Al-Kashshaf Al-Zamakhshari — الممتحنة 60:1 – التحريم 66:12
المحتويات
- الممتحنة 60:1
- الممتحنة 60:2
- الممتحنة 60:3
- الممتحنة 60:4
- الممتحنة 60:5
- الممتحنة 60:6
- الممتحنة 60:7
- الممتحنة 60:8
- الممتحنة 60:9
- الممتحنة 60:10
- الممتحنة 60:11
- الممتحنة 60:12
- الممتحنة 60:13
- الصف 61:1
- الصف 61:2
- الصف 61:3
- الصف 61:4
- الصف 61:5
- الصف 61:6
- الصف 61:7
- الصف 61:8
- الصف 61:9
- الصف 61:10
- الصف 61:11
- الصف 61:12
- الصف 61:13
- الصف 61:14
- الجمعة 62:1
- الجمعة 62:2
- الجمعة 62:3
- الجمعة 62:4
- الجمعة 62:5
- الجمعة 62:6
- الجمعة 62:7
- الجمعة 62:8
- الجمعة 62:9
- الجمعة 62:10
- الجمعة 62:11
- المنافقون 63:1
- المنافقون 63:2
- المنافقون 63:3
- المنافقون 63:4
- المنافقون 63:5
- المنافقون 63:6
- المنافقون 63:7
- المنافقون 63:8
- المنافقون 63:9
- المنافقون 63:10
- المنافقون 63:11
- التغابن 64:1
- التغابن 64:2
- التغابن 64:3
- التغابن 64:4
- التغابن 64:5
- التغابن 64:6
- التغابن 64:7
- التغابن 64:8
- التغابن 64:9
- التغابن 64:10
- التغابن 64:11
- التغابن 64:12
- التغابن 64:13
- التغابن 64:14
- التغابن 64:15
- التغابن 64:16
- التغابن 64:17
- التغابن 64:18
- الطلاق 65:1
- الطلاق 65:2
- الطلاق 65:3
- الطلاق 65:4
- الطلاق 65:5
- الطلاق 65:6
- الطلاق 65:7
- الطلاق 65:8
- الطلاق 65:9
- الطلاق 65:10
- الطلاق 65:11
- الطلاق 65:12
- التحريم 66:1
- التحريم 66:2
- التحريم 66:3
- التحريم 66:4
- التحريم 66:5
- التحريم 66:6
- التحريم 66:7
- التحريم 66:8
- التحريم 66:9
- التحريم 66:10
- التحريم 66:11
- التحريم 66:12
الممتحنة 60:1
مدنية، وهي ثلاث عشرة آية [[قوله «مدنية وهي ثلاث عشرة آية» لفظ مكية ومدنية ساقط من النسخة المنقول منها، ولعله من سهو الناسخ. وفي المصاحف وفي كتب التفسير: أنها مدنية، ولذا وضعناه في هذه النسخة كما ترى، ثم رأيت في بعض المصاحف أنها مكية، لكن آياتها وسبب نزولها يفيدان أنها مدنية، فليحرر. (ع)]] [نزلت بعد الأحزاب] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
روى أن مولاة لأبى عمرو بن صيفي بن هاشم يقال لها سارة أتت رسول الله ﷺ بالمدينة وهو يتجهز للفتح، فقال لها: أمسلمة جئت؟ قالت: لا. قال: أفمهاجرة جئت؟ قالت: لا. قال: فما جاء بك؟ قالت: كنتم الأهل والموالي والعشيرة، وقد ذهبت الموالي، تعنى: قتلوا يوم بدر، فاحتجت حاجة شديدة [[هكذا ذكره الثعلبي والبغوي والواحدي بغير إسناد. وفيه مخالفة شديدة لما في الصحيحين وهو مخرج فيهما من طريق عبد الله بن أبى رافع عن على ومن طريق أبى عبد الرحمن السلمي عن على. وفي رواية لابن حبان عن على خرجت أنا والزبير وطلحة والمقداد، وأخرجه ابن إسحاق في السيرة قال: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير وغيره من علمائنا. قال «لما أجمع رسول الله ﷺ السير إلى مكة كتب حاطب ابن أبى بلتعة إلى قريش كتابا يخبرهم فيه بأمره، ثم أعطاه امرأة زعم محمد بن جعفر أنها من مزينة. وجعل لها جعلا على أن تبلغه قريشا. فجعلته في رأسها. ثم فتلت عليه قرونها ثم خرجت به. وأتى رسول الله ﷺ الخبر من السماء بما فعل حاطب» فذكر القصة، وذكر الواقدي من طريق يزيد بن رومان، وسماها كنود وذكر أن الجعل كان عشرة دنانير. وروى الطبري وابن أبى حاتم وأبو يعلى من طريق أبى البختري عن الحرث عن على قال «لما أراد رسول الله ﷺ أن يأتى مكة أسر إلى أناس من أصحابه أنه يريد مكة، فيهم حاطب ابن أبى بلتعة: وأفشى في الناس أنه يريد خيبر- فكتب حاطب- فذكره» وفيه فأخرجته من قبلها.]] فحث عليها بنى عبد المطلب فكسوها وحملوها وزوّدوها، فأناها حاطب بن أبى بلتعة وأعطاها عشرة دنانير وكساها بردا، واستحملها كتابا إلى أهل مكة نسخته: من حاطب بن أبى بلتعة إلى أهل مكة، اعلموا أنّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يريدكم فخذوا حذركم، فخرجت سارة ونزل جبريل بالخبر، فبعث رسول الله ﷺ عليا وعمارا وعمر وطلحة والزبير والمقداد وأبا مرثد- وكانوا فرسانا- وقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب من حاطب إلى أهل مكة، فخذوه منها وخلوها، فإن أبت فاضربوا عنقها، فأدركوها فجحدت وحلفت، فهموا بالرجوع فقال على رضى الله عنه: والله ما كذبنا ولا كذب رسول الله، وسل سيفه، وقال: أخرجى الكتاب أو تضعي رأسك، فأخرجته من عقاص شعرها. وروى أن رسول الله ﷺ أمّن جميع الناس يوم الفتح إلا أربعة: هي أحدهم [[هكذا رواه البيهقي في الدلائل وابن مردويه من طريق الحاكم بن عبد الملك عن قتادة عن أنس. وسماهم:
عبد العزيز بن حنظل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن سعد بن أبى سرح، وأم سارة مولاة لقريش ولفظه قريب من لفظ الكتاب وفي الدارقطني من طريق عمر بن عثمان بن عبد الرحمن بن سعيد المخزومي عن أبيه عن جده قال «أمن رسول الله ﷺ الناس إلا أربعة وسماهم، إلا أنه قال «الحويرث بن نقيذ وسارة» وذكره ابن إسحاق بغير إسناد فذكر الخمسة، وقال فيه: وسارة مولاة لبعض بنى عبد المطلب» ورواه الدارقطني أيضا والحاكم من طريق مصعب بن سعد عن أبيه، وجعل عوض سارة عكرمة بن أبى جهل. وقال الواقدي في المغازي، وتبعه ابن سعد «أمر النبي ﷺ يوم الفتح بقتل ستة نفر وأربع نسوة: عكرمة وهبار بن الأسود، وعبد الله بن حنظل وابن أبى سرح، ومصعب بن صبابة. والحويرث بن نفيل، وهند بنت عتبة، وسارة مولاة عمر بن هاشم ومرينا ومرينة «فقتل منهم ابن حنظل ومقيسا والحويرث» .]] ، فاستحضر رسول الله حاطبا وقال: ما حملك عليه؟ فقال: يا رسول الله ما كفرت منذ أسلمت، ولا غششتك منذ نصحتك. ولا أحببتهم منذ فارقتهم، ولكنى كنت امرأ ملصقا في قريش. وروى: عزيزا فيهم، أى: غريبا، ولم أكن من أنفسها، وكل من معكم من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون أهاليهم وأموالهم غيرى، فخشيت على أهلى، فأردت أن أتخذ عندهم يدا، وقد علمت أن الله تعالى ينزل عليهم بأسه. وأن كتابي لا يغنى عنهم شيئا، فصدّقه وقبل عذره، فقال عمر: دعى يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق فقال: «وما يدريك يا عمر، لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» ففاضت عينا عمر وقال. الله ورسوله أعلم، فنزلت. عدى «اتخذ» إلى مفعوليه، وهما عدوى، أولياء. والعدوّ: فعول، من عدا، كعفوّ من عفا ولكونه على زنه المصدر أوقع على الجمع إيقاعه على الواحد. فإن قلت: تُلْقُونَ بم يتعلق؟ قلت: يجوز أن يتعلق بلا تتخذوا حالا من ضميره وبأولياء صفة له. ويجوز أن يكون استئنافا. فإن قلت: إذا جعلته صفة لأولياء وقد جرى على غير من هوله، فأين الضمير البارز وهو قولك: تلقون إليهم أنتم بالمودّة؟ قلت: ذلك إنما اشترطوه في الأسماء دون الأفعال، لو قيل: أولياء ملقين إليهم بالمودّة على الوصف. لما كان بد من الضمير البارز، والإلقاء عبارة عن إيصال المودّة والإفضاء بها إليهم: يقال ألقى إليه خراشى صدره [[قوله «يقال ألقى اليه خراشى صدره» في الصحاح «الخرشاء» مثل الحرباء: جلد الحية وقشرة البيضة بعد أن يخرج ما قبلها، ثم يشبه به كل شيء فيه انتفاخ وتعتق كالرغوة، وقد يسمى البلغم خراشاء. يقال: ألقى خراشى صدره، اه. (ع)]] ، وأفضى إليه بقشوره. والباء في بِالْمَوَدَّةِ إما زائدة مؤكدة للتعدى مثلها في وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وإما ثابتة على أن مفعول تلقون محذوف، معناه: تلقون إليهم أخبار رسول الله بسبب المودّة الى بينكم وبينهم. وكذلك قوله تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ أى: تفضون إليهم بمودتكم سرا. أو تسرون إليهم إسرار رسول الله بسبب المودّة. فإن قلت: وَقَدْ كَفَرُوا حال مماذا؟ قلت: إما من لا تَتَّخِذُوا وإما من تُلْقُونَ أى: لا تتولوهم أو توادّونهم وهذه حالهم. ويُخْرِجُونَ استئناف كالتفسير لكفرهم وعتوّهم.
أو حال من كفروا. وأَنْ تُؤْمِنُوا تعليل ليخرجون، أى يخرجونكم لإيمانكم. وإِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ متعلق بلا تتخذوا، يعنى: لا تتولوا أعدائى إن كنتم أوليائى. وقول النحويين في مثله: هو شرط جوابه محذوف لدلالة ما قبله عليه. وتُسِرُّونَ استئناف، ومعناه: أىّ طائل لكم في إسراركم وقد علمتم أن الإخفاء والإعلان سيان في علمى لا تفاوت بينهما، وأنا مطلع رسولي على ما تسرون وَمَنْ يَفْعَلْهُ ومن يفعل هذا الإسرار فقد أخطأ طريق الحق والصواب. وقرأ الجحدري: لما جاءكم، أى: كفروا لأجل ما جاءكم، بمعنى: أن ما كان يجب أن يكون سبب إيمانهم جعلوه سببا لكفرهم. إِنْ يَثْقَفُوكُمْ إن يظفروا بكم ويتمكنوا منكم يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً خالصي العداوة، ولا يكونوا لكم أولياء كما أنتم وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ بالقتال والشتم، وتمنوا لو ترتدون عن دينكم، فإذن مودة أمثالهم ومناصحتهم خطأ عظيم منكم ومغالطة لأنفسكم ونحوه قوله تعالى لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا فإن قلت: كيف أورد جواب الشرط مضارعا مثله ثم قال وَوَدُّوا بلفظ الماضي؟ قلت: الماضي وإن كان يجرى في باب الشرط مجرى المضارع في علم الإعراب، فإن فيه نكتة، كأنه قيل: وودّوا قبل كل شيء كفركم وارتدادكم، يعنى:
أنهم يريدون أن يلحقوا بكم مضار الدنيا والدين جميعا: من قتل الأنفس، وتمزيق الأعراض، وردّكم كفارا، وردكم كفارا أسبق المضارّ عندهم وأوّلها، لعلمهم أن الدين أعز عليكم من أرواحكم، لأنكم بذّالون لها دونه، والعدوّ أهم شيء عنده أن يقصد أعز شيء عند صاحبه.
الممتحنة 60:2
مدنية، وهي ثلاث عشرة آية [[قوله «مدنية وهي ثلاث عشرة آية» لفظ مكية ومدنية ساقط من النسخة المنقول منها، ولعله من سهو الناسخ. وفي المصاحف وفي كتب التفسير: أنها مدنية، ولذا وضعناه في هذه النسخة كما ترى، ثم رأيت في بعض المصاحف أنها مكية، لكن آياتها وسبب نزولها يفيدان أنها مدنية، فليحرر. (ع)]] [نزلت بعد الأحزاب] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
روى أن مولاة لأبى عمرو بن صيفي بن هاشم يقال لها سارة أتت رسول الله ﷺ بالمدينة وهو يتجهز للفتح، فقال لها: أمسلمة جئت؟ قالت: لا. قال: أفمهاجرة جئت؟ قالت: لا. قال: فما جاء بك؟ قالت: كنتم الأهل والموالي والعشيرة، وقد ذهبت الموالي، تعنى: قتلوا يوم بدر، فاحتجت حاجة شديدة [[هكذا ذكره الثعلبي والبغوي والواحدي بغير إسناد. وفيه مخالفة شديدة لما في الصحيحين وهو مخرج فيهما من طريق عبد الله بن أبى رافع عن على ومن طريق أبى عبد الرحمن السلمي عن على. وفي رواية لابن حبان عن على خرجت أنا والزبير وطلحة والمقداد، وأخرجه ابن إسحاق في السيرة قال: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير وغيره من علمائنا. قال «لما أجمع رسول الله ﷺ السير إلى مكة كتب حاطب ابن أبى بلتعة إلى قريش كتابا يخبرهم فيه بأمره، ثم أعطاه امرأة زعم محمد بن جعفر أنها من مزينة. وجعل لها جعلا على أن تبلغه قريشا. فجعلته في رأسها. ثم فتلت عليه قرونها ثم خرجت به. وأتى رسول الله ﷺ الخبر من السماء بما فعل حاطب» فذكر القصة، وذكر الواقدي من طريق يزيد بن رومان، وسماها كنود وذكر أن الجعل كان عشرة دنانير. وروى الطبري وابن أبى حاتم وأبو يعلى من طريق أبى البختري عن الحرث عن على قال «لما أراد رسول الله ﷺ أن يأتى مكة أسر إلى أناس من أصحابه أنه يريد مكة، فيهم حاطب ابن أبى بلتعة: وأفشى في الناس أنه يريد خيبر- فكتب حاطب- فذكره» وفيه فأخرجته من قبلها.]] فحث عليها بنى عبد المطلب فكسوها وحملوها وزوّدوها، فأناها حاطب بن أبى بلتعة وأعطاها عشرة دنانير وكساها بردا، واستحملها كتابا إلى أهل مكة نسخته: من حاطب بن أبى بلتعة إلى أهل مكة، اعلموا أنّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يريدكم فخذوا حذركم، فخرجت سارة ونزل جبريل بالخبر، فبعث رسول الله ﷺ عليا وعمارا وعمر وطلحة والزبير والمقداد وأبا مرثد- وكانوا فرسانا- وقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب من حاطب إلى أهل مكة، فخذوه منها وخلوها، فإن أبت فاضربوا عنقها، فأدركوها فجحدت وحلفت، فهموا بالرجوع فقال على رضى الله عنه: والله ما كذبنا ولا كذب رسول الله، وسل سيفه، وقال: أخرجى الكتاب أو تضعي رأسك، فأخرجته من عقاص شعرها. وروى أن رسول الله ﷺ أمّن جميع الناس يوم الفتح إلا أربعة: هي أحدهم [[هكذا رواه البيهقي في الدلائل وابن مردويه من طريق الحاكم بن عبد الملك عن قتادة عن أنس. وسماهم:
عبد العزيز بن حنظل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن سعد بن أبى سرح، وأم سارة مولاة لقريش ولفظه قريب من لفظ الكتاب وفي الدارقطني من طريق عمر بن عثمان بن عبد الرحمن بن سعيد المخزومي عن أبيه عن جده قال «أمن رسول الله ﷺ الناس إلا أربعة وسماهم، إلا أنه قال «الحويرث بن نقيذ وسارة» وذكره ابن إسحاق بغير إسناد فذكر الخمسة، وقال فيه: وسارة مولاة لبعض بنى عبد المطلب» ورواه الدارقطني أيضا والحاكم من طريق مصعب بن سعد عن أبيه، وجعل عوض سارة عكرمة بن أبى جهل. وقال الواقدي في المغازي، وتبعه ابن سعد «أمر النبي ﷺ يوم الفتح بقتل ستة نفر وأربع نسوة: عكرمة وهبار بن الأسود، وعبد الله بن حنظل وابن أبى سرح، ومصعب بن صبابة. والحويرث بن نفيل، وهند بنت عتبة، وسارة مولاة عمر بن هاشم ومرينا ومرينة «فقتل منهم ابن حنظل ومقيسا والحويرث» .]] ، فاستحضر رسول الله حاطبا وقال: ما حملك عليه؟ فقال: يا رسول الله ما كفرت منذ أسلمت، ولا غششتك منذ نصحتك. ولا أحببتهم منذ فارقتهم، ولكنى كنت امرأ ملصقا في قريش. وروى: عزيزا فيهم، أى: غريبا، ولم أكن من أنفسها، وكل من معكم من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون أهاليهم وأموالهم غيرى، فخشيت على أهلى، فأردت أن أتخذ عندهم يدا، وقد علمت أن الله تعالى ينزل عليهم بأسه. وأن كتابي لا يغنى عنهم شيئا، فصدّقه وقبل عذره، فقال عمر: دعى يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق فقال: «وما يدريك يا عمر، لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» ففاضت عينا عمر وقال. الله ورسوله أعلم، فنزلت. عدى «اتخذ» إلى مفعوليه، وهما عدوى، أولياء. والعدوّ: فعول، من عدا، كعفوّ من عفا ولكونه على زنه المصدر أوقع على الجمع إيقاعه على الواحد. فإن قلت: تُلْقُونَ بم يتعلق؟ قلت: يجوز أن يتعلق بلا تتخذوا حالا من ضميره وبأولياء صفة له. ويجوز أن يكون استئنافا. فإن قلت: إذا جعلته صفة لأولياء وقد جرى على غير من هوله، فأين الضمير البارز وهو قولك: تلقون إليهم أنتم بالمودّة؟ قلت: ذلك إنما اشترطوه في الأسماء دون الأفعال، لو قيل: أولياء ملقين إليهم بالمودّة على الوصف. لما كان بد من الضمير البارز، والإلقاء عبارة عن إيصال المودّة والإفضاء بها إليهم: يقال ألقى إليه خراشى صدره [[قوله «يقال ألقى اليه خراشى صدره» في الصحاح «الخرشاء» مثل الحرباء: جلد الحية وقشرة البيضة بعد أن يخرج ما قبلها، ثم يشبه به كل شيء فيه انتفاخ وتعتق كالرغوة، وقد يسمى البلغم خراشاء. يقال: ألقى خراشى صدره، اه. (ع)]] ، وأفضى إليه بقشوره. والباء في بِالْمَوَدَّةِ إما زائدة مؤكدة للتعدى مثلها في وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وإما ثابتة على أن مفعول تلقون محذوف، معناه: تلقون إليهم أخبار رسول الله بسبب المودّة الى بينكم وبينهم. وكذلك قوله تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ أى: تفضون إليهم بمودتكم سرا. أو تسرون إليهم إسرار رسول الله بسبب المودّة. فإن قلت: وَقَدْ كَفَرُوا حال مماذا؟ قلت: إما من لا تَتَّخِذُوا وإما من تُلْقُونَ أى: لا تتولوهم أو توادّونهم وهذه حالهم. ويُخْرِجُونَ استئناف كالتفسير لكفرهم وعتوّهم.
أو حال من كفروا. وأَنْ تُؤْمِنُوا تعليل ليخرجون، أى يخرجونكم لإيمانكم. وإِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ متعلق بلا تتخذوا، يعنى: لا تتولوا أعدائى إن كنتم أوليائى. وقول النحويين في مثله: هو شرط جوابه محذوف لدلالة ما قبله عليه. وتُسِرُّونَ استئناف، ومعناه: أىّ طائل لكم في إسراركم وقد علمتم أن الإخفاء والإعلان سيان في علمى لا تفاوت بينهما، وأنا مطلع رسولي على ما تسرون وَمَنْ يَفْعَلْهُ ومن يفعل هذا الإسرار فقد أخطأ طريق الحق والصواب. وقرأ الجحدري: لما جاءكم، أى: كفروا لأجل ما جاءكم، بمعنى: أن ما كان يجب أن يكون سبب إيمانهم جعلوه سببا لكفرهم. إِنْ يَثْقَفُوكُمْ إن يظفروا بكم ويتمكنوا منكم يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً خالصي العداوة، ولا يكونوا لكم أولياء كما أنتم وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ بالقتال والشتم، وتمنوا لو ترتدون عن دينكم، فإذن مودة أمثالهم ومناصحتهم خطأ عظيم منكم ومغالطة لأنفسكم ونحوه قوله تعالى لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا فإن قلت: كيف أورد جواب الشرط مضارعا مثله ثم قال وَوَدُّوا بلفظ الماضي؟ قلت: الماضي وإن كان يجرى في باب الشرط مجرى المضارع في علم الإعراب، فإن فيه نكتة، كأنه قيل: وودّوا قبل كل شيء كفركم وارتدادكم، يعنى:
أنهم يريدون أن يلحقوا بكم مضار الدنيا والدين جميعا: من قتل الأنفس، وتمزيق الأعراض، وردّكم كفارا، وردكم كفارا أسبق المضارّ عندهم وأوّلها، لعلمهم أن الدين أعز عليكم من أرواحكم، لأنكم بذّالون لها دونه، والعدوّ أهم شيء عنده أن يقصد أعز شيء عند صاحبه.
الممتحنة 60:3
لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ أى قراباتكم وَلا أَوْلادُكُمْ الذي توالون الكفار من أجلهم وتتقربون إليهم محاماة عليهم، ثم قال يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وبين أقاربكم وأولادكم يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ... الآية فما لكم ترفضون حق الله مراعاة لحق من يفرّ منكم غدا:
خطأ رأيهم في موالاة الكفار بما يرجع إلى حال من والوه أوّلا، ثم بما يرجع إلى حال من اقتضى تلك الموالاة ثانيا، ليربهم أن ما أقدموا عليه من أى جهة نظرت فيه وجدته باطلا.
قرئ: يفصل ويفصّل، على البناء للمفعول. ويفصل ويفصّل، على البناء للفاعل وهو الله عزّ وجل. ونفصل ونفصل، بالنون.
الممتحنة 60:4
وقرئ. أسوة وإسوة. وهو اسم المؤتسى به، أى كان فيهم مذهب حسن مرضى بأن يؤتسى به ويتبع أثره، وهو قولهم لكفار قومهم ما قالوا، حيث كاشفوهم بالعداوة وقشروا لهم العصا، وأظهروا البغضاء والمقت، وصرحوا بأن سبب عداوتهم وبغضائهم ليس إلا كفرهم بالله، وما دام هذا السبب قائما كانت العداوة قائمة، حتى إن أزالوه وآمنوا بالله وحده انقلبت العداوة موالاة، والبغضاء محبة، والمقت مقة [[قوله «والمقت مقة» أى: محبة. (ع)]] ، فأفصحوا عن محض الإخلاص. ومعنى كَفَرْنا بِكُمْ وبما تعبدون من دون الله: أنا لا نعتدّ بشأنكم ولا بشأن آلهتكم، وما أنتم عندنا على شيء.
فإن قلت: مم استثنى قوله إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ؟ قلت: من قوله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لأنه أراد بالأسوة الحسنة: قولهم الذي حق عليهم أن يأتسوا به ويتخذونه سنة يستنون بها. فإن قلت:
فإن كان قوله لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مستثنى من القول الذي هو أسوة حسنة، فما بال قوله وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ وهو غير حقيق بالاستثناء. ألا ترى إلى قوله قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً؟ قلت: أراد استثناء جملة قوله لأبيه، والقصد إلى موعد الاستغفار له، وما بعده مبنىّ عليه وتابع له، كأنه قال: أنا أستغفر لك وما في طاقتي إلا الاستغفار. فإن قلت: بم اتصل قوله رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا؟ قلت: بما قبل الاستثناء، وهو من جملة الأسوة الحسنة. ويجوز أن يكون المعنى: قولوا ربنا، أمرا من الله تعالى للمؤمنين بأن يقولوه، وتعليما منه لهم تتميما لما وصاهم به من قطع العلائق بينهم وبين الكفار، والائتساء بإبراهيم وقومه في البراءة منهم، وتنبيها على الإنابة إلى الله والاستعاذة به من فتنة أهل الكفر، والاستغفار مما فرط منهم. وقرئ: برآء كشركاء، وبراء كظراف. وبراء على إبدال الضم من الكسر، كرخال ورباب. وبراء [[قوله «كرخال ورباب» في الصحاح: الرخل- بكسر الخاء-: الأنثى من أولاد الضأن، والذكر حمل، والجمع رخال ورخال أيضا بالضم. وفيه أيضا: «الربى» بالضم على فعلى: الشاة التي وضعت حديثا.
وجمعها رباب بالضم. (ع)]] على الوصف بالمصدر. والبراء والبراءة كالظماء والظماءة.
الممتحنة 60:5
وقرئ. أسوة وإسوة. وهو اسم المؤتسى به، أى كان فيهم مذهب حسن مرضى بأن يؤتسى به ويتبع أثره، وهو قولهم لكفار قومهم ما قالوا، حيث كاشفوهم بالعداوة وقشروا لهم العصا، وأظهروا البغضاء والمقت، وصرحوا بأن سبب عداوتهم وبغضائهم ليس إلا كفرهم بالله، وما دام هذا السبب قائما كانت العداوة قائمة، حتى إن أزالوه وآمنوا بالله وحده انقلبت العداوة موالاة، والبغضاء محبة، والمقت مقة [[قوله «والمقت مقة» أى: محبة. (ع)]] ، فأفصحوا عن محض الإخلاص. ومعنى كَفَرْنا بِكُمْ وبما تعبدون من دون الله: أنا لا نعتدّ بشأنكم ولا بشأن آلهتكم، وما أنتم عندنا على شيء.
فإن قلت: مم استثنى قوله إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ؟ قلت: من قوله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لأنه أراد بالأسوة الحسنة: قولهم الذي حق عليهم أن يأتسوا به ويتخذونه سنة يستنون بها. فإن قلت:
فإن كان قوله لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مستثنى من القول الذي هو أسوة حسنة، فما بال قوله وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ وهو غير حقيق بالاستثناء. ألا ترى إلى قوله قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً؟ قلت: أراد استثناء جملة قوله لأبيه، والقصد إلى موعد الاستغفار له، وما بعده مبنىّ عليه وتابع له، كأنه قال: أنا أستغفر لك وما في طاقتي إلا الاستغفار. فإن قلت: بم اتصل قوله رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا؟ قلت: بما قبل الاستثناء، وهو من جملة الأسوة الحسنة. ويجوز أن يكون المعنى: قولوا ربنا، أمرا من الله تعالى للمؤمنين بأن يقولوه، وتعليما منه لهم تتميما لما وصاهم به من قطع العلائق بينهم وبين الكفار، والائتساء بإبراهيم وقومه في البراءة منهم، وتنبيها على الإنابة إلى الله والاستعاذة به من فتنة أهل الكفر، والاستغفار مما فرط منهم. وقرئ: برآء كشركاء، وبراء كظراف. وبراء على إبدال الضم من الكسر، كرخال ورباب. وبراء [[قوله «كرخال ورباب» في الصحاح: الرخل- بكسر الخاء-: الأنثى من أولاد الضأن، والذكر حمل، والجمع رخال ورخال أيضا بالضم. وفيه أيضا: «الربى» بالضم على فعلى: الشاة التي وضعت حديثا.
وجمعها رباب بالضم. (ع)]] على الوصف بالمصدر. والبراء والبراءة كالظماء والظماءة.
الممتحنة 60:6
ثم كرّر الحث على الائتساء بإبراهيم وقومه تقريرا وتأكيدا عليهم، ولذلك جاء به مصدرا بالقسم لأنه الغاية في التأكيد، وأبدل عن قوله لَكُمْ قوله لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وعقبه بقوله وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ فلم يترك نوعا من التأكيد إلا جاء به.
الممتحنة 60:7
ولما نزلت هذه الآيات: تشدّد المؤمنون في عداوة آبائهم وأبنائهم وجميع أقربائهم من المشركين ومقاطعتهم، فلما رأى الله عز وجل منهم الجدّ والصبر على الوجه الشديد وطول التمني للسبب الذي يبيح لهم الموالاة والمواصلة: رحمهم فوعدهم تيسير ما تمنوه، فلما يسر فتح مكة أظفرهم الله بأمنيتهم، فأسلم قومهم، وتمّ بينهم من التحاب والتصافي ما تمّ. وقيل: تزوّج رسول الله ﷺ أمّ حبيبة، فلانت عند ذلك عريكة أبى سفيان واسترخت شكيمته في العداوة، وكانت أمّ حبيبة قد أسلمت وهاجرت مع زوجها عبد الله بن أبى جحش إلى الحبشة، فتنصر وأرادها على النصرانية، فأبت وصبرت على دينها، ومات زوجها، فبعث رسول الله ﷺ إلى النجاشي فخطبها عليه [[هكذا ذكره الثعلبي بغير سند. ومجموعه مفرق في أحاديث. وروى أبو داود والحاكم من رواية الزهري عن عروة عن أم حبيبة «أنها كانت تحت عبد الله بن جحش فمات بأرض الحبشة. فزوجها النجاشي النبي ﷺ وأمهرها عنه أربعة آلاف. وبعث بها إلى رسول الله ﷺ مع شرحبيل بن حسنة» وروى الحاكم عن الزهري قال «تزوج رسول الله ﷺ أم حبيبة بنت أبى سفيان. وكانت قبله تحت عبد الله بن جحش الأسدى. وكان قد هاجر بها من مكة إلى الحبشة ثم افتتن وتنصر ومات نصرانيا وأثبت الله الإسلام لأم حبيبة حتى رجعت إلى المدينة فخطبها رسول الله ﷺ فزوجها إياه عثمان بن عفان» قال الزهري وزعموا أن النبي ﷺ كتب إلى النجاشي فزوجها إياه وساق عنه أربعين أوقية» وروى الواقدي في المغازي ومن طريقه الحاكم من رواية جعفر بن محمد عن أبيه قال «بعث رسول الله ﷺ عمرو بن أمية إلى النجاشي خطب عليه أم حبيبة، وأصدقها من عنده أربعمائة دينار» قال الواقدي: حدثني عبد الله بن جعفر عن عبد الواحد بن أبى عون قال: لما بلغ أبا سفيان بن حرب نكاح النبي ﷺ ابنته قال: ذاك الفحل لا يقدع أنفه» وقال أبو نعيم في الدلائل «بعث رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي فزوجه أم حبيبة بنت أبى سفيان وأصدقها عنه أربعمائة دينار، وبعث بها إليه، وقال: وكان ذلك في سنة ست من الهجرة بعد رجوعه من خيبر ولا أعلم في ذلك خلافا» .]] ، وساق عنه إليها مهرها أربعمائة دينار، وبلغ ذلك أباها فقال: ذلك الفحل لا يقدع أنفه [[قوله «ذلك الفحل لا يقدع أنفه» اى لا يضرب أنفه ولا يكف وذلك لكونه كريما. أفاده الصحاح. (ع)]] . وعَسَى وعد من الله على عادات الملوك حيث يقولون في بعض الحوائج: عسى أو لعل: فلا تبقى شبهة للمحتاج في تمام ذلك. أو قصد به إطماع المؤمنين، والله قدير على تقليب القلوب وتغيير الأحوال وتسهيل أسباب المودة وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لمن أسلم من المشركين.
الممتحنة 60:8
أَنْ تَبَرُّوهُمْ بدل من الذين لم يقاتلوكم. وكذلك أَنْ تَوَلَّوْهُمْ من الذين قاتلوكم:
والمعنى: لا ينهاكم عن مبرّه هؤلاء، وإنما ينهاكم عن تولى هؤلاء. وهذا أيضا رحمة لهم لتشدّدهم وجدّهم في العداوة متقدّمة لرحمته بتيسير إسلام قومهم، حيث رخص لهم في صلة من لم يجاهر منهم بقتال المؤمنين وإخراجهم من ديارهم. وقيل: أراد بهم خزاعة وكانوا صالحوا رسول الله ﷺ على أن لا يقاتلوه ولا يعينوا عليه. وعن مجاهد:
هم الذين آمنوا بمكة ولم يهاجروا. وقيل: هم النساء والصبيان. وقيل قدمت على أسماء بنت أبى بكر أمّها قتيلة بنت عبد العزى وهي مشركة بهدايا فلم تقبلها ولم تأذن لها في الدخول، فنزلت، فأمرها رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أن تدخلها وتقبل منها وتكرمها وتحسن إليها [[أخرجه الحاكم من طريق المبارك عن مصعب بن ثابت عن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن جده قال «قدمت قتيلة بنت عبد العزى على ابنتها أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنهما. وكان أبو بكر طلقها» فذكره وساقه أتم.
ومن هذا الوجه أحمد والبزار وأبو داود وأبو يعلى والطبري والطبراني وابن أبى حاتم وغيرهم. وحديث أسماء في الصحيحين عن عروة عنها بغير هذا السياق.]] . وعن قتادة: نسختها آية القتال وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ وتقضوا إليهم بالقسط ولا تظلموهم.
وناهيك بتوصية الله المؤمنين أن يستعملوا القسط مع المشركين به ويتحاموا ظلمهم، مترجمة عن حال مسلم يجترئ على ظلم أخيه المسلم.
الممتحنة 60:9
أَنْ تَبَرُّوهُمْ بدل من الذين لم يقاتلوكم. وكذلك أَنْ تَوَلَّوْهُمْ من الذين قاتلوكم:
والمعنى: لا ينهاكم عن مبرّه هؤلاء، وإنما ينهاكم عن تولى هؤلاء. وهذا أيضا رحمة لهم لتشدّدهم وجدّهم في العداوة متقدّمة لرحمته بتيسير إسلام قومهم، حيث رخص لهم في صلة من لم يجاهر منهم بقتال المؤمنين وإخراجهم من ديارهم. وقيل: أراد بهم خزاعة وكانوا صالحوا رسول الله ﷺ على أن لا يقاتلوه ولا يعينوا عليه. وعن مجاهد:
هم الذين آمنوا بمكة ولم يهاجروا. وقيل: هم النساء والصبيان. وقيل قدمت على أسماء بنت أبى بكر أمّها قتيلة بنت عبد العزى وهي مشركة بهدايا فلم تقبلها ولم تأذن لها في الدخول، فنزلت، فأمرها رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أن تدخلها وتقبل منها وتكرمها وتحسن إليها [[أخرجه الحاكم من طريق المبارك عن مصعب بن ثابت عن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن جده قال «قدمت قتيلة بنت عبد العزى على ابنتها أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنهما. وكان أبو بكر طلقها» فذكره وساقه أتم.
ومن هذا الوجه أحمد والبزار وأبو داود وأبو يعلى والطبري والطبراني وابن أبى حاتم وغيرهم. وحديث أسماء في الصحيحين عن عروة عنها بغير هذا السياق.]] . وعن قتادة: نسختها آية القتال وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ وتقضوا إليهم بالقسط ولا تظلموهم.
وناهيك بتوصية الله المؤمنين أن يستعملوا القسط مع المشركين به ويتحاموا ظلمهم، مترجمة عن حال مسلم يجترئ على ظلم أخيه المسلم.
الممتحنة 60:10
إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ سماهنّ مؤمنات لتصديقهنّ بألسنتهنّ ونطقهنّ بكلمة الشهادة ولم يظهر منهنّ ما ينافي ذلك. أو لأنهنّ مشارفات لثبات إيمانهن بالامتحان فَامْتَحِنُوهُنَّ فابتلوهن بالحلف والنظر في الأمارات ليغلب على ظنونكم صدق إيمانهن، وكان رسول الله ﷺ يقول للممتحنة: «بالله الذي لا إله إلا هو ما خرجت من بغض زوج، بالله ما خرجت رغبة عن أرض إلى أرض، بالله ما خرجت التماس دنيا، بالله ما خرجت إلا حبا لله ولرسوله» [[أخرجه الطبراني والطبري من رواية الأغر بن الصباح عن خليفة بن حصين عن أبى بهز الأسدى. قال سئل ابن عباس- فذكره أتم سياقا منه. قال البزار لا نعلمه عن ابن عباس إلا من هذا الوجه. ورواه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة مرسلا.]] اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ منكم لأنكم لا تكسبون فيه علما تطمئن معه نفوسكم، وإن استحلفتموهن ورزتم أحوالهن، وعند الله حقيقة العلم به فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ العلم الذي تبلغه طاقتكم وهو الظن الغالب بالحلف وظهور الأمارات فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ فلا تردّوهن إلى أزواجهن المشركين، لأنه لأحل بين المؤمنة والمشرك [[قال محمود: «معناه لأحل بين المؤمنة والمشرك» قال أحمد: هذه الآية مما استدل بها على خطاب الكفار بالفروع لأنه تعالى قال لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ والضمير الأول للمؤمنات، والثاني الكفار، والمراد به يحرمن على الكفار لأن قسيمه متفق على أن المراد به تحريم الكفار على المؤمنات، فيكون كل من القبيلين المؤمنات والكفار مخاطبا بالحرمة، ولما كان المذهب المعزى إلى أصحاب أبى حنيفة أن الكفار غير مخاطبين لك الزمخشري يتفسر الآية ما يوافق ذلك، فحملها على أن المراد نفى الحل بين المؤمنة والكافر على الإجمال، حتى لا يتمحض نسبة الحرمة إلى الكافر، وهذا لا متخلص فيه فان الحل المنفي بين المؤمنة والكافر إلى الحرمة، لا بد وأن يتعلق بفعل أحدهما أو كليهما، إذ هو حكم فان تعلق بفعل كل واحد منهما أعنى التمكين من المرأة والفعل من الرجل: تحقق خطاب الكافر بالحرمة، وتعليقه بفعل المرأة دون فعل الرجل: يأباه نظم الآية، فانه نفى الحل من الجهتين جميعا ولو كان كذلك، لكفى قوله وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ والتحقيق الممتحن على قواعد الأصول: هو ما نذكره إن شاء الله تعالى فنقول: كل من فعلى المؤمنة والكافر ينفى عنه الحل بالتفسير اللائق، فأما فعل المؤمنة وهو التمكين فلا شك في تعلق الحرمة للشرع. باعتبار أنها مخاطبة بأن لا يحصل في الوجود على وجه لو حصل لكانت متوعدة على حصوله وأما فعل الكافر وهو الوطء مثلا، فمنفى حله باعتبار أن الشرع قصد إلى أن لا يحصل الوطء، لما يشتمل عليه من المفسدة، وللشرع قصد في أن لا تقع المفاسد، وليس الكافر موردا للخطاب، ولكن الأئمة مثلا أو من يقوم مقامهم. مخاطبون بأن يمنعوا الكافر كى لا يقع هذا الفعل المنطوى على المفسدة في نظر الشرع، فكلا الفعلين إذا من جانب المرأة والرجل غرض في أن لا يقع، لكن مورد الخطاب المنطوى على السلامة من المفسدة في حق المرأة هي وفي حق الكافر الأئمة مثلا، ويتفق المختلفون فيه في خطاب الكفار على أن للشرع غرضا في أن لا تحصل المفاسد في الوجود. ألا ترى أن الكافر إذا جهر بالفساد بين المسلمين يتفق على وجوب ردعه عن ذلك ومنعه عنه، وما ذاك إلا لما فهم عن الشرع من طلب سلامة الوجود عن المفاسد، ومورد الخطاب يردع الكافر كى لا يجهر بالفساد يعم الأئمة، والله الموفق.]] وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا وأعطوا أزواجهنّ مثل ما دفعوا إليهنّ من المهور، وذلك أن صلح الحديبية كان على أن من أتاكم من أهل مكة ردّ إليهم، ومن أتى منكم مكة لم يردّ إليكم، وكتبوا بذلك كتابا وختموه، فجاءت سبيعة بنت الحرث الأسلمية مسلمة والنبي ﷺ بالحديبية، فأقبل زوجها مسافر المخزومي. وقيل صيفي بن الراهب فقال: يا محمد، اردد علىّ امرأتى فإنك قد شرطت لنا أن ترد علينا من أتاك منا، وهذه طينة الكتاب لم تجف، فنزلت بيانا لأن الشرط إنما كان في الرجال دون النساء [[هكذا ذكره البغوي عن ابن عباس بغير سند.]] . وعن الضحاك: كان بين رسول الله ﷺ وبين المشركين عهد:
أن لا تأتيك منا امرأة ليست على دينك إلا رددتها إلينا، فإن دخلت في دينك ولها زوج أن تردّ على زوجها الذي أنفق عليها، وللنبي ﷺ من الشرط مثل ذلك. وعن قتادة: ثم نسخ هذا الحكم وهذا العهد براءة، فاستحلفها رسول الله ﷺ فحلفت، فأعطى زوجها ما أنفق وتزوّجها عمر. فإن قلت: كيف سمى الظنّ علما في قوله فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ؟
قلت: إيذانا بأن الظن الغالب وما يفضى إليه الاجتهاد والقياس جار مجرى العلم، وأن صاحبه غير داخل في قوله وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فإن قلت: فما فائدة قوله اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ وذلك معلوم لا شبهة فيه؟ قلت: فائدته بيان أن لا سبيل لكم إلى ما تطمئن به النفس ويثلج به الصدر من الإحاطة بحقيقة إيمانهن، فإنّ ذلك مما استأثر به علام الغيوب، وأن ما يؤدى إليه الامتحان من العلم كاف في ذلك، وأن تكليفكم لا يعدوه، ثم نفى عنهم الجناح في تزوّج هؤلاء المهاجرات إذا آتوهنّ أجورهنّ أى مهورهنّ، لأن المهر أجر البضع، ولا يخلو إما أن يراد بها ما كان يدفع إليهنّ ليدفعنه إلى أزواجهنّ فيشترط في إباحة تزوجهنّ تقديم أدائه، وإما أن يراد أن ذلك إذا دفع إليهنّ على سبيل القرض ثم تزوجن على ذلك لم يكن به بأس، وإما أن يبين لهم أن ما أعطى أزواجهنّ لا يقوم مقام المهر وأنه لا بد من إصداق، وبه احتج أبو حنيفة على أن أحد الزوجين إذا خرج من دار الحرب مسلما أو بذمة وبقي الآخر حربيا: وقعت الفرقة، ولا يرى العدة على المهاجرة ويبيح نكاحها إلا أن تكون حاملا وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ والعصمة ما يعتصم به من عقد وسبب، يعنى: إياكم وإياهنّ، ولا تكن بينكم وبينهنّ عصمة ولا علقة زوجية. قال ابن عباس: من كانت له امرأة كافرة بمكة فلا يعتدنّ بها من نسائه، لأن اختلاف الدارين قطع عصمتها منه. وعن النخعي: هي المسلمة تلحق بدار الحرب فتكفر.
وعن مجاهد: أمرهم بطلاق الباقيات مع الكفار ومفارقتهن وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ من مهور أزواجكم اللاحقات بالكفار وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا من مهور نسائهم المهاجرات. وقرئ:
ولا تمسكوا بالتخفيف. ولا تمسكوا بالتثقيل. ولا تمسكوا، أى: ولا تتمسكوا ذلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يعنى جميع ما ذكر في هذه الآية يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ كلام مستأنف. أو حال من حكم الله على حذف الضمير، أى: يحكمه الله. أو جعل الحكم حاكما على المبالغة. روى أنها لما نزلت هذه الآية أدى المؤمنون ما أمروا به من أداء مهور المهاجرات إلى أزواجهنّ المشركين، وأبى المشركون أن يؤدوا شيئا من مهور الكوافر إلى أزواجهن المسلمين، فنزل قوله وَإِنْ فاتَكُمْ وإن سبقكم وانفلت منكم شَيْءٌ من أزواجكم: أحد منهن إلى الكفار، وهو في قراءة ابن مسعود: أحد. فإن قلت: هل لإيقاع شيء في هذا الموقع فائدة؟ قلت: نعم، الفائدة فيه: أن لا يغادر شيء من هذا الجنس وإن قل وحقر، غير معوض منه تغليظا في هذا الحكم وتشديدا فيه فَعاقَبْتُمْ من العقبة وهي التوبة: شبه ما حكم به على المسلمين والكافرين من أداء هؤلاء مهور نساء أولئك تارة، وأولئك مهور نساء هؤلاء أخرى بأمر يتعاقبون فيه كما يتعاقب في الركوب وغيره. ومعناه: فجاءت عقبتكم من أداء المهر، فآتوا من فاتته امرأته إلى الكفار مثل مهرها من مهر المهاجرة، ولا تؤتوه زوجها الكافر، وهكذا عن الزهري: يعطى من صداق من لحق بهم. وقرئ: فأعقبتم. فعقبتم بالتشديد. فعقبتم بالتخفيف، بفتح القاف وكسرها، فمعنى أعقبتم: دخلتم في العقبة، وعقبتم: من عقبه إذا قفاه، لأنّ كل واحد من المتعاقبين يقفى صاحبه، وكذلك عقبتم بالتخفيف، يقال: عقبه يعقبه. وعقبتم نحو تبعتم. وقال الزجاج:
فعاقبتم فأصبتموهم في القتال بعقوبة حتى غنمتم، والذي ذهبت زوجته كان يعطى من الغنيمة المهر، وفسر غيرها من القراآت فكانت العقبى لكم، أى: فكانت الغلبة لكم حتى غنمتم.
وقيل: جميع من لحق بالمشركين من نساء المؤمنين المهاجرين راجعة عن الإسلام ست نسوة:
أم الحكم بنت أبى سفيان كانت تحت عياض بن شداد الفهري، وفاطمة بنت أبى أمية كانت تحت عمر بن الخطاب وهي أخت أم سلمة، وبروع بنت عقبة كانت تحت شماس بن عثمان، وعبدة بنت عبد العزى بن نصلة وزوجها عمرو بن عبدودّ، وهند بنت أبى جهل كانت تحت هشام بن العاص. وكلثوم بنت جرول كانت تحت عمر، فأعطاهم رسول الله ﷺ مهور نسائهم من الغنيمة [[هكذا ذكره الثعلبي ثم البغوي عن ابن عباس بلا إسناد.]] .
الممتحنة 60:11
إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ سماهنّ مؤمنات لتصديقهنّ بألسنتهنّ ونطقهنّ بكلمة الشهادة ولم يظهر منهنّ ما ينافي ذلك. أو لأنهنّ مشارفات لثبات إيمانهن بالامتحان فَامْتَحِنُوهُنَّ فابتلوهن بالحلف والنظر في الأمارات ليغلب على ظنونكم صدق إيمانهن، وكان رسول الله ﷺ يقول للممتحنة: «بالله الذي لا إله إلا هو ما خرجت من بغض زوج، بالله ما خرجت رغبة عن أرض إلى أرض، بالله ما خرجت التماس دنيا، بالله ما خرجت إلا حبا لله ولرسوله» [[أخرجه الطبراني والطبري من رواية الأغر بن الصباح عن خليفة بن حصين عن أبى بهز الأسدى. قال سئل ابن عباس- فذكره أتم سياقا منه. قال البزار لا نعلمه عن ابن عباس إلا من هذا الوجه. ورواه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة مرسلا.]] اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ منكم لأنكم لا تكسبون فيه علما تطمئن معه نفوسكم، وإن استحلفتموهن ورزتم أحوالهن، وعند الله حقيقة العلم به فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ العلم الذي تبلغه طاقتكم وهو الظن الغالب بالحلف وظهور الأمارات فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ فلا تردّوهن إلى أزواجهن المشركين، لأنه لأحل بين المؤمنة والمشرك [[قال محمود: «معناه لأحل بين المؤمنة والمشرك» قال أحمد: هذه الآية مما استدل بها على خطاب الكفار بالفروع لأنه تعالى قال لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ والضمير الأول للمؤمنات، والثاني الكفار، والمراد به يحرمن على الكفار لأن قسيمه متفق على أن المراد به تحريم الكفار على المؤمنات، فيكون كل من القبيلين المؤمنات والكفار مخاطبا بالحرمة، ولما كان المذهب المعزى إلى أصحاب أبى حنيفة أن الكفار غير مخاطبين لك الزمخشري يتفسر الآية ما يوافق ذلك، فحملها على أن المراد نفى الحل بين المؤمنة والكافر على الإجمال، حتى لا يتمحض نسبة الحرمة إلى الكافر، وهذا لا متخلص فيه فان الحل المنفي بين المؤمنة والكافر إلى الحرمة، لا بد وأن يتعلق بفعل أحدهما أو كليهما، إذ هو حكم فان تعلق بفعل كل واحد منهما أعنى التمكين من المرأة والفعل من الرجل: تحقق خطاب الكافر بالحرمة، وتعليقه بفعل المرأة دون فعل الرجل: يأباه نظم الآية، فانه نفى الحل من الجهتين جميعا ولو كان كذلك، لكفى قوله وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ والتحقيق الممتحن على قواعد الأصول: هو ما نذكره إن شاء الله تعالى فنقول: كل من فعلى المؤمنة والكافر ينفى عنه الحل بالتفسير اللائق، فأما فعل المؤمنة وهو التمكين فلا شك في تعلق الحرمة للشرع. باعتبار أنها مخاطبة بأن لا يحصل في الوجود على وجه لو حصل لكانت متوعدة على حصوله وأما فعل الكافر وهو الوطء مثلا، فمنفى حله باعتبار أن الشرع قصد إلى أن لا يحصل الوطء، لما يشتمل عليه من المفسدة، وللشرع قصد في أن لا تقع المفاسد، وليس الكافر موردا للخطاب، ولكن الأئمة مثلا أو من يقوم مقامهم. مخاطبون بأن يمنعوا الكافر كى لا يقع هذا الفعل المنطوى على المفسدة في نظر الشرع، فكلا الفعلين إذا من جانب المرأة والرجل غرض في أن لا يقع، لكن مورد الخطاب المنطوى على السلامة من المفسدة في حق المرأة هي وفي حق الكافر الأئمة مثلا، ويتفق المختلفون فيه في خطاب الكفار على أن للشرع غرضا في أن لا تحصل المفاسد في الوجود. ألا ترى أن الكافر إذا جهر بالفساد بين المسلمين يتفق على وجوب ردعه عن ذلك ومنعه عنه، وما ذاك إلا لما فهم عن الشرع من طلب سلامة الوجود عن المفاسد، ومورد الخطاب يردع الكافر كى لا يجهر بالفساد يعم الأئمة، والله الموفق.]] وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا وأعطوا أزواجهنّ مثل ما دفعوا إليهنّ من المهور، وذلك أن صلح الحديبية كان على أن من أتاكم من أهل مكة ردّ إليهم، ومن أتى منكم مكة لم يردّ إليكم، وكتبوا بذلك كتابا وختموه، فجاءت سبيعة بنت الحرث الأسلمية مسلمة والنبي ﷺ بالحديبية، فأقبل زوجها مسافر المخزومي. وقيل صيفي بن الراهب فقال: يا محمد، اردد علىّ امرأتى فإنك قد شرطت لنا أن ترد علينا من أتاك منا، وهذه طينة الكتاب لم تجف، فنزلت بيانا لأن الشرط إنما كان في الرجال دون النساء [[هكذا ذكره البغوي عن ابن عباس بغير سند.]] . وعن الضحاك: كان بين رسول الله ﷺ وبين المشركين عهد:
أن لا تأتيك منا امرأة ليست على دينك إلا رددتها إلينا، فإن دخلت في دينك ولها زوج أن تردّ على زوجها الذي أنفق عليها، وللنبي ﷺ من الشرط مثل ذلك. وعن قتادة: ثم نسخ هذا الحكم وهذا العهد براءة، فاستحلفها رسول الله ﷺ فحلفت، فأعطى زوجها ما أنفق وتزوّجها عمر. فإن قلت: كيف سمى الظنّ علما في قوله فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ؟
قلت: إيذانا بأن الظن الغالب وما يفضى إليه الاجتهاد والقياس جار مجرى العلم، وأن صاحبه غير داخل في قوله وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فإن قلت: فما فائدة قوله اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ وذلك معلوم لا شبهة فيه؟ قلت: فائدته بيان أن لا سبيل لكم إلى ما تطمئن به النفس ويثلج به الصدر من الإحاطة بحقيقة إيمانهن، فإنّ ذلك مما استأثر به علام الغيوب، وأن ما يؤدى إليه الامتحان من العلم كاف في ذلك، وأن تكليفكم لا يعدوه، ثم نفى عنهم الجناح في تزوّج هؤلاء المهاجرات إذا آتوهنّ أجورهنّ أى مهورهنّ، لأن المهر أجر البضع، ولا يخلو إما أن يراد بها ما كان يدفع إليهنّ ليدفعنه إلى أزواجهنّ فيشترط في إباحة تزوجهنّ تقديم أدائه، وإما أن يراد أن ذلك إذا دفع إليهنّ على سبيل القرض ثم تزوجن على ذلك لم يكن به بأس، وإما أن يبين لهم أن ما أعطى أزواجهنّ لا يقوم مقام المهر وأنه لا بد من إصداق، وبه احتج أبو حنيفة على أن أحد الزوجين إذا خرج من دار الحرب مسلما أو بذمة وبقي الآخر حربيا: وقعت الفرقة، ولا يرى العدة على المهاجرة ويبيح نكاحها إلا أن تكون حاملا وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ والعصمة ما يعتصم به من عقد وسبب، يعنى: إياكم وإياهنّ، ولا تكن بينكم وبينهنّ عصمة ولا علقة زوجية. قال ابن عباس: من كانت له امرأة كافرة بمكة فلا يعتدنّ بها من نسائه، لأن اختلاف الدارين قطع عصمتها منه. وعن النخعي: هي المسلمة تلحق بدار الحرب فتكفر.
وعن مجاهد: أمرهم بطلاق الباقيات مع الكفار ومفارقتهن وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ من مهور أزواجكم اللاحقات بالكفار وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا من مهور نسائهم المهاجرات. وقرئ:
ولا تمسكوا بالتخفيف. ولا تمسكوا بالتثقيل. ولا تمسكوا، أى: ولا تتمسكوا ذلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يعنى جميع ما ذكر في هذه الآية يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ كلام مستأنف. أو حال من حكم الله على حذف الضمير، أى: يحكمه الله. أو جعل الحكم حاكما على المبالغة. روى أنها لما نزلت هذه الآية أدى المؤمنون ما أمروا به من أداء مهور المهاجرات إلى أزواجهنّ المشركين، وأبى المشركون أن يؤدوا شيئا من مهور الكوافر إلى أزواجهن المسلمين، فنزل قوله وَإِنْ فاتَكُمْ وإن سبقكم وانفلت منكم شَيْءٌ من أزواجكم: أحد منهن إلى الكفار، وهو في قراءة ابن مسعود: أحد. فإن قلت: هل لإيقاع شيء في هذا الموقع فائدة؟ قلت: نعم، الفائدة فيه: أن لا يغادر شيء من هذا الجنس وإن قل وحقر، غير معوض منه تغليظا في هذا الحكم وتشديدا فيه فَعاقَبْتُمْ من العقبة وهي التوبة: شبه ما حكم به على المسلمين والكافرين من أداء هؤلاء مهور نساء أولئك تارة، وأولئك مهور نساء هؤلاء أخرى بأمر يتعاقبون فيه كما يتعاقب في الركوب وغيره. ومعناه: فجاءت عقبتكم من أداء المهر، فآتوا من فاتته امرأته إلى الكفار مثل مهرها من مهر المهاجرة، ولا تؤتوه زوجها الكافر، وهكذا عن الزهري: يعطى من صداق من لحق بهم. وقرئ: فأعقبتم. فعقبتم بالتشديد. فعقبتم بالتخفيف، بفتح القاف وكسرها، فمعنى أعقبتم: دخلتم في العقبة، وعقبتم: من عقبه إذا قفاه، لأنّ كل واحد من المتعاقبين يقفى صاحبه، وكذلك عقبتم بالتخفيف، يقال: عقبه يعقبه. وعقبتم نحو تبعتم. وقال الزجاج:
فعاقبتم فأصبتموهم في القتال بعقوبة حتى غنمتم، والذي ذهبت زوجته كان يعطى من الغنيمة المهر، وفسر غيرها من القراآت فكانت العقبى لكم، أى: فكانت الغلبة لكم حتى غنمتم.
وقيل: جميع من لحق بالمشركين من نساء المؤمنين المهاجرين راجعة عن الإسلام ست نسوة:
أم الحكم بنت أبى سفيان كانت تحت عياض بن شداد الفهري، وفاطمة بنت أبى أمية كانت تحت عمر بن الخطاب وهي أخت أم سلمة، وبروع بنت عقبة كانت تحت شماس بن عثمان، وعبدة بنت عبد العزى بن نصلة وزوجها عمرو بن عبدودّ، وهند بنت أبى جهل كانت تحت هشام بن العاص. وكلثوم بنت جرول كانت تحت عمر، فأعطاهم رسول الله ﷺ مهور نسائهم من الغنيمة [[هكذا ذكره الثعلبي ثم البغوي عن ابن عباس بلا إسناد.]] .
الممتحنة 60:12
وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وقرئ: يقتلن، بالتشديد، يريد: وأد البنات وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ كانت المرأة تلتقط المولود فتقول لزوجها: هو ولدى منك.
كنى بالبهتان المفترى بين يديها ورجليها عن الولد الذي تلصقه بزوجها كذبا، لأنّ بطنها الذي تحمله فيه بين اليدين، وفرجها الذي تلده به بين الرجلين وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فيما تأمرهن به من المحسنات وتنهاهنّ عنه من المقبحات. وقيل: كل ما وافق طاعة الله فهو معروف. فإن قلت: لو اقتصر على قوله وَلا يَعْصِينَكَ فقد علم أن رسول الله ﷺ لا يأمر إلا بمعروف؟ قلت: نبه بذلك على أنّ طاعة المخلوق في معصية الخالق جديرة بغاية التوقي والاجتناب. وروى أنّ رسول الله ﷺ لما فرغ يوم فتح مكة من بيعة الرجال:
أخذ في بيعة النساء وهو على الصفا [[لم أره بسياقه لكن أخرجه الطبري بمعناه وأخص منه من طريق العوفى عن ابن عباس. وأخرجه ابن أبى حاتم من طريق مقاتل بن حيان. وفيه قول هند: ربيناهم صغارا وقتلتموهم كبارا، فضحك عمر بن الخطاب رضى الله عنه حتى استلقى.]] وعمر بن الخطاب رضى الله عنه أسفل منه يبايعهن بأمره ويبلغهن عنه، وهند بنت عتبة امرأة أبى سفيان متقنعة متنكرة خوفا من رسول الله ﷺ أن يعرفها [[قوله «خوفا من رسول الله ﷺ أن يعرفها» لما صنعت بحمزة، كذا في النسفي، وذلك في غزوة أحد. (ع)]] فقال عليه الصلاة والسلام: «أبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئا فرفعت هند رأسها وقالت: والله لقد عبدنا الأصنام وإنك لتأخذ علينا أمرا ما رأيناك أخذته على الرجال تبايع الرجال على الإسلام والجهاد، فقال عليه الصلاة والسلام: و «لا يسرقن» [[قوله «فقال عليه السلام ولا يسرقن» في النسفي قبل هذا: فبايع عمر النساء على أن لا يشركن بالله شيئا. (ع)]] فقالت: إنّ أبا سفيان رجل شحيح، وإنى أصبت من ماله هنات، فما أدرى، أتحل لي أم لا. فقال أبو سفيان: ما أصبت من شيء فيما مضى وفيما غبر فهو لك حلال، فضحك رسول الله ﷺ وعرفها فقال لها: وإنّك لهند بنت عتبة؟ قالت: نعم فاعف عما سلف يا نبى الله عفا الله عنك، فقال: «ولا يزنين» ، فقالت: أو تزنى الحرة؟ وفي رواية: ما زنت منهن امرأة قط، فقال عليه الصلاة والسلام «ولا يقتلن أولادهن» فقالت: ربيناهم صغارا وقتلتهم كبارا فأنتم وهم أعلم، وكان ابنها حنظلة بن أبى سفيان قد قتل يوم بدر، فضحك عمر حتى استلقى، وتبسم رسول الله ﷺ فقال: «ولا يأتين ببهتان» فقالت:
والله إنّ البهتان لأمر قبيح، وما تأمرنا إلا بالرشد ومكارم الأخلاق، فقال: «ولا يعصينك في معروف» فقالت: والله ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء. وقيل في كيفية المبايعة: دعا بقدح من ماء فغمس فيه يده، ثم غمسن أيديهن [[أخرجه ابن سعد عن الواقدي عن أسامة بن زيد عن عمرو بن شعيب نحوه، وله شاهد في الطبراني عن عروة بن مسعود، وآخر في تاريخ أصبهان لأبى نعيم في حرف الحاء من حديث أسماء بنت يزيد.]] . وقيل صافحهن وكان على يده ثوب قطري [[رواه أبو داود في المراسيل عن الشعبي «أن رسول الله ﷺ حين بايع النساء أتى ببرد قطري فوضعه على يده. وقال: لا أصافح النساء» وروى عبد الرزاق عن الثوري عن منصور عن إبراهيم النخعي قال «كان رسول الله ﷺ يصافح النساء على يده ثوب قطري» .]] . وقيل كان عمر يصافحهن عنه [[أخرجه ابن حبان والطبراني والبزار وأبو يعلى والطبري وغيرهم من حديث أم عطية قالت «لما قدم رسول الله ﷺ المدينة أمر نساء الأنصار فجمعهن في بيت ثم أرسل إليهن عمر. فجاء عمر فسلم- فذكر القصة- وفيها: ثم مد يده من خارج البيت ومددنا أيدينا من داخل البيت.]]
الممتحنة 60:13
روى أنّ بعض فقراء المسلمين كانوا يواصلون اليهود ليصيبوا من ثمارهم [[قال محمود «كان طائفة من ضعفاء المسلمين قد والوا اليهود ليصيبوا من أثمارهم، فنزلت هذه الآية، والمراد بالكفار المشركون ... الخ» قال أحمد: قد كان الزمخشري ذكر في قوله وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ إلى قوله وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا أن آخر الآية استطراد، وهو فن من فنون البيان مبوب عليه عند أهله، وآية الممتحنة هذه ممكنة أن تكون من هذا الفن جدا، فانه ذم اليهود واستطرد ذمهم بذم المشركين على نوع حسن من النسبة، وهذا لا يمكن أن يوجد للفصحاء في الاستطراد أحسن ولا أمكن منه، ومما صدروا هذا الفن به قوله:
إذا ما اتقى الله الفتى وأطاعه ... فليس به بأس وإن كان من جرم
وقوله: إن كنت كاذبة التي حدثتني ... فنجوت منجى الحرث بن هشام
ترك الأحبة أن يقاتل دونهم ... ونجا برأس طمرة ولجام]] . فقيل لهم لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً مغضوبا عليهم قَدْ يَئِسُوا من أن يكون لهم حظ في الآخرة لعنادهم رسول الله ﷺ، وهم يعلمون أنه الرسول المنعوت في التوراة كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ من موتاهم أن يبعثوا ويرجعوا أحياء. وقيل مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ بيان للكفار، أى: كما يئس الكفار الذين قبروا من خير الآخرة، لأنهم تبينوا قبح حالهم وسوء منقلبهم.
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة الممتحنة كان له المؤمنون والمؤمنات شفعاء يوم القيامة [[أخرجه الثعلبي وابن مردويه والواحدي بأسانيدهم إلى أبى بن كعب رضى الله عنه.]] ..
الصف 61:1
مدنية، وآياتها 14 [نزلت بعد التغابن] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
لِمَ هي لام الإضافة داخلة على ما الاستفهامية كما دخل عليها غيرها من حروف الجر في قولك: بم، وفيم، ومم، وعم، وإلام، وعلام. وإنما حذفت الألف، لأنّ ما والحرف كشيء واحد، ووقع استعمالهما كثيرا في كلام المستفهم، وقد جاء استعمال الأصل قليلا والوقف على زيادة هاء السكت أو الإسكان، ومن أسكن في الوصل فلإجرائه مجرى الوقف، كما سمع:
ثلاثة، أربعة: بالهاء وإلقاء حركة الهمزة عليها محذوفة، وهذا الكلام يتناول الكذب وإخلاف الموعد. وروى أنّ المؤمنين قالوا قبل أن يؤمروا بالقتال: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله تعالى لعملناه ولبذلنا فيه أموالنا وأنفسنا، فدلهم الله تعالى على الجهاد في سبيله، فولوا يوم أحد فعيرهم. وقيل: لما أخبر الله بثواب شهداء بدر قالوا: لئن لقينا قتالا لنفرغن فيه وسعنا، ففروا يوم أحد ولم يفوا. وقيل: كان الرجل يقول: قتلت ولم يقتل، وطعنت ولم يطعن، وضربت ولم يضرب، وصبرت ولم يصبر. وقيل: كان قد أذى المسلمين رجل ونكى فيهم، فقتله صهيب وانتحل قتله آخر، فقال عمر لصهيب: أخبر النبي عليه السلام أنك قتلته، فقال: إنما قتله لله ولرسوله، فقال عمر: يا رسول الله قتله صهيب، قال: كذلك يا أبا يحيى؟
قال: نعم، فنزلت [[أخرجه الثعلبي من حديث صهيب قال «كان رجل يوم بدر قد آذى المسلمين ونكأ فيهم فقتله صهيب.
فقال رجل: يا رسول الله قتلت فلانا. ففرح بذلك رسول الله ﷺ. فقال عمرو بن عبد الرحمن لصهيب أخبر النبي ﷺ بذلك- الحديث»]] في المنتحل. وعن الحسن: نزلت في المنافقين. ونداؤهم بالإيمان: تهكم بهم وبإيمانهم، هذا من أفصح كلام وأبلغه [[قال محمود: «هذا من أفصح الكلام وأبلغه، في معناه قصد إلى التعجب بغير صيغة التعجب لتعظيم الأمر ... الخ» قال أحمد: وزائد على هذه الوجوه الأربعة وجه خامس: وهو تكراره لقوله ما لا تَفْعَلُونَ وهو لفظ واحد في كلام واحد ومن فوائد التكرار: التهويل والإعظام، وإلا فقد كان الكلام مستقلا لو قيل: كبر مقتا عند الله ذلك، فما إعادته إلا لمكان هذه الفائدة الثانية، والله أعلم.]] في معناه قصد في كَبُرَ التعجب من غير لفظه كقوله:
غلت ناب كليب بواؤها [[تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الثالث صفحة 273 فراجعه إن شئت اه مصححة.]]
ومعنى التعجب: تعظيم الأمر في قلوب السامعين، لأن التعجب لا يكون إلا من شيء خارج عن نظائره وأشكاله، وأسند إلى أن تقولوا. ونصب مَقْتاً على تفسيره، دلالة على أنّ قولهم ما لا يفعلون مقت خالص لا شوب فيه، لفرط تمكن المقت منه، واختير لفظ المقت لأنه أشد البغض وأبلغه. ومنه قيل: نكاح المقت، للعقد على الرابة [[قوله «على الرابة» هي بتشديد الباء كالدابة. وفي الصحاح: نكاح المقت كان في الجاهلية: أن يتزوج الرجل امرأة أبيه اه. (ع)]] ، ولم يقتصر على أن جعل البغض كبيرا، حتى جعل أشده وأفحشه. وعِنْدَ اللَّهِ أبلغ من ذلك، لأنه إذا ثبت كبر مقته عند الله فقد تم كبره وشدته وانزاحت عنه الشكوك. وعن بعض السلف أنه قيل له: حدّثنا، فسكت ثم قيل له حدثنا، فقال: تأمروننى أن أقول ما لا أفعل فاستعجل مقت الله. في قوله إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ عقيب ذكر مقت المخلف: دليل [[قال محمود: «ذكره لهذا عقيب ذكر مقت المخلف دليل ... الخ» قال أحمد: صدق، والأول كالبسطة العامة لهذه القصة الخاصة، كقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ فالنهي العام ورد أولا، والمقصود اندراج هذا الخاص فيه كما تقول للمقترف جرما معينا: لا تفعل ما يلصق العار بك ولا تشاتم زيدا، وفائدة مثل هذا النظم:
النهي عن الشيء الواحد مرتين مندرجا في العموم ومفردا بالخصوص، وهو أولى من النهى عنه على الخصوص مرتين فان ذلك معدود في حين التكرار، وهذا يتكرر مع ما في التعميم من التعظيم والتهويل، والله أعلم.]] على أن المقت قد تعلق بقول الذين وعدوا الثبات في قتال الكفار فلم يفوا. وقرأ زيد بن على: يقاتلون بفتح التاء. وقرئ: يقتلون صَفًّا صافين أنفسهم أو مصفوفين كَأَنَّهُمْ في تراصهم من غير فرجة ولا خلل بُنْيانٌ رص بعضه إلى بعض ورصف. وقيل: يجوز أن يريد استواء نياتهم في الثبات حتى يكونوا في اجتماع الكلمة كالبنيان المرصوص. وعن بعضهم: فيه دليل على فضل القتال راجلا، لأن الفرسان لا يصطفون على هذه الصفة. وقوله صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ حالان متداخلتان [[قال محمود: «قوله صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ: حالان متداخلتان» قال أحمد: يريد أن معنى الأولى مشتمل على معنى الثانية، لأن التراص هيئة للاصطفاف، والله أعلم.]] .
الصف 61:2
مدنية، وآياتها 14 [نزلت بعد التغابن] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
لِمَ هي لام الإضافة داخلة على ما الاستفهامية كما دخل عليها غيرها من حروف الجر في قولك: بم، وفيم، ومم، وعم، وإلام، وعلام. وإنما حذفت الألف، لأنّ ما والحرف كشيء واحد، ووقع استعمالهما كثيرا في كلام المستفهم، وقد جاء استعمال الأصل قليلا والوقف على زيادة هاء السكت أو الإسكان، ومن أسكن في الوصل فلإجرائه مجرى الوقف، كما سمع:
ثلاثة، أربعة: بالهاء وإلقاء حركة الهمزة عليها محذوفة، وهذا الكلام يتناول الكذب وإخلاف الموعد. وروى أنّ المؤمنين قالوا قبل أن يؤمروا بالقتال: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله تعالى لعملناه ولبذلنا فيه أموالنا وأنفسنا، فدلهم الله تعالى على الجهاد في سبيله، فولوا يوم أحد فعيرهم. وقيل: لما أخبر الله بثواب شهداء بدر قالوا: لئن لقينا قتالا لنفرغن فيه وسعنا، ففروا يوم أحد ولم يفوا. وقيل: كان الرجل يقول: قتلت ولم يقتل، وطعنت ولم يطعن، وضربت ولم يضرب، وصبرت ولم يصبر. وقيل: كان قد أذى المسلمين رجل ونكى فيهم، فقتله صهيب وانتحل قتله آخر، فقال عمر لصهيب: أخبر النبي عليه السلام أنك قتلته، فقال: إنما قتله لله ولرسوله، فقال عمر: يا رسول الله قتله صهيب، قال: كذلك يا أبا يحيى؟
قال: نعم، فنزلت [[أخرجه الثعلبي من حديث صهيب قال «كان رجل يوم بدر قد آذى المسلمين ونكأ فيهم فقتله صهيب.
فقال رجل: يا رسول الله قتلت فلانا. ففرح بذلك رسول الله ﷺ. فقال عمرو بن عبد الرحمن لصهيب أخبر النبي ﷺ بذلك- الحديث»]] في المنتحل. وعن الحسن: نزلت في المنافقين. ونداؤهم بالإيمان: تهكم بهم وبإيمانهم، هذا من أفصح كلام وأبلغه [[قال محمود: «هذا من أفصح الكلام وأبلغه، في معناه قصد إلى التعجب بغير صيغة التعجب لتعظيم الأمر ... الخ» قال أحمد: وزائد على هذه الوجوه الأربعة وجه خامس: وهو تكراره لقوله ما لا تَفْعَلُونَ وهو لفظ واحد في كلام واحد ومن فوائد التكرار: التهويل والإعظام، وإلا فقد كان الكلام مستقلا لو قيل: كبر مقتا عند الله ذلك، فما إعادته إلا لمكان هذه الفائدة الثانية، والله أعلم.]] في معناه قصد في كَبُرَ التعجب من غير لفظه كقوله:
غلت ناب كليب بواؤها [[تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الثالث صفحة 273 فراجعه إن شئت اه مصححة.]]
ومعنى التعجب: تعظيم الأمر في قلوب السامعين، لأن التعجب لا يكون إلا من شيء خارج عن نظائره وأشكاله، وأسند إلى أن تقولوا. ونصب مَقْتاً على تفسيره، دلالة على أنّ قولهم ما لا يفعلون مقت خالص لا شوب فيه، لفرط تمكن المقت منه، واختير لفظ المقت لأنه أشد البغض وأبلغه. ومنه قيل: نكاح المقت، للعقد على الرابة [[قوله «على الرابة» هي بتشديد الباء كالدابة. وفي الصحاح: نكاح المقت كان في الجاهلية: أن يتزوج الرجل امرأة أبيه اه. (ع)]] ، ولم يقتصر على أن جعل البغض كبيرا، حتى جعل أشده وأفحشه. وعِنْدَ اللَّهِ أبلغ من ذلك، لأنه إذا ثبت كبر مقته عند الله فقد تم كبره وشدته وانزاحت عنه الشكوك. وعن بعض السلف أنه قيل له: حدّثنا، فسكت ثم قيل له حدثنا، فقال: تأمروننى أن أقول ما لا أفعل فاستعجل مقت الله. في قوله إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ عقيب ذكر مقت المخلف: دليل [[قال محمود: «ذكره لهذا عقيب ذكر مقت المخلف دليل ... الخ» قال أحمد: صدق، والأول كالبسطة العامة لهذه القصة الخاصة، كقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ فالنهي العام ورد أولا، والمقصود اندراج هذا الخاص فيه كما تقول للمقترف جرما معينا: لا تفعل ما يلصق العار بك ولا تشاتم زيدا، وفائدة مثل هذا النظم:
النهي عن الشيء الواحد مرتين مندرجا في العموم ومفردا بالخصوص، وهو أولى من النهى عنه على الخصوص مرتين فان ذلك معدود في حين التكرار، وهذا يتكرر مع ما في التعميم من التعظيم والتهويل، والله أعلم.]] على أن المقت قد تعلق بقول الذين وعدوا الثبات في قتال الكفار فلم يفوا. وقرأ زيد بن على: يقاتلون بفتح التاء. وقرئ: يقتلون صَفًّا صافين أنفسهم أو مصفوفين كَأَنَّهُمْ في تراصهم من غير فرجة ولا خلل بُنْيانٌ رص بعضه إلى بعض ورصف. وقيل: يجوز أن يريد استواء نياتهم في الثبات حتى يكونوا في اجتماع الكلمة كالبنيان المرصوص. وعن بعضهم: فيه دليل على فضل القتال راجلا، لأن الفرسان لا يصطفون على هذه الصفة. وقوله صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ حالان متداخلتان [[قال محمود: «قوله صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ: حالان متداخلتان» قال أحمد: يريد أن معنى الأولى مشتمل على معنى الثانية، لأن التراص هيئة للاصطفاف، والله أعلم.]] .
الصف 61:3
مدنية، وآياتها 14 [نزلت بعد التغابن] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
لِمَ هي لام الإضافة داخلة على ما الاستفهامية كما دخل عليها غيرها من حروف الجر في قولك: بم، وفيم، ومم، وعم، وإلام، وعلام. وإنما حذفت الألف، لأنّ ما والحرف كشيء واحد، ووقع استعمالهما كثيرا في كلام المستفهم، وقد جاء استعمال الأصل قليلا والوقف على زيادة هاء السكت أو الإسكان، ومن أسكن في الوصل فلإجرائه مجرى الوقف، كما سمع:
ثلاثة، أربعة: بالهاء وإلقاء حركة الهمزة عليها محذوفة، وهذا الكلام يتناول الكذب وإخلاف الموعد. وروى أنّ المؤمنين قالوا قبل أن يؤمروا بالقتال: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله تعالى لعملناه ولبذلنا فيه أموالنا وأنفسنا، فدلهم الله تعالى على الجهاد في سبيله، فولوا يوم أحد فعيرهم. وقيل: لما أخبر الله بثواب شهداء بدر قالوا: لئن لقينا قتالا لنفرغن فيه وسعنا، ففروا يوم أحد ولم يفوا. وقيل: كان الرجل يقول: قتلت ولم يقتل، وطعنت ولم يطعن، وضربت ولم يضرب، وصبرت ولم يصبر. وقيل: كان قد أذى المسلمين رجل ونكى فيهم، فقتله صهيب وانتحل قتله آخر، فقال عمر لصهيب: أخبر النبي عليه السلام أنك قتلته، فقال: إنما قتله لله ولرسوله، فقال عمر: يا رسول الله قتله صهيب، قال: كذلك يا أبا يحيى؟
قال: نعم، فنزلت [[أخرجه الثعلبي من حديث صهيب قال «كان رجل يوم بدر قد آذى المسلمين ونكأ فيهم فقتله صهيب.
فقال رجل: يا رسول الله قتلت فلانا. ففرح بذلك رسول الله ﷺ. فقال عمرو بن عبد الرحمن لصهيب أخبر النبي ﷺ بذلك- الحديث»]] في المنتحل. وعن الحسن: نزلت في المنافقين. ونداؤهم بالإيمان: تهكم بهم وبإيمانهم، هذا من أفصح كلام وأبلغه [[قال محمود: «هذا من أفصح الكلام وأبلغه، في معناه قصد إلى التعجب بغير صيغة التعجب لتعظيم الأمر ... الخ» قال أحمد: وزائد على هذه الوجوه الأربعة وجه خامس: وهو تكراره لقوله ما لا تَفْعَلُونَ وهو لفظ واحد في كلام واحد ومن فوائد التكرار: التهويل والإعظام، وإلا فقد كان الكلام مستقلا لو قيل: كبر مقتا عند الله ذلك، فما إعادته إلا لمكان هذه الفائدة الثانية، والله أعلم.]] في معناه قصد في كَبُرَ التعجب من غير لفظه كقوله:
غلت ناب كليب بواؤها [[تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الثالث صفحة 273 فراجعه إن شئت اه مصححة.]]
ومعنى التعجب: تعظيم الأمر في قلوب السامعين، لأن التعجب لا يكون إلا من شيء خارج عن نظائره وأشكاله، وأسند إلى أن تقولوا. ونصب مَقْتاً على تفسيره، دلالة على أنّ قولهم ما لا يفعلون مقت خالص لا شوب فيه، لفرط تمكن المقت منه، واختير لفظ المقت لأنه أشد البغض وأبلغه. ومنه قيل: نكاح المقت، للعقد على الرابة [[قوله «على الرابة» هي بتشديد الباء كالدابة. وفي الصحاح: نكاح المقت كان في الجاهلية: أن يتزوج الرجل امرأة أبيه اه. (ع)]] ، ولم يقتصر على أن جعل البغض كبيرا، حتى جعل أشده وأفحشه. وعِنْدَ اللَّهِ أبلغ من ذلك، لأنه إذا ثبت كبر مقته عند الله فقد تم كبره وشدته وانزاحت عنه الشكوك. وعن بعض السلف أنه قيل له: حدّثنا، فسكت ثم قيل له حدثنا، فقال: تأمروننى أن أقول ما لا أفعل فاستعجل مقت الله. في قوله إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ عقيب ذكر مقت المخلف: دليل [[قال محمود: «ذكره لهذا عقيب ذكر مقت المخلف دليل ... الخ» قال أحمد: صدق، والأول كالبسطة العامة لهذه القصة الخاصة، كقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ فالنهي العام ورد أولا، والمقصود اندراج هذا الخاص فيه كما تقول للمقترف جرما معينا: لا تفعل ما يلصق العار بك ولا تشاتم زيدا، وفائدة مثل هذا النظم:
النهي عن الشيء الواحد مرتين مندرجا في العموم ومفردا بالخصوص، وهو أولى من النهى عنه على الخصوص مرتين فان ذلك معدود في حين التكرار، وهذا يتكرر مع ما في التعميم من التعظيم والتهويل، والله أعلم.]] على أن المقت قد تعلق بقول الذين وعدوا الثبات في قتال الكفار فلم يفوا. وقرأ زيد بن على: يقاتلون بفتح التاء. وقرئ: يقتلون صَفًّا صافين أنفسهم أو مصفوفين كَأَنَّهُمْ في تراصهم من غير فرجة ولا خلل بُنْيانٌ رص بعضه إلى بعض ورصف. وقيل: يجوز أن يريد استواء نياتهم في الثبات حتى يكونوا في اجتماع الكلمة كالبنيان المرصوص. وعن بعضهم: فيه دليل على فضل القتال راجلا، لأن الفرسان لا يصطفون على هذه الصفة. وقوله صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ حالان متداخلتان [[قال محمود: «قوله صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ: حالان متداخلتان» قال أحمد: يريد أن معنى الأولى مشتمل على معنى الثانية، لأن التراص هيئة للاصطفاف، والله أعلم.]] .
الصف 61:4
مدنية، وآياتها 14 [نزلت بعد التغابن] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
لِمَ هي لام الإضافة داخلة على ما الاستفهامية كما دخل عليها غيرها من حروف الجر في قولك: بم، وفيم، ومم، وعم، وإلام، وعلام. وإنما حذفت الألف، لأنّ ما والحرف كشيء واحد، ووقع استعمالهما كثيرا في كلام المستفهم، وقد جاء استعمال الأصل قليلا والوقف على زيادة هاء السكت أو الإسكان، ومن أسكن في الوصل فلإجرائه مجرى الوقف، كما سمع:
ثلاثة، أربعة: بالهاء وإلقاء حركة الهمزة عليها محذوفة، وهذا الكلام يتناول الكذب وإخلاف الموعد. وروى أنّ المؤمنين قالوا قبل أن يؤمروا بالقتال: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله تعالى لعملناه ولبذلنا فيه أموالنا وأنفسنا، فدلهم الله تعالى على الجهاد في سبيله، فولوا يوم أحد فعيرهم. وقيل: لما أخبر الله بثواب شهداء بدر قالوا: لئن لقينا قتالا لنفرغن فيه وسعنا، ففروا يوم أحد ولم يفوا. وقيل: كان الرجل يقول: قتلت ولم يقتل، وطعنت ولم يطعن، وضربت ولم يضرب، وصبرت ولم يصبر. وقيل: كان قد أذى المسلمين رجل ونكى فيهم، فقتله صهيب وانتحل قتله آخر، فقال عمر لصهيب: أخبر النبي عليه السلام أنك قتلته، فقال: إنما قتله لله ولرسوله، فقال عمر: يا رسول الله قتله صهيب، قال: كذلك يا أبا يحيى؟
قال: نعم، فنزلت [[أخرجه الثعلبي من حديث صهيب قال «كان رجل يوم بدر قد آذى المسلمين ونكأ فيهم فقتله صهيب.
فقال رجل: يا رسول الله قتلت فلانا. ففرح بذلك رسول الله ﷺ. فقال عمرو بن عبد الرحمن لصهيب أخبر النبي ﷺ بذلك- الحديث»]] في المنتحل. وعن الحسن: نزلت في المنافقين. ونداؤهم بالإيمان: تهكم بهم وبإيمانهم، هذا من أفصح كلام وأبلغه [[قال محمود: «هذا من أفصح الكلام وأبلغه، في معناه قصد إلى التعجب بغير صيغة التعجب لتعظيم الأمر ... الخ» قال أحمد: وزائد على هذه الوجوه الأربعة وجه خامس: وهو تكراره لقوله ما لا تَفْعَلُونَ وهو لفظ واحد في كلام واحد ومن فوائد التكرار: التهويل والإعظام، وإلا فقد كان الكلام مستقلا لو قيل: كبر مقتا عند الله ذلك، فما إعادته إلا لمكان هذه الفائدة الثانية، والله أعلم.]] في معناه قصد في كَبُرَ التعجب من غير لفظه كقوله:
غلت ناب كليب بواؤها [[تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الثالث صفحة 273 فراجعه إن شئت اه مصححة.]]
ومعنى التعجب: تعظيم الأمر في قلوب السامعين، لأن التعجب لا يكون إلا من شيء خارج عن نظائره وأشكاله، وأسند إلى أن تقولوا. ونصب مَقْتاً على تفسيره، دلالة على أنّ قولهم ما لا يفعلون مقت خالص لا شوب فيه، لفرط تمكن المقت منه، واختير لفظ المقت لأنه أشد البغض وأبلغه. ومنه قيل: نكاح المقت، للعقد على الرابة [[قوله «على الرابة» هي بتشديد الباء كالدابة. وفي الصحاح: نكاح المقت كان في الجاهلية: أن يتزوج الرجل امرأة أبيه اه. (ع)]] ، ولم يقتصر على أن جعل البغض كبيرا، حتى جعل أشده وأفحشه. وعِنْدَ اللَّهِ أبلغ من ذلك، لأنه إذا ثبت كبر مقته عند الله فقد تم كبره وشدته وانزاحت عنه الشكوك. وعن بعض السلف أنه قيل له: حدّثنا، فسكت ثم قيل له حدثنا، فقال: تأمروننى أن أقول ما لا أفعل فاستعجل مقت الله. في قوله إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ عقيب ذكر مقت المخلف: دليل [[قال محمود: «ذكره لهذا عقيب ذكر مقت المخلف دليل ... الخ» قال أحمد: صدق، والأول كالبسطة العامة لهذه القصة الخاصة، كقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ فالنهي العام ورد أولا، والمقصود اندراج هذا الخاص فيه كما تقول للمقترف جرما معينا: لا تفعل ما يلصق العار بك ولا تشاتم زيدا، وفائدة مثل هذا النظم:
النهي عن الشيء الواحد مرتين مندرجا في العموم ومفردا بالخصوص، وهو أولى من النهى عنه على الخصوص مرتين فان ذلك معدود في حين التكرار، وهذا يتكرر مع ما في التعميم من التعظيم والتهويل، والله أعلم.]] على أن المقت قد تعلق بقول الذين وعدوا الثبات في قتال الكفار فلم يفوا. وقرأ زيد بن على: يقاتلون بفتح التاء. وقرئ: يقتلون صَفًّا صافين أنفسهم أو مصفوفين كَأَنَّهُمْ في تراصهم من غير فرجة ولا خلل بُنْيانٌ رص بعضه إلى بعض ورصف. وقيل: يجوز أن يريد استواء نياتهم في الثبات حتى يكونوا في اجتماع الكلمة كالبنيان المرصوص. وعن بعضهم: فيه دليل على فضل القتال راجلا، لأن الفرسان لا يصطفون على هذه الصفة. وقوله صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ حالان متداخلتان [[قال محمود: «قوله صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ: حالان متداخلتان» قال أحمد: يريد أن معنى الأولى مشتمل على معنى الثانية، لأن التراص هيئة للاصطفاف، والله أعلم.]] .
الصف 61:5
وَإِذْ منصوب بإضمار اذكر. أو: وحين قال لهم ما قال كان كذا وكذا تُؤْذُونَنِي كانوا يؤذونه بأنواع الأذى من انتقاصه وعيبه في نفسه، وجحود آياته، وعصيانه فيما تعود إليهم منافعه، وعبادتهم البقر، وطلبهم رؤية الله جهرة، والتكذيب الذي هو تضييع حق الله وحقه وَقَدْ تَعْلَمُونَ في موضع الحال، أى: تؤذوننى عالمين علما يقينا [[قال محمود: «بين أنهم على عكس الصواب حيث قال: تؤذوننى عالمين ... الخ» قال أحمد: أهل العربية تقول: إن «قد» تصحب الماضي لتقريبه من الحال. ومنه قول المؤذن: قد قامت الصلاة، وتشتمل المصاحبة للماضي أيضا على معنى التوقع، فلذلك قال سيبويه «قد فعل» جواب لما يفعل، وقال الخليل: هذا الخبر لقوم ينتظرونه، وأما مع المضارع فإنها تفيد التقليل مثل: ربما، كقولهم: إن الكذوب قد يصدق، فإذا كان معناها مع المضارع التقليل وقد دخلت في الآية على مضارع، فالوجه- والله أعلم- أن يكون هذا من الكلام الذي يقصدون به الافراط فيما ينعكس عنه، وتكون «قد» في هذا المعنى نظيرة «ربما» في قوله رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ فإنها في هذا الموضع أبلغ من كم في التكثير، فلما أوردت «ربما» في التكثير على عكس معناها الأصلى في التقليل، فكذلك إيراد «قد» هاهنا لتكثير علمهم، أى: تحقيق تأكيده على عكس معناها الأصلى في تقليل الأصل، وعليه:
قد أترك القرن مصفرا أنامله
وإنما مدح نفسه بكثرة هذا الفعل منه عكس ديدنه الأصلى، ولا يقال: إن حملها في الآية على التكثير متعذر، لأن العلم معلوم التعلق لا يتكثر ولا يتقلل، لأنا نقول: يعبر عن تمكن الفعل وتحققه وتأكده وبلوغه الغاية في نوعه بما يعبر به عن التكثير، وهو تعبير صحيح.
ألا ترى أن قوله رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا هو من هذا القبيل، فان المراد شدة ودهم لذلك وبلوغه أقصى منتهاه لا غير، والله الموفق.]] أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ وقضية علمكم بذلك وموجبه تعظيمي وتوقيري، لا أن تؤذوني وتستهينوا بى، لأن من عرف الله وعظمته عظم رسوله، علما بأن تعظيمه في تعظيم رسوله، ولأن من آذاه كان وعيد الله لا حقا به فَلَمَّا زاغُوا عن الحق أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بأن منع ألطافه عنهم [[قوله «بأن منع ألطافه عنهم» فسر الازاغة بذلك بناء على مذهب المعتزلة: أنه تعالى لا يريد الشر.
ومذهب أهل السنة: أنه تعالى يريد الشر والخير، كما تقرر في محله. (ع)]] وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ لا يلطف بهم لأنهم ليسوا من أهل اللطف. فإن قلت: ما معنى قَدْ في قوله قَدْ تَعْلَمُونَ؟ قلت: معناه التوكيد كأنه قال: وتعلمون علما يقينا لا شبهة لكم فيه.
الصف 61:6
قيل: إنما قال: يا بنى إسرائيل، ولم يقل: يا قوم كما قال موسى، لأنه لا نسب له فيهم فيكونوا قومه [[قال الزمخشري: «وإنما قال يا بَنِي إِسْرائِيلَ ولم يقل: يا قوم، لأنه لم يكن له- صلوات الله على نبينا وعليه- نسب فيهم» قال أحمد: وهذا نظير قوله تعالى إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ لأن شعيبا لم يكن من قوم من أرسل إليهم.]] . والمعنى: أرسلت إليكم في حال تصديقى ما تقدمني مِنَ التَّوْراةِ وفي حال تبشيرى بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي يعنى: أن دينى التصديق بكتب الله وأنبيائه جميعا ممن تقدم وتأخر. وقرئ: من بعدي، بسكون الياء وفتحها، والخليل وسيبويه يختاران الفتح.
وعن كعب: أن الحواريين قالوا لعيسى: يا روح الله، هل بعدنا من أمّة؟ قال: نعم أمّة أحمد حكماء علماء أبرار أتقياء، كأنهم من الفقه أنبياء، يرضون من الله باليسير من الرزق، ويرضى الله منهم باليسير من العمل. فإن قلت: بم انتصب مصدقا ومبشرا؟ أبما في الرسول من معنى الإرسال أم بإليكم؟ قلت: بل بمعنى الإرسال، لأن إِلَيْكُمْ صلة للرسول، فلا يجوز أن تعمل شيئا لأن حروف الجرّ لا تعمل بأنفسها، ولكن بما فيها من معنى الفعل، فإذا وقعت صلات لم تتضمن معنى فعل، فمن أين تعمل؟ وقرئ: هذا ساحر مبين.
الصف 61:7
وأى الناس أشد ظلما ممن يدعوه ربه على لسان نبيه إلى الإسلام الذي له فيه سعادة الدارين، فيجعل مكان إجابته إليه افتراء الكذب على الله بقوله لكلامه الذي هو دعاء عباده إلى الحق: هذا سحر، لأنّ السحر كذب وتمويه. وقرأ طلحة بن مصرف: وهو يدعى، بمعنى يدعى. دعاه وادّعاه، نحو: لمسه والتمسه. وعنه: يدّعى، بمعنى يدعو، وهو الله عز وجل.
الصف 61:8
أصله: يريدون أن يطفؤا كما جاء في سورة براءة، وكأن هذه اللام زيدت مع فعل الإرادة تأكيدا له، لما فيها من معنى الإرادة في قولك: جئتك لإكرامك، كما زيدت اللام في: لا أبا لك، تأكيدا لمعنى الإضافة في: لا أباك، وإطفاء نور الله بأفواههم: تهكم بهم في إرادتهم إبطال الإسلام بقولهم في القرآن: هذا سحر، مثلت حالهم بحال من ينفخ في نور الشمس بفيه ليطفئه وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ أى متمّ الحق ومبلغه غايته. وقرئ بالإضافة.
الصف 61:9
وَدِينِ الْحَقِّ الملة الحنيفية لِيُظْهِرَهُ ليعليه عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ على جميع الأديان المخالفة له، ولعمري لقد فعل، فما بقي دين من الأديان إلا وهو مغلوب مقهور بدين الإسلام.
وعن مجاهد: إذا نزل عيسى لم يكن في الأرض إلا دين الإسلام. وقرئ: أرسل نبيه.
الصف 61:10
تُنْجِيكُمْ قرئ مخففا ومثقلا. وتُؤْمِنُونَ استئناف، كأنهم قالوا: كيف: نعمل؟
فقال: تؤمنون [[قال محمود: قوله تُؤْمِنُونَ استئناف كلام كأنه لما قال الكلام الأول قيل: كيف نفعل؟ فقيل:
تؤمنون ... الخ» قال أحمد: إنما وجه إعراب الفراء بما ذكر، لأنه لو جعله جوابا لقوله هَلْ أَدُلُّكُمْ فإنكم إن أدلكم على كذا وكذا أغفر لكم، فتكون المغفرة حينئذ مترتبة على مجرد دلالته إياهم على الخير، وليس كذلك، إنما تترتب المغفرة على فعلهم لما دلهم عليه لا على نفس الدلالة، فلذلك أول هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ بتأويل: هل تتجرون بالايمان والجهاد حتى تكون المغفرة مترتبة على فعل الايمان والجهاد لا على الدلالة، وهذا التأويل غير محتاج إليه، فان حاصل الكلام إذا صار إلى: هل أدلكم أغفر لكم، التحق ذلك بأمثال قوله تعالى قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ فانه رتب فعل الصلاة على الأمر بها، حتى كأنه قال، فإنك إن تقل لهم أقيموا يقيموها. وللقائل أن يقول: قد قيل لبعضهم: أقم الصلاة فتركها؟ فالجواب عنه: أن الأمر الموجه على المؤمن الراسخ في الايمان لما كان مظنة لحصول الامتثال، جعل كالمحقق وقوعه مرتبا عليه، وكذلك هاهنا لما كانت دلالة الذين آمنوا على فعل الخير مظنة لامتثالهم. وامتثالهم سببا في المغفرة محققا: عومل معاملة تحقق الامتثال والمغفرة مرتبين على الدلالة، والله أعلم.]] ، وهو خبر في معنى الأمر، ولهذا أجيب بقوله يَغْفِرْ لَكُمْ وتدل عليه قراءة ابن مسعود: آمنوا بالله ورسوله وجاهدوا. فإن قلت: لم جيء به على لفظ الخبر؟ قلت:
للإيذان بوجوب الامتثال، وكأنه امتثل فهو يخبر عن إيمان وجهاد موجودين. ونظيره قول الداعي: غفر الله لك، ويغفر الله لك: جعلت المغفرة لقوّة الرجاء، كأنها كانت ووجدت.
فإن قلت: هل لقول الفراء أنه جواب هَلْ أَدُلُّكُمْ وجه؟ قلت: وجهه أن متعلق الدلالة هو التجارة، والتجارة مفسرة بالإيمان والجهاد، فكأنه قيل: هل تتجرون بالإيمان والجهاد يغفر لكم؟ فإن قلت: فما وجه قراءة زيد بن على رضى الله عنهما تُؤْمِنُونَ ... وَتُجاهِدُونَ؟
قلت: وجهها أن تكون على إضمار لام الأمر، كقوله:
محمّد تفد نفسك كلّ نفس ... إذا ما خفت من أمر تبالا [[لأبى طالب. وقيل: للأعشى، يقول: يا رسول الله، تفد، أى لتفد، فحذف لام الدعاء الجازمة للفعل لضرورة الشعر، وسوغ حذفها قرينة مقام الطلب، وإلا فحروف الجزم كحروف الجر لا تعمل وهي محذوفة إلا شذوذا، كما صرح به السكاكي. هذا والحذف في نحو قوله تعالى قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ أسهل لأن قرينته لفظية، وهي لفظ قُلْ الدال على الطلب. وقيل: هو خبر بمعنى الدعاء، وخفف بحذف الياء، وقيل: إن ذلك في غير الفواصل والقوا في غير سديد، أى: فدى الله نفسك بكل نفس إذا خفت تبالا من شيء.
والتبال: هو الوبال، قلبت واوه تاء. ويروى بالجر، على أنه صفة أمر وليس بجيد.]]
وعن ابن عباس أنهم قالوا: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لعملناه، فنزلت هذه الآية، فمكثوا ما شاء الله يقولون: ليتنا نعلم ما هي، فدلهم الله عليها بقوله تُؤْمِنُونَ وهذا دليل على أن تُؤْمِنُونَ كلام مستأنف، وعلى أنّ الأمر الوارد على النفوس بعد تشوّف وتطلع منها إليه:
أوقع فيها وأقرب من قبولها له مما فوجئت به ذلِكُمْ يعنى ما ذكر من الإيمان والجهاد خَيْرٌ لَكُمْ من أموالكم وأنفسكم. فإن قلت: ما معنى قوله إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ؟ قلت: معناه إن كنتم تعلمون أنه خير لكم كان خيرا لكم [[قال محمود: «معناه: إن كنتم تعلمون أنه خير لكم كان خيرا لكم ... الخ» قال أحمد: كأنه يجرى الشرط على حقيقته وليس بالظاهر، لأن علمهم لذلك محقق. إذ الخطاب مع المؤمنين، والظاهر أنه من وادى قوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ والمقصود بهذا الشرط: التنبيه على المعنى الذي يقتضى الامتثال وإلهاب الحمية للطاعة، كما تقول لمن تأمره بالانتصاف من عدوه: إن كنت حرا فانتصر، تريد أن تثير منه حمية الانتصار لا غير، والله أعلم.]] حينئذ، لأنكم إذا علمتم ذلك واعتقدتموه أحببتم الإيمان والجهاد فوق ما تحبون أنفسكم وأموالكم، فتخلصون وتفلحون وَأُخْرى تُحِبُّونَها ولكم إلى هذه النعمة المذكورة من المغفرة والثواب في الآجلة نعمة أخرى عاجلة محبوبة إليكم، ثم فسرها بقوله نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ أى عاجل وهو فتح مكة. وقال الحسن: فتح فارس والروم. وفي تُحِبُّونَها شيء من التوبيخ على محبة العاجل. فإن قلت: علام عطف قوله وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ؟ قلت: على تُؤْمِنُونَ لأنه في معنى الأمر، كأنه قيل: آمنوا وجاهدوا يثبكم الله وينصركم، وبشر يا رسول الله المؤمنين بذلك. فإن قلت: لم نصب من قرأ نصرا من الله وفتحا قريبا؟ قلت: يجوز أن ينصب على الاختصاص. أو على تنصرون نصرا، ويفتح لكم فتحا. أو على: يغفر لكم ويدخلكم جنات، ويؤتكم أخرى نصرا من الله وفتحا.
الصف 61:11
تُنْجِيكُمْ قرئ مخففا ومثقلا. وتُؤْمِنُونَ استئناف، كأنهم قالوا: كيف: نعمل؟
فقال: تؤمنون [[قال محمود: قوله تُؤْمِنُونَ استئناف كلام كأنه لما قال الكلام الأول قيل: كيف نفعل؟ فقيل:
تؤمنون ... الخ» قال أحمد: إنما وجه إعراب الفراء بما ذكر، لأنه لو جعله جوابا لقوله هَلْ أَدُلُّكُمْ فإنكم إن أدلكم على كذا وكذا أغفر لكم، فتكون المغفرة حينئذ مترتبة على مجرد دلالته إياهم على الخير، وليس كذلك، إنما تترتب المغفرة على فعلهم لما دلهم عليه لا على نفس الدلالة، فلذلك أول هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ بتأويل: هل تتجرون بالايمان والجهاد حتى تكون المغفرة مترتبة على فعل الايمان والجهاد لا على الدلالة، وهذا التأويل غير محتاج إليه، فان حاصل الكلام إذا صار إلى: هل أدلكم أغفر لكم، التحق ذلك بأمثال قوله تعالى قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ فانه رتب فعل الصلاة على الأمر بها، حتى كأنه قال، فإنك إن تقل لهم أقيموا يقيموها. وللقائل أن يقول: قد قيل لبعضهم: أقم الصلاة فتركها؟ فالجواب عنه: أن الأمر الموجه على المؤمن الراسخ في الايمان لما كان مظنة لحصول الامتثال، جعل كالمحقق وقوعه مرتبا عليه، وكذلك هاهنا لما كانت دلالة الذين آمنوا على فعل الخير مظنة لامتثالهم. وامتثالهم سببا في المغفرة محققا: عومل معاملة تحقق الامتثال والمغفرة مرتبين على الدلالة، والله أعلم.]] ، وهو خبر في معنى الأمر، ولهذا أجيب بقوله يَغْفِرْ لَكُمْ وتدل عليه قراءة ابن مسعود: آمنوا بالله ورسوله وجاهدوا. فإن قلت: لم جيء به على لفظ الخبر؟ قلت:
للإيذان بوجوب الامتثال، وكأنه امتثل فهو يخبر عن إيمان وجهاد موجودين. ونظيره قول الداعي: غفر الله لك، ويغفر الله لك: جعلت المغفرة لقوّة الرجاء، كأنها كانت ووجدت.
فإن قلت: هل لقول الفراء أنه جواب هَلْ أَدُلُّكُمْ وجه؟ قلت: وجهه أن متعلق الدلالة هو التجارة، والتجارة مفسرة بالإيمان والجهاد، فكأنه قيل: هل تتجرون بالإيمان والجهاد يغفر لكم؟ فإن قلت: فما وجه قراءة زيد بن على رضى الله عنهما تُؤْمِنُونَ ... وَتُجاهِدُونَ؟
قلت: وجهها أن تكون على إضمار لام الأمر، كقوله:
محمّد تفد نفسك كلّ نفس ... إذا ما خفت من أمر تبالا [[لأبى طالب. وقيل: للأعشى، يقول: يا رسول الله، تفد، أى لتفد، فحذف لام الدعاء الجازمة للفعل لضرورة الشعر، وسوغ حذفها قرينة مقام الطلب، وإلا فحروف الجزم كحروف الجر لا تعمل وهي محذوفة إلا شذوذا، كما صرح به السكاكي. هذا والحذف في نحو قوله تعالى قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ أسهل لأن قرينته لفظية، وهي لفظ قُلْ الدال على الطلب. وقيل: هو خبر بمعنى الدعاء، وخفف بحذف الياء، وقيل: إن ذلك في غير الفواصل والقوا في غير سديد، أى: فدى الله نفسك بكل نفس إذا خفت تبالا من شيء.
والتبال: هو الوبال، قلبت واوه تاء. ويروى بالجر، على أنه صفة أمر وليس بجيد.]]
وعن ابن عباس أنهم قالوا: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لعملناه، فنزلت هذه الآية، فمكثوا ما شاء الله يقولون: ليتنا نعلم ما هي، فدلهم الله عليها بقوله تُؤْمِنُونَ وهذا دليل على أن تُؤْمِنُونَ كلام مستأنف، وعلى أنّ الأمر الوارد على النفوس بعد تشوّف وتطلع منها إليه:
أوقع فيها وأقرب من قبولها له مما فوجئت به ذلِكُمْ يعنى ما ذكر من الإيمان والجهاد خَيْرٌ لَكُمْ من أموالكم وأنفسكم. فإن قلت: ما معنى قوله إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ؟ قلت: معناه إن كنتم تعلمون أنه خير لكم كان خيرا لكم [[قال محمود: «معناه: إن كنتم تعلمون أنه خير لكم كان خيرا لكم ... الخ» قال أحمد: كأنه يجرى الشرط على حقيقته وليس بالظاهر، لأن علمهم لذلك محقق. إذ الخطاب مع المؤمنين، والظاهر أنه من وادى قوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ والمقصود بهذا الشرط: التنبيه على المعنى الذي يقتضى الامتثال وإلهاب الحمية للطاعة، كما تقول لمن تأمره بالانتصاف من عدوه: إن كنت حرا فانتصر، تريد أن تثير منه حمية الانتصار لا غير، والله أعلم.]] حينئذ، لأنكم إذا علمتم ذلك واعتقدتموه أحببتم الإيمان والجهاد فوق ما تحبون أنفسكم وأموالكم، فتخلصون وتفلحون وَأُخْرى تُحِبُّونَها ولكم إلى هذه النعمة المذكورة من المغفرة والثواب في الآجلة نعمة أخرى عاجلة محبوبة إليكم، ثم فسرها بقوله نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ أى عاجل وهو فتح مكة. وقال الحسن: فتح فارس والروم. وفي تُحِبُّونَها شيء من التوبيخ على محبة العاجل. فإن قلت: علام عطف قوله وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ؟ قلت: على تُؤْمِنُونَ لأنه في معنى الأمر، كأنه قيل: آمنوا وجاهدوا يثبكم الله وينصركم، وبشر يا رسول الله المؤمنين بذلك. فإن قلت: لم نصب من قرأ نصرا من الله وفتحا قريبا؟ قلت: يجوز أن ينصب على الاختصاص. أو على تنصرون نصرا، ويفتح لكم فتحا. أو على: يغفر لكم ويدخلكم جنات، ويؤتكم أخرى نصرا من الله وفتحا.
الصف 61:12
تُنْجِيكُمْ قرئ مخففا ومثقلا. وتُؤْمِنُونَ استئناف، كأنهم قالوا: كيف: نعمل؟
فقال: تؤمنون [[قال محمود: قوله تُؤْمِنُونَ استئناف كلام كأنه لما قال الكلام الأول قيل: كيف نفعل؟ فقيل:
تؤمنون ... الخ» قال أحمد: إنما وجه إعراب الفراء بما ذكر، لأنه لو جعله جوابا لقوله هَلْ أَدُلُّكُمْ فإنكم إن أدلكم على كذا وكذا أغفر لكم، فتكون المغفرة حينئذ مترتبة على مجرد دلالته إياهم على الخير، وليس كذلك، إنما تترتب المغفرة على فعلهم لما دلهم عليه لا على نفس الدلالة، فلذلك أول هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ بتأويل: هل تتجرون بالايمان والجهاد حتى تكون المغفرة مترتبة على فعل الايمان والجهاد لا على الدلالة، وهذا التأويل غير محتاج إليه، فان حاصل الكلام إذا صار إلى: هل أدلكم أغفر لكم، التحق ذلك بأمثال قوله تعالى قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ فانه رتب فعل الصلاة على الأمر بها، حتى كأنه قال، فإنك إن تقل لهم أقيموا يقيموها. وللقائل أن يقول: قد قيل لبعضهم: أقم الصلاة فتركها؟ فالجواب عنه: أن الأمر الموجه على المؤمن الراسخ في الايمان لما كان مظنة لحصول الامتثال، جعل كالمحقق وقوعه مرتبا عليه، وكذلك هاهنا لما كانت دلالة الذين آمنوا على فعل الخير مظنة لامتثالهم. وامتثالهم سببا في المغفرة محققا: عومل معاملة تحقق الامتثال والمغفرة مرتبين على الدلالة، والله أعلم.]] ، وهو خبر في معنى الأمر، ولهذا أجيب بقوله يَغْفِرْ لَكُمْ وتدل عليه قراءة ابن مسعود: آمنوا بالله ورسوله وجاهدوا. فإن قلت: لم جيء به على لفظ الخبر؟ قلت:
للإيذان بوجوب الامتثال، وكأنه امتثل فهو يخبر عن إيمان وجهاد موجودين. ونظيره قول الداعي: غفر الله لك، ويغفر الله لك: جعلت المغفرة لقوّة الرجاء، كأنها كانت ووجدت.
فإن قلت: هل لقول الفراء أنه جواب هَلْ أَدُلُّكُمْ وجه؟ قلت: وجهه أن متعلق الدلالة هو التجارة، والتجارة مفسرة بالإيمان والجهاد، فكأنه قيل: هل تتجرون بالإيمان والجهاد يغفر لكم؟ فإن قلت: فما وجه قراءة زيد بن على رضى الله عنهما تُؤْمِنُونَ ... وَتُجاهِدُونَ؟
قلت: وجهها أن تكون على إضمار لام الأمر، كقوله:
محمّد تفد نفسك كلّ نفس ... إذا ما خفت من أمر تبالا [[لأبى طالب. وقيل: للأعشى، يقول: يا رسول الله، تفد، أى لتفد، فحذف لام الدعاء الجازمة للفعل لضرورة الشعر، وسوغ حذفها قرينة مقام الطلب، وإلا فحروف الجزم كحروف الجر لا تعمل وهي محذوفة إلا شذوذا، كما صرح به السكاكي. هذا والحذف في نحو قوله تعالى قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ أسهل لأن قرينته لفظية، وهي لفظ قُلْ الدال على الطلب. وقيل: هو خبر بمعنى الدعاء، وخفف بحذف الياء، وقيل: إن ذلك في غير الفواصل والقوا في غير سديد، أى: فدى الله نفسك بكل نفس إذا خفت تبالا من شيء.
والتبال: هو الوبال، قلبت واوه تاء. ويروى بالجر، على أنه صفة أمر وليس بجيد.]]
وعن ابن عباس أنهم قالوا: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لعملناه، فنزلت هذه الآية، فمكثوا ما شاء الله يقولون: ليتنا نعلم ما هي، فدلهم الله عليها بقوله تُؤْمِنُونَ وهذا دليل على أن تُؤْمِنُونَ كلام مستأنف، وعلى أنّ الأمر الوارد على النفوس بعد تشوّف وتطلع منها إليه:
أوقع فيها وأقرب من قبولها له مما فوجئت به ذلِكُمْ يعنى ما ذكر من الإيمان والجهاد خَيْرٌ لَكُمْ من أموالكم وأنفسكم. فإن قلت: ما معنى قوله إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ؟ قلت: معناه إن كنتم تعلمون أنه خير لكم كان خيرا لكم [[قال محمود: «معناه: إن كنتم تعلمون أنه خير لكم كان خيرا لكم ... الخ» قال أحمد: كأنه يجرى الشرط على حقيقته وليس بالظاهر، لأن علمهم لذلك محقق. إذ الخطاب مع المؤمنين، والظاهر أنه من وادى قوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ والمقصود بهذا الشرط: التنبيه على المعنى الذي يقتضى الامتثال وإلهاب الحمية للطاعة، كما تقول لمن تأمره بالانتصاف من عدوه: إن كنت حرا فانتصر، تريد أن تثير منه حمية الانتصار لا غير، والله أعلم.]] حينئذ، لأنكم إذا علمتم ذلك واعتقدتموه أحببتم الإيمان والجهاد فوق ما تحبون أنفسكم وأموالكم، فتخلصون وتفلحون وَأُخْرى تُحِبُّونَها ولكم إلى هذه النعمة المذكورة من المغفرة والثواب في الآجلة نعمة أخرى عاجلة محبوبة إليكم، ثم فسرها بقوله نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ أى عاجل وهو فتح مكة. وقال الحسن: فتح فارس والروم. وفي تُحِبُّونَها شيء من التوبيخ على محبة العاجل. فإن قلت: علام عطف قوله وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ؟ قلت: على تُؤْمِنُونَ لأنه في معنى الأمر، كأنه قيل: آمنوا وجاهدوا يثبكم الله وينصركم، وبشر يا رسول الله المؤمنين بذلك. فإن قلت: لم نصب من قرأ نصرا من الله وفتحا قريبا؟ قلت: يجوز أن ينصب على الاختصاص. أو على تنصرون نصرا، ويفتح لكم فتحا. أو على: يغفر لكم ويدخلكم جنات، ويؤتكم أخرى نصرا من الله وفتحا.
الصف 61:13
تُنْجِيكُمْ قرئ مخففا ومثقلا. وتُؤْمِنُونَ استئناف، كأنهم قالوا: كيف: نعمل؟
فقال: تؤمنون [[قال محمود: قوله تُؤْمِنُونَ استئناف كلام كأنه لما قال الكلام الأول قيل: كيف نفعل؟ فقيل:
تؤمنون ... الخ» قال أحمد: إنما وجه إعراب الفراء بما ذكر، لأنه لو جعله جوابا لقوله هَلْ أَدُلُّكُمْ فإنكم إن أدلكم على كذا وكذا أغفر لكم، فتكون المغفرة حينئذ مترتبة على مجرد دلالته إياهم على الخير، وليس كذلك، إنما تترتب المغفرة على فعلهم لما دلهم عليه لا على نفس الدلالة، فلذلك أول هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ بتأويل: هل تتجرون بالايمان والجهاد حتى تكون المغفرة مترتبة على فعل الايمان والجهاد لا على الدلالة، وهذا التأويل غير محتاج إليه، فان حاصل الكلام إذا صار إلى: هل أدلكم أغفر لكم، التحق ذلك بأمثال قوله تعالى قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ فانه رتب فعل الصلاة على الأمر بها، حتى كأنه قال، فإنك إن تقل لهم أقيموا يقيموها. وللقائل أن يقول: قد قيل لبعضهم: أقم الصلاة فتركها؟ فالجواب عنه: أن الأمر الموجه على المؤمن الراسخ في الايمان لما كان مظنة لحصول الامتثال، جعل كالمحقق وقوعه مرتبا عليه، وكذلك هاهنا لما كانت دلالة الذين آمنوا على فعل الخير مظنة لامتثالهم. وامتثالهم سببا في المغفرة محققا: عومل معاملة تحقق الامتثال والمغفرة مرتبين على الدلالة، والله أعلم.]] ، وهو خبر في معنى الأمر، ولهذا أجيب بقوله يَغْفِرْ لَكُمْ وتدل عليه قراءة ابن مسعود: آمنوا بالله ورسوله وجاهدوا. فإن قلت: لم جيء به على لفظ الخبر؟ قلت:
للإيذان بوجوب الامتثال، وكأنه امتثل فهو يخبر عن إيمان وجهاد موجودين. ونظيره قول الداعي: غفر الله لك، ويغفر الله لك: جعلت المغفرة لقوّة الرجاء، كأنها كانت ووجدت.
فإن قلت: هل لقول الفراء أنه جواب هَلْ أَدُلُّكُمْ وجه؟ قلت: وجهه أن متعلق الدلالة هو التجارة، والتجارة مفسرة بالإيمان والجهاد، فكأنه قيل: هل تتجرون بالإيمان والجهاد يغفر لكم؟ فإن قلت: فما وجه قراءة زيد بن على رضى الله عنهما تُؤْمِنُونَ ... وَتُجاهِدُونَ؟
قلت: وجهها أن تكون على إضمار لام الأمر، كقوله:
محمّد تفد نفسك كلّ نفس ... إذا ما خفت من أمر تبالا [[لأبى طالب. وقيل: للأعشى، يقول: يا رسول الله، تفد، أى لتفد، فحذف لام الدعاء الجازمة للفعل لضرورة الشعر، وسوغ حذفها قرينة مقام الطلب، وإلا فحروف الجزم كحروف الجر لا تعمل وهي محذوفة إلا شذوذا، كما صرح به السكاكي. هذا والحذف في نحو قوله تعالى قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ أسهل لأن قرينته لفظية، وهي لفظ قُلْ الدال على الطلب. وقيل: هو خبر بمعنى الدعاء، وخفف بحذف الياء، وقيل: إن ذلك في غير الفواصل والقوا في غير سديد، أى: فدى الله نفسك بكل نفس إذا خفت تبالا من شيء.
والتبال: هو الوبال، قلبت واوه تاء. ويروى بالجر، على أنه صفة أمر وليس بجيد.]]
وعن ابن عباس أنهم قالوا: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لعملناه، فنزلت هذه الآية، فمكثوا ما شاء الله يقولون: ليتنا نعلم ما هي، فدلهم الله عليها بقوله تُؤْمِنُونَ وهذا دليل على أن تُؤْمِنُونَ كلام مستأنف، وعلى أنّ الأمر الوارد على النفوس بعد تشوّف وتطلع منها إليه:
أوقع فيها وأقرب من قبولها له مما فوجئت به ذلِكُمْ يعنى ما ذكر من الإيمان والجهاد خَيْرٌ لَكُمْ من أموالكم وأنفسكم. فإن قلت: ما معنى قوله إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ؟ قلت: معناه إن كنتم تعلمون أنه خير لكم كان خيرا لكم [[قال محمود: «معناه: إن كنتم تعلمون أنه خير لكم كان خيرا لكم ... الخ» قال أحمد: كأنه يجرى الشرط على حقيقته وليس بالظاهر، لأن علمهم لذلك محقق. إذ الخطاب مع المؤمنين، والظاهر أنه من وادى قوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ والمقصود بهذا الشرط: التنبيه على المعنى الذي يقتضى الامتثال وإلهاب الحمية للطاعة، كما تقول لمن تأمره بالانتصاف من عدوه: إن كنت حرا فانتصر، تريد أن تثير منه حمية الانتصار لا غير، والله أعلم.]] حينئذ، لأنكم إذا علمتم ذلك واعتقدتموه أحببتم الإيمان والجهاد فوق ما تحبون أنفسكم وأموالكم، فتخلصون وتفلحون وَأُخْرى تُحِبُّونَها ولكم إلى هذه النعمة المذكورة من المغفرة والثواب في الآجلة نعمة أخرى عاجلة محبوبة إليكم، ثم فسرها بقوله نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ أى عاجل وهو فتح مكة. وقال الحسن: فتح فارس والروم. وفي تُحِبُّونَها شيء من التوبيخ على محبة العاجل. فإن قلت: علام عطف قوله وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ؟ قلت: على تُؤْمِنُونَ لأنه في معنى الأمر، كأنه قيل: آمنوا وجاهدوا يثبكم الله وينصركم، وبشر يا رسول الله المؤمنين بذلك. فإن قلت: لم نصب من قرأ نصرا من الله وفتحا قريبا؟ قلت: يجوز أن ينصب على الاختصاص. أو على تنصرون نصرا، ويفتح لكم فتحا. أو على: يغفر لكم ويدخلكم جنات، ويؤتكم أخرى نصرا من الله وفتحا.
الصف 61:14
قرئ: كونوا أنصار الله وأنصارا لله. وقرأ ابن مسعود: كونوا أنتم أنصار الله. وفيه زيادة حتم للنصرة عليهم. فإن قلت: ما وجه صحة التشبيه- وظاهره تشبيه كونهم أنصارا بقول عيسى صلوات الله عليه: مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ [[قال محمود: «إن قلت ما وجه التشبيه وظاهره تشبيه كونهم أنصارا ... الخ» قال أحمد: كلام حسن وتمام على الذي أحسن: أن يميز بين الاضافتين المذكورتين: بأن الأولى محضة والثانية غير محضة، فتنبه لها، والله الموفق.]] ؟ قلت: التشبيه محمول على المعنى، وعليه يصح. والمراد: كونوا أنصار الله كما كان الحواريون أنصار عيسى حين قال لهم مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ. فإن قلت: ما معنى قوله مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ؟ قلت: يجب أن يكون معناه مطابقا لجواب الحواريين نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ والذي يطابقه أن يكون المعنى: من جندي متوجها إلى نصرة الله، وإضافة أَنْصارِي خلاف إضافة أَنْصارَ اللَّهِ فإنّ معنى نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ:
نحن الذين ينصرون الله. ومعنى مَنْ أَنْصارِي من الأنصار الذين يختصون بى ويكونون معى في نصرة الله، ولا يصح أن يكون معناه: من ينصرني مع الله، لأنه لا يطابق الجواب. والدليل عليه: قراءة من قرأ: من أنصار الله. والحواريون أصفياؤه وهم أوّل من آمن به وكانوا اثنى عشر رجلا، وحوارى الرجل: صفيه وخلصانه [[قوله «وخلصانه» أى خالصته، يستوي فيه الواحد والكثير، كذا في الصحاح. وفيه: الدرمك:
دقيق الحوارى. وفيه أيضا: والحوارى ما حور من الطعام، أى بيض. وهذا دقيق حوارى، وكل هذه بالضم كما أفاده الصحاح. (ع)]] من الحور وهو البياض الخالص. والحوّارى:
الدرمك. ومنه قوله عليه الصلاة والسلام «الزبير ابن عمّى وحواريي من أمتى» [[أخرجه النسائي من حديث جابر. وهو في الصحيحين بلفظ «لكل نبى حوارى وحواريي الزبير» .]] وقيل:
كانوا قصارين يحوّرون الثياب يبيضونها. ونظير الحوارى في زنته: الحوالى: الكثير الحيل فَآمَنَتْ طائِفَةٌ منهم بعيسى وَكَفَرَتْ به طائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا مؤمنيهم على كفارهم، فظهروا عليهم. وعن زيد بن على: كان ظهورهم بالحجة.
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة الصف كان عيسى مصليا عليه مستغفرا له ما دام في الدنيا وهو يوم القيامة رفيقه» [[أخرجه الثعلبي وابن مردويه والواحدي من حديث أبى بن كعب رضى الله عنه.]] .
الجمعة 62:1
مدنية، وآياتها 11 [نزلت بعد الصف] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قرئت صفات الله عزّ وعلا بالرفع على المدح، كأنه قيل: هو الملك القدوس، ولو قرئت منصوبة لكان وجها، كقول العرب: الحمد لله أهل الحمد. الأمى: منسوب إلى أمّة العرب، لأنهم كانوا لا يكتبون ولا يقرؤن من بين الأمم. وقيل: بدأت الكتابة بالطائف، أخذوها من أهل الحيرة، وأهل الحيرة من أهل الأنبار. ومعنى بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ بعث رجلا أميا في قوم أميين، كما جاء في حديث شعياء: أنى أبعث أعمى في عميان، وأمّيا في أميين [[أخرجه أبو نعيم في الدلائل من طريق عبد الصمد بن معقل، سمعت وهب بن منبه يقول «أوحى الله إلى نبى من أنبياء بنى إسرائيل يقال له شعياء فذكره مطولا.]] وقيل منهم، كقوله تعالى مِنْ أَنْفُسِكُمْ يعلمون نسبه وأحواله. وقرئ: في الأمين، بحذف ياءى النسب يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ يقرؤها عليهم مع كونه أمّيا مثلهم لم تعهد منه قراءة ولم يعرف بتعلم، وقراءة أمى بغير تعلم آية بينة وَيُزَكِّيهِمْ ويطهرهم من الشرك وخبائث الجاهلية وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ القرآن والسنة. وإن في وَإِنْ كانُوا هي المخففة من الثقيلة واللام دليل عليها، أى: كانوا في ضلال لا ترى ضلالا أعظم منه وَآخَرِينَ مجرور عطف على الأميين، يعنى: أنه بعثه في الأميين الذين على عهده، وفي آخرين من الأميين لم يلحقوا بهم بعد وسيلحقون بهم، وهم الذين بعد الصحابة رضى الله عنهم. وقيل: لما نزلت قيل: من هم يا رسول الله، فوضع يده على سلمان ثم قال: «لو كان الإيمان عند الثريا لتناوله رجال من هؤلاء» وقيل:
هم الذين يأتون من بعدهم إلى يوم القيامة، ويجوز أن ينتصب عطفا على المنصوب في وَيُعَلِّمُهُمُ أى: يعلمهم ويعلم آخرين لأن التعليم إذا تناسق إلى آخر الزمان كان كله مستندا إلى أوّله، فكأنه هو الذي تولى كل ما وجد منه وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ في تمكينه رجلا أمّيا من ذلك الأمر العظيم، وتأييده عليه، واختياره إياه من بين كافة البشر ذلِكَ الفضل الذي أعطاه محمدا وهو أن يكون نبى أبناء عصره، ونبى أبناء العصور الغوابر، هو فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ إعطاءه وتقتضيه حكمته.
الجمعة 62:2
مدنية، وآياتها 11 [نزلت بعد الصف] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قرئت صفات الله عزّ وعلا بالرفع على المدح، كأنه قيل: هو الملك القدوس، ولو قرئت منصوبة لكان وجها، كقول العرب: الحمد لله أهل الحمد. الأمى: منسوب إلى أمّة العرب، لأنهم كانوا لا يكتبون ولا يقرؤن من بين الأمم. وقيل: بدأت الكتابة بالطائف، أخذوها من أهل الحيرة، وأهل الحيرة من أهل الأنبار. ومعنى بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ بعث رجلا أميا في قوم أميين، كما جاء في حديث شعياء: أنى أبعث أعمى في عميان، وأمّيا في أميين [[أخرجه أبو نعيم في الدلائل من طريق عبد الصمد بن معقل، سمعت وهب بن منبه يقول «أوحى الله إلى نبى من أنبياء بنى إسرائيل يقال له شعياء فذكره مطولا.]] وقيل منهم، كقوله تعالى مِنْ أَنْفُسِكُمْ يعلمون نسبه وأحواله. وقرئ: في الأمين، بحذف ياءى النسب يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ يقرؤها عليهم مع كونه أمّيا مثلهم لم تعهد منه قراءة ولم يعرف بتعلم، وقراءة أمى بغير تعلم آية بينة وَيُزَكِّيهِمْ ويطهرهم من الشرك وخبائث الجاهلية وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ القرآن والسنة. وإن في وَإِنْ كانُوا هي المخففة من الثقيلة واللام دليل عليها، أى: كانوا في ضلال لا ترى ضلالا أعظم منه وَآخَرِينَ مجرور عطف على الأميين، يعنى: أنه بعثه في الأميين الذين على عهده، وفي آخرين من الأميين لم يلحقوا بهم بعد وسيلحقون بهم، وهم الذين بعد الصحابة رضى الله عنهم. وقيل: لما نزلت قيل: من هم يا رسول الله، فوضع يده على سلمان ثم قال: «لو كان الإيمان عند الثريا لتناوله رجال من هؤلاء» وقيل:
هم الذين يأتون من بعدهم إلى يوم القيامة، ويجوز أن ينتصب عطفا على المنصوب في وَيُعَلِّمُهُمُ أى: يعلمهم ويعلم آخرين لأن التعليم إذا تناسق إلى آخر الزمان كان كله مستندا إلى أوّله، فكأنه هو الذي تولى كل ما وجد منه وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ في تمكينه رجلا أمّيا من ذلك الأمر العظيم، وتأييده عليه، واختياره إياه من بين كافة البشر ذلِكَ الفضل الذي أعطاه محمدا وهو أن يكون نبى أبناء عصره، ونبى أبناء العصور الغوابر، هو فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ إعطاءه وتقتضيه حكمته.
الجمعة 62:3
مدنية، وآياتها 11 [نزلت بعد الصف] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قرئت صفات الله عزّ وعلا بالرفع على المدح، كأنه قيل: هو الملك القدوس، ولو قرئت منصوبة لكان وجها، كقول العرب: الحمد لله أهل الحمد. الأمى: منسوب إلى أمّة العرب، لأنهم كانوا لا يكتبون ولا يقرؤن من بين الأمم. وقيل: بدأت الكتابة بالطائف، أخذوها من أهل الحيرة، وأهل الحيرة من أهل الأنبار. ومعنى بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ بعث رجلا أميا في قوم أميين، كما جاء في حديث شعياء: أنى أبعث أعمى في عميان، وأمّيا في أميين [[أخرجه أبو نعيم في الدلائل من طريق عبد الصمد بن معقل، سمعت وهب بن منبه يقول «أوحى الله إلى نبى من أنبياء بنى إسرائيل يقال له شعياء فذكره مطولا.]] وقيل منهم، كقوله تعالى مِنْ أَنْفُسِكُمْ يعلمون نسبه وأحواله. وقرئ: في الأمين، بحذف ياءى النسب يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ يقرؤها عليهم مع كونه أمّيا مثلهم لم تعهد منه قراءة ولم يعرف بتعلم، وقراءة أمى بغير تعلم آية بينة وَيُزَكِّيهِمْ ويطهرهم من الشرك وخبائث الجاهلية وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ القرآن والسنة. وإن في وَإِنْ كانُوا هي المخففة من الثقيلة واللام دليل عليها، أى: كانوا في ضلال لا ترى ضلالا أعظم منه وَآخَرِينَ مجرور عطف على الأميين، يعنى: أنه بعثه في الأميين الذين على عهده، وفي آخرين من الأميين لم يلحقوا بهم بعد وسيلحقون بهم، وهم الذين بعد الصحابة رضى الله عنهم. وقيل: لما نزلت قيل: من هم يا رسول الله، فوضع يده على سلمان ثم قال: «لو كان الإيمان عند الثريا لتناوله رجال من هؤلاء» وقيل:
هم الذين يأتون من بعدهم إلى يوم القيامة، ويجوز أن ينتصب عطفا على المنصوب في وَيُعَلِّمُهُمُ أى: يعلمهم ويعلم آخرين لأن التعليم إذا تناسق إلى آخر الزمان كان كله مستندا إلى أوّله، فكأنه هو الذي تولى كل ما وجد منه وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ في تمكينه رجلا أمّيا من ذلك الأمر العظيم، وتأييده عليه، واختياره إياه من بين كافة البشر ذلِكَ الفضل الذي أعطاه محمدا وهو أن يكون نبى أبناء عصره، ونبى أبناء العصور الغوابر، هو فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ إعطاءه وتقتضيه حكمته.
الجمعة 62:4
مدنية، وآياتها 11 [نزلت بعد الصف] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قرئت صفات الله عزّ وعلا بالرفع على المدح، كأنه قيل: هو الملك القدوس، ولو قرئت منصوبة لكان وجها، كقول العرب: الحمد لله أهل الحمد. الأمى: منسوب إلى أمّة العرب، لأنهم كانوا لا يكتبون ولا يقرؤن من بين الأمم. وقيل: بدأت الكتابة بالطائف، أخذوها من أهل الحيرة، وأهل الحيرة من أهل الأنبار. ومعنى بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ بعث رجلا أميا في قوم أميين، كما جاء في حديث شعياء: أنى أبعث أعمى في عميان، وأمّيا في أميين [[أخرجه أبو نعيم في الدلائل من طريق عبد الصمد بن معقل، سمعت وهب بن منبه يقول «أوحى الله إلى نبى من أنبياء بنى إسرائيل يقال له شعياء فذكره مطولا.]] وقيل منهم، كقوله تعالى مِنْ أَنْفُسِكُمْ يعلمون نسبه وأحواله. وقرئ: في الأمين، بحذف ياءى النسب يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ يقرؤها عليهم مع كونه أمّيا مثلهم لم تعهد منه قراءة ولم يعرف بتعلم، وقراءة أمى بغير تعلم آية بينة وَيُزَكِّيهِمْ ويطهرهم من الشرك وخبائث الجاهلية وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ القرآن والسنة. وإن في وَإِنْ كانُوا هي المخففة من الثقيلة واللام دليل عليها، أى: كانوا في ضلال لا ترى ضلالا أعظم منه وَآخَرِينَ مجرور عطف على الأميين، يعنى: أنه بعثه في الأميين الذين على عهده، وفي آخرين من الأميين لم يلحقوا بهم بعد وسيلحقون بهم، وهم الذين بعد الصحابة رضى الله عنهم. وقيل: لما نزلت قيل: من هم يا رسول الله، فوضع يده على سلمان ثم قال: «لو كان الإيمان عند الثريا لتناوله رجال من هؤلاء» وقيل:
هم الذين يأتون من بعدهم إلى يوم القيامة، ويجوز أن ينتصب عطفا على المنصوب في وَيُعَلِّمُهُمُ أى: يعلمهم ويعلم آخرين لأن التعليم إذا تناسق إلى آخر الزمان كان كله مستندا إلى أوّله، فكأنه هو الذي تولى كل ما وجد منه وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ في تمكينه رجلا أمّيا من ذلك الأمر العظيم، وتأييده عليه، واختياره إياه من بين كافة البشر ذلِكَ الفضل الذي أعطاه محمدا وهو أن يكون نبى أبناء عصره، ونبى أبناء العصور الغوابر، هو فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ إعطاءه وتقتضيه حكمته.
الجمعة 62:5
شبه اليهود- في أنهم حملة التوراة وقرّاؤها وحفاظ ما فيها، ثم إنهم غير عاملين بها ولا منتفعين بآياتها، وذلك أنّ فيها نعت رسول الله ﷺ والبشارة به ولم يؤمنوا به- بالحمار حمل أسفارا، أى كتبا كبارا من كتب العلم، فهو يمشى بها ولا يدرى منها إلا ما يمر بجنبيه وظهره من الكد والتعب. وكل من علم ولم يعمل بعلمه فهذا مثله، وبئس المثل بِئْسَ مثلا مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وهم اليهود الذين كذبوا بآيات الله الدالة على صحة نبوّة محمد ﷺ. ومعنى حُمِّلُوا التَّوْراةَ: كلفوا علمها والعمل بها، ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها ثم لم يعملوا بها، فكأنهم لم يحملوها. وقرئ: حملوا التوراة، أى حملوها ثم لم يحملوها في الحقيقة لفقد العمل. وقرئ: يحمل الأسفار. فإن قلت: يَحْمِلُ ما محله؟ قلت: النصب على الحال [[قال محمود: «إما أن يكون قوله يَحْمِلُ حالا، كقوله:
ولقد أمر على اللئيم يسبني
قال أحمد: يريد أن المراد فيها الجنس، فتعريفه وتنكيره سواء.]] ، أو الجر على الوصف، لأنّ الحمار كاللئيم في قوله:
ولقد أمرّ على اللّئيم يسبّنى [[تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الأول صفحة 16 فراجعه إن شئت اه مصححه.]]
الجمعة 62:6
هاد يهود: إذا تهود [[قوله «هاد يهود إذا تهود» في الصحاح: هاد يهود: تاب ورجع إلى الحق، وهاد وتهود: إذا صار يهوديا. (ع)]] أَوْلِياءُ لِلَّهِ كانوا يقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه، أى: إن كان قولكم حقا وكنتم على ثقة فَتَمَنَّوُا على الله أن يميتكم وينقلكم سريعا إلى دار كرامته التي أعدّها لأوليائه، ثم قال وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بسبب ما قدّموا من الكفر، وقد قال لهم رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده لا يقولها أحد منكم إلا غص بريقه» فلولا أنهم كانوا موقنين بصدق رسول الله ﷺ لتمنوا، ولكنهم علموا أنهم لو تمنوا لماتوا من ساعتهم ولحقهم الوعيد، فما تمالك أحد منهم أن يتمنى، وهي إحدى المعجزات. وقرئ:
فتمنوا الموت، بكسر الواو، تشبيها بلو استطعنا. ولا فرق بين «لا» و «لن» في أن كل واحدة منهما نفى للمستقبل، إلا أن في «لن» تأكيدا وتشديدا ليس في «لا» فأتى مرّة بلفظ التأكيد وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ ومرّة بغير لفظه وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ ثم قيل لهم: إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ ولا تجسرون أن تتمنوه خيفة أن تؤخذوا بوبال كفركم لا تفوتونه وهو ملاقيكم لا محالة ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى الله فيجازيكم بما أنتم أهله من العقاب. وقرأ زيد بن على رضى الله عنه: إنه ملاقيكم. وفي قراءة ابن مسعود: تفرون منه ملاقيكم، وهي ظاهرة. وأما التي بالفاء، فلتضمن الذي معنى الشرط، وقد جعل إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ كلاما برأسه في قراءة زيد، أى: إنّ الموت هو الشيء الذي تفرّون منه، ثم استؤنف: إنه ملاقيكم.
الجمعة 62:7
هاد يهود: إذا تهود [[قوله «هاد يهود إذا تهود» في الصحاح: هاد يهود: تاب ورجع إلى الحق، وهاد وتهود: إذا صار يهوديا. (ع)]] أَوْلِياءُ لِلَّهِ كانوا يقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه، أى: إن كان قولكم حقا وكنتم على ثقة فَتَمَنَّوُا على الله أن يميتكم وينقلكم سريعا إلى دار كرامته التي أعدّها لأوليائه، ثم قال وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بسبب ما قدّموا من الكفر، وقد قال لهم رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده لا يقولها أحد منكم إلا غص بريقه» فلولا أنهم كانوا موقنين بصدق رسول الله ﷺ لتمنوا، ولكنهم علموا أنهم لو تمنوا لماتوا من ساعتهم ولحقهم الوعيد، فما تمالك أحد منهم أن يتمنى، وهي إحدى المعجزات. وقرئ:
فتمنوا الموت، بكسر الواو، تشبيها بلو استطعنا. ولا فرق بين «لا» و «لن» في أن كل واحدة منهما نفى للمستقبل، إلا أن في «لن» تأكيدا وتشديدا ليس في «لا» فأتى مرّة بلفظ التأكيد وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ ومرّة بغير لفظه وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ ثم قيل لهم: إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ ولا تجسرون أن تتمنوه خيفة أن تؤخذوا بوبال كفركم لا تفوتونه وهو ملاقيكم لا محالة ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى الله فيجازيكم بما أنتم أهله من العقاب. وقرأ زيد بن على رضى الله عنه: إنه ملاقيكم. وفي قراءة ابن مسعود: تفرون منه ملاقيكم، وهي ظاهرة. وأما التي بالفاء، فلتضمن الذي معنى الشرط، وقد جعل إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ كلاما برأسه في قراءة زيد، أى: إنّ الموت هو الشيء الذي تفرّون منه، ثم استؤنف: إنه ملاقيكم.
الجمعة 62:8
هاد يهود: إذا تهود [[قوله «هاد يهود إذا تهود» في الصحاح: هاد يهود: تاب ورجع إلى الحق، وهاد وتهود: إذا صار يهوديا. (ع)]] أَوْلِياءُ لِلَّهِ كانوا يقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه، أى: إن كان قولكم حقا وكنتم على ثقة فَتَمَنَّوُا على الله أن يميتكم وينقلكم سريعا إلى دار كرامته التي أعدّها لأوليائه، ثم قال وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بسبب ما قدّموا من الكفر، وقد قال لهم رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده لا يقولها أحد منكم إلا غص بريقه» فلولا أنهم كانوا موقنين بصدق رسول الله ﷺ لتمنوا، ولكنهم علموا أنهم لو تمنوا لماتوا من ساعتهم ولحقهم الوعيد، فما تمالك أحد منهم أن يتمنى، وهي إحدى المعجزات. وقرئ:
فتمنوا الموت، بكسر الواو، تشبيها بلو استطعنا. ولا فرق بين «لا» و «لن» في أن كل واحدة منهما نفى للمستقبل، إلا أن في «لن» تأكيدا وتشديدا ليس في «لا» فأتى مرّة بلفظ التأكيد وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ ومرّة بغير لفظه وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ ثم قيل لهم: إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ ولا تجسرون أن تتمنوه خيفة أن تؤخذوا بوبال كفركم لا تفوتونه وهو ملاقيكم لا محالة ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى الله فيجازيكم بما أنتم أهله من العقاب. وقرأ زيد بن على رضى الله عنه: إنه ملاقيكم. وفي قراءة ابن مسعود: تفرون منه ملاقيكم، وهي ظاهرة. وأما التي بالفاء، فلتضمن الذي معنى الشرط، وقد جعل إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ كلاما برأسه في قراءة زيد، أى: إنّ الموت هو الشيء الذي تفرّون منه، ثم استؤنف: إنه ملاقيكم.
الجمعة 62:9
يوم الجمعة: يوم الفوج المجموع، كقولهم: ضحكة، للمضحوك منه. ويوم الجمعة، بفتح الميم: يوم الوقت الجامع، كقولهم: ضحكة، ولعنة، ولعبة ويوم الجمعة تثقيل للجمعة، كما قيل: عسرة في عسر. وقرئ بهنّ جميعا. فإن قلت: من في قوله مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ما هي؟
قلت: هي بيان لإذا وتفسير له. والنداء: الأذان. وقالوا: المراد به الأذان عند قعود الإمام على المنبر، وقد كان لرسول الله ﷺ مؤذن واحد، فكان إذا جلس على المنبر أذن على باب المسجد، فإذا نزل أقام للصلاة [[متفق عليه من حديث السائب بن يزيد بغير هذا السياق، وليس فيه على باب المسجد.]] ، ثم كان أبو بكر وعمر رضى الله عنهما على ذلك، حتى إذا كان عثمان وكثر الناس وتباعدت المنازل زاد مؤذنا آخر، فأمر بالتأذين الأوّل على داره التي تسمى زوراء، فإذا جلس على المنبر: أذن المؤذن الثاني، فإذا نزل أقام للصلاة، فلم يعب ذلك عليه. وقيل: أول من سماها «جمعة» كعب بن لؤي، وكان يقال لها: العروبة. وقيل: إنّ الأنصار قالوا: لليهود يوم يجتمعون فيه كل سبعة أيام، وللنصارى مثل ذلك، فهلموا نجعل لنا يوما نجتمع فيه فنذكر الله فيه ونصلى. فقالوا: يوم السبت لليهود، ويوم الأحد للنصارى، فاجعلوه يوم العروبة فاجتمعوا إلى سعد بن زرارة فصلى بهم يومئذ ركعتين وذكرهم، فسموه يوم الجمعة لاجتماعهم فيه، فأنزل الله آية الجمعة، فهي أوّل جمعة، كانت في الإسلام [[أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين بهذا مطولا. وأخرجه الثعلبي من طريقه. وروى الطبراني من حديث كعب بن مالك نحوه باختصار.]] وأما أوّل جمعة جمعها رسول الله ﷺ، فهي: أنه لما قدم المدينة مهاجرا نزل قباء على بنى عمرو بن عوف، وأقام بها يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وأسس مسجدهم، ثم خرج يوم الجمعة عامدا المدينة فأدركته صلاة الجمعة في بنى سالم بن عوف في بطن واد لهم، فخطب وصلى الجمعة [[أخرجه ابن إسحاق في المغازي عن محمد بن جعفر عن عروة بن عبد الرحمن بن عويم أخبرنى بعض قومي قال قدم رسول الله ﷺ المدينة يوم الاثنين. ذكر ذلك مطولا. ومن طريقه البيهقي في الدلائل.
وذكره ابن هشام في مختصره عن ابن إسحاق بغير إسناد]] . وعن بعضهم: قد أبطل الله قول اليهود في ثلاث: افتخروا بأنهم أولياء الله وأحباؤه، فكذبهم في قوله فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وبأنهم أهل الكتاب والعرب لا كتاب لهم فشبههم بالحمار يحمل أسفارا، وبالسبت وأنه ليس للمسلمين مثله فشرع الله لهم الجمعة. وعن النبي ﷺ «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أهبط إلى الأرض، وفيه تقوم الساعة، وهو عند الله يوم المزيد. وعنه عليه السلام: «أتانى جبريل وفي كفه مرآة بيضاء وقال: هذه الجمعة يعرضها عليك ربك لتكون لك عيدا ولأمّتك من بعدك، وهو سيد الأيام عندنا، ونحن ندعوه إلى الآخرة يوم المزيد» [[متفق عليه دون قوله «وهو عند الله يوم المزيد» البزار والطبري من طريق جهضم بن عبد الله بن الطفيل عن أبى طيبة عن عثمان بن عمير عن أنس بهذا مطولا. ولفظه «ونحن ندعوه في الآخرة» وهو الصواب وفي رواية الطبري في تفسير في حدثنا جهضم بن عبد الله بن الطفيل عن أبى طيبة عن عثمان بن عمير عن أنس بهذا مطولا ولفظه «ونحن ندعوه في الآخرة» وهو الصواب. وفي رواية الطبري في تفسير ق حدثني أبو طيبة عن معاوية العبسي عن عثمان. ورواه ابن مردويه من رواية على بن الحكم البناني وعنبسة بن سعيد، كلاهما عن عثمان بن عمير عن أنس به. وطريق على بن الحكم عن أبى يعلى وأخرجه ابن أبى شيبة وإسحاق من رواية ليث بن أبى سليم عن عثمان ابن عمير به. ورواه الشافعي بإسناد واه قال: أخبرنى إبراهيم بن أبى يحيى حدثني موسى بن عبيدة حدثني أبو الأزهر معاوية بن إسحاق بن طلحة عن عبد الله بن عمير أنه سمع أنس بن مالك نحوه. وله طريق أخرى عن أنس أخرجه الطبراني في الأوسط. من رواية ثابت بن ثوبان عن سالم بن عبد الله عن أنس. وقال إسحاق بن راهويه. أخبرنا محمد بن شعيب حدثني عمر مولى عمرة عن أنس. وله شاهد من حديث حذيفة أخرجه البزار من رواية القاسم بن مطيب عن الأعمش عن أبى وائل عنه.]] . وعنه ﷺ: «إنّ لله تعالى في كل جمعة ستمائة ألف عتيق من النار [[أخرجه أبو يعلى والبيهقي في الشعب وابن عدى وابن حبان من رواية أزور بن غالب عن سليمان التيمي عن ثابت عن أنس والأزور. قال الدارقطني: متروك. رواه أبو يعلى من رواية المعتمر بن نافع عن عبد الله العمرى عن ثابت حدثني أنس، وأخرجه البخاري وفي التاريخ في ترجمة المعتمر. وأخرجه الدارقطني في الأفراد من رواية عبد الواحد بن زيد بن ثابت.]] . وعن كعب: إنّ الله فضل من البلدان: مكة، ومن الشهور: رمضان، ومن الأيام: الجمعة. وقال عليه الصلاة والسلام «من مات يوم الجمعة كتب الله له أجر شهيد، ووقى فتنة القبر» [[قال عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج عن رجل عن ابن شهاب أن النبي ﷺ قال «من مات يوم الجمعة أو ليلة الجمعة وقى فتنة القبر وكتب له أجر شهيد» وقال أبو مرة في السنن: ذكر ابن جريج أخبرنى سفيان عن ربيعة بن سيف عن عبد الله بن عمرو مرفوعا مثله. ومن طريق ربيعة أخرجه الترمذي ولم يذكر الشهادة وقال: غريب وليس لربيعة سماع من عبد الله بن عمرو انتهى. وقد وصله الطبراني وأبو يعلى من حديث ربيعة عن عياض عن قبة العزى عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما. وله طريق أخرى أخرجها أحمد وإسحاق والطبراني من رواية بقية: حدثني معاوية عن سعيد سمعت أبا قبيل سمعت عبد الله بن عمرو نحوه. ورواه أبو نعيم في الحلية في ترجمة ابن المنكدر من طريق عمر بن موسى بن الوجيه عن جابر، بلفظ «من مات يوم الجمعة أو ليلة الجمعة أجير من عذاب القبر، وجاء يوم القيامة عليه طابع الشهداء» .]] وفي الحديث: «إذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة على أبواب المسجد [[قوله «على أبواب المسجد» لعله «المساجد» . وفي الخازن: إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المساجد ملائكة يكتبون ... الخ» . (ع)]] بأيديهم صحف من فضة وأقلام من ذهب، يكتبون الأوّل فالأوّل على مراتبهم» [[أخرجه ابن مردويه من طريق عمرو بن سمرة عن سعد بن طريف عن الأصبغ بن نباتة عن على وإسناده ضعيف جدا. وهو في الصحيح من حديث أبى هريرة دون قوله بأيديهم صحاف من فضة وأقلام من ذهب» .]] وكانت الطرقات في أيام السلف وقت السحر وبعد الفجر مغتصة بالمبكرين إلى الجمعة يمشون بالسرج.
وقيل: أوّل بدعة أحدثت في الإسلام: ترك البكور إلى الجمعة. وعن ابن مسعود: أنه بكر فرأى ثلاثة نفر سبقوه، فاغتم وأخذ يعاتب نفسه يقول: أراك رابع أربعة وما رابع أربعة بسعيد [[أخرجه ابن ماجة والبزار من رواية الأعمش عن إبراهيم عن علقمة قال «خرجت مع عبد الله بن مسعود إلى الجمعة، فوجد ثلاثة قد سبقوه- فذكره. وليس فيه فاغتم وأخذ يعاتب نفسه، وزاد «إنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الناس يجلسون من الله يوم القيامة على قدر رواحهم إلى الجمعات» واختلفا في الراوي عن الأعمش مع اتفاقهما على أنه من رواية عبد المجيد بن أبى رواد. ففي ابن ماجة بينهما معمر وفي البزار بينهما مروان بن سالم. وذكره ابن أبى حاتم في العلل روى عن عبد المجيد عن الثوري عن الأعمش. وهذا لا يصح عن الثوري.]] . ولا تقام الجمعة عند أبى حنيفة رضى الله عنه إلا في مصر جامع، لقوله عليه السلام:
«لا جمعة ولا تشريق ولا فطر ولا أضحى إلا في مصر جامع» [[لم أره مرفوعا ورواه ابن أبى شيبة عن على. وإسناده ضعيف.]] والمصر الجامع: ما أقيمت فيه الحدود ونفذت فيه الأحكام، ومن شروطها الإمام أو من يقوم مقامه، لقوله عليه السلام «فمن تركها وله إمام عادل أو جائر ... الحديث» [[أخرجه ابن ماجة من رواية عبد الله بن محمد العدوى عن على بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب عن جابر قال «خطبنا رسول الله ﷺ فقال: أيها الناس توبوا إلى الله قبل أن تموتوا- الحديث بطوله» وفيه هذا وغيره أخرجه ابن عدى. وروى عن وكيع أن العدوى كان يضع الحديث. وله طريق أخرى عند أبى يعلى من رواية فضيل بن مرزوق: أخبرنى الوليد بن بكير عن نمر بن على عن سعيد بن المسيب. وفي إسناده نظر.
فقال: رواه الطبراني في الأوسط من رواية موسى بن عطية الباهلي عن فضيل بن مرزوق عن عطية عن أبى سعيد.
وقال: تفرد به يحيى بن حبيب عن موسى بن عطية. وقال: رواه أسد بن موسى وعبد الله بن صالح العجلى عن فضيل بن مرزوق عن الوليد بن بكير عن عبد الله بن محمد العدوى عن على بن زيد عن سعيد عن جابر. قلت:
فرجعت الرواية الأخرى إلى العدوى وقال ابن حبان في الضعفاء: أخبرنا ابن خزيمة حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن غزوان حدثنا حماد بن سلمة عن على بن زيد، وقال محمد بن عبد الرحمن يروى العجائب. ورواه في الضعفاء أيضا من طريق خالد بن عبد الدائم حدثنا نافع بن يزيد عن زهرة بن معبد عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة وأهله بخالد بن عبد الدايم. وقال الدارقطني في العلل: اختلف زهرة وعلى في صحته. وكلاهما غير ثابت.]] وقوله ﷺ: «أربع إلى الولاة: الفيء، والصدقات «والحدود، والجمعات» [[لم أره مرفوعا.]] . فإن أمّ رجل بغير إذن الإمام أو من ولاه من قاض أو صاحب شرطة: لم يجز، فإن لم يكن الاستئذان فاجتمعوا على واحد فصلى بهم: جاز، وهي تنعقد بثلاثة سوى الإمام. وعند الشافعي بأربعين. ولا جمعة على المسافرين والعبيد والنساء والمرضى والزمنى، ولا على الأعمى عند أبى حنيفة، ولا على الشيخ الذي لا يمشى إلا بقائد. وقرأ عمر وابن عباس وابن مسعود وغيرهم: فامضوا. وعن عمر رضى الله عنه أنه سمع رجلا يقرأ: فاسعوا، فقال: من أقرأك هذا؟ قال أبىّ بن كعب، فقال: لا يزال يقرأ بالمنسوخ، لو كانت فَاسْعَوْا لسعيت حتى يسقط ردائي. وقيل: المراد بالسعي القصد دون العدو، والسعى: التصرف في كل عمل. ومنه قوله تعالى فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ، وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى وعن الحسن: ليس السعى على الأقدام، ولكنه على النيات والقلوب.
وذكر محمد بن الحسن رحمه الله في موطنه: أن عمر سمع الإقامة وهو بالبقيع فأسرع المشي. قال محمد: وهذا لا بأس به ما لم يجهد نفسه إِلى ذِكْرِ اللَّهِ إلى الخطبة والصلاة، ولتسمية الله الخطبة ذكرا له قال أبو حنيفة رحمه الله: إن اقتصر الخطيب على مقدار يسمى ذكرا لله كقوله:
الحمد لله، سبحان الله: جاز [[قال: محمود «استدل بذلك على مذهب أبى حنيفة رحمه الله ... الخ» قال أحمد: ولا دليل فيه، فان العرب تسمى الشيء باسم بعض ما يشتمل عليه، كما سميت الصلاة مرة قرآنا ومرة سجودا ومرة ركوعا، لأنها مشتملة على ذلك، فكذلك الخطبة لما كانت مشتملة على ذكر الله سميت به، ولا يلزم أن يكون كذلك كل ما اشتملت عليه. لا سيما والمسمى خطبة عند العرب لا بد وأن يزيد على القدر الذي اكتفى به أبو حنيفة. قال بعض أصحاب مالك رحمه الله: أقلها حمد الله والصلاة على نبيه وتحذير وتبشير وقرآن.]] . وعن عثمان أنه صعد المنبر فقال: الحمد لله وأرتج عليه، فقال:
إن أبا بكر وعمر كانا يعدّان لهذا المقام مقالا، وإنكم إلى إمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوّال، وستأتيكم [[أتبع الزمخشري الاستدلال على مذهب أبى حنيفة بالآية، بأثر عن عثمان: وهو أنه صعد المنبر فقال إن أبا بكر وعمر كانا يعدان لهذا المقام مقالا وإنكم إلى إمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوال، وستأتيكم الخطب ثم نزل وكان ذلك بحضرة الصحابة فلم ينكر عليه أحد» قال أحمد: سلمه بلا اشتباه، فإن عثمان لم يصدر ذلك منه في خطبة الجمعة، وإنما كان ذلك في ابتداء خلافته وصعوده المنبر للبيعة، وكانت عادة العرب الخطب في المهمات.
ألا ترى إلى قوله: وستأتيكم بعد ذلك الخطب، فان ذلك يحقق أن مقالته هذه ليست بخطبة، ولو كان في الجمعة لكان تاركا للخطبة بالكلية، وهي منقولة في التاريخ أنه أرتج عليه فقال: سيجعل الله بعد عسر يسرا وبعد عي بيانا، وإنكم إلى إمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوال، وستأتيكم الخطب.]] الخطب، ثم نزل، وكان ذلك بحضرة الصحابة ولم ينكر عليه أحد. وعند صاحبيه والشافعي: لا بد من كلام يسمى خطبة. فإن قلت: كيف يفسر ذكر الله بالخطبة وفيها ذكر غير الله؟ [[قال محمود: «إن قلت: كيف فسر ذكر الله بالخطبة وفيه ذكر غير الله، وأجاب بأن ذكر رسول الله والصحابة والخلفاء الراشدين ... الخ» قال أحمد: الدعاء السلطان الواجب الطاعة مشروع بكل حال. وقد نقل عن بعض السلف أنه دعا لسلطان ظالم فقيل له: أتدعو له وهو ظالم؟ فقال: إي والله أدعو، له إن ما يدفع الله ببقائه أعظم مما يندفع بزواله، لا سيما إذا ضمن ذلك الدعاء بصلاحه وسداده وتوفيقه، والله الموفق.]] قلت: ما كان من ذكر رسول الله ﷺ والثناء عليه وعلى خلفائه الراشدين وأتقياء المؤمنين والموعظة والتذكير فهو في حكم ذكر الله، فأمّا ما عدا ذلك من ذكر الظلمة وألقابهم والثناء عليهم والدعاء لهم، وهم أحقاء بعكس ذلك، فمن ذكر الشيطان وهو من ذكر الله على مراحل، وإذا قال المنصت للخطبة لصاحبه «صه» فقد لغا، أفلا يكون الخطيب الغالي في ذلك لا غيا، نعوذ بالله من غربة الإسلام ونكد الأيام.
أراد الأمر بترك ما يذهل عن ذكر الله من شواغل الدنيا، وإنما خص البيع من بينها لأن يوم الجمعة يوم يهبط الناس فيه من قراهم وبواديهم، وينصبون إلى المصر من كل أوب ووقت هبوطهم واجتماعهم واغتصاص الأسواق بهم إذا انتفخ النهار [[قوله «إذا انتفخ النهار» أى علا. وقوله «تحر» أى تعطش أو يشتد حرها. أفاده الصحاح. (ع)]] وتعالى الضحى ودنا وقت الظهيرة، وحينئذ تحرّ التجارة ويتكاثر البيع والشراء، فلما كان ذلك الوقت مظنة الذهول بالبيع عن ذكر الله والمضي إلى المسجد، قيل لهم: بادروا تجارة الآخرة، واتركوا تجارة الدنيا، واسعوا إلى ذكر الله الذي لا شيء أنفع منه وأربح وَذَرُوا الْبَيْعَ الذي نفعه يسير وريحه مقارب. فإن قلت: فإذا كان البيع في هذا الوقت مأمورا بتركه محرما، فهل هو فاسد؟ قلت:
عامّة العلماء على أن ذلك لا يوجب فساد البيع. قالوا: لأنّ البيع لم يحرم لعينه، ولكن لما فيه من الذهول عن الواجب، فهو كالصلاة في الأرض المغصوبة والثوب المغصوب، والوضوء بماء مغصوب، وعن بعض الناس: أنه فاسد. ثم أطلق لهم ما حظر عليهم بعد قضاء الصلاة من الانتشار وابتغاء الربح، مع التوصية بإكثار الذكر، وأن لا يلهيهم شيء من تجارة ولا غيرها عنه، وأن تكون هممهم في جميع أحوالهم وأوقاتهم موكلة به لا يتفصون عنه، لأنّ فلاحهم فيه وفوزهم منوط به: وعن ابن عباس: لم يؤمروا بطلب شيء من الدنيا، إنما هو عيادة المرضى وحضور الجنائز وزيارة أخ في الله: وعن الحسن وسعيد بن المسيب: طلب العلم، وقيل:
صلاة التطوّع: وعن بعض السلف أنه كان يشغل نفسه بعد الجمعة بشيء من أمور الدنيا نظرا في هذه الآية.
الجمعة 62:10
يوم الجمعة: يوم الفوج المجموع، كقولهم: ضحكة، للمضحوك منه. ويوم الجمعة، بفتح الميم: يوم الوقت الجامع، كقولهم: ضحكة، ولعنة، ولعبة ويوم الجمعة تثقيل للجمعة، كما قيل: عسرة في عسر. وقرئ بهنّ جميعا. فإن قلت: من في قوله مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ما هي؟
قلت: هي بيان لإذا وتفسير له. والنداء: الأذان. وقالوا: المراد به الأذان عند قعود الإمام على المنبر، وقد كان لرسول الله ﷺ مؤذن واحد، فكان إذا جلس على المنبر أذن على باب المسجد، فإذا نزل أقام للصلاة [[متفق عليه من حديث السائب بن يزيد بغير هذا السياق، وليس فيه على باب المسجد.]] ، ثم كان أبو بكر وعمر رضى الله عنهما على ذلك، حتى إذا كان عثمان وكثر الناس وتباعدت المنازل زاد مؤذنا آخر، فأمر بالتأذين الأوّل على داره التي تسمى زوراء، فإذا جلس على المنبر: أذن المؤذن الثاني، فإذا نزل أقام للصلاة، فلم يعب ذلك عليه. وقيل: أول من سماها «جمعة» كعب بن لؤي، وكان يقال لها: العروبة. وقيل: إنّ الأنصار قالوا: لليهود يوم يجتمعون فيه كل سبعة أيام، وللنصارى مثل ذلك، فهلموا نجعل لنا يوما نجتمع فيه فنذكر الله فيه ونصلى. فقالوا: يوم السبت لليهود، ويوم الأحد للنصارى، فاجعلوه يوم العروبة فاجتمعوا إلى سعد بن زرارة فصلى بهم يومئذ ركعتين وذكرهم، فسموه يوم الجمعة لاجتماعهم فيه، فأنزل الله آية الجمعة، فهي أوّل جمعة، كانت في الإسلام [[أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين بهذا مطولا. وأخرجه الثعلبي من طريقه. وروى الطبراني من حديث كعب بن مالك نحوه باختصار.]] وأما أوّل جمعة جمعها رسول الله ﷺ، فهي: أنه لما قدم المدينة مهاجرا نزل قباء على بنى عمرو بن عوف، وأقام بها يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وأسس مسجدهم، ثم خرج يوم الجمعة عامدا المدينة فأدركته صلاة الجمعة في بنى سالم بن عوف في بطن واد لهم، فخطب وصلى الجمعة [[أخرجه ابن إسحاق في المغازي عن محمد بن جعفر عن عروة بن عبد الرحمن بن عويم أخبرنى بعض قومي قال قدم رسول الله ﷺ المدينة يوم الاثنين. ذكر ذلك مطولا. ومن طريقه البيهقي في الدلائل.
وذكره ابن هشام في مختصره عن ابن إسحاق بغير إسناد]] . وعن بعضهم: قد أبطل الله قول اليهود في ثلاث: افتخروا بأنهم أولياء الله وأحباؤه، فكذبهم في قوله فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وبأنهم أهل الكتاب والعرب لا كتاب لهم فشبههم بالحمار يحمل أسفارا، وبالسبت وأنه ليس للمسلمين مثله فشرع الله لهم الجمعة. وعن النبي ﷺ «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أهبط إلى الأرض، وفيه تقوم الساعة، وهو عند الله يوم المزيد. وعنه عليه السلام: «أتانى جبريل وفي كفه مرآة بيضاء وقال: هذه الجمعة يعرضها عليك ربك لتكون لك عيدا ولأمّتك من بعدك، وهو سيد الأيام عندنا، ونحن ندعوه إلى الآخرة يوم المزيد» [[متفق عليه دون قوله «وهو عند الله يوم المزيد» البزار والطبري من طريق جهضم بن عبد الله بن الطفيل عن أبى طيبة عن عثمان بن عمير عن أنس بهذا مطولا. ولفظه «ونحن ندعوه في الآخرة» وهو الصواب وفي رواية الطبري في تفسير في حدثنا جهضم بن عبد الله بن الطفيل عن أبى طيبة عن عثمان بن عمير عن أنس بهذا مطولا ولفظه «ونحن ندعوه في الآخرة» وهو الصواب. وفي رواية الطبري في تفسير ق حدثني أبو طيبة عن معاوية العبسي عن عثمان. ورواه ابن مردويه من رواية على بن الحكم البناني وعنبسة بن سعيد، كلاهما عن عثمان بن عمير عن أنس به. وطريق على بن الحكم عن أبى يعلى وأخرجه ابن أبى شيبة وإسحاق من رواية ليث بن أبى سليم عن عثمان ابن عمير به. ورواه الشافعي بإسناد واه قال: أخبرنى إبراهيم بن أبى يحيى حدثني موسى بن عبيدة حدثني أبو الأزهر معاوية بن إسحاق بن طلحة عن عبد الله بن عمير أنه سمع أنس بن مالك نحوه. وله طريق أخرى عن أنس أخرجه الطبراني في الأوسط. من رواية ثابت بن ثوبان عن سالم بن عبد الله عن أنس. وقال إسحاق بن راهويه. أخبرنا محمد بن شعيب حدثني عمر مولى عمرة عن أنس. وله شاهد من حديث حذيفة أخرجه البزار من رواية القاسم بن مطيب عن الأعمش عن أبى وائل عنه.]] . وعنه ﷺ: «إنّ لله تعالى في كل جمعة ستمائة ألف عتيق من النار [[أخرجه أبو يعلى والبيهقي في الشعب وابن عدى وابن حبان من رواية أزور بن غالب عن سليمان التيمي عن ثابت عن أنس والأزور. قال الدارقطني: متروك. رواه أبو يعلى من رواية المعتمر بن نافع عن عبد الله العمرى عن ثابت حدثني أنس، وأخرجه البخاري وفي التاريخ في ترجمة المعتمر. وأخرجه الدارقطني في الأفراد من رواية عبد الواحد بن زيد بن ثابت.]] . وعن كعب: إنّ الله فضل من البلدان: مكة، ومن الشهور: رمضان، ومن الأيام: الجمعة. وقال عليه الصلاة والسلام «من مات يوم الجمعة كتب الله له أجر شهيد، ووقى فتنة القبر» [[قال عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج عن رجل عن ابن شهاب أن النبي ﷺ قال «من مات يوم الجمعة أو ليلة الجمعة وقى فتنة القبر وكتب له أجر شهيد» وقال أبو مرة في السنن: ذكر ابن جريج أخبرنى سفيان عن ربيعة بن سيف عن عبد الله بن عمرو مرفوعا مثله. ومن طريق ربيعة أخرجه الترمذي ولم يذكر الشهادة وقال: غريب وليس لربيعة سماع من عبد الله بن عمرو انتهى. وقد وصله الطبراني وأبو يعلى من حديث ربيعة عن عياض عن قبة العزى عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما. وله طريق أخرى أخرجها أحمد وإسحاق والطبراني من رواية بقية: حدثني معاوية عن سعيد سمعت أبا قبيل سمعت عبد الله بن عمرو نحوه. ورواه أبو نعيم في الحلية في ترجمة ابن المنكدر من طريق عمر بن موسى بن الوجيه عن جابر، بلفظ «من مات يوم الجمعة أو ليلة الجمعة أجير من عذاب القبر، وجاء يوم القيامة عليه طابع الشهداء» .]] وفي الحديث: «إذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة على أبواب المسجد [[قوله «على أبواب المسجد» لعله «المساجد» . وفي الخازن: إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المساجد ملائكة يكتبون ... الخ» . (ع)]] بأيديهم صحف من فضة وأقلام من ذهب، يكتبون الأوّل فالأوّل على مراتبهم» [[أخرجه ابن مردويه من طريق عمرو بن سمرة عن سعد بن طريف عن الأصبغ بن نباتة عن على وإسناده ضعيف جدا. وهو في الصحيح من حديث أبى هريرة دون قوله بأيديهم صحاف من فضة وأقلام من ذهب» .]] وكانت الطرقات في أيام السلف وقت السحر وبعد الفجر مغتصة بالمبكرين إلى الجمعة يمشون بالسرج.
وقيل: أوّل بدعة أحدثت في الإسلام: ترك البكور إلى الجمعة. وعن ابن مسعود: أنه بكر فرأى ثلاثة نفر سبقوه، فاغتم وأخذ يعاتب نفسه يقول: أراك رابع أربعة وما رابع أربعة بسعيد [[أخرجه ابن ماجة والبزار من رواية الأعمش عن إبراهيم عن علقمة قال «خرجت مع عبد الله بن مسعود إلى الجمعة، فوجد ثلاثة قد سبقوه- فذكره. وليس فيه فاغتم وأخذ يعاتب نفسه، وزاد «إنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الناس يجلسون من الله يوم القيامة على قدر رواحهم إلى الجمعات» واختلفا في الراوي عن الأعمش مع اتفاقهما على أنه من رواية عبد المجيد بن أبى رواد. ففي ابن ماجة بينهما معمر وفي البزار بينهما مروان بن سالم. وذكره ابن أبى حاتم في العلل روى عن عبد المجيد عن الثوري عن الأعمش. وهذا لا يصح عن الثوري.]] . ولا تقام الجمعة عند أبى حنيفة رضى الله عنه إلا في مصر جامع، لقوله عليه السلام:
«لا جمعة ولا تشريق ولا فطر ولا أضحى إلا في مصر جامع» [[لم أره مرفوعا ورواه ابن أبى شيبة عن على. وإسناده ضعيف.]] والمصر الجامع: ما أقيمت فيه الحدود ونفذت فيه الأحكام، ومن شروطها الإمام أو من يقوم مقامه، لقوله عليه السلام «فمن تركها وله إمام عادل أو جائر ... الحديث» [[أخرجه ابن ماجة من رواية عبد الله بن محمد العدوى عن على بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب عن جابر قال «خطبنا رسول الله ﷺ فقال: أيها الناس توبوا إلى الله قبل أن تموتوا- الحديث بطوله» وفيه هذا وغيره أخرجه ابن عدى. وروى عن وكيع أن العدوى كان يضع الحديث. وله طريق أخرى عند أبى يعلى من رواية فضيل بن مرزوق: أخبرنى الوليد بن بكير عن نمر بن على عن سعيد بن المسيب. وفي إسناده نظر.
فقال: رواه الطبراني في الأوسط من رواية موسى بن عطية الباهلي عن فضيل بن مرزوق عن عطية عن أبى سعيد.
وقال: تفرد به يحيى بن حبيب عن موسى بن عطية. وقال: رواه أسد بن موسى وعبد الله بن صالح العجلى عن فضيل بن مرزوق عن الوليد بن بكير عن عبد الله بن محمد العدوى عن على بن زيد عن سعيد عن جابر. قلت:
فرجعت الرواية الأخرى إلى العدوى وقال ابن حبان في الضعفاء: أخبرنا ابن خزيمة حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن غزوان حدثنا حماد بن سلمة عن على بن زيد، وقال محمد بن عبد الرحمن يروى العجائب. ورواه في الضعفاء أيضا من طريق خالد بن عبد الدائم حدثنا نافع بن يزيد عن زهرة بن معبد عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة وأهله بخالد بن عبد الدايم. وقال الدارقطني في العلل: اختلف زهرة وعلى في صحته. وكلاهما غير ثابت.]] وقوله ﷺ: «أربع إلى الولاة: الفيء، والصدقات «والحدود، والجمعات» [[لم أره مرفوعا.]] . فإن أمّ رجل بغير إذن الإمام أو من ولاه من قاض أو صاحب شرطة: لم يجز، فإن لم يكن الاستئذان فاجتمعوا على واحد فصلى بهم: جاز، وهي تنعقد بثلاثة سوى الإمام. وعند الشافعي بأربعين. ولا جمعة على المسافرين والعبيد والنساء والمرضى والزمنى، ولا على الأعمى عند أبى حنيفة، ولا على الشيخ الذي لا يمشى إلا بقائد. وقرأ عمر وابن عباس وابن مسعود وغيرهم: فامضوا. وعن عمر رضى الله عنه أنه سمع رجلا يقرأ: فاسعوا، فقال: من أقرأك هذا؟ قال أبىّ بن كعب، فقال: لا يزال يقرأ بالمنسوخ، لو كانت فَاسْعَوْا لسعيت حتى يسقط ردائي. وقيل: المراد بالسعي القصد دون العدو، والسعى: التصرف في كل عمل. ومنه قوله تعالى فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ، وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى وعن الحسن: ليس السعى على الأقدام، ولكنه على النيات والقلوب.
وذكر محمد بن الحسن رحمه الله في موطنه: أن عمر سمع الإقامة وهو بالبقيع فأسرع المشي. قال محمد: وهذا لا بأس به ما لم يجهد نفسه إِلى ذِكْرِ اللَّهِ إلى الخطبة والصلاة، ولتسمية الله الخطبة ذكرا له قال أبو حنيفة رحمه الله: إن اقتصر الخطيب على مقدار يسمى ذكرا لله كقوله:
الحمد لله، سبحان الله: جاز [[قال: محمود «استدل بذلك على مذهب أبى حنيفة رحمه الله ... الخ» قال أحمد: ولا دليل فيه، فان العرب تسمى الشيء باسم بعض ما يشتمل عليه، كما سميت الصلاة مرة قرآنا ومرة سجودا ومرة ركوعا، لأنها مشتملة على ذلك، فكذلك الخطبة لما كانت مشتملة على ذكر الله سميت به، ولا يلزم أن يكون كذلك كل ما اشتملت عليه. لا سيما والمسمى خطبة عند العرب لا بد وأن يزيد على القدر الذي اكتفى به أبو حنيفة. قال بعض أصحاب مالك رحمه الله: أقلها حمد الله والصلاة على نبيه وتحذير وتبشير وقرآن.]] . وعن عثمان أنه صعد المنبر فقال: الحمد لله وأرتج عليه، فقال:
إن أبا بكر وعمر كانا يعدّان لهذا المقام مقالا، وإنكم إلى إمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوّال، وستأتيكم [[أتبع الزمخشري الاستدلال على مذهب أبى حنيفة بالآية، بأثر عن عثمان: وهو أنه صعد المنبر فقال إن أبا بكر وعمر كانا يعدان لهذا المقام مقالا وإنكم إلى إمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوال، وستأتيكم الخطب ثم نزل وكان ذلك بحضرة الصحابة فلم ينكر عليه أحد» قال أحمد: سلمه بلا اشتباه، فإن عثمان لم يصدر ذلك منه في خطبة الجمعة، وإنما كان ذلك في ابتداء خلافته وصعوده المنبر للبيعة، وكانت عادة العرب الخطب في المهمات.
ألا ترى إلى قوله: وستأتيكم بعد ذلك الخطب، فان ذلك يحقق أن مقالته هذه ليست بخطبة، ولو كان في الجمعة لكان تاركا للخطبة بالكلية، وهي منقولة في التاريخ أنه أرتج عليه فقال: سيجعل الله بعد عسر يسرا وبعد عي بيانا، وإنكم إلى إمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوال، وستأتيكم الخطب.]] الخطب، ثم نزل، وكان ذلك بحضرة الصحابة ولم ينكر عليه أحد. وعند صاحبيه والشافعي: لا بد من كلام يسمى خطبة. فإن قلت: كيف يفسر ذكر الله بالخطبة وفيها ذكر غير الله؟ [[قال محمود: «إن قلت: كيف فسر ذكر الله بالخطبة وفيه ذكر غير الله، وأجاب بأن ذكر رسول الله والصحابة والخلفاء الراشدين ... الخ» قال أحمد: الدعاء السلطان الواجب الطاعة مشروع بكل حال. وقد نقل عن بعض السلف أنه دعا لسلطان ظالم فقيل له: أتدعو له وهو ظالم؟ فقال: إي والله أدعو، له إن ما يدفع الله ببقائه أعظم مما يندفع بزواله، لا سيما إذا ضمن ذلك الدعاء بصلاحه وسداده وتوفيقه، والله الموفق.]] قلت: ما كان من ذكر رسول الله ﷺ والثناء عليه وعلى خلفائه الراشدين وأتقياء المؤمنين والموعظة والتذكير فهو في حكم ذكر الله، فأمّا ما عدا ذلك من ذكر الظلمة وألقابهم والثناء عليهم والدعاء لهم، وهم أحقاء بعكس ذلك، فمن ذكر الشيطان وهو من ذكر الله على مراحل، وإذا قال المنصت للخطبة لصاحبه «صه» فقد لغا، أفلا يكون الخطيب الغالي في ذلك لا غيا، نعوذ بالله من غربة الإسلام ونكد الأيام.
أراد الأمر بترك ما يذهل عن ذكر الله من شواغل الدنيا، وإنما خص البيع من بينها لأن يوم الجمعة يوم يهبط الناس فيه من قراهم وبواديهم، وينصبون إلى المصر من كل أوب ووقت هبوطهم واجتماعهم واغتصاص الأسواق بهم إذا انتفخ النهار [[قوله «إذا انتفخ النهار» أى علا. وقوله «تحر» أى تعطش أو يشتد حرها. أفاده الصحاح. (ع)]] وتعالى الضحى ودنا وقت الظهيرة، وحينئذ تحرّ التجارة ويتكاثر البيع والشراء، فلما كان ذلك الوقت مظنة الذهول بالبيع عن ذكر الله والمضي إلى المسجد، قيل لهم: بادروا تجارة الآخرة، واتركوا تجارة الدنيا، واسعوا إلى ذكر الله الذي لا شيء أنفع منه وأربح وَذَرُوا الْبَيْعَ الذي نفعه يسير وريحه مقارب. فإن قلت: فإذا كان البيع في هذا الوقت مأمورا بتركه محرما، فهل هو فاسد؟ قلت:
عامّة العلماء على أن ذلك لا يوجب فساد البيع. قالوا: لأنّ البيع لم يحرم لعينه، ولكن لما فيه من الذهول عن الواجب، فهو كالصلاة في الأرض المغصوبة والثوب المغصوب، والوضوء بماء مغصوب، وعن بعض الناس: أنه فاسد. ثم أطلق لهم ما حظر عليهم بعد قضاء الصلاة من الانتشار وابتغاء الربح، مع التوصية بإكثار الذكر، وأن لا يلهيهم شيء من تجارة ولا غيرها عنه، وأن تكون هممهم في جميع أحوالهم وأوقاتهم موكلة به لا يتفصون عنه، لأنّ فلاحهم فيه وفوزهم منوط به: وعن ابن عباس: لم يؤمروا بطلب شيء من الدنيا، إنما هو عيادة المرضى وحضور الجنائز وزيارة أخ في الله: وعن الحسن وسعيد بن المسيب: طلب العلم، وقيل:
صلاة التطوّع: وعن بعض السلف أنه كان يشغل نفسه بعد الجمعة بشيء من أمور الدنيا نظرا في هذه الآية.
الجمعة 62:11
روى أن أهل المدينة أصابهم جوع وغلاء شديد، فقدم دحية بن خليفة بتجارة من زيت الشام والنبي ﷺ يخطب يوم الجمعة، فقاموا إليه، خشوا أن يسبقوا إليه، فما بقي معه إلا يسير. قيل: ثمانية، وأحد عشر، واثنا عشر، وأربعون، فقال عليه السلام:
«والذي نفس محمد بيده، لو خرجوا جميعا لأضرم الله عليهم الوادي [[هكذا ذكره الواحدي عن المفسرين. وذكره الثعلبي ثم البغوي عن الحسن بغير إسناد. ولفظ الحسن أخرجه عبد الرزاق عن معمر عنه قال «أصاب أهل المدينة جوع وغلاء سعر. فقدمت عير والنبي ﷺ قائم يخطب يوم الجمعة فسمعوا بها وخرجوا إليها والنبي ﷺ قائم يخطب كما هو، فأنزل الله تعالى وَتَرَكُوكَ قائِماً فقال: لو اتبع آخرهم أولهم لا لتهب الوادي عليهم نارا» وفي رواية أبى سفيان الآتية عند ابن حبان نحوه قال «والذي نفسي بيده لو تتابعتم حتى لم يبق منكم أحد لسال الوادي عليكم نارا: «نزلت هذه الآية» وتعيين دحية في قوله «خشوا أن يسبقوا إليه» رواه الطبري مختصرا من رواية السدى عن ابن مالك قال: قدم دحية بن خليفة بتجارة زبيب من الشام والنبي ﷺ يخطب يوم الجمعة. فلما رأوه قاموا خشية أن يسبقوا إليه فنزلت وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً- الآية وروى البزار من طريق عكرمة عن ابن عباس قال «كان رسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة، فجاء دحية يبيع سلعة فما بقي في المسجد أحد إلا خرج- إلا نفر- والنبي ﷺ قائم فنزلت. وأصل هذه القصة في الصحيحين من رواية حصين عن سالم بن أبى الجعد عن جابر قال «كان رسول الله ﷺ يخطب قائما يوم الجمعة فجاءت عير من الشام فانفتل الناس حتى لم يبق إلا اثنى عشر رجلا فأنزلت» وفي لفظ مسلم «منهم أبو بكر وعمر» وفي رواية له «أنا فيهم» وفي رواية البخاري «بينما نحن نصلى مع النبي ﷺ إذ أقبلت عير» قال البيهقي: المراد بقوله نصلى أى نسمع الخطبة، جمعا بين الروايتين انتهى. وقد أخرجه ابن حبان من رواية أبى سفيان عن جابر كذلك. ولفظه «بينما النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة.
فقدمت عير من الشام إلى المدينة فابتدرها أصحاب النبي ﷺ حتى لم يبق معه إلا اثنى عشر رجلا- الحديث» ويؤيده حديث كعب بن عجرة عند مسلم «أنه أنكر على عبد الرحمن بن أم الحكم أن يخطب قاعدا.
فقال: انظروا إلى هذا يخطب قاعدا. والله يقول: وتركوك قائما» ويدل أيضا على أنه كان في الخطبة ما رواه أبو داود في المراسيل من رواية بكر بن معروف عن مقاتل بن حيان قال «كان رسول الله ﷺ يصلى يوم الجمعة قبل الخطبة حتى إذا كان ذات يوم وهو يخطب وقد صلى الجمعة فدخل رجل فقال: إن دحية قد قدم.
وكان إذا قدم تلقوه بالدفاف فخرج الناس، لم يظنوا إلا أنه ليس في ترك الخطبة شيء فأنزل الله الآية. فقدم النبي ﷺ الخطبة يوم الجمعة «وأخر الصلاة» «تنبيه» لم أقف على رواية أنهم كانوا ثمانية ولا أحد عشر، وأما رواية اثنى عشر فهي المشهورة الصحيحة. ورواية الأربعين أخرجها الدارقطني من طريق على بن عاصم عن حصين: وقال: لم يقل أحد من أصحاب حصين أربعون إلا على بن عاصم. والكل قالوا: اثنى عشر رجلا.
وكذلك قال أبو سفيان عن جابر كما تقدم عند ابن حبان.]] نارا» وكانوا إذا أقبلت العير استقبلوها بالطبل والتصفيق، فهو المراد باللهو: وعن قتادة: فعلوا ذلك ثلاث مرات في كل مقدم عير. فإن قلت: فإن اتفق تفرق الناس عن الإمام في صلاة الجمعة كيف يصنع؟ قلت: إن بقي وحده أو مع أقل من ثلاثة، فعند أبى حنيفة: يستأنف الظهر إذا نفروا عنه قبل الركوع. وعند صاحبيه: إذا كبر وهم معه مضى فيها. وعند زفر: إذا نفروا قبل التشهد بطلت. فإن قلت: كيف قال إِلَيْها وقد ذكر شيئين؟ قلت: تقديره إذا رأوا تجارة انفضوا إليها، أو لهوا انفضوا إليه: فحذف أحدهما لدلالة المذكور عليه، وكذلك قراءة من قرأ: انفضوا إليه. وقراءة من قرأ: لهوا أو تجارة انفضوا إليها. وقرئ: إليهما.
عن رسول الله ﷺ «من قرأ سورة الجمعة أعطى من الأجر عشر حسنات بعدد من أتى الجمعة وبعدد من لم يأتها في أمصار المسلمين» [[أخرجه الثعلبي وابن مردويه والواحدي بأسانيدهم إلى أبى بن كعب رضى الله عنه.]] .
المنافقون 63:1
مدنية، وهي إحدى عشرة آية [نزلت بعد الحج] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
أرادوا بقولهم نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ شهادة واطأت فيها قلوبهم ألسنتهم [[قال محمود: «إنما كذبهم لأنهم ادعوا أن شهادتهم بألسنتهم تواطئ لقلوبهم ... الخ» قال أحمد: ومثل هذا من نمطه المليح قوله قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وقد كان المطابق لقوله وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا أن يقال لهم: لا تقولوا آمنا، ولكنه لما كان موهما للنهى عن قول الايمان عدل عنه على ما فيه من الطباق إلى ما سلم الكلام فيه من الوهم، وذلك أجل وأعظم من فائدة المطابقة، لا سيما في مخاطبة هؤلاء الذين كانوا يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة. ألا تراهم كيف غالطوا أنفسهم متغابين، ولبسوا على ضعفهم متجاهلين عند ما أنزل قوله إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ.]] . فقال الله عزّ وجلّ: قالوا ذلك وَاللَّهُ يَعْلَمُ أن الأمر كما يدل عليه قولهم: إنك لرسول الله، والله يشهد إنهم لكاذبون في قولهم: نشهد، وادعائهم فيه المواطأة. أو إنهم لكاذبون فيه، لأنه إذا خلا عن المواطأة لم يكن شهادة في الحقيقة، فهم كاذبون في تسميته شهادة. أو أراد: والله يشهد إنهم لكاذبون عند أنفسهم: لأنهم كانوا يعتقدون أنّ قولهم إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ كذب وخبر على خلاف ما عليه حال المخبر عنه. فإن قلت: أى فائدة في قوله تعالى وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ؟
قلت: لو قال: قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يشهد إنهم الكاذبون، لكان يوهم أنّ قولهم هذا كذب، فوسط بينهما قوله وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ ليميط هذا الإيهام اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً يجوز أن يراد أنّ قولهم نشهد إنك لرسول الله يمين من أيمانهم الكاذبة، لأنّ الشهادة تجرى مجرى الحلف فيما يراد به من التوكيد، يقول الرجل: أشهد وأشهد بالله، وأعزم وأعزم بالله في موضع أقسم وأولى. وبه استشهد أبو حنيفة رحمه الله على أن «أشهد» يمين [[قال محمود: «استدل لأبى حنيفة على أن قول القائل «أشهد» يمين بقوله اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً ولم يصدر منهم إلا قولهم نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ فجعله يمينا» قال أحمد: أحد القولين عند مالك رحمه الله إذا قال أشهد وأحلف وأقسم ولم ينو بالله ولا بغيره، كما نقل عن أبى حنيفة أنه يمين وليس بالمشهور. أما لو نوى بالله وإن لم بتلفظ فيمين بلا إشكال، وليس فيما ذكره دليل على ما ذكره، فان قوله اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً غايته أن ما ذكروه يسمى يمينا، وليس الخلاف في تسميته يمينا، وإنما الخلاف هل يكون يمينا منعقدة يلزم بالحنث فيها كفارة أم لا؟
وليس كل ما يسمى حلفا أو قسما يوجب حكما، ألا ترى أنه لو قال: «أحلف» ولم يقل «بالله» ولا بغيره، فهو من محال الخلاف في وجوب الكفارة به، وإن كان حلفا لغة باتفاق، لأنه فعل مشتق منه.]] . ويجوز أن يكون وصفا للمنافقين في استجنانهم بالأيمان. وقرأ الحسن البصري: إيمانهم، أى: ما أظهروه من الإيمان بألسنتهم. ويعضده قوله تعالى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا. ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ من نفاقهم وصدهم الناس عن سبيل الله. وفي ساءَ معنى التعجب الذي هو تعظيم أمرهم عند السامعين ذلِكَ إشارة إلى قوله ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ أى ذلك القول الشاهد عليهم بأنهم أسوأ الناس أعمالا بسبب بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا أو إلى ما وصف من حالهم في النفاق والكذب والاستجنان بالأيمان، أى: ذلك كله بسبب أنهم آمنوا ثم كفروا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فجسروا على كل عظيمة. فإن قلت: المنافقون لم يكونوا إلا على الكفر الثابت الدائم، [[قال محمود: «المنافقون لم يكونوا إلا على الكفر الثابت الدائم ... الخ. قال أحمد: ويحتمل وجها رابعا وهو أنهم آمنوا به قبل مبعثه على الصفة المذكورة في التوراة، لأنهم كانوا يسمعونها من جيرانهم اليهود، ثم كفروا به بعد مبعثه وموافقة الصفة، ولعل في المنافقين يهودا، وإن لم يكن فقد كان الايمان قبل مبعثه من الفريقين:
اليهود وعبدة الأوثان من العرب، إلى نزول قوله لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ كيف حكى الله تعالى عن الفريقين ما كانوا يقولونه. والبينة: النبي ﷺ.]] فما معنى قوله آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا؟ قلت: فيه ثلاثة أوجه، أحدها: آمنوا، أى: نطقوا بكلمة الشهادة وفعلوا كما يفعل من يدخل في الإسلام، ثم كفروا: ثم ظهر كفرهم بعد ذلك وتبين بما أطلع عليه من قولهم: إن كان ما يقوله محمد حقا فنحن حمير، وقولهم في غزوة تبوك: أيطمع هذا الرجل أن تفتح له قصور كسرى وقيصر هيهات. ونحوه قوله تعالى يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ أى: وظهر كفرهم بعد أن أسلموا. ونحوه قوله تعالى لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ والثاني آمنوا: أى نطقوا بالإيمان عند المؤمنين، ثم نطقوا بالكفر عند شياطينهم استهزاء بالإسلام، كقوله تعالى وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا إلى قوله تعالى إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ والثالث: أن يراد أهل الردة منهم.
وقرئ: فطبع على قلوبهم. وقرأ زيد بن على: فطبع الله.
المنافقون 63:2
مدنية، وهي إحدى عشرة آية [نزلت بعد الحج] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
أرادوا بقولهم نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ شهادة واطأت فيها قلوبهم ألسنتهم [[قال محمود: «إنما كذبهم لأنهم ادعوا أن شهادتهم بألسنتهم تواطئ لقلوبهم ... الخ» قال أحمد: ومثل هذا من نمطه المليح قوله قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وقد كان المطابق لقوله وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا أن يقال لهم: لا تقولوا آمنا، ولكنه لما كان موهما للنهى عن قول الايمان عدل عنه على ما فيه من الطباق إلى ما سلم الكلام فيه من الوهم، وذلك أجل وأعظم من فائدة المطابقة، لا سيما في مخاطبة هؤلاء الذين كانوا يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة. ألا تراهم كيف غالطوا أنفسهم متغابين، ولبسوا على ضعفهم متجاهلين عند ما أنزل قوله إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ.]] . فقال الله عزّ وجلّ: قالوا ذلك وَاللَّهُ يَعْلَمُ أن الأمر كما يدل عليه قولهم: إنك لرسول الله، والله يشهد إنهم لكاذبون في قولهم: نشهد، وادعائهم فيه المواطأة. أو إنهم لكاذبون فيه، لأنه إذا خلا عن المواطأة لم يكن شهادة في الحقيقة، فهم كاذبون في تسميته شهادة. أو أراد: والله يشهد إنهم لكاذبون عند أنفسهم: لأنهم كانوا يعتقدون أنّ قولهم إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ كذب وخبر على خلاف ما عليه حال المخبر عنه. فإن قلت: أى فائدة في قوله تعالى وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ؟
قلت: لو قال: قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يشهد إنهم الكاذبون، لكان يوهم أنّ قولهم هذا كذب، فوسط بينهما قوله وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ ليميط هذا الإيهام اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً يجوز أن يراد أنّ قولهم نشهد إنك لرسول الله يمين من أيمانهم الكاذبة، لأنّ الشهادة تجرى مجرى الحلف فيما يراد به من التوكيد، يقول الرجل: أشهد وأشهد بالله، وأعزم وأعزم بالله في موضع أقسم وأولى. وبه استشهد أبو حنيفة رحمه الله على أن «أشهد» يمين [[قال محمود: «استدل لأبى حنيفة على أن قول القائل «أشهد» يمين بقوله اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً ولم يصدر منهم إلا قولهم نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ فجعله يمينا» قال أحمد: أحد القولين عند مالك رحمه الله إذا قال أشهد وأحلف وأقسم ولم ينو بالله ولا بغيره، كما نقل عن أبى حنيفة أنه يمين وليس بالمشهور. أما لو نوى بالله وإن لم بتلفظ فيمين بلا إشكال، وليس فيما ذكره دليل على ما ذكره، فان قوله اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً غايته أن ما ذكروه يسمى يمينا، وليس الخلاف في تسميته يمينا، وإنما الخلاف هل يكون يمينا منعقدة يلزم بالحنث فيها كفارة أم لا؟
وليس كل ما يسمى حلفا أو قسما يوجب حكما، ألا ترى أنه لو قال: «أحلف» ولم يقل «بالله» ولا بغيره، فهو من محال الخلاف في وجوب الكفارة به، وإن كان حلفا لغة باتفاق، لأنه فعل مشتق منه.]] . ويجوز أن يكون وصفا للمنافقين في استجنانهم بالأيمان. وقرأ الحسن البصري: إيمانهم، أى: ما أظهروه من الإيمان بألسنتهم. ويعضده قوله تعالى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا. ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ من نفاقهم وصدهم الناس عن سبيل الله. وفي ساءَ معنى التعجب الذي هو تعظيم أمرهم عند السامعين ذلِكَ إشارة إلى قوله ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ أى ذلك القول الشاهد عليهم بأنهم أسوأ الناس أعمالا بسبب بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا أو إلى ما وصف من حالهم في النفاق والكذب والاستجنان بالأيمان، أى: ذلك كله بسبب أنهم آمنوا ثم كفروا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فجسروا على كل عظيمة. فإن قلت: المنافقون لم يكونوا إلا على الكفر الثابت الدائم، [[قال محمود: «المنافقون لم يكونوا إلا على الكفر الثابت الدائم ... الخ. قال أحمد: ويحتمل وجها رابعا وهو أنهم آمنوا به قبل مبعثه على الصفة المذكورة في التوراة، لأنهم كانوا يسمعونها من جيرانهم اليهود، ثم كفروا به بعد مبعثه وموافقة الصفة، ولعل في المنافقين يهودا، وإن لم يكن فقد كان الايمان قبل مبعثه من الفريقين:
اليهود وعبدة الأوثان من العرب، إلى نزول قوله لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ كيف حكى الله تعالى عن الفريقين ما كانوا يقولونه. والبينة: النبي ﷺ.]] فما معنى قوله آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا؟ قلت: فيه ثلاثة أوجه، أحدها: آمنوا، أى: نطقوا بكلمة الشهادة وفعلوا كما يفعل من يدخل في الإسلام، ثم كفروا: ثم ظهر كفرهم بعد ذلك وتبين بما أطلع عليه من قولهم: إن كان ما يقوله محمد حقا فنحن حمير، وقولهم في غزوة تبوك: أيطمع هذا الرجل أن تفتح له قصور كسرى وقيصر هيهات. ونحوه قوله تعالى يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ أى: وظهر كفرهم بعد أن أسلموا. ونحوه قوله تعالى لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ والثاني آمنوا: أى نطقوا بالإيمان عند المؤمنين، ثم نطقوا بالكفر عند شياطينهم استهزاء بالإسلام، كقوله تعالى وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا إلى قوله تعالى إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ والثالث: أن يراد أهل الردة منهم.
وقرئ: فطبع على قلوبهم. وقرأ زيد بن على: فطبع الله.
المنافقون 63:3
مدنية، وهي إحدى عشرة آية [نزلت بعد الحج] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
أرادوا بقولهم نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ شهادة واطأت فيها قلوبهم ألسنتهم [[قال محمود: «إنما كذبهم لأنهم ادعوا أن شهادتهم بألسنتهم تواطئ لقلوبهم ... الخ» قال أحمد: ومثل هذا من نمطه المليح قوله قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وقد كان المطابق لقوله وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا أن يقال لهم: لا تقولوا آمنا، ولكنه لما كان موهما للنهى عن قول الايمان عدل عنه على ما فيه من الطباق إلى ما سلم الكلام فيه من الوهم، وذلك أجل وأعظم من فائدة المطابقة، لا سيما في مخاطبة هؤلاء الذين كانوا يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة. ألا تراهم كيف غالطوا أنفسهم متغابين، ولبسوا على ضعفهم متجاهلين عند ما أنزل قوله إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ.]] . فقال الله عزّ وجلّ: قالوا ذلك وَاللَّهُ يَعْلَمُ أن الأمر كما يدل عليه قولهم: إنك لرسول الله، والله يشهد إنهم لكاذبون في قولهم: نشهد، وادعائهم فيه المواطأة. أو إنهم لكاذبون فيه، لأنه إذا خلا عن المواطأة لم يكن شهادة في الحقيقة، فهم كاذبون في تسميته شهادة. أو أراد: والله يشهد إنهم لكاذبون عند أنفسهم: لأنهم كانوا يعتقدون أنّ قولهم إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ كذب وخبر على خلاف ما عليه حال المخبر عنه. فإن قلت: أى فائدة في قوله تعالى وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ؟
قلت: لو قال: قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يشهد إنهم الكاذبون، لكان يوهم أنّ قولهم هذا كذب، فوسط بينهما قوله وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ ليميط هذا الإيهام اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً يجوز أن يراد أنّ قولهم نشهد إنك لرسول الله يمين من أيمانهم الكاذبة، لأنّ الشهادة تجرى مجرى الحلف فيما يراد به من التوكيد، يقول الرجل: أشهد وأشهد بالله، وأعزم وأعزم بالله في موضع أقسم وأولى. وبه استشهد أبو حنيفة رحمه الله على أن «أشهد» يمين [[قال محمود: «استدل لأبى حنيفة على أن قول القائل «أشهد» يمين بقوله اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً ولم يصدر منهم إلا قولهم نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ فجعله يمينا» قال أحمد: أحد القولين عند مالك رحمه الله إذا قال أشهد وأحلف وأقسم ولم ينو بالله ولا بغيره، كما نقل عن أبى حنيفة أنه يمين وليس بالمشهور. أما لو نوى بالله وإن لم بتلفظ فيمين بلا إشكال، وليس فيما ذكره دليل على ما ذكره، فان قوله اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً غايته أن ما ذكروه يسمى يمينا، وليس الخلاف في تسميته يمينا، وإنما الخلاف هل يكون يمينا منعقدة يلزم بالحنث فيها كفارة أم لا؟
وليس كل ما يسمى حلفا أو قسما يوجب حكما، ألا ترى أنه لو قال: «أحلف» ولم يقل «بالله» ولا بغيره، فهو من محال الخلاف في وجوب الكفارة به، وإن كان حلفا لغة باتفاق، لأنه فعل مشتق منه.]] . ويجوز أن يكون وصفا للمنافقين في استجنانهم بالأيمان. وقرأ الحسن البصري: إيمانهم، أى: ما أظهروه من الإيمان بألسنتهم. ويعضده قوله تعالى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا. ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ من نفاقهم وصدهم الناس عن سبيل الله. وفي ساءَ معنى التعجب الذي هو تعظيم أمرهم عند السامعين ذلِكَ إشارة إلى قوله ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ أى ذلك القول الشاهد عليهم بأنهم أسوأ الناس أعمالا بسبب بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا أو إلى ما وصف من حالهم في النفاق والكذب والاستجنان بالأيمان، أى: ذلك كله بسبب أنهم آمنوا ثم كفروا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فجسروا على كل عظيمة. فإن قلت: المنافقون لم يكونوا إلا على الكفر الثابت الدائم، [[قال محمود: «المنافقون لم يكونوا إلا على الكفر الثابت الدائم ... الخ. قال أحمد: ويحتمل وجها رابعا وهو أنهم آمنوا به قبل مبعثه على الصفة المذكورة في التوراة، لأنهم كانوا يسمعونها من جيرانهم اليهود، ثم كفروا به بعد مبعثه وموافقة الصفة، ولعل في المنافقين يهودا، وإن لم يكن فقد كان الايمان قبل مبعثه من الفريقين:
اليهود وعبدة الأوثان من العرب، إلى نزول قوله لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ كيف حكى الله تعالى عن الفريقين ما كانوا يقولونه. والبينة: النبي ﷺ.]] فما معنى قوله آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا؟ قلت: فيه ثلاثة أوجه، أحدها: آمنوا، أى: نطقوا بكلمة الشهادة وفعلوا كما يفعل من يدخل في الإسلام، ثم كفروا: ثم ظهر كفرهم بعد ذلك وتبين بما أطلع عليه من قولهم: إن كان ما يقوله محمد حقا فنحن حمير، وقولهم في غزوة تبوك: أيطمع هذا الرجل أن تفتح له قصور كسرى وقيصر هيهات. ونحوه قوله تعالى يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ أى: وظهر كفرهم بعد أن أسلموا. ونحوه قوله تعالى لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ والثاني آمنوا: أى نطقوا بالإيمان عند المؤمنين، ثم نطقوا بالكفر عند شياطينهم استهزاء بالإسلام، كقوله تعالى وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا إلى قوله تعالى إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ والثالث: أن يراد أهل الردة منهم.
وقرئ: فطبع على قلوبهم. وقرأ زيد بن على: فطبع الله.
المنافقون 63:4
كان عبد الله بن أبىّ رجلا جسيما صبيحا، فصيحا، ذلق اللسان [[قوله «فصيحا ذلق اللسان» أى طلق اللسان، كذا في الصحاح. (ع)]] وقوم من المنافقين في مثل صفته، وهم رؤساء المدينة، وكانوا يحضرون مجلس رسول الله ﷺ فيستندون فيه، ولهم جهارة المناظر وفصاحة الألسن [[قال محمود: «كانوا يجالسون رسول الله ﷺ ويستندون في المجلس ولهم جهارة المناظر وفصاحة الألسن ... الخ» : قال أحمد: وفيما قال اليزيدي نظر من حيث مقتضى العربية، وإلا فهو متمكن المعنى، وذلك أنها قرئت بضم الشين وسكونها قراءتين مستفيضتين، ففيه دليل أن أصلها الضم، والسكون إنما هو طارئ عليه تخفيفا، وهذا يبعد كونها جمع خشباء على وزن فعلاء، لأن قياس جمعه فعل بسكون العين كحمراء وحمر، ولا يطرأ الضم، فلو كان كما قال لم تضم شينها، والله تعالى أعلم.]] فكان النبي ﷺ ومن حضر يعجبون بهياكلهم ويسمعون إلى كلامهم. فإن قلت: ما معنى قوله كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ؟ قلت:
شبهوا في استنادهم- وما هم إلا أجرام خالية عن الإيمان والخير- بالخشب المسندة إلى الحائط ولأنّ الخشب إذا انتفع به كان في سقف أو جدار أو غيرهما من مظان الانتفاع، وما دام متروكا فارغا غير منتفع به أسند إلى الحائط، فشبهوا به في عدم الانتفاع. ويجوز أن يراد بالخشب المسندة: الأصنام المنحوتة من الخشب المسندة إلى الحيطان، شبهوا بها في حسن صورهم وقلة جدواهم، والخطاب في رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ لرسول الله، أو لكل من يخاطب. وقرئ: يسمع، على البناء للمفعول، وموضع كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ رفع على: هم كأنهم خشب. أو هو كلام مستأنف لا محل له. وقرئ: خشب جمع خشبة، كبدنة وبدن. وخشب، كثمرة وثمر. وخشب، كمدرة ومدر، وهي في قراءة ابن عباس. وعن اليزيدي أنه قال في خُشُبٌ: جمع خشباء، والخشباء:
الخشبة التي دعر جوفها [[قوله «التي دعر جوفها» أى فسد. أفاده الصحاح. (ع)]] : شبهوا بها في نفاقهم وفساد بواطنهم عَلَيْهِمْ ثانى مفعولي يحسبون [[قال محمود: «المفعول الثاني عَلَيْهِمْ تقديره: واقعة عليهم ... الخ» قال أحمد: وغلا المتنبي في المعنى فقال:
وضاقت الأرض حتى صار هاربهم ... إذا رأى غير شيء ظنه رجلا
[.....]]] ، أى: يحسبون كل صيحة واقعة عليهم وضارة لهم، لجبنهم وهلعهم وما في قلوبهم من الرعب:
إذا نادى مناد في العسكر أو انفلتت دابة أو أنشدت ضالة: ظنوه إيقاعا بهم. وقيل: كانوا على وجل من أن ينزل الله فيهم ما يهتك أستارهم ويبيح دماءهم وأموالهم. ومنه أخذ الأخطل: ما زلت تحسب كلّ شيء بعدهم ... خيلا تكرّ عليهم ورجالا [[للأخطل، يقول: لا زلت يا جرير تظن كل شيء بعدهم، أى: بعد خذلان قومك. ويجوز أن بعدهم بمعنى غيرهم، خيلا تكر: أى ترجع بسرعة عليهم ورجالا لكثرة ما قام بقلبك من الخوف.]]
يوقب على عَلَيْهِمْ ويبتدأ هُمُ الْعَدُوُّ أى الكاملون في العداوة: لأنّ أعدى الأعداء العدوّ المداجى [[قوله «العدو المداجى الذي يكاشرك» أى المدارى. والكثر: التهسم تبدو منه الأسنان. والدوى- مقصور- المرض، تقول: دوى الرجل- بالكسر: مرض ودوى صدره أيضا: ضغن. ودوىّ الريح: حفيفها، كذا في الصحاح. (ع)]] ، الذي يكاشرك وتحت ضلوعه الداء الدوىّ فَاحْذَرْهُمْ ولا تغترر بظاهرهم.
ويجوز أن يكون هُمُ الْعَدُوُّ المفعول الثاني، كما لو طرحت الضمير. فإن قلت: فحقه أن يقال:
هي العدوّ. قلت: منظور فيه إلى الخبر، كما ذكر في هذا رَبِّي وأن يقدر مضاف محذوف على:
يحسبون كل أهل صيحة قاتَلَهُمُ اللَّهُ دعاء عليهم، وطلب من ذاته أن يلعنهم ويخزيهم. أو تعليم للمؤمنين أن يدعوا عليهم بذلك أَنَّى يُؤْفَكُونَ كيف يعدلون عن الحق تعجبا من جهلهم [[قوله «تعجبا من جهلهم» لعله تعجب، بل لعله: تعجيب. (ع)]] وضلالتهم.
المنافقون 63:5
لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ عطفوها وأمالوها إعراضا عن ذلك واستكبارا. وقرئ بالتخفيف والتشديد للتكثير.
المنافقون 63:6
لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ عطفوها وأمالوها إعراضا عن ذلك واستكبارا. وقرئ بالتخفيف والتشديد للتكثير.
المنافقون 63:7
روى أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين لقى بنى المصطلق على المريسيع وهو ماء لهم وهزمهم وقتل منهم: ازدحم على الماء جهجاه بن سعيد أجير لعمر يقود فرسه، وسنان الجهني حليف لعبد الله بن أبىّ، واقتتلا، فصرخ جهجاه: يا للمهاجرين: وسنان:
يا للأنصار، فأعان جهجاها جعال من فقراء المهاجرين ولطم سنانا، فقال عبد الله لجعال. وأنت هناك، وقال: ما صحبنا محمدا إلا لنلطم، والله ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال: سمن كلبك يأكلك، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعز منها الأذل، عنى بالأعز: نفسه، وبالأذل:
رسول الله ﷺ، ثم قال لقومه: ماذا فعلتم بأنفسكم؟ أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عن جعال وذويه فضل الطعام لم يركبوا رقابكم، ولأوشكوا أن يتحوّلوا عنكم فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا من حول محمد، فسمع بذلك زيد بن أرقم وهو حدث، فقال: أنت والله الذليل القليل المبغض في قومك، ومحمد في عزّ من الرحمن وقوّة من المسلمين، فقال عبد الله: اسكت فإنما كنت ألعب، فأخبر زيد رسول الله فقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق يا رسول الله، فقال: إذن ترعد أنف كثيرة بيثرب. قال: فإن كرهت أن يقتله مهاجرى، فأمر به أنصاريا فقال: فكيف إذا تحدّث الناس أنّ محمدا يقتل أصحابه، وقال عليه الصلاة والسلام لعبد الله: أنت صاحب الكلام الذي بلغني؟ قال: والله الذي أنزل عليك الكتاب ما قلت شيئا من ذلك، وإن زيدا لكاذب، وهو قوله تعالى اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فقال الحاضرون: يا رسول الله: شيخنا وكبيرنا لا تصدق عليه كلام غلام، عسى أن يكون قد وهم. وروى أن رسول الله قال له: لعلك غضبت عليه، قال: لا، قال: فلعله أخطأ سمعك، قال:
لا، قال: فلعله شبه عليك، قال: لا. فلما نزلت: لحق رسول الله زيدا من خلفه فعرك أذنه وقال: وفت أذنك يا غلام، إنّ الله قد صدقك وكذب المنافقين [[هكذا ذكره الواقدي في المغازي بغير إسناد وعزاه إلى الثعلبي والواحدي ولأصحاب السير، وأخرجه ابن إسحاق في السيرة: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبى بكر ومحمد بن يحيى بن حبان كل قد حدثني بعض حديث بنى المصطلق- فذكر للغزوة بطولها والقصة المذكورة باختلاف يسير. وكذا أخرجه الطبري من طريقه وأصل القصة في الصحيحين من طريق أبى إسحاق عن زيد بن أرقم قال «كنت مع عمى فسمعت عبد الله بن أبى يقول- الحديث- وأوله عندهما أيضا من طريق عمرو بن دينار عن جابر قال «كنا في غزوة بنى المصطلق فتبع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار» ورواه الترمذي والنسائي والحاكم من طريق أبى سعد الأودى حدثنا زيد بن أرقم قال «غزونا مع رسول الله ﷺ، وكان معنا أناس من الأعراب فكنا نبتدر الماء وكان الأعراب يسبقوننا فسبق أعرابى. فملأ الحوض» فذكر القصة بطولها. وفي سياقها اختلاف.]] . ولما أراد عبد الله أن يدخل المدينة: اعترضه ابنه حباب، وهو عبد الله بن عبد الله غير رسول الله اسمه، وقال:
إنّ حبابا اسم شيطان. وكان مخلصا وقال: وراءك، والله، لا تدخلها حتى تقول رسول الله الأعز وأنا الأذل، فلم يزل حبيسا في يده حتى أمره رسول الله بتخليته [[هكذا ذكره الثعلبي موصولا بالذي قبله، وروى الزبيدي من طريق عمرو بن دينار عن جابر أصل القصة وقال بعد عمر: دعني أضرب عنقه. فقال النبي ﷺ: لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه» قال وقال غير عمر وقال له ابنه عبد الله بن عبد الله «والله لا تنفلت حتى تقول إنك الذليل ورسول الله ﷺ العزيز ففعل» قلت: وأصل حديث جابر في الصحيح.]] . وروى أنه قال له: لئن لم تقرّ لله ورسوله بالعز لأضر بن عنقك، فقال: ويحك، أفاعل أنت؟ قال: نعم. فلما رأى منه الجدّ قال: أشهد أنّ العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، فقال رسول الله لابنه: جزاك الله عن رسوله وعن المؤمنين خيرا [[هكذا أورده الثعلبي موصولا بالحديث الذي قبله.]] ، فلما بان كذب عبد الله قيل له: قد نزلت فيك آي شداد، فاذهب إلى رسول الله ﷺ يستغفر لك، فلوى رأسه ثم قال: أمرتموني أن أو من فآمنت، وأمرتموني أن أزكى مالى فزكيت، فما بقي إلا أن أسجد لمحمد، فنزلت وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ولم يلبث إلا أياما قلائل حتى اشتكى ومات [[ذكره الثعلبي موصولا بالذي قبله. وأخرجه الطبري من رواية إبراهيم بن الحكم بن أبان عن أبيه عن بشر بن مسلم «أنه قيل لعبد الله بن أبى: يا أبا الحباب: إنه أنزل آي شداد، فاذهب إلى رسول الله ﷺ- فذكره أخصر منه.]] سَواءٌ عَلَيْهِمْ الاستغفار وعدمه، لأنهم لا يلتفتون إليه ولا يعتدون به لكفرهم. أو لأن الله لا يغفر لهم.
وقرئ: استغفرت، على حذف حرف الاستفهام لأنّ «أم» المعادلة تدل عليه. وقرأ أبو جعفر: آستغفرت، إشباعا لهمزة الاستفهام للإظهار والبيان، لا قلبا لهمزة الوصل ألفا، كما في: آلسحر، وآلله يَنْفَضُّوا يتفرقوا. وقرئ: ينفضوا، من انفض القوم إذا فنيت أزوادهم. وحقيقته: حان لهم أن ينفضوا مزاودهم وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وبيده الأرزاق والقسم، وفهو رازقهم منها، وإن أبى أهل المدينة أن ينفقوا عليهم، ولكن عبد الله وأضرابه جاهلون لا يَفْقَهُونَ ذلك فيهذون بما يزين لهم الشيطان. وقرئ: ليخرجنّ الأعز منها الأذل بفتح الياء. وليخرجنّ، على البناء للمفعول. قرأ الحسن وابن أبى عبلة: لنخرجنّ، بالنون ونصب الأعز والأذل. ومعناه: خروج الأذل. أو إخراج الأذل. أو مثل الأذل وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ الغلبة والقوّة، ولمن أعزه الله وأيده من رسوله ومن المؤمنين، وهم الأخصاء بذلك، كما أنّ المذلة والهوان للشيطان وذويه من الكافرين والمنافقين. وعن بعض الصالحات- وكانت في هيئة رثة- ألست على الإسلام؟ وهو العز الذي لا ذل معه، والغنى الذي لا فقر معه. وعن الحسن بن على رضى الله عنهما: أنّ رجلا قال له. إنّ الناس يزعمون أنّ فيك تيها، قال: ليس بتيه، ولكنه عزة، وتلا هذه الآية.
المنافقون 63:8
روى أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين لقى بنى المصطلق على المريسيع وهو ماء لهم وهزمهم وقتل منهم: ازدحم على الماء جهجاه بن سعيد أجير لعمر يقود فرسه، وسنان الجهني حليف لعبد الله بن أبىّ، واقتتلا، فصرخ جهجاه: يا للمهاجرين: وسنان:
يا للأنصار، فأعان جهجاها جعال من فقراء المهاجرين ولطم سنانا، فقال عبد الله لجعال. وأنت هناك، وقال: ما صحبنا محمدا إلا لنلطم، والله ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال: سمن كلبك يأكلك، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعز منها الأذل، عنى بالأعز: نفسه، وبالأذل:
رسول الله ﷺ، ثم قال لقومه: ماذا فعلتم بأنفسكم؟ أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عن جعال وذويه فضل الطعام لم يركبوا رقابكم، ولأوشكوا أن يتحوّلوا عنكم فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا من حول محمد، فسمع بذلك زيد بن أرقم وهو حدث، فقال: أنت والله الذليل القليل المبغض في قومك، ومحمد في عزّ من الرحمن وقوّة من المسلمين، فقال عبد الله: اسكت فإنما كنت ألعب، فأخبر زيد رسول الله فقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق يا رسول الله، فقال: إذن ترعد أنف كثيرة بيثرب. قال: فإن كرهت أن يقتله مهاجرى، فأمر به أنصاريا فقال: فكيف إذا تحدّث الناس أنّ محمدا يقتل أصحابه، وقال عليه الصلاة والسلام لعبد الله: أنت صاحب الكلام الذي بلغني؟ قال: والله الذي أنزل عليك الكتاب ما قلت شيئا من ذلك، وإن زيدا لكاذب، وهو قوله تعالى اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فقال الحاضرون: يا رسول الله: شيخنا وكبيرنا لا تصدق عليه كلام غلام، عسى أن يكون قد وهم. وروى أن رسول الله قال له: لعلك غضبت عليه، قال: لا، قال: فلعله أخطأ سمعك، قال:
لا، قال: فلعله شبه عليك، قال: لا. فلما نزلت: لحق رسول الله زيدا من خلفه فعرك أذنه وقال: وفت أذنك يا غلام، إنّ الله قد صدقك وكذب المنافقين [[هكذا ذكره الواقدي في المغازي بغير إسناد وعزاه إلى الثعلبي والواحدي ولأصحاب السير، وأخرجه ابن إسحاق في السيرة: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبى بكر ومحمد بن يحيى بن حبان كل قد حدثني بعض حديث بنى المصطلق- فذكر للغزوة بطولها والقصة المذكورة باختلاف يسير. وكذا أخرجه الطبري من طريقه وأصل القصة في الصحيحين من طريق أبى إسحاق عن زيد بن أرقم قال «كنت مع عمى فسمعت عبد الله بن أبى يقول- الحديث- وأوله عندهما أيضا من طريق عمرو بن دينار عن جابر قال «كنا في غزوة بنى المصطلق فتبع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار» ورواه الترمذي والنسائي والحاكم من طريق أبى سعد الأودى حدثنا زيد بن أرقم قال «غزونا مع رسول الله ﷺ، وكان معنا أناس من الأعراب فكنا نبتدر الماء وكان الأعراب يسبقوننا فسبق أعرابى. فملأ الحوض» فذكر القصة بطولها. وفي سياقها اختلاف.]] . ولما أراد عبد الله أن يدخل المدينة: اعترضه ابنه حباب، وهو عبد الله بن عبد الله غير رسول الله اسمه، وقال:
إنّ حبابا اسم شيطان. وكان مخلصا وقال: وراءك، والله، لا تدخلها حتى تقول رسول الله الأعز وأنا الأذل، فلم يزل حبيسا في يده حتى أمره رسول الله بتخليته [[هكذا ذكره الثعلبي موصولا بالذي قبله، وروى الزبيدي من طريق عمرو بن دينار عن جابر أصل القصة وقال بعد عمر: دعني أضرب عنقه. فقال النبي ﷺ: لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه» قال وقال غير عمر وقال له ابنه عبد الله بن عبد الله «والله لا تنفلت حتى تقول إنك الذليل ورسول الله ﷺ العزيز ففعل» قلت: وأصل حديث جابر في الصحيح.]] . وروى أنه قال له: لئن لم تقرّ لله ورسوله بالعز لأضر بن عنقك، فقال: ويحك، أفاعل أنت؟ قال: نعم. فلما رأى منه الجدّ قال: أشهد أنّ العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، فقال رسول الله لابنه: جزاك الله عن رسوله وعن المؤمنين خيرا [[هكذا أورده الثعلبي موصولا بالحديث الذي قبله.]] ، فلما بان كذب عبد الله قيل له: قد نزلت فيك آي شداد، فاذهب إلى رسول الله ﷺ يستغفر لك، فلوى رأسه ثم قال: أمرتموني أن أو من فآمنت، وأمرتموني أن أزكى مالى فزكيت، فما بقي إلا أن أسجد لمحمد، فنزلت وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ولم يلبث إلا أياما قلائل حتى اشتكى ومات [[ذكره الثعلبي موصولا بالذي قبله. وأخرجه الطبري من رواية إبراهيم بن الحكم بن أبان عن أبيه عن بشر بن مسلم «أنه قيل لعبد الله بن أبى: يا أبا الحباب: إنه أنزل آي شداد، فاذهب إلى رسول الله ﷺ- فذكره أخصر منه.]] سَواءٌ عَلَيْهِمْ الاستغفار وعدمه، لأنهم لا يلتفتون إليه ولا يعتدون به لكفرهم. أو لأن الله لا يغفر لهم.
وقرئ: استغفرت، على حذف حرف الاستفهام لأنّ «أم» المعادلة تدل عليه. وقرأ أبو جعفر: آستغفرت، إشباعا لهمزة الاستفهام للإظهار والبيان، لا قلبا لهمزة الوصل ألفا، كما في: آلسحر، وآلله يَنْفَضُّوا يتفرقوا. وقرئ: ينفضوا، من انفض القوم إذا فنيت أزوادهم. وحقيقته: حان لهم أن ينفضوا مزاودهم وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وبيده الأرزاق والقسم، وفهو رازقهم منها، وإن أبى أهل المدينة أن ينفقوا عليهم، ولكن عبد الله وأضرابه جاهلون لا يَفْقَهُونَ ذلك فيهذون بما يزين لهم الشيطان. وقرئ: ليخرجنّ الأعز منها الأذل بفتح الياء. وليخرجنّ، على البناء للمفعول. قرأ الحسن وابن أبى عبلة: لنخرجنّ، بالنون ونصب الأعز والأذل. ومعناه: خروج الأذل. أو إخراج الأذل. أو مثل الأذل وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ الغلبة والقوّة، ولمن أعزه الله وأيده من رسوله ومن المؤمنين، وهم الأخصاء بذلك، كما أنّ المذلة والهوان للشيطان وذويه من الكافرين والمنافقين. وعن بعض الصالحات- وكانت في هيئة رثة- ألست على الإسلام؟ وهو العز الذي لا ذل معه، والغنى الذي لا فقر معه. وعن الحسن بن على رضى الله عنهما: أنّ رجلا قال له. إنّ الناس يزعمون أنّ فيك تيها، قال: ليس بتيه، ولكنه عزة، وتلا هذه الآية.
المنافقون 63:9
لا تُلْهِكُمْ لا تشغلكم أَمْوالُكُمْ والتصرف فيها: والسعى في تدبير أمرها: والتهالك على طلب النماء فيها بالتجارة والاغتلال، وابتغاء النتاج والتلذذ بها، والاستمتاع بمنافعها وَلا أَوْلادُكُمْ وسروركم بهم، وشفقتكم عليهم، والقيام بمؤنهم، وتسوية ما يصلحهم من معايشهم في حياتكم وبعد مماتكم، وقد عرفتم قدر منفعة الأموال والأولاد، وأنه أهون شيء وأدونه في جنب ما عند الله عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وإيثاره عليها وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يريد الشغل بالدنيا عن الدين فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ في تجارتهم حيث باعوا العظيم الباقي بالحقير الفاني. وقيل:
ذكر الله الصلوات الخمس. وعن الحسن: جميع الفرائض، كأنه قال: عن طاعة الله. وقيل:
القرآن. وعن الكلبي: الجهاد مع رسول الله ﷺ.
المنافقون 63:10
من في مِمَّا رَزَقْناكُمْ للتبعيض، والمراد: الإنفاق الواجب مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ من قبل أن يرى دلائل الموت، ويعاين ما بيأس معه من الإمهال، ويضيق به الخناق، ويتعذر عليه الإنفاق ويفوت وقت القبول، فيتحسر على المنع، ويعضّ أنا مله على فقد ما كان متمكنا منه. وعن ابن عباس رضى الله عنه: تصدّقوا قبل أن ينزل عليكم سلطان الموت، فلا تقبل توبة، ولا ينفع عمل. وعنه: ما يمنع أحدكم إذا كان له مال أن يزكى، وإذا أطاق الحج أن يحج من قبل أن يأتيه الموت، فيسأل ربه الكرة فلا يعطاها. وعنه: أنها نزلت في ما نعى الزكاة، وو الله لو رأى خيرا لما سأل الرجعة، فقيل له: أما تتقى الله، يسأل المؤمنون الكرة؟ قال: نعم، أنا أقرأ عليكم به قرآنا، يعنى: أنها نزلت في المؤمنين وهم المخاطبون بها، وكذا عن الحسن: ما من أحد لم يزك ولم يصم ولم يحج إلا سأل الرجعة. وعن عكرمة أنها نزلت في أهل القبلة لَوْلا أَخَّرْتَنِي. وقرئ: أخرتن، يريد: هلا أخرت موتى إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ إلى زمان قليل فَأَصَّدَّقَ وقرأ أبىّ: فأتصدق على الأصل. وقرئ: وأكن، عطفا على محل فَأَصَّدَّقَ كأنه قيل. إن أخرتنى أصدّق وأكن ومن قرأ: وأكون على النصب، فعلى اللفظ. وقرأ عبيد بن عمير: وأكون، على: وأنا أكون عدة منه بالصلاح وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نفى للتأخير على وجه التأكيد الذي معناه منافاة المنفي الحكمة. والمعنى: إنكم إذا علمتم أنّ تأخير الموت عن وقته مما لا سبيل إليه. وأنه هاجم لا محالة، وأنّ الله عليم بأعمالكم فجاز عليها، من منع واجب وغيره: لم تبق إلا المسارعة إلى الخروج عن عهدة الواجبات والاستعداد للقاء الله. وقرئ: تعملون، بالتاء والياء. عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة المنافقين بريء من النفاق» [[أخرجه ابن مردويه والثعلبي والواحدي بأسانيدهم إلى أبى بن كعب.]] .
المنافقون 63:11
من في مِمَّا رَزَقْناكُمْ للتبعيض، والمراد: الإنفاق الواجب مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ من قبل أن يرى دلائل الموت، ويعاين ما بيأس معه من الإمهال، ويضيق به الخناق، ويتعذر عليه الإنفاق ويفوت وقت القبول، فيتحسر على المنع، ويعضّ أنا مله على فقد ما كان متمكنا منه. وعن ابن عباس رضى الله عنه: تصدّقوا قبل أن ينزل عليكم سلطان الموت، فلا تقبل توبة، ولا ينفع عمل. وعنه: ما يمنع أحدكم إذا كان له مال أن يزكى، وإذا أطاق الحج أن يحج من قبل أن يأتيه الموت، فيسأل ربه الكرة فلا يعطاها. وعنه: أنها نزلت في ما نعى الزكاة، وو الله لو رأى خيرا لما سأل الرجعة، فقيل له: أما تتقى الله، يسأل المؤمنون الكرة؟ قال: نعم، أنا أقرأ عليكم به قرآنا، يعنى: أنها نزلت في المؤمنين وهم المخاطبون بها، وكذا عن الحسن: ما من أحد لم يزك ولم يصم ولم يحج إلا سأل الرجعة. وعن عكرمة أنها نزلت في أهل القبلة لَوْلا أَخَّرْتَنِي. وقرئ: أخرتن، يريد: هلا أخرت موتى إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ إلى زمان قليل فَأَصَّدَّقَ وقرأ أبىّ: فأتصدق على الأصل. وقرئ: وأكن، عطفا على محل فَأَصَّدَّقَ كأنه قيل. إن أخرتنى أصدّق وأكن ومن قرأ: وأكون على النصب، فعلى اللفظ. وقرأ عبيد بن عمير: وأكون، على: وأنا أكون عدة منه بالصلاح وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نفى للتأخير على وجه التأكيد الذي معناه منافاة المنفي الحكمة. والمعنى: إنكم إذا علمتم أنّ تأخير الموت عن وقته مما لا سبيل إليه. وأنه هاجم لا محالة، وأنّ الله عليم بأعمالكم فجاز عليها، من منع واجب وغيره: لم تبق إلا المسارعة إلى الخروج عن عهدة الواجبات والاستعداد للقاء الله. وقرئ: تعملون، بالتاء والياء. عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة المنافقين بريء من النفاق» [[أخرجه ابن مردويه والثعلبي والواحدي بأسانيدهم إلى أبى بن كعب.]] .
التغابن 64:1
مختلف فيها، وهي ثمان عشرة آية [نزلت بعد التحريم] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قدم الظرفان ليدل بتقديمهما على معنى اختصاص الملك والحمد بالله عز وجل، وذلك لأنّ الملك على الحقيقة له، لأنه مبدئ كل شيء ومبدعه، والقائم به، والمهيمن عليه، وكذلك الحمد، لأنّ أصول النعم وفروعها منه. وأما ملك غيره فتسليط منه واسترعاء، وحمده اعتداد بأن نعمة الله جرت على يده هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ يعنى: فمنكم آت بالكفر وفاعل له [[قوله «فمنكم آت بالكفر وفاعل له» قد أول الآية بمذهب المعتزلة: من أن العبد هو الخالق لفعله الاختياري، ومذهب أهل السنة: أن العبد ليس له في فعله إلا الكسب، وخالقه في الحقيقة هو الله عز وجل، بدليل قوله تعالى وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ خيرا كان أو شرا، وكما أن خلق الكافر لا يستوجب الذم كما سيقول فخلق كفره لا يستوجب الذم لأنه لحكمة وإن خفيت علينا. (ع)]] ومنكم آت بالإيمان [[قال محمود: «معناه: فمنكم آت بالكفر وفاعل له ومنكم آت بالايمان ... الخ» قال أحمد: لقه ركب عمياء وخبط خبط عشواء، واقتحم وعرا: السالك فيه هالك، والغابر فيه عاثر، وإنما ينصب إلى مهاوي الأراك، ويحوم حول مراتع الاشراك، ويبحث ولكن على حتفه بظلفه، ويتحذق وما هو إلا يتشدق، ويتحقق وما هو إلا يتفسق، وهب أنه أعرض عن الأدلة العقلية والنصوص النقلية المتظافرة على أن الله تعالى خالق كل شيء، واطرد له في الشاهد ما ادعاه. ومن مذهبه قياس الغائب على الشاهد، قد التجأ إلى الاعتراف بأن الله خالق العبد الفاعل للقبيح، وأن خلق العبد الفاعل للقبيح بمثابة إعطاء السيف الباتر للرجل الفاجر، وأن هذا قبيح شاهدا، ولا يلزم أن يكون مثله قبيحا في خلق الله تعالى، أفلا يجوز أن يكون منطويا على حكمة استأثر الله تعالى بعلمها، فما يؤمنه من دعوى أن أفعال العبد وإن استقبحها العقلاء مخلوقة لله تعالى، وفي خلقها حكمة استأثر الله بعلمها، وهل الفرق إذا إلا عين التحكم، ونفس اتباع الهوى. هذا ودون تمكنه من اتباع هذه القواعد: أن يمكن من القتاد اختراط، ومن الجمل أن يلج في سم الخياط.]] وفاعل له، كقوله تعالى وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ، فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ والدليل عليه قوله تعالى وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ أى عالم بكفركم وإيمانكم اللذين هما من عملكم. والمعنى: هو الذي تفضل عليكم بأصل النعم الذي هو الخلق والإيجاد عن العدم، فكان يجب أن تنظروا النظر الصحيح، وتكونوا بأجمعكم عبادا شاكرين، فما فعلتم مع تمكنكم، بل تشعبتم شعبا، وتفرقتم أمما، فمنكم كافر ومنكم مؤمن، وقدم الكفر لأنه الأغلب عليهم والأكثر فيهم. وقيل: هو الذي خلقكم فمنكم كافر بالخلق وهم الدهرية، ومنكم مؤمن به.
فإن قلت: نعم، إن العباد هم الفاعلون للكفر، ولكن قد سبق في علم الحكيم أنه إذا خلقهم لم يفعلوا إلا الكفر ولم يختاروا غيره، فما دعاه إلى خلقهم مع علمه بما يكون منهم؟ وهل خلق القبيح وخلق فاعل القبيح إلا واحد؟ وهل مثله إلا مثل من وهب سيفا باترا لمن شهر بقطع السبيل وقتل النفس المحرّمة فقتل به مؤمنا؟ أما يطبق العقلاء على ذم الواهب وتعنيفه والدق في فروته [[قوله «والدق في فروته» في الصحاح «الفروة» : جلدة الرأس. والفروة: قطعة نبات مجتمعة يابسة اه. (ع)]] كما يذمون القاتل؟ بل إنحاؤهم باللوائم على الواهب أشد؟ قلت: قد علمنا أنّ الله حكيم عالم بقبح القبيح عالم بغناه عنه، فقد علمنا أن أفعاله كلها حسنة، وخلق فاعل القبيح فعله، فوجب أن يكون حسنا، وأن يكون له وجه حسن، وخفاء وجه الحسن علينا لا يقدح في حسنه، كما لا يقدح في حسن أكثر مخلوقاته جهلنا بداعي الحكمة إلى خلقها بِالْحَقِّ بالغرض الصحيح والحكمة البالغة، وهو أن جعلها مقارّ المكلفين ليعملوا فيجازيهم وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وقرئ: صوركم بالكسر، لتشكروا. وإليه مصيركم فجزاؤكم على الشكر والتفريط فيه. فإن قلت. كيف أحسن صورهم؟ قلت: جعلهم أحسن الحيوان كله وأبهاه، بدليل أن الإنسان لا يتمنى أن تكون صورته على خلاف ما يرى من سائر الصور. ومن حسن صورته أنه خلق منتصبا غير منكب، كما قال عز وجل فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ. فإن قلت: فكم من دميم مشوّه الصورة سمج الخلقة تقتحمه العيون؟ قلت: لا سماجة ثم ولكن الحسن كغيره من المعاني على طبقات ومراتب، فلانحطاط بعض الصور عن مراتب ما فوقها انحطاطا بينا وإضافتها إلى الموفى [[قوله «وإضافتها إلى الموفى عليها» يعنى إلى المتفوق عليها من الصور. (ع)]] عليها لا تستملح، وإلا فهي داخلة في حيز الحسن غير خارجة عن حدّه. ألا ترى أنك قد تعجب بصورة وتستملحها ولا ترى الدنيا بها، ثم ترى أملح وأعلى في مراتب الحسن منها فينبو عن الأولى طرفك، وتستثقل النظر إليها بعد افتتانك بها وتهالكك عليها. وقالت الحكماء: شيئان لا غاية لهما: الجمال، والبيان. نبه بعلمه ما في السماوات والأرض، ثم بعلمه ما يسره العباد ويعلنونه، ثم بعلمه ذوات الصدور: أنّ شيئا من الكليات والجزئيات غير خاف عليه ولا عازب عنه، فحقه أن يتقى ويحذر ولا يجترأ على شيء مما يخالف رضاه. وتكرير العلم في معنى تكرير الوعيد، وكل ما ذكره بعد قوله تعالى فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ كما ترى في معنى الوعيد على الكفر، وإنكار أن يعصى الخالق ولا تشكر نعمته فما أجهل من يمزج الكفر بالخلق [[قوله «فما أجهل من يمزج الكفر بالخلق» يريد أهل السنة، حيث يقولون أنه تعالى هو الخالق لأعمال العباد حتى الكفر وغيره من المعاصي، ولا وجه لتجهيلهم مع استنادهم إلى قوله تعالى «والله خلقكم وما تعملون. (ع)]] ويجعله من جملته، والخلق: أعظم نعمة من الله على عباده، والكفر: أعظم كفران من العباد لربهم.
التغابن 64:2
مختلف فيها، وهي ثمان عشرة آية [نزلت بعد التحريم] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قدم الظرفان ليدل بتقديمهما على معنى اختصاص الملك والحمد بالله عز وجل، وذلك لأنّ الملك على الحقيقة له، لأنه مبدئ كل شيء ومبدعه، والقائم به، والمهيمن عليه، وكذلك الحمد، لأنّ أصول النعم وفروعها منه. وأما ملك غيره فتسليط منه واسترعاء، وحمده اعتداد بأن نعمة الله جرت على يده هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ يعنى: فمنكم آت بالكفر وفاعل له [[قوله «فمنكم آت بالكفر وفاعل له» قد أول الآية بمذهب المعتزلة: من أن العبد هو الخالق لفعله الاختياري، ومذهب أهل السنة: أن العبد ليس له في فعله إلا الكسب، وخالقه في الحقيقة هو الله عز وجل، بدليل قوله تعالى وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ خيرا كان أو شرا، وكما أن خلق الكافر لا يستوجب الذم كما سيقول فخلق كفره لا يستوجب الذم لأنه لحكمة وإن خفيت علينا. (ع)]] ومنكم آت بالإيمان [[قال محمود: «معناه: فمنكم آت بالكفر وفاعل له ومنكم آت بالايمان ... الخ» قال أحمد: لقه ركب عمياء وخبط خبط عشواء، واقتحم وعرا: السالك فيه هالك، والغابر فيه عاثر، وإنما ينصب إلى مهاوي الأراك، ويحوم حول مراتع الاشراك، ويبحث ولكن على حتفه بظلفه، ويتحذق وما هو إلا يتشدق، ويتحقق وما هو إلا يتفسق، وهب أنه أعرض عن الأدلة العقلية والنصوص النقلية المتظافرة على أن الله تعالى خالق كل شيء، واطرد له في الشاهد ما ادعاه. ومن مذهبه قياس الغائب على الشاهد، قد التجأ إلى الاعتراف بأن الله خالق العبد الفاعل للقبيح، وأن خلق العبد الفاعل للقبيح بمثابة إعطاء السيف الباتر للرجل الفاجر، وأن هذا قبيح شاهدا، ولا يلزم أن يكون مثله قبيحا في خلق الله تعالى، أفلا يجوز أن يكون منطويا على حكمة استأثر الله تعالى بعلمها، فما يؤمنه من دعوى أن أفعال العبد وإن استقبحها العقلاء مخلوقة لله تعالى، وفي خلقها حكمة استأثر الله بعلمها، وهل الفرق إذا إلا عين التحكم، ونفس اتباع الهوى. هذا ودون تمكنه من اتباع هذه القواعد: أن يمكن من القتاد اختراط، ومن الجمل أن يلج في سم الخياط.]] وفاعل له، كقوله تعالى وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ، فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ والدليل عليه قوله تعالى وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ أى عالم بكفركم وإيمانكم اللذين هما من عملكم. والمعنى: هو الذي تفضل عليكم بأصل النعم الذي هو الخلق والإيجاد عن العدم، فكان يجب أن تنظروا النظر الصحيح، وتكونوا بأجمعكم عبادا شاكرين، فما فعلتم مع تمكنكم، بل تشعبتم شعبا، وتفرقتم أمما، فمنكم كافر ومنكم مؤمن، وقدم الكفر لأنه الأغلب عليهم والأكثر فيهم. وقيل: هو الذي خلقكم فمنكم كافر بالخلق وهم الدهرية، ومنكم مؤمن به.
فإن قلت: نعم، إن العباد هم الفاعلون للكفر، ولكن قد سبق في علم الحكيم أنه إذا خلقهم لم يفعلوا إلا الكفر ولم يختاروا غيره، فما دعاه إلى خلقهم مع علمه بما يكون منهم؟ وهل خلق القبيح وخلق فاعل القبيح إلا واحد؟ وهل مثله إلا مثل من وهب سيفا باترا لمن شهر بقطع السبيل وقتل النفس المحرّمة فقتل به مؤمنا؟ أما يطبق العقلاء على ذم الواهب وتعنيفه والدق في فروته [[قوله «والدق في فروته» في الصحاح «الفروة» : جلدة الرأس. والفروة: قطعة نبات مجتمعة يابسة اه. (ع)]] كما يذمون القاتل؟ بل إنحاؤهم باللوائم على الواهب أشد؟ قلت: قد علمنا أنّ الله حكيم عالم بقبح القبيح عالم بغناه عنه، فقد علمنا أن أفعاله كلها حسنة، وخلق فاعل القبيح فعله، فوجب أن يكون حسنا، وأن يكون له وجه حسن، وخفاء وجه الحسن علينا لا يقدح في حسنه، كما لا يقدح في حسن أكثر مخلوقاته جهلنا بداعي الحكمة إلى خلقها بِالْحَقِّ بالغرض الصحيح والحكمة البالغة، وهو أن جعلها مقارّ المكلفين ليعملوا فيجازيهم وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وقرئ: صوركم بالكسر، لتشكروا. وإليه مصيركم فجزاؤكم على الشكر والتفريط فيه. فإن قلت. كيف أحسن صورهم؟ قلت: جعلهم أحسن الحيوان كله وأبهاه، بدليل أن الإنسان لا يتمنى أن تكون صورته على خلاف ما يرى من سائر الصور. ومن حسن صورته أنه خلق منتصبا غير منكب، كما قال عز وجل فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ. فإن قلت: فكم من دميم مشوّه الصورة سمج الخلقة تقتحمه العيون؟ قلت: لا سماجة ثم ولكن الحسن كغيره من المعاني على طبقات ومراتب، فلانحطاط بعض الصور عن مراتب ما فوقها انحطاطا بينا وإضافتها إلى الموفى [[قوله «وإضافتها إلى الموفى عليها» يعنى إلى المتفوق عليها من الصور. (ع)]] عليها لا تستملح، وإلا فهي داخلة في حيز الحسن غير خارجة عن حدّه. ألا ترى أنك قد تعجب بصورة وتستملحها ولا ترى الدنيا بها، ثم ترى أملح وأعلى في مراتب الحسن منها فينبو عن الأولى طرفك، وتستثقل النظر إليها بعد افتتانك بها وتهالكك عليها. وقالت الحكماء: شيئان لا غاية لهما: الجمال، والبيان. نبه بعلمه ما في السماوات والأرض، ثم بعلمه ما يسره العباد ويعلنونه، ثم بعلمه ذوات الصدور: أنّ شيئا من الكليات والجزئيات غير خاف عليه ولا عازب عنه، فحقه أن يتقى ويحذر ولا يجترأ على شيء مما يخالف رضاه. وتكرير العلم في معنى تكرير الوعيد، وكل ما ذكره بعد قوله تعالى فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ كما ترى في معنى الوعيد على الكفر، وإنكار أن يعصى الخالق ولا تشكر نعمته فما أجهل من يمزج الكفر بالخلق [[قوله «فما أجهل من يمزج الكفر بالخلق» يريد أهل السنة، حيث يقولون أنه تعالى هو الخالق لأعمال العباد حتى الكفر وغيره من المعاصي، ولا وجه لتجهيلهم مع استنادهم إلى قوله تعالى «والله خلقكم وما تعملون. (ع)]] ويجعله من جملته، والخلق: أعظم نعمة من الله على عباده، والكفر: أعظم كفران من العباد لربهم.
التغابن 64:3
مختلف فيها، وهي ثمان عشرة آية [نزلت بعد التحريم] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قدم الظرفان ليدل بتقديمهما على معنى اختصاص الملك والحمد بالله عز وجل، وذلك لأنّ الملك على الحقيقة له، لأنه مبدئ كل شيء ومبدعه، والقائم به، والمهيمن عليه، وكذلك الحمد، لأنّ أصول النعم وفروعها منه. وأما ملك غيره فتسليط منه واسترعاء، وحمده اعتداد بأن نعمة الله جرت على يده هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ يعنى: فمنكم آت بالكفر وفاعل له [[قوله «فمنكم آت بالكفر وفاعل له» قد أول الآية بمذهب المعتزلة: من أن العبد هو الخالق لفعله الاختياري، ومذهب أهل السنة: أن العبد ليس له في فعله إلا الكسب، وخالقه في الحقيقة هو الله عز وجل، بدليل قوله تعالى وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ خيرا كان أو شرا، وكما أن خلق الكافر لا يستوجب الذم كما سيقول فخلق كفره لا يستوجب الذم لأنه لحكمة وإن خفيت علينا. (ع)]] ومنكم آت بالإيمان [[قال محمود: «معناه: فمنكم آت بالكفر وفاعل له ومنكم آت بالايمان ... الخ» قال أحمد: لقه ركب عمياء وخبط خبط عشواء، واقتحم وعرا: السالك فيه هالك، والغابر فيه عاثر، وإنما ينصب إلى مهاوي الأراك، ويحوم حول مراتع الاشراك، ويبحث ولكن على حتفه بظلفه، ويتحذق وما هو إلا يتشدق، ويتحقق وما هو إلا يتفسق، وهب أنه أعرض عن الأدلة العقلية والنصوص النقلية المتظافرة على أن الله تعالى خالق كل شيء، واطرد له في الشاهد ما ادعاه. ومن مذهبه قياس الغائب على الشاهد، قد التجأ إلى الاعتراف بأن الله خالق العبد الفاعل للقبيح، وأن خلق العبد الفاعل للقبيح بمثابة إعطاء السيف الباتر للرجل الفاجر، وأن هذا قبيح شاهدا، ولا يلزم أن يكون مثله قبيحا في خلق الله تعالى، أفلا يجوز أن يكون منطويا على حكمة استأثر الله تعالى بعلمها، فما يؤمنه من دعوى أن أفعال العبد وإن استقبحها العقلاء مخلوقة لله تعالى، وفي خلقها حكمة استأثر الله بعلمها، وهل الفرق إذا إلا عين التحكم، ونفس اتباع الهوى. هذا ودون تمكنه من اتباع هذه القواعد: أن يمكن من القتاد اختراط، ومن الجمل أن يلج في سم الخياط.]] وفاعل له، كقوله تعالى وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ، فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ والدليل عليه قوله تعالى وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ أى عالم بكفركم وإيمانكم اللذين هما من عملكم. والمعنى: هو الذي تفضل عليكم بأصل النعم الذي هو الخلق والإيجاد عن العدم، فكان يجب أن تنظروا النظر الصحيح، وتكونوا بأجمعكم عبادا شاكرين، فما فعلتم مع تمكنكم، بل تشعبتم شعبا، وتفرقتم أمما، فمنكم كافر ومنكم مؤمن، وقدم الكفر لأنه الأغلب عليهم والأكثر فيهم. وقيل: هو الذي خلقكم فمنكم كافر بالخلق وهم الدهرية، ومنكم مؤمن به.
فإن قلت: نعم، إن العباد هم الفاعلون للكفر، ولكن قد سبق في علم الحكيم أنه إذا خلقهم لم يفعلوا إلا الكفر ولم يختاروا غيره، فما دعاه إلى خلقهم مع علمه بما يكون منهم؟ وهل خلق القبيح وخلق فاعل القبيح إلا واحد؟ وهل مثله إلا مثل من وهب سيفا باترا لمن شهر بقطع السبيل وقتل النفس المحرّمة فقتل به مؤمنا؟ أما يطبق العقلاء على ذم الواهب وتعنيفه والدق في فروته [[قوله «والدق في فروته» في الصحاح «الفروة» : جلدة الرأس. والفروة: قطعة نبات مجتمعة يابسة اه. (ع)]] كما يذمون القاتل؟ بل إنحاؤهم باللوائم على الواهب أشد؟ قلت: قد علمنا أنّ الله حكيم عالم بقبح القبيح عالم بغناه عنه، فقد علمنا أن أفعاله كلها حسنة، وخلق فاعل القبيح فعله، فوجب أن يكون حسنا، وأن يكون له وجه حسن، وخفاء وجه الحسن علينا لا يقدح في حسنه، كما لا يقدح في حسن أكثر مخلوقاته جهلنا بداعي الحكمة إلى خلقها بِالْحَقِّ بالغرض الصحيح والحكمة البالغة، وهو أن جعلها مقارّ المكلفين ليعملوا فيجازيهم وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وقرئ: صوركم بالكسر، لتشكروا. وإليه مصيركم فجزاؤكم على الشكر والتفريط فيه. فإن قلت. كيف أحسن صورهم؟ قلت: جعلهم أحسن الحيوان كله وأبهاه، بدليل أن الإنسان لا يتمنى أن تكون صورته على خلاف ما يرى من سائر الصور. ومن حسن صورته أنه خلق منتصبا غير منكب، كما قال عز وجل فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ. فإن قلت: فكم من دميم مشوّه الصورة سمج الخلقة تقتحمه العيون؟ قلت: لا سماجة ثم ولكن الحسن كغيره من المعاني على طبقات ومراتب، فلانحطاط بعض الصور عن مراتب ما فوقها انحطاطا بينا وإضافتها إلى الموفى [[قوله «وإضافتها إلى الموفى عليها» يعنى إلى المتفوق عليها من الصور. (ع)]] عليها لا تستملح، وإلا فهي داخلة في حيز الحسن غير خارجة عن حدّه. ألا ترى أنك قد تعجب بصورة وتستملحها ولا ترى الدنيا بها، ثم ترى أملح وأعلى في مراتب الحسن منها فينبو عن الأولى طرفك، وتستثقل النظر إليها بعد افتتانك بها وتهالكك عليها. وقالت الحكماء: شيئان لا غاية لهما: الجمال، والبيان. نبه بعلمه ما في السماوات والأرض، ثم بعلمه ما يسره العباد ويعلنونه، ثم بعلمه ذوات الصدور: أنّ شيئا من الكليات والجزئيات غير خاف عليه ولا عازب عنه، فحقه أن يتقى ويحذر ولا يجترأ على شيء مما يخالف رضاه. وتكرير العلم في معنى تكرير الوعيد، وكل ما ذكره بعد قوله تعالى فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ كما ترى في معنى الوعيد على الكفر، وإنكار أن يعصى الخالق ولا تشكر نعمته فما أجهل من يمزج الكفر بالخلق [[قوله «فما أجهل من يمزج الكفر بالخلق» يريد أهل السنة، حيث يقولون أنه تعالى هو الخالق لأعمال العباد حتى الكفر وغيره من المعاصي، ولا وجه لتجهيلهم مع استنادهم إلى قوله تعالى «والله خلقكم وما تعملون. (ع)]] ويجعله من جملته، والخلق: أعظم نعمة من الله على عباده، والكفر: أعظم كفران من العباد لربهم.
التغابن 64:4
مختلف فيها، وهي ثمان عشرة آية [نزلت بعد التحريم] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قدم الظرفان ليدل بتقديمهما على معنى اختصاص الملك والحمد بالله عز وجل، وذلك لأنّ الملك على الحقيقة له، لأنه مبدئ كل شيء ومبدعه، والقائم به، والمهيمن عليه، وكذلك الحمد، لأنّ أصول النعم وفروعها منه. وأما ملك غيره فتسليط منه واسترعاء، وحمده اعتداد بأن نعمة الله جرت على يده هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ يعنى: فمنكم آت بالكفر وفاعل له [[قوله «فمنكم آت بالكفر وفاعل له» قد أول الآية بمذهب المعتزلة: من أن العبد هو الخالق لفعله الاختياري، ومذهب أهل السنة: أن العبد ليس له في فعله إلا الكسب، وخالقه في الحقيقة هو الله عز وجل، بدليل قوله تعالى وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ خيرا كان أو شرا، وكما أن خلق الكافر لا يستوجب الذم كما سيقول فخلق كفره لا يستوجب الذم لأنه لحكمة وإن خفيت علينا. (ع)]] ومنكم آت بالإيمان [[قال محمود: «معناه: فمنكم آت بالكفر وفاعل له ومنكم آت بالايمان ... الخ» قال أحمد: لقه ركب عمياء وخبط خبط عشواء، واقتحم وعرا: السالك فيه هالك، والغابر فيه عاثر، وإنما ينصب إلى مهاوي الأراك، ويحوم حول مراتع الاشراك، ويبحث ولكن على حتفه بظلفه، ويتحذق وما هو إلا يتشدق، ويتحقق وما هو إلا يتفسق، وهب أنه أعرض عن الأدلة العقلية والنصوص النقلية المتظافرة على أن الله تعالى خالق كل شيء، واطرد له في الشاهد ما ادعاه. ومن مذهبه قياس الغائب على الشاهد، قد التجأ إلى الاعتراف بأن الله خالق العبد الفاعل للقبيح، وأن خلق العبد الفاعل للقبيح بمثابة إعطاء السيف الباتر للرجل الفاجر، وأن هذا قبيح شاهدا، ولا يلزم أن يكون مثله قبيحا في خلق الله تعالى، أفلا يجوز أن يكون منطويا على حكمة استأثر الله تعالى بعلمها، فما يؤمنه من دعوى أن أفعال العبد وإن استقبحها العقلاء مخلوقة لله تعالى، وفي خلقها حكمة استأثر الله بعلمها، وهل الفرق إذا إلا عين التحكم، ونفس اتباع الهوى. هذا ودون تمكنه من اتباع هذه القواعد: أن يمكن من القتاد اختراط، ومن الجمل أن يلج في سم الخياط.]] وفاعل له، كقوله تعالى وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ، فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ والدليل عليه قوله تعالى وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ أى عالم بكفركم وإيمانكم اللذين هما من عملكم. والمعنى: هو الذي تفضل عليكم بأصل النعم الذي هو الخلق والإيجاد عن العدم، فكان يجب أن تنظروا النظر الصحيح، وتكونوا بأجمعكم عبادا شاكرين، فما فعلتم مع تمكنكم، بل تشعبتم شعبا، وتفرقتم أمما، فمنكم كافر ومنكم مؤمن، وقدم الكفر لأنه الأغلب عليهم والأكثر فيهم. وقيل: هو الذي خلقكم فمنكم كافر بالخلق وهم الدهرية، ومنكم مؤمن به.
فإن قلت: نعم، إن العباد هم الفاعلون للكفر، ولكن قد سبق في علم الحكيم أنه إذا خلقهم لم يفعلوا إلا الكفر ولم يختاروا غيره، فما دعاه إلى خلقهم مع علمه بما يكون منهم؟ وهل خلق القبيح وخلق فاعل القبيح إلا واحد؟ وهل مثله إلا مثل من وهب سيفا باترا لمن شهر بقطع السبيل وقتل النفس المحرّمة فقتل به مؤمنا؟ أما يطبق العقلاء على ذم الواهب وتعنيفه والدق في فروته [[قوله «والدق في فروته» في الصحاح «الفروة» : جلدة الرأس. والفروة: قطعة نبات مجتمعة يابسة اه. (ع)]] كما يذمون القاتل؟ بل إنحاؤهم باللوائم على الواهب أشد؟ قلت: قد علمنا أنّ الله حكيم عالم بقبح القبيح عالم بغناه عنه، فقد علمنا أن أفعاله كلها حسنة، وخلق فاعل القبيح فعله، فوجب أن يكون حسنا، وأن يكون له وجه حسن، وخفاء وجه الحسن علينا لا يقدح في حسنه، كما لا يقدح في حسن أكثر مخلوقاته جهلنا بداعي الحكمة إلى خلقها بِالْحَقِّ بالغرض الصحيح والحكمة البالغة، وهو أن جعلها مقارّ المكلفين ليعملوا فيجازيهم وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وقرئ: صوركم بالكسر، لتشكروا. وإليه مصيركم فجزاؤكم على الشكر والتفريط فيه. فإن قلت. كيف أحسن صورهم؟ قلت: جعلهم أحسن الحيوان كله وأبهاه، بدليل أن الإنسان لا يتمنى أن تكون صورته على خلاف ما يرى من سائر الصور. ومن حسن صورته أنه خلق منتصبا غير منكب، كما قال عز وجل فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ. فإن قلت: فكم من دميم مشوّه الصورة سمج الخلقة تقتحمه العيون؟ قلت: لا سماجة ثم ولكن الحسن كغيره من المعاني على طبقات ومراتب، فلانحطاط بعض الصور عن مراتب ما فوقها انحطاطا بينا وإضافتها إلى الموفى [[قوله «وإضافتها إلى الموفى عليها» يعنى إلى المتفوق عليها من الصور. (ع)]] عليها لا تستملح، وإلا فهي داخلة في حيز الحسن غير خارجة عن حدّه. ألا ترى أنك قد تعجب بصورة وتستملحها ولا ترى الدنيا بها، ثم ترى أملح وأعلى في مراتب الحسن منها فينبو عن الأولى طرفك، وتستثقل النظر إليها بعد افتتانك بها وتهالكك عليها. وقالت الحكماء: شيئان لا غاية لهما: الجمال، والبيان. نبه بعلمه ما في السماوات والأرض، ثم بعلمه ما يسره العباد ويعلنونه، ثم بعلمه ذوات الصدور: أنّ شيئا من الكليات والجزئيات غير خاف عليه ولا عازب عنه، فحقه أن يتقى ويحذر ولا يجترأ على شيء مما يخالف رضاه. وتكرير العلم في معنى تكرير الوعيد، وكل ما ذكره بعد قوله تعالى فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ كما ترى في معنى الوعيد على الكفر، وإنكار أن يعصى الخالق ولا تشكر نعمته فما أجهل من يمزج الكفر بالخلق [[قوله «فما أجهل من يمزج الكفر بالخلق» يريد أهل السنة، حيث يقولون أنه تعالى هو الخالق لأعمال العباد حتى الكفر وغيره من المعاصي، ولا وجه لتجهيلهم مع استنادهم إلى قوله تعالى «والله خلقكم وما تعملون. (ع)]] ويجعله من جملته، والخلق: أعظم نعمة من الله على عباده، والكفر: أعظم كفران من العباد لربهم.
التغابن 64:5
أَلَمْ يَأْتِكُمْ الخطاب لكفار مكة. وذلِكَ إشارة إلى ما ذكر من الوبال الذي ذاقوه في الدنيا وما أعدّلهم من العذاب في الآخرة بِأَنَّهُ بأنّ الشأن والحديث كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ...... أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا أنكروا أن تكون الرسل بشرا، ولم ينكروا أن يكون الله حجرا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ أطلق ليتناول كل شيء، ومن جملته إيمانهم وطاعتهم. فإن قلت: قوله وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ يوهم وجود التولي والاستغناء معا [[قال محمود: «أطلقه ليتناول كل شيء ثم قال فان قلت كان التولي فيهم ... الخ» قال أحمد: إنما الحق أنه لم يخلق لهم إيمانا ولا قدرة عليه، فكان قادرا أن يخلق لهم الايمان والقدرة عليه، وإنما حرفها الزمخشري إلى قاعدته.]] ، والله تعالى لم يزل غنيا. قلت: معناه: وظهر استغناء الله حيث لم يلجئهم إلى الإيمان ولم يضطرهم إليه مع قدرته على ذلك.
التغابن 64:6
أَلَمْ يَأْتِكُمْ الخطاب لكفار مكة. وذلِكَ إشارة إلى ما ذكر من الوبال الذي ذاقوه في الدنيا وما أعدّلهم من العذاب في الآخرة بِأَنَّهُ بأنّ الشأن والحديث كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ...... أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا أنكروا أن تكون الرسل بشرا، ولم ينكروا أن يكون الله حجرا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ أطلق ليتناول كل شيء، ومن جملته إيمانهم وطاعتهم. فإن قلت: قوله وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ يوهم وجود التولي والاستغناء معا [[قال محمود: «أطلقه ليتناول كل شيء ثم قال فان قلت كان التولي فيهم ... الخ» قال أحمد: إنما الحق أنه لم يخلق لهم إيمانا ولا قدرة عليه، فكان قادرا أن يخلق لهم الايمان والقدرة عليه، وإنما حرفها الزمخشري إلى قاعدته.]] ، والله تعالى لم يزل غنيا. قلت: معناه: وظهر استغناء الله حيث لم يلجئهم إلى الإيمان ولم يضطرهم إليه مع قدرته على ذلك.
التغابن 64:7
الزعم: ادعاء العلم: ومنه قوله عليه السلام «زعموا مطية الكذب» [[لم أجده مرفوعا بهذا اللفظ وقد تقدم في أوائل البقرة بلفظ «بئس مطية الرجل إلى الكذب زعمواه وقد تقدم عن شريح «زعموا كنية الكذب» .]] وعن شريح: الكل شيء كنية وكنية الكذب «زعموا» ويتعدّى إلى المفعولين تعدّى العلم. قال:
... ولم أزعمك عن ذاك معزلا [[وإن الذي قد عاش يا أم مالك ... يموت ولم أزعمك عن ذاك معزلا
يقول: وإن كل حي وإن طال عمره يموت، ولم أظنك يا أم مالك معزالا عن ذلك الحكم أو الموت. والمعزل:
مكان العزلة والانفراد، أى: لم أظنك في معزل عنه أو ذات معزل أو معتزلة. أو نفس المقول مبالغة.]]
وإن مع ما في حيزه قائم مقامهما. والذين كفروا. أهل مكة. وبَلى إثبات لما بعد لن، وهو البعث وَذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ أى لا يصرفه عنه صارف. وعنى برسوله والنور: محمدا ﷺ والقرآن.
التغابن 64:8
الزعم: ادعاء العلم: ومنه قوله عليه السلام «زعموا مطية الكذب» [[لم أجده مرفوعا بهذا اللفظ وقد تقدم في أوائل البقرة بلفظ «بئس مطية الرجل إلى الكذب زعمواه وقد تقدم عن شريح «زعموا كنية الكذب» .]] وعن شريح: الكل شيء كنية وكنية الكذب «زعموا» ويتعدّى إلى المفعولين تعدّى العلم. قال:
... ولم أزعمك عن ذاك معزلا [[وإن الذي قد عاش يا أم مالك ... يموت ولم أزعمك عن ذاك معزلا
يقول: وإن كل حي وإن طال عمره يموت، ولم أظنك يا أم مالك معزالا عن ذلك الحكم أو الموت. والمعزل:
مكان العزلة والانفراد، أى: لم أظنك في معزل عنه أو ذات معزل أو معتزلة. أو نفس المقول مبالغة.]]
وإن مع ما في حيزه قائم مقامهما. والذين كفروا. أهل مكة. وبَلى إثبات لما بعد لن، وهو البعث وَذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ أى لا يصرفه عنه صارف. وعنى برسوله والنور: محمدا ﷺ والقرآن.
التغابن 64:9
وقرئ: نجمعكم. ونكفر. وندخله، بالياء والنون. فإن قلت: بم انتصب الظرف؟ قلت بقوله: لتنبؤن، أو بخبير، لما فيه من معنى الوعيد، كأنه قيل: والله معاقبكم يوم يجمعكم. أو بإضمار «اذكر» لِيَوْمِ الْجَمْعِ ليوم يجمع فيه الأوّلون والآخرون. التغابن: مستعار من تغابن القوم في التجارة، وهو أن يغبن بعضهم بعضا، لنزول السعداء منازل الأشقياء التي كانوا ينزلونها لو كانوا سعداء، ونزول الأشقياء منازل السعداء التي كانوا ينزلونها لو كانوا أشقياء. وفيه تهكم بالأشقياء، لأنّ نزولهم ليس بغبن. وفي حديث رسول الله ﷺ «ما من عبد يدخل الجنة إلا أرى مقعده من النار لو أساء، ليزداد شكرا. وما من عبد يدخل النار إلا أرى مقعده من الجنة لو أحسن، ليزداد حسرة» [[رواه البخاري من رواية الأعرج عن أبى هريرة: وفي المتفق عليه من حديث أنس في قصة المؤمن، فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار أبدلك الله به مقعدا من الجنة. قال نبى الله: فيراهما جميعا، ولها عن ابن عمر «إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشى- الحديث» .]] ومعنى ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ- وقد يتغابن الناس في غير ذلك اليوم-: استعظام له وأن تغابنه هو التغابن في الحقيقة، لا التغابن في أمور الدنيا وإن جلت وعظمت صالِحاً صفة للمصدر، أى: عملا صالحا.
التغابن 64:10
وقرئ: نجمعكم. ونكفر. وندخله، بالياء والنون. فإن قلت: بم انتصب الظرف؟ قلت بقوله: لتنبؤن، أو بخبير، لما فيه من معنى الوعيد، كأنه قيل: والله معاقبكم يوم يجمعكم. أو بإضمار «اذكر» لِيَوْمِ الْجَمْعِ ليوم يجمع فيه الأوّلون والآخرون. التغابن: مستعار من تغابن القوم في التجارة، وهو أن يغبن بعضهم بعضا، لنزول السعداء منازل الأشقياء التي كانوا ينزلونها لو كانوا سعداء، ونزول الأشقياء منازل السعداء التي كانوا ينزلونها لو كانوا أشقياء. وفيه تهكم بالأشقياء، لأنّ نزولهم ليس بغبن. وفي حديث رسول الله ﷺ «ما من عبد يدخل الجنة إلا أرى مقعده من النار لو أساء، ليزداد شكرا. وما من عبد يدخل النار إلا أرى مقعده من الجنة لو أحسن، ليزداد حسرة» [[رواه البخاري من رواية الأعرج عن أبى هريرة: وفي المتفق عليه من حديث أنس في قصة المؤمن، فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار أبدلك الله به مقعدا من الجنة. قال نبى الله: فيراهما جميعا، ولها عن ابن عمر «إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشى- الحديث» .]] ومعنى ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ- وقد يتغابن الناس في غير ذلك اليوم-: استعظام له وأن تغابنه هو التغابن في الحقيقة، لا التغابن في أمور الدنيا وإن جلت وعظمت صالِحاً صفة للمصدر، أى: عملا صالحا.
التغابن 64:11
إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ إلا بتقديره ومشيئته، كأنه أذن للمصيبة أن تصيبه يَهْدِ قَلْبَهُ يلطف به ويشرحه للازدياد من الطاعة والخير. وقيل: هو الاسترجاع عند المصيبة. وعن الضحاك:
يهد قلبه حتى يعلم أنّ ما أصابه لم يكن ليخطنه. وما أخطأه لم يكن ليصيبه. وعن مجاهد: إن ابتلى صبر، وإن أعطى شكر، وإن ظلم غفر. وقرئ. يهد قلبه، على البناء للمفعول، والقلب:
مرفوع أو منصوب. ووجه النصب: أن يكون مثل سفه نفسه، أى: يهد في قلبه. ويجوز أن يكون المعنى: أنّ الكافر ضال عن قلبه بعيد منه، والمؤمن واجد له مهتد إليه، كقوله تعالى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ وقرئ: نهد قلبه، بالنون. ويهد قلبه، بمعنى: يهتد. ويهدأ قلبه: يطمئن.
ويهد. ويهدا على التخفيف وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يعلم ما يؤثر فيه اللطف من القلوب مما لا يؤثر فيه فيمنحه ويمنعه.
التغابن 64:12
فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فلا عليه إذا توليتم، لأنه لم يكتب عليه طاعتكم، إنما كتب عليه أن يبلغ ويبين فحسب وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ بعث لرسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم على التوكل عليه والتقوّى به في أمره، حتى ينصره على من كذبه وتولى عنه.
التغابن 64:13
فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فلا عليه إذا توليتم، لأنه لم يكتب عليه طاعتكم، إنما كتب عليه أن يبلغ ويبين فحسب وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ بعث لرسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم على التوكل عليه والتقوّى به في أمره، حتى ينصره على من كذبه وتولى عنه.
التغابن 64:14
إنّ من الأزواج أزواجا يعادين بعولتهنّ ويخاصمنهم ويجلبن عليهم، ومن الأولاد أولادا يعادون آباءهم ويعقونهم ويجرعونهم الغصص والأذى فَاحْذَرُوهُمْ الضمير للعدوّ أو للأزواج والأولاد جميعا. أى: لما علمتم أن هؤلاء لا يخلون من عدوّ، فكونوا منهم على حذر ولا تأمنوا غوائلهم وشرهم وَإِنْ تَعْفُوا عنهم إذا اطلعتم منهم على عداوة ولم تقابلوهم بمثلها، فإن الله يغفر لكم ذنوبكم ويكفر عنكم. وقيل: إنّ ناسا أرادوا الهجرة عن مكة، فثبطهم أزواجهم وأولادهم وقالوا: تنطلقون وتضيعوننا فرقوا لهم ووقفوا، فلما هاجروا بعد ذلك ورأوا الذين سبقوهم قد فقهوا في الدين: أرادوا أن يعاقبوا أزواجهم وأولادهم، فزين لهم العفو. وقيل: قالوا لهم: أين تذهبون وتدعون بلدكم وعشيرتكم وأموالكم، فغضبوا عليهم وقالوا: لئن جمعنا الله في دار الهجرة لم نصبكم بخير، فلما هاجروا منعوهم الخير، فحثوا أن يعفوا عنهم ويردّوا إليهم البر والصلة. وقيل: كان عوف بن مالك الأشجعى ذا أهل وولد، فإذا أراد أن يغزو تعلقوا به وبكوا إليه ورققوه، فكأنه همّ بأذاهم، فنزلت تْنَةٌ
بلاء ومحنة، لأنهم يوقعون في الإثم والعقوبة، ولا بلاء أعظم منهما، ألا ترى إلى قوله اللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ
وفي الحديث «يؤتى برجل يوم القيامة فيقال: أكل عياله حسناته» [[لم أره مرفوعا: وأخرجه أبو نعيم في الحلية في ترجمة سفيان الثوري من قوله. وروى على بن معبد في الطاعة والمعصية عن إسحاق بن أبى يحيى عن عبد الملك عن بكير قال «ينادى مناد يوم القيامة: أين الذين أكلت عيالهم حسناتهم قوموا فان قبلكم الانبعاث» .]] وعن بعض السلف: العيال سوس الطاعات. وعن النبي ﷺ أنه كان يخطب، فجاء الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان، فنزل إليهما فأخذهما [[أخرجه أصحاب السنن وابن جبان والحاكم وأحمد وإسحاق وابن أبى شيبة وأبو يعلى والبزار من روايه حسين بن واقد عن ابن بريدة عن أبيه. قال البزار لا نعلم له طريقا إلا هذا.]] ووضعهما في حجره على المنبر فقال: «صدق الله نَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
رأيت هذين الصبيين فلم أصبر عنهما» ثم أخذ في خطبته. وقيل: إذا أمكنكم الجهاد والهجرة فلا يفتننكم الميل إلى الأموال والأولاد عنهما.
التغابن 64:15
إنّ من الأزواج أزواجا يعادين بعولتهنّ ويخاصمنهم ويجلبن عليهم، ومن الأولاد أولادا يعادون آباءهم ويعقونهم ويجرعونهم الغصص والأذى فَاحْذَرُوهُمْ الضمير للعدوّ أو للأزواج والأولاد جميعا. أى: لما علمتم أن هؤلاء لا يخلون من عدوّ، فكونوا منهم على حذر ولا تأمنوا غوائلهم وشرهم وَإِنْ تَعْفُوا عنهم إذا اطلعتم منهم على عداوة ولم تقابلوهم بمثلها، فإن الله يغفر لكم ذنوبكم ويكفر عنكم. وقيل: إنّ ناسا أرادوا الهجرة عن مكة، فثبطهم أزواجهم وأولادهم وقالوا: تنطلقون وتضيعوننا فرقوا لهم ووقفوا، فلما هاجروا بعد ذلك ورأوا الذين سبقوهم قد فقهوا في الدين: أرادوا أن يعاقبوا أزواجهم وأولادهم، فزين لهم العفو. وقيل: قالوا لهم: أين تذهبون وتدعون بلدكم وعشيرتكم وأموالكم، فغضبوا عليهم وقالوا: لئن جمعنا الله في دار الهجرة لم نصبكم بخير، فلما هاجروا منعوهم الخير، فحثوا أن يعفوا عنهم ويردّوا إليهم البر والصلة. وقيل: كان عوف بن مالك الأشجعى ذا أهل وولد، فإذا أراد أن يغزو تعلقوا به وبكوا إليه ورققوه، فكأنه همّ بأذاهم، فنزلت تْنَةٌ
بلاء ومحنة، لأنهم يوقعون في الإثم والعقوبة، ولا بلاء أعظم منهما، ألا ترى إلى قوله اللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ
وفي الحديث «يؤتى برجل يوم القيامة فيقال: أكل عياله حسناته» [[لم أره مرفوعا: وأخرجه أبو نعيم في الحلية في ترجمة سفيان الثوري من قوله. وروى على بن معبد في الطاعة والمعصية عن إسحاق بن أبى يحيى عن عبد الملك عن بكير قال «ينادى مناد يوم القيامة: أين الذين أكلت عيالهم حسناتهم قوموا فان قبلكم الانبعاث» .]] وعن بعض السلف: العيال سوس الطاعات. وعن النبي ﷺ أنه كان يخطب، فجاء الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان، فنزل إليهما فأخذهما [[أخرجه أصحاب السنن وابن جبان والحاكم وأحمد وإسحاق وابن أبى شيبة وأبو يعلى والبزار من روايه حسين بن واقد عن ابن بريدة عن أبيه. قال البزار لا نعلم له طريقا إلا هذا.]] ووضعهما في حجره على المنبر فقال: «صدق الله نَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
رأيت هذين الصبيين فلم أصبر عنهما» ثم أخذ في خطبته. وقيل: إذا أمكنكم الجهاد والهجرة فلا يفتننكم الميل إلى الأموال والأولاد عنهما.
التغابن 64:16
مَا اسْتَطَعْتُمْ جهدكم ووسعكم، أى: ابذلوا فيها استطاعتكم وَاسْمَعُوا ما توعظون به وَأَطِيعُوا فيما تأمرون به وتنهون عنه وَأَنْفِقُوا في الوجوه التي وجبت عليكم النفقة فيها خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ نصب بمحذوف، تقديره: ائتوا خيرا لأنفسكم، وافعلوا ما هو خير لها وأنفع، وهذا تأكيد للحث على امتثال هذه الأوامر، وبيان لأنّ هذه الأمور خير لأنفسكم من الأموال والأولاد وما أنتم عاكفون عليه من حب الشهوات وزخارف الدنيا.
التغابن 64:17
وذكر القرض: تلطف في الاستدعاء يُضاعِفْهُ لَكُمْ يكتب لكم بالواحدة عشرا وأو سبعمائة إلى ما شاء من الزيادة. وقرئ: يضعفه شَكُورٌ مجاز، أى: يفعل بكم ما يفعل المبالغ في الشكر من عظيم الثواب، وكذلك حَلِيمٌ يفعل بكم ما يفعل من يحلم عن المسيء، فلا يعاجلكم بالعقاب مع كثرة ذنوبكم.
عن رسول الله ﷺ «من قرأ سورة التغابن رفع عنه موت الفجأة» [[أخرجه الثعلبي وابن مردويه والواحدي بأسانيدهم إلى أبى بن كعب رضى الله عنه.]] .
التغابن 64:18
وذكر القرض: تلطف في الاستدعاء يُضاعِفْهُ لَكُمْ يكتب لكم بالواحدة عشرا وأو سبعمائة إلى ما شاء من الزيادة. وقرئ: يضعفه شَكُورٌ مجاز، أى: يفعل بكم ما يفعل المبالغ في الشكر من عظيم الثواب، وكذلك حَلِيمٌ يفعل بكم ما يفعل من يحلم عن المسيء، فلا يعاجلكم بالعقاب مع كثرة ذنوبكم.
عن رسول الله ﷺ «من قرأ سورة التغابن رفع عنه موت الفجأة» [[أخرجه الثعلبي وابن مردويه والواحدي بأسانيدهم إلى أبى بن كعب رضى الله عنه.]] .
الطلاق 65:1
مدنية، وهي إحدى عشرة، أو اثنتا عشرة، أو ثلاث عشرة آية [نزلت بعد الإنسان] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
خص النبي ﷺ بالنداء وعم بالخطاب [[قال محمود: «خص النبي ﷺ بالنداء وعم بالخطاب ... الخ» قال أحمد: وعلى هذا الفرق جرى قوله تعالى حكاية عن فرعون: قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى فأفرد موسى عليه السلام بالنداء، لأنه كان أجل الاثنين عليهما السلام وعمهما بالخطاب. وقد تقدم فيه وجه آخر.]] ، لأنّ النبي إمام أمّته وقدوتهم، كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم: يا فلان افعلوا كيت وكيت، إظهارا لتقدّمه واعتبارا لترؤسه، وأنه مدرة قومه [[قوله «وأنه مدرة قومه» في الصحاح العرب تسمى القرية مدرة اه، فالمعنى أنه بمنزلة القرية لقومه. (ع)]] ولسانهم، والذي يصدرون عن رأيه ولا يستبدّون بأمر دونه، فكان هو وحده في حكم كلهم، وسادّا مسدّ جميعهم. ومعنى إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ إذا أردتم تطليقهنّ وهممتم به على تنزيل المقبل على الأمر المشارف له منزلة الشارع فيه: كقوله عليه السلام «من قتل قتيلا فله سلبه» [[متفق عليه. وقد تقدم في أوائل البقرة.]] ومنه كان الماشي إلى الصلاة والمنتظر لها في حكم المصلى فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ فطلقوهن مستقبلات لعدتهن [[قال محمود: «ومعنى فطلقوهن مستقبلات لعدتهن ... الخ» قال أحمد: حمل القراءتين المستفيضة والشاذة على أن وقت الطلاق هو الوقت الذي تكون العدة مستقبلة بالنسبة إليه، وادعى أن ذلك معنى المستقبل فيها، ونظر اللام فيها باللام في قولك مؤرخا الليلة. الليلة بقيت من المحرم، وإنما يعنى أن العدة بالحيض: كل ذلك تحامل لمذهب أبى حنيفة في أن الأقراء الحيض، ولا يتم له ذلك، فقد استدل أصحابنا بالقراءة المستفيضة، وأكدوا الدلالة بالشاذة على أن الأقراء الأطهار. ووجه الاستدلال لها على ذلك: أن الله تعالى جعلى العدة- وإن كانت في الأصل مصدرا- ظرفا الطلاق المأمور به. وكثيرا ما تستعمل العرب المصادر ظرفا، مثل خفوق النجم ومقدم الحاج. وإذا كانت العدة ظرفا للطلاق المأمور به، وزمانه هو الطهر وفاقا، فالطهر عدة إذا. ونظير اللام هنا على التحقيق: اللام في قوله يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي وإنما تمنى أن لو عمل عملا في حياته، وقراءته عليه السلام: في قبل عدتهن، تحقق ذلك. فان قيل. الشيء جزء منه وداخل فيه وفي صفة مسح الرأس فأقبل بهما وأدبر، أى مسح قبل الرأس وهو مقدمها، فحينئذ قبل العدة جزء منها وهو الطهر.]] ، كقولك: أتيته لليلة بقيت من المحرم، أى:
مستقبلا لها. وفي قراءة رسول الله ﷺ: في قبل عدّتهنّ، وإذا طلقت المرأة في الطهر المتقدم للقرء الأوّل من أقرائها، فقد طلقت مستقبلة لعدتها. والمراد: أن يطلقن في طهر لم يجامعن فيه [[قال محمود: «والمراد أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه ... الخ» قال أحمد: الأمر كما نقله، وضابط السنة عند مالك: أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه واحدة وهي غير معتدة. والآية تدل لمذهبه على تأويل المتقدمين جميعا، أما على تأويل الزمخشري وتفسيره المقيد بالاستقبال، فلأن الطلاق المأمور به أى المأذون فيه في الآية:
مقيد بوقت تكون العدة مستقبلة بالنسبة إليه، وهذا يأبى وقوع الطلاق في أثناء العدة الماضي بعضها. وأما على تأويلنا فلأنه مقيد بزمان يكون أولا للعدة وقبلا لها، وهذا يأبى من وقوعه مرادفا في الطهر الثاني والثالث، غير أن البدعة عند مالك تتفاوت، فلا جرم قال إن طلقها في الحيض أجبر على الرجعة، فإن أبى ارتجع عليه الحاكم، وإن طلقها في طهر مسها فيه أو أردف الطلاق لم يجبره،]] ، ثم يخلين حتى تنقضي عدّتهنّ، وهذا أحسن الطلاق وأدخله في السنة وأبعده من الندم، ويدل عليه ما روى عن إبراهيم النخعي أنّ أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يستحبون أن لا يطلقوا أزواجهم للسنة إلا واحدة، ثم لا يطلقوا غير ذلك حتى تنقضي العدّة، وكان أحسن عندهم من أن يطلق الرجل ثلاثا في ثلاثة أطهار. وقال مالك بن أنس رضى الله عنه: لا أعرف طلاق السنة إلا واحدة، وكان يكره الثلاث مجموعة كانت أو متفرقة.
وأما أبو حنيفة وأصحابه فإنما كرهوا ما زاد على الواحدة في طهر واحد، فأما مفرقا في الأطهار فلا، لما روى عن رسول الله ﷺ أنه قال لابن عمر حين طلق امرأته وهي حائض:
ما هكذا أمرك الله، إنما السنة أن تستقبل الطهر استقبالا، وتطلقها لكل قرء تطليقة [[أخرجه الدارقطني من رواية عطاء الخراساني عن الحسن عن ابن عمر به، وأتم منه.]] وروى أنه قال لعمر: مر ابنك فليراجعها، ثم ليدعها حتى تحيض ثم تطهر، ثم ليطلقها إن شاء، فتلك العدّة التي أمر الله أن تطلق لها النساء [[متفق عليه من حديث ابن عمر رضى الله عنهما.]] . وعند الشافعي رضى الله عنه: لا بأس بإرسال الثلاث، وقال: لا أعرف في عدد الطلاق سنة ولا بدعة وهو مباح. فما لك تراعى في طلاق السنة الواحدة والوقت، وأبو حنيفة يراعى التفريق والوقت، والشافعي يراعى الوقت وحده.
فإن قلت: هل يقع الطلاق المخالف للسنة؟ قلت: نعم، وهو آثم، لما روى عن النبي ﷺ أنّ رجلا طلق امرأته ثلاثا بين يديه، فقال، أتلعبون بكتاب الله وأنا بين أظهركم»
. وفي حديث ابن عمر أنه قال: يا رسول الله، أرأيت لو طلقتها ثلاثا، فقال له:
إذن عصيت وبانت منك امرأتك [[هو في آخر الحديث الثاني عند الدارقطني ولفظه «فقلت: يا رسول الله، أفرأيت لو طلقتها أثلاثا أكان يحل لي أن أراجعها؟ قال: لا. كانت تبين منك، وكانت معصية» واللفظ الذي في الكتاب موقوف. في الصحيح على ابن عمر رضى الله عنهما.]] . وعن عمر رضى الله عنه أنه كان لا يؤتى برجل طلق امرأته ثلاثا إلا أوجعه ضربا. وأجاز ذلك عليه [[أخرجه ابن أبى شيبة وعبد الرزاق من رواية شقيق بن عبد الله عن أنس قال: كان عمر رضى الله عنه إذا أتى برجل طلق امرأته ثلاثا في مجلس أوجعه ضربا. وفرق بينهما» .]] . وعن سعيد بن المسيب وجماعة من التابعين:
أنّ من خالف السنة في الطلاق فأوقعه في حيض أو ثلث لم يقع، وشبهوه بمن وكل غيره بطلاق السنة فخالف. فإن قلت: كيف تطلق للسنة التي لا تحيض لصغر أو كبر أو حمل وغير المدخول بها؟ قلت: الصغيرة والآيسة والحامل كلهن عند أبى حنيفة وأبى يوسف يفرق عليهن الثلاث في الأشهر، وخالفهما محمد وزفر في الحامل فقالا: لا تطلق للسنة إلا واحدة. وأما غير المدخول بها فلا تطلق للسنة إلا واحدة، ولا يراعى الوقت. فإن قلت: هل يكره أن تطلق المدخول بها واحدة بائنة؟ قلت: اختلفت الرواية فيه عن أصحابنا. والظاهر الكراهة. فإن قلت: قوله إذا طلقتم النساء عام يتناول المدخول بهن وغير المدخول بهن من ذوات الأقراء والآيسات والصغائر والحوامل، فكيف صحّ تخصيصه بذوات الأقراء المدخول بهن؟ قلت: لا عموم ثم ولا خصوص، ولكن النساء اسم جنس للإناث من الإنس، وهذه الجنسية معنى قائم في كلهن وفي بعضهن، فجاز أن يراد بالنساء هذا وذاك، فلما قيل فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ علم أنه أطلق على بعضهنّ وهنّ المدخول بهن من المعتدات بالحيض وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ واضبطوها بالحفظ وأكملوها ثلاثة أقراء مستقبلات كوامل لا نقصان فيهن [[قال محمود: «معناه أكملوا العدة أقراء ثلاثة مستوفاة» قال أحمد: وقوله وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ توطئة لقوله لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ حتى كأنه نهى عن الإخراج مرتين: مندرجا في العموم، ومفرد بالخصوص. وقد تقدمت أمثاله.]] لا تُخْرِجُوهُنَّ حتى تنقضي عدتهنّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ من مساكنهنّ التي يسكنها قبل العدة، وهي بيوت الأزواج، وأضيفت إليهنّ لاختصاصها بهنّ من حيث السكنى. فإن قلت: ما معنى الجمع بين إخراجهم أو خروجهن [[قوله «بين إخراجهم أو خروجهن» لعله: وخروجهن. (ع)]] ؟ قلت: معنى الإخراج [[قوله «قلت: معنى الإخراج» الأولى: معنى الجمع بينهما، وإلا فالأولى فيما يأتى، ومعنى الخروج: أن لا يخرجن بأنفسهن. (ع)]] : أن لا يخرجهن البعولة غضبا عليهن وكراهة لمساكنتهن، أو لحاجة لهم إلى المساكن، وأن لا يأذنوا لهنّ في الخروج إذا طلبن ذلك، إيذانا بأنّ إذنهم لا أثر له في رفع الحظر، ولا يخرجن بأنفسهن إن أردن ذلك إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ قرئ بفتح الياء وكسرها. قيل: هي الزنا، يعنى إلا أن يزنين فيخرجن لإقامة الحد عليهن وقيل: إلا أن يطلقن على النشوز، والنشوز يسقط حقهنّ في السكنى. وقيل: إلا أن يبذون [[قوله «وقيل إلا أن يبذون» في الصحاح: البذاءة- بالمد: الفحش، تقول: بذوت على القوم وأبذيت، وقد بذو الرجل. (ع)]] فيحل إخراجهنّ لبذائهنّ، وتؤكده قراءة أبىّ: إلا أن يفحشن عليكم. وقيل: خروجها قبل انقضاء العدة فاحشة في نفسه. الأمر الذي يحدثه الله: أن يقلب قلبه من بغضها إلى محبتها، ومن الرغبة عنها إلى الرغبة فيها. ومن عزيمة الطلاق إلى الندم عليه فيراجعها. والمعنى: فطلقوهنّ لعدتهن وأحصوا العدة، لعلكم ترغبون وتندمون فتراجعون فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ وهو آخر العدة وشارفنه، فأنتم بالخيار: إن شئتم فالرجعة والإمساك بالمعروف والإحسان، وإن شئتم فترك الرجعة والمفارقة واتقاء الضرار وهو أن يراجعها في آخر عدتها ثم يطلقها تطويلا للعدة عليها وتعذيبا لها وَأَشْهِدُوا يعنى عند الرجعة والفرقة جميعا. وهذا الإشهاد مندوب إليه عند أبى حنيفة كقوله وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وعند الشافعي: هو واجب في الرجعة مندوب إليه في الفرقة. وقيل: فائدة الإشهاد أن لا يقع بينهما التجاحد، وأن لا يتهم في إمساكها، ولئلا يموت أحدهما فيدعى الباقي ثبوت الزوجية ليرث مِنْكُمْ قال الحسن: من المسلمين. وعن قتادة: من أحراركم لِلَّهِ لوجهه خالصا، وذلك أن تقيموها لا للمشهود له ولا للمشهود عليه، ولا لغرض من الأغراض سوى إقامة الحق ودفع الظلم، كقوله تعالى كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أى ذلِكُمْ الحث على إقامة الشهادة لوجه الله ولأجل القيام بالقسط يُوعَظُ بِهِ...... وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يجوز أن تكون جملة اعتراضية مؤكدة لما سبق من إجراء أمر الطلاق على السنة، وطريقه الأحسن والأبعد من الندم، ويكون المعنى: ومن يتق الله فطلق للسنة ولم يضار المعتدة ولم يخرجها من مسكنها واحتاط فأشهد يَجْعَلْ الله لَهُ مَخْرَجاً مما في شأن الأزواج من الغموم والوقوع في المضايق، ويفرج عنه وينفس ويعطه الخلاص وَيَرْزُقْهُ من وجه لا يخطره بباله ولا يحتسبه إن أو في المهر وأدى الحقوق والنفقات وقل ماله. وعن النبي ﷺ أنه سئل عمن طلق ثلاثا أو ألفا، هل له من مخرج؟
فتلاها [[أخرجه الدارقطني والطبراني وابن مردويه من طريق عبيد الله بن الوليد وغيره عن إبراهيم بن عبد الله ابن عبادة بن الصامت عن أبيه عن جده. قال «طلق بعض آبائي امرأته ألفا فانطلق بنوه، فقالوا: يا رسول الله إن أبانا طلق أمنا ألفا. فهل له مخرج. فقال: إن أباكم لم يتق الله فيجعل له مخرجا- الحديث» وفي إسناده جماعة من الضعفاء. رواه إسحاق في مسنده عن ابن إدريس عن عبيد الله بن الوليد عن داود بن إبراهيم عن عبادة بن الصامت كذا قال.]] . وعن ابن عباس أنه سئل عن ذلك فقال: لم تتق الله فلم يجعل لك مخرجا، بانت منك بثلاث والزيادة إثم في عنقك. ويجوز أن يجاء بها على سبيل الاستطراد عند ذكر قوله ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ يعنى: ومن يتق الله يجعل له مخرجا ومخلصا من غموم الدنيا والآخرة. وعن النبي ﷺ أنه قرأها فقال: مخرجا من شبهات الدنيا ومن غمرات الموت ومن شدائد يوم القيامة [[أخرجه الثعلبي والواحدي من رواية سعيد بن راشد عن عبد الله بن سعيد بن أبى هند عن زيد بن أسلم عن عطاء عن ابن عباس به مرفوعا. ورواه أبو نعيم موقوفا على قتادة في ترجمته في الحلية.]] . وقال عليه السلام: إنى لأعلم آية لو أخذ الناس بها لكفتهم وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ ...
فما زال يقرؤها ويعيدها [[أخرجه أحمد في الزهد وابن ماجة وابن حبان والحاكم من طريق ابن السلبل حزيب بن مغير عن أبى ذر مرفوعا]] . وروى أنّ عوف بن مالك الأشجعى أسر المشركون ابنا له يسمى سالما. فأتى رسول الله فقال: أسر ابني وشكا إليه الفاقة، فقال: ما أمسى عند آل محمد إلا مدّ فاتق الله واصبر وأكثر من قول لا حول ولا قوّة إلا بالله، ففعل فبينا هو في بيته إذ قرع ابنه الباب ومعه مائة من الإبل تغفل عنها العدو فاستاقها، فنزلت هذه الآية [[أخرجه الثعلبي من طريق الكلبي عن أبى صالح عن ابن عباس قال «جاء عوف بن مالك الأشجعى إلى النبي ﷺ فذكره نحوه. ولم يسم الابن، لكن قال: أنه أحضر أربعة آلاف شاة ورواه البيهقي في الدلائل من طريق أبى عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه نحوه. وفيه فلم يلبث الرجل أن رد الله عليه ابنه وإبله أو فر ما كانت. فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره فقام على المنبر فحمد الله وأثنى عليه وأمرهم بمسألة الله والرغبة إليه. وقرأ عليهم وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ- الآية وروى الحاكم من طريق سالم بن الجعد عن جابر قال «نزلت هذه الآية في رجل من أشجع كان فقيرا خفيف ذات اليد كثير العيال، فأتى رسول الله ﷺ فسأله. فقال: اتق الله واصبر، فلم يلبث إلا يسيرا حتى جاء ابن له بغنم كان العدو أصابها. فذكره مختصرا. وفيه عبيد بن كثير تركه الأزدى وعباد عن يعقوب. وهو رافضي.]] بالِغُ أَمْرِهِ أى يبلغ ما يريد لا يفوته مراد ولا يعجزه مطلوب. وقرئ: بالغ أمره بالإضافة، وبالغ أمره:
بالرفع، أى: نافذ أمره وقرأ المفضل: بالغا أمره، على أنّ قوله قَدْ جَعَلَ اللَّهُ خبر إن، وبالغا حال قَدْراً تقديرا وتوقيتا. وهذا بيان لوجوب التوكل على الله [[قال محمود: «قوله بالِغُ أَمْرِهِ بيان لوجوب التوكل على الله، وتفويض الأمر إليه ... الخ» قال أحمد:
ليس بعشك فادرجى أيراه القدري، وأين التسليم للقدر وليس هذا دينه ولا معتقده من تقسيم الحوادث ثلاثة أقسام:
فمنها ما يريد الله تعالى وجوده وهو المأمورات ولا يقع أكثر مراده منها، ومنها ما يريد عدمه وهو المنهيات فيوجد أكثرها على خلاف مراده، ومنها ما لا يريد عدمه ولا وجوده فان وجد فبغير إرادته عز وجل وإن عدم فكذلك فيتحصل من هذا الهذيان الذي لا يتصور أن الكائنات إنما تتبع إرادة الخلق لأنها لا تقع إلا بها، فان واقت إرادة الله تعالى فليس وقوعها تابعا لها لأنها وقعت بدونها، وإن خالفت إرادة الله تعالى لم يكن لمخالفتها للارادة الربانية تأثير في منع وقوعها، فمن يتوغل في أدغال هذا الضلال كيف له بالتوكل الذي يتوقف على اعتقاد أن الكائنات جميعها إنما تتوقف على إرادة الله عز وجل، فمهما أراده وقع، ومهما لم يرده لم يقع، شاء العبد أو أبى، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، والعبد مجرى لحدوث الكائنات الواقعة بقدرة الله تعالى وإرادته لا غير، لا راد لأمره ولا معقب لحكمه، فما القدري من هذا المقام الشريف إلا على مراحل لا يقربه إليها إلا راحلة الانصاف وزاد التقوى ودليل التوفيق، والله حسبنا ونعم الوكيل.]] ، وتفويض الأمر إليه، لأنه إذا علم أنّ كل شيء من الرزق ونحوه لا يكون إلا بتقديره وتوقيته: لم يبق إلا التسليم للقدر والتوكل.
الطلاق 65:2
مدنية، وهي إحدى عشرة، أو اثنتا عشرة، أو ثلاث عشرة آية [نزلت بعد الإنسان] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
خص النبي ﷺ بالنداء وعم بالخطاب [[قال محمود: «خص النبي ﷺ بالنداء وعم بالخطاب ... الخ» قال أحمد: وعلى هذا الفرق جرى قوله تعالى حكاية عن فرعون: قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى فأفرد موسى عليه السلام بالنداء، لأنه كان أجل الاثنين عليهما السلام وعمهما بالخطاب. وقد تقدم فيه وجه آخر.]] ، لأنّ النبي إمام أمّته وقدوتهم، كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم: يا فلان افعلوا كيت وكيت، إظهارا لتقدّمه واعتبارا لترؤسه، وأنه مدرة قومه [[قوله «وأنه مدرة قومه» في الصحاح العرب تسمى القرية مدرة اه، فالمعنى أنه بمنزلة القرية لقومه. (ع)]] ولسانهم، والذي يصدرون عن رأيه ولا يستبدّون بأمر دونه، فكان هو وحده في حكم كلهم، وسادّا مسدّ جميعهم. ومعنى إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ إذا أردتم تطليقهنّ وهممتم به على تنزيل المقبل على الأمر المشارف له منزلة الشارع فيه: كقوله عليه السلام «من قتل قتيلا فله سلبه» [[متفق عليه. وقد تقدم في أوائل البقرة.]] ومنه كان الماشي إلى الصلاة والمنتظر لها في حكم المصلى فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ فطلقوهن مستقبلات لعدتهن [[قال محمود: «ومعنى فطلقوهن مستقبلات لعدتهن ... الخ» قال أحمد: حمل القراءتين المستفيضة والشاذة على أن وقت الطلاق هو الوقت الذي تكون العدة مستقبلة بالنسبة إليه، وادعى أن ذلك معنى المستقبل فيها، ونظر اللام فيها باللام في قولك مؤرخا الليلة. الليلة بقيت من المحرم، وإنما يعنى أن العدة بالحيض: كل ذلك تحامل لمذهب أبى حنيفة في أن الأقراء الحيض، ولا يتم له ذلك، فقد استدل أصحابنا بالقراءة المستفيضة، وأكدوا الدلالة بالشاذة على أن الأقراء الأطهار. ووجه الاستدلال لها على ذلك: أن الله تعالى جعلى العدة- وإن كانت في الأصل مصدرا- ظرفا الطلاق المأمور به. وكثيرا ما تستعمل العرب المصادر ظرفا، مثل خفوق النجم ومقدم الحاج. وإذا كانت العدة ظرفا للطلاق المأمور به، وزمانه هو الطهر وفاقا، فالطهر عدة إذا. ونظير اللام هنا على التحقيق: اللام في قوله يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي وإنما تمنى أن لو عمل عملا في حياته، وقراءته عليه السلام: في قبل عدتهن، تحقق ذلك. فان قيل. الشيء جزء منه وداخل فيه وفي صفة مسح الرأس فأقبل بهما وأدبر، أى مسح قبل الرأس وهو مقدمها، فحينئذ قبل العدة جزء منها وهو الطهر.]] ، كقولك: أتيته لليلة بقيت من المحرم، أى:
مستقبلا لها. وفي قراءة رسول الله ﷺ: في قبل عدّتهنّ، وإذا طلقت المرأة في الطهر المتقدم للقرء الأوّل من أقرائها، فقد طلقت مستقبلة لعدتها. والمراد: أن يطلقن في طهر لم يجامعن فيه [[قال محمود: «والمراد أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه ... الخ» قال أحمد: الأمر كما نقله، وضابط السنة عند مالك: أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه واحدة وهي غير معتدة. والآية تدل لمذهبه على تأويل المتقدمين جميعا، أما على تأويل الزمخشري وتفسيره المقيد بالاستقبال، فلأن الطلاق المأمور به أى المأذون فيه في الآية:
مقيد بوقت تكون العدة مستقبلة بالنسبة إليه، وهذا يأبى وقوع الطلاق في أثناء العدة الماضي بعضها. وأما على تأويلنا فلأنه مقيد بزمان يكون أولا للعدة وقبلا لها، وهذا يأبى من وقوعه مرادفا في الطهر الثاني والثالث، غير أن البدعة عند مالك تتفاوت، فلا جرم قال إن طلقها في الحيض أجبر على الرجعة، فإن أبى ارتجع عليه الحاكم، وإن طلقها في طهر مسها فيه أو أردف الطلاق لم يجبره،]] ، ثم يخلين حتى تنقضي عدّتهنّ، وهذا أحسن الطلاق وأدخله في السنة وأبعده من الندم، ويدل عليه ما روى عن إبراهيم النخعي أنّ أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يستحبون أن لا يطلقوا أزواجهم للسنة إلا واحدة، ثم لا يطلقوا غير ذلك حتى تنقضي العدّة، وكان أحسن عندهم من أن يطلق الرجل ثلاثا في ثلاثة أطهار. وقال مالك بن أنس رضى الله عنه: لا أعرف طلاق السنة إلا واحدة، وكان يكره الثلاث مجموعة كانت أو متفرقة.
وأما أبو حنيفة وأصحابه فإنما كرهوا ما زاد على الواحدة في طهر واحد، فأما مفرقا في الأطهار فلا، لما روى عن رسول الله ﷺ أنه قال لابن عمر حين طلق امرأته وهي حائض:
ما هكذا أمرك الله، إنما السنة أن تستقبل الطهر استقبالا، وتطلقها لكل قرء تطليقة [[أخرجه الدارقطني من رواية عطاء الخراساني عن الحسن عن ابن عمر به، وأتم منه.]] وروى أنه قال لعمر: مر ابنك فليراجعها، ثم ليدعها حتى تحيض ثم تطهر، ثم ليطلقها إن شاء، فتلك العدّة التي أمر الله أن تطلق لها النساء [[متفق عليه من حديث ابن عمر رضى الله عنهما.]] . وعند الشافعي رضى الله عنه: لا بأس بإرسال الثلاث، وقال: لا أعرف في عدد الطلاق سنة ولا بدعة وهو مباح. فما لك تراعى في طلاق السنة الواحدة والوقت، وأبو حنيفة يراعى التفريق والوقت، والشافعي يراعى الوقت وحده.
فإن قلت: هل يقع الطلاق المخالف للسنة؟ قلت: نعم، وهو آثم، لما روى عن النبي ﷺ أنّ رجلا طلق امرأته ثلاثا بين يديه، فقال، أتلعبون بكتاب الله وأنا بين أظهركم»
. وفي حديث ابن عمر أنه قال: يا رسول الله، أرأيت لو طلقتها ثلاثا، فقال له:
إذن عصيت وبانت منك امرأتك [[هو في آخر الحديث الثاني عند الدارقطني ولفظه «فقلت: يا رسول الله، أفرأيت لو طلقتها أثلاثا أكان يحل لي أن أراجعها؟ قال: لا. كانت تبين منك، وكانت معصية» واللفظ الذي في الكتاب موقوف. في الصحيح على ابن عمر رضى الله عنهما.]] . وعن عمر رضى الله عنه أنه كان لا يؤتى برجل طلق امرأته ثلاثا إلا أوجعه ضربا. وأجاز ذلك عليه [[أخرجه ابن أبى شيبة وعبد الرزاق من رواية شقيق بن عبد الله عن أنس قال: كان عمر رضى الله عنه إذا أتى برجل طلق امرأته ثلاثا في مجلس أوجعه ضربا. وفرق بينهما» .]] . وعن سعيد بن المسيب وجماعة من التابعين:
أنّ من خالف السنة في الطلاق فأوقعه في حيض أو ثلث لم يقع، وشبهوه بمن وكل غيره بطلاق السنة فخالف. فإن قلت: كيف تطلق للسنة التي لا تحيض لصغر أو كبر أو حمل وغير المدخول بها؟ قلت: الصغيرة والآيسة والحامل كلهن عند أبى حنيفة وأبى يوسف يفرق عليهن الثلاث في الأشهر، وخالفهما محمد وزفر في الحامل فقالا: لا تطلق للسنة إلا واحدة. وأما غير المدخول بها فلا تطلق للسنة إلا واحدة، ولا يراعى الوقت. فإن قلت: هل يكره أن تطلق المدخول بها واحدة بائنة؟ قلت: اختلفت الرواية فيه عن أصحابنا. والظاهر الكراهة. فإن قلت: قوله إذا طلقتم النساء عام يتناول المدخول بهن وغير المدخول بهن من ذوات الأقراء والآيسات والصغائر والحوامل، فكيف صحّ تخصيصه بذوات الأقراء المدخول بهن؟ قلت: لا عموم ثم ولا خصوص، ولكن النساء اسم جنس للإناث من الإنس، وهذه الجنسية معنى قائم في كلهن وفي بعضهن، فجاز أن يراد بالنساء هذا وذاك، فلما قيل فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ علم أنه أطلق على بعضهنّ وهنّ المدخول بهن من المعتدات بالحيض وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ واضبطوها بالحفظ وأكملوها ثلاثة أقراء مستقبلات كوامل لا نقصان فيهن [[قال محمود: «معناه أكملوا العدة أقراء ثلاثة مستوفاة» قال أحمد: وقوله وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ توطئة لقوله لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ حتى كأنه نهى عن الإخراج مرتين: مندرجا في العموم، ومفرد بالخصوص. وقد تقدمت أمثاله.]] لا تُخْرِجُوهُنَّ حتى تنقضي عدتهنّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ من مساكنهنّ التي يسكنها قبل العدة، وهي بيوت الأزواج، وأضيفت إليهنّ لاختصاصها بهنّ من حيث السكنى. فإن قلت: ما معنى الجمع بين إخراجهم أو خروجهن [[قوله «بين إخراجهم أو خروجهن» لعله: وخروجهن. (ع)]] ؟ قلت: معنى الإخراج [[قوله «قلت: معنى الإخراج» الأولى: معنى الجمع بينهما، وإلا فالأولى فيما يأتى، ومعنى الخروج: أن لا يخرجن بأنفسهن. (ع)]] : أن لا يخرجهن البعولة غضبا عليهن وكراهة لمساكنتهن، أو لحاجة لهم إلى المساكن، وأن لا يأذنوا لهنّ في الخروج إذا طلبن ذلك، إيذانا بأنّ إذنهم لا أثر له في رفع الحظر، ولا يخرجن بأنفسهن إن أردن ذلك إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ قرئ بفتح الياء وكسرها. قيل: هي الزنا، يعنى إلا أن يزنين فيخرجن لإقامة الحد عليهن وقيل: إلا أن يطلقن على النشوز، والنشوز يسقط حقهنّ في السكنى. وقيل: إلا أن يبذون [[قوله «وقيل إلا أن يبذون» في الصحاح: البذاءة- بالمد: الفحش، تقول: بذوت على القوم وأبذيت، وقد بذو الرجل. (ع)]] فيحل إخراجهنّ لبذائهنّ، وتؤكده قراءة أبىّ: إلا أن يفحشن عليكم. وقيل: خروجها قبل انقضاء العدة فاحشة في نفسه. الأمر الذي يحدثه الله: أن يقلب قلبه من بغضها إلى محبتها، ومن الرغبة عنها إلى الرغبة فيها. ومن عزيمة الطلاق إلى الندم عليه فيراجعها. والمعنى: فطلقوهنّ لعدتهن وأحصوا العدة، لعلكم ترغبون وتندمون فتراجعون فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ وهو آخر العدة وشارفنه، فأنتم بالخيار: إن شئتم فالرجعة والإمساك بالمعروف والإحسان، وإن شئتم فترك الرجعة والمفارقة واتقاء الضرار وهو أن يراجعها في آخر عدتها ثم يطلقها تطويلا للعدة عليها وتعذيبا لها وَأَشْهِدُوا يعنى عند الرجعة والفرقة جميعا. وهذا الإشهاد مندوب إليه عند أبى حنيفة كقوله وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وعند الشافعي: هو واجب في الرجعة مندوب إليه في الفرقة. وقيل: فائدة الإشهاد أن لا يقع بينهما التجاحد، وأن لا يتهم في إمساكها، ولئلا يموت أحدهما فيدعى الباقي ثبوت الزوجية ليرث مِنْكُمْ قال الحسن: من المسلمين. وعن قتادة: من أحراركم لِلَّهِ لوجهه خالصا، وذلك أن تقيموها لا للمشهود له ولا للمشهود عليه، ولا لغرض من الأغراض سوى إقامة الحق ودفع الظلم، كقوله تعالى كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أى ذلِكُمْ الحث على إقامة الشهادة لوجه الله ولأجل القيام بالقسط يُوعَظُ بِهِ...... وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يجوز أن تكون جملة اعتراضية مؤكدة لما سبق من إجراء أمر الطلاق على السنة، وطريقه الأحسن والأبعد من الندم، ويكون المعنى: ومن يتق الله فطلق للسنة ولم يضار المعتدة ولم يخرجها من مسكنها واحتاط فأشهد يَجْعَلْ الله لَهُ مَخْرَجاً مما في شأن الأزواج من الغموم والوقوع في المضايق، ويفرج عنه وينفس ويعطه الخلاص وَيَرْزُقْهُ من وجه لا يخطره بباله ولا يحتسبه إن أو في المهر وأدى الحقوق والنفقات وقل ماله. وعن النبي ﷺ أنه سئل عمن طلق ثلاثا أو ألفا، هل له من مخرج؟
فتلاها [[أخرجه الدارقطني والطبراني وابن مردويه من طريق عبيد الله بن الوليد وغيره عن إبراهيم بن عبد الله ابن عبادة بن الصامت عن أبيه عن جده. قال «طلق بعض آبائي امرأته ألفا فانطلق بنوه، فقالوا: يا رسول الله إن أبانا طلق أمنا ألفا. فهل له مخرج. فقال: إن أباكم لم يتق الله فيجعل له مخرجا- الحديث» وفي إسناده جماعة من الضعفاء. رواه إسحاق في مسنده عن ابن إدريس عن عبيد الله بن الوليد عن داود بن إبراهيم عن عبادة بن الصامت كذا قال.]] . وعن ابن عباس أنه سئل عن ذلك فقال: لم تتق الله فلم يجعل لك مخرجا، بانت منك بثلاث والزيادة إثم في عنقك. ويجوز أن يجاء بها على سبيل الاستطراد عند ذكر قوله ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ يعنى: ومن يتق الله يجعل له مخرجا ومخلصا من غموم الدنيا والآخرة. وعن النبي ﷺ أنه قرأها فقال: مخرجا من شبهات الدنيا ومن غمرات الموت ومن شدائد يوم القيامة [[أخرجه الثعلبي والواحدي من رواية سعيد بن راشد عن عبد الله بن سعيد بن أبى هند عن زيد بن أسلم عن عطاء عن ابن عباس به مرفوعا. ورواه أبو نعيم موقوفا على قتادة في ترجمته في الحلية.]] . وقال عليه السلام: إنى لأعلم آية لو أخذ الناس بها لكفتهم وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ ...
فما زال يقرؤها ويعيدها [[أخرجه أحمد في الزهد وابن ماجة وابن حبان والحاكم من طريق ابن السلبل حزيب بن مغير عن أبى ذر مرفوعا]] . وروى أنّ عوف بن مالك الأشجعى أسر المشركون ابنا له يسمى سالما. فأتى رسول الله فقال: أسر ابني وشكا إليه الفاقة، فقال: ما أمسى عند آل محمد إلا مدّ فاتق الله واصبر وأكثر من قول لا حول ولا قوّة إلا بالله، ففعل فبينا هو في بيته إذ قرع ابنه الباب ومعه مائة من الإبل تغفل عنها العدو فاستاقها، فنزلت هذه الآية [[أخرجه الثعلبي من طريق الكلبي عن أبى صالح عن ابن عباس قال «جاء عوف بن مالك الأشجعى إلى النبي ﷺ فذكره نحوه. ولم يسم الابن، لكن قال: أنه أحضر أربعة آلاف شاة ورواه البيهقي في الدلائل من طريق أبى عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه نحوه. وفيه فلم يلبث الرجل أن رد الله عليه ابنه وإبله أو فر ما كانت. فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره فقام على المنبر فحمد الله وأثنى عليه وأمرهم بمسألة الله والرغبة إليه. وقرأ عليهم وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ- الآية وروى الحاكم من طريق سالم بن الجعد عن جابر قال «نزلت هذه الآية في رجل من أشجع كان فقيرا خفيف ذات اليد كثير العيال، فأتى رسول الله ﷺ فسأله. فقال: اتق الله واصبر، فلم يلبث إلا يسيرا حتى جاء ابن له بغنم كان العدو أصابها. فذكره مختصرا. وفيه عبيد بن كثير تركه الأزدى وعباد عن يعقوب. وهو رافضي.]] بالِغُ أَمْرِهِ أى يبلغ ما يريد لا يفوته مراد ولا يعجزه مطلوب. وقرئ: بالغ أمره بالإضافة، وبالغ أمره:
بالرفع، أى: نافذ أمره وقرأ المفضل: بالغا أمره، على أنّ قوله قَدْ جَعَلَ اللَّهُ خبر إن، وبالغا حال قَدْراً تقديرا وتوقيتا. وهذا بيان لوجوب التوكل على الله [[قال محمود: «قوله بالِغُ أَمْرِهِ بيان لوجوب التوكل على الله، وتفويض الأمر إليه ... الخ» قال أحمد:
ليس بعشك فادرجى أيراه القدري، وأين التسليم للقدر وليس هذا دينه ولا معتقده من تقسيم الحوادث ثلاثة أقسام:
فمنها ما يريد الله تعالى وجوده وهو المأمورات ولا يقع أكثر مراده منها، ومنها ما يريد عدمه وهو المنهيات فيوجد أكثرها على خلاف مراده، ومنها ما لا يريد عدمه ولا وجوده فان وجد فبغير إرادته عز وجل وإن عدم فكذلك فيتحصل من هذا الهذيان الذي لا يتصور أن الكائنات إنما تتبع إرادة الخلق لأنها لا تقع إلا بها، فان واقت إرادة الله تعالى فليس وقوعها تابعا لها لأنها وقعت بدونها، وإن خالفت إرادة الله تعالى لم يكن لمخالفتها للارادة الربانية تأثير في منع وقوعها، فمن يتوغل في أدغال هذا الضلال كيف له بالتوكل الذي يتوقف على اعتقاد أن الكائنات جميعها إنما تتوقف على إرادة الله عز وجل، فمهما أراده وقع، ومهما لم يرده لم يقع، شاء العبد أو أبى، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، والعبد مجرى لحدوث الكائنات الواقعة بقدرة الله تعالى وإرادته لا غير، لا راد لأمره ولا معقب لحكمه، فما القدري من هذا المقام الشريف إلا على مراحل لا يقربه إليها إلا راحلة الانصاف وزاد التقوى ودليل التوفيق، والله حسبنا ونعم الوكيل.]] ، وتفويض الأمر إليه، لأنه إذا علم أنّ كل شيء من الرزق ونحوه لا يكون إلا بتقديره وتوقيته: لم يبق إلا التسليم للقدر والتوكل.
الطلاق 65:3
مدنية، وهي إحدى عشرة، أو اثنتا عشرة، أو ثلاث عشرة آية [نزلت بعد الإنسان] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
خص النبي ﷺ بالنداء وعم بالخطاب [[قال محمود: «خص النبي ﷺ بالنداء وعم بالخطاب ... الخ» قال أحمد: وعلى هذا الفرق جرى قوله تعالى حكاية عن فرعون: قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى فأفرد موسى عليه السلام بالنداء، لأنه كان أجل الاثنين عليهما السلام وعمهما بالخطاب. وقد تقدم فيه وجه آخر.]] ، لأنّ النبي إمام أمّته وقدوتهم، كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم: يا فلان افعلوا كيت وكيت، إظهارا لتقدّمه واعتبارا لترؤسه، وأنه مدرة قومه [[قوله «وأنه مدرة قومه» في الصحاح العرب تسمى القرية مدرة اه، فالمعنى أنه بمنزلة القرية لقومه. (ع)]] ولسانهم، والذي يصدرون عن رأيه ولا يستبدّون بأمر دونه، فكان هو وحده في حكم كلهم، وسادّا مسدّ جميعهم. ومعنى إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ إذا أردتم تطليقهنّ وهممتم به على تنزيل المقبل على الأمر المشارف له منزلة الشارع فيه: كقوله عليه السلام «من قتل قتيلا فله سلبه» [[متفق عليه. وقد تقدم في أوائل البقرة.]] ومنه كان الماشي إلى الصلاة والمنتظر لها في حكم المصلى فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ فطلقوهن مستقبلات لعدتهن [[قال محمود: «ومعنى فطلقوهن مستقبلات لعدتهن ... الخ» قال أحمد: حمل القراءتين المستفيضة والشاذة على أن وقت الطلاق هو الوقت الذي تكون العدة مستقبلة بالنسبة إليه، وادعى أن ذلك معنى المستقبل فيها، ونظر اللام فيها باللام في قولك مؤرخا الليلة. الليلة بقيت من المحرم، وإنما يعنى أن العدة بالحيض: كل ذلك تحامل لمذهب أبى حنيفة في أن الأقراء الحيض، ولا يتم له ذلك، فقد استدل أصحابنا بالقراءة المستفيضة، وأكدوا الدلالة بالشاذة على أن الأقراء الأطهار. ووجه الاستدلال لها على ذلك: أن الله تعالى جعلى العدة- وإن كانت في الأصل مصدرا- ظرفا الطلاق المأمور به. وكثيرا ما تستعمل العرب المصادر ظرفا، مثل خفوق النجم ومقدم الحاج. وإذا كانت العدة ظرفا للطلاق المأمور به، وزمانه هو الطهر وفاقا، فالطهر عدة إذا. ونظير اللام هنا على التحقيق: اللام في قوله يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي وإنما تمنى أن لو عمل عملا في حياته، وقراءته عليه السلام: في قبل عدتهن، تحقق ذلك. فان قيل. الشيء جزء منه وداخل فيه وفي صفة مسح الرأس فأقبل بهما وأدبر، أى مسح قبل الرأس وهو مقدمها، فحينئذ قبل العدة جزء منها وهو الطهر.]] ، كقولك: أتيته لليلة بقيت من المحرم، أى:
مستقبلا لها. وفي قراءة رسول الله ﷺ: في قبل عدّتهنّ، وإذا طلقت المرأة في الطهر المتقدم للقرء الأوّل من أقرائها، فقد طلقت مستقبلة لعدتها. والمراد: أن يطلقن في طهر لم يجامعن فيه [[قال محمود: «والمراد أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه ... الخ» قال أحمد: الأمر كما نقله، وضابط السنة عند مالك: أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه واحدة وهي غير معتدة. والآية تدل لمذهبه على تأويل المتقدمين جميعا، أما على تأويل الزمخشري وتفسيره المقيد بالاستقبال، فلأن الطلاق المأمور به أى المأذون فيه في الآية:
مقيد بوقت تكون العدة مستقبلة بالنسبة إليه، وهذا يأبى وقوع الطلاق في أثناء العدة الماضي بعضها. وأما على تأويلنا فلأنه مقيد بزمان يكون أولا للعدة وقبلا لها، وهذا يأبى من وقوعه مرادفا في الطهر الثاني والثالث، غير أن البدعة عند مالك تتفاوت، فلا جرم قال إن طلقها في الحيض أجبر على الرجعة، فإن أبى ارتجع عليه الحاكم، وإن طلقها في طهر مسها فيه أو أردف الطلاق لم يجبره،]] ، ثم يخلين حتى تنقضي عدّتهنّ، وهذا أحسن الطلاق وأدخله في السنة وأبعده من الندم، ويدل عليه ما روى عن إبراهيم النخعي أنّ أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يستحبون أن لا يطلقوا أزواجهم للسنة إلا واحدة، ثم لا يطلقوا غير ذلك حتى تنقضي العدّة، وكان أحسن عندهم من أن يطلق الرجل ثلاثا في ثلاثة أطهار. وقال مالك بن أنس رضى الله عنه: لا أعرف طلاق السنة إلا واحدة، وكان يكره الثلاث مجموعة كانت أو متفرقة.
وأما أبو حنيفة وأصحابه فإنما كرهوا ما زاد على الواحدة في طهر واحد، فأما مفرقا في الأطهار فلا، لما روى عن رسول الله ﷺ أنه قال لابن عمر حين طلق امرأته وهي حائض:
ما هكذا أمرك الله، إنما السنة أن تستقبل الطهر استقبالا، وتطلقها لكل قرء تطليقة [[أخرجه الدارقطني من رواية عطاء الخراساني عن الحسن عن ابن عمر به، وأتم منه.]] وروى أنه قال لعمر: مر ابنك فليراجعها، ثم ليدعها حتى تحيض ثم تطهر، ثم ليطلقها إن شاء، فتلك العدّة التي أمر الله أن تطلق لها النساء [[متفق عليه من حديث ابن عمر رضى الله عنهما.]] . وعند الشافعي رضى الله عنه: لا بأس بإرسال الثلاث، وقال: لا أعرف في عدد الطلاق سنة ولا بدعة وهو مباح. فما لك تراعى في طلاق السنة الواحدة والوقت، وأبو حنيفة يراعى التفريق والوقت، والشافعي يراعى الوقت وحده.
فإن قلت: هل يقع الطلاق المخالف للسنة؟ قلت: نعم، وهو آثم، لما روى عن النبي ﷺ أنّ رجلا طلق امرأته ثلاثا بين يديه، فقال، أتلعبون بكتاب الله وأنا بين أظهركم»
. وفي حديث ابن عمر أنه قال: يا رسول الله، أرأيت لو طلقتها ثلاثا، فقال له:
إذن عصيت وبانت منك امرأتك [[هو في آخر الحديث الثاني عند الدارقطني ولفظه «فقلت: يا رسول الله، أفرأيت لو طلقتها أثلاثا أكان يحل لي أن أراجعها؟ قال: لا. كانت تبين منك، وكانت معصية» واللفظ الذي في الكتاب موقوف. في الصحيح على ابن عمر رضى الله عنهما.]] . وعن عمر رضى الله عنه أنه كان لا يؤتى برجل طلق امرأته ثلاثا إلا أوجعه ضربا. وأجاز ذلك عليه [[أخرجه ابن أبى شيبة وعبد الرزاق من رواية شقيق بن عبد الله عن أنس قال: كان عمر رضى الله عنه إذا أتى برجل طلق امرأته ثلاثا في مجلس أوجعه ضربا. وفرق بينهما» .]] . وعن سعيد بن المسيب وجماعة من التابعين:
أنّ من خالف السنة في الطلاق فأوقعه في حيض أو ثلث لم يقع، وشبهوه بمن وكل غيره بطلاق السنة فخالف. فإن قلت: كيف تطلق للسنة التي لا تحيض لصغر أو كبر أو حمل وغير المدخول بها؟ قلت: الصغيرة والآيسة والحامل كلهن عند أبى حنيفة وأبى يوسف يفرق عليهن الثلاث في الأشهر، وخالفهما محمد وزفر في الحامل فقالا: لا تطلق للسنة إلا واحدة. وأما غير المدخول بها فلا تطلق للسنة إلا واحدة، ولا يراعى الوقت. فإن قلت: هل يكره أن تطلق المدخول بها واحدة بائنة؟ قلت: اختلفت الرواية فيه عن أصحابنا. والظاهر الكراهة. فإن قلت: قوله إذا طلقتم النساء عام يتناول المدخول بهن وغير المدخول بهن من ذوات الأقراء والآيسات والصغائر والحوامل، فكيف صحّ تخصيصه بذوات الأقراء المدخول بهن؟ قلت: لا عموم ثم ولا خصوص، ولكن النساء اسم جنس للإناث من الإنس، وهذه الجنسية معنى قائم في كلهن وفي بعضهن، فجاز أن يراد بالنساء هذا وذاك، فلما قيل فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ علم أنه أطلق على بعضهنّ وهنّ المدخول بهن من المعتدات بالحيض وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ واضبطوها بالحفظ وأكملوها ثلاثة أقراء مستقبلات كوامل لا نقصان فيهن [[قال محمود: «معناه أكملوا العدة أقراء ثلاثة مستوفاة» قال أحمد: وقوله وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ توطئة لقوله لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ حتى كأنه نهى عن الإخراج مرتين: مندرجا في العموم، ومفرد بالخصوص. وقد تقدمت أمثاله.]] لا تُخْرِجُوهُنَّ حتى تنقضي عدتهنّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ من مساكنهنّ التي يسكنها قبل العدة، وهي بيوت الأزواج، وأضيفت إليهنّ لاختصاصها بهنّ من حيث السكنى. فإن قلت: ما معنى الجمع بين إخراجهم أو خروجهن [[قوله «بين إخراجهم أو خروجهن» لعله: وخروجهن. (ع)]] ؟ قلت: معنى الإخراج [[قوله «قلت: معنى الإخراج» الأولى: معنى الجمع بينهما، وإلا فالأولى فيما يأتى، ومعنى الخروج: أن لا يخرجن بأنفسهن. (ع)]] : أن لا يخرجهن البعولة غضبا عليهن وكراهة لمساكنتهن، أو لحاجة لهم إلى المساكن، وأن لا يأذنوا لهنّ في الخروج إذا طلبن ذلك، إيذانا بأنّ إذنهم لا أثر له في رفع الحظر، ولا يخرجن بأنفسهن إن أردن ذلك إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ قرئ بفتح الياء وكسرها. قيل: هي الزنا، يعنى إلا أن يزنين فيخرجن لإقامة الحد عليهن وقيل: إلا أن يطلقن على النشوز، والنشوز يسقط حقهنّ في السكنى. وقيل: إلا أن يبذون [[قوله «وقيل إلا أن يبذون» في الصحاح: البذاءة- بالمد: الفحش، تقول: بذوت على القوم وأبذيت، وقد بذو الرجل. (ع)]] فيحل إخراجهنّ لبذائهنّ، وتؤكده قراءة أبىّ: إلا أن يفحشن عليكم. وقيل: خروجها قبل انقضاء العدة فاحشة في نفسه. الأمر الذي يحدثه الله: أن يقلب قلبه من بغضها إلى محبتها، ومن الرغبة عنها إلى الرغبة فيها. ومن عزيمة الطلاق إلى الندم عليه فيراجعها. والمعنى: فطلقوهنّ لعدتهن وأحصوا العدة، لعلكم ترغبون وتندمون فتراجعون فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ وهو آخر العدة وشارفنه، فأنتم بالخيار: إن شئتم فالرجعة والإمساك بالمعروف والإحسان، وإن شئتم فترك الرجعة والمفارقة واتقاء الضرار وهو أن يراجعها في آخر عدتها ثم يطلقها تطويلا للعدة عليها وتعذيبا لها وَأَشْهِدُوا يعنى عند الرجعة والفرقة جميعا. وهذا الإشهاد مندوب إليه عند أبى حنيفة كقوله وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وعند الشافعي: هو واجب في الرجعة مندوب إليه في الفرقة. وقيل: فائدة الإشهاد أن لا يقع بينهما التجاحد، وأن لا يتهم في إمساكها، ولئلا يموت أحدهما فيدعى الباقي ثبوت الزوجية ليرث مِنْكُمْ قال الحسن: من المسلمين. وعن قتادة: من أحراركم لِلَّهِ لوجهه خالصا، وذلك أن تقيموها لا للمشهود له ولا للمشهود عليه، ولا لغرض من الأغراض سوى إقامة الحق ودفع الظلم، كقوله تعالى كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أى ذلِكُمْ الحث على إقامة الشهادة لوجه الله ولأجل القيام بالقسط يُوعَظُ بِهِ...... وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يجوز أن تكون جملة اعتراضية مؤكدة لما سبق من إجراء أمر الطلاق على السنة، وطريقه الأحسن والأبعد من الندم، ويكون المعنى: ومن يتق الله فطلق للسنة ولم يضار المعتدة ولم يخرجها من مسكنها واحتاط فأشهد يَجْعَلْ الله لَهُ مَخْرَجاً مما في شأن الأزواج من الغموم والوقوع في المضايق، ويفرج عنه وينفس ويعطه الخلاص وَيَرْزُقْهُ من وجه لا يخطره بباله ولا يحتسبه إن أو في المهر وأدى الحقوق والنفقات وقل ماله. وعن النبي ﷺ أنه سئل عمن طلق ثلاثا أو ألفا، هل له من مخرج؟
فتلاها [[أخرجه الدارقطني والطبراني وابن مردويه من طريق عبيد الله بن الوليد وغيره عن إبراهيم بن عبد الله ابن عبادة بن الصامت عن أبيه عن جده. قال «طلق بعض آبائي امرأته ألفا فانطلق بنوه، فقالوا: يا رسول الله إن أبانا طلق أمنا ألفا. فهل له مخرج. فقال: إن أباكم لم يتق الله فيجعل له مخرجا- الحديث» وفي إسناده جماعة من الضعفاء. رواه إسحاق في مسنده عن ابن إدريس عن عبيد الله بن الوليد عن داود بن إبراهيم عن عبادة بن الصامت كذا قال.]] . وعن ابن عباس أنه سئل عن ذلك فقال: لم تتق الله فلم يجعل لك مخرجا، بانت منك بثلاث والزيادة إثم في عنقك. ويجوز أن يجاء بها على سبيل الاستطراد عند ذكر قوله ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ يعنى: ومن يتق الله يجعل له مخرجا ومخلصا من غموم الدنيا والآخرة. وعن النبي ﷺ أنه قرأها فقال: مخرجا من شبهات الدنيا ومن غمرات الموت ومن شدائد يوم القيامة [[أخرجه الثعلبي والواحدي من رواية سعيد بن راشد عن عبد الله بن سعيد بن أبى هند عن زيد بن أسلم عن عطاء عن ابن عباس به مرفوعا. ورواه أبو نعيم موقوفا على قتادة في ترجمته في الحلية.]] . وقال عليه السلام: إنى لأعلم آية لو أخذ الناس بها لكفتهم وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ ...
فما زال يقرؤها ويعيدها [[أخرجه أحمد في الزهد وابن ماجة وابن حبان والحاكم من طريق ابن السلبل حزيب بن مغير عن أبى ذر مرفوعا]] . وروى أنّ عوف بن مالك الأشجعى أسر المشركون ابنا له يسمى سالما. فأتى رسول الله فقال: أسر ابني وشكا إليه الفاقة، فقال: ما أمسى عند آل محمد إلا مدّ فاتق الله واصبر وأكثر من قول لا حول ولا قوّة إلا بالله، ففعل فبينا هو في بيته إذ قرع ابنه الباب ومعه مائة من الإبل تغفل عنها العدو فاستاقها، فنزلت هذه الآية [[أخرجه الثعلبي من طريق الكلبي عن أبى صالح عن ابن عباس قال «جاء عوف بن مالك الأشجعى إلى النبي ﷺ فذكره نحوه. ولم يسم الابن، لكن قال: أنه أحضر أربعة آلاف شاة ورواه البيهقي في الدلائل من طريق أبى عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه نحوه. وفيه فلم يلبث الرجل أن رد الله عليه ابنه وإبله أو فر ما كانت. فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره فقام على المنبر فحمد الله وأثنى عليه وأمرهم بمسألة الله والرغبة إليه. وقرأ عليهم وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ- الآية وروى الحاكم من طريق سالم بن الجعد عن جابر قال «نزلت هذه الآية في رجل من أشجع كان فقيرا خفيف ذات اليد كثير العيال، فأتى رسول الله ﷺ فسأله. فقال: اتق الله واصبر، فلم يلبث إلا يسيرا حتى جاء ابن له بغنم كان العدو أصابها. فذكره مختصرا. وفيه عبيد بن كثير تركه الأزدى وعباد عن يعقوب. وهو رافضي.]] بالِغُ أَمْرِهِ أى يبلغ ما يريد لا يفوته مراد ولا يعجزه مطلوب. وقرئ: بالغ أمره بالإضافة، وبالغ أمره:
بالرفع، أى: نافذ أمره وقرأ المفضل: بالغا أمره، على أنّ قوله قَدْ جَعَلَ اللَّهُ خبر إن، وبالغا حال قَدْراً تقديرا وتوقيتا. وهذا بيان لوجوب التوكل على الله [[قال محمود: «قوله بالِغُ أَمْرِهِ بيان لوجوب التوكل على الله، وتفويض الأمر إليه ... الخ» قال أحمد:
ليس بعشك فادرجى أيراه القدري، وأين التسليم للقدر وليس هذا دينه ولا معتقده من تقسيم الحوادث ثلاثة أقسام:
فمنها ما يريد الله تعالى وجوده وهو المأمورات ولا يقع أكثر مراده منها، ومنها ما يريد عدمه وهو المنهيات فيوجد أكثرها على خلاف مراده، ومنها ما لا يريد عدمه ولا وجوده فان وجد فبغير إرادته عز وجل وإن عدم فكذلك فيتحصل من هذا الهذيان الذي لا يتصور أن الكائنات إنما تتبع إرادة الخلق لأنها لا تقع إلا بها، فان واقت إرادة الله تعالى فليس وقوعها تابعا لها لأنها وقعت بدونها، وإن خالفت إرادة الله تعالى لم يكن لمخالفتها للارادة الربانية تأثير في منع وقوعها، فمن يتوغل في أدغال هذا الضلال كيف له بالتوكل الذي يتوقف على اعتقاد أن الكائنات جميعها إنما تتوقف على إرادة الله عز وجل، فمهما أراده وقع، ومهما لم يرده لم يقع، شاء العبد أو أبى، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، والعبد مجرى لحدوث الكائنات الواقعة بقدرة الله تعالى وإرادته لا غير، لا راد لأمره ولا معقب لحكمه، فما القدري من هذا المقام الشريف إلا على مراحل لا يقربه إليها إلا راحلة الانصاف وزاد التقوى ودليل التوفيق، والله حسبنا ونعم الوكيل.]] ، وتفويض الأمر إليه، لأنه إذا علم أنّ كل شيء من الرزق ونحوه لا يكون إلا بتقديره وتوقيته: لم يبق إلا التسليم للقدر والتوكل.
الطلاق 65:4
روى أنّ ناسا قالوا: قد عرفنا عدة ذوات الأقراء، فما عدة اللائي لا يحضن، فنزلت: فمعنى إِنِ ارْتَبْتُمْ: إن أشكل عليكم حكمهن وجهلتم كيف يعتددن فهذا حكمهنّ، وقيل: إن ارتبتم في ذم البالغات مبلغ اليأس وقد قدروه بستين سنة وبخمس وخمسين، أهو دم حيض أو استحاضة؟
فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وإذا كانت هذه عدة المرتاب بها، فغير المرتاب بها أولى بذلك وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ هن الصغائر. والمعنى: فعدتهن ثلاثة أشهر، فحذف لدلالة المذكور عليه. اللفظ مطلق في أولات الأحمال، فاشتمل على المطلقات والمتوفى عنهن. وكان ابن مسعود وأبىّ وأبو هريرة وغيرهم لا يفرقون. وعن على وابن عباس: عدة الحامل المتوفى عنها أبعد الأجلين [[رواه البخاري في صحيحه قال: «جاء رجل إلى ابن عباس وأبو هريرة عنده. فقال: أفتنى في امرأة ولدت بعد وفاة زوجها بأربعين ليلة. فقال ابن عباس آخر الأجلين وفيه قصة سبيعة. وفيه مخالفة أبى هريرة له في ذلك رواه ابن أبى شيبة عن وكيع عن إسماعيل عن الشعبي قال قال عبد الله «أجل كل حامل حتى تضع» وكان على يقول «آخر الأجلين» وله طريق أخرى عنده موصولة من طريق عبيد بن الحسن عن عبد الرحمن بن معقل قال «شهدت عليا رضى الله عنه ... فذكره نحوه.]] . وعن عبد الله: من شاء لا عنته أنّ سورة النساء القصرى نزلت بعد التي في البقرة [[أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجة من طريق مسروق لم يذكر البخاري أوله. وزاد عبد الرزاق أنه قال ذلك لما بلغه أن عليا قال «هي في آخر الأجلين» .]] ، يعنى: أنّ هذا اللفظ مطلق في الحوامل. وروت أم سلمة أنّ سبيعة الأسلمية ولدت بعد وفاة زوجها بليال، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال لها: قد حللت فانكحي [[متفق عليه وله طرق وألفاظ. وفي رواية البخاري «فوضعت بعد موته بأربعين ليلة» .]] يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً ييسر له من أمره ويحلل له من عقده بسبب التقوى ذلِكَ أَمْرُ اللَّهِ يريد ما علم من حكم هؤلاء المعتدات. والمعنى: ومن يتق الله في العمل بما أنزل الله من هذه الأحكام وحافظ على الحقوق الواجبة عليه مما ذكر من الإسكان وترك الضرار والنفقة على الحوامل وإيتاء أجر المرضعات وغير ذلك: استوجب تكفير السيئات والأجر العظيم.
الطلاق 65:5
روى أنّ ناسا قالوا: قد عرفنا عدة ذوات الأقراء، فما عدة اللائي لا يحضن، فنزلت: فمعنى إِنِ ارْتَبْتُمْ: إن أشكل عليكم حكمهن وجهلتم كيف يعتددن فهذا حكمهنّ، وقيل: إن ارتبتم في ذم البالغات مبلغ اليأس وقد قدروه بستين سنة وبخمس وخمسين، أهو دم حيض أو استحاضة؟
فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وإذا كانت هذه عدة المرتاب بها، فغير المرتاب بها أولى بذلك وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ هن الصغائر. والمعنى: فعدتهن ثلاثة أشهر، فحذف لدلالة المذكور عليه. اللفظ مطلق في أولات الأحمال، فاشتمل على المطلقات والمتوفى عنهن. وكان ابن مسعود وأبىّ وأبو هريرة وغيرهم لا يفرقون. وعن على وابن عباس: عدة الحامل المتوفى عنها أبعد الأجلين [[رواه البخاري في صحيحه قال: «جاء رجل إلى ابن عباس وأبو هريرة عنده. فقال: أفتنى في امرأة ولدت بعد وفاة زوجها بأربعين ليلة. فقال ابن عباس آخر الأجلين وفيه قصة سبيعة. وفيه مخالفة أبى هريرة له في ذلك رواه ابن أبى شيبة عن وكيع عن إسماعيل عن الشعبي قال قال عبد الله «أجل كل حامل حتى تضع» وكان على يقول «آخر الأجلين» وله طريق أخرى عنده موصولة من طريق عبيد بن الحسن عن عبد الرحمن بن معقل قال «شهدت عليا رضى الله عنه ... فذكره نحوه.]] . وعن عبد الله: من شاء لا عنته أنّ سورة النساء القصرى نزلت بعد التي في البقرة [[أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجة من طريق مسروق لم يذكر البخاري أوله. وزاد عبد الرزاق أنه قال ذلك لما بلغه أن عليا قال «هي في آخر الأجلين» .]] ، يعنى: أنّ هذا اللفظ مطلق في الحوامل. وروت أم سلمة أنّ سبيعة الأسلمية ولدت بعد وفاة زوجها بليال، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال لها: قد حللت فانكحي [[متفق عليه وله طرق وألفاظ. وفي رواية البخاري «فوضعت بعد موته بأربعين ليلة» .]] يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً ييسر له من أمره ويحلل له من عقده بسبب التقوى ذلِكَ أَمْرُ اللَّهِ يريد ما علم من حكم هؤلاء المعتدات. والمعنى: ومن يتق الله في العمل بما أنزل الله من هذه الأحكام وحافظ على الحقوق الواجبة عليه مما ذكر من الإسكان وترك الضرار والنفقة على الحوامل وإيتاء أجر المرضعات وغير ذلك: استوجب تكفير السيئات والأجر العظيم.
الطلاق 65:6
أَسْكِنُوهُنَّ وما بعده: بيان لما شرط من التقوى في قوله وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ كأنه قيل:
كيف نعمل بالتقوى في شأن المعتدات؟ فقيل: أسكنوهن. فإن قلت: من في مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ ما هي؟ قلت: هي من التبعيضية مبعضها محذوف [[قوله «مبعضها محذوف معناه» قد يقال: مبعضها هو مدخولها، وهو حَيْثُ سَكَنْتُمْ بمعنى مكان سكناهم فلا حذف، إلا أن يراد بمبعضها البعض المدلول عليه بها. (ع)]] معناه: أسكنوهن مكانا من حيث سكنتم، أى بعض مكان سكناكم، كقوله تعالى يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ أى بعض أبصارهم. قال قتادة: إن لم يكن إلا بيت واحد، فأسكنها في بعض جوانبه. فإن قلت: فقوله مِنْ وُجْدِكُمْ؟ [[قوله «فان قلت فقوله من وجدكم» لعل عقبه سقطا تقديره. ما موقعه؟ (ع)]] قلت: هو عطف بيان لقوله مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ وتفسير له، كأنه قيل: أسكنوهن مكانا من مسكنكم مما تطيقونه. والوجد: الوسع والطاقة. وقرئ بالحركات الثلاث. والكنى والنفقة:
واجبتان لكل مطلقة. وعند مالك والشافعي: ليس للمبتوتة إلا السكنى ولا نفقة لها. وعن الحسن وحماد: لا نفقة لها ولا سكنى، لحديث فاطمة بنت قيس: أن زوجها أبت طلاقها [[قوله «أن زوجها أبت طلاقها» لعله «بت» كما في النسفي. (ع)]] ، فقال لها رسول الله ﷺ: لا سكنى لك ولا نفقه [[أخرجه مسلم من طرق عنها. وفي رواية «فلم يجعل لها سكنى ولا نفقة» وفي رواية «لا نفقة لك ولا سكنى» وفي رواية «طلقني زوجي ثلاثا» .]] . وعن عمر رضى الله عنه:
لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لعلها نسيت أو شبه لها: سمعت النبي ﷺ يقول: «لها السكنى والنفقة» [[أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي من طريق أبى إسحاق قال «كنت مع الأسود ومعنا الشعبي في المسجد إذ حدث الشعبي بحديث فاطمة بنت قيس. فأخذ الأسود كفا من حصا فحصبه به وقال: يا ويلك تحدث بمثل هذا؟
قال عمر: لا نترك كتاب ربنا وسغة نبينا لقول امرأة لعلها حفظت أو نسيت.]] وَلا تُضآرُّوهُنَّ ولا تستعملوا معهن الضرار لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ في المسكن ببعض الأسباب: من إنزال من لا يوافقهن، أو يشغل مكانهن، أو غير، ذلك، حتى تضطروهن إلى الخروج. وقيل: هو أن يراجعها إذا بقي من عدتها يومان ليضيق عليها أمرها. وقيل: هو أن يلجئها إلى أن تفتدى منه. فإن قلت: فإذا كانت كل مطلقة عندكم تجب لها النفقة، فما فائدة الشرط في قوله وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ [[قوله تعالى: أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ إلى قوله: وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ ... الآية.
قال أحمد: لا يخفى على المتأمل لهذه الأى أن المبتوتة غير الحامل لا نفقة لها، لأن الآي سيقت لبيان الواجب، فأوجب السكنى لكل معتدة تقدم ذكرها ولم يوجب سواها، ثم استثنى الحوامل فخصهن بإيجاب النفقة لهن حتى يضعن حملهن، وليس بعد هذا البيان بيان، والقول بعد ذلك بوجوب النفقة لكل معتدة مبتوتة حاملا أو غير حامل لا يخفى منافرته لنظم الآية، والزمخشري نصر مذهب أبى حنيفة فقال: فائدة تخصيص الحوامل بالذكر: أن الحمل ربما طال أمده فيتوهم متوهم أن النفقة لا تجب بطوله، فخصت بالذكر تنبيها على قطع هذا الوهم، وغرض الزمخشري بذلك أن يحمل التخصيص على هذه الفائدة، كيلا يكون له مفهوم في إسقاط النفقة لغير الحوامل، لأن أبا حنيفة يسوى بين الجميع في وجوب النفقة.]] قلت:
فائدته أن مدة الحمل ربما طالت فظن ظانّ أن النفقة تسقط إذا مضى مقدار عدة الحائل، فنفى ذلك الوهم. فإن قلت: فما تقول في الحامل المتوفى عنها؟ قلت: مختلف فيها، فأكثرهم على أنه لا نفقة لها، لوقوع الإجماع على أنّ من أجبر الرجل على النفقة عليه من امرأة أو ولد صغير لا يجب أن ينفق عليه من ماله بعد موته، فكذلك الحامل. وعن على وعبد الله وجماعة: أنهم أوجبوا نفقتها فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ يعنى هؤلاء المطلقات إن أرضعن لكم ولدا من غيرهنّ أو منهنّ بعد انقطاع عصمة الزوجية فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ حكمهنّ في ذلك حكم الأظآر [[قوله «في ذلك حكم الأظآر» الظئر: المرضع لولد غيرها، والجمع: ظؤار، بالضم. وظئور وأظآر، كما في الصحاح. (ع)]] ، ولا يجوز عند أبى حنيفة وأصحابه رضى الله عنهم الاستئجار إذا كان الولد منهن ما لم يبنّ. ويجوز عند الشافعي. الائتمار بمعنى التآمر، كالاشتوار بمعنى التشاور. يقال: ائتمر القوم وتآمروا، إذا أمر بعضهم بعضا. والمعنى: وليأمر بعضكم بعضا، والخطاب للآباء والأمهات بِمَعْرُوفٍ بجميل وهو المسامحة، وأن لا يماكس الأب ولا تعاسر الأم، لأنه ولدهما معا، وهما شريكان فيه وفي وجوب الإشفاق [[قوله «وفي وجوب الإشفاق» كذا عبارة النسفي. (ع)]] عليه وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى فستوجد ولا تعوز مرضعة غير الأم ترضعه، وفيه طرف من معاتبة الأم على المعاسرة، كما تقول لمن تستقضيه حاجة فيتوانى: سيقضيها غيرك [[قال محمود: «وفي قوله وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى معاتبة للأم على المعاسرة، كما تقول لمن تستقضيه حاجة ... الخ» قال أحمد: وخص الأم بالمعاتبة لأن المبذول من جهتها هو لبنها لولدها، وهو غير متمول ولا مضنون به في العرف، وخصوصا في الأم على الولد، ولا كذلك المبذول من جهة الأب، فانه المال المضنون به عادة، فالأم إذا أجدى باللوم وأحق بالعتب، والله أعلم.]] ، تريد: لن تبقى غير مقضية وأنت ملوم، وقوله لَهُ أى للأب، أى: سيجد الأب غير معاسرة ترضع له ولده إن عاسرته أمه لِيُنْفِقْ كل واحد من الموسر والمعسر ما بلغه وسعه يريد: ما أمر به من الإنفاق على المطلقات والمرضعات، كما قال وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ وقرئ لينفق بالنصب، أى شرعنا ذلك لينفق.
وقرأ ابن أبى عبلة: قدر سَيَجْعَلُ اللَّهُ موعد لفقراء ذلك الوقت بفتح أبواب الرزق عليهم، أو لفقراء الأزواج إن أنفقوا ما قدروا عليه ولم يقصروا.
الطلاق 65:7
أَسْكِنُوهُنَّ وما بعده: بيان لما شرط من التقوى في قوله وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ كأنه قيل:
كيف نعمل بالتقوى في شأن المعتدات؟ فقيل: أسكنوهن. فإن قلت: من في مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ ما هي؟ قلت: هي من التبعيضية مبعضها محذوف [[قوله «مبعضها محذوف معناه» قد يقال: مبعضها هو مدخولها، وهو حَيْثُ سَكَنْتُمْ بمعنى مكان سكناهم فلا حذف، إلا أن يراد بمبعضها البعض المدلول عليه بها. (ع)]] معناه: أسكنوهن مكانا من حيث سكنتم، أى بعض مكان سكناكم، كقوله تعالى يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ أى بعض أبصارهم. قال قتادة: إن لم يكن إلا بيت واحد، فأسكنها في بعض جوانبه. فإن قلت: فقوله مِنْ وُجْدِكُمْ؟ [[قوله «فان قلت فقوله من وجدكم» لعل عقبه سقطا تقديره. ما موقعه؟ (ع)]] قلت: هو عطف بيان لقوله مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ وتفسير له، كأنه قيل: أسكنوهن مكانا من مسكنكم مما تطيقونه. والوجد: الوسع والطاقة. وقرئ بالحركات الثلاث. والكنى والنفقة:
واجبتان لكل مطلقة. وعند مالك والشافعي: ليس للمبتوتة إلا السكنى ولا نفقة لها. وعن الحسن وحماد: لا نفقة لها ولا سكنى، لحديث فاطمة بنت قيس: أن زوجها أبت طلاقها [[قوله «أن زوجها أبت طلاقها» لعله «بت» كما في النسفي. (ع)]] ، فقال لها رسول الله ﷺ: لا سكنى لك ولا نفقه [[أخرجه مسلم من طرق عنها. وفي رواية «فلم يجعل لها سكنى ولا نفقة» وفي رواية «لا نفقة لك ولا سكنى» وفي رواية «طلقني زوجي ثلاثا» .]] . وعن عمر رضى الله عنه:
لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لعلها نسيت أو شبه لها: سمعت النبي ﷺ يقول: «لها السكنى والنفقة» [[أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي من طريق أبى إسحاق قال «كنت مع الأسود ومعنا الشعبي في المسجد إذ حدث الشعبي بحديث فاطمة بنت قيس. فأخذ الأسود كفا من حصا فحصبه به وقال: يا ويلك تحدث بمثل هذا؟
قال عمر: لا نترك كتاب ربنا وسغة نبينا لقول امرأة لعلها حفظت أو نسيت.]] وَلا تُضآرُّوهُنَّ ولا تستعملوا معهن الضرار لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ في المسكن ببعض الأسباب: من إنزال من لا يوافقهن، أو يشغل مكانهن، أو غير، ذلك، حتى تضطروهن إلى الخروج. وقيل: هو أن يراجعها إذا بقي من عدتها يومان ليضيق عليها أمرها. وقيل: هو أن يلجئها إلى أن تفتدى منه. فإن قلت: فإذا كانت كل مطلقة عندكم تجب لها النفقة، فما فائدة الشرط في قوله وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ [[قوله تعالى: أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ إلى قوله: وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ ... الآية.
قال أحمد: لا يخفى على المتأمل لهذه الأى أن المبتوتة غير الحامل لا نفقة لها، لأن الآي سيقت لبيان الواجب، فأوجب السكنى لكل معتدة تقدم ذكرها ولم يوجب سواها، ثم استثنى الحوامل فخصهن بإيجاب النفقة لهن حتى يضعن حملهن، وليس بعد هذا البيان بيان، والقول بعد ذلك بوجوب النفقة لكل معتدة مبتوتة حاملا أو غير حامل لا يخفى منافرته لنظم الآية، والزمخشري نصر مذهب أبى حنيفة فقال: فائدة تخصيص الحوامل بالذكر: أن الحمل ربما طال أمده فيتوهم متوهم أن النفقة لا تجب بطوله، فخصت بالذكر تنبيها على قطع هذا الوهم، وغرض الزمخشري بذلك أن يحمل التخصيص على هذه الفائدة، كيلا يكون له مفهوم في إسقاط النفقة لغير الحوامل، لأن أبا حنيفة يسوى بين الجميع في وجوب النفقة.]] قلت:
فائدته أن مدة الحمل ربما طالت فظن ظانّ أن النفقة تسقط إذا مضى مقدار عدة الحائل، فنفى ذلك الوهم. فإن قلت: فما تقول في الحامل المتوفى عنها؟ قلت: مختلف فيها، فأكثرهم على أنه لا نفقة لها، لوقوع الإجماع على أنّ من أجبر الرجل على النفقة عليه من امرأة أو ولد صغير لا يجب أن ينفق عليه من ماله بعد موته، فكذلك الحامل. وعن على وعبد الله وجماعة: أنهم أوجبوا نفقتها فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ يعنى هؤلاء المطلقات إن أرضعن لكم ولدا من غيرهنّ أو منهنّ بعد انقطاع عصمة الزوجية فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ حكمهنّ في ذلك حكم الأظآر [[قوله «في ذلك حكم الأظآر» الظئر: المرضع لولد غيرها، والجمع: ظؤار، بالضم. وظئور وأظآر، كما في الصحاح. (ع)]] ، ولا يجوز عند أبى حنيفة وأصحابه رضى الله عنهم الاستئجار إذا كان الولد منهن ما لم يبنّ. ويجوز عند الشافعي. الائتمار بمعنى التآمر، كالاشتوار بمعنى التشاور. يقال: ائتمر القوم وتآمروا، إذا أمر بعضهم بعضا. والمعنى: وليأمر بعضكم بعضا، والخطاب للآباء والأمهات بِمَعْرُوفٍ بجميل وهو المسامحة، وأن لا يماكس الأب ولا تعاسر الأم، لأنه ولدهما معا، وهما شريكان فيه وفي وجوب الإشفاق [[قوله «وفي وجوب الإشفاق» كذا عبارة النسفي. (ع)]] عليه وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى فستوجد ولا تعوز مرضعة غير الأم ترضعه، وفيه طرف من معاتبة الأم على المعاسرة، كما تقول لمن تستقضيه حاجة فيتوانى: سيقضيها غيرك [[قال محمود: «وفي قوله وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى معاتبة للأم على المعاسرة، كما تقول لمن تستقضيه حاجة ... الخ» قال أحمد: وخص الأم بالمعاتبة لأن المبذول من جهتها هو لبنها لولدها، وهو غير متمول ولا مضنون به في العرف، وخصوصا في الأم على الولد، ولا كذلك المبذول من جهة الأب، فانه المال المضنون به عادة، فالأم إذا أجدى باللوم وأحق بالعتب، والله أعلم.]] ، تريد: لن تبقى غير مقضية وأنت ملوم، وقوله لَهُ أى للأب، أى: سيجد الأب غير معاسرة ترضع له ولده إن عاسرته أمه لِيُنْفِقْ كل واحد من الموسر والمعسر ما بلغه وسعه يريد: ما أمر به من الإنفاق على المطلقات والمرضعات، كما قال وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ وقرئ لينفق بالنصب، أى شرعنا ذلك لينفق.
وقرأ ابن أبى عبلة: قدر سَيَجْعَلُ اللَّهُ موعد لفقراء ذلك الوقت بفتح أبواب الرزق عليهم، أو لفقراء الأزواج إن أنفقوا ما قدروا عليه ولم يقصروا.
الطلاق 65:8
عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها أعرضت عنه على وجه العتوّ والعناد حِساباً شَدِيداً بالاستقصاء والمناقشة عَذاباً نُكْراً وقرئ: نكرا منكرا عظيما، والمراد: حساب الآخرة وعذابها ما يذوقون فيها من الوبال ويلقون من الخسر، وجيء به على لفظ الماضي، كقوله تعالى وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ، وَنادى أَصْحابُ النَّارِ ونحو ذلك، لأنّ المنتظر من وعد الله ووعيده ملقى في الحقيقة، وما هو كائن فكان قد. وقوله أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً تكرير للوعيد وبيان لكونه مترقبا» كأنه قال: أعد الله لهم هذا العذاب فليكن لكم ذلك يا أُولِي الْأَلْبابِ من المؤمنين لطفا في تقوى الله وحذر عقابه. ويجوز أن يراد إحصاء السيئات، واستقصاؤها عليهم في الدنيا، وإثباتها في صحائف الحفظة، وما أصيبوا به من العذاب في العاجل، وأن يكون عَتَتْ وما عطف عليه: صفة للقرية. وأعد الله لهم: جوابا لكأين رَسُولًا هو جبريل صلوات الله عليه: أبدل من ذكرا، لأنه وصف بتلاوة آيات الله، فكان إنزاله في معنى إنزال الذكر [[قوله تعالى رَسُولًا ذكر الزمخشري فيه ستة أوجه: إبدال الرسول عن الذكر لأن إنزاله في معنى إنزال الذكر ... الخ قال أحمد: وعلى هذين الوجهين الأخيرين يكون مفعولا، إما بالفعل المحذوف أو بالمصدر. وعلى الأربعة المتقدمة بدلا. والله سبحانه وتعالى أعلم.]] فصح إبداله منه. أو أريد بالذكر: الشرف، من قوله وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ فأبدل منه، كأنه في نفسه شرف: إما لأنه شرف للمنزل عليه، وإما لأنه ذو مجد وشرف عند الله، كقوله تعالى عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ أو جعل لكثرة ذكره لله وعبادته كأنه ذكر. أو أريد:
ذا ذكر، أى ملكا مذكورا في السماوات وفي الأمم كلها. أو دل قوله أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً على: أرسل فكأنه قيل: أرسل رسولا، أو أعمل ذكرا في رسولا إعمال المصدر في المفاعيل، أى: أنزل الله أن ذكر رسولا أو ذكره رسولا. وقرئ: رسول، على: هو رسول. أنزله لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا بعد إنزاله، أى: ليحصل لهم ما هم عليه الساعة من الإيمان والعمل الصالح: لأنهم كانوا وقت إنزاله غير مؤمنين، وإنما آمنوا بعد الإنزال والتبليغ. أو ليخرج الذين عرف منهم أنهم يؤمنون. قرئ: يدخله، بالياء والنون قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً فيه معنى التعجب والتعظيم، لما رزق المؤمن من الثواب.
الطلاق 65:9
عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها أعرضت عنه على وجه العتوّ والعناد حِساباً شَدِيداً بالاستقصاء والمناقشة عَذاباً نُكْراً وقرئ: نكرا منكرا عظيما، والمراد: حساب الآخرة وعذابها ما يذوقون فيها من الوبال ويلقون من الخسر، وجيء به على لفظ الماضي، كقوله تعالى وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ، وَنادى أَصْحابُ النَّارِ ونحو ذلك، لأنّ المنتظر من وعد الله ووعيده ملقى في الحقيقة، وما هو كائن فكان قد. وقوله أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً تكرير للوعيد وبيان لكونه مترقبا» كأنه قال: أعد الله لهم هذا العذاب فليكن لكم ذلك يا أُولِي الْأَلْبابِ من المؤمنين لطفا في تقوى الله وحذر عقابه. ويجوز أن يراد إحصاء السيئات، واستقصاؤها عليهم في الدنيا، وإثباتها في صحائف الحفظة، وما أصيبوا به من العذاب في العاجل، وأن يكون عَتَتْ وما عطف عليه: صفة للقرية. وأعد الله لهم: جوابا لكأين رَسُولًا هو جبريل صلوات الله عليه: أبدل من ذكرا، لأنه وصف بتلاوة آيات الله، فكان إنزاله في معنى إنزال الذكر [[قوله تعالى رَسُولًا ذكر الزمخشري فيه ستة أوجه: إبدال الرسول عن الذكر لأن إنزاله في معنى إنزال الذكر ... الخ قال أحمد: وعلى هذين الوجهين الأخيرين يكون مفعولا، إما بالفعل المحذوف أو بالمصدر. وعلى الأربعة المتقدمة بدلا. والله سبحانه وتعالى أعلم.]] فصح إبداله منه. أو أريد بالذكر: الشرف، من قوله وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ فأبدل منه، كأنه في نفسه شرف: إما لأنه شرف للمنزل عليه، وإما لأنه ذو مجد وشرف عند الله، كقوله تعالى عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ أو جعل لكثرة ذكره لله وعبادته كأنه ذكر. أو أريد:
ذا ذكر، أى ملكا مذكورا في السماوات وفي الأمم كلها. أو دل قوله أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً على: أرسل فكأنه قيل: أرسل رسولا، أو أعمل ذكرا في رسولا إعمال المصدر في المفاعيل، أى: أنزل الله أن ذكر رسولا أو ذكره رسولا. وقرئ: رسول، على: هو رسول. أنزله لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا بعد إنزاله، أى: ليحصل لهم ما هم عليه الساعة من الإيمان والعمل الصالح: لأنهم كانوا وقت إنزاله غير مؤمنين، وإنما آمنوا بعد الإنزال والتبليغ. أو ليخرج الذين عرف منهم أنهم يؤمنون. قرئ: يدخله، بالياء والنون قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً فيه معنى التعجب والتعظيم، لما رزق المؤمن من الثواب.
الطلاق 65:10
عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها أعرضت عنه على وجه العتوّ والعناد حِساباً شَدِيداً بالاستقصاء والمناقشة عَذاباً نُكْراً وقرئ: نكرا منكرا عظيما، والمراد: حساب الآخرة وعذابها ما يذوقون فيها من الوبال ويلقون من الخسر، وجيء به على لفظ الماضي، كقوله تعالى وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ، وَنادى أَصْحابُ النَّارِ ونحو ذلك، لأنّ المنتظر من وعد الله ووعيده ملقى في الحقيقة، وما هو كائن فكان قد. وقوله أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً تكرير للوعيد وبيان لكونه مترقبا» كأنه قال: أعد الله لهم هذا العذاب فليكن لكم ذلك يا أُولِي الْأَلْبابِ من المؤمنين لطفا في تقوى الله وحذر عقابه. ويجوز أن يراد إحصاء السيئات، واستقصاؤها عليهم في الدنيا، وإثباتها في صحائف الحفظة، وما أصيبوا به من العذاب في العاجل، وأن يكون عَتَتْ وما عطف عليه: صفة للقرية. وأعد الله لهم: جوابا لكأين رَسُولًا هو جبريل صلوات الله عليه: أبدل من ذكرا، لأنه وصف بتلاوة آيات الله، فكان إنزاله في معنى إنزال الذكر [[قوله تعالى رَسُولًا ذكر الزمخشري فيه ستة أوجه: إبدال الرسول عن الذكر لأن إنزاله في معنى إنزال الذكر ... الخ قال أحمد: وعلى هذين الوجهين الأخيرين يكون مفعولا، إما بالفعل المحذوف أو بالمصدر. وعلى الأربعة المتقدمة بدلا. والله سبحانه وتعالى أعلم.]] فصح إبداله منه. أو أريد بالذكر: الشرف، من قوله وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ فأبدل منه، كأنه في نفسه شرف: إما لأنه شرف للمنزل عليه، وإما لأنه ذو مجد وشرف عند الله، كقوله تعالى عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ أو جعل لكثرة ذكره لله وعبادته كأنه ذكر. أو أريد:
ذا ذكر، أى ملكا مذكورا في السماوات وفي الأمم كلها. أو دل قوله أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً على: أرسل فكأنه قيل: أرسل رسولا، أو أعمل ذكرا في رسولا إعمال المصدر في المفاعيل، أى: أنزل الله أن ذكر رسولا أو ذكره رسولا. وقرئ: رسول، على: هو رسول. أنزله لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا بعد إنزاله، أى: ليحصل لهم ما هم عليه الساعة من الإيمان والعمل الصالح: لأنهم كانوا وقت إنزاله غير مؤمنين، وإنما آمنوا بعد الإنزال والتبليغ. أو ليخرج الذين عرف منهم أنهم يؤمنون. قرئ: يدخله، بالياء والنون قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً فيه معنى التعجب والتعظيم، لما رزق المؤمن من الثواب.
الطلاق 65:11
عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها أعرضت عنه على وجه العتوّ والعناد حِساباً شَدِيداً بالاستقصاء والمناقشة عَذاباً نُكْراً وقرئ: نكرا منكرا عظيما، والمراد: حساب الآخرة وعذابها ما يذوقون فيها من الوبال ويلقون من الخسر، وجيء به على لفظ الماضي، كقوله تعالى وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ، وَنادى أَصْحابُ النَّارِ ونحو ذلك، لأنّ المنتظر من وعد الله ووعيده ملقى في الحقيقة، وما هو كائن فكان قد. وقوله أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً تكرير للوعيد وبيان لكونه مترقبا» كأنه قال: أعد الله لهم هذا العذاب فليكن لكم ذلك يا أُولِي الْأَلْبابِ من المؤمنين لطفا في تقوى الله وحذر عقابه. ويجوز أن يراد إحصاء السيئات، واستقصاؤها عليهم في الدنيا، وإثباتها في صحائف الحفظة، وما أصيبوا به من العذاب في العاجل، وأن يكون عَتَتْ وما عطف عليه: صفة للقرية. وأعد الله لهم: جوابا لكأين رَسُولًا هو جبريل صلوات الله عليه: أبدل من ذكرا، لأنه وصف بتلاوة آيات الله، فكان إنزاله في معنى إنزال الذكر [[قوله تعالى رَسُولًا ذكر الزمخشري فيه ستة أوجه: إبدال الرسول عن الذكر لأن إنزاله في معنى إنزال الذكر ... الخ قال أحمد: وعلى هذين الوجهين الأخيرين يكون مفعولا، إما بالفعل المحذوف أو بالمصدر. وعلى الأربعة المتقدمة بدلا. والله سبحانه وتعالى أعلم.]] فصح إبداله منه. أو أريد بالذكر: الشرف، من قوله وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ فأبدل منه، كأنه في نفسه شرف: إما لأنه شرف للمنزل عليه، وإما لأنه ذو مجد وشرف عند الله، كقوله تعالى عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ أو جعل لكثرة ذكره لله وعبادته كأنه ذكر. أو أريد:
ذا ذكر، أى ملكا مذكورا في السماوات وفي الأمم كلها. أو دل قوله أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً على: أرسل فكأنه قيل: أرسل رسولا، أو أعمل ذكرا في رسولا إعمال المصدر في المفاعيل، أى: أنزل الله أن ذكر رسولا أو ذكره رسولا. وقرئ: رسول، على: هو رسول. أنزله لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا بعد إنزاله، أى: ليحصل لهم ما هم عليه الساعة من الإيمان والعمل الصالح: لأنهم كانوا وقت إنزاله غير مؤمنين، وإنما آمنوا بعد الإنزال والتبليغ. أو ليخرج الذين عرف منهم أنهم يؤمنون. قرئ: يدخله، بالياء والنون قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً فيه معنى التعجب والتعظيم، لما رزق المؤمن من الثواب.
الطلاق 65:12
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ مبتدأ وخبر. وقرئ: مثلهنّ بالنصب، عطفا على سبع سماوات، وبالرفع على الابتداء، وخبره: من الأرض. قيل: ما في القرآن آية تدل على أن الأرضين سبع إلا هذه. وقيل: بين كل سماءين مسيرة خمسمائة عام، وغلظ كل سماء كذلك، والأرضون مثل السماوات يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ أى يجرى أمر الله وحكمه بينهن، وملكه ينفذ فيهن. وعن قتادة: في كل سماء وفي كل أرض خلق من خلقه وأمر من أمره وقضاء من قضائه. وقيل: هو ما يدبر فيهنّ من عجائب تدبيره. وقرئ: ينزل الأمر. وعن ابن عباس: أن نافع بن الأزرق سأله هل تحت الأرضين خلق؟ قال: نعم. قال: فما الخلق؟ قال: إما ملائكة أو جنّ لِتَعْلَمُوا قرئ بالتاء والياء.
عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من قرأ سورة الطلاق مات على سنة رسول الله ﷺ» [[أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه بأسانيدهم إلى أبى بن كعب.]]
التحريم 66:1
مدنية، وتسمى سورة النبي ﷺ وهي ثنتا عشرة آية [نزلت بعد الحجرات] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
روى أن رسول الله ﷺ خلا بمارية في يوم عائشة، وعلمت بذلك حفصة، فقال لها: اكتمي علىّ، وقد حرمت مارية على نفسي [[«نقل الزمخشري في سبب نزولها أنه عليه السلام خلا بمارية في يوم عائشة وعلمت بذلك حفصة، فقال لها: اكتمي علىّ وقد حرمت مارية على نفسي ... الخ» قال أحمد: ما أطلقه الزمخشري في حق النبي ﷺ تقول وافتراء، والنبي ﷺ منه براء، وذلك أن تحريم ما أحله الله على وجهين: اعتقاد ثبوت حكم التحريم فيه، فهذا بمثابة اعتقاد حكم التحليل فيما حرمه الله عز وجل، وكلاهما محظور لا يصدر من المتسمين بسمة الايمان، وإن صدر سلب المؤمن حكم الايمان واسمه. الثاني: الامتناع مما أحله عز وجل، وحمل التحريم بمجرده صحيح، لقوله وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ
أى منعنا لا غير، وقد يكون مؤكدا باليمين مع اعتقاد حله، وهذا مباح صرف وحلال محض، ولو كان على المنع ترك المباح والامتناع منه غير مباح استحالت حقيقة الحال بلا إشكال، فإذا علمت بون ما بين القسمين، فعلى القسم الثاني تحمل الآية، والتفسير الصحيح يعضده، فان النبي ﷺ حلف بالله لا أقرب مارية، ولما نزلت الآية كفر عن يمينه، ويدل عليه: قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ وقال مالك في المدونة: عن زيد بن أسلم إنما كفر النبي ﷺ في تحريمه أم ولده، لأنه حلف أن لا يقربها. ومثله عن الشعبي، وهذا المقدار مباح ليس في ارتكابه جناح، وإنما قيل له: لم تحرم ما أحل الله لك، رفقا به وشفقة عليه، وتنويها لقدره ولمنصبه ﷺ: أن يراعى مرضات أزواجه بما يشق عليه، جريا على ما ألف من لطف الله تعالى بنبيه ورفعه عن أن يحرج بسبب أحد من البشر الذين هم أتباعه ومن أجله خلقوا، ليظهر الله كمال نبوته بظهور نقصانهم عنه، والزمخشري قطعا لم يحمل التحريم على هذا الوجه، لأنه جعله زلة، فيلزمه أن يحمله على المحمل الأول، ومعاذ الله وحاش لله وإن آحاد المؤمنين يحاشى عن أن يعتقد تحريم ما أحل الله له، فكيف لا يربأ بمنصب النبي عليه السلام عما يرتفع عنه منصب عامة الأمة، وما هذه من الزمخشري إلا جراءة على الله ورسوله، وإطلاق القول من غير تحرير، وإبراز الرأى الفاسد بلا تخمير، نعوذ بالله من ذلك، وهو المسئول أن يجعل وسيلتنا إليه تعظيما لنبينا صلوات الله عليه، وأن يجنبنا خطوات للشيطان، ويقبلنا من عثرات اللسان، آمين.]] ، وأبشرك أن أبا بكر وعمر يملكان بعدي أمر أمتى، فأخبرت به عائشة وكانتا متصادقتين [[لم أقف في شيء من الطرق على أن ذلك كان في بيت عائشة رضى الله عنها، إلا فيما رواه ابن سعد عن الواقدي عن عمر بن عقبة عن شعبة هو مولى ابن عباس سمعت ابن عباس يقول «خرجت حفصة من بيتها. وكان يوم عائشة فدخل رسول الله ﷺ بمارية القبطية بيت حفصة، فجاءت حفصة والباب بحاف فدفعته حتى خرجت الجارية. فقالت حفصة: أما إنى قد رأيت ما صنعت. فقال لها: اكتمي على وهي على حرام، فانطلقت حفصة إلى عائشة فأخبرتها فأنزل الله تعالى يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ فأمر فكفر عن يمينه وحبس نساءه» وروى الطبراني في عشرة النساء وابن مردويه في التفسير عنه من طريق موسى بن جعفر بن أبى كثير بن عبد الرحمن عن عمر عن أبى بكر بن عبد الرحمن عن أبى سلمة عن أبى هريرة قال: دخل رسول الله ﷺ بمارية القبطية بيت حفصة بنت عمر فوجدتها معه. فقالت: يا رسول الله في بيتي وتفعل هذا بى من دون نسائك قال: فإنها على حرام أن أمسها يا حفصة، ألا أبشرك؟ فقالت: بلى. قال: يلي هذا الأمر من بعدي أبو بكر ويليه من بعده أبوك واكتمي هذا على، فخرجت حتى أتت عائشة فذكرت ذلك كله. وفيه قوله: وكان أدى السرور أن حرمها على نفسه، فأنزل الله تعالى يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ وروى الطبراني من طريق الضحاك عن ابن عباس قال «دخلت حفصة على النبي ﷺ في بيتها وهو يطأ مارية، فقال لها لا تخبري عائشة حتى أبشرك ببشارة، فان أباك يلي من بعد أبى بكر إذا أنا مت، فذهبت حفصة فأخبرت عائشة. فقالت عائشة رضى الله عنها: لا أنظر إليك حتى تحرم مارية فحرمها. فأنزل الله الآية» .]] . وقيل: خلا بها في يوم حفصة، فأرضاها بذلك واستكتمها فلم تكتم [[أخرجه ابن إسحاق ومن طريقه ابن أبى خيثمة قال: أخبرنى بعض آل عمر قال «أصاب النبي ﷺ جاريته القبطية أم ابراهيم في بيت حفصة وفي يومها. فعثرت حفصة على ذلك. فقالت: يا رسول الله، لقد جئت أمرا ما جئته إلى أحد من نسائك في بيتي وعلى فراشي، وفي دولتى؟ قال: أيرضيك أن أحرمها فلا أمسها أبدا؟ قالت: نعم. فحرمها على نفسه. وقال لا تذكريه لأحد من الناس، وكانت حفصة لا تكتم عائشة شيئا، فلما خرجت ذهبت إلى عائشة فأخبرتها. فأنزل الله تعالى «يا أيها النبي لم تحرم، فكفر عن يمينه، وقرب جاريته» وقوله «وطلقها واعتزل نساءه ومكث تسعة وعشرين ليلة في بيت مارية» : لم أر هذا.]] ، فطلقها واعتزل نساءه ومكث تسعا وعشرين ليلة في بيت مارية. وروى أن عمر قال لها: لو كان في آل الخطاب خير لما طلقك، فنزل جبريل عليه السلام وقال: راجعها فإنها صوّامة قوّامة، وإنها لمن نسائك في الجنة [[لم أره هكذا، وهو عند الحاكم وغيره بغير ذكر سببه، وقال ابن سعد: أخبرنا زيد» وقال الحرث أخبرنا عفان قال: عن حماد عن أبى عمران الجونى عن قيس بن زيد أن رسول الله ﷺ طلق حفصة، فقال:
إن جبريل أتانى فقال لي: راجع حفصة فإنها صوامة قوامة، وهي زوجتك في الجنة» وروى الحاكم من طريق الحسن بن أبى جعفر عن ثابت عن أنس نحوه وزاد تطليقة، والحسن ضعيف. واختلف عليه فيه، ورواه الطبراني والبزار من رواية الحسن المذكور عن عاصم عن عمار رضى الله عنه.]] . وروى أنه شرب عسلا في بيت زينب بنت جحش، فتواطأت عائشة وحفصة فقالتا له: إنا نشم منك ريح المغافير، وكان رسول الله ﷺ يكره التفل، فحرّم العسل [[متفق عليه من حديث عمر بدون قوله «يكره التفل» فعندهما «وكان يشتد عليه أن يوجد منه الريح» .]] ، فمعناه لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ من ملك اليمين أو العسل. وتَبْتَغِي إما تفسير لتحرم. أو حال: أو استئناف، وكان هذا زلة منه لأنه ليس لأحد أن يحرّم ما أحلّ الله لأن الله عزّ وجل إنما أحلّ ما أحل لحكمة ومصلحة عرفها في إحلاله، فإذا حرّم كان ذلك قلب المصلحة مفسدة وَاللَّهُ غَفُورٌ قد غفر لك ما زللت فيه رَحِيمٌ قد رحمك فلم يؤاخذك به قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ فيه معنيان، أحدهما: قد شرع الله لكم الاستثناء في أيمانكم، من قولك: حلل فلان في يمينه، إذا استثنى فيها. ومنه: حلا أبيت اللعن [[قوله «ومنه: حلا أبيت اللعن» في الصحاح: يقال حلا، أى استثنى. ويا حالف اذكر حلا، وهو بالكسر أفاده الصحاح أيضا. (ع)]] ، بمعنى: استثن في يمينك إذا أطلقها، وذلك أن يقول «إن شاء الله» عقيبها، حتى لا يحنث. والثاني: قد شرع الله لكم تحلتها بالكفارة. ومنه قوله عليه السلام: «لا يموت لرجل ثلاثة أولاد فتمسه النار إلا تحلة القسم» [[أخرجه مسلم من حديث سعيد بن المسيب عن أبى هريرة رضى الله عنه.]] وقول ذى الرمّة:
قليلا كتحليل الألىّ [[قوله «كتحليل الألى» في الصحاح «الالية» : اليمين على فعلية، وكذلك الألوة والألوة، فأما الألوة بالتشديد:
فهو العود الذي يتبخر به اه، فالألى في كلام ذى الرمة جمع الألوة بالتخفيف «كالمدية والمدى، والخطوة والخطى. (ع)]]
فإن قلت: ما حكم تحريم الحلال؟ قلت: قد اختلف فيه، فأبو حنيفة براه يمينا في كل شيء، ويعتبر الانتفاع المقصود فيما يحرّمه، فإذا حرّم طعاما فقد حلف على أكله، أو أمة فعلى وطئها، أو زوجة فعلى الإيلاء منها إذا لم يكن له نية، وإن نوى الظهار فظهار، وإن نوى الطلاق فطلاق بائن «وكذلك إن نوى ثنتين وإن نوى ثلاثا فكما نوى، وإن قال: نويت الكذب ديّن فيما بينه وبين الله تعالى، ولا يدين في القضاء بإبطال الإيلاء. وإن قال: كل حلال علىّ حرام فعلى الطعام والشراب إذا لم ينو، وإلا فعلى ما نوى، ولا يراه الشافعي يمينا. ولكن سببا في الكفارة في النساء وحدهنّ، وإن نوى الطلاق فهو رجعي عنده. وعن أبى بكر وعمر وابن عباس وابن مسعود وزيد رضى الله عنهم: أنّ الحرام يمين [[حديث أبى بكر رضى الله عنه أخرجه ابن أبى شيبة من رواية جويبر عن الضحاك: أن أبا بكر وعمر وابن مسعود قالوا: من قال لامرأته: هي على حرام، فليست بحرام وعليه كفارة يمين. وإسناده ضعيف ومنقطع. وحديث عمر رضى الله عنه مثله، وله طريق أخرى أخرجها ابن أبى شيبة أيضا من رواية خالد الحذاء عن عكرمة عنه قال «الحرام يمين» وهذا منقطع وحديث ابن عباس رضى الله عنهما مثله متفق عليه من رواية ابن جبير عنه قال: الحرام يمين يكفرها.
وفي رواية لمسلم «إذا حرم الرجل امرأته فهي يمين يكفرها» . وحديث ابن مسعود مثله، وله طريق أخرى أخرجها عبد الرزاق من طريق الطبراني عن ابن عقبة عن ابن أبى نجيح عن مجاهد عنه، قال: في الحرام يمين يكفرها. ورجاله ثقات مع انقطاعه. وحديث زيد بن ثابت رضى الله عنه مثله.]] وعن عمر: إذا نوى الطلاق فرجعى. وعن على رضى الله عنه: ثلاث [[أخرجه ابن أبى شيبة وعبد الرزاق من رواية جعفر بن محمد عن أبيه عن على في قول الرجل لامرأته:
أنت على حرام، هي ثلاث. وهذا منقطع أيضا.]] . وعن زيد: واحدة بائنة. وعن عثمان: ظهار.
وكان مسروق لا يراه شيئا ويقول: ما أبالى أحرمتها أم قصعة من ثريد، وكذلك عن الشعبي قال: ليس بشيء، محتجا بقوله تعالى وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ وقوله تعالى لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وما لم يحرّمه الله تعالى فليس لأحد أن يحرّمه ولا أن يصير بتحريمه حراما، ولم يثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال لما أحله الله: هو حرام علىّ، وإنما امتنع من مارية ليمين تقدّمت منه، وهو قوله عليه السلام:
والله لا أقربها بعد اليوم، فقيل له: لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ أى لم تمتنع منه بسبب اليمين، يعنى: أقدم على ما حلفت عليه، وكفر عن يمينك. ونحوه قوله تعالى وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ أى، منعناه منها. وظاهر قوله تعالى قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ أنه كانت منه يمين.
فإن قلت: هل كفر رسول الله ﷺ لذلك؟ قلت: عن الحسن: أنه لم يكفر، لأنه كان مغفورا له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر [[لم أجده. وفي المراسيل لأبى داود عنه خلاف ذلك، أخرجه من طريق قتادة عنه في تحريم أم إبراهيم.
قال: فأمر أن يكفر عن يمينه، وكذا ذكره ابن اسحق كما تقدم أنه كفر عن يمينه.]] ، وإنما هو تعليم للمؤمنين. وعن مقاتل: أنّ رسول الله ﷺ أعتق رقبة في تحريم مارية وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ سيدكم ومتولى أموركم وَهُوَ الْعَلِيمُ بما يصلحكم فيشرعه لكم الْحَكِيمُ فلا يأمركم ولا ينهاكم إلا بما توجبه الحكمة. وقيل: مولاكم أولى بكم من أنفسكم، فكانت نصيحته أنفع لكم من نصائحكم لأنفسكم.
التحريم 66:2
مدنية، وتسمى سورة النبي ﷺ وهي ثنتا عشرة آية [نزلت بعد الحجرات] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
روى أن رسول الله ﷺ خلا بمارية في يوم عائشة، وعلمت بذلك حفصة، فقال لها: اكتمي علىّ، وقد حرمت مارية على نفسي [[«نقل الزمخشري في سبب نزولها أنه عليه السلام خلا بمارية في يوم عائشة وعلمت بذلك حفصة، فقال لها: اكتمي علىّ وقد حرمت مارية على نفسي ... الخ» قال أحمد: ما أطلقه الزمخشري في حق النبي ﷺ تقول وافتراء، والنبي ﷺ منه براء، وذلك أن تحريم ما أحله الله على وجهين: اعتقاد ثبوت حكم التحريم فيه، فهذا بمثابة اعتقاد حكم التحليل فيما حرمه الله عز وجل، وكلاهما محظور لا يصدر من المتسمين بسمة الايمان، وإن صدر سلب المؤمن حكم الايمان واسمه. الثاني: الامتناع مما أحله عز وجل، وحمل التحريم بمجرده صحيح، لقوله وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ
أى منعنا لا غير، وقد يكون مؤكدا باليمين مع اعتقاد حله، وهذا مباح صرف وحلال محض، ولو كان على المنع ترك المباح والامتناع منه غير مباح استحالت حقيقة الحال بلا إشكال، فإذا علمت بون ما بين القسمين، فعلى القسم الثاني تحمل الآية، والتفسير الصحيح يعضده، فان النبي ﷺ حلف بالله لا أقرب مارية، ولما نزلت الآية كفر عن يمينه، ويدل عليه: قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ وقال مالك في المدونة: عن زيد بن أسلم إنما كفر النبي ﷺ في تحريمه أم ولده، لأنه حلف أن لا يقربها. ومثله عن الشعبي، وهذا المقدار مباح ليس في ارتكابه جناح، وإنما قيل له: لم تحرم ما أحل الله لك، رفقا به وشفقة عليه، وتنويها لقدره ولمنصبه ﷺ: أن يراعى مرضات أزواجه بما يشق عليه، جريا على ما ألف من لطف الله تعالى بنبيه ورفعه عن أن يحرج بسبب أحد من البشر الذين هم أتباعه ومن أجله خلقوا، ليظهر الله كمال نبوته بظهور نقصانهم عنه، والزمخشري قطعا لم يحمل التحريم على هذا الوجه، لأنه جعله زلة، فيلزمه أن يحمله على المحمل الأول، ومعاذ الله وحاش لله وإن آحاد المؤمنين يحاشى عن أن يعتقد تحريم ما أحل الله له، فكيف لا يربأ بمنصب النبي عليه السلام عما يرتفع عنه منصب عامة الأمة، وما هذه من الزمخشري إلا جراءة على الله ورسوله، وإطلاق القول من غير تحرير، وإبراز الرأى الفاسد بلا تخمير، نعوذ بالله من ذلك، وهو المسئول أن يجعل وسيلتنا إليه تعظيما لنبينا صلوات الله عليه، وأن يجنبنا خطوات للشيطان، ويقبلنا من عثرات اللسان، آمين.]] ، وأبشرك أن أبا بكر وعمر يملكان بعدي أمر أمتى، فأخبرت به عائشة وكانتا متصادقتين [[لم أقف في شيء من الطرق على أن ذلك كان في بيت عائشة رضى الله عنها، إلا فيما رواه ابن سعد عن الواقدي عن عمر بن عقبة عن شعبة هو مولى ابن عباس سمعت ابن عباس يقول «خرجت حفصة من بيتها. وكان يوم عائشة فدخل رسول الله ﷺ بمارية القبطية بيت حفصة، فجاءت حفصة والباب بحاف فدفعته حتى خرجت الجارية. فقالت حفصة: أما إنى قد رأيت ما صنعت. فقال لها: اكتمي على وهي على حرام، فانطلقت حفصة إلى عائشة فأخبرتها فأنزل الله تعالى يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ فأمر فكفر عن يمينه وحبس نساءه» وروى الطبراني في عشرة النساء وابن مردويه في التفسير عنه من طريق موسى بن جعفر بن أبى كثير بن عبد الرحمن عن عمر عن أبى بكر بن عبد الرحمن عن أبى سلمة عن أبى هريرة قال: دخل رسول الله ﷺ بمارية القبطية بيت حفصة بنت عمر فوجدتها معه. فقالت: يا رسول الله في بيتي وتفعل هذا بى من دون نسائك قال: فإنها على حرام أن أمسها يا حفصة، ألا أبشرك؟ فقالت: بلى. قال: يلي هذا الأمر من بعدي أبو بكر ويليه من بعده أبوك واكتمي هذا على، فخرجت حتى أتت عائشة فذكرت ذلك كله. وفيه قوله: وكان أدى السرور أن حرمها على نفسه، فأنزل الله تعالى يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ وروى الطبراني من طريق الضحاك عن ابن عباس قال «دخلت حفصة على النبي ﷺ في بيتها وهو يطأ مارية، فقال لها لا تخبري عائشة حتى أبشرك ببشارة، فان أباك يلي من بعد أبى بكر إذا أنا مت، فذهبت حفصة فأخبرت عائشة. فقالت عائشة رضى الله عنها: لا أنظر إليك حتى تحرم مارية فحرمها. فأنزل الله الآية» .]] . وقيل: خلا بها في يوم حفصة، فأرضاها بذلك واستكتمها فلم تكتم [[أخرجه ابن إسحاق ومن طريقه ابن أبى خيثمة قال: أخبرنى بعض آل عمر قال «أصاب النبي ﷺ جاريته القبطية أم ابراهيم في بيت حفصة وفي يومها. فعثرت حفصة على ذلك. فقالت: يا رسول الله، لقد جئت أمرا ما جئته إلى أحد من نسائك في بيتي وعلى فراشي، وفي دولتى؟ قال: أيرضيك أن أحرمها فلا أمسها أبدا؟ قالت: نعم. فحرمها على نفسه. وقال لا تذكريه لأحد من الناس، وكانت حفصة لا تكتم عائشة شيئا، فلما خرجت ذهبت إلى عائشة فأخبرتها. فأنزل الله تعالى «يا أيها النبي لم تحرم، فكفر عن يمينه، وقرب جاريته» وقوله «وطلقها واعتزل نساءه ومكث تسعة وعشرين ليلة في بيت مارية» : لم أر هذا.]] ، فطلقها واعتزل نساءه ومكث تسعا وعشرين ليلة في بيت مارية. وروى أن عمر قال لها: لو كان في آل الخطاب خير لما طلقك، فنزل جبريل عليه السلام وقال: راجعها فإنها صوّامة قوّامة، وإنها لمن نسائك في الجنة [[لم أره هكذا، وهو عند الحاكم وغيره بغير ذكر سببه، وقال ابن سعد: أخبرنا زيد» وقال الحرث أخبرنا عفان قال: عن حماد عن أبى عمران الجونى عن قيس بن زيد أن رسول الله ﷺ طلق حفصة، فقال:
إن جبريل أتانى فقال لي: راجع حفصة فإنها صوامة قوامة، وهي زوجتك في الجنة» وروى الحاكم من طريق الحسن بن أبى جعفر عن ثابت عن أنس نحوه وزاد تطليقة، والحسن ضعيف. واختلف عليه فيه، ورواه الطبراني والبزار من رواية الحسن المذكور عن عاصم عن عمار رضى الله عنه.]] . وروى أنه شرب عسلا في بيت زينب بنت جحش، فتواطأت عائشة وحفصة فقالتا له: إنا نشم منك ريح المغافير، وكان رسول الله ﷺ يكره التفل، فحرّم العسل [[متفق عليه من حديث عمر بدون قوله «يكره التفل» فعندهما «وكان يشتد عليه أن يوجد منه الريح» .]] ، فمعناه لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ من ملك اليمين أو العسل. وتَبْتَغِي إما تفسير لتحرم. أو حال: أو استئناف، وكان هذا زلة منه لأنه ليس لأحد أن يحرّم ما أحلّ الله لأن الله عزّ وجل إنما أحلّ ما أحل لحكمة ومصلحة عرفها في إحلاله، فإذا حرّم كان ذلك قلب المصلحة مفسدة وَاللَّهُ غَفُورٌ قد غفر لك ما زللت فيه رَحِيمٌ قد رحمك فلم يؤاخذك به قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ فيه معنيان، أحدهما: قد شرع الله لكم الاستثناء في أيمانكم، من قولك: حلل فلان في يمينه، إذا استثنى فيها. ومنه: حلا أبيت اللعن [[قوله «ومنه: حلا أبيت اللعن» في الصحاح: يقال حلا، أى استثنى. ويا حالف اذكر حلا، وهو بالكسر أفاده الصحاح أيضا. (ع)]] ، بمعنى: استثن في يمينك إذا أطلقها، وذلك أن يقول «إن شاء الله» عقيبها، حتى لا يحنث. والثاني: قد شرع الله لكم تحلتها بالكفارة. ومنه قوله عليه السلام: «لا يموت لرجل ثلاثة أولاد فتمسه النار إلا تحلة القسم» [[أخرجه مسلم من حديث سعيد بن المسيب عن أبى هريرة رضى الله عنه.]] وقول ذى الرمّة:
قليلا كتحليل الألىّ [[قوله «كتحليل الألى» في الصحاح «الالية» : اليمين على فعلية، وكذلك الألوة والألوة، فأما الألوة بالتشديد:
فهو العود الذي يتبخر به اه، فالألى في كلام ذى الرمة جمع الألوة بالتخفيف «كالمدية والمدى، والخطوة والخطى. (ع)]]
فإن قلت: ما حكم تحريم الحلال؟ قلت: قد اختلف فيه، فأبو حنيفة براه يمينا في كل شيء، ويعتبر الانتفاع المقصود فيما يحرّمه، فإذا حرّم طعاما فقد حلف على أكله، أو أمة فعلى وطئها، أو زوجة فعلى الإيلاء منها إذا لم يكن له نية، وإن نوى الظهار فظهار، وإن نوى الطلاق فطلاق بائن «وكذلك إن نوى ثنتين وإن نوى ثلاثا فكما نوى، وإن قال: نويت الكذب ديّن فيما بينه وبين الله تعالى، ولا يدين في القضاء بإبطال الإيلاء. وإن قال: كل حلال علىّ حرام فعلى الطعام والشراب إذا لم ينو، وإلا فعلى ما نوى، ولا يراه الشافعي يمينا. ولكن سببا في الكفارة في النساء وحدهنّ، وإن نوى الطلاق فهو رجعي عنده. وعن أبى بكر وعمر وابن عباس وابن مسعود وزيد رضى الله عنهم: أنّ الحرام يمين [[حديث أبى بكر رضى الله عنه أخرجه ابن أبى شيبة من رواية جويبر عن الضحاك: أن أبا بكر وعمر وابن مسعود قالوا: من قال لامرأته: هي على حرام، فليست بحرام وعليه كفارة يمين. وإسناده ضعيف ومنقطع. وحديث عمر رضى الله عنه مثله، وله طريق أخرى أخرجها ابن أبى شيبة أيضا من رواية خالد الحذاء عن عكرمة عنه قال «الحرام يمين» وهذا منقطع وحديث ابن عباس رضى الله عنهما مثله متفق عليه من رواية ابن جبير عنه قال: الحرام يمين يكفرها.
وفي رواية لمسلم «إذا حرم الرجل امرأته فهي يمين يكفرها» . وحديث ابن مسعود مثله، وله طريق أخرى أخرجها عبد الرزاق من طريق الطبراني عن ابن عقبة عن ابن أبى نجيح عن مجاهد عنه، قال: في الحرام يمين يكفرها. ورجاله ثقات مع انقطاعه. وحديث زيد بن ثابت رضى الله عنه مثله.]] وعن عمر: إذا نوى الطلاق فرجعى. وعن على رضى الله عنه: ثلاث [[أخرجه ابن أبى شيبة وعبد الرزاق من رواية جعفر بن محمد عن أبيه عن على في قول الرجل لامرأته:
أنت على حرام، هي ثلاث. وهذا منقطع أيضا.]] . وعن زيد: واحدة بائنة. وعن عثمان: ظهار.
وكان مسروق لا يراه شيئا ويقول: ما أبالى أحرمتها أم قصعة من ثريد، وكذلك عن الشعبي قال: ليس بشيء، محتجا بقوله تعالى وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ وقوله تعالى لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وما لم يحرّمه الله تعالى فليس لأحد أن يحرّمه ولا أن يصير بتحريمه حراما، ولم يثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال لما أحله الله: هو حرام علىّ، وإنما امتنع من مارية ليمين تقدّمت منه، وهو قوله عليه السلام:
والله لا أقربها بعد اليوم، فقيل له: لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ أى لم تمتنع منه بسبب اليمين، يعنى: أقدم على ما حلفت عليه، وكفر عن يمينك. ونحوه قوله تعالى وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ أى، منعناه منها. وظاهر قوله تعالى قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ أنه كانت منه يمين.
فإن قلت: هل كفر رسول الله ﷺ لذلك؟ قلت: عن الحسن: أنه لم يكفر، لأنه كان مغفورا له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر [[لم أجده. وفي المراسيل لأبى داود عنه خلاف ذلك، أخرجه من طريق قتادة عنه في تحريم أم إبراهيم.
قال: فأمر أن يكفر عن يمينه، وكذا ذكره ابن اسحق كما تقدم أنه كفر عن يمينه.]] ، وإنما هو تعليم للمؤمنين. وعن مقاتل: أنّ رسول الله ﷺ أعتق رقبة في تحريم مارية وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ سيدكم ومتولى أموركم وَهُوَ الْعَلِيمُ بما يصلحكم فيشرعه لكم الْحَكِيمُ فلا يأمركم ولا ينهاكم إلا بما توجبه الحكمة. وقيل: مولاكم أولى بكم من أنفسكم، فكانت نصيحته أنفع لكم من نصائحكم لأنفسكم.
التحريم 66:3
بَعْضِ أَزْواجِهِ حفصة. والحديث الذي أسر إليها: حديث مارية وإمامة الشيخين نبأت به أفشته إلى عائشة. وقرئ: أنبأت به وَأَظْهَرَهُ وأطلع النبي عليه السلام عَلَيْهِ على الحديث، أى: على إفشائه على لسان جبريل. وقيل: أظهر الله الحديث على النبي ﷺ من الظهور عَرَّفَ بَعْضَهُ أعلم ببعض الحديث تكرما. قال سفيان: ما زال التغافل من فعل الكرام. وقرئ: عرف بعضه، أى: جاز عليه، من قولك للمسىء: لأعرفن لك ذلك، وقد عرفت ما صنعت. ومنه: أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم، وهو كثير في القرآن، وكان جزاؤه تطليقه إياها. وقيل: المعرف: حديث الإمامة، والمعرض عنه: حديث مارية: وروى أنه ﷺ قال لها: ألم أقل لك اكتمي علىّ، قالت: والذي بعثك بالحق ما ملكت نفسي فرحا بالكرامة التي خص الله بها أباها. فإن قلت: هلا قيل: فلما نبأت به بعضهن وعرفها بعضه؟ قلت: ليس الغرض بيان من المذاع إليه ومن المعرف، وإنما هو ذكر جناية حفصة في وجود الإنباء به وإفشائه من قبلها، وأن رسول الله ﷺ بكرمه وحلمه، لم يوجد منه إلا الإعلام ببعضه، وهو حديث الإمامة. ألا ترى أنه لما كان المقصود في قوله فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا ذكر المنبأ، كيف أتى بضميره.
التحريم 66:4
إِنْ تَتُوبا خطاب لحفصة وعائشة على طريقة الالتفات، ليكون أبلغ في معاتبتهما.
وعن ابن عباس: لم أزل حريصا على أن أسأل عمر عنهما حتى حج وحججت معه، فلما كان ببعض الطريق عدل وعدلت معه بالإداوة، فسكبت الماء على يده فتوضأ، فقلت: من هما؟ فقال:
عجبا يا ابن عباس- كأنه كره ما سألته عنه- ثم قال: هما حفصة وعائشة [[متفق عليه.]] فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما فقد وجد منكما ما يوجب التوبة، وهو ميل قلوبكما عن الواجب في مخالصة رسول الله ﷺ من حب ما يحبه وكراهة ما يكرهه. وقرأ ابن مسعود: فقد زاغت وَإِنْ تَظاهَرا وإن تعاونا عَلَيْهِ بما يسوءه من الإفراط في الغيرة وإفشاء سره، فلن يعدم هو من يظاهره، وكيف يعلم المظاهر من الله مولاه أى وليه وناصره، وزيادة هُوَ إيذان بأن نصرته عزيمة من عزائمه، وأنه يتولى ذلك بذاته وَجِبْرِيلُ رأس الكروبيين، وقرن ذكره بذكره مفردا له من بين الملائكة تعظيما له وإظهارا لمكانته عنده وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ومن صلح من المؤمنين، يعنى: كل من آمن وعمل صالحا. وعن سعيد بن جبير: من بريء منهم من النفاق. وقيل: الأنبياء وقيل: الصحابة. وقيل: الخلفاء منهم. فإن قلت: صالح المؤمنين واحد أم جمع؟ قلت: هو واحد أريد به الجمع، كقولك: لا يفعل هذا الصالح من الناس، تريد الجنس، كقولك: لا يفعله من صلح منهم. ومثله قولك: كنت في السامر والحاضر. ويجوز أن يكون أصله: صالحوا المؤمنين بالواو، فكتب بغير واو على اللفظ، لأنّ لفظ الواحد والجمع واحد فيه، كما جاءت أشياء في المصحف متبوع فيها حكم اللفظ دون وضع الخط وَالْمَلائِكَةُ على تكاثر عددهم، وامتلاء السماوات من جموعهم بَعْدَ ذلِكَ بعد نصرة الله وناموسه وصالحي المؤمنين ظَهِيرٌ فوج مظاهر له، كأنهم يد واحدة على من يعاديه، فما يبلغ تظاهر امرأتين على من هؤلاء ظهراؤه؟ فإن قلت: قوله بَعْدَ ذلِكَ تعظيم للملائكة ومظاهرتهم. وقد تقدّمت نصرة الله وجبريل وصالح المؤمنين، ونصرة الله تعالى أعظم وأعظم. قلت: مظاهرة الملائكة من جملة نصرة الله، فكأنه فضل نصرته تعالى بهم وبمظاهرتهم على غيرها من وجوه نصرته تعالى، لفضلهم على جميع خلقه [[قوله «لفضلهم على جميع خلقه» مذهب المعتزلة تفضيل الملك على البشر، وأهل السنة على تفضيل بعض البشر على الملائكة. (ع)]] . وقرئ: تظاهرا. وتتظاهرا. وتظهرا.
التحريم 66:5
قرئ: يبدله، بالتخفيف والتشديد للكثرة مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ مقرّات مخلصات سائِحاتٍ صائمات. وقرئ: سيحات، وهي أبلغ. وقيل للصائم: سائح، لأنّ السائح لا زاد معه، فلا يزال ممسكا إلى أن يجد ما يطعمه، فشبه به الصائم في إمساكه إلى أن يجيء وقت إفطاره. وقيل:
سائحات مهاجرات، وعن زيد بن أسلم: لم تكن في هذه الأمّة سياحة إلا الهجرة. فإن قلت:
كيف تكون المبدلات خيرا منهن، ولم تكن على وجه الأرض نساء خير من أمّهات المؤمنين؟ [[قوله «نساء خير من أمهات المؤمنين» لعله خيرا. (ع)]] قلت: إذا طلقهن رسول الله لعصيانهن له وإيذائهن إياه، لم يبقين على تلك الصفة، وكان غيرهن من الموصوفات بهذه الأوصاف مع الطاعة لرسول الله ﷺ والنزول على هواه ورضاه خيرا منهن، وقد عرض بذلك في قوله قانِتاتٍ لأنّ القنوت هو القيام بطاعة الله، وطاعة الله في طاعة رسوله. فإن قلت: لم أخليت الصفات كلها عن العاطف [[قال محمود: «إن قلت لم أخليت هذه الصفات من العاطف ... الخ» قال أحمد: وقد ذكر لي الشيخ أبو عمرو بن الحاجب رحمه الله: أن القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني الكاتب رحمه الله كان يعتقد أن الواو في الآية هي الواو التي سماها بعض ضعفة النحاة واو الثمانية، لأنها ذكرت مع الصفة الثامنة، فكان الفاضل يتبجج باستخراجها زائدة على المواضع الثلاثة المشهورة صلة، أحدها التي في الصفة الثامنة من قوله التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ عند قوله وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ والثانية في قوله وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ والثالثة في قوله وَفُتِحَتْ أَبْوابُها قال الشيخ أبو عمرو بن الحاجب: ولم يزل الفاضل يستحسن ذلك من نفسه إلى أن ذكره يوما بحضرة أبى الجود النحوي المقري فبين له أنه واهم في عدها من ذلك القبيل، وأحال البيان على المعنى الذي ذكره الزمخشري من دعاء الضرورة إلى الإتيان بها هاهنا، لامتناع اجتماع الصفتين في موصوف واحد، وواو الثمانية إن ثبتت فإنما ترد بحيث لا حاجة إليها إلا للاشعار بتمام نهاية العدد الذي هو السبعة، فأنصفه الفاضل رحمه الله، واستحسن ذلك منه وقال: أرشدنا يا أبا الجود.]] ووسط بين الثيبات والأبكار؟ قلت: لأنهما صفتان متنافيتان لا يجتمعن فيهما اجتماعهن [[قوله «لا يجتمعن فيهما اجتماعهن» لعل فيه قلبا، والأصل: لا يجتمعان فيهن اجتماع سائر الصفات فيهن. (ع)]] في سائر الصفات، فلم يكن بد من الواو.
التحريم 66:6
قُوا أَنْفُسَكُمْ بترك المعاصي وفعل الطاعات وَأَهْلِيكُمْ بأن تأخذوهم بما تأخذون به أنفسكم. وفي الحديث «رحم الله رجلا قال يا أهلاه صلاتكم صيامكم زكاتكم مسكينكم يتيمكم جيرانكم لعلّ الله يجمعهم معه في الجنة» [[لم أجده.]] وقيل: إنّ أشد الناس عذابا يوم القيامة من جهل أهله. وقرئ: وأهلوكم [[قال محمود في قوله تعالى قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً: قرئ وأهلوكم. قال أحمد: ولكن المعطوف مقارن في التقدير للواو، وأنفسكم واقع بعده، كأنه قال: قوا أنتم وأهلوكم أنفسكم، ولكن لما اجتمع ضمير المخاطب والغائبين: غلب ضمير الخطاب على ضمير الغيبة. ثم قال: فان قلت قوله لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ أليس الجملتان في معنى واحد؟ وأجاب بأن معنى الأولى أنهم يلتزمون الأوامر ولا يأتونها ... الخ» قال أحمد:
جوابه الأول مفرع على قاعدته الفاسدة في اعتقاد خلود الفساق في جهنم، ولعله إنما أورد السؤال ليتكلف عنه بجواب ينفس عما في نفسه مما لا يطيق كتمانه من هذا الباطل نعوذ بالله منه، وإلا فالسؤال غير وارد، فانه لا يمتنع أن المؤمن يحذر من عذاب الكافر أن يناله على الإيمان، كقوله في آل عمران خطابا للمؤمنين وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ، وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ.]] ، عطفا على واو قُوا وحسن العطف للفاصل. فإن قلت: أليس التقدير: قوا أنفسكم، وليق أهلوكم أنفسهم؟ قلت: لا، ولكن المعطوف مقارن في التقدير للواو، وأنفسكم واقع بعده، فكأنه قيل: قوا أنتم وأهلوكم أنفسكم لما جمعت مع المخاطب الغائب غلبته عليه، فجعلت ضميرهما معا على لفظ المخاطب ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ نوعا من النار لا يتقد إلا بالناس والحجارة، كما يتقد غيرها من النيران بالحطب. وعن ابن عباس رضى الله عنهما: هي حجارة الكبريت، وهي أشدّ الأشياء حرا إذا أو قد عليها. وقرئ: وقودها بالضم، أى ذو وقودها عَلَيْها يلي أمرها وتعذيب أهلها مَلائِكَةٌ يعنى الزبانية التسعة عشر وأعوانهم غِلاظٌ شِدادٌ في أجرامهم غلظة وشدّة، أى: جفاء وقوّة. أو في أفعالهم جفاء وخشونة، لا تأخذهم رأفة في تنفيذ أوامر الله والغضب له والانتقام من أعدائه ما أَمَرَهُمْ في محل النصب على البدل، أى: لا يعصون ما أمر الله. أى: أمره، كقوله تعالى أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي أو لا يعصونه فيما أمرهم. فإن قلت: أليست الجملتان في معنى واحد؟ قلت: لا، فإنّ معنى الأولى أنهم يتقبلون أوامره ويلتزمونها ولا يأبونها ولا ينكرونها. ومعنى الثانية: أنهم يؤدون ما يؤمرون به لا يتثاقلون عنه ولا يتوانون فيه. فإن قلت: قد خاطب الله المشركين المكذبين بالوحي بهذا بعينه في قوله تعالى فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ وقال أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ فجعلها معدّة للكافرين، فما معنى مخاطبته به المؤمنين؟ قلت: الفساق وإن كانت دركاتهم فوق دركات الكفار، فإنهم مساكنون الكفار في دار واحدة فقيل للذين آمنوا:
قوا أنفسكم باجتناب الفسوق مساكنة الكفار الذين أعدت لهم هذه النار الموصوفة. ويجوز أن يأمرهم بالتوقي من الارتداد، والندم على الدخول في الإسلام، وأن يكون خطابا للذين آمنوا بألسنتهم وهم المنافقون، ويعضد ذلك قوله تعالى على أثره يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أى: يقال لهم ذلك عند دخولهم النار لا تعتذروا، لأنه لا عذر لكم. أو لأنه لا ينفعكم الاعتذار.
التحريم 66:7
قُوا أَنْفُسَكُمْ بترك المعاصي وفعل الطاعات وَأَهْلِيكُمْ بأن تأخذوهم بما تأخذون به أنفسكم. وفي الحديث «رحم الله رجلا قال يا أهلاه صلاتكم صيامكم زكاتكم مسكينكم يتيمكم جيرانكم لعلّ الله يجمعهم معه في الجنة» [[لم أجده.]] وقيل: إنّ أشد الناس عذابا يوم القيامة من جهل أهله. وقرئ: وأهلوكم [[قال محمود في قوله تعالى قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً: قرئ وأهلوكم. قال أحمد: ولكن المعطوف مقارن في التقدير للواو، وأنفسكم واقع بعده، كأنه قال: قوا أنتم وأهلوكم أنفسكم، ولكن لما اجتمع ضمير المخاطب والغائبين: غلب ضمير الخطاب على ضمير الغيبة. ثم قال: فان قلت قوله لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ أليس الجملتان في معنى واحد؟ وأجاب بأن معنى الأولى أنهم يلتزمون الأوامر ولا يأتونها ... الخ» قال أحمد:
جوابه الأول مفرع على قاعدته الفاسدة في اعتقاد خلود الفساق في جهنم، ولعله إنما أورد السؤال ليتكلف عنه بجواب ينفس عما في نفسه مما لا يطيق كتمانه من هذا الباطل نعوذ بالله منه، وإلا فالسؤال غير وارد، فانه لا يمتنع أن المؤمن يحذر من عذاب الكافر أن يناله على الإيمان، كقوله في آل عمران خطابا للمؤمنين وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ، وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ.]] ، عطفا على واو قُوا وحسن العطف للفاصل. فإن قلت: أليس التقدير: قوا أنفسكم، وليق أهلوكم أنفسهم؟ قلت: لا، ولكن المعطوف مقارن في التقدير للواو، وأنفسكم واقع بعده، فكأنه قيل: قوا أنتم وأهلوكم أنفسكم لما جمعت مع المخاطب الغائب غلبته عليه، فجعلت ضميرهما معا على لفظ المخاطب ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ نوعا من النار لا يتقد إلا بالناس والحجارة، كما يتقد غيرها من النيران بالحطب. وعن ابن عباس رضى الله عنهما: هي حجارة الكبريت، وهي أشدّ الأشياء حرا إذا أو قد عليها. وقرئ: وقودها بالضم، أى ذو وقودها عَلَيْها يلي أمرها وتعذيب أهلها مَلائِكَةٌ يعنى الزبانية التسعة عشر وأعوانهم غِلاظٌ شِدادٌ في أجرامهم غلظة وشدّة، أى: جفاء وقوّة. أو في أفعالهم جفاء وخشونة، لا تأخذهم رأفة في تنفيذ أوامر الله والغضب له والانتقام من أعدائه ما أَمَرَهُمْ في محل النصب على البدل، أى: لا يعصون ما أمر الله. أى: أمره، كقوله تعالى أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي أو لا يعصونه فيما أمرهم. فإن قلت: أليست الجملتان في معنى واحد؟ قلت: لا، فإنّ معنى الأولى أنهم يتقبلون أوامره ويلتزمونها ولا يأبونها ولا ينكرونها. ومعنى الثانية: أنهم يؤدون ما يؤمرون به لا يتثاقلون عنه ولا يتوانون فيه. فإن قلت: قد خاطب الله المشركين المكذبين بالوحي بهذا بعينه في قوله تعالى فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ وقال أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ فجعلها معدّة للكافرين، فما معنى مخاطبته به المؤمنين؟ قلت: الفساق وإن كانت دركاتهم فوق دركات الكفار، فإنهم مساكنون الكفار في دار واحدة فقيل للذين آمنوا:
قوا أنفسكم باجتناب الفسوق مساكنة الكفار الذين أعدت لهم هذه النار الموصوفة. ويجوز أن يأمرهم بالتوقي من الارتداد، والندم على الدخول في الإسلام، وأن يكون خطابا للذين آمنوا بألسنتهم وهم المنافقون، ويعضد ذلك قوله تعالى على أثره يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أى: يقال لهم ذلك عند دخولهم النار لا تعتذروا، لأنه لا عذر لكم. أو لأنه لا ينفعكم الاعتذار.
التحريم 66:8
تَوْبَةً نَصُوحاً وصفت التوبة بالنصح على الإسناد المجازى، والنصح: صفة التائبين، وهو أن ينصحوا بالتوبة أنفسهم، فيأتوا بها على طريقها متداركة للفرطات ماحية للسيئات، وذلك: أن يتوبوا عن القبائح لقبحها، نادمين عليها، مغتمين أشدّ الاغتمام لارتكابها، عازمين على أنهم لا يعودون في قبيح من القبائح إلى أن يعود اللبن في الضرع، موطنين أنفسهم على ذلك.
وعن على رضى الله تعالى عنه: أنه سمع أعرابيا يقول: اللهم إنى أستغفرك وأتوب إليك، فقال: يا هذا، إنّ سرعة اللسان بالتوبة توبة الكذابين. قال: وما التوبة؟ قال: يجمعها ستة أشياء: على الماضي من الذنوب: الندامة، وللفرائض: الإعادة، ورد المظالم، واستحلال الخصوم، وأن تعزم على أن لا تعود، وأن تذيب نفسك في طاعة الله، كما ربيتها في المعصية، وأن تذيقها مرارة الطاعات كما أذقتها حلاوة المعاصي. وعن حذيفة: بحسب الرجل من الشر أن يتوب عن الذنب ثم يعود فيه. وعن شهر بن حوشب: أن لا يعود ولو حز بالسيف وأحرق بالنار. وعن ابن السماك: أن تنصب الذنب الذي أقللت فيه الحياء من الله أمام عينك وتستعد لمنتظرك. وقيل: توبة لا يتاب منها. وعن السدى: لا تصح التوبة إلا بنصيحة النفس والمؤمنين، لأن من صحت توبته أحب أن يكون الناس مثله. وقيل: نصوحا من نصاحة الثوب، أى: توبة ترفو خروقك في دينك، وترم خلك [[قوله «وترم خلك» في الصحاح «الخل» الثوب البالي. وعبارة النسفي: خالك. وفي الصحاح «الخلل» بالتحريك: الفرجة بين الشيئين، وفساد في الأمر. (ع)]] . وقيل: خالصة، من قولهم: عسل ناصح إذا خلص من الشمع. ويجوز أن يراد: توبة تنصح الناس، أى: تدعوهم إلى مثلها لظهور أثرها في صاحبها، واستعماله الجد والعزيمة في العمل على مقتضياتها. وقرأ زيد بن على: توبا نصوحا. وقرئ:
نصوحا بالضم، وهو مصدر نصح. والنصح والنصوح، كالشكر والشكور، والكفر والكفور أى: ذات نصوح. أو تنصح نصوحا. أو توبوا لنصح أنفسكم على أنه مفعول له عَسى رَبُّكُمْ
إطماع من الله لعباده، وفيه وجهان، أحدهما: أن يكون على ما جرت به عادة الجبابرة من الإجابة بعسى ولعل. ووقوع ذلك منهم موقع القطع والبت. والثاني: أن يجيء به تعليما العباد وجوب الترجح بين الخوف والرجاء، والذي يدل على المعنى الأول وأنه في معنى البت:
قراءة ابن أبى عبلة: ويدخلكم بالجزم، عطفا على محل عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ كأنه قيل: توبوا يوجب لكم تكفير سيئاتكم ويدخلكم يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ نصب بيدخلكم، ولا يخزى:
تعريض بمن أخزاهم الله من أهل الكفر والفسوق، واستحماد إلى المؤمنين على أنه عصمهم من مثل حالهم يَسْعى نُورُهُمْ على الصراط أَتْمِمْ لَنا نُورَنا قال ابن عباس: يقولون ذلك إذا طفئ نور المنافقين إشفاقا. وعن الحسن: الله متممه لهم ولكنهم يدعون تقربا إلى الله، كقوله تعالى وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وهو مغفور له. وقيل: يقوله أدناهم منزلة، لأنهم يعطون من النور قدر ما يبصرون به مواطئ أقدامهم، لأنّ النور على قدر الأعمال فيسألون إتمامه تفضلا.
وقيل: السابقون إلى الجنة يمرون مثل البرق على الصراط، وبعضهم كالريح، وبعضهم حبوا وزحفا، فأولئك الذين يقولون رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا فإن قلت: كيف يشفقون والمؤمنون آمنون، أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ. فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ، لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ أو كيف [[قوله «أو كيف» لعله: وكيف. (ع)]] يتقربون وليست الدار دار تقرّب؟ قلت: أما الإشفاق فيجوز أن يكون على عادة البشرية وإن كانوا معتقدين الأمن. وأما التقرّب فلما كانت حالهم كحال المتقربين حيث يطلبون ما هو حاصل لهم من الرحمة: سماه تقرّبا.
التحريم 66:9
جاهِدِ الْكُفَّارَ بالسيف وَالْمُنافِقِينَ بالاحتجاج، واستعمل الغلظة والخشونة على الفريقين فيما تجاهدهما به من القتال والمحاجة. وعن قتادة: مجاهدة المنافقين لإقامة الحدود عليهم. وعن مجاهد: بالوعيد. وقيل: بإفشاء أسرارهم.
التحريم 66:10
مثل الله عز وجل حال الكفار- في أنهم يعاقبون على كفرهم وعداوتهم للمؤمنين معاقبة مثلهم [[قوله «حال الكفار في أنهم يعاقبون على كفرهم» أى الذين بينهم وبين المؤمنين علاقة. وقوله «مثلهم» أى ممن لا علاقة بينهم وبين المؤمنين. (ع)]] من غير إبقاء ولا محاباة، ولا ينفعهم مع عداوتهم لهم ما كان بينهم وبينهم من لحمة نسب أو وصلة صهر، لأن عداوتهم لهم وكفرهم بالله ورسوله قطع العلائق وبت الوصل، وجعلهم أبعد من الأجانب وأبعد، وإن كان المؤمن الذي يتصل به الكافر نبيا من أنبياء الله- بحال امرأة نوح وامرأة لوط: لما نافقتا وخانتا الرسولين لم يغن الرسولان عنهما بحق ما بينهما وبينهما من وصلة الزواج إغناء مّا من عذاب الله وَقِيلَ لهما عند موتهما أو يوم القيامة:
ادْخُلَا النَّارَ مَعَ سائر الدَّاخِلِينَ الذين لا وصلة بينهم وبين الأنبياء. أو مع داخليها من إخوانكما من قوم نوح وقوم لوط. ومثل حال المؤمنين- في أنّ وصلة الكافرين لا تضرهم ولا تنقص شيئا من ثوابهم وزلفاهم عند الله- بحال امرأة فرعون ومنزلتها عند الله تعالى، مع كونها زوجة أعدى أعداء الله الناطق بالكلمة العظمى، ومريم ابنة عمران وما أوتيت من كرامة الدنيا والآخرة والاصطفاء على نساء العالمين، مع أنّ قومها كانوا كفارا. وفي طىّ هذين التمثيلين تعريض بأمّى المؤمنين المذكورتين في أوّل السورة وما فرط منهما من التظاهر على رسول الله ﷺ [[قوله «على التظاهر على رسول الله ﷺ» لعله من التظاهر، كعبارة النسفي. (ع)]] بما كرهه وتحذير لهما على أغلظ وجه وأشده، لما في التمثيل من ذكر الكفر. ونحوه في التغليظ قوله تعالى وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ وإشارة إلى أن من حقهما أن تكونا في الإخلاص والكمال فيه كمثل هاتين المؤمنتين، وأن لا تتكلا على أنهما زوجا رسول الله، فإنّ ذلك الفضل لا ينفعهما إلا مع كونهما مخلصتين، والتعريض بحفصة أرجح، لأن امرأة لوط أفشت عليه كما أفشت حفصة على رسول الله، وأسرار التنزيل ورموزه في كل باب بالغة من اللطف والخفاء حدا يدق عن تفطن العالم ويزل عن نبصره.
فإن قلت، ما فائدة قوله مِنْ عِبادِنا؟ قلت: لما كان مبنى التمثيل على وجود الصلاح في الإنسان كائنا من كان، وأنه وحده هو الذي يبلغ به الفوز وينال ما عند الله: قال عبدين من عبادنا صالحين، فذكر النبيين المشهورين العلمين بأنهما عبدان لم يكونا إلا كسائر عبادنا، من غير تفاوت بينهما وبينهم إلا بالصلاح وحده إظهارا وإبانة، لأن عبدا من العباد لا يرجح عنده إلا بالصلاح لا غير، وأن ما سواه مما يرجح به الناس عند الناس ليس بسبب للرجحان عنده. فإن قلت: ما كانت خيانتهما؟ قلت: نفاقهما وإبطانهما الكفر، وتظاهرهما على الرسولين، فامرأة نوح قالت لقومه: إنه مجنون، وامرأة لوط دلت على ضيفانه. ولا يجوز أن يراد بالخيانة الفجور لأنه سمج في الطباع نقيصة عند كل أحد، بخلاف الكفر فإن الكفار لا يستسمجونه بل يستحسنونه ويسمونه حقا، وعن ابن عباس رضى الله عنهما «ما بغت امرأة نبى قط» [[أخرجه عبد الرزاق والطبري وابن مردويه من طريق عنه في تفسير هود وهنا.]] .
التحريم 66:11
وامرأة فرعون:: آسية بنت مزاحم. وقيل: هي عمة موسى عليه السلام آمنت حين سمعت بتلقف عصا موسى الإفك، فعذبها فرعون. عن أبى هريرة: أن فرعون وتد امرأته بأربعة أوتاد، واستقبل بها الشمس، وأضجعها على ظهرها، ووضع رحى على صدرها. وقيل: أمر بأن تلقى عليها صخرة عظيمة فدعت الله فرقى بروحها، فألقيت الصخرة على جسد لا روح فيه.
وعن الحسن: فنجاها الله أكرم نجاة فرفعها إلى الجنة فهي تأكل وتشرب وتتنعم فيها. وقيل:
لما قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة: أريت بيتها في الجنة يبنى. وقيل: إنه من درة.
وقيل: كانت تعذب في الشمس فتظلها الملائكة. فإن قلت: ما معنى الجمع بين عندك وفي الجنة؟ قلت طلبت القرب من رحمة الله والبعد من عذاب أعدائه، ثم بينت مكان القرب بقولها فِي الْجَنَّةِ أو أرادت ارتفاع الدرجة في الجنة وأن تكون جنتها من الجنان التي هي أقرب إلى العرش وهي جنات المأوى، فعبرت عن القرب إلى العرش بقولها عِنْدَكَ.
مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ من عمل فرعون. أو من نفس فرعون الخبيثة وسلطانه الغشوم، وخصوصا من عمله وهو: الكفر، وعبادة الأصنام، والظلم، والتعذيب بغير جرم وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ من القبط كلهم. وفيه دليل على أنّ الاستعاذة بالله والالتجاء إليه ومسألة الخلاص منه عند المحن والنوازل: من سير الصالحين وسنن الأنبياء والمرسلين: فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ. فِيهِ في الفرج. وقرأ ابن مسعود: فيها، كما قرئ في سورة الأنبياء، والضمير للجملة، وقد مرّ لي في هذا الظرف كلام. ومن بدع التفاسير: أنّ الفرج هو جيب الدرع، ومعنى أحصنته: منعته جبريل، وأنه جمع في التمثيل بين التي لها زوج والتى لا زوج لها، تسلية للأرامل وتطييبا لأنفسهنّ وَصَدَّقَتْ قرئ بالتشديد والتخفيف على أنها جعلت الكلمات والكتب صادقة، يعنى: وصفتها بالصدق، وهو معنى التصديق بعينه. فإن قلت:
فما كلمات الله وكتبه؟ قلت: يجوز أن يراد بكلماته: صحفه التي أنزلها على إدريس وغيره، سماها كلمات لقصرها [[قال محمود: «يجوز أن يراد بالكلمات الصحف التي أنزلها الله تعالى على إدريس وغيره: سماها كلمات لقصرها ... الخ» قال أحمد: هو يعتقد حدوث كلام الله ويجحد الكلام القديم. فلا جرم أن كلامه لا يعدو الاشعار بأن كلمات الله متناهية، لأنه في الوجه الأول جعلها مجموعة جمع قلة لقصرها، وفي الثاني حصرها بقوله «جميع» وأين وصفه لها بالقصر والحصر من الآيتين التوأمتين اللتين إحداهما قوله قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي والأخرى قوله وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ ... الآية وما هو في الحقيقة إلا غير مؤمن بكلمات الله تعالى، فالحق أن كلام الله تعالى صفة من صفات كماله أزلية أبدية غير متناهية، فهكذا آمنت امرأة فرعون المتلو ثناؤها في كتاب الله العزيز، ثبتنا الله على الايمان، ووقانا الخذلان، والله المستعان.]] ، وبكتبه: الكتب الأربعة [[قوله «وبكتبه الكتب الأربعة» لعلها علمت بالإنجيل والقرآن نزولهما. (ع)]] ، وأن يراد جميع ما كلم الله به ملائكته وغيرهم، وجميع ما كتبه في اللوح وغيره. وقرئ: بكلمة الله وكتابه. أى: بعيسى وبالكتاب المنزل عليه وهو الإنجيل. فإن قلت: لم قيل مِنَ الْقانِتِينَ على التذكير؟ قلت: لأنّ القنوت صفة تشمل من قنت من القبيلين، فغلب ذكوره على إناثه. ومِنْ للتبعيض. ويجوز أن يكون لابتداء الغاية، على أنها ولدت من القانتين، لأنها من أعقاب هرون أخى موسى صلوات الله عليهما.
وعن النبي ﷺ: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا أربع: آسية بنت مزاحم امرأة فرعون، ومريم ابنة عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد.
وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» [[أخرجه الثعلبي من طريق عمرو بن مرزوق عن شعبة عن عمرو بن مرة سمع مرة عن أبى موسى بهذا.
وأخرجه أبو نعيم في الحلية في ترجمة عمرو بن مرة من هذا الوجه. قال: حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا يوسف القاضي حدثنا عمرو بن مرزوق بهذا. وهو في البخاري من رواية مرة عن أبى موسى دون ذكر خديجة وفاطمة رضى الله عنهما. وفي ابن حبان والحاكم من حديث ابن عباس رضى الله عنهما رفعه «أفضل نساء العالمين أربع ... فذكره» .]] وأما ما روى أنّ عائشة سألت رسول الله ﷺ كيف سمى الله المسلمة؟ تعنى مريم، ولم يسم الكافرة؟ فقال:
بغضالها: قالت: وما اسمها؟ قال: اسم امرأة نوح «واعلة» واسم امرأة لوط «واهلة» فحديث أثر الصنعة عليه ظاهر بين، ولقد سمى الله تعالى جماعة من الكفار بأسمائهم وكناهم، ولو كانت التسمية للحب وتركها البغض لسمى آسية، وقد قرن بينها وبين مريم في التمثيل للمؤمنين، وأبى الله إلا أن يجعل للمصنوع أمارة تنم عليه، وكلام رسول الله ﷺ أحكم وأسلم من ذلك.
عن رسول الله ﷺ: من قرأ سورة التحريم آتاه الله توبة نصوحا» [[أخرجه الثعلبي وابن مردويه باسنادهما إلى أبى بن كعب.]]
التحريم 66:12
وامرأة فرعون:: آسية بنت مزاحم. وقيل: هي عمة موسى عليه السلام آمنت حين سمعت بتلقف عصا موسى الإفك، فعذبها فرعون. عن أبى هريرة: أن فرعون وتد امرأته بأربعة أوتاد، واستقبل بها الشمس، وأضجعها على ظهرها، ووضع رحى على صدرها. وقيل: أمر بأن تلقى عليها صخرة عظيمة فدعت الله فرقى بروحها، فألقيت الصخرة على جسد لا روح فيه.
وعن الحسن: فنجاها الله أكرم نجاة فرفعها إلى الجنة فهي تأكل وتشرب وتتنعم فيها. وقيل:
لما قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة: أريت بيتها في الجنة يبنى. وقيل: إنه من درة.
وقيل: كانت تعذب في الشمس فتظلها الملائكة. فإن قلت: ما معنى الجمع بين عندك وفي الجنة؟ قلت طلبت القرب من رحمة الله والبعد من عذاب أعدائه، ثم بينت مكان القرب بقولها فِي الْجَنَّةِ أو أرادت ارتفاع الدرجة في الجنة وأن تكون جنتها من الجنان التي هي أقرب إلى العرش وهي جنات المأوى، فعبرت عن القرب إلى العرش بقولها عِنْدَكَ.
مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ من عمل فرعون. أو من نفس فرعون الخبيثة وسلطانه الغشوم، وخصوصا من عمله وهو: الكفر، وعبادة الأصنام، والظلم، والتعذيب بغير جرم وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ من القبط كلهم. وفيه دليل على أنّ الاستعاذة بالله والالتجاء إليه ومسألة الخلاص منه عند المحن والنوازل: من سير الصالحين وسنن الأنبياء والمرسلين: فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ. فِيهِ في الفرج. وقرأ ابن مسعود: فيها، كما قرئ في سورة الأنبياء، والضمير للجملة، وقد مرّ لي في هذا الظرف كلام. ومن بدع التفاسير: أنّ الفرج هو جيب الدرع، ومعنى أحصنته: منعته جبريل، وأنه جمع في التمثيل بين التي لها زوج والتى لا زوج لها، تسلية للأرامل وتطييبا لأنفسهنّ وَصَدَّقَتْ قرئ بالتشديد والتخفيف على أنها جعلت الكلمات والكتب صادقة، يعنى: وصفتها بالصدق، وهو معنى التصديق بعينه. فإن قلت:
فما كلمات الله وكتبه؟ قلت: يجوز أن يراد بكلماته: صحفه التي أنزلها على إدريس وغيره، سماها كلمات لقصرها [[قال محمود: «يجوز أن يراد بالكلمات الصحف التي أنزلها الله تعالى على إدريس وغيره: سماها كلمات لقصرها ... الخ» قال أحمد: هو يعتقد حدوث كلام الله ويجحد الكلام القديم. فلا جرم أن كلامه لا يعدو الاشعار بأن كلمات الله متناهية، لأنه في الوجه الأول جعلها مجموعة جمع قلة لقصرها، وفي الثاني حصرها بقوله «جميع» وأين وصفه لها بالقصر والحصر من الآيتين التوأمتين اللتين إحداهما قوله قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي والأخرى قوله وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ ... الآية وما هو في الحقيقة إلا غير مؤمن بكلمات الله تعالى، فالحق أن كلام الله تعالى صفة من صفات كماله أزلية أبدية غير متناهية، فهكذا آمنت امرأة فرعون المتلو ثناؤها في كتاب الله العزيز، ثبتنا الله على الايمان، ووقانا الخذلان، والله المستعان.]] ، وبكتبه: الكتب الأربعة [[قوله «وبكتبه الكتب الأربعة» لعلها علمت بالإنجيل والقرآن نزولهما. (ع)]] ، وأن يراد جميع ما كلم الله به ملائكته وغيرهم، وجميع ما كتبه في اللوح وغيره. وقرئ: بكلمة الله وكتابه. أى: بعيسى وبالكتاب المنزل عليه وهو الإنجيل. فإن قلت: لم قيل مِنَ الْقانِتِينَ على التذكير؟ قلت: لأنّ القنوت صفة تشمل من قنت من القبيلين، فغلب ذكوره على إناثه. ومِنْ للتبعيض. ويجوز أن يكون لابتداء الغاية، على أنها ولدت من القانتين، لأنها من أعقاب هرون أخى موسى صلوات الله عليهما.
وعن النبي ﷺ: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا أربع: آسية بنت مزاحم امرأة فرعون، ومريم ابنة عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد.
وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» [[أخرجه الثعلبي من طريق عمرو بن مرزوق عن شعبة عن عمرو بن مرة سمع مرة عن أبى موسى بهذا.
وأخرجه أبو نعيم في الحلية في ترجمة عمرو بن مرة من هذا الوجه. قال: حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا يوسف القاضي حدثنا عمرو بن مرزوق بهذا. وهو في البخاري من رواية مرة عن أبى موسى دون ذكر خديجة وفاطمة رضى الله عنهما. وفي ابن حبان والحاكم من حديث ابن عباس رضى الله عنهما رفعه «أفضل نساء العالمين أربع ... فذكره» .]] وأما ما روى أنّ عائشة سألت رسول الله ﷺ كيف سمى الله المسلمة؟ تعنى مريم، ولم يسم الكافرة؟ فقال:
بغضالها: قالت: وما اسمها؟ قال: اسم امرأة نوح «واعلة» واسم امرأة لوط «واهلة» فحديث أثر الصنعة عليه ظاهر بين، ولقد سمى الله تعالى جماعة من الكفار بأسمائهم وكناهم، ولو كانت التسمية للحب وتركها البغض لسمى آسية، وقد قرن بينها وبين مريم في التمثيل للمؤمنين، وأبى الله إلا أن يجعل للمصنوع أمارة تنم عليه، وكلام رسول الله ﷺ أحكم وأسلم من ذلك.
عن رسول الله ﷺ: من قرأ سورة التحريم آتاه الله توبة نصوحا» [[أخرجه الثعلبي وابن مردويه باسنادهما إلى أبى بن كعب.]]