Lafzullah

Al Dur Al Masun Lil Samin Al Halabi — النبأ 78:1 – التكاثر 102:7

المؤلف / المصدر: Al Dur Al Masun Lil Samin Al Halabi

المحتويات
  1. النبأ 78:1
  2. النبأ 78:2
  3. النبأ 78:3
  4. النبأ 78:4
  5. النبأ 78:6
  6. النبأ 78:13
  7. النبأ 78:14
  8. النبأ 78:16
  9. النبأ 78:18
  10. النبأ 78:22
  11. النبأ 78:23
  12. النبأ 78:24
  13. النبأ 78:25
  14. النبأ 78:26
  15. النبأ 78:28
  16. النبأ 78:29
  17. النبأ 78:32
  18. النبأ 78:33
  19. النبأ 78:34
  20. النبأ 78:35
  21. النبأ 78:36
  22. النبأ 78:37
  23. النبأ 78:38
  24. النبأ 78:40
  25. النازعات 79:1
  26. النازعات 79:2
  27. النازعات 79:6
  28. النازعات 79:7
  29. النازعات 79:8
  30. النازعات 79:10
  31. النازعات 79:11
  32. النازعات 79:12
  33. النازعات 79:13
  34. النازعات 79:14
  35. النازعات 79:16
  36. النازعات 79:17
  37. النازعات 79:18
  38. النازعات 79:23
  39. النازعات 79:25
  40. النازعات 79:27
  41. النازعات 79:28
  42. النازعات 79:29
  43. النازعات 79:30
  44. النازعات 79:31
  45. النازعات 79:33
  46. النازعات 79:34
  47. النازعات 79:35
  48. النازعات 79:36
  49. النازعات 79:39
  50. النازعات 79:43
  51. النازعات 79:45
  52. النازعات 79:46
  53. عبس 80:2
  54. عبس 80:3
  55. عبس 80:4
  56. عبس 80:6
  57. عبس 80:7
  58. عبس 80:8
  59. عبس 80:10
  60. عبس 80:11
  61. عبس 80:12
  62. عبس 80:13
  63. عبس 80:15
  64. عبس 80:17
  65. عبس 80:20
  66. عبس 80:21
  67. عبس 80:22
  68. عبس 80:23
  69. عبس 80:25
  70. عبس 80:28
  71. عبس 80:30
  72. عبس 80:31
  73. عبس 80:33
  74. عبس 80:34
  75. عبس 80:40
  76. التكوير 81:1
  77. التكوير 81:2
  78. التكوير 81:4
  79. التكوير 81:6
  80. التكوير 81:7
  81. التكوير 81:8
  82. التكوير 81:10
  83. التكوير 81:14
  84. التكوير 81:15
  85. التكوير 81:17
  86. التكوير 81:20
  87. التكوير 81:21
  88. التكوير 81:24
  89. التكوير 81:26
  90. التكوير 81:28
  91. التكوير 81:29
  92. الانفطار 82:3
  93. الانفطار 82:4
  94. الانفطار 82:6
  95. الانفطار 82:7
  96. الانفطار 82:8
  97. الانفطار 82:9
  98. الانفطار 82:10
  99. الانفطار 82:12
  100. الانفطار 82:15
  101. الانفطار 82:19
  102. المطففين 83:1
  103. المطففين 83:2
  104. المطففين 83:3
  105. المطففين 83:4
  106. المطففين 83:6
  107. المطففين 83:7
  108. المطففين 83:9
  109. المطففين 83:11
  110. المطففين 83:13
  111. المطففين 83:14
  112. المطففين 83:15
  113. المطففين 83:17
  114. المطففين 83:18
  115. المطففين 83:21
  116. المطففين 83:24
  117. المطففين 83:25
  118. المطففين 83:26
  119. المطففين 83:27
  120. المطففين 83:28
  121. المطففين 83:29
  122. المطففين 83:31
  123. المطففين 83:32
  124. المطففين 83:34
  125. المطففين 83:35
  126. المطففين 83:36
  127. الانشقاق 84:1
  128. الانشقاق 84:2
  129. الانشقاق 84:3
  130. الانشقاق 84:6
  131. الانشقاق 84:9
  132. الانشقاق 84:12
  133. الانشقاق 84:14
  134. الانشقاق 84:15
  135. الانشقاق 84:16
  136. الانشقاق 84:17
  137. الانشقاق 84:19
  138. الانشقاق 84:20
  139. الانشقاق 84:21
  140. الانشقاق 84:22
  141. الانشقاق 84:23
  142. الانشقاق 84:25
  143. البروج 85:4
  144. البروج 85:5
  145. البروج 85:6
  146. البروج 85:8
  147. البروج 85:10
  148. البروج 85:14
  149. البروج 85:15
  150. البروج 85:18
  151. البروج 85:21
  152. البروج 85:22
  153. الطارق 86:1
  154. الطارق 86:4
  155. الطارق 86:6
  156. الطارق 86:7
  157. الطارق 86:8
  158. الطارق 86:9
  159. الطارق 86:11
  160. الطارق 86:13
  161. الطارق 86:17
  162. الأعلى 87:1
  163. الأعلى 87:3
  164. الأعلى 87:5
  165. الأعلى 87:6
  166. الأعلى 87:7
  167. الأعلى 87:8
  168. الأعلى 87:9
  169. الأعلى 87:11
  170. الأعلى 87:13
  171. الأعلى 87:16
  172. الأعلى 87:17
  173. الأعلى 87:18
  174. الأعلى 87:19
  175. الغاشية 88:1
  176. الغاشية 88:2
  177. الغاشية 88:5
  178. الغاشية 88:6
  179. الغاشية 88:7
  180. الغاشية 88:11
  181. الغاشية 88:15
  182. الغاشية 88:16
  183. الغاشية 88:17
  184. الغاشية 88:22
  185. الغاشية 88:23
  186. الغاشية 88:25
  187. الفجر 89:1
  188. الفجر 89:2
  189. الفجر 89:3
  190. الفجر 89:5
  191. الفجر 89:6
  192. الفجر 89:8
  193. الفجر 89:9
  194. الفجر 89:11
  195. الفجر 89:14
  196. الفجر 89:15
  197. الفجر 89:16
  198. الفجر 89:17
  199. الفجر 89:18
  200. الفجر 89:21
  201. الفجر 89:23
  202. الفجر 89:25
  203. الفجر 89:27
  204. الفجر 89:29
  205. البلد 90:2
  206. البلد 90:3
  207. البلد 90:4
  208. البلد 90:6
  209. البلد 90:9
  210. البلد 90:10
  211. البلد 90:11
  212. البلد 90:13
  213. البلد 90:17
  214. البلد 90:20
  215. الشمس 91:1
  216. الشمس 91:2
  217. الشمس 91:4
  218. الشمس 91:5
  219. الشمس 91:8
  220. الشمس 91:10
  221. الشمس 91:11
  222. الشمس 91:12
  223. الشمس 91:13
  224. الشمس 91:14
  225. الشمس 91:15
  226. الليل 92:3
  227. الليل 92:4
  228. الليل 92:5
  229. الليل 92:11
  230. الليل 92:14
  231. الليل 92:15
  232. الليل 92:18
  233. الليل 92:19
  234. الليل 92:20
  235. الليل 92:21
  236. الضحى 93:2
  237. الضحى 93:3
  238. الضحى 93:4
  239. الضحى 93:6
  240. الضحى 93:8
  241. الضحى 93:9
  242. الضحى 93:11
  243. الشرح 94:1
  244. الشرح 94:3
  245. الشرح 94:5
  246. الشرح 94:7
  247. الشرح 94:8
  248. التين 95:2
  249. التين 95:3
  250. التين 95:4
  251. التين 95:5
  252. التين 95:6
  253. التين 95:7
  254. العلق 96:1
  255. العلق 96:2
  256. العلق 96:4
  257. العلق 96:7
  258. العلق 96:9
  259. العلق 96:15
  260. العلق 96:16
  261. العلق 96:17
  262. العلق 96:18
  263. القدر 97:1
  264. القدر 97:4
  265. القدر 97:5
  266. البينة 98:1
  267. البينة 98:2
  268. البينة 98:3
  269. البينة 98:5
  270. البينة 98:6
  271. البينة 98:7
  272. البينة 98:8
  273. الزلزلة 99:1
  274. الزلزلة 99:3
  275. الزلزلة 99:4
  276. الزلزلة 99:5
  277. الزلزلة 99:6
  278. الزلزلة 99:7
  279. العاديات 100:1
  280. العاديات 100:2
  281. العاديات 100:3
  282. العاديات 100:4
  283. العاديات 100:5
  284. العاديات 100:6
  285. العاديات 100:8
  286. العاديات 100:9
  287. العاديات 100:11
  288. القارعة 101:1
  289. القارعة 101:4
  290. القارعة 101:9
  291. القارعة 101:10
  292. التكاثر 102:2
  293. التكاثر 102:4
  294. التكاثر 102:5
  295. التكاثر 102:6
  296. التكاثر 102:7

النبأ 78:1

قوله: {عَمَّ} : قد تقدَّم أن البزيَّ يُدخل هاءَ السكتِ عوضاً من ألف «ما» الاستفهاميةِ في الوقف. ونُقِلَ عن ابن كثير أنه يَقرأ «عَمَّه» بالهاء وَصْلاً، أجرى الوصل مُجرى الوقف. وقرأ عبد الله وأُبَيّ وعكرمة «عَمَّا» بإثبات الألفِ. وقد تقدَّم أنه يجوزُ ضرورةً أو في قليلٍ من الكلام. ومنه: 4464 - على ما قامَ يَشْتِمُني لَئيمٌ ... كخِنْزيرٍ تَمَرَّغَ في رَمادِ / وتقدم أنَّ الزمخشريَّ جَعَلَ منه {بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي} في يس [الآية: 27] . و «عَمَّ» فيه قولان، أحدُهما: وهو الظاهرُ أنَّه متعلِّقٌ ب «يتساءلون» هذا الظاهرِ. قال أبو إسحاق: «الكلامُ تامٌّ في قوله:» عَمَّ يتساءلون «، ثم كان مقتضى القول أن يُجيبَ مُجيبٌ، فيقولَ: يتساءلون عن النبأ العظيم، فاقتضى إيجازُ القرآنِ وبلاغتُه أَنْ يبادِرَ المحتَجُّ بالجوابِ التذي تقتضيه الحالُ والمحاورةُ اقتضاباً للحُجَّة، وإسراعاً إلى مَوْضِعِ قَطْعِهم» . والثاني: أنَّه متعلِّقٌ بفعلٍ مقدرٍ ويتعلَّقُ {عَنِ النبإ العظيم} بهذا الفعلِ الظاهرِ. قال الزمخشري: «وعن ابن كثيرٍ أنه قرأ» عَمَّهْ «بهاءِ السَّكْتِ. ولا يَخْلو: إمَّا أَنْ يجريَ الوصلُ مَجْرى الوقفِ، وإمَّا أَنْ يقفَ ويَبْتَدِىءَ {يَتَسَآءَلُونَ عَنِ النبإ العظيم} على أَنْ يُضْمَرَ» يتساءلون «؛ لأنَّ ما بعده يُفَسِّرُه كشيءٍ يُبْهَمُ ثم يُفَسَّرُ» .

النبأ 78:2

قوله: {عَنِ النبإ} : يجوزُ فيه ما جازَ في قولِه {لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ} [المرسلات: 13] في البدليةِ والتعلُّقِ بفعلٍ مقدَّرٍ. ويَزيد عليه هنا أنَّه يتعلَّقُ بالفعل الظاهرِ، ويتعلَّقُ ما قبلَه بمضمرٍ، كما تقدَّم عن الزمخشريِّ. وقال ابن عطية: «قال أكثرُ النحاة: قوله: {عَنِ النبإ العظيم} متعلِّقٌ ب» يتساءلون «الظاهرِ، كأنَّه قال: لِمَ يتساءلون عن النبأ» ؟ وقوله: «عَمَّ» هو استفهامُ تفخيمٍ وتعظيمٍ.

النبأ 78:3

قوله: {الذي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ} : «مُخْتلفون» خبرُ «هم» والجارُّ متعلِّقٌ به. والموصولُ يحتملُ الحركاتِ الثلاثَ إتْباعاً وقَطْعاً رفعاً ونصباً.

النبأ 78:4

قوله: {كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ} : التكرارُ للتوكيد. وقد زَعَمَ الشيخُ جمالُ الدين ابنُ مالك أنَّه مِنْ بابِ التوكيدِ اللفظيِّ. ولا يَضُرُّ توسُّطُ حرفِ العطفِ. والنَّحْوِيُّون يَأَبَوْن هذا. ولا يُسَمُّونه إلاَّ عَطْفاً. وإنْ أفادَ التأكيدَ. والعامَّةُ على الغَيْبة في الفعلَيْن. والحسنُ وابنُ دينار وابن عامر بخلافٍ عنه بتاءِ الخطاب فيهما. والضحاك: الأولُ كالحسن، والثاني كالعامَّةِ. والغَيْبَةُ والخطابُ واضحان.

النبأ 78:6

قوله: {مِهَاداً} : مفعولٌ ثانٍ لأنَّ الجَعْلَ بمعنى التصييرِ. ويجوزُ أَنْ يكونَ بمعنى الخَلْق، فيكونَ «مِهادا» حالاً مقدرة، و «أوتاداً» كذلك ولا بُدَّ مِنْ تأويلِها بمشتق أيضاً، أي: مُثَبَّتاتٍ. وأمَّا «سُباتاً» فالظاهر كونُه مفعولاً ثانياً. و «لباساً» فيه استعارةٌ حسنةٌ وعليه قولُه: 4465 - وكم لِظَلامِ الليلِ عندك مِنْ يدٍ ... تُخَبِّرُ أنَّ المانَوِيَّةَ تَكْذِبُ وقرأ العامَّةُ «مِهاداً» ، ومجاهد وعيسى وبعضُ الكوفيين «مَهْداً» وقد تقدَّم هاتان القراءتان في سورة طه، وأنَّ الكوفيين قَرؤوا «مَهْداً» في طه والزخرف فقط. وتقدَّم الفرقُ بينهما ثَمَّةَ.

النبأ 78:13

قوله: {وَهَّاجاً} : الوَهَّاجُ: المُضِيءُ المُتلألىءُ، مِنْ قولِهم: وَهَجَ الجَوْهَرُ، أي: تلألأ. ويُقال: وَهِجَ يَوْهَجُ كوَجِلَ يَوْجَلُ، ووَهَجَ يَهِجُ كوَعَدَ يَعِدُ.

النبأ 78:14

قوله: {مِنَ المعصرات} : يجوزُ في «مِنْ» أَنْ تكونَ على بابِها من ابتداءِ الغاية، وأَنْ تكونَ للسببية. ويَدُلُّ قراءةُ عبدِ الله بنِ يزيد وعكرمة وقتادة «بالمُعْصِرات» بالباءِ بدلَ «مِنْ» وهذا على خلافٍ في «المُعْصِرات» ما المرادُ بها؟ فقيل: السحاب. يقال: أَعْصَرَتْ السَّحائِبُ، أي: شارَفَتْ أَنْ تُعْصِرَها الرياحُ فتُمْطِرَ كقولك: «أجَزَّ الزرعُ» إذا حان له أن يُجَزَّ. ومنه «أَعْصَرَتِ الجارِيَةُ» إذا حان لها أَنْ تحيضَ. قاله الزمخشريُّ. وأنشد ابنُ قتيبة لأبي النجم: 4466 - تَمْشي الهُوَيْنَى ساقِطاً خِمارُها ... قد أَعْصَرَتْ أو قَدْ دَنَا إعْصارُها قلت: ولولا تأويلُ «أَعْصَرَتْ» بذلك لكان ينبغي أَنْ تكونَ المُعْصَرات بفتح الصادِ اسمَ مفعول؛ لأنَّ الرياحَ تُعْصِرُها. وقال الزمخشري: «وقرأ عكرمةُ» بالمُعْصِرات «. وفيه وجهان: أَنْ يُراد الرياحُ التي حانَ لها أَنْ تُعْصِرَ السحابَ، وأَنْ يُرادَ السحائبُ؛ لأنَّه إذا كان الإِنزالُ منها فهو بها/ كما تقول: أَعْطى مِنْ يدِه درهماً، وأَعْطى بيدِه. وعن مجاهد: المُعْصِرات: الرياحُ ذواتُ الأعاصيرِ. وعن الحسن وقتادة: هي السماواتُ. وتأويلُه: أنَّ الماءَ يَنْزِلَ من السماءِ إلى السحاب فكأنَّ السماواتِ يَعْصِرْنَ، أي: يَحْمِلْنَ على العَصْر ويُمَكِّنَّ منه. فإنْ قلتَ: فما وَجْهُ مَنْ قرأ» من المُعْصِرات «وفسَّرها بالرياح ذواتِ الأعاصيرِ، والمطرُ لا يَنْزِلُ من الرياح؟ قلت: الرياحُ هي التي تُنْشِىءُ السحابَ وتَدِرُّ أخلافَه، فيَصِحُّ أَنْ تُجْعَلَ مَبْدأً للإِنزال. وقد جاء: إنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ الرياحَ فتحملُ الماءَ من السماء، فإنْ صَحَّ ذلك فالإِنْزالُ منها ظاهرٌ. فإنْ قلت: ذكر ابن كَيْسانَ: أنه جَعَلَ المُعْصِرات بمعنى المُغِيثات، والعاصِرُ هو المُغيث لا المُعْصِر. يقال: عَصَرَهُ فاعْتَصَرَ. قلت: وَجْهُه أَنْ يُرادَ: اللاتي أَعْصَرْن، أي: حان لها أَنْ تُعْصِرَ، أي: تُغيث» . قلت: يعني أنَّ «عَصَرَ» بمعنى الإِغاثةِ ثلاثيٌّ، فكيف قيل هنا: مُعْصِرات بهذا المعنى، وهو من الرُّباعي؟ فأجاب عنه بما تقدَّم، يعني أنَّ الهمزةَ بمعنى الدُّخولِ في الشيء. قوله: {ثَجَّاجاً} الثَّجُّ: الانصِبابُ بكثرةٍ وشِدَّةٍ. وفي الحديث: « أحَبُّ العملِ إلى اللَّهِ العَجُّ والثَّجُّ» فالعَجُّ: رَفْعُ الصوتِ بالتلبيةِ، والثَّجُّ: إراقةُ دماءِ الهَدْيِ. يقال: ثَجَّ الماءُ بنفسِه، أي: انصَبَّ وثَجَجْتُه أنا، أي: صَبَبْتُه ثَجّاً وثُجوجاً، فيكونُ لازماً ومتعدياً. وقال الشاعر: 4467 - إذا رَجَفَتْ فيها رَحَىً مُرْجَحِنَّةٌ ... تَبَعَّجَّ ثَجَّاجاً غَزيرَ الحوافِلِ وقرأ الأعرج «ثجَّاحاً» بالحاءِ المهملةِ أخيراً. وقال الزمخشري: «ومَثاجِحُ الماءِ مَصابُّه، والماءُ يَنْثَجِحُ في الوادي» .

النبأ 78:16

قوله: {أَلْفَافاً} : فيه أوجهٌ: أحدُها: أنَّه لا واحدَ له. قال الزمخشري: «ألفافاً» : ملتفَّةٌ لا واحدَ له كالأوْزَاعِ والأَخْيافِ «. والثاني: أنه جمعُ» لِفّ «بكسرِ اللام، فيكونُ نحو: سِرّ وأَسْرار. وأنشد أبو علي الطوسي: 4468 - جَنَّةٌ لِفٌّ وعَيْشٌ مُغْدِقُ ... ونَدامى كلُّهم بِيْضٌ زُهُرْ وهذا قولُ أكثرِ أهلِ اللغة. الثالث: أنه جمعُ لفيف، قاله الكسائي. ومثلُه: شريف وأَشْراف، وشهيد وأشهاد. وقال الشاعر: 4469 - أحابِيْشُ أَلفْافٌ تبايَنَ فَرْعُهُمْ ... وجِذْمُهُمُ عن نسبةِ المتعرّفِ الرابع: أنه جمعُ الجمعِ؛ وذلك أنَّ الأصلَ» ألَفُّ «في المذكر، و» لَفَّاءُ «في المؤنث كَأْحمر وحمراء، ثم جُمِعا على لُفّ كحُمْر، ثم جُمع لُفّ على أَلْفاف، إذا صار لُفٌّ بزنة قُفْلٍ فجُمع جَمْعَه، قاله ابن قتيبة. إلا أن الزمخشري، قال:» وما أظنُّه واجداً له نظيراً مِن نحو: خُضْر وأَخْضار، وحُمْر وأَحْمار «. قلت كأنّه يَسْتَبْعِدُ هذا القولَ من حيث إن نَظَائِرَه لا تُجْمَعُ على أَفْعال؛ إذ لا يُقال: خُضْر وأخْضار، ولا حُمْر وأَحْمار، وإن كانا جمعَيْنِ لأَخْضَر وخَضْراء، وأَحْمر وحَمْراء، وهذا غيرُ لازمٍ؛ لأنَّ جمعَ الجمعِ لا يَنْقاسُ، ويكفي أَنْ يكونَ له نظيرٌ في المفردات كما رأيتَ مِنْ أنَّ لُفّاً صارَ يضارِعُ قُفْلاً؛ ولهذا امتنعوا مِنْ تكسيرِ مَفاعل ومَفاعيل لعدمِ نظيرٍ في المفرداتِ يُحْمَلان عليه. الخامس: قال الزمخشري:» ولو قيل: هو جمعُ مُلْتَفَّة بتقدير حَذْفِ الزوائد لكان قولاً وجيهاً «. قلت: وفيه تكلُّفُ لا حاجةَ إليه، وأيضاً فغالبُ عباراتِ النحاة في حَذْف الزوائِد إنما هو في التصغير. تقول: تصغيرُ الترخيم بحذفِ الزوائد، وفي المصادر يقولون: هذا المصدرُ على حَذْفِ الزوائِد.

النبأ 78:18

قوله: {يَوْمَ يُنفَخُ} : يجوزُ أَنْ يكونَ بدلاً مِنْ «يومَ الفَصْل» أو عطفَ بيانٍ له، أو منصوباً بإضمار «أعني» و «أفْواجاً» حالٌ مِنْ فاعل «تأْتون» . وتقدَّمَ «فُرَاتاً» [الفرقان: 53] . و «فُتِحَتْ» بالتخفيف والتشديد في الزُّمَر.

النبأ 78:22

قوله: {لِّلطَّاغِينَ} : يجوزُ أَنْ يكونَ صفةً لِمْرصاداً، وأنْ يكونَ حالاً مِنْ «مآباً» كان صفتَه فلَّما تقدَّم نُصِب على الحال. وعلى هذَيْن الوجهَيْنِ فيتعلَّق بمحذوفٍ. ويجوزُ أَنْ يكونَ متعلقاً بنفسِ «مِرْصاداً» أو بنفسِ «مآباً» لأنه بمعنى مَرْجِع. وقرأ ابن يَعمر وأبو عمرو المنقري «أنَّ جهنمَ» بفتح «أنَّ» . قال الزمخشري: «على تعليل قيامِ السَّاعةِ بأنَّ جهنمَ كانت مِرْصاداً للطاغين، كأنه قيل: كان ذلك لإِقامةِ الجزاءِ» . قلت: يعني أنَّه علةٌ لقولِه «يومَ يُنْفَخُ» إلى آخره. وقرأ أبو عياض «في الصُّوَر» بفتحِ الواو. وتقدَّمَ مثلُه.

النبأ 78:23

قوله: {لاَّبِثِينَ} : منصوبٌ على الحالِ من الضميرِ المستترِ في «للطَّاغِين» وهي حالٌ مقدرةٌ. وقرأ حمزةُ «لَبِثِيْنَ» دونَ ألفٍ، والباقون «لابِثين» بها. وضَعَّفَ مكيٌّ قراءةَ حمزةَ، قال: «ومَنْ قرأ» لبِثين «، شَبَّهه بما هو خِلْقَةٌ في الإِنسان نحو: حَذِر وفَرِق، وهو بعيدٌ؛ لأنَّ اللُّبْثَ ليس مِمَّا يكونُ خِلْقَةً في الإِنسان، وبابُ فَعِل إنما هو لِما يكونُ خِلْقَةً في الإِنسانِ، وليس اللُّبْثُ بخِلْقةٍ» . ورَجَّح الزمخشريُّ قراءةَ حمزةَ فقال: «قُرِىءَ: لابِثين ولَبِثين. والَّلبِثُ أَقْوى» ؛ لأنَّ اللابِثَ يُقال لِمَنْ وجِدَ منه الُّلبْثُ، ولا يُقال: لِبثٌ إلاَّ لمَنْ شأنُه الُّلبْثُ كالذي يَجْثُمُ بالمكانِ، لا يكاد يَنْفَكُّ منه «. قلت: وما قاله الزمخشريُّ أَصْوَبُ. وأمَّا قولُ مكيّ: الُّلبْثُ ليس خِلْقَةً فمُسَلَّمٌ؛ لكنه بُوْلِغَ في ذلك فجُعِلَ بمنزلةِ الأشياءِ الخِلْقيَّة. قوله: {أَحْقَاباً} منصوبٌ على الظرفِ، وناصبهُ» لا بثين «، هذا هو المشهورُ. وقيل: هو منصوبٌ بقولِه» لا يَذُوقون «وهذا عند مَنْ يرى تقديمَ معمولِ ما بعد» لا «عليها، وهو أحدُ الأوجه، وقد تقدَّم هذا مستوفىً في أواخر الفاتحة. وجَوَّز الزمخشريُّ أَنْ ينتصِبَ على الحالِ، قال:» وفيه وجهٌ آخر: وهو أَنْ يكونَ مِنْ حَقِبَ عامُنا: إذا قَلَّ مطرُه وخيرُه، وحَقِبَ فلانٌ: إذا أَخْطَأَهُ الرِّزْقُ فهو حَقِبٌ، وجمعهُ أَحْقاب، فينتصِبُ حالاً عنهم بمعنى: لابثين فيها حَقِبين جَحِدين «. وقد تقدَّم الكلامُ على» الحُقُب «، وما قيل فيه في سورة الكهف.

النبأ 78:24

قوله: {لاَّ يَذُوقُونَ} : فيه أوجهٌ، أحدُها: أنه متسأنفٌ أخبر عنهم بذلك. الثاني: أنه حالٌ من الضمير في «لابثين» أي: لابِثين غيرَ ذائقين، فهي حالٌ متداخلةٌ. الثالث: أنه صفةٌ لأَحْقاب. قال مكي: «واحتمل الضميرَ لأنه فِعْلٌ، فلم يجبْ إظهارُه، وإن كان قد جَرَى صفةً على غير مَنْ هُوَ له، وإنما جاز أَنْ يكونَ نعتاً ل» أحقاب «لأجْل الضميرِ العائدِ على الأَحْقاب في» فيها «ولو كان في موضع» يَذُوْقون «اسمُ فاعلٍ لكان لا بُدَّ مِنْ إظهارِ الضميرِ إذا جَعَلْتَه وصفاً لأَحْقاب» . الرابع: أنه تفسيرٌ لقولِه «أحقاباً» إذا جَعَلْتَه منصوباً على الحالِ بالتأويلِ الذي تقدَّم ذِكْرُه عن الزمخشريِّ فإنه قال: «وقولُه: لا يَذوقون فيها بَرْداً ولا شَراباً تفسيرٌ له. الخامس: أنه حالٌ أخرى مِنْ» للطَّاغين «ك» لابِثين «.

النبأ 78:25

قوله: {إِلاَّ حَمِيماً} : يجوزُ أَنْ يكونَ استثناءً متصلاً من قولِه «شَراباً» وهذا واضِحٌ. والثاني: أنَّه منقطعٌ. قال الزمخشري: «يعني لا يذُوقون فيها بَرْداً ولا رَوْحاً يُنَفِس عنهم حَرَّ النارِ، ولا شَراباً يُسَكِّن مِنْ عَطَشِهم، ولكنْ يَذُوقون فيها حميماً وغَسَّاقاً» . قلت: ومكيٌّ لَمَّا جَعَله منقطعاً جعل البَرْدَ عبارةً عن النومِ، قال: «فإن جَعَلْتَه النومَ كان» حميماً «استثاءً ليس من الأول» . وإنما الذي حَمَلَ الزمخشريُّ على الانقطاع مع صِدْقِ اسم الشرابِ على الحميمِ والغَسَّاقِ وَصْفُه له بقولِه «ولا شَراباً يُسَكِّنُ مِنْ عَطَشِهم» فبهذا القَيْدِ صار الحميمُ ليس من جنسِ هذا الشراب. وإطلاقُ البَرْدِ على النوم لغةُ هُذَيْلٍ. وأنشد: 4470 - فإن شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّساءَ سواكمُ ... وإنْ شِئْتِ لم أَطْعَمْ نُقاخاً ولا بَرْداً وفي كلامِ بعضِ الأعراب «مَنَعَ البَرْدُ البَرْدَ» قيل: وسُمِّي بذلك لأنه يقطعُ سَوْرةَ العطشِ. والذَّوْقُ على هذين القولين أعني كونَه رَوْحاً يُنَفِّسُ عنهم الحَرَّ، وكونَه النومَ مجازٌ. وأمَّا على قولِ مَنْ جعله اسماً للشرابِ الباردِ المُسْتَلَذُّ، ويُعْزَى لابنِ عباس، وأنشد قولَ حَسَّانَ رضي الله عنه: 4471 - يَسْقُونَ مْن وَرَدَ البَرِيصَ عليهمُ ... بَرْداً يُصَفِّقُ بالرَّحيقِ السَّلْسَلِ وقول الآخر: 4472 - أَمانِيُّ مِنْ سُعْدَى حِسانٌ كأنَّما ... سَقَتكَ بها سُعْدى على ظَمَأ بَرْدا فالذَّوْقُ حقيقةٌ، إلاَّ أنه يصير فيه تَكْرارٌ بقولِه بعد ذلك: «ولا شراباً» . الثالث: أنه بدلٌ مِنْ قولِه «ولا شراباً» ، وهو الأحسنُ لأنَّ الكلامَ غيرُ موجَبٍ. وتقدَّم خلافُ القُراء في {وَغَسَّاقاً} تخفيفاً وتثقيلاً، والكلامُ عليه وعلى حميم.

النبأ 78:26

قوله: {جَزَآءً} : منصوبٌ على المصدر/ وعاملُه: إمَّا قولُه «لا يذوقون» إلى آخرِه: لأنَّه في قوةِ: جُوزوا بذلك، وإمَّا محذوفٌ. ووِفاقاً نعتٌ له على المبالغةِ، أو على حَذْفِ مضافٍ، أي: ذا موافقة. وقرأ أبو حيوة وابنُ أبي عبلة بتشديد الفاء مِنْ وفَّقه لكذا.

النبأ 78:28

قوله: {كِذَّاباً} : قرأ العامَّةُ كِذَّاباً بتشديدِ الذَّالِ. وكان مِنْ حَقِّ مصدرِ فَعَّل أَنْ يأتيَ على التفعيل نحو: صَرَّف تَصْريفاً. قال الزمخشري: «وفِعَّال في باب فَعَّلَ كلِّه فاشٍ في كلامِ فصحاءَ مِنْ العرب، لا يقولون غيرَه. وسَمِعَني بعضُهم أُفَسِّرُ آية، فقال:» لقد فَسَّرْتَها فِسَّاراً ما سُمِعَ بمثِله «. قال غيرُه: وهي لغةُ بعضِ العرب يمانيةٌ، وأنشد: 4473 - لقد طالَ ما ثَبَّطْتَني عن صَحابتي ... وعن حاجةٍ قِضَّاؤُها مِنْ شِفائِيا يريد: تَقَضِّيْها. والأصلُ على التَّفْعيل، وإنَّما هو مثلُ: زَكَّى تَزْكِية. وسُمع بعضُهم يَسْتَفْتي في حَجِّه، فقال:» آلحَلْقُ أحَبُّ إليك أم القِصَّار «يريد التقصيرَ» . وقرأ علي رضي الله عنه والأعمش وأبو رجاء وعيسى البصرة بالتخفيف، وهو مصدرٌ: إمَّا لهذا الفعل الظاهرِ على حَذْفِ الزوائِد، وإمَّا لفعلٍ مقدَّرٍ ك {أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأرض نَبَاتاً} [نوح: 17] . قال الزمخشري: وهو مثلُ قولِه: {أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأرض نَبَاتاً} يعني: وكَذَّبوا بآياتِنا فكَذَبوا كِذاباً، أو تَنْصِبُه ب «كَذَّبوا» ؛ لأنَّه يتضمَّنُ معنى كَذَبوا؛ لنَّ كلَّ مُكَذِّبٍ بالحقِّ كاذبٌ، وإنْ جَعَلْتَه بمعنى المكاذَبَةِ فمعناه: وكذَّبوا بآياتِنا فكاذَبوا مُكاذَبَةً، أو كَذَّبوا بها مُكاذِبين؛ لأنَّهم إذا كانوا عند المسلمين كاذبين، وكان المسلمون عندهم كاذبين، فبَينهم مكاذَبَةٌ، أو لأنهم يتكلَّمون بما هو إفراطٌ في الكذبِ، فِعْلَ مَنْ يغالِبُ في أمرٍ فيَبْلُغُ فيه أقصى جُهْدِه «. وقال أبو الفضل:» وذلك لغةٌ لليمينِ، وذلك بأَنْ يَجعلوا مصدرَ «كَذَب» مخففاً «كِذاباً» . بالتخفيف، مثل: كَتَبَ كِتاباً، فصار المصدرُ هنا مِنْ معنى الفِعْلٍ دونَ لفظِه مثلَ: أَعْطَيْته عَطاءً. قلت: أمَّا كَذَبَ كِذاباً بالتخفيف فيهما فمشهورٌ، ومنه قولُ الأعشى: 4474 - فَصَدَقْتُها وكَذَبْتُها ... والمَرْءُ يَنْفَعُه كِذابُه وقرأ عمر بن عبد العزيز والماجشون «كُذَّاباً» بضمِّ الكاف وشدِّ الذال، وفيها وجهان، أحدُها: أنه جمع كاذِب نحر: ضُرَّاب في ضارب. وانتصابُه على هذا على الحالِ المؤكِّدة، أي: وكَذَّبوا في حالِ كونِهم كاذبين. والثاني: أنَّ الكُذَّاب بمعنى الواحدِ البليع في الكذب. يقال: رجلٌ كُذَّاب كقولِك: «حُسَّان» فيُجْعَلُ وصفاً لمصدر كَذَّبوا، أي: تَكْذيباً كُذَّاباً مُفْرِطاً كَذِبُه، قالهما الزمخشري.

النبأ 78:29

قوله: {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ} : العامَّةُ على النصبِ على الاشتغال، وهذا الراجحُ لتقدُّمِ جملةٍ فعليةٍ. وقرأ أبو السَّمَّال برفعِه على الابتداء وما بعدَه الخبرُ. وهذه الجملةُ مُعْتَرَضٌ بها بين السبب والمُسَبَّب؛ لأنَّ الأَصل: وكَذَّبوا بآياتنا كِذَّاباً فذوقوا. فقوله «فذوقوا» مُتَسَبِّبٌ عن تكذيبهم. قوله: {كِتَاباً} فيه أوجهٌ: أحدُها: أنه مصدرٌ مِنْ معنى «أَحْصَيْنا» ، أي: إحصاءً. فالتجوُّزُ في نفسِ المصدرِ. الثاني: أنَّه مصدرٌ ل «أَحْصَيْنا» لأنَّه في معنى «كَتَبْنا» فالتجوُّزُ في نفسِ الفعلِ. قال الزمخشري: « لالتقاءِ الإِحصاء والكَتْبِ في معنى الضَّبْطِ والتحصيل» . الثالث: أَنْ يكونَ منصوباً على الحالِ بمعنى: مكتوباً في اللوح.

النبأ 78:32

قوله: {حَدَآئِقَ} : يجوزُ أَنْ يكونَ بدلاً مِنْ «مَفازاً» بدلَ اشتمال، أو بدلَ كل مِنْ كل مبالغةً: في أَنْ جُعِلَتْ نفسُ هذه الأشياء مفازاً. ويجوز أَنْ يكونَ منصوباً بإضمار «أَعْني» . وقيل: «مَفازاً» بمعنى الفوز فيقدَّرُ مضافٌ، أي: فوزَ حدائق.

النبأ 78:33

قوله: {وَكَوَاعِبَ} : الكواعب: جمع كاعِب، وهي مَنْ كَعَبَ ثَدْيُها، أي: استدارَ. قال: 4475 - وكان مِجَنِّي دونَ مَنْ كَنْتُ أتَّقي ... ثلاثُ شُخوصٍ كاعِبانِ ومُعْصِرُ وقال قيس بن عاصم المِنْقَري: 4476 - وكم مِنْ حَصانٍ قد حَوَيْنا كَريمةٍ ... ومِنْ كاعبٍ لم تَدْرِما البؤسُ مُعْصِرِ والأَتراب تقدَّم ذكرُهن:

النبأ 78:34

قوله: {دِهَاقاً} : صفةٌ ل كأس. والدِّهاقُ: المَلأَى المُتْرَعَةُ. قيل: هو مأخوذٌ مِنْ دَهَقَه، أي: ضَغَطَهُ وشَدَّه بيدِه، كأنه ملأ اليدَ فانضغطَ. قال الشاعر: 4477 - لأَنْتِ إلى الفؤادِ أحَبُّ قُرْباً ... من الصَّادي إلى الكأسِ الدهاق / وقيل: الدِّهاقُ: المتتابِعة. وأُنْشِد: 4478 - أتانا عامِرٌ يَبْغي قِراناً ... فأتْرَعْنا له كأساً دِهاقا

النبأ 78:35

قوله: {وَلاَ كِذَّاباً} : الكسائيُّ بالتخفيف. والباقون بالتثقيلِ، وإنما وافق الكسائيُّ الجماعةَ في الأولِ للتصريحِ بفعلِه المشدَّدِ المقتضي لعدمِ التخفيفِ في «كِذّاباً» وهذا ما تقدَّم في قولِه {فَتُفَجِّرَ الأنهار} [الإِسراء: 91] حيث لم يُخْتَلَفْ فيه، للتصريح معه بفعلهِ، بخلافِ الأول. وقال مكيٌّ «مَنْ شَدَّد جَعَلَه مصدرَ» كَذَّبَ «زِيْدَتْ فيه الألفُ كما زِيْدَتْ في» إكراماً «، وقولُهم» تَكْذيباً «جعلوا التاءَ عوضاً مِنْ تشديدِ العينِ، والياءَ بدلاً من الألف، غيَّروا أوَّلَه كما غيَّروا آخره. وأصلُ مصدر الرباعيِّ أَنْ يأتيَ على عَدَدِ حروفِ الماضي بزيادة ألفٍ، مع تغييرِ الحركات. وقد قالوا» تَكَلُّماً «فأتى المصدرُ على عددِ حروفِ الماضي بغير زيادةِ ألفٍ؛ لكثرة حروفِه، وضُمَّت اللامُ، ولم تُكْسَرْ لأنَّه ليسَ اسمٌ على تَفَعِّل، ولم تُفْتَحْ لئلا يَشْتَبِهَ بالماضي» وقراءةُ الكسائيِّ «كِذاباً» بالتخفيفِ، جعله مصدرَ: كَذَّبِ كِذاباً. وقيل: هو مصدرُ «كَذَب» كقولِك: كَتَبَ كِتاباً.

النبأ 78:36

قوله: {جَزَآءً} : مصدرٌ مؤكِّدٌ منصوبٌ بمعنى: إنَّ للمتقين مَفازاً، كأنه قيل: جازى المتقين بمَفازٍ. قوله: «عَطاءً» بدلٌ مِنْ «جَزاءً» وهو اسمُ مصدرٍ. قال: 4479 -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... وبعدَ عَطائِك المِئةَ الرِّتاعا وجعله الزمخشريُّ منصوباً ب «جزاءً» نَصْبَ المفعولِ به. ورَدَّه الشيخُ: بأنَّه جَعَلَ «جزاءً» مصدراً مؤكداً لمضمونِ الجملةِ التي هي «إنَّ للمتقين [مفازاً] » . قال: «والمصدرُ المؤكِّد لا يعملُ؛ لأنه لا ينحلُّ لحرفٍ مصدريِ والفعلِ، ولا نعلَمُ في ذلك خلافاً» . قوله: {حِسَاباً} صفةٌ ل «عطاءً» والمعنى: كافياً، فهو مصدرٌ أقيم مُقامَ الوصفِ، أو بُوْلغ فيه، أو على حَذْفِ مضافٍ مِنْ قولِهم: أَحْسَبَنِي الشيءُ، أي: كفاني. وقرأ أبو البرهسم وشُرَيْح بن يزيد الحمصي بتشديد السينِ مع بقاءِ الحاءِ على كسرِها. وتخريجُها أنه مصدرٌ مثلُ كِذَّاب، أقيم مُقامَ الوصفِ، أي: عطاءً مُحْسِباً، أي: كافياً. وابن قطيب كذلك إلاَّ أنَّه فتح الحاءَ، قال أبو الفتح: «بنى فَعَّالاً مِنْ أَفْعَلَ كدَرَّاك مِنْ أَدْرَك» يعني أنه صفةٌ مبالغةٍ، مِنْ أَحْسَبَ بمعنى كافي كذا. وابنُ عباس «حَسَنَا» بالنون من الحُسن. وسِراج «حَسْباً» بفتحِ الحاء وسكونِ السينِ والباءِ الموحَّدة، أي: عطاءً كافياً، مِنْ قولِك: حَسْبُك كذا، أي: كافيك.

النبأ 78:37

قوله: {رَّبِّ السماوات} : قرأ نافع وابن كثير وأبو عمروٍ برفع «ربُّ السماواتِ» و «الرحمنُ» . وابن عامر وعاصم بخفضِها، والأخَوان بخفض الأولِ ورَفْعِ الثاني. فأمَّا رَفْعُهما فيجوزُ مِنْ أوجهٍ، أحدها: أَنْ يكونَ «ربُّ» خبرَ مبتدأ مضمرٍ، أي: هو ربُّ. و «الرحمنُ» كذلك، أو مبتدأٌ خبرُه «لا يَمْلِكون» . الثاني: أَنْ يُجْعَلَ «ربُّ» مبتدأً، و «الرحمنُ» خبرُه، و «لا يَمْلِكون» خبرٌ ثانٍ، أو مستأنفٌ. الثالث: أَنْ يكونَ «ربُّ» مبتدأً أيضاً و «الرحمنُ» نعتُه، و «لا يَمْلِكون» خبرُ «رَبُّ» . الرابع: أنْ يكونَ «رَبُّ» مبتدأ، و «الرحمنُ» مبتدأٌ ثانٍ، و «لا يَمْلِكون» خبرُه، والجملةُ خبرُ الأولِ. وحَصَلَ الرَّبْطُ بتكريرِ المبتدأ بمعناه، وهو رأيُ الأخفش. ويجوزُ أَنْ يكونَ «لا يَمْلكون» حالاً، وتكونُ لازمةً. وأمَّا جَرُّهما فعلى البدل، أو البيانِ، أو النعتِ، كلاهما للأول، إلاَّ أنَّ تكريرَ البدلِ فيه نظرٌ، وقد نَبَّهْتُ على ذلك في أواخر هذا الموضوع، آخرِ الفاتحةِ، أو يُجْعَلُ «ربِّ السماواتِ» تابعاً للأولِ، و «الرحمن» تابعاً للثاني على ما تقدَّم. وأمَّا جَرُّ الأولِ فعلى التبعيَّةِ للأولِ، ورفعُ الثاني فعلى الابتداءِ، والخبرُ الجملةُ الفعليةُ، أو على أنه خبرُ مبتدأ مضمرٍ، و «لا يَمْلِكون» على ما تقدَّم من الاستئنافِ، أو الخبرِ الثاني، أو الحالِ اللازمةِ.

النبأ 78:38

قوله: {يَوْمَ يَقُومُ} : منصوبٌ: إمَّا ب «لا يتكلَّمون» بعدَه، وإمَّا ب «لا يَمْلِكون» و «صَفَّا» حالٌ، أي: مُصْطَفِّيْنَ، و «لا يتكلَّمون» : إمَّا حالٌ وإمَّا مستأنفٌ. قوله: {إِلاَّ مَنْ أَذِنَ} يجوزُ أَنْ يكونَ بدلاً مِنْ واو «يتكلمون» ، وهو الأَرْجَحُ لكونِه غيرَ موجَبٍ، وأَنْ يكونَ منصوباً على أصلِ الاستثناء.

النبأ 78:40

قوله: {يَوْمَ يَنظُرُ} : يجوزُ أَنْ يكونَ/ بدلاً مِنْ «يَومَ» قبلَه، وأنْ يكونَ منصوباً ب «عذاباً» ، أي: العذابُ واقعٌ في ذلك اليوم. وجَوَّزَ أبو البقاء أَنْ يكونَ نعتاً ل «قريباً» ، ولو جعله نعتاً ل «عذاباً» لكان أَوْلى، والعامَّةُ بفتح ميم «المَرْءُ» ، وهي العاليةُ. وابنُ أبي إسحاق بضَمِّها وهي لغةٌ: يُتْبِعون الفاءَ اللامَ. وخَطَّأَ أبو حاتمٍ هذه القراءةَ، وليس بصوابٍ لثبوتِها لغةً. قوله: {مَا قَدَّمَتْ} يجوزُ أَنْ تكونَ استفهاميةً مُعلِّقَةً ل «يَنْظُرُ» على أنَّه من النظر، فتكونُ الجملةُ في موضعِ نصبٍ على إسقاط الخافضِ، وأَنْ تكونَ موصولةً مفعولاً بها، والنظرُ بمعنى الانتظار، أي: ينتظرُ الذي قَدَّمَتْه يداه. والعامَّةُ لا يُدْغِمون تاءَ «كنتُ» في «تُراباً» قالوا: لأنَّ الفاعلَ لا يُحْذَفُ، والإِدغامُ يُشْبه الحذفَ. وفي قولِه «ويقولُ الكافرُ» وَضْعُ ظاهرٍ موضعَ مضمرٍ شهادةً عليه بذلك.

النازعات 79:1

قوله: {غَرْقاً} : يجوزُ فيه أَنْ يكونَ مصدراً على حَذْفِ الزوائد بمعنى: إغْراقاً، وانتصابُه بما قبلَه لملاقاتِه له في المعنى، وإمَّا على الحالِ، أي: ذواتَ إغْراقٍ. يُقال: أَغْرَقَ في الشيءِ يُغْرِقُ فيه إذا أَوْغَلَ وبَلَغَ أقصى غايتِه. ومنه: أغرقَ النازعُ في القَوْسِ، أي: بلغَ غايةَ المَدِّ.

النازعات 79:2

ونَشْطاً وسَبْحاً وسَبْقاً كلُّها مصادرُ. والنَّشْطُ: الرَّبْطُ، والإِنْشاطُ: الحَلُّ. يقال: نَشَطَ البعيرَ: رَبَطه، وأَنْشَطَه: حَلَّه، ومنه: «كأنما أنشط مِنْ عقال» . فالهمزةُ للسَّلْبِ. ونَشِطَ: ذَهَبَ بسُرْعَةٍ. ومنه قيل لبقر الوَحْش: نَواشِط. قال هِمْيان بن قُحافة: 4480 - أرى همومي تَنْشِطُ المَناشِطا ... الشَّامَ بي طَوْراً وطَوْراً واسِطا وَنَشَطْتُ الحَبْلَ أَنْشِطُه أُنْشُوْطَة: عَقَدْتُه، وأَنْشَطْتُه مَدَدْتُه، ونَشَطَ كأَنْشَط. قال الزمخشري: «تُنْشِطُ الأرواحَ، أي: تُخْرِجُها، مِنْ نَشَطَ الدَّلْوَ مِنْ البئرِ إذا أَخْرجَها» . و «أَمْراً» مفعولٌ بالمُدَبِّراتِ. وقيل: حال: تُدَبِّرُهُ مَأْموراتٍ، وهو بعيدٌ. والمرادُ بهؤلاء: إمَّا طوائِفُ الملائكةِ، وإمَّا طوائِفُ خَيْلِ الغُزاةِ، وإمَّا النجومُ، وإمَّا المنايا، وإمَّا بَقَرُ الوَحْشِ، وما جَرَى مَجْراها لسُرْعَتِها، وإمَّا أرواحُ المؤمنين.

النازعات 79:6

قوله: {يَوْمَ تَرْجُفُ} : منصوبٌ بفعلٍ مقدَّرٍ، هو جوابُ القسم تقديره: لَتْبُعَثُنَّ، لدلالةِ ما بعدَه عليه، قال الزمخشري: «فإنْ قلتَ: كيف جَعَلْتَ» يومَ تَرْجُفُ «ظرفاً للمُضْمرِ الذي هو لَتُبْعَثُنَّ، ولا يُبْعَثُون عند النَّفْخَةِ الأولى؟ قلت: المعنى: لتُبْعَثُنَّ في الوقتِ الواسعِ الذي تقع فيه النَّفْختان، وهم يُبْعَثُون في بعض ذلك الوقتِ الواسعِ، وهو وقتُ النَّفْخَةِ الأخرى، ودلَّ على ذلك أنَّ قولَه:» تَتْبَعُها الرَّادِفَةُ «جُعِل حالاً عن» الراجفة «. وقيل: العاملُ مقدَّرٌ غيرُ جوابٍ، أي: اذكُرْ يومَ تَرْجُفُ. وفي الجوابِ على هذا أوجهٌ، أحدُها: أنَّه قولُه: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً} [النازعات: 26] . واستقبحه أبو بكر بن الأنباريِّ لطولِ الفَصْل. الثاني: أنه قولُه: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ موسى} [النازعات: 15] لأنَّ» هل «بمعنى» قد «. وهذا غَلَطٌ؛ لأنَّه كما قدَّمْتُ لك في {هَلْ أتى} [الإنسان: 1] أنها لا تكونُ بمعنى» قد «، إلاَّ في الاستفهام، على ما قال الزمخشري. الثالث: أنَّ الجواب {تَتْبَعُهَا} [النازعات: 7] وإنما حُذِفَتِ اللامُ، والأصلُ: لَيَوْمَ تَرْجُفُ الراجفةُ تَتْبَعُها، فحُذِفَتِ اللامُ، ولم تَدْخُلْ نونُ التوكيدِ على» تَتْبَعُها «للفَصْلِ بين اللامِ المقدَّرَةِ وبين الفعلِ المُقْسَمِ عليه بالظرفِ. ومثلُه {لإِلَى الله تُحْشَرُونَ} [آل عمران: 158] . وقيل: في الكلامِ تقديمٌ وتأخيرٌ، أي: يومَ تَرْجُفُ الراجِفَةُ تَتْبَعُها الرادِفَةُ والنازعاتِ. وقال أبو حاتم:» هو على التقديم والتأخيرِ كأنه قال: فإذا هُمْ بالسَّاهِرَةِ والنَّازعاتِ «. قال ابن الأنباري:» هذا خطأٌ؛ لأنَّ الفاءَ لا يُفْتَتَحُ بها الكلامُ «. وقيل:» يومَ «منصوبٌ بما دَلَّ عليه» واجِفَةٌ «، أي: يومَ تَرْجُفُ وَجِفَت. وقيل: بما دَلَّ عليه خاشع، أي: يومَ تَرْجُفُ خَشَعَتْ.

النازعات 79:7

قوله: {تَتْبَعُهَا الرادفة} : يجوزُ أَنْ تكونَ حالاً من الراجفة، وأَنْ تكونَ مستأنفةً.

النازعات 79:8

قوله: {قُلُوبٌ} : مبتدأٌ، و «يومئذٍ» منصوبٌ ب «واجفةٌ» ، وواجفة صفةُ القلوبِ، وهو المُسَوِّغُ للابتداءِ بالنكرةِ و «أَبْصارُها» مبتدأٌ ثانٍ، و «خاشِعة» خبرُه، وهو وخبرُ الأولِ. وفي الكلامِ حَذْفُ مُضافٍ تقديرُه: أبصارُ أصحابِ القلوب. وقال ابنُ عطية: «وجاز ذلك، أي: الابتداءُ بقلوب لأنَّها تخصَّصَتْ بقولِه:» يومئذٍ «. ورَدَّ عليه الشيخُ: بأنَّ ظرفَ الزمانِ لا يُخَصِّصُ الجثثَ، يعني لا تُوصف به الجثثُ. والواجفةُ: الخائفةُ. يقال: وَجَفَ يَجِفُ وَجيفاً، وأصلُه اضطرابُ القَلْبِ وقَلَقُه. قال قيسُ بن الخطيم: 4481 - إنَّ بني جَحْجَبَى وأُسْرَتَهُمْ ... أكبادُنا مِنْ ورائِهم تَجِفُ /وعن ابن عباس: واجِفَةٌ: خائفةٌ، بلغة هَمْدان. ويُقال: وَجَبَ وَجيباً، بالباءِ الموحدةِ بدلَ الفاءِ.

النازعات 79:10

قوله: {فِي الحافرة} : الحافِرَة: الطريقةُ التي يَرْجِعُ الإِنسانُ فيها من حيث جاء. يقال: رَجَعَ في حافرتِه، وعلى حافرته. ثم يُعَبَّرُ بها عن الرجوعِ بالأحوال مِنْ آخرِ الأمرِ إلى أوَّلِه. قال: 4482 - أحافِرَةً على صَلَعٍ وشَيْبٍ ... معاذَ اللَّهِ مِنْ سَفَهٍ وعارِ وأصلُه: أنَّ الإِنسان إذا رَجَعَ في طريقِه أثَّرَتْ قدماه فيها حَفْراً. وقال الراغب: «وقولُه في الحافرة مَثَلٌ لمَنْ يُرَدُّ مِنْ حيث جاء، أي: أنَحْيا بعد أن نموتَ؟ وقيل: الحافرةُ: الأرضُ التي [جُعِلَتْ] قبورُهم فيها ومعناه: أإنَّا لَمَرْدُودون ونحن في الحافِرة؟ أي: في القبور. وقولُه:» في الحافرة «على هذا في موضعِ الحال. وقيل: رَجَع فلانٌ على حافِرَتِه، ورَجَع الشيخُ إلى حافرته، أي: هَرِمَ، كقولِه: {وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ العمر} [النحل: 70] . وقولُهم:» النَّقْدُ عند الحافِرة «لِما يُباع نَقْداً. وأصلُه في الفرس إذا بِيْع، فيُقال: لا يَزُول حافِرُه أو يُنْقَدَ ثمنُه. والحَفْرُ: تَأَكُّلُ الأسنانِ. وقد حَفَر فُوه، وقد أَحْفَر المُهْرُ للإِثْناءِ والإِرْباع، أي: دنا لأن يكونَ ثَنِيَّاً أو رُباعياً» انتهى. والحافِرَةُ قيل: فاعِلَة بمعنى مَفْعُولة. وقيل: على النَّسَب، أي: ذات حَفْرٍ، والمراد: الأرضُ. والمعنى: إنَّا لمَرْدُودون في قبورنا أحياءً. وقيل: الحافرة: جَمْعُ حافِر بمعنى القَدَم، أي: نمشي أحياءً على أقدامِنا، وَنَطَأُ بها الأرضَ. وقيل: هي أولُ الأمرِ. وتقولُ التجَّار: «النَّقْدُ في الحافِرة» ، أي: أوَّلُ السَّوْمِ. وقال الشاعر: 4483 - آلَيْتُ لا أَنْساكُمُ فاعْلَموا ... حتى تُرَدَّ الناسُ في الحافِرَهْ وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة «في الحَفِرَة» بدون ألف. فقيل: هما بمعنى. وقيل: هي الأرض التي تَغَيَّرَتْ وأنْتَنَتْ بموتاها وأجسادِهم، مِنْ قولِهم: حَفِرت أسنانُه، أي: تَأَكَّلَتْ وتَغَيَّرَتْ. وقد تقدَّم خلافُ القراءِ في هذَيْن الاستفهامَيْنِ في سورةِ الرعد. وقوله: «في الحافِرَة» يجوزُ تعلُّقُه بمَرْدُوْدون، أو بمحذوفٍ على أنه حالٌ كما تقدَّم.

النازعات 79:11

قوله: {نَّخِرَةً} : قرأ الأخَوان وأبو بكر «ناخِرَة» بألفٍ، والباقون «نَخِرَة» بدونِها وهما كحاذِر وحَذِر، فاعِل لمَنْ صَدرَ منه الفِعْلُ، وفَعِل لِمَنْ كان فيه غَريزةً، أو كالغَريزة. وقيل: ناخِرة ونَخِرة بمعنى بالية. وقيل: ناخِرَة، أي: صارَتِ الريحُ تَنْخِرُ فيها، أي: تُصَوِّتُ، ونَخِرَة، أي: تَنْخِرُ فيها دائماً. وقيل: ناخِرَة: بالِية، ونَخِرَة: متآكلة. وعن أبي عمروٍ: الناخِرة: التي لم تَنْخَرْ بعدُ، والنَّخِرَةُ: البالية. وقيل: الناخِرَةُ: المُصَوِّتَةُ فيها الريحُ، والنَّخِرةُ: الباليةُ التي تَعَفَّنَتْ. قال الزمخشري: «يُقال: نَخِر العظمُ، فهو نَخِرٌ وناخِرٌ، كقولِك: طَمِعَ فهو طَمعٌ وطامعٌ، وفَعِل أَبْلَغُ مِنْ فاعِل، وقد قُرِىء بها، وهو البالي الأجوفُ الذي تَمُرُّ فيه الرِّيحُ فيُسْمَعُ له نَخِير» . قلت: ومنه قولُه: 4484 - وأَخْلَيْتُها مِنْ مُخِّها فكأنَّها ... قواريرُ في أجوافِها الريحُ تَنْخِرُ وقال الراجزُ لفَرَسه: 4485 - أَقْدِمْ نَجاحُ إنها الأَساوِرَهْ ... ولا يَهْوْلَنَّكَ رَحْلٌ نادِرَهْ فإنما قَصْرُك تُرْبُ السَّاهِرَهْ ... ثم تعودُ بعدها في الحافِرَهْ مِنْ بعدِ ما كنتَ عِظاماً ناخِرَهْ ... ونُخْرَةُ الرِّيْح بضمِّ النون: شِدَّةُ هبوبِها، والنُّخْرَةُ أيضاً: مُقَدَّمُ أَنْفِ الفَرَسِ والحمارِ والخِنْزير. يقال: هَشَم نُخْرَتَه، أي: مُقَدَّمَ أَنْفِه. و «إذا» منصوبٌ بمضمرٍ، أي: إذا كُنَّا كذا نُرَدُّ ونُبْعَثُ.

النازعات 79:12

قوله: {تِلْكَ} : مبتدأٌ مُشارٌ بها إلى الرَّجْفة والرَّدَّة في الحافِرة. و «كَرَّةٌ» . خبرُها. و «خاسِرَةٌ» صفةٌ، أي: ذاتُ خُسْرانٍ، أو أُسْنِدَ إليها الخَسارُ، والمرادُ: أصحابُها، مجازاً. والمعنى: إنْ كان رجوعُنا إلى القيامةِ حَقَّاً فتلك الرَّجْعَةُ رَجْعَةٌ خاسِرَةٌ، وهذا أفادَتْه «إذَنْ» فإنها حرفُ جوابٍ وجزاءٍ عند الجمهور. وقيل: قد لا تكونُ جواباً. وعن الحسنِ: إنَّ «خاسرة» بمعنى كاذِبة.

النازعات 79:13

قوله: {فَإِنَّمَا هِيَ} : «هي» ضميرُ الكَرَّة، أي: لا تَحْسَبوا تلك الكرَّةَ صعبةً على اللَّهِ تعالى. وقال الزمخشري: «فإنْ قلتَ: بِمَ تَعَلَّقَ قولُه:» فإنما هي «؟ قلت: بمحذوفٍ معناه: لا تَسْتَصْعِبوها، فإنما هي زَجْرَةٌ» . قلت: يعني بالتعلُّقِ من حيث المعنى، وهو العطفُ.

النازعات 79:14

قوله: {فَإِذَا هُم} : المفاجأةُ والتَّسَبُّبُ هنا واضحان والسَّاهرة قيل: وجهُ الأرضِ، والفَلاةُ، وُصِفَتْ بما يقع فيها، وهو السَّهَرُ لأجلِ الخوفِ. وقيل: لأنَّ السَّرابَ يَجْري فيها، مِنْ قولِهم: عَيْنٌ ساهرَةٌ. قال الزمخشري: «والسَّاهرةُ: الأرضُ البيضاءُ المستويةُ، سُمِّيَتْ بذلك؛ لأنَّ السَّرابَ يجري فيها، مِنْ قولهم/ عينٌ ساهِرَةٌ جارِيةُ الماء، وفي ضَدِّها نائمةٌ. قال الأشعت بن قيس: 4486 - وساهِرَةٍ يُضْحِي السَّرابُ مُجَلِّلاً ... لأَقْطارِها قد جُبْتُها مُتَلَثِّما أو لأنَّ ساكنَها لا ينامُ، خَوْفَ الهَلَكَة» انتهى. وقال أمية: 4487 - وفيها لَحْمُ ساهِرَةٍ وبَحْرٍ ... وما فاهوا لهمْ فيها مُقيمُ يريد: لحمُ حيوانِ أرضٍ ساهرةٍ. وقال أبو كبير الهذلي: 4488 - يَرْتَدْنَ ساهِرَةً كأنَّ جَميمَها ... وعَمِيْمَها أسْدافُ ليلٍ مُظْلِمٍ قال الراغب: «هي وَجْهُ الأرضِ. وقيل: أرضُ القيامةِ. وحقيقَتُها التي يَكْثُرُ الوَطْءُ بها، كأنَّها سَهِرَتْ مِنْ ذلك، إشارةً إلى نحوِ قولِ الشاعر: 4489 -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... تَحَرَّكَ يَقْظانُ الترابِ ونائِمُهْ والأَسْهَران: عِرْقان في الأنفِ» انتهى. والسَّاهُوْر: غلافُ القَمَرِ الذي يَدْخُل فيه عند كُسوفِه. قال: 4490 -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... أو شُقَّةٌ أُخْرِجَتْ مِنْ بَطْنِ ساهُوْرِ أي: هذه المرأةُ بمنزلةِ قطعةِ القمر. وقال أميَّةُ: 4491 -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... قَمَرٌ وساهُوْرٌ يُسَلُّ ويُغْمَدُ

النازعات 79:16

قوله: {إِذْ نَادَاهُ} : «إذ» منصوبٌ ب «حديثُ» لا ب «أتاك» لاختلافِ وقتَيْهما. وتقدَّم الكلامُ في {طُوًى} [الآية: 12] في طه.

النازعات 79:17

قوله: {اذهب} : يجوزُ أَنْ يكونَ تفسيراً للنداءِ. ويجوزُ أن يكونَ على إضمارِ القولِ. وقيل: هو على حَذْفِ «أَنْ» ، أي: أَنْ اذهَبْ. ويَدُلُّ له قراءةُ عبد الله: «أَنْ اذْهَبْ» . و «أَنْ» هذه الظاهرةُ أو المقدرةُ يُحتمل أَنْ تكونَ تفسيريةً، وأَنْ تكونَ مصدريةً، أي: ناداه بكذا.

النازعات 79:18

قوله: {هَل لَّكَ} : خبرُ مبتدأ مضمرٍ. و «إلى أَنْ» متعلقٌ بذلك المبتدأ، وهو حَذْفٌ شائعٌ. والتقدير: هل لك سبيلٌ إلى التزكية ومثله: «هل لك في الخير» يريدون: هل لك رغبةٌ في الخير. وقال الشاعر: 4492 - فهل لكمُ فيها إليَّ فإنَّني ... بَصيرٌ بما أَعْيا النِّطاسِيَّ حِذْيَما وقال أبو البقاء: «لَمَّا كان المعنى: أَدْعوك جاء ب» إلى «. وهذا لا يُفيدُ شيئاً في الإِعراب. وقرأ نافعٌ وابنُ كثير بتشديدِ الزاي مِنْ» تَزَّكَّى «والصادِ مِنْ» تَصَّدَّى «في السورةِ تحتها. والأصلُ: تتزَكَّى وتتصَدَّى، فالحَرَمِيَّان أدغما، والباقون حَذَفُوا نحو: {تَنَزَّلُ} [القدر: 4] . وتقدَّم الخلافُ في أيَّتِهما المحذوفةِ.

النازعات 79:23

قوله: {فَحَشَرَ فنادى} : لم يُذْكَر مفعولاهما؛ إذ المرادُ فَعَلَ ذلك، أو يكونُ التقدير: فَحَشَرَ قومَه فناداهم. وقوله «فقال» تفسيرٌ للنداء.

النازعات 79:25

قوله: {نَكَالَ الآخرة} : يجوزُ أَنْ يكونَ مصدراً ل «أَخَذَ» ، والتجوُّزُ: إمَّا في الفعل، أي: نَكَّل بالأَخْذِ نَكالَ الآخرةِ، وإمَّا في المصدر، أي: أَخَذَه أَخْذَ نَكالٍ. ويجوزُ أَنْ يكونَ مفعولاً له، أي: لأجل نَكالِه. ويَضْعُفُ جَعْلُه حالاً لتعريفِهِ، وتأويلُه كتأويلِ جَهْدَك وطاقَتَك غيرُ مَقيس. ويجوزُ أَنْ يكونَ مصدراً مؤكِّداً لمضمونِ الجملةِ المتقدِّمةِ، أي: نَكَّل الله به نَكالَ الآخرةِ، قاله الزمخشري، وجعله ك {وَعْدَ الله} [النساء: 122] و {صِبْغَةَ الله} [البقرة: 138] . والنَّكالُ: بمنزلةِ التَّنْكيل، كالسَّلام بمعنى التَّسْليم. والآخرةُ والأولى: «إمَّا الداران، وإمَّا الكلمتان، فالآخرةُ قولُه: {أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعلى} [النازعات: 24] ، والأولى: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرِي} [القصص: 38] فحُذِفَ الموصوفُ للعِلْم به.

النازعات 79:27

قوله: {أَمِ السمآء} : عطفٌ على «أنتم» وقوله: «بناها» بيانٌ لكيفيةِ خَلْقِه إياها. فالوقفُ على «السماء» ، والابتداءُ بما بعدَها. ونظيرُه ما مرَّ في الزخرف [الآية: 58] {أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ}

النازعات 79:28

قوله: {رَفَعَ سَمْكَهَا} : جملةٌ مفسِّرةٌ لكيفيةِ البناءِ. والسَّمْكُ: الارتفاعُ. ومعناه في الآيةِ كما قال الزمخشريُّ: «جَعَلَ مقدارَ ذهابِها في سَمْتِ العُلُوِّ مديداً رفعياً» . وسَمَكْتُ الشيءَ: رَفَعْتُه في الهواءِ. وسَمَك هو، أي: ارتفعَ سُمُوكاً فهو قاصِرٌ ومتعدٍّ. وسَنامٌ سامِكٌ تامِكٌ، أي: عالٍ مرتفعٌ. وسِماكُ البيت ما سَمَكْتُه به. والسِّماك: نجمٌ معروفٌ، وهما اثنان: رامحٌ وأَعْزَلُ. قال الشاعر: 4493 - إنَّ الذي سَمَكَ السماءَ بنى لنا ... بيتاً دعائِمُه أعَزُّ وأَطْوَلُ

النازعات 79:29

قوله: {وَأَغْطَشَ} : أي: أظلم بلغةِ أنْمار وأَشْعر. يقال: غَطِش الليلُ وغَطَّشْتُه أنا، وأَغْطَشْتُه قال: 4494 - عَقَرْتُ لهُمْ ناقتي مَوْهِناً ... فلَيْلُهُمُ مُدْلَهِمٌّ غَطِشْ وليلٌ أغطشٌ وليلةٌ غَطْشاءُ. قال الراغب: «وأصلُه من الأَغْطشِ، وهو الذي في عَيْنه عَمَشٌ. ومنه فَلاةٌ غَطْشى لا يُهْتدى فيها. والتغاطُشُ: التَّعامي» انتهى. ويقال: أَغْطشَ الليلُ، قاصراً كأظلم، فأَفْعَلَ فيه متعدٍّ/ ولازمٌ. وقوله: {وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا} فيه حَذْفٌ، أي: ضُحى شمسِها، أو أضافَ الليلَ والضُّحى لها للملابسةِ التي بينها وبينهما.

النازعات 79:30

قوله: {بَعْدَ ذَلِكَ} : «بعد» على بابِها من التأخيرِ. ولا مُعارَضَةَ بينها وبين آيةِ فُصِّلت؛ لأنَّه خلق الأرضَ غيرَ مَدْحُوَّةٍ، ثم خَلَق السماءَ، ثم دحا الأرضَ. وقولُ أبي عبيدة: «إنها بمعنى قَبْل» مُنْكَرٌ عند العلماءِ. ويقال: دحا يَدْحُوا دَحْواً ودَحَى يَدْحي دَحْياً، أي: بَسَط، فهو من ذواتِ الواوِ والياءِ، فيُكتبُ بالألف والياء، ومنه قيل لِعُشِّ النَّعامة: أُدْحُوٌّ، وأُدْحِيٌّ، لانبساطِه في الأرض. وقال أمية: 4495 - وبَثَّ الخَلْقَ فيها إذ دَحاها ... فهم قُطَّانُها حتى التَّنادِي وقيل: دحى بمعنى سَوَّى. قال زيد بن نُفَيْل: 4496 - وأَسْلَمْتُ وَجْهِيْ لِمَنْ أَسْلَمَتْ ... له الأرضُ تَحْمِلُ صَخْراً ثقالاً دَحاها فلَمَّا اسْتَوَتْ شَدَّها ... بأَيْدٍ وأَرْسى عليها الجِبالا والعامَّةُ على نصبِ «الأرض» و «الجبال» على إضمارِ فعلٍ مفسَّرٍ بما بعده، وهو المختارُ لتقدُّمِ جملةٍ فعليةٍ. ورَفَعَهما الحسنُ وابن أبي عبلة وأبو حيوة وأبو السَّمَّال وعمرُو بن عبيد، على الابتداء، وعيسى برفع «الأرض» فقط.

النازعات 79:31

قوله: {أَخْرَجَ} : فيه وجهان، أحدهما: أَنْ يكونَ تفسيراً. والثاني: أَنْ يكونَ حالاً. قال الزمخشري: «فإنْ قلتَ: فهلاَّ أَدْخَلَ حرفَ العطفِ على» أَخْرَجَ «. قلت: فيه وجهان، أحدُهما: أَنْ يكونَ» دحاها «بمعنى بَسَطها ومهَّدها للسُّكنى، ثم فَسَّر التمهيدَ بما لا بُدَّ منه في تأتِّي سُكْناها مِنْ تسويةِ أمرِ المَأْكَلِ والمَشْرَبِ وإمكانِ القَرارِ عليها. والثاني: أَنْ يكونَ» أَخْرَجَ «حالاً بإضمار» قد «كقولِه: {أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ} [النساء: 90] . قلت: إضمار» قد «هو قولُ الجمهورِ، وخالفَ الكوفيون والأخفش.

النازعات 79:33

قوله: {مَتَاعاً} : العامَّةُ على النصبِ مفعولاً له، أو مصدراً لعاملٍ مقدَّرٍ، أي: مَتَّعكم. والمَرْعَى في الأصل: مكانٌ أو زمانٌ أو مصدرٌ، وهو هنا مصدرٌ بمعنى المفعولِ، وهو في حق الآدميين استعارةٌ.

النازعات 79:34

قوله: {فَإِذَا جَآءَتِ} : في جوابِها أوجهٌ، أحدُها: قولُه: «فأمَّا مَنْ طغى» نحو: «إذا جاءك بنو تميم فأمَّا العاصي فَأَهِنْه، وأمَّا الطائعُ فأكْرِمْهُ» . وقيل: محذوفٌ، فقدَّره الزمخشري: فإنَّ الأمرَ كذلك، أي: فإنَّ الجحيمَ مَأْواه. وقدَّره غيرُ انقسم الراؤون قسمين. وقيل: عاينوا أو علموا. وقال أبو البقاء: «العاملُ فيها جوابُها، وهو معنى قولِه:» يومَ يتَذَكَّرَ الإِنسانُ «. والطامَّة: الدَّاهِية تَطِمُّ على غيرِها من الدَّواهي لِعَظَمِها. والطَّمُّ: الدَّفْنُ. ومنه: طَمَّ السَّيْلُ الرَّكِيَّةَ. وفي المثل:» جرى الوادي فَطمَّ على القُرى «والمرادُ بها في القرآن النخفةُ الثانيةُ لأنَّ بها يَحْصُل ذلك.

النازعات 79:35

قوله: {يَوْمَ يَتَذَكَّرُ} : بدلٌ مِنْ «إذا» أو منصوبٌ بإضمار فعلٍ، أي: أعني يومَ، أو يومَ يتذكَّرُ يجري كيتَ وكيتَ.

النازعات 79:36

قوله: {وَبُرِّزَتِ} : العامَّةُ على بنائِه للمفعولِ مشدداً، و «لِمَنْ يرى» بياء الغيبة. وزيد بن عليّ وعائشةُ وعكرمةُ مبنياً للفاعلِ مخففاً، و «ترى» بتاءٍ مِنْ فوقُ فجوَّزوا في تاء «ترى» أَنْ تكونَ للتأنيثِ، وفي «ترى» ضمير الجحيم كقولِه: {إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} [الفرقان: 12] ، وأَنْ تكونَ للخطابِ، أي: ترى أنت يا محمدُ. وقرأ عبد الله «لِمَنْ رأى» فعلاً ماضياً.

النازعات 79:39

قوله: {هِيَ المأوى} : إمَّا: هي المَأْوى له، أو هي مَأْواه، وقامَتْ أل مَقامَ الضميرِ، وهو رأيُ الكوفيين. وقد تقدَّم لك تحقيقُ هذا الخلافِ والردُّ على قائلِه بقوله: 4497 - رَحِيْبٌ قِطابُ الجَيْبِ منها رَفيقةٌ ... بجَسَّ النَّدامى بَضَّةُ المُتَجَرِّدِ إذا لو كانَتْ أل عِوَضاً من الضميرِ لَما جُمِع بينهما في هذا البيتِ. ولا بُدَّ مِنْ أحدِ هذَيْن التأويلَيْن في الآيةِ الكريمةِ لأجلِ العائدِ من الجملةِ الواقعةِ خبراً إلى المبتدأ. والذي حَسَّن عدمَ ذِكْرِ العائدِ كَوْنُ الكلمةِ وقعَتْ رأسَ فاصلةٍ. وقال الزمخشري: «والمعنى: فإنَّ الجحيمَ مَأْواه، كما تقولُ للرجل: /» غُضَّ الطرفَ «وليس الألفُ واللامُ بدلاً من الإِضافةِ، ولكنْ لَمَّا عُلِمَ أنَّ الطاغيَ هو صاحبُ المَأْوى، وأنَّه لا يَغُضُّ الرجلُ طَرْفَ غيره، تُرِكَتِ الإِضافةُ، ودخولُ الألفِ واللامِ في» المَأْوَى «والطَّرْفِ للتعريفِ لأنَّهما معروفان» . قال الشيخ: «وهو كلامٌ لا يَتَحَصَّلُ منه الرابِطُ العائدُ على المبتدأ، إذ قد نَفَى مذهبَ الكوفيين، ولم يُقَدِّر ضميراً كما قَدَّره البصريُّون، فرامَ حصولَ الرابطِ بلا رابطٍ» . قلت: قوله: «ولكنْ لَمَّا عُلِمَ» إلى آخره هو عينُ قولِ البصريين، ولا أَدْري كيف خَفِيَ عليه هذا؟

النازعات 79:43

قوله: {فِيمَ أَنتَ} : «فيم» خبرٌ مقدمٌ، و «أنت» مبتدأٌ مؤخرٌ و «مِنْ ذِكْراها» متعلِّقٌ بما تعلَّقَ به الخبرُ، والمعنى: أنت في أيِّ شيءٍ مِنْ ذِكْراها، أي: ما أنت مِنْ ذكراها لهم وتبيينِ وقتِها في شيءٍ. وقال الزمخشريُّ عن عائشةَ رضي الله عنها: «لم يَزَلْ عليه السلامُ يَذْكُرِ الساعةَ، ويُسْألُ عنها حتى نَزَلَتْ» . قال: فعلى هذا هو تَعَجُّبٌ مِنْ كثرةِ ذِكْرِه لها، كأنَّه قيل: في أيِّ شُغْلٍ واهتمامٍ أنا مِنْ ذِكراها والسؤال عنها «. وقيل: الوقفُ على قولِه:» فيمَ «وهو خبرُ مبتدأ مضمرٍ، أي: فيم هذا السؤالُ، ثم يُبْتدأ بقولِه: {أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا} ، أي: إرسالُك وأنت خاتمُ الأنبياءِ، وآخرُ الرسلِ، والمبعوثُ في نَسْمِ الساعةِ، ذِكْرٌ مِنْ ذِكْراها وعلامةُ مِنْ علاماتِها، فكَفاهم بذلك دليلاً على دُنُوِّها ومشارَفَتِها والاستعدادِ لها، ولا معنى لسؤالِهم عنها، قاله الزمخشري، وهو كلامٌ حسنٌ لولا أنه يُخالِفُ الظاهرَ ومُفَكِّكٌ لنَظْمِ الكلامِ.

النازعات 79:45

قوله: {مُنذِرُ مَن} : العامَّةُ على إضافةِ الصفةِ لِمعمولِها تخفيفاً. وقرأ عمر بن عبد العزيز وأبو جعفر وطلحة وابن محيصن بالتنوين. قال الزمخشريُّ: «وهو الأصلُ، والإِضافةُ تخفيفٌ، وكلاهما يَصْلُحُ للحالِ والاستقبالِ. فإذا أُريد الماضي فليس إلاَّ الإِضافةُ كقولِك: هو مُنْذِرُ زيدٍ أمسِ» . قال الشيخ: «قوله:» هو الأصلُ «يعنى التنوينَ هو قولٌ قاله غيرُه، ثم اختار الشيخُ أنَّ الأصلَ الإِضافةُ. قال:» لأنَّ العملَ إنما هو بالشَّبه، والإِضافةُ أصلٌ في الأسماءِ. ثم قال: «وقوله فليس إلاَّ الإِضافةُ فيه تفصيلٌ وخِلافٌ مذكورٌ في النحو» . قلت: لا يُلْزِمُه أَنْ يَذْكُرَ محلَّ الوفاقِ، بل هذان اللذن ذكرهما مذهبُ جماهيرِ الناسِ.

النازعات 79:46

قوله: {أَوْ ضُحَاهَا} : أي: ضُحى العَشِيَّةِ، أضاف الظرفَ إلى ضميرِ الظرفِ الآخر تجوُّزاً واتِّساعاً، وذَكَرهما لأنهما طرفا النهارِ، وحَسَّن هذه الإِضافةَ وقوعُ الكلمةِ فاصلةً.

عبس 80:2

قوله: {أَن جَآءَهُ} : فيه وجهان، أحدُهما: أنه مفعولٌ من أجلِه، وناصبُه: إمَّا «تَوَلَّى» وهو قولُ البَصْريين، وإمَّا «عَبَسَ» وهو قولُ الكوفيين. والمختارُ مذهبُ البَصْريين لعَدَمِ الإِضمارِ في الثاني، وقد عَرَفْتَ تحقيقَ هذا فيما تقدَّم مِنْ مسائلِ التنازع. والتقدير: لأَنْ جاءَه الأعمى فَعَلَ هذَيْنِ الفِعلَيْنِ. والخلافُ في موضع «أَنْ» بعد حَذْفِ الجارِّ مشهورٌ. وقيل: «أَنْ» بمعنى «إذ» نقله مكي. وقرأ زيدُ بنُ عليّ «عَبَّس» بالتشديد. والعامَّةُ على «أنْ» بهمزةٍ واحدةٍ. وزيد بن علي وعيسى وأبو عمران الجوني بهمزتَيْن. وقال الزمخشري: «وقُرِىء آأنْ بهمزتين وبألفٍ بينهما، وُقِفَ على» عَبَس وتولَّى «ثم ابْتُدِىء على معنى: ألأَنْ جاءَه الأعمى فَعَل ذلك» .

عبس 80:3

قوله: {لَعَلَّهُ يزكى} : الظاهرُ أجراءُ الترجِّي مُجرى الاستفهام لِما بينهما من معنى الطلبِ في التعليق؛ لأنَّ المعنى منصَبٌّ على تَسَلُّطِ الدِّراية على الترجِّي؛ إذ التقدير: لا يَدْري ما هو مترجَّى منه التزكيةُ أو التذكُّرُ. وقيل: الوقفُ على «يَدْري» والابتداءُ بما بعده على معنى: وما يُطْلِعُك على أمرهِ وعاقبةِ حالِه، ثم ابتدأ فقال: {لَعَلَّهُ يزكى} .

عبس 80:4

قوله: {فَتَنفَعَهُ} : قرأ عاصم بنصبه، والباقون برفعه. فأمَّا نصبُه فعلى جوابِ الترجِّي كقوله: {فَأَطَّلِعَ} في سورة المؤمن [الآية: 37] وهو مذهبٌ كوفيٌّ، وقد تقدَّم الكلامُ في ذلك. وقال ابن عطية: «في جواب التمني؛ لأنَّ قولَه» أو يَذَّكَّرُ «في حكم قولِه» لعلَّه يزَّكَّى «. قال الشيخ:» وهذا ليس تمنياً إنما هو تَرَجٍّ «. قلت: إنما يريد التمنيَ المفهومَ من الكلام، ويدلُّ له ما قال أبو البقاء:» وبالنصب على جواب التمنِّي في المعنى «وإلاَّ فالفرقُ بين التمني والترجِّي لا يَجْهَلُه أبو محمد. وقال مكي:» مَنْ نصبه جَعَلَه جوابَ «لعلَّ» بالفاء لأنه غيرُ موجَبٍ فأشبه التمنيَ والاستفهامَ، وهو غيرُ معروفٍ عند البصريين «. وقرأ عاصمٌ في ورايةٍ والأعرجُ» أو يَذْكُرُ «بسكونِ الذالِ وتخفيفِ الكافِ مضومةً مضارعَ ذَكَرَ.

عبس 80:6

قوله: {تصدى} تقدَّمَتْ/ فيه قراءتا التثقيلِ والتخفيفِ، ومعناه تتعرَّضُ. يُقال: تَصَدَّى، أي: تَعَرَّضَ وأصلُه تَصَدَّدَ من الصَّدَدِ، وهو ما استقبلك وصار قُبالتَك، فأبدلَ أحدَ الأمثالِ حرفَ علةٍ نحو: تَظَنَّيْتُ وَقَصَّيْتُ أَظْفاري و: 4498 - تَقَضِّيَ البازِيْ. . . . . . . . . ... قال الشاعر: 4499 - تَصَدَّى لِوَضَّاحٍ كأنَّ جَبينَه ... سِراجُ الدُّجى تُجْبَى إليه الأساوِرُ وقيل: هو من الصَّدى، وهو الصوتُ المسموعُ في الأماكنِ الخاليةِ والأجرامِ الصُّلبةِ. وقيل: من الصَّدى وهو العطش، والمعنى على التعرض، ويُتَمَحَّلُ لذلك إذا قلنا: أًصلُه من الصوت أو العطش. وقرأ أبو جعفر «تُصَدَّى» بضمِّ التاءِ وتخفيفِ الصادِ، أي: تَصَدِّيك يُحَرِّضُك على إسلامِه. يقال: تَصَدِّي الرجلِ وتَصْدِيَتُه. وقال الزمخشري: «وقُرِىء» تُصَدَّى «بضم التاء، أي: تُعَرَّضُ، ومعناه: يَدْعوك داعٍ إلى التَّصَدِّي له من الحِرْصِ والتهالُكِ على إسلامِه» .

عبس 80:7

قوله: {أَلاَّ يزكى} : مبتدأٌ خبرُه عليك، أي: ليس عليك عَدَمُ تَزْكيتِه.

عبس 80:8

قوله: {يسعى} : حالٌ مِنْ فاعل «جاءكَ» وقوله «وهو يَخْشى» جملةٌ حاليةٌ مِنْ فاعلِ «يَسْعى» ، فهو حالٌ مِنْ حالٍ. وجَعْلُها حالاً ثانية معطوفةً على الأولى ليس بالقويِّ.

عبس 80:10

قوله: {تلهى} : أًصلُه تَتَلَهَّى مِنْ لَهِيَ يَلْهى بكذا، أي: اشتغل، وليس هو من اللهوِ في شيءٍ. وقال الشيخ: «ويمكنُ أن يكونَ منه؛ لأنَّ ما يُبْنى على فَعِل من ذواتِ الواو تَنْقَلِبُ واوه ياءً لانكسارِ ما قبلَها نحو: شَقِي يَشْقى. فإن كان مصدرُه جاء بالياءِ فيكونُ مِنْ مادةٍ غيرِ مادةِ اللهو» . قلت: الناسُ إنما لم يَجْعلوه من اللهو لأَجْلِ أنه مُسْنَدٌ إلى ضمير النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، ولا يَليق بمَنْصِبه الكريم أَنْ يَنْسُبَ اللَّهُ تعالى إليه التفعُّلَ من اللهو بخِلاف الاشتغال، فإنه يجوزُ أَنْ يَصْدُرَ منه في بعض الأحيان، ولا ينبغي أَنْ يُعْتَقَدَ غيرُ هذا، وإنما سَقَط الشيخ. وقرأ ابن كثير في روايةِ البزِّي عنه «عَنْهو تَّلهَّى» بواوٍ هي صلةٌ لهاءِ الكناية وتشديدِ التاءِ، والأصل تَتَلَهَّى فأدغم، وجاز الجَمْعُ بين ساكنَيْن لوجود حرفِ علةٍ وإدغامٍ، وليس لهذه الآيةِ نظيرٌ: وهو أنه إذا لقي صلةَ هاءِ الكناية ساكنٌ آخرُ ثَبَتَتِ الصلةُ بل يجبُ الحَذْفُ. وقرأ أبو جعفر «تُلَهَّى» بضم التاء مبنياً للمفعولِ، أي: يُلْهِيْكَ شأنُ الصَّناديد. وقرأ طلحة «تَتَلَهَّى» بتاءَيْن وهي الأصلُ، وعنه بتاءٍ واحدةٍ وسكونِ اللام.

عبس 80:11

قوله: {إِنَّهَا} : الضمير للسورةِ أو للآيات.

عبس 80:12

قوله: {ذَكَرَهُ} : يجوزُ أَنْ يكونَ الضميرُ لله تعالى؛ لأنه مُنَزِّلُ التذكِرَة، وأن تكونَ للتذكرة، وذكَّر ضميرَها لأنها بمعنى الذِّكْر والوَعْظ.

عبس 80:13

قوله: {فَي صُحُفٍ} : صفةٌ ل «تَذْكِرة» فقوله {فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ} جملةٌ معترضةٌ بين الصفةِ وموصوفِها. ونحوُها: {فَمَن شَآءَ اتخذ إلى رَبِّهِ سَبِيلاً} ويجوز أَنْ يكون «في صُحُف» خبراً ثانياً ل «إنَّها» ، والجملةُ معترضةٌ بين الخبرَيْن.

عبس 80:15

قوله: {سَفَرَةٍ} : جمعُ سافِر وهو الكاتبُ، ومثلُه كاتِب وكَتَبة. وسَفَرْتُ بين القومِ أَسْفِر سَِفارة: أَصْلَحْتُ بينهم. قال: 4500 - فما أَدَعُ السَّفارة بين قومي ... وما أَسْعلى بغِشٍّ إنْ مَشَيْتُ وأَسْفَرَتِ المرأةُ: كَشَفَتْ نِقابها.

عبس 80:17

قوله: {مَآ أَكْفَرَهُ} : إمَّا تعجبٌ، وإمَّا استفهامُ تعجبٍ.

عبس 80:20

قوله: {ثُمَّ السبيل يَسَّرَهُ} : يجوزُ أَنْ يكونَ الضميرُ للإِنسانِ. والسبيل ظرفٌ، أي: يَسَّر للإِنسان الطريقَ، أي: طريق الخيرِ والشرِّ كقولِه: {وَهَدَيْنَاهُ النجدين} [البلد: 10] . وقال أبو البقاء: «ويجوز أن ينتصِبَ بأنه مفعولٌ ثانٍ ل يَسَّره، والهاء للإِنسان، أي: يَسَّره السبيلَ، أي: هداه له» . قلت: فلا بُدَّ مْن تضمينِه معنى أَعْطى حتى يَنْصِبَ اثنين، أو يُحْذفُ حرفُ الجرِّ، أي: يَسَّره للسبيل، ولذلك قَدَّره بقولِه: هداه له. ويجوزُ أَنْ يكون «السبيل» منصوباً على الاشتغال بفعلٍ مقدرٍ، والضميرُ له، تقديره: ثم يَسَّر السبيلَ يَسَّره، أي: سَهَّله للناسِ كقوله: {أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى} [طه: 50] ، وتقدَّم مثلُه في قولِه: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السبيل} [الإِنسان: 3] .

عبس 80:21

قوله: {فَأَقْبَرَهُ} : أي: جَعَلَ له قَبْراً. يُقال: قَبَرَه إذا دَفَنَه وأَقْبَره، أي: جَعَلَه بحيث يُقْبَرُ، وجَعَلَ له قبراً، والقابِرُ: الدافنُ بيده. قال الأعشى: 4501 - لو أَسْنَدَتْ مَيْتاً إلى نَحْرِها ... عاشَ ولم يُنْقَلْ إلى قابِرِ

عبس 80:22

قوله: {شَآءَ} : مفعولُه محذوفٌ، أي: شاءَ إنْشارَه. وأَنْشَرَه: جوابُ «إذا» . وقرأ شعيبُ بن أبي حمزة نَشَره ثلاثياً، ونقلها أبو الفضلِ أيضاً وقال: «هما لغتان بمعنى الإِحياء» .

عبس 80:23

قوله: {مَآ أَمَرَهُ} : «ما» موصولةٌ. قال أبو البقاء: «بمعنى الذي، والعائدُ محذوفٌ، أي: ما أمره به» . قلت: وفيه نظرٌ من حيث إنَّه قَدَّر العائدَ مجروراً بحرفٍ لم يَجُرَّ الموصولَ: ولا أمره به. فإنْ قلت: «أمرَ» يتعدَّى إليه بحَذْفِ الحرفِ فأُقَدِّرُه غيرَ مجرورٍ. قلت: إذا قَدَّرْتَه غيرَ مجرورٍ: فإمَّا أَنْ تقدِّرَه متصلاً أو منفصلاً، وكلاهما مُشْكِلٌ؛ لِما قَدَّمْتُ في أولِ البقرة عند قوله تعالى: {وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [البقرة: 3] .

عبس 80:25

قوله: {أَنَّا صَبَبْنَا المآء صَبّاً} : قرأ الكوفيون «أنَّا» بفتح الهمزة غيرَ ممالةِ الألف. والباقون بالكسر. والحسنُ بن عليّ بالفتحِ والإِمالةِ. فأمَّا القراءةُ الأولى ففيها ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنها بدلٌ مِنْ «طعامِه» فتكونُ في محلِّ جر. استشكل بعضُهم هذا الوجهَ، وَرَدَّه: «بأنه ليس الأولَ فيُبْدَلَ منه؛ لأنَّ الطعامَ ليس صَبَّ الماءِ. ورُدَّ على هذا بوجهَيْن، أحدهما: أنَّه بدلُ كلٍّ مِنْ كلّ بتأويلٍ: وهو أنَّ المعنى: فَلْيَنْظُرِ الإِنسانُ إلى إنعامِنا في طعامِه فصَحَّ البدلُ، وهذا ليسَ بواضح. والثاني: أنَّه مِنْ بدلِ الاشتمالِ بمعنى: أنَّ صَبَّ الماءِ سببٌ في إخراجِ الطعامِ فهو مشتملٌ عليه بهذا التقدير. وقد نحا مكي إلى هذا فقال: لأنَّ هذه الأشياءَ مشتملةٌ على الطعامِ، ومنها يتكوَّنُ؛ لأنَّ معنى» إلى طعامه «: إلى حدوثِ طعامهِ كيف يتأتَّى؟ فالاشتمالُ على هذا إنما هو من الثاني على الأولِ؛ لأنَّ الاعتبارَ إنما هو في الأشياءِ التي يتكوَّن منها الطعامُ لا في الطعامِ نفسِه» . والوجه الثاني: أنَّها على تقديرِ لامِ العلةِ، أي: فلينظُرْ لأِنَّا، ثم حُذِفَ الخافضُ فجرى الخلافُ المشهورُ في محلِّها. والوجهُ الثالث: أنَّها في محلِّ رفعٍ خبراً لمبتدأ محذوفٍ، أي: هو أنَّا صَبَبْنا، وفيه ذلك النظرُ المتقدِّم؛ لأنَّ الضميرَ إنْ عاد على الطعام فالطعامُ ليس هو نفسَ الصَّبِّ، وإنْ عاد على غيرِه فهو غيرُ معلومٍ، وجوابُه ما تقدَّمَ. وأمّا القراءةُ الثانية فعلى الاستئنافِ تعديداً لِنِعَمِه عليه. وأمَّا القراءةُ الثالثةُ فهي «أنَّى» التي بمعنى «كيف» وفيها معنى التعجبِ، فهي على هذه القراءةِ كلمةٌ واحدةٌ، وعلى غيرِها كلمتان.

عبس 80:28

قوله: {وَقَضْباً} : القَضْبُ هنا قيل: الرُّطَبُ لأنه يُقْضَبُ من النخلِ، أي: يُقْطَعُ. ورجَّحه بعضُهم بذِكْرِه بعد قوله: «وعِنَباً» وكثيراً ما يَقْترنان. وقيل: القَتُّ، كذا يُسَمِّيه أهلُ مكة. وقيل: كلُّ ما يُقْضَبُ من البُقولِ لبني آدم. وقيل: هو الرَّطْبَةُ. والمقاضِبُ: الأرضُ التي تُنْبِتُها. قال الراغب: «والقَضيب كالقَضْب، لكنَّ القضيبَ من فروع الشجرِ، والقَضْبَ في البَقْلِ. والقَضْبُ أي: بالفتح قَطْعُ القَضْبِ والقَضيبِ، وعنه عليه السلام:» أنه كان إذا رأى في ثوبٍ تَصْليباً قَضَبَه «وسيفٌ قاضِبٌ وقَضيبٌ، أي: قاطعٌ، فقضيب هنا بمعنى فاعِل، وفي الأولِ بمعنى مَفْعول، وناقة قَضِيب لِما يُؤْخَذُ من بين الإِبلِ ولم تُرَضْ، وكلُّ ما لم يُهَذَّبْ فهو مقتضَبٌ، ومنه» اقتضابُ الحديثِ « لِما لم يُتَرَوَّ ويُهَذَّبْ. وقال الخليل:» القضيب: أغصانُ الشجرِ ليُتَّخَذَ منها قِسِيٌّ/ أو سِهامٌ.

عبس 80:30

قوله: {غُلْباً} : جمعُ أَغْلَب وغَلْباء كحُمْر في أَحْمر وحَمْراء. يقال: حديقةٌ غَلْباءُ، أي: غليظةُ الشجرِ ملتفَّتُه، واغْلَوْلَبَ العُشْبُ، أي: غَلُظَ. وأصلُه في وصفِ الرِّقاب. يقال: رجلٌ أغلبُ، وامرأةٌ غَلْباءُ، أي: غليظا الرَّقَبةِ. قال عمرو بن معدي كرب: 4502 - يَسْعَى بها غُلْبُ الرِّقابِ كأنَّهُمْ ... بُزْلٌ كُسِيْنَ من الكُحَيْلِ جِلالا والغَلَبَةُ: القَهْرُ، أن تَنالَ وتُصيبَ غَلَبَةَ رقبتِه، هذا أصله.

عبس 80:31

قوله: {وَأَبّاً} : الأبُّ للبهائم بمنزلةِ الفاكهةِ للناس. وقيل: هو مُطْلَقُ المَرْعى. قال بعضُهم يمدح النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم: 4503 - له دَعْوَةٌ مَيْمونَةٌ ريحُها الصَّبا ... بها يُنْبِتُ اللَّهُ الحَصيدةَ والأَبَّا وقيل: الأبُّ يابِسُ الفاكهةِ، وسُمِّي المَرْعى أبَّاً لأنه يُؤَمُّ ويُنْتَجَعُ، والأَبُّ والأَمَّ بمعنىً. قال: 4504 - جِذْمُنا قَيْسٌ ونَجْدٌ دارُنا ... ولنا الأَبُّ بِها والمَكْرَعُ وأبَّ لكذا، أي: تَهَيَّأ، يَؤُبُّ أبَّاً وأَبابة وأَباباً. وأبَّ إلى وطنِهِ، إذا نَزَعَ إليه نُزوعاً، تَهَيَّأَ لِقَصْدِه، وكذا أبَّ لِسَيْفِه، أي: تهيَّأ لِسَلِّه. وقولُهم: «إبَّانَ ذلك» هو فِعْلان منه، وهو الزمانُ المُهَيَّأُ لفِعْلِه ومجيئِه.

عبس 80:33

قوله: {الصآخة} : الصَّيحَةُ التي تَصُخُّ الآذانَ، أي: تَصُمُّها لشِدَّةِ وَقْعَتِها. وقيل: هي مأخوذةٌ مِنْ صَخَّه بالحجَرِ، أي: صَكَّه به. وقال الزمخشري: «صَخَّ لحديثِه مثلَ أصاخ فوُصِفَتِ النَّفْخَةُ بالصاخَّة مجازاً؛ لأنَّ الناسَ يَصِخُّون لها» . وقال ابن العربي: «الصَّاخَّة: التي تُوْرِثُ الصَّمَمَ، وإنها لَمُسْمِعَةٌ، وهذا مِنْ بديع الفصاحة كقوله: 4505 - أصَمَّهُمْ سِرُّهُمْ أيَّامَ فُرْقَتِهمْ ... فهل سَمِعْتُمْ بسِرٍ يُوْرِث الصَّمَما وقال: 4506 - أَصَمَّ بك النَّاعي وإنْ كانَ أَسْمَعا ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وجوابُ» إذا «محذوفٌ، يَدُلُّ عليه قولُه {لِكُلِّ امرىء مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} ، أي: التقديرُ: فإذا جاءَتِ الصَّاخةُ اشتغلَ كلُّ أحدٍ بنفسِه.

عبس 80:34

قوله: {يَوْمَ يَفِرُّ} : بدلٌ مِنْ «إذا» ، ولا يجوزُ أَنْ يكونَ «يُغْنِيْه» عاملاً في «إذا» ولا في «يومَ» لأنه صفةٌ لشَأْن، ولا يتقدَّمُ معمولُ الصفةِ على موصوفِها. والعامَّةُ على «يُغْنيه» من الإِغناء، وابن محيصن والزُّهريُّ وابن أبي عبلة وحميد وابن السَّمَيْفَع «يَعْنِيه» بفتح الياء وبالعينِ المهملةِ، مِنْ قولِهم: عَناني الأمرُ، أي: قَصَدني.

عبس 80:40

قوله: {غَبَرَةٌ} : الغَبَرَةُ: الغُبارُ، والقَتَرَةُ: سَوادٌ كالدُّخان. وقال أبو عبيدة: «القَتَرُ في كلامِ العربِ: الغبارُ جمعُ القَتَرة» . قال الفرزدق: 4507 - مُتَوَّجٌ برِداءِ المُلْكِ يَتْبَعُه ... مَوْجٌ ترى فوقَه الراياتِ والقَتَرا قلت: وفي عطفِه على الغَبَرة ما يَرُدُّ هذا، إلاَّ أَنْ يقولَ: لَمَّا اختلفَ اللفظانِ حَسُن العطفُ كقولِه: 4508 -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . كَذِباً ومَيْنا وقوله: 4509 -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . النَّأْيُ والبُعْدُ وهو خلافُ الأصلِ. والعامَّةُ على فتحِ التاءِ مِنْ «قَتَرة» ، وأَسْكنها ابنُ أبي عبلة.

التكوير 81:1

قوله: {إِذَا الشمس} : في ارتفاع «الشمسِ» وجهان، أصحُّهما: أنها مرفوعةٌ بفعلٍ مقدرٍ مبنيٍّ للمفعول، حُذِف وفَسَّره ما بعده على الاشتغالِ. والرفعُ على هذا الوجهِ أعني إضمارَ الفعل واجبٌ عند البصريين؛ لأنهم لا يُجيزون أَنْ يَلِيَها غيرُه، ويتأوَّلون ما أَوْهَمَ خلافَ ذلك، والثاني: أنها مرفوعةٌ بالابتداء، وهو قول الكوفيين والأخفش لظواهرَ قد جاءَتْ في الشعر، وانتصر له ابنُ مالك وهناك أظهَرْتُ معه البحثَ. وقال الزمخشري: «ارتفاعُ الشمسُ على الابتداءِ أو الفاعليةِ. قلت: بل على الفاعليةِ» ثم ذكرَ نحوَ ما تقدم. ويعني بالفاعليةِ ارتفاعَها بفعلٍ في الجملةِ، وقد مرَّ أنه يُسَمَّى مفعولُ ما لم يُسَمَّ فاعلُه فاعلاً. وتقدَّم تفسير التكوير في أوّلِ «تنزيلُ» . وارتفاعُ «النجوم» وما بعدَها كما تقدَّم في «الشمس» .

التكوير 81:2

والاْنكِدار: الانتثارُ، أي: انصَبَّتْ كما يَنْصَبُّ العُقابُ إذا كُسِرَتْ. قال العَجَّاجُ يصفُ صَقْراً: 4510 - أَبْصَرَ خِرْبانَ الفَلاةِ فانكَدَرْ ... تَقَضِّيَ البازيْ إذا البازيْ كَسَرْ

التكوير 81:4

والعِشار: جمع عُشَراء، وهي الناقةُ التي مَرَّ لِحَمْلِها عشرةُ أشهرٍ، ثم هو اسمُها إلى أَنْ تَضَعَ في تمام السنةِ، وكذلك «نِفاس» في جَمْع نُفَساء. وقيل: العِشارُ: السَّحابُ. وعُطِّلت، أي: لا تُمْطر. وقيل: الأرضُ التي تَعَطَّل زَرْعُها. والتَّعْطيل: الإِهمالُ. ومنه قيل للمرأة: «عاطِلٌ» إذا لم يكُنْ عليها حُلِيّ. وتقدَّم/ في «بئرٍ مُعَطَّلةٍ» . وقال امرؤ القيس: 4511 - وجِيْدٍ كجِيْدِ الرِّئْمِ ليس بفاحشٍ ... إذا هي نَصَّتْهُ ولا بمُعَطَّلِ وقرأ ابنُ كثير في روايةٍ «عُطِلت» بتخفيفِ الطاءِ. قال الرازي: «هو غَلَطٌ، إنما هو» عَطَلَتْ «بفتحتَيْنَ بمعنى تَعَطَّلَتْ؛ لأنَّ التشديدَ فيه للتعدي. يُقال: عَطَّلْتُ الشيءَ وأَعْطَلْتُه فَعَطَلَ» . والوحوش: ما لم يَتَأنَّسْ من حيوانِ البَرِّ. والوَحْشُ أيضاً: المكانُ الذي لا أُنْسَ فيه، ومنه لَقِيْتُه بوَحْشِ إصْمِت، أي: ببلدٍ قَفْر. والوحشُ: الذي يَبيت جوفُه خالياً من الطعام، وجمعُه أَوْحاش، ويُسَمَّى المنسوبُ إلى المكانِ الوَحْشِ: وَحْشِيّ، وعَبَّر بالوَحْشِيِّ عن الجانبِ الذي يُضادُّ الإِنسيَّ، والإِنسيُّ ما يُقْبَلُ من الإِنسان، وعلى هذا وحشيُّ الفَرَس وإنْسِيُّه. وقرأ الحسن وابن ميمون بتشديد الشينِ مِنْ حُشِّرَتْ.

التكوير 81:6

قوله: {سُجِّرَتْ} : قرأ ابن كثير وأبو عمروٍ «سُجِرَتْ» بتخفيف الجيم، والباقون بتثقيلِها على المبالغةِ والتكثيرِ. وتقدَّم اشتقاقُ هذه المادةِ.

التكوير 81:7

قوله: {زُوِّجَتْ} : العامَّةُ على تشديد الواوِ مِنْ التزويجِ، ورُوي عن عاصمٍ «زُوْوِجَتْ» على فُوْعِلَتْ. قال الشيخ: «والمُفَاعَلَةُ تكون بين اثنين» انتهى. قلت: وهي قراءةٌ مُشْكِلَةٌ: لأنه ينبغي أَنْ يُلفَظَ بواوٍ ساكنةٍ أخرى مكسورةٍ. وقد تقدَّم لك أنَّه اجتمع مِثْلان، وسَكنَ أوَّلُهما وَجَبَ الإِدغام حتى في كلمتين، ففي كلمةٍ واحدةٍ بطريقِ الأَوْلى.

التكوير 81:8

قوله: {الموءودة} : هي البنتُ تْدْفَنُ حيةً مِنْ الوَأْدِ، وهو الثِّقَلُ؛ لأنَّها تُثْقَلُ بالترابِ والجَنْدَل. يقال: وَأَدَه يَئِدُهُ كوَعَدَه يَعِدُه. وقال الزمخشري: «وَأَدَ يَئِدُ، مقلوبٌ مِنْ آد يَؤُوْد إذا أَثْقَلَ. قال اللَّهُ تعالى: {وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا} [البقرة: 255] لأنه إثْقالٌ بالتراب» . قال الشيخ: «ولا يُدَّعى ذلك؛ لأنَّ كلاً منهما كاملُ التصرُّفِ في الماضي والأمرِ والمضارعِ والمصدرِ واسمِ الفاعلِ واسمِ المفعولِ، وليس فيه شيءٌ مِنْ مُسَوِّغات ادِّعاءِ القَلْبِ. والذي يُعْلَمُ به الأصالةُ مِنْ القَلْب: أَنْ يكونَ أحدُ النَّظْمَيْن فيه حُكْمٌ يَشْهَدُ له بالأصالةِ، والآخرُ ليس كذلك أو كونُه مجرداً من حروف الزيادة والآخر فيه مزيداً، وكونُه أكثرَ تصرفاً والآخر ليس كذلك، أو أكثرَ استعمالاً من الآخرِ، وهذا على ما قُرِّرَ وأُحْكِمَ في علمِ التصريفِ. فالأول: كيَئِس وأيِسَ. والثاني: كَطَأْمَنْ واطمأنَّ. والثالث: كشوايع وشواعِي. والرابع: كلَعَمْري ورَعَمْلي» . وقرأ العامَّةُ: «المَوْءُوْدَة» بهمزةٍ بينَ واوَيْن ساكنتَيْن كالمَوْعودة. وقرأ البزيُّ في روايةٍ بهمزةٍ مضمومةٍ ثم واوٍ ساكنةٍ. وفيها وجهان، أحدُهما: أَنْ تكونَ كقراءةِ الجماعة ثم نَقَلَ حركةَ الهمزةِ إلى الواوِ قبلها، وحُذِفَتِ الهمزةُ، فصار اللفظُ المَوُوْدَة: واوٌ مضومةٌ ثم أخرى ساكنةٌ، فقُلبت الواوُ المضمومةُ همزةً نحو: «أُجوه» في وُجوه، فصار اللفظُ كما ترى، ووزنُها الآن المَفُوْلة؛ لأنَّ المحذوفَ عينُ الكلمةِ. والثاني: أَنْ تكونَ الكلمةُ اسمَ مفعولٍ مِنْ آدَه يَؤُوده مثلَ: قاده يَقُوده. والأصلُ: مأْوُودة، مثلَ مَقْوُوْدة، ثم حَذَفَ إحدى الواوين على الخلافِ المشهورِ في الحَذْفِ مِنْ نحوِ: مَقُوْل ومَصُوْن فوزنُها الآن: إمَّا مَفُعْلَة إنْ قلنا: إنَّ المحذوفَ الواوَ الزائدةُ، وإمَّا مَفُوْلة إنْ قُلْنا: إنَّ المحذوفَ عينُ الكلمةِ، وهذا يُظْهِرُ فَضْلَ عِلْمِ التصريفِ. وقُرِىءَ «المَوُوْدة» بضمِّ الواو الأولى على أنه نَقَل حركةَ الهمزةِ بعد حَذْفِها ولمَ يَقْلِبَ الواوَ همزةً. وقرأ الأعمش «المَوْدَة» بزنةِ المَوْزَة. وتوجيهُه: أنه حَذَفَ الهمزةَ اعتباطاً، فالتقى ساكنان، فحَذَفَ ثانيهما، ووزنُها المَفْلَة؛ لأنَّ الهمزةَ عينُ الكلمةِ، وقد حُذِفَتْ. وقال مكي: «بل هو تخفيفٌ قياسِيٌّ؛ وذلك أنَّه لمَّا نَقَل حركةَ الهمزةِ إلى الواوِ لم يَهْمِزْها، فاستثقلَ الضمَّةَ عليها، فسَكَّنها، فالتقى ساكنان فحَذَفَ الثاني، وهذا كلُّه خروجٌ عن الظاهرِ، وإنما يظهر في ذلك ما نَقَله القُرَّاء في وقفِ حمزةَ: أنه يقفُ عليها كالمَوْزَة. قالوا: لأجل الخطِّ لأنها رُسِمَتْ كذلك، والرسمُ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ. والعامَّةُ على» سُئِلت «مبنياً للمفعولِ مضمومَ السين. والحسنُ بكسرِها مِنْ سال يَسال كما تقدَّم. وقرأ أبو جعفر» قُتِّلَتْ «بتشديد التاءِ على التكثيرِ؛ لأنَّ المرادَ اسمُ الجنسِ، فناسبَه التكثيرُ. وقرأ عليٌّ وابن معسود وابن عباس» سَأَلَتْ «مبنياً للفاعل،» قُتِلْتُ «بضمِّ التاءِ الأخيرة التي للمتكلم حكايةً لكلامِها. وعن أُبَيّ وابن مسعود أيضاً وابن يعمرَ» سَأَلَتْ «مبنياً للفاعل،» قُتِلَتْ «بتاءِ التأنيث الساكنةِ كقراءةِ العامة.

التكوير 81:10

قوله: {نُشِرَتْ} : قرأ الأخَوان وابن كثير وأبو عمرو بالتثقيل. والباقون بالتخفيف. ونافعٌ وحفصٌ وابنُ ذكوانَ/ «سُعِّرَتْ» بالتثقيل، والباقون بالتخفيف.

التكوير 81:14

قوله: {عَلِمَتْ} : هذا جوابُ «إذا» أولَ السورةِ وما عُطِفَ عليها. قوله: {كُشِطَتْ} [التكوير: 11] ، أي: قُشِرَتْ، مِنْ قولهم: كَشَطَ جِلْدَ الشاةِ، أي: سَلَخَها. وقرأ عبد الله «قُشِطَتْ» بالقاف، وقد تقدَّم أنهما يَتعقبان كثيراً، وأنه قُرِىء «قافوراً» و «كافوراً» في {هَلْ أتى عَلَى الإنسان} .

التكوير 81:15

قوله: {بالخنس} : جمعُ خانِس، والخُنُوس: الانقباضُ. يقال: خَنَسَ من القوم وانْخَنَسَ. وفي الحديث: «فانْخَنَسْتُ» ، أي: اسْتَخْفَيْتُ. والخَنَسُ: تأخُّرُ الأَنْفِ عن الشَّفَة مع ارتفاع الأَرْنَبةِ قليلاً. ويقال: رجلٌ أَخْنَسُ وامرأةُ خَنْساءُ. ومنه الخَنساءُ الشاعرة. والخُنَّسُ في القرآن قيل: كواكبُ سبعةٌ: القمران وزُحَلُ والزهرةُ والمُشْتري والمَرِّيخ وعُطارِد. والكُنَّسُ: الدَّاخلة في الكِناس وهو بيتُ الوحشِ. والجواري: جمعُ جارية. وقيل: هي بَقَرُ الوحشِ؛ لأنَّ هذه صفتُها وقيل: الظِّباء، قالوا: لأنَّ الخَنَسَ يكون فيها.

التكوير 81:17

قوله: {عَسْعَسَ} : يقال: عَسْعَسَ وسَعْسَعَ أقبل. قال العَجَّاج: 4512 - حتى إذا الصُّبْحُ لها تَنَفَّسا ... وانْجابَ عنها ليلُها وعَسْعَسا أي: أَدْبَر. وقيل: هو لهما على طريق الاشتراك. وقيل: أَدْبَرَ بلغةِ قريشٍ خاصةً. وقيل: أقبل ظلامُه، ويُرَجِّحُه مقابلتُه بقولِه {والصبح إِذَا تَنَفَّسَ} وهذا هو قريبٌ من إدْباره.

التكوير 81:20

قوله: {عِندَ ذِي العرش} : يجوزُ أَنْ يكونَ نعتاً ل «رسولٍ» ، وأن يكونَ حالاً مِنْ «مَكين» ، وأصلُه الوصفُ، فلمَّا قُدِّمُ نُصِبَ حالاً.

التكوير 81:21

قوله: {ثَمَّ أَمِينٍ} : العامَّةُ على فَتْحِ الثاءِ؛ لأنَّه ظرفُ مكانٍ للبعيدِ. والعاملُ فيه «مُطاعٍ» . وأبو البرهسم وأبو جعفر وأبو حيوة بضمِّها جعلوها عاطفةً، والتراخي هنا في الرتبةِ؛ لأنَّ الثانية أعظمُ من الأولى.

التكوير 81:24

قوله: {بِضَنِينٍ} : قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بالظاء بمعنى مُتَّهم، مِنْ ظنَّ بمعنى اتَّهم فيتعدَّى لواحدٍ. وقيل: معناه بضعيفِ القوةِ عن التبليغ مِنْ قولِهم: «بئرٌ ظَنُوْنٌ» ، أي: قليلةُ الماءِ. وفي مصحفِ عبد الله كذلك، والباقون بالضاد بمعنى: ببخيلٍ بما يأتيه من قِبَلِ ربِّه، إلاَّ أنَّ الطبريَّ نَقَلَ أنَّ الضادَ خطوطُ المصاحفِ كلِّها، وليس كذلك لِما مرَّ، وكان رسولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقرأ بها، وهذا دليلٌ على التمييز بين الحرفين، خِلافاً لمَنْ يقول: إنه لو وقع أحدُهما مَوْقِعَ الآخرِ لجاز، لِعُسْرِ معرفتِه. وقد شَنَّعَ الزمخشري على مَنْ يقول ذلك، وذكر بعضَ المخارج وبعضَ الصفاتِ، بما لا يَليق التطويلُ فيه. و «على الغيب» متعلقٌ ب «ظَنِين» أو «بضَنِين» .

التكوير 81:26

قوله: {فَأيْنَ تَذْهَبُونَ} : «أين» منصوبٌ ب «تَذْهبون» لأنه ظرفٌ مُبْهَمٌ. وقال أبو البقاء: «أي: إلى أين، فحذف حرفَ الجر كقولك: ذهبتُ الشامَ. ويجوزُ أَنْ يُحْمَلَ على المعنى كأنه قال: أين تؤمنون» . يعني أنه على الحذفِ، أو على التضمين. وإليه نحا مكي أيضاً، ولا حاجة إلى ذلك البتة؛ لأنه ظرفُ مكانٍ مبهمٌ لا مُخْتَصٌّ.

التكوير 81:28

قوله: {لِمَن شَآءَ} : بدلٌ مِنْ «العالمين» بإعادةِ العاملِ، وعلى هذا فقولُه «أن يَسْتقيمَ» مفعولُ «شاء» ، أي: لمَنْ شاء الاستقامة، ويجوزُ أَنْ يكونَ «لمَنْ شاء» خبراً مقدماً، ومفعول «شاء» محذوفٌ، و «أَنْ يَسْتَقيم» مبتدأ. وقد مَرَّ له نظيرٌ.

التكوير 81:29

قوله: {إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله رَبُّ العالمين} : أي: إلاَّ وقتَ مشيئةِ الله، وقال مكي: «وأنْ في موضع خفضٍ بإضمارِ الباءِ، أو في موضعِ نصبٍ بحذفِ الخافضِ» يعني أنَّ الأصلَ: إلاَّ بأَنْ، وحينئذٍ تكونُ للمصاحبة.

الانفطار 82:3

قوله: {فُجِّرَتْ} : العامَّةُ على بنائِه للمفعول مثقَّلاً. وقرأ مجاهد مبنياً للفاعل مخففاً، من الفُجور، نظراً إلى قولِه: {بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ} [الرحمن: 20] ، فلمَّا زال البَرْزَخُ بَغَيا. وقرأ مجاهد أيضاً والربيع ابن خُثَيْم والزعفرانيُّ والثوري مبنياً للمفعول مخففاً.

الانفطار 82:4

قوله: {بُعْثِرَتْ} : أي: قُلِبَتْ. يقال: بَعْثَره وبَحْثَرَه بالعين والحاء. قال الزمخشري: «وهما مركبان من البَعْث والبَحْث مضموماً إليهما راءٌ» يعني: أنهما ممَّا اتَّفق معناهما؛ لأنَّ الراءَ مزيدةٌ فيهما إذ ليَسْت مِنْ حروفِ الزيادةِ، وهذا ك «دَمِث ودِمَثْرٍ، وسَبِطَ وسِبَطْر. و» عَلِمَتْ «جوابُ» إذا «.

الانفطار 82:6

قوله: {مَا غَرَّكَ} : العامَّةُ على «غَرَّك» ثلاثياً و «ما» استفهاميةٌ في محلِّ رفع بالابتداء. وقرأ ابن جبير والأعمش «ما أَغَرَّك» فاحتمل أَنْ تكونَ استفهاميةً، وأن تكونَ تعجبيةً. ومعنى أغرَّه: أدخله في الغِرَّة أو جعله غارَّاً.

الانفطار 82:7

قوله: {الذي خَلَقَكَ} : يحتمل الإِتباعَ على البدلِ والبيان والنعتِ، والقطعَ إلى الرفع أو النصبِ. قوله: {فَعَدَلَكَ} قرأ الكوفيون «عَدَلَك، مخففاً. والباقون/ مثقلاً. فالتثقيل بمعنى: جَعَلكَ متناسِبَ الأطرافِ، فلم يجعَلْ إحدى يَدَيْكَ أو رِجْلَيْكَ أطولَ، ولا إحدى عينَيْك أَوْسَعَ، فهو من التَّعْديلِ. وقراءةُ التخفيفِ تحتمل هذا، أي: عَدَلَ بعضَ أعضائِك ببعضٍ. وتحتمل أَنْ تكونَ من العُدولِ، أي: صَرَفَك إلى ما شاء من الهيئاتِ والأشكالِ والأشباهِ.

الانفطار 82:8

قوله: {في أَىِّ صُورَةٍ} : يجوز فيه أوجهٌ، أحدُها: أَنْ يتعلَّقُ ب «رَكَّبَكَ» و «ما» مزيدةٌ على هذا، و «شاءَ» صفةٌ ل «صورةٍ» ، ولم يَعْطِفْ «رَكَّبَكَ» على ما قبله بالفاءِ، كما عَطَفَ ما قبلَه بها؛ لأنه بيانٌ لقولِه: «فَعَدَلَكَ» . والتقدير: فَعَدَلَكَ: ركَّبك في أيِّ صورةٍ من الصورِ العجيبةِ الحسنةِ التي شاءها. والمعنى: وَضَعَكَ في صورةٍ اقتضَتْها مَشيئتُه: مِنْ حُسْنٍ وقُبْحٍ وطُولٍ وقِصَرٍ وذُكورةٍ وأُنوثةٍ. الثاني: أَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه حالٌ، أي: رَكَّبك حاصلاً في بعض الصور. الثالث: أنه يتعلَّقُ بعَدَلَكَ، نقله الشيخ عن بعض المتأوِّلين، ولم يَعْتَرِضْ عليه، وهو مُعْتَرَضٌ: بأنَّ في «أيّ» معنى الاستفهام، فلها صدرُ الكلام فكيف يعمل فيها ما تقدَّمَها؟ وكأنَّ الزمخشري استشعر هذا فقال: «ويكونُ في» أيّ «معنى التعجبِ، أي: فَعَدَلَكَ في أيِّ صورةٍ عجيبةٍ» . وهذا لا يَحْسُنُ أَنْ يكونَ مُجَوِّزاً لِتَقَدُّمِ العاملِ على اسمِ الاستفهامِ، وإنْ دَخَلَه معنى التعجب. ألا ترى أنَّ كيف وأنَّى وإنْ دَخَلهما معنى التعجبِ لا يتقدَّم عاملُهما عليهما. وقد اختلف النحويون في اسم الاستفهام إذا قُصِدَ به الاستثباتُ: هل يجوزُ تقديمُ عاملِه أم لا؟ والصحيح أنه لا يجوزُ، وكذلك لا يجوز أن يتقدَّمَ عاملُ «كم» الخبريةِ عليها لشَبَهِها في اللفظ بالاستفهاميةِ فهذا أَوْلَى، وعلى تعلُّقِها ب «عَدَلَكَ» تكون «ما» منصوبةً ب «شاء» ، أي: رَكَّبَكَ ما شاءَ من التركيبِ، أي: تركيباً حَسَناً، قاله الزمخشري، فظاهرُه أنها منصوبةٌ على المصدر. وقال أبو البقاء: «ويجوز أَنْ تكونَ» ما «زائدةً، وأَنْ تكونَ شرطيةً، وعلى الأمرَيْن: الجملةُ نعتٌ ل» صورة «، والعائدُ محذوفٌ، أي: رَكَّبك عليها. و» في «تتعلَّقُ ب» رَكَّبك «. وقيل: لا موضعَ للجملةِ؛ لأن» في «تتعلَّقُ بأحد الفعلَيْن، والجميعُ كلامٌ واحدٌ، وإنما تقدُّمُ الاستفهامِ على» ما «هو حَقُّه. قوله:» بأحد الفعلَيْنِ «يعني: شاءَ ورَكَّبك. وتَحَصَّل في» ما «ثلاثةُ أوجهٍ: الزيادةُ، وكونُها شرطيَّةً، وحيئنذٍ جوابُها محذوفٌ، والنصبُ على المصدريةِ، أي: واقعةٌ موقعَ مصدرٍ.

الانفطار 82:9

والعامَّةُ: «يُكَذِّبُون» خطاباً. والحسن وأبو جعفر وشَيْبَةُ بياء الغَيْبة.

الانفطار 82:10

قوله: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ} : يجوزُ أَنْ تكونَ الجملةُ حالاً مِنْ فاعل تُكَذِّبون، أي: تُكَذِّبُون والحالةُ هذه، ويجوز أَنْ تكونَ مستأنفةً، أخبرهم بذلك لينزَجِروا.

الانفطار 82:12

قوله: {يَعْلَمُونَ} : يجوزُ أَنْ يكونَ نعتاً، وأَنْ يكونَ حالاً من ضمير «كاتبين» ، وأَنْ يكونَ نعتاً ل «جحيم» ، وأَنْ يكونَ مستأنفاً.

الانفطار 82:15

قوله: {يَصْلَوْنَهَا} : يجوزُ فيه أَنْ يكونَ حالاً من الضمير في الجارِّ لوقوعِه خبراً، وأَنْ يكونَ مستأنفاً. وقرأ العامَّةُ « يَصْلَوْنَها» مخففاً مبنياً للفاعل. وابن مقسم مشدَّداً مبيناً للمفعولِ، وتقدَّم مثلُه.

الانفطار 82:19

قوله: {يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ} : قرأ ابن كثير وأبو عمرو برفع «يوم» على أنه خبرُ مبتدأ مضمرٍ، أي: هو يومُ. وجَوَّز الزمخشري أَنْ يكونَ بدلاً مِمَّا قبلَه، يعني قولَه: «يومَ الدين» . وقرأ أبو عمروٍ في روايةٍ «يومٌ» مرفوعاً منوناً على قَطْعِه عن الإِضافة، وجَعَلَ الجملةَ نعتاً له، والعائدُ محذوفٌ، أي: لا يَمْلِكُ فيه. وقرأ الباقون «يومَ» بالفتح. وقيل: هي فتحةُ إعرابٍ، ونصبُه بإضمار أعني أو يَتجاوزون، أو بإضمار اذكُرْ، فيكونُ مفعولاً به، وعلى رأي الكوفيين يكون خبراً لمبتدأ مضمر، وإنما بُني لإِضافتِه للفعل، وإن كان معرباً، كقولِه {هذا يَوْمُ يَنفَعُ} [المائدة: 119] وقد تقدَّم.

المطففين 83:1

قوله: {وَيْلٌ} : مبتدأٌ، وسَوَّغَ الابتداءَ به كونُه دعاءً. ولو نُصِبَ لجاز. وقال مكي: «والمختارُ في» وَيْل «وشبهِه إذا كان غيرَ مضافٍ الرفعُ. ويجوزُ النصبُ، فإنْ كانَ مضافاً أو مُعَرَّفاً كان الاختيارُ/ فيه النصبَ نحو: {وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ} [طه: 61] . و» للمُطَفِّفين «خبرُه. والمُطَفِّفُ: المُنَقِّصُ. وحقيقتُه: الأَخْذُ في كيلٍ، أو وَزْنٍ، شيئاً طفيفاً، أي: نَزْراً حقيراً، ومنه قولُهم:» دونَ الطَّفيف «، أي: الشيء التافِه لقلَّتِه.

المطففين 83:2

قوله: {عَلَى الناس} : فيه أوجهٌ: أحدُها: أنَّه متعلِّقٌ ب «اكْتالوا» و «على» و «مِنْ» تَعْتَقِبان هنا. قال الفراء: «يقال: اكْتَلْتُ على الناس: استَوْفَيْتُ منهم، واكْتَلْتُ منهم: أَخَذْتُ ما عليهم» وقيل: « على» بمعنى «مِنْ» . يقال: اكْتَلْتُ عليه ومنه، بمعنىً، والأولُ أوضحُ. وقيل: «على» تتعلَّقُ ب «يَسْتَوْفُون» . قال الزمخشري: «لَمَّا كان اكْتِيالُهم اكتيالاً يَضُرُّهُمْ ويُتَحامَلُ فيه عليهم أبدلَ» على «مكانَ» مِنْ «للدلالة على ذلك. ويجوزُ أن تتعلَّقَ ب» يَسْتَوْفون «، وقدَّم المفعولَ على الفعل لإِفادةِ الخصوصيةِ، أي: يَسْتَوْفون على الناس خاصةً، فأمَّا أنفسُهم فَيَسْتَوْفون لها» انتهى. وهو حسنٌ.

المطففين 83:3

قوله: {كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ} : رُسِمتا في المصحفِ بغير ألفٍ بعد الواوِ في الفعلَيْن، فمِنْ ثَمَّ اختلفَ الناسُ في «هم» على وجهين، أحدهما: هو ضميرُ نصبٍ، فيكونُ مفعولاً به، ويعودُ على الناس، أي: وإذا كالُوا الناسَ، أو وَزَنوا الناسَ. وعلى هذا فالأصلُ في هذَيْن الفعلَيْن التعدِّي لاثنين، لأحدِهما بنفسِه بلا خِلافٍ، وللآخرِ بحرفِ الجرِّ، ويجوزُ حَذْفُه. وهل كلٌّ منهما أصلٌ بنفسِه، أو أحدُهما أصلٌ للآخر؟ خلافٌ مشهورٌ. والتقدير: وإذا كالوا لهم طعاماً أو وَزَنُوه لهم، فحُذِف الحرفُ والمفعولُ المُسَرَّح. وأنشد الزمخشريُّ: 4513 - ولقد جَنَيْتُكَ أَكْمُؤاً وعَساقِلاً ... ولقد نَهْيْتُك عَن بناتِ الأَوْبَرِ أي: جَنَيْتُ لك. والثاني: أنه ضميرُ رفعٍ مؤكِّدٍ للواو. والضميرُ عائدٌ على المطففينِ، ويكونُ على هذا قد حَذَفَ المَكيلَ والمَكيلَ له والموزونَ والموزونَ لهُ. إلاَّ أنَّ الزمخشريَّ رَدَّ هذا، فقال: «ولا يَصِحُّ أَنْ يكونَ ضميراً مرفوعاً للمطفِّفين؛ لأنَّ الكلامَ يَخْرُجُ به إلى نَظْم فاسدٍ، وذلك أنَّ المعنى: إذا أخذوا من الناسِ اسْتَوْفُوا، وإذا أعطَوْهم أَخْسَروا. فإنْ جَعَلْتَ الضميرَ للمطفِّفين انقلبَ إلى قولِك: إذا أخذوا من الناسِ اسْتَوْفَوْا، وإذا تَوَلَّوا الكيلَ أو الوزنَ هم على الخصوص أَخْسَروا، وهو كلامٌ مُتَنَافِرٌ؛ لأنَّ الحديثَ واقعٌ في الفعل لا في المباشر» . قال الشيخ: «ولا تنافُرَ فيه بوجهٍ، ولا فرقَ بين أَنْ يؤكَّد الضميرُ أو لا يُؤَكَّد، والحديثُ واقعٌ في الفعل. غايةُ ما في هذا أنَّ متعلقَ الاستيفاء وهو على الناس مذكورٌ، وهو في {كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ} محذوفٌ للعلم به؛ لأنه من المعلوم أنهم لا يُخْسِرون ذلك لأنفسهم» . قلت: الزمخشريُّ يريدُ أَنْ يُحافظَ على أنَّ المعنى مرتبطٌ بشيئَيْن: إذا أخذوا مِنْ غيرِهم، وإذا أَعْطَوْا غيرَهم، وهذا إنما يَتِمُّ على تقديرِ أَنْ يكونَ الضميرُ منصوباً عائداً على الناس، لا على كونِه ضميرَ رفعٍ عائداً على المطفِّفين، ولا شكَّ أن هذا المعنى الذي ذكَره الزمخشريُّ وأرادَه أَتَمُّ وأَحسنُ مِنْ المعنى الثاني. ورجَّح الأوّلَ سقوطُ الألفِ بعد الواوِ، ولأنه دالٌّ على اتصالِ الضميرِ، إلاَّ أنَّ الزمخشري استدركه فقال: «والتعلُّقُ في إبطالِه بخطِّ المصحفِ وأنَّ الألفَ التي تُكتب بعد واوِ الجمع غيرُ ثابتةٍ فيه، ركيكٌ لأنَّ خَطَّ المصحفِ لم يُراعِ في كثيرٍ منه حَدَّ المصطلحِ عليه في علمِ الخطِّ، على أني رأيْتُ في الكتب المخطوطةِ بأيدي الأئمة المُتْقِنين هذه الألفَ مرفوضةً لكونِها غيرَ ثابتةٍ في اللفظِ والمعنى جميعاً؛ لأنَّ الواوَ وحدَها مُعْطِيَةٌ معنى الجَمْع، وإنما كُتِبت هذه الألفُ تَفْرِقَةً بين واوِ الجمعِ وغيرِها في نحو قولِك:» هم [لم] يَدْعُوا «، و» هو يَدْعُو «، فمَنْ لم يُثْبِتْها قال: المعنى كافٍ في التفرقةِ بينهما، وعن عيسى بنِ عمرَ وحمزةَ أنَّها يرتكبان ذلك، أي: يجعلان الضميرَيْن للمطففين، ويقفان عند الواوَيْن وُقَيْفَةً يُبَيِّنان بها ما أرادا» . ولم يَذْكُر فعلَ الوزنِ أولاً؛ بل اقتصر على الكيلِ، فقال: «إذا اكْتالوا» ولم يَقُلْ: أو اتَّزَنوا، كما قال ثانياً: أو وَزَنُوهم. قال الزمخشري: «كأنَّ المطفِّفين كانوا لا يأخذون ما يُكال ويُوْزَنُ إلاَّ بالمكاييلِ دون الموازينِ لتمكُّنهم بالاكتيالِ من الاستيفاءِ والسَّرِقَةِ؛ لأنَّهم يُدَعْدِعُون ويَحْتالون في المَلْء، وإذا أَعْطَوْا/ كالُوا ووزَنوا لتمكُّنِهم من البَخْسِ في النوعَيْن جميعاً» . قولُه: «يُخْسِرون» جوابُ «إذا» وهو مُعَدَّىً بالهمزة. يقال: خَسِرَ الرجلُ، وأَخْسَرْتُه أنا، فمفعولُه محذوفٌ، أي: يُخْسِرون الناسَ مَتاعَهم.

المطففين 83:4

قوله: {أَلا يَظُنُّ} : الظاهرُ أنَّها «ألا» التحضيضيةُ، حَضَّهم على ذلك، ويكونُ الظنُّ بمعنى اليقين. وقيل: هل لا النافيةُ دخَلَتْ عليها همزةُ الاستفهامِ.

المطففين 83:6

قوله: {يَوْمَ يَقُومُ} : يجوزُ نصبُه ب «مَبْعُوثون» ، قاله الزمخشري: أو ب يُبْعَثون «مقدَّراً، أو على البدلِ مِنْ محلِّ» يوم «، أو بإضمارِ» أَعْني «، أو هو مرفوعُ المحلِّ خبراً لمبتدأ مضمرٍ، أو مجرورٌ بدلاً من» ليومٍ عظيمٍ «، وإنما بُني في هذَيْن الوجهَيْن على الفتحِ لإِضافتِه للفعل، وإن كان مضارعاً، كما هو رأي الكوفيين، ويَدُلُّ على صحة هذَيْن الوجهين قراءةُ زيدِ بنِ علي» يومُ يقومُ «بالرفعِ، وما حكاه أبو معاذٍ القارىءُ» يوم «بالجرِّ على ما تقدَّم.

المطففين 83:7

قوله: {لَفِي سِجِّينٍ} : اختلفوا في نون «سِجِّين» . فقيل: هي أصليةٌ. اشتقاقهُ من السِّجْنِ وهو الحَبْسُ، وهو بناءُ مبالغةٍ، فسِجِّين من السَّجْنِّ كسِكِّير من السُّكْر. وقيل: بل هي بدلٌ من اللامِ، والأصلُ: سِجِّيْل، مشتقاً من السِّجِلِّ وهو الكتابُ. واختلفوا فيه أيضاً: هل هو اسمُ موضعٍ، أو اسمُ كتابٍ مخصوصٍ؟ وهل هو صفةٌ أو عَلَمٌ منقولٌ مِنْ وصفٍ كحاتِم. وهو مصروفٌ إذ ليس فيه إلاَّ سببٌ واحدٌ وهو العَلَمِيَّةُ، وإذا كان اسمَ مكانٍ، فقوله «كتابٌ مَرْقُوْمٌ» : إمَّا بدلٌ منه، أو خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، وهو ضميرٌ يعودُ عليه، وعلى التقديرَيْن فهو مُشْكِلٌ؛ لأنَّ الكتابَ ليس هو المكانَ فقيل: التقدير: هو مَحَلُّ كتابٍ، ثم حُذِفَ المضافُ. وقيل: التقديرُ: وما أدراك ما كتابُ سِجِّين؟ فالحذفُ، إمَّا مِنْ الأولِ، وإمَّا مِنْ الثاني: وأمَّا إذا قُلْنا: إنه اسمٌ ل «كتاب» فلا إشكال. وقال ابن عطية: «مَنْ قال: إنَّ سِجِّيناً موضعٌ فكتابٌ مرفوعٌ، على أنه خبرُ» إنّ «والظرفُ الذي هو» لفي سِجِّين «مُلْغَى، ومَنْ جعله عبارةً عن الخَسارة، فكتابٌ خبرُ مبتدأ محذوفٍ، التقدير: هو كتابٌ، ويكونُ هذا الكلامُ مفسِّراً لِسِجِّين ما هو؟» انتهى، وهذا لا يَصِحُّ البتة؛ إذ دخولُ اللامِ يُعَيِّنُ كونَه خبراً فلا يكونُ مُلْغى. لا يقال: اللامُ تَدْخُلُ على معمولِ الخبرِ فهذا منه فيكونُ مُلْغى؛ لأنه لو فُرِضَ الخبرُ وهو «كتابٌ» عاملاً أو صفتُه عاملةٌ وهو «مرقوم» لامتنعَ ذلك. أمَّا مَنْعُ عملِ «كتابٌ» فلأنَّه موصوف، والمصدرُ الموصوفُ لا يعمل. وأمَّا امتناعُ عملِ «مرقومٌ» فلأنَّه صفةٌ، ومعمولُ الصفةِ لا يتقدَّمُ على موصوفِها. وأيضاً فاللامُ إنما تدخُلُ على معمولِ الخبر بشرطِه، وهذا ليس معمولاً للخبرِ، فتعيَّنَ أَنْ يكونَ الجارُّ هو الخبرَ، وليس بملغى. وأمَّا قولُه ثانياً «ويكون هذا الكلامُ مفسِّراً لسِجِّين ما هو» فمُشْكِلٌ؛ لأنَّ الكتابَ ليس هو الخسَارَ الذي جُعِلَ الضميرُ عائداً عليه مُخْبِراً عنه ب «كتابٌ» . وقال الزمخشري: «فإنْ قلتَ: قد أخبر الله تعالى عن كتاب الفجار بأنه في سِجِّين وفَسَّر سِجِّيناً ب» كتاب مرقوم «فكأنه قيل: إنَّ كتابَهم في كتابٍ مرقوم فما معناه؟ قلت:» سِجِّين «كتابٌ جامعٌ، هو ديوانُ الشرِّ دَوَّن الله فيه أعمال الشياطين وأعمال الكفَرَةِ والفَسَقَةِ من الجنِّ والإِنسِ، وهو كتابٌ مَسْطورٌ بَيِّنُ الكِتابةِ، أو مَعْلَمٌ يَعْلَمُ مَنْ رآهُ أنه لا خَيْرَ فيه فالمعنى: أنَّ ما كُتِبَ مِن أعمالِ الفُجَّارِ مُثْبَتٌ في ذلك الديوانِ، ويُسَمَّى سِجِّيلاً فِعِّيلاً من السَّجْلِ وهو الحَبْسُ والتضييق؛ لأنه سببُ الحِبْسِ والتضييق في جهنم» انتهى.

المطففين 83:9

والرَّقْمُ: الخَطُّ. وقيل: الخَتْمُ بلغة حِمْيَرٍ، والصحيحُ الأولُ. قال: / 4514 - سأَرْقُمُ في الماءِ القَراح إليكُمُ ... على بُعْدِكُمْ إنْ كان للماءِ راقِمُ وتقدَّمت هذه المادةُ في الكهف.

المطففين 83:11

قوله: {الذين يُكَذِّبُونَ} : يجوزُ فيه الإِتباعُ نعتاً وبدلاً وبياناً، والقطعُ رفعاً ونصباً.

المطففين 83:13

قوله: {إِذَا} : العامَّةُ على الخبر. والحسن «أإذا» على الاستفهامِ الإِنكاريِّ. والعامَّةُ «تُتْلى» بتَاءين مِنْ فوقُ، وأبو حيوة وابن مقسم بالياء مِنْ تحتُ؛ لأنَّ التأنيث مجازيٌّ.

المطففين 83:14

قوله: {بَلْ رَانَ} : قد تقدَّم وَقْفُ حفص على «بل» في الكهف. والرَّيْنُ والرانُ الغِشاوة على القلبِ، كالصَّدأ على الشيءِ الصقيلِ من سيفٍ ومِرْآة ونحوِهما. قال الشاعر: 4515 - وكم رانَ مِنْ ذنبٍ على قلبِ فاجِرٍ ... فتابَ مِن الذنبِ الذي ران وانْجَلَى وأصلُ الرَّيْنِ: الغلبةُ، ومنه: رانَتِ الخمرُ على عقلِ شاربِها. وران الغَشْيُ على عقل المريض. قال: 4516 -. . . . . . . . . . . . رانَتْ به الخَمْ ... رُ. . . . . . . . . . . . . . . . . . وقال الزمخشري: «يقال: ران عليه الذنبُ وغان، رَيْناً وغَيْناً. والغَيْنُ الغَيْم. ويقال: ران فيه النومُ: رَسَخَ فيه، ورانَتْ به الخمرُ: ذهَبَتْ به» . وحكى أبو زيد: «رِيْنَ بالرَّجل رَيْناً: فجاء مصدرُه مفتوحَ العين وساكنَها. و» ما كانوا «هو الفاعلُ. و» ما «يُحتمل أَنْ تكونَ مصدريةً، وأَنْ تكونَ بمعنى الذي، والعائدُ محذوفٌ. وأُمِيْلَتْ ألفُ» ران «وفُخِّمَتْ، فأمالها الأخَوان وأبو بكر وفَخَّمها الباقون، وأُدغِم لامُ» بل «في الراء وأُظْهِرَتْ.

المطففين 83:15

قوله: {عَن رَّبِّهِمْ} : متعلِّقٌ بالخبرِ، وكذلك «يومئذٍ» . والتنوينُ عوضٌ من جملةٍ تقديرُها، يومَ إذ يقومُ الناسُ؛ لأنه لم يناسِبْ إلاَّ تقديرُها.

المطففين 83:17

قوله: {يُقَالُ} : يجوزُ أَنْ يكونَ القائمُ مقامَ الفاعلِ ما دلَّتْ عليه جملةُ قولِه {هذا الذي كُنتُمْ} . ويجوزُ أَنْ يكونَ الجملةَ نفسَها، ويجوزُ أَنْ يكونَ المصدرَ، وقد تقدَّم تحريرُه أولَ البقرة.

المطففين 83:18

قوله: {لَفِي عِلِّيِّينَ} : هو خبر «إنَّ» . وقال ابنُ عطية هنا كما قال هناك، ويُرَدُّ عليه بما تقدَّم. وعِلِّيُّون جمع عِلِّيّ، أو هو اسمُ مكانٍ في أعلى الجنة، وجَرَى مَجْرَى جمع العقلاء فرُفع بالواوِ ونُصِبَ وجُرَّ بالياء مع فوات شرطِ العقل. وقال أبو البقاء: «واحدُهم عِلِّيّ وهو الملك. وقيل: هي صيغةُ الجمع مثلَ عشرين» ثم ذكر نحواً مِمَّا ذَكرَهُ في «سِجِّين» مِنْ الحَذْفِ المتقدِّم. وقال الزمخشري: « عِلِّيُّون: عَلَمٌ لديوانِ الخبر الذي دُوِّن فيه كلُّ ما عَمِلَتْه الملائكةُ وصُلَحاءُ الثقلَيْنِ، منقولٌ مِنْ جَمْع» عِلِّيّ «فِعِّيل من العُلُو ك» سِجِّين «مِنْ السَّجْن» ، سُميِّ بذلك: إمَّا لأنه سببُ الارتفاعِ، وإمَّا لأنه مرفوعٌ في السماءِ السابعةِ «. قلت: وتلك الأقوالُ الماضيةُ في» سِجِّين «كلُّها عائدةٌ هنا.

المطففين 83:21

قوله: {يَشْهَدُهُ} : جملةٌ يجوزُ أَنْ تكونَ صفةً ثانيةً، وأَنْ تكونَ مستأنفةً.

المطففين 83:24

قوله: {تَعْرِفُ} : العامُّةُ على إسنادِ الفعلِ إلى المخاطب، أي: تَعْرِفُ أنت يا محمدُ، أو كلُّ مَنْ صَحَّ منه المعرفةُ. وقرأ أبو جعفر وابن أبي إسحاق وشيبةُ وطلحةُ ويعقوبُ والزعفراني «تُعْرَفُ» مبنياً للمفعول، «نَضْرَةُ» رَفْعٌ على قيامِها مقَامَ الفاعلِ. وعلي بن زيد كذلك إلاَّ أنَّه بالياءِ أسفلَ لأنَّ التأنيثَ مجازي. [وقوله: {يَنظُرُونَ} حالٌ من الضمير المستكنِّ في الخبر أو مستأنف] [و «على الأرائك» متعلق ب «يَنْظرون» أو حال من ضميره، أو حال مِنْ ضمير المستكنّ في الخبر] .

المطففين 83:25

قوله: {مِن رَّحِيقٍ} : الرحيق: الشرابُ الذي لا غِشَّ فيه، وقيل: أجودُ الخمر. وقال حسان: 4517 -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... بَرَدى يُصَفِّقُ بالرَّحيقِ السَّلْسَلِ

المطففين 83:26

قوله: {خِتَامُهُ} : قرأ الكسائيُّ «خاتَمهُ» بفتح التاءِ بعد الألف. والباقون بتقديمِها على الأف، فوجهُ قراءةِ الكسائيِّ أنَّه جعله اسماً لِما تُخْتَمُ به الكأسُ بدليلِ قولِه «مَخْتوم» ، ثم بَيَّنَ الخاتَمَ ما هو؟ ورُوِيَ عن الكسائيِّ أيضاً كَسْرُ التاءِ، فيكونُ كقولِه تعالى: {وَخَاتَمَ النبيين} [الأحزاب: 40] والمعنى خاتَمٌ رائحتُهُ مِسْكٌ، ووجهُ قراءةِ الجماعةِ أنَّ الخِتامَ هو الطينُ الذي يُخْتَمُ به الشيءُ، فجُعِل بَدَلَه المِسْكُ. قال الشاعر: 4518 - كأنَّ مُشَعْشَعاً مِنْ خَمْرِ بُصْرى ... . . . . . . البُخْتُ مَسْدودَ الخِتامِ وقيل: خَلْطُه ومِزاجُه. وقيل: خاتِمتُه، أي: مَقْطَعُ شُرْبِه يَجِدُ فيه الإِنسانُ ريحَ المِسْكِ. والتنافُسُ: المغالبة في الشيء النفيسِ. يقال: نَفِسْتُ به نَفاسَةً، أي: بَخِلْتُ به، وأصلُه مِنْ النَّفْس لعِزَّتها.

المطففين 83:27

قوله: {مِن تَسْنِيمٍ} : التَّسْنيم اسمٌ لعَيْنٍ في الجنة. قال الزمخشري: «تَسْنْيم عَلَمٌ لَعْينٍ بعينها، سُمِّيت بالتَّسْنيم الذي هو مصدرُ سَنَمَه: إذا رفعه» . قلت: وفيه نظرٌ؛ لأنه كان مِنْ حَقِّه أن يُمْنَعَ الصرفَ للعَلَمِيَّة والتأنيث، وإنْ كان مجازياً. ولا يَقْدَحُ في ذلك كونُه مذكَّرَ الأصلِ؛ لأنَّ العِبْرَةَ بحالِ العَلَمَّيةِ. ألا ترى نَصَّهم على أنه لو سُمِّي بزيد امرأةٌ وَجَبَ المَنْعُ، وإن كان في «هِنْد» وجهان. اللهم إلاَّ أَنْ تقولَ: ذَهَبَ بها مَذْهَبَ الهِنْد ونحوِه، فيكونَ كواسِط ودابِق.

المطففين 83:28

قوله: {عَيْناً} : فيه أوجهٌ، أحدُها: أنَّه حالٌ، قاله الزجاج، يعني مِنْ «تَسْنيم» لأنَّه عَلَمٌ لشيءٍ بعينِه، إلاَّ أنه يُشْكِل بكونه جامداً. الثاني: أنه منصوبٌ على المدح، قاله الزمخشري. الثالث: أنها منصوبةٌ ب يُسْقَونْ مقدراً، قاله الأخفش. وقوله: «يَشْرب» بها، أي: مِنْها، أو الباءُ زائدةٌ، أو ضُمِّن «يَشْربُ» معنى يَرْوي. وتقدَّم هذا مُشْبعاً في سورة الإِنسان.

المطففين 83:29

قوله: {َمِنَ الذين آمَنُواْ} : متعلِّقٌ ب «يَضْحكون» ، أي: مِنْ أجلِهم، وقُدِّمَ لأجل الفواصلِ. والتغامُز: الرَّمْزُ بالعينِ.

المطففين 83:31

قوله: {فَكِهِينَ} : قرأ حفص «فَكِهين» دون ألف. والباقون بها. فقيل: هما بمعنى. وقيل: فكهين: أَشِرين، وفاكهين: مِنْ التفكُّهِ. وقيل: فكِهين: فَرِحين، وفاكهين ناعمين. وقيل: فاكهين أصحابُ فاكهةٍ ومِزاج.

المطففين 83:32

قوله: {وَإِذَا رَأَوْهُمْ} : يجوزُ أَنْ يكونَ المرفوعُ للكفار، والمنصوبُ للمؤمنين، ويجوزُ العكسُ، وكذلك الضميران في «أُرْسِلوا عليهم» .

المطففين 83:34

قوله: {فاليوم} : منصوبٌ ب «يَضْحَكون» . ولا يَضُرُّ تقديمُه على المبتدأ؛ لأنَّه لو تقدَّم العاملُ هنا لجاز؛ إذا لا لَبْسَ، بخلاف «زيدٌ قام في الدار» لا يجوز: في الدار زيدٌ قام.

المطففين 83:35

قوله: {عَلَى الأرآئك يَنظُرُونَ} : كما تقدَّم في نظيره.

المطففين 83:36

قوله: {هَلْ ثُوِّبَ} : يجوزُ أَنْ تكونَ الجملةُ الاستفهاميةُ معلِّقةً للنظرِ قبلها، فتكونَ في محلِّ نصبٍ بعد إسقاطِ الخافض. ويجوز أَنْ تكونَ على إضمارِ القول، أي: يقولون: هل ثُوِّبَ. وثُوِّبَ، أي: جُوْزِيَ. يُقال: ثَوَّبه وأثابه. قال الشاعر: 4519 - سَأَجْزِيك أو يَجْزيك عني مُثَوِّبٌ ... وحَسْبُك أَنْ يُثْنَى عليك وتُحْمَدَا وأدغم أبو عمروٍ والكسائيُّ وحمزةُ لامَ «هل» في الثاء. وقوله «ما كانوا» فيه حَذْفٌ، أي: ثوابَ ما كانوا. و «ما» موصولٌ اسميٌّ أو حرفيٌّ.

الانشقاق 84:1

قوله: {إِذَا السمآء} : كقولِه: {إِذَا الشمس كُوِّرَتْ} [التكوير: 1] في إضمارِ الفعلِ وعَدَمِه. وفي «إذا» هذه احتمالان، أحدهما: أَنْ تكونَ شرطيةً. والثاني: أَنْ تكونَ غير شرطيةٍ. فعلى الأول في جوابها خمسةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه «أَذِنَتْ» ، والواوُ مزيدةٌ. الثاني: أنه «فَمُلاقِيه» ، أي: فأنت مُلاقِيْه. وإليه ذهب الأخفش. الثالث: أنَّه {ياأيها الإنسان} على حَذْفِ الفاء. الرابع: أنه {ياأيها الإنسان} أيضاً، ولكن على إضمارِ القولِ، أي: يقال: يا أيها الإِنسانُ. الخامس: أنه مقدرٌ تقديرُه: بُعِثْتُمِ. وقيل: تقديرُه: لاقى كلُّ إنسانٍ كَدْحَه. وقيل: هو ما صَرَّح به في سورتَيْ التكوير والانفطار، وهو قولُه: {عَلِمَتْ نَفْسٌ} [التكوير: 14] ، [الانفطار: 5] قاله الزمخشري، وهو حسنٌ. وعلى الاحتمال الثاني فيها وجهان، أحدُهما: أنها منصوبةٌ مفعولاً بها، بإضمار اذكرْ. والثاني: أنها مبتدأٌ، وخبرُها «إذا» الثانية، والواوُ مزيدةٌ، تقديرُه: وقتُ انشقاقِ السماءِ وقتُ مَدِّ الأرض، أي: يقع الأمران في وقتٍ واحد، قاله الأخفشُ أيضاً. والعاملُ فيها إذا كانت ظرفاً عند الجمهور جوابُها: إمَّا الملفوظُ به، وإمَّا المقدَّرُ. وقال مكي: «وقيل: العاملُ» انْشَقَّتْ «. وقال ابن عطية:» قال بعضُ النحاة: العامل «انْشَقَّتْ» ، وأبى ذلك كثيرٌ من أئمتهم؛ لأنَّ «إذا» مضافةٌ إلى «انشَقَّتْ» ، ومَنْ يُجِزْ ذلك تَضْعُفْ عنده الإِضافةُ ويَقْوى معنى الجزاء. وقرأ العامَّةُ «انشَقَّتْ» بتاءِ التأنيث ساكنةً، وكذلك ما بعده. وقرأ أبو عمرو في روايةِ عُبَيْد بن عقيل بإشمام الكسر في الوقف خاصة، وفي الوصل بالسكونِ المَحْض. قال أبو الفضل: «وهذا من التغييرات التي تلحق الرويَّ في القوافي. وفي هذا الإِشمام بيانُ أنَّ هذه التاءَ من علامةِ تأنيثِ الفعل للإِناث، وليسَتْ مِمَّا على ما في الأسماءِ، فصار ذلك فارقاً بين الاسمِ والفعل فيمَنْ وقَفَ على ما في الأسماء بالتاءِ، وذلك لغة طيِّىء، وقد حُمِل في المصاحف بعضُ التاءات على ذلك» . وقال ابن عطية: «وقرأ أبو عمرو» انشَقَّتْ «يقف على التاء كأنه يُشِمُّها شيئاً من الجرِّ، وكذلك في أخواتها. قال أبو حاتم:» سمعتُ أعرابياً فصيحاً في بلادِ قيسٍ يكسِرُ هذه التاءات «. وقال ابن خالَويه:» انشَقَّت «بكسر التاء عُبَيْد عن أبي عمرو. قلت: كأنه يريدُ إشمامَ الكسرِ، وأنه في الوقفِ دونَ الوصل لأنه مُطْلَقٌ، وغيرُه مقيَّدٌ، والمقيَّدُ يَقْضي على المطلق. وقال الشيخ:» وذلك أنَّ الفواصلَ تجري مَجْرى القوافي، فكما أن هذه التاءَ تُكسر في القوافي تُكْسَرُ في الفواصل. ومثالُ كسرِها في القوافي قولُ كثيِّر عَزَّةَ: 4520 - وما أنا بالدَّاعي لِعَزَّةَ بالرَّدى ... ولا شامِتٍ إنْ نَعْلُ عَزَّةَ زلَّتِ وكذلك باقي القصيدة، / وإجراءُ الفواصلِ في الوقف مُجْرى القوافي مَهْيَعٌ معروفٌ، كقولِه تعالى: {الظنونا} [الآية: 10] {الرسولا} [الآية: 66] في الأحزاب، وحَمْلُ الوصلِ على الوقفِ موجودٌ أيضاً.

الانشقاق 84:2

قوله: {وَأَذِنَتْ} : عَطْفٌ على «انْشَقَّتْ» ، وقد تقدَّم أنه جوابٌ على زيادةِ الواوِ، ومعنى «أَذِنَتْ» ، أي: استمعَتْ أَمْرَه. يُقال: أَذِنْتُ لك، أي: استمَعْتُ كلامَك. وفي الحديث: «ما أَذِن اللَّهُ لشيءٍ إذْنَه لنبيٍّ يتغَنَّى بالقرآن» وقال الشاعر: 4521 - صُمٌّ إذا سَمِعوا خيراً ذُكِرْتُ به ... وإن ذُكِرْتُ بسُوْءٍ عندهم أَذِنوا وقال آخر: 4522 - إنْ يَأْذَنُوا رِيْبةً طاروا بها فَرَحاً ... وما هُمُ أَذِنُوا مِنْ صالحٍ دَفَنوا وقال الجحَّافُ بنُ حكيم: 4523 - أَذِنْتُ لكمْ لَمَّا سَمِعْتُ هريرَكُمْ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والاستعارةُ المذكورةُ في قولِه تعالى: {قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ} [فصلت: 11] أو الحقيقةُ عائدٌ ههنا. قوله: {وَحُقَّتْ} الفاعلُ في الأصلِ هو اللَّهُ تعالى، أي: حَقَّ اللَّهُ عليها ذلك، أي: بسَمْعِه وطاعتِه. يُقال: هو حقيقٌ بكذا وتَحَقَّق به، والمعنى: وحُقَّ لها أَنْ تفعلَ.

الانشقاق 84:3

قوله: {وَإِذَا الأرض مُدَّتْ} : كالأولِ، وقد تقدَّم أنه يجوزُ أَنْ يكونَ خبرَ «إذا» الأولى على زيادةِ الواوِ.

الانشقاق 84:6

قوله: {كَادِحٌ} : الكَدْحُ: قال الزمخشري: «جَهْدُ النفس [في العمل] والكَدُّ فيه، حتى يُؤَثِّر فيها، ومنه كَدَح جِلِدَه إذا خَدَشَه. ومعنى» كادِحٌ «، أي: جاهِدٌ إلى لقاءِ ربِّك وهو الموتُ» . انتهى. وقال ابن مقبل: 4524 - وما الدَّهْرُ إلاَّ تارتان فمِنْهما ... أموتُ وأخرى أَبْتغي العيشَ أَكْدَحُ وقال آخر: 4525 - ومَضَتْ بَشاشَةُ كلِّ عيشٍ صالحٍ ... وبَقِيْتُ أكْدَحُ للحياةِ وأَنْصَبُ وقال الراغب: «وقد يُستعمل الكَدْحُ استعمالَ الكَدْمِ بالأسنان. قال الخليل: الكَدْحُ دونَ الكَدْم» . قوله: {فَمُلاَقِيهِ} يجوزُ أَنْ يكونَ عطفاً على كادح. والتسبيبُ فيه ظاهرٌ. ويجوز أَنْ يكونَ خبر مبتدأ مضمرٍ، أي: فأنت مُلاقيه. وقد تقدَّم أنه يجوزُ أَنْ يكونَ جواباً للشرط. وقال ابنُ عطية: «فالفاءُ على هذا عاطفةٌ جملةَ الكلامِ على التي قبلها. والتقدير: فأنت مُلاقيه» يعني بقوله: «على هذا» ، أي: على عَوْدِ الضميرِ على كَدْحِك. قال الشيخ: «ولا يَتَعَيَّنُ ما قاله، بل يجوزُ أَنْ يكونَ مِنْ عَطْف المفردات» . والضمير: إم‍َّا للربِّ، وإمَّا للكَدْح، أي: مُلاقٍ جزاءَ كَدْحِك.

الانشقاق 84:9

قوله: {مَسْرُوراً} : حالٌ مِنْ فاعل «يَنْقَلِبُ» . وقرأ زيد بن علي «ويُقْلَبُ» مبنياً للمفعول مِنْ قَلَبه ثلاثياً.

الانشقاق 84:12

قوله: {ويصلى} : قرأ أبو عمرو وحمزةُ وعاصمٌ بفتح الياء وسكونِ الصادِ وتخفيفِ اللام، والباقون بالضم والفتح والتثقيل. وقد تقدَّم تخريجُ القراءتَيْن في النساء عند قولِه: {وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً} [النساء: 10] وأبو الأشهب ونافع وعاصم وأبو عمرو في روايةٍ عنهم «يُصْلى» بضمِّ الياء وسكونِ الصاد مِنْ «أَصْلى» .

الانشقاق 84:14

قوله: {أَن لَّن} : هذه «أَنْ» المخففةُ كالتي في أول القيامة، وهي سادَّةٌ مَسَدَّ المفعولَيْن أو أحدِهما على الخلاف. و «يَحُوْرُ» معناه يَرْجِعُ. يقال: حار يَحُورُ حَوْراً. قال لبيد: 4526 - وما المَرْءُ إلاَّ كالشِّهابِ وضَوْءُه ... يَحُوْرُ رَماداً بعد إذ هو ساطعٌ ويُسْتعمل بمعنى صار فيَرْفع الاسمَ ويَنْصِبُ الخبرَ عند بعضِهم، وبهذا البيتِ يَسْتَدِلُّ قائِلُه. ومَنْ منع نَصَبَ «رماداً» على الحال. وقال الراغب: «الحَوْرُ التردُّد: إمَّا بالذاتِ وإمَّا بالفكرة. وقولُه تعالى: {إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ} ، أي: لن يُبْعَثَ. وحار الماءُ في الغَديرِ، تَرَدَّد فيه. وحار في أمْرِه وتَحَيَّر، ومنه» المِحْوَرُ «للعُوْدِ الذي تجري عليه البَكَرة لتردُّدِه. وقيل:» نعوذُ بالله من الحَوْرِ بعد الكَوْر «، أي: مِنْ التردُّد في الأمر بعد المُضِيِّ فيه، ومحاورةُ الكلام: مراجعتُه» .

الانشقاق 84:15

قوله: {بلى} : جوابٌ للنفي في «لن» ، و «إنَّ» جوابُ قسمٍ مقدرٍ.

الانشقاق 84:16

قوله: {بالشفق} : قال الراغب: «الشَّفَقُ: اختلاطُ ضوءِ النهارِ بسوادِ الليل عند غُروبِ الشمس. والإِشفاقُ: عنايةٌ مختلِطَةٌ بخوفٍ؛ لأنَّ المُشْفِقَ يحبُّ المُشْفَقَ عليه، ويَخاف ما يلحقُه، فإذا عُدِّيَ ب» مِنْ «فمعنى الخوفِ فيه أظهرُ، وإذا عُدِّي ب» على «فمعنى العنايةِ فيه أظهرُ» . وقال الزمخشري: «الشَّفَقُ: الحُمْرَةُ التي تُرى في الغرب بعد سقوطِ الشمسِ، وبسقوطِه يخرُجُ وقتُ المغربِ ويَدْخُلُ وقتُ العَتَمَةِ عند عامَّةِ العلماء، إلاَّ ما يُرْوى عن أبي حنيفةَ في إحدى الروايتَيْن أنه البياضُ وروى أسدُ بن عمرو أنه رَجَعَ عنه. سُمِّي شَفَقاً لر‍ِقَّته، ومنه الشَّفَقَةُ على الإِنسان: رِقَّةُ القلبِ عليه» . انتهى. والشَّفَقُ شفقان: الشَّفَقُ الأحمر، والآخر الأبيضُ، والشَّفَق والشَّفَقَةُ اسمان للإِشفاقِ. قال الشاعر: 4527 - تَهْوَى حياتي وأَهْوَى مَوْتَها شَفَقا ... والموتُ أكرَمُ نَزَّالٍ على الحُرَمِ

الانشقاق 84:17

قوله: {وَمَا وَسَقَ} : يجوزُ أَنْ تكونَ موصولةً اسميةً أو حرفيةً، أو نكرةً. ووسَقَ، أي: جَمَعَ. ومنه «الوَسَقُ» لجماعة الآصُعِ وهو ستون صاعاً. والوِسْق بالكسر الاسمُ، وبالفتح المصدرُ وطعامٌ مَوْسوق، أي: مجموعٌ. يقال: وَسَقَه فاتَّسق واسْتَوْسَقَ. ونظيرُ وقوعِ افتعل واستفعل مطاوعَيْن اتِّسَعَ واستَوْسَع. وقيل: وَسَق، أي: عَمِلَ فيه. قال الشاعر: 4528 - فيَوْماً ترانا صالِحِيْنَ وتارةً ... تقومُ بنا كالواسِق المُتَلَبِّبِ وإبل مُسْتَوسِقَة. قال الراجز: / 4529 - إنَّ لنا قَلائِصاً حَقائِقا ... مُسْتَوْسِقاتٍ لو تَجِدْنَ سائَقا قوله: {إِذَا اتسق} ، أي: امتلأ. قال الفراء: «وهو امتلاؤُه واستواؤُه لياليَ البدر» وهو افتعلَ من الوَسْقِ وهو الضمُّ والجَمْعُ كما تقدَّم. وأَمْرُ فلانٍ مُتِّسِقٌ، أي: مُجَتَمعُ على ما يَسْتُرُ.

الانشقاق 84:19

قوله: {لَتَرْكَبُنَّ} : هذا جوابُ القسم. وقرأ الأخَوان وابن كثير بفتحِ التاءِ على خطابِ الواحد، والباقون بضمِّها على خطاب الجمع. وتقدَّم تصريفُ مثلِه. فالقراءةُ الأولى رُوْعي فيها: إمَّا خطابُ الإِنسانِ المتقدِّمِ الذِّكْرِ في قوله: {ياأيها الإنسان} [الانشقاق: 6] ، وإمَّا خطابُ غيرِه. وقيل: هو خطابٌ للرسول، أي: لتركبَنَّ مع الكفارِ وجهادِهم. وقيل: التاءُ للتأنيثِ والفعلُ مسندٌ لضميرِ السماء، أي: لتركبَنَّ السماءَ حالاً بعد حال: تكون كالمُهْلِ وكالدِّهان، وتَنْفَطر وتَنشَقُّ. وهذا قولُ ابنِ مسعود. والقراءة الثانيةِ رُوْعِي فيها معنى الإِنسان إذ المرادُ به الجنسُ. وقرأ عمر «لَيَرْكَبُنَّ» بياء الغَيْبة وضَمِّ الباء على الإِخبار عن الكفار. وقرأ عمر أيضاً وابن عباس بالغَيبة وفتحِ الباء، أي: لَيركبَنَّ الإِنسانُ. وقيل: ليركبَنَّ القمرُ أحوالاً مِنْ سَرار واستهلال وإبدار. وقرأ عبد الله وابن عباس «لَتِرْكَبنَّ» بكسر حَرْفِ المضارعة وقد تقدَّم تحقيقُه في الفاتحة. وقرأ بعضُهم بفتح حرف المضارعة وكسرِ الباء على إسناد الفعل للنفس، أي: لَتَرْكَبِنَّ أنت يا نفسُ. قوله: {طَبَقاً} مفعولٌ به، أو حالٌ كما سيأتي بيانُه. والطَّبَقُ: قال الزمخشري: «ما طابَقَ غيرَه. يُقال: ما هذا بطَبَقٍ لذا، أي: لا يطابقُه. ومنه قيل للغِطاء: الطَّبَقُ. وأطباق الثرى: ما تَطابَقَ منه، ثم قيل للحال المطابقةِ لغيرِها: طَبَقٌ. ومنه قولُه تعالى: {طَبَقاً عَن طَبقٍ} ، أي: حالاً بعد حال، كلُّ واحدةٍ مطابقةٌ لأختها في الشدَّةِ والهَوْلِ. ويجوز أنْ يكونَ جمعَ» طبقة «وهي المرتبةُ، مِنْ قولهم: هم على طبقاتٍ، ومنه» طبَقات الظهر «لفِقارِه، الواحدةُ طبَقَة، على معنى: لَتَرْكَبُّنَّ أحوالاً بعد أحوالٍ هي طبقاتٌ في الشدَّة، بعضُها أرفعُ من بعض، وهي الموتُ وما بعده من مواطنِ القيامة» انتهى. وقيل: المعنى: لتركبُنَّ هذه الأحوال أمةً بعد أمةٍ. ومنه قولُ العباس فيه عليه السلام: 4530 - وأنتَ لَمَّا وُلِدْتَ أَشْرَقَتِ الْ ... أرضُ وضاءَتْ بنورِك الطُّرُقُ تُنْقَلُ مِنْ صالِبٍ إلى رَحِمٍ ... إذا مضى عالَمٌ بدا طَبَقُ يريد: بدا عالَمٌ آخرُ: فعلى هذا التفسير يكون «طبقاً» حالاً لا مفعولاً به. كأنه قيل: متتابعِين أُمَّةً بعد أُمَّة. وأمَّا قولُ الأقرعِ: 4531 - إنِّي امرُؤٌ قد حَلَبْتُ الدهرَ أَشْطُرَه ... وساقَني طبَقاً منه إلى طَبَقِ فيحتملُ الأمرين، أي: ساقَني مِنْ حالةٍ إلى أخرى، أو ساقني من أمةٍ وناس إلى أمةٍ وناسٍ آخرين، ويكون نصبُ «طَبَقاً» على المعنيَيْن على التشبيه بالظرف، أو الحال، أي: منتقلاً. والطَّبَقُ أيضاً: ما طابقَ الشيءَ، أي: ساواه، ومنه دَلالةُ المطابقةِ. وقال امرؤ القيس: 4532 - دِيْمَةٌ هَطْلاءُ فيها وَطَفٌ ... طَبَقُ الأرضِ تَحَرَّى وتَدُرّ قوله: {عَن طَبقٍ} في «عن» وجهان، أحدُهما: أنها على بابها، والثاني: أنها بمعنى «بَعْدَ» . وفي محلِّها وجهان، أحدهما: أنها في محلِّ نصبٍ على الحال مِنْ فال «تَرْكَبُنَّ» . والثاني: أنَّها صفةٌ ل «طَبقا» . قال الزمخشري: «فإنْ قلتَ: ما محلُّ» عن طبَق «؟ قلت: النصبُ على أنُّه صفةٌ ل» طبقا «، أي: طبقاً مجاوزاً لطبق، أو حالٌ من الضمير في» لتركبُنَّ «، أي: لتركبُنَّ طبقاً مجاوزِيْن لطبَق أو مجاوزاً أو مجاوزةً على حَسَبِ القراءة» . وقال أبو البقاء: «وعن بمعنى بَعْدَ. والصحيح أنها على بابِها، وهي صفةٌ، أي: طبقاً حاصلاً عن طَبق، أي: حالاً عن حال. وقيل: جيلاً عن جيل» انتهى. يعني الخلافَ المتقدِّمَ في الطبق ما المرادُ به؟ هل هو الحالُ أو الجيلُ أو الأمةُ؟ كما تقدَّم نَقْلُه، وحينئذٍ فلا يُعْرَبُ «طَبَقاً» مفعولاً به بل حالاً، كما تقدَّم، لكنه لم يَذْكُرْ في «طبقاً» غيرَ المفعولِ به. وفيه نظرٌ لِما تقدَّم مِن استحالتِه معنى، إذ يصير التقديرُ: لتركَبُنَّ أمةً بعد أمَّةٍ، فتكون الأمةُ مركوبةً لهم، وإن كان يَصِحُّ على تأويلٍ بعيدٍ جداً وهو حَذْفُ مضافٍ، أي: لَتركبُنَّ سَنَنَ أو طريقةَ طبقٍ بعد طبقٍ.

الانشقاق 84:20

قوله: {لاَ يُؤْمِنُونَ} : حالٌ، وقد تقدَّم مثلُه.

الانشقاق 84:21

قوله: {وَإِذَا قُرِىءَ} : شرطٌ، و «لا يَسْجُدون» . جوابُه. وهذه الجملةُ الشرطيةُ في محلِّ نصبٍ على الحالِ أيضاً نَسَقاً على ما قبلها، أي: فمالهم إذا قُرىء عليهم القرآن لا يَسْجُدون؟ .

الانشقاق 84:22

قوله: {يُكَذِّبُونَ} : العامَّةُ على ضمِّ الياءِ وفتحِ الكافِ وتشديدِ الدال. والضحَّاك وابنُ أبي عبلة بالفتحِ والإِسكانِ والتخفيفِ/. وتقدَّمت هاتان القراءتان أولَ البقرة.

الانشقاق 84:23

قوله: {يُوعُونَ} : هذه هي العامَّةُ مِنْ أَوْعى يُوْعي. وأبو رجاء «يَعُوْن» مِنْ وعى يَعِي.

الانشقاق 84:25

قوله: {إِلاَّ الذين آمَنُواْ} : يجوزُ أَنْ يكونَ متصلاً، وأن يكون منقطعاً. هذا إذا كانت الجملةُ مِنْ قولِه: «لهم أَجْرٌ» مستأنفةً أو حاليةً. أمَّا إذا كان الموصولُ مبتدأً، والجملةُ خبرَه، فالاستثناء وليس مِنْ قبيلِ استثناءِ المفرداتِ، ويكونُ من قسمِ المنقطعِ، أي: لكِن الذين آمنوا لهم كيتَ وكيتَ. وتقدَّم معنى «المَمْنون» في حمِ السجدة.

البروج 85:4

قوله: {قُتِلَ} : هذا جوابُ القسمِ على المختارِ، وإنما حُذِفَتِ اللامُ، والأصلُ: لَقُتِلَ، كقولِ الشاعر: 4533 - حَلَفْتُ لها باللَّهِ حَلْفَةَ فاجرٍ ... لَناموا فما إنْ مِنْ حديثٍ ولا صالِ وإنما حَسُن حَذْفُها للطُّولِ، كما سيأتي إن شاء اللَّهُ تعالى في قولِه: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا} [الشمس: 9] . وقيل: تقديرُه: لقد قُتِلَ، فحَذَفَ اللامَ وقد، وعلى هذا فقولُه: «قُتِلَ» خبرٌ لا دُعاءٌ. وقيل بل هي دعاءٌ فلا يكونُ جواباً. وفي الجواب حينئذٍ أوجهٌ، أحدُها: أنَّه قولُه: {إِنَّ الذين فَتَنُواْ} . الثاني: قولُه: {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ} قاله المبرد. الثالث: أنه مقدرٌ. فقال الزمخشري: ولم يَذْكُرْ غيرَه «هو محذوفٌ يَدُلُّ عليه {قُتِلَ أَصْحَابُ الأخدود} ، كأنه قيل: أُقْسِمُ بهذه الأشياءِ إنَّ كفَّار قريشٍ مَلْعونون كما لُعِنَ أصحابُ الأُخدودِ» ثم قال: «وقُتِل دعاءٌ عليهم، كقوله: {قُتِلَ الإنسان} [عبس: 17] ، وقيل: التقدير: لَتُبْعَثُنَّ. وقرأ الحسن وابن مقسم» قُتِّلَ «بتشديدِ التاءِ مبالغةً أو تكثيراً. وقوله:» الموعودِ «، أي: الموعود به. قال مكي:» الموعود نعتٌ لليوم. وثَم ضميرٌ محذوفٌ يتمُّ الموعودُ به. ولولا ذلك لَما صَحَّتِ الصفةُ؛ إذ لا ضميرَ يعودُ على الموصوفِ مِنْ صفتِه «انتهى. وكأنَّه يعني أن اليومَ موعودٌ به غيرُه من الناس، فلا بُدَّ مِنْ ضمير يَرْجِعُ إليه، لأنه موعودٌ به لا موعودٌ. وهذا لا يُحتاج إليه؛ إذ يجوزُ أَنْ يكون قد تَجَوَّزَ بأنَّ اليومَ وَعَدَ بكذا فيصِحُّ ذلك، ويكونُ فيه ضميرٌ عائدٌ عليه، كأنَّه قيل: واليومِ الذي وَعَدَ أَنْ يُقْضَى فيه بين الخلائِقِ. والأُخْدودُ: الشِّقُّ في الأرضِ. قال الزمخشري:» والأخْدودُ: الخَدُّ في الأرضِ، وهو الشِّقُّ. ونحوُهما بناءً ومعنىً: الخَقُّ والأُخْقُوق، ومنه: «فساخَتْ قوائمُه في أخاقيقِ جِرْذان» . انتهى. فالخَدُّ في الأصلِ مصدرٌ، وقد يقعُ على المفعولِ وهو الشِّقُّ نفسُه، وأمَّا الأخدودُ فاسمٌ له فقط. وقال الراغب: «الخَدُّ والأُخْدُوْدُ شِقٌّ في أرضٍ، مستطيلٌ غائِصٌ. وجمع الأخدود: أخاديدُ. وأصلُ ذلك مِن خَدَّيْ الإِنسان، وهما ما اكتنفا الأَنْفَ عن اليمينِ والشمالِ، والخَدُّ يُستعار للأرضِ ولغيرها كاستعارةِ الوجهِ، وتخدُّدُ اللحمِ زَوالُه عن وجهِ الجسم» ثم يُعَبَّرُ بالمُتَخَدِّدِ عن المهزول، والخِدادُ مِيْسَمٌ في الخَدِّ. وقال غيره: سُمِّيَ الخَدُّ خَدَّاً لأنَّ الدموعَ تَخُدُّ فيه أخاديدَ، أي: مجاريَ.

البروج 85:5

قوله: {النار} : العامَّةُ على جَرِّها، وفيه أوجهٌ، أحدها: أنه بدلٌ من «الأخدود» بدلُ اشتمالٍ؛ لأنَّ الأخدودَ مشتملٌ عليها، وحينئذٍ فلا بُدَّ فيه من الضميرِ، فقال البصريون: هو مقدَّرٌ، تقديرُه: النارِ فيه. وقال الكوفيون: أل قائمةٌ مَقامَ الضميرِ، تقديرُه: نارِه ثم حُذِفَ الضميرُ، وعُوِّضَ عنه أل. وتقدَّم البحثُ معهم في ذلك. الثاني: أنه بدلُ كلٍّ مِنْ كل، ولا بدَّ حينئذٍ مِنْ حَذْفِ مضافٍ تقديرُه: أُخدودِ النار. الثالث: أنَّ التقديرَ: ذي النار؛ لأنَّ الأخدودَ هو الشِّقُّ في الأرض، حكاه أبو البقاء، وهذا يُفْهِمُ أنَّ النارَ خفضٌ بالإِضافةِ لتلك الصفةِ المحذوفة، فلمَّا حُذِف المضافُ قام المضافُ إليه مَقامَه في الإِعراب، واتَّفَقَ أنَّ المحذوفَ كان مجروراً، وقولُه: «لأنَّ الأُخْدودَ هو الشِّقُّ» تعليلٌ لصحةِ كونِه صاحبَ نارٍ، وهذا ضعيفٌ جداً، الرابع: أنَّ «النار» خفصٌ على الجوارِ، نقله مكيٌّ عن الكوفيين، وهذا يقتضي أنَّ «النار» كانت مستحقةً لغيرِ الجرِّ فعدَلَ عنه إلى الجرِّ للجوارِ. والذي يقتضي الحالَ أنَّه عَدَلَ عن الرفع، ويَدُلُّ على ذلك أنه قد قُرِىء في الشاذِّ «النارُ» رفعاً، والرَفعُ على خبرِ ابتداءٍ مضمرٍ تقديرُه: قِتْلَتُهم النارُ. وقيل: بل هي مرفوعةً على الفاعليةِ تقديرُه: قَتَلَتْهم النارُ، أي: أَحْرَقَتْهم، والمرادُ حينئذٍ بأصحابِ الأخدودِ المؤمنون. وقرأ العامَّةُ «الوَقود» بفتح الواو، والحسن وأبو رجاء وأبو حيوة وعيسى بضمِّها، وتقدَّمت القراءتان وقولُ الناسِ فيهما في أولِ البقرة.

البروج 85:6

قوله: {إِذْ هُمْ} : العامل في «إذ» إمَّا «قُتِلَ أصحابُ» ، أي: قُتِلوا في هذا الوقتِ. وقيل: «اذكُر» مقدَّراً، فيكونُ مفعولاً به. ومعنى قُعودِهم عليها: / أي: على ما يَقْرُبُ منها كحافَّتها، ومنه قولُ الأعشى: 4534 -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... وباتَ على النارِ النَّدى والمُحَلَّقُ والضميرُ في «هم» يجوزُ أَنْ يكونَ للمؤمنين، وأنْ يكونَ للكافرين.

البروج 85:8

قوله: {وَمَا نَقَمُواْ} : العامَّةُ على فتح القافِ، وزيد بن علي وأبو حيوةَ وابنُ أبي عبلة بكسرِها. وقد تقدَّم معنى ذلك في المائدة. وقوله: {إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ} كقولِه في المعنى: 4535 - ولا عَيْبَ فيها غيرَ شُكْلَةِ عَيْنِها ... كذاك عِتاقُ الطيرِ شُكْلٌ عُيونُها وكقولِ قيس الرقيات: 4536 - ما نَقِموا من بني أُمَيَّةَ إلاَّ ... أنَّهم يَحْلُمُون إنْ غَضِبوا يعني: أنهم جعلوا أحسنَ الأشياء قبيحاً. وتقدَّم الكلامُ على محلِّ «أَنْ» أيضاً في سورة المائدة. وقوله: {أَن يُؤْمِنُواْ} أتى بالفعلِ المستقبلِ تنبيهاً على أنَّ التعذيبَ إنما كان لأَجْلِ إيمانِهم في المستقبلِ، ولو كفروا في المستقبلِ لم يُعَذَّبُوا على ما مضى من الإِيمان.

البروج 85:10

قوله: {فَلَهُمْ عَذَابُ} : هو خبرُ «إنَّ الذين» ودخلت الفاءُ لِما تضمَّنه المبتدأُ مِنْ معنى الشرطِ، ولا يَضُرُّ نَسْخُه ب «إنَّ» خلافاً للأخفش. وارتفاع «عذابُ» يجوزُ على الفاعليَّةِ بالجارِّ قبله لوقوعِه خبراً، وهو الأحسنُ، وأَنْ يرتفعَ بالابتداء.

البروج 85:14

قوله: {الودود} : مبالغةٌ في الوُدِّ. قال ابن عباس: «هو المتودِّدُ لعبادِه بالمغفرة» ، وعن المبرد: «هو الذي لا وَلَدَ له» ، وأنشد: 4573 - وأَرْكَبُ في الرَّوْع خَيْفانَةً ... ذَلولَ الجِماحِ لِقاحاً وَدُوْدا أي: لا ولدَ لها تَحِنُّ إليه. وقيل: هو فَعُول بمعنى مَفْعول كالرَّكوب والحَلُوْب، أي: يَوَدُّه عبادُه الصالحون.

البروج 85:15

قوله: {المجيد} : قرأ الأخَوان بالجرِّ فقيل: نعتاً للعرش. وقيل: نعتاً ل «ربِّك» في قوله: {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ} [البروج: 12] . قال مكي: «وقيل: لا يجوزُ أَنْ يكونَ نعتاً للعرش؛ لأنه مِنْ صفاتِ اللَّهِ تعالى» . والباقون بالرفع على أنه خبرٌ بعد خبرٍ. وقيل: هو نعتٌ ل «ذو» . واستدلَّ بعضُهم على تعدُّدِ الخبرِ بهذه الآيةِ. ومَنْ مَنَعَ قال: لأنهما في معنى خبرٍ واحدٍ، أي: جامعٌ بين هذه الأوصافِ الشريفةِ، أو كلٌّ منها خبرٌ لمبتدأ مضمرٍ.

البروج 85:18

قوله: {فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ} : يجوزُ أَنْ يكونَ بدلاً من «الجنود» ، وحينئذٍ فكان ينبغي أَنْ يأتيَ البدلُ مطابقاً للمبدلِ منه في الجمعية فقيل: هو على حَذْفِ مضافٍ، أي: جنودِ فرعون. وقيل: المرادُ فرعونُ وقومُه، واسْتَغْنى بذِكْرِه عن ذِكْرِهم؛ لأنهم أتباعُه. ويجوزُ أن يكونَ منصوباً بإضمار أعني؛ لأنَّه لَمَّا لم يُطابق ما قبلَه وجب قَطْعُه.

البروج 85:21

قوله: {قُرْآنٌ مَّجِيدٌ} : العامَّةُ على تبعيَّةِ «مَجيد» ل «قرآن» . وقرأ ابن السميفع بإضافةِ «قرآن» ل «مَجيد» فقيل: على حَذْفِ مضافٍ، أي: قرآنُ ربٍّ مَجيدٍ كقوله: 4538 -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... ولكنَّ الغِنى رَبٌّ غفورُ أي: غنى رَبٍّ غفورٍ. وقيل: بل هو من إضافةِ الموصوف لصفتِه فتتحدُ القراءتان، ولكنْ البصريون لا يُجيزون هذه لئلا يلزَمَ إضافةُ الشيءِ إلى نفسِه، ويتأوّلُون ما وَرَدَ.

البروج 85:22

قوله: {مَّحْفُوظٍ} : قرأ نافع بالرفع نعتاً ل «قرآن» ، والباقون بالجرِّ نعتاً ل «لوحٍ» . والعامَّةُ على فتح اللام، وقرأ ابن السَّمَيْفع وابن يعمر بضمِّها. قال الزمخشري: «يعني اللوحَ فوق السماء السابعة الذي فيه اللوحُ محفوظٌ مِنْ وصولِ الشياطين إليه» . وقال أبو الفضل: «اللُّوح: الهواء» وتفسيرُ الزمخشري أمسُّ بالمعنى، وهو الذي أراده ابن خالويه «.

الطارق 86:1

قوله: {والطارق} : الطارقُ في الأصل اسمُ فاعل مِنْ طَرَقَ يَطْرُقُ طُروقاً، أي: جاء ليلاً قال: 4539 - فمِثْلَكِ حُبْلى قد طَرَقْتُ ومُرْضِعاً ... فألهَيْتُها عن ذي تمائمَ مُحْوِلِ وأصلُه من الضَّرْبِ. والطارقُ بالحصى الضارِبُ به. قال: 4540 - لعَمْرُكَ ما تَدْري الضواربُ بالحصى ... ولا زاجراتُ الطيرِ ما اللَّهُ صانعُ ثم اتُّسِع فقيل لكلٍ جاء ليلاً: طارِقٌ.

الطارق 86:4

قوله: {إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا} : قد تقدَّم في سورةِ هود التخفيفُ والتشديدُ في «لَمَّاً» . فمَنْ خَفَّفها هنا كانت «إنْ» هنا مخففةً من الثقيلة، و «كلُّ» مبتدأٌ، واللامُ فارقةٌ، و «عليها» خبرٌ مقدَّمٌ و «حافظٌ» مبتدأٌ مؤخرٌ، والجملةُ خبرُ «كل» و «ما» مزيدةٌ بعد اللامِ الفارقةِ. ويجوزُ أَنْ يكونَ «عليها» هو الخبرَ وحدَه، و «حافِظٌ» فاعلٌ به، وهو أحسنُ. ويجوزُ أَنْ يكونَ «كلُّ» متبدأً، و «حافظٌ» خبرَه، و «عليها» متعلقٌ به و «ما» مزيدة أيضاً، هذا كلُّه تفريعٌ على قولِ البصريِين. وقال الكوفيون: «إنْ هنا نافيةٌ، واللامُ بمعنى» إلاَّ «إيجاباً بعد النفي، و» ما «مزيدةٌ. وتقدَّم الكلامُ في هذا مُسْتوفى. وأمَّا قراءةُ التشديدِ فإنْ نافيةٌ، و» لَمَّا «بمعنى» إلاَّ «، وتقدَّمَتْ شواهدُ ذلك مستوفاةً في هود. وحكى هارونُ أنه قُرِىءَ هنا» إنَّ «بالتشديدِ،» كلَّ «بالنصب على أنَّه اسمُها، واللامُ هي الداخلةُ في الخبرِ، و» ما «مزيدةٌ و» حافظٌ «خبرُها، وعلى كلِّ تقديرِ فإنْ وما في حَيِّزِها جوابُ القسمِ سواءً جَعَلها مخففةً أو نافيةً. وقيل: الجواب {إِنَّهُ على رَجْعِهِ} ، وما بينهما اعتراضٌ. وفيه بُعْدٌ.

الطارق 86:6

قوله: {دَافِقٍ} : قيل: فاعِل بمعنى مَفْعول كعكسِه في قولهم: «سيلٌ مُفْعَم» ، وقولِه تعالى: {حِجَاباً مَّسْتُوراً} [الإِسراء: 45] على وجهٍ. وقيل: دافق على النسبِ، أي: ذي دَفْقٍ أو انْدِفاق. وقال ابن عطية: «يَصِحُّ أَنْ يَكونَ الماءُ دافقاً؛ لأنَّ بعضَه يَدْفُقُ بعضاً، أي: يدفعه فمنه دافِق، ومنه مَدْفوق» انتهى. والدَّفْقُ: الصَّبُّ/ ففِعْلُه متعدٍّ. وقرأ زيدُ ابنُ علي «مَدْفُوقٍ» وكأنه فَسَّر المعنى.

الطارق 86:7

قوله: {والترآئب} : جمع تَريبة. وهي مَوْضِعُ القِلادةِ من عظامِ الصدرِ؛ لأنَّ الولدَ مخلوقٌ مِنْ مائهما، فماءُ الرجل في صُلْبه، والمرأةُ في ترائبِها، وهو معنى قولِه: {مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ} بالإِنسان: 2] . وقال الشاعر: 4540 - مُهَفْهَفَةٌ بيضاءُ غيرُ مُفاضَةٍ ... تَرائِبُها مَصْقُولةٌ كالسَّجَنْجَلِ وقال: 4541 - والزَّعْفَرانُ على ترائبِها ... شَرِقَتْ به اللَّبَّاتُ والنَّحْرُ وقال أبو عبيدة: «جمع التَّريبة تريب» . قال: 4542 - ومِنْ ذَهَبٍ يَذُوْبُ على تَرِيْبٍ ... كلَوْنِ العاجِ ليس بذي غُضونِ وقيل: الترائبُ: التَّراقي. وقيل: أضلاعُ الرجلِ التي أسفلَ الصُّلْب. وقيل: ما بين المَنْكِبَيْن والصَّدْرِ. وعن ابن عباس: هي أطرافُ المَرْءِ يداه وِرجْلاه وعيناه. وقيل: عُصارةُ القلبِ. قال ابن عطية: «وفي هذه الأقوالِ تَحَكُّمٌّ في اللغة» . وقرأ العامَّةُ «يَخْرُج» مبنياً للفاعل. وابنُ أبي عبلة وابن مقسم مبنياً للمفعول. وقرأ أيضاً وأهلُ مكة «الصُّلُب» بضم الصاد واللام، واليمانيُّ بفتحهما، وعليه قولُ العَجَّاج: 4543 - في صَلَبٍ مِثْلِ العِنانِ المُؤْدَمِ ... وتَقَدَّمَتْ لغاتُه في سورة النساء. وأَغْرَبُها «صالِب» كقوله: 4544 -. . . . . . . . . . . . . مِنْ صالِبٍ إلى رَحِمٍ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الطارق 86:8

قوله: {إِنَّهُ} : الضميرُ للخالقِ المدلولِ عليه بقوله: «خُلِقَ» لأنه معلومٌ أَنْ لا خالقَ سواه. قوله: {على رَجْعِهِ} في الهاء وجهان، أحدُهما: أنه ضميرُ الإِنسانِ، أي: على بَعْثِه بعد موتِه. والثاني: أنه ضميرُ الماءِ، أي: يُرْجِعُ المنيَّ في الإِحليلِ أو الصُّلْبِ.

الطارق 86:9

قوله: {يَوْمَ تبلى} : فيه أوجهٌ. وقد رتَّبها أبو البقاء على الخلافِ في الضمير فقال على القولِ بكونِ الضميرِ للإِنسان: «فيه أوجهٌ، أحدُها: أنه معمولٌ ل» قادر «. إلاَّ أنَّ ابنَ عطية قال بعد أن حكى أوجهاً عن النحاةِ قال:» وكل هذه الفِرَقِ فَرَّتْ من أَنْ يكونَ العاملُ «لَقادِرٌ» لئلا يظهرَ من ذلك تخصيصُ القدرةِ بذلك اليومِ وحدَه «ثم قال:» وإذا تُؤُمِّل المعنى وما يَقْتَضِيه فصيحُ كلامِ العربِ جازَ أَنْ يكونَ العاملُ «لَقادر» لأنَّه إذا قَدَرَ على ذلك في هذا الوقتِ كان في غيره أقدرَ بطريق الأَوْلى. الثاني: أن العاملَ مضمرٌ على التبيين، أي: يَرْجِعه يومَ تُبْلى. الثالث: تقديره: اذكُرْ، فيكونُ مفعولاً به. وعلى عَوْدِه على الماء يكونُ العاملُ فيه اذكُرْ «انتهى ملخصاً. وجَوَّزَ بعضُهم أَنْ يكون العاملُ فيه» ناصرٍ «. وهو فاسدٌ لأنَّ ما بعد» ما «النافيةِ وما بعد الفاءِ لا يعملُ فيما قبلَهما. وقيل: العامل فيه» رَجْعِه «. وهو فاسدٌ لأنه قد فصل بين المصدرِ ومعمولِه بأجنبيّ وهو الخبرُ، وبعضُهم يَغْتَفِرُه في الظرف.

الطارق 86:11

قوله: {ذَاتِ الرجع} : قيل: هو مصدرٌ بمعنى: رجوعِ الشمس والقمر إليها. وقيل: المطر كقولِه يصفُ سيفاً: 4545 - أبيضُ كالرَّجْعِ رَسوبٌ إذا ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . كما سُمِّي أَوْباً كقولِه: 4546 - رَبَّاءُ شَمَّاءُ لا يَأْوي لِقُلَّتِها ... إلاَّ السَّحابُ وإلاَّ الأَوْبُ والسَّبَلُ

الطارق 86:13

قوله: {إِنَّهُ} : جوابُ القسمِ في قوله: «والسَّماءِ» . والهَزْلُ: ضدُّ الجَدِّ والتشميرِ في الأمر. قال الكُميت: 4547 -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... يُجَدُّ بنافي كلِّ يومٍ ونَهْزِلُ والضمير في «إنَّه» للقرآن. وقيل: للكلامِ المتقدَّمِ الدالِّ على البعث والنشور.

الطارق 86:17

قوله: {أَمْهِلْهُمْ} : هذه قراةُ العامَّة، لَمَّا كرَّر الأمرَ توكيداً خالَفَ بين اللفظَيْن. وعن ابن عباس «مَهِّلْهُمْ» كالأولِ. والإِمهالُ والتمهيلُ الانتظارُ. يقال: أَمْهَلْتُك كذا، أي: انتظرتُك لِتَفْعَلَه. والمَهْلُ: الرِّفْقُ والتُّؤَدَةُ. قوله: {رُوَيْداً} مصدرٌ مؤكِّدٌ لمعنى العامل، وهو تصغيرُ إرْواد على الترخيم. وقيل: بل هو تصغيرُ «رُوْدِ» ، وأنَشد: 4548 - تكادُ لا تَثْلِمُ البَطْحاءُ وَطْأتَه ... كأنَّه ثَمِلٌ يَمْشي على رُوْدِ واعلَمْ أنَّ رُوَيْداً يُستعمل مصدراً بدلاً من اللفظِ بفعلِه، فيُضاف تارةً كقوله: {فَضَرْبَ الرقاب} [محمد: 4] ولا يُضافُ أخرى نحو: رويداً زيداً [ويُستعمل اسمَ فعلٍ فلا يُنَوَّن، بل يبنى على الفتح نحو: رُوَيْداً زيداً] ويقع حالاً نحو: ساروا رُوَيْدا، أي: متمهِّلين، ونعتاً لمصدر محذوف نحو: «ساروا رُوَيْداً» ، أي: سَيْراً رويداً. وهذه الأحكامُ لها موضوعٌ هو أَلْيَقُ بها.

الأعلى 87:1

قوله: {الأعلى} : يجوزُ جَرُّه صفةً ل «ربِّك» ، ونصبُه صفةً لاسم. إلاَّ أنَّ هذا يمنعُ أَنْ يكونَ «الذي» صفةً ل «ربِّك» ، بل يتعيَّنُ جَعْلُه نعتاً ل «اسم» ، أو مقطوعاً، لئلا يلزمَ الفصلُ بين الصفة والموصوفِ بصفةِ غيرِه؛ إذ يصيرُ التركيبُ مثلَ قولِك: «جاءني غلامُ هندٍ العاقلُ الحسنةِ» فيُفْصَلُ بالعاقل بين «هند» وبين صفتِها. وتقدَّم الكلامُ في إضافةِ الاسمِ إلى المُسَمَّى.

الأعلى 87:3

قوله: {قَدَّرَ} : قرأ الكسائيُّ بتخفيفِ الدالِ، والباقون بالتشديد. وقد تقدَّمَتْ القراءتان في المرسلات.

الأعلى 87:5

قوله: {غُثَآءً} : إمَّا مفعولٌ ثانٍ، وإمَّا حالٌ. والغُثاء بتشديد الثاء وتخفيفِها وهو الفصيحُ / ما يُقَدِّمُه السَّيْلُ على جوانبِ الوادي من النباتِ ونحوِه. قال امرؤ القيس: 4549 - كأنَّ ذُرا رأسِ المُجَيْمِرِ غُدوةً ... من السَّيْلِ والغُثَّاء فَلْكَةُ مِغْزَلِ ورواه الفراءُ «والأَغْثاء» على الجمعِ. وفيه غرابةٌ من حيث جَمَعَ فُعالاً على أفْعال. قوله: {أحوى} فيه وجهان، أظهرُهما: أنَّه نعتٌ ل «غُثاء» . والثاني: أنه حالٌ من «المَرْعَى» . قال أبو البقاء: «قَدَّم بعضَ الصلةِ» . قلت: يعني أنَّ الأصلَ أخرجَ المرعى أَحْوى فجعله غثاءً، ولا يُسَمَّى هذا تقديماً لبعضِ الصلةِ. والأحْوى: أَفْعَلُ مِنْ الحُوَّة وهي سَوادٌ يَضْرِبُ إلى الخُضْرة. قال ذو الرَّمة: 4550 - لَمْياءُ في شَفَتَيْها حَوَّةٌ لَعَسٌ ... وفي اللِّثاتِ وفي أَنْيابِها شَنَبُ وقد تقدَّم لك أنَّ بعضَ النحاةِ اسْتَدَلَّ على وجودِ بدلِ الغَلَطِ بهذا البيت. وقيل: خُضرةٌ عليها سوادٌ. والأَحْوى: الظَّبْيُ؛ لأنَّ في ظهره خُطَّتَيْن. قال: 4551 - وفي الحَيِّ أَحْوَى يَنْفُضُ المَرْدَ شادِنٌ ... مُظاهِرُ سِمْطَيْ لُؤْلُؤٍ وزَبَرْجَدِ ويقال: رجلٌ أَحْوَى وامرأةٌ حَوَّاء. وجَمْعُهما حُوٌّ، نحو: أحمر وحمراءُ وحُمْر.

الأعلى 87:6

{فَلاَ تنسى} : قيل: هو نَفْيٌ، أخبر تعالى أنَّ نبيَّه عليه السلام لا يَنْسَى. وقيل: نهيٌّ، والألفُ إشباعٌ، وقد تَقَدَّم نحوٌ مِنْ هذا في يوسف وطه. ومنع مكي أَنْ يكونَ نهياً لأنه لا يُنْهَى عمَّا ليس باختيارِه. وهذا غيرُ لازمٍ؛ إذ المعنى: النهيُ عن تعاطي أسبابِ النسيانِ، وهو شائعٌ.

الأعلى 87:7

قوله: {إِلاَّ مَا شَآءَ الله} : فيه أوجهٌ، أحدُها: أنَّه مفرغٌ، أي: إلاَّ ما شاءَ الله أن يُنْسِيَكَهُ فإنك تَنْساه. والمرادُ رَفْعُ تلاوتِه. وفي الحديث: «أنه كان يُصبح فينسَى الآياتِ لقولِه: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا} [البقرة: 106] . وقيل: إنَّ المعنى بذلك القِلَّةُ والنُّدْرَةُ، كما رُوِيَ» أنه عليه السلام أسقطَ آيةً في صلاتِه، فحسِب أُبَيٌّ أنها نُسِخَتْ، فسأله فقال: « نَسِيْتُها» «وقال الزمخشري:» الغَرَضُ نَفْيُ النِّسْيان رَأْساً، كما يقول الرجل لصاحبه: أنت سَهِيْمي فيما أَمْلِكُ إلاَّ ما شاء اللَّهُ، ولم يَقْصِدْ استثناءَ شيءٍ، وهو مِنْ استعمالِ القلَّة في معنى النفي «انتهى. وهذا القولُ سبقَه إليه الفراء ومكي. وقال الفراء وجماعة معه:» هذا الاستثناءُ صلةٌ في الكلام على سنةِ الله تعالى في الاستثناء. وليس [ثم] شيءٌ أُبيح استثناؤُه «. قال الشيخ:» هذا لا يَنْبغي أَنْ يكونَ في كلامِ اللَّهِ تعالى ولا في كلامٍ فصيحٍ، وكذلك القولُ بأنَّ «لا» للنهي، والألفَ فاصلةٌ «انتهى. وهذا الذي قاله الشيخُ لم يَقْصِدْه القائلُ بكونِه صلةً، أي: زائداً مَحْضاً بل المعنى الذي ذكره، وهو المبالغةُ في نَفْي النسيانِ أو النهي عنه. وقال مكي:» وقيل: معنى ذلك، إلاَّ ما شاء الله، وليس يشاءُ اللَّهُ أَنْ يَنْسَى منه شيئاً، فهو بمنزلةِ قولِه في هود في الموضعَيْنِ: خالِدِيْنَ فيها ما دامَتِ السماواتُ والأرضُ إلاَّ ما شاء ربُّك «وليس جَلَّ ذِكْرُه تَرَكَ شيئاً من الخلودِ لتقدُّمِ مَشيئتِه بخُلودِهم» . وقيل: هو استثناءٌ مِنْ قولِه {فَجَعَلَهُ غُثَآءً أحوى} . نقله مكي. وهذا يَنْبغي أَنْ لا يجوزَ البتة. قوله: {وَمَا يخفى} «ما» اسميةٌ. ولا يجوزُ أَنْ تكونَ مصدريةً لئلا يَلْزَمَ خُلُوُّ الفعلِ مِنْ فاعل. ولولا ذلك لكان المصدريةُ أحسنَ لِيُعْطَفَ مصدرٌ مؤولٌ على مثلِه صريح.

الأعلى 87:8

قوله: {وَنُيَسِّرُكَ} : عَطْفٌ على «سَنُقْرِئُك» فهو داخلٌ في حَيِّزِ التنفيسِ، وما بينهما مِنْ الجملةِ اعتراض.

الأعلى 87:9

قوله: {إِن نَّفَعَتِ} : «إنْ» شرطيةٌ. وفيه استبعادٌ لتذكُّرِهم. ومنه: 4552 - لقد أَسْمَعْتَ لو نادَيْتَ حَيَّاً ... ولكنْ لا حياةَ لمَنْ تُنادي وقيل: «إنْ» بمعنى إذْ كقولِه: {وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ} [آل عمران: 139] . وقيل: هي بمعنى «قد» ذكَرَه ابنُ خالويه، وهو بعيدٌ جداً. وقيل: بعده شيءٌ محذوفٌ تقديرُه: إنْ نَفَعَتِ الذكرى وإن لم تنفَعْ، قاله الفراء. والنحاس والجرجاني والزهراوي.

الأعلى 87:11

قوله: {وَيَتَجَنَّبُهَا} : أي: الذكرى.

الأعلى 87:13

قوله: {ثُمَّ لاَ يَمُوتُ} : «ثم» للتراخي بين الرُّتَبِ في الشدة.

الأعلى 87:16

قوله: {بَلْ تُؤْثِرُونَ} : قرأ أبو عمرو بالغيبة، والباقون بالخطاب، وهما واضحتان.

الأعلى 87:17

قوله: {وأبقى} : أي: مِنْ الدنيا.

الأعلى 87:18

قوله: {لَفِي الصحف} : قرأ أبو عمرو في روايةِ الأعمش وهارون بسكون الحاء في الحرفين، وهو واضحٌ أيضاً.

الأعلى 87:19

قوله: {إِبْرَاهِيمَ} : قرأ العامَّة بألفٍ بعد الراء وياءٍ بعد الهاء، وأبو رجاء بحَذْفهما، والهاءُ مفتوحةٌ أو مكسورةٌ فعنه قراءتان. وأبو موسى وابن الزبير بألفَيْن وكذا في كلِّ القرآنِ، ومالك ابن دينار بألفٍ بعد الراء فقط، والهاءُ مفتوحةٌ، وعبد الرحمن بن أبي بكر «وإبْرَاهيم» بحذف الألفِ وكسرِ الهاءِ. وقال ابنُ خالويه: «وقد جاء» إبْراهُم «يعني بألفٍ وضمِّ الهاءِ. وقد تقدَّم الكلامُ على هذا الاسمِ الكريمِ ولغاتِه مستوفى في البقرة.

الغاشية 88:1

قوله: {هَلْ أَتَاكَ} : هو استفهامٌ على بابِه، ويُسَمِّيه أهلُ البيانِ «التشويق» . وقيل: / بمعنى قد، وقد تقدَّم شَرْحُ هذا في {هَلْ أتى عَلَى الإنسان} [الإِنسان: 1] .

الغاشية 88:2

قوله: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ} : قد تقدَّم نظيرُه في القيامة وفي النازعات. والتنوينُ في «يومئذٍ» عوضٌ مِنْ جملةٍ مدلولٍ عليها باسمِ الفاعلِ من الغاشية تقديره: يومَ إذ غَشِيَتْ الناسَ؛ إذ لا تتقدَّمُ جملةٌ مُصَرَّحٌ بها. و «خاشعة» وما بعدَه صفةٌ، و «تَصْلى» هو الخبرُ. وقرأ أبو عمروٍ وأبو بكر بضمِّ التاء مِنْ «تَصْلَى» على ما لم يُسَمَّ فاعلُه. والباقون بالفتح على تسميةِ الفاعل. والضمير على كلتا القراءتين للوجوه. وقرأ أبو رجاءٍ بضمِّ التاءِ وفتح الصادِ وتشديدِ اللام. وقد تقدَّم معنى ذلك كله في الانشاق والنساءَ. وقرأ ابنُ كثير في روايةٍ وابنُ محيصن «عاملةً ناصبةً» بالنصب: إمَّا على الحالِ، وإمَّا على الذمِّ.

الغاشية 88:5

قوله: {آنِيَةٍ} : صفةٌ ل «عَيْنٍ» أي: حارَّة، أي: التي حَرُّها مُتناهٍ في الحرِّ كقولِه: {وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ} [الرحمن: 44] . وأمالها هشامٌ؛ لأنَّ الألفَ غيرُ منقلبةٍ عن غيرِها، بل هي أصلٌ بنفسِها، وهذا بخلافِ «آنِيَة» في سورة الإِنسان، فإنَّ الألفَ هناك بدلٌ مِنْ همزة، إذ هو جمعُ إناء، فوزنُها هنا فاعلِة، وهناك أَفْعِلَة، فاتَّحد اللفظُ واختلفَ التصريفُ، وهذا مِنْ محاسنِ علمِ التصريف.

الغاشية 88:6

قوله: {ضَرِيعٍ} : هو شجرٌ في النار. وقيل: حجارةٌ. وقيل: هو الزَّقُّوم. وقال أبو حنيفة: «هو الشِّبْرِقُ، وهو مَرْعى سَوْءٍ، لا تَعْقِدُ عليه السائمةُ شَحْماً ولا لَحْماً. قال الهذليُّ: 4553 - وحُبِسْنَ في هَزْمِ الضَّريعِ فكلُّها ... حَدْباءُ دامِيَةُ الضُّلوعِ حَرُوْدُ وقال أبو ذؤيب: 4554 - رَعَى الشِّبْرِقٌ الريَّانَ حتى إذا ذَوَى ... وعادَ ضَريعاً نازَعَتْه النَّحائِصُ وقيل: هو يَبيس العَرْفَجِ إذا تَحَطَّم. وقال الخليل:» نبتٌ أخضرُ مُنْتِنُ الريح يَرْمي به البحرُ. وقيل: نبتٌ يُشبه العَوْسَج. والضَّراعةُ: الذِّلَّةُ والاستكانةُ مِنْ ذلك.

الغاشية 88:7

قوله: {لاَّ يُسْمِنُ} : قال الزمخشري: «مرفوعُ المحلِّ أو مجرورهُ على وصفِ طعامٍ أو ضَريع» . قال الشيخ: «إمَّا وَصْفُه ل ضريعٍ، فيصِحُّ؛ لأنه مثبتٌ نفى عنه السِّمَنَ والإِغناءَ من الجوع. وأمَّا رفعُه على وصفِه لطعام فلا يَصِحُّ؛ لأنَّ الطعامَ منفيٌّ و» يُسْمِنُ «منفيٌّ فلا يَصِحُّ تركيبُه؛ لأنه يَصيرُ التقدير: ليس لهم طعامٌ لا يُسْمِنُ ولا يُغني مِنْ جمعٍ إلاَّ مِنْ ضريع، فيصير المعنى: أنَّ لهم طعاماً يُسْمِنُ ويُغْني من جوعٍ إلاَّ مِنْ غيرِ الضَّريع، كما تقول:» ليس لزيدٍ مالٌ لا يُنتفع به إلاَّ مِنْ مال عمروٍ «فمعناه: أنَّ له مالاً يُنتفع به مِنْ غيرِ مالِ عمروٍ» . قلت: وهذا لا يَرِدُ لأنه على تقدير تَسْليم القول بالمفهوم مَنَعَ منه مانعٌ وهو السياقُ، وليس كلُّ مفهوم معمولاً به. وأمَّا المثالُ الذي نظَّر به فصحيحٌ، لكنه لا يمنع منه مانعٌ كالسِّياق في الآيةِ الكريمة. ثم قال الشيخ: «ولو قيل: الجملةُ في موضعِ رفع صفةً للمحذوفِ المقدَّرِ في» إلاَّ مِنْ ضريعٍ «كان صحيحاً؛ لأنه في موضعِ رفعٍ، على أنَّه بدلٌ من اسم ليس، أي: ليس لهم طعامٌ إلاَّ كائنٌ مِن ضَريعٍ، أو إلاَّ طعامٌ مِنْ ضريعٍ غيرِ مُسَمِّنٍ ولا مُغْنٍ مِنْ جوعٍ، وهذا تركيبٌ صحيحٌ ومعنى واضحٌ» . وقال الزمخشري أيضاً: «أو أُريد أَنْ لا طعامَ لهم أصلاً؛ لأنَّ الضَّريعَ ليس بطعامٍ للبهائمِ فضلاً عن الإِنس؛ لأنَّ الطعامَ ما أَشْبَع أو أَسْمَنَ، وهو عنهما بمَعْزِلٍ كما تقول:» ليس لفلانٍ ظلٌّ إلاَّ الشمسُ «تريد نَفْيَ الظلِّ على التوكيد» . قال الشيخ: «فعلى هذا يكونُ استثناءً منقطعاً، إذ لم يندَرِجْ الكائنُ مِن الضَّريع تحت لفظِ» طعام «إذ ليس بطعامٍ، والظاهرُ الاتصالُ فيه وفي قولِه {وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ} [الحاقة: 36] قلت: وعلى قولِ الزمخشري المتقدمِ لا يَلْزَمُ أَنْ يكونَ منقطعاً؛ إذ المرادُ نفيُ الشيءِ بدليلِه، أي: إن كان لهم طعامٌ فليس إلاَّ هذا الذي لا يَعُدُّه أحدٌ طعاماً ومثلُه» ليس له ظلٌّ إلاَّ الشمسُ «وقد مضى تحقيقُ هذا عند قولِه: {لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الموت إِلاَّ الموتة الأولى} [الدخان: 56] وقوله: 4555 - ولا عَيْبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفَهُمْ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ومثله كثيرٌ.

الغاشية 88:11

قوله: {لاَّ تَسْمَعُ} : قرأ ابن كثير وأبو عمروٍ بالياء/ من تحتُ مضمومةً على ما لم يُسَمَّ فاعلُه، «لاغِيةٌ» رفعاً لقيامِه مقامَ الفاعلِ. وقرأ نافع كذلك، إلاَّ أنَّه بالتاء مِنْ فوقُ، والتذكيرُ والتأنيثُ واضحان؛ لأنَّ التأنيثَ مجازيٌّ. وقرأ الباقون بفتح التاءِ مِنْ فوقُ ونصبِ «لاغيةً» ، فيجوزُ أَنْ تكونَ التاءُ للخطابِ، أي: لا تَسْمع أنت، وأنْ تكونَ للتأنيثِ، أي: لا تسمعُ الوجوهُ. وقرأ المفضل والجحدريُّ «لا يَسْمَعُ» بياء الغَيْبة مفتوحةً، «لاغيةً» نصباً، أي: لا يَسْمَعُ فيها أحدٌ. ولاغِيَة يجوزُ أَنْ تكونَ صفةً ل كلمةٍ على معنى النسبِ، أي: ذات لغوٍ أو على إسنادِ اللَّغْوِ إليها مجازاً، وأَنْ تكونَ صفةً لجماعة، أي: جماعة لاغية، وأَنْ تكونَ مصدراً كالعافِية والعاقِبة كقولِه: {لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً} [الواقعة: 25] .

الغاشية 88:15

قوله: {وَنَمَارِقُ} : جمع نُمْرُقة، وهي الوِسادةُ. قالت: 4556 - نحن بَناتِ طارِقْ ... نَمْشي على النَّمَارِقْ وقال زهير: 4557 - كُهولاً وشُبَّاناً حِسانٌ وجوهُهُمْ ... لهم سُرُرٌ مَصْفوفةٌ ونَمارِقْ والنُّمْرُقَة بضمِّ النونِ والراءِ وكسرِهما، لغتان أشهرُهما الأولى.

الغاشية 88:16

قوله: {وَزَرَابِيُّ} : جمع زَرِيْبة بفتح الزاي وكسرِها لغتان مشهورتان وهي البُسُطُ العِراضُ. وقيل: ما له منها خَمْلَة. ومَبْثوثة: مفرَّقة.

الغاشية 88:17

قوله: {الإبل} : اسمُ جمعٍ واحدُه: بعير وناقة وجمل. وهو مؤنثٌ، ولذلك تَدْخُلُ عليه تاءُ التأنيثِ حالَ تصغيرِه، فيقال: أُبَيْلَة ويُجْمع آبال، واشتقوا مِنْ لفظِه. فقالوا: «تأبَّلَ زيدٌ» ، أي: كَثُرَتْ إبلُه، وتَعَجَّبوا مِنْ هذا فقالوا: «ما آبَلَه» ، أي: ما أكثرَ إبِلَه. وتقدَّم في الأنعام. قوله: {كَيْفَ} منصوبٌ ب «خُلِقَتْ» على حَدِّ نَصْبِها في قوله: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ} [البقرة: 28] والجملةُ بدلٌ من «الإِبل» بدلُ اشتمالِ، فتكونُ في محلِّ جرّ، وهي في الحقيقة مُعَلِّقةٌ للنظر، وقد دخلَتْ «إلى» على «كيف» في قولهم «انظُرْ إلى كيف يصنعُ» ، وقد تُبْدَلُ الجملةُ المشتملةُ على استفهامٍ من اسمٍ ليس فيه استفهامٌ كقولِهم: عَرَفْتُ زيداً أبو مَنْ هو؟ على خلافٍ في هذا مقررٍ في علمِ النحو. وقرأ العامَّةُ: خُلِقَتْ ورفِعَتْ ونُصِبَتْ وسُطِحَتْ مبنياً للمفعولِ، والتاءُ ساكنةٌ للتأنيث. وقرأ أمير المؤمنين وابن أبي عبلة وأبو حيوة «خَلَقْتُ» وما بعدَه بتاءِ المتكلم مبنياً للفاعل. والعامَّةُ على «سُطِحَتْ» مخففاً، والحسن بتشديدها.

الغاشية 88:22

قوله: {بِمُصَيْطِرٍ} : العامَّةُ على الصاد، وقنبل في بعضِ طُرُقِه، وهشام بالسين وخلف بإشمامِ الصادِ زاياً بلا خلافٍ، وعن خلاَّد وجهان. وقرأ هارونُ «بمُسَيْطَرٍ» بفتح الطاء اسمَ مفعولٍ؛ لأنَّ «سَيْطَرَ» عندهم متعدّ، يَدُلُّ على ذلك فعلُ مطاوعِه وهو تَسَيْطر، ولم يَجِىءْ اسمُ فاعلٍ على مُفَيْعِل إلاَّ: مُسَيْطِر ومُبَيْقِر ومُهَيْمِن ومُبَيْطِر مِنْ سَيْطَرَ وبَيْقَرَ وهَيْمَنَ وبَيْطَرَ. وقد جاء مُجَيْمِر اسمَ واد، ومُدَيْبِر. قيل: ويمكنُ أَنْ يكونَ أصلُهما «مُجْمِر» و «مُدْبِر» فصُغِّرا. قلت: وقد تقدَّم لك أنَّ بعضَهم جَوَّز «مُهَيْمِناً» مُصَغَّراً، وتَقَدَّم أنه خطأٌ عظيمٌ، وذلك في سورة المائدةِ وغيرها.

الغاشية 88:23

قوله: {إِلاَّ مَن تولى} : العامَّةُ على «إلاَّ» حرفَ استثناء، وفيه قولان، أحدهما: أنه منقطعٌ لأنه مستثنى مِنْ ضمير «عليهم» . والثاني: أنه متصلٌ لأنه مستثنى مِنْ مفعول «فَذَكِّرْ» ، أي: فَذَكِّرْ عبادي إلاَّ مَنْ تولَّى. وقيل: «مَنْ» في محلِّ خفض بدلاً من ضمير «عليهم» ، قاله مكي. ولا يتأتَّى هذا عند الحجازيين، إلاَّ أَنْ يَكونَ متصلاً، فإنْ كان منقطعاً جاز عند تميمٍ؛ لأنهم يُجْرُوْنه مُجْرى المتصل، والمتصلُ يُختار فيه الإِتباعُ لأنه غيرُ موجَبٍ. هذا كلُّه إذا لم يُجْعَل «مَنْ تولَّى» شرطاً وما بعده جزاؤُه، فإنْ جَعَلْتَه كذلك كان منقطعاً، وقد تقدَّم تحقيقُه، وعلى القولِ بكونِه مستثنى مِنْ مفعول «فَذَكِّرْ» المقدرِ تكون جملةُ النفي اعتراضاً. وقرأ زيد بن علي وزيد بن أسلم وقتادة «ألا» حرفَ استفتاحٍ، وبعده جملةٌ شرطية أو موصولٌ مضمَّنٌ معناه.

الغاشية 88:25

قول: {إِيَابَهُمْ} : العامَّةُ على تخفيفِ الياءِ، مصدرِ آبَ يَؤُوبُ إياباً [والأصلُ: أوَب يَأوُبُ إواباً] ، أي: رَجَعَ ك قام يقوم قياماً. وقرأ شيبة وأبو جعفر بتشديدها. وقد اضطربَتْ فيها أقوالُ التصريفيين، فقيل: هو مصدرٌ ل أَيَّبَ على وزن فَيْعَل كبَيْطَرَ، يُقالُ منه: أيَّبَ يُؤَيِّبُ إيَّاباً، والأصلُ/ أيْوَبَ يِؤَيْوِبُ إيْواباً كبَيْطَرَ يُبَيْطرُ، فاجتَمَعَتْ الياءُ والواوُ في جميع ذلك، وسَبَقَتْ إحداهما بالسكونِ، فقُلِبَتْ الواوُ ياءً، وأُدغِمت الياءُ المزيدةُ فيها، فإيَّاب على هذا فِيْعال. وقيل: بل هو مصدرٌ ل أَوّبَ بزنةِ فَوْعَل كحَوْقَلَ، والأصل: إِوْوَاب بواوَيْن، الأولى زائدةٌ، والثانيةُ عينُ الكلمةِ، فسَكَنَتِ الأولى بعد كسرةٍ، فقُلِبت ياءً، فصار إيْواباً، فاجتمعَتْ ياءٌ وواوٌ، وسَبَقَتْ إحداهما بالسكون، فقُلِبَتْ الواوُ ياءً، وأُدْغِمَتْ في الياءِ بعدها، فوزنُه فِيعال كحِيْقال، والأصلُ: حِوْقال. وقيل: بل هو مصدرٌ ل أَوَّبَ على وزن فَعْوَل كجَهْور، والأصلُ: إِوْوَاب على وزن فِعْوال، ك «جِهْوار» الأولى عينُ الكلمةِ، والثانيةُ زائدةٌ، وفُعِل به ما فُعِل بما قبلَه مِنْ القلبِ والإِدغام للعللِ المتقدمةِ، وهي مفهومةٌ مِمَّا مَرَّ، فإن قيل: الإِدغامُ مانعٌ مِنْ قَلْبِ الواوِ ياءً. قيل إنما يمنعُ إذا كانت الواوُ والياءُ عيناً وقد عَرَفْتَ أنَّ الياءَ في فَيْعَل والواوَ في فَوْعَل وفَعْوَل زائدتان. وقيل: بل هو مصدرٌ ل أَوَّب بزنةِ فَعَّلَ نحو: كِذَّاباً والأصلُ إوَّاب، ثم قُلِبَتِ الواوُ الأولى ياءً لانكسارِ ما قبلَها فقيلَ: إيْواباً. قال الزمخشري: «كدِيْوان في دِوَّان، ثم فُعِلَ به ما فُعِلَ بسَيِّد» يعني أنَّ أصلَه سَيْوِد، فقُلِبت وأُدْغِمت، وإلى هذا نحا أو بالفضل أيضاً. إلاَّ أن الشيخ قد رَدَّ ما قالاه: بأنهم نَصُّوا: على أنَّ الواوَ الموضوعةَ على الإِدغامِ لا تَقْلِبُ الأولى ياءً، وإن انكسَرَ ما قبلها قال: « وَمَّثلوا بنفس» إوَّاب «مصدرَ أوَّب مشدداً، وباخْرِوَّاط مصدرَ اخْرَوَّط. قال:» وأمَّا تشبيهُ الزمخشريِّ بديوان فليس بجيدٍ؛ لأنَّهم لم يَنْطِقوا بها في الوَضْعِ مُدْغمةً، ولم يقولوا: دِوَّان، ولولا الجَمْعُ على «دَواوين» لم يُعْلَمْ أنَّ أصلَ هذه الياءِ واوٌ، وقد نَصُّوا على شذوذِ «دِيْوان» فلا يُقاسُ عليه غيرُه «. قلت: أمَّا كونُهم لم يَنْطِقوا بدِوَّان فلا يَلْزَمُ منه رَدُّ ما قاله الزمخشريُّ، ونَصَّ النحاةُ على أنَّ أصلَ» دِيْوان «دِوَّان، و» قيراط «: قِرَّاط، بدليلِ الجَمْعِ على دَواوين وقَرارِيط، وكونُه شاذاً لا يَقْدَحُ؛ لأنه لم يَذْكُرْه مَقيساً عليه بل مَنَظِّراً به. وقد ذهب مكي إلى نحوٍ مِنْ هذا فقال:» وأصل الياءِ واوٌ، ولكنْ انقلبَتْ ياءً لانكسارِ ما قبلها، وكان يَلْزَمُ مَنْ شَدَّد أَنْ يقولَ: إوَّابَهم لأنَّه مِنْ الواو، أو يقول: إيوابهم، فيُبْدِلُ مِنْ أول المشدد ياءً كما قالوا: «دِيْوان» والأصلُ: دِوَّان «انتهى. وقيل: هو مصدرٌ لأَأْوَبَ بزنة أَكْرَم مِنْ الأَوْب، والأصلُ: إأْواب كإكْرام، فأُبْدِلَتِ الهمزةُ الثانية ل إأْواب ياءً لسكونِها بعد همزةٍ مكسورةٍ فصار اللفظُ إيواباً فاجتمعت الياءُ والواوُ على ما تقدَّم، فقُلِبَ وأُدْغِمَ، ووزنُه إفْعال، وهذا واضحٌ. وقال ابن عطية في هذا الوجه: «سُهِّلَتِ الهمزةُ وكان الواجبُ في الإِدغامِ بردِّها إوَّاباً، لكن اسْتُحْسِنَتْ فيه الياءُ على غير قياس» انتهى. وهذا ليس بجيدٍ لِما عَرَفْتَ أنَّه لَمَّا قُلِبَتِ الهمزةُ ياءً فالقياسُ أن يُفْعَلَ ما تقدَّم مِنْ قَلْبِ الواوِ إلى الياءِ مِنْ دونِ عكسٍ، وإنما ذَكَرْتُ هذه الأوجهَ مشروحةً لصعوبتها مع عَدَمِ مَنْ يُمْعِنُ النظرَ مِنْ المُعْرِبين في مثل هذه المواضعِ القَلِقَةِ القليلةِ الاستعمال. وقَدَّم الخبرَ في قولِه «إلينا» و «علينا» مبالغةً في التشديد والوعيدِ.

الفجر 89:1

قوله: {والفجر} : جوابُ هذا القَسَم قيل: مذكورٌ وهو قولُه {إِنَّ رَبَّكَ لبالمرصاد} [الفجر: 14] قاله ابن الأنباري. وقيل: محذوفٌ لدلالةِ المعنى عليه، أي: لَنُجازِيَنَّ أحدٍ بما عَمل بدليلِ تعديدِه ما فعلَ بالقرونِ الخاليةِ. وقدَّر الزمخشري: «ليُعَذِّبَنَّ» قال: «يَدُلُّ عليه {أَلَمْ تَرَ} [الآية: 6] إلى قولِه: / {فَصَبَّ} [الفجر: 13] . وقدَّره الشيخ بما دَلَّتْ عليه خاتمةُ السورةِ قبلَه، لإِيابُهم إلينا وحِسابُهم علينا. وقال مقاتل: «هل هنا في موضع» إنَّ «تقديرُه: إنَّ في ذلك قَسَماً لذي حِجْرٍ، ف» هل «على هذا في موضع جواب القسم» انتهى. وهذا قولٌ باطلٌ؛ لأنه لا يَصْلُح أَنْ يكونَ مُقْسَماً عليه، على تقديرِ تسليمِ أنَّ التركيبَ هكذا، وإنما ذكَرْتُه للتنبيهِ على سقوطِه. وقيل: ثَمَّ مضافٌ محذوفٌ، أي: وصلاةِ الفجر أو وربِّ الفجر. والعامَّةُ على عَدَمِ التنوينِ في «الفجر» و «الوَتْر» و «يَسْرِ» . وأبو الدينار الأعرابي بتنوين الثلاثةِ. قال ابن خالَوَيْه: «هذا ما رُوي عن بعضِ العرب أنه يقفُ على أواخرِ القوافي بالتنوينِ، وإنْ كان فِعلاً، وإنْ كان فيه الألفُ واللامُ. قال الشاعر: 4558 - أَقِلِّي اللَّوْمَ عاذِلَ والعتابَنْ ... وقُولي إنْ أَصَبْتُ لقد أصابَنْ يعني بهذا تنوينَ الترنُّم، وهو أنَّ العربيَّ إذا أراد تَرْكَ الترنمِ وهو مَدُّ الصوتِ نَوَّن الكلمةَ، وإنما يكونُ في الرويِّ المطلقِ. وقد عاب بعضُهم قولَ النَّحْويين» تنوين الترنم «وقال: بل ينبغي أَنْ يُسَمُّوه بتنوين تَرْكِ الترنُّم، ولهذا التنوينِ قسيمٌ آخرُ يُسَمَّى» التنوينَ الغالي «، وهو ما يَلْحَقُ الرويَّ المقيَّدَ كقولِه: 4559 -. . . . . . . . . . . . خاوي المخترقْنْ على أن بعض العروضيين أنكر وجودَه. ولهذين التنوينَيْن أحكامٌ مخالفةٌ لحكمِ التنوينِ حَقَّقْتُها في» شرح التسهيل «ولله الحمد. والحاصلُ أنَّ هذا القارىءَ أجْرى الفواصلَ مُجْرى القوافي فَفَعَلَ فيها ما يَفْعل فيها. وله نظائرُ مَرَّ منها: {الرسولا} [الأحزاب: 66] {السبيلا} [الأحزاب: 67] {الظنونا} [الأحزاب: 10] في الأحزاب. و {المتعال} في الرعد [الآية: 9] » و «يَسْر» هنا، كما سأبيِّنُه إن شاء الله تعالى. قال الزمخشري: «فإن قلتَ: فما بالُها مُنَكَّرَة مِنْ بين ما أَقْسَمَ به؟ قلت: لأنها ليالٍ مخصوصةٌ مِنْ بينِ جنس الليالي العِشْرِ بعضٌ منها، أو مخصوصةٌ بفضيلةٍ ليسَتْ في غيرها. فإنْ قلتَ: هلاَّ عُرِّفَتْ بلامِ العهدِ لأنها ليالٍ معلومةٌ. قلت: لو قيل ذلك لم تستقلَّ بمعنى الفضيلةِ التي في التنكير، ولأنَّ الأحسنَ أَنْ تكون اللاماتُ متجانِسَةً ليكون الكلامُ أبعدَ من الإِلغازِ والتَّعْمِية» . قلت: يعني بتجانسِ اللاماتِ أن تكون كلُّها إمَّا للجنسِ، وإمَّا للعهدِ، والفَرَضُ أنَّ الظاهرَ أن اللاماتِ في الفجر وما معه للجنسِ، فلو جيءَ بالليالي معرفةً بلامِ العهدِ لَفاتَ التجانسُ.

الفجر 89:2

والعامَّةُ على «ليالٍ» بالتنوين، «عَشْرٍ» صفةٍ لها. وقرأ ابنُ عباس «وليالِ عَشْرٍ» بالإِضافةِ. فبعضهم يكتبُ «ليالِ» في هذه القراءةِ دونَ ياءٍ، وبعضُهم قال: «وليالي» بالياء، وهو القياسُ. قيل: والمرادُ: وليالي أيام عشرٍ، وكان مِنْ حَقِّه على هذا أن يُقال: عشرةٍ؛ لأنَّ المعدودَ مذكرٌ. ويُجاب عنه: بأنَّه إذا حُذِف المعدودُ جاز الوجهان، ومنه «وأتبعه بسِتٍّ من شوال» وسَمَعَ الكسائي: «صُمْنا من الشهر خمساً» .

الفجر 89:3

قوله: {والوتر} : قرأ الأخَوان بكسرِ الواو، والباقون بفتحها وهما لغتان كالحِبْر والحَبْر، والفتحُ لغةُ قريشٍ ومَنْ والاها، والكسرُ لغةُ تميم. وهاتان اللغتان في «الوتر» مقابلَ الشَّفْع. فأمَّا في الوِتْر بمعنى التِّرَة، أي: الذَّحْلُ فبالكسرِ وحدَه، قاله الزمخشري. ونقل الأصمعيُّ فيه اللغتين أيضاً. وقرأ أبو عمروٍ في روايةِ يونسَ عنه بفتح الواو وكسر التاء، فيحتمل أَنْ يكونَ لغةً ثالثة، وأن يكونَ نَقَل كسرةَ الراءِ إلى التاء إجراءً للوصل مُجْرى الوقفِ/. قوله: {إِذَا يَسْرِ} : منصوبٌ بمحذوفٍ هو فعلُ القسم، أي: أُقْسِم به وقتَ سُراه. وحَذَفَ ياءَ «يَسْري» وَقْفاً، وأثبتها وصلاً، نافعٌ وأبو عمروٍ، وأثبتها في الحالَيْنِ ابنُ كثير، وحَذَفَها في الحالين الباقون لسقوطِها في خَطِّ المصحفِ الكريم، وإثباتُها هو الأصلُ لأنها لامُ فعلٍ مضارعٍ مرفوعٍ، وحَذْفُها لموافقةِ المصحفِ وموافقةِ رؤوسِ الآي، وجَرْياً بالفواصلِ مَجْرى القوافي. ومَنْ فَرَّقَ بين حالَتَيْ الوقفِ والوصلِ فلأنَّ الوقفَ محلُّ استراحةٍ. ونَسَبُ السُّرى إلى الليل مجازٌ؛ إذ المرادُ: يُسْرَى فيه، قاله الأخفش. وقال غيره: المرادُ يَنْقُصُ كقوله: {إِذْ أَدْبَرَ} [المدثر: 33] ، {إِذَا عَسْعَسَ} [التكوير: 17] .

الفجر 89:5

قوله: {لِّذِى حِجْرٍ} : الحِجْرُ: العقل. وتقدَّم الكلامُ عليه.

الفجر 89:6

قوله: {بِعَادٍ إِرَمَ} : قرأ العامَّةُ «بعادٍ» مصروفاً «إرَمَ» بكسرِ الهمزة وفتح الراءِ والميم، ف «عاد» اسمٌ لرجلٍ في الأصل، ثم أُطْلِقَ على القبيلة أو الحيِّ، وقد تقدَّم الكلامُ عليه. وأمَّا «إرَمُ» فقيل: هو اسمُ قبيلةٍ. وقيل: اسمُ مدينةٍ: واخْتُلف في التفسير في تعيينِها. فإن كانَتْ اسمَ قبيلةٍ كانت بدلاً أو عطفَ بيانٍ، أو منصوبةً بإضمارِ «أعني» ، وإن كانَتْ اسمَ مدينةٍ فيقلَقُ الإِعراب من عاد، وتخريجُه على حَذْفِ مضافٍ، كأنه قيل: بعادٍ أهلِ إرمَ، قاله الزمخشري، وهو حَسَنٌ ويَبْعُدُ أَنْ يكونَ بدلاً مِنْ «عاد» بدلَ اشتمال إذا لا ضميرَ، وتقديرُه قَلِقٌ. وقد يقال: إنه لَمَّا كان المَعْنِيُّ بعادٍ مدينتَهم؛ لأنَّ إرمَ قائمةٌ مَقامَ ذلك صَحَّ البدلُ. وإرمُ اسمُ جَدِّ عادٍ، / وهو عادُ بنُ عَوَضِ بنِ إرمَ بنِ سامِ بنِ نوحٍ. قال زهير: 4560 - وآخَرِين تَرَى الماذيَّ عِدَّتَهْمْ ... مِنْ نَسْجِ داوُدَ أو ما أَوْرَثَتْ إرَمُ وقال قيس الرقيات: 4561 - مَجْداً تليداً بناه أوَّلُوه له ... أَدْرَكَ عاداً وساماً قبلَه إرَما وقرأ الحسن «بعادَ» غيرَ مصروفٍ. قال الشيخ: «مُضافاً إلى إرم. فجاز أَنْ يكون» إرَمُ «أباً أو جَدَّاً أو مدينةً» . قلت: يتعيَّنُ أَنْ يكونَ في قراءةِ الحسن غيرَ مضافٍ، بل يكون كما كان منوناً، ويكونُ «إرمَ» بدلاً أو بياناً أو منصوباً بإضمارِ أَعْني [ولو كان مضافاً لوجَبَ صَرْفُه] . وإنَّما مُنع «عاد» اعتباراً بمعنى القبيلة أو جاء على أحدِ الجائزَيْنِ في «هند» وبابِه. وقرأ الضحاك في روايةٍ «بعادَ إرم» ممنوعَ الصرفِ وفَتْحِ الهمزةِ مِنْ «أرَمَ» . وعنه أيضاً «أرْمَ» بفتحِ الهمزةِ وسكونِ الراءِ، وهو تخفيفُ «أَرِمَ» بكسرِ الراء، وهي لغةٌ في اسمَ المدينة، وهي قراءةُ ابنِ الزُّبَيْرِ. وعنه في «عاد» مع هذه القراءة الصَّرْفُ وتَرْكُه. وعنه أيضاً وعن ابن عباس «أَرَمَّ» بفتح الهمزةِ والراءِ، والميمُ مشددةٌ جعلاه فعلاً ماضياً. يقال: «أَرَمَّ العَظْمُ» ، أي: بَلِيَ. ورَمَّ أيضاً وأرَمَّه غيرُه، فأَفْعَلَ يكون لازماً ومتعدياً في هذا. و «ذات» على هذه القراءةِ مجرورةٌ صفةً ل «عاد» ، ويكونُ قد راعى لفظَها تارةً في قولِه: «أرَمَّ» ، فلم يُلْحِقْ علامةَ تأنيثٍ، ويكونُ «أرَمَّ» معترضاً بين الصفةِ والموصوفِ، أي: أَرَمَّتْ هي بمعنى: رَمَّتْ وَبِلِيَتْ، وهو داءٌ عليهم. ويجوزُ أَنْ يكونَ فاعلُ «أرَمَّ» ضميرَ الباري تعالى، والمفعولُ محذوفٌ، أي: أرَمَّها اللَّهُ. والجملةُ الدعائيةُ معترضةٌ أيضاً. ومعناها أخرى في «ذات» فأنَّثَ. ورُوي عن ابن عباس «ذاتَ» بالنصب على أنها مفعولٌ ب «أرَمَّ» . وفاعلُ «أرَمَّ» ضميرٌ يعودُ على الله تعالى، أي: أرَمَّها اللَّهُ تعالى ويكون «أرمَّ» بدلاً مِنْ «فَعَلَ ربُّكَ» أو تبييناً له. وقرأ ابن الزبير «بعادِ أَرِمَ» بإضافةِ «عاد» إلى «أرِم» مفتوحَ الهمزةِ مكسورَ الراء، وقد تقدَّم أنه اسمُ المدينة. وقُرىء «أرِمِ ذاتِ» بإضافة « أرم» إلى «ذات» . ورُوي عن مجاهدٍ «أرَمَ» بفتحتين مصدرَ أَرِمَ يَأْرَمُ، أي: هَلَكَ، فعلى هذا يكونُ منصوباً ب «فعَلَ ربُّك» نَصْبَ المصدرِ التشبيهيِّ، والتقدير: كيف أهلك ربُّك إهلاكَ ذاتِ العِمادِ؟ وهذا أغربُ الأقوالِ. و «ذاتِ العِمادِ» إنْ كان صفةً لقبيلةٍ فمعناه: أنهم أصحابُ خيامٍ لها أَعْمِدةٌ يَظْعَنون بها، أو هو كنايةٌ عن طولِ أبدانهم كقولِه: 4562 - رَفيعُ العِمادِ طويلُ النِّجا ... دِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قاله ابن عباس، وإنْ كان صفةً للمدينة فمعناه: أنها ذاتُ عُمُدٍ من الحجارة.

الفجر 89:8

قوله: {التي لَمْ يُخْلَقْ} : يجوز أَنْ يكونَ تابعاً، وأَنْ يكونَ مَقْطوعاً رفعاً أو نصباً. والعامَّةُ على «يُخْلَقْ» مبنياً للمفعولِ، «مِثْلُها» مرفوعٌ على ما لم يُسَمَّ فاعلُه. وعن ابن الزبير «يَخْلُقْ» مبنياً للفاعل «مثلَها» منصوبٌ به. وعنه أيضاً «نَخْلُقْ» بنونِ العظمةِ.

الفجر 89:9

قوله: {وَثَمُودَ} : قرأ العامَّةُ بمَنْع الصرف، وابنُ وثَّاب بصَرْفِه. وقد تقدَّم الكلامُ على ذلك مُشْبعاً. و «الذين» يجوز فيه ما تقدَّم في {التي لَمْ يُخْلَقْ} . وجابَ الشيءَ يجوبُه قَطَعَه وخَرَقه جَوْباً. وجُبْتُ البلادَ: قطعتُها سَيْراً. قال الشاعر: 4563 - ولاَ رأَيْتُ قَلوصاً قبلَها حَمَلَتْ ... سِتِّين وَسْقاً ولا جابَتْ بها بلداً قوله: {بالواد} متعلقٌ: إمَّا ب «جابوا» ، أي: فيه، وإمَّا بمحذوفٍ على أنه حالٌ من «الصخر» ، أو من الفاعِلين. وأثبت ياءَ «الوادي» في الحالَيْن ابنُ كثير وورشٌ، بخلافٍ عن قنبل فرُوي عنه إثباتُها في الحالَيْن، ورُوي عنه إثباتُها في الوصلِ خاصةً، وحذفها الباقون في الحالَيْن، موافقةً لخطِّ المصحفِ ومراعاةً للفواصل كما تقدَّم في {إِذَا يَسْرِ} [الفجر: 4] .

الفجر 89:11

قوله: {الذين طَغَوْاْ} : يجوزُ فيه ما جاز في «الذين» قبله من الإِتباعِ والقطع على الذمِّ. قوله: {سَوْطَ} هو الآلةُ المعروفةُ. قيل: وسُمِّيَ سَوْطاً لأنه يُساط به اللحمُ عند الضَّرْبِ، أي: يَخْتلط. قال كعب بن زهير: 4564 - وَيْلُمِّها خُلَّةً قد سِيْطَ مِنْ دمِها ... فَجْعٌ ووَلْعٌ وإخلافٌ وتبديلُ وقال آخر: 4565 - أحارِثُ إنَّا لو تُساطُ دماؤُنا ... تَزَايَلْنَ حتى لا يَمَسَّ دَمٌ دَما وقيل: هو في الأصلِ مصدرُ ساطه يَسُوْطه سَوْطاً، ثم سُمِّيَتْ به الآلةُ. وقال أبو زيد: «أموالُهم بينهم سَوِيطة» ، أي: مختلطةٌ. واستعمالُ الصَّبِّ في السَّوْط استعارةٌ بليغة، وهي شائعةٌ في كلامِهم/.

الفجر 89:14

قوله: {لبالمرصاد} : المِرْصاد كالمَرْصَد، وهو المكانُ يترتَّبُ [فيه] الرَّصَدَ جمعَ راصِد كحَرَس، فالمِرْصاد مِفْعال مِنْ رَصَده كمِيْقات مِنْ وَقَتَه، قاله الزمخشري. وجَوَّزَ ابنُ عطية في «المِرْصاد» أَنْ يكونَ اسمَ فاعلٍ قال: «كأنه قيل: لَبالراصد، فعبَّر ببناء المبالغة» . ورَدَّ عليه الشيخ: بأنَّه لو كان كذلك لم تَدْخُلْ عليه الباءُ إذ ليس هو في موضعِ دخولِها لا زائدةً ولا غيرَ زائدةٍ. قلت: قد وَرَدَتْ زيادتُها في خبرِ «إِنَّ» كهذه الآيةِ، في قولِ امرىء القيس: 4566 -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... فإنَّك ممَّا أَحْدَثَتْ بالمُجَرِّبِ إلاَّ أنَّ هذا ضرورةٌ لا يُقاسُ عليه الكلامُ فَضْلاً عن أفصحِه.

الفجر 89:15

قوله: {فَأَمَّا الإنسان} : مبتدأٌ، وفي خبرِه وجهان، أحدهما: وهو الصحيحُ أنَّه الجملةُ مِنْ قولِه «فيقولُ» كقولِه: {فَأَمَّا الذين آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ} [البقرة: 26] كما تقدَّم بيانُه، والظرفُ حينئذٍ منصوبٌ بالخبر؛ لأنه في نيةِ التأخيرِ، ولا تمنعُ الفاءُ من ذلك، قاله الزمخشريُّ وغيرُه. والثاني: أنَّ «إذا» شرطيةٌ وجوابُها «فيقول» ، وقولُه «فأَكْرَمَه» معطوفٌ على «ابتلاه» ، والجملةُ الشرطيةُ خبرُ «الإِنسان» ، قاله أبو البقاء. وفيه نظرٌ؛ لأنَّ «إمَّا» تَلْزَمُ الفاءَ في الجملةِ الواقعةِ خبراً عَمَّا بعدها، ولا تُحْذَفُ إلاَّ مع قولٍ مضمر، كقولِه تعالى: {فَأَمَّا الذين اسودت} [آل عمران: 106] كما تقدَّم بيانُه، إلاَّ في ضرورةٍ. قال الزمخشري: «فإنْ قلتَ بمَ اتَّصَلَ قولُه» فأمَّا الإِنسانُ «؟ قلت: بقولِه: {إِنَّ رَبَّكَ لبالمرصاد} فكأنَّه قيل: إنَّ اللَّهَ لا يريدُ من الإِنسانِ إلاَّ الطاعةَ، فأمَّا الإِنسانُ فلا يريد ذلك ولا يَهُمُّه إلاَّ العاجلةَ» . انتهى. يعني بالتعلُّقِ مِنْ حيثُ المعنى، وكيف عُطِفَتْ هذه الجملةُ التفصيليةُ على ما قبلَها مترتبةً عليه؟ وقوله: «لا يريد إلاَّ الطاعةَ» على مذهبِه، ومذهبُنا أنَّ اللَّهَ يريد الطاعةَ وغيرَها، ولولا ذلك لم يقعْ. فسُبحان مَنْ لا يُدْخِلُ في مُلْكِه ما لا يُريد. وإصلاحُ العبارةِ أَنْ يقولَ: إنَّ اللَّهَ يريدُ من العبدِ أو الإِنسانِ من غيرِ حَصْرٍ. ثم قال: «فإنْ قُلْتَ: فكيف توازَنَ قولُه: {فَأَمَّا الإنسان إِذَا مَا ابتلاه رَبُّهُ} وقولُه: {وَأَمَّآ إِذَا مَا ابتلاه} ، وحقُّ التوازنِ أَنْ يتقابلَ الواقعان بعد» أمَّا «و» أمَّا «. تقول:» أمَّا الإِنسانُ فكفورٌ، وأمَّا المَلَكٌ فشَكورٌ «،» أمَّأ إذا أَحْسَنْتَ إلى زيدٍ فهو مُحْسِنٌ إليك، وأمَّا إذا أَسَأْتَ إليه فهو مُسِيْءٌ إليك «؟ قلت: هما متوازنان من حيث إنَّ التقديرَ: وأمَّا هو إذا ما ابتلاه ربُّه وذلك أنَّ قولَه: {فَيَقُولُ ربي أَكْرَمَنِ} خبرُ المبتدأ الذي هو الإِنسانُ. ودخولُ الفاءِ لِما في» أمَّا «مِنْ معنى الشرطِ، والظرفُ المتوسِّطُ بين المبتدأ والخبرِ في نيةِ التأخيرِ، كأنه قال: فأمَّا الإِنسانُ فقائِلٌ ربي أكرمَنِ وقتَ الابتلاءِ فَوَجَبَ أَنْ يكونَ» فيقولُ «الثاني خبرَ المبتدأ واجبٌ تقديرُه» .

الفجر 89:16

قوله: {فَقَدَرَ عَلَيْهِ} : قرأ ابنُ عامرٍ بتشديدِ الدال، والباقون بتخفيفِها، وهما لغتان بمعنىً واحد، ومعناهما التضييقُ. ومن التخفيفِ قولُه: {الله يَبْسُطُ الرزق لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقَدِرُ} [الرعد: 26] {وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ} [الطلاق: 7] . قوله: {أَكْرَمَنِ} «أهانَنِ» قرأ نافعٌ بإثباتِ ياءَيْهما وَصْلاً وحَذْفِهما وقفاً، مِنْ غيرِ خلافٍ عنه، والبزيُّ عن ابن كثير يُثْبِتُهما في الحالَيْن، وأبو عمرو اختُلِفَ عنه في الوصلِ فرُوي عنه الإِثباتُ والحَذْفُ، والباقون يَحذفونهما في الحالَيْن، وعلى الحَذْفِ قولُ الشاعر: 4567 - ومِن كاشِحٍ طاهرٍ عُمْرُه ... إذا ما انْتسَبْتُ له أَنْكَرَنْ يريد: أنكرني. وقال الزمخشري: «فإنْ قلتَ: هَلاَّ قال: فأهانَه وقَدَرَ عليه رِزْقَه، كما قال: فأكرَمَه ونَعَّمه. قلت: لأنَّ البَسْطَ إكرامٌ من الله تعالى لعبدِه بإنعامِه عليه مُتَفَضِّلاً مِن غيرِ سابقةٍ. وأمَّا التقديرُ فليس بإهانةٍ له؛ لأنَّ الإِخلالَ بالتفضُّل لا يكونُ إهانة، كما إذا أهدى لك زيدٌ هديةً تقول: أكرمني، فإذا لم يَهْدِ لك شيئاً لا يكو مُهيناً لك» .

الفجر 89:17

قوله: {تُكْرِمُونَ} : قرأ أبو عمرو هذا والثلاثةَ بعدَه بياء الغَيْبة حَمْلاً على معنى الإِنسانِ المتقدِّمِ/ إذ المرادُ به الجنسُ، والجنسُ في معنى الجَمْعِ، والباقون بالتاء في الجميع خطاباً للإِنسانِ المرادِ به الجنسُ على طريقِ الالتفاتِ. وقرأ الكوفيون «تَحاضُّون» والأصلُ: تتحاضُّون، فحذف إحدى التاءَيْن، أي: لا يَحُضُّ بعضُكم بعضاً. ورُوي عن الكسائي «تُحاضُّون» بضم التاءِ، وهي قراءةُ زيدِ ابن علي وعلقمةَ، أي: تُحاضُّون أنفسَكم. والباقون «تَحُضُّون» مِنْ حَضَّه على كذا، أي: أغْرَاه به. ومفعولُه محذوفٌ، أي: لا تَحُضُّون أنفسَكم ولا غيرَها. ويجوز أَنْ لا يُقَدَّرَ، أي: لا تُوْقِعون الحَضَّ.

الفجر 89:18

قوله: {على طَعَامِ} : متعلِّقٌ بتحاضُّون. و «طعام» يجوزُ أَنْ يكونَ على أصلِه مِنْ كونِه اسماً للمطعومِ. ويكون على حَذْفِ مضافٍ، أي: على بَذْلِ، أو على إعطاءِ طعامٍ، وأَنْ يكونَ اسمَ مصدرٍ بمعنى الإِطعام، كالعطاء بمعنى الإِعطاء، فلا حَذْفَ حينئذٍ. والتاءُ في «التراث» بدلٌ من الواو، لأنه من الوِراثة. ومثلُه: تَوْلَج وتَوْراة وتُخَمَة، وقد تقدَّم ذلك. و «لَمَّاً» بمعنى مجموع. يقال: لَممْتُ الشيءَ لَمَّاً، أي: جَمَعْتُه جَمْعاً. قال الحطيئة: 4568 - إذا كان لَمَّاً يَتْبَعُ الذَّمَّ ربَّه ... فلا قَدَّس الرحمنُ تلك الطَّواحِنا ولَمَمْتُ شَعَثَه من ذلك. قال النابغة: 4569 - ولَسْتَ بمُسْتَبْقٍ أخالً لا تَلُمُّه ... على شَعَثٍ، أيُّ الرِّجالِ المهذَّبُ والجَمُّ: الكثير. ومنه «جُمَّةُ الماء» . قال زهير: 4570 - فلمَّا وَرَدْنَ الماءَ زُرْقاً جِمامُه ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ومنه: الجُمَّة للشَّعْر، وقولُهم «جاؤوا الجَمَّاءَ الغَفير» . من ذلك.

الفجر 89:21

قوله: {دَكّاً دَكّاً} : فيه وجهان، أحدُهما: أنه مصدرٌ مؤكِّد، و «دكاً» الثاني تأكيدٌ للأول تأكيداً لفظياً، كذا قاله ابنُ عُصفور، وليس المعنى على ذلك. والثاني: أنه نصبٌ على الحالِ والمعنى: مكرَّراً عليه الدَّكُّ ك عَلَّمْتُه الحِساب باباً باباً، وهذا ظاهرُ قولِ الزمخشريِّ، وكذلك «صَفَّاً صَفَّاً» حالٌ أيضاً، أي: مُصْطَفِّين أو ذوي صفوفٍ كثيرة.

الفجر 89:23

قوله: {يَوْمَئِذٍ} : منصوبٌ ب «جيْء» والقائمُ مَقامَ الفاعلِ «بجهنَّمَ» . وجَوَّزَ مكي أَنْ يكونَ «يومَئِذٍ» قائماً مَقامَ الفاعلِ. وإمَّا «يومَئذ» الثاني فقيل: بدلٌ من «إذا دُكَّت» ، والعامل فيهما «يتذكَّر» قاله الزمخشري، وهذا هو مذهبُ سيبويهِ، وهو أنَّ العاملَ في المبدلِ منه عاملٌ في البدلِ، ومذهبُ غيرِه أنَّ البدلَ على نيةِ تَكْرارِ العاملِ. وقيل: إنَّ العاملَ في «إذا دُكَّتْ» «يقولُ» ، والعاملُ في «يومئذ» «يتذكَّر» قاله أبو البقاء. قوله: {وأنى لَهُ الذكرى} «أنَّى» خبرٌ مقدمٌ، و «الذكرى» مبتدأٌ مؤخرٌ، و «له» متعلقٌ بما تَعَلَّق به الظرفُ.

الفجر 89:25

قوله: {لاَّ يُعَذِّبُ} : قرأ الكسائي «لا يُعَذَّبُ» و «لا يُوْثَقُ» مبنيين للمفعولِ. والباقون قرؤُوهما مبنيَّيْن للفاعل. فأمَّا قراءةُ الكسائي فأُسْنِد الفعلُ فيها إلى «أحد» وحُذِفَ الفاعلُ للعِلْم به وهو اللَّهُ تعالى أو الزَّبانيةُ المُتَوَلُّون العذابَ بأمرِ اللَّهِ تعالى. وأمَّا عذابه ووَثاقه فيجوزُ أَنْ يكونَ المصدران مضافَيْن للفاعلِ والضميرِ للَّهِ تعالى، ومضافَيْنِ للمفعول، والضميرُ للإِنسانِ، ويكون «عذاب» واقعاً موقع تَعْذيب. والمعنى: لا يُعَذَّبُ أحدٌ تعذيباً مثلَ تعذيبِ اللَّهِ تعالى هذا الكافرَ، ولا يُوْثَقُ أحدٌ توثيقاً مثلَ إيثاقِ اللَّهِ إياه بالسَّلاسِلِ والأغلالِ، أو لا يُعَذَّبُ أحدٌ مثلَ تعذيبِ الكافرِ، ولا يُوْثَقُ مثلَ إيثاقِه، لكفرِه وعنادِه، فالوَثاق بمعنى الإيثاق كالعَطاء بمعنى الإِعطاء. إلاَّ أنَّ في إعمالِ اسمِ المصدرِ عملَ مُسَمَّاه خلافاً مضطرباً فنُقل عن البصريين المنعُ، وعن الكوفيين الجوازُ، ونُقل العكسُ عن الفريقَيْن. ومن الإِعمال قولُه: 4571 - أكُفْراً بعد رَدِّ الموتِ عني ... وبعد عَطائِكَ المِئَةَ الرَّتاعا ومَنْ مَنَعَ نَصَبَ «المِئَة» بفعلٍ مضمر. وأَصْرَحُ من هذا قولُ الآخر: 4572 -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... فإنَّ كلامَها شفاءٌ لِما بيا وقيل: المعنى ولا يَحْمِلُ عذابَ الإِنسانِ أحدٌ كقوله: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى} [الأنعام: 164] قاله الزمخشري. وأمَّا قراءةُ الباقين فإنه أَسْنَدَ الفعلَ لفاعلِه. / والضميرُ في «عذابَه» و «وَثاقَه» يُحتمل عَوْدُه على الباري تعالى، بمعنى: أنَّه لا يُعَذِّبُ في الدنيا مثلَ عذابِ اللَّهِ تعالى يومئذٍ أحدٌ، أي: إنَّ عذابَ مَنْ يُعَذِّبُ في الدنيا ليس كعذابِ الله تعالى يومَ القيامةِ، كذا قاله أبو عبد الله، وفيه نظرٌ: من حيث إنه يَلْزَمُ أَنْ يكونَ «يومئذٍ» معمولاً للمصدرِ التشبيهيِّ، وهو ممتنعٌ لتقدُّمِه عليه، إلاَّ أن يُقالَ: يُتَوَسَّعُ فيه. وقيل: المعنى لا يَكِلُ عذابه ولا وَثاقَه لأحدٍ؛ لأنَّ الأمرَ لله وحدَه في ذلك. وقيل: المعنى أنَّه في الشدة والفظاعةِ في حَيِّزٍ لم يُعَذِّبْ أحدٌ قط في الدنيا مثلَه. ورُدَّ هذا: بأنَّ «لا» إذا دَخَلَتْ على المضارعِ صَيَّرَتْه مستقبلاً، وإذا كان مستقبلاً لم يطابقْ هذا المعنى، ولا يُطْلَقُ على الماضي إلاَّ بمجازٍ بعيدٍ، وبأنَّ «يومَئذٍ» المرادُ به يومَ القيامة لا دارُ الدنيا. وقيل: المعنى أنَّه لا يُعَذِّبُ أحدٌ في الدنيا مثلَ عذابِ اللهِ الكافرَ فيها، إلاَّ أن هذا مردودٌ بما رُدَّ به ما قَبلَه. ويُحتمل عَوْدُه على الإِنسان بمعنى: لا يُعَذِّبُ أحدٌ من زبانيةِ العذابِ مثلَ ما يُعَذِّبون هذا الكافرَ، أو يكونُ المعنى: لا يَحْمِلُ أحدٌ عذابَ الإِنسانِ كقوله: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى} [فاطر: 18] . وهذه الأوجهُ صَعْبَةُ المَرامِ على طالِبها من غيرِ هذا الموضوعِ لتفرُّقها في غيرِه وعُسْرِ استخراجِها منه. وقرأ نافعٌ في روايةٍ وأبو جعفر وشَيْبة بخلافٍ عنهما «وِثاقَه» بكسر الواو.

الفجر 89:27

قوله: {ياأيتها} : هذه قراءةُ العامَّةِ «يا أيتُها» بتاءِ التأنيث. وقرأ زيدُ بن علي «يا أيُّها» كنداءِ المذكرِ، ولم يُجَوِّز ذلك أحدٌ، إلاَّ صاحبَ «البديع» ، وهذه شاهدةٌ له. وله وجه: وهو أنها كما لم تطابِقْ صفتَها تثنيةً وجَمْعاً جاز أن لا تطابِقَها تأنيثاً. تقول: يا أيُّها الرجلان يا أيُّها الرجال. و «راضيةً» و «مَرْضيَّةً» حالان، أي جامعةً بين الوصفَيْن؛ لأنَّه لا يَلْزَمُ مِنْ أحدِهما الآخرُ.

الفجر 89:29

قوله: {فِي عِبَادِي} يجوزُ أَنْ يكونَ: في جسد عبادي ويجوزُ أَنْ يكونَ المعنى: في زُمْرة عبادي. وقرأ ابن عباس وعكرمة وجماعةٌ «في عبدي» والمرادُ الجنسُ، وتَعَدَّى الفعلُ الأولُ ب «في» لأنَّ الظرفَ ليس بحقيقي نحو: «دخلت في غِمار الناس» ، وتعدَّى الثاني بنفسِه لأنَّ الظرفيةَ متحققةٌ، كذا قيل، وهذا إنما يتأتَّى على أحدِ الوجهَيْنِ، وهو أنَّ المرادَ بالنفس بعضُ المؤمنين، وأنه أَمْرٌ بالدخولِ في زُمْرة عبادِه، وأمَّا إذا كان المرادُ بالنفسِ الروحَ، وأنها مأمورةٌ بدخولِها في الأجساد فالظرفيةُ فيه متحقِّقةٌ أيضاً.

البلد 90:2

قوله: {وَأَنتَ حِلٌّ بهذا البلد} : فيه وجهان، أحدُهما: أنَّ الجملةَ اعتراضيةٌ على أحد معنَييْن: إمَّا على معنى أنه تعالى أَقْسَمَ بهذا البلدِ وما بعدَه على أنَّ الإِنسانَ خُلِقَ في كَبَدٍ واعتُرِض بينهما بهذه الجملةِ، يعني ومن المكابَدَةِ أنَّ مثلَكَ على عِظَمِ حُرْمَتِك يُسْتَحَلُّ بهذا البلدِ كما يُسْتَحَلُّ الصَّيْدُ في غير الحَرَمِ، وإمَّا على معنى أنَّه أَقْسَم ببلدِه على أنَّ الإِنسان لا يَخْلُوا مِنْ مَقاساةِ الشدائِد. واعْتُرِض بأَنْ وَعَدَه فتحَ مكة تَتْميماً للتسلية، فقال: وأنت حِلٌّ به فيما تَسْتَقْبِلُ تصنعُ فيه ما تريدُ من القَتْلِ والأَسْرِ، ف «حِلٌّ» بمعنى حَلال، قال معنى ذلك الزمخشري. ثم قال: «فإنْ قلتَ أين نظيرُ قولِه» وأنت حِلٌّ «في معنى الاستقبال؟ قلت: قوله تعالى {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ} [الزمر: 30] ومثلُه واسعٌ في كلامِ العبادِ تقول لمن تَعِدُهُ الإِكرامَ والحِباء: أنت مُكَرَّمٌ مَحْبُوٌّ، وهو في كلامِ اللَّهِ تعالى أوسعُ؛ لأنَّ الأحوال المُسْتَقْبَلَةَ عنده كالحاضرِةَ المشاهَدَةِ، وكفاك دليلاً قاطِعاً على أنه للاستقبالِ، وأنَّ تفسيرَه بالحالِ مُحالٌ، أنَّ السورةَ بالاتفاقِ مكيةٌ، وأين الهجرةُ عن وقتِ نزولِها فما بالُ الفتحِ؟ وقد ناقشه الشيخ بما لا يَتَّجِهُ، ورَدَّ عليه قولَه الإِجماعَ على نزولِها بمَكةَ بخلافٍ حكاه ابنُ عطية. الثاني من الوجَهْين الأوَّلَيْن. أنَّ الجملةَ حاليةٌ، أي: لا أُقْسِمُ بهذا البلدِ وأنت حالٌّ بها لعِظَمِ قَدْرِك، أي: لا يُقْسِمُ بشيءٍ وأنت أحَقُّ بالإِقسام بك منه. وقيل: المعنى لا أٌقْسِم به وأنت مُسْتَحَلٌّ فيه، أي: مُسْتَحَلٌّ أَذاك. وتقدَّم الكلام في مثلِ» لا «هذه المتقدِّمةِ فِعْلَ القسمِ.

البلد 90:3

قوله: {وَمَا وَلَدَ} : قيل: «ما» بمعنى «مَنْ» وقيل: مصدريةٌ. أَقْسَم بالشخص وفِعْلِه. وقال الزمخشري: «فإنْ قلتَ: هَلاَّ قيل: ومَنْ وَلَدَ. قلت: فيه ما في قولِه {والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} [آل عمران: 36] ، أي: بايِّ شيءٍ وَضَعَتْ، أي: موضوعاً عجيبَ الشأن» وقيل: «ما» نافيةٌ فتحتاج إلى إضمارِ موصولٍ، به يَصِحُّ الكلامُ تقديره: والذي ما وَلَدَ؛ إذ المرادُ بالوالد مَنْ يُوْلدُ له، وبالذي لم يَلِدْ العاقرُ، قال: معناه ابنُ عباس وتلميذُه ابنُ جُبير وعكرمة.

البلد 90:4

قوله: {لَقَدْ خَلَقْنَا} : هذا هو المُقْسَمُ عليه والكَبَدُ: المَشقةُ. قال الزمخشري: «وأصلُه مِنْ كَبِدَ الرجلُ كَبَداً فهو أكبدُ، إذا وَجِعَتْ كَبِدْه وانتفخَتْ، فاتُّسِعَ فيه حتى اسْتُعْمِلَ في كلِّ نَصَبٍ ومشقةٍ، ومنه اشْتُقَّت المكابَدَةُ، كما قيل: كَبَته، بمعنى أهلكه، وأصلُه كَبَدَه، أي: أصاب كَبِدَه. قال لبيد: 4573 - يا عَيْنُ هَلاَّ بَكَيْتِ أَرْبَدَ إذ ... قُمْنا وقام الخُصومُ في كَبَدِ أي: في شِدَّةِ الأمرِ وصعوبةِ الخَطْبِ وقال ذو الإِصبَع: 4574 - ليَ ابنُ عَمّ لَوَانَّ الناسَ في كَبَدٍ ... لظلَّ مُحْتَجِراً بالنَّبْلِ يَرْمِيْني

البلد 90:6

قوله: {يَقُولُ أَهْلَكْتُ} : يجوزُ أَنْ تكونَ مستأنفةً، وأنْ تكونَ حالاً. وقرأ العامَّةُ «لُبَداً» بضمِّ اللامِ وفتحِ الباءِ. وشَدَّد أبو جعفر الباءَ، وعنه أيضاً سكونُها. ومجاهد وابن أبي الزناد بضمتين، وقد تقدَّم الكلامُ على هذه اللفظةِ والاختلافُ فيها في الجنِّ.

البلد 90:9

قوله: {وَشَفَتَيْنِ} : الشَّفْةُ محذوفةُ اللامِ، والأصلُ شَفَهة، بدليل تصغيرِها على شُفَيْهَة، وجَمْعِها على شِفاه، ونظيرُه سَنَة في إحدى اللغتين. وشافَهْتُه، أي: كلَّمْتُه من غير واسطةٍ، ولا يُجمع بالألفِ والتاءِ، استغناءً بتكسيرِها عن تَصْحيحِها.

البلد 90:10

قوله: {النجدين} : إمَّا ظرفٌ، وإمَّا على حَذْفِ الجارِّ إنْ أُريد بهما الثَّدْيان، والنَّجْدُ في الأصل: «العُنُقُ لارتفاعِه. وقيل: الطريقُ العالي، كقولِ امرئِ القيس: 4575 - فريقانِ منهمْ قاطعٌ بَطْنَ نَخْلَةٍ ... وآخرُ منهمْ جازعٌ نَجْدَ كَبْكَبِ ومنه» نَجْدٌ «لارتفاعِها عن تِهامةَ.

البلد 90:11

قوله: {فَلاَ اقتحم} قال الفراء والزجَّاج: «ذَكَر» لا «مرةً واحدةً، والعربُ لا تكادُ تُفْرِدُ» لا «مع الفعل الماضي حتى تُعِيْدَ، كقولِه تعالى: {فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صلى} [القيامة: 31] ، وإنما أفردَها لدلالةِ آخرِ الكلامِ على معناه فيجوزُ أَنْ يكونَ قولُه: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ} [البلد: 17] قائماً مقام التكرير، كأنه قال: فلا اقتحم العقبةَ ولا آمَنَ» وقال: الزمخشري: «هي متكررةٌ في المعنى؛ لأنَّ معنى» فلا اقتحمَ العقبةَ «فلا فَكَّ رقبةً ولا أطعمَ مِسْكيناً، ألا ترى أنه فَسَّر اقتحامَ العقبةِ بذلك» قال الشيخ: «ولا يَتِمُّ له هذا إلاَّ على قراءةِ» فَكَّ «فعلاً ماضياً» .

البلد 90:13

وقرأ أبو عمرو وابن كثير والكسائيُّ «فَكَّ» فعلاً ماضياً، «ورقبةً» نصباً «أو أَطْعم» فعلاً ماضياً أيضاً. والباقون «فَكُّ» برفع الكاف اسماً، «رقبةٍ» خَفْصٌ بالإِضافة، «أو إطعامٌ» اسمٌ مرفوعٌ أيضاً. فالقراءةُ الأولى الفعلُ فيها بَدَلٌ مِنْ قولِه «اقتحمَ» فهو بيانٌ له، كأنَّه قيل: فلا فَكَّ رقبةً ولا أطعَمَ، والثانيةُ يرتفع فيها «فَكُّ» على إضمار مبتدأ، أي: هو فَكُّ رقبة أو إطعامٌ، على معنى الإِباحة. وفي الكلامِ حَذْفُ مضافٍ دلَّ عليه «فلا اقتحمَ» تقديرُه: وما أدراك ما اقتحامُ العقبة؟ فالتقدير: اقتحامُ العقبة فكُّ رَقَبَة أو إطعامٌ، وإنما احْتيج إلى تقديرِ هذا المضافِ ليتطابقَ المفسِّر والمفسَّر. ألا ترى أنَّ المفسِّر - بكسرِ السين - مصدرٌ، والمفسَّر - بفتحِ السينِ - وهو العقبةُ غيرُ مصدر، فلو لم نُقَدِّرْ مضافاً لكان المصدرُ وهو «فَكُّ» مُفَسِّراً للعين، وهو العقبةُ. وقرأ أميرُ المؤمنين وأبو رجاء «فَكَّ أو أطعمَ» فعلَيْن كما تقدَّم، إلاَّ أنهما نصبا «ذا» بالألف. وقرأ الحسن «إطعامٌ» و «ذا» بالألفِ أيضاً وهو على هاتَيْنِ القراءتَيْن مفعولُ «أَطْعم» أو «إطعامٌ» و «يتيماً» حينئذٍ بدلٌ منه أو نعتٌ له. وهو في قراءةِ العامَّةِ «ذي» بالياء نعتاً ل «يوم» على سبيل المجاز، وُصِفَ اليومُ بالجوع مبالغةً كقولهم: «ليلُك قائمٌ ونهارُك صائمٌ» والفاعلُ لإِطعام محذوفٌ، وهذا أحدُ المواضعِ التي يَطَّرِدُ فيها حَذْفُ الفاعلِ وحدَه عند البصريين، وقد بَيَّنْتُها مُسْتوفاةً ولله الحمدُ. والمَسْغَبَةُ: الجوعُ مع التعبِ، وربما قيل في العطش مع التعب، قال الراغب. يُقال منه: سَغِبَ الرجل يَسْغَبُ سَغْباً وسُغُوباً فهو ساغِبٌ وسَغْبانُ والمَسْغَبَةُ مَفْعَلَة منه، وكذلك المَتْرَبَةُ من التراب. يقال تَرِب، أي: افتقر حتى لَصِقَ جِلْدُه بالتراب. فأمَّا أَتْرَبَ بالألف فبمعنى استغنى نحو: أَثْرى، أي: صار مالُه كالتراب وكالثرى والمَقْرَبَةُ أيضاً: مَفْعَلَة من القَرابة. وللزمخشري هنا عبارةٌ حلوة قال: «والمَسْغَبَةُ والمَقْرَبَةُ والمَتْرَبَةُ مَفْعَلات مِنْ سَغِبَ إذا جاع وقَرُبَ في النَّسَب وتَرِبَ إذا افتقر» .

البلد 90:17

قوله: {ثُمَّ كَانَ} : لتراخي الإِيمان وتباعُدِه في الرتبةِ والفضيلةِ عن العِتْقِ والصدقةِ، لا في الوقتِ، لأنَّ الإِيمانَ هو السَّابقُ ولا يَثْبُتُ عَمَلٌ إلاَّ به، قاله الزمخشري. وقيل: المعنى على: ثم كان في عاقبةِ أَمْرِه من الذين وافَوْا الموتَ على الإِيمان لأنَّ الموافاةَ عليه شرطٌ في الانتفاعِ بالطاعاتِ. وقيل: التراخي في الذِّكْرِ وتقدَّم تفسيرُه.

البلد 90:20

قوله: {مُّؤْصَدَةُ} : قرأ أبو عمروٍ وحمزة وحفص بالهمز، والباقون بالواو، وكذا في «الهُمْزة» فالقراءةُ الأولى من آصَدْتُ البابَ، أي: أَغْلَقْته أُوْصِدُه فهو مُؤْصَدٌ. قيل: ويُحتمل أَنْ يكونَ مِنْ أَوْصَدْتُ، ولكنه هَمَزَ الواوَ الساكنةَ لضمةِ ما قبلَها كما هَمَزَ {بالسوق والأعناق} [ص: 33] كما تقدَّم. والقراءةُ الثانيةُ ايضاً تحتمل المادتَيْن، ويكون قد خُفِّفَتِ الهمزةُ لسكونها بعد ضمة. وقد نَقَل الفراء عن السوسيِّ الذي قاعدتُه إبدالُ مثلِ هذه الهمزةِ أنه لا يُبْدِلُ هذه بعد ضمةٍ، وعَلَّلوا ذلك بالالتباسِ. واتفق أنه قد قَرَأ «مُوْصَدة» بالواوِ مَنْ قاعدتُه تحقيقُ الهمزةِ، والظاهر أنَّ القراءتَين من مادتين: الأولى مِنْ آصَدَ يُؤْصِد كأَكْرَم يُكْرِم، والثانية مِنْ أَوْصَدَ يُوصِدُ، مثل أَوْصَلَ يُوْصِلُ. قال الشاعر: 4576 - تَحِنُّ إلى أجْبِالِ مكةَ ناقتي ... ومِنْ دونِها أبوابُ صنعاءَ مُوْصَدَهْ أي: مُغْلَقة وقال آخر: 4577 - قوماً يُعالِجُ قُمَّلاً أبناؤُهمْ ... وسلاسِلاً حِلَقاً وباباً مُؤْصَدا وكان أبو بكرٍ راوي عاصمٍ يكره الهمزةَ في هذا الحرفِ، وقال رحمه الله: «لنا إمامٌ يَهْمز» مؤصدة «فأشتهي أن أَسُدَّ أذُني إذا سمعتُه» قلت: وكأنه لم يَحْفَظْ عن شيخِه إلاَّ تَرْكَ الهمزِ مع حِفْظ حفصٍ إياه عنه، وهو أَضْبَطُ لحرِفه من أبي بكر على ما نقله القُراء، وإن كان أبو بكرٍ أكبرَ وأتقنَ وأوثقَ عند أهل الحديث. وقوله: {عَلَيْهِمْ نَارٌ} يجوزُ أَنْ تكونَ جملةً مستأنفةً، وأَنْ تكونَ خبراً ثانياً، وأن يكونَ الخبرُ وحده «عليهم» و «نار» فاعلٌ به، وهو الأحسنُ.

الشمس 91:1

قوله: {وَضُحَاهَا} : قد تقدَّم في «طه» الكلامُ على هذه المادةِ وقال المبرد: «إن الضُّحى والضَّحْوةَ مشتقان من الضَّحِّ وهو النورُ، فأُبْدلت الألفُ والواوُ من الحاءِ» هذا يكادُ يكونُ اختلاقاً على مثلِ أبي العباس لجلالتِه.

الشمس 91:2

قوله: {جَلاَّهَا} : الفاعلُ ضميرُ النهارِ، وقيل: عائدٌ على الله تعالى. والضميرُ المنصوبُ: إمَّا للشمسِ، وإمَّا للظُّلمةِ، وإمَّا للدنيا، وإمَّا للأرضِ. قوله: {إِذَا تَلاَهَا} وما بعدَه فيه إشكالٌ؛ لأنه إنْ جُعِل شرطاً اقتضى جواباً، ولا جوابَ لفظاً، وتقديرُه غيرُ صالحٍ، وإنْ جُعِلَ ظرفاً مَحْضاً استدعى عاملاً، وليس هنا عاملٌ إلاَّ فعلُ القسم، وإعمالُه مُشْكِلٌ؛ لأنَّ فعلَ القسمِ حالٌ لأنه إنشاءٌ، و «إذا» ظرفٌ مستقبلٌ، والحال لا يعملُ في المستقبلِ. وسيأتي جوابُ هذا وتحقيقُه عند ذِكْري سَبْرَه وتقسيمَه قريباً إن شاء الله تعالى. ويَخُصُّ «إذا» الثانيةَ وما بعدها إشكالٌ آخرُ ذكره الزمخشري فيه غموضٌ فتنبَّهْ له قال: «فإن قلتَ: الأمرُ في نصبِ» إذا «مُعْضِلٌ؛ لأنك لا تخلو: إمَّا أَنْ تجعلَ الواواتِ عاطفةً فتنصِبَ بها وتَجُرَّ فتقعَ في العطفِ على عاملَيْن، وفي نحو قولك:» مررتُ أمسِ بزيدٍ واليومَ عمروٍ «وإمَّا أَنْ تجعلَهُنَّ للقسم فتقعَ فيما اتَّفق الخليلُ وسيبويه على استكراهِه. قلت: الجوابُ فيه أن واوَ القسم مُطَّرَحٌ معها إبرازُ الفعلِ أطِّراحاً كلياً، فكان لها شأنٌ خلافَ شأنِ الباء حيث أُبْرِزَ معَها الفعلُ وأُضْمِرَ، فكانت الواوُ قائمةً مَقامَ الفعلِ، والباءُ سادَّةٌ مَسَدَّهما معاً، والواواتُ العواطفُ نوائبُ عن هذه الواوِ فحققن أَنْ يَكُنَّ عواملَ عملَ الفعلِ والجارِّ جميعاً كما تقول:» ضربَ زيدٌ عمراً وبكرٌ خالداً «فترفعُ بالواوِ وتنصِبُ، لقيامِها مَقامَ» ضرب «الذي هو عامِلُهما» انتهى. قال الشيخ: «إمَّا قولُه:» في واوات العطف: فَتَنْصِبَ بها وتجرَّ «فليس هذا بالمختار، أعني أَنْ يكونَ حرفُ العطفِ عاملاً لقيامِه مَقامَ العاملِ، بل المختارُ أنَّ العملَ إنما هو للعاملِ في المعطوفِ عليه، ثم إنا لا نُشاحُّه في ذلك. وقوله:» فتقع / في العطفِ على عاملَيْن «ليس ما في الآيةِ من العطفِ على عاملَيْن، وإنما هو مِنْ بابِ عطفِ اسمَيْن: مجرورٍ ومنصوبٍ على اسمَيْن: مجرورٍ ومنصوبٍ، فحرفُ العطفِ لم يَنُبْ مَنابَ عامِلَيْنِ، وذلك نحوُ قولِك:» امرُرْ بزيدٍ قائماً وعمروٍ جالساً «وأنشدَ سيبويهِ في كتابه: 4578 - وليس بمعروفٍ لنا أَنْ نَرُدَّها ... صِحاحاً ولا مُسْتَنْكرٍ أن تُعَقَّرا فهذا مِنْ عَطْفِ مجرورٍ ومرفوعٍ، على مجرورٍ ومرفوعٍ، والعطفُ على عاملَيْن فيه أربعةُ مذاهبَ، ونُسِب الجوازُ إلى سيبويهِ. وقوله: وفي قولِك:» مررْتُ أمسِ بزيدٍ واليومَ عمروٍ «هذا المثالُ مُخالِفٌ لما في الآيةِ، بل وِزانُ ما في الآية:» مررْتُ بزيدٍ أمسٍ وعمروٍ اليومَ «ونحن نُجيز هذا وأمَّا قولُه» على استكراه «فليس كما ذَكَر، بل كلامُ الخليلِ يَدُلُّ على المَنْعِ قال الخليلُ في قولِه عزَّو جلّ: {والليل إِذَا يغشى والنهار إِذَا تجلى وَمَا خَلَقَ الذكر والأنثى} [الليل: 13] . الواوان الأخيرتان ليستا بمنزلةِ الأولى، ولكنهما الواوانِ اللتان تَضُمَّان الأسماءَ إلى الأسماء في قولِك: «مررتُ بزيدٍ وعمرو» والأولى بمنزلةِ التاء والباء. وأمَّا قولُه: إنَّ واوَ القسم مُطَّرَحٌ معها إبرازُ الفعلِ اطِّراحاً كلياً «فليس هذا الحكمُ مُجْمَعاً عليه؛ بل أجازَ ابنُ كَيْسانَ التصريحَ بفعلِ القسمِ مع الواوِ، فتقول: أُقْسِم - أو أَحْلِفُ - واللَّهِ لَزيدٌ قائمٌ، وأمَّا قَولُه:» والواوات العواطفُ نوائبُ عن هذه «إلى أخره فمبنيُّ على أَنْ حرفَ العطفِ عاملٌ لنيابتِهِ منابَ العاملِ وليس هذا بالمختار» قال: «والذي نقوله: إنَّ المُعْضِلَ هو تقديرُ العاملِ في» إذا «بعد الأقسام، كقوله: {والنجم إِذَا هوى} [النجم: 1] {والليل إِذْ أَدْبَرَ} [المدثر: 33] {والصبح إِذَآ أَسْفَرَ} [المدثر: 34] {والقمر إِذَا تَلاَهَا} {والليل إِذَا يغشى} [الليل: 1] وما أَشْبهها، فإذا ظرفٌ مستقبلٌ، لا جائزٌ أَنْ يكونَ العاملُ فيه فعلَ القسمِ المحذوفِ لأنه فعل إنشائيُّ فهو في الحال ينافي أَنْ يَعْمَلَ في المستقبلِ لاختلافِ زمانِ العاملِ وزمانِ المعمولِ. ولا جائز أَنْ يكونَ ثمَّ مضافٌ محذوفٌ، أُقيم المُقْسَمُ به مُقامه، أي: وطلوعِ النجمِ ومجيءِ الليلِ، لأنه معمولٌ لذلك الفعلِ، فالطلوعُ حالٌ ولا يعملُ في المستقبل ضرورةَ أنَّ زمان العاملِ زمانُ المعمول. ولا جائزٌ أَنْ يعملَ فيه نفسُ المُقْسَمِ به؛ لأَنه ليس من قبيلِ ما يَعْمل، لا سيما إنْ كان جُرْماً. ولا جائزٌ أنْ يُقدَّرَ محذوفٌ قبل الظرفِ فيكونُ قد عملَ فيه، ويكون ذلك العاملُ في موضعِ الحال وتقديرُه: والنجمِ كائناً إذا هوى، والليلِ كائناً إذا يَغْشى؛ لأنه يَلْزَمُ» كائناً «أنْ لا يكونَ منصوباً بعاملٍ، ولا يَصِحُّ أَنْ يكونَ معمولاً لشيء مِمَّا فَرَضْناه أن يكونَ عاملاً. وأيضاً فقد يكونُ المُقْسَمُ به جثةً وظروفُ الزمانِ لا تكون أحوالاً عن الجثثِ، كما لا تكونُ أخباراً» انتهى ما رَدَّ به الشيخُ وما استشكلَه مِنْ أمرِ العاملِ في «إذا» وأنا بحمدِ اللَّهِ أتتبَّعُ قولَه وأبيِّنُ ما فيه. فقوله: «إن المختارَ أن حرفَ العطفِ لا يعملُ لقيامِه مَقامَ العاملِ فلا يَلْزَمُ أبا القاسم، لأنه يختارُ القولَ الآخَرَ. وقوله:» ليس ما في هذه الآية مِنْ العطفِ على عاملَيْن «ممنوعٌ بل فيه العطفُ على عاملَيْن ولكنْ فيه غموضٌ، وبيانُ أنه مِنْ العطفِ على عاملَيْن: أنَّ قولَه: {والنهار إِذَا جَلاَّهَا} هنا معمولان أحدُهما مجرورٌ وهو» النهار «والآخرُ منصوبٌ وهو الظرفُ، عطفاً على معمولَيْ عاملَيْن، والعاملان هما: فعلُ القسمِ الناصبُ ل» إذا «الأولى، وواوُ القسمِ الجارَّةُ، فقد تحقَّق معك عاملانِ لهما معمولان، فإذا عَطَفْتَ مجروراً على مجرور، وظرفاً على ظرف، معمولَيْن لعاملَين لَزم ما قاله أبو القاسم. وكيف يُجْهَلُ هذا ما التأمَّلِ والتحقيق؟ وأمَّا قولُه:» وأنشد سيبويهِ إلى آخره «فهو اعترافٌ منه بأنَّه من العطفِ على عاملَيْن، غايةُ ما في الباب أنه استندَ إلى جاهِ سيبويهِ. وأمَّا قولُه «أجازَ ابنُ كَيْسان / فلا يَلْزَمُه مذهبُه. وأمَّا قولُه:» فالمثالُ كالآيةِ، بل وزانها إلى آخره «فصحيحٌ لما فيه مِنْ تقديمِ الظرفِ الثاني على المجرورِ المعطوفِ، والآيةُ الظرفُ فيها متأخرٌ، وإنما مرادُ الزمخشريِّ وجودُ معمولَيْ عاملَيْنِ، وهو موجودٌ في المثالِ المذكورِ، إلاَّ أنَّ فيه إشكالاً آخر: وهو أنَّه كالتكريرِ للمسألةِ. وأمَّا قولُه» بل كلامُ الخليلِ يَدُلُّ على المنعِ إلى آخره «فليس فيه رَدٌّ عليه بالنسبةِ إلى ما قصدَه، بل فيه تقويةٌ لِما قالَه. غايةُ ما في البابِ أنه عَبَّر بالاستكراهِ عن المنعِ، أو لم يَفْهَمِ المَنْعَ. وقوله:» ولا جائزٌ أَنْ يكونَ ثَمَّ مضافٌ محذوفٌ «إلى آخره، فأقول: بل يجوزُ تقديرُه: وهو العاملُ، ولا يَلْزَمُ ما قال مِنْ اختلاف الزمانَيْن؛ لأنه يجوزُ أَنْ يُقْسِمَ الآن بطلوع النجمِ في المستقبل، فالقَسَمُ في الحالِ والطُّلوعُ في المستقبلِ، ويجوزُ أَنْ يُقْسِمَ بالشيء الذي سيوجَدُ. وقوله:» ولا جائزٌ أَنْ يُقدَّرَ محذوفٌ قبل الظرفِ، فيكون قد عَمِل فيه «إلى آخره ليس بممنوع بل يجوزُ ذلك، وتكون حالاً مقدرةً. قوله:» يَلْزَم أَنْ لا يكونَ له عاملٌ «ليس كذلك بل له عاملٌ وهو فعلُ القسم، ولا يَضُرُّ كونُه إنشائياً؛ لأنَّ الحالَ مقدرةٌ كما تقدَّم. قوله:» وقد يكونُ المُقْسَمُ به جثةً «جوابُه: يُقَدَّرُ حينئذٍ حَدَثٌ يكون الظرفُ الزمانيُّ حالاً عنه، وهذه المسألةُ سُئِلَ عنها الشيخُ أبو عمروٍ ابنُ الحاجبِ ونَقَّحَ فيها السؤالَ وأجابَ بنحوِ ما ذكَرْتُه واللَّهُ أعلمُ، ولا يخلُو الكلامُ فيها مِنْ نزاعٍ وبحثٍ طويلٍ معه.

الشمس 91:4

قوله: {يَغْشَاهَا} المفعولُ للشمسِ. وقيل: للأرض، وجيء ب «يَغْشاها» مضارعاً دونَ ما قبلَه وما بعدَه مراعاةً للفواصلِ؛ إذ لو أتى به ماضياً لكان التركيبُ «إذا غَشِيَها» فتفوتُ المناسبةُ اللفظيةُ بين الفواصلِ والمقاطع.

الشمس 91:5

قوله: {وَمَا بَنَاهَا} : وما بعدَه، فيه وجهان، أحدُهما: أنَّ «ما» موصولةٌ بمعنى الذي، وبه استشهد مَنْ يُجَوِّزُ وقوعَها على آحادِ أولي العلم؛ لأنَّ المرادَ به الباري تعالى، وإليه ذهب الحسنُ ومجاهدٌ وأبو عبيدةَ، واختاره ابن جرير. والثاني: أنها مصدريةٌ، أي: وبناءِ السماء، وإليه ذهبَ الزجَّاج والمبرد، وهذا بناءً منهما على أنها مختصةٌ بغيرِ العقلاءِ، واعْتُرِضَ على هذا القولِ: بأنَّه يَلْزَمُ أَنْ يكونَ القَسَمُ بنفسِ المصادر: بناءِ السماء وطَحْوِ الأرضِ وتَسْويةِ النفس، وليس المقصودُ إلاَّ القَسَمَ بفاعلِ هذه الأشياءِ وهو الرَّبُّ تبارك وتعالى. وأُجِيب عنه بوجهَيْن، أحدُهما: يكونُ على حَذْفِ مضافٍ، أي: وربِّ - أو باني - بناءِ السماء ونحوه. والثاني: أنه لا غَرْوَ في الإِقسام بهذه الأشياء كما أَقْسم تعالى بالصبح ونحوه. وقال الزمخشري: «جُعِلَتْ مصدريةً وليس بالوجهِ لقولِه» فأَلْهمها «وما يؤدي إليه مِنْ فسادِ النظم. والوجهُ أَنْ تكونَ موصولةً، وإنما أُوْثِرَتْ على» مَنْ «لإِرادة معنى الوصفية كأنه قيل: والسماءِ والقادرِ العظيم الذي بناها، ونفس والحكيمِ الباهرِ الحكمةِ الذي سَوَّاها. وفي كلامهم:» سبحانَ ما سَخَّرَكُنَّ لنا «انتهى. يعني أنَّ الفاعلَ في» فألهمها «عائدٌ على اللَّهِ تعالى فليكُنْ في» بناها «كذلك، وحينئذٍ يَلْزَمُ عَوْدُه على شيءٍ وليس هنا ما يمكنُ عَوْدُه عليه غيرُ» ما «فتعيَّنَ أَنْ تكونَ موصولةً. وقال الشيخ:» أمَّا قولُه: «وليس بالوجهِ لقولِه» فَأَلْهمها «يعني مِنْ عَوْدِ الضمير في» فَأَلْهمها «على الله تعالى، فيكونُ قد عاد على مذكورٍ وهو» ما «المرادُ به الذي. قال:» ولا يَلْزَمُ ذلك؛ لأنَّا إذا جَعَلْناها مصدريةً عاد الضميرُ على ما يُفْهَمُ مِنْ سياق الكلامِ، ففي «بناها» ضميرٌ عائدٌ على الله تعالى، أي: وبناها هو، أي: الله تعالى، كما إذا رأيتَ زيداً قد ضرب عَمْراً فتقول: «عجبتُ مِمَّا ضَرَبَ عمراً» تقديره: مِنْ ضَرْبِ عمروٍ هو، كان حسناً فصيحاً جائزاً، وعَوْدُ الضمير على ما يُفْهَمُ مِنْ سياقِ الكلامِ كثيرٌ وقوله: «وما يُؤدِّي إليه مِنْ فسادِ النظم» ليس كذلك، ولا يُؤدِّي جَعْلُها مصدريةً إلى ما ذُكِرَ، وقوله: «وإنما أُوْثِرَتْ» إلى آخره لا يُراد بما ولا بمَنْ الموصولتين معنى الوصفيةِ؛ لأنهما لا يُوْصفُ بهما بخلاف «الذي» فاشتراكُهما في أنَّهما لا يُؤَدِّيان معنى الوصفيةِ موجودٌ بينهما فلا تنفردُ به «ما» دون «مَنْ» وقوله:: وفي كلامِهم «إلى آخره تَأَوَّله أصحابُنا على أنَّ» سبحان «عَلَم و» ما «مصدريةٌ ظرفيةٌ» انتهى. أمَّا ما رَدَّ به عليه مِنْ كونِه يعود على ما يُفْهَمُ من السِّياق فليس يَصْلُح رَدَّاً، لأنه إذا دار الأمرُ بين عَوْدِه على ملفوظٍ به وبينَ غيرِ ملفوظٍ به فعَوْدُه على الملفوظِ به أولى لأنَّه الأصلُ. وأمَّا قولُه: فلا تنفرد به «ما» دونَ «مَنْ» فليس مرادُ الزمخشري أنها تُوْصَفُ بها وصْفاً صريحاً، بل مُرادُه أنها تقعُ على نوعِ مَنْ يَعْقل، وعلى صفتِه، ولذلك مَثَّل النَّحْويون ذلك بقوله: {فانكحوا مَا طَابَ} [النساء: 3] ، وقالوا: تقديره: فانْكِحُوا الطيِّبَ مِنْ النساءِ، ولا شكَّ أن هذا الحكمَ تَنْفَرِدُ به «ما» دون مَنْ. والتنكيرُ في «نفس» : إمَّا لتعظيمِها، أي، نفس عظيمة، وهي نفسُ آدمَ، وإمَّا للتكثيرِ كقولِه: {عَلِمَتْ نَفْسٌ} [الانفطار: 5] .

الشمس 91:8

قوله: {قَدْ أَفْلَحَ} : فيه وجهان، أحدُهما: أنه جوابُ القسم، والأصل: لقد، وإنما حُذِفَتْ لطولِ الكلامِ. والثاني: أنه ليس بجوابٍ وإنما جيْءَ به تابعاً لقولِه {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} على سبيل الاستطرادِ، وليس مِنْ جوابِ القسم في شيءٍ، فالجوابُ محذوفٌ تقديرُه: ليُدَمْدِمَنَّ اللَّهُ عليهم، أي: على أهلِ مكةَ لتكذيبِهم رسولَ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كما دَمْدَم على ثمودَ لتكذيبِهم صالحاً صلَّى الله عليه وسلم، قال معناه الزمخشري، وقدَّره غيرُه: لتُبْعَثُنَّ. وقوله: {طَحَاهَا} [الشمس: 3] ، أي: دَحاها، وقد تقدَّم معناه. وفيه لغتان، يقال: طحا يَطْحوا وطحى يَطْحي. ويجيءُ طحا بمعنى ذهب، قال علقمة: 4579 - طحابك قَلْبٌ في الحِسانِ طَروبُ ... بُعَيْدَ الشبابِ عَصْرَ حان مَشيبُ ويقال: طحا بمعنى ارتفعَ. وفي أقسامِهم: «ولا والقمرِ الطَّاحي» ، أي: المرتفعُ. وفاعلُ «زكَّاها» و «دَسَّاها» الظاهرُ أنه ضميرُ «مَنْ» وقيل: ضميرُ الباري تعالى، أي: مَنْ زكاهَّا اللَّهُ، ومَنْ دَسَّاها اللَّهُ، أي: مَنْ زَكَّى اللَّهُ نفسَه. وأنحى الزمخشريُّ على صاحبِ هذا القولِ لمنافرتِة مذهبَه، والحقُّ أنَّه خلافُ الظاهرِ، لا لما قال الزمخشريُّ، بل لمنافرةِ نظمِه للاحتياجِ إلى عَوْدِ الضميرِ على النفسِ مقيدةً بإضافتِها إلى ضمير «مَنْ»

الشمس 91:10

قوله: {دَسَّاهَا} : أصلُه دسَّسَهَا فَكَثُرَتْ الأمثالُ فأُبْدِل مِنْ ثالِثها حرفَ علةٍ كما قالوا: قَصَّيْتُ [أَظْفاري] و [قولِه] : 4580 - تَقَضِّيَ البازِي. . . . . . . . . . . . . . ... والتَّدْسِيَةُ: الإِخفاءُ بمعنى أخفاها بالفجورِ، وقد نَطَق بالأصل مَنْ قال: 4581 - وأنت الذي دَسَّسْتَ عمراً فأصبحَتْ ... حَلائلُه منه أراملَ ضُيَّعاً ومن قال: 4582 - ودَسَّسْت عَمْراً في التراب فأصبحَتْ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . البيت.

الشمس 91:11

قوله: {بِطَغْوَاهَآ} : في هذه الباء ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنها للاستعانةِ مجازاً، كقولِه: «كتبتُ بالقلمِ» وبه بدأ الزمخشري ويعني فَعَلَتِ التكذيبَ بطُغْيانها، كقولك: «ظلمَني بجُرْأتِه على الله تعالى» الثاني: أنها للتعدية، أي: كَذَبَتْ بما أُوْعِدَتْ به مِنْ عذابها ذي الطُّغيان، كقولِه تعالى {فَأُهْلِكُواْ بالطاغية} [الحاقة: 5] . والثالث: أنها للسببية، أي: بسبب طُغْيانِها. وقرأ العامَّةُ «طَغْواها» بفتح الطاءِ وهو مصدرٌ بمعنى الطُّغيان، وإنما قُلِبَتْ الياءُ واواً فَرْقاً بين الاسمِ والصفةِ، يعني، أنهم يُقِرُّون ياءَ فَعْلى بالفتح صفةً نحو: خَزْيا وصَدْيا، ويَقْلبونها في الاسم نحو: تَقْوى وشَرْوى، وكان الإِقرارُ في الوصفِ لأنه أثقلُ مِنْ الاسمِ، والياءُ أخفُّ من الواوِ، فلذلك جُعِلت في الأثقل. وقرأ الحسن ومحمد بن كعب وحماد بضم الطاء، وهو أيضاً مصدرٌ كالرُّجْعى والحُسْنى، إلاَّ أنَّ هذا شاذ إذ كان مِنْ حَقِّه بقاءُ الياءِ على حالِها كالسُّقْيا وبابها، هذا كلُّه عند مَنْ يقول: طَغَيْتُ طُغْياناً بالياءِ، فأمَّا مَنْ يقول: طَغَوْت بالواو فالواوُ أصلٌ عنده، قاله ابو البقاء، وقد تقدَّم الكلامُ على اللغتين في البقرة والله الحمدُ.

الشمس 91:12

قوله: {إِذِ انبعث} : «إذِ» يجوزُ فيه وجهان، أحدُهما: أَنْ يكونَ ظرفاً ل «كذَّبَتْ» والثاني: أَنْ يكونَ ظرفاً للطَّغْوى. و «أشْقاها» فاعلُ «انبعَث» وفيه وجهان، أحدُهما: أَنْ يُراد به شخصٌ واحد بعينه. وفي التفسيرِ أنه رجل يُسَمَّى قُدار بن سالف. والثاني: أن يُراد به جماعةٌ، قال الزمخشري: «ويجوز أن يكونوا جماعةً [والتوحيد] / لتَسْوِيَتِك في أفعلِ التفضيل إذا اضفْتَه، بين الواحدِ والجمع والمذكرِ والمؤنثِ، وكان يجوزُ أَنْ يقول: أشْقَوْها» انتهى. وكان ينْبغي أَنْ يُقَيِّد فيقول: إذا أضَفْتَه إلى معرفةٍ؛ لأن المضافَ إلى النكرةِ حُكْمُه الإِفرادُ والتذكيرُ مطلقاً كالمقترنِ ب «مِنْ» .

الشمس 91:13

قوله: {فَقَالَ لَهُمْ} : إنْ كان المرادُ ب «أَشْقاها» جماعةً فعَوْدُ الضميرِ مِنْ «لهم» عليهم واضحٌ، وإنْ كان المرادُ به عَلَماً بعينِه فالضميرُ مِنْ «لهم» يعودُ على ثمود. قوله: {نَاقَةَ الله} منصوبٌ على التحذير، أي: احْذَروا ناقةَ اللَّهِ فلا تَقْرَبُوها، وإضمارُ الناصبِ هنا واجبٌ لمكانِ العطف، فإنَّ إضمارَ الناصبِ يجبُ في ثلاثةِ مواضعَ، أحدُها: أن يكونَ المحذَّرُ نحو: «إياك» وبابه. الثاني: أن يُوجدَ فيه عطفٌ. الثالث: أَنْ يوجَدَ فيه تَكْرارٌ نحو: «الأسدَ الأسدَ» وقرأ زيد بن علي «ناقةُ الله» رفعاً على خبرِ ابتداء مضمرٍ، أي: هذه ناقةُ اللَّهِ فلا تتعرَّضوا لها.

الشمس 91:14

قوله: {فَدَمْدَمَ} : الدَّمْدَمَةُ. قيل: الإِطباقُ يُقال: دَمْدَمْتُ عليه القبرَ، أي: أَطْبَقْتُه عليه. وقيل: الإِلزاقُ بالأرض. وقيل: الإِهلاكُ باستئصالٍ. وقيل: الدَّمْدَمَةُ حكايةُ صوتِ الهَدَّة ومنه: دَمْدَمَ في كلامه. ودَمْدَمْتُ الثوبَ: طَلَيْتُه بالصَّبْغ. والباءُ في «بذَنْبهم» للسببية. قوله: {فَسَوَّاهَا} الضميرُ المنصوبُ يجوزُ عَوْدُه على ثمودَ باعتبار القبيلةِ كما أعادَه في قولِه «بَطَغْواها» ويجوزُ عَوْدُه على الدَّمْدَمَة والعقوبةِ، أي: سَوَّاها بينهم، فلم يَفْلَتْ منهم أحدٌ. وقرأ ابن الزبير «فَدَهْدَمَ» بهاءٍ بين الدالَيْن بدلَ الميم، وهي بمعنى القراءةِ المشهورةِ.

الشمس 91:15

قوله: {وَلاَ يَخَافُ} : قرأ نافعٌ وابنُ عامر «فلا» بالفاء، والباقون بالواو، ورُسِمَتْ في مصاحفِ المدينة والشام بالفاء وفي غيرِها بالواوِ، فقد قرأ كلُّ بما يوافقُ رَسْمَ مُصْحَفِه. ورُوِيَ أنَّ رسولَ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقرأُ «ولم يَخَفْ» وهي مُؤَيَّدَةٌ لقراءةِ الواوِ، ذكره الزمخشري، فالفاءُ تقتضي التعقيبَ، وهو ظاهرٌ. والواوُ يجوزُ أَنْ تكونَ للحالِ، وأنْ تكونَ لاستئنافِ الأخبارِ، وضميرُ الفاعل في «يَخاف» يحتملُ عَوْدُه على الرَّبِّ، وهو الأظهرُ، لكونِه أقربَ مذكورٍ. والثاني: أنه يعودُ على رسولِ الله، أي: ولا يخاف عقبى هذه العقوبةِ لإِنذاره إياهم. والثالث: أنه يعودُ على «أشقاها» أي: انبعَثَ لعَقْرها، والحالُ أنه غيرُ خائفٍ عاقبةَ هذه الفَعْلَةِ الشنعاءِ. وعقبى الشيء خاتمتُه.

الليل 92:3

قوله: {وَمَا خَلَقَ} : يجوزُ في «ما» أَنْ تكونَ بمعنى «مَنْ» وهو رأيُ جماعةٍ تقدَّم ذِكْرُهمْ في السورةِ قبلَها. وقيل: هي مصدريةٌ. وقال الزمخشري: «والقادرُ: العظيمُ القدرةِ الذي قَدَرَ على خَلْقِ الذكَرِ والأنثى من ماءٍ واحدٍ» قلت: قد تقدَّم تقريرُ قولِه هذا وما اعْتُرِضَ به عليه، وما أُجيب عنه، في السورةِ قبلها. وقرأ أبو الدرداء «والذَّكرِ والأنثى» وقرأ عبد الله «والذي خَلَق» ، والكسائيُّ ونَقَلها ثعلبٌ عن بعض السَّلَف «وما خَلَقَ الذَّكَرِ» بجرِّ «الذكَرِ» قال الزمخشري: «على أنه بدلٌ من محلِّ» ما خَلَقَ «بمعنى» وما خَلَقَه «أي: ومخلوقِ اللَّهِ الذكَرِ، وجاز إضمارُ» الله «لأنه معلومٌ بانفرادِه بالخَلْق» . وقال الشيخ: «وقد يُخَرَّجُ على تَوَهُّم المصدرِ، أي: وخَلْقِ الذَّكرِ، كقوله: 4583 - تَطُوفُ العُفاةُ بأبوابِه ... كما طاف بالبَيْعَةِ الراهبِ بجرِّ» الراهب «على توهُّمِ النطقِ بالمصدر، أي: كطَوافِ الراهبِ» انتهى. والذي يَظْهَرُ في تخريجِ البيت أنَّ اصلَه «الراهبيّ» بياءِ النسَبِ، نسبةً إلى الصفةِ، ثم خُفِّف، وهو قليلٌ كقولِهم: أَحْمري ودَوَّاري، وهذا التخريجُ بعينِه في قولِ امرئ القيس: 4584 -. . . . . . . . . . . . . . . . ... فَقِلْ في مَقيلٍ نَحْسُه مُتَغَيِّبِ استشهد به الكوفيون على تقديمِ الفاعلِ. وقرأ العامَّةُ {تجلى} فعلاً ماضياً، وفاعلُه ضميرٌ عائدٌ على النهار. وعبد الله بن عبيد بن عمير «تتجلى» بتاءَيْن، أي: الشمس. وقُرئ «تُجْلي» بضمِّ التاءِ وسكونِ الجيم، أي: الشمسُ ايضاً، ولا بُدَّ من عائدٍ على النهارِ محذوفٍ، أي: تتجلى أو تُجْلِي فيه.

الليل 92:4

قوله: {إِنَّ سَعْيَكُمْ} : هذا جوابُ القسمِ. ويجوزُ أَنْ يكونَ محذوفاً، كما قيلَ في نظائرِه المتقدمةِ.

الليل 92:5

قوله: {أعطى} : حَذَفَ مفعولَيْ «أعطى» ومفعولَ «اتقى» ومفعولَ «صَدَّقَ» المجرور ب «على» ؛ لأنَّ الغرضَ ذِكْرُ هذه الأحداثِ دونَ متعلَّقاتها، وكذلك مُتَعَلَّقا البخل والاستغناءِ. وقوله: {فَسَنُيَسِّرُهُ للعسرى} إمَّا من بابِ المقابلةِ لقولِه: {فَسَنُيَسِّرُهُ لليسرى} ، وإمَّا لأنَّ نيسِّره بمعنى نُهَيِّئُه، والتهيئةُ تكونُ في اليُسْر والعُسْر.

الليل 92:11

قوله: {وَمَا يُغْنِي} : يجوز أَنْ تكونَ «ما» نفياً، وأَنْ تكونَ استفهاماً إنكارياً. قوله: {تردى} إمَّا من الهلاكِ، أو مِنْ تردى بأكفانِه، وهو كنايةٌ عن الموت كقولِه: 4585 - وخُطَّا بأَطْرافِ الأسِنَّةِ مَضْجَعي ... ورُدَّا على عَيْنَيَّ فَضْلَ رِدائيا وقول الآخر: 4586 - نَصيبُك مِمَّا تَجْمَعُ الدهرَ كلَّه ... رِداءان تلوى فيهما وحَنُوطُ

الليل 92:14

قوله: {نَاراً تلظى} : قد تقدَّم في البقرة أن البزيَّ يُشَدِّد مثلَ التاء، والتشديدُ فيها عَسِرٌ لالتقاءِ الساكنين فيها على غير حَدِّهما، وهو نظيرُ قولِه: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ} [النور: 15] وقد تقدَّم. وقال أبو البقاء: يُقرأ بكسر التنوين وتشديد التاءِ، وقد ذُكِرَ وَجْهُه عند {وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث} [البقرة: 267] انتهى. وهذه قراءةٌ غريبةٌ، ولكنها موافقةٌ للقياس من حيث إنه لم يلتقِ فيها ساكنان. وقوله: «وقد ذُكِر وجهُه الذي قاله في البقرة لا يُفيد هنا شيئاً البتة، فإنه قال هناك:» ويُقْرأُ بتشديدِ التاءِ، وقبلَه ألفٌ، وهو جْمعٌ بين ساكنَيْن، وإنما سَوَّغَ ذلك المدُّ الذي في الألفِ «. وقرأ ابن الزُّبير وسفيان وزيد بن علي وطلحة» تتلظى «بتاءَيْن وهو الأصلُ.

الليل 92:15

قوله: {إِلاَّ الأشقى} : قيل: الأشقى والأَتْقى بمعنى الشقيّ والتقيّ ولا تفضيلَ فيهما؛ لأنَّ النارَ ليسَتْ مختصةً بالأكثرِ شقاءً، وتجنُّبها ليس مختصاً بالأكثرِ تَقْوى. وقيل: بل هما على بابِهما، وإليه ذهب الزمخشريُّ قال: «فإنْ قلتَ: كيف قال:» لا يَصْلاها إلاَّ الأشقى « {وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى} وقد عُلِمَ أنَّ كلَّ شقيّ يَصْلاها، وكلَّ تقيّ يُجَنَّبُها، لا يَخْتَصُّ بالصَّلْي أشقى الأشقياءِ، ولا بالنجاةِ أتقى الأتقياءِ، وإنْ زَعَمْتَ أنه نكَّر النار فأراد ناراً بعينِها مخصوصةً بالأشقى، فما تصنع بقولِه {وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى} ؟ فقد عُلِمَ أنَّ أَفْسَقَ المسلمين يُجَنَّبُ تلك النارَ المخصوصةَ لا الأتقى منهم خاصة. قلت: الآية واردةٌ في لموازنةِ بين حالتَيْ عظيمٍ من المشركين وعظيمٍ من المؤمنين، فأُريد أَنْ يُبالَغَ في صفتَيْهما المتناقضتَيْن فقيل: الأشقَى، وجُعِل مختصَّاً بالصَّلْي، كأن النارَ لم تُخْلَقْ إلاَّ له. وقيل: الأتقى. وجُعل مختصَّاً بالنجاةِ، كأنَّ الجنةَ لم تُخْلَقْ إلاَّ له. وقيل: هما أبو جهل أو أمية بن خلف وأبو بكر الصديق رضي الله عنه» انتهى. فآل جوابُه إلى أنَّ المرادَ بهما شخصان معيَّنان.

الليل 92:18

قوله: {يتزكى} : قرأ العامَّةُ {يتزكى} مضارعَ تَزَكَّى، والحسن بن علي بن الحسن بن علي أمير المؤمنين يزكى بإدغامِ التاءِ في الزاي. وفي هذه الجملةِ وجهان، أحدُهما: أنها في موضعِ الحالِ من فاعلِ «يُؤْتي» أي: يُؤتيه مُتَزَكِّياً به. والثاني: أنها لا موضعَ لها من الإِعراب، على أنها بدلٌ مِنْ صلة «الذي» ذكرهما الزمخشري. وجعل الشيخُ متكلَّفاً.

الليل 92:19

قوله: {تجزى} : صفةٌ لنعمةٍ، أي: تُجْزِي الإِنسانَ، وإنما جيء به مضارعاً مبنياً للمفعولِ لأجلِ الفواصل؛ إذ الأصلُ يُجْزيها إياه أو يُجْزِيه إياها.

الليل 92:20

قوله: {إِلاَّ ابتغآء} : في نصبِه وجهان، أحدهما: أنه مفعولٌ له. قال الزمخشري: «ويجوزُ أَنْ يكونَ مفعولاً له على المعنى؛ لأنَّ المعنى: لا يُؤْتي مالَه إلاَّ ابتغاءَ وَجْهِ ربه لا لمكافأةِ نعمةٍ» وهذا أَخَذَه مِنْ قولِ الفَرَّاء فإنه قال: «ونُصِبَ على تأويل: ما أعْطَيْتُك ابتغاءَ جزائِك، بل ابتغاءَ وجهِ اللَّهِ تعالى. والثاني: أنَّه منصوبٌ على الاستثناء المنقطع، إذ لم يندَرِجْ تحت جنسِ» مِنْ نعمة «وهذه قراءة العامَّةِ، أعني النصبَ والمدَّ. وقرأ يحيى برفعِه ممدوداً على البدل مِنْ محلِّ» مِنْ نعمة «لأنَّ محلَّها الرفعُ: إمَّا على الفاعليَّةِ، وإمَّا على الابتداءِ، و» مِنْ «مزيدةٌ في الوجهَيْن، والبدلُ لغة تميمٍ، لأنهم يُجْرُون المنقطعَ في غيرِ الإِيجاب مجرى المتصل. وأنشد الزمخشريُّ بالوجهَيْن: النصبِ والبدلِ قولَ بشرِ بنِ أبي خازم: 458 - 7- أَضْحَتْ خَلاءً قِفاراً أَنيسَ بها ... إلاَّ الجآذِرُ والظِّلْمانَُِ تَخْتَلِفُ وقولَ القائلِ في الرفع: 458 - 8- وبَلْدَةٍ ليس بها أنيسُ ... إلاَّ اليَعافيرُ وإلاَّ العِيْسُ وقال مكي:» وأجاز الفراء الرفعَ في «ابتغاء» على البدل مِنْ موضع «نِعْمَةٍ» وهو بعيدٌ «قلت: كأنَّه لم يَطِّلِعْ عليها، قراءةً، واستبعادُه هو البعيدُ، فإنَّها لغةٌ فاشيةٌ. وقرأ ابنُ ابي عبلة» ابْتِغا «بالقصر.

الليل 92:21

قوله: {وَلَسَوْفَ يرضى} : هذا جوابُ قَسَمٍ مضمرٍ. والعامَّةُ على «يرضى» مبنياً للفاعلِ. وقُرِئ ببنائِه للمفعول مِنْ أَرْضاه الله، وهو قريبٌ مِنْ قولِه في آخرِ سورةِ طه {لَعَلَّكَ ترضى} و {ترضى} [طه: 130] .

الضحى 93:2

قوله: {سجى} : قيل: معناه سَكَن، ومنه: سجا البحر يَسْجُو سَجْواً، أي: سَكَنَتْ أمواجُه، وطَرْفٌ ساجٍ، أي: فاتر، ومنه اسْتُعِير تَسْجِيَةُ الميتِ، أي: تَغْطِيَتُه بالثوبِ، قاله الراغب وقال الأعشى: 4589 - وما ذَنْبُنا إنْ جاش بَحْرُ ابنِ عَمِّكُمْ ... وبَحْرُكَ ساجٍ لا يُوارِي الدَّعامِصا وقيل: سجا، أي: أَدْبَرَ وقيل بعكسِه. وقال الفراء: «أظلم» . وقال ابن الأعرابي: «اشتدَّ ظلامُه» وقال الشاعر: 4590 - يا حَبَّذا القَمْراءُ والليلُ السَّاجْ ... وطُرُقٌ مِثْلُ مُلاءِ النِّسَّاجْ وهو من ذواتِ الواوِ، وإنما أُميل لموافقةِ رؤوسِ الآيِ، كالضُّحى فإنه من ذواتِ الواوِ ايضاً.

الضحى 93:3

قوله: {مَا وَدَّعَكَ} : هذا هو الجوابُ. والعامَّةُ على تشديد الدالِ من التَوْديع. [وقرأ] عروة بن الزبير وابنه هشام وأبو حيوة وابن أبي عبلة بتخفيفِها مِنْ قولِهم: وَدَعَه، أي: تركه والمشهورُ في اللغةِ الاستغناءُ عن وَدَعَ ووَذَرَ واسمِ فاعِلهما واسمِ مفعولِهما ومصدرِهما ب «تَرَكَ» وما تصرَّفَ منه، وقد جاء وَدَعَ ووَذَرَ. قال الشاعر: 4591 - سَلْ أميري ما الذي غَيَّرَهْ ... عن وِصالي اليومَ حتى وَدَعَهْ وقال الشاعر: 4592 - وثُمَّ وَدَعْنا آلَ عمروٍ وعامرٍ ... فرائِسَ أَطْرافِ المُثَقَّفةِ السُّمْرِ قيل: والتوديعُ مبالغةٌ في الوَدْع؛ لأن مَنْ وَدَّعك مفارقاً فقد بالغ في تَرْكِك. قوله: {وَمَا قلى} أي: ما أَبْغَضَك، قلاه يَقْليه بكسر العين في المضارع، وطيِّىء تقول: قلاه يقلاه بالفتح قال الشاعر: 4593 - أيا مَنْ لَسْتُ أَنْساه ... ولا واللَّهِ أَقْلاه لكَ اللَّهُ على ذاكَ ... لكَ اللَّهُ [لكَ اللَّهُ] وحُذِفَ مفعولُ «قَلَى» مراعاةً للفواصلِ مع العِلْم به وكذا بعدَ «فآوى» وما بعدَه.

الضحى 93:4

قوله: {وَلَلآخِرَةُ} : الظاهرُ في هذه اللامِ أنَّها جوابُ القسم، وكذلك في «ولَسَوْفَ» أَقْسم تعالى على أربعةِ أشياءَ: اثنان منفيَّان وهما توديعُه وقِلاه، واثنان مُثْبَتان مؤكَّدان، وهما كونُ الآخرةِ خيراً له من الدنيا، وأنه سوف يُعْطيه ما يُرضيه. وقال الزمخشري: «فإنْ قلتَ: ما هذه اللامُ الداخلةُ على» سَوْف «؟ قلت: هي لامُ الابتداءِ المؤكِّدةُ لمضمون الجملة، والمبتدأُ محذوفٌ تقديرُه: ولأنت سَوْفَ يُعْطيك، كما ذَكَرْنا في {لاَ أُقْسِمُ} [القيامة: 1] أن المعنى: لأَنا أُقْسِمُ. وذلك أنها لا تَخْلو: مِنْ أَنْ تكونَ لامَ قسمٍ أو ابتداء. فلامُ القسم لا تدخلُ على المضارع إلاَّ مع نونِ التوكيد، فبقي أن تكونَ لامَ ابتداءِ، ولامُ الابتداء لا تدخل إلاَّ على الجملة من المبتدأ والخبرِ فلا بُدَّ من تقدير [مبتدأ] وخبره، وأصله: ولأنت سوف يعطيك» ونقل الشيخ عنه أنه قال: «وخُلِع من اللامِ دلالتُها على الحال» انتهى. وهذا الذي رَدَّده الزمخشري يُختار منه أنها لامُ القسم. قوله: «لا تَدْخُلُ على المضارع إلاَّ مع نونِ التوكيد» هذا استثنى النحاة منه صورتَيْنِ، إحداهما: أَنْ لا يُفْصَلَ بينها وبين الفعل حرفُ تنفيسٍ كهذه الآيةِ، كقولِك: واللَّهِ لَسَأُعْطيك. والثانية: أن لا يُفْصَلَ بينهما بمعمولِ الفعل كقولِه تعالى: {لإِلَى الله تُحْشَرُونَ} [آل عمران: 158] . ويَدُلُّ لِما قُلْتُه ما قال الفارسيُّ: «ليسَتْ هذه اللامُ هي التي في قولك:» إنَّ زيداً لَقائمٌ، بل هي التي في قولِك: «لأَقومَنَّ» ونابَتْ «سوفَ» عن إحدى نونَيْ التوكيدِ، فكأنه قال: ولَيُعْطِيَنَّك. وقوله: «خُلِع منها دلالتُها على الحال» يعني أنَّ لامَ الابتداءِ الداخلةَ على المضارع تُخَلِّصُه للحال، وهنا لا يُمْكِنُ ذلك لأجلِ حَرْفِ التنفيسِ، فلذلك خُلِعَتِ الحاليةُ منها. وقال الشيخ: «واللامُ في» ولَلآخرةُ «لامُ ابتداء وَكَّدَتْ مضمونَ الجملةِ» ثم حكى بعضَ ما ذكَرْتُه عن الزمخشري وأبي علي ثم قال: «ويجوز عندي أَنْ تكونَ اللامُ في» وللآخرةُ خيرٌ «وفي» ولَسَوْفَ يُعْطيك « اللامَ التي يُتَلَقَّى بها القسمُ، عَطَفَها على جوابِ القسم، وهو قولُه: {مَا وَدَّعَكَ} فيكون قد أقسم على هذه الثلاثة» انتهى. فظاهرُه أنَّ اللامَ في «ولَلآخرةُ» لامُ ابتداء غيرُ مُتَلَقَّى بها القسمُ، بدليلِ قولِه ثانياً: «ويجوز عندي» ولا يظهرُ انقطاعُ هذه الجملةِ عن جواب القسم البتةَ، وكذلك في {ولَسَوْفَ} وتقديرُ الزمخشري مبتدأً بعدها لا يُنافي كونَها جواباً للقسم، وإنما مَنَعَ أن تكونَ جواباً داخلةً على المضارع لفظاً وتقديراً.

الضحى 93:6

قوله: {فآوى} : العامَّة على «آوى» بألفٍ بعد الهمزة رباعياً، مِنْ آواه يُؤْوِيْهِ. وأبو الأشهب «فأوى» ثلاثياً. قال الزمخشري: «وهو على معنيين: إمَّا مِنْ» أواه «بمعنى آواه. سُمع بعضُ الرعاة يقول:» أين آوي هذه «، وإمَّا مِنْ أوى له إذا رحمه» انتهى. وعلى الثاني قولُه: 459 - 4- أراني - ولا كفرانَ لله - أيَّةُ ... لنفسي لقد طالَبْتُ غيرَ مُنيلِ أي: رحمةً لنفسي. ووجهُ الدلالةِ مِنْ قولِه: «يقول: أين آوي هذه» ؟ أنه لو كان من الرباعي لقال: «أُؤْوي» بضم الهمزةِ الأولى وسكونِ الثانيةِ؛ لأنه مضارعُ «آوى» مثل أَكْرَمَ، وهذه الهمزةُ المضمومةُ هي حرفُ المضارعةِ، والثانيةُ هي فاءُ الكلمةِ، وأمَّا همزةُ أَفْعَل فمحذوفةٌ على القاعدةِ، ولم تُبْدَلْ هذه الهمزةُ كما أُبْدِلَتْ في «أُوْمِنُ أنا» لئلا تثقلَ بالإِدغام، ولذلك نصَّ القراءُ على أنَّ «تُؤْويه» من قوله «وفَصيلتِه التي تُؤْويه» لا يجوزُ إبْدالُها للثِّقَلِ.

الضحى 93:8

قوله: {عَآئِلاً} : أي: فقيراً. وهذه قراءةُ العامَّةِ. يقال: عال زيدٌ أي: افتقر. قال جرير: 4595 - اللهُ نَزَّل في الكتابِ فريضةً ... لابنِ السبيل وللفقيرِ العائلِ وأعال: كَثُرَ عيالُه قال: 4596 - ومايَدْري الفقيرُ متى غِناه ... وما يَدْري الغَنِيُّ متى يُعيلُ وقرأ اليماني «عَيِّلاً» بكسر الياء المشددة كسَيِّد.

الضحى 93:9

قوله: {فَأَمَّا اليتيم} : منصوبٌ ب تَقْهَرْ. وبه استدل الشيخ ابن مالك - رحمه الله - على أنه لا يَلْزَمُ من تقديمِ المعمولِ تقديمُ العامل. ألا ترى أن «اليتيمَ» منصوبٌ بالمجزوم، وقد تقدَّم على الجازمِ، ولو قَدَّمْتَ «تَقْهَرْ» على «لا» لامتنع؛ لأنَّ المجزومَ لا يتقدَّمُ على جازِمِه، كالمجرورِ لا يتقدَّمُ على جارِّه، وتقدَّم ذلك في سورة هود عند قولِه تعالى: {أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ} [هود: 8] . وقراءةُ العامَّةِ «تَقْهَرْ» بالقاف من الغلبةِ. وابن مسعود والشعبي وإبراهيم التيمي بالكاف. يقال: كَهَرَ في وجهه، أي: عَبَسَ. وفلان ذو كُهْرُوْرة، أي عابسُ الوجه. ومنه الحديث «فبأبي وأمي هو ما كَهَرني» قاله الزمخشري. وقال الشيخ: «وهي لغةٌ بمعنى قراءةِ الجمهور» انتهى. والكَهْرُ في الأصل: ارتفاعُ النهارِ مع شدَّةِ الحَرِّ

الضحى 93:11

قوله: {بِنِعْمَةِ رَبِّكَ} : متعلقٌ ب حَدِّثْ، والفاء غيرُ مانعةٍ من ذلك. وقد تقدَّم هذا.

الشرح 94:1

قوله: {أَلَمْ نَشْرَحْ} : الاستفهامُ إذا دخل على النفي قَرَّره، فصار المعنى: قد شَرَحْنا، ولذلك عَطَفَ عليه الماضي. ومثلُه {أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ} [الشعراء: 18] . والعامَّةُ على جزمِ الحاء ب «لم» وقرأ أبو جعفر بفتحها. وقال الزمخشري: «وقالوا: لعلَّة بَيَّنَ الحاءَ وأشبعها في مَخْرَجِها، فظنَّ السامعُ أنه فتحها» وقال ابن عطية: «إنَّ الأصلَ: ألم نَشْرَحَنْ» بالنونِ الخفيفةِ، ثم أَبْدَلَها ألفاً، ثم حَذَفَها تخفيفاً، كما أنشد ابو زيد: 4597 - مِنْ أيِّ يَوْمَيَّ من الموتِ أفِرّْ ... أيومَ لم يُقْدَرَ أم يومَ قُدِرْ بفتح راء «لم يُقْدَرَ» وكقولِه: 4598 - اضْرِبَ عنكَ الهمومَ طارِقَها ... ضَرْبَكَ بالسيفِ قَوْنَسَ الفَرَسِ بفتح باء «اضربَ» انتهى. وهذا مبنيٌ على جوازِ توكيدِ المجزومِ ب لم، وهو قليلٌ جداً، كقولِه: 4599 - يَحْسَبُه الجاهلُ ما لم يَعْلما ... شيخاً على كُرْسِيِّه مُعَمَّما فتتركبُ هذه القراءةُ مِنْ ثلاثةِ أصولٍ كلُّها ضعيفةٌ؛ لأنَّ توكيدَ المجزومِ ب «لم» ضعيفٌ، وإبدالُها أَلِفاً إنما هو الوقفِ، وإجراءُ الوصلِ مجرى / الوقفِ خِلافُ الأصلِ، وحَذْفُ الألفِ ضعيفٌ، لأنه خلافُ الأصلِ. وخَرَّجه الشيخُ على لغةٍ حكاها اللحيانيُّ في «نوادره» عن بعضِ العربِ وهو الجزمُ ب «لن» ، والنصبُ ب «لم» عكسَ المعروفِ عند الناس، وجعله أَحْسَنَ ممَّا تقدَّم. وأنشد قولَ عائشةَ بنتِ الأعجم تمدح المختار وهو القائمُ بطَلَبِ ثأر الحسين بن علي رضي الله عنهما: 4600 - قد كادَ سَمْكُ الهدى يُنْهَدُّ قائمُهُ ... حتى أتيحَ له المختارُ فانْعَمدا في كلِّ ما هَمَّ أمضى رأيَه قُدُماً ... ولم يُشاوِرَ في إقدامِه أحدا بنَصْبِ راء «يُشاور» وجَعَله محتمِلاً للتخريجَيْنِ.

الشرح 94:3

قوله: {أَنقَضَ ظَهْرَكَ} : أي: حَمَله على النقيضِ وهو صوتُ الانتقاضِ والانفكاكِ لثِقَلِه، مَثَلٌ لِما كان يُثْقِلُه صَلَّى الله عليه وسلَّم. قال أهل اللغة: أَنْقَضَ الحِمْلُ ظَهْرَ الناقةِ إذا سَمِعْتَ له صَريراً مِنْ شِدَّة الحِمْلِ. وسمِعْتُ نقيضَ الرَّحْلِ، أي: صريرَه. قال العباس ابن مرداس: 4601 - وأَنْقَضَ ظهري ما تَطَوَّيْتَ منهمُ ... وكنتُ عليهم مُشْفِقاً مُتَحَنِّناً وقال جميل: 4602 - وحتى تداعَتْ بالنَّقيضِ حِبالُه ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الشرح 94:5

قوله: {فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْراً} : العامَّةُ على سكونِ السين في الكلم الأربع، وابن وثاب وأبو جعفر وعيسى بضمِّها. وفيه خلافٌ. هل هو أصلٌ، أو مثقلٌ من المسكِّن؟ والألفُ واللامُ في «العُسر» الأولِ لتعريف الجنس، وفي الثاني للعهدِ؛ ولذلك رُوِيَ عن ابن عباس: «لن يُغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْن» ورُوي أيضاً مرفوعاً أنه عليه السلام خرج يضحك يقول: «لن يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ» والسببُ فيه: أنَّ العربَ إذا أَتَتْ باسمٍ ثم أعادَتْه مع الألفِ واللامِ ِكان هو الأولَ نحو: «جاء رجلٌ فأكرمْتُ الرجلَ» وكقولِه تعالى: {كَمَآ أَرْسَلْنَآ إلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً فعصى فِرْعَوْنُ الرسول} [المزمل: 1516] ولو أعادَتْه بغير ألفٍ ولامٍ كان غيرَ الأول. فقوله: {إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً} لَمَّا أعاد العُسْرَ الثاني أعادَه بأل، ولَمَّا كان اليُسْرُ الثاني غيرَ الأولِ لم يُعِدْه ب أل. وقال الزمخشري: «فإنْ قلتَ ما معنى قولِ ابن عباس؟ وذكرَ ما تقدَّم. قلت: هذه عَمَلٌ على الظاهرِ وبناءٌ على قوةِ الرجاءِ، وأنَّ موعدَ اللَّهِ لا يُحْمل إلاَّ على أوفى ما يحتملُه اللفظُ وأَبْلَغُه، والقولُ فيه أنه يحتمل أَنْ تكونَ الجملةُ الثانيةُ تكريراً للأولى، كما كرَّر قولَه: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} [المرسلات: 15] لتقريرِ معناها في النفوسِ وتمكينِها في القلوب، وكما يُكَرَّر المفرد في قولك:» جاء زيدٌ زيدٌ «وأَنْ تكونَ الأولى عِدَةً بأنَّ العُسْرَ مُرْدَفٌ بيُسْرٍ لا مَحالَةَ، والثانيةُ عِدَةً مستأنفةٌ بأنَّ العُسْرَ متبوعٌ بيسرٍ، فهما يُسْران على تقديرِ الاستئناف، وإنما كان العُسْرُ واحداً لأنه لا يخلو: إمَّا أَنْ يكونَ تعريفُه للعهدِ وهو العسرُ الذي كانوا فيه فهو هو؛ لأنَّ حكمَه حكمُ» زيد «في قولك:» إنَّ مع زيد مالاً، إنَّ مع زيد مالاً «وإمَّا أَنْ يكونَ للجنسِ الذي يَعْلَمُه كلُّ أحدٍ فهو هو أيضاً، وأمَّا اليُسْرُ فمنكَّرٌ مُتَناولٌ لبعض الجنسِ، وإذا كان الكلامُ الثاني مستأنفاً غيرَ مكررٍ فقد تناوَلَ بعضاً غيرَ البعضِ الأولِ بغيرِ إشكال» . وقال أبو البقاء: «العُسْرُ في الموضعَيْنِ واحدٌ؛ لأنَّ الألفَ واللامَ توجبُ تكريرَ الأولِ، وأمَّا» يُسْراً «في الموضعَيْنِ فاثنانِ، لأنَّ النكرةَ إذا أُريد تكريرُها جيْءَ بضميرِها أو بالألفِ واللام، ومن هنا قيل:» لن يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْن «وقال الزمخشري أيضاً:» فإنْ قلتَ: إنَّ «مع» للصحبة، فما معنى اصطحابِ اليُسْرِ والعُسْرِ؟ قلت: أراد أنَّ اللَّهَ تعالى يُصيبُهم بيُسرٍ بعد العُسْرِ الذي كانوا فيه بزمانٍ قريبٍ، فَقَرُبَ اليُسْرُ المترقَّبُ حتى جَعَله كأنَّه كالمقارِنِ للعُسْرِ، زيادةً في التسلية وتقويةً للقلوب «وقال أيضاً: فإنْ قلتَ ما معنى هذا التنكير؟ قلت: التفخيمُ كأنه قيل: إنَّ مع العُسْر يُسْراً عظيماً وأيَّ يُسْرٍ؟ وهو في مُصحفِ ابن مسعودٍ مرةٌ واحدٌ. فإنْ قلتَ: فإذا ثَبَتَ في قراءتِه غيرَ مكررٍ فلِمَ قال:» والذي نفسي بيده لو كان العُسْرُ في جُحْرٍ لطَلَبه اليُسْرُ حتى يَدْخُلَ عليه، لن يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْن «قلت:» كأنه قَصَدَ باليُسْرين ما في قوله «يُسْراً» مِنْ معنى التفخيم، فتأوَّله ب «يُسْرِ الدارَيْن» وذلك يُسْران في الحقيقة «.

الشرح 94:7

قوله: {فَإِذَا فَرَغْتَ} : العامَّةُ على فتحِ الراءِ مِنْ «فَرَغْتَ» وهي الشهيرةُ، وقرأها أبو السَّمَّال مكسورةً، وهي لُغَيَّةُ قال الزمخشري: «ليسَتْ بالفصيحة» وقال الزمخشري: «فإنْ قلتَ فيكف تعلَّق قولُه» فإذا فَرَغْتَ فانصَبْ «بما قبلَه؟ قلتُ: لَمَّا عَدَّد نِعَمَه السَالفةَ ووعْدَه الآنفةَ بعثَة على الشكرِ والاجتهادِ في العبادة. عن ابن عباسٍ: فإذا فَرَغْتَ مِنْ صلاتِك فانصَبْ في الدعاء» . والعامَّةُ على فتحِ الصادِ وسكونِ الباء أمراً من النَّصَب وقُرئ بتشديدِ الباءِ متفوحةً أَمْراً من الأنْصباب، وكذا قُرِئ بكسر الصاد ساكنةَ الباء أمراً من النَّصْب بسكون الصاد، ولا أظن الأولى إلاَّ تصحيفاً ولا الثانيةَ إلاَّ تحريفاً فإنها تُرْوى عن الإِمامية. وتفسيرُها: فإذا فَرَغْتَ مِنْ النبوَّةِ فانْصِبِ الخليفة. قال ابن عطية: «وهي قراءةُ ضعيفةٌ شاذةٌ لم تَثْبُتْ عن عالمٍ» قال الزمخشري: «ومن البدعِ ما رُوي عن بعضِ الرافضةِ أنه قرأ» فانصِبْ «أي: انْصِبْ عليَّاً للإِمامة، ولو صَحَّ هذا للرافِضِيِّ لصَحَّ للناصِبيِّ أن يَقْرأ هكذا، ويجعَلَه أمراً بالنَّصبْ الذي هو بُغْضُ عليّ رضي الله عنه وعداوتُه» .

الشرح 94:8

قوله: {فارغب} : مِنْ الرَّغْبة وقرأ زيد بن علي وابن أبي عبلة «فَرَغَّب» بتشديد العين. أمراً مِنْ رَغَّبَة بالتشديدِ، اي: فَرَغِّب الناسَ إلى طلبِ ماعنده.

التين 95:2

قوله: {وَطُورِ سِينِينَ} : الطُّور جَبَلٌ. وسينين: اسم مكانٍ فأُضيف الجبل للمكان الذي هو به. قال الزمخشري: «ونحو سِينون يَبْرُوْن في جواز الإِعرابِ بالواو والياء والإِقرارِ على الياءِ وتحريكِ النونِ بحركات الإِعراب» وقال أبو البقاء: «هو لغةٌ في سَيْناء» انتهى. وقرأ العامَّةُ بكسرِ السين. وابنُ أبي إسحاق وعمرو بن ميمون وأبو رجاءٍ بفتحها، وهي لغةُ بكرٍ وتميم. وقرأ عمر بن الخطاب وعبد الله والحسن وطلحة «سِيْناءَ» بالكسر، والمد، وعمرُ أيضاً وزيدُ بن علي بفتحِها والمدِّ، وقد ذُكِرا في المؤمنين، وهذه لغاتٌ اختلفَتْ في هذا الاسمِ السُّرْيانيِّ على عادةِ العرب في تلاعُبها بالأسماء الأعجميةِ. وقال الأخفش: «سينين شجرٌ، الواحدةُ سِيْنِية» وهو غريبٌ جداً غيرُ معروفٍ عن أهلِ التفسير.

التين 95:3

قوله: {الأمين} : هذا فَعيل للمبالغةِ، أي: أمِنَ مَنْ فيه، ومَنْ دخله مِنْ إنسِيّ وطيرٍ وحيوانٍ، ويجوزُ أَنْ يكونَ مِنْ أَمُنَ الرجلُ بضمِ الميم أمانةً فهو أمينٌ، وأمانتُه. حِفْظُه مَنْ دَخَله كما يَحْفَظُ الأمينُ ما يُؤْتَمَنُ عليه. ويجوزُ أَنْ يكونَ بمعنى مَفْعول، مِنْ أَمِنَة لأنه مأمونُ الغَوائل.

التين 95:4

قوله: {لَقَدْ خَلَقْنَا} : هذا هو المُقْسَمُ عليه. قوله: {في أَحْسَنِ تَقْوِيم} صفةٌ لمحذوفٍ، أي: في تقويمٍ أحسنِ تقويم. وقال أبو البقاء: في أحسنِ تقويم في موضع الحالِ من «الإِنسان» وأراد بالتقويمِ القَوام لأنَّ التقويمَ فِعْلٌ وذاك وَصْفٌ للخالقِ لا للمخلوقِ. ويجوزُ أَنْ يكونَ التقديرُ: في أحسنِ قَوامِ التقويمِ، فحُذِف المضافُ. ويجوزُ أَنْ تكونَ «في» زائدةً، اي: «قَوَّمْناه أحسنَ تقويم» انتهى، ولا حاجةَ إلى هذه التكلُّفاتِ

التين 95:5

قوله: {أَسْفَلَ سَافِلِينَ} : يجوزُ فيه وجهان، أحدهما: أنه حالٌ من المفعول. والثاني: أنه صفةٌ لمكانٍ محذوفٍ، أي: مكاناً أسفلَ سافِلين وقرأ عبد الله «السَّافِلين» معرَّفاً.

التين 95:6

قوله: {إِلاَّ الذين آمَنُواْ} : فيه وجهان أحدُهما: أنه متصلٌ على أنَّ المعنى: رَدَدْناه أسفلَ مِنْ سِفْلٍ خلْقاً وتركيباً يعني: أقبحَ مِنْ خَلْقِه وأَشْوَهَه صورةً، وهم أهلُ النار فالاتصالُ على هذا واضحٌ، والثاني: أنه منقطعٌ على أنَّ المعنى: ثم رَدَدْناه بعد ذلك التقويم والتحسينِ أسفَل مِنْ سِفْل في أحسنِ الصورةِ والشكلِ حيث نَكَّسْناه في خلْقِه فقوَّسَ ظهرُه وضَعُفَ بصرُه وسَمْعُه. والمعنى: ولكن الذين كانوا صالحين مِنْ الهرمى فلهم ثوابٌ دائمٌ، قاله الزمخشري ملخصاً.

التين 95:7

قوله: {فَمَا يُكَذِّبُكَ} : «ما» استفهاميةٌ في محلِّ رفع بالابتداء. والخبرُ الفعلُ بعدها، والمخاطَبُ الإِنسانُ على طريقةِ الالتفاتِ وقيل: المخاطَبُ رسولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فعلى الأولِ يكون المعنى: فما يجعلك كاذباً بسبب الدِّين وإنكارِه بعد هذا الدليل، يعني أنك تُكَذِّب إذا كَذَّبْتَ بالجزاءِ؛ لأنَّ كلَّ مكذِّب بالحق فهو كاذبٌ فأيُّ شيءٍ يَضْطَرُّكَ إلى أن تكون كاذباً بسبب الجزاءِ والباءُ مِثْلُها في قولِه تعالى: {على الذين يَتَوَلَّوْنَهُ والذين هُم بِهِ مُشْرِكُونَ} [النحل: 100] . وعلى الثاني يكون المعنى: فماذا الذي يُكَذِّبُكَ فيما تُخْبِرُ به مِنْ الجزاء والبعث وهو الدِّين بعد هذه العِبَرِ التي يُوْجِبُ النظرُ فيها صحةَ ما قلتَ؟ قاله الفراء والأخفش.

العلق 96:1

قوله: {اقرأ} : العامَّةُ على سكونِ الهمزةِ أمراً مِنْ القراءةِ. وقرأ عاصم في روايةِ الأعشى براءٍ مفتوحةٍ، وكأنه قَلَبَ الهمزةَ ألفاً كقولِهم: قرا يَقْرا نحو: سعَى يَسْعى، فلمَّا أَمَرَ منه حَذَفَ الألفَ على حَدِّ حَذْفِها مِنْ اسْعَ، وهذا كقولِ زهير: 4603 -. . . . . . . . . . . . . . . . . ... وإلاَّ يُبْدَ بالظُّلْمِ يُظْلَمِ وقد تقدَّمَ تحريرُه. قوله: {باسم رَبِّكَ} : يجوزُ فيه أوجهٌ، أحدُها: أَنْ تكونَ الباءُ للحال، أي: اقرأ مُفْتِتحاً باسمِ ربِّك، قل باسم الله، ثم اقرَأْ، قاله الزمخشري. الثاني: انَّ الباءَ مزيدةٌ والتقدير: اقرأ اسمَ ربِّك، كقولِه: 4604 -. . . . . . . . . . . . . . . . . . ... سُوْدُ المَحاجِرِ لا يَقْرَأْنَ بالسُّوَرِ وقيل: الاسمُ صلةٌ، أي: اذكُرْ ربَّك، قالهما ابو عبيدة. الثالث: أنَّ الباءَ للاستعانةِ والمفعولُ محذوفٌ تقديرُه: اقرَأْ ما يوحى إليك مُسْتعيناً باسمِ ربِّك. الرابع: أنها بمعنى «على» ، أي: اقرأْ على اسمِ ربِّك كما في قولِه: {وَقَالَ اركبوا فِيهَا بِسْمِ الله} [هود: 41] قاله الأخفش، وقد تَقَدَّم أولَ هذا الموضوع: كيف قَدَّمَ هذا الفعلَ على الجارِّ وقُدِّرَ متأخراً في بسم الله الرحمن الرحيم وتخريجُ الناسِ له، فأغنى عن إعادَتِه. قوله: {الذي خَلَقَ خَلَقَ الإنسان} يجوزُ أَنْ يكونَ «خَلَقَ» الثاني تفسيراً ل «خَلَقَ» الأول يعني انه أَبْهمه أولاً، ثم فَسَّره ثانياً بخَلْقِ الإِنسانِ تفخيماً لخَلْقِ الإِنسانِ. ويجوزُ أَنْ يكونَ حَذَفَ المفعولَ مِنْ الأولِ، تقديرُه: خَلَقَ كلَّ شيءٍ لأنَّه مُطْلَقٌ فيتناوَلُ كلَّ مخلوق.

العلق 96:2

وقوله: {خَلَقَ الإنسان} : تخصيصٌ له بالذِّكْرِ مِنْ بَيْنِ ما يتناوَلُه الخَلْقُ؛ لأنَّ التنزيلَ إليه. ويجوزُ اَنْ يكونَ تأكيداً لفظياً، فيكونُ قد أكَّد الصلةَ وحدَها، كقولك: «الذي قام قام زيدٌ» والمرادُ بالإِنسانِ الجنسُ ولذلك قال: {مِنْ عَلَقٍ} جمعَ عَلَقة؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ مخلوقٌ مِنْ عَلَقَةٍ كما في الآية الآخرى.

العلق 96:4

وقوله: {الذى عَلَّمَ بالقلم عَلَّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ} : قريبٌ مِنْ قولِه: «خَلَق، خلَق الإِنسانَ» فلكَ أَنْ تُعيدَ فيه ما تقدَّم.

العلق 96:7

قوله: {أَن رَّآهُ} : «أنْ» مفعولٌ له، أي: لرؤيتِه نفسَه مُسْتَغْنياً. وتعدى الفعلُ هنا إلى ضميرَيْه المتصلَيْن؛ لأنَّ هذا مِنْ خواصِّ هذا البابِ. قال الزمخشري: «ومعنى الرؤيةِ العِلْمُ لو كانَتْ بمعنى الإِبصارِ لامتنعَ في فِعْلِها الجمعُ بين الضميرَيْن، و» استغنى «هو المفعول الثاني» . قلت: والمسألةُ فيها خلافٌ: ذهب جماعةٌ إلى أنَّ «رأى» البَصَرية تُعْطي حُكْمَ العِلْمَّية، وجَعَل مِنْ ذلك قولَ عائشةَ - رضي اللَّهُ عنها - «لقد رَأَيْتُنا مع رسولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وما لنا طعامٌ إلاَّ الأسْوَدان» وأنشد: 4605 - ولقد أَراني للرِّماح دَرِيْئَةً ... مِنْ عَنْ يمين تارةً وأمامي وتقدَّم تحقيقُه. وقرأ قنبل بخلافٍ عنه «رَأَه» دونَ ألفٍ بعد الهمزة وهو مقصورٌ مِنْ «رآه» في قراءةِ العامَّةِ، ولا شكَّ أنَّ الحَذْفَ في مثلِه جاء قليلاً كقولِهم: «اصابَ الناسَ جَهْدٌ، ولو تَرَ أهلَ مكةَ» بحَذْفِ لامِ «ترى» وقولِ الآخرِ: 4606 - وَصَّانِيَ العَجَّاجُ فيما وَصَّني ... يريد: وصَّاني ولَمَّا روى ابن مجاهد هذه القراءةَ عن قنبل وقال: «قرأتُ بها عليه» نَسَبه فيها إلى الغلظ. ولا يَنْبغي ذلك لأنه إذا ثبتَتْ قراءةً ولها وجهٌ وإنْ كان غيرُه أشهرَ منه فلا يَنْبغي أَنْ يُقْدِمَ على تَغْليِطِه.

العلق 96:9

قوله: {أَرَأَيْتَ الذي} : قد تقدَّم لك الكلامُ على هذا الحرفِ مُسْتوفى، وللزمخشريِّ هنا كلامٌ رَأَيْتُ ذِكْرَه لخصوصيَّةٍ تَتَعلَّقُ به قال: «فإن قلتَ: ما متعلَّقُ» أَرَأَيْت «؟ قلت:» الذي يَنْهى «مع الجملةِ الشرطيةِ وهما في موضعِ المفعولَيْنِ. فإن قلت: فأين جوابُ الشرط؟ قلت: هو محذوفٌ تقديرُه: إنْ كان على الهدى أو أمرَ بالتقوى ألم يعلَمْ بأنَّ اللَّهَ يرى، وإنما حُذِفَ لدلالةِ ذِكْرِه في جوابِ الشرطِ الثاني. فإنْ قلتَ: كيف صََحَّ أَنْ يكونَ» ألم يعلَمْ «جواباً للشرِط؟ قلت: كما صَحَّ في قولِك: إنْ أَكْرَمْتُك أتكرِمُني، وإن أَحْسَنَ إليك زيدٌ هل تُحْسِنُ إليه؟ فإنْ قلتَ: فما أَرَأَيْتَ الثانيةُ وتوسُّطُها بين معفولَيْ» أَرَأَيْتَ «؟ قلت: هي زائدةٌ مكررةٌ للتوكيد» قلت: وإذ قد تَعَرَّض للكلامِ في هذه الآية فَلْنَجْرِ معه: أعلَمْ أَنَّ «ارَأَيْتَ» – كما عَلِمْتَ – لا يكونُ مفعولُها الثاني إلاَّ جملةً استفهاميةً كقولِه: {أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ} [يونس: 50] إلى آخرِها. ومثلُه كثيرٌ، وهنا «أرَأَيْتَ» ثلاثَ مراتٍ، وقد صَرَّحَ بعد الثالثةِ منها بجملةٍ استفهاميةٍ فتكونُ في موضعِ المفعولِ الثاني لها، ومعفولُها الأولُ محذوفٌ، وهو ضميرٌ يعودُ على «الذي ينهى» الواقعِ مفعولاً أولَ ل «أَرَأَيْتَ» الأولى، ومفعولُ «أَرَأيْتَ» الأولى الذي هو الثاني محذوفٌ، وهو جملةٌ استفهاميةٌ، كالجملةِ الواقعةِ بعد «أَرَأَيْتَ» الثالثةِ وأمَّا «أرأَيْتَ» الثانية فلم يُذْكَرْ لها مفعولٌ لا أولُ ولا ثانٍ، حُذِف الأولُ لدلالة المفعولِ مِنْ «أَرَأَيْتَ» الأولى عليه، وحُذف الثاني لدلالة مفعولِ «أَرَأَيْتَ» الثالثةِ عليه، فقد حُذِف الثاني مِنْ الأولى، والأولُ من الثالثةِ، والاثنان مِنْ الثانيةِ. وليس طَلَبُ كلٍ مِنْ «أَرَأَيْتَ» للجملةِ الاسميةِ على سبيلِ التنازع لأنه يَسْتدعي إضماراً، والجملُ لا تُضْمَرُ، إنما تُضْمَرُ المفردات، وإنما ذلك مِنْ بابِ الحَذْفِ للدلالةِ. وأمَّا الكلامُ على الشرطِ مع «أَرَأَيْتَ» هذه فقد عَرَفْتَه ممَّا في الأنعام في نُطيل الكلامَ بإعادتِه. وتجويزُ الزمخشريِّ وقوعَ جوابِ الشرط استفهاماً بنفسِه لا يجوزُ، بل نَصُّوا على وجوبِ ذِكْرِ الفاءِ في مثله، وإن وَرَدَ شيءٌ فهو ضرورةٌ.

العلق 96:15

قوله: {لَنَسْفَعاً} : الوقفُ على هذه النونِ بالألفِ، تشبيهاً لها بالتنوين، وكذلك يُحْذَفُ بعد الضمة والكسرة وقفاً. وتكتب ههنا ألفاً إتباعاً للوقف. ورُوِي عن أبي عمروٍ «لَنَسْفَعَنَّ» بالنونِ الثقيلةِ. والسَّفْعُ: الأَخْذُ والقَبْضُ على الشيءِ بشدةٍ وجَذْبه. وقال عمرو بن معد يكرب: 4607 - قومٌ إذا سَمِعُوا الصَّريخَ رَأَيْتَهُمْ ... ما بين مُلْجمِ مُهْرِه أو سافعِ وقيل: هو الأَخْذُ بلغةِ قريشٍ. وقال الراغب: «السَّفْعُ: الأخْذُ بسُفْعِه الفَرَس، أي: بسَوادِ ناصيتِه، وباعتبار السوادِ قيل للأثافيّ:» سُفْعٌ «وبه سُفْعَةُ غَضَبٍ، اعتباراً بما يَعْلُو من اللون الدُّخاني وَجْهَ مَنْ اشتدَّ به الغضبُ، وقيل: للصَّقْر:» أسْفَعُ «لِما فيه مِنْ لَمْعِ السَّوادِ، وامرأةٌ سَفْعاءُ اللونِ» انتهى. وفي الحديث: «فقامَتِ امرأةٌ سَفْعاءُ الخَدَّيْن» .

العلق 96:16

قوله: {نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ} : بدلٌ من الناصية بدلُ نكرةٍ من معرفةٍ. قال الزمخشري: «وجاز بَدَلُها عن المعرفةِ وهي نكرةٌ لأنَّها وُصِفَتْ فاسْتَقَلَّتْ بفائدةٍ» قلت: هذا مذهبُ الكوفيين لا يُجيزون إبدال نكرةٍ مِنْ غيرها إلاَّ بشرط وَصْفِها أو كونِها بلفظِ الأولِ، ومذهبُ البصريين لا يَشْتَرِطُ شيئاً، وأنشدوا: 4608 - فلا وأبيك خيرٍ منك إنِّي ... لَيُوْذِيْنيْ التَّحَمْحُمُ والصَّهيلُ وقرأ أبو حيوة وابنُ أبي عبلةَ وزيدُ بن علي بنصبِ «ناصيةً كاذبةً خاطئةً» على الشتم. وقرأ الكسائي في روايةٍ بالرفع على إضمارِ: هي ناصية: ونَسَبَ الكَذِبَ والخَطَأَ إليها مجازاً. والألفُ واللامُ في الناصية قيل: عِوَضٌ من الإِضافةِ، أي: بناصيتِه. وقيل: الضميرُ محذوفٌ، أي: الناصية منه.

العلق 96:17

قوله: {فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ} : إمَّا أَنْ يكون حَذْفِ مضاف، أي: أهلَ نادِيه أو على التجوُّز في نداءِ النادي لاشتمالِه على الناس كقوله: {وَسْئَلِ القرية} [يوسف: 82] . والنادي والنَّدِيُّ: المَجْلِسُ المُتَّخَذُ للحديث. قال زهير: 4609 - وفيهم مَقاماتٌ حِسانٌ وجوهُهُمْ ... وأَنْدِيَةٌ يَنْتابُها القولُ والفِعْلُ وقالت أعرابية: «هو سَيِّدُ ناديه وثمالُ عافية» .

العلق 96:18

قوله: {الزبانية} : قال الزمخشري: «الزَّبانية في كلامِ العربِ: الشُّرَطُ، الواحد زِبْنِيَة كعِفْرِية، مِنْ الزَّبْن وهو الدفعُ. وقيل: زِبْنيّ وكأنه نُسِبَ إلى الزَّبْن، ثم غُيِّر للنَّسَبِ، كقولهم: إمْسيّ وأصلُه زَبانيّ فقيل: زبانِيَة على التعويض» وقال عيسى بن عمر والأخفش: «واحدُهم زابِن: وقيل: لا واحدَ له مِنْ لفظِه كعَباديد وشماطيط» والحاصلُ أنَّ المادةَ تَدُلُّ على الدَّفْعِ قال: 4610 - مطاعيمُ في القُصْوى مطاعينُ في الوغَى ... زبانيَةٌ غُلْبٌ عِظامٌ حُلُومُها وقال آخر: 4611 - ومُسْتَعْجِبٍ مِمَّا يرى مِنْ أناتِنا ... ولو زَبَنَتْه الحَرْبُ لم يَتَرَمْرَمِ وقال عتبة: «وقد زبَنَتْنا الحربُ وزبَنَّاها» ومنه الزُّبون لأنَّه يُدْفع مِنْ بائعٍ إلى آخر. وقرأ العامَّة «سَنَدْعُ» بنونِ العظمة ولم تُرْسَمْ بالواو، وقد تقدَّم نظيرُه نحو: «يَدْعُ الداعِ» . وقرأ ابنُ أبي عبلة «سيدعى الزبانيةُ» مبنياً للمعفولِ ورَفْعُ الزَّبانية لقيامِها مقامَ الفاعل.

القدر 97:1

قوله: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ} : أي: القرآن، أُضْمِرَ للِعْلمِ به. و «في ليلةِ القَدْر» يجوزُ أَنْ يكونَ ظرفاً للإِنزالِ. وفي التفسير: أنه أَنْزَلَه إلى السماءِ الدنيا في هذه الليلةِ. ثم نَزَلَ مُنَجَّماً إلى الأرض في عشرينَ سنة. وقيل: المعنى: أَنْزَلَ في شأنها وفَضْلِها. فليسَتْ ظرفاً، وإنما هو كقولِ عُمَرَ: «خَشِيْتُ أَنْ يَنْزِلَ فيَّ قرأنٌ» وقولِ عائشة: «لأَنا أَحْقُر في نفسي أَنْ يَنْزِل فيَّ قرآنٌ» وسُمِّيَتْ ليلةَ القَدْرِ: إمَّا لتقديرِ الأمور فيها، وإمَّا لضِيقِها بالملائكةِ.

القدر 97:4

قوله: {والروح فِيهَا} : يجوزُ أَنْ يرتفعَ «الرُّوحُ» بالابتداءِ، والجارُّ بعدَه الخبرُ، وأن يرتفعَ بالفاعليةِ عطفاً على الملائكةِ، و «فيها» متعلِّقٌ ب «تَنَزَّلُ» قوله: {بِإِذْنِ رَبِّهِم} : يجوزُ أَنْ يتعلَّقَ ب «تَنَزَّلُ» وأَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنَّه حالٌ من المرفوع ب «تَنَزَّلُ» أي ملتبساً بإذن ربِّهم. قوله: {مِّن كُلِّ أَمْرٍ} يجوزُ في «مِنْ» وجهان، أحدهما: أنها بمعنى اللام. ويتعلَّقُ ب «تَنَزَّلُ» ، أي: تَنَزَّلُ مِنْ أجلِ كلِّ أمرٍ قُضي إلى العامِ القابل: والثاني: أنَّها بمعنى الباء، أي: تتنزَّلُ بكلِّ أمرٍ، فهي للتعدية، قاله أبو حاتم. وقرأ العامَّةُ «أَمْرٍ» واحدُ الأمور. وابن عباس وعكرمة والكلبي «امْرِئٍ» مُذ‍كَّرُ امرأة، أي: مِنْ أجلِ كلِّ إنسانٍ. وقيل: مِنْ أجل كلِّ مَلَكٍ، وهو بعيدٌ. وقيل: «مِنْ كلِّ أَمْرٍ» ليس متعلقاً ب «تَنَزَّلُ» إنما هو متعلِّقٌ بما بعده، أي: هي سلامٌ مِنْ كلِّ أمرٍ مَخُوفٍ، وهذا لا يتمُّ على ظاهرِه لأنَّ «سَلامٌ» مصدرٌ لا يتقدَّم عليه معمولُه، وإنما المرادُ أنَّه متعلِّقٌ بمحذوفٍ يَدُلُّ عليه هذا المصدرُ.

القدر 97:5

قوله تعالى: {سَلاَمٌ هِيَ} فيه وجهان، أحدُهما: أنَّ «هي» ضمير الملائكة، و «سلام» بمعنى التسليم، أي: الملائكة ذاتُ تَسْليمٍ على المؤمنين. وفي التفسير: أنهم يُسَلِّمون تلك الليلةَ على كلِّ مؤمنِ ومؤمنة بالتحية. والثاني: أنها ضميرُ ليلةِ القَدْرِ، وسلامٌ بمعنى سَلامة، أي: ليلةُ القَدْرِ ذاتُ سلامةٍ مَنْ شيءٍ مَخْوفٍ. ويجوزُ على كلٍ من التقديرَيْن أَنْ يرتفعَ «سلامٌ» على أنه خبرٌ مقدمٌ، و «هي» مبتدأٌ مؤخرٌ، وهذا هو المشهورُ، وأنْ يرتفع بالابتداء و «هي» فاعلٌ به عند الأخفشِ، لأنه لا يَشْتَرِطُ الاعتمادَ في عَمَلِ الوصفِ. وقد تقدَّم أَنْ بعضَهم يجعلُ الكلامُ تامَّاً على قولِه {بِإِذْنِ رَبِّهِم} ويُعَلِّقُ «مِنْ كلِّ أمرٍ» بما بعدَه، وتقدَّم تأويلُه. وقال أبو الفضل: «وقيل: معناه: هي سلامٌ مِنْ كلِّ أمرٍ أو امرئٍ، أي: سالمةٌ أو مُسَلَّمةٌ منه. ولا يجوزُ أَنْ يكونَ» سلامٌ «- هذه اللفظةُ الظاهرةُ التي هي المصدر - عاملاً فيما قبله لامتناع تقدُّمِ معمولِ المصدرِ على المصدرِ، كما أنَّ الصلةَ كذلك، لا يجوزُ تقديمُها على الموصول» انتهى. وقد تقدَّم أنَّ معنى ذلك عند هذا القائلِ أَنْ تتعلَّقَ بمحذوفٍ مَدْلولٍ عليه ب «سَلام» فهو تفسيرُ معنىً لا تفسيرُ إعرابٍ. وما يروى عن ابنِ عباس أنَّ الكلامَ تَمَّ على قولِه تعالى {سلامٌ} ويُبْتدأ ب «هي» على أنَّها خبرُ مبتدأ، والإِشارةُ ب «ذلك» إلى أنها ليلةُ السابعِ والعشرين، لأن لفظةَ «هي» سابعةٌ وعشرون مِنْ كَلِمِ هذه السورةِ، وكأنَّه قيل: ليلةُ القدر الموافقةُ في العددِ لفظةَ «هي» مِنْ كِلَمِ هذه السورةِ، فلا ينبغي أن يُعْتَقَدَ صحتُه لأنه إلغازٌ وتبتيرٌ لنَظْم فصيحِ الكلامِ. قوله: {هِيَ حتى مَطْلَعِ} متعلِّقٌ ب «تَنَزَّلُ» أو ب «سَلامٌ» وفيه إشكالٌ للفَصْلِ بين المصدرِ ومعمولِه بالمبتدأ، إلاَّ يُتَوَسَّعَ في الجارِّ. وفي التفسير: أنهم لا يَزالون يُحَيُّون الناس المؤمنين حتى يَطْلُعَ الفجرُ. وقرأ الكسائي «مَطْلِعِ» بكسر اللام، والباقون بفتحها، والفتح هو القِياسُ والكسرُ سماعٌ، وله أخوات يُحْفَظُ فيها الكسرُ ممَّا ضُمَّ مضارعُه أو فُتح نحو: المَشْرِق والمَجْزِر. وهل هما مصدران أو المفتوحُ مصدرٌ والمكسور مكانٌ؟ خِلافٌ. وعلى كلِّ تقديرٍ فالقياسُ في المَفْعِل مطلقاً مِمَّا ضُمَّتْ عينُ مضارعِه أو فُتِحَتْ فَتْحُ العينِ، وإنما يقعُ الفرقُ في المكسور العينِ الصحيح نحو: يَضْرِب.

البينة 98:1

قوله: {مِنْ أَهْلِ الكتاب} : متعلِّقٌ بمحذوفٍ، لأنه حالٌ مِنْ فاعل «كفروا» . قوله: {والمشركين} : العامَّةُ على قراءةِ «المشركين» بالياء عطفاً على «أهل» قَسَّمَ الكافرين إلى صِنْفَيْن: أهلِ كتابٍ ومشركين. وقرئ «والمشركون» بالواو نَسَقاً على «الذين كفروا» . قوله: {مُنفَكِّينَ} خبرُ يكون. ومُنْفَكِّينَ اسمُ فاعلٍ مِنْ انْفَكَّ. وهي هنا التامَّةُ، فلذلك لم يَحْتَجْ إلى خبرٍ. وزعم بعضُهم أنها هنا ناقصةٌ وأنَّ الخبرَ مقدرٌ تقديره: منفكِّين عارفين أَمْرَ محمدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال الشيخ: «وحَذْفُ خبرِ كان [وأخواتِها] لا يجوزُ اقتصاراً ولا اختصاراً، وجعلوا قولَه: 461 - 2-. . . . . . . . . . . . . . . . . . ... يَبْغي جِوارَكِ حينَ ليسَ مُجِيرُ أي: في الدنيا ضرورةً» قلت: وَجْهُ مَنْ منع ذلك أنه قال: صار الخبرُ مطلوباً من جهتَيْن: مِنْ جهة كونِه مُخْبَراً به فهو أحدُ جُزْأي الإِسناد، ومِنْ حيث كونُه منصوباً بالفعلِ. وهذا مُنْتَقَضٌ بمعفولَيْ «ظنَّ» فإنَّ كلاًّ منهما فيه المعنيان المذكوران، ومع ذلك يُحْذَ‍فان - أو أحدُهما - اختصاراً، وأمَّا الاقْتصارُ ففيه خِلافٌ وتفصيلٌ مر‍َّ تفصيلُه في غضونِ هذا التصنيفِ. قوله: {حتى تَأْتِيَهُمُ} : متعلقةٌ ب «لم يكنْ» أو ب «مُنْفَكِّين» .

البينة 98:2

قوله: {رَسُولٌ} : العامَّةُ على رفعِه بدلاً من «البيِّنة» : إمَّا بدلَ اشتمالٍ، وإمَّا كلٍ مِنْ كل على سبيلِ المبالغة، جَعَلَ الرسولَ نفسَ البيِّنة، أو على حَذْفِ مضافٍ، أي: بَيِّنَةُ رسولٍ. ويجوزُ رَفْعُه على خبرِ ابتداء مضمرٍ، أي: هي رسولٌ. وقرأ عبد الله وأُبَيّ «رسولاً» على الحالِ من البيِّنة. والكلامُ فيها على ما تقدَّم من المبالغة أو حذف المضافِ. قوله: {مِّنَ الله} يجوزُ تعلُّقُه بنفس «رسولٌ» أو بمحذوفٍ على أنه صفةٌ ل «رسول» وجَوَّز أبو البقاء وجهاً ثالثاً وهو: أَنْ يكونَ حالاً مِنْ «صُحُفاً» والتقدير: يتلُو صُحُفاً مطهَّرة منزَّلةً مِنْ الله، يعني كانت في الأصل صفةً للنكرة فلَّما تقدَّمَتْ عليها نُصِبَتْ حالاً. قوله: {يَتْلُو} : يجوزُ أَنْ يكونَ صفةً ل «رسول» ، وأَنْ يكونَ حالاً مِنْ الضمير في الجارِّ قبلَه إذا جَعَلْتَه صفةً ل «رسول» .

البينة 98:3

قوله: {فِيهَا كُتُبٌ} : يجوزُ أَنْ تكونَ جملةً صفةً ل «صُحُفاً» ، أو حالاً مِنْ ضمير «مُطَهَّرَة» وأَنْ يكونَ الوصفُ أو الحالُ الجارَّ والمجرورَ فقط، و «كُتُبٌ» فاعلٌ به، وهو الأحسنُ.

البينة 98:5

قوله: {مُخْلِصِينَ لَهُ الدين} : العامَّةُ على كَسْرِ اللامِ اسمَ فاعلٍ، وانتصب به «الدّينَ» والحسن بفتحِها على معنى: أنهم يُخْلِصون هم أنفسهم في نياتهم، وانتصب «الدينَ» على أحدِ وجهَيْن: إمَّا إسقاطِ الخافضِ، أي: في الدين، وإمَّا على المصدر من معنى: ليَعْبُدوا، كأنه قيل: ليَدينوا الدينَ، أو ليعبدوا العبادةَ، فالتجوُّز: إمَّا من الفعلِ، وإمَّا في المصدر، وانتصابُ «مُخْلِصِين» على الحال مِنْ فاعل «يعبدون» . قوله: {حُنَفَآءَ} حالٌ ثانيةٌ أو حال من الحالِ قبلَها، أي: من الضمير المستكنِّ فيها. وقوله: {وَمَآ أمروا} ، أي: وما أُمِروا بما أُمِروا به إلاَّ لكذا وقرأ عبد الله «وما أُمِروا إلاَّ أَنْ يَعْبُدوا» أي: بأَنْ يَعْبدوا. وتحريرُ مثلِها في قوله {وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالمين} [الآية: 71] في الأنعام. وقوله: {وَذَلِكَ دِينُ القيمة} أي: الأمَّةُ أو المِلَّةُ القيمةُ، أي: المستقيمة. وقيل: الكتبُ القَيِّمة؛ لأنها قد تقدَّمَتْ في الذِّكْرِ، قال تعالى: {فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ} [البينة: 3] ، فلَّما أعادها أعادَها مع أل العهديةِ كقوله: {فعصى فِرْعَوْنُ الرسول} [المزمل: 16] وهو حسنٌ، قاله محمد بن الأشعت الطالقاني وقرأ عبد الله: «وذلك الدِّين القيمةِ» ، والتأنيثُ حينئذٍ: إمَّا على تأويلِ الدٍّين بالمِلة كقوله: 4613 -. . . . . . . . . . . . . . . . . . ... سائِلْ بني أسدٍ ما هذه الصَوْتُ بتأويل الصيحة، وإمَّا على أنها تاءُ المبالغةِ كعَلاَّمة.

البينة 98:6

قوله: {إِنَّ الذين كَفَرُواْ} : كما مَرَّ في أول السورة. وقولُه: «في نارِ» هذا هو الخبرُ، و «خالدين» حالٌ من الضمير المستكنِّ في الخبر.

البينة 98:7

قوله: {البرية} : قرأ نافعٌ وابن ذَكْوان «البَريئة» بالهمزِ في الحرفَيْن، والباقون بياءٍ مشدَّدةٍ. واخْتُلِف في ذلك الهمز، فقيل: هو الأصلُ، مِنْ بَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ ابتدأه واخترعَه فيه فعليةٌ بمعنى مَفْعولةٌ، وإنما خُفِّفَتْ، والتُزِمَ تحفيفُها عند عامَّةِ العربِ. وقد ذَكَرْتُ أنَّ العربَ التزمَتْ غالباً تخفيفَ ألفاظٍ منها: النبيُّ والخابِيةَ والذُّرِّيَّة والبَرِيَّة. وقيل: بل البَرِيَّةُ دونَ همزةِ مشتقةٌ مِنْ البَرا، وهو الترابُ، فهي أصلٌ بنفسِها، فالقراءتان مختلفتا الأصلِ متفقتا المعنى. إلاَّ أنَّ ابنَ عطيةَ غَضَّ مِنْ هذا فقال: «وهذا الاشتقاقُ يَجْعَلُ الهمزةَ خطأً وهو اشتقاقٌ غيرُ مَرْضِيّ» انتهى. يعني أنَّه إذا قيل بأنَّها مشتقةٌ من البَرا وهو الترابُ فمَنْ أين يجيْءُ في القراءةِ الأخرى؟ وهذا غيرُ لازم لأنهما قراءتان مُسْتقلَّتان، لكلٍ منهما أصلٌ مستقلٌ، فقيل: مِنْ بَرَأَ، أي: خَلَق، وهذه مِنْ البَرا؛ لأنَّهم خُلِقوا مِنْه، والمعنى بالقراءتين شيءٌ واحدٌ، وهو جميعُ الخَلْقِ. ولا يُلْتَفَتُ إلى مَنْ ضَعَّف الهمزَ من النحاةِ والقُرَّاءِ لثبوتِه متواتِراً. وقرأ العامَّةُ «خيرُ البَرِيَّة» مقابلاً لشَرّ. وعامر بن عبد الواحد «خِيارُ» وهو جمع خَيِّر نحو: جِياد وطِياب في جمع جَيِّد وطَيِّب، قاله الزمخشري.

البينة 98:8

قوله: {خَالِدِينَ} : حالٌ عاملُه محذوفٌ، أي: دَخَلوها أو أُعْطُوها. ولا يجوزُ أَنْ يكونَ حالاً مِنْ «هم» في «جزاؤهم» لئلا يلزَمَ الفصلُ بين المصدرِ ومعموله بأجنبي. على أنَّ بعضَهم أجازه منهم، واعتذروا: بأن المصدرَ هنا غيرُ مقدَّرٍ بحرفٍ مصدري. قال أبو البقاء: «وهو بعيد» وأمَّا «عند» فيجوز أَنْ يكونَ حالاً مِنْ «جزاؤهم» ، وأَنْ يكونَ ظرفاً له. و «أبداً» ظرفُ زمانٍ منصوبٌ بخالدين. قوله {رِّضِىَ الله عَنْهُمْ} يجوزُ أَنْ يكونَ دعاءً مستأنفاً، وأَنْ يكونَ خبراً ثانياً، وأَنْ يكونَ حالاً بإضمار «قد» عند مَنْ يلتزمُ ذلك. قوله: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ} : أي: ذلك المذكورُ مِنْ استقرارِ الجنةِ مع الخلودِ ورِضا الله عنه لِمَنْ خَشِيَ به.

الزلزلة 99:1

قوله: {إِذَا زُلْزِلَتِ} : «إذا» شرطٌ، وجوابُها «تُحَدِّثُ» وهو الناصبُ لها عند الجُمهورِ. وجَوَّز أبو البقاء أَنْ يكونَ العاملُ فيها «يَصْدُرُ» وغيرُهم يجعلُ العاملَ فيها ما بعدَها ويَليها، وإنْ كان معمولاً لها بالإِضافةِ تقديراً، واختاره مكي، وجَعَلَ ذلك نظيرَ «مَنْ» و «ما» يعني أنَّهما يَعْملان فيما بعدَهما الجزمَ، وما بعدَهما يعملُ فيهما النصبَ، ولو مثَّل بأَيّ لكان أوضحَ. وقيل: العاملُ فيها مقدَّرٌ، أي: يُحْشَرون. وقيل: اذكُرْ، وحينئذٍ تَخْرُج عن الظرفية والشرط. قوله: {زِلْزَالَهَا} مصدرٌ مضافٌ لفاعلِه. والمعنى: زِلْزالَها الذي تَسْتَحقه ويَقْتضيه جِرْمُها وعِظَمُها. قال الزمخشري: «ونحُوه: أكرِمِ التقيَّ إكرامَه، وأَهِنِ الفاسِقَ إهانتَه، أو زِلْزالَها كلَّه» والعامَّةُ بكسر الزايِ. والجحدريُّ وعيسى بفتحِها. فقيل: هما مصدران بمعنى. وقيل: المكسورُ مصدرٌ، والمفتوحُ اسمٌ. قال الزمخشري: «وليس في الأبنية فَعْلال بالفتح إلاَّ في المضاعَفِ» قلت: وقد جَعَلَ بعضُهم المفتوحَ بمعنى اسمِ الفاعل نحو: صَلْصَال بمعنى مُصَلْصِل، وقد تقدَّم ذلك. وقوله: «ليس في الأبنية فَعْلال» يعني غالباً، وإلاَّ فقد وَرَدَ: «ناقةٌ خَزْعال» .

الزلزلة 99:3

قوله: {مَا لَهَا} : ابتداءٌ وخبرٌ، وهذا يَرُدُّ قول مَنْ قال: إنَّ الحالَ في نحو {فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ} [المدثر: 49] لازِمَةٌ لئلا يصيرَ الكلامُ غير مفيدٍ، فإنه لا حالَ هنا.

الزلزلة 99:4

قوله: {يَوْمَئِذٍ} : أي: يومَ إذ زُلْزِلَتْ. والعاملُ في «يومئذٍ» «تُحَدِّثُ» إنْ جَعَلَتْ «إذا» منصوبةٌ بما بعدها أو بمحذوفٍ، وإن جَعَلْتَ العاملَ فيها «تُحَدِّثُ» كان «يومئذٍ» بدلاً منها، فالعاملُ فيه العاملُ فيها، أو شيءٌ آخرُ لأنه على نيةِ تكرارِ العاملِ. خلافٌ مشهورٌ.

الزلزلة 99:5

قوله: {بِأَنَّ رَبَّكَ} : متعلِّقٌ ب «تُحَدِّثُ» أي: تُحَدِّثُ. ويجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بنفسِ «أخبارَها» وقيل: الباءُ زائدةٌ، وأنَّ وما في حَيِّزها بدلٌ من «أخبارَها» وقيل: الباءُ سببيةٌ، أي: بسبب إيحاءِ اللَّهِ تعالى إليها. وقال الزمخشري: «فإنْ قلتَ: أين مفعولاً» تُحَدِّثُ «؟ قلت: حُذِفَ أَوَّلُهما، والثاني:» أخبارَها «، وأصله: تُحَدِّث الخلقَ أخبارَها. إلاَّ أنَّ المقصودَ ذِكْرٌ تَحْديثِها الأخبارَ لا ذِكْرُ الخَلْقِ تعظيماً لليوم. فإنْ قلت: بمَ تَعَلَّقَتِ الباءُ في قولِه» بأنَّ ربَّك «؟ قلت: بتُحَدِّثُ؛ لأنَّ معناه: تُحَدِّثُ أخبارَها بسببِ إيحاءِ رَبِّك. ويجوزُ أَنْ يكونَ المعنى: تُحَدِّثُ ربَّك بتحديثِ أنَّ ربَّك أوحى لها أخبارَها، على أنَّ تَحْديثَها بأنَّ ربَّك أوحى لها تَحْديثٌ بأخبارِها، كما تقول: نَصَحْتَني كلَّ نصيحة بأَنْ نَصَحْتَني في الدين» قال الشيخ: «وهو كلامٌ فيه عَفْشٌ يُنَزَّه القرآنُ عنه» . قلت: وأيُّ عَفْشٍ فيه مع صِحَّته وفصاحتِه؟ ولكنْ لَمَّا طالَ تقديرُه مِنْ جهةِ إفادتِه هذا المعنى الحسنَ جَعَله عَفْشاً وحاشاه. ثم قال الزمخشريُّ: «ويجوزُ أَنْ يكونَ» بأنَّ ربَّك «بدلاً مِنْ» أخبارَها «كأنه قيل: يومئذٍ تُحَدِّثُ بأخبارِها بأنَّ ربَّك أوحى لها؛ لأنَّك تقول: حَدَّثْتُه كذا، وحَدَّثْتُه بكذا» قال الشيخ: «وإذا كان الفعلُ يتعدَّى تارةً بحرفِ جرٍّ، وتارةً يتعدى بنفسِه، وحرفُ الجرِّ ليس بزائدٍ، فلا يجوزُ في تابِعه إلاَّ الموافقةُ في الإِعرابِ فلا يجوز:» استغفَرْتُ الذنبَ العظيمِ «بنصبِ» الذنبَ «وجَرِّ» العظيم «لجواز أنَّك تقولُ» من الذنب «، ولا» اخْتَرْتُ زيداً الرجالَ الكرامِ «بنصبِ الرجالَ» وخَفْضِ الكرامِ «، وكذلك لا يجوزُ اَنْ تقولَ:» استغفرتُ من الذنبِ العظيمَ «بنصبِ» العظيمَ «وكذلك في» اخْتَرْتُ «فلو كان حرفُ الجر زائداً جاز الإِتباعُ على موضعِ الاسمِ بشروطهِ المحررةِ في علمِ النحوِ تقول:» ما رأيتُ مِنْ رجلٍ عاقلاً «لأنَّ» مِنْ «زائدةٌ،» ومِنْ رجل عاقلٍ «على اللفظِ، ولا يجوز نَصْبُ» رجل «وجَرُّ» عاقل «على جوازِ مراعاةِ دخولِ» مِنْ «، وإنْ وَرَدَ شيءٌ مِنْ ذلك فبابُه الشِّعْرُ» انتهى. ولا أَدْري كيف يُلْزِمُ الزمخشريَّ ما أَلْزَمَه به من جميعِ ِالمسائلِ التي ذكَرَها، فإنَّ الزمخشريِّ يقول: إنَّ هذا بدلٌ مِمَّا قبلَه، ثم ذَكَرَ مُسَوِّغَ دخولِ الباءِ في البدلِ: وهو أنَّ المُبْدَلَ منه يجوزُ دخولُ الباءِ عليه، فلو حَلَّ البدلُ مَحَلَّ المبدلِ منه ومعه الباءُ، لكان جائزاً؛ لأنَّ العاملَ يتعَدَّى به، وذَكَرَ مُسَوِّغاً لخُلُوِّ المبدلِ منه من الباءِ فقال: «لأنَّك تقول: حَدَّثْتُه كذا وحَدَّثْتُه بكذا» وأمَّا كَوْنُه يَمْتنعُ أَنْ تقولَ: «استغفَرتُ الذنبَ العظيمِ» بنَصْبِ «الذنبَ» وجرِّ «العظيمِ» إلى آخرِه، فليس في كلامِ الزمخشريِّ شيءٌ منه البتةَ. ونظيرُ ما قاله الزمخشريُّ في بابِ «استغفر» أَنْ تقولَ «استغفرْتُ اللَّهَ ذنباً مِنْ شَتْمي زيداً» فقولك: «مِنْ شَتْمي» بدلٌ مِنْ «الذنب» وهذا جائزٌ لا مَحالةَ. قوله: {أوحى لَهَا} في هذه اللامِ أوجهٌ، أحدُها: أنها بمعنى إلى، وإنما أُوْثِرَتْ على «إلى» لموافقةِ الفواصلِ. وقال العجَّاج في وَصْف الأرض: 4614 - أَوْحَى لها القرارَ فاستقرَّتِ ... وشَدَّها بالرَّاسياتِ الثُّبَّتِ الثاني: أنَّها على أصلِها، و «أوحى» يتعدَّى باللامِ تارةً وب «إلى» أخرى، ومنه البيتُ المتقدمُ، الثالث: أنَّ اللامَ على بابها من العلةِ، والموحى إليه محذوفٌ، وهو الملائكةُ، تقديرُه: أوحى إلى الملائكةِ لأجلِ الأرضِ، أي: لأَجْلِ ما يَفْعَلون فيها.

الزلزلة 99:6

قوله: {يَوْمَئِذٍ} : إمَّا بدلٌ مِنْ يومئذٍ «قبلَه، وإمَّا منصوبٌ ب» يَصْدُرُ «وإمَّا منصوبٌ ب» اذْكُرْ «مقدراً. قوله: {أَشْتَاتاً} حالٌ مِنْ» الناس «وهو جمع شَتَّ، أي: متفرِّقين في الأمنِ والخوفِ والبياضِ والسوادِ. قوله: {لِّيُرَوْاْ} متعلِّقٌ ب» يَصْدُرُ «وقيل: ب» أوحى «وما بينهما اعتراضٌ. والعامَّةُ على بنائِه للمفعولِ. وهو مِنْ رؤيةِ البصرِ فتعدَّى بالهمزِة إلى ثانٍ، وهو» أعمالَهم «وقرأ الحسن والأعرج وقتادة وحمادة بن سَلَمة - وتروى عن نافع، قال الزمخشري:» وهي قراءةُ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «- مبنياً للفاعل والمعنى: جزاءَ أعمالِهم.

الزلزلة 99:7

قوله: {خَيْراً} ، {شَرّاً} : في نصبِهما وجهان، أظهرهما: أنهما تمييز للمِثْقال فإنه مقدارٌ. والثاني: أنهما بدلان مِنْ «مثقالَ» قوله: {يَرَهُ} جوابُ الشرط في الموضعين. وقرأ هشام بسكونِ هاء «يَرَهْ» وَصْلاً في الحرفَيْن. وباقي السبعةِ بضمِّها موصولةً بواوٍ وَصْلاً، وساكنةً وَقْفاً كسائرِ هاءِ الكنايةِ، هذا ما قرَأْتُ به. ونَقَل الشيخُ عن هشام وأبي بكر سكونَها، وعن أبي عمرو ضمُّها مُشْبعة، وباقي السبعةِ بإشباعِ الأولى وسكونِ الثانية. انتهى. وكان ذلك لأجلِ الوقفِ على آخرِ السورةِ غالباً. أمَّا لو وَصَلوا آخرَها بأولِ «العادِيات» كان الحكمُ الإِشباعَ هذا مقتضى أصولِهم كما قَدَّمْتُه وهو المنقولُ. وقرأ العامَّةُ «يَرَهُ» مبنياً للفاعلِ. وقرأ ابن عباس والحسين بن علي وزيد بن علي وأبو حيوة وعاصم والكسائي في رواية «يُرَه» مبنياً للمفعول. وعكرمة «يَراه» بالألفِ: إمَّا على تقديرِ الجزمِ بحَذْفِ الحركةِ المقدرة، وإمَّا على تَوَهُّمِ أنَّ «مَنْ» موصولةٌ، وتحقيق هذا مذكورٌ في أواخِر يوسف. وحكى الزمخشري أن أعرابياً أَخَّر «خيراً يَرَهُ» فقيل له: قَدَّمْتُ وأَخَّرْتَ، فأنشد: 4615 - خذا بَطْنَ هرشى أوقَفاها فإنَّه ... كِلا جانِبَيْ هرشى لَهُنَّ طريقُ انتهى. يريدُ أنَّ التقديمَ والتأخيرَ سواءٌ، وهذا لا يجوزُ البتةَ فإنه خطأٌ لا يُعْتَقَدُ به قراءةً. والذَّرَّة قيل: النملةُ الصغيرةُ. وأصغرُ ما تكونُ قضى عليها حَوْلٌ قال امرؤ القيس: 4616 - من القاصراتِ الطَرْفِ لو دَبَّ مُحْوِلٌ ... من الذَّرِّ فوق الإِتْبِ منها لأَثَّرا

العاديات 100:1

قوله: {والعاديات} : جمعُ «عادِيَة» وهي الجاريَةُ بسُرعةٍ، من العَدْوِ، وهو المَشْيُ بسُرْعةٍ. والياءُ عن واوٍ لكَسْرِ ما قبلها نحو: الغازِيات من الغَزْوِ. يُقال: عَدا يَعْدُوا عَدْواً، فهو عادٍ وهي عادِيَةٌ، وقد تقدَّمَ هذا في المؤمنين. قوله: {ضَبْحاً} فيه أوجهٌ. أحدُها: أنه مصدرٌ مؤكِّدٌ لاسمِ الفاعلِ؛ فإنَّ الضَّبْحَ نوعٌ من السيرِ والعَدْوِ كالضَّبْع. يقال: ضَبَحَ الفَرَسُ وضَبَعَ، إذا عدا بشدةٍ، أَخْذاً مِن الضَّبْع، وهو الذِّرَاع لأنه يَمُدُّه عند العَدْوِ، وكأنَّ الحاءَ بدلٌ من العين. وإلى هذا ذهب أبو عبيدةَ. والمبردُ. قالا الضَّبْحُ مِنْ إضباعِها في السَّيْرِ. وقال عنترةُ: 4617 - والخيلُ تعلَمُ حين تَضْ ... بَحُ في حِياضِ المَوْتِ ضَبْحاً الثاني: أنه مصدرٌ في موضعِ الحالِ، أي: ضابحاتٍ، أو ذوي ضَبْح. والضَّبْحُ: صوتٌ يُسْمَعُ مِنْ صدورِ الخيلِ عند العَدْوِ، ليس بصَهيلٍ. وعن ابن عباس: انه حكاه فقال: أحْ أحْ. ونُقل عنه: أنه لم يَضْبَحْ من الحيوان غيرُ الخيلِ والكَلْبِ والثعلبِ. وهذا يَنْبغي أَنْ لا يَصِحَّ عنه، فإنه رُوي أنه قال: سُئِلْتُ عنها ففَسَّرْتُها بالخيل. وكان عليٌّ رضي الله عنه تحت سِقايةِ زمزم فسأله، وذَكَر له ما قلتُ. فدعاني فلمَّا وقفْتُ على رأسِه قال: «تُفْتي الناسَ بغيرِ علمٍ، إنَّها لأولُ غزوةٍ في الإِسلام وهي بدرٌ، ولم يكنْ معنا إلاَّ فَرَسان: فرسٌ للمِقْداد، وفرسٌ للزُّبَيْر، والعادياتِ ضَبحْاً: الإِبلُ مِنْ عرفَةَ إلى المزدلفةِ، ومن المزدلفةِ إلى مِنى» إلاَّ أنَّ الزمخشريَّ قال بعد ذلك: «فإنْ صَحَّتِ الروايةُ فقد اسْتُعير الضَّبْحُ للإِبِل، كما اسْتُعير المَشافِرُ والحافِرُ للإِنسان، والشَّفتان للمُهْر» ونَقَل غيرُه أن الضَّبْحَ يكونُ في الإِبلِ والأسْوَدِ من الحَيَّاتِ والبُومِ والصدى والأرنبِ والثعلبِ والقوسِ. وأنشد أبو حنيفةَ في صفةِ قَوْس. 4618 - حَنَّانَةٌ مِنْ نَشَمٍ أو تالبِ ... تَضْبَحُ في الكَفِّ ضُباحَ الثعلبِ وعندي أنَّ هذا مِن الاستعارةِ. ونَقَلَ أهلُ اللغةِ أنَّ أصلَ الضَّبْحِ في الثعلبِ فاسْتُعير للخيلِ، وهو مِنْ ضَبَحَتْه النارُ: أي غَيَّرت لونَه ولم تُبالغْ فيه. والضَّبْحُ لونٌ يُغَيِّرُ إلى السواد قليلاً. الثالث: من الأوجه: أَنْ يكونَ منصوباً بفعلٍ مقدرٍ، أي: تَضْبَحُ ضَبْحاً. وهذا الفعلُ حالٌ من «العاديات» . الرابع: أنَّه منصوبٌ بالعادِيات، وإنْ كان المرادُ به الصوتَ. قال الزمخشري: «كأنَّه قيل: والضَّابحاتِ لأنَّ الضَّبْحَ يكون مع العَدْوِ» . قال الشيخ: «وإذا كان الضَّبْحُ مع العَدْوِ فلا يكون معنى» والعادياتِ «: والضَّابحاتِ فلا ينبغي أن يُفَسَّرَ به» . قلت: لم يَقُلْ الزمشخريُّ أنه بمعناه، وإنما جعله منصوباً به؛ لأنه لازمٌ له لا يُفارِقُه فكأنَّه ملفوظٌ به. وقوله: «كأنه قيل» تفسيرٌ للتلازُمِ، لا أنه هو هو.

العاديات 100:2

قوله: {قَدْحاً} : يجوزُ أَنْ يكونَ مصدراً مؤكِّداً؛ لأنَّ الإِيراء من القَدْح يقال: قَدَحَ فَأَوْرَى وقَدَح فأَصْلَدَ. ويجوزُ أَنْ يكونَ حالاً فالمعنى: قادحاتٍ، أي: صاكَّاتٍ بحوافِرها ما يُوْرِي النارَ يُقال: «قَدَحْتُ الحجرَ بالحجرِ» أي: صَكَكْتُه به. وقال الزمخشري: «انتصَبَ بما انتصَبَ به ضَبْحاً» . وكان جَوَّزَ في نَصْبِه ثلاثةَ أوجهٍ: النصبَ بإضمارِ فعلٍ، والنصبَ باسمِ الفاعلِ قبلَه، لأنه مُلازِمُه، والنصبَ على الحال. وتُسَمَى تلك النارُ التي تَخْرُج من الحوافرِ نارَ الحُباحِب. قال: 4619 - تَقُدُّ السُّلُوقِيَّ المُضاعَفَ نَسْجُهُ ... وتُوْقِدُ بالصُّفَّاحِ نارَ الحُباحِبِ

العاديات 100:3

قوله: {فالمغيرات صُبْحاً} : صُبْحاً: ظرفٌ، أي: التي تُغير وقتَ الصبح يقال: أغارَ يُغير إغارةً باغَتَ عَدُوَّه لنَهْبٍ أو قَتْلٍ أو أَسْرٍ قال: 4620 - فلَيْتَ لي بهمُ قوماً إذا رَكِبوا ... شَنُّوا الإِغارةَ فُرْساناً ورُكْبانا و «غار» لُغَيَّةٌ، وأغار وغارَ أيضاً: نَزَل الغَوْرَ وهو المُنْهَبَطُ من الأرض. واختلف الناسُ في موصوفاتِ هذه الصفاتِ أعني العاديات وما بعدها فقيل: الخيلُ، أي والخيلِ العادياتِ، فالمُورياتِ، فالمُغيراتِ. ونظيرُ العطفِ هنا كالعطفِ في قولِه: 4621 - يا لَهْفَ زيَّابةَ لِلحارِث ال ... صابحِ فالغانِمِ فالآئِبِ وتقدَّم تقريرُه أولَ البقرة. وقيل: التقديرُ: والإِبلِ العادياتِ مِنْ عرفةَ إلى مزدلفةَ، ومِنْ مزدلفةَ إلى مِنى، كما تقدَّم عن أمير المؤمنين. ويَدُلُّ له قولُ صفيَّةَ بنتِ عبد المطلب: 4622 - أمَا والعادياتِ غَداةَ جَمْعٍ ... بأَيْديها إذا سَطَع الغُبارُ وقيل: «فالموريات» أي: الجماعةُ التي تَمْكُرُ في الحرب. تقول العرب: لأُوْرِيَنَّ لك، لأَمْكُرَنَّ بك.

العاديات 100:4

قوله: {فَأَثَرْنَ} : عَطَفَ الفعلَ على الاسمِ؛ لأنَّ الاسمَ في تأويل الفعلِ لوقوعِه صلةً ل أل. قال الزمخشري: «معطوفٌ على الفعلِ الذي وُضِعَ اسمُ الفاعلِ موضعَه» يعني في الأصل، إذ الأصلُ: واللاتي عَدَوْنَ فأَوْرَيْنَ فأغَرْنَ فَأَثَرْنَ. قوله: {بِهِ} : في الهاء أوجهٌ. أحدُهما: أنها ضميرُ الصُّبح، أي: فَأَثَرْنَ في وقتِ الصُّبح غُباراً. وهذا حَسَنٌّ؛ لأنه مذكورٌ بالصَّريح. الثاني: أنه عائدٌ على المكانِ، وإن لم يَجْرِ له ذِكْرٌ؛ لأنَّ الإِثارةَ لا بُدَّ لها من مكان، فالسِّياقُ والفعلُ يَدُلاَّن عليه. وفي عبارةِ الزمخشريِّ: «وقيل: الضمير لمكان الغارة» هذا على تلك اللُّغَيَّةِ، وإلاَّ فالفصيحُ أَنْ يقولَ: الإِغارة الثالث: أنَّه ضميرُ العَدْوِ الذي دَلَّ عليه «والعادياتِ» . وقرأ العامَّةُ بتخفيفِ الثاءِ، مِنْ أثار كذا: إذا نَشَره وفَرَّقه مع ارتفاعٍ. وقرأ أبو حَيْوَةَ وابن أبي عبلة بتشديدها، وخَرَّجه الزمخشريُّ على وجهَيْن: الأولُ بمعنى فأَظْهَرْنَ به غباراً؛ لأنَّ التأثيرَ فيه معنى الإِظهارِ. والثاني: أنه قَلَبَ «ثَوَّرْنَ» إلى «وَثَّرْنَ» وقَلَبَ الواوَ همزةً. انتهى. قلت: يعني أنَّ الأصلَ: ثَوَّرْنَ، مِنْ ثَوَّر يُثَوِّرُ بالتشديد عَدَّاه بالتضعيف كما يُعَدَّى بالهمزة في قولِك: أثاره، ثم قَلَبَ الكلمةَ: بأنْ جَعَلَ العينَ وهي الواوُ موضعَ الفاء، وهي الثاءُ، فصارت وَثَّرْنَ، ووزنُها حينئذٍ عَفَّلْنَ، ثم قَلَبَ الواوَ همزةً، فصار «أَثَرْنَ» وهذا بعيدٌ جداً. وعلى تقديرِ التسليمِ فَقَلْبُ الواوِ المفتوحةِ همزةً لا يَنْقاس إنما جاءت منه أُلَيْفاظٌ كأَحَدٍ وأَناةٍ. والنَّقْعُ: الغبار وأُنْشِد: 4623 - يَخْرُجْنَ مِنْ مُسْتطارِ النَّقْعِ داميةً ... كأنَّ آذانَها أطرافُ أَقْلامِ وقال ابن رَواحة: 4624 - عَدِمْتُ بُنَيَّتِي إنْ لَمْ تَرَوْها ... تُثير النَّقْعَ مِنْ كَنَفَيْ كَداءِ وقال أبو عبيد: «النَّقْعُ رَفْعُ الصوتِ» وأَنْشَد: 4625 - فمتى يَنْقَعْ صُراخٌ صادِقٌ ... يُحْلِبُوْها ذاتَ جَرْسٍ وزَجَلْ قال الزمخشري: «ويجوزُ أَنْ يُرادَ بالنَّقْع الصياحُ، من قولِه عليه السلام:» ما لم يكن نَقْعٌ ولا لَقْلَقَةٌ «وقولُ لبيد: فمتى يَنْقَعْ صُراخٌ صادِقٌ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أي: هَيَّجْنَ في المَغارِ عليهم صَباحاً» انتهى. فعلى هذا تكون الباءُ بمعنى «في» ويعودُ الضمير على المكانِ الذي فيه الإِغارةُ كما تقدَّمَ.

العاديات 100:5

قوله: {فَوَسَطْنَ} : العامَّةُ على تخفيفِ السينِ، أي: تَوَسَّطْنَ. وفي الهاءِ في «به» أوجهٌ، أحدُها: أنها للصبح، كما تقدَّم. والثاني: أنها للنَّقْعِ، أي: وَسَطْنَ بالنَّقْعِ الجَمْعَ، أي: جَعَلْنَ الغبارَ وَسْطَ الجمع، فالباءُ للتعدية، وعلى الأولِ هي ظرفيةٌ، الثالث: أنَّ الباءَ للحاليةِ، أي: فتوَسَّطْن مُلْتبساتٍ بالنقع، أي: بالغبار جمعاً من جموع الأعداء. وقيل: الباءُ مزيدةٌ، نقله أبو البقاء و «جَمْعاً» على هذه الأوجهِ مفعولٌ به. الرابع: أنَّ المرادَ ب جَمْع المزدلفةُ وهي تُسَمَّى جَمْعاً. والمرادُ أنَّ الإِبلَ تتوسَّطُ جَمْعاً الذي هو المزدلفةُ، كما مرَّ عن أميرِ المؤمنين رضي الله عنه، فالمرادُ بالجَمْعِ مكانٌ لا جماعةُ الناسِ، كقولِ صفية: 4626 -. . . . . . . . . . . والعادياتِ غَداةَ جَمْعٍ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقولِ بشرِ بنِ أبي خازم: 4627 - فَوَسَطْنَ جَمْعَهُمُ وأَفْلَتَ حاجبٌ ... تحت العَجابةِ في الغُبارِ الأَقْتَمِ و «جَمْعاً» على هذا منصوبٌ على الظرف، وعلى هذا فيكونُ الضميرُ في «به» : «إمَّا للوقتِ، أي: في وقت الصبح، وإمَّا للنَّقْع، وتكونُ الباءُ للحال، أي: مُلْتبساتٍ بالنَّقْع. إلاَّ أنه يُشْكِلُ نَصْبُ الظرفِ المختصِّ إذ كان حَقُّه أَنْ يتعدى إليه ب» في «وقال أبو البقاء:» إنَّ جَمْعاً حالٌ «وسبقه إليه مكي. وفيه بُعْدٌ؛ إذ المعنى: على أنَّ الخيلَ توسَّطَتْ جَمْعٌ الناسِ. وقرأ علي وزيد بن علي وقتادة وابن أبي ليلى بتشديد السين، وهما لغتان بمعنىً واحدٍ أعني التثقيلَ والتخفيفَ. وقال الزمخشري:» التشديدُ للتعديةِ والباءُ مزيدةٌ للتأكيدِ كقوله: {وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً} [البقرة: 25] وهي مبالَغَةٌ في «وَسَطْن» انتهى. وقولُه: «وهي مبالَغَةٌ» يناقِضُ قولَه أولاً «للتعدية» ؛ لأن التشديدَ للمبالغة لا يُكْسِبُ الفعلَ مفعولاً آخر تقول: «ذَبَحْتُ الغنم» مخففاً ثم تبالِغُ فتقول: «ذَبَّحْتها» مثقلاً، وهذا على رأيِه قد جَعَله متعدياً بنفسِه بدليلِ جَعْلِه الباءِ مزيدةً فلا يكون للمبالغة.

العاديات 100:6

قوله: {إِنَّ الإنسان} : هذا هو المُقْسَم عليه و «لرَبَّه» متعلِّقٌ بالخبرِ، وقُدِّمَ للفواصلِ. والكَنُوْدُ: الجَحُوْد. وقيل: الكَفورُ النعمةِ وأُنْشِد: 4628 - كَنُوْدٌ لِنَعْماءِ الرجالِ ومَنْ يَكُنْ ... كَنُوْداً لِنَعْماءِ الرجالِ يُبَعَّدِ وعن ابن عباس: هو بلسانِ كِنْدَةَ وحَضْرَمَوْتَ العاصي، وبلسان ربيعةَ ومُضَرَ الكَفورُ، وبلسانِ كِنانةَ البخيل. وأنشد أبو زيد: 4629 - إنْ تَفْتْني فلم أَطِبْ عنك نَفْساً ... غيرَ أنِّي أمنى بدَيْنٍ كَنُودِ

العاديات 100:8

قوله: {لِحُبِّ} : اللامُ متعلِّقَةٌ ب «شديدٌ» وفيه وجهان، أحدهما: أنها المعدِّيةُ. والمعنى: وإنَّه لقَويٌّ مُطيقٌ لِحُبِّ الخير يقال: هو شديدٌ لهذا الأمرِ، أي: مُطيقٌ له والثاني: أنها للعلةِ، أي: وإنَّه لأجلِ حبِّ المالِ لَبخيلٌ. وقيل: اللامُ بمعنى «على» . ولا حاجةَ إليه، وقد يُعَبَّرُ بالشديدِ والمتشدِّدِ عن البخيل قال: 4630 -[أرى] الموتَ يَعْتامُ الكرامَ ويَصْطَفي ... عَقيلةَ مالِ الفاحشِ المتشدِّدِ وقال الفراء: «أصلُ نَظْمِ الآية أَنْ يقالَ: وإنه لشديدُ الحُبِّ للخير، فلما قَدَّم» الحُبّ «قال: لشديد، وحَذَفَ مِنْ آخرِه ذِكْرَ» الحُبِّ «؛ لأنه قد جرى ذِكْرُه، ولرؤوسِ الآي كقولِه: {فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ} [إبراهيم: 18] والعُصُوف للريح لا لليوم، كأنه قال: في يومٍ عاصفِ الريحِ» .

العاديات 100:9

قوله: {إِذَا بُعْثِرَ} : في العاملِ فيها أوجهٌ أحدُها: «بُعْثِرَ» نقله مكي عن المبرد وتقدَّم تحريرُ هذا قريباً في السورةِ قبلَها. والثاني: أنه ما دَلَّ عليه خبرُ «إنَّ» أي: إذا بُعْثر جُوزوا. والثالث: أنه «يَعْلَمُ» ، وإليه ذهب الحوفيُّ وأبو البقاء. ورَدَّه مكيُّ قال: «لأنَّ الإِنسانَ لا يُرادُ منه العِلْمُ والاعتبارُ ذلك الوقتَ، وإنما يَعْتَبِرُ في الدنيا ويعلَمُ» وقال الشيخ: «وليس بمتَّضِحٍ لأنَّ المعنى: أفلا يعلَمُ الآن. وكان قد قال قبل ذلك:» ومفعولُ يَعْلَمُ محذوفٌ وهو العاملُ في الظرفِ، أي: أفلا يعلم مآلَه إذا بُعْثِرَ «انتهى. فجَعَلَها متعديةً في ظاهرِ قولِه إلى واحدٍ، وعلى هذا فقد يُقال: إنها عاملةٌ في» إذا «على سبيلِ أنَّ» إذا «مفعولٌ به لا ظرفٌ إذ التقديرُ: أفلا يَعْرِفُ وقتَ بَعْثَرَةِ القبورِ. يعني أَنْ يُقِرَّ بالبعثِ ووقتِه، و» إذا «قد تصر‍َّفَتْ وخَرَجَتْ عن الظرفيةِ، ولذلك شواهدُ تقدَّم ذِكْرُها في غضونِ هذا التصنيفِ. الرابع: أنَّ العاملَ فيها محذوفٌ، وهو مفعولٌ» يَعْلَمُ «كما تقدَّم تقريرُه، أي: يعلمُ مآلَه إذا بُعْثِرَ. ولا يجوزُ أن يعملَ فيه» لَخبيرٌ «لأنَّ ما في حَيِّز» إنَّ «لا يتقدَّمُ عليها. وقرأ العامَّةُ» بُعْثِرَ «بالعين مبنياً للمفعولِ. والموصولُ قائمٌ مقامَ الفاعلِ. وابن مسعودٍ بالحاء. وقرأ الأسود بن يزيد ومحمد بن معدان» بُحِثَ «من البحث. ونصر بن عاصم» بَعْثَرَ «مبنياً للفاعل وهواللَّهُ تعالى أو المَلَكُ. والعامَّةُ» حُصِّل «مبنياً للمفعولِ كالذي قبلَه. ويحيى بن يعمر ونصرُ بن عاصم وابن معدان» حَصَّلَ «مبنياً للفاعلِ. ورُوِي عن ابن يعمرَ ونصرٍ أيضاً» حَصَلَ «خفيفةَ الصادِ مبنياً للفاعل بمعنى: جَمَعَ ما في الصحفِ تَحَصُّلاً، والتحصيلُ: جَمْعُ الشيء، والحُصولُ اجتماعُه. وقيل: التحصيلُ التمييزُ. ومنه قيل للمُنْخُل: مُحَصِّل. وحَصَل الشيءُ مخفَّفاً: ظَهَر واستبانَ، وعليه القراءةُ الأخيرةُ.

العاديات 100:11

قوله: {إِنَّ رَبَّهُم} : العامَّةُ على كَسْرِ الهمزةِ لوجودِ اللامِ في خبرِها. والظاهرُ أنَّها معلِّقَةٌ ل «يَعْلَمُ» فهي في محلِّ نصب، ولكن لا يَعْمَلُ في «إذا» خبرُها لِما تقدَّم؛ بل يُقَدَّرُ له عاملٌ مِنْ معناه كما تقدَّم. ويدلُّ على أنها مُعَلِّقَةٌ للعِلْمِ لا مستأنفةٌ قراءةُ أبي السَّمَّال وغيرِه «أنَّ ربَّهم بهم يؤمئذٍ خبيرٌ» بالفتح وإساقطِ اللامِ، فإنَّها في هذه القراءةِ سادَّةٌ مَسَدَّ مفعولَيْها. ويُحْكَى عن الخبيثِ الروحِ الحَجَّاج أنه لما فَتَح همزةَ «أنَّ» استدرك على نفسِه فتعمَّد سقوطَ اللامِ. وهذا إنْ صَحَّ كُفْرٌ. ولا يُقالُ: إنها قراءةٌ ثابتةٌ، كما نَقَلْتُها عن أبي السَّمَّال، فلا يكفرُ، لأنه لو قرأها كذلك ناقِلاً لها لم يُمْنَعْ منه، ولكنه أسقطَ اللامَ عَمْداً إصلاحاً للِسانِه. وأجمعَ الأمةُ على أنَّ مَنْ زاد حرفاً في القرآن أو نَقَصَه عَمْداً فهو كافِرٌ، وإنما قلتُ ذلك لأنِّي رأيتُ الشيخَ قال: «وقرأ أبو السَّمَّال والحجَّاج» ولا يُحْفَظُ عن الحجَّاجِ إلاَّ هذا الأثرُ السَّوْءُ، والناسُ يَنْقُلونه عنه كذلك، وهو أقلُّ مِنْ أَنْ يُنْقَلَ عنه. و «بهم» و «يومئذٍ» متعلِّقان بالخبرِ، واللامُ غيرُ مانعةٍ من ذلك، وقُدِّما لأَجْلِ الفاصلةِ.

القارعة 101:1

قوله: {القارعة مَا القارعة} كقولِه تعالى: {الحاقة مَا الحآقة} [الحاقة: 12] وكقولِه: {وَأَصْحَابُ اليمين مَآ أَصْحَابُ اليمين} [الواقعة: 27] وقد تقدَّما وقد عَرَفْتَ مِمَّا نقله مكي أنه يجوزُ رَفْعُ «القارعة» بفعلٍ مضمرٍ ناصبٍ ل «يومَ» وقيل: معنى الكلامِ على التحذير. قال الزجاج: «والعرب تُحَذِّر وتُغْري بالرفع كالنصبِ. وأنشد: 4631 - لَجَديرون بالوفاءِ إذا ق ... لَ أخو النجدةِ السِّلاحُ السِّلاحُ قلت: وقد تقدَّم ذلك في قوله: {نَاقَةَ الله} [الشمس: 13] فيمَنْ رفعَه. ويَدُلُّ على ذلك قراءةُ عيسى {القارعةَ ما القارعةَ} بالنصب، وهو بإضمارِ فعلٍ، أي: احذروا القارعةَ و» ما «زائدةٌ. والقارعةُ الثانيةُ تأكيدٌ للأولى تأكيداً لفظياً.

القارعة 101:4

قوله: {يَوْمَ يَكُونُ} : في ناصبِه أوجهٌ، أحدُها: مضمرٌ يَدُلُّ عليه «القارعةُ، أي: تَقْرَعُهم يومَ يكون. وقيل: تقديرُه: تأتي القارعةُ يومَ. الثاني: أنَّه» اذْكُرْ «مقدَّراً فهو مفعولٌ به لا ظرفٌ. الثالث: أنَّه» القارعة «قاله ابنُ عطية وأبو البقاء ومكي. قال الشيخ:» فإنْ كان يعني ابنُ عطيةَ عني اللفظَ الأولَ فلا يجوزُ للفَصْلِ بين العاملِ، وهو في صلةِ أل، والمعمولِ بأجنبيٍ وهو الخبرُ، وإن جَعَلَ القارعةَ عَلَماً للقيامة فلا يعملُ أيضاً، وإنْ عنى الثاني والثالثَ فلا يَلْتَئِمُ معنى الظرفيةِ معه «. الرابع: أنه فعلٌ مقدرٌ رافعٌ للقارعةِ الأولى، كأنه قيل: تأتي القارعةُ يومَ يكون، قال مكيٌّ. وعلى هذا فيكونُ ما بينهما اعتراضاً وهو بعيدٌ جداً منافرٌ لنَظْم الكلام. وقرأ زيد بن علي» يومُ «بالرفع خبراً لمبتدأ محذوفٍ، أي: وقتُها يومُ يكونُ. قوله: {كالفراش} يجوزُ أَنْ يكونَ خبراً للناقصةِ، وأَنْ يكونَ حالاً مِنْ فاعلِ التامَّةِ، أي: يُوْجَدُون ويُحْشَرونَ شِبْهَ الفَراشَ، وهو طائرٌ معروفٌ وقيل: هو الهَمَجُ من البعوضِ والجَرادِ وغيرهما، وبه يُضْرَبُ المَثَلُ في الطَّيْشِ والهَوَجِ يقال:» أَطَيْشُ مِنْ فَراشة «وأُنْشد: 4632 - فَراشَةُ الحُلْمِ فِرْعَوْنُ العذابِ وإنْ ... يُطْلَبُ نَداه فكَلْبٌ دونَه كَلْبُ وقال آخر: 4633 - وقد كانَ أقوامٌ رَدَدْتُ قلوبَهُمْ ... عليهم وكانوا كالفَراشِ من الجهلِ والفَراشةُ: الماءُ القليل في الإِناءِ، وفَراشة القُفْلِ لشَبَهها بالفَراشة. وفي تشبيه الناسِ بالفَراشِ مبالغاتٌ شتى منها: الطيشُ الذي يلْحَقُهم، وانتشارُهم في الأرض، ورُكوبُ بعضِهم بعضاً، والكثرةُ والضَّعْفُ والذِّلَّةُ والمجيءُ مِنْ غيرِ ذَهابٍ. والقَصْدُ إلى الداعي من كل جهةٍ، والتطايرُ إلى النار. قال جرير: 4634 - إنَّ الفرزدقَ ما عَلِمْتَ وقومَه ... مثلُ الفَراشِ غَشِيْنَ نارَ المُصْطَلي والعِهْنُ تقدَّم في سأل.

القارعة 101:9

قوله: {فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ} : أي: هالكةٌ، وهذا مَثَلٌ. يقولون لمَنْ هَلَكَ: «هَوَتْ أمُّه» لأنه إذا هَلَكَ سَقَطَتْ أمُّه ثُكْلاً وحُزْناً. وعليه قولُ الشاعر: 463 - 5- هَوَتْ أمُّه ما يَبْعَثُ الصبحُ غادياً ... وماذا يَرُدُّ الليلُ حين يَؤُوْبُ وقرأ طلحة «فإمُّه» بكسرِ الهمزة. نَقَل ابنُ خالَوَيْه عن ابنِ دريد أنها لغةٌ. والنحويون لا يُجيزون ذلك إلاَّ إذا تقدَّمها كسرةٌ أو ياءٌ. وقد تقدَّم تحقيقُ هذا في سورةِ النساء، واختلافُ القُرَّاء فيه.

القارعة 101:10

قوله: {مَا هِيَهْ} : مبتدأ وخبرٌ سادَّان مَسَدَّ المفعولَيْن ل «أَدْراك» وهو من التعليقِ و «هي» ضميرُ الهاويةِ، إنْ كانت الهاويةَُ كما قيل اسماً ل دَرَكَةٍ مِنْ دَرَكاتِ النار، وإلاَّ عادَتْ على الداهية المفهومةِ من الهاويةِ. وأسقط هاءَ السكتِ حمزةُ وَصْلاً. وقد تقدَّم تحقيقُ هذا في الحاقة. و «نارٌ» خبرُ مبتدأ مضمرٍ، أي: هي نارٌ.

التكاثر 102:2

قوله: {حتى زُرْتُمُ} : «حتى» : غايةٌ لقولِه «أَلْهاكم» وهو عطفٌ عليه.

التكاثر 102:4

قوله: {ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ} : جعله الشيخُ جمالُ الدينُ بنُ مالك من التوكيدِ اللفظي مع توسُّط حرفِ العطفِ. وقال الزمخشري: «والتكريرُ تأكيدٌ للرَّدْعِ والردِّ عليهم، و» ثم «دالَّةٌ على أنَّ الإِنذارَ الثاني أبلغُ من الأولِ وأشدُّ، كما تقولُ للمنصوح: أقولُ لك ثم أقولُ لك لا تفعَلْ» انتهى. ونُقِل عن عليّ كرَّمَ اللَّهُ وجهَه: «كلاَّ سوف تعلمون في الدنيا، ثم كلاًّ سوف تعلمون في الآخرة» فعلى هذا يكونُ غيرَ مكرَّرٍ لحصولِ التغايُرِ بينهما لأجل تغايُرِ المتعلِّقَيْنِ. و «ثُمَّ» على بابها من المُهْلة. وحُذِفَ متعلَّقُ العِلْمِ في الأفعالِ الثلاثةِ لأنَّ الغَرَضَ الفِعْلُ لا متعلَّقُه. وقال الزمخشري: «والمعنى: لو تعلمون الخطأَ فيما أنتم عليه إذا عانَيْتُمْ ما تَنْقَلبون إليه» فقَدَّر له مفعولاً واحداً كأنه جَعَله بمعنى عَرَفَ.

التكاثر 102:5

قوله: {لَوْ تَعْلَمُونَ} جوابُه محذوفٌ. أي: لَفَعَلْتُم ما لا يُوصف. وقيل: التقديرُ: لرَجَعْتُمْ عن كُفْرِكم. وعلم اليقين: مصدرٌ. قيل: وأصلُه: العلمَ اليقينَ، فأُضِيِف الموصوفُ إلى صفتِه. وقيلَ: لا حاجةَ إلى ذلك؛ لأنَّ العِلْمَ يكونُ يقيناً وغيرَ يقينٍ، فأُضِيفَ إليه إضافةُ العامِّ للخاصِّ. وهذا يَدُلُّ على أنَّ اليقينَ أخصُّ. وقرأ ابن عباس «أأَلْهاكم» على استفهام التقريرِ والإِنكارِ. ونُقِل في هذا: المدُّ مع التسهيل، ونُقِلَ فيه تحقيقُ الهمزتَيْن من غيرِ مَدّ.

التكاثر 102:6

قوله: {لَتَرَوُنَّ} هذا جوابُ قَسَم مقدَّرٍ. وقرأ ابن عامر والكسائي «لتُرَوْنَّ» مبنياً للمفعول. وهو منقولٌ مِنْ «رأى» الثلاثي إلى «أرى» فاكتسَبَ مفعولاً آخر فقام الأولُ مقامَ الفاعلِ. وبقي الثاني منصوباً. والباقون مبنياً للفاعلِ جعلوه غيرَ منقولٍ، فتعدى لواحدٍ فقط، فإنَّ الرؤيةَ بَصَريَّةِ. وأمير المؤمنين، وعاصم وابن كثير في روايةٍ عنهما بالفتح في الأولى والضمِّ في الثانية، يعني «لَتُرَوُنَّها» ومجاهد وابن أبي عبلة والأشهب بضمها فيهما. والعامَّةُ على أن الواوَيْن لا يُهْمزان؛ لأنَّ حركتَهما عارضةٌ، نَصَّ على عدمِ جوازِه مكيُّ وأبو البقاء، وعَلَّلا بعُروضِ الحركةِ. وقرأ الحسن وأبو عمرو بخلافٍ عنهما بهمزِ الواوَيْن استثقالاً لضمةِ الواوِ. قال الزمشخري: «وهي مستكرهَةٌ» يعني لِعُروض الحركةِ عليها إلاَّ أنَّهم قد هَمَزوا ما هو أَوْلى بعَدَمِ الهمزِ من هذه الواوِ نحو: {اشتروا الضلالة} [البقرة: 16] ، هَمَزَ واوَ «اشتَروْا» بعضُهم، مع أنها حركةٌ عارضةٌ وتزولُ في الوَقْفِ، وحركةُ هذه الواوِ، وإنْ كانت عارضةً، إلاَّ أنها غيرُ زائلةٍ في الوقفِ فهي أولى بَهْمزِها.

التكاثر 102:7

قوله: {عَيْنَ اليقين} : مصدرٌ مؤكِّدٌ. كأنه قيل: رؤيةَ العين، نفياً لتوَهُّمِ المجازِ في الرؤيةِ الأولى. وقال أبو البقاء: «لأنَّ رأى وعايَنَ بمعنىً» .