Lafzullah

Al Lubab fi Ulum Al Kitab — البقرة 2:20 – البقرة 2:43

المؤلف / المصدر: Al Lubab fi Ulum Al Kitab

المحتويات
  1. البقرة 2:20
  2. البقرة 2:21
  3. البقرة 2:22
  4. البقرة 2:23
  5. البقرة 2:24
  6. البقرة 2:25
  7. البقرة 2:26
  8. البقرة 2:27
  9. البقرة 2:28
  10. البقرة 2:29
  11. البقرة 2:30
  12. البقرة 2:31
  13. البقرة 2:32
  14. البقرة 2:33
  15. البقرة 2:34
  16. البقرة 2:35
  17. البقرة 2:36
  18. البقرة 2:37
  19. البقرة 2:38
  20. البقرة 2:39
  21. البقرة 2:40
  22. البقرة 2:41
  23. البقرة 2:42
  24. البقرة 2:43

البقرة 2:20

اعلم أنّ هذا مثل ثانٍ للمنافقين، وكيفية المشابهة من وجوه: أحدها: أنه إذا حصل السحاب والرعد والبرق، واجتمع مع ظلمة السّحاب ظلمة الليل، وظلمة المَطَرِ عند ورود الصواعق عليهم يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصَّوَاعق حَذَرَ الموت، وأن البرق يكاد يخطف أبصارهم، فإذا أضاء لهم مَشَوْا فيه، وإذا ذهب بَقَول في ظلمة عظيمة، فوقفوا متحيّرين؛ لأنّ من أصابه البرق في هذه الظلمات الثلاث ثم ذَهَبَ عنه تشتدّ حيرته، وتعظم الظُّلمة في عينيه أكثر من الذي لم يزل في الظلمة، فشبّه المنافقين في حيرتهم وجهلهم بالدِّين بهؤلاء الذين وصفهم، إذا كانوا لا يرون طريقاً، ولا يهتدون. وثانيها: أن المَطَرَ وإن كان نافعاً إلاّ أنه لما وجد في هذه الصُّورة مع هذه الأحوال الضَّارة صار النفع به زائلاً، فكذا إظهار الإيمان نافعٌ للمنافقين لو وافقه الباطن، فإذا فقد منه الاخلاص، وحصل أنواع المَخَافَةِ، فحصلت في المنافقين نهاية الحَيْرَةِ في الدين، ونهاية الخوف في الدنيا؛ لأنّ المنافق يتصور في كل وقت أنه لو حصل الوقوف على باطنه لقتل، فلا يزال الخَوْفُ في قلبه مع النفاق. ورابعها: المراد من الصَّيِّب هو الإيمان والقرآن، والظلمات والرعد والبرق هي الأشياء الشَّاقة على المنافقين من التكاليف كالصَّلاة والصوم وترك الرِّيَاسات، والجهاد مع الآباء والأمّهات، وترك الأديان القديمة، والانقياد لمحمد - عليه الصَّلاة والسَّلام - مع شدّة استنكافهم عن الانقياد، فكأنّ الإنسان يبالغ في الاحتراز عن المَطَرِ الصَّيِّب الذي [هو] أشَدُّ الأشياء نفعاً بسبب هذه الأُمُور المُقارنة، كذلك هؤلاء. والمراد من قوله: ﴿كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُمْ مَّشَوْاْ فِيهِ﴾ أنّه متى حصل لهم شيء من المَنَافع، وهي عصمة أموالهم ودمائهم، وحصول الغنائم، فإنهم يرغبون في الدِّين. قوله: ﴿وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ﴾ أي متى لم يجدوا شيئاً من تلك المنافع، فحينئذ يكرهون الإيمان، ولا يرغبون فيه. فصل في «أو» في «او» خمسة أقوال: أظهرها: أنها للتفصيل بمعنى: أنَّ الناظرين في حال منهم من يشبههم بحال المُسْتَوْقد، ومنهم من يشبههم بأَصْحاب صَيِّبٍ هذه صفته. قال ابن الخطيب: «والثاني أبلغ؛ لأنه أدلُّ على فرط الحيرة» . والثاني: أنها للإبهام، أي: أن الله أَبْهَمَ على عباده تشبيههم بهؤلاء أو بهؤلاء. والثالث: أنها للشَّك، بمعنى: أنَّ الناظر يشكُّ في تشبيههم. الرابع: أنها للإباحة. الخامس: أنها للتخيير، قالوا: لأن أصلها تساوي شيئين فصاعداً في الشك، ثم اتسع فيها، فاستعيرت للتساوي في غير الشك كقولك: «جالس الحسن أو ابن سيرين» يريد أنهما سيّان، وأن يجالس أيهما شاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ [الإنسان: 24] ، أي: الإثم والكفر متساويان في وجوب عصيانهما، وزاد الكوفيون فيها معنيين آخرين: أحدهما: كونها بمعنى «الواو» ؛ وأنشدوا: [البسط] 239 - نضال الخِلاَفَةَ أوْ كَانَتْ لَهُ قَدَراً ... كَمَا أَتَى رَبَّهُ مُوسَى عَلَى قَدَرِ وقال تعالى: ﴿تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَآئِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النور: 61] وقال: [الطويل] 240 - وَقَدْ زَعَمَتْ لَيْلَى بِأَنِّيَ فَاجِرٌ ... لِنَفْسِي تُقَاهَا أوْ عَلَيْهَا فُجُورُهًا قال ابن الخطيب: وهذه الوجوه مطردة في قوله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذلك فَهِيَ كالحجارة أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: 74] . المعنى الثاني: كونها بمعنى: «بل» ؛ قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إلى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: 147] وأنشدوا: [الطويل] 241 - بَدَتْ مِثْلَ قَرْنِ الشَّمْسِ في رَوْنَقِ الضُّحَى ... وَصُورَتِها أوْ أَنْتَ في العَيْنِ أمْلَحُ أي: بل أنت. و «كصيب» معطوف على «كَمَثَلِ» ، فهو في محل رفع، ولا بد من حذف مضافين؛ ليصح المعنى، التقدير يراد: «أو كمثل ذوي صيّب» ولذلك رجع عليه ضمير الجمع في قوله: ﴿يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ في آذَانِهِم﴾ ، لأن المعنى على تشبيههم بأصحاب الصَّيِّب لا بالصيب نفسه. و «الصَّيب» المَطَر سمي بذلك لنزوله، يقال: صاب يصوب إذا نزل؛ ومنه: صوَّب رأسه: إذا خفضه؛ قال [الطويل] 242 - فَلَسْتُ لإنْسِيَّ ولَكِنْ لِمَلأَكِ ... تَنَزَّلَ مِنْ جَوِّ السَّمَاءِ يَصُوبُ وقال آخر: [الطويل] 243 - فَلاَ تَعْدِلِي بَيْنِي وَبَيْنَ مُغَمَّرٍ ... سَقَتْكِ رَوَايَا المُزْنِ حَيْثُ تَصُوبُ وقيل: إنه من صَابَ يَصُوب: إذا قصد، ولا يقال: صَيّب إلا للمطر الجَوَاد، كان - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - يقول: «اللهم اجعله صَيِّباً هَنِيئاً» أي: مطراً جواداً، ويقال أيضاً للسحاب: صَيّب؛ قال الشماخ: [الطويل] 244 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . ... وَأَسْحَمَ دَانٍ صادَقِ الرَّعْدِ صَيِّبِ وتنكير «صيب» يدلّ على نوع زائد من المطر شديد هائلٍ كما نكرت «النَّار» في التمثيل الأول. وقرئ «كصائب» ، والصَّيب أبلغ. واختلف في وزن «صَيِّب» . فقد ذهب البصرون أنه «فَيَعِل» ، والأصل: صَيْوِب أدغم ك «مَيّت» و «هَيّن» ، والأصل: مَيوت وهَيْوِن. وقال بعض الكوفيين: وزنه «فَعِيل» والأصل: صَوِيب بزنة طويل. قال النحاس: وهذا خطأ؛ لأنه كان ينبغي أن يصح ولا يُعَلّ كطويل، وكذا أبو البقاء. وقيل وزنه: «فَعْيَل» فقلب وأُدغم. واعلم أنه إذا قيل بأن الجملة من قوله: ﴿ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: 17] استئنافية، ومن قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: 18] إنها من وصف المنافقين كانتا جملتي اعتراض بين المتعاطفين، أعني قوله: «كَمَثَل» و «كَصَيِّبٍ» وهي مسألة خلاف منعها الفارسي ورد عليه بقول الشاعر: [الوافر] 245 - لَعَمْرِكَ والخُطُوبُ مُغَيِّراتٌ ... وَفِي طُولِ المُعَاشَرَةِ التَّقَالِي لَقَدْ بَالَيْتُ مَظْعَنَ أُمٌّ أَوْفَى ... وَلَكِنْ أُمُّ أَوْفَى لا تُبَالِي ففصل بين القسم، وهو «لعمرك» وبين جوابه، وهو «لَقَدْ بَالَيْتُ» بجملتين إحداهما: «والخطوب متغيرات» . والثانية: «وفي طول المُعَاشرة التَّقالي» . و «من السماء» يحتمل وجهين: أحدهما: أن يتعلّق ب «صيب» ؛ لأنه يعمل عمل الفعل، والتقدير: كمطر يَصُوب من السماء، و «مِنْ» لابتداء الغاية. والثَّاني: أن يكون في محلّ جر صفة ل «صيب» ، فيتعلّق بمحذوف، وتكون «من» للتبغيض، ولا بُدّ حينئذ من حذف مضاف تقديره: كصيّب كائن من أمطار السَّماءِ. والسماء: هذه المطلّة، وهي في الأصل كل ما عَلاَكَ من سَقْفٍ ونحوه، مشتقة من السُّمو، وهو الإرتفاع، والأصل: سَمَاو، وإنما قُلبت الواو همزة لوقوعها طرفاً بعد ألف زائدة وهو بدل مُطّرد، نحو: «كساء ورداء» ، بخلاف «سقاية وشقاوة» لعدم تطرف حرف العلّة، ولذلك لما دخلت عليها تاء التأنيث صحَّت؛ نحو: «سماوة» . قال الشاعر: [الرجز] 246 - طَيِّ اللَّيالِي زُلُفاً فَزُلَفَا ... سَمَاوَةَ الهِلاَلِ حَتَّى احْقَوْقَفَا والسماء مؤنث قال تعالى: ﴿إِذَا السمآء انفطرت﴾ [الانفطار: 1] وقد تذكَّر؛ قال تعالى: ﴿السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: 18] ؛ وأنشد: [الوافر] . 247 - وَلَوْ رَفَعَ السَّمَاءَ إلَيْهِ قَوْماً ... لَحِقْنَا بَالسَّمَاءِ مَعَ السَّحَابِ فأعاد الضَّمير من قوله: «إلَيْهِ» على «السَّمَاءِ» مذكَّراً، ويجمع على «سَمَاوَاتٍ» ، وأَسْمِيَة، وَسُمِيّ» ، والأصل «فعول» ، إلا أنه أعلّ إعلال» عِصِيّ «بقلب الواوين ياءين، وهو قلب مطّرد في الجمع، ويقلّ في المفرد نحو: عتا - عُتِيًّا، كما شذّ التصحيح في الجمع قالوا:» إنكم لتنظرون في نُحُوٍّ كثيرةٍ» ، وجمع أيضاً على «سماء» ، ولكن مفرده «سَمَاوة» ، فيكون من باب تَمْرَةٍ وتضمْرٍ، ويدلّ على ذلك قوله: [الطويل] 248 - ... ... ... ... ... ... ....... ... ... ... فَوْقَ سَبْعِ سَمَائِيَا ووجه الدّلالة أنه مُيِّزَ به» سَبْع «ولا تُمَيِّزُ هي وأخواتها إلاّ بجمع مجرور. وفي قوله:» من السَّمَاءِ» ردّ على من قال: إن المطر إنما يحصل من ارتفاع أبخرة رطبة من الأَرْض إلى الهواء، فتنعقد هناك من شدّة برد الهواء، ثم ينزل مرة أخرى، فذاك هو المطر؛ فأبطل الله هذا المذهب بأن بَيّن أن الصِّيب نزل من السَّمَاء، وقال: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السمآء مَآءً طَهُوراً﴾ [الفرقان: 48] . وقال: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السمآء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ﴾ [النور: 43] . قوله: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ [البقرة: 19] يحتمل أربعة أوجه: أحدها: أن يكون صفة ل «صَيّب» . الثاني: أن يكون حالاً منه، وإن كان نكرة لتخصصه، إما بالعمل في الجار بعده، أو بصفة بالجار بعده. الثالث: أن يكون حالاً من الضمير المُسْتَكِنّ في «من السماء» إذا قيل: إنه صفة ل «صَيّب» ، فيتعلق في التقادير الثلاثة بمحذوف، إلاّ أنه على القول الأوّل في محلّ جر لكونه صفة لمجرور، وعلى القولين الأخيرين في مَحَلّ نَصْب على الحال. و «ظلمات» على جميع هذه الأقوال فاعل به؛ لأنَّ الجار والمجرور والظرف متى اعتمدا على موصوف، أو ذي حالٍ، أو ذي خبر، أو على نَفْي، أو استفهام عملاً عمل الفعل، والأخفش يُعْمِلُهُمَا مطلقاً كالوصف، وسيأتي تحرير ذلك. الرابع: أن يكون خبراً مقدماً، و «ظلمات» مبتدأ، والجملة تحتمل وجهين: الأول: الجر على أنها صفة ل «صيب» . والثاني: النَّصْب على الحال، وصاحب الحال يحتمل أن يكون «كصيب» ، وإن كان نكرة لتخصيصه بما تقدّمه، وأن يكون الضَّمير المستكن في «من السَّماء» إذا جعل وصفاً ل «صيّب» ، والضمير في «فيه» ضمير «الصيب» ، واعلم أن جعل الجار صفة أو حالاً، ورفع «ظلمات» على الفاعلية به أَرْجَحُ من جعل ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ﴾ جملة برأسها في محلّ صفة أو حال؛ لأنّ الجار أقرب إلى المفرد من الجملة، وأصل الصفة والحال أن يكونا مفردين. و «رَعْدٌ وبَرْقٌ» : معطوفان على «ظلمات» بالاعتبارين المتقدّمين، وهما في الأصْل مصدران تقول: رَعَدَتِ السماء تَرْعَدُ رَعْداَ، وبَرَقَتْ بَرْقاً. قال أبو البقاء: وهما على ذلك مُوَحَّدَتَانَ هنا يعني على المصدرية ويجوز أن يكونا بمعنى الرَّاعد والبارق، نحو: رجل عَدْل. والظاهر أنهما في الآية ليس المُرَاد بهما المصدر، بل جعلا اسماً [للهز واللمعان] . والبرق: اللَّمَعَان، وهو مقصود الآية، ولا حاجة حينئذ إلى جعلهما بمعنى اسم فَاعِلٍ. وقال علي وابن عباس - رَضِيَ اللهُ عَنْهما - وأكثر المفسرين: الرعد: اسم ملك يسوق السَّحاب، والبرق: لَمَعَانُ سَوْط] من نور يزجر به المكل السحاب. وقيل: الرعد صوت انضغاط السّحاب. وقيل: تسبيح الملك، والبرق ضحكه. وقال مجاهد: الرعد اسم الملك؛ ويقال لصوته أيضاً: رعد، والبرق اسم ملك يسوق السحاب. وقال شهر بن حَوشَبٍ: الرعد ملك يُزْجِي السحاب، فإذا تبددت ضمها فإذا اشتد غضبه طارت من فيه النَّار فهي الصواعق. وقيل: الرعد صوت انحراق الريح بين السحاب. فإن قيل: لم جمع «الظّلمات» ، وأفرد «الرعد والبرق» ؟ فالجواب: أن في «ظلمات» اجتمع أنواع منها، كأنه قيل: فيه ظلمات داجيةٌ، ورعد قاصف، وبرق خاطف. ﴿يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ﴾ ، وهذه الجملة الظاهر أنها لا محلّ لها لاستئنافها كأنه قيل: ما حالهم؟ فقيل: يجعلون. وقيل: بل لها محلّ، ثم اختلف فيه فقيل: جرّ؛ لأنها صفة للمجرور، أي: أصحاب صيب جاعلين، والضمير محذوف. أو نابت الألف واللام منابه، تقديره: يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق منه أو من صواعقه. وقيل: محلُّها نصب على الحال من الضمير في «فيه» . والكلام في العائد كما تقدّم، والجَعْل - هنا - بمعنى الالتقاء، ويكون بمعنى الخَلْق، فيتعدّى لواحد، ويكون بمعنى «صَيَّرَ» أو «سمى» ، فيتعدى لاثنين، ويكون للشروع، فيعمل عمل «عسى» . و «أَصَابِعهُمْ» جمع إصبع، وفيها عشر لُغَات: بتثليث الهمزة مع تثليت البَاءِ، والعاشرة «أصبوع» بضم الهمزة. والواو في «يَجْعَلُون» تعود لِلْمُضَاف المحذوف، كما تقدم إيضاحه. واعلم أنه إذا حذف المضاف جاز فيه اعتباران: أحدهما: أن يلتفت إليه. والثاني: ألا يلتفت إليه، وقد جمع الأمران في قوله تعالى: ﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ﴾ [الأعراف: 4] ، والتقدير: وكم من أهل قرية فلم يراعه في قوله: ﴿أَهْلَكْنَاهَا فَجَآءَهَا﴾ [الأعراف: 4] ، ورعاه في قوله تعالى: ﴿أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ﴾ [الأعراف: 4] وذكر الأصابع، وإن كان المجهول إنما هو رؤوس الأصابع تسمية للبعض باسم الكُلّ كما في قوله تعالى: ﴿فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38] ، و ﴿في آذَانِهِم مِّنَ الصواعق﴾ كلاهما متعلّق بالجعل، و «من» معناها التعليل. و «الصَّوّاعق» : جمع صاعقة، وهي الضَّجَّة الشديدة من صوت الرعد تكون معها القطعة من النار. ويقال: «ساعقة» بالسّين، و «صاعقة» ، و «صاقعة» بتقديم القاف؛ وأنشد: [الطويل] 249 - أَلَمْ تَرَ أَنَّ المُجْرِمِين أصَابَهُمْ ... صَوَاقِعُ لاَ بَلْ هُنَّ فَوقَ الصَّواقِعِ ومثله قول الآخر: [الرجز] 250 - يَحْكُونَ بِالمَصْقُولَةِ القَوَاطِعِ ... تَشَقُّقَ اليَدَيْنِ بِالصَّوَاقِعِ وهي قراءة الحسن. قال النَّحَّاس: وهي لغة «تميم» ، وبعض «بني ربيعة» ، فيحتمل أن تكون «صاعقة» مقلوبة من «صَاعِقة» ويحتمل ألاّ تكون، وهو الأظهر لثبوتها لغةً مستقلةً كما تقدم. ويقال: «صقعة» أيضاً، وقد قرأ بها الكسَائي في «الذاريات» . يقال: صُعِقَ زيد، وأصعقه غيره قال: [الطويل] 251 - تَرَى النُّعَرَاتِ الزُّرْقَ تَحْتَ لَبَانِهِ ... أُحَادَ وَمَثْنَى أصعَقَتْهَا صَوَاهِلُهْ وقيل: «الصّاعقة» [قصف رعد ينقض منها شعلة] من نارٍ لطيفة قوية لا تمرُّ بشيء إلاّ أتت عليه إلاّ أنها مع قوتها سريعة الخمود. وقيل: الصاعقة: قطعة عذاب ينزلها الله على من يَشَاءُ، وروي عن سالم بن عبد الله ابن عمر عن أبيه أن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان إذا سمع صوت الرَّعْدِ والصواعق قال: «اللهُمّ لا تقتلنا بغضبك ولا تُهْلكنا بِعَذَابِكَ وَعَافِنَا قبل ذَلِكَ» . قوله: ﴿حَذَرَ الموت﴾ أي: مَخَافَةَ الهلاك، وفيه وجهان: أظهرهما: أنه مفعول من أجله ناصبه «يجعلون» ، ولا يضر تعدّد المفعول من أجله؛ لأن الفعل يعلّل يعلل. الثاني: أنه منصوب على المصدر وعامله محذوف تقديره يحذرون حذراً مثل حَذَرِ الموت. و «الحَذَرُ» و «الحِذَار» مصدران ل «حذر» أي: خاف خوفاً شديداً. واعلم أن المفعول من أجله بالنسبة إلى نصبه وجره بالحرف على ثلاثة أقسام: قسم يكثر نصبه، وهو ما كان غير معرف ب «أل» ولا مضاف نحو: «جئت إكراماً لك» . وقسم عكسه، وهو ما كان معرَّفاً ب «أل» ؛ ومن مجيئه منصوباً قول الشاعر: [الرجز] 252 - لا أَقْعُدُ الجُبْنَ عَنِ الهَيْجَاءِ ... ولَوْ تَوَالَتْ زُمَرُ الأَعْدَاءِ وقسم يستوي فيه الأمران، وهو المضاف كالآية الكريمة، ويكون معرفةً ونكرةً، وقد جمع حاتم الطائي الأمرين في قوله: [الطويل] 253 - وَأَغْفِرُ عَوْرَاءَ الكَرِيمِ ادِّخَارَهُ ... وأُعْرِضُ عَنْ شَتْمِ اللَّئِيمِ تَكَرُّمَا و «حَذَرَ المَوْتِ» مصدر مضاف إلى المفعول، وفاعله محذوف، وهو أحد المواضع التي يجوز فيها حذف الفاعل وحده. والثاني: فعل ما لم يسم فاعله. والثالث: فاعل «أفعل» في التعجُّب على الصحيح، وما عدا هذه لا يجوز فيه حذف الفاعل وحده خلافاً للكوفيين. والموت: ضد الحياة؛ يقال: مَاتَ يَمُوتُ ويَمَاتُ؛ قال الشاعر: [الرجز] 254 - بُنَيَّتي سَيِّدَةَ البَنَاتِ ... عِيشِي وَلاَ يُؤْمَنُ أَنْ تَمَاتِي وعلى هذه اللّغة قرئ «مِتْنا» و «مِتُّ» - بكسر الميم - ك «خِفْنَا» و «خَفْتُ» ، فوزن «مَاتَ» على اللغة الأولى «فَعَلَ» بفتح العين، وعلى الثانية «فَعِلَ» بكسرها، و «المُوَات» : بالضمِّ المَوْت أيضاً، وبالفتح: ما لا روح فيه، والمَوْتَان بالتحريك ضد الحيوان؛ ومنه قولهم: «اشْتَرِ المَوْتَانَ، ولا تَشْتَرِ الرَّقيق، فإنه في مَعْرَضِ الهَلاَك؛ و» المَوْتَان» بضمّ «الميم» : وقوع الموت في الماشية، ومُوِّتَ فلانٌ بالتشديد للمبالغة؛ قال: [الوافر] 255 - فَعُرْوَةُ مَاتَ مَوْتاً مُسْتَرِيحاً ... فَهَا أَنَا ذَا أُمَوَّتُ كُلَّ يَوْمِ و «المُسْتَمِيت» : الأمر المُسْتَرْسِل؛ قال رؤْبَة: [الرجز] 256 - وَزَبَدُ البَحْرِ لَهُ كَتِيتُ ... وَاللَّيْلُ فَوْقَ المَاءِ مُسْتَمِيتُ قوله: ﴿والله مُحِيطٌ بالكافرين﴾ [البقرة: 19] . وهو مجاز أي: لا يفوتونه. فقيل: عالم بهم، كما قال: ﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمَا﴾ [الطلاق: 12] . وقيل: جامعهم وقدرته مُسْتولية عليهم؛ كما قال: ﴿والله مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ﴾ [البروج: 20] . وقال مجاهد: يجمعهم فيعذبهم» . وقيل: يهلكهم، قال تعالى: ﴿إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: 66] أي: تَهْلِكُوُا جميعاً. وقيل: «ثَمَّ» مضافٌ محذوفٌ، أي: عقابه محيطٌ بهم. وقال أبو عَمْرو، والكسَائِيُّ: «الكَافِرِينَ» [بالإمالة] ولا يميلان ﴿أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة: 41] ، وهذه الجملة مبتدأ وخبر. وأصل «مُحِيط» : «مُحْوِط» ؛ لأنه من حَاطَ يَحُوطُ فأُعِلّ كإِعْلاَلِ «نَسْتِعِين» . والإحاطةُ: حصر الشيء من جميع جهاته، وهذه الجملة قال الزمخشريُّ: «هي اعتراض لا مَحَل لها من الإعراب» كأنه يعني بذلك أن جملة قوله: ﴿يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ﴾ ، وجملة قوله: ﴿يَكَادُ البرق﴾ شيءٌ واحد؛ لأنهما من قصّة واحدة؛ فوقع ما بينهما اعتراضاً. «يَكَادُ» مضارع «كَادَ» ، وهي للِمُقَارَبَةِ الفعل، تعمل عمل «كان» إلاَّ أن خبرها لا يكون إلاَّ مُضَارعاً، وشذَّ مجيئُهُ اسماً صريحاً؛ قال: [الطويل] 257 - فَأُبْتُ إلّى فَهْمٍ وَمَا كِدْتُ آيباً ... وَكَمْ مِثْلِهَا فَارَقْتُهَا وَهِيَ تَصْفِرُ والأكثر في خبرها تجرّده من «أن» ، عكس «عسى» ، وقد شذّ اقترانه بها؛ قال رُؤْبَة: [الرجز] 258 - قَدْ كَادَ مِنْ طُولِ البِلَى أَنْ يَمْحَصَا ... لأنها لمقاربة الفعل، و «أَنْ» تخلص للاستقبال، فتنافيا. واعلم أن خبرها - إذا كانت هي مثبتة - منفيٌّ في المعنَى، لأنها للمقاربة. فإذا قلت: «كَادَ زَيْدٌ يَفْعَلُ» كان معناه: قارب الفعل إلاّ أنه لم يفعل، فإذا نُفِيَتِ، انتفى خبرها بطريق الأولَى؛ لأنه إذا انتفت مقاربة الفعل انتفى هو من باب أوبى؛ ولهذا كان قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: 40] أبلغ من أن لو قيل: لَمْ يَرَهَا، لأنه لم يقارب الرُّؤْيَة، فكيف له بها؟ وزعم جماعة منهم ابن جِنِّي، وأبو البَقَاءِ، وابن عطية أن نفيها إثبات، وإثباتها نفي؛ حتى ألغز بعضُهُمْ فيها؛ فقال: [الطويل] 259 - أَنحويَّ هَذَا العَصْرِ مَا هِيَ لَفظةٌ ... جَرَتْ في لِسَانَيْ جُرْهُمٍ وَثَمُودِ إِذَا نُفِيتْ - والله أَعْلَمُ - أُثْبِتَتْ ... وَإِنْ أُثْبِتَتْ قَامَتْ مَقَامَ جُحُودِ وحكوا عن ذي الرَّمَّة أنه لما أنشد قولَهُ: [الطويل] 260 - إذا غَيَّرَ النَّأْيُ المُحِبِّينَ لَمْ يَكَدْ ... رَسِيسُ الهَوَى مِنْ حُبِّ مَيَّةَ يَبْرَحُ عيب عليه؛ لأنه قال: «لم يكد يَبْرَحُ» ، فيكون قد بَرِحَ، فغيَّره إلى قوله: «لَمْ يَزَلْ» أو ما هو بمعناه. والذي غرَّ هؤلاء قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: 71] قالوا: «فهي هنا منفية» وخبرها مثبت في المعنى؛ لأن الذبح وقع لقوله: «فَذَبَحُوهَا» ، والجواب عن هذه الآية من وجهين: أحدهما: أنه يحمل على اختلاف وقتين، أي: ذبحوها في وقت، وما كادوا يفعلون في وقت آخر. والثاني: أنه عبّر بنفي مُقَاربة الفعل عن شدَّة تعنُّتهم، وعسرهم في الفعل. وأما ما حكَوْهُ عن ذي الرُّمَّة، فقد غلَّط الجمهورُ ذا الرمَّة في رجوعِهِ عن قوله الأوَّل، وقالوا: «هو أبلغُ وأحْسَنُ مما [غيَّره إليه] . واعلم أن خبر» كاد «وأخواتها - غير» عَسَى» - لا يكون فاعله إلاّ ضميراً عائداً على اسمها؛ لأنها للمقاربة أو للشُّرُوع، بخلاف «عسى» ، فإنها للترجِّي؛ تقول: «عَسَى زَيْدٌ أَنْ يَقُومُ أَبُوهُ» ، ولا يجوز ذلك في غيرها، فأما قوله: [الطويل] 261 - وَقَفْتُ عَلَى رَبْعٍ لِميَّةَ نَاقَتِي ... فَمَا زِلْتُ أَبْكِي عِنْدَهُ وَأُخَاطِبُهْ وَأَسْقِيهِ حَتَّى كَادَ مِمَّا أَبُثُّهُ ... تُكَلِّمُني أَحْجَارُهُ وَمَلاَعِبُهْ فأتى بالفاعل ظاهراً، فقد حمله بعضهم على الشُّذُوذ، ينبغي أن يقال: إنما جاز ذلك؛ لأن الأحجار والملاعب هي عبارة عن الرَّبْعِ، فهي هو، فكأنه قيل: حتَّى كادَ يكلُّمُني؛ ولكنه عبّر [عنه] بمجموع أجزائه. وأما قول الآخَرِ: [البسيط] 262 - وَقَدْ جَعَلْتُ إِذَا ما قُمْتُ يُثْقِلُني ... ثَوْبِي فَأَنْهَضُ نَهْضَ الشَّارِبِ السَّكِرِ وَكُنْتُ أَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ مُعْتَدِلاً ... فَصِرْتُ أَمْشي عَلَى أُخْرَى مِنَ الشَّجَرِ فأتى [بفاعل] [خبر] جعل ظاهراً، فقد أجيب عنه بوجهين: أحدهما: أنه على حذْف مضاف، تقديره: وقد جعل ثوبي إذا ما قمت يثقلني. والثاني: أنه من باب إقامة السَّبب مقام المُسَبَّبِ، فإن نهوضه كذا متسبَّب عن إثقال ثوبه إيَّاه، والمعنى: وقد جعلت أنهض نَهْضَ الشارب الثَّمل لإثقال ثوبي إيَّاي. ووزن «كَادَ كَوِدَ» بكسر العين، وهي من ذوات الواو؛ ك «خَافَ» يَخَافُ، وفيها لغةٌ أخرى: فتح عينها، فعلى هذه اللُّغة تضم فاؤها إذا أسندت إلى تاء التكلّم وأخواتها، فتقول: «كُدْتُ، وكُدْنَا» ؛ مثل: قُلْتُ، وقُلْنَا، وقد تنقل كسر عينها إلى فائها مع الإسناد إلى ظاهر، كقوله: [الطويل] 263 - وَكِيدَ ضِبَاعُ القُفِّّ يَأْكُلْنَ جُثَّتي ... وَكِيدَ خِرَاشٌ عِنْدَ ذَلِكَ يَيْتَمُ ولا يجوز زيادتها خلافاً [للأخفش] ، وسيأتي إن شاء الله هذا كله في «كاد» الناقصة. أما «كاد» التامة بمعنى «مَكَرَ» فوزنها فَعَل بفتح العَيْن من ذوات «الياء» ؛ بدليل قوله: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً وَأَكِيدُ كَيْداً﴾ [الطارق: 15، 16] . و «البرق» اسمها، و «يخطف» خبرها ويقال: خَطِفَ يَخْطَفُ [بكسر عين الماضي، وفتح المضارع، وخَطَفَ يَخْطَفُ] عكس اللغة الأولى وفيه تراكيب كثيرة، والمشهور منها الأولى. الثانية: يخطِف بكسر الطاء، قرأها مجاهد. الثالثة: عن الحسن بفتح «الياء والخاء والطاء» ، مع تشديد «الطاء» ، والأصل: «يَخْتَطِفُ» ، فأبدلت «تاء» الافتعال «طاء» للإدغام. الرابعة: كذلك، إلاّ أنه بكسر الطاء على [أنه] أصل التقاء السَّاكنين. الخامسة: كذلك، إلا أنه بكسر «الخاء» إتباعاً لكسرة الطاء. السَّادسة: كذلك إلا أنه بكسر الياء أيضاً إتباعاً للخاء. السابعة: «يختطف» على الأصْل. الثامنة: يَخْطِّف بفتح الباء، وسكون الخاء، وتشديد الطاء [وهي رديئة لتأديتها إلى التقاء ساكنين. التاسعة: بضمّ الياء، وفتح الخاء، وتشديد الطاء] مكسورة، والتضعيف فيه للتكثير لا للتعدية. العاشرة: «يَتَخَطَّفُ» عن أُبّيّ من قوله: ﴿وَيُتَخَطَّفُ الناس مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: 67] . و «الخَطْف» : أخذ شيء بسرعة، وهذه الجملة - أعني قوله: «يَكَادُ البرق يخطف» لا محلّ لها، لأنه استئناف كأنه قيل: كيف يكون حالهم مع ذلك البرق؟ فقيل: يكاد يخطف، ويحتمل أن تكون في محل جر صفة ل «ذوي» المحذوفة: التقدير: كذوي صيِّب كائدٍ البرق يخطف. قوله: ﴿كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُمْ مَّشَوْاْ فِيهِ﴾ . «كُلَّ» نصب على الظرف؛ لأنها أضيفت إلى «ماط الظرفية، والعامل فيها جوابها، وهو» مشوا» . وقيل: «ما» نكرة موصوفة ومعناها الوقت أيضاً، والعائد محذوف تقديره: كل وقت أضاء لهم فيه، ف» أضاء «على الأول لا مَحَلَّ له؛ لكونه صلةً، ومحلّه الجر على الثاني. و» أضاء» يجوز أن يكون لازماً. وقال المُبَرِّدُ: «هو متعدّ، ومفعوله محذوف أي: أضاء لهم البَرْقُ الطريق» ف «الهاء» في «فيه» تعود على البَرْقِ في قول الجمهور، وعلى الطَّريق المحذوف في قول المُبَرّد. و «فيه» متعلّق ب «مشوا» ، وطفي «على بابها أي: إنه محيط بهم. وقيل: بمعنى الباء، ولا بد من حذفٍ على القولين: أي: مشوا في ضوئه: أي بضوئه، ولا محل لجملة قوله:» مشوا» ؛ لأنها مستأنفة، كأنه جواب لمن يقول: كيف يمضون في حالتي ظهور البرق وخفائه؟ والمقصود تمثيل شدة الأمر على المنافقين بشدته على أصحاب الصَّيِّب، وما هم فيه من غاية التحيُّر والجهل بما يأتون، وما يذرون. واعلم أن» كلّ «من ألفاظ العموم، وهو اسم جامع لازم للإضافة، وقد يحذف ما يُضَاف إليه، وهل تنوينه حينئذ تنوين عوض، أو تنوين صرفٍ؟ قولان: والمضاف إليه» كل «إن كان معرفة وحذف، بقيت على تعريفها، فلهذا انتصب عنها الحال، ولا يدخلها الألف واللام، وإن وقع ذلك في عبارة بعضهم، وربما انتصب حالاً، وأصلها أن تستعمل توكيداً ك» أجمع» ، والأحسن استعمالها مبتدأ، وليس كونها مفعولاً بها مقصوراً على السماع، ولا مختصّاً بالشعر، خلافاً لزاعم ذلك. وإذا أضيفت إلى نكرة أو معرفة بلام الجنس حسن أن تلي العواملة اللفظية، وإذا أضيفت إلى نكرة تعين اعتبار تلك النكرة فيما لها من ضمير وغيره، تقول: «كل رجال أَتَوْكَ، فأكرمهم» ، ولا يجوز أن تراعي لفظ» كل «فتقول:» كلُّ رجالٍ أتاكَ، فأكْرِمه» ، و «كلُّ رجلٍ أتاكَ، فأكْرِمه» ولا تقول «كلُّ رجلٍ أتَوْك، فأكْرِمْهم» ؛ اعتباراً بالمعنى، فأما قوله: [الكامل] 264 - جَادَتْ عَلَيْه كُلُّ عَيْنٍ ثَرَّةٍ ... فَتَرَكْنَ كُلَّ حَدِيقَةٍ كَالدِّرْهَمِ فراعى المعنى، فهو شاذّ لا يقاس عليه. وإذا أضيفت إلى معرفة فوجهان، سواء كانت بالإضافة لفظاً؛ نحو: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ القيامة فَرْداً﴾ [مريم: 95] فرَاعى لفظ «كُل» . أو معنى نحو: [العنكبوت: 40] فراعى لفظها، وقال: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: 87] فراعى المعنى. وقول بعضهم: «إن كلما» تفيد التكرار» ليس ذلك من وضعها، وإنما استفيد من العموم التي دلّت عليه. فإنك إذا قلت: «كلما جئتني أكرمتك» كان المعنى أكرمك في كل فرد [فرد] من جيئاتك إلَيّ. وقرأ ابن أبي عبلة «ضَاءَ» ثلاثياً، وهي تدل علىأن الرباعي لازم. وقرىء: «وَإِذَا أُظْلِمَ» مبنياً للمفعول، وجعله الزمخشري دالاًّ على أن «أظلم» متعدٍّ، واستأنس أيضاً بقول حَبيبٍ: [الطويل] 265 - هُمَا أَظْلَمَا حالَيَّ ثُمَّتَ أَجْلَيَا ... ظَلاَمَيْهِمَا عَنْ وَجْهِ أَمْرَدَ أَشْيَبِ ولا دليل في الآيَةِ؛ لاحتمالِ أنَّ أصله، «وإذَا أَظْلَمَ اللَّيْلُ عليهم» ، فلما بني للمفعول حذف الليل، وقام «عَلَيْهِم» مقامه، وأما بينت حبيب فمولّد. وإنما صدرت الجملة الأولى ب «كلّما» والثانية ب «إذا» ، قال الزمخشري: «لأنهم حراصٌ على وجود ما هَمّهم به، معقود من إمكان المشي وتأتِّيه، فكلما صادفوا منه فرصة انتهزوها، وليس كذلك التوقُّفُ والتَّحبُّسُ» وهذا هو الظاهر، إلاَّ أن من النحويين من زعم أن «إذا» تفيد التكرار أيضاً؛ وأنشد: [البسيط] 266 - إِذَا وَجَدْتُ أُوَارَ الحُبِّ في كَبِدِي ... أَقْبَلْتُ نَحْوَ سِقَاءِ القَوْمِ أَبْتَرِدُ قال: «معناه معنى» كلما» . قوله: «قَامُوا» أي وقفوا أو ثبتوا في مكانهم، ومنهن «قامت السوق» . قوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ . » لو «حرف لما كان سيقع لوقوع غيره، هذه عبارة سيبويه وهي أولى من عبارة غيره، وهي حرف امتناع لامتناع لصحة العبارة الأولى في نحو قوله تعالى: ﴿لَّوْ كَانَ البحر مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ [الكهف: 109] . وفي قوله عليه السلام:» نِعْمَ العَبْدُ صُهَيْب، لو لم يَخفِ الله لم يَعْصِهِ» وعدم صحّة الثانية في ذلك كما سيأتي محرراً، ولفساد قولهم: «لو كان إنساناً لكان حيواناً» ؛ إذْ لا يلزمُ من امتناع الإِنسَانِ امتناعُ الحيوان، ولا يجزم بها خلافاً لقَوْم، فأما قوله: [الرمل] 267 - لو يَشَأْ طَارَ بِهِ ذُو مَيْعَةٍ ... لاَحِقُ الآطَالِ نَهْدٌ ذُو خُصَلْ وقول الآخر: [البسيط] 268 - تَامَتْ فُؤَادَكَ لَوْ يَحْزُنْكَ مَا صَنَعَتْ ... إِحْدىَ نِسَاءِ بَنِي ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَا فمن تسكين المتحرك ضرورةً. وأكثر ما تكون شرطاً في الماضي، وقد تأتي بمعنى «إِن» ؛ كقوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الذين لَوْ تَرَكُواْ﴾ [النساء: 9] وقوله: [الطويل] 269 - وَلَوْ أَنَّ لَيْلَى الأخْيَليَّةَ سَلَّمَتْ ... عَلَيّ ودُوني جَنْدَلٌ وَصَفَائِحُ [لَسَلَّمْتُ تَسْلِيمَ البَشَاشَةِ أَوْ زَقَا ... إِلَيْهَا صَدًى مِنْ جَانِبِ القَبْرِ صَائِحُ] ولا تكون مصدريةً على للصحيح، وقد تُشَرَّب معنى التمني، فتنصب المضارع بعد» الفاء «جواباً لها؛ نحو: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ﴾ [الشعراء: 102] وسيأتي تحريره إن شاء الله تعالى. قال ابن الخطيب: المشهور أن» لو «تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره، ومنهم من أنكر ذلك، وزعم أنها لا تفيد إلا الرَّبط، واحتج عليه بالآية والخبر: أما الآية فقوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: 23] ، فلو أفادت كلمة» لو «انتفاء الشَّيء لانتفاء غيره لزم التَّنَاقض؛ لأن قوله: ﴿وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: 23] ، يقتضي أنه ما علم فيهم خيراً وما أسمعهم، وقوله: ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: 23] ، يقيد أنه ما أسمعهم، ولا تولوا؛ لكن عدم التولي خير، فيلزم أن يكون قد علم فيهم خيراً، وما علم فيهم خيراً. وأما الخبر فقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «نعم الرَّجُلُ صُهَيْبٌ لو لم يَخَفِ اللهَ لم يَعْصِهِ» فعلى مقتضى قولهم: يلزم أنه خاف الله وعصاه، وذلك متناقض، فعلمنا أن كلمة «لو» إنما تفيد الربط. و «شاء» أصله: «شيء» على «فعِل» بكسر العين، وإنما قلبت «الياء» «ألفاً» للقاعدة الممهدة ومفعوله محذوف تقديره ولو شاء الله إذهاباً؛ وكثر حف مفعوله ومفعول «أراد» ، حتى لا يكاد ينطق به إلا في الشيء المستغرب؛ كقوله تعالى: ﴿لَّوْ أَرَادَ الله أَن يَتَّخِذَ وَلَداً﴾ [الزمر: 4] ؛ وأنشدوا: [الطويل] 270 - وَلَوْ شِئْتُ أَنْ أَبْكِي دَماً لَبَكَيْتُهُ ... عَلِيْهِ وَلَكِنْ سَاحَةُ الصَّبْرِ أَوْسَعُ واللام في «لذهب» جواب «لو» . واعلم أن جوابها يكثر دخول «اللا» عليه مثبتاً، وقد تحذف؛ قال تعالى: ﴿لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً﴾ [الواقعة: 70] . ويقلّ دخولها عليه منفياً ب «مَا» ، ويمتنع دخولها عليه منفياً بغير «مَا» ؛ نحو: «لو قمت لَمْ أَقُمْ» ؛ لتوالي لامين فيثقل، وقد يحذف؛ كقوله: [الكامل] 271 - لا يُلْفِكَ الرَّاجُوكَ إِلاَّ مُظْهِراً ... خُلُقَ الكِرَامِ وَلَوْ تكُونُ عَدِيمَا و «بسمعهم» كتعلّق ب «ذهب» . وقؤئ: «لأَذْهَبَ» فتكون «الياء» زائدة أو تمون فَعَل وأَفْعَل بمعنى، ونحوه ﴿تَنبُتُ بالدهن﴾ [المؤمنون: 20] والمراد من السمع: السماع، أي: لذهب بأسماعهم وأبصارهم الظاهرة كما ذهب بأسماعهم وأبصارهم الباطنة. وقيل: لذهب بما استفادوا من العِزِّ والأمان الذي لهم بمنزلة السمع والبصر. وقر ابن عامر وحمزة «شاء» و «جاء» حيث كان بالإمالة. قوله: ﴿إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . هذه جملة مؤكّدة لمعنى ما قبلها، و «كُلّ شيء» متعلّق ب «قدير» وهو «فعيل» بمعنى «فاعل» ، مستق من القُدْرة، وهي القوة والاستطاعة، وفعلها «قَدَرَ» بفتح العين، وله ثلاثة عشر مصدراً: «قدْرَة» بتثليث القاف، و «مَقْدرَة» بتثليث الدال، و «قَدْراً» ، و «قَدَراَ» ، و «قُدَراَ» ، و «قَدَاراً» ، و «قُدْرَاناً» ، و «مَقِْراً» و «قدير» أبلغ من «قادر» ، قاله الزَّجاج. وقيل: هما بمعنى واحد؛ قال الهَرَوِيّ. والشيء: ما صحّ أن يعلم من وَجْه ويخبر عنه، وهو في الأصل مصدر «شاء يشاء» ، وهل يطلق على المعدوم والمستحيل؟ خلاف مشهور. فَصْلٌ في بيان المعدوم شيء؟ استدلّ بعضهم بهذه الآية على أن المعدوم شيء، قال: «لأنه - تعالى - أثبت القدرة على الشيء، والموجود لا قدرة عليه؛ لاستحالة إيجاد الموجود، فالذي عليه القُدْرة معدوم وهو شيء، فالمعدوم شيء» . والجواب: لو صَحَّ هذا الكلام لزم أنَّ ما لا يقدر عليه ألا يكون شيئاً، فالموجود إذا لم يقدر الله عليه وجب ألا يكون شيئاً. فصل في بيان وصف الله تعالى بالشيء قال ابن الخطيب: احتج جَهْمٌ بهذه الآية على أنه - تعالى - ليس بشيء لأنه - تعالى - ليس بمقدور له، فوجب إلاَّ يكون شيئاً، واحتج أيضاً بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11] . قال: «لو كان الله - تعالى - شيئاً، لكان - تعالى - مثل نفسه، فكان قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11] كذب، فوجب ألا يكون شيئاً؛ حتى لا تتناقض هذه الآية» . قال ابن الخطيب: وهذا الخلاف في الاسم؛ لأنه لا واسطة بين الموجود والمعدوم، قال: واحتج أصحابنا بقوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ الله شَهِيدٌ﴾ [الأنعام: 19] . وبقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: 88] والمستثنى داخل في المستثنى منه، فوجب أن يكون شيئاً. فصل في أن مقدور العبد مقدور لله تعالى قال ابن الخطيب: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن مقدور العبد مقدور لله تعالى، خلافاً لأبي هَاشِم وأبي عَلِيّ. وجه الاستدلال: أن مقدور العَبْدِ شيء، وكلّ شيء مقدور لله - تعالى - بهذه الآية، فيلزم أن يكون مقدور العبد مقدوراً لله تعالى. فصل في جواز تخصيص العام تخصيص العام جائز في الجملة، وأيضاً تخصيص العام بدليل العقل، فإن قيل: إذا كان اللَّفظ موضوعاً للكل، ثم تبين أن الكل غير مراد كان كذباً، وذلك يوجب الطَّعن في كلّ القرآن. والجواب: أن لفظ «الكُلّ» كما أنه يستعمل في المجموع، فقد يستعمل مجازاً في الأكثر، وإذا كان ذلك مجازاً مشهوراً في اللَّغة لم يكن استعمال اللفظ فيه كذباً، والله أعلم.

البقرة 2:21

اعلم أنه - تعالى - لما بين أحكام الفِرَقِ الثلاث - أعني المؤمنين والكفار والمنافقين - أقبل عليهم بالخطاب وهو من باب «الالتفات» . «يا» حرف نداء وهي أم الباب. وزعم بعضهم أنها اسم فعل، وقد تحذف نحو: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا﴾ [يوسف: 29] . وينادي بها المندوب والمستغاث. قال أبو حيان: «وعلى كثرة وقوع النداء في القرآن لم يقع نداء إلاَّ بها» . وزعم بعضهم أن قراءة: «أَمَنْ هُوَ قَانِتٌ» [الزمر: 9] بتخفيف الميم أن الهمزة فيه للنداء، وهو غريب، وقد يراد بها مجرد التنبيه فيليها الجمل الاسمية والفعلية، قال تعالى: ﴿أَلاَّ يَسْجُدُواْ﴾ [النمل: 25] بتخفيف أَلاَ؛ وقال الشاعر: [الطويل] 272 - أَلاَ يَا اسْقِيَانِي قَبْلَ غَارَةِ سِنْجَالِ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . وقال آخر: [البسيط] 273 - يا لَعْنَةُ اللهِ وَالأَقْوَامِ كُلُّهِمُ ... وَالصَّالِحِينَ عَلَى سمْعَانَ مِنْ جَارِ و «أي» اسم منادى في محلّ نصب، ولكنه بني على «الضم» ؛ لأنه مفرد معرفة، وزعم الأخفش أنها هنا موصولة، وأن المرفوع بعدها خبر مبتدأ مضمر، والجملة صلةٌ، والتقدير: «يا الَّذِين هُمُ النَّاس» ، والصحيح الأول، والمرفوع بعدها صفة لها، [والمشهور] : يلزم رفعه، ولا يجوز نصبه على المحلّ خلافاً للمازني. و «ها» زائدة للتنبيه لازمة لها، والمشهور فتح هَائِهَا، ويجوز ضمُّها إتباعاً للياء، وقد قرأ ابن عامر بذلك في بعض المواضع نحو «أَيُّهُ المُؤْمِنُونَ» [النور: 31] والمرسوم يساعده. ولا توصف «أي» هذه إلا بما فيه الألف واللام، أو بموصول هما فيه، أو باسم إشارة نحو: ﴿ياأيها الذي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذكر﴾ [الحجر: 6] وقال الشاعر: [الطويل] 274 - ألاَ أَيُّهَذَا النَّابِحُ السِّيدَ إِنَّنِي ... عَلَى نَأْيهَا مُسْتَبْسِلٌ مِنْ وَرَائِهَا وفسر بعضهم يا زيد: أنادي زيداً، وأخاطب زيداً، وهو خطأ من وجوه: أحدهما: أن قوله: «أنادي زيداً» خبر يحتمل الصدق والكذب، وقوله: يا زيد لا يحتملهما. وثانيها: أن قولنا: «يا زيد» يقتضي أن زيداً منادى في الحال، و «أنادي زيداً» لا يقتضي ذلك. وثالثها: أن قولنا: «يا زيد» يقتضي صيرورة زيد خاطباً هذا الخطاب، و «أنادي زيداً» لا يقتضي ذلك؛ لأنه لا يمكن أن يخبر إنساناً آخر بأن أنادي زيداً. ورابعها: أن قولنا: أنادي زيداً إخبار عن النداء، والإخبار عن النداء غير النداء. واعلم أن «يا» حرف وضع في أصله لنداء البعيد، وإن كان لنداء القريب، [لكن بسبب أمر مهم جدًّا، وأما نداء القريب فله: «أي» والهمزة] ثم استعمل في نداء من سها وغفل وإن قرب، تنزيلاً له منزلة البعيد. فإن قيل: فلم يقول الداعي: «يا رب» ، «يا الله» وهو أقرب إليه من حبل الوريد؟ قلنا: هو استبعاد لنفسه من مَظَانّ الزُّلْفَى، إقراراً على نفسه بالتقصير. و «أي» وصلة إلى نداء ما فيه الألف واللام كما أن «ذو» الذي وصلة إلى وصلة إلى الوصف بأسماء الأجناس ووصف المعارف بالجمل، وهو اسم مبهم، فافتقر إلى ما يزيل إبهامه، فلا بد وأن يردفه اسم جنس، أو ما جرى مجراه، ويتصف به حتى يحصل المقصود بالنداء. ول «أي» معانٍ أخر كالاستفهام، والشرط، وكونها موصولة، ونكرة موصوفة لنكرة، وحالاً لمعرفة. و «النَّاس» صفة «أي» ، أو خبر محذوف حسب ما تقدم من الخلاف. و «اعبدوا ربكم» جملة أمرية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية. «الَّذي خَلَقَكُمْ» فيه ثلاثة أوجه: أظهرها: نصبه على النَّعت ل «ربكم» . الثَّاني: نصبه على القطع. الثالث: رفعه على القطع أيضاً. وقد تقدّم معناه. فصل في تقسيم ورود النداء في القرآن الكريم قال ابن عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْه: «يا أيُّهَا النَّاسُ» خطاب لأهل «مكة» و «يا أيُّهَا الَّذِين آمَنُوا» لأهل «المدينة» ، ورد على قوله هذه الآية بان البقرة مدنية. وقال غيره: كلّ ما كان في القرآن من قوله: «يا أيها الذين آمنوا» فهو مدني. وأما قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الناس﴾ فمنه مكّي، ومنه [مدني] وهذا خطاب عام؛ لأنه لفظ جمع معرف، فيفيد العموم، لكنه مخصوص في حقّ ما لا يفهم، كالصَّبي، والمجنون، والغافل، ومن لا يقدر، لقوله تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286] . ومنهم من قال: إنه مخصوص في حق العبيد، لأنّ الله - تعالى - أوجب عليهم طاعة مواليهم، واشتغالهم بطاعة المولى كمنعهم عن الاشتغال بالعبادات، والأمر الدَّال على وجوب طاعة المولى أخصّ من الأمر الدَّال على وجوب العبادة، والخاصّ مقدّم على العام، والكلام على هذا مذكور في أصول الفقه. قال ابن الخطيب: قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الناس﴾ يتناول جميع الناس الموجودين في ذلك العصر، فهل يتناول الَّذين سيوجدون بعد ذلك أم لا؟ قال: «والأقرب أنه لا يتناولهم؛ لأن قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الناس﴾ خطاب مُشَافهة، وخطاب المُشَافهة مع المعدوم لا يجوز» ، وأيضاً فالذين سيوجدون ما كانوا موجودين في تلك الحالة، وما لا يكون موجوداً لا يكون إنساناً، فلا يدخل تحت قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الناس﴾ . فإن قيل: فوجب أن يتناول أحداً من الَّذين وجدوا بعد ذلك الزمان، وإنه باطل قطعاً. قلنا: لو لم يجد دليل منفصل لكان الأمر كذلك، إلاَّ أنا عرفنا بالتَّواتر من دين محمد أن تلك الخطابات ثابتة في حَقِّ من سيوجد بعد ذلك إلى قيام السَّاعة؛ فلهذه الدلالة المنفصلة أوجبنا العموم. فصل في المراد بالعبادة في القرآن قال ابن عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْه: «كلّ ما ورد في القُرْآن من العبادة فمعناها التوحيد» . وقال ابن الخطيب: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الناس اعبدوا رَبَّكُمُ﴾ أمر كلّ واحد بالعبادة، فهل يفيد أمر الكلّ بكل عبادة؟ الحقّ لا؛ لأن قوله: ﴿اعبدوا﴾ معناه: أدخلوا هذه الماهية في الوجود، فإذا أتوا بفرد من أفراد هذه الماهيّة في الوجود فقد أدخلوا الماهية في الوجود؛ لأن الفرد من أفراد الماهية مشتمل على الماهية، لأن هذه العبادة عبارة عن العِبَادَةِ مع قيد كونها هذه، ومتى وجد المركب فقد وجد فيه قيده، فالآتي بفرد من أفراد العبادة أتى بالعبادة، وأتى بتمام ما اقتضاه قولنا: «اعْبُدُوا» ، وإذا كان كذلك وجب خروجه عن العهدة. فصل في قول منكري التكليف ذكر ابن الخطيب عن منكري التكليف أنهم لا يجوِّزون ورود الأمر من الله - تعالى - بالتكاليف لوجوه: منها أنَّ الَّذي ورد به التكليف: إما أن يكون قد علم الله في الأزل وقوعه، أو علم أنه لا يقع، أو لم يعلم لا هذا ولا ذاك، فإن كان الأوّل كان واجب الوقوع، فلا فائدة في الأمر به، وإن علم أنه لا يقع كان ممتنع الوقوع، فكان الأمر به أمراً بإيقاع الممتنع، وإن لم يعلم لا هذا ولا ذاك كان ذلك قولاً بالجهل على الله، وهو محال. وأيضاً فورود الأمر بالتكاليف إمَّا أن يكون لفائدة، أو لا لفائدة، فإن كان لفائدة فإما أن يعود إلى المعبود، أو إلى العابد، أمّا إلى المعبود فمحال؛ لأنه كامل لذاتهن والكامل لذاته لا يكون كاملاً بغيره، ولأنا نعلم بالضرورة أنّ الإله العالي على الدَّهر والزمان يستحيل أن ينتفع بركوع العبد وسجوده. وإن كانت الفائدة تعود إلى العابد فمحال؛ لأن جميع الفوائد محصورة في حصول اللَّذَّة ودفع الألم، وهو - سبحانه وتعالى - قادر على تحصيل كلّ ذلك للعبد، من غير واسطة هذه المشاق، فيكون توسّطها عبثاً، والعبث غير جائز على الحكيم. وأيضاً إنَّ العبد غير موجد لأفعاله؛ لأنه غير عالم بتفاصيلها، ومن لا يعلم تفاصيل الشيء لا يكون موجداً له، وإذا لم يكن العبد موجداً لأفعال نفسه، فإن أمره بذلك الفعل حالة ما خلقه فيه فقد أمره بتحصيل الحاصل، وإن أمره حالة ما لم يخلقه فيه فقد أمره بالمحال، وكل ذلك باطل. وأجاب ابن الخطيب بوجهين: أحدهما: أن أَصْحَابَ هذه الشّبه، أوجبوا بما ذكروه اعتقاد عدم التَّكليف، فهذا التكليف ينفي التكليف، وإنه متناقض. والثاني: أن عندنا يحسن من الله كل شيء، سواء كان ذلك تكليف ما لا يطاق أو غيره؛ لأنه - تعالى - خالقٌ مالكٌ، والمالك لا اعتراض عليه في فِعْلِهِ. والخَلْق اختراع الشَّيء على غير مِثَالٍ سبق، وهذه الصِّفة ينفرد بها الباري تعالى، ويُطْلَقُ أيضاً على التقْدِيرِ «؛ قال زُهَيْر: [الكامل] 275 - وَلأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ وَبَعْ ... ضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي وقال الحَجَّاج:» ما خَلَقْتُ إلاَّ فَرَيْتُ وَلاَ وَعَدْتُ إلاَّ وَفَيْتُ» وهذه الصّفة لا يختص بها الله تعالى، وقد غلط أبو عبد الله البصري في أنه لا يطلق اسم «الخَالِقِ» على الله - تعالى؛ قال: «لأنه مُحَالٌ، وذلك أن التقدير والتسوية في حقِّ اللهِ ممتنعانِ، لأنهما عبارة عن التفكُّر والزَّن» ، وكأنه لم يسمع قوله تعالى: ﴿هُوَ الله الخالق البارىء﴾ [الحشر: 24] ﴿الله خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: 62] ، وكأنَّه لا يعلَم أن الخَلْق يكون عبارة عن الإنشاء والاختراع. قوله: ﴿والذين مِن قَبْلِكُمْ﴾ محلّه العطف على المنصوب في «خلقكم» و «من قبلكم» صلة «الذين» ، فيتعلّق بمحذوف على ما تقرر. و «من» لابتداء الغاية، واستشكل بعضهم وقوع «من قبلكم» صلة من حيث إن كل ما جاز أن يخبر به جاز أن يقع صلة، و «من قبلكم» ناقص ليس في الإخبار به عن الأعيان فائدة إلا بتأويل، فكذلك الصّلة. قال: وتأويله أن ظرف الزمان إذا وصف صح الإخبار والوصل به تقول: «نحن في يوم طيب» ، فيكون التقدير هنا - والله أعلم - «والَّذِينَ مِنْ قَبْلَكُمْ» - بفتح الميم -. قال الزمخشري: ووجهها على إشكالها أن يقال: أقحم الموصول الثاني بين الأوّل وَصِلَتِهِ تأكيداً، كما أقحم جرير في قوله: [البسيط] 276 - يَا تَيْمُ تَيْمَ عَدِيِّ لاَ أَبَا لَكُمُ..... ... ... ... ... ... ... ... ... . . تيْماً الثاني بين الأوَّل، وما أضيف إليه، وكإقحامهم لام الإضَافةِ بين المضاف والمضاف إلَيْه في نَحْو: «لاَ أَبَا لَكَ» قيل: هذا الذي قاله مذْهَبٌ لبعضهم؛ ومنه قوله: [الطويل] 277 - مِنَ النَّفَرِ اللاَّءِ الَّذِينَ إذَا هُمُ ... يَهَابُ اللِّئَامُ حَلْقَةَ البَابِ قَعْقَعُوا ف «إذا» وجوبها صلةُ «اللاَّء» ، ولا صلةَ للذين؛ لأنه توكيد للأول، إلا أن بعضهم يرد هذا القول، ويجعله فاسداً من جهة أنه لا يؤكد الحرف إلا بإعادة ما اتّصل به، فالموصول أولى بذلك، وخرج الآية والبيت على أن «مَنْ قَبْلَكُمْ» صلةٌ للموصول الثَّاني، والموصول الثَّاني وصلته خبر لمبتدأ محذوف، والمبتدأ وخبره صلة الأول، والتقدير: «والَّذين هُمْ مِنْ قَبْلِكُم» ، وكذا [البيت] فجعل «إذا» وجوابها صلةً [للَّذِينَ، واللَّذِينَ خبر لمبتدأ محذوف، وذلك المبتدأ وخبره صلة] ل «اللاء» ، ولا يخفَى ما في هذا التعسُّف. قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ . «لعل» واسمها وخبرها، وإذا ورد في كلام الله - تعالى - فللناس فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن «لَعَلّ» على بابها من الترجّي والإطماع، ولكن بالنسبة إلى المخاطبين، أي: لعلَّكم تتقون على رجائكم وطمعكم؛ وكذا قاتل سيبويه في قوله تعالى: ﴿لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى﴾ [طه: 44] : أي: اذْهَبَا على رجائِكُمَا. والثَّاني: أنها للتعْليل: أي: اعْبُدُوا ربَّكُم؛ لِكَيْ تَتَّقُوا، وبه قال قُطْرُبٌ، والطبريُّ وغيرُهُما؛ وأنشدوا: [الطويل] 278 - وقُلْتُمْ لَنَا: كُفُّوا الحُرُوبَ لَعَلَّنَا ... نَكُفُّ وَوَثَّقْتُمْ لَنَا كُلَّ مَوْثِقِ فَلَمَّا كَفَفْنَا الحَرْبَ كَانَتْ عُهُودُكُمْ ... كَلَمْعِ سَرَابٍ في المَلاَ مُتَأَلِّقِ أي: لنكُفَّ الحَرْبَ، ولو كانت «لَعَلّ» للترجِّي، لم يقل: وَوَثَّقْتُمْ لَنَا كُلَّ مَوْثِقِ. والثَّالث: أنها للتعَرُّض للشيْءِ؛ كأنه قيل: افْعَلُوا ذلك متعرضِّين لأن تَتَّقُوا. وقال القَفَّال: «لعل» مأخوذةٌ من تكرير الشيء لقولهم: عللاً بعد نَهَلِ، و «اللام» فيها هي «لام» التأكيد كاللام التي تدخل في «لقد» ، فأصل «لعل» : طعل» ؛ لأنهم يقولون: «علك أن تفعل كذا» : أي لعلك. وإن كانت حقيقة في التكرير والتأكيد، كان قول القائل: افعل كذا لعلّك تظفر بحاجتك. معناه: افعله؛ فإن فعلك له يؤكد طلبك له ويقويك عليه، وهذه الجملة على كل قول متعلّقة من جهة المعنى ب» اعبدوا «أي: اعبدوا على رجائكم التَّقوى، أو لتتقوا، أو متعرّضين للتقوى، وإليه مال المهدوي، وأبو البقاء. وقال ابن عطيّة:» [يتجه] تعلّقها بخلقكم، لأنَّ كل مولود يولد على الفطرة، فهو بحيث يرجى أن يكون متقياً «، إلاَّ أن المهدوي منع من ذلك. قال: لأن من ذرأه الله لجهنم لم يخلقه ليتقي، ولم يذكر الزمخشري غير تعلّقها ب» خلقكم «ثم رتب على ذلك سؤالين: أحدهما: أنه كما خلق المُخاطبين لعلّهم يتقون، كذلك خلق الذين من قبلهم لذلك فلم خصّ المخاطبين بذلك دون من قبلهم؟ وأجاب عن ذلك بأنه لم يقصر عليهم، بل غَلّب المخاطبين على الغائبين في اللفظ والمعنى على إرادة الجميع. السُّؤال الثاني: هلا قيل:» تعبدون «لأجل» اعبدوا «أو اتقوا لمكان» تتقون «ليتجاوب طرفا النظم؟ وأجاب بأن التقوى ليست غير العبادة حتى يؤدي ذلك إلى تنافر النَّظْم، وإنَّما التقوى قصارى أمر العابد، وأقصى جهده. قال أبو حَيَّان: وأما قوله: ليتجاوب طرفا النَّظم، فليس بشيء؛ لأنه لا يمكن هنا تجاوب طرفي النظم، إذ يصير اللفظ: اعبدوا ربكم لعلكم تعبدون، أو اتقوا ربكم لعلكم تتقون، وهذا بعيد في المعنى؛ إذ هو مثل: اضرب زيداً لعلك تضربه، واقصد خالداً لصحّته أن يكون» لعلكم تتقون «متعلّقاً بقوله:» اعبدوا «فالَّذي نودوا لأجله هو الأمر بالعبادة، فناسب أن يتعلّق بها ذلك، وأتى بالموصول وصلته في سبيل التوضيح، أو المدح الذي تعلقت به العبادة، فلم يُجَأْ بالموصول ليحدّث عنه، بل جاء في ضمن المقصود بالعيادة، فلم يكن يتعلّق به دون المقصود، وأجاب بعضهم عن كلام الزمخشري بأنه جعل» لعل «متعلّقة ب» خلقكم «لا ب» اعبدوا» ، فلا يصير التقدير: اعبدوا لعلكم تعبدون، وإنما التقدير: اعبدوا الذي خلقكم لعلكم تعبدون؛ أي خلقكم لأجل العبادة، يوضِّحه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56] . وفي «لَعَلّ» لغاتٌ كثيرةٌ، وقد يُجَرُّ بها؛ قال: [الوافر] 279 - لَعَلَّ اللهِ فَضَّلَكُمْ عَلَيْنَا ... بِشَيْءٍ أَنَّ أُمَّكُمُ شَرِيمُ ولا تنصب الاسمين على الصحيح، وقد تدخل «أَنْ» في خبرها؛ حملاً على «عَسَى» ؛ قال: [الطويل] 280 - لَعَلَّكَ يَوْماً أنْ تُلِمَّ مُلِمَّةٌ..... ... ... ... ... ... ... ... وقد تأتي للاستفهام والتعليل كما تقدم، ولكن أصلها أن تكون للترجّي والطمع في المحبوبات والإشفاق من المكروهات ك «عسى» ، وفيها كلام طويل يأتي في غضون هذا الكتاب إن شاء الله تَعَالَى. و «تَتَّقَونَ» أصله «توتقيون» ؛ لأنه من «الوقاية» ، فأبدلت الواو ياء قبل تاء الافتعال، وأدغمت فيها، وقد تقدم ذلك في «المتقين» ، ثم استثقلت «الضّمة» على «الياء» فقدرت، فسكنت الياء والواو بعدها، فحذفت الياء لالتقاء السَّاكنين، وضمت القاف لتجانسها، فوزنه الآن «تفتعون» ، وهذه الجملة أعني «لعلكم تتقون» لا يجوز أن تكون حالاً؛ لأنها طلبية، وإن كانت عبارة بعضهم تُوهمُ ذلك، ومفعول «تتقون» محذوف أي: تتقون الشرك، أو النار. فَصْلٌ في الاستدلال بالآية على الصانع هذه الآية تدلّ على الصانع القادر الفاعل المختار، سأل بعض الدهرية الشَّافعي - رضي الله تعالى عنه - ما الدَّليل على الصانع؟ فقال: ورقة الفِرْصَاد طعمها ولونها وريحها وطبعها واحد عندكم؟ قالوا: نعم. قال: فتأكلها دودة القَزّ فيخرج منها الإبْرَيْسم، ويأكلها النحل فيخرج منها العَسَل، والشَّاة فيخرج منها البَعَر، وتأكلها الظِّبَاء فينعقد في نوافجها المسك، فمن الذي جعلها لذلك مع أن الطَّبع واحد؟ فاستحسنوا ذلك وآمنوا على يديه، وكانا سبعة عشر. وسئل أبو حنيف - رَضِيَ اللهُ عَنْه - عن الصَّانع فقال: الوالد يريد الذكر، فيكون أنثى، وبالعكس فيدلّ على الصَّانع. وتمسك أحمد بن حنبل بقلعة حصينة مَلْسَاء لا فُرْجَةَ فيها، ظاهرها كالفضّة المُذّابة، وباطنها كالذهب الإبريز، ثم انشقت الجدران، وخرج من القلعة حيوان سميع بصير، فلا بُدّ من الفاعل؛ عنى بالقلعة البيضة، وبالحيوان الفرخ. وقال آخر: عرفت الصَّانع بنحلة بأحد طرفيها عسل، وبالآخر لسع، والعسل مقلوب لسع. فإن قيل: ما الفائدة في قوله ﴿والذين مِن قَبْلِكُمْ﴾ ، وخلق الذين من قبلهم لا يقتضي وجوب العبادة عليهم. والجواب: أن الأمر وإن كان على ما ذكر ولكن علمهم بأن الله - تعالى - خلقهم كعلمهم بأنه خلق من قبلهم؛ لأن طريقة العلم بذلك واحدة. وأيضاً أن من قبلهم كالأصول لهم، وخلق الأصول يجري مجرى الإنعام على الفروع، كأنه - تعالى - يذكرهم عظيم إنعامه عليهم، أي: لا تظن أني إنما أنعمت عليك حين وجدت، بل كنت منعماً عليك قبل أن وجدت بألوف سنين، بسبب أني كنت خالقاً لأصولك. فإن قيل: إذا كانت العبادة تقوى فقوله: ﴿اعبدوا رَبَّكُمُ الذي خَلَقَكُمْ والذين مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ما وجهه؟ والجواب من وجهين: الأول: لا نسلّم أن العبادة نفس التقوى، بل العبادة فعل يحصل به التقوى؛ لأن الاتِّقاء هو الاحتراز عن المَضَارّ، والعبادة فعل المأمور به، ونفس هذا الفعل ليس هو نفس الاحتراز، بل موجب الاحتراز، فإنه - تعالى - قال: ﴿اعبدوا رَبَّكُمُ﴾ لتحترزوا به عن عقابه. وإذا قيل في نفس الفعل: «إنه اتقاء» فذلك غير ما يحصل به الاتقاء، لكن لما اتصل أحد الأمرين بالآخر أجري اسمه عليه. الثاني: أنه - تعالى - إنما خلق المكلفين لكي يتقوا ويطيعوا، على ما قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56] فكأنه - تعالى - أمر بعبادة الرَّبِّ الذي خلقهم لهذا الغرض، وهذا التأويل لائق بأصول المعتزلة. فَصْلٌ في القراءات في الآية قرأ أبو عمرو: خَلَقَكُمْ بالإدغام، وقرأ ابن السَّميفع: «وَخَلَقَ مَنْ قَبْلَكُم» . قوله: ﴿الذي جَعَلَ لَكُمُ﴾ يحتمل النصب والرَّفع، فالنصب من خمسة أوجه: أحدها: أن يكون نصبه على القطع. الثاني: أنه نعت لربكم. الثالث: أنه بدل منه. الرابع: أنه مفعول ل «تتقون» ، وبه قال أبو البقاء. الخامس: أنه نعت النعت، أي: الموصول الأول، لكن المختار أن النعت لا ينعت، بل إن جاء ما يوهم ذلك جعل نعتاً للأول، إلا أن يمنع مانع فيكون نعتاً للنعت، نحو قولهم: «يا أيها الفارس ذو الجمة» فذو الجمة نعت للفارس لا ل «أي» ؛ لأنها لا تنعت إلا بما تقدم ذكره. والرَّفع من وجهين: أحدهما وهو الأصح: أنه خبر مبتدأ محذوف أي: هو الذي جعل. والثاني: أنه مبتدأ، وخبره قوله بعد ذلك: فلا تجعلوا لله، وهذا فيه نظر من وجهين: أحدها: أنّ صلته ماضية فلم يشبه الشرط، فلا يزاد في خبره «الفاء» . الثاني: عدم الرابط، إلا أن يقال بمذهب الأخفش، وهو أن يجعل الربط مكرر الاسم الظَّاهر إذا كان بمعناه نحو: «زيد قام أبو عبد الله» إذا كان أبو عبد الله كنية لزيد، وكذلك هنا أقام الجلالة مقام الضَّمير، كأنه قال: الذَّي جعل لكم، فلا تجعلوا له أنداداً. و «الذي» كلمة موضوعة للإشارة إلى المفرد عند محاولة تعريفه بقضية معلومة كقولك: ذهب الرجل الذي أبوه منطلق، فأبوه منطلق قضية معلومة، فإذا حاولت تعريف الرجل بهذه القضية المعلومة أدخلت عليه الَّذي، وهو يحقّق قولهم: إنه مستعمل لوصف المعارف بالجمل. وإذا ثبت هذا فقوله: ﴿الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض فِرَاشاً﴾ يقتضي أنهم كانوا عالمين بوجود شيء جعل الأرض فراشاً، والسّماء بناءً، وذلك تحقيق قوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ الله﴾ [لقمان: 25] . و «جعل» فيها وجهان: أحدهما: أن تكون بمعنى «صَيَّر» فتتعدى لمفعولين فيكون «الأرض» مفعولاً أول، و «فراشاً» مفعولاً ثانياً. والثاني: أن يكون بمعنى «خلق» فيتعدّى لواحد وهو «الأرض» ويكون «فراشاً» حالاً. و «السماء بناء» عطف على «الأرض فراشاً» ونظيره قوله: ﴿أَمَّن جَعَلَ الأرض قَرَاراً وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ أَنْهَاراً﴾ [النمل: 61] وقوله: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ الله﴾ [طه: 53] . واعلم أن كون الأرض فراشاً مشروط بأمور: قال ابن الخطيب: أحدها: كونها ساكنة؛ فإنها لو كانت متحركة لم يمكن الانتفاع بها لما تقرر في المعقولات. الثاني: ألا تكون في غاية الصَّلابة كالحجر؛ فإن النّوم عليه والمشي مما يؤلم البدن، وأيضاً لو كانت الأرض من الذَّهب مثلاً لتعذّرت الزراعة ولتعذّر حفرها، وتركيبها لما يراد. وألاَّ تكون في غاية اللين كالماء الذي تغوص فيه الرِّجْل. الثالث: ألاّ يكون في غاية اللّطافة والشفافية؛ فإن الشفّاف لا يستقر النور عليه، وما كان كذلك ف"نه لا يسخن بالشمس فكان يبرد جدًّا، فجعل كيفية لونه أخضر ليستقر النور عليهن فيتسخن فيصلح أن يكون فراشاً للحيوانات. الرابع: أن تكون بارزةً من الماء؛ لأن طبع الأرض أن يكون غائصاً في الماء فكان يجب أن تكون البحار محيطةً بالأرض، ولو كانت كذلك لما كانت فراشاً لنا، فقلب الله طبيعة الأرض وأخرج بعض أجزائها [من المياه] كالجزيرة البارزة حتى صلحت لأن تكون فراشاً لنا. ومن الناس من زعم أن الشرط في كون الأرض فراشاً ألا تكون كرة واستدل بهذه الآية، وهذا بعيد؛ لأن الكرة إذا عظمت جدًّا كانت القطعة منها كالسطح في إمكان الاستقرار عليه، والذي يؤيده كون الجبال أوتاداً للأرض ويمكن الاستقرار عليها، فها هنا أولى. فَصْلٌ في منافع الأرض وصفاتها فأولها: الأشياء المتولّدة فيها من المعادن، والنبات، والحيوان، والآثار العلوية والسّفلية، ولا يعلم تفاصيلها إلا الله تعالى. وثانيها: اختلاف بقاع الأرض، فمنها أرض رخوة، وصلبة، ورملة، وسبخة، وحرّة، قال تعالى: ﴿وَفِي الأرض قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ﴾ [الرعد: 4] . وقال تعالى: ﴿والبلد الطيب يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ والذي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً﴾ [الأعراف: 58] . وثالثها: اختلاف طعمها وروائحها. ورابعها: اختلاف ألوانها فأحمر، وأبيض، وأسود، ورمادي، وأغبر، قال تعالى: ﴿وَمِنَ الجبال جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: 27] . وخامسها: انصداعها بالنبات، قال تعالى: ﴿والأرض ذَاتِ الصدع﴾ [الطارق: 12] . وسادسها: كونها خازنةً للماء المنزل، قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السمآء مَآءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأرض﴾ [المؤمنون: 18] . وسابعها: العيون والأنهار العظام. وثامنها: ما فيها من المَفَاوِزِ والفَلَواتِ ﴿والأرض مَدَدْنَاهَا﴾ [ق: 7] . وتاسعها: أن لها طبع الكرم؛ لأنك تدفع إليها حبّة وهي تردها عليك سبعمائة ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: 261] . وعاشرها: حَبَاتها بعد موتها ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ الأرض الميتة أَحْيَيْنَاهَا﴾ [يس: 33] . الحادي عشر: ما فيها من الدَّواب المختلفة الألوان والصّور والخلق، ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ﴾ [البقرة: 164] . الثانية عشرة: ما فيها من النبات المختلف ألوانه، وأنواعه، ومنافعه: ﴿وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [ق: 7] . وفي اختلاف ألوانها دلالة، واختلاف روائحها دلالة، فمنها قوت البشر، ومنها قوت البهائم: ﴿كُلُواْ وارعوا أَنْعَامَكُمْ﴾ [طه: 54] ومطعوم البشر، فمنها الطعام ومنها الإدام، ومنها الرَّوَاء، ومنها الفاكهة، ومنها الأنواع المختلفة في الحَلاَوَةَ والحموضة، ومنها كسوة البشر؛ لأن الكسوة إمّا نباتية وهي القطن والكتان، وإما حيوانية وهي الشَّعَر والصُّوف، والأَبْرَيْسَم، والجاود، وهي من الحيوانات التي بثّها الله في الأرض، فالمطعوم من الأرض، والملبوس من الأرض؛ ثم قال: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 8] . وفيه إشارة إلى منافع كثيرة لا نعلمها نحن، والله [تعالى عالم بها] ، فَصْلٌ قال بعضهم: السَّماء أفضل من الأرض لوجوه: أحدها: أن السَّماء متعبَّد الملائكة، وما فيها عُصي الله فيها. وثانيها: لما أتى آدم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - في الجَنّة بتلك المعصية قيل: اهبط من الجنة، وقال الله: «لا يسكن في جواري من عَصَاني» . وثالثها: ﴿وَجَعَلْنَا السمآء سَقْفاً مَّحْفُوظاً﴾ [الأنبياء: 32] وقوله: ﴿تَبَارَكَ الذي جَعَلَ فِي السمآء بُرُوجاً﴾ [الفرقان: 61] ولم يذكر في الأرض مثل ذلك. ورابعها: في أكثر الأمر ورد ذكر السَّماء مقدماً على الأرض في الذكر. وقال آخرون: بل الأرض أفضل؛ لوجوه: أحدها: أنه - تعالى - وصف بقاعاً في الأرض بالبركة ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً﴾ [آل عمران: 96] ، ﴿فِي البقعة المباركة مِنَ الشجرة﴾ [القصص: 30] ﴿إلى المسجد الأقصى الذي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: 1] . ووصف أرض «الشام» بالبركة فقال: ﴿مَشَارِقَ الأرض وَمَغَارِبَهَا التي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأعراف: 137] . ووصف جملة الأرض بالبركة فقال: ﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بالذي خَلَقَ الأرض﴾ [فصلت: 9] إلى قوله: ﴿وَبَارَكَ فِيهَا﴾ [فصلت: 10] . فإن قيل: فأي بركةٍ في الفَلَواتِ الخالية، والمَفَاوزِ المُهْلِكَةِ؟ قلنا: إنها مساكن الوحوش ومرعاها، ومَسَاكن النَّاس إذا احتاجوا إليها، فلهذه البركة قال تعالى: ﴿وَفِي الأرض آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ﴾ [الذاريات: 20] وهذه الآيات وإن كانت حاصلةً لغير المؤمنين، لكن ممَّا لم ينتفع بها إلا الموقنون جعلها آيات للمؤمنين تشريفاً لهم كما قال: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2] . وثانيها: أنه - سبحانه - خلق الأنبياء المكرمين من الأرض على ما قال: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ [طه: 55] ولم يخلق من السماء شيئاً، لأنه قال: ﴿وَجَعَلْنَا السمآء سَقْفاً مَّحْفُوظاً﴾ [الأنبياء: 32] . وثالثها: أن الله - تعالى - أكرم نبيّه، فجعل الأرض كلها مسجداً، وجعل ترابها طهوراً. فَصْلٌ في فَضْلِ السَّمَاءِ وهو من وجوه: الأول: أن الله - تعالى - زيَّنَهَا بسبعة أشياء: بالمصابيح ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السمآء الدنيا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك: 5] . وبالقمر ﴿وَجَعَلَ القمر فِيهِنَّ نُوراً﴾ [نوح: 16] وبالشمس: ﴿وَجَعَلَ الشمس سِرَاجاً﴾ [نوح: 16] . وبالعرش، وبالكرسي، وباللوح المحفوظ، وبالقلم، فهذه السَّبعة ثلاثة منها ظاهرة، وأربعة مثبتة بالدلائل السَّمعية. الثاني: انه - تعالى - سمّاها بأسماء تدلّ على عظم شانها سماء، وسقفاً محفوظاً، وسبعاً طباقاً، وسبعاً شداداً، ثم ذكر عاقبة أمرها فقال: ﴿وَإِذَا السمآء فُرِجَتْ﴾ [المرسلات: 9] ، ﴿وَإِذَا السمآء كُشِطَتْ﴾ [التكوير: 11] ، ﴿إِذَا السمآء انفطرت﴾ [الانفطار: 1] ، و ﴿إِذَا السمآء انشقت﴾ [الانشقاق: 1] ، ﴿يَوْمَ نَطْوِي السمآء كَطَيِّ السجل لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء: 104] ، ﴿تَكُونُ السمآء كالمهل﴾ [المعارج: 8] ، ﴿يَوْمَ تَمُورُ السمآء مَوْراً﴾ [الطور: 9] . ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كالدهان﴾ [الرحمن: 37] . وذكر مبدأها فقال: ﴿ثُمَّ استوى إِلَى السمآء وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: 11] وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الذين كفروا أَنَّ السماوات والأرض كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء: 30] فهذا الاستقصاء والتشديد في كيفية حدوثها وفنائها يدلُّ على أنه - سبحانه وتعالى - خلقها لحكمة بالغة على ما قال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السمآء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً﴾ [ص: 27] . الثَّالث: أنه - تعالى - جعل السَّماء قِبْلَةَ الدعاء، فالأيدي تُرفع إليها، والوجوه تتوجّه نحوها، وهي منزل الأنوار، ومحل الضياء والصّفاء، والطهارة، والعصمة من الخلل والفَسَاد. والبناء: مصدر «بنيت» ، وإنما قلبت «الياء» همزة لتطرُّفها بعد ألف زائدة، وقد يراد به المفعول، و «أنزل» عطف على «جعل» و «من السماء» متعلّق به، وهي لابتداء الغاية، ويجوز أن يتعلّق بمحذوف على أن تكون حالاً من «ما» ؛ لأن صفة النكرة إذا قدمت عليها نصيب حالاً، وحينئذ معناها التبعيض، وثَمَّ مضاف محذوف أي: من مياه السماء ماء. وأصل «ماء» موه بدليل قولهم: «مَاهَتِ الرَّكِيَّةُ تَمُوهُ» وفي جمعه مياه وأمواه، وفي تصغيره: مويه، فتحركت «الياء» وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفاً، فاجتمع حرفان خفيفان: «الأف» و «الهاء» ، فأبدلوا من «الهاء» أختها وهي الهمزة؛ لأنها أجلد منها. فإن قيل: كيف قال: ﴿وَأَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً﴾ [البقرة: 22] وإنما ينزل من السَّحاب؟ فالجواب أن يقال: ينزل من السَّماء إلى السحاب، ومن السحاب إلى الأرض. فَصْلٌ في أوجه ورود لفظ الماء قال أبو العباس المقري: ورد لفظ الماء في القُرْآن على ثلاثة أوجه: الأوّل: بمعنى الماء المُطْلَق كهذه الآية. الثاني: بمعنى النّطفة. قال تعالى: ﴿خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: 6] . وقوله: ﴿مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ﴾ [السجدة: 8] . الثالث: بمعنى القرآن. قال تعالى: ﴿أَنَزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد: 17] بمعنى القرآن، احتمله الناس على قَدَرٍ. قوله: «فاخرج» عطف على «أنزل» مرتب عليه، و «به» متعلق به، و «الباء» فيه للسببية، و «من الثمرات» متعلّق به أيضاً، و «من» هنا للتبعيض، كأنه قصد بتنكير الماء والرزق معنى البعضِيّة، كأنه قيل: وأنزل من السماء بعض الماء، فأخرج به بعض الثمرات ليكون بعض رزقكم؛ إذ ليس جميع رزقهم هو بعض الثمرات، إنما ذكر بعض رزقهم. وأبعد من جعلها زائدة لوجهين: أحدهما: زيادتها في الواجب، وكون المجرور بها معرفةً، وهذا لا يقول به بَصْرِيّ ولا كُوفِيّ إلاّ أبا الحسن الأَخْفَشَ. والثاني: أن يكون جميع الثمرات رزقاً لنا. وهذا يخالف الواقع؛ إذ كثير من الثمرات ليس رزقاً لنا. وجعلها الزمخشري لبيان الجنس، وفيه نظر؛ إذ لم يتقدم ما يبين هذا، وكأنه يعني أنه بيان ل «رزقاً» من حيث المعنى. و «رزقاً» ظاهره أنه مفعول به ناصبه «أخرج» ، ويجوز أن يكون «من الثمرات» في موضع المفعول به، والتقدير: فأخرج ببعض الماء بعض الثمرات، وفي «رزقاً» حينئذ وجهان: أحدهما: أن يكون حالاً على أن الرزق بمعنى المرزوق كالطَّحْن والرَّعْي. والثاني: أن يكون مصدراً منصوباً على المفعول من أجله، وفيه شروط النصب موجودة. وأجاز أبو البقاء أن يكون «من الثمرات» حالاً من «رزقاً» ؛ لإنه لو تأخر لكان نعتاً، فعلى هذا يتعلق بمحذوف. وجعل الزمخشري «من الثمرات» واقعاً موقع الثمر، أو الثمار، يعني مما ناب فيه جمع قلّة عن جمع الكَثْرة نحو: ﴿كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ﴾ [الدخان: 25] و ﴿ثَلاَثَةَ قرواء﴾ [البقرة: 228] ، ولا حاجة تدعو إلى هذا؛ لأن جمع السَّلامة المحلَّى ب «أل» الَّتي للعموم يقع للكثرة، فلا فَرْقَ إذن بين الثَّمَرَات والثِّمَار، ولذلك ردَّ المحقِّقون قول من رَدَّ على حَسَّان بن ثابت رَضِيَ اللهُ عَنْه: [الطويل] 281 - لَنَا الجَفَنَاتُ الغُرُّ يَلْمَعْنَ في الضُّحَى ... وَأَسْيَافُنَا يَقْطُرْنَ مَنْ نَجْدَةٍ دَمَا قالوا: كان ينبغي أن يقول: «الجِفَان» ، و «سيوفنا» ؛ لأنه أمدح، وليس بصحيح؛ لما ذكرت قبل ذلك. و «لكم» يحتمل التعلّق ب «أخرج» ، ويحتمل التعلّق بمحذوف، على أن يكون صفة ل «رزقاً» . هذا إن أريد بالرزق المرزوق، وإن أريد به المصدر، فيتحمل أن تكون الكاف في «لكم» مفعولاً بالمصدر واللام مقوية له نحو: «ضربت ابني تأديباً له» أي: تأديبه. قوله: ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً﴾ «الفاء» للتسبب أي: تسبب عن إيجاد هذه الآيات الباهرة النهي عن اتخاذكم الأنداد، و «لا» ناهية، و «تجعلوا» مجزوم بها، علامة جزمه حذف النون، وهي هنا بمعنى تُصَيِّرُوا. وأجاز أبو البَقَاءِ أن تكون بمعنى: تُسَمُّوا، وعَلَى القولين فيتعدى لاثنين. أولهما: «أنداداً» . وثانيهما: الجار والمجرور قبله، هو واجب التقديم، و «أنداداً» جمع نِدّ. وقال أبو البقاء: «أنداداً» جمع «نِدّ» و «نديد» ، وفي جعله «نديد» نظر؛ لأنّ أفعالاً يحفظ في فعيل بمعنى فاعل، نحو: شريف وأشراف، ولا يقاس عليه. فإن قيل: بم تعلّق قوله: «فلا تجعلوا» ؟ فالجواب فيه وجوه: أحدها: أن يتعلّق بالأمر أي: اعبدوا، ولا تجعلوا لله أنداداً، فإن أصل العبادة التوحيد. وثانيها: ب «لعل» على أن ينتصب ب «تجعلوا» انتصاب «فَاطَّلِع» في قراءة حَفْصٍ. قال الزمخشري: والمعنى خلقكم لكي تتقوا، وتخافوا عقابه فلا تثبتوا له ندًّا، فإنه من أعظم موجبات العقاب، فعلى هذا تكون «لا» نافية، والفعل بعدها منصوب بإضمار «أن» في جواب الترجي، وهذا لا يجيزه البصريون، وسيأتي تأويل «فَاطَّلِعَ» ، ونظائِرِه في موضعه إنْ شَاءَ الله تعالى. وثالثها: بقوله: ﴿الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض فِرَاشاً﴾ إذا جعلت «الذي» خبر مبتدأ محذوف، أي: هو الذي خلق لكم هذه الدلائل الباهرة فلا تتخذوا له شريكاً. و «النِّدُّ» المقاوم المُضاهي، سواءٌ كان مِثْلاً، أو ضدًّا، أو خلافاً. وقيل: هو الضِّدُّ عن أبي عُبَيْدة. وقيل: الكُفْء والمِثْلُ؛ قَال حَسَّان: [الوافر] 282 - أَتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِنِدٍّ ... فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الفِدَاءُ أي: «وَلَسْتُ لَهُ بِكُفْءٍ» . وقد رُوِيَ ذلك؛ وقال آخر: [الرمل] 283 - نَحْمَدُ اللهَ وَلاَ نِدَّ لَهُ ... عِنْدَهُ الخَيْرَ وَمَا شاءَ فَعَلْ وقال الزمخشري: النِّدُّ المِثْلُ: ولا يقال إلا للنِّدِّ المخالف؛ قال جرير: [الوافر] 284 - أَتَيْماً تَجْعَلُونَ إِلَيَّ نِدًّا ... وَمَا تَيْمٌ لِذِي حَسَبٍ نَدِيدُ ونَادَدْتُ الرّجل: خالفته ونافرته، من: نَدَّ َيَنِدُّ نُدُوداً، أي: نَفَر. ومنه الحديث: «أيّ بعيرٍ نَدّ فأعياهم» . ويقال: «نَدِيدَة» على المبالغة؛ قال لَبِيد: [الطويل] 285 - لِكَيْلاَ يَكُونَ السَّنْدَرِيُّ نَدِيدَتِي ... وَأَجْعَلَ أَقَوَاماً عُمُوماً عَمَاعِمَا وأما «النِّد» بفتح النون فهل التَّلُّ المرتفع، والنِّدُّ الطيب أيضاً، ليس بعربي. وقرأ محمد بن السَّمَيْفَع: «فلا تَجْعَلُوا للهِ نِدًّا» . فإن قيل: إنهم بم يقولوا: إن الأصنام تنازع الله. قلنا: لما عبدوها وسموها آلهة أشبهت حالهم حَالَ من يعتقد أنها آلهة قادرة على منازعته فقيل لهم ذلك على سبيل التهكُّم بهم. قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ جملة من مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال، ومفعول العلم متروك، لأن المعنى، وأنتم من أهل العلم، أو حذف اختصاراً أي: وأنتم تعلمون بطلاق ذلك، والاسم من «أنتم» قيل: «أن» و «التاء» حرف خطاب يتغير بحسب المخاطب، وقيل: بل «التاء» هي الاسم، و «أن» عماد قبلها « وقيل: بل هو ضمير برمته وهو ضمير رفع منفصل وحكم ميمه بالنسبة إلى السكون والحركة والإشباع والاختلاس حكم» ميم «هم، وقد تقدّم جميع ذلك. والمعنى: إنكم لكمال عقولكم تعلمون أن هذه الأشياء لا يصح جعلها أنداداً لله - تعالى - فلا تقولوا ذلك؛ فإن القول القبيح ممن علم قبحه يكون أقبح. وهذا الخطاب للكافرين، والمنافقين، قاله ابن عباس رَضِيَ اللهُ عَنْه. فإن قيل: كيف وصفهم بالعِلْمِ، وقد نعتهم بالخَتْمِ، والطَّبْعِ، والصَّمَمِ، والعمى؟ فالجواب من وجهين: أحدهما: وأنتم تعلمون العلم الخاص أن الله خلق، وأنزل الماء، وأنبت الرزق، وهو المنعم عليهم دون الأَنْدَادِ. الثاني: وانتم تعلمون وحدانيته بالفرد والإمكان لو تدبرتم ونظرتم، وفي هذا دليل على استعمال حجج المعقول، وإبطال التقليد. وقال ابن فوُرِك: يحتمل أن تتناول الآية المؤمنين، والمعنى: لا ترتدوا أيها المؤمنون، وتجعلوا لله أَنْدَاداً بعد علمكم بان الله واحد. فَصْلٌ في فرق المشركين قال ابن الخطيب: ليس في العالم أحد يثبت له شريكاً يساويه في الوجود، والقدرة، والعلم، والحكم، هذا مما لم يوجد، لكن الثنوية يثبتون إليهن، أحدهما: حكيم يفعل الخير، والثاني: سفيه بفعل الشر؛ وأما اتخاذ معبود سوى الله، فالذاهبون إلى ذلك فرق. فمنهم عبدة الكواكب. ومنهم الصَّائبة فإنهم يقولون: إنَّ الله - تعالى - خلق هذه الكواكب، وهي مدّبرات لهذا العالم قالوا: فيجب علينا أن نعبد الكواكب، والكواكب تعبد الله تعالى. الفريق الثاني: الَّذين يعبدون المسيح عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ. الثالث: عبدة الأوثان. واعلم انه لا دين من أديان الكفر أقدم من دين عبادة النار؛ لأنه يروى أنّ النّار لما أكلت قربان «هابيل» جاء «إبليس» إلى قابيل «، وأخبره أنها إنما أكلت قربان أخيه، لنه عبدها، فعبدت النار من ذلك الوقت. وقيل: لا دين من أديان الكفر أقدم من دين الأوثان؛ لأن أقدم الأنبياء الذين نقل إلينا تاريخهم هو نوح عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ؛ لأنه إنما جاء بالرد عليهم على ما أخبر الله - تعالى - عن قومه في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ [نوح: 23] فعلمنا أن هذه المقالة كانت موجودةً قبل نوح عليه الصلاة والسَّلام باقية إلى الآن، والمذهب الذي هذا شأنه، فيستحيل معرفة فساده بالضرورة، لكن العلم بأن هذا الحجر المنحوت في هذه السَّاعة ليس هو الذي خلقه وخلق السماء والأرض علم ضروري، فيستحيل إطباق الجمع العظيم عليه؛ فوجب أن يكون لعبدة الأوثان غرض آخر سوى ذلك، والعلماء ذكروا فيه وجوهاً: أحدها: ما ذكره أبو معْشَرٍ جَعْفَرُ بن محمد المنجم البَلْخي أن كثيراً من أهل» الصِّين «و» الهند» كانوا يقولون بالله، وملائكتهن ويعتقدون أنه - تعالى - جسم وصورة كأحسن ما يكون من الصُّور، وهكذا حال الملائكة أيضاً في صورهم الحسنة، وأنهم كلّهم قد احتجبوا عنا بالسماء، وأن الواجب عليهم أن يصوغوا تماثيل أنيقة المنظر، حسنة المرأى، على الهيئة التي كانوا يعتقدونها من صور الإله والملائكة، فيعكفون على عبادتها قاصدين به طلب الزُّلْفَى إلى الله - سبحانه - وملائكته. فإن صَحّ ما قال أبو معشر، فالسَّبب في عبادة الأوثان اعتقاد الشبه. وثانيها: ما ذكر أكثر العلماء أن الناس رأوا تغيرات أحوال هذا العالم مربوطة بتغيرات أحوال الكواكب؛ فإنه بحسب قرب الشمس وبعدها عن سمت الرأس يحدث الفصول المختلفة، والأحوال المتباينة، ثم إنهم رصدوا أحوال سائر الكواكب، فاعتقدوا ارتباط السعودة والنحوسة في الدنيا بكيفية وقوعها في طوالع الناس، فلما اعتقدوا ذلك بالغوا في تعظيمها، فمنهم من اعتقد أنها أشياء واجبة الوجود لذواتها، وهي التي خلقت هذه العوالم، ومنهم من اعتقد أنها مخلوقة للإله الأكبر، لكنها [خالقة لهذا] العالم، فالأولون اعتقدوا أنها هي الإله في الحقيقة، والآخرون أنها هي الوسائط بين الله وبين البشر، فلا جرم اشتغلوا بعبادتها والخضوع لها، ثم لما رأوا الكواكب مستترة في أكثر الأوقات عن الأبصار اتخذوا لها أصناماً، وأقبلوا على عبادتها قاصدين بتلك العبادات الأجرام العالية، ومتقرّبين إلى أشباحها الغائبة، ثم لما طالت المدة ألغوا ذكر الكواكب وتجرّدوا لعبادة تلك التماثيل، فهؤلاء في الحقيقة عبدة الكواكب. وثالثها: أن أصحاب الأحكام كانوا يعيّنون سنين متطاولة، نحو الألف والألفين، ويزعمون أن [من اتخذ] طلمساً في ذلك الوقت على وجه خاص، فإنه ينفع في أحوال مخصوصة نحو السَّعادة والخصب، ودفع الآفات، وكانوا إذا اتخذوا ذلك الطلسم عَظَّموه لاعتقادهم أنهم ينتفعون به، فلمَّا بالغوا في ذلك التعظيم صار ذلك كالعبادة، ولمَّا طالت مدّة ذلك الفِعْلِ نسوا مبدأ الأمر، وانشغلوا بعبادتها على الجهالة بأصل الأمر. ورابعها: أنه متى مات منهم رجل كبير يعتقدون في أنه مجاب الدعوة، ومقبول الشَّفاعة عند الله - تعالى - اتخذوا أصناماً على صورته، ويعبدونه على اعتقاد أن ذلك الإنسان يكون شفيعاً لهم يوم القيامة عند الله - تعالى - على ما أخبر الله عنهم في قولهم: ﴿هؤلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ الله﴾ [يونس: 18] . وخامسها: لعلهم اتخذوها محاريب لصلاتهم، وطاعاتهم، ويسجدون غليها لا لها كما أنَّا نسجد إلى القبلة لا للقبلة، ولما استمرت هذه الحالة ظنّ الجهال من القوم أنه يجب عبادتها. وسادسها: لعلّهم كانوا يعتقدون جواز حلول الرب فيها فعبدوها على هذا التأويل. فهذه هي الوجوه التي يمكن حلم هذه المقالة عليها حتى ليصير بحيث يعلم بطلانه بضرورة العقل. واعلم أنّ إقامة الدّلالة على افتقار العالم إلى الصَّانع المختار يبطل القول بعبادة الأوثان على كلّ التأويلات، والله أعلم. فَصْلٌ اعلم أن من بيوت الأصنام المشهورة «غمدان» الذي بناه الضحاك على اسم الزهرة بمدينة «صنعاء» وخربه بن عفان، ومنها «» نوبهار بلخط الذي بناه «منوشهر» الملك على اسم القمر، ثم كان لقبائل العرب أوثان معروفة مثل: ود ب «دومة الجندل» لكلب، و «سواع» لبني هذيل، و «يغوث» ب «اليمن» لمذحج، و «يعوق» لمرادية همدان و «نَسْر» بأرض «حمير» لذي الكُلاَع، و «اللات» ب «الطائف» ل «ثقيف» ، و «مناة» ب «يثرب» للخزرج، و «العُزّى» لكنانة بنواحي «مكّة» و «أساف» و «نائلة» على «الصفا» و «المروة» . وكان قُصَيّ جَدّ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ينهاهم عن عبادتها، ويدعوهم إلى عبادة الله سبحانه وتعالى، وكذلك زَيْدُ بْنُ عَمْرو بْنُ نُفَيْلٍ، وهو الذي يقول: [الوافر] 286 - أَرَبٌّ وَاحِدٌ أَمْ اَلْفُ رَبٍّ ... أَدِينُ إِذَا تَقَسَّمَتِ الأُمُورُ؟! تَرَكْتُ اللاَّتَ والعُزَّى جَمِيعاً ... كَذَلِكَ يَفْعَلُ الرَّجُلُ البَصِيرُ

البقرة 2:22

اعلم أنه - تعالى - لما بين أحكام الفِرَقِ الثلاث - أعني المؤمنين والكفار والمنافقين - أقبل عليهم بالخطاب وهو من باب «الالتفات» . «يا» حرف نداء وهي أم الباب. وزعم بعضهم أنها اسم فعل، وقد تحذف نحو: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا﴾ [يوسف: 29] . وينادي بها المندوب والمستغاث. قال أبو حيان: «وعلى كثرة وقوع النداء في القرآن لم يقع نداء إلاَّ بها» . وزعم بعضهم أن قراءة: «أَمَنْ هُوَ قَانِتٌ» [الزمر: 9] بتخفيف الميم أن الهمزة فيه للنداء، وهو غريب، وقد يراد بها مجرد التنبيه فيليها الجمل الاسمية والفعلية، قال تعالى: ﴿أَلاَّ يَسْجُدُواْ﴾ [النمل: 25] بتخفيف أَلاَ؛ وقال الشاعر: [الطويل] 272 - أَلاَ يَا اسْقِيَانِي قَبْلَ غَارَةِ سِنْجَالِ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . وقال آخر: [البسيط] 273 - يا لَعْنَةُ اللهِ وَالأَقْوَامِ كُلُّهِمُ ... وَالصَّالِحِينَ عَلَى سمْعَانَ مِنْ جَارِ و «أي» اسم منادى في محلّ نصب، ولكنه بني على «الضم» ؛ لأنه مفرد معرفة، وزعم الأخفش أنها هنا موصولة، وأن المرفوع بعدها خبر مبتدأ مضمر، والجملة صلةٌ، والتقدير: «يا الَّذِين هُمُ النَّاس» ، والصحيح الأول، والمرفوع بعدها صفة لها، [والمشهور] : يلزم رفعه، ولا يجوز نصبه على المحلّ خلافاً للمازني. و «ها» زائدة للتنبيه لازمة لها، والمشهور فتح هَائِهَا، ويجوز ضمُّها إتباعاً للياء، وقد قرأ ابن عامر بذلك في بعض المواضع نحو «أَيُّهُ المُؤْمِنُونَ» [النور: 31] والمرسوم يساعده. ولا توصف «أي» هذه إلا بما فيه الألف واللام، أو بموصول هما فيه، أو باسم إشارة نحو: ﴿ياأيها الذي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذكر﴾ [الحجر: 6] وقال الشاعر: [الطويل] 274 - ألاَ أَيُّهَذَا النَّابِحُ السِّيدَ إِنَّنِي ... عَلَى نَأْيهَا مُسْتَبْسِلٌ مِنْ وَرَائِهَا وفسر بعضهم يا زيد: أنادي زيداً، وأخاطب زيداً، وهو خطأ من وجوه: أحدهما: أن قوله: «أنادي زيداً» خبر يحتمل الصدق والكذب، وقوله: يا زيد لا يحتملهما. وثانيها: أن قولنا: «يا زيد» يقتضي أن زيداً منادى في الحال، و «أنادي زيداً» لا يقتضي ذلك. وثالثها: أن قولنا: «يا زيد» يقتضي صيرورة زيد خاطباً هذا الخطاب، و «أنادي زيداً» لا يقتضي ذلك؛ لأنه لا يمكن أن يخبر إنساناً آخر بأن أنادي زيداً. ورابعها: أن قولنا: أنادي زيداً إخبار عن النداء، والإخبار عن النداء غير النداء. واعلم أن «يا» حرف وضع في أصله لنداء البعيد، وإن كان لنداء القريب، [لكن بسبب أمر مهم جدًّا، وأما نداء القريب فله: «أي» والهمزة] ثم استعمل في نداء من سها وغفل وإن قرب، تنزيلاً له منزلة البعيد. فإن قيل: فلم يقول الداعي: «يا رب» ، «يا الله» وهو أقرب إليه من حبل الوريد؟ قلنا: هو استبعاد لنفسه من مَظَانّ الزُّلْفَى، إقراراً على نفسه بالتقصير. و «أي» وصلة إلى نداء ما فيه الألف واللام كما أن «ذو» الذي وصلة إلى وصلة إلى الوصف بأسماء الأجناس ووصف المعارف بالجمل، وهو اسم مبهم، فافتقر إلى ما يزيل إبهامه، فلا بد وأن يردفه اسم جنس، أو ما جرى مجراه، ويتصف به حتى يحصل المقصود بالنداء. ول «أي» معانٍ أخر كالاستفهام، والشرط، وكونها موصولة، ونكرة موصوفة لنكرة، وحالاً لمعرفة. و «النَّاس» صفة «أي» ، أو خبر محذوف حسب ما تقدم من الخلاف. و «اعبدوا ربكم» جملة أمرية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية. «الَّذي خَلَقَكُمْ» فيه ثلاثة أوجه: أظهرها: نصبه على النَّعت ل «ربكم» . الثَّاني: نصبه على القطع. الثالث: رفعه على القطع أيضاً. وقد تقدّم معناه. فصل في تقسيم ورود النداء في القرآن الكريم قال ابن عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْه: «يا أيُّهَا النَّاسُ» خطاب لأهل «مكة» و «يا أيُّهَا الَّذِين آمَنُوا» لأهل «المدينة» ، ورد على قوله هذه الآية بان البقرة مدنية. وقال غيره: كلّ ما كان في القرآن من قوله: «يا أيها الذين آمنوا» فهو مدني. وأما قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الناس﴾ فمنه مكّي، ومنه [مدني] وهذا خطاب عام؛ لأنه لفظ جمع معرف، فيفيد العموم، لكنه مخصوص في حقّ ما لا يفهم، كالصَّبي، والمجنون، والغافل، ومن لا يقدر، لقوله تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286] . ومنهم من قال: إنه مخصوص في حق العبيد، لأنّ الله - تعالى - أوجب عليهم طاعة مواليهم، واشتغالهم بطاعة المولى كمنعهم عن الاشتغال بالعبادات، والأمر الدَّال على وجوب طاعة المولى أخصّ من الأمر الدَّال على وجوب العبادة، والخاصّ مقدّم على العام، والكلام على هذا مذكور في أصول الفقه. قال ابن الخطيب: قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الناس﴾ يتناول جميع الناس الموجودين في ذلك العصر، فهل يتناول الَّذين سيوجدون بعد ذلك أم لا؟ قال: «والأقرب أنه لا يتناولهم؛ لأن قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الناس﴾ خطاب مُشَافهة، وخطاب المُشَافهة مع المعدوم لا يجوز» ، وأيضاً فالذين سيوجدون ما كانوا موجودين في تلك الحالة، وما لا يكون موجوداً لا يكون إنساناً، فلا يدخل تحت قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الناس﴾ . فإن قيل: فوجب أن يتناول أحداً من الَّذين وجدوا بعد ذلك الزمان، وإنه باطل قطعاً. قلنا: لو لم يجد دليل منفصل لكان الأمر كذلك، إلاَّ أنا عرفنا بالتَّواتر من دين محمد أن تلك الخطابات ثابتة في حَقِّ من سيوجد بعد ذلك إلى قيام السَّاعة؛ فلهذه الدلالة المنفصلة أوجبنا العموم. فصل في المراد بالعبادة في القرآن قال ابن عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْه: «كلّ ما ورد في القُرْآن من العبادة فمعناها التوحيد» . وقال ابن الخطيب: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الناس اعبدوا رَبَّكُمُ﴾ أمر كلّ واحد بالعبادة، فهل يفيد أمر الكلّ بكل عبادة؟ الحقّ لا؛ لأن قوله: ﴿اعبدوا﴾ معناه: أدخلوا هذه الماهية في الوجود، فإذا أتوا بفرد من أفراد هذه الماهيّة في الوجود فقد أدخلوا الماهية في الوجود؛ لأن الفرد من أفراد الماهية مشتمل على الماهية، لأن هذه العبادة عبارة عن العِبَادَةِ مع قيد كونها هذه، ومتى وجد المركب فقد وجد فيه قيده، فالآتي بفرد من أفراد العبادة أتى بالعبادة، وأتى بتمام ما اقتضاه قولنا: «اعْبُدُوا» ، وإذا كان كذلك وجب خروجه عن العهدة. فصل في قول منكري التكليف ذكر ابن الخطيب عن منكري التكليف أنهم لا يجوِّزون ورود الأمر من الله - تعالى - بالتكاليف لوجوه: منها أنَّ الَّذي ورد به التكليف: إما أن يكون قد علم الله في الأزل وقوعه، أو علم أنه لا يقع، أو لم يعلم لا هذا ولا ذاك، فإن كان الأوّل كان واجب الوقوع، فلا فائدة في الأمر به، وإن علم أنه لا يقع كان ممتنع الوقوع، فكان الأمر به أمراً بإيقاع الممتنع، وإن لم يعلم لا هذا ولا ذاك كان ذلك قولاً بالجهل على الله، وهو محال. وأيضاً فورود الأمر بالتكاليف إمَّا أن يكون لفائدة، أو لا لفائدة، فإن كان لفائدة فإما أن يعود إلى المعبود، أو إلى العابد، أمّا إلى المعبود فمحال؛ لأنه كامل لذاتهن والكامل لذاته لا يكون كاملاً بغيره، ولأنا نعلم بالضرورة أنّ الإله العالي على الدَّهر والزمان يستحيل أن ينتفع بركوع العبد وسجوده. وإن كانت الفائدة تعود إلى العابد فمحال؛ لأن جميع الفوائد محصورة في حصول اللَّذَّة ودفع الألم، وهو - سبحانه وتعالى - قادر على تحصيل كلّ ذلك للعبد، من غير واسطة هذه المشاق، فيكون توسّطها عبثاً، والعبث غير جائز على الحكيم. وأيضاً إنَّ العبد غير موجد لأفعاله؛ لأنه غير عالم بتفاصيلها، ومن لا يعلم تفاصيل الشيء لا يكون موجداً له، وإذا لم يكن العبد موجداً لأفعال نفسه، فإن أمره بذلك الفعل حالة ما خلقه فيه فقد أمره بتحصيل الحاصل، وإن أمره حالة ما لم يخلقه فيه فقد أمره بالمحال، وكل ذلك باطل. وأجاب ابن الخطيب بوجهين: أحدهما: أن أَصْحَابَ هذه الشّبه، أوجبوا بما ذكروه اعتقاد عدم التَّكليف، فهذا التكليف ينفي التكليف، وإنه متناقض. والثاني: أن عندنا يحسن من الله كل شيء، سواء كان ذلك تكليف ما لا يطاق أو غيره؛ لأنه - تعالى - خالقٌ مالكٌ، والمالك لا اعتراض عليه في فِعْلِهِ. والخَلْق اختراع الشَّيء على غير مِثَالٍ سبق، وهذه الصِّفة ينفرد بها الباري تعالى، ويُطْلَقُ أيضاً على التقْدِيرِ «؛ قال زُهَيْر: [الكامل] 275 - وَلأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ وَبَعْ ... ضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي وقال الحَجَّاج:» ما خَلَقْتُ إلاَّ فَرَيْتُ وَلاَ وَعَدْتُ إلاَّ وَفَيْتُ» وهذه الصّفة لا يختص بها الله تعالى، وقد غلط أبو عبد الله البصري في أنه لا يطلق اسم «الخَالِقِ» على الله - تعالى؛ قال: «لأنه مُحَالٌ، وذلك أن التقدير والتسوية في حقِّ اللهِ ممتنعانِ، لأنهما عبارة عن التفكُّر والزَّن» ، وكأنه لم يسمع قوله تعالى: ﴿هُوَ الله الخالق البارىء﴾ [الحشر: 24] ﴿الله خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: 62] ، وكأنَّه لا يعلَم أن الخَلْق يكون عبارة عن الإنشاء والاختراع. قوله: ﴿والذين مِن قَبْلِكُمْ﴾ محلّه العطف على المنصوب في «خلقكم» و «من قبلكم» صلة «الذين» ، فيتعلّق بمحذوف على ما تقرر. و «من» لابتداء الغاية، واستشكل بعضهم وقوع «من قبلكم» صلة من حيث إن كل ما جاز أن يخبر به جاز أن يقع صلة، و «من قبلكم» ناقص ليس في الإخبار به عن الأعيان فائدة إلا بتأويل، فكذلك الصّلة. قال: وتأويله أن ظرف الزمان إذا وصف صح الإخبار والوصل به تقول: «نحن في يوم طيب» ، فيكون التقدير هنا - والله أعلم - «والَّذِينَ مِنْ قَبْلَكُمْ» - بفتح الميم -. قال الزمخشري: ووجهها على إشكالها أن يقال: أقحم الموصول الثاني بين الأوّل وَصِلَتِهِ تأكيداً، كما أقحم جرير في قوله: [البسيط] 276 - يَا تَيْمُ تَيْمَ عَدِيِّ لاَ أَبَا لَكُمُ..... ... ... ... ... ... ... ... ... . . تيْماً الثاني بين الأوَّل، وما أضيف إليه، وكإقحامهم لام الإضَافةِ بين المضاف والمضاف إلَيْه في نَحْو: «لاَ أَبَا لَكَ» قيل: هذا الذي قاله مذْهَبٌ لبعضهم؛ ومنه قوله: [الطويل] 277 - مِنَ النَّفَرِ اللاَّءِ الَّذِينَ إذَا هُمُ ... يَهَابُ اللِّئَامُ حَلْقَةَ البَابِ قَعْقَعُوا ف «إذا» وجوبها صلةُ «اللاَّء» ، ولا صلةَ للذين؛ لأنه توكيد للأول، إلا أن بعضهم يرد هذا القول، ويجعله فاسداً من جهة أنه لا يؤكد الحرف إلا بإعادة ما اتّصل به، فالموصول أولى بذلك، وخرج الآية والبيت على أن «مَنْ قَبْلَكُمْ» صلةٌ للموصول الثَّاني، والموصول الثَّاني وصلته خبر لمبتدأ محذوف، والمبتدأ وخبره صلة الأول، والتقدير: «والَّذين هُمْ مِنْ قَبْلِكُم» ، وكذا [البيت] فجعل «إذا» وجوابها صلةً [للَّذِينَ، واللَّذِينَ خبر لمبتدأ محذوف، وذلك المبتدأ وخبره صلة] ل «اللاء» ، ولا يخفَى ما في هذا التعسُّف. قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ . «لعل» واسمها وخبرها، وإذا ورد في كلام الله - تعالى - فللناس فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن «لَعَلّ» على بابها من الترجّي والإطماع، ولكن بالنسبة إلى المخاطبين، أي: لعلَّكم تتقون على رجائكم وطمعكم؛ وكذا قاتل سيبويه في قوله تعالى: ﴿لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى﴾ [طه: 44] : أي: اذْهَبَا على رجائِكُمَا. والثَّاني: أنها للتعْليل: أي: اعْبُدُوا ربَّكُم؛ لِكَيْ تَتَّقُوا، وبه قال قُطْرُبٌ، والطبريُّ وغيرُهُما؛ وأنشدوا: [الطويل] 278 - وقُلْتُمْ لَنَا: كُفُّوا الحُرُوبَ لَعَلَّنَا ... نَكُفُّ وَوَثَّقْتُمْ لَنَا كُلَّ مَوْثِقِ فَلَمَّا كَفَفْنَا الحَرْبَ كَانَتْ عُهُودُكُمْ ... كَلَمْعِ سَرَابٍ في المَلاَ مُتَأَلِّقِ أي: لنكُفَّ الحَرْبَ، ولو كانت «لَعَلّ» للترجِّي، لم يقل: وَوَثَّقْتُمْ لَنَا كُلَّ مَوْثِقِ. والثَّالث: أنها للتعَرُّض للشيْءِ؛ كأنه قيل: افْعَلُوا ذلك متعرضِّين لأن تَتَّقُوا. وقال القَفَّال: «لعل» مأخوذةٌ من تكرير الشيء لقولهم: عللاً بعد نَهَلِ، و «اللام» فيها هي «لام» التأكيد كاللام التي تدخل في «لقد» ، فأصل «لعل» : طعل» ؛ لأنهم يقولون: «علك أن تفعل كذا» : أي لعلك. وإن كانت حقيقة في التكرير والتأكيد، كان قول القائل: افعل كذا لعلّك تظفر بحاجتك. معناه: افعله؛ فإن فعلك له يؤكد طلبك له ويقويك عليه، وهذه الجملة على كل قول متعلّقة من جهة المعنى ب» اعبدوا «أي: اعبدوا على رجائكم التَّقوى، أو لتتقوا، أو متعرّضين للتقوى، وإليه مال المهدوي، وأبو البقاء. وقال ابن عطيّة:» [يتجه] تعلّقها بخلقكم، لأنَّ كل مولود يولد على الفطرة، فهو بحيث يرجى أن يكون متقياً «، إلاَّ أن المهدوي منع من ذلك. قال: لأن من ذرأه الله لجهنم لم يخلقه ليتقي، ولم يذكر الزمخشري غير تعلّقها ب» خلقكم «ثم رتب على ذلك سؤالين: أحدهما: أنه كما خلق المُخاطبين لعلّهم يتقون، كذلك خلق الذين من قبلهم لذلك فلم خصّ المخاطبين بذلك دون من قبلهم؟ وأجاب عن ذلك بأنه لم يقصر عليهم، بل غَلّب المخاطبين على الغائبين في اللفظ والمعنى على إرادة الجميع. السُّؤال الثاني: هلا قيل:» تعبدون «لأجل» اعبدوا «أو اتقوا لمكان» تتقون «ليتجاوب طرفا النظم؟ وأجاب بأن التقوى ليست غير العبادة حتى يؤدي ذلك إلى تنافر النَّظْم، وإنَّما التقوى قصارى أمر العابد، وأقصى جهده. قال أبو حَيَّان: وأما قوله: ليتجاوب طرفا النَّظم، فليس بشيء؛ لأنه لا يمكن هنا تجاوب طرفي النظم، إذ يصير اللفظ: اعبدوا ربكم لعلكم تعبدون، أو اتقوا ربكم لعلكم تتقون، وهذا بعيد في المعنى؛ إذ هو مثل: اضرب زيداً لعلك تضربه، واقصد خالداً لصحّته أن يكون» لعلكم تتقون «متعلّقاً بقوله:» اعبدوا «فالَّذي نودوا لأجله هو الأمر بالعبادة، فناسب أن يتعلّق بها ذلك، وأتى بالموصول وصلته في سبيل التوضيح، أو المدح الذي تعلقت به العبادة، فلم يُجَأْ بالموصول ليحدّث عنه، بل جاء في ضمن المقصود بالعيادة، فلم يكن يتعلّق به دون المقصود، وأجاب بعضهم عن كلام الزمخشري بأنه جعل» لعل «متعلّقة ب» خلقكم «لا ب» اعبدوا» ، فلا يصير التقدير: اعبدوا لعلكم تعبدون، وإنما التقدير: اعبدوا الذي خلقكم لعلكم تعبدون؛ أي خلقكم لأجل العبادة، يوضِّحه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56] . وفي «لَعَلّ» لغاتٌ كثيرةٌ، وقد يُجَرُّ بها؛ قال: [الوافر] 279 - لَعَلَّ اللهِ فَضَّلَكُمْ عَلَيْنَا ... بِشَيْءٍ أَنَّ أُمَّكُمُ شَرِيمُ ولا تنصب الاسمين على الصحيح، وقد تدخل «أَنْ» في خبرها؛ حملاً على «عَسَى» ؛ قال: [الطويل] 280 - لَعَلَّكَ يَوْماً أنْ تُلِمَّ مُلِمَّةٌ..... ... ... ... ... ... ... ... وقد تأتي للاستفهام والتعليل كما تقدم، ولكن أصلها أن تكون للترجّي والطمع في المحبوبات والإشفاق من المكروهات ك «عسى» ، وفيها كلام طويل يأتي في غضون هذا الكتاب إن شاء الله تَعَالَى. و «تَتَّقَونَ» أصله «توتقيون» ؛ لأنه من «الوقاية» ، فأبدلت الواو ياء قبل تاء الافتعال، وأدغمت فيها، وقد تقدم ذلك في «المتقين» ، ثم استثقلت «الضّمة» على «الياء» فقدرت، فسكنت الياء والواو بعدها، فحذفت الياء لالتقاء السَّاكنين، وضمت القاف لتجانسها، فوزنه الآن «تفتعون» ، وهذه الجملة أعني «لعلكم تتقون» لا يجوز أن تكون حالاً؛ لأنها طلبية، وإن كانت عبارة بعضهم تُوهمُ ذلك، ومفعول «تتقون» محذوف أي: تتقون الشرك، أو النار. فَصْلٌ في الاستدلال بالآية على الصانع هذه الآية تدلّ على الصانع القادر الفاعل المختار، سأل بعض الدهرية الشَّافعي - رضي الله تعالى عنه - ما الدَّليل على الصانع؟ فقال: ورقة الفِرْصَاد طعمها ولونها وريحها وطبعها واحد عندكم؟ قالوا: نعم. قال: فتأكلها دودة القَزّ فيخرج منها الإبْرَيْسم، ويأكلها النحل فيخرج منها العَسَل، والشَّاة فيخرج منها البَعَر، وتأكلها الظِّبَاء فينعقد في نوافجها المسك، فمن الذي جعلها لذلك مع أن الطَّبع واحد؟ فاستحسنوا ذلك وآمنوا على يديه، وكانا سبعة عشر. وسئل أبو حنيف - رَضِيَ اللهُ عَنْه - عن الصَّانع فقال: الوالد يريد الذكر، فيكون أنثى، وبالعكس فيدلّ على الصَّانع. وتمسك أحمد بن حنبل بقلعة حصينة مَلْسَاء لا فُرْجَةَ فيها، ظاهرها كالفضّة المُذّابة، وباطنها كالذهب الإبريز، ثم انشقت الجدران، وخرج من القلعة حيوان سميع بصير، فلا بُدّ من الفاعل؛ عنى بالقلعة البيضة، وبالحيوان الفرخ. وقال آخر: عرفت الصَّانع بنحلة بأحد طرفيها عسل، وبالآخر لسع، والعسل مقلوب لسع. فإن قيل: ما الفائدة في قوله ﴿والذين مِن قَبْلِكُمْ﴾ ، وخلق الذين من قبلهم لا يقتضي وجوب العبادة عليهم. والجواب: أن الأمر وإن كان على ما ذكر ولكن علمهم بأن الله - تعالى - خلقهم كعلمهم بأنه خلق من قبلهم؛ لأن طريقة العلم بذلك واحدة. وأيضاً أن من قبلهم كالأصول لهم، وخلق الأصول يجري مجرى الإنعام على الفروع، كأنه - تعالى - يذكرهم عظيم إنعامه عليهم، أي: لا تظن أني إنما أنعمت عليك حين وجدت، بل كنت منعماً عليك قبل أن وجدت بألوف سنين، بسبب أني كنت خالقاً لأصولك. فإن قيل: إذا كانت العبادة تقوى فقوله: ﴿اعبدوا رَبَّكُمُ الذي خَلَقَكُمْ والذين مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ما وجهه؟ والجواب من وجهين: الأول: لا نسلّم أن العبادة نفس التقوى، بل العبادة فعل يحصل به التقوى؛ لأن الاتِّقاء هو الاحتراز عن المَضَارّ، والعبادة فعل المأمور به، ونفس هذا الفعل ليس هو نفس الاحتراز، بل موجب الاحتراز، فإنه - تعالى - قال: ﴿اعبدوا رَبَّكُمُ﴾ لتحترزوا به عن عقابه. وإذا قيل في نفس الفعل: «إنه اتقاء» فذلك غير ما يحصل به الاتقاء، لكن لما اتصل أحد الأمرين بالآخر أجري اسمه عليه. الثاني: أنه - تعالى - إنما خلق المكلفين لكي يتقوا ويطيعوا، على ما قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56] فكأنه - تعالى - أمر بعبادة الرَّبِّ الذي خلقهم لهذا الغرض، وهذا التأويل لائق بأصول المعتزلة. فَصْلٌ في القراءات في الآية قرأ أبو عمرو: خَلَقَكُمْ بالإدغام، وقرأ ابن السَّميفع: «وَخَلَقَ مَنْ قَبْلَكُم» . قوله: ﴿الذي جَعَلَ لَكُمُ﴾ يحتمل النصب والرَّفع، فالنصب من خمسة أوجه: أحدها: أن يكون نصبه على القطع. الثاني: أنه نعت لربكم. الثالث: أنه بدل منه. الرابع: أنه مفعول ل «تتقون» ، وبه قال أبو البقاء. الخامس: أنه نعت النعت، أي: الموصول الأول، لكن المختار أن النعت لا ينعت، بل إن جاء ما يوهم ذلك جعل نعتاً للأول، إلا أن يمنع مانع فيكون نعتاً للنعت، نحو قولهم: «يا أيها الفارس ذو الجمة» فذو الجمة نعت للفارس لا ل «أي» ؛ لأنها لا تنعت إلا بما تقدم ذكره. والرَّفع من وجهين: أحدهما وهو الأصح: أنه خبر مبتدأ محذوف أي: هو الذي جعل. والثاني: أنه مبتدأ، وخبره قوله بعد ذلك: فلا تجعلوا لله، وهذا فيه نظر من وجهين: أحدها: أنّ صلته ماضية فلم يشبه الشرط، فلا يزاد في خبره «الفاء» . الثاني: عدم الرابط، إلا أن يقال بمذهب الأخفش، وهو أن يجعل الربط مكرر الاسم الظَّاهر إذا كان بمعناه نحو: «زيد قام أبو عبد الله» إذا كان أبو عبد الله كنية لزيد، وكذلك هنا أقام الجلالة مقام الضَّمير، كأنه قال: الذَّي جعل لكم، فلا تجعلوا له أنداداً. و «الذي» كلمة موضوعة للإشارة إلى المفرد عند محاولة تعريفه بقضية معلومة كقولك: ذهب الرجل الذي أبوه منطلق، فأبوه منطلق قضية معلومة، فإذا حاولت تعريف الرجل بهذه القضية المعلومة أدخلت عليه الَّذي، وهو يحقّق قولهم: إنه مستعمل لوصف المعارف بالجمل. وإذا ثبت هذا فقوله: ﴿الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض فِرَاشاً﴾ يقتضي أنهم كانوا عالمين بوجود شيء جعل الأرض فراشاً، والسّماء بناءً، وذلك تحقيق قوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ الله﴾ [لقمان: 25] . و «جعل» فيها وجهان: أحدهما: أن تكون بمعنى «صَيَّر» فتتعدى لمفعولين فيكون «الأرض» مفعولاً أول، و «فراشاً» مفعولاً ثانياً. والثاني: أن يكون بمعنى «خلق» فيتعدّى لواحد وهو «الأرض» ويكون «فراشاً» حالاً. و «السماء بناء» عطف على «الأرض فراشاً» ونظيره قوله: ﴿أَمَّن جَعَلَ الأرض قَرَاراً وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ أَنْهَاراً﴾ [النمل: 61] وقوله: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ الله﴾ [طه: 53] . واعلم أن كون الأرض فراشاً مشروط بأمور: قال ابن الخطيب: أحدها: كونها ساكنة؛ فإنها لو كانت متحركة لم يمكن الانتفاع بها لما تقرر في المعقولات. الثاني: ألا تكون في غاية الصَّلابة كالحجر؛ فإن النّوم عليه والمشي مما يؤلم البدن، وأيضاً لو كانت الأرض من الذَّهب مثلاً لتعذّرت الزراعة ولتعذّر حفرها، وتركيبها لما يراد. وألاَّ تكون في غاية اللين كالماء الذي تغوص فيه الرِّجْل. الثالث: ألاّ يكون في غاية اللّطافة والشفافية؛ فإن الشفّاف لا يستقر النور عليه، وما كان كذلك ف"نه لا يسخن بالشمس فكان يبرد جدًّا، فجعل كيفية لونه أخضر ليستقر النور عليهن فيتسخن فيصلح أن يكون فراشاً للحيوانات. الرابع: أن تكون بارزةً من الماء؛ لأن طبع الأرض أن يكون غائصاً في الماء فكان يجب أن تكون البحار محيطةً بالأرض، ولو كانت كذلك لما كانت فراشاً لنا، فقلب الله طبيعة الأرض وأخرج بعض أجزائها [من المياه] كالجزيرة البارزة حتى صلحت لأن تكون فراشاً لنا. ومن الناس من زعم أن الشرط في كون الأرض فراشاً ألا تكون كرة واستدل بهذه الآية، وهذا بعيد؛ لأن الكرة إذا عظمت جدًّا كانت القطعة منها كالسطح في إمكان الاستقرار عليه، والذي يؤيده كون الجبال أوتاداً للأرض ويمكن الاستقرار عليها، فها هنا أولى. فَصْلٌ في منافع الأرض وصفاتها فأولها: الأشياء المتولّدة فيها من المعادن، والنبات، والحيوان، والآثار العلوية والسّفلية، ولا يعلم تفاصيلها إلا الله تعالى. وثانيها: اختلاف بقاع الأرض، فمنها أرض رخوة، وصلبة، ورملة، وسبخة، وحرّة، قال تعالى: ﴿وَفِي الأرض قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ﴾ [الرعد: 4] . وقال تعالى: ﴿والبلد الطيب يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ والذي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً﴾ [الأعراف: 58] . وثالثها: اختلاف طعمها وروائحها. ورابعها: اختلاف ألوانها فأحمر، وأبيض، وأسود، ورمادي، وأغبر، قال تعالى: ﴿وَمِنَ الجبال جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: 27] . وخامسها: انصداعها بالنبات، قال تعالى: ﴿والأرض ذَاتِ الصدع﴾ [الطارق: 12] . وسادسها: كونها خازنةً للماء المنزل، قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السمآء مَآءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأرض﴾ [المؤمنون: 18] . وسابعها: العيون والأنهار العظام. وثامنها: ما فيها من المَفَاوِزِ والفَلَواتِ ﴿والأرض مَدَدْنَاهَا﴾ [ق: 7] . وتاسعها: أن لها طبع الكرم؛ لأنك تدفع إليها حبّة وهي تردها عليك سبعمائة ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: 261] . وعاشرها: حَبَاتها بعد موتها ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ الأرض الميتة أَحْيَيْنَاهَا﴾ [يس: 33] . الحادي عشر: ما فيها من الدَّواب المختلفة الألوان والصّور والخلق، ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ﴾ [البقرة: 164] . الثانية عشرة: ما فيها من النبات المختلف ألوانه، وأنواعه، ومنافعه: ﴿وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [ق: 7] . وفي اختلاف ألوانها دلالة، واختلاف روائحها دلالة، فمنها قوت البشر، ومنها قوت البهائم: ﴿كُلُواْ وارعوا أَنْعَامَكُمْ﴾ [طه: 54] ومطعوم البشر، فمنها الطعام ومنها الإدام، ومنها الرَّوَاء، ومنها الفاكهة، ومنها الأنواع المختلفة في الحَلاَوَةَ والحموضة، ومنها كسوة البشر؛ لأن الكسوة إمّا نباتية وهي القطن والكتان، وإما حيوانية وهي الشَّعَر والصُّوف، والأَبْرَيْسَم، والجاود، وهي من الحيوانات التي بثّها الله في الأرض، فالمطعوم من الأرض، والملبوس من الأرض؛ ثم قال: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 8] . وفيه إشارة إلى منافع كثيرة لا نعلمها نحن، والله [تعالى عالم بها] ، فَصْلٌ قال بعضهم: السَّماء أفضل من الأرض لوجوه: أحدها: أن السَّماء متعبَّد الملائكة، وما فيها عُصي الله فيها. وثانيها: لما أتى آدم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - في الجَنّة بتلك المعصية قيل: اهبط من الجنة، وقال الله: «لا يسكن في جواري من عَصَاني» . وثالثها: ﴿وَجَعَلْنَا السمآء سَقْفاً مَّحْفُوظاً﴾ [الأنبياء: 32] وقوله: ﴿تَبَارَكَ الذي جَعَلَ فِي السمآء بُرُوجاً﴾ [الفرقان: 61] ولم يذكر في الأرض مثل ذلك. ورابعها: في أكثر الأمر ورد ذكر السَّماء مقدماً على الأرض في الذكر. وقال آخرون: بل الأرض أفضل؛ لوجوه: أحدها: أنه - تعالى - وصف بقاعاً في الأرض بالبركة ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً﴾ [آل عمران: 96] ، ﴿فِي البقعة المباركة مِنَ الشجرة﴾ [القصص: 30] ﴿إلى المسجد الأقصى الذي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: 1] . ووصف أرض «الشام» بالبركة فقال: ﴿مَشَارِقَ الأرض وَمَغَارِبَهَا التي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأعراف: 137] . ووصف جملة الأرض بالبركة فقال: ﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بالذي خَلَقَ الأرض﴾ [فصلت: 9] إلى قوله: ﴿وَبَارَكَ فِيهَا﴾ [فصلت: 10] . فإن قيل: فأي بركةٍ في الفَلَواتِ الخالية، والمَفَاوزِ المُهْلِكَةِ؟ قلنا: إنها مساكن الوحوش ومرعاها، ومَسَاكن النَّاس إذا احتاجوا إليها، فلهذه البركة قال تعالى: ﴿وَفِي الأرض آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ﴾ [الذاريات: 20] وهذه الآيات وإن كانت حاصلةً لغير المؤمنين، لكن ممَّا لم ينتفع بها إلا الموقنون جعلها آيات للمؤمنين تشريفاً لهم كما قال: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2] . وثانيها: أنه - سبحانه - خلق الأنبياء المكرمين من الأرض على ما قال: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ [طه: 55] ولم يخلق من السماء شيئاً، لأنه قال: ﴿وَجَعَلْنَا السمآء سَقْفاً مَّحْفُوظاً﴾ [الأنبياء: 32] . وثالثها: أن الله - تعالى - أكرم نبيّه، فجعل الأرض كلها مسجداً، وجعل ترابها طهوراً. فَصْلٌ في فَضْلِ السَّمَاءِ وهو من وجوه: الأول: أن الله - تعالى - زيَّنَهَا بسبعة أشياء: بالمصابيح ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السمآء الدنيا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك: 5] . وبالقمر ﴿وَجَعَلَ القمر فِيهِنَّ نُوراً﴾ [نوح: 16] وبالشمس: ﴿وَجَعَلَ الشمس سِرَاجاً﴾ [نوح: 16] . وبالعرش، وبالكرسي، وباللوح المحفوظ، وبالقلم، فهذه السَّبعة ثلاثة منها ظاهرة، وأربعة مثبتة بالدلائل السَّمعية. الثاني: انه - تعالى - سمّاها بأسماء تدلّ على عظم شانها سماء، وسقفاً محفوظاً، وسبعاً طباقاً، وسبعاً شداداً، ثم ذكر عاقبة أمرها فقال: ﴿وَإِذَا السمآء فُرِجَتْ﴾ [المرسلات: 9] ، ﴿وَإِذَا السمآء كُشِطَتْ﴾ [التكوير: 11] ، ﴿إِذَا السمآء انفطرت﴾ [الانفطار: 1] ، و ﴿إِذَا السمآء انشقت﴾ [الانشقاق: 1] ، ﴿يَوْمَ نَطْوِي السمآء كَطَيِّ السجل لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء: 104] ، ﴿تَكُونُ السمآء كالمهل﴾ [المعارج: 8] ، ﴿يَوْمَ تَمُورُ السمآء مَوْراً﴾ [الطور: 9] . ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كالدهان﴾ [الرحمن: 37] . وذكر مبدأها فقال: ﴿ثُمَّ استوى إِلَى السمآء وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: 11] وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الذين كفروا أَنَّ السماوات والأرض كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء: 30] فهذا الاستقصاء والتشديد في كيفية حدوثها وفنائها يدلُّ على أنه - سبحانه وتعالى - خلقها لحكمة بالغة على ما قال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السمآء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً﴾ [ص: 27] . الثَّالث: أنه - تعالى - جعل السَّماء قِبْلَةَ الدعاء، فالأيدي تُرفع إليها، والوجوه تتوجّه نحوها، وهي منزل الأنوار، ومحل الضياء والصّفاء، والطهارة، والعصمة من الخلل والفَسَاد. والبناء: مصدر «بنيت» ، وإنما قلبت «الياء» همزة لتطرُّفها بعد ألف زائدة، وقد يراد به المفعول، و «أنزل» عطف على «جعل» و «من السماء» متعلّق به، وهي لابتداء الغاية، ويجوز أن يتعلّق بمحذوف على أن تكون حالاً من «ما» ؛ لأن صفة النكرة إذا قدمت عليها نصيب حالاً، وحينئذ معناها التبعيض، وثَمَّ مضاف محذوف أي: من مياه السماء ماء. وأصل «ماء» موه بدليل قولهم: «مَاهَتِ الرَّكِيَّةُ تَمُوهُ» وفي جمعه مياه وأمواه، وفي تصغيره: مويه، فتحركت «الياء» وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفاً، فاجتمع حرفان خفيفان: «الأف» و «الهاء» ، فأبدلوا من «الهاء» أختها وهي الهمزة؛ لأنها أجلد منها. فإن قيل: كيف قال: ﴿وَأَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً﴾ [البقرة: 22] وإنما ينزل من السَّحاب؟ فالجواب أن يقال: ينزل من السَّماء إلى السحاب، ومن السحاب إلى الأرض. فَصْلٌ في أوجه ورود لفظ الماء قال أبو العباس المقري: ورد لفظ الماء في القُرْآن على ثلاثة أوجه: الأوّل: بمعنى الماء المُطْلَق كهذه الآية. الثاني: بمعنى النّطفة. قال تعالى: ﴿خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: 6] . وقوله: ﴿مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ﴾ [السجدة: 8] . الثالث: بمعنى القرآن. قال تعالى: ﴿أَنَزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد: 17] بمعنى القرآن، احتمله الناس على قَدَرٍ. قوله: «فاخرج» عطف على «أنزل» مرتب عليه، و «به» متعلق به، و «الباء» فيه للسببية، و «من الثمرات» متعلّق به أيضاً، و «من» هنا للتبعيض، كأنه قصد بتنكير الماء والرزق معنى البعضِيّة، كأنه قيل: وأنزل من السماء بعض الماء، فأخرج به بعض الثمرات ليكون بعض رزقكم؛ إذ ليس جميع رزقهم هو بعض الثمرات، إنما ذكر بعض رزقهم. وأبعد من جعلها زائدة لوجهين: أحدهما: زيادتها في الواجب، وكون المجرور بها معرفةً، وهذا لا يقول به بَصْرِيّ ولا كُوفِيّ إلاّ أبا الحسن الأَخْفَشَ. والثاني: أن يكون جميع الثمرات رزقاً لنا. وهذا يخالف الواقع؛ إذ كثير من الثمرات ليس رزقاً لنا. وجعلها الزمخشري لبيان الجنس، وفيه نظر؛ إذ لم يتقدم ما يبين هذا، وكأنه يعني أنه بيان ل «رزقاً» من حيث المعنى. و «رزقاً» ظاهره أنه مفعول به ناصبه «أخرج» ، ويجوز أن يكون «من الثمرات» في موضع المفعول به، والتقدير: فأخرج ببعض الماء بعض الثمرات، وفي «رزقاً» حينئذ وجهان: أحدهما: أن يكون حالاً على أن الرزق بمعنى المرزوق كالطَّحْن والرَّعْي. والثاني: أن يكون مصدراً منصوباً على المفعول من أجله، وفيه شروط النصب موجودة. وأجاز أبو البقاء أن يكون «من الثمرات» حالاً من «رزقاً» ؛ لإنه لو تأخر لكان نعتاً، فعلى هذا يتعلق بمحذوف. وجعل الزمخشري «من الثمرات» واقعاً موقع الثمر، أو الثمار، يعني مما ناب فيه جمع قلّة عن جمع الكَثْرة نحو: ﴿كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ﴾ [الدخان: 25] و ﴿ثَلاَثَةَ قرواء﴾ [البقرة: 228] ، ولا حاجة تدعو إلى هذا؛ لأن جمع السَّلامة المحلَّى ب «أل» الَّتي للعموم يقع للكثرة، فلا فَرْقَ إذن بين الثَّمَرَات والثِّمَار، ولذلك ردَّ المحقِّقون قول من رَدَّ على حَسَّان بن ثابت رَضِيَ اللهُ عَنْه: [الطويل] 281 - لَنَا الجَفَنَاتُ الغُرُّ يَلْمَعْنَ في الضُّحَى ... وَأَسْيَافُنَا يَقْطُرْنَ مَنْ نَجْدَةٍ دَمَا قالوا: كان ينبغي أن يقول: «الجِفَان» ، و «سيوفنا» ؛ لأنه أمدح، وليس بصحيح؛ لما ذكرت قبل ذلك. و «لكم» يحتمل التعلّق ب «أخرج» ، ويحتمل التعلّق بمحذوف، على أن يكون صفة ل «رزقاً» . هذا إن أريد بالرزق المرزوق، وإن أريد به المصدر، فيتحمل أن تكون الكاف في «لكم» مفعولاً بالمصدر واللام مقوية له نحو: «ضربت ابني تأديباً له» أي: تأديبه. قوله: ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً﴾ «الفاء» للتسبب أي: تسبب عن إيجاد هذه الآيات الباهرة النهي عن اتخاذكم الأنداد، و «لا» ناهية، و «تجعلوا» مجزوم بها، علامة جزمه حذف النون، وهي هنا بمعنى تُصَيِّرُوا. وأجاز أبو البَقَاءِ أن تكون بمعنى: تُسَمُّوا، وعَلَى القولين فيتعدى لاثنين. أولهما: «أنداداً» . وثانيهما: الجار والمجرور قبله، هو واجب التقديم، و «أنداداً» جمع نِدّ. وقال أبو البقاء: «أنداداً» جمع «نِدّ» و «نديد» ، وفي جعله «نديد» نظر؛ لأنّ أفعالاً يحفظ في فعيل بمعنى فاعل، نحو: شريف وأشراف، ولا يقاس عليه. فإن قيل: بم تعلّق قوله: «فلا تجعلوا» ؟ فالجواب فيه وجوه: أحدها: أن يتعلّق بالأمر أي: اعبدوا، ولا تجعلوا لله أنداداً، فإن أصل العبادة التوحيد. وثانيها: ب «لعل» على أن ينتصب ب «تجعلوا» انتصاب «فَاطَّلِع» في قراءة حَفْصٍ. قال الزمخشري: والمعنى خلقكم لكي تتقوا، وتخافوا عقابه فلا تثبتوا له ندًّا، فإنه من أعظم موجبات العقاب، فعلى هذا تكون «لا» نافية، والفعل بعدها منصوب بإضمار «أن» في جواب الترجي، وهذا لا يجيزه البصريون، وسيأتي تأويل «فَاطَّلِعَ» ، ونظائِرِه في موضعه إنْ شَاءَ الله تعالى. وثالثها: بقوله: ﴿الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض فِرَاشاً﴾ إذا جعلت «الذي» خبر مبتدأ محذوف، أي: هو الذي خلق لكم هذه الدلائل الباهرة فلا تتخذوا له شريكاً. و «النِّدُّ» المقاوم المُضاهي، سواءٌ كان مِثْلاً، أو ضدًّا، أو خلافاً. وقيل: هو الضِّدُّ عن أبي عُبَيْدة. وقيل: الكُفْء والمِثْلُ؛ قَال حَسَّان: [الوافر] 282 - أَتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِنِدٍّ ... فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الفِدَاءُ أي: «وَلَسْتُ لَهُ بِكُفْءٍ» . وقد رُوِيَ ذلك؛ وقال آخر: [الرمل] 283 - نَحْمَدُ اللهَ وَلاَ نِدَّ لَهُ ... عِنْدَهُ الخَيْرَ وَمَا شاءَ فَعَلْ وقال الزمخشري: النِّدُّ المِثْلُ: ولا يقال إلا للنِّدِّ المخالف؛ قال جرير: [الوافر] 284 - أَتَيْماً تَجْعَلُونَ إِلَيَّ نِدًّا ... وَمَا تَيْمٌ لِذِي حَسَبٍ نَدِيدُ ونَادَدْتُ الرّجل: خالفته ونافرته، من: نَدَّ َيَنِدُّ نُدُوداً، أي: نَفَر. ومنه الحديث: «أيّ بعيرٍ نَدّ فأعياهم» . ويقال: «نَدِيدَة» على المبالغة؛ قال لَبِيد: [الطويل] 285 - لِكَيْلاَ يَكُونَ السَّنْدَرِيُّ نَدِيدَتِي ... وَأَجْعَلَ أَقَوَاماً عُمُوماً عَمَاعِمَا وأما «النِّد» بفتح النون فهل التَّلُّ المرتفع، والنِّدُّ الطيب أيضاً، ليس بعربي. وقرأ محمد بن السَّمَيْفَع: «فلا تَجْعَلُوا للهِ نِدًّا» . فإن قيل: إنهم بم يقولوا: إن الأصنام تنازع الله. قلنا: لما عبدوها وسموها آلهة أشبهت حالهم حَالَ من يعتقد أنها آلهة قادرة على منازعته فقيل لهم ذلك على سبيل التهكُّم بهم. قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ جملة من مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال، ومفعول العلم متروك، لأن المعنى، وأنتم من أهل العلم، أو حذف اختصاراً أي: وأنتم تعلمون بطلاق ذلك، والاسم من «أنتم» قيل: «أن» و «التاء» حرف خطاب يتغير بحسب المخاطب، وقيل: بل «التاء» هي الاسم، و «أن» عماد قبلها « وقيل: بل هو ضمير برمته وهو ضمير رفع منفصل وحكم ميمه بالنسبة إلى السكون والحركة والإشباع والاختلاس حكم» ميم «هم، وقد تقدّم جميع ذلك. والمعنى: إنكم لكمال عقولكم تعلمون أن هذه الأشياء لا يصح جعلها أنداداً لله - تعالى - فلا تقولوا ذلك؛ فإن القول القبيح ممن علم قبحه يكون أقبح. وهذا الخطاب للكافرين، والمنافقين، قاله ابن عباس رَضِيَ اللهُ عَنْه. فإن قيل: كيف وصفهم بالعِلْمِ، وقد نعتهم بالخَتْمِ، والطَّبْعِ، والصَّمَمِ، والعمى؟ فالجواب من وجهين: أحدهما: وأنتم تعلمون العلم الخاص أن الله خلق، وأنزل الماء، وأنبت الرزق، وهو المنعم عليهم دون الأَنْدَادِ. الثاني: وانتم تعلمون وحدانيته بالفرد والإمكان لو تدبرتم ونظرتم، وفي هذا دليل على استعمال حجج المعقول، وإبطال التقليد. وقال ابن فوُرِك: يحتمل أن تتناول الآية المؤمنين، والمعنى: لا ترتدوا أيها المؤمنون، وتجعلوا لله أَنْدَاداً بعد علمكم بان الله واحد. فَصْلٌ في فرق المشركين قال ابن الخطيب: ليس في العالم أحد يثبت له شريكاً يساويه في الوجود، والقدرة، والعلم، والحكم، هذا مما لم يوجد، لكن الثنوية يثبتون إليهن، أحدهما: حكيم يفعل الخير، والثاني: سفيه بفعل الشر؛ وأما اتخاذ معبود سوى الله، فالذاهبون إلى ذلك فرق. فمنهم عبدة الكواكب. ومنهم الصَّائبة فإنهم يقولون: إنَّ الله - تعالى - خلق هذه الكواكب، وهي مدّبرات لهذا العالم قالوا: فيجب علينا أن نعبد الكواكب، والكواكب تعبد الله تعالى. الفريق الثاني: الَّذين يعبدون المسيح عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ. الثالث: عبدة الأوثان. واعلم انه لا دين من أديان الكفر أقدم من دين عبادة النار؛ لأنه يروى أنّ النّار لما أكلت قربان «هابيل» جاء «إبليس» إلى قابيل «، وأخبره أنها إنما أكلت قربان أخيه، لنه عبدها، فعبدت النار من ذلك الوقت. وقيل: لا دين من أديان الكفر أقدم من دين الأوثان؛ لأن أقدم الأنبياء الذين نقل إلينا تاريخهم هو نوح عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ؛ لأنه إنما جاء بالرد عليهم على ما أخبر الله - تعالى - عن قومه في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ [نوح: 23] فعلمنا أن هذه المقالة كانت موجودةً قبل نوح عليه الصلاة والسَّلام باقية إلى الآن، والمذهب الذي هذا شأنه، فيستحيل معرفة فساده بالضرورة، لكن العلم بأن هذا الحجر المنحوت في هذه السَّاعة ليس هو الذي خلقه وخلق السماء والأرض علم ضروري، فيستحيل إطباق الجمع العظيم عليه؛ فوجب أن يكون لعبدة الأوثان غرض آخر سوى ذلك، والعلماء ذكروا فيه وجوهاً: أحدها: ما ذكره أبو معْشَرٍ جَعْفَرُ بن محمد المنجم البَلْخي أن كثيراً من أهل» الصِّين «و» الهند» كانوا يقولون بالله، وملائكتهن ويعتقدون أنه - تعالى - جسم وصورة كأحسن ما يكون من الصُّور، وهكذا حال الملائكة أيضاً في صورهم الحسنة، وأنهم كلّهم قد احتجبوا عنا بالسماء، وأن الواجب عليهم أن يصوغوا تماثيل أنيقة المنظر، حسنة المرأى، على الهيئة التي كانوا يعتقدونها من صور الإله والملائكة، فيعكفون على عبادتها قاصدين به طلب الزُّلْفَى إلى الله - سبحانه - وملائكته. فإن صَحّ ما قال أبو معشر، فالسَّبب في عبادة الأوثان اعتقاد الشبه. وثانيها: ما ذكر أكثر العلماء أن الناس رأوا تغيرات أحوال هذا العالم مربوطة بتغيرات أحوال الكواكب؛ فإنه بحسب قرب الشمس وبعدها عن سمت الرأس يحدث الفصول المختلفة، والأحوال المتباينة، ثم إنهم رصدوا أحوال سائر الكواكب، فاعتقدوا ارتباط السعودة والنحوسة في الدنيا بكيفية وقوعها في طوالع الناس، فلما اعتقدوا ذلك بالغوا في تعظيمها، فمنهم من اعتقد أنها أشياء واجبة الوجود لذواتها، وهي التي خلقت هذه العوالم، ومنهم من اعتقد أنها مخلوقة للإله الأكبر، لكنها [خالقة لهذا] العالم، فالأولون اعتقدوا أنها هي الإله في الحقيقة، والآخرون أنها هي الوسائط بين الله وبين البشر، فلا جرم اشتغلوا بعبادتها والخضوع لها، ثم لما رأوا الكواكب مستترة في أكثر الأوقات عن الأبصار اتخذوا لها أصناماً، وأقبلوا على عبادتها قاصدين بتلك العبادات الأجرام العالية، ومتقرّبين إلى أشباحها الغائبة، ثم لما طالت المدة ألغوا ذكر الكواكب وتجرّدوا لعبادة تلك التماثيل، فهؤلاء في الحقيقة عبدة الكواكب. وثالثها: أن أصحاب الأحكام كانوا يعيّنون سنين متطاولة، نحو الألف والألفين، ويزعمون أن [من اتخذ] طلمساً في ذلك الوقت على وجه خاص، فإنه ينفع في أحوال مخصوصة نحو السَّعادة والخصب، ودفع الآفات، وكانوا إذا اتخذوا ذلك الطلسم عَظَّموه لاعتقادهم أنهم ينتفعون به، فلمَّا بالغوا في ذلك التعظيم صار ذلك كالعبادة، ولمَّا طالت مدّة ذلك الفِعْلِ نسوا مبدأ الأمر، وانشغلوا بعبادتها على الجهالة بأصل الأمر. ورابعها: أنه متى مات منهم رجل كبير يعتقدون في أنه مجاب الدعوة، ومقبول الشَّفاعة عند الله - تعالى - اتخذوا أصناماً على صورته، ويعبدونه على اعتقاد أن ذلك الإنسان يكون شفيعاً لهم يوم القيامة عند الله - تعالى - على ما أخبر الله عنهم في قولهم: ﴿هؤلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ الله﴾ [يونس: 18] . وخامسها: لعلهم اتخذوها محاريب لصلاتهم، وطاعاتهم، ويسجدون غليها لا لها كما أنَّا نسجد إلى القبلة لا للقبلة، ولما استمرت هذه الحالة ظنّ الجهال من القوم أنه يجب عبادتها. وسادسها: لعلّهم كانوا يعتقدون جواز حلول الرب فيها فعبدوها على هذا التأويل. فهذه هي الوجوه التي يمكن حلم هذه المقالة عليها حتى ليصير بحيث يعلم بطلانه بضرورة العقل. واعلم أنّ إقامة الدّلالة على افتقار العالم إلى الصَّانع المختار يبطل القول بعبادة الأوثان على كلّ التأويلات، والله أعلم. فَصْلٌ اعلم أن من بيوت الأصنام المشهورة «غمدان» الذي بناه الضحاك على اسم الزهرة بمدينة «صنعاء» وخربه بن عفان، ومنها «» نوبهار بلخط الذي بناه «منوشهر» الملك على اسم القمر، ثم كان لقبائل العرب أوثان معروفة مثل: ود ب «دومة الجندل» لكلب، و «سواع» لبني هذيل، و «يغوث» ب «اليمن» لمذحج، و «يعوق» لمرادية همدان و «نَسْر» بأرض «حمير» لذي الكُلاَع، و «اللات» ب «الطائف» ل «ثقيف» ، و «مناة» ب «يثرب» للخزرج، و «العُزّى» لكنانة بنواحي «مكّة» و «أساف» و «نائلة» على «الصفا» و «المروة» . وكان قُصَيّ جَدّ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ينهاهم عن عبادتها، ويدعوهم إلى عبادة الله سبحانه وتعالى، وكذلك زَيْدُ بْنُ عَمْرو بْنُ نُفَيْلٍ، وهو الذي يقول: [الوافر] 286 - أَرَبٌّ وَاحِدٌ أَمْ اَلْفُ رَبٍّ ... أَدِينُ إِذَا تَقَسَّمَتِ الأُمُورُ؟! تَرَكْتُ اللاَّتَ والعُزَّى جَمِيعاً ... كَذَلِكَ يَفْعَلُ الرَّجُلُ البَصِيرُ

البقرة 2:23

اعلم أنه سبحانه لما أقام الدلائل القاطعة على إثبات الصّانع، وأبطل القول بالشريك عقبه بما يدلّ على النبوة، ولما كانت نبوة محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مبنية على كون القرآن معجزاً أقام الدلالة على كونه معجزاً. واعلم أن كونه معجزاً يمكن بيانه من طريقين: الأول: ألا يخلو حاله من أحد وجوه ثلاثة: إما أن يكون مساوياً لكلام الفصحاء، أو زائداً على كلام الفصحاء بقدر لا ينقض العادة، أو زائداً عليه بقدر ينقض العادة، والقسمان الأولان باطلان فتعين الثالث. وإنما قلنا: إنهما باطلان؛ لأنه لو كان كذلك لوجب أن يأتوا [بمثل سورة منه] إما مجتمعين، أو منفردين، فإذا وقع التَّنَازع، فالشهود والحكام مزيلون الشبهة وذلك نهاية الاحتجاج؛ لنه كان من معرفة اللغة والاطلاع على قوانين الفصاحة في الغاية، وكانوا في محبة إبطال أمره في الغاية حتى بذلوا النفوس والأموال، وارتكبوا المهالك والمحن، وكانوا في الحمية والأنفة على حد لا يقبلون الحق، فكيف الباطل، وكل ذلك يوجب الإتيان بما يقدح في قوله، فلما لم يأتوا بمثلها علمنا عجزهم عنها، فثبت أن القرآن لا يماثل قولهم، وأنَّ التفاوت بينه وبين كلامهم ليس تفاوتاً معتاداً، فهو إذن تفاوت ناقص للعادة، فوجب أن يكون معجزاً. والعم أنه قد اجتمع في القرآن وجوه كثير، تدلُّ على أنه أبلغ في الفصاحة النهاية التي لا غاية لها: أحدها: أن فصاحة العرب أكثرها في وصف المشاهدات مثل وصف بعير، أو فرس، أو جارية، أو ملك، أو ضربة، أو طعنة أو وصف حرب، أو وصف غارة، وليس في القرآن شيء من هذا، فكان يجب على هذا ألا يحصل فيه شيء من الفصاحة، التي اتفقت العرب في كلامهم عليها. وثانيها: أنه - تعالى - راعي فيه [طريقة] الصِّدق، وتنزَّه عن الكذب في جميعه، وكل شاعر ترك الكذب، ولزم الصدق زكي شعره، ألا ترى لبيد بن ربيعة، وحسان بن ثابت لما أسلما زكي شعرهما، [ولم يكن شعرهما] الإسلامي في الوجوه كشعرهما في الجاهلية، والقرآن مع لزوم الصدق وتنزُّهه عن الكذب بلغ الغاية في الفصاحة كما ترى. وثالثها: أن الكلام الفصيح والشعر الفصيح في القصيدة كلها، إنما هو بيت أو بيتان والباقي ليس كذلك، وأما القرآن فكله فصيح، فعجز الخلق عن بعضه كما عجزوا عن جملته. ورابعها: أن كل من وصف شيئاً بشعر، فإن كرره لم يكن كلامه الثَّاني في وصف ذلك الشيء بمنزلة كلامه الأول، وأما القرآن ففيه تكرار كثير، وهو في غاية الفَصَاحة، ولم يظهر التفاوت أصلاً. وخامسها: أنهم قالوا: شعر امرئ القيس يحسن عند الطَّرب، وذكر النِّسَاء، وصفة الخَيْلِ، وشعر النابغة عند الخوف، وشعر الأعشى عند الطَّلَبِ، ووصف الخَمْرِ، وزهير عند الرَّغْبَةِ والرجاء، وبالجملة فكل شاعر يحسن كلامه في فَنٍّ، ويضعف كرمه في غيره، والقرآن جاء فصيحاً في كل الفنون. وسادسها: أن القرآن أصل للعلوم كلها، فعلم الكلام كلّه في القرآن، وعلم الفقه مأخوذ من القرآن، كذا علم أصول الفقه، وعلم النحو، واللغة، وعلم الزهد في الدُّنيا، وأخبار الآخرة، واستعمال مكارم الأخلاق. وأما الطريق الثاني: أن يقول: القرآن لا يخلو إما أن يكون بالغاً في الفصاحة إلى حَدّ الإعجاز، أو لم يكن، فإن كان الأول ثبت أنه معجز، وإن كان الثاني كانت المُعَارضة على هذا التقدير ممكنة، فعدم إتيانهم بالمُعَارضة، مع توفُّر داعيهم على الإتيان بها، أمر خارق للعادة، فكان ذلك معجزاً، فثبت أنَّ القرآن معجز على جميع الوجوه. «إن» حرف شرط يجزم فعلين: شرطاً وجزاءً، فلا تقول: «إن غربت الشمس» . فإن قيل: فكيف قال هاهنا: ﴿وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ ، وهذا خطاب مع الكفار، والله تَعَالَى يعلم أنه في ريب، وهم يعلمون ويقرون أنهم في ريب، ومع ذلك فالتعليق حسن. فالجواب: الخصائص الإلهية لا تدخل في الأوضاع العربية، بل الأوضاع العربية مبنية على خصائص الخلق، والله - تعالى - أنزل القرآن بلغة العرب، وعلى منوالهم، فكل ما كان في لغة العرب حسناً نزل القرآن على ذلك الوجه، وما كان نسخاً في لسان العرب لم ينزل في القرآن، فثبت بهذا أن كل ما جاء في العادة مشكوكاً فيه بين الناس، حسن تعليقه، سواء كان من قبل الله - تعالى - أو من قل غيره، وسواء كان معلوماً للسَّامع أو المتكلّم أم لا، وكذلك حسن قوله: إن كان زيد في الدار فأكرمه، مع أنك علم أن زيداً في الدار؛ لأن حصول زيد في الدار، شأنه أن يكون في العادة مشكوكاً فيه، ولا يكون إلاَّ في المحتمل وقوعه، وهي أم الباب؛ فلذلك يحذف مجزومها كثيراً، وقد يحذف الشَّرط والجزاء معاً؛ قال: [الرجز] 287 - قَالَتْ بَنَاتُ العَمِّ: يا سَلْمَى وَإِنْ ... كَانَ فَقِيراً مُعْدماً قَالَتْ: وَإِنْ أي: وإن كان فقيراً تزوجته. وتكون «إن» نافية فتعمل وتهمل، وتكون مخففة وزائدة باطِّراد وعدمه، وأجاز بعضهم أن تكون بمعنى «إذا» ، وبعضهم أن تكون بمعنى «قد» ، ولها أَحْكَام كثيرة. و «في ريب» خبر كان، فيتعلّق بمحذوف، ومحل «كان» الجزم، وهي إن كانت ماضية لفظاً فهي مستقبلة معنى. وزعم المبرد أنَّ ل «كان» الناقصة حكماً مع «إنْ» ، ليس لغيرها من الأفعال الناقصة، فزعم أّنه لقوة «كان» أنّ «إنْ» الشرطية لا تقلب معناها إلى الاستقبال، بل تكون على مَعْنَاها من المُضِيّ، وتبعه في ذلك أبو البَقَاءِ، وعلل ذلك بأن كثيراً استعملوها غير دالّة على حدث، وهذا مردود عند الجمهور، لأن التعليق إنما يكون في المستقبل، وتأولوا ما ظاهره غير ذلك نحو: ﴿إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ﴾ [يوسف: 26] إما بإضمار «يكن» بعد «إن» ، وإما على التبيين، والتقدير: «إن يكن قميصه، أو إن يتبين كونه قميصه» ولما خفي هذا المعنى على بعضهم جعل «إن» هنا بمنزلة «إذ» وقوله: «في ريب» مجاز من حيث إنه يجعل الريب ظرفاً محيطاً بهم، بمنزلة المكان لكثرة وقوعه منهم. و «مِمَّا» يتعلّق بمحذوف؛ لأنه صفة لريب، فهو في محل جَرّ، و «من» للسَّببية، أو لابتداء الغاية، ولا يجوز أن تكون للتبعيض، ويجوز أن تتعلّق ب «ريب» أي: إن ارتبتم من أجل، ف «من» هُنا للسَّببية، و «ما» موصولة أو نكرة موصوفة، والعائد على كلا القولين محذوف، أي: نزلناه، والتضعيف في «نَزّلنا» هنا للتعدية مرادفاً لهمزة التعدي، ويدلّ عليه قراءة «أنزلنا» بالهمز، وجعل الزمخشري التضعيف هنا دالاًّ على نزوله منجماً في أوقات مختلفة. قال بعضهم: «وهذا الذي ذهب إليه في تضعيف الكلمة هنا، هو الَّذي يعبر عنه بالتكثير أي يفعل مرة بعد مرة، فيدل على ذلك بالتضعيف ويعبر عنه بالكثرة» قال: «وذهل عن قاعدة، وهي أن التضعيف الدّال على ذلك من شرطه أن يكون في الأفعال المتعدّية قبل التضعيف غالباً نحو:» جَرَّحْتُ زِيْداً، وفَتَّحْتُ الباب «، ولا يقال جَلَّس زيدٌ» و «نَزَّل» [لأنه] لم يكن متعدياً قبل التضعيف، وإنَّ ما جعله متعدياً تضعيفه» . وقوله: «غالباً» لأنه قد جاء التضعيف دالاًّ على الكثرة في اللاَّزم قليلاً نحو: «مَوَّت المال» ، وأيضاً فالتضعيف الدَّال على الكثرة لا يجعل القاصر متعدياً، كما تقدم في «مَوَّتَ المال» و» نَزَّل «كان قاصراً فصار بالتضعيف متعدياً، فدلّ على أنَّ تضعيفه للنقل لا للتكثير، وأيضاً كان يحتاج قوله تعالى: ﴿لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ القرآن جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان: 32] إلى تأويل، وأيضاً فقد جاء التضعيف حيث لا يمكن فيه التكثير، نحو قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ﴾ [الأنعام: 37] ، ﴿لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السمآء مَلَكاً رَّسُولاً﴾ [الإسراء: 95] إلا بتأويل بعيد جدًّا، إذ ليس المعنى على أنهم اقترحوا تكرير نزول [آية، ولا أنه علق تكرير نزول] مَلَك رسول على تقدير كون ملائكة في الأرض. وفي قوله: ﴿نَزَّلْنَا﴾ التفات من الغيبة إلى التكلّم؛ لأن قبله: ﴿اعبدوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: 21] جاء الكلام عليه لقيل: «مما نزّل عَلَى عَبْدِهِ» ولكن التفت للتفخيم. و «عَلَى عَبْدِنَا» متعلّق ب» نَزَّلْنَا «وعُدِّي ب» على «لإفادتها الاستعلاء، كأن المنزل تمكّن من المنزول عليه ولبسه، ولهذا جاء أكثر القرآن بالتعدّي بها دون» إلى «فإنها تمكّن من المنزول عليه ولبسه، ولهذا جاء أكثر القرآن بالتعدّي بها دون» إلى «فإنها تفيد الانتهاء والوصول فقط، والإضافة في» عبدنا» تفيد التشريف؛ كقوله: [السريع] 288 - يَا قَوْمِ قَلْبي عِنْدَ زَهْرَاءِ ... يَعْرِفُهُ السَّامِعُ وَالرَّائِي لاَ تَدْعُنِي إلاَّ بِيَا عَبْدَهَا ... فَإِنَّهُ أَشْرَفُ أَسْمَائِي وقرئ «عبادنا» فقيل: المراد النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وأمته؛ لأن جدوى المنزل حاصل لهم. وقيل: المراد بهم جميع الأنبياء عليهم السلام. والعبد: مأخوذ من التعبد، وهو التذلل؛ قال طَرَفَةُ: [الطويل] 289 - إِلَى اَنْ تَحَامَتْنِي العَشِيرَةُ كُلُّهَا ... وأُفْرِدْتُ إِفْرَادَ البَعِيرِ المُعَبَّدِ أي: المذلَّل. ولما كانت العبادة أشرف الخصال والتسمّي بها أشرف الخطط سمَّى نبيه عبداً. قوله: ﴿فَأْتُواْ بِسُورَةٍ﴾ جواب الشرط، والفاء هنا واجبة؛ لن ما بعدها لا يصحّ أن يكون شرطاً بنفسه، واصل «فأتوا» «إأْتِيُوا» مثل: اضربوا، فلهمزة الأولى همزة وصل أُتي بها للابتداء بالسَّاكن، والثَّانية فاء الكلمة، فلما اجتمع همزتان، وجب قلب ثانيهما ياءً على حَدِّ «إيمان» وبابه، واستثقلت «الضمة» على «الياء» التي هي «لام» الكلمة فقدرت، فسكنت «الياءط وبهدها طواو» الضمير ساكنة، فحذف «الياء» لالتقاء ساكنين، وضُمّت «التاء» للتجانُسِ، فوزن «ايتوا» : «افعوا» ، وهذه الهمزة إنما يحتاج إليها ابتداءً، أما في الدَّرْج فإنه يُسْتَغْنَى عنها، وتعودُ الهمزةُ اليت هي «فاءُ» الكلمة؛ لأنّها إنّما قُلِبَتْ ياءً للكسرِ الذي كان قبلها، وقد زال نحو: «فأتوا» وبابه، وقد تحذف الهمزة التي هي «فاء» الكلمة في الأمر كقوله: [الطويل] 290 - فَإِنْ نَحْنُ لَمْ نَنْهَضْ لَكُمْ فَنَبَرَّكُمْ ... فَتُونَا فَعَادُونَا إذاً بالجَرَائِمِ يريد: فأتونا كقوله: فأتوا. قال ابن كيسان: «وهو أمر معناه التعجيز؛ لأنه - تعالى - علم عجزهم عنه» . و «بسورة» متعلّق بأتُوا، والسورة واحدة السُّوَر، وهي طائفة من القُرْآن. وقيل: السُّورة الدَّرجة الرفيعة، قال النابغة: [الطويل] 291 - أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَعْطَاكَ سُورَةً ... تَرَى كُلَّ مَلْكٍ دُونَها يَتَذَبْذَبُ وسميت سورة القرآن بذلك؛ لأن قارئها يشرف بها وترفعه، أو لرفعة شأنها، وجلالة محلّها في الدِّين، وإن جعلت واوها منقلبة عن «الهمزة» ، فيكون اشتقاقها من «السُّؤْر» ، وهو البقية، والفضلة؛ ومنه: «أَسْأَرُوا في الإِنَاءِ» ؛ قال الأعشى: [المتقارب] 292 - فَبَانَتْ وَقَدْ أَسَأَرتْ في الفُؤَا ... دِ صَدْعاً عَلَى نَأْيِهَا مُسْتَطِيرَا أي: أَبْقَتْ، ويدلّ على ذلك أن «تميماً» وغيرها يهمزون فيقولون: سؤرة بالهمزة. وسميت سورة القرآن بذلك؛ لأنها قطعة منه، وهي على هذا مخفّفة من «الهمز» . وقيل: اشتقاقها من سُور البناء؛ لأنها تحيط بقارئها، وتحفظه كَسُورِ المدينة، ولكنّ جَمْعَ سُورةِ القرآن سُوَر بفتح الوَاوِ، وجَمْعَ سُورةِ البناء سُوْر بسكونها، ففرقوا بينهما في الجمع. فإن قيل: ما فائدةُ تقطيع القُرْآن سُوَراً؟ قلنا: وجوه: أحدها: ما لجله بوب المصنِّفون كتبهم أبواباً وفصولاً. وثانيها: أن الجنس إذا حصل تحته كان إفراد كل نوع من صاحبه أحسن. وثالثها: أنّض القارئ إذا ختم سورة، أو باباً من الكتاب، ثم أخذ في آخر كان أنشط له، كالمسافر إذا علم أنه قطع ميلاً أو طوى فرسخاً نشطه للمسير. فَصْلٌ في بيان أن ترتيب القرآن توقيفي قال ابن الخطيب: قوله: «فأتوا بسورة» يدلُّ على أن القرآن وما هو عليه من كونه سوراً هو على حدّ ما أنزله الله - تعالى - بخلاف قول كثير من أهل الحديث، أنه نظم على هذا الترتيب في أيام عثمان، فلذلك صحّ التحدّي بالقرآن على وجوه: أحدها: قوله: ﴿فَأْتُواْ بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ الله هُوَ أهدى﴾ [القصص: 49] . وثانيها: قوله: ﴿قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرآن لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [الإسراء: 88] . وثالثها: قوله: ﴿فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود: 13] . ورابعها: قوله: ﴿فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾ [البقرة: 23] ، ونظير هذا لمن يتحدّى صاحبه فيقول: ائتني بمثله، ائتني بنصفه، ائتني بربعه، ائتني بمسألة مثله، فإن هذا هُوَ النّهاية في التحدّي، وإزالة لعُذْر. قوله: ﴿مِّن مِّثْلِهِ﴾ في الهاء ثلاثة أقوال: أحدهما: أنها تعود على «ما نَزَّلنا» عند الجمهور كعمرو، وابن مسعود، وابن عباس، والحسن، وقتادة، ومجاهد، وغيرهم، فيكون «من مثله» صفة ل «سورة» ، ويتعلّق بمحذوف على ما تقرر: أي بسورة كائنة من مثل المنزل في فصاحته، وإخباره بالغيوب، وغير ذلك، ويكون معنى «من» التبعيض. واختار ابن عطية والمَهْدَويّ أن تكون للبيان، وأجازا هما وأبو البقاء أن تكون زائدة ولا تجيء إلاَّ على قول الأخفش. الثاني: أنها تعود على «عَبْدنا» فيتعلّق «من مثله» ب «أتوا» ، ويكون معنى «من» ابتداء الغاية، ويجوز على هذا الوجه أيضاً أن تكون صفة لسورة أي: «بسورة كائنة من رجل مثل عبدنا أمي لا يقرأ ولا يكتب» . قال القرطبي: و «من» على هذين التأويلين للتبعيض. الثالث: قال أبو البقاء: «إنها تعود على الأنداد بلفظ المفرد كقوله: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأنعام لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ [النحل: 66] ولا حاجة تدعو إلى ذلك، والمعنى يأباه أيضاً. قال القرطبي: وقيل: يعود على التوراة والإنجيل، والمعنى: فأتوا بسورة من كتاب مثله؛ فإنها تصدِّق ما فيه، والوقف على» مثله «ليس بتام؛ لن» وادعوا «نسق عليه. قوله : ﴿وادعوا شُهَدَآءَكُم﴾ هذه جملة أمر معطوفة على الأمر قبلها، فهي في مَحَلّ جزم أيضاً، ووزن» ادعوا» افعوا؛ لأن لام الكلمة محذوف دلالة على السكون في الأمر الذي هو جزم في المُضَارع، و «الواو» ضمير الفاعلين. و «شهداءكم» مفعول به جمع «شهيد» كظريف. وقيل: بل جمع «شاهد» ك «شاعر» والأوّل أولى؛ لاطَِّرَادِ «فعلاء» في «فعيل» دون فاعل، والشهادة الحضور، وفي المراد من الشهداء وجهان: الأول: المراد من الشهداء الأوثان. والثاني: المراد من الشهداء أكابرهم، أو من يوافقهم في إنكار أمر محمد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ، والمعنى: ادعوا أكابركم، ورؤساءكم ليعينوكم على المُعَارضة، أو ليشاهدوا ما تأتون به، فيكون [الرد على الجميع أوكد] . و «من دون الله» متعلّق ب «ادعوا» من دون الله شهداءكم، فلا تستشهدوا بالله، فكأنه قال: وادعوا من غير الله من يشهد لكم، ويحتمل أن يتعلّق ب «شهداءكم» والمعنى: ادعوا من اتخذتموه من دون الله، وزعمتم أنهم يشهدون لكم بصحّة عبادتكم إياهم، وأعوانكم من دون الله أولياء الذين تستعينون بهم دون الله، أو يكون معنى «من دون الله» بين يدي الله؛ كقوله: [الطويل] 293 - تُرِيكَ القَذَى مِنْ دُونِهَا وَهِيَ دُونَهُ ... لِوَجْهِ أَخِيهَا في الإِنَاءِ قُطُوبُ أي: تريك القذى قُدَّامه؛ لرقَّتها وصفَائِها. واختار أبو البقاء أن يكون «من دُونِ الله» حالاً من «شهدائكم» والعامل فيه محذوف قال: «تقديره: شهدائكم منفردين عن الله، أو عن أنصار الله» . و «دون» من ظروف متصرّفة، وجعل من ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الجن: 11] فقال: «دون» مبتدأ و «منّا» خبره، وإنما بني لإضافته إلى مبنيٍّ، وقد شذَّ رفعُهُ خبراً في قول الشاعر: [الطويل] 294 - أَلَمْ تَر أَنِّي قَدْ حَمَيْتُ حَقِيقَتي ... وبَاشَرْتُ حَدَّ المَوْتِ وَالمَوْتِ دُونُهَا وهو من الأسماء اللاَّزمة للإضافة لفظاً ومعنى. وأمّا «دون» التي بمعنى رديء فتلك صفة كسائر الصفات، تقول: «هذا ثوب دُون» ، و «رأيت ثوباً دوناً» أي: رديئاً، وليست مما نحن فيه. و «دون» أيضاً نقيض «فوق» ويقال: هذا دون ذاك، أي: أقرب منه، ويقال في الأخذ بالشَّيء: دونكه. قال تميم للحجَّاج: أَقَبِرنا صالحاً - وكان قد صلبه - فقال: دونكموه. قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ هذا شرط حذف جوابه للدلالة عليه تقديره: إن كنتم صادقين فافعلوا، ومتعلّق الصدق محذوف، والظاهر تقديره هكذا: إن كنتم صادقين في كونكم في رَيْبٍ من المنزل على عبدنا أنه من عندنا. وقيل: فيما تقدرون عيله من المُعَارضة، وقد صرّح بذلك عنهم في آية أُخْرَى، حيث قال تعالى حاكياً عنهم: ﴿لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هذا﴾ [الأنفال: 31] والصدق ضد الكذب وقد تقدم، والصّديق مشتقٌّ مه لصدقه في الوُدِّ والنُّصحِ، والصّدْق من الرماح: الصُّلبة. فَصلٌ في التهكم بالكافرين قال ابن الخطيب: «وفي أمرهم بان يستظهروا بالجماد الذي ينطق في معارضة القرآن المعجز بالفصاحة غاية التهكم بهم» . فصل في الاحتجاج على الجبرية قال القاضي: هذا التحدّي يبطل القول بالجَبْرِ من وجوه: أحدها: أنه مبني على تعذُّر مثله ممن يصح الفعل منه، فمن ينفي كون العبد فاعلاً لم يمكنه إثبات التحدّي أصلاً، وفي هذا إبطال الاستدلال بالمعجز. وثانيها: أن تعذُّره على قولهم يكون لفقد القدرة الموجودة، ويستوي في ذلك ما كان معجزاً، وما لا يكون، فلا يصح معنى التحدي على قولهم. وثالثها: أن ما يضاف إلى العبد فالله - تعالى - هو الخالق له، فتحديه يعود في التحقيق إلى أنه مُتَحَدٍّ لنفسه، وهو قادرٌ على مثله من غير شك فيجب ألا يثبت الإعجاز على هذا القول. ورابعها: أنّ المعجز إنما يدلّ بما فيه من بعض العادة، فإذا كان من قولهم: إن المعتاد أيضاً ليس بفعل لم يثبت هذا الفرق، فلا يصحّ الاستدلال بالمعجز. وخامسها: أنَّ الرسول صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يحتج بأنه - تعالى - لم يكن داخلاً في الإعجاز، وعلى قولهم بالجبر لا يصح هذا الفرق؛ لأن المعتاد وغير المعتاد لا يكون إلاَّ من قبله. والجواب: أن المطلوب من التحدي أن يأتي الخصم بالمتحدّى به قصداً، وأن يقع ذلك منه اتفاقاً. والثاني باطل؛ لأن الاتفاقيات لا تكون في وُسْعِهِ، فثبت الأول، وإذا كان كذلك ثبت أن إتيانه بالمتحدى موقوف على أن يحصل في قلبه قصد إليه، فذاك القصد إن كان من لزم التسلسل، وهو محال، وإن كان من الله - تعالى - فحينئذ يعود الجبر، ويلزمه كل ما أورده علينا، فبطل كل ما قال. قوله: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ﴾ «إن» الشرطية داخلة على جملة «لم تفعلوا» و «تفعلوا» مجزوم ب «لم» ، كما تدخل «إن» الشرطية على فعل منفي ب «لا» نحو: ﴿إِلاَّ تَفْعَلُوهُ﴾ [الأنفال: 73] ، فيكون لم تفعلوا في محل جزم بها. وقوله: «فاتقوا» جواب الشَّرط، ويكون قوله: ﴿وَلَن تَفْعَلُواْ﴾ جملة معترضة بين الشرط وجزائه. وقال جماعة من المفسّرين: معنى الآية: وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين، [ولن تفعلوا فإن لم تفعلوا فاتقوا النَّار، وفيه نظر لا يخفى، وإنما قال تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ] وَلَن تَفْعَلُواْ﴾ فعبر بالفعل عن الإتيان؛ لأن الفعل يجري مجرى الكناية، فيعبر به عن كل فعل، ويغني عن طول ما تكنى به. وقال الومخشري: «لو لم يعدل من لفظ الإتيان إلى لفظ الفعل، لاسْتُطِعَ ان يقال: فإن لم تأتوا بسورة من مثله، ولن تأتوا بسورة من مثله» . قال أبو حيان: «ولا يلزم ما قال؛ لأنه لو قال:» فإن لم تأتوا ولن تأتوا «كان المعنى على ما ذكر، ويكون قد حذف ذلك اختصاراً، كما حذف اختصاراً مفعول» لم تفعلوا، ولن تفعلوا «ألا [ترى] أن التقدير: فإن لم تفعلوا الإتيان بسورة من مثله، ولن تفعلوا الإتيان بسورة من مثله؟» . فإن قيل: كيف دخلت «إن» على «لم» وللا يدخل عامل على عامل؟ فالجواب: أنَّ «إنْ» ها هنا غير عاملة في اللفظ، ودخلت على «لم» كما تدخل على الماضي، لأنها لا تعمل في «لم» كما لم تعمل في الماضي، فمعنى «إن لم تفعلوا» إن تركتم الفعل. و «لَنْ» حرف نصف معناه نفي المستقبل، ويختص بصيغة المضارع ك «لَمْ» ولا يقتضي نفيُهُ التَّأبيدَ، وليس أقلَّ مدة من نفي «لاَ» ، ولا نونُه بدلاً من ألف «لاَ» ، ولا هو مركَّباً من «لاَ أَنْ» ؛ خلافاً للخليل، وزعم قومٌ أنها قد تجزم، منهم أبو عُبَيْدَة؛ وأنشدوا: [الخفيف] 295 - لَنْ يَخِبِ الآنَ مِنْ رَجَائِكَ مَنْ حَرْ ... رَكَ مشنْ دُونِ بَابِكَ الحَلْقَهْ وقال النابغة: [البسيط] 296 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... فَلَنْ أُعْرِّضْ أَبَيْتَ اللَّعْنَ بِالصَّفَدِ ويمكن تأويل ذلك بأنه مما سُكِّن فيه للضَّرورة. قوله تعالى: ﴿فاتقوا النار﴾ هذا جواب الشرط كما تقدم، والكثير في لغة العرب: «اتَّقَى يَتَّقِي» على افْتَعَلَ يَفْتَعِلُ، ولغى «تميم» و «أسد» تَقَى يَتْقِي: مثل: رَمَى يَرْمِي، فيسكنون ما بعد حرف المضارعة؛ حكى هذه اللغة سيبويه، ومنهم من يحرك ما بعد حرف المضارعة؛ وأنشدوا: [الوافر] 297 - تَقُوهُ أَيُّهَا الفِتْيَانُ إنِّي ... رَأَيْتُ اللهَ قَدْ غَلَبَ الجُدُودَا وقال آخر: [الطويل] 298 - ... ... ... ... ... ... ... . ... تَقِ اللهَ فِينَا وَالكِتَابَ الَّذِي تَتْلُو قوله تعالى: ﴿النار﴾ مفعول به، و «الَّتي» صفتها، وفيها أربعُ اللغات المتقدِّمة، كقوله: [الكامل] 299 - شُغِفَتْ بِكَ اللَّتْ تَيَّمَتْكَ فَمِثْلُ مَا ... بِكَ مَا بِهَا مِنْ لَوعَةٍ وَغَرَامِ وقال آخر: [الوافر] 300 - فَقُلْ لِلَّتْ تَلُومُكَ إنَّ نَفْسِي ... أَرَاهَا لا تُعَوَّذُ بَالتَّمِيمِ و «وقودها النَّاس والحجارة» جملة من مبتدأ وخبر، صلة وعائد، والألف واللام في «النار» للعهد. فإن قيل: الصِّلة مقررة، فيجب أن تكون معلومةً فكيف علم أولئك أن نار الآخرة توقد بالناس والحجارة؟ والجواب: لا يمتنع أن يتقدّم لهم بهذه الصّلة معهودة عند السامع بدليل قوله تعالى: ﴿فأوحى إلى عَبْدِهِ مَآ أوحى﴾ [النجم: 10] وقوله: ﴿إِذْ يغشى السدرة مَا يغشى﴾ [النجم: 16] وقوله: ﴿فَغَشَّاهَا مَا غشى﴾ [النجم: 54] وقال: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِّنَ اليم مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه: 78] إلا أنه خلاف المشهور أو لتقدم ذكرها في سورة التحريم - وهي مدينة بالاتفاق - وقد غلط الزمخشري في ذلك. والمشهور فتح واو الوقود، وهو اسم ما يوقد به. وقيل: هو مصدر كالوَلوع والقَبُول والوَضُوء والطَّهُور، ولم يجيء مصدر على «فَعُول» غير هذه الألفاظ فيما حكاه سيبويه. وزاد الكسائي: الوَزُوع. وفرئ شاذًّا في سورة «ق» ﴿وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾ [ق: 38] فتصير سبعة، وهناك ذكرت هذه القراءة، ولكن المشهور أن الوَقُود والوَضُوء والطَّهُور بالفتح اسم، وبالضم مصدر. وقرأ عيسى بن عمر بفتحها وهو مصدر. وقال ابن عطية: وقد حكيا في المصدر. انتهى. فإن أريد اسم ما يوقد به فلا حاجة إلى تأويل، وإن أريد بهما المصدر فلا بد من تأويل، وهو إما المُبَالغة أي: جُعِلُوا نفس التوقد مبالغة في وضعهم بالعذاب، وإمَّا حذف مضاف، إمّا من الأول أي أصحاب توقدها، وإمّا من الثاني أي: يوقدها إحراق الناس، ثم حذف المُضَاف، وأقيم المضاف إليه مُقَامه. والهاء في «الحِجَارة» لتأنيث الجمع. فَصْلٌ في تثنية «الَّتي» وجَمْعِهِ وفي تثنية «الّتي» بحذف النون، و «اللَّتانّ» بتشديد النون، وفي جمعها خَمْسُ لُغَاتٍ: «اللاَّتي» - وهي لغة القرآن - و «اللاَّتِ» - بكسر التاء بلا ياء - و «اللَّوَاتي» ، و «اللَّوَاتِ» - بلا ياء، وأنشد أبو عُبَيْدة: [الرجز] 301 - مِنَ اللَّوَاتِي وَالَّتِي وَاللاَّتِ ... زَعَمْنَ أَنِّي قَدْ كَبِرْتُ لِدَاتي و «اللَّوَاءِ» بإسقاط «التاء» حكاه الجوهريُّ. وزاد ابن الشَّجَرِيَّ: «اللاَّئي» بالهمز وإثبات «الياء» ، و «اللاءِ» بكسر «الهمزة» وحذف «الياء» و «اللاّ» بحذف الهمزة، فإن جمعت الجمع، قلتَ في «اللاتي» : «اللواتي» وفي «اللائي» : «اللوائي» . قال الجوهريُّ: وتصغير «الَّتي» «اللَّتَيَّا» بالفتح والتشديد، قال الراجز: [الرجز] 302 - بَعْدَ اللَّتَيَّا واللَّتَيَّا وَالَّتِي ... إذَا عَلَتْهَا أَنْفُسٌ تَرَدَّتِ وبعض الشعراء أدخل على «الَّتي» حرْفَ النداء، وحروف النداء لا تدخلُ على ما فيه الألف واللام إلاَّ في قولنا: «يَا أَللَّه» وحده، فكأنه شبهها به؛ من حيث كانت الألفُ واللاَّمُ غير مفارقتين لها، وقال: [الوافر] 303 - مِنْ أجْلِكِ يَا الَّتي تَيَّمْتِ قَلْبِي ... وَأَنْتِ بَخِيلَةٌ بِالوُدِّ عَنِّي ويقال: «وقع فُلاَنٌ في اللَّتَيِّا وَالَّتي» وهما اسمان من أسماء الداهِيَة. فَصْلٌ قال ابن الخطيب: انتفاء إتيانهم بالسورة واجبٌ، فهلاًّ جيء ب «إذا» الذي للوجوب دون «إن» الذي للشك؟ والجواب: من وجهين: أحدهما: أنه ساق القول معهم على حسب حسابهم، وأنهم لم يكونوا بعد جازمين بالعجز عن المُعَارضة؛ لاتكالهم على فصاحتهم، واقتدارهم على الكلام. والثَّاني: أنه تهكّم بهم كما يقزل الموصوف بالقوة الواثق من نفسه بالغلبة لمن هو دونه: «إن غلبتك لم أُبْقِ عليك» ، وهو عالم أنه غالبه تهكماً به. فإن قيل: ما معنى اشتراطه في اتقاء النار انتفاء إتيانهم بسورة من مثله. والجواب: إذا ظهر عجزهم عن المُعَارضة صَحّ عندهم صدق رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وإذا صَحّ ذلك ثم لزموا العِنَادَ استوجبوا العقاب بالنار، فاتقاء النار يوجب ترك العناد، فأقيم المؤثر مقام الأثر، وجعل قوله: ﴿فاتقوا النار﴾ قائماً مقام قوله: فاتركوا العناد، فأناب إبقاء النار منابه. و «الحجارة» روي عن ابن مسعود والفراء - رضي الله تعالى عنهما - أنها حجارة الكبريت، وخصّت بذلك؛ لأنها تزيد على جميع الأحجار بخمسة أنواع من العذاب: سرعة الإيقاد، ونتن الرائحة، وكثرة الدُّخَان، وشدّة الالتصاق بالأبدان، وقوة حرها إذا حميت. وقيل: المراد بالحجارة الأصنام، لأنهم لما قرنوا أنفسهم بها في الدنيا حيث نحتوها أصناماً، وجعلوها أنداداً لله، وعبدوها من دونه قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: 98] وفي معنى «الناس والحجارة» و «حصب جهنم» في معنى «وقودوها» . ولما اعتقد الكفار في حجارتهم المعبودة من دون الله أنها الشّفعاء، والشهداء الذين يشفعون لهم، ويستدفعون بها المضار عن أنفسهم جعلهم الله عذابهم، فقرنهم بها محماة في نار جهنم إبلاغاً في تحسيرهم، ونحوه ما يفعل بالكافرين الذين جعلوا ذهبهم وفضتهم عدة وذخيرة فشحُّوا بها، ومنعوها من الحقوق، حيث يحمى عليها في نار جهنّم، فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم. قال ابن الخطيب: والقول بأنها حجارة الكبريت تخصيص بغير دليل، بل فيه ما يدلّ على فساده؛ لأن الغرض هُنَا تفخيم صفة النَّار، والإيقاد بحجارة الكبريت أمر معتاد، فلا يدلّ الإيقاد بها على قوة النار. أما لو حملنا على سائر الحجارة، دلّ على عظم أمر النار؛ فإن سائر الأحجار تطفأ بها النيران، فكأنه قال: تلك النار نار بلغت لقوتها أن تتعلق في أوّل أمرها بالحجارة التي هي مطفئة لنيران الدُّنيا. قال القرطبي: «وليس في قوله تعالى: ﴿وَقُودُهَا الناس والحجارة﴾ [البقرة: 24] دليلٌ على أنه ليس فيها غير الناس والحجارة، بدليل ما ذكره في غير موضع، مع كون الجن والشياطين فيها» وروي عن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: «كلُّ مؤذٍ في النَّار» وفي تأويله وجهان: أحدهما: كل من آذى الناس في الدنيا عذبه الله في الآخرة بالنار. والثاني: أن كل ما يؤذي النَّاس في الدنيا من السِّباع والهوام وغيرها في النار معدّ لعقوبة أهل النار. وذهب بعض أهل التأويل إلى أن هذه النار المخصوصة بالحجارة هي للكافرين خاصّة. روى مسلم عن العباس بن عبد المطّلب - رَضِيَ اللهُ عَنْه - قال: قلت: يا رسول الله، إنّ أبا طالب كان يحوطك وينصرك، فهل ينفعه ذلك؟ قال: «نعم، وَجَدْتُهُ في غَمَرَاتٍ من النَّارِ فأخرجته إلى ضَحْضَاحٍ» . وفي رواية: «ولَوْلاَ أَنَا لكان في الدَّرَكِ الأَسْفَلِ من النار» ويدلُّ على هذا التأويل قوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ . وقال ابن الخطيب: وليس فيها ما يدلُّ على أنه ليس هناك نيران أخر غير موصوفة بهذه الصِّفة، معدّة لفساق أهل الصلاة. قوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ﴾ فعلٌ لما لم يسمَّ فاعلُهُ، والقائم مقام الفاعل ضمير «النَّارِ» ، والتاء واجبةٌ، لأن الفعل أسند إلى ضمير المؤنَّث، ولا يلتفتُ إلى قوله: [المتقارب] 304 - فَلاَ مُزْنَةٌ وَدَقَتْ وَدْقَهَا ... وَلاَ أَرْضَ أَبْقَلَ إبْقَالَهَا لأنه ضرورة؛ خلافاً لابن كَيْسَان. و «للكافرين» متعلّق به، ومعنى «أُعِِدَّتْ» : هُيِّئَتْ؛ قال: [مجزوء الكامل] 305 - أَعْدَدَتُ لِلْحَدَثَانِ سَا ... بِغَةً وَعَدَّاءً عَلَنْدَى وقرئ: «أُعْتِدَتْ» من العَتَاد بمعنى العدة، وهذه الجملة الظاهر انها لا محلّ لها، لكونها مستأنفة جواباً لمن قال: لمن أعدت؟ وقال أبو البَقَاء: محلها النصب على الحال من «النار» ، والعامل فيها «اتقوا» . قيل: وفيه نظر، فإنها معدة للكافرين اتقوا أم لم يتقوا، فتكون حالاً لازمة، لكن الأصل في الحال التي ليست للتوكيد أن تكون منتقلة، فالأولى أن تكون استئنافاً. قال أبو البقاء: ولا يجوز أن تكون حالاص من الضمير في «وقودها» لثلاثة أشياء: أحدها: انها مضاف إليها. الثاني: أن الحطب لا يعمل يعني أنه اسم جامد. الثالث: الفصل بين المصدر أو ما يعمل عمله، وبين ما يعمل فيه الخبر وهو «الناس» ، يعني أن الوقود بالضم، وإن كان مصدراً صالحاً للعمل، فلا يجوز ذلك أيضاً؛ لأنه عامل في الحال، وقد فصلت بينه وبينها بأجنبي، وهو «الناس» وقال السّجستاني: «أعدّت للكافرين» من صلة «التي» كقوله: ﴿واتقوا النار التي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 131] . قال بان الأنْبَاري: وهذا غلطاً؛ لأنا لا نسلم أن «وقودها الناس» - والحالة هذه - صلة، بل إما معترضة، لأن فيها تأكيداً وإما حالاً، وهذان الوجهان لا يمنعهما معنى، ولا صناعة.

البقرة 2:24

اعلم أنه سبحانه لما أقام الدلائل القاطعة على إثبات الصّانع، وأبطل القول بالشريك عقبه بما يدلّ على النبوة، ولما كانت نبوة محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مبنية على كون القرآن معجزاً أقام الدلالة على كونه معجزاً. واعلم أن كونه معجزاً يمكن بيانه من طريقين: الأول: ألا يخلو حاله من أحد وجوه ثلاثة: إما أن يكون مساوياً لكلام الفصحاء، أو زائداً على كلام الفصحاء بقدر لا ينقض العادة، أو زائداً عليه بقدر ينقض العادة، والقسمان الأولان باطلان فتعين الثالث. وإنما قلنا: إنهما باطلان؛ لأنه لو كان كذلك لوجب أن يأتوا [بمثل سورة منه] إما مجتمعين، أو منفردين، فإذا وقع التَّنَازع، فالشهود والحكام مزيلون الشبهة وذلك نهاية الاحتجاج؛ لنه كان من معرفة اللغة والاطلاع على قوانين الفصاحة في الغاية، وكانوا في محبة إبطال أمره في الغاية حتى بذلوا النفوس والأموال، وارتكبوا المهالك والمحن، وكانوا في الحمية والأنفة على حد لا يقبلون الحق، فكيف الباطل، وكل ذلك يوجب الإتيان بما يقدح في قوله، فلما لم يأتوا بمثلها علمنا عجزهم عنها، فثبت أن القرآن لا يماثل قولهم، وأنَّ التفاوت بينه وبين كلامهم ليس تفاوتاً معتاداً، فهو إذن تفاوت ناقص للعادة، فوجب أن يكون معجزاً. والعم أنه قد اجتمع في القرآن وجوه كثير، تدلُّ على أنه أبلغ في الفصاحة النهاية التي لا غاية لها: أحدها: أن فصاحة العرب أكثرها في وصف المشاهدات مثل وصف بعير، أو فرس، أو جارية، أو ملك، أو ضربة، أو طعنة أو وصف حرب، أو وصف غارة، وليس في القرآن شيء من هذا، فكان يجب على هذا ألا يحصل فيه شيء من الفصاحة، التي اتفقت العرب في كلامهم عليها. وثانيها: أنه - تعالى - راعي فيه [طريقة] الصِّدق، وتنزَّه عن الكذب في جميعه، وكل شاعر ترك الكذب، ولزم الصدق زكي شعره، ألا ترى لبيد بن ربيعة، وحسان بن ثابت لما أسلما زكي شعرهما، [ولم يكن شعرهما] الإسلامي في الوجوه كشعرهما في الجاهلية، والقرآن مع لزوم الصدق وتنزُّهه عن الكذب بلغ الغاية في الفصاحة كما ترى. وثالثها: أن الكلام الفصيح والشعر الفصيح في القصيدة كلها، إنما هو بيت أو بيتان والباقي ليس كذلك، وأما القرآن فكله فصيح، فعجز الخلق عن بعضه كما عجزوا عن جملته. ورابعها: أن كل من وصف شيئاً بشعر، فإن كرره لم يكن كلامه الثَّاني في وصف ذلك الشيء بمنزلة كلامه الأول، وأما القرآن ففيه تكرار كثير، وهو في غاية الفَصَاحة، ولم يظهر التفاوت أصلاً. وخامسها: أنهم قالوا: شعر امرئ القيس يحسن عند الطَّرب، وذكر النِّسَاء، وصفة الخَيْلِ، وشعر النابغة عند الخوف، وشعر الأعشى عند الطَّلَبِ، ووصف الخَمْرِ، وزهير عند الرَّغْبَةِ والرجاء، وبالجملة فكل شاعر يحسن كلامه في فَنٍّ، ويضعف كرمه في غيره، والقرآن جاء فصيحاً في كل الفنون. وسادسها: أن القرآن أصل للعلوم كلها، فعلم الكلام كلّه في القرآن، وعلم الفقه مأخوذ من القرآن، كذا علم أصول الفقه، وعلم النحو، واللغة، وعلم الزهد في الدُّنيا، وأخبار الآخرة، واستعمال مكارم الأخلاق. وأما الطريق الثاني: أن يقول: القرآن لا يخلو إما أن يكون بالغاً في الفصاحة إلى حَدّ الإعجاز، أو لم يكن، فإن كان الأول ثبت أنه معجز، وإن كان الثاني كانت المُعَارضة على هذا التقدير ممكنة، فعدم إتيانهم بالمُعَارضة، مع توفُّر داعيهم على الإتيان بها، أمر خارق للعادة، فكان ذلك معجزاً، فثبت أنَّ القرآن معجز على جميع الوجوه. «إن» حرف شرط يجزم فعلين: شرطاً وجزاءً، فلا تقول: «إن غربت الشمس» . فإن قيل: فكيف قال هاهنا: ﴿وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ ، وهذا خطاب مع الكفار، والله تَعَالَى يعلم أنه في ريب، وهم يعلمون ويقرون أنهم في ريب، ومع ذلك فالتعليق حسن. فالجواب: الخصائص الإلهية لا تدخل في الأوضاع العربية، بل الأوضاع العربية مبنية على خصائص الخلق، والله - تعالى - أنزل القرآن بلغة العرب، وعلى منوالهم، فكل ما كان في لغة العرب حسناً نزل القرآن على ذلك الوجه، وما كان نسخاً في لسان العرب لم ينزل في القرآن، فثبت بهذا أن كل ما جاء في العادة مشكوكاً فيه بين الناس، حسن تعليقه، سواء كان من قبل الله - تعالى - أو من قل غيره، وسواء كان معلوماً للسَّامع أو المتكلّم أم لا، وكذلك حسن قوله: إن كان زيد في الدار فأكرمه، مع أنك علم أن زيداً في الدار؛ لأن حصول زيد في الدار، شأنه أن يكون في العادة مشكوكاً فيه، ولا يكون إلاَّ في المحتمل وقوعه، وهي أم الباب؛ فلذلك يحذف مجزومها كثيراً، وقد يحذف الشَّرط والجزاء معاً؛ قال: [الرجز] 287 - قَالَتْ بَنَاتُ العَمِّ: يا سَلْمَى وَإِنْ ... كَانَ فَقِيراً مُعْدماً قَالَتْ: وَإِنْ أي: وإن كان فقيراً تزوجته. وتكون «إن» نافية فتعمل وتهمل، وتكون مخففة وزائدة باطِّراد وعدمه، وأجاز بعضهم أن تكون بمعنى «إذا» ، وبعضهم أن تكون بمعنى «قد» ، ولها أَحْكَام كثيرة. و «في ريب» خبر كان، فيتعلّق بمحذوف، ومحل «كان» الجزم، وهي إن كانت ماضية لفظاً فهي مستقبلة معنى. وزعم المبرد أنَّ ل «كان» الناقصة حكماً مع «إنْ» ، ليس لغيرها من الأفعال الناقصة، فزعم أّنه لقوة «كان» أنّ «إنْ» الشرطية لا تقلب معناها إلى الاستقبال، بل تكون على مَعْنَاها من المُضِيّ، وتبعه في ذلك أبو البَقَاءِ، وعلل ذلك بأن كثيراً استعملوها غير دالّة على حدث، وهذا مردود عند الجمهور، لأن التعليق إنما يكون في المستقبل، وتأولوا ما ظاهره غير ذلك نحو: ﴿إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ﴾ [يوسف: 26] إما بإضمار «يكن» بعد «إن» ، وإما على التبيين، والتقدير: «إن يكن قميصه، أو إن يتبين كونه قميصه» ولما خفي هذا المعنى على بعضهم جعل «إن» هنا بمنزلة «إذ» وقوله: «في ريب» مجاز من حيث إنه يجعل الريب ظرفاً محيطاً بهم، بمنزلة المكان لكثرة وقوعه منهم. و «مِمَّا» يتعلّق بمحذوف؛ لأنه صفة لريب، فهو في محل جَرّ، و «من» للسَّببية، أو لابتداء الغاية، ولا يجوز أن تكون للتبعيض، ويجوز أن تتعلّق ب «ريب» أي: إن ارتبتم من أجل، ف «من» هُنا للسَّببية، و «ما» موصولة أو نكرة موصوفة، والعائد على كلا القولين محذوف، أي: نزلناه، والتضعيف في «نَزّلنا» هنا للتعدية مرادفاً لهمزة التعدي، ويدلّ عليه قراءة «أنزلنا» بالهمز، وجعل الزمخشري التضعيف هنا دالاًّ على نزوله منجماً في أوقات مختلفة. قال بعضهم: «وهذا الذي ذهب إليه في تضعيف الكلمة هنا، هو الَّذي يعبر عنه بالتكثير أي يفعل مرة بعد مرة، فيدل على ذلك بالتضعيف ويعبر عنه بالكثرة» قال: «وذهل عن قاعدة، وهي أن التضعيف الدّال على ذلك من شرطه أن يكون في الأفعال المتعدّية قبل التضعيف غالباً نحو:» جَرَّحْتُ زِيْداً، وفَتَّحْتُ الباب «، ولا يقال جَلَّس زيدٌ» و «نَزَّل» [لأنه] لم يكن متعدياً قبل التضعيف، وإنَّ ما جعله متعدياً تضعيفه» . وقوله: «غالباً» لأنه قد جاء التضعيف دالاًّ على الكثرة في اللاَّزم قليلاً نحو: «مَوَّت المال» ، وأيضاً فالتضعيف الدَّال على الكثرة لا يجعل القاصر متعدياً، كما تقدم في «مَوَّتَ المال» و» نَزَّل «كان قاصراً فصار بالتضعيف متعدياً، فدلّ على أنَّ تضعيفه للنقل لا للتكثير، وأيضاً كان يحتاج قوله تعالى: ﴿لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ القرآن جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان: 32] إلى تأويل، وأيضاً فقد جاء التضعيف حيث لا يمكن فيه التكثير، نحو قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ﴾ [الأنعام: 37] ، ﴿لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السمآء مَلَكاً رَّسُولاً﴾ [الإسراء: 95] إلا بتأويل بعيد جدًّا، إذ ليس المعنى على أنهم اقترحوا تكرير نزول [آية، ولا أنه علق تكرير نزول] مَلَك رسول على تقدير كون ملائكة في الأرض. وفي قوله: ﴿نَزَّلْنَا﴾ التفات من الغيبة إلى التكلّم؛ لأن قبله: ﴿اعبدوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: 21] جاء الكلام عليه لقيل: «مما نزّل عَلَى عَبْدِهِ» ولكن التفت للتفخيم. و «عَلَى عَبْدِنَا» متعلّق ب» نَزَّلْنَا «وعُدِّي ب» على «لإفادتها الاستعلاء، كأن المنزل تمكّن من المنزول عليه ولبسه، ولهذا جاء أكثر القرآن بالتعدّي بها دون» إلى «فإنها تمكّن من المنزول عليه ولبسه، ولهذا جاء أكثر القرآن بالتعدّي بها دون» إلى «فإنها تفيد الانتهاء والوصول فقط، والإضافة في» عبدنا» تفيد التشريف؛ كقوله: [السريع] 288 - يَا قَوْمِ قَلْبي عِنْدَ زَهْرَاءِ ... يَعْرِفُهُ السَّامِعُ وَالرَّائِي لاَ تَدْعُنِي إلاَّ بِيَا عَبْدَهَا ... فَإِنَّهُ أَشْرَفُ أَسْمَائِي وقرئ «عبادنا» فقيل: المراد النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وأمته؛ لأن جدوى المنزل حاصل لهم. وقيل: المراد بهم جميع الأنبياء عليهم السلام. والعبد: مأخوذ من التعبد، وهو التذلل؛ قال طَرَفَةُ: [الطويل] 289 - إِلَى اَنْ تَحَامَتْنِي العَشِيرَةُ كُلُّهَا ... وأُفْرِدْتُ إِفْرَادَ البَعِيرِ المُعَبَّدِ أي: المذلَّل. ولما كانت العبادة أشرف الخصال والتسمّي بها أشرف الخطط سمَّى نبيه عبداً. قوله: ﴿فَأْتُواْ بِسُورَةٍ﴾ جواب الشرط، والفاء هنا واجبة؛ لن ما بعدها لا يصحّ أن يكون شرطاً بنفسه، واصل «فأتوا» «إأْتِيُوا» مثل: اضربوا، فلهمزة الأولى همزة وصل أُتي بها للابتداء بالسَّاكن، والثَّانية فاء الكلمة، فلما اجتمع همزتان، وجب قلب ثانيهما ياءً على حَدِّ «إيمان» وبابه، واستثقلت «الضمة» على «الياء» التي هي «لام» الكلمة فقدرت، فسكنت «الياءط وبهدها طواو» الضمير ساكنة، فحذف «الياء» لالتقاء ساكنين، وضُمّت «التاء» للتجانُسِ، فوزن «ايتوا» : «افعوا» ، وهذه الهمزة إنما يحتاج إليها ابتداءً، أما في الدَّرْج فإنه يُسْتَغْنَى عنها، وتعودُ الهمزةُ اليت هي «فاءُ» الكلمة؛ لأنّها إنّما قُلِبَتْ ياءً للكسرِ الذي كان قبلها، وقد زال نحو: «فأتوا» وبابه، وقد تحذف الهمزة التي هي «فاء» الكلمة في الأمر كقوله: [الطويل] 290 - فَإِنْ نَحْنُ لَمْ نَنْهَضْ لَكُمْ فَنَبَرَّكُمْ ... فَتُونَا فَعَادُونَا إذاً بالجَرَائِمِ يريد: فأتونا كقوله: فأتوا. قال ابن كيسان: «وهو أمر معناه التعجيز؛ لأنه - تعالى - علم عجزهم عنه» . و «بسورة» متعلّق بأتُوا، والسورة واحدة السُّوَر، وهي طائفة من القُرْآن. وقيل: السُّورة الدَّرجة الرفيعة، قال النابغة: [الطويل] 291 - أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَعْطَاكَ سُورَةً ... تَرَى كُلَّ مَلْكٍ دُونَها يَتَذَبْذَبُ وسميت سورة القرآن بذلك؛ لأن قارئها يشرف بها وترفعه، أو لرفعة شأنها، وجلالة محلّها في الدِّين، وإن جعلت واوها منقلبة عن «الهمزة» ، فيكون اشتقاقها من «السُّؤْر» ، وهو البقية، والفضلة؛ ومنه: «أَسْأَرُوا في الإِنَاءِ» ؛ قال الأعشى: [المتقارب] 292 - فَبَانَتْ وَقَدْ أَسَأَرتْ في الفُؤَا ... دِ صَدْعاً عَلَى نَأْيِهَا مُسْتَطِيرَا أي: أَبْقَتْ، ويدلّ على ذلك أن «تميماً» وغيرها يهمزون فيقولون: سؤرة بالهمزة. وسميت سورة القرآن بذلك؛ لأنها قطعة منه، وهي على هذا مخفّفة من «الهمز» . وقيل: اشتقاقها من سُور البناء؛ لأنها تحيط بقارئها، وتحفظه كَسُورِ المدينة، ولكنّ جَمْعَ سُورةِ القرآن سُوَر بفتح الوَاوِ، وجَمْعَ سُورةِ البناء سُوْر بسكونها، ففرقوا بينهما في الجمع. فإن قيل: ما فائدةُ تقطيع القُرْآن سُوَراً؟ قلنا: وجوه: أحدها: ما لجله بوب المصنِّفون كتبهم أبواباً وفصولاً. وثانيها: أن الجنس إذا حصل تحته كان إفراد كل نوع من صاحبه أحسن. وثالثها: أنّض القارئ إذا ختم سورة، أو باباً من الكتاب، ثم أخذ في آخر كان أنشط له، كالمسافر إذا علم أنه قطع ميلاً أو طوى فرسخاً نشطه للمسير. فَصْلٌ في بيان أن ترتيب القرآن توقيفي قال ابن الخطيب: قوله: «فأتوا بسورة» يدلُّ على أن القرآن وما هو عليه من كونه سوراً هو على حدّ ما أنزله الله - تعالى - بخلاف قول كثير من أهل الحديث، أنه نظم على هذا الترتيب في أيام عثمان، فلذلك صحّ التحدّي بالقرآن على وجوه: أحدها: قوله: ﴿فَأْتُواْ بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ الله هُوَ أهدى﴾ [القصص: 49] . وثانيها: قوله: ﴿قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرآن لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [الإسراء: 88] . وثالثها: قوله: ﴿فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود: 13] . ورابعها: قوله: ﴿فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾ [البقرة: 23] ، ونظير هذا لمن يتحدّى صاحبه فيقول: ائتني بمثله، ائتني بنصفه، ائتني بربعه، ائتني بمسألة مثله، فإن هذا هُوَ النّهاية في التحدّي، وإزالة لعُذْر. قوله: ﴿مِّن مِّثْلِهِ﴾ في الهاء ثلاثة أقوال: أحدهما: أنها تعود على «ما نَزَّلنا» عند الجمهور كعمرو، وابن مسعود، وابن عباس، والحسن، وقتادة، ومجاهد، وغيرهم، فيكون «من مثله» صفة ل «سورة» ، ويتعلّق بمحذوف على ما تقرر: أي بسورة كائنة من مثل المنزل في فصاحته، وإخباره بالغيوب، وغير ذلك، ويكون معنى «من» التبعيض. واختار ابن عطية والمَهْدَويّ أن تكون للبيان، وأجازا هما وأبو البقاء أن تكون زائدة ولا تجيء إلاَّ على قول الأخفش. الثاني: أنها تعود على «عَبْدنا» فيتعلّق «من مثله» ب «أتوا» ، ويكون معنى «من» ابتداء الغاية، ويجوز على هذا الوجه أيضاً أن تكون صفة لسورة أي: «بسورة كائنة من رجل مثل عبدنا أمي لا يقرأ ولا يكتب» . قال القرطبي: و «من» على هذين التأويلين للتبعيض. الثالث: قال أبو البقاء: «إنها تعود على الأنداد بلفظ المفرد كقوله: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأنعام لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ [النحل: 66] ولا حاجة تدعو إلى ذلك، والمعنى يأباه أيضاً. قال القرطبي: وقيل: يعود على التوراة والإنجيل، والمعنى: فأتوا بسورة من كتاب مثله؛ فإنها تصدِّق ما فيه، والوقف على» مثله «ليس بتام؛ لن» وادعوا «نسق عليه. قوله : ﴿وادعوا شُهَدَآءَكُم﴾ هذه جملة أمر معطوفة على الأمر قبلها، فهي في مَحَلّ جزم أيضاً، ووزن» ادعوا» افعوا؛ لأن لام الكلمة محذوف دلالة على السكون في الأمر الذي هو جزم في المُضَارع، و «الواو» ضمير الفاعلين. و «شهداءكم» مفعول به جمع «شهيد» كظريف. وقيل: بل جمع «شاهد» ك «شاعر» والأوّل أولى؛ لاطَِّرَادِ «فعلاء» في «فعيل» دون فاعل، والشهادة الحضور، وفي المراد من الشهداء وجهان: الأول: المراد من الشهداء الأوثان. والثاني: المراد من الشهداء أكابرهم، أو من يوافقهم في إنكار أمر محمد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ، والمعنى: ادعوا أكابركم، ورؤساءكم ليعينوكم على المُعَارضة، أو ليشاهدوا ما تأتون به، فيكون [الرد على الجميع أوكد] . و «من دون الله» متعلّق ب «ادعوا» من دون الله شهداءكم، فلا تستشهدوا بالله، فكأنه قال: وادعوا من غير الله من يشهد لكم، ويحتمل أن يتعلّق ب «شهداءكم» والمعنى: ادعوا من اتخذتموه من دون الله، وزعمتم أنهم يشهدون لكم بصحّة عبادتكم إياهم، وأعوانكم من دون الله أولياء الذين تستعينون بهم دون الله، أو يكون معنى «من دون الله» بين يدي الله؛ كقوله: [الطويل] 293 - تُرِيكَ القَذَى مِنْ دُونِهَا وَهِيَ دُونَهُ ... لِوَجْهِ أَخِيهَا في الإِنَاءِ قُطُوبُ أي: تريك القذى قُدَّامه؛ لرقَّتها وصفَائِها. واختار أبو البقاء أن يكون «من دُونِ الله» حالاً من «شهدائكم» والعامل فيه محذوف قال: «تقديره: شهدائكم منفردين عن الله، أو عن أنصار الله» . و «دون» من ظروف متصرّفة، وجعل من ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الجن: 11] فقال: «دون» مبتدأ و «منّا» خبره، وإنما بني لإضافته إلى مبنيٍّ، وقد شذَّ رفعُهُ خبراً في قول الشاعر: [الطويل] 294 - أَلَمْ تَر أَنِّي قَدْ حَمَيْتُ حَقِيقَتي ... وبَاشَرْتُ حَدَّ المَوْتِ وَالمَوْتِ دُونُهَا وهو من الأسماء اللاَّزمة للإضافة لفظاً ومعنى. وأمّا «دون» التي بمعنى رديء فتلك صفة كسائر الصفات، تقول: «هذا ثوب دُون» ، و «رأيت ثوباً دوناً» أي: رديئاً، وليست مما نحن فيه. و «دون» أيضاً نقيض «فوق» ويقال: هذا دون ذاك، أي: أقرب منه، ويقال في الأخذ بالشَّيء: دونكه. قال تميم للحجَّاج: أَقَبِرنا صالحاً - وكان قد صلبه - فقال: دونكموه. قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ هذا شرط حذف جوابه للدلالة عليه تقديره: إن كنتم صادقين فافعلوا، ومتعلّق الصدق محذوف، والظاهر تقديره هكذا: إن كنتم صادقين في كونكم في رَيْبٍ من المنزل على عبدنا أنه من عندنا. وقيل: فيما تقدرون عيله من المُعَارضة، وقد صرّح بذلك عنهم في آية أُخْرَى، حيث قال تعالى حاكياً عنهم: ﴿لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هذا﴾ [الأنفال: 31] والصدق ضد الكذب وقد تقدم، والصّديق مشتقٌّ مه لصدقه في الوُدِّ والنُّصحِ، والصّدْق من الرماح: الصُّلبة. فَصلٌ في التهكم بالكافرين قال ابن الخطيب: «وفي أمرهم بان يستظهروا بالجماد الذي ينطق في معارضة القرآن المعجز بالفصاحة غاية التهكم بهم» . فصل في الاحتجاج على الجبرية قال القاضي: هذا التحدّي يبطل القول بالجَبْرِ من وجوه: أحدها: أنه مبني على تعذُّر مثله ممن يصح الفعل منه، فمن ينفي كون العبد فاعلاً لم يمكنه إثبات التحدّي أصلاً، وفي هذا إبطال الاستدلال بالمعجز. وثانيها: أن تعذُّره على قولهم يكون لفقد القدرة الموجودة، ويستوي في ذلك ما كان معجزاً، وما لا يكون، فلا يصح معنى التحدي على قولهم. وثالثها: أن ما يضاف إلى العبد فالله - تعالى - هو الخالق له، فتحديه يعود في التحقيق إلى أنه مُتَحَدٍّ لنفسه، وهو قادرٌ على مثله من غير شك فيجب ألا يثبت الإعجاز على هذا القول. ورابعها: أنّ المعجز إنما يدلّ بما فيه من بعض العادة، فإذا كان من قولهم: إن المعتاد أيضاً ليس بفعل لم يثبت هذا الفرق، فلا يصحّ الاستدلال بالمعجز. وخامسها: أنَّ الرسول صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يحتج بأنه - تعالى - لم يكن داخلاً في الإعجاز، وعلى قولهم بالجبر لا يصح هذا الفرق؛ لأن المعتاد وغير المعتاد لا يكون إلاَّ من قبله. والجواب: أن المطلوب من التحدي أن يأتي الخصم بالمتحدّى به قصداً، وأن يقع ذلك منه اتفاقاً. والثاني باطل؛ لأن الاتفاقيات لا تكون في وُسْعِهِ، فثبت الأول، وإذا كان كذلك ثبت أن إتيانه بالمتحدى موقوف على أن يحصل في قلبه قصد إليه، فذاك القصد إن كان من لزم التسلسل، وهو محال، وإن كان من الله - تعالى - فحينئذ يعود الجبر، ويلزمه كل ما أورده علينا، فبطل كل ما قال. قوله: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ﴾ «إن» الشرطية داخلة على جملة «لم تفعلوا» و «تفعلوا» مجزوم ب «لم» ، كما تدخل «إن» الشرطية على فعل منفي ب «لا» نحو: ﴿إِلاَّ تَفْعَلُوهُ﴾ [الأنفال: 73] ، فيكون لم تفعلوا في محل جزم بها. وقوله: «فاتقوا» جواب الشَّرط، ويكون قوله: ﴿وَلَن تَفْعَلُواْ﴾ جملة معترضة بين الشرط وجزائه. وقال جماعة من المفسّرين: معنى الآية: وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين، [ولن تفعلوا فإن لم تفعلوا فاتقوا النَّار، وفيه نظر لا يخفى، وإنما قال تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ] وَلَن تَفْعَلُواْ﴾ فعبر بالفعل عن الإتيان؛ لأن الفعل يجري مجرى الكناية، فيعبر به عن كل فعل، ويغني عن طول ما تكنى به. وقال الومخشري: «لو لم يعدل من لفظ الإتيان إلى لفظ الفعل، لاسْتُطِعَ ان يقال: فإن لم تأتوا بسورة من مثله، ولن تأتوا بسورة من مثله» . قال أبو حيان: «ولا يلزم ما قال؛ لأنه لو قال:» فإن لم تأتوا ولن تأتوا «كان المعنى على ما ذكر، ويكون قد حذف ذلك اختصاراً، كما حذف اختصاراً مفعول» لم تفعلوا، ولن تفعلوا «ألا [ترى] أن التقدير: فإن لم تفعلوا الإتيان بسورة من مثله، ولن تفعلوا الإتيان بسورة من مثله؟» . فإن قيل: كيف دخلت «إن» على «لم» وللا يدخل عامل على عامل؟ فالجواب: أنَّ «إنْ» ها هنا غير عاملة في اللفظ، ودخلت على «لم» كما تدخل على الماضي، لأنها لا تعمل في «لم» كما لم تعمل في الماضي، فمعنى «إن لم تفعلوا» إن تركتم الفعل. و «لَنْ» حرف نصف معناه نفي المستقبل، ويختص بصيغة المضارع ك «لَمْ» ولا يقتضي نفيُهُ التَّأبيدَ، وليس أقلَّ مدة من نفي «لاَ» ، ولا نونُه بدلاً من ألف «لاَ» ، ولا هو مركَّباً من «لاَ أَنْ» ؛ خلافاً للخليل، وزعم قومٌ أنها قد تجزم، منهم أبو عُبَيْدَة؛ وأنشدوا: [الخفيف] 295 - لَنْ يَخِبِ الآنَ مِنْ رَجَائِكَ مَنْ حَرْ ... رَكَ مشنْ دُونِ بَابِكَ الحَلْقَهْ وقال النابغة: [البسيط] 296 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... فَلَنْ أُعْرِّضْ أَبَيْتَ اللَّعْنَ بِالصَّفَدِ ويمكن تأويل ذلك بأنه مما سُكِّن فيه للضَّرورة. قوله تعالى: ﴿فاتقوا النار﴾ هذا جواب الشرط كما تقدم، والكثير في لغة العرب: «اتَّقَى يَتَّقِي» على افْتَعَلَ يَفْتَعِلُ، ولغى «تميم» و «أسد» تَقَى يَتْقِي: مثل: رَمَى يَرْمِي، فيسكنون ما بعد حرف المضارعة؛ حكى هذه اللغة سيبويه، ومنهم من يحرك ما بعد حرف المضارعة؛ وأنشدوا: [الوافر] 297 - تَقُوهُ أَيُّهَا الفِتْيَانُ إنِّي ... رَأَيْتُ اللهَ قَدْ غَلَبَ الجُدُودَا وقال آخر: [الطويل] 298 - ... ... ... ... ... ... ... . ... تَقِ اللهَ فِينَا وَالكِتَابَ الَّذِي تَتْلُو قوله تعالى: ﴿النار﴾ مفعول به، و «الَّتي» صفتها، وفيها أربعُ اللغات المتقدِّمة، كقوله: [الكامل] 299 - شُغِفَتْ بِكَ اللَّتْ تَيَّمَتْكَ فَمِثْلُ مَا ... بِكَ مَا بِهَا مِنْ لَوعَةٍ وَغَرَامِ وقال آخر: [الوافر] 300 - فَقُلْ لِلَّتْ تَلُومُكَ إنَّ نَفْسِي ... أَرَاهَا لا تُعَوَّذُ بَالتَّمِيمِ و «وقودها النَّاس والحجارة» جملة من مبتدأ وخبر، صلة وعائد، والألف واللام في «النار» للعهد. فإن قيل: الصِّلة مقررة، فيجب أن تكون معلومةً فكيف علم أولئك أن نار الآخرة توقد بالناس والحجارة؟ والجواب: لا يمتنع أن يتقدّم لهم بهذه الصّلة معهودة عند السامع بدليل قوله تعالى: ﴿فأوحى إلى عَبْدِهِ مَآ أوحى﴾ [النجم: 10] وقوله: ﴿إِذْ يغشى السدرة مَا يغشى﴾ [النجم: 16] وقوله: ﴿فَغَشَّاهَا مَا غشى﴾ [النجم: 54] وقال: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِّنَ اليم مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه: 78] إلا أنه خلاف المشهور أو لتقدم ذكرها في سورة التحريم - وهي مدينة بالاتفاق - وقد غلط الزمخشري في ذلك. والمشهور فتح واو الوقود، وهو اسم ما يوقد به. وقيل: هو مصدر كالوَلوع والقَبُول والوَضُوء والطَّهُور، ولم يجيء مصدر على «فَعُول» غير هذه الألفاظ فيما حكاه سيبويه. وزاد الكسائي: الوَزُوع. وفرئ شاذًّا في سورة «ق» ﴿وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾ [ق: 38] فتصير سبعة، وهناك ذكرت هذه القراءة، ولكن المشهور أن الوَقُود والوَضُوء والطَّهُور بالفتح اسم، وبالضم مصدر. وقرأ عيسى بن عمر بفتحها وهو مصدر. وقال ابن عطية: وقد حكيا في المصدر. انتهى. فإن أريد اسم ما يوقد به فلا حاجة إلى تأويل، وإن أريد بهما المصدر فلا بد من تأويل، وهو إما المُبَالغة أي: جُعِلُوا نفس التوقد مبالغة في وضعهم بالعذاب، وإمَّا حذف مضاف، إمّا من الأول أي أصحاب توقدها، وإمّا من الثاني أي: يوقدها إحراق الناس، ثم حذف المُضَاف، وأقيم المضاف إليه مُقَامه. والهاء في «الحِجَارة» لتأنيث الجمع. فَصْلٌ في تثنية «الَّتي» وجَمْعِهِ وفي تثنية «الّتي» بحذف النون، و «اللَّتانّ» بتشديد النون، وفي جمعها خَمْسُ لُغَاتٍ: «اللاَّتي» - وهي لغة القرآن - و «اللاَّتِ» - بكسر التاء بلا ياء - و «اللَّوَاتي» ، و «اللَّوَاتِ» - بلا ياء، وأنشد أبو عُبَيْدة: [الرجز] 301 - مِنَ اللَّوَاتِي وَالَّتِي وَاللاَّتِ ... زَعَمْنَ أَنِّي قَدْ كَبِرْتُ لِدَاتي و «اللَّوَاءِ» بإسقاط «التاء» حكاه الجوهريُّ. وزاد ابن الشَّجَرِيَّ: «اللاَّئي» بالهمز وإثبات «الياء» ، و «اللاءِ» بكسر «الهمزة» وحذف «الياء» و «اللاّ» بحذف الهمزة، فإن جمعت الجمع، قلتَ في «اللاتي» : «اللواتي» وفي «اللائي» : «اللوائي» . قال الجوهريُّ: وتصغير «الَّتي» «اللَّتَيَّا» بالفتح والتشديد، قال الراجز: [الرجز] 302 - بَعْدَ اللَّتَيَّا واللَّتَيَّا وَالَّتِي ... إذَا عَلَتْهَا أَنْفُسٌ تَرَدَّتِ وبعض الشعراء أدخل على «الَّتي» حرْفَ النداء، وحروف النداء لا تدخلُ على ما فيه الألف واللام إلاَّ في قولنا: «يَا أَللَّه» وحده، فكأنه شبهها به؛ من حيث كانت الألفُ واللاَّمُ غير مفارقتين لها، وقال: [الوافر] 303 - مِنْ أجْلِكِ يَا الَّتي تَيَّمْتِ قَلْبِي ... وَأَنْتِ بَخِيلَةٌ بِالوُدِّ عَنِّي ويقال: «وقع فُلاَنٌ في اللَّتَيِّا وَالَّتي» وهما اسمان من أسماء الداهِيَة. فَصْلٌ قال ابن الخطيب: انتفاء إتيانهم بالسورة واجبٌ، فهلاًّ جيء ب «إذا» الذي للوجوب دون «إن» الذي للشك؟ والجواب: من وجهين: أحدهما: أنه ساق القول معهم على حسب حسابهم، وأنهم لم يكونوا بعد جازمين بالعجز عن المُعَارضة؛ لاتكالهم على فصاحتهم، واقتدارهم على الكلام. والثَّاني: أنه تهكّم بهم كما يقزل الموصوف بالقوة الواثق من نفسه بالغلبة لمن هو دونه: «إن غلبتك لم أُبْقِ عليك» ، وهو عالم أنه غالبه تهكماً به. فإن قيل: ما معنى اشتراطه في اتقاء النار انتفاء إتيانهم بسورة من مثله. والجواب: إذا ظهر عجزهم عن المُعَارضة صَحّ عندهم صدق رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وإذا صَحّ ذلك ثم لزموا العِنَادَ استوجبوا العقاب بالنار، فاتقاء النار يوجب ترك العناد، فأقيم المؤثر مقام الأثر، وجعل قوله: ﴿فاتقوا النار﴾ قائماً مقام قوله: فاتركوا العناد، فأناب إبقاء النار منابه. و «الحجارة» روي عن ابن مسعود والفراء - رضي الله تعالى عنهما - أنها حجارة الكبريت، وخصّت بذلك؛ لأنها تزيد على جميع الأحجار بخمسة أنواع من العذاب: سرعة الإيقاد، ونتن الرائحة، وكثرة الدُّخَان، وشدّة الالتصاق بالأبدان، وقوة حرها إذا حميت. وقيل: المراد بالحجارة الأصنام، لأنهم لما قرنوا أنفسهم بها في الدنيا حيث نحتوها أصناماً، وجعلوها أنداداً لله، وعبدوها من دونه قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: 98] وفي معنى «الناس والحجارة» و «حصب جهنم» في معنى «وقودوها» . ولما اعتقد الكفار في حجارتهم المعبودة من دون الله أنها الشّفعاء، والشهداء الذين يشفعون لهم، ويستدفعون بها المضار عن أنفسهم جعلهم الله عذابهم، فقرنهم بها محماة في نار جهنم إبلاغاً في تحسيرهم، ونحوه ما يفعل بالكافرين الذين جعلوا ذهبهم وفضتهم عدة وذخيرة فشحُّوا بها، ومنعوها من الحقوق، حيث يحمى عليها في نار جهنّم، فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم. قال ابن الخطيب: والقول بأنها حجارة الكبريت تخصيص بغير دليل، بل فيه ما يدلّ على فساده؛ لأن الغرض هُنَا تفخيم صفة النَّار، والإيقاد بحجارة الكبريت أمر معتاد، فلا يدلّ الإيقاد بها على قوة النار. أما لو حملنا على سائر الحجارة، دلّ على عظم أمر النار؛ فإن سائر الأحجار تطفأ بها النيران، فكأنه قال: تلك النار نار بلغت لقوتها أن تتعلق في أوّل أمرها بالحجارة التي هي مطفئة لنيران الدُّنيا. قال القرطبي: «وليس في قوله تعالى: ﴿وَقُودُهَا الناس والحجارة﴾ [البقرة: 24] دليلٌ على أنه ليس فيها غير الناس والحجارة، بدليل ما ذكره في غير موضع، مع كون الجن والشياطين فيها» وروي عن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: «كلُّ مؤذٍ في النَّار» وفي تأويله وجهان: أحدهما: كل من آذى الناس في الدنيا عذبه الله في الآخرة بالنار. والثاني: أن كل ما يؤذي النَّاس في الدنيا من السِّباع والهوام وغيرها في النار معدّ لعقوبة أهل النار. وذهب بعض أهل التأويل إلى أن هذه النار المخصوصة بالحجارة هي للكافرين خاصّة. روى مسلم عن العباس بن عبد المطّلب - رَضِيَ اللهُ عَنْه - قال: قلت: يا رسول الله، إنّ أبا طالب كان يحوطك وينصرك، فهل ينفعه ذلك؟ قال: «نعم، وَجَدْتُهُ في غَمَرَاتٍ من النَّارِ فأخرجته إلى ضَحْضَاحٍ» . وفي رواية: «ولَوْلاَ أَنَا لكان في الدَّرَكِ الأَسْفَلِ من النار» ويدلُّ على هذا التأويل قوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ . وقال ابن الخطيب: وليس فيها ما يدلُّ على أنه ليس هناك نيران أخر غير موصوفة بهذه الصِّفة، معدّة لفساق أهل الصلاة. قوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ﴾ فعلٌ لما لم يسمَّ فاعلُهُ، والقائم مقام الفاعل ضمير «النَّارِ» ، والتاء واجبةٌ، لأن الفعل أسند إلى ضمير المؤنَّث، ولا يلتفتُ إلى قوله: [المتقارب] 304 - فَلاَ مُزْنَةٌ وَدَقَتْ وَدْقَهَا ... وَلاَ أَرْضَ أَبْقَلَ إبْقَالَهَا لأنه ضرورة؛ خلافاً لابن كَيْسَان. و «للكافرين» متعلّق به، ومعنى «أُعِِدَّتْ» : هُيِّئَتْ؛ قال: [مجزوء الكامل] 305 - أَعْدَدَتُ لِلْحَدَثَانِ سَا ... بِغَةً وَعَدَّاءً عَلَنْدَى وقرئ: «أُعْتِدَتْ» من العَتَاد بمعنى العدة، وهذه الجملة الظاهر انها لا محلّ لها، لكونها مستأنفة جواباً لمن قال: لمن أعدت؟ وقال أبو البَقَاء: محلها النصب على الحال من «النار» ، والعامل فيها «اتقوا» . قيل: وفيه نظر، فإنها معدة للكافرين اتقوا أم لم يتقوا، فتكون حالاً لازمة، لكن الأصل في الحال التي ليست للتوكيد أن تكون منتقلة، فالأولى أن تكون استئنافاً. قال أبو البقاء: ولا يجوز أن تكون حالاص من الضمير في «وقودها» لثلاثة أشياء: أحدها: انها مضاف إليها. الثاني: أن الحطب لا يعمل يعني أنه اسم جامد. الثالث: الفصل بين المصدر أو ما يعمل عمله، وبين ما يعمل فيه الخبر وهو «الناس» ، يعني أن الوقود بالضم، وإن كان مصدراً صالحاً للعمل، فلا يجوز ذلك أيضاً؛ لأنه عامل في الحال، وقد فصلت بينه وبينها بأجنبي، وهو «الناس» وقال السّجستاني: «أعدّت للكافرين» من صلة «التي» كقوله: ﴿واتقوا النار التي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 131] . قال بان الأنْبَاري: وهذا غلطاً؛ لأنا لا نسلم أن «وقودها الناس» - والحالة هذه - صلة، بل إما معترضة، لأن فيها تأكيداً وإما حالاً، وهذان الوجهان لا يمنعهما معنى، ولا صناعة.

البقرة 2:25

اعلَمْ: أنَّه - سبحانه وتعالى - لمَّا تكلَّم في التوحيد والنُّبوَّة، تكلَّم بعدهما في ذكر المَعَاد، وبيَّن عقاب الكافر، وثواب المُطيعِ، ومن عادة الله - تعالَى - أنه إذا ذَكَرَ الوَعِيدَ، أَنْ يعقبَهُ بذكرِ الوَعْد. وها هنا فُصُولٌ: الأوَّلُ: هذه الآياتُ صريحةٌ في أنَّ الجنَّة والنَّار مخلوقَتَانِ، لأنه - تعالى -[قال] في صفَة النَّار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 24] وقال في صفَة الجَنَّة في آية أخْرَى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 133] ، وقال ها هنا: ﴿وَبَشِّرِ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ﴾ وهذا إخبار عن وُقُوع هذا المُلْك وحُصُوله، وحُصُول المُلْك في الحالِ يقْتَضي حصُولَ المَمْلُوك في الحال؛ فَدَلَّ على أنَّ الجنَّة والنَّار مخْلُوقَتَان. الثاني: مَجَامَعُ اللَّذَّاتِ: إما المَسْكن، أو المَطْعم، أو المَنْكَح. فَوَصَفَ تعالى المَسْكَن بقولِهِ: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ والمَطْعَمَ بقوله: ﴿كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً﴾ والمَنْكَح بقوله: ﴿وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ﴾ . ثم هذه الأشياءُ إنْ حصَلَتْ، وقارنَهَا خوْفُ الزوالِ، كان النَّعِيمُ مُنَغَّصاً، فبيَّن - تعالى - زوالَ هذا الخَوْف بقوله: ﴿وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ؛ فدلَّت الآيةُ على كَمَال النَّعيم والسُّرور. الثالثُ: قولُهُ: ﴿وَبَشِّرِ الذين آمَنُواْ﴾ هذه الجملةُ معْطُوفة على ما قَبْلها، عَطَف جُمْلَةَ ثوابِ المُؤْمنين، على جملة ثَوَاب الكافرين، وجاز ذلك؛ لأنَّ مذْهب سِيبَويهِ - وهو الصَّحيحُ -: أنَّه لا يشترطُ في عَطْفِ الجُمَلِ التَّوافُقُ معْنًى، بل تُعْطَف الطلبيَّة على الخَبَرية؛ وبالعكس؛ [بدليل] قوله: [الطويل] 306 - تُنَاغِي غَزَالاً عِنْدَ بَابِ ابْنِ عَامِرٍ ... وَكَحَّلْ أَمَاقِيكَ الحِسَانَ بِإِثْمِدِ وقولِ امرِئ القَيْسِ: [الطويل] 307 - وإِنَّ شِفَائِي عَبْرَةٌ مُهْرَاقَةٌ ... وَهَلْ عِنْدَ رَسْمِ دَارِسٍ مِنْ مُعَوَّلِ وقال ابنُ الخَطِيبِ: ليس الَّذي اعتمد بالعَطْف هو الأَمْر، حتى يطلب له مشاكل من أمر ونهي يعطف عليه، إنما المعتمد بالعطف هو جملة ثواب المؤمنين؛ فهي معطوفة على جملة وَصْف عقاب الكافرين كما تقول: زيد يعاقب بالقيد والضرب وَبَشِّرْ عمرو بالعفو والإطلاق. وأجاز الزمخشري وأبو البقاء أن يكون عطفاً على «فاتَّقوا» ليعطف أمراً على أمر، وهذا قد رده أبو حيان بأن «فاتقوا» جواب الشرط، فالمعطوف يكون جواباً؛ لأن حكمَه حكمُه، ولكن لا يصح؛ لأن تبشيره للمؤمنين لا يترتب على قوله: «فإن لم تفعلوا» . وقرئ: «وبُشَِّرَ» [ماضياً] مبنيًّا للمفعول. وقال الزمخشري: «وهو عَطْف على أعدت» . قيل: وهذا لا يتأتى على إعراب «أعدت» حالاً؛ لأنها لا تصلح للحالية. وقيل: عطفها على «أعدت» فاسد؛ لأن «أعدت» صلة «التي» ، والمعطوف على الصلة صلة، ولا يصلح أن يقال: «الباء» التي بشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أنَّ لهم جنَّاتٍ، إلاَّ أن يعتقد أن قوله: «أُعِدَّتْ» مستأنفٌ، والظاهِرُ أنَّهُ من تمام الصلة، وأنَّهُ حالٌ من الضمير في «وقودها» ، والمأمور بالبشارة يجوز أن يكون الرسولُ عليه السَّلامُ، وأن يكون كُلُّ سَامِعِ، كما قال عليه السلام: «بَشِّر المَشِّائِينَ إلَى المَسَاجِدِ في الظُّلَمِ بِالنُّورِ التَّامِّ يوم القِيَامِةِ» ، لم يأمر بذلك أحداً بعينه، وإنَّما كل أحدٍ مأمور به. و «البِشارةُ» : أوّل خبرٍ من خيرٍ أو شَرٍّ؛ قالوا: لأنَّ أثرها يظهرُ في البَشَرَةِ، وهي ظاهرُ جِلْدِ الإنْسَانِ؛ وأنْشَدُوا: [الوافر] 308 - يُبَشِّرُنِي الغُرَابُ بِبَيْنِ أَهْلِي ... فَقُلْتُ لَهُ: ثَكِلَتُكَ مِنْ بَشِيرِ وقال آخر: [الطويل] 309 - وَبَشَّرْتَنِي يَا سَعْدُ أنَّ أَحِبَّتِي ... جَفَوْني وأّنَّ الوُدَّ مَوْعِدُهُ الحَشْرُ وهذا رأى سيبويه، إلاّ أنَّ الأكثر استعمالُهَا في الخير، وإن استُعْمِلَتْ في الشَّرِّ فَبِقَيْدٍ؛ كقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ﴾ [آل عمران: 21] ، وإن أُطْلِقَتْ، كان للخَيْرِ. وقال البغويُّ: «البِشَارَةُ كل خبر صدقٍ» . وقال ابن الخطيب: إنَّها الخبرُ الذي يُظْهِرُ السرور، ولهذا قال الفقهاءُ: إذا قال لعبيده: أيُّكم يُبَشِّرُنِي بقدوم فلان فهو حرٌّ، فَبَشَّروه فُرَادَى، عَتَق أولهم؛ لأنَّهُ هو الذي أفاد خبره السرور. ولو قال مكان بَشَّرَني «: اَخْبَرَنِي عَتَقُوا جميعاً؟ لأنَّهم جميعاً أخبروه، ظاهِرُ كلام الزمخشري أنَّها تختص بالخير؛ لأنَّهُ تَأَوَّلَ» فبشِّرهم بعذابٍ «على العكس في الكلام الذي يقصد به الزيادة في غيظ المُسْتَهْزَأ بَهِ وتَأَلُّمِهِ، كما يقول الرَّجُلُ لِعَدوِّه: أَبْشِرْ بقتل ذريتك ونَهْبِ مالك. والفِعْلُ منها بَشَرَ وبَشََّرَ مخففاً ومثقلاً، فالتثقيل للتكثير بالنسبة إلى البشيرة. وقد قُرِئ المضارع مخففاً ومشدَّداً. وأمَّا الماضي فلم يقرأ به إلا مثقلاً نحو ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾ [هود: 71] وفيه لغةٌ أخرى: أَبْشَرَ مِثل أَكْرَمَ. وأنكر أبو حَاتِمٍ التخفيف، وليس بصواب لمجيء مضارعه. وبمعنى البشارة: البُشُور والتَّبْشِير والإِبْشَار، وإن اختلفت أفعالُها، والبِشَارةُ أيضاً: الجَمَالُ، والبشيرُ: الجميلُ، وتباشيرُ الفَجْرِ أَوائِلُهُ. وكون صلة» الَّذين «فعلاً ماضياً دون كونه اسم فاعل، دليلٌ على أنه يستحقُّ التبشير بفضل الله ممن وقع منه الإيمانُ، وتحقَّقَ به وبالأعمال الصالحة. و» الصَّالِحَاتُ» : جمع «صالحة» ، وهي من الصفات التي جَرَت مجرى الأسماءِ في إيلائِها العوامل؛ قال: [البسيط] 310 - كَيْفَ الهِجَاءُ وَمَا تَنْفَكُّ صَالِحَةٌ ... مِنْ آلِ لأْمٍ بِظَهْرِ الغَيْبِ تَأْتِيني وعلامةُ نصبه الكَسْرَةُ؛ لأنَّهُ من باب جمع المؤنث السالم عن الفتحةِ، التي هي أصلُ النَّصْبِ. قال معاذ: «العملُ الصالحُ الذي فيه أربعة أشياء: العِلْمُ والنِّيَّهُ والصَّبْرُ والإخْلاصُ» . وقال عثمان بن عَفَّان: «أخلصوا الأعمال» . فَصْلٌ قال ابن الخطيب: هذه الآية تدلّ على أن الأعمالَ غير داخلةٍ في الإيمان؛ [لأنَّهُ لمَّا ذكر الإيمان] ، ثمَّ عطف عليه العمل الصالح، فوجب التغير وإلا لزم التكرار، وهو خلاف الأصل. قوله: ﴿أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ﴾ . » جنَّاتٍ «: اسم:» أنَّ» . و «لهم» خَبَرٌ مُقَدَّمٌ. ولا يجوز تقديم خبر «أنَّ وأخواتها إلاَّ ظرفاً أو حرف جرٍّ، و» أنَّ» وما في حيِّزها في محل جرٍّ عند الخليل والكسائي، ونصب عند سيبويه والفرَّاء؛ لأنَّ الأصل: وبَشِّرِ الذين آمنوا بأنَّ لهم، فحذف حرف الجرِّ مع «أنَّ» ، وهو حذفٌ مطَّرِدٌ معها، ومع» أنَّ «الناصبة للمضارع، بشرط أَمْنِ اللَّبْسِ، بسبب طولهما بالصلةِ، فلمَّا حُذِفَ حرفُ الجرَِّ، جرى الخلافُ المذكورُ، فالخليلُ والكسائيُّ يقولان:» كأنَّ الحرف موجود، فالجرُّ بَاقٍ «. واستدلَّ الأخفشُ لهما بقول الشاعر: [الطويل] 311 - وَمَا زُرْتُ لَيْلَى أَنْ تَكُونَ حَبِيبَةً ... إِلَيَّ وَلاَ دَيْنٍ بِهَا أَنَا طَالِبُهْ فَعَطْفُ» دَيْنٍ «بالجرِّ على محلِّ» أنْ تَكُونَ «يُبَيِّنُ كونَها مجرورةً. قيل:» ويحتملُ أن يكون من باب عطفِ التَّوَهُّمِ، فلا دليل فيه» . والفرَّاءُ وسيبويه يقُولاَن: وجَدْنَاهُمْ إذا حذفوا حرفَ الجرِّ، نَصَبُوا؛ كقولِهِ: [الوافر] 312 - تَمُرُّونَ الدِّيَارَ وَلَمْ تَعُوجُوا ... كَلاَمُكُمْ عَلَيَّ إِذَنْ حَرَامُ أي: بالدِّيار، ولا يجوزُ الجَرُّ إلاَّ في نادرِ شِعْرٍ؛ كقوله: [الطويل] 313 - إِذَا قِيلَ: أيُّ النَّاسِ شَرُّ قَبِيلَةٍ؟ ... أَشَارَتْ كُلَيْبٍ بِالأَكُفِّ الأَصَابِعُ أي: إلى كُلَيْبٍ؛ قول الآخر: [الكامل] 314 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... . ... حَتًَّى تَبْذَّخَ فَارْتَقَى الأعْلاَمِ أي: إلى الأَعْلاَم. و «الجَنَّةُ» : البُسْتَانُ. وقيل: الأرضُ ذات الشَّجرِ، سمّيت بذلك لسترها من فيها، ومنه» الجَنِينُ «لاستتاره، و» المِجَنُّ «: التُّرْسُ، وكذلك» الجُنَّةُ «لاستتارهم عن أَعْيُنِ النَّاسِ. قال الفرَّاءُ:» الجنَّةُ» ما فيه النخيل، و «الفردوس» : ما فيه الكرم. فإن قيل: لم نُكِّرت» الجنَّاتُ «وعُرِّفت» الأنهار «؟ فالجواب: أنَّ» الجنَّة «اسم لدار الثَّواب كلها، وهي مشتملةٌ على جنّات كثيرة مُرَتَّبةٌ مراتبَ على استحقاقات العاملين، لكل طبقةٍ منهم جنةٌ من تلك الجنَّات. وأمَّا تعريف» الأنهار» ، فالمرادُ به الجنس، كما يقال: لفلان بستانٌ فيه الماء الجاري والتين والعنب، يشيرُ إلى الأجناس التي في علم المخاطب، أو يشار باللام إلى أنهاٍ مذكورةٍ في قوله: ﴿فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى﴾ [محمد: 15] . قوله: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ هذه الجملة في محلّ نصبٍ، لأنَّها صفةٌ ل «جنَّات» . و «تَجْري» مرفوع لتجرُّدِه من الناصب والجازم، وعلامةُ رفعه ضمّةٌ مقدرةٌ في «الياء» استثقالاً، وكذلك تقدَّرُ في كُلٍِّ فَعْلٍ مُعْتَلٍّ نحو: «يَدْعو» ، و «يَخْشَى» ، إلاَّ أنَّها تُقَدَّرُ في «الأَلِفِ» تعذُّراً. » من تحتها «أي: من تحت أَشْجَارها ومساكنها. وقيل: من تحتها أي: بأمرهم. كقول فرعون: ﴿تَجْرِي مِن تحتيا﴾ [الزخرف: 51] أي: بأمري. و» الأنهارُ» جمعُ نَهْرٍ بالفتح، وهي اللُّغةُ العالية، وفيه تسكين «الهاء» ولكن «أفعال» لا ينقاس في «فَعْل» السَّاكن العين، بل يحفظ نحو: «أَفْراخ» ، و «أَزْنَاد» ، و «أفراد. و» النَّهرُ» : دونَ البحرِ، وفوق الجدول، وهل هو مجرى الماءِ، أو الماء الجاري نفسُه؟ والأوَّلُ أظهرُ؛ لأنًَّه مشتقٌّ من «نَهَرَُ» أي: وَسَّعْتُ. قال قَيْسُ بن الخطِيمِ يصفُ طَعْنَةً: [الطويل] 315 - مَلَكْتُ بِهَا كَفَِّي فَأَنْهَرْتُ فَتْقَهَا..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... أي: وَسَّعْتُ. ومنه: «النَّهارُ» لاتِّساع ضوئِهِ، وإنَّما أُطْلِقَ على الماء مجازاً إطلاقاً للمحلِّ على الحالِّ. ومنه قوله عليه السَّلامُ: «ما أَنْهَرَ الدَّمَ» معناه: ما وسَّعَ الذَّبْحَ؛ حَتَّى يجري الدَّم كالنَّهْرِ، وجمعُ النَّهرِ: نَهَرٌ وأَنْهَارٌ، وَنَهْرٌ نَهِرٌ: كثير الماء. قال أبو ذُؤَيب: [المتقارب] 316 - أَقَامَتْ بِهِ وَابْتَنَتْ خَيْمَةً ... عَلَى قَصَبٍ وَفُرَاتٍ نَهِرْ ورُوِيَ أنَّ أنهار الجنة ليست في أخاديد، إنَّما تجري على سطح الجنَّةِ منبسطة بالقدرة، والوقفُ على» الأنهار «حَسَنٌ وليس بتامٍّ و» من تَحْتِهَا» متعلقٌ ب «تجري» ، و «تحت» مكانٌ لا يتصرَّفُ، وهو نقيض «فوق» ، إذا أُضِيفَا أُعْرِبَا، وإذا قَطِعَا بنيا على الضَّمِّ. و «مِنْ» لابتداء الغاية. وقيل: زائدةٌ. وقيل: بمعنى «في» ، وهما ضعيفان. واعلم أنَّهُ إذا قيل بأنَّ الجَنَّة هي الأرضُ ذاتُ الشَِّجرِ، فلا بُدَّ م حَذْفِ مضاف، أي: من تحت عَذْقِها أو أَشْجَارها. وإن قيل: بأنَّها الشَّجَرُ نفسه، فلا حَاجَةَ إلى ذلك. وإذا قيل: بأنَّ الأنهار اسمٌ للماء الجاري فَنِسْبَةُ الجَرْي إليه حقيقة، [وإن قيل بأنَّهُ اسمٌ للأُخْدُودِ الذي يَجْرِي فيه، فنسبةُ الجَري إليه] مجازٌ، كقول مهلهل: [الكامل] 317 - نُبِّئْتُ أَنَّ النَّارَ بَعْدَكَ أُوقِدَتِ ... وَاسْتَبَّ بَعْدَكَ يَا كُلَيْبُ المَجْلِسُ قال أبو حيِّان: وقد ناقض ابن عطية كلامه هنا، فإنَّه قال: «والنهارُ: المياهُ في مجاريها المتطاولةِ الواسعةِ» ثمَّ قال: نُسِبَ الجريُ إلى النَّهْرِ، وإنَّمَا يجري الماءُ وحدّث توسُّعاً وتجوُّزاً، كما قال: ﴿واسأل القرية﴾ [يوسف: 82] وكما قال: [الكامل] 318 - ب - نُبِّئْتُ أنَّ النَّارَ ... ... ... ... ... ....... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . والألف واللاَّمُ في «النهار» للجنس. وقيل: للعَهْدِ لذكرها في سورةِ القتالِ. وقال الزمخشري: يجوز أن تكون عوضاً من الضَّمير كقوله: ﴿واشتعل الرأس شَيْباً﴾ [مريم: 4] أي: «أَنْهَارُها» يعني أنَّ الأصل: واشتعل رأسي، فَعَوَّضَ» أل «عن ياء المتكلم، وهذا ليس مذهب البَصَريين، بل قال به بعضُ الكوفيِّين؛ وهو مردود بأنَّهُ لو كانت» أَلْ «عوضاً من الضمير، لَمَا جُمِعَ بينهما، وقد جُمِعَ بينهما؛ قال النَّابغةُ: [الطويل] 318 - ب - رَحِيبٌ قِطَابٌ الجَيْبِ مِنْهَا رَقِيقَةٌ ... بجَسِّ النَّدَامَى بَضَّةُ المُتَجَرِّدِ فقال: الجيب منها، وأمَّا ما ورد، وظاهره ذلك، فيأتي تأويله في موضعه. قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ﴾ تقدَّم القولُ في» كُلَّمَا» وهذا لا يخلو إمَّا أن يكون صفة ثانيةِ ل «جنَّاتٍ تجري» ، أو خبر مبتدأ محذوف، أو جملة مستأنفة؛ لأنَّه لَمَّا قيل: «أنَّ لهم جنَّاتٍ» لم يَخْلُ قَلْبُ السَّامِعِ أنْ يقع فيه أنَّ ثمار تلك الجنَّات تُشبهُ ثِمَارَ الدُّنْيَا أم لا؟ والعامِلُ في «كُلَّما» هاهنا «قالوا» . و «مِنْهَا» متعلِّقٌ ب «رُزِقُوا» ، و «مِن» لابتداء الغاية، وكذلك «من ثَمَرَةٍ» ، لأنَّها بدلٌ من قوله: «منها» بدلُ اشتمالٍ بإعادة العاملِ. وإنَّما قلنا: إنه بدل اشتمال؛ لأنَّهُ لا يتعلّق حرفان بمعنى واحدٍ بعاملٍ واحد، إلاَّ على سبيل البدلية، أو العطف. وأجاز الزَّمخشري أنَّ «مِنْ» للبيان كقولك: «رأيتُ منك أسداً» ؛ وفيه نظرٌ؛ لأنَّ من شرط ذلك أن يَحِلَّ مَحَلَّها موصولٌ، وأن يكون ما قبلها مُحَلَّى ب «أل» الجنسية، وأيضاً فليس قبلها شيء يَتَبَيَّنُ بها، وكونُها بياناً لما بعدها بعيدٌ جِداً، وهو غير المصطلح. «رِزْقاً» مفعولٌ ثانٍ ل «رُزِقُوا» ، وهو بمعنى «مَرْزُوقٍ» ، وكونُهُ مصدراً بعيدٌ؛ لقوله: ﴿هذا الذي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً﴾ ، والمصدر لا يؤتى به متشابهاً، وإنما يؤتى بالمرزوق كذلك. قوله: ﴿قَالُواْ هذا الذي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ﴾ . «قالوا» : هو العاملُ في «كلما» كما تقدّم، و «هَذَا الَّذِي رزِقْنَا» مبتدأ في محل نصب بالقول، وعائِدُ الموصول محذوفٌ؛ لاستكماله الشُّروط، أي: رُزِقْناه. و «مِنْ قبلُ» متعلِّقٌ به. و «مِنْ» لابتداءِ الغايةِ، ولَمَّا قطعت «قَبْلُ» بُنِيَتْ [وإنما بنيت] على الضَّمَّةِ؛ لأنها حركة لم تكنْ لها حالَ إعرابها. واختلف في هذه الجملةِ، فقيل: لا محلَّ لها من الإعراب؟ لأنَّها استئنافيةٌ، فإنَّهُ قيل: لَما وصفت الجَنَّاتُ ما حالها؟ فقيل: كُلَّمَا رُزِقُوا قالوا. وقيل: لَهَا محلٌّ، ثُمَّ اختلف فيه، فقيل: رَفْعٌ على أنَّه خبر مبتدأ محذوف، واختلف في ذلك المبتدأ، فقيل: ضمير «الجنَّات» ، أي: هي كلَّما وقيل ضمير «الَّذين آمنوا» أي: هم كُلَّما رُزِقوا قالوا. وقيل: مَحَلُّها نَصْبٌ على الحالِ، وصاحبُها: إمَّا «الذين آمنوا» ، وإمَّا «جنات» ، وجاز ذلك، وإن كانت نكرة؛ لأنها تخصصت بالصفةِ، وعلى هذين تكون حالاً مُقَدَّرة؛ لأنَّ وقت البشارة بالجَنَّاتِ لم يكونوا مرزوقين ذلك. وقيل: مَحَلُّهَا نَصبٌ على أنَّها صفة ل «جنات» أيضاً. فَصْلٌ في المشبه به في الآية الآية تَدُلُّ على أنَّهُمْ شَبَّهُوا رزقهم الذي يأتيهم في الجنَّة بِرِزْقهم قبل ذلك، فالمُشَبَّهُ بِهِ أهو من أرزاق الدنيا، أم من أرزاق الآخرة؟ ففيه وجهان: أحدهما: أنَّه من أَرْزَاق الدنيا، وفيه وجهان: أحدهما: هذا الذي وَعَدنَا به في الدُّنيا. والثَّاني: هذا الذي رُزِقنا في الدنيا، لأنَّ لونه يشبهُ ثمار الدُّنيا، فإذا أكلوا وجدوا طَعْمَهُ غير ذلك. الوجه الثاني: أنَّ المُشَبَّهُ به ثمار الآخرة، واختلفوا فيما حصلت المشابهة فيه على وجهين: الأول: المراد تساوي ثوابهم في كُلِّ الأوقات في القدر والدرجة؛ حَتَّى لا يزيدَ ولا ينقص. الثاني: المراد المُشَابهة في المنظر، فيكون الثاني كأنَّه الأوّل على ما رُوِيَ عن الحسن، ثمَّ هؤلاء اختلفوا، فمنهم من يقول: الاشتباهُ كما يقع في المنظر يقع في الطَّعمِ. ومنهم من يقول: وإن حصل الاشتباه في اللَّون، لكِنَّها تكون مختلفةً في الطَّعْم. قال الحَسَنُ: يؤتى أَحَدُهُمْ بالصّحفة فيأكل منها، ثُمَّ يُؤْتَى بالأخرى فيقول: هذا الذي أُوتِينَا به من قَبْلُ: فيقول الملك: «كُل فاللَّونُ واحدٌ، والطعمُ مختلفٌ» . فإن قيل: قوله: ﴿كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا﴾ مع قوله: «قالُوا: هذا الذي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ» - هذا صيغةُ عموم، فيشمل كُلُّ الأوقاتِ التي رُزِقوا فيها، فيدخل فيه أوّل مَرّة رُزِقوا في الجنَّة، فلا بُدَّ وأن يقولوا: «هذا الذي رُزِقْنَا من قَبْلُ» فما الجواب على قولنا بَأَنَّ المشبَّه به ثِمَارُ الآخِرة؟ والجواب أنَّ عمل ذلك على ما وعدوا به في الدُّنْيَا، أو يكون تقدير الكلام: هذا الَّذِي رُزِقْنَا في الأَزَلِ. قوله: ﴿وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً﴾ الظاهِرُ أنَّها جملةٌ مستأنفة. وقال الزمخشريُّ فيها: هو كقولك: «فلانُ أَحْسِن بِفُلانٍ» ونِعْمَ ما فعل، ورأى من الرَّأي كذا، وكان صواباً. ومنه: ﴿وجعلوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً وكذلك يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: 34] . وما أشْبَه ذلك من الحُمَلِ التي تُُسَاقُ في الكلام معترضةً للتقرير، يعني بكونها معترضة، أي من أحوال أَهْلِ الجنَّةِ، فإنَّ بَعْدَهَا: ﴿وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ﴾ ، وإذا كانت معترضةً فلا محلَّ لها. وقيل: هي عَطْفٌ على «قالوا» . وقيل: مَحَلُّها النَّصبُ على الحالِ، وصاحبُها فاعل «قالوا» أي: قالوا هذا الكلام في هذا الحال، ولا بُدَّ من تقدير «قد» قبل الفعل، أي: «وَقَدْ أُتُوا» ، وأَصْلُ أُتُوا: أُتِيُوا مِثْل: ضُرِبوا، فأُعِلَّ كَنَظَائِرِهِ. [وقرأ هارون] الأعور: «وأَتوا» مبنيّاً للفاعل، والضَّمير للولدان والخدم للتصريح بهم في غير موضع، والضميرُ في «به» يعود على المرزوق الذي هو الثمرات، كما أن هذه إشارة إليه. وقال الزمخشري: «يعود إلى المرزوق في الدُّنْيَا والآخرة؛ لأنَّ قوله: ﴿الذي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ﴾ انطوى تحته ذكر ما رُزِقُوه في الدَّارَيْنِ. ونظيرُ ذلك قوله تعالى: ﴿إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فالله أولى بِهِمَا﴾ [النساء: 135] » . أي: بجنسي الغنيِّ والفقير المدلول عليهما بقوله: ﴿غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً﴾ [النساء: 135] ويعني بقوله: «انطوى تحته ذِكْرُ ما رُزُِقوه في الدَّارَيْنِ» اَنَّهُ لَمَّا كان التقديرُ: مِثْلَ الَّذي رُزِقْناه كان قد انطوى على المرزوقين معاً، كما أنَّ قَوْلَكَ: «زَيْدٌ مثلُ حاتمٍ» مُنْطَوٍ على زيدٍ وحاتمٍ. قال أبو حيَّان: «وما قاله غيرُ ظاهرٍ؛ لأنَّ الظاهِرِ عَوْدُه على المرزوقِ في الآخرة فقط؛ لأنَّه هو المُحَدّثُ عنه، والمشبَّهُ بِالَّذِي رُزقوه من قبلُ، لا سيما إذا فسِّرت القبلية بما في الجنَّةِ، فَإِنَّهُ يتعيّنُ عَوْدُ على المرزوق في الجنَّةِ فقط، وكذلك إذا أعربت الجملة حالاً؛ إذ يصير التقديرُ: قالوا: هذا الذي رُزِقْنَا من قَبْلُ وقد أتوا به؛ لأنه الحامل لهم على هذا القول، كأنَّه أُتُوا به مُتَشَابِهاً وعلى تقدير أن يكون معطوفاً على قالوا، لا يَصِحُّ عوده على المرزوق في الدَّارين؛ لأن الإتيان إذ ذاك يستحيل أن يكون ماضياً معنىً؛ لأنَّ العامل في» كُلَّما «أو ما في حيزها يحتمل هُنا أن يكون مستقبل المَعْنَى؛ لأنها لا تخلو من معنى الشرط، وعلى تقدير كونها مستأنفة لا يظهر ذلك أيضاًً، لأنَّ هذه محدَّث بها عن الجَنَّةِ وأحوالها» . قوله: ﴿مُتَشَابِهاً﴾ حالٌ من الضَّمير في «به» ، أي: يشبه بعضه في المنظر، ويختلف في الطعمِ، قاله بان عبَّاس ومجاهد، والحسن وغيرهم رضي الله - تعالى - عنهم. وقال عكرمة: «يُشْبِهُ ثَمَرَ الدُّنيا، ويباينه في جل الصَّفات» . قال ابن عبَّاس: «هذا على وَجْه التَّعَجُّبِ، وليس في الدُّنْيَا شيءٌ مما في الجَنَّةِ سِوَى الأسماء، فكأنَّهم تَعَجَّبُوا لِمَا رأوه من حُسْنِ الثَّمَرَةِ، وعِظم خالقها» . وقال قتادةُ: «خياراً لا رَذلَ فيه، كقوله تعالى: ﴿كِتَاباً مُّتَشَابِهاً﴾ [الزمر: 23] وليس كثمار الدنيا التي لا تتشابه؛ لأنَّ فيها خياراً وغير خِيَار» . قوله: ﴿وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ﴾ «لهم» خبر مُقَدَّم، وأزواج مبتدأ، و «فيها» متعلّق بالاستقرار الذي تعلّق به الخبر. قال أبو البقاء: «لا يكون فيها الخبر، لأنَّ الفائدة تقل؛ إذ الفائدة في جَعْلِ الأَزواج لهم» . وقوله: «مُطَهَّرةٌ» صفة، وأتى بها مفردة على حدِّ: النساءِ طَهُرَتْ ومنه بيت الحماسة: [الكامل] 319 - وَإِذَا العَذَارَى بَالدُّخَانِ تَلَفَّعَتْ ... وَاسْتَعْجَلَتْ نَصْبَ القُدُورِ فَمَلَّتِ وقرأ زيد بن عليّ: «مُطَهَّراتٌ» على حَدِّ: النساءُ طَهَرْنَ. وقرأ عبيد بن عمير: «مُطَهَّرة» يعني: متطَهِّرة. والزوج ما يكون معه آخر، ويقالُ زوج للرَّجل والمرأة، وأمَّا «زَوْجَةٌ» فقليلٌ. قال الأَصْمَعِيُّ: لا تكاد العربُ تقول: زوجة، ونَقَلَ الفرّاءُ أنّها لغة «تميم» ، وأنشد للفرزدق: [الطويل] 320 - وَإِنَّ الَّذِي يَسْعَى لِيُفْسِدَ زَوْجَتِي ... كَسَاعٍ إلَى أُسْدِ الشَّرَى يَسْتَبِيلُهَا وفي الحديث عن عمَّار بن ياسرِ في حقِّ عائشة رَضِيَ اللهُ عَنْهما: «إنِّي لاَعْلَمْ أنَّها زَوْجَتَهَ في الدُّنيا والآخرة» ذكره البُخَاري رَضِيَ اللهُ عَنْه، واختاره الكسائيُّ. والزَّوجُ أيضاً: الصِّنْفُ، والتثنية: زوجان. والطّهارة: النظافة، والفِعْلُ منها طَهَرَ بالفتح، ويَقِلُّ الضَّمُ، واسم الفاعل منها «طاهر» فهو مقيسٌ على الأوَّلِ، شاذّ على الثَّاني، ك «خاثر» و «حامِض» من خَثُرَ اللبنُ وحَمُضَ بضمِّ للعين. فإن قيل: طاهرة، الجوابُ: في المُطَهَّرةِ إشعارٌ بأنَّ مُطَهِّراً طَهَّرَهُنَّ، وليس ذلك إلاَّ الله تعالى، وذلك يفيد فخامة أهل الثواب، كأنَّهُ قيل: إنَّ الله - تعالى - هو الَّذي زَيَّنَهُنَّ. قال مُجَاهد: «لا يَبُلْنَ ولا يَتَغَوَّطْنَ وَلاَ يلِدْنَ وَلاَ يَحِضْنَ، وَلاَ يُبْغَضْنَ» . وقال بعضه: «مُطَهَّرةٌ في اللغة أجمع من طاهرة وأَبْلَغ» . قوله: ﴿وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ هم مبتدأ، وخالدون خبره، وفيها متعلّق به. وقال القرطبيُّ: «والظرفُ مَلْغِيٌّ، وقُدِّم ليوافق رؤوس الآي» وأجازوا أن يكون «فيها» خبراً أول، و «خالدون» خبر ثانٍ، وليس هذا بِسَدِيدٍ، وهذه الجملة والتي قبلها عطفٌ على الجملةِ قبلهما حسب ما تقدَّم. وقال أبو البقاء: «وهاتان الجملتان مستأنفتان، ويجوز أن تكون الثانية حالاً من الهاء والميم في» لهم «، والعامِلُ فيها معنى الاستقرار» . قال القرطبي: «ويجوز في غير القرآن نصب» خالدين «على الحال» . و «الخلود» : المكث الطويل، وهل يُطْلَقُ على ما لا نهاية له بطريق الحقيقة أو المجاز؟ قولان. قالت المعتزلة: «الخلد» : هو الثباتُ اللاَّزم، والبقاء الدائمُ الذي لا يقطع، واحْتَجُّوا بالآية، وبقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الخلد أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ الخالدون﴾ [الأنبياء: 34] فنفى الخلد عن البَشَرِ مع أنَّه - تعالى - أعطى بعضهم العمر الطويل، والمنفيّ غير المثبت، فالخلدُ هو البقاءُ الدَّائمُ؛ وبقول امرئ القيس: [الطويل] 321 - وَهَلْ يَنْعَمَنْ إلاَّ سَعيدٌ مُخَلَّدٌ ... قَلِيلُ الهُمُومِ ما يَبِيتُ بأَوْجَالِ قال ابن الخطيب: وقال أصحابنا: الخلدُ هو الثّباتُ الطويل، سواء دام أو لم يَدُم؛ واستدلُّوا بقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً﴾ [التوبة: 100] ولو كان التأبيد داخلاً في مفهوم الخلد، لكان ذلك تكرُّراً، واستدلّوا أيضاً بالعرفِ؛ يقال: حَبَسَ فلانٌ فُلاَناً حَبْساً مُخَلَّداً، ويكتبُ في الأوقاف: وقَفَ فلانٌ وَقْفاً مُخَلَّداً. وقال الآخرون: «العقلُ يَدُلُّ على دوامه؛ لأنه لو لم يجب الدوام، لجوّزوا انقطاعه، فكان خوف الانقطاع ينغص عليهم تلك النعمة، لأنَّ النِّعْمَةَ كُلَّمَا كانت أعظم كان خوفها انقطاعها أعظم وقعاً في القَلْبِ، وهذا يقتضي ألا ينفك أهل الثواب [ألبتة] من الغم والحسرةِ، وقد يجابُ عنه بأنَّهم عرفوا ذلك بقرينة قوله:» أبداً» .

البقرة 2:26

اعلم أنَّه - تعالى - لَمَّا بَيَّنَ كون القرآن مُعْجزاً، أورد الكُفَّار هنا شبهةً قدحاً في ذلك، وهي أنَّهُ جاء في القرآن ذِكْرُ النَّحلِ، والعنكبوت، والنَّملِ، وهذه الأشياء لا يليق ذكرها بكلام الفُصَحَاء، فاشتمالُ القرآن عليها يقدحُ في فصاحته، فَضْلاً عن كونه مُعْجزاً، وأجاب الله - تعالى - عنه بأنَّ صِغَر هذه الأَشْيَاء لا يقدح في فصاحةٍ، إذا كان ذكرها مشتملاً على حكم بالغة، فهذا هو الإشارة إلى كيفية تَعُلُّق هذه الآية بما قبلها. روي عن ابن عبّاس - رضي اللهُ تعالى عنه - أنَّه لما قال: ﴿ياأيها الناس ضُرِبَ مَثَلٌ فاستمعوا لَهُ﴾ [الحج: 73] فطعن في أصنامهم، ثُمَّ شَبَّه عبادتها ببيت العَنْكَبُوت. قال اليهود: أي قدر للذُّبَاب والعنكبوت حتَّى يَضْربَ اللهُ المَثَل بهما؟! فنزلت هذه الآية. وقيل: إنَّ المُنَافقين طَعَنوا في ضرب الأمثال بالنَّار، والظلمات، والرَّعد، والبَرْق في قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الذي استوقد نَاراً﴾ [البقرة: 17] وقوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السمآء﴾ [البقرة: 19] قالوا: اللهُ أَجَلُّ وأعلى من أن يضرِبَ الأمثالَ، فأنزل الله هذه الآية، وهذه رواية أبي صالح عن ابن عبّاس. وروى عطاء عن ابن عبّاس أيضاً أنَّ هذا الطعن كان من المشركين. فقال القَفَّالُ رَحِمَهُ اللهُ: الكُلُّ محتملٌ هاهنا. أمَّا اليهود، فلأنه قيل في آخر الآية: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفاسقين الذين يَنقُضُونَ عَهْدَ الله مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ وهذا صفة اليهود؛ لأنَّ الخطاب بالوفاءِ بالعهدِ إنَّمَا هو لبني إسرائيل، وأمَّّا الكفار والمنافقون فقد ذكروا في سورة «المدثر» : ﴿وَلِيَقُولَ الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ والكافرون مَاذَآ أَرَادَ الله بهذا مَثَلاً﴾ [المدثر: 31] ، فالذين في قلوبهم مرض هم الكافرون المُنَافقون، والذين كفروا يحتمل المشركين، لأنَّ السورة مَكِّيَةٌ، فقد جُمِعَ الفريقان ها هنا. إذا ثبت هذا، فنقول: احتمال الكُلِّ هاهنا قائمٌ؛ لأنَّ الكافرين والمُنافقين واليهود كانوا مُتَوَافقين في إيذاء الرَّسول، وقد مضى من أوّلِ السُّورةِ إلى هذا الموضع ذكر المنافقين، واليهود، والمشركين، وكُلُّهم من الذين كفروا. ثُمَّ قال القَفَّال: «وقد يجوز أن ينزل ذلك ابتداءً من غير سبب؛ لأنَّ معناه مفيدٌ في نفسه» . فَصْلٌ في معنى الحياء واشتقاقه الحياء: تَغَيَّرَ وانكسارٌ يعتري الإنسانَ من خوفِ ما يُعَابُ بِهِ ويُذَم، واشتقاقه من الحياة، ومعناه على ما قال الزمخشري: نقصت حياته، واعتلت مجازاً، كما يُقَالُ: نَسِيَ وخَشِيَ، وشظي القوسُ: إذا اعتلت هذه الأعضاء، جُعِلَ الحييُّ لما يعتريه من الانكسار، والتَّغَيُّرِ منتكس القوة منتقص الحياة كما قالوا: فلان هلك من كذا حياءً، ومات حياءً، وذاب حياءً، يعني بقوله: «نَسِيَ وخَشِيَ وشظي» أي: أصيبَ نَسَاه، وهو «عرق» وحَشَاه، وهو ما احتوى عليه البَطْنُ، وشظاهُ وهو عَظْم في الوَرِك، واستعماله هُنَا في حَقِّ الله - تعالى - مَجَازٌ عن التَّرْكِ. وقيل: مجاز عن الخِشْيَةِ؛ لأنَّها أيْضاً من ثمراته، وَرَجَّحَهُ الطَّبريُّ، وجعله الزمخشريُّ من باب المُقَابلةِ، يعني أنَّ الكُفَّارَ لَمَّا قالوا: أَمَا يَسْتَحي رَبُّ محمد أن يضرب المثَلَ بالمُحْقّرَات، «قُوبِلَ» قولهم ذلك بقوله: ﴿إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً﴾ [ونظيره قول] أبي تمَّام: [الكامل] 322 - مَنْ مُبْلِغٌ أَفْنَاءَ يَعْرُبَ كُلَّهَا ... أَنِّي بَنَيْتُ الجَارَ قَبْلَ لمَنْزِلِ لو لم يذكر بناء الدَّارِ لم يصحّ بناء الجار. وقيل: معنى لا يستحيي، لا يمتنع، وأصْلُ الاستحياء الانقباضُ عن الشَّيء، والامتناعُ منه؛ خوفاً من مُواقعة القبيح، وهذا محالٌ على الله تعالى، وفي «صحيح مسلم» عن أم سلمة قالت: «جاءت أم سليم إلى النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقالت: يا رسولَ الله إنَّ اللهَ لا يَسْتَحي من الحَقِّ» المعنى لا يأمر بالحَيَاء فيه، ولا يمتنع من ذكره. قال ابن الخطيب: «القانون في أمثال هذه الأشياء، أنَّ كُلَّ صفةٍ ثبتت للعبدِ مما يختص بالأجسام، فإذا وصف الله بذلك، فلذلك محمولٌ على نهايات الأعراض، لا على بدايات الأعراض، مثاله: حالةٌ تَحْصُلُ للإنسان، ولكن هل لها مبدأ ومنتهى، أمَّا المبدأ فهو التغيُّر الجسماني الذي يلحق الإنسان من خوف أن يُنْسبَ إليه القبيح، وأمَّا النهاية فهو أن يترك الإنسان ذلك الفعل، فإذا ورد الحياءُ في حقِّ الله تعالى، فليس المراد منه ذلك الخوف الذي هو مبدأ الحياء ومقدمته، بل تركُ الفعلِ الذي هو منتهاه وغايته، وكذلك الغضبُ [له مقدمةٌ] وهو غليان دم القَلْبِ وشهوة الانتقام وله غاية، وهي إنزال العقاب بالمغضوب عليه، فإذا وصفنا الله - تعالى - بالغَضَبِ، فليس المراد ذلك المبدأ، يعني شهوة الانتقام، وغليان دم القَلْبِ، بل المرادُ تلك النّهاية، وهي إنزال العقاب، فهذا هو القانون الكُلِّ في هذا الباب» . فَصْلٌ في تنزيه الخالق سبحانه قال القاضي: ما لا يجوز على الله - تعالى - من هذا الجنس إثباتاً، فيجب أَلاَّ يطلق على طريقة النفي عليه، وإنَّما يقال: إنَّه - تعالى - لا يوصفُ به، فأمَّا أن يقال: «لا يستحي» ويطلقُ عليه فمحالٌ؛ لأنَّهُ يوهم نفي ما يجوز عليه، وما ذكره الله - تعالى - في كتابه من قوله: ﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾ [البقرة: 255] ، ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: 3] فهو بصورة النفي، وليس بنفي على الحقيقة، وكذلك قوله تعالى: ﴿مَا اتخذ الله مِن وَلَدٍ﴾ [المؤمنون: 91] ، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: 14] وليس كل ما ورد في القرآن جائز أن يُطْلَقَ في المخاطبة، فلا يجوز أن يطلق ذلك إلاَّ مع بيان أنَّ ذلك مُحَالٌ. ولقائلٍ أن يقولَ: لاَ شَكَّ أنَّ هذه الصِّفات منتفيةٌ عن الله تعالى، فكان الإخبار عن انتفائها يدلُّ على صحّتها عليه. فنقول: هذه الدلالة ممنوعة، وذلك أن تخصيص هذا النفي بالذكر، لا يَدُلُّ على ثبوته لغيره، لو قرنَ اللَّفظ بما يَدُلُّ على انتفاء الصِّحة كان ذلك أحسن، من حيث إنه يكون مبالغة في البيان، وليس إذا كان غيره أحسن أن يكون ذلك قبيحاً. فَصْلٌ في إعراب الآية قوله: «لا يَستَحيي» جملة في محلِّ الرفع خبراً ل «أن» ، واستفعل هنا للإغناء عن الثُّلاثي المجرّد. وقال الزمخشري: «إنَّه مُوَافق له أي: قد ورد» حَيي» ، و «استَحْيى» بمعنى واحد، والمشهور: اسْتَحْيَى يَسْتَحْيي فهو مستحيٍ ومُسْتَحْيىً منه من غير حَذْف» . قال القرطبي: «ويستحيي» أصله يَسْتَحْييُ عينه ولامه حرفا علة أعلّت «اللام» منه بأن استثقلت الضمةُ على «الياء» فسكنت، والجمعُ مستحيون ومستحيين، وقد جاء استحى يستحي فهو مستح مثل: اسْتَقَى يَسْتَقِي. وقرأ به ابن محيصن. ويروى عن ابن كثير، وهي لغة «تميم» و «بكر بن وائل» ، نقلت فيها حركة الياء الأولى إلى «الحاء» فسكنت، ثم استثقلت الضَّمة على الثانية، فسكنت، فحذف إحداهما للالتقاء، والجمعُ مستحون ومستحين، قاله الجوهري. ونقل بعضهم أن المحذوف هنا مختلفٌ فيه؛ فقيل: عينُ الكلمة، فوزنُه يَسْتَفِل. وقيل: لامُه، فوزنه يَسْتَفِع، ثُمَّ نُقِلت حركةُ اللاَّم على القول الأوّل، وحركةُ العَيْن على القول الثاني إلى الفاء، وهي الحاء؛ ومن الحذف قولُه: [الطويل] 323 - ألا تَسْتَحِي مِنَّا المُلُوكُ وَتَتَّقِي ... مَحَارِمَنا لاَ يَبُؤِ الدَّمُ بِالدَّمِ وقال آخر: [الطويل] 324 - إذا ما اسْتَحَيْنَ المَاءَ يَعْرِضُ نَفْسَهُ ... كَرَعْنَ بِسبْتٍ في إِنَاءٍ مِنَ الوَرْدِ و «استحيي» يتعدَّى تارة بنفسه، وتارة بحرف جرّ تقول: استحييتُه وعليه: إذا ما استحين الماء. . واستحييت منه؛ وعليه: أَلاّ تستحي مِنَّا الملوك. . فيحتمل أن يكون قد تعدَّى في هذه الآية إلى أن يضرب بنفسه، فيكون في محل نصب قولاً واحداً، ويحتمل أن يكون تَعَدَّى إليه بحرف المحذوف، وحينئذٍ يجري الخلافُ المتقدّم في قوله: «أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ» . و «يَضْرِب» معناه: يُبَيِّنُ فيتعدَّى لواحدٍ. وقيل: معناه التصييرُ، فيتعدّى لاثنين نحو: «ضَرَبْتُ الطِّينَ لَبِناً» . وقال بعضهم: «لا يتعدَّى لاثنين إلاَّ مع المثل خاصة» ، فعلى القول الأوّلِ يكونُ « مَثَلاً» مفعولاً و «ما» زائدة. وقال أبو مسلم الأصفهاني: «معاذ الله أنْ يكون في القرآن زيادة» . وقال ابن الخطيب: والأصح قول أبي مُسْلِمِ؛ لأن الله - تعالى - وصف القرآن بكونه: هدى وبَيَاناً، وكونه لَغْواً ينافي ذلك، فعلى هذا يكون «ما» صفة للنكرة قبلها، لتزداد النكرة اتساعاً. ونظيره قولهم: «لأَمْرٍ مَّا جَدَعَ قَصيرٌ أَنْفُهُ» وقولُ امرئ القيس: [المديد] 325 - وَحَدِيثُ الرَّكبِ يَوْمَ هُنَا ... وَحَدِيثٌ مَّا عَلَى قِصَرِهْ وقال أبو البَقَاءِ: وقيل: «ما» نَكِرَةٌ موصوفةٌ، ولم يجعل بعوضة صفتها، بل جعلها بدلاً منها، وفيه نظرٌ؛ إذ يحتاج أن يُقدِّر صفةً محذوفة ولا ضرورة لذلك، فكان الأولى أن يجعل بعوضةً صفتها بمعنى أنَّهُ وصفها بالجنس المُنكَّرِ لإبهامِه، فهي في معنى «قليل» ، وإليه ذهب الفرّاء والزَّجَّاجُ وثَعْلَبٌ، وتكون «ما» وصفتها حينئذٍ بدلاً من «مَثَلاً» و «بعوضة» بدلاً من «ما» ، أو عطف بيان لها، إن قيل: «ما» صفة ل «مثلاً» ، أو نعتٌ ل «ما» إن قيل: إنَّها بدلٌ من «مثلاً» كما تقدَّم في قول الفَرَّاء، وبدلٌ من «مثلاً» أو نعتٌ ل «ما» إن قيل: إنَّها بدلٌ من «مثلاً» كما تقدَّم في قول الفَرَّاء، وبدلٌ من «مثلاً» أو عطف بيان له إن قيل: إن «ما» زائدة. وقيل: «بعوضة» هو المفعول، و «مثلاً» نُصِبَ على الحالِ قُدِّمَ على النكرةِ. وقيل: نُصِبَ على إسقاط الخافض، التقدير: ما بين بعوضةٍ، فلمَّا حُذِفَتْ «بين» أعربت «بعوضة» بإعرابها، وتكون الفاء في قوله: «فما فوقها» بمعنى إلى، أي: إلى ما فوقها، ويعزى هذا للكسائي والفرّاء وغيرهم من الكوفيين؛ وأنشدوا: [البسيط] 326 - يَا أَحْسَنَ النَّاسِ مَا قَرْناً إلَى قَدَمٍ ... وَلاَ حِبَالَ مُحِبٍّ وَاصِلٍ تَصِلُ أي: ما بين قَرْنٍ. وَحَكَوْا: «له عشرون ما ناقةً فَجَمَلاً» ، وعلى القول الثَّاني يكونُ «مثلاً» مفعول أوَّلَ، و «ما» تحتمل الوجهين المتقدمين، و «بعوضةً» مفعولٌ ثانٍ. وقيل: بعوضةً هي المفعولُ الأولُ، و «مَثَلاً» هو الثَّاني، ولَكِنَّهٌُ قُدِّم. وتلخَّص مما تقدَّم أنَّ في «ما» ثلاثة أوجه: زائدة، صفة لما قبلَها، نكِرةٌ موصوفةٌ، وأنَّ في «مثلاً» ثلاثة أيضاً: مفعول أوّل، أو مفعول ثان، أو حالٌ مقدّمة، وأنَّ في «بعوضة» تسعة أوجه، والصوابُ من ذلك كُلُّه أن يكون «ضَرَبَ» متعدِّياً لواحدٍ بمعنى بَيَّنَ، و «مثلاً» مفعولٌ به، بدليل قوله: «ضُرِبَ مَثَلٌ» ، و «ما» صفةٌ للنَّكِرة، و «بعوضةً» بدلٌ لا عطف بيان، لأن عطف البيان ممنوع عند جمهور البصريين في النكرات. وقرأ إبراهيم بن أبي عَبْلَةَ والضَّحَّاكُ ورؤبة بن العجاج برفع «بعوضةٌ» واتفقوا على أنَّها خبرٌ لمبتدأ، ولكنهم اختلفوا في ذلك المبتدأ، فقيل: هو «ما» على أنَّها استفهاميةٌ أيك أيُّ شيء بعوضةٌ، وإليه ذهب الزمخشري ورَجَّحَهُ. وقيل: المبتدأ مضمرٌ تقديرُه «: هو بعوضةٌ، وفي ذلك وجهان: أحدهما: أن تُجْعَلَ هذه الجملة صلة ل» ما «لكونها بمعنى الذي، ولكنَّه حذف العائد، وإن لم تَطُل الصِّلةُ، وهذا لا يجوز عند البصريين إلاَّ في» أيّ» خاصّة لطولها بالإضافة، وأمَّا غيرُها فشاذٌّ، أو ضرورة كقراءة: ﴿تَمَاماً عَلَى الذي أَحْسَنَ﴾ [الأنعام: 154] وقوله: [البسيط] 327 - مَنْ يُعَنْ يِالحَقِّ لاَ يَنْطِقْ بِمَا سَفَهٌ ... وَلاَ يَحِدْ عَنْ سَبِيلِ الحَمْدِ وَالكَرَمِ أي: الذي هو أحسنُ، وبما هو سَفَهٌ، وتكونُ «ما» على هذا بدلاً من «مثلاً» كأنَّهُ قيل: مثلاً الذي هو بعوضةٌ. قال النَّحَّاسُ: «والحذفُ في» ما» أقبحُ منه في «الذي» لأن» الذي «إنّما له وجه واحد، والاسم معه أطول» . والثاني: أن تُجْعَلَ «ما» زائدة، أو صفةً، وتكون «هو بعوضةٌ» جملة كالمفسِّرة لما انطوى عليه الكلامُ. ويقال: إنَّ معنى: «ضربتُ له مثلاً» مَثَّلْتُ له مَثَلاً، وهذه الأبنيةِ على ضربٍ واحدٍ، وعلى مثال [واحد] ونوعٍ واحد. والضربُ: النوعُ، والبعوضةُُ: واحِدةُ البعوض، وهو معروف، وهو في الأَصْلِ وَصْفٌ على فَعُول كالقَطُوع، مأخوذ من البَعْض، وهو القَطْع، وكذلك البَضْع والعَضْب؛ قال: [الوافر] 328 - لَنِعْمَ البَيْتُ بَيْتُ أَبِي دِثَارٍ ... إِذَا مَا خَافَ بَعْضُ القَوْمِ بَعْضَا وقال الجوهري: البعوض: البَقُّ، الواحدة بعوضة، سُميت بذلك لصغرها. فَصْلٌ في استحسان ضرب الأمثال اعلم أنّ ضرب الأمثال من الأمور المستحسنة في العقول، وقد اشتهر العربُ في التمثيل بأحقر الأشياء، فقالوا في التمثيل بالذَّرَّةِ: «أجمع من ذَرَّةٍ» ، و «أضبط من ذرَّة» ، «وأخفى من ذَرَّةٍ» ، وفي التمثيل بالذُّباب: «أجرأ من الذُّبَاب» ، «وأخطأ من الذُّبَاب» ، «وأطيش من الذباب» ، و «أشبه من الذبابِ بالذباب» ، «وألخّ من الذُّبَاب» . وفي التمثيل بالقراد: «أسمع من قراد» ، وأضعف من قرادة، وأعلق من قرادة، وأغم من قرادة، وأدبّ من قرادة. وقالوا في الجراد: أَطْيَرُ من جَرَادة، وأحْطَم من جَرَادة، وأَفْسد من جرادة، وأصفى من لعاب الجرادة. وفي الفراشة: «أضعف من فراشة» ، «وأجمل من فراشة» ، و «أطيش من فراشة» . وفي البعوضةِ: «كلفني مخّ البعوضة» ، مثلٌ في تكليف ما لا يُطاق. فقولهم: ضرب الأمثال لهذه الأشياء الحقيرة لا يليق بالله تعالى. قلنا: هذا جَهْلٌ، لأنَّهُ - تعالى - هو الذي خلق الكبير والصغير، وحكمه في كُلِّ ما خلق وبرأ عام؛ لأنَّه قد أحكم جميعه، وليس الصغير أخفّ عليه من العظيم، ولا العظيم أصعب عليه من الصَّغير، وإذا كان الكُلُّ بمنزلةٍ واحدةٍ لم يكن الكبير أَوْلَى من أن يضربه مثلاً لعباده من الصغير، بل المعتبر فيه ما يليقُ بالقضيَّةِ، وإذا كان الأليق بها الذُّباب والعنكبوت، ضرب المثل بهما، لا بالفيل والجمل، فإذا أراد أن يُقَبَّحَ عبادتهم للأصنام، ويُقَبِّحَ عدو لهم عن عبادة الرحمن، صَلَحَ أن يضرب المثل بالذُّبَاب، لِيُبَيِّنَ أن قدر مَضَرَّتها لا تندفع بهذه الأصنام، ويضرب المثل العَنْكَبُوت؛ لِيُبَيِّنَ أنَّ عبادتها أَوْهَى وأضعف من ذلك كُلَّما كان المضروب به المثل أضعف كان المثل أقوى وأوضح، وضرب المَثَلِ بالبعوضة؛ لأَنَهُ من عجائب خلق الله تعالى؛ فإنه صغير جِدًّا، وخرطومه في غاية الصغر، ثُمَّ إنَّه من ذلك مجوّف، ثمَّ ذلك الخرطوم مع فرط صغره، وكونه مجوّفاً يغوص في جلد الفِيل والجَامُوس على ثَخَانَتِهِ، كما يضرب الرجل أصابعه في الخبيص، وذلك لما رَكَّبَ الله في رأس خرطومه من السم. قوله: ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ قد تقدَّم أنَّ «الفاء» بمعنى «إلى» ، وهو قولٌ مرجوحٌ جَدًّا، و «ما» في «فَمَا فَوْقَهَا» إن نصبنا «بعوضة» كانت معطوفة عليها موصولةً بمعنى «الذي» ، وصلتُهَا الظَّرفُ، أو موصوفةً وصفتها الظرفُ أيضاً، وإن رفعنا «بعوضةٌ» ، وجعلنا «ما» الأولى موصولة أو استفهامية، فالثانية معطوفة عليها، لكن في جَعْلِنَا «ما» موصولةً يكون ذلك من عَطْفِ المفردات، وفي جعلنا إيَّاها استفهامية يكون من عَطْفِ الجمل، وإن جعلنا «ما» زائدة، أو صفة لنكرةٍ، و «بعوضةٌ» ل «هو» مضمراً كانت «ما» معطوفة على بعوضة. فَصْلٌ في معنى قوله: «فما فوقها» قال الكِسَائيّ وأبو عُبَيْدَةَ، وغيرهما: معنى «فما فوقها» والله اعلمُ: ما دونها في الصِّغَرِ، والمحقّقون مالوا إلى هذا القول؛ لأنَّ المقصود من هذا التمثيل تحقير الأوثان، وكُلَّمَا كان المشبَّهُ به أشدَّ حقارةً كان المقصود أكمل حصولاً في هذا الباب. وقال قتادة، وابن جريج: «المعنى في الكبر كالذُّباب، والعنكبوت، والكلبِ، والحمار؛ لأنَّ القوم أنكروا تمثيل اللهِ بتلك الأشياء» . قوله: ﴿فَأَمَّا الذين آمَنُواْ﴾ . «أمَّا» حرفٌ ضُمِّنَ معنى اسم شرط وفعله، كذا قَدَّرَه سيبويه قال: «أمَّا» بمنزلةِ مَهْمَا يَكُ مِنْ شَيءٍ. وقال الزَّمَخْشَرِيّ: وفائدته في الكلام أن يعطيه فَضْلَ توكيد، تقولُ: زيدٌ ذاهبُ، فّا قصدت توكيد ذلك، وأنَّهُ لا محالة ذاهبٌ، قلت: أمَّا زيدٌ فذاهبُ. وقال بعضهم: «أمَّا» حرف تفصيل لما أجمله المتكلم، أو ادَّعاه المخاطبُ، ولا يليها إلاَّ المبتدأ، وتلزم الفاءُ في جوابها، ولا تُحْذَفُ إلاَّ مع قولٍ ظاهرٍ ومقدَّرٍ كقوله: ﴿فَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [آل عمران: 106] أي: فيقال لهم: أكَفَرْتُمْ، وقد تحذفُ حيث لا قَوْلَ؛ كقوله: [الطويل] 329 - فأَمَّا القِتَالُ لا قِتَالَ لَدِيْكُمُ ... وَلَكِنَّ سَيْراً في عِرَاضِ المَوَاكِبِ أي: فلا قتالَ. ولا يجوز أن تليها «الفاء» مباشرة، ولا أن تتأخّر عنها بِجُزْأَي جملةٍ، لو قلت: «أَمَّا زَيدٌ منطلقٌ ففي الدَّار» لم يجز، ويجوز أنْ يَتَقَدَّمَ معمولُ ما بعد «الفاءِ» عليها ممتليٌّ أمَّا كقوله: ﴿فَأَمَّا اليتيم فَلاَ تَقْهَرْ﴾ [الضحى: 9] ولا يجوز الفصلُ بَيْن أَمَّا والفاءِ بمعمول خبر «إنَّ» خلافاً للمبرد، ولا بمعمول خبر «ليت» و «لَعَلَّ» خلافاً للفرّاء، وإن وقع بعدها مصدرٌ نحو: «أمَّا عِلْماً فعالمٌ» فإن كان نكرةً جاز نصبه عند التميميين فيه الرفع والنصب نحو: «أَمَّا العِلْمُ فَعَالِمٌ» ، ونصب المنكِّر عند سيبويه على الحال، والمعرَّف مفعول له. وأمَّا الأخفشُ فنصبهما عنده على المفعول المطلق، والنصب بفعلِ الشرط المقدَّر، أو بما بعد الفاء، ما لم يمنع مانعٌ، فيتَعَيَّن فِعلُ الشرط نحو: أمَّا عِلْمَاً فلا عِلْمَ له أو: فإنَّ زيداً عالمٌ؛ لأن «لا» و «إنَّ» لا يَعْمَلُ ما بعدهما فيما قبلهما. وأمَّا الرفعُ فالظاهِرُ أنه بفعل الشرط المقدَّرِ، أي: مهما يُذْكَرْ عِلْمٌ، أو: العلم فزيدٌ عالمٌ، ويجوز أن يكون مبتدأ، وعالمٌ خبر مبتدأ محذوف، والجملةُ خبرةُ، والتقديرُ: أَمَّا علمٌ - أو العلمُ - فزيدٌ عالمٌ به، وجاز الابتداء بالنكرة، لأنَّهُ موضعُ تفصيل، وفيها كلام طويل. و «الَّذِينَ آمَنُوا» في مَحَلِّ رفع بالابتداء، و «فيعلمون» خبره. قوله: «فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ» . الفاءُ جواب «أَمَّا» لما كان تضمنته من معنى الشَّرط، و «أَنَّهُ الْحَقُّ» سَادٌّ مَسَدَّ المفعولين عند الجمهور، [وساد] مسدّ المفعول الأوّل فقط، والثاني محذوف، عند الأخفش، أي: فيعلمون حَقِيْقَتَهُ ثَابِتَةً. وقال الجمهور: لا حَاجَةَ إلى ذلك؛ لأنَّ وجود النسبة فيها بعد «أّنَّ» كافٍ في تَعَلُّقِ العلمِ، أو الظَّنِّ به، والضمير في «أَنَّهُ» عائدٌ على المَثَلِ. وقيل: على ضرب المثل المفهوم من الفِعْلِ. وقيل: على ترك الاستحياء. و «الحقُّ» : هو الثابت، ومنه حَقَّ الأمْرُ أي: ثبت، ويقابله الباطل. و «الحق» واحدُ الحقوق، و «الحَقَّة» بفتح الحاء أخص منه، يقال: هذه حَقَّتِي، و «مِنْ» لابتداء الغاية المَجَازية. قوله: «وأَمَّا الَّذِينَ كفروا» لغة «بني تميم» ، و «بني عامر» في «أَمَّا» «أَيْمَا» يبدلون من أحد الميمَْن ياءً؛ كراهيةٌ للتضعيف؛ وأنشد عمرُ بنُ أبي رَبِيعَةَ: [الطويل] 330 - رَأَتْ رَجُلاً أَيْمَا إِذَا الشَّمْسُ عَارَضَتْ ... فَيَضْحَى وَأَيْمَا بِالعَشِيِّ فَيَخْصَرُ قوله: «فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ» . اعلم أَنَّ «ما» في كلام العرب ستى استعمالات: أحها: أن تكون «ما» اسم استفهام في محل رفع بالابتداء، و «ذا» اسمُ إشارةٍ خبرُهُ. والثاني: أن تكون «ما» استفهاميةً و «ذا» بمعنى الَّذِي، والجملةُ بعدها صلةٌ، وعائدها محذوفٌ، والأجودُ حينئذٍ أن يرفع ما أجيبَ به أو أُبْدِلَ منه؛ كقوله: [الطويل] 331 - لاَ تَسْأَلاَنِ المَرْءَ مَاذَا يُحَاوِلُ ... أَنَحْبٌ فَيُقْضَى أَمْ ضَلاَلٌ وَبَاطِلُ ف «ذا» هنا بمعنى الذي؛ لأنه أُبْدِلَ منه مرفوعٌ، وهو «أَنْحبٌ» ، وكذا ﴿مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ العفو﴾ [البقرة: 219] في قراءة أبي عمرو. والثالث: أن يُغَلَّبَ حكم «ما» على «ذا» فَيُتْرَكَا، ويصيرا بمنزلة اسمٍ واحدٍ، فيكون في محلِّ نصبٍ بالفِعْلِ بَعْدَهُ، والأجودُ حينئذٍ أن يُنْصبَ جوابُه والمبدلُ منه كقوله: «مَاذَا يُنْفِقُونَ قلِ: الْعَفْوَ» في قراءة غير أبي عمرو، و ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْراً﴾ [النحل: 30] عند الجميع. ومنه قوله: [البسيط] 332 - يَا خُزْرَ تَغْلِبَ مَاذَا بَالُ نِسْوَتِكُمْ ... لاَ يَسْتَفِقْنَ إِلَى الدِّيِدَيْنِ تَحْنَانَا ف «ماذا» مبتدأ، و «بالُ نسوتكم» خبرُه. الرابع: أن يُجْعَلَ «ماذا» بمنزلةِ الموصول تغليباً ل «ذا» على «ما» عكس الصورة التي قبله، وهو قليلٌ جداًّ؛ ومنه قوله: [الوافر] 333 - دَعِي مَاذَا عَلِمْتِ سَأَتَّقِيهِ ... وَلَكِنْ بِالْمُغَيِّبِ حَدِّثِينِي ف «ماذا» بمعنى الذي؛ لأنَّ ما قبله لا تعلّق له به. الخامس: زعم الفَارِسِيُّ أَنَّ «ماذا» كله نكرة موصوفة، وأنشدَ: «دَعِي مَاذَا عَلِمْتِ» أي: دَعِي شيئاَ معلوماً، وقد تقدَّم تأويله. السَّادس: وهو أضعفها أَنْ تكون «ما» استفهاماً، و «ذا» زائدة، وجميع ما تقدَّم يُصْلُحُ أن يكون مثالاً له، ولكنَّ زيداة الأسماء ممنوعة أو قليلة جِداً. إذا عُرِفَ ذلك فقوله «مَاذَا أَرَادَ اللهُ» يجوز فيه وجهان دون الأربعة الباقية: أحدهما: أن تكون «ما» استفهامية في محلِّ دفع بالابتداء، و «ذا» بمعنى «الذي» ، و «أراد اللهُ» صِلَة، والعائِدُ محذوف لاستكمال شروطَه، تقديره: «أراد اللهُ» والموصول خَبَرُ «ما» الاستفهامية. والثاني: أن تكون «مَاذَا» بمنزلةِ اسم واحدٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ بالفعلِ بعده، تقديره: أيَّ شيء أراد اللهُ. قال ابن كَيْسَان: وهو الجيد ومحل هذه الجملة النصب بالقول، و «مثلا» نصب على التمييز، قيل: وجاء على معنى التوكيد؛ لأنه من حيث أُشير إليه بهذا عُلِمَ أَنَّهُ مَثَلٌ، فجاء التمييز بعده مؤكّدا للاسم الذي أُشيرَ إليه. وقيل: نصب على الحالِ، واختلف في صاحبها، فقيل: اسم الإشارة، والعاملُ فيها معنى الإشارة. وقيل: اسم اللهِ - تعالى - مُتَمَثِّلاً بذلك. وقيل: على القطع وهو رأي الكوفيين، وَمَعْنَاه عندهم: أَنَّهُ كان أصله أن يتبع ما قبله، والأصلُ: بهذا المَثلِ، فلمَّا قَطِعَ عن التَّبعيَّةِ انتصب؛ وعلى ذلك قول امرئ القيس: [الطويل] 334 - سَوامِقُ جَبَّارٍ أَثِيثِ فُرُوعُهُ ... وَعَالَيْنَ قِنْواناً مِنَ البُسْرِ أَحْمَرَا أصله: من البُسْرِ الأَحْمَرِ. فَصْلٌ في معنى الإرادة واستقاقها و «الإرادةُ» لغةٌ طلبُ الشيءً مع المَيْلِ إليه، وقد تتجرّد للطلب، وهي التي تنسبُ إلى اللهِ - تعالى - وعَيْنُها واوٌ من رادَ يرودُ، طَلَبَ، فأصلُ «أراد» أَرْوَدَ «مثل: أقام، والمصدرُ الإرادةُ مثلُ الإقامةِ، وأصلُها: إرْوَاد فأُعِلَّتٍ وعُوِّضَ من محذوفِها تاءُ التأنيث. فَصْلٌ في ماهية الإرادة و» الإرادةُ «ماهية يجدها العاقل من نفسه، ويُدْرِكُ بالتفرقةِ البديهية بينها وبين علمه وقدرته وألمه ولذّته، وإذا كان كلك لم يكن تصور ماهيتها محتاجاً إلى التعريف. وقال المتكلمون: إنها صفة تقتضي رُجْحَانَ أحد طرفي الجائز على الآخر، لا في الوقوع، بل في الإيقاع، واحترزنا بهذا القِيْدِ الأخير عن القدرةِ. قوله:» ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً﴾ الياء فيه للسَّببيَّة، وكذلك في» يهدي به» ، وهاتان الجملتان لا محل لهما؛ لأنَّهما كالبيان للجملتين المُصَدَّرَتِيْنِ ب «أَمَّا» ، وهما من كلام الله تعالى. وقيل: في محلِّ نَصْبِ؛ لأنهما صفتان ل «مَثَلاً» أي: مَثَلاً يُفَرِّقُ النَّاس به إلى ضُلاَّلٍ ومُهْتَدِين، وهما على هذا من كلام الكفَّار. وأجاز أبو البقاء أن تكون حالاً من اسم الله، أي: مُضِلاَّ به كثيراً، وهادياً به [كثير] . وجَوَّزَ ابن عطية أن يكون جملة قوله: «يُضِلُّ بِعِ كَثِيراً» من كلام الكُفَّارِ، وجملةُ قوله: «وَيَهْدِي بِهِ كَثيراً» من كلام الباري تعالى. وهذا ليس بظاهرٍ لأنّهُ إلباسٌ في التركيب. والضميرُ في «به» عائدٌ على «ضَرْب» المضاف تقديراً إلى المَثَل، أي يضرب المثل، وقيل: الضميرُ الأوّل للتكذيب، والثاني للتصديق، ودَلَّ على ذلك قوة الكلام. [وقُرِئ: «يُضَلُّ به كثيرٌ، ويُهِدَى به كثيرٌ، وما يُضِلُّ بِهِ إلاَّ الفَاسِقُونَ» بالبناء للمفعول] . وقُرِئَ أيضاً: «يَضِلُّ كَثِيرٌ ويَهْدِي به كثيرٌ، وما يَضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفَاسِقون» بالبناء للفاعل. قال بعضهم: «وهي قراءة القَدَرِيَّة، وقد نَقَلَ ابن عطية عن أبي عمرو الدَّاني أنَّهَا قراءة المعتزلة» . ثم قال: وابن أبي عبلةَ من ثِقَاتِ الشاميين «يعني قارئها، وفي الجملةِ فهي مخالفة لسواد المصحفِ. فإنْ قيل: كيف وصف المهتدين هنا بالكثرة وهم قليلون؛ لقوله: ﴿وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ [ص: 24] ، و ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشكور﴾ [سبأ: 13] فالجوابُ أَنّهم، وإن كانوا قليلينَ في الصُّورة، فهم كثيرون في الحقيقةِ؛ كقوله: [البسيط] 335 - إِنَّ الكِرَامَ كَثِيرٌ فِي الْبِلاَدِ وَإِنْ ... قَلُّوا كَمَا غَيْرُهُمْ قَلَّ وَإِنْ كَثُرُوا فصار ذلك باعتبارين. فَصْلٌ في استعمالات الهمزة قال ابن الخطيب: «الهمزةُ تجيءُ تارةً لتنقل الفِعْلِ من غير التعدِّي إلى التعديّ كقولك:» خَرَجَ» فَإِنَّهُ غير متعدٍّ، فإذّا قلت «أَخْرج» فقد جعلته متعدّياً، وقد تجيء لتنقل الفعل من التعدِّي إلى غير التعدِّي كقوله: كَبَبَتْهُ فأكب «وقد تجيء لمجرّد الوجدان» . حُكِيَ عن عمرو بن معد يكرب أَنَّهُ قال لبني سليم: «قَاتَلْنَاكُمْ فَمَا أَجْبَنّاكُم، وَهَاجَيْنَاكم فما أفْحَمْنَاكُم، وسألناكم فما أبخلناكم» ، أي: ما وجدناكم جبناء ولا مفحمين، ولا بخلاء. ويقال: أتيت أرضَ فُلاَن فأعمرتها، أي: وجدتها عامرةً. ولقائل أن يقولَ: لم لا يجوز أن يقال: الهمزة لا تفيد إلاَّ نقل الفعل من غير التعدّي إلى التعدِّي، وأمَّا قوله: كَبَبْتُهُ فَأَكَبَّ، فلعلَّ المراد كببته فأكبَّ نفسه على نفسه فيكون قد ذكر الفعل مع حذف المفعولين، وهذا ليس بعرف؟! وأما قوله: «قاتلناكم فما أجبناكم» فالمراد ما أثّر قتالنا في صيرورتكم جبناء، وكذا القول في البواقي وهذا الذي قلناه أولى دفعاً للاشتراك. إذا ثبت هذا فنقول قولنا: «أَضَلَّهُ الله» لا يمكن حمله إلاّ على وجهين: أحدهما: أنه صَيَّرَهُ ضَالاَّ عن الدِّين. والثاني: وجده ضالاَّ. فَصْلٌ في معنى الإضلال واعلم أن معنى الإضلالِ عن الدين في اللًُّعة: هو الدعاء إلى ترك الدِّيْنِ، وتقبيحه في عَيْنِهِ، وهذا هو الإضلال الذي أضافه اللهُ - تعالى - إلى «إبليس» فقال: ﴿إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ﴾ [القصص: 15] وقال: ﴿وَلأُضِلَّنَّهُمْ﴾ [النساء: 119] . وقوله: ﴿رَبَّنَآ أَرِنَا اللذين أَضَلاَّنَا مِنَ الجن والإنس نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا﴾ [فصلت: 29] ، وأيضاً أضاف هذا الإضلال إلى فرعون، فقال: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هدى﴾ [طه: 79] . واعلم أنَّ الأُمَّةَ مجمعة على أن الإضلال بهذا المَعنى لا يجوز على اللهِ تعالى؛ فإنَّه ما دعا إلى الكفر، وما رَغَّبَ فيه، بل نهى عنه، وزَجَرَ وتَوَعَّدَ بالعقاب عليه، وإذا كان المعنى الأصلي في الإضلال في اللُّغة هذا، وهذا المعنى منفي بالإجماع، ثبت انعقاد الإجماع على أنه لا يجوز إجراء هذا اللَّفظ على ظاهره، وعند هذا افتقر أهل الْجَبْرِ والقدر إلى التأويل. أمَّا أهل الجَبْرِ فقد حملوه على أَنَّهُ - تعالى - خالق الضلال والكفر فيهم وصدّهم عن الإيمان، وحال بينهم وبينهُ، ورُبَّما قالوا: هذا هو حقيقةُ اللفظ في أصل اللغةِ؛ لأنَّ الإضلال عبارة عن جَعْلِ الشَّيء ضالاَّ كما أنَّ الإخراج والإدخال عبارةٌ عن جَعْلِ الشيء خارجاً وداخلاً. وأما المعتزلة فقالوا: التأويل من وجوه: أحدها: قالوا: إنَّ الرَّجُلَ إذا ضَلَّ باختياره عن حضور شيء من غير أن يكون لذلك الشَّيء أثر في ضلالة فيقال لذلك الشيء: إنَّهُ أَضَلَّهُ قال تعالى في حق الأصنام: ﴿إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً﴾ [إبراهيم: 36] أي: ضَلُّوا بِهِنَّ وقال: ﴿وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيراً﴾ [نوح: 23 - 24] أي: ضَلَّ كثيرٌ من النَّاسِ بهم. وقال: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً﴾ [المائدة: 64] . وقوله: ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دعآئي إِلاَّ فِرَاراً﴾ [نوح: 6] أي: لم يزدهم الدُّعاءُ إلاَّ فِراراً. وقال: ﴿فاتخذتموهم سِخْرِيّاً حتى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾ [المؤمنون: 110] وهم لم ينسوهم في الحقيقة، وكانوا يُذَكِّرونهم الله. وقال: ﴿وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هذه إِيمَاناً فَأَمَّا الذين آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: 124 - 125] . فأخبر تعالى أنَّ السورة المشتملة على الشَّرَائعِ يُعَرَّفُ أحوالهم. فمنهم من يصلح عليها؛ فيزداد بها إيماناً؛ ومنهم من يفسد عليها فيزداد بها كُفْراً، فأضيفت الزيادةُ في الإيمان، والزيادة في الكُفُرِ إلى السُّورة؛ إذ كانوا إنَّما صلحوا عند نزولها وفسدوا، فهكذا أُضيفَ الضَّلالُ والهُدَى إلى الله تعالى؛ إذ كان حدوثهما عند ضربة - تعالى - الأمثال لهم. وثانيهما: أنَّ الإضلال هو التسمية بالضلالة، فيقال: أَضَلَّهُ إذا سماه ضالاً، وأكفر فلان فلاناً إذا سمّاه كافراً، وذهب إليه قطرب، وكثير من المعتزلة. ومن أهل اللغةِ من أنكره، وقال: إِنَّمَا يقال: ضللته تضليلاً، إذا سمَّيْتُهُ ضالاًّ، وكذلك فَسّقته وفَجَّرته، أي: سَمَّيْتُه: فاسقاً وفاجراً. وأجيب عنه بأنَّه حتى صَيَّرَهُ في نَفْسِهِ ضالاَّ لَزِمَهُ أي يُصَيِّره محكوماً عليه بالضَّلال فهذا الحكم من لوازم ذلك التصيير وإطلاق اسم الملزوم على اللازمِ مشهورٌ. وثالثهما: أن يكون الإضلال هو التَّخلية، وترك المنع بالقهر، والجبر، فيقال: أَضَلَّهُ أي: خَلاَّه وضلاله. قالوا: ومجازه من قولهم: «أَفْسَدَ فُلانٌ ابْنَهُ، وأهلكه» إذا لم يتعهدّه بالتأديب؛ ومنه قوله: [الوافر] . 336 - أَضَاعُونَي وَأَيِّ فَتَىً أَضَاعُوا..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ويقال لمن ترك سيفه في الأرضِ النَّدِيَّةِ حَتَّى فَسَدَ وصدئ: أفسدت سيفك وأصدأته. ورابعها: الضلال، والإضلال هو العذاب والتعذيب لقوله ﴿إِنَّ المجرمين فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر: 47] ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النار﴾ [القمر: 48] ، فوصفهم بأنَّهُم يوم القيامةِ في ضلال، وذلك هو عذابه. وخامسها: أن تحمل الإضلال على الإهلاك والإبطال، كقوله: ﴿الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: 1] قيل: أهلكها، وأبطلها، ومجازه من قولهم: «ضَلَّ الماءُ في اللَّبَنِ» إذا صار مستهلكاً فيه. ويقال: أضَلَّ القَوْمَ مَيِّتَهُمْ، أي: واروه في قبره فأخفوه حتى صار لا يُرَى. وقالوا: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرض﴾ [السجدة: 10] فيتحمل أن يضل الله إنساناً أي: يهلكه ويعدمه. وسادسها: أن يحمل الإضلال على الإضلال عن الجَنَّةِ. قالت المعتزلة: وهذا في الحقيقة ليْسَ تأويلاً، بل حَمْلٌ للَّفظ على ظاهره فإن الآية تَدُلُّ على أَنَّهُ يضلّهم، وليس فيها دلالة على أنه عن ماذا يُضلهم؟ فنحن نحملها على أنَّهُ - تعالى - يُضِلُّهم عن طريق الْجَنَّةِ، ثُمَّ حملوا كُلَّ ما في القرآنِ من هذا الجنس على هذا المحمل، وهو اختيار الجُبَّائي. قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إلى عَذَابِ السعير﴾ [الحج: 4] أي: يُضِلُّه عن الجَنَّةِ وثوابها هذا كله إذا حملنا الهمزة في الإضلال على التعدية. وسابعها: ان تحمل الهمزة لا على التعدية، بل على الوجدان على ما تقدَّم، فيقال: أَضَلَّ فلانٌ بَعِيرَهُ أي: ضَلَّ عنه، فمعنى إضلال الله - تعالى - لهم أَنَّهُ وجدهم ضَالِّين. وثامنها: أن يكون قوله: «يُضِلُّ به كَثِيراً، ويَهْدِي بِهِ كَثِيراً» من تمام قول الكُفَّار كأَنَّهم قالوا: ماذا أراد اللهُ بهذا المثل الذي لا يظهر وجه الفائدة فيه؟ ثُمَّ قالوا: يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً، ذكروه على سبيل التَّهَكُّمِ، فهذا من قول الكُفَّارِ، ثُمَّ قال تعالى جواباً لهم: «وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِيْنَ» أي ما أضَلَّ إِلاَّ الفاسقين. هذا مجموع كلام المعتزلة. قالت الجبرية: وهذا معارضٌ بمسألة الدّاعي، وهي أن القادِرَ على العلم والْجَهِلِ والإهداء والضلالِ لم فعل أحدهما دون الآخر؟ ومعارضٌ أيضاً بمسألة العلم ما سبق تقريرها في قوله تعالى: ﴿خَتَمَ الله على قُلُوبِهمْ﴾ [البقرة: 7] . والجَوَابُ عن الآيات يأتي في مواضعه. قوله: «وما يُضِلُّ بِهِ إلاَّ الفَاسِقِيْنَ» «الفاسقين» مفعول ل «يضل» وهو استثناء مُفَرّغ، وقد تقدَّم معناه، ويجوز عند القرّاء أن يكون منصوباً على الاستثناء والمستثنى منه محذوف تقديره: «وما يُضِلُّ به أحداً إِلاَّ الفاسقين» ؛ كقوله: [الطويل] 337 - نَجَا سَالِمٌ والنَّفْسُ مِنْهُ بِشِدْقِهِ ... وَلَمْ يَنْجُ إِلاَّ جَفْنَ سَيْفٍ ومئزَرَا أي: لم ينجُ بشيء، ومنع أبو البقاء نصبه على الاستثناء، كأنَّه اعتبر مذهب جمهور البَصْريين. و «الفِسْقُ» لغةً: الخروجُ، يقالُ: فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ عن قِشْرهَا، أي: خَرَجَتْ، والفأرة من جُحُرِها. و «الفاسقُ» : خارج عن طاعةِ الله، يقال: فَسَقَ يَفْسُقُ وَيَفْسِقُ بالضم والكسر في المضارح فِسْقاً وفُسُوقاً، عن الأخفش فهو فَاسِقٌ. وزعم ابن الأعرابي، أنَّه لم يسمع في كلام الجاهلية، ولا في شعرهم «فاسق» ، وهذا عجيبٌ، وهو كلامٌ عربيٌّ حكاه عنه ابن فارس والجَوْهَرِيُّ، وقد ذكر ابنُ الأَنْبَارِيُّ في كتاب «الزَّاهِر» لمَّا تَكَلَّمَ على معنى «الفِسْقِ» قَوْلَ رُؤْبَة: [الرجز] 338 - يَهْوِينَ فِي نَجْدٍ وَغَوْراً غَائِراً ... فَوَاسِقاً عَنْ قَصْدِهَا جَوَائِرَا و «الفسيق» : الدائم الفسق، ويقال في النداء: يا فَاسِق ويا خبيث، يريد يا أيُّها الفاسق ويا أيها الخبيث. والفسقُ في عرف الاستعمال الشرعي الخروج من طاعةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فقد يقع على من خرج بعصيان. واختلف أهل القبلة في أنَّهُ مؤمنٌ أو كافر. فعند بعضهم أنَّه مؤمن، وعند الخوارج: أنَّه كافرٌ، وعند المعتزلة: أنَّه لا مؤمن ولا كافر. واحْتَجَّ الخَوَارجُ بقوله تعالى: ﴿بِئْسَ الاسم الفسوق بَعْدَ الإيمان﴾ [الحجرات: 11] . وقال: ﴿إِنَّ المنافقين هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة: 67] . وقال: ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الأيمان وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الكفر والفسوق والعصيان﴾ [الحجرات: 7] وهذه مسألة طويلة مذكورة في علم الكلام. قوله: «الَّذيِنَ يَنْقُضُون» فيه أربعة وجوه: أحدها: أَن يكون نعتاً ل «الفاسقين» . والثاني: أَنَّهُ منصوبٌ على الذَّمِّ. والثالث: أَنَّه مرفوعٌ بالابتداء، وخبره الجملة من قوله «أُولَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ» . والرابع: أَنَّهُ خبر لمبتدأ محذوف أي: هم الفاسقون. والعهدُ في كلامهم على معانٍ: منها الوصيَّةُ والضَّمان، والاكتفاء، والأمر. و «مِنْ بَعْدِ» متعلِّق ب «ينقضون» ، و «من» لابتداء الغاية، وقيل: زائدة، وليس بشيء. والضميرُ في ميثاقه يجوز أن يعود على العهد، وأن يعود على اسم الله تعالى، فهو على الأوّل مصدرٌ مضاف إلى المفعول، وعلى الثَّاني مضافٌ للفاعل. و «الميثاقُ» العَهْدُ المؤكَّدُ باليمين مِفْعَال الوثاقةِ والمعاهدةِ، والجمع: المواثيق على الأصل؛ لن أصل مِيِثَاق: مِوْثَاق، صارت «الواو» ياء؛ لانكسار ما قبلها وهو مصدرٌ ك «الميلاد» و «المِيعَاد» بمعنى الولادة، والوعد؛ وقال ابن عطية: هو اسْمٌ في وضع المصدر؛ كقوله: [الوافر] 339 - أَكُفْراً بَعْدَ رَدِّ المَوْتِ عَنِّي ... وَبَعْدَ عَطَائِكَ الْمِائَةِ الرِّتَاعَا أي: إِعْطَائِكَ، ولا حاجة تدعو إلى ذلك، والمادة تَدُلُّ على الشَّدِّ والرَبْطِ، وجمعه مَوَاثِيق، ومَيَاثِق، أيضاً، ومَيَاثيق؛ وأنشد ابن الأعرابيِّ: [الطويل] 340 - حِمًى لا يَحِلُّ الدَّهْرُ إلاَّ بإِذْنِنَا ... وَلاَ نَسْأَلُ الَقْوَامَ عَهْدَ الْمَيَاثِقِ والمَوْثِق: المِيثَاق والمُواثَقَة والمُعَاهَدَة؛ ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِيثَاقَهُ الذي وَاثَقَكُم بِهِ﴾ [المائدة: 7] . فَصْلٌ في النقض النقضُ إفسادُ ما أبرمته من بناءٍ أو حبل أو عهد، والرجوع به إلى الحالة الأولى. والنقاضة: ما نُقِضَ من حبل الشعر، والمُنَاقضةُ في القولِ: أَنْ يَتَكَلَّمَ بما يناقض معناه، والنَّقيضةُ في الشّعر ما ينقضُ به. والنَّقض: المَنْقُوض، واختلف النَّاسُ في هذا العَهْدِ، فقيل: هو أذلي أخذه اللهُ على بني آدم - عليه السَّلام - حين استخرجهم من ظهره. قال المتكلمون: «هذا ساقطٌ» ؛ لأنَّه - تعالى - لا يحتج على العبادِ بعهد وميثاق لا يشعرون به، كما لا يؤاخذهم بالسَّهْوِ والنسيان وقيل: هو وصيَّةُ اللهِ - تعالى - إلى خلقه، وأمرمه إياهم بها أمرهم به من طاعته، ونهيه إياهم عما نهاهم من معصيته في كتبه على ألسنة رسله، ونقضهم ذلك ترك العمل به، وقيل: بل نَصبَ الأدلّة على وحدانيته بالسموات، والأرضِ، وسائر الصنعة، وهو بمنزلة العَهْدِ، ونقضهم ترك النَّظَر في ذلك. وقيل: هو ما عهده إلى من أوتي الكتاب أن يبينوا نبوَّة محمد عليه السَّلام، ولا يكتموا أمره، فالآية على هذا في أَهْل الكتاب. وقاب أبو إسحاق الزَّجَّاج: عهده جَلَّ وعَزَّ ما أخذه على النَّبيين ومَنْ تبعهم، ألاَّ يَكْفُرُوا بالنبي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ودليلُ ذلك: ﴿وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ النبيين﴾ [آل عمران: 81] إلى قوله: ﴿وَأَخَذْتُمْ على ذلكم إِصْرِي﴾ [آل عمران: 81] أي: عهدي. قوله: «وَيَقْطَعُونَ» عطف على «يَنْقُضُونَ» فهي صلة أيضاً، و «ما» موصولة، و «أَمَرَ الله به» صلتها وعائدها. وأجاز أبو البقاء أن تكون نكرةً موصوفةً، ولا يجوز أن تكون مصدرية لعود الضمير عليها إلاَّ عند أبي الحَسَن وابن السراج وهي مفعولة ب «يَقْطَعُونَ» والقطع معروف، والمصدر - في الرّحم - القطيعة، يقال: قطع رحمه قطيعة فهو رجل قُطَعٌ وقُطَعَةٌ، مثل «هُمَزَة» ، وقَطَعْتُ الحبل قَطْعاً، وقطعت النهر قُطُوعاً، وقَطَعَت الطير قُطُوعاً، وقُطَاعاً، وقِطَاعاً إذ خرجت من بَلَدٍ إلى بَلَدٍ. وأصاب الناسَ قُطْعَةٌ: إذا قلت مياههم، ورجل به قُطْعٌ أي انبهار. قوله: «مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ» «ما» في موضع نصب ب «يقطعون» و «أَنْ يُوصلَ» فيه ثلاثة أوجه: أحدها: الجر على البدل من الضمير في «بِهِ» أي ما أمر الله بِوَصْلِهِ؛ كقول امرئ القيس: [الطويل] 341 - أَمِنْ ذِكْرِ سَلْمَى أَنْ نَأَتْكَ تَنُوصُ ... فَتَقْصُرُ عَنْهَا خُطْوَةٌ أَوْ تَبُوصُ أي: أمِنْ نَأْيِهَا. والنصب وفيه وجهان: أحدهما: أنه بدل من «مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ» بدل اشتمال. والثاني: أنه مفعول من أجله، فقدره المَهْدوِيّ: كراهية أن يوصل، وقدره غيره: ألا يوصل. والرفع على أنه خبر مبتدأ [مضمر] أي: هو أن يوصل، وهذا بعيداً جداً، وإن كان أبو البقاء ذكره. واختلف في الشيء الذي أمر بوصله فقيل: صلة الأرْحَام، وحقوق القرابات التي أمر الله بوصلها، وهو كقوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي الأرض وتقطعوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: 22] وفيه إشارة إلى أنهم قطعوا ما بينهم وبين النبي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - من القرابة، وعلى هذا فالآية خاصة. وقيل: أمر أن يوصل القول بالعمل، فقطعوا بينهما بأن قالوا، ولم يعملوا. وقيل: أمر أن يوصل التصديق بجميع أنبيائه، فقطعوه بتصديق بعضهم، وتكذيب بعضهم. وقيل: الإشارة إلى دين الله، وعبادته في الأرض، وإقامة شرائعه، وحفظ حدوده، فهي عامة في كل ما أمر الله - تعالى - أمرهم أن يصلوا حَبْلَهُمْ بِحَبْلِ المؤمنين، فانقطعوا عن المؤمنين، واتصلوا بالكفار. وقيل: إنهم نهوا عن التنازع وإثارة الفتن، وهم كانوا مشتغلين بذلك. و «يُفْسِدُونَ» عطف على الصّلة أيضاً، و «في الأَرْضِ» متعلق به. والأظهر أن يراد به الفساد في الأرض الذي يتعدى دون ما يقف عليهم. وقيل: يعبدون غير الله، ويجورون في الأفعال، إذ هي بحسب شهواتهم، ثم إنه - تعالى - أخبر أن من فعل هذه الأَفَاعيل خسر فقال: «أُولِئَكَ هُمُ الخَاسِرُونَ» كقوله: ﴿وأولئك هُمُ المفلحون﴾ [البقرة: 5] ، وقد تقدم أنه يجوز أن تكون هذه الجملة خبر «الذِينَ يَنْقُضُونَ» إذا جعل مبتدأ. وإن لم يجعل مبتدأ، فهي مستأنفة، فلا محل لها حينئذ، و «هم» زائدة، ويجوز أن يكون «هم» مبتدأ ثان، و «الخَاسِرُونَ» خبره، والثاني وخبره خبر الأول. والخاسر: الذي نقص نفسه حظها من الفلاح والفوز. والخسران: النقصان، كان في ميزان أو غيره؛ قال جرير: [الرجز] 342 - إِنَّ سَلِيطاً فِي الخَسَارِ إِنَّهْ ... أَوْلادُ قَوْمٍ خُلِقُوا أَقِنَّهْ يعني بالخسار ما ينقص من حظوظهم وشرفهم. قال الجوهري: وخسرت الشيء بالفتح - وأخسرته نقصته. والخَسَار والخَسَارَة والخَيْسَرَى: الضَّلال والهلاك. فقيل للهالك: خاسر؛ لأنه خسر نفسه، وأهله يوم القيامة، ومنع منزله من الجَنَّة. فصل قال القرطبي: في هذه الآية دليلٌ على أنَّ الوفاء بالعهد والتزامه، وكل عهد جائز ألزمه المرء نفسه، فلا يحل له نقضه، سواء أكان بين مسلم أم غيره، لذم الله - تعالى - من نقض عهده. وقد قال: ﴿أَوْفُواْ بالعقود﴾ [المائدة: 1] وقد قال لنبيه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فانبذ إِلَيْهِمْ على سَوَآءٍ﴾ [الأنفال: 58] فنهاه عن الغَدْرِ، وذلك لا يكون إلاَّ بنقض العهد، على ما يأتي إن شاء الله تعالى.

البقرة 2:27

اعلم أنَّه - تعالى - لَمَّا بَيَّنَ كون القرآن مُعْجزاً، أورد الكُفَّار هنا شبهةً قدحاً في ذلك، وهي أنَّهُ جاء في القرآن ذِكْرُ النَّحلِ، والعنكبوت، والنَّملِ، وهذه الأشياء لا يليق ذكرها بكلام الفُصَحَاء، فاشتمالُ القرآن عليها يقدحُ في فصاحته، فَضْلاً عن كونه مُعْجزاً، وأجاب الله - تعالى - عنه بأنَّ صِغَر هذه الأَشْيَاء لا يقدح في فصاحةٍ، إذا كان ذكرها مشتملاً على حكم بالغة، فهذا هو الإشارة إلى كيفية تَعُلُّق هذه الآية بما قبلها. روي عن ابن عبّاس - رضي اللهُ تعالى عنه - أنَّه لما قال: ﴿ياأيها الناس ضُرِبَ مَثَلٌ فاستمعوا لَهُ﴾ [الحج: 73] فطعن في أصنامهم، ثُمَّ شَبَّه عبادتها ببيت العَنْكَبُوت. قال اليهود: أي قدر للذُّبَاب والعنكبوت حتَّى يَضْربَ اللهُ المَثَل بهما؟! فنزلت هذه الآية. وقيل: إنَّ المُنَافقين طَعَنوا في ضرب الأمثال بالنَّار، والظلمات، والرَّعد، والبَرْق في قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الذي استوقد نَاراً﴾ [البقرة: 17] وقوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السمآء﴾ [البقرة: 19] قالوا: اللهُ أَجَلُّ وأعلى من أن يضرِبَ الأمثالَ، فأنزل الله هذه الآية، وهذه رواية أبي صالح عن ابن عبّاس. وروى عطاء عن ابن عبّاس أيضاً أنَّ هذا الطعن كان من المشركين. فقال القَفَّالُ رَحِمَهُ اللهُ: الكُلُّ محتملٌ هاهنا. أمَّا اليهود، فلأنه قيل في آخر الآية: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفاسقين الذين يَنقُضُونَ عَهْدَ الله مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ وهذا صفة اليهود؛ لأنَّ الخطاب بالوفاءِ بالعهدِ إنَّمَا هو لبني إسرائيل، وأمَّّا الكفار والمنافقون فقد ذكروا في سورة «المدثر» : ﴿وَلِيَقُولَ الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ والكافرون مَاذَآ أَرَادَ الله بهذا مَثَلاً﴾ [المدثر: 31] ، فالذين في قلوبهم مرض هم الكافرون المُنَافقون، والذين كفروا يحتمل المشركين، لأنَّ السورة مَكِّيَةٌ، فقد جُمِعَ الفريقان ها هنا. إذا ثبت هذا، فنقول: احتمال الكُلِّ هاهنا قائمٌ؛ لأنَّ الكافرين والمُنافقين واليهود كانوا مُتَوَافقين في إيذاء الرَّسول، وقد مضى من أوّلِ السُّورةِ إلى هذا الموضع ذكر المنافقين، واليهود، والمشركين، وكُلُّهم من الذين كفروا. ثُمَّ قال القَفَّال: «وقد يجوز أن ينزل ذلك ابتداءً من غير سبب؛ لأنَّ معناه مفيدٌ في نفسه» . فَصْلٌ في معنى الحياء واشتقاقه الحياء: تَغَيَّرَ وانكسارٌ يعتري الإنسانَ من خوفِ ما يُعَابُ بِهِ ويُذَم، واشتقاقه من الحياة، ومعناه على ما قال الزمخشري: نقصت حياته، واعتلت مجازاً، كما يُقَالُ: نَسِيَ وخَشِيَ، وشظي القوسُ: إذا اعتلت هذه الأعضاء، جُعِلَ الحييُّ لما يعتريه من الانكسار، والتَّغَيُّرِ منتكس القوة منتقص الحياة كما قالوا: فلان هلك من كذا حياءً، ومات حياءً، وذاب حياءً، يعني بقوله: «نَسِيَ وخَشِيَ وشظي» أي: أصيبَ نَسَاه، وهو «عرق» وحَشَاه، وهو ما احتوى عليه البَطْنُ، وشظاهُ وهو عَظْم في الوَرِك، واستعماله هُنَا في حَقِّ الله - تعالى - مَجَازٌ عن التَّرْكِ. وقيل: مجاز عن الخِشْيَةِ؛ لأنَّها أيْضاً من ثمراته، وَرَجَّحَهُ الطَّبريُّ، وجعله الزمخشريُّ من باب المُقَابلةِ، يعني أنَّ الكُفَّارَ لَمَّا قالوا: أَمَا يَسْتَحي رَبُّ محمد أن يضرب المثَلَ بالمُحْقّرَات، «قُوبِلَ» قولهم ذلك بقوله: ﴿إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً﴾ [ونظيره قول] أبي تمَّام: [الكامل] 322 - مَنْ مُبْلِغٌ أَفْنَاءَ يَعْرُبَ كُلَّهَا ... أَنِّي بَنَيْتُ الجَارَ قَبْلَ لمَنْزِلِ لو لم يذكر بناء الدَّارِ لم يصحّ بناء الجار. وقيل: معنى لا يستحيي، لا يمتنع، وأصْلُ الاستحياء الانقباضُ عن الشَّيء، والامتناعُ منه؛ خوفاً من مُواقعة القبيح، وهذا محالٌ على الله تعالى، وفي «صحيح مسلم» عن أم سلمة قالت: «جاءت أم سليم إلى النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقالت: يا رسولَ الله إنَّ اللهَ لا يَسْتَحي من الحَقِّ» المعنى لا يأمر بالحَيَاء فيه، ولا يمتنع من ذكره. قال ابن الخطيب: «القانون في أمثال هذه الأشياء، أنَّ كُلَّ صفةٍ ثبتت للعبدِ مما يختص بالأجسام، فإذا وصف الله بذلك، فلذلك محمولٌ على نهايات الأعراض، لا على بدايات الأعراض، مثاله: حالةٌ تَحْصُلُ للإنسان، ولكن هل لها مبدأ ومنتهى، أمَّا المبدأ فهو التغيُّر الجسماني الذي يلحق الإنسان من خوف أن يُنْسبَ إليه القبيح، وأمَّا النهاية فهو أن يترك الإنسان ذلك الفعل، فإذا ورد الحياءُ في حقِّ الله تعالى، فليس المراد منه ذلك الخوف الذي هو مبدأ الحياء ومقدمته، بل تركُ الفعلِ الذي هو منتهاه وغايته، وكذلك الغضبُ [له مقدمةٌ] وهو غليان دم القَلْبِ وشهوة الانتقام وله غاية، وهي إنزال العقاب بالمغضوب عليه، فإذا وصفنا الله - تعالى - بالغَضَبِ، فليس المراد ذلك المبدأ، يعني شهوة الانتقام، وغليان دم القَلْبِ، بل المرادُ تلك النّهاية، وهي إنزال العقاب، فهذا هو القانون الكُلِّ في هذا الباب» . فَصْلٌ في تنزيه الخالق سبحانه قال القاضي: ما لا يجوز على الله - تعالى - من هذا الجنس إثباتاً، فيجب أَلاَّ يطلق على طريقة النفي عليه، وإنَّما يقال: إنَّه - تعالى - لا يوصفُ به، فأمَّا أن يقال: «لا يستحي» ويطلقُ عليه فمحالٌ؛ لأنَّهُ يوهم نفي ما يجوز عليه، وما ذكره الله - تعالى - في كتابه من قوله: ﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾ [البقرة: 255] ، ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: 3] فهو بصورة النفي، وليس بنفي على الحقيقة، وكذلك قوله تعالى: ﴿مَا اتخذ الله مِن وَلَدٍ﴾ [المؤمنون: 91] ، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: 14] وليس كل ما ورد في القرآن جائز أن يُطْلَقَ في المخاطبة، فلا يجوز أن يطلق ذلك إلاَّ مع بيان أنَّ ذلك مُحَالٌ. ولقائلٍ أن يقولَ: لاَ شَكَّ أنَّ هذه الصِّفات منتفيةٌ عن الله تعالى، فكان الإخبار عن انتفائها يدلُّ على صحّتها عليه. فنقول: هذه الدلالة ممنوعة، وذلك أن تخصيص هذا النفي بالذكر، لا يَدُلُّ على ثبوته لغيره، لو قرنَ اللَّفظ بما يَدُلُّ على انتفاء الصِّحة كان ذلك أحسن، من حيث إنه يكون مبالغة في البيان، وليس إذا كان غيره أحسن أن يكون ذلك قبيحاً. فَصْلٌ في إعراب الآية قوله: «لا يَستَحيي» جملة في محلِّ الرفع خبراً ل «أن» ، واستفعل هنا للإغناء عن الثُّلاثي المجرّد. وقال الزمخشري: «إنَّه مُوَافق له أي: قد ورد» حَيي» ، و «استَحْيى» بمعنى واحد، والمشهور: اسْتَحْيَى يَسْتَحْيي فهو مستحيٍ ومُسْتَحْيىً منه من غير حَذْف» . قال القرطبي: «ويستحيي» أصله يَسْتَحْييُ عينه ولامه حرفا علة أعلّت «اللام» منه بأن استثقلت الضمةُ على «الياء» فسكنت، والجمعُ مستحيون ومستحيين، وقد جاء استحى يستحي فهو مستح مثل: اسْتَقَى يَسْتَقِي. وقرأ به ابن محيصن. ويروى عن ابن كثير، وهي لغة «تميم» و «بكر بن وائل» ، نقلت فيها حركة الياء الأولى إلى «الحاء» فسكنت، ثم استثقلت الضَّمة على الثانية، فسكنت، فحذف إحداهما للالتقاء، والجمعُ مستحون ومستحين، قاله الجوهري. ونقل بعضهم أن المحذوف هنا مختلفٌ فيه؛ فقيل: عينُ الكلمة، فوزنُه يَسْتَفِل. وقيل: لامُه، فوزنه يَسْتَفِع، ثُمَّ نُقِلت حركةُ اللاَّم على القول الأوّل، وحركةُ العَيْن على القول الثاني إلى الفاء، وهي الحاء؛ ومن الحذف قولُه: [الطويل] 323 - ألا تَسْتَحِي مِنَّا المُلُوكُ وَتَتَّقِي ... مَحَارِمَنا لاَ يَبُؤِ الدَّمُ بِالدَّمِ وقال آخر: [الطويل] 324 - إذا ما اسْتَحَيْنَ المَاءَ يَعْرِضُ نَفْسَهُ ... كَرَعْنَ بِسبْتٍ في إِنَاءٍ مِنَ الوَرْدِ و «استحيي» يتعدَّى تارة بنفسه، وتارة بحرف جرّ تقول: استحييتُه وعليه: إذا ما استحين الماء. . واستحييت منه؛ وعليه: أَلاّ تستحي مِنَّا الملوك. . فيحتمل أن يكون قد تعدَّى في هذه الآية إلى أن يضرب بنفسه، فيكون في محل نصب قولاً واحداً، ويحتمل أن يكون تَعَدَّى إليه بحرف المحذوف، وحينئذٍ يجري الخلافُ المتقدّم في قوله: «أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ» . و «يَضْرِب» معناه: يُبَيِّنُ فيتعدَّى لواحدٍ. وقيل: معناه التصييرُ، فيتعدّى لاثنين نحو: «ضَرَبْتُ الطِّينَ لَبِناً» . وقال بعضهم: «لا يتعدَّى لاثنين إلاَّ مع المثل خاصة» ، فعلى القول الأوّلِ يكونُ « مَثَلاً» مفعولاً و «ما» زائدة. وقال أبو مسلم الأصفهاني: «معاذ الله أنْ يكون في القرآن زيادة» . وقال ابن الخطيب: والأصح قول أبي مُسْلِمِ؛ لأن الله - تعالى - وصف القرآن بكونه: هدى وبَيَاناً، وكونه لَغْواً ينافي ذلك، فعلى هذا يكون «ما» صفة للنكرة قبلها، لتزداد النكرة اتساعاً. ونظيره قولهم: «لأَمْرٍ مَّا جَدَعَ قَصيرٌ أَنْفُهُ» وقولُ امرئ القيس: [المديد] 325 - وَحَدِيثُ الرَّكبِ يَوْمَ هُنَا ... وَحَدِيثٌ مَّا عَلَى قِصَرِهْ وقال أبو البَقَاءِ: وقيل: «ما» نَكِرَةٌ موصوفةٌ، ولم يجعل بعوضة صفتها، بل جعلها بدلاً منها، وفيه نظرٌ؛ إذ يحتاج أن يُقدِّر صفةً محذوفة ولا ضرورة لذلك، فكان الأولى أن يجعل بعوضةً صفتها بمعنى أنَّهُ وصفها بالجنس المُنكَّرِ لإبهامِه، فهي في معنى «قليل» ، وإليه ذهب الفرّاء والزَّجَّاجُ وثَعْلَبٌ، وتكون «ما» وصفتها حينئذٍ بدلاً من «مَثَلاً» و «بعوضة» بدلاً من «ما» ، أو عطف بيان لها، إن قيل: «ما» صفة ل «مثلاً» ، أو نعتٌ ل «ما» إن قيل: إنَّها بدلٌ من «مثلاً» كما تقدَّم في قول الفَرَّاء، وبدلٌ من «مثلاً» أو نعتٌ ل «ما» إن قيل: إنَّها بدلٌ من «مثلاً» كما تقدَّم في قول الفَرَّاء، وبدلٌ من «مثلاً» أو عطف بيان له إن قيل: إن «ما» زائدة. وقيل: «بعوضة» هو المفعول، و «مثلاً» نُصِبَ على الحالِ قُدِّمَ على النكرةِ. وقيل: نُصِبَ على إسقاط الخافض، التقدير: ما بين بعوضةٍ، فلمَّا حُذِفَتْ «بين» أعربت «بعوضة» بإعرابها، وتكون الفاء في قوله: «فما فوقها» بمعنى إلى، أي: إلى ما فوقها، ويعزى هذا للكسائي والفرّاء وغيرهم من الكوفيين؛ وأنشدوا: [البسيط] 326 - يَا أَحْسَنَ النَّاسِ مَا قَرْناً إلَى قَدَمٍ ... وَلاَ حِبَالَ مُحِبٍّ وَاصِلٍ تَصِلُ أي: ما بين قَرْنٍ. وَحَكَوْا: «له عشرون ما ناقةً فَجَمَلاً» ، وعلى القول الثَّاني يكونُ «مثلاً» مفعول أوَّلَ، و «ما» تحتمل الوجهين المتقدمين، و «بعوضةً» مفعولٌ ثانٍ. وقيل: بعوضةً هي المفعولُ الأولُ، و «مَثَلاً» هو الثَّاني، ولَكِنَّهٌُ قُدِّم. وتلخَّص مما تقدَّم أنَّ في «ما» ثلاثة أوجه: زائدة، صفة لما قبلَها، نكِرةٌ موصوفةٌ، وأنَّ في «مثلاً» ثلاثة أيضاً: مفعول أوّل، أو مفعول ثان، أو حالٌ مقدّمة، وأنَّ في «بعوضة» تسعة أوجه، والصوابُ من ذلك كُلُّه أن يكون «ضَرَبَ» متعدِّياً لواحدٍ بمعنى بَيَّنَ، و «مثلاً» مفعولٌ به، بدليل قوله: «ضُرِبَ مَثَلٌ» ، و «ما» صفةٌ للنَّكِرة، و «بعوضةً» بدلٌ لا عطف بيان، لأن عطف البيان ممنوع عند جمهور البصريين في النكرات. وقرأ إبراهيم بن أبي عَبْلَةَ والضَّحَّاكُ ورؤبة بن العجاج برفع «بعوضةٌ» واتفقوا على أنَّها خبرٌ لمبتدأ، ولكنهم اختلفوا في ذلك المبتدأ، فقيل: هو «ما» على أنَّها استفهاميةٌ أيك أيُّ شيء بعوضةٌ، وإليه ذهب الزمخشري ورَجَّحَهُ. وقيل: المبتدأ مضمرٌ تقديرُه «: هو بعوضةٌ، وفي ذلك وجهان: أحدهما: أن تُجْعَلَ هذه الجملة صلة ل» ما «لكونها بمعنى الذي، ولكنَّه حذف العائد، وإن لم تَطُل الصِّلةُ، وهذا لا يجوز عند البصريين إلاَّ في» أيّ» خاصّة لطولها بالإضافة، وأمَّا غيرُها فشاذٌّ، أو ضرورة كقراءة: ﴿تَمَاماً عَلَى الذي أَحْسَنَ﴾ [الأنعام: 154] وقوله: [البسيط] 327 - مَنْ يُعَنْ يِالحَقِّ لاَ يَنْطِقْ بِمَا سَفَهٌ ... وَلاَ يَحِدْ عَنْ سَبِيلِ الحَمْدِ وَالكَرَمِ أي: الذي هو أحسنُ، وبما هو سَفَهٌ، وتكونُ «ما» على هذا بدلاً من «مثلاً» كأنَّهُ قيل: مثلاً الذي هو بعوضةٌ. قال النَّحَّاسُ: «والحذفُ في» ما» أقبحُ منه في «الذي» لأن» الذي «إنّما له وجه واحد، والاسم معه أطول» . والثاني: أن تُجْعَلَ «ما» زائدة، أو صفةً، وتكون «هو بعوضةٌ» جملة كالمفسِّرة لما انطوى عليه الكلامُ. ويقال: إنَّ معنى: «ضربتُ له مثلاً» مَثَّلْتُ له مَثَلاً، وهذه الأبنيةِ على ضربٍ واحدٍ، وعلى مثال [واحد] ونوعٍ واحد. والضربُ: النوعُ، والبعوضةُُ: واحِدةُ البعوض، وهو معروف، وهو في الأَصْلِ وَصْفٌ على فَعُول كالقَطُوع، مأخوذ من البَعْض، وهو القَطْع، وكذلك البَضْع والعَضْب؛ قال: [الوافر] 328 - لَنِعْمَ البَيْتُ بَيْتُ أَبِي دِثَارٍ ... إِذَا مَا خَافَ بَعْضُ القَوْمِ بَعْضَا وقال الجوهري: البعوض: البَقُّ، الواحدة بعوضة، سُميت بذلك لصغرها. فَصْلٌ في استحسان ضرب الأمثال اعلم أنّ ضرب الأمثال من الأمور المستحسنة في العقول، وقد اشتهر العربُ في التمثيل بأحقر الأشياء، فقالوا في التمثيل بالذَّرَّةِ: «أجمع من ذَرَّةٍ» ، و «أضبط من ذرَّة» ، «وأخفى من ذَرَّةٍ» ، وفي التمثيل بالذُّباب: «أجرأ من الذُّبَاب» ، «وأخطأ من الذُّبَاب» ، «وأطيش من الذباب» ، و «أشبه من الذبابِ بالذباب» ، «وألخّ من الذُّبَاب» . وفي التمثيل بالقراد: «أسمع من قراد» ، وأضعف من قرادة، وأعلق من قرادة، وأغم من قرادة، وأدبّ من قرادة. وقالوا في الجراد: أَطْيَرُ من جَرَادة، وأحْطَم من جَرَادة، وأَفْسد من جرادة، وأصفى من لعاب الجرادة. وفي الفراشة: «أضعف من فراشة» ، «وأجمل من فراشة» ، و «أطيش من فراشة» . وفي البعوضةِ: «كلفني مخّ البعوضة» ، مثلٌ في تكليف ما لا يُطاق. فقولهم: ضرب الأمثال لهذه الأشياء الحقيرة لا يليق بالله تعالى. قلنا: هذا جَهْلٌ، لأنَّهُ - تعالى - هو الذي خلق الكبير والصغير، وحكمه في كُلِّ ما خلق وبرأ عام؛ لأنَّه قد أحكم جميعه، وليس الصغير أخفّ عليه من العظيم، ولا العظيم أصعب عليه من الصَّغير، وإذا كان الكُلُّ بمنزلةٍ واحدةٍ لم يكن الكبير أَوْلَى من أن يضربه مثلاً لعباده من الصغير، بل المعتبر فيه ما يليقُ بالقضيَّةِ، وإذا كان الأليق بها الذُّباب والعنكبوت، ضرب المثل بهما، لا بالفيل والجمل، فإذا أراد أن يُقَبَّحَ عبادتهم للأصنام، ويُقَبِّحَ عدو لهم عن عبادة الرحمن، صَلَحَ أن يضرب المثل بالذُّبَاب، لِيُبَيِّنَ أن قدر مَضَرَّتها لا تندفع بهذه الأصنام، ويضرب المثل العَنْكَبُوت؛ لِيُبَيِّنَ أنَّ عبادتها أَوْهَى وأضعف من ذلك كُلَّما كان المضروب به المثل أضعف كان المثل أقوى وأوضح، وضرب المَثَلِ بالبعوضة؛ لأَنَهُ من عجائب خلق الله تعالى؛ فإنه صغير جِدًّا، وخرطومه في غاية الصغر، ثُمَّ إنَّه من ذلك مجوّف، ثمَّ ذلك الخرطوم مع فرط صغره، وكونه مجوّفاً يغوص في جلد الفِيل والجَامُوس على ثَخَانَتِهِ، كما يضرب الرجل أصابعه في الخبيص، وذلك لما رَكَّبَ الله في رأس خرطومه من السم. قوله: ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ قد تقدَّم أنَّ «الفاء» بمعنى «إلى» ، وهو قولٌ مرجوحٌ جَدًّا، و «ما» في «فَمَا فَوْقَهَا» إن نصبنا «بعوضة» كانت معطوفة عليها موصولةً بمعنى «الذي» ، وصلتُهَا الظَّرفُ، أو موصوفةً وصفتها الظرفُ أيضاً، وإن رفعنا «بعوضةٌ» ، وجعلنا «ما» الأولى موصولة أو استفهامية، فالثانية معطوفة عليها، لكن في جَعْلِنَا «ما» موصولةً يكون ذلك من عَطْفِ المفردات، وفي جعلنا إيَّاها استفهامية يكون من عَطْفِ الجمل، وإن جعلنا «ما» زائدة، أو صفة لنكرةٍ، و «بعوضةٌ» ل «هو» مضمراً كانت «ما» معطوفة على بعوضة. فَصْلٌ في معنى قوله: «فما فوقها» قال الكِسَائيّ وأبو عُبَيْدَةَ، وغيرهما: معنى «فما فوقها» والله اعلمُ: ما دونها في الصِّغَرِ، والمحقّقون مالوا إلى هذا القول؛ لأنَّ المقصود من هذا التمثيل تحقير الأوثان، وكُلَّمَا كان المشبَّهُ به أشدَّ حقارةً كان المقصود أكمل حصولاً في هذا الباب. وقال قتادة، وابن جريج: «المعنى في الكبر كالذُّباب، والعنكبوت، والكلبِ، والحمار؛ لأنَّ القوم أنكروا تمثيل اللهِ بتلك الأشياء» . قوله: ﴿فَأَمَّا الذين آمَنُواْ﴾ . «أمَّا» حرفٌ ضُمِّنَ معنى اسم شرط وفعله، كذا قَدَّرَه سيبويه قال: «أمَّا» بمنزلةِ مَهْمَا يَكُ مِنْ شَيءٍ. وقال الزَّمَخْشَرِيّ: وفائدته في الكلام أن يعطيه فَضْلَ توكيد، تقولُ: زيدٌ ذاهبُ، فّا قصدت توكيد ذلك، وأنَّهُ لا محالة ذاهبٌ، قلت: أمَّا زيدٌ فذاهبُ. وقال بعضهم: «أمَّا» حرف تفصيل لما أجمله المتكلم، أو ادَّعاه المخاطبُ، ولا يليها إلاَّ المبتدأ، وتلزم الفاءُ في جوابها، ولا تُحْذَفُ إلاَّ مع قولٍ ظاهرٍ ومقدَّرٍ كقوله: ﴿فَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [آل عمران: 106] أي: فيقال لهم: أكَفَرْتُمْ، وقد تحذفُ حيث لا قَوْلَ؛ كقوله: [الطويل] 329 - فأَمَّا القِتَالُ لا قِتَالَ لَدِيْكُمُ ... وَلَكِنَّ سَيْراً في عِرَاضِ المَوَاكِبِ أي: فلا قتالَ. ولا يجوز أن تليها «الفاء» مباشرة، ولا أن تتأخّر عنها بِجُزْأَي جملةٍ، لو قلت: «أَمَّا زَيدٌ منطلقٌ ففي الدَّار» لم يجز، ويجوز أنْ يَتَقَدَّمَ معمولُ ما بعد «الفاءِ» عليها ممتليٌّ أمَّا كقوله: ﴿فَأَمَّا اليتيم فَلاَ تَقْهَرْ﴾ [الضحى: 9] ولا يجوز الفصلُ بَيْن أَمَّا والفاءِ بمعمول خبر «إنَّ» خلافاً للمبرد، ولا بمعمول خبر «ليت» و «لَعَلَّ» خلافاً للفرّاء، وإن وقع بعدها مصدرٌ نحو: «أمَّا عِلْماً فعالمٌ» فإن كان نكرةً جاز نصبه عند التميميين فيه الرفع والنصب نحو: «أَمَّا العِلْمُ فَعَالِمٌ» ، ونصب المنكِّر عند سيبويه على الحال، والمعرَّف مفعول له. وأمَّا الأخفشُ فنصبهما عنده على المفعول المطلق، والنصب بفعلِ الشرط المقدَّر، أو بما بعد الفاء، ما لم يمنع مانعٌ، فيتَعَيَّن فِعلُ الشرط نحو: أمَّا عِلْمَاً فلا عِلْمَ له أو: فإنَّ زيداً عالمٌ؛ لأن «لا» و «إنَّ» لا يَعْمَلُ ما بعدهما فيما قبلهما. وأمَّا الرفعُ فالظاهِرُ أنه بفعل الشرط المقدَّرِ، أي: مهما يُذْكَرْ عِلْمٌ، أو: العلم فزيدٌ عالمٌ، ويجوز أن يكون مبتدأ، وعالمٌ خبر مبتدأ محذوف، والجملةُ خبرةُ، والتقديرُ: أَمَّا علمٌ - أو العلمُ - فزيدٌ عالمٌ به، وجاز الابتداء بالنكرة، لأنَّهُ موضعُ تفصيل، وفيها كلام طويل. و «الَّذِينَ آمَنُوا» في مَحَلِّ رفع بالابتداء، و «فيعلمون» خبره. قوله: «فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ» . الفاءُ جواب «أَمَّا» لما كان تضمنته من معنى الشَّرط، و «أَنَّهُ الْحَقُّ» سَادٌّ مَسَدَّ المفعولين عند الجمهور، [وساد] مسدّ المفعول الأوّل فقط، والثاني محذوف، عند الأخفش، أي: فيعلمون حَقِيْقَتَهُ ثَابِتَةً. وقال الجمهور: لا حَاجَةَ إلى ذلك؛ لأنَّ وجود النسبة فيها بعد «أّنَّ» كافٍ في تَعَلُّقِ العلمِ، أو الظَّنِّ به، والضمير في «أَنَّهُ» عائدٌ على المَثَلِ. وقيل: على ضرب المثل المفهوم من الفِعْلِ. وقيل: على ترك الاستحياء. و «الحقُّ» : هو الثابت، ومنه حَقَّ الأمْرُ أي: ثبت، ويقابله الباطل. و «الحق» واحدُ الحقوق، و «الحَقَّة» بفتح الحاء أخص منه، يقال: هذه حَقَّتِي، و «مِنْ» لابتداء الغاية المَجَازية. قوله: «وأَمَّا الَّذِينَ كفروا» لغة «بني تميم» ، و «بني عامر» في «أَمَّا» «أَيْمَا» يبدلون من أحد الميمَْن ياءً؛ كراهيةٌ للتضعيف؛ وأنشد عمرُ بنُ أبي رَبِيعَةَ: [الطويل] 330 - رَأَتْ رَجُلاً أَيْمَا إِذَا الشَّمْسُ عَارَضَتْ ... فَيَضْحَى وَأَيْمَا بِالعَشِيِّ فَيَخْصَرُ قوله: «فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ» . اعلم أَنَّ «ما» في كلام العرب ستى استعمالات: أحها: أن تكون «ما» اسم استفهام في محل رفع بالابتداء، و «ذا» اسمُ إشارةٍ خبرُهُ. والثاني: أن تكون «ما» استفهاميةً و «ذا» بمعنى الَّذِي، والجملةُ بعدها صلةٌ، وعائدها محذوفٌ، والأجودُ حينئذٍ أن يرفع ما أجيبَ به أو أُبْدِلَ منه؛ كقوله: [الطويل] 331 - لاَ تَسْأَلاَنِ المَرْءَ مَاذَا يُحَاوِلُ ... أَنَحْبٌ فَيُقْضَى أَمْ ضَلاَلٌ وَبَاطِلُ ف «ذا» هنا بمعنى الذي؛ لأنه أُبْدِلَ منه مرفوعٌ، وهو «أَنْحبٌ» ، وكذا ﴿مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ العفو﴾ [البقرة: 219] في قراءة أبي عمرو. والثالث: أن يُغَلَّبَ حكم «ما» على «ذا» فَيُتْرَكَا، ويصيرا بمنزلة اسمٍ واحدٍ، فيكون في محلِّ نصبٍ بالفِعْلِ بَعْدَهُ، والأجودُ حينئذٍ أن يُنْصبَ جوابُه والمبدلُ منه كقوله: «مَاذَا يُنْفِقُونَ قلِ: الْعَفْوَ» في قراءة غير أبي عمرو، و ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْراً﴾ [النحل: 30] عند الجميع. ومنه قوله: [البسيط] 332 - يَا خُزْرَ تَغْلِبَ مَاذَا بَالُ نِسْوَتِكُمْ ... لاَ يَسْتَفِقْنَ إِلَى الدِّيِدَيْنِ تَحْنَانَا ف «ماذا» مبتدأ، و «بالُ نسوتكم» خبرُه. الرابع: أن يُجْعَلَ «ماذا» بمنزلةِ الموصول تغليباً ل «ذا» على «ما» عكس الصورة التي قبله، وهو قليلٌ جداًّ؛ ومنه قوله: [الوافر] 333 - دَعِي مَاذَا عَلِمْتِ سَأَتَّقِيهِ ... وَلَكِنْ بِالْمُغَيِّبِ حَدِّثِينِي ف «ماذا» بمعنى الذي؛ لأنَّ ما قبله لا تعلّق له به. الخامس: زعم الفَارِسِيُّ أَنَّ «ماذا» كله نكرة موصوفة، وأنشدَ: «دَعِي مَاذَا عَلِمْتِ» أي: دَعِي شيئاَ معلوماً، وقد تقدَّم تأويله. السَّادس: وهو أضعفها أَنْ تكون «ما» استفهاماً، و «ذا» زائدة، وجميع ما تقدَّم يُصْلُحُ أن يكون مثالاً له، ولكنَّ زيداة الأسماء ممنوعة أو قليلة جِداً. إذا عُرِفَ ذلك فقوله «مَاذَا أَرَادَ اللهُ» يجوز فيه وجهان دون الأربعة الباقية: أحدهما: أن تكون «ما» استفهامية في محلِّ دفع بالابتداء، و «ذا» بمعنى «الذي» ، و «أراد اللهُ» صِلَة، والعائِدُ محذوف لاستكمال شروطَه، تقديره: «أراد اللهُ» والموصول خَبَرُ «ما» الاستفهامية. والثاني: أن تكون «مَاذَا» بمنزلةِ اسم واحدٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ بالفعلِ بعده، تقديره: أيَّ شيء أراد اللهُ. قال ابن كَيْسَان: وهو الجيد ومحل هذه الجملة النصب بالقول، و «مثلا» نصب على التمييز، قيل: وجاء على معنى التوكيد؛ لأنه من حيث أُشير إليه بهذا عُلِمَ أَنَّهُ مَثَلٌ، فجاء التمييز بعده مؤكّدا للاسم الذي أُشيرَ إليه. وقيل: نصب على الحالِ، واختلف في صاحبها، فقيل: اسم الإشارة، والعاملُ فيها معنى الإشارة. وقيل: اسم اللهِ - تعالى - مُتَمَثِّلاً بذلك. وقيل: على القطع وهو رأي الكوفيين، وَمَعْنَاه عندهم: أَنَّهُ كان أصله أن يتبع ما قبله، والأصلُ: بهذا المَثلِ، فلمَّا قَطِعَ عن التَّبعيَّةِ انتصب؛ وعلى ذلك قول امرئ القيس: [الطويل] 334 - سَوامِقُ جَبَّارٍ أَثِيثِ فُرُوعُهُ ... وَعَالَيْنَ قِنْواناً مِنَ البُسْرِ أَحْمَرَا أصله: من البُسْرِ الأَحْمَرِ. فَصْلٌ في معنى الإرادة واستقاقها و «الإرادةُ» لغةٌ طلبُ الشيءً مع المَيْلِ إليه، وقد تتجرّد للطلب، وهي التي تنسبُ إلى اللهِ - تعالى - وعَيْنُها واوٌ من رادَ يرودُ، طَلَبَ، فأصلُ «أراد» أَرْوَدَ «مثل: أقام، والمصدرُ الإرادةُ مثلُ الإقامةِ، وأصلُها: إرْوَاد فأُعِلَّتٍ وعُوِّضَ من محذوفِها تاءُ التأنيث. فَصْلٌ في ماهية الإرادة و» الإرادةُ «ماهية يجدها العاقل من نفسه، ويُدْرِكُ بالتفرقةِ البديهية بينها وبين علمه وقدرته وألمه ولذّته، وإذا كان كلك لم يكن تصور ماهيتها محتاجاً إلى التعريف. وقال المتكلمون: إنها صفة تقتضي رُجْحَانَ أحد طرفي الجائز على الآخر، لا في الوقوع، بل في الإيقاع، واحترزنا بهذا القِيْدِ الأخير عن القدرةِ. قوله:» ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً﴾ الياء فيه للسَّببيَّة، وكذلك في» يهدي به» ، وهاتان الجملتان لا محل لهما؛ لأنَّهما كالبيان للجملتين المُصَدَّرَتِيْنِ ب «أَمَّا» ، وهما من كلام الله تعالى. وقيل: في محلِّ نَصْبِ؛ لأنهما صفتان ل «مَثَلاً» أي: مَثَلاً يُفَرِّقُ النَّاس به إلى ضُلاَّلٍ ومُهْتَدِين، وهما على هذا من كلام الكفَّار. وأجاز أبو البقاء أن تكون حالاً من اسم الله، أي: مُضِلاَّ به كثيراً، وهادياً به [كثير] . وجَوَّزَ ابن عطية أن يكون جملة قوله: «يُضِلُّ بِعِ كَثِيراً» من كلام الكُفَّارِ، وجملةُ قوله: «وَيَهْدِي بِهِ كَثيراً» من كلام الباري تعالى. وهذا ليس بظاهرٍ لأنّهُ إلباسٌ في التركيب. والضميرُ في «به» عائدٌ على «ضَرْب» المضاف تقديراً إلى المَثَل، أي يضرب المثل، وقيل: الضميرُ الأوّل للتكذيب، والثاني للتصديق، ودَلَّ على ذلك قوة الكلام. [وقُرِئ: «يُضَلُّ به كثيرٌ، ويُهِدَى به كثيرٌ، وما يُضِلُّ بِهِ إلاَّ الفَاسِقُونَ» بالبناء للمفعول] . وقُرِئَ أيضاً: «يَضِلُّ كَثِيرٌ ويَهْدِي به كثيرٌ، وما يَضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفَاسِقون» بالبناء للفاعل. قال بعضهم: «وهي قراءة القَدَرِيَّة، وقد نَقَلَ ابن عطية عن أبي عمرو الدَّاني أنَّهَا قراءة المعتزلة» . ثم قال: وابن أبي عبلةَ من ثِقَاتِ الشاميين «يعني قارئها، وفي الجملةِ فهي مخالفة لسواد المصحفِ. فإنْ قيل: كيف وصف المهتدين هنا بالكثرة وهم قليلون؛ لقوله: ﴿وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ [ص: 24] ، و ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشكور﴾ [سبأ: 13] فالجوابُ أَنّهم، وإن كانوا قليلينَ في الصُّورة، فهم كثيرون في الحقيقةِ؛ كقوله: [البسيط] 335 - إِنَّ الكِرَامَ كَثِيرٌ فِي الْبِلاَدِ وَإِنْ ... قَلُّوا كَمَا غَيْرُهُمْ قَلَّ وَإِنْ كَثُرُوا فصار ذلك باعتبارين. فَصْلٌ في استعمالات الهمزة قال ابن الخطيب: «الهمزةُ تجيءُ تارةً لتنقل الفِعْلِ من غير التعدِّي إلى التعديّ كقولك:» خَرَجَ» فَإِنَّهُ غير متعدٍّ، فإذّا قلت «أَخْرج» فقد جعلته متعدّياً، وقد تجيء لتنقل الفعل من التعدِّي إلى غير التعدِّي كقوله: كَبَبَتْهُ فأكب «وقد تجيء لمجرّد الوجدان» . حُكِيَ عن عمرو بن معد يكرب أَنَّهُ قال لبني سليم: «قَاتَلْنَاكُمْ فَمَا أَجْبَنّاكُم، وَهَاجَيْنَاكم فما أفْحَمْنَاكُم، وسألناكم فما أبخلناكم» ، أي: ما وجدناكم جبناء ولا مفحمين، ولا بخلاء. ويقال: أتيت أرضَ فُلاَن فأعمرتها، أي: وجدتها عامرةً. ولقائل أن يقولَ: لم لا يجوز أن يقال: الهمزة لا تفيد إلاَّ نقل الفعل من غير التعدّي إلى التعدِّي، وأمَّا قوله: كَبَبْتُهُ فَأَكَبَّ، فلعلَّ المراد كببته فأكبَّ نفسه على نفسه فيكون قد ذكر الفعل مع حذف المفعولين، وهذا ليس بعرف؟! وأما قوله: «قاتلناكم فما أجبناكم» فالمراد ما أثّر قتالنا في صيرورتكم جبناء، وكذا القول في البواقي وهذا الذي قلناه أولى دفعاً للاشتراك. إذا ثبت هذا فنقول قولنا: «أَضَلَّهُ الله» لا يمكن حمله إلاّ على وجهين: أحدهما: أنه صَيَّرَهُ ضَالاَّ عن الدِّين. والثاني: وجده ضالاَّ. فَصْلٌ في معنى الإضلال واعلم أن معنى الإضلالِ عن الدين في اللًُّعة: هو الدعاء إلى ترك الدِّيْنِ، وتقبيحه في عَيْنِهِ، وهذا هو الإضلال الذي أضافه اللهُ - تعالى - إلى «إبليس» فقال: ﴿إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ﴾ [القصص: 15] وقال: ﴿وَلأُضِلَّنَّهُمْ﴾ [النساء: 119] . وقوله: ﴿رَبَّنَآ أَرِنَا اللذين أَضَلاَّنَا مِنَ الجن والإنس نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا﴾ [فصلت: 29] ، وأيضاً أضاف هذا الإضلال إلى فرعون، فقال: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هدى﴾ [طه: 79] . واعلم أنَّ الأُمَّةَ مجمعة على أن الإضلال بهذا المَعنى لا يجوز على اللهِ تعالى؛ فإنَّه ما دعا إلى الكفر، وما رَغَّبَ فيه، بل نهى عنه، وزَجَرَ وتَوَعَّدَ بالعقاب عليه، وإذا كان المعنى الأصلي في الإضلال في اللُّغة هذا، وهذا المعنى منفي بالإجماع، ثبت انعقاد الإجماع على أنه لا يجوز إجراء هذا اللَّفظ على ظاهره، وعند هذا افتقر أهل الْجَبْرِ والقدر إلى التأويل. أمَّا أهل الجَبْرِ فقد حملوه على أَنَّهُ - تعالى - خالق الضلال والكفر فيهم وصدّهم عن الإيمان، وحال بينهم وبينهُ، ورُبَّما قالوا: هذا هو حقيقةُ اللفظ في أصل اللغةِ؛ لأنَّ الإضلال عبارة عن جَعْلِ الشَّيء ضالاَّ كما أنَّ الإخراج والإدخال عبارةٌ عن جَعْلِ الشيء خارجاً وداخلاً. وأما المعتزلة فقالوا: التأويل من وجوه: أحدها: قالوا: إنَّ الرَّجُلَ إذا ضَلَّ باختياره عن حضور شيء من غير أن يكون لذلك الشَّيء أثر في ضلالة فيقال لذلك الشيء: إنَّهُ أَضَلَّهُ قال تعالى في حق الأصنام: ﴿إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً﴾ [إبراهيم: 36] أي: ضَلُّوا بِهِنَّ وقال: ﴿وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيراً﴾ [نوح: 23 - 24] أي: ضَلَّ كثيرٌ من النَّاسِ بهم. وقال: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً﴾ [المائدة: 64] . وقوله: ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دعآئي إِلاَّ فِرَاراً﴾ [نوح: 6] أي: لم يزدهم الدُّعاءُ إلاَّ فِراراً. وقال: ﴿فاتخذتموهم سِخْرِيّاً حتى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾ [المؤمنون: 110] وهم لم ينسوهم في الحقيقة، وكانوا يُذَكِّرونهم الله. وقال: ﴿وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هذه إِيمَاناً فَأَمَّا الذين آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: 124 - 125] . فأخبر تعالى أنَّ السورة المشتملة على الشَّرَائعِ يُعَرَّفُ أحوالهم. فمنهم من يصلح عليها؛ فيزداد بها إيماناً؛ ومنهم من يفسد عليها فيزداد بها كُفْراً، فأضيفت الزيادةُ في الإيمان، والزيادة في الكُفُرِ إلى السُّورة؛ إذ كانوا إنَّما صلحوا عند نزولها وفسدوا، فهكذا أُضيفَ الضَّلالُ والهُدَى إلى الله تعالى؛ إذ كان حدوثهما عند ضربة - تعالى - الأمثال لهم. وثانيهما: أنَّ الإضلال هو التسمية بالضلالة، فيقال: أَضَلَّهُ إذا سماه ضالاً، وأكفر فلان فلاناً إذا سمّاه كافراً، وذهب إليه قطرب، وكثير من المعتزلة. ومن أهل اللغةِ من أنكره، وقال: إِنَّمَا يقال: ضللته تضليلاً، إذا سمَّيْتُهُ ضالاًّ، وكذلك فَسّقته وفَجَّرته، أي: سَمَّيْتُه: فاسقاً وفاجراً. وأجيب عنه بأنَّه حتى صَيَّرَهُ في نَفْسِهِ ضالاَّ لَزِمَهُ أي يُصَيِّره محكوماً عليه بالضَّلال فهذا الحكم من لوازم ذلك التصيير وإطلاق اسم الملزوم على اللازمِ مشهورٌ. وثالثهما: أن يكون الإضلال هو التَّخلية، وترك المنع بالقهر، والجبر، فيقال: أَضَلَّهُ أي: خَلاَّه وضلاله. قالوا: ومجازه من قولهم: «أَفْسَدَ فُلانٌ ابْنَهُ، وأهلكه» إذا لم يتعهدّه بالتأديب؛ ومنه قوله: [الوافر] . 336 - أَضَاعُونَي وَأَيِّ فَتَىً أَضَاعُوا..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ويقال لمن ترك سيفه في الأرضِ النَّدِيَّةِ حَتَّى فَسَدَ وصدئ: أفسدت سيفك وأصدأته. ورابعها: الضلال، والإضلال هو العذاب والتعذيب لقوله ﴿إِنَّ المجرمين فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر: 47] ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النار﴾ [القمر: 48] ، فوصفهم بأنَّهُم يوم القيامةِ في ضلال، وذلك هو عذابه. وخامسها: أن تحمل الإضلال على الإهلاك والإبطال، كقوله: ﴿الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: 1] قيل: أهلكها، وأبطلها، ومجازه من قولهم: «ضَلَّ الماءُ في اللَّبَنِ» إذا صار مستهلكاً فيه. ويقال: أضَلَّ القَوْمَ مَيِّتَهُمْ، أي: واروه في قبره فأخفوه حتى صار لا يُرَى. وقالوا: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرض﴾ [السجدة: 10] فيتحمل أن يضل الله إنساناً أي: يهلكه ويعدمه. وسادسها: أن يحمل الإضلال على الإضلال عن الجَنَّةِ. قالت المعتزلة: وهذا في الحقيقة ليْسَ تأويلاً، بل حَمْلٌ للَّفظ على ظاهره فإن الآية تَدُلُّ على أَنَّهُ يضلّهم، وليس فيها دلالة على أنه عن ماذا يُضلهم؟ فنحن نحملها على أنَّهُ - تعالى - يُضِلُّهم عن طريق الْجَنَّةِ، ثُمَّ حملوا كُلَّ ما في القرآنِ من هذا الجنس على هذا المحمل، وهو اختيار الجُبَّائي. قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إلى عَذَابِ السعير﴾ [الحج: 4] أي: يُضِلُّه عن الجَنَّةِ وثوابها هذا كله إذا حملنا الهمزة في الإضلال على التعدية. وسابعها: ان تحمل الهمزة لا على التعدية، بل على الوجدان على ما تقدَّم، فيقال: أَضَلَّ فلانٌ بَعِيرَهُ أي: ضَلَّ عنه، فمعنى إضلال الله - تعالى - لهم أَنَّهُ وجدهم ضَالِّين. وثامنها: أن يكون قوله: «يُضِلُّ به كَثِيراً، ويَهْدِي بِهِ كَثِيراً» من تمام قول الكُفَّار كأَنَّهم قالوا: ماذا أراد اللهُ بهذا المثل الذي لا يظهر وجه الفائدة فيه؟ ثُمَّ قالوا: يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً، ذكروه على سبيل التَّهَكُّمِ، فهذا من قول الكُفَّارِ، ثُمَّ قال تعالى جواباً لهم: «وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِيْنَ» أي ما أضَلَّ إِلاَّ الفاسقين. هذا مجموع كلام المعتزلة. قالت الجبرية: وهذا معارضٌ بمسألة الدّاعي، وهي أن القادِرَ على العلم والْجَهِلِ والإهداء والضلالِ لم فعل أحدهما دون الآخر؟ ومعارضٌ أيضاً بمسألة العلم ما سبق تقريرها في قوله تعالى: ﴿خَتَمَ الله على قُلُوبِهمْ﴾ [البقرة: 7] . والجَوَابُ عن الآيات يأتي في مواضعه. قوله: «وما يُضِلُّ بِهِ إلاَّ الفَاسِقِيْنَ» «الفاسقين» مفعول ل «يضل» وهو استثناء مُفَرّغ، وقد تقدَّم معناه، ويجوز عند القرّاء أن يكون منصوباً على الاستثناء والمستثنى منه محذوف تقديره: «وما يُضِلُّ به أحداً إِلاَّ الفاسقين» ؛ كقوله: [الطويل] 337 - نَجَا سَالِمٌ والنَّفْسُ مِنْهُ بِشِدْقِهِ ... وَلَمْ يَنْجُ إِلاَّ جَفْنَ سَيْفٍ ومئزَرَا أي: لم ينجُ بشيء، ومنع أبو البقاء نصبه على الاستثناء، كأنَّه اعتبر مذهب جمهور البَصْريين. و «الفِسْقُ» لغةً: الخروجُ، يقالُ: فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ عن قِشْرهَا، أي: خَرَجَتْ، والفأرة من جُحُرِها. و «الفاسقُ» : خارج عن طاعةِ الله، يقال: فَسَقَ يَفْسُقُ وَيَفْسِقُ بالضم والكسر في المضارح فِسْقاً وفُسُوقاً، عن الأخفش فهو فَاسِقٌ. وزعم ابن الأعرابي، أنَّه لم يسمع في كلام الجاهلية، ولا في شعرهم «فاسق» ، وهذا عجيبٌ، وهو كلامٌ عربيٌّ حكاه عنه ابن فارس والجَوْهَرِيُّ، وقد ذكر ابنُ الأَنْبَارِيُّ في كتاب «الزَّاهِر» لمَّا تَكَلَّمَ على معنى «الفِسْقِ» قَوْلَ رُؤْبَة: [الرجز] 338 - يَهْوِينَ فِي نَجْدٍ وَغَوْراً غَائِراً ... فَوَاسِقاً عَنْ قَصْدِهَا جَوَائِرَا و «الفسيق» : الدائم الفسق، ويقال في النداء: يا فَاسِق ويا خبيث، يريد يا أيُّها الفاسق ويا أيها الخبيث. والفسقُ في عرف الاستعمال الشرعي الخروج من طاعةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فقد يقع على من خرج بعصيان. واختلف أهل القبلة في أنَّهُ مؤمنٌ أو كافر. فعند بعضهم أنَّه مؤمن، وعند الخوارج: أنَّه كافرٌ، وعند المعتزلة: أنَّه لا مؤمن ولا كافر. واحْتَجَّ الخَوَارجُ بقوله تعالى: ﴿بِئْسَ الاسم الفسوق بَعْدَ الإيمان﴾ [الحجرات: 11] . وقال: ﴿إِنَّ المنافقين هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة: 67] . وقال: ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الأيمان وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الكفر والفسوق والعصيان﴾ [الحجرات: 7] وهذه مسألة طويلة مذكورة في علم الكلام. قوله: «الَّذيِنَ يَنْقُضُون» فيه أربعة وجوه: أحدها: أَن يكون نعتاً ل «الفاسقين» . والثاني: أَنَّهُ منصوبٌ على الذَّمِّ. والثالث: أَنَّه مرفوعٌ بالابتداء، وخبره الجملة من قوله «أُولَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ» . والرابع: أَنَّهُ خبر لمبتدأ محذوف أي: هم الفاسقون. والعهدُ في كلامهم على معانٍ: منها الوصيَّةُ والضَّمان، والاكتفاء، والأمر. و «مِنْ بَعْدِ» متعلِّق ب «ينقضون» ، و «من» لابتداء الغاية، وقيل: زائدة، وليس بشيء. والضميرُ في ميثاقه يجوز أن يعود على العهد، وأن يعود على اسم الله تعالى، فهو على الأوّل مصدرٌ مضاف إلى المفعول، وعلى الثَّاني مضافٌ للفاعل. و «الميثاقُ» العَهْدُ المؤكَّدُ باليمين مِفْعَال الوثاقةِ والمعاهدةِ، والجمع: المواثيق على الأصل؛ لن أصل مِيِثَاق: مِوْثَاق، صارت «الواو» ياء؛ لانكسار ما قبلها وهو مصدرٌ ك «الميلاد» و «المِيعَاد» بمعنى الولادة، والوعد؛ وقال ابن عطية: هو اسْمٌ في وضع المصدر؛ كقوله: [الوافر] 339 - أَكُفْراً بَعْدَ رَدِّ المَوْتِ عَنِّي ... وَبَعْدَ عَطَائِكَ الْمِائَةِ الرِّتَاعَا أي: إِعْطَائِكَ، ولا حاجة تدعو إلى ذلك، والمادة تَدُلُّ على الشَّدِّ والرَبْطِ، وجمعه مَوَاثِيق، ومَيَاثِق، أيضاً، ومَيَاثيق؛ وأنشد ابن الأعرابيِّ: [الطويل] 340 - حِمًى لا يَحِلُّ الدَّهْرُ إلاَّ بإِذْنِنَا ... وَلاَ نَسْأَلُ الَقْوَامَ عَهْدَ الْمَيَاثِقِ والمَوْثِق: المِيثَاق والمُواثَقَة والمُعَاهَدَة؛ ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِيثَاقَهُ الذي وَاثَقَكُم بِهِ﴾ [المائدة: 7] . فَصْلٌ في النقض النقضُ إفسادُ ما أبرمته من بناءٍ أو حبل أو عهد، والرجوع به إلى الحالة الأولى. والنقاضة: ما نُقِضَ من حبل الشعر، والمُنَاقضةُ في القولِ: أَنْ يَتَكَلَّمَ بما يناقض معناه، والنَّقيضةُ في الشّعر ما ينقضُ به. والنَّقض: المَنْقُوض، واختلف النَّاسُ في هذا العَهْدِ، فقيل: هو أذلي أخذه اللهُ على بني آدم - عليه السَّلام - حين استخرجهم من ظهره. قال المتكلمون: «هذا ساقطٌ» ؛ لأنَّه - تعالى - لا يحتج على العبادِ بعهد وميثاق لا يشعرون به، كما لا يؤاخذهم بالسَّهْوِ والنسيان وقيل: هو وصيَّةُ اللهِ - تعالى - إلى خلقه، وأمرمه إياهم بها أمرهم به من طاعته، ونهيه إياهم عما نهاهم من معصيته في كتبه على ألسنة رسله، ونقضهم ذلك ترك العمل به، وقيل: بل نَصبَ الأدلّة على وحدانيته بالسموات، والأرضِ، وسائر الصنعة، وهو بمنزلة العَهْدِ، ونقضهم ترك النَّظَر في ذلك. وقيل: هو ما عهده إلى من أوتي الكتاب أن يبينوا نبوَّة محمد عليه السَّلام، ولا يكتموا أمره، فالآية على هذا في أَهْل الكتاب. وقاب أبو إسحاق الزَّجَّاج: عهده جَلَّ وعَزَّ ما أخذه على النَّبيين ومَنْ تبعهم، ألاَّ يَكْفُرُوا بالنبي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ودليلُ ذلك: ﴿وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ النبيين﴾ [آل عمران: 81] إلى قوله: ﴿وَأَخَذْتُمْ على ذلكم إِصْرِي﴾ [آل عمران: 81] أي: عهدي. قوله: «وَيَقْطَعُونَ» عطف على «يَنْقُضُونَ» فهي صلة أيضاً، و «ما» موصولة، و «أَمَرَ الله به» صلتها وعائدها. وأجاز أبو البقاء أن تكون نكرةً موصوفةً، ولا يجوز أن تكون مصدرية لعود الضمير عليها إلاَّ عند أبي الحَسَن وابن السراج وهي مفعولة ب «يَقْطَعُونَ» والقطع معروف، والمصدر - في الرّحم - القطيعة، يقال: قطع رحمه قطيعة فهو رجل قُطَعٌ وقُطَعَةٌ، مثل «هُمَزَة» ، وقَطَعْتُ الحبل قَطْعاً، وقطعت النهر قُطُوعاً، وقَطَعَت الطير قُطُوعاً، وقُطَاعاً، وقِطَاعاً إذ خرجت من بَلَدٍ إلى بَلَدٍ. وأصاب الناسَ قُطْعَةٌ: إذا قلت مياههم، ورجل به قُطْعٌ أي انبهار. قوله: «مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ» «ما» في موضع نصب ب «يقطعون» و «أَنْ يُوصلَ» فيه ثلاثة أوجه: أحدها: الجر على البدل من الضمير في «بِهِ» أي ما أمر الله بِوَصْلِهِ؛ كقول امرئ القيس: [الطويل] 341 - أَمِنْ ذِكْرِ سَلْمَى أَنْ نَأَتْكَ تَنُوصُ ... فَتَقْصُرُ عَنْهَا خُطْوَةٌ أَوْ تَبُوصُ أي: أمِنْ نَأْيِهَا. والنصب وفيه وجهان: أحدهما: أنه بدل من «مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ» بدل اشتمال. والثاني: أنه مفعول من أجله، فقدره المَهْدوِيّ: كراهية أن يوصل، وقدره غيره: ألا يوصل. والرفع على أنه خبر مبتدأ [مضمر] أي: هو أن يوصل، وهذا بعيداً جداً، وإن كان أبو البقاء ذكره. واختلف في الشيء الذي أمر بوصله فقيل: صلة الأرْحَام، وحقوق القرابات التي أمر الله بوصلها، وهو كقوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي الأرض وتقطعوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: 22] وفيه إشارة إلى أنهم قطعوا ما بينهم وبين النبي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - من القرابة، وعلى هذا فالآية خاصة. وقيل: أمر أن يوصل القول بالعمل، فقطعوا بينهما بأن قالوا، ولم يعملوا. وقيل: أمر أن يوصل التصديق بجميع أنبيائه، فقطعوه بتصديق بعضهم، وتكذيب بعضهم. وقيل: الإشارة إلى دين الله، وعبادته في الأرض، وإقامة شرائعه، وحفظ حدوده، فهي عامة في كل ما أمر الله - تعالى - أمرهم أن يصلوا حَبْلَهُمْ بِحَبْلِ المؤمنين، فانقطعوا عن المؤمنين، واتصلوا بالكفار. وقيل: إنهم نهوا عن التنازع وإثارة الفتن، وهم كانوا مشتغلين بذلك. و «يُفْسِدُونَ» عطف على الصّلة أيضاً، و «في الأَرْضِ» متعلق به. والأظهر أن يراد به الفساد في الأرض الذي يتعدى دون ما يقف عليهم. وقيل: يعبدون غير الله، ويجورون في الأفعال، إذ هي بحسب شهواتهم، ثم إنه - تعالى - أخبر أن من فعل هذه الأَفَاعيل خسر فقال: «أُولِئَكَ هُمُ الخَاسِرُونَ» كقوله: ﴿وأولئك هُمُ المفلحون﴾ [البقرة: 5] ، وقد تقدم أنه يجوز أن تكون هذه الجملة خبر «الذِينَ يَنْقُضُونَ» إذا جعل مبتدأ. وإن لم يجعل مبتدأ، فهي مستأنفة، فلا محل لها حينئذ، و «هم» زائدة، ويجوز أن يكون «هم» مبتدأ ثان، و «الخَاسِرُونَ» خبره، والثاني وخبره خبر الأول. والخاسر: الذي نقص نفسه حظها من الفلاح والفوز. والخسران: النقصان، كان في ميزان أو غيره؛ قال جرير: [الرجز] 342 - إِنَّ سَلِيطاً فِي الخَسَارِ إِنَّهْ ... أَوْلادُ قَوْمٍ خُلِقُوا أَقِنَّهْ يعني بالخسار ما ينقص من حظوظهم وشرفهم. قال الجوهري: وخسرت الشيء بالفتح - وأخسرته نقصته. والخَسَار والخَسَارَة والخَيْسَرَى: الضَّلال والهلاك. فقيل للهالك: خاسر؛ لأنه خسر نفسه، وأهله يوم القيامة، ومنع منزله من الجَنَّة. فصل قال القرطبي: في هذه الآية دليلٌ على أنَّ الوفاء بالعهد والتزامه، وكل عهد جائز ألزمه المرء نفسه، فلا يحل له نقضه، سواء أكان بين مسلم أم غيره، لذم الله - تعالى - من نقض عهده. وقد قال: ﴿أَوْفُواْ بالعقود﴾ [المائدة: 1] وقد قال لنبيه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فانبذ إِلَيْهِمْ على سَوَآءٍ﴾ [الأنفال: 58] فنهاه عن الغَدْرِ، وذلك لا يكون إلاَّ بنقض العهد، على ما يأتي إن شاء الله تعالى.

البقرة 2:28

اعلم أنه - تعالى - لما تكلَم في دلائل التوحيد، والنبوة، والمعاد شَرَعَ في شَرْحِ النعم التي عمت جميع المكلفين. فالمراد بهذا الاستخبار التَّبكيت والتعنيف. قوله: «كيف» استفهام يسأل به عن الأحوال، وبني لتضمنه معنى الهمزة، وبني على أخف الحركات، وكان سبيلها أنْ تكون ساكنةً؛ لأن فيها معنى الاستفهام الذي معناه التعجب. وشذّ دخول حرف الجر عليها، قالوا: «على كيف تبيعُ الأَحْمَرَيْنِ» . وكونها شرطاً قليل، ولا يجزم بها خلافاً للكوفيين، وإذا أبدل منها اسم، أو وقع جواباً، فهو منصوبٌ إذا كان بعدها فعل متسلّط عليها نحو كيف قمت. أصحيحاً أم سقيماً؟ وكيف سرت؟ فتقول: رَاشِداً، وإلا فمرفوعان نحو: كيد زيد؟ أصحيح أم سقيم؟ وإن وقع بعدها اسم مسؤول عنه بها، فهو مبتدأ، وهي خبر مقدم، نحو: كيف زيد؟ وقد يحذف الفعل بعدها، قال تعالى: ﴿كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا﴾ [التوبة: 8] أي: كيف تُوَالُونَهُمْ؟ . وكيف في هذه الآية منصوبة على التشبيه بالظرف عند سيبويه، أي: في أي حالة تكفرون؟ وعلى الحال عند الأخفش. أي: على أي حال تكفرون؟ والعامل فيها على القولين «تكفرون» ، وصاحب الحال الضمير في «تكفرون» . ولم يذكر أبو القاء غير مذهب الأخفش، ثم قال: والتقدير: معاندين تكفرون؟ وفي هذا التقدير نظر؛ إذ يذهب معه معنى الاستفهام المقصُود به التنعجّب، أو التوبيخ، أو الإنكار. قال الزمخشري بعد أن جعل الاستفهام للإنكار: وتحريره أنه إذا أنكر أن يكون لكفرهم حال يوجد عليها، وقد علم أن كلّ موجود لا بدَّ له من حالٍ، ومُحَالٌ أن يوجد بغير صفة من الصفات كان إنكاراً لوجوده على الطريق البرهاني. وفي الكلام التفات من الغيبة في قوله «وأَما الَّذين كَفَروا» إلى آخره إلى الخطاب في قوله: «تَكْفُرُونَ» و «كُنْتُم» . وفائدته: أن الإنكار إذا توجّه إلى المخاطب كان أبلغ. وجاء «تَكْفُرُون» مضارعاً لا ماضياً؛ لأن المنكر الدّوام على الكفر، والمُضَارع هو المشعر بذلك، ولئلا يكون ذلك توبيخاً لمن آمن بعد كفر. وكَفَر «يتعدّى بحرف الجر نحو:» تَكْفُرُونَ باللهِ» ﴿تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ الله﴾ [آل عمران: 70] ﴿كَفَرُواْ بالذكر﴾ [فصلت: 41] وقد يتعدّى بنفسه في قوله تعالى: ﴿أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفرُواْ رَبَّهُمْ﴾ [هود: 18] وذلك لما ضمن معنى جحدوا. فإن قيل: كيف يجوز أن يكون هذا الخطاب لأهل الكتاب، وهم لم يكفروا بالله؟ فالجواب أنهم [لما] لم يسمعوا أمر محمد - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ولم يصدقوه فيما جاء به، فقد أشركوا؛ لأنهم لم يقروا بأن القرآن من عند الله، ومن يزعم أن القرآن من كلام البشر، فقد أشرك بالله، وصار ناقضاً للعَهْدِ. فصل في الرد على المعتزلة قال المعتزلة: هذه الآية تدلّ على أن الكفر من قبل العباد من وجوه: أحدها: أنه - تعالى - لو كان هو الخالق للكفر فيهم لما جاز أن يقول: «كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ» موبخاً لهم، كما لا يجوز أن يقول: كيف تَسْوَدُّونَ وتبيضون وتصحون وتسقمون لما كان ذلك كله من خلقه فيهم. وثانيها: إذا كان خلقهم أولاً للشقاء والنار، وما أراد بخلقهم إلاّ الكفر وإرادة الوقوع في النَّار، فكيف يصح أن يقول موبخاً لهم: «كيف تكفرون» ؟ . وثالثها: أنه - تعالى - إذا قال للعبد كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ، فهذا الكلام إما أن يكون موجهاً للحجّة على العبد، وطلباً للجواب منه، أو ليس كذلك، فإن لم يكن لطلب هذا المعنى لم يكن في ذكره فائدة، فيكون هذا الخطاب عبثاً، وإن ذكره لتوجيه الحجّة على العبد، فللعبد أن يقول: حصل في حقي أمور كثيرة موجبة للكفر. فالأول: أنك علمت بالكفر منّي، والعلم بالكفر يوجب الكفر. والثاني: أنك أردت الكفر مني، وهذه الإرادة موجبة له. والرابع: أنك خلقت فيّ قدرة موجبة للكفر. والخامس: أنك خلقت فيَّ إرادة موجبة للكفر. والسادس: أنك خلقت فيَّ قدرة موجبة للإرادة الموجبة للكفر. ثم لما حصلت هذه الأسباب السّتة في حصول الكفر، فالإيمان متوقّف على حُصُول هذه الأسباب السّتة في طرف الإيمان، وهي بأسْرِهَا كانت مفقودةً، فقد حصل لعدم الإيمان اثنا عشر سبباً واحد منها مستقل [بالمنع من الإيمان] ومع قيام هذه الأَسْبَاب الكثيرة فكيف يعقل أن يقال: كيف تكفرون بالله؟ وآيات أخر تأتي في مواضعها إن شاء الله تعالى. والجواب عن هذا انّ الله - سبحانه - علم أن لا يكون، فلو وجد [لانقلب عليه] جهلاً، وهو محال، ووقوعه محال، وأيضاً فالقدرة على الكفر إن كانت صالحةً للإيمان امتنع كونها مصدراً للإيمان على التعيين إلاّ لمرجح، وذلك المرجّح إن كان من العبد عاد السؤال، وإن كان من الله، فلما لم يحصل ذلك المرجح من الله امتنع حصول الكفر، وإذا حصل ذلك امرجح وجب، وعلى هذا يعقل قوله: «كَيْفَ تَكْفُرُونَ» قاله ابن الخطيب. قوله: «وكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُم» «الواو» الحال، وعلامتها أن يصلح موضعها « إذ» . [والجملة في] موضع نَصْبٍ على الحال، ولا بد من إضمار «قد» ليصح وقوع الماضي حالاً. وقال الزمخشري: فإن قلت: كيف صح أن يكون حالاً، وهو ماض؟ قلت: لم تدخل «الواو» على «كُنْتُمْ أَمْوَاتاً» وحده، ولكن على جملة قوله: «كُنْتُمْ أَمْوَاتاً» إلى «تُرْجَعُونَ» كأنه قيل: كيف تكفرون بالله، وقصتكم هذه، وحالكم أنكم كنتم أمواتاً في أصلاب آبائكم، فجعلكم أحياء، ثم يميتكم بعد هذه الحَيَاة ثم يحييكم بعد الموت، ثم يُحَاسبكم؟ . ثم قال: فإن قلت: بعض القصّة ماض، وبعضها مستقبل، والمستقبل كلاهما لا يصح أن يقع حالاً حتى يكون فعلاً حاضراً وقت وجود ما هو حال عنه، فما الحاضر الذي وقع حالاً؟ قلت: هو العلم بالقصّة كأنه قيل: كيف تكفرون، وأنتم عالمون بهذه القصة بأولها وآخرها؟ قال أبو حيان ما معناه: هذا تكلّف، يعني تأويله هذه الجملة بالجملة الاسمية. قال: والذي حمله على ذاك اعتقاده أن الجمل مندرجةً في حكم الجملة الأولى، قال: ولا يتعيّن، بل يكون قوله تعالى: «ثُمَّ يُمِيتُكُمْ» وما بعده جملاً مستأنفة أخبر بها - تعالى - لا داخلة تحت الحال، ولذلك غاير بينها وبين ما قبلها من الجمل بحرف العطف، وصيغة الفعل السَّابقين لها في قوله: «وكُنْتُم أَمْوَاتاً فأحْيَاكُمْ» . و «الفاء» في قوله «فأحياكم» على بابها من التَّعقيب، و «ثُمَّ» على بابها من التَّرَاخي؛ لأن المراد بالموت الأول العدم السابق، وبالحَيَاة الأولى الأولى الخَلْق، وبالموت الثاني المَوْتَ المعهود، وبالحياة الثانية الحياة للبعث، فجاءت الفاء، و «ثم» على بابهما من «التَّعقيب» والتراخي على هذا التفسير، وهو أحسن الأقوال. ويعزى لابن عباس وابن مسعود ومجاهد، والرجوع إلى الجزاء أيضاً متراخٍ عن البعث. قال ابن عطية: وهذا القول هو المُرَاد بالآية، وهو الذي لا مَحِيدَ للكفار عنه لإقرارهم بهما، وإذا أذعنت نفوس الكُفّار لكونهم أمواتاً معدومين، ثم الإحياء في الدنيا، ثم الإماتة فيها قوي عليهم لزوم الإِحْيَاءِ الآخر، وجاء جحدهم له دعوى لا حُجّة عليها، والحياة التي تكون في القبر على هذا التأويل في حكم الدنيا. وقيل: لم يعتدّ بها كما لم يعتد بموت من أَمَاتَهُ في الدنيا، ثم أحياهُ في الدنيا. وقيل: كنتم أمَواتاً في ظهر آدم، ثم أخرجكم من ظهره كالذُّرِّ، ثم يميتكم موت الدنيا، ثم يبعثكم. وقيل: كنتم أمواتاً - أي نُطَفاً - في أصلاب الرجال، وأرحام النساء، ثم نقلكم من الأرحام فأحياكم، ثم يميتكم بعد هذه الحياة، ثم يحييكم في القبر للمسألة، ثم يميتكم في القبر، ثم يحييكم حَيَاةَ النشر إلى الحَشْرِ وهي الحياة التي ليس بعدها موت. قال القرطبي: فعلى هذا التأويل هي ثلاث مَوْتَات، وثلاث إحْيَاءَات، وكونهم موتى في ظهر ابن آدم، وإخراجهم من ظهره والشهادة عليهم غير كونهم نطفاً في أصلاب الرجال، وأرحام النساء، فعلى هذا تجيء أربع موتات وأربع إحياءات. وقد قيل: إن الله - تعالى - أوجدهم قبل خلق آدم - عليه الصَّلاة والسّلام - كالهَبَاءُ، ثم أماتهم، فيكون هذا على خمس موتات، وخمس إحياءات، وموتة سادسة للعُصَاة من أمة محمد - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إذا دخلوا النَّار، لحديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أما أهل النَّارِ الَّذِين هم أهلها فَإِنَّهُمْ لا يَمُوتُونَ فيها ولا يَحْيَون، ولكن ناس أصابَتْهُمُ النَّارُ بذنوبهم - أو قال بِخَطَايَاهم - فأماتهم الله إماتَةً حتى إذا كانوا فَحْماً أذن في الشَّفاعة، فجيء بهم ضَبَئر ضَبَئر، فَبُثُّوا على أنهار الجَنَّة ثم قيل: يا أهل الجَنّة أفيضوا عليهم فينبتون نَبَات الحِبَّة تكون في حَمِيْل السّيل» الحديث. قال: فقوله: «فأماتهم الله» حقيقة في الموت، لأنه أكّده بالمصدر، وذلك تكريماً لهم. وقيل: يجوز أن يكون «أماتهم» عبارة عن تغييبهم عن آلامها بالنوم، ولا يكون ذلك موتاً على الحقيقة، والأول أصح، وقد أجمع النحويون على أن الفعل إذا أكّد بالمصدر لم يكن مجازاً، وإنما هو على الحقيقة، كقوله: ﴿وَكَلَّمَ الله موسى تَكْلِيماً﴾ [النساء: 164] ، على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وقيل: المعنى: وكنتم أمواتاً بالخمول، فأحياكم بأن ذكرتم، وشرفتم بهذا الدين، والنبي الذي جاءكم، ثم يميتكم فيموت ذكركم، ثم يحييكم للبعث. فصل في أوجه ورود لفظ الموت قال أبو العبَّاس المقرئ: ورد لفظ «الموت» على خمسة أوجه: الأول: بمعنى «النُّطْفة» هذه الآية. الثاني: بمعنى «الكفر» قال تعالى: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: 122] ومثله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأحيآء وَلاَ الأموات﴾ [فاطر: 22] . الثالث: بمعنى «الأرض التي لا نَبَات لها» ، قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ الأرض الميتة أَحْيَيْنَاهَا﴾ [يس: 33] . الرابع: بمعنى «الضّم» قال تعالى: ﴿والذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ﴾ [النحل: 20، 21] . الخامس: بمعنى «مفارقة الروح الجسد» . فصل في أوجه ورود لفظ الحياة الأول: بمعنى دخول الرُّوح في الجَسَدِ كهذه الآية. الثاني: بمعنى «الإسلام» قال تعالى: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: 122] أي: هديناه إلى الإسلام. الثالث: بمعنى «صفاء القلب» قال تعالى: ﴿اعلموا أَنَّ الله يُحْيِي الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الحديد: 17] أي يصفي القلوب بعد سَوَاداها. الرابع: بمعنى «الإنبات» قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ الأرض الميتة أَحْيَيْنَاهَا﴾ [يس: 33] أي: أنبتناها. الخامس: بمعنى «حياة الأنفس» قال تعالى: ﴿ياليتني قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر: 24] . السادس: بمعنى «العيش» قال تعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: 97] أي: لنرزقنّه عيشاً طيباً. فصل في إثبات عذاب القبر قال ابن الخطيب: احتج قوم بهذه الآية على بطلان عذاب القَبْرِ، قالوا: ويؤيده قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلك لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: 15، 16] ولم يذكر حياةً فيما بين هاتين الحالتين، قالوا: ولا يجوز الاستدلال بقوله تعالى: ﴿قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا اثنتين وَأَحْيَيْتَنَا اثنتين﴾ [غافر: 11] ؛ لأنه قول الكفار، ولأنّ كثيراً من الناس أثبتوا حياة الذَّر في صُلب آدم حين استخرجهم وقال لهم: ﴿أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: 32] وعلى هذا التقدير حصل حَيَاتان وموتتان من غير حَاجَةٍ غلى إثبات حَيَاةٍ في القبر، فالجواب لم يلزم من عدم الفِكْرِ في هذه الآية ألا تكون حاصلة، وأيضاً فللقائل أن يقول: إن الله - تعالى - ذكر حَيَاة القبر في هذه الآية؛ لأن قوله: «ثُمَّ يُحْيِيكُمْ» ليس هو الحياة الدائمة، وإلا لما صح أن يقول: «ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُون» ؛ لأن كلمة «ثُمَّ» تقتضي التَّراخِي، والرجوع إلى الله - تعالى - حاصل عقب الحَيَاةِ الدَّائمةِ من غير تَرَاخٍ، فلو جعلنا الآية من هذا الوجه دليلاً على حياة القبر كان قريباً. قوله: «ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُون» الضمير في «إليه» لله تعالى، وهذا ظاهر؛ لأنه كالضمائر قبله، وثَمَّ مضاف محذوف أي: إلى ثوابه وعقابه. وقيل: على الجزاء على الأعمال. وقيل: على المكان الذي يتولّى الله فيه الحكم بينكم. وقيل: على الإحياء المدلول عليه ب «أحياكمط، يعني: أنكم ترجعون إلى الحال الأولى التي كنتتم عليها في ابتداء الحياة الأولى من كونكم لا تملكون لأنفسكم شيئاً. والجمهور على قراءة» تُرْجَعُون «مبنياً للمفعول. وقرأ يحيى بن يعمر: وابن أبي إسحاق، ومُجَاهد، وابن مُحَيصن، وسلام، ويعقوب مبنياً للفاعل حيث جاء. ووجه القراءتين أن» رجع «يكون قاصراً ومتعدياً فقراءة الجُمْهور من المتعدّي، وهو أرجح؛ لأن أصلها» ثُمَّ إِلَيْهِ مرجعكم «لأن الإسناد في الأفعال السَّابقة لله تَعَالَى، فناسب أن يكون هذا كله، ولكنه بني للمفعول لأجل الفواصل والمقاطع. و» أموات «جمع» ميِّت «وقياسه على فعائل كسيّد وسيائد، والأولى أن يكون أن يكون» أموات «جمع» مَيْت «مخففاً ك» أقوال «في جمع» قول» ، وقد تقدمت هذه المادّة.

البقرة 2:29

هذا هو النعمة الثانية اليت عمّت المكلفين بأسرهم. «هو» مبتدأ، وهو ضمير موفوع منفصل للغائب المذكر، والمشهور تخفيفُ واوه وفتحها، وقد تشدد؛ كقوله: [الطويل] 343 - وَإِنَّ لِسَانِي شُهْدَةٌ يُشْتَفَى بِهَا ... وَهُوَ عَلَى مَنْ صَبَّهُ اللهُ عَلْقَمُ وقد تسكن، وقد تحذف كقوله: [الطويل] 344 - فَبَيْنَاهُ يَشْرِي رَحْلَهُ ... . ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . . والموصول بعده خبر عنه. و «لكم» متعلّق ب «خلق» ، ومعناها السَّببية، أي: لأجلكم، وقيل: للملك والإباحة، فيكون تميكاً خاصاً بما ينتفع به. وقيل: للاختصاص، و «ما» موصولة، و «في الأرض» صلتها، وهي في محلّ نصب مفعول به، و «جميعاً» حال من المفعول بمعنى «كلّ» ، ولا دلالة لها على الاجتماع في الزَّمَان، وهذا هو الفَارِقُ بين قولك: جَاءُوا جميعاً و «جاءوا معاً» فإنّ «مع» تقتضى المُصَاحبة في الزمان، بخلاف «جميع» قيل: وهي - هُنَا - حال مؤكدة، لأن قوله: «مَا فِي الأَرْضِ» عام. فصل في بيان أن الأصل في المنافع الإباحة استدلّ الفُقَهَاء بهذه الآية على أنّ الأصل في المَنَافع الإباحة. وقيل: إنها تدلُّ على حرمة أكل الطِّين، لنه خلق لنا ما في الأرض دون نفس الأرض، وفيه نظر؛ لأن تخصيص الشيء بالذِّكر لا يدلّ على نفي الحكم عما عَدَاه، وأيضاً فالمعادن داخلة في ذلك، وكذلك عروق الأرض، وما يجري مجرى البعض لها. وقد تقدّم تفسير الخلق، وتقديره الآية كأنه - سُبْحانه وتعالى - قال: كيف تكفرون بالله، وكنتم أمواتاً فأحياكم؟ وكيف تكفرون بالله، وقد خلق لكم ما في الأرض جميعاً؟ أو يقال: كيف تكفرون بقدرة الله على الإعادة، وقد أحياكم بعج موتكم، وقد خلق لكم كل ما في الأرض، فكيف يعجز عن إعادتكم؟ . قوله: «ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتَ» . أصل «ثم» أن تقتضي تراخياً زمانياً، ولا زمان هنا، فقيل: إشارة إلى التراخي بين رُتْبَتَيْ خلق الأرض والسماء. وقيل: لما كان بين خلق الأرض والسماء أعمال أُخَر من جعل الجِبَال والبَرَكة، وتقدير الأقوات، كما أشار إليه في الآية الأخرى عطف ب «ثم» ؛ إذ بين خلق الأرض والاستواء إلى السماء تراخ. و «استوى» : معناه لغة: استقام واعتدل، من استوى العُودُ. وقيل: علا وارتفع؛ قال الشاعر: [الطويل] 345 - فأَوْرَدْتُهُمْ مَاءً بِفَيْفَاءَ قَفْرَةٍ ... وَقَدْ حَلَّقَ النَّجْمُ اليَمَانِيُّ فَاسْتَوَى وقال تعالى: ﴿فَإِذَا استويت أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الفلك﴾ [المؤمنون: 28] . ومعناه هنا: قصد وعمل. وفاعل «اسْتَوَى» ضمير يعود على الله. وقيل: يعود على الدُّخَان نقله ابن عطية. وهو غلط لوجهين: أحدهما: عدم ما يدلّ عليه. والثاني: أنه يرده قوله تعالى: ﴿ثُمَّ استوى إِلَى السمآء وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: 11] . و «إلى» حرف انتهاء على بَابها. وقيل: هي بمعنى «عَلَى» ؛ فتكون في المَعْنَى كقول الشاعر: [الرجز] 346 - قَدِ اسْتَوَى بِشْرٌ عَلَى الْعِرَاقِ ... مَنْ غَيْرِ سَيْفٍ ودَمٍ مُهْرَاقِ ومثله قوله الآخر: [الطويل] 347 - فَلَمَّا َعَلَوْنَا وَاسْتَوَيْنَا عَلَيْهِمُ ... تَرَكْنَاهُمُ صَرْعَى لِنَسْرٍ وَكَاسِرِ وقيل: ثَمَّ مضاف محذوفٌ ضميره هو الفاعل، أي: استوى أمره، و «إلَى السَّمَاءِ» متعلّق ب «اسْتَوَى» ، والضمير في «فَسَوَّاهُنّ» يعود على السَّمَاء، إما لأنها جمع «سماوة» كما تقدم، وإما لأنها اسم جنس يطلق على الجمع. وقال الزمخشري: «هُنَّ» ضمير مبهم، و «سَبْعَ سَمَاوَاتٍ» تفسيره، كقولهم: رُبَّهُ رَجُلاً» ، وقد رد عليه بأنه ليس من [المواضع التي يفسر فيها الضمير بما بعده؛ لأن النحويين حصروا ذلك في سبع مواضع] : ضمير الشأن، والمجرور ب «رب» ، والمرفوع ب «نعم وبئس» ، وما جرى مجراهما، وبأول المتنازعين، والمفسر بخبره، وبالمُبْدَل منه. ثم قال هذا المعترض: إلا أن يتخيل فيه أن يكون» سَبْعَ سَمَاواتٍ «بدلاً، وهو الذي يقتضيه تشبيهه ب» رُبُّهُ رَجَلاً «فإنه ضمير مبهم ليس عائداً على شيء قبله، لكن هذا يضعف بكون التقدير يجعله غير مرتبطٍ بما قبله ارتباطاً كلياً، فيكون أخبرنا بإخبارين: أحدهما: أنه استوى إلى السماء. والثاني: أنه سوى سبع سماوات. وظاهر الكلام أن اذلي استوى إليه هو المستوي بعينه. ومعنى تسويتهنّ: تعديل خلقهن، وإخلاؤه من العِوَجِ، والفُطُور وإتمام خَلْقهن. قوله:» سَبْعَ سَمَواتٍ» في نصبه خمسة أوجه: أحسنها: انه بدلٌ من الضمير في «فَسَوَّاهُنَّ» العائد على» السَّمَاءِ «كقولك، أخوك مررت به زيد. الثاني: أنه بدل من الضمير أيضاً، ولكن هذا الضمير يفسره ما بعده، وهذا يضعف بما ضعف به قول الزمخشري المتقدّم. الثالث: أنه مفعول به، والأصل، فسوَّى منهن سَبْعَ سموات، وشبهوه بقوله تعالى: ﴿واختار موسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا﴾ [الأعراف: 155] أي: من قومه قاله أبو البقاء وغيره، وهذا ضعيف لوجهين: أحدهما: بالنسبة إلى اللفظ. والثاني: بالنسبة إلى المعنى. أما الأول فلأنه ليس من الأفعال المتعدية لاثنين. أحدهما: بإسقاط الخافض؛ لأنها محصورة في «أمر» و» اختار «وأخواتها. الثاني: أنه يقتضي أن يكون ثَمَّ سماوات كثيرة، سوى من جملتها سبعاً، وليس كذلك. الرابع: أن» سوى «بمعنى» صَيَّر «فيتعدّى لاثنين، فيكون» سَبْعَ «مفعولاً ثانياً، وهذا لم يثبت أيضاً، أعني جعل» سَوَّى «مثل» صَيَّرَ» . فصل في هيئة السماوات السبع اعلم أن القرآن - هاهنا - قد دلّ على سبع سماوات. وقال أصحاب الهيئة: أقربها إلينا كرة القمر، وفوقها كرة عطارد، ثم كرة الزّهرة، ثم كرة الشَّمس، ثم كرة المرّيخ، ثم كرة المشتري، ثم كرة زُحَل، قالوا: لن الكوكب الأسفل إذا مَرَّ بين أبصارنا، وبين الكوكب الأعلى، فإنهما يصيران ككوكب واحدٍ، ويتميز السَّاتر عن المَسْتور بلونه الغَالب كَحُمْرَةِ المريخ، وصُفْرَة عطارد، وبَيَاض الزهرة، وزُرْقَة المُشْتري، وكدرة زُحَل، وكلّ كوكب فإنه يكسف الكوكب الذي فوقه. فصل في الاستدلال على سبق خلق السماوات وعلى الأرض قال [بعض المَلاَحدة] : هذه الآية تدلّ على أن خلق الأرض قبل خلق السَّماء، وكذا قوله: ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بالذي خَلَقَ الأرض فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: 9] إلى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ استوى إِلَى السمآء﴾ وقال في سورة «النازعات» : ﴿والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: 30] وهذا يقتضي أن يكون خلق الأرض بعد السماء، وذكروا في الجواب وجوهاً: أحدها: يجوز أن يكون خلق الأرض قبل السماء إلاّ أنه دَحَاهَا حتى خلق السماء؛ لأن التدحية هي البَسْط. ولقائل أن يقول: هذا مُشْكل من وجهين: الأول: ان الأرض جسم عظيم، فامتنع انفكاك خلقها عن التَّدْحية، وإذا كانت التَّدْحية متأخّرة عن خلق السماء كان خلقها لا مَحَالَة متأخراً عن خلق السماء. الثاني: أن قوله: «خَلَقَ لَكُم الأَرْضَ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء» يدلّ على أن خلق الأرض، وخلق كل ما فيها متقدم على خلق السماء، وخلق هذه الأشياء في الأرض لا يمكن إِلاَّ إذا كانت مدحوةً، فهذه الآية على كونها مدحوة قبل خلق السَّماء، فيعود التَّنَاقض. والجواب الثاني: أن قوله: ﴿والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: 30] يقتضي تقديم خلق السماء على الأرض، ولا يقتضي أن تكون تسوية السماء مقدّمة على خَلْقِ الأرض، وعلى هذا التَّقْدِير يزول التناقض. ولقائل أن يقول: قوله: ﴿أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السمآء بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾ [النازعات: 27 - 28] يقتضي أن يكون خلق السماء، وتسويتها مقدماً على تدحية الأرض، ولكن تَدْحِيَةَ الأرض ملازمة لخلق ذات الأرض، وحينئذ يعود السؤال. والجواب الثالث وهو الصحيح أن قوله: «ثُمّ» ليس للترتيب هاهنا، وإنما هو على جِهَةِ تعديد النعم، على مثل قول الرَّجل لغيره: أليس قد أعطيتك النعم العظيمة، ثم وقعت الخُصُوم عنك، ولعلّ بعض ما أخره في الذكر قد تقدّم فكذا ها هنا، والله أعلم. فإن قيل: هل يَدُلّ التنصيص على سَبْعِ سموات على نَفْي العدد الزائد؟ قال ابن الخطيب: الحق أن تخصيص العدد بالذكر لا يَدُلُّ على نفي الزائد. فصل في إثبات سبع أَرْضين ورد في التنزيل أن السموات سبع، ولم يأت في التنزيل أن الأرضين سبع إلاَّ قوله ﴿وَمِنَ الأرض مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 12] وهو محتمل للتأويل، لكنه وردت في أحاديث كثيرة صحيحة تدلّ على أن الأرضين سبع كما روي في «الصحيحين» عن رسول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه قال: «من ظَلَمَ قِيْد شِبْرٍ مِنَ الأرض طُوِّقَهُ من سبع أرضين» إلى غير ذلك. وروى أبو الضحى - واسمه مسلم - عن ابن عباس - رَضِيَ اللهُ عَنْه - قال: «الله الذي خَلَقَ سبع سَمَاواتٍ ومن الأرضِ مِثْلَهُنَّ قال: سبع أرضين في كل أرض نَبِيّ كنبيكم، وآدم كآدم، ونوح كنوح، وإبراهيم كإبراهيم وعِيسَى كعيسى» قال البيهقي: إسناد هذا عن ابن عَبَّاسٍ صحيح وهو شاذّ لا أعلم لأبي الضّحى عليه دليلاً. و «السماء» تكون جمعاً ل «سماوة» في قول الأخفش، و «سماءة» في قول الزّجاج، وجمع الجمع «سَمَاوات» و «سماءات» ، فجاء «سِوَاهن» إما على أن «السّماء» جمع، وإما على أنها مفرد اسم جنس، وقد تقدّم الكلام على «السَّماء» في قوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السمآء﴾ [البقرة: 19] . قوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ هو: مبتدأ، و «عليم» خبره، والجار قبله يتعلّق به. واعلم انه يجوز تسكين هاء «هُو» و «هي» بَعْدَ «الواو» و «الفاء» و «لام» الابتداء و «ثُمّ» ؛ نحو: ﴿فَهِيَ كالحجارة﴾ [البقرة: 74] ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ القيامة﴾ [القصص: 61] ﴿لَهُوَ الغني﴾ [الحج: 64] ﴿لَهِيَ الحيوان﴾ [العنكبوت: 64] وقرأ بها الكسائي وقالون عن نافع، تشبيهاً ل «هُو» ب «عَضُد» ول «هِي» ب «كَتِف» ، فكما يجوز تسكين عين «عَضُد» و «كَتِف» يجوز تسكين هاء «هُوَ» ، و «هِي» بعد الأحرف المذكورة؛ إجراءً للمنفصل مجرى المتّصل، لكثرة دورها معها، وقد تسكن بعد كاف الجر؛ كقوله: [الطويل] 348 - فَقُلْتُ لَهُمْ: مَا هُنَّ كَهِيَ فَكَيْفَ لِي ... سُلُوٌّ وَلاَ أَنْفَكُّ صَبًّا مُتَيَّمَا وبعد همزة الاستفهام؛ كقوله: [البسيط] 349 - فَقُمْتُ للطَّيْفِ مُرتاعاً فَأَرَّقَنِي ... فَقُلْت: أَهِيَ سَرَتْ أمْ سَرَت أَمْ عَادِنِي حُلُمُ وبعد «لكن» في قراءة ابن حَمْدُون: ﴿لَّكِنَّ هُوَ الله رَبِّي﴾ [الكهف: 38] وكذا في قوله: ﴿يُمِلَّ هُوَ﴾ [البقرة: 282] . فإن قيل عليم «فعيل» من «علم» ، و «علم» متعدّ بنفسه، فكيف تعدّى ب «الباء» ، وكان من حقه إذا تقدم مفعوله أن يتعدّى إيله بنفسه أو ب « اللام» المقوية، وإذا تأخر أن يتعدى إيله بنفسه فقط؟ فالجواب: أن أمثلة المُبالغة خالفت أفعالها، وأسماء فاعليها لمعنى وهو شبهها ب «أفعل» التفضيل بجامع ما فيها ن مَعْنَى المبالغة، و «أفعل» التفضيل له حكم في التعدّي، فأعطيت أمثلة المُبَالغة ذلك الحكم، وهو أنها لا تَخْلُو من أن تكون من فعل متعدٍّ بنفسه أو لا. فإن كان الأول فإما أن يفهم علماً أو جهلاً أو لا. فإن كان الأول تعدت بالباء نحو: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾ [النجم: 32] ﴿وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ [الحديد: 6] و «زيد جهول بك» و «أنت أجهل به» وإن كان الثَّاني تعدّت ب «اللام» نحو: «أنا أضرب لزيد منك» و «أنا ضراب له، ومنه: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [هود: 107] ، وإن كانت من متعدٍّ بحرف جَرّ تعدّت هي بذلك الحرف نحو:» أنا أصبر على كذا» و «أنا صبور عليه» ، و «أزهد فيه منك» ، و «زهيد فيه» . فصل في إثبات العلم لله سبحانه بخلقه هذه الآية تدلّ على أنهلا يمكن أن يكون خالقاً للأرض وما فيها، وللسماوات وما فيها من العَجَائب والغرائب إذى إذا كان عالماً بها محيطاً بجزئياتها وكلّياتها، وذلك يدلّ على أمور: أحدها: أن يفسد قول الفَلاَسفة الَّذين قالوا: إنه لا يعلم الجُزئيات، ويدلّ على صحة قول المتكلمين فإنهم قالوا: إنه - تعالى - فاعل لهذه الأجسام على سبيل الإحكام والإِتْقَان، وكل فاعل على هذا الوجه، فإنه لا بد وأن يكون عالماً بما فعله كما ذكر في هذه الآية. وثانيها: يدل على فساد قول المعتزلة، وذلك لأنه - سبحانه وتعالى - بين أن الخالق للشَّيء على سبيل التقدير والتحديد، ولا بد أن يكون عالماً به وبتفاصيله، لأن خالقه قد خصّه بقدر دون قدر، والتخصيص بقدر معين لا بُدّ وأن يكون بإرادة، وإلا فقد حصل الرُّجْحَان من غير مرجّح، والإرادة مشروطة بالعلم، فثبت أن خالق الشَّيء لا بد وأن يكون عالماً به على سبيل التفصيل. فلو كان العبد موجداً لأفعال نفسه لكان عالماً بها، وبتفاصيلها في العَدَدِ والكميّة والكيفية، فلمَّا لم يحصل هذا العلم علمنا أنه غير موجدٍ لأفعال نفسه. وثالثها: قالت المعتزلة: إذا جمع بين هذه الآية وبين قوله: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76] ظهر أنه - تعالى - عالم بذاته. والجَوَاب: قوله تعالى: «وَفَوْقَ كُلُّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ» عام، وقوله: ﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: 166] خاصّ والخاص مقدّم على العام.

البقرة 2:30

هذه الآية دالّة على كيفية تنظيم الله - تعالى - لآدم عليه الصَّلاة والسلام، فيكون ذلك إنعاماً عامًّا على جميع بني آدم، فيكون هذا هو النعمة الثالثة من تلك النعم العامّة التي أوردها. «إذ» ظرفُ زمانٍ ماض، يخلص المضارع للمضي، وبني لشبهة بالحَرْفِ في الوضع والافتقار، وتليه الجُمَل مطلقاً. قال المبرد: إذا جاء «إذ» مع المستقبل كان معناه ماضياً كقوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ﴾ [الأنفال: 30] يريد: إذ مكروا، وإذا جاء مع الماضي كان معناه مستقبلاً كقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ الله ياعيسى ابن مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: 116] وقد يبقى على مُضِيِّهِ كهذه الآية. وإذا كانت الجملة فعلية قبح تقديم الاسم، وتأخير الفعل نحو: «إذ زيد قام» ، ولا يتصرّف إلا بإضافة الزمن إليه، نحو: «يومئذ» ، ولا يكون مفعولاً به، وإن قال به اكثر المعربين، فإنهم يقدرون «ذكر وقت كذا» ، ولا ظرف مكان، ولا زائداً، ولا حرفاً للتعليل، ولا للمفاجأة خلافاً لمن زعم ذلك. وقد تحذف الجملة المضاف هو إليها للعلم، ويعرض منها تنوين كقوله: ﴿وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ [الواقعة: 84] وليس كَسْرَته - والحالةُ هذه - كسرة إعراب، ولا تنوينه تنوينَ صرفٍ خلافاً للأخفش، بل الكسر لالتقاء السَّاكنين، والتنوين للعوض بدليل وجود الكسر، ولا إضافة؛ قال الشاعر: [الوافر] 350 - نَهَيْتُكَ عَنْ طِلاَبِكَ أُمُّ عَمْرٍو ... بِعَاقِبَةٍ وَأَنْتَ إِذٍ صَحِيحُ وللأخفش أن يقول: أصله: «وأنت حينئذ» فلما حذف المضاف بقي المُضَاف إليه على حاله، ولم يقم مقامه نحو: ﴿والله يُرِيدُ الآخرة﴾ [الأنفال: 67] بالجر، إلا أنه ضعيف. و «قَالَ رَبُّكَ» : جملة فعلية في محلّ خفض بإضافة الظرف إليها، واعلم أنّ «إذ» فيه تسعة أوجه، أحسنها أنه منصوب ب «قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا» أي: قالوا ذلك القول وضقْتَ قول الله عَزَّ وَجَلَّ إني جاعل في الأرض خليفة، وهذا أسهل الأوجه. الثاني: أنه منصوب ب «اذكر» مقدراً، وقد تقدم أنه لا يتصرّف، فلا يقع مفعولاً. الثالث: أنه منصوب ب «خلقكم» المتقدّم في قوله: ﴿اعبدوا رَبَّكُمُ الذي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة: 21] والواو زائدة. وهذا ليس بشيء لطول الفصل. الرابع: أنه منصوب ب «قال» بعده، وهذا فاسد؛ لأن المضاف إليه لا يعمل في المضاف. الخامس: أنه زائد، ويُعْزَى لأبي عبيدة. السادس: أنه بمعنى «قد» . السابع: أنه خبر لمبتدأ مَحْذوف تقديره: ابتداء خلقكم وَقْتَ قول ربك. الثامن: أنه منصوب بفعل لائقٍ تقديره: ابتداء خلقكم وَقْتَ قوله ذلك. وهذان ضعيفان، لأن وقت ابتداء الخَلْقِ ليس وقت القول، وايضاً لا يتصرف. التاسع: أنه منصوب ب «أحياكم» مقدراً، وهذا مردودٌ باختلاف الوقتين أيضاً. و «للملائكة» متعلّق ب «قال» واللاَّم للتبليغ. و «ملائكة» جمع «مَلَك» ، واختلف في «ملك» على ستة أقوال، وذلك أنهم اختلفوا في ميمه، ها هي أصلية أو زائدة؟ والقائلون بأصالتها اختلفوا. فقال بعضهم: «ملك» وزنه «فَعَلٌ» من المِلْك، وشذّ جمعه على «فَعَائلة» ، فالشذوذ في جمعه فقط. وقال بعضهم: بل أصله «مَلأْك» ، والهمزة فيه زائدة ك «شَمْأَل» ، ثم نقلت حركة الهمزة إلى «اللام» ، وحذفت الهمزة تخفيفاً، والجمع جاء على أصل الزيادة، فهذان قولان عند هؤلاء. والقائلون بزيادتها اختلفوا أيضاً: فمنهم من قال: هو مشتقٌّ من «أَلَكََ» أي: أرسل، ففاؤه همزة، وعينه لام؛ ويدلّ عليه قوله: [المنسرح] 351 - أَبْلِغْ أَبا دَخْتَنُوسَ مَألُكَةً ... عَنِ الَّذِي قَدْ يُقَالُ مِلْكَذِب وقال الآخر: [الرمل] 352 - وَغُلاَمٍ أَرْسَلَتْهُ أُمُّهُ ... بِأَلُوكٍ فَبَذَلْنَا مَا سَأَلْ وقال آخر: [الرمل] 353 - أَبْلِغِ النُّعْمَانَ عَنِّي مَأْلَكاً ... أَنَّه قََدْ طَالَ حَبْسِي وَانْتِظَاري فأصل ملك: ثم قلبت العين إلى موضع الفاء «، و» الفاء «إلى موضع» العين «على وزن» مَفْعَلٍ «ثم نقلت حركة» الهمزة «إلى» اللام «، وحذفت» الهمزة «تخفيفاً، فيكون وزن ملك:» مَعَلاً» بحذف الفاء. ومنهم من قال: هو مشتقّ من «لأك» أي: أرسل أيضاً، ففاؤه لام، وعينه همزة، ثم نقلت حركة الهمزة، وحذفت كما تقدّم، ويدلّ على ذلك أنه قد نطق بهذا الأصل قال: [الطويل] 354 - فَلَسْتَ لإِنْسِيٍّ وَلَكِنْ لمَلأَكٍ ... تَنَزَّلَ مِنْ جَوِّ السَّمَاءِ يَصُوبُ ثم جاء الجمع على الأصل، فردّت الهمزة على كلا القولين، فوزن» ملائكة «على هذا القول» مَفَاعلة «، وعلى القول الذي قبله» مَعَافِلَة «بالقَلْب. وقيل: هو مشتقٌّ من:» لاَكَهُ - يَلُوكُه» إذا «أداره - يديره» ؛ لأن الملك يدير الرسالة في فِيهِ، فأصل مَلْك: مَلُوك، فنقلت حركة» الواو «إلى» اللام «الساكنة قبلها، فتحرك حرف العلّة، وانفتح ما قبله فقلب» ألفاً» ، فصار: ملاكاً مثل: «مقام» ، ثم حذفت الألف تخفيفاً، فوزنه: «مفل» بحذف العين، وأصل «ملائكة» : «ملاوكة» ، فقلبت «الواو همزة» ، ولكن شرط قلب الواو والياء همزة بعد ألف مفاعل أن تكون زائدة نحو: «عَجَائز» و «رَسَائل» ، على أنه قد جاء ذلك في الأصل قليلاً قالوا: «مَصَائب» و «مَنَائِر» ، وقرىء شاذَّا، ﴿مَعَايِشَ﴾ [الأعراف: 10] بالهمز، فهذه خمسة أقوال. السّادس: قال النضر بن شُمَيْلٍ: لا اشتقاق ل» الملك «عند العرب» والهاء «في» ملائكة» لتأنيث الجمع، نحو: «صَلاَدمة» . وقيل: للمُبَالغة ك «عَلاّمة» و «نسَّابة» ، وليس بشيء، وقد تحذف هذه الهَاء شذوذاً؛ قال الشاعر: [الطويل] 355 - أَبَا خَالِدٍ صَلَّتْ عَلَيْكَ المَلاَئِكُ ... فصل في ماهية الملائكة اختلفوا في ماهيّة الملائكة، وحقيقتهم، والضابط فيه أن يقال: إن المَلاَئكة ذوات قائمة بنفسها، وهي إما متحيّزة، أو ليست بمتحيّزة، فإن كانت متحيّزة فهاهنا أقوال: أحدها: أنها أجسام لطيفة هَوَائية تقدر على التشكُّل بأشكال مختلفةٍ مسكنها السموات، وهذا قول أكثر المسلمين. الثاني: قول طوائف من عَبَدَةِ الأوثان: أن الملائكة هي هذه الكواكب الموصوفة بالإسْعَادِ، والإِنْحَاسِن فَالْمُسْعِدَات منها ملائكة الرَّحمة، والمنحسات منها مَلاَئكة العذاب. الثالث: قول معظم المَجُوس، والثنوية: وهو أن هذا العَالمَ مركّب من أصلين أزليين، وهما النور والظّلمة، وهُمَا في الحقيقة جَوْهَرَان شَفَّافان مُخْتَاران قادران، متضادا النّفس والصورة، مختلفا الفعل والتدبير، فجوهر النُّور فاضل خيّر، نفيّ طيّب الريح، كريم النفس يسر ولا يضر، وينفع ولا يمنع، ويَحْيَا ولا يبلى، وجوهر الظلمة على ضدّ ذلك. ثم إنَّ جوهر النور لم يزل يولد الأولياء، وهم الملائكة لا على سبيل التَّنَاكح، بل على سبيل تولّد الحكمة من الحكيم، والضوء من المضيء، وجوهر الظلمة لم يزل يولد الأعداء، وهم الشياطين على سبيل تولّد السَّفهِ من السفيه لا على سبيل التناكح. القول الثاني: وهو أنها ذوات قائمة بأنفسها، وليست بمتحيّزة، ولا بأجسام. فهاهنا قولان: الأول: قول طوائف من النَّصَارى، وهو أن الملائكة في الحقيقة هي الأنفس النَّاطقة المفارقة لأبدانها على نَعْتِ الصفاء والخيرية، وذلك لأن هذه النفوس المفارقة إن كانت صافيةً خالصة فهي الملائكة، وإن كانت خبيثةً كَدِرَةً فهي الشياطين. والثاني: قول الفَلاَسفة وهي أنها جَوَاهر قائمة بأنفسها وليست بمتحيّزة ألبتة، وأنها بالماهية مخالفة لأنواع النفوس النَّاطقة البشرية، وأنها أكملُ قوةً منها، وأكثر علماً منها، وأنها للنفوس البشرية جارية جرى الشَّمس بالنسبة إلى الأضواء، ثم إنَّ هذه الجَوَاهر على قسمين: منها ما هي بالنسبة إلى أجْرَام الأَفْلاَك والكواكب كنفوسنا الناطقة بالنسبة إلى أبداننا، ومنها ما هي لا هي عَلَى شَيْءٍ من تدبير الأفلاك، بل هي مستغرقة في معرفة الله، ومحبته ومشتغلة بطاعته، وهذا القسم هُمُ الملائكة المُقَرَّبُون، ونسبتهم إلى الملائكة الَّذين يدبرون السَّمَاوات، كنسبة أولئك المدبرين إلى نفوسنا النَّاطقة، فهذان القِسْمان قد اتفقت الفلاسفة على إثباتهما، ومنهم من أثبت انواعاً أُخَرَ من الملائكة، وهي الملائكة الأرضية المدبِّرة لأحوال هذا العالم السفليّ، ثم إن المدبرات لهذا العَالَم إن كانت خيرةً فهم الملائكة، وإن كانت شريرةً فهم الشياطين. فصل في شرح كثرتهم قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «أطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أن تَئِطَّ ما فيها مَوْضِعَ قَدَمٍ إلا وفيه مَلَكٌ ساجدٌ، أو راكع» . [وروي أن بني آدم عشر الجن، والجن وبنو آدم عشر حيوانات البَرّ، وهؤلاء كلهم عُشر حيونات البَرّ، وهؤلاء كلّهم عشر حيوانات البَحْرِ، وهؤلاء كلّهم عشر ملائكة الأرض الموكّلين بها، وكلّ هؤلاء ملائكة سَمَاء الدنيا، وكل هؤلاء عشر ملائكة السَّماءِ الثانية وعلى هذا الترتيب إلى ملائكة السّرادق الواحد من سُرَادقات العرش التي عددها ستمائة ألف، طول كلّ سرادق وعرضه وسمكه إذا قوبلت به السَّمَاوات والأرضون وما فيها وما بينها، فإنها كلها تكون شيئاً يسيراً وقدراً صغيراً، وما من مقدار موضع قدم إلا وفيه مَلَكٌ ساجد، أو راكع] وقائم، لهم زَجَلٌ بالتسبيح والتَّقديس، ثم كلّ هؤلاء في مُقَابلة الملائكة الذين يَحُومُونَ حول العرش كالقَطْرَةِ في البحر، ولا يعلم عَدَدَهُمْ إلا اللهُ تعالى، ثم مع هؤلاء ملائكة اللَّوحِ الذين هم أشياع إسرافيل عليه السّلام، والملائكة الذين هم جنود جبريل عليه السَّلام، ولا يحصى أجناسهم ولا مدة أعمارهم ولا كيفية عبادتهم إلا الله تعالى، على ما قال: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ [المدثر: 31] . وروي في بعض كتب التَّذكير أنه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - حين عرج به رأى ملائكة في مَوْضِعٍ بمنزلة سوق بعضهم يمشي تُجَاهَ بعض، فسأل رسول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - «إلَى أيْنَ يَذْهَبُونَ؟» فقال جبريل عليه السَّلام: لا أَدْرِي إِلاّ أَنِّي أراهُمْ مذ خلقت ولا أرى واحداً منهم قد رأيته قبل ذلك، ثم سأل واحداً منهم وقيل له: مذ كم خلقت؟ فقال: لا أدري غير أن الله - تعالى - يخلق كوكباً في كلّ أربعمائة ألف سنةٍ، فخلق مثل ذلك الكوكب منذ خَلَقَنِي أربعمائة ألف مرة فسبحانه من إله ما أعظم قدرته وما أجلّ كماله. فصل فيمن قيل له من الملائكة: «إني جاعل» اختلفوا في المَلاَئكة الَّذين قال لهم: «إنِّي جاعلٌ لهم» كلّ الملائكة، أو بعضهم؟ فروى الضَّحَّاك عن ابن عباس أنه سبحانه إنما قال هذا القول للملائكة الذين [كانوا مُحَاربين] مع «إبليس» ؛ لأن الله - تعالى - لما أسكن الجنّ الأرض، فأفسدوا فيها، وسفكوا الدّماء، وقتل بعضهم بعضاً، بعث الله «إبليس» في جُنْدٍ من الملائكة، فقتلهم «إبليس» بعسكره حتى أخرجوهم من الأرض؛ وألْحَقُوهُمْ بِجَزَائِرِ البَحْر، وشعوب الجِبَالِ، وسَكَنُوا الأرض، وخفّف الله عنهم العبادة، وأعطى «إبليس» ملك الأرض، وملك سماء الدنيا، وخزانة الجنّة، فكان يعبد الله تارة في الأرض، وتارة في السماء، وتارة في السماء، وتارة في الجنة، فاخذه العجب وقال في نفسه: ما أعطاني الله هذا المُلْكَ إلا لأني أكرم الملائكة عليه فقال تعالى لهم: «إنِّي جَاعِلٌ في الأَرْضِ خَلِيفَةً» . وقال أكثر الصحابة والتابعين إنه قال ذلك لجماعة الملائكة من غير تخصيص، لأن لفظ الملائكة يفيد العُمُوم. فإن قيل: ما الفائدة في أن الله قال للملائكة: «إنِّي جَاعِلٌ في الارضِ خليفةً» مع أنه منزّه عن الحاجة إلى المَشُورة؟ . فالجواب من وجهين: الأوّل: أنه - تعالى - علم أنهم إذا اطَّلعُوا على ذلك السّر أوردوا عليه ذلك السُّؤال، فكانت المَصْلَحَة تقتضي إحاطتهم بذلك الجَوَاب، فعرّفهم هذه الواقعة لكي يوردوا ذلك السُّؤال، ويسمعوا ذلك الجواب. والثاني: أنه - تعالى - علم عباده المَشُورة. قوله: «إنِّي جَاعِلٌ في الأَرْضِ خَلِيفَةً» هذه الجملة معمولُ القول، فهي في محل نصب به، وكسرت «إنَّ» هنا، لوقوعها بعد القول المجرّد من معنى الظَّنِّ محكية به، فإن كان بمعنى الظَّن جرى فيها وجهان: الفَتْح والكَسْر؛ وأنشدوا: [الطويل] 356 - إِذَا قُلْتَ إِنِّي آيبٌ أَهْلَ بَلْدَةٍ ... نَزَعْتُ بِهَا عَنْهُ الْوَلِيَّةَ بِالهَجْرِ وكان ينبغي أن يفتح ليس إلاَّ؛ نظراً لمعنى الظن، لكن قد يقال جاز الكسر مُرَاعاةً لصورة القول. و «إن» على ثلاثة أقسام: قسم يجب فيه كسرها، وقسم يجب فيه فتحها، وقسم يجوز فيه الوجهان. والضابط الكُلّي في ذلك: أن كلَّ موضع سَدَّ مسدَّها المصدرُ، وجب فيها فتحها؛ نحو: «بلغني انك قائمٌ» ، وكلَّ موضعٍ لم يَسُدَّ مسدَّهَا، وجب فيه كَسْرُها؛ كوقوعها بعد القول ومبتدأةً وصلةً وحالاً، وكلّ موضع جاز أن يسدّ مسدّها، جاز الوجهان؛ كوقوعها بعد فاء الجزاء، و «إذا» الفجائية. و «جاعل» فيه قولان: أحدهما: أنه بمعنى «خالق» فيكون «خليفة» مفعولاً به و «فِي الأَرضِ» فيه حينئذ قولان: أحدهما: وهو الواضح - أنه متعلّق ب «جاعل» والثاني: أنه متعلّق بمحذوف؛ لأنه حال من النكرة بعده. القول الثانيك أنه بمعنى «مُصَيِّر» ذكره الزَّمَخْشَرِي، فيكون «خليفة» هو المفعول الأول، و «في الأرض» هو الثَّاني قدم عليه، ويتعلّق بمحذوف على ما تقرر. والأرض قيل: إنها «مكة» ، روى ابن سابط عن النبي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: «دُحِيَتِ الأَرْضُ من مَكَّةَ» ولذلك سميت «أم القرى» ، قال: وقبر نوح، وهود، وصالح، وشعيب بين «زمزم» والمَقَام. والظاهر أنّ الأرض في الآية جميع الأرض من المشرق والمغرب. و «خليفة» يجوز أن يكون بمعنى «فاعل» أي: يخلفكم أو يخلف من كان قبله من الجنّ، وهذا أصح، لدخول تاء التأنيث عليه. وقيل: بمعنى «مفعول» أي: يخلف كل جيل من تقدمه، وليس دخول «التَّاء» حينئذ قياساً، إلاَّ أن يقال: إن «خليفة» جرى مجرى الجَوَامِدِ ك «النَّطيحة» و «الذَّبيحة» . وإنما استغنى بذكره كما يستغنى بذكر أبي القَبِيلَةِ نحو: «مُضَر» و «رَبِيعَة» وقيل: المعنى على الجنس. وقال «ابن الخطيب» : الخليفة: اسم يصلح للواحد والجمع كما يصلح للذكر والأنثى. و «الخَلَفُ» - بالتحريك - من الصَّالحين، وبتسكينها من الطَّالحين. واختلفوا في أنه لِمَ سمّاه - أي: خليفة - على وجهين: فروي عن «ابن عباس» أنه - تعالى - لما نفى الجنّ من الأرض، وأسكنها آدم كان آدم - عليه الصلاة والسَّلام - خليفة لأولئك الجنّ الذين تقدّموه، لأنه خلفهم. والثاني: إنما سمَّاه الله خليفةً، لأنه يخلف الله في الحكم بين خلقه، ويروى عن ابن مسعود، وابن عباس، والسّدي وهذا الرأي متأكّد بقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرض فاحكم بَيْنَ الناس بالحق﴾ [ص: 26] . [روى أبو ذر قال: قلت: يا رسول الله أنبياً كان آدم مرسلاً؟ قال: «نعم. .» الحديث] . فإن قيل: لمن كان رسولاً إلى ولده، وكانوا أربعين ولداً في عشرين بطناً في كل بَطْنٍ ذكر وأنثى، وتوالدوا حتى كثروا، وأنزل عليهة تحريم الميتة والدَّم ولحم الخِنْزِير، وعاش تسعمائة وثلاثين سنةً. ذكره أهل التوراة والله أعلم. [وروي عن وهب بن منبه أنه عاش ألف سنة] . وقرئ: «خلِيقةً» بالقاف، و «خليفة» منصوب ب «جاعل» كما تقدّم؛ لأنه اسم فاعل، وأسم الفاعل يعمل عمل فعله مطلقاً إن كان فيه الألف واللام، ويشترط الحال أو الاستقبال والاعتماد إذا لم يكونا فيه، ويجوز إضافته تخفيفاً ما لم يفصل بينهما كهذه الآية. فصلٌ في وجوب نصب خليفة للناس هذه الآية دليلٌ على وجوب نصب إمام وخليفة يسمع له ويُطَاع، لتجتمع به الكلمة، وتنفذ به أحكام الخليفة، ولا خلاف في وجوب ذلك بَيْنَ الأئمة إلاّ ما روي عن الأصَمّ، وأتباعه أنها غير واجبةٍ في الدين - وأن الأمة متى أقاموا حججهم وجهادهم، وتناصفوا فيما بينهم، وبذلوا الحقّ من أنفسهم، وقسموا الغَنَائم والفَيء والصدقات على أهلها، وأقاموا الحُدُود على من وجبت عليه، أجزأهم ذلك، ولا يجب عليهم أن ينصبوا إماماً يتولّى ذلك، وشروط الإمامة مذكورة في كتب الفِقْه. وتناصفوا فيما بينهم، وبذلوا الحقّ من أنفسهم، وقسموا الغَنَائم والفَيْء والصدقات على أهلها، وأقاموا الحُدُود على من وجبت عليه، أجزأهم ذلك، ولا يجب عليهم أن ينصبوا إماماً يتولّى ذلك، وشروط الإمامة مذكورة في كتب الفِقْه. قوله: «قَالُوا: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا» قد تقدم أن «قالوا» عامل في «إِذْ قَالَ رَبُّكَ» ، وأنه المختار، والهمزة في «أتجعل» للاستفهام على بابها، وقال الزمخشري: «للتعجب» ، وقيل: للتقرير؛ كقوله: [الوافر] 357 - أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطَايَا ... وَأَنْدَى الْعَالِمينَ بُطُونَ رَاحِ وقال «أبو البَقَاءِ» للاسترشاد، أي: أتجعل فيها من يفسد كمن كان قبل. و «فيها» الأولى متعلّقة ب «تجعل» إن قيل: إنها بمعنى «الخَلْق» ، و «من يفسد» مفعول به. وإن قيل: إنها بمعنى «التصيير» ، فيكون «فيها» مفعولاً ثانياً قدّم على الأول، وهو «من يفسد» ، و «من» تحتمل أن تكون كموصولةً، أو نكرة موصوفة، فعلى الأول لا محلّ للجملة بعدها من الإعراب، وعلى الثَّاني محلها النصب، و «فيها» الثانية متعلّقة ب «يفسد» . و «يفسك» عطف على «يفسد» بالاعتبارين. والجمهور على رَفْعِهِ، وقرئ منصوباً على جواب الاتسفهام بعد «الواو» التي تقتضي الجمع بإضمار «أن» كقوله: [الكامل] 358 - أَتَبِيتُ رَيَّانَ الجُفُونِ مِنَ الكَرَى ... وَأَبِيتَ مِنْكَ بِلَيْلَةِ الْمَلْسُوعِ وقال: «ابن عطية» : «منصوب بواو الصرف» وهذه عبارةُ الكوفيين، ومعنى «واو الصرف» أن الفعل كان يقتضي إعراباً، فصرفته «الواو» عنه إلى النصب. والمشهور «يَسْفِكُُ» بكسر الفاء، وقرئ بضمها أيضاً بضم حرف المُضَارعة من «أُسْفِكُ» . وقرئ أيضاً مشدداً للتكثير. و «السَّفْك» : هو الصَّب، ولا يستعمل إلاّ في الدم. وقال ابن فارس والجوهري: «يستعمل أيضاً في الدمع» . وقال «المَهْدَوِيّ» : ولا يستعمل السَّفك إلاّ في الدم، وقد يستعمل في نَثْرِ الكلام، يقال: سفك الكلام، أي: نثره. و «السَّفاك» : السفاح، وهو القادر على الكلام. و «الدِّمَاء» جمع «دَم» ولا يكون اسمٌ معربٌ على حرفين، فلا بُدَّ له من ثالث محذوف هو لامه، ويجوز أن تكون «واواً» وأن تكون «ياء» ؛ لقولهم في التثنية «دَمَوَان» و «دَمَيَان» ؛ قال الشاعر: [الوافر] 359 - فَلَوْ أَنَّا عَلَى حَجَرٍ ذُبِحْنَا ... جَرَى الدَّمَيَانِ بِالخَبَرِ الْيَقِينِ وهل وزن دم: «فَعْل بسكون العين، أو» فَعَل «بفتحها؟ قولان؛ وقد يُرَدُّ محْذُوفُهُ، فيستعمل مقصوراً ك» عَصَا» ؛ وعليه قول الشاعر: 360 - كَأَطُومٍ فَقَدَتْ بُرْغُزَهَا ... أَعْقَبَتْهَا الغُبْسُ مِنْهُ عَدَمَا غَفَلَتْ ثُمَّ أَتَتْ تَرْقُبُهُ فَإِذّا هِيَ بِعِظَامٍ وَدَمَا «الأَطُوم» : الناقة، «وبرغزها» : ولدها، و «الغُبْسُ» : الضباع. وقد تشدّد ميمه؛ قال الشاعر: [البسيط] 461 - أَهانَ دَمَّكَ فَرْغاً بَعْدَ عِزَّتِهِ ... يَا عَمْرُو بَغْيُكَ إِصْرَاراً عَلَى الْحَسَدِ وأصل الدَّمَاء: «الادِّمَاو» أو» الدِّمَاي «فقلب حرف العلّة همزة لوقوعه طرفاً بعد ألف زائدةٍ، نحو:» كِسَاء» و «رِدَاء» . فإن قيل: الملائكة لا يعلمون إلا بما عملوا، ولا يسبقونه بالقول، فكيف قالوا: «أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا» . فالجواب: اختلف العلماء فيه، فمنهم من قال: إنهم ذكروا ذلك عن ظَنّ قياساً على حالِ الجِنّ الذين كانوا في الأرض قبل آدم عليه الصَّلاة والسّلام، قاله ابن عباس، والكلبي وأحمد بن يحيى. الثَّاني: أنهم عرفوا خلقة آدم، وعرفوا أنه مركب من الأخلاط الأربعة فلا بد وأن يتولد منه المشهور بالغَضَبِ، فيتولّد الفساد من الشَّهْوَةِ، وسَفْكِ الدماء من الغضب. ومنهم من قال: إنهم قالوا ذلك على يَقِيْنِ، وهو مروي عن «ابن معود» وناس من الصحابة، وذكروا وجودهاً: أحدها: أنه - لما قال: «إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةٌ» قالوا: ربنا وما يكون ذلك الخليفة. قال: يكون له ذرية يفسدون في الأرض، ويتحاسدون، ويقتل بعضهم بعضاً، فعند ذلك قالوا: «أَتَجْعَلُ فِيْهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيْهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ» ؟ إما على طريق التَّعجُّب من استخلاف الله من يعصيه، أو من عصيان الله من يستخلفه في أرضه، وينعم عليه بذلك، وإما على طريق الاستعظام والاستكبار للفعلين جميعاً الاستخلاف والعصيان. وثانيها: أنه - تعالى - كان قد أعلم الملائكة أنه إذا كان في الأرض خلقٌ عظيم أفسدوا فيها، وسفكوا الدماء. وثالثها: قال ابن زَيْدٍ: لما خلق الله النَّار خافت الملائكة خوفاً شديداً، فقالوا: ربنا لمن خلقت هذه النار؟ قال: لمن عَصَانِي من خلقي، ولم يَكُنْ لله يومئذ خلقٌ سوى الملائكة، ولم يكن في الأرض خلق ألبتة، فلما قال: «إني جاعل في الأرض خليفةٌ» عرفوا أن المعصية تظهر منهم. ورابعها: لما كتب القلم في اللوح [المحفوظ] ما هو كائن إلى يوم القيامة، فلعلّهم طالعوا اللّوح، فعرفوا ذلك. وخامسها: إذا كان مَعْنَى الخليفة من يكون نائباً لله في الحكم والقضاء، والاحتياج إلى الحاكم والقاضي إنما يكون عند التنازع، والتَّظَالم، فكان الإخبار عن وُجود الخليفة إخباراً عن وقوع الفساد والشَّرِّ بطريق الالتزام. وسادسها: قال قتادة: كان الله أعلمهم أنه إذا جعل في الأرض خليفةً يفعل كذا وكذا، قالوا: أتجعل فيها الَّذي علمناه أم غيره. قوله: «ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ» الواو: للحال، و «نحن نسبح» : جملة من مبتدأ وخبر في محلٍّ النصب على الحال. و «بحمدك» : متعلّق بمحذوف؛ لأنه حالٌ أيضاً، و «الباء» فيه للمصاحبة أي: نسبّح ملتبسين بحمدك، نحو: جاء زيدٌ بثيابه. فهما حَالاَنِ مُتَدَاخِلان، أي حال في حال. وقيل: «الباء» للسببية فتتعلّق بالتسبيح، قل «بن عطية» : ويحتمل ن يكون قولهم: «بحمدك» اعتراضً بين الكلامين، كأنهم قلوا: ونحن نسبح ونقدس، ثم اعترضا على جهة التسليم، أي: وأنت المَحْمُودُ في بالهداية إلى ذلك وكأنه يحاول أنه تكون «الباء» فعلاً محذوفاً لائقاً بالمعنى تقديره: حصل لنا التسبيح والتقديس بسبب حمدك. و «الحمد» هنا: مصدر مُضَاف لمفعوله، وفاعله محذوف تقديره بحمدنا إيّاك، وزعم بعضهم أنّ الفاعل مضمر فيه، وهو غلط؛ لأنَّ المصدر اسم جامد لا يضمر فيه على أنه قد حكي الخِلاَف في المصدر الواقع موقع الفِعْل، نحو: «شرياً زيداً» هل يتحمّل ضميرً أو لا وقد تقدم. و «نُقَدِّسُ» عطف على «نُسَبِّحُ» فهو خير أيضاً عن «نحن» ، ومفعوله محذوف أي: نقدس أنفسنا وأفعالنا لك. و «لك» متعلّق به، أو ب «نسبح» ومعناها العلّة. وقل: زائدة، فإنَّ ما قبلها متعدٍّ بنفسه، وهو ضعيف، إذ لا تُزادَ «اللام» إلا مع تقديم المعمول، أو يكون العامل فرعاً. وقيل: هي مُعَدِّيَةٌ: نحو: «سجدت لله» . وقيل: للبيان كهي في قولك: «سُقْياً لك» فعل هذا تتعلّق بمحذوف، ويكون خبر مبتدأ مضمر أي: تقديساً لك. وهذا التقدير أحسن من تقدير قولهم: أعني؛ لأنه أليق بالموضع. وأبعد من زعم أن جملة «ونحن نسبح» داخلة في حيز استفهام مقدر تقديره: وأنحن نسبح أم نتغير؟ واستحسنه ابن عطية مع القول بالاستفهام المحض في قولهم: «أتجعل» وهذا يأباه الجمهور، أعني: حذف همزة الاستفهام من غير ذكر «أم» المعادلة وهو رأي «الأخفش» وجعل من ذلك قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ [الشعراء: 22] أي: وأتلك نعمة. وقول الآخر: [الطويل] 362 - طَرِبَتْ وَمَا شَوْقَاً إلى البِيضِ أَطْرَبُ ... وَلا لَعِباً مِنِّي وذُو الشَّيْبِ يَلِعًبُ أي: وأذو الشيب؟ وقول الآخر: [المنسرح] 363 - أَفَرِحَ أَنْ أُزْرَأَ الكِرَامَ وَأَنّْ ... أُورَثَ ذَوْداً شَصَائِصاَ نَبَلا أي: أأفرح؟ . فأما مع «أم» جائز لدلالتها عليه؛ كقوله: [الطويل] 364 - لَعَمْرِكَ ما أدْرِي وَإِنْ كُنْتُ دَارِياً ... يِسَبْعٍ رَمَيْنَ الْجَمْرَ أَمْ بِثَمَانٍ أي: أبسبع؟ و «التسبيح» : التنزيه والبَرَاءة، وأصله من السَّبح وهو البعد، ومنه السَّابح في الماء، فمعنى «سبحان الله» أي: تنزيهاً له وبراءة عما لا يليق بجلاله ومنه: [السريع] 365 - أَقُولُ لَمَّا جَاءَنِي فَخْرُهُ ... سُبٍحَانَ مِنْ عَلْقَمَةَ الْفَاخِرِ أي: تنزيهاً، وهو مختص بالباري تَعَالى. قال «الراغب» في قوله: سبحان من عَلْقَمَةَ الفاخر إن أصله: سُبْحَانَ علقمة، على سبيل التهكُّم فزاد فيه «من» . وقيل: تقديره: سبحان الله من أجل عَلْقَمَة، فظاهر قوله أنه يجوز أن يقال لغير البَارِي على سبيل التهكُّم، وفيه نظر. و «التقديس» : التَّطهير، ومنه الأرض المقدَّسَة، وبيت المَقْدِس، ورُوح القُدُس؛ وقال الشاعر: [الطويل] 366 - فَأَدْرَكْنَهُ يَأْخُذْنَ بِالسَّاقِ وَالنِّسَا ... كَمَا شَبْرَقَ الْوِلْدَانُ ثَوْبَ الْمُقَدِّسِ أي: المُطَهِّر لهم. وقال: «الزمخشري» : هو من قدس في الأرض: إذا ذهب فيها وأبعد، فمعناه قريب من معنى «نسبّح» . ثم اختلفوا على وجوع: أحدها: نطهرك أي: نَصِفُكَ بما يليق بك من العلو والعزّة. وثانيها: قول مجاهد: نطهر أفعالنا من ذنوبنا حتى تكون حالصةٌ لك. ورابعها: نطهر قلوبنا عن الالتفات إلى غيرك حتى تصير مستغرقةً في أنوار معرفتك. قالت المعتزلة: هذه الآية تدلّ على مذهبنا من وجوه: أحدها: قولهم: «ونَحْنُ نُسَبِّحُ بحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ» أضافوا هذه الأفعال إلى أنفسهم، فلو كانت أفعالاً لله - تعالى - لما حسن التمدُّح بذلك، ولا فضل لذلك على سفك الدماء؛ إذ كل ذلك من فعل الله تعالى. وثانيها: إذا كان لا فاحشة، ولا ظُلْم، ولا وجود إلاّ بصنعه وخلقه ومشيئته، فكيف يصح التنزيه والتقديس؟ وثالثها: أن قوله: «أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ» يدلّ على مذهب العَدْلِ، لأنه لو كان خالقاً للكفر لكان خلقهم لذلك الكفر، فكان ينبغي أن يكون الجواب نعم خلقهم ليفسدوا وليقتلوا، فلما لم يَرْضَ بهذا الجواب سقط هذا المذهب. ورابعها: لو كان الفساد والقَتْلُ من فعل الله - تعالى - لكان ذلك جارياً مجرى أجسامهم، وألوانهم، وكما لا يصح التعجُّب من هذه الأشياء، فكا من الفساد والقتل. والجواب: المُعَارضة بمسألة الداعي والعلم، والله أعلم. قوله: " إني أعلم ما لا تعلمون ". أصل «إنّي» : فاجتمع ثلاثة أمثال، فحذفنا أحدها، وهل هو «نون» الوقاية، أو «النون» الوسطى؟ قولان: الصحيح الثاني، وهذا شبيه بما تقدم في ﴿إِنَّا مَعَكْمْ﴾ [البقرة: 14] وبابه، والجملة في محل نَصْب بالقول. و «أعلم» يجوز فيه أن يكون فعلاً مضارعاً، وهو الظاهر، و «ما» مفعول به، وهي: إما نكرة موصوفة أو موصولة، وعلى كل تقدير، فالعائد محذوف لاستكماله الشروط: أي: تعلمونه. وقال «المهدي، ومكّيّ: وتبعهما» أبو البقاء «: إن» أعلم «اسم بمعنى» عالم «؛ كقوله: [الطويل] 367 - لَعَمْرُكَ مَا أَدْرِي وإنّي لأَوْجَلُ ... عَلَى أَيِّنَا تَعْدُو المَنِيَّةُ أَوَّلُ ف» ما «يجوز فيها أن تكون في محلّ جر بالإضافة، أو نصب ب» أعلم «، ولم ينون» أعلم «لعدم انصرافه بإجماع النحاة. واختلفوا في أفعل إذا سمي به وكان نكرة، فسيبويه والخليل لا يصرفانه، والأخفش يصرفه نحو:» هؤلاء حَوَاجّ بيت الله «. وهذا مبني على أصلين ضعيفين: أحدهما: جعل» أفعل «بمعنى» فاعل «من غير تفضيل. والثاني: أن» أفعل «إذا كانت بمعنى اسم الفاعل علمت عمله، والجمهور لا يثبتونها. وقيل:» أعلم» على بابها من كونها للتفضيل، والمفضل عليه محذوف، أي: اعلم منكم، و «ما» منصوبة بفعل محذوف دلّ عليه» أفعل «أي: علمت ما لا تعلمون، ولا جائز أن ينصب ب» أفعل «التفضيل؛ لأنه أضعف من الصفة المشبّهة التي هي أضعف من اسم الفاعل الذي هو أضعف من الفِعْلِ في العمل، وهذا يكون نظير ما أوّلوه من قول الشاعر: [الطويل] 368 - فَلَمْ أَرَ مِثْلَ الحَيِّ حَيَّاً مُصَبِّحاً ... وَلاَ مِثْلَنَا يَوْمَ الْتَقِيْنَا فَوَارِسَا أَكَرَّ وأَحْمَى لِلْحَقِيقَةِ مِنْهُمُ ... وَأَضَرَبَ مِنَّا بالسُّيُوف القَوَانِسَا ف «القَوَانِس» منصوب بفعل مقدر أي: ب «ضرب» لا ب «أضرب» ، وفي ادعاء مثل ذلك في الآية الكريمة بعد الحَذْفِ يتبيّن المفضل عليه، والناصب ل «ما» . فصل في بيان علام الجواب في الآية اختلف علماء التأويل في هذا الجواب وهو قوله: «إِنَّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ» فقيل: إنه جواب لتعجّبهم، كأنه قال: لا تتعجّبوا من أن فيهم من يفسد، ويقتل، فإني أعلم مع هذا أن فيهم صالحين، ومتّقين، وأنتم لا تعلمون. وقيل: إنه جواب لغمّهم كأنه قال: لا تغتمّوا بسبب وجود المفسدين، فإني أعلم أيضاً أن فيهم جمعاً من المتّقين، ومن لو أقسم على لأبرّه. وقيل: إنه طلب الحكمة كأنه قال: إن مصلحتكم أن تعر فرا وجه الحكمة فيه على الإجمال دون التفصيل. بل ربما كان ذلك التفصيل مفسدة لكم. وقال «ابن عباس» : كان «إبليس» - لعنة الله - قد أعجب ودخله الكِبَرُ لما جعله خازن السّماء، وشرفه، فاعتقد أن ذلك لمزيّةٍ له، فاستحب الكفر والمعصية في جانب آدم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وقالت الملائكة: «ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك» ، وهي لا تعلم أن في نفس إبليس خلاف ذلك، فقال الله لهم: «إني أعلم ما لا تَعْلَمُونَ» ، وقيل: المعنى عام، أي: أعلم ما لا تعلمون مما كان، وما يكون، وما هو كائن.

البقرة 2:31

اعلم أن الملائكة لما سألوا عن وجه الحكمة، فأجابهم على سبيل الإجمال بقوله: «إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُون» . أراد الله تعالى أن يزيدهم بياناً، وأن يفصّل لهم ذاك المُجْمَل، فبين تعالى لهم من فضل آدم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - ما لم يكن معلوماً لهم، وذلك بأن علم آدم الأسماء كلها، ثم عرضهم عليهم ليظهر بذلك كَمَال فَضْلِه، وقُصُورهم عنه في العلم، فيتأكّد ذلك الجواب الإجمالي بهذا الجواب التفصيلي. فصل في إعراب الآية قوله: «وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسمَاء» هذه الجملة يجوز ألاَّ يكون لها مَحَلّ من الإعراب، لاستئنافها، وأن يكون محلها الجر، لعطفها على «قَالَ رَبُّكَ» . و «علم» متعدّية إلى اثنين، وكانت قبل التضعيف متعديةً لواحد؛ لأنها عرفانية، فتعدّت بالتضعيف لآخر، وفرقوا بين «علم» العِرْفَانية واليَقِينيّة في التعدية، فإن أرادوا أن يعدوا اليقينية عدوها بالهمزة ذكر ذلك «أبو علي الشّلوبين» . وفاعل «علم» يعود على الباري تَعَالى، و «آدم» مفعوله. وآدم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - كُنيته أبو البَشَر، وقيل: أبو محمد ذكره السُّهيلي، وقيل: كنيته في الأرض أبو البشر، وكنيته في الجنة أبو محمد. وأصله بهمزتين، لأنه «أفعل» إلا أنهم لَيَّنُوا الثانية، فإذا احتجت إلى تحريكها جعلتها «واواً» فقلت: «أوادم» في الجمع؛ لأنه ليس لها أصل في الياء معروف، فجعلت الغالب عليها الواو، عن «الأخفش» . وفي «آدم» ستة أقوال: أرجحها أنه اسم أعجمي لا اشتقاق فيه، ووزنه «فَاعَلَ» كَنَظَائره نحو: «آزر» و «شالخ» ، وإنّما مُنعَ من الصَّرف للعلمية والعُجْمة الشخصية. والثاني: أنه مشتقٌّ من «الأُدْمَةِ» ، وهي حُمْرَةٌ تميل إلى السَّوَاد، واختلفوا في الأُدْمَةِ، فزعم «الضَّحاك» أنها السُّمرة، وزعم «النَّضْر» أنها البياض، وأن آدم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - كان أبيض، مأخوذ من قولهم: ناقة أَدْمَاء، إذا كانت بيضاء، وعلى هذا الاشتقاق جمعه «أَدْمٌ» و «أَوَادِمُ» ك «حُمَرٍ: و» أَحَامِرَ «، ولا ينصرف بوجه. الثالث: أنه مشتقٌ من أديم الأرض، وهو وجهها. ومنع من الصَّرف على هَذَيْنِ القولين للوزن والعلميّة. الرابع: أنه مشتقٌ من أَدِيم أيضاً على هذا الوزن أعني وزن فاعل، وهذا خطأ، لأنه كان يبنغي أن ينصرف، لأن كونه مشتقٌّ من الأُدْمَة، وهو أديم الأرض جمعه» آدَمُون «فيلزم قاشلو هذه المقالة صرفه. الخامس: أنه عِبْرِيّ من الإدام، وهو التراب. السّادس: قال» الطبري» : إنه في الأصل فعل رباعي مثل: «أكرم» ، وسمي به لغرض إظهار الشيء حتى تعرف جِهَته. والحاصل أن ادّعاء الاشتقاق فيه بعيد؛ لأن الأسماء الأعجمية لا يَدْخُلُهَا اشتقاق ولا تصريف. و «آدم» وإن كان مفعولاً لفظاً فهو فاعل معنى، و «الأسماء» مفعول ثانٍ، والمسألة من باب «أعطى وكَسَا» ، وله أحكام تأتي إن شاء الله تعالى. وقرئ: «عُلَِمَ» مبنياً للمفعول و «آدمُ» رفع لقيامه مقام الفاعل. و «كُلَّهَا» تأكيد للأسماء تابع أبداً، وقد يلي العوامل كما تقدّم. وقوله: «الأَسْمَاءَ كُلَّهَا» الظاهر أنه لا يحتاج إلى ادِّعَاء حذف؛ لأن المعنى: وعلم آدم الأسماء، ولم يبين لنا أسماء مخصوصة، بل دلّ قوله: «كلها» على الشُّمول، والحكمة حاصلة بتعلُّم الأسماء، وإن لم يعلم مسمياتها، أو يكون أطلق الأسماء، وأراد المسميات، فَعَلَى هذين الوجهين لا حَذْفَ. وقيل: ى بُدّ من حذف، واختلفوا فيه، فقيل: تقديره: أسماء المسميات، فحذف المُضاف إليه للعلم. قال الزمخشري: وعوض منه «اللام» ، كقوله تعالى: ﴿واشتعل الرأس شَيْباً﴾ [مريم: 4] ورجّح هذا القول بقوله: «أَنْبِئُونِي بأَسْمَاءِ هَؤلاَءِ» ، «فَلَمَا أَنْبَأَهَمْ بَأَسْمَائِهِمْ» ولم يقل: «أَنْبِئُونِي بِهَؤُلاَءِ» ، «فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِهِمْ» ولكن في قوله «وعوض منه اللام» نظر؛ لأن الألف واللام لا تقوم مَقَامَ الإضافة عند البصريين. وقيل: تقديره: مسميات الأسماء، فحذف المُضاف، وأقيم المُضَاف إليه مقامه، ورجح هذا القول بقوله: «ثُمَ عَرَضَهُمْ» لأن الأسماء لا تجمع كذلك، فدلّ عوده على المسميات، ونحو هذه الآية قوله تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ﴾ [النور: 40] . تقديره: أو كَذِي ظُلُمَاتٍ، فالهاء في «يغشاه» على «ذي» المحذوف. فصل في المراد بالأسماء في الآية اختلف أهل التأويل في معنى الأسماء التي علّمها لآدم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - فقال ابن عباس، وعكرمه، وقتادة، ومجاهد، وابن جبير: علمه أسماء جميع الأشياء كلّها جليلها وحقيرها. وروى عاصم بن كليب عن سعد مولى الحَسَنِ بن علي قال: «كنت جالساً عند ابن عباس، فكروا اسْمَ الآنِيَةِ وَاسْمَ السّوط، قال ابن عباس: وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا» . وروي عن ابن عبَّاس، ومجاهد، وقتادة: «علمه أسماء كلّ شيء حتى القصْعَة والقصيعة وحتى الجَفنة والمِخْلب» وعن قتادة قال: علم آدم من الأسماء أسماء خلقه ما لم تعلم المَلائكة، وسمى كل شيء باسمه، وأنحى منفعة كل شيء إلى جنسه. قال النَّحَّاس: «وهذا أحسن ما روي» . وقال الطبري «علمه أسماء الملائكة وذريّته» واختار هذا، ورجّحه بقوله: «ثم عرضهم» . وقال القتيبي «أسماء ما خلق في الأرض» . وقيل: أسماء الأجناس والأنواع. وقال الربيع بن أنس: «أسماء الملائكة» . وقيل: أسماء ذريّته. وقيل: أسماء ما كان وما يكون إلى يوم القيامة. وقيل: صنعة كلّ شيء. وقال أصحاب التأويل: إن الله - عزّ وَجَلّ - علم آدم جميع اللُّغات، ثم تكلم كل واحد من أولاده بلغة فتفرقوا في البلاد، واختص كل فرقة منهم بِلُغةٍ. فصل في بيان أن اللغات توقيفية أو اصطلاحية؟ قال «الأشعري» و «الجبائي» و «الكعبي» : اللُّغات كلها توفيقيةٌ، بمعنى أن الله تعالى خلق علماً ضرورياً بتلك الألفاظ، وتلك المعاني، وبأن تلك الألفاظ موضوعةٌ لتلك المعاني: لقوله تعالى: «وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا» . وقال «أبو هاشم» : إنه لا بد من تقدم لغة اصطلاحية، وأن الوضع لا بد وأن يكون مسبوقاً على الاصطلاح، واحتج بأمور: أحدها: أنه لو حصل العلم الضروري بأنه - تعالى - وضع ذلك اللَّفظ لذلك المَعْنَى لصارت صفةُ الله معلومةً بالضرورة، مع أن ذاته معلومة بالاستدلال، وذلك مُحَال، ولا جائز أن يحصل لغير العاقل، لأنه يبعد في العقول أن يحصل العلم بهذه اللُّغَات مع ما فيها من الحكم العجيبة لغير العاقل، فالقول بالتوقيف فاسد. وثانيعا: أنه - تعالى - خاطب الملائكة، وذلك يوجب تقدُّم لغة على ذلك التكلم. وثالثها: أن قوله: «وَعَلَّم آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا» يقتضي إضافة التعليم إلى الأسماء، وذلك يقتضي في تلك الأسماء أنها كانت أسماء قبل ذلك التَّعليم، وإذا كان كذلك كانت اللُّغات حاصلةٌ قبل ذلك التعليم. ورابعها: أن آدم - عليه الصَّلاة والسلام - لما تَحَدَّى الملائكة بعلم الأسماء، فلا بد وأن تعلم الملائكة كونه صادقاً في تعيين تلك الأسماء لتلك المسميات على ذلك التعليم. فصل في بيان هل كان آدم نبياً قبل المعصية؟ قالت المعتزلة: إن علم آدم الأسماء معجزة دالّة على نبوّته - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - والأقرب أنه كان مبعوثاً إلى حَوّاء، ولا يبعد أيضاً أن يكون إلى من توجّه التحدي إليهم من الملائكة؛ لأن جميعهم وإن كانوا رسلاً فقد يجوز الإرْسَال إلى الرسول، كبعثة إبراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - إلى لُوطٍ - عليه الصلاة والسّلام - واحتجوا بأن حصول ذلك العلم له ناقصٌ للعادة، فوجب أن يكون معجزاً، وإذا ثبت كونه معجزاً ثبت كونه رسولاً في ذلك الوقت. ولقائل أن يقول: لا نسلم أن ذلك العلم ناقص للعادة؛ لأن حصول العلم باللُّغة لمن علمه الله، وعدم حصوله لمن لم يعلمه ليس بناقصٍ للعادة. وأيضاً فإما أن يقال: الملائكة علموا كون تلك الأسماء موضوعةً لتلك المسميات، فحينئذ تحصل المُعَارضة، ولا تظهر المزية، وإن لم يعلموا ذلك، فكيف عرفوا أن آدم أصاب فيما ذكر من كون كلّ واحد من تلك الألفاظ اسماً لكل واحد من تلك المعاني؟ واعلم أنه يمكن دفع هذا السُّؤال من وجهين: الأول: ربّما كان لكل صِنْفٍ من أصناف الملائكة لغة من هذه اللغات، وكان كل صنف جاهلاً بلغة الصنف الآخر، ثم إن جميع أصناف الملائكة حضروا وإن آدم - عليه الصَّلاة والسَّلام - لما عَدّ عليهم جميع تلك اللُغات بأسرها عرف كل صنف إصابته في تلك اللُّغة خاصّة، فعرفوا بهذه الطريق صدقة إلاَّ انهم بأسرهم عجزوا عن معرفة تلك اللغات بأسرها، فكان ذلك معجزاً. الثَّاني: لا يمتنع أن يقال: إنه - تعالى - عرفهم قبل ذلك أنهم إذا سمعوا من آدم - عليه الصلاة والسَّلام - أظهر فعلاً خارقاً للعادة، فَلِمَ لا يجوز أن يكون ذلك من باب الكرامات أو من باب الإرهاص؟ وهما عندنا جائزان. واحتج من قطع بأنه - عليه الصَّلاة والسَّلام - ما كان نبياً في ذلك الوَقْتِ بوجوه: أحدها: أنه لو كان نبياً في ذلك الزمان لكان قد صدرت منه المعصية بعد النبوة، وذلك غير جائز. وثانيها: لو كان رسولاً في ذلك الوقت لكان إما أن يكون مبعوثاً إلى أحد، أو لا يكون مبعوثاً إلى أحد، وإما أن يكون مبعوثاً إلى الملائكة والإنس والجن، والأوَّل باطل، لأن الملائكة عند المعتزلة أفضل من البشر، ولا يجوز جعل الأدون رسولاً إلى الأشرف؛ لأن الرسول متبوع، والأمّة تبع، وجعل الأدون متبوع الأشرف خلاف الأصل، وأيضا فالمرء إلى قبول القول ممن هو من جنسه أمكن، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً﴾ [الأنعام: 9] ولا جائز أن يكون مبعوثاً إلى البشر، لأنه ما كان هناك أحد من البشر إلا حَوّاء، وحواء ما عرفت التكليف إلا بواسطة آدم لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة﴾ [البقرة: 35] شافههما بهذا التكليف، وما جعل آدم واسطة، ولا جائز أن يكون مبعوثاً إلى الجن؛ لأنه ما كان في السماء أحد من الجنّ، ولا جائز أيضاً أن يكون مبعوثاً إلى أحد، لأن المقصود من جعله رسولاً التبليغ، فحيث لا مبلغ لم يكن في جعله رسولاً فائدة. وثالثها: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اجتباه رَبُّهُ﴾ [طه: 122] دليل على أنه إنما اجتباه ربه بعد الزّلة، فوجب أن يكون قبل الزِّلة غير مجتبي، وإذا لم يكن ذلك الوقت مجتبي وجب ألا يكون رسولاً؛ لأن الاجتباء والرسالة مُتَلاَزمان، لأن الاجتباء لا مَعْنَى له إلاّ التخصيص بأنواع التشريفات، وكل من جعله الله رسولاً، فقد خصّه بذلك لقوله تعالى: ﴿الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: 124] . قوله: «ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى المَلاَئِكَةِ» . «ثم» : حرف للتَّرَاخي كما تقدّم، والضَّمير في «عَرَضَهُمْ» للمسميات المقدّرة، أو لإطلاق الأسماء وإرادة المسميات، كما تقدم. وقيل: يعود على الأسماء. ونقل عن ابن عباس، ويؤيده قراءة أُبيّ «عَرَضَهَا» ، وقراءة ابن مسعود: «عَرَضَهُنَّ» إلا أن في هذا القول جعل ضمير غير العقلاء كضمير العقلاء أو نقول: إنما قال ابن عباس ذلك بناء منه أنه أطلق الأسماء، وأراد المسميات كما تقدم وهو واضح. و «عَلَى المَلاَئِكَةِ» متعلّق ب «عَرَضَهُمْ» . قال ابن مسعود وغيره: عرض الأشخاص، لقوله تعالى: «عَرَضَهُمْ» وقوله: «أَنْبِئُونِي لأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ» . وفي الحديث: «إنَّه عَرَضَهُمْ أَمْثَالَ الذَّرِّ» . وقال ابن عباس وغيره: عرض الأسماء. فصل في بيان أول من تكلم بالعربية اختلف في أوَل من تكلم بالعربية. روى كعب الأحبار: أن أول من وضع الكتاب العربي والسّرياني والكتب كلها، وتكلم بالألسنة كلها آدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ. فإن قيل: روى ثور بن يزيد عن خَالِدِ بن مَعْدَان عن كعب قال: أوّل من تكلّم بالعربية جبريل - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وهو الذي أَلْقَاهَا على لسان نُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ، وألقاها نوح على لسان ابنه سَام. وقال صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «وَعَلمً آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا حَتَّى القَصْعَة والقُصَيْعَة» وما ذكروه يحتمل أن يكون المراد به أول من تكلّم بالعربية من ولد إبراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - إسماعيل عليه الصلاة والسَّلام، وكذلك إن صَحّ ما سواه فإنه يكون محمولاً على أن المذكور أول من تكلّم من قبيلته بالعربية. وكذلك جبريل أول من تكلم بها من الملائكة، وألقاها على لسان بعد أن علمها الله آدم أو جبريل، على ما تقدم. قوله: «أَنْبِئُونِي بأَسْمَاءِ هَؤُلاَءِ» . «الإِنْبَاء» الإخبار، وأصل أنبأ أن يتعدّى لاثنين ثانيهما بحرف الجر كهذه الآية، وقد يحذف حرف الجر، قال تعالى: ﴿مَنْ أَنبَأَكَ هذا﴾ [التحريم: 3] أي: بهذا، وقد يتضمّن معنى أعلم اليقينية، فيتعدّى تعديتها إلى ثلاثة مَفَاعيل، ومثل أنبأ: نبّأ وأخبر، وخبر وحدث. و «هؤلاء» في محل خفض بالإضافة، وهو اسم إشارة، ورتبته دُنْيَا، ويُمَدُّ وَيُقْصَرُ؛ كقوله: [الخفيف] 369 - هَؤُلَى ثُمَّ كُلاًّ اعْطَيْ ... تَ نِعَالاً مَحْذُوَّةً بِمِثَالِ والمشهورة بناؤه على الكَسْرِ، وقد يضم، وقد ينوِّن مكسوراً، وقد تبدل همزته هاء، فيقال: هؤُلاَه، وقد يقال: هَوْلاءِ؛ كقوله: [الوافر] 370 - تَجَلَّدْ لاَ يَقُلْ هَؤْلاَءِ: هَذَا ... بَكَى لَمَّا بَكَى أَسَفاً عَلَيِكَا ولامه عند الفارسي همزة فتكون فاؤه ولامه من مادّة واحدة، وعند المبرد أصلها ياء، وإنما قلبت همزةً لتطرفها بعد الألف الزَّائدة. قوله: «إنْ كُنْتُمْ صَادِقِيْنَ» تقدّم نظيره وجوابه محذوف أي: إنْ كُنتم صادقين، فأنبئوني. والكوفيين والمبرد يرون أن الجواب هو المتقدم، وهو مردود بقولهم: «أنت ظالم إن فعلت» لأنه لو كان جواباً لوجبت الفاء معه كما تجب معه متاخراً. وقال ابن عطية: إن كون الجواب مَحْذوفاً هو رأي المبرد، وكونه متقدماً هو رأي سيبويه، وهو وهم؛ لأن المنقول عن المبرد أن التقدير: إن كنتم صادقين أن بني آدم يفسدون في الأرض فأنبئوني. وهذه الآية دالة على فضيلة العلم.

البقرة 2:32

«سبحان» : اسم مصدر، وهو التسبيح، وقيل: بل هو مصدر؛ أنه سمع له فعلٌ ثلاثيٌّ، وهو من الأسماء اللاَّزمة للإضافة، وقد بفرد، وإذا أفرد، منع الصَّرف للتعريف، وزيادة الألف والنون؛ كقوله: [السريع] 371 - أَقُولُ أَمَّا جَاءَنِي فَخْرُهُ ... سُبحَانَ ... ... ... ... ... ... ... ... ... . وَقَدْ جَاءَ مُنَوَّناً كقوله: [البسيط] 372 - سُبْحَانَهُ ثُمَّ سُبْحَاناً نَعُوذُ بِهِ ... وَقَبْلَنَا سَبَّحَ الْجُودِيُّ وَالْجُمُدُ فقيل: صرف ضرورة. وقيل: هو بمنزلة «قَبْلُ» و «بعدُ» أن نوي تعريفه بقي على حاله، وإن نكر اعرب منصرفاً، وهذا البيت يساعد على كونه مصدراً لا اسم مصدر، لوروده منصرفاً. ولقائل القول الأول أن يجيب عنه بأن هذا نكرة لا معرفة، وهو من الأسماء اللازم النصب على المصدرية، فلا ينصرف والناصب له فعل مقدر لا يجوز إظْهاره، وقد روي عن الكَسائِيّ أنه جعله مُنَادَى تقديره: يا سُبْحَانَك ومنعه جمهور النحويين وإضافته - هُنا - إلى المفعول؛ لأن المعنى: نسبحك نحن. وقيل: بل إضافته للفاعل، والمعنى تنزّهت وتباعدت من السُّوء. وسبحانك العامل فيه في مَحَلّ نصب بالقول. قوله: «لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا» كقوله: ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ و «إلاّ» حرف استثناء، و «ما» موصولة، و «علمتنا» صلتها، وعائدها محذوف، على أن يكون «علم» بمعنى «معلوم» ، ويجوز أن تكون مصدرية، وهي في محلّ نصب على الاستثناء، ولا يجوز أن تكون منصوبةً بالعلم الذي هو اسم «لا» ؛ لأنه إذا عمل كان معرباً. وقيل: في محلّ رفع على البَدَل من اسم «لا» على الموضع. وقال ابن عطية: هو بدلٌ من خبر التبرئة كقولهم: «لا إله إلا الله» ، وفيه نظر؛ لأن الاستثناء إنَّمَا هو من المحكوم عليه بقيد الحكم لا من المحكوم به. ونقل هو عن «الزَهراوي» أن «ما» منصوبةٌ ب «علمتنا» بعدها، وهذا غير معقول؛ لأنه كيف ينتصب الموصول بصلته وتعمل فيه؟ قال أبو حيان: إلاّ أن يتكلّف له وجه بعيد، وهو أن يكون استثناء منقطعاً بمعنى لكن، وتكون «ما» شرطية، و «علمتنا» ناصب لها، وهو في محل جزم بها، والجواب محذوف، والتقدير: «لكن ما علمتنا علمناه» . فصل الضمير يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون تأكيداً لاسم «إنَّ» فيكون منصوب المحل، وأن يكون مبتدأ، وخبره ما بعده، والجملة خبر «إنَّ» ، وأن يكون فصلاً، وفيه الخلاف المشهور. وهل له محل من الإعراب أم لا؟ وإذا قيل: إن له محلاًّ، فهل بإعراب ما قبله كما قال الفراء، فيكون في محل نصب، أو بإعراب ما بعده فيكون في محل رفع كقول الكسائي؟ قوله: «الحكيم» خير ثانٍ أو صفة «العليم» ، وهما «فعيل» بمعنى «فاعل» وفيهما من المُبالغة ما ليس فيه. و «الحكيم» لغة: الإتقان، والمنع من الخروج عن الإرادة، ومنه حَكَمَةُ الدابة؛ وقال جَرِيرٌ «: [الكامل] 373 - أَبَنِي حَنِيفَةَ أَحْكِمُوا سُفَهَاءَكُمْ ... إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمُ أَنْ أَغْضَبَا وقدم» العليم «على» الحكيم» ؛ لأنه هو المتّصل به في قوله: «وعلم» ، وقوله: «وعلم» ، وقوله: «لا عِلْمَ لنا» فناسب اتصاله به؛ ولأن الحِكْمَةَ ناشئةٌ عن العلم وأثر له، وكثيراً ما تقدّم صفة العلم عليها. والحكيم صفةٌ ذاتٍ إن فسر بذي الحِكْمَةِ، وصفة فعل إن فسر بأنه المحكم لصنعته فكأن الملائكة قالت: أنت العالم بكل المعلومات، فأمكنك تعليم آدم، وأنت الحكيم في هذا الفعل المصيب فيه. وعن» ابن عباس «أن مراد الملائكة من» الحكيم» أنه هو الذي حكم بجعل آدم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - خليفةً في الأرض. فصل احتج أهل الإسلام بهذه الآية على أنه لا سَبِيْلَ إلى معرفة المغيبات إلا بتعليم الله - تعالى - وأنه لا يمكن التوصُّل إليها بعلم النجوم والكهانة، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ﴾ [الأنعام: 59] وقوله: ﴿عَالِمُ الغيب فَلاَ يُظْهِرُ على غَيْبِهِ أَحَداً﴾ [الجن: 26] . قوله: «يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بأسْمَائِهِمْ» . آدم: مبني على الضم؛ لأنه مفرد معرفة، وكل ما كان كذلك بُني على ما كان يرفع به، وهو في محل نصب لوقوعه موقع المَفْعول به، فإن تقديره: ادعوا آدم، وبني لوقوعه موقع المُضْمَرِ، والأصل: يا إياك كقولهم: «يَا قَدْ كَفَيْتُكَ» ، و «يا أَنْتَ» ؛ كقوله [الرجز] 374 - يَا أَبْجَرُ بْنُ أَبْجَرٍ يَا أَنْتَا ... أَنْتَ الَّذِي طَلَّقْتَ عَامَ جُعْتَا قَدْ أَحْسَنَ اللهُ وَقَدْ أَسَأْتَا ... و «يَا إِيَّاكَ» أقيس من «يا أنت» ؛ لأن الموضع موضع نصب، ف» إياك «أليق به، وتحرزت بالمفرد عن المضاف نحو: يا عبد الله، ومن الشبيه به، وهو عبارة عما كان الثَّانِي فيه من تمام معنى الأوّل نحو: «يا خيراً من زيد» و «يا ثلاثةً وثلاثين» ، وبالمعرفة من النكرة المقصودة؛ نحو قوله: [الطويل] 375 - فَيا إِمَّا رَاكِباً إِمَّا عَرَضْتَ فَبَلَغَنْ ... نَدَامَاي مِنْ نَجْرَانَ أَنْ لاَ تَلاَقيَا فإن هذه الأنواع الثلاثة معربة نصباً. » أنبئهم «فعل أمر، وفاعل، ومفعول، والمشهور» أنبئهم «مهموز مضموماً، وقرئ بكسر الهاء. ويروى عن» ابن عامر» ، كأنه أتبع الهاء لحركة «الباء» ، ولم يعتد ب «الهمزة» ، لأنها ساكنةٌ، فهي حاجز غير حَصِيْنٍ. وقرئ بحذف الهمزة، ورُويت عن «ابن كثير» ، قال «ابن جنّيّ» هذا على إبدال الهمزة ياء، كما تقول: أنبيت كأعطيت، قال: وهذا ضعيف في اللّغة؛ لأنه بدلٌ لا تخفيف، والبدل عندنا لا يجوز إلا في ضرورة الشعر. وهذا من أبي الفَتْحِ غيرِ مرضٍ، لأن البدل جاء في سَعَة الكلام، حكى «الأخفش» في «الأوسط» أنهم يقولون في أَخْطَأَت: أَخْطَيْت، وفي توضأت: توضيت. قال: وربما حَرَّكوه إلى «الواو» ، وهذا قليل قالوا: «رَفَوْت» في «رَفَأْت» ، ولم أسمع «رَفَيْت» . إذا تقرر ذلك، فللنحويين في صرف العلّة المبدل من الهمزة نظر في أنه هل يجرى مجرى العلّة الأصلي أم ينظر إلى أصله؟ ورتبوا على ذلك أحكاماً، ومن جملتها: هل يحذف جزماً كالحرف غير المبدل أم لا نظراً إلى أصله؟ واستدل بعضهم على حذفه جزماً بقول زهير: [الطويل] 376 - جَرِيءٍ مَتَى يُظْلَمُ ... يُعَاقِبْ سَرِيعاً وإلاَّ يُبْدَ بِالظُّلْمِ يَظْلِمِ لأن أصله: «يبدأ» بالهمزة، فكذلك هذه الآية أُبدلت الهمزة ياء، ثم حذفت حملاً للأمر على المجزوم. وقرئ: «أَنْبِهُمْ» بإثبات «الياء» نظراً إلى «الهمزة» وهل تضم «الهاء» نظراً للأصل أم تكسر نظراً للصورة؟ وجهان منقولان عن حمزة «عند الوقف عليه. و» بِأَسْمَائِهِمْ» : متعلّق ب «أَنْبِئْهُمْ» ، وهو المفعول الثاني كما تَقَدَّم، وقد يتعدّى ب» عن «نحو:» أنبأته عن حاله «، وأما تعديته ب» من «في قوله: ﴿قَدْ نَبَّأَنَا الله مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ [التوبة: 94] فسيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى. قوله:» فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمواتِ وَالأرْضِ «. والمراد من هذا الغيب أنه كان عالماًَ بأحوال آدم قبل نطقه، وهذا يدل على أنه سبحانه يعلم الأشياء قبل حدوثها، وذلك يدلّ على بطلان مذهب» هشام بن الحكم «في أنه لا يعلم الأشياء إلاَّ عند وقوعها، فإن قيل: قوله:» الَّذِيْنَ يُؤْمِنُونَ بالغَيْبِ» يدلّ على أنّ العبد قد يعلم الغيب؛ لأن الإيمان بالشَّيء فرع العلم به، وهذا الآية مشعرة بأن علم الغيب ليس إلا لله تعالى، وأن كل من سواه فهم خالُونَ عن علم الغيب. والجواب: ما تقدم في قوله: ﴿الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب﴾ [البقرة: 3] . قوله: «قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ» » قال «جواب» فلما» ، والهمزة للتقرير إذا دخلت على تفي تقرير قررته، فيصير إثباتاً كقوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ﴾ [الشرح: 1] أي: قد شرحنا. و «لم» حرف جزم، و «أقل» : مجزوم بها حذفت عينه، وهي» الواو «لالتقاء الساكنين، و» لكم» متعلّق به، و «اللام» للتبليغ، والجُمْلَة من قوله: «إني أعلم» في محلّ نصب بالقول. وقد تقدم نظائر هذا التركيب. قوله: «وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ» كقوله «أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ» من كون «أعلم» فعلاً مضارعاً، و «أفعل» بمعنى «فاعل» أو «أفعل» تفضيل، وكون ما في محلّ نصب أو جر، وقد تقدم. والظاهر: أن جملة قوله: «وأعلم» معطوفة على قوله: «إنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ» ، فتكون في محلّ نصب بالقول. وقال «أبو البقاء» : إنه مستأنف، وليس محكياً بالقول: ثم جوَّز فيه ذلك. و «تبدون» وزنه: «تفعون» ؛ لأن أصله: تبدوون مِثْل: تخرجون، فأعلّ بحذف «الواو» بعد سكونها، و «الإبداء» : الإظهار، و «الكَتْم» الإخفاء؛ يقال: بَدَا يَبْدُو بَدَاء؛ قال: [الطويل] 377 - ... ... ... ... ... ... ... ... . ... بَدَا فشي تِلْكَ القَلُوصِ بَدَاءُ وقوله: «وَمَا كُنْتُمْ تَكْتَمونَ» عطف على «ما» الأول بحسب ما تكون عليه من الإعراب. روي عن ابن عباس، وابن مسعود، وسعيد بن جبير: أن قوله: «ما تُبْدُون» أراد به قولهم: «أَتَجْعَلُ فِيْهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيْهَا» وبقوله: «وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُون» أراد به ما أسر «إبليس» في نفسه من الكبر وألاَّ يسجد. قال «ابن عطية» : وجاء «تكتمون» للجماعة، والكاتم واحدٌ في هذا القول على تجوّز العرب واتِّسَاعها، كما يقال لقوم قد جَنَى مهم واحد: أنتم فعلتم كذا، أي: منكم فاعله، وهذا مع قَصْد تعنيف، ومنه قوله: ﴿إَنَّ الذين يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الحجرات﴾ [الحجرات: 4] وإنما ناداه منهم عُيَيْنَةُ. وقيل: «إنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ» من الأمور الغائبة، والأسرار الخفية التي يظن في الظاهر أنه لا مصلحة فيها، ولكن لعلمي بالأسرار المغيبة أعلم أنّ المصلحة في خلقها. وقيل إنه - تعالى - لما خلق آدم رأت الملائكة خلقاً عجيباً قالوا: ليكن ما شاء فلن يخلق ربنا خلقاً إلا كنا أكرم عليه منه، فهذا الذي كَتَمُوا، ويجوز أن يكون هذا القول سرًّا أسروه بينهم، فأبداه بعضهم لبعض، وأسروه عن غيرهم، فكان في هذا الفعل الواحد إبداء وكتمان. وقالت طائفة: الإبْدَاء والكَتْم المراد به العموم في معرفة أسرارهم وظواهرهم أجمع، وهذه الآية تدلّ على فضيلة العلم.

البقرة 2:33

«سبحان» : اسم مصدر، وهو التسبيح، وقيل: بل هو مصدر؛ أنه سمع له فعلٌ ثلاثيٌّ، وهو من الأسماء اللاَّزمة للإضافة، وقد بفرد، وإذا أفرد، منع الصَّرف للتعريف، وزيادة الألف والنون؛ كقوله: [السريع] 371 - أَقُولُ أَمَّا جَاءَنِي فَخْرُهُ ... سُبحَانَ ... ... ... ... ... ... ... ... ... . وَقَدْ جَاءَ مُنَوَّناً كقوله: [البسيط] 372 - سُبْحَانَهُ ثُمَّ سُبْحَاناً نَعُوذُ بِهِ ... وَقَبْلَنَا سَبَّحَ الْجُودِيُّ وَالْجُمُدُ فقيل: صرف ضرورة. وقيل: هو بمنزلة «قَبْلُ» و «بعدُ» أن نوي تعريفه بقي على حاله، وإن نكر اعرب منصرفاً، وهذا البيت يساعد على كونه مصدراً لا اسم مصدر، لوروده منصرفاً. ولقائل القول الأول أن يجيب عنه بأن هذا نكرة لا معرفة، وهو من الأسماء اللازم النصب على المصدرية، فلا ينصرف والناصب له فعل مقدر لا يجوز إظْهاره، وقد روي عن الكَسائِيّ أنه جعله مُنَادَى تقديره: يا سُبْحَانَك ومنعه جمهور النحويين وإضافته - هُنا - إلى المفعول؛ لأن المعنى: نسبحك نحن. وقيل: بل إضافته للفاعل، والمعنى تنزّهت وتباعدت من السُّوء. وسبحانك العامل فيه في مَحَلّ نصب بالقول. قوله: «لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا» كقوله: ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ و «إلاّ» حرف استثناء، و «ما» موصولة، و «علمتنا» صلتها، وعائدها محذوف، على أن يكون «علم» بمعنى «معلوم» ، ويجوز أن تكون مصدرية، وهي في محلّ نصب على الاستثناء، ولا يجوز أن تكون منصوبةً بالعلم الذي هو اسم «لا» ؛ لأنه إذا عمل كان معرباً. وقيل: في محلّ رفع على البَدَل من اسم «لا» على الموضع. وقال ابن عطية: هو بدلٌ من خبر التبرئة كقولهم: «لا إله إلا الله» ، وفيه نظر؛ لأن الاستثناء إنَّمَا هو من المحكوم عليه بقيد الحكم لا من المحكوم به. ونقل هو عن «الزَهراوي» أن «ما» منصوبةٌ ب «علمتنا» بعدها، وهذا غير معقول؛ لأنه كيف ينتصب الموصول بصلته وتعمل فيه؟ قال أبو حيان: إلاّ أن يتكلّف له وجه بعيد، وهو أن يكون استثناء منقطعاً بمعنى لكن، وتكون «ما» شرطية، و «علمتنا» ناصب لها، وهو في محل جزم بها، والجواب محذوف، والتقدير: «لكن ما علمتنا علمناه» . فصل الضمير يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون تأكيداً لاسم «إنَّ» فيكون منصوب المحل، وأن يكون مبتدأ، وخبره ما بعده، والجملة خبر «إنَّ» ، وأن يكون فصلاً، وفيه الخلاف المشهور. وهل له محل من الإعراب أم لا؟ وإذا قيل: إن له محلاًّ، فهل بإعراب ما قبله كما قال الفراء، فيكون في محل نصب، أو بإعراب ما بعده فيكون في محل رفع كقول الكسائي؟ قوله: «الحكيم» خير ثانٍ أو صفة «العليم» ، وهما «فعيل» بمعنى «فاعل» وفيهما من المُبالغة ما ليس فيه. و «الحكيم» لغة: الإتقان، والمنع من الخروج عن الإرادة، ومنه حَكَمَةُ الدابة؛ وقال جَرِيرٌ «: [الكامل] 373 - أَبَنِي حَنِيفَةَ أَحْكِمُوا سُفَهَاءَكُمْ ... إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمُ أَنْ أَغْضَبَا وقدم» العليم «على» الحكيم» ؛ لأنه هو المتّصل به في قوله: «وعلم» ، وقوله: «وعلم» ، وقوله: «لا عِلْمَ لنا» فناسب اتصاله به؛ ولأن الحِكْمَةَ ناشئةٌ عن العلم وأثر له، وكثيراً ما تقدّم صفة العلم عليها. والحكيم صفةٌ ذاتٍ إن فسر بذي الحِكْمَةِ، وصفة فعل إن فسر بأنه المحكم لصنعته فكأن الملائكة قالت: أنت العالم بكل المعلومات، فأمكنك تعليم آدم، وأنت الحكيم في هذا الفعل المصيب فيه. وعن» ابن عباس «أن مراد الملائكة من» الحكيم» أنه هو الذي حكم بجعل آدم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - خليفةً في الأرض. فصل احتج أهل الإسلام بهذه الآية على أنه لا سَبِيْلَ إلى معرفة المغيبات إلا بتعليم الله - تعالى - وأنه لا يمكن التوصُّل إليها بعلم النجوم والكهانة، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ﴾ [الأنعام: 59] وقوله: ﴿عَالِمُ الغيب فَلاَ يُظْهِرُ على غَيْبِهِ أَحَداً﴾ [الجن: 26] . قوله: «يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بأسْمَائِهِمْ» . آدم: مبني على الضم؛ لأنه مفرد معرفة، وكل ما كان كذلك بُني على ما كان يرفع به، وهو في محل نصب لوقوعه موقع المَفْعول به، فإن تقديره: ادعوا آدم، وبني لوقوعه موقع المُضْمَرِ، والأصل: يا إياك كقولهم: «يَا قَدْ كَفَيْتُكَ» ، و «يا أَنْتَ» ؛ كقوله [الرجز] 374 - يَا أَبْجَرُ بْنُ أَبْجَرٍ يَا أَنْتَا ... أَنْتَ الَّذِي طَلَّقْتَ عَامَ جُعْتَا قَدْ أَحْسَنَ اللهُ وَقَدْ أَسَأْتَا ... و «يَا إِيَّاكَ» أقيس من «يا أنت» ؛ لأن الموضع موضع نصب، ف» إياك «أليق به، وتحرزت بالمفرد عن المضاف نحو: يا عبد الله، ومن الشبيه به، وهو عبارة عما كان الثَّانِي فيه من تمام معنى الأوّل نحو: «يا خيراً من زيد» و «يا ثلاثةً وثلاثين» ، وبالمعرفة من النكرة المقصودة؛ نحو قوله: [الطويل] 375 - فَيا إِمَّا رَاكِباً إِمَّا عَرَضْتَ فَبَلَغَنْ ... نَدَامَاي مِنْ نَجْرَانَ أَنْ لاَ تَلاَقيَا فإن هذه الأنواع الثلاثة معربة نصباً. » أنبئهم «فعل أمر، وفاعل، ومفعول، والمشهور» أنبئهم «مهموز مضموماً، وقرئ بكسر الهاء. ويروى عن» ابن عامر» ، كأنه أتبع الهاء لحركة «الباء» ، ولم يعتد ب «الهمزة» ، لأنها ساكنةٌ، فهي حاجز غير حَصِيْنٍ. وقرئ بحذف الهمزة، ورُويت عن «ابن كثير» ، قال «ابن جنّيّ» هذا على إبدال الهمزة ياء، كما تقول: أنبيت كأعطيت، قال: وهذا ضعيف في اللّغة؛ لأنه بدلٌ لا تخفيف، والبدل عندنا لا يجوز إلا في ضرورة الشعر. وهذا من أبي الفَتْحِ غيرِ مرضٍ، لأن البدل جاء في سَعَة الكلام، حكى «الأخفش» في «الأوسط» أنهم يقولون في أَخْطَأَت: أَخْطَيْت، وفي توضأت: توضيت. قال: وربما حَرَّكوه إلى «الواو» ، وهذا قليل قالوا: «رَفَوْت» في «رَفَأْت» ، ولم أسمع «رَفَيْت» . إذا تقرر ذلك، فللنحويين في صرف العلّة المبدل من الهمزة نظر في أنه هل يجرى مجرى العلّة الأصلي أم ينظر إلى أصله؟ ورتبوا على ذلك أحكاماً، ومن جملتها: هل يحذف جزماً كالحرف غير المبدل أم لا نظراً إلى أصله؟ واستدل بعضهم على حذفه جزماً بقول زهير: [الطويل] 376 - جَرِيءٍ مَتَى يُظْلَمُ ... يُعَاقِبْ سَرِيعاً وإلاَّ يُبْدَ بِالظُّلْمِ يَظْلِمِ لأن أصله: «يبدأ» بالهمزة، فكذلك هذه الآية أُبدلت الهمزة ياء، ثم حذفت حملاً للأمر على المجزوم. وقرئ: «أَنْبِهُمْ» بإثبات «الياء» نظراً إلى «الهمزة» وهل تضم «الهاء» نظراً للأصل أم تكسر نظراً للصورة؟ وجهان منقولان عن حمزة «عند الوقف عليه. و» بِأَسْمَائِهِمْ» : متعلّق ب «أَنْبِئْهُمْ» ، وهو المفعول الثاني كما تَقَدَّم، وقد يتعدّى ب» عن «نحو:» أنبأته عن حاله «، وأما تعديته ب» من «في قوله: ﴿قَدْ نَبَّأَنَا الله مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ [التوبة: 94] فسيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى. قوله:» فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمواتِ وَالأرْضِ «. والمراد من هذا الغيب أنه كان عالماًَ بأحوال آدم قبل نطقه، وهذا يدل على أنه سبحانه يعلم الأشياء قبل حدوثها، وذلك يدلّ على بطلان مذهب» هشام بن الحكم «في أنه لا يعلم الأشياء إلاَّ عند وقوعها، فإن قيل: قوله:» الَّذِيْنَ يُؤْمِنُونَ بالغَيْبِ» يدلّ على أنّ العبد قد يعلم الغيب؛ لأن الإيمان بالشَّيء فرع العلم به، وهذا الآية مشعرة بأن علم الغيب ليس إلا لله تعالى، وأن كل من سواه فهم خالُونَ عن علم الغيب. والجواب: ما تقدم في قوله: ﴿الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب﴾ [البقرة: 3] . قوله: «قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ» » قال «جواب» فلما» ، والهمزة للتقرير إذا دخلت على تفي تقرير قررته، فيصير إثباتاً كقوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ﴾ [الشرح: 1] أي: قد شرحنا. و «لم» حرف جزم، و «أقل» : مجزوم بها حذفت عينه، وهي» الواو «لالتقاء الساكنين، و» لكم» متعلّق به، و «اللام» للتبليغ، والجُمْلَة من قوله: «إني أعلم» في محلّ نصب بالقول. وقد تقدم نظائر هذا التركيب. قوله: «وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ» كقوله «أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ» من كون «أعلم» فعلاً مضارعاً، و «أفعل» بمعنى «فاعل» أو «أفعل» تفضيل، وكون ما في محلّ نصب أو جر، وقد تقدم. والظاهر: أن جملة قوله: «وأعلم» معطوفة على قوله: «إنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ» ، فتكون في محلّ نصب بالقول. وقال «أبو البقاء» : إنه مستأنف، وليس محكياً بالقول: ثم جوَّز فيه ذلك. و «تبدون» وزنه: «تفعون» ؛ لأن أصله: تبدوون مِثْل: تخرجون، فأعلّ بحذف «الواو» بعد سكونها، و «الإبداء» : الإظهار، و «الكَتْم» الإخفاء؛ يقال: بَدَا يَبْدُو بَدَاء؛ قال: [الطويل] 377 - ... ... ... ... ... ... ... ... . ... بَدَا فشي تِلْكَ القَلُوصِ بَدَاءُ وقوله: «وَمَا كُنْتُمْ تَكْتَمونَ» عطف على «ما» الأول بحسب ما تكون عليه من الإعراب. روي عن ابن عباس، وابن مسعود، وسعيد بن جبير: أن قوله: «ما تُبْدُون» أراد به قولهم: «أَتَجْعَلُ فِيْهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيْهَا» وبقوله: «وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُون» أراد به ما أسر «إبليس» في نفسه من الكبر وألاَّ يسجد. قال «ابن عطية» : وجاء «تكتمون» للجماعة، والكاتم واحدٌ في هذا القول على تجوّز العرب واتِّسَاعها، كما يقال لقوم قد جَنَى مهم واحد: أنتم فعلتم كذا، أي: منكم فاعله، وهذا مع قَصْد تعنيف، ومنه قوله: ﴿إَنَّ الذين يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الحجرات﴾ [الحجرات: 4] وإنما ناداه منهم عُيَيْنَةُ. وقيل: «إنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ» من الأمور الغائبة، والأسرار الخفية التي يظن في الظاهر أنه لا مصلحة فيها، ولكن لعلمي بالأسرار المغيبة أعلم أنّ المصلحة في خلقها. وقيل إنه - تعالى - لما خلق آدم رأت الملائكة خلقاً عجيباً قالوا: ليكن ما شاء فلن يخلق ربنا خلقاً إلا كنا أكرم عليه منه، فهذا الذي كَتَمُوا، ويجوز أن يكون هذا القول سرًّا أسروه بينهم، فأبداه بعضهم لبعض، وأسروه عن غيرهم، فكان في هذا الفعل الواحد إبداء وكتمان. وقالت طائفة: الإبْدَاء والكَتْم المراد به العموم في معرفة أسرارهم وظواهرهم أجمع، وهذه الآية تدلّ على فضيلة العلم.

البقرة 2:34

العامل في «إذ» محذوف دلّ عليه قوله: «فَسَجَدُوا» تقديره: أطاعوا وانقادوا، فسجدوا؛ لأن السجود ناشئ عن الانقياد. وقيل: العامل «اذكر» مقدراً. وقيل: زائدة وقد تقدّم ضعف هذين القولين. وقال «ابن عطية» : «وإذ قلنا» معطوف على «إذ» المتقدمة، ولا يصحّ هذا لاختلاف الوقتين. وقيل: «إذ» بدل من «إذ» الولى، ولا يصحّ لما تقدّم، ولتوسّط حرف العَطْف، وجملة «قلنا» في محل خَفْضٍ بالظرف، ومنه التفات من الغيبة إلى التكلُّم للعظمة، و «اللام» للتَّبليغ كنظائرها. والشمهور جَرّ تاء «الملائكة» بالحَرْف «، وقرأ» أبو جعفر «بالضم إتباعاً لضمة» الجيم «ولم يعتد بالسَّاكن، وغلّطه الزَّجاج وخطأه الفارسي، وشبهه بعضهم بقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ اخرج﴾ [يوسف: 31] بضم تاء التأنيث، وليس بصحيح، لأن تلك حركة التقاء الساكنين، وهذه حركة إعراب، فلا يتلاعب بها، والمقصود هناك يحصل بأي حركة كانت. وقال الزمخشري: لا يجوز استهلاك الحركة استهلاك الإعرابية إلاّ في لغة ضعيفة كقراءة ﴿الحمد للَّهِ﴾ [الفاتحة: 2] يعني بكسر الدال. قال الشيخ «شهاب الدين» : وهذا أكثر شذوذاً، وأضعف من ذاك مع ما في ذاك من الضَّعف المتقدم؛ لأن - هناك - فاصلاً، وإن كان ساكناً. وقال «أبو البقاء» : وهي قراءة ضعيفة جدًّا، وأحسن ما تحمل عليه أن يكون الرَّاوي لم يضبط عن [القارئ] أشار إلَى الضَّم تنبيهاً على أنّ الهمزة المحذوفة مضمومةٌ في الابتداء، فلم يدرك الراوي هذه الإشارة، وقيل: إنه نَوَى الوَقْفَ على» التَّاء «ساكنة، ثم حركها بالضم إتباعاً لحركة الجيم، وهذا من إجراء الوصل مجرى الوَقْفِ. ومثله ما روي عن امرأة رأت رجلاً مع نساء، فقالت:» أفي السَّوتَنْتُنَّهْ» - نوت الوقف على «سوءة» ، فسكنت التاء، ثم ألقت عليها حركة همزة» أنتن «فعلى هذا تكون هذه حركة السَّاكنين، وحينئذ تكون كقوله:» قَالَتُ: أخْرُجْ «وبابه، وإنما أكثر الناس توجيه هذه القراءة لجلالة قارئها أبي جعفر يزيد بن القَعْقَاع شيخ نافع شيخ أهل» المدينة «وترجمتها مشهورة. و» اسجدوا» في محل نصب بالقول، و «اللام» في» لآدم «الظَّاهر أنها متعلّقة ب» اسجدوا «، ومعناها التعليل، أي: لأجله. وقيل: بمعنى» إلى «أي: إلى [جهته له] جعله قبلة لهم، والسجود لله. وقيل: بمعنى مع، لأنه كان إمامهم كذا نقل. وقيل: اللاَّم للبيان فتتعلّق بمحذوف، ولا حاجة إلى ذلك. و» فسجدوا» الفاء للتعقيب، والتقدير: فسجدوا له، فحذف الجار للعلم به، والسُّجود لغة: التذلَّل والخضوع، وغايته وضع الجَبْهَةِ على الأرض، وقال «ابن السكيت» : «هو الميل» ، قال: «زيد الخيل» : [الطويل] 378 - بِجَمْعٍ تَضِلُّ الْبُلْقُ فِي حَجَرَاتِهِ ... تَرَى الأُكْمَ فِيهَا سُجَّداً لِلْحَوَافِرِ يريد: أن الحوافر تطأ الأرض، فجعل بأثر الأُكْمِ للحوافر سجوداً؛ وقال آخر: [المتقارب] 379 - ... ... ... ... ... ... ... ... . ... سُجُودَ النَّصَارَى لأَحْبَارِهَا وفرق بعضهم بين «سجد» ، و «أسجد» ف «سجد» : وضع جبهته، وأسجد: أَمَال رأسه وَطَأْطَأْ؛ قال الشاعر: [المتقارب] 380 - فُضُولَ أَزِمَّتِهَا أَسَجَدَتْ ... سُجُودَ النَّصَارَى لأَحْبَارِها وقال آخر: [الطويل] 381 - وَقُلْنَ لَهُ أَسْجِدْ لِلَيْلَى فَأَسْجَدَا..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... يعني أن البعير طَأْطَأَ رأسَه لأجلها. ودَرَاهِمُ الأسجاد: دَرَاهِمُ عليها صُوَرٌ كانوا يسجدون لها، قال: [الكامل] 382 - ... ... ... ... ... ... ... ... . ... وَافَى بِهَا كَدَرَاهِمِ الأَسْجَادِ فصل في تعداد النعم العامة على بني آدم اعلم أن هذا هو النعمة الرّابعة من النعم العامة على جميع البشر، وهو أنه خصص آدم بالخلافة أولاً، ثم خصصه بالعلم ثانياً، ثم بلوغه في العلم إلَى أن صارت الملائكة عاجزين عن بلوغ درجته في العلم، ثم ذكر الآن كونه مسجوداً للملائكة. فإن قيل: الأمر بالسجود حصل قبل أن يسوي الله - تعالى - خلقه آدم بدليل قوله: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [ص: 71 - 72] ، فظاهر هذه الآية يدلّ على أنه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - لما صار حيًّا صار مسجود الملائكة؛ لأن «الفاء» في قوله: «فَقَعُوا» للتعقيب، وعلى هذا التقدير يكون تعليم الأسماء، ومناظرته مع الملائكة في ذلك الوَقْتِ حصل بعد أن صار مسجود الملائكة. فالجَوابُ: أجمع المسلمون على أن ذلك السُّجود ليس سُجُودَ عِبَادَةٍ، ثم اختلفوا على ثلاثة أقوال: الأول: أن ذلك السجود كان لله - تعالى - وآدم - عليه السلام - كان كالقِبْلَةِ، وطعنوا في هذا القول من وجهين: الأول: أنه لا يقال: صلّيت للقبلة، بل يقال: صليت إلى القبلة، فلو كان - عليه الصّلاة والسلام - قبلة لقيل: اسْجُدوا إلى آدم. الثاني: أن «إبليس» قال: ﴿أَرَأَيْتَكَ هذا الذي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: 62] أي: أن كونه مسجوداً يدلّ على أن أعظم حالاً من السّاجد، ولو كان قِبْلَةً لما حصلت هذه الدرجة بدليل أن محمداً - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - كان يصلِي إلى الكعبة، ولم تَكُنِ الكعبة أفضل من محمد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ. والجواب عن الأول: أنه كما يجوز أن يقال: صَلَّيْتُ إلَى القبلة، جاز أن يقال: صَلَّيْتُ للقبلة؛ قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس﴾ [الإسراء: 78] والصّلاة لله لا للِدُّلُوكِ؛ وقال حسان: [البسيسط] 383 - مَا كُنْتُ أَعْرِفُ أَنَّ الأَمْرَ مُنْصَرِفٌ ... عَنْ هَاشِمٍ ثُمَّ مِنْهَا عَنْ أَبِي حَسَنِ أَلَيْسَ أَوَّلَ مَنْ صَلَّى لِقِبْلَتِكُمْ وَأَعْرَفَ النَّاسِ بالقٌرْآنِ وَالسُّنَنِ والجواب عن الثاني: لا نسلم أن التكرُّم حصل بمجرد ذلك السُّجود، بل لعله حصل بذلك مع أمور أخر. والقول الثاني: أن السجدة كان لآدم تعظيماً له وتحيَّةً له كالسَّلام مهم عليه، وقد كانت الأمم السَّالفة تفعل ذلك. قال قتادة: قوله: ﴿وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَ﴾ [يوسف: 100] كانت تحيّة الناس يومئذ. الثَّالث: أنَّ السجود في أَصْلِ اللُّغة، هو الانقياد والخضوع، ومنه قوله تعالى: ﴿والنجم والشجر يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: 6] . واعلم أن القول الأوّل ضعيف، لأن المقصود تعظيم آدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ، وجعله مجرّد القِبْلَةِ لا يفيد تعظيم حاله. والقول الثالث: ضعيف أيضاً؛ لأن السجود في عرف الشرع عبارة عن وضع الجَبْهَةِ على الأرض فوجب أن يكون في أصل اللغة كذلك؛ لأن الأصل عدم التغيير. فإن قيل: السجود عِبَادَةٌ، والعبادة لغير الله لا تجوز. فالجواب: لا نسلم عِبَادَةٌ، والعبادة لغير الله لا تجوز. فالجواب: لا نسلم أنه عِبَادَةٌ؛ لأن الفعل قد يصير بالمُواضعة مفيداً كالقول، كقيام أحدنا للغير يُفِيدُ من الإعظام ما يفيده القول، وما ذاك إلا للعادة، وإذا ثبت ذلك لم يمتنع أن يكون في بعض الأوقات سقوط الإنسان على الأَرْضِ وإلصاقه الجَبينَ بها مفيداً ضرباً من العظيم، وإن لم يكن ذلك عِبَادَة، وإذا كان كذلك لم يمتنع أن يتعبّد الله النلائكة بذلك إظهاراً لرفعته وكرامته. فصل في بيان أن الأنبياء أفضل من الملائكة قال أكثر أهل السُّنة: الأنبياء أفضل من الملائكة. وقالت المعتزلة: الملائكة أَفْضَلُ من الأنبياء، وهو اختيار القاضي أبي بكر الباقِلاني [وأبي عبد الله الحليميّ] . وحجّة المعتزلة أمور: أحدها: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [الأنبياء: 19] والمراد من هذه العِنْدِيَّة القرب، والشرف، وهذا حاصل لهم لا لغيرهم. ولقائل أن يقول: إنه - تعالى - أثبت هذه الصّفة في الآخرة لآحاد المؤمنين في قوله: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ﴾ [القمر: 55] . وأما في الدنيا فقال عليه الصَّلاة والسلام يقول الله سبحانه: «أَنا مَعَ المُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهُمْ لأَجْلِي» . وهذا أكثر إشعاراً بالتعظيم؛ لأن كون الله - تعالى - عند العبد أدخل في التعظيم من كون العبد عند الله. وثانيها: قالوا: عبادات الملائكة أشَقّ من عبادات البشر، فيكونون أكثر ثواباً من عبادات البشر، فإن الملائكة سُكّان السماوات، وهي جَنَّات، وهم آمنون من المَرضِ والفقر، ثم إنهم مع استكمال أسباب النّعم لهم خاشعون وجِلُونَ كأنهم مَسْجُونون لا يلتفتون إلى نعيم الجنات، بل يقبلون على الطَّاعة الشاقة، ولا يقدر أحد من بني آدم أن يبقى كذلك يوماً واحداً فضلاً عن تلك الأعصار المُتَطَاولة، ويؤيّده قصّة آدم - عليه الصّلاة والسلام - فإنه أطلق له الأكل في جميع مواضع الجنة، ثم إنه منع من شجرة واحدة فلم يملك نفسه. وثالثها: أن انتقال المكلّف من نوع عِبَادَةٍ إلى نوع آخر كالانتقال من بُسْتَان إلى بستان، أما الإقامة على نَوْعٍ واحدٍ، فإنها تورث المَشَقّة والمَلاَلَة، والملائكة كلّ واحد منهم مُوَاظب على عمل واحد لا يعدل عنه إلى غيره، فكانت عبادتهم أَشَقّ، فيكون أفضل لقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «أَفْضَلُ الأَعْمَالِ أَحْمَزُهَا» أي: أَشَقُّهَا، وقوله لعائشة: «إنَّمَا أَجْرُكِ على قَدْرِ نَصْبِكِ» . ولقائل: أن يقول: في الوَجْه الأول لا نسلّم أن عبادة الملائكة أشقّ. أما قولهم: السماوات جنات. قلنا: نسلم، ولم قلتم بأن العبادة في المَوَاضع الطّيبة أشقّ من العبادة في المواضع الرَّديئة؟ أكثر ما في الباب أنه تهيّأ لهم أسباب النعم، فامتناعه عنها مع تهيئتها له أشق، ولكنه معارض بما أن أسباب البلاء مجتمعةٌ على البشر، ومع هذا يرضون بقضاء الله، ولا تغيرهم تلك المِحَنُ عن المُوَاظبة على عبوديته، وهذا أعظم في العبودية. وأما قولهم: المُوَاظبة على نَوْعٍ واحدٍ من العبادة أشقّ. قلنا: لما اعتادوا نوعاً واحداً صاروا كالمَجْبُورين الذين لا يقدرون على خِلاَفِهِ؛ لأنَّ العادة طبيعة خامسة، ولذلك قال صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أَفْضَلُ الصَّوْمِ صَوْمَ دَاوُدَ كان يصوم يوماً ويُفْطر يوماً» . ورابعها: قالوا: عبادات المَلاَئكة أَدْوَم؛ لأن أَعمارهم أطول، فكانت أفضل لقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «أَفْضَلُ العُبَّاد من طل عمره، وحَسُنَ عمله» . ولقائل أن يقول: إن نوحاً ولقمان والخَضِر - عليهم الصَّلاة والسلام - كانوا أطول عمراً من محمد - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - فوجب أن يكونوا أفضل منه، وذلك باطل بالاتفاق. وخامسها: أنهم أسبق في كل العِبَادِاتِ فيكونون أفضل لقوله تعالى: ﴿والسابقون السابقون أولئك المقربون﴾ [الواقعة: 10، 11] ولقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «من سَنَّ سُنَّةٌ حَسَنَة فله أَجْرُهَا وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة» . ولقائل أن يقول: فهذا يقتضي أن يكون آدم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - أفضل من محمد عليه الصلاة والسّلام؛ لأنه أوّل من سَنّ عبادة الله من البشر وأسبق، وذلك باطل. وسادسها: أن الملائكة رُسُل إلى الأنبياء، والرسول أفضل من الأمة. فإن قيل: إن السلطان إذا أرسل واحداً إلى جمع عظيم ليكون حاكماً فيهم، فإنه يكون أشرف منهم، أمّا إذا أرسل واحداً إلى واحد، فقد لا يكون الرسول أشرف، كما إذا أرسل السلطان مَمْلُوكَهُ إلى وزيره في مُهِمَّة [فإنه لا يلزم أن يكون ذلك العبد أشرف من الوزير] . قلنا: لكن جبريل - عليه السلام - مبعوث إلى كافة الأنبياء والرسل من البشر، فعلى هذا يكون جبريل أفضل منهم. وأيضاً أن الملك قد يكون رسولاً إلى ملك آخر أو إلى أحد من الأنبياء، وعلى التقديرين الملك رسول، وأمته رسل، والرسول الذي كل أمته رسل أفضل من الرسول الذي ليس كذلك، ولأن إبراهيم - عليه الصّلاة والسلام - كان رسولاً إلى لُوطٍ - عليه السّلام - فكان أفضل منه، وموسى كان رسولاً إلى الأنبياء الذين كانوا في عَصْرِهِ، فكان أفضل منهم. ولقائل أن يقول: الملك إذا أرسل رسولاً إلى بعض النواحي، فقد يكون ذلك الرسول حاكماً ومتولياً أمورهم، وقد يكون ليخبرهم عن بعض الأمور مع أنه لا يجعله حاكماً عليهم، فالقسم الأوّل هم الأنبياء المبعوثون إلى أممهم، فلا جرم كانوا أفضل من الأنبياء. وسابعها: قوله: ﴿لَّن يَسْتَنكِفَ المسيح أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ وَلاَ الملاائكة المقربون﴾ [النساء: 172] فقوله: «ولا الملائكة» خرج مخرج التأكيد للأول، وهذا التأكيد إنما يكون بذكر الأفضل يقال: هذه الخَشَبة لا يقدر على حملها العَشْرة، ولا المائة، ولا يقال: لا يقدر على حملها العشرة ولا الواحد، ويقال: هذا العالم لا يَسْتَنْكِفُ عن خدمته الوزير ولا الملك، ولا يقال: ولا يستنكف عن خدمته الوزير ولا البواب. ولقائل أن يقول: هذه الآية إن دلّت، فإنما تدلّ على فضل الملائكة المقرّبين على المسيح، لكن لا يلزم منه فَضْلُ الملائكة المقربين على مَنْ هو أفضل من المسيح، وهو محمد - عليه أفضل الصلاة والسلام - وموسى وإبراهيم - عليهما الصلاة والسلام - بإجماع المسلمين. ثم نقول قوله: «ولا المَلاَئكَة» ليس فيه إلا «واو» العطف، و «الواو» للجمع المُطْلق، فيدلّ على أنّ المسيح لا يستنكف، والملائكة لا يستنكفون، فأما أن يدلّ على أن الملائكة أفضل من المسيح فلا. قال تعالى: ﴿لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ الله وَلاَ الشهر الحرام وَلاَ الهدي وَلاَ القلائد﴾ [المائدة: 2] أو نقول: سلمنا أن عيسى دون مَجْمُوعِ الملائكة في الفَضْلِ، فإن قلتم: دون كل واحد من الملائكة في الفضل؟ فإن قيل: وصف الملائكة بكونهم مقربين يوجب ألاَّ يكون المسيح كذلك. قلنا: تخصيص الشّيء بالذكر لا يدلُّ على نفيه عما عداه. وثامنها: قوله: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هذه الشجرة إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ﴾ [الأعراف: 20] ولو لم يكن متقرراً عند آدم وحواء - عليهما الصلاة والسلام - أن الملك أفضل من البَشَرِ لم يقدر «إبليس» على غرورهما بذلك. ولقائل أن يقول: هذا قول «إبليس» فلا يكون حُجّة، ولا يقال: إن آدم اعتقد صحة ذلك، واعتقاد آدم حُجّة، لأنا نقول: لعلّ آدم - عليه الصَّلاة والسّلام - ما كان نبياً في ذلك الوقت، فلم يلزم من فَضْلِ الملك عليه في ذلك الوَقْتِ فضل الملك عليه حال ما صار نبيًّا، ولأن الزَّلَّة جائزة على الأنبياء. وأيضاً فهب أن الآية تدلّ على أن الملك أفضل من البَشَرِ في بعض الأمور المرغوبة. فلم قلتم: إنها تدلّ على فضل الملك على البَشَرِ في باب القدرة والقوة، والحسن والجمال، والصفاء والنقاء عن الكُدُورات الحاصلة بسبب التركيبات؟ فإن الملائكة خلقوا من الأنوار وآدم خلق من التراب، فلعل آدم وإن كان أفضل منهم في كثرة الثواب إلاّ أنه رغب في أن يكون مساوياً لهم في تلك الأمور المعدودة. وتاسعها: قوله تعالى: ﴿قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ الله ولاا أَعْلَمُ الغيب ولاا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام: 50] . ولقائل أن يقول: يحتمل أن يكون المراد: ولا أقول لكم إني مَلَكٌ في كثرة العلوم، وشدة القوة، ويؤيده أن الكفار طالبوه بأمور عظيمة نحو: صعود السَّماء، ونقل الجِبَالِ، وإحضار الأموال العظيمة، وأيضاً قوله: «قل: لا أقول لكم عِنْدِي خَزَائِنُ الله» يدلّ على اعترافه بأنه لا يعلم كلّ المعلومات، فلذلك لا أدّعي قُدْرَةٌ مِثْلَ قُدْرَةِ الملك، ولا علماً مثل علمه. وعاشرها: قوله تعالى: ﴿مَا هذا بَشَراً إِنْ هاذآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: 31] . فإن قيل: لِمَ لا يجوز أن يكون المراد التشبيه في الجمال؟ قلنا: الأَوْلَى أن يكون هذا التشبيه في السِّيرة لا في الصّورة، لأن الملك إنما تكون سِيرَتُهُ المرضية لا بمجرد الصورة. ولقائل: أن يقول: قول المرأة: ﴿فذلكن الذي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف: 32] كالصريح في أن مراد النِّسَاء بقولهن: ﴿إِنْ هاذآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: 31] تعظيم لحسن يُوسف وجماله لا في السَِّيرة؛ لأن ظهور عُذْرِهَا في شدّة عشقها، إنما يحصل بسبب فرط يوسف في الجَمَال لا بسبب فرط زُهْده وورعه، فإن ذلك لا يُنَاسب شدّة عشقها. سلمنا أن المراد تشبيه يوسف - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - بالمَلَكِ في حسن السِّيرة، فلم قلتم: يجب أن يكون أقل ثواباً من الملائكة؟ الحادي عشر: قوله تعالى: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ على كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء: 70] ، ومخلوقات الله - تعالى - إما المكلفون، أو من عداهم، ولا شك أن المكلفين أفضلُ من غيره، فالمكلّفون أربعة أنواع: الملائكة، والإنس، والجنّ، والشياطين، ولا شَكّ أن الإنس أفضل من الجنّ والشياطين، فلو كان البشر أفضل من الملائكة لزم أن يكون البشر أفضل من كلّ المخلوقات، وحينئذ لا يبقى لقوله: «وفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى جَمِيْعِ مَنْ خَلَقْنَا» ، ولما لم يقل ذلك علمنا أن الملك أفضل من البشر. ولقائل أن يقول: هذا تمسُّك بدليل الخطاب؛ لأن التصريح بأنهم أفضل من كثيرٍ من المَخْلُوقات لا يدلّ على أنه ليس أَفْضل من الباقي ألا بواسطة دليل الخطاب. وأيضاً فهب أن جنس الملائكة أفضل من [جنس بني آدم، ولكن لا يلزم من كون أحد المجموعين أفضل من] المجموع الثاني [أن يكون كُلّ واحد من أفراد المجموع الأول أفضل من أفراد المجموع الثاني] ، فإنا إذا قدرنا عشرة من العَبيدِ كلّ واحد منهم يساوي مائة دينار، وعشرة أخرى حصل فيهم عبد يساوي مائتي دينار والتسعة الباقية كل واحد منهم ديناراً، فالمجموع الأول أفضل من آحاد المجموع الأول فكذا ها هنا. الثاني عشر: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار: 10، 11] فيدخل فيه الأنبياء وغيرهم، وهذا يقتضي كونهم أفضل من البشر لوجهين: الأوّل: أنه - تعالى - جعلهم حَفَظَةً، والحافظ للمكلّف عن المعصية يكون أبعد عن الخطأ من المحفوظ، وذلك يقتضي أن يكون قولهم أولى بالقَبُولِ من قول البشر، ولو كان البشر أعظم حالاً منهم لكان الأمر بالعكس. ولقائل أن يقول: أما كون الحافظ أكرم من المحفوظ، فهذا بعيد، فإن المَلكَ قد يوكّل بعض عبيده على ولده. وأما الثاني فقد يكون الشاهد أدون حالاً من المشهود عليه. الثالث عشر: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الروح والملائكة صَفّاً لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن﴾ [النبأ: 38] . والمقصود من ذكر أحوالهم المُبَالغة في شَرْحِ عظمة الله وجلاله، ولو كان في الخلق طائفة أخرى قيامهم وتضرعهم أقوى في الإنباء عن عَظَمةِ الله وجلاله وكبريائه من قيامهم لكان ذكرهم أولى. ولقائل أن يقول: ذلك يدلّ على أنهم أزيد حالاً من البَشَرِ في بعض الأمور، فلم لا يجوز أن تكون تلك الحالة هي قوتهم وشدّتهم وبطشهم؟ وهذا كما يقال: إن السُّلطان لما جلس وقف حَوْلَ سريره ملوك أطراف العالم خاضعين فإن عظمة السُّلطان إنما تشرح بذلك، ثم إنَّ هذا لا يدلُّ على أنهم أكرم عند السلطان من ولده، فكذا ها هنا. الرابع عشر: قوله: ﴿والمؤمنون كُلٌّ آمَنَ بالله وملاائكته وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: 285] فبيّن تعالى أنه لا بدّ في صحّة الإيمان من الإيمان بهذه الأشياء، فبدأ بنفسه، وثَنَّى بالملائكة، وثلّث بالكتب، وربّع بالرسل، وكذا في قوله: ﴿شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ هُوَ والملائكة وَأُوْلُواْ العلم﴾ [آل عمران: 18] ، وقال: ﴿إِنَّ الله وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النبي﴾ [الأحزاب: 56] ، والتقديم في الذّكر يدلّ على التقديم في الدرجة؛ لأن تقديم الأدْوَنِ على الأشرف في الذكر قبيح عرفاً، فوجب أن يكون قبيحاً شرعاً. ولقائل أن يقول: هذه الحجّة ضعيفة؛ لأن الاعتماد إن كان على «الواو» ف «الواو» لا تفيد الترتيب، وإِنْ كان على التقديم في الذِّكْرِ ينتقض بتقديم سورة «تَبّت» على سورة ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] . الخامس عشر: قوله تعالى: «إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ» ، فجعل صلوات الملائكة كالتشريف للنبي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وذلك يدلّ على كون الملائكة أشرف من النبي. ولقائل أن يقول: هذا ينتقض بقوله: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً» فأمر المؤمنين بالصلاة على النبي، ولم يلزم كون المؤمنين أفضل من النبي، فكذا في الملائكة. واحتجّ من قال بتفضيل الأَنبياء - عليهم الصَّلاة والسَّلام - على الملائكة بأمور: أحدها: أن الله - تعالى - أمر الملائكة بالسجود لآدم، وثبت أن آدم لم يكن كالقِبْلَةِ، فوجب أن يكون آدم أفضل منهم؛ لأن السجود نهايَةَ التواضُعِ، وتكليف الأشرف بنهاية التواضُعِ للأَدْوَنِ مُسْتَقْبَحٌ في العقول. وثانيها: أن آدم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - خليفةٌ له، والمراد منه خلافة الولاية لقوله: ﴿ياداوود إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرض فاحكم بَيْنَ الناس بالحق﴾ [ص: 26] . ومعلوم أن أعلى الناس منصباً عند الملك من كان قائماً مَقَامَهُ في الولاية والتصرف، فهذا يدل على أن آدم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - كان أشرف الخلائق. فالدنيا خلقت متعةً لبقائه، والآخرة مملكة لجزائه، وصارت الشياطين ملعونين بسبب التكبُّر عليه، والجن رعيته، والملائكة في طاعته وسجوده، والتواضع له، ثم صار بعضهم حافظين له ولذريته، وبعضهم منزلين لرزقه وبعضهم مستغفرين لزلاَّته. وثالثها: أن آدم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - كان أعلم، والأعلم أفضل، أما أنه أعلم فلأنه - تعالى - لما طلب منهم علم الأسماء ﴿قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ﴾ [البقرة: 32] فعند ذلك قال الله: ﴿يَآءَادَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ﴾ [البقرة: 33] وذلك يدلّ على أن آدم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - كان عالماً بما لم يكونوا عالمين به، والعالم أَفْضَلُ لقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الذين يَعْلَمُونَ والذين لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9] . ورابعها: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله اصطفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى العالمين﴾ [آل عمران: 33] والعَالَم عبارة عن كل ما سوى الله - تعالى - فمعناه أن الله - تعالى - اصطفاهم على المخلوقات. فإن قيل: يُشْكل بقوله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذكروا نِعْمَتِي التي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العالمين﴾ [البقرة: 47] . قلنا: الإشكال مدفوع؛ لأن قوله: «وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العَالَمينَ» خطاب مع الأنبياء الذين كانوا أسلاف اليهود، وحينما كانوا موجودين لم يكن محمد - عليه الصَّلاة والسَّلام - موجوداً في ذلك الزمان، والمعدوم لا يكون من العالمين؛ لأن اشتقاق العالم من العَلَمِ فكل ما كان عَلَماً على الله ودليلاً عليه فهو عالم، وإذا كان كذلك لم يلزم اصْطِفاء الله إياهم على العالمين في ذلك الوقت أن يكونوا أفضل من محمد - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - والملائكة كانوا موجودين، فيلزم أن يكون الله - تعالى - قد اصطفى هؤلاء على الملائكة، وأيضاً فهب أن تلك دَخَلَها التخصيص لقيام الدليل، وها هنا فلا دليل يوجب ترك الظاهر، فوجب إجراؤه على ظاهره في العموم. وخامسها: قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107] والملائكة من جملة العالمين، فكان محمد - عليه الصلاة والسَّلام - رحمة لهم، فوجب أن يكون أفضل منهم. وسادسها: أنَّ الآدمي له شهوةٌ تدعوهم إلى المعصية، وهي شهوة الرئاسة. قلنا: هَبْ أن الأمر كذلك، لكن البشر لهم أنواع كثيرة من الشهوات مثل شهوة البَطْنِ والفَرْجِ، وشهوة الرئاسة والملك ليس إلا شهوة واحدة، وهي شهوة الرئاسة، والمبتلى بأنواع كثيرة من الشهوات تكون الطاعة عليه أشقّ من المبتلى بشهوة واحدة. وأيضاً الملائكة لا يعملون إلاَّ بالنَّص لقوله: ﴿لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ﴾ [البقرة: 32] وقوله: ﴿لاَ يَسْبِقُونَهُ بالقول وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: 27] والبشر لهم قوّة الاسْتنباط والقياس، والعمل بالاسْتِنْبَاط أشقَ من العمل النص، وأيضاً فإن الشبهات للبشر أكثر منها للملائكة؛ لأن من جملة الشبهات القوية كون الأفلاك والأنجم السَّيَّارة أسباباً لحوادث هذا العالم، فالبَشَرُ احتاجوا إلى دفع هذه الشُّبهة، والملائكة لا يحتاجون إليها، لأنهم ساكنون في عالم السَّمَاوات، فيشاهدون كيفية افتقارها إلَى المدبّر الصَّانع، وأيضاً فإن الشيطان لا سَبِيلَ له إلى وسوسة الملائكة، وهو مسلّط على البشر في الوَسْوَسَةِ، وذلك تفاوت عظيم. إذا ثبت أن طاعتهم أشقّ، فوجب أن يكونوا أكثر ثواباً للنص والقياس. فأما النص قوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «أَفْضَلُ العِبَادَاتِ أَحْمَزُهَا» أي: أشقُّها، وأما القياس فإن الشيخ الذي ليس له مَيْلٌ إلى النِّسَاء إذا امتنع عن الزِّنَا ليست فضيلته كفضيلة من يمتنع عنه مع النَيْلِ الشّديد، والشَّوق العظيم. وسابعها: أن الله - تعالى - خلق للملائكة عقولاً بلا شهوة، وخلق للبهائم شهوةً بلا عَقْلٍ، وخلق الآدمي وجمع فيه الأمرين، فصار الأدمي بسبب العَقْل فوق البهيمة بدرجة، فوجب أن يصير بسبب الشهوة دون المَلاَئكة، ثم وجدنا الآدمي هَوَاهُ عقله، فإنه بصير دون البَهِيْمَةِ على ما قال: «أولئك كَالأَنْعَام بَلْ هُمْ أَضَلُّ» فيجب أن يقال: إذا غلب عقله هواه أن يكون فوق الملائكة اعتباراً لأحد الطرفين بالآخر. وثامنها: أن الملائكة حَفَظَةٌ، وبنو آدم محفوظون، والمحفوظ أشرف من الحافظ، أجاب القائلون بتفضيل الملك عن الأول، فقالوا: قد سبق بيان أنّ من الناس من قال: المراد من السُّجود التَّواضع لا وضْع الجَبْهَةِ على الأرض، وإن سلم أنه وضع الجبهة لكنه قال: السُّجود لله وآدم قبله، فزال الإِشْكَال، وإن سلم أن السجود كان لآدم، فلم قلتم: إن ذلك لا يجوز من الأشرف؟ وذلك لأن الحكمة قد تقتضي إظهار نهاية الانقياد، والطاعة، فإن للسلطان أن يجلس عَبْداً من عبيده، ويأمر الأكابر بخدمتهن ويكون غرضه إظهار كونهم مُطِيْعِين مُنْقَادين له في كلّيات الأمور، وأيضاً فإن الله - تعالى - يفعل ما يَشَاءُ، ويحكم ما يريد، فإن أفعاله غير معلّلة، ولذلك قلنا: إنه لا اعتراض عليه في خلق الكُفْرِ في الإنسان، ثم يعذبه عليه أبد الآباد، وإذا كان كذلك، فكيف يعترض عليه في ان أمر الأعلى بالسجود لمن هو دونه. وأما الحجّة الثانية فجوابها أن كون آدم خليفة في الأرض وهذا يقتضي أن يكون آدم - عليه السلام - كان أَشْرَفَ من كل من في الأرض ولا يدلّ على كونه أشرف من ملائكة السماء. فإن قيل: فَلِمَ لم يجعل واحداً من ملائكة السماء خليفة له في الأرض؟ قلت: لوجوه: منها أن البشر لا يطيقون رُؤْيَةَ الملائكة، ومنها أن الجنس إلى الجنس أميل. وأما الحجّة الثالثة: فلا نسلّم أنّ آدم كان أعلم منهم، وأكثر ما في الباب أن آدم - عليه الصَّلاة والسَّلام - كان عالماً بتلك الُّلغات، وهم ما علموها، لكنهم لعلهم كانوا عالمين بسائر الأشياء، مع أن آدم - عليه السلام - ما كان عالماً بها ويحقق هذا أن محمداً - عليه أفضل الصلاة والسلام - أفضل من آدم - عليه السلام - مع أن محمداً ما كان عالماً بهذه اللُّغات بأسرها، وأيضاً فإن «إبليس» كان عالماً بأن قرب الشجرة مما يوجب خروج آدم من الجَنّة، وأن آدم - عليه السلام - ليس كذلك، والهُدْهُد قال لسليمان صلوات الله وسلامه عليه: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ [النمل: 22] ولم يكن أفضل من سُلَيْمَانَ، سلمنا أنه كان أعلم منهم، ولكن لِمَ لَمْ يجز أن يقال: إن طاعنهم أكثر إخلاصاً من طاعة آدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ؟ . وأما الحجة الرابعة: فهي قويّة. وأما الخامسة: فلا يلزم من كون محمّد - عليه الصّلاة والسلام - رحمة لهم أن يكون أفضل منهم كما في قوله تعالى: ﴿فانظر إلى آثَارِ رَحْمَةِ الله كَيْفَ يُحْيِيِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَآ﴾ [الروم: 50] ولا يمتنع أن يكون - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - رحمةً لهم من وجه، وهم يكونون رحمة له من وجه آخر. وأما الحجّة السادسة: وهي أن عبادة البشر أشقّ فهذا ينتقض بما أنا نرى الواحد من الصُّوفية يتحمّل في طريق المُجّاهدة من المَشَاقّ والمتاعب ما يقطع بأنه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - لم يتحمّل مثلها مع أنا نعلم أن محمداً عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ أفضل من الكل. أما الحُجّة السَّابعة: فهي جمع بين الطَّرفين من غير جامع. فإن قيل: فإذا لم يكن افضل منهم، فما الحكمة بالأمر بالسجود له؟ قيل له: إنَّ الملائكة لما استعظموا تَسْبِيْحَهُمْ، وتقديسهم أمرهم بالسجود لغيره ليريه استغناءه عنهم، وعن عبادتهم. وقال بعضهم: عيروا آدم واستصغروه ولم يعرفوا خصائص الصنع به، فأمروا بالسجود له تكريماً، ويحتمل أن يكون إنما أمرهم بالسجود له معاقبة لهم على قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: 30] . فإن قيل: فقد استدلّ ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - على فضل البشر بأن الله - تعالى - أقسم بحياة مُحَمَّد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ فقال: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: 72] وأمنه من العذاب لقوله: ﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: 2] ، وقال للملائكة: ﴿وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إني إله مِّن دُونِهِ فذلك نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: 29] . قيل له: إنما لم يقسم بحياة الملائكة كما لم يقسم بِحَيَاةِ نفسه سبحانه فلم يقل: «لَعَمْري» وأقسم بالسماء والأرض، ولم يدلّ على أنها أرفع قدراً من العرش، وأقسم ب «التِّين والزَّيْتُون» . وأما قوله سبحانه: «وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ» فهو نظير قوله لنبيه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ﴾ [الزمر: 65] وهذا آخر الكلام في هذه المسألة. قوله: «إلاَّ إِبْلِيسَ» «إِلاَّ» حرف استثناء، و «إبليس» نصب على الاستثناء، وهل نصبه ب «إلا» وحدها أو بالفعل وحده أو به بوساطة «إلاّ» أو بفعل محذوف أو ب «أن» أقوال؟ وهل هو استثناء متّصل أو منقطع؟ خلاف مشهور. والأصح أنه متّصل - وأما قوله تعالى: ﴿إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجن﴾ [الكهف: 50] ، فلا يرد؛ لأن الملائكة قد يسمونه جنًّا لاجْتِنَابِهِمْ، قال الشاعر في سليمان: [الطويل] 384 - وَسَخَّرَ مِنْ جِنِّ الْمَلاَئِكِ تِسْعَةً ... قِيَاماً لَدَيْهِ يَعْمَلُونَ بِلاَ أَجْرِ وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجنة نَسَباً﴾ [الصافات: 158] يعني: الملائكة. واعلم أن المستثنى على أربعة أقسام: قسم واجب النّصْب، وقسم واجب الجَرّ، وقسم جائز فيه النصب والجر، وقسم جائز فيه النَّصْب والبَدَل مِمَّا قبله، والأرجح البدل. الأول: المُسْتَثْنَى من الموجب والمقدّم، والمكرر والمنقطع عند «الحجاز» مطلقاً، والواقع بعد «لا يَكُون» و «لَيْسَ» و «ما خَلاَ» و «ما عَدَا» عند غير الجَرْمِيّ؛ نحو: «قَامَ القَوْمُ إلاَّ زَيْداً» ، و «مَا قَامَ إلاَّ زَيْداً القَوْمُ» ، و «ما قَامَ أحدٌ إلاّ زَيْداً إلا عَمْراً» ، و «قاموا إلاّ حِمَاراً» و «قَامُوا لا يكونُ زيداً» و «مَا خضلاَ ويداً» و «مَا عَدَا زيداً» . الثاني: المستثنى ب «غَيْر» و «سِوًى» و «سُوًى» و «سَوَاء» . الثالث: المستثنى ب «عَدَا» و «حَاشَا» و «خَلاَ» . الرابع: المستثنى من غير الموجب؛ نحو: ﴿مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ [النساء: 66] . و «إبليس» اختلف فيه، فقيل: إنه اسم أعجمي منح من الصّرف للعلمية والعُجْمة، وهذا هو الصّحيح، قاله «الزَّجاج» وغيره؛ وقيل: أنه مشتقٌّ من «الإبْلاَس» وهو اليأس من رحمة الله - تعالى - والبعدُ عنها؛ قال: [السريع أو الرجز] 385 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... وَفِي الْوُجُوهِ صُفْرَةٌ وَإِبْلاَسْ ووزنه عند هؤلاء: «إِفْعِيل» ؛ واعترض عليهم بأنه كان ينبغي أن يكون منصرفاً، وأجابوا بأنه أِبه الأسماء الأعجميّة لعدم نظيره في الأسماء العربية؛ ورد عليهم بأنه مثله في العربية كثير؛ نحو: «إزْمِيل» و «إكْلِيل» و «إغريض» و «إخْرِيط» . وقيل: لما لم يقسم به أحدٌ من العرب، صار كأنه دَخِيلٌ في لسانهم، فأشبه الأعجمية، وفيه بُعْدٌ. فصل في جنس إبليس اختلفوا في «إبليس» فقال أكثر المتكلمين والمعتزلة: إنه لم يكن من المَلاَئكة، وهو مرويّ عن ابن عَبَاس، وابن زيد، والحسن، وقتادة - رَضِيَ اللهُ عَنْهم - قالوا: «إبليس أبو الجِن كما أن آدم أبو البَشَرِ، ولم يكن ملكاً فأشبه الحرف» . وقال شهر بن حَوْشَبٍ، وبعض الأصوليين: «كان من الجن الذين كانوا في الأرض، وقاتلهم الملائكة فَسَبُوهُ وتعبّد مع الملائكة وخوطب» . وحكاه الطبري، وابن مسعود، وابن جريح، وابن المسيب، وقتادة وغيرهم، وهو اختبار الشيخ أبي الحَسَنِ، ورجّحه الطبري، وهو ظاهر الآية أنه من الملائكة. قال ابن عباس: «وكان اسمه عزَازِيل، وكان من أشراف الملائكة، وكان من أُولِي الأَجْنِحَةِ الأَرْبَعَةِ ثم إبليس بعد» . وروى سليمان بن حَرْب عن عكرمة عن ابن عَبَّاس قال: كان إبْلِيسُ من الملائكة، فلما عَصَى الله غضب عليه فَلَعَنَهُ، فصار شيطاناً. وحكى المَاوَرْدِيّ عن قتادة: أنه كان من أَفْضَلِ صنف من الملائكة يقال لهم الجنّة. وقال سعيد بن جبير: إن الجنّ سِبْطٌ من الملائكة خُلقوا من نار، وإبليس منهم، وخلق معاشر الملائكة من نور. حجّة القول الأول، وهو أنه لم بكن من الملائكة وجوه: أحدها: قوله تعالى: ﴿إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجن﴾ [الكهف: 50] وإذا كان من الجنّ وجب أن ألاّ يكون من الملائكة لقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أهؤلاء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ قَالُواْ سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الجن﴾ [سبأ: 40، 41] ، وهذا صريح في الفرق بين الجنّ والمَلَكِ. فإن قيل: لا نسلّم أنه كان من الجنّ، لأن قوله: ﴿كَانَ مِنَ الجن﴾ [الكهف: 50] يجوز أن يكون المراد كان من الجنّة على ما روي عن ابن مسعود - رَضِيَ اللهُ عَنْه - أنه كان من الجنّ كان خازن الجنة. سلمنا ذلك، لكن لِمَ لاَ يجوز أن يكون قوله: «من الجن» أي: صار من الجن كقوله: ﴿وَكَانَ مِنَ الكافرين﴾ . سلّمنا ما ذكرتم، فَلِمَ قلتم: إن كونه من الجنّ ينافي كونه من الملائكة؛ لأن الجن مأخوذ من الاجتنان، وهو الستر، ولهذا سمي الجَنين جنيناً لاجتِنَانِه، ومنه الجُنّة لكونها سائرة، والجِنّة لكونها مستترة بالأَغْصَان، ومنه الجُنُون لاستتار العَقْل به، والملائكة مستترون عن الأعين، فوجب جواز إطلاق لفظ الجِنّ عليهم بحسب اللُّغة، يؤيد هذا التأويل قوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجنة نَسَباً﴾ [الصافات: 158] ، وذلك لأن قريشاً قالت: الملائكة بنات الله، فهذه الآية تدلّ على أن الملائكة تسمى جنًّا. والجواب: لا يجوز أن يكون المُرَاد من قوله: «كان من الجن» أنه كان خازن الجنّة؛ لأن قوله: ﴿إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجن﴾ [الكهف: 50] يشعر بتعليل تركه السُّجود بكونه جنياً، ولا يمكن تعليل ترك السجود بكونه خازن الجنّة، فبطل ذلك. ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجنة نَسَباً﴾ [الصافات: 158] قلنا: يحتمل أن بعض الكُفّار أثبت ذلك النسب في الجنّ، كما أثبته في الملائكة، وأيضاً أن الملك يسمى جنّاً بحسب أصل اللُّغة، لكن لفظ الجنّ بحسب العرف اختص بالغير، كما أن لفظ الدَّابة يتناول كل ما دَبّ بحسب اللُّغة الأصلية، كلغة بحسب العرف اختص ببعض ما يدبّ، فيحتمل أن تكون هذه الآية على اللغة الأصلية والآية التي ذكرناها على العرف الحادث. وثانيها: أن «إبليس» له ذريّة لقوله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ﴾ [الكهف: 50] والملائكة لا ذريّة لها؛ لأن الذريّة إنما تحصل من الذَّكَرِ والأُنْثَى، والملائكة لا أنثى فيها لقوله: ﴿وَجَعَلُواْ الملائكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إِنَاثاً أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ﴾ [الزخرف: 19] أنكر على من حكم عليهم بالأنوثة. وثالثها: أنّ الملائكة معصومون، و «إبليس» لم يكن كذلك فوجب ألا يكون من الملائكة. ورابعها: أن «إبليس» مخلوق من نار لقوله تعالى حكاية عن «إبليس» : ﴿خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ﴾ [الأعراف: 12] . قال: ﴿والجآن خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السموم﴾ [الحجر: 27] والملائكة مخلوقون من النّور، لما روت عائشة عن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «خلقت المَلاَئِكَةُ من نُورٍ وخُلِقَ اجَانّ من مَارِجٍ من نَارٍ» . حجّة القول الثاني، وهو أن «إبليس» كان من الملائكة أمران: الأول: أن الله - تعالى - استثناه من الملائكة، والاستثناء المنقطع مشهور في كلام العرب، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الذي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: 26، 27] وقال: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً﴾ [الواقعة: 25، 26] وقال: ﴿لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاَماً﴾ [مريم: 62] ، وقال: ﴿لاَ تأكلوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بالباطل إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ﴾ [النساء: 29] ، وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً﴾ [النساء: 92] وأيضاً فلأنه كان جنيًّا واحداً بين اللوف من الملائكة، فغلبوا عليه في قوله: فسجدوا، ثم استثني هو منهم استثناء واحد منهم؛ لأنا نقول: كل واحد من هَذَيْنِ الوجهين على خلاف الأصل، وذلك إنما يُصَار إليه عند الضرورة، والدلائل الذي ذكرتموها في نفي كونه من المَلاَئكة ليس فيها إلاّ الاعتماد على العُمُومَاتِ، فلو جعلنا من الملائكة لزم تَخْصِيصُ ما عَوَّلْتُمْ عليه من العُمُومَاتِ. ولو قلنا: إنه ليس من الملائكة لزمنا جعل الاستثناء منقطعاً، فكان قولنا أولى، وأيضاً فالاستثناء إنما يتحقّق من الشيء والصرف، ومعنى الصرف إنما يتحقّق حَيْثُ لولا الصّرف لدخل، والشيء لا يدخل في غير جنسه، فيمتنع تحقق معنى الاستثناء منه. وأما قوله: إنه جني واحد من الملائكة لما كان قوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسجدوا﴾ متناولاً، ولا استحال أن يكون تركه السجود إباءً واستكباراً ومعصية، ولما استحقّ الذم والعقاب، ولما حصلت هذه الأمور، علمنا أن ذلك الخطاب يتناوله، ولن يتناوله ذلك الخطاب إلاّ إذا كان من الملائكة. لا يقال: إنه وإن لم يكن من الملائكة إلا أنه لمّا نشأ منهم، وطالت خُلْطته بهم والتصق بهم علا ولكن الله تعالى أمر بالسجود بلفظ آخر ما حكاه في القرآن بدليل قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: 12] لأنا نقول: أما الأول فجوابه: أن المُخَالطة لا توجب ما ذكرتموه ولهذا قيل في أصول الفقه: خطاب الذكور لا يتناول الإناث وبالعكس مع شدّة المخالطة بين الصنفين، وأيضاً فشدّة المُخَالطة بين الملائكة، وبين «إبليس» لما لم يمنع اقتصار اللَّعن على إبليس، فكيف يمنع اقتصار ذلك التَّكليف على المَلاَئِكَةِ، لونا كونه أمر بأمر آخر غير محكي في القرآن، فإن ترتيب الحكم على الوَصْفِ يشعر بالغَلَبَةِ، فلما ذكر قوله: «أَبَى واسْتَكْبَرَ» عقيب قوله: «وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ: اسْجُدُوا لآدَمَ» ، أشعر هذا التعقيب بأن هذا الإباء إنما حصل بسبب مُخَالفة هذا الأمر، لا بسبب مُخَالطة أمر آخر، وطريق الجمع بين الدليلين ما ذكرنا عن ابن عباس أن «إبليس» كان من الملائكة، فلما عَصَى الله غضب عليه، فَصَار شيطاناً. وقول سعيد بن جبير إن الجن سبط من الملائكة خلقوا من نَارٍ، وإبليس منهم وليس في خلقه من نَارٍ، ولا في تركيب الشَّهْوَةِ حيث غضب عليه ما يدفع أنه من المَلاَئِكَةِ، وحكى الثعلبي عن ابن عباس: «أنّ إبْلِيسَ كان من حَيّ من أحياء الملائكة يقال لهم: الجِنّ خلقوا من نارِ السَّمُوم، وخلقت الملائكة من نُورٍ، وكان اسمه بالسّريانية عَزَازيل، وبالعربية الحَارِث، وكان من خزّان الجنّة، وكان رئيس ملائكة السماء الدنيا، وكان من سُلْطَانها، وسلطان الأرض، وكان من أشدّ الملائكة اجتهاداً، وأكثرهم علماً، وكان يَسُوسُ ما بين السَّماء والأرض، فرأى لنفسه بذلك شرفاً وعظمةً، فذلك الذي دعاه إلى الكُفْرِ، فعصى الله، فمسخه شيطاناً رجيماً» . قوله تعالى: «أَبَى واسْتَكْبَرَ» . الظاهر أن هاتين الجملتين استئنافيتان لمن قال: فما فعل؟ والوقف على قوله: «إلاَّ إِبْلِيسَ» تام. وقال أبو البقاء: «في موضع نصب على الحال من» إبليس «تقديره: ترك السجود كارهاً له ومستكبراً عنه» . فالوقف عنده على «واستكبر» ، وجوز في قوله: «وَكَانَ مِنَ الكَافِرينَ» أن يكون مستأنفاً، وأن يكون حالاً أيضاً، و «الإباء» : الامتناع؛ قال الشاعر: [الوافر] 386 - وَإِمَّا أنْ يَقُولُوا قَدْ أَبَيْنَا ... وَشَرُّ مَوَاطِنِ الحَسَبِ الإبَاءُ وهو من الأفعال المفيدة للنفي، ولذلك وقع بعده الاستثناء المفرّغ قال تعالى: ﴿ويأبى الله إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة: 32] . والمشهور «أَبِيَ - يَأْبَى» بكسرها في الماضي، وفتحها في المضارعن وهذا قياس، فيحتمل أن يكون من قال: «أَبَى - يَأْبَى» بالفتح فيهما استغنى بمُضَارع من قال «أَبِيَ» بالكسر ويكون من التداخل نحو: «رَكَنَ - يَرْكَنُ» وبابه. واستكبر بمعنى: تَكَبَّرَ، وإنما قدم الإباء عليه، وإن كان متأخراً عنه في الترتيب؛ لأنه من الأفعال الظَّاهرة؛ بخلاف الاستكبار؛ فإنه من أفعال القلوب. قوله: «وَكَانَ» بل: هي هنا بمعنى «صَارَ» ؛ كقوله: [الطويل] 387 - بِتَيْهَاءَ قَفْرٍ والمَطِيُّ كَأَنَّهَا ... قَطَا الحَزْنِ قَدْ كَانَتْ فِرَاخاً بُيُوضُهَا أي: قد صارت. ورد هذا ابن فورك وقال: «تردّه الأصول، والأظهر أنها على بابها والمعنى: كان من القوم الكافرين الَّذين كانوا في الأَرْضِ قبل خَلْقِ آدم على ما روي، وكان في علم الله» . فصل في بيان بطلان قول أهل الجبر قال القاضي: هذه الاية تدلُّ على بطلان قول أهل الجبر من وجوه: أحدها: أنهم يزعمون أنه لما لم يسجد لم يقدر على السُّجود؛ لأن عندهم القُدْرَة على الفعل شرط، فإن من لا يقدر على الشيء لا يقال: إنه أباه. وثانيها: أن من لا يَقْدِرُ على الفعل لا يقال: استكبر بأن لم يفعل، فإنما يوصف بالاستكبار إذا لم يفعل مع أنه لو أراد الفعل لأمكنه. وثالثها: قال: «وكَانَ مَنَ الكَافِرِينَ» ولا يجوز أن يكون كافراً بأن لم يفعل ما لا يقدر عليه. ورابعها: أن استكباره، وامتناعه خلق من الله فيه، فهو بأن يكون معذوراً أولى من أن يكون مذموماً قال: ومن اعتقد مذهباً يقيم العذر لإبليس فهو خاسر الصَّفقة. والجواب: يقال له: صدور ذلك عن «إبليس» لا يخلو، إما أن يكون عن قَصْدٍ ودَاعٍ أو لا. فإن وقع لا عن فاعل، فكيف يثبت الصّانع، وإن وقع العبد فوقوع ذلك القصد عنه إن كان عن قصد آخر فيلزم التسلسل. وإن كان لا عن قَصْدٍ فقد وقع الفعل لا عن قَصْد. [أما إن قلت وقع ذلك الفعل عنه لا عن قصد] وداعٍ، قد ترجّح الممكن من غير مرجّح، وهو يسد باب إثبات الصانع، وأيضاً فإن كان كذلك كان وقوع ذلك الفعل اتفاقياً، والاتفاقي لا يكون في وسعه واختياره، فكيف يؤمر به وينهى عنه، وإن وقع عن فاعل هو الله، فحينئذ يلزمك كل ما أوردته علينا. فإن قيل: هذا منقوض بأفعال الله - سبحانه وتعالى - فإن التقسيم وارد فيها ليس اتفاقية ولا خبراً؟ قلنا: الله - تعالى - واجب الوجود لذاته، وإذا كان كذلك كان واجب الوجود أيضاً في صفاته، وإذا كان كذلك فهو مُسْتَغْنٍ في فاعليته عن المؤثرات والمرجّحات، إذ لو افتقر لكان محتاجاً. فصل في بيان حال إبليس قال قوم: كان «إبليس» منافقاً منذ كان. وقال آخرون: كان كافراً، واستدلوا بقوله: «وضكَانَ مِنَ الكَافِرِينَ» ؛ لأن كلمة «من» للتبعيض، والحكم عليه بأنه بعض الكافرين يقتضي وجود قوم آخرين من الكفار حتى يكون هو بعضاً منهم، ويؤكده ما روي عن أبي هُرَيْرَةَ قال: إن الله خلق خلقاً من الملائكة، ثم قال لهم: إني خالق بشراً من طين؛ فإذا سوّيته، ونفخت فيه من روحي فَقَعُوا له سَاجِدِينَ. فقال: لا تفعل ذلك، فبعث الله عليهم ناراً، فأحرقتهم، وكان «إبليس» من أولئك الذين أَبْوا. وقال آخرون: إنّ «كان» ها هنا بمعنى «صار» فيكن معنى الآية صار من الذين وقعوا في الكُفْرِ بعد ذلك، وأنه كان من قبل ذلك مؤمناً، وهذا قول «الأصَمّ» ، وذكر في مثاله قوله تعالى: ﴿المنافقون والمنافقات بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ﴾ [التوبة: 67] فأضاف بعضهم إلى بعض بسبب المُوَافقة في الدين، وأيضاً فإن هذه إضافة لفرد من أفراد الماهية إلى تلك الماهية، وصحّة هذه الإضافة لا تقتضي وجود تلك المَاهِيّة، كما أن الحيوان الذي خلقه الله تَعَالَى أولاً يصح أن يقال: إنه فرد من أفراد الحيوان، لا بمعنى أنه وَاحِدٌ من الحيوانات الموجودة خارج الذهن، بل بمعنى أنهة فرد من أفراد هذه الماهية. واعلم أنه بتفرع على هَذَا أن «إبليس» هل كان أول من كفر بالله؟ والذي عليه الأكثرون أنه أول من كفر بالله. فصل في بيان أن الأمر كان للملائكة كلهم قال الأكثرون: إن جميع الملائكة كانوا مأمورين بالسُّجُودِ لآدم، واحتجوا عليه بوجهين: الأول: أن لفظ المَلاَئكة صيغة جمع، وهي تفيد العموم، لا سيما وقد أكدت بأكمل وجوه التوكيد في قوله: «كلّهم أَجْمَعُونَ» . الثاني: أن استثناء «إبليس» منهم، واستثناء الشخص الواحد منهم يدلّ على أن من عدا ذلك الشخص يكون داخلاً في ذلك الحكم، ومن الناس من أنكر ذلك، وقال: المأمور بهذا السُّجود هم ملائكة الأرض، واستعظم أن يكون أكابر الملائكة مأمورين بذلك. وأما الحُكّمّاء فإنهم يحملون المَلاَئكة على الجَوَاهر الرُّوْحَانية، وقالوا: يستحيل أن تكون الأرواح السَّمَاوية مُنْقَادة للنفوس الناطقة، والكلام في هذه المسألة مذكور في العقليات.

البقرة 2:35

الجملة من قوله: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسكن أَنْتَ وَزَوْجُكَ الجنة﴾ معطوفة على جملة «إذ قُلْنَا» لا على «قلنا» وحده لا خلاف زمنيهما. و «أنت» توكيد للضمير المستكن في «أسكن» ليصح العطف عليه «وزوجك» عطف عليه، هذا هو مذهب البَصْرِيين، أعني اشتراط الفعل بين المُتَعَاطفين إذا كان المعطوف عليه ضميراً مرفوعاً متصلاً، ولا يشترط أن يكون الفاصل توكيداً؛ بل أي فصل كان، نحو: ﴿مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: 148] . وأما الكوفيون فيجيزون ذلك من غير فاصل؛ وأنشدوا: [الخفيف] 388 - قُلْتُ إذْ أَقْبَلَتْ وَزُهْرٌ تَهَادَى ... كَنِعَاجِ الفَلاَ تَعَسَّفْنَ رَمْلا وهذا عند البصريين ضرورة لا يقاس عليه، وقد منع بعضهم أن يكون «زوجك» عطفاً على الضمير المستكن في «أسكن» ، وجعله من عطف الجُمَلِ، بمعنى أن يكون «زوجك» مرفوعاً بفعل محذوف، أي: وَلْتَسْكُنْ زَوْجُكَ «فحذف لدلالة» اسكن «عليه، ونظيره قوله: ﴿لاَّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلاَ أَنتَ﴾ [طه: 58] وزعم أنه مذهب سيبويه، وكان شبهته في ذلك أن من حَقّ المعطوف حلوله محل المعطوف عليه، ولا يصح هنا حلول» زوجك «محلّ الضمير لأنّ فاعل فعل الأمر الواحد المذكور نحو: قُمْ واسْكُن» لا يكون إلا ضميراً مستتراً وكذلك فاعل يفعل، فكيف يصح وقوع الظاهر المضمر الذي قبله؟ وهذا الذي يزعم ليس بشيء؛ لأنَّ مذهب سيبويه بنصّه يخالفه؛ ولأنه لا خلاف في صحّة: تقوم هند وزيد «ولا يصحّ مُبَاشرةُ» زيد «لا تقوم» لتأنيه. و «السُّكُون» و «السُّكَنى» : الاستقرار، ومنه «المِسْكِينُ» لعدم حركته وتصرّفه، والسّكين لأنها تقطع حركة المَذْبوح، والسَّكينة لأن بها يذهب القَلَقُ. وسكّان السفينة عربي لأنه يسكنها عن الاضطراب، والسّكن: النار. قال الشاعر: [مشطور السريع] 389 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ..... قَدْ قُوِّمَتْ بِسَكَنٍ وَأَدْهَانْ و «الجَنّ» : مفعول به لا ظرف، نحو: «سكنت الدَّار» . وقيل: هي ظَرْف على الاتساع، وكان الأصل تعديته إليها ب «في» لكونها ظرف مكان مختصّ، وما بعد القول منصوب به. فصل في بيان هل الأمر في الآية للإباحة أو لغير ذلك اختلفوا في قوله: «اسكن» هل هو أمر أو إباحة؟ فروي عن قتادة: أن الله ابتلى آدم بإسكان الجنة كما ابْتَلَى الملائكة بالسُّجود، وذلك لأن كلفه بأن يكون في الجنّة يأكل منها حيث شاء، ونهاه عن شجرة واحدة. وقال آخرون: إن ذلك إباحة. والصحيح أن ذلك الإسكان مشتمل على إباحة، وهي الانتفاع بجميع نعم الجنة وعلى تكليف، وهو النهي عن أَكْلِ الشجرة. قال بعضهم: قوله: «اسكن» تنبيه عن الخُرُوج؛ لأن السُّكْنَى لا تكون ملكاً؛ لأن من اسكن رجلاً مَسْكَنَاً له فإنه لا يملكه بالسُّكْنى، وأن له يخرجُه منه إذا انقضت مدة الإسكان، وكان «الشَّعْبِيّ» يقول: إذا قال الرجل: داري لك سُكْنَى حتى تموت، فهي له حياته وموته، وإذا قال: داري هذه اسْكُنْهَا حتى تموت، فإنها ترجع إلى صاحبها إذا مَاتَ، ونحو السُّكْنَى العُمْرَى، إلا أن الخلاف في العُمْرَى أقوى منه في السُّكْنَى. قال «الحربي» : سمعت «ابن الأعرابي» يقول: لم يختلف العَرَبُ في أن هذه الأشياء على ملك أربابها، ومنافعها لمن جعلت له العُمْرَى والرُّقْبَى والإفقار والإخْبَال والمِنْحَة والعَرِيّة والسُّكْنَى والإطْراق. فصل في وقت خلق حواء اختلفوا في الوَقْتِ الذي خلقت زوجته فيه، فذكر «السّدي» عن ابن مسعود، وابن عباس، وناس من الصَّحابة رَضِيَ اللهُ عَنْهم: أن الله - تعالى - لما أخرج «إبليس» من الجنة، وأسكن آدم بقي فيها وَحْدَهُ ما كان معه من يَسْتَأنس به، فألقى الله - تعالى - عليه النَّوم، ثم أخذ ضلعاً من أضلاعه من شِقِّهِ الأيسر، ووضع مكانه لحماً، وخلق حواء منه، فلما استيقظ وَجَدَ عند رأسه امرأةً قاعدةً فسألها ما أنت؟ قال: امرأة. قيل: ولم سميت امرأة؟ قال: لأنها من المراء أخذت، فقالوا له: ما اسمها؟ قال: حَوّاء، قالوا: ولم سميت حواء؟ قال: لأنها خلقت من حََيّ. وعن «ابن عباس» رَضِيَ اللهُ عَنْهما قال: «بعث الله جنداً من الملائكة، فحملوا آدم وحَوّاء - عليهما السلام - على سَرِيْرٍ من ذهب كما يحمل الملوك، ولباسهما النور حتى أدخلا الجنّة» . فهذا الخبر يدلّ على أن حواء خلقت قبل إدخالهما الجنة. روى الحسن عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه قال: «إنَّ المرأة خلقت من ضِلع الرَّجُل، فإذا أردت تَقْوِيمَهَا كَسَرْتَها، وإن تركتها انْتَفَعْتَ بها واسْتَقَامَتْ» ، وهذا القول منقول «عن أبي بن كعب، وابن عباس ووهب بن منبه، وسفيان بن عُيَيْنَةَ» . واختاره ابن قتيبة في «المَغَازي» ، [والقاضي منذر بن سعيد البلوطي] وحكاه عن «أبي حنيفة» وأصحابه، وهو نصّ التوراة التي بأيدي أهل الكتاب. وفي رواية: «وإنْ أَعْوَجَ شَيءٍ في الضِّلْعِ أَعْلاَهُ؛ لن تستقيم لك على طَرِيقَةٍ واحدة، فإن اسْتَمْتََعْتَ بها، استمتعت وبها عِوَجٌ، وإن ذهبت تُقِيمُها كَسْرَتَهَا، وكَسْرُهَا طَلاَقُهَا» ؛ وقال الشاعر: [الطويل] 390 - هِيَ الضَّلَعُ العَوْجَاءُ لَسْتَ تُقِيمُها ... أَلاَ إِنَّ تَقْوِيمَ الضُّلُوعِ انِكِسَارُهَا أَتَجْمَعُ ضَعْفَاً وَاقْتِداراً عَلَى الفَتَى ... أَلَيْسَ عَجِيباً ضَعْفُهَا وَاقْتِدَارُهَا فصل في بيان خلافهم في الجنة المقصودة اختلفوا في هذه الجنة هل كانت في الأرض أو في السماء؟ وبتقدير أنها كانت في السَّمَاء، فهل هي دار ثواب او جنّة الخُلْدِ؟ فقال أبو القاسم البَلْخِيّ، وأبو مسلم الأصفهاني: هذه الجنة كانت في الأرض وحملا الإهباط على الانتقال من بُقْعَةٍ إلى بُقْعَةٍ كما في قوله: ﴿اهبطوا مِصْراً﴾ [البقرة: 61] واحتجّا عليه بوجوه: أحدها: أن هذه الجنة لو كانت هي دار الثواب لكانت جنة الخلد، ولو كان آدم في جنة الخلد لما لحقه الغُرُورُ من إبليس ولما صحّ قوله: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هذه الشجرة إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الخالدين﴾ [الأعراف: 20] . وثانيهما: أن من دخل هذه الجَنَّة لا يخرج منها لقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: 48] . وثالثهما: أن إبليس لما امتنع عن السجود لعن فما كان يقدر مع غضب الله أن يصل إلى جنة الخلد. ورابعها: أن جنة الخلد لا يفنى نعيمها لقوله: ﴿وَأَمَّا الذين سُعِدُواْ فَفِي الجنة خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [هود: 108] إلى أن قال: ﴿عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: 108] أي: غير مقطوع. وخامسها: لا نزاع في أن الله - تعالى - خلق آدم في الأَرْضِ، ولم يذكر في هذه القصّة أنه نقله إلى السماء، ولو كان - تعالى - قد نقله إلى السَّماء لكان أولى بالذكر؛ لأن نقله من الأرض إلى السماء من أعظم النعم، فدلّ على أن ذلك لم يحصل، وذلك يوجب أن هذه الجنّة غير جنّة الخلد. وقال «الجُبَّائي» : أن تلك الجَنّة كانت في السَّمَاء السَّابعة، والدليل عليه قوله: «اهْبِطُوا مِنْهَا» ثم إنّ الاهباط الأول كان من السَّماء السَّابعة إلى السماء الأولى، والإهباط الثاني كان مِنَ السماء غلى الأرض. وقال أكثر العلماء: إنها دَارُ الثواب؛ لأنَّ الألف واللام في لفظ الجَنَّةِ لا يفيدان العموم؛ لأن سكون جميع الجِنَان مُحَال، فلا بد من صرفها إلى المَعْهُود السَّابق، وجنّة الخلد هي المعهودة بين المسلمين، فوجب صرف اللفظ إليها. وقال بعضهم: الكُلّ ممكن، والأدلّة النقلية ضعيفة ومتعارضة، فوجب التوقٌّف وترك القطع، والله أعلم. فصل في إعراب الآية قوله: ﴿وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً﴾ هذه الجملة عطف على «اسْكُنْ» ، فهي في محلّ نصب بالقول، وأصل «اؤكل» بهمزتين: الأولى هزة وصل، والثانية فاء الكلمة، فلو جاءت هذه الكلمة على الأصل لقيل: أوكلُ بإبدال الثانية حرفاً مجانساً لحركة ما قبلها، إلاّ أن العرب حذفت فاءه في الأمر تخفيفاً، فاستغنت حينئذ عن همزة الوَصْلِ، فوزنه إلاّ أن العرب حذفت فاءه في المر تخفيفاً، فاستغنت حينئذ عن همزة الوَصْلِ، فوزنه «عُلْ» ومثله: «خُذْ» و «مُرْ» ، ولا يقاس على هذه الأفعال غيرها، في تقول: من «أَجَرَ - جُر» ولا تَرَدُّ العرب هذه الفاء في العَطْفِ، بل تقول: «قم وخذ وكل» إلاَّ «مُرْ» ، فإن الكثير رَدّ فاءه بعد الواو والفاء، قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ﴾ [طه: 132] ، وعدم الرد قليل. وحكى سيبويه «اؤكل» على الأصل، وهو شاذّ. وقال «ابن عطية» : حذفت النون من «كُلا» للأمر. وهذه العِبَارَةُ موهمةٌ لمذهب الكوفيين من أنّ الأمر عندهم معرب على التدريج، وهو عند البصريين محمول على المجزوم، فإن سكن المجزوم سكن المر منه، وإن حذف منه حرف حذف من الأمر. و «منها» متعلّق به، و «من» للتبعيض، ولا بُدّ من حذف مضاف أي: من ثمارها ويجوز أن تكون «من» لابتداء الغاية، وهو حسن. فإن قيل: ما الحكمة في عطفه هنا «وَكُلاّ» بالوا، وفي «العراف» بالفاء؟ والجواب: كلّ فعل عطف عليه شيء، وكان الفعل بمنزلة الشَّرط، وذلك الشَّيء بمنزلة الجزاء، عطف الثَّاني على الأوَّل بالفاء دون الواو، كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادخلوا هذه القرية فَكُلُواْ مِنْهَا﴾ [البقرة: 58] فعطف «كلوا» على «ادخلوا» بالفاء لما كان وجود الأكل منها متعلقاً بدخولها فكأنه قال: إن دخلتموها أكلتم منها، فالدُّخول موصل إلى الأَكْل، والكل متعلّق وجوده بوجوده يبين ذلك قوله في سورة «الأعراف» : ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسكنوا هذه القرية وَكُلُواْ﴾ [الأعراف: 161] فعطف «كلوا» على قوله: «اسكنوا» بالواو دون الفاء؛ لأن «اسكنوا» من السُّكْنَى، وهو المقام مع طول اللّبْث والكل لا يختص وجوده بوجوده؛ لأن من دخل بستاناً قد يأكل منه، وإن كان مجتازاً، فلما لم يتعلّق الثاني بالأول تعلّق الجزاء بالشرط وجب العطف بالواو دون الفاء. إذا ثبت هذا فقوله: «اسكن» يقال لمن أراد منه، الزم المَكَان الذي دخلته، فلا تنفك عنه، ويقال أيضاً لمن لم يدخله: اسكن هذا المكان يعني: ادخله واسكن فيه، فقوله في سورة البقرة: ﴿اسكن أَنْتَ وَزَوْجُكَ الجنة وَكُلاَ﴾ إنما ورد بعد أن كان آدم في الجنّة، فكان المُرَادُ منه اللُّبث والاستقرار، وقد بَيَّنَّا أن الأكل لا يتعلّق به، فلهذا ورد بلفظ الواو، وفي سورة «الأعراف» هذا الأمر إنما ورد قبل دخول الجَنّة، فكان المراد منه دخول الجنة، وقد بينا أن الأَكْلَ متعلّق به، فلهذا ورد بلفظ الفاء، والله اعلم. و «رَغَداً» نعت لمصدر مَحْذوف، وقد تقدم أن مذهب سيبويه في هذا ونحوه أن ينتصب حالاً. وقيل: هو مصدرٌ في موضع الحال أي: كُلاَ طَيِّبَيْنِ مُهَنَّأَيْنِ. وقرأ النَّخْعي: وابن وَثّاب: «رَغْداً» بسكون الغَيْنِ، وهي لغة «تميم» . وهذا فيه نظر، بل المنقول أن «فَعْلاً» بسكون العين إذا كانت عينه حَلْقِية لا يجوز فتحها عند البصريين؛ إلاّ أن يسمع فيقتصر عليه، ويكون ذلك على لُغِتِيْن؛ لأن إحداهُما مأخوذة من الأخرى. وأما الكوفيون فبعض هذا عندهم ذو لُغَتِيْنِ، وبعضه أصله السّكون، ويجوز فتحه قياساً، أما أن «فَعَلاً» المفتوح العين الحَلْقِيها يجوز فيه التسكين، فيجوز في السَّحر: السَّحْر، فهذا لا يجيزه أحد. و «الرَّغد» الواسع الهنيء؛ قال امرؤ القيس: [الرمل] 391 - بَيْنَمَا المَرْءُ تَرَاهُ نَاعِمَاً ... يَأْمَنُ الأَحْدَاثُ في عِيْشٍ رَغْدٍ ويقال: رَغُدَ عيشهم - بضم الغَيْن وبكسرها - وأرغد القوم: صاروا في رَغَدٍ. «حَيْثُ شِئْتُمَا» حيث: ظرف مكان، والمشهور بناؤها على الضم لشبهها بالحرف في الافتقار إلى جملة، وكانت حركتها ضمة تشبيهاً ب «قَبْلَ وَبَعْدَ» . ونقل «الكسائي» إعرابها عن «قيس» وفيها لغات: «حَيْث» بتثليث الثاء، و «حَوْث» بتثليثها أيضاً، ونقل: «حَاثَ» بالألف. وهي لازمة الظرفية لا تتصرف، وقد تجر ب «من» كقوله تعالى: ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله﴾ [البقرة: 222] ﴿مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 182] وهي لازمة للإضافة إلى جملة مطلقاً، ولا تضاف إلى المفرد إلا نادراً؛ قالوا: [الرجز] 392 - أَمَا تَرَى حَيْثُ سُهِيْلٍ طَالِعَا ... وقال آخر: [الطويل] 393 - وَنَطْعَنُهُمْ تَحْتَ الحُبَى بَعْدَ ضَرْبِهِمْ ... بِبيضِ المَوَاصْي حَيْثُ لَيَّ العَمَائِمِ وقد تزداد عليها «ما» فتجزم فعلين شرطاً وجزاءً ك «إن» ، ولا يجزم بها دون «ما» خلافاً لقوم، وقد تُشْرَبُ معنى التعليل، وزعم الأخفش أنها تكون ظرف زمان، وأنشد: [المديد] 394 - لِلْفِتَى عَقْلٌ يَعِيشُ بِهِ ... حَيْثُ تَهْدِي سَاقَهُ قَدَمُهْ ولا دليل فيه، لأنها على بابها. والعامل فيها هنا «كُلاَ» أي: كلا أي مكان شئتما «توسعه عليهما. وأجاز» أبو البقاءِ «أن تكون بدلاً من» الجنة» قال: «لأنّ الجنة مفعول بهما، فيكون حيث مفعولاً به» وفيه نظر؛ لأنها لا تتصرّف كما تقدّم إلا بالجر ب «من» . و «شئتما» الجملة في محلّ خفض بإضافة الظرف إليه. وهل الكسرة التي على لاشين أصل كقولك: جئتما وخفتما، أو محوّلة من فتحة لتدلّ على ذوات الياء نحو: يعتمد؟ قولان مبنيان على وزن شاء ما هو؟ فمذهب المبرد أنه: «فَعَل» بفتح العين، ومذهب سيبويه» فَعِل «بكسرها، ولا يخفى تصريفهما. قوله: ﴿وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة﴾ » لا «ناهية و» تَقْرَبَا: مجزوم بها حذفت نونه. وقرئ: «تِقْرَبَا» بكسر حرف المُضَارعة، و «الألف» فاعل، وتقول: «قَرِبْتُ» الأمر «أَقْرَبَهُ» - بكسر العين في الماضي وفتحها في المضارع أي: التسبب به. وقال «الجَوْهَرِيّ» «قَرُبَ» - بالضم - «يَقْرُبُ» - «قُرْباً» أي دنا. وَ «قَرْبِتُه» - بالكسر - «قِرْبَاناً» دنوت منه. وَقَرَبت - أَقْرَبُ - قِرَابَةً - مثل: كَتَبت - أَكْتُبُ - كِتَابَةً - إذا سِرْتَ إلى الماء وبينك وبينه ليلة. وقيل: إذا قيل: لا تَقْرَب - بفتح الرَّاء كان معناه - لا تلتبس بالفِعْلِ، وإذا قيل: لا تَقْرَب - بالضَّم - لا تَدْنُ منه. و «هذه» مفعول به اسم إشارة للمؤنث، وفيها لُغات: هَذِيِ وَهَذِهِ وهَذِهِ بِكسر الهاء بإشباع [ودونه] «وَهَذِه» بسكونها و «هذِهْ» بكسر الذال فقط، والهاء بدل من الياء لقربها منها في الخفاء. قال «ابن عطية» ونقل أيضاً عن النَّحاس وليس في الكلام هاء تأنيث مكسور ما قبلها غير «هذه» ، وفيه نظر؛ لأن تلك الهاء التي تدلُّ على التأنيث ليست هذه؛ لأن «تيك» بدل من تاء التأنيث في الوقف، وأما هذه الهاء فلا دلالة لها على التأنيث، بل الدَّال عليه مجموع الكلمة كما لا يقال: الياء في «هذي» للتأنيث، وحكمها في القرب والبعد والتوسُّط، ودخول هاء التنبيه وكاف الخطاب حكم «ذا» وقد تقدم. ويقال فيها أيضاً: «تيكَ» و «تيلك» و «تَالِكَ؛ قال: [الوافر] 395 - تَعَلَّمْ أَنَّ بَعْدَ الغَيِّ رُشْدَاً ... وأَنَّ لِتَالِكَ العُمْرِ انْكِسَاراً قال هشام: ويقال:» تَا فَعَلَتْ» ؛ وأنشد [الطويل] 396 - خَلِيلِيِّ لَوْلاَ سَاكِنُ الدَّارِ لَمْ أقِمْ ... بِتَا الدَّارِ إِلاَّ عَابِرَ ابْنِ سَبِيلِ و «الشجرة» بدل من «هذه» . وقيل: نعت لها لتأويلها بمشتقِّ، أي: بهذه الحاضرة من الشجر. والمشهور أنَّ اسم الإشارة إذا وقع بعده مشتقّ كان نعتاً له، وإن كان جامداً كان بدلاً منه. و» الشجرة «واحدة» الشجر» : اسم جنس، وهو ما كان على ساقٍ، وله أغصان، وقيل: لا حاجة إلى ذلك لقوله تعالى: ﴿وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾ مع أنها كالزرع والبِطِّيخ، فلم يخرجه ذهابه على وجه الأرض من أن يكون شجراً. قال المبرد: «وأحسب كلّ ما تفرعت له عِيدان وأغصان، فالعرب تسميه شجراُ في وقت تشعبه» . وأصل هذا أنه كلما تشجر، أي: أخذ يَمْنَةٍ ويسره، يقال: رأيت فلاناً قد شجرته الرّماح، قال تعالى: ﴿حتى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: 65] وتَشَاجَرَ الرجُلاَنِ في أمر كذا. وقرئ: «الشَّجَرة» بكسر الشين والجيم، وبإبدالها ياءً مع فتح الشِّين، وكسرها؛ لقربها منها مخرجاً؛ كما أبدلت الجيم منها في قوله: [الرجز] 397 - يَارَبِّ لإِنْ كُنْتَ قَبِلْتَ حَجَّتجْ ... فَلاَ يَزالُ شَاححٌ يَأْتِيكَ بِخْ يريد: حجّتي وبي. وقال الراجز أيضاً: [الرجز] 398 - خَالِي عُوَيْفٌ وَاَبُو عَلِجْ ... أَلمُطْعِمَانِ اللَّحْمِ بالعِشِجّ يريد: أبو عَلِيّ، وبالْعَشِيّ. وقال الشاعر في «شيَرَة» : [الطويل] 399 - إذَا لَمْ يَكُنْ فِيكُنَّ ظِلٌّ وَلاَ جَنَى ... فَأَبْعَدَكُنَّ اللهُ مِنْ شِيرَاتِ وقال أبو عمرو: «إنما يقرأ بها برابر مكة وسودانها، وجمعت» الشَّجَرَةِ «على» شَجْرَاء» ، ولم يأت جمع على هذه الزِّنَةِ إلا قَصَبة وقَصْبَاء، وطَرَفَة وطَرْفَاء، وحَلَفَة وحَلْفَاء. وكان الأصمعي يقول: «حَلِفَة - بكسر اللام» وعند سيبويه أن هذه الألفاظ واحدة وجمع. و «المشجرة» : موضع الأشجار، وأرض مشجرة، وهذه الأرض أشجر من هذه أي أكثر شجراً، قاله الجوهري. فصل في جنس الشجرة المذكورة اختلف العلماء في هذه الشجرة المنهي عنها، فروي عن بعض العلماء أنه نهى عن جنس من الشجر. وقال آخرون: إنما نهى عن شَجَرِ بعينه، واختلفوا في تلك الشجرة. روى السُّدى عن ابن مسعود، وابن عباس، وسعيد بن جبير، وجَعْدَة بن هُبَيْرَةَ هي الكَرْمُ، ولذلك حرمت علينا الخَمْرُ. وقال ابن عباس أيضاً: وأبو مالك وقتادة، ورواه أبو بكر الصديق - رَضِيَ اللهُ عَنْه - عن النّبيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم َ هي السُّنْبُلة، والحَبَّة منها كشكل البقر، أحلى من العَسَلِ، وألين من الزّبد، قاله وهب بن منبّه. ونقل ابن جريج عن بعض الصحابة أنها التين، وهو مروي أيضاً عن مجاهد وقتادة، ولذلك تعتبر في الرُّؤيا بالندامة لآكلها، ذكره السهيلي. وروي عن قتادة أيضاً هي شجرة العلم، وفيها من كل شيء. وقال عَلِيّ: شجرة الكافور. فصل في الإشعار بأن سكنى آدم لا تدوم. قال بعض أرباب المعاني في قوله: «ولا تقربا» إشعار بالوقوع في الخَطِيئَةِ، والخروج من الجنة، وانَّ سُكْنَاهُ فيها لا يدوم، لأن المخلد لا يخطر عليه شيء، والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30] فدلّ على خروجه منها. فصل في المراد بالنهي عن الكل من الشجرة هذا النهي نهي تحريم، أو تنزيه؟ فيه خلاف. قال قوم: هذا نهي تَنْزيه؛ لأن هذه الصِّيغة وردت في التنزيه والتحريم، والأصل عدم الاشتراك فلا بُدّ من جعل اللفظ حقيقةً في القَدْرِ المشترك بين القسمين، وما ذلك إلاَّ أن يجعل حقيقة في ترجيح جانب الترك على جانب الفعل، من غير أن يكون فيه دلالة على المنع من الفعل، أو الإطلاق فيه كان ثابتاً بحكم الأصل، عدم الاشتراك فلا بُدّ من جعل اللفظ حقيقةً في القَدْرِ المشترك بين القسمين، وما ذلك إلاَّ أن يجعل حقيقة في ترجيح جانب الترك على جانب الفعل، من غير أن يكون فيه دلالة على المنع من الفعل، أو الإطلاق فيه كان ثابتاً بحكم الأصل، فإن الأصل في المَنَافِع الإباحة، فإذا ضممنا مَدْلَولَ اللفظ إلى هذا الأصل صار المجموع دليلاً على التنزيه، قالوا: وهذا هو الأولى بهذا المَقَام؛ لأنّ على هذا التقدير يرجع حاصل معصية آدم - عليه الصلاة والسَّلام - إلى ترك الأولى، ومعلوم أن كل مذهب أفضى إلى عِصْمَةِ الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - كان أولى. وقال آخرون: بل هذا نهي تحريم، واحتجوا عليه بأمور: أحدها: أن قوله: ﴿وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة﴾ كقوله: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حتى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: 222] وقوله: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم﴾ [الإسراء: 34] فكما أن هذا للتحريم فكذا الأول. وثانيهما: قوله: ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظالمين﴾ أي: إن أكلتما منهما ظلمتما أنفسكما ألا ترى لما أكلا ﴿قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا﴾ [الأعراف: 23] . وثالثهما: لو كان للتنزيه لما استحقّ آدم بفعله الإخراج من الجنة، ولما وجبت التوبة عليه. قال ابن الخطيب: الجواب عن الأول: أن النهي وإن كان في الأَصْلِ للتنزيه، لكنه قد يحمل على التحريم بدليل منفصل. وعن الثاني: أن قوله تعالى: ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظالمين﴾ أي: فتظلما أنفسكما بفعل ما الأولى بكما تركه؛ لأنكما إذا فعلتما ذلك أخرجتما من الجنّة التي لا تظمآن فيها، ولا تَضْحَيَان ولا تَجُوعان ولا تَقْرُبَان إلى موضع ليس فيه شيء من هذا. وعن الثالث: أنا لا نسلم أن الإخراج من الجنّة كان لهذا السبب. فصل في فحوى الآية قال قوم قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة﴾ يفيد بِفَحْوَاهُ النهي عن الأكل؛ وفيه نظر لأن النهي عن القُربان لا يستلزم النهي عن الأَكْلِ؛ إذ ربما كان الصلاح في ترك قربها مع انه لو حمل إليه لجاز له أكله، بل الظاهر [إنما] يتناول النهي عن القرب. وأما النهي عن الكل، فإنما عرف بدلائل أخرى وهي قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشجرة بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا﴾ [الأعراف: 22] ولأنه حدث الكلام بالأكل فقال: ﴿وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ فصار ذلك كالدّلاَلَةِ على أنه تعالى نَهَاهُمَا عن أكل ثمرة الشَّجرة، لكن النهي بهذا القول يعم الكل، وسائر الانتفاعات، ولو كان نصّ على الأكل ما كان يعمّ ذلك، ففيه مزيد فائدة. قوله: ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظالمين﴾ فتكونا: فيه وجهان: أحدهما: أن يكون مجزوماً عطفاً على «تَقْرَبا» ؛ كقوله: [الطويل] 400 - فَقُلْتُ لَهُ: صَوِّبْ وَلاَ تَجْهَدَنَّهُ ... فِيُدْرِكُ مِنْ أَعْلَى القَطَاةِ فَتَزْلَقِ والثَّاني: أنه منصوب على جواب النَّهْي لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ فَيَحِلَّ﴾ [طه: 81] والنصب بإضمار «أن» عند البَصْريين، وبالفَاءِ نفسها عند الجرمي، وبالخلاف عند الكوفيين. وهكذا كل ما يأتي مثل هذا. و «الظَّالِمِينَ» خبر «كان» . و «الظلم» : وضْع الشَّيْ في غَيْرَ موضعه، ومنه قيل للأرض الَّتي لم تستحقَّ الحَفْر، فتحفر: مَظْلُومة، قال النابغة: [البسيط] 401 - إِلاَّ الأَوَارِيَّ لأْياً مَا أُبَيِّنُهَا ... وَالنُّؤْيُ كَالحَوْضِ بَالمَظْلُومَةِ الجَلَدِ وقيل: سميت مظلومةً؛ لأنَّ المَطَر لم يأتها، قال عَمْرُو بْنُ قَمِيئَةَ: [الكامل] 402 - ظَلَمَ البِطَاحَ بِهَا انْهِلاَلُ حَرِيصَةٍ ... فَصَفَا النِّطافُ بِهَا بُعَيْدَ المُقْلِعِ وقالوا: «مَنْ أَشْبَهَ أَبَاهُ فَمَا ظَلَمَ» ؛ قال: [الرجز] 403 - بِأَبِهِ اقْتَدَى عَدِيُّ في الكَرَمْ ... وَمَنْ يُشَابِهُ أَبَهُ فَمَا ظَلَمْ والمراد من الآية هو أنكما إن أكلتما منها فقد ظلمتما أنفسكما؛ لأن الأكل من الشجرة لا يقتضي ظُلْمَ الغير، وقد يكون ظالماً بأن يظلم نفسه، وبأن يظلم غيره، فظلم النفس اعم وأعظم. والظلم على وجوه: الأول: ظلم الظَّالم لنفسه بالمعصية كهذه الآية أي: فتكونا من العاصين. الثاني: الظَّالمون المشركون، قال تعالى: ﴿أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظالمين﴾ [هود: 18] يعني: المشركين. الثالث: الظلم: الضرر، قال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ ولكن كانوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: 118] ، أي: ما ضررناهم، ولكن كانوا أنفسهم يضرون. الرابع: الظلم: الجحود، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [الأعراف: 51] ومثله: «فَظَلَمُوا بِهَا» أي: فجحدوا بها.

البقرة 2:36

المفعول في قوله: «فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطََانِ» واجب التقديم، لأنه ضمير متّصل، والفاعل ظاهر، وكل ما كان كذا فهذا حكمه. وقرأ «حمزة» : «فأَزَالَهُمَا» والقراءتان يحتمل أن تكونا بمعنى واحد، وذلك أن قراءة الجماعة «أزلهما» يجوز أن تكون من «زَلَّ عَنِ المَكَانِ» : إذا تنحى عنه، فتكون من الزوال كقراءة «حمزة» ، ويدل عليه قول امرئ القيس: [الطويل] 404 - كُمَيْتٍ يَزِلُّ اللِّبْدُ عَنْ حَالِ مَتْنِهِ ... كَمَا زَلَّتْ الصَّفْوَاءُ بِالمُتَنَزِّلِ وقال أيضاً: [الطويل] 405 - يَزِلُّ الغُلاَمُ الخِفُّ عَنْ صَهَوَاتِهِ ... وِيُلْوِي بِأَثْوَابِ العَنِيفِ المُثَقَّلِ فرددنا قراءة الجماعة إلى قراءة «حمزة» ، أو نرد قراءة «حمزة» إلى قراءة الجماعة بأن نقول: معنى أزالهما: أي صرفهما عن طاعة الله، فأوقعهما في الزِّلةِ؛ لأن إغواءه وإيقاعه لهما في الزِّلة سبب للزوال، ويحتمل أن تفيد كل قراءة معنى مستقلاً، فقراءة الجماعة تؤذن بإيقاعها في الزِّلةِ، فيكون «زلّ» بمعنى: استزلّ، وقراءة: حمزة «تؤذن بتنحيتهما عن مكانهما، ولا بُدَّ من المجاز في كِلْتَا القراءتين، لأن الزَّلَلَ أصله من زلّة القدم، فاستعمل هنا في زلّة الرأي والتنحية لا يقدر عليها الشَّيطان، وإنما يقدر على الوسوسة التي هي سبب التنحية. و» عنها «متعلّق بالفعل قبله، ومعنى» عن «هنا السَّببية إن أعدنا الضمير على» الشجرة «أي: أوقعهما في الزِّلة بسبب الشجرة. قال» الزَّمخشري «لفظة» عن «في هذه الآية كما في قوله: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: 82] . ويجوز أن تكون على بابها من المُجاوزة إن عاد الضمير على» الجنّة «، وهو الأظهر، لتقدّم ذكرها، وتجيء عليه قراءة» حمزة «واضحة، ولا تظهر قراءته كلّ الظُهور على كون الضمير ل» الشجرة «. قال» ابن عطيّة «فأما من قرأ» أزالهما «فإنه يعود على» الجنة «فقط. وقيل: الضَّمير للطاعة، أو للحالة، أو للسماء، وإن لم يجر لهما ذكر لدلالة السياق عليهما. وهذا بعيد جدَّا. فإن قيل: إن الله - تعالى - قد أضاف الإزْلاَل إلى» إبليس «فلم عاتبهما على ذلك الفعل؟ والجواب: أن قوله: «فأزلهما» أنهما عند وَسْوَسَتِهِ أتيا بذلك الفعل، وأضيف ذلك إلى» إبليس «كما في قوله: ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دعآئي إِلاَّ فِرَاراً﴾ [نوح: 6] قال تعالى حاكياً عن إبليس: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِي﴾ [إبراهيم: 22] ، هذا قول المعتزلة، والتحقيق في هذه الإضافة ما ذكرناه، وهو أن القادر على الفعل والترك مع التَّسَاوي يستحيل أن يكون موجداً لأحد هذين الأمرين إلا عند انضمام الدَّاعي إليه، والدَّاعي في حَقّ العبد عبارة عن علم أو ظن، أو اعتقاد بكون الفعل مشتملاً على مصلحةٍ، فإذا حصل ذلك العلم أو الظن بسبب منبّه نبه عليه كان الفعل مضافاً إلى ذلك المنبّه؛ لأنه هو الفاعل لما لأجله صار الفَاعِلُ بالقوة فاعلاً بالفعل، فهكذا المَعْنَى انضاف - ها هنا - إلى الوسوسة. فإن قيل: كيف كانت الوَسْوَسَةُ؟ فالجواب: هي التي حكى الله عنها في قوله: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هذه الشجرة إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الخالدين﴾ [الأعراف: 20] فلم يقبلا ذلك منه، فلما أيس عدل إلى اليمين على ما قال تعالى: ﴿وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ الناصحين﴾ [الأعراف: 21] فلم يصدقاه. والظاهر أنه بعد ذلك عَدَلَ إلى شيء آخر، وهو أنه شغلهما باستيفاء اللاَّت المُبَاحَة حتى صارا مستغرقين فيها، فَحَصَلَ بسبب استغراقهما فيها نِسْيَان النهي، فعند ذلك حصل ما حصل، والله اعلم. فصل في بيان كيف وسوس إبليس لآدم اختلفوا في أنه كيف تمكّن إبليس من وَسْوَسَةِ آدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ مع أن إبليس كان خارج الجنّة، وآدم عليه الصَّلاة والسَّلام داخل الجنّة؟ وذكروا فيه وجوهاً: أحدها: ما روي عن وهب بن منبّه والسدي عن ابن عباس وغيره: أن إبليس أراد دخول الجنة، فمنعته الخزنة، فأتى الحية بعد ما عرض نفسه على سائر الحيوانات فما قبله واحد من الحيوانات، فابتلعته الحية وأدخلته الجَنَّة خفية من الخَزَنَةِ، فلما دخلت الحَيّة الجنة خرج إبليس من فيها واشتغل بالوَسْوَسَةِ، فلا جرم لعنت الحَيّةِ، وسقطت قوائمها، وصارت تمشي على بطنها، وجعل رزقها في التراب، وصارت عدواً بني آدم، وأمرنا بقتلها في الحِلّ والحَرَمِ. قال ابن الخطيب: وهذا وأمثاله يجب ألا يلتفت إليه؛ لأن إبليس لو قدر على الدخول في فَمِ الحيّة فلم يقدر على أن يجعل نَفسه حَيّة ثم يدخل الجَنَة؟ ولأن الحية لو فعلت ذلك، فلم عوقبت مع أنها ليست بعاقلة ولا مكلفة؟ وأيضاً فلما خرج من بطنها صارت في الجنة كانت الملائكة والخزنة يرونه. وثانيها: أن «إبليس» دخل الجَنَّة في صورة دَابّة، وهذا القول أقلّ فساداً من الأول. وثالثها: قال بعض أَهْلِ الأصول: لعلّ آدم وحَوّاء - عليهما السلام - كانا يخرجان إلى باب الجنة، وإبليس كان بقرب الماء يُوَسْوِسُ لهما. ورابعها: قال الحسن: كان إبليس في الأرض، وأوصل الوَسْوَسَةَ إليهما في الجنَة. قال بعضهم: هذا بعيد؛ لأن الوسوسة كلام خفيّ، والكلام الخفيّ لا يمكن إيصاله من الأرض إلى السَّماء. واختلفوا في أن «إبليس» باشر خطابهما، أو أوصل الوسوسة إليهما على لسان بعض أتباعه. حجّة الأول: قوله تعالى: ﴿وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ الناصحين﴾ [الأعراف: 21] ﴿فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: 22] . وحجّة الثاني: أن آدَمَ وحواء - عليهما الصَّلاة والسَّلام - كان يعرفانه، ويعرفان ما عنده من العداوة والحَسَد، فيستحيل في العادة أن يقبلا قوله، فلا بد وأن يكون المباشر للوسوسة بعض أتباع إبليس. وقد يُجَاب عن هذا بأن إبليس لما خالف أمر ربّه ولعن لعلّه انتقل من تلك الصورة التي يُعْرَفُ بها إلى صورة أخرى، ولعلّ إبليس تشكّل لهما في صورة لا يعرفانها، فإن له قدرة التشكل، والله أعلم. فصل في بيان أن آدم عصى ربه ناسياً اختلفوا في صدور ذلك الفعل عن آدم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - بعد النبوة، هل فعله ناسياً أو ذاكراً؟ قال طائفة من المتكلَمين: فعله ناسياً، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾ [طه: 115] ومثلوه بالصَّائم إذا أكل ناسياً، وهذا باطل من وجهين: الأول: قوله تعالى: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هذه الشجرة إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ﴾ [الأعراف: 20] . وقوله: ﴿وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ الناصحين﴾ [الأعراف: 21] يدلّ على أنه ما نسي النهي حال الإقدام. الثاني: أنه لو كان ناسياً لما عوتب على ذلك الفعل. أما من حيث العقل فلأن الناسي غير قادر على الفعل فلا يكون مكلفاً به لقوله تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَ﴾ [البقرة: 286] . وأما من حيث النقل فلقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «رُفعَ عَنْ أمّتي الخَطَأُ والنِّسْيَانُ» . وقد يجاب عن الأول بأنا لا نسلّم أن آدم وحواء - عليهما الصلاة والسلام - قَبَلاَ من إبليس ذلك الكلام وصَدّقاه؛ لأنهما لو صدقاه لكانت معصيتهما في ذلك التصديق أعظم من أكل الشَّجرة؛ لأن إبليس لما قال لهما: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هذه الشجرة إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ﴾ [الأعراف: 20] الآية فقد ألقى إليهما سوء الظَّن بالله - تعالى - ودعاهما إلى ترك التَّسْلِيم لأمره، والرضا بحكمه، وان يعتقدوا فيه كون إبليس ناصحاً لهما، وأن الرب - تَعَالَى - قد غضهما ولا شك أن هذه الأشياء أعظم من أكل الشجرة، فوجب أن تكون المُعَاتَبَةِ في ذلك أشد، وأيضاً آدم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - كان عالماً بتمرد «إبليس» ، وكونه مبغضاً له وحاسداً له، فكيف يجوز من العاقل أن يقبل قول عدوّه مع هذه القرائن، وليس في الآية أنهما أقدما على ذلك الفعل عند ذلك الكلام. وأما الجواب الثاني: فهو أن العتاب إنما حصل على قلّة التحفُّظ من سباب النسيان، وهذا الضرب من السَّهو موضوع عن المسلمين، وقد كان يجوز أن يؤاخذوا به، وليس بموضوع عن الأنبياء لعظم خَطَرِهِمْ ومثّلوه بقوله: ﴿يانسآء النبي لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النسآء﴾ [الأحزاب: 32] ، ثم قال: ﴿مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا العذاب ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: 30] . وقال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «أَشَدُّ النَّاس بَلاَءً الأنبياءُ ثم الأوْلِيَاءُ ثم الأَمْثَلُ فالأَمْثَلُ» ، ولقد كان على النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من التَّشْديدات في التَّكليف ما لم يَكُنْ على غيره. وذكر بعض المفسّرين أن حوّاء سقته الخَمْرَ، فسكر وزفي أثناء السّكر فعل ذلك قالوا وهذا ليس ببعيد؛ عليه الصَّلاة والسَّلام - كان مأذوناً له في تناول كل الأشياء سوى تلك الشجرة، فكان مأذوناً له في تناول الخمر، ولقائل أن يقول: إن خمر الجَنَّة لا يسكر لقوله تعالى في صفة خمر الجنة: ﴿لاَ فِيهَا غَوْلٌ﴾ [الصافات: 47] . القول الثاني: أن آدم - عليه الصَّلاة والسَّلام - فعله عامداً؛ فها هنا قولان: أحدهما: أن ذلك النهي نهي تَنْزِيِهِ، لا نهي تحريم، وقد تقدم. الثاني: أنه تعمّد وأقدم على الكل بسبب اجتهاد أخطأ فيه، وذلك لا يقتضي كون الذَّنْبِ كبيرة، وهذا اختيار أكثر المعتزلة. وبيان خطأ الاجتهاد أنه لما قيل له: ﴿وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة﴾ [الأعراف: 19] فلفظ «هذه» يشار به إلى الشَّخص، وقد يشار به إلى النوع، كما روي أنه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - اخذ حريراً وذهباً بيده وقال: «هَذَانِ حَلاَلٌ لإنَاثِ أمّتِي حَرَامٌ على ذُكُرِهَا» وأراد به توعهما، وتوضأ مرة وقال: «هذا وُضُوءٌ لا يقبل الله الصَّلاةَ إلاَّ به» وأراد نوعه، فلما سمع آدم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - قوله: «ولا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ» ظنّ أن النهي إنما يتناول تلك الشجرة المعينة، فتركها وتناول من شجرة أخرى من ذلك النوع، فكان مخطئاً في ذلك الاجتهاد؛ لأن مراد الله - تعالى - النهي عن النوع لا عن الشخص. والاجتهاد في الفروع إذا كان خطأً لا يوجب استحقاق العقاب لاحتمال كونه صغيرةً مغفورة كما في شرعنا. فغن قيل: الكلام على هذا القول من وجوه: أحدها: أن كلمة «هذا» في أصل اللغة للإشارة إلى الشَّيء الحاضر، وهو لا يكون إلا شيئاً معيناً، فإن أشير بها إلى النوع، فذاك على خلاف الأصل، وأيضاً فأنه - تعالى - لا تجوز الإشارة عليه، فوجب ان يكون أمر بعض الملائكة بالإشَارَةِ إلى ذلك الشَّخص، فكان ما عداه خارجاً عن النهي لا مَحَالة، وإذا ثبت هذا فالمجتهد مكلف يحمل اللفظ على حقيقته، فأدم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - لما حمل لفظ «هذه» على المُعَيّن كان قد فعل الواجب، ولا يجوز له حمله على النوع، وهذا متأيد بأمرين: أحدهما: أن قوله: ﴿وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ [البقرة: 35] أفاد الإذْنَ في تناول كل ما في الجنّة إلا ما خصه الدليل. والثاني: أن العقل يقتضي حلّ الانتفاع بجميع المَنَافِع إلاَّ ما خصّه الدليل، والدليل المخصص لم يدلّ على ذلك المعيّن، وإذا ثبت هذا امتنع أن يستحقّ بسبب تناول غيره وغن كان من ذلك النوع المنهي عنه عتاباً، فوجب على هذا أن يكون مصيباً لا مخطئاً. الاعتراض الثاني: هب أن لفظة «هذه» مترددة بين الشخص والنوع، ولكن هل قرن الله بهذا اللَّفْظ ما يدلّ على أن المراد منه النوع دون الشخص أو لا؟ فإن قرن به، فإما أن يقال: إن آدم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - قصر في معرفة ذلك البيان، فحينئذ يكون قد أتى بالذَّنب وإن لم يقصر بل عرفه، فحينئذ يكون إِقْدَامه على التَّناول من شَجَرَة من ذلك النوع إقداماً على الذنب قصداً. الاعتراض الثالث: أن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - لا يجوز لهم الاجْتِهَادُ؛ لأن الاجتهاد إقدام على العمل بالظنّ وذلك إنما يجوز في حَقّ من لا يتمكن من تحصيل العلم، أمّا الأنبياء فإنهم قادرون على تَحْصِيلِ اليقين، فوجب ألا يجوز لهم الاجتهاد؛ لأن الاكتفاء بالظن مع القدرة على تحصيل اليقين غير جائز عقلاً وشرعاً، وذا ثبت ذلك ثبت أن افقدام على الاجتهاد معصية. الاعتراض الرابع: هذه المسألة إما أن تكون من المَسَائل القَطْعِية او الظنية، فإن كانت من القطيعات كان الخطأ فيها كبيراً، وحينئذ يعود الإشكال، وإن كانت من الظَّنيات فإن قلنا: إن كل مجتهد مصيب فلا يتحقّق الخطأ فيها أصلاً. وإن قلنا: المصيب فيها واحد، والمخطيء فيها معذور بالاتفاق، فكيف صار هذا القدر من الخطأ سبباً لإخراج آدم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - من الجنة؟ والجواب عن الأوّل: أن لفظة «هذا» وإن كان في الأصل إشارة إلى الشَّخص، لكنه قد يستعمل في الإشارة إلى النوع كما تقدم بيانه. والجواب عن الثاني: أن الله - سبحانه وتعالى - كان قد قرن به ما دلّ على أنّ المراد هو النوع، لكن لعلّ آدم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - قصر في معرفة ذلك الدَّليل؛ لأنه ظنّ أنه لا يلزمه ذلك في الحال. أو يقال: إنه عرف ذلك الدليل في وقت ما نهاه الله - تعالى - عن عين الشَّجرة، فلما طالت المدة غفل عنه، لأن في الخبر أن آدم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - بقي في الجَنّة الدهر الطويل، ثم اخرج. والجواب عن الثالث: أنه لا حاجة ها هنا إلى إثبات أن الأنبياء تمسَّكوا بالاجتهاد، فإنَّا بيَّنَّا أن آدم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - قصّر في معرفة تلك الدّلالة، وإن كان قد عرفها، لكنه قد نسيها، وهو المراد من قوله تعالى: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾ [طه: 115] . والجواب عن الرَّابع: يمكن أن يقال [كانت] الدلالة قطيعة [إلا أنه]- عليه الصَّلاة والسَّلام - لما نسيها صار النِّسْيان عذراً في ألاّ يصير الذنب كبيراً، أو يقال: كانت ظنيةً إلاَّ أنه ترتَّب عليه من التَّشديدات ما لم يترتّب على خطأ سائر المجتهدين؛ لأن ذلك يجوز أن يختلف باختلاف الأشخاص، وكما أن الرسول - عليه الصَّلاة والسَّلام - مخصوص بأمور كثيرة في باب التَّشديدات بما لا يثبت في حق المة فكذا ها هنا. واعلم أنه يمكن أن يقال في المسألة وجه آخر، وهو أنه - تعالى - لما قال: ﴿وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة﴾ [الأعراف: 19] فهم آدم - عليه الصَّلاة والسَّلام - من هذا النهي أنهما إنما نُهِيَا حال اجتماعهما؛ لأن قوله: «وَلاَ تَقْرَبَا» نهي لهما عن الجمع، ولا يلزم من حصول النهي حال الاجتماع حصوله حال الاجتماع حال الانفراد، فلعل الخطأ في الاجتهاد إنما وقع من هذا الوجه. قوله: ﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ «الفاء» - هنا - فاء السببية. وقال المَهْدَويّ: إذا جعل «فأزلهما» بمعنى زلَّ عن المضكَان كان قوله: ﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ توكيداً، إذ قد يمكن أن يزولا عن مكان كانا فيه إلى مكان آخر، وزهذا الذي قال المَهْدَوِيّ أشبه شيء بالتأسيس لا التأكيد، لإفادته معنى جديداً. قال «ابن عطية» : وهنا محذوف يدلّ عليه الظاهر تقديره: فأكلا من الشَّجرة، يعني بذلك أن المحذوف [يقدر] قبل قوله: «فَأَزَلَّهُمَا» . و «مَمَّا كَانَا» متعلّق ب «اخرج» ، و «ما» يجوز أن تكون موصولة اسمية، وأن تكون نكرة موصوفة، أي: من المكان أو النعيم الَّذِي كانا فيه، أو من مكان، أو نعيم كانا فيه، فالجملة من «كان» واسمها وخبرها لا مضحَلّ لها على الأوّل ومحلّها الجَرّ على الثاني، و «من» لابتداء الغابة. فصل في قصة الإغواء روي عن ابن عبّاس، وقتادة قال الله تعالى لآدم: أَلَمْ يك فيما أبحتك الجَنّة مَنْدُوحَة عن الشَّجَرة، قال: بلى يا رَبّ وعزّتك، ولكن ما ظننت أن احداً يحلف بك كاذباً قال: فبعزّتي لأهبطنّك إلى الأرض، ثم لا تَنَالُ العيش إلا كدّاً، فأهبطا من الجنة، فكانا يأكلان فيها رغداً فعلم [صنعة] الحديد، وامر بالحَرْثِ فحرث وزرع وسقى، حتى إذا بلغ حصد، ثم دَاسَهُ، ثم ذَرَاه، ثم طحنه، ثم خبزه، ثم أكله، فلم يبلغه حتى بلغ منه ما شاء الله تعالى. ويروي أن «إبليس» أخذ من الشجرة التي نهى آدم - عليه الصَّلاة والسَّلام - عنها فجاء بها إلى حَوّاء فقال: انظري إلى هذه الشَّجرة ما أطيب ريحها، وأطيب طعمها، وأحسن لَوْنَهَا، فلم يزل يغويها حتى أخذتها فأكلتها وقالت لآدم: كُلْ فإني قد أكلت فلم تضرني، فأكل منها فبدت لهما سَوْآتهما، [وبقيا] عرايا، فطلبا ما يستتران به، فتباعدت الأشجار عنهما، وبكّتوه بالمعصية، فرحمته شجرة التين، فأخذ من وَرقها، فاسْتَتَرُوا به فَبُلِيَ بالعُرْيِ دون الشجر. وقيل لحواء: كما أدميت الشجرة، فذلك يصيبك الدّم كلّ شهر، وتََحْمِلين وتَضَعِيِن كرهاً، وتُشْرفين [به] على المضوْتِ، وزاد الطبري والنَّقاش، وتكونين سفيهةً وقد كنت حليمةً [ولعنت] الحية وردّت قوائمها في جَوْفِهَا، وجعلت العداوة بينها وبين بني آدم، ولذلك أمرنا بِقِتْلِهَا. قوله: ﴿اهبطوا﴾ جملة أمرية في محلّ نصب بالقول قبلها، وحذفت الألف من «اهبِطُوا» في اللفظ؛ لأنها ألف وصل، وحذفت الألف من «قلنا» في اللفظ؛ لسكونها وسكون الهاء بعدها. وقرئ: «اهْبُطُوا» بضم الباء، وهو كثير في غير المتعدّي. وأما الماضي ف «هَبَطَ» بالفتح فقط، وجاء في مضارعه اللّغتان، والمصدر «الهبوط» بالضم، وهو النزول. وقيل: الانتقال مطلقاً. وقال المفضل: الهبوط: الخروج من البلد، وهو - أيضاً - الدخول. وفيه نظر: لأن «إبليس» حين أَبَى عن السُّجود أخرج من الجنة لقوله تعالى: ﴿فاهبط مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾ [الأعراف: 13] وقوله: ﴿فاخرج مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ [الحجر: 34] وزلة آدم وحَوّاء إنما وقعت بعد ذلك بمدّة طوسلة، فكيف يكون متناولاً له فيها وهو من الأضداد؟ والضمير في «اهبطوا» الظاهر أنه لجماعة، فقيل: لآدم وحواء والحيّة وإبليس. وقيل: لهما وللحيّة. وفيه بعد؛ لأنّ المكلفين بالإجماع هم المَلاَئكة والجنّ والإنس. وقيل: لهما وللوسوسة. وفيه بعد. وقيل: لبني آدم وبني إبْلِيِسَ، وهذا وإن كان نقل عن «مُجَاهد والحَسَن» لا ينبغي أن يقال؛ لأنهما لم يولد لهما في الجنة بالاتفاق. وقال الزَّمَخْشَرِيّ: إنه يعود لآدم وحواء، والمراد هما وذرّيتهما؛ لأنهما لما كانا أصل الإنس ومتشعّبهم جعلا كأنهما الإنس كلهم، ويدلّ عليه: ﴿قَالَ اهبطا مِنْهَا جَمِيعاً﴾ [طه: 123] . وهذا ضعيف؛ لأن الذّرية ما كانوا موجودين في ذلك الوَقْتِ، فكيف يتناولهم الخطاب؟ أما من زعم ان أقل الجمع اثنان، فلا يرد عليه شيء من هذا. قوله: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ هذه جملة من مبتدأ وخبر، وفيها قولان: أصحهما: أنها في محل نصب على الحال، أي اهبطوا متعادين. والثاني: أنها لا محل لها؛ لأنها استئناف إخبار بالعداوة. وأفرد لفظ «عدو» وإن كان المراد به جمعاً لأحد وجهين: إما اعتباراً بلفظة «بعض» فإنه مفرد، وإمّا لأن «عدوَّا» أشبه بالمَصادر في الوزن ك «القَبُول» ونحوه. وقد صرح «أبو البقاء» بأن بعضهم جعل «عدوّا» مصدراً، قال: وقيل: «عدو» مصدر ك «القبول والولوع» ، فلذلك لم يجمع. وعبارة «مكي» قريبة من هذا. فإنه قال: وإنما وحد وقبله جمع؛ لأنه بمعنى المصدر، تقديره: «ذوي عداوة» ونحوه: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لي﴾ [الشعراء: 77] و ﴿هُمُ العدو فاحذرهم﴾ [المنافقون: 4] . واشتقاق العدو من «عدا» - «يعدو» : إذا ظلم. وقيل: من «عَدَا» - «يَعْدُو» : إذا جاوز الحق، وهما متقاربان. وقيل: من عَدْوَتَي الجبل، وهما طَرَفَاه، فاعتبروا بعد ما بينهما. ويقال: عدْوَة، وقد يجمع على «اعداء» . فأما حصول العداوة بين آدم ولإبليس فلقوله تعالى: ﴿ياآدم إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ [طه: 117] ، وقوله: ﴿إِنَّ الشيطان لَكُمْ عَدُوٌّ فاتخذوه عَدُوّاً﴾ [فاطر: 6] . وأما عداوة الحَيّة فلما نقله أهل التفسير من إدخاله إبليس في فِيِها، وقوله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «اقتلوا الحَيَّات صَغِيرَهَا وكَبِيرَهَا وأَبْيَضَهَا وأَسْوَدَهَا، فإن من قتلها كانت له فِدَاءً من النار ومن قَتَلَتْهُ كان شهيداً» . وما كان من الحيات في البيوت فلا يُقْتَل حتى يؤذن ثلاثة أيام؛ لقوله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إن بالمَدِينَةِ جِنَّا قد أسلموا، فإذا رَأَيْتُمْ منهم شيئاً فآذنوه ثلاثة أيام، فإن بَدَا لكم بعد ذلك فَاقْتُلُوه فإنما هو شَيْطَان» . وفي رواية: «إنَّ لهذه البيوت عَوَامِرَ فإذا رَأَيْتُمْ شيئاً منها فَحَرَّجُوا عليها ثلاثاً، فإن ذهب وإلا فَاقْتُلُوهُ فإنه كافر» . وصفة الإنذار أن يقول: أنذرتكم بالعَهْدِ الذي أخذه عليكم سليمان - عليه الصَّلاة والسَّلام - أن تخرجوا. واما كون الجنّ حيات فلقوله عليه الصَّلاة والسَّلام: «الجنّ على ثَلاَثَةِ أثْلاثِ فثُلُثٌ لَهُمْ أَجْنِحَةٌ يِطِيرُونَ في الهَوَاءِ، وثُلث حَيَّت وكِلاَب، وثُلُث يَحلُّونَ وَيَظْعَنُونَ» . واللاَّم في «لِبَعْضٍ» متعلقة ب «عدو» ، فلما قدم عليه انتصب حالاً، فتتعلق اللام حينئذٍ بمحذوف، وهذه الجملة الحالية لا حاجة إلى ادّعاء حذف «واو» الحال منها؛ لأن الرَّبْطَ حصل بالضمير، وإن كان الكثر في الجمل الاسمية الواقعة حالاً أن تقترن بالواو. و «البعض» في الأصل مصدر بَعضَ الشيء يَبْغَضُهُ، إذا قطعه فأطلق على القطعة من النَّاس؛ لأنها قطعة منه، وهو مقابل «كلاًّ» ، وحكمه حكمه في لزوم الإضَافَةِ معنى، وأنه معرفة بنيّة الإضافة فلا تدخل عليه «أل» وينتصب عنه الحال؛ تقول: «مررت ببعض جالساً» وله لفظ ومعنى، وقد تقدم تقرير ذلك. تنبيه من قال: إن جنّة آدم كانت في السماء فسّر الهبوط بالنزول من العُلُو إلى أسفل، ومن قال: إنها كانت في الأرض فسره بالتحوّل من مكان إلى آخر كقوله: ﴿اهبطوا مِصْراً﴾ [البقرة: 61] . هذه الجملة يجوز فيها الوجهان المتقدّمان في الجملة قبلها من الحالية، والاستئناف كأنه قيل: اهبطوا مثَُعَادين، ومستحقين الاستقرار. و «لكم» خبر مقدم. و «في الأرض» متعلّق بما تعلّق به الخبر من الاستقرار. وتعلقه به على وجهين: أحدهما: أنه حال. والثاني: أنه غير حال، بل كسائر الظروف، ويجوز أن يكون «في الأرض» هو الخبر، و «لكم» متعلّق بما يتعلّق به هو من الاستقرار، لكن على أنه غير حال؛ لئلا يلزم تقديم الحال على عاملها المعنوي، على أن بعض النحويين أجاز ذلك إذا كانت الحال نفسها ظرفاً، أو حرف كهذه الآية، فيكون في «لكم» أيضاً الوجهان، قال بعضهم: ولا يجوز أن يكون «في الأَرْض» متعلّقاً ب «مستقر» ، سواء جعل مكاناً أو مصدراً؛ اما كونه مكاناً فلأن أسماء الأمكنة لا تعمل، وأما كونه مصدراً فلأن المَصْدَرَ الموصول لا يجوز تقديم معمول عليه. ولقائل ان يقول: هو متعلّق به على أنه مصدر، لكنه غير مؤول بحرف مَصْدَرِيّ، بل بمنزلة المصدر في قولهم: «لَهُ ذَكَاءُ الحُكَمَاءِ» وقد اعتذر صاحب هذا القَوْلِ بهذا العذر نفسه في موضع آخر مثل هذا. و «إلى حِينَ» الظَّاهر أنه متعلّق ب «متاع» ، وأن المسألة من باب الإعمال؛ لأن كل واحد من قوله: «مستقر ومَتَاع» يطلب قوله: «إلى حِين» من جهة المعنى. وجاء الإعمال هُنضا على مختار البَصْريين، وهو إعمال الثَّاني وإهمال الأول، فلذلك حذف منه، والتقدير: ولكم في الأرض مستقرّ إليه، ومتاع إلى حين، ولو جاء على إعمال الأول لأضمر في الثاني. فإن قيل: من شرط الإعمال أن يصحّ تسلّط كل من العاملين على المعمول، و «مستقر» لا يصحّ تسلّطه عليه لئلاّ يلزم الفصل بين المَصْدَر ومعموله، والمصدر بتقدير الموصول. فالجواب: أن المحذور في المصدر الذي يُرَاد به الحدث، وهذا لم يرد به حَدَث، فلا يؤول بموصول، وأيضاً فإنّ الظرف وشبهه فيه رَوَائِح الفعل حتى الأعلام؛ كقوله: [الرجز] 406 - أَنَا ابْنُ مَاوِيَّةَ إذْ جَدَّ النَّقُرْ ... و «مستقر» يجوز ان يكون اسم مكان، وأن يكون اسم مصدر، «مستفعل» من القَرَار، وهو اللَّبْثُ؛ ولذلك سميت الأرض قراراً؛ قال: [الكامل] 407 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . ... فَتَرَكْنَ كُلَّ قَرَارِةِ كَالدِّرْهَمِ ويقال: استقر وَقَرَّ بمعنى واحد. قال قوم: «المُسْتَقَرّ» : حالتا الحياة والموت، وروى السّدي عن ابن عباس أن المُسْتَقَرّ هو القبر، والأول أولى؛ لأنه - تعالى - قرن به المَتَاع من الأكل والشرب وغيره، وذلك لا يليق إلا بِحَالِ الحَيَاة؛ ولأنه خاطبهم بذلك عند الإهباط، وذلك يقتضي الحياة والمَتَاع.: واختار أبو البَقَاء أن يكون «إلى حين» في مَحَلّ رفع صفة ل «متاع» . و «المتاع» : البُلْغَة مأخوذة من متع النهار، أي: ارتفع. وقال أبو العباس المقرئ: و «المتاع» على ثلاثة أوجه: الأول: بمعنى «العيش» كهذه الآية. الثاني: بمعنى: «المَنْفَعَة» قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البحر وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَّكُمْ﴾ [المائدة: 96] أي: منفعة لكم ولأنعامكم. الثالث: بمعنى «قليل» قال تعالى: ﴿وَمَا الحياة الدنيا فِي الآخرة إِلاَّ مَتَاعٌ﴾ [الرعد: 26] أي: قليل. و «الحين» : القطعة من الزمان طويلةً كانت او قصيرةً، وهذا هو المشهور. وقيل: الوقت البعيد ويقال: عاملته مُحَايَنَةً، من الحِينِ، وَأَحْنَيْتُ بِالمَكَانِ: إِذا أقمت بهِ حيناً. وحان حين كذا، أي: قرب؛ قالت بُثَيْنَةُ: [الطويل] 408 - وإِنَّ سُلوِّي عَنْ جَمِيلٍ لسَاعَةٌ ... مِنَ الدَّهْرِ مَا حَانَتْ وَلاَ حَانَ حِينُها وقال بعضهم: تزاد عيه التاء فيقال: «تَحِينَ قُمْتَ» ، وسيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى، وأنشد على زيادة التاء قوله: [الكامل] 409 - أَلعَاطِفُونَ تَحِينَ مَا مِنْ عَاطِفٍ ... والمُطْعِمُونَ زَمَانَ أَيْنَ المُطْعِمُ فصل في المراد بالحين واختلفوا في «الحِيْنِ» على أقوال فقالت فرقة: إلى الموت. وقيل: إلى قيام السَّاعة، فالأوّل قول من يقول: المستقرّ هو البَقَاء في الدُّنيا. والثَّاني قول من يقول: المستقر هو في القبور. وقيل: الحين: الأَجَلْ، والحين، المدّة، قال تعالى: ﴿هَلْ أتى عَلَى الإنسان حِينٌ﴾ [الإنسان: 1] . والحين: الساعة، قال تعالى: ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى العذاب﴾ [الزمر: 58] والحِينُ ستة أشهر، قال تعالى: ﴿تؤتي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ [إبراهيم: 25] وقيل: الحين: اسم كالوقت يصح لجميع الأزمان كلّها طالت أم قصرت. فصل في هبوط آدم ومن معه يروي أن آدم أهبط ب «سرنديب في الهند» بجبل يقال له «نود» ، ومعه ريح الجنة فعلق بشجرها، وأوديتها، فامتلأ ما هنالك طيباً، فمن ثم يؤتى بالطّيب من ريح آدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ. وكان السَّحَاب بمسح رَأْسَهُ فأصلع، فأورث ولده الصلع. روى البُخَارِي عن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «خَلَقَ اللهُ آدَمَ وطولِهِ سِتُّونَ ذِراعاً» . وأهبطت حواء ب «جدّة» وإبليس ب «الأبلة» و «الأبلة» موضع من «البصرة» على أميال، والحية ب «بيسان» . وقيل: ب «سجستان» ، وقيل: ب «أصفهان» ، ولولا أن العِرْبدِّ يأكلها ويغني كثيراً منها لخلت «سجستان» من أجل الحيات. [ذكره أبو الحسن المسعودي] .

البقرة 2:37

الفاء في قوله: «فتلقى» عاطفة لهذه الجملة على ما قبلها، و «تلقى» «تفعل» من اللِّقاء بمعنى المجرد. وله معانٍ أخر: مطاوعة «فعل» نحو: «كسرته فتكسر» . والتكلّف نحو «تحلّم. والصيرورة: تَأَلَّمْ. واتخاذُ: نحو: تَبَنَّيْتُ الصبي، أي: اتخذته ابناً. ومُواصَلَةِ العمل في مُهْلَة نحو، تجرّع وتفهم. ومُوافقة استفعل نحو: تكبر. والتوقُّع نحو: تخوّف. والطَّلب نحو: تنجزّ حاجته. والتكثير نحو: تغطَّيت بالثياب. والتلبُّس بالمُسَمَّى المُشْتَقْ منه نحو: تقمّص، أو العمل فيه نحو: تسخّر. والختل: نحو: تغفلته. وزعم بعضهم أن أصل» تَلَّقَّى» : «تَلَقَّنَ» بالنون فأبدلت النون الفاً، وهذا غلط؛ لأن ذلك إنما ورد في المضعّف نحو» قَصَصْتَ «و» تَظَنَّنْتُ» ، و «أمْلَلْتُ» فأحد الحرفين إنما يقلب ياء إذا تجانسا. قال القَفَّال: أصل التلقّي هو التعرُّض للقاء، ثم وضع في موضع الاستقبال للمتلقِّي، ثم يوضع القبول والأخذ، قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى القرآن مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: 6] ويقال: خرجنا نتلقى [الحاجَّ] ، أي: نستقبلهم، وكان - عليه الصَّلاة والسَّلام - يتلقَّى الوحي، أي: يستقبله ويأخذه. وإذا كان هذا أصل الكلمة، وكان من تلقى رجلاً فتلاقيا لقي كل واحد صاحبه، فأضيف الاجتماع إليهما معاً صلح أن يشتركا في الوَصْفِ بذلك، تلقَّى آدمَ بالنَّصب على معنى جاءته عن الله - تعالى - كلمات، و «من ربه» متعلّق ب «تلقى» ، و «من» لابتداء الغاية مجازاً. وأجاز أبو البَقَاءَ أن يكون في الأصل صفة ل» كلمات «فلما قدم انتصب حالاً، فتصبح نسبة الفعل إلى كلّ واحد. وقيل: لما كانت الكلمات سبباً في توبته جعلت فاعلة، ولم يؤنث أنَ مَنْ تلقَّاك فقد تلقيته، فتصبح نسبة الفعل إلى كلّ واحد. وقيل: لما كانت الكلمات سبباً في توبته جعلت فاعلة، ولم يؤنث الفعل على هذه القراءة وإن كان الفاعل مؤنثاً؛ لأنه غير حقيقي، وللفصل أيضاً، وهذا سبيل كل فعلٍ فصل بينه وبين فاعله المؤنثّ بشيء، أو كان الفاعل مؤنثاً مجازياً. فصل في الكلمات التي دعا بها آدم ربه اختلفوا في تلك الكلمات ما هي؟ فروى» سعيد بن جبير «رضي الله أن آدم - عليه الصَّلاة والسَّلام - قال: يا ربّ ألم تخلقني بِيَدِكَ بلا وَاسِطَةٍ؟ قال: بلى، قال: يا رب أَلَمْ تنفخ فِيَّ من رُوحِكَ؟ قال: بلى. قال: ألم تُسْكِني جنتك؟ قال: بلى. قال: يا ربّ ألم تسبق رحمتك غَضَبَكَ؟ قال: بلى. قال يا رب إن تُبْتُ وأصلحت تردّني إلى الجنة؟ قال: بلى. فهو قوله: ﴿فتلقى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ . وزاد السّدى فيه: يا ربّ هل كنت كتبت علي ذنباً؟ قال: نعم. وقال النَّخعي: أتيت ابن عباس فقلت: ما الكلمات التي تلقى آدم من ربه؟ قال: علّم الله آدم أمر الحجّ فحجا، وهي الكلمات التي تقال في الحجّ، فلما فرغا الحجّ أوحى الله - تعالى - إليهما قبلت توبتكما. وروي عن ابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير، والضحاك، ومجاهد، وقتادة في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين﴾ [الأعراف: 23] ، وعن مجاهد أيضاً: «سبحانك اللهم لا إله إلاَّ أنت ظلمتني فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم» . وقالت طائفة: رأي مكتوباً على ساق العرش: محمد رسول الله، فشفّع بذلك. وعن ابن عباس، ووهب بن منبّه أن الكلمات سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت علمت سوءاً، وظلمت نفسي [فاغفر لي إنك خير الغافرين، سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت عملت سوءاً، وظلمت نفسي] فتب عليّ إنك أنت التَّوَّاب الرحيم» . قالت عائشة رَضِيَ اللهُ عَنْها: لما أراد الله أن يتوبَ على آدم، وطاف بالبيت سبعاً - والبيت حينئذ ربوة حمراء - فلما صلّى ركعتين استقبل البيت، وقال: «اللهم إنك تعلم سرِّي وعلانيتي، فأقبل مَعْذِرَتِي، وتعلم حاجتي فأعطني سؤلي، وتعلم ما في نفسي فاغفر لي ذنوبي، اللهُمّ إني أسألك إيماناً يُبَاشِرُ قلبي، ويقيناً صادقاً حتى أعلم أنه لن يصيبني إلاَّ ما كتبت لي ورضِّني بما قسمت لي» فأوحى الله - تعالى - إلىَ آدم يا آدم قد غفرت لك ذنوبك، ولن يأتي أحد من ذريّتك فيدعوني بمثل الذي دعوتني إلاَّ غفرت ذنبه، وكشفت هُمُومه وغمومه، ونزعت الفَقْرَ من عينيه، وجاءته الدُّنيا وهو لا يريدها» . قوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ عطف على ما قبله، ولا بُدَّ من تقدير جملة قبلها أي: فقالها. و «الكلمات» جمع «كلمة» وهي: اللَّفظ الدَّالُ على معنى مفرد، وتطلق على الجمل المفيدة مجازاً تسمية للكلّ باسم الجزء كقوله تعالى: ﴿إلى كَلَمَةٍ سَوَآءٍ﴾ [آل عمران: 64] ثم فسرها بقوله: ﴿أَلاَّ نَعْبُدَ﴾ [آل عمران: 64] إلى آخر الآية، وقال: ﴿كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ﴾ [المؤمنون: 100] يريد قوله: ﴿رَبِّ ارجعون﴾ [المؤمنون: 99] إلى آخره، وقال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أَصْدَقُ كلمةٍ قالها شَاعِرٌ كلمة لَبِيِد» وهو قوله: [الطويل] 410 - أَلاَ كُلَّ شَيءٍ مَا خَلاَ اللهَ بَاطِلُ ... وَكُلَُ نَعِيمٍ لاَ مَحَالَةَ زَائِلُ فسمى هذا البيت كلمةً، والتوبة: الرجوع، ومعنى وصف الله - تعالى - بذلك أنه عبارةٌ عن العَطْفِ على عباده، وإنقاذهم من العذاب. وقيل: قبول توبته. وقيل: خلقه الإنابة والرجوع في قلب المسمى، وآخر الطَّاعات على جَوَارحه، ووصف عن العَطْفِ على عباده، وإنقاذهم من العذاب. وقيل: قبول توبته. وقيل: خلقه الإنابة والرجوع في قلب المسمى، وآخر الطَّاعات على جَوَارِحِه، ووصف العَبْدِ بها ظاهر؛ لأنه يرجع عن المعصية إلى الطاعة. و «التواب الرحيم» صفتا مُبَالغة، ولا يختصَّان بالباري تعالى. قال تعالى: ﴿يُحِبُّ التوابين﴾ [البقرة: 222] ، ولا يطلق عليه «تائب» ، وإن صرح بفعله مسند إليه تعالى. وقدم «التواب» على «الرحيم» لمناسبة «فتاب عليه» ، ولأنه مناسب لختم الفواصل بالرحيم. وقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ التواب الرحيم﴾ نظير قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ العليم الحكيم﴾ [البقرة: 32] . وأدغم أبو عمرو هاء «إنَّه» في هاء «هُوَ» ، واعترض على هذا بأنّ بين المثلين ما يمنع من الإدغام وهو «الواو» ؛ واجيب: بأن «الواو» وُصْلَةٌ زائدةٌ لا يعتدّ بها؛ بدليل سقوطها في قوله: [الوافر] 411 - لَهُ زَجلٌ كأَنَّهُ صَوْتُ حَادٍ ... إذَا طَلَبَ الوَسِيقَةَ أَوْ زِميرُ وقوله: [البسيط] 412 - أوْ مُعْبَرُ الظَّهْرِ يُبْنِي عَنْ وَلِيَّتِهِ ... مَا حَجَّ رَبَّهُ في الدُّنْيَا وَلاَ اعْتَمَرَا والمشهور قراءة «إنه» بكسر «إن» ، وقرئ بفتحها على تقدير لام العلّة، وقرأ الأعمش: «آدَم مِّنْ رَبِّهِ» مدغماً. فصل في نظم الآية قوله: «فتاب عليه» أي: قبل توبته، أو وفقه للتوبة، وكان ذلك في يوم عاشوراء في يوم الجُمُعَة. فإن قيل: لم قال «عليه» ولم يقل: «عليهما» ، وحواء مُشَاركة له في الذنب. فالجواب: انها كانت تبعاً له كما طوى حكم النِّسَاء في القرآن والسُّنة. وقيل: لأنه خصّه بالذكر في أوّل القصّة بقوله: ﴿اسكن﴾ [البقرة: 35] ، فكذلك خصّه بالذكر في التلقّي. وقيل: لأن المرأة حرمة ومستورةٌ، فأراد الله السّتر بها، ولذلك لم يذكرها في القصّة في قوله: ﴿وعصىءَادَمُ رَبَّهُ فغوى﴾ [طه: 121] .

البقرة 2:38

كرر قوله: «قلنا: اهبطوا» ؛ لأن الهبوطين مختلفان باعتبار تعلّقهما، فالهبوط الأوّل علّق به العداوة، والثاني علّق به إتيان الهدى. وقيل: لأن الهبوط الأول من الجنّة إلى السماء، والثاني من السماء إلى الأرض. واستبعده بعضهم لوجهين: الأول: لقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الأرض مُسْتَقَرٌّ﴾ [البقرة: 36] وذكر هذا في الهبوط الثَّاني أولى. وهذا ضعيف؛ لأنه يجوز أن يراد: ولكم في الأرض مستقرّ بعد ذلك. وثانيهما: أنه قال في الهُبُوط الثَّاني: «اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً» ، والضمير في «منها» عائد إلى «الجنّة» وذلك يقتضي كون الهُبُوط الثاني من الجنّة. قال «ابن عطية» وحكى «النَّقَّاش» أن الهبوط الثَّاني إنما هو من الجنّة إلى السّماء، والأولى في ترتيب الآية إنما هو إلى الأرض، وهو الآخر في الوقوع. وقيل: كرّر على سبيل التاكيد نحو قولك: «قم قم» . والضَّمير في «منها» يعود على الجنّة، أو السَّماء. قال «ابن الخطيب» : وعندي فيه وجه ثَالثٌ، وهو أن آدم لما أتيا بالزِّلَّة أمرا بالهبوط، فتابا بعد الأمر بالهبوط، فأعاد الله الأمر بالهبوط مَرّةً ثانيةً ليعلما أن الأمر بالهبوط ما كان جزاء على ارتكاب الزِّلَّة حتى يزول بزوالها، بل الأمر بالهبوط باق بعد التوبة؛ لأن الأمر به كان تحقيقاً للوَعْدِ المتقدّم في قوله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30] . قوله: «جميعاً» حال من فاعل «اهْبِطُوا» أي: مجتمعين: إما في زمان واحدٍ، أو في أزمنة متفرقة؛ لأن المُرَاد الاشتراك في أصل الفعل، وهذا هو الفرق بين «جاءوا جميعاً» ، و «جاءوا معاً» ، فإن قوك: «معاً» يستلزم مجيئهم جميعاً في زمن واحد، لما دلّت عليه «مع» من الاصْطِحَاب بخلاف «جميعاً» فإنها لا تفيد إلا أنه لم يتخلّف أحد منهم عن المجيء من غير تعرُّض لاتحاد الزمان. و «جميع» في الأَصْلِ من ألفاظ التَّوكيد، نحو: «كل» ، وبعضهم عدها معها. وقال: «ابن عطية» : و «جميعاً» حال من الضمير في «اهبطوا» ، وليس بمصدر ولا اسم فاعل، ولكنه عوض منهما دالّ عليهما، كأنه قال: هبوطاً جميعاً أو هابطين جميعاً، كأنه يعني ان الحال في الحقيقة محذوف، وأن «جميعاً» تأكيد له، إلاَّ أن تقديره بالمصدر ينفي جعله حالاً إلا بتأويل لا حَاجَةَ إليه. وقال بعضهم: التَّقْدِير: قلنا: اهبطوا مجتمعين، فهبطوا جميعاً، فحذف الحال من الأول لدلالة الثَّني عليه، وحذف العامل من الثاني لدلالة الول عليه، وهذا تكلّف لم تدع إليه الضرورة. قوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ﴾ الفاء مرتبة معقبة. و «إمّا» أصلها: أن الشرطية زيدت عليها «ما» تأكيداً، و «يأتينكم» في مَحَلّ جزم بالشَّرْط؛ لأنه بني لاتصاله بنون التوكيد. وقيل: بل هو معرب مطلقاً. وقيل: مبني مطلقاً. والصّحيح: التفصيل: إن باشرته كهذه الآية بني، وإلا أعرب، نحو: هل يَقُومَانِ؟ وبني على الفَتْحِ طلباً للخفّة، وقيل: بل بني على السُّكون، وحرك بالفتح لالتقاء السَّاكنين. وذهل الزجاج والمبرد إلى أن الفعل الواقع بعد «إن» الشَّرطية المؤكِّدة ب «ما» يجب تأكيده بالنون، قالا: ولذلك لم يأت التَّنْزيل إلاّ عليه، وذهب سيبويه إلى أنَّه جائز لا واجب؛ لكثرة ما جاء به منه في الشعر غير مؤكَّد، فكثرة مجيئه غير مؤكَّد يدلُّ على عدو الوجوب؛ فمن ذلك قوله: [الطويل] 413 - فَإِمَّا تَرَيْنِني كَابْنِةِ الرَّمْلِ ضَاحِياً ... عَلَى رِقَّةٍ أخْفَىَ وَلاَ أَتَنَعَّلُ وقولُ الآخر: [البسيط] 414 - يَا صَاحِ إمَّا تَجِدْنِي غَيْرَ دِي جِدةٍ ... فَمَا التَّخَلِّي عَنِ الخُلاَّنِ مِنْ شِيَمِي وقول الآخر: [المتقارب] 415 - فَإِمَّا تَرَيْنِي وَلِي لِمَّةٌ ... فَإنَّ الحَوادِثَ أوْدَى بِهَا وقول الآخر: [الكامل] 416 - زَعَمَتْ تُمَاضِرُ أنَّنِي إمَّا أَمُتْ ... يَسْدُدْ أُبَيْنُوهَا الأَصَاغِرُ خَلَّتِي وقال المهدوي: «إما» هي «إن» التي للشرط زيدت عليها «ما» ليصحّ دخول «النّون» للتوكيد في الفعل، ولو سقطت «ما» لم تدخل النّون، و «ما» تؤكّدا أول الكلام، والنون نؤكد آخره، وتبعه ابن عطية. وقال بعضهم: هذا الذي ذهبا إليه من أن النّون لازمة لفعل الشرط إذا وصلت «إن» ب «ما» هو مذهب المُبَرّد والزَّجَّاج، وليس في كلامهما ما يدلُّ على لزوم «النُّون» كما ترى، غاية ما فيه أنهما اشترطا في صحّة تأكيده بالنون زيادة «ما» على «إن» ، أما كون التوكيد لازماً، وغير لازم، فلم يتعرضا له، وقد جاء تأكيد الشرط بغير «إن» ؛ كقوله: [الكامل] 417 - مَنْ يُثْقَفَنْ مِنْهُمْ فَلَيْسَ بِآئِبِ ... أبَداً وَقَتَلُ بَنِي قُتَيْبَةَ شَافِي و «مني» متعلق ب «يأتين» وهي لابتداء الغاية مجازاً، ويجوز أن تكون في محل حال من «هدى» لأنه في الأصل صفة نكرة قدم عليها، وهو نظير ما تقدم في قوله: ﴿مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: 37] . و «هدى» فاعل، والفاء مع ما بعدها من قوله: ﴿فَمَن تَبِعَ هُدَايَ﴾ جواب الشرط الأول، والفاء في قوله: ﴿فَلاَ خَوْفٌ﴾ جواب الثَّاني. وقد وقع الشَّرْط الثاني وجوابه جواب الأول، ونقل عن «الكسائي» أن قوله: «فَلاَ خَوْفٌ» جواب الشَّرطين معاً. قال: ابن عطية «بعد نقله عن» الكِسَائي» ذلك: هكذا حكي، وفيه نظر، ولا يتوجّه أن يخالف سيبويه هنا، وإنما الخِلاَفُ في نحو قوله: ﴿فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ المقربين فَرَوْحٌ﴾ [الواقعة: 88، 89] فيقول سيبويه: جواب أحد الشرطين محذوف، لدلالة قوله: «فروح» عليه. ويقول الكوفيون: «فروح» جواب الشرطين، وأما في هذه الآية، فالمعنى يمنع أن يكون «فلا خوف» جواباً للشرطين. وقيل: جواب الشرط الأوّل محذوف تقديره: «فإمّا يأتينكم منّي هُدىً فاتبعوه» وقوله: «فمن تبع» جملة مستقلة [وهو بعيد أيضاً] . فصل في المراد بالهدى اختلف في «الهُدَى» فقال «السّدي» : كتاب الله، وقال قوم: الهدى الرّسل، وهذا إنما يتم لو كان المُخَاطب بهذا الكلام آدم وبنيه، فالرُّسل إلى آدم من الملائكة، وإلى بنيه من البشر. وقيل: المراد من الهُدَى كل دلالة وبيان. وقيل: التوفيق للهداية. وفي قوله: «مني هُدىً» إشارة إلى أن أفعال العباد خلق الله تعالى. و «من» يجوز أن تكون شرطية، وهو الظاهر، ويجوز أن تكون موصولة، ودخلت الفاء في خبرها تشبيهاً لها بالشرط، ولا حاجة إلى هذا، فإن كانت شرطية كان «تبع» في محل جزم، وكذا «فلا خوف» لكونهما شرطاً وجزاء، وإن كانت موصولةً فلا مَحَلّ ل «تبع» ، وإذا قيل بأنها شرطية فهي مبتدأ أيضا، وفي خبرها خلاف مشهور. والأصح أنه فعل الشرط، بدليل أنه يلزم عود ضمير من فعل الشرط اسم الشرط، ولا يلزم ذلك في الجواب، تقول: «من يقم أكرم زيداً» ، فليس في «أكرم زيداً» ضمير يعود على «من» ولو كان خبراً للوم فيه ضمير. ولو قلي: «من يقم زيداً أكرمه» وأنت تعيد الهاء على «من» لم يجز، لخلوّ فعل الشرط من الضمير. وقيل: الخبر الجواب، ويلزم هؤلاء أن يأتوا فيه بعائد على اسم الشرط، فلا يجوز عندهم: «من يقم أكرم زيداً» ولكنه جائز، هذا ما أورده أبو البقاء. وسيأتي تحقيق القول في لزوم عود الضَّمِيِر من الجواب إلى اسم الشَّرْط عند قوله: ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: 97] . وقيل: مجموع الشرط والجزاء هو الخبر، لأن الفائدة إنما تحصل بهما. وقيل: ما كان فيه ضمير عائد على المبتدأ، فهو الخبر والمشهور «هُدَايَ» ، وقرئ: «هُدَيَّ» بقلب الألف ياء، وإدغامها في ياء المتكلم، وهي لغة «هُذَيْل» ، يقولون في عَصَاي: عَصَيَّ، وقال شاعرهم: [الكامل] 418 - سَبَقُوا هَوَيَّ وأَعنَقوا لِهَواهُمُ ... فَتُخُرِّمُوا وَلِكُلِّ جَنْبٍ مَصرَعُ كأنهم لما لم يصلوا إلى ما تستحقه ياء المتكلّم من كسر ما قبلها لكونه ألفاً أتوا بما يجانس الكسرة، فقلبوا الألف ياء. نقل «النحاس» هذه العلّة عن الخليل وسيبويه وهذه لغة مطّردة عندهم إلاّ أن تكون الألف للتثنية، فإنهم يثبتونها: نحو: «جاء مسلماي، وغلاماي» . قوله: ﴿فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ قد تقدّم أنه يجوز أن يكون جواباً للشرط، فيكون في محلّ جزم، وأن يكون خبراً ل «من» إذا قيل بأنها موصولة، وهو أولى لمقابلته بالمَوْصُول في قوله: ﴿والذين كَفَرواْ﴾ [البقرة: 39] ، فيكون في محل رفع، و «لا» يجوز أن تكون عاملة عمل «ليس» فيكون «خوف» اسمها، و «عليهم» في محلّ نصب خبرها، ويجوز أن تكون غير عاملة، فيكون «خوف» مبتدأ» ، و «عليهم» في محلّ رفع خبره، وهذا أولى مما قبله لوجهين: أحدهما: أن عملها عمل» ليس «قليل، ولم يثبت إلاّ شيء محتمل، وهو قوله: [الطويل] 420 - وَحَلَّتْ سَوَادَ القَلْبِ لا أَنَا بَاغِيَا ... سِوَاهَا وَلاَ في حُبِّهَا مُتَرَاخِيَا ف» أَنَا «اسمها و» بَاغِيَا «خبرها. قيل: ولا حجّة فيه؛ لأن» بَاغِيَا «حال عاملها محذوف هو الخَبَرُ في الحقيقة تقديره: وَلاَ أَنَا أَرَى بَاغِياً، أو يكون التقدير: ولا أَرَى باغِيا، فلما حذف الفعل انفصل الضمير. وقرئ:» فَلاَ خَوْفٌ» بالرفع من غير تنوين، والأحسن فيه أن تكون الإضافة مقدّرة، أي: خوف شيء. وقيل: أنه على نِيَّةِ الألف واللام. وقيل: حذف التنوين تخفيفاً، وقرأ الزهري، والحسن وعيسى بن عمر، وابن أبي إسحاق، ويعقوب: «فَلاَ خَوْفَ» مبنياً على الفتح؛ لأنها» لا «التبرئة، وهي أبلغ في النَّفي، ولكن الناس رجَّحوا قراءة الرفع. قال» أبو البقاء» : لوجهين: أحدهما: أنه عطف عليه ما لا يجوز فيه إلاَّ الرفع، وهو قوله: «ولا هم» لأنه معرفة، و «لا» لا تعمل في المَعَارِف، فالأولى أن يجعل المعطوف عليه كذلك لِتَتَشَاكل الجملتان، ثم نظره بقولهم: «قام زيد وعمراً كلّمته» يعني في تَرْجيح النَّصْب في جملة الاشتغال للتشاكل. ثم قال: والوجه الثاني: من جهة المعنى، وذلك أن البناء يدلّ على نفي الخوف عنهم بالكلية، وليس المراد ذلك، بل المراد نفيه عنهم في الآخرة. فإن قيل: لم لا يكون وجه الرفع أن هذا الكلام مذكور في جزاء من اتبع الهُدَى، ولا يليق أن ينفى عنهم الخوف اليسير، ويتوهّم بثبوت الخوف الكثير. قيل: الرفع يجوز أن يضمر معه نفي الكثير، تقديره: ولا خوف كثير عليهم، فيتوهّم ثبوت القليل، وهو عكس ما قدر في السُّؤال، فبان أن الوجه في الرفع ما ذكرنا. قوله: «ولا هم يحزنون» تقدّم أنه جملة منفية، وأن الصَّحيح أنها غير عاملةٍ. و «يحزنون» في محلّ رفع خبر للمبتدأ، وعلى ذلك القَوْل الضَّعيف يكون في محلّ نصب و «الخوف» : الذُّعر والفَزَع، يقال: خاف يَخَاف خوفاً، فهو خائف، والأصل: خوف بوزن» علم «ويتعدّى بالهمزة والتضعيف، قال تعالى: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ﴾ [الإسراء: 60] ولا يكون إلا في الأمر المستقبل. والحُزْن: ضد السرور، وهو مأخوذ من» الحَزْن» ، وهو ما غلظ من الأرض، فكأنه ما غلظ من الهَمّ، ولا يكون إلا في الأمر الماضي، يقال: حَزِنَ يَحْزَنُ حُزْناً وَحَزَناً، ويتعدّى بالهمزة نحو: أَحْزَنْتُهُ، وحَزّنته بمعناه، فيكون «فعّل» و «أَفْعَل» بمعنى. وقيل: أَحْزَنَهُ حَصَّل له حزناً. وقيل: الفتحة مُعَدِّية للفعل: نحو: شترَتْ عينه وشَتَرها الله، وهذا يدل علة قول من يرى أن الحركة تعدّي الفعل، وقد قرئ باللغتين: «حَزَنَهُ وأَحْزنه» ، وسيأتي تحقيقهما إن شاء الله تعالى. فَصْلٌ في لغات «حزن» قال ابن الخطيب: قال اليزيدي: حَزَنَه لغة «قريش» ، وأَحْزَنَهُ لغة «تميم» ، وَحَزِنَ الرجل - بالكسر - فهو حَزِنٌ وحَزِينٌ، وأُحْزِنَ فهو مَحْزُونٌ، واحتَزَنَ وتَحَزَّنَ بمعنى. وهذه الجُمْلة مع اختصارها تجمع شيئاً كثيراً من المعاني؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى﴾ دخل فيه الإنعام بجميع الأدلّة العقليّة، والشرعية الواردات للبيان، وجميع ما لا يتمّ ذلك إلاّ به من العقل، ووجوه التمكُّن، وجميع قوله: ﴿فَمَن تَبِعَ هُدَايَ﴾ تأمل الأدلّة بنصّها والنظر فيها، واستنتاج المعارف منها، والعمل بها وجميع قوله: ﴿فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ جميع ما أعدَّ الله - تعالى - لأوليائه؛ لأن زوال الخوف يتضمّن السَّلامة من جميع الآفات، وزوال الحزن يقتضي الوصول إلى كل اللَّذَّات والمرادات، وقدم على الخَوْف على عدم الحزن؛ لأن زوال ما لا ينبغي مقدّم على طَلَبِ ما ينبغي وهذا يدلّ على أن المكلّف الذي أطاع الله - تَعَالَى - لا يلحقه خوف في القَبْرِ، ولا عند البَعْثِ، ولا عند حضور المَوْقِف، ولا عند تَطَايُرِ الكُتب، ولا عند نَصْب الموازين، ولا عند الصراط كما قال: ﴿لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الأكبر وَتَتَلَقَّاهُمُ الملائكة هذا يَوْمُكُمُ الذي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: 103] وقال قوم من المتكلّمين: إن أهوال القيامة كما تصل إلى الكُفّار والفسّاق تصل إلى المؤمنين لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ﴾ [الحج: 2] فإذا انكشفت تلك الأهوال، وصاروا إلى الجنّة والرضوان صار ما تقدّم كأن لم يكن، بل ربما كان زائداً في الالتذاذ بما يجده من النعيم، وهذا ضعيف؛ لأن قوله: ﴿لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الأكبر﴾ [الأنبياء: 103] أخص من قوله: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ﴾ [الحج: 2] والخاص مقدّم على العام. فإن قيل: هذا يقتضي نَفْيَ الخَوْفِ والحُزْن مطلقاً في الدنيا والآخرة، وليس الأمر كذلك؛ لأنهما حصلا في الدنيا للمؤمنين أكثر من حصولهما لغير المؤمنين قال عليه الصَّلاة والسَّلام: «خُصَّ البَلاَءُ بالأَنْبِيَاءِ، ثم الأَوْلِيَاءِ ثُمّ الأَمْثَل فالأمْثَل» . وأيضاً فالمؤمن لا يمكنه القطع بأنه أتى بالعَبَادات كما ينبغي، فخوف التقصير حاصلٌ وأيضاً فخوف سوء العاقبة حاصل. قلنا: قَرَائِنُ الكلام تدلّ على أنّ المراد نفيهما في الآخرة لا في الدنيا، ولذلك حكى الله عنهم أنهم قالوا حين دخلوا الجنة: ﴿الحمد للَّهِ الذي أَذْهَبَ عَنَّا الحزن﴾ [فاطر: 34] .

البقرة 2:39

لما وعد الله من اتبع الهدى بالأَمْنِ من العَذَاب والحزن عقبه بذكر كمن أعدّ له العَذَاب مثال الذين كفروا. و «الذين» مبتدأ وما بعدها صلة وعائد، و «بآياتنا» متعلّق ب «كذبوا» ، ويجوز أن تكون أن تكون الآية من باب الأعمال؛ لأن «كفروا» يطلبها، ويكون من إعمال الثَّاني للحذف من الأوّل، والتَّقدير: والذين كفروا بنا وكذّبوا بآياتنا. و «أولئك» مبتدأ ثان، و «أصحاب» خبره، والجملة خبر الأول، ويجوز أن يكون «أولئك» بدلاً من الموصول، أو عطف بيان له، و «أصحاب» خبر المبتدأ الموصول. وقوله: «هم فيها خالدون» جملة اسمية في محلّ نصب على الحال للتَّصريح بذلك في مواضع قال تعالى: «أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدينَ» . وأجاز «أبو البقاء» : أن تكون حالاً من «النار» قال: لأن فيها ضميراً يعود عليها، ويكون العامل فيها معنى الإضافة، أو اللاَّم المقدرة. وقد عرف ما في ذلك، ويجوز أن تكون في محل رفع خبر ل «أولئك» أيضاً، فيكون قد أخبر عنه بخبرين: أحدهما: مفرد وهو «أصحاب» . والثاني: جملة، وقد عرف ما فيه من الخلاف. و «فيها» متعلّق ب «خالدون» قالوا: وقد حذف من الكلام الأوّل ما أثبت في الثاني، ومن الثاني ما أثبت في الأول، والتقدير: فمن تبع هُدَاي فلا خوف ولا حُزْن يلحقه، وهو صاحب الجَنَّة، ومن كفر وكذب لحقه الخَوْفُ والحزن، وهو صاحب النار؛ لأنّ التقسيم يقتضي ذلك، ونظروه بقول الشَّاعر: [الطويل] 421 - وَإِنِّي لتَعْرُونِي لِذِكْرَاكِ هِزَّةٌ ... كَمَا انْتَفَضَ العُصْفُورُ بَلَّلَهُ القَطْرُ «والآية» لغة: العلامة؛ قال النَابغَةُ: [الطويل] 422 - تَوَهَّمْتُ آيَاتٍ لَهَا فَعَرَفْتُهَا ... لِسِتَّةِ أَعْوَامٍ وَذَا للعَامُ سَابِعُ وسميت آية القرآن [آية] ؛ لأنه علامة لانفصال ما قبلها عما بعدها، وقيل: سُمِّيَتْ بذلك؛ لأنها تجمع حروفاً من القرآن، فيكون من قولهم، «خَرَجَ بنُو فلاَنٍ بآيتِهِمْ» أي: بجماعتهم؛ قال: [الطويل] 423 - خَرَجْنَا مَنَ النَّقْبَيْنِ لاَ حَيَّ مِثْلُنَا ... بِآيَاتِنَا نُزْجِي اللِّقَاحَ المَطَافِلاَ واختلف النحويون في وزنها: فمذهب «سيبويه والخليل» أنها «فَعَلَة» والأصل: «أَيَيَة» - بفتح العين - تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت الفاً، وهو شاذّ؛ لأنه إذا اجتمع حرفا عِلّة أعلّ الأخير؛ لأنه محلّ التغيير نحو: هوى وحوى، ومثلها في الشّذوذ: «غَايَة، وطَايَة، وَرَايَة» . ومذهب «الكِسَائِيّ» أن أصلها: «آيِيَة» على وزن «فَاعِلَة» ، فكان القياس أن يدغم فيقال: آية ك «دابّة» ، إلاّ أنه ترك ذلك تخفيفاً، فحذوفوا عينها، كما خففوا «كَيْنُونة» والأصل: «كيّنونة» بتشديد الياء، وضعفوا هذا بأن «كيّنونة» أثقل فَنَاسب التَّخفيف بخلاف هذه. ومذهب «الفَرَّاء» أنها فَعْلَة «بسكون العين، واختاره أبو» البَقَاء «قال: لأنها من تايَّا القوم، إذا اجتمعوا، وقالوا في الجمع: آياء، فظهرت الياء الأولى، والهمزة الأخير بدل من ياء، ووزنه» أفعال «والألف الثانية بدل من همزة هي فاء الكلمة، ولو كانت عينها» واو «لقالوا في الجمع:» آواء «ثم إنهم قلبوا» الياء «الساكنة» ألفاً «على غير قياس. يعني: أن حرف العلّة لا يقلب حتى يتحرّك وينفتح ما قبله. وذهب بعض الكوفيين إلى أن وزنها» آيِيَة «بكسر العَيْنِ مثل» نَبِقَة «فَأُعِلّ، وهو في الشّذوذ كمذهب» سيبويه والخَليل «. وقيل: وزنها» فَعُلَة «بضم العَيْن، وقيل: أصلها: أَيَاة» بإعلال الثاني، فقلبت: بأن قدمت الازم، وأخرت العين، وهو ضعيف. فهذه ستة مذاهب لا يسلم واحد منها من شذوذ. فصل في معنى «الصحبة» الصّحبة: الاقتران بالشيء في حالة ما، في زمان ما، فإن كانت الملازمة والخُلْطة فهي كمال الصُّحبة.

البقرة 2:40

[اعلم] أنه لما أقام دلائل التوحيد، والنبوة، والمعاد أولاً، ثم عقبها بذكر الإنعامات العّامة لكل البشر عقبها بذكر الإنعامات الخاصّة على أسلاف اليَهُودِ استمالةٌ لقلوبهم، وتنبيهاً على ما يدلّ على نبوة «محمّد عليه الصَّلاة والسَّلام» من حيث كونها إخباراً عن الغيب، موافقاً لما كان موجوداً في التَّوْراة والإنجيل من غير تعلّم، ولا تتلمُذِ. قوله: «يَابَنِي» منادى منصوب وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكّر سالم، وحذفت نونه للإضافة، وهو شبيه بجمع التَّكسير لتغير مفرده، ولذلك عاملته العرب ببعض معاملة جمع التكسير، فألحقوا في فعله المسند إليه تاء التأنيث، نحو: «قالت بنو فلان» ، وقال الشاعر: [البسيط] 424 - قَالَتْ بَنُو عَامرٍ خَالُوا بَنِي أَسَدٍ ... يَابُؤْسَ لِلْجَهْلِ ضَرَّاراً لأَقْوَامِ وأعربوه بالحركات أيضاً إلحاقاً له به، قال الشاعر: [الوافر] 425 - وَكَانَ لَنَا أبُو حَسَنٍ عَليٌّ ... أَباً بَرًّا وَنَحْنُ لَهُ بَنِينُ [فقد روي بَنِينُ] برفع النون، وهل لامه ياء؛ لأنه مشتقّ من البناء؛ لأن الابن من فرع الأب، ومبنيٌّ عليه، أو واو؛ لقولهم: البُنُوًَّة كالأُبُوَّة والأُخُوَّة؛ قولان. الصَّحيح الأول، وأما البُنّوة فلا دلالة فيها؛ لأنهم قد قالوا: الفُتُوَّة ولا خلاف أنها من ذوات «اليَاءِ» . إلا أن «الأخفش» رجّح الثاني بأن حذف الواو أكثر. واختلف في وزنه فقيل: «بَنَيٌ» بفتح العين، وقيل: بَنْيٌ _ بسكونها، وقد تقدم أنه أحد الأسماء العَشْرة التي سكنت فاؤها وعوض من لامها همزة الوَصْل. و «إسرائيل» خفض بالإضافة، ولا ينصرف للعملية والعُجْمة، وهو مركّب تركيب الإضافة مثل: «عبد الله» فإن «إِسْرَا» هو العبد بلغتهم، و «إيل» هو الله تعالى. وقيل: «إسْرا» هو مشتقّ من الأسْر، وهو القوّة، فكان معناه الذي قَوَّاه الله. وقيل «إسْرَا» هو صفوة الله، و «إيل» هو الله. وقال القَفّال: قيل: إن «إسرا» بالعبرانية في معنى إنسان، فكأنه قيل: رجل الله، فكأنه خطاب مع اليَهُودِ الذين كانوا بالمدينة. وقيل: إنه أسرى بالليل مهاجراً إلى الله. وقيل: لأنه أَسَرَ جِنِّنًّا كان يطفىء سِرَاجَ بَيْتِ المَقْدِسِ. قال بعضهم: فعلى هذا يكون بعض الاسم عربيّاً، وبعضه أعجميّاً، وقد تصرفت فيه العرب بلغات كثيرة أفصحها لغة القرآن، وهي قراءة الجمهور. وقرأ «أبو جعفر والأعمش» : «إسْرَايِل» بياء بعد الألف من غير همزة، وروي عن «وَرْش» «إسْرَائِل» بهمزة بعد الألف دون ياء، و «إسْرَأَل» بهمزة مفتوحة، و «إسْرَئِل» بهمزة مكسورة بين الراء واللام، و «إسْرَال» بألف محضة بين الراء واللام؛ قال: [الخفيف] 426 - لاَ أَرَى مَنْ يُعِينُنِي في حَيَاتِي ... غَيْرَ نَفْسِي إلاَّ بَنِي إسْرَالِ وروي قراءة غير نافع قرأ عن نافع. و «إسْرائيل» هذه مهموزة مختلسة حكاها شنبوذ، عن ورش، و «إسْرَايل» من غير همز ولا مَدّ و «إسْرَائِين» أبدلوا من اللام نوناً ك «أُصَيْلاَن» في «أُُصَيْلاَل» ؛ قال: [الرجز] 427 - يَقُولُ أَهْلُ السُّوءِ لَمَّا جِينَا ... هَذَا وَرَبِّ البَيْتِ إِسْرائِينَا وقال آخر: [الرجز] 428 - قَالَتْ وَكُنْتُ رَجُلاً فَطِينَا ... هَذَا لعَمْرُ الله إٍسْرَائِينَا ويجمع على «أَسَارِيل» . وأجاز الكوفيون «أَسَارِلَة» و «أَسَارل» ، كأنهم يجيزون التعويض بالياء وعدمه، نحو: «فَرَازِنة» و «فَرَازين» . قال الصَّفار: لا نعلم أحداً يجيز حذف الهمزة من أوله. قال ابن الجوزي: ليس في الأنبياء من له اسمان غيره إلا نبينا محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فإنَّ له أسماء كثيرة. وقد قيل في المسيح إنه اسم علم لعيسى عليه الصَّلاة والسَّلام غير مشتقّ، وقد سمَّاه الله تَعَالَى روحاً والمسيح، وإسرائيل ويعقوب، ويونس وذو النُّون، وإلياس وذو الكِفْل، صولات الله وسلامه عليهم أجمعين. قول: ﴿اذكروا نِعْمَتِيَ﴾ . «اذكرو» فعل وفاعل، و «نعمتي» مفعول. وقال «ابن الأنباري» : لا بدّ له من حذف مضاف تقديره: شكر نِعْمتي. و «الذكر» بضم الذال وكسرها بمعنى واحد، ويكونان باللِّسان والجِنَان. وقال «الكسائي» : هو بكسر اللسان، وبالضّّم للقَلْب ضدّه النسيان، والذي محلّه اللسان ضده الصَّمت، سواء قيل: إنهما بمعنى واحد أم لا. و «الذَّكَر» بالفتح خلاف الأُنْثَى، و «الذِّكر» أيضاً الشرف ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: 44] . فصل في النعمة النعمة اسم لما ينعم به، وهي شبيهة ب «فِعْل» بمعنى «مفعول» نحو: ذبح ورعي، والمراد الجمع؛ لأنها اسم جنس، قال الله تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَآ﴾ [النحل: 18] . قال «أبو العباس المقرىء» : «النَّعْمَة» بالكسر هي الإسلام، قال تعالى: ﴿واذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ [آل عمران: 103] . وقال: ﴿فَضْلاً مِّنَ الله وَنِعْمَةً والله﴾ [الحجرات: 8] يعني الإسلام. وقال: ﴿رَبِّ أوزعني أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ التي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وعلى وَالِدَيَّ﴾ [النمل: 19] . وقوله: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ الله وَفَضْلٍ﴾ [آل عمران: 171] أي: الإسلام. فصل في حد النعمة قال ابن الخطيب: حَدّ النعمة أنها المنفعة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير. وقيل: الحسنة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير، قالوا: وإنما زدنا هذا؛ لأن النعمة إن كانت حسنة يستحق بها الشكر، وإن كانت قبيحة لم يستحق بها الشكر. قال: والحقّ أن هذا القيد غير معتبر؛ لأنه يجوز أن يستحق الشكر بالإحسان، وإن كان فعله محظوراً؛ لأن جهة استحقاق الشكر غير جِهَةِ استحقاق الذَّم والعقاب، فأي امتناع في اجتماعهما؟ ألا ترى أن الفاسق يستحقّ الشكر بإنعامه والذّم بمعصيته، فلم لا يجوز هاهنا أن يكون الأمر كذلك؟ واعلم أن نعم الله على العَبْدِ لا تتناهى، ولا تحصى كما قال تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: 34] . فإن قيل: فإذا كانت النعم غير مُتَنَاهية، وما لا يتناهى لا يحصل به العلم في حق العبد، فكيف أمر بتذكرها في قوله: ﴿اذكروا نِعْمَتِيَ﴾ ؟ والجواب: أنها غير مُتَنَاهية بحسب الأشخاص والأنواع، إلاّ أنها متناهية بحسب الأجناس، وذلك يكفي في التذكّر الذي يفيد العلم بوجود الصَّانع الحكيم. فصل في بيان هل لله نعمة على الكافر في الدنيا اختلفوا في أنه هل لله نعمة على الكافر في الدنيا؟ فمنهم من قال: هذه النعم القليلة في الدنيا لما كانت مؤدّية إلى الضرر في الآخرة لم تكن نعمة، فإن من جعل السّم في الحلوى لم يعد النفع الحاصل من أكل الحلوى نعمة لما كان ذلك سَبيِلاً إلى الضرر العظيم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ ليزدادوا إِثْمَاً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [آل عمران: 178] . ومنهم من قال: إنه تعالى وإن لم ينعم على الكافر بنعمة الدِّين، فلقد أنعم عليه بنعمة الدنيا [وهو قول القاضي أبي بكر الباقلاني رَحِمَهُ اللهُ] . قال ابن الخطيب: وهذا القول أصوب ويدلّ عليه وجوه: أحدها: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الناس اعبدوا رَبَّكُمُ الذي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة: 21] الآيات فأمر الكُلّ بطاعته لمكان هذه النعم وهي نعمة الخلق والرزق. وثانيها: قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً﴾ [البقرة: 28] وذكره في معرض الامتنان، وشرح النعم، ولو لم يصل إليهم من الله تعالى شَيْءٌ من النعم لما صَحّ ذلك. وثالثها: قوله: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذكروا نِعْمَتِيَ التي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ وهذا نصّ صريح؛ لأنه خطاب لأهل الكتاب، وكانوا من الكفار، وكذا قوله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذكروا نِعْمَتِي التي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 47] إلى قوله: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة: 49] . ورابعها: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأرض﴾ إلى قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَا السمآء عَلَيْهِم مَّدْرَاراً﴾ [الأنعام: 6] . وخامسها: قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ البر والبحر﴾ [الأنعام: 63] إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: 64] . وسادسها: قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأرض وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف: 10] وقال في قصة «إبليس» : ﴿وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: 17] . وسابعها: قوله: ﴿واذكروا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأرض﴾ [الأعراف: 74] وقال: ﴿قَالَ أَغَيْرَ الله أَبْغِيكُمْ إلها وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى العالمين﴾ [الأعراف: 140] . وثامنها: قوله: ﴿ذلك بِأَنَّ الله لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا على قَوْمٍ﴾ [الأنفال: 53] . وتاسعها: قوله: ﴿هُوَ الذي جَعَلَ الشمس ضِيَآءً والقمر نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السنين والحساب مَا خَلَقَ الله ذلك إِلاَّ بالحق﴾ [يونس: 5] . وعاشرها: قوله: ﴿هُوَ الذي يُسَيِّرُكُمْ فِي البر والبحر حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك﴾ [يونس: 22] إلى قوله: ﴿يَبْغُونَ فِي الأرض﴾ [يونس: 23] . واعلم أن الخلاف في هذه المسألة لفظي؛ لأنه لا نِزَاعَ في أن الحياة والعقل والسمع والبصر، وأنواع الرزق، والمنافع من الله تعالى إنما الخِلاَفُ في أن أمثال هذه المنافع إذا حصل عقيبها تلك المَضَارّ الأبدية، هل يطلق عليها في العرف اسم النعمة أم لا؟ ومعلوم أن ذلك نِزَاعٌ في مجرّد عبارة. فَصْلٌ في النعم المخصوصة ببني إسرائي وهي كثيرة منها: استنقذهم من فرعون وقومه، وخلّصهم من العبودية وأولادهم من القَتْلِ ونساءهم من الاستحياء، وخلصهم من البلاء، ومكنهم في الأرض، وجعلهم ملوكاً، وجعلهم الوَارِثين بعد أن كانوا عبيداً للقبط، وأهلك أعداءهم وأورثهم أرضهم وديارهم، وأموالهم، وأنزل عليهم [الكتب العظيمة، وجعل فيهم أنبياء، وآتاهم ما لم يُؤْت أحداً من العَالَمينَ، وظَلَّل عليهم الغمام، وأنزل عليهم] المّنّ والسَّلْوَى، وأعطاهم الحجر ليسقيهم ما شَاءُوا من الماء متى أرادوا، فإذا استغنوا عن الماء رفعوها فاحتبس الماء عنهم، وأعطاهم عموداً من النور يضيء لهم بالليل، وكانت رؤوسهم لا تتشعّث وثيابهم لا تَبْلَى. رواه «ابن عباس» . فصل في سبب تذكيرهم بهذه النعم قال ابن الخطيب: إنما ذكرهم بهذه النعم لوجوه: أحدها: أن جملة النعم ما يشهد بصدق محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وهي التوراة، والإنجيل، والزَّبُور. وثانيها: أن كثرة النعم توجب عظم المعصية، فذكرهم تلك النعم لكي يحذروا مُخَالفة ما دعوا إليها من الإيمان بمحمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وبالقرآن. وثالثها: أن تذكّر النعم الكثيرة يفيد الحَيَاءَ عن إظهار المخالفة. ورابعها: أن تذكر النعم الكثيرة يفيد أن المُنْعِمَ خصّهم من بين سائر الناس بها، ومن خص أحداً بنعم كثيرة، فالظاهر أن تذكر تلك النعم يطمع في النِّعَمِ الآيتة، وذلك الطمع مانعٌ من إظهار المخالفة والمخاصمة. فإن قيل: إن هذه النِّعم إنما كانت على المُخَاطبين وأسْلافهم، فكيف تكون نعمة عليهم؟ فالجواب: لَوْلاَ هذه النعم على آبائهم لما بقوا، فصارت النعم على الآباء نعمة على الأبناء، وأيضاً فالانتساب إلى الآباء المخصوصين بنعم الدِّين والدنيا نعمة عظيمة في حق الأولاد، وأيضاً فإنّ الأولاد متى سمعوا أن الله تعالى خصّ آباءهم بهذه النِّعَم لطاعتهم وإعراضهم عن الكفر رغب الولد في هذه الطريقة؛ لأنَّ الولد مجبول على الاقتداء بالأب في أفعال الخير، فيصير هذا التذكر داعياً إلى الاشْتِغَال بالخيرات. قوله: ﴿التي أَنْعَمْتُ﴾ . «التي» صفة «النعمة» والعائد محذوف. فإن قيل: من شرط [حذف] عائد الموصول إذا كان مجروراً أن يجرّ الموصول بمثل ذلك الحرف، وأن يتّحد متعلقهما، وهنا قد فقد الشَّرطان، فإن الأصل: التي أنعمت بها. فالجواب: إنما حذف بعد أن صار منصوباً بحذف حرف الجرّ اتساعاً فبقي «أنعمتها» وهو نظير: ﴿كالذي خاضوا﴾ [التوبة: 69] في أحد الأوجه، وسيأتي إن شاء الله تعالى. و «عليكم» متعلّق به، وأتى ب «على» دلالة على شمول النعمة لهم. قوله: ﴿وَأَوْفُواْ بعهدي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ . هذه جملة أمرية عطف على الأمكرية قبلها. ويقال: «أَوْفَى» ، و «وَفَى» مشدداً ومخففاً ثلاث لغاتٍ بمعنى؛ قال الشاعر: [البسط] 429 - أَمَّا ابْنُ [طُوْقٍ] فَقَدْ أَوْفَى بِذِمَّتِهِ ... كَمَا وَفَى بِقِلاَصِ النَّجْمِ حَادِيها فجمع بين اللغتين. وقيل: يقال: أوفيت ووفيت بالعهد، وأوفيت الكَيْلَ لا غير، وعن بعضهم: أن اللغات الثلاث واردة في القرآن. أما «أوفى» فكهذه الآية. وأما «وَفَّى» بالتشديد فكقوله: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الذي وفى﴾ [النجم: 37] . وأما «وَفَى» بالتخفيف، فلم يصرح به، وإنما أخذ من قوله تعالى: ﴿أوفى بِعَهْدِهِ مِنَ الله﴾ [التوبة: 111] وذلك أن «أَفْعَل» التفضيل لا يبنى إلاّ من الثلاثي كالتعجُّب هذا هو المشهور، وإن كان في المسألة كلام كثير ويحكى أن المستنبط لذلك أبو القاسم الشَّاطبي. ويجيء «أَوْفَى» بمعنى: ارتفع؛ قال: [المديد] 430 - رُبَّمَا أَوْفَيْتُ في عَلَمٍ ... تَرْفَعَنْ ثَوْبِي شَمَالاتُ و «بعهدي» متعلّق ب «أوفوا» ، و «العَهْد» مصدر، ويحتمل إضافته للفاعل أو المفعول. والمعنى: بما عاهدتكم عليه من قَبُولِ الطَّاعة، ونحوه: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بني آدَمَ﴾ [يس: 60] أو بما عاهدتموني عليه، ونحوه: ﴿وَمَنْ أوفى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهِ الله﴾ [الفتح: 10] ، ﴿صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ الله عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: 23] . و «أُوفِ» مجزوم على جواب الأمر، وهل الجازم الجملة الطَّلبية نفسها لما تضمّنته من معنى الشرط، أو حرف شرط مقدر تقديره: إن توفوا بعهدي أوف؟ قولان. وهكذا كل ما جزم في جواب طلب يجري فيه هذا الخلاف. وقرأ الزّهري: «أَوَفِّ» بفتح الواو وتشديد الفاء للتَّكثير. و «بِعَهْدِكُمْ» متعلّق به [وهذا] محتمل للإضافة إلى الفاعل، أو المفعول على ما تقدّم. فصل في المراد بالعهد المأمور بوفائه في العَهْدِ المأمور بوفائه قولان: أحدهما: أنه جميع ما أمر الله به من غير تخصيص، وقوله: ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ أراد به الثواب والمغفرة. وقال «الحسن» : هو قوله: ﴿وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثني عَشَرَ نَقِيباً وَقَالَ الله إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصلاة وَآتَيْتُمْ الزكاة﴾ إلى قوله: ﴿الأنهار﴾ [المائدة: 12] . وحكى «الضحاك» عن ابن عباس أوفوا بما أمرتكم به من الطَّاعات، ونهيتكم عنه من المعاصي، وهو قول جمهور المفسرين. وقيل: هو ما أثبته في الكتب المتقدّمة في صفة محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأنه سيبعثه على ما قال في سورة المائدة: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ بني إِسْرَآئِيلَ﴾ إلى قوله: ﴿لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ [المائدة: 12] . وقال في سورة الأعراف: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: 156] إلى قوله ﴿والإنجيل﴾ [الأعراف: 157] وأما عهد الله معهم، فهو أن يضع عنهم إصْرَهُمْ والأغلال، لقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ النبيين لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ [آل عمران: 81] الآية وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ يابني إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التوراة وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ﴾ [الصف: 6] . وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: [إن الله تعالى] كان عهد إلى بني إسرائيل في التَّوْرَاة أني باعث من بني إسماعيل نبيَّا أمياً، فمن تبعه وصدّق بالنور الذي يأتي به أي القرآن [أغفر له ذنبه، وأدخله] الجَنَّة، وجعلت له أجرين؛ أجراً باتباع ما جاء به موسى وجاءت به أنبياء بني إسرائيل، وأجراً [باتباع] ما جاء به محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم َ [النبي الأمي] من ولد إسماعيل، وتصديق هذا القُرْآن في قوله تعالى: ﴿الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: 52] إلى قوله ﴿أولئك يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ﴾ [القصص: 54] . وتصديقه أيضاً بما روى أبو مسوى الأشعري عن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «ثلاثة يُؤْتَوْنَ أجرهم مَرَّتَيْنِ بما صبروا: رَجُل من أهْل الكتاب آمن بِعِيسَى، ثم آمَنَ بمحمّد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم َ [فله أَجْرَانِ] ، ورجل أدّب أَمَتَهُ فأحسن تَأدِيبَهَا، وعلّمها فأحسن تعليمها، ثم أَعْتَقَهَا فتزوَّجَهَا، فله أَجْرَان، وعبد أَطَاعَ الله، وأطاع سَيّدَهُ فله أَجْرَان» . فإن قيل: إنْ كان الأمر هكذا، فكيف يجوز جَحْدَهُ من جماتهم؟ فالجواب من وجهين: الأول: أنّ هذا العلم كان حاصلاً عند العلماء في كتبهم، لكن لم يكن منهم عَدَدٌ كثير، فجاز منهم كِتْمَانُ ذلك. الثاني: أن ذلك النصّ كان خفيًّا لا جليًّا، فجاز وقوع الشَّكَ فيه. فإن قيل: الشخص الموعود به في هذه الكتب، أما أن يكون قد ذكر فيه هذه الكتب وَقْت خروجه، ومكان خروجه، وسائر التَّفَاصيل المتعلّقة بذلك، أو لم يذكر شيء من ذلك. فإن كان الأول كان [ذلك] النص نصًّا جليًّا وارداً في كتب مَنْقُولة إلى أهل العلم بالتواتر، فيمتنع قدرتهم على الكِتْمَانِ، ويلزم أن يكون ذلك معلوماً بالضرورة من دين الأنبياء المتقدمين. وإن كان الثاني لم [يدلّ] ذلك النَّص على نبوة محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لاحتمال أن يقولوا: إن ذلك المبشّر به سيجيء بعد ذلك على ما هو معتقد جمهور اليهود. والجواب: قال بن الخطيب: «لم يكن منصوصاً عليه نصًّا جليًّا يعرفه كل أحد، بل كان منصوصاً عليه نصًّا خفيًّا، فلا جَرمَ لم يلزم أن يعلم ذلك بالضَّرورة من دين الأنبياء المتقدّمين» . قوله : ﴿وَإِيَّايَ فارهبون﴾ . «إياي» ضمير منصوب منفصل، وقد عرف ما فيه في «الفاتحة، ونصبه بفعل محذوف يفسره الظاهر بعده، والتقديرط» وإيايَ ارْهَبُوا فارْهَبُون «وإنما قدرته متأخراً فيهح لأن تقديره متقدماً عليه لايحسن لانفصاله، وإن كان بعضهم قدره كذلك. والفاء في» فارهبون» فيها قولان للنحويين: أحدهما: أنها جواب أمر مقدر تقديره: تنبّهُوا فارهبونن وهو نظير قولهم: «زيداً فاضرب» أي: تنبيه فاضرب زيداً، ثم حذف «تنبه» ، فصار: فاضرب زيداً، ثم قدم المفعول إصلاحاً للفظ؛ لئلا تفع الفاء صدراً، وإنما دخلت الفاء لتربط هاتين الجملتين. والقول الثاني في هذه «الفاء» : أنها زائدة. وقال» أبو حيان «بعد أن حكى القول الأول: فتحمل الآية وجهين: أحدهما: أن يكون التدقير:» وإيّاي ارهبوا تنبهوا فارهبون «، فتكون» الفاء «حصلت في جواب الأمر، وليست مؤخّرة من تقديم. والوجه الثاني: أن يكون التقدير: وتنبّهوا فارهبون، ثم قدّم المفعول فانفصل، وأتى بالفاء حين قدّم المفعول، وفعل الأمر الذي هو» تنبهوا «محذوف، فالتقى بعد حذفه الواو والفاء، يعني: فصار التقدير:» وفإياي ارهبوا» ، فقدم المفعول على الفاء إصلاحاً للفظ، فصار: «وإيّاي فارهبوا» ، ثم أعيد المفعول على سبيل التَّأكيدن ولتكمل الفاصلة، وعلى هذا في «إياي» منصوب بما بعده لا بفعل محذوف، ولا يبعد تأكيد المنفصل بالمتّصل، كما لا يمتنع تأكيد المتصل بالمنفصل. و «الرَّهَبُ» و «الرَّهْب» ، و «الرَّهْبَة» : الخوف، مأخوذ من الرّهَابة، وهي عظم في الصدر يؤثر فيه الخوف، وسقطت» الياء «بعد» النون» ؛ لأنها رأس فاصلة. وقرأ ابن أبي إسحاق: «فأرْهَبُوني» بالياء، وكذا: ﴿فاتقون﴾ [البقرة: 41] على الأصل. ويجوز في الكلام» وأنا فارهبون «على الابتداء والخير. وكون» فارهبون «الخبر على تقدير الحذف كان المعنى:» وأنا ربكم فارهبون» . ذكره القُرْطبي. وفي الآية دليلٌ على أنّ المرء يجب عليه ألا يخاف أحداً إلا الله تعالى، ولما وجب ذلك في الخوف، فكذا في الرجاء فيها دلالة على أنه يجب على المكلف أن يأتي بالطاعات للخوف والرجاء، وأن ذلك لا بد منه.

البقرة 2:41

قوله: «ما» يجوز أن تكون بمعنى «الذي» ، والعائد محذوف، أي: بالذي أنزلته، ويجوز أن تكون مصدرية، والمصدر واقع موقع المفعول أيك [بالمنزل] . و «مصدقاً» نصب على الحال، وصاحبها العائد المَحْذُوف. وقيل: صحابها «ما» والعامل فيها «آمنوا» ، وأجاز بعضهم أن تكون «ما» مصدرية من غير جعله المصدر واقعاً موقع الفعل به، وجعل «لما معكم» من تمامه، أي: بإنزالي لما معكم، وجعل «مصدقاً» حالاً من «ما» المجرورة باللاَّم قدمت عليها، وإن كان صاحبها مجروراً؛ لأن الصَّحيح جواز تقديم حال المجرور بحرف الجر عليه؛ كقوله [الطويل] 431 - فَإِنْ يَكُ أُصِبْنَ وَنِسْوَةٌ ... فَلَن تّذْهَبُوا فِرْغاً بِقَتْلِ حِبَالِ «فِرْغاً» حال من «بِقَتْل» ، وأيضاً فهذه «اللام» زائدة، فهي في حكم المطرح، و «مصدقاً» حل مؤكّدة؛ لأنه لا تكون إلا كذلك. والظاهر أن «ما» بمعنى «الذي» وأن «مصدقاً» حال من عائد الموصول، وأن اللاّم في «لما» مقوية لتعدية «مصدقاً» ل «ما» الموصولة بالظَّرْفِ. فصل في بيان المخاطبين في الآية اعلم أن المخاطبين بقوله: «وآمنوا» هم بنو إسرائيل لتعطفه على قوله: «اذْكُرُوا نِعْمَتِي» ، ولقوله: «مُصَدّقاً لِمَا مَعَكُمْ» . وقوله: «بِمَا أَنْزَلت» فيه قولان: أحدهما: أنه القرآن؛ لأنه وصفه بكونه منزلاً، وبكونه مصدقاً لما معهم. والثاني: قال قَتَادَةُ: بما أنزلت من كتاب ورسول تجدونه مكتوباً في التَّوراة، والإنجيل. ومن جعل «ما» مصدرية قدّرها ب «إنزالي لما معكم» يعني: التوراة. وقوله ﴿مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ﴾ فيه تفسيران: أحدهما: أن في القرآن أنَّ موسى وعيسى حَقّ، والتوراة والإنديل حَقّ، فالإيمان بالقرآن مؤكّد للإيمان بالتوارة والإنجيل. والثاني: أنه حصلت البِشَارَةُ بمحمد عليه الصَّلاة والسَّلام وبالقرآن في التوراة والإنجيل، فكان الإيمان بالقرآن، وبمحمد تصديقاً للتوراة والإنجيل، وتكذيب محمد والقرآن تكذيبٌ للتوراة والإنجيل. قال ابن الخطيب: وهذا يدلّ على نبوة محمد عليه الصَّلاة والسَّلام من وجهين: الأول: أن شهادة كتب الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام لا تكون إلا حقًّا. والثاني: أنه عليه الصلاة السَّلام لم يقرأ كتبهم، ولم يكن له معرفة بذلك إلاَّ من قبل الوحي. قوله: «وَلاَ تكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ» . «أول» خبر كان، وفيه أربعة أقوال: أحدهما وهو مذهب سيبويه: أنه «أفعل» ، وأن فاءه وعينه واو، وتأنيثه «أُوْلَى» ، وأصلها: «وُوْلَى» ، فأبدلت الواو همزة وجوباً، وليست مثل «وُورِي» في عدم قلبها لسكون الواو بعدها، لأن واو «أُوْلَى» تحركت في الجمع في قولهم «أوْل» ، فحمل المفرد على الجمع في ذلك، ولم يتصرف من «أول» فعل لاستثقاله. وقيل: هو من «وأل» إذا نجا، ففاؤه واو، وعينه همزة، وأصله: «أوأل» فخففت بأن قلبت الهمزة واواً، وأدغمت الواو الأولى فيها فصار: «أول» ، وهذا ليس بقياس تخفيفه، بل قياسه أن تلقى حركة الهمزة على «الواو» الساكنة، وتحذف الهمزة، ولكنهم شبهوه ب «خَطِية وبَرِية» وهو ضعيف، والجمع: «أوَائِل» و «أَوَالي» أيضاً على القلب. وقيل: هو من «آلَ يَئُولُ» إذا رجع، وأصله: «أَأْوَل» بهمزتين، الأولى زائدة والثانية فاؤه، ثم قلبت فأخرت الفاء بعد العين فصار: «أَوْأَل» بوزن «أَعْفَل» ، ثم فعل به ما فعل في الوجه الذي قبله من القلب والإدْغَام، وهو أضعف منه. وقيل: هو «وَوّل» بوزن «فَوْعَل» ، فأبدلت الواو الأولى همزة، وهذا القول أضعفها؛ لأنه كان ينبغي أن ينصرف، والجمع «أوائل» والأصل: «وواول» فقلبت الاولى همزة لما تقدم، والثالثة أيضاً لوقوعها بعد ألف الجمع، وإنما لم يجمع لعى «أواول» لاستثقالهم اجتماع واوين بينهما ألف الجمع. واعلم أن «أوّل» «أفعل» تفضيل، و «أفعل» التفضيل إذا أضيف إلى نكرة كان مفرداً مذكراً مطلقاً، ثم النكرة المضاف إليها «أفعل» ، إما أن تكون جامدةً أو مشتقةً، فإن كانت جامدة طابقت ما قبلها نحو: الزّيدان أفضلُ رجلين، الزيدون أفضلُ رجال، الهندات أفضلُ نسوة. وأجاز المبرد إفرادها مطلقاً. وإن كانت مشتقة، فالجمهور أيضاً على وجوب المطابقة، نحو: «الزيدون أفضلُ ذاهبين وأكرمُ قادمين» ، وأجاز بعضهم المُطَابقة وعدمها؛ أنشد الفراء: [الكامل] 432 - وَإِذَا هُمُ طَعِمُوا فَأَلأَمُ طَاعِمٍ ... وَإِذَا هُمْ جَاعُوا فَشَرٌّ جِيَاع فأفرد في الأول، وطابق في الثاني، ومنه عندهم: ﴿وَلاَ تكونوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة: 41] . إذا تقرر هذا، فكان ينبغي على قوله الجمهور أن يجمع «كافر» ، فأجابوا عن ذلك بأوجه: أجودها: أن «أفْعَل» في الآية، وفي البيت مُضَاف لاسم مفرد مفهم للجمع حذف، وبقيت صفته قائمةً مقامه، فجاءت النكرة المضاف إليها «أفعل» مفردة اعتباراً بذلك الموصوف المحذوف، والتقدير: ولا تكونوا أوّل فريق أو فَوْجٍ كافر، وكذا «فألأم فرق طاعم» ، وقيل: لأنه في تأويل: «أول من كفر به» . وقيل: لأنه في معنى: لا يكن كل واحد منكم أول كافر، كقولك: كَسَانَا حُلّة أي: كل واحد منَّا، ولا مفهوم لهذه الصفة هنا فلا يراد: ولا تكونوا أول كافر، بل آخر كافر؛ لأن ذكر الشّيء ليس فيه دلالة على أن ما عداه بخلافه. وأيضاً فقوله: ﴿وَآمِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ﴾ دليل على أن كفرهم أولاً وآخراً محظور، وأيضاً قوله: ﴿رَفَعَ السماوات بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد: 2] لا يدلّ على وجود عَمَدٍ لا يرونها، وقوله: ﴿وَقَتْلَهُمُ الأنبياء بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران: 181] لا يدلّ على وقوع قتل الأنبياء بحق. وقوله بعد هذه الآية: ﴿وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً﴾ [البقرة: 41] لا يدلّ على إبَاحَةِ ذلك بالثّمنِ الكثير، فكذا هاهنا، ولما اعتقد بعضهم أن لها مفهوماً احتاج إلى تأويل جعل «أول» زائداً، قال تقديره: ولا تكونوا كافرين به، وهذا ليس بِشَيْءٍن وقدّره بعضهم بأن ثَمَّ معطوفاً محذوفاً تقديره: ولا تكونوا أوّل كافر به، ولا آخر كافر، ونصّ على الأول؛ لأنه أفحش للابتداء به؛ وهو نظير قوله: [الرممت] 433 - مِنْ أُنَاسِ لَيْسَ في أَخْلاَقِهِمْ ... عَاجِلُ الفُحْشِ وَلاَ سُوءُ الجَزَعْ لا يريد أن فيهم فحشاً آجلاً، بل يريد لا فحش عندهم لا عاجلاً ولا آجلاً. والهاء في «ب» تعود على «ما أنزلت» . وقيل: على الرسول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ؛ لأن التنزيل يستدعي منزلاً إليه. وقيل: على النعمة ذهاباً بها إلى معنى الإحسان. فإن قيل: كيف جعلوا أوّل من كفر به، وقد سبقهم إلى الكُفْرِ به مشركو العرب؟ فالجواب: من وجوه: أحدها: أن هذا تعريض بأنه كان يجب أن يكونوا أوّل من يؤمن به لمعرفتهم به وبصفته؛ لأنهم كانوا هم المبشّرين بزمان محمد عليه الصَّلاة والسَّلام والمُسْتفتحين على الذين كفروا به، فلّما بعث كان أمرهم على العكس لقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ﴾ [البقرة: 89] . وثانيها: المُرَاد: ولا تكونوا مثل أو كافر به، يعني: من أشرك من أهل «مكة» ، أي أنتم تعرفونه مذكوراً في التوراة والإنجيل، فلا تكونوا مثل من لم يعرفه، وهو مشرك لا كتاب له. وثالثها: ولا تكونوا أول كافر به من أهل الكتاب؛ لأن هؤلاء كانوا أول من كفر بالقرآن من بني إسرائيل، وإن كانت قريش كَفَرَتْ به قبل ذلك. ورابعها: ولا تكونوا أو كافر به، يعني بكتابكم يقول ذلك لعلمائهم، أي: ولا تكونوا أول أحد من أمتكم كذب كتابكم؛ لأن تكذيبكم بمحمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بموجب تَكْذِيبَكُمْ بكتابكم. وخامسها: ولا تكونوا أوّل كافر به عند سَمَاعكم بذكره، بل تثبَّتوا فيه، وراجعوا عقولكم فيه. قوله: ﴿وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً﴾ . «بآياتي» متعلّق بالاشتراء وضمن الاشتراء معنى الاستبدال، فلذلك دخلت الباء على الآيات، وكان القياس دخولها على ما هو ثَمَن؛ لأن الثمن في البيع حقيقته أن يشتري به، لا أن يشترى، لكن لما دخل الكلام معنى الاستبدال جاز ذلك؛ لأن معنى الاستبدال أن يكون المنصوب فيه حاصلاً والمجرور بالباء زائلاً. وقد ظنّ بعضهم أن قولك: «بدلت الدِّرْهَمَ بالدينار» وكذا: «أبدلت» أيضاً أن الدينار هو الحاصل، والدرهم هو الزَّائل، وهو وهم؛ ومن مجيء «اشترى» بمعنى «استبدل» قوله: [الجز] 434 - كَمَا اشْتَرَى المُسْلِمُ إذْ تَنَصَّرَا ... وقول الآخر: [الطويل] 435 - فَإِنْ تَزْعُمِيني كُنْتُ أَجْهَلُ فيكُمُ ... فَإِنِّي شَرَيْتُ الحِلْمَ بَعْدَكِ بِالجَهْلِ وقال المهدوي: دخول «الباء» على «الآيات» كدخولها على «الثَّمن» ، وكذلك كل ما لا عَيْنَ فيه، وإذا كان في الكلام دَرَاهم أو دنانير دخلت الباء على الثمن، قاله الفرّاء، يعني أنه إذا لم يكن في الكلام دِرْهَمٌ ولا دينار صحّ أن يكون كلّ من العوضين ثمناً، ومثمناً، لكن يختلف ذلك بالنسبة إلى المُتَعَاقدين، فمن نسب الشراء إلى نفسه أدخل الباء على ما خرج منه، وزال عنه، ونصب ما حصل له، فتقول «اشتريت هذا الثَّوْبَ بهذا العبد» . وأما إذا كان ثَمّ دراهم أو دنانير كان ثمناً ليس إلا، نحو «اشتريت الثوب بالدرهم» ، ولا تقول: «اشتريت الدِّرْهَمَ بالثوب» . وقدر بعضهم مضافاً فقال: بتعليم آياتي؛ لأن الآيات نفسها لا يُشْتَرَى بها، ولا حَاجَةَ إلى ذلكح لأن معناه الاستبدال كما تقدم. و «ثمناً» مفعول به، و «قليلاً» صفته. و «إيَّايَ فَاتَّقُونِ» كقوله: ﴿وَإِيَّايَ فارهبون﴾ [البقرة: 40] . وقال هنا: «فَاتَّقُونِ» وهناك: «فَارْهَبُونِ» لأن ترك المأمور به هناك معصية، وهي ترك ذكر النعمة والإيفاء بالعَهءد، وهنا ترك الإيمان بالمنزل والاشتراء به ثمناً قليلاً كفر، فناسب ذكر الرهب هناكح لأنه أخف يجوز العفو عنه لكونه معصية، وذكر التقوى هنا؛ لأنه كفر لايجوز العفو عنه؛ لأن التقوى اتخاذ الوقاية لما هو كائن لا بُدْ منه. فصل في الباعث على كفر زعماء اليهود قال ابن عباس: إن رؤساء اليهود مثل كَعْب بن الأَشْرَشف وحُيَي بن أَخْطَبَ وأمثالهما كانوا يأخذون من فقراء اليهود الهَدَايا، وعلموا أنهم لو ابتعوا محمداً لانقعطت عنه تلك الهدايا، فأصروا على الكفر لئلا ينقطع عنهم ذلك القَدْرُ المحتقر. قال القرطبي: في تفسيره: هذه الآية وإن كانت خاصّة ببني إسرائيل، فهي تتناول من فعل فعلهم، فمن أخذ رِشْوَةً على تغيير حق، أو إبطاله، أو امتنع من تعليم ما وجب عليه، أو أداء ما علمه، وقد تعيّن عليه حتى يأخذ عليه أجراً، فقد دخل في مقتضى الآية. وروى أبو داود عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْه قال: قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «من تَعَلَّم علماً مما يبتغي به وَجْه الله لا يتعلَّمُهُ إلا لِيُصِيبَ به غرضاً من الدنيا لم يَجِدْ عرفَ الجَنَّةِ يوم القِيَامَةِ» يعني: ريحَهَا. وقد اختلف العلماء في أخذ الأُجْرة على تعليم القرآن والعلم، فمنع ذلك الزّهري، وأصحاب الرأي وقالوا: لا يجوز أخذ الأُجْرة على تعليم القُرْآن؛ لأن تعليمه واجب من الواجبات التي يحتاج فيها إلى نِيَّةِ التقرب، فلا يؤخذ عليها أجره كالصَّلاة والصيام. واستدلوا بالآية وروى أبو هريرة قال: قلت: يارسول الله ما تقول في المُعَلِّمِينَ؟ قال: «درهمهم حَرَام، وشربهم سُحْتٌ وكلامهم رِيَاءٌ» . وروى عبادة بن الصامت قال: علمت ناساً من أهل الصفّة القرآن والكتابة، فأهدى إليّ رجل مهم قَوْساً، فقلت: ليست بمال [وأرمي] عنها في سبيل الله، فسألت عنها رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال: «إنْ سَرَّكَ أن تُطَوَّقَ بها طَوْقاً من نارٍ فاقْبَلْهَا» . وأجاز أخذ الأُجْرَةِ على تعليم القرآن مالكُ، والشَّافعي، وأحمد، وأبو ثور، وأكثر العلماء، لقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ في حديث الرُّقية: «إنَّ أَحَقّ ما أَخَذْتُمْ عليه أجراً كِتَابُ الله» أخرجه البُخَاري، وهو نصّ [برفع الخلاف، فينبغي أن يُعَوْل عليه] . وأما حُجّة [المخالفين] فقياسهم في مقابلة النَّص، وهو قادر، ويمكن الفرق، وهو أن الصَّلاة والصَّوم عبادات مُخْتَصَّة بالفاعل، وتعليم القرآن عبادة متعدّية لغير المعلم، فيجوز الأجرة على مُحَاولته النقل كتعليم كتابة القرآن. قال ابن المنذر، وأبو حنيفة: يُكْره تعليم القرآن بأجرة، ويجوز أن يستأجر الرجل يكتب له لوحاً أو شعراً أو غناء معلوماً بأجر معلوم، فيجوز الإجارة فيما هو مَعْصية، ويبطلها فيما هو طَاعَةٌ. وأما الآية فهي خَاصَّة ببني إسرائيل، وشرع من قبلنا هل هو شرعٌ لنا؟ فيه خلاف، وهو لا يقول به، ويمكن أن تكون الآية فيمن تعيّن عليه التَّعْليم، فأبى حتى يأخذ عليه أجراً. فأما إذا لم يتعيّن فيجوز له أخذ الأُجرة بدليل السُّنّة في ذلك، وقد يتعيّن عليه إلاّ أنه ليس عنده ما ينفقه على نفسه، ولا على عِيَالِهِ، فلا يجب عليه التَّعليم، وله أن يقبل على صِنْعَتِهِ وحِرْفَتِهِ. [وأما أحاديثهم فلا يصح منها شيء في الدليل] .

البقرة 2:42

أمر بترك الإغواء والإضلال وإضلال الغير له طريقان: أحدهما: أن يكون لغير قد سمع دَلاَئِلَ الحق، فإضلاله لا يمكن إلا بتشويش دلائل الحقّ عليه بالشبهات. والثاني: أن تخفي تلك الدَّلائل عنه، وتمنعه من الوصول إليها فقوله: ﴿وَلاَ تَلْبِسُواْ الحق بالباطل﴾ إشارة إلى الأول، وقولهك ﴿وَتَكْتُمُواْ الحق﴾ إشارة إلى الثاني. والباء في قوله: «بالباطل» للإلصاق كقولك: «خلطت المَاءَ باللَّبَنِ» ، أي: لا تخلطوا الحقّ بالباطل، فلا يتميز. وقال «الزمخشري» : إن كانت صلةً مثلها في قولك: ليست الشيء بالشَّيء، وخلطته به كان المعنى: ولا تَكْتُبُوا في التوراة ما ليس فيها فَيَخْتَلِطَ الحق المنزّل بالباطل الذي كتبتم. وإن كانت «باء» الاستعانة كالتي في قولك: «كتبت بالقَلَمِ» كان المعنى: ولا تجعلوا الحقَّ مشتبهاً بباطلكم الذي تكتبونه. فأجاز فيها وجهين كما ترى، ولا يريد بقوله «صِلَة: انها زائدة، بل يريد أنها موصلة للفعل كا تقدم. وقال» أبو حيان» : «وفي جعله إياها للاستعانة بُعْد، وصرف عن الظاهر من غير ضرورة» ، ولا أدري ما هذا الاستبعاد مع وضوح هذا المعنى الحق؟ وقال ابن الخطيب: [إنها» باء «الاستعانة] . والمعنى: ولا تلبسوا الحَقّ بسبب الشبهات التي تُورِدُونَهَا على السَّامعين، وذلك لأن النصوص الواردة في التوراة والإنجيل في أمر محمد كانت نصوصاً خفيةً يحتاج في معرفتها إلى الاستدلال، ثم إنهم كاناو يُجَادلون فيها، ويشوشون وجه الدلالة على المتأملين فيها بإلقاء الشبهات، فهذا هو المراد بقوله: ﴿وَلاَ تَلْبِسُواْ الحق بالباطل﴾ ، فهو المذكور في قوله: ﴿وَجَادَلُوا بالباطل لِيُدْحِضُواْ بِهِ الحق﴾ [غافر: 5] . و» اللَّبْسُ» : الخَلْط والمَزْج؛ لقوله: لَبَسْتُ عليه الأمر أَلْبِسُهُ خَلَطْتُ بَيِّنَهُ بمُشْكِلِهِ؛ ومنه قوله الخَنْسَاءِ: [البسيط] . 436 - تَرَى الجَلِيسَ يَقُولُ الحَقَّ تَحْسَبُهُ ... رُشْداً وَهَيْهَاتَ فَانْكُرْ مَا بِهِ الْتَبَسَا صَدِّقْ مَقَالَتَهُ وَاحْذَرْ عَدَاوَتَه ... وَالْبِسْ عَلَيْهِ أُمُوراً مِثْلَ مَا لَبَسَا وقال العَجَّاج: [الرجز] 437 -[لَمَّا لَبَسْنَ الحَقَّ بِالتَّجَنِّي ... غَنِينَ وَاسْتَبْدَلْنَ زَيْداً مِنِّي] ومنه أيضاً: [البسيط] 438 - وَقَدْ لَبَسْتُ لِهَذَا الأَمْرِ أَعْصُرَهُ ... حَتَّى تَجَلَّلَ رَأْسِي الشَّيْبُ فَاشْتَعَلا وفي فلان مَلْبَسٌ، أي مستمتع؛ قال: [الطويل] 439 - أَلاَ إِنَّ بَعْدَ العُدْمِ لِلْمَرْءِ قُنْوَةً ... وَبَعْدَ المَشِيبِ طُولَ عُمْرٍ وَمَلْبَسَا وقول الفَرَّاء وغيره: [الكامل] 440 - وَكتِيبَةٍ لَبَّسْتُهَا بِكَتِبَةٍ ... حَتَّى إِذَا الْتَبَسَتْ نَفَضْتُ لَهَا يَدِي يحتمل أن يكون منه، وأن يكون من «اللِّبَاس» ، والآية الكريمة تحتمل المعنيين، أي: لا تغطّوا الحق بالباطل. ولبس الهَوْدَج والكعبة: ما عليهما من «لِبَاس» بكسر اللام ولِبَاسُ الرجل زوجته، وزوجها لِبَاسُهَا. قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [البقرة: 187] وقال النابغة: [المتقارب] 441 - إِذَا مَا الضَّجِيعُ ثَنَى جِيدَهَا ... تَثَنَّتْ عَلَيْهِ فَكَانَنْ لِبَاسَا و «اللَّبُوس» : كل ما يُلْبَس من ثياب ودرع؛ قال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ﴾ [الأنبياء: 80] ولاَبَسْتُ فلاناً حتى عرفت باطنه. و «الباطل» : ضد الحق، وهو الزائل؛ كقول لَبِيدٍ: [الطويل] 442 - أَلاَ كُلٌّ شَيْءٍ مَا خَلاَ الله بَاطِلُ ... ويقال: بَطَلَ الشيءُ يَبْطُلُ بُطُولاً وبُطْلاً وبُطْلانَاً. و «البَطَل» : الشّجاع، سمي بذلك؛ لأنه يبطل شجاعة غيره. وقيل: لأنه يبطل دمه فهو «فَعَل» بمعنى «مفعول» . وقيل: لأنه يبطل دم غيره فهو بمعنى «فاعل» . وقد بَطُلَ بالضَّم يَبْطُلُ بُطُولاً وبَطَالَةً، أي: صار شجاعاً؛ قال النابغة: [البسيط] 443 - لَهُمْ لِوَاءُ بِكَفِّيْ مَاجِدٍ بَطَلٍ ... لاَ يَقْطَعُ الخَرْقَ إلاَّ طَرْفُهُ سَامِي وبَطَل الأجيرُ بالفتح بِطَالة بالكَسْر: إذا تعطَّل، فهو بَطَّال، وذهب دمه بُطْلاً بالضم أي: هدراً. فصل في المراد من قوله تعالى: «الحق بالباطل» اختلفوا في المراد من قوله: «الحَقّ بِالبَاطِلِ» فروي عن «ابن عباس» وغيره: لا تخلطوا ما عندكم من الحَقّ في الكتاب بالباطل، وهو التغيير والتبديل. وقال «أبو العالية» : قالت اليَهُود: محمد بمعوثٌ ولكن إلى غيرنا، فإقرارهم ببعثته حق، وجحدهم أه بعث اليهم باطل. وقال «مجاهد» : لا تخلطوا اليهودية والنصرانية بالإسلام. قوله: «وَتَكْتمُوا الحَقّ» فيه وجهان: أحدهما، وهو الأظهر: أنه مجزوم بالعَطْفِ على الفعل قبله، نَهَاهم عن كل فعل على حِدَتِهِ، أي: لا تفعلوا هذا ولا هذا. والثاني: أنه منصوب بإضمار «أن» في جواب النهي بعد «الواو» التي تقتضي المعية، أي: لا تجمعوا بين لَبْسِ الحق بالباطل وكِتْمَانه، ومنه: [الكامل] 444 - لا تَنْهَ عَنْ خُلُقِ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ ... عَارٌ عَلَيْكَ إذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ و «أن» مع ما في حيّزها في تأويل مصدر، فلا بد من تأويل الفعل الذي قبلها بمصدر أيضاً ليصبح عطف [الاسم] على مثله، والتقدير: لا يكن منكم لَبْس الحق بالباطل وكتمانه، وكذا سائر نظائره. وقال «الكوفيون» : منصوب ب «واو» الصرف، وقد تقدم معناه، والوجه الأول أحسن؛ لأنه نهي عن كل فعل على حِدَتِهِ، وأما الوجه الثاني فإنه نهي عن الجمع، ولا يلزم من النَّهْي عن الجمع بين الشَّيئين النهي عن كل واحد حِدَتِهِ إلا بدليل خارجي. فصل في المراد بالكتمان قال «ابن عبَّاس» : يعني كتمانهم أمر النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وهم يعرفونه. وقال «محمد بن سِيرِينَ» : نزل عصابة من ولد هَارُونَ ب «يثرب» لما أصاب بني إسرائيل ما أصابهم من ظهور العَدُوْ عليهم، وتلك العصابة هم حَمَلَةُ التوراة يومئذ، فأقاموا ب «يثرب» يرجون أن يخرج محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بين ظَهْرَانيهم، وهم مؤمنون مصدقون بنبوته، فمضى أولئك الآباء، وهم مؤمنون، وخلف الأبناء وأبناء الأبناء، فأدركوا محمداً صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فكفروا به وهم يعرفون، وهو معنى قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ﴾ [البقرة: 89] . قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ جملة من مبتدأ وخبر في محلّ نصب على الحَالِ، وعاملها: إما «تلبسوا» أو «تكتموا» إلاّ أن عمل «تكتموا» أولى لوجهين: أحدهما: أنه أقرب. والثاني: أن كتمان الحَقّ مع العلم به أبلغ ذمّاً، وفيه نوع مقابلة. ولا يجوز أن تكون المسألة من باب الإعمال؛ لأنه يستدعي الإضمار، ولا يجوز إضمار الحال؛ لأنه لا يكون إلا نكرةّ، ولذلك منعوا الإخبار عنه ب «الذي» . فإن قيل: تكون المسألة من باب الإعمال على معنى أنا حذفنا من الأوّل ما أثبتناه في الثاني من غير إضمار، حتى لا يلزم المَحْظور المذكور، والتتقدير: ولا تلبسوا الحق بالباطل وأنتم تعلمون، ولا تكتموا الحق وأنتم تعلمون. فالجواب: أن هذا لايقال: فيه إعمال، لأن الإعمال يستدعي أن يضمر في المهمل، ثم يحذف. وأجاز «ابن عطيَّة» ألا تكون هذه الجملة حالاً، فإنه قال: «ويحتمل أن تكمون شهادة عليهم بعلم حق مخصوص في أمر محمد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ، ولم يشهد لهم بالعلم على الإطلاق، فعلى هذا لا تكون الجُمْلة في موقع الحال» . وفيما قاله نظر. وقرىء شاذاً: «وَتَكْتُمُونَ» بالرفع، وخرجوها على أنها حَالٌ، وهذا غير صحيح؛ لأنه مضارع مثبت فمن حقه ألا يقترن بالواو، وما ورد من ذلك، فهو مؤول بإضمار متبدأ قبله، نحو: «قُمْتُ وأَصُكُّ عَيْنَهُ» ، وقول الآخر: [االمتقارب] 445 - فَلَمَّا خَشِيتُ أَظَافِيرَهُمْ ... نَجَوْتُ وأرْهَنُهُمْ مَالِكَا أي: «وأَنَا أَصُكُّ» ، و «أَنَا أَرْهَنُهُمْ» ، وكذا «وأنتم تكتمون» ، إلا أنه يلزم منه إشكال آخر، وهو أنهم منهيُّون عن اللّبس مطلقاً، والحال قيد في الجملة السابقة، فيكون قد نهوا بقيد، وليس ذلك مراداً إلاّ أن [يقال: إنها حال لازمة، وقد قيّده «الزمخشري» ب «كاتمين» ، فجعله حالاً، وفيه الإشكال المقتدّم، إلاّ أنه] يكون أراد تفسير المعنى لا تفسير الإعرابن قال «ابن الخطيب» : وجواب الإشكال أنه إذا لم يعلم حال الشيء لم يعلم أن ذلك اللبس والكتمان حق أو باطل، وما لا يعرف كونه حقًّا وباطلاً لا يجوز الإقدام عليه بالنفي، ولا بالإثبات، بل يجب التوقّف فيه. وسبب ذكر هذا القيد أن الإقدام على الفعل الضَّار مع العلم بكونه ضارًّا أفحش من الإقدام عليه عند الجَهْلِ بكونه ضارّاً، فلما كانوا عالمين [بما] في التبليس من المفاسد كان إقدامهم عليه أقبح. ويجوز أن تكون جلمة خبرية عطفت على جملة طلبية، كأنه تعالى نَعَى عليهم كتمهم الحقّ مع علمهم أنه حق. [ومفعول] العلم غير مُرَاد؛ لأن المعنى: وأنتم من ذوي العلم. وقيل: حذف للعلم به، والتقدير: تعلمون الحقّ من الباطل. وقدره «الزمخشري» : «وأنتم تعلمون في حال علمكم أنكم لابسون كاتمون» ، فجعل المفعول اللَّبْس والكَتْم المفهومين من الفعلين السابقين. وهو حسن.

البقرة 2:43

أمرهم بالإيمان، ثم نهاهم عن لَبْس الحق الباطلن وكِتْمَان دلائل النُّبوة، ثم ذكر بعد ذلك بيان ما لزمهم من الشّرائع، وذكر من جملته ما هو كالأصل فيها، وهو الصَّلاة التي هي أعظم العبادات البدنية، والزكاة التي هي أعظم العبادات المالية. قوله: ﴿وَأَقِيمُواْ الصلاة﴾ هذه الجُمْلَة وما بعدها عطف على الجملة قبلها عطف أمر على نهي. وأصل «أقيموا» : «أقْوِمُوا» ، ففعل به ما فعل ب ﴿وَيُقِيمُونَ﴾ [البقرة: 3] وقد تقدحم الكلام عليها وعلى «الصًّلاة» ، وأصل «آتوا» «ائْتِيُوا» بهمزتين مثل «أكْرِمُوا» ، فقلبت الثانية ألفاً لسكونها بعد همزة مفتوحة، واستثقلت الضمة على الياء فحذفت، فالتقى ساكنان «الياء والواو» ، فحذفت الياء؛ لأنها أول وحركت التاء بحركتها. وقيل: بل ضمت تبعاً للواو، كما ضم آخر «اضربوا» ونحوه، ووزنه: «افعوا» بحذف اللام. وألف «الزكاة» منقلبة عن واو، لقولهم: زَكَوَات، وزَكَا يَزْكُو، وهي النحو. وقيل: الطهارة. وقيل: أصلها الثَّنَاء الجميل، ومنه: زكى القاضي الشُّهود، والزَّكَا: الزوج صار زوجاً بزيادة فرد آخر عليه، والخَسَا: الفرد، قال: [البسيط] 446 - كَانُوا خَساً أَوْ زَكاً مِنْ دُونِ أْرْبَعَةٍ ... لَمْ يَخْلَقُوا وَجُدُودُ النَّاسِ تعْتَلِجُ قوله: ﴿مَعَ الراكعين﴾ منصوب ب «ارْكَعُوا» . و «الركوع» : الطّمأنينة والانْحِنَاء، ومنه قوله: [الطويل] 447 - أُخَبِّرُ أْخْبَارَ القُرُونِ الَّتِي مَضَتْ ... أَدِبُّ كَأَنِّي كُلَّمَا قُمْتُ رَاكِعُ وقيل: الخضوع والذِّلَّة؛ ومنه: [المسرح] 448 - وَلاَ تُهِينَ الفَقِيرَ عَلَّكَ أنْ ... تَرْكَعَ يَوْماً والدَّهْرُ قَدْ رَفَعَهْ فصل في عدم تأخير البيان عن الحاجة قال ابن الخطيب: القائلون بأنه لا يجوز تأخير بيان المجمل عن وقت الخطاب، قالوا: إنما جاء في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصلاة﴾ بعد أن كان النَّبي عليه الصَّلاة والسَّلام وصف لهم أركان الصَّلاة وشرائطها، فكأنه تعالى قال: وأقيموا الصلاة التي عرفتموها، والقائلون بجواز التأخير قالوا: يجوز أن يراد الأمر بالصَّلاة، وإن كانوا لا يعرفون أن الصَّلاة ما هي؟ ويكون المقصود أن يوطن السَّامع نفسه على الامتثال، وإن كان لا يعلم أن المأمور به، ما هو؟ كما يقول السيد لعبده: إني آمرك غداً بشيء فلا بد وأن تفعله، ويكون غرضه مه بأن يعزم العَبْدُ في الحال على أدائه في الوقت الثاني. فصل في أن الكفار مخاطبون بفروع الشرع قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصلاة وَآتُواْ الزكاة﴾ خطاب مع اليهود، وذلك يدل على أن الكفار مخاطبون بفروع الإسلام. فإن قيل: قوله: ﴿وَأَقِيمُواْ الصلاة﴾ أمر بالصَّلاة، وقوله: ﴿واركعوا مَعَ الراكعين﴾ أمر بالصّلاة أيضاً، فيكون تكراراً. فالجواب: أن قوله: ﴿واركعوا مَعَ الراكعين﴾ أي: صَلُّوا مع المصلِّين، ففي الأوّل أمر بإقامة الصَّلاة، وفي الثاني أمر بفعلها في الجماعة فلا تكْرار وقيل: إن اليهود لا ركوع في صلواتهم، فخصّ الركوع بالذكر تحريضاً لهم على الإتيان بصلاة المسلمين. وقيل: الركوع: الخضوع، فيكون نهياً عن الاستكبار المذموم.