوجه الرابع يكون من كلامِ نوح عليه السلام، أي: إنَّ نوحاً قال: إنَّ كونَك مع الكافرين وتَرْكَك الركوبَ معنا غيرُ صالح، بخلاف ما تقدَّم فإنه مِنْ قول اللَّه تعالى فقط، هكذا قال مكي وفيه نظرٌ، بل الظاهرُ أنَّ الكلَّ مِنْ كلام اللَّه تعالى. قال الزمخشري: «فإن قلت: هلا قيل: إنه عملٌ فاسِدٌ. قلت: لَمَّا نفاه عن أهله نفى عنه صفتَهم بكلمةِ النفي التي يستبقي معها لفظَ المنفي، وآذن بذلك أنَّه إنما أَنْجى مَنْ أَنْجى لصلاحهم لا لأنهم أهلُك.
قوله: {فَلاَ تَسْأَلْنِي} قرأ نافع وابن عامر» فلا تسألَنِّ «بتشديدِ النون مكسورةً من غير ياء. وابنُ كثير بتشديدها/ مع الفتح، وأبو عمرو والكوفيون بنونٍ مكسورةٍ خفيفة، وياءٍ وصلاً [لأبي عمرو] ، ودون ياء في [الحالين] للكوفيين. وفي الكهف {فَلاَ تَسْأَلْني عَن شَيءٍ} [الآية: 70] قرأه أبو عمرو والكوفيون كقراءتهم هنا، وافقهم ابنُ كثير في الكهف، وأمَّا نافعٌ وابن عامر فكقراءتهما هنا، ولابن ذكوان خلافٌ في ثبوتِ الياء وحَذْفها، وإنما قرأ ابن كثير التي في هود بالفتح دونَ التي في الكهف؛ لأنَّ الياء في هود ساقطة في الرسم، فكانت قراءتُه بفتحِ النون محتملةً بخلاف الكهف فإنَّ الياءَ ثابتةٌ في الرسم فلا يُوافِق فيه فَتْحُها.
وقد تقدَّم خلافُ ابن ذكوان في ثبوتِ الياء في الكهف.
فَمَنْ خَفَّف النونَ فهي نونُ الوقاية وحَدَها، ومَنْ شدَّدها فهي نون التوكيد. وابنُ كثير لم يَجْعل في هود الفعلَ متصلاً بياء المتكلم، والباقون جعلوه، فَلَزِمهم الكسرُ. وقد تقدَّم أنَّ «سأل» يتعدى لاثنين أوَّلُهما ياء المتكلم، والثاني {مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} .
قوله {أَن تَكُونَ} على حذف حرف الجر، أي: مِنْ أن تكون أو لأجلِ أن، وقوله {مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} يجوزُ في «به» أن يتعلَّق ب «عِلْم» . قال الفارسي: «ويكونُ مثلَ قوله:
2669 - كان جَزائي بالعَصا أن أُجْلَدا ... ويجوز أن يتعلَّقَ بالاستقرار الذي تَعَلَّق به» لك «. والباء بمعنى» في «، أي: ما ليس لك به عِلْمٌ. وفيه نظرٌ.
هود 11:47
قوله تعالى: {وَإِلاَّ تَغْفِرْ} : لم تَمْنَعْ «لا» من عمل الجازم كما لم تمنعْ مِنْ عمل الجارِّ في نحو: «جِئْتُ بلا زادٍ» . قال أبو البقاء: «لأنها كالجزء من الفعل وهي غيرُ عاملة في النفي، وهي تنفي ما في المستقبل، وليس كذلك» ما «فإنها تنفي ما في الحال، فلذلك لم يَجُزْ أَنْ تَدْخُلَ» إنْ «عليها» .
هود 11:48
قوله تعالى: {قِيلَ يانوح} : الخلافُ المتقدم في قوله {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ} [البقرة: 13] وشبهِه عائدُ هنا، أي: في كونِ القائمِ مقامَ الفاعل الجملة المحكيةَ أو ضميرَ مصدرِ الفعل.
قوله: {بِسَلاَمٍ} حال من فاعل «اهبط» ، أي: ملتسباً بسلام. و «منا» صفةٌ ل «سلام» فيتعلَّق بمحذوف أو هو متعلقٌ بنفسِ سلام، وابتداءُ الغايةِ مجازٌ، وكذلك «عليك» يجوز أن يكونَ صفةً لبركات أو متعلقاً بها.
قوله: {مِّمَّن مَّعَكَ} يجوزُ في «مَنْ» أن تكونَ لابتداء الغاية، أي: ناشئة من الذين معك، وهم الأمم المؤمنون إلى آخر الدهر، ويجوزُ أن تكونَ «مِنْ» لبيان الجنس، فيراد الأمم الذين كانوا معه في السفينة، لأنهم كانوا جماعاتٍ. وقُرىء «اهبُط» بضم الباء، وقد تقدم أول البقرة. وقرأ الكسائي فيما نُقِل عنه «وبركة» بالتوحيد.
قوله: {وأُمَمٍ} يجوزُ أَنْ يكونَ مبتدأ، و «سنمتِّعهم» خبره، وفي مسوِّغ الابتداءِ وجهان، أحدهما: الوصفُ التقديري، إذ التقديرُ: وأممٌ منهم، أي: ممَّن معك كقولهم «السَّمْن مَنَوان بدرهم» فمنوان مبتدأٌ وُصِف ب «منه» تقديراً. والثاني: أنَّ المسوِّغ لذلك التفصيلُ نحو: «الناسُ رجلان: رجلٌ أَهَنْتُ، وآخَرُ أكرمتُ» ومنه قولُ امرىء القيس:
2670 - إذا ما بكى مِنْ خَلْفِها انحرفَتْ له ... بشقٍّ وشِقٌّ عندنا لم يُحَوَّل
ويجوز أن يكونَ مرفوعاً بالفاعلية عطفاً على الضمير المستتر في «اهبط» وأغنى الفصلُ عن التأكيد بالضمير المنفصل، قاله أبو البقاء قال الشيخ: «وهذا التقديرُ والمعنى لا يصلحان، لأن الذين كانوا مع نوح في السفينة إنما كانوا مؤمنين لقوله:» ومَنْ آمنَ «ولم يكونوا كفَّاراً ومؤمنين، فيكون الكفار مأمورِين بالهبوط، إلا إنْ قُدِّر أنَّ مِن المؤمنين مَنْ يكفر بعد الهبوط، وأخبر عنهم بالحال التي يَؤُولون إليها فيمكن على بُعْدٍ» . قلت: وقد تقدَّم أنَّ مثلَ ذلك لا يجوز، في قول {اسكن أَنْتَ وَزَوْجُكَ} [البقرة: 35] لأمرٍ صناعي، و «سنمتِّعُهم» على هذا صفةٌ ل «أمم» ، والواوُ يجوز أن تكونَ للحال. قال الأخفش: «كما تقول:» كلَّمْتُ زيداً وعمروٌ جالس «ويجوز أن تكونَ لمجردِ النَّسَق» .
هود 11:49
وقوله تعالى: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ الغيب} : كقوله: {ذلك مِنْ أَنَبَآءِ الغيب} [الآية: 44] في آل عمران. قوله: {مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ} يجوز في هذه الجملةُ أن تكونَ حالاً من الكاف في «إليك» ، وأن تكون حالاً من المفعول في «نُوحيها» وأن تكونَ خبراً بعد خبر.
هود 11:50
قوله تعالى: {وإلى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً} : معطوفان على قوله {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إلى قَوْمِهِ} [هود: 25] : مرفوعٌ على مرفوع، ومجرور على مجرور، كقولك: «ضرب زيد عمراً وبكر خالداً» ، وليس من باب ما فُصِل فيه بين حرف العطف والمعطوف بالجارِّ/ والمجرور نحو: «ضربت زيداً وفي السوق عمراً» فيجيءُ الخلاف المشهور. وقيل: بل هو على إضمارِ فعلٍ، أي: وأَرْسَلْنا هوداً، وهذا أوفق لطول الفصل. و «هوداً» بدلٌ أو عطفٌ بيان لأخيهم.
وقرأ ابن محيصن «يا قومُ» بضم الميم، وهي لغةٌ للعرب يَبْنونَ المضافَ للياء على الضم كقوله تعالى: {قَالَ رَبِّ احكم} [الأنبياء: 112] بضمِّ الباء، ولا يجوزُ أن يكونَ غيرَ مضاف للياء لما سيأتي في موضعه إن شاء اللَّه.
وقوله: {مِّنْ إله غَيْرُهُ} قد ذُكر في الأعراف ما يتعلق به قراءةً وإعراباً.
هود 11:51
قوله تعالى: {فطرني} : قرأ نافع والبزي بفتح الياء، وأبو عمرو وقنبل بإسكانها.
هود 11:52
قوله تعالى: {مِّدْرَاراً} : منصوبٌ على الحال، ولم يؤنِّثْه وإن كانَ مِنْ مؤنث لثلاثةِ أوجه، أحدُهما: أن المراد بالسماء السحاب فذكَّر على المعنى. والثاني: أن مِفْعالاً للمبالغة فيستوي فيه المذكر والمؤنث كصبور وشكور وفعيل. الثالث: أن الهاء حُذِفَتْ مِنْ مِفْعال على طريق النَّسَب قاله مكي، وقد تقدَّم إيضاحُه في الأنعام.
قوله: {إلى قُوَّتِكُمْ} يجوز أن يتعلَّقَ ب «يَزِدْكم» على التضمين، أي: يُضِف إلى قوتكم قوةً أخرى، أو يُجعل الجار والمجرور صفةً ل «قوة» فيتعلَّق بمحذوف. وقدَّره أبو البقاء «مضافةً إلى قوتكم» وهذا يأباه النحاة لأنهم لا يقدِّرون إلا الكونَ المطلقَ في مثله، أو تُجْعل «إلى» بمعنى مع أي: مع قوتكم كقولِه تعالى: {إلى أَمْوَالِكُمْ} [النساء: 2] .
هود 11:53
قوله تعالى: {بِبَيِّنَةٍ} : يجوز أن تكونَ الباء للتعدية، فيتعلَّق بالفعل قبلها، أي: ما أظهرْتَ لنا بينةً قط. والثاني: أن يتعلَّق بمحذوف على أنها حالٌ، إذ التقدير: مستقراً أو ملتبساً ببينة.
قوله: {عَن قَوْلِكَ} حالٌ من الضمير في «تاركي» ، أي: وما نترك آلهَتنا صادرين عن قولك. ويجوز أن تكون «عن» للتعليل، كهي في قولِه تعالى {إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ} [التوبة: 114] ، أي: إلا لأجل موعدة. والمعنى هنا: بتاركي آلهتِنا لقولك، فيتعلَّق بتاركي. وقد أشار إلى التعليل ابنُ عطية، ولكنَّ المختارَ الأول، ولم يذكر الزمخشري غيره.
هود 11:54
قوله تعالى: {إِلاَّ اعتراك} : الظاهرُ أن ما بعد «إلا» مفعول بالقول قبله، إذ المرادُ: إن نقول إلا هذا اللفظَ فالجملةُ محكيةٌ نحو قولك: «ما قلت إلا زيد قائم» . وقال أبو البقاء: «الجملةُ مفسرةٌ لمصدرٍ محذوف، التقدير: إن نقول إلا قولاً هو اعتراك، ويجوز أن يكونَ موضعُها نصباً، أي: ما نذكر إلا هذا القول» وهذا غير مُرْضٍ؛ لأن الحكاية بالقول معنى ظاهر لا يَحْتاج إلى تأويل، ولا إلى تضمينِ القولِ بالذِّكْر.
وقال الزمخشري: «اعتراك» مفعول «نقول» و «إلا» لغوٌ، أي: ما نقول إلا قولنا «اعتراك» . انتهى. يعني بقولَه «لَغُو» أنه استثناءٌ مفرغ، وتقديره بعد ذلك تفسيرُ معنى لا إعراب، إذ ظاهرُه يقتضي أن تكونَ الجملةُ منصوبةً بمصدر محذوف، ذلك المصدرُ منصوبٌ ب «نقول» هذا الظاهر. ويُقال: اعتراه بكذا يَعْتريه، وهو افتعلَ مِنْ عَراه يَعْرُوه إذا أصابَه، والأصل: اعْتَرَوَ من العَرَوْ، مثل: اغتَرَوا مِن الغَزْو، فتحرك حرفُ العلة وانفتح ما قبله فقُلب ألفاً، وهو يتعدَّى لاثنين ثانيهما بحرف الجر.
قوله: {أَنِّي برياء} يجوز أن يكون من باب الإِعمال لأنَّ «أُشْهِدُ» يطلبُه، و «اشْهدوا» يطلبه أيضاً، والتقدير: أُشْهد اللَّه على أنه بريء، واشهدوا أنتم عليه أيضاً، ويكون من إعمال الثاني، لأنه لو أَعْمل الأول لأضمر في الثاني: ولا غَرْو في تنازع المختلفين في التعدي واللزوم.
و «مِمَّا تُشْركون» يجوز أن تكونَ «ما» مصدريةً، أي: مِنْ إشراككم آلهةً مِنْ دونه، أو بمعنى الذي، أي: مِن الذين تشركونه مِن آلهةٍ مِن دونه، أي أنتم الذين تجعلونها شركاءَ.
هود 11:55
وقوله تعالى: {جَمِيعاً} : حالٌ من فاعل «فكيدون» . وأثبت سائرُ القراء ياء «فكيدوني» في الحالين، وحَذَفوها في المرسلات.
هود 11:56
والناصِيَةُ مَنْبِتُ الشَّعْر في مُقَدَّم الرأس، ويُسَمَّى الشعرُ النَّابِتُ أيضاً «ناصِية» باسم محلِّه، ونَصَوْتُ الرجل: أَخَذْتُ بناصِيته، فلامُها واو، ويقال: ناصاة بقَلْبِ يائها ألفاً، وفي الأَخْذِ بالناصية عبارةٌ عن الغَلَبة والتسلُّط وإن لم يكن آخذاً بناصيته، ولذلك كانوا إذا مَنُّوا على أسيرٍ جَزُّوا ناصيتَه.
هود 11:57
قوله تعالى: {فَإِن تَوَلَّوْاْ} : أي: تَتَوَلَّوا فحذف إحدى التاءَيْن، ولا يجوز أن يكونَ ماضياً كقوله: «أَبْلَغْتكم» ، ولا يجوزُ أن يدعى فيه الالتفات، إذ هو رَكاكَةٌ في التركيب وقد جَوَّزَ ذلك ابنُ عطية فقال: «ويُحْتمل أن يكون» تولَّوا «ماضياً، ويجيءُ في الكلام رجوعٌ من غَيْبة إلى خطاب» . وقلت: ويجوزُ أن يكونَ ماضياً لكن لمَدْرَكٍ آخرَ غيرِ الالتفات: وهو أن يكونَ على إضمار القول، أي: فقل لهم: قد أبلغْتُكم. ويترجَّح كونُه ماضياً بقراءة عيسى والثقفي والأعرج «فإن تُوَلُّوا» بضم التاء واللام، مضارعَ ولى بضم التاءِ واللام مضارعَ وَلي، والأصل تُوَلِّيُوا فأُعِلَّ.
قال الزمخشري: «فإن قلتَ: الإِبلاغ كان قبل التولِّي فكيف وقع جزاءً للشرط؟ قلت: معناه فإنْ تتولَّوا لم أعاتِبْ على تفريطٍ على الإِبلاغ، وكنتم محجوجين بأنَّ ما أَرْسَلْتُ به إليكم قد بلغكم فأبيتم إلا التكذيب.
قوله: {وَيَسْتَخْلِفُ} العامَّةُ على رفعِه استئنافاً. وقال أبو البقاء» هو معطوفٌ على الجواب بالفاء «. وقرأ عبد اللَّه بن مسعود بتسكينه، وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون سُكِّن تخفيفاً لتوالي الحركات: والثاني: أن يكونَ مجزوماً عطفاً على الجواب المقترن بالفاء، إذ مَحَلُّه الجزمُ وهو نظيرُ قولِه: {فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ} وقد تقدَّم تحقيقُه، إلا أن القراءتين ثَمَّ في المتواتر.
قوله: {وَلاَ تَضُرُّونَهُ} العامَّة على النون، لأنه مرفوعٌ على ما تقدَّم، وابنُ مسعودٍ بحذفها، وهذا يُعَيِّن أن يكونَ سكونُ» يستخلف «جزماً، ولذلك لم يذكر الزمخشري غيره؛ لأنه ذكر جزمَ الفعلين، ولمَّا لم يذكرْ أبو البقاء الجزم في» تَضُرُّونه «جَوَّز الوجهين في» يَسْتخلف «.
و» شيئاً «مصدرٌ، أي: شيئاً من الضرر.
هود 11:59
قوله تعالى: {جَحَدُواْ} : جملةٌ مستأنفة سِيقت للإِخبار عنهم بذلك، وليسَتْ حالاً مِمَّا قبلها، و «جَحَد» يتعدى بنفسه، ولكنه ضُمِّن معنى كفر، فيعدى بحرفه، كما ضَمَّن «كفر» معنى «جحد» فتعدى بنفسه في قوله بعد ذلك في قوله: {كَفَرُواْ رَبَّهُمْ} [هود: 60] . وقيل: إنَّ «كفر» ك شكر «في تعدِّيه بنفسِه تارةً وبحرف الجر أخرى.
والجبَّار تقدَّم اشتقاقه والعنيد: / الطاغي المتجاوزُ في الظلم مِنْ قولهم» عَنَد يَعْنِد «إذا حادَ عن الحق من جانبٍ إلى جانب. قيل: ومنه» عندي «الذي هو ظرف؛ لأنه في معنى جانِب، من قولك: عندي كذا، أي في جانبي. وعن أبي عبيد: العنيد والعنود والعاند والمُعاند كلُّه المعارِض بالخلاف.
هود 11:61
قوله تعالى: {وإلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ} : كالذي قبله. والعامَّة على مَنْع «ثمود» الصرفَ هنا لعلتين: وهما العلمية والتأنيث، ذهبوا به مذهبَ القبيلة، والأعمش ويحيى بن وثاب صرفوه، ذهبا به مذهب الحيّ. وسيأتي بيان الخلاف في غير هذا الموضع.
قوله: {مِّنَ الأرض} : يجوز أن تكونَ لابتداء الغاية، أي: ابتداء إنشائكم منها: إمَّا إنشاءُ أصلكم وهو آدم، أو لأن كلَّ واحد خُلق مِنْ تُرْبته، أو لأن غذاءَهم وسببَ حياتهم من الأرض. وقيل: «مِن» بمعنى «في» ولا حاجة إليه.
هود 11:62
قوله تعالى: {وَإِنَّنَا} : هذا هو الأصل، ويجوز «وإنَّا» بنونٍ واحدة مشددة كما في السورة الأخرى. وينبغي أن يكون المحذوفُ النونَ الثانية من «إنَّ» لأنه قد عُهِد حَذْفُها دون اجتماعِها مع «ن» فَحَذْفُها مع «ن» أولى، وأيضاً فإنَّ حَذْف بعضِ الأسماء ليس بسهلٍ. وقال الفراء: «مَنْ قال» إننا «أَخْرج الحرفَ على أصله؛ لأنَّ كتابةَ المتكلمين» ن «فاجتمع ثلاثُ نونات، ومَنْ قال:» إنَّا «استثقل اجتماعَها فأسقط الثالثة، وأبقى الأوَّلَيْن» . انتهى. وقد تقدَّم الكلامُ في ذلك أولَ هذا الموضوع.
قوله: {مُرِيبٍ} اسم فاعل مِنْ أراب، و «أراب» يجوز أن يكونَ متعدِّياً مِنْ «أرابه» ، أي: أوقعه في الريبة أو قاصراً مِنْ «أراب الرجلُ» ، أي: صار ذا ريبة. ووُصِف الشكَّ بكونه مُريباً بالمعنيين المتقدمين مجازاً.
هود 11:63
قوله تعالى: {أَرَأَيْتُمْ} : إلى آخره: قد تقدَّم نظيره، والمفعول الثاني هنا محذوفٌ تقديره: أأَعْصيه، ويدلُّ عليه «إن عصيته» . وقال ابن عطية: «هي مِنْ رؤية القلب، والشرط الذي بعده وجوابه يَسُدُّ مَسَدَّ مفعولَيْنِ ل» أرأيتم «. قال الشيخ:» والذي تقرَّر أنَّ «أرأيت» ضُمِّن معنى أخبرْني، وعلى تقدير أن لا يُضَمَّن، فجملةُ الشرط والجواب لا تسدُّ مسدَّ مفعولَيْ علمت وأخواتها.
قوله: {غَيْرَ تَخْسِيرٍ} الظاهرُ أنَّ «غيرَ» مفعولٌ ثانٍ لتَزيدونني. قال أبو البقاء: «الأقوى هنا أن تكون» غير «استثناءً في المعنى، وهي مفعولٌ ثانٍ ل» تزيدونني «، أي: فما تزيدونني إلا تخسيراً» . ويجوز أن تكون «غير» صفةً لمفعولٍ محذوف، أي: شيئاً غير تخسير، وهو جيد في المعنى. ومعنى التفعيل هنا النسبةُ، والمعنى: غيرَ أن أُخْسِرَكم، أي: أَنْسبكم إلى التخسير، قاله الزمخشري. وقيل: هو على حَذْفِ مضافٍ، أي: غير بضارِّه تخسيركم، قاله ابن عباس.
هود 11:64
قوله تعالى: {آيَةً} : نصب على الحال بمعنى علامة، والناصب لها: إمَّا ها التنبيه أو اسمُ الإِشارة؛ لِما تضمَّناه من معنى الفعل، أو فعلٍ محذوف.
قوله: {لَكُمْ} في محلِّ نصبٍ على الحال من «آيةٍ» ؛ لأنه لو تأخَّر لكان نعتاً لها، فلما قُدِّم انتصبَ حالاً. قال الزمخشري: «فإن قلت بم تتعلَّقُ» لكم «؟ قلت:» بآية «حالاً منها متقدمة، لأنها لو تأخَّرَتْ لكانت صفة لها، فلما تقدَّمت انتصبت على الحال» . قال الشيخ: «وهذا متناقض لأنه من حيث تعلَّق» لكم «ب» آية «كان معمولاً ل» آية «، وإذا كان معمولاً لها امتنع أن يكون حالاً منها، لأنَّ الحال تتعلَّق بمحذوف» . قلت: ومثل هذا كيف يُعترض به على مِثْل الزمخشري بعد إيضاحه المعنى المقصودَ بأنه التعلُّقُ المعنويُّ؟
وقرأت فرقة: «تأكلُ» بالرفع: إمَّا على الاستئناف، وإمَّا على الحال.
هود 11:65
قوله تعالى: {فِي دَارِكُمْ} : قيل: هو جمعُ «دارَة» كساحة وساح وسُوح، وأنشدوا لأمية بن أبي الصلت:
2671 - له داعٍ بمكةَ مُشْمَعِلٌّ ... وآخرُ فوق دارَتِه يُنادي
قوله: {مَكْذُوبٍ} يجوز أن يكونَ مصدراً على زِنة مفعول، وقد جاء منه أُلَيْفاظ نحو: «المَجْلود والمَعْقول والميسور والمفتون، ويجوز أن يكونَ اسمَ مفعولٍ على بابه، وفيه حينئذ تأويلان، أحدُهما: غيرُ مكذوبٍ فيه، ثم حُذف حرف الجر فاتصل الضمير مرفوعاً مستتراً في الصفةِ، ومثلُه {يَوْمٌ مَّشْهُودٌ} [هود: 103] وقوله:
2672 - ويومٍ شَهِدْناه سليمى وعامراً ... قليلٌ سوى الطَّعْنِ النِّهالِ نوافلُهْ
والثاني: أنه جُعل هو نفسُه غيرَ مكذوب، لأنه قد وُفِّي به فقد صُدِّق.
هود 11:66
قوله تعالى: {وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ} : متعلقٌ بمحذوفٍ، أي: ونَجَّيْناهم مِنْ/ خزي. وقال الزمخشري: «فإن قلت: علام عُطِف؟ قلت: على» نَجَّيْنا «لأنَّ تقديرَه: ونجَّيْناهم من خزيِ يومئذ كما قال: {وَنَجَّيْنَاهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} [هود: 58] ، أي: وكانت التنجيةُ مِنْ خزي: وقال غيره:» إنه متعلقٌ ب «نَجَّيْنا» الأول «. وهذا لا يجوزُ عند البصريين غيرَ الأخفش، لأن زيادةَ الواوِ غيرُ ثابتة.
وقرأ نافع والكسائي بفتح ميم» يومئذ «على أنها حركةُ بناء لإِضافته إلى غير متمكن كقوله:
2673 - على حينَ عاتَبْتُ المشيبَ على الصِّبا ... فقلت ألمَّا أَصْحُ والشيبُ وازع
وقرأ الباقون بخفض الميم. وكذلك الخلافُ جارٍ في {سَأَلَ سَآئِلٌ} [المعارج: 1] .
وقرأ طلحة وأبان بن تغلب بتنوين» خزي «و» يومئذ «نصب على الظرف بالخزي.
وقرأ الكوفيون ونافع في النمل {مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ} بالفتح أيضاً، والكوفيون وحدهم بتنوين» فزع «ونصب» يومئذ «به.
ويحتمل في قراءة مَنْ نوَّن ما قبل» يومئذ «أن تكون الفتحةُ فتحةَ إعرابٍ أو فتحةَ بناء، و» إذ «مضافةٌ لجملة محذوفة عُوِّض منها التنوينُ تقديرُه: إذْ جاء أمرُنا. وقال الزمخشري:» ويجوز أن يُراد يومُ القيامة، كما فُسِّر العذاب الغليظ بعذاب الآخرة «. قال الشيخ:» وهذا ليس بجيدٍ؛ لأنه لم يتقدَّم ذِكْرُ يومِ القيامة، ولا ما يكون فيها، فيكون هذا التنوين عوضاً من الجملةِ التي تكون في يوم القيامة «. قلت: قد تكون الدلالةُ لفظيةً، وقد تكون معنويةً وهذه من المعنوية.
هود 11:67
قوله تعالى: {وَأَخَذَ الذين} : حُذِفت تاءُ التأنيث: إما لكونِ المؤنث مجازياً، أو للفصل بالمفعول، أو لأنَّ الصيحةَ بمعنى الصياح، والصَّيْحة: فَعْلة تدل على المَرَّة من الصياح، وهي الصوتُ الشديد: صاح يصيح صِياحاً، أي: صوَّت بقوة.
هود 11:68
وقرأ حمزة وحفص: {أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ} هنا، وفي الفرقان: {وَعَاداً وَثَمُودَاْ} [الآية: 38] ، وفي العنكبوت: {وَعَاداً وَثَمُودَاْ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم} [الآية: 38] ، وفي النجم: {وَثَمُودَ فَمَآ أبقى} [الآية: 51] جميعُ ذلك بمنعِ الصرفِ، وافقهم أبو بكر على الذي في النجم.
وقوله: {أَلاَ بُعْداً لِّثَمُودَ} منعه القراءُ الصرفَ إلا الكسائيَّ فإنه صَرَفَه. وقد تقدم أنَّ مَنْ منع جعله اسماً للقبيلة، ومَنْ صَرَف جعله اسماً للحيّ، وأنشد على المنع:
2674 - ونادى صالحٌ يا ربِّ أنزلْ ... بآلِ ثمودَ منك عذاباً
وأنشد على الصرف:
2675 - دَعَتْ أمُّ عمروٍ أمرَ شرٍّ علمتُه ... بأرضِ ثمودٍ كلِّها فأجابها
وقد تقدَّم الكلامُ على اشتقاق هذه اللفظة في سورة الأعراف.
هود 11:69
قوله تعالى: {قَالُواْ سَلاَماً} : في نصبه وجهان، أحدهما: أنه مفعول به، ثم هو محتملٌ لأمرين، أحدهما: أن يراد قالوا هذا اللفظ بعينه، وجاز ذلك لأنه يتضمَّن معنى الكلام. والثاني: أنه أراد قالوا معنى هذا اللفظ، وقد تقدم ذلك في نحو قولِه تعالى: {وَقُولُواْ حِطَّةٌ} [البقرة: 58] . وثاني الوجهين: أن يكون منصوباً على المصدر بفعل محذوف، وذلك الفعل في محل نصب بالقول، تقديرُه: قالوا: سَلَّمْنا سلاماً، وهو من باب ما ناب فيه المصدرُ عن العامل فيه، وهو واجبُ الإِضمار.
قوله: {قَالَ سَلاَمٌ} في رفعه وجهان، أحدهما: أنه مبتدأٌ وخبرُه محذوفٌ، أي: سلامٌ عليكم. والثاني: أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: أمري أو قولي سلام. وقد تقدَّم أولَ هذا الموضعِ أن الرفعَ أدلُّ على الثبوت من النصب، والجملة بأسرها وإن كان أحدُ جُزْأيها محذوفاً في محل نصب بالقول كقوله:
2676 - إذا ذُقْتُ فاها قلت طعمُ مُدامةٍ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقرأ الأخوان: «قال سِلْم» هنا وفي سورة الذاريات بكسر السين وسكون اللام. ويلزم بالضرورة سقوطُ الألف فقيل: هما لغتان كحِرْم وحَرام وحِلٌّ وحَلال، وأنشد:
2677 - مَرَرْنا فقُلنا إيه سِلْمٌ فسَلَّمَتْ ... كما اكْتَلَّ بالبرق الغمامُ اللوائحُ
يريد: سلام، بدليل: فسلَّمت. وقيل: «السِلْم» بالكسر ضد الحرب، وناسَب ذلك لأنه نَكِرَهم فقال: أنا مسالمكم غيرُ محارِب لكم
قوله: {فَمَا لَبِثَ} يجوزُ في «ما» هذه ثلاثة أوجه، أظهرها: أنها نافيةٌ، وفي فاعل «لَبث» حينئذ وجهان، أحدهما: أنه ضميرٌ إبراهيم عليه السلام، أي: فما لبث إبراهيم، وإن جاء على إسقاطِ الخافض، فقدَّروه بالباء وب «عن» وب «في» ، أي: فما تأخر في أَنْ، أو بأن، أو عن أن. والثاني: أن الفاعل قوله: «أن جاء» ، والتقدير: فلما لبث، أي: ما أبطأ ولا تأخَّر مجيئُه بعجل سمين.
وثاني الأوجه: أنها مصدريةٌ، وثالثها: أنها بمعنى الذي. وهي في الوجهين الأخيرين مبتدأ، وإن جاء خبرُه على حَذْف مضاف تقديره: فلُبْثُه أو الذي لَبِثه قَدْرَ مجيئه.
والحَنيذ: المَشْويُّ بالرصْف في أخدود. حَنَذْتُ الشاةَ أَحْنِذُها حَنْزاً فهي حَنيذ، أي محنوذة. وقيل: حنيذ بمعنى يَقْطُرُ دَسَمُه من قولهم: حَنَذْتُ الفرس، أي: سُقْتُه شوطاً أو شوطين وتضع عليه الجُلَّ في الشمس ليَعْرَق.
هود 11:70
قوله تعالى: {نَكِرَهُمْ} : أي: أنكرهم، فهما بمعنى وأنشدوا:
2678 - وأَنْكَرَتْني وما كان الذي نَكِرَتْ ... من الحوادثِ إلا الشَّيْبَ والصَّلعا
وفرَّق بعضهم بينهما فقال: / الثلاثي فيما يرى بالبصر، والرباعي فما لا يُرى من المعاني، وجعل البيتَ من ذلك، فإنها أَنْكَرَتْ مودَته وهي من المعاني التي لا ترى، ونَكِرَتْ شيبتَه وصَلَعه، وهما يُبْصَران، ومنه قولُ أبي ذؤيب:
2679 - فَنَكِرْنَه فَنَفَرْنَ وامْتَرَسَتْ به ... هَوْجاءُ هادِيَةٌ وهادٍ جُرْشُعُ
والإِيجاس: حديث النفس، وأصلُه من الدخول كأن الخوف داخله.
وقال الأخفش: «خامَرَ قلبه» . وقال الفراء: «استشعر وأحسَّ» . والوجيس: ما يَعْتري النفس أوائل الفزع، ووَجَسَ في نفسه كذا أي: خَطَر بها، يَجِسُ وَجْساً ووُجوساً ووَجيساً، ويَوْجَس ويَجِس بمعنى يسمع، وأنشدوا،
2680 - وصادقتا سَمْعِ التوجُّسِ للسُّرى ... لِلَمْحِ خَفِيٍّ أو لصوتٍ مُنَدَّد
فخيفةً مفعول به أي: أحسَّ خيفة أو أضمر خيفة.
هود 11:71
قوله تعالى: {وامرأته قَآئِمَةٌ} : في محلِّ نصب على الحال من مرفوع «أُرْسِلْنا» . وقال أبو البقاء: «من ضمير الفاعل في» أرسلنا «وهي عبارةٌ غيرُ مشهورة، إذ مفعولُ ما لم يُسَمَّ فاعلُه لا يُطْلَقُ عليه فاعلٌ على المشهور، وعلى الجملة فَجَعْلُها حالاً غيرُ واضح بل هي استئنافُ إخبار، ويجوز جَعْلُها حالاً من فاعل» قالوا «أي: قالوا ذلك في حال قيام امرأته.
قوله: {فَضَحِكَتْ} العامَّة على كسر الحاء، وقرأ محمد بن زياد الأعرابي رجل من مكة بفتحها، وهي لغتان، يقال: ضَحِك وضَحَكَ. وقال المهدوي:» الفتح غير معروف «. والجمهور على أن الضحك على بابه. واختلف أهلُ التفسير في سببه، وقيل: بمعنى حاضَتْ، ضحكت الأرنب: أي: حاضَتْ، وأنكره أبو عبيدة وأبو عبيد والفراء. وأنشد غيرهم على ذلك: 2681 - وضِحْكُ الأرانبِ فوق الصَّفا ... كمثلِ دمِ الجَوْفِ يوم اللِّقا
وقال آخر:
2682 - وعهدي بسلمى ضاحكاً في لَبانةٍ ... ولم يَعْدُ حُقَّاً ثَدْيُها أن يُحَمَّلا
أي: حائضاً. وضحِكت الكافورة: تَشَقَّقت. وضحكت الشجرة: سال صمغُها. وضَحِك الحوضُ: امتلأ وفاض. وظاهرُ كلام أبي البقاء أن ضَحَك بالفتح مختص بالحيض فإنه قال:» بمعنى حاضت، يقال: ضحَكت الأرنب بفتح الحاء «.
قوله: {يَعْقُوبَ} قرأ ابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم بفتح الباء، والباقون برفعها. فأمَّا القراءةُ الأولى فاختلفوا فيها: هل الفتحةُ علامةُ نصب أو جر؟ والقائلون بأنها علامة نصب اختلفوا: فقيل: هو منصوبٌ عطفاً على قوله:» بإسحاق «قال الزمخشري:» كأنه قيل: ووهَبْنا له إسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب على طريقة قوله:
2683 -. . . . . . . . . . . . ليسوا مصلحين عشيرةً ... ولا ناعِبٍ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يعني أنه عطف على التوهم فنصب، كما عطف الشَّاعرُ على توهُّم وجود الباء في خبر «ليس» فجرَّ، ولكنه لا ينقاس. وقيل: هو منصوبٌ بفعلٍ مقدر تقديرُه: ووهبْنا يعقوب، وهو على هذا غيرُ داخلٍ في البشارة. ورجَّح الفارسيُّ هذا الوجه. وقيل: هو منصوبٌ عطفاً على محل «بإسحاق» لأن موضعَه نصب كقوله: {وَأَرْجُلَكُمْ} [المائدة: 6] بالنصب عطفاً على «برؤوسكم» . والفرق بين هذا والوجه الأول: أن الأولَ ضمَّن الفعل معنى: «وَهَبْنا» توهُّماً، وهنا باقٍ على مدلوله من غير توهُّم.
ومن قال بأنه مجرورٌ جعله عطفاً على «بإسحاق» والمعنى: أنها بُشِّرت بهما. وفي هذا الوجه والذي قبله بحثُ: وهو الفصلُ بالظرف بين حرف العطف والمعطوف، وقد تقدَّم ذلك مستوفى في النساء فعليك بالالتفات إليه.
ونسب مكي الخفضَ للكسائي ثم قال: «وهو ضعيف إلا بإعادة الخافض، لأنك فَصَلْت بين الجار والمجرور بالظرف» .
قوله: «بإعادة الخافض» ليس ذلك لازماً، إذ لو قُدِّم ولم يُفْصَل لم يُلْتزم الإِتيان به.
وأمَّا قراءةُ الرفع ففيها أوجه، أحدها: أنه مبتدأ وخبره الظرف السابق فقدَّره الزمخشري «مولود أو موجود» وقدّره غيره بكائن. ولمَّا حكى النحاس هذا قال: «والجملة حالٌ داخلة في البشارة أي: فَبَشَّرْناها بإسحاق متصلاً به يعقوبُ» . والثاني: أنه مرفوع على الفاعلية بالجارِّ قبله، وهذا يجيء على رَأْي الأخفش. والثالث: أن يرتفع بإضمار فعل أي: ويحدث من وراء إسحاق يعقوب، ولا مَدْخَلَ له في البشارة. والرابع: أنه مرفوعٌ على القطع يَعْنُون الاستئناف، وهو راجع لأحد ما تقدَّم مِنْ كونه مبتدأ وخبراً، أو فاعلاً بالجارِّ بعده، أو بفعل مقدر.
هود 11:72
قوله تعالى: {ياويلتى} : الظاهرُ كون الألف بدلاً من ياء المتكلم/ ولذلك أمالها أبو عمرو وعاصم في روايةٍ، وبها قرأ الحسن «يا ويلتي» بصريح الياء. وقيل: هي ألف الندبة، ويوقف عليها بهاء السكت.
قوله: {وَأَنَاْ عَجُوزٌ وهذا بَعْلِي شَيْخاًٌ} الجملتان في محل نصب على الحال من فاعل «أَلِدُ» أي: كيف تقع الولادة في هاتين الحالتين المنافيتين لها؟
والجمهورُ على نصب «شيخاً» وفيه وجهان، المشهور: أنه حال والعامل فيه: إمَّا التنبيهُ وإمَّا الإِشارة، وإمَّا كلاهما. والثاني: أنه منصوبٌ على خبر التقريب عند الكوفيين، وهذه الحالُ لازمةٌ عند مَنْ لا يجهل الخبرَ، أمَّا مَنْ جهله فهي غير لازمة. وقرأ ابن مسعود والأعمش وكذلك في مصحف ابن مسعود «شيخٌ» بالرفع، وذكروا فيه أوجهاً: خبرٌ بعد خبر، أو خبران في معنى خبر واحد نحو: هذا حلو حامض، أو خبر «هذا» و «بعلي» بيان أو بدل، أو «شيخ» بدل من «بعلي» ، أو «بعلي» مبتدأ و «شيخ» خبره، والجملة خبرُ الأول، أو «شيخ» خبرُ مبتدأ مضمر أي هو شيخ.
والشيخ يقابله عجوز، ويقال شَيْخة قليلاً، كقوله:
2684 - وتَضْحك مني شَيْخةٌ عَبْشَمِيَّةٌ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وله جموعٌ كثيرة، فالصريح منها: أَشْياخ وشُيوخ وشِيخان، وشِيْخَة عند مَنْ يرى أن فِعْلَة جمعٌ لا اسم جمع كغِلْمة وفِتْيَة. ومن أسماءِ جَمْعه مَشِيخَة وشِيَخَة ومَشْيُوخاء.
هود 11:73
قوله تعالى: {أَهْلَ البيت} : في نصبه وجهان، أحدهما: أنه منادى. والثاني: أنه منصوبٌ على المدح. وقيل: على الاختصاص، وبين النصبين فرق: وهو أن المنصوب على المدح لفظ يتضمن بوضعه المدح كما أن المذمومَ لفظٌ يتضمن بوضعه الذمَّ.
والمنصوبُ على الاختصاص لا يكون إلا لمدحٍ أو ذم، لكن لفظَه لا يتضمَّن بوَضْعِه ولا الذمَّ كقوله:
2685 - بنا تميماً يُكْشَفُ الضبابُ ... كذا قاله الشيخ، واستند إلى أن سيبويه جعلهما في بابين، وفيه نظر.
والمجيد: فَعيل، مثالُ مبالغة مِنْ مَجَد يَمْجُد مَجْداً ومَجادة، ويقال: مَجْد كشَرُف وأصلُه الرِّفْعَة. وقيل: من مَجَدَتِ الإِبلُ تَمْجُد مَجادة ومَجْداً أي: شَبِعت، وأنشدوا لأبي حية النميري:
2686 - تزيدُ على صواحبِها وليسَتْ ... بماجدةِ الطعام ولا الشراب
أي: ليسَتْ بكثيرةِ الطعامِ ولا الشراب. وقيل: مَجَد الشيءُ: أي حَسُنَتْ أوصافُه. وقال الليث: «أمجد فلانٌ عطاءَه ومَجَّده أي: كثَّره» .
هود 11:74
والرَّوْع: الفزع، قال الشاعر:
2687 - إذا أخَذَتْها هِزَّةُ الرَّوْعِ أَمْسَكَتْ ... بمَنْكِبِ مِقْدامٍ على الهَوْلِ أرْوَعَا
يقال: راعَه يَرُوْعُه أي: أفزعه، قال عنترة:
2688 - ما راعني إلا حَمولةُ أهلِها ... وسطَ الديار تَسِفُّ حَبَّ الخِمْخِمِ
وارتاع: افتعل منه. قال النابغة:
2689 - فارتاعَ من صَوْتِ كَلاَّبِ فباتَ له ... طَوْعَ الشَّوامِتِ من خوفٍ ومن صَرَدٍ
وأمَّا الرُّوْعُ بالضم فهي النفسُ لأنها محلُّ الرَّوْع، ففرَّقوا بين الحالِّ والمَحَلِّ. وفي الحديث: «إنَّ رُوْحَ القدس نفث في رُوْعي» .
قوله: {وَجَآءَتْهُ البشرى} عطف على «ذَهَب» وجوابُ «لَمَّا» على هذا محذوفٌ أي: فلما اكن كيت وكيت اجترأ على خطابهم، أو فَطِن لمجادلتهم، وقوله: «يُجادلنا» على هذا جملةٌ مستأنفة، وهي الدالَّةُ على ذلك الجوابِ المحذوفِ. وقيل: تقديرُ الجواب: أقبل يجادِلُنا، فيجادلُنا على هذا حالٌ من فاعل « أَقبل» . وقيل: جوابها قوله: «يجادِلُنا» وأوقع المضارعَ موقعَ الماضي. وقيل: الجوابُ قولُه {وَجَآءَتْهُ البشرى} ، وهو الجوابُ والواوُ زائدةٌ. وقيل: «يجادلنا» حال من «إبراهيم» ، وكذلك قولُه: «وجاءَتْه البشرى» و «قد» مقدرةٌ. ويجوز أن يكونَ «يجادِلُنا» حالاً من ضمير المفعول في «جاءَتْه» . و «في قوم» أي: في شأنهم.
هود 11:75
قوله تعالى: و {أَوَّاهٌ} : فعَّال مِنْ أوَّهَ، وقد تقدم اشتقاقه.
هود 11:76
قوله تعالى: {آتِيهِمْ عَذَابٌ} : يجوز أن يكون جملةً من مبتدأ وخبر في محلِّ رفع خبراً ل «إنهم» . ويجوز أن يكون «آتيهم» الخبر و «عذاب» المبتدأ، وجاز ذلك لتخصُّصِه بالوصف، ولتنكير «آتيهم» لأنَّ إضافتَه غيرُ محضة. ويجوز أن يكون «آتيهم» خبرَ «إنَّ» و «عذاب» فاعلٌ به، ويدل على ذلك قراءةُ عمرو بن هَرِم: «وإنهم أتاهم» بلفظ الفعل الماضي.
هود 11:77
قوله تعالى: {سياء} : فعلٌ مبنيٌّ للمفعول. والقائمُ مقامُ الفاعل ضميرُ لوط مِنْ قولِك «ساءني كذا» أي: حَصَل/ لي سُوْءٌ. و «بهم» متعلقٌ به أي: بسببهم. و «ذَرْعاً» نصبٌ على التمييز، وهو في الأصل مصدر ذَرَعَ البعير يَذْرَع بيديه في سَيْره إذا سار على قَدْر خَطْوِه، اشتقاقاً من الذِّراع، ثم تُوُسِّع فيه فوُضِعَ مَوْضِعَ الطاقة والجهد فقيل: ضاق ذَرْعُه أي: طاقتُه قال:
2690 -. . . . . . . . . . . . . . . . . . ...
فاقدِرْ بذَرْعِك وانظر أين تَنْسَلِكُ
وقد يقع الذِّراعُ موقِعَه قال:
2691 - إذا التَّيَّازُ ذو العَضَلاتِ قُلْنا ... إليك إليك ضاقَ بها ذِراعا
قيل: هو كنايةٌ عن ضِيق الصدر.
وقوله: {عَصِيبٌ} العَصِيْبُ والعَصَبْصَبُ والعَصُوب: اليوم الشديد، الكثير الشرِّ الملتفُّ بعضُه ببعض قال:
2692 - وكنت لِزازَ خَصْمِكَ لم أُعَرِّدْ ... وقد سَلكوك في يومٍ عصيبِ
وعن أبي عُبَيْد: «سُمِّي عَصِيباً لأنه يعصب الناسَ بالشرِّ» . والعِصَابَةُ: الجماعة من الناس سُمُّوا بذلك لإِحاطتهم إحاطةَ العَصابة.
قوله: {يُهْرَعُونَ} في محل نصب على الحال. والعامَّة على «يُهرعون» مبنياً للمفعول. والإِهراع: الإِسراع ويقال: وهو المَشْيُ بين الهَرْوَلة والجَمَز. وقال الهروي: هَرَع وأَهْرَعَ: اسْتَحَثَّ. وقرأت فرقة: «يَهْرعون» بفتح الياء مبنياً للفاعل مِنْ لغة «هَرَع» .
قوله: {هؤلاء بَنَاتِي} جملةٌ برأسها، و «هنَّ أطهرُ لكم» جملةٌ أخرى، ويجوز أن يكونَ «هؤلاء» مبتدأ، و «بناتي» بدلٌ أو عطفُ بيان، و «هنَّ» مبتدأ، و «أَطْهَرُ» خبره، والجملةُ خبر الأول. ويجوز أن يكونَ «هنَّ» فَصْلاً، و «أطهر» خبر: إمَّا ل «هؤلاء» ، وإمَّا ل «بناتي» ، والجملةُ خبر الأول.
وقرأ الحسن وزيد بن علي وسعيد بن جبير وعيسى بن عمر والسدي: «أطهرَ» بالنصب. وخُرِّجت على الحال. فقيل: «هؤلا» مبتدأ، و «بناتي هُنَّ» جملةٌ في محلِّ خبره، و «أطهر» حال، والعاملُ: إمَّا التنبيهُ وإمَّا الإِشارةُ. وقيل: «هنَّ» فَصْلٌ بين الحال وصاحبها، وجُعِل من ذلك قولُهم: «أكثر أكلي التفاحةَ هي نضيجةً» . ومنعه بعض النحويين، وخرَّج الآيةَ على أن «لكم» خبر «هن» فلزمه على ذلك أن تتقدَّم الحالُ على عاملها المعنوي، وخرَّجَ المَثَلَ المذكور على أن «نضيجة» منصوبة ب «كان» مضمرة.
قوله: {وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي} : الضيف في الأصل مصدرٌ، ثم أطلق على الطارق لميلانه إلى المُضيف، ولذلك يقع على المفرد والمذكر وضدَّيهما بلفظٍ واحدٍ، وقد يُثنَّى فيقال: ضَيْفان، ويُجْمع فيقال: أضايف وضُيوف كأبيات وبُيوت وضِيفان كحَوْض وحِيضان.
هود 11:79
قوله تعالى: {مِنْ حَقٍّ} : يجوز أن يكون مبتدأ، والجارُّ خبره، وأن يكونَ فاعلاً بالجارِّ قبله لاعتماده على نفي، و «مِنْ» مزيدةٌ على كلا القولين.
قوله: {مَا نُرِيدُ} يجوز أن تكونَ مصدريةً، وأن تكونَ موصولةً بمعنى الذي. والعلم عرفانٌ، فلذلك يتعدَّى لواحدٍ أي: لتعرف إرادتنا، أو الذي نريده. ويجوز أن تكونَ «ما» استفهامية وهي مُعَلِّقة للعلم قبلها.
هود 11:80
قوله تعالى: {لَوْ أَنَّ} جوابُها محذوف تقديره: لفعلتُ بكم وصنعْتُ كقوله: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ} [الرعد: 31] .
قوله: {أَوْ آوي} يجوز أن يكونَ معطوفاً على المعنى، تقديره: أو أني آوي، قاله أبو البقاء والحوفي. ويجوز أن يكون معطوفاً على «قوة» لأنه منصوبٌ في الأصل بإضمار أن فلمَّا حُذِفَتْ «أن» رُفع الفعل كقوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ} [الروم: 24] .
واستضعف أبو البقاء هذا الوجهَ بعدم نصبِه. وقد تقدم جوابه. ويدلُّ على اعتبار ذلك قراءةُ شيبة وأبي جعفر «أو آويَ» بالنصب كقوله:
2693 - ولولا رجالٌ من رِزامٍ أعزَّةٍ ... وآلُ سبيعٍ أو أسُوْءَك عَلْقما
وقولها:
2694 - لَلُبْسُ عباءةٍ وتقرَّ عَيْني ... أحبُّ إليَّ من لُبْس الشُّفوف
ويجوز أن يكون عَطْفُ هذه الجملةِ الفعلية على مثلها إن قدَّرْتَ أنَّ «أنَّ» مرفوعة بفعل مقدرٍ بعد «لو» عند المبرد، والتقدير: لو يستقر أو يثبت استقرار القوة أو آوي، ويكون هذان الفعلان ماضيَيْ المعنى؛ لأنها تَقلب المضارع إلى المضيِّ. وأمَّا على رأي سيبويه في كونِ أنَّ «أنَّ» في محل الابتداء، فيكون هذا مستأنفاً. وقيل: «أو» بمعنى بل وهذا عند الكوفيين.
و «بكم» متعلق بمحذوفٍ لأنه حالٌ من «قوة» ، إذ هو في الأصل صفةُ للنكرة، ولا يجوز أن يتعلَّق ب «قوة» لأنها مصدر.
والرُّكُنْ بسكون الكاف وضمها الناحية من جبل وغيره، ويُجمع على أركان وأَرْكُن قال:
2695 - وزَحْمُ رُكْنَيْكَ شديدُ الأَرْكُنِ/ ...
هود 11:81
قوله تعالى: {فَأَسْرِ} : قرأ نافع وابن كثير: {فاسْرِ بأهلك} هنا وفي الحجر، وفي الدخان: {فَأَسْرِ بِعِبَادِي} [الآية: 23] ، وقوله: {أَنْ أَسْرِ} [الآية: 77] في طه والشعراء، جميع ذلك بهمزة الوصل تسقط دَرْجاً وتَثْبُتُ مكسورة ابتداءً. والباقون «فَأَسْر» بهمزة القطع تثبت مفتوحة دَرْجاً وابتداء، والقراءتان مأخوذتان من لُغَتي هذا الفعل فإنه يُقال: سَرَى، ومنه {والليل إِذَا يَسْرِ} [الفجر: 4] ، وأَسْرى، ومنه: {سُبْحَانَ الذي أسرى} [الإسراء: 1] وهل هما بمعنى واحدٍ أو بينهما فرقٌ؟ خلافٌ مشهور. فقيل: هما بمعنى واحدٍ، وهو قول أبي عبيد. وقيل: بل أَسْرى لأولِ الليل، وسَرَى لآخره، وهو قولُ الليث، وأمَّا سار فمختص بالنهار، وليس مقلوباً مِنْ سَرى.
قوله: {بِأَهْلِكَ} يجوز أَنْ تكونَ الباءُ للتعدية، وأن تكونَ للحال أي: مصاحباً لهم. وقوله: «بقِطْعٍ» حال من «أهلك» أي: مصاحبين لقِطْع، على أن المرادَ به الظلمة. وقيل: الباء بمعنى «في» . والقِطْع هنا نصف الليل، لأنه قطعةٌ منه مساويةٌ لباقيه، وأنشدوا:
2696 - ونائحةٍ تَنُوْحُ بقِطْعِ ليلِ ... على رَجُلٍ بقارعةِ الصعيد
وقد تقدَّم الكلامُ على القِطْع في يونس بأشبع من هذا.
قوله: {إِلاَّ امرأتك} ابن كثير وأبو عمرو برفع «امرأتك» والباقون بنصبها. وفي هذه الآية الكريمة كلامٌ كثيرٌ لا بد من استيفائه. أمَّا قراءة الرفع ففيها وجهان، أشهرُهما عند المعربين: أنَّه على البدل من «أحد» وهو أحسن من النصب، لأنَّ الكلام غيرُ موجَب. وهذا الوجهُ قد رَدَّه أبو عبيد بأنه يَلْزَمُ منه أنهم نُهوا عن الالتفات إلا المرأة، فإنها لم تُنْهَ عنه، وهذا لا يجوزُ، ولو كان الكلامُ «ولا يلتفت» برفع «يلتفت» يعني على أنْ تكونَ «لا» نافيةً، فيكون الكلام خبراً عنهم بأنهم لم يَلْتفتوا إلا امرأته فإنها تلتفت، لكان الاستثناء بالبدلية واضحاً، لكنه لم يقرأ برفع «يلتفت» أحد.
وقد استحسن ابنُ عطيةَ هذا الإِلزامَ من أبي عبيد، وقال: «إنه وارِدٌ على القول باستثناءِ المرأة من» أحد «سواءً رَفَعْتَ المرأة أو نَصَبْتها» . قلت: وهذا صحيحٌ، فإن أبا عبيد لم يُرِد الرفعَ لخصوصِ كونه رفعاً، بل لفسادِ المعنى، وفسادُ المعنى دائر مع الاستثناء من «أحد» ، وأبو عبيد يُخَرِّج النصبَ على الاستثناء من «بأهلك» ، ولكنه يَلْزم من ذلك إبطالُ قراءة الرفع، ولا سبيلَ إلى ذلك لتواترها.
وقد انفصل المبردُ عن هذا الإِشكالِ الذي أورده أبو عبيد بأن النهيَ في اللفظ ل «أحد» وهو في المعنى للوط عليه السلام، إذ التقدير: لا تَدَعْ منهم أحداً يلتفت، كقولك لخادمك: «لا يَقُمْ أحدٌ» النهيُ لأحد، وهو في المعنى للخادم، إذ المعنى: «لا تَدَعْ أحداً يقوم» .
قلت: فآل الجواب إلى أنَّ المعنى: لا تَدَعْ أحداً يلتفت إلا امرأتك فَدَعْها تلتفت، هذا مقتضى الاستثناء كقولك: «لا تَدَعْ أحداً يقوم إلا زيداً، معناه: فَدَعْه يقوم. وفيه نظر؛ إذ المحذور الذي قد فرَّ منه أبو عبيد موجودٌ هو أو قريب منه هنا.
والثاني: أن الرفعَ على الاستثناءِ المنقطع، والقائلُ بهذا جعل قراءةَ النصبِ أيضاً من الاستثناء المنقطع، فالقراءتان عنده على حَدٍّ سواء، ولنسْرُدْ كلامه لنعرفَه فقال:» الذي يظهر أن الاستثناء على كلتا القراءتين منقطع، لم يُقْصَدْ به إخراجُها من المأمور بالإِسراء معهم، ولا من المنهيين عن الالتفاتِ، ولكن استؤنف الإِخبار عنها، فالمعنى: لكن امرأتَك يَجْري لها كذا وكذا، ويؤيد هذا المعنى أن مثلَ هذه الآية جاءت في سورة الحجر، وليس فيها استثناءٌ البتةَ، قال تعالى: {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ} الآية. فلم تقع العنايةُ في ذلك إلا بذكر مَنْ أنجاهم اللَّه تعالى، فجاء شرح حالِ امرأتِه في سورة هود تبعاً لا مقصوداً بالإِخراج مما تقدم، وإذا اتضح هذا المعنى عُلم أن القراءتين وردتا على ما تقتضيه العربية في الاستثناء المنقطع، وفيه النصب والرفع، فالنصب لغة أهل الحجاز وعليه الأكثر، والرفع لغة تميم وعليه اثنان من القراء «. قال الشيخ:» وهذا الذي طوَّل به لا تحقيقَ فيه، فإنه إذا لم يُقْصَدْ إخراجُها من المأمور بالإِسراء بهم ولا من/ المَنْهِيِّين عن الالتفاتِ، وجُعل استثناءً منقطعاً، كان من المنقطع الذي لم يتوجَّهْ عليه العاملُ بحال، وهذا النوع يجب فيه النصبُ على كلتا اللغتين، وإنما تكون اللغتان في ما جاز توجُّهُ العاملِ عليه، وفي كلا النوعين يكون ما بعد «إلا» من غير الجنس المستثنى، فكونُه جازَ في اللغتان دليل على أنه يمكن أن يتوجَّه عليه العامل، وهو قد فرض أنه لم يُقْصَدْ بالاستثناء إخراجُها من المأمور بالإِسراء بهم ولا من المنهيين عن الالتفات، فكان يجب فيه إذ ذاك النصبُ قولاً واحداً «.
[قلت: القائل بذلك هو الشيخ شهاب الدين أبو شامة] . وأمَّا قولُه:» إنه لم يتوجَّهْ عليه العامل «ليس بمسلَّم، بل يتوجَّه عليه في الجملة، والذي قاله النحاة ممَّا لم يتوجَّهْ عليه العاملُ من حيث المعنى نحو: ما زاد إلا ما نقص، وما نفع إلا ما ضر، وهذا ليس مِنْ ذاك، فكيف يُعْترض به على أبي شامة؟ .
وأمَّا النصبُ ففيه ثلاثة أوجه، أحدها: أنه مستثنى مِنْ» بأهلك «، واستَشْكلوا عليه إشكالاً من حيث المعنى: وهو أنه يلزم ألاَّ يكونَ سَرَى بها، لكن الفرضِ أنه سرى بها، يدلُّ عليه أنها التفتَتْ، ولو لم تكن معهم لمَا حَسُن الإِخبار عنها بالالتفات، فالالتفاتُ يدلُّ على كونها سَرَتْ معهم قطعاً.
وقد أُجيب عنه بأنه لم يَسْرِ هو بها، ولكن لمَّا سَرَى هو وبنتاه تَبِعَتْهم فالتفتت، ويؤيِّد أنه استثناء من الأهل ما قرأ به عبد اللَّه وسقط مِنْ مصحفه «فَأَسْر بأهلك بقطع من الليل إلا امرأتك» ولم يذكر قوله {وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ} .
والثاني: أنه مستثنى مِنْ «أحد» وإن كان الأحسنُ الرفعَ إلا أنه جاء كقراءة ابن عامر {مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ} [النساء: 66] بالنصبِ مع تقدُّم النفي الصريح. وقد تقدَّم لك هناك تخريجٌ آخرُ لا يمكن ههنا.
والثالث: أنه مستثنى منقطعٌ على ما قدَّمْتُه عن أبي شامة. وقال الزمخشري: «وفي إخراجها مع أهله روايتان، روي أنه أخرجها معهم، وأُمِرَ أَنْ لا يلتفتَ منهم أحد إلا هي، فلما سَمِعَتْ هِدَّة العذاب التفتَتْ وقالت: يا قوماه، فأدركها حجرٌ فقتلها، ورُوي أنه أُمِر بأن يُخَلِّفَها مع قومها فإنَّ هواها إليهم ولم يَسْرِ بها، واختلاف القراءتين لاختلاف الروايتين» .
قال الشيخ: «وهذا وهمٌ فاحشٌ، إذ بنى القراءتين على اختلاف الروايتين مِنْ أنه سرى بها أو لم يَسْرِ بها، وهذا تكاذُبٌ في الإِخبار، يستحيل أن تكن القراءتان وهما مِنْ كلام اللَّه تعالى يترتبان على التكاذب» . قلت: وحاشَ للَّه أن تترتب القراءتان على التكاذُب، ولكن ما قاله الزمخشري صحيحٌ، الفرض أنه قد جاء في التفسير القولان، ولا يَلْزم من ذلك التكاذبُ، لأنَّ مَنْ قال إنه سرى بها يعني أنها سَرَتْ هي بنفسها مصاحِبةً لهم في أوائل الأمر، ثم أخذها العذاب فانقطع سُراها، ومن قال إنه لم يَسْرِ بها، أي: لم يَأْمرها ولم يأخذها وأنه لم يَدُم سُراها معهم بل انقطع فَصَحَّ أن يقال: إنه سَرَى بها ولم يَسْرِ بها، وقد أجاب الناسُ بهذا وهو حسنٌ.
وقال الشيخ أبو شامة: «ووقع لي في تصحيح ما أعربه النحاةُ معنى حسنٌ، وذلك أن يكون في الكلام اختصارَ نَبَّهَ عليه اختلافُ القراءتين فكأنه قيل: فَأَسْرِ بأهلِك إلا امرأتك، وكذا روى أبو عبيدة وغيره أنها في مصحف عبد اللَّه هكذا، وليس فيها {وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ} فهذا دليلٌ على استثنائها مِن السُّرى بهم، ثم كأنه قال سبحانه: فإن خرجَتْ معكم وتَبِعَتْكم غيرَ أن تكونَ أنت سَرَيْتَ بها فانْهَ أهلك عن الالتفات غيرَها، فإنها ستلتفت فيُصيبها ما أصاب قومها، فكانت قراءةُ النصب دالَّةً على المعنى المتقدم، وقراءةُ الرفع دالَّةً على المعنى المتأخر، ومجموعُهما دالٌّ على جملة المعنى المشروح» وهو كلامٌ حسنُ شاهدٌ لِما ذكرته.
قوله: {إِنَّهُ مُصِيبُهَا} الضميرُ ضمير الشأن، و «مُصيبها» خبرٌ مقدم، و «ما أصابهم» مبتدأ مؤخر وهو موصولٌ بمعنى الذي، والجملة خبرُ إنَّ؛ لأن ضمير الشأن يُفَسَّر بجملةٍ مُصَرَّحٍ بجزْأَيْها.
وأعرب الشيخ «مُصيبها» مبتدأً، و «ما أصابهم» الخبر، وفيه نظرٌ من حيث الصناعة: فإن الموصولَ معرفة، فينبغي أن يكونَ المبتدأ و «مُصيبها» نكرةً لأنَّه عامل تقديراً فإضافتُه غيرُ محضةٍ، ومن حيث المعنى: إنَّ المراد الإِخبار عن الذي أصابهم أنه مُصِيبها من غيرِ عكسٍ، ويجوز عند الكوفيين أن يكونَ «مصيبُها» مبتدأً، و «ما» / الموصولةُ فاعلٌ لأنهم يُجيزون أن يُفَسَّر ضميرُ الشأنِ بمفرد عاملٍ فيما بعده نحو: «إنه قائمٌ أبواك» .
قوله: {إِنَّ مَوْعِدَهُمُ} ، أي: موعد هلاكهم. وقرأ عيسى بن عمر «الصبح» بضمتين فقيل: لغتان، وقيل: بل هي إتباعٌ، وقد تقدَّم البحثُ في ذلك.
هود 11:82
قوله تعالى: {عَالِيَهَا سَافِلَهَا} : مفعولا الجعل الذي بمعنى التصيير، و «سِجِّيل» قيل: هو في الأصل مركَّب من: «سكر كل» وهو بالفارسية حجر وطين فعُرِّب وغُيِّرت حروفهُ. وقيل: سِجِّيل اسمٌ للسماء وهو ضعيف أو غلط؛ لوصفه بمَنْضود. وقيل: مِنْ أَسْجَلَ، أي: أرسل فيكون فِعِّيلاً، وقيل: هو مِن التسجيل، والمعنى: أنه مِمَّا كتب اللَّهُ وأَسْجل أن يُعَذَّب به قوم لوط، وينصرُ الأولَ تفسيرُ ابن عباس أنه حجرٌ وطين كالآجرّ المطبوخ، وعن أبي عبيد هو الحجر الصُّلْب. و «منضود» صفةٌ لسِجِّيل. والنَّضْدُ: جَعْلُ الشيءِ بعضَه فوقَ بعضٍ، ومنه {وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ} [الواقعة: 29] ، أي: متراكب، والمرادُ وصفُ الحجارة بالكثرة.
هود 11:83
و «مُسَوَّمة» نعتٌ لحجارة، وحينئذ يلزمُ تقدُّمُ الوَصْفِ غير الصريح على الصريح لأنَّ «مِنْ سجيل» صفةٌ لحجارة، والأَوْلى أن يُجْعل حالاً من حجارة، وسوَّغ مجيئَها مِن النكرة تخصُّصُ النكرة بالوصف. والتَّسْويم. العلامَةُ. قيل: عُلِّم على كلِّ حجرٍ اسمُ مَنْ يرمى به، وتقدَّم اشتقاقُه في آل عمران. و «عند» : إمَّا منصوبٌ ب «مُسَوَّمة» ، وإمَّا بمحذوفٍ على أنها صفة ل «مُسَوَّمة» .
قوله: {وَمَا هِيَ} الظاهرُ عَوْدُ هذا الضمير على القرى المُهْلَكة. وقيل: يعودُ على الحجارة وهي أقربُ مذكور. وقيل: يعودُ على العقوبة المفهومة من السياق. ولم يُؤَنِّث «ببعيد» : إمَّا لأنه في الأصلِ نعتٌ لمكانٍ محذوف تقديره: وما هي بمكان بعيدٍ بل هو قريبٌ، والمرادُ به السماء أو القرى المهلَكة، وإمَّا لأن العقوبةَ والعقابَ واحد، وإمَّا لتأويل الحجارة بعذاب أو بشيءٍ بعيد.
هود 11:84
قوله تعالى: {وَلاَ تَنقُصُواْ} : «نَقَصَ» يتعدَّى لاثنين، إلى أولهما بنفسه، وإلى ثانيهما بحرف الجر، وقد يُحْذَفُ، تقول: نَقَصْت زيداً مِنْ حقَّه، وهو هنا كذلك؛ إذ المرادُ: ولا تَنْقُصوا الناسَ من المكيال، ويجوز أن يكون متعدِّياً لواحدٍ على المعنى، والمعنى: لا تُقَلِّلوا وتُطَفِّفوا، ويجوز أن يكون «المكيالَ» مفعولاً أول والثاني محذوف، وفي ذلك مبالغة، والتقدير: ولا تَنْقُصوا المكيالَ والميزانَ حَقَّهما الذي وَجَبَ لهما وهو أبلغُ في الأمر بوفائهما.
قوله: {مُّحِيطٍ} صفة لليوم، ووُصِف به من قولهم: أحاط به العدوُّ، وقوله: {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ} [الكهف: 42] . قال الزمخشري: «إنَّ وَصْفَ اليوم بالإِحاطة أبلغُ مِنْ وصف العذاب بها» قال: «لأنَّ اليومَ زمانٌ يشتمل على الحوادث، فإذا أحاط بعذابه فقد اجتمع للمعذَّب ما اشتمل عليه منه كما إذا أحاط بنعيمه» .
وزعم قومٌ أنه جُرَّ على الجِوار، لأنه في المعنى صفةٌ للعذاب، والأصلُ: عذاب يوم محيطاً. وقال آخرون: التقدير: عذاب يومٍ محيطٍ عذابُه. قال أبو البقاء: «وهو بعيدٌ؛ لأنَّ محيطاً قد جَرَى على غير مَنْ هوله، فيجب إبرازُ فاعله مضافاً إلى ضمير الموصوف.
هود 11:86
قوله تعالى: {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} : قال ابن عطية: «وجواب هذا الشرط متقدم» يعني على مذهب مَنْ يراه لا على [مذهب] جمهور البصريين. والعامَّة على تشديد ياء «بقيَّة» . وقرأ إسماعيل بن جعفر من أهل المدينة بتخفيفها. قال ابن عطية: «وهي لغةٌ» . وهذا لا ينبغي أن يُقال، بل يُقال: إنْ لم يُقْصد الدلالةُ على المبالغة جيء بها مخففةً، وذلك أن فَعِل بكسر العين إذا كان لازماً فقياسُ الصفة منه فَعِل بكسر العين نحو: سَجِيَت المرأة فهي سَجِيَة فإن قَصَدْت المبالغة قيل: سَجِيَّة لأنَّ فعيلاً من أمثلة المبالغة فكذلك بقيَّة وبَقِية أي بالتشديد والتخفيف.
هود 11:87
وتقدم الخلاف في قوله «أصلاتك» بالنسبة إلى الإِفراد والجمع في سورة براءة.
قوله {أَوْ أَن نَّفْعَلَ} العامة على نون الجماعة أو التعظيم في «نفعل» و «نشاء» . وقرأ زيد بن علي وابن أبي عبلة والضحاك بن قيس بتاء الخطاب فيهما. وقرأ أبو عبد الرحمن وطلحة الأول بالنون والثاني بالتاء، فَمَنْ قرأ بالنون فيهما عَطفه على مفعول «نترك» وهو «ما» الموصولةُ/، والتقدير: أصلواتُك تأمركَ أن نَتْرُكَ ما يعبدُ آباؤنا، أو أن نترك أن نفعلَ في أموالِنا ما نشاء، وهو بَخْسُ الكَيْل والوَزْنِ المقدَّم ذكرُهما. و «أو» للتنويع أو بمعنى الواو، قولان، ولا يجوز عَطْفُه على مفعول «تأمرك» ؛ لأن المعنى يتغير، إذ يصير التقدير: أصلواتُك تأمُرك أن نفعلَ في أموالنا.
ومَنْ قرأ بالتاء فيهما جاز أن يكونَ معطوفاً على مفعول «تأمرك» ، وأن يكونَ معطوفاً على مفعول «نترك» ، والتقدير: أصلواتك تأمرك أن تفعل أنت في أموالنا ما تشاء أنت، أو أن نترك ما يعبد آباؤنا، أو أن نترك أن تفعل أنت في أموالنا ما تشاء أنت.
ومَنْ قرأ بالنون في الأول وبالتاء في الثاني كان «أن نفعل» معطوفاً على مفعول «تأمرك» ، فقد صار ذلك ثلاثةَ أقسام، قسمٍ يتعينَّ فيه العطفُ على مفعول «نترك» وهي قراءةُ النونِ فيهما، وقسمٍ يتعيَّن فيه العطفُ على مفعول «تأمرك» ، وهي قراءةُ النون في «نفعل» والتاء في «تشاء» ، وقسمٍ يجوز فيه الأمران وهي قراءةُ التاء فيهما. والظاهرُ من حيث المعنى في قراءة التاء فيهما أو في «تشاء» أن المراد بقولهم ذلك هو إيفاءُ المكيال والميزان؛ لأنه كان يأمرهم بهما. وقال الزمخشري: «المعنى: تأمرك بتكليف أن نترك، فحذف المضاف لأنَّ الإِنسان لا يُؤْمَرُ بفعل غيره» .
هود 11:88
قوله تعالى: {أَرَأَيْتُمْ} : قد تقدَّم ذلك غيرَ مرة. وقال الزمخشري هنا: «فإنْ قلت: أين جوابُ» أرأيتم «وما له لم يَثْبت كما ثبت في قصة نوح وصالح؟ قلت: جوابُه محذوفٌ، وإنما لم يَثْبُتْ لأن إثباتَه في القصتين دلَّ على مكانه، ومعنى الكلام ينادي عليه، والمعنى: أخبروني إن كنت على حجة واضحةٍ ويقين مِنْ ربي و [كنت] نبياً على الحقيقة، أيصحُّ أنْ لا آمرَكم بترك عبادة الأوثان والكفِّ عن المعاصي، والأنبياءُ لا يُبْعَثون إلا لذلك؟» .
قال الشيخ: «وتَسْمِيَةُ هذا جواباً ل» أرأيتم «ليس بالمصطلح، بل هذه الجملةُ التي قَدَّرها في موضع المفعول الثاني ل» أرأيتم « [لأن أرأيتم] إذا ضُمِّنَتْ معنى أخبرني تعدَّتْ إلى مفعولين، والغالبُ في الثاني أن يكون جملةُ استفهاميةً ينعقد منها ومن المفعول الأول في الأصل جملةٌ ابتدائية كقول العرب:» أرأيتك زيداً ما صنع «وقال الحوفي:» وجوابُ الشرط محذوفُ لدلالة الكلام عليه تقديره: أأَعْدِل عَمَّا أنا عليه «. وقال ابن عطية:» وجوابُ الشرط الذي في قوله «أن كنت» محذوفٌ تقديره: أضِلُّ كما ضَلَلْتُمْ أو أترك تَبْليغ الرسالة، ونحو هذا ممَّا يليق بهذه المحاجَّة «. قال الشيخ:» وليس قوله «أضلّ» جواباً للشرط؛ لأنه إن كان مثبتاً فلا يمكن أن يكونَ جواباً لأنه لا يترتَّب على الشرط، وإن كان استفهاماً حُذف منه الهمزةُ فهو في موضع المفعول الثاني ل «أرأيتم» ، وجوابُ الشرط محذوفٌ يدل عليه الجملةُ السابقة مع متعلَّقها.
قوله: {أَنْ أُخَالِفَكُمْ} قال الزمخشري: «خالفني فلان إلى كذا: إذا قصده وأنت مُوَلٍّ عنه، وخالفني عنه: إذا ولى عنه وأنت قاصدُه، ويلقاك الرجل صادراً عن الماء فتسأله عن صاحبه فيقول:» خالَفَني إلى الماء «، يريد أنه ذاهب إليه وارداً، وأنا ذاهبٌ عنه صادراً، ومنه قولُه تعالى: {وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إلى مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} يعني أن أسْبِقَكم إلى شهواتكم التي نَهَيْتُكم عنها لأستبدَّ بها دونكم» . وهذا الذي ذكره أبو القاسم معنى حسنٌ لطيف ولم يتعرَّض لإِعرابِ مفرداته، لأنَّ بفهم المعنى يُفهم الإِعراب ولنذكر ما فيه:
فأقول: يجوز أن يكونَ «أن أخالفَكم» في موضع مفعولٍ ب «أريد» ، أي: وما أريدُ مخالفتَكم، ويكون فاعَلَ بمعنى فَعَل نحو: جاوَزْتُ الشيءَ وجُزْته، أي: وما أريد أن أخالفكم، أي: أكونَ خَلَفاً منكم. وقولُه: {إلى مَآ أَنْهَاكُمْ} يتعلَّق ب «أخالفكم» ، ويجوز أن يتعلَّق بمحذوف على أنه حال، أي: مائلاً إلى ما أنهاكم عنه، ولذلك قدَّر بعضُهم محذوفاً يتعلَّق به هذا الجارُّ تقديرُه: وأميل إلى أن أخالفكم، ويجوز أن يكونَ «أن أخالفكم» مفعولاً من أجله، وتتعلق «إلى» بقوله «أريد» بمعنى: وما أقصد لأجل مخالفتكم إلى ما أنهاكم عنه، ولذلك قال الزجاج: «وما أقصد بخلافكم إلى ارتكاب ما أنهاكم عنه.
ويجوز أن يُراد بأن أخالفكم معناه من المخالفة، وتكون في موضع المفعول به بأريد، ويقدَّر مائلاً إلى.
قوله: {مَا استطعت} يجوز في «ما» هذه وجوه، أحدها: أن تكونَ مصدريةً ظرفيةً أي: مدة استطاعتي. الثاني: أن تكون «ما» موصولة بمعنى الذي بدلاً من «الإِصلاح» والتقدير: إنْ أريد إلا المقدارَ الذي أستطيعه من الصلاح. الثالث: أن يكونَ على حَذْف مضاف، أي: إلا الإِصلاحَ إصلاحَ ما استطعت، وهو أيضاً بدل. الرابع: / أنها مفعول بها بالمصدرِ المُعَرَّف، أي: إنْ أريد إلا أن أُصْلح ما استطعت إصلاحَه كقوله:
2697 - ضعيفُ النِّكايةِ أعداءَه ... يخالُ الفِرارُ يُراخي الأجَلْ
ذَكَرَ هذه الأوجهَ الثلاثةَ الزمخشري، إلا أن إعمال المصدر المعرَّف قليلٌ عند البصريين، ممنوعٌ إعمالُه في المفعول به عند الكوفيين. وتقدم الجارَّان في «عليه» و «إليه» للاختصاص أي: عليه لا على غيره، وإليه لا إلى غيره.
هود 11:89
قوله تعالى: {لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ} : العامَّةُ على فَتْح ياءِ المضارعة من جَرم ثلاثياً. وقرأ الأعمشُ وابنُ وثاب بضمِّها مِنْ أجرم. وقد تقدم أنَّ «جَرَمَ» يتعدَّى لواحدٍ ولاثنين مثل كسب، فيقال: جَرَم زيدٌ مالاً نحو: كَسَبه، وجَرَمْتُه ذَنْباً، أي: كَسَبَتْه إياه فهو مثلُ كَسَب، وأنشد الزمخشري على تعدِّيه لاثنين قولَ الشاعر: 2698 - ولقد طَعَنْتُ أبا عُيَيْنَة طعنَةً ... جَرَمَتْ فَزارةُ بعدها أن يَغْضَبوا
فيكون الكاف والميم هو المفعول الأول، والثاني هو: أن يُصيبكم أي: لا تَكْسِبَنَّكُم عداوتي إصابةَ العذاب. وقد تقدم أن جَرَم وأَجْرم بمعنىً، أو بينهما فرق. ونسب الزمخشري ضمَّ الياءِ مِنْ أجرم لابن كثير.
والعامَّةُ أيضاً على ضم لام «مثلُ» رفعاً على أنه فاعل «يُصيبكم» ، وقرأ مجاهد والجحدري بفتحها، وفيها وجهان، أحدهما: أنها فتحة بناء وذلك أنَّه فاعل كحاله في القراءة المشهورة، وإنما بُني على الفتح لإِضافته إلى غير متمكن كقوله تعالى: {إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ} [الذاريات: 23] وكقوله:
2699 - لمَ يَمْنَعِ الشُّرْبَ منها غيرَ أَنْ نَطقَتْ ... حَمامةٌ في غُصون ذات أَوْقالِ
وقد تقدَّم تحقيقُ هذه القاعدةِ في الأنعام. والثاني: أنه نعتٌ لمصدر محذوف فالفتحة للإِعراب، والفاعلُ على هذا مضمرٌ يفسره سياقُ الكلام، أي: يصيبكم العذاب إصابةً مثلَ ما أصابَ.
قوله: {بِبَعِيدٍ} أتى ب «بعيد» مفرداً وإن كان خبراً عن جمعٍ لأحد أوجهٍ: إمَّا لحَذف مضاف تقديرُه: وما إهلاك قومٍ، وإمَّا باعتبار زمان، أي: بزمانٍ بعيد، وإما باعتبار مكان، أي: بمكان بعيد، وإمَّا باعتبار موصوفٍ غيرِهما، أي: بشيءٍ بعيد، كذا قدَّره الزمخشري، وتبعه الشيخ، وفيه إشكالٌ من حيث إنَّ تقديرَه بزمان يلزم فيه الإِخبارُ بالزمان عن الجثَّة. وقال الزمخشري أيضاً: «ويجوز أن يسوى في» قريب «و» بعيد «و» قليل «و» كثير «بين المذكر والمؤنث لورودِها على زِنَةِ المصادر التي هي كالصَّهيل والنهيق ونحوهما» .
هود 11:90
والوَدُود بناءُ مبالغة مِنْ وَدَّ الشيءَ يَوَدُّه وُدَّاً، ووِداداً، ووِدادَةً وودَادة أي أَحبَّه وآثره. والمشهور وَدِدْت بكسر العين، وسمع الكسائي وَدَدْت بفتحها، والوَدود بمعنى فاعل أي يَوَدُّ عبادَه ويرحمهم. وقيل: بمعنى مفعول بمعنى أن عبادَه يحبُّونه ويُوادُّون أولياءَه، فهم بمنزلة «المُوادُّ» مجازاً.
هود 11:91
والرَّهْط جماعةُ الرجل. وقيل: الرَّهْط والرَّاهط لِما دون العشرة من الرجال، ولا يقع الرَّهْطُ والعَصَب والنَّفَر إلا على الرجال. وقال الزمخشري: «من الثلاثة إلى العشرة، وقيل: إلى السبعة» ويُجْمع على أَرْهُط، وأَرْهُط على أراهِط قال:
2700 - يا بُؤْسَ للحَرْب التي ... وَضَعَتْ أراهِطَ فاستراحوا
قال الرمَّاني: «وأصلُ الكلمة من الرَّهْط، وهو الشدُّ، ومنه» التَّرْهيط «وهو شدَّةُ الأكل» والرَّاهِطاء اسم لجُحْر من جِحَرة اليَرْبوع لأنه يَتَوَثَّقُ به ويَحْيَا فيه أولادُه.
قوله: {وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} قال الزمخشري: «وقد دلَّ إيلاءُ ضميرِه حرفَ النفي على أنَّ الكلامَ واقعٌ في الفاعل لا في المفعول كأنه قيل: وما أنت بعزيزٍ علينا بل رَهْطُك هم الأعزَّة علينا، فلذلك قال في جوابهم: {أرهطي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ الله} ولو قيل:» وما عَزَزْتَ علينا «لم يصحَّ هذا الجواب» .
هود 11:92
قوله تعالى: {واتخذتموه} : يجوز أن تكونَ المتعدية لاثنين، أولهما الهاء، والثاني «ظِهْرِيَّا» . ويجوز أنْ يكونَ الثاني هو الظرف و «ظِهْرِياً» حالٌ، وأن تكونَ المتعدية لواحد، فيكون «ظِهْرِيَّاً» حالاً فقط. ويجوز في «وراءكم» أن يكونَ ظرفاً للاتخاذ، وأن يكونَ حالاً مِنْ «ظهريَّاً» ، والضمير في «اتخذتموه» يعود على اللَّه؛ لأنهم يجهلون صفاتِه، فجعلوه أي: جعلوا أوامره ظِهْريَّاً، أي: منبوذَةً وراء ظهورهم.
والظِهْرِيُّ: هو المنسوبُ إلى الظَّهِيْر وهو مِنْ تغييرات النسب كما قالوا في أَمْس: إمْسِيّ بكسر الهمزة، وإلى الدَّهْر: دُهْرِيّ بضم الدال.
وقيل: الضمير يعودُ على العصيان، أي: واتخذتم العصيان عوناً على عداوتي، فالظِّهْرِيُّ على هذا بمعنى المُعِين المُقَوِّي.
هود 11:93
قوله تعالى: {مَن يَأْتِيهِ} : قد تقدَّم نظيرُه في قصة نوح. قال ابن عطية بعد أن حكى عن الفراء أن تكون موصولةً مفعولةً ب «تَعْلمون» ، وأن تكونَ استفهاميةً مبتدأة مُعَلِّقة ل «تعلمون» : «والأول أحسن» ثم قال: «ويَقْضي بصلتها أن المعطوفة عليها موصولة لا محالة» . قال الشيخ: «لا يتعيَّن ذلك، إذ من الجائز أن تكونَ الثانيةُ استفهاميةً أيضاً معطوفةً على الاستفهامية قبلها، والتقدير: سوف تعلمون أيُّنا يأتيه/ عذابٌ، وأيُّنا هو كاذبٌ. وقال الزمخشري:» فإن قلت: أيُّ فَرْقٍ بين إدخالِ الفاء ونَزْعها في «سوف تعلمون» ؟ قلت: إدخالُ الفاءِ وَصْلٌ ظاهر بحرفٍ موضوعٍ للوصل، ونَزْعُها وَصْلٌ خفيٌّ تقديريٌّ بالاستئناف الذي هو جوابٌ لسؤال مقدر كأنهم قالوا: فماذا يكون إذا عَمِلْنا نحن على مكانتنا وعَمِلْتَ أنت على مكانتك؟ فقيل: سوف تعلمون، فَوَصَلَ تارةً بالفاء وتارةً بالاستئناف للتفنن في البلاغة، كما هو عادةُ البلغاء من العرب، وأقوى الوصلين وأبلغُهما الاستئنافُ، وهو بابٌ من علم البيان تتكاثرُ محاسِنُه «.
هود 11:94
قوله تعالى: {وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا} : قال الزمخشري: «فإن قلت: ما بال ساقَتَي قصة عاد وقصة مَدْين جاءتا بالواو، والساقتان الوُسْطَيان بالفاء؟ قلت: قد وقعتْ الوُسْطَيان بعد ذِكْر الوعد، وذلك قوله {إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصبح} ، {ذلك وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} فجاء بالفاء التي للتسبُّب كما تقول:» وعدته فلما جاء الميعاد كان كيت وكيت «، وأمَّا الأُخْرَيان فلم تقعا بتلك المنزلة، وإنما وقعتا مبتدأتين فكان حقُّهما أن تُعْطَفا بحرف الجمع على ما قبلهما، كما تُعْطَفُ قصة على قصة» ، وهذا من غُرَر كلام الزمخشري.
هود 11:98
قوله تعالى: {فَأَوْرَدَهُمُ} : يجوز أن تكونَ هذه المسألةُ من باب الإِعمال، وذلك أنَّ «يَقْدُمُ» يَصْلُح أن يتسلَّط على «النار» بحرف الجر، أي: يَقْدم قومَه إلى النار، وكذا «أَوْرَدَهم» يَصِحُّ تسلُّطه عليها أيضاً، ويكون قد أعمل الثاني للحذف مِن الأول، ولو أعمل الأولَ لتعدى ب إلى، ولأضمر في الثاني، ولا محلَّ ل «أَوْرَدَ» لاستئنافِه، وهو ماضٍ لفظاً مستقبلٌ معنىً؛ لأنه عَطَفَ على ما هو نصٌّ في الاستقبال. والهمزة في «أَوْرَدَ» للتعدية، لأنه قبلها يتعدَّى لواحد. قال تعالى: {وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ} وقيل: أوقع الماضي هنا لتحقُّقه. وقيل: بل هو ماضٍ على حقيقته، وهذا قد وقع وانفصل وذلك أنه أوردهم في الدنيا النار. قال تعالى: {النار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا} [غافر: 46] . وقيل: أوردهم مُوْجِبَها وأسبابها، وفيه بُعْدٌ لأجلِ العطف بالفاء.
والوِرْد: يكون مصدراً بمعنى الوُرود، ويكون بمعنى الشيء المُوْرَد كالطِّحن والرِّعي. ويُطلب أيضاً على الوارد، وعلى هذا إنْ جَعَلْت الوِرْد مصدراً أو بمعنى الوارد فلا بدَّ مِنْ حذف مضاف تقديره: وبئس مكانُ الورد المورود، وهو النار، وإنما احتيج إلى هذا التقدير لأنَّ تَصادُقَ فاعل نِعْمَ وبِئْسَ ومخصوصِها شرطٌ، لا يُقال: نِعْم الرجلُ الفرسَ. وقيل: بل المورود صفةً للوِرْد، والمخصوصُ بالذم محذوف تقديره: بئس الوِرْدُ المورود النارُ، جوَّز من ذلك أبو البقاء وابن عطية، وهو ظاهرُ كلامِ الزمخشري. وقيل: التقدير: بئسَ القومُ المورودُ بهم هم، فعلى هذا «الورد» مرادٌ به الجمعُ الواردون، والمَوْرود صفةٌ لهم، والمخصوص بالذمِّ الضميرُ المحذوف وهو «هم» ، فيكون ذلك للواردين لا لموضع الوِرْد/ كذا قاله الشيخ. وفيه نظر لا يَخْفى: كيف يُراد بالوِرْد الجمع الواردون، ثم يقول والمورود صفةٌ لهم؟ وفي وصف مخصوص نعم وبئس خلافٌ بين النحويين منعه ابن السراج وأبو علي.
هود 11:99
و {بِئْسَ الرفد المرفود} كالذي قبله. وقوله: «ويومَ القيامة» عطفٌ على موضع «في هذه» والمعنى: أنهم أُلْحِقُوا لعنةً في الدنيا وفي الآخرة، ويكون الوقف على هذا تاماً، ويُبتدأ بقوله «بِئْس» .
وزعم جماعة أن التقسيم: هو أنَّ لهم في الدنيا لعنة، ويومَ القيامة بِئْس ما يُرْفَدون به، فهي لعنة واحدة أولاً وقَبُح إرفاد آخِرا. وهذا لا يصحُّ لأنه يؤدي إلى إعمال «بئس» فيما تقدَّم عليها وذلك لا يجوز لعدم تصرُّفها، أمّا لو تأخَّر لجاز كقوله:
2705 - ولَنِعْمَ حَشْوُ الدِّرْعِ أنت إذا ... دُعِيَتْ نَزَالِ ولُجَّ في الذُّعْرِ
وأصلُ الرِّفْد كما قال الليث: العطاء والمعونة، ومنه رِفادة قريش، رَفَدْتُه أَرْفِدُه رِفْداً ورَفْداً بكسر الراء وفتحها: أعطيتَه وأَعَنْتَه. وقيل: بالفتح مصدر، وبالكسر اسم، كأنه نحو: الرِّعْي والذِّبْح. ويقال: رَفَدْت الحائط، أي: دَعَمْتُه، وهو من معنى الإِعانة.
هود 11:100
قوله تعالى: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ القرى نَقُصُّهُ} : يجوز أن يكون «نقصُّه» خبراً، و «مِنْ أبناء» حال، ويجوز العكس، قيل: وثَمَّ مضافٌ محذوف، أي: من أنباء أهل القرى ولذلك أعاد الضمير عليها في قوله «وما ظلمْناهم» .
قوله: {مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ} : «حصيد» مبتدأ محذوفُ الخبر، لدلالةِ خبر الأول عليه، أي: ومنها حصيد وهذا لضرورةِ المعنى.
وهل لهذه الجملةِ محلٌّ من الإِعراب؟ فقال الزمخشري: «لا محلَّ لها لأنها مستأنفةٌ» . وقال أبو البقاء: «إنها في محلِّ نصبٍ على الحال من مفعول» نَقُصُّه «.
ويجوز في» ذلك «أوجه، أحدها: أنه مبتدأ وقد تقدم. والثاني: أنه منصوبٌ بفعلٍ مقدر يفسِّره» نقصُّه «فهو من باب الاشتغال، أي: نَقُصُّ ذلك في حال كونه من أنباء القرى، وقد تقدَّم في قوله: {ذلك مِنْ أَنَبَآءِ الغيب نُوحِيهِ إِلَيكَ} [آل عمران: 44] أوجه، وهي عائدةٌ هنا.
و» الحَصِيد «بمعنى محصود، وجمعه: حصدى وحِصاد مثل مريض ومرضى ومِراض، وهذا قول الأخفش، ولكن باب فعيل وفَعْلَى أن يكونَ في العقلاء نحو: قتيل وقَتْلَى.
هود 11:101
قوله تعالى: {لَّمَّا جَآءَ أَمْرُ} : قال الزمخشري: «لما» منصوب ب «أَغْنَتْ» . وهو بناءً منه على أنَّ «لمَّا» ظرفية. والظاهر أنَّ «ما» نافية، أي: لم تُغْن. ويجوز أن تكونَ استفهاميةً، و «يَدْعون» حكاية حال، أي: التي كانوا يَدْعون، و «ما زادوهم» الضميرُ المرفوع للأصنام، والمنصوبُ لعَبَدَتِها، وعبَّر عنهم بواوِ العقلاء لأنهم نَزَّلوهم منزلتَهم.
هود 11:102
قوله تعالى: {وكذلك} : خبرٌ مقدم، و «أَخْذُ» مبتدأ مؤخر، والتقدير: ومثْلُ ذلك الأَخْذِ اللَّهِ الأمم السالفة أَخْذُ ربك. و «إذا» ظرف مُتَمَحِّض، ناصبُه المصدر قبله وهو قريبٌ مِنْ حكاية الحال، والمسألةُ من باب التنازع فإنَّ الأَخْذَ يَطْلب «القرى» ، و «أَخَذَ» الفعل أيضاً يطلبها، وتكون المسألة من إعمال الثاني للحذف من الأول.
وقرأ أبو رجاء والجحدري: «أَخَذ ربك، إذ أَخَذَ» جَعَلَهما فعلين ماضيين، و «ربُّك» فاعل. وقرأ طلحة بن مصرف كذلك، إلا أنه ب «إذا» كالعامَّة قال ابن عطية: «وهي قراءةٌ متمكنة المعنى، ولكن قراءة الجماعة تُعْطي الوعيد واستمراره في الزمان، وهو الباب في وَضْع المستقبل مَوْضِعَ الماضي» .
وقوله: {وَهِيَ ظَالِمَةٌ} جملةٌ حالية.
والتَّتْبيب: التَّخْسيرُ يقال: تَبَّبَ غيرُه فتبَّ هو بنفسه، فيُستعمل لازماً ومتعدياً، ومنه {تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} [المسد: 1] . وتبَّبْتُه تَتْبِيباً، أي: خَسَّرْته تخسيراً. قال لبيد:
2706 - ولقد بَلِيْتُ وكلُّ صاحبِ جِدَّةٍ ... لِبِلىً يعودُ وذاكمُ التَّتْبيبُ
هود 11:103
قوله تعالى: {ذلك يَوْمٌ} : «ذلك» إشارةٌ إلى يوم القيامة، المدلولِ عليه بالسياق من قوله: «عذابَ الآخرة» . و «مجموع» صفةٌ ل «اليوم» جَرَتْ على غير مَنْ هي له فلذلك رَفَعَت الظاهرَ وهو «الناس، وهذا هو الإِعراب نحو، مررت برجلٍ مضروبٍ غلامُه» . وأعرب ابن عطية «الناس» مبتدأ مؤخراً و «مجموع» خبره مقدماً عليه، وفيه ضعف؛ إذ لو كان كذلك لقيل: مجموعون، كما يقال: الناس قائمون ومضروبون، ولا يقال: قائم ومضروب إلا بضعف. وعلى إعرابه يحتاج إلى حذف عائد، إذ الجملةُ صفة لليوم، وهو الهاء في له، أي: الناس مجموع له، و «مشهود» متعيِّنٌ لأن يكونَ صفة فكذلك ما قبله.
وقوله: {مَّشْهُودٌ} من بابِ الاتساعِ في الظرف/ بأنْ جَعَلَه مشهوداً، وإنما هو مشهودٌ فيه، وهو كقوله:
2707 - ويومٍ شَهِدْناه سُلَيْماً وعامِراً ... قليلٌ سوى الطعنِ النِّهالِ نوافلُهْ
والأصل: مشهود فيه، وشَهِدْنا فيه، فاتُّسِع فيه بأنْ وَصَل الفعلُ إلى ضميره من غير واسطة، كما يصل إلى المفعول به. قال الزمخشري: «فإن قلت: أيُّ فائدة في أن أوثر اسمُ المفعول على فِعْله؟ قلت: لِما في اسم المفعول من دلالته على ثبات معنى الجمع لليوم، وأنَّه لا بد أن يكونَ ميعاداً مضروباً لجمع الناس له، وأنه هو الموصوفُ بذلك صفةً لازمة» .
هود 11:104
والضمير في «نُؤَخِّره» يعودُ على «يوم» . وقال الحوفي: «على الجزاء» . وقرأ الأعمش: «وما يُؤَخِّره» ، أي اللَّه تعالى.
هود 11:105
وقرأ أبو عمرو والكسائي ونافع «يأتي» بإثبات الياء وصلاً وحَذْفِها وقفاً. وقرأ ابن كثير بإثباتها وصلاً ووقفاً، وباقي السبعة قرؤوا بحذفها وصلاً ووقفاً. وقد وَرَدَت المصاحف بإثباتها وحذفها: ففي مصحف أُبَي إثباتُها، وفي مصحف عثمان حَذْفُها، وإثباتُها هو الوجه لأنها لام الكلمة وإنما حذفوها في القوافي والفواصل لأنها محلُّ وقوف وقالوا: لا أَدْرِ، ولا أبالِ. وقال الزمخشري: «والاجتزاءُ بالكسرة عن الياءِ كثيرٌ في لغة هُذَيْل» وأنشد ابن جرير في ذلك:
2708 - كفَّاك كفٌّ ما تُليقُ دِرْهماً ... جُوْداً وأخرى تُعْطِ بالسيف الدَّما
والناصبُ لهذا الظرف فيه أوجه، أحدها: أنه «لا تَكَلَّمُ» والتقدير: لا تَكَلَّمُ نفسٌ يومَ يأتي ذلك اليوم. وهذا معنى جيد لا حاجةَ إلى غيره. والثاني: أن ينتصب ب «واذكر» مقدراً. والثالث: أن ينتصبَ بالانتهاءِ المحذوفِ في قوله: «إلا لأجل» ، أي: ينتهي الأجل يوم يأتي. والرابع: أنه منصوبٌ ب «لا تَكَلَّم» مقدَّراً، ولا حاجةَ إليه.
والجملةُ من قوله: «لا تَكَلَّمُ» في محلِّ نصبٍ على الحال من ضمير اليوم المتقدم في «مشهود» ، أو نعتاً له لأنه نكرة. والتقدير: لا تَكَلَّم نفسٌ فيه إلا بإذنه، قاله الحوفي وقال ابن عطية: «لا تكلَّم نفسٌ» يَصِحُّ أن تكون جملةً في موضع الحال من الضمير الذي في «يأتي» وهو العائد على قوله: «ذلك يومٌ» ، ويكون على هذا عائدٌ محذوف تقديره: لا تَكَلَّم نفسٌ فيه، ويصح أن يكون قوله: {لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ} صفةً لقوله: «يوم يأتي» .
وفاعلُ «يأتي» فيه وجهان، أظهرهما: أنه ضميرُ «يوم» المتقدِّم. والثاني: أنه ضمير اللَّه تعالى كقوله: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله} [البقرة: 210] وقوله: {أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ} والضميرُ في قوله: «فمنهم» الظاهر عَوْدُه على الناس في قوله: {مَّجْمُوعٌ لَّهُ الناس} . وجعله الزمخشري عائداً على أهلِ الموقف وإن لم يُذْكَروا، قال: «لأنَّ ذلك معلومٌ؛ ولأن قوله: {لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ} يدلُّ عليه» ، وكذا قال ابنُ عطية.
قوله: {وَسَعِيدٌ} خبره محذوف: أي: ومنهم سعيدٌ، كقوله: {مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ} [هود: 100] .
هود 11:106
قوله تعالى: {شَقُواْ} : الجمهورُ على فتح الشين لأنه مِنْ شَقِي فعلٌ قاصِر. وقرأ الحسن بضمها فاستعمله متعدياً، فيقال: شَقاه اللَّه، كما يقال أشقاه اللَّه.
وقرأ الأخوان وحفص «سُعِدُوا» بضم السين، والباقونَ بفتحها، الأُولى مِنْ قولهم «سَعَدَه اللَّه» ، أي: أسعده، حكى الفراء عن هُذَيل أنها تقول: سَعَده اللَّه بمعنى أَسْعد. وقال الجوهري: «سَعِد فهو سعيد كسَلِمَ فهو سليم، وسُعِد فهو مسعود» . وقال ابن القشيري: «وَرَدَ سَعَده اللَّه فهو مَسْعود، وأسعد فهو مُسْعَد» . وقيل: يُقال: سَعَده وأَسْعده فهو مَسْعود، استَغْنوا باسم مفعول الثلاثي. وحُكي عن الكسائي أنه قال: «هما لغتان بمعنىً» ، يعني فَعَل وأَفْعل، وقال أبو عمرو بن العلاء: «يُقال: سُعِد الرجل كما يُقال جُنَّ» . وقيل: سَعِده لغة.
وقد ضَعَّف جماعةٌ قراءةَ الأخَوين، قال المهدوي: مَنْ قرأ «سُعِدوا» فهو محمولٌ على مَسْعود، وهو شاذ قليل، لأنه لا يُقال: سَعَده اللَّه، إنما يقال: أسعده اللَّه. وقال بعضُهم: احتجَّ الكسائي بقولهم: «مسعود» . قيل: ولا حُجَّةَ فيه، لأنه يُقال: مكان مسعود فيه ثم حُذِف «فيه» وسُمِّي به. وكان عليّ بن سليمان يتعجَّب مِنْ قراءة الكسائي: / «سُعِدوا» مع علمه بالعربية، والعجبُ مِنْ تعجُّبه. وقال مكي: «قراءةُ حمزةَ والكسائي» سُعِدوا «بضم السين حملاً على قولهم:» مسعود «وهي لغةٌ قليلة شاذة، وقولهم:» مَسْعود «إنما جاء على حذف الزوائد كأنه مِنْ أسعده اللَّه، ولا يُقال: سَعَدَه اللَّه، وهو مثل قولهم: أجنَّه اللَّه فهو مجنون، أتى على جَنَّه اللَّه، وإنْ كان لا يُقال ذلك، كما لا يقال: سَعَده اللَّه» .
وضَمُّ السين بعيدٌ عند أكثر النحويين إلا على حذف الزوائد. وقال أبو البقاء: «وهذا غيرُ معروفٍ في اللغة ولا هو مقيسٌ» .
وقوله: {لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ} : هذه الجملةُ فيها احتمالان، أحدهما: أنها مستأنفة، كأن سائلاً سأل حين أَخْبَرَ أنهم في النار: ماذا يكون لهم؟ فقيل: لهم كذا. الثاني: أنها منصوبةٌ المحلِّ، وفي صاحبها وجهان، أحدهما: أنه الضمير في الجارِّ والمجرور وهي «ففي النار» . والثاني: أنها حالٌ من «النار» .
والزَّفير: أولُ صوت الحمار، والشَّهيق: آخره، قال رؤبة:
2709 - حَشْرَجَ في الصدر صَهِيْلاً وشَهَقْ ... حتى يُقالَ ناهِقٌ وما نَهَقْ
وقال ابن فارس: «الشَّهيق ضد الزفير؛ لأنَّ الشهيق ردُّ النفسَ، والزَّفير: إخراج النفَس مِنْ شدة الحزن مأخوذ من الزِّفْرِ وهو الحِمْل على الظهر، لشدته. وقال الزمخشري نحوه، وأنشد للشماخ:
2710 - بعيدٌ مدى التَّطْريْبِ أولُ صوتِه ... زفير ويَتْلوه شهيق مُحَشْرِج
وقيل: الشَّهيق: النَّفَس الممتدُّ، مأخوذ مِنْ قولهم» جبل شاهق أي عالٍ. وقال الليث: «الزَّفير: أن يملأَ الرجلُ صدرَه حالَ كونه في الغمِّ الشديد من النفسَ ويُخْرِجُه، والشهيق أن يُخْرِجَ ذلك النفسَ، وهو قريبٌ مِنْ قولهم:» تنفَّس الصعداء «. وقال أبو العالية والربيع بن أنس:» الزفير في الحَلْق والشَّهيقُ في الصدر «. وقيل: الزفير للحمار والشهيق للبَغْل.
هود 11:107
وقوله تعالى: {خَالِدِينَ} : منصوبٌ على الحال المقدرة. قلت: ولا حاجةَ إلى قولِهم مقدرة، وإنما احتاجوا إلى التقدير في مثل قوله {فادخلوها خَالِدِينَ} [الزمر: 73] ؛ لأنَّ الخلودَ بعد الدخول، بخلافِ هنا.
قوله: {مَا دَامَتِ} «ما» مصدرية وقتية، أي: مدة دوامهما. و «دام» هنا تامةٌ لأنها بمعنى بَقِيت.
قوله: {إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ} فيه أقوال كثيرة منتشرة لخّصتها في أربعةَ عشرَ وجهاً، أحدها: وهو الذي ذكره الزمخشريُّ فإنه قال: «فإنْ قلت: ما معنى الاستثناء في قوله: {إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ} وقد ثَبَتَ خلودُ أهلِ الجنة والنار في الأبد مِنْ غير استثناء؟ قلت: هو استثناء مِن الخلود في عذاب النار، ومن الخلود في نعيم أهل الجنة، وذلك أنَّ أهل النار لا يُخَلَّدون في عذابها وحدَه، بل يُعَذَّبون بالزمهرير، وبأنواعٍ أُخَرَ من العذاب، وبما هو أشدُّ من ذلك وهو سُخْط اللَّه عليهم، وكذا أهل الجنة لهم مع نعيم الجنة ما هو أكبرُ منه كقوله: {وَرِضْوَانٌ مِّنَ الله أَكْبَرُ} [التوبة: 72] ، والدليل عليه قوله: {عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} [هود: 108] ، وفي مقابله {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} ، أي: يَفْعل بهم ما يريد من العذاب، كما يعطي أهل الجنة ما لا انقطاعَ له» . قال الشيخ: «ما ذكره في أهل النار قد يتمشى لأنهم يَخْرُجون من النار إلى الزمهرير فيصحُّ الاستثناء، وأما أهل الجنة فلا يخرجون من الجنة فلا يصحُّ فيهم الاستثناء» . قلت: الظاهر أنه لا يصحُّ فيهما؛ لأنَّ أهلَ النار مع كونهم يُعَذَّبون بالزمهرير هم في النار أيضاً.
الثاني: أنه استثناءٌ من الزمان الدالِّ عليه قوله: «خالدين فيها ما دامَتِ السماواتُ والأرضُ» والمعنى: إلا الزمان الذي شاءه اللَّه فلا يُخَلَّدون فيها.
الثالث: أنه مِنْ قوله: «ففي النار» و «ففي الجنة» ، أي: إلا الزمان الذي شاءَه اللَّهُ فلا يكون في النار ولا في الجنة، ويمكن أن يكون هذا الزمانُ المستثنى هو الزمان الذي يَفْصِل اللَّهُ فيه بين الخلق يومَ القيامة إذا كان الاستثناءُ مِن الكون في النار أو في الجنة، لأنه زمانٌ يخلو فيه الشقيُّ والسعيدُ مِنْ دخول النار والجنة، وأمَّا إن كان الاستثناءُ مِنْ الخلود يمكن ذلك بالنسبة إلى أهل النار، ويكون الزمانُ المستثنى هو الزمان الذي فات أهلَ النارِ العصاةَ من المؤمنين الذي يَخْرجون من النار ويَدْخلون الجنة فليسوا خالدين في النار، إذ قد أخرجوا منها وصاروا إلى الجنة. وهذا المعنى مَرْوِيٌّ عن قتادة والضحاك وغيرهما، والذين شَقُوا على هذا شامل للكفار والعصاة، هذا في طرفِ الأشقياء العُصاة ممكنٌ، وأمَّا حقُّ الطرف الآخر فلا يتأتَّى هذا التأويلُ فيه؛ إذ ليس منهم مَنْ يدخلُ الجنةَ ثم لا يُخَلَّد فيها.
قال الشيخ: يمكن ذلك/ باعتبار أن يكونَ أريد الزمان الذي فاتَ أهلَ النار العصاة من المؤمنين، أو الذي فات أصحابَ الأعراف، فإنه بفوات تلك المدة التي دخل المؤمنون فيها الجنة وخُلِّدوا فيها صَدَقَ على العصاة المؤمنين وأصحابِ الأعراف أنهم ما خُلِّدوا في الجنة تخليدَ مَنْ دخلها لأولِ وَهْلة «.
الرابع: أنه استثناءٌ من الضمير المستتر في الجار والمجرور وهو قوله:» ففي النار «و» ففي الجنة «؛ لأنه لمَّا وقع خبراً تحمَّل ضميرَ المبتدأ.
الخامس: أنه استثناءٌ من الضمير المستتر في الحال وهو» خالدين «، وعلى هذين القولين تكون» ما «واقعةً على مَنْ يعقل عند مَنْ يرى ذلك، أو على أنواعٍ مَنْ يعقل كقوله: {مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء} [النساء: 3] والمراد ب» ما «حينئذٍ العصاةُ من المؤمنين في طرفِ أهل النار، وأمَّا في طرف أهل الجنة فيجوز أن يكونوا هم أو أصحابُ الأعراف، لأنهم لم يدخلوا الجنة لأولِ وهلة ولا خُلِّدوا فيها خلودَ مَنْ دَخَلها أولاً.
السادس: قال ابن عطية:» قيل: إنَّ ذلك على طريقِ الاستثناء الذي نَدَبَ الشارعُ إلى استعماله في كل كلامٍ فهو كقولِه: {لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام إِن شَآءَ الله آمِنِينَ} [الفتح: 27] ، استثناء في واجب، وهذا الاستثناء هو في حكم الشرط، كأنه قال: إنْ شاء اللَّه، فليس يحتاج أن يُوْصَفَ بمتصل ولا منقطع «.
السابع: هو استثناءٌ من طول المدة، ويروى عن ابن مسعود وغيره، أنَّ جهنمَ تخلو مِن الناس وتَخْفِق أبوابُها فذلك قولُه: {إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ} . وهذا مردودٌ بظواهر الكتابِ والسنة، وما ذكرته عن ابن مسعود فتأويله أنَّ جهنم هي الدَّرَك الأَعْلى، وهي تَخْلو من العُصاة المؤمنين، هذا على تقديرِ صحةِ ما نُقِل عن ابن مسعود.
الثامن: أن» إلا «حرفُ عطفٍ بمعنى الواو، فمعنى الآية: وما شاءَ ربُّك زائداً على ذلك.
التاسع: أن الاستثناءَ منقطعٌ، فيقدَّر ب» لكن «أو ب» سوى «، ونَظَّروه بقولك:» لي عليك ألفا درهم، إلا الألفَ التي كنت أسلفتك «بمعنى سوى تلك، فكأنه قيل: خالدين فيها ما دامت السماواتُ والأرضُ سوى ما شاء ربك زائداً على ذلك. وقيل: سوى ما أعدَّ لهم مِنْ عذابٍ غيرِ عذابِ النار كالزَّمْهرير ونحوِه.
العاشر: أنه استثناءٌ من مدة السماوات والأرض التي فَرَطَت لهم في الحياة الدنيا.
الحادي عشر: أنه استثناءٌ من التدرُّج الذي بين الدنيا والآخرة.
الثاني عشر: أنه استثناءٌ من المسافات التي بينهم في دخول النار، إذ دخولُهم إنما هو زُمَراً بعد زُمَر.
الثالث عشر: أنه استثناءٌ من قوله:» ففي النار «كأنه قال: إلا ما شاء ربُّك مِنْ تأخُّر قوم عن ذلك، وهذا القولُ مرويٌّ عن أبي سعيد الخدري وجابر.
الرابع عشر: أنَّ» إلا ما شاء «بمنزلة كما شاء، قيل: كقوله: {مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ النسآء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء: 22] ، أي: كما قَدْ سَلَفَ.
هود 11:108
قوله تعالى: {عَطَآءً} نُصِبَ على المصدر المؤكد من معنى الجملةِ قبله؛ لأن قوله: «ففي الجنة خالدين» يقتضي إعطاء وإنعاماً فكأنه قيل: يُعْطيهم عَطاءً، وعطاء اسم مصدر، والمصدر في الحقيقة الإِعطاء على الإِفعال، أو يكونُ مصدراً على حذف الزوائد كقوله: {أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأرض نَبَاتاً} [نوح: 17] ، أو هو منصوب بمقدَّرٍ موافِقٍ له، أي: فَنَبَتُّم نباتاً، وكذلك هنا يقال: عَطَوْتُ بمعنى تناولْت.
و «غيرَ مَجْذوذ» نَعْتُه. والمجذوذ: المقطوع، ويقال لِفُتات الذهب والفضة والحجارة: «جُذاذ» من ذلك، وهو قريب من الجَدِّ بالمهملة في المعنى، إلا أن الراغب جَعَل جَدَّ بالمهملة بمعنى قَطْع الأرضِ المستوية، ومنه «جَدَّ في سيره يَجِدُّ جَدَّاً» ، ثم قال: «وتُصُوِّر مِنْ جَدَدْتُ [الأرضَ] القَطْعُ المجردُ فقيل: جَدَدْتُ الثوب إذا قطعتَه على وجهِ الإِصلاح، وثوبٌ جديد أصله المقطوع، ثم جُعل لكل ما أُحْدِث إنشاؤه» . والظاهرُ أن المادتين متقاربتان في المعنى، وقد ذكرْتُ لهما نظائرَ نحو: عَتَا وعَثا وكثب وكتب.
هود 11:109
قوله تعالى: {مِّمَّا يَعْبُدُ} : «ما» / في «ممَّا يعبد» وفي «كما يَعبْدُ» مصدريةٌ. ويجوز أن تكونَ الأولى اسميةً دونَ الثانية.
قوله: {لَمُوَفُّوهُمْ} قرأ العامة بالتشديد مِنْ وفَّاه مشدداً، وقرأ ابن محيصن «لَمُوْفُوْهم» بالتخفيف مِنْ أَوْفَى، كقوله: {وَأَوْفُواْ بعهدي} [البقرة: 40] ، وقد تقدَّم في البقرة أنَّ فيه ثلاثَ لغات.
قوله: {غَيْرَ مَنقُوصٍ} حالٌ مِنْ «نصيبهم» ، وفي ذلك احتمالان، أحدهما: أن تكونَ حالاً مؤكدة، لأنَّ لفظ التوفية يُشْعر بعدم النقص، فقد استفيد معناها مِنْ عاملها وهو شأنُ المؤكدة. والثاني: أن تكونَ حالاً مُبَيِّنة. قال الزمخشري: «فإن قلت: كيف نُصِبَ» غيرَ منقوص «حالاً عن النصيب المُوَفَّى؟ قلت: يجوز أن يُوَفَّى وهو ناقصٌ ويوفَّى وهو كاملٌ، ألا تَراك تقول:» وَفَّيْتُه شطرَ حَقِّه، وثلثَ حقِّه، وحقَّه كاملاً وناقصاً «، فظاهر هذه العبارة أنها مبيِّنة؛ إذ عاملُها محتملٌ لمعناها ولغيره. إلا أن الشيخ قال بعد كلامه هذا:» وهذه مَغْلَطَة، إذا قال: «وفَّيته شطرَ حَقِّه» فالتوفيهُ وَقَعَتْ في الشطر، وكذا في الثلث، والمعنى: أعطيته الشطرَ والثلثَ كاملاً لم أنقصه شيئاً، وأمَّا قوله: «وحقَّه كاملاً وناقصاً» أمَّا كاملاً فصحيح، وهي حالٌ مؤكدة؛ لأن التوفيةَ تقتضي الإِكمالَ، وأمَّا «وناقصاً» فلا يقال لمنافاته التوفيه «. وفي مَنْع الشيخ أَنْ يُقال:» وَفَّيْتُه حقَّه ناقصاً «نظر، إذ هو شائعٌ في تركيبات الناسِ المعتبرِ قولهم؛ لأن المرادَ بالتوفية مطلقُ التَّأْدية» .
هود 11:110
قوله تعالى: {فاختلف فِيهِ} : أي في الكتاب، و «في» على بابها من الظرفية، وهو هنا مجاز، أي: في شأنه. وقيل: هي سببية، أي: هو سببُ اختلافهم، كقوله تعالى: {يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ} [الشورى: 11] ، أي: يُكَثِّركم بسببه. وقيل: هي بمعنى على، ويكون الضمير لموسى عليه السلام، أي: فاخْتُلِف عليه.
و «مُرِيْب» مِنْ أراب إذا حَصَلَ الرَّيْب لغيره، أو صار هو في نفسه ذا رَيْب، وقد تقدم.
هود 11:111
قوله تعالى: {وَإِنَّ كُلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ} : هذه الآيةُ الكريمة مما تَكَلَّم الناسُ فيها قديماً وحديثاً، وعَسُر على أكثرِهم تلخيصُها قراءةً وتخريجاً، وقد سَهَّل اللَّه تعالى، فذكرْتُ أقاويلهم وما هو الراجحُ منها.
فقرأ نافع وابن كثير وأبو بكر عن عاصم: «وإنْ» بالتخفيف، والباقون بالتشديد. وأمَّا «لمَّا» فقرأها مشددةً هنا وفي يس، وفي سورة الزخرف، وفي سورة السمآء والطارق، ابنُ عامر وعاصمٌ وحمزةُ، إلا أن عن ابن عامر في الزخرف خلافاً: فروى عنه هشامٌ وجهين، وروى عنه ابن ذكوان التخفيفَ فقط، والباقون قرؤوا جميع ذلك بالتخفيف. وتلخص من هذا: أنَّ نافعاً وابن كثير قرآ: «وإنْ» و «لَمَا» مخففتين، وأنَّ أبا بكر عن عاصم خَفَّفَ «إنَّ» وثَقَّل «لمَّا» ، وأن ابن عامر وحمزة وحفصاً عن عاصم شددوا «إنَّ» و «لمَّا» معاً، وأن أبا عمرو والكسائي شدَّدا «إنَّ» وخَفَّفا «لَمَّا» . فهذه أربعُ مراتب للقراء في هذين الحرفين.
هذا في المتواتر، وأمَّا في الشاذ، فقد قرىء أربعُ قراءاتٍ أُخَر، إحداها: قراءةُ أُبَيّ والحسن وأبان بن تغلب «وإنْ كل» بتخفيفها، ورفع «كل» ، «لَمَّا» بالتشديد، الثانية: قراءة اليزيدي وسليمان بن أرقم: «لمَّاً» مشددة منونة، ولم يتعرَّضوا لتخفيف «إنَّ» ولا لتشديدها. الثالثة: قراءة الأعمش وهي في حرف ابن مسعود كذلك: «وإنْ كلٌّ إلا» : بتخفيفِ «إنْ» ورفع « كل» . الرابعة. قال أبو حاتم: «الذي في مُصْحف أبي {وإنْ مِنْ كلٍ إلا لَيُوَفِّيَنَّهم} .
هذا ما يتعلَّق بها من جهة التلاوة، أمَّا ما يتعلق بها من حيث التخريجُ فقد اضطرب الناسُ فيه اضطراباً كثيراً، حتى قال أبو شامة:» وأمَّا هذه الآيةُ فمعناها على القراءات من أشكلِ الآيات، وتسهيلُ ذلك بعون اللَّه أنْ أذكرَ كلَّ قراءةٍ على حِدَتِها وما قيل فيها.
فأمَّا / قراءةُ الحَرَمِيَّيْن ففيها إعمال إنْ المخففة، وهي لغة ثانية عن العرب. قال سبويه: «حَدَّثَنا مَنْ نثق به أنه سَمع مِن العرب مَنْ يقول:» إنْ عمراً لمنطلقٌ «كما قالوا:
2711 -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... كأن ثَدْيَيْهِ حُقَّانِ
قال:» ووجهُه مِن القياس أنَّ «إنْ» مُشْبِهَةٌ في نصبها بالفعل، والفعلُ يعمل محذوفاً كما يَعْمل غيرَ محذوف نحو: «لم يكُ زيد منطلقاً» {فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ} [هود: 109] وكذلك لا أَدْرِ «. قلت: وهذا مذهبُ البصريين، أعني أنَّ هذه الأحرفَ إذا خُفِّف بعضُها جاز أن تعملَ وأن تُهْمَلَ ك» إنْ «، والأكثر الإِهمالُ، وقد أُجْمع عليه في قوله: {وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا [مُحْضَرُونَ] } ، وبعضُها يجب إعمالُه ك» أنْ «بالفتح و» كأنْ «، ولكنهما لا يَعْملان في مُظْهَرٍ ولا ضميرٍ بارزٍ إلا ضرورةً، وبعضُها يَجِبُ إهمالُه عند الجمهور ك» لكن «.
وأمَّا الكوفيون فيُوجبون الإِهمالَ في «إنْ» المخففةِ، والسَّماعُ حُجَّةٌ عليهم، بدليل هذه القراءة المتواترة. وقد أنشدَ سيبويهِ على إعمالِ هذه الحروفِ مخففةً قولَه:
2712 -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... كأنْ ظبيةٌ تَعْطُو إلى وارِقِ السَّلَمْ
قال الفراء: «لم نَسْمَعِ العربَ تُخَفِّفُ وتَعْمل إلا مع المكنى كقوله:
2713 - فلو أنْكِ في يومِ الرَّخاء سَأَلْتِني ... طلاقَكِ لم أَبْخَلْ وأنتِ صديقُ
قال:» لأنَّ المكنى لا يَظْهر فيه إعرابٌ، وأمَّا مع الظاهر فالرفع «. قلت: وقد تقدَّم ما أنشده سيبويهِ وقولُ الآخر:
2714 -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... كأنْ ثَدْيَيْه حُقَّانِ
و [قوله] :
2715 - كأنْ وَرِيْدَيْه رِشاءُ خُلْبِ ... هذا ما يتعلق ب» إنْ «. وأمَّا» لَمَا «في هذه القراءة فاللامُ فيها هي لامُ» إنْ «الداخلةُ في الخبر. و» ما «يجوز أن تكونَ موصولةً بمعنى الذي واقعةً على مَنْ يَعْقل كقوله تعالى: {فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء} [النساء: 3] فأوقع» ما «على العاقل. واللام في» ليوفِّيَنَّهم «جوابُ قسمٍ مضمر، والجملةُ مِن القسم وجوابِه صلةٌ للموصول، والتقدير: وإنْ كلاً لَلذين واللَّه ليوفيَّنهم. ويجوز أن تكونَ هنا نكرةً موصوفةً، والجملةُ القسميةُ وجوابُها صفةٌ ل» ما «والتقدير: وإنْ كلاً لخَلْقٌ أو لفريقٌ واللَّهِ ليوفِّيَنَّهم، والموصولُ وصلتُه أو الموصوفُ وصفتُه خبرٌ ل» إنْ «.
وقال بعضُهم: اللامُ الأولى هي الموطِّئةُ للقسَم، ولمَّا اجتمع اللامان، واتفقا في اللفظ فُصِل بينهما ب» ما «كما فُصِل بالألف بين النونين في» يَضْرِبْنانِّ «، وبين الهمزتين في نحو: أأنت. فظاهرُ هذه العبارة أنَّ» ما «هنا زائدةٌ جي بها للفصل إصلاحاً لِلَّفظ، وعبارةُ الفارسي مُؤْذِنَةٌ بهذا، إلا أنه جَعَلَ اللامَ الأولى لامَ» إنْ «فقال:» العُرْفُ أن تُدْخِل لامَ الابتداء على الخبر، والخبرُ هنا هو القَسَمُ وفيه لام تَدْخل على جوابه، فلمَّا اجتمع اللامان والقسمُ محذوفٌ، واتفقا في اللفظ وفي تَلَقِّي القسم، فَصَلوا بينهما كما فَصَلوا بين إنَّ واللام «.
وقد صَرَّح الزمخشري بذلك فقال:» واللامُ في «لَمَا» موطِّئةٌ للقسم و «ما» مزيدةٌ «ونَصَّ الحوفيُّ على أنها لام» إنْ «. وقال أبو شامة:» واللامُ في «لَمَا» هي الفارقة بين المخففة من الثقيلة والنافية «وفي هذا نظرٌ؛ لأنَّ الفارقةَ إنما يؤتى بها عند التباسِها بالنافية، والالتباسُ إنما يجيء عند إهمالها نحو:» إنْ زيدٌ لقائم «وهي في الآية الكريمة مُعْمَلة فلا التباسَ بالنافية، فلا يُقال إنها فارقة.
فتلخَّص في كلٍ من اللام و «ما» ثلاثة أوجه، أحدها: في اللام: أنها للابتداء الداخلة على خبر «إنْ» . الثاني: لامٌ موطئة للقسم. الثالث: أنَّها جوابُ القسم كُرِّرَتْ تأكيداً. وأحدها في «ما» : أنها موصولة. الثاني: أنها نكرة. الثالث: أنها مزيدة للفصل بين اللامين.
وأمَّا قراءةُ أبي بكر ففيها أوجه/، أحدها: ما ذهب إليه الفراء وجماعة من نحاة البصرة والكوفة، وهو أن الأصل: لَمِنْ ما، بكسر الميم على أنها مِنْ الجارة دخلت على «ما» الموصولة «أو الموصوفة كما تقرَّر، أي: لَمِنَ الذين واللَّهِ ليوفِّيَنَّهم، أو لَمِنْ خَلْقٍ واللَّهِ ليوفِّينَّهم، فلمَّا اجتمعت النونُ ساكنةً قبل ميم» ما «وجب إدغامُها فيها فقُلِبَتْ ميماً، وأُدْغمت فصار في اللفظ ثلاثةُ أمثال، فخُفِّفَتْ الكلمةُ بحذف إحداها فصار اللفظُ كما ترى» لمَّا «. قال نصر ابن علي الشيرازي:» وَصَلَ «مِنْ» الجارة ب «ما» فانقلبت النون أيضاً ميماً للإِدغام، فاجتمعت ثلاث ميمات فَحُذِفت إحداهن، فبقي «لمَّا» بالتشديد «. قال: و» ما «هنا بمعنى» مَنْ «وهو اسم لجماعة الناس كما قال تعالى: {فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء} أي مَنْ طاب، والمعنى: وإنْ كلاً مِن الذين ليوفِّينَّهم ربُّك أعمالهم، أو جماعة ليوفِّيَنَّهم ربُّك أعمالَهم» .
وقد عَيَّن المهدويُّ الميمَ المحذوفة فقال: «حُذِفت الميمُ المكسورة، والتقدير، لَمِنْ خلقٍ ليوفِّيَنَّهم» .
الثاني: ما ذهب إليه المهدويُّ ومكي وهو: أن يكونَ الأصل: لمَنْ ما بفتح ميم «مَنْ» على أنها موصولة أو موصوفة، و «ما» بعدها مزيدةٌ فقال: « فقلبت النونُ ميماً، وأُدْغمت في الميم التي بعدها، فاجتمع ثلاثُ ميمات، فحُذِفَت الوُسْطى منهن، وهي المبدلةُ من النون، فقيل» لَمَّا «. قال مكي:» والتقدير: وإنْ كلاً لَخَلْقٌ لَيوفينَّهم ربك أعمالهم «، فترجعُ إلى معنى القراءة الأولى بالتخفيف، وهذا الذي حكاه الزجاج عن بعضهم فقال:» زَعَمَ بعضُ النحويين أن أصله لمَنْ ما، ثم قلبت النون ميماً، فاجتمعت ثلاثُ ميمات، فَحُذِفت الوسطى «قال:» وهذا القولُ ليس بشيءٍ، لأنَّ «مَنْ» لا يجوز حَذْفُ بعضها لأنها اسمٌ على حرفين «.
وقال النحاس:» قال أبو إسحاق: هذا خطأ، لأنه تُحْذف النونُ مِنْ «مَنْ» فيبقى حرفٌ واحد «. وقد رَدَّه الفارسيُّ أيضاً فقال:» إذ لم يَقْوَ الإِدغام على تحريك الساكن قبل الحرف المدغم في نحو «قدم مالك» فأَنْ لا يجوزُ الحَذْفُ أَجْدَرُ «قال:» على أنَّ في هذه السورة ميماتٍ اجتمعَتْ في الإِدغام أكثرَ ممَّا كانَتْ تجتمع في «لَمَنْ ما» ولم يُحذفْ منها شيءٌ، وذلك في قولِه تعالى:
{وعلى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ} [هود: 48] ، فإذا لم يُحْذَفْ شيءٌ مِنْ هذا فأن لا يُحْذَفَ ثَمَّ أَجْدَرُ «. قلت: اجتمع في» أمم ممَّن مَعَك «ثمانيةُ ميماتٍ وذلك أن» أمماً «فيها ميمان وتنوين، والتنوين يُقْلب ميماً لإِدغامه في ميم» مِنْ «ومعنا نونان: نونُ مِنْ الجارة ونون مَنْ الموصولة فيقلبان أيضاً ميماً لإِدغامهما في الميم بعدهما، ومعنا ميم» معك «، فحَصَّل معنا خمسُ ميماتٍ ملفوظٌ بها، وثلاثٌ منقلبةٌ إحداها عن تنوين، واثنتان نون.
واستدلَّ الفراء على أن أصل» لَمَّا «» لمِنْ ما «بقول الشاعر: 2716 - وإنَّا لمِنْ ما نَضْرِبُ الكبشَ ضَرْبَةً ... على رأسِه تُلقي اللسانَ من الفم
وبقول الآخر:
2717 - وإني لَمِنْ ما أُصْدِرُ الأمرَ وجهَه ... إذا هو أَعْيا بالسبيل مصادرُهْ
قلت: وقد تقدَّم في سورة آل عمران في قراءة مَنْ قرأ {وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ النبيين لَمَآ آتَيْتُكُم} [آل عمران: 81] بتشديد» لمَّا «أن الأصل:» لمن ما «فَفُعل فيه ما تقدَّم، وهذا أحد الأوجه المذكورة في تخريج هذا الحرف في سورته، وذكرْتُ ما قاله الناسُ فيه، فعليك بالنظر فيه.
وقال أبو شامة:» وما قاله الفراء استنباطٌ حسنٌ وهو قريبٌ من قولهم: {لَّكِنَّ هُوَ الله رَبِّي} [الكهف: 38] إن أصله: لكن أنا، ثم حُذِفت الهمزة، وأُدْغِمَتِ النونُ في النون، وكذا قولهم: «أمَّا أنت منطلقاً انطلقت، قالوا: المعنى لأِنْ كنتَ منطلقاً» . قلت: وفيما قاله نظرٌ؛ لأنه ليس فيه حَذْفٌ البتةَ، وإنما كان يَحْسُنُ التنظيرُ أن لو كان فيما جاء به إدغامٌ، ثم حُذف، وأمَّا مجرَّدُ التنظير بالقلبِ والإِدغامِ فغيرُ طائلٍ.
ثم قال أبو شامة: «وما أحسنَ ما استخرج الشاهد من البيت» يعني الفراء، ثم الفراء أراد أن يجمع بين قراءتَي/ التخفيف والتشديدِ مِنْ «لمَّا» في معنى واحد فقال: «ثُمَّ تُخَفَّفُ كما قرأ بعض القراء {والبغي يَعِظُكُمْ} [النحل: 90] .
بحذف الياء عند الياء، أنشدني الكسائي:
2718 - وأَشْمَتَّ العُداةَ بنا فأَضْحَوا ... لَدَيْ يَتباشَرُون بما لَقِينا
فحذف ياءَه لاجتماع الياءات» . قلت: الأَوْلى أن يُقال: حُذِفت ياءُ الإِضافة مِنْ «لديّ» فبقيت الياءُ الساكنةُ قبلَها المنقلبةُ من الألف في «لدى» وهو مِثْلُ قراءةِ مَنْ قرأ {يابني} بالإِسكان على ما سَبَق، وأمَّا الياء مِنْ «يتباشرون» فثابتةٌ لدلالتها على المضارعة.
ثم قال الفراء: «ومثلُه:
2719 - كأنَّ مِنْ آخِرِها إلقادِمِ ... يريد: إلى القادم، فحذف اللام عند اللام» .
قلت: توجيهُ قولهم: «من آخرها إلقادم» أن ألف «إلى» حُذِفَتْ لالتقاء الساكنين، وذلك أن ألف «إلى» ساكنة ولام التعريف من «القادم» ساكنةٌ، وهمزةُ الوصل حُذِفت دَرْجاً، فلمَّا التقيا حُذِف أولهما فالتقى لامان: لامُ «إلى» ولامُ التعريف، فحُذِفت الثانيةُ على رأيه، والأَوْلى حَذْفُ الأُوْلى؛ لأنَّ الثانيةَ دالة على التعريف لم يَبْقَ مِنْ حرف «إلى» غير الهمزة فاتصلت بلام «القادم» فبقيَتِ الهمزةُ على كسرها، فلهذا تَلَفَّظ بهذه الكلمة مِنْ آخرها: «ءِ القادم» بهمزة مكسورةٍ ثابتة درجاً لأنها همزةُ القطع.
قال أبو شامة: «وهذا قريبٌ مِنْ قولهم» مِلْكذب «و» عَلْماءِ بنو فلان «و» بَلْعنبر «يريدون: من الكذب، وعلى الماء بنو فلان، وبنو العنبر» . قلت: يريد قوله:
2720 - أبْلِغْ أبا دَخْتنوسَ مَأْلُكَةً ... غيرُ الذي [قد] يُقال مِلْكذب
وقول الآخر:
2721 - فما سَبَقَ القَيْسِيَّ مِن سُوءِ فِعْلِهِ ... ولكنْ طَفَتْ عَلْماءِ غُرْلَةُ خالدِ
وقد ردَّ بعضُهم قولَ الفراء بأنَّ نونَ «مِنْ» لا تُحْذف إلا في ضرورة وأنشد: مِلكذبِ.
الثالث: أنَّ أصلَها «لَما» بالتخفيف ثم شُدِّدت، وإلى هذا ذهب أبو عثمان. قال الزجاج: «وهذا ليس بشيءٍ لأنَّا لَسْنا نُثَقِّل ما كان على حرفين، وأيضاً فلغةُ العرب على العكس من ذلك يُخَفِّفون ما كان مثقَّلاً نحو:» رُبَ «في» رُبَّ «. وقيل في توجيهه: إنما يكونُ في الحرف إذا كان آخراً، والميم هنا حشوٌ لأن الألف بعدها، إلا أن يقال: إنه أجرى الحرف المتوسط مُجرى المتأخر كقوله:
2722 - ... مثلَ الحريقِ وافَقَ القَصَبَّا يريد: القصبَ، فلمَّا أشبع الفتحة تولَّد منها ألف، وضعَّف الحرف، وكذلك قوله:
2723 - ببازِلٍ وَجْناءَ أو عَيْهَلِّي ... شدَّد اللام مع كونِها حَشْواً بياء الإِطلاق. وقد يُفَرَّق بأن الألف والياء في هذين البيتين في حكم المطَّرح، لأنهما نشآ من حركةٍ بخلافٍ ألف» لما «فإنها أصليةٌ ثابتة، وبالجملة فهو وجهٌ ضعيفٌ جداً.
الرابع: أن أصلَها» لَمَّاً «بالتنوين ثم بُني منه فَعْلى، فإنْ جَعَلْتَ ألفَه للتأنيث لم تصرِفْه، وإنْ جَعَلْتَها للإِلحاق صَرَفْتَه، وذلك كا قالوا في» تَتْرى «بالتنوين وعدمِه، وهو مأخوذٌ مِنْ قولك لَمَمْتُه أي: جَمَعْته، والتقدير: وإنْ كلاً جميعاً ليوفِّينَّهم، ويكون» جميعاً «فيه معنى التوكيد ككل، ولا شك أن» جميعاً «يفيد معنى زائداً على» كل «عند بعضهم. قال:» ويدل على ذلك قراءةُ مَنْ قرأ «لمَّاً» بالتنوين «.
الخامس: أن الأصل» لَمَّاً «بالتنوين أيضاً، ثم أَبْدل التنوينَ ألفاً وقفاً، ثم أَجْرى الوصل مُجْرى الوقف. وقد مَنَع من هذا الوجهِ أبو عبيد قال:» لأن ذلك إنما يجوز في الشعر «يعني إبدالَ التنوين ألفاً وصلاً إجراءً له مُجْرى الوقف، وسيأتي توجيهُ قراءةِ» لَمَّاً «بالتنوين بعد ذلك.
وقال أبو عمرو ابن الحاجب: «استعمالُ» لَمَّا «في هذا المعنى بعيد، وحَذْفُ التنوين مِنْ المنصرف في الوصل أبعدُ، فإن قيل: لَمَّاً فَعْلى من اللَّمِّ، ومُنِعَ الصرف لأجل ألف التأنيث، والمعنى فيه مثل معنى» لمَّاً «المنصرف فهو أبعدُ، إذ لا يُعرف» لمَّا «فعلى بهذا المعنى ولا بغيره، ثم كان يلزَمُ هؤلاء أن يُميلوا كمَنْ أمال، وهو خلافُ الإِجماع، وأن يكتبوها بالياء، وليس ذلك بمستقيم» .
السادس: أنَّ «لَمَّا» زائدة كما تزاد «إلا» قاله أبو الفتح وغيرُه، وهذا وجهٌ لا اعتبارٌ به فإنه مبنيٌّ على وجه ضعيف أيضاً، وهو أنَّ «إلا» تأتي زائدةً.
السابع: أنَّ «إنْ» نافيةٌ بمنزلة «ما» ، و «لمَّا» بمعنى «إلا» فهي كقوله: {إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا} [الطارق: 4] أي: ما كلُّ نفسٍ إلا عليها، {وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ} [الزخرف: 35] أي: ما كل ذلك إلا متاع/. واعتُرِض على هذا الوجه بأنَّ «إنْ» النافية لا تَنْصِبُ الاسمَ بعدها، وهذا اسمٌ منصوب بعدها. وأجاب بعضهم عن ذلك بأن «كلاً» منصوبٌ بإضمار فعلٍ، فقدَّره قومٌ منهم أبو عمر ابن الحاجب: وإنْ أرى كلاً، وإن أعلمُ، ونحوه، قال: «ومِنْ ههنا كانت أقلَّ إشكالاً مِنْ قراءة ابن عامر لقبولها هذا الوجهَ الذي هو غيرُ مستبعَدٍ ذلك الاستبعاد، وإن كان في نصب الاسم الواقع بعد حرف النفي استبعادٌ، ولذلك اختلُفِ في مثلِ قوله:
2724 - ألا رجلاً جزاه اللَّه خيراً ... يَدُلُّ على مُحَصِّلةٍ تَبيتُ
هل هو منصوب بفعلٍ مقدَّر أو نُوِّن ضرورةً؟ فاختار الخليلُ إضمارَ الفعلِ، واختار يونس التنوين للضرورة» ، وقدَّره بعضهم بعد «لمَّا» مِنْ لفظ « ليُوَفِّينَّهم» والتقدير: وإن كلاً إلا ليوفِّيَنَّ ليوفِّينَّهم. وفي هذا التقدير بُعْدٌ كبيرٌ أو امتناع؛ لأنَّ ما بعد «إلا» لا يعمل فيما قبلها. واستدلَّ أصحابُ هذا القول أعني مجيء «لَمَّا» بمعنى «إلا» بنص الخليل وسيبويه على ذلك، ونصره الزجاج، قال بعضهم: «وهي لغة هُذَيْل يقولون: سألتك باللَّه لمَّا فعلت أي: إلا فعلت» . وقد أنكر الفراء وأبو عبيد ورودَ «لمَّا» بمعنى إلا، قال: أبو عبيد: «أمَّا مَنْ شدَّد» لمَّا «بتأويل» إلا «فلم نجدْ هذا في كلامِ العرب، ومَنْ قال هذا لزمه أن يقولَ:» قام القوم لمَّا أخاك «يريد: إلا أخاك، وهذا غيرُ موجودٍ» .
وقال الفراء: «وأمَّا مَنْ جَعَلَ» لَمَّا «بمنزلة» إلا «فهو وجهٌ لا نعرفه، وقد قالت العربُ في اليمن:» باللَّه لمَّا قمت عنا «، و» إلا قمت عنا «، فأمَّا في الاستثناء فلم نَقُلْه في شعر ولا في غيره، ألا ترى أن ذلك لو جاز لسمعْتَ في الكلام: ذهب الناس لمَّا زيداً» .
فأبو عبيد أنكر مجيء «لمَّا» بمعنى «إلا» مطلقاً، والفراء جَوَّز ذلك في القسم خاصةً، وتبعه الفارسي في ذلك فإنه قال في تشديد «لمَّا» في هذه الآية: «لا يصلح أن تكون بمعنى» إلا «؛ لأن» لَمَّا «هذه لا تفارق القسم» وردَّ الناس قوله بما حكاه الخليل وسيبويه، وبأنها لغة هُذَيْل مطلقاً، وفيه نظرٌ، فإنهم لمَّا حَكَوا اللغة الهذيلية حَكَوْها في القسم كما تقدم مِنْ نحو: «نَشَدْتُك باللَّه لمَّا فعلت» و «أسألك باللَّه لمَّا فعلت» . وقال أبو علي أيضاً مستشكلاً لتشديد «لمَّا» في هذه السورة على تقدير أن «لمَّا» بمعنى «إلا» لا تختص بالقسم ما معناه: أن تشديد «لمَّا» ضعيف سواء شددت «إن» أم خَفَّفْت، قال: «لأنه قد نُصِب بها» كلاً «، وإذا نُصب بالمخففة كانت بمنزلة المثقلة، وكما لا يَحْسُن:» إنَّ زيداً إلا منطلق «، لأن الإِيجابَ بعد نفي، ولم يتقدَّمْ هنا إلا إيجابٌ مؤكد، فلذا لا يَحْسُن: إن زيداً لَمَّا مُنْطلق» لأنه بمعناه، وإنما ساغ: «نَشَدْتُك اللَّهَ إلا فعلت ولمَّا فعلت» لأنَّ معناه الطلب، فكأنه قال: ما أطلب منك إلا فِعْلك، فحرفُ النفي مرادٌ مثل: {تَالله تَفْتَؤُاْ} [يوسف: 85] ، ومَثَّل ذلك أيضاً بقولهم: «شَرٌ أهرُّ ذاناب» أي: ما أهرَّه إلا شرٌّ، قال: «وليس في الآية معنى النفي ولا الطلبِ. وقال الكسائي:» لا أعرف وجه التثقيل في لمَّا «. قال الفارسي:» ولم يُبْعِدْ فيما قال «. ورُوي عن الكسائي أيضاً أنه قال:» اللَّه عَزَّ وجَلَّ أعلمُ بهذه القراءة، لا أعرف لها وجهاً «.
الثامن: قال الزجاج:» قال بعضهم قولاً ولا يجوزُ غيرُه: «إنَّ» لمَّا «في معنى إلا، مثل {إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} [الطارق: 4] ثم أَتْبَع ذلك بكلام طويل مشكل حاصِلُه يَرْجِع إلى أن معنى» إنْ زيدٌ لمنطلق «: ما زيد إلا منطلق، فَأَجْرَيْتَ المشددة كذلك في هذا المعنى إذا كانت اللام في خبرها، وعملُها النصبَ في اسمها باقٍ بحاله مشددةً ومخففةً، والمعنى نفيٌ ب» إنْ «وإثباتٌ باللام التي بمعنى إلا، ولَمَّا بمعنى إلا» .
قلت: قد تقدَّم إنكارُ أبي علي على جوازِ «إلا» في مثلِ هذا التركيب فكيف يجوز «لمَّا» التي بمعناها؟
وأمَّا قراءةُ ابنِ عامر وحمزة وحفص ففيها وجوه، أحدها: أنها «إنَّ» المشددةَ على حالها، فلذلك نُصب ما بعدها على أنه اسمُها، وأمَّا «لمَّا» فالكلامُ فيها كما تقدم مِنْ أنَّ الأصلَ «لَمِنْ ما» بالكسر أو «لَمَنْ ما» بالفتح، وجميعُ تلك الأوجهِ التي ذكرْتُها تعودُ ههنا. والقولُ بكونها بمعنى «إلا» مُشْكِلٌ كما تقدَّم تحريرُه عن أبي علي هنا.
الثاني: قال المازنيٌّ: «إنَّ» هي المخففة ثُقِّلَتْ، وهي نافيةٌ بمعنى «ما» كما خُفِّفَتْ «إنَّ» ومعناها المثقلة و «لَمَّا» بمعنى «إلا» . وهذا قولٌ ساقطٌ جداً لا اعتبارَ به، لأنه لم يُعْهَدْ تثقيلُ «إنْ» النافية، وأيضاً ف «كلاً» بعدها منصوبٌ، والنافيةُ لا/ تَنْصِبُ.
الوجه الثالث: أنَّ «لَمَّا» هنا هي الجازمة للمضارع حُذِف مجزومُها لفهم المعنى. قال الشيخ أبو عمرو ابن الحاجب في أماليه: «لمَّا» هذه هي الجازمةُ فحُذِف فِعْلُها للدلالةِ عليه، لِما ثبت من جواز حَذْفِ فِعْلِها في قولهم: «خَرَجْتُ ولمَّا» و «سافرتُ ولمَّا» وهو شائعٌ فصيح، ويكون المعنى: وإنَّ كلاً لمَّا يُهْمَلوا أو يُتْرَكوا لِما تقدَّم من الدلالةِ عليه مِنْ تفصيل المجموعين بقوله {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} [هود: 105] ، ثم فَصَّل الأشقياءَ والسعداء، ومجازاتَهم، ثم بَيَّن ذلك بقولِه {لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ} ، قال: «وما أعرفُ وجهاً أشبهَ مِنْ هذا، وإن كانت النفوسُ تستبعده مِنْ جهةِ أن مثلَه لم يَرِدْ في القرآن» ، قال: «والتحقيقُ يأبى استعبادَه» . قلت: وقد نَصَّ النحويون على أن «لمَّا» يُحذف مجزومُها باطِّراد، قالوا: لأنها لنفيِ قد فَعَلَ، وقد يُحذف بعدها الفعل كقوله:
2725 - أَفِدُ الترحل غيرَ أن رِكابَنا ... لَمَّا تَزُل برحالِنا وكأنْ قَدِ
أي: وكأن قد زالت، فكذلك مَنْفِيُّه، وممَّن نَصَّ عليه الزمخشري، عَلى حَذْفِ مجزومها، وأنشد يعقوب على ذلك في كتاب «معاني الشعر» له قولَ الشاعر:
2726 - فجِئْتُ قبوَرُمْ بَدْءاً ولمَّا ... فنادَيْتُ القبورَ فلم يُجِبْنَهْ
قال: «قوله» بدءاً «، أي: سيداً، وبَدْءُ القوم سيِّدهم، وبَدْءُ الجَزْور خيرُ أَنْصِبائها، قال:» وقوله «ولما» ، أي: ولما أكنْ سَيِّداً إلا حينَ ماتوا فإني سُدت بعدهم، كقول الآخر:
2727 - خَلَتِ الدِّيارُ فسُدْتُ غيرَ مُسَوَّدِ ... ومن العَناءِ تَفُّردي السُّؤْدُدِ
قال: «ونظيرُ السكوتِ على» لمَّا «دونَ فعلها السكوتُ على» قد «دونَ فعلِها في قول النابغة: أَفِدَ الترحُّل: البيت» .
قلت: وهذا الوجهُ لا خصوصيةً له بهذه القراءة، بل يجيءُ في قراءة مَنْ شدَّد «لمَّا» سواءً شدَّد «إن» أو خفَّفها.
وأمَّا قراءةُ أبي عمرو والكسائي فواضحةٌ جداً، فإنها «إنَّ» المشددة عَمِلَتْ عملها، واللام الأولى لام الابتداء الداخلة على خبر «إنَّ» ، والثانية جواب قسم محذوف، أي: وإنَّ كلاً للذين واللَّهِ ليوفِّينَّهم، وقد تقدَّم وقوعُ «ما» على العقلاء مقرَّراً، ونظيرُ هذه الآيةِ قولُه تعالى: {وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ} [النساء: 72] غير أنَّ اللامَ في «لمَنْ» داخلة على الاسم، وفي «لمَّا» داخلة على الخبر. وقال بعضهم: «ما» هذه زائدة زِيْدت للفصل بين اللامَيْن: لامِ التوكيد ولامِ القسم. وقيل: اللام في «لَمَا» موطئةٌ للقسم مثلَ اللامِ في قوله تعالى: {وَلَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65] ، والمعنى: وإنَّ جميعهم واللَّه ليوفِّينَّهم ربُّك أعمالَهم مِنْ حُسْنٍ وقُبْحٍ وإيمانٍ وجُحود.
وقال الفراء عند ذكره هذه القراءة: «جَعَل» ما «اسماً للناس كما جاز {فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء} [النساء: 3] ، ثم جَعَلَ اللامَ التي فيها جواباً لإِنَّ، وجعل اللامَ التي في» ليوفِّيَنَّهم «لاماً دَخَلَتْ على نيةِ يمينٍ فيما بين» ما «وصلتِها كما تقول:» هذا مَنْ لَيَذْهَبَنَّ «، و» عندي ما لَغَيْرُه خيرٌ منه «ومثلُه: {وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ} [النساء: 72] . ثم قال بعد ذلك ما يدلُّ على أن اللامَ مكررةٌ فقال:» إذا عَجَّلَت العربُ باللام في غيرِ موضعِها أعادُوها إليه نحو: إنَّ زيداً لإِليك لمُحْسن، ومثله:
2728 - ولو أنَّ قومي لم يكونوا أعِزَّةً ... لبَعْدُ لَقَد لاقيتُ لا بُدَّ مَصْرَعا
قال: «أَدْخَلها في» بَعْد «، وليس بموضعِها، وسمعت أبا الجراح يقول:» إني لبحمد اللَّه لصالحٌ «.
وقال الفارسي في توجيهِ هذه القراءة:» وجهُها بيِّن وهو أنه نَصَب «كلاً» بإِنَّ، وأدخل لامَ الابتداء في الخبر، وقد دَخَلَتْ في الخبر لامٌ أخرى، وهي التي يُتَلقَّى بها القسم، وتختص بالدخول على الفعل، فلمَّا اجتمعت اللامان فُصِل بينهما كما فُصِل بين «إنَّ» واللامَ، فدخَلَتْها وإن كانَتْ زائدةً للفصل، ومثلُه في الكلام: «إن زيداً لَمَا لينطلقَنَّ» .
فهذا ما تلخَّص لي من توجيهاتِ هذه القراءات الأربع، وقد طعن بعض الناس في بعضها بما لا تَحَقُّق له، فلا ينبغي أن يُلْتفت إلى كلامِه، قال المبرد: وهي جرأةٌ منه «هذا لحنٌ» يعني تشديدَ «لمَّا» قال: «لأن العرب لا تقول:» إن زيداً لَمَّا خارج «.
وهذا مردودٌ عليه. قال الشيخ: «وليس تركيبُ الآية كتركيبِ المثال الذي قال وهو:» إنَّ زيداً لَمَّا خارج «، هذا المثالُ لحنٌ» /.
قلت: إنْ عنى أنه ليس مثلَه في التركيب من كل وجه فمُسَلَّم، ولكن ذلك لا يفيد فيما نحن بصددِه، وإن عنى أنه ليس مثلَه في كونه دخلت «لمَّا» المشددةُ على خبر إنَّ فليس كذلك بل هو مثلُه في ذلك، فتسليمُه اللحنَ في المثال المذكور ليس بصوابٍ، لأنه يَسْتلزم ما لا يجوز أن يقال.
وقال أبو جعفر: «القراءةُ بتشديدهما عند أكثر النحويين لحن، حُكِيَ عن محمد بن يزيد أنه قال:» إنَّ هذا لا يجوز، ولا يقال: «إنَّ زيداً إلا لأضربنَّه» ، ولا «لَمَّا لأضربنَّه» . قال: «وقال الكسائي: اللَّهُ عَزَّ وجلَّ أعلم، لا أعرف لهذه القراءة وجهاً» وقد تقدَّم ذلك، وتقدَّم أيضاً أن الفارسي قال: «كما لا يحسن:» إنَّ زيداً إلا لمنطلق «؛ لأنَّ» إلا «إيجاب بعد نفي، ولم يتقدم هنا إلا إيجابٌ مؤكَّد، فكذا لا يحسن» إنَّ زيداً لما منطلق «، لأنه بمعناه، وإنما ساغ» نَشَدْتُك باللَّه لمَّا فعلت «إلى آخر ما ذكرته عنه. وهذه كلُّها أقوالٌ مرغوبٌ عنها لأنها معارِضة للمتواترِ القطعي.
وأمَّا القراءات الشاذة فأوَّلُها قراءةُ أُبَيّ ومَنْ تبعه: {وَإِن كُلٌّ لَّمَّا} بتخفيف» إنْ «ورفع» كل «على أنها إنْ النافية و» كلٌّ «مبتدأ، و» لمَّا «مشددة بمعنى إلاَّ، و» لَيُوَفِّيَنَّهم «جوابُ قسمٍ محذوفٍ، وذلك القسمُ وجوابُه خبرُ المبتدأ. وهي قراءةٌ جليَّة واضحةٌ كما قرؤوا كلُّهم: {وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ} [يس: 32] ومثلُه: {وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ} [الزخرف: 35] ، ولا التفاتَ إلى قولِ مَنْ نفى أنَّ» لمَّا «بمنزلةِ إلاَّ فقد تقدَّمَتْ أدلتُه.
وأمَّا قراءةُ اليزيدي وابن أرقم» لَمَّاً «بالتشديد منونةً ف» لمَّاً «فيها مصدرٌ مِنْ قولهم:» لَمَمْتُه أي جمعته لمَّاً «، ومنه قولُه تعالى: {وَتَأْكُلُونَ التراث أَكْلاً لَّمّاً} [الفجر: 19] ثم في تخريجه وجهان، أحدُهما ما قاله أبو الفتح، وهو أن يكونَ منصوباً بقوله:» ليوفينَّهم «على حَدِّ قولِهم:» قياماً لأقومَنَّ، وقعوداً لأقعدَنَّ «والتقدير: توفيةً جامعةً لأعمالهم ليوفِّيَنَّهم، يعني أنه منصوبٌ على المصدر الملاقي لعاملِه في المعنى دون الاشتقاق.
والثاني: ما قاله أبو عليّ الفارسي وهو: أن يكونَ وصفاً ل» كل «وصفاً بالمصدر مبالغةً، وعلى هذا فيجب أن يقدَّرَ المضافُ إليه» كل «نكرةً ليصحَّ وَصْفُ» كل «بالنكرة، إذ لو قُدِّر المضافُ معرفةً لتعرَّفَتْ» كل «، ولو تَعَرَّفَتْ لامتنع وَصْفُها بالنكرة فلذلك قُدِّر المضافُ إليه نكرةً، ونظيرُ ذلك قولُه تعالى:
{وَتَأْكُلُونَ التراث أَكْلاً لَّمّاً} [الفجر: 19] ، فوقع «لمَّا» نعتاً ل «أكلاً» وهو نكرة.
قال أبو عليّ: «ولا يجوزُ أن يكونَ حالاً لأنه لا شيءَ في الكلامِ عاملٌ في الحال» .
[وظاهر عبارة الزمخشري أنه تأكيدٌ تابعٌ ل «كلاً» كما يتبعها أجمعون، أو أنه منصوبٌ على النعت ل «كلاً» ] فإنه قال: {وَإِنَّ كُلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ} كقوله «أكلاً لمَّاً» ملمومين بمعنى مجموعين، كأنه قيل: وإنْ كلاً جميعاً، كقوله تعالى: {فَسَجَدَ الملائكة كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} [الحجر: 30] انتهى. لا يريد بذلك أنه تأكيدٌ صناعيٌّ، بل فَسَّر معنى ذلك، وأراد أنه صفةٌ ل «كلاً» ، ولذلك قَدَّره بمجموعين. وقد تقدَّم لك في بعضِ توجيهات «لَمَّا» بالتشديد من غير تنوين أن المنون أصلُها، وإنما أُجري الوصلُ مجرى الوقف، وقد عُرِف ما فيه. وخبرُ «إنْ» على هذه القراءة هي جملة القسم المقدَّر وجوابه سواءً في ذلك تخريجُ أبي الفتح وتخريجُ شيخه.
وأمَّا قراءةُ الأعمش فواضحةٌ جداً وهي مفسرةٌ لقراءة الحسنِ المقتدمة، لولا ما فيها مِنْ مخالفة سواد الخط.
وأمَّا قراءةُ ما في مصحفِ أُبَي كما نقلها أبو حاتم فإنْ فيها نافية، و «مِنْ» زائدةٌ «في النفي، و» كل «مبتدأ، و» ليوفِّينَّهم «مع قَسَمه المقدَّر خبرُها، فَتَؤُول إلى قراءة الأعمش التي قبلها، إذ يصير التقديرُ بدون» مِنْ «: {وإنْ كلٌ إلا ليوفِّينَّهم} .
والتنوين في» كلاً «عوضٌ من المضافِ إليه. قال الزمخشري:» يعني: وإنَّ كلَّهم، وإنَّ جميعَ المختلفين فيه «. وقد تقدَّم أنه على قراءةِ» لَمَّاً «بالتنوين في تخريج أبي علي له لا يُقَدَّر المضافُ إليه» كل «إلا نكرةً لأجل نعتِها بالنكرة.
وانظر إلى ما تضمَّنَتْه هذه الآيةُ الكريمة من التأكيد، فمنها: التوكيد ب» إنَّ «وب» كل «وبلام الابتداء الداخلة على خبر» إنَّ «وزيادةِ» ما «على رأيٍ، وبالقسمِ المقدر وباللامِ الواقعةِ جواباً له، وبنون التوكيد، وبكونها مشددةً، وإردافِها بالجملة التي بعدها من قوله {إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} فإنه يتضمَّن وعيداً شديداً للعاصي ووعداً صالحاً للطائع.
وقرأ/ العامَّةُ» يعملون «بياء الغيبة، جرياً على ما تقدَّم مِن المختلفين. وقرأ ابن هرمز» بما تعملون «بالخطاب فيجوز أن يكونَ التفاتاً من غَيْبة إلى خطاب، ويكون المخاطبون هم الغيب المتقدِّمون، ويجوز أن يكونَ التفاتاً إلى خطاب غيرهم.
هود 11:112
قوله تعالى: {كَمَآ أُمِرْتَ} : الكافُ في محل النصب: إمَّا على النعتِ لمصدرٍ محذوفٍ، كما هو المشهورُ عند المعربين. قال الزمخشري: «أي: استقمْ استقامةً مثلَ الاستقامة التي أُمِرْتَ بها على جادَّة الحقِّ غيرَ عادلٍ عنها» ، وإمَّا على الحال من ضمير ذلك المصدر. واستَفْعَل هنا للطلب كأنه قيل: اطلبْ الإِقامةَ على الدين، قال: «كما تقول: استغفر، أي: اطلب الغفران» .
قوله: {وَمَن تَابَ مَعَكَ} في «مَنْ» وجهان أحدهُما: أنَّه منصوبٌ على المفعول معه، كذا ذكره أبو البقاء، ويصير المعنى: استقم مصاحباً لمَنْ تاب مصاحباً لك، وفي هذا المعنى نُبُوٌّ عن ظاهرِ اللفظ. الثاني: أنه مرفوعٌ، فإنه نسق على المستتر في «استقم» ، وأغنى الفصلُ بالجارِّ عن تأكيده بضميرٍ منفصل في صحةِ العطف، وقد تقدَّم لك هذا البحثُ في قوله {اسكن أَنْتَ وَزَوْجُكَ} [البقرة: 35] وأنَّ الصحيحَ أنه من عطفِ الجمل لا من عطف المفردات، ولذلك قدَّره الزمخشري: «فاستقم أنت وليستقم مَنْ تاب» فقدَّر الرافعَ له فعلاً لائقاً برفعِه الظاهرَ.
وقرأ العامَّةُ {بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} بالتاء جرياً على الخطاب المتقدم.
وقرأ الحسن والأعمش وعيسى الثقفي بالياء للغيبة، وهو التفاتٌ من خطابٍ لغيبةٍ عكسَ ما تقدم في {بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [هود: 111] .
هود 11:113
قوله تعالى: {وَلاَ تركنوا} : قرأ العامَّةُ بفتح التاء والكاف، والماضي من هذا ركِن بكسر العين كعَلِمَ، وهذه هي الفصحى، كذا قال الأزهري. قال غيره: «وهي لغةُ قريش» . وقرأ أبو عمرو في روايةٍ «تِرْكَنوا» ، وقد تقدَّم إتقانُ ذلك أوَل هذا الموضوع.
وقرأ قتادة وطلحة والأشهب بن رميلة ورُوِيَتْ عن أبي عمرو «تَرْكُنوا» بضم العين، وهو مضارع رَكَن بفتحها كقَتَل يَقْتُل. وقال بعضهم: «هو من التداخل» يعني أنَّ مَنْ نطق ب «رَكِنَ» بكسر العين قال: «يَرْكُن» بضمها، وكان مِنْ حقه أَنْ يفتح، فلما ضَمَّا عَلِمْنا أنه اسْتَغْنى بلغةِ غيره في المضارع عن لغتِه، وأمَّا في هذه القراءةِ فلا ضرورة بنا إلى ادِّعاء التداخُل بل نَدَّعي أنَّ مَنْ فَتَحَ الكافَ أخذه مِنْ رَكِن بالكسر، ومَنْ ضَمَّها أَخَذَه مِنْ ركَن بالفتح، ولذلك قال الراغب: «والصحيحُ أنْ يُقالَ رَكِنَ يَرْكَن، وركَنَ يَرْكُن، بالكسر في الماضي مع الفتح في المضارع، وبالفتح في الماضي مع الضم في المضارع» . وشَذَّ أيضاً قولُهم رَكَن يَرْكَن بالفتح فيهما وهو من التداخُل، فتحصَّل مِنْ هذا أن يُقَالَ: رَكِن بكسر العين وهي اللغةُ العاليةُ كما تقدَّم، ورَكَن بفتحها وهي لغةُ قيسٍ وتميم، زاد الكسائي «ونَجْد» ، وفي المضارع ثلاثٌ: الفتحُ والكسرُ والضمُّ.
وقرأ ابنُ أبي عبلة «تُرْكَنوا» مبنياً للمفعول مِنْ أَرْكَنه إذا أماله، فهو من باب «لا أُرَيَنَّك ههنا» و {فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ} [الأعراف: 2] وقد تقدَّم.
والرُّكُون: المَيْل، ومنه الرُّكْنُ للاستناد إليه.
قوله: {فَتَمَسَّكُمُ} هو منصوبٌ بإضمار أنْ في جوابِ النهي. وقرأ ابن وثاب وعلقمة والأعمش في آخرين «فتِمَسَّكم» بكسرِ التاء وقد تقدَّم.
قوله: {وَمَا لَكُمْ} هذه الجملةُ يجوز أن تكونَ حاليةً، أي: تَمَسَّكم حالَ انتفاءِ ناصركم. ويجوز أن تكون مستأنفة. و «مِنْ أولياء» : «مِنْ» فيه زائدةٌ: إمَّا في الفاعل، وإما في المبتدأ؛ لأن الجارَّ إذا اعتمد على أشياءَ أحدُها النفي رفع الفاعل.
قوله: {ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ} العامَّةُ على ثبوتِ نون الرفعِ لأنه فعلٌ مرفوع، إذ هو من بابِ عطفِ الجمل، عَطَفَ جملةً فعليةً على جملةٍ اسميةٍ. وقرأ زيد بن علي رضي اللَّه عنهما بحذفِ نون الرفع، عطفه على «تمسَّكم» ، والجملةُ على ما تقدَّم من الحاليةِ أو الاستئناف فتكون معترضةً. وأتى ب «ثمَّ» تنبيهاً على تباعد الرتبة.
هود 11:114
قوله تعالى: {طَرَفَيِ النهار} : ظرفٌ ل «أَقِمْ» . ويضعف أن يكون ظرفاً للصلاة، كأنه قيل: أي: أقم الصلاة الواقعة في هذين الوقتين، والطَرَف وإن لم يكن ظرفاً، ولكنه لمَّا أضيف إلى الظرف أُعْرب بإعرابه، وهو كقولك: «أتيته/ أولَ النهار وآخرَه ونصفَ الليل» بنصبِ هذه كلِّها على الظرفِ لمَّا أضيفَتْ إليه، وإن كانت ليسَتْ موضوعةً للظرفية.
وقرأ العامَّةُ «زُلَفاً» بضم الزاي وفتح اللام، وهي جمعُ «زُلْفة» بسكون اللام، نحو: غُرَف في جمع غُرْفة، وظُلَم في جمعِ ظُلْمة. وقرأ أبو جعفر وابن أبي إسحاق بضمها، وفي هذه القراءةِ ثلاثةُ أوجه، أحدها: أنه جمع زُلْفة أيضاً، والضمُّ للإِتباع، كما قالوا بُسْرة وبُسُر بضم السين إتباعاً لضمة الباء. والثاني: أنه اسمٌ مفرد على هذه الزِّنة كعُنُق ونحوه: الثالث: أنه جمع زَلِيف، قال أبو البقاء: «وقد نُطِق به» ، يعني أنهم قالوا: زَليف، وفَعيل يُجمع على فُعُل نحو: رَغِيف ورُغُف، وقَضِيب وقُضُب.
وقرأ مجاهد وابن محيصن بإسكان اللام. وفيها وجهان، أحدهما: أنه يُحتمل أَنْ تكونَ هذه القراءةُ مخففةً مِنْ ضم العين فيكون فيها ما تقدَّم. والثاني: أنه سكونُ أصلٍ من باب اسمِ الجنس نحو: بُسْرة وبُسْر مِنْ غير إتباع.
وقرأ مجاهد وابن محيصن أيضاً في روايةٍ «وزُلْفَى» بزنة «حُبْلَى» ، جَعَلُوها على صفةِ الواحدة المؤنثة اعتباراً بالمعنى، لأنَّ المعنى على المنزلة الزلفى، أو الساعة الزلفى، أي: القريبة. وقد قيل: إنه يجوز أن يكونَ أَبْدلا التنوين ألفاً ثم أَجْرَيا الوصل مجرى الوقف، فإنهما يقرآن بسكون اللام وهو محتمَلٌ. وقال الزمخشري: «والزُّلْفى بمعنى الزُّلْفَة، كما أن القُرْبى بمعنى القُرْبة» ، يعني أنه مما تَعَاقَبَ فيه تاءُ التأنيث وألفه.
وفي انتصاب «زُلَفاً» وجهان، أظهرهما: أنه نسقٌ على «طرفي» فينتصب الظرف، إذ المرادُ بها ساعات الليل القريبة. والثاني: أن ينتصبَ انتصابَ المفعول به نسقاً على الصلاة. قال الزمخشري: بعد أن ذكر القراءاتِ المتقدمة «وهو ما يقرب مِنْ آخر النهار ومن الليل، وقيل: زُلَفاً من الليل وقُرْباً من الليل، وحَقُّها على هذا التفسير أن تعطف على الصلاة، أي: أقم الصلاة طرفي النهار، وأقم زُلَفاً من الليل، على معنى: صلوات تتقرَّب بها إلى اللَّه عز وجل في بعض الليل» .
والزُّلْفَةُ: أولُ ساعات الليل، قاله ثعلب. وقال الأخفش وابن قتيبة: «الزُّلَف: ساعاتُ الليل وآناؤه، وكل ساعةٍ منه زُلْفَة» فلم يُخَصِّصاه بأول الليل. وقال العجَّاج:
2729 - ناجٍ طواه الأَْيْنُ مِمَّا وَجَفا ... طَيَّ الليالي زُلَفاً فَزُلَفا
سَماوَةَ الهلالِ حتى احْقَوْقَفا ... وأصلُ الكلمة مِنْ «الزُّلْفَى» وهو القُرْب، يقال: أَزْلَفه فازْدَلَفَ، أي: قَرَّبه فاقتربَ. قال تعالى: {وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخرين} [الشعراء: 64] وفي الحديث: « ازْدَلِفوا إلى اللَّه بركعتين» وقال الراغب: «والزُّلْفَةُ: المَنْزِلَةُ والحُظْوَة، وقد اسْتُعْمِلت الزُّلْفَة في معنى العذاب كاستعمال البِشارة ونحوها، والمزالِفُ، المَراقي، وسُمِّيَتْ ليلةَ المزدلفة لقُرْبهم مِنْ مِنى بعد الإِفاضة» .
وقوله: {مِّنَ الليل} صفةٌ ل «زُلَفاً» .
هود 11:116
قوله تعالى: {فَلَوْلاَ كَانَ} : «لولا» تحضيضيةٌ دخلها معنى التفجُّع عليهم، وهو قريبٌ مِنْ مجازِ قوله تعالى: {ياحسرة عَلَى العباد} [يس: 30] . وما يروى عن الخليل أنه قال: «كلُّ» لولا «في القرآن فمعناها» هَلاَّ «إلا التي في الصافَّات: {فَلَوْلاَ أَنَّهُ [كَانَ مِنَ المسبحين] } [الآية: 143] ، لا يصح عنه لورودها كذلك في غير الصافات: {لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ} [القلم: 49] {وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ} [الفتح: 25] ، {وَلَوْلاَ رِجَالٌ} [الإسراء: 74] .
و» مِن القُرون «: يجوزُ أن يتعلق ب» كان «لأنها هنا تامة، إذ المعنى: فهلاَّ وُجِد من القرون، أو حَدَث، ونحو ذلك، ويجوز أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه حالٌ من» أُولو بَقِيَّة «لأنه لو تأخَّر عنه لجاز أن يكون نعتاً له. و» مِنْ قبلكم «حال من» القرون «و» يَنْهَوْن «حالٌ من» أولو بقية «لتخصُّصه بالإِضافة، ويجوز أن يكون نعتاً ل» أُولوا بقية «وهو أولى.
ويَضْعُفُ أن تكونَ» كان «هذه ناقصةً لبُعد المعنى مِنْ ذلك، وعلى تقديرِه يتعيَّن تَعَلُّق» من القرون «بالمحذوف على أنه حالٌ، لأنَّ» كان «الناقصة لا تعمل عند جمهور النحاة، ويكون» يَنْهَوْن «في محل نصب خبراً ل» كان «.
وقرأ العامَّة:» بَقِيَّة «بفتح الباء وتشديد الياء، وفيها وجهان، أحدهما: أنها صفةٌ على فَعيلة للمبالغة بمعنى فاعل، ولذلك دخلت التاءُ فيها، والمرادُ بها حينئذٍ جُنْدُ الشيء وخياره، وإنما قيل لجنده وخياره» بقيَّة «في قولهم:» فلان بقيةُ الناس، وبقيةُ الكرام، لأن الرجلَ يَسْتَبْقي ممَّا يُخْرِجه أجودَه وأفضلَه، وعليه حُمل بيت الحماسة:
2730 - إنْ تُذْنِبُوا ثم تَأْتِيني بقيَّتُكم ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي المثل «في الزوايا خبايا، وفي الرجال بقايا» .
والثاني: أنها مصدرٌ بمعنى البقوى. قال الزمخشري: «ويجوز أن تكونَ البقيَّة بمعنى البقوى، كالتقيَّة بمعنى التقوى، أي: فهلا كان منهم ذوو إبقاءٍ على أنفسهم وصيانةٍ لها من سخط اللَّه وعقابه» .
وقرأ فرقةٌ/ «بَقِيَة» بتخفيف الياء وهي اسمُ فاعلٍ مِنْ بقي كشَجِيَة مِنْ شَجِي، والتقدير: أولو طائفةٍ بَقِيةٍ أي: باقية. وقرأ أبو جعفر وشيبة «بُقْية» بضم الفاء وسكون العين. وقُرىء «بَقْيَة» على المَرَّة من المصدر. و «في الأرض» متعلقٌ بالفَساد، والمصدرُ المقترن بأل يعمل في المفاعيل الصريحة فكيف في الظروف؟ ويجوز أن يتعلَّق بمحذوفٍ على أنه حالٌ من «الفساد» .
قوله: {إِلاَّ قَلِيلاً} فيه وجهان، أحدهما؛ أن يكون استثناءً منقطعاً، وذلك أن يُحمل التحضيضُ على حقيقته، وإذا حُمل على حقيقته تعيَّن أن يكونَ الاستثناء منقطعاً لئلا يفسُدَ المعنى.
قال الزمشخري: «معناه: ولكن قليلاً ممَّن أَنْجَيْنا مِن القرون نُهوا عن الفساد، وسائرُهم تاركوا النهي» . ثم قال. «فإن قُلْتَ: هل لوقوع هذا الاستثناء متصلاً وجهٌ يُحْمَلُ عليه؟ قلت: إن جَعَلْتَه متصلاً على ما عليه ظاهرُ الكلام كان المعنى فاسداً؛ لأنه يكون تحضيضاً لأولي البقية على النهي عن الفساد إلا للقليل من الناجين منهم، كما تقول: هلا قرأ قومُك القرآن إلا الصلحاءَ منهم، تريد استثناء الصلحاء من المُحَضَّضين على قراءة القرآن» . قلت: لأن الكلام يَؤُول إلى أنَّ الناجين لم يُحَضُّوا على النهي عن الفساد، وهو معنىً فاسدٌ.
والثاني: أن يكونَ متصلاً، وذلك بأن يُؤَوَّل التحضيضُ بمعنى النفي فيصحَّ ذلك، إلا أنه يؤدِّي إلى النصب في غير الموجَب، وإن كان غيرُ النصب أولى. قال الزمخشري: «فإن قلت: في تحضيضهم على النهي عن الفسادِ معنى نَفْيه عنهم فكأنه قيل: ما كان من القرونِ أولو بقيةٍ إلا قليلاً كان استثناءٌ متصلاً ومعنى صحيحاً، وكان انتصابُه على أصلِ الاستثناء، وإن كان الأفصحُ أن يُرْفعَ على البدل» قلت: ويؤيد أن التحضيض هنا في معنى النفي قراءةُ زيد بن علي «إلا قليلٌ» بالرفع، لاحظ معنى النفي فأبدل على الأفصح، كقولِه: {مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ} [النساء: 66] . وقال الفراء: «المعنى: فلم يكن، لأن في الاستفهام ضرباً من الجَحْد» سَمَّى التحضيض استفهاماً. ونُقِل عن الأخفش أنه كان يرى تعيُّنَ اتصال هذا الاستثناء، كأنه لَحَظَ النفيَ.
و «مِن» في «مِمَّنْ أَنْجَيْنا» للتبعيض. ومنع الزمخشري أن تكونَ للتبعيض، بل للبيان فقال: «حقُّها أن تكون للبيان لا للتبعيض؛ لأن النجاة إنما هي للناهين وحدهم، بدليل قوله عز وجل: {أَنجَيْنَا الذين يَنْهَوْنَ عَنِ السواء وَأَخَذْنَا الذين ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ} [الأعراف: 165] . قلت: فعلى الأول يتعلَّق بمحذوفٍ على أنها صفةٌ ل» قليلاً «، وعلى الثاني: يتعلَّق بمحذوف على سبيل البيان، أي: أعني.
قوله: {واتبع} العامَّةُ على» أتَّبع «بهمزة وصل وتاءٍ مشددة، وباء، مفتوحتين، فعلاً ماضياً مبنياً للفاعل، وفيه وجهان، أحدهما: أنه معطوفٌ على مضمر، والثاني: أن الواوَ للحال لا للعطف، ويتضح ذلك بقول الزمخشري:» فإن قلت: علامَ عَطَف قوله: {واتبع الذين ظَلَمُواْ} قلت: إنْ كان معناه: «واتَّبعوا الشهواتِ كان معطوفاً على مضمرٍ؛ لأن المعنى: إلا قليلاً مِمَّن أنجينا منهم نُهُوا عن الفساد، واتَّبع الذين ظلموا شَهواتِهم، فهو عطفٌ على» نُهوا «وإن كان معناه: واتَّبعوا جزاء الإِتراف، فالواو للحال، كأنه قيل: أَنْجَيْنا القليل، وقد اتَّبَعَ الذين ظَلَموا جزاءهم» .
قلت: فجوَّز في قولِه: «ما أُتْرفوا» وجهين أحدُهما: أنه مفعولٌ مِنْ غيرِ حذفِ مضاف، و «ما» واقعة على الشهوات وما بَطِروا بسببه من النِّعَم، والثاني: أنه على حَذْفِ مضاف، أي: جزاء ما أترفوا، ورتَّب على هذين الوجهين القولَ في «واتَّبع» كما عرفت.
والإِتراف: إفعالٌ من التَّرف وهو النعمة يُقال: صبيٌّ مُتْرَفٌ، أي: مُنْعَم البدن، وأُتْرفوا: نَعِموا. وقيل: التُّرْفة: التوسُّع في النِّعْمة.
وقرأ أبو عمرو في روايةِ الجعفي وجعفر «وأُتبع» بضم همزة القطعِ وسكونِ التاء وكسر الباء مبنياً للمفعول، ولا بد حينئذٍ مِنْ حَذْفِ مضاف، أي: أُتْبِعوا جزاء ما أُتْرفوا فيه. و «ما» يجوز أن تكونَ بمعنى الذي، وهو الظاهرُ لعَوْد الضمير في «فيه» عليه، ويجوز أن تكونَ مصدريةً، أي: جزاءَ إترافهم.
قوله: {وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ} فيه ثلاثةُ أوجه، أحدها: أن تكونَ عطفاً على «أُتْرِفُوا» إذا جعلنا «ما» مصدريةً، أي: اتَّبَعوا إترافهم وكونَهم مجرمين. والثاني: أنه عطفٌ على «اتَّبع» ، أي: اتَّبعوا شهواتِهم وكانوا مجرمين بذلك؛ لأنَّ/ تابع الشهوات مغمورٌ بالآثام. الثالث: أن يكونَ اعتراضاً وحكماً عليهم بأنهم قومٌ مجرمون، ذكر ذلك الزمخشريُّ. قال الشيخ: «ولا يُسَمَّى هذا اعتراضاً في اصطلاح النحو؛ لأنه آخرُ آيةٍ فليس بين شيئين يحتاج أحدُهما إلى الآخرِ» .
هود 11:117
قوله تعالى: {لِيُهْلِكَ} : فيه الوجهان المشهوران، وهما زيادةُ اللامِ في خبر كان دلالةً على التأكيد كما هو رأي الكوفيين أو كونُه متعلقةً بخبر كان المحذوف، وهو مذهبُ البصريين. و «بظلمٍ» متعلق ب «يُهْلك» والباءُ سببيةٌ. وجوَّز الزمخشري أن تكونَ حالاً من فاعل «ليُهْلِكَ» . وقوله: «وأهلُها مُصْلحون» جملة حالية.
هود 11:119
قوله تعالى: {إِلاَّ مَن رَّحِمَ} : ظاهرُه أنه متصلُ وهو استثناءٌ مِنْ فاعل «يَزالون» أو من الضمير في «مختلفين» . وجوَّز الحوفي أن يكون استثناءً منقطعاً، أي: لكن مَنْ رَحِمَ لم يختلفوا، ولا ضرورةَ تدعو إلى ذلك. و «لذلك» في المشار إليه أقوال كثيرة أظهرها: أنه الاختلافُ المدلولُ عليه بمختلفين كقوله: 2731 - إذا نُهي السَّفيهُ جرى إليه ... وخالفَ، والسَّفيهُ إلى خلافِ
رَجَعَ الضميرُ من «إليه» على السَّفَه المدلولِ عليه بلفظ «السَّفيه» ، ولا بدَّ مِنْ حذفِ مضافٍ على هذا، أي: ولثمرة الاختلاف خَلَقَهم. واللامُ في الحقيقة للصيرورة، أي: خَلَقَهم ليصير أكثرهم إلى الاختلاف. وقيل: المراد به الرحمة المدلول عليها بقوله: «رحم» وإنما ذُكِّر ذهاباً بها إلى الخير. وقيل: المرادُ به المجموعُ منهما، وإليه نحا ابنُ عباس كقوله: {عَوَانٌ بَيْنَ ذلك} [البقرة: 68] . وقيل: إشارةٌ إلى ما بعده من قوله: «وتَمَّت كلَّمة ربك، ففي الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ، وهو قول مرجوح؛ لأن الأصلَ عدمُ ذلك. وقوله:» أجمعين «تأكيد، والأكثر أن تُسْبَقَ ب» كل «وقد جاء هنا دونَها.
والجِنَّةُ والجِنُّ: قيل: واحد، والتاءُ فيه للمبالغة. وقيل: الجنَّة جمع جِنّ، وهو غريبٌ، فيكون مثل كَمْء للجمع وكَمْأة للواحد.
هود 11:120
قوله تعالى: {وَكُلاًّ نَّقُصُّ} : في نصبه أوجه، أحدها: أنه مفعولٌ به والمضاف إليه محذوفٌ، عُوِّض منه التنوين، تقديره: وكل نبأ نَقُصُّ عليك. و «مِنْ أنباء» بيانٌ له أو صفة إذا قُدِّر المضاف إليه نكرة. وقوله: «ما نُثَبِّتُ» يجوز أن يكونَ بدلاً من «كلاً» ، وأن يكونَ خبرَ مبتدأ مضمر، أي: هو ما نثبِّت، أو منصوبٌ بإضمار أعني.
الثاني: أنه منصوبٌ على المصدرِ، أي: كلَّ اقتصاصٍ نَقُصُّ، و «مِنْ أنباء» صفةٌ أو بيان، و «ما نُثَبِّت» هو مفعول «نَقُصُّ» .
الثالث: كما تقدَّم، إلا أنه بجَعْل «ما» صلةً، والتقدير: «وكلاً نَقُصُّ من أنباء الرسل نُثَبِّت به فؤادك، كذا أعربه الشيخ وقال: كهي في قوله: {قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: 3] .
الرابع: أن يكون» كلاً «نصباً على الحال من» ما نُثَبِّت «وهي في معنى جميعاً. وقيل: بل هي حال من الضمير في» به «. وقيل: بل هي حال من» أنباء «، وهذان الوجهان إنما يجوزان عند الأخفش، فإنه يُجيز تقديم حالِ المجرورِ بالحرف عليه، كقوله تعالى: {والسماوات مَطْوِيَّاتٍ بِيَمِينِهِ} [الزمر: 67] في قراءةِ مَنْ نصب» مَطْويات «وقول الآخر:
2732 - رَهْطُ ابنِ كُوْزٍ مُحْقبي أَدْراعهم ... فيهم ورَهْطُ ربيعةَ بنِ حُذار
وإعراب باقي السورة واضح ممَّا تقدم.
هود 11:123
وقرأ نافع وحفص «يُرجع» مبنياً للمفعول، والباقون مبنياً للفاعل. ونافع وابن عامر وحفص على «تَعْملون» بالخطاب لأنَّ قبله «اعملوا» والباقون بالغيبة رجوعاً على قوله: {لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} ، وهذا الخلاف أيضاً في آخر النمل.