Al-Kashshaf Al-Zamakhshari — البقرة 2:237 – آل عمران 3:74
المحتويات
- البقرة 2:237
- البقرة 2:238
- البقرة 2:239
- البقرة 2:240
- البقرة 2:241
- البقرة 2:242
- البقرة 2:243
- البقرة 2:244
- البقرة 2:245
- البقرة 2:246
- البقرة 2:247
- البقرة 2:248
- البقرة 2:249
- البقرة 2:250
- البقرة 2:251
- البقرة 2:252
- البقرة 2:253
- البقرة 2:254
- البقرة 2:255
- البقرة 2:256
- البقرة 2:257
- البقرة 2:258
- البقرة 2:259
- البقرة 2:260
- البقرة 2:261
- البقرة 2:262
- البقرة 2:263
- البقرة 2:264
- البقرة 2:265
- البقرة 2:266
- البقرة 2:267
- البقرة 2:268
- البقرة 2:269
- البقرة 2:270
- البقرة 2:271
- البقرة 2:272
- البقرة 2:273
- البقرة 2:274
- البقرة 2:275
- البقرة 2:276
- البقرة 2:277
- البقرة 2:278
- البقرة 2:279
- البقرة 2:280
- البقرة 2:281
- البقرة 2:282
- البقرة 2:283
- البقرة 2:284
- البقرة 2:285
- البقرة 2:286
- آل عمران 3:1
- آل عمران 3:2
- آل عمران 3:3
- آل عمران 3:4
- آل عمران 3:5
- آل عمران 3:6
- آل عمران 3:7
- آل عمران 3:8
- آل عمران 3:9
- آل عمران 3:10
- آل عمران 3:11
- آل عمران 3:12
- آل عمران 3:13
- آل عمران 3:14
- آل عمران 3:15
- آل عمران 3:16
- آل عمران 3:17
- آل عمران 3:18
- آل عمران 3:19
- آل عمران 3:20
- آل عمران 3:21
- آل عمران 3:22
- آل عمران 3:23
- آل عمران 3:24
- آل عمران 3:25
- آل عمران 3:26
- آل عمران 3:27
- آل عمران 3:28
- آل عمران 3:29
- آل عمران 3:30
- آل عمران 3:31
- آل عمران 3:32
- آل عمران 3:33
- آل عمران 3:34
- آل عمران 3:35
- آل عمران 3:36
- آل عمران 3:37
- آل عمران 3:38
- آل عمران 3:39
- آل عمران 3:40
- آل عمران 3:41
- آل عمران 3:42
- آل عمران 3:43
- آل عمران 3:44
- آل عمران 3:45
- آل عمران 3:46
- آل عمران 3:47
- آل عمران 3:48
- آل عمران 3:49
- آل عمران 3:50
- آل عمران 3:51
- آل عمران 3:52
- آل عمران 3:53
- آل عمران 3:54
- آل عمران 3:55
- آل عمران 3:56
- آل عمران 3:57
- آل عمران 3:58
- آل عمران 3:59
- آل عمران 3:60
- آل عمران 3:61
- آل عمران 3:62
- آل عمران 3:63
- آل عمران 3:64
- آل عمران 3:65
- آل عمران 3:66
- آل عمران 3:67
- آل عمران 3:68
- آل عمران 3:69
- آل عمران 3:70
- آل عمران 3:71
- آل عمران 3:72
- آل عمران 3:73
- آل عمران 3:74
البقرة 2:237
لا جُناحَ عَلَيْكُمْ لا تبعة عليكم من إيجاب مهر إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ ما لم تجامعوهنّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً إلا أن تفرضوا لهن فريضة، أو حتى تفرضوا، وفرض الفريضة: تسمية المهر. وذلك أن المطلقة غير المدخول بها إن سمى لها مهر فلها نصف المسمى، وإن لم يسم لها فليس لها نصف مهر المثل ولكن المتعة. والدليل على أن الجناح تبعة المهر قوله: (وإن طلقتموهن) إلى قوله: (فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ) فقوله: فنصف ما فرضتم: إثبات للجناح المنفي ثمة، والمتعة درع وملحفة وخمار على حسب الحال عند أبى حنيفة، إلا أن يكون مهر مثلها أقل من ذلك. فلها الأقل من نصف مهر المثل ومن المتعة، ولا ينقص من خمسة دراهم لأن أقل المهر عشرة دراهم فلا ينقص من نصفها. والْمُوسِعِ الذي له سعة. والْمُقْتِرِ الضيق الحال. وَقَدَّرَهُ مقداره الذي يطيقه، لأنّ ما يطيقه هو الذي يختص به. وقرئ بفتح الدال. والقدْر والقدَر لغتان. وعن النبي صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال لرجل من الأنصار تزوج امرأة ولم يسم لها مهراً، ثم طلقها قبل أنّ يمسها: «أمتعتها» ؟ قال: لم يكن عندي شيء. قال:
«متعها بقلنسوتك [[لم أجده.]] » . وعند أصحابنا لا تجب المتعة إلا لهذه وحدها، وتستحب لسائر المطلقات ولا تجب. مَتاعاً تأكيد لمتعوهن، بمعنى تمتيعاً بِالْمَعْرُوفِ بالوجه الذي يحسن في الشرع والمروءة حَقًّا صفة لمتاعا، أى متاعا واجبا عليهم. أو حق ذلك حقاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ على الذين يحسنون إلى المطلقات بالتمتيع، وسماهم قبل الفعل محسنين كما قال صلى اللَّه عليه وسلم «من قتل قتيلا فله سلبه [[تقدم في صفحة 35 من هذا الجزء.]] » إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ يريد المطلقات. فإن قلت:
أى فرق بين قولك: الرجال يعفون. والنساء يعفون؟ قلت: الواو في الأوّل ضميرهم، والنون علم الرفع. والواو في الثاني لام الفعل والنون ضميرهنّ، والفعل مبنى لا أثر في لفظه للعامل وهو في محل النصب «ويعفو: عطف على محله. والَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ الولىّ [[قال محمود رحمه اللَّه: «والذي بيده عقدة النكاح الولي ... الخ» قال أحمد رحمه اللَّه: هذا النقل وهم فيه الزمخشري عن الشافعي رضى اللَّه عنه، فان مذهبه موافق لمذهب أبى حنيفة رضى اللَّه عنه في أن المراد به الزوج.
وإنما ذهب إلى أن المراد الولي الامام مالك رضى اللَّه عنه، وصدق الزمخشري أنه قول ظاهر الصحة، عليه رونق الحق وطلاوة الصواب لوجوه:
الأول: أن الذي بيده عقدة النكاح ثابتة مستقرة هو الولي. وأما الزوج فله ذلك حالة العقد المتقدم خاصة، ثم هو بعد الطلاق، والكلام حينئذ ليس من عقدة النكاح في شيء البتة، فان قيل: أطلق عليه ذلك بعد الطلاق بتأويل «كان» مقدرة، فلا يخفى على المنصف ما في ذلك من البعد والخروج من حد إطلاق الكلام وأصله.
الثاني: أن الخطاب الأول للزوجات اتفاقا بقوله: (إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ) وفيهن من لا عفو لها البتة كالأمة والبكر، فلولا استتمام التقسيم بصرف الثاني إلى الولي على ابنته البكر أو أمته، وإلا لزم الخروج عن ظاهر عموم الأول، وحيث حمل الكلام على الولي صار الكلام بمعنى: إلا أن يعفون كن أهلا للعفو، أو يعفو لهن إن لم يكن أهلا، ولهذا كان الولي الذي يعفو ويعتبر عفوه عند مالك: هو الأب في ابنته البكر. والسيد في أمته خاصة.
الثالث: أن الكتاب العزيز جدير بتناسب الأقسام وانتظام أطراف الكلام، والأمر فيه على هذا المحمل بهذه المثابة، فان الآية حينئذ مشتملة على خطاب الزوجات ثم الأولياء ثم الأزواج بقوله: (وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ) فتكون على هذا الوجه ملية بالفوائد جامعة للمقاصد.
الرابع: أن المضاف إلى صاحب عقدة النكاح العفو كما هو مضاف إلى الزوجات، والعفو: الاسقاط لغة وهو المراد في الأول اتفاقا، إذ المضاف إلى الزوجات هو الاسقاط بلا ريب، ولو كان المراد بصاحب العقدة الزوج لتعين حمل العفو على تكميل المهر وإعطائه ما لا يستحق عليه، وهذا إنما يطابقه من الأسماء التفضل. ومن ثم قال في خطاب الأزواج (وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ) لأن المبذول من جهته غير مستحق عليه فهو فضل لا عفو.
ولا يقال: لعل الزوج تعجل المهر كاملا قبل الطلاق وطلق فيجب استرجاع النصف فيسقطه ويعفو عنه وحينئذ يبقى العفو من جانب الزوج على ظاهره وحقيقته، لأنا نقول: حسبنا في رد هذا الوجه ما فيه من الكلفة وتقدير ما الأصل خلافه.
الخامس: أن صدر الآية خطاب للأزواج في قوله: (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ) إلى قوله: (فَرَضْتُمْ) فلو جاء قوله (أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ) مراداً به الزوج لكان عدولا والتفاتا من الخطاب إلى الغيبة، وليس هذا من مواضعه، ولأجل هذا جاء قوله: (وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ) على صيغة الخطاب، لأن المراد به الأزواج لخطابهم أولا السادس: أن قوله: (إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ) وما عطف عليه استثناء من قوله: (فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ) وأصل الكلام:
فنصف ما فرضتم واجب عليكم إلا أن يعفو عنه الزوجات فليس بواجب عليكم إذاً، فإذا حمل الكلام على الولي استقام، إذ هم لو كملوا المهر لهن فالنصف واجب عليهم ولا يتغير ولا يخالف الحالة المستثناة مما وقع منه الاستثناء، فلا يجرى الاستثناء على حقيقته في المخالفة بين الأول والثاني، إلا أن يقال: مقتضى قوله: (فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ) واجب عليكم: أن النصف الآخر غير مؤدى إليهن لأنه ساقط عن الزوج، فإذا عفا بمعنى كمل المهر فقد صار النصف الآخر مؤدى إليهن، ففي هذا التأويل من الكلفة ما يسقط مؤنة رده.]] يعنى إلا أن تعفو المطلقات عن أزواجهن فلا يطالبنهم بنصف المهر، وتقول المرأة: ما رآني ولا خدمته ولا استمتع بى فكيف آخذ منه شيئا، أو يعفو الولىّ الذي يلي عقد نكاحهن، وهو مذهب الشافعي. وقيل هو الزوج، وعفوه أن يسوق إليها المهر كاملا، وهو مذهب أبى حنيفة والأوّل ظاهر الصحة. وتسمية الزيادة على الحق عفواً فيها نظر، إلا أن يقال كان الغالب عندهم أن يسوق إليها المهر عند التزوّج، فإذا طلقها استحقّ أن يطالبها بنصف ما ساق إليها، فإذا ترك المطالبة فقد عفا عنها. أو سماه عفواً على طريق المشاكلة. وعن جبير بن مطعم أنه تزوج امرأة وطلقها قبل أن يدخل بها فأكمل لها الصداق وقال: أنا أحق بالعفو. وعنه أنه دخل على سعد بن أبى وقاص فعرض عليه بنتاً له فتزوّجها، فلما خرج طلقها وبعث إليها بالصداق كاملا، فقيل له: لم تزوّجتها؟ فقال: عرضها علىّ فكرهت ردّه، قيل: فلم بعثت بالصداق؟ قال: فأين الفضل؟ [[أخرجه الطبري من طريق ابن أبى ذئب عن سعيد بن محمد بن جبير عن جده جبير بن مطعم به سواء.]] والْفَضْلَ التفضل. أى ولا تنسوا أن يتفضل بعضكم على بعض وتتمرؤا ولا تستقصوا: وقرأ الحسن: أن يعفو الذي، بسكون الواو. وإسكان الواو والياء في موضع النصب تشبيه لهما بالألف لأنهما أختاها. وقرأ أبو نهيك: وأن يعفو، بالياء. وقرئ: ولا تنسو الفضل، بكسر الواو.
البقرة 2:238
الصَّلاةِ الْوُسْطى أى الوسطى بين الصلوات، أو الفضلى، من قولهم للأفضل: الأوسط.
وإنما أفردت وعطفت على الصلاة [[قوله «وعطفت على الصلاة» لعله: على الصلوات. (ع)]] لانفرادها بالفضل وهي صلاة العصر. وعن النبىّ صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال يوم الأحزاب «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ اللَّه بيوتهم ناراً [[أخرجه مسلم من رواية شتير بن شكل عن على به. والحديث في الكتب الستة، إلا أن قوله «صلاة العصر» عند مسلم وحده. وأخرجه البخاري في المغازي والجهاد والتفسير وفي الباب عن ابن مسعود رفعه «الصلاة الوسطى صلاة العصر» أخرجه الترمذي. وعنده عن سمرة نحوه.]] » وقال عليه السلام «إنها الصلاة التي شغل عنها سليمان بن داود حتى توارت بالحجاب» [[أخرجه ابن عدى في الكامل عن على مرفوعا. قال «صلاة الوسطى صلاة العصر التي غفل عنها سليمان بن داود حتى توارت بالحجاب» وفي إسناده مقاتل بن سليمان. وهو ساقط، ورواه ابن أبى شيبة من رواية أبى إسحاق عن الحرث ابن على مرفوعا، وهو أشبه بالصواب. وفي الباب عن ابن عباس موقوفا عند الطبري.]] وعن حفصة أنها قالت لمن كتب لها المصحف: إذا بلغت هذه الآية فلا تكتبها حتى أمليها عليك كما سمعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يقرؤها، فأملت عليه: والصلاة الوسطى صلاة العصر [[أخرجه الطبري من طريق أبى بشر عن سالم عن حفصة أنها أمرت رجلا فكتب لها مصحفاً. فقالت: إذا بلغت هذا المكان فأعلمنى. فلما بلغ ((حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى) قالت: اكتب: صلاة العصر. وفي رواية له: فقالت له «اكتب فانى سمعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يقول: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى هي صلاة العصر» هكذا عند الطبري. والمشهور عن حفصة أنها أملت على الكاتب: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر. كذلك رواه مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم عن عمرو بن رافع أنه قال: كنت أكتب مصحفاً لحفصة فذكره. ورواه ابن حبان من رواية ابن إسحاق: حدثني أبو جعفر محمد بن على ونافع بن عمرو بن نافع مولى عمر بن الخطاب حدثهما أنه كان يكتب المصاحف في عهد ازواج رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال: فاستكتبتنى حفصة مصحفاً وقالت: إذا بلغت هذه الآية من هذه السورة- البقرة- فلا تكتبها حتى تأتينى بها فأمليها عليك كما حفظتها من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال: فلما بلغتها جئتها بالورقة التي أكتبها: فقالت لي: اكتب حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر. ومن هذا الوجه أخرجه أبو يعلى والطحاوي. ورواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن نافع عن حفصة نحوه وكذا رواه الطبري من طريق عبد اللَّه بن عمر عن نافع: أن حفصة أمرت مولى لها: وأخرجه ابن أبى داود في كتاب المصاحف من نحو عشرين طريقاً فيها كلها وصلاة العصر بالواو.]] وروى عن عائشة وابن عباس رضى اللَّه عنهم: والصلاة الوسطى وصلاة العصر [[أما عائشة فروى مسلم من طريق أبى يونس مولى عائشة قال: أمرتنى عائشة أن أكتب لها مصحفاً وقالت إذا بلغت هذه الآية فآذنى. فلما بلغتها آذنتها فأملت على: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر، وقالت سمعتها من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم. وكذا أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي ومالك والشافعي وأحمد من هذا الوجه. وأما ابن عباس فرواه الطبري وابن أبى داود في المصاحف من رواية أبى إسحاق عمر بن مريم عن ابن عباس «أنه كان يقرؤها كذلك» .]] بالواو.
فعلى هذه القراءة يكون التخصيص لصلاتين: إحداهما الصلاة الوسطى، إمّا الظهر، وإمّا الفجر وإمّا المغرب، على اختلاف الروايات فيها، والثانية: العصر، وقيل: فضلها لما في وقتها من اشتغال الناس بتجاراتهم ومعايشهم. وعن ابن عمر رضى اللَّه عنهما: هي صلاة الظهر [[أخرجه الطبري من رواية أبى عقيل زهرة بن معبد أن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وإبراهيم بن طلحة سألوا ابن عمر عن الصلاة الوسطى. فقال: هي الظهر.]] ، لأنها في وسط النهار، وكان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يصليها بالهاجرة، ولم تكن صلاة أشدّ على أصحابه منها. وعن مجاهد: هي الفجر لأنها بين صلاتي النهار وصلاتي الليل. وعن قبيصة بن ذؤيب: هي المغرب، لأنها وتر النهار ولا تنقص في السفر من الثلاث [[أخرجه الطبري من رواية إسحاق بن أبى فردة عن رحل عن قبيصة بن ذؤيب قال: الصلاة الوسطى صلاة المغرب. ألا ترى أنها ليست بأقلها ولا أكثرها، ولا تقصر في السفر؟ وإسحاق متروك، وشيخه مجهول.]] : وقرأ عبد اللَّه: وعلى الصلاة الوسطى: وقرأت عائشة رضى اللَّه عنها (والصلاة الوسطى) بالنصب على المدح والاختصاص. وقرأ نافع: الوصطى، بالصاد وَقُومُوا لِلَّهِ في الصلاة قانِتِينَ ذاكرين للَّه في قيامكم. والقنوت: أن تذكر اللَّه قائما: وعن عكرمة: كانوا يتكلمون في الصلاة فنهوا. وعن مجاهد: هو الركود وكف الأيدى والبصر. وروى أنهم كانوا إذا قام أحدهم إلى الصلاة هاب الرحمن أن يمدّ بصره أو يلتفت، أو يقلب الحصا، أو يحدّث نفسه بشيء من أمور الدنيا فَإِنْ خِفْتُمْ فإن كان بكم خوف من عدوّ أو غيره فَرِجالًا فصلوا راجلين، وهو جمع راجل كقائم وقيام، أو رجل. يقال: رجل رجل، أى راجل. وقرئ: فرجالا.
بضم الراء، ورجالا. بالتشديد، ورجلا. وعند أبى حنيفة رحمه اللَّه: لا يصلون في حال المشي والمسايفة ما لم يمكن الوقوف: وعند الشافعي رحمه اللَّه: يصلون في كل حال، والراكب يومئ ويسقط عنه التوجه إلى القبلة فَإِذا أَمِنْتُمْ فإذا زال خوفكم فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ من صلاة الأمن، أو فإذا أمنتم فاشكروا اللَّه على الأمن، واذكروه بالعبادة، كما أحسن إليكم بما علمكم من الشرائع، وكيف تصلون في حال الخوف وفي حال الأمن.
البقرة 2:239
الصَّلاةِ الْوُسْطى أى الوسطى بين الصلوات، أو الفضلى، من قولهم للأفضل: الأوسط.
وإنما أفردت وعطفت على الصلاة [[قوله «وعطفت على الصلاة» لعله: على الصلوات. (ع)]] لانفرادها بالفضل وهي صلاة العصر. وعن النبىّ صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال يوم الأحزاب «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ اللَّه بيوتهم ناراً [[أخرجه مسلم من رواية شتير بن شكل عن على به. والحديث في الكتب الستة، إلا أن قوله «صلاة العصر» عند مسلم وحده. وأخرجه البخاري في المغازي والجهاد والتفسير وفي الباب عن ابن مسعود رفعه «الصلاة الوسطى صلاة العصر» أخرجه الترمذي. وعنده عن سمرة نحوه.]] » وقال عليه السلام «إنها الصلاة التي شغل عنها سليمان بن داود حتى توارت بالحجاب» [[أخرجه ابن عدى في الكامل عن على مرفوعا. قال «صلاة الوسطى صلاة العصر التي غفل عنها سليمان بن داود حتى توارت بالحجاب» وفي إسناده مقاتل بن سليمان. وهو ساقط، ورواه ابن أبى شيبة من رواية أبى إسحاق عن الحرث ابن على مرفوعا، وهو أشبه بالصواب. وفي الباب عن ابن عباس موقوفا عند الطبري.]] وعن حفصة أنها قالت لمن كتب لها المصحف: إذا بلغت هذه الآية فلا تكتبها حتى أمليها عليك كما سمعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يقرؤها، فأملت عليه: والصلاة الوسطى صلاة العصر [[أخرجه الطبري من طريق أبى بشر عن سالم عن حفصة أنها أمرت رجلا فكتب لها مصحفاً. فقالت: إذا بلغت هذا المكان فأعلمنى. فلما بلغ ((حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى) قالت: اكتب: صلاة العصر. وفي رواية له: فقالت له «اكتب فانى سمعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يقول: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى هي صلاة العصر» هكذا عند الطبري. والمشهور عن حفصة أنها أملت على الكاتب: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر. كذلك رواه مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم عن عمرو بن رافع أنه قال: كنت أكتب مصحفاً لحفصة فذكره. ورواه ابن حبان من رواية ابن إسحاق: حدثني أبو جعفر محمد بن على ونافع بن عمرو بن نافع مولى عمر بن الخطاب حدثهما أنه كان يكتب المصاحف في عهد ازواج رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال: فاستكتبتنى حفصة مصحفاً وقالت: إذا بلغت هذه الآية من هذه السورة- البقرة- فلا تكتبها حتى تأتينى بها فأمليها عليك كما حفظتها من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال: فلما بلغتها جئتها بالورقة التي أكتبها: فقالت لي: اكتب حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر. ومن هذا الوجه أخرجه أبو يعلى والطحاوي. ورواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن نافع عن حفصة نحوه وكذا رواه الطبري من طريق عبد اللَّه بن عمر عن نافع: أن حفصة أمرت مولى لها: وأخرجه ابن أبى داود في كتاب المصاحف من نحو عشرين طريقاً فيها كلها وصلاة العصر بالواو.]] وروى عن عائشة وابن عباس رضى اللَّه عنهم: والصلاة الوسطى وصلاة العصر [[أما عائشة فروى مسلم من طريق أبى يونس مولى عائشة قال: أمرتنى عائشة أن أكتب لها مصحفاً وقالت إذا بلغت هذه الآية فآذنى. فلما بلغتها آذنتها فأملت على: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر، وقالت سمعتها من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم. وكذا أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي ومالك والشافعي وأحمد من هذا الوجه. وأما ابن عباس فرواه الطبري وابن أبى داود في المصاحف من رواية أبى إسحاق عمر بن مريم عن ابن عباس «أنه كان يقرؤها كذلك» .]] بالواو.
فعلى هذه القراءة يكون التخصيص لصلاتين: إحداهما الصلاة الوسطى، إمّا الظهر، وإمّا الفجر وإمّا المغرب، على اختلاف الروايات فيها، والثانية: العصر، وقيل: فضلها لما في وقتها من اشتغال الناس بتجاراتهم ومعايشهم. وعن ابن عمر رضى اللَّه عنهما: هي صلاة الظهر [[أخرجه الطبري من رواية أبى عقيل زهرة بن معبد أن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وإبراهيم بن طلحة سألوا ابن عمر عن الصلاة الوسطى. فقال: هي الظهر.]] ، لأنها في وسط النهار، وكان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يصليها بالهاجرة، ولم تكن صلاة أشدّ على أصحابه منها. وعن مجاهد: هي الفجر لأنها بين صلاتي النهار وصلاتي الليل. وعن قبيصة بن ذؤيب: هي المغرب، لأنها وتر النهار ولا تنقص في السفر من الثلاث [[أخرجه الطبري من رواية إسحاق بن أبى فردة عن رحل عن قبيصة بن ذؤيب قال: الصلاة الوسطى صلاة المغرب. ألا ترى أنها ليست بأقلها ولا أكثرها، ولا تقصر في السفر؟ وإسحاق متروك، وشيخه مجهول.]] : وقرأ عبد اللَّه: وعلى الصلاة الوسطى: وقرأت عائشة رضى اللَّه عنها (والصلاة الوسطى) بالنصب على المدح والاختصاص. وقرأ نافع: الوصطى، بالصاد وَقُومُوا لِلَّهِ في الصلاة قانِتِينَ ذاكرين للَّه في قيامكم. والقنوت: أن تذكر اللَّه قائما: وعن عكرمة: كانوا يتكلمون في الصلاة فنهوا. وعن مجاهد: هو الركود وكف الأيدى والبصر. وروى أنهم كانوا إذا قام أحدهم إلى الصلاة هاب الرحمن أن يمدّ بصره أو يلتفت، أو يقلب الحصا، أو يحدّث نفسه بشيء من أمور الدنيا فَإِنْ خِفْتُمْ فإن كان بكم خوف من عدوّ أو غيره فَرِجالًا فصلوا راجلين، وهو جمع راجل كقائم وقيام، أو رجل. يقال: رجل رجل، أى راجل. وقرئ: فرجالا.
بضم الراء، ورجالا. بالتشديد، ورجلا. وعند أبى حنيفة رحمه اللَّه: لا يصلون في حال المشي والمسايفة ما لم يمكن الوقوف: وعند الشافعي رحمه اللَّه: يصلون في كل حال، والراكب يومئ ويسقط عنه التوجه إلى القبلة فَإِذا أَمِنْتُمْ فإذا زال خوفكم فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ من صلاة الأمن، أو فإذا أمنتم فاشكروا اللَّه على الأمن، واذكروه بالعبادة، كما أحسن إليكم بما علمكم من الشرائع، وكيف تصلون في حال الخوف وفي حال الأمن.
البقرة 2:240
تقديره فيمن قرأ وصية بالرفع: ووصية الذين يتوفون، أو وحكم الذين يتوفون وصية لأزواجهم، أو والذين يتوفون أهل وصية لأزواجهم. وفيمن قرأ بالنصب: والذين يتوفون يوصون وصية، كقولك: إنما أنت سير البريد، بإضمار تسير. أو والزم الذين يتوفون وصية. وتدل عليه قراءة عبد اللَّه: كتب عليكم الوصية لأزواجكم متاعا إلى الحول، مكان قوله وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ وقرأ أبىّ: متاع لأزواجهم متاعا. وروى عنه: فمتاع لأزواجهم. ومتاعا نضب بالوصية، إلا إذا أضمرت يوصون، فإنه نصب بالفعل. وعلى قراءة أبىّ متاعا نصب بمتاع، لأنه في معنى التمتيع كقولك: الحمد للَّه حمد الشاكرين، وأعجبنى ضرب لك زيداً ضربا شديداً. وغَيْرَ إِخْراجٍ مصدر مؤكد، كقولك:
هذا القول غير ما تقول. أو بدل من متاعاً. أو حال من الأزواج، أى غير مخرجات. والمعنى أن حق الذين يتوفون عن أزواجهم أن يوصوا قبل أن يحتضروا بأن تمتع أزواجهم بعدهم حولا كاملا، أى ينفق عليهنّ من تركته ولا يخرجن من مساكنهن، وكان ذلك في أول الإسلام، ثم نسخت المدة بقوله: (أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً) وقيل: نسخ ما زاد منه على هذا المقدار، ونسخت النفقة بالإرث الذي هو الربع والثمن. واختلف في السكنى، فعند أبى حنيفة وأصحابه: لا سكنى لهن فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ من التزين والتعرض للخطاب مِنْ مَعْرُوفٍ مما ليس بمنكر شرعاً. فإن قلت: كيف نسخت الآية المتقدمة المتأخرة؟ قلت: قد تكون الآية متقدّمة في التلاوة وهي متأخرة في التنزيل، كقوله تعالى: (سَيَقُولُ السُّفَهاءُ) مع قوله: (قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ) .
البقرة 2:241
وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ عم المطلقات بإيجاب المتعة لهن بعد ما أوجبها لواحدة منهن وهي المطلقة غير المدخول بها، وقال حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ كما قال ثمة: حقاً على المحسنين. وعن سعيد بن جبير وأبى العاليه والزهري: أنها واجبة لكل مطلقة. وقيل قد تناولت التمتيع الواجب والمستحب جميعاً. وقيل: المراد بالمتاع نفقة العدة.
البقرة 2:242
وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ عم المطلقات بإيجاب المتعة لهن بعد ما أوجبها لواحدة منهن وهي المطلقة غير المدخول بها، وقال حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ كما قال ثمة: حقاً على المحسنين. وعن سعيد بن جبير وأبى العاليه والزهري: أنها واجبة لكل مطلقة. وقيل قد تناولت التمتيع الواجب والمستحب جميعاً. وقيل: المراد بالمتاع نفقة العدة.
البقرة 2:243
أَلَمْ تَرَ تقرير لمن سمع بقصتهم من أهل الكتاب وأخبار الأوّلين، وتعجيب من شأنهم. ويجوز أن يخاطب به من لم ير ولم يسمع، لأنّ هذا الكلام جرى مجرى المثل في معنى التعجيب. روى أنّ أهل داوردان قرية قبل واسط وقع فيهم الطاعون فخرجوا هاربين، فأماتهم اللَّه ثم أحياهم ليعتبروا ويعلموا أنه لا مفرّ من حكم اللَّه وقضائه. وقيل: مرّ عليهم حزقيل بعد زمان طويل وقد عريت عظامهم وتفرّقت أوصالهم فلوى شدقه وأصابعه تعجبا مما رأى، فأوحى إليه: ناد فيهم أن قوموا بإذن اللَّه، فنادى، فنظر إليهم قياما يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت. وقيل: هم قوم من بنى إسرائيل دعاهم ملكهم إلى الجهاد فهربوا حذراً من الموت، فأماتهم اللَّه ثمانية أيام ثم أحياهم وَهُمْ أُلُوفٌ فيه دليل على الألوف الكثيرة. واختلف في ذلك، فقيل عشرة، وقيل ثلاثون، وقيل سبعون. ومن بدع التفاسير (أُلُوفٌ) متألفون، جمع آلف كقاعد وقعود. فإن قلت: ما معنى قوله فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا؟ قلت:
معناه فأماتهم، وإنما جيء به على هذه العبارة للدلالة على أنهم ماتوا ميتة رجل واحد بأمر اللَّه ومشيئته، وتلك ميتة خارجة عن العادة، كأنهم أمروا بشيء فامتثلوه امتثالا من غير إباء ولا توقف، كقوله تعالى: (إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) وهذا تشجيع للمسلمين على الجهاد والتعرض للشهادة، وأنّ الموت إذا لم يكن منه بدٌّ ولم ينفع منه مفر، فأولى أن يكون في سبيل اللَّه لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ حيث يبصرهم ما يعتبرون به ويستبصرون، كما بصر أولئك، وكما بصركم باقتصاص خبرهم. أو لذو فضل على الناس حيث أحيى أولئك ليعتبروا فيفوزوا، ولو شاء لتركهم موتى إلى يوم البعث. والدليل على أنه ساق هذه القصة بعثاً على الجهاد: ما أتبعه من الأمر بالقتال في سبيل اللَّه وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ يسمع ما يقوله المتخلفون والسابقون عَلِيمٌ بما يضمرونه وهو من وراء الجزاء.
البقرة 2:244
أَلَمْ تَرَ تقرير لمن سمع بقصتهم من أهل الكتاب وأخبار الأوّلين، وتعجيب من شأنهم. ويجوز أن يخاطب به من لم ير ولم يسمع، لأنّ هذا الكلام جرى مجرى المثل في معنى التعجيب. روى أنّ أهل داوردان قرية قبل واسط وقع فيهم الطاعون فخرجوا هاربين، فأماتهم اللَّه ثم أحياهم ليعتبروا ويعلموا أنه لا مفرّ من حكم اللَّه وقضائه. وقيل: مرّ عليهم حزقيل بعد زمان طويل وقد عريت عظامهم وتفرّقت أوصالهم فلوى شدقه وأصابعه تعجبا مما رأى، فأوحى إليه: ناد فيهم أن قوموا بإذن اللَّه، فنادى، فنظر إليهم قياما يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت. وقيل: هم قوم من بنى إسرائيل دعاهم ملكهم إلى الجهاد فهربوا حذراً من الموت، فأماتهم اللَّه ثمانية أيام ثم أحياهم وَهُمْ أُلُوفٌ فيه دليل على الألوف الكثيرة. واختلف في ذلك، فقيل عشرة، وقيل ثلاثون، وقيل سبعون. ومن بدع التفاسير (أُلُوفٌ) متألفون، جمع آلف كقاعد وقعود. فإن قلت: ما معنى قوله فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا؟ قلت:
معناه فأماتهم، وإنما جيء به على هذه العبارة للدلالة على أنهم ماتوا ميتة رجل واحد بأمر اللَّه ومشيئته، وتلك ميتة خارجة عن العادة، كأنهم أمروا بشيء فامتثلوه امتثالا من غير إباء ولا توقف، كقوله تعالى: (إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) وهذا تشجيع للمسلمين على الجهاد والتعرض للشهادة، وأنّ الموت إذا لم يكن منه بدٌّ ولم ينفع منه مفر، فأولى أن يكون في سبيل اللَّه لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ حيث يبصرهم ما يعتبرون به ويستبصرون، كما بصر أولئك، وكما بصركم باقتصاص خبرهم. أو لذو فضل على الناس حيث أحيى أولئك ليعتبروا فيفوزوا، ولو شاء لتركهم موتى إلى يوم البعث. والدليل على أنه ساق هذه القصة بعثاً على الجهاد: ما أتبعه من الأمر بالقتال في سبيل اللَّه وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ يسمع ما يقوله المتخلفون والسابقون عَلِيمٌ بما يضمرونه وهو من وراء الجزاء.
البقرة 2:245
إقراض اللَّه: مثل لتقديم العمل الذي يطلب به ثوابه. والقرض الحسن: إما المجاهدة في نفسها، وإما النفقة في سبيل اللَّه أَضْعافاً كَثِيرَةً قيل: الواحد بسبعمائة. وعن السدى: كثيرة لا يعلم كنهها إلا اللَّه وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ يوسع على عباده ويقتر، فلا تبخلوا عليه بما وسع عليكم لا يبدلكم الضيقة بالسعة وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ فيجازيكم على ما قدّمتم.
البقرة 2:246
لِنَبِيٍّ لَهُمُ هو يوشع أو شمعون أو اشمويل ابْعَثْ لَنا مَلِكاً أنهض للقتال معنا أميراً نصدر في تدبير الحرب عن رأيه وننتهي إلى أمره، طلبوا من نبيهم نحو ما كان يفعل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم من التأمير على الجيوش التي كان يجهزها، ومن أمرهم بطاعته وامتثال أوامره.
وروى أنه أمر الناس إذا سافروا أن يجعلوا أحدهم أميراً عليهم نُقاتِلْ قرئ بالنون والجزم على الجواب. وبالنون والرفع على أنه حال، أى ابعثه لنا مقدّرين القتال. أو استئناف كأنه قال لهم: ما تصنعون بالملك؟ فقالوا: نقاتل. وقرئ: يقاتل بالياء والجزم على الجواب، وبالرفع على أنه صفة لملكا. وخبر عسيتم أَلَّا تُقاتِلُوا والشرط فاصل بينهما. والمعنى: هل قاربتم أن لا تقاتلوا؟ يعنى هل الأمر كما أتوقعه أنكم لا تقاتلون؟ أراد أن يقول: عسيتم أن لا تقاتلوا، بمعنى أتوقع جبنكم عن القتال، فأدخل هل مستفهماً عما هو متوقع عنده ومظنون. وأراد بالاستفهام التقرير، وتثبيت أنّ المتوقع كائن، وأنه صائب في توقعه [[قوله «وأنه صائب في توقعه» في الصحاح: صاب السهم القرطاس يصيبه، لغة في أصابه. (ع)]] ، كقوله تعالى: (هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ) معناه التقرير. وقرئ (عسيتم) بكسر السين وهي ضعيفة وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ وأىّ داع لنا إلى ترك القتال، وأى غرض لنا فيه وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا وذلك أنّ قوم جالوت كانوا يسكنون ساحل بحر الروم بين مصر وفلسطين، فأسروا من أبناء ملوكهم أربعمائة وأربعين إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ قيل كان القليل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر على عدد أهل بدر وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ وعيد لهم على ظلمهم في القعود عن القتال وترك الجهاد.
البقرة 2:247
طالُوتَ اسم أعجمى كجالوت وداود. وإنما امتنع من الصرف لتعريفه وعجمته، وزعموا أنه من الطوال لما وصف به من البسطة في الجسم. ووزنه إن كان من الطول «فعلوت» منه، أصله طولوت، إلا أنّ امتناع صرفه يدفع أن يكون منه، إلا أن يقال: هو اسم عبراني وافق عربيا، كما وافق حنطا حنطة، وبشمالا لها رخمانا رخيما بسم اللَّه الرحمن الرحيم، فهو من الطول كما لو كان عربيا، وكان أحد سببيه العجمة لكونه عبرانيا أَنَّى كيف ومن أين، وهو إنكار لتملكه عليهم واستبعاد له. فإن قلت: ما الفرق بين الواوين في: (وَنَحْنُ أَحَقُّ) ، (وَلَمْ يُؤْتَ) ؟ [[قال محمود رحمه اللَّه: «إن قلت ما الفرق بين الواوين ... الخ» قال أحمد رحمه اللَّه: وحاصل هذا أن الواو الأولى أفادت جملتها الحالية بنفسها وأفادت الجملة الثانية الحالية أيضاً لكن بواسطة الواو العاطفة. وهذا النظر من السهل الممتنع.]] قلت: الأولى للحال، والثانية لعطف الجملة على الجملة الواقعة حالا، قد انتظمتهما معا في حكم واو الحال. والمعنى: كيف يتملك علينا والحال أنه لا يستحق التملك لوجود من هو أحق بالملك، وأنه فقير ولا بدّ للملك من مال يعتضد به. وإنما قالوا ذلك لأنّ النبوّة كانت في سبط لاوى بن يعقوب والملك في سبط يهوذا ولم يكن طالوت من أحد السبطين، ولأنه كان رجلا سقاء أو دباغا فقيراً. وروى أنّ نبيهم دعا اللَّه تعالى حين طلبوا منه ملكا، فأتى بعصا يقاس بها من يملك عليهم، فلم يساوها إلا طالوت قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ يريد أنّ اللَّه هو الذي اختاره عليكم، وهو أعلم بالمصالح منكم ولا اعتراض على حكم اللَّه. ثم ذكر مصلحتين أنفع مما ذكروا من النسب والمال وهما العلم المبسوط والجسامة.
والظاهر أنّ المراد بالعلم المعرفة بما طلبوه لأجله من أمر الحرب. ويجوز أن يكون عالما بالديانات وبغيرها. وقيل: قد أوحى إليه ونبئ، وذلك أنّ الملك لا بدّ أن يكون من أهل العلم، فإنّ الجاهل مزدرى غير منتفع به، وأن يكون جسيما يملأ العين جهارة لأنه أعظم في النفوس وأهيب في القلوب.
والبسطة: السعة والامتداد. وروى أن الرجل القائم كان يمدّ يده فينال رأسه يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ أى الملك له غير منازع فيه، فهو يؤتيه من يشاء: من يستصلحه للملك وَاللَّهُ واسِعٌ الفضل والعطاء، يوسع على من ليس له سعة من المال ويغنيه بعد الفقر عَلِيمٌ بمن يصطفيه للملك.
البقرة 2:248
التَّابُوتُ صندوق التوراة. وكان موسى عليه السلام إذا قاتل قدّمه فكانت تسكن نفوس بنى إسرائيل ولا يفرّون. والسكينة: السكون والطمأنينة، وقيل: هي صورة كانت فيه من زبرجد أو ياقوت، لها رأس كرأس الهرّ وذنب كذنبه وجناحان، فتئن فيزف التابوت نحو العدوّ وهم يمضون معه، فإذا استقرّ ثبتوا وسكنوا ونزل النصر، وعن علىّ رضى اللَّه عنه: كان لها وجه كوجه الإنسان وفيها ريح هفافة وَبَقِيَّةٌ هي رضاض الألواح وعصى موسى وثيابه وشيء من التوراة، وكان رفعه اللَّه تعالى بعد موسى عليه السلام فنزلت به الملائكة تحمله وهم ينظرون إليه، فكان ذلك آية لاصطفاء اللَّه طالوت. وقيل: كان مع موسى ومع أنبياء بنى إسرائيل بعده يستفتحون به، فلما غيرت بنو إسرائيل غلبهم عليه الكفار فكان في أرض جالوت، فلما أراد اللَّه أن يملك طالوت أصابهم ببلاء حتى هلكت خمس مدائن، فقالوا: هذا بسبب التابوت بين أظهرنا، فوضعوه على ثورين، فساقهما الملائكة إلى طالوت. وقيل كان من خشب الشمشار مموّها بالذهب. نحواً من ثلاثة أذرع في ذراعين. وقرأ أبىّ وزيد بن ثابت: التابوه بالهاء وهي لغة الأنصار. فإن قلت:
ما وزن التابوت؟ قلت: لا يخلو من أن يكون فعلوتا [[قال محمود رحمه اللَّه: «وزن التابوت فعلوت ... الخ» قال أحمد رحمه اللَّه: يريد لأن الفاء تاء واللام كذلك والعرب تستثقل ما فاؤه ولامه حرف واحد لأنه توأم التكرار.]] أو فاعولا، فلا يكون «فاعولا» لقلته، نحو: سلس وقلق، ولأنه تركيب غير معروف فلا يجوز ترك المعروف إليه، فهو إذاً «فعلوت» من التوب، وهو الرجوع لأنه ظرف توضع فيه الأشياء وتودعه، فلا يزال يرجع إليه ما يخرج منه، وصاحبه يرجع إليه فيما يحتاج إليه من مودعاته. وأمّا من قرأ بالهاء فهو «فاعول» عنده، إلا فيمن جعل هاءه بدلا من التاء، لاجتماعهما في الهمس وأنهما من حروف الزيادة. ولذلك أبدلت من تاء التأنيث. وقرأ أبو السمال: سكينة، بفتح السين والتشديد وهو غريب. وقرئ:
يحمله، بالياء. فإن قلت: مَن آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ؟ قلت: الأنبياء من بنى يعقوب بعدهما.
لأن عمران هو ابن قاهث بن لاوى بن يعقوب فكان أولاد يعقوب آلهما. ويجوز أن يراد: مما تركه موسى وهرون. والآل مقحم لتفخيم شأنهما.
البقرة 2:249
فَصَلَ عن موضع كذا: إذا انفصل عنه وجاوزه، وأصله: فصل نفسه، ثم كثر محذوف المفعول حتى صار في حكم غير المتعدي كانفصل. وقيل: فصل عن البلد فصولا. ويجوز أن يكون:
فصله فصلا، وفصل فصولا كوقف وصدّ ونحوهما. والمعنى: انفصل عن بلده بِالْجُنُودِ روى أنه قال لقومه: لا يخرج معى رجل بنى بناء لم يفرغ منه، ولا تاجر مشتغل بالتجارة، ولا رجل متزوّج بامرأة لم يبن عليها، ولا أبتغى إلا الشاب النشيط الفارغ. فاجتمع إليه مما اختاره ثمانون ألفا، وكان الوقت قيظا وسلكوا مفازة، فسألوا أن يجرى اللَّه لهم نهراً، ف قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بما اقترحتموه من النهر فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فمن ابتدأ شربه من النهر بأن كرع فيه فَلَيْسَ مِنِّي فليس بمتصل بى ومتحد معى، من قولهم: فلان منى، كأنه بعضه لاختلاطهما واتحادهما. ويجوز أن يراد فليس من جملتي وأشياعى وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ ومن لم يذقه، من طعم الشيء، إذا ذاقه. ومنه طعم الشيء، لمذاقه. قال:
وَإنْ شِئْتَ لَمْ أَطْعَمْ نَقَاخًا [[قوله «لم أطعم نقاخا» هو الماء العذب الذي ينقخ الفؤاد ببرده. والنقخ: النقف. وهو كسر الرأس عن الدماغ. (ع)]] وَلَا بَرْدَا [[فان شئت حرمت النساء سواكم ... وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا
للعرجى. وتاء شئت يحتمل أنها للمتكلم، وأنها للمخاطبة وهو أبلغ. وخاطب الواحدة بلفظ جمع المذكر تعظيما.
ولم أطعم: أى لم أتناول. والنقاخ- بالقاف والخاء المعجمة-: الماء العذب البارد. والبرد: النوم، وعن بعض العرب: منع البرد البرد، وهو من باب الجناس التام، والعرجى: هو عبد اللَّه بن عمرو بن عثمان بن عفان، نسبة لعرج الطائف.]]
ألا ترى كيف عطف عليه البرد وهو النوم. ويقال: ما ذقت غماضا. ونحوه من الابتلاء: ما ابتلى اللَّه به أهل أيلة من ترك الصيد مع إتيان الحيتان شرَّعا، بل هو أشد منه وأصعب. وإنما عرف ذلك طالوت بإخبار من النبي. وإن كان نبيا- كما يروى عن بعضهم- فبالوحى. وقرئ (بنهر) بالسكون. فإن قلت: ممَّ استثنى قوله إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ؟ قلت: من قوله: (فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي) [[قال محمود رحمه اللَّه: «مستثنى من قوله: (فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي) ... الخ» : قال أحمد رحمه اللَّه: وفي هذه الآية تقوية لمن ذهب إلى أن الاستثناء المتعقب للجمل لا يتعين عوده إلى الأخيرة لاحتمال عوده إلى ما قبلها.
ورد على من منع ذلك محتجا بامتناع الفصل بين المستثنى والمستثنى منه بأجنبى من الاستثناء. ولذلك حقق عوده إلى الأخيرة، وتوقف في انعطافه على ما تقدمها، فيجوز عنده أن يعود على الجميع مع الأخيرة. وأما عوده على ما قبل الأخيرة دونها فمتعذر عند هذا القائل فلم يصف في العود إلى الأخيرة لهذه الشبهة. وقد بين القاضي أبو بكر صلاحية عوده إلى ما قبل الأخيرة دونها ردا على هذا القائل، واستشهد بقوله تعالى: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا) ووجه استشهاده: أن المعنى يأبى انعطاف هذا الاستثناء إلى الجملة الأخيرة ويعين عوده إلى ما قبلها وسيأتى بيان ذلك عند الكلام على الآية.]] والجملة الثانية في حكم المتأخرة، إلا أنها قدّمت للعناية كما قدم (وَالصَّابِئُونَ) في قوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ) ومعناه: الرخصة في اغتراف الغرفة باليد دون الكروع، والدليل عليه قوله فَشَرِبُوا مِنْهُ أى فكرعوا فيه إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وقرئ (غرفة) بالفتح بمعنى المصدر، وبالضم بمعنى المغروف. وقرأ أبىّ والأعمش: إلا قليل، بالرفع. وهذا من ميلهم مع المعنى والإعراض عن اللفظ جانباً، وهو باب جليل من علم العربية.
فلما كان معنى (فَشَرِبُوا مِنْهُ) في معنى فلم يطيعوه، حمل عليه، كأنه قيل: فلم يطيعوه إلا قليل منهم.
ونحوه قول الفرزدق:
............... لمْ يَدَعْ ... مِنَ الْمَالِ إلّا مُسْحَتٌ أوْ مُجَلَّفُ [[إليك أمير المؤمنين رمت بنا ... شعوب النوى والهوجل المتعسف
وعض زمان يا ابن مروان لم يدع ... من المال إلا مسحت أو مجلف
للفرزدق. يقول: يا أمير المؤمنين، قذفتنا إليك طرق البعد، لكن الرامي به في الحقيقة دواعي النفس، فاسناد الرمي إلى الشعوب مجاز عقلى: أو شبه الطرق بمن يصح منه الرمي على سبيل المكنية، والمراد بالرمي البعث مجازاً، والهوجل: الطويل الأحمق، أى البعير المتعسف الحائد عن سنن الطريق، أو الطريق الطويل المعوج، فهو عطف خاص على عام. وشبه الزمان المجدب بذي ناب على طريق المكنية، وإسناد العض له تخييل. والمسحت: البقية القليلة من الشيء، يقال سحته وأسحته إذا استأصله، والأولى لغة الحجاز، والثانية لغة نجد. والمجلف: المنقرض من جوانبه، يقال جلفه كنصره إذا قشره أو قطعه. والجائفة أبلغ من الجالفة، وقيل: المسحت والمجلف، الذي أخذ منه ماله أو هلك منه، وكان الواجب نصب الاستثناء لأنه لا وجه للرفع، لكن روعي فيه معنى النفي فرفع، أى لم يبق من المال إلا هما. وروى: إلا مسحتا أو مجلف، فرفع الثاني عطفا على المعنى. روى أنه سئل: لم خالفت بينهما فقال: قلت ذلك لتشقى به النحويون. ونداء عبد الملك بن مروان في الموضعين للتعظيم والاستعطاف.]]
كأنه قال: لم يبق من المال إلا مسحت أو مجلف. وقيل: لم يبق مع طالوت إلا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا وَالَّذِينَ آمَنُوا يعنى القليل قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ يعنى الخلص منهم الذين نصبوا بين أعينهم لقاء اللَّه وأيقنوه. أو الذين تيقنوا أنهم يستشهدون عما قريب ويلقون اللَّه، والمؤمنون مختلفون في قوة اليقين ونصوع البصيرة. وقيل: الضمير في: (قالُوا لا طاقَةَ لَنَا) للكثير الذين انخذلوا، والذين يظنون هم القليل الذين ثبتوا معه، كأنهم تقاولوا بذلك والنهر بينهما. يظهر أولئك عذرهم في الانخذال، ويرد عليهم هؤلاء ما يعتذرون به. وروى أنّ الغرفة كانت تكفى الرجل لشربه وإداوته والذين شربوا منه اسودّت شفاههم وغلبهم العطش.
البقرة 2:250
وبِجالُوتَ جبار من العمالقة من أولاد عمليق بن عاد، وكانت بيضته فيها ثلاثمائة رطل وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وهب لنا ما نثبت به في مداحض الحر من قوّة القلوب وإلقاء الرعب في قلب العدو ونحو ذلك من الأسباب. كان أيشى أبو داود في عسكر طالوت مع ستة من بنيه، وكان داود سابعهم وهو صغير يرعى الغنم، فأوحى إلى اشمويل أنّ داود بن أيشى هو الذي يقتل جالوت، فطلبه من أبيه، فجاء وقد مرّ في طريقه بثلاثة أحجار دعاه كل واحد منها أن يحمله وقالت له: إنك تقتل بنا جالوت، فحملها في مخلاته ورمى بها جالوت فقتله، وزوّجه طالوت بنته. وروى أنه حسده وأراد قتله ثم تاب وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ في مشارق الأرض المقدّسة ومغاربها، وما اجتمعت بنو إسرائيل على ملك قط قبل داود وَالْحِكْمَةَ والنبوّة وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ من صنعة الدروع، وكلام الطير والدواب وغير ذلك وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ ولولا أن اللَّه يدفع بعض الناس ببعض ويكف بهم فسادهم، لغلب المفسدون وفسدت الأرض وبطلت منافعها وتعطلت مصالحها من الحرث والنسل وسائر ما يعمر الأرض. وقيل: ولولا أن اللَّه ينصر المسلمين على الكفار لفسدت الأرض بعيث الكفار فيها وقتل المسلمين. أو لو لم يدفعهم بهم لعمّ الكفر ونزلت السخطة فاستؤصل أهل الأرض.
البقرة 2:251
وبِجالُوتَ جبار من العمالقة من أولاد عمليق بن عاد، وكانت بيضته فيها ثلاثمائة رطل وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وهب لنا ما نثبت به في مداحض الحر من قوّة القلوب وإلقاء الرعب في قلب العدو ونحو ذلك من الأسباب. كان أيشى أبو داود في عسكر طالوت مع ستة من بنيه، وكان داود سابعهم وهو صغير يرعى الغنم، فأوحى إلى اشمويل أنّ داود بن أيشى هو الذي يقتل جالوت، فطلبه من أبيه، فجاء وقد مرّ في طريقه بثلاثة أحجار دعاه كل واحد منها أن يحمله وقالت له: إنك تقتل بنا جالوت، فحملها في مخلاته ورمى بها جالوت فقتله، وزوّجه طالوت بنته. وروى أنه حسده وأراد قتله ثم تاب وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ في مشارق الأرض المقدّسة ومغاربها، وما اجتمعت بنو إسرائيل على ملك قط قبل داود وَالْحِكْمَةَ والنبوّة وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ من صنعة الدروع، وكلام الطير والدواب وغير ذلك وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ ولولا أن اللَّه يدفع بعض الناس ببعض ويكف بهم فسادهم، لغلب المفسدون وفسدت الأرض وبطلت منافعها وتعطلت مصالحها من الحرث والنسل وسائر ما يعمر الأرض. وقيل: ولولا أن اللَّه ينصر المسلمين على الكفار لفسدت الأرض بعيث الكفار فيها وقتل المسلمين. أو لو لم يدفعهم بهم لعمّ الكفر ونزلت السخطة فاستؤصل أهل الأرض.
البقرة 2:252
تِلْكَ آياتُ اللَّهِ يعنى القصص التي اقتصها، من حديث الألوف وإماتتهم وإحيائهم، وتمليك طالوت وإظهاره بالآية التي هي نزول التابوت من السماء، وغلبة الجبابرة على يد صبى بِالْحَقِّ باليقين الذي لا يشك فيه أهل الكتاب لأنه في كتبهم كذلك وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ حيث تخبر بها من غير أن تعرف بقراءة كتاب ولا سماع أخبار.
البقرة 2:253
تِلْكَ الرُّسُلُ إشارة إلى جماعة الرسل التي ذكرت قصصها في السورة، أو التي ثبت علمها عند رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ لما أوجب ذلك من تفاضلهم في الحسنات مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ منهم من فضله اللَّه بأن كلمه من غير سفير وهو موسى عليه السلام.
وقرئ (كلم اللَّه) بالنصب. وقرأ اليماني: كالم اللَّه، من المكالمة، ويدل عليه قولهم: كليم اللَّه، بمعنى مكالمه وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ أى ومنهم من رفعه على سائر الأنبياء، فكان بعد تفاوتهم في الفضل أفضل منهم درجات كثيرة. والظاهر أنه أراد محمداً صلى اللَّه عليه وسلم [[قال محمود رحمه اللَّه: «والظاهر أنه أراد محمداً عليه الصلاة والسلام ... الخ» قال أحمد رحمه اللَّه: وإنما أوردت هذا الفصل من كلامه استحسانا له لفظاً ومعنى، وتبركا بإعطاء المصطفى عليه الصلاة والسلام من الفضل بعض حقه. وأصاب الزمخشري في قوله: حيث أوتى النبي عليه الصلاة والسلام من الفضل المنيف على سائر ما أوتيه الأنبياء، على الجميع الصلاة والسلام. وليس كما يقال عن بعض أهل العصر من تفضيل النبي عليه الصلاة والسلام على كل واحد واحد من آحاد الأنبياء. وينبغي الوقوف عن نسبته له، فانه من العلماء الأعلام وعمد دين الإسلام، والوجه التوريك بالغلط على النقلة عنه.]] لأنه هو المفضل عليهم، حيث أوتى ما لم يؤته أحد من الآيات المتكاثرة المرتقية إلى ألف آية أو أكثر. ولو لم يؤت إلا القرآن وحده لكفى به فضلا منفياً على سائر ما أوتى الأنبياء، لأنه المعجزة الباقية على وجه الدهر دون سائر المعجزات. وفي هذا الإبهام من تفخيم فضله وإعلاء قدره ما لا يخفى، لما فيه من الشهادة على أنه العلم الذي لا يشتبه، والمتميز الذي لا يلتبس. ويقال للرجل: من فعل هذا؟ فيقول: أحدكم أو بعضكم، يريد به الذي تعورف واشتهر بنحوه من الأفعال، فيكون أفخم من التصريح به وأنوه بصاحبه. وسئل الحطيئة عن أشعر الناس؟ فذكر زهيراً والنابغة ثم قال: ولو شئت لذكرت الثالث، أراد نفسه، ولو قال: ولو شئت لذكرت نفسي، لم يفخم أمره. ويجوز أن يريد: إبراهيم ومحمداً وغيرهما من أولى العزم من الرسل. وعن ابن عباس رضى اللَّه عنه: كنا في المسجد نتذاكر فضل الأنبياء، فذكرنا نوحا بطول عبادته، وإبراهيم بخلته، وموسى بتكليم اللَّه إياه، وعيسى برفعه إلى السماء، وقلنا: رسول اللَّه أفضل منهم، بعث إلى الناس كافة وغفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر وهو خاتم الأنبياء. فدخل عليه السلام فقال: فيم أنتم؟ فذكرنا له. فقال: لا ينبغي لأحد أن يكون خيراً من يحيى بن زكريا، فذكر أنه لم يعمل سيئة قط ولم يهمَّ بها [[أخرجه إسحاق بن راهويه: أخبرنا أبو عاصم العبادي أخبرنا على بن زيد بن جدعان عن يوسف بن مهران عنه به. ورواه البزار والطبراني وابن مردويه من حديث ابن عاصم العبادي به. وهو ضعيف وشيخه مجهول.]] . فإن قلت: فلمَ خصّ موسى وعيسى من بين الأنبياء بالذكر؟ قلت: لما أوتيا من الآيات العظيمة والمعجزات الباهرة. ولقد بين اللَّه وجه التفضيل حيث جعل التكليم من الفضل وهو آية من الآيات، فلما كان هذان النبيان قد أوتيا ما أوتيا من عظام الآيات خصا بالذكر في باب التفضيل. وهذا دليل بين أنّ من زيد تفضيلا بالآيات منهم فقد فضل على غيره. ولما كان نبينا صلى اللَّه عليه وسلم هو الذي أوتى منها ما لم يؤت أحد في كثرتها وعظمها. كان هو المشهود له بإحراز قصبات الفضل غير مدافع، اللهمّ ارزقنا شفاعته يوم الدين وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مشيئة إلجاء وقسر [[قوله «مشيئة إلجاء وقسر» يعنى أنه أراد عدم الاقتتال، لكن لا إرادة قسر، ولذلك تخلف المراد عنها، وهذا مذهب المعتزلة. وأما عند أهل السنة فليس هناك إرادة يتخلف عنها المراد، بل كل ما شاء اللَّه كان، وما لم يشأ لم يكن، كما بين في محله. (ع)]] مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ من بعد الرسل، لاختلافهم في الدين، وتشعب مذاهبهم، وتكفير بعضهم بعضا وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ لالتزامه دين الأنبياء وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ لإعراضه عنه وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا كرّره للتأكيد [[قال محمود رحمه اللَّه: «كرر ولو شاء اللَّه للتأكيد» قال أحمد رحمه اللَّه: ووراء التأكيد سر أخص منه، وهو أن العرب متى بنت أول كلامها على مقصد ثم اعترضها مقصد آخر وأرادت الرجوع إلى الأول، قصدت ذكره إما بتلك العبارة أو بقريب منها. وذلك عندهم مهيع من الفصاحة مسلوك، وطريق معتد. وكان جدي لأمى أبو العباس أحمد بن فارس الفقيه الوزير يعد في كتاب اللَّه تعالى مواضع في هذا المعنى: منها قوله تعالى: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً) ومنها قوله تعالى: (وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ) إلى قوله: (لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ) وهذه الآية من هذا النمط، لما صدر الكلام بأن اقتتالهم كان على وفق المشيئة. ثم طال الكلام، أو أريد بيان أن مشيئة اللَّه تعالى كما نفذت في هذا الأمر الخاص وهو اقتتال هؤلاء فهي ناقذة في كل فعل واقع، وهو المعنى المعبر عنه في قوله: (وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ) طرأ ذكر تعلق المشيئة بالاقتتال لتلوه عموم تعلق المشيئة لتناسب الكلام وتعرف كل بشكله. فهذا سر ينشرح لبيانه الصدر ويرتاح السر، واللَّه الموفق. وأى قدم يثبت للاعتزال قبالة هذا؟ لأنه الدائرة القاطعة لدابره، الكافلة بالرد على منتحله وناصره ولذلك جوزها الزمخشري لاغتناصها على تأويله، واعتصامها بالنصوصية من حيله ونحيله.]] وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ من الخذلان والعصمة أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ أراد الإنفاق الواجب لاتصال الوعيد به مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا تقدرون فيه على تدارك ما فاتكم من الإنفاق لأنه لا بَيْعٌ فِيهِ حتى تبتاعوا ما تنفقونه وَلا خُلَّةٌ حتى يسامحكم أخلاؤكم به. وإن أردتم أن يحط عنكم ما في ذمّتكم من الواجب [[قال محمود رحمه اللَّه: «ومعناه: إن أردتم أن يحط عنكم ما في ذمتكم ... الخ» قال أحمد رحمه اللَّه:
أما القدرية، فقد وطنوا أنفسهم على حرمان الشفاعة وهم جدير أن يحرموها. وأدلة أهل السنة على إثباتها للعصاة من المؤمنين أوسع من أن تحصى. وما أنكرها القدرية إلا لايجابهم مجازاة اللَّه تعالى للمطيع على الطاعة وللعاصي على المعصية إيجابا عقليا على زعمهم. فهذه الحالة في إنكار الشفاعة نتيجة تلك الضلالة. وقد تقدم جواب عن التمسك بإطلاق مثل هذه الآية في نفى الشفاعة، ونعبده فنقول: أيام القيامة متعددة والشفاعة في بعضها ثابتة، فكل ما ورد مفهما لتفيها حمل على الأيام الخالية منها جمعا بين الأدلة، كما ورد قوله تعالى: (فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ) وورد (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ) وورد (فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ) وورد (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ) ولا تخلص في أمثال هذه الآي باتفاق إلا الحمل على تعدد أوقات القيامة واختلاف أحوالها وأيامها، وكذلك أمر الشفاعة سواء. رزقنا اللَّه الشفاعة وحشرنا في زمرة السنة والجماعة.]] لم تجدوا شفيعاً يشفع لكم في حط الواجبات، لأنّ الشفاعة ثمة في زيادة الفضل لا غير [[قوله «لأن الشفاعة ثمة في زيادة الفضل لا غير» هذا مذهب المعتزلة. وعند أهل السنة قد تكون في تخفيف العذاب أيضا. (ع)]] وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ أراد والتاركون الزكاة هم الظالمون، فقال (وَالْكافِرُونَ) للتغليظ، كما قال في آخر آية الحج (مَنْ كَفَرَ) مكان: ومن لم يحج، ولأنه جعل ترك الزكاة من صفات الكفار في قوله: (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ) وقرئ لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة، بالرفع.
البقرة 2:254
تِلْكَ الرُّسُلُ إشارة إلى جماعة الرسل التي ذكرت قصصها في السورة، أو التي ثبت علمها عند رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ لما أوجب ذلك من تفاضلهم في الحسنات مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ منهم من فضله اللَّه بأن كلمه من غير سفير وهو موسى عليه السلام.
وقرئ (كلم اللَّه) بالنصب. وقرأ اليماني: كالم اللَّه، من المكالمة، ويدل عليه قولهم: كليم اللَّه، بمعنى مكالمه وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ أى ومنهم من رفعه على سائر الأنبياء، فكان بعد تفاوتهم في الفضل أفضل منهم درجات كثيرة. والظاهر أنه أراد محمداً صلى اللَّه عليه وسلم [[قال محمود رحمه اللَّه: «والظاهر أنه أراد محمداً عليه الصلاة والسلام ... الخ» قال أحمد رحمه اللَّه: وإنما أوردت هذا الفصل من كلامه استحسانا له لفظاً ومعنى، وتبركا بإعطاء المصطفى عليه الصلاة والسلام من الفضل بعض حقه. وأصاب الزمخشري في قوله: حيث أوتى النبي عليه الصلاة والسلام من الفضل المنيف على سائر ما أوتيه الأنبياء، على الجميع الصلاة والسلام. وليس كما يقال عن بعض أهل العصر من تفضيل النبي عليه الصلاة والسلام على كل واحد واحد من آحاد الأنبياء. وينبغي الوقوف عن نسبته له، فانه من العلماء الأعلام وعمد دين الإسلام، والوجه التوريك بالغلط على النقلة عنه.]] لأنه هو المفضل عليهم، حيث أوتى ما لم يؤته أحد من الآيات المتكاثرة المرتقية إلى ألف آية أو أكثر. ولو لم يؤت إلا القرآن وحده لكفى به فضلا منفياً على سائر ما أوتى الأنبياء، لأنه المعجزة الباقية على وجه الدهر دون سائر المعجزات. وفي هذا الإبهام من تفخيم فضله وإعلاء قدره ما لا يخفى، لما فيه من الشهادة على أنه العلم الذي لا يشتبه، والمتميز الذي لا يلتبس. ويقال للرجل: من فعل هذا؟ فيقول: أحدكم أو بعضكم، يريد به الذي تعورف واشتهر بنحوه من الأفعال، فيكون أفخم من التصريح به وأنوه بصاحبه. وسئل الحطيئة عن أشعر الناس؟ فذكر زهيراً والنابغة ثم قال: ولو شئت لذكرت الثالث، أراد نفسه، ولو قال: ولو شئت لذكرت نفسي، لم يفخم أمره. ويجوز أن يريد: إبراهيم ومحمداً وغيرهما من أولى العزم من الرسل. وعن ابن عباس رضى اللَّه عنه: كنا في المسجد نتذاكر فضل الأنبياء، فذكرنا نوحا بطول عبادته، وإبراهيم بخلته، وموسى بتكليم اللَّه إياه، وعيسى برفعه إلى السماء، وقلنا: رسول اللَّه أفضل منهم، بعث إلى الناس كافة وغفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر وهو خاتم الأنبياء. فدخل عليه السلام فقال: فيم أنتم؟ فذكرنا له. فقال: لا ينبغي لأحد أن يكون خيراً من يحيى بن زكريا، فذكر أنه لم يعمل سيئة قط ولم يهمَّ بها [[أخرجه إسحاق بن راهويه: أخبرنا أبو عاصم العبادي أخبرنا على بن زيد بن جدعان عن يوسف بن مهران عنه به. ورواه البزار والطبراني وابن مردويه من حديث ابن عاصم العبادي به. وهو ضعيف وشيخه مجهول.]] . فإن قلت: فلمَ خصّ موسى وعيسى من بين الأنبياء بالذكر؟ قلت: لما أوتيا من الآيات العظيمة والمعجزات الباهرة. ولقد بين اللَّه وجه التفضيل حيث جعل التكليم من الفضل وهو آية من الآيات، فلما كان هذان النبيان قد أوتيا ما أوتيا من عظام الآيات خصا بالذكر في باب التفضيل. وهذا دليل بين أنّ من زيد تفضيلا بالآيات منهم فقد فضل على غيره. ولما كان نبينا صلى اللَّه عليه وسلم هو الذي أوتى منها ما لم يؤت أحد في كثرتها وعظمها. كان هو المشهود له بإحراز قصبات الفضل غير مدافع، اللهمّ ارزقنا شفاعته يوم الدين وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مشيئة إلجاء وقسر [[قوله «مشيئة إلجاء وقسر» يعنى أنه أراد عدم الاقتتال، لكن لا إرادة قسر، ولذلك تخلف المراد عنها، وهذا مذهب المعتزلة. وأما عند أهل السنة فليس هناك إرادة يتخلف عنها المراد، بل كل ما شاء اللَّه كان، وما لم يشأ لم يكن، كما بين في محله. (ع)]] مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ من بعد الرسل، لاختلافهم في الدين، وتشعب مذاهبهم، وتكفير بعضهم بعضا وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ لالتزامه دين الأنبياء وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ لإعراضه عنه وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا كرّره للتأكيد [[قال محمود رحمه اللَّه: «كرر ولو شاء اللَّه للتأكيد» قال أحمد رحمه اللَّه: ووراء التأكيد سر أخص منه، وهو أن العرب متى بنت أول كلامها على مقصد ثم اعترضها مقصد آخر وأرادت الرجوع إلى الأول، قصدت ذكره إما بتلك العبارة أو بقريب منها. وذلك عندهم مهيع من الفصاحة مسلوك، وطريق معتد. وكان جدي لأمى أبو العباس أحمد بن فارس الفقيه الوزير يعد في كتاب اللَّه تعالى مواضع في هذا المعنى: منها قوله تعالى: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً) ومنها قوله تعالى: (وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ) إلى قوله: (لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ) وهذه الآية من هذا النمط، لما صدر الكلام بأن اقتتالهم كان على وفق المشيئة. ثم طال الكلام، أو أريد بيان أن مشيئة اللَّه تعالى كما نفذت في هذا الأمر الخاص وهو اقتتال هؤلاء فهي ناقذة في كل فعل واقع، وهو المعنى المعبر عنه في قوله: (وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ) طرأ ذكر تعلق المشيئة بالاقتتال لتلوه عموم تعلق المشيئة لتناسب الكلام وتعرف كل بشكله. فهذا سر ينشرح لبيانه الصدر ويرتاح السر، واللَّه الموفق. وأى قدم يثبت للاعتزال قبالة هذا؟ لأنه الدائرة القاطعة لدابره، الكافلة بالرد على منتحله وناصره ولذلك جوزها الزمخشري لاغتناصها على تأويله، واعتصامها بالنصوصية من حيله ونحيله.]] وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ من الخذلان والعصمة أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ أراد الإنفاق الواجب لاتصال الوعيد به مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا تقدرون فيه على تدارك ما فاتكم من الإنفاق لأنه لا بَيْعٌ فِيهِ حتى تبتاعوا ما تنفقونه وَلا خُلَّةٌ حتى يسامحكم أخلاؤكم به. وإن أردتم أن يحط عنكم ما في ذمّتكم من الواجب [[قال محمود رحمه اللَّه: «ومعناه: إن أردتم أن يحط عنكم ما في ذمتكم ... الخ» قال أحمد رحمه اللَّه:
أما القدرية، فقد وطنوا أنفسهم على حرمان الشفاعة وهم جدير أن يحرموها. وأدلة أهل السنة على إثباتها للعصاة من المؤمنين أوسع من أن تحصى. وما أنكرها القدرية إلا لايجابهم مجازاة اللَّه تعالى للمطيع على الطاعة وللعاصي على المعصية إيجابا عقليا على زعمهم. فهذه الحالة في إنكار الشفاعة نتيجة تلك الضلالة. وقد تقدم جواب عن التمسك بإطلاق مثل هذه الآية في نفى الشفاعة، ونعبده فنقول: أيام القيامة متعددة والشفاعة في بعضها ثابتة، فكل ما ورد مفهما لتفيها حمل على الأيام الخالية منها جمعا بين الأدلة، كما ورد قوله تعالى: (فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ) وورد (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ) وورد (فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ) وورد (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ) ولا تخلص في أمثال هذه الآي باتفاق إلا الحمل على تعدد أوقات القيامة واختلاف أحوالها وأيامها، وكذلك أمر الشفاعة سواء. رزقنا اللَّه الشفاعة وحشرنا في زمرة السنة والجماعة.]] لم تجدوا شفيعاً يشفع لكم في حط الواجبات، لأنّ الشفاعة ثمة في زيادة الفضل لا غير [[قوله «لأن الشفاعة ثمة في زيادة الفضل لا غير» هذا مذهب المعتزلة. وعند أهل السنة قد تكون في تخفيف العذاب أيضا. (ع)]] وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ أراد والتاركون الزكاة هم الظالمون، فقال (وَالْكافِرُونَ) للتغليظ، كما قال في آخر آية الحج (مَنْ كَفَرَ) مكان: ومن لم يحج، ولأنه جعل ترك الزكاة من صفات الكفار في قوله: (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ) وقرئ لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة، بالرفع.
البقرة 2:255
الْحَيُّ الباقي الذي لا سبيل عليه للفناء، [[قوله «الحي الباقي الذي لا سبيل عليه ... الخ» المعتزلة يفرون من أن يثبتوا للَّه صفة وجودية كالحياة التي تنافى الموت فلذا فسر الحي بما قال. (ع)]] وهو على اصطلاح المتكلمين الذي يصح أن يعلم ويقدر. والْقَيُّومُ الدائم القيام بتدبير الخلق وحفظه. وقرئ: القيام، والقيم. والسنة: ما يتقدّم النوم من الفتور الذي يسمى النعاس. قال ابن الرقاع العاملي:
وَسْنَانُ أقْصَدَهُ النُّعَاسُ فَرَنَّقَتْ ... فِى عَيْنِهِ سِنَةٌ وَلَيْسَ بِنَائِمِ [[لولا الحياء وإن رأسى قد عثى ... فيه المشيب لزرت أم القاسم
وكأنها بين النساء أعارها ... عينيه أحور من جآذر جاسم
وسنان أقصده النعاس فرنقت ... في عينه سنة وليس بنائم
لعدي بن الرقاع في تشبيب مدح الوليد بن عبد الملك. وعن الأصمعى: أنه لأحمد بن الرقاع. وعثى يعثى كسعي يسعى، وعاث يعيث كعاش يعيش: سار على وجه الإفساد. وروى «عسى» بالسين أى ظهر وانتشر واشتد، فعسى هنا تامة لا ناقصة. وأم القاسم: كنية محبوبته. وبين النساء: أى دون النساء، وقد روى كذلك أيضا. و «أحور» فاعل «أعار» والحور: صفاء سواد العين وبياضها. والجآذر: جمع جؤذر وهو ولد الظبية. وجاسم: موضع بعينه. ووسنان: نعت أحور. وأقصدت الرجل: إذا طعنته فلم تخطئ مقتله، أى أصابه النعاس وهو ما يتقدم النوم من الفتور والغفلات. ورنق الماء: كدر. وترنق: تكدر. ورنقه وأرنقه: كدره ورنق الطائر ترنيقا، إذا وقف في الهواء صافا جناحه يريد الوقوع. فالمعنى: وقفت في عينه سنة. ويجوز أن المعنى: رنقت عينه سنة، أى كدرتها. وأقحم «في» لأنه جعل العين ظرفا للترنيق، وهذا يشعر بتشبيه العين بالماء في شدة الصفاء. والسنة من وسن فهو وسنان، فهي من باب عدة. وسبب النوم: ريح يقوم في أغشية الدماغ، فإذا وصل إلى العين فترت، وهذا هو الوسن، وإذا وصل إلى القلب وتمكن منه زال إدراك الحواس، وهذا هو النوم فلذلك نفاه مع إثبات السنة.]]
أى لا يأخذه نعاس ولا نوم وهو تأكيد للقيوم لأنّ من جاز عليه ذلك استحال أن يكون قيوما.
ومنه حديث موسى: أنه سأل الملائكة وكان ذلك من قومه كطلب الرؤية: أينام ربنا؟ فأوحى اللَّه إليهم أن يوقظوه ثلاثا ولا يتركوه ينام، ثم قال: خذ بيدك قارورتين مملوءتين. فأخذهما، وألقى اللَّه عليه النعاس فضرب إحداهما على الأخرى فانكسرتا، ثم أوحى إليه: قل لهؤلاء إنى أمسك السموات والأرض بقدرتي، فلو أخذنى نوم أو نعاس لزالتا [[قلت قوله «وذلك من قومه كطلب الرؤية» من كلام الزمخشري، أدرجه في الخبر. فقد رواه عبد الرزاق في تفسيره عن معمر عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى: (لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ) أن موسى سأل الملائكة: هل ينام اللَّه عز وجل؟ فذكره» وقد رواه أبو يعلى والطبري والدارقطني في الأفراد وابن مردويه والبيهقي في الصفات، كلهم من طريق إسحاق بن أبى إسرائيل عن هشام بن يوسف عن أمية بن سبل عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن أبى هريرة: سمعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يحكى عن موسى عليه السلام قال وقع في نفس موسى: هل ينام ربنا؟ فأرسل إليه ملكا فأرقه، ثم أعطاه قارورتين في كل يد قارورة، وأمره أن يختفظ بهما.
قال: فجعل ينام ويكاد يداه يلتقيان فيستيقظ فيحبس إحداهما على الأخرى حتى نام نومة. فاصطفقت يداه فانكسرت القارورتان. قال: ضرب اللَّه له مثلا: إن اللَّه لو كان ينام لم تستمسك السماء والأرض» ورواه البيهقي موقوفا وقال:
هذا هو الأشبه. وقال الدارقطني تفرد به الحاكم عن عكرمة وأمه عن الحكم وهشام عن أمية. وقال الخطيب:
رواه معمر عن الحكم عن عكرمة من قوله. ولم يذكر أبا هريرة. ولا النبي صلى اللَّه عليه وسلم. قلت: ورواية عبد الرزاق ترد عليه. لكنها موقوفة. وقد ذكره ابن الجوزي في العلل المتناهية وقال: يشبه أن يكون عكرمة تلقاه عن كتب اهل الكتاب. قال: وقد روى عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل في كتاب السنة له عن سعيد بن جبير «أن بنى إسرائيل قالوا لموسى عليه الصلاة والسلام: هل ينام ربنا، قال: وهذا هو الصحيح.]] مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ بيان لملكوته وكبريائه، وأن أحدا لا يتمالك أن يتكلم يوم القيامة إلا إذا أذن له في الكلام، كقوله تعالى (لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ ما كان قبلهم وما يكون بعدهم. والضمير لما في السموات والأرض لأنّ فيهم العقلاء، أو لما دل عليه مَنْ ذَا من الملائكة والأنبياء مِنْ عِلْمِهِ من معلوماته إِلَّا بِما شاءَ إلا بما علم. الكرسي: ما يجلس عليه، ولا يفضل عن مقعد القاعد. وفي قوله وَسِعَ كُرْسِيُّهُ أربعة أوجه [[قال محمود رحمه اللَّه: «وفي قوله تعالى «وسع كرسيه السموات والأرض» أربعة أوجه ... الخ» قال أحمد رحمه اللَّه: قوله في الوجه الأول أن ذلك تخييل للعظمة سوء أدب في الإطلاق وبعد في الإضرار، فان التخيل إنما يستعمل في الأباطيل وما ليست له حقيقة صدق، فان يكن معنى ما قاله صحيحا فقد أخطأ في التعبير عنه بعبارة موهمة لا مدخل لها في الأدب الشرعي، وسيأتى له أمثالها مما يوجب الأدب أن يجتنب.]] : أحدها أنّ كرسيه لم يضق عن السموات والأرض لبسطته وسعته، وما هو إلا تصوير لعظمته وتخييل فقط، ولا كرسي ثمة ولا قعود ولا قاعد، كقوله وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ من غير تصوّر قبضة وطىّ ويمين، وإنما هو تخييل لعظمة شأنه وتمثيل حسىّ. ألا ترى إلى قوله وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ. والثاني: وسع علمه وسمى العلم كرسيا تسمية بمكانه الذي هو كرسي العالم. والثالث: وسع ملكه تسمية بمكانه الذي هو كرسي الملك والرابع: ما روى أنه خلق كرسيا هو بين يدي العرش دونه السموات والأرض، وهو إلى العرش كأصغر شيء. وعن الحسن: الكرسي هو العرش وَلا يَؤُدُهُ ولا يثقله ولا يشق عليه حِفْظُهُما حفظ السموات والأرض وَهُوَ الْعَلِيُّ الشأن الْعَظِيمُ الملك والقدرة. فإن قلت: كيف ترتبت الجمل في آية الكرسي [[عاد كلامه قال: «فان قلت: كيف ترتبت الجمل في آية الكرسي وما بالها لم تعطف بالواو؟ قلت: لأنها كلها في حكم البيان والبيان متحد بالمبين فدخول الواو بينهما- كما تقول العرب- دخول بين العصا ولحائها، فالأولى بيان لقيامه بتدبير الخلق وكونه مهيمنا عليه غير ساه عنه، والثانية لكونه مالكا لتدبيره، والثالثة لكبرياء شأنه، والرابعة لاحاطته بأحوال الخلق، والخامسة لسعة علمه وتعلقه بالمعلومات كلها. وقد وردت آثار في تفضيلها. منها قوله عليه السلام «ما قرئت هذه الآية في دار إلا اجتنبتها الشياطين ثلاثين يوما، ولا يدخلها ساحر ولا ساحرة أربعين ليلة، يا على علمها ولدك وأهلك وجيرانك فما نزلت آية أعظم منها» وعن على رضى اللَّه عنه سمعت نبيكم على أعواد المنبر يقول «من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت، ولا يواظب عليها إلا صديق أو عابد. ومن قرأها إذا أخذ مضجعه أمنه اللَّه على نفسه وجاره وجار جاره والأبيات حوله» وتذاكر الصحابة أفضل ما في القرآن فقال على أين أنتم من آية الكرسي، ثم قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: «يا على، سيد البشر آدم، وسيد العرب محمد ولا فخر، وسيد الفرس سلمان، وسيد الروم صهيب، وسيد الحبشة بلال، وسيد الجبال طور سيناء، وسيد الأيام يوم الجمعة، وسيد الكلام القرآن، وسيد القرآن البقرة، وسيد البقرة آية الكرسي» . وإنما فضلت لما فضلت له سورة الإخلاص، من اشتمالها على توحيد اللَّه وتعظيمه وتمجيده وصفاته العظمى» قال أحمد: وكان جدي رحمة اللَّه عليه يقول: اشتملت آية الكرسي على ما لم تشتمل عليه آية من أسماء اللَّه عز وجل وذلك أنها مشتملة على سبعة عشر موضعا فيها اسم اللَّه تعالى، ظاهرا في بعضها ومستكنا في بعض، ويظهر لكثير من العادين منها ستة عشر إلا على بصير حاد البصيرة لدقة استخراجه. الأول اللَّه، الثاني هو، الثالث الحي، الرابع القيوم، الخامس ضمير لا تأخذه، السادس ضمير له، السابع ضمير عنده، الثامن ضمير إلا باذنه، التاسع ضمير يعلم، العاشر ضمير علمه، الحادي عشر ضمير شاء، الثاني عشر ضمير كرسيه، الثالث عشر ضمير ولا يؤده، الرابع عشر وهو، الخامس عشر العلى، السادس عشر العظيم. فهذه عدة الأسماء البينة. وأما الخفي فالضمير الذي اشتمل عليه المصدر في قوله: (حِفْظُهُما) فانه مصدر مضاف إلى المفعول، وهو الضمير البارز، ولا بد له من فاعل وهو اللَّه، ويظهر عند فك المصدر فيقول: ولا يؤده أن يحفظهما هو. وكان الشيخ أبو عبد اللَّه محمد بن أبى الفضل المرسى قد رام الزيادة على هذا العدد لما أخبرته به عن الجد رحمه اللَّه فقال: يمكن أن يعد ما في الآية من الأسماء المشتقة كل واحد منها بآيتين. لأن كل واحد يتحمل ضميراً ضرورة كونه مشتقا، وذلك الضمير إنما يعود إلى اللَّه تعالى، وهي باعتبار ظهورها اسم وقد اشتملت على آخر مضمر، فيكون جملة العدد على هذا النظر أحداً وعشرين اسما، وكنت قد أجريت معه في تعدد الزيادة المذكورة وجها لطيفاً، وهو أن الاسم المشتق لا يتحمل الضمير بعد صيرورته بالتسمية علما على الأصح، وهذه الصفات كلها أسماء اللَّه تعالى، ثم ولو فرضناها متحملة للضمائر بعد التسمية على سبيل التنزيل، فالمشتق إنما يقع على موصوفه باعتبار تحمله ضميره. ألا تراك إذا قلت:
زيد كريم، وجدت «كريماً» إنما يقع على زيد، لأن فيه ضميره، حتى لو جردت النظر إليه لم تجده مختصا بزيد، بل لك أن توقعه على كل موصوف بالكرم من الناس، ولا تجده مختصا بزيد إلا باعتبار اشتماله على ضميره، فليس المشتق إذاً مستقلا بوقوعه على موصوفه إلا بضميمة الضمير إليه، فلا يمكن أن يجعل له حكم الانفراد عن الضمير مع الحكم برجوعه إلى معين ألبتة، فرضي الشيخ المذكور عن هذا البحث وصوبه واللَّه الموفق للصواب.]] من غير حرف عطف؟ قلت: ما منها جملة إلا وهي واردة على سبيل البيان لما ترتبت عليه والبيان متحد بالمبين، فلو توسط بينهما عاطف لكان كما تقول العرب: بين العصا [[قوله «بين العصا ولحائها» في الصحاح: اللحاء- ممدود- قشر الشجر. وفي المثل: لا تدخل بين العصا ولحائها. (ع)]] ولحائها، فالأولى بيان لقيامه بتدبير الخلق وكونه مهيمنا عليه غير ساه عنه. والثانية لكونه مالكا لما يدبره. والثالثة لكبرياء شأنه. والرابعة لإحاطته بأحوال الخلق، وعلمه بالمرتضى منهم المستوجب للشفاعة، وغير المرتضى. والخامسة لسعة علمه وتعلقه بالمعلومات كلها، أو لجلاله وعظم قدره. فان قلت: لم فضلت هذه الآية حتى ورد في فضلها ما ورد منه قوله صلى اللَّه عليه وسلم:
ما قرئت هذه الآية في دار إلا اهتجرتها الشياطين ثلاثين يوما ولا يدخلها ساحر ولا ساحرة أربعين ليلة، يا علىّ علمها ولدك وأهلك وجيرانك، فما نزلت آية أعظم منها [[لم أجده.]] وعن علىّ رضى اللَّه عنه:
سمعت نبيكم صلى اللَّه عليه وسلم على أعواد المنبر وهو يقول: «من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت، ولا يواظب عليها إلا صدّيق أو عابد، ومن قرأها إذا أخذ مضجعه أمّنه اللَّه على نفسه وجاره وجار جاره والأبيات حوله [[أخرجه البيهقي في الشعب من طريق ابن إسحاق عن حبة بن جوين العرفي» سمعت على بن أبى طالب يقول:
فذكره دون قوله «ولا يواظب عليها إلا صديق أو عابد» : وذكر ما بعده. وفي إسناده نهشل بن سعيد وهو متروك. وكذلك حبة العرفي، وأخرجه أيضا من حديث أنس بلفظ «من قرأ في دبر كل صلاة مكتوبة آية الكرسي حفظ إلى الصلاة، ولا يحافظ عليها إلا نبى أو صديق أو شهيد» وإسناده ضعيف وصدر الحديث أخرجه النسائي وابن حبان، من حديث أبى أمامة، وإسناده صحيح، وله شاهد عن المغيرة بن شعبة عند أبى نعيم في الحلية من رواية محمد بن كعب القرظي عنه، وغفل ابن الجوزي فأخرجه في الموضوعات.]] وتذاكر الصحابة رضوان اللَّه عليهم أفضل ما في القرآن، فقال لهم علىّ رضى اللَّه عنه: أين أنتم عن آية الكرسي، ثم قال: قال لي رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم «يا علىّ، سيد البشر آدم، وسيد العرب محمد ولا فخر، وسيد الفرس سلمان، وسيد الروم صهيب، وسيد الحبشة بلال، وسيد الجبال الطور، وسيد الأيام يوم الجمعة، وسيد الكلام القرآن، وسيد القرآن البقرة، وسيد البقرة آية الكرسي [[لم أجده. وقد ذكره صاحب الفردوس ولم يخرجه ابنه.]] » قلت: لما فضلت له سورة الإخلاص لاشتمالها على توحيد اللَّه وتعظيمه وتمجيده وصفاته العظمى، ولا مذكور أعظم من رب العزة فما كان ذكراً له كان أفضل من سائر الأذكار. وبهذا يعلم أنّ أشرف العلوم وأعلاها منزلة عند اللَّه علم أهل العدل والتوحيد [[قوله «علم أهل العدل والتوحيد» المعتزلة سموا أنفسهم أهل العدل والتوحيد، وعلم التوحيد أشرف العلوم في نفسه لا بقيد إضافته إلى فرقة من أهله، اللهم إلا عند المتعصب. (ع)]] ولا يغرّنك عنه كثرة أعدائه:
ف إنَّ الْعَرَانِينَ تَلْقَاهَا مُحَسَّدَةً ... وَلَا تَرَى لِلِئَامِ النَّاسِ حُسَّادَا [[للمغيرة شاعر آل المهلب. وقيل للمهلبية: ما أكثر حسادكم فأنشدوه. والعرانين: الخيار الأشراف و «لن» لتوكيد النفي. ويروى: ولا ترى. ويروى: ما ترى. واللئيم: الخسيس، واللئام جمعه. وحساد- بضم الحاء- جمع حاسد. أى ليس للئيم الناس حاسداً، فهو من مقابلة الجمع بالجمع. وفتحها على أنه مفرد أبلغ من حيث المعنى، حيث نفى الواحد عن الجمع نفياً شمولياً.]]
البقرة 2:256
لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ أى لم يجر اللَّه أمر الإيمان على الإجبار والقسر، ولكن على التمكين والاختيار. ونحوه قوله تعالى وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ أى لو شاء لقسرهم على الإيمان ولكنه لم يفعل، وبنى الأمر على الاختيار قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ قد تميز الإيمان من الكفر بالدلائل الواضحة فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ فمن اختار الكفر بالشيطان أو الأصنام والإيمان باللَّه فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى من الحبل الوثيق المحكم، المأمون انفصامها، أى انقطاعها. وهذا تمثيل للمعلوم بالنظر، والاستدلال بالمشاهد المحسوس، حتى يتصوّره السامع كأنه ينظر إليه بعينه، فيحكم اعتقاده والتيقن به. وقيل: هو إخبار في معنى النهى، أى لا تتكرهوا في الدين. ثم قال بعضهم: هو منسوخ بقوله جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وقيل: هو في أهل الكتاب خاصة لأنهم حصنوا أنفسهم بأداء الجزية. وروى أنه كان لأنصارىّ من بنى سالم بن عوف ابنان فتنصرا قبل أن يبعث رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، ثم قدما المدينة فلزمهما أبوهما وقال: واللَّه لا أدعكما حتى تسلما، فأبيا، فاختصموا إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فقال الأنصارى: يا رسول اللَّه أيدخل بعضى النار وأنا أنظر؟ فنزلت، فخلاهما [[أخرجه الواحدي في أسبابه من قول مسروق، وكذلك البغوي، وقد أخرج الطبري من رواية أبى إسحاق عن محمد بن أبى محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: نزلت في رجل من الأنصار من بنى سالم بن عوف يقال له. الحصين: كان له ابنان نصرانيان وكان هو مسلما، فقال: يا رسول اللَّه، ألا أستكرههما فأنزل اللَّه تعالى: (لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ) ... الآية.]]
البقرة 2:257
اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا أى أرادوا أن يؤمنوا يلطف بهم حتى يخرجهم بلطفه وتأييده من الكفر إلى الإيمان. وَالَّذِينَ كَفَرُوا أى صمموا على الكفر أمرهم على عكس ذلك. أو اللَّه ولىّ المؤمنين يخرجهم من الشبه في الدين- إن وقعت لهم- بما يهديهم ويوفقهم له من حلها، حتى يخرجوا منها إلى نور اليقين وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الشياطين يُخْرِجُونَهُمْ من نور البينات التي تظهر لهم إلى ظلمات الشك والشبهة.
البقرة 2:258
أَلَمْ تَرَ تعجيب من محاجة نمروذ في اللَّه وكفره به أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ متعلق بحاج على وجهين [[قال محمود: «إن آتاه متعلق بحاج على وجهين ... الخ» قال أحمد: عفا اللَّه عنه، والوجهان قريبان من حيث المعنى، إلا أن بينهما في الصناعة فرقا، وهو إنما استعمل المصدر في الأول مفعولا من أجله، وفي الثاني ظرفا.
وقد وقعت المصادر ظروفا في مثل: خفوق النجم، ومقدم الحاج، وأمثال ذلك. وإنما وقعت محاجته بهذا الظرف لاشتماله على إيتاء الملك الحامل له على البطر، أو على وضع كفر النعمة فيه مكان شكرها. وهذان المعنيان هما المذكوران في الوجه الأول بعينهما فلهذا نبهت على أن الفرق بين الوجهين صناعى لا معنوي. واللَّه الموفق لمعانى كلامه.]] :
أحدهما حاجّ لأن آتاه اللَّه الملك، على معنى أن إيتاء الملك أبطره وأورثه الكبر والعتوّ فحاجّ لذلك، أو على أنه [[قوله «أو على أنه» لعله: أو على معنى أنه. (ع)]] وضع المحاجة في ربه موضع ما وجب عليه من الشكر على أن آتاه اللَّه الملك، فكأن المحاجة كانت لذلك، كما تقول: عاداني فلان لأنى أحسنت إليه، تريد أنه عكس ما كان يجب عليه من الموالاة لأجل الإحسان. ونحوه قوله تعالى: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ.
والثاني: حاجّ وقت أن آتاه اللَّه الملك. فان قلت: كيف جاز أن يؤتى اللَّه الملك الكافر؟ قلت: فيه قولان: آتاه ما غلب به وتسلط من المال والخدم والأتباع، وأما التغليب والتسليط فلا. وقيل:
ملكه امتحانا لعباده [[قال محمود: «فان قلت كيف جاز أن يؤتى اللَّه الملك الكافر؟ قلت: ذلك على وجهين: أحدهما آتاه ما غلب به وتسلط من المال والخدم والأتباع، فأما التغليب والتسليط فلا. الثاني أن يكون ملكه امتحانا لعباده» قال أحمد: السؤال مبنى وروده على قاعدة فاسدة، وهي اعتقاد وجوب مراعاة ما يتوهمه القدرية صلاحا أو أصلح على اللَّه تعالى في أفعاله، وكل ذلك من أصول القدرية التي اجتثها البرهان القاطع فما لها من قرار. وأما إيراد السؤال على صيغة: لم آتاه اللَّه الملك وهو كافر؟ أولم أفعل كذا وكذا؟ فجواب رده على الإطلاق في قوله تعالى: (لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ) لو سمع الصم البكم. واللَّه ولى التوفاق. (عاد كلامه) قال ومعنى قوله أنا أحيى وأميت:
أعفو عن القتل وأقتل، وكان الاعتراض عتيداً ولكن إبراهيم عليه السلام لما سمع جوابه الأحمق لم يحاجه فيه ولكنه انتقل إلى ما لا يقدر فيه على مثل ذلك ليبهته أول شيء، وهذا دليل على جواز الانتقال للمجادل من حجة إلى حجة» . قال أحمد: وقد التزم غير واحد من العلماء أن هذا الذي صدر من الخليل عليه الصلاة والسلام ليس بانتقال من الحجة، ولكن من المثال. وأما الحجة فهي استدلاله على ألوهية اللَّه تعالى بتعلق قدرته بما لا يجوز تعلق قدرة الحادث به، ثم هذا له أمثلة منها الأحياء والاماتة، ومنها: الإتيان بالشمس من المشرق. والعدول بعد قيام الحجة وتمهيد القاعدة من مثال إلى مثال ليس ببدع عند أهل الجدل واللَّه أعلم.]] . وإِذْ قالَ نصب بحاج أو بدل من آتاه إذ جعل بمعنى الوقت أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ يريد أعفو عن القتل [[قوله «يريد أعفو عن القتل» في الصحاح عفوت عن ذنبه إذا تركته ولم تعاقبه. وفيه: أعفنى من الخروج معك اى دعني منه. (ع)]] وأقتل. وكان الاعتراض عتيداً ولكن إبراهيم لما سمع جوابه الأحمق لم يحاجه فيه، ولكن انتقل إلى ما لا يقدر فيه على نحو ذلك الجواب ليبهته أول شيء.
وهذا دليل على جواز الانتقال للمجادل من حجة إلى حجة. وقرئ (فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ أى فغلب إبراهيم الكافر. وقرأ أبو حيوة: فبهت، بوزن قرب. وقيل: كانت هذه المحاجة حين كسر الأصنام وسجنه نمروذ، ثم أخرجه من السجن ليحرقه فقال له: من ربك الذي تدعو إليه؟ فقال: ربى الذي يحيى ويميت. أَوْ كَالَّذِي معناه: أو أرأيت مثل الذي مرَّ [[قال محمود: «معناه أو أرأيت مثل الذي مر ... الخ» قال أحمد: ومثل هذا النظم يحذف منه فعل الرؤية كثيراً، كقوله:
قال لها كلا أسرعى ... كاليوم مطلوباً ولا طالبا
يريد لم أر كاليوم فحذف الفعل وحرف النفي. والظاهر حمل الآية على الوجه الأول لوجود نظيره، واللَّه أعلم.]] فحذف لدلالة أَلَمْ تَرَ عليه لأنّ كلتيهما كلمة تعجيب. ويجوز أن يحمل على المعنى دون اللفظ، كأنه قيل: أرأيت كالذي حاج إبراهيم أو كالذي مرّ على قرية. والمارّ كان كافراً [[(عاد كلامه) قال والمار كان كافراً بالبعث وهو الظاهر لانتظامه مع نمروذ في سلك واحد. وقيل:
كان مؤمنا وهو عزير أو الخضر، وأراد أن يعاين الأحياء كما طلبه إبراهيم. وقوله يوما، بناه على الظن. روى أنه مات ضحى وبعث بعد مائة سنة قبل غيبوبة الشمس فقال- قيل النظر إلى الشمس- يوما، ثم التفت فرأى بقية منها فقال: أو بعض يوم، انتهى كلامه. قال أحمد: أما استدلال الزمخشري على أن المار كان كافراً بانتظامه مع نمروذ في سلك واحد، فمعارض بأنه نظمت قصته مع قصة إبراهيم عليه السلام في نسق واحد، فليس الاستدلال على كفره باقتران قصته مع قصة نمروذ، أولى من الاستدلال على إيمانه بانتظامها أيضاً مع قصة إبراهيم، إلا أن يقول إن قصة هذا المار معطوفة على قصة نمروذ عطف تشريك في الفعل، منطوقا به في الأولى ومحذوفا من الثانية، مدلولا عليه بذكره أولا، ولا كذلك عطف قصة إبراهيم فإنها مصدرة بالواو التي لا تدخل في كثير من أحوالها للتشريك، ولكن لتحسين النظم حتى تتوسط بين الجمل التي يعلم تعاطفها لذلك الغرض، ولا كذلك عطفها في قصة نمروذ، فانه بأو التي لا تستعمل إلا مشركة، إذ عطف التحسين اللفظي خاص بالواو فنقول: إذا انتهى الترجيح إلى هذا التدقيق فهو معارض بما بين قصة المار وقصة إبراهيم من التناسب المعنوي، لأن طلبتهما واحدة، إذ المار سأل معاينة الأحياء، وكذلك طلبة إبراهيم ثم التناسب المعنوي أرجح من التعلق بأمور لفظية ترد إلى أنحاء مختلفة ويؤيد القول بأن المار كان مؤمنا تحريه في قوله تعالى: (يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) فان ظاهره الاحتراز من التحريف في القول حتى لا يعبر عن جل اليوم باليوم حذراً من إبهام طلبته لجملة اليوم. ومثل هذا التحري لا يصدر عن معطل، واللَّه أعلم.
ولا يقال إنما صدر منه هذا التحري بعد أن حيي وآمن، لأنا نقول إنما آمن على القول بكفره بعد ظهور الآيات، يدل عليه قوله تعالى: (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) وأما التحري المذكور فكان أول القصة قبل الايمان وما قدرت هذا السؤال إلا لنكتة يذكرها الزمخشري الآن تشعر بايراده على الترجيح المذكور. ثم هذه الجرأة التي نقلها الزمخشري في خلال كلامه من أنه إنما قال: أو بعض يوم لما رأى بقية من الشمس لم يكن رآها أول كلامه فاستدرك الأمر، فيها نظر دقيق لم أقف عليه لأحد ممن أورد الحكاية في تفسيره. وذلك أن الأمر إذا كان على ما تضمنته، وكلام المار المذكور بنى أولا على الجزم بأنه لبث يوما ثم جزم آخراً أن لبثه إنما كان بعض يوم لرؤية بقية من الشمس، وكان مقتضى التعبير عن حاله أن يقول: بل بعض يوم، مضرباً عن جزمه الأول إلى جزمه الثاني، لأن «أو» إنما تدخل في الخبر إذا انبنى أوله على الجزم ثم عرض في آخره شك، ولا جزم بالنقيض، فالحكاية المذكورة توجب أن يكون الموضع ل «بل» لا ل «أو» إذ موضع «بل» جزم بنقيض الأول، فإذا استقر ذلك فالظاهر من حال المار أنه كان أولا جازما ثم شك لا غير اتباعا لمقتضى الآية، وعدولا عن الحكاية التي لا تثبت إلا بإسناد قاطع، فيضطر إلى تأويل، فتأمل هذا النظر فانه من لطيف النكت، واللَّه الموفق.]] بالبعث، وهو الظاهر لانتظامه مع نمروذ في سلك ولكلمة الاستبعاد التي هي: أنى يحيى. وقيل هو عزيز أو الخضر، أراد أن يعاين إحياء الموتى ليزداد بصيرة كما طلبه إبراهيم عليه السلام. وقوله: أَنَّى يُحْيِي اعتراف بالعجز عن معرفة طريقة الإحياء، واستعظام لقدرة المحيي. والقرية: بيت المقدس حين خربه بخت نصر. وقيل: هي التي خرج منها الألوف وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها تفسيره فيما بعد. يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ بناء على الظن.
روى أنه مات ضحى وبعث بعد مائة سنة قبل غيبوبة الشمس، فقال قبل النظر إلى الشمس: يوماً، ثم التفت فرأى بقية من الشمس فقال: أو بعض يوم. وروى أن طعامه كان تينا وعنبا. وشرابه عصيراً أو لبنا، فوجد التين والعنب كما جنيا، والشراب على حاله لَمْ يَتَسَنَّهْ لم يتغير، والهاء أصلية أو هاء سكت. واشتقاقه من السنة على الوجهين، لأن لامها هاء أو واو، وذلك أن الشيء يتغير بمرور الزمان. وقيل: أصله يتسنن، من الحمأ المسنون، فقلبت نونه حرف علة، كتقضى البازي. ويجوز أن يكون معنى (لَمْ يَتَسَنَّهْ) لم تمرّ عليه السنون التي مرت عليه، يعنى هو بحاله كما كان كأنه لم يلبث مائة سنة. وفي قراءة عبد اللَّه: فانظر إلى طعامك وهذا شرابك لم يتسن. وقرأ أبىّ: لم يسنه، بإدغام التاء في السين وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ كيف تفرّقت عظامه ونخرت، وكان له حمار قد ربطه. ويجوز أن يراد: وانظر إليه سالما في مكانه كما ربطته، وذلك من أعظم الآيات أن يعيشه مائة عام من غير علف ولا ماء، كما حفظ طعامه وشرابه من التغير وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ فعلنا ذلك يريد إحياءه بعد الموت وحفظ ما معه. وقيل: أتى قومه راكب حماره وقال: أنا عزير، فكذبوه، فقال: هاتوا التوراة فأخذ يهذها هذًّا [[قوله «فأخذ يهذها» أى يسرع بها. أفاده الصحاح. (ع)]] عن ظهر قلبه وهم ينظرون في الكتاب، فما خرم حرفا، فقالوا: هو ابن اللَّه. ولم يقرأ التوراة ظاهراً أحد قبل عزير، فذلك كونه آية. وقيل: رجع إلى منزله فرأى أولاده شيوخا وهو شاب، فإذا حدّثهم بحديث قالوا: حديث مائة سنة وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ هي عظام الحمار أو عظام الموتى الذين تعجب من إحيائهم كَيْفَ نُنْشِزُها كيف نحييها. وقرأ الحسن: ننشرها، من نشر اللَّه الموتى، بمعنى: أنشرهم فنشروا، وقرئ بالزاي، بمعنى تحرّكها ونرفع بعضها إلى بعض للتركيب.
وفاعل تَبَيَّنَ مضمر تقديره: فلما تبين له أن اللَّه على كل شيء قدير قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فحذف الأول لدلالة الثاني عليه، كما في قولهم: ضربني وضربت زيداً. ويجوز: فلما تبين له ما أشكل عليه، يعنى أمر إحياء الموتى. وقرأ ابن عباس رضى اللَّه عنهما: فلما تبين له على البناء للمفعول. وقرئ: قال اعلم، على لفظ الأمر: وقرأ عبد اللَّه: قيل اعلم. فإن قلت: فإن كان المارّ كافراً فكيف يسوغ أن يكلمه اللَّه؟ [[(عاد كلامه) قال: «فان قلت إذا كان المار كافراً ... الخ» قال أحمد: وهذا سؤال عجيب، والجواب عنه أعجب منه، ومن سلم لهذا السائل أن اللَّه تعالى لا يسوغ أن يكلم الكافر؟ وهل هذا إلا خطب بلا أصل؟
أليس أن إبليس رأس الكفر ومعدنه ومع هذا قال اللَّه تعالى: (فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ... ) إلى آخر الآية ويقول تعالى للكفار وهم بين أطباقها يعذبون (اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ) ولأن هذا الأمر متيقن وقوعه فضلا عن جوازه أول العلماء قوله تعالى: (وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ) بمعنى ولا يكلمهم بما يسرهم وينفعهم. هذا وجه تعجبي من السؤال. وأما الجواب فقد أسلفت آنفا رده بأن إيمان هذا المار على القول بأنه كان كافراً إنما حصل في آخر القصة بعد أن تبينت له الآيات. وأما كلام اللَّه تعالى فمن أول القصة. قلت: الزمخشري كفانا مؤنة هذا الفضل سؤالا وجواباً واللَّه المستعان.]] قلت: كان الكلام بعد البعث ولم يكن إذ ذاك كافراً.
البقرة 2:259
أَلَمْ تَرَ تعجيب من محاجة نمروذ في اللَّه وكفره به أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ متعلق بحاج على وجهين [[قال محمود: «إن آتاه متعلق بحاج على وجهين ... الخ» قال أحمد: عفا اللَّه عنه، والوجهان قريبان من حيث المعنى، إلا أن بينهما في الصناعة فرقا، وهو إنما استعمل المصدر في الأول مفعولا من أجله، وفي الثاني ظرفا.
وقد وقعت المصادر ظروفا في مثل: خفوق النجم، ومقدم الحاج، وأمثال ذلك. وإنما وقعت محاجته بهذا الظرف لاشتماله على إيتاء الملك الحامل له على البطر، أو على وضع كفر النعمة فيه مكان شكرها. وهذان المعنيان هما المذكوران في الوجه الأول بعينهما فلهذا نبهت على أن الفرق بين الوجهين صناعى لا معنوي. واللَّه الموفق لمعانى كلامه.]] :
أحدهما حاجّ لأن آتاه اللَّه الملك، على معنى أن إيتاء الملك أبطره وأورثه الكبر والعتوّ فحاجّ لذلك، أو على أنه [[قوله «أو على أنه» لعله: أو على معنى أنه. (ع)]] وضع المحاجة في ربه موضع ما وجب عليه من الشكر على أن آتاه اللَّه الملك، فكأن المحاجة كانت لذلك، كما تقول: عاداني فلان لأنى أحسنت إليه، تريد أنه عكس ما كان يجب عليه من الموالاة لأجل الإحسان. ونحوه قوله تعالى: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ.
والثاني: حاجّ وقت أن آتاه اللَّه الملك. فان قلت: كيف جاز أن يؤتى اللَّه الملك الكافر؟ قلت: فيه قولان: آتاه ما غلب به وتسلط من المال والخدم والأتباع، وأما التغليب والتسليط فلا. وقيل:
ملكه امتحانا لعباده [[قال محمود: «فان قلت كيف جاز أن يؤتى اللَّه الملك الكافر؟ قلت: ذلك على وجهين: أحدهما آتاه ما غلب به وتسلط من المال والخدم والأتباع، فأما التغليب والتسليط فلا. الثاني أن يكون ملكه امتحانا لعباده» قال أحمد: السؤال مبنى وروده على قاعدة فاسدة، وهي اعتقاد وجوب مراعاة ما يتوهمه القدرية صلاحا أو أصلح على اللَّه تعالى في أفعاله، وكل ذلك من أصول القدرية التي اجتثها البرهان القاطع فما لها من قرار. وأما إيراد السؤال على صيغة: لم آتاه اللَّه الملك وهو كافر؟ أولم أفعل كذا وكذا؟ فجواب رده على الإطلاق في قوله تعالى: (لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ) لو سمع الصم البكم. واللَّه ولى التوفاق. (عاد كلامه) قال ومعنى قوله أنا أحيى وأميت:
أعفو عن القتل وأقتل، وكان الاعتراض عتيداً ولكن إبراهيم عليه السلام لما سمع جوابه الأحمق لم يحاجه فيه ولكنه انتقل إلى ما لا يقدر فيه على مثل ذلك ليبهته أول شيء، وهذا دليل على جواز الانتقال للمجادل من حجة إلى حجة» . قال أحمد: وقد التزم غير واحد من العلماء أن هذا الذي صدر من الخليل عليه الصلاة والسلام ليس بانتقال من الحجة، ولكن من المثال. وأما الحجة فهي استدلاله على ألوهية اللَّه تعالى بتعلق قدرته بما لا يجوز تعلق قدرة الحادث به، ثم هذا له أمثلة منها الأحياء والاماتة، ومنها: الإتيان بالشمس من المشرق. والعدول بعد قيام الحجة وتمهيد القاعدة من مثال إلى مثال ليس ببدع عند أهل الجدل واللَّه أعلم.]] . وإِذْ قالَ نصب بحاج أو بدل من آتاه إذ جعل بمعنى الوقت أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ يريد أعفو عن القتل [[قوله «يريد أعفو عن القتل» في الصحاح عفوت عن ذنبه إذا تركته ولم تعاقبه. وفيه: أعفنى من الخروج معك اى دعني منه. (ع)]] وأقتل. وكان الاعتراض عتيداً ولكن إبراهيم لما سمع جوابه الأحمق لم يحاجه فيه، ولكن انتقل إلى ما لا يقدر فيه على نحو ذلك الجواب ليبهته أول شيء.
وهذا دليل على جواز الانتقال للمجادل من حجة إلى حجة. وقرئ (فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ أى فغلب إبراهيم الكافر. وقرأ أبو حيوة: فبهت، بوزن قرب. وقيل: كانت هذه المحاجة حين كسر الأصنام وسجنه نمروذ، ثم أخرجه من السجن ليحرقه فقال له: من ربك الذي تدعو إليه؟ فقال: ربى الذي يحيى ويميت. أَوْ كَالَّذِي معناه: أو أرأيت مثل الذي مرَّ [[قال محمود: «معناه أو أرأيت مثل الذي مر ... الخ» قال أحمد: ومثل هذا النظم يحذف منه فعل الرؤية كثيراً، كقوله:
قال لها كلا أسرعى ... كاليوم مطلوباً ولا طالبا
يريد لم أر كاليوم فحذف الفعل وحرف النفي. والظاهر حمل الآية على الوجه الأول لوجود نظيره، واللَّه أعلم.]] فحذف لدلالة أَلَمْ تَرَ عليه لأنّ كلتيهما كلمة تعجيب. ويجوز أن يحمل على المعنى دون اللفظ، كأنه قيل: أرأيت كالذي حاج إبراهيم أو كالذي مرّ على قرية. والمارّ كان كافراً [[(عاد كلامه) قال والمار كان كافراً بالبعث وهو الظاهر لانتظامه مع نمروذ في سلك واحد. وقيل:
كان مؤمنا وهو عزير أو الخضر، وأراد أن يعاين الأحياء كما طلبه إبراهيم. وقوله يوما، بناه على الظن. روى أنه مات ضحى وبعث بعد مائة سنة قبل غيبوبة الشمس فقال- قيل النظر إلى الشمس- يوما، ثم التفت فرأى بقية منها فقال: أو بعض يوم، انتهى كلامه. قال أحمد: أما استدلال الزمخشري على أن المار كان كافراً بانتظامه مع نمروذ في سلك واحد، فمعارض بأنه نظمت قصته مع قصة إبراهيم عليه السلام في نسق واحد، فليس الاستدلال على كفره باقتران قصته مع قصة نمروذ، أولى من الاستدلال على إيمانه بانتظامها أيضاً مع قصة إبراهيم، إلا أن يقول إن قصة هذا المار معطوفة على قصة نمروذ عطف تشريك في الفعل، منطوقا به في الأولى ومحذوفا من الثانية، مدلولا عليه بذكره أولا، ولا كذلك عطف قصة إبراهيم فإنها مصدرة بالواو التي لا تدخل في كثير من أحوالها للتشريك، ولكن لتحسين النظم حتى تتوسط بين الجمل التي يعلم تعاطفها لذلك الغرض، ولا كذلك عطفها في قصة نمروذ، فانه بأو التي لا تستعمل إلا مشركة، إذ عطف التحسين اللفظي خاص بالواو فنقول: إذا انتهى الترجيح إلى هذا التدقيق فهو معارض بما بين قصة المار وقصة إبراهيم من التناسب المعنوي، لأن طلبتهما واحدة، إذ المار سأل معاينة الأحياء، وكذلك طلبة إبراهيم ثم التناسب المعنوي أرجح من التعلق بأمور لفظية ترد إلى أنحاء مختلفة ويؤيد القول بأن المار كان مؤمنا تحريه في قوله تعالى: (يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) فان ظاهره الاحتراز من التحريف في القول حتى لا يعبر عن جل اليوم باليوم حذراً من إبهام طلبته لجملة اليوم. ومثل هذا التحري لا يصدر عن معطل، واللَّه أعلم.
ولا يقال إنما صدر منه هذا التحري بعد أن حيي وآمن، لأنا نقول إنما آمن على القول بكفره بعد ظهور الآيات، يدل عليه قوله تعالى: (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) وأما التحري المذكور فكان أول القصة قبل الايمان وما قدرت هذا السؤال إلا لنكتة يذكرها الزمخشري الآن تشعر بايراده على الترجيح المذكور. ثم هذه الجرأة التي نقلها الزمخشري في خلال كلامه من أنه إنما قال: أو بعض يوم لما رأى بقية من الشمس لم يكن رآها أول كلامه فاستدرك الأمر، فيها نظر دقيق لم أقف عليه لأحد ممن أورد الحكاية في تفسيره. وذلك أن الأمر إذا كان على ما تضمنته، وكلام المار المذكور بنى أولا على الجزم بأنه لبث يوما ثم جزم آخراً أن لبثه إنما كان بعض يوم لرؤية بقية من الشمس، وكان مقتضى التعبير عن حاله أن يقول: بل بعض يوم، مضرباً عن جزمه الأول إلى جزمه الثاني، لأن «أو» إنما تدخل في الخبر إذا انبنى أوله على الجزم ثم عرض في آخره شك، ولا جزم بالنقيض، فالحكاية المذكورة توجب أن يكون الموضع ل «بل» لا ل «أو» إذ موضع «بل» جزم بنقيض الأول، فإذا استقر ذلك فالظاهر من حال المار أنه كان أولا جازما ثم شك لا غير اتباعا لمقتضى الآية، وعدولا عن الحكاية التي لا تثبت إلا بإسناد قاطع، فيضطر إلى تأويل، فتأمل هذا النظر فانه من لطيف النكت، واللَّه الموفق.]] بالبعث، وهو الظاهر لانتظامه مع نمروذ في سلك ولكلمة الاستبعاد التي هي: أنى يحيى. وقيل هو عزيز أو الخضر، أراد أن يعاين إحياء الموتى ليزداد بصيرة كما طلبه إبراهيم عليه السلام. وقوله: أَنَّى يُحْيِي اعتراف بالعجز عن معرفة طريقة الإحياء، واستعظام لقدرة المحيي. والقرية: بيت المقدس حين خربه بخت نصر. وقيل: هي التي خرج منها الألوف وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها تفسيره فيما بعد. يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ بناء على الظن.
روى أنه مات ضحى وبعث بعد مائة سنة قبل غيبوبة الشمس، فقال قبل النظر إلى الشمس: يوماً، ثم التفت فرأى بقية من الشمس فقال: أو بعض يوم. وروى أن طعامه كان تينا وعنبا. وشرابه عصيراً أو لبنا، فوجد التين والعنب كما جنيا، والشراب على حاله لَمْ يَتَسَنَّهْ لم يتغير، والهاء أصلية أو هاء سكت. واشتقاقه من السنة على الوجهين، لأن لامها هاء أو واو، وذلك أن الشيء يتغير بمرور الزمان. وقيل: أصله يتسنن، من الحمأ المسنون، فقلبت نونه حرف علة، كتقضى البازي. ويجوز أن يكون معنى (لَمْ يَتَسَنَّهْ) لم تمرّ عليه السنون التي مرت عليه، يعنى هو بحاله كما كان كأنه لم يلبث مائة سنة. وفي قراءة عبد اللَّه: فانظر إلى طعامك وهذا شرابك لم يتسن. وقرأ أبىّ: لم يسنه، بإدغام التاء في السين وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ كيف تفرّقت عظامه ونخرت، وكان له حمار قد ربطه. ويجوز أن يراد: وانظر إليه سالما في مكانه كما ربطته، وذلك من أعظم الآيات أن يعيشه مائة عام من غير علف ولا ماء، كما حفظ طعامه وشرابه من التغير وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ فعلنا ذلك يريد إحياءه بعد الموت وحفظ ما معه. وقيل: أتى قومه راكب حماره وقال: أنا عزير، فكذبوه، فقال: هاتوا التوراة فأخذ يهذها هذًّا [[قوله «فأخذ يهذها» أى يسرع بها. أفاده الصحاح. (ع)]] عن ظهر قلبه وهم ينظرون في الكتاب، فما خرم حرفا، فقالوا: هو ابن اللَّه. ولم يقرأ التوراة ظاهراً أحد قبل عزير، فذلك كونه آية. وقيل: رجع إلى منزله فرأى أولاده شيوخا وهو شاب، فإذا حدّثهم بحديث قالوا: حديث مائة سنة وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ هي عظام الحمار أو عظام الموتى الذين تعجب من إحيائهم كَيْفَ نُنْشِزُها كيف نحييها. وقرأ الحسن: ننشرها، من نشر اللَّه الموتى، بمعنى: أنشرهم فنشروا، وقرئ بالزاي، بمعنى تحرّكها ونرفع بعضها إلى بعض للتركيب.
وفاعل تَبَيَّنَ مضمر تقديره: فلما تبين له أن اللَّه على كل شيء قدير قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فحذف الأول لدلالة الثاني عليه، كما في قولهم: ضربني وضربت زيداً. ويجوز: فلما تبين له ما أشكل عليه، يعنى أمر إحياء الموتى. وقرأ ابن عباس رضى اللَّه عنهما: فلما تبين له على البناء للمفعول. وقرئ: قال اعلم، على لفظ الأمر: وقرأ عبد اللَّه: قيل اعلم. فإن قلت: فإن كان المارّ كافراً فكيف يسوغ أن يكلمه اللَّه؟ [[(عاد كلامه) قال: «فان قلت إذا كان المار كافراً ... الخ» قال أحمد: وهذا سؤال عجيب، والجواب عنه أعجب منه، ومن سلم لهذا السائل أن اللَّه تعالى لا يسوغ أن يكلم الكافر؟ وهل هذا إلا خطب بلا أصل؟
أليس أن إبليس رأس الكفر ومعدنه ومع هذا قال اللَّه تعالى: (فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ... ) إلى آخر الآية ويقول تعالى للكفار وهم بين أطباقها يعذبون (اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ) ولأن هذا الأمر متيقن وقوعه فضلا عن جوازه أول العلماء قوله تعالى: (وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ) بمعنى ولا يكلمهم بما يسرهم وينفعهم. هذا وجه تعجبي من السؤال. وأما الجواب فقد أسلفت آنفا رده بأن إيمان هذا المار على القول بأنه كان كافراً إنما حصل في آخر القصة بعد أن تبينت له الآيات. وأما كلام اللَّه تعالى فمن أول القصة. قلت: الزمخشري كفانا مؤنة هذا الفضل سؤالا وجواباً واللَّه المستعان.]] قلت: كان الكلام بعد البعث ولم يكن إذ ذاك كافراً.
البقرة 2:260
أَرِنِي بصرني، فإن قلت: كيف قال له أَوَلَمْ تُؤْمِنْ وقد علم أنه أثبت الناس إيمانا [[قال محمود: «إن قلت كيف قال له (أَوَلَمْ تُؤْمِنْ) وقد علم ... الخ» ؟ قال أحمد: الأولى في هذه الآية أن يذكر فيها المختار في تفسيرها من الممتحنة بالفكر المحرر، والنكت المفصحة بالرأى المخمر فما وافق من كلام المصنف ما يذكره فالحمد للَّه، وما خالفه فالحق فيما ذكرناه واللَّه الموفق. فنقول: أما سؤال الخليل عليه السلام بقوله له (كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى) فليس عن شك والعياذ باللَّه في قدرة اللَّه عن الأحياء، ولكنه سؤال عن كيفية الأحياء، ولا يشترط في الايمان الاحاطة بصورتها، فإنما هي طلب علم ما لا يتوقف الايمان على علمه، ويدل على ذلك ورود السؤال بصيغة كيف، وموضوعها السؤال عن الحال، ونظير هذا السؤال أن يقول القائل: كيف يحكم زيد في الناس؟
فهو لا يشك أنه يحكم فيهم، ولكنه سأل عن كيفية حكمه لا ثبوته، ولو كان الوهم قد يتلاعب ببعض الخواطر فيطرق إلى إبراهيم شكا من هذه الآية. وقد قطع النبي عليه الصلاة والسلام دابر هذا الوهم بقوله «نحن أحق بالشك من إبراهيم» أى ونحن لم نشك، فلأن لا يشك إبراهيم أحرى وأولى. فان قلت: إذا كان السؤال مصروفا إلى الكيفية التي لا يضر عدم تصورها ومشاهدتها بالايمان ولا تخل به، فما موقع قوله تعالى: (أَوَلَمْ تُؤْمِنْ) ؟ قلت:
قد وقعت لبعض الحذاق فيه على لطيفة وهي أن هذه الصيغة تستعمل ظاهراً في السؤال عن الكيفية كما مر، وقد تستعمل في الاستعجاز. مثاله: أن يدعى مدع أنه يحمل ثقلا من الأثقال وأنت جازم بعجزه عن حمله، فتقول له:
أرنى كيف محمل هذا، فلما كانت هذه الصيغة قد يعرض لها هذا الاستعمال الذي أحاط علم اللَّه تعالى بأن ابراهيم مبرأ منه، أراد بقوله: (أَوَلَمْ تُؤْمِنْ) أن ينطق إبراهيم بقوله: بلى آمنت، ليدفع عنه ذلك الاحتمال اللفظي في العبارة الأولى: ليكون إيمانه مخلصاً نص عليه بعبارة يفهمها كل من يسمعها فهما لا يلحقه فيه شك. فان قلت: قد تبين لي وجه الربط بين الكلام على التقدير المبين، فما موقع قول إبراهيم (وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) وذلك يشعر ظاهراً بأنه كان عند السؤال فاقداً للطمأنينة؟ قلت: معناه ولكن ليزول عن قلبي الفكر في كيفية الحياة، لأنى إذا شاهدتها سكن قلبي عن الجولان في كيفياتها المتخيلة، وتعينت عندي بالتصوير المشاهد وجاءت الآية مطابقة لسؤاله، لأنه شاهد صورة حياة الموتى، تقديره: الذي يحيى ويميت، فهذا أحسن ما يجرى لي في تفسير هذه الآية وربك الفتاح العليم. وأما قول الزمخشري: «إن علم الاستدلال يتطرق إليه التشكيك بخلاف العلم الضروري» فكلام لم يصدر عن رأى منور ولا فكر محرر، وذلك أن العلم الموقوف عن سبب لا يتصور فيه تشكيك، ما دام سببه مذكوراً في نفس العالم، وإنما الذي يقبل التشكيك قبولا مطلقا هو الاعتقاد وإن كان صحيحاً وسببه باق في الذكر، وبهذا ينحط الاعتقاد الصحيح عن ذروة العلم، ولكن للقدماء من القدرية خبط طويل في تميز العلم عن الاعتقاد، حتى غالى أبو هاشم فقال العلم بالشيء والجهل به مثلان. وهذا على الحقيقة جهل حتى لحقيقة الجهل، والزمخشري في قواعد العقائد يقفو آثار هذا القائل أية سلك فلعله من ثم طرق إلى العلم النظري الشك حسب تطرقه إلى الاعتقاد الذي يكون مرة جهلا ومرة مطابقا، واللَّه الموفق.]] ؟ قلت: ليجيب بما أجاب به لما فيه من الفائدة الجليلة للسامعين. وبَلى إيجاب لما بعد النفي، معناه بلى آمنت وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ليزيد سكونا وطمأنينة بمضامة علم الضرورة علم الاستدلال وتظاهر الأدلة أسكن للقلوب وأزيد للبصيرة واليقين، ولأن علم الاستدلال يجوز معه التشكيك بخلاف العلم الضروري، فأراد بطمأنينة القلب العلم الذي لا مجال فيه للتشكيك. فإن قلت: بم تعلقت اللام في: (لِيَطْمَئِنَّ) ؟ قلت: بمحذوف تقديره: ولكن سألت ذلك إرادة طمأنينة القلب فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ قيل طاوسا وديكا وغرابا وحمامة فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ) بضم الصاد وكسرها بمعنى فأملهنّ واضممهنّ إليك قال:
وَلَكِنَّ أطْرَافَ الرِّماحِ تَصُورُهَا [[وما صيد الأعناق فيهم جبلة ... ولكن أطراف الرماح تصورها
الصير- بالتحريك- اعوجاج العنق. ويقال صاره يصوره ويصيره، بمعنى أماله وقطعه. أى ليس ميل الأعناق طبيعة فيهم ولكن أطراف الرماح لكثرتها فوق رؤسهم تميل أعناقهم. وإسناد الامالة للأطراف مجاز عقلى من الاسناد للسبب. ويجوز أن «فيهم» حال من الصيد لا من جبلة، أى حال كونه فيهم.]]
وقال:
وَفَرْعٍ يَصيرُ الْجِيدَ وَحْفٍ كَأنَّهُ ... عَلَى اللَّيْتِ قِنْوَانُ الْكُرُومِ الدَّوَالِحِ [[صاره يصيره ويصوره، إذا أماله أو قطعه: وروى: يزين الجيد. والجيد: العنق: والوحف: الكثيف الأسود. والليت: صفحة العنق. والدوالح: المثقلات بالحمل، يصف شعر محبوبته بأنه يميل عنقها لثقله عليه، وشبه غدائره على جانب جيدها بعناقيد الكروم المثقلات بالحمل.]] وقرأ ابن عباس رضى اللَّه عنه (فصرّهن) بضم الصاد وكسرها وتشديد الراء، من صره يصره ويصره إذا جمعه، نحو ضره ويضره ويضره. وعنه (فَصُرْهُنَّ) من التصرية وهي الجمع أيضاً ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً يريد: ثم جزئهن وفرق أجزاءهن على الجبال. والمعنى:
على كل جبل من الجبال التي بحضرتك وفي أرضك. وقيل: كانت أربعة أجبل. وعن السدّى:
سبعة ثُمَّ ادْعُهُنَّ وقل لهن: تعالين بإذن اللَّه يَأْتِينَكَ سَعْياً ساعيات مسرعات في طيرانهن أو في مشيهن على أرجلهن: فان قلت: ما معنى أمره بضمها إلى نفسه بعد أن يأخذها [[قال محمود رحمه اللَّه: إن قلت ما معنى أمره بضمها ... الخ» ؟ قال أحمد: يريد: ولم يقل طيرانا لأنه إذا كانت ساعية كان أثبت لنظره عليها من أن تكون طائرة، واللَّه أعلم.]] ؟ قلت:
ليتأملها ويعرف أشكالها وهيئاتها وحلاها [[قوله «وهيآتها وحلاها» جمع حلية بالكسر أى صفاتها. أفاده الصحاح. (ع)]] لئلا تلتبس عليه بعد الإحياء ولا يتوهم أنها غير تلك ولذلك قال: يأتينك سعياً. وروى أنه أمر بأن يذبحها وينتف ريشها ويقطعها ويفرّق أجزاءها ويخلط ريشها ودماءها ولحومها، وأن يمسك رءوسها، ثم أمر أن يجعل بأجزائها على الجبال، على كل جبل ربعا من كل طائر، ثم يصيح بها: تعالين بإذن اللَّه، فجعل كل جزء يطير إلى الآخر حتى صارت جثثا ثم أقبلن فانضممن إلى رءوسهن، كل جثة إلى رأسها. وقرئ (جزأ) بضمتين.
وجزّا، بالتشديد. ووجهه أنه خفف بطرح همزته، ثم شدد كما يشدد في الوقف، إجراء للوصل مجرى الوقف.
البقرة 2:261
مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ لا بد من حذف مضاف، أى مثل نفقتهم كمثل حبة، أو مثلهم كمثل باذر حبة. والمنبت هو اللَّه، ولكن الحبة لما كانت سببا أسند إليها الإنبات كما يسند إلى الأرض وإلى الماء. ومعنى إنباتها سبع سنابل، أن تخرج ساقا يتشعب منها سبع شعب، لكل واحدة سنبلة وهذا التمثيل تصوير للإضعاف، كأنها ماثلة بين عينى الناظر: فإن قلت: كيف صحّ هذا التمثيل والممثل به غير موجود؟ قلت: بل هو موجود في الدخن والذرة وغيرهما، وربما فرخت ساق البرة في الأراضى القوية المقلة فيبلغ حبها هذا المبلغ، ولو لم يوجد لكان صحيحا على سبيل الفرض والتقدير: فإن قلت: هلا قيل: سبع سنبلات، على حقه من التمييز بجمع القلة كما قال: (وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ) ؟ قلت: هذا لما قدمت عند قوله: (ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) من وقوع أمثلة الجمع متعاورة مواقعها وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ أى يضاعف تلك المضاعفة لمن يشاء، لا لكل منفق، لتفاوت أحوال المنفقين. أو يضاعف سَبع المائة ويزيد عليها أضعافها لمن يستوجب ذلك.
البقرة 2:262
المنّ أن يعتدّ على من أحسن إليه بإحسانه، ويريد أنه اصطنعه وأوجب عليه حقا له: وكانوا يقولون: إذا صنعتم صنيعة فانسوها. ولبعضهم:
وَإنّ امْرَأً أَسْدَى إلَىَّ صَنِيعَةً ... وَذَكّرَنِيهَا مَرَّةً لَلئِيمُ [[يقول: وإن رجلا أعطانى عطية وذكرني بها مرة واحدة، للئيم. أى بليغ في اللؤم والخسة.]]
وفي نوابغ الكلم: صنوان [[قال محمود: «في نوابغ الكلم صنوان ... الخ» قال أحمد: «ثم» في أصل وضعها تشعر بتراخي المعطوف بها عن المعطوف عليه في الزمان وبعد ما بينهما، والزمخشري يحملها على التفاوت في المراتب والتباعد بينهما، حيث لا يمكنه حملها على التراخي في الزمان لسياق يأبى ذلك كهذه الآية: وحاصله: أنها استعيرت من تباعد الأزمنة لتباعد المرتبة، وعندي فيها وجه آخر محتمل في هذه الآية ونحوها: وهو الدلالة على دوام الفعل المعطوف بها وإرخاء الطول في استصحابه، فهي على هذا لم تخرج عن الاشعار ببعد الزمن. ولكن معناها الأصلى تراخى زمن وقوع الفعل وحدوثه، ومعناها المستعارة إليه دوام وجود الفعل وتراخى زمن بقائه وعليه حمل قوله تعالى (ثُمَّ اسْتَقامُوا) أى داموا على الاستقامة دواما متراخيا ممتد الأمد، وتلك الاستقامة هي المعتبرة، لا ما هو منقطع إلى ضده من الحيد إلى الهوى والشهوات. وكذلك قوله: (ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً) أى يدومون على تناسى الإحسان وعلى ترك الاعتداد به والامتنان، ليسوا بتاركيه في أزمنة إلى الاذاية وتقليد المنن بسببه، ثم يتوبون، واللَّه أعلم. وقريب من هذا أو مثله أن السين يصحب الفعل لتنفيس زمان وقوعه وتراخيه، ثم ورد قوله تعالى حكاية عن الخليل عليه السلام: (إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ) . وقد حكى اللَّه تعالى في مثل هذه الآية (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ) فليس إلى حمل السين على تراخى زمان وقوع الهداية له من سبيل، فيتعين المصير إلى حملها على تنفس دوام الهداية الحاصلة له وتراخى بقائها وتمادى أمدها. ولعل الزمخشري وأشار إلى هذا المعنى في آية إبراهيم عليه السلام، فأمل هذا الوجه فهو أوجه مما حمل الزمخشري عليه آية البقرة. وهذه الآية أبقى على الحقيقة وأقرب إلى الوضع على أحسن طريقة واللَّه الموفق.]] من منح سائله ومنّ، ومن منع نائله وضنّ. وفيها: طعم الآلاء [[قوله «وفيها طعم الآلاء» في الصحاح: الآلاء النعم، واحدها «ألا» بالفتح. وفيه أيضا: الألاء- بالفتح- شجر حسن المنظر مر الطعم اه. واسم النعم على زنة أسباب. والظاهر أن اسم الشجر على زنة سحاب، فليحرر ما في النوابغ. (ع)]] أحلى من المنّ وهي أمرّ من الآلاء مع المنّ. والأذى: أن يتطاول عليه بسبب ما أزال إليه: ومعنى «ثم» إظهار التفاوت بين الإنفاق وترك المنّ والأذى، وأنّ تركهما خير من نفس الإنفاق، كما جعل الاستقامة على الإيمان خيراً من الدخول فيه بقوله: (ثُمَّ اسْتَقامُوا) . فإن قلت: أىّ فرق بين قوله: لَهُمْ أَجْرُهُمْ وقوله فيما بعد: (لَهُمْ أَجْرُهُمْ) ؟ قلت: الموصول لم يضمن هاهنا معنى الشرط. وضمنه ثمة. والفرق بينهما من جهة المعنى أنّ الفاء فيها دلالة على أنّ الإنفاق به استحق الأجر، وطرحها عار عن تلك الدلالة.
البقرة 2:263
قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ردّ جميل وَمَغْفِرَةٌ وعفو عن السائل إذا وجد منه ما يثقل على المسئول أو نيل مغفرة من اللَّه بسبب الرد الجميل، أو عفو من جهة السائل لأنه إذا ردّه ردّا جميلا عذره خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وصح الإخبار عن المبتدإ النكرة لاختصاصه بالصفة وَاللَّهُ غَنِيٌّ لا حاجة به إلى منفق يمنّ ويؤذى حَلِيمٌ عن معاجلته بالعقوبة، وهذا سخط منه ووعيد له، ثم بالغ في ذلك بما أتبعه كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ أى لا تبطلوا صدقاتكم بالمنّ والأذى كابطال المنافق الذي ينفق ماله رِئاءَ النَّاسِ لا يريد بإنفاقه رضاء اللَّه ولا ثواب الآخرة فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ مثله ونفقته التي لا ينتفع بها البتة بصفوان بحجر أملس عليه تراب. وقرأ سعيد بن المسيب: صفوان بوزن كروان فَأَصابَهُ وابِلٌ مطر عظيم القطر فَتَرَكَهُ صَلْداً أجرد نقيا من التراب الذي كان عليه. ومنه صلد جبين الأصلع إذا برق لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا كقوله: (فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً) ويجوز أن تكون الكاف في محل النصب على الحال: أى لا تبطلوا صدقاتكم مماثلين الذي ينفق. فإن قلت: كيف قال: (لا يَقْدِرُونَ) بعد قوله: (كَالَّذِي يُنْفِقُ) ؟ قلت: أراد بالذي ينفق الجنس أو الفريق الذي ينفق، ولأن «من» و «الذي» يتعاقبان، فكأنه قيل: كمن ينفق.
البقرة 2:264
قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ردّ جميل وَمَغْفِرَةٌ وعفو عن السائل إذا وجد منه ما يثقل على المسئول أو نيل مغفرة من اللَّه بسبب الرد الجميل، أو عفو من جهة السائل لأنه إذا ردّه ردّا جميلا عذره خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وصح الإخبار عن المبتدإ النكرة لاختصاصه بالصفة وَاللَّهُ غَنِيٌّ لا حاجة به إلى منفق يمنّ ويؤذى حَلِيمٌ عن معاجلته بالعقوبة، وهذا سخط منه ووعيد له، ثم بالغ في ذلك بما أتبعه كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ أى لا تبطلوا صدقاتكم بالمنّ والأذى كابطال المنافق الذي ينفق ماله رِئاءَ النَّاسِ لا يريد بإنفاقه رضاء اللَّه ولا ثواب الآخرة فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ مثله ونفقته التي لا ينتفع بها البتة بصفوان بحجر أملس عليه تراب. وقرأ سعيد بن المسيب: صفوان بوزن كروان فَأَصابَهُ وابِلٌ مطر عظيم القطر فَتَرَكَهُ صَلْداً أجرد نقيا من التراب الذي كان عليه. ومنه صلد جبين الأصلع إذا برق لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا كقوله: (فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً) ويجوز أن تكون الكاف في محل النصب على الحال: أى لا تبطلوا صدقاتكم مماثلين الذي ينفق. فإن قلت: كيف قال: (لا يَقْدِرُونَ) بعد قوله: (كَالَّذِي يُنْفِقُ) ؟ قلت: أراد بالذي ينفق الجنس أو الفريق الذي ينفق، ولأن «من» و «الذي» يتعاقبان، فكأنه قيل: كمن ينفق.
البقرة 2:265
وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ وليثبتوا منها ببذل المال الذي هو شقيق الروح. وبذله أشق شيء على النفس على سائر العبادات الشاقة وعلى الإيمان لأن النفس إذا ريضت بالتحامل عليها وتكليفها ما يصعب عليها ذلت خاضعة لصاحبها وقل طمعها في اتباعه لشهواتها، وبالعكس، فكان إنفاق المال تثبيتا لها على الإيمان واليقين. ويجوز أن يراد: وتصديقا للإسلام، وتحقيقا للجزاء من أصل أنفسهم لأنه إذا أنفق المسلم ماله في سبيل اللَّه، علم أن تصديقه وإيمانه بالثواب من أصل نفسه ومن إخلاص قلبه. «ومن» على التفسير الأوّل للتبعيض، مثلها في قولهم: هز من عطفه، وحرك من نشاطه. وعلى الثاني لابتداء الغاية، كقوله تعالى: (حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ) . ويحتمل أن يكون المعنى: وتثبيتا من أنفسهم عند المؤمنين أنها صادقة الإيمان مخلصة فيه. وتعضده قراءة مجاهد: وتبيينا من أنفسهم. فإن قلت: فما معنى التبعيض؟ قلت: معناه أن من بذل ماله لوجه اللَّه فقد ثبت بعض نفسه، ومن بذل ماله وروحه معا فهو الذي ثبتها كلها (وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ) والمعنى: ومثل نفقة هؤلاء في زكاتها عند اللَّه كَمَثَلِ جَنَّةٍ وهي البستان بِرَبْوَةٍ بمكان مرتفع. وخصها لأن الشجر فيها أزكى وأحسن ثمراً أَصابَها وابِلٌ مطر عظيم القطر فَآتَتْ أُكُلَها ثمرتها ضِعْفَيْنِ مثلي ما كانت تثمر بسبب الوابل فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ فمطر صغير القطر يكفيها لكرم منبتها. أو مثل حالهم عند اللَّه بالجنة على الربوة، ونفقتهم الكثيرة والقليلة بالوابل والطلّ، وكما أن كل واحد من المطرين يضعف أكل الجنة، فكذلك نفقتهم كثيرة كانت أو قليلة- بعد أن يطلب بها وجه اللَّه ويبذل فيها الوسع- زاكية عند اللَّه، زائدة في زلفاهم وحسن حالهم عنده. وقرئ: كمثل حبة، وبربوة- بالحركات الثلاث- وأكلها بضمتين.
البقرة 2:266
الهمزة في أَيَوَدُّ للإنكار. وقرئ: له جنات، وذرية ضعاف. والإعصار: الريح التي تستدير في الأرض، ثم تسطع نحو السماء كالعمود. وهذا مثل لمن يعمل الأعمال الحسنة لا يبتغى بها وجه اللَّه. فإذا كان يوم القيامة وجدها محبطة، فيتحسر عند ذلك حسرة من كانت له جنة من أبهى الجنان وأجمعها للثمار فبلغ الكبر، وله أولاد ضعاف والجنة معاشهم ومنتعشهم، فهلكت بالصاعقة. وعن عمر رضى اللَّه عنه أنه سأل عنها الصحابة فقالوا: اللَّه أعلم، فغضب وقال: قولوا نعلم أو لا نعلم، فقال ابن عباس رضى اللَّه عنه: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين [[أخرجه البخاري من حديث عبيد بن عمير: أن عمر سأل ... فذكره.]] . قال: قل يا ابن أخى ولا تحقر نفسك. قال: ضربت مثلا لعمل. قال: لأى عمل؟ قال: لرجل غنى يعمل الحسنات، ثم بعث اللَّه له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله كلها [[قوله «أغرق أعماله كلها» في بعض نسخ الجلال: أحرق، بالحاء، وكذلك عبارة النسفي. (ع)]] . وعن الحسن رضى اللَّه عنه: هذا مثلٌ قلّ واللَّه من يعقله من الناس: شيخ كبير ضعف جسمه وكثر صبيانه أفقر ما كان إلى جنته، وإن أحدكم واللَّه أفقر ما يكون إلى عمله إذا انقطعت عنه الدنيا. فإن قلت: كيف قال (جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ) ثم قال: (لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ) [[قال محمود رحمه اللَّه: «إن قلت: لم ذكر النخيل والأعناب أولا ... الخ» ؟ قال أحمد رحمه اللَّه: وهذا من باب تثنية ذكر ما يقع الاهتمام به مرتين عموما وخصوصا ومثله (فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ) إلا أنه في تلك الآية بدأ بالتعميم وفي هذه الآية بدأ بالتخصيص والمقصود هو ما نبهنا عليه، واللَّه أعلم.]] قلت: النخيل والأعناب لما كانا أكرم الشجر وأكثرها منافع، خصهما بالذكر، وجعل الجنة منهما- وإن كانت محتوية على سائر الأشجار- تغليباً لهما على غيرهما، ثم أردفهما ذكر كل الثمرات. ويجوز أن يريد بالثمرات المنافع التي كانت تحصل له فيها كقوله: (وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ) بعد قوله: (جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ) . فإن قلت: علام عطف قوله وَأَصابَهُ الْكِبَرُ؟ قلت: الواو للحال لا للعطف. ومعناه أن تكون له جنة وقد أصابه الكبر. وقيل يقال: وددت أن يكون كذا ووددت لو كان كذا، فحمل العطف على المعنى، كأنه قيل: أيودّ أحدكم لو كانت له جنة وأصابه الكبر.
البقرة 2:267
مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ من جياد مكسوباتكم وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ من الحب والثمر والمعادن وغيرها. فإن قلت: فهلا قيل: وما أخرجنا لكم، عطفا على: (ما كَسَبْتُمْ) حتى يشتمل الطيب على المكسوب والمخرج من الأرض؟ قلت: معناه: ومن طيبات ما أخرجنا لكم إلا أنه حذف لذكر الطيبات وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ ولا تقصدوا المال الرديء مِنْهُ تُنْفِقُونَ تخصونه بالإنفاق، وهو في محل الحال. وقرأ عبد اللَّه: ولا تأمموا. وقرأ ابن عباس: ولا تيمموا، بضم التاء. ويممه وتيممه وتأممه، سواء في معنى قصده وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ وحالكم أنكم لا تأخذونه في حقوقكم إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ إلا بأن تتسامحوا في أخذه وتترخصوا فيه من قولك: أغمض فلان عن بعض حقه، إذا غضّ بصره. ويقال للبائع: أغمض، أى لا تستقص، كأنك لا تبصر. وقال الطرمّاح:
لَمْ يَفُتْنَا بِالْوِتْرِ [[قوله «لم يفتنا بالوتر قوم» في الصحاح «الموتور» الذي قتل له قتيل فلم يدرك بدمه. تقول منه: وتره وتراً وترة. وكذلك وتره حقه أى نقصه. (ع)]] قَوْمٌ وَلِلضَّيْمِ رِجَالٌ يَرْضَوْنَ بِالإِغْمَاضِ [[الباء للملابسة أو بمعنى مع. والوتر- بالكسر- الظلم ونقص بعض الحق، ومثله الترة. والفعل وتر كوعد. والضيم: الظلم، والإغماض: ترك بعض الحق والاعراض عنه، كأنه لا يراه. يقول: لم يسبقنا قوم بالوتر ويظفروا منا به. وقوله: وللضيم رجال: استئناف، يعنى إنا لا نعرض عن حقنا كغيرنا لشجاعتنا دونهم، أو حال، أى والحال أن للظلم ناس يرضون بترك حقوقهم لعجزهم، ويؤول إلى الأول.]]
وقرأ الزهرىّ: تغمضوا. وأغمض وغمض بمعنى. وعنه: تغمضوا، بضم الميم وكسرها. من غمض يغمض ويغمض. وقرأ قتادة: تغمضوا، على البناء للمفعول، بمعنى إلا أن تدخلوا فيه وتجذبوا إليه. وقيل: إلا أن توجدوا مغمضين. وعن الحسن رضى اللَّه عنه: لو وجدتموه في السوق يباع ما أخذتموه حتى يهضم لكم من ثمنه. وعن ابن عباس رضى اللَّه عنهما: كانوا يتصدّقون بحشف التمر وشراره فنهوا عنه.
البقرة 2:268
أى يعدكم في الإنفاق الْفَقْرَ ويقول لكم إنّ عاقبة إنفاقكم أن تفتقروا. وقرئ:
الفقر، بالضم. والفقر- بفتحتين- والوعد يستعمل في الخير والشر. قال اللَّه تعالى: (النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا) . وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ ويغريكم على البخل ومنع الصدقات إغراء الآمر للمأمور.
والفاحش عند العرب: البخيل [[قوله «والفاحش عند العرب البخيل» قال:
أرى الموت يعتام الكرام ويصطفى ... عقيلة مال الفاحش المتشدد (ع)]] وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ في الإنفاق مَغْفِرَةً لذنوبكم وكفارة لها وَفَضْلًا وأن يخلف عليكم أفضل مما أنفقتم، أو وثوابا عليه في الآخرة
البقرة 2:269
يُؤْتِي الْحِكْمَةَ يوفق للعلم والعمل به. والحكيم عند اللَّه: هو العالم العامل. وقرئ (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ بمعنى ومن يؤته اللَّه الحكمة. وهكذا قرأ الأعمش. وخَيْراً كَثِيراً تنكير تعظيم، كأنه قال: فقد أوتى أىّ خير كثير وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ يريد الحكماء العلام العمال. والمراد به الحثّ على العمل بما تضمنت الآي في معنى الإنفاق.
البقرة 2:270
وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ في سبيل اللَّه، أو في سبيل الشيطان أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ في طاعة اللَّه، أو في معصيته فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ لا يخفى عليه وهو مجازيكم عليه وَما لِلظَّالِمِينَ الذين يمنعون الصدقات أو ينفقون أموالهم في المعاصي، أو لا يفون بالنذور، أو ينذرون في المعاصي مِنْ أَنْصارٍ ممن ينصرهم من اللَّه ويمنعهم من عقابه.
البقرة 2:271
«ما» في: (نعما) نكرة غير موصولة ولا موصوفة. ومعنى فَنِعِمَّا هِيَ فنعم شيئا إبداؤها. وقرئ بكسر النون وفتحها وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ وتصيبوا بها مصارفها مع الإخفاء فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ فالإخفاء خير لكم. والمراد الصدقات المتطوّع بها، فإنّ الأفضل في الفرائض أن يجاهر بها. وعن ابن عباس رضى اللَّه عنهما: «صدقات السر في التطوّع تفضل علانيتها سبعين ضعفا، وصدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفا» [[أخرجه الطبري من رواية ابن عباس، قال «جعل اللَّه صدقة السر التطوع تفضل علانيتها سبعين ضعفا وجعل صدقة الفريضة علانيتها تفضل سرها خمسة وعشرين ضعفا، وكذا جميع الفرائض والنوافل في الأشياء كلها» .]] وإنما كانت المجاهرة بالفرائض أفضل، لنفى التهمة، حتى إذا كان المزكى ممن لا يعرف باليسار كان إخفاؤه أفضل، والمتطوّع إن أراد أن يقتدى به كان إظهاره أفضل يُكَفِّرُ وقرئ بالنون مرفوعا عطفا على محل ما بعد الفاء، أو على أنه خبر مبتدإ محذوف، أى ونحن نكفر. أو على أنه جملة من فعل وفاعل مبتدأة، ومجزوما عطفا على محل الفاء وما بعده، لأنه جواب الشرط. وقرئ: ويكفر، بالياء مرفوعا، والفعل للَّه أو للإخفاء. وتكفر بالتاء، مرفوعا ومجزوما، والفعل للصدقات. وقرأ الحسن رضى اللَّه عنه بالياء والنصب بإضمار أن. ومعناه: إن تخفوها يكن خيراً لكم، وأن يكفر عنكم.
البقرة 2:272
لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ لا يجب عليك أن تجعلهم [[قال محمود رحمه اللَّه «لا يجب عليك أن تجعلهم مهديين ... الخ» . قال أحمد رحمه اللَّه: المعتقد الصحيح أن اللَّه هو الذي يخلق الهدى لمن يشاء هداه، وذاك هو اللطف، لا كما يزعم الزمخشري أن الهدى ليس خلق اللَّه وإنما العبد يخلقه لنفسه. وإن أطلق اللَّه تعالى إضافة الهدى إليه كما في هذه الآية، فهو مؤول على زعم الزمخشري بلطف اللَّه الحامل للعبد على أن يخلق هداه. إن هذا إلا اختلاق، وهذه النزغة من توابع معتقدهم السيئ في خلق الأفعال وليس علينا هداهم، ولكن اللَّه يهدى من يشاء، وهو المسئول أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا،]] مهديين إلى الانتهاء عما نهوا عنه من المنّ والأذى والإنفاق من الخبيث وغير ذلك، وما عليك إلا أن تبلغهم النواهي فحسب وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ يلطف بمن يعلم أنّ اللطف ينفع فيه فينتهى عما نهى عنه وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ من مال فَلِأَنْفُسِكُمْ فهو لأنفسكم لا ينتفع به غيركم فلا تمنوا به على الناس ولا تؤذوهم بالتطاول عليهم وَما تُنْفِقُونَ وليست نفقتكم إلا لابتغاء وجه اللَّه ولطلب ما عنده، فما بالكم تمنون بها وتنفقون الخبيث الذي لا يوجه مثله إلى اللَّه؟ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ ثوابه أضعافا مضاعفة، فلا عذر لكم في أن ترغبوا عن إنفاقه، وأن يكون على أحسن الوجوه وأجملها. وقيل:
حجت أسماء بنت أبى بكر رضى اللَّه عنهما فأتتها أمها تسألها وهي مشركة، فأبت أن تعطيها، فنزلت.
وعن سعيد بن جبير رضى اللَّه عنه: كانوا يتقون أن يرضخوا لقراباتهم من المشركين. وروى أنّ ناسا من المسلمين كانت لهم أصهار في اليهود ورضاع وقد كانوا ينفقون عليهم قبل الإسلام، فلما أسلموا كرهوا أن ينفقوهم [[قوله «كرهوا أن ينفقوهم» لعله على تضمين الفعل معنى الإعطاء. أو لعله محرف وأصله ينفعوهم من النفع. (ع)]] . وعن بعض العلماء: لو كان شر خلق اللَّه، لكان لك ثواب نفقتك. واختلف في الواجب، فجوز أبو حنيفة رضى اللَّه عنه صرف صدقة الفطر إلى أهل الذمة، وأباه غيره.
البقرة 2:273
الجار متعلق بمحذوف. والمعنى: اعمدوا الفقراء، واجعلوا ما تنفقون للفقراء، كقوله تعالى (فِي تِسْعِ آياتٍ) ويجوز أن يكون خبر مبتدإ محذوف، أى صدقاتكم للفقراء. والَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ هم الذين أحصرهم الجهاد لا يَسْتَطِيعُونَ لاشتغالهم به ضَرْباً فِي الْأَرْضِ للكسب.
وقيل هم أصحاب الصفة، وهم نحو من أربعمائة رجل من مهاجرى قريش لم يكن لهم مساكن في المدينة ولا عشائر، فكانوا في صفة المسجد- وهي سقيفته- يتعلمون القرآن بالليل، ويرضخون النوى [[قوله «ويرضخون النوى» في الصحاح: رضخت الحصى والنوى: كسرته، ورضخت له رضخا، وهو العطاء ليس بالكثير اه. (ع)]] بالنهار. وكانوا يخرجون في كل سرية بعثها رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، فمن كان عنده فضل أتاهم به إذا أمسى. وعن ابن عباس رضى اللَّه عنهما: وقف رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يوما على أصحاب الصفة فرأى فقرهم وجهدهم وطيب قلوبهم فقال «أبشروا يا أصحاب الصفة، فمن بقي من أمتى على النعت الذي أنتم عليه راضياً بما فيه فإنه من رفقائي في الجنة» [[لم أجد،]] يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ بحالهم أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ مستغنين من أجل تعففهم عن المسألة تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ من صفرة الوجه ورثاثة الحال. والإلحاف: الإلحاح، وهو اللزوم، وأن لا يفارق إلا بشيء يعطاه. من قولهم: لحفنى من فضل لحافه، أى أعطانى من فضل ما عنده. وعن النبي صلى اللَّه عليه وسلم «إنّ اللَّه تعالى يحبّ الحيىّ الحليم المتعفف، ويبغض البذىّ السئال الملحف» [[أخرجه ابن أبى شببة في الأدب من رواية ميمون بن أبى شبيب عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم مرسلا إلا أنه قال «ويبغض الفاحش البذيء» وقد روى موصولا، والبزار من طريق محمد بن كثير الملائى عن ليث عن مجاهد عن أبى هريرة به، في حديث أوله «من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليكرم ضيفه» وقال: لا نعلمه عن أبى هريرة إلا بهذا الاسناد اه وإسناده ضعيف. وقد رواه الطبراني من حديث ابن مسعود به، وأتم منه وفي إسناده سوار بن مصعب، وهو ضعيف وله طريق أخرى عن أبى هريرة أخرجها إسحاق في مسنده، والطيراني في مسند الشاميين من طريقه قال: أخبرنا كلثوم بن محمد قال حدثنا عطاء بن أبى مسلم الخراساني عن أبى هريرة- فذكره مقتصراً على ما ذكره المصنف بمعناه. وأخرجه أبو نعيم في تاريخ أصبهان وحمزة السهمي في تاريخ جرجان، كلاهما من طريق عيسى بن خالد البلخي عن ورقاء عن الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة بلفظ «إن اللَّه إذا أنعم على عبد نعمة أحب أن يرى أثر نعمته عليه، ويكره البؤس والتبؤس ويبغض السائل الملحف، ويحب العفيف المتعفف» .]] ومعناه: أنهم إن سألوا سألوا بتلطف ولم يلحوا وقيل: هو نفى للسؤال والإلحاف جميعاً، كقوله:
عَلَى لَاحِبٍ [[قوله «على لا حب» أى طريق واضح. أفاده الصحاح. (ع)]] لَا يُهْتَدَى بِمَنَارِهِ [[وإنى زعيم إن رجعت مملكا ... بسير ترى منه الفرانق أزورا
على لا حب لا يهتدى بماره ... إذا سافه العود النباطي جرجرا
لامرئ القيس. والزعيم الكفيل. والفرانق- بضم الفاء-: رسول يوصل خبر الخوف. والأزور: المائل:
يقول: إن ملكوني عليهم كما كنت فانى متكفل بسفر صعب. واللحب واللاحب: الطريق الواسع، من لحبه إذا وطنه ومر فيه، فأصله ملحوب. والمنار أعلام الطريق. وسافه يسوفه سوفا إذا شمه شما. ومنه المسافة. والعود:
الجمل المسن. ويطلق على الطريق القديم. والسؤدد: القديم. والنباطي: نسبة للنبط، وهم قوم يحلون البطاح بين العرافين يستنبطون منها الماء، كيمانى نسبة لليمن. ويروى: العود الديافي. وداف يدوف إذا خلط، ودياف:
موضع بالجزائر فيه نبط الشام. والديافي نسبة إليه. والجرجرة، صوت يردده البعير في حنجرته، يعنى أنه طريق واسع لا منار فيه يهتدى به، وفيه نوع من البديع يسمونه نفى الشيء بإيجابه، ويفسرونه بأن يكون الكلام ظاهره إيجاب الشيء وباطنه نفيه، بأن ينفى ما هو من سببه وهو المنفي في الباطن. وفي البيت نفى الاهتداء بالمنار، والمقصود نفى المنار كما ذكره السيوطي في شرح عقود الجمان، إذا شمه الجمل المسن عرف أنه طريق وعر لتجربته الطرق، وجرجر خوفا منه لصعوبته عليه مع تمرنه على السفر، سيما إذا كان من إبل النبط لكثرة رحيلهم. هذا ويحتمل أن السير مجاز عن السياسة كما يشعر به طلب الملك فيكون ما بعده ترشيح للمجاز.]]
يريد نفى المنار والاهتداء به.
البقرة 2:274
بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً يعمون الأوقات والأحوال بالصدقة لحرصهم على الخير، فكلما نزلت بهم حاجة محتاج عجلوا قضاءها ولم يؤخروه ولم يتعللوا بوقت ولا حال. وقيل: نزلت في أبى بكر الصدّيق رضى اللَّه عنه حين تصدّق بأربعين ألف دينار، عشرة بالليل، وعشرة بالنهار، وعشرة في السرّ، وعشرة في العلانية. وعن ابن عباس رضى اللَّه عنهما: نزلت في علىّ رضى اللَّه عنه لم يملك إلا أربعة دراهم، فتصدّق بدرهم ليلا، وبدرهم نهاراً، وبدرهم سراً، وبدرهم علانية.
وقيل نزلت في علف الخيل وارتباطها في سبيل اللَّه. وعن أبى هريرة رضى اللَّه عنه، كان إذا مر بفرس سمين قرأ هذه الآية.
البقرة 2:275
الربوا كتب بالواو على لغة من يفخم كما كتبت الصلاة والزكاة وزيدت الألف بعدها تشبيها بواو الجمع لا يَقُومُونَ إذا بعثوا من قبورهم [[قال محمود رحمه اللَّه: «يعنى إذا بعثوا من قبورهم ... الخ» قال أحمد: قوله وتخبط الشيطان من زعمات العرب، أى كذباتهم وزخارفهم التي لا حقيقة لها، كما يقال في الغول والعنقاء ونحو ذلك. وهذا القول على الحقيقة من تخبط الشيطان بالقدرية في زعماتهم المردودة بقواطع الشرع، فقد ورد «ما من مولود يولد إلا يمسه الشيطان فيستهلّ صارخا» وفي بعض الطرق «إلا طعن الشيطان في خاصرته ومن ذلك يستهل صارخا إلا مريم وابنها، لقول أمها: إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم» وقوله عليه السلام «التقطوا صبيانكم أول العشاء فانه وقت انتشار الشياطين، أو لقد عوفيت، إنها ساعة مخرجهم وفيها ينتشرون وفيها يكون الخبتة. قال شمر: كان في لسان مكحول لكنة، وانما أراد الخبطة من الشيطان، أى إصابة مس أو جنون. وقد ورد في حديث المفقود الذي اختطفته الشياطين وردته في زمنه عليه الصلاة والسلام أنه حدث عن شأنه معهم قال: فجاءني طائر كأنه جمل، فتعثرنى، فاحتملني على خافية من خوافيه، إلى غير ذلك مما يطول الكتاب بذكره. واعتقاد السلف وأهل السنة أن هذه أمور على حقائقها واقعة، كما أخبر الشرع عنها. وإنما القدرية خصماء العلانية فلا جرم أنهم ينكرون كثيراً مما يزعمونه مخالفا لقواعدهم، من ذلك: السحر، وخبطة الشيطان، ومعظم أحوال الجن. وإن اعترفوا بشيء من ذلك، فعلى غير الوجه الذي يعترف به أهل السنة وينبئ عنه ظاهر الشرع، في خبط طويل لهم فاحذرهم، قاتلهم اللَّه أنى يؤفكون.]] إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ أى المصروع. وتخبط الشيطان من زعمات العرب، يزعمون أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع.
والخبط الضرب على غير استواء كخبط العشواء، فورد على ما كانوا يعتقدون. والمس: الجنون.
ورجل ممسوس، وهذا أيضاً من زعماتهم، وأن الجنىَّ يمسه فيختلط عقله، وكذلك جن الرجل:
معناه ضربته الجنّ، ورأيتهم لهم في الجن قصص وأخبار وعجائب، وإنكار ذلك عندهم كإنكار المشاهدات. فإن قلت: بم يتعلق قوله مِنَ الْمَسِّ؟ قلت: بلا يقومون، أى لا يقومون من المسّ الذي بهم إلا كما يقوم المصروع. ويجوز أن يتعلق بيقوم، أى كما يقوم المصروع من جنونه. والمعنى أنهم يقومون يوم القيامة مخبلين كالمصروعين، تلك سيماهم يعرفون بها عند أهل الموقف. وقيل الذين يخرجون من الأجداث يوفضون، إلا أكلة الربا فإنهم ينهضون ويسقطون كالمصروعين، لأنهم أكلوا الربا فأرباه اللَّه في بطونهم حتى أثقلهم، فلا يقدرون على الإيفاض ذلِكَ العقاب بسبب قولهم إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا. فإن قلت: هلا قيل إنما الربا مثل البيع لأنّ الكلام في الربا لا في البيع [[قال محمود: «إن قلت لم لم يقولوا: إنما الربا مثل البيع ... الخ» قال أحمد: وعندي وجه في الجواب عن السؤال الذي أورده غير ما ذكر، وهو أنه متى كان المطلوب التسوية بين المحلين في ثبوت الحكم، فللقائل أن يسوى بينهما طرداً، فيقول مثلا: الربا مثل البيع، وغرضه من ذلك أن يقول: والبيع حلال فالربا حلال. وله أن يسوى بينهما في العكس فيقول: البيع مثل الربا، فلو كان الربا حراما كان البيع حراما ضرورة المماثلة. ونتيجته التي دلت قوة الكلام عليها أن يقول: ولما كان البيع حلالا اتفاقا غير حرام، وجب أن يكون الربا مثله، والأول على طريقة قياس الطرد، والثاني على طريقة قياس العكس، ومآلهما إلى مقصد واحد، فلا حاجة على هذا التقرير إلى خروج عن الظاهر لعذر المبالغة أو غيره، وليس الغرض من هذا كله إلا بيان هذا الذي تخيلوه على أنموذج النظم الصحيح وإن كان قياسا فاسد الوضع، لاستعماله على مناقضة المعلوم من حكم اللَّه أيضا في تحريم الربا وتحليل البيع وقطع القياس بينهما، ولكن إذا استعملت الطريقتين المذكورتين استعمالا صحيحاً فقل في الأولى: النبيذ مثل الخمر في علة التحريم، وهو الإسكار، والخمر حرام فالنبيذ حرام. وقل في الثانية: إنما الخمر مثل النبيذ فلو كان النبيذ حلالا لكان الخمر حلالا، وليست حلالا اتفاقا فالنبيذ كذلك ضرورة المماثلة المذكورة، فهذا التوجيه أولى أن تحمل الآية عليه، واللَّه أعلم.]] ، فوجب أن يقال إنهم شبهوا الربا بالبيع فاستحلوه، وكانت شبهتهم أنهم قالوا: لو اشترى الرجل ما لا يساوى إلا درهما بدرهمين جاز، فكذلك إذا باع درهما بدرهمين؟ قلت: جيء به على طريق المبالغة، وهو أنه قد بلغ من اعتقادهم في حل الربا أنهم جعلوه أصلا وقانونا في الحل حتى شبهوا به البيع. وقوله وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا إنكار لتسويتهم بينهما، ودلالة على أنّ القياس يهدمه النص، لأنه جعل الدليل على بطلان قياسهم إحلال اللَّه وتحريمه فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ فمن بلغه وعظ من اللَّه وزجر بالنهى عن الربا فَانْتَهى فتبع النهى وامتنع فَلَهُ ما سَلَفَ فلا يؤخذ بما مضى منه، لأنه أخذ قبل نزول التحريم وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ يحكم في شأنه يوم القيامة، وليس من أمره إليكم شيء فلا تطالبوه به وَمَنْ عادَ إلى الربا فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ وهذا دليل بين [[قوله «على تخليد الفساق» وهو مذهب المعتزلة ولا يخلدون عند أهل السنة كما بين في محله (ع)]] على تخليد الفساق [[قال محمود رحمه اللَّه: «في هذه الآية دليل على تخليد الفساق ... الخ» قال أحمد رحمه اللَّه: وهو يبنى على أن المتوعد عليه بالخلود العود إلى فعل الربا خاصة، ولا يساعده على ذلك الظاهر الذي استدل به، فان الذي وقع العود إليه مسكوت عنه في الآية. ألا تراه قال: (وَمَنْ عادَ) فلم يذكر المعود إليه، فيحمل على ما تقدم كأنه قال: ومن عاد إلى ما سلف ذكره فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون، والذي سلف ذكره فعل الربا واعتقاد جوازه، والاحتجاج عليه بقياسه على البيع. ولا شك عندنا- أهل السنة والجماعة- أن من تعاطى معاملة الربا مستحلا لها مكابراً في تحريمها مسنداً إحلالها إلى معارضة آيات اللَّه البينات بما يتوهمه من الخيالات فقد كفر ثم ازداد كفراً، وإذا ذاك يكون الموعود بالخلود في الآية من يقال إنه كافر مكذب غير مؤمن، وهذا لا خلاف فيه، فلا دليل للزمخشري إداً على اعتزاله في هذه الآية، واللَّه الموفق. وإنما هو موكل بتحميل الآيات من المعتقدات الباطلة ما لا تحتمله، وأنى له ذلك في الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.]] . وذكر فعل الموعظة لأنّ تأنيثها غير حقيقى، ولأنها في معنى الوعظ. وقرأ أبىٌّ والحسن: فمن جاءته. يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا يذهب ببركته ويهلك المال الذي يدخل فيه. وعن ابن مسعود رضى اللَّه عنه: الربا وإن كثر إلى قلّ. وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ ما يتصدّق به بأن يضاعف عليه الثواب ويزيد المال الذي أخرجت منه الصدقة ويبارك فيه. وفي الحديث «ما نقصت زكاة من مال قط» [[من رواية العلاء عن أبيه عن أبى هريرة بلفظ «ما نقصت صدقة من مال ... الحديث» ورواه البزار من هذا الوجه، فزاد فيه «قط» .]] كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ تغليظ في أمر الربا وإيذان بأنه من فعل الكفار لا من فعل المسلمين.
البقرة 2:276
الربوا كتب بالواو على لغة من يفخم كما كتبت الصلاة والزكاة وزيدت الألف بعدها تشبيها بواو الجمع لا يَقُومُونَ إذا بعثوا من قبورهم [[قال محمود رحمه اللَّه: «يعنى إذا بعثوا من قبورهم ... الخ» قال أحمد: قوله وتخبط الشيطان من زعمات العرب، أى كذباتهم وزخارفهم التي لا حقيقة لها، كما يقال في الغول والعنقاء ونحو ذلك. وهذا القول على الحقيقة من تخبط الشيطان بالقدرية في زعماتهم المردودة بقواطع الشرع، فقد ورد «ما من مولود يولد إلا يمسه الشيطان فيستهلّ صارخا» وفي بعض الطرق «إلا طعن الشيطان في خاصرته ومن ذلك يستهل صارخا إلا مريم وابنها، لقول أمها: إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم» وقوله عليه السلام «التقطوا صبيانكم أول العشاء فانه وقت انتشار الشياطين، أو لقد عوفيت، إنها ساعة مخرجهم وفيها ينتشرون وفيها يكون الخبتة. قال شمر: كان في لسان مكحول لكنة، وانما أراد الخبطة من الشيطان، أى إصابة مس أو جنون. وقد ورد في حديث المفقود الذي اختطفته الشياطين وردته في زمنه عليه الصلاة والسلام أنه حدث عن شأنه معهم قال: فجاءني طائر كأنه جمل، فتعثرنى، فاحتملني على خافية من خوافيه، إلى غير ذلك مما يطول الكتاب بذكره. واعتقاد السلف وأهل السنة أن هذه أمور على حقائقها واقعة، كما أخبر الشرع عنها. وإنما القدرية خصماء العلانية فلا جرم أنهم ينكرون كثيراً مما يزعمونه مخالفا لقواعدهم، من ذلك: السحر، وخبطة الشيطان، ومعظم أحوال الجن. وإن اعترفوا بشيء من ذلك، فعلى غير الوجه الذي يعترف به أهل السنة وينبئ عنه ظاهر الشرع، في خبط طويل لهم فاحذرهم، قاتلهم اللَّه أنى يؤفكون.]] إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ أى المصروع. وتخبط الشيطان من زعمات العرب، يزعمون أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع.
والخبط الضرب على غير استواء كخبط العشواء، فورد على ما كانوا يعتقدون. والمس: الجنون.
ورجل ممسوس، وهذا أيضاً من زعماتهم، وأن الجنىَّ يمسه فيختلط عقله، وكذلك جن الرجل:
معناه ضربته الجنّ، ورأيتهم لهم في الجن قصص وأخبار وعجائب، وإنكار ذلك عندهم كإنكار المشاهدات. فإن قلت: بم يتعلق قوله مِنَ الْمَسِّ؟ قلت: بلا يقومون، أى لا يقومون من المسّ الذي بهم إلا كما يقوم المصروع. ويجوز أن يتعلق بيقوم، أى كما يقوم المصروع من جنونه. والمعنى أنهم يقومون يوم القيامة مخبلين كالمصروعين، تلك سيماهم يعرفون بها عند أهل الموقف. وقيل الذين يخرجون من الأجداث يوفضون، إلا أكلة الربا فإنهم ينهضون ويسقطون كالمصروعين، لأنهم أكلوا الربا فأرباه اللَّه في بطونهم حتى أثقلهم، فلا يقدرون على الإيفاض ذلِكَ العقاب بسبب قولهم إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا. فإن قلت: هلا قيل إنما الربا مثل البيع لأنّ الكلام في الربا لا في البيع [[قال محمود: «إن قلت لم لم يقولوا: إنما الربا مثل البيع ... الخ» قال أحمد: وعندي وجه في الجواب عن السؤال الذي أورده غير ما ذكر، وهو أنه متى كان المطلوب التسوية بين المحلين في ثبوت الحكم، فللقائل أن يسوى بينهما طرداً، فيقول مثلا: الربا مثل البيع، وغرضه من ذلك أن يقول: والبيع حلال فالربا حلال. وله أن يسوى بينهما في العكس فيقول: البيع مثل الربا، فلو كان الربا حراما كان البيع حراما ضرورة المماثلة. ونتيجته التي دلت قوة الكلام عليها أن يقول: ولما كان البيع حلالا اتفاقا غير حرام، وجب أن يكون الربا مثله، والأول على طريقة قياس الطرد، والثاني على طريقة قياس العكس، ومآلهما إلى مقصد واحد، فلا حاجة على هذا التقرير إلى خروج عن الظاهر لعذر المبالغة أو غيره، وليس الغرض من هذا كله إلا بيان هذا الذي تخيلوه على أنموذج النظم الصحيح وإن كان قياسا فاسد الوضع، لاستعماله على مناقضة المعلوم من حكم اللَّه أيضا في تحريم الربا وتحليل البيع وقطع القياس بينهما، ولكن إذا استعملت الطريقتين المذكورتين استعمالا صحيحاً فقل في الأولى: النبيذ مثل الخمر في علة التحريم، وهو الإسكار، والخمر حرام فالنبيذ حرام. وقل في الثانية: إنما الخمر مثل النبيذ فلو كان النبيذ حلالا لكان الخمر حلالا، وليست حلالا اتفاقا فالنبيذ كذلك ضرورة المماثلة المذكورة، فهذا التوجيه أولى أن تحمل الآية عليه، واللَّه أعلم.]] ، فوجب أن يقال إنهم شبهوا الربا بالبيع فاستحلوه، وكانت شبهتهم أنهم قالوا: لو اشترى الرجل ما لا يساوى إلا درهما بدرهمين جاز، فكذلك إذا باع درهما بدرهمين؟ قلت: جيء به على طريق المبالغة، وهو أنه قد بلغ من اعتقادهم في حل الربا أنهم جعلوه أصلا وقانونا في الحل حتى شبهوا به البيع. وقوله وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا إنكار لتسويتهم بينهما، ودلالة على أنّ القياس يهدمه النص، لأنه جعل الدليل على بطلان قياسهم إحلال اللَّه وتحريمه فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ فمن بلغه وعظ من اللَّه وزجر بالنهى عن الربا فَانْتَهى فتبع النهى وامتنع فَلَهُ ما سَلَفَ فلا يؤخذ بما مضى منه، لأنه أخذ قبل نزول التحريم وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ يحكم في شأنه يوم القيامة، وليس من أمره إليكم شيء فلا تطالبوه به وَمَنْ عادَ إلى الربا فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ وهذا دليل بين [[قوله «على تخليد الفساق» وهو مذهب المعتزلة ولا يخلدون عند أهل السنة كما بين في محله (ع)]] على تخليد الفساق [[قال محمود رحمه اللَّه: «في هذه الآية دليل على تخليد الفساق ... الخ» قال أحمد رحمه اللَّه: وهو يبنى على أن المتوعد عليه بالخلود العود إلى فعل الربا خاصة، ولا يساعده على ذلك الظاهر الذي استدل به، فان الذي وقع العود إليه مسكوت عنه في الآية. ألا تراه قال: (وَمَنْ عادَ) فلم يذكر المعود إليه، فيحمل على ما تقدم كأنه قال: ومن عاد إلى ما سلف ذكره فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون، والذي سلف ذكره فعل الربا واعتقاد جوازه، والاحتجاج عليه بقياسه على البيع. ولا شك عندنا- أهل السنة والجماعة- أن من تعاطى معاملة الربا مستحلا لها مكابراً في تحريمها مسنداً إحلالها إلى معارضة آيات اللَّه البينات بما يتوهمه من الخيالات فقد كفر ثم ازداد كفراً، وإذا ذاك يكون الموعود بالخلود في الآية من يقال إنه كافر مكذب غير مؤمن، وهذا لا خلاف فيه، فلا دليل للزمخشري إداً على اعتزاله في هذه الآية، واللَّه الموفق. وإنما هو موكل بتحميل الآيات من المعتقدات الباطلة ما لا تحتمله، وأنى له ذلك في الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.]] . وذكر فعل الموعظة لأنّ تأنيثها غير حقيقى، ولأنها في معنى الوعظ. وقرأ أبىٌّ والحسن: فمن جاءته. يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا يذهب ببركته ويهلك المال الذي يدخل فيه. وعن ابن مسعود رضى اللَّه عنه: الربا وإن كثر إلى قلّ. وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ ما يتصدّق به بأن يضاعف عليه الثواب ويزيد المال الذي أخرجت منه الصدقة ويبارك فيه. وفي الحديث «ما نقصت زكاة من مال قط» [[من رواية العلاء عن أبيه عن أبى هريرة بلفظ «ما نقصت صدقة من مال ... الحديث» ورواه البزار من هذا الوجه، فزاد فيه «قط» .]] كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ تغليظ في أمر الربا وإيذان بأنه من فعل الكفار لا من فعل المسلمين.
البقرة 2:277
أخذوا ما شرطوا على الناس من الربا وبقيت لهم بقايا، فأمروا أن يتركوها ولا يطالبوا بها.
وروى أنها نزلت في ثقيف وكان لهم على قوم من قريش مال فطالبوهم عند المحل بالمال والربا.
وقرأ الحسن رضى اللَّه عنه: ما بقي، بقلب الياء ألفا على لغة طيئ: وعنه ما بقي بياء ساكنة. ومنه قول جرير:
هُوَ الْخَلِيفَةُ فَارْضَوْا مَا رَضِى لَكُمُو ... مَاضِى الْعَزِيمَةِ مَا فِى حُكْمِهِ جَنَفُ [[أى هو المعروف بالعدل. أو هو الخليفة الكامل فارضوا ما رضى لكم من الأحكام. وتسكين آخر «رضى» ونحوه: لغة شاذة. ماضى العزيمة: نافذ الحكم، ليس في حكمه جنف: أى ميل عن الحق إلى غيره.]]
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إن صح إيمانكم، يعنى أنّ دليل صحة الإيمان وثباته امتثال ما أمرتم به من ذلك فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ فاعلموا بها، من أذن بالشيء إذا علم به. وقرئ: فآذنوا، فأعلموا بها غيركم، وهو من الإذن وهو الاستماع، لأنه من طرق العلم. وقرأ الحسن: فأيقنوا، وهو دليل لقراءة العامّة. فإن قلت: هلا قيل بحرب اللَّه ورسوله؟ قلت: كان هذا أبلغ، لأن المعنى: فأذنوا بنوع من الحرب عظيم عند اللَّه ورسوله. وروى أنها لما نزلت قالت ثقيف: لا يدىْ لنا بحرب اللَّه ورسوله. وَإِنْ تُبْتُمْ من الارتباء فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ المديونين [[قوله «المديونين بطلب الزيادة» القياس المدينين، فلعل هذا مسموع شذوذاً، وسيعبر به فيما بعد أيضا. (ع)]] بطلب الزيادة عليها وَلا تُظْلَمُونَ بالنقصان منها. فإن قلت: هذا حكمهم إن تابوا، فما حكمهم لو لم يتوبوا قلت: قالوا: يكون مالهم فيئا للمسلمين، وروى المفضل عن عاصم: لا تظلمون ولا تظلمون وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ وإن وقع غريم من غرمائكم ذو عسرة أو ذو إعسار: وقرأ عثمان رضى اللَّه عنه: ذا عسرة على: وإن كان الغريم ذا عسرة. وقرئ: ومن كان ذا عسرة فَنَظِرَةٌ أى فالحكم أو فالأمر نظرة وهي الإنظار. وقرئ: فنظرة بسكون الظاء. وقرأ عطاء: فناظره. بمعنى فصاحب الحق ناظره: أى منتظره، أو صاحب نظرته على طريقة النسب كقولهم: مكان عاشب وباقل، أى ذو عشب وذو بقل. وعنه: فناظره، على الأمر بمعنى فسامحه بالنظرة وياسره بها إِلى مَيْسَرَةٍ إلى يسار. وقرئ بضم السين، كمقبرة ومقبرة ومشرقة ومشرقة. وقرئ بهما مضافين بحذف التاء عند الإضافة كقوله:
وَأخْلَفُوكَ عِدَا الأَمْرِ الَّذِى وَعَدُوا [[إن الخليط أجدوا البين وانجردوا ... وأخلفوك عدا الأمر الذي وعدوا
لأبى أمية الفضل بن العباس بن عتبة بن أبى لهب. وقيل: لزهير. والخليط: المخالط في العشرة، وهو كالعشير.
يقال للواحد والمتعدد. وأجدوا البين: اجتهدوا في الفراق. وانجردوا. مضوا. وعدا الأمر: أصله عدة الأمر، وأصلها وعد، فعوضت التاء عن الواو، ثم حذفت التاء للاضافة كالتنوين على لغة، واختلف فقيل إنها سماعية.
وقيل إنها قياسية. واشتراطهم للحذف عدم اللبس- فيمتنع في شجرة زيد للبس بشجر زيد- يؤيد كونها قياسية.
وفي المراح: أن حذف تاء التعويض جائز هنا اتفاقا. أما عند سيبويه فلأن التعويض عنده من الأمور الجائزة.
وأما عند الفراء فلأنه لا يوجب التاء إلا عند عدم الاضافة، وهي هنا متحققة فتقوم مقام العوض، وعائد الموصول محذوف، أى الأمر الذي وعدوه إياك.]]
وقوله تعالى: (وَأَقامَ الصَّلاةَ) . وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ ندب إلى أن يتصدقوا برءوس أموالهم على من أعسر من غرمائهم أو ببعضها، كقوله تعالى: (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى) وقيل:
أريد بالتصدق الإنظار لقوله صلى اللَّه عليه وسلم «لا يحل دين رجل مسلم فيؤخره إلا كان له بكل يوم صدقة» [[رواه ابن ماجة من رواية الأعمش عن أبى داود نفيع عن بريدة رفعه «من أنظر معسراً كان له بكل يوم صدقة. ومن أنظره بعد حله كان له مثله في كل يوم صدقة» وأبو داود ضعيف وقد اختلف عليه فيه، فرواه عبد اللَّه ابن نمير عن الأعمش هكذا، وخالفه أبو بكر بن عياش فرواه عن الأعمش عن أبى داود عن عمران بن حصين، أخرجه أحمد والطبراني وقد أخرجه أحمد وابن أبى شيبة وأبو يعلى والطبراني والحاكم والبيهقي في آخر الشعب كلهم من رواية عبد الوارث عن محمد بن جحادة عن ابن بريدة عن أبيه نحوه وله شاهد من حديث ابن عباس أخرجه الطبراني.]] إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنه خير لكم فتعملوا به، جعل من لا يعمل به وإن علمه كأنه لا يعلمه. وقرئ (تصدّقوا) بتخفيف الصاد على حذف التاء تُرْجَعُونَ قرئ على البناء للفاعل والمفعول: وقرئ: يرجعون بالياء على طريقة الالتفات. وقرأ عبد اللَّه: تردّون: وقرأ أبىّ:
تصيرون. وعن ابن عباس أنها آخر آية نزل بها جبريل عليه السلام وقال: ضعها في رأس المائتين والثمانين من البقرة. وعاش رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بعدها أحدا وعشرين يوما. وقيل أحدا وثمانين. وقيل سبعة أيام. وقيل ثلاث ساعات.
البقرة 2:278
أخذوا ما شرطوا على الناس من الربا وبقيت لهم بقايا، فأمروا أن يتركوها ولا يطالبوا بها.
وروى أنها نزلت في ثقيف وكان لهم على قوم من قريش مال فطالبوهم عند المحل بالمال والربا.
وقرأ الحسن رضى اللَّه عنه: ما بقي، بقلب الياء ألفا على لغة طيئ: وعنه ما بقي بياء ساكنة. ومنه قول جرير:
هُوَ الْخَلِيفَةُ فَارْضَوْا مَا رَضِى لَكُمُو ... مَاضِى الْعَزِيمَةِ مَا فِى حُكْمِهِ جَنَفُ [[أى هو المعروف بالعدل. أو هو الخليفة الكامل فارضوا ما رضى لكم من الأحكام. وتسكين آخر «رضى» ونحوه: لغة شاذة. ماضى العزيمة: نافذ الحكم، ليس في حكمه جنف: أى ميل عن الحق إلى غيره.]]
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إن صح إيمانكم، يعنى أنّ دليل صحة الإيمان وثباته امتثال ما أمرتم به من ذلك فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ فاعلموا بها، من أذن بالشيء إذا علم به. وقرئ: فآذنوا، فأعلموا بها غيركم، وهو من الإذن وهو الاستماع، لأنه من طرق العلم. وقرأ الحسن: فأيقنوا، وهو دليل لقراءة العامّة. فإن قلت: هلا قيل بحرب اللَّه ورسوله؟ قلت: كان هذا أبلغ، لأن المعنى: فأذنوا بنوع من الحرب عظيم عند اللَّه ورسوله. وروى أنها لما نزلت قالت ثقيف: لا يدىْ لنا بحرب اللَّه ورسوله. وَإِنْ تُبْتُمْ من الارتباء فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ المديونين [[قوله «المديونين بطلب الزيادة» القياس المدينين، فلعل هذا مسموع شذوذاً، وسيعبر به فيما بعد أيضا. (ع)]] بطلب الزيادة عليها وَلا تُظْلَمُونَ بالنقصان منها. فإن قلت: هذا حكمهم إن تابوا، فما حكمهم لو لم يتوبوا قلت: قالوا: يكون مالهم فيئا للمسلمين، وروى المفضل عن عاصم: لا تظلمون ولا تظلمون وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ وإن وقع غريم من غرمائكم ذو عسرة أو ذو إعسار: وقرأ عثمان رضى اللَّه عنه: ذا عسرة على: وإن كان الغريم ذا عسرة. وقرئ: ومن كان ذا عسرة فَنَظِرَةٌ أى فالحكم أو فالأمر نظرة وهي الإنظار. وقرئ: فنظرة بسكون الظاء. وقرأ عطاء: فناظره. بمعنى فصاحب الحق ناظره: أى منتظره، أو صاحب نظرته على طريقة النسب كقولهم: مكان عاشب وباقل، أى ذو عشب وذو بقل. وعنه: فناظره، على الأمر بمعنى فسامحه بالنظرة وياسره بها إِلى مَيْسَرَةٍ إلى يسار. وقرئ بضم السين، كمقبرة ومقبرة ومشرقة ومشرقة. وقرئ بهما مضافين بحذف التاء عند الإضافة كقوله:
وَأخْلَفُوكَ عِدَا الأَمْرِ الَّذِى وَعَدُوا [[إن الخليط أجدوا البين وانجردوا ... وأخلفوك عدا الأمر الذي وعدوا
لأبى أمية الفضل بن العباس بن عتبة بن أبى لهب. وقيل: لزهير. والخليط: المخالط في العشرة، وهو كالعشير.
يقال للواحد والمتعدد. وأجدوا البين: اجتهدوا في الفراق. وانجردوا. مضوا. وعدا الأمر: أصله عدة الأمر، وأصلها وعد، فعوضت التاء عن الواو، ثم حذفت التاء للاضافة كالتنوين على لغة، واختلف فقيل إنها سماعية.
وقيل إنها قياسية. واشتراطهم للحذف عدم اللبس- فيمتنع في شجرة زيد للبس بشجر زيد- يؤيد كونها قياسية.
وفي المراح: أن حذف تاء التعويض جائز هنا اتفاقا. أما عند سيبويه فلأن التعويض عنده من الأمور الجائزة.
وأما عند الفراء فلأنه لا يوجب التاء إلا عند عدم الاضافة، وهي هنا متحققة فتقوم مقام العوض، وعائد الموصول محذوف، أى الأمر الذي وعدوه إياك.]]
وقوله تعالى: (وَأَقامَ الصَّلاةَ) . وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ ندب إلى أن يتصدقوا برءوس أموالهم على من أعسر من غرمائهم أو ببعضها، كقوله تعالى: (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى) وقيل:
أريد بالتصدق الإنظار لقوله صلى اللَّه عليه وسلم «لا يحل دين رجل مسلم فيؤخره إلا كان له بكل يوم صدقة» [[رواه ابن ماجة من رواية الأعمش عن أبى داود نفيع عن بريدة رفعه «من أنظر معسراً كان له بكل يوم صدقة. ومن أنظره بعد حله كان له مثله في كل يوم صدقة» وأبو داود ضعيف وقد اختلف عليه فيه، فرواه عبد اللَّه ابن نمير عن الأعمش هكذا، وخالفه أبو بكر بن عياش فرواه عن الأعمش عن أبى داود عن عمران بن حصين، أخرجه أحمد والطبراني وقد أخرجه أحمد وابن أبى شيبة وأبو يعلى والطبراني والحاكم والبيهقي في آخر الشعب كلهم من رواية عبد الوارث عن محمد بن جحادة عن ابن بريدة عن أبيه نحوه وله شاهد من حديث ابن عباس أخرجه الطبراني.]] إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنه خير لكم فتعملوا به، جعل من لا يعمل به وإن علمه كأنه لا يعلمه. وقرئ (تصدّقوا) بتخفيف الصاد على حذف التاء تُرْجَعُونَ قرئ على البناء للفاعل والمفعول: وقرئ: يرجعون بالياء على طريقة الالتفات. وقرأ عبد اللَّه: تردّون: وقرأ أبىّ:
تصيرون. وعن ابن عباس أنها آخر آية نزل بها جبريل عليه السلام وقال: ضعها في رأس المائتين والثمانين من البقرة. وعاش رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بعدها أحدا وعشرين يوما. وقيل أحدا وثمانين. وقيل سبعة أيام. وقيل ثلاث ساعات.
البقرة 2:279
أخذوا ما شرطوا على الناس من الربا وبقيت لهم بقايا، فأمروا أن يتركوها ولا يطالبوا بها.
وروى أنها نزلت في ثقيف وكان لهم على قوم من قريش مال فطالبوهم عند المحل بالمال والربا.
وقرأ الحسن رضى اللَّه عنه: ما بقي، بقلب الياء ألفا على لغة طيئ: وعنه ما بقي بياء ساكنة. ومنه قول جرير:
هُوَ الْخَلِيفَةُ فَارْضَوْا مَا رَضِى لَكُمُو ... مَاضِى الْعَزِيمَةِ مَا فِى حُكْمِهِ جَنَفُ [[أى هو المعروف بالعدل. أو هو الخليفة الكامل فارضوا ما رضى لكم من الأحكام. وتسكين آخر «رضى» ونحوه: لغة شاذة. ماضى العزيمة: نافذ الحكم، ليس في حكمه جنف: أى ميل عن الحق إلى غيره.]]
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إن صح إيمانكم، يعنى أنّ دليل صحة الإيمان وثباته امتثال ما أمرتم به من ذلك فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ فاعلموا بها، من أذن بالشيء إذا علم به. وقرئ: فآذنوا، فأعلموا بها غيركم، وهو من الإذن وهو الاستماع، لأنه من طرق العلم. وقرأ الحسن: فأيقنوا، وهو دليل لقراءة العامّة. فإن قلت: هلا قيل بحرب اللَّه ورسوله؟ قلت: كان هذا أبلغ، لأن المعنى: فأذنوا بنوع من الحرب عظيم عند اللَّه ورسوله. وروى أنها لما نزلت قالت ثقيف: لا يدىْ لنا بحرب اللَّه ورسوله. وَإِنْ تُبْتُمْ من الارتباء فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ المديونين [[قوله «المديونين بطلب الزيادة» القياس المدينين، فلعل هذا مسموع شذوذاً، وسيعبر به فيما بعد أيضا. (ع)]] بطلب الزيادة عليها وَلا تُظْلَمُونَ بالنقصان منها. فإن قلت: هذا حكمهم إن تابوا، فما حكمهم لو لم يتوبوا قلت: قالوا: يكون مالهم فيئا للمسلمين، وروى المفضل عن عاصم: لا تظلمون ولا تظلمون وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ وإن وقع غريم من غرمائكم ذو عسرة أو ذو إعسار: وقرأ عثمان رضى اللَّه عنه: ذا عسرة على: وإن كان الغريم ذا عسرة. وقرئ: ومن كان ذا عسرة فَنَظِرَةٌ أى فالحكم أو فالأمر نظرة وهي الإنظار. وقرئ: فنظرة بسكون الظاء. وقرأ عطاء: فناظره. بمعنى فصاحب الحق ناظره: أى منتظره، أو صاحب نظرته على طريقة النسب كقولهم: مكان عاشب وباقل، أى ذو عشب وذو بقل. وعنه: فناظره، على الأمر بمعنى فسامحه بالنظرة وياسره بها إِلى مَيْسَرَةٍ إلى يسار. وقرئ بضم السين، كمقبرة ومقبرة ومشرقة ومشرقة. وقرئ بهما مضافين بحذف التاء عند الإضافة كقوله:
وَأخْلَفُوكَ عِدَا الأَمْرِ الَّذِى وَعَدُوا [[إن الخليط أجدوا البين وانجردوا ... وأخلفوك عدا الأمر الذي وعدوا
لأبى أمية الفضل بن العباس بن عتبة بن أبى لهب. وقيل: لزهير. والخليط: المخالط في العشرة، وهو كالعشير.
يقال للواحد والمتعدد. وأجدوا البين: اجتهدوا في الفراق. وانجردوا. مضوا. وعدا الأمر: أصله عدة الأمر، وأصلها وعد، فعوضت التاء عن الواو، ثم حذفت التاء للاضافة كالتنوين على لغة، واختلف فقيل إنها سماعية.
وقيل إنها قياسية. واشتراطهم للحذف عدم اللبس- فيمتنع في شجرة زيد للبس بشجر زيد- يؤيد كونها قياسية.
وفي المراح: أن حذف تاء التعويض جائز هنا اتفاقا. أما عند سيبويه فلأن التعويض عنده من الأمور الجائزة.
وأما عند الفراء فلأنه لا يوجب التاء إلا عند عدم الاضافة، وهي هنا متحققة فتقوم مقام العوض، وعائد الموصول محذوف، أى الأمر الذي وعدوه إياك.]]
وقوله تعالى: (وَأَقامَ الصَّلاةَ) . وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ ندب إلى أن يتصدقوا برءوس أموالهم على من أعسر من غرمائهم أو ببعضها، كقوله تعالى: (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى) وقيل:
أريد بالتصدق الإنظار لقوله صلى اللَّه عليه وسلم «لا يحل دين رجل مسلم فيؤخره إلا كان له بكل يوم صدقة» [[رواه ابن ماجة من رواية الأعمش عن أبى داود نفيع عن بريدة رفعه «من أنظر معسراً كان له بكل يوم صدقة. ومن أنظره بعد حله كان له مثله في كل يوم صدقة» وأبو داود ضعيف وقد اختلف عليه فيه، فرواه عبد اللَّه ابن نمير عن الأعمش هكذا، وخالفه أبو بكر بن عياش فرواه عن الأعمش عن أبى داود عن عمران بن حصين، أخرجه أحمد والطبراني وقد أخرجه أحمد وابن أبى شيبة وأبو يعلى والطبراني والحاكم والبيهقي في آخر الشعب كلهم من رواية عبد الوارث عن محمد بن جحادة عن ابن بريدة عن أبيه نحوه وله شاهد من حديث ابن عباس أخرجه الطبراني.]] إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنه خير لكم فتعملوا به، جعل من لا يعمل به وإن علمه كأنه لا يعلمه. وقرئ (تصدّقوا) بتخفيف الصاد على حذف التاء تُرْجَعُونَ قرئ على البناء للفاعل والمفعول: وقرئ: يرجعون بالياء على طريقة الالتفات. وقرأ عبد اللَّه: تردّون: وقرأ أبىّ:
تصيرون. وعن ابن عباس أنها آخر آية نزل بها جبريل عليه السلام وقال: ضعها في رأس المائتين والثمانين من البقرة. وعاش رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بعدها أحدا وعشرين يوما. وقيل أحدا وثمانين. وقيل سبعة أيام. وقيل ثلاث ساعات.
البقرة 2:280
أخذوا ما شرطوا على الناس من الربا وبقيت لهم بقايا، فأمروا أن يتركوها ولا يطالبوا بها.
وروى أنها نزلت في ثقيف وكان لهم على قوم من قريش مال فطالبوهم عند المحل بالمال والربا.
وقرأ الحسن رضى اللَّه عنه: ما بقي، بقلب الياء ألفا على لغة طيئ: وعنه ما بقي بياء ساكنة. ومنه قول جرير:
هُوَ الْخَلِيفَةُ فَارْضَوْا مَا رَضِى لَكُمُو ... مَاضِى الْعَزِيمَةِ مَا فِى حُكْمِهِ جَنَفُ [[أى هو المعروف بالعدل. أو هو الخليفة الكامل فارضوا ما رضى لكم من الأحكام. وتسكين آخر «رضى» ونحوه: لغة شاذة. ماضى العزيمة: نافذ الحكم، ليس في حكمه جنف: أى ميل عن الحق إلى غيره.]]
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إن صح إيمانكم، يعنى أنّ دليل صحة الإيمان وثباته امتثال ما أمرتم به من ذلك فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ فاعلموا بها، من أذن بالشيء إذا علم به. وقرئ: فآذنوا، فأعلموا بها غيركم، وهو من الإذن وهو الاستماع، لأنه من طرق العلم. وقرأ الحسن: فأيقنوا، وهو دليل لقراءة العامّة. فإن قلت: هلا قيل بحرب اللَّه ورسوله؟ قلت: كان هذا أبلغ، لأن المعنى: فأذنوا بنوع من الحرب عظيم عند اللَّه ورسوله. وروى أنها لما نزلت قالت ثقيف: لا يدىْ لنا بحرب اللَّه ورسوله. وَإِنْ تُبْتُمْ من الارتباء فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ المديونين [[قوله «المديونين بطلب الزيادة» القياس المدينين، فلعل هذا مسموع شذوذاً، وسيعبر به فيما بعد أيضا. (ع)]] بطلب الزيادة عليها وَلا تُظْلَمُونَ بالنقصان منها. فإن قلت: هذا حكمهم إن تابوا، فما حكمهم لو لم يتوبوا قلت: قالوا: يكون مالهم فيئا للمسلمين، وروى المفضل عن عاصم: لا تظلمون ولا تظلمون وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ وإن وقع غريم من غرمائكم ذو عسرة أو ذو إعسار: وقرأ عثمان رضى اللَّه عنه: ذا عسرة على: وإن كان الغريم ذا عسرة. وقرئ: ومن كان ذا عسرة فَنَظِرَةٌ أى فالحكم أو فالأمر نظرة وهي الإنظار. وقرئ: فنظرة بسكون الظاء. وقرأ عطاء: فناظره. بمعنى فصاحب الحق ناظره: أى منتظره، أو صاحب نظرته على طريقة النسب كقولهم: مكان عاشب وباقل، أى ذو عشب وذو بقل. وعنه: فناظره، على الأمر بمعنى فسامحه بالنظرة وياسره بها إِلى مَيْسَرَةٍ إلى يسار. وقرئ بضم السين، كمقبرة ومقبرة ومشرقة ومشرقة. وقرئ بهما مضافين بحذف التاء عند الإضافة كقوله:
وَأخْلَفُوكَ عِدَا الأَمْرِ الَّذِى وَعَدُوا [[إن الخليط أجدوا البين وانجردوا ... وأخلفوك عدا الأمر الذي وعدوا
لأبى أمية الفضل بن العباس بن عتبة بن أبى لهب. وقيل: لزهير. والخليط: المخالط في العشرة، وهو كالعشير.
يقال للواحد والمتعدد. وأجدوا البين: اجتهدوا في الفراق. وانجردوا. مضوا. وعدا الأمر: أصله عدة الأمر، وأصلها وعد، فعوضت التاء عن الواو، ثم حذفت التاء للاضافة كالتنوين على لغة، واختلف فقيل إنها سماعية.
وقيل إنها قياسية. واشتراطهم للحذف عدم اللبس- فيمتنع في شجرة زيد للبس بشجر زيد- يؤيد كونها قياسية.
وفي المراح: أن حذف تاء التعويض جائز هنا اتفاقا. أما عند سيبويه فلأن التعويض عنده من الأمور الجائزة.
وأما عند الفراء فلأنه لا يوجب التاء إلا عند عدم الاضافة، وهي هنا متحققة فتقوم مقام العوض، وعائد الموصول محذوف، أى الأمر الذي وعدوه إياك.]]
وقوله تعالى: (وَأَقامَ الصَّلاةَ) . وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ ندب إلى أن يتصدقوا برءوس أموالهم على من أعسر من غرمائهم أو ببعضها، كقوله تعالى: (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى) وقيل:
أريد بالتصدق الإنظار لقوله صلى اللَّه عليه وسلم «لا يحل دين رجل مسلم فيؤخره إلا كان له بكل يوم صدقة» [[رواه ابن ماجة من رواية الأعمش عن أبى داود نفيع عن بريدة رفعه «من أنظر معسراً كان له بكل يوم صدقة. ومن أنظره بعد حله كان له مثله في كل يوم صدقة» وأبو داود ضعيف وقد اختلف عليه فيه، فرواه عبد اللَّه ابن نمير عن الأعمش هكذا، وخالفه أبو بكر بن عياش فرواه عن الأعمش عن أبى داود عن عمران بن حصين، أخرجه أحمد والطبراني وقد أخرجه أحمد وابن أبى شيبة وأبو يعلى والطبراني والحاكم والبيهقي في آخر الشعب كلهم من رواية عبد الوارث عن محمد بن جحادة عن ابن بريدة عن أبيه نحوه وله شاهد من حديث ابن عباس أخرجه الطبراني.]] إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنه خير لكم فتعملوا به، جعل من لا يعمل به وإن علمه كأنه لا يعلمه. وقرئ (تصدّقوا) بتخفيف الصاد على حذف التاء تُرْجَعُونَ قرئ على البناء للفاعل والمفعول: وقرئ: يرجعون بالياء على طريقة الالتفات. وقرأ عبد اللَّه: تردّون: وقرأ أبىّ:
تصيرون. وعن ابن عباس أنها آخر آية نزل بها جبريل عليه السلام وقال: ضعها في رأس المائتين والثمانين من البقرة. وعاش رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بعدها أحدا وعشرين يوما. وقيل أحدا وثمانين. وقيل سبعة أيام. وقيل ثلاث ساعات.
البقرة 2:281
أخذوا ما شرطوا على الناس من الربا وبقيت لهم بقايا، فأمروا أن يتركوها ولا يطالبوا بها.
وروى أنها نزلت في ثقيف وكان لهم على قوم من قريش مال فطالبوهم عند المحل بالمال والربا.
وقرأ الحسن رضى اللَّه عنه: ما بقي، بقلب الياء ألفا على لغة طيئ: وعنه ما بقي بياء ساكنة. ومنه قول جرير:
هُوَ الْخَلِيفَةُ فَارْضَوْا مَا رَضِى لَكُمُو ... مَاضِى الْعَزِيمَةِ مَا فِى حُكْمِهِ جَنَفُ [[أى هو المعروف بالعدل. أو هو الخليفة الكامل فارضوا ما رضى لكم من الأحكام. وتسكين آخر «رضى» ونحوه: لغة شاذة. ماضى العزيمة: نافذ الحكم، ليس في حكمه جنف: أى ميل عن الحق إلى غيره.]]
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إن صح إيمانكم، يعنى أنّ دليل صحة الإيمان وثباته امتثال ما أمرتم به من ذلك فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ فاعلموا بها، من أذن بالشيء إذا علم به. وقرئ: فآذنوا، فأعلموا بها غيركم، وهو من الإذن وهو الاستماع، لأنه من طرق العلم. وقرأ الحسن: فأيقنوا، وهو دليل لقراءة العامّة. فإن قلت: هلا قيل بحرب اللَّه ورسوله؟ قلت: كان هذا أبلغ، لأن المعنى: فأذنوا بنوع من الحرب عظيم عند اللَّه ورسوله. وروى أنها لما نزلت قالت ثقيف: لا يدىْ لنا بحرب اللَّه ورسوله. وَإِنْ تُبْتُمْ من الارتباء فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ المديونين [[قوله «المديونين بطلب الزيادة» القياس المدينين، فلعل هذا مسموع شذوذاً، وسيعبر به فيما بعد أيضا. (ع)]] بطلب الزيادة عليها وَلا تُظْلَمُونَ بالنقصان منها. فإن قلت: هذا حكمهم إن تابوا، فما حكمهم لو لم يتوبوا قلت: قالوا: يكون مالهم فيئا للمسلمين، وروى المفضل عن عاصم: لا تظلمون ولا تظلمون وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ وإن وقع غريم من غرمائكم ذو عسرة أو ذو إعسار: وقرأ عثمان رضى اللَّه عنه: ذا عسرة على: وإن كان الغريم ذا عسرة. وقرئ: ومن كان ذا عسرة فَنَظِرَةٌ أى فالحكم أو فالأمر نظرة وهي الإنظار. وقرئ: فنظرة بسكون الظاء. وقرأ عطاء: فناظره. بمعنى فصاحب الحق ناظره: أى منتظره، أو صاحب نظرته على طريقة النسب كقولهم: مكان عاشب وباقل، أى ذو عشب وذو بقل. وعنه: فناظره، على الأمر بمعنى فسامحه بالنظرة وياسره بها إِلى مَيْسَرَةٍ إلى يسار. وقرئ بضم السين، كمقبرة ومقبرة ومشرقة ومشرقة. وقرئ بهما مضافين بحذف التاء عند الإضافة كقوله:
وَأخْلَفُوكَ عِدَا الأَمْرِ الَّذِى وَعَدُوا [[إن الخليط أجدوا البين وانجردوا ... وأخلفوك عدا الأمر الذي وعدوا
لأبى أمية الفضل بن العباس بن عتبة بن أبى لهب. وقيل: لزهير. والخليط: المخالط في العشرة، وهو كالعشير.
يقال للواحد والمتعدد. وأجدوا البين: اجتهدوا في الفراق. وانجردوا. مضوا. وعدا الأمر: أصله عدة الأمر، وأصلها وعد، فعوضت التاء عن الواو، ثم حذفت التاء للاضافة كالتنوين على لغة، واختلف فقيل إنها سماعية.
وقيل إنها قياسية. واشتراطهم للحذف عدم اللبس- فيمتنع في شجرة زيد للبس بشجر زيد- يؤيد كونها قياسية.
وفي المراح: أن حذف تاء التعويض جائز هنا اتفاقا. أما عند سيبويه فلأن التعويض عنده من الأمور الجائزة.
وأما عند الفراء فلأنه لا يوجب التاء إلا عند عدم الاضافة، وهي هنا متحققة فتقوم مقام العوض، وعائد الموصول محذوف، أى الأمر الذي وعدوه إياك.]]
وقوله تعالى: (وَأَقامَ الصَّلاةَ) . وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ ندب إلى أن يتصدقوا برءوس أموالهم على من أعسر من غرمائهم أو ببعضها، كقوله تعالى: (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى) وقيل:
أريد بالتصدق الإنظار لقوله صلى اللَّه عليه وسلم «لا يحل دين رجل مسلم فيؤخره إلا كان له بكل يوم صدقة» [[رواه ابن ماجة من رواية الأعمش عن أبى داود نفيع عن بريدة رفعه «من أنظر معسراً كان له بكل يوم صدقة. ومن أنظره بعد حله كان له مثله في كل يوم صدقة» وأبو داود ضعيف وقد اختلف عليه فيه، فرواه عبد اللَّه ابن نمير عن الأعمش هكذا، وخالفه أبو بكر بن عياش فرواه عن الأعمش عن أبى داود عن عمران بن حصين، أخرجه أحمد والطبراني وقد أخرجه أحمد وابن أبى شيبة وأبو يعلى والطبراني والحاكم والبيهقي في آخر الشعب كلهم من رواية عبد الوارث عن محمد بن جحادة عن ابن بريدة عن أبيه نحوه وله شاهد من حديث ابن عباس أخرجه الطبراني.]] إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنه خير لكم فتعملوا به، جعل من لا يعمل به وإن علمه كأنه لا يعلمه. وقرئ (تصدّقوا) بتخفيف الصاد على حذف التاء تُرْجَعُونَ قرئ على البناء للفاعل والمفعول: وقرئ: يرجعون بالياء على طريقة الالتفات. وقرأ عبد اللَّه: تردّون: وقرأ أبىّ:
تصيرون. وعن ابن عباس أنها آخر آية نزل بها جبريل عليه السلام وقال: ضعها في رأس المائتين والثمانين من البقرة. وعاش رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بعدها أحدا وعشرين يوما. وقيل أحدا وثمانين. وقيل سبعة أيام. وقيل ثلاث ساعات.
البقرة 2:282
إِذا تَدايَنْتُمْ إذا داين بعضكم بعضا. يقال: داينت الرجل عاملته بِدَيْنٍ معطيا أو آخذا كما تقول: بايعته إذا بعته أو باعك. قال رؤبة:
دَايَنْتُ أرْوَى وَالدُّيُونُ تُقْضَى ... فَمَطَلَتْ بَعْضاً وَأَدَّتْ بَعْضَا [[لرؤبة. يقول: عاملت محبوبتى أروى بدين لي عليها من لوازم المودة، فمطلت: أى أخرت بعضا منه وأطالت مدة تأخيره، وقضت بعضا منه- وقوله «والديون تقضى» جملة حالية أو اعتراضية مبينة لظلمها في المطل وأصل المطل: المط والمد.]] والمعنى: إذا تعاملتم بدين مؤجل فاكتبوه. فإن قلت: هلا قيل: إذا تداينتم إلى أجل مسمى [[قال محمود: «إن قلت هلا قيل إذا تداينتم ... الخ» ؟ قال أحمد: الأجل المسمى هو المعلوم انتهاؤه، ولعلم الانتهاء طرق منها التحديد بنفس الزمان كالسنة والشهر. ومنها التحديد بما يعتاد وقوعه في زمن مخصوص مضبوط بالعرف. كالحصاد، ومقدم الحاج. وكيفما علم الأجل صح ضربه، فمن ثم أجاز ملك البيع إلى الحصاد لأنه معلوم عندهم، ثم المعتبر زمان وقوع هذه المسميات لا نفس وقوعها حتى لو حل زمن قدوم الحاج فمنعه مانع من القدوم مثلا لم يكن به عبرة وحكمنا بحلول أجل الدين، واللَّه أعلم.]] وأى حاجة إلى ذكر الدين كما قال: داينت أروى، ولم يقل: بدين؟ قلت: ذكر ليرجع الضمير إليه في قوله فَاكْتُبُوهُ إذ لو لم يذكر لوجب أن يقال: فاكتبوا الدين، فلم يكن النظم بذلك الحسن. ولأنه أبين لتنويع الدين إلى مؤجل وحالّ. فإن قلت: ما فائدة قوله مُسَمًّى. قلت:
ليعلم أن من حق الأجل أن يكون معلوما كالتوقيت بالسنة والأشهر والأيام، ولو قال: إلى الحصاد، أو الدياس، أو رجوع الحاج، لم يجز لعدم التسمية. وإنما أمر بكتبة الدين، لأنّ ذلك أوثق وآمن من النسيان وأبعد من الجحود، والأمر للندب. وعن ابن عباس أن المراد به السلم وقال لما حرم اللَّه الرّبا أباح السلف. وعنه: أشهد أن اللَّه أباح السلم المضمون إلى أجل معلوم في كتابه وأنزل فيه أطول آية [[أخرجه الحاكم من رواية أبى حيان الأعرج عن الأعمش عن ابن عباس، قال «أشهد أن السلم المضمون إلى أجل مسمى أن اللَّه أجله في الكتاب وأذن فيه» وقرأ هذه الآية (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ) .]] . بِالْعَدْلِ متعلق بكاتب صفة له، أى كاتب مأمون على ما يكتب، يكتب بالسوية والاحتياط. لا يزيد على ما يجب أن يكتب ولا ينقص. وفيه: أن يكون الكاتب فقيها عالما بالشروط حتى يجيء مكتوبه معدلا بالشرع. وهو أمر للمتداينين بتخير الكاتب، وأن لا يستكتبوا إلا فقيها دينا وَلا يَأْبَ كاتِبٌ ولا يمتنع أحد من الكتاب وهو معنى تنكير كاتب أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ مثل ما علمه اللَّه كتابة الوثائق لا يبدل ولا يغير. وقيل هو قوله تعالى (وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ) أى ينفع الناس بكتابته كما نفعه اللَّه بتعليمها. وعن الشعبي: هي فرض كفاية، وكما علمه اللَّه: يجوز أن يتعلق بأن يكتب، وبقوله فليكتب. فإن قلت: أى فرق بين الوجهين؟ قلت: إن علقته بأن يكتب فقد نهى عن الامتناع من الكتابة المقيدة، ثم قيل له فَلْيَكْتُبْ يعنى فليكتب تلك الكتابة لا يعدل عنها للتوكيد، وإن علقته بقوله فليكتب فقد نهى عن الامتناع من الكتابة على سبيل الإطلاق، ثم أمر بها مقيدة وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ ولا يكن المملى إلا من وجب عليه الحق، لأنه هو المشهود على ثباته في ذمته وإقراره به. والإملاء والإملال لغتان قد نطق بهما القرآن (فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ) . وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ من الحق شَيْئاً والبخس: النقص. وقرئ شيا، بطرح الهمزة: وشيا، بالتشديد سَفِيهاً محجورا عليه لتبذيره وجهله بالتصرف أَوْ ضَعِيفاً صبيا أو شيخا مختلا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ أو غير مستطيع للإملاء بنفسه لعىّ به أو خرس فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ الذي يلي أمره من وصىّ إن كان سفيها أو صبيا، أو وكيل إن كان غير مستطيع، أو ترجمان يمل عنه وهو يصدقه. وقوله تعالى أَنْ يُمِلَّ هُوَ فيه أنه غير مستطيع ولكن بغيره، وهو الذي يترجم عنه وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ واطلبوا أن يشهد لكم شهيدان على الدين مِنْ رِجالِكُمْ من رجال المؤمنين. والحرية والبلوغ شرط مع الإسلام عند عامة العلماء. وعن على رضى اللَّه عنه: لا تجوز شهادة العبد في شيء. وعند شريح وابن سيرين وعثمان البتىّ أنها جائزة، ويجوز عند أبى حنيفة شهادة الكفار بعضهم على بعض على اختلاف الملل فَإِنْ لَمْ يَكُونا فإن لم يكن الشهيدان رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ فليشهد رجل وامرأتان، وشهادة النساء مع الرجال مقبولة عند أبى حنيفة فيما عدا الحدود والقصاص مِمَّنْ تَرْضَوْنَ ممن تعرفون عدالتهم أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما أن لا تهتدى إحداهما للشهادة بأن تنساها، من ضل الطريق إذا لم يهتد له. وانتصابه على أنه مفعول له أى إرادة أن تضل. فإن قلت: كيف يكون ضلالها مرادا للَّه تعالى؟ قلت لما كان الضلال سببا للإذكار، والإذكار مسببا عنه، وهم ينزلون كل واحد من السبب والمسبب منزلة الآخر لالتباسهما واتصالهما، كانت إرادة الضلال المسبب عنه الإذكار إرادة للإذكار، فكأنه قيل: إرادة أن تذكر إحداهما الأخرى إن ضلت.
ونظيره قولهم: أعددت الخشبة أن يميل الحائط فأدعمه، وأعددت السلاح أن يجيء عدوٌّ فأدفعه.
وقرئ (فَتُذَكِّرَ بالتخفيف والتشديد، وهما لغتان. وفتذاكر. وقرأ حمزة: إن تضل إحداهما، على الشرط. فتذكر: بالرفع والتشديد، كقوله: (وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ) وقرئ أن تضل إحداهما على البناء للمفعول والتأنيث. ومن بدع التفاسير: فتذكر، فتجعل إحداهما الأخرى ذكرا، يعنى أنهما إذا اجتمعتا كانتا بمنزلة الذكر إِذا ما دُعُوا ليقيموا الشهادة. وقيل: ليستشهدوا. وقيل لهم شهداء قبل التحمل، تنزيلا لما يشارف منزلة الكائن. وعن قتادة: كان الرجل يطوف الحواء [[قوله «يطوف في الحواء» في الصحاح: الحواء جماعة بيوت من الناس مجتمعة. (ع)]] العظيم فيه القوم فلا يتبعه منهم أحد، فنزلت. كنى بالسأم عن الكسل، لأنّ الكسل صفة المنافق. ومنه الحديث: لا يقول المؤمن كسلت» [[يأتى في براءة]] ويجوز أن يراد من كثرت مدايناته فاحتاج أن يكسب لكل دين صغير أو كبير كتابا، فربما مل كثرة الكتب. والضمير في تَكْتُبُوهُ للدين أو الحق صَغِيراً أَوْ كَبِيراً على أى حال كان الحق من صغر أو كبر. ويجوز أن يكون الضمير للكتاب وأن يكتبوه مختصراً أو مشبعاً لا يخلوا بكتابته إِلى أَجَلِهِ إلى وقته الذي اتفق الغريمان على تسميته ذلِكُمْ إشارة إلى أن تكتبوه، لأنه في معنى المصدر، أى ذلكم الكتب أَقْسَطُ أعدل من القسط وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وأعون على إقامة الشهادة وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا وأقرب من انتفاء الريب. فإن قلت: مِمَّ بنى أفعلا التفضيل، أعنى: أقسط، وأقوم؟ قلت: يجوز على مذهب سيبويه أن يكونا مبنيين من أقسط وأقام، وأن يكون أقسط من قاسط على طريقة النسب بمعنى ذى قسط، وأقوم من قويم. وقرئ: ولا يسأموا أن يكتبوه بالياء فيهما. فإن قلت:
ما معنى تِجارَةً حاضِرَةً وسواء أكانت المبايعة بدين أو بعين فالتجارة حاضرة؟ وما معنى إدارتها بينهم؟ قلت. أريد بالتجارة ما يتجر فيه من الأبدال. ومعنى إدارتها بينهم تعاطيهم إياها يدا بيد.
والمعنى: إلا أن تتبايعوا بيعا ناجزا يدا بيد فلا بأس أن لا تكتبوه، لأنه لا يتوهم فيه ما يتوهم في التداين. وقرئ: تجارة حاضرة بالرفع على كان التامّة. وقيل: هي الناقصة على أنّ الاسم «تجارة حاضرة» والخبر «تديرونها» وبالنصب على: إلا أن تكون التجارة تجارة حاضرة كبيت الكتاب:
بَنِى أسَدٍ هَلْ تَعْلَمُونَ بلَاءَنَا ... إذَا كانَ يَوْماً ذَا كَوَاكِبَ أَشْنَعَا [[من أبيات الكتاب. والمراد من هذا الاستفهام الوعيد والتهديد وتذكير ما سبق أو التقرير، أو هل بمعنى قد. والبلاء: الحرب وكل مكروه. أى يا بنى أسد، هل تعلمون حربنا إذا كان اليوم يوما صاحب كواكب، فاسم كان محذوف. ويجوز أن اسم كان ضمير البلاء، ويوما ظرف متعلق بالخبر المحذوف. وكنى بذي الكواكب عن المظلم، لأن الكواكب المتعددة لا تظهر إلا ليلا، فالمعنى: إذا كان اليوم يشبه الليل في الظلمة من اشتداد الحرب وإثارة الغبار فيحجب الشمس، فكأن النجوم ترى فيه. وأقرب من ذلك أنه استعار الكواكب لأطراف الرماح، وسيوف للمعانها وانتشارها ذلك اليوم كالنجوم على طريق التصريحية، والأشنع: القبيح.]]
أى إذا كان اليوم يوما وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ أمر بالإشهاد على التبايع مطلقاً، ناجزا أو كالئا لأنه أحوط وأبعد مما عسى يقع من الاختلاف. ويجوز أن يراد: وأشهدوا إذا تبايعتم هذا التبايع يعنى التجارة الحاضرة، على أن الإشهاد كاف فيه دون الكتابة. وعن الحسن: إن شاء أشهد وإن شاء لم يشهد. وعن الضحاك: هي عزيمة من اللَّه ولو على باقة بقل [[قوله «على باقة بقل» حزمة منه. أفاده الصحاح. (ع)]] وَلا يُضَارَّ يحتمل البناء للفاعل والمفعول. والدليل عليه قراءة عمر رضى اللَّه عنه: ولا يضارر، بالإظهار والكسر. وقراءة ابن عباس رضى اللَّه عنه: ولا يضارر، بالإظهار والفتح. والمعنى نهى الكاتب والشهيد عن ترك الإجابة إلى ما يطلب منهما. وعن التحريف والزيادة والنقصان، أو النهى عن الضرار بهما بأن يعجلا عن مهم، ويلزا، أو لا يعطى الكاتب حقه من الجعل، أو يحمل الشهيد مؤنة مجيئه من بلد [[قوله «مؤنة مجيئه من بلد» لعله من بلد بعيد. (ع)]] .
وقرأ الحسن: ولا يضار، بالكسر وَإِنْ تَفْعَلُوا وإن تضارّوا فَإِنَّهُ فإنّ الضرار فُسُوقٌ بِكُمْ وقيل: وإن تفعلوا شيئا مما نهيتم عنه عَلى سَفَرٍ مسافرين. وقرأ ابن عباس وأبىّ رضى اللَّه عنهما كتابا. وقال ابن عباس: أرأيت إن وجدت الكاتب ولم تجد الصحيفة والدواة. وقرأ أبو العالية: كتبا. وقرأ الحسن: كتابا، جمع كاتب (فرهن) فالذي يستوثق به رهن. وقرئ فرهن بضم الهاء وسكونها، وهو جمع رهن، كسقف وسقف. وفرهان. فإن قلت: لم شرط السفر في الارتهان ولا يختص به سفر دون حضر [[قال محمود رحمه اللَّه: «إن قلت: لم شرط السفر في الارتهان ولا يختصّ به سفر ... الخ» قال أحمد رحمه اللَّه: فالتخصيص بالسفر على هذا جرى على وفق الغالب فلا مفهوم له. وفي هذه الآية دليل بين لمذهب مالك رضى اللَّه عنه في إقامة الرهن عند التنازع في قدر الدين مقام شاهد للمرتهن إلى تمام قيمته، حتى لو تنازعا فقال الراهن:
رهنتكه بمائة، وقال المرتهن: بل الرهن بمائتين، لكان الرهن شاهداً بقيمته. خلافا للشافعي رضى اللَّه عنه فانه يرى القول قول الراهن مطلقاً، لأنه غارم، ووجه الدليل لمالك رضى اللَّه عنه من الآية: أن اللَّه تعالى جعل الرهن في التوثق عوضاً من الاشهاد والكتابة، وخصه بالسفر لإعوازهما حينئذ، ولو كان القول قول الراهن شرعا لم يكن قائما مقام الاشهاد ولا مفيداً فائدته بوجه، إذ لو لم يكن الرهن لكان القول قول المديان في قدر الدين فلم يزد وجود الرهن فائدة على عدمه باعتبار نيابته عن الاشهاد، ولا يقال: إن فائدته الامتياز به على الغرماء، لأن تلك فائدة الاشهاد حتى يكون نائباً عنه عند تعذره، ولا فائدة إذ ذاك إلا جعل القول قول المرتهن في قدر الدين عند التخالف وهو مذهب مالك المقدم ذكره. ومن ثم لم يجعله شاهداً إلا في قيمته لا فيما زاد عليها، معتضداً بالعادة في أن رب الدين لا يقبل في دينه إلا الموفى بقيمته. فدعوه أن الدين أكثر من القيمة مردودة بالعادة، والمديان أيضاً لا يسمح بتسليم ما قيمته أكثر فيما هو أقل، فدعواه أن الدين أقل من القيمة مردودة بالعادة، ولا يبقى إلا النظر في أمر واحد، وهو أن المعتبر عند مالك في القيمة يوم الحكم، حتى لو تصادقا على أن القيمة كانت يوم الرهن أكثر أو أقل لم يلتفت إلى ذلك زادت أو نقصت، وإنما يعتبر يوم القضاء. ولقائل أن يقول: إذا جعلتم الرهن مقام الشاهد عند عدمه لأن العادة تقتضي أن الناس إنما يرهنون في الديون المساوى قيمته لها، فينبغي أن تعتبروا القيمة يوم الرهن غير معرجين على زيادتها ونقصانها يوم القضاء، وعند ذلك يتجاذب أطراف الكلام في أن المقتضى لاقامته مقام الشاهد هو المعنى المتقدم أو غيره. وليس غرضنا إلا أن الآية ترشد إلى إقامته مقام الشهادة في الجملة. وأما تفاصيل المسألة فذلك من حظ الفقه.]] وقد رهن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم درعه في غير سفر [[منفق عليه من رواية الأسود بن يزيد عن عائشة «أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم اشترى من يهودى طعاما إلى أجل ورهنه درعا من حديد» وللبخاري من رواية قتادة عن أنس. قال «ولقد رهن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم درعا له بالمدينة عند يهودى، وأخذ منه شعيراً لأهله» اه.]] . قلت: ليس الغرض تجويز الارتهان في السفر خاصة، ولكن السفر لما كان مظنة لإعواز الكتب والإشهاد، أمر على سبيل الإرشاد إلى حفظ المال من كان على سفر، بأن يقيم التوثق بالارتهان مقام التوثق بالكتب والإشهاد. وعن مجاهد والضحاك أنهما لم يجوّزاه إلا في حال السفر أخذا بظاهر الآية. وأما القبض فلا بدّ من اعتباره [[قال محمود: «وأما القبض فلا بد من اعتباره ... الخ» قال أحمد رحمه اللَّه: ليس بين مالك والشافعي خلاف في صحة الارتهان بالإيجاب والقبول دون القبض، ولكنه عند مالك رضى اللَّه عنه يصح بذلك، ويلزم الراهن بالعقد تسليمه للمرتهن. وعند الشافعي لا يلزم بالعقد ولكن للقبض عند مالك اعتبار في الابتداء والدوام، ولا يشترط الشافعي كثيراً من أحكامه عند مالك، وذلك أنهما لو تقاررا على القبض ثم قام الغرماء انتفع بالرهن عند الشافعي وامتاز به، ولم ينتفع به عند مالك وكان أسوة الغرماء فيه، حتى ينضاف إلى الشهادة عليهما بالقبض معاينة البينة لذلك، لأنه يتهمهما بالتواطؤ على إسقاط حق الغرماء فلا يعتبر إقرارهما إلا بانضمام المعاينة، فالقبض من هذا الوجه أدخل في الاعتبار على رأى مالك منه على رأى الشافعي، هذا في الابتداء. وأما في الدوام فمالك رضى اللَّه عنه يشترط بقاءه في يد المرتهن حتى لو عاد إلى يد الراهن بأن أودعه المرتهن إياه أو أجره منه أو أعاره إياه إعارة مطلقة فقد خرج من الرهن، ولو قام الغرماء وهو بيد الراهن بوجه من الوجوه المذكورة كان أسوة الغرماء فيه، والشافعي رضى اللَّه عنه لا يشترط دوام القبض على هذا الوجه، بل للراهن عند الشافعي أن ينتفع بالرهن ولو كره المرتهن إذا لم يكن الانتفاع مضراً بالرهن، كسكنى الدار، واستخدام العبد. وله أن يستوفى منافعه بنفسه على الصحيح عنده المنصوص عليه في الأم ولا يؤثر ذلك في الرهن بطلانا ولا خللا، فقد علمت أن القبض أدخل في الاعتبار على مذهب مالك ابتداء ودواماً، والآية تعضده فان الرهن في اللغة هو الدوام. أنشد أبو على:
فالخبز واللحم لهم راهن ... وقهوة راووقها ساكب
ولعل القائل باشتراط دوام الرهن في يد المرتهن تمسك بما في لفظ الرهن من اقتضاء الدوام، وله في ذلك متمسك.
وما طولت في حكاية مذهب مالك في القبض، إلا لأن المفهوم من كلام الزمخشري إطراح القبض عند مالك لأنه فهم من قول أصحابه أن القبض لا يشترط في صحة الرهن، ولا في لزومه أنه غير معتبر عنده بالكلية، واللَّه أعلم،]] . وعند مالك يصح الارتهان بالإيجاب والقبول بدون القبض فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فإن أمن بعض الدائنين بعض المديونين [[قوله «المديونين لحسن ظنه به» لعله مسموع شاذ، والقياس المدينين، وكذا المديون قياسه المدين. (ع)]] لحسن ظنه به. وقرأ أبىّ: فإن أومن، أى آمنه الناس [[قوله «أى آمنه الناس» الظاهر أنه من الافعال بالكسر، لا من المفاعلة، أى جعل الناس البعض وهو الدائن بحيث يأمن البعض الآخر وهو المدين، وذلك بأن وصفوا له المدين بالأمانة الخ، فصار الدائن بحيث يأمن المدين. (ع)]] ووصفوا المديون بالأمانة والوفاء والاستغناء عن الارتهان من مثله فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ حث المديون على أن يكون عند ظن الدائن به وأمنه منه وائتمانه له، وأن يؤدّى إليه الحق الذي ائتمنه عليه فلم يرتهن منه.
وسمى الدين أمانة وهو مضمون لائتمانه عليه بترك الارتهان منه. والقراءة أن تنطق بهمزة ساكنة بعد الذال أو ياء، فتقول: الذي اؤتمن، أو الذي تمن. وعن عاصم أنه قرأ: الذي اتمن، بإدغام الياء في التاء، قياساً على اتسر في الافتعال من اليسر، وليس بصحيح، لأنّ الياء منقلبة عن الهمزة، فهي في حكم الهمزة و «اتزر» عامىٌّ، وكذلك ريا في رؤيا آثِمٌ خبر إن. وقَلْبُهُ رفع بآثم على الفاعلية، كأنه قيل: فإنه يأثم قلبه. ويجوز أن يرتفع قلبه بالابتداء. وآثم خبر مقدّم، والجملة خبر إن. فإن قلت: هلا اقتصر على قوله: (فَإِنَّهُ آثِمٌ) ؟ وما فائدة ذكر القلب- والجملة هي الآثمة لا القلب وحده-؟ قلت: كتمان الشهادة: هو أن يضمرها ولا يتكلم بها، فلما كان إثما مقترفا بالقلب أسند إليه، لأنّ إسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ. ألا تراك تقول إذا أردت التوكيد: هذا مما أبصرته عينى، ومما سمعته أذنى، ومما عرفه قلبي، ولأنّ القلب هو رئيس الأعضاء والمضغة التي إن صلحت صلح الجسد كله وإن فسدت فسد الجسد كله، فكأنه قيل: فقد تمكن الإثم في أصل نفسه، وملك أشرف مكان فيه. ولئلا يظن أن كتمان الشهادة من الآثام المتعلقة باللسان فقط، وليعلم أنّ القلب أصل متعلقه ومعدن اقترافه، واللسان ترجمان عنه. ولأنّ أفعال القلوب أعظم من أفعال سائر الجوارح وهي لها كالأصول التي تتشعب منها. ألا ترى أنّ أصل الحسنات والسيئات الإيمان والكفر، وهما من أفعال القلوب، فإذا جعل كتمان الشهادة من آثام القلوب فقد شهد له بأنه من معاظم الذنوب. وعن ابن عباس رضى اللَّه عنهما: أكبر الكبائر الإشراك باللَّه لقوله تعالى: (فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ) وشهادة الزور، وكتمان الشهادة. وقرئ: قلبه، بالنصب، كقوله: (سَفِهَ نَفْسَهُ) وقرأ ابن أبى عبلة: أثم قلبه، أى جعله آثما [[قوله «أثم قلبه أى جعله آثما» يحتمل أنه بمد الهمزة من الافعال، وأنه بتشديد التاء من التفعيل، فليحرر. (ع)]]
البقرة 2:283
إِذا تَدايَنْتُمْ إذا داين بعضكم بعضا. يقال: داينت الرجل عاملته بِدَيْنٍ معطيا أو آخذا كما تقول: بايعته إذا بعته أو باعك. قال رؤبة:
دَايَنْتُ أرْوَى وَالدُّيُونُ تُقْضَى ... فَمَطَلَتْ بَعْضاً وَأَدَّتْ بَعْضَا [[لرؤبة. يقول: عاملت محبوبتى أروى بدين لي عليها من لوازم المودة، فمطلت: أى أخرت بعضا منه وأطالت مدة تأخيره، وقضت بعضا منه- وقوله «والديون تقضى» جملة حالية أو اعتراضية مبينة لظلمها في المطل وأصل المطل: المط والمد.]] والمعنى: إذا تعاملتم بدين مؤجل فاكتبوه. فإن قلت: هلا قيل: إذا تداينتم إلى أجل مسمى [[قال محمود: «إن قلت هلا قيل إذا تداينتم ... الخ» ؟ قال أحمد: الأجل المسمى هو المعلوم انتهاؤه، ولعلم الانتهاء طرق منها التحديد بنفس الزمان كالسنة والشهر. ومنها التحديد بما يعتاد وقوعه في زمن مخصوص مضبوط بالعرف. كالحصاد، ومقدم الحاج. وكيفما علم الأجل صح ضربه، فمن ثم أجاز ملك البيع إلى الحصاد لأنه معلوم عندهم، ثم المعتبر زمان وقوع هذه المسميات لا نفس وقوعها حتى لو حل زمن قدوم الحاج فمنعه مانع من القدوم مثلا لم يكن به عبرة وحكمنا بحلول أجل الدين، واللَّه أعلم.]] وأى حاجة إلى ذكر الدين كما قال: داينت أروى، ولم يقل: بدين؟ قلت: ذكر ليرجع الضمير إليه في قوله فَاكْتُبُوهُ إذ لو لم يذكر لوجب أن يقال: فاكتبوا الدين، فلم يكن النظم بذلك الحسن. ولأنه أبين لتنويع الدين إلى مؤجل وحالّ. فإن قلت: ما فائدة قوله مُسَمًّى. قلت:
ليعلم أن من حق الأجل أن يكون معلوما كالتوقيت بالسنة والأشهر والأيام، ولو قال: إلى الحصاد، أو الدياس، أو رجوع الحاج، لم يجز لعدم التسمية. وإنما أمر بكتبة الدين، لأنّ ذلك أوثق وآمن من النسيان وأبعد من الجحود، والأمر للندب. وعن ابن عباس أن المراد به السلم وقال لما حرم اللَّه الرّبا أباح السلف. وعنه: أشهد أن اللَّه أباح السلم المضمون إلى أجل معلوم في كتابه وأنزل فيه أطول آية [[أخرجه الحاكم من رواية أبى حيان الأعرج عن الأعمش عن ابن عباس، قال «أشهد أن السلم المضمون إلى أجل مسمى أن اللَّه أجله في الكتاب وأذن فيه» وقرأ هذه الآية (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ) .]] . بِالْعَدْلِ متعلق بكاتب صفة له، أى كاتب مأمون على ما يكتب، يكتب بالسوية والاحتياط. لا يزيد على ما يجب أن يكتب ولا ينقص. وفيه: أن يكون الكاتب فقيها عالما بالشروط حتى يجيء مكتوبه معدلا بالشرع. وهو أمر للمتداينين بتخير الكاتب، وأن لا يستكتبوا إلا فقيها دينا وَلا يَأْبَ كاتِبٌ ولا يمتنع أحد من الكتاب وهو معنى تنكير كاتب أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ مثل ما علمه اللَّه كتابة الوثائق لا يبدل ولا يغير. وقيل هو قوله تعالى (وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ) أى ينفع الناس بكتابته كما نفعه اللَّه بتعليمها. وعن الشعبي: هي فرض كفاية، وكما علمه اللَّه: يجوز أن يتعلق بأن يكتب، وبقوله فليكتب. فإن قلت: أى فرق بين الوجهين؟ قلت: إن علقته بأن يكتب فقد نهى عن الامتناع من الكتابة المقيدة، ثم قيل له فَلْيَكْتُبْ يعنى فليكتب تلك الكتابة لا يعدل عنها للتوكيد، وإن علقته بقوله فليكتب فقد نهى عن الامتناع من الكتابة على سبيل الإطلاق، ثم أمر بها مقيدة وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ ولا يكن المملى إلا من وجب عليه الحق، لأنه هو المشهود على ثباته في ذمته وإقراره به. والإملاء والإملال لغتان قد نطق بهما القرآن (فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ) . وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ من الحق شَيْئاً والبخس: النقص. وقرئ شيا، بطرح الهمزة: وشيا، بالتشديد سَفِيهاً محجورا عليه لتبذيره وجهله بالتصرف أَوْ ضَعِيفاً صبيا أو شيخا مختلا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ أو غير مستطيع للإملاء بنفسه لعىّ به أو خرس فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ الذي يلي أمره من وصىّ إن كان سفيها أو صبيا، أو وكيل إن كان غير مستطيع، أو ترجمان يمل عنه وهو يصدقه. وقوله تعالى أَنْ يُمِلَّ هُوَ فيه أنه غير مستطيع ولكن بغيره، وهو الذي يترجم عنه وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ واطلبوا أن يشهد لكم شهيدان على الدين مِنْ رِجالِكُمْ من رجال المؤمنين. والحرية والبلوغ شرط مع الإسلام عند عامة العلماء. وعن على رضى اللَّه عنه: لا تجوز شهادة العبد في شيء. وعند شريح وابن سيرين وعثمان البتىّ أنها جائزة، ويجوز عند أبى حنيفة شهادة الكفار بعضهم على بعض على اختلاف الملل فَإِنْ لَمْ يَكُونا فإن لم يكن الشهيدان رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ فليشهد رجل وامرأتان، وشهادة النساء مع الرجال مقبولة عند أبى حنيفة فيما عدا الحدود والقصاص مِمَّنْ تَرْضَوْنَ ممن تعرفون عدالتهم أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما أن لا تهتدى إحداهما للشهادة بأن تنساها، من ضل الطريق إذا لم يهتد له. وانتصابه على أنه مفعول له أى إرادة أن تضل. فإن قلت: كيف يكون ضلالها مرادا للَّه تعالى؟ قلت لما كان الضلال سببا للإذكار، والإذكار مسببا عنه، وهم ينزلون كل واحد من السبب والمسبب منزلة الآخر لالتباسهما واتصالهما، كانت إرادة الضلال المسبب عنه الإذكار إرادة للإذكار، فكأنه قيل: إرادة أن تذكر إحداهما الأخرى إن ضلت.
ونظيره قولهم: أعددت الخشبة أن يميل الحائط فأدعمه، وأعددت السلاح أن يجيء عدوٌّ فأدفعه.
وقرئ (فَتُذَكِّرَ بالتخفيف والتشديد، وهما لغتان. وفتذاكر. وقرأ حمزة: إن تضل إحداهما، على الشرط. فتذكر: بالرفع والتشديد، كقوله: (وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ) وقرئ أن تضل إحداهما على البناء للمفعول والتأنيث. ومن بدع التفاسير: فتذكر، فتجعل إحداهما الأخرى ذكرا، يعنى أنهما إذا اجتمعتا كانتا بمنزلة الذكر إِذا ما دُعُوا ليقيموا الشهادة. وقيل: ليستشهدوا. وقيل لهم شهداء قبل التحمل، تنزيلا لما يشارف منزلة الكائن. وعن قتادة: كان الرجل يطوف الحواء [[قوله «يطوف في الحواء» في الصحاح: الحواء جماعة بيوت من الناس مجتمعة. (ع)]] العظيم فيه القوم فلا يتبعه منهم أحد، فنزلت. كنى بالسأم عن الكسل، لأنّ الكسل صفة المنافق. ومنه الحديث: لا يقول المؤمن كسلت» [[يأتى في براءة]] ويجوز أن يراد من كثرت مدايناته فاحتاج أن يكسب لكل دين صغير أو كبير كتابا، فربما مل كثرة الكتب. والضمير في تَكْتُبُوهُ للدين أو الحق صَغِيراً أَوْ كَبِيراً على أى حال كان الحق من صغر أو كبر. ويجوز أن يكون الضمير للكتاب وأن يكتبوه مختصراً أو مشبعاً لا يخلوا بكتابته إِلى أَجَلِهِ إلى وقته الذي اتفق الغريمان على تسميته ذلِكُمْ إشارة إلى أن تكتبوه، لأنه في معنى المصدر، أى ذلكم الكتب أَقْسَطُ أعدل من القسط وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وأعون على إقامة الشهادة وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا وأقرب من انتفاء الريب. فإن قلت: مِمَّ بنى أفعلا التفضيل، أعنى: أقسط، وأقوم؟ قلت: يجوز على مذهب سيبويه أن يكونا مبنيين من أقسط وأقام، وأن يكون أقسط من قاسط على طريقة النسب بمعنى ذى قسط، وأقوم من قويم. وقرئ: ولا يسأموا أن يكتبوه بالياء فيهما. فإن قلت:
ما معنى تِجارَةً حاضِرَةً وسواء أكانت المبايعة بدين أو بعين فالتجارة حاضرة؟ وما معنى إدارتها بينهم؟ قلت. أريد بالتجارة ما يتجر فيه من الأبدال. ومعنى إدارتها بينهم تعاطيهم إياها يدا بيد.
والمعنى: إلا أن تتبايعوا بيعا ناجزا يدا بيد فلا بأس أن لا تكتبوه، لأنه لا يتوهم فيه ما يتوهم في التداين. وقرئ: تجارة حاضرة بالرفع على كان التامّة. وقيل: هي الناقصة على أنّ الاسم «تجارة حاضرة» والخبر «تديرونها» وبالنصب على: إلا أن تكون التجارة تجارة حاضرة كبيت الكتاب:
بَنِى أسَدٍ هَلْ تَعْلَمُونَ بلَاءَنَا ... إذَا كانَ يَوْماً ذَا كَوَاكِبَ أَشْنَعَا [[من أبيات الكتاب. والمراد من هذا الاستفهام الوعيد والتهديد وتذكير ما سبق أو التقرير، أو هل بمعنى قد. والبلاء: الحرب وكل مكروه. أى يا بنى أسد، هل تعلمون حربنا إذا كان اليوم يوما صاحب كواكب، فاسم كان محذوف. ويجوز أن اسم كان ضمير البلاء، ويوما ظرف متعلق بالخبر المحذوف. وكنى بذي الكواكب عن المظلم، لأن الكواكب المتعددة لا تظهر إلا ليلا، فالمعنى: إذا كان اليوم يشبه الليل في الظلمة من اشتداد الحرب وإثارة الغبار فيحجب الشمس، فكأن النجوم ترى فيه. وأقرب من ذلك أنه استعار الكواكب لأطراف الرماح، وسيوف للمعانها وانتشارها ذلك اليوم كالنجوم على طريق التصريحية، والأشنع: القبيح.]]
أى إذا كان اليوم يوما وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ أمر بالإشهاد على التبايع مطلقاً، ناجزا أو كالئا لأنه أحوط وأبعد مما عسى يقع من الاختلاف. ويجوز أن يراد: وأشهدوا إذا تبايعتم هذا التبايع يعنى التجارة الحاضرة، على أن الإشهاد كاف فيه دون الكتابة. وعن الحسن: إن شاء أشهد وإن شاء لم يشهد. وعن الضحاك: هي عزيمة من اللَّه ولو على باقة بقل [[قوله «على باقة بقل» حزمة منه. أفاده الصحاح. (ع)]] وَلا يُضَارَّ يحتمل البناء للفاعل والمفعول. والدليل عليه قراءة عمر رضى اللَّه عنه: ولا يضارر، بالإظهار والكسر. وقراءة ابن عباس رضى اللَّه عنه: ولا يضارر، بالإظهار والفتح. والمعنى نهى الكاتب والشهيد عن ترك الإجابة إلى ما يطلب منهما. وعن التحريف والزيادة والنقصان، أو النهى عن الضرار بهما بأن يعجلا عن مهم، ويلزا، أو لا يعطى الكاتب حقه من الجعل، أو يحمل الشهيد مؤنة مجيئه من بلد [[قوله «مؤنة مجيئه من بلد» لعله من بلد بعيد. (ع)]] .
وقرأ الحسن: ولا يضار، بالكسر وَإِنْ تَفْعَلُوا وإن تضارّوا فَإِنَّهُ فإنّ الضرار فُسُوقٌ بِكُمْ وقيل: وإن تفعلوا شيئا مما نهيتم عنه عَلى سَفَرٍ مسافرين. وقرأ ابن عباس وأبىّ رضى اللَّه عنهما كتابا. وقال ابن عباس: أرأيت إن وجدت الكاتب ولم تجد الصحيفة والدواة. وقرأ أبو العالية: كتبا. وقرأ الحسن: كتابا، جمع كاتب (فرهن) فالذي يستوثق به رهن. وقرئ فرهن بضم الهاء وسكونها، وهو جمع رهن، كسقف وسقف. وفرهان. فإن قلت: لم شرط السفر في الارتهان ولا يختص به سفر دون حضر [[قال محمود رحمه اللَّه: «إن قلت: لم شرط السفر في الارتهان ولا يختصّ به سفر ... الخ» قال أحمد رحمه اللَّه: فالتخصيص بالسفر على هذا جرى على وفق الغالب فلا مفهوم له. وفي هذه الآية دليل بين لمذهب مالك رضى اللَّه عنه في إقامة الرهن عند التنازع في قدر الدين مقام شاهد للمرتهن إلى تمام قيمته، حتى لو تنازعا فقال الراهن:
رهنتكه بمائة، وقال المرتهن: بل الرهن بمائتين، لكان الرهن شاهداً بقيمته. خلافا للشافعي رضى اللَّه عنه فانه يرى القول قول الراهن مطلقاً، لأنه غارم، ووجه الدليل لمالك رضى اللَّه عنه من الآية: أن اللَّه تعالى جعل الرهن في التوثق عوضاً من الاشهاد والكتابة، وخصه بالسفر لإعوازهما حينئذ، ولو كان القول قول الراهن شرعا لم يكن قائما مقام الاشهاد ولا مفيداً فائدته بوجه، إذ لو لم يكن الرهن لكان القول قول المديان في قدر الدين فلم يزد وجود الرهن فائدة على عدمه باعتبار نيابته عن الاشهاد، ولا يقال: إن فائدته الامتياز به على الغرماء، لأن تلك فائدة الاشهاد حتى يكون نائباً عنه عند تعذره، ولا فائدة إذ ذاك إلا جعل القول قول المرتهن في قدر الدين عند التخالف وهو مذهب مالك المقدم ذكره. ومن ثم لم يجعله شاهداً إلا في قيمته لا فيما زاد عليها، معتضداً بالعادة في أن رب الدين لا يقبل في دينه إلا الموفى بقيمته. فدعوه أن الدين أكثر من القيمة مردودة بالعادة، والمديان أيضاً لا يسمح بتسليم ما قيمته أكثر فيما هو أقل، فدعواه أن الدين أقل من القيمة مردودة بالعادة، ولا يبقى إلا النظر في أمر واحد، وهو أن المعتبر عند مالك في القيمة يوم الحكم، حتى لو تصادقا على أن القيمة كانت يوم الرهن أكثر أو أقل لم يلتفت إلى ذلك زادت أو نقصت، وإنما يعتبر يوم القضاء. ولقائل أن يقول: إذا جعلتم الرهن مقام الشاهد عند عدمه لأن العادة تقتضي أن الناس إنما يرهنون في الديون المساوى قيمته لها، فينبغي أن تعتبروا القيمة يوم الرهن غير معرجين على زيادتها ونقصانها يوم القضاء، وعند ذلك يتجاذب أطراف الكلام في أن المقتضى لاقامته مقام الشاهد هو المعنى المتقدم أو غيره. وليس غرضنا إلا أن الآية ترشد إلى إقامته مقام الشهادة في الجملة. وأما تفاصيل المسألة فذلك من حظ الفقه.]] وقد رهن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم درعه في غير سفر [[منفق عليه من رواية الأسود بن يزيد عن عائشة «أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم اشترى من يهودى طعاما إلى أجل ورهنه درعا من حديد» وللبخاري من رواية قتادة عن أنس. قال «ولقد رهن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم درعا له بالمدينة عند يهودى، وأخذ منه شعيراً لأهله» اه.]] . قلت: ليس الغرض تجويز الارتهان في السفر خاصة، ولكن السفر لما كان مظنة لإعواز الكتب والإشهاد، أمر على سبيل الإرشاد إلى حفظ المال من كان على سفر، بأن يقيم التوثق بالارتهان مقام التوثق بالكتب والإشهاد. وعن مجاهد والضحاك أنهما لم يجوّزاه إلا في حال السفر أخذا بظاهر الآية. وأما القبض فلا بدّ من اعتباره [[قال محمود: «وأما القبض فلا بد من اعتباره ... الخ» قال أحمد رحمه اللَّه: ليس بين مالك والشافعي خلاف في صحة الارتهان بالإيجاب والقبول دون القبض، ولكنه عند مالك رضى اللَّه عنه يصح بذلك، ويلزم الراهن بالعقد تسليمه للمرتهن. وعند الشافعي لا يلزم بالعقد ولكن للقبض عند مالك اعتبار في الابتداء والدوام، ولا يشترط الشافعي كثيراً من أحكامه عند مالك، وذلك أنهما لو تقاررا على القبض ثم قام الغرماء انتفع بالرهن عند الشافعي وامتاز به، ولم ينتفع به عند مالك وكان أسوة الغرماء فيه، حتى ينضاف إلى الشهادة عليهما بالقبض معاينة البينة لذلك، لأنه يتهمهما بالتواطؤ على إسقاط حق الغرماء فلا يعتبر إقرارهما إلا بانضمام المعاينة، فالقبض من هذا الوجه أدخل في الاعتبار على رأى مالك منه على رأى الشافعي، هذا في الابتداء. وأما في الدوام فمالك رضى اللَّه عنه يشترط بقاءه في يد المرتهن حتى لو عاد إلى يد الراهن بأن أودعه المرتهن إياه أو أجره منه أو أعاره إياه إعارة مطلقة فقد خرج من الرهن، ولو قام الغرماء وهو بيد الراهن بوجه من الوجوه المذكورة كان أسوة الغرماء فيه، والشافعي رضى اللَّه عنه لا يشترط دوام القبض على هذا الوجه، بل للراهن عند الشافعي أن ينتفع بالرهن ولو كره المرتهن إذا لم يكن الانتفاع مضراً بالرهن، كسكنى الدار، واستخدام العبد. وله أن يستوفى منافعه بنفسه على الصحيح عنده المنصوص عليه في الأم ولا يؤثر ذلك في الرهن بطلانا ولا خللا، فقد علمت أن القبض أدخل في الاعتبار على مذهب مالك ابتداء ودواماً، والآية تعضده فان الرهن في اللغة هو الدوام. أنشد أبو على:
فالخبز واللحم لهم راهن ... وقهوة راووقها ساكب
ولعل القائل باشتراط دوام الرهن في يد المرتهن تمسك بما في لفظ الرهن من اقتضاء الدوام، وله في ذلك متمسك.
وما طولت في حكاية مذهب مالك في القبض، إلا لأن المفهوم من كلام الزمخشري إطراح القبض عند مالك لأنه فهم من قول أصحابه أن القبض لا يشترط في صحة الرهن، ولا في لزومه أنه غير معتبر عنده بالكلية، واللَّه أعلم،]] . وعند مالك يصح الارتهان بالإيجاب والقبول بدون القبض فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فإن أمن بعض الدائنين بعض المديونين [[قوله «المديونين لحسن ظنه به» لعله مسموع شاذ، والقياس المدينين، وكذا المديون قياسه المدين. (ع)]] لحسن ظنه به. وقرأ أبىّ: فإن أومن، أى آمنه الناس [[قوله «أى آمنه الناس» الظاهر أنه من الافعال بالكسر، لا من المفاعلة، أى جعل الناس البعض وهو الدائن بحيث يأمن البعض الآخر وهو المدين، وذلك بأن وصفوا له المدين بالأمانة الخ، فصار الدائن بحيث يأمن المدين. (ع)]] ووصفوا المديون بالأمانة والوفاء والاستغناء عن الارتهان من مثله فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ حث المديون على أن يكون عند ظن الدائن به وأمنه منه وائتمانه له، وأن يؤدّى إليه الحق الذي ائتمنه عليه فلم يرتهن منه.
وسمى الدين أمانة وهو مضمون لائتمانه عليه بترك الارتهان منه. والقراءة أن تنطق بهمزة ساكنة بعد الذال أو ياء، فتقول: الذي اؤتمن، أو الذي تمن. وعن عاصم أنه قرأ: الذي اتمن، بإدغام الياء في التاء، قياساً على اتسر في الافتعال من اليسر، وليس بصحيح، لأنّ الياء منقلبة عن الهمزة، فهي في حكم الهمزة و «اتزر» عامىٌّ، وكذلك ريا في رؤيا آثِمٌ خبر إن. وقَلْبُهُ رفع بآثم على الفاعلية، كأنه قيل: فإنه يأثم قلبه. ويجوز أن يرتفع قلبه بالابتداء. وآثم خبر مقدّم، والجملة خبر إن. فإن قلت: هلا اقتصر على قوله: (فَإِنَّهُ آثِمٌ) ؟ وما فائدة ذكر القلب- والجملة هي الآثمة لا القلب وحده-؟ قلت: كتمان الشهادة: هو أن يضمرها ولا يتكلم بها، فلما كان إثما مقترفا بالقلب أسند إليه، لأنّ إسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ. ألا تراك تقول إذا أردت التوكيد: هذا مما أبصرته عينى، ومما سمعته أذنى، ومما عرفه قلبي، ولأنّ القلب هو رئيس الأعضاء والمضغة التي إن صلحت صلح الجسد كله وإن فسدت فسد الجسد كله، فكأنه قيل: فقد تمكن الإثم في أصل نفسه، وملك أشرف مكان فيه. ولئلا يظن أن كتمان الشهادة من الآثام المتعلقة باللسان فقط، وليعلم أنّ القلب أصل متعلقه ومعدن اقترافه، واللسان ترجمان عنه. ولأنّ أفعال القلوب أعظم من أفعال سائر الجوارح وهي لها كالأصول التي تتشعب منها. ألا ترى أنّ أصل الحسنات والسيئات الإيمان والكفر، وهما من أفعال القلوب، فإذا جعل كتمان الشهادة من آثام القلوب فقد شهد له بأنه من معاظم الذنوب. وعن ابن عباس رضى اللَّه عنهما: أكبر الكبائر الإشراك باللَّه لقوله تعالى: (فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ) وشهادة الزور، وكتمان الشهادة. وقرئ: قلبه، بالنصب، كقوله: (سَفِهَ نَفْسَهُ) وقرأ ابن أبى عبلة: أثم قلبه، أى جعله آثما [[قوله «أثم قلبه أى جعله آثما» يحتمل أنه بمد الهمزة من الافعال، وأنه بتشديد التاء من التفعيل، فليحرر. (ع)]]
البقرة 2:284
وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يعنى من السوء يحاسبكم به اللَّه فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ لمن استوجب المغفرة بالتوبة مما أظهر منه أو أضمره وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ ممن استوجب العقوبة بالإصرار. ولا يدخل فيما يخفيه الإنسان: الوساوس وحديث النفس، لأنّ ذلك مما ليس في وسعه الخلو منه، ولكن ما اعتقده وعزم عليه. وعن عبد اللَّه بن عمر رضى اللَّه عنهما أنه تلاها فقال: لئن آخذنا اللَّه بهذا لنهلكنّ [[أخرجه الطبري من طريق الزهري عن سعيد بن مرجانة عن ابن عمر به. وأخرجه الحاكم من وجه آخر عن ابن عمر]] ، ثم بكى حتى سمع نشيجه [[قوله «حتى سمع نشيجه» في الصحاح: نشج الباكي نشجا ونشيجاً، إذا غص بالبكاء في حلقه من غير انتحاب. (ع)]] فذكر لابن عباس فقال:
يغفر اللَّه لأبى عبد الرحمن، قد وجد المسلمون منها مثل ما وجد فنزل (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ) وقرئ: فيغفر ويعذب، مجزومين عطفاً على جواب الشرط، ومرفوعين على: فهو يغفر ويعذب. فإن قلت:
كيف يقرأ الجازم؟ قلت: يظهر الراء ويدغم الباء. ومدغم الراء في اللام لاحن مخطئ خطأ فاحشا. وراويه عن أبى عمرو مخطئ مرّتين، لأنه يلحن وينسب إلى أعلم الناس بالعربية ما يؤذن بجهل عظيم. والسبب في نحو هذه الروايات قلة ضبط الرواة، والسبب في قلة الضبط قلة الدراية، ولا يضبط نحو هذا إلا أهل النحو. وقرأ الأعمش: يغفر، بغير فاء مجزوما على البدل من يحاسبكم، كقوله: مَتَى تَأْتِنَا تُلْمِمْ بِنَا فِى دِيَارِنَا ... تَجِدْ حَطَباً جَزْلًا وَنَاراً تَأجَّجَا [[«تلمم» بدل مما قبله، أى متى تنزل عندنا تجدنا موقدين النار بحطب غليظ، وهذا كناية عن كرمهم.
وتأججا: مسند لضمير الحطب والنار، أى اشتعلا، واستدل بهما. وإسناده للنار حقيقى، وللحطب من باب الاسناد للسبب، فهو مجاز عقلى وفيه الجمع بين الحقيقة والمجاز في الاسناد.]]
ومعنى هذا البدل التفصيل لجملة الحساب، لأنّ التفصيل أوضح من المفصل، فهو جار مجرى بدل البعض من الكل أو بدل الاشتمال، كقولك: ضربت زيداً رأسه، وأحب زيداً عقله. وهذا البدل واقع في الأفعال وقوعه في الأسماء لحاجة القبيلين إلى البيان.
البقرة 2:285
وَالْمُؤْمِنُونَ إن عطف على الرسول كان الضمير- الذي التنوين نائب عنه في كل- راجعاً إلى الرسول والمؤمنين، أى كلهم آمن باللَّه وملائكته وكتبه ورسله من المذكورين [[قوله «ورسله من المذكورين» لعل قبله سقطا تقديره: أى كل من المذكورين. (ع)]] . ووقف عليه. وإن كان مبتدأ كان الضمير للمؤمنين. ووحد ضمير كل في آمن على معنى: كل واحد منهم آمن، وكان يجوز أن يجمع، كقوله: (وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ) . وقرأ ابن عباس: وكتابه، يريد القرآن أو الجنس [[قال محمود: «نقل عن ابن عباس أنه قرأ وكتابه ... الخ» قال أحمد: وقد قال مالك: إن التمر أحرى باستغراق الجنس من التمور، فان التمر استرسل على الجنس لا بصيغة لفظية، والتمور يرده إلى تخيل الوحدان، ثم الاستغراق بعده بصيغة الجمع وفي صيغة الجمع مضطرب. وهذا الكلام من الامام لو ظفر له بقول ابن عباس هذا لأشهر الفرضية في الاستشهاد به على صحة مقالته هذه فلا نعيده.]] وعنه: الكتاب أكثر من الكتب. فإن قلت:
كيف يكون الواحد أكثر من الجمع؟ قلت: لأنه إذا أريد بالواحد الجنس- والجنسية قائمة في وحدان الجنس كلها- لم يخرج منه شيء. فأما الجمع فلا يدخل تحته إلا ما فيه الجنسية من الجموع لا نُفَرِّقُ يقولون لا نفرق. وعن أبى عمرو: يفرق بالياء، على أن الفعل لكل. وقرأ عبد اللَّه:
لا يفرقون. وأَحَدٍ في معنى الجمع، كقوله تعالى: (فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ) ولذلك دخل عليه بين. سَمِعْنا أجبنا غُفْرانَكَ منصوب بإضمار فعله. يقال: غفرانك لا كفرانك، أى نستغفرك ولا نكفرك. وقرئ (وكتبه ورسله) بالسكون.
البقرة 2:286
الوسع: ما يسع الإنسان ولا يضيق عليه ولا يحرج فيه، أى لا يكلفها إلا ما يتسع فيه طوقه ويتيسر عليه دون مدى الطاقة والمجهود. وهذا إخبار عن عدله ورحمته كقوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ) لأنه كان في إمكان الإنسان وطاقته أن يصلى أكثر من الخمس، ويصوم أكثر من الشهر، ويحج أكثر من حجة. وقرأ ابن أبى عبلة وسعها بالفتح لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ ينفعها ما كسبت من خير ويضرها ما اكتسبت من شر، لا يؤاخذ بذنبها غيرها ولا يثاب غيرها بطاعتها. فإن قلت: لم خص الخير بالكسب، والشر بالاكتساب؟ قلت: في الاكتساب اعتمال، فلما كان الشر مما تشتهيه النفس وهي منجذبة إليه وأمّارة به، كانت في تحصيله أعمل وأجدّ، فجعلت لذلك مكتسبة فيه. ولما لم تكن كذلك في باب الخير وصفت بما لا دلالة فيه على الاعتمال. أى لا تؤاخذنا بالنسيان أو الخطأ إن فرط منا. فإن قلت: النسيان والخطأ متجاوز عنهما، فما معنى الدعاء بترك المؤاخذة بهما؟ [[قال محمود: «فان قلت النسيان والخطأ متجاوز عنهما ... الخ» قال أحمد: ولا ورود لهذا السؤال على قواعد أهل السنة، لأنا نقول: إنما ارتفعت المؤاخذة بهذين بالسمع كقوله عليه الصلاة والسلام: «رفع عن أمتى الخطأ والنسيان» وإذا كان كذلك فلعل رفع المؤاخذة بهما كان إجابة لهذه الدعوة، فقد نقل أن اللَّه تعالى قال عند كل دعوة منها: قد فعلت. وإنما التزم الزمخشري ورود السؤال على قواعد القدرية الذاهبين إلى استحالة المؤاخذة بالخطإ والنسيان عقلا، لأنه من تكليف ما لا يطيق، وهو المستحيل عندهم تفريعا على قاعدة التحسين والتقبيح، وكلها قواعد باطلة ومذاهب ماحلة. فاللَّه تعالى يجعل لنا من إجابة هذه الدعوات أوفر نصيب، ويلهمنا المعتقد الحق والقول المصيب، إنه سميع مجيب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.]] قلت: ذكر النسيان والخطأ والمراد بهما ما هما مسببان عنه من التفريط والإغفال. ألا ترى إلى قوله: (وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ) والشيطان لا يقدر على فعل النسيان، وإنما يوسوس فتكون وسوسته سبباً للتفريط الذي منه النسيان، ولأنهم كانوا متقين اللَّه حق تقاته، فما كانت تفرط منهم فرطة إلا على وجه النسيان والخطأ، فكان وصفهم بالدعاء بذلك إيذاناً ببراءة ساحتهم عما يؤاخذون به، كأنه قيل: إن كان النسيان والخطأ مما يؤاخذ به، فما فيهم سبب مؤاخذة إلا الخطأ والنسيان. ويجوز أن يدعو الإنسان بما علم أنه حاصل له قبل الدعاء من فضل اللَّه لاستدامته والاعتداد بالنعمة فيه. والإصر: العبء الذي يأصر حامله أى يحبسه مكانه لا يستقل به لثقله، استعير للتكليف الشاقّ، من نحو قتل الأنفس، وقطع موضع النجاسة من الجلد والثوب وغير ذلك. وقرئ: آصاراً على الجمع. وفي قراءة أبىّ: ولا تحمل علينا بالتشديد. فإن قلت: أىّ فرق بين هذه التشديدة والتي في: وَلا تُحَمِّلْنا؟
قلت: هذه للمبالغة في حمل عليه، وتلك لنقل حمله من مفعول واحد إلى مفعولين وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ من العقوبات النازلة بمن قبلنا، طلبوا الإعفاء عن التكليفات الشاقة التي كلفها من قبلهم، ثم عما نزل عليهم من العقوبات على تفريطهم في المحافظة عليها. وقيل: المراد به الشاقّ الذي لا يكاد يستطاع من التكليف. وهذا تكرير لقوله: وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً. مَوْلانا سيدنا ونحن عبيدك. أو ناصرنا. أو متولى أمورنا فَانْصُرْنا فمن حق المولى أن ينصر عبيده.
أو فإنّ ذلك عادتك. أو فإنّ ذلك من أمورنا التي عليك توليها. وعن ابن عباس «أنّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم لما دعا بهذه الدعوات، قيل له عند كل كلمة: قد فعلت» [[أخرجه مسلم من رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس: لما نزلت هذه الآية (إن تبدوا ما في أنفسكم- الآية) قال: دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم. فقال: قولوا: سمعنا وأطعنا- الحديث، وفيه: قد فعلت.
في مواضع، وغفل الحاكم فاستدركه.]] وعنه عليه السلام «من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه» [[متفق عليه من حديث ابن مسعود. واختلف في معناه. فقيل: كفناه، أجزأتاه عن قيام الليل كما في الذي قبله، وقيل: كفتاه أجراً وفضلا، وقيل: كفتاه من كل شيطان أو من كل آفة.]] وعنه عليه السلام «أوتيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يؤتهنّ نبىٌّ قبلي» [[هذا طرف من حديث، أوله عن حذيفة قال قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: فضلنا على الناس بثلاث:
جعلت لنا الأرض كلها مسجداً وجعلت تربتها لنا طهوراً، وجعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وأوتيت هؤلاء الآيات آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش، لم يعط منه أحد قبلي، ولا يعطي منه أحد بعدي: أخرجه النسائي وأحمد والبزار وابن أبى شيبة وابن خزيمة وابن حبان من رواية أبى مالك الأشجعى عن ربعي بن خراش عن حذيفة، وقد أخرجه مسلم، لكن قال في الثالثة وذكر خصلة أخرى: فأبهمها، وذكرها أصحاب المستخرجات وغيرهم من طريق شيخه بإسناده فيه، وغفل الحاكم فذكر في فضائل القرآن في المستدرك: ان مسلما أخرج هذه الجملة، ولعل مسلما إنما أبهمها للاختلاف على ربعي فيها، فقد رواه أحمد وإسحاق من رواية جرير عن منصور عن ربعي عن خراش عن زيد بن ظبيان عن أبى ذر قال قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش لكن تابع أبا مالك نعيم بن أبى هند، أخرجه الطبراني في الأوسط في المحمدين منه من طريقه.]] وعنه عليه السلام «أنزل اللَّه آيتين من كنوز الجنة كتبهما الرحمن بيده قبل أن يخلق الخلق بألفي سنة من قرأهما بعد العشاء الآخرة أجزأتاه عن قيام الليل» [[أخرجه ابن عدى من حديث ابن مسعود، وفي إسناده الوليد بن عباد وهو مجهول عن أبان بن أبى عياش. وهو متروك.]] فإن قلت: هل يجوز أن يقال: قرأت سورة البقرة أو قرأت البقرة. قلت: لا بأس بذلك.
وقد جاء في حديث النبي صلى اللَّه عليه وسلم «من آخر سورة البقرة» و «خواتيم سورة البقرة» و «خواتيم البقرة [[تقدما جميعا قريبا، ولمسلم من حديث مرة بن شراحيل الطبيب عن ابن مسعود: أعطى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ثلاثاً: الصلوات الخمس، وخواتيم سورة البقرة- الحديث. وله عن ابن عباس: بينما جبريل عند النبي صلى اللَّه عليه وسلم إذ نزل ملك- الحديث وفيه: فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة.]] .
وعن علىّ رضى اللَّه عنه «خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش» .
وعن عبد اللَّه بن مسعود رضى اللَّه عنهما أنه رمى الجمرة ثم قال «من هاهنا- والذي لا إله غيره- رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة» [[متفق عليه من رواية الأعمش: سمعت الحجاج بن يوسف على المنبر يقول: السورة التي يذكر فيها البقرة والسورة التي يذكر فيها آل عمران. والسورة التي يذكر فيها النساء. قال: فذكرته لإبراهيم فقال: حدثني عبد الرحمن ابن يزيد أنه كان مع ابن مسعود حين رمى جمرة العقبة ... الحديث.]] .
ولا فرق بين هذا وبين قولك سورة الزخرف وسورة الممتحنة وسورة المجادلة. وإذا قيل:
قرأت البقرة، لم يشكل أنّ المراد سورة البقرة كقوله: (وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ) . وعن بعضهم أنه كره ذلك وقال: يقال قرأت السورة التي تذكر فيها البقرة.
عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم «السورة التي تذكر فيها البقرة فسطاط القرآن فتعلموها فإنّ تعلمها بركة وتركها حسرة ولن تستطيعها البطلة. قيل: وما البطلة؟ قال: السحرة» [[ذكر أبو شجاع الديلمي في الفردوس. من حديث أبى سعيد الخدري: والمسألة في صحيح مسلم من حديث أبى أمامة مرفوعا: اقرأوا سورة البقرة فان أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة. قال معاوية أحد رواته:
المعنى أن البطلة السحرة. وفي الباب عن بريدة عند الثعلبي والبغوي.
(تنبيه) المصنف ذكر حديث أبى سعيد مستدلا به ان قال: السورة التي يذكر فيها كذا. ولما قبله على الجواز.
فانه من المرفوع ما رواه الطبراني في الأوسط في المحمدين وابن مردويه في تفسيره من حديث موسى بن أنس بن مالك عن أبيه رفعه: «لا تقولوا سورة البقرة ولا سورة آل عمران، وكذا القرآن كله، ولكن قولوا السورة التي يذكر فيها البقرة والتي يذكر فيها آل عمران» وكذا القرآن كله، وفي إسناد عيسى بن ميمون أبو سلمة الخواص، وهو ساقط.]]
آل عمران 3:1
مدنية وهي مائتا آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(م) حقها أن يوقف عليها كما وقف على ألف ولام، وأن يبدأ ما بعدها كما تقول: واحد اثنان:
وهي قراءة عاصم. وأما فتحها فهي حركة الهمزة ألقيت عليها حين أسقطت للتخفيف. فإن قلت:
كيف جاز إلقاء حركتها عليها وهي همزة وصل لا تثبت في درج الكلام فلا تثبت حركتها لأنّ ثبات حركتها كثباتها؟ قلت: هذا ليس بدرج، لأنّ (م) في حكم الوقف والسكون والهمزة في حكم الثابت. وإنما حذفت تخفيفاً وألقيت حركتها على الساكن قبلها ليدل عليها. ونظيره قولهم:
واحد اثنان، بإلقاء حركة الهمزة على الدال. فإن قلت: هلا زعمت أنها حركة لالتقاء الساكنين؟
قلت: لأنّ التقاء الساكنين لا يبالى به في باب الوقف، وذلك قولك: هذا إبراهيم وداود وإسحاق.
ولو كان التقاء الساكنين في حال الوقف يوجب التحريك لحرك الميمان في ألف لام ميم، لالتقاء الساكنين. ولما انتظر ساكن آخر. فإن قلت: إنما لم يحركوا لالتقاء الساكنين في ميم، لأنهم أرادوا الوقف وأمكنهم النطق بساكنين، فإذا جاء اسكن ثالث لم يمكن إلا التحريك فحركوا.
قلت: الدليل على أن الحركة ليست لملاقاة الساكن أنه كان يمكنهم أن يقولوا: واحد اثنان، بسكون الدال مع طرح الهمزة، فيجمعوا بين ساكنين، كما قالوا: أصيم، ومديق. فلما حركوا الدال علم أن حركتها هي حركة الهمزة الساقطة لا غير وليست لالتقاء الساكنين. فإن قلت:
فما وجه قراءة عمرو بن عبيد بالكسر؟ قلت: هذه القراءة على توهم التحريك لالتقاء الساكنين وما هي بمقولة. والتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ اسمان أعجميان. وتكلف اشتقاقهما من الورى والنجل ووزنهما بتفعلة وأفعيل، إنما يصح بعد كونهما عربيين. وقرأ الحسن: الإنجيل، بفتح الهمزة، وهو دليل على العجمة، لأن أفعيل- بفتح الهمزة- عديم في أوزان العرب. فإن قلت: لم قيل (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ) [[قال محمود: «فان قلت: لم قيل في القرآن نزل ... الخ» قال أحمد: يريد لأن «فعل» صيغة مبالغة وتكثير، فلما كان نزول القرآن منجما كان أكثر تنزيلا من غيره لتفرقه في مرار عديدة، فعبر عنه بصيغة مطابقة لكثرة تنزيلاته، وعبر عن الكتابين بصيغة خلية عن المبالغة والتكثير واللَّه أعلم.]] (وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ) ؟ قلت: لأن القرآن نزل منجماً، ونزل الكتابان جملة. وقرأ الأعمش: نزَل عليك الكتابُ بالتخفيف ورفع الكتاب هُدىً لِلنَّاسِ أى لقوم موسى وعيسى. وقال نحن متعبدون بشرائع من قبلنا فسره على العموم. فإن قلت: ما المراد بالفرقان؟
قلت: جنس الكتب السماوية [[(عاد كلامه) قال: والفرقان يحتمل أن يراد به جميع الكتب السماوية لأنها تفرق بين الحق والباطل، أو الكتب التي ذكرها أو أراد الكتاب الرابع وهو الزبور. كما أفرده وأخر ذكره في قوله: (وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً) أو كرر ذكر القرآن بما هو نعت له ومدح من كونه فارقا بين الحق والباطل، بعد ما ذكره باسم الجنس تعظيما لشأنه وإظهارا لفضله واللَّه أعلم. قال أحمد: وقد جعل الزمخشري سر التعبير عن نزول القرآن بصيغة «فعل» تفريقه في التنزيل كما تقدم آنفا، ثم حمل الفرقان على أحد تأويلاته على القرآن والتعبير عنه بأفعل كغيره، فان يكن هذا- واللَّه أعلم- فالوجه أنه لما عبر أولا عن نزوله الخاص به، أتى بعبارة مطابقة لقصد الخصوصية، فلما جرى ذكره ثانيا لينعت بصفة زائدة على اسم الجنس» عبر عن نزوله من حيث الإطلاق اكتفاء بتميزه أولا وإجمالا لذلك في غير مقصوده، ومن العبارة السائرة عن هذا المعنى: الكلام يجمل في غير مقصوده، ويفصل في مقصوده.]] ، لأن كلها فرقان يفرق بين الحق والباطل، أو الكتب التي ذكرها، كأنه قال بعد ذكر الكتب الثلاثة: وأنزل ما يفرق به بين الحق والباطل من كتبه، أو من هذه الكتب، أو أراد الكتاب الرابع وهو الزبور، كما قال: (وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً) وهو ظاهر.
أو كرر ذكر القرآن بما هو نعت له ومدح من كونه فارقاً بين الحق والباطل بعد ما ذكره باسم الجنس، تعظيما لشأنه وإظهاراً لفضله بِآياتِ اللَّهِ من كتبه المنزلة وغيرها ذُو انْتِقامٍ له انتقام شديد [[قال محمود: «معناه له انتقام شديد ... الخ» . قال أحمد: وإنما يلقى هذا التفخيم من التنكير وهو من علاماته مثله في قوله: (فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ) .]] لا يقدر على مثله منتقم.
آل عمران 3:2
مدنية وهي مائتا آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(م) حقها أن يوقف عليها كما وقف على ألف ولام، وأن يبدأ ما بعدها كما تقول: واحد اثنان:
وهي قراءة عاصم. وأما فتحها فهي حركة الهمزة ألقيت عليها حين أسقطت للتخفيف. فإن قلت:
كيف جاز إلقاء حركتها عليها وهي همزة وصل لا تثبت في درج الكلام فلا تثبت حركتها لأنّ ثبات حركتها كثباتها؟ قلت: هذا ليس بدرج، لأنّ (م) في حكم الوقف والسكون والهمزة في حكم الثابت. وإنما حذفت تخفيفاً وألقيت حركتها على الساكن قبلها ليدل عليها. ونظيره قولهم:
واحد اثنان، بإلقاء حركة الهمزة على الدال. فإن قلت: هلا زعمت أنها حركة لالتقاء الساكنين؟
قلت: لأنّ التقاء الساكنين لا يبالى به في باب الوقف، وذلك قولك: هذا إبراهيم وداود وإسحاق.
ولو كان التقاء الساكنين في حال الوقف يوجب التحريك لحرك الميمان في ألف لام ميم، لالتقاء الساكنين. ولما انتظر ساكن آخر. فإن قلت: إنما لم يحركوا لالتقاء الساكنين في ميم، لأنهم أرادوا الوقف وأمكنهم النطق بساكنين، فإذا جاء اسكن ثالث لم يمكن إلا التحريك فحركوا.
قلت: الدليل على أن الحركة ليست لملاقاة الساكن أنه كان يمكنهم أن يقولوا: واحد اثنان، بسكون الدال مع طرح الهمزة، فيجمعوا بين ساكنين، كما قالوا: أصيم، ومديق. فلما حركوا الدال علم أن حركتها هي حركة الهمزة الساقطة لا غير وليست لالتقاء الساكنين. فإن قلت:
فما وجه قراءة عمرو بن عبيد بالكسر؟ قلت: هذه القراءة على توهم التحريك لالتقاء الساكنين وما هي بمقولة. والتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ اسمان أعجميان. وتكلف اشتقاقهما من الورى والنجل ووزنهما بتفعلة وأفعيل، إنما يصح بعد كونهما عربيين. وقرأ الحسن: الإنجيل، بفتح الهمزة، وهو دليل على العجمة، لأن أفعيل- بفتح الهمزة- عديم في أوزان العرب. فإن قلت: لم قيل (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ) [[قال محمود: «فان قلت: لم قيل في القرآن نزل ... الخ» قال أحمد: يريد لأن «فعل» صيغة مبالغة وتكثير، فلما كان نزول القرآن منجما كان أكثر تنزيلا من غيره لتفرقه في مرار عديدة، فعبر عنه بصيغة مطابقة لكثرة تنزيلاته، وعبر عن الكتابين بصيغة خلية عن المبالغة والتكثير واللَّه أعلم.]] (وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ) ؟ قلت: لأن القرآن نزل منجماً، ونزل الكتابان جملة. وقرأ الأعمش: نزَل عليك الكتابُ بالتخفيف ورفع الكتاب هُدىً لِلنَّاسِ أى لقوم موسى وعيسى. وقال نحن متعبدون بشرائع من قبلنا فسره على العموم. فإن قلت: ما المراد بالفرقان؟
قلت: جنس الكتب السماوية [[(عاد كلامه) قال: والفرقان يحتمل أن يراد به جميع الكتب السماوية لأنها تفرق بين الحق والباطل، أو الكتب التي ذكرها أو أراد الكتاب الرابع وهو الزبور. كما أفرده وأخر ذكره في قوله: (وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً) أو كرر ذكر القرآن بما هو نعت له ومدح من كونه فارقا بين الحق والباطل، بعد ما ذكره باسم الجنس تعظيما لشأنه وإظهارا لفضله واللَّه أعلم. قال أحمد: وقد جعل الزمخشري سر التعبير عن نزول القرآن بصيغة «فعل» تفريقه في التنزيل كما تقدم آنفا، ثم حمل الفرقان على أحد تأويلاته على القرآن والتعبير عنه بأفعل كغيره، فان يكن هذا- واللَّه أعلم- فالوجه أنه لما عبر أولا عن نزوله الخاص به، أتى بعبارة مطابقة لقصد الخصوصية، فلما جرى ذكره ثانيا لينعت بصفة زائدة على اسم الجنس» عبر عن نزوله من حيث الإطلاق اكتفاء بتميزه أولا وإجمالا لذلك في غير مقصوده، ومن العبارة السائرة عن هذا المعنى: الكلام يجمل في غير مقصوده، ويفصل في مقصوده.]] ، لأن كلها فرقان يفرق بين الحق والباطل، أو الكتب التي ذكرها، كأنه قال بعد ذكر الكتب الثلاثة: وأنزل ما يفرق به بين الحق والباطل من كتبه، أو من هذه الكتب، أو أراد الكتاب الرابع وهو الزبور، كما قال: (وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً) وهو ظاهر.
أو كرر ذكر القرآن بما هو نعت له ومدح من كونه فارقاً بين الحق والباطل بعد ما ذكره باسم الجنس، تعظيما لشأنه وإظهاراً لفضله بِآياتِ اللَّهِ من كتبه المنزلة وغيرها ذُو انْتِقامٍ له انتقام شديد [[قال محمود: «معناه له انتقام شديد ... الخ» . قال أحمد: وإنما يلقى هذا التفخيم من التنكير وهو من علاماته مثله في قوله: (فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ) .]] لا يقدر على مثله منتقم.
آل عمران 3:3
مدنية وهي مائتا آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(م) حقها أن يوقف عليها كما وقف على ألف ولام، وأن يبدأ ما بعدها كما تقول: واحد اثنان:
وهي قراءة عاصم. وأما فتحها فهي حركة الهمزة ألقيت عليها حين أسقطت للتخفيف. فإن قلت:
كيف جاز إلقاء حركتها عليها وهي همزة وصل لا تثبت في درج الكلام فلا تثبت حركتها لأنّ ثبات حركتها كثباتها؟ قلت: هذا ليس بدرج، لأنّ (م) في حكم الوقف والسكون والهمزة في حكم الثابت. وإنما حذفت تخفيفاً وألقيت حركتها على الساكن قبلها ليدل عليها. ونظيره قولهم:
واحد اثنان، بإلقاء حركة الهمزة على الدال. فإن قلت: هلا زعمت أنها حركة لالتقاء الساكنين؟
قلت: لأنّ التقاء الساكنين لا يبالى به في باب الوقف، وذلك قولك: هذا إبراهيم وداود وإسحاق.
ولو كان التقاء الساكنين في حال الوقف يوجب التحريك لحرك الميمان في ألف لام ميم، لالتقاء الساكنين. ولما انتظر ساكن آخر. فإن قلت: إنما لم يحركوا لالتقاء الساكنين في ميم، لأنهم أرادوا الوقف وأمكنهم النطق بساكنين، فإذا جاء اسكن ثالث لم يمكن إلا التحريك فحركوا.
قلت: الدليل على أن الحركة ليست لملاقاة الساكن أنه كان يمكنهم أن يقولوا: واحد اثنان، بسكون الدال مع طرح الهمزة، فيجمعوا بين ساكنين، كما قالوا: أصيم، ومديق. فلما حركوا الدال علم أن حركتها هي حركة الهمزة الساقطة لا غير وليست لالتقاء الساكنين. فإن قلت:
فما وجه قراءة عمرو بن عبيد بالكسر؟ قلت: هذه القراءة على توهم التحريك لالتقاء الساكنين وما هي بمقولة. والتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ اسمان أعجميان. وتكلف اشتقاقهما من الورى والنجل ووزنهما بتفعلة وأفعيل، إنما يصح بعد كونهما عربيين. وقرأ الحسن: الإنجيل، بفتح الهمزة، وهو دليل على العجمة، لأن أفعيل- بفتح الهمزة- عديم في أوزان العرب. فإن قلت: لم قيل (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ) [[قال محمود: «فان قلت: لم قيل في القرآن نزل ... الخ» قال أحمد: يريد لأن «فعل» صيغة مبالغة وتكثير، فلما كان نزول القرآن منجما كان أكثر تنزيلا من غيره لتفرقه في مرار عديدة، فعبر عنه بصيغة مطابقة لكثرة تنزيلاته، وعبر عن الكتابين بصيغة خلية عن المبالغة والتكثير واللَّه أعلم.]] (وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ) ؟ قلت: لأن القرآن نزل منجماً، ونزل الكتابان جملة. وقرأ الأعمش: نزَل عليك الكتابُ بالتخفيف ورفع الكتاب هُدىً لِلنَّاسِ أى لقوم موسى وعيسى. وقال نحن متعبدون بشرائع من قبلنا فسره على العموم. فإن قلت: ما المراد بالفرقان؟
قلت: جنس الكتب السماوية [[(عاد كلامه) قال: والفرقان يحتمل أن يراد به جميع الكتب السماوية لأنها تفرق بين الحق والباطل، أو الكتب التي ذكرها أو أراد الكتاب الرابع وهو الزبور. كما أفرده وأخر ذكره في قوله: (وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً) أو كرر ذكر القرآن بما هو نعت له ومدح من كونه فارقا بين الحق والباطل، بعد ما ذكره باسم الجنس تعظيما لشأنه وإظهارا لفضله واللَّه أعلم. قال أحمد: وقد جعل الزمخشري سر التعبير عن نزول القرآن بصيغة «فعل» تفريقه في التنزيل كما تقدم آنفا، ثم حمل الفرقان على أحد تأويلاته على القرآن والتعبير عنه بأفعل كغيره، فان يكن هذا- واللَّه أعلم- فالوجه أنه لما عبر أولا عن نزوله الخاص به، أتى بعبارة مطابقة لقصد الخصوصية، فلما جرى ذكره ثانيا لينعت بصفة زائدة على اسم الجنس» عبر عن نزوله من حيث الإطلاق اكتفاء بتميزه أولا وإجمالا لذلك في غير مقصوده، ومن العبارة السائرة عن هذا المعنى: الكلام يجمل في غير مقصوده، ويفصل في مقصوده.]] ، لأن كلها فرقان يفرق بين الحق والباطل، أو الكتب التي ذكرها، كأنه قال بعد ذكر الكتب الثلاثة: وأنزل ما يفرق به بين الحق والباطل من كتبه، أو من هذه الكتب، أو أراد الكتاب الرابع وهو الزبور، كما قال: (وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً) وهو ظاهر.
أو كرر ذكر القرآن بما هو نعت له ومدح من كونه فارقاً بين الحق والباطل بعد ما ذكره باسم الجنس، تعظيما لشأنه وإظهاراً لفضله بِآياتِ اللَّهِ من كتبه المنزلة وغيرها ذُو انْتِقامٍ له انتقام شديد [[قال محمود: «معناه له انتقام شديد ... الخ» . قال أحمد: وإنما يلقى هذا التفخيم من التنكير وهو من علاماته مثله في قوله: (فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ) .]] لا يقدر على مثله منتقم.
آل عمران 3:4
مدنية وهي مائتا آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(م) حقها أن يوقف عليها كما وقف على ألف ولام، وأن يبدأ ما بعدها كما تقول: واحد اثنان:
وهي قراءة عاصم. وأما فتحها فهي حركة الهمزة ألقيت عليها حين أسقطت للتخفيف. فإن قلت:
كيف جاز إلقاء حركتها عليها وهي همزة وصل لا تثبت في درج الكلام فلا تثبت حركتها لأنّ ثبات حركتها كثباتها؟ قلت: هذا ليس بدرج، لأنّ (م) في حكم الوقف والسكون والهمزة في حكم الثابت. وإنما حذفت تخفيفاً وألقيت حركتها على الساكن قبلها ليدل عليها. ونظيره قولهم:
واحد اثنان، بإلقاء حركة الهمزة على الدال. فإن قلت: هلا زعمت أنها حركة لالتقاء الساكنين؟
قلت: لأنّ التقاء الساكنين لا يبالى به في باب الوقف، وذلك قولك: هذا إبراهيم وداود وإسحاق.
ولو كان التقاء الساكنين في حال الوقف يوجب التحريك لحرك الميمان في ألف لام ميم، لالتقاء الساكنين. ولما انتظر ساكن آخر. فإن قلت: إنما لم يحركوا لالتقاء الساكنين في ميم، لأنهم أرادوا الوقف وأمكنهم النطق بساكنين، فإذا جاء اسكن ثالث لم يمكن إلا التحريك فحركوا.
قلت: الدليل على أن الحركة ليست لملاقاة الساكن أنه كان يمكنهم أن يقولوا: واحد اثنان، بسكون الدال مع طرح الهمزة، فيجمعوا بين ساكنين، كما قالوا: أصيم، ومديق. فلما حركوا الدال علم أن حركتها هي حركة الهمزة الساقطة لا غير وليست لالتقاء الساكنين. فإن قلت:
فما وجه قراءة عمرو بن عبيد بالكسر؟ قلت: هذه القراءة على توهم التحريك لالتقاء الساكنين وما هي بمقولة. والتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ اسمان أعجميان. وتكلف اشتقاقهما من الورى والنجل ووزنهما بتفعلة وأفعيل، إنما يصح بعد كونهما عربيين. وقرأ الحسن: الإنجيل، بفتح الهمزة، وهو دليل على العجمة، لأن أفعيل- بفتح الهمزة- عديم في أوزان العرب. فإن قلت: لم قيل (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ) [[قال محمود: «فان قلت: لم قيل في القرآن نزل ... الخ» قال أحمد: يريد لأن «فعل» صيغة مبالغة وتكثير، فلما كان نزول القرآن منجما كان أكثر تنزيلا من غيره لتفرقه في مرار عديدة، فعبر عنه بصيغة مطابقة لكثرة تنزيلاته، وعبر عن الكتابين بصيغة خلية عن المبالغة والتكثير واللَّه أعلم.]] (وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ) ؟ قلت: لأن القرآن نزل منجماً، ونزل الكتابان جملة. وقرأ الأعمش: نزَل عليك الكتابُ بالتخفيف ورفع الكتاب هُدىً لِلنَّاسِ أى لقوم موسى وعيسى. وقال نحن متعبدون بشرائع من قبلنا فسره على العموم. فإن قلت: ما المراد بالفرقان؟
قلت: جنس الكتب السماوية [[(عاد كلامه) قال: والفرقان يحتمل أن يراد به جميع الكتب السماوية لأنها تفرق بين الحق والباطل، أو الكتب التي ذكرها أو أراد الكتاب الرابع وهو الزبور. كما أفرده وأخر ذكره في قوله: (وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً) أو كرر ذكر القرآن بما هو نعت له ومدح من كونه فارقا بين الحق والباطل، بعد ما ذكره باسم الجنس تعظيما لشأنه وإظهارا لفضله واللَّه أعلم. قال أحمد: وقد جعل الزمخشري سر التعبير عن نزول القرآن بصيغة «فعل» تفريقه في التنزيل كما تقدم آنفا، ثم حمل الفرقان على أحد تأويلاته على القرآن والتعبير عنه بأفعل كغيره، فان يكن هذا- واللَّه أعلم- فالوجه أنه لما عبر أولا عن نزوله الخاص به، أتى بعبارة مطابقة لقصد الخصوصية، فلما جرى ذكره ثانيا لينعت بصفة زائدة على اسم الجنس» عبر عن نزوله من حيث الإطلاق اكتفاء بتميزه أولا وإجمالا لذلك في غير مقصوده، ومن العبارة السائرة عن هذا المعنى: الكلام يجمل في غير مقصوده، ويفصل في مقصوده.]] ، لأن كلها فرقان يفرق بين الحق والباطل، أو الكتب التي ذكرها، كأنه قال بعد ذكر الكتب الثلاثة: وأنزل ما يفرق به بين الحق والباطل من كتبه، أو من هذه الكتب، أو أراد الكتاب الرابع وهو الزبور، كما قال: (وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً) وهو ظاهر.
أو كرر ذكر القرآن بما هو نعت له ومدح من كونه فارقاً بين الحق والباطل بعد ما ذكره باسم الجنس، تعظيما لشأنه وإظهاراً لفضله بِآياتِ اللَّهِ من كتبه المنزلة وغيرها ذُو انْتِقامٍ له انتقام شديد [[قال محمود: «معناه له انتقام شديد ... الخ» . قال أحمد: وإنما يلقى هذا التفخيم من التنكير وهو من علاماته مثله في قوله: (فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ) .]] لا يقدر على مثله منتقم.
آل عمران 3:5
لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في العالم فعبر عنه بالسماء والأرض، فهو مطلع على كفر من كفر وإيمان من آمن، وهو مجازيهم عليه كَيْفَ يَشاءُ من الصور المختلفة المتفاوتة. وقرأ طاوس: تصوّركم، أى صوّركم لنفسه ولتعبده، كقولك: أثلت مالا، إذا جعلته أثلة، أى أصلا. وتأثلته، إذا أثلته لنفسك. وعن سعيد بن جبير: هذا حجاج على من زعم أنّ عيسى كان ربا، كأنه نبه بكونه مصورا في الرحم، على أنه عبد كغيره، وكان يخفى عليه ما لا يخفى على اللَّه.
آل عمران 3:6
لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في العالم فعبر عنه بالسماء والأرض، فهو مطلع على كفر من كفر وإيمان من آمن، وهو مجازيهم عليه كَيْفَ يَشاءُ من الصور المختلفة المتفاوتة. وقرأ طاوس: تصوّركم، أى صوّركم لنفسه ولتعبده، كقولك: أثلت مالا، إذا جعلته أثلة، أى أصلا. وتأثلته، إذا أثلته لنفسك. وعن سعيد بن جبير: هذا حجاج على من زعم أنّ عيسى كان ربا، كأنه نبه بكونه مصورا في الرحم، على أنه عبد كغيره، وكان يخفى عليه ما لا يخفى على اللَّه.
آل عمران 3:7
مُحْكَماتٌ أحكمت عبارتها [[قال محمود: «المحكمات التي أحكمت عبارتها ... الخ» قال أحمد: هذا كما قدمته عنه من تكلفه لتنزيل الآي على وفق ما يعتقده، وأعوذ باللَّه من جعل القرآن تبعاً للرأى. وذلك أن معتقده إحالة رؤية اللَّه تعالى بناء على زعم القدرية من أن الرؤية تستلزم الجسمية والجهة، فإذا ورد عليهم النص القاطع الدال على وقوع الرؤية كقوله: (إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ) مالوا إلى جعله من المتشابه حتى يردوه بزعمهم إلى الآية التي يدعون أن ظاهرها يوافق رأيهم.
والآية قوله تعالى: (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ) وغرضنا الآن بيان وجوب الجمع بين الآيتين على الوجه الحق، فنقول:
محمل قوله: (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ) في دار الدنيا. ومحمل الرؤية على الدار الآخرة جمعا بين الأدلة. أو نقول:
الأبصار وإن كانت ظاهرة العموم إلا أن المراد بها الخصوص، أى لا تدركه أبصار الكفار كقوله: (كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ) ونقول: لا تعارض بين الآيتين، فنقر كل واحدة منها في نصابها. وبيان ذلك: أن الأبصار عام بالألف واللام الجنسيتين، ولا يتم غرض القدرية على زعمهم إلا بالموافقة على عمومها، وحينئذ يكون في العموم مرادفة لدخول كل، لأن كليهما أعنى المعرف والجنسي، وكلا يفيد الشمول والاحاطة، وإذا أثبت ذلك فالسلب داخل على الكلية. والقواعد مستقرة على أن سلب الكلية جزئى لغة وتعقلا. ألا ترى أن القائل إذا قال:
لا تنفق كل الدراهم، كان المفهوم من ذلك الاذن في إنفاق البعض والنهى عن إنفاق البعض، ومن حيث المعقول أن الكلية تسلب بسلب بعض الأفراد ولو واحداً، وحينئذ يكون مقتضى الآية سلب الرؤية عن بعض الأبصار وثبوتها لبعض الأبصار، وهذا عين مذهب أهل السنة، لأنهم يثبتونها للموحدين ويسلبونها عن الكفار كما أنبأ عنه قوله تعالى: (كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ) فقد ثبت أن هذه الآية إما محمولة على إثبات الرؤية، وإما باقية على ظاهرها، دليلا على ثبوتها على وفق السنة. ولا يقال قد ثبت الفرق بين دخول كل على المعرف تعريف الجنس وبين عدم دخولها. ألا ترى أنهم يقولون إن قولنا: «الإنسان كاتب» مهمل في قوة الجزئية، وإن قولنا «كل إنسان حيوان» كلى لا جزئى، لأنا نقول إنما جارينا القدرية على ما يلزمهم الموافقة فيه، وهم قد وافقوا على تناول الأبصار لكل واحد واحد من أفراد الجنس، ولولا ذلك لما تم لهم مرام، ولكفونا مؤنة البحث في ذلك، وهذا القدر من الكلية المتفق عليها بين الفريقين لا يثبت لما سماه أهل ذلك الفن مهملا، بل هذا هو الكلى عندهم واللَّه الموفق. وأما الآيتان الأخريان اللتان إحداهما قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ) والأخرى التي هي قوله تعالى: (أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها)
فلا ينازع الزمخشري في تمثيل المحكم والمتشابه بهما.]] بأن حفظت من الاحتمال والاشتباه مُتَشابِهاتٌ مشتبهات محتملات هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ أى أصل الكتاب تحمل المتشابهات عليها وتردّ إليها، ومثال ذلك (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ) ، (إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ) ، (لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ) . (أَمَرْنا مُتْرَفِيها)
. فإن قلت:
فهلا كان القرآن كله محكما؟ قلت: لو كان كله محكما لتعلق الناس به لسهولة مأخذه، ولأعرضوا عما يحتاجون فيه إلى الفحص والتأمّل من النظر والاستدلال، ولو فعلوا ذلك لعطلوا الطريق الذي لا يتوصل إلى معرفة اللَّه وتوحيده إلا به، ولما في المتشابه من الابتلاء والتمييز بين الثابت على الحق والمتزلزل فيه، ولما في تقادح العلماء وإتعابهم القرائح في استخراج معانيه وردّه إلى المحكم من الفوائد الجليلة والعلوم الجمة ونيل الدرجات عند اللَّه، ولأنّ المؤمن المعتقد أن لا مناقضة في كلام اللَّه ولا اختلاف، إذا رأى فيه ما يتناقض في ظاهره، وأهمه طلب ما يوفق بينه ويجريه على سنن واحد، ففكر وراجع نفسه وغيره ففتح اللَّه عليه وتبين مطابقة المتشابه المحكم، ازداد طمأنينة إلى معتقده وقوّة في إيقانه الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ هم أهل البدع فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ فيتعلقون بالمتشابه الذي يحتمل ما يذهب إليه المبتدع مما لا يطابق المحكم ويحتمل ما يطابقه من قول أهل الحق ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ طلب أن يفتنوا الناس عن دينهم ويضلوهم وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وطلب أن يأوّلوه التأويل الذي يشتهونه وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ أى لا يهتدى إلى تأويله الحق الذي يجب أن يحمل عليه إلا اللَّه [[قال محمود: معناه لا يهتدى إلى تأويله ... الخ» قال أحمد رحمه اللَّه: وقوله «لا يهتدى إليه إلا اللَّه» عبارة قلقة، ولم يرد إطلاق الاهتداء على علم اللَّه تعالى، مع أن في هذه اللفظة إيهاما إذ الاهتداء لا يكون في الإطلاق إلا عن جبل وضلال- جل اللَّه وعز- حتى إن الكافر إذا أسلم أطلق أهل العرف عليه: فلان المهتدى، ذلك مقتضى اللغة فيه فانه مطاوع هدى. يقال: هديته فاهتدى، والإجماع منعقد على أن ما لم يرد إطلاقه وكان موهما لا يجوز إطلاقه على اللَّه عز وجل. ولذا أنكر على القاضي إطلاقه المعرفة على علم اللَّه تعالى حيث حد مطلق العلم بأنه معرفة المعلوم على ما هو عليه. فلأن ينكر على الزمخشري إطلاق الاهتداء على علم اللَّه تعالى أجدر. وما أراها صدرت منه إلا وهما حيث أضاف العلم إلى اللَّه تعالى وإلى الراسخين في العلم، فأطلق الاهتداء على الراسخين، أو عقل عن كونه ذكرهم مضائين إلى اللَّه تعالى في الفعل المذكور واللَّه أعلم.]] وعباده الذين رسخوا في العلم، أى ثبتوا فيه وتمكنوا وعضوا فيه بضرس قاطع. ومنهم من يقف على قوله إلا اللَّه، ويبتدئ والراسخون في العلم يقولون.
ويفسرون المتشابه بما استأثر اللَّه بعلمه، وبمعرفة الحكمة فيه من آياته، كعدد الزبانية ونحوه:
والأوّل هو الوجه. ويقولون: كلام مستأنف موضح لحال الراسخين بمعنى هؤلاء العالمون بالتأويل يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ أى بالمتشابه كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا أى كل واحد منه ومن المحكم من عنده، أو بالكتاب كل من متشابهه ومحكمه من عند اللَّه الحكيم الذي لا يتناقض كلامه ولا يختلف كتابه وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ مدح للراسخين بإلقاء الذهن وحسن التأمّل. ويجوز أن يكون (يَقُولُونَ) حالا من الراسخين. وقرأ عبد اللَّه: إن تأويله إلا عند اللَّه. وقرأ أبىّ: ويقول الراسخون.
آل عمران 3:8
لا تُزِغْ قُلُوبَنا لا تبلنا ببلايا تزيغ فيها قلوبنا [[قال محمود: «معناه ربنا لا تبلنا ببلايا ... الخ» قال أحمد: أما أهل السنة فيدعون اللَّه بهذه الدعوة غير محرفة، لأنهم يوحدون حق التوحيد، فيعتقدون أن كل حادث من هدى وزيغ مخلوق للَّه تعالى. وأما القدرية فعندهم أن الزيغ لا يخلقه اللَّه تعالى وإنما يخلقه العبد لنفسه، فلا يدعون اللَّه تعالى بهذه الدعوة إلا محرفة إلى غير المراد بها كما أولها المصنف به، وإن كنا ندعو اللَّه تعالى مضافا إلى هذه الدعوة بأن لا يبتلينا ولا يمنعنا لطفه آمين، لأن الكل فعله وخلقه، ولا موجود إلا هو وأفعاله، التي نحن وأفعالنا منها.]] بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وأرشدتنا لدينك. أو لا تمنعنا ألطافك بعد إذ لطفت بنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً من عندك نعمة بالتوفيق والمعونة. وقرئ لا تزغ قلوبنا، بالتاء والياء ورفع القلوب جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ أى تجمعهم لحساب يوم أو لجزاء يوم، كقوله تعالى: (يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ) : وقرئ: جامع الناس، على الأصل (إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ) معناه أنّ الإلهية تنافى خلف الميعاد كقولك: إن الجواد لا يخيب سائله والميعاد: الموعد. قرأ على رضى اللَّه عنه. لن تغنى بسكون الياء، وهذا من الجدّ في استثقال الحركة على حروف اللين.
آل عمران 3:9
لا تُزِغْ قُلُوبَنا لا تبلنا ببلايا تزيغ فيها قلوبنا [[قال محمود: «معناه ربنا لا تبلنا ببلايا ... الخ» قال أحمد: أما أهل السنة فيدعون اللَّه بهذه الدعوة غير محرفة، لأنهم يوحدون حق التوحيد، فيعتقدون أن كل حادث من هدى وزيغ مخلوق للَّه تعالى. وأما القدرية فعندهم أن الزيغ لا يخلقه اللَّه تعالى وإنما يخلقه العبد لنفسه، فلا يدعون اللَّه تعالى بهذه الدعوة إلا محرفة إلى غير المراد بها كما أولها المصنف به، وإن كنا ندعو اللَّه تعالى مضافا إلى هذه الدعوة بأن لا يبتلينا ولا يمنعنا لطفه آمين، لأن الكل فعله وخلقه، ولا موجود إلا هو وأفعاله، التي نحن وأفعالنا منها.]] بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وأرشدتنا لدينك. أو لا تمنعنا ألطافك بعد إذ لطفت بنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً من عندك نعمة بالتوفيق والمعونة. وقرئ لا تزغ قلوبنا، بالتاء والياء ورفع القلوب جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ أى تجمعهم لحساب يوم أو لجزاء يوم، كقوله تعالى: (يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ) : وقرئ: جامع الناس، على الأصل (إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ) معناه أنّ الإلهية تنافى خلف الميعاد كقولك: إن الجواد لا يخيب سائله والميعاد: الموعد. قرأ على رضى اللَّه عنه. لن تغنى بسكون الياء، وهذا من الجدّ في استثقال الحركة على حروف اللين.
آل عمران 3:10
(مِنَ) في قوله مِنَ اللَّهِ مثله في قوله: (وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً) والمعنى: لن تغنى عنهم من رحمة اللَّه أو من طاعة اللَّه شَيْئاً أى بدل رحمته وطاعته وبدل الحق: ومنه «ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ» أى لا ينفعه جدّه وحظه من الدنيا بدلك، أى بدل طاعتك وعبادتك وما عندك وفي معناه قوله تعالى: (وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى) وقرئ: وقود، بالضم بمعنى أهل وقودها. والمراد بالذين كفروا من كفر برسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم. وعن ابن عباس: هم قريظة والنضير. الدأب: مصدر دأب في العمل إذا كدح فيه فوضع موضع ما عليه الإنسان من شأنه وحاله، والكاف مرفوع المحل تقديره: دأب هؤلاء الكفرة كدأب من قبلهم من آل فرعون وغيرهم. ويجوز أن ينتصب محل الكاف بلن تغنى، أو بالوقود. أى لن تغنى عنهم مثل ما لم تغن عن أولئك أو توقد بهم النار كما توقد بهم، تقول: إنك لتظلم الناس كدأب أبيك تريد كظلم أبيك ومثل ما كان يظلمهم، وإنّ فلانا لمحارف كدأب [[قوله «وإن فلانا لمحارف كدأب أبيه» في الصحاح: رجل محارف- بفتح الراء- أى محدود محروم، وهو خلاف قولك: مبارك. (ع)]] أبيه، تريد كما حورف أبوه كَذَّبُوا بِآياتِنا تفسير لدأبهم ما فعلوا وفعل بهم، على أنه جواب سؤال مقدّر عن حالهم قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هم مشركو مكة سَتُغْلَبُونَ يعنى يوم بدر. وقيل: هم اليهود. ولما غلب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يوم بدر قالوا: هذا واللَّه النبىّ الأمىّ الذي بشرنا به موسى، وهموا باتباعه.
فقال بعضهم لا تعجلوا حتى ننظر إلى وقعة أخرى، فلما كان يوم أحد شكوا. وقيل: جمعهم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بعد وقعة بدر في سوق بنى قينقاع فقال يا معشر اليهود احذروا مثل ما نزل بقريش [[أخرجه أبو داود والطبري، من رواية ابن إسحاق عن محمد بن أبى محمد عن سعيد بن جبير، وعكرمة عن ابن عباس قال «لما أصاب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قريشاً يوم بدر وقدم المدينة جمع اليهود- الحديث»]] وأسلموا قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم، فقد عرفتم أنى نبى مرسل، فقالوا لا يغرّنك أنك لقيت قوما أغماراً لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة، لئن قاتلتنا لعلمت أنا نحن الناس، فنزلت وقرئ: سيغلبون ويحشرون، بالياء، كقوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ) على قل لهم قولي لك سيغلبون. فإن قلت: أى فرق بين القراءتين من حيث المعنى؟ قلت: معنى القراءة بالتاء الأمر بأن يخبرهم بما سيجرى عليهم من الغلبة والحشر إلى جهنم. فهو إخبار بمعنى سيغلبون ويحشرون وهو الكائن من نفس المتوعد به والذي يدل عليه اللفظ: ومعنى القراءة بالياء الأمر بأن يحكى لهم ما أخبره به من وعيدهم بلفظه، كأنه قال: أدّ إليهم هذا القول الذي هو قولي لك سيغلبون ويحشرون.
آل عمران 3:11
(مِنَ) في قوله مِنَ اللَّهِ مثله في قوله: (وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً) والمعنى: لن تغنى عنهم من رحمة اللَّه أو من طاعة اللَّه شَيْئاً أى بدل رحمته وطاعته وبدل الحق: ومنه «ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ» أى لا ينفعه جدّه وحظه من الدنيا بدلك، أى بدل طاعتك وعبادتك وما عندك وفي معناه قوله تعالى: (وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى) وقرئ: وقود، بالضم بمعنى أهل وقودها. والمراد بالذين كفروا من كفر برسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم. وعن ابن عباس: هم قريظة والنضير. الدأب: مصدر دأب في العمل إذا كدح فيه فوضع موضع ما عليه الإنسان من شأنه وحاله، والكاف مرفوع المحل تقديره: دأب هؤلاء الكفرة كدأب من قبلهم من آل فرعون وغيرهم. ويجوز أن ينتصب محل الكاف بلن تغنى، أو بالوقود. أى لن تغنى عنهم مثل ما لم تغن عن أولئك أو توقد بهم النار كما توقد بهم، تقول: إنك لتظلم الناس كدأب أبيك تريد كظلم أبيك ومثل ما كان يظلمهم، وإنّ فلانا لمحارف كدأب [[قوله «وإن فلانا لمحارف كدأب أبيه» في الصحاح: رجل محارف- بفتح الراء- أى محدود محروم، وهو خلاف قولك: مبارك. (ع)]] أبيه، تريد كما حورف أبوه كَذَّبُوا بِآياتِنا تفسير لدأبهم ما فعلوا وفعل بهم، على أنه جواب سؤال مقدّر عن حالهم قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هم مشركو مكة سَتُغْلَبُونَ يعنى يوم بدر. وقيل: هم اليهود. ولما غلب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يوم بدر قالوا: هذا واللَّه النبىّ الأمىّ الذي بشرنا به موسى، وهموا باتباعه.
فقال بعضهم لا تعجلوا حتى ننظر إلى وقعة أخرى، فلما كان يوم أحد شكوا. وقيل: جمعهم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بعد وقعة بدر في سوق بنى قينقاع فقال يا معشر اليهود احذروا مثل ما نزل بقريش [[أخرجه أبو داود والطبري، من رواية ابن إسحاق عن محمد بن أبى محمد عن سعيد بن جبير، وعكرمة عن ابن عباس قال «لما أصاب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قريشاً يوم بدر وقدم المدينة جمع اليهود- الحديث»]] وأسلموا قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم، فقد عرفتم أنى نبى مرسل، فقالوا لا يغرّنك أنك لقيت قوما أغماراً لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة، لئن قاتلتنا لعلمت أنا نحن الناس، فنزلت وقرئ: سيغلبون ويحشرون، بالياء، كقوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ) على قل لهم قولي لك سيغلبون. فإن قلت: أى فرق بين القراءتين من حيث المعنى؟ قلت: معنى القراءة بالتاء الأمر بأن يخبرهم بما سيجرى عليهم من الغلبة والحشر إلى جهنم. فهو إخبار بمعنى سيغلبون ويحشرون وهو الكائن من نفس المتوعد به والذي يدل عليه اللفظ: ومعنى القراءة بالياء الأمر بأن يحكى لهم ما أخبره به من وعيدهم بلفظه، كأنه قال: أدّ إليهم هذا القول الذي هو قولي لك سيغلبون ويحشرون.
آل عمران 3:12
(مِنَ) في قوله مِنَ اللَّهِ مثله في قوله: (وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً) والمعنى: لن تغنى عنهم من رحمة اللَّه أو من طاعة اللَّه شَيْئاً أى بدل رحمته وطاعته وبدل الحق: ومنه «ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ» أى لا ينفعه جدّه وحظه من الدنيا بدلك، أى بدل طاعتك وعبادتك وما عندك وفي معناه قوله تعالى: (وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى) وقرئ: وقود، بالضم بمعنى أهل وقودها. والمراد بالذين كفروا من كفر برسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم. وعن ابن عباس: هم قريظة والنضير. الدأب: مصدر دأب في العمل إذا كدح فيه فوضع موضع ما عليه الإنسان من شأنه وحاله، والكاف مرفوع المحل تقديره: دأب هؤلاء الكفرة كدأب من قبلهم من آل فرعون وغيرهم. ويجوز أن ينتصب محل الكاف بلن تغنى، أو بالوقود. أى لن تغنى عنهم مثل ما لم تغن عن أولئك أو توقد بهم النار كما توقد بهم، تقول: إنك لتظلم الناس كدأب أبيك تريد كظلم أبيك ومثل ما كان يظلمهم، وإنّ فلانا لمحارف كدأب [[قوله «وإن فلانا لمحارف كدأب أبيه» في الصحاح: رجل محارف- بفتح الراء- أى محدود محروم، وهو خلاف قولك: مبارك. (ع)]] أبيه، تريد كما حورف أبوه كَذَّبُوا بِآياتِنا تفسير لدأبهم ما فعلوا وفعل بهم، على أنه جواب سؤال مقدّر عن حالهم قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هم مشركو مكة سَتُغْلَبُونَ يعنى يوم بدر. وقيل: هم اليهود. ولما غلب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يوم بدر قالوا: هذا واللَّه النبىّ الأمىّ الذي بشرنا به موسى، وهموا باتباعه.
فقال بعضهم لا تعجلوا حتى ننظر إلى وقعة أخرى، فلما كان يوم أحد شكوا. وقيل: جمعهم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بعد وقعة بدر في سوق بنى قينقاع فقال يا معشر اليهود احذروا مثل ما نزل بقريش [[أخرجه أبو داود والطبري، من رواية ابن إسحاق عن محمد بن أبى محمد عن سعيد بن جبير، وعكرمة عن ابن عباس قال «لما أصاب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قريشاً يوم بدر وقدم المدينة جمع اليهود- الحديث»]] وأسلموا قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم، فقد عرفتم أنى نبى مرسل، فقالوا لا يغرّنك أنك لقيت قوما أغماراً لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة، لئن قاتلتنا لعلمت أنا نحن الناس، فنزلت وقرئ: سيغلبون ويحشرون، بالياء، كقوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ) على قل لهم قولي لك سيغلبون. فإن قلت: أى فرق بين القراءتين من حيث المعنى؟ قلت: معنى القراءة بالتاء الأمر بأن يخبرهم بما سيجرى عليهم من الغلبة والحشر إلى جهنم. فهو إخبار بمعنى سيغلبون ويحشرون وهو الكائن من نفس المتوعد به والذي يدل عليه اللفظ: ومعنى القراءة بالياء الأمر بأن يحكى لهم ما أخبره به من وعيدهم بلفظه، كأنه قال: أدّ إليهم هذا القول الذي هو قولي لك سيغلبون ويحشرون.
آل عمران 3:13
قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ الخطاب لمشركي قريش فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا يوم بدر يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ يرى المشركون المسلمين مثلي عدد المشركين [[قال محمود: «معناه يرى المشركون المسلمين مثلي عدد المشركين ... الخ» قال أحمد: وكذلك آيات الشفاعة المقدمة على رأى أهل السنة.]] قريباً من ألفين. أو مثلي عدد المسلمين ستمائة ونيفاً وعشرين، أراهم اللَّه إياهم مع قلتهم أضعافهم ليهابوهم ويجبنوا عن قتالهم، وكان ذلك مدداً لهم من اللَّه كما أمدّهم بالملائكة. والدليل عليه قراءة نافع: ترونهم، بالتاء أى ترون يا مشركي قريش المسلمين مثلي فئتكم الكافرة، أو مثلي أنفسهم. فإن قلت: فهذا مناقض لقوله في سورة الأنفال (وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ) . قلت: قللوا أوّلا في أعينهم حتى اجترءوا عليهم، فلما لاقوهم كثروا في أعينهم حتى غلبوا، فكان التقليل والتكثير في حالين مختلفين. ونظيره من المحمول على اختلاف الأحوال قوله تعالى (فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ) وقوله تعالى: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ) وتقليلهم تارة وتكثيرهم أخرى في أعينهم أبلغ في القدرة وإظهار الآية. وقيل يرى المسلمون المشركين مثلي المسلمين [[(عاد كلامه) قال: «وقيل يرى المسلمون المشركين مثلي المسلمين ... الخ» قال أحمد: إنما قال ذلك لأن الخطاب على قراءة نافع يكون للمسلمين، أى ترونهم يا مسلمون، ويكون ضمير المثلين أيضاً للمسلمين. وقد جاء على لفظ الغيبة فيلزم الخروج في جملة واحدة من الحضور إلى الغيبة والالتفات وإن كان سائغا فصيحاً، إلا أنه إنما يأتى في الأغلب في جملتين. وقد جاء هاهنا الكلام جملة واحدة، لأن مثليهم مفعول ثان للرؤية، ولو قال القائل:
ظننتك يقوم، على لفظ الغيبة بعد الخطاب، لم يكن بذاك، فهذا هو الوجه الذي أعد الزمخشري به بين قراءة نافع وبين هذا التأويل، إلا أنه يلزم مثله على أحد وجهيه المتقدمين آنفا، لأنه قال: معناه على قراءة نافع: ترون يا مشركون المسلمين مثلي عددهم أو مثلي فئتكم الكافرة، فعلى هذا الوجه الثاني يلزم الخروج من الخطاب إلى الغيبة في الجملة بعينها، كما ألزمه هو على ذلك الوجه واللَّه أعلم.]] على ما قرر عليه أمرهم من مقاومة الواحد الاثنين في قوله تعالى: (فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) بعد ما كلفوا أن يقاوم الواحد العشرة في قوله تعالى: (إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) ولذلك وصف ضعفهم [[قوله «ولذلك وصف ضعفهم» لعل هذا في قوله تعالى: (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا) أى وصف ضعف المسلمين وهو الستمائة بالقلة، مع أن ضعف الشيء أكثر منه، فتدبر. (ع)]] بالقلة لأنه قليل بالإضافة إلى عشرة الأضعاف وكان الكافرون ثلاثة أمثالهم. وقراءة نافع لا تساعد عليه. وقرأ ابن مصرف: يرونهم، على البناء للمفعول بالياء والتاء، أى يريهم اللَّه ذلك بقدرته. وقرئ: فئة تقاتل وأخرى كافرة، بالجرّ على البدل من فئتين، وبالنصب على الاختصاص. أو على الحال من الضمير في التقتا رَأْيَ الْعَيْنِ يعنى رؤية ظاهرة مكشوفة لا لبس فيها، معاينة كسائر المعاينات وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ كما أيد أهل بدر بتكثيرهم في عين العدوّ.
آل عمران 3:14
زُيِّنَ لِلنَّاسِ المزين هو اللَّه سبحانه وتعالى [[قال محمود: «المزين هو اللَّه تعالى ... الخ» قال أحمد: التزيين للشهوات يطلق ويراد به خلق حبها في القلوب، وهو بهذا المعنى مضاف إلى اللَّه تعالى حقيقة، لأنه لا خالق إلا هو خالق كل شيء، من جوهر، ومن عرض قائم بالجوهر، حب أو غيره. محمود في الشرع أولا. ويطلق التزيين ويراد به الحض على تعاطى الشهوات والأمر بها، فهو بهذا الاعتبار لا يضاف إلى اللَّه تعالى منه إلا الحض على بعض الشهوات المنصوص عليها شرعا كالنكاح المقترن بقصد التناسل واتباع السنة فيه وما يجرى مجراه. وأما الشهوات المحظورة فتزيينها بهذا المعنى الثاني مضاف إلى الشيطان، تنزيلا لوسوسته وتحسينه منزلة الأمر بها والحض على تعاطيها. وكلام الحسن رضى اللَّه عنه محمول على التزيين بالمعنى الثاني لا بالمعنى الأول، فانه يحاشى أن ينسب خلق اللَّه إلى غير اللَّه. وإنما الزمخشري كثيراً ما يورد أمثال هذه العبارة الملتبسة تنزيلا لها على قواعد القدرية الفاسدة، فتفطن لها وبريء قائلها من السلف الصالح عما يزعم الزمخشري النقل عنه، واللَّه الموفق.]] للابتلاء، كقوله: (إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ) ويدل عليه قراءة مجاهد: زين للناس، على تسمية الفاعل. وعن الحسن: الشيطان.
واللَّه زينها لهم، لأنا لا نعلم أحداً أذم لها من خالقها حُبُّ الشَّهَواتِ جعل الأعيان التي ذكرها شهوات [[(عاد كلامه) قال: «جعل الأعيان التي ذكرها شهوات ... الخ» قال أحمد: يريد إلحاقها بباب: رجل صوم وفطر، مما يوضع فيه المعنى موضع الاسم مبالغة.]] مبالغة في كونها مشتهاة محروصاً على الاستمتاع بها. والوجه أن يقصد تخسيسها فيسميها شهوات، لأن الشهوة مسترذلة عند الحكماء مذموم من اتبعها شاهد على نفسه بالهيمية، وقال: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ) ثم جاء بالتفسير، ليقرر أوّلا في النفوس أن المزين لهم حبه ما هو إلا شهوات لا غير، ثم يفسره بهذه الأجناس، فيكون أقوى لتخسيسها، وأدلّ على ذم من يستعظمها ويتهالك عليها ويرجح طلبها على طلب ما عند اللَّه. والقنطار: المال الكثير. قيل: ملء مسك ثور. وعن سعيد بن جبير: مائة ألف دينار. ولقد جاء الإسلام يوم جاء وبمكة مائة رجل قد قنطروا.
والْمُقَنْطَرَةِ مبنية من لفظ القنطار للتوكيد كقولهم: ألف مؤلفة، وبدرة مبدرة. والْمُسَوَّمَةِ المعلمة، من السومة وهي العلامة. أو المطهمة أو المرعية [[قوله «أو المطهمة أو المرعية» عبارة أبى السعود. أو المطهمة التامة الخلق اه. وفي الفخر: قال القفال:
المطهمة المرأة الجميلة المرتبة اه. (ع)]] من أسام الدابة وسوّمها وَالْأَنْعامِ الأزواج الثمانية ذلِكَ المذكور مَتاعُ الْحَياةِ.
لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ كلام مستأنف فيه دلالة على بيان ما هو خير من ذلكم، كما تقول: هل أدلك على رجل عالم؟ عندي رجل من صفته كيت وكيت. ويجوز أن يتعلق اللام بخير. واختص المتقين، لأنهم هم المنتفعون به. وترتفع (جَنَّاتٌ) على: هو جنات. وتنصره قراءة من قرأ (جنات) بالجرّ على البدل من خير وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ يثيب ويعاقب على الاستحقاق، أو بصير بالذين اتقوا وبأحوالهم، فلذلك أعدّ لهم الجنات الَّذِينَ يَقُولُونَ نصب على المدح، أو رفع. ويجوز الجرّ صفة للمتقين أو للعباد. والواو المتوسطة بين الصفات للدلالة على كما لهم في كل واحدة منها. وقد مرّ الكلام في ذلك. وخص الأسحار لأنهم كانوا يقدّمون قيام الليل فيحسن طلب الحاجة بعده (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ)
وعن الحسن: كانوا يصلون في أوّل الليل حتى إذا كان السحر أخذوا في الدعاء والاستغفار، هذا نهارهم، وهذا ليلهم.
آل عمران 3:15
زُيِّنَ لِلنَّاسِ المزين هو اللَّه سبحانه وتعالى [[قال محمود: «المزين هو اللَّه تعالى ... الخ» قال أحمد: التزيين للشهوات يطلق ويراد به خلق حبها في القلوب، وهو بهذا المعنى مضاف إلى اللَّه تعالى حقيقة، لأنه لا خالق إلا هو خالق كل شيء، من جوهر، ومن عرض قائم بالجوهر، حب أو غيره. محمود في الشرع أولا. ويطلق التزيين ويراد به الحض على تعاطى الشهوات والأمر بها، فهو بهذا الاعتبار لا يضاف إلى اللَّه تعالى منه إلا الحض على بعض الشهوات المنصوص عليها شرعا كالنكاح المقترن بقصد التناسل واتباع السنة فيه وما يجرى مجراه. وأما الشهوات المحظورة فتزيينها بهذا المعنى الثاني مضاف إلى الشيطان، تنزيلا لوسوسته وتحسينه منزلة الأمر بها والحض على تعاطيها. وكلام الحسن رضى اللَّه عنه محمول على التزيين بالمعنى الثاني لا بالمعنى الأول، فانه يحاشى أن ينسب خلق اللَّه إلى غير اللَّه. وإنما الزمخشري كثيراً ما يورد أمثال هذه العبارة الملتبسة تنزيلا لها على قواعد القدرية الفاسدة، فتفطن لها وبريء قائلها من السلف الصالح عما يزعم الزمخشري النقل عنه، واللَّه الموفق.]] للابتلاء، كقوله: (إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ) ويدل عليه قراءة مجاهد: زين للناس، على تسمية الفاعل. وعن الحسن: الشيطان.
واللَّه زينها لهم، لأنا لا نعلم أحداً أذم لها من خالقها حُبُّ الشَّهَواتِ جعل الأعيان التي ذكرها شهوات [[(عاد كلامه) قال: «جعل الأعيان التي ذكرها شهوات ... الخ» قال أحمد: يريد إلحاقها بباب: رجل صوم وفطر، مما يوضع فيه المعنى موضع الاسم مبالغة.]] مبالغة في كونها مشتهاة محروصاً على الاستمتاع بها. والوجه أن يقصد تخسيسها فيسميها شهوات، لأن الشهوة مسترذلة عند الحكماء مذموم من اتبعها شاهد على نفسه بالهيمية، وقال: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ) ثم جاء بالتفسير، ليقرر أوّلا في النفوس أن المزين لهم حبه ما هو إلا شهوات لا غير، ثم يفسره بهذه الأجناس، فيكون أقوى لتخسيسها، وأدلّ على ذم من يستعظمها ويتهالك عليها ويرجح طلبها على طلب ما عند اللَّه. والقنطار: المال الكثير. قيل: ملء مسك ثور. وعن سعيد بن جبير: مائة ألف دينار. ولقد جاء الإسلام يوم جاء وبمكة مائة رجل قد قنطروا.
والْمُقَنْطَرَةِ مبنية من لفظ القنطار للتوكيد كقولهم: ألف مؤلفة، وبدرة مبدرة. والْمُسَوَّمَةِ المعلمة، من السومة وهي العلامة. أو المطهمة أو المرعية [[قوله «أو المطهمة أو المرعية» عبارة أبى السعود. أو المطهمة التامة الخلق اه. وفي الفخر: قال القفال:
المطهمة المرأة الجميلة المرتبة اه. (ع)]] من أسام الدابة وسوّمها وَالْأَنْعامِ الأزواج الثمانية ذلِكَ المذكور مَتاعُ الْحَياةِ.
لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ كلام مستأنف فيه دلالة على بيان ما هو خير من ذلكم، كما تقول: هل أدلك على رجل عالم؟ عندي رجل من صفته كيت وكيت. ويجوز أن يتعلق اللام بخير. واختص المتقين، لأنهم هم المنتفعون به. وترتفع (جَنَّاتٌ) على: هو جنات. وتنصره قراءة من قرأ (جنات) بالجرّ على البدل من خير وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ يثيب ويعاقب على الاستحقاق، أو بصير بالذين اتقوا وبأحوالهم، فلذلك أعدّ لهم الجنات الَّذِينَ يَقُولُونَ نصب على المدح، أو رفع. ويجوز الجرّ صفة للمتقين أو للعباد. والواو المتوسطة بين الصفات للدلالة على كما لهم في كل واحدة منها. وقد مرّ الكلام في ذلك. وخص الأسحار لأنهم كانوا يقدّمون قيام الليل فيحسن طلب الحاجة بعده (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ)
وعن الحسن: كانوا يصلون في أوّل الليل حتى إذا كان السحر أخذوا في الدعاء والاستغفار، هذا نهارهم، وهذا ليلهم.
آل عمران 3:16
زُيِّنَ لِلنَّاسِ المزين هو اللَّه سبحانه وتعالى [[قال محمود: «المزين هو اللَّه تعالى ... الخ» قال أحمد: التزيين للشهوات يطلق ويراد به خلق حبها في القلوب، وهو بهذا المعنى مضاف إلى اللَّه تعالى حقيقة، لأنه لا خالق إلا هو خالق كل شيء، من جوهر، ومن عرض قائم بالجوهر، حب أو غيره. محمود في الشرع أولا. ويطلق التزيين ويراد به الحض على تعاطى الشهوات والأمر بها، فهو بهذا الاعتبار لا يضاف إلى اللَّه تعالى منه إلا الحض على بعض الشهوات المنصوص عليها شرعا كالنكاح المقترن بقصد التناسل واتباع السنة فيه وما يجرى مجراه. وأما الشهوات المحظورة فتزيينها بهذا المعنى الثاني مضاف إلى الشيطان، تنزيلا لوسوسته وتحسينه منزلة الأمر بها والحض على تعاطيها. وكلام الحسن رضى اللَّه عنه محمول على التزيين بالمعنى الثاني لا بالمعنى الأول، فانه يحاشى أن ينسب خلق اللَّه إلى غير اللَّه. وإنما الزمخشري كثيراً ما يورد أمثال هذه العبارة الملتبسة تنزيلا لها على قواعد القدرية الفاسدة، فتفطن لها وبريء قائلها من السلف الصالح عما يزعم الزمخشري النقل عنه، واللَّه الموفق.]] للابتلاء، كقوله: (إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ) ويدل عليه قراءة مجاهد: زين للناس، على تسمية الفاعل. وعن الحسن: الشيطان.
واللَّه زينها لهم، لأنا لا نعلم أحداً أذم لها من خالقها حُبُّ الشَّهَواتِ جعل الأعيان التي ذكرها شهوات [[(عاد كلامه) قال: «جعل الأعيان التي ذكرها شهوات ... الخ» قال أحمد: يريد إلحاقها بباب: رجل صوم وفطر، مما يوضع فيه المعنى موضع الاسم مبالغة.]] مبالغة في كونها مشتهاة محروصاً على الاستمتاع بها. والوجه أن يقصد تخسيسها فيسميها شهوات، لأن الشهوة مسترذلة عند الحكماء مذموم من اتبعها شاهد على نفسه بالهيمية، وقال: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ) ثم جاء بالتفسير، ليقرر أوّلا في النفوس أن المزين لهم حبه ما هو إلا شهوات لا غير، ثم يفسره بهذه الأجناس، فيكون أقوى لتخسيسها، وأدلّ على ذم من يستعظمها ويتهالك عليها ويرجح طلبها على طلب ما عند اللَّه. والقنطار: المال الكثير. قيل: ملء مسك ثور. وعن سعيد بن جبير: مائة ألف دينار. ولقد جاء الإسلام يوم جاء وبمكة مائة رجل قد قنطروا.
والْمُقَنْطَرَةِ مبنية من لفظ القنطار للتوكيد كقولهم: ألف مؤلفة، وبدرة مبدرة. والْمُسَوَّمَةِ المعلمة، من السومة وهي العلامة. أو المطهمة أو المرعية [[قوله «أو المطهمة أو المرعية» عبارة أبى السعود. أو المطهمة التامة الخلق اه. وفي الفخر: قال القفال:
المطهمة المرأة الجميلة المرتبة اه. (ع)]] من أسام الدابة وسوّمها وَالْأَنْعامِ الأزواج الثمانية ذلِكَ المذكور مَتاعُ الْحَياةِ.
لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ كلام مستأنف فيه دلالة على بيان ما هو خير من ذلكم، كما تقول: هل أدلك على رجل عالم؟ عندي رجل من صفته كيت وكيت. ويجوز أن يتعلق اللام بخير. واختص المتقين، لأنهم هم المنتفعون به. وترتفع (جَنَّاتٌ) على: هو جنات. وتنصره قراءة من قرأ (جنات) بالجرّ على البدل من خير وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ يثيب ويعاقب على الاستحقاق، أو بصير بالذين اتقوا وبأحوالهم، فلذلك أعدّ لهم الجنات الَّذِينَ يَقُولُونَ نصب على المدح، أو رفع. ويجوز الجرّ صفة للمتقين أو للعباد. والواو المتوسطة بين الصفات للدلالة على كما لهم في كل واحدة منها. وقد مرّ الكلام في ذلك. وخص الأسحار لأنهم كانوا يقدّمون قيام الليل فيحسن طلب الحاجة بعده (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ)
وعن الحسن: كانوا يصلون في أوّل الليل حتى إذا كان السحر أخذوا في الدعاء والاستغفار، هذا نهارهم، وهذا ليلهم.
آل عمران 3:17
زُيِّنَ لِلنَّاسِ المزين هو اللَّه سبحانه وتعالى [[قال محمود: «المزين هو اللَّه تعالى ... الخ» قال أحمد: التزيين للشهوات يطلق ويراد به خلق حبها في القلوب، وهو بهذا المعنى مضاف إلى اللَّه تعالى حقيقة، لأنه لا خالق إلا هو خالق كل شيء، من جوهر، ومن عرض قائم بالجوهر، حب أو غيره. محمود في الشرع أولا. ويطلق التزيين ويراد به الحض على تعاطى الشهوات والأمر بها، فهو بهذا الاعتبار لا يضاف إلى اللَّه تعالى منه إلا الحض على بعض الشهوات المنصوص عليها شرعا كالنكاح المقترن بقصد التناسل واتباع السنة فيه وما يجرى مجراه. وأما الشهوات المحظورة فتزيينها بهذا المعنى الثاني مضاف إلى الشيطان، تنزيلا لوسوسته وتحسينه منزلة الأمر بها والحض على تعاطيها. وكلام الحسن رضى اللَّه عنه محمول على التزيين بالمعنى الثاني لا بالمعنى الأول، فانه يحاشى أن ينسب خلق اللَّه إلى غير اللَّه. وإنما الزمخشري كثيراً ما يورد أمثال هذه العبارة الملتبسة تنزيلا لها على قواعد القدرية الفاسدة، فتفطن لها وبريء قائلها من السلف الصالح عما يزعم الزمخشري النقل عنه، واللَّه الموفق.]] للابتلاء، كقوله: (إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ) ويدل عليه قراءة مجاهد: زين للناس، على تسمية الفاعل. وعن الحسن: الشيطان.
واللَّه زينها لهم، لأنا لا نعلم أحداً أذم لها من خالقها حُبُّ الشَّهَواتِ جعل الأعيان التي ذكرها شهوات [[(عاد كلامه) قال: «جعل الأعيان التي ذكرها شهوات ... الخ» قال أحمد: يريد إلحاقها بباب: رجل صوم وفطر، مما يوضع فيه المعنى موضع الاسم مبالغة.]] مبالغة في كونها مشتهاة محروصاً على الاستمتاع بها. والوجه أن يقصد تخسيسها فيسميها شهوات، لأن الشهوة مسترذلة عند الحكماء مذموم من اتبعها شاهد على نفسه بالهيمية، وقال: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ) ثم جاء بالتفسير، ليقرر أوّلا في النفوس أن المزين لهم حبه ما هو إلا شهوات لا غير، ثم يفسره بهذه الأجناس، فيكون أقوى لتخسيسها، وأدلّ على ذم من يستعظمها ويتهالك عليها ويرجح طلبها على طلب ما عند اللَّه. والقنطار: المال الكثير. قيل: ملء مسك ثور. وعن سعيد بن جبير: مائة ألف دينار. ولقد جاء الإسلام يوم جاء وبمكة مائة رجل قد قنطروا.
والْمُقَنْطَرَةِ مبنية من لفظ القنطار للتوكيد كقولهم: ألف مؤلفة، وبدرة مبدرة. والْمُسَوَّمَةِ المعلمة، من السومة وهي العلامة. أو المطهمة أو المرعية [[قوله «أو المطهمة أو المرعية» عبارة أبى السعود. أو المطهمة التامة الخلق اه. وفي الفخر: قال القفال:
المطهمة المرأة الجميلة المرتبة اه. (ع)]] من أسام الدابة وسوّمها وَالْأَنْعامِ الأزواج الثمانية ذلِكَ المذكور مَتاعُ الْحَياةِ.
لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ كلام مستأنف فيه دلالة على بيان ما هو خير من ذلكم، كما تقول: هل أدلك على رجل عالم؟ عندي رجل من صفته كيت وكيت. ويجوز أن يتعلق اللام بخير. واختص المتقين، لأنهم هم المنتفعون به. وترتفع (جَنَّاتٌ) على: هو جنات. وتنصره قراءة من قرأ (جنات) بالجرّ على البدل من خير وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ يثيب ويعاقب على الاستحقاق، أو بصير بالذين اتقوا وبأحوالهم، فلذلك أعدّ لهم الجنات الَّذِينَ يَقُولُونَ نصب على المدح، أو رفع. ويجوز الجرّ صفة للمتقين أو للعباد. والواو المتوسطة بين الصفات للدلالة على كما لهم في كل واحدة منها. وقد مرّ الكلام في ذلك. وخص الأسحار لأنهم كانوا يقدّمون قيام الليل فيحسن طلب الحاجة بعده (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ)
وعن الحسن: كانوا يصلون في أوّل الليل حتى إذا كان السحر أخذوا في الدعاء والاستغفار، هذا نهارهم، وهذا ليلهم.
آل عمران 3:18
شبهت دلالته على وحدانيته بأفعاله الخاصة التي لا يقدر عليها غيره، وبما أوحى من آياته الناطقة بالتوحيد كسورة الإخلاص وآية الكرسي وغيرهما بشهادة الشاهد في البيان والكشف، وكذلك إقرار الملائكة وأولى العلم بذلك واحتجاجهم عليه قائِماً بِالْقِسْطِ مقيما للعدل فيما يقسم من الأرزاق والآجال، ويثيب ويعاقب، وما يأمر به عباده من إنصاف بعضهم لبعض والعمل على السوية فيما بينهم. وانتصابه على أنه حال مؤكدة منه كقوله: (وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً) . فإن قلت:
لم جاز إفراده بنصب الحال دون المعطوفين عليه؟ ولو قلت جاءني زيد وعمرو راكباً لم يجز؟ قلت:
إنما جاز هذا لعدم الإلباس كما جاز في قوله: (وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً) أن انتصب نافلة حالا عن يعقوب. ولو قلت: جاءني زيد وهند راكباً جاز لتميزه بالذكورة، أو على المدح. فإن قلت: أليس من حق المنتصب على المدح أن يكون معرفة كقولك: الحمد للَّه الحميد. «إنا معشر الأنبياء لا نورث» [[أخرجه أحمد، حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة مرفوعا بهذا. ورواه النسائي في الكبرى، من رواية ابن عيينة عن الزهري عن مالك بن أوس بن الحدثان، قال: قال عمر لعبد الرحمن وسعد وعثمان وطلحة والزبير «أنشدكم باللَّه الذي قامت له السموات والأرض، أسمعتم النبي صلى اللَّه عليه وسلم يقول- فذكره، وفيه قالوا: اللهم نعم» وأخرجه في الكنى في ترجمة أبى إدريس تلميذ أبى سليمان من رواية عن عبد الملك بن عمر عن أبى هريرة مثله. وأصله متفق عليه من حديث عائشة بلفظ «لا نورث ما تركنا صدقة»]] . إنا بنى نهشل لا ندعى لأب؟ قلت: قد جاء نكرة كما جاء معرفة. وأنشد سيبويه فيما جاء منه نكرة قول الهذلي:
وَيَأْوِى إلَى نِسْوَةٍ عُطْلٍ ... وَشُعْثاً مَرَاضِيعَ مِثْلَ السَّعَالِى [[للهذلى يصف رجلا يصيد ويرجع إلى زوجته وبناته عطل عاريات من الحلي والثياب. وشعثا نصب على الذم، أى وأذم شعثا أى مغبرات الوجوه من الجوع. والعطل: جمع عاطلة. والشعث. جمع شعثاء، كسود وسوداء.
ومراضيع: جمع مرضاع قياسا، أو مرضع سماعا، أى ترضع أولادها مثل السعالى جمع سعلاة وهي أنثى الشياطين، أى كريهات المنظر مثل الأغوال. وهي أقبح شيء عند العرب.]]
فإن قلت: هل يجوز أن يكون صفة للمنفي كأنه قيل: لا إله قائماً بالقسط إلا هو؟ قلت: لا يبعد، فقد رأيناهم يتسعون في الفصل بين الصفة والموصوف. فإن قلت: قد جعلته حالا من فاعل شهد، فهل يصح أن ينتصب حالا عن «هو» في: (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) ؟ قلت: نعم، لأنها حال مؤكدة والحال المؤكدة لا تستدعى أن يكون في الجملة التي هي زيادة في فائدتها عامل فيها، كقولك: أنا عبد اللَّه شجاعاً. وكذلك لو قلت: لا رجل إلا عبد اللَّه شجاعاً. وهو أوجه من انتصابه عن فاعل شهد، وكذلك انتصابه على المدح. فإن قلت: هل دخل قيامه بالقسط في حكم شهادة اللَّه والملائكة وأولى العلم كما دخلت الوحدانية؟ قلت: نعم إذا جعلته حالا من هو، أو نصباً على المدح منه، أو صفة للمنفي، كأنه قيل: شهد اللَّه والملائكة وأولو العلم أنه لا إله إلا هو، وأنه قائم بالقسط.
وقرأ عبد اللَّه: القائم بالقسط، على أنه بدل من هو، أو خبر مبتدإ محذوف. وقرأ أبو حنيفة:
قيما بالقسط الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ صفتان مقرّرّتان لما وصف به ذاته من الوحدانية والعدل، يعنى أنه العزيز الذي لا يغالبه إله آخر، الحكيم الذي لا يعدل عن العدل في أفعاله. فإن قلت: ما المراد بأولى العلم الذين عظمهم هذا التعظيم حيث جمعهم معه ومع الملائكة في الشهادة على وحدانيته وعدله؟ قلت: هم الذين يثبتون وحدانيته وعدله بالحجج الساطعة والبراهين القاطعة وهم علماء العدل [[قوله «والبراهين القاطعة وهم علماء العدل» تلميح بالمعتزلة حيث سموا أنفسهم أهل العدل والتوحيد، لكن الانصاف التعميم حتى يشمل أهل السنة والجماعة. (ع)]] والتوحيد. وقرئ (أنه) بالفتح، و (إِنَّ الدِّينَ) بالكسر على أنّ الفعل واقع على أنه بمعنى شهد اللَّه على أنه، أو بأنه. وقوله إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ جملة مستأنفة مؤكدة للجملة الأولى. فإن قلت: ما فائدة هذا التوكيد؟ قلت: فائدته أن قوله: (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) توحيد، وقوله: (قائِماً بِالْقِسْطِ) تعديل، فإذا أردفه قوله: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ) فقد آذن أن الإسلام هو العدل [[قوله «فقد آذن أن الإسلام هو العدل» تعسف لا يقتضيه النظم الكريم، لكن دعى إليه التعصب. وقوله «وفيه أن من ذهب» الخ تورك على أهل السنة مبنى على ذلك، وتحقيقه في علم التوحيد. وبالجملة فالعدل والتوحيد لم ينحصرا في مذهب المعتزلة. (ع)]] والتوحيد، وهو الدين عند اللَّه، وما عداه فليس عنده في شيء من الدين. وفيه أن من ذهب إلى تشبيه أو ما يؤدّى إليه كإجازة الرؤية أو ذهب إلى الجبر الذي هو محض الجور، لم يكن على دين اللَّه الذي هو الإسلام، وهذا بين جلى كما ترى. وقرئا مفتوحين، على أن الثاني [[قوله «وقرئا مفتوحتين على أن الثاني» الضمير عائد إلى قوله تعالى: (أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) وقوله: (إِنَّ الدِّينَ) اه. (ع)]] بدل من الأوّل، كأنه قيل: شهد اللَّه أن الدين عند اللَّه الإسلام، والبدل هو المبدل منه في المعنى، فكان بيانا صريحاً، لأن دين اللَّه هو التوحيد والعدل. وقرئ الأوّل بالكسر والثاني بالفتح، على أن الفعل واقع على إنّ [[قوله «واقع على إن» أى على إن الدين ... الخ. (ع)]] ، وما بينهما اعتراض مؤكد. وهذا أيضا شاهد على أن دين الإسلام هو العدل والتوحيد، فترى القراءات كلها متعاضدة على ذلك. وقرأ عبد اللَّه: أن لا إله إلا هو. وقرأ أبىّ: إن الدين عند اللَّه للإسلام، وهي مقوية لقراءة من فتح الأولى وكسر الثانية. وقرئ: شهداء للَّه، بالنصب على أنه حال من المذكورين قبله، وبالرفع على هم شهداء اللَّه. فإن قلت: فعلام عطف على هذه القراءة (وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ) ؟
قلت: على الضمير في شهداء، وجاز لوقوع الفاصل بينهما. فإن قلت: لم كرر قوله: (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) ؟ [[قال محمود رحمه اللَّه: «إن قلت ما فائدة تكرار لا إله إلا هو ... الخ» ؟ قال أحمد رحمه اللَّه: وهذا التكرار لما قدمته في نظيره مما صدر الكلام به إذا طال عهده. وذلك أن الكلام مصدر بالتوحيد، ثم أعقب التوحيد تعداد الشاهدين به، ثم قوله: (قائِماً بِالْقِسْطِ) وهو التنزيه، فطال الكلام بذلك، فجدد التوحيد تلو التنزيه ليلي قوله: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ) ولولا هذا التجديد لكان التوحيد المتقدم كالمنقطع في الفهم مما أريد إيصاله به واللَّه أعلم. قال: «وفيه أن من ذهب إلى تشبيه ... الخ» . قال أحمد: هذا تعريض بخروج أهل السنة من ربقة الإسلام بل تصريح، وما ينقم منهم إلا أن صدقوا وعد اللَّه عباده المكرمين على لسان نبيهم الكريم صلى اللَّه تعالى عليه وعلى آله وسلم بأنهم يرون ربهم كالقمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته، ولأنهم وحدوا اللَّه حق توحيده فشهدوا أن لا اله إلا هو ولا خالق لهم ولأفعالهم إلا هو، واقتصروا على أن نسبوا لأنفسهم قدرة تقارن فعلهم لا خلق لها ولا تأثير غير التمييز بين أفعالهم الاختيارية والاضطرارية، وتلك المعبر عنها شرعا بالكسب في مثل قوله تعالى: (فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) هذا إيمان القوم وتوحيدهم، لا كقوم يغيرون في وجه النصوص فيجحدون الرؤية التي يظهر أن جحدهم لها سبب في حرمانهم إياها. ويجعلون أنفسهم الخسيسة شريكة للَّه في مخلوقاته، فيزعمون أنهم يخلقون لأنفسهم ما شاءوا من الأفعال على خلاف مشيئة ربهم محادة ومعاندة للَّه في ملكه، ثم بعد ذلك يتسترون بتسمية أنفسهم أهل العدل والتوحيد، واللَّه أعلم بمن اتقى. ولجبر خير من إشراك، إن كان أهل السنة مجبرة فأنا أول المجبرين. ولو نظرت أيها الزمخشري بعين الانصاف إلى جهالة القدرية وضلالها، لانبعثت إلى حدائق السنة وظلالها، ولخرجت عن مزالق البدع ومزالها، ولكن كره اللَّه انبعاثهم، ولعلمت أى الفريقين أحق بالأمن وأولى بالدخول في أولى العلم المقرونين في التوحيد بالملائكة المشرفين بعطفهم على اسم اللَّه عز وجل. اللهم ألهمنا على اقتفاء السنة شكرك. ولا تؤمنا مكرك إنه لا يأمن من مكر اللَّه إلا القوم الخاسرون، فليس ينجى من الخوف إلا الخوف. واللَّه ولى التوفيق.]] قلت: ذكره أوّلا للدلالة على اختصاصه بالوحدانية، وأنه لا إله إلا تلك الذات المتميزة، ثم ذكره ثانيا بعد ما قرن بإثبات الوحدانية إثبات العدل، للدلالة على اختصاصه بالأمرين، كأنه قال: لا إله إلا هذا الموصوف بالصفتين، ولذلك قرن به قوله: (الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) لتضمنهما معنى الوحدانية والعدل الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ أهل الكتاب من اليهود والنصارى.
واختلافهم أنهم تركوا الإسلام وهو التوحيد والعدل [[قوله «تركوا الإسلام وهو التوحيد والعدل» مبنى على ما قاله آنفا. (ع)]] مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ أنه الحق الذي لا محيد عنه، فثلثت النصارى، وقالت اليهود عزير ابن اللَّه، وقالوا: كنا أحق بأن تكون النبوّة فينا من قريش لأنهم أمّيون ونحن أهل كتاب، وهذا تجويز للَّه بَغْياً بَيْنَهُمْ أى ما كان ذلك الاختلاف وتظاهر هؤلاء بمذهب وهؤلاء بمذهب إلا حسداً بينهم وطلبا منهم للرئاسة وحظوظ الدنيا، واستتباع كل فريق ناسا يطؤن أعقابهم، لا شبهة في الإسلام. وقيل: هو اختلافهم في نبوّة محمد صلى اللَّه عليه وسلم، حيث آمن به بعض وكفر به بعض. وقيل: هو اختلافهم في الإيمان بالأنبياء، فمنهم من آمن بموسى، ومنهم من آمن بعيسى. وقيل هم اليهود، واختلافهم أن موسى عليه السلام حين احتضر استودع التوراة سبعين حبراً من بنى إسرائيل، وجعلهم أمناء عليها، واستخلف يوشع، فلما مضى قرن بعد قرن واختلف أبناء السبعين بعد ما جاءهم علم التوراة بغيا بينهم وتحاسداً على حظوظ الدنيا والرياسة. وقيل: هم النصارى واختلافهم في أمر عيسى بعد ما جاءهم العلم أنه عبد اللَّه ورسوله
آل عمران 3:19
شبهت دلالته على وحدانيته بأفعاله الخاصة التي لا يقدر عليها غيره، وبما أوحى من آياته الناطقة بالتوحيد كسورة الإخلاص وآية الكرسي وغيرهما بشهادة الشاهد في البيان والكشف، وكذلك إقرار الملائكة وأولى العلم بذلك واحتجاجهم عليه قائِماً بِالْقِسْطِ مقيما للعدل فيما يقسم من الأرزاق والآجال، ويثيب ويعاقب، وما يأمر به عباده من إنصاف بعضهم لبعض والعمل على السوية فيما بينهم. وانتصابه على أنه حال مؤكدة منه كقوله: (وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً) . فإن قلت:
لم جاز إفراده بنصب الحال دون المعطوفين عليه؟ ولو قلت جاءني زيد وعمرو راكباً لم يجز؟ قلت:
إنما جاز هذا لعدم الإلباس كما جاز في قوله: (وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً) أن انتصب نافلة حالا عن يعقوب. ولو قلت: جاءني زيد وهند راكباً جاز لتميزه بالذكورة، أو على المدح. فإن قلت: أليس من حق المنتصب على المدح أن يكون معرفة كقولك: الحمد للَّه الحميد. «إنا معشر الأنبياء لا نورث» [[أخرجه أحمد، حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة مرفوعا بهذا. ورواه النسائي في الكبرى، من رواية ابن عيينة عن الزهري عن مالك بن أوس بن الحدثان، قال: قال عمر لعبد الرحمن وسعد وعثمان وطلحة والزبير «أنشدكم باللَّه الذي قامت له السموات والأرض، أسمعتم النبي صلى اللَّه عليه وسلم يقول- فذكره، وفيه قالوا: اللهم نعم» وأخرجه في الكنى في ترجمة أبى إدريس تلميذ أبى سليمان من رواية عن عبد الملك بن عمر عن أبى هريرة مثله. وأصله متفق عليه من حديث عائشة بلفظ «لا نورث ما تركنا صدقة»]] . إنا بنى نهشل لا ندعى لأب؟ قلت: قد جاء نكرة كما جاء معرفة. وأنشد سيبويه فيما جاء منه نكرة قول الهذلي:
وَيَأْوِى إلَى نِسْوَةٍ عُطْلٍ ... وَشُعْثاً مَرَاضِيعَ مِثْلَ السَّعَالِى [[للهذلى يصف رجلا يصيد ويرجع إلى زوجته وبناته عطل عاريات من الحلي والثياب. وشعثا نصب على الذم، أى وأذم شعثا أى مغبرات الوجوه من الجوع. والعطل: جمع عاطلة. والشعث. جمع شعثاء، كسود وسوداء.
ومراضيع: جمع مرضاع قياسا، أو مرضع سماعا، أى ترضع أولادها مثل السعالى جمع سعلاة وهي أنثى الشياطين، أى كريهات المنظر مثل الأغوال. وهي أقبح شيء عند العرب.]]
فإن قلت: هل يجوز أن يكون صفة للمنفي كأنه قيل: لا إله قائماً بالقسط إلا هو؟ قلت: لا يبعد، فقد رأيناهم يتسعون في الفصل بين الصفة والموصوف. فإن قلت: قد جعلته حالا من فاعل شهد، فهل يصح أن ينتصب حالا عن «هو» في: (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) ؟ قلت: نعم، لأنها حال مؤكدة والحال المؤكدة لا تستدعى أن يكون في الجملة التي هي زيادة في فائدتها عامل فيها، كقولك: أنا عبد اللَّه شجاعاً. وكذلك لو قلت: لا رجل إلا عبد اللَّه شجاعاً. وهو أوجه من انتصابه عن فاعل شهد، وكذلك انتصابه على المدح. فإن قلت: هل دخل قيامه بالقسط في حكم شهادة اللَّه والملائكة وأولى العلم كما دخلت الوحدانية؟ قلت: نعم إذا جعلته حالا من هو، أو نصباً على المدح منه، أو صفة للمنفي، كأنه قيل: شهد اللَّه والملائكة وأولو العلم أنه لا إله إلا هو، وأنه قائم بالقسط.
وقرأ عبد اللَّه: القائم بالقسط، على أنه بدل من هو، أو خبر مبتدإ محذوف. وقرأ أبو حنيفة:
قيما بالقسط الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ صفتان مقرّرّتان لما وصف به ذاته من الوحدانية والعدل، يعنى أنه العزيز الذي لا يغالبه إله آخر، الحكيم الذي لا يعدل عن العدل في أفعاله. فإن قلت: ما المراد بأولى العلم الذين عظمهم هذا التعظيم حيث جمعهم معه ومع الملائكة في الشهادة على وحدانيته وعدله؟ قلت: هم الذين يثبتون وحدانيته وعدله بالحجج الساطعة والبراهين القاطعة وهم علماء العدل [[قوله «والبراهين القاطعة وهم علماء العدل» تلميح بالمعتزلة حيث سموا أنفسهم أهل العدل والتوحيد، لكن الانصاف التعميم حتى يشمل أهل السنة والجماعة. (ع)]] والتوحيد. وقرئ (أنه) بالفتح، و (إِنَّ الدِّينَ) بالكسر على أنّ الفعل واقع على أنه بمعنى شهد اللَّه على أنه، أو بأنه. وقوله إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ جملة مستأنفة مؤكدة للجملة الأولى. فإن قلت: ما فائدة هذا التوكيد؟ قلت: فائدته أن قوله: (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) توحيد، وقوله: (قائِماً بِالْقِسْطِ) تعديل، فإذا أردفه قوله: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ) فقد آذن أن الإسلام هو العدل [[قوله «فقد آذن أن الإسلام هو العدل» تعسف لا يقتضيه النظم الكريم، لكن دعى إليه التعصب. وقوله «وفيه أن من ذهب» الخ تورك على أهل السنة مبنى على ذلك، وتحقيقه في علم التوحيد. وبالجملة فالعدل والتوحيد لم ينحصرا في مذهب المعتزلة. (ع)]] والتوحيد، وهو الدين عند اللَّه، وما عداه فليس عنده في شيء من الدين. وفيه أن من ذهب إلى تشبيه أو ما يؤدّى إليه كإجازة الرؤية أو ذهب إلى الجبر الذي هو محض الجور، لم يكن على دين اللَّه الذي هو الإسلام، وهذا بين جلى كما ترى. وقرئا مفتوحين، على أن الثاني [[قوله «وقرئا مفتوحتين على أن الثاني» الضمير عائد إلى قوله تعالى: (أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) وقوله: (إِنَّ الدِّينَ) اه. (ع)]] بدل من الأوّل، كأنه قيل: شهد اللَّه أن الدين عند اللَّه الإسلام، والبدل هو المبدل منه في المعنى، فكان بيانا صريحاً، لأن دين اللَّه هو التوحيد والعدل. وقرئ الأوّل بالكسر والثاني بالفتح، على أن الفعل واقع على إنّ [[قوله «واقع على إن» أى على إن الدين ... الخ. (ع)]] ، وما بينهما اعتراض مؤكد. وهذا أيضا شاهد على أن دين الإسلام هو العدل والتوحيد، فترى القراءات كلها متعاضدة على ذلك. وقرأ عبد اللَّه: أن لا إله إلا هو. وقرأ أبىّ: إن الدين عند اللَّه للإسلام، وهي مقوية لقراءة من فتح الأولى وكسر الثانية. وقرئ: شهداء للَّه، بالنصب على أنه حال من المذكورين قبله، وبالرفع على هم شهداء اللَّه. فإن قلت: فعلام عطف على هذه القراءة (وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ) ؟
قلت: على الضمير في شهداء، وجاز لوقوع الفاصل بينهما. فإن قلت: لم كرر قوله: (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) ؟ [[قال محمود رحمه اللَّه: «إن قلت ما فائدة تكرار لا إله إلا هو ... الخ» ؟ قال أحمد رحمه اللَّه: وهذا التكرار لما قدمته في نظيره مما صدر الكلام به إذا طال عهده. وذلك أن الكلام مصدر بالتوحيد، ثم أعقب التوحيد تعداد الشاهدين به، ثم قوله: (قائِماً بِالْقِسْطِ) وهو التنزيه، فطال الكلام بذلك، فجدد التوحيد تلو التنزيه ليلي قوله: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ) ولولا هذا التجديد لكان التوحيد المتقدم كالمنقطع في الفهم مما أريد إيصاله به واللَّه أعلم. قال: «وفيه أن من ذهب إلى تشبيه ... الخ» . قال أحمد: هذا تعريض بخروج أهل السنة من ربقة الإسلام بل تصريح، وما ينقم منهم إلا أن صدقوا وعد اللَّه عباده المكرمين على لسان نبيهم الكريم صلى اللَّه تعالى عليه وعلى آله وسلم بأنهم يرون ربهم كالقمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته، ولأنهم وحدوا اللَّه حق توحيده فشهدوا أن لا اله إلا هو ولا خالق لهم ولأفعالهم إلا هو، واقتصروا على أن نسبوا لأنفسهم قدرة تقارن فعلهم لا خلق لها ولا تأثير غير التمييز بين أفعالهم الاختيارية والاضطرارية، وتلك المعبر عنها شرعا بالكسب في مثل قوله تعالى: (فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) هذا إيمان القوم وتوحيدهم، لا كقوم يغيرون في وجه النصوص فيجحدون الرؤية التي يظهر أن جحدهم لها سبب في حرمانهم إياها. ويجعلون أنفسهم الخسيسة شريكة للَّه في مخلوقاته، فيزعمون أنهم يخلقون لأنفسهم ما شاءوا من الأفعال على خلاف مشيئة ربهم محادة ومعاندة للَّه في ملكه، ثم بعد ذلك يتسترون بتسمية أنفسهم أهل العدل والتوحيد، واللَّه أعلم بمن اتقى. ولجبر خير من إشراك، إن كان أهل السنة مجبرة فأنا أول المجبرين. ولو نظرت أيها الزمخشري بعين الانصاف إلى جهالة القدرية وضلالها، لانبعثت إلى حدائق السنة وظلالها، ولخرجت عن مزالق البدع ومزالها، ولكن كره اللَّه انبعاثهم، ولعلمت أى الفريقين أحق بالأمن وأولى بالدخول في أولى العلم المقرونين في التوحيد بالملائكة المشرفين بعطفهم على اسم اللَّه عز وجل. اللهم ألهمنا على اقتفاء السنة شكرك. ولا تؤمنا مكرك إنه لا يأمن من مكر اللَّه إلا القوم الخاسرون، فليس ينجى من الخوف إلا الخوف. واللَّه ولى التوفيق.]] قلت: ذكره أوّلا للدلالة على اختصاصه بالوحدانية، وأنه لا إله إلا تلك الذات المتميزة، ثم ذكره ثانيا بعد ما قرن بإثبات الوحدانية إثبات العدل، للدلالة على اختصاصه بالأمرين، كأنه قال: لا إله إلا هذا الموصوف بالصفتين، ولذلك قرن به قوله: (الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) لتضمنهما معنى الوحدانية والعدل الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ أهل الكتاب من اليهود والنصارى.
واختلافهم أنهم تركوا الإسلام وهو التوحيد والعدل [[قوله «تركوا الإسلام وهو التوحيد والعدل» مبنى على ما قاله آنفا. (ع)]] مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ أنه الحق الذي لا محيد عنه، فثلثت النصارى، وقالت اليهود عزير ابن اللَّه، وقالوا: كنا أحق بأن تكون النبوّة فينا من قريش لأنهم أمّيون ونحن أهل كتاب، وهذا تجويز للَّه بَغْياً بَيْنَهُمْ أى ما كان ذلك الاختلاف وتظاهر هؤلاء بمذهب وهؤلاء بمذهب إلا حسداً بينهم وطلبا منهم للرئاسة وحظوظ الدنيا، واستتباع كل فريق ناسا يطؤن أعقابهم، لا شبهة في الإسلام. وقيل: هو اختلافهم في نبوّة محمد صلى اللَّه عليه وسلم، حيث آمن به بعض وكفر به بعض. وقيل: هو اختلافهم في الإيمان بالأنبياء، فمنهم من آمن بموسى، ومنهم من آمن بعيسى. وقيل هم اليهود، واختلافهم أن موسى عليه السلام حين احتضر استودع التوراة سبعين حبراً من بنى إسرائيل، وجعلهم أمناء عليها، واستخلف يوشع، فلما مضى قرن بعد قرن واختلف أبناء السبعين بعد ما جاءهم علم التوراة بغيا بينهم وتحاسداً على حظوظ الدنيا والرياسة. وقيل: هم النصارى واختلافهم في أمر عيسى بعد ما جاءهم العلم أنه عبد اللَّه ورسوله
آل عمران 3:20
فَإِنْ حَاجُّوكَ فإن جادلوك في الدين فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ أى أخلصت نفسي وجملتي للَّه وحده لم أجعل فيها لغيره شركا بأن أعبده وأدعوه إلها معه يعنى أن دينى التوحيد وهو الدين القديم الذي ثبتت عندكم صحته كما ثبتت عندي، وما جئت بشيء بديع حتى تجادلونى فيه. ونحوه (قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً) فهو دفع للمحاجة بأن ما هو عليه ومن معه من المؤمنين هو حق اليقين الذي لا لبس فيه فما معنى المحاجة فيه؟ وَمَنِ اتَّبَعَنِ عطف على التاء في أسلمت وحسن للفاصل. ويجوز أن تكون الواو بمعنى مع فيكون مفعولا معه وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ من اليهود والنصارى وَالْأُمِّيِّينَ والذين لا كتاب لهم من مشركي العرب أَأَسْلَمْتُمْ يعنى أنه قد أتاكم من البينات ما يوجب الإسلام ويقتضى حصوله لا محالة فهل أسلمتم أم أنتم بعد على كفركم؟ وهذا كقولك لمن لخصت له المسألة ولم تبق من طرق البيان والكشف طريقا إلا سلكته: هل فهمتها لا أم لك، ومنه قوله عزّ وعلا (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) بعد ما ذكر الصوارف عن الخمر والميسر. وفي هذا الاستفهام استقصار [[قوله «وفي هذا الاستفهام استقصار» أى عد المخاطب قاصراً. (ع)]] وتعيير بالمعاندة وقلة الإنصاف، لأن المنصف إذا تجلت له الحجة لم يتوقف إذعانه للحق، وللمعاندة بعد تجلى الحجة ما يضرب أسداداً بينه وبين الإذعان [[قوله «يضرب أسداد بينه وبين الإذعان» لعله أسدادا، أى حجبا. (ع)]] ، وكذلك في: هل فهمتها؟ توبيخ بالبلادة وكلة القريحة. وفي: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ)
بالتقاعد عن الانتهاء والحرص الشديد على تعاطى المنهي عنه فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا فقد نفعوا أنفسهم حيث خرجوا من الضلال إلى الهدى ومن الظلمة إلى النور وَإِنْ تَوَلَّوْا لم يضروك فإنك رسول منبه عليك أن تبلغ الرسالة وتنبه على طريق الهدى.
آل عمران 3:21
قرأ الحسن: يقتلون النبيين. وقرأ حمزة: ويقاتلون الذين يأمرون. وقرأ عبد اللَّه: وقاتلوا وقرأ أبىّ. يقتلون النبيين، والذين يأمرون. وهم أهل الكتاب. قتل أولوهم الأنبياء وقتلوا أتباعهم وهم راضون بما فعلوا، وكانوا حول قتل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم والمؤمنين لولا عصمة اللَّه. وعن أبى عبيدة بن الجراح: قلت يا رسول اللَّه، أى الناس أشدّ عذابا يوم القيامة؟ قال:
«رجل قتل نبيا أو رجلا أمر بمعروف ونهى عن منكر» ثم قرأها ثم قال: «يا أبا عبيدة، قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مائة واثنا عشر رجلا من عباد بنى إسرائيل فأمروا قتلتهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعا من آخر النهار [[أخرجه البزار والطبراني وابن أبى حاتم والثعلبي والبغوي من حديثه، وفيه أبو الحسن مولى بنى أسد، وهو مجهول.]] » فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لأنّ لهم اللعنة والخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة. فإن قلت: لم دخلت الفاء في خبر إن؟ قلت: لتضمن اسمها معنى الجزاء، كأنه قيل: الذين يكفرون فبشرهم بمعنى من يكفر فبشرهم، و «إنّ» لا تغير معنى الابتداء «فكأنّ دخولها كلا دخول، ولو كان مكانها «ليت» أو «لعل» لامتنع إدخال الفاء لتغير معنى الابتداء.
آل عمران 3:22
قرأ الحسن: يقتلون النبيين. وقرأ حمزة: ويقاتلون الذين يأمرون. وقرأ عبد اللَّه: وقاتلوا وقرأ أبىّ. يقتلون النبيين، والذين يأمرون. وهم أهل الكتاب. قتل أولوهم الأنبياء وقتلوا أتباعهم وهم راضون بما فعلوا، وكانوا حول قتل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم والمؤمنين لولا عصمة اللَّه. وعن أبى عبيدة بن الجراح: قلت يا رسول اللَّه، أى الناس أشدّ عذابا يوم القيامة؟ قال:
«رجل قتل نبيا أو رجلا أمر بمعروف ونهى عن منكر» ثم قرأها ثم قال: «يا أبا عبيدة، قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مائة واثنا عشر رجلا من عباد بنى إسرائيل فأمروا قتلتهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعا من آخر النهار [[أخرجه البزار والطبراني وابن أبى حاتم والثعلبي والبغوي من حديثه، وفيه أبو الحسن مولى بنى أسد، وهو مجهول.]] » فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لأنّ لهم اللعنة والخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة. فإن قلت: لم دخلت الفاء في خبر إن؟ قلت: لتضمن اسمها معنى الجزاء، كأنه قيل: الذين يكفرون فبشرهم بمعنى من يكفر فبشرهم، و «إنّ» لا تغير معنى الابتداء «فكأنّ دخولها كلا دخول، ولو كان مكانها «ليت» أو «لعل» لامتنع إدخال الفاء لتغير معنى الابتداء.
آل عمران 3:23
أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يريد أحبار اليهود، وأنهم حصلوا نصيبا وافراً من التوراة.
و «من» إما للتبعيض وإما للبيان، أو حصلوا من جنس الكتب المنزلة أو من اللوح التوراة وهي نصيب عظيم يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ وهو التوراة لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ وذلك أنّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم دخل مدارسهم فدعاهم فقال له نعيم بن عمرو والحرث بن زيد: على أى دين أنت؟
قال: على ملة إبراهيم. قالا: إنّ إبراهيم كان يهوديا. قال لهما: إنّ بيننا وبينكم التوراة، فهلموا إليها» [[أخرجه الطبري من رواية إسحاق عن محمد عن سعيد أو عكرمة عن ابن عباس رضى اللَّه عنهما به.]] فأبيا. وقيل نزلت في الرجم، وقد اختلفوا فيه. وعن الحسن وقتادة: كتاب اللَّه القرآن لأنهم قد علموا أنه كتاب اللَّه لم يشكوا فيه ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ استبعاد لتوليهم بعد علمهم بأن الرجوع إلى كتاب اللَّه واجب وَهُمْ مُعْرِضُونَ وهم قوم لا يزال الإعراض ديدنهم. وقرئ (ليحكم) على البناء للمفعول. والوجه أن يراد ما وقع من الاختلاف والتعادي بين من أسلم من أحبارهم وبين من لم يسلم: وأنهم دعوا إلى كتاب اللَّه الذي لا اختلاف بينهم في صحته وهو التوراة ليحكم بين المحق والمبطل منهم، ثم يتولى فريق منهم وهم الذين لم يسلموا. وذلك أنّ قوله: (لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ) يقتضى أن يكون اختلافا واقعا فيما بينهم، لا فيما بينهم وبين رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ذلِكَ التولي والإعراض بسبب تسهيلهم [[قال محمود: ذلك التولي والاعراض بسبب طمعهم في الخروج من النار بعد أيام قلائل كما طمعت الحشوية والمجبرة وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون» قال أحمد رحمه اللَّه: هذا أيضا تعريض بأهل السنة في اعتقادهم تفويض العفو عن كبائر المؤمن الموحد إلى مشيئة اللَّه تعالى وإن مات مصرا عليها ايمانا بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ) وتصديقا بالشفاعة لأهل الكبائر وينقم عليهم ذلك حتى يجعلهم أصلا يقيس عليهم اليهود القائلين: (لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ) فانظر اليه كيف أشحن قلبه بغضا لأهل السنة وشقاقا، وكيف ملأ الأرض من هذه النزغات نفاقا، فالحمد للَّه الذي أهل عبيده الفقير إلى التورك عليه، لأن آخذ من أهل البدعة بثأر السنة، فأصمى أفئدتهم من قواطع البراهين بمقومات الأسنة.]] على أنفسهم أمر العقاب وطمعهم في الخروج من النار بعد أيام قلائل كما طمعت المجبرة والحشوية [[قوله «كما طمعت المجبرة والحشوية» تورك على أهل السنة، حيث ذهبوا الى أن من دخل النار من أهل الكبائر المؤمنين يخرج بالشفاعة أو بعفو اللَّه، كما نطقت به الأحاديث. (ع)]] وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ من أنّ آباءهم هم الأنبياء يشفعون لهم كما غرت أولئك شفاعة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم في كبائرهم فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ فكيف يصنعون فكيف [[قوله «فكيف تكون» لعله أو فكيف. (ع)]] تكون حالهم، وهو استعظام لما أعدّ لهم وتهويل لهم، وأنهم يقعون فيما لا حيلة لهم في دفعه والمخلص منه، وأن ما حدثوا به أنفسهم وسهلوه عليها تعلل بباطل وتطمع بما لا يكون. وروى أنّ أوّل راية ترفع لأهل الموقف من رايات الكفار راية اليهود، فيفضحهم اللَّه على رؤس الأشهاد، ثم يأمر بهم إلى النار وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ يرجع إلى كل نفس على المعنى، لأنه في معنى كل الناس كما تقول: ثلاثة أنفس، تريد ثلاثة أناسى.
آل عمران 3:24
أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يريد أحبار اليهود، وأنهم حصلوا نصيبا وافراً من التوراة.
و «من» إما للتبعيض وإما للبيان، أو حصلوا من جنس الكتب المنزلة أو من اللوح التوراة وهي نصيب عظيم يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ وهو التوراة لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ وذلك أنّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم دخل مدارسهم فدعاهم فقال له نعيم بن عمرو والحرث بن زيد: على أى دين أنت؟
قال: على ملة إبراهيم. قالا: إنّ إبراهيم كان يهوديا. قال لهما: إنّ بيننا وبينكم التوراة، فهلموا إليها» [[أخرجه الطبري من رواية إسحاق عن محمد عن سعيد أو عكرمة عن ابن عباس رضى اللَّه عنهما به.]] فأبيا. وقيل نزلت في الرجم، وقد اختلفوا فيه. وعن الحسن وقتادة: كتاب اللَّه القرآن لأنهم قد علموا أنه كتاب اللَّه لم يشكوا فيه ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ استبعاد لتوليهم بعد علمهم بأن الرجوع إلى كتاب اللَّه واجب وَهُمْ مُعْرِضُونَ وهم قوم لا يزال الإعراض ديدنهم. وقرئ (ليحكم) على البناء للمفعول. والوجه أن يراد ما وقع من الاختلاف والتعادي بين من أسلم من أحبارهم وبين من لم يسلم: وأنهم دعوا إلى كتاب اللَّه الذي لا اختلاف بينهم في صحته وهو التوراة ليحكم بين المحق والمبطل منهم، ثم يتولى فريق منهم وهم الذين لم يسلموا. وذلك أنّ قوله: (لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ) يقتضى أن يكون اختلافا واقعا فيما بينهم، لا فيما بينهم وبين رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ذلِكَ التولي والإعراض بسبب تسهيلهم [[قال محمود: ذلك التولي والاعراض بسبب طمعهم في الخروج من النار بعد أيام قلائل كما طمعت الحشوية والمجبرة وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون» قال أحمد رحمه اللَّه: هذا أيضا تعريض بأهل السنة في اعتقادهم تفويض العفو عن كبائر المؤمن الموحد إلى مشيئة اللَّه تعالى وإن مات مصرا عليها ايمانا بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ) وتصديقا بالشفاعة لأهل الكبائر وينقم عليهم ذلك حتى يجعلهم أصلا يقيس عليهم اليهود القائلين: (لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ) فانظر اليه كيف أشحن قلبه بغضا لأهل السنة وشقاقا، وكيف ملأ الأرض من هذه النزغات نفاقا، فالحمد للَّه الذي أهل عبيده الفقير إلى التورك عليه، لأن آخذ من أهل البدعة بثأر السنة، فأصمى أفئدتهم من قواطع البراهين بمقومات الأسنة.]] على أنفسهم أمر العقاب وطمعهم في الخروج من النار بعد أيام قلائل كما طمعت المجبرة والحشوية [[قوله «كما طمعت المجبرة والحشوية» تورك على أهل السنة، حيث ذهبوا الى أن من دخل النار من أهل الكبائر المؤمنين يخرج بالشفاعة أو بعفو اللَّه، كما نطقت به الأحاديث. (ع)]] وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ من أنّ آباءهم هم الأنبياء يشفعون لهم كما غرت أولئك شفاعة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم في كبائرهم فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ فكيف يصنعون فكيف [[قوله «فكيف تكون» لعله أو فكيف. (ع)]] تكون حالهم، وهو استعظام لما أعدّ لهم وتهويل لهم، وأنهم يقعون فيما لا حيلة لهم في دفعه والمخلص منه، وأن ما حدثوا به أنفسهم وسهلوه عليها تعلل بباطل وتطمع بما لا يكون. وروى أنّ أوّل راية ترفع لأهل الموقف من رايات الكفار راية اليهود، فيفضحهم اللَّه على رؤس الأشهاد، ثم يأمر بهم إلى النار وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ يرجع إلى كل نفس على المعنى، لأنه في معنى كل الناس كما تقول: ثلاثة أنفس، تريد ثلاثة أناسى.
آل عمران 3:25
أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يريد أحبار اليهود، وأنهم حصلوا نصيبا وافراً من التوراة.
و «من» إما للتبعيض وإما للبيان، أو حصلوا من جنس الكتب المنزلة أو من اللوح التوراة وهي نصيب عظيم يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ وهو التوراة لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ وذلك أنّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم دخل مدارسهم فدعاهم فقال له نعيم بن عمرو والحرث بن زيد: على أى دين أنت؟
قال: على ملة إبراهيم. قالا: إنّ إبراهيم كان يهوديا. قال لهما: إنّ بيننا وبينكم التوراة، فهلموا إليها» [[أخرجه الطبري من رواية إسحاق عن محمد عن سعيد أو عكرمة عن ابن عباس رضى اللَّه عنهما به.]] فأبيا. وقيل نزلت في الرجم، وقد اختلفوا فيه. وعن الحسن وقتادة: كتاب اللَّه القرآن لأنهم قد علموا أنه كتاب اللَّه لم يشكوا فيه ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ استبعاد لتوليهم بعد علمهم بأن الرجوع إلى كتاب اللَّه واجب وَهُمْ مُعْرِضُونَ وهم قوم لا يزال الإعراض ديدنهم. وقرئ (ليحكم) على البناء للمفعول. والوجه أن يراد ما وقع من الاختلاف والتعادي بين من أسلم من أحبارهم وبين من لم يسلم: وأنهم دعوا إلى كتاب اللَّه الذي لا اختلاف بينهم في صحته وهو التوراة ليحكم بين المحق والمبطل منهم، ثم يتولى فريق منهم وهم الذين لم يسلموا. وذلك أنّ قوله: (لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ) يقتضى أن يكون اختلافا واقعا فيما بينهم، لا فيما بينهم وبين رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ذلِكَ التولي والإعراض بسبب تسهيلهم [[قال محمود: ذلك التولي والاعراض بسبب طمعهم في الخروج من النار بعد أيام قلائل كما طمعت الحشوية والمجبرة وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون» قال أحمد رحمه اللَّه: هذا أيضا تعريض بأهل السنة في اعتقادهم تفويض العفو عن كبائر المؤمن الموحد إلى مشيئة اللَّه تعالى وإن مات مصرا عليها ايمانا بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ) وتصديقا بالشفاعة لأهل الكبائر وينقم عليهم ذلك حتى يجعلهم أصلا يقيس عليهم اليهود القائلين: (لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ) فانظر اليه كيف أشحن قلبه بغضا لأهل السنة وشقاقا، وكيف ملأ الأرض من هذه النزغات نفاقا، فالحمد للَّه الذي أهل عبيده الفقير إلى التورك عليه، لأن آخذ من أهل البدعة بثأر السنة، فأصمى أفئدتهم من قواطع البراهين بمقومات الأسنة.]] على أنفسهم أمر العقاب وطمعهم في الخروج من النار بعد أيام قلائل كما طمعت المجبرة والحشوية [[قوله «كما طمعت المجبرة والحشوية» تورك على أهل السنة، حيث ذهبوا الى أن من دخل النار من أهل الكبائر المؤمنين يخرج بالشفاعة أو بعفو اللَّه، كما نطقت به الأحاديث. (ع)]] وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ من أنّ آباءهم هم الأنبياء يشفعون لهم كما غرت أولئك شفاعة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم في كبائرهم فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ فكيف يصنعون فكيف [[قوله «فكيف تكون» لعله أو فكيف. (ع)]] تكون حالهم، وهو استعظام لما أعدّ لهم وتهويل لهم، وأنهم يقعون فيما لا حيلة لهم في دفعه والمخلص منه، وأن ما حدثوا به أنفسهم وسهلوه عليها تعلل بباطل وتطمع بما لا يكون. وروى أنّ أوّل راية ترفع لأهل الموقف من رايات الكفار راية اليهود، فيفضحهم اللَّه على رؤس الأشهاد، ثم يأمر بهم إلى النار وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ يرجع إلى كل نفس على المعنى، لأنه في معنى كل الناس كما تقول: ثلاثة أنفس، تريد ثلاثة أناسى.
آل عمران 3:26
الميم في اللَّهُمَّ عوض من يا، ولذلك لا يجتمعان. وهذا بعض خصائص هذا الاسم كما اختص بالتاء في القسم، وبدخول حرف النداء عليه، وفيه لام التعريف، وبقطع همزته في يا اللَّه، وبغير ذلك مالِكَ الْمُلْكِ أى تملك جنس الملك فتتصرف فيه تصرّف الملاك فيما يملكون تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ تعطى من تشاء النصيب الذي قسمت له واقتضته حكمتك من الملك وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ النصيب الذي أعطيته منه، فالملك الأوّل عام شامل، والملكان الآخران خاصان بعضان من الكل: روى أنّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم حين افتتح مكة وعد أمته ملك فارس والروم، فقال المنافقون واليهود: هيهات هيهات، من أين لمحمد ملك فارس والروم؟ [[ذكره الواحدي في أسبابه عن ابن عباس وأنس رضى اللَّه عنهم، ولم أجد له إسناداً.]] هم أعز وأمنع من ذلك. وروى أنّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم لما خط الخندق [[أخرجه البيهقي. وأبو نعيم في دلائل النبوة لهما من طريق كثير بن عبد اللَّه بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده. قال «خط رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم الخندق عام الأحزاب، ثم قطع أربعين ذراعا بين كل عشرة» قال عمرو بن عوف، فكنت أنا وسليمان وحذيفة والنعمان بن مقرن وستة نفر من الأنصار في أربعين ذراعا فذكره مطولا من هذا الوجه. ذكره الواحدي في أسباب النزول والطبري والثعلبي والبغوي. ورواه ابن سعد في الطبقات في ترجمة سلمان. قال: أخبرنا ابن أبى فديك عن كثير بن عبد اللَّه به. وقال الواقدي في المغازي: حدثني عاصم ابن عبد اللَّه الحكمي عن عمر بن الحكم قال «كان عمر بن الخطاب يومئذ يضرب بالمعول، إذ صادف حجراً أصلد فضرب ضربة- فذكره بنحوه» ورواه النسائي وأحمد وإسحاق وابن أبى شيبة وأبو يعلى كلهم من رواية ميمون أبى عبد اللَّه عن البراء بن عازب رضى اللَّه عنهما مختصرا وإسناده حسن.]] عام الأحزاب وقطع لكل عشرة أربعين ذراعا وأخذوا يحفرون، خرج من بطن الخندق صخرة كالتل العظيم لم تعمل فيها المعاول، فوجهوا سلمان إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يخبره، فأخذ المعول من سلمان فضربها ضربة صدّعتها «وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها، لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم، وكبر وكبر المسلمون وقال: أضاءت لي منها قصور الحيرة كأنها أنياب الكلاب، ثم ضرب الثانية فقال: أضاءت لي منها القصور الحمر من أرض الروم، ثم ضرب الثالثة فقال: أضاءت لي قصور صنعاء، وأخبرنى جبريل عليه السلام أن أمّتى ظاهرة على كلها، فأبشروا. فقال المنافقون: ألا تعجبون، يمنيكم ويعدكم الباطل، ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وأنها تفتح لكم، وأنتم إنما تحفرون الخندق من الفرق لا تستطيعون أن تبرزوا، فنزلت. فإن قلت: كيف قال بِيَدِكَ الْخَيْرُ فذكر الخير دون الشر؟ قلت: لأنّ الكلام إنما وقع في الخير الذي يسوقه إلى المؤمنين وهو الذي أنكرته الكفرة، فقال بيدك الخير تؤتيه أولياءك على رغم من أعدائك، ولأن كل أفعال اللَّه تعالى من نافع وضارّ صادر عن الحكمة والمصلحة، فهو خير كله كإيتاء الملك ونزعه. ثم ذكر قدرته الباهرة بذكر حال الليل والنهار في المعاقبة بينهما، وحال الحىّ والميت في إخراج أحدهما من الآخر، وعطف عليه رزقه بغير حساب على أنّ من قدر على تلك الأفعال العظيمة المحيرة للأفهام ثم قدر أن يرزق بغير حساب من يشاء من عباده، فهو قادر على أن ينزع الملك من العجم ويذلهم ويؤتيه العرب ويعزهم وفي بعض الكتب: أنا اللَّه ملك الملوك، قلوب الملوك ونواصيهم بيدي، فإن العباد أطاعونى جعلتهم لهم رحمة، وإن العباد عصوني جعلتهم عليهم عقوبة، فلا تشتغلوا بسب الملوك ولكن توبوا إلىّ أعطفهم عليكم» وهو معنى قوله عليه السلام «كما تكونوا يولى عليكم» [[رواه القضاعي في مسند الشهاب من رواية المبارك بن فضالة عن الحسن عن أبى بكرة، وفي إسناده إلى مبارك مجاهيل.]] .
آل عمران 3:27
الميم في اللَّهُمَّ عوض من يا، ولذلك لا يجتمعان. وهذا بعض خصائص هذا الاسم كما اختص بالتاء في القسم، وبدخول حرف النداء عليه، وفيه لام التعريف، وبقطع همزته في يا اللَّه، وبغير ذلك مالِكَ الْمُلْكِ أى تملك جنس الملك فتتصرف فيه تصرّف الملاك فيما يملكون تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ تعطى من تشاء النصيب الذي قسمت له واقتضته حكمتك من الملك وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ النصيب الذي أعطيته منه، فالملك الأوّل عام شامل، والملكان الآخران خاصان بعضان من الكل: روى أنّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم حين افتتح مكة وعد أمته ملك فارس والروم، فقال المنافقون واليهود: هيهات هيهات، من أين لمحمد ملك فارس والروم؟ [[ذكره الواحدي في أسبابه عن ابن عباس وأنس رضى اللَّه عنهم، ولم أجد له إسناداً.]] هم أعز وأمنع من ذلك. وروى أنّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم لما خط الخندق [[أخرجه البيهقي. وأبو نعيم في دلائل النبوة لهما من طريق كثير بن عبد اللَّه بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده. قال «خط رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم الخندق عام الأحزاب، ثم قطع أربعين ذراعا بين كل عشرة» قال عمرو بن عوف، فكنت أنا وسليمان وحذيفة والنعمان بن مقرن وستة نفر من الأنصار في أربعين ذراعا فذكره مطولا من هذا الوجه. ذكره الواحدي في أسباب النزول والطبري والثعلبي والبغوي. ورواه ابن سعد في الطبقات في ترجمة سلمان. قال: أخبرنا ابن أبى فديك عن كثير بن عبد اللَّه به. وقال الواقدي في المغازي: حدثني عاصم ابن عبد اللَّه الحكمي عن عمر بن الحكم قال «كان عمر بن الخطاب يومئذ يضرب بالمعول، إذ صادف حجراً أصلد فضرب ضربة- فذكره بنحوه» ورواه النسائي وأحمد وإسحاق وابن أبى شيبة وأبو يعلى كلهم من رواية ميمون أبى عبد اللَّه عن البراء بن عازب رضى اللَّه عنهما مختصرا وإسناده حسن.]] عام الأحزاب وقطع لكل عشرة أربعين ذراعا وأخذوا يحفرون، خرج من بطن الخندق صخرة كالتل العظيم لم تعمل فيها المعاول، فوجهوا سلمان إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يخبره، فأخذ المعول من سلمان فضربها ضربة صدّعتها «وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها، لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم، وكبر وكبر المسلمون وقال: أضاءت لي منها قصور الحيرة كأنها أنياب الكلاب، ثم ضرب الثانية فقال: أضاءت لي منها القصور الحمر من أرض الروم، ثم ضرب الثالثة فقال: أضاءت لي قصور صنعاء، وأخبرنى جبريل عليه السلام أن أمّتى ظاهرة على كلها، فأبشروا. فقال المنافقون: ألا تعجبون، يمنيكم ويعدكم الباطل، ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وأنها تفتح لكم، وأنتم إنما تحفرون الخندق من الفرق لا تستطيعون أن تبرزوا، فنزلت. فإن قلت: كيف قال بِيَدِكَ الْخَيْرُ فذكر الخير دون الشر؟ قلت: لأنّ الكلام إنما وقع في الخير الذي يسوقه إلى المؤمنين وهو الذي أنكرته الكفرة، فقال بيدك الخير تؤتيه أولياءك على رغم من أعدائك، ولأن كل أفعال اللَّه تعالى من نافع وضارّ صادر عن الحكمة والمصلحة، فهو خير كله كإيتاء الملك ونزعه. ثم ذكر قدرته الباهرة بذكر حال الليل والنهار في المعاقبة بينهما، وحال الحىّ والميت في إخراج أحدهما من الآخر، وعطف عليه رزقه بغير حساب على أنّ من قدر على تلك الأفعال العظيمة المحيرة للأفهام ثم قدر أن يرزق بغير حساب من يشاء من عباده، فهو قادر على أن ينزع الملك من العجم ويذلهم ويؤتيه العرب ويعزهم وفي بعض الكتب: أنا اللَّه ملك الملوك، قلوب الملوك ونواصيهم بيدي، فإن العباد أطاعونى جعلتهم لهم رحمة، وإن العباد عصوني جعلتهم عليهم عقوبة، فلا تشتغلوا بسب الملوك ولكن توبوا إلىّ أعطفهم عليكم» وهو معنى قوله عليه السلام «كما تكونوا يولى عليكم» [[رواه القضاعي في مسند الشهاب من رواية المبارك بن فضالة عن الحسن عن أبى بكرة، وفي إسناده إلى مبارك مجاهيل.]] .
آل عمران 3:28
نهوا أن يوالوا الكافرين لقرابة بينهم أو صداقة قبل الإسلام أو غير ذلك من الأسباب التي يتصادق بها ويتعاشر، وقد كرّر ذلك في القرآن. (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) ، (لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ) ، (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) ... الآية. والمحبة في اللَّه والبغض في اللَّه باب عظيم وأصل من أصول الإيمان مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ يعنى أن لكم في موالاة المؤمنين مندوحة عن موالاة الكافرين فلا تؤثروهم عليهم وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ ومن يوالى الكفرة فليس من ولاية اللَّه في شيء يقع عليه اسم الولاية، يعنى أنه منسلخ من ولاية اللَّه رأساً، وهذا أمر معقول فإنّ موالاة الولىّ وموالاة عدوّه متنافيان، قال:
تَوَدُّ عَدُوِّى ثُمَّ تَزْعُمُ أَنَّنِى ... صدِيقُكَ لَيْسَ النَّوْكُ عَنْكَ بِعَازِبِ [[تود عدوى ثم تزعم أننى ... صديقك ليس النوك عنك بعازب
فليس أخى من ودنى رأى عينه ... ولكن أخى من ودنى في المغايب
النوك: الحمق. والعازب: البعيد. يقول: إن الصديق من لا يصادق بغيض صديقه، ومن يراعى الأخوة بظهر الغيب، لا برأى العين. ويجوز أن تود على تقدير الاستفهام التوبيخي، وأبرزه في صورة الخبر للتشنيع. ورأى عينه: نصب على الظرف أى حين رأى عينه: والمغايب: أزمان العياب.]]
إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً إلا أن تخافوا من جهتهم أمراً يجب اتقاؤه. وقرئ: تقية. قيل للمتقى تقاة وتقية، كقولهم: ضرب الأمير لمضروبه. رخص لهم في موالاتهم إذا خافوهم، والمراد بتلك الموالاة مخالفة ومعاشرة ظاهرة والقلب مطمئن بالعداوة والبغضاء، وانتظار زوال المانع من قشر العصا، كقول عيسى صلوات اللَّه عليه «كن وسطا وامش جانبا» وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ فلا تتعرضوا لسخطه بموالاة أعدائه، وهذا وعيد شديد. ويجوز أن يضمن (تَتَّقُوا) معنى تحذروا وتخافوا، فيعدى بمن وينتصب (تُقاةً) أو تقية على المصدر، كقوله تعالى: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ) .
آل عمران 3:29
إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ من ولاية الكفار أو غيرها مما لا يرضى اللَّه يَعْلَمْهُ ولم يخف عليه وهو الذي يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لا يخفى عليه منه شيء قط، فلا يخفى عليه سركم وعلنكم وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فهو قادر على عقوبتكم. وهذا بيان لقوله (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) لأنّ نفسه وهي ذاته المميزة من سائر الذوات، متصفة بعلم ذاتى لا يختص بمعلوم دون معلوم، فهي متعلقة بالمعلومات كلها وبقدرة ذاتية لا تختص بمقدور دون مقدور، فهي قادرة على المقدورات كلها، فكان حقها أن تحذر وتتقى فلا يجسر أحد على قبيح ولا يقصر عن واجب، فإن ذلك مطلع عليه لا محالة فلا حق به العقاب، ولو علم بعض عبيد السلطان أنه أراد الاطلاع على أحواله، فوكل همه بما يورد ويصدر، ونصب عليه عيونا، وبث من يتجسس عن بواطن أموره: لأخذ حذره وتيقظ في أمره، واتقى كل ما يتوقع فيه الاسترابة به، فما بال من علم أنّ العالم الذات [[قوله «فما بال من علم أن العالم الذات» من اضافة الوصف الى مرفوعه كالحسن الوجه، يعنى أن علمه بذاته، لا يعلم زائد على ذاته كعلم الحوادث، وهذا عند المعتزلة. (ع)]] الذي يعلم السر وأخفى مهيمن عليه وهو آمن. اللهم إنا نعوذ بك من اغترارنا بسترك.
آل عمران 3:30
يَوْمَ تَجِدُ منصوب بتودّ. والضمير في بينه لليوم، أى يوم القيامة حين تجد كل نفس خيرها وشرها حاضرين، تتمنى لو أنّ بينها وبين ذلك اليوم وهو له أمداً بعيداً. ويجوز أن ينتصب (يَوْمَ تَجِدُ) بمضمر نحو: اذكر، ويقع على ما عملت وحده [[قوله «ويقع على ما عملت وحده» أى يقع فعل الوجدان على ما عملت من خير وحده. (ع)]] ، ويرتفع (وَما عَمِلَتْ) على على الابتداء، و (تَوَدُّ) خبره، أى: والذي عملته من سوء تودّ هي لو تباعد ما بينها وبينه.
ولا يصح أن تكون ما شرطية لارتفاع تودّ. فإن قلت: فهل يصح أن تكون شرطية على قراءة عبد اللَّه ودّت؟ قلت: لا كلام في صحته، ولكن الحمل على الابتداء والخبر أوقع في المعنى لأنه حكاية الكائن في ذلك اليوم وأثبت لموافقة قراءة العامّة. ويجوز أن يعطف (وَما عَمِلَتْ) على: (ما عَمِلَتْ) ويكون (تَوَدُّ) حالا، أى يوم تجد عملها محضراً وادّة تباعد ما بينها وبين اليوم أو عمل السوء محضراً، كقوله تعالى: (وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً) يعنى مكتوبا في صحفهم يقرءونه ونحوه (فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ) . والأمد المسافة كقوله تعالى: (يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ) وكرّر قوله وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ليكون على بال منهم لا يغفلون عنه وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ يعنى أن تحذيره نفسه وتعريفه حالها من العلم والقدرة من الرأفة العظيمة بالعباد لأنهم إذا عرفوه حق المعرفة وحذروه دعاهم ذلك إلى طلب رضاه واجتناب سخطه. وعن الحسن من رأفته بهم أن حذرهم نفسه. ويجوز أن يريد أنه مع كونه محذوراً لعلمه وقدرته، مرجوّ لسعة رحمته كقوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ) .
آل عمران 3:31
محبة العباد للَّه مجاز عن إرادة نفوسهم اختصاصه بالعبادة دون غيره ورغبتهم فيها. ومحبة اللَّه عباده أن يرضى عنهم ويحمد فعلهم. والمعنى: إن كنتم مريدين لعبادة اللَّه على الحقيقة فَاتَّبِعُونِي حتى يصحّ ما تدعونه من إرادة عبادته، يرض عنكم ويغفر لكم. وعن الحسن: زعم أقوام على عهد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أنهم يحبون اللَّه فأراد أن يجعل لقولهم تصديقا من عمل، فمن ادعى محبته وخالف سنة رسوله فهو كذاب وكتاب اللَّه يكذبه. وإذا رأيت من يذكر محبة اللَّه ويصفق بيديه مع ذكرها ويطرب وينعر ويصعق [[قوله «وينعر ويصعق» في الصحاح: النعرة صوت في الخيشوم. ويقال: ما كانت فتنة إلا نعر فيها فلان، أى نهض. (ع)]] فلا تشك في أنه لا يعرف ما اللَّه ولا يدرى ما محبة اللَّه. وما تصفيقه وطربه ونعرته وصعقته إلا أنه تصوّر في نفسه الخبيثة صورة مستملحة معشقة فسماها اللَّه بجهله ودعارته، ثم صفق وطرب ونعر وصعق على تصوّرها، وربما رأيت المنىَّ قد ملأ إزار ذلك المحب عند صعقته، وحمقى العامة على حواليه قد ملؤوا أدرانهم بالدموع لما رققهم من حاله. وقرئ: تحبون. ويحببكم. ويحبكم، من حبه يحبه. قال:
أُحِبُّ أبَا ثَرْوَانَ مِنْ حُبِّ تَمْرِهِ ... وَأَعْلَمُ أنّ الرِّفْقَ بِالْجَارِ أَرْفَقُ
وَوَ اللَّهِ لَوْلَا تَمْرُهُ ما حَبَبْتُهُ ... وَلَا كَانَ أَدْنَى مِنْ عُبَيْدٍ وَمُشْرِقُ [[لغيلان بن شجاع النهشلي. يقول: أحب هذا الرجل من أجل حب تمره. ويروى: أبا مروان، وأعلم أن الرفق بالجار أرفق منه بغيره، أى أشد رفقاً، وأسند الرفق إلى نفسه مبالغة كجد جده. ويجوز أن المعنى أن الرفق بالجار أحق أو أكمل منه بغيره. وأما لو قرئ «أوفق» بالواو فظاهر. وفيه استعطاف لأبى مروان، وطلب الرفق منه بالشاعر. واللغة الغالبة أحب الرباعي. وحبه يحبه بكسر فاء المضارع من باب ضرب نادر من جهة مجيئه ثلاثيا ومن جهة كسر فاء مضارعه. وقياس مضارع الثلاثي المضاعف المتعدي ضم فائه كيشد ويرد. وقد يجيء حب يحب من باب علم يعلم. ولا كان أدنى، أى أقرب إلى من عبيد ومشرق، وهما ابناه. وفي القافية الاقواء. وروى أبو العباس المبرد بدل الشطر الأخير: وكان عياض منه أدنى ومشرق، أى أقرب إلى من أبى مروان. وعليه فلا إقواء فيها.]] فَإِنْ تَوَلَّوْا يحتمل أن يكون ماضياً، وأن يكون مضارعاً بمعنى: فإن تتولوا، ويدخل في جملة ما يقول الرسول لهم.
آل عمران 3:32
محبة العباد للَّه مجاز عن إرادة نفوسهم اختصاصه بالعبادة دون غيره ورغبتهم فيها. ومحبة اللَّه عباده أن يرضى عنهم ويحمد فعلهم. والمعنى: إن كنتم مريدين لعبادة اللَّه على الحقيقة فَاتَّبِعُونِي حتى يصحّ ما تدعونه من إرادة عبادته، يرض عنكم ويغفر لكم. وعن الحسن: زعم أقوام على عهد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أنهم يحبون اللَّه فأراد أن يجعل لقولهم تصديقا من عمل، فمن ادعى محبته وخالف سنة رسوله فهو كذاب وكتاب اللَّه يكذبه. وإذا رأيت من يذكر محبة اللَّه ويصفق بيديه مع ذكرها ويطرب وينعر ويصعق [[قوله «وينعر ويصعق» في الصحاح: النعرة صوت في الخيشوم. ويقال: ما كانت فتنة إلا نعر فيها فلان، أى نهض. (ع)]] فلا تشك في أنه لا يعرف ما اللَّه ولا يدرى ما محبة اللَّه. وما تصفيقه وطربه ونعرته وصعقته إلا أنه تصوّر في نفسه الخبيثة صورة مستملحة معشقة فسماها اللَّه بجهله ودعارته، ثم صفق وطرب ونعر وصعق على تصوّرها، وربما رأيت المنىَّ قد ملأ إزار ذلك المحب عند صعقته، وحمقى العامة على حواليه قد ملؤوا أدرانهم بالدموع لما رققهم من حاله. وقرئ: تحبون. ويحببكم. ويحبكم، من حبه يحبه. قال:
أُحِبُّ أبَا ثَرْوَانَ مِنْ حُبِّ تَمْرِهِ ... وَأَعْلَمُ أنّ الرِّفْقَ بِالْجَارِ أَرْفَقُ
وَوَ اللَّهِ لَوْلَا تَمْرُهُ ما حَبَبْتُهُ ... وَلَا كَانَ أَدْنَى مِنْ عُبَيْدٍ وَمُشْرِقُ [[لغيلان بن شجاع النهشلي. يقول: أحب هذا الرجل من أجل حب تمره. ويروى: أبا مروان، وأعلم أن الرفق بالجار أرفق منه بغيره، أى أشد رفقاً، وأسند الرفق إلى نفسه مبالغة كجد جده. ويجوز أن المعنى أن الرفق بالجار أحق أو أكمل منه بغيره. وأما لو قرئ «أوفق» بالواو فظاهر. وفيه استعطاف لأبى مروان، وطلب الرفق منه بالشاعر. واللغة الغالبة أحب الرباعي. وحبه يحبه بكسر فاء المضارع من باب ضرب نادر من جهة مجيئه ثلاثيا ومن جهة كسر فاء مضارعه. وقياس مضارع الثلاثي المضاعف المتعدي ضم فائه كيشد ويرد. وقد يجيء حب يحب من باب علم يعلم. ولا كان أدنى، أى أقرب إلى من عبيد ومشرق، وهما ابناه. وفي القافية الاقواء. وروى أبو العباس المبرد بدل الشطر الأخير: وكان عياض منه أدنى ومشرق، أى أقرب إلى من أبى مروان. وعليه فلا إقواء فيها.]] فَإِنْ تَوَلَّوْا يحتمل أن يكون ماضياً، وأن يكون مضارعاً بمعنى: فإن تتولوا، ويدخل في جملة ما يقول الرسول لهم.
آل عمران 3:33
آلَ إِبْراهِيمَ إسماعيل وإسحاق وأولادهما. وآلَ عِمْرانَ موسى وهرون [[قال محمود رحمه اللَّه «آل عمران موسى وهرون ... الخ» قال أحمد رحمه اللَّه: ومما يرجح هذا القول الثاني أن السورة تسمي آل عمران ولم تشرح قصة عيسى ومريم في سورة أبسط من شرحها في هذه السورة. وأما موسى وهارون فلم يذكر قصتهما في هذه السورة، فدل ذلك على أن عمران المذكور هاهنا هو أبو مريم واللَّه أعلم.]] ابنا عمران ابن يصهر. وقيل عيسى ومريم بنت عمران بن ماثان، وبين العمرانين ألف وثمانمائة سنة.
وذُرِّيَّةً بدل من آل إبراهيم وآل عمران بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ يعنى أنّ الآلين ذرّية واحدة متسلسلة بعضها متشعب من بعض: موسى وهرون من عمران، وعمران من يصهر، ويصهر من فاهث، وفاهث من لاوى، ولاوى من يعقوب، ويعقوب من إسحاق. وكذلك عيسى ابن مريم بنت عمران بن ماثان بن سليمان بن داود [[قوله «ابن ماثان بن سليمان بن داود» قوله: ابن سليمان، أى من نسله. وقوله: ابن يهوذا، أى من نسله، كما صرح به الفخر الرازي. وذكر أبو السعود بين ماثان وسليمان نحو خمسة عشر جداً، وبين إيشا ويهوذا تسعة جدود. (ع)]] بن ايشا بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق. وقد دخل في آل إبراهيم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم. وقيل بعضها من بعض في الدين، كقوله تعالى (الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ) . وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يعلم من يصلح للاصطفاء، أو يعلم أنّ بعضهم من بعض في الدين. أو سميع عليم لقول امرأة عمران ونيتها. وإِذْ منصوب به.
وقيل: بإضمار اذكر. وامرأة عمران هي امرأة عمران بن ماثان، أمّ مريم البتول، جدّة عيسى عليه السلام، وهي حنة بنت فاقوذ. وقوله إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ على أثر قوله: (وَآلَ عِمْرانَ) مما يرجح أنّ عمران هو عمران بن ماثان جدّ عيسى، والقول الآخر يرجحه أن موسى يقرن بإبراهيم كثيراً في الذكر. فإن قلت: كانت لعمران بن يصهر بنت اسمها مريم أكبر من موسى وهرون، ولعمران بن ماثان مريم البتول، فما أدراك أن عمران هذا هو أبو مريم البتول دون عمران أبى مريم التي هي أخت موسى وهرون؟ قلت: كفى بكفالة زكريا دليلا على أنه عمران أبو البتول، لأن زكريا بن آذن وعمران بن ماثان كانا في عصر واحد، وقد تزوّج زكريا بنته إيشاع أخت مريم فكان يحيى وعيسى ابني خالة. روى أنها كانت عاقراً لم تلد إلى أن عجزت، فبينا هي في ظل شجرة بصرت بطائر يطعم فرخاً له فتحرّكت نفسها للولد وتمنته، فقالت: اللهم إن لك علىّ نذراً شكراً إن رزقتني ولداً أن أتصدق به على بيت المقدس فيكون من سدنته وخدمه، فحملت بمريم وهلك عمران وهي حامل مُحَرَّراً معتقاً لخدمة بيت المقدس لا يدَ لي عليه ولا أستخدمه ولا أشغله بشيء، وكان هذا النوع من النذر مشروعا عندهم. وروى أنهم كانوا ينذرون هذا النذر، فإذا بلغ الغلام خير بين أن يفعل وبين أن لا يفعل. وعن الشعبي (مُحَرَّراً) مخلصاً للعبادة، وما كان التحرير إلا للغلمان، وإنما بنت الأمر على التقدير، أو طلبت أن ترزق ذكراً فَلَمَّا وَضَعَتْها الضمير لما في بطني [[قال محمود: «الضمير عائد إلى ما في بطني ... الخ» قال أحمد: الضمير في قوله «وضعتها» يتناول إذا ما نسب إليها الوضع والأنوثة، فالحال واقعة عليها من حيث الجهة العامة وتلك الجهة كونها شيئا وضع لا لخصوص نسبة الأنوثة إليها. وقد مر هذا البحث بعينه عند قوله تعالى: (فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ) .]] ، وإنما أنث على المعنى لأن ما في بطنها كان أنثى في علم اللَّه، أو على تأويل الحبلة أو النفس أو النسمة. فإن قلت: كيف جاز انتصاب أُنْثى حالا من الضمير في وضعتها وهو كقولك وضعت الأنثى أنثى؟ قلت: الأصل: وضعته أنثى، وإنما أنث لتأنيث الحال لأن الحال وذا الحال لشيء واحد، كما أنث الاسم في ما كانت أمّك لتأنيث الخبر. ونظيره قوله تعالى: (فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ) وأمّا على تأويل الحبلة أو النسمة فهو ظاهر، كأنه قيل: إنى وضعت الحبلة أو النسمة أنثى. فإن قلت: فلم قالت: إنى وضعتها أنثى وما أرادت إلى هذا القول؟ قلت: قالته تحسراً [[(عاد كلامه) قال: «وإنما أرادت بقولها: وضعتها أنثى التحسر والتأسف ... الخ» قال أحمد: هذا التأويل على أنه من كلام اللَّه تعالى لا حكاية عنها. وقد ذكر أهل التفسير تأويلا آخر، وهو أن يكون هذا القول قولها حكاه اللَّه تعالى عنها، أعنى قوله: (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى) ويرشد إليه عطف كلامها عليه وهو قوله: (وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ ... ) الخ ويوردون على هذا الوجه أن قياس كونه من قولها أن يكون: وليست الأنثى كالذكر، فان مقصودها تنقيص الأنثى بالنسبة إلى الذكر، والعادة في مثله أن ينفى عن الناقص شبهه بالكامل لا العكس، وقد وجد الأمر في ذلك مختلفاً فلم يثبت لي عين ما قالوه. ألا ترى إلى قوله تعالى: (لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ) فنفى عن الكامل شبه الناقص، مع أن الكمال لأزواج النبي عليه الصلاة والسلام ثابت بالنسبة إلى عموم النساء. وعلى ذلك جاءت عبارة امرأة عمران واللَّه أعلم. ومنه أيضا (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ) .]] على ما رأت من خيبة رجائها وعكس تقديرها، فتحزنت إلى ربها لأنها كانت ترجو وتقدر أن تلد ذكراً، ولذلك نذرته محرّراً للسدانة. ولتكلمها بذلك على وجه التحسر والتحزن قال اللَّه تعالى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ تعظيما لموضوعها وتجهيلا لها بقدر ما وهب لها منه. ومعناه: واللَّه أعلم بالشيء الذي وضعت وما علق به من عظائم الأمور، وأن يجعله وولده آية للعالمين وهي جاهلة بذلك لا تعلم منه شيئا، فلذلك تحسرت. وفي قراءة ابن عباس: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ) على خطاب اللَّه تعالى لها أى أنك لا تعلمين قدر هذا الموهوب وما علم اللَّه من عظم شأنه وعلوّ قدره. وقرئ:
وضعت. بمعنى: ولعلّ للَّه تعالى فيه سراً وحكمة، ولعلّ هذه الأنثى خير من الذكر تسلية لنفسها.
فإن قلت: فما معنى قوله وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى؟ قلت: هو بيان لما في قوله: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ) من التعظيم للموضوع والرفع منه، ومعناه: وليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وهبت لها، واللام فيهما للعهد. فإن قلت: علام عطف قوله وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ؟ قلت: هو عطف على إنى وضعتها أنثى، وما بينهما جملتان معترضتان، كقوله تعالى: وإنه لقسم لو تعلمون عظيم. فإن قلت: فلم ذكرت تسميتها مريم لربها؟ قلت: لأن مريم في لغتهم بمعنى العابدة [[(عاد كلامه) قال: «وفائدة قولها (وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ) أن مريم في لغتهم العابدة ... الخ» قال أحمد:
أما الحديث فمذكور في الصحاح متفق على صحته، فلا محيص له إذاً عن تعطيل كلامه عليه السلام بتحميله ما لا يحتمله جنوحا إلى اعتزال منتزع في فلسفة منتزع في إلحاد ظلمات بعضها فوق بعض. وقد قدمت عند قوله تعالى: (لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ) ما فيه كفاية، وما أرى الشيطان إلا طعن في خواصر القدرية حتى بقرها، ووكر في قلوبهم حتى حمل الزمخشري وأمثاله أن يقول في كتاب اللَّه تعالى وكلام رسوله عليه السلام بما يتخيل، كما قال في هذا الحديث، ثم نظره بتخييل ابن الرومي في شعره، جراءة وسوء أدب. ولو كان معنى ما قاله صحيحاً لكانت هذه العبارة واجبا أن تجتنب، ولو كان الصراخ غير واقع من المولود لأمكن على بعد أن يكون تمثيلا. وما هو واقع مشاهد فلا وجه لحمله على التخييل إلا الاعتقاد الضئيل وارتكاب الهوى الوبيل.]] ، فأرادت بذلك التقرب والطلب إليه أن يعصمها حتى يكون فعلها مطابقاً لاسمها، وأن يصدق فيها ظنها بها. ألا ترى كيف أتبعته طلب الإعاذة لها ولولدها من الشيطان وإغوائه. وما يروى من الحديث «ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهلّ صارخاً من مس الشيطان إياه، إلا مريم وابنها» [[قال المصنف: اللَّه أعلم بصحته هكذا قال. والحديث في الصحيحين من حديث أبى هريرة في آخره: قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: (وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ) .]] فاللَّه أعلم بصحته. فإن صح فمعناه أن كل مولود يطمع الشيطان في إغوائه إلا مريم وابنها، فإنهما كانا معصومين، وكذلك كل من كان في صفتهما كقوله تعالى: (لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) واستهلاله صارخاً من مسه تخييل وتصوير لطمعه فيه، كأنه يمسه ويضرب بيده عليه ويقول: هذا ممن أغويه، ونحوه من التخييل قول ابن الرومي:
لِمَا تُؤْذِنُ الدُّنْيَا بِهِ مِنْ صُرُوفِهَا ... يَكُونُ بُكَاءُ الطِّفْلِ سَاعَةَ يُولَدُ [[لما تؤذن الدنيا به من صروفها ... يكون بكاء الطفل ساعة يولد
وإلا فما يبكيه منها وإنها ... لأفسح مما كان فيه وأرغد
إذا أبصر الدنيا استهل كأنه ... بما سوف يلقى من أذاها يهدد
لابن الرومي، يقول: إن بكاء الطفل حين ولادته لأجل ما تشعر به الدنيا من حوادثها فقط، وإن لا يكن بكاؤه لذلك، فأى شيء منها يبكيه، أو فأى شيء يبكيه منها، وإنها أى الدنيا. وروى: وإنه، أى الطفل لأفسح موضعا مما كان فيه من ضيق الرحم وأرغد منه. وعوده على ما يبكيه بعيد، أو غير سديد. ويجوز أنه عائد على فضاء الدنيا المعلوم من المقام، ثم قال: إذا أبصرها صرخ، كأنه يخوف بما سوف يناله من أذاها قبل حصوله.]]
وأما حقيقة المس والنخس كما يتوهم أهل الحشو فكلا، ولو سلط إبليس على الناس ينخسهم لامتلأت الدنيا صراخا وعياطا مما يبلونا به من نخسه فَتَقَبَّلَها رَبُّها فرضي بها في النذر مكان الذكر بِقَبُولٍ حَسَنٍ فيه وجهان: أحدهما أن يكون القبول اسم ما تقبل به الشيء كالسعوط واللدود، لما يسعط به ويلد، وهو اختصاصه لها بإقامتها مقام الذكر في النذر، ولم يقبل قبلها أنثى في ذلك، أو بأن تسلمها من أمّها عقيب الولادة قبل أن تنشأ وتصلح للسدانة. وروى أن حنة حين ولدت مريم، لفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد، ووضعتها عند الأحبار أبناء هرون، وهم في بيت المقدس كالحجبة في الكعبة، فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم، وكانت بنو ماثان رءوس بنى إسرائيل وأحبارهم وملوكهم، فقال لهم زكريا: أنا أحق بها، عندي خالتها [[قوله «أنا أحق بها عندي خالتها» قوله خالتها: يعنى زوجته ايشاع أخت حنة لكن تقدم أنها أخت مريم وقال صلى اللَّه عليه وسلم في يحيى وعيسى هما ابنا خالة وفي أبى السعود قيل في تأويل ذلك أن الأخت كثيراً ما تطلق على بنت الأخت فجرى الحديث على ذلك وقيل إن ايشاع أخت حنة من الأم وأخت مريم من الأب بأن نكح عمران أم حنة فولدت إيشاع ثم نكح حنة ربيبته فولدت مريم بناء على حل نكاح الربائب عندهم. (ع)]] . فقالوا: لا حتى نقترع عليها، فانطلقوا- وكانوا سبعة وعشرين- إلى نهر، فألقوا فيه أقلامهم، فارتفع قلم زكريا فوق الماء ورسبت أقلامهم، فتكفلها. والثاني: أن يكون مصدراً على تقدير حذف المضاف بمعنى: فتقبلها بذي قبول حسن، أى بأمر ذى قبول حسن وهو الاختصاص. ويجوز أن يكون معنى (فتقبلها) فاستقبلها، كقولك:
تعجله بمعنى استعجله، وتقصاه بمعنى استقصاه، وهو كثير في كلامهم، من استقبل الأمر إذا أخذه بأوّله وعنفوانه. قال القطامي:
وَخَيْرُ الأَمْرِ مَا اسْتَقْبَلْتَ مِنْهُ ... وَلَيْسَ بِأَنْ تَتَبَّعَهُ اتِّبَاعَا [[يقول: خير الأمور هو الذي تستقبله وتنتظره فتأخذه أول إتيانه، وليس خبرها ما تصبر عنه حتى يفوتك ويمضى ثم تتبعه وتذهب وراءه لتدركه، فالباء زائدة في خبر ليس، وهو على تقدير مضاف، أى ذى التتبع.
وتتبعه: أصله تتبعه حذفت منه تاء المضارعة أو تاء التفعل أو التاء التي هي فاء الفعل وهو أولاها، لأن كل من الأوليين جاء لمعنى. وقال الجوهري: وضع الاتباع موضع التتبع اه، فهو اسم مصدر، أو مصدر حذف منه بعض الزوائد، والتفعل أبلغ من الافتعال، فيتعين إرادته هنا لأنه مؤكد.]]
ومنه المثل «خذ الأمر بقوابله» أى فأخذها في أوّل أمرها حين ولدت بقبول حسن وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً مجاز عن التربية الحسنة العائدة عليها بما يصلحها في جميع أحوالها. وقرئ: وكفلها زكرياء، بوزن وعملها وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا بتشديد الفاء ونصب زكرياء، [[قوله «ونصب زكريا الفعل للَّه تعالى» لعله والفعل. (ع)]] الفعل للَّه تعالى بمعنى:
وضمها إليه وجعله كافلا لها وضامناً لمصالحها. ويؤيدها قراءة أبىّ: وأكفلها، من قوله تعالى (فَقالَ أَكْفِلْنِيها) وقرأ مجاهد: فتقبلها ربها، وأنبتها، وكفلها، على لفظ الأمر في الأفعال الثلاثة، ونصب ربها، تدعو بذلك، أى فاقبلها يا ربها وربها، واجعل زكريا كافلا لها. قيل بنى لها زكريا محرابا في المسجد، أى غرفة يصعد إليها بسلم. وقيل المحراب أشرف المجالس ومقدّمها، كأنها وضعت في أشرف موضع من بيت المقدس. وقيل: كانت مساجدهم تسمى المحاريب. وروى أنه كان لا يدخل عليها إلا هو وحده، وكان إذا خرج غلق عليها سبعة أبواب وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً كان رزقها ينزل عليها من الجنة ولم ترضع ثديا قط، فكان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء أَنَّى لَكِ هذا من أين لك هذا الرزق الذي لا يشبه أرزاق الدنيا وهو آت في غير حينه والأبواب مغلقة عليك لا سبيل للداخل به إليك؟ قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فلا تستبعد. قيل تكلمت وهي صغيرة كما تكلم عيسى وهو في المهد. وعن النبي صلى اللَّه عليه وسلم: أنه جاع في زمن قحط [[رواه أبو يعلي من حديث جابر، وهو من رواية ابن لهيعة عن ابن المنكدر عنه. والمتن ظاهر النكارة.]] فأهدت له فاطمة رضى اللَّه عنها رغيفين وبضعة لحم آثرته بها، فرجع بها إليها وقال: هلمى يا بنية فكشفت عن الطبق فإذا هو مملوء خبزاً ولحماً، فبهتت وعلمت أنها نزلت من عند اللَّه، فقال لها صلى اللَّه عليه وسلم: أنى لك هذا؟ فقالت:
هو من عند اللَّه، إن اللَّه يرزق من يشاء بغير حساب. فقال عليه الصلاة والسلام: الحمد للَّه الذي جعلك شبيهة سيدة نساء بنى إسرائيل، ثم جمع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم علىّ بن أبى طالب والحسن والحسين وجميع أهل بيته، فأكلوا عليه حتى شبعوا وبقي الطعام كما هو، فأوسعت فاطمة على جيرانها. إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ من جملة كلام مريم عليها السلام، أو من كلام رب العزّة عزّ من قائل بِغَيْرِ حِسابٍ بغير تقدير لكثرته، أو تفضلا بغير محاسبة ومجازاة على عمل بحسب الاستحقاق.
آل عمران 3:34
آلَ إِبْراهِيمَ إسماعيل وإسحاق وأولادهما. وآلَ عِمْرانَ موسى وهرون [[قال محمود رحمه اللَّه «آل عمران موسى وهرون ... الخ» قال أحمد رحمه اللَّه: ومما يرجح هذا القول الثاني أن السورة تسمي آل عمران ولم تشرح قصة عيسى ومريم في سورة أبسط من شرحها في هذه السورة. وأما موسى وهارون فلم يذكر قصتهما في هذه السورة، فدل ذلك على أن عمران المذكور هاهنا هو أبو مريم واللَّه أعلم.]] ابنا عمران ابن يصهر. وقيل عيسى ومريم بنت عمران بن ماثان، وبين العمرانين ألف وثمانمائة سنة.
وذُرِّيَّةً بدل من آل إبراهيم وآل عمران بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ يعنى أنّ الآلين ذرّية واحدة متسلسلة بعضها متشعب من بعض: موسى وهرون من عمران، وعمران من يصهر، ويصهر من فاهث، وفاهث من لاوى، ولاوى من يعقوب، ويعقوب من إسحاق. وكذلك عيسى ابن مريم بنت عمران بن ماثان بن سليمان بن داود [[قوله «ابن ماثان بن سليمان بن داود» قوله: ابن سليمان، أى من نسله. وقوله: ابن يهوذا، أى من نسله، كما صرح به الفخر الرازي. وذكر أبو السعود بين ماثان وسليمان نحو خمسة عشر جداً، وبين إيشا ويهوذا تسعة جدود. (ع)]] بن ايشا بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق. وقد دخل في آل إبراهيم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم. وقيل بعضها من بعض في الدين، كقوله تعالى (الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ) . وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يعلم من يصلح للاصطفاء، أو يعلم أنّ بعضهم من بعض في الدين. أو سميع عليم لقول امرأة عمران ونيتها. وإِذْ منصوب به.
وقيل: بإضمار اذكر. وامرأة عمران هي امرأة عمران بن ماثان، أمّ مريم البتول، جدّة عيسى عليه السلام، وهي حنة بنت فاقوذ. وقوله إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ على أثر قوله: (وَآلَ عِمْرانَ) مما يرجح أنّ عمران هو عمران بن ماثان جدّ عيسى، والقول الآخر يرجحه أن موسى يقرن بإبراهيم كثيراً في الذكر. فإن قلت: كانت لعمران بن يصهر بنت اسمها مريم أكبر من موسى وهرون، ولعمران بن ماثان مريم البتول، فما أدراك أن عمران هذا هو أبو مريم البتول دون عمران أبى مريم التي هي أخت موسى وهرون؟ قلت: كفى بكفالة زكريا دليلا على أنه عمران أبو البتول، لأن زكريا بن آذن وعمران بن ماثان كانا في عصر واحد، وقد تزوّج زكريا بنته إيشاع أخت مريم فكان يحيى وعيسى ابني خالة. روى أنها كانت عاقراً لم تلد إلى أن عجزت، فبينا هي في ظل شجرة بصرت بطائر يطعم فرخاً له فتحرّكت نفسها للولد وتمنته، فقالت: اللهم إن لك علىّ نذراً شكراً إن رزقتني ولداً أن أتصدق به على بيت المقدس فيكون من سدنته وخدمه، فحملت بمريم وهلك عمران وهي حامل مُحَرَّراً معتقاً لخدمة بيت المقدس لا يدَ لي عليه ولا أستخدمه ولا أشغله بشيء، وكان هذا النوع من النذر مشروعا عندهم. وروى أنهم كانوا ينذرون هذا النذر، فإذا بلغ الغلام خير بين أن يفعل وبين أن لا يفعل. وعن الشعبي (مُحَرَّراً) مخلصاً للعبادة، وما كان التحرير إلا للغلمان، وإنما بنت الأمر على التقدير، أو طلبت أن ترزق ذكراً فَلَمَّا وَضَعَتْها الضمير لما في بطني [[قال محمود: «الضمير عائد إلى ما في بطني ... الخ» قال أحمد: الضمير في قوله «وضعتها» يتناول إذا ما نسب إليها الوضع والأنوثة، فالحال واقعة عليها من حيث الجهة العامة وتلك الجهة كونها شيئا وضع لا لخصوص نسبة الأنوثة إليها. وقد مر هذا البحث بعينه عند قوله تعالى: (فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ) .]] ، وإنما أنث على المعنى لأن ما في بطنها كان أنثى في علم اللَّه، أو على تأويل الحبلة أو النفس أو النسمة. فإن قلت: كيف جاز انتصاب أُنْثى حالا من الضمير في وضعتها وهو كقولك وضعت الأنثى أنثى؟ قلت: الأصل: وضعته أنثى، وإنما أنث لتأنيث الحال لأن الحال وذا الحال لشيء واحد، كما أنث الاسم في ما كانت أمّك لتأنيث الخبر. ونظيره قوله تعالى: (فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ) وأمّا على تأويل الحبلة أو النسمة فهو ظاهر، كأنه قيل: إنى وضعت الحبلة أو النسمة أنثى. فإن قلت: فلم قالت: إنى وضعتها أنثى وما أرادت إلى هذا القول؟ قلت: قالته تحسراً [[(عاد كلامه) قال: «وإنما أرادت بقولها: وضعتها أنثى التحسر والتأسف ... الخ» قال أحمد: هذا التأويل على أنه من كلام اللَّه تعالى لا حكاية عنها. وقد ذكر أهل التفسير تأويلا آخر، وهو أن يكون هذا القول قولها حكاه اللَّه تعالى عنها، أعنى قوله: (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى) ويرشد إليه عطف كلامها عليه وهو قوله: (وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ ... ) الخ ويوردون على هذا الوجه أن قياس كونه من قولها أن يكون: وليست الأنثى كالذكر، فان مقصودها تنقيص الأنثى بالنسبة إلى الذكر، والعادة في مثله أن ينفى عن الناقص شبهه بالكامل لا العكس، وقد وجد الأمر في ذلك مختلفاً فلم يثبت لي عين ما قالوه. ألا ترى إلى قوله تعالى: (لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ) فنفى عن الكامل شبه الناقص، مع أن الكمال لأزواج النبي عليه الصلاة والسلام ثابت بالنسبة إلى عموم النساء. وعلى ذلك جاءت عبارة امرأة عمران واللَّه أعلم. ومنه أيضا (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ) .]] على ما رأت من خيبة رجائها وعكس تقديرها، فتحزنت إلى ربها لأنها كانت ترجو وتقدر أن تلد ذكراً، ولذلك نذرته محرّراً للسدانة. ولتكلمها بذلك على وجه التحسر والتحزن قال اللَّه تعالى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ تعظيما لموضوعها وتجهيلا لها بقدر ما وهب لها منه. ومعناه: واللَّه أعلم بالشيء الذي وضعت وما علق به من عظائم الأمور، وأن يجعله وولده آية للعالمين وهي جاهلة بذلك لا تعلم منه شيئا، فلذلك تحسرت. وفي قراءة ابن عباس: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ) على خطاب اللَّه تعالى لها أى أنك لا تعلمين قدر هذا الموهوب وما علم اللَّه من عظم شأنه وعلوّ قدره. وقرئ:
وضعت. بمعنى: ولعلّ للَّه تعالى فيه سراً وحكمة، ولعلّ هذه الأنثى خير من الذكر تسلية لنفسها.
فإن قلت: فما معنى قوله وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى؟ قلت: هو بيان لما في قوله: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ) من التعظيم للموضوع والرفع منه، ومعناه: وليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وهبت لها، واللام فيهما للعهد. فإن قلت: علام عطف قوله وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ؟ قلت: هو عطف على إنى وضعتها أنثى، وما بينهما جملتان معترضتان، كقوله تعالى: وإنه لقسم لو تعلمون عظيم. فإن قلت: فلم ذكرت تسميتها مريم لربها؟ قلت: لأن مريم في لغتهم بمعنى العابدة [[(عاد كلامه) قال: «وفائدة قولها (وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ) أن مريم في لغتهم العابدة ... الخ» قال أحمد:
أما الحديث فمذكور في الصحاح متفق على صحته، فلا محيص له إذاً عن تعطيل كلامه عليه السلام بتحميله ما لا يحتمله جنوحا إلى اعتزال منتزع في فلسفة منتزع في إلحاد ظلمات بعضها فوق بعض. وقد قدمت عند قوله تعالى: (لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ) ما فيه كفاية، وما أرى الشيطان إلا طعن في خواصر القدرية حتى بقرها، ووكر في قلوبهم حتى حمل الزمخشري وأمثاله أن يقول في كتاب اللَّه تعالى وكلام رسوله عليه السلام بما يتخيل، كما قال في هذا الحديث، ثم نظره بتخييل ابن الرومي في شعره، جراءة وسوء أدب. ولو كان معنى ما قاله صحيحاً لكانت هذه العبارة واجبا أن تجتنب، ولو كان الصراخ غير واقع من المولود لأمكن على بعد أن يكون تمثيلا. وما هو واقع مشاهد فلا وجه لحمله على التخييل إلا الاعتقاد الضئيل وارتكاب الهوى الوبيل.]] ، فأرادت بذلك التقرب والطلب إليه أن يعصمها حتى يكون فعلها مطابقاً لاسمها، وأن يصدق فيها ظنها بها. ألا ترى كيف أتبعته طلب الإعاذة لها ولولدها من الشيطان وإغوائه. وما يروى من الحديث «ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهلّ صارخاً من مس الشيطان إياه، إلا مريم وابنها» [[قال المصنف: اللَّه أعلم بصحته هكذا قال. والحديث في الصحيحين من حديث أبى هريرة في آخره: قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: (وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ) .]] فاللَّه أعلم بصحته. فإن صح فمعناه أن كل مولود يطمع الشيطان في إغوائه إلا مريم وابنها، فإنهما كانا معصومين، وكذلك كل من كان في صفتهما كقوله تعالى: (لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) واستهلاله صارخاً من مسه تخييل وتصوير لطمعه فيه، كأنه يمسه ويضرب بيده عليه ويقول: هذا ممن أغويه، ونحوه من التخييل قول ابن الرومي:
لِمَا تُؤْذِنُ الدُّنْيَا بِهِ مِنْ صُرُوفِهَا ... يَكُونُ بُكَاءُ الطِّفْلِ سَاعَةَ يُولَدُ [[لما تؤذن الدنيا به من صروفها ... يكون بكاء الطفل ساعة يولد
وإلا فما يبكيه منها وإنها ... لأفسح مما كان فيه وأرغد
إذا أبصر الدنيا استهل كأنه ... بما سوف يلقى من أذاها يهدد
لابن الرومي، يقول: إن بكاء الطفل حين ولادته لأجل ما تشعر به الدنيا من حوادثها فقط، وإن لا يكن بكاؤه لذلك، فأى شيء منها يبكيه، أو فأى شيء يبكيه منها، وإنها أى الدنيا. وروى: وإنه، أى الطفل لأفسح موضعا مما كان فيه من ضيق الرحم وأرغد منه. وعوده على ما يبكيه بعيد، أو غير سديد. ويجوز أنه عائد على فضاء الدنيا المعلوم من المقام، ثم قال: إذا أبصرها صرخ، كأنه يخوف بما سوف يناله من أذاها قبل حصوله.]]
وأما حقيقة المس والنخس كما يتوهم أهل الحشو فكلا، ولو سلط إبليس على الناس ينخسهم لامتلأت الدنيا صراخا وعياطا مما يبلونا به من نخسه فَتَقَبَّلَها رَبُّها فرضي بها في النذر مكان الذكر بِقَبُولٍ حَسَنٍ فيه وجهان: أحدهما أن يكون القبول اسم ما تقبل به الشيء كالسعوط واللدود، لما يسعط به ويلد، وهو اختصاصه لها بإقامتها مقام الذكر في النذر، ولم يقبل قبلها أنثى في ذلك، أو بأن تسلمها من أمّها عقيب الولادة قبل أن تنشأ وتصلح للسدانة. وروى أن حنة حين ولدت مريم، لفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد، ووضعتها عند الأحبار أبناء هرون، وهم في بيت المقدس كالحجبة في الكعبة، فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم، وكانت بنو ماثان رءوس بنى إسرائيل وأحبارهم وملوكهم، فقال لهم زكريا: أنا أحق بها، عندي خالتها [[قوله «أنا أحق بها عندي خالتها» قوله خالتها: يعنى زوجته ايشاع أخت حنة لكن تقدم أنها أخت مريم وقال صلى اللَّه عليه وسلم في يحيى وعيسى هما ابنا خالة وفي أبى السعود قيل في تأويل ذلك أن الأخت كثيراً ما تطلق على بنت الأخت فجرى الحديث على ذلك وقيل إن ايشاع أخت حنة من الأم وأخت مريم من الأب بأن نكح عمران أم حنة فولدت إيشاع ثم نكح حنة ربيبته فولدت مريم بناء على حل نكاح الربائب عندهم. (ع)]] . فقالوا: لا حتى نقترع عليها، فانطلقوا- وكانوا سبعة وعشرين- إلى نهر، فألقوا فيه أقلامهم، فارتفع قلم زكريا فوق الماء ورسبت أقلامهم، فتكفلها. والثاني: أن يكون مصدراً على تقدير حذف المضاف بمعنى: فتقبلها بذي قبول حسن، أى بأمر ذى قبول حسن وهو الاختصاص. ويجوز أن يكون معنى (فتقبلها) فاستقبلها، كقولك:
تعجله بمعنى استعجله، وتقصاه بمعنى استقصاه، وهو كثير في كلامهم، من استقبل الأمر إذا أخذه بأوّله وعنفوانه. قال القطامي:
وَخَيْرُ الأَمْرِ مَا اسْتَقْبَلْتَ مِنْهُ ... وَلَيْسَ بِأَنْ تَتَبَّعَهُ اتِّبَاعَا [[يقول: خير الأمور هو الذي تستقبله وتنتظره فتأخذه أول إتيانه، وليس خبرها ما تصبر عنه حتى يفوتك ويمضى ثم تتبعه وتذهب وراءه لتدركه، فالباء زائدة في خبر ليس، وهو على تقدير مضاف، أى ذى التتبع.
وتتبعه: أصله تتبعه حذفت منه تاء المضارعة أو تاء التفعل أو التاء التي هي فاء الفعل وهو أولاها، لأن كل من الأوليين جاء لمعنى. وقال الجوهري: وضع الاتباع موضع التتبع اه، فهو اسم مصدر، أو مصدر حذف منه بعض الزوائد، والتفعل أبلغ من الافتعال، فيتعين إرادته هنا لأنه مؤكد.]]
ومنه المثل «خذ الأمر بقوابله» أى فأخذها في أوّل أمرها حين ولدت بقبول حسن وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً مجاز عن التربية الحسنة العائدة عليها بما يصلحها في جميع أحوالها. وقرئ: وكفلها زكرياء، بوزن وعملها وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا بتشديد الفاء ونصب زكرياء، [[قوله «ونصب زكريا الفعل للَّه تعالى» لعله والفعل. (ع)]] الفعل للَّه تعالى بمعنى:
وضمها إليه وجعله كافلا لها وضامناً لمصالحها. ويؤيدها قراءة أبىّ: وأكفلها، من قوله تعالى (فَقالَ أَكْفِلْنِيها) وقرأ مجاهد: فتقبلها ربها، وأنبتها، وكفلها، على لفظ الأمر في الأفعال الثلاثة، ونصب ربها، تدعو بذلك، أى فاقبلها يا ربها وربها، واجعل زكريا كافلا لها. قيل بنى لها زكريا محرابا في المسجد، أى غرفة يصعد إليها بسلم. وقيل المحراب أشرف المجالس ومقدّمها، كأنها وضعت في أشرف موضع من بيت المقدس. وقيل: كانت مساجدهم تسمى المحاريب. وروى أنه كان لا يدخل عليها إلا هو وحده، وكان إذا خرج غلق عليها سبعة أبواب وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً كان رزقها ينزل عليها من الجنة ولم ترضع ثديا قط، فكان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء أَنَّى لَكِ هذا من أين لك هذا الرزق الذي لا يشبه أرزاق الدنيا وهو آت في غير حينه والأبواب مغلقة عليك لا سبيل للداخل به إليك؟ قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فلا تستبعد. قيل تكلمت وهي صغيرة كما تكلم عيسى وهو في المهد. وعن النبي صلى اللَّه عليه وسلم: أنه جاع في زمن قحط [[رواه أبو يعلي من حديث جابر، وهو من رواية ابن لهيعة عن ابن المنكدر عنه. والمتن ظاهر النكارة.]] فأهدت له فاطمة رضى اللَّه عنها رغيفين وبضعة لحم آثرته بها، فرجع بها إليها وقال: هلمى يا بنية فكشفت عن الطبق فإذا هو مملوء خبزاً ولحماً، فبهتت وعلمت أنها نزلت من عند اللَّه، فقال لها صلى اللَّه عليه وسلم: أنى لك هذا؟ فقالت:
هو من عند اللَّه، إن اللَّه يرزق من يشاء بغير حساب. فقال عليه الصلاة والسلام: الحمد للَّه الذي جعلك شبيهة سيدة نساء بنى إسرائيل، ثم جمع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم علىّ بن أبى طالب والحسن والحسين وجميع أهل بيته، فأكلوا عليه حتى شبعوا وبقي الطعام كما هو، فأوسعت فاطمة على جيرانها. إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ من جملة كلام مريم عليها السلام، أو من كلام رب العزّة عزّ من قائل بِغَيْرِ حِسابٍ بغير تقدير لكثرته، أو تفضلا بغير محاسبة ومجازاة على عمل بحسب الاستحقاق.
آل عمران 3:35
آلَ إِبْراهِيمَ إسماعيل وإسحاق وأولادهما. وآلَ عِمْرانَ موسى وهرون [[قال محمود رحمه اللَّه «آل عمران موسى وهرون ... الخ» قال أحمد رحمه اللَّه: ومما يرجح هذا القول الثاني أن السورة تسمي آل عمران ولم تشرح قصة عيسى ومريم في سورة أبسط من شرحها في هذه السورة. وأما موسى وهارون فلم يذكر قصتهما في هذه السورة، فدل ذلك على أن عمران المذكور هاهنا هو أبو مريم واللَّه أعلم.]] ابنا عمران ابن يصهر. وقيل عيسى ومريم بنت عمران بن ماثان، وبين العمرانين ألف وثمانمائة سنة.
وذُرِّيَّةً بدل من آل إبراهيم وآل عمران بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ يعنى أنّ الآلين ذرّية واحدة متسلسلة بعضها متشعب من بعض: موسى وهرون من عمران، وعمران من يصهر، ويصهر من فاهث، وفاهث من لاوى، ولاوى من يعقوب، ويعقوب من إسحاق. وكذلك عيسى ابن مريم بنت عمران بن ماثان بن سليمان بن داود [[قوله «ابن ماثان بن سليمان بن داود» قوله: ابن سليمان، أى من نسله. وقوله: ابن يهوذا، أى من نسله، كما صرح به الفخر الرازي. وذكر أبو السعود بين ماثان وسليمان نحو خمسة عشر جداً، وبين إيشا ويهوذا تسعة جدود. (ع)]] بن ايشا بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق. وقد دخل في آل إبراهيم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم. وقيل بعضها من بعض في الدين، كقوله تعالى (الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ) . وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يعلم من يصلح للاصطفاء، أو يعلم أنّ بعضهم من بعض في الدين. أو سميع عليم لقول امرأة عمران ونيتها. وإِذْ منصوب به.
وقيل: بإضمار اذكر. وامرأة عمران هي امرأة عمران بن ماثان، أمّ مريم البتول، جدّة عيسى عليه السلام، وهي حنة بنت فاقوذ. وقوله إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ على أثر قوله: (وَآلَ عِمْرانَ) مما يرجح أنّ عمران هو عمران بن ماثان جدّ عيسى، والقول الآخر يرجحه أن موسى يقرن بإبراهيم كثيراً في الذكر. فإن قلت: كانت لعمران بن يصهر بنت اسمها مريم أكبر من موسى وهرون، ولعمران بن ماثان مريم البتول، فما أدراك أن عمران هذا هو أبو مريم البتول دون عمران أبى مريم التي هي أخت موسى وهرون؟ قلت: كفى بكفالة زكريا دليلا على أنه عمران أبو البتول، لأن زكريا بن آذن وعمران بن ماثان كانا في عصر واحد، وقد تزوّج زكريا بنته إيشاع أخت مريم فكان يحيى وعيسى ابني خالة. روى أنها كانت عاقراً لم تلد إلى أن عجزت، فبينا هي في ظل شجرة بصرت بطائر يطعم فرخاً له فتحرّكت نفسها للولد وتمنته، فقالت: اللهم إن لك علىّ نذراً شكراً إن رزقتني ولداً أن أتصدق به على بيت المقدس فيكون من سدنته وخدمه، فحملت بمريم وهلك عمران وهي حامل مُحَرَّراً معتقاً لخدمة بيت المقدس لا يدَ لي عليه ولا أستخدمه ولا أشغله بشيء، وكان هذا النوع من النذر مشروعا عندهم. وروى أنهم كانوا ينذرون هذا النذر، فإذا بلغ الغلام خير بين أن يفعل وبين أن لا يفعل. وعن الشعبي (مُحَرَّراً) مخلصاً للعبادة، وما كان التحرير إلا للغلمان، وإنما بنت الأمر على التقدير، أو طلبت أن ترزق ذكراً فَلَمَّا وَضَعَتْها الضمير لما في بطني [[قال محمود: «الضمير عائد إلى ما في بطني ... الخ» قال أحمد: الضمير في قوله «وضعتها» يتناول إذا ما نسب إليها الوضع والأنوثة، فالحال واقعة عليها من حيث الجهة العامة وتلك الجهة كونها شيئا وضع لا لخصوص نسبة الأنوثة إليها. وقد مر هذا البحث بعينه عند قوله تعالى: (فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ) .]] ، وإنما أنث على المعنى لأن ما في بطنها كان أنثى في علم اللَّه، أو على تأويل الحبلة أو النفس أو النسمة. فإن قلت: كيف جاز انتصاب أُنْثى حالا من الضمير في وضعتها وهو كقولك وضعت الأنثى أنثى؟ قلت: الأصل: وضعته أنثى، وإنما أنث لتأنيث الحال لأن الحال وذا الحال لشيء واحد، كما أنث الاسم في ما كانت أمّك لتأنيث الخبر. ونظيره قوله تعالى: (فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ) وأمّا على تأويل الحبلة أو النسمة فهو ظاهر، كأنه قيل: إنى وضعت الحبلة أو النسمة أنثى. فإن قلت: فلم قالت: إنى وضعتها أنثى وما أرادت إلى هذا القول؟ قلت: قالته تحسراً [[(عاد كلامه) قال: «وإنما أرادت بقولها: وضعتها أنثى التحسر والتأسف ... الخ» قال أحمد: هذا التأويل على أنه من كلام اللَّه تعالى لا حكاية عنها. وقد ذكر أهل التفسير تأويلا آخر، وهو أن يكون هذا القول قولها حكاه اللَّه تعالى عنها، أعنى قوله: (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى) ويرشد إليه عطف كلامها عليه وهو قوله: (وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ ... ) الخ ويوردون على هذا الوجه أن قياس كونه من قولها أن يكون: وليست الأنثى كالذكر، فان مقصودها تنقيص الأنثى بالنسبة إلى الذكر، والعادة في مثله أن ينفى عن الناقص شبهه بالكامل لا العكس، وقد وجد الأمر في ذلك مختلفاً فلم يثبت لي عين ما قالوه. ألا ترى إلى قوله تعالى: (لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ) فنفى عن الكامل شبه الناقص، مع أن الكمال لأزواج النبي عليه الصلاة والسلام ثابت بالنسبة إلى عموم النساء. وعلى ذلك جاءت عبارة امرأة عمران واللَّه أعلم. ومنه أيضا (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ) .]] على ما رأت من خيبة رجائها وعكس تقديرها، فتحزنت إلى ربها لأنها كانت ترجو وتقدر أن تلد ذكراً، ولذلك نذرته محرّراً للسدانة. ولتكلمها بذلك على وجه التحسر والتحزن قال اللَّه تعالى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ تعظيما لموضوعها وتجهيلا لها بقدر ما وهب لها منه. ومعناه: واللَّه أعلم بالشيء الذي وضعت وما علق به من عظائم الأمور، وأن يجعله وولده آية للعالمين وهي جاهلة بذلك لا تعلم منه شيئا، فلذلك تحسرت. وفي قراءة ابن عباس: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ) على خطاب اللَّه تعالى لها أى أنك لا تعلمين قدر هذا الموهوب وما علم اللَّه من عظم شأنه وعلوّ قدره. وقرئ:
وضعت. بمعنى: ولعلّ للَّه تعالى فيه سراً وحكمة، ولعلّ هذه الأنثى خير من الذكر تسلية لنفسها.
فإن قلت: فما معنى قوله وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى؟ قلت: هو بيان لما في قوله: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ) من التعظيم للموضوع والرفع منه، ومعناه: وليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وهبت لها، واللام فيهما للعهد. فإن قلت: علام عطف قوله وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ؟ قلت: هو عطف على إنى وضعتها أنثى، وما بينهما جملتان معترضتان، كقوله تعالى: وإنه لقسم لو تعلمون عظيم. فإن قلت: فلم ذكرت تسميتها مريم لربها؟ قلت: لأن مريم في لغتهم بمعنى العابدة [[(عاد كلامه) قال: «وفائدة قولها (وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ) أن مريم في لغتهم العابدة ... الخ» قال أحمد:
أما الحديث فمذكور في الصحاح متفق على صحته، فلا محيص له إذاً عن تعطيل كلامه عليه السلام بتحميله ما لا يحتمله جنوحا إلى اعتزال منتزع في فلسفة منتزع في إلحاد ظلمات بعضها فوق بعض. وقد قدمت عند قوله تعالى: (لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ) ما فيه كفاية، وما أرى الشيطان إلا طعن في خواصر القدرية حتى بقرها، ووكر في قلوبهم حتى حمل الزمخشري وأمثاله أن يقول في كتاب اللَّه تعالى وكلام رسوله عليه السلام بما يتخيل، كما قال في هذا الحديث، ثم نظره بتخييل ابن الرومي في شعره، جراءة وسوء أدب. ولو كان معنى ما قاله صحيحاً لكانت هذه العبارة واجبا أن تجتنب، ولو كان الصراخ غير واقع من المولود لأمكن على بعد أن يكون تمثيلا. وما هو واقع مشاهد فلا وجه لحمله على التخييل إلا الاعتقاد الضئيل وارتكاب الهوى الوبيل.]] ، فأرادت بذلك التقرب والطلب إليه أن يعصمها حتى يكون فعلها مطابقاً لاسمها، وأن يصدق فيها ظنها بها. ألا ترى كيف أتبعته طلب الإعاذة لها ولولدها من الشيطان وإغوائه. وما يروى من الحديث «ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهلّ صارخاً من مس الشيطان إياه، إلا مريم وابنها» [[قال المصنف: اللَّه أعلم بصحته هكذا قال. والحديث في الصحيحين من حديث أبى هريرة في آخره: قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: (وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ) .]] فاللَّه أعلم بصحته. فإن صح فمعناه أن كل مولود يطمع الشيطان في إغوائه إلا مريم وابنها، فإنهما كانا معصومين، وكذلك كل من كان في صفتهما كقوله تعالى: (لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) واستهلاله صارخاً من مسه تخييل وتصوير لطمعه فيه، كأنه يمسه ويضرب بيده عليه ويقول: هذا ممن أغويه، ونحوه من التخييل قول ابن الرومي:
لِمَا تُؤْذِنُ الدُّنْيَا بِهِ مِنْ صُرُوفِهَا ... يَكُونُ بُكَاءُ الطِّفْلِ سَاعَةَ يُولَدُ [[لما تؤذن الدنيا به من صروفها ... يكون بكاء الطفل ساعة يولد
وإلا فما يبكيه منها وإنها ... لأفسح مما كان فيه وأرغد
إذا أبصر الدنيا استهل كأنه ... بما سوف يلقى من أذاها يهدد
لابن الرومي، يقول: إن بكاء الطفل حين ولادته لأجل ما تشعر به الدنيا من حوادثها فقط، وإن لا يكن بكاؤه لذلك، فأى شيء منها يبكيه، أو فأى شيء يبكيه منها، وإنها أى الدنيا. وروى: وإنه، أى الطفل لأفسح موضعا مما كان فيه من ضيق الرحم وأرغد منه. وعوده على ما يبكيه بعيد، أو غير سديد. ويجوز أنه عائد على فضاء الدنيا المعلوم من المقام، ثم قال: إذا أبصرها صرخ، كأنه يخوف بما سوف يناله من أذاها قبل حصوله.]]
وأما حقيقة المس والنخس كما يتوهم أهل الحشو فكلا، ولو سلط إبليس على الناس ينخسهم لامتلأت الدنيا صراخا وعياطا مما يبلونا به من نخسه فَتَقَبَّلَها رَبُّها فرضي بها في النذر مكان الذكر بِقَبُولٍ حَسَنٍ فيه وجهان: أحدهما أن يكون القبول اسم ما تقبل به الشيء كالسعوط واللدود، لما يسعط به ويلد، وهو اختصاصه لها بإقامتها مقام الذكر في النذر، ولم يقبل قبلها أنثى في ذلك، أو بأن تسلمها من أمّها عقيب الولادة قبل أن تنشأ وتصلح للسدانة. وروى أن حنة حين ولدت مريم، لفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد، ووضعتها عند الأحبار أبناء هرون، وهم في بيت المقدس كالحجبة في الكعبة، فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم، وكانت بنو ماثان رءوس بنى إسرائيل وأحبارهم وملوكهم، فقال لهم زكريا: أنا أحق بها، عندي خالتها [[قوله «أنا أحق بها عندي خالتها» قوله خالتها: يعنى زوجته ايشاع أخت حنة لكن تقدم أنها أخت مريم وقال صلى اللَّه عليه وسلم في يحيى وعيسى هما ابنا خالة وفي أبى السعود قيل في تأويل ذلك أن الأخت كثيراً ما تطلق على بنت الأخت فجرى الحديث على ذلك وقيل إن ايشاع أخت حنة من الأم وأخت مريم من الأب بأن نكح عمران أم حنة فولدت إيشاع ثم نكح حنة ربيبته فولدت مريم بناء على حل نكاح الربائب عندهم. (ع)]] . فقالوا: لا حتى نقترع عليها، فانطلقوا- وكانوا سبعة وعشرين- إلى نهر، فألقوا فيه أقلامهم، فارتفع قلم زكريا فوق الماء ورسبت أقلامهم، فتكفلها. والثاني: أن يكون مصدراً على تقدير حذف المضاف بمعنى: فتقبلها بذي قبول حسن، أى بأمر ذى قبول حسن وهو الاختصاص. ويجوز أن يكون معنى (فتقبلها) فاستقبلها، كقولك:
تعجله بمعنى استعجله، وتقصاه بمعنى استقصاه، وهو كثير في كلامهم، من استقبل الأمر إذا أخذه بأوّله وعنفوانه. قال القطامي:
وَخَيْرُ الأَمْرِ مَا اسْتَقْبَلْتَ مِنْهُ ... وَلَيْسَ بِأَنْ تَتَبَّعَهُ اتِّبَاعَا [[يقول: خير الأمور هو الذي تستقبله وتنتظره فتأخذه أول إتيانه، وليس خبرها ما تصبر عنه حتى يفوتك ويمضى ثم تتبعه وتذهب وراءه لتدركه، فالباء زائدة في خبر ليس، وهو على تقدير مضاف، أى ذى التتبع.
وتتبعه: أصله تتبعه حذفت منه تاء المضارعة أو تاء التفعل أو التاء التي هي فاء الفعل وهو أولاها، لأن كل من الأوليين جاء لمعنى. وقال الجوهري: وضع الاتباع موضع التتبع اه، فهو اسم مصدر، أو مصدر حذف منه بعض الزوائد، والتفعل أبلغ من الافتعال، فيتعين إرادته هنا لأنه مؤكد.]]
ومنه المثل «خذ الأمر بقوابله» أى فأخذها في أوّل أمرها حين ولدت بقبول حسن وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً مجاز عن التربية الحسنة العائدة عليها بما يصلحها في جميع أحوالها. وقرئ: وكفلها زكرياء، بوزن وعملها وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا بتشديد الفاء ونصب زكرياء، [[قوله «ونصب زكريا الفعل للَّه تعالى» لعله والفعل. (ع)]] الفعل للَّه تعالى بمعنى:
وضمها إليه وجعله كافلا لها وضامناً لمصالحها. ويؤيدها قراءة أبىّ: وأكفلها، من قوله تعالى (فَقالَ أَكْفِلْنِيها) وقرأ مجاهد: فتقبلها ربها، وأنبتها، وكفلها، على لفظ الأمر في الأفعال الثلاثة، ونصب ربها، تدعو بذلك، أى فاقبلها يا ربها وربها، واجعل زكريا كافلا لها. قيل بنى لها زكريا محرابا في المسجد، أى غرفة يصعد إليها بسلم. وقيل المحراب أشرف المجالس ومقدّمها، كأنها وضعت في أشرف موضع من بيت المقدس. وقيل: كانت مساجدهم تسمى المحاريب. وروى أنه كان لا يدخل عليها إلا هو وحده، وكان إذا خرج غلق عليها سبعة أبواب وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً كان رزقها ينزل عليها من الجنة ولم ترضع ثديا قط، فكان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء أَنَّى لَكِ هذا من أين لك هذا الرزق الذي لا يشبه أرزاق الدنيا وهو آت في غير حينه والأبواب مغلقة عليك لا سبيل للداخل به إليك؟ قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فلا تستبعد. قيل تكلمت وهي صغيرة كما تكلم عيسى وهو في المهد. وعن النبي صلى اللَّه عليه وسلم: أنه جاع في زمن قحط [[رواه أبو يعلي من حديث جابر، وهو من رواية ابن لهيعة عن ابن المنكدر عنه. والمتن ظاهر النكارة.]] فأهدت له فاطمة رضى اللَّه عنها رغيفين وبضعة لحم آثرته بها، فرجع بها إليها وقال: هلمى يا بنية فكشفت عن الطبق فإذا هو مملوء خبزاً ولحماً، فبهتت وعلمت أنها نزلت من عند اللَّه، فقال لها صلى اللَّه عليه وسلم: أنى لك هذا؟ فقالت:
هو من عند اللَّه، إن اللَّه يرزق من يشاء بغير حساب. فقال عليه الصلاة والسلام: الحمد للَّه الذي جعلك شبيهة سيدة نساء بنى إسرائيل، ثم جمع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم علىّ بن أبى طالب والحسن والحسين وجميع أهل بيته، فأكلوا عليه حتى شبعوا وبقي الطعام كما هو، فأوسعت فاطمة على جيرانها. إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ من جملة كلام مريم عليها السلام، أو من كلام رب العزّة عزّ من قائل بِغَيْرِ حِسابٍ بغير تقدير لكثرته، أو تفضلا بغير محاسبة ومجازاة على عمل بحسب الاستحقاق.
آل عمران 3:36
آلَ إِبْراهِيمَ إسماعيل وإسحاق وأولادهما. وآلَ عِمْرانَ موسى وهرون [[قال محمود رحمه اللَّه «آل عمران موسى وهرون ... الخ» قال أحمد رحمه اللَّه: ومما يرجح هذا القول الثاني أن السورة تسمي آل عمران ولم تشرح قصة عيسى ومريم في سورة أبسط من شرحها في هذه السورة. وأما موسى وهارون فلم يذكر قصتهما في هذه السورة، فدل ذلك على أن عمران المذكور هاهنا هو أبو مريم واللَّه أعلم.]] ابنا عمران ابن يصهر. وقيل عيسى ومريم بنت عمران بن ماثان، وبين العمرانين ألف وثمانمائة سنة.
وذُرِّيَّةً بدل من آل إبراهيم وآل عمران بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ يعنى أنّ الآلين ذرّية واحدة متسلسلة بعضها متشعب من بعض: موسى وهرون من عمران، وعمران من يصهر، ويصهر من فاهث، وفاهث من لاوى، ولاوى من يعقوب، ويعقوب من إسحاق. وكذلك عيسى ابن مريم بنت عمران بن ماثان بن سليمان بن داود [[قوله «ابن ماثان بن سليمان بن داود» قوله: ابن سليمان، أى من نسله. وقوله: ابن يهوذا، أى من نسله، كما صرح به الفخر الرازي. وذكر أبو السعود بين ماثان وسليمان نحو خمسة عشر جداً، وبين إيشا ويهوذا تسعة جدود. (ع)]] بن ايشا بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق. وقد دخل في آل إبراهيم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم. وقيل بعضها من بعض في الدين، كقوله تعالى (الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ) . وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يعلم من يصلح للاصطفاء، أو يعلم أنّ بعضهم من بعض في الدين. أو سميع عليم لقول امرأة عمران ونيتها. وإِذْ منصوب به.
وقيل: بإضمار اذكر. وامرأة عمران هي امرأة عمران بن ماثان، أمّ مريم البتول، جدّة عيسى عليه السلام، وهي حنة بنت فاقوذ. وقوله إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ على أثر قوله: (وَآلَ عِمْرانَ) مما يرجح أنّ عمران هو عمران بن ماثان جدّ عيسى، والقول الآخر يرجحه أن موسى يقرن بإبراهيم كثيراً في الذكر. فإن قلت: كانت لعمران بن يصهر بنت اسمها مريم أكبر من موسى وهرون، ولعمران بن ماثان مريم البتول، فما أدراك أن عمران هذا هو أبو مريم البتول دون عمران أبى مريم التي هي أخت موسى وهرون؟ قلت: كفى بكفالة زكريا دليلا على أنه عمران أبو البتول، لأن زكريا بن آذن وعمران بن ماثان كانا في عصر واحد، وقد تزوّج زكريا بنته إيشاع أخت مريم فكان يحيى وعيسى ابني خالة. روى أنها كانت عاقراً لم تلد إلى أن عجزت، فبينا هي في ظل شجرة بصرت بطائر يطعم فرخاً له فتحرّكت نفسها للولد وتمنته، فقالت: اللهم إن لك علىّ نذراً شكراً إن رزقتني ولداً أن أتصدق به على بيت المقدس فيكون من سدنته وخدمه، فحملت بمريم وهلك عمران وهي حامل مُحَرَّراً معتقاً لخدمة بيت المقدس لا يدَ لي عليه ولا أستخدمه ولا أشغله بشيء، وكان هذا النوع من النذر مشروعا عندهم. وروى أنهم كانوا ينذرون هذا النذر، فإذا بلغ الغلام خير بين أن يفعل وبين أن لا يفعل. وعن الشعبي (مُحَرَّراً) مخلصاً للعبادة، وما كان التحرير إلا للغلمان، وإنما بنت الأمر على التقدير، أو طلبت أن ترزق ذكراً فَلَمَّا وَضَعَتْها الضمير لما في بطني [[قال محمود: «الضمير عائد إلى ما في بطني ... الخ» قال أحمد: الضمير في قوله «وضعتها» يتناول إذا ما نسب إليها الوضع والأنوثة، فالحال واقعة عليها من حيث الجهة العامة وتلك الجهة كونها شيئا وضع لا لخصوص نسبة الأنوثة إليها. وقد مر هذا البحث بعينه عند قوله تعالى: (فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ) .]] ، وإنما أنث على المعنى لأن ما في بطنها كان أنثى في علم اللَّه، أو على تأويل الحبلة أو النفس أو النسمة. فإن قلت: كيف جاز انتصاب أُنْثى حالا من الضمير في وضعتها وهو كقولك وضعت الأنثى أنثى؟ قلت: الأصل: وضعته أنثى، وإنما أنث لتأنيث الحال لأن الحال وذا الحال لشيء واحد، كما أنث الاسم في ما كانت أمّك لتأنيث الخبر. ونظيره قوله تعالى: (فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ) وأمّا على تأويل الحبلة أو النسمة فهو ظاهر، كأنه قيل: إنى وضعت الحبلة أو النسمة أنثى. فإن قلت: فلم قالت: إنى وضعتها أنثى وما أرادت إلى هذا القول؟ قلت: قالته تحسراً [[(عاد كلامه) قال: «وإنما أرادت بقولها: وضعتها أنثى التحسر والتأسف ... الخ» قال أحمد: هذا التأويل على أنه من كلام اللَّه تعالى لا حكاية عنها. وقد ذكر أهل التفسير تأويلا آخر، وهو أن يكون هذا القول قولها حكاه اللَّه تعالى عنها، أعنى قوله: (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى) ويرشد إليه عطف كلامها عليه وهو قوله: (وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ ... ) الخ ويوردون على هذا الوجه أن قياس كونه من قولها أن يكون: وليست الأنثى كالذكر، فان مقصودها تنقيص الأنثى بالنسبة إلى الذكر، والعادة في مثله أن ينفى عن الناقص شبهه بالكامل لا العكس، وقد وجد الأمر في ذلك مختلفاً فلم يثبت لي عين ما قالوه. ألا ترى إلى قوله تعالى: (لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ) فنفى عن الكامل شبه الناقص، مع أن الكمال لأزواج النبي عليه الصلاة والسلام ثابت بالنسبة إلى عموم النساء. وعلى ذلك جاءت عبارة امرأة عمران واللَّه أعلم. ومنه أيضا (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ) .]] على ما رأت من خيبة رجائها وعكس تقديرها، فتحزنت إلى ربها لأنها كانت ترجو وتقدر أن تلد ذكراً، ولذلك نذرته محرّراً للسدانة. ولتكلمها بذلك على وجه التحسر والتحزن قال اللَّه تعالى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ تعظيما لموضوعها وتجهيلا لها بقدر ما وهب لها منه. ومعناه: واللَّه أعلم بالشيء الذي وضعت وما علق به من عظائم الأمور، وأن يجعله وولده آية للعالمين وهي جاهلة بذلك لا تعلم منه شيئا، فلذلك تحسرت. وفي قراءة ابن عباس: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ) على خطاب اللَّه تعالى لها أى أنك لا تعلمين قدر هذا الموهوب وما علم اللَّه من عظم شأنه وعلوّ قدره. وقرئ:
وضعت. بمعنى: ولعلّ للَّه تعالى فيه سراً وحكمة، ولعلّ هذه الأنثى خير من الذكر تسلية لنفسها.
فإن قلت: فما معنى قوله وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى؟ قلت: هو بيان لما في قوله: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ) من التعظيم للموضوع والرفع منه، ومعناه: وليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وهبت لها، واللام فيهما للعهد. فإن قلت: علام عطف قوله وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ؟ قلت: هو عطف على إنى وضعتها أنثى، وما بينهما جملتان معترضتان، كقوله تعالى: وإنه لقسم لو تعلمون عظيم. فإن قلت: فلم ذكرت تسميتها مريم لربها؟ قلت: لأن مريم في لغتهم بمعنى العابدة [[(عاد كلامه) قال: «وفائدة قولها (وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ) أن مريم في لغتهم العابدة ... الخ» قال أحمد:
أما الحديث فمذكور في الصحاح متفق على صحته، فلا محيص له إذاً عن تعطيل كلامه عليه السلام بتحميله ما لا يحتمله جنوحا إلى اعتزال منتزع في فلسفة منتزع في إلحاد ظلمات بعضها فوق بعض. وقد قدمت عند قوله تعالى: (لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ) ما فيه كفاية، وما أرى الشيطان إلا طعن في خواصر القدرية حتى بقرها، ووكر في قلوبهم حتى حمل الزمخشري وأمثاله أن يقول في كتاب اللَّه تعالى وكلام رسوله عليه السلام بما يتخيل، كما قال في هذا الحديث، ثم نظره بتخييل ابن الرومي في شعره، جراءة وسوء أدب. ولو كان معنى ما قاله صحيحاً لكانت هذه العبارة واجبا أن تجتنب، ولو كان الصراخ غير واقع من المولود لأمكن على بعد أن يكون تمثيلا. وما هو واقع مشاهد فلا وجه لحمله على التخييل إلا الاعتقاد الضئيل وارتكاب الهوى الوبيل.]] ، فأرادت بذلك التقرب والطلب إليه أن يعصمها حتى يكون فعلها مطابقاً لاسمها، وأن يصدق فيها ظنها بها. ألا ترى كيف أتبعته طلب الإعاذة لها ولولدها من الشيطان وإغوائه. وما يروى من الحديث «ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهلّ صارخاً من مس الشيطان إياه، إلا مريم وابنها» [[قال المصنف: اللَّه أعلم بصحته هكذا قال. والحديث في الصحيحين من حديث أبى هريرة في آخره: قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: (وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ) .]] فاللَّه أعلم بصحته. فإن صح فمعناه أن كل مولود يطمع الشيطان في إغوائه إلا مريم وابنها، فإنهما كانا معصومين، وكذلك كل من كان في صفتهما كقوله تعالى: (لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) واستهلاله صارخاً من مسه تخييل وتصوير لطمعه فيه، كأنه يمسه ويضرب بيده عليه ويقول: هذا ممن أغويه، ونحوه من التخييل قول ابن الرومي:
لِمَا تُؤْذِنُ الدُّنْيَا بِهِ مِنْ صُرُوفِهَا ... يَكُونُ بُكَاءُ الطِّفْلِ سَاعَةَ يُولَدُ [[لما تؤذن الدنيا به من صروفها ... يكون بكاء الطفل ساعة يولد
وإلا فما يبكيه منها وإنها ... لأفسح مما كان فيه وأرغد
إذا أبصر الدنيا استهل كأنه ... بما سوف يلقى من أذاها يهدد
لابن الرومي، يقول: إن بكاء الطفل حين ولادته لأجل ما تشعر به الدنيا من حوادثها فقط، وإن لا يكن بكاؤه لذلك، فأى شيء منها يبكيه، أو فأى شيء يبكيه منها، وإنها أى الدنيا. وروى: وإنه، أى الطفل لأفسح موضعا مما كان فيه من ضيق الرحم وأرغد منه. وعوده على ما يبكيه بعيد، أو غير سديد. ويجوز أنه عائد على فضاء الدنيا المعلوم من المقام، ثم قال: إذا أبصرها صرخ، كأنه يخوف بما سوف يناله من أذاها قبل حصوله.]]
وأما حقيقة المس والنخس كما يتوهم أهل الحشو فكلا، ولو سلط إبليس على الناس ينخسهم لامتلأت الدنيا صراخا وعياطا مما يبلونا به من نخسه فَتَقَبَّلَها رَبُّها فرضي بها في النذر مكان الذكر بِقَبُولٍ حَسَنٍ فيه وجهان: أحدهما أن يكون القبول اسم ما تقبل به الشيء كالسعوط واللدود، لما يسعط به ويلد، وهو اختصاصه لها بإقامتها مقام الذكر في النذر، ولم يقبل قبلها أنثى في ذلك، أو بأن تسلمها من أمّها عقيب الولادة قبل أن تنشأ وتصلح للسدانة. وروى أن حنة حين ولدت مريم، لفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد، ووضعتها عند الأحبار أبناء هرون، وهم في بيت المقدس كالحجبة في الكعبة، فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم، وكانت بنو ماثان رءوس بنى إسرائيل وأحبارهم وملوكهم، فقال لهم زكريا: أنا أحق بها، عندي خالتها [[قوله «أنا أحق بها عندي خالتها» قوله خالتها: يعنى زوجته ايشاع أخت حنة لكن تقدم أنها أخت مريم وقال صلى اللَّه عليه وسلم في يحيى وعيسى هما ابنا خالة وفي أبى السعود قيل في تأويل ذلك أن الأخت كثيراً ما تطلق على بنت الأخت فجرى الحديث على ذلك وقيل إن ايشاع أخت حنة من الأم وأخت مريم من الأب بأن نكح عمران أم حنة فولدت إيشاع ثم نكح حنة ربيبته فولدت مريم بناء على حل نكاح الربائب عندهم. (ع)]] . فقالوا: لا حتى نقترع عليها، فانطلقوا- وكانوا سبعة وعشرين- إلى نهر، فألقوا فيه أقلامهم، فارتفع قلم زكريا فوق الماء ورسبت أقلامهم، فتكفلها. والثاني: أن يكون مصدراً على تقدير حذف المضاف بمعنى: فتقبلها بذي قبول حسن، أى بأمر ذى قبول حسن وهو الاختصاص. ويجوز أن يكون معنى (فتقبلها) فاستقبلها، كقولك:
تعجله بمعنى استعجله، وتقصاه بمعنى استقصاه، وهو كثير في كلامهم، من استقبل الأمر إذا أخذه بأوّله وعنفوانه. قال القطامي:
وَخَيْرُ الأَمْرِ مَا اسْتَقْبَلْتَ مِنْهُ ... وَلَيْسَ بِأَنْ تَتَبَّعَهُ اتِّبَاعَا [[يقول: خير الأمور هو الذي تستقبله وتنتظره فتأخذه أول إتيانه، وليس خبرها ما تصبر عنه حتى يفوتك ويمضى ثم تتبعه وتذهب وراءه لتدركه، فالباء زائدة في خبر ليس، وهو على تقدير مضاف، أى ذى التتبع.
وتتبعه: أصله تتبعه حذفت منه تاء المضارعة أو تاء التفعل أو التاء التي هي فاء الفعل وهو أولاها، لأن كل من الأوليين جاء لمعنى. وقال الجوهري: وضع الاتباع موضع التتبع اه، فهو اسم مصدر، أو مصدر حذف منه بعض الزوائد، والتفعل أبلغ من الافتعال، فيتعين إرادته هنا لأنه مؤكد.]]
ومنه المثل «خذ الأمر بقوابله» أى فأخذها في أوّل أمرها حين ولدت بقبول حسن وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً مجاز عن التربية الحسنة العائدة عليها بما يصلحها في جميع أحوالها. وقرئ: وكفلها زكرياء، بوزن وعملها وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا بتشديد الفاء ونصب زكرياء، [[قوله «ونصب زكريا الفعل للَّه تعالى» لعله والفعل. (ع)]] الفعل للَّه تعالى بمعنى:
وضمها إليه وجعله كافلا لها وضامناً لمصالحها. ويؤيدها قراءة أبىّ: وأكفلها، من قوله تعالى (فَقالَ أَكْفِلْنِيها) وقرأ مجاهد: فتقبلها ربها، وأنبتها، وكفلها، على لفظ الأمر في الأفعال الثلاثة، ونصب ربها، تدعو بذلك، أى فاقبلها يا ربها وربها، واجعل زكريا كافلا لها. قيل بنى لها زكريا محرابا في المسجد، أى غرفة يصعد إليها بسلم. وقيل المحراب أشرف المجالس ومقدّمها، كأنها وضعت في أشرف موضع من بيت المقدس. وقيل: كانت مساجدهم تسمى المحاريب. وروى أنه كان لا يدخل عليها إلا هو وحده، وكان إذا خرج غلق عليها سبعة أبواب وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً كان رزقها ينزل عليها من الجنة ولم ترضع ثديا قط، فكان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء أَنَّى لَكِ هذا من أين لك هذا الرزق الذي لا يشبه أرزاق الدنيا وهو آت في غير حينه والأبواب مغلقة عليك لا سبيل للداخل به إليك؟ قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فلا تستبعد. قيل تكلمت وهي صغيرة كما تكلم عيسى وهو في المهد. وعن النبي صلى اللَّه عليه وسلم: أنه جاع في زمن قحط [[رواه أبو يعلي من حديث جابر، وهو من رواية ابن لهيعة عن ابن المنكدر عنه. والمتن ظاهر النكارة.]] فأهدت له فاطمة رضى اللَّه عنها رغيفين وبضعة لحم آثرته بها، فرجع بها إليها وقال: هلمى يا بنية فكشفت عن الطبق فإذا هو مملوء خبزاً ولحماً، فبهتت وعلمت أنها نزلت من عند اللَّه، فقال لها صلى اللَّه عليه وسلم: أنى لك هذا؟ فقالت:
هو من عند اللَّه، إن اللَّه يرزق من يشاء بغير حساب. فقال عليه الصلاة والسلام: الحمد للَّه الذي جعلك شبيهة سيدة نساء بنى إسرائيل، ثم جمع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم علىّ بن أبى طالب والحسن والحسين وجميع أهل بيته، فأكلوا عليه حتى شبعوا وبقي الطعام كما هو، فأوسعت فاطمة على جيرانها. إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ من جملة كلام مريم عليها السلام، أو من كلام رب العزّة عزّ من قائل بِغَيْرِ حِسابٍ بغير تقدير لكثرته، أو تفضلا بغير محاسبة ومجازاة على عمل بحسب الاستحقاق.
آل عمران 3:37
آلَ إِبْراهِيمَ إسماعيل وإسحاق وأولادهما. وآلَ عِمْرانَ موسى وهرون [[قال محمود رحمه اللَّه «آل عمران موسى وهرون ... الخ» قال أحمد رحمه اللَّه: ومما يرجح هذا القول الثاني أن السورة تسمي آل عمران ولم تشرح قصة عيسى ومريم في سورة أبسط من شرحها في هذه السورة. وأما موسى وهارون فلم يذكر قصتهما في هذه السورة، فدل ذلك على أن عمران المذكور هاهنا هو أبو مريم واللَّه أعلم.]] ابنا عمران ابن يصهر. وقيل عيسى ومريم بنت عمران بن ماثان، وبين العمرانين ألف وثمانمائة سنة.
وذُرِّيَّةً بدل من آل إبراهيم وآل عمران بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ يعنى أنّ الآلين ذرّية واحدة متسلسلة بعضها متشعب من بعض: موسى وهرون من عمران، وعمران من يصهر، ويصهر من فاهث، وفاهث من لاوى، ولاوى من يعقوب، ويعقوب من إسحاق. وكذلك عيسى ابن مريم بنت عمران بن ماثان بن سليمان بن داود [[قوله «ابن ماثان بن سليمان بن داود» قوله: ابن سليمان، أى من نسله. وقوله: ابن يهوذا، أى من نسله، كما صرح به الفخر الرازي. وذكر أبو السعود بين ماثان وسليمان نحو خمسة عشر جداً، وبين إيشا ويهوذا تسعة جدود. (ع)]] بن ايشا بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق. وقد دخل في آل إبراهيم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم. وقيل بعضها من بعض في الدين، كقوله تعالى (الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ) . وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يعلم من يصلح للاصطفاء، أو يعلم أنّ بعضهم من بعض في الدين. أو سميع عليم لقول امرأة عمران ونيتها. وإِذْ منصوب به.
وقيل: بإضمار اذكر. وامرأة عمران هي امرأة عمران بن ماثان، أمّ مريم البتول، جدّة عيسى عليه السلام، وهي حنة بنت فاقوذ. وقوله إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ على أثر قوله: (وَآلَ عِمْرانَ) مما يرجح أنّ عمران هو عمران بن ماثان جدّ عيسى، والقول الآخر يرجحه أن موسى يقرن بإبراهيم كثيراً في الذكر. فإن قلت: كانت لعمران بن يصهر بنت اسمها مريم أكبر من موسى وهرون، ولعمران بن ماثان مريم البتول، فما أدراك أن عمران هذا هو أبو مريم البتول دون عمران أبى مريم التي هي أخت موسى وهرون؟ قلت: كفى بكفالة زكريا دليلا على أنه عمران أبو البتول، لأن زكريا بن آذن وعمران بن ماثان كانا في عصر واحد، وقد تزوّج زكريا بنته إيشاع أخت مريم فكان يحيى وعيسى ابني خالة. روى أنها كانت عاقراً لم تلد إلى أن عجزت، فبينا هي في ظل شجرة بصرت بطائر يطعم فرخاً له فتحرّكت نفسها للولد وتمنته، فقالت: اللهم إن لك علىّ نذراً شكراً إن رزقتني ولداً أن أتصدق به على بيت المقدس فيكون من سدنته وخدمه، فحملت بمريم وهلك عمران وهي حامل مُحَرَّراً معتقاً لخدمة بيت المقدس لا يدَ لي عليه ولا أستخدمه ولا أشغله بشيء، وكان هذا النوع من النذر مشروعا عندهم. وروى أنهم كانوا ينذرون هذا النذر، فإذا بلغ الغلام خير بين أن يفعل وبين أن لا يفعل. وعن الشعبي (مُحَرَّراً) مخلصاً للعبادة، وما كان التحرير إلا للغلمان، وإنما بنت الأمر على التقدير، أو طلبت أن ترزق ذكراً فَلَمَّا وَضَعَتْها الضمير لما في بطني [[قال محمود: «الضمير عائد إلى ما في بطني ... الخ» قال أحمد: الضمير في قوله «وضعتها» يتناول إذا ما نسب إليها الوضع والأنوثة، فالحال واقعة عليها من حيث الجهة العامة وتلك الجهة كونها شيئا وضع لا لخصوص نسبة الأنوثة إليها. وقد مر هذا البحث بعينه عند قوله تعالى: (فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ) .]] ، وإنما أنث على المعنى لأن ما في بطنها كان أنثى في علم اللَّه، أو على تأويل الحبلة أو النفس أو النسمة. فإن قلت: كيف جاز انتصاب أُنْثى حالا من الضمير في وضعتها وهو كقولك وضعت الأنثى أنثى؟ قلت: الأصل: وضعته أنثى، وإنما أنث لتأنيث الحال لأن الحال وذا الحال لشيء واحد، كما أنث الاسم في ما كانت أمّك لتأنيث الخبر. ونظيره قوله تعالى: (فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ) وأمّا على تأويل الحبلة أو النسمة فهو ظاهر، كأنه قيل: إنى وضعت الحبلة أو النسمة أنثى. فإن قلت: فلم قالت: إنى وضعتها أنثى وما أرادت إلى هذا القول؟ قلت: قالته تحسراً [[(عاد كلامه) قال: «وإنما أرادت بقولها: وضعتها أنثى التحسر والتأسف ... الخ» قال أحمد: هذا التأويل على أنه من كلام اللَّه تعالى لا حكاية عنها. وقد ذكر أهل التفسير تأويلا آخر، وهو أن يكون هذا القول قولها حكاه اللَّه تعالى عنها، أعنى قوله: (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى) ويرشد إليه عطف كلامها عليه وهو قوله: (وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ ... ) الخ ويوردون على هذا الوجه أن قياس كونه من قولها أن يكون: وليست الأنثى كالذكر، فان مقصودها تنقيص الأنثى بالنسبة إلى الذكر، والعادة في مثله أن ينفى عن الناقص شبهه بالكامل لا العكس، وقد وجد الأمر في ذلك مختلفاً فلم يثبت لي عين ما قالوه. ألا ترى إلى قوله تعالى: (لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ) فنفى عن الكامل شبه الناقص، مع أن الكمال لأزواج النبي عليه الصلاة والسلام ثابت بالنسبة إلى عموم النساء. وعلى ذلك جاءت عبارة امرأة عمران واللَّه أعلم. ومنه أيضا (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ) .]] على ما رأت من خيبة رجائها وعكس تقديرها، فتحزنت إلى ربها لأنها كانت ترجو وتقدر أن تلد ذكراً، ولذلك نذرته محرّراً للسدانة. ولتكلمها بذلك على وجه التحسر والتحزن قال اللَّه تعالى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ تعظيما لموضوعها وتجهيلا لها بقدر ما وهب لها منه. ومعناه: واللَّه أعلم بالشيء الذي وضعت وما علق به من عظائم الأمور، وأن يجعله وولده آية للعالمين وهي جاهلة بذلك لا تعلم منه شيئا، فلذلك تحسرت. وفي قراءة ابن عباس: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ) على خطاب اللَّه تعالى لها أى أنك لا تعلمين قدر هذا الموهوب وما علم اللَّه من عظم شأنه وعلوّ قدره. وقرئ:
وضعت. بمعنى: ولعلّ للَّه تعالى فيه سراً وحكمة، ولعلّ هذه الأنثى خير من الذكر تسلية لنفسها.
فإن قلت: فما معنى قوله وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى؟ قلت: هو بيان لما في قوله: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ) من التعظيم للموضوع والرفع منه، ومعناه: وليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وهبت لها، واللام فيهما للعهد. فإن قلت: علام عطف قوله وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ؟ قلت: هو عطف على إنى وضعتها أنثى، وما بينهما جملتان معترضتان، كقوله تعالى: وإنه لقسم لو تعلمون عظيم. فإن قلت: فلم ذكرت تسميتها مريم لربها؟ قلت: لأن مريم في لغتهم بمعنى العابدة [[(عاد كلامه) قال: «وفائدة قولها (وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ) أن مريم في لغتهم العابدة ... الخ» قال أحمد:
أما الحديث فمذكور في الصحاح متفق على صحته، فلا محيص له إذاً عن تعطيل كلامه عليه السلام بتحميله ما لا يحتمله جنوحا إلى اعتزال منتزع في فلسفة منتزع في إلحاد ظلمات بعضها فوق بعض. وقد قدمت عند قوله تعالى: (لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ) ما فيه كفاية، وما أرى الشيطان إلا طعن في خواصر القدرية حتى بقرها، ووكر في قلوبهم حتى حمل الزمخشري وأمثاله أن يقول في كتاب اللَّه تعالى وكلام رسوله عليه السلام بما يتخيل، كما قال في هذا الحديث، ثم نظره بتخييل ابن الرومي في شعره، جراءة وسوء أدب. ولو كان معنى ما قاله صحيحاً لكانت هذه العبارة واجبا أن تجتنب، ولو كان الصراخ غير واقع من المولود لأمكن على بعد أن يكون تمثيلا. وما هو واقع مشاهد فلا وجه لحمله على التخييل إلا الاعتقاد الضئيل وارتكاب الهوى الوبيل.]] ، فأرادت بذلك التقرب والطلب إليه أن يعصمها حتى يكون فعلها مطابقاً لاسمها، وأن يصدق فيها ظنها بها. ألا ترى كيف أتبعته طلب الإعاذة لها ولولدها من الشيطان وإغوائه. وما يروى من الحديث «ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهلّ صارخاً من مس الشيطان إياه، إلا مريم وابنها» [[قال المصنف: اللَّه أعلم بصحته هكذا قال. والحديث في الصحيحين من حديث أبى هريرة في آخره: قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: (وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ) .]] فاللَّه أعلم بصحته. فإن صح فمعناه أن كل مولود يطمع الشيطان في إغوائه إلا مريم وابنها، فإنهما كانا معصومين، وكذلك كل من كان في صفتهما كقوله تعالى: (لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) واستهلاله صارخاً من مسه تخييل وتصوير لطمعه فيه، كأنه يمسه ويضرب بيده عليه ويقول: هذا ممن أغويه، ونحوه من التخييل قول ابن الرومي:
لِمَا تُؤْذِنُ الدُّنْيَا بِهِ مِنْ صُرُوفِهَا ... يَكُونُ بُكَاءُ الطِّفْلِ سَاعَةَ يُولَدُ [[لما تؤذن الدنيا به من صروفها ... يكون بكاء الطفل ساعة يولد
وإلا فما يبكيه منها وإنها ... لأفسح مما كان فيه وأرغد
إذا أبصر الدنيا استهل كأنه ... بما سوف يلقى من أذاها يهدد
لابن الرومي، يقول: إن بكاء الطفل حين ولادته لأجل ما تشعر به الدنيا من حوادثها فقط، وإن لا يكن بكاؤه لذلك، فأى شيء منها يبكيه، أو فأى شيء يبكيه منها، وإنها أى الدنيا. وروى: وإنه، أى الطفل لأفسح موضعا مما كان فيه من ضيق الرحم وأرغد منه. وعوده على ما يبكيه بعيد، أو غير سديد. ويجوز أنه عائد على فضاء الدنيا المعلوم من المقام، ثم قال: إذا أبصرها صرخ، كأنه يخوف بما سوف يناله من أذاها قبل حصوله.]]
وأما حقيقة المس والنخس كما يتوهم أهل الحشو فكلا، ولو سلط إبليس على الناس ينخسهم لامتلأت الدنيا صراخا وعياطا مما يبلونا به من نخسه فَتَقَبَّلَها رَبُّها فرضي بها في النذر مكان الذكر بِقَبُولٍ حَسَنٍ فيه وجهان: أحدهما أن يكون القبول اسم ما تقبل به الشيء كالسعوط واللدود، لما يسعط به ويلد، وهو اختصاصه لها بإقامتها مقام الذكر في النذر، ولم يقبل قبلها أنثى في ذلك، أو بأن تسلمها من أمّها عقيب الولادة قبل أن تنشأ وتصلح للسدانة. وروى أن حنة حين ولدت مريم، لفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد، ووضعتها عند الأحبار أبناء هرون، وهم في بيت المقدس كالحجبة في الكعبة، فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم، وكانت بنو ماثان رءوس بنى إسرائيل وأحبارهم وملوكهم، فقال لهم زكريا: أنا أحق بها، عندي خالتها [[قوله «أنا أحق بها عندي خالتها» قوله خالتها: يعنى زوجته ايشاع أخت حنة لكن تقدم أنها أخت مريم وقال صلى اللَّه عليه وسلم في يحيى وعيسى هما ابنا خالة وفي أبى السعود قيل في تأويل ذلك أن الأخت كثيراً ما تطلق على بنت الأخت فجرى الحديث على ذلك وقيل إن ايشاع أخت حنة من الأم وأخت مريم من الأب بأن نكح عمران أم حنة فولدت إيشاع ثم نكح حنة ربيبته فولدت مريم بناء على حل نكاح الربائب عندهم. (ع)]] . فقالوا: لا حتى نقترع عليها، فانطلقوا- وكانوا سبعة وعشرين- إلى نهر، فألقوا فيه أقلامهم، فارتفع قلم زكريا فوق الماء ورسبت أقلامهم، فتكفلها. والثاني: أن يكون مصدراً على تقدير حذف المضاف بمعنى: فتقبلها بذي قبول حسن، أى بأمر ذى قبول حسن وهو الاختصاص. ويجوز أن يكون معنى (فتقبلها) فاستقبلها، كقولك:
تعجله بمعنى استعجله، وتقصاه بمعنى استقصاه، وهو كثير في كلامهم، من استقبل الأمر إذا أخذه بأوّله وعنفوانه. قال القطامي:
وَخَيْرُ الأَمْرِ مَا اسْتَقْبَلْتَ مِنْهُ ... وَلَيْسَ بِأَنْ تَتَبَّعَهُ اتِّبَاعَا [[يقول: خير الأمور هو الذي تستقبله وتنتظره فتأخذه أول إتيانه، وليس خبرها ما تصبر عنه حتى يفوتك ويمضى ثم تتبعه وتذهب وراءه لتدركه، فالباء زائدة في خبر ليس، وهو على تقدير مضاف، أى ذى التتبع.
وتتبعه: أصله تتبعه حذفت منه تاء المضارعة أو تاء التفعل أو التاء التي هي فاء الفعل وهو أولاها، لأن كل من الأوليين جاء لمعنى. وقال الجوهري: وضع الاتباع موضع التتبع اه، فهو اسم مصدر، أو مصدر حذف منه بعض الزوائد، والتفعل أبلغ من الافتعال، فيتعين إرادته هنا لأنه مؤكد.]]
ومنه المثل «خذ الأمر بقوابله» أى فأخذها في أوّل أمرها حين ولدت بقبول حسن وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً مجاز عن التربية الحسنة العائدة عليها بما يصلحها في جميع أحوالها. وقرئ: وكفلها زكرياء، بوزن وعملها وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا بتشديد الفاء ونصب زكرياء، [[قوله «ونصب زكريا الفعل للَّه تعالى» لعله والفعل. (ع)]] الفعل للَّه تعالى بمعنى:
وضمها إليه وجعله كافلا لها وضامناً لمصالحها. ويؤيدها قراءة أبىّ: وأكفلها، من قوله تعالى (فَقالَ أَكْفِلْنِيها) وقرأ مجاهد: فتقبلها ربها، وأنبتها، وكفلها، على لفظ الأمر في الأفعال الثلاثة، ونصب ربها، تدعو بذلك، أى فاقبلها يا ربها وربها، واجعل زكريا كافلا لها. قيل بنى لها زكريا محرابا في المسجد، أى غرفة يصعد إليها بسلم. وقيل المحراب أشرف المجالس ومقدّمها، كأنها وضعت في أشرف موضع من بيت المقدس. وقيل: كانت مساجدهم تسمى المحاريب. وروى أنه كان لا يدخل عليها إلا هو وحده، وكان إذا خرج غلق عليها سبعة أبواب وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً كان رزقها ينزل عليها من الجنة ولم ترضع ثديا قط، فكان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء أَنَّى لَكِ هذا من أين لك هذا الرزق الذي لا يشبه أرزاق الدنيا وهو آت في غير حينه والأبواب مغلقة عليك لا سبيل للداخل به إليك؟ قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فلا تستبعد. قيل تكلمت وهي صغيرة كما تكلم عيسى وهو في المهد. وعن النبي صلى اللَّه عليه وسلم: أنه جاع في زمن قحط [[رواه أبو يعلي من حديث جابر، وهو من رواية ابن لهيعة عن ابن المنكدر عنه. والمتن ظاهر النكارة.]] فأهدت له فاطمة رضى اللَّه عنها رغيفين وبضعة لحم آثرته بها، فرجع بها إليها وقال: هلمى يا بنية فكشفت عن الطبق فإذا هو مملوء خبزاً ولحماً، فبهتت وعلمت أنها نزلت من عند اللَّه، فقال لها صلى اللَّه عليه وسلم: أنى لك هذا؟ فقالت:
هو من عند اللَّه، إن اللَّه يرزق من يشاء بغير حساب. فقال عليه الصلاة والسلام: الحمد للَّه الذي جعلك شبيهة سيدة نساء بنى إسرائيل، ثم جمع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم علىّ بن أبى طالب والحسن والحسين وجميع أهل بيته، فأكلوا عليه حتى شبعوا وبقي الطعام كما هو، فأوسعت فاطمة على جيرانها. إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ من جملة كلام مريم عليها السلام، أو من كلام رب العزّة عزّ من قائل بِغَيْرِ حِسابٍ بغير تقدير لكثرته، أو تفضلا بغير محاسبة ومجازاة على عمل بحسب الاستحقاق.
آل عمران 3:38
هُنالِكَ في ذلك المكان حيث هو قاعد عند مريم في المحراب أو في ذلك الوقت، فقد يستعار هنا [[قال محمود: فقد يستعار هنا وثم وحيث للزمان ... الخ» قال أحمد: لا يليق بالنبي أن يقف علمه بجواز ولادة العاقر على مشاهدة مثله، فان العقل يقضى بجواز ذلك في قدرة اللَّه تعالى وإن لم يقع نظيره. وأحسن من هذه العبارة وأسلم أن يقال: لما شاهد وقوع هذا الحادث كرامة لمريم امتد أمله إلى حادث يناسبه كرامة له، واللَّه أعلم.]] وثم وحيث للزمان. لما رأى حال مريم في كرامتها على اللَّه ومنزلتها، رغب في أن يكون له من ايشاع ولد مثل ولد أختها حنة في النجابة والكرامة على اللَّه، وإن كانت عاقراً عجوزاً فقد كانت أختها كذلك. وقيل لما رأى الفاكهة في غير وقتها انتبه على جواز ولادة العاقر ذُرِّيَّةً ولداً. والذرية يقع على الواحد والجمع سَمِيعُ الدُّعاءِ مجيبه. قرئ: فناداه الملائكة. وقيل: ناداه جبريل عليه السلام، وإنما قيل الملائكة على قولهم: فلان يركب الخيل أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ) بالفتح على بأن اللَّه، وبالكسر على إرادة القول. أو لأن النداء نوع من القول.
وقرئ: يبشرك، ويبشرك، من بشره وأبشره. ويبشرك»
، بفتح الياء من بشره. ويحيى إن كان أعجمياً وهو الظاهر فمنع صرفه للتعريف والعجمة كموسى وعيسى، وإن كان عربياً فللتعريف ووزن الفعل كيعمر مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ مصدّقا بعيسى مؤمناً به. قيل هو أول من آمن به، وسمى عيسى «كلمة» لأنه لم يوجد إلا بكلمة اللَّه وحدها، وهي قوله: (كُنْ) من غير سبب آخر.
وقيل: مصدّقا بكلمة من اللَّه، مؤمناً بكتاب منه. وسمى الكتاب كلمة، كما قيل كلمة الحويدرة لقصيدته. والسيد: الذي يسود قومه، أى يفوقهم في الشرف. وكان يحيى فائقا لقومه وفائقا للناس كلهم في أنه لم يركب سيئة قط، ويا لها من سيادة. والحصور: الذي لا يقرب النساء حصراً لنفسه أى منعا لها من الشهوات. وقيل هو الذي لا يدخل مع القوم في الميسر. قال الأخطل:
وَشَارِبٍ مُرْبِحٍ بِالكأْسِ نَادَمَنِى ... لَا بِالْحَصُورِ وَلَا فِيهَا بِسَئَّارِ [[للأخطل، يقول: رب شارب مشتر للخمر بالثمن الربيح الزائد، نادمنى بالكأس. ويجوز تعلقه بما قبله، ليس حصورا مانعا نفسه من الدخول على القوم في لعب الميسر، ولا سآر على صيغة «فعال» للمبالغة، أى مبقيا في الكأس سؤرا، أى بقية، من أسأر إذا أبقى، وهو شاذ كجبار من أجبر. ويروى بسوار من السورة وهي الوثبة والعربدة، ففي سببية، أى ولا متغير العقل بسببها، ولا عاطفة على مربح، والثانية توكيد، والباء زائدة بعد كل، ونادمنى خبر، فيجوز الرجوع إلى الوصف بعد الاخبار.]]
فاستعير لمن لا يدخل في اللعب واللهو. وقد روى أنه مرّ وهو طفل بصبيان فدعوه إلى اللعب فقال: ما للعب خلقت مِنَ الصَّالِحِينَ ناشئا من الصالحين، لأنه كان من أصلاب الأنبياء، أو كائنا من جملة الصالحين كقوله: (وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) . أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ استبعاد من حيث العادة كما قالت مريم وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ كقولهم: أدركته السنّ العالية. والمعنى أثر فىّ الكبر فأضعفنى، وكانت له تسع وتسعون سنة، ولامرأته ثمان وتسعون كَذلِكَ أى يفعل اللَّه ما يشاء من الأفعال العجيبة مثل ذلك الفعل، وهو خلق الولد بين الشيخ الفاني والعجوز العاقر، أو كذلك اللَّه مبتدأ وخبر، أى على نحو هذه الصفة اللَّه، ويفعل ما يشاء بيان له، أى يفعل ما يريد من الأفاعيل الخارقة للعادات آيَةً علامة أعرف بها الحبل لأتلقى النعمة إذا جاءت بالشكر قالَ آيَتُكَ أَلَّا تقدر على تكليم الناس ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وإنما خص تكليم الناس ليعلمه أنه يحبس لسانه عن القدرة على تكليمهم خاصة، مع إبقاء قدرته على التكلم بذكر اللَّه، ولذلك قال: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ) يعنى في أيام عجزك عن تكليم الناس، وهي من الآيات الباهرة. فإن قلت: لم حبس لسانه عن كلام الناس؟ قلت:
ليخلص المدّة لذكر اللَّه لا يشتغل لسانه بغيره، توفراً منه على قضاء حق تلك النعمة الجسيمة، وشكرها الذي طلب الآية من أجله، كأنه لما طلب الآية من أجل الشكر قيل له: آيتك أن تحبس لسانك [[قوله «أن تحبس لسانك» لعله: يحبس. (ع)]] إلا عن الشكر. وأحسن الجواب وأوقعه ما كان مشتقا من السؤال. ومنتزعا منه إِلَّا رَمْزاً إلا إشارة بيد أو رأس أو غيرهما وأصله التحرّك. يقال ارتمز: إذا تحرّك. ومنه قيل للبحر الراموز. وقرأ يحيى بن وثاب (إلا رمزاً) بضمتين، جمع رموز كرسول ورسل. وقرئ (رمزاً) بفتحتين جمع رامز كخادم وخدم، وهو حال منه ومن الناس دفعة كقوله:
مَتَى مَا تَلْقَنِى فَرْدَيْنِ تَرْجُفْ ... رَوَانِفُ ألْيَتَيْكَ وَتُسْتَطَارَا [[أحولى تنفض استك مذرويها ... لتقتلني فها أنا ذا عمارا
متى ما تلقني فردين ترجف ... روانف أليتيك وتستطارا
وسيفي صارم قبضت عليه ... أصابع لا ترى فيها انتشارا
لعنترة يخاطب عمارة بن زياد العبسي، لما قال لقومه: ليتني لقيته فأرحتكم منه وأعلمتكم أنه عبد، والاست: الدبر، وهي فاعل. ومذرويها: مفعول، وكان قياسه: مذريان بالياء لأنه مقصور زائد على ثلاثة أحرف، وقياس تثنيته كذلك، فمجيئه بالواو شاذ، وسهله أن تثنيته تقديرية لأنه لم يسمع له مفرد. وحكى عن أبى عمرو «مذرى» مفردا، فيكون مثنى حقيقة، وبه قيل. وحكى عن أبى عبيدة مذرى مفردا، ومذريان مثنى بالياء على القياس، وإن نصب الاست كان مفعولا، ومذرويها بدلا منه. والمذروان بالكسر فرعا الأليتين وقرنا الرأس. يقال: جاء ينفض مذرويه يختال ويتبختر، وقوس هتافة المذروين، وهما موقعا الوتر من أعلى وأسفل. أى رنانتهما، وها أنا ذا أصله أنا هذا، فقدمت الهاء مبادرة إلى التنبيه، ثم قال: متى تلاقنى حال كوننا منفردين عن غيرنا، تخف متى فترتعد أطراف أليتيك، فارتعادها كناية عن الخوف. وتستطارا مؤكد بالنون الخفيفة المنقلبة ألفا، والفاعل ضمير المخاطب كأن الخوف يطيره. ويجوز أن الضمير للروانف، أى تنتفض وتنتشر كالطائر. ويروى: روادف، والمراد واحد.]]
بمعنى إلا مترامزين، كما يكلم الناس الأخرس بالإشارة ويكلمهم. والعشىّ: من حين تزول الشمس إلى أن تغيب. والْإِبْكارِ من طلوع الفجر إلى وقت الضحى. وقرئ: والأبكار، بفتح الهمزة جمع بكر، كسحر وأسحار. يقال: أتيته بكراً بفتحتين. فإن قلت: الرمز ليس من جنس الكلام فكيف استثنى منه؟ قلت: لما أدّى مؤدّى الكلام وفهم منه ما يفهم منه سمى كلاما ويجوز أن يكون استثناء منقطعا.
آل عمران 3:39
هُنالِكَ في ذلك المكان حيث هو قاعد عند مريم في المحراب أو في ذلك الوقت، فقد يستعار هنا [[قال محمود: فقد يستعار هنا وثم وحيث للزمان ... الخ» قال أحمد: لا يليق بالنبي أن يقف علمه بجواز ولادة العاقر على مشاهدة مثله، فان العقل يقضى بجواز ذلك في قدرة اللَّه تعالى وإن لم يقع نظيره. وأحسن من هذه العبارة وأسلم أن يقال: لما شاهد وقوع هذا الحادث كرامة لمريم امتد أمله إلى حادث يناسبه كرامة له، واللَّه أعلم.]] وثم وحيث للزمان. لما رأى حال مريم في كرامتها على اللَّه ومنزلتها، رغب في أن يكون له من ايشاع ولد مثل ولد أختها حنة في النجابة والكرامة على اللَّه، وإن كانت عاقراً عجوزاً فقد كانت أختها كذلك. وقيل لما رأى الفاكهة في غير وقتها انتبه على جواز ولادة العاقر ذُرِّيَّةً ولداً. والذرية يقع على الواحد والجمع سَمِيعُ الدُّعاءِ مجيبه. قرئ: فناداه الملائكة. وقيل: ناداه جبريل عليه السلام، وإنما قيل الملائكة على قولهم: فلان يركب الخيل أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ) بالفتح على بأن اللَّه، وبالكسر على إرادة القول. أو لأن النداء نوع من القول.
وقرئ: يبشرك، ويبشرك، من بشره وأبشره. ويبشرك»
، بفتح الياء من بشره. ويحيى إن كان أعجمياً وهو الظاهر فمنع صرفه للتعريف والعجمة كموسى وعيسى، وإن كان عربياً فللتعريف ووزن الفعل كيعمر مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ مصدّقا بعيسى مؤمناً به. قيل هو أول من آمن به، وسمى عيسى «كلمة» لأنه لم يوجد إلا بكلمة اللَّه وحدها، وهي قوله: (كُنْ) من غير سبب آخر.
وقيل: مصدّقا بكلمة من اللَّه، مؤمناً بكتاب منه. وسمى الكتاب كلمة، كما قيل كلمة الحويدرة لقصيدته. والسيد: الذي يسود قومه، أى يفوقهم في الشرف. وكان يحيى فائقا لقومه وفائقا للناس كلهم في أنه لم يركب سيئة قط، ويا لها من سيادة. والحصور: الذي لا يقرب النساء حصراً لنفسه أى منعا لها من الشهوات. وقيل هو الذي لا يدخل مع القوم في الميسر. قال الأخطل:
وَشَارِبٍ مُرْبِحٍ بِالكأْسِ نَادَمَنِى ... لَا بِالْحَصُورِ وَلَا فِيهَا بِسَئَّارِ [[للأخطل، يقول: رب شارب مشتر للخمر بالثمن الربيح الزائد، نادمنى بالكأس. ويجوز تعلقه بما قبله، ليس حصورا مانعا نفسه من الدخول على القوم في لعب الميسر، ولا سآر على صيغة «فعال» للمبالغة، أى مبقيا في الكأس سؤرا، أى بقية، من أسأر إذا أبقى، وهو شاذ كجبار من أجبر. ويروى بسوار من السورة وهي الوثبة والعربدة، ففي سببية، أى ولا متغير العقل بسببها، ولا عاطفة على مربح، والثانية توكيد، والباء زائدة بعد كل، ونادمنى خبر، فيجوز الرجوع إلى الوصف بعد الاخبار.]]
فاستعير لمن لا يدخل في اللعب واللهو. وقد روى أنه مرّ وهو طفل بصبيان فدعوه إلى اللعب فقال: ما للعب خلقت مِنَ الصَّالِحِينَ ناشئا من الصالحين، لأنه كان من أصلاب الأنبياء، أو كائنا من جملة الصالحين كقوله: (وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) . أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ استبعاد من حيث العادة كما قالت مريم وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ كقولهم: أدركته السنّ العالية. والمعنى أثر فىّ الكبر فأضعفنى، وكانت له تسع وتسعون سنة، ولامرأته ثمان وتسعون كَذلِكَ أى يفعل اللَّه ما يشاء من الأفعال العجيبة مثل ذلك الفعل، وهو خلق الولد بين الشيخ الفاني والعجوز العاقر، أو كذلك اللَّه مبتدأ وخبر، أى على نحو هذه الصفة اللَّه، ويفعل ما يشاء بيان له، أى يفعل ما يريد من الأفاعيل الخارقة للعادات آيَةً علامة أعرف بها الحبل لأتلقى النعمة إذا جاءت بالشكر قالَ آيَتُكَ أَلَّا تقدر على تكليم الناس ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وإنما خص تكليم الناس ليعلمه أنه يحبس لسانه عن القدرة على تكليمهم خاصة، مع إبقاء قدرته على التكلم بذكر اللَّه، ولذلك قال: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ) يعنى في أيام عجزك عن تكليم الناس، وهي من الآيات الباهرة. فإن قلت: لم حبس لسانه عن كلام الناس؟ قلت:
ليخلص المدّة لذكر اللَّه لا يشتغل لسانه بغيره، توفراً منه على قضاء حق تلك النعمة الجسيمة، وشكرها الذي طلب الآية من أجله، كأنه لما طلب الآية من أجل الشكر قيل له: آيتك أن تحبس لسانك [[قوله «أن تحبس لسانك» لعله: يحبس. (ع)]] إلا عن الشكر. وأحسن الجواب وأوقعه ما كان مشتقا من السؤال. ومنتزعا منه إِلَّا رَمْزاً إلا إشارة بيد أو رأس أو غيرهما وأصله التحرّك. يقال ارتمز: إذا تحرّك. ومنه قيل للبحر الراموز. وقرأ يحيى بن وثاب (إلا رمزاً) بضمتين، جمع رموز كرسول ورسل. وقرئ (رمزاً) بفتحتين جمع رامز كخادم وخدم، وهو حال منه ومن الناس دفعة كقوله:
مَتَى مَا تَلْقَنِى فَرْدَيْنِ تَرْجُفْ ... رَوَانِفُ ألْيَتَيْكَ وَتُسْتَطَارَا [[أحولى تنفض استك مذرويها ... لتقتلني فها أنا ذا عمارا
متى ما تلقني فردين ترجف ... روانف أليتيك وتستطارا
وسيفي صارم قبضت عليه ... أصابع لا ترى فيها انتشارا
لعنترة يخاطب عمارة بن زياد العبسي، لما قال لقومه: ليتني لقيته فأرحتكم منه وأعلمتكم أنه عبد، والاست: الدبر، وهي فاعل. ومذرويها: مفعول، وكان قياسه: مذريان بالياء لأنه مقصور زائد على ثلاثة أحرف، وقياس تثنيته كذلك، فمجيئه بالواو شاذ، وسهله أن تثنيته تقديرية لأنه لم يسمع له مفرد. وحكى عن أبى عمرو «مذرى» مفردا، فيكون مثنى حقيقة، وبه قيل. وحكى عن أبى عبيدة مذرى مفردا، ومذريان مثنى بالياء على القياس، وإن نصب الاست كان مفعولا، ومذرويها بدلا منه. والمذروان بالكسر فرعا الأليتين وقرنا الرأس. يقال: جاء ينفض مذرويه يختال ويتبختر، وقوس هتافة المذروين، وهما موقعا الوتر من أعلى وأسفل. أى رنانتهما، وها أنا ذا أصله أنا هذا، فقدمت الهاء مبادرة إلى التنبيه، ثم قال: متى تلاقنى حال كوننا منفردين عن غيرنا، تخف متى فترتعد أطراف أليتيك، فارتعادها كناية عن الخوف. وتستطارا مؤكد بالنون الخفيفة المنقلبة ألفا، والفاعل ضمير المخاطب كأن الخوف يطيره. ويجوز أن الضمير للروانف، أى تنتفض وتنتشر كالطائر. ويروى: روادف، والمراد واحد.]]
بمعنى إلا مترامزين، كما يكلم الناس الأخرس بالإشارة ويكلمهم. والعشىّ: من حين تزول الشمس إلى أن تغيب. والْإِبْكارِ من طلوع الفجر إلى وقت الضحى. وقرئ: والأبكار، بفتح الهمزة جمع بكر، كسحر وأسحار. يقال: أتيته بكراً بفتحتين. فإن قلت: الرمز ليس من جنس الكلام فكيف استثنى منه؟ قلت: لما أدّى مؤدّى الكلام وفهم منه ما يفهم منه سمى كلاما ويجوز أن يكون استثناء منقطعا.
آل عمران 3:40
هُنالِكَ في ذلك المكان حيث هو قاعد عند مريم في المحراب أو في ذلك الوقت، فقد يستعار هنا [[قال محمود: فقد يستعار هنا وثم وحيث للزمان ... الخ» قال أحمد: لا يليق بالنبي أن يقف علمه بجواز ولادة العاقر على مشاهدة مثله، فان العقل يقضى بجواز ذلك في قدرة اللَّه تعالى وإن لم يقع نظيره. وأحسن من هذه العبارة وأسلم أن يقال: لما شاهد وقوع هذا الحادث كرامة لمريم امتد أمله إلى حادث يناسبه كرامة له، واللَّه أعلم.]] وثم وحيث للزمان. لما رأى حال مريم في كرامتها على اللَّه ومنزلتها، رغب في أن يكون له من ايشاع ولد مثل ولد أختها حنة في النجابة والكرامة على اللَّه، وإن كانت عاقراً عجوزاً فقد كانت أختها كذلك. وقيل لما رأى الفاكهة في غير وقتها انتبه على جواز ولادة العاقر ذُرِّيَّةً ولداً. والذرية يقع على الواحد والجمع سَمِيعُ الدُّعاءِ مجيبه. قرئ: فناداه الملائكة. وقيل: ناداه جبريل عليه السلام، وإنما قيل الملائكة على قولهم: فلان يركب الخيل أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ) بالفتح على بأن اللَّه، وبالكسر على إرادة القول. أو لأن النداء نوع من القول.
وقرئ: يبشرك، ويبشرك، من بشره وأبشره. ويبشرك»
، بفتح الياء من بشره. ويحيى إن كان أعجمياً وهو الظاهر فمنع صرفه للتعريف والعجمة كموسى وعيسى، وإن كان عربياً فللتعريف ووزن الفعل كيعمر مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ مصدّقا بعيسى مؤمناً به. قيل هو أول من آمن به، وسمى عيسى «كلمة» لأنه لم يوجد إلا بكلمة اللَّه وحدها، وهي قوله: (كُنْ) من غير سبب آخر.
وقيل: مصدّقا بكلمة من اللَّه، مؤمناً بكتاب منه. وسمى الكتاب كلمة، كما قيل كلمة الحويدرة لقصيدته. والسيد: الذي يسود قومه، أى يفوقهم في الشرف. وكان يحيى فائقا لقومه وفائقا للناس كلهم في أنه لم يركب سيئة قط، ويا لها من سيادة. والحصور: الذي لا يقرب النساء حصراً لنفسه أى منعا لها من الشهوات. وقيل هو الذي لا يدخل مع القوم في الميسر. قال الأخطل:
وَشَارِبٍ مُرْبِحٍ بِالكأْسِ نَادَمَنِى ... لَا بِالْحَصُورِ وَلَا فِيهَا بِسَئَّارِ [[للأخطل، يقول: رب شارب مشتر للخمر بالثمن الربيح الزائد، نادمنى بالكأس. ويجوز تعلقه بما قبله، ليس حصورا مانعا نفسه من الدخول على القوم في لعب الميسر، ولا سآر على صيغة «فعال» للمبالغة، أى مبقيا في الكأس سؤرا، أى بقية، من أسأر إذا أبقى، وهو شاذ كجبار من أجبر. ويروى بسوار من السورة وهي الوثبة والعربدة، ففي سببية، أى ولا متغير العقل بسببها، ولا عاطفة على مربح، والثانية توكيد، والباء زائدة بعد كل، ونادمنى خبر، فيجوز الرجوع إلى الوصف بعد الاخبار.]]
فاستعير لمن لا يدخل في اللعب واللهو. وقد روى أنه مرّ وهو طفل بصبيان فدعوه إلى اللعب فقال: ما للعب خلقت مِنَ الصَّالِحِينَ ناشئا من الصالحين، لأنه كان من أصلاب الأنبياء، أو كائنا من جملة الصالحين كقوله: (وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) . أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ استبعاد من حيث العادة كما قالت مريم وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ كقولهم: أدركته السنّ العالية. والمعنى أثر فىّ الكبر فأضعفنى، وكانت له تسع وتسعون سنة، ولامرأته ثمان وتسعون كَذلِكَ أى يفعل اللَّه ما يشاء من الأفعال العجيبة مثل ذلك الفعل، وهو خلق الولد بين الشيخ الفاني والعجوز العاقر، أو كذلك اللَّه مبتدأ وخبر، أى على نحو هذه الصفة اللَّه، ويفعل ما يشاء بيان له، أى يفعل ما يريد من الأفاعيل الخارقة للعادات آيَةً علامة أعرف بها الحبل لأتلقى النعمة إذا جاءت بالشكر قالَ آيَتُكَ أَلَّا تقدر على تكليم الناس ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وإنما خص تكليم الناس ليعلمه أنه يحبس لسانه عن القدرة على تكليمهم خاصة، مع إبقاء قدرته على التكلم بذكر اللَّه، ولذلك قال: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ) يعنى في أيام عجزك عن تكليم الناس، وهي من الآيات الباهرة. فإن قلت: لم حبس لسانه عن كلام الناس؟ قلت:
ليخلص المدّة لذكر اللَّه لا يشتغل لسانه بغيره، توفراً منه على قضاء حق تلك النعمة الجسيمة، وشكرها الذي طلب الآية من أجله، كأنه لما طلب الآية من أجل الشكر قيل له: آيتك أن تحبس لسانك [[قوله «أن تحبس لسانك» لعله: يحبس. (ع)]] إلا عن الشكر. وأحسن الجواب وأوقعه ما كان مشتقا من السؤال. ومنتزعا منه إِلَّا رَمْزاً إلا إشارة بيد أو رأس أو غيرهما وأصله التحرّك. يقال ارتمز: إذا تحرّك. ومنه قيل للبحر الراموز. وقرأ يحيى بن وثاب (إلا رمزاً) بضمتين، جمع رموز كرسول ورسل. وقرئ (رمزاً) بفتحتين جمع رامز كخادم وخدم، وهو حال منه ومن الناس دفعة كقوله:
مَتَى مَا تَلْقَنِى فَرْدَيْنِ تَرْجُفْ ... رَوَانِفُ ألْيَتَيْكَ وَتُسْتَطَارَا [[أحولى تنفض استك مذرويها ... لتقتلني فها أنا ذا عمارا
متى ما تلقني فردين ترجف ... روانف أليتيك وتستطارا
وسيفي صارم قبضت عليه ... أصابع لا ترى فيها انتشارا
لعنترة يخاطب عمارة بن زياد العبسي، لما قال لقومه: ليتني لقيته فأرحتكم منه وأعلمتكم أنه عبد، والاست: الدبر، وهي فاعل. ومذرويها: مفعول، وكان قياسه: مذريان بالياء لأنه مقصور زائد على ثلاثة أحرف، وقياس تثنيته كذلك، فمجيئه بالواو شاذ، وسهله أن تثنيته تقديرية لأنه لم يسمع له مفرد. وحكى عن أبى عمرو «مذرى» مفردا، فيكون مثنى حقيقة، وبه قيل. وحكى عن أبى عبيدة مذرى مفردا، ومذريان مثنى بالياء على القياس، وإن نصب الاست كان مفعولا، ومذرويها بدلا منه. والمذروان بالكسر فرعا الأليتين وقرنا الرأس. يقال: جاء ينفض مذرويه يختال ويتبختر، وقوس هتافة المذروين، وهما موقعا الوتر من أعلى وأسفل. أى رنانتهما، وها أنا ذا أصله أنا هذا، فقدمت الهاء مبادرة إلى التنبيه، ثم قال: متى تلاقنى حال كوننا منفردين عن غيرنا، تخف متى فترتعد أطراف أليتيك، فارتعادها كناية عن الخوف. وتستطارا مؤكد بالنون الخفيفة المنقلبة ألفا، والفاعل ضمير المخاطب كأن الخوف يطيره. ويجوز أن الضمير للروانف، أى تنتفض وتنتشر كالطائر. ويروى: روادف، والمراد واحد.]]
بمعنى إلا مترامزين، كما يكلم الناس الأخرس بالإشارة ويكلمهم. والعشىّ: من حين تزول الشمس إلى أن تغيب. والْإِبْكارِ من طلوع الفجر إلى وقت الضحى. وقرئ: والأبكار، بفتح الهمزة جمع بكر، كسحر وأسحار. يقال: أتيته بكراً بفتحتين. فإن قلت: الرمز ليس من جنس الكلام فكيف استثنى منه؟ قلت: لما أدّى مؤدّى الكلام وفهم منه ما يفهم منه سمى كلاما ويجوز أن يكون استثناء منقطعا.
آل عمران 3:41
هُنالِكَ في ذلك المكان حيث هو قاعد عند مريم في المحراب أو في ذلك الوقت، فقد يستعار هنا [[قال محمود: فقد يستعار هنا وثم وحيث للزمان ... الخ» قال أحمد: لا يليق بالنبي أن يقف علمه بجواز ولادة العاقر على مشاهدة مثله، فان العقل يقضى بجواز ذلك في قدرة اللَّه تعالى وإن لم يقع نظيره. وأحسن من هذه العبارة وأسلم أن يقال: لما شاهد وقوع هذا الحادث كرامة لمريم امتد أمله إلى حادث يناسبه كرامة له، واللَّه أعلم.]] وثم وحيث للزمان. لما رأى حال مريم في كرامتها على اللَّه ومنزلتها، رغب في أن يكون له من ايشاع ولد مثل ولد أختها حنة في النجابة والكرامة على اللَّه، وإن كانت عاقراً عجوزاً فقد كانت أختها كذلك. وقيل لما رأى الفاكهة في غير وقتها انتبه على جواز ولادة العاقر ذُرِّيَّةً ولداً. والذرية يقع على الواحد والجمع سَمِيعُ الدُّعاءِ مجيبه. قرئ: فناداه الملائكة. وقيل: ناداه جبريل عليه السلام، وإنما قيل الملائكة على قولهم: فلان يركب الخيل أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ) بالفتح على بأن اللَّه، وبالكسر على إرادة القول. أو لأن النداء نوع من القول.
وقرئ: يبشرك، ويبشرك، من بشره وأبشره. ويبشرك»
، بفتح الياء من بشره. ويحيى إن كان أعجمياً وهو الظاهر فمنع صرفه للتعريف والعجمة كموسى وعيسى، وإن كان عربياً فللتعريف ووزن الفعل كيعمر مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ مصدّقا بعيسى مؤمناً به. قيل هو أول من آمن به، وسمى عيسى «كلمة» لأنه لم يوجد إلا بكلمة اللَّه وحدها، وهي قوله: (كُنْ) من غير سبب آخر.
وقيل: مصدّقا بكلمة من اللَّه، مؤمناً بكتاب منه. وسمى الكتاب كلمة، كما قيل كلمة الحويدرة لقصيدته. والسيد: الذي يسود قومه، أى يفوقهم في الشرف. وكان يحيى فائقا لقومه وفائقا للناس كلهم في أنه لم يركب سيئة قط، ويا لها من سيادة. والحصور: الذي لا يقرب النساء حصراً لنفسه أى منعا لها من الشهوات. وقيل هو الذي لا يدخل مع القوم في الميسر. قال الأخطل:
وَشَارِبٍ مُرْبِحٍ بِالكأْسِ نَادَمَنِى ... لَا بِالْحَصُورِ وَلَا فِيهَا بِسَئَّارِ [[للأخطل، يقول: رب شارب مشتر للخمر بالثمن الربيح الزائد، نادمنى بالكأس. ويجوز تعلقه بما قبله، ليس حصورا مانعا نفسه من الدخول على القوم في لعب الميسر، ولا سآر على صيغة «فعال» للمبالغة، أى مبقيا في الكأس سؤرا، أى بقية، من أسأر إذا أبقى، وهو شاذ كجبار من أجبر. ويروى بسوار من السورة وهي الوثبة والعربدة، ففي سببية، أى ولا متغير العقل بسببها، ولا عاطفة على مربح، والثانية توكيد، والباء زائدة بعد كل، ونادمنى خبر، فيجوز الرجوع إلى الوصف بعد الاخبار.]]
فاستعير لمن لا يدخل في اللعب واللهو. وقد روى أنه مرّ وهو طفل بصبيان فدعوه إلى اللعب فقال: ما للعب خلقت مِنَ الصَّالِحِينَ ناشئا من الصالحين، لأنه كان من أصلاب الأنبياء، أو كائنا من جملة الصالحين كقوله: (وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) . أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ استبعاد من حيث العادة كما قالت مريم وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ كقولهم: أدركته السنّ العالية. والمعنى أثر فىّ الكبر فأضعفنى، وكانت له تسع وتسعون سنة، ولامرأته ثمان وتسعون كَذلِكَ أى يفعل اللَّه ما يشاء من الأفعال العجيبة مثل ذلك الفعل، وهو خلق الولد بين الشيخ الفاني والعجوز العاقر، أو كذلك اللَّه مبتدأ وخبر، أى على نحو هذه الصفة اللَّه، ويفعل ما يشاء بيان له، أى يفعل ما يريد من الأفاعيل الخارقة للعادات آيَةً علامة أعرف بها الحبل لأتلقى النعمة إذا جاءت بالشكر قالَ آيَتُكَ أَلَّا تقدر على تكليم الناس ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وإنما خص تكليم الناس ليعلمه أنه يحبس لسانه عن القدرة على تكليمهم خاصة، مع إبقاء قدرته على التكلم بذكر اللَّه، ولذلك قال: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ) يعنى في أيام عجزك عن تكليم الناس، وهي من الآيات الباهرة. فإن قلت: لم حبس لسانه عن كلام الناس؟ قلت:
ليخلص المدّة لذكر اللَّه لا يشتغل لسانه بغيره، توفراً منه على قضاء حق تلك النعمة الجسيمة، وشكرها الذي طلب الآية من أجله، كأنه لما طلب الآية من أجل الشكر قيل له: آيتك أن تحبس لسانك [[قوله «أن تحبس لسانك» لعله: يحبس. (ع)]] إلا عن الشكر. وأحسن الجواب وأوقعه ما كان مشتقا من السؤال. ومنتزعا منه إِلَّا رَمْزاً إلا إشارة بيد أو رأس أو غيرهما وأصله التحرّك. يقال ارتمز: إذا تحرّك. ومنه قيل للبحر الراموز. وقرأ يحيى بن وثاب (إلا رمزاً) بضمتين، جمع رموز كرسول ورسل. وقرئ (رمزاً) بفتحتين جمع رامز كخادم وخدم، وهو حال منه ومن الناس دفعة كقوله:
مَتَى مَا تَلْقَنِى فَرْدَيْنِ تَرْجُفْ ... رَوَانِفُ ألْيَتَيْكَ وَتُسْتَطَارَا [[أحولى تنفض استك مذرويها ... لتقتلني فها أنا ذا عمارا
متى ما تلقني فردين ترجف ... روانف أليتيك وتستطارا
وسيفي صارم قبضت عليه ... أصابع لا ترى فيها انتشارا
لعنترة يخاطب عمارة بن زياد العبسي، لما قال لقومه: ليتني لقيته فأرحتكم منه وأعلمتكم أنه عبد، والاست: الدبر، وهي فاعل. ومذرويها: مفعول، وكان قياسه: مذريان بالياء لأنه مقصور زائد على ثلاثة أحرف، وقياس تثنيته كذلك، فمجيئه بالواو شاذ، وسهله أن تثنيته تقديرية لأنه لم يسمع له مفرد. وحكى عن أبى عمرو «مذرى» مفردا، فيكون مثنى حقيقة، وبه قيل. وحكى عن أبى عبيدة مذرى مفردا، ومذريان مثنى بالياء على القياس، وإن نصب الاست كان مفعولا، ومذرويها بدلا منه. والمذروان بالكسر فرعا الأليتين وقرنا الرأس. يقال: جاء ينفض مذرويه يختال ويتبختر، وقوس هتافة المذروين، وهما موقعا الوتر من أعلى وأسفل. أى رنانتهما، وها أنا ذا أصله أنا هذا، فقدمت الهاء مبادرة إلى التنبيه، ثم قال: متى تلاقنى حال كوننا منفردين عن غيرنا، تخف متى فترتعد أطراف أليتيك، فارتعادها كناية عن الخوف. وتستطارا مؤكد بالنون الخفيفة المنقلبة ألفا، والفاعل ضمير المخاطب كأن الخوف يطيره. ويجوز أن الضمير للروانف، أى تنتفض وتنتشر كالطائر. ويروى: روادف، والمراد واحد.]]
بمعنى إلا مترامزين، كما يكلم الناس الأخرس بالإشارة ويكلمهم. والعشىّ: من حين تزول الشمس إلى أن تغيب. والْإِبْكارِ من طلوع الفجر إلى وقت الضحى. وقرئ: والأبكار، بفتح الهمزة جمع بكر، كسحر وأسحار. يقال: أتيته بكراً بفتحتين. فإن قلت: الرمز ليس من جنس الكلام فكيف استثنى منه؟ قلت: لما أدّى مؤدّى الكلام وفهم منه ما يفهم منه سمى كلاما ويجوز أن يكون استثناء منقطعا.
آل عمران 3:42
يا مَرْيَمُ روى أنهم كلوها شفاها معجزة لزكريا أو إرهاصا لنبوّة عيسى اصْطَفاكِ أوّلا حين تقبلك من أمك ورباك واختصك بالكرامة السنية وَطَهَّرَكِ مما يستقذر من الأفعال ومما قرفك به اليهود وَاصْطَفاكِ آخرا عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ بأن وهب لك عيسى من غير أب ولم يكن ذلك لأحد من النساء. أمرت بالصلاة بذكر القنوت والسجود لكونهما من هيآت الصلاة وأركانها ثم قيل لها وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ بمعنى: ولتكن صلاتك مع المصلين أى في الجماعة أو انظمى نفسك في جملة المصلين وكوني معهم في عدادهم ولا تكوني في عداد غيرهم. ويحتمل أن يكون في زمانها من كان يقوم ويسجد في صلاته ولا يركع وفيه من يركع، فأمرت بأن تركع مع الراكعين ولا تكون مع من لا يركع.
آل عمران 3:43
يا مَرْيَمُ روى أنهم كلوها شفاها معجزة لزكريا أو إرهاصا لنبوّة عيسى اصْطَفاكِ أوّلا حين تقبلك من أمك ورباك واختصك بالكرامة السنية وَطَهَّرَكِ مما يستقذر من الأفعال ومما قرفك به اليهود وَاصْطَفاكِ آخرا عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ بأن وهب لك عيسى من غير أب ولم يكن ذلك لأحد من النساء. أمرت بالصلاة بذكر القنوت والسجود لكونهما من هيآت الصلاة وأركانها ثم قيل لها وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ بمعنى: ولتكن صلاتك مع المصلين أى في الجماعة أو انظمى نفسك في جملة المصلين وكوني معهم في عدادهم ولا تكوني في عداد غيرهم. ويحتمل أن يكون في زمانها من كان يقوم ويسجد في صلاته ولا يركع وفيه من يركع، فأمرت بأن تركع مع الراكعين ولا تكون مع من لا يركع.
آل عمران 3:44
ذلِكَ إشارة إلى ما سبق من نبإ زكريا ويحيى ومريم وعيسى عليهم السلام، يعنى أن ذلك من الغيوب التي لم تعرفها إلا بالوحي. فإن قلت: لم نفيت المشاهدة وانتفاؤها معلوم بغير شبهة؟
وترك نفى استماع الأنباء من حفاظها وهو موهوم؟ قلت: كان معلوما عندهم علما يقيناً أنه ليس من أهل السماع والقراءة وكانوا منكرين للوحى، فلم يبق إلا المشاهدة وهي في غاية الاستبعاد والاستحالة، فنفيت على سبيل التهكم بالمنكرين للوحى مع علمهم بأنه لا سماع له ولا قراءة. ونحوه (وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ) ، (وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ) ، (وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ) أَقْلامَهُمْ أزلامهم وهي قداحهم التي طرحوها في النهر مقترعين. وقيل: هي الأقلام التي كانوا يكتبون بها التوراة، اختاروها للقرعة تبركا بها إِذْ يَخْتَصِمُونَ في شأنها تنافسا في التكفل بها.
فإن قلت: (أَيُّهُمْ يَكْفُلُ) بم يتعلق؟ قلت: بمحذوف دلّ عليه يلقون أقلامهم، كأنه قيل: يلقونها ينظرون أيهم يكفل، أو ليعلموا، أو يقولون.
آل عمران 3:45
الْمَسِيحُ لقب من الألقاب المشرفة، كالصدّيق والفاروق، وأصله مشيحا بالعبرانية، ومعناه المبارك، كقوله: (وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ) وكذلك (عيسى) معرب من أيشوع، ومشتقهما من المسح والعيس، كالراقم في الماء. فإن قلت: (إِذْ قالَتِ) بم يتعلق؟ قلت: هو بدل من (وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ) ويجوز أن يبدل من (إِذْ يَخْتَصِمُونَ) على أن الاختصام والبشارة وقعا في زمان واسع، كما تقول: لقيته سنة كذا. فإن قلت: لم قيل: عيسى ابن مريم والخطاب لمريم [[قال محمود: «إن قلت لم قيل عيسى ابن مريم والخطاب لمريم ... الخ» قال أحمد: ويحقق هذا الجواب قولها (أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ) فانه لم يتقدم في وعد اللَّه لها بالولد ما يدل على أنه من غير أب، إلا أنه لما نسبه إليها دل على أنها فهمت من ذلك كونه من غير أب، واللَّه أعلم.]] ؟
قلت: لأنّ الأبناء ينسبون إلى الآباء لا إلى الأمهات، فأعلمت بنسبته إليها أنه يولد من غير أب فلا ينسب إلا إلى أمه، وبذلك فضلت واصطفيت على نساء العالمين. فإن قلت: لم ذكر ضمير الكلمة؟ قلت لأن المسمى بها مذكر. فإن قلت: لم قيل اسمه المسيح عيسى ابن مريم [[(عاد كلامه) قال: «فان قلت لم قيل اسمه المسيح عيسى ابن مريم ... الخ» قال أحمد: وفي هذا التقرير خلاص من إشكال يوردونه فيقولون: المسيح في الآية إن أريد به التسمية وهو الظاهر فما موقع قوله عيسى ابن مريم؟
والتسمية لا توصف بالنبوة، وإن أريد بالمسيح المسمي بهذه التسمية لم يلتئم مع قوله اسمه؟ ويجاب عن الاشكال بأن المسيح خبر عن قوله اسمه، والمراد التسمية، وأما عيسى ابن مريم فخبر مبتدإ محذوف تقديره: هو عيسى ابن مريم، ويكون الضمير عائدا إلى المسمى بالتسمية المذكورة، منقطعاً عن قول المسيح. والذي قرره الزمخشري لا يرد عليه هذا الاشكال، وهو حسن جداً، واللَّه أعلم.]] ، وهذه ثلاثة أشياء: الاسم منها عيسى، وأما المسيح والابن فلقب وصفة؟ قلت: الاسم للمسمى علامة يعرف بها ويتميز من غيره، فكأنه قيل: الذي يعرف به ويتميز ممن سواه مجموع هذه الثلاثة وَجِيهاً حال من (بِكَلِمَةٍ) وكذلك قوله: ومن المقربين، ويكلم، ومن الصالحين. أى يبشرك به موصوفا بهذه الصفات. وصح انتصاب الحال من النكرة لكونها موصوفة. والوجاهة في الدنيا: النبوّة والتقدم على الناس. وفي الآخرة الشفاعة وعلو الدرجة في الجنة. وكونه مِنَ الْمُقَرَّبِينَ رفعه إلى السماء وصحبته للملائكة. والمهد: ما يمهد للصبي من مضجعه، سمى بالمصدر.
وفِي الْمَهْدِ في محل النصب على الحال وَكَهْلًا عطف عليه بمعنى: ويكلم الناس طفلا وكهلا.
ومعناه: يكلم الناس في هاتين الحالتين كلام الأنبياء، من غير تفاوت بين حال الطفولة وحال الكهولة التي يستحكم فيها العقل ويستنبأ فيها الأنبياء. ومن بدع التفاسير أن قولها رَبِّ نداء لجبريل عليه السلام بمعنى يا سيدي (ونعلمه) عطف على يبشرك، أو على وجيها أو على يخلق، أو هو كلام مبتدأ. وقرأ عاصم ونافع: ويعلمه، بالياء. فإن قلت: علام تحمل: ورسولا، ومصدّقا، من المنصوبات المتقدّمة، وقوله: (أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ) و (لِما بَيْنَ يَدَيَّ) يأبى حمله عليها؟ قلت:
هو من المضايق، وفيه وجهان: أحدهما أن يضمر له «وأرسلت» على إرادة القول تقديره: ونعلمه الكتاب والحكمة، ويقول أرسلت رسولا بأنى قد جئتكم. ومصدقا لما بين يدي. والثاني أن الرسول والمصدّق فيهما معنى النطق، فكأنه قيل: وناطقا بأنى قد جئتكم، وناطقا بأنى أصدق ما بين يدي وقرأ اليزيدي: ورسول: عطفاً على كلمة أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ أصله أرسلت بأنى قد جئتكم، فحذف الجار وانتصب بالفعل، وأَنِّي أَخْلُقُ نصب بدل من أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ أو جرّ بدل من آية، أو رفع على: هي أنى أخلق لكم، وقرئ: إنى، بالكسر على الاستئناف، أى أقدر لكم شيئا مثل صورة الطير فَأَنْفُخُ فِيهِ الضمير للكاف، أى في ذلك الشيء المماثل لهيئة الطير فَيَكُونُ طَيْراً فيصير طيراً كسائر الطيور حياً. وقرأ عبد اللَّه: فأنفخها. قال:
كَالْهَبْرَقِىِّ تَنَحَّى يَنْفُخُ الْفَحْمَا [[مولى الريح قرنيه وجبهته ... كالهبرقى تنحى ينفخ الفحما
للنابغة يصف ثوراً وحشياً موجها قرنيه وجبهته إلى الريح، فهو مستقبلها برأسه وينفخ في مقابلتها بفمه، فيسمع له صوت، فهو كالهبرقى- وزان جعفري وزبرجى- وهو الحداد والصائغ. ويروى: كالحرقى، أى الحداد، نسبة لحرق النار، شبهه به سال كونه انحاز إلى ناحية ينفخ الفحم المنقد بالنار، فينفخ: حال متداخلة.]]
وقيل: لم يخلق غير الخفاش الْأَكْمَهَ الذي ولد أعمى، وقيل هو الممسوح العين. ويقال: لم يكن في هذه الأمّة أكمه غير قتادة بن دعامة السدوسي صاحب التفسير. وروى أنه ربما اجتمع عليه خمسون ألفا من المرضى، من أطاق منهم أتاه، ومن لم يطق أتاه عيسى، وما كانت مداواته إلا بالدعاء وحده. وكرر بِإِذْنِ اللَّهِ دفعاً لوهم من توهم فيه اللاهوتية. وروى أنه أحيا سام بن نوح وهم ينظرون، فقالوا هذا سحر فأرنا آية: فقال يا فلان أكلت كذا، ويا فلان خبئ لك كذا. وقرئ تذخرون، بالذال والتخفيف وَلِأُحِلَّ ردّ على قوله: (بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) أى جئتكم بآية من ربكم، ولأحل لكم ويجوز أن يكون (مُصَدِّقاً) مردودا عليه أيضا، أى جئتكم بآية وجئتكم مصدقا. وما حرم اللَّه عليهم في شريعة موسى: الشحوم والثروب [[قوله «الثروب» الشحوم الرقيقة التي تغشى الكرش والأمعاء. أفاده الصحاح. (ع)]] ولحوم الإبل، والسمك، وكل ذى ظفر، فأحل لهم عيسى بعض ذلك. وقيل: أحل لهم من السمك والطير ما لا صيصية [[قوله «ما لا صيصية له» الصيصية شوكة كالتي في رجل الديك. أفاده الصحاح. (ع)]] له. واختلفوا في إحلاله لهم السبت. وقرئ (حرم عليكم) على تسمية الفاعل، وهو ما بين يدىّ من التوراة، أو اللَّه عزّ وجلّ، أو موسى عليه السلام لأن ذكر التوراة دل عليه، ولأنه كان معلوما عندهم. وقرئ: حرم، بوزن كرم وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ شاهدة على صحة رسالتي وهي قوله إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ لأنّ جميع الرسل كانوا على هذا القول لم يختلفوا فيه: وقرئ بالفتح على البدل من (بِآيَةٍ) . وقوله فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ اعتراض، فإن قلت: كيف جعل هذا القول آية من ربه؟ قلت لأنّ اللَّه تعالى جعله له علامة يعرف منها أنه رسول كسائر الرسل، حيث هداه للنظر في أدلة العقل والاستدلال. ويجوز أن يكون تكريراً لقوله: (جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) أى جئتكم بآية بعد أخرى مما ذكرت لكم، من خلق الطير، والإبراء، والإحياء، والإنباء بالخفايا، وبغيره من ولادتي بغير أب، ومن كلامى في المهد، ومن سائر ذلك. وقرأ عبد اللَّه. وجئتكم بآيات من ربكم، فاتقوا اللَّه لما جئتكم به من الآيات، وأطيعونى فيما أدعوكم إليه. ثم ابتدأ فقال: إن اللَّه ربى وربكم. ومعنى قراءة من فتح:
ولأنّ اللَّه ربى وربكم فاعبدوه، كقوله: (لِإِيلافِ قُرَيْشٍ.....) َلْيَعْبُدُوا)
ويجوز أن يكون المعنى: وجئتكم بآية على أن اللَّه ربى وربكم وما بينهما اعتراض.
آل عمران 3:46
الْمَسِيحُ لقب من الألقاب المشرفة، كالصدّيق والفاروق، وأصله مشيحا بالعبرانية، ومعناه المبارك، كقوله: (وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ) وكذلك (عيسى) معرب من أيشوع، ومشتقهما من المسح والعيس، كالراقم في الماء. فإن قلت: (إِذْ قالَتِ) بم يتعلق؟ قلت: هو بدل من (وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ) ويجوز أن يبدل من (إِذْ يَخْتَصِمُونَ) على أن الاختصام والبشارة وقعا في زمان واسع، كما تقول: لقيته سنة كذا. فإن قلت: لم قيل: عيسى ابن مريم والخطاب لمريم [[قال محمود: «إن قلت لم قيل عيسى ابن مريم والخطاب لمريم ... الخ» قال أحمد: ويحقق هذا الجواب قولها (أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ) فانه لم يتقدم في وعد اللَّه لها بالولد ما يدل على أنه من غير أب، إلا أنه لما نسبه إليها دل على أنها فهمت من ذلك كونه من غير أب، واللَّه أعلم.]] ؟
قلت: لأنّ الأبناء ينسبون إلى الآباء لا إلى الأمهات، فأعلمت بنسبته إليها أنه يولد من غير أب فلا ينسب إلا إلى أمه، وبذلك فضلت واصطفيت على نساء العالمين. فإن قلت: لم ذكر ضمير الكلمة؟ قلت لأن المسمى بها مذكر. فإن قلت: لم قيل اسمه المسيح عيسى ابن مريم [[(عاد كلامه) قال: «فان قلت لم قيل اسمه المسيح عيسى ابن مريم ... الخ» قال أحمد: وفي هذا التقرير خلاص من إشكال يوردونه فيقولون: المسيح في الآية إن أريد به التسمية وهو الظاهر فما موقع قوله عيسى ابن مريم؟
والتسمية لا توصف بالنبوة، وإن أريد بالمسيح المسمي بهذه التسمية لم يلتئم مع قوله اسمه؟ ويجاب عن الاشكال بأن المسيح خبر عن قوله اسمه، والمراد التسمية، وأما عيسى ابن مريم فخبر مبتدإ محذوف تقديره: هو عيسى ابن مريم، ويكون الضمير عائدا إلى المسمى بالتسمية المذكورة، منقطعاً عن قول المسيح. والذي قرره الزمخشري لا يرد عليه هذا الاشكال، وهو حسن جداً، واللَّه أعلم.]] ، وهذه ثلاثة أشياء: الاسم منها عيسى، وأما المسيح والابن فلقب وصفة؟ قلت: الاسم للمسمى علامة يعرف بها ويتميز من غيره، فكأنه قيل: الذي يعرف به ويتميز ممن سواه مجموع هذه الثلاثة وَجِيهاً حال من (بِكَلِمَةٍ) وكذلك قوله: ومن المقربين، ويكلم، ومن الصالحين. أى يبشرك به موصوفا بهذه الصفات. وصح انتصاب الحال من النكرة لكونها موصوفة. والوجاهة في الدنيا: النبوّة والتقدم على الناس. وفي الآخرة الشفاعة وعلو الدرجة في الجنة. وكونه مِنَ الْمُقَرَّبِينَ رفعه إلى السماء وصحبته للملائكة. والمهد: ما يمهد للصبي من مضجعه، سمى بالمصدر.
وفِي الْمَهْدِ في محل النصب على الحال وَكَهْلًا عطف عليه بمعنى: ويكلم الناس طفلا وكهلا.
ومعناه: يكلم الناس في هاتين الحالتين كلام الأنبياء، من غير تفاوت بين حال الطفولة وحال الكهولة التي يستحكم فيها العقل ويستنبأ فيها الأنبياء. ومن بدع التفاسير أن قولها رَبِّ نداء لجبريل عليه السلام بمعنى يا سيدي (ونعلمه) عطف على يبشرك، أو على وجيها أو على يخلق، أو هو كلام مبتدأ. وقرأ عاصم ونافع: ويعلمه، بالياء. فإن قلت: علام تحمل: ورسولا، ومصدّقا، من المنصوبات المتقدّمة، وقوله: (أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ) و (لِما بَيْنَ يَدَيَّ) يأبى حمله عليها؟ قلت:
هو من المضايق، وفيه وجهان: أحدهما أن يضمر له «وأرسلت» على إرادة القول تقديره: ونعلمه الكتاب والحكمة، ويقول أرسلت رسولا بأنى قد جئتكم. ومصدقا لما بين يدي. والثاني أن الرسول والمصدّق فيهما معنى النطق، فكأنه قيل: وناطقا بأنى قد جئتكم، وناطقا بأنى أصدق ما بين يدي وقرأ اليزيدي: ورسول: عطفاً على كلمة أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ أصله أرسلت بأنى قد جئتكم، فحذف الجار وانتصب بالفعل، وأَنِّي أَخْلُقُ نصب بدل من أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ أو جرّ بدل من آية، أو رفع على: هي أنى أخلق لكم، وقرئ: إنى، بالكسر على الاستئناف، أى أقدر لكم شيئا مثل صورة الطير فَأَنْفُخُ فِيهِ الضمير للكاف، أى في ذلك الشيء المماثل لهيئة الطير فَيَكُونُ طَيْراً فيصير طيراً كسائر الطيور حياً. وقرأ عبد اللَّه: فأنفخها. قال:
كَالْهَبْرَقِىِّ تَنَحَّى يَنْفُخُ الْفَحْمَا [[مولى الريح قرنيه وجبهته ... كالهبرقى تنحى ينفخ الفحما
للنابغة يصف ثوراً وحشياً موجها قرنيه وجبهته إلى الريح، فهو مستقبلها برأسه وينفخ في مقابلتها بفمه، فيسمع له صوت، فهو كالهبرقى- وزان جعفري وزبرجى- وهو الحداد والصائغ. ويروى: كالحرقى، أى الحداد، نسبة لحرق النار، شبهه به سال كونه انحاز إلى ناحية ينفخ الفحم المنقد بالنار، فينفخ: حال متداخلة.]]
وقيل: لم يخلق غير الخفاش الْأَكْمَهَ الذي ولد أعمى، وقيل هو الممسوح العين. ويقال: لم يكن في هذه الأمّة أكمه غير قتادة بن دعامة السدوسي صاحب التفسير. وروى أنه ربما اجتمع عليه خمسون ألفا من المرضى، من أطاق منهم أتاه، ومن لم يطق أتاه عيسى، وما كانت مداواته إلا بالدعاء وحده. وكرر بِإِذْنِ اللَّهِ دفعاً لوهم من توهم فيه اللاهوتية. وروى أنه أحيا سام بن نوح وهم ينظرون، فقالوا هذا سحر فأرنا آية: فقال يا فلان أكلت كذا، ويا فلان خبئ لك كذا. وقرئ تذخرون، بالذال والتخفيف وَلِأُحِلَّ ردّ على قوله: (بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) أى جئتكم بآية من ربكم، ولأحل لكم ويجوز أن يكون (مُصَدِّقاً) مردودا عليه أيضا، أى جئتكم بآية وجئتكم مصدقا. وما حرم اللَّه عليهم في شريعة موسى: الشحوم والثروب [[قوله «الثروب» الشحوم الرقيقة التي تغشى الكرش والأمعاء. أفاده الصحاح. (ع)]] ولحوم الإبل، والسمك، وكل ذى ظفر، فأحل لهم عيسى بعض ذلك. وقيل: أحل لهم من السمك والطير ما لا صيصية [[قوله «ما لا صيصية له» الصيصية شوكة كالتي في رجل الديك. أفاده الصحاح. (ع)]] له. واختلفوا في إحلاله لهم السبت. وقرئ (حرم عليكم) على تسمية الفاعل، وهو ما بين يدىّ من التوراة، أو اللَّه عزّ وجلّ، أو موسى عليه السلام لأن ذكر التوراة دل عليه، ولأنه كان معلوما عندهم. وقرئ: حرم، بوزن كرم وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ شاهدة على صحة رسالتي وهي قوله إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ لأنّ جميع الرسل كانوا على هذا القول لم يختلفوا فيه: وقرئ بالفتح على البدل من (بِآيَةٍ) . وقوله فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ اعتراض، فإن قلت: كيف جعل هذا القول آية من ربه؟ قلت لأنّ اللَّه تعالى جعله له علامة يعرف منها أنه رسول كسائر الرسل، حيث هداه للنظر في أدلة العقل والاستدلال. ويجوز أن يكون تكريراً لقوله: (جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) أى جئتكم بآية بعد أخرى مما ذكرت لكم، من خلق الطير، والإبراء، والإحياء، والإنباء بالخفايا، وبغيره من ولادتي بغير أب، ومن كلامى في المهد، ومن سائر ذلك. وقرأ عبد اللَّه. وجئتكم بآيات من ربكم، فاتقوا اللَّه لما جئتكم به من الآيات، وأطيعونى فيما أدعوكم إليه. ثم ابتدأ فقال: إن اللَّه ربى وربكم. ومعنى قراءة من فتح:
ولأنّ اللَّه ربى وربكم فاعبدوه، كقوله: (لِإِيلافِ قُرَيْشٍ.....) َلْيَعْبُدُوا)
ويجوز أن يكون المعنى: وجئتكم بآية على أن اللَّه ربى وربكم وما بينهما اعتراض.
آل عمران 3:47
الْمَسِيحُ لقب من الألقاب المشرفة، كالصدّيق والفاروق، وأصله مشيحا بالعبرانية، ومعناه المبارك، كقوله: (وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ) وكذلك (عيسى) معرب من أيشوع، ومشتقهما من المسح والعيس، كالراقم في الماء. فإن قلت: (إِذْ قالَتِ) بم يتعلق؟ قلت: هو بدل من (وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ) ويجوز أن يبدل من (إِذْ يَخْتَصِمُونَ) على أن الاختصام والبشارة وقعا في زمان واسع، كما تقول: لقيته سنة كذا. فإن قلت: لم قيل: عيسى ابن مريم والخطاب لمريم [[قال محمود: «إن قلت لم قيل عيسى ابن مريم والخطاب لمريم ... الخ» قال أحمد: ويحقق هذا الجواب قولها (أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ) فانه لم يتقدم في وعد اللَّه لها بالولد ما يدل على أنه من غير أب، إلا أنه لما نسبه إليها دل على أنها فهمت من ذلك كونه من غير أب، واللَّه أعلم.]] ؟
قلت: لأنّ الأبناء ينسبون إلى الآباء لا إلى الأمهات، فأعلمت بنسبته إليها أنه يولد من غير أب فلا ينسب إلا إلى أمه، وبذلك فضلت واصطفيت على نساء العالمين. فإن قلت: لم ذكر ضمير الكلمة؟ قلت لأن المسمى بها مذكر. فإن قلت: لم قيل اسمه المسيح عيسى ابن مريم [[(عاد كلامه) قال: «فان قلت لم قيل اسمه المسيح عيسى ابن مريم ... الخ» قال أحمد: وفي هذا التقرير خلاص من إشكال يوردونه فيقولون: المسيح في الآية إن أريد به التسمية وهو الظاهر فما موقع قوله عيسى ابن مريم؟
والتسمية لا توصف بالنبوة، وإن أريد بالمسيح المسمي بهذه التسمية لم يلتئم مع قوله اسمه؟ ويجاب عن الاشكال بأن المسيح خبر عن قوله اسمه، والمراد التسمية، وأما عيسى ابن مريم فخبر مبتدإ محذوف تقديره: هو عيسى ابن مريم، ويكون الضمير عائدا إلى المسمى بالتسمية المذكورة، منقطعاً عن قول المسيح. والذي قرره الزمخشري لا يرد عليه هذا الاشكال، وهو حسن جداً، واللَّه أعلم.]] ، وهذه ثلاثة أشياء: الاسم منها عيسى، وأما المسيح والابن فلقب وصفة؟ قلت: الاسم للمسمى علامة يعرف بها ويتميز من غيره، فكأنه قيل: الذي يعرف به ويتميز ممن سواه مجموع هذه الثلاثة وَجِيهاً حال من (بِكَلِمَةٍ) وكذلك قوله: ومن المقربين، ويكلم، ومن الصالحين. أى يبشرك به موصوفا بهذه الصفات. وصح انتصاب الحال من النكرة لكونها موصوفة. والوجاهة في الدنيا: النبوّة والتقدم على الناس. وفي الآخرة الشفاعة وعلو الدرجة في الجنة. وكونه مِنَ الْمُقَرَّبِينَ رفعه إلى السماء وصحبته للملائكة. والمهد: ما يمهد للصبي من مضجعه، سمى بالمصدر.
وفِي الْمَهْدِ في محل النصب على الحال وَكَهْلًا عطف عليه بمعنى: ويكلم الناس طفلا وكهلا.
ومعناه: يكلم الناس في هاتين الحالتين كلام الأنبياء، من غير تفاوت بين حال الطفولة وحال الكهولة التي يستحكم فيها العقل ويستنبأ فيها الأنبياء. ومن بدع التفاسير أن قولها رَبِّ نداء لجبريل عليه السلام بمعنى يا سيدي (ونعلمه) عطف على يبشرك، أو على وجيها أو على يخلق، أو هو كلام مبتدأ. وقرأ عاصم ونافع: ويعلمه، بالياء. فإن قلت: علام تحمل: ورسولا، ومصدّقا، من المنصوبات المتقدّمة، وقوله: (أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ) و (لِما بَيْنَ يَدَيَّ) يأبى حمله عليها؟ قلت:
هو من المضايق، وفيه وجهان: أحدهما أن يضمر له «وأرسلت» على إرادة القول تقديره: ونعلمه الكتاب والحكمة، ويقول أرسلت رسولا بأنى قد جئتكم. ومصدقا لما بين يدي. والثاني أن الرسول والمصدّق فيهما معنى النطق، فكأنه قيل: وناطقا بأنى قد جئتكم، وناطقا بأنى أصدق ما بين يدي وقرأ اليزيدي: ورسول: عطفاً على كلمة أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ أصله أرسلت بأنى قد جئتكم، فحذف الجار وانتصب بالفعل، وأَنِّي أَخْلُقُ نصب بدل من أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ أو جرّ بدل من آية، أو رفع على: هي أنى أخلق لكم، وقرئ: إنى، بالكسر على الاستئناف، أى أقدر لكم شيئا مثل صورة الطير فَأَنْفُخُ فِيهِ الضمير للكاف، أى في ذلك الشيء المماثل لهيئة الطير فَيَكُونُ طَيْراً فيصير طيراً كسائر الطيور حياً. وقرأ عبد اللَّه: فأنفخها. قال:
كَالْهَبْرَقِىِّ تَنَحَّى يَنْفُخُ الْفَحْمَا [[مولى الريح قرنيه وجبهته ... كالهبرقى تنحى ينفخ الفحما
للنابغة يصف ثوراً وحشياً موجها قرنيه وجبهته إلى الريح، فهو مستقبلها برأسه وينفخ في مقابلتها بفمه، فيسمع له صوت، فهو كالهبرقى- وزان جعفري وزبرجى- وهو الحداد والصائغ. ويروى: كالحرقى، أى الحداد، نسبة لحرق النار، شبهه به سال كونه انحاز إلى ناحية ينفخ الفحم المنقد بالنار، فينفخ: حال متداخلة.]]
وقيل: لم يخلق غير الخفاش الْأَكْمَهَ الذي ولد أعمى، وقيل هو الممسوح العين. ويقال: لم يكن في هذه الأمّة أكمه غير قتادة بن دعامة السدوسي صاحب التفسير. وروى أنه ربما اجتمع عليه خمسون ألفا من المرضى، من أطاق منهم أتاه، ومن لم يطق أتاه عيسى، وما كانت مداواته إلا بالدعاء وحده. وكرر بِإِذْنِ اللَّهِ دفعاً لوهم من توهم فيه اللاهوتية. وروى أنه أحيا سام بن نوح وهم ينظرون، فقالوا هذا سحر فأرنا آية: فقال يا فلان أكلت كذا، ويا فلان خبئ لك كذا. وقرئ تذخرون، بالذال والتخفيف وَلِأُحِلَّ ردّ على قوله: (بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) أى جئتكم بآية من ربكم، ولأحل لكم ويجوز أن يكون (مُصَدِّقاً) مردودا عليه أيضا، أى جئتكم بآية وجئتكم مصدقا. وما حرم اللَّه عليهم في شريعة موسى: الشحوم والثروب [[قوله «الثروب» الشحوم الرقيقة التي تغشى الكرش والأمعاء. أفاده الصحاح. (ع)]] ولحوم الإبل، والسمك، وكل ذى ظفر، فأحل لهم عيسى بعض ذلك. وقيل: أحل لهم من السمك والطير ما لا صيصية [[قوله «ما لا صيصية له» الصيصية شوكة كالتي في رجل الديك. أفاده الصحاح. (ع)]] له. واختلفوا في إحلاله لهم السبت. وقرئ (حرم عليكم) على تسمية الفاعل، وهو ما بين يدىّ من التوراة، أو اللَّه عزّ وجلّ، أو موسى عليه السلام لأن ذكر التوراة دل عليه، ولأنه كان معلوما عندهم. وقرئ: حرم، بوزن كرم وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ شاهدة على صحة رسالتي وهي قوله إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ لأنّ جميع الرسل كانوا على هذا القول لم يختلفوا فيه: وقرئ بالفتح على البدل من (بِآيَةٍ) . وقوله فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ اعتراض، فإن قلت: كيف جعل هذا القول آية من ربه؟ قلت لأنّ اللَّه تعالى جعله له علامة يعرف منها أنه رسول كسائر الرسل، حيث هداه للنظر في أدلة العقل والاستدلال. ويجوز أن يكون تكريراً لقوله: (جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) أى جئتكم بآية بعد أخرى مما ذكرت لكم، من خلق الطير، والإبراء، والإحياء، والإنباء بالخفايا، وبغيره من ولادتي بغير أب، ومن كلامى في المهد، ومن سائر ذلك. وقرأ عبد اللَّه. وجئتكم بآيات من ربكم، فاتقوا اللَّه لما جئتكم به من الآيات، وأطيعونى فيما أدعوكم إليه. ثم ابتدأ فقال: إن اللَّه ربى وربكم. ومعنى قراءة من فتح:
ولأنّ اللَّه ربى وربكم فاعبدوه، كقوله: (لِإِيلافِ قُرَيْشٍ.....) َلْيَعْبُدُوا)
ويجوز أن يكون المعنى: وجئتكم بآية على أن اللَّه ربى وربكم وما بينهما اعتراض.
آل عمران 3:48
الْمَسِيحُ لقب من الألقاب المشرفة، كالصدّيق والفاروق، وأصله مشيحا بالعبرانية، ومعناه المبارك، كقوله: (وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ) وكذلك (عيسى) معرب من أيشوع، ومشتقهما من المسح والعيس، كالراقم في الماء. فإن قلت: (إِذْ قالَتِ) بم يتعلق؟ قلت: هو بدل من (وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ) ويجوز أن يبدل من (إِذْ يَخْتَصِمُونَ) على أن الاختصام والبشارة وقعا في زمان واسع، كما تقول: لقيته سنة كذا. فإن قلت: لم قيل: عيسى ابن مريم والخطاب لمريم [[قال محمود: «إن قلت لم قيل عيسى ابن مريم والخطاب لمريم ... الخ» قال أحمد: ويحقق هذا الجواب قولها (أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ) فانه لم يتقدم في وعد اللَّه لها بالولد ما يدل على أنه من غير أب، إلا أنه لما نسبه إليها دل على أنها فهمت من ذلك كونه من غير أب، واللَّه أعلم.]] ؟
قلت: لأنّ الأبناء ينسبون إلى الآباء لا إلى الأمهات، فأعلمت بنسبته إليها أنه يولد من غير أب فلا ينسب إلا إلى أمه، وبذلك فضلت واصطفيت على نساء العالمين. فإن قلت: لم ذكر ضمير الكلمة؟ قلت لأن المسمى بها مذكر. فإن قلت: لم قيل اسمه المسيح عيسى ابن مريم [[(عاد كلامه) قال: «فان قلت لم قيل اسمه المسيح عيسى ابن مريم ... الخ» قال أحمد: وفي هذا التقرير خلاص من إشكال يوردونه فيقولون: المسيح في الآية إن أريد به التسمية وهو الظاهر فما موقع قوله عيسى ابن مريم؟
والتسمية لا توصف بالنبوة، وإن أريد بالمسيح المسمي بهذه التسمية لم يلتئم مع قوله اسمه؟ ويجاب عن الاشكال بأن المسيح خبر عن قوله اسمه، والمراد التسمية، وأما عيسى ابن مريم فخبر مبتدإ محذوف تقديره: هو عيسى ابن مريم، ويكون الضمير عائدا إلى المسمى بالتسمية المذكورة، منقطعاً عن قول المسيح. والذي قرره الزمخشري لا يرد عليه هذا الاشكال، وهو حسن جداً، واللَّه أعلم.]] ، وهذه ثلاثة أشياء: الاسم منها عيسى، وأما المسيح والابن فلقب وصفة؟ قلت: الاسم للمسمى علامة يعرف بها ويتميز من غيره، فكأنه قيل: الذي يعرف به ويتميز ممن سواه مجموع هذه الثلاثة وَجِيهاً حال من (بِكَلِمَةٍ) وكذلك قوله: ومن المقربين، ويكلم، ومن الصالحين. أى يبشرك به موصوفا بهذه الصفات. وصح انتصاب الحال من النكرة لكونها موصوفة. والوجاهة في الدنيا: النبوّة والتقدم على الناس. وفي الآخرة الشفاعة وعلو الدرجة في الجنة. وكونه مِنَ الْمُقَرَّبِينَ رفعه إلى السماء وصحبته للملائكة. والمهد: ما يمهد للصبي من مضجعه، سمى بالمصدر.
وفِي الْمَهْدِ في محل النصب على الحال وَكَهْلًا عطف عليه بمعنى: ويكلم الناس طفلا وكهلا.
ومعناه: يكلم الناس في هاتين الحالتين كلام الأنبياء، من غير تفاوت بين حال الطفولة وحال الكهولة التي يستحكم فيها العقل ويستنبأ فيها الأنبياء. ومن بدع التفاسير أن قولها رَبِّ نداء لجبريل عليه السلام بمعنى يا سيدي (ونعلمه) عطف على يبشرك، أو على وجيها أو على يخلق، أو هو كلام مبتدأ. وقرأ عاصم ونافع: ويعلمه، بالياء. فإن قلت: علام تحمل: ورسولا، ومصدّقا، من المنصوبات المتقدّمة، وقوله: (أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ) و (لِما بَيْنَ يَدَيَّ) يأبى حمله عليها؟ قلت:
هو من المضايق، وفيه وجهان: أحدهما أن يضمر له «وأرسلت» على إرادة القول تقديره: ونعلمه الكتاب والحكمة، ويقول أرسلت رسولا بأنى قد جئتكم. ومصدقا لما بين يدي. والثاني أن الرسول والمصدّق فيهما معنى النطق، فكأنه قيل: وناطقا بأنى قد جئتكم، وناطقا بأنى أصدق ما بين يدي وقرأ اليزيدي: ورسول: عطفاً على كلمة أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ أصله أرسلت بأنى قد جئتكم، فحذف الجار وانتصب بالفعل، وأَنِّي أَخْلُقُ نصب بدل من أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ أو جرّ بدل من آية، أو رفع على: هي أنى أخلق لكم، وقرئ: إنى، بالكسر على الاستئناف، أى أقدر لكم شيئا مثل صورة الطير فَأَنْفُخُ فِيهِ الضمير للكاف، أى في ذلك الشيء المماثل لهيئة الطير فَيَكُونُ طَيْراً فيصير طيراً كسائر الطيور حياً. وقرأ عبد اللَّه: فأنفخها. قال:
كَالْهَبْرَقِىِّ تَنَحَّى يَنْفُخُ الْفَحْمَا [[مولى الريح قرنيه وجبهته ... كالهبرقى تنحى ينفخ الفحما
للنابغة يصف ثوراً وحشياً موجها قرنيه وجبهته إلى الريح، فهو مستقبلها برأسه وينفخ في مقابلتها بفمه، فيسمع له صوت، فهو كالهبرقى- وزان جعفري وزبرجى- وهو الحداد والصائغ. ويروى: كالحرقى، أى الحداد، نسبة لحرق النار، شبهه به سال كونه انحاز إلى ناحية ينفخ الفحم المنقد بالنار، فينفخ: حال متداخلة.]]
وقيل: لم يخلق غير الخفاش الْأَكْمَهَ الذي ولد أعمى، وقيل هو الممسوح العين. ويقال: لم يكن في هذه الأمّة أكمه غير قتادة بن دعامة السدوسي صاحب التفسير. وروى أنه ربما اجتمع عليه خمسون ألفا من المرضى، من أطاق منهم أتاه، ومن لم يطق أتاه عيسى، وما كانت مداواته إلا بالدعاء وحده. وكرر بِإِذْنِ اللَّهِ دفعاً لوهم من توهم فيه اللاهوتية. وروى أنه أحيا سام بن نوح وهم ينظرون، فقالوا هذا سحر فأرنا آية: فقال يا فلان أكلت كذا، ويا فلان خبئ لك كذا. وقرئ تذخرون، بالذال والتخفيف وَلِأُحِلَّ ردّ على قوله: (بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) أى جئتكم بآية من ربكم، ولأحل لكم ويجوز أن يكون (مُصَدِّقاً) مردودا عليه أيضا، أى جئتكم بآية وجئتكم مصدقا. وما حرم اللَّه عليهم في شريعة موسى: الشحوم والثروب [[قوله «الثروب» الشحوم الرقيقة التي تغشى الكرش والأمعاء. أفاده الصحاح. (ع)]] ولحوم الإبل، والسمك، وكل ذى ظفر، فأحل لهم عيسى بعض ذلك. وقيل: أحل لهم من السمك والطير ما لا صيصية [[قوله «ما لا صيصية له» الصيصية شوكة كالتي في رجل الديك. أفاده الصحاح. (ع)]] له. واختلفوا في إحلاله لهم السبت. وقرئ (حرم عليكم) على تسمية الفاعل، وهو ما بين يدىّ من التوراة، أو اللَّه عزّ وجلّ، أو موسى عليه السلام لأن ذكر التوراة دل عليه، ولأنه كان معلوما عندهم. وقرئ: حرم، بوزن كرم وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ شاهدة على صحة رسالتي وهي قوله إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ لأنّ جميع الرسل كانوا على هذا القول لم يختلفوا فيه: وقرئ بالفتح على البدل من (بِآيَةٍ) . وقوله فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ اعتراض، فإن قلت: كيف جعل هذا القول آية من ربه؟ قلت لأنّ اللَّه تعالى جعله له علامة يعرف منها أنه رسول كسائر الرسل، حيث هداه للنظر في أدلة العقل والاستدلال. ويجوز أن يكون تكريراً لقوله: (جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) أى جئتكم بآية بعد أخرى مما ذكرت لكم، من خلق الطير، والإبراء، والإحياء، والإنباء بالخفايا، وبغيره من ولادتي بغير أب، ومن كلامى في المهد، ومن سائر ذلك. وقرأ عبد اللَّه. وجئتكم بآيات من ربكم، فاتقوا اللَّه لما جئتكم به من الآيات، وأطيعونى فيما أدعوكم إليه. ثم ابتدأ فقال: إن اللَّه ربى وربكم. ومعنى قراءة من فتح:
ولأنّ اللَّه ربى وربكم فاعبدوه، كقوله: (لِإِيلافِ قُرَيْشٍ.....) َلْيَعْبُدُوا)
ويجوز أن يكون المعنى: وجئتكم بآية على أن اللَّه ربى وربكم وما بينهما اعتراض.
آل عمران 3:49
الْمَسِيحُ لقب من الألقاب المشرفة، كالصدّيق والفاروق، وأصله مشيحا بالعبرانية، ومعناه المبارك، كقوله: (وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ) وكذلك (عيسى) معرب من أيشوع، ومشتقهما من المسح والعيس، كالراقم في الماء. فإن قلت: (إِذْ قالَتِ) بم يتعلق؟ قلت: هو بدل من (وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ) ويجوز أن يبدل من (إِذْ يَخْتَصِمُونَ) على أن الاختصام والبشارة وقعا في زمان واسع، كما تقول: لقيته سنة كذا. فإن قلت: لم قيل: عيسى ابن مريم والخطاب لمريم [[قال محمود: «إن قلت لم قيل عيسى ابن مريم والخطاب لمريم ... الخ» قال أحمد: ويحقق هذا الجواب قولها (أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ) فانه لم يتقدم في وعد اللَّه لها بالولد ما يدل على أنه من غير أب، إلا أنه لما نسبه إليها دل على أنها فهمت من ذلك كونه من غير أب، واللَّه أعلم.]] ؟
قلت: لأنّ الأبناء ينسبون إلى الآباء لا إلى الأمهات، فأعلمت بنسبته إليها أنه يولد من غير أب فلا ينسب إلا إلى أمه، وبذلك فضلت واصطفيت على نساء العالمين. فإن قلت: لم ذكر ضمير الكلمة؟ قلت لأن المسمى بها مذكر. فإن قلت: لم قيل اسمه المسيح عيسى ابن مريم [[(عاد كلامه) قال: «فان قلت لم قيل اسمه المسيح عيسى ابن مريم ... الخ» قال أحمد: وفي هذا التقرير خلاص من إشكال يوردونه فيقولون: المسيح في الآية إن أريد به التسمية وهو الظاهر فما موقع قوله عيسى ابن مريم؟
والتسمية لا توصف بالنبوة، وإن أريد بالمسيح المسمي بهذه التسمية لم يلتئم مع قوله اسمه؟ ويجاب عن الاشكال بأن المسيح خبر عن قوله اسمه، والمراد التسمية، وأما عيسى ابن مريم فخبر مبتدإ محذوف تقديره: هو عيسى ابن مريم، ويكون الضمير عائدا إلى المسمى بالتسمية المذكورة، منقطعاً عن قول المسيح. والذي قرره الزمخشري لا يرد عليه هذا الاشكال، وهو حسن جداً، واللَّه أعلم.]] ، وهذه ثلاثة أشياء: الاسم منها عيسى، وأما المسيح والابن فلقب وصفة؟ قلت: الاسم للمسمى علامة يعرف بها ويتميز من غيره، فكأنه قيل: الذي يعرف به ويتميز ممن سواه مجموع هذه الثلاثة وَجِيهاً حال من (بِكَلِمَةٍ) وكذلك قوله: ومن المقربين، ويكلم، ومن الصالحين. أى يبشرك به موصوفا بهذه الصفات. وصح انتصاب الحال من النكرة لكونها موصوفة. والوجاهة في الدنيا: النبوّة والتقدم على الناس. وفي الآخرة الشفاعة وعلو الدرجة في الجنة. وكونه مِنَ الْمُقَرَّبِينَ رفعه إلى السماء وصحبته للملائكة. والمهد: ما يمهد للصبي من مضجعه، سمى بالمصدر.
وفِي الْمَهْدِ في محل النصب على الحال وَكَهْلًا عطف عليه بمعنى: ويكلم الناس طفلا وكهلا.
ومعناه: يكلم الناس في هاتين الحالتين كلام الأنبياء، من غير تفاوت بين حال الطفولة وحال الكهولة التي يستحكم فيها العقل ويستنبأ فيها الأنبياء. ومن بدع التفاسير أن قولها رَبِّ نداء لجبريل عليه السلام بمعنى يا سيدي (ونعلمه) عطف على يبشرك، أو على وجيها أو على يخلق، أو هو كلام مبتدأ. وقرأ عاصم ونافع: ويعلمه، بالياء. فإن قلت: علام تحمل: ورسولا، ومصدّقا، من المنصوبات المتقدّمة، وقوله: (أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ) و (لِما بَيْنَ يَدَيَّ) يأبى حمله عليها؟ قلت:
هو من المضايق، وفيه وجهان: أحدهما أن يضمر له «وأرسلت» على إرادة القول تقديره: ونعلمه الكتاب والحكمة، ويقول أرسلت رسولا بأنى قد جئتكم. ومصدقا لما بين يدي. والثاني أن الرسول والمصدّق فيهما معنى النطق، فكأنه قيل: وناطقا بأنى قد جئتكم، وناطقا بأنى أصدق ما بين يدي وقرأ اليزيدي: ورسول: عطفاً على كلمة أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ أصله أرسلت بأنى قد جئتكم، فحذف الجار وانتصب بالفعل، وأَنِّي أَخْلُقُ نصب بدل من أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ أو جرّ بدل من آية، أو رفع على: هي أنى أخلق لكم، وقرئ: إنى، بالكسر على الاستئناف، أى أقدر لكم شيئا مثل صورة الطير فَأَنْفُخُ فِيهِ الضمير للكاف، أى في ذلك الشيء المماثل لهيئة الطير فَيَكُونُ طَيْراً فيصير طيراً كسائر الطيور حياً. وقرأ عبد اللَّه: فأنفخها. قال:
كَالْهَبْرَقِىِّ تَنَحَّى يَنْفُخُ الْفَحْمَا [[مولى الريح قرنيه وجبهته ... كالهبرقى تنحى ينفخ الفحما
للنابغة يصف ثوراً وحشياً موجها قرنيه وجبهته إلى الريح، فهو مستقبلها برأسه وينفخ في مقابلتها بفمه، فيسمع له صوت، فهو كالهبرقى- وزان جعفري وزبرجى- وهو الحداد والصائغ. ويروى: كالحرقى، أى الحداد، نسبة لحرق النار، شبهه به سال كونه انحاز إلى ناحية ينفخ الفحم المنقد بالنار، فينفخ: حال متداخلة.]]
وقيل: لم يخلق غير الخفاش الْأَكْمَهَ الذي ولد أعمى، وقيل هو الممسوح العين. ويقال: لم يكن في هذه الأمّة أكمه غير قتادة بن دعامة السدوسي صاحب التفسير. وروى أنه ربما اجتمع عليه خمسون ألفا من المرضى، من أطاق منهم أتاه، ومن لم يطق أتاه عيسى، وما كانت مداواته إلا بالدعاء وحده. وكرر بِإِذْنِ اللَّهِ دفعاً لوهم من توهم فيه اللاهوتية. وروى أنه أحيا سام بن نوح وهم ينظرون، فقالوا هذا سحر فأرنا آية: فقال يا فلان أكلت كذا، ويا فلان خبئ لك كذا. وقرئ تذخرون، بالذال والتخفيف وَلِأُحِلَّ ردّ على قوله: (بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) أى جئتكم بآية من ربكم، ولأحل لكم ويجوز أن يكون (مُصَدِّقاً) مردودا عليه أيضا، أى جئتكم بآية وجئتكم مصدقا. وما حرم اللَّه عليهم في شريعة موسى: الشحوم والثروب [[قوله «الثروب» الشحوم الرقيقة التي تغشى الكرش والأمعاء. أفاده الصحاح. (ع)]] ولحوم الإبل، والسمك، وكل ذى ظفر، فأحل لهم عيسى بعض ذلك. وقيل: أحل لهم من السمك والطير ما لا صيصية [[قوله «ما لا صيصية له» الصيصية شوكة كالتي في رجل الديك. أفاده الصحاح. (ع)]] له. واختلفوا في إحلاله لهم السبت. وقرئ (حرم عليكم) على تسمية الفاعل، وهو ما بين يدىّ من التوراة، أو اللَّه عزّ وجلّ، أو موسى عليه السلام لأن ذكر التوراة دل عليه، ولأنه كان معلوما عندهم. وقرئ: حرم، بوزن كرم وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ شاهدة على صحة رسالتي وهي قوله إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ لأنّ جميع الرسل كانوا على هذا القول لم يختلفوا فيه: وقرئ بالفتح على البدل من (بِآيَةٍ) . وقوله فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ اعتراض، فإن قلت: كيف جعل هذا القول آية من ربه؟ قلت لأنّ اللَّه تعالى جعله له علامة يعرف منها أنه رسول كسائر الرسل، حيث هداه للنظر في أدلة العقل والاستدلال. ويجوز أن يكون تكريراً لقوله: (جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) أى جئتكم بآية بعد أخرى مما ذكرت لكم، من خلق الطير، والإبراء، والإحياء، والإنباء بالخفايا، وبغيره من ولادتي بغير أب، ومن كلامى في المهد، ومن سائر ذلك. وقرأ عبد اللَّه. وجئتكم بآيات من ربكم، فاتقوا اللَّه لما جئتكم به من الآيات، وأطيعونى فيما أدعوكم إليه. ثم ابتدأ فقال: إن اللَّه ربى وربكم. ومعنى قراءة من فتح:
ولأنّ اللَّه ربى وربكم فاعبدوه، كقوله: (لِإِيلافِ قُرَيْشٍ.....) َلْيَعْبُدُوا)
ويجوز أن يكون المعنى: وجئتكم بآية على أن اللَّه ربى وربكم وما بينهما اعتراض.
آل عمران 3:50
الْمَسِيحُ لقب من الألقاب المشرفة، كالصدّيق والفاروق، وأصله مشيحا بالعبرانية، ومعناه المبارك، كقوله: (وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ) وكذلك (عيسى) معرب من أيشوع، ومشتقهما من المسح والعيس، كالراقم في الماء. فإن قلت: (إِذْ قالَتِ) بم يتعلق؟ قلت: هو بدل من (وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ) ويجوز أن يبدل من (إِذْ يَخْتَصِمُونَ) على أن الاختصام والبشارة وقعا في زمان واسع، كما تقول: لقيته سنة كذا. فإن قلت: لم قيل: عيسى ابن مريم والخطاب لمريم [[قال محمود: «إن قلت لم قيل عيسى ابن مريم والخطاب لمريم ... الخ» قال أحمد: ويحقق هذا الجواب قولها (أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ) فانه لم يتقدم في وعد اللَّه لها بالولد ما يدل على أنه من غير أب، إلا أنه لما نسبه إليها دل على أنها فهمت من ذلك كونه من غير أب، واللَّه أعلم.]] ؟
قلت: لأنّ الأبناء ينسبون إلى الآباء لا إلى الأمهات، فأعلمت بنسبته إليها أنه يولد من غير أب فلا ينسب إلا إلى أمه، وبذلك فضلت واصطفيت على نساء العالمين. فإن قلت: لم ذكر ضمير الكلمة؟ قلت لأن المسمى بها مذكر. فإن قلت: لم قيل اسمه المسيح عيسى ابن مريم [[(عاد كلامه) قال: «فان قلت لم قيل اسمه المسيح عيسى ابن مريم ... الخ» قال أحمد: وفي هذا التقرير خلاص من إشكال يوردونه فيقولون: المسيح في الآية إن أريد به التسمية وهو الظاهر فما موقع قوله عيسى ابن مريم؟
والتسمية لا توصف بالنبوة، وإن أريد بالمسيح المسمي بهذه التسمية لم يلتئم مع قوله اسمه؟ ويجاب عن الاشكال بأن المسيح خبر عن قوله اسمه، والمراد التسمية، وأما عيسى ابن مريم فخبر مبتدإ محذوف تقديره: هو عيسى ابن مريم، ويكون الضمير عائدا إلى المسمى بالتسمية المذكورة، منقطعاً عن قول المسيح. والذي قرره الزمخشري لا يرد عليه هذا الاشكال، وهو حسن جداً، واللَّه أعلم.]] ، وهذه ثلاثة أشياء: الاسم منها عيسى، وأما المسيح والابن فلقب وصفة؟ قلت: الاسم للمسمى علامة يعرف بها ويتميز من غيره، فكأنه قيل: الذي يعرف به ويتميز ممن سواه مجموع هذه الثلاثة وَجِيهاً حال من (بِكَلِمَةٍ) وكذلك قوله: ومن المقربين، ويكلم، ومن الصالحين. أى يبشرك به موصوفا بهذه الصفات. وصح انتصاب الحال من النكرة لكونها موصوفة. والوجاهة في الدنيا: النبوّة والتقدم على الناس. وفي الآخرة الشفاعة وعلو الدرجة في الجنة. وكونه مِنَ الْمُقَرَّبِينَ رفعه إلى السماء وصحبته للملائكة. والمهد: ما يمهد للصبي من مضجعه، سمى بالمصدر.
وفِي الْمَهْدِ في محل النصب على الحال وَكَهْلًا عطف عليه بمعنى: ويكلم الناس طفلا وكهلا.
ومعناه: يكلم الناس في هاتين الحالتين كلام الأنبياء، من غير تفاوت بين حال الطفولة وحال الكهولة التي يستحكم فيها العقل ويستنبأ فيها الأنبياء. ومن بدع التفاسير أن قولها رَبِّ نداء لجبريل عليه السلام بمعنى يا سيدي (ونعلمه) عطف على يبشرك، أو على وجيها أو على يخلق، أو هو كلام مبتدأ. وقرأ عاصم ونافع: ويعلمه، بالياء. فإن قلت: علام تحمل: ورسولا، ومصدّقا، من المنصوبات المتقدّمة، وقوله: (أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ) و (لِما بَيْنَ يَدَيَّ) يأبى حمله عليها؟ قلت:
هو من المضايق، وفيه وجهان: أحدهما أن يضمر له «وأرسلت» على إرادة القول تقديره: ونعلمه الكتاب والحكمة، ويقول أرسلت رسولا بأنى قد جئتكم. ومصدقا لما بين يدي. والثاني أن الرسول والمصدّق فيهما معنى النطق، فكأنه قيل: وناطقا بأنى قد جئتكم، وناطقا بأنى أصدق ما بين يدي وقرأ اليزيدي: ورسول: عطفاً على كلمة أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ أصله أرسلت بأنى قد جئتكم، فحذف الجار وانتصب بالفعل، وأَنِّي أَخْلُقُ نصب بدل من أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ أو جرّ بدل من آية، أو رفع على: هي أنى أخلق لكم، وقرئ: إنى، بالكسر على الاستئناف، أى أقدر لكم شيئا مثل صورة الطير فَأَنْفُخُ فِيهِ الضمير للكاف، أى في ذلك الشيء المماثل لهيئة الطير فَيَكُونُ طَيْراً فيصير طيراً كسائر الطيور حياً. وقرأ عبد اللَّه: فأنفخها. قال:
كَالْهَبْرَقِىِّ تَنَحَّى يَنْفُخُ الْفَحْمَا [[مولى الريح قرنيه وجبهته ... كالهبرقى تنحى ينفخ الفحما
للنابغة يصف ثوراً وحشياً موجها قرنيه وجبهته إلى الريح، فهو مستقبلها برأسه وينفخ في مقابلتها بفمه، فيسمع له صوت، فهو كالهبرقى- وزان جعفري وزبرجى- وهو الحداد والصائغ. ويروى: كالحرقى، أى الحداد، نسبة لحرق النار، شبهه به سال كونه انحاز إلى ناحية ينفخ الفحم المنقد بالنار، فينفخ: حال متداخلة.]]
وقيل: لم يخلق غير الخفاش الْأَكْمَهَ الذي ولد أعمى، وقيل هو الممسوح العين. ويقال: لم يكن في هذه الأمّة أكمه غير قتادة بن دعامة السدوسي صاحب التفسير. وروى أنه ربما اجتمع عليه خمسون ألفا من المرضى، من أطاق منهم أتاه، ومن لم يطق أتاه عيسى، وما كانت مداواته إلا بالدعاء وحده. وكرر بِإِذْنِ اللَّهِ دفعاً لوهم من توهم فيه اللاهوتية. وروى أنه أحيا سام بن نوح وهم ينظرون، فقالوا هذا سحر فأرنا آية: فقال يا فلان أكلت كذا، ويا فلان خبئ لك كذا. وقرئ تذخرون، بالذال والتخفيف وَلِأُحِلَّ ردّ على قوله: (بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) أى جئتكم بآية من ربكم، ولأحل لكم ويجوز أن يكون (مُصَدِّقاً) مردودا عليه أيضا، أى جئتكم بآية وجئتكم مصدقا. وما حرم اللَّه عليهم في شريعة موسى: الشحوم والثروب [[قوله «الثروب» الشحوم الرقيقة التي تغشى الكرش والأمعاء. أفاده الصحاح. (ع)]] ولحوم الإبل، والسمك، وكل ذى ظفر، فأحل لهم عيسى بعض ذلك. وقيل: أحل لهم من السمك والطير ما لا صيصية [[قوله «ما لا صيصية له» الصيصية شوكة كالتي في رجل الديك. أفاده الصحاح. (ع)]] له. واختلفوا في إحلاله لهم السبت. وقرئ (حرم عليكم) على تسمية الفاعل، وهو ما بين يدىّ من التوراة، أو اللَّه عزّ وجلّ، أو موسى عليه السلام لأن ذكر التوراة دل عليه، ولأنه كان معلوما عندهم. وقرئ: حرم، بوزن كرم وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ شاهدة على صحة رسالتي وهي قوله إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ لأنّ جميع الرسل كانوا على هذا القول لم يختلفوا فيه: وقرئ بالفتح على البدل من (بِآيَةٍ) . وقوله فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ اعتراض، فإن قلت: كيف جعل هذا القول آية من ربه؟ قلت لأنّ اللَّه تعالى جعله له علامة يعرف منها أنه رسول كسائر الرسل، حيث هداه للنظر في أدلة العقل والاستدلال. ويجوز أن يكون تكريراً لقوله: (جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) أى جئتكم بآية بعد أخرى مما ذكرت لكم، من خلق الطير، والإبراء، والإحياء، والإنباء بالخفايا، وبغيره من ولادتي بغير أب، ومن كلامى في المهد، ومن سائر ذلك. وقرأ عبد اللَّه. وجئتكم بآيات من ربكم، فاتقوا اللَّه لما جئتكم به من الآيات، وأطيعونى فيما أدعوكم إليه. ثم ابتدأ فقال: إن اللَّه ربى وربكم. ومعنى قراءة من فتح:
ولأنّ اللَّه ربى وربكم فاعبدوه، كقوله: (لِإِيلافِ قُرَيْشٍ.....) َلْيَعْبُدُوا)
ويجوز أن يكون المعنى: وجئتكم بآية على أن اللَّه ربى وربكم وما بينهما اعتراض.
آل عمران 3:51
الْمَسِيحُ لقب من الألقاب المشرفة، كالصدّيق والفاروق، وأصله مشيحا بالعبرانية، ومعناه المبارك، كقوله: (وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ) وكذلك (عيسى) معرب من أيشوع، ومشتقهما من المسح والعيس، كالراقم في الماء. فإن قلت: (إِذْ قالَتِ) بم يتعلق؟ قلت: هو بدل من (وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ) ويجوز أن يبدل من (إِذْ يَخْتَصِمُونَ) على أن الاختصام والبشارة وقعا في زمان واسع، كما تقول: لقيته سنة كذا. فإن قلت: لم قيل: عيسى ابن مريم والخطاب لمريم [[قال محمود: «إن قلت لم قيل عيسى ابن مريم والخطاب لمريم ... الخ» قال أحمد: ويحقق هذا الجواب قولها (أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ) فانه لم يتقدم في وعد اللَّه لها بالولد ما يدل على أنه من غير أب، إلا أنه لما نسبه إليها دل على أنها فهمت من ذلك كونه من غير أب، واللَّه أعلم.]] ؟
قلت: لأنّ الأبناء ينسبون إلى الآباء لا إلى الأمهات، فأعلمت بنسبته إليها أنه يولد من غير أب فلا ينسب إلا إلى أمه، وبذلك فضلت واصطفيت على نساء العالمين. فإن قلت: لم ذكر ضمير الكلمة؟ قلت لأن المسمى بها مذكر. فإن قلت: لم قيل اسمه المسيح عيسى ابن مريم [[(عاد كلامه) قال: «فان قلت لم قيل اسمه المسيح عيسى ابن مريم ... الخ» قال أحمد: وفي هذا التقرير خلاص من إشكال يوردونه فيقولون: المسيح في الآية إن أريد به التسمية وهو الظاهر فما موقع قوله عيسى ابن مريم؟
والتسمية لا توصف بالنبوة، وإن أريد بالمسيح المسمي بهذه التسمية لم يلتئم مع قوله اسمه؟ ويجاب عن الاشكال بأن المسيح خبر عن قوله اسمه، والمراد التسمية، وأما عيسى ابن مريم فخبر مبتدإ محذوف تقديره: هو عيسى ابن مريم، ويكون الضمير عائدا إلى المسمى بالتسمية المذكورة، منقطعاً عن قول المسيح. والذي قرره الزمخشري لا يرد عليه هذا الاشكال، وهو حسن جداً، واللَّه أعلم.]] ، وهذه ثلاثة أشياء: الاسم منها عيسى، وأما المسيح والابن فلقب وصفة؟ قلت: الاسم للمسمى علامة يعرف بها ويتميز من غيره، فكأنه قيل: الذي يعرف به ويتميز ممن سواه مجموع هذه الثلاثة وَجِيهاً حال من (بِكَلِمَةٍ) وكذلك قوله: ومن المقربين، ويكلم، ومن الصالحين. أى يبشرك به موصوفا بهذه الصفات. وصح انتصاب الحال من النكرة لكونها موصوفة. والوجاهة في الدنيا: النبوّة والتقدم على الناس. وفي الآخرة الشفاعة وعلو الدرجة في الجنة. وكونه مِنَ الْمُقَرَّبِينَ رفعه إلى السماء وصحبته للملائكة. والمهد: ما يمهد للصبي من مضجعه، سمى بالمصدر.
وفِي الْمَهْدِ في محل النصب على الحال وَكَهْلًا عطف عليه بمعنى: ويكلم الناس طفلا وكهلا.
ومعناه: يكلم الناس في هاتين الحالتين كلام الأنبياء، من غير تفاوت بين حال الطفولة وحال الكهولة التي يستحكم فيها العقل ويستنبأ فيها الأنبياء. ومن بدع التفاسير أن قولها رَبِّ نداء لجبريل عليه السلام بمعنى يا سيدي (ونعلمه) عطف على يبشرك، أو على وجيها أو على يخلق، أو هو كلام مبتدأ. وقرأ عاصم ونافع: ويعلمه، بالياء. فإن قلت: علام تحمل: ورسولا، ومصدّقا، من المنصوبات المتقدّمة، وقوله: (أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ) و (لِما بَيْنَ يَدَيَّ) يأبى حمله عليها؟ قلت:
هو من المضايق، وفيه وجهان: أحدهما أن يضمر له «وأرسلت» على إرادة القول تقديره: ونعلمه الكتاب والحكمة، ويقول أرسلت رسولا بأنى قد جئتكم. ومصدقا لما بين يدي. والثاني أن الرسول والمصدّق فيهما معنى النطق، فكأنه قيل: وناطقا بأنى قد جئتكم، وناطقا بأنى أصدق ما بين يدي وقرأ اليزيدي: ورسول: عطفاً على كلمة أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ أصله أرسلت بأنى قد جئتكم، فحذف الجار وانتصب بالفعل، وأَنِّي أَخْلُقُ نصب بدل من أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ أو جرّ بدل من آية، أو رفع على: هي أنى أخلق لكم، وقرئ: إنى، بالكسر على الاستئناف، أى أقدر لكم شيئا مثل صورة الطير فَأَنْفُخُ فِيهِ الضمير للكاف، أى في ذلك الشيء المماثل لهيئة الطير فَيَكُونُ طَيْراً فيصير طيراً كسائر الطيور حياً. وقرأ عبد اللَّه: فأنفخها. قال:
كَالْهَبْرَقِىِّ تَنَحَّى يَنْفُخُ الْفَحْمَا [[مولى الريح قرنيه وجبهته ... كالهبرقى تنحى ينفخ الفحما
للنابغة يصف ثوراً وحشياً موجها قرنيه وجبهته إلى الريح، فهو مستقبلها برأسه وينفخ في مقابلتها بفمه، فيسمع له صوت، فهو كالهبرقى- وزان جعفري وزبرجى- وهو الحداد والصائغ. ويروى: كالحرقى، أى الحداد، نسبة لحرق النار، شبهه به سال كونه انحاز إلى ناحية ينفخ الفحم المنقد بالنار، فينفخ: حال متداخلة.]]
وقيل: لم يخلق غير الخفاش الْأَكْمَهَ الذي ولد أعمى، وقيل هو الممسوح العين. ويقال: لم يكن في هذه الأمّة أكمه غير قتادة بن دعامة السدوسي صاحب التفسير. وروى أنه ربما اجتمع عليه خمسون ألفا من المرضى، من أطاق منهم أتاه، ومن لم يطق أتاه عيسى، وما كانت مداواته إلا بالدعاء وحده. وكرر بِإِذْنِ اللَّهِ دفعاً لوهم من توهم فيه اللاهوتية. وروى أنه أحيا سام بن نوح وهم ينظرون، فقالوا هذا سحر فأرنا آية: فقال يا فلان أكلت كذا، ويا فلان خبئ لك كذا. وقرئ تذخرون، بالذال والتخفيف وَلِأُحِلَّ ردّ على قوله: (بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) أى جئتكم بآية من ربكم، ولأحل لكم ويجوز أن يكون (مُصَدِّقاً) مردودا عليه أيضا، أى جئتكم بآية وجئتكم مصدقا. وما حرم اللَّه عليهم في شريعة موسى: الشحوم والثروب [[قوله «الثروب» الشحوم الرقيقة التي تغشى الكرش والأمعاء. أفاده الصحاح. (ع)]] ولحوم الإبل، والسمك، وكل ذى ظفر، فأحل لهم عيسى بعض ذلك. وقيل: أحل لهم من السمك والطير ما لا صيصية [[قوله «ما لا صيصية له» الصيصية شوكة كالتي في رجل الديك. أفاده الصحاح. (ع)]] له. واختلفوا في إحلاله لهم السبت. وقرئ (حرم عليكم) على تسمية الفاعل، وهو ما بين يدىّ من التوراة، أو اللَّه عزّ وجلّ، أو موسى عليه السلام لأن ذكر التوراة دل عليه، ولأنه كان معلوما عندهم. وقرئ: حرم، بوزن كرم وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ شاهدة على صحة رسالتي وهي قوله إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ لأنّ جميع الرسل كانوا على هذا القول لم يختلفوا فيه: وقرئ بالفتح على البدل من (بِآيَةٍ) . وقوله فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ اعتراض، فإن قلت: كيف جعل هذا القول آية من ربه؟ قلت لأنّ اللَّه تعالى جعله له علامة يعرف منها أنه رسول كسائر الرسل، حيث هداه للنظر في أدلة العقل والاستدلال. ويجوز أن يكون تكريراً لقوله: (جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) أى جئتكم بآية بعد أخرى مما ذكرت لكم، من خلق الطير، والإبراء، والإحياء، والإنباء بالخفايا، وبغيره من ولادتي بغير أب، ومن كلامى في المهد، ومن سائر ذلك. وقرأ عبد اللَّه. وجئتكم بآيات من ربكم، فاتقوا اللَّه لما جئتكم به من الآيات، وأطيعونى فيما أدعوكم إليه. ثم ابتدأ فقال: إن اللَّه ربى وربكم. ومعنى قراءة من فتح:
ولأنّ اللَّه ربى وربكم فاعبدوه، كقوله: (لِإِيلافِ قُرَيْشٍ.....) َلْيَعْبُدُوا)
ويجوز أن يكون المعنى: وجئتكم بآية على أن اللَّه ربى وربكم وما بينهما اعتراض.
آل عمران 3:52
فَلَمَّا أَحَسَّ فلما علم منهم الْكُفْرَ علما لا شبهة فيه كعلم ما يدرك بالحواس. وإِلَى اللَّهِ من صلة أنصارى مضمنا معنى الإضافة، كأنه قيل: من الذين يضيفون أنفسهم إلى اللَّه، ينصرونني كما ينصرني، أو يتعلق بمحذوف حالا من الياء، أى من أنصارى، ذاهبا إلى اللَّه ملتجئا إليه نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ أى أنصار دينه ورسوله. وحوارىّ الرجل: صفوته وخالصته. ومنه قيل للحضريات الحواريات لخلوص ألوانهن ونظافتهن، قال:
فَفُلْ لِلْحَوَارِيَّاتِ يَبْكِينَ غَيْرَنَا ... وَلَا تَبْكِنَا إلّا الْكِلَابُ النَّوَابِحُ [[لليشكرى، يقول: فقل للنساء الحضريات الصافيات البياض يبكين غيرنا، كناية عن أنه ليس من أهل التنعم، ثم نهى عن أن يبكيهم أحد إلا الكلاب التي تساق معهم للصيد، أو التي جرت عادتها بأكل قتلاهم في الحرب أو التي تنبحهم إذا أقبلوا على أصحابها، كناية عن أنه من أهل البدو والغزو.]]
وفي وزنه الحوالى، وهو الكثير الحيلة. وإنما طلبوا شهادته بإسلامهم تأكيداً لإيمانهم، لأنّ الرسل يشهدون يوم القيامة لقومهم وعليهم مَعَ الشَّاهِدِينَ مع الأنبياء الذين يشهدون لأممهم أو مع الذين يشهدون بالوحدانية. وقيل: مع أمة محمد صلى اللَّه عليه وسلم لأنهم شهداء على الناس وَمَكَرُوا الواو لكفار بنى إسرائيل الذين أحس منهم الكفر، ومكرهم أنهم وكلوا به من يقتله غيلة وَمَكَرَ اللَّهُ أن رفع عيسى إلى السماء وألفى شبهه على من أراد اغتياله حتى قتل وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ أقواهم مكراً وأنفذهم كيدا وأقدرهم على العقاب من حيث لا يشعر المعاقب.
آل عمران 3:53
فَلَمَّا أَحَسَّ فلما علم منهم الْكُفْرَ علما لا شبهة فيه كعلم ما يدرك بالحواس. وإِلَى اللَّهِ من صلة أنصارى مضمنا معنى الإضافة، كأنه قيل: من الذين يضيفون أنفسهم إلى اللَّه، ينصرونني كما ينصرني، أو يتعلق بمحذوف حالا من الياء، أى من أنصارى، ذاهبا إلى اللَّه ملتجئا إليه نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ أى أنصار دينه ورسوله. وحوارىّ الرجل: صفوته وخالصته. ومنه قيل للحضريات الحواريات لخلوص ألوانهن ونظافتهن، قال:
فَفُلْ لِلْحَوَارِيَّاتِ يَبْكِينَ غَيْرَنَا ... وَلَا تَبْكِنَا إلّا الْكِلَابُ النَّوَابِحُ [[لليشكرى، يقول: فقل للنساء الحضريات الصافيات البياض يبكين غيرنا، كناية عن أنه ليس من أهل التنعم، ثم نهى عن أن يبكيهم أحد إلا الكلاب التي تساق معهم للصيد، أو التي جرت عادتها بأكل قتلاهم في الحرب أو التي تنبحهم إذا أقبلوا على أصحابها، كناية عن أنه من أهل البدو والغزو.]]
وفي وزنه الحوالى، وهو الكثير الحيلة. وإنما طلبوا شهادته بإسلامهم تأكيداً لإيمانهم، لأنّ الرسل يشهدون يوم القيامة لقومهم وعليهم مَعَ الشَّاهِدِينَ مع الأنبياء الذين يشهدون لأممهم أو مع الذين يشهدون بالوحدانية. وقيل: مع أمة محمد صلى اللَّه عليه وسلم لأنهم شهداء على الناس وَمَكَرُوا الواو لكفار بنى إسرائيل الذين أحس منهم الكفر، ومكرهم أنهم وكلوا به من يقتله غيلة وَمَكَرَ اللَّهُ أن رفع عيسى إلى السماء وألفى شبهه على من أراد اغتياله حتى قتل وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ أقواهم مكراً وأنفذهم كيدا وأقدرهم على العقاب من حيث لا يشعر المعاقب.
آل عمران 3:54
فَلَمَّا أَحَسَّ فلما علم منهم الْكُفْرَ علما لا شبهة فيه كعلم ما يدرك بالحواس. وإِلَى اللَّهِ من صلة أنصارى مضمنا معنى الإضافة، كأنه قيل: من الذين يضيفون أنفسهم إلى اللَّه، ينصرونني كما ينصرني، أو يتعلق بمحذوف حالا من الياء، أى من أنصارى، ذاهبا إلى اللَّه ملتجئا إليه نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ أى أنصار دينه ورسوله. وحوارىّ الرجل: صفوته وخالصته. ومنه قيل للحضريات الحواريات لخلوص ألوانهن ونظافتهن، قال:
فَفُلْ لِلْحَوَارِيَّاتِ يَبْكِينَ غَيْرَنَا ... وَلَا تَبْكِنَا إلّا الْكِلَابُ النَّوَابِحُ [[لليشكرى، يقول: فقل للنساء الحضريات الصافيات البياض يبكين غيرنا، كناية عن أنه ليس من أهل التنعم، ثم نهى عن أن يبكيهم أحد إلا الكلاب التي تساق معهم للصيد، أو التي جرت عادتها بأكل قتلاهم في الحرب أو التي تنبحهم إذا أقبلوا على أصحابها، كناية عن أنه من أهل البدو والغزو.]]
وفي وزنه الحوالى، وهو الكثير الحيلة. وإنما طلبوا شهادته بإسلامهم تأكيداً لإيمانهم، لأنّ الرسل يشهدون يوم القيامة لقومهم وعليهم مَعَ الشَّاهِدِينَ مع الأنبياء الذين يشهدون لأممهم أو مع الذين يشهدون بالوحدانية. وقيل: مع أمة محمد صلى اللَّه عليه وسلم لأنهم شهداء على الناس وَمَكَرُوا الواو لكفار بنى إسرائيل الذين أحس منهم الكفر، ومكرهم أنهم وكلوا به من يقتله غيلة وَمَكَرَ اللَّهُ أن رفع عيسى إلى السماء وألفى شبهه على من أراد اغتياله حتى قتل وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ أقواهم مكراً وأنفذهم كيدا وأقدرهم على العقاب من حيث لا يشعر المعاقب.
آل عمران 3:55
إِذْ قالَ اللَّهُ ظرف لخير الماكرين أو لمكر اللَّه إِنِّي مُتَوَفِّيكَ أى مستوفى أجلك.
معناه: إنى عاصمك [[قوله «أى مستوفى أجلك ومعناه إنى عاصمك» مبنى على أن القتيل يموت قبل استيفاء أجله، وهو مذهب المعتزلة. (ع)]] من أن يقتلك الكفار ومؤخرك إلى أجل كتبته لك. ومميتك حتف أنفك لا قتيلا بأيديهم وَرافِعُكَ إِلَيَّ إلى سمائي ومقرّ ملائكتي وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا من سوء جوارهم وخبث صحبتهم. وقيل متوفيك: قابضك من الأرض، من توفيت مالى على فلان إذا استوفيته: وقيل: مميتك في وقتك بعد النزول من السماء ورافعك الآن: وقيل:
متوفى نفسك بالنوم من قوله: (وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها) ورافعك وأنت نائم حتى لا يلحقك خوف، وتستيقظ وأنت في السماء آمن مقرب فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ يعلونهم بالحجة وفي أكثر الأحوال بها وبالسيف، ومتبعوه هم المسلمون لأنهم متبعوه في أصل الإسلام وإن اختلفت الشرائع، دون الذين كذبوه وكذبوا عليه من اليهود والنصارى فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ تفسير الحكم قوله فَأُعَذِّبُهُمْ ... ) (فنوفيهم أجورهم) [[قوله «فأعذبهم فنوفيهم» هذا في الذين كفروا. وقوله: فنوفيهم ... الخ، في الذين آمنوا. (ع)]] وقرئ فيوفيهم بالياء.
آل عمران 3:56
إِذْ قالَ اللَّهُ ظرف لخير الماكرين أو لمكر اللَّه إِنِّي مُتَوَفِّيكَ أى مستوفى أجلك.
معناه: إنى عاصمك [[قوله «أى مستوفى أجلك ومعناه إنى عاصمك» مبنى على أن القتيل يموت قبل استيفاء أجله، وهو مذهب المعتزلة. (ع)]] من أن يقتلك الكفار ومؤخرك إلى أجل كتبته لك. ومميتك حتف أنفك لا قتيلا بأيديهم وَرافِعُكَ إِلَيَّ إلى سمائي ومقرّ ملائكتي وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا من سوء جوارهم وخبث صحبتهم. وقيل متوفيك: قابضك من الأرض، من توفيت مالى على فلان إذا استوفيته: وقيل: مميتك في وقتك بعد النزول من السماء ورافعك الآن: وقيل:
متوفى نفسك بالنوم من قوله: (وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها) ورافعك وأنت نائم حتى لا يلحقك خوف، وتستيقظ وأنت في السماء آمن مقرب فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ يعلونهم بالحجة وفي أكثر الأحوال بها وبالسيف، ومتبعوه هم المسلمون لأنهم متبعوه في أصل الإسلام وإن اختلفت الشرائع، دون الذين كذبوه وكذبوا عليه من اليهود والنصارى فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ تفسير الحكم قوله فَأُعَذِّبُهُمْ ... ) (فنوفيهم أجورهم) [[قوله «فأعذبهم فنوفيهم» هذا في الذين كفروا. وقوله: فنوفيهم ... الخ، في الذين آمنوا. (ع)]] وقرئ فيوفيهم بالياء.
آل عمران 3:57
إِذْ قالَ اللَّهُ ظرف لخير الماكرين أو لمكر اللَّه إِنِّي مُتَوَفِّيكَ أى مستوفى أجلك.
معناه: إنى عاصمك [[قوله «أى مستوفى أجلك ومعناه إنى عاصمك» مبنى على أن القتيل يموت قبل استيفاء أجله، وهو مذهب المعتزلة. (ع)]] من أن يقتلك الكفار ومؤخرك إلى أجل كتبته لك. ومميتك حتف أنفك لا قتيلا بأيديهم وَرافِعُكَ إِلَيَّ إلى سمائي ومقرّ ملائكتي وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا من سوء جوارهم وخبث صحبتهم. وقيل متوفيك: قابضك من الأرض، من توفيت مالى على فلان إذا استوفيته: وقيل: مميتك في وقتك بعد النزول من السماء ورافعك الآن: وقيل:
متوفى نفسك بالنوم من قوله: (وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها) ورافعك وأنت نائم حتى لا يلحقك خوف، وتستيقظ وأنت في السماء آمن مقرب فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ يعلونهم بالحجة وفي أكثر الأحوال بها وبالسيف، ومتبعوه هم المسلمون لأنهم متبعوه في أصل الإسلام وإن اختلفت الشرائع، دون الذين كذبوه وكذبوا عليه من اليهود والنصارى فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ تفسير الحكم قوله فَأُعَذِّبُهُمْ ... ) (فنوفيهم أجورهم) [[قوله «فأعذبهم فنوفيهم» هذا في الذين كفروا. وقوله: فنوفيهم ... الخ، في الذين آمنوا. (ع)]] وقرئ فيوفيهم بالياء.
آل عمران 3:58
ذلِكَ إشارة إلى ما سبق من نبإ عيسى وغيره وهو مبتدأ خبره (نَتْلُوهُ) و (مِنَ الْآياتِ) خبر بعد خبر أو خبر مبتدإ محذوف. ويجوز أن يكون ذلك بمعنى الذي، ونتلوه صلته. ومن الآيات الخبر: ويجوز أن ينتصب ذلك بمضمر تفسيره نتلوه وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ القرآن، وصف بصفة من هو سببه، أو كأنه ينطق بالحكمة لكثرة حكمه.
آل عمران 3:59
إِنَّ مَثَلَ عِيسى إن شأن عيسى وحاله الغريبة كشأن آدم. وقوله خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ جملة مفسرة لما له شبه [[قوله «لما له شبه» أى للأمر الذي لأجله كان ذلك التشبيه. (ع)]] عيسى بآدم أى خلق آدم من تراب ولم يكن ثمة أب ولا أم، وكذلك حال عيسى. فإن قلت: كيف شبه به وقد وجد هو من غير أب، ووجد آدم من غير أب وأم؟ قلت:
هو مثيله في إحدى الطرفين، فلا يمنع اختصاصه دونه بالطرف الآخر من تشبيهه به، لأنّ المماثلة مشاركة في بعض الأوصاف، ولأنه شبه به لأنه وجد وجودا خارجا عن العادة المستمرة، وهما في ذلك نظيران، ولأن الوجود من غير أب وأم أغرب وأخرق للعادة من الوجود بغير أب، فشبه الغريب بالأغرب ليكون أقطع للخصم وأحسم لمادة شبهته إذا نظر فيما هو أغرب مما استغربه.
وعن بعض العلماء أنه أسر بالروم فقال لهم: لِمَ تعبدون عيسى، قالوا: لأنه لا أب له. قال. فآدم أولى لأنه لا أبوين له. قالوا: كان يحيى الموتى. قال: فحزقيل أولى، لأن عيسى أحيا أربعة نفر، وأحيا حزقيل ثمانية آلاف. قالوا: كان يبرئ الأكمه والأبرص. قال: فجرجيس أولى، لأنه طبخ وأحرق ثم قام سالما. خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ قدّره جسداً من طين ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ أى أنشأه بشراً كقوله (ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ) . فَيَكُونُ حكاية حال ماضية.
آل عمران 3:60
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ خبر مبتدإ محذوف، أى هو الحق كقول أهل خيبر: محمد والخميس [[هو طرف من حديث لأنس متفق عليه، بلفظ «صبح رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أهل خيبر وقد خرجوا بالمساحي على أعناقهم فلما رأوه قالوا: هذا محمد والخميس ... الحديث» وسيأتى في سورة الصافات.]] .
ونهيه عن الامتراء- وجل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أن يكون ممتريا- من باب التهييج لزيادة الثبات والطمأنينة، وأن يكون لطفا لغيره.
آل عمران 3:61
فَمَنْ حَاجَّكَ من النصارى فِيهِ في عيسى مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ أى من البينات الموجبة للعلم تَعالَوْا هلموا. والمراد المجيء بالرأى والعزم، كما نقول تعال نفكر في هذه المسألة نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ أى يدع كل منى ومنكم أبناءه ونساءه ونفسه إلى المباهلة ثُمَّ نَبْتَهِلْ ثم نتباهل بأن نقول بهلة اللَّه على الكاذب منا ومنكم. والبهلة بالفتح، والضم: اللعنة. وبهله اللَّه لعنه وأبعده من رحمته من قولك «أبهله» إذا أهمله. وناقة باهل: لاصرار عليها [[قوله «وناقة باهل لاصرار عليها» في الصحاح صررت الناقة شددت عليها الصرار، وهو خيط يشد فوق الخلف والتودية، لئلا يرضعها ولدها. وفيه الخلف: حلمة ضرع الناقة. وفيه التودية: خشبة تشد عليه. (ع)]] وأصل الابتهال هذا، ثم استعمل في كل دعاء يجتهد فيه وإن لم يكن التعانا. وروى «أنهم لما دعاهم إلى المباهلة قالوا: حتى نرجع وننظر، فلما تخالوا قالوا للعاقب وكان ذا رأيهم: يا عبد المسيح، ما ترى؟ فقال واللَّه لقد عرفتم يا معشر النصارى أنّ محمداً نبىٌّ مرسل، وقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم، واللَّه ما باهل قوم نبيا قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم، ولئن فعلتم لتهلكنّ فإن أبيتم إلا إلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه، فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم، فأتى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وقد غدا محتضنا الحسين آخذاً بيد الحسن وفاطمة تمشى خلفه وعلىٌّ خلفها وهو يقول: «إذا أنا دعوت فأمّنوا» فقال أسقف نجران [[قوله «فقال أسقف نجران يا معشر النصارى» أى حبرهم عبد المسيح اه. (ع)]] : يا معشر النصارى، إنى لأرى وجوها لو شاء اللَّه أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله بها، فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة، فقالوا: يا أبا القاسم رأينا أن لا نباهلك وأن نقرّك على دينك ونثبت على ديننا قال «فإذا أبيتم المباهلة فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم» فأبوا. قال: «فإنى أناجزكم» فقالوا:
ما لنا بحرب العرب طاقة، ولكن نصالحك على أن لا تغزونا ولا تخيفنا ولا ترددنا عن ديننا على أنّ نؤدي إليك كل عام ألفى حلة: ألف في صفر، وألف في رجب، وثلاثين درعا عادية من حديد. فصالحهم على ذلك [[أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة، من طريق محمد بن مروان السدى عن الكلبي عن أبى صالح عن ابن عباس بطوله وابن مروان متروك متهم بالكذب ثم أخرج أبو نعيم نحوه عن الشعبي مرسلا، وفيه «فان أبيتم المباهلة فأسلموا ولكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم، فان أبيتم فأعطونا الجزية، كما قال اللَّه تعالى. قالوا: ما نملك إلا أنفسنا قال: فان أبيتم فانى أنبذ إليكم على سواء، فقالوا: لا طاقة لنا بحرب العرب، ولكن نؤدي الجزية، فجعل عليهم في كل سنة ألفى حلة: ألفاً في صفر، وألفاً في رجب، فقال صلى اللَّه عليه وسلم: لقد أتانى البشير بهلكة أهل نجران لو تموا على الملاعنة» رواه الطبري من طريق أبى إسحاق، حدثني محمد بن جعفر بن الزبير في قوله: (إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ) فذكره مرسلا، وفي سنن أبى داود من حديث ابن عباس «صالح النبي صلى اللَّه عليه وسلم أهل نجران على ألفى حلة النصف في صفر، والبقية في رجب يؤدونه إلى المسلمين، وعارية ثلاثين درعا وثلاثين فرساً وثلاثين بعيراً، وثلاثين من كل صنف من أصناف السلاح يغزون بها والمسلمون ضامنون لها حتى يردوها عليهم» وهو طرف من هذه القصة.]] وقال: «والذي نفسي بيده، إن الهلاك قد تدلى على أهل نجران ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم عليهم الوادي ناراً، ولاستأصل اللَّه نجران وأهله حتى الطير على رؤس الشجر، ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى يهلكوا» وعن عائشة رضى اللَّه عنها أنّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم خرج وعليه مرط مرجل من شعر أسود، فجاء الحسن فأدخله، ثم جاء الحسين فأدخله، ثم فاطمة، ثم على، ثم قال: [[أخرجه مسلم من طريق صفية بنت شيبة عنها. وغفل الحاكم فاستدركه.]] (إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ) فإن قلت. ما كان دعاؤه إلى المباهلة إلا ليتبين الكاذب منه ومن خصمه وذلك أمر يختص به وبمن يكاذبه، فما معنى ضم الأبناء والنساء؟ قلت: ذلك آكد في الدلالة على ثقته بحاله واستيقانه بصدقه، حيث استجرأ على تعريض أعزته وأفلاذ كبده [[قوله «وأفلاذ كبده وأحب الناس إليه» في الصحاح: الفلذ: كبد البعير. والجمع: أفلاذ. والفلذة: القطعة من الكبد واللحم والمال وغيرها، والجمع فلذ اه، فتدبر. (ع)]] وأحب الناس إليه لذلك ولم يقتصر على تعريض نفسه له، وعلى ثقته بكذب خصمه حتى يهلك خصمه مع أحبته وأعزته هلاك الاستئصال إن تمت المباهلة. وخص الأبناء والنساء لأنهم أعز الأهل وألصقهم بالقلوب، وربما فداهم الرجل بنفسه وحارب دونهم حتى يقتل. ومن ثمة كانوا يسوقون مع أنفسهم الظعائن في الحروب لتمنعهم من الهرب، ويسمون الذادة عنها بأرواحهم حماة الحقائق. وقدمهم في الذكر على الأنفس لينبه على لطف مكانهم وقرب منزلتهم، وليؤذن بأنهم مقدمون على الأنفس مفدون بها. وفيه دليل لا شيء أقوى منه على فضل أصحاب الكساء عليهم السلام. وفيه برهان واضح على صحة نبوة النبي صلى اللَّه عليه وسلم لأنه لم يرو أحد من موافق ولا مخالف أنهم أجابوا إلى ذلك.
آل عمران 3:62
إِنَّ هذا الذي قص عليك من نبأ عيسى لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ قرئ بتحريك الهاء على الأصل وبالسكون، لأن اللام تنزل من (هو) منزلة بعضه، فخفف كما خفف عضد. وهو إما فصل بين اسم إن وخبرها، وإما مبتدأ والقصص الحق خبره، والجملة خبر إن. فإن قلت: لم جاز دخول اللام على الفصل؟ قلت: إذا جاز دخولها على الخبر كان دخولها على الفصل أجوز، لأنه أقرب إلى المبتدإ منه، وأصلها أن تدخل على المبتدإ. و «من» في قوله وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ بمنزلة البناء على الفتح في: (إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ) في إفادة معنى الاستغراق، والمراد والردّ على النصارى في تثليثهم فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ وعيد لهم بالعذاب المذكور في قوله: (زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ)
آل عمران 3:63
إِنَّ هذا الذي قص عليك من نبأ عيسى لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ قرئ بتحريك الهاء على الأصل وبالسكون، لأن اللام تنزل من (هو) منزلة بعضه، فخفف كما خفف عضد. وهو إما فصل بين اسم إن وخبرها، وإما مبتدأ والقصص الحق خبره، والجملة خبر إن. فإن قلت: لم جاز دخول اللام على الفصل؟ قلت: إذا جاز دخولها على الخبر كان دخولها على الفصل أجوز، لأنه أقرب إلى المبتدإ منه، وأصلها أن تدخل على المبتدإ. و «من» في قوله وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ بمنزلة البناء على الفتح في: (إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ) في إفادة معنى الاستغراق، والمراد والردّ على النصارى في تثليثهم فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ وعيد لهم بالعذاب المذكور في قوله: (زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ)
آل عمران 3:64
يا أَهْلَ الْكِتابِ قيل هم أهل الكتابين. وقيل: وفد نجران. وقيل: يهود المدينة سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ
مستوية بيننا وبينكم، لا يختلف فيها القرآن والتوراة والإنجيل. وتفسير الكلمة قوله أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ يعنى تعالوا إليها حتى لا نقول: عزيز ابن اللَّه، ولا المسيح ابن اللَّه، لأن كل واحد منهما بعضنا بشر مثلنا، ولا نطيع أحبارنا فيما أحدثوا من التحريم والتحليل من غير رجوع إلى ما شرع اللَّه، كقوله تعالى (اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً) وعن عدى بن حاتم: ما كنا نعبدهم يا رسول اللَّه، قال: أليس كانوا يحلون لكم ويحرمون فتأخذون بقولهم؟ قال: نعم. قال: هو ذاك. وعن الفضيل: لا أبالى أطعت مخلوقا في معصية الخالق، أو صليت لغير القبلة. وقرئ (كلمة) بسكون اللام. وقرأ الحسن (سواء) بالنصب بمعنى استوت استواء فَإِنْ تَوَلَّوْا عن التوحيد فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ أى لزمتكم الحجة فوجب عليكم أن تعترفوا وتسلموا بأنا مسلمون دونكم، كما يقول الغالب للمغلوب في جدال أو صراع أو غيرهما. اعترف بأنى أنا الغالب وسلم لي الغلبة. ويجوز أن يكون من باب التعريض، ومعناه:
اشهدوا واعترفوا بأنكم كافرون حيث توليتم عن الحق بعد ظهوره. زعم كل فريق من اليهود والنصارى أن إبراهيم كان منهم، وجادلوا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم والمؤمنين فيه فقيل لهم: إن اليهودية إنما حدثت بعد نزول التوراة، والنصرانية بعد نزول الإنجيل، وبين إبراهيم وموسى ألف سنة، وبينه وبين عيسى ألفان، فكيف يكون إبراهيم على دين لم يحدث إلا بعد عهده بأزمنة متطاولة؟ أَفَلا تَعْقِلُونَ حتى لا تجادلوا مثل هذا الجدال المحال ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ ها للتنبيه، وأنتم مبتدأ وهؤلاء خبره. وحاجَجْتُمْ جملة مستأنفة مبينة للجملة الأولى، يعنى أنتم هؤلاء الأشخاص الحمقى وبيان حماقتكم وقلة عقولكم أنكم جادلتم فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ مما نطق به التوراة والإنجيل فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ ولا ذكر له في كتابيكم من دين إبراهيم. وعن الأخفش: ها أنتم هو آأنتم على الاستفهام، فقلبت الهمزة هاء. ومعنى الاستفهام التعجب من حماقتهم. وقيل (هؤُلاءِ) بمعنى الذين و (حاجَجْتُمْ) صلته وَاللَّهُ يَعْلَمُ علم ما حاججتم فيه وَأَنْتُمْ جاهلون به ثم أعلمهم بأنه بريء من دينكم وما كان إلا حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ كما لم يكن منكم. أو أراد بالمشركين اليهود والنصارى لإشراكهم به عزيراً والمسيح إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ إن أخصهم به وأقربهم منه من الولي وهو القرب لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في زمانه وبعده وَهذَا النَّبِيُّ خصوصا وَالَّذِينَ آمَنُوا من أمته. وقرئ: وهذا النبىَّ، بالنصب عطفاً على الهاء في اتبعوه، أى اتبعوه واتبعوا هذا النبي. وبالجر عطفاً على إبراهيم.
آل عمران 3:65
يا أَهْلَ الْكِتابِ قيل هم أهل الكتابين. وقيل: وفد نجران. وقيل: يهود المدينة سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ
مستوية بيننا وبينكم، لا يختلف فيها القرآن والتوراة والإنجيل. وتفسير الكلمة قوله أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ يعنى تعالوا إليها حتى لا نقول: عزيز ابن اللَّه، ولا المسيح ابن اللَّه، لأن كل واحد منهما بعضنا بشر مثلنا، ولا نطيع أحبارنا فيما أحدثوا من التحريم والتحليل من غير رجوع إلى ما شرع اللَّه، كقوله تعالى (اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً) وعن عدى بن حاتم: ما كنا نعبدهم يا رسول اللَّه، قال: أليس كانوا يحلون لكم ويحرمون فتأخذون بقولهم؟ قال: نعم. قال: هو ذاك. وعن الفضيل: لا أبالى أطعت مخلوقا في معصية الخالق، أو صليت لغير القبلة. وقرئ (كلمة) بسكون اللام. وقرأ الحسن (سواء) بالنصب بمعنى استوت استواء فَإِنْ تَوَلَّوْا عن التوحيد فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ أى لزمتكم الحجة فوجب عليكم أن تعترفوا وتسلموا بأنا مسلمون دونكم، كما يقول الغالب للمغلوب في جدال أو صراع أو غيرهما. اعترف بأنى أنا الغالب وسلم لي الغلبة. ويجوز أن يكون من باب التعريض، ومعناه:
اشهدوا واعترفوا بأنكم كافرون حيث توليتم عن الحق بعد ظهوره. زعم كل فريق من اليهود والنصارى أن إبراهيم كان منهم، وجادلوا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم والمؤمنين فيه فقيل لهم: إن اليهودية إنما حدثت بعد نزول التوراة، والنصرانية بعد نزول الإنجيل، وبين إبراهيم وموسى ألف سنة، وبينه وبين عيسى ألفان، فكيف يكون إبراهيم على دين لم يحدث إلا بعد عهده بأزمنة متطاولة؟ أَفَلا تَعْقِلُونَ حتى لا تجادلوا مثل هذا الجدال المحال ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ ها للتنبيه، وأنتم مبتدأ وهؤلاء خبره. وحاجَجْتُمْ جملة مستأنفة مبينة للجملة الأولى، يعنى أنتم هؤلاء الأشخاص الحمقى وبيان حماقتكم وقلة عقولكم أنكم جادلتم فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ مما نطق به التوراة والإنجيل فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ ولا ذكر له في كتابيكم من دين إبراهيم. وعن الأخفش: ها أنتم هو آأنتم على الاستفهام، فقلبت الهمزة هاء. ومعنى الاستفهام التعجب من حماقتهم. وقيل (هؤُلاءِ) بمعنى الذين و (حاجَجْتُمْ) صلته وَاللَّهُ يَعْلَمُ علم ما حاججتم فيه وَأَنْتُمْ جاهلون به ثم أعلمهم بأنه بريء من دينكم وما كان إلا حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ كما لم يكن منكم. أو أراد بالمشركين اليهود والنصارى لإشراكهم به عزيراً والمسيح إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ إن أخصهم به وأقربهم منه من الولي وهو القرب لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في زمانه وبعده وَهذَا النَّبِيُّ خصوصا وَالَّذِينَ آمَنُوا من أمته. وقرئ: وهذا النبىَّ، بالنصب عطفاً على الهاء في اتبعوه، أى اتبعوه واتبعوا هذا النبي. وبالجر عطفاً على إبراهيم.
آل عمران 3:66
يا أَهْلَ الْكِتابِ قيل هم أهل الكتابين. وقيل: وفد نجران. وقيل: يهود المدينة سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ
مستوية بيننا وبينكم، لا يختلف فيها القرآن والتوراة والإنجيل. وتفسير الكلمة قوله أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ يعنى تعالوا إليها حتى لا نقول: عزيز ابن اللَّه، ولا المسيح ابن اللَّه، لأن كل واحد منهما بعضنا بشر مثلنا، ولا نطيع أحبارنا فيما أحدثوا من التحريم والتحليل من غير رجوع إلى ما شرع اللَّه، كقوله تعالى (اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً) وعن عدى بن حاتم: ما كنا نعبدهم يا رسول اللَّه، قال: أليس كانوا يحلون لكم ويحرمون فتأخذون بقولهم؟ قال: نعم. قال: هو ذاك. وعن الفضيل: لا أبالى أطعت مخلوقا في معصية الخالق، أو صليت لغير القبلة. وقرئ (كلمة) بسكون اللام. وقرأ الحسن (سواء) بالنصب بمعنى استوت استواء فَإِنْ تَوَلَّوْا عن التوحيد فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ أى لزمتكم الحجة فوجب عليكم أن تعترفوا وتسلموا بأنا مسلمون دونكم، كما يقول الغالب للمغلوب في جدال أو صراع أو غيرهما. اعترف بأنى أنا الغالب وسلم لي الغلبة. ويجوز أن يكون من باب التعريض، ومعناه:
اشهدوا واعترفوا بأنكم كافرون حيث توليتم عن الحق بعد ظهوره. زعم كل فريق من اليهود والنصارى أن إبراهيم كان منهم، وجادلوا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم والمؤمنين فيه فقيل لهم: إن اليهودية إنما حدثت بعد نزول التوراة، والنصرانية بعد نزول الإنجيل، وبين إبراهيم وموسى ألف سنة، وبينه وبين عيسى ألفان، فكيف يكون إبراهيم على دين لم يحدث إلا بعد عهده بأزمنة متطاولة؟ أَفَلا تَعْقِلُونَ حتى لا تجادلوا مثل هذا الجدال المحال ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ ها للتنبيه، وأنتم مبتدأ وهؤلاء خبره. وحاجَجْتُمْ جملة مستأنفة مبينة للجملة الأولى، يعنى أنتم هؤلاء الأشخاص الحمقى وبيان حماقتكم وقلة عقولكم أنكم جادلتم فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ مما نطق به التوراة والإنجيل فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ ولا ذكر له في كتابيكم من دين إبراهيم. وعن الأخفش: ها أنتم هو آأنتم على الاستفهام، فقلبت الهمزة هاء. ومعنى الاستفهام التعجب من حماقتهم. وقيل (هؤُلاءِ) بمعنى الذين و (حاجَجْتُمْ) صلته وَاللَّهُ يَعْلَمُ علم ما حاججتم فيه وَأَنْتُمْ جاهلون به ثم أعلمهم بأنه بريء من دينكم وما كان إلا حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ كما لم يكن منكم. أو أراد بالمشركين اليهود والنصارى لإشراكهم به عزيراً والمسيح إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ إن أخصهم به وأقربهم منه من الولي وهو القرب لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في زمانه وبعده وَهذَا النَّبِيُّ خصوصا وَالَّذِينَ آمَنُوا من أمته. وقرئ: وهذا النبىَّ، بالنصب عطفاً على الهاء في اتبعوه، أى اتبعوه واتبعوا هذا النبي. وبالجر عطفاً على إبراهيم.
آل عمران 3:67
يا أَهْلَ الْكِتابِ قيل هم أهل الكتابين. وقيل: وفد نجران. وقيل: يهود المدينة سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ
مستوية بيننا وبينكم، لا يختلف فيها القرآن والتوراة والإنجيل. وتفسير الكلمة قوله أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ يعنى تعالوا إليها حتى لا نقول: عزيز ابن اللَّه، ولا المسيح ابن اللَّه، لأن كل واحد منهما بعضنا بشر مثلنا، ولا نطيع أحبارنا فيما أحدثوا من التحريم والتحليل من غير رجوع إلى ما شرع اللَّه، كقوله تعالى (اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً) وعن عدى بن حاتم: ما كنا نعبدهم يا رسول اللَّه، قال: أليس كانوا يحلون لكم ويحرمون فتأخذون بقولهم؟ قال: نعم. قال: هو ذاك. وعن الفضيل: لا أبالى أطعت مخلوقا في معصية الخالق، أو صليت لغير القبلة. وقرئ (كلمة) بسكون اللام. وقرأ الحسن (سواء) بالنصب بمعنى استوت استواء فَإِنْ تَوَلَّوْا عن التوحيد فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ أى لزمتكم الحجة فوجب عليكم أن تعترفوا وتسلموا بأنا مسلمون دونكم، كما يقول الغالب للمغلوب في جدال أو صراع أو غيرهما. اعترف بأنى أنا الغالب وسلم لي الغلبة. ويجوز أن يكون من باب التعريض، ومعناه:
اشهدوا واعترفوا بأنكم كافرون حيث توليتم عن الحق بعد ظهوره. زعم كل فريق من اليهود والنصارى أن إبراهيم كان منهم، وجادلوا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم والمؤمنين فيه فقيل لهم: إن اليهودية إنما حدثت بعد نزول التوراة، والنصرانية بعد نزول الإنجيل، وبين إبراهيم وموسى ألف سنة، وبينه وبين عيسى ألفان، فكيف يكون إبراهيم على دين لم يحدث إلا بعد عهده بأزمنة متطاولة؟ أَفَلا تَعْقِلُونَ حتى لا تجادلوا مثل هذا الجدال المحال ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ ها للتنبيه، وأنتم مبتدأ وهؤلاء خبره. وحاجَجْتُمْ جملة مستأنفة مبينة للجملة الأولى، يعنى أنتم هؤلاء الأشخاص الحمقى وبيان حماقتكم وقلة عقولكم أنكم جادلتم فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ مما نطق به التوراة والإنجيل فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ ولا ذكر له في كتابيكم من دين إبراهيم. وعن الأخفش: ها أنتم هو آأنتم على الاستفهام، فقلبت الهمزة هاء. ومعنى الاستفهام التعجب من حماقتهم. وقيل (هؤُلاءِ) بمعنى الذين و (حاجَجْتُمْ) صلته وَاللَّهُ يَعْلَمُ علم ما حاججتم فيه وَأَنْتُمْ جاهلون به ثم أعلمهم بأنه بريء من دينكم وما كان إلا حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ كما لم يكن منكم. أو أراد بالمشركين اليهود والنصارى لإشراكهم به عزيراً والمسيح إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ إن أخصهم به وأقربهم منه من الولي وهو القرب لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في زمانه وبعده وَهذَا النَّبِيُّ خصوصا وَالَّذِينَ آمَنُوا من أمته. وقرئ: وهذا النبىَّ، بالنصب عطفاً على الهاء في اتبعوه، أى اتبعوه واتبعوا هذا النبي. وبالجر عطفاً على إبراهيم.
آل عمران 3:68
يا أَهْلَ الْكِتابِ قيل هم أهل الكتابين. وقيل: وفد نجران. وقيل: يهود المدينة سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ
مستوية بيننا وبينكم، لا يختلف فيها القرآن والتوراة والإنجيل. وتفسير الكلمة قوله أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ يعنى تعالوا إليها حتى لا نقول: عزيز ابن اللَّه، ولا المسيح ابن اللَّه، لأن كل واحد منهما بعضنا بشر مثلنا، ولا نطيع أحبارنا فيما أحدثوا من التحريم والتحليل من غير رجوع إلى ما شرع اللَّه، كقوله تعالى (اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً) وعن عدى بن حاتم: ما كنا نعبدهم يا رسول اللَّه، قال: أليس كانوا يحلون لكم ويحرمون فتأخذون بقولهم؟ قال: نعم. قال: هو ذاك. وعن الفضيل: لا أبالى أطعت مخلوقا في معصية الخالق، أو صليت لغير القبلة. وقرئ (كلمة) بسكون اللام. وقرأ الحسن (سواء) بالنصب بمعنى استوت استواء فَإِنْ تَوَلَّوْا عن التوحيد فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ أى لزمتكم الحجة فوجب عليكم أن تعترفوا وتسلموا بأنا مسلمون دونكم، كما يقول الغالب للمغلوب في جدال أو صراع أو غيرهما. اعترف بأنى أنا الغالب وسلم لي الغلبة. ويجوز أن يكون من باب التعريض، ومعناه:
اشهدوا واعترفوا بأنكم كافرون حيث توليتم عن الحق بعد ظهوره. زعم كل فريق من اليهود والنصارى أن إبراهيم كان منهم، وجادلوا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم والمؤمنين فيه فقيل لهم: إن اليهودية إنما حدثت بعد نزول التوراة، والنصرانية بعد نزول الإنجيل، وبين إبراهيم وموسى ألف سنة، وبينه وبين عيسى ألفان، فكيف يكون إبراهيم على دين لم يحدث إلا بعد عهده بأزمنة متطاولة؟ أَفَلا تَعْقِلُونَ حتى لا تجادلوا مثل هذا الجدال المحال ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ ها للتنبيه، وأنتم مبتدأ وهؤلاء خبره. وحاجَجْتُمْ جملة مستأنفة مبينة للجملة الأولى، يعنى أنتم هؤلاء الأشخاص الحمقى وبيان حماقتكم وقلة عقولكم أنكم جادلتم فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ مما نطق به التوراة والإنجيل فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ ولا ذكر له في كتابيكم من دين إبراهيم. وعن الأخفش: ها أنتم هو آأنتم على الاستفهام، فقلبت الهمزة هاء. ومعنى الاستفهام التعجب من حماقتهم. وقيل (هؤُلاءِ) بمعنى الذين و (حاجَجْتُمْ) صلته وَاللَّهُ يَعْلَمُ علم ما حاججتم فيه وَأَنْتُمْ جاهلون به ثم أعلمهم بأنه بريء من دينكم وما كان إلا حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ كما لم يكن منكم. أو أراد بالمشركين اليهود والنصارى لإشراكهم به عزيراً والمسيح إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ إن أخصهم به وأقربهم منه من الولي وهو القرب لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في زمانه وبعده وَهذَا النَّبِيُّ خصوصا وَالَّذِينَ آمَنُوا من أمته. وقرئ: وهذا النبىَّ، بالنصب عطفاً على الهاء في اتبعوه، أى اتبعوه واتبعوا هذا النبي. وبالجر عطفاً على إبراهيم.
آل عمران 3:69
وَدَّتْ طائِفَةٌ هم اليهود، دعوا حذيفة وعماراً ومعاذاً إلى اليهودية وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وما يعود وبال الإضلال إلا عليهم، لأن العذاب يضاعف لهم بضلالهم وإضلالهم. أو وما يقدرون على إضلال المسلمين، وإنما يضلون أمثالهم من أشياعهم بِآياتِ اللَّهِ بالتوراة والإنجيل. وكفرهم بها: أنهم لا يؤمنون بما نطقت به من صحة نبوّة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وغيرها. وشهادتهم:
اعترافهم بأنها آيات اللَّه. أو تكفرون بالقرآن ودلائل نبوّة الرسول وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ نعته في الكتابين. أو تكفرون بآيات اللَّه جميعاً وأنتم تعلمون أنها حق. قرئ (تَلْبِسُونَ) بالتشديد.
وقرأ يحيى بن وثاب (تَلْبِسُونَ) بفتح الباء أى تلبسون الحق مع الباطل. كقوله: كلابس ثوبي زور. وقوله:
إذَا هُوَ بِالْمَجْدِ ارْتَدَى وَتَأَزَّرَا [[فلا أب وابنا تمثل مروان وابنه ... إذا هو بالمجد ارتدى وتأزرا
للفرزدق. وابنا: نصب عطفا على موضع الأب، ومثل بالرفع- خبر لا أو نصب صفة لأب وابنا، والخبر محذوف.
وابنه هو عبد الملك. و «إذا هو» أى مروان، لأن مجد الابن بمجد الأب لا العكس، والمراد بالمجد هنا:
الأفعال الحميدة التي تتجدد منه، ثم إنه شبهه باللباس بجامع صون كل لصاحبه على طريق المكنية، والارتداء والتأزر تخييل. ويحتمل أنه شبه الاتصاف به ظاهرا وباطنا بالارتداء والتأزر على طريق التصريحية. ويجوز أن المراد من «إذا» الزمن المستمر، لا المستقبل فقط.]]
آل عمران 3:70
وَدَّتْ طائِفَةٌ هم اليهود، دعوا حذيفة وعماراً ومعاذاً إلى اليهودية وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وما يعود وبال الإضلال إلا عليهم، لأن العذاب يضاعف لهم بضلالهم وإضلالهم. أو وما يقدرون على إضلال المسلمين، وإنما يضلون أمثالهم من أشياعهم بِآياتِ اللَّهِ بالتوراة والإنجيل. وكفرهم بها: أنهم لا يؤمنون بما نطقت به من صحة نبوّة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وغيرها. وشهادتهم:
اعترافهم بأنها آيات اللَّه. أو تكفرون بالقرآن ودلائل نبوّة الرسول وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ نعته في الكتابين. أو تكفرون بآيات اللَّه جميعاً وأنتم تعلمون أنها حق. قرئ (تَلْبِسُونَ) بالتشديد.
وقرأ يحيى بن وثاب (تَلْبِسُونَ) بفتح الباء أى تلبسون الحق مع الباطل. كقوله: كلابس ثوبي زور. وقوله:
إذَا هُوَ بِالْمَجْدِ ارْتَدَى وَتَأَزَّرَا [[فلا أب وابنا تمثل مروان وابنه ... إذا هو بالمجد ارتدى وتأزرا
للفرزدق. وابنا: نصب عطفا على موضع الأب، ومثل بالرفع- خبر لا أو نصب صفة لأب وابنا، والخبر محذوف.
وابنه هو عبد الملك. و «إذا هو» أى مروان، لأن مجد الابن بمجد الأب لا العكس، والمراد بالمجد هنا:
الأفعال الحميدة التي تتجدد منه، ثم إنه شبهه باللباس بجامع صون كل لصاحبه على طريق المكنية، والارتداء والتأزر تخييل. ويحتمل أنه شبه الاتصاف به ظاهرا وباطنا بالارتداء والتأزر على طريق التصريحية. ويجوز أن المراد من «إذا» الزمن المستمر، لا المستقبل فقط.]]
آل عمران 3:71
وَدَّتْ طائِفَةٌ هم اليهود، دعوا حذيفة وعماراً ومعاذاً إلى اليهودية وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وما يعود وبال الإضلال إلا عليهم، لأن العذاب يضاعف لهم بضلالهم وإضلالهم. أو وما يقدرون على إضلال المسلمين، وإنما يضلون أمثالهم من أشياعهم بِآياتِ اللَّهِ بالتوراة والإنجيل. وكفرهم بها: أنهم لا يؤمنون بما نطقت به من صحة نبوّة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وغيرها. وشهادتهم:
اعترافهم بأنها آيات اللَّه. أو تكفرون بالقرآن ودلائل نبوّة الرسول وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ نعته في الكتابين. أو تكفرون بآيات اللَّه جميعاً وأنتم تعلمون أنها حق. قرئ (تَلْبِسُونَ) بالتشديد.
وقرأ يحيى بن وثاب (تَلْبِسُونَ) بفتح الباء أى تلبسون الحق مع الباطل. كقوله: كلابس ثوبي زور. وقوله:
إذَا هُوَ بِالْمَجْدِ ارْتَدَى وَتَأَزَّرَا [[فلا أب وابنا تمثل مروان وابنه ... إذا هو بالمجد ارتدى وتأزرا
للفرزدق. وابنا: نصب عطفا على موضع الأب، ومثل بالرفع- خبر لا أو نصب صفة لأب وابنا، والخبر محذوف.
وابنه هو عبد الملك. و «إذا هو» أى مروان، لأن مجد الابن بمجد الأب لا العكس، والمراد بالمجد هنا:
الأفعال الحميدة التي تتجدد منه، ثم إنه شبهه باللباس بجامع صون كل لصاحبه على طريق المكنية، والارتداء والتأزر تخييل. ويحتمل أنه شبه الاتصاف به ظاهرا وباطنا بالارتداء والتأزر على طريق التصريحية. ويجوز أن المراد من «إذا» الزمن المستمر، لا المستقبل فقط.]]
آل عمران 3:72
وَجْهَ النَّهارِ أوّله. قال:
مَنْ كانَ مَسْرُوراً بِمَقْتَلِ مَالِكٍ ... فَلْيَأْتِ نِسْوَتَنَا بِوَجْهِ نَهَارِ [[من كان مسرورا بمقتل مالك ... فليأت نسوتنا بوجه نهار
يجد النساء حواسراً يندبنه ... يلطمن أوجههن بالأسحار
لربيع بن زياد. يرثى مالك بن زهير العيسى، ووجه النهار: أوله. والحواسر: كاشفات الوجوه، وصرف للوزن. والندبة: رفع الصوت بالبكاء على الميت. والأسحار: مقدم أعالى الأعناق. والباء بمعنى مع.
كانت عادة العرب أن لا يندبوا القتيل إلا بعد أخذ ثأره فضمن الرثاء معنى المدح لهم والتشفي من عدوهم. وقال: من كان شامتا بقتله فليجئ إلى نسائنا في أول النهار يجدهن كاشفات وجوههن يبكين عليه برفع أصواتهن، يضربن أوجههن مع صفاح أعناقهن، يعنى أننا أخذنا ثأره فحل لنسائنا البكاء عليه، وانتقد ابن العميد قوله: فليأت نسوتنا.
وللَّه در الامام المرزوقي حيث أبدله بقوله: فليأت ساحتنا، لأنه فيه أيضا الفرار من الاظهار موضع الإضمار.]]
والمعنى: أظهروا الإيمان بما أنزل على المسلمين في أوّل النهار وَاكْفُرُوا به في آخره لعلهم يشكون في دينهم ويقولون: ما رجعوا وهم أهل كتاب وعلم إلا لأمر قد تبين لهم فيرجعون برجوعكم. وقيل: تواطأ اثنا عشر من أحبار يهود خيبر وقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد أوّل النهار من غير اعتقاد، واكفروا به آخر النهار وقولوا: إنا نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءنا فوجدنا محمداً ليس بذلك المنعوت وظهر لنا كذبه وبطلان دينه، فإذا فعلتم ذلك شكّ أصحابه في دينهم. وقيل: هذا في شأن القبلة لما صرفت إلى الكعبة قال كعب بن الأشرف لأصحابه: آمنوا بما أنزل عليهم من الصلاة إلى الكعبة وصلوا إليها في أوّل النهار، ثم اكفروا به في آخره وصلوا إلى الصخرة، ولعلهم يقولون: هم أعلم منا وقد رجعوا فيرجعون وَلا تُؤْمِنُوا متعلق بقوله: (أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ) وما بينهما اعتراض. أى: ولا تظهروا إيمانكم بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لأهل دينكم دون غيرهم. أرادوا: أسرّوا تصديقكم بأنّ المسلمين قد أوتوا من كتب اللَّه مثل ما أوتيتم، ولا تفشوه إلا إلى أشياعكم وحدهم دون المسلمين لئلا يزيدهم ثباتا، ودون المشركين لئلا يدعوهم إلى الإسلام أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ عطف على أن يؤتى [[قال محمود: «أو يحاجوكم معطوف على أن يؤتى ... الخ» قال أحمد: وفي هذا الوجه من الاعراب إشكال، وهو وقوع أحد في الواجب، لأن الاستفهام هنا إنكار، واستفهام الإنكار في مثله إثبات، إذ حاصله أنه أنكر عليهم ووبخهم على ما وقع منهم وهو إخفاء الايمان بأن النبوة لا تخص بنى إسرائيل لأجل العلتين المذكورتين، فهو إثبات محقق. ويمكن أن يقال: روعيت صيغة الاستفهام وإن لم يكن المراد حقيقة، فحسن لذلك دخول أحد في سياقه، واللَّه أعلم.]] . والضمير في يحاجوكم لأحد لأنه في معنى الجمع [[قال محمود: «والضمير في يحاجوكم لأحد لأنه في معنى الجمع ... الخ» قال أحمد: أى حيث كان نكرة في سياق النفي، كما وصفه بالجمع في قوله: (فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ) .]] ، بمعنى: ولا تؤمنوا لغير أتباعكم، أنّ المسلمين يحاجونكم يوم القيامة بالحق ويغالبونكم عند اللَّه تعالى بالحجة. فإن قلت: فما معنى الاعتراض؟ قلت:
معناه أنّ الهدى هدى اللَّه، من شاء أن يلطف به حتى يسلم، أو يزيد ثباته على الإسلام، كان ذلك، ولم ينفع كيدكم وحيلكم وزيكم تصديقكم عن المسلمين والمشركين، وكذلك قوله تعالى قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ يريد الهداية والتوفيق. أو يتمَّ الكلام عند قوله: (إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ) على معنى: ولا تؤمنوا هذا الإيمان الظاهر وهو إيمانهم وجه النهار إلا لمن تبع دينكم:
إلا لمن كانوا تابعين لدينكم ممن أسلموا منكم لأن رجوعهم كان أرجى عندهم من رجوع من سواهم، ولأن إسلامهم كان أغيظ لهم. وقوله: (أَنْ يُؤْتى) معناه لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم قلتم ذلك ودبرتموه، لا لشيء آخر، يعنى أن ما بكم من الحسد والبغي- أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من فضل العلم والكتاب- دعاكم إلى أن قلتم ما قلتم، والدليل عليه قراءة ابن كثير: أأن يؤتى أحد بزيادة همزة الاستفهام للتقرير والتوبيخ، بمعنى: إلا أن يؤتى أحد. فإن قلت: فما معنى قوله أو يحاجوكم على هذا؟ قلت: معناه دبرتم ما دبرتم لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ولما يتصل به عند كفركم به من محاجتهم لكم عند ربكم. ويجوز أن يكون (هُدَى اللَّهِ) بدلا من الهدى، و (أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ) خبر إن، على معنى: قل إن هدى اللَّه أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم حتى يحاجوكم عند ربكم فيقرعوا باطلكم بحقهم ويدحضوا حجتكم. وقرئ: إن يؤتى أحد، على إن النافية، وهو متصل بكلام أهل الكتاب. أى ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم وقولوا لهم: ما يؤتى أحد مثل ما أوتيتم حتى يحاجوكم عند ربكم، يعنى ما يؤتون مثله فلا يحاجونكم. ويجوز أن ينتصب (أَنْ يُؤْتى) بفعل مضمر يدل عليه قوله: (وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ) كأنه قيل: قل إن الهدى هدى اللَّه، فلا تنكروا ان يؤتى أحد مثل ما أوتيتم لأن قولهم (وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ) إنكار لأن يؤتى أحد مثل ما أوتوا.
آل عمران 3:73
وَجْهَ النَّهارِ أوّله. قال:
مَنْ كانَ مَسْرُوراً بِمَقْتَلِ مَالِكٍ ... فَلْيَأْتِ نِسْوَتَنَا بِوَجْهِ نَهَارِ [[من كان مسرورا بمقتل مالك ... فليأت نسوتنا بوجه نهار
يجد النساء حواسراً يندبنه ... يلطمن أوجههن بالأسحار
لربيع بن زياد. يرثى مالك بن زهير العيسى، ووجه النهار: أوله. والحواسر: كاشفات الوجوه، وصرف للوزن. والندبة: رفع الصوت بالبكاء على الميت. والأسحار: مقدم أعالى الأعناق. والباء بمعنى مع.
كانت عادة العرب أن لا يندبوا القتيل إلا بعد أخذ ثأره فضمن الرثاء معنى المدح لهم والتشفي من عدوهم. وقال: من كان شامتا بقتله فليجئ إلى نسائنا في أول النهار يجدهن كاشفات وجوههن يبكين عليه برفع أصواتهن، يضربن أوجههن مع صفاح أعناقهن، يعنى أننا أخذنا ثأره فحل لنسائنا البكاء عليه، وانتقد ابن العميد قوله: فليأت نسوتنا.
وللَّه در الامام المرزوقي حيث أبدله بقوله: فليأت ساحتنا، لأنه فيه أيضا الفرار من الاظهار موضع الإضمار.]]
والمعنى: أظهروا الإيمان بما أنزل على المسلمين في أوّل النهار وَاكْفُرُوا به في آخره لعلهم يشكون في دينهم ويقولون: ما رجعوا وهم أهل كتاب وعلم إلا لأمر قد تبين لهم فيرجعون برجوعكم. وقيل: تواطأ اثنا عشر من أحبار يهود خيبر وقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد أوّل النهار من غير اعتقاد، واكفروا به آخر النهار وقولوا: إنا نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءنا فوجدنا محمداً ليس بذلك المنعوت وظهر لنا كذبه وبطلان دينه، فإذا فعلتم ذلك شكّ أصحابه في دينهم. وقيل: هذا في شأن القبلة لما صرفت إلى الكعبة قال كعب بن الأشرف لأصحابه: آمنوا بما أنزل عليهم من الصلاة إلى الكعبة وصلوا إليها في أوّل النهار، ثم اكفروا به في آخره وصلوا إلى الصخرة، ولعلهم يقولون: هم أعلم منا وقد رجعوا فيرجعون وَلا تُؤْمِنُوا متعلق بقوله: (أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ) وما بينهما اعتراض. أى: ولا تظهروا إيمانكم بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لأهل دينكم دون غيرهم. أرادوا: أسرّوا تصديقكم بأنّ المسلمين قد أوتوا من كتب اللَّه مثل ما أوتيتم، ولا تفشوه إلا إلى أشياعكم وحدهم دون المسلمين لئلا يزيدهم ثباتا، ودون المشركين لئلا يدعوهم إلى الإسلام أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ عطف على أن يؤتى [[قال محمود: «أو يحاجوكم معطوف على أن يؤتى ... الخ» قال أحمد: وفي هذا الوجه من الاعراب إشكال، وهو وقوع أحد في الواجب، لأن الاستفهام هنا إنكار، واستفهام الإنكار في مثله إثبات، إذ حاصله أنه أنكر عليهم ووبخهم على ما وقع منهم وهو إخفاء الايمان بأن النبوة لا تخص بنى إسرائيل لأجل العلتين المذكورتين، فهو إثبات محقق. ويمكن أن يقال: روعيت صيغة الاستفهام وإن لم يكن المراد حقيقة، فحسن لذلك دخول أحد في سياقه، واللَّه أعلم.]] . والضمير في يحاجوكم لأحد لأنه في معنى الجمع [[قال محمود: «والضمير في يحاجوكم لأحد لأنه في معنى الجمع ... الخ» قال أحمد: أى حيث كان نكرة في سياق النفي، كما وصفه بالجمع في قوله: (فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ) .]] ، بمعنى: ولا تؤمنوا لغير أتباعكم، أنّ المسلمين يحاجونكم يوم القيامة بالحق ويغالبونكم عند اللَّه تعالى بالحجة. فإن قلت: فما معنى الاعتراض؟ قلت:
معناه أنّ الهدى هدى اللَّه، من شاء أن يلطف به حتى يسلم، أو يزيد ثباته على الإسلام، كان ذلك، ولم ينفع كيدكم وحيلكم وزيكم تصديقكم عن المسلمين والمشركين، وكذلك قوله تعالى قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ يريد الهداية والتوفيق. أو يتمَّ الكلام عند قوله: (إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ) على معنى: ولا تؤمنوا هذا الإيمان الظاهر وهو إيمانهم وجه النهار إلا لمن تبع دينكم:
إلا لمن كانوا تابعين لدينكم ممن أسلموا منكم لأن رجوعهم كان أرجى عندهم من رجوع من سواهم، ولأن إسلامهم كان أغيظ لهم. وقوله: (أَنْ يُؤْتى) معناه لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم قلتم ذلك ودبرتموه، لا لشيء آخر، يعنى أن ما بكم من الحسد والبغي- أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من فضل العلم والكتاب- دعاكم إلى أن قلتم ما قلتم، والدليل عليه قراءة ابن كثير: أأن يؤتى أحد بزيادة همزة الاستفهام للتقرير والتوبيخ، بمعنى: إلا أن يؤتى أحد. فإن قلت: فما معنى قوله أو يحاجوكم على هذا؟ قلت: معناه دبرتم ما دبرتم لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ولما يتصل به عند كفركم به من محاجتهم لكم عند ربكم. ويجوز أن يكون (هُدَى اللَّهِ) بدلا من الهدى، و (أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ) خبر إن، على معنى: قل إن هدى اللَّه أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم حتى يحاجوكم عند ربكم فيقرعوا باطلكم بحقهم ويدحضوا حجتكم. وقرئ: إن يؤتى أحد، على إن النافية، وهو متصل بكلام أهل الكتاب. أى ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم وقولوا لهم: ما يؤتى أحد مثل ما أوتيتم حتى يحاجوكم عند ربكم، يعنى ما يؤتون مثله فلا يحاجونكم. ويجوز أن ينتصب (أَنْ يُؤْتى) بفعل مضمر يدل عليه قوله: (وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ) كأنه قيل: قل إن الهدى هدى اللَّه، فلا تنكروا ان يؤتى أحد مثل ما أوتيتم لأن قولهم (وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ) إنكار لأن يؤتى أحد مثل ما أوتوا.
آل عمران 3:74
وَجْهَ النَّهارِ أوّله. قال:
مَنْ كانَ مَسْرُوراً بِمَقْتَلِ مَالِكٍ ... فَلْيَأْتِ نِسْوَتَنَا بِوَجْهِ نَهَارِ [[من كان مسرورا بمقتل مالك ... فليأت نسوتنا بوجه نهار
يجد النساء حواسراً يندبنه ... يلطمن أوجههن بالأسحار
لربيع بن زياد. يرثى مالك بن زهير العيسى، ووجه النهار: أوله. والحواسر: كاشفات الوجوه، وصرف للوزن. والندبة: رفع الصوت بالبكاء على الميت. والأسحار: مقدم أعالى الأعناق. والباء بمعنى مع.
كانت عادة العرب أن لا يندبوا القتيل إلا بعد أخذ ثأره فضمن الرثاء معنى المدح لهم والتشفي من عدوهم. وقال: من كان شامتا بقتله فليجئ إلى نسائنا في أول النهار يجدهن كاشفات وجوههن يبكين عليه برفع أصواتهن، يضربن أوجههن مع صفاح أعناقهن، يعنى أننا أخذنا ثأره فحل لنسائنا البكاء عليه، وانتقد ابن العميد قوله: فليأت نسوتنا.
وللَّه در الامام المرزوقي حيث أبدله بقوله: فليأت ساحتنا، لأنه فيه أيضا الفرار من الاظهار موضع الإضمار.]]
والمعنى: أظهروا الإيمان بما أنزل على المسلمين في أوّل النهار وَاكْفُرُوا به في آخره لعلهم يشكون في دينهم ويقولون: ما رجعوا وهم أهل كتاب وعلم إلا لأمر قد تبين لهم فيرجعون برجوعكم. وقيل: تواطأ اثنا عشر من أحبار يهود خيبر وقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد أوّل النهار من غير اعتقاد، واكفروا به آخر النهار وقولوا: إنا نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءنا فوجدنا محمداً ليس بذلك المنعوت وظهر لنا كذبه وبطلان دينه، فإذا فعلتم ذلك شكّ أصحابه في دينهم. وقيل: هذا في شأن القبلة لما صرفت إلى الكعبة قال كعب بن الأشرف لأصحابه: آمنوا بما أنزل عليهم من الصلاة إلى الكعبة وصلوا إليها في أوّل النهار، ثم اكفروا به في آخره وصلوا إلى الصخرة، ولعلهم يقولون: هم أعلم منا وقد رجعوا فيرجعون وَلا تُؤْمِنُوا متعلق بقوله: (أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ) وما بينهما اعتراض. أى: ولا تظهروا إيمانكم بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لأهل دينكم دون غيرهم. أرادوا: أسرّوا تصديقكم بأنّ المسلمين قد أوتوا من كتب اللَّه مثل ما أوتيتم، ولا تفشوه إلا إلى أشياعكم وحدهم دون المسلمين لئلا يزيدهم ثباتا، ودون المشركين لئلا يدعوهم إلى الإسلام أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ عطف على أن يؤتى [[قال محمود: «أو يحاجوكم معطوف على أن يؤتى ... الخ» قال أحمد: وفي هذا الوجه من الاعراب إشكال، وهو وقوع أحد في الواجب، لأن الاستفهام هنا إنكار، واستفهام الإنكار في مثله إثبات، إذ حاصله أنه أنكر عليهم ووبخهم على ما وقع منهم وهو إخفاء الايمان بأن النبوة لا تخص بنى إسرائيل لأجل العلتين المذكورتين، فهو إثبات محقق. ويمكن أن يقال: روعيت صيغة الاستفهام وإن لم يكن المراد حقيقة، فحسن لذلك دخول أحد في سياقه، واللَّه أعلم.]] . والضمير في يحاجوكم لأحد لأنه في معنى الجمع [[قال محمود: «والضمير في يحاجوكم لأحد لأنه في معنى الجمع ... الخ» قال أحمد: أى حيث كان نكرة في سياق النفي، كما وصفه بالجمع في قوله: (فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ) .]] ، بمعنى: ولا تؤمنوا لغير أتباعكم، أنّ المسلمين يحاجونكم يوم القيامة بالحق ويغالبونكم عند اللَّه تعالى بالحجة. فإن قلت: فما معنى الاعتراض؟ قلت:
معناه أنّ الهدى هدى اللَّه، من شاء أن يلطف به حتى يسلم، أو يزيد ثباته على الإسلام، كان ذلك، ولم ينفع كيدكم وحيلكم وزيكم تصديقكم عن المسلمين والمشركين، وكذلك قوله تعالى قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ يريد الهداية والتوفيق. أو يتمَّ الكلام عند قوله: (إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ) على معنى: ولا تؤمنوا هذا الإيمان الظاهر وهو إيمانهم وجه النهار إلا لمن تبع دينكم:
إلا لمن كانوا تابعين لدينكم ممن أسلموا منكم لأن رجوعهم كان أرجى عندهم من رجوع من سواهم، ولأن إسلامهم كان أغيظ لهم. وقوله: (أَنْ يُؤْتى) معناه لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم قلتم ذلك ودبرتموه، لا لشيء آخر، يعنى أن ما بكم من الحسد والبغي- أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من فضل العلم والكتاب- دعاكم إلى أن قلتم ما قلتم، والدليل عليه قراءة ابن كثير: أأن يؤتى أحد بزيادة همزة الاستفهام للتقرير والتوبيخ، بمعنى: إلا أن يؤتى أحد. فإن قلت: فما معنى قوله أو يحاجوكم على هذا؟ قلت: معناه دبرتم ما دبرتم لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ولما يتصل به عند كفركم به من محاجتهم لكم عند ربكم. ويجوز أن يكون (هُدَى اللَّهِ) بدلا من الهدى، و (أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ) خبر إن، على معنى: قل إن هدى اللَّه أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم حتى يحاجوكم عند ربكم فيقرعوا باطلكم بحقهم ويدحضوا حجتكم. وقرئ: إن يؤتى أحد، على إن النافية، وهو متصل بكلام أهل الكتاب. أى ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم وقولوا لهم: ما يؤتى أحد مثل ما أوتيتم حتى يحاجوكم عند ربكم، يعنى ما يؤتون مثله فلا يحاجونكم. ويجوز أن ينتصب (أَنْ يُؤْتى) بفعل مضمر يدل عليه قوله: (وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ) كأنه قيل: قل إن الهدى هدى اللَّه، فلا تنكروا ان يؤتى أحد مثل ما أوتيتم لأن قولهم (وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ) إنكار لأن يؤتى أحد مثل ما أوتوا.