Lafzullah

Al Lubab fi Ulum Al Kitab — النساء 4:92 – النساء 4:142

المؤلف / المصدر: Al Lubab fi Ulum Al Kitab

المحتويات
  1. النساء 4:92
  2. النساء 4:93
  3. النساء 4:94
  4. النساء 4:95
  5. النساء 4:96
  6. النساء 4:97
  7. النساء 4:98
  8. النساء 4:99
  9. النساء 4:100
  10. النساء 4:101
  11. النساء 4:102
  12. النساء 4:103
  13. النساء 4:104
  14. النساء 4:105
  15. النساء 4:106
  16. النساء 4:107
  17. النساء 4:108
  18. النساء 4:109
  19. النساء 4:110
  20. النساء 4:111
  21. النساء 4:112
  22. النساء 4:113
  23. النساء 4:114
  24. النساء 4:115
  25. النساء 4:116
  26. النساء 4:117
  27. النساء 4:118
  28. النساء 4:119
  29. النساء 4:120
  30. النساء 4:121
  31. النساء 4:122
  32. النساء 4:123
  33. النساء 4:124
  34. النساء 4:125
  35. النساء 4:126
  36. النساء 4:127
  37. النساء 4:128
  38. النساء 4:129
  39. النساء 4:130
  40. النساء 4:131
  41. النساء 4:132
  42. النساء 4:133
  43. النساء 4:134
  44. النساء 4:135
  45. النساء 4:136
  46. النساء 4:137
  47. النساء 4:138
  48. النساء 4:139
  49. النساء 4:140
  50. النساء 4:141
  51. النساء 4:142

النساء 4:92

كما رَغَّب في مُقَاتَلة الكُفَّار، ذكر بَعْدَهَا ما يتعلَّق بالمُحَارَبَة، ولا شَكَّ أنَّه قد يَتَّفِقُ أن يرمي الرَّجُلُ رجُلاً يَظُنُّه كافراً حَرْبِيَّا فيقْتُلهُ، ثم يتبين أنَّه مُسْلِمٌ، فذكر الله - تعالى - حكْم هَذِهِ الوَاقِعَة. قوله - تعالى -: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن﴾ . قد تقدَّم الكلام في نَظِير هذا التَّركيب عند قوله - تعالى -: ﴿مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلاَّ خَآئِفِينَ﴾ [البقرة: 114] . وقوله: ﴿إِلاَّ خَطَئاً﴾ فيه أرْبَعة أوجُه: أحدُها: أنه اسْتثنَاء منقَطِع - وهو قولُ الجُمْهُور - إنْ أُريد بالنَّفِي معناه، ولا يجُوزُ أن يكُون مُتَّصِلاً، إذ يصير المَعْنَى: إلا خَطَأ فله قَتْلُه. والثاني: أنه مُتصلٌ إنْ أُريد بالنَّفْي التحريمُ، ويَصِير المَعْنَى: إلا خطأ بأن عَرَفَه أنَّه كَافر فَقَتَله، ثم كَشَف الغيبُ أنه كان مؤمناً. الثالث: أنه استِثْنَاء مُفَرَّغ، ثم في نَصْبِه ثلاثة احْتِمَالاتٍ: الأوَّل: أنه مَفْعُول له، أي: ما يَنْبَغِي له أن يَقْتُلَه [لعلَّه من الأحْوَالِ، إلا في حَالِ الخَطَأَ. الثالث: أنه نَعْتُ مَصْدَرٍ محذُوف، أي: إلا قَتْلاً خَطَأ، ذكر هذه الاحْتِمَالات الزَّمَخْشَرِيُّ. الرابع: من الأوْجه: أن تكون «إلا» بمعنى «ولا» والتقدير: وما كان لمُؤمِنٍ أن يَقْتُلَ مُؤمِنَاً عَمْداً ولا خَطَا، ذكره بعضُ أهْلِ العِلمُ، حكى أبُو عُبَيْدة عن يُونُس قال: سألتُ رُؤبة بن العَجَّاج عن هَذِهِ الآيَةِ، فقال: «ليس أنْ يَقْتُلَهُ عَمْداً ولا خَطَا» فأقام «إلاَّ» مقامَ الوَاوِ؛ وهو كقول الشَّاعِر: [الوافر] 1862 - وَكُلُّ أخٍ مُفَارِقُهُ أخُوهُ ... لَعَمْرُ أبِيكَ إلاَّ الْفَرْقَدَانِ إلا أن الفَرَّاء ردَّ هَذا القَوْلَ؛ بأن مثل ذلك لا يجوزُ، إلا إذا تقدَّمه استِثْنَاءٌ آخر، فيكونُ الثَّانِي عطفاً عليه: كقوله: [البسيط] 1863 - مَا بِالمَدِينَةِ دَارٌ غَيْرُ وَاحِدَةٍ ... دَارُ الْخَلِيفَةِ إلاَّ دَارُ مَرْوَانَا وهذا رأي الفراء، وأمَّا غَيْرُه، فيزعم أنَّ «إلا» تكون عَاطِفَة بمعنى الوَاو من غَيْر شَرْطِ، وقد تقدَّم تَحْقِيقُ هذا في قوله: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ﴾ [البقرة: 150] . وقرأ الجُمْهُور: «خطأ» مهموزاً بوزْنِ «نبأ» ، والزهري: «خَطَا» بوزن «عَصَا» ، وفيها تخريجان: أحدُهُمَا: أنه حَذَفَ لام الكَلِمَة تَخْفِيفاً بإبدالها ألفاً، فالتقت مع التَّنْوين؛ فَحُذِفَت لالتِقَاء السَّاكِنَيْن، كما يُفْعَل ذلك بِسَائِر المَقْصُور، والحسن قرأ: «خَطَاءً» بوزن «سَمَاء» . فصل ذكر المُفسِّرون في سَبَبِ النَّزُول وُجُوهاً: أحدها: روى عُرْوَة بن الزُّبَيْر: أن حُذِيْفَة بن اليَمَان قَاتَل مع النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يَوْمَ أُحُد فأخْطَأ المُسْلِمَون، وظَنُّوا أن أبَاهُ اليَمَان وَاحداً من الكُفَّار، فضَرَبُوه بأسْيَافِهم، وحُذَيْفَة يَقُول: إنَّه أبي، فلم يَفْهَمُوا قولَه إلا بعد أنْ قَتَلُوه، فقال حُذَيْفة: يَغْفِر الله لكم وهو أرحم الرَّاحمين، فلما سَمِعَ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذلك، أزْدَاد وَقْع حُذَيْفَة عِنْدَه، فَنَزَلَت هَذِه الآية. وثانيها: أن أبا الدَّرْدَاءِ كان في سَرِيَّة، فَعدل إلى شَعْبٍ لحاجة [فوجد] رجُلاً في غَنَم لَهُ، فحمل [عليه] بالسَّيْف، فقال الرَّجُل لا إله إلا الله، فقتلَه وسَاقَ غَنَمَهُ، ثم وَجَد في نَفْسِه شَيْئاَ فذكر الوَاقِعة للرَّسُول - عليه الصَّلاة والسلام - فقال النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «هَلاَّ شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِه» وندم أبُو الدَّرْدَاءِ، فنزلت الآية. ثالثها: عيَّاش بن أبي رَبِيعَة المَخْزُومِيَّ، وكان أخَاً أبِي جَهْل من أمّه: أتى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بمكة قبل الهجرة فأسلم ثم خاف أن يُظهر إسلامَه لأهله فخرج هارباً إلى المدينة، وتحصّن في أطم من آطامِها، فجزعت أمه لذلك جزعاً شديداً وقالت لابنها الحارث وأبي جهل بن هشام وهما أخواه لأمه: والله لا يظلني سقف ولا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى تأتوني به، فخرجا في طلبه وخرج معهما الحارث بن زيد بن أبي أنيسة حتى أتوا المدينة، فأتوا عياشاَ وهو في الأطم، قالا له: إنزل فإنّ أمك لم يُؤوها سقف بيت بعدك، وقد حلفت ألاّ تأكل طعاماً ولا تشرب شراباً حتى ترجع إليها ولك عهد الله علينا أن لا نكرهك على شيء ولا نحول بينك وبين دينك، فلما ذكروا له جزع أمه وأوثقوا له بالله نزل إليهم فأخرجوه من المدينة ثم أوثقوه بنسعةٍ فجلده كل منهم مائة جلدة، ثم قدموا به إلى أمّه فلما أتاها قالت: والله لا أُحِلّكَ من وثاقك حتى تكفر بالذي آمنت به، ثم تركوه موثقاً مطروحاً في الشمس ما شاء الله فأعطاهم الذي أرادوا فأتاه الحارث بن زيد فقال: يا عياش أهذا الذي كنت عليه فوالله لئن كان هُدى لقد تركت الهدى، ولئن كان ضلالة لقد كنت عليها، فغضب عياش من مقالته، وقال: والله لا ألقاك خالياً أبداً إلا قتلتك، ثم إن عياشاً ألم بعد ذلك وهاجر ثم أسلم الحارث بن زيد بعده وهاجر إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقال: يا رسول الله قد كان من أمري وأمر الحارث ما قد علمت، وإني لم أشعر بإسلامه حتى قتلته فنزلت الآية. فصل تفسير قوله - تعالى -: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ قوله: ﴿وَمَا كَانَ [لِمُؤْمِنٍ﴾ ] قيل: معناه: ما كانَ لَهُ فيما أتاه من رَبَّه وعهد إلَيْه، وقيل: ما كَانَ لَهُ في شَيْءٍ من الأزمِنة ذلك، والمَقْصُود: بَيَان أنّ حُرْمَة القَتْل كانت ثَابِتَة من أوَّل زمان التَّكْلِيف. وقوله: «إلا خطأ» فعلى القَوْل بأنَّهُ مُتَّصِلٌ؛ ذكروا وُجُوهاً: أحدها: أن هذا الاستِثْنَاء مَعْنَاه: أن الإنْسَان يُؤاخذ عن القَتْل، إلا إذا كان القَتْل قتْل خَطَأ، فإنَّه لا يُؤاخَذُ به. وثانيها: أنه استْثْنَاء صَحِيحٌ على ظاهر اللِّفْظِ، والمعنى: ليس لِمُؤمِنٍ أن يَقْتُل مُؤمِناً ألْبَتَّةَ إلا عند الخَطَأ، وهو ما إذا رأى عليه شِعَار الكُفَّار، أو وَجَدهُ في عَسْكَرِهِم فظنه مُشْرِكاً. فَحيِنئذٍ يَجُوز قَتلُه. ثالثها: أن في الكَلاَم تَقْدِيماً وتأخِيراً، والتقدير: ومَا كَانَ لِمُؤمِن أن يَقْتُل مُؤمِناً إلا خَطَأ؛ كقوله - تعالى -: ﴿مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ﴾ [مريم: 35] أي: وما كان الله ليتَّخِذَ من وَلَدٍ؛ لأنَّه - تعالى - لا يُحَرِّم عليه شَيْءٌ، إنَّما يُنْفَى عنه ما لا يَلِيقُ بِهِ. قال القُرْطُبِي: قوله: ﴿وَمَا كَانَ﴾ لَيْس على النَّفِي، وإنَّما هو على التَّحْرِيم والنَّهِي؛ كقوله: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ الله﴾ [الأحزاب: 53] ولو كانت على النَّفِي، لما وُجِد مُؤمِنٌ قَتل مُؤمِناً [قط] ؛ لأن ما نفاه الله لا يجُوز وُجُودهُ؛ كقوله ﴿مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا﴾ [النمل: 60] ، معناه: ما كُنْتُم لِتُنْبِتُوا؛ لأنه - تعالى - لم يُحرَّم عليهْم أنْ يُنْبِتُوا الشجر، إنما نَفَى عَنْهُمْ أن يمكنهم إنْبَاتُهَا، فإنه - تعالى - هو القَادشرُ على إنْبَاتِ الشَّجَرِ. ورابعها: أن وجْه الإشْكَال في اتِّصَال هذا الاستِثْنَاء أن يُقَال: الاستثناء من النَّفْي إثْبات، وهذا يَقْتَضِي الإطْلاق في قَتْل المُؤمِن في بَعْضِ الأحْوالِ، وذلك محَالٌ؛ لأن ذلِكَ الإشْكَال إنَّما يَلْزَمُ إذا سَلَّمْنا أنَّ الاستثناء من النَّفْيِ إثْبَات، وذلك مُخْتَلف فيه بين الأصُوليِّين، والصَّحيحُ أنَّهُ لا يَقْتَضِيه؛ لأن الاستِثْنَاء يَقْتَضِي نَفْيَ الحُكْمِ عن المُسْتَثْنَى، لا صَرْف المحكوم عليه، لا بالنَّفْيِ ولا بإثْبَات، وحينئذ يَنْدَفِع الإشْكَال، وممَّا يَدُلُّ على أنَّ الاستثناء في المَنْفِيِّ ليس بإثْبَاتٍ، قوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «لا صَلاَةَ إلاَّ بطَهُورٍ ولا نِكَاحَ إلاَّ بولِيِّ» ويقال: لا مُلْكَ إلا بالرِّجَالِ، ولا رِجَال إلاَّ بالمَالِ، والاستثناء في هذه الصور لا يُفيد أن يكون الحُكْم المُسْتَثْنَى من النَّفْي إثْبَاتاً. وخامسها: قال أبُو هَاشِم: وتقدير الآيَة: وما كان لِمُؤمِنٍ أنْ يَقْتُل مُؤمِناً [إلاَّ] أن يَكُون خَطَأ، فإنَّه لا يُخْرِجُه عن كَوْنِه مُؤمناً، وهذا بِنَاء على أصْلِهِم، وهو أنَّ الفَاسِق عند المُعْتَزِلةِ لَيْسَ بمُؤمِن، وهو أصْلٌ [فاسدٌ] وباطل. وإن قُلنا: إنه استِثْنَاء مُنْقطعٌ، فهو لمعنى لكن، ونظائره كثيرة، قال - تعالى -: ﴿لاَ تأكلوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بالباطل إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً﴾ [النساء: 29] . وقال: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثم والفواحش إِلاَّ اللمم﴾ [النجم: 32] وقال: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً﴾ [الواقعة: 25، 26] . فصل قال القُرْطُبِي: ذهب دَاوُد إلى وُجُوب القِصَاصَ بين الحُرِّ والعِبْد، في النَّفْس وفي الأعْضَاءِ، لقوله - تعالى -: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ النفس بالنفس﴾ [المائدة: 45] إلى قوله: ﴿والجروح قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45] ولقوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «المُؤمِنُون تتكَافَأ دِمَاؤُهُم» ولم يفرق بَيْنَ حُرٍّ وعَبْدِ. قال أبُو حنِيفَة [وأصْحَابُه] : لا قِصَاص بين الأحْرَار والعَبِيد إلا [في] النَّفْسِ، فيُقتل الحُرُّ بالعَبْدِ كما يقتل العَبْدُ بالْحُرِّ، ولا قِصَاص بينهما في الجِرَاح والأعْضَاء، وأجمع العُلَمَاءُ على أنَّ قوله - تعالى -: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً﴾ لأنَّه لم يَدْخُل فيه العَبِيدُ، وإنما أريد به: الأحْرار؛ فكذلك قوله - عليه السلام: - «المُؤمِنُون تَتَكَافَأ دِمَاؤُهُم» أريد به الأحْرَار خَاصَّة، والجُمْهُور على ذلك، وإذا لم يَكُن قِصَاصٌ بين العَبيد والأحْرار فيما دُونَ النَّفْسِ، فالنفس أحْرَى بذلك، وقد مَضَى هذا في البَقَرَةِ. قوله: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ «خطأ» إما مَنْصُوب على المَصْدَر، أي: قتلاً خطأ، وإما على [أنَّه] مصدرٌ في مَوْضِع [الحال] أي ذا خَطَأٍ أو خاطئاً والفَاء في قوله: «فتحرير» جوابُ الشَّرْطِ، أو زائِدَةٌ في الخَبَر إن كَانَت «من» بمعنى الَّذِي، وارتِفَاعُ «تحرير» : إمَّا على الفَاعِليَّةِ، أي: فيجبُ عليْه تَحْرِير، وإمَّا على الابتدائِيَّة، والخبر مَحْذُوف أي: فعليه تحرير أو بالعكس، أي: فالوَاجِبُ تَحْرِيرُ، والتحرير عبارةٌ عن جَعْلِهِ حُرَّا والحُرُّ هو الخَالِصُ، ولما كان الإنْسَان في أصْلِ الخلقة خُلِقَ لِيَكُون مالكاً للأشْيَاءِ، لقوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الأرض جَمِيعاً﴾ [البقرة: 29] فكونه مَمْلُوكاً صفة تُكَدَّر مقتضى الإنْسَانِيَّة، فسميت إزالة المُلْكِ تَحْرِيراً، أي: تخليصاً لذلك الإنْسَان عما يُكَدِّر إنْسَانيَّتَهُ، والرَّقبة عبارَةٌ عن النَّسَمَة في قولهم: «فُلان يَمْلِك كَذَا رَأساً من الرَّقِيق» . والدِّيَةُ في الأصْلِ مَصْدر، ثم أطلَقَ على المالِ المَأخُوذ في القتل، ولذلك قال: ﴿مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ﴾ ، والفعلُ لا يُسَلَّمُ بل الأعٍيَان، تقول: وَدَى يَدِي دِيَةً ووَدْياً، كوشَى يَشِي شِيَةٌ، فحذفت فَاءُ الكَلِمَة، ونَظِيرُه في الصَّحيح اللام: «زِنة» و «عِدة» ، و «إلى أهله» متعلَّق ب «مسلمة» تقول: سَلَّمت إليه كَذَا، ويجُوز أن يكون صِفَةً ل «مسلمة» وفيه ضَعْفٌ. فصل الخلاف في القصاص للقتل العمد معنى [الآية] فِعلية رقبة مُؤمِنَة كَفَّارة وَدِية كَامِلَة ﴿مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ﴾ أي: إلأى أهْل القتيل الذين يَرِثُونه، «إلا أن [يصدقوا» . أي:] يتصدَّقُوا بالدِّيَة فيَعفوا ويَتْرُكُوا الدِّيَة، واختلفوا في قتل العمد: فقال أبو حنيفة: لا يُوجِب الكَفَّارة؛ لهذه الآيَة فقال: «ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير [» رقبة» ] شرط لوجوب الكَفَّارةِ كونه خطأ، وعند انتفاء الشَّرْط لا يَحْصل المَشْرُوط. وقال الشَّافِعِيُّ: تجب الكفَّارة؛ لما رَوَى واثِلة بن الأسْقَع، قال: أتَيا رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في صَاحِب لَنَا أوجب النَّار بالقَتْلِ، فقال: أعْتِقُوا عنه يَعْتِقُ الله بِكُلِّ عُضْوٍ منه عَضْواً منه [من النَّار] ولأن الكَفَّارة في قَتْل الصَّيْد في الحَرَمِ والإحْرَام، يستوي فيه العَامِدُ والخَاطِئُ [إلا] في الإثْمِ فَكَذَا في قَتْل المُؤمِنِ. فصل قال ابن عبَّاس، والحَسَن، والشَّعْبي، والنَّخْعِي: لا تجزئ الدِّيَة إلا إذا صًام وصَلَّى، لأنه وَصَفَها بالإيمَانِ، والإيمانً: إمَّا التَّصْديقُ، وإمَّا العَمَلُ، وإمَّا المجْمُوع والكل فائِت عن الصَّبي. وقال الشَّافِعِي ومالك والأوزاعِي وأبُو حنيفة: يُجْزئ الصَّبِي إذا كَانَ أحَد أبويه مُسْلِماً، لأنَّ قوله: «ومن قتل مؤمناً [خطأ] » يَدْخُل فِيه الصَّغير فَكَذَا قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ يدخل فيه الصَّغيرُ. فصل قال أبو بَكْر الأصم: وجمهور الخَوَارج: الدِّيَة واجبةٌ على القَاتِلِ لوجُوهٍ: الأوَّل: لأنَّ قوله: «فتحرير رقبة» والمراد: إيجَابُها على القَاتِل لا عَلَى غَيْره بالإجْمَاعٍ فكذا الدِّيَّة؛ لأن اللَّفْظَ في الموضعَيْن وَاحِدٌ. الثاني: أن الجِنَايَة إنَّما صَدَرت مِنْهُ، والضَّمَان لا يَجِبُ إلاَّ على المُتْلِفِ، أقصى ما في البَاب أنَّ هذا الفِعْل صَدَر عنه على سَبيل الخَطَأ، والفِعْل الخَطَأ في قِيم المُتْلَفَاتِ وأروش الجنايَاتِ، قائم مقام العَمْد، وتلك لا تَجِب إلا على المُتْلِف فكذا هَهُنَا. الثالث: أن العَاقِلَة لم يصْدر عَنْهم خيانة، فلا يَجبُ عليْهم شَيْء؛ لقوله - تعالى -: ﴿وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: 164] وقال: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت﴾ [البقرة: 286] «ورُوِيَ أنَّ أبا رَمْثه دَخَل على النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ومَعَهُ ابْنُه، فقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - من هذا؟ فقال ابْني، فقال:» إنَّه لا يَجِنِي عَلَيْك ولا تَجْنِي عليه» ومَعْلُوم أنَّه ليس المَقْصُود الإخْبَار عن نَفْسِ الجِنَايَة، إنَّما المَقْصُود: بيان [أن] أثر جَنَايتكَ [لا] يَتَعَدَّى إلى وَلَدِكَ وبالعكس. الرابع: إن النُّصُوص تدلُّ على أن مالَ الإنْسَان مَعْصُوم [وأنه] لا سبيل لأحَدٍ أن يأخُذَه منه، قال - تعال -: ﴿لاَ تأكلوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بالباطل إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ﴾ [النساء: 29] . وقال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «كُلُّ امْرِئ أحَقُّ بِكَسْبِه» وقال: «حرمة مال المسلم كحرمة دمه» وقال: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس» تركنا هذه النُّصُوص في الأشْيَاءِ الَّتِي عرفنا بنصّ القُرْآن كَوْنَها مُوجِبَة لجوازِ الأخذ كالذَّكَوَات، وأخذ الضَّمَانات، وأمّا الدِّيَة على العَاقِلَة، فالمُعْتَمَد فيه عَلَى خَبَرِ الواحِدِ، وتَخْصِيصُ عُمُوم القُرْآنِ بخير الوَاحِدِ لا يجُوزُ؛ لأن القُرآن مَعْلُوم وخبر الوَاحِدِ مَظْنَون، ولا يَجُوزُ تقديم المَظْنُونِ على المَعْلُومِ؛ ولأن هذا خَبَر وأحِدٍ وَرَدَ فيما تَعُمُّ به البَلْوَى؛ ولأنَّه خبر وَاحِدٍ ورد على مُخَالَفَةِ أصُولِ الشَّرِعةِ فوجب رَدُّه، واحتجَّ الفُقَهَاءِ بما «رُوِيَ [عن] المُغيرةِ أنَّ امْرَأة ضَرَبَتْ بَطْنَ امْرَأةٍ، فالقَت جَنباً ميّتاً، فَقَضَ رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على عَاقِلَة الضَّارِبَة بالغِرَّة، فقام حَمْل بن مَالِك فقال: كَيْفَ نَدِي من لا شَرِبَ ولا أكَل، ولا صَاحَ ولا اسْتَهَلَّ، ومثل ذَلِكَ يُطِل، فقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: هذا من سَجْع الجاهلية» . وعن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - فقُضِيَ عَلَى عَليَّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - بأن يعقل عن مَوْلَى صَفية بنت عَبْد المُطَّلِب حين جَنَى موْلاَهَا، وعَلِيٌّ كان ابْن أخِي صَفِيَّة وقضى للزُّبَيْر بمِيِيراثِهَا، وهذا يَدلُلُّ على أنَّ الدِّيَة إنَّما تِجِبُ عَلَى العَاقِلَة. فصل مذهب الفُقَهَاء أنَّ دِيَة المرأة نِصْف دِيَة الرَّجُل، وقال الأصَمُّ وابن عَطِيّة: ديتُها مِثْلُ دِيَةِ الرَّجُل، واحْتَجَّ الفقهاء بأن عَليَّا، وعُمَر، وابن مَسْعُود قَضَوْا بذلك؛ ولأن المرأة في المِيراث والشَّهَادَةِ على النِّصْفِ من الرَّجُلِ، فكذلك في الدِّيَة، واستدل الأصَمُّ بهذه الآيَة قوله - تعالى -: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ﴾ وأجْمَعُوا على أنَّ هذه الآية دَخَلَ فيها حُكْم الرَّجُل والمرأة فوجب أن يكون الحُكْم ثَابِتاً فِيَها بالسويّة. قوله: ﴿إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه اسْتِثْنَاء مُنْقَطِع. والثاني: أنه متصلٌ. قال الزمخشري: «فإن قُلْتَ: بِمَ تَعَلَّق» أن تصدقوا «وما مَحَلُّه؟ قلت: تَعَلَّق ب» عليه «أو ب» مسلمة «كأنه قِيلَ: وتَجِبُ عليه الديَّة أو يًسَلِّمُهَا إلا حِين يتصدَّقُون عليه، ومَحَلُّها النَّصْب على الظَّرْف، بتقدير حذف الزَّمَانِ، كقولهم:» اجلس ما دام زَيْدٌ جالِساً» ، ويجُوز أن يكُون حَالاً من «أهله» بِمَعْنَى إلا مُتصدِّقين» . وخطَّأه أبو حيَّان في هذين التَّخْرِيجين. أما الأوّل: فلأنَّ النَّحْويَّين نَصُّوا على مَنْع قِيَام «أنْ» وما بعدها مقامَ الظَّرْف، وأنَّ ذلك ما تَخْتَصُّ به «ما» المَصْدَرِيّةُ، لو قلت: «آتيك أن يَصِيحَ الدِّيكُ» أي: وقت صِيَاحه، لم يَجُز. وأما الثَّانِي: فنصَّ سِيبوَيْه على مَنْعِه أيضاً، قال في قَوْلِ العرب: «أنْت الرَّجُل أن تُنَازِلُ، أو أنْ تُخَاصِم» أي: أنْتَ الرَّجُل نزالاً ومُخَاصَمَة: «إنَّ انْتِصَابِ هذا انْتِصَابُ المَفْعُول من أجْلِه، لأنَّ المُسْتَقْبَل لا يَكُون حالاً» فكونُه مُنْقَطعاً هو الصَّوابُ. وقال أبو البَقَاءِ: «وقيل: هو مُتَّصِلٌ، والمَعْنَى: فعليه دِيَةٌ في كُلِّ حَالٍ، إلا في حال التَّصَدُّق عَلَيْه بِهَا» . والجُمْهُور على «يصدقوا» بتشديد الصَّاد، والأصل: يتصدَّقوا، فأدْغمت التَّاء في الصَّاد، ونُقِل عن أبيِّ هذا الأصل قِرَاءةٌ، وقرأ أبو عمرو في رِوَاية عَبْد الوَارِثِ - وتُعْزى للحَسَن وأبي عَبْد الرَّحْمَن: - «تصدقوا» بِتَاءِ الخِطَاب، والأصل: تتصَدَّقُوا بتَاءَيْن، فأدغمت الثَّانِية، وقُرئ: «تَصْدُقوا» بتاء الخِطَاب وتَخْفِيف الصَّاد، وهي كالَّتِي قَبْلَها، إلا أنَّ تَخْفِيفَ هذه بِحَذْفِ إحْدَى التَّاءَيْن: الأولَى أو الثَّانِية على خِلاف في ذلك، وتَخْفيف الأولَى بالإدْغَام. قوله [- تعالى -] : ﴿فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ لما ذكر أوَّلاً أنَّ قتل المُؤمِن خَطَأ [فيه] تحرِيرُ رَقَبَة، وتَسْلِيم الديَّة، ذكر هُنَا أنَّ من قَتَل خَطَأ من قَوْم عَدُوٍّ لنا فَعَلَيْه تَحْرِير الرقبة، وسَكَت عن الدِّيَة، ثم ذَكَر بعده إنْ كان من قَوْمٍ بَيْنَكُم وبَيْنَهُم ميثَاقٌ، وجَبت الدِّيَةُ، فالسُّكُوت عن إيجَاب الدِّيَة، ثم ذَكَر بعده إنْ كان من قًوْمٍ بَيْنَكُم وبَيْنَهُم ميثاقٌ، وجَبت الدِّبَةُ، فالسُّكُوت عن إيجَاب الدِّيَة هنا وإيجَابُها فِيمَا [قبل هذه الآية] وفيما بعد يدُلُّ على أنَّ الدِّيَة غير وَاجِبَة في هَذِه الصُّورَة، وإذا ثبت هذا، فَنَقُولُ: قوله - تعالى -: ﴿مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ﴾ إمَّا أن يَكُون المُرادُ مِنْهُ كَوْن هذا المَقْتُول من سُكَّان دَارِ الحَرْب، أو كَوْنه ذا نَسَبٍ منْهُم. والثاني بَاطِلٌ؛ لانعقاد الإجْمَاع على أن المُسْلِمَ السَّاكن في دَارِ الإسْلام، وجَميع أقارِبِه كُفَّار، فإذا قُتِلَ خَطَأ، وجبت الدِّيَة في قَتْلِه، فتعيَّن الأوَّل، وهو كَوْن المَقْتُولِ خَطأ من سُكَّان دَارِ الحَرْبِ وَهُو مُؤمِنٌ، فتجب [فيه] كَفَّارة بلا دِيَة. قال الشَّافِعِي: كما دَلَّت هذه الآيَةُ على هَذَا المَعْنَى، فالقياس يُقَوِّيه فأمَّا أنَّه لا تَجِبُ الدِّية، فلأنَّا لو أوْجَبْنا الدِّيَة في قَتْل المُسْلِم السَّاكِن في دَارِ الحَرْب، لاحْتَاج مَنْ يريدُ غَزْوَ دَارِ الحَرْب، إلى أنْ يَبْحَث عَنْ كُلِّ أحدٍ أنه هَلْ هُوَ من المُسْلِمِيِن أمْ لا، وذَلِكَ مما يَصْعب وَيشقُّ، فيفضي إلى اْحترازِ النَّاسِ عن الغَزْوِ، فالأوْلَى سُقُوط الدِّيَة عن قاتِله؛ لأنَّه الذي أهْدَرَ دَمَ نَفْسِه باخْتِيَار السُّكْنَى في دَارِ الحَرْب، وأمَّا الكَفَّارة فإنَّها حَقُّ الله - تعالى -؛ لأنَّه قَتَل إنْسَاناً مُؤمِناً مُواظِبَاً على عِبَادة الله - تعالى -، وقيل: المُرادُ منه: إذا كان المَقْتُولُ مُسْلِماً في دَارِ الإسلامِ، وهو من نَسَبِ قوم كفارٍ، [وأقاربه] في دار الحرب - حرب المسلمين - ففيه الكَفَّارةُ بِلا دِيَة [لأهله] ، وكان الحَارِثُ بن زَيْد من قوم كُفَّار حربٍ للمسلمين، وكان فيه تَحْرِير رَقَبة، ولم يَكُن فيه دِيّة؛ لأنَّه لم يَكُن بين قَوْمِه وبَيْن المُسْلِمِين عَهْد. قوله: ﴿وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً﴾ فيه قولان: أحدهما: أن المُرادَ مِنْه: المُسْلِم؛ لأنَّه - تعالى - ذكر أوّلاً حال المُسْلِم القَاتِل خَطَأ، ثم ذكر حال المُسْلِم المَقْتُول خَطَأ إذا كان بَيْنَ أهْل الحَرْب، ثم ذكر حال المُسْلِم [المَقْتُول خَطَأ] إذا كان بين أهْلِ العهد وأهْل الذِّمَّة، ويؤكَّدُه قوله: «وإن كان» فلا بُدَّ من إسْنادِه إلى شَيْء تقدَّم ذِكْرُه وهو المُؤمِنُ المَنْقُول خَطَأ. الثاني: أن المُرَاد منه: الذمي أو المُعاهد، وهؤلاء طَعَنُوا في القَوْل الأوَّل من وُجُوه: أحدها: أن المُسْلِم المَقْتُول خَطَأ سواءٌ كَانَ من أهْل الحَرْب أو من أهل الذِّمَّة، فهو دَاخِلٌ تحت قوله: «ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة [مؤمنة] ودية مسلمة إلى أهله» فلو كان المُراد من هذه الآية هو المُؤمِن المَقْتُول من سُكَّان دَارِ الحَرْبِ، فإنه - تعالى - إنما أعَادَهُ لبَيَانِ أنَّه لا تَجِبُ الدِّيَة في قَتْلِه، فأمَّا هَهُنَا فَقَدْ أوْجَبَ الدِّيَة والكَفَّارة، فلو كان المُرادُ هو المُؤمِن، لكان تِكْرَاراً من غير فَائِدَةٍ، وأنه لا يجُوزُ. ثانيها: لو كان المُرادُ ما ذكَرْتُم لما كانَت الدِّيَة مُسَلَّمَة إلى أهله؛ لأنَّ أهْلَه كُفَّار لا يَرِثُونَهُ. ثالثها: أن قوله: [ «وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق» ] يقتضي أن يكُونوُا مِنْ ذلك القَوْم في الوَصْفِ الذي وقع التَّنْصيص عليه، وهو حُصُول المِيثاقِ بَيْنَهُمَا، فإن كَوْنَه منهم مُجْمَل، لا يَدْرِي أنَّه مِنْهُم في أيَّ الأمُور، وإذا حَمَلنَاه على كَوْنِهِ مُعَاهداً، [وجب أن يكون مُعَاهداً أو ذمِّيّاً] مثلهم، ويمكن أن يُجَابَ عن هَذِه الأوجه: أمَّا الأوَّل: فلأن الله - تعالى - ذكر حُكْم المُؤمِن المَقْتُول خَطَأ السَّاكِن في دَارِ الحَرْبِ، وبيَّن أنَّ أهْلَ الذِّمَّة، وبيَّن وُجُوب الدِّيَة، وذكر القِسْم الثَّانِي، وهو المُؤمِنُ المَقْتُول خَطَأ السَّاكن بين أهْلِ الذِّمَّة، وبيَّن وُجُوب الدِّيَة، والكَفَّارة في قَتْلِه، والغَرَضُ منه: إظْهَار الفرق بَيْنَهُ وبين القِسْم الذي قَبْلَه. والجَوَابُ عن الثَّاني: أن أهْلَه هم المُسْلِمُون الَّذِين تُصْرف الدية إليهم. وأما الثالث: فإن كَلِمَة «من» صَارَت مُفَسرة في الآيَة السَّابِقة؛ بمعنى «في» ، يعن: في قوم عَدُوٍّ لكم، فكذا هَهُنَا، وفائِدَة هذا البَحْث تَظْهَر في مَسْألة شرعِيّة، وهي أنَّ أبَا حَنِيفَة يرى أنَّ دِيَة الذِّمِّي مثل ديَة المُسْلِم. وقال الشافعي: دية اليَهُودِيّ والنَّصْرَاني ثُلْث دِيَة المجوسي، وقال غيره: نِصْف دِيَة المُسْلِم. واحتج أبُو حَنيفَة بقوله: «وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق» والمرادُ به: الذِّمِّي، ثم قال: «فدية» فأوْجَبَ فيهم تمام الدِّيَة. وجَوَابُه: أن نَقُول: هذه الآية نَزَلَت في المُؤمِنِين كما بَيَّنَّا فَسَقط استدلاَلُه، وبتقدير أن تَكُونَ نَزَلَت في أهْل الذِّمَّة، فإنما وَجَبَ [فيها] مسمَّى دِيَة، ولكن لم يُبَيِّن مِقْدَارَها، فلم قُلْتُم بأنَّ الدِّية التي أوجَبَها في حَقِّ المُسْلِمِ، بل لِكُلِّ دَيةٍ مقدارٌ مُعَيَّن، فإن الدِّية هي المالُ المأخوذ الَّذي يؤدِّى في مقابَلَةِ النَّفْسِ. فإن قيل: لِمَ قدَّم تَحْرِير الرَّقَبَة على الدِّيَة في الأولى، وهَهُنا عَكَسَ؟ الجواب: أن الوَاوَ لا تُفِيد الترْكيب، فتصيرُ كَقَوْله: ﴿وادخلوا الباب سُجَّداً [وَقُولُواْ حِطَّةٌ﴾ ] [البقرة: 58] ، وفي آية أخرى، ﴿وَقُولُواْ حِطَّةٌ وادخلوا الباب سُجَّداً﴾ [الأعراف: 161] . فصل والكفَّارة تكُون بإعْتَاق رَقَبَةٍ مؤمِنةٍ سواء كان المَقْتُول مُسْلِماً أو مُعاهِداً، رجلاً أو امْرأةً، حرًّا كان أو عَبْداً، وتكُون في مَالِ القاتِل. قوله - تعالى -: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ الله وَكَانَ الله عَلِيماً حَكِيماً﴾ . قوله: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ﴾ مفعولُه مَحْذُوفٌ: أي: فَمَنْ لم يَجِدْ رَقَبة، وهي بِمَعْنَى وجدان الضَّالِّ، فلذلك تَعَدَّتْ لِوَاحِدٍ، وقوله: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ﴾ ارتفاعه على أحَدِ الأوْجه المذكُورة في قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ وقد مَرَّ، أي: فعليه صِيَامُ، أو: فيجبُ عليه صِيَامُ، أو فواجبه صِيَام. قال أبُو البَقَاءِ، ويجُوزُ في غَيْر القُرْآنِ النَّصْبُ على «فليصم صوم شهرين» . وفيه نظرٌ؛ لأنَّ الاسْتِعمَال المعروفَ في ذَلِكَ أنْ يُقَالَ: «صمت شهرين ويومين» ، ولا يَقولون: صُمْتُ صومَ - ولا صِيَامَ - شَهْرَين. فصل إذا كان وَاجِداً للرقبة، أو قادراً على تَحْصِلَها بِثَمَنِها، فاضِلاً عن نَفَقَتِه ونَفَقَة عِيَاله وحاجته من مَسْكَنٍ ونحوه، فعليه الإعْتَاق، ولا يَجُوز له الصَّوْم، أو نَوَى صَوْماً أخَر، وجب عليه الاستِئْنَاف، فإن أفْطَرَ بعُذْرٍ مُرَخَّصٍ، أو سَفَرٍ، أو حيض: فقال النَّخْعِيُّ، والشافعي في أظهر قَوْليه: يَنْقَطِع التَّتابُع، وعليه الاستِئْنَاف. وقال سعيد بن المسيَّب، والحَسَن، والشَّعْبِي: لا يَنْقَطِع، ولو حَاضَت المَرْأة، لم ينقطع التَّتَابُع، لأنَّه لا يُمْكِنُ الاحتِرَازُ عنه؛ قال مَسْروقُ: فإن الصَّوْم بدلٌ من مَجْمُوع الكَفَّارَةِ والدِّيَة. فصل: فيما إذا عجز عن الصوم هل يطعم؟ إذا عَجَز عن الصَّوْم هل يُطْعِم ستِّين مِسْكِيناً فيه قولان: أحدهما: يطعم كالظِّهَار. والثاني: لا؛ لأن المُشَرِّع لم يذكر له بَدَلاً. أحدها: أنه مَفْعُول من أجْلِه، تقديره: شَرَعَ ذلك توبةً منه. قال أبو البَقَاءِ: ولا يجُوز أن يَكُون العَامِل: «صوم» إلا على حَذْف مُضَافٍ، أي: لوقوعِ تَوْبَة [من الله] أو لحُصُول توبة [من الله] . يعني: أنه إنما احْتَاج إلى تَقْدِير ذلك المُضَافِ، ولم يقل إن العَامِل هو الصِّيَام؛ لأنه اختلَّ شَرْطٌ من شروطِ نَصْبه؛ لأنَّ فاعلَ الصِّيَام غيرُ فاعل التَّوبَة. الثاني: أنها مَنْصُوبةٌ على المَصْدَر أي: رجُوعاً منه إلى التَّسْهِيل، حيث نَقَلكم من الأثْقَلِ إلى الأخَفِّ، أو توبة مِنْه، أي: قَبُولاً منه، مِنْ تاب عَلَيْه، إذا قبل تَوْبَته، فالتقدير: تابَ عليكم تَوْبَةً [مِنْه] . الثالث: أنها مَنْصُوبةٌ على الحَالِ، ولكن على حَذْفِ مُضَافٍ، تقديره: فَعَليه كذا حالَ كَوْنِهِ صَاحِبَ توبةٍ، ولا يجُوز ذلك من غَيْر تَقْدِير هذا المضاف؛ لأنك لو قُلْتَ: «فعليه صِيَامُ شهريْنِ تَائِباً من الله» لم يَجُزْ، و «من الله» في مَحَلِّ نَصْب؛ لأنه صِفَةٌ ل «توبة» فيتعلَّقُ بمحْذُوف. فإن قيل: الخَطَأ لا يَكُون مَعْصِية، فما مَعْنَى قوله: ﴿تَوْبَةً مِّنَ الله﴾ . فالجواب من وجوه: الأول: أنَّ فيه نَوْعاً من التَّقْصِير، فإنَّ الظَّاهِر أنَّه لو بَالَغ في الاحْتِيَاطِ والاسْتِكْشَافِ لما تعذر عليه الفعل، ألا تَرَى أن من قَتَل مُسْلِماً يظنه حَرْبيَّا، فلو بالغ في الاستكشافِ، فالظَّاهر أنَّه لَمْ يقَعْ فيه، ومن رمى صَيْداً فأصَاب إنْسَاناً، فلو احتاطَ ولم يَرْمِ إلاَّ في مَوْضع يَقْطَع بأنه ليس هُناك إنْسَان، فإنَّه لا يقع في تلك الواقعة؛ فقوله: ﴿تَوْبَةً مِّنَ الله﴾ تنبيه على أنه كَانَ مُقَصِّراً في ترك الاحْتِيَاطِ. وثانيها: أن قوله: ﴿تَوْبَةً مِّنَ الله﴾ راجعٌ إلى أنَّه - تعالى - أذِن لهُ في إقَامة الصَّوم مقامَ الإعْتَاقِ عند العَجْزِ عنه؛ لأن الله - تعالى - إذا تَابَ على المُذْنِبِ، فقد خَفَّفَ عَنْه، فلما كان التَّخْفِيف من لَوَازِم التَّوْبَة، أطلف لَفْظَ «التوبة» لإرادة التَّخْفِيف؛ إطلاقاً لاسْمِ المَلْزُوم على اللاَّزِم. وثالثها: أن المُؤمِن إذا اتَّفق له مِثْل هذا الخَطِأ، فإنه يَنْدَم ويتمنَّى ألاَّ يكون ذلك ممَّا وقَع، فسمَّى الله ذلك النَّدم والتَّمنِّي تَوْبَة. ثم قال - تعالى -: ﴿وَكَانَ الله عَلِيماً﴾ بأنَّه لن يقْصِد «خطأ» لما حَكَم بِهِ عَلَيْه، ولم يؤاخِذُهُ بذلك الفَعْل الخَطَأ، فإن الحَكْمَة تقتضي ألاّ يُؤاخذ الإنْسَان إلا بما يَتَعَمَّد. قال أهل السُّنَّة: أفعال الله - تعالى - غير معلَّلَةٍ برعاية المَصَالِحِ، ومعنى كونه «حكيماً» : كونه عَالِماً بعواقِبِ الأمُور. قال المعتزلة: هذا باطِلٌ؛ لأنه - تعالى - عطف الحَكيم على العَلِيم، فَلَو كان الحَكِيم هو العَليم، لكان عَطْفَاً للشَّيْء على نَفْسِه، وهو مُحَالٌ. الجواب: أن كل موضع في القُرْآن [ورد فيه] الحكِيم معْطُوفاً على العَلِيم - كان المُراد من الحَكِيم: كونه مُحْكَماً في الفِعْل، فالإتقان، والإحْكَام، عائدٌ إلى كيفيَّة الفعلِ.

النساء 4:93

لما ذكر القتْل الخَطَأ، ذكر بعده بيان حُكم قتل العَمْدِ، وله أحكام مِثْل وُجُوب القِصَاص والديَّة، وقد ذُكر في سُورة البَقَرة عند قوله -[تعالى]- ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى﴾ [البقرة: 178] لا جرم اقْتَصَر هَهُنَا على بَيَان الإثْمِ والوَعِيد. وقوله: «معتمداً» : حالٌ من فَاعِل «يقتل» ، وروي عن الكَسَائِيّ سكون التَّاء؛ كأنه فَرَّ من تَوالِي الحَرَكات، و «خالداً نصْبٌ على الحَالِ من محْذُوف، وفيه تقديران: أحدهما:» يجزاها خالداً فيها» فإنْ شِئْتَ جَعَلْتَه حالاً من الضَّمِير المَنْصُوب أو المَرْفُوع. والثاني: «جازاه» ، بدليل ﴿وَغَضِبَ الله عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ فعطفَ المَاضِي عليه، فعلى هذا هي حَالٌ من الضَّمِير المنصوب لا غيرُ، ولا يجُوزُ أن تكون حالاً من الهَاءِ في «جزاؤه» لوجهين: أحدهما: أنه مُضَافٌ إليه، [ومَجِيْ الحَالِ من المُضَاف إليه] ضعِيفٌ أو مُمْتَنع. والثاني: أنه يُؤدِّي إلى الفَصْلِ بين الحَالِ وصاحبها بأجْنَبِيٍّ، وهو خبرُ المبتدأ الذي هو «جهنم» . فصل: سبب نزول الآية نَزَلَت [هذه الآية] في مقيس بن ضبابة الكِنْدِي، وكان قد أسْلَم هو وأخُوه هِشَامٌ، فوجد أخَاه هِشَاماً قَتِيلاً في بَنِي فهر إلى بَنِي النَّجَّار، فأتى رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فذكر له [ذلك] ، فأرسل رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ معه رَجُلاً من بَنِي النَّجَّار؛ أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يأمُرُكم إن عَلِمْتُم قاتل هِشَام بن ضبابة [أن تدفَعُوه] إلى مقيس فيقتصَّ منه، وإن لم تَعْلَمُوه أن تَدْفَعُوا إليْه ديته، فأبلغهم الفِهري ذلك: فَقَالوا: سمعاً وطاعَةً لله ولرسُولِه، ما نَعْلَم له قَاتِلاً ولكنَّا نُؤدِّي ديته، فأعطوه مِائة من الإبل، ثم انْصَرَفَا راجِعَيْن إلى المّدِينَة، فأتَى الشَّيْطَان مقيساً فوسْوَس إليه، فقال: تقبل دِيَّة أخيك فَتَكُون عليك مَسَبَّة، اقْتُل الذي ركب بَعِيراً منها وسَاقَ بقيَّتِها راجعاً إلى مَكَّة [كَافِراً] فنزل فيه: «ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها» بكفره وارتداده، وهو الَّذِي استثْنَاه النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يوم فَتْح مَكَّة عَمَّنْ أمَّنَهُ، فَقُتِل وهو مُتَعَلِّق بأستار الكَعْبَة، ﴿وَغَضِبَ الله عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [أي: طَرَدَهُ عن الرَّحْمَة] ﴿وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ . فصل: اختلاف العلماء في شبه العمد قال القرطبي: ذكر الله - عَزَّ وَجَلَّ - في كتابه العَمْد والخطأ، ولم يذكر شِبْهَ العَمْد، وقد اختلف العُلَمَاءِ في القَوْل به: فقال ابن المُنْذِر: وأنكر ذَلِكَ مَالِك؛ وقال: ليس في كِتاِ الله إلا العِمْدَ والخَطَأ وذكره الخَطَّابي أيضاً عن مَالِك، وزاد: أما شبه العَمْد فلا نَعْرِفُه. قال أبو عمرو: أنكر مَالِك واللَّيْث بن سَعْد شبه العَمْد، فمن قُتِلَ عِنْدَهُمَا بما لا يَقْتُل مثلُه غَالِباً؛ كالعضَّة واللَّطْمة، وضرب السَّوْط ونحوه؛ فإنه عَمْد وفيه القَوَد، قال: وهو قول جَمَاعَةٍ من الصَّحَابة والتَّابعين، وذهب جُمْهُور فقهاءِ الأمْصَار إلى أن هذا كُلّه شبع العًمْد. قال ابن المُنْذِر: شبْه العمد يُعْمَل به عِنْدَنا، وممن أثبت شِبْه العَمْ الشَّعْبيُّ، والحَكَم، وحمَّاد، والنَّخعِيُّ، وقتادَةُ، وسُفْيَان الثَّوْريُّ، وأهل العِرَاقِ والشافعي وأحمد، وذُكِرَ عن مالكٍ، ورُوِيَ عن عُمَر بن الخَطَّاب، وعن عَلِيّ بن أبي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أجمعين -. فصل فيمن تلزمه دية شبه العمد أجَمعُوا على أن دِيَة العَمْد في مالِ الجَانِي، ودية الخَطَأ على عاقِلَتِه، واختلفُوا في دية شبه العَمْد: فقال الحَارِث العُكْلِي، وابن أبي لَيْلَى، وابن شُبْرُمة، وقتادة، وأبو ثَوْر [هي] في مال الجَانِي. وقال الشَّعْبي، والنَّخْعِيّ، والحَكَم، والشَّافِعِيّ، والثَّوْرِيّ، ومحمد، وأحْمَد، وإسْحق، وأصحاب الرَّأي: [هي] على العاقلة. قال ابن المُنْذِر: وهو الصَّحِيحُ: لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ جعل الجَنِين على عاقِلة الضَّارِبَة. فصل اخْتَلَفُوا في حُكْم هذه الآية: [فَرُوِي] عن ابن عبَّاس أن قاتِل المرمن عَمْداً لا توبةَ لَهُ، فقيل له: أليْس قد قال الله - تعالى - في سورة الفُرْقَان: ﴿وَلاَ يَقْتُلُونَ النفس التي حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق﴾ [الفرقان: 68] إلى قوله ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذلك يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ العذاب يَوْمَ القيامة وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً إِلاَّ مَن تَابَ﴾ [الفرقان: 68 - 70] فقال: كانت هذه الآيةُ في الجاهِليَّة وذلك أن أناساً من أهْل الشِّرْك [كانوا] قد قَتَلُوا وزَنوا، فأتَوا رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فقالوا: إن الذي تدعُو إليه لَحَسنٌ، لو تخبرنا أنَّ لما عَلِمْنَا كَفَّارَة، فنزلت: ﴿والذين لاَ يَدْعُونَ مَعَ الله إلها آخَرَ﴾ [الفرقان: 68] ، إلى قوله ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ﴾ [الفرقان: 70] فهذه لأولَئِك، وأما الَّتي في النِّسَاء؛ فالرَّجل الذي إذا عرف الإسْلام وشرائِعَه، ثم قتل مُسْلماً متعمداً فجزاَؤُه جَهَنَّم. وقال زيْد بن ثابت: لما نزلت الآيةُ التي في الفُرْقَان ﴿والذين لاَ يَدْعُونَ مَعَ الله إلها آخَرَ﴾ [الفرقان: 68] ، عجبنا من لينها، فلبثْنَا سبْعَة أشْهر ثم نزلت الغَلِيظَة بعد اللَّيِّنَة، [ فنزلت] فَنَسَخَتْ الليِّنة، وأراد بالغَلِيِظَة هذه الآية، وبالَّيِّنَة أية الفُرقان. وقال ابن عبَّاسٍ: تلك آية مكِّيَّة، وهذه مَدَنيِّة نزلت ولم يَنْسَخْهَا شيء. وذهب أهل السُّنَّة إلى أن قَاتِل المُسْلِم عَمْداً توبته مَقْبُولة؛ لقوله - تعالى - ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً﴾ [طه: 82] ، وقال: ﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: 48] ، وما رُوي عن ابن عبَّاسٍ؛ فهو تَشديد ومُبَالغَة في الزَّجْرِ عن القَتْلِ، وليس في الآيَة متعلِّق لمن يَقُول بالتَّخْليد في النَّار بارتكاب الكبائر؛ لأن الآية نزلَتْ في قَاتِل [وهو] كَافِرٌ، وهو مقيس بن صبابة، وقيل: إنَّه وعيد لمن قَتَل كافراً مُخَلّداً في النَّارِ. حكي أنَّ عمرو بن عُبَيْد جاء إلى عمرو بن العَلاءِ، فقال: هل يُخْلِف الله وعده؟ فقال: لا، فقال: ألَيْسَ قد قال - تعالى -: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا﴾ فقال أبو عَمْرو: من العَجَم أتَيْت يا أبا عُثْمان: إن العرب لا تَعُدُّ الإخلاف في الوعيد خُلْفاً وذمَّا وإنَّما تَعُدُّ إخلاف الوَعْد خُلْفاً، وأنشد [شعراً] : [الطويل] 1864 - وأنَّي مَتَى أوْعَدْتُهُ أوْ وَعَدْتُهُ ... لَمُخْلِفُ إيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدي والدَّليل على أن غير الشِّرْك لا يُوجِب التَّخْلِيد في النَّارِ، قوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ «مَنْ مَاتَ لا يُشْرِكُ بالله شَيْئاً، دخل الجنة» وروي [عن] عبادة بن الصَّامِتِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -؛ «أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال لَيْلَة العَقَبَة - وحوله عِصَابة من أصْحَابِه -:» بايِعُوني على ألاَّ تُشْرِكُوا بالله شَيئاً، ولا تَسْرِقُوا ولا تَزْنُوا، ولا تَقْتُلُوا أوْلادكم، ولا تأتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونه بين أيْدِيكُم وأرْجُلِكُم، ولا تَعْصُوا في مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وفَّى مِنْكُم، فأجْرُه على الله، ومن أصابَ من ذَلِكَ [شيئاً] فعُوقِبَ في الدُّنْيَا، فهو كَفَّارة له، ومن أصَابَ من ذَلِكَ شَيْئاً ثم سَتَرهُ الله عَلَيْه، فهو إلى الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عَاقَبَه» فبايَعْنَاه على ذَلِكَ. وذكر الوَاحِدِي: أن الأصْحَاب سلكوا في الجَوَابِ عن هَذِه الآيَة طُرُقاً كَثِيرة، قال: وأنَا لا أرْتَضِي شَيْئاً منها؛ لأنّ الذي ذَكَرُوا إما تَخْصِيصٌ، وإما معَارَضَة، وإما إضْمار، واللَّفظ لا يَدُلُّ على شيء من ذَلِك، قال: والَّذي اعْتَمَدُوه وجهان: الأول: إجْماع المفسِّرين على أن الآيَة نزلت في كَافِرٍ قتل مُؤْمِناً، ثم ذكر تِلْك القِصَّة. والثاني: أن قوله: ﴿فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ معناه الاسْتِقْبَال، والتقدير: إنه سيجزى بجهنم، وهذا وعيد، قال: وخُلْفُ الوَعِيد كَرَم. قال ابن الخَطِيب: والوَجْه ضعيفٌ؛ لأن العِبْرة بعُمومِ اللَّفْظ لا بخصوص السَّبَبِ، وأيضاً ثَبَتَ في أصُول الفِقْهِ؛ أن [ترتيب] الحُكْم على الوَصْفِ المُنِاسِب، يدلُّ على كَوْن ذلك الحُكْم علَِّة لذلِك؛ كقوله: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38] ، و ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا﴾ [النور: 2] ، دلَّ ذَلِك على أن المُوجِبَ لهذا الوَعِيد هو الكُفْر دون القَتْلِ العَمْد، وإن كَان المُوجبُ هو الكُفْر، وكان الكُفْر حَاصِلاً قبل هذا القَتْل، فحينئذ لا يَكُون للقَتْل أثراً ألْبَتَّة في هذا الوَعِيد، ويكُون هذا الكلام جَارياً مُجْرَى قوله من [يتعمد قَتْل] نفس فجزاؤه جَهَنم خَالِداً فيها؛ لأن القَتْل العَمْد ما لم يكُن له أثر في الوَعِيد، وذلك بَاطِل، وإن كان المُوجِب لهذا الوعيد [كونه] قَتْلاً عَمْداً، فلزم أن يُقَال: أيْنَمَا حصل القَتْل العَمْد، حصل هذا الوعيد؛ فثبت أن هذا الوَجْه الذش ارتَضَاه الوَاحِدِيّ ليس بِشَيْء. وأما الوجه الثاني: فهو في غَايَة الفَسَادِ؛ لأن الوعيدَ قَسْمٌ من أقْسَام الخَبَر، فإذا جَوَّزْنا الخُلْف فيه على الله، فقد جَوَّزْنا الكَذِب على الله - تعالى - يوصِلُ هذا الجَزَاءَ إلَيْه أم لا، وقد يقُول الرَّجُل لعَبْدِه: جزاؤُكَ أن أفْعَلَ بك كَذَا وكَذَا، إلا أنِّي لا أفعَلُ، وهذا الجوابُ أيضاً ضَعِيفٌ، لأنَّه ثبت بهذه الآيةِ أن جزاء القَتْل العَمْد هو ما ذُكِر، وثبت بسَائر الآيَاتِ أنه - تعالى - يوصل الجَزَاء إلى المسَحِقِّين؛ قال - تعالى -: ﴿مَن يَعْمَلْ سواءا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: 123] ، وقال: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 8] . قال ابن الخطيب: واعلم أنّا نَقُول [أن] هذه الآيَة مَخْصُوصة في مَوْضِعَيْن: أحدهما: أن يكون القَتْل [العَمْد] غير عُدْوان؛ كما في القِصَاص، فإنه لا يَحْصُل فيه هذا الوعِيد ألْبَتَّة. والثاني: القتل العَمْد العثدْوَان إذا تَاب عنه لا يَحْصُل فيه هذا الوعيد، وإذا ثبت دُخُول التَّخْصِيص فيه في هاتني الصُّورتَيْن فيدخُلُه التَّخْصيص فيما إذا حَصَل العفو فيه؛ بدليل قوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: 48] .

النساء 4:94

لما نهى عن قتل المُؤمِن، أمر المُجَاهِدِين بالتَّثَبُّت في القتل؛ لئلاَّ يسْفَكُوا دماً حَرَاماً بتأويل ضَعِيفٍ، والَّرْب في الأرْض مَعْنَاه: السَّيْر فيها بالسَّفر للتِّجَارة والجِهَاد، وأصْله من الضَّرْب باليَدِ، وهو كِنَايَة عن الإسْرَاع في السَّيْر، فإن من ضَرَب إنْساناً، كانت حَرَكة يَدِهِ عند ذلك الضَّرْب سَرِيعَة. قال الزَّجَّاج: معنى «ضربتم في سبيل الله» : إذا غَزَوْتُم وسِرْتُم إلى الجِهَاد. قال القُرْطُبي: تقول العَرَب: ضَرَبْتُ في الأرْضِ، إذا سِرْتَ لِتِجَارَةٍ أو غزوٍ أو غيره مُقْتَرِنَة بفي، وتقول: ضَرَبْت الأرْض دون «في» إذا قَصَدْت قَضَاء حَاجَة الإنْسَان؛ ومنه قوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «لا يَخْرُجُ الرَّجُلان يضربان الغَائِطَ يتحدَّثَان، كَاشِفين عن فَرْجَيْهما، فإن الله يَمْقُتُ على» ذَلِكَ «وفي» إذا «مَعْنَى الشَّرْط، فلذلك دَخَلَت الفَاءُ في قوله:» فتبينوا» وقد يُجَازى بها كقوله: [الكامل] . 1865 - أ - ... ... ... ... ... ... ..... وإذا تُصِبْكَ خَصَاصَةٌ فَتَجَمَّلِ والجيِّد ألا يُجَازى بها لقول الشَّاعر: [الكامل] 1865 - ب - والنَّفْسُ رَاغِبَةٌ إذَا رَغَّبْتَهَا ... وإذَا تُرَدُّ إلَى قَلِيلٍ تَقْنَعُ قوله: «فتبينوا» : قرأ الأخوان من التَّثبُّت، والباقُون من البَيَان، هما متقاربان؛ لأن مَنْ تَثبت في الشَّيْء تَبَيَّنه، قاله أبو عبيد، وصحَّحه ابن عطيَّة. وقال الفَارِسيّ: «التثبُّت هو خَلاَف الإقْدَام والمُراد التَّأنِّي، والتَّثَبُّت أشد اخْتِصَاصاً بهذا المَوْضِع؛ بدل عليه قوله: ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً﴾ [النساء: 66] أي: أشدٌّ وَقْعَاً لهم عَمَّا وُعِظُوا به بألاَّ يُقْدِمُوا عليه» فاختار قراءة الأخوين. وعكس قومٌ فرجَّحوا قراءة الجماعة، قالوا: لأن المتثبِّت قد لا يَتَبيَّن، وقال الرَّاغب: لأنه قلَّ ما يكون إلا بَعْدَ تثبُّت، وقد يَكُون التَّثبُّت ولا تبيُّنَ، وقد قُوبِل بالعَجَلَة في قوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «التبيُّن من الله والعَجَلُة من الشيطان» وهذا يُقَوِّي قراءة الأخَوَيْن أيضاً، و» تَفَعَّل: في كلتا القراءتين بمعنى الدال على الطَّلب، أي: اطلبوا التثّبُّت أو البيان. وقوله: «لمن ألقى» اللام للتَّبْلِيغ هنا، و «من» مَوْصُولة أو مَوْصُوفة، و «ألقى» هنا ماضي اللَّفْظِ، إلا أنه بمعنى المُسْتقبل، أي: لمن يُلْقَى، لأنَّ النهيَ لا يكونُ عمّا وقع وانْقَضَى، والمَاضِي إذا وقع صِلَة، صَلح للمُضِيِّ والاسْتِقْبَال. وقرأ نافع وابن عَامِر وحَمْزة: «السَّلَم» بفتح السِّين واللام من غير ألف، وباقي السَّبْعَة: «السَّلام» بألف، ورُوي عن عَاصِمٍ: «السَّلْم» بكسر السِّين وسكون اللام، فأما «السَّلام» فالظَّاهِر أنه التَّحيّة. والمعنى: لا تُقُولوا لمن حَيَّاكم بهذه التَّحِيّة إنه إنَّما قَالَها تَعَوُّذَاً فتُقْدِمُوا عليه بالسَّيْف لتأخذوا مَالَه، ولكن كُفُّوا عَنْهُ، واقْبَلُوا منه ما أظْهَرَهُ. وقيل: مَعْنَاه: الاستسْلام والانْقِياد، والمعنى: لا تَقُولوا لمن اعْتَزَلَكُم ولم يقاتلكم: لَسْتَ مُؤمِناً، وأصْل هذا من السَّلامة؛ لأن المعتزل عن النَّاس طالبٌ للسَّلامة. والسّلامةُ والسَّلَمُ - بفتحهما - الانقِيَاد فقط، وكذا «السَّلْم» بالكسر والسُّكُون، وقرأ الجَحْدري بفتحها وسُكُون اللام، وقد تَقَدَّم [القول فيها] في البقرة، والجُمْلَة من قوله: «لست مؤمناً» في محل نَصْب بالقَوْل؛ والجُمْهُور على كَسْر الميم الثَّانِية من «مؤمناً» اسم فاعل، وأبو جعفر بفتحها اسم مَفْعُول، أي: لا نُؤمِّنك في نَفْسِك، وتُرْوَى هذه القِرَاءَة عن عَلِيٍّ وابن عبَّاس ويَحْيَى بن يَعْمُر. قوله: «تبتغون» في محل نَصْبٍ على الحَالِ من فَاعِل «يقولوا» أي: لا تَقُولوا ذلك مُبْتَعِين. فصل ذَكُروا في سَبَب النُّزُول روايتين: الأولى: أن الآية نزلت في «رجُلٍ من بَنِي مُرَّة بن عَوْف، يقال له: مرداس بن نهيك رَجُل من أهْل فدك، أسْلَم ولم يُسْلِم من قومِهِ غيره، فَسَمِعُوا [بسرية] رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ تُريدهم، وكان على السَّريَّة رجُلٌ يقال له: غَالِبُ بن فَضَالَة اللَّيْثي، فهربوا وأقَام الرَّجُل؛ لأنَّه كان مُسْلِماً، فلما رأى الخيل خَافَ أن يكُونُوا من غَيْر أصْحَاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ [فألْجأ غَنَمَه إلى عاقُول من الجَبَل وصعد هو الجبل، فلمَّا تلاحَقُوا وكثروا، سَمِعَهُم يكَبِّرون، فلما سمع التكبير، عَرَف أنهم من أصْحَاب رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فكَبَّر ونَزَل] وهو يقول: لا إله إلا الله [محمد رسُول الله] ، السلام عليكم، فتغشّاه أسَامةُ بن زيْدٍ فَقَتَلَهُ واسْتاق غَنَمه، ثم رَجَعُوا إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فأخبروه، فوجَدَ عليه وَجْداً شديداً، وقد [كان] سَبَقَهُم قبل ذلك الخَبَر، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» قتلتموه إرادة ما معه؟ «ثم قرأ الآية على أُسَامَة بن زَيْد، فقال: يا رسول الله، اسْتَغْفِرْ لي، فقال: فكيف تَصْنَعُ بلا إله إلا الله؟ قال أسامة: فما زال يُعِيدُها حتى وَدِدْت أنِّي لم أكُنْ أسْلَمت إلاّ يَومْئذٍ، ثم استَغْفَر لي وقال: «أعتق رقبة» . ورَوَى أبو ظبيان عن أسَامة؛ قال: قلت يا رسُول اللهِ؛ إنما قَالَها خوْفاً من السِّلاح، قال: «أفَلا شَقَقْتَ عن قَلْبِه، حَتَّى تَعْلَم أقالَهَا أمْ لا» . الثانية: روى عِكْرمة عن ابن عبَّاسٍ؛ قال: مرَّ رجلٌ من بَنِي سليم على نَفَرٍ من أصْحَاب رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، ومعه غَنَمٌ له فسلَّم عليهم، قالوا: ما سلَّم عليكم إلا ليتعوذ مِنْكُم، فقاموا فقتلُوه وأخَذُوا غَنَمَه، فأتَوْا بها إلى رسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فأنزل اللَّهُ هَذِه الآيَة: الثالثة: «أن المِقْدَاد بن الأسْوَد وقعت له وَاقِعَة مثل وَاقِعَة أُسَامة، قال: فقلت يا رسول اللَّه، أرأيت إن لَقِيتُ رجُلاً من الكُفَّار يقاتِلُنِي، فَضَربَ إحْدَى يَدَيَّ بالسَّيْف، ثم لازمني بشجرةٍ، ثم قال: أسْلَمْتُ لله - تعالى -، أفأقاتِلُه يا رسُول الله بَعْد ذَلِك؟ فقال رسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: لا تَقْتُلْهُ، فقال: يا رسُول الله إنه قَطَعَ يَدِي، فقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: لا تَقَتْلُه، فإن قَتَلْتَهُ، فإنه بمنزِلَتِك بعد أن تَقْتُلَهُ، وأنت بِمَنْزِلَِتِه قبل أن يَقُول كَلِمَتَهُ التي قَالَها» . فصل قال أكثر الفُقَهاء: لو قال اليَهُودِي والنَّصْرَاني: أنا مُؤمِنٌ أو أنا مُسْلِمٌ، لا يحكم بإسلامهِ بهذا القَدْرِ، لأن مَذْهَبَه أن الَّذِي هو عليه هو الإسْلام وهو الإيمانِ، ولو قال: لا إله إلا اللَّه محمَّدٌ رسُول الله، فعِنْد قوم [لا يحكَمُ بإسلامهِ] ؛ لأن فيهم من يَقُول: إنه رسُولُ الله إلى العَرَب لا إلى الكُلِّ، وفيهم من يَقُول: إنَّ محمَّداً الذي هو الرسُول الحَقُّ لم يجىء بَعْدُ وسيجيء بَعْد ذَلِك؛ بل لا بُد بأن يعْتَرِف بأنَّ الَّذِي كان عَلَيْه بَاطِلٌ، وأن الدِّين الموْجُود بين المُسْلِمِين هو الحَقُّ والفَرْضُ. قال أبُو عبيدة جميع متاع الدُّنْيَا عَرَضٌ بفتح الرَّاء، يقال: إن الدُّنْيَا عَرَضٌ حاضر يأخُذُ منها البَرُّ والفَاجِرُ، والعَرْض بسُكُون الرَّاءِ ما سِوَى الدَّرَاهِم والدَّنَانِير، وإنما سُمي مَتَاعُ الدُّنْيا عَرَضاً؛ لقلة لَبْثهِ. قوله - تعالى -: ﴿فَعِنْدَ الله مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ يعني: ثواباً كثيراً، وقيل: مغانم كثيرة لِمَنِ اتَّقى قَتْلَ المُؤمِن، والمَغَانِم: جمع مَغْنَم، وهو يصلح للمَصْدَر والزَّمَان والمَكَان، ثم يُطْلَق على ما يُؤخَذُ من مال العَدُوِّ في الغَزْوِ؛ إطلاقاً للمَصْدَر على اسْمِ المَفْعُول، نحو: «ضَرْب الأمِير» . قوله: «كذلك» هذا خبر ل «كان» قُدِّم عليها وعَلَى اسْمِها، أي: كُنتم من قَبْل الإسْلام مثلَ مَنْ أقْدَمَ ولم يَتَثَبَّتْ، وهذا يقتضي تشبيه هؤلاء المُخَاطبين بأولَئِك الَّذِين ألْقوا السَّلم، وليس فيه بَيَانٌ للمُشَبَّه فيما إذا قِيلَ: المُرَادُ أنكم أوَّل ما دَخَلْتُم في الإسْلام، فبمجرّد ما سُمعَتْ من أفْواهِكم كَلِمة الشَّهَادة، حقنت دماؤكم وأمْوالُكُم من غير تَوقِيفٍ ذلك على حُصُول العِلْمِ بأن قَلْبكُم موافِقٌ لما في ضمائِركم فعليكُم بأن تَفْعَلُوا بالدَّاخلين في الإسْلامِ كمَا فُعِل بكم، وأن تَعْتَبروا ظَاهِر القَوْل، وألاَّ تقولوا إن إقْدامَهُم على الإسلام لأجْلِ الخَوْف من السَّيف، هذا إخْبَار أكثر المُفسِّرين، وفيه إشْكَالٌ؛ لأن لهم أن يَقُولوا: ما كان إيمانُنَا مثل إيمان هَؤلاء؛ لأنا آمَنَّا عن الطواعِيَة والاخْتِيَار، وهؤلاء أظْهَرُوا الإيمَان تحت ظلال السُّيُوف، فكيف يُمْكِن تشبيه أحَدهما بالآخر! . قال سعيد بن جُبَيْر: المُرَاد أنكم كُنْتُم تكْتُمون إيمانَكُم عن قَوْمِكم؛ كما أخْفَى هذا الدَّاعِي إيمانَهُ عن قومه، ثم مَنَّ الله عَلَيْكُم بإعْزَازكم حتى أظْهَرْتُم دينكم، فأنتُم عامِلُوهم بمثل هذه المُعَامَلَة، وهذا أيضاً فيه إشْكَالٌ؛ لأن إخْفَاء الإيمَانِ ما كان عامّاً فيهم. قال مُقاتل: المراد كذلك كُنْتُم من قبل الهِجْرَة حين كُنْتُم فيما بين الكُفَّار، تأمَنُون من أصْحَاب رسُول الله بكَلِمَة «لا إله إلا الله» فأقْبَلُوا منهم مثل ذلِك. وهذا يتوجه عليه الإشكال الأول. [قال ابن الخطيب] والأقْرَبُ أن يُقَال: إنَّ من يَنْتَقِل من دينٍ إلى دينٍ، فَفِي أول الأمْر يَحْدُث ميلٌ قليل بسبب ضعيفٍ، ثم لا يَزَال ذلك المَيْل يتأكد ويتَقَوَّى إلى أن يَكْمُل ويستحكم ويَحْصُل الانْتِقَال؛ فكأنه قيل لهم: كُنْتم في أول الأمْرِ إنما حَدَث فِيكُم ميلٌ ضعيف بأسْبَابٍ ضعيفةٍ إلى الإسْلام، ثم مَنَّ الله عَلَيْكُم بالإسْلام بتَقْوِيَة ذلك المَيْل وتأكِيد النَّفْرة عن الكُفْر؛ فكذلك منهم هذا الإيمَان، فإن الله - تعالى - يؤكد حلاوة الإيمَانِ في قُلُوبهم، ويقوِّي تلك الرَّغْبَة في صُدُورهم. قوله - تعالى -: ﴿قَبْلُ فَمَنَّ الله عَلَيْكُمْ﴾ الظَّاهِر أن هذه الجُمْلَة من تَتِمَّة قوله: «كذلك كنتم من قبل» فهي مَعْطُوفة على الجُمْلَة قَبْلَها، والمعنى: إيمانُكُم كان مِثْل إيمانِهِم، في أنَّه إنَّما عرف منكم بِمُجَرَّد القَوْل اللِّسَاني، دون ما في القلب، أو [في] أنه كان في ابْتِدَاء الأمْرِ حاصلاً بِسَببٍ ضَعِيفٍ، ثم مَنَّ الله عَلَيْكم: حيث قوى نُورَ الإيمَانِ في قُلُوبِكُم، وحَبَّبَه لكم وأثابكم عَلَى العَمَل بِهِ. وقلي: بل هي من تَتِمَّة قوله: «تبتغون» عَرَض الحَيَاةِ الدُّنْيَا؛ وذلك لأنَّ القَوْم لما قَتَلُوا من تكَلَّم بلا إله إلا الله، ثم إنَّه - تعالى - نهاهُم عن هذا الفِعْل وبيَّن أنه من العَزَائِم؛ قال بَعْدَه: «فمن الله عليكم» أي: منَّ عليكم بأن قَبِل تَوْبَتَكُم من ذَلِك الفعْلِ المنكَر، ثم أعَاد الأمْر بالتَّبْيين؛ مبالَغَة في التَّحْذِير، فقال: «فتبينوا» قُرِئت كالتي قَبْلَها، فقيل: هي تأكيد لَفْظِي للأولى. وقيل: ليست للتأكيد؛ لاخْتِلاَف متعلّقهما، فإنَّ تقدير الأوّل: «فتبيَّنوا في أمْر مَنْ تَقْتُلُونَه» ، وتقدير الثَّانِي: فتبينوا نِعْمَة الله أو تثبَّتوا فيها، والسِّيَاقُ يدل على ذلك، ولأنَّ الأصل عدم التأكيد. قوله: «إن الله كان بما تعملون خبيراً» والجُمْهُور على كَسْرِ هَمْزة «إن الله» ، وقرئ بفَتْحها على أنَّها معمُولة ل «تبينوا» ، أو على حذْف لاَم العِلَّةِ، وإن كان قد قُرِئ بالفَتْح مع التَثَبُّت، فيكونُ على لام العِلَّة لا غير. والمُرادُ منه: الوَعِيد والزَّجْر عن إظْهَار خلافِ ما في الضَّمِير. فصل: فيما إذا دخل الغزاة بلداً ووجدوا شعار الإسلام إذا رأى الغُزَاةُ في بلد أو قرية شعارَ الإسلام، فعليهم أن يَكُفُّوا عنهم، فإنّ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان إذا غَزَا قوماً، فإن سَمِع أذاناً كفّ عنهم، وإن لم يَسْمَع، أغار عليهم. وَروي عن ابن عِصَام عن أبيه؛ أنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان إذا بَعَثَ سرِيّةً قال: «إذا رَأيْتُم مسْجِداً أو سَمِعْتُم أذاناً، فلا تَقْتُلُوا أحداً» .

النساء 4:95

كما رَغَّبَ في الجِهَادِ، أتْبَعَ ذلِك ببَيَانِ أحْكَام الجِهَاد، ومن أحْكَامه: التَّحْذِير عن قَتْل المُسْلِمِين على سبيل العَمْدِ والخَطَأ وعلى تأويل الخَطَأ، ثم أتْبَعَهَ بحُكْم آخر؛ وهو بَيان فَضْل المُجَاهِد على غَيْرِه. وقيل: لما عاتبهم على قَتْل المتكَلِّم بالشَّهادة، فلعَلَّه وَقَعَ في قُلُوبهم أن الأوْلى الاحْتِرَاز عن الجِهَادِ؛ للوقوع في مِثْل هذا المَحْذُورِ فذكر عَقِبه فَضْل المُجَاهد على غَيْره؛ إزالَة لهذه الشُّبْهَة. قوله «غير أولي الضرر» قرأ ابن كثير وأبو عَمْرو وحَمْزَة وعَاصِم: «غير» بالرفع، والباقون: بالنَّصْب، والأعْمَش: بالجرِّ. والرَّفع على وجهَيْن: أظهرهما: أنه على البَدَل من «القاعدون» وإنما كان هذا أظْهَر؛ لأن الكَلاَم نفي، والبدلُ معه أرْجَحُ؛ لما قُرِّر في علم النَّحْو. والثاني: أنه رَفْعٌ على الصِّفَة ل «القاعدون» ، ولا بد من تأويل ذلك؛ لأن «غير» لا تتعَرَّفُ بالإضَافَة، ولا يَجُوز اختِلاَفُ النَّعت والمَنْعُوت تعريفاً وتنكيراً، وتأويله: إمَّا بأن القاعِدِين لَمَّا لم يَكُونوا نَاساً بأعْيَانِهِم، بل أُرِيد بهم الجَنْسُ، أشْبَهوا النَّكِرة فَوُصِفوا كما تُوصَف، وإمَّا بأن «غير» قد تَتَعَرَّف إذا وقَعَت بين ضِدَّين، وهذا كما تَقَدَّم في إعْرَاب ﴿غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم﴾ [الفاتحة: 7] في أحَد الأوْجُه، وهذا كلُّه خُرُوج عن الأصُول المقرَّرة، فلذلك اخْتِير الأوّل؛ ومثله: [الرمل] 1866 - وَإذا أقْرِضْتَ قَرْضَاً فَاجْزِهِ ... إنَّمَا يَجْزِي الْفَتَى غَيْرُ الْجَمَلْ برفع «غير» كذا ذكره أبو عَلِيّ، والرِّوَاية: «لَيْسَ الجَمَلْ» عند غَيْره. وقال الزَّجَّاج: ويجُوزُ أن يكُون «غير» رفعاً على جِهَة الاستِثْنَاءِ، والمعنى: لا يَسْتَوِي القَاعِدُون من المُؤمنين والمُجَاهِدُون، إلا أولي الضَّرَر فإنَّهم يساوون المُجَاهِدِين، أي: الذين أقعدهم عن الجِهَاد الضَّرر، والكَلامُ في رفع المُسْتَثْنَى بعد النفي قد تقدم عِند قوله: ﴿مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ﴾ [النساء: 66] . والنَّصْب على [أحد] ثلاثة أوْجُه: [الأوّل] : النَّصْبُ على الاستِثْنَاء من «القاعدون» [وهو الأظهر؛ لأنه المحدَّثُ عَنْهُ، والمعنى: لا يَسْتَوِي القَاعِدُون] إلا أولِي الضَّرَر، وهو اخْتِيَار الأخْفَش. والثاني: من «المؤمنين» وليس بِوَاضِح. والثالث: على الحَالَ من «القاعدون» [والمعنى: لا يستوي القاعدون] في حَالِ صِحَّتهم والمُجَاهِدون؛ كما يُقَال: جاءَني زيد غير مَرِيضٍ، أيك جاءني زَيْد صَحِيحاً، قاله الزَّجَّاج والفراَّء؛ وهو كقوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنعام إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصيد﴾ [المائدة: 1] . والجرُّ على الصفَة للمؤمنين وتأويله كما تقدم في وجه الرفع على الصفة. قال الأخْفَش القراءة بالنَّصْب على الاستثنَاء أوْلَى؛ لأن المَقْصُود منه استِثْنَاء قوم لم يَقْدرُوا على الخُروج؛ كما روي في التَّفْسير أنه لما ذكر الله - تعالى - فضيلة المُجَاهِدِين، جاء قَوْمٌ من أولي الضرر، فقالوا للنَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: حالتنا كما تَرَى، ونحن نَشْتَهِي الجَهِاد، فهل لنا من طَرِيقٍ؟ فنزل ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضرر﴾ فاستثناهم الله - تعالى -. وقال آخرون: القِرَاءة بالرَّفع أولى؛ لأن الأصْل في كلمة «غَيْر» أن تكون صفة، كانت القراءة بالرَّفْع أوْلَى. فالضَّرر النُّقْصَان، سواء كان بالعَمَى أو العَرَج أو المَرَض، أو بسبب عَدَمِ الأهْبَة. فصل روى ابن شهاب عن سَهْل بن سعد السَّاعِدِي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -؛ أنه قال: «رأيتُ مَرْوَان بن الحكم جَالِساً في المَسْجِد، فأقَبْلت حَتَّى جلست إلى جَنْبِه، فأخبرنا أن زَيْد بن ثَابتٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أخبره؛ أن رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أملَى عَلَيه» لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله «، قال: فجاء ابنُ أمِّ مَكْتُوم وهو يُمْلِيها عليَّ، فقال: يا رسُول الله، لو أستطيعُ الجِهَاد لجَاهَدتُ، وكان رجلاً أعْمَى، فأنزل الله - تعالى - عليه وفخذُهُ على فَخْذِي، فثقلتْ عليّ حَتَّى خشفْتُ أن ترضَّ فَخذِي، ثم سري عنه» ، فأنزل الله: «غير أولي الضرر» في فضل الجهاد والحثِّ عليه. روى أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -؛ «أنَّ رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لمّا رَجَع من غَزْوَة تَبُوك، فَدَنَا من المَدِينَة فقال:» إن في المَدِينَة لأقْوَاماً ما سرتُمْ من مسيرٍ ولا قَطَعْتُم من وَادٍ وإلا كَانُوا مَعَكُم فيه، قالوا: يَا رسُول الله وَهُم بالمَدِينَة؟ قال: نعم وهم بالمدينة حبَسهم العذر» ، وروى مقسم عن ابْن عبَّاس؛ قال: «لا يستوي القاعدون من المؤمنين» عن بَدْر، والخَارِجُون إلى بدر. وقوله: «في سبيل الله بأموالكم» كلا الجارَّيْن متعلِّق ب» المُجَاهِدُون «و» المُجَاهِدُون «عَطْف على القَاعِدُون. فصل اخْتَلَفُوا في هذه الآية: هل تَدُلُّ على أن المُؤمنين القَاعِدِين الضْراء، يُسَاوُون المجاهدين أم لا؟ . قال بعضهم: لا تدل؛ لأنا إن حملنا لفظ» غَيْر «على الصفَة، وقلنا: [إن] التَّخْصِيص باصِّفَة لا يدل على نَفْي الحُكْم عمّا عَدَاه، لم يلزم ذلك، وإن حَمَلْنَاه على الاستِثْنَاء، وقلنا: [إن] الاستثناء من النَّفي ليس بإثْبَات، لم يلزم ذلك، أمَّا إذا حَمَلْنَاه على الاستثناء وقلنا: الاستثناء من النَّفْي إثبات، لزم القَوْل بالمُسَاوَاة. واعلم أن هذه المُسَاواة في حق الأضْرَاء، عند من يَقُول بها مَشْرُوطة بشَرْط آخر ذكره الله - تعالى - في سُورة التَّوْبة، وهو قوله: ﴿لَّيْسَ عَلَى الضعفآء وَلاَ على المرضى﴾ [التوبة: 91] إلى قوله: ﴿إِذَا نَصَحُواْ للَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: 91] ، ويدل على المُسَاواة ما تقدَّم في حَدِيث غزوة تَبُوكٍ. وتقرير ذلك قوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «إن بالمدِينَةِ قَوْماً ما سلكتُم وادِياً إلاَّ كَانُوا مَعَكُم» ، وقال عليه السلام: «إذا مَرِضًَ العَبْدُ قال الله - تعالى -: اكتبوا لعبدي ما كان يعمله في الصحة إلى أن يبرأ» . وقال المُفَسَِّرون في قوله - تعالى -: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ [التين: 5، 6] ؛ أن من صَار هرماً، كتب له أجْر عمله قبل هرمه غير مَنْقُوص، وقالوا في تَفْسِير قوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - «نِيَّة المُؤْمَن خَيْرٌ من أجْر عَمَلِهِ» إن المُؤْمِن يَنْوِي الإيمان والعمل الصَّالح، لو عاش لهذا لا يحصَّل له ثواب تلك النِّيَّة أبداً. قوله - تعالى -: ﴿فَضَّلَ الله المجاهدين بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى القاعدين دَرَجَةً﴾ لما بيَّن [تعالى] أن المُجاهدين والقاعِدين لا يَسْتَويان، ثم إن عَدَم الاسْتِوَاء يَحْتَمل الزِّيَادة والنُّقْصَان، لا جرم بَيَّنَه الله - تعالى -. قوله: «درجةً» في نصبه أربعة [أوْجُه:] أحدها: أنها مَنْصُوبة على المَصْدر؛ لوقوع «درجة» موقع المَرَّة من التَّفْضِيل؛ كأنه قيل: فَضَّلهم تَفْيلة، نحو: «ضَرَبْتُه سَوْطاً» وفائدة التنكير التَّفْخِيم. الثاني: أنها حَالٌ من «المُجَاهِدِين» أي: ذوي درجة. الثالث: مَنْصُوبة انتصابَ الظَّرْف، أي: في دَرَجَةٍ ومَنْزِلة. الرابع: انْتِصَابها على إسْقَاط الجَارِّ أي: بِدَرَجة. فلما حُذِف الجَارُّ، وَصَل الفِعْل فعَمِل، وقيل: نُصِب على التَّمْيييز. قوله: «وكلاًّ وعد الله الحسنى» «كلاًّ» مَفْعُول أول ل «وَعَد» مُقَدماً عليه، و «الحُسْنَى» مفعول ثان، وقرئ: «وكُلٌّ» على الرَّفْع بالابتداء، والجُمْلَة بعده خبره، وتالعَائشد مَحْذُوف، أي: وعده؛ وهذه كَقِرَاءة ابن عامر في سورة الحديد: ﴿وَكُلٌّ وَعَدَ الله الحسنى﴾ [الحديد: 10] . والمعنى: كلاًّ من القاعِدِين والمُجاهِدِين، فقد وَعَدَه الله الحُسْنَى. قال الفُقَهِاء: وهذا يَدُلُّ على أن الجِهَاد فرض كِفَايَةٍ، وليس على كُلِّ واحدٍ بِعَيْنِه؛ لأنه - تعالى - وعد القاعِدِين الحُسْنَى كما وعَد المُجَاهِدِين، ولو كان الجِهَادُ واجِباً على كلِّ أحدٍ على التَّعْيين، لما كان القَاعِدُ أهْلاً لوعد الله إيَّاه الحُسْنَى. وقيل: أراد ب «القَاعِدِين» هنا: أولِي الضَّرَر، فضَّل الله المُجَاهشدِين عليهم دَرَجَة؛ لأن المُجَاهِد باشَر الجِهَاد مع النِّيَّة، وأولُوا الضَّرر لهم نِيَّة بلا مُبَاشَرة، فنزلوا عَنْهُم درجَة وعلى هذا نزول الدَّلالة. قوله - تعالى -: ﴿وَفَضَّلَ الله المجاهدين عَلَى القاعدين أَجْراً عَظِيماً﴾ في انتصاب «أجراً» أربعة أوجُه: أحدها: النَّصْب على المَصْدَر من مَعْنَى الفِعْل الذي قَبْلَه لا من لَفْظَه؛ لأن مَعْنَى «فَضَّلَ الله» : آجرَ؛ فهو كقوله: أطْرُهُم أجْرٌ، ثم قوله - تعالى -: ﴿دَرَجَاتٍ مِّنْهُ [وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾ بدل من قوله: «أجْراً» . الثاني: أنه انْتَصَب على إسْقَاط الخافِضِ، أي: فضلهم بأجْر. الثالث: النَّصْب على أنَّه مَفْعُول ثاني؛ لأنه ضَمَّن فضَّل معنى أعْطَى، أي: أعْطَاهُم أجراً تفضلاً مِنْه. الرابع: أنه حالٌ من درجات] . قال الزمخشري: «وانتصب» أجْراً «على الحَالِ من النّكرة التي هي» دَرَجَاتٍ «مقدَّمةًعليها» وهو غير ظَاهِر؛ لأنه لو تأخَّر عن «دَرَجَاتٍ» لم يَجُز أن يَكُون نعتاً ل «دَرَجَاتٍ» لعدم المطابقة؛ لأنَّ «درجات» جَمْع، و «أجْراً» مفرد، كذا ردَّه بعضهم، وهي غَفْلَة؛ فإنَّ «أجراً» مَصْدرٌ، والأفْصَح فيه يُوَحَّدَ ويُذَكَّر مكلقاً، [وقيل: انتصب على التَّمْيِيز، و «دَرَجَاتٍ» عَطْف بَيَان] . قوله - تعالى - «درجات» فيه سِتَّة أوجه: الأربعة المذكورة في «دَرَجَة» . والخامس: أنه بدلٌ من «أجْراً» . السادس ذكره ابن عَطِيَّة أنه منصوبٌ بإضْمَار فعلٍ، على أن يكون تَأكِيداً للأجْرِ، كما تقول: «لك عليَّ ألفُ دِرْهَمٍ عُرْفاً» كأنك قُلْت: أعْرِفُها عُرْفاً، وفيه نظر، و «مغفرة ورحمة» عطف على «دَرَجَاتٍ» ، ويجُوز فيهما النَّصْب بإضْمَار فِعْلِهِمَا [تَعْظِيماً] ، أي: وغَفَرَ لهم مَغْفِرَةً، ورحِمَهُم رَحْمَةً. فأن قيل: إنه - تعالى - لِمَ ذَكَرَ أولاً «دَرَجَة» وهَهُنَا «دَرَجَاتٍ» ؟ فالجواب من وُجوه: أحدها: ليس المُراد بالًَّدرجة الوَاحِدَةَ بالعَدَدِ، بل الوَاحِدِ بالجِنْسِ، فيدْخُل تحته الكَثير بالنَّوْعِ. وثانيها: أن المُجَاهِد أفضَل [بالضَّروُرة] من القَاعِد المَضْرُور [بدرجَةِ] ومن القَاعِدِ الصَّحيح [بدَرَجَات] وهذا على القَوْل بعدم المُسَاواةِ بينَ المُجَاهِدِين والأضِرَاءِ. وثالثها: فضَّلَ المُجَاهِدين في الدُّنَيَا بدرجَة واحدة، وهي الغَنِيمَة، وفِي الآخِرة بدرجَات كَثيِرة في الجَنَّة. ورابعها: أن المُراد ب «المُجَاهِدين» في الأولى: المُجَاهِدِين بأمْوَالِهِم وأنفُسِهِم، وههنا المراد ب «المُجَاهِدين» : من كان مُجَاهِدَاً على الإطْلاق في كُلِّ الأمُور، وأعنِي: في عمل الظَّاهِرِ؛ كالجهاد بالنفس والمَالِ والحج، وعلى العباداتِ كُلِّها، وفي أعْمَال القلُوب وهو أشرف أنْوَاعِ الجِهَاد؛ لأنه صَرْف القَلْبِ من الالْتِفَات إلى غَيْر الله إلى الاستغَراقِ في طَاعَةِ الله. فصل ذكر المفسِّرون معنى «الدرجات» . قال ابن جبير في هذه الآيةِ هي سَبْعُونَ دَرَجَة، ما بَيْن كل دَرَجَتَيْن عَدْو الفَرَسِ الجَوَادِ المضمر سَبْعين خريفاً. وقيل: الدَّرَجَاتِ هي الإسْلام والهِجْرَةِ والجِهَادِ والشَّهَادَة، فاز بها المُجَاهدُِون. فصل: في حكم الجهاد والجهاد في الجُمْلَةِ فَرضٌ، غير أنه يَنْقَسِم إلى فَرْضِ العَيْنِ وفَرْضِ الكِفَاية، ففرض العَيْنِ أن يَدْخُلَ العَدُوُّ دارَ قوم من المُؤمِنِيِن، فيجب على كُلِّ مكَلَّفِ من الرِّجَالِ ممن لا عُذْرَ له مِنْ أهْلِ تلك البَلْدَةِ الّخُرُوج إلى عَدِّهم، حراً كان او عبداً، غنياً كان أو فقيراً، دفعاً عن أنفسهم وعن جِيِرانِهِم، وهو في حَقِّ من بَعُد مِنْهُم من المُسْلِمين عَوْنُهم، وإن وقعت الكِفَايَة بالنَّازِِلين بهم، فلا فرضَ على الأبْعَدين، ولا يَدْخُل في هذا القِسْم العَبيد والفُقَراء، فإذا كان الكُفَّار قَادِرِين في بِلادهم، فعلى الإمَام ألا يُخَلَّي كلَّ سَنَة عن غَزْوَة يغزوها بِنَفْسِه أو بسَراياه، حتى لا يكُون الجِهَاد مُعَطلاً. فصل: رد شبهة الشيعة قال الشِّيعة: عَلِيُّ كان مِن المُجَاهِدِين، وأبو بكر من القَاعِدِين، فيكون عَلِيٌّ أفْضَل، للآية، فيُقَالُ لهم: مباشَرَة علي للقِتَالِ أكثر مُبَاشَرَةً من النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فيكون أفْضَل منه، وهذا لا يَقُولُه عَاقِلٌ، فإن قالوا: جِهَاد النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لأنه في إظْهَارِ الدِّين بتَقْرير [الأدلة] قُلْنَا: وكذلك أبُو بَكْر، سعى في إظْهَارِ الدِّين في أوّل الإسْلام وضَعْفِه، وجِهَاد عَلِيَّ كان وهو في الدِّين بعد ظُهُور الإسْلام وقُوَّتِه، والأوّل أفضل، وأيضاً: فجهَاد أبِي بكر كان بالدَّعْوَةِ إلى الدِّين، وأكثر أفاضل العَشْرَة أسْلَمُوا على يَدِهِ، وذلك حِرْفَة النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وجهاد عَلِيٍّ كان بالقَتْل، والأوّل أفضل. فصل: رد شبهة المعتزلة [قالت المعتزلة] لما كان التَّفَاوُت في الثواب بحسب التَّفاوُت في العَمَل، دَلَّ على أن عِلَّة الثَّوابِ هو العَمَل، وأيضاً لو لم يكن العَمَل مُوجِباً للثَّوَاب، لكان الثَّوَاب هِبَةً لا أجراً، والله - تعالى - سمَّاه أجراً. فالجواب: أن العملَ عِلَّةُ الثَّوابِ، بجعل الشَّارع لا بِذَاتِه. فصل: الاشتغال بالنوافل أفضل من النكاح قال الشَّافِعِيّة: دَلَّت الآية على أن الاشتغال بالنَّوافِل، أفْضَل من الاشتغال بالنكاح، لأن من أقَام بالجِهَادِ، سقط الفَرْضُ عن البَاقِين، فلو أُقيموا عليه كان من النَّوافِل، والآية تَقْتَضِي تَفْضِيل جميع المُجَاهِدين من مُفْتَرَضٍ و [من] مُتنَفَّل على القَاعِدِين والمتنقل بالنِّكَاح قاعِد عن الجِهَاد، فثبت أن الاشتَغال بالمَنْدُوب إليه من الجِهَاد أفْضَل من الاشْتِغَال بالنِّكاح.

النساء 4:96

كما رَغَّبَ في الجِهَادِ، أتْبَعَ ذلِك ببَيَانِ أحْكَام الجِهَاد، ومن أحْكَامه: التَّحْذِير عن قَتْل المُسْلِمِين على سبيل العَمْدِ والخَطَأ وعلى تأويل الخَطَأ، ثم أتْبَعَهَ بحُكْم آخر؛ وهو بَيان فَضْل المُجَاهِد على غَيْرِه. وقيل: لما عاتبهم على قَتْل المتكَلِّم بالشَّهادة، فلعَلَّه وَقَعَ في قُلُوبهم أن الأوْلى الاحْتِرَاز عن الجِهَادِ؛ للوقوع في مِثْل هذا المَحْذُورِ فذكر عَقِبه فَضْل المُجَاهد على غَيْره؛ إزالَة لهذه الشُّبْهَة. قوله «غير أولي الضرر» قرأ ابن كثير وأبو عَمْرو وحَمْزَة وعَاصِم: «غير» بالرفع، والباقون: بالنَّصْب، والأعْمَش: بالجرِّ. والرَّفع على وجهَيْن: أظهرهما: أنه على البَدَل من «القاعدون» وإنما كان هذا أظْهَر؛ لأن الكَلاَم نفي، والبدلُ معه أرْجَحُ؛ لما قُرِّر في علم النَّحْو. والثاني: أنه رَفْعٌ على الصِّفَة ل «القاعدون» ، ولا بد من تأويل ذلك؛ لأن «غير» لا تتعَرَّفُ بالإضَافَة، ولا يَجُوز اختِلاَفُ النَّعت والمَنْعُوت تعريفاً وتنكيراً، وتأويله: إمَّا بأن القاعِدِين لَمَّا لم يَكُونوا نَاساً بأعْيَانِهِم، بل أُرِيد بهم الجَنْسُ، أشْبَهوا النَّكِرة فَوُصِفوا كما تُوصَف، وإمَّا بأن «غير» قد تَتَعَرَّف إذا وقَعَت بين ضِدَّين، وهذا كما تَقَدَّم في إعْرَاب ﴿غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم﴾ [الفاتحة: 7] في أحَد الأوْجُه، وهذا كلُّه خُرُوج عن الأصُول المقرَّرة، فلذلك اخْتِير الأوّل؛ ومثله: [الرمل] 1866 - وَإذا أقْرِضْتَ قَرْضَاً فَاجْزِهِ ... إنَّمَا يَجْزِي الْفَتَى غَيْرُ الْجَمَلْ برفع «غير» كذا ذكره أبو عَلِيّ، والرِّوَاية: «لَيْسَ الجَمَلْ» عند غَيْره. وقال الزَّجَّاج: ويجُوزُ أن يكُون «غير» رفعاً على جِهَة الاستِثْنَاءِ، والمعنى: لا يَسْتَوِي القَاعِدُون من المُؤمنين والمُجَاهِدُون، إلا أولي الضَّرَر فإنَّهم يساوون المُجَاهِدِين، أي: الذين أقعدهم عن الجِهَاد الضَّرر، والكَلامُ في رفع المُسْتَثْنَى بعد النفي قد تقدم عِند قوله: ﴿مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ﴾ [النساء: 66] . والنَّصْب على [أحد] ثلاثة أوْجُه: [الأوّل] : النَّصْبُ على الاستِثْنَاء من «القاعدون» [وهو الأظهر؛ لأنه المحدَّثُ عَنْهُ، والمعنى: لا يَسْتَوِي القَاعِدُون] إلا أولِي الضَّرَر، وهو اخْتِيَار الأخْفَش. والثاني: من «المؤمنين» وليس بِوَاضِح. والثالث: على الحَالَ من «القاعدون» [والمعنى: لا يستوي القاعدون] في حَالِ صِحَّتهم والمُجَاهِدون؛ كما يُقَال: جاءَني زيد غير مَرِيضٍ، أيك جاءني زَيْد صَحِيحاً، قاله الزَّجَّاج والفراَّء؛ وهو كقوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنعام إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصيد﴾ [المائدة: 1] . والجرُّ على الصفَة للمؤمنين وتأويله كما تقدم في وجه الرفع على الصفة. قال الأخْفَش القراءة بالنَّصْب على الاستثنَاء أوْلَى؛ لأن المَقْصُود منه استِثْنَاء قوم لم يَقْدرُوا على الخُروج؛ كما روي في التَّفْسير أنه لما ذكر الله - تعالى - فضيلة المُجَاهِدِين، جاء قَوْمٌ من أولي الضرر، فقالوا للنَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: حالتنا كما تَرَى، ونحن نَشْتَهِي الجَهِاد، فهل لنا من طَرِيقٍ؟ فنزل ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضرر﴾ فاستثناهم الله - تعالى -. وقال آخرون: القِرَاءة بالرَّفع أولى؛ لأن الأصْل في كلمة «غَيْر» أن تكون صفة، كانت القراءة بالرَّفْع أوْلَى. فالضَّرر النُّقْصَان، سواء كان بالعَمَى أو العَرَج أو المَرَض، أو بسبب عَدَمِ الأهْبَة. فصل روى ابن شهاب عن سَهْل بن سعد السَّاعِدِي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -؛ أنه قال: «رأيتُ مَرْوَان بن الحكم جَالِساً في المَسْجِد، فأقَبْلت حَتَّى جلست إلى جَنْبِه، فأخبرنا أن زَيْد بن ثَابتٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أخبره؛ أن رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أملَى عَلَيه» لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله «، قال: فجاء ابنُ أمِّ مَكْتُوم وهو يُمْلِيها عليَّ، فقال: يا رسُول الله، لو أستطيعُ الجِهَاد لجَاهَدتُ، وكان رجلاً أعْمَى، فأنزل الله - تعالى - عليه وفخذُهُ على فَخْذِي، فثقلتْ عليّ حَتَّى خشفْتُ أن ترضَّ فَخذِي، ثم سري عنه» ، فأنزل الله: «غير أولي الضرر» في فضل الجهاد والحثِّ عليه. روى أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -؛ «أنَّ رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لمّا رَجَع من غَزْوَة تَبُوك، فَدَنَا من المَدِينَة فقال:» إن في المَدِينَة لأقْوَاماً ما سرتُمْ من مسيرٍ ولا قَطَعْتُم من وَادٍ وإلا كَانُوا مَعَكُم فيه، قالوا: يَا رسُول الله وَهُم بالمَدِينَة؟ قال: نعم وهم بالمدينة حبَسهم العذر» ، وروى مقسم عن ابْن عبَّاس؛ قال: «لا يستوي القاعدون من المؤمنين» عن بَدْر، والخَارِجُون إلى بدر. وقوله: «في سبيل الله بأموالكم» كلا الجارَّيْن متعلِّق ب» المُجَاهِدُون «و» المُجَاهِدُون «عَطْف على القَاعِدُون. فصل اخْتَلَفُوا في هذه الآية: هل تَدُلُّ على أن المُؤمنين القَاعِدِين الضْراء، يُسَاوُون المجاهدين أم لا؟ . قال بعضهم: لا تدل؛ لأنا إن حملنا لفظ» غَيْر «على الصفَة، وقلنا: [إن] التَّخْصِيص باصِّفَة لا يدل على نَفْي الحُكْم عمّا عَدَاه، لم يلزم ذلك، وإن حَمَلْنَاه على الاستِثْنَاء، وقلنا: [إن] الاستثناء من النَّفي ليس بإثْبَات، لم يلزم ذلك، أمَّا إذا حَمَلْنَاه على الاستثناء وقلنا: الاستثناء من النَّفْي إثبات، لزم القَوْل بالمُسَاوَاة. واعلم أن هذه المُسَاواة في حق الأضْرَاء، عند من يَقُول بها مَشْرُوطة بشَرْط آخر ذكره الله - تعالى - في سُورة التَّوْبة، وهو قوله: ﴿لَّيْسَ عَلَى الضعفآء وَلاَ على المرضى﴾ [التوبة: 91] إلى قوله: ﴿إِذَا نَصَحُواْ للَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: 91] ، ويدل على المُسَاواة ما تقدَّم في حَدِيث غزوة تَبُوكٍ. وتقرير ذلك قوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «إن بالمدِينَةِ قَوْماً ما سلكتُم وادِياً إلاَّ كَانُوا مَعَكُم» ، وقال عليه السلام: «إذا مَرِضًَ العَبْدُ قال الله - تعالى -: اكتبوا لعبدي ما كان يعمله في الصحة إلى أن يبرأ» . وقال المُفَسَِّرون في قوله - تعالى -: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ [التين: 5، 6] ؛ أن من صَار هرماً، كتب له أجْر عمله قبل هرمه غير مَنْقُوص، وقالوا في تَفْسِير قوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - «نِيَّة المُؤْمَن خَيْرٌ من أجْر عَمَلِهِ» إن المُؤْمِن يَنْوِي الإيمان والعمل الصَّالح، لو عاش لهذا لا يحصَّل له ثواب تلك النِّيَّة أبداً. قوله - تعالى -: ﴿فَضَّلَ الله المجاهدين بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى القاعدين دَرَجَةً﴾ لما بيَّن [تعالى] أن المُجاهدين والقاعِدين لا يَسْتَويان، ثم إن عَدَم الاسْتِوَاء يَحْتَمل الزِّيَادة والنُّقْصَان، لا جرم بَيَّنَه الله - تعالى -. قوله: «درجةً» في نصبه أربعة [أوْجُه:] أحدها: أنها مَنْصُوبة على المَصْدر؛ لوقوع «درجة» موقع المَرَّة من التَّفْضِيل؛ كأنه قيل: فَضَّلهم تَفْيلة، نحو: «ضَرَبْتُه سَوْطاً» وفائدة التنكير التَّفْخِيم. الثاني: أنها حَالٌ من «المُجَاهِدِين» أي: ذوي درجة. الثالث: مَنْصُوبة انتصابَ الظَّرْف، أي: في دَرَجَةٍ ومَنْزِلة. الرابع: انْتِصَابها على إسْقَاط الجَارِّ أي: بِدَرَجة. فلما حُذِف الجَارُّ، وَصَل الفِعْل فعَمِل، وقيل: نُصِب على التَّمْيييز. قوله: «وكلاًّ وعد الله الحسنى» «كلاًّ» مَفْعُول أول ل «وَعَد» مُقَدماً عليه، و «الحُسْنَى» مفعول ثان، وقرئ: «وكُلٌّ» على الرَّفْع بالابتداء، والجُمْلَة بعده خبره، وتالعَائشد مَحْذُوف، أي: وعده؛ وهذه كَقِرَاءة ابن عامر في سورة الحديد: ﴿وَكُلٌّ وَعَدَ الله الحسنى﴾ [الحديد: 10] . والمعنى: كلاًّ من القاعِدِين والمُجاهِدِين، فقد وَعَدَه الله الحُسْنَى. قال الفُقَهِاء: وهذا يَدُلُّ على أن الجِهَاد فرض كِفَايَةٍ، وليس على كُلِّ واحدٍ بِعَيْنِه؛ لأنه - تعالى - وعد القاعِدِين الحُسْنَى كما وعَد المُجَاهِدِين، ولو كان الجِهَادُ واجِباً على كلِّ أحدٍ على التَّعْيين، لما كان القَاعِدُ أهْلاً لوعد الله إيَّاه الحُسْنَى. وقيل: أراد ب «القَاعِدِين» هنا: أولِي الضَّرَر، فضَّل الله المُجَاهشدِين عليهم دَرَجَة؛ لأن المُجَاهِد باشَر الجِهَاد مع النِّيَّة، وأولُوا الضَّرر لهم نِيَّة بلا مُبَاشَرة، فنزلوا عَنْهُم درجَة وعلى هذا نزول الدَّلالة. قوله - تعالى -: ﴿وَفَضَّلَ الله المجاهدين عَلَى القاعدين أَجْراً عَظِيماً﴾ في انتصاب «أجراً» أربعة أوجُه: أحدها: النَّصْب على المَصْدَر من مَعْنَى الفِعْل الذي قَبْلَه لا من لَفْظَه؛ لأن مَعْنَى «فَضَّلَ الله» : آجرَ؛ فهو كقوله: أطْرُهُم أجْرٌ، ثم قوله - تعالى -: ﴿دَرَجَاتٍ مِّنْهُ [وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾ بدل من قوله: «أجْراً» . الثاني: أنه انْتَصَب على إسْقَاط الخافِضِ، أي: فضلهم بأجْر. الثالث: النَّصْب على أنَّه مَفْعُول ثاني؛ لأنه ضَمَّن فضَّل معنى أعْطَى، أي: أعْطَاهُم أجراً تفضلاً مِنْه. الرابع: أنه حالٌ من درجات] . قال الزمخشري: «وانتصب» أجْراً «على الحَالِ من النّكرة التي هي» دَرَجَاتٍ «مقدَّمةًعليها» وهو غير ظَاهِر؛ لأنه لو تأخَّر عن «دَرَجَاتٍ» لم يَجُز أن يَكُون نعتاً ل «دَرَجَاتٍ» لعدم المطابقة؛ لأنَّ «درجات» جَمْع، و «أجْراً» مفرد، كذا ردَّه بعضهم، وهي غَفْلَة؛ فإنَّ «أجراً» مَصْدرٌ، والأفْصَح فيه يُوَحَّدَ ويُذَكَّر مكلقاً، [وقيل: انتصب على التَّمْيِيز، و «دَرَجَاتٍ» عَطْف بَيَان] . قوله - تعالى - «درجات» فيه سِتَّة أوجه: الأربعة المذكورة في «دَرَجَة» . والخامس: أنه بدلٌ من «أجْراً» . السادس ذكره ابن عَطِيَّة أنه منصوبٌ بإضْمَار فعلٍ، على أن يكون تَأكِيداً للأجْرِ، كما تقول: «لك عليَّ ألفُ دِرْهَمٍ عُرْفاً» كأنك قُلْت: أعْرِفُها عُرْفاً، وفيه نظر، و «مغفرة ورحمة» عطف على «دَرَجَاتٍ» ، ويجُوز فيهما النَّصْب بإضْمَار فِعْلِهِمَا [تَعْظِيماً] ، أي: وغَفَرَ لهم مَغْفِرَةً، ورحِمَهُم رَحْمَةً. فأن قيل: إنه - تعالى - لِمَ ذَكَرَ أولاً «دَرَجَة» وهَهُنَا «دَرَجَاتٍ» ؟ فالجواب من وُجوه: أحدها: ليس المُراد بالًَّدرجة الوَاحِدَةَ بالعَدَدِ، بل الوَاحِدِ بالجِنْسِ، فيدْخُل تحته الكَثير بالنَّوْعِ. وثانيها: أن المُجَاهِد أفضَل [بالضَّروُرة] من القَاعِد المَضْرُور [بدرجَةِ] ومن القَاعِدِ الصَّحيح [بدَرَجَات] وهذا على القَوْل بعدم المُسَاواةِ بينَ المُجَاهِدِين والأضِرَاءِ. وثالثها: فضَّلَ المُجَاهِدين في الدُّنَيَا بدرجَة واحدة، وهي الغَنِيمَة، وفِي الآخِرة بدرجَات كَثيِرة في الجَنَّة. ورابعها: أن المُراد ب «المُجَاهِدين» في الأولى: المُجَاهِدِين بأمْوَالِهِم وأنفُسِهِم، وههنا المراد ب «المُجَاهِدين» : من كان مُجَاهِدَاً على الإطْلاق في كُلِّ الأمُور، وأعنِي: في عمل الظَّاهِرِ؛ كالجهاد بالنفس والمَالِ والحج، وعلى العباداتِ كُلِّها، وفي أعْمَال القلُوب وهو أشرف أنْوَاعِ الجِهَاد؛ لأنه صَرْف القَلْبِ من الالْتِفَات إلى غَيْر الله إلى الاستغَراقِ في طَاعَةِ الله. فصل ذكر المفسِّرون معنى «الدرجات» . قال ابن جبير في هذه الآيةِ هي سَبْعُونَ دَرَجَة، ما بَيْن كل دَرَجَتَيْن عَدْو الفَرَسِ الجَوَادِ المضمر سَبْعين خريفاً. وقيل: الدَّرَجَاتِ هي الإسْلام والهِجْرَةِ والجِهَادِ والشَّهَادَة، فاز بها المُجَاهدُِون. فصل: في حكم الجهاد والجهاد في الجُمْلَةِ فَرضٌ، غير أنه يَنْقَسِم إلى فَرْضِ العَيْنِ وفَرْضِ الكِفَاية، ففرض العَيْنِ أن يَدْخُلَ العَدُوُّ دارَ قوم من المُؤمِنِيِن، فيجب على كُلِّ مكَلَّفِ من الرِّجَالِ ممن لا عُذْرَ له مِنْ أهْلِ تلك البَلْدَةِ الّخُرُوج إلى عَدِّهم، حراً كان او عبداً، غنياً كان أو فقيراً، دفعاً عن أنفسهم وعن جِيِرانِهِم، وهو في حَقِّ من بَعُد مِنْهُم من المُسْلِمين عَوْنُهم، وإن وقعت الكِفَايَة بالنَّازِِلين بهم، فلا فرضَ على الأبْعَدين، ولا يَدْخُل في هذا القِسْم العَبيد والفُقَراء، فإذا كان الكُفَّار قَادِرِين في بِلادهم، فعلى الإمَام ألا يُخَلَّي كلَّ سَنَة عن غَزْوَة يغزوها بِنَفْسِه أو بسَراياه، حتى لا يكُون الجِهَاد مُعَطلاً. فصل: رد شبهة الشيعة قال الشِّيعة: عَلِيُّ كان مِن المُجَاهِدِين، وأبو بكر من القَاعِدِين، فيكون عَلِيٌّ أفْضَل، للآية، فيُقَالُ لهم: مباشَرَة علي للقِتَالِ أكثر مُبَاشَرَةً من النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فيكون أفْضَل منه، وهذا لا يَقُولُه عَاقِلٌ، فإن قالوا: جِهَاد النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لأنه في إظْهَارِ الدِّين بتَقْرير [الأدلة] قُلْنَا: وكذلك أبُو بَكْر، سعى في إظْهَارِ الدِّين في أوّل الإسْلام وضَعْفِه، وجِهَاد عَلِيَّ كان وهو في الدِّين بعد ظُهُور الإسْلام وقُوَّتِه، والأوّل أفضل، وأيضاً: فجهَاد أبِي بكر كان بالدَّعْوَةِ إلى الدِّين، وأكثر أفاضل العَشْرَة أسْلَمُوا على يَدِهِ، وذلك حِرْفَة النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وجهاد عَلِيٍّ كان بالقَتْل، والأوّل أفضل. فصل: رد شبهة المعتزلة [قالت المعتزلة] لما كان التَّفَاوُت في الثواب بحسب التَّفاوُت في العَمَل، دَلَّ على أن عِلَّة الثَّوابِ هو العَمَل، وأيضاً لو لم يكن العَمَل مُوجِباً للثَّوَاب، لكان الثَّوَاب هِبَةً لا أجراً، والله - تعالى - سمَّاه أجراً. فالجواب: أن العملَ عِلَّةُ الثَّوابِ، بجعل الشَّارع لا بِذَاتِه. فصل: الاشتغال بالنوافل أفضل من النكاح قال الشَّافِعِيّة: دَلَّت الآية على أن الاشتغال بالنَّوافِل، أفْضَل من الاشتغال بالنكاح، لأن من أقَام بالجِهَادِ، سقط الفَرْضُ عن البَاقِين، فلو أُقيموا عليه كان من النَّوافِل، والآية تَقْتَضِي تَفْضِيل جميع المُجَاهِدين من مُفْتَرَضٍ و [من] مُتنَفَّل على القَاعِدِين والمتنقل بالنِّكَاح قاعِد عن الجِهَاد، فثبت أن الاشتَغال بالمَنْدُوب إليه من الجِهَاد أفْضَل من الاشْتِغَال بالنِّكاح.

النساء 4:97

لما ذَكَر -[تعالى]- ثواب من أقْدَم على الجِهَاد، أتْبَعَه بِعِقَاب من قَعَدَ عَنْهُ ورضي بالسُّكُون في دَارِ الحَرْبِ. قوله: «توفَّاهم» يجوز أن يكون مَاضِِياً، وإنما لم تَلْحَق علامة التَّأنيث للفعل؛ لأن التأنيث مَجَازِيّ؛ ويدلُّ على كونه فعلاً مَاضِياً قِرَاءَةُ «تَوَفتهُم» بتاء التأنيث. قال الفرَّاء: ويكون مثل قوله: ﴿إِنَّ البقر تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: 70] فيكون إخْبَاراً عن حَالِ أقْوَام معيَّنين، انْقَرَضُوا ومضوا ويجوز أن يَكُون مُضَارعاً حُذِفَتْ إحدى التَّاءَيْن تَخفيفاً والأصل: تتوَفَّاهُم، وعلى هذا تكُون الآيةُ عامَّة في حقِّ كلِّ من كان بهذه الصِّفَة. و «ظَالِمي» حالٌ من ضَمِير «تَوَفَّاهُم» والإضَافة غير محضة؛ إذ الأصْل ظَالِمين أنفسُهِم؛ إلا أنَّهم لما حَذَفُوا [النُّون] طلباً للخَفة، واسْم الفَاعِل سواء أُرِيد به الحَالُ أو الاستِقْبَال، فقد يكُون مفصُولاً في المَعْنَى وإن كان مَوْصُولاً في اللَّفْظِ؛ فهو كقوله - تعالى -: ﴿هذا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: 24] ، و ﴿هَدْياً بَالِغَ الكعبة﴾ [المائدة: 95] ، ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ [الحج: 9] والتقدير: مُمْطِر لَنَا وبَالِغاً للكَعْبَةِ وثانِياً عِطْفه، والإضافة في هَذِهِ المَوَاضِع لَفْظِيَّة لا مَعْنَوِيَّة. وفي خبر «إنَّ» هذه ثلاثة أوْجُه: أحدها: أنه مَحْذُوفٌ، تقديُره: إنَّ الذين توفَّاهُم الملائكةُ هَلَكُوا، ويكون قوله: «قالوا: فيم كنتم» مبيِّناً لتلك الجُمْلَةِ المَحْذُوفة. الثاني: أنه «فأولئك مأواهم جهنم» ودخلت الفَاءُ زائدة في الخَبَر؛ تشبيهاً للموصُول باسم الشَّرْط، ولم تمنع «إنَّ» من ذَلِكَ، والأخْفَش يَمْنَعُه، وعلى هذا فَيَكُون قوله: «قالوا: فيم كنتم» إمَّا صفةً ل «ظَالِمِي» ، أو حالاً للملائكة، و «قد» مَعَه مقدَّرَةٌ عند مَنْ يشتَرِط ذلك، وعلى القول بالصِّفَة، فالعَائِد محذوف، أي: ظالمين أنْفُسَهم قَائِلاً لهم المَلاَئِكَة. والثالث: أنه «قالوا فيم كنتم» ، ولا بد من تَقْدِيرِ العَائِد أيْضاً، أي: قالوا لَهُم كذا، و «فيم» خَبَرَ «كُنْتُم» ، وهي «ما» الاستِفْهَامِيَّة حُذِفَت ألِفُها حين جُرَّتْ، وقد تقدَّم تَحْقِيق ذلك عند قوله: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ الله﴾ [البقرة: 91] ، والجُملة من قوله: «فيم كنتم» في مَحَلِّ نَصْبٍ بالقَوْلِ، و «في الأرض» متعلقٌ ب «مُسْتَضْعَفِين» ، ولا يجوز أن يكُون «في الأرْضِ» هو الخَبَر، و «مُسْتَضْعَفِين» حالاً، كما يَجُوز ذلك في نَحْو: «كان زيدٌ قائَماً في الدَّارِ» لعدمِ الفَائدة في هذا الخَبَر. فصل في معنى التَّوَفِّي في هذا التَّوفِّي قولان: الأول: قول الجُمْهُور، معناه تُقْبَض أرْوَاحهم عند الموْتِ. فإن قيل: كيف الجَمْع بَيْنَه وبين قوله - تعالى -: ﴿الله يَتَوَفَّى الأنفس حِينَ مِوْتِهَا﴾ [الزمر: 42] ، ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: 28] وبين قوله ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الموت الذي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: 11] . فالجواب: خالق الموت هو الله - تعالى -، والمُفَوَّض إليه هذا العمل هو مَلك المَوْت وسَائِر الملائكة أعْوانه. الثاني: توفَّاهم الملائِكة، يعني: يَحْشُرونهم إلى النَّار، قاله الحَسَن. فصل الظُّلْم قد يُراد به الكُفْر؛ كقوله - تعالى -: ﴿إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13] ، وقد يرادُ به المَعْصِيَة؛ كقوله: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ [فاطر: 32] ، وفي المراد بالظُّلْمِ هَهُنَا قَوْلان: الأول: قال بَعْضُ المُفَسِّرين: نزلت في نًاسٍ من أهْلِ مَكَّة، تكلَّمُوا بالإسْلام ولم يُهَاجِرُوا منهم: قَيْس بن الفاكه بن المُغيرَة، وقَيْس بن الوَليد وأشْبَاهُهُمَا، فلما خَرَج المُشْرِكُون إلى بَدْر، خرجوا مَعَهُم، فقاتَلُوا مع الكُفَّار وعلى هذا أراد بِظُلْمِهِم أنْفُسَهُم: إقامَتَهُم في دَارِ الكُفْرِ، وقوله - تعالى -: ﴿إِنَّ الذين تَوَفَّاهُمُ الملاائكة﴾ أي: ملك المَوْتِ وأعْوَانِهِ، أو أراد مَلَك المَوْتِ وَحْدَه؛ لقوله - تعالى -: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الموت الذي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: 11] والعَرَبُ قد تُخَاطِب الوَاحِد بلَفْظ الجَمْع. الثاني: أنها نَزَلَت في قَوْم من المُنَافِقِين، كانوا يُظْهِرُون الإيمان للمُؤمِنِين خوفاً، فإذا رَجَعُوا إلى قَوْمِهِم، أظْهَرُوا لهم الكُفْر، ولا يُهَاجِرُون إلى المَدِينَةِ. وقوله: «قالوا فيم كنتم» من أمْرِ دينكُم، وقيل: فيم كُنْتُم من حَرْب أعْدَائه، وقيل: لما تركتم الجِهَادَ ورَضِيتُم بالسُّكُون دَارِ الكُفَّار؛ لأن الله - تعالى - لم يَكُن يَقْبَل الإسلام بعد هِجْرَةَ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إلا بالهِجْرَة، ثم نَسَخَ ذلك بَعْدَ فَتْحِ مكَّة بقوله «لا هِجْرَة بَعْدَ الفَتْح» وهؤلاء قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ، وضربَتَ الملائكةُ وجوهَهم وأدْبَارَهُم، وقَالُوا لهم: فيم كُنْتُم؟ [ «قالوا كُنَّا» ] أي: في ماذا كُنْتُم أو في أيِّ الفَرِيقَيِن كنتم؟ أفي المُسْلِمين أو في المُشْرِكِين؟ سُؤال توبيخ وتَقْرِيع، فاعتذروا بالضَّعْف عن مُقَاوَمَة المُشْرِكِين، «وقالوا كنا مستضعفين» عَاجِزين، «في الأرْضِ» يعني «أرْض مَكَّة. فإن قيل: كان حَقُّ الجَوَاب أن يَقُولوا: كنا في كَذَا وكذا، ولم نكُنْ في شَيْء. فالجَوَاب: أن مَعْنَى» فِيمَ كُنْتُم» : التَّوْبِيخ، بأنهم لم يَكُونُوا في شَيْءٍ من الدِّين، حَيْثُ قَدَرُوا على المُهَاجَرَة ولم يُهَاجِرُوا فقالوا: كُنَّا مستَضْعَفِين اعْتِذاراً عمَّا وبَّخُوا بِه، واعتِلالاً بأنَّهم ما كَانُوا قادِرِينِ على المُهَاجَرة، ثم إنّ المَلاَئِكَة لم يَقْبَلُوا منهم هذا العُذْر؛ بل ردُّوه عَلَيْهِم، فقالوا: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا﴾ يعني أنكم كنتم قادرين على الخُرُوجِ من مَكَّة إلى بَعْضِ البِلاَدِ التي لا تُمْنَعُون فيها من إظْهَار دِينكُم، فبقيتم بين الكُفَّار لا للعجز عن مُفَارَقَتِهِم، بل مع القُدْرَة على المُفَارَقَة. فصل وقد ورد لَفْظُ الأرْض على ثَمَانِية أوْجُه: الأول: الأرض المَعْرُوفة. الثاني: أرْضُ المَدِينة، قال الله - تعالى -: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا﴾ . الثالث: أرض مَكَّة؛ قال - تعالى -[ ﴿قَالُواْ] كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرض﴾ أي: بمكة. الرابع: أرْض مِصْر؛ قال - تعالى - ﴿فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الأرض﴾ [الإسراء: 103] . الخامس: أرض الجَنَّة؛ قال تعالى ﴿وَأَوْرَثَنَا الأرض نَتَبَوَّأُ مِنَ الجنة حَيْثُ نَشَآءُ﴾ [الزمر: 74] . السادس: بُطُون النِّساء؛ قال - تعالى -: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا﴾ [الأحزاب: 27] يعني: النساء. السابع: الرحمة؛ قال - تعالى -: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هذه الدنيا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ الله وَاسِعَةٌ﴾ [الزمر: 10] ، وقوله - تعالى -: ﴿ياعبادي الذين آمنوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ [العنكبوت: 56] أي رحْمَتِي. الثامن: القَلْب؛ قال - تعالى -: ﴿اعلموا أَنَّ الله يُحْيِي الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الحديد: 17] ، أي: يحيى القُلُوب بعد قَسْوَتِها. قوله: «فتُهاجِرُوا» مَنْصُوبٌ في جَوَابِ الاسْتِفْهَام. وقال أبو الببَقَاء: «ألَمْ تَكُنْ» استِفْهام بمعنى التَّوْبِيخ، «فتُهَاجِرُوا» مَنْصُوبٌ على جواب الاستفهام؛ لأنَّ النَّفْي صار إثْبَاتاً بالاستفهَام» . انتهى. قوله: «لأنَّ النَّفْي» إلى آخره لا يَظْهَر تَعْلِيلاً لقوله: «مَنْصُوبٌ على جواب الاستِفْهَام» ؛ لأن ذلك لا يَصِحُّ، وكذا لا يَصِحُّ جَعْلُه عِلّةً لقوله: «بمَعْنَى التَّوْبيخ» ، و [ «ساءت» ] : قد تَقَدَّم القول في «سَاء» ، وأنها تَجْرِي مَجْرى» بِئْس «فيُشْترط في فاعلها ما يُشْتَرَك فَاعِلِ تيك، و» مصيراً» : تَمْيِيز. وكما بَيَّن عَدَم عُذْرِهِم، ذكر وعيدَهُم، فقال: «فأولئك مأواهم جَهَنَّم، ثم استَثْنى فقال:» إلا المستضعفين» : في هذا الاستثناءِ قولان: أحدُهُما: أنه متصلٌ، والمسْتَثْنَى منه قوله: «فأولئك مأواهم جهنم» ، والضمير يعودُ على المُتوفِّيْن ظَالِمِي أنْفُسِهم، قال هذا القَائِل: كأنه قيل: فأولئك في جَهَنَّم إلا المُسْتَضْعَفين، فعلى هذَا يَكُون هذا استِثْنَاء مُتَّصلاً. والثاني - وهو الصَّحيح: - أنه مُنْقَطِعٌ؛ لأن الضَّمير في «مَأواهُم عائدٌ على قوله:» إن الذين توفاهم» ، وهؤلاء المُتوفَّوْن: إمَّا كُفَّارٌ أو عُصَاة بالتَّخَلُّف، على ما قال المفَسِّرون، [وهم] قادرون على الهِجْرَة، فلم يندرجْ فيهم المُسْتَضْعَفُون فكان مُنْقَطِعاً، و «مِنْ الرِّجَال» حالٌ من المُسْتَضْعَفِين، أو من الضَّمِير المستتر فيهم، فيتعلَّقُ بمَحْذُوف. قوله: «لا يستطيعون حيلة» في هذه الجُمْلَة أرْبَعة أوجه: أحدها: أنَّها مستأنفةٌ جوابٌ لسؤالٍ مقدَّرٍ، كأنه قيل: ما وَجْهُ استِضْعَافِهم؟ فقيل: كذا. والثاني: أنها حالٌ. قال أبو البَقَاء: «حالٌ مبينَّة عن مَعْنَى الاستِضْعَاف» ، قال شهاب الدين: كأنَّه يُشِير إلى المَعْنَى المتقدِّم في كونها جَوَاباً لسُؤال مُقَدِّر. الثالث: أنها مفسِّرةٌ لنفسِ المُسْتَضْعَفِين؛ لأنَّ وجوه الاستِضْعَاف كثيرة، فبيَّن بأحد مُحْتَمَلاته، كأنه قيل: إلا الذين استُضْعِفُوا بسبب عَجْزِهِم عن كذا وكذا. الرابع: أنها صِفَة للمُسْتَضْعَفِين أو للرِّجَال ومن بَعْدَهم، ذكره الزمخشري، وعبارة البيضاوي أنه صِفَة للمُسْتَضْعَفِين؛ إذ لا تَرْقِية فِيِهِ، أي: لا تعيُّن فيه، فكأنه نكِرةٌ، فَصَحَّ وَصْفُهُ بالجُمْلَة. انتهى ما ذكرنا. واعتذر عن وصف ما عُرِّف بالألف واللام بالجُمَل التي ي حُكم النَّكِرَات، بأن المُعَرَّف بِهِمَا لمَّا لم يكن مُعَيَّناً، جاز ذلك فيه، كقوله: [الكامل] 1867 - وَلَقَدْ أمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي..... ... ... ... ... ... ... وقد قَدَّمتُ تَقْرير المَسْألةِ. فصل في معنى الآية المعنى: لا يقدرون على حِيلَةٍ ولا نَفَقَةٍ، إذا كان بِهِم مَرَضٌ، أو كانوا تَحْتَ قَهْر قَاهِرٍ يَمْنَعُهم من المُهَاجَرَة. وقوله: « [و] لا يهتدون سبيلاً» أي: لا يَعْرِفُونَ طريق الحقِّ، ولا يَجِدُون من يَدُلُهم على الطَّرِيق. قال مُجَاهد والسُّدِّي وغيرهما: المرادُ بالسَّبيل [هنا:] سبيل المَدِينَة. قال القُرْطُبِيّ: والصَّحِيح إنَّه عامٌّ في جَمِيع السُّبُل. روى أنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بَعَثَ بهذه الآيَة [إلى] مسلمي مَكَّة، فقال جندب بن ضمرة لِبنيه: احْمِلُونِي فإني لَسْت من المُسْتَضْعَفِين، ولا أنِّي لا أهْتَدِي الطَّرِيق، والله لا أبيتُ اللَّيْلَة بمكّة، فحملُوه على سَرِير مُتَوجِّهاً [إلى] المدينة، وكان شيخاً كبيراً فَمَات في الطَّريق. فإن قيل: كيفَ أدْخَل الوِلْدَان في جملة المسْتَثْنين من أهْل الوَعِيد، فإن الاستِثْنَاء إنَّما يَحْسُن لو كانُوا مستحِقِّين للوَعِيد على بَعْضِ الوُجُوه. قلنا: سُقُوط الوعيدِ إذا كان بِسَبَبِ العَجْزِ، والعَجْزُ تارة يَحْصُل بسبَبِ عَدَمِ الأهْبَةِ، وتارةً [يًحْصُل] بسبَبِ الصِّبَا، فلا جرم حَسُن هذا الاستِثْنَاء، هذا إذَا أريد بالوِلْدَان الأطْفَال، ويجُوز أن يُرَاد المُرَاهِقُون منهم، الَّذيِن كَمُلَت عُقُولُهم، فتوجَّه التَّكْلِيف نَحْوَهُم فيما بَيْنَهُم [وبين الله] ، وإن أريد العَبِيدُ والإمَاءُ البَالِغُون، فلا سُؤال. قوله: «فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم» وفيه سُؤالان: أحدهما: أن القَوْمَ [لما] كانوا عَاجِزِين عن الهِجْرَة، والعَاجِز عن الشَّيْء غير مُكَلَّف له، وإذا لم يَكُن مُكَلَّفاً، لم يكن عَلَيْهِ في تَرْكِهِ عُقُوبَة، فلم قال: «عسى الله أن يعفو عنهم» والعفو لا يتصوَّر إلاَّ مع الذَّنْبِ، وأيضاً: «عَسَى» كلمة إطْمَاع، وهذا يَقْتَضِي عدم القَطْعِ بحُصُول العَفْوِ. فالجواب عن الأول: أن المُسْتَضْعَف قد يكُون قَادِراً على ذَلِكَ الشَّيْء مع ضرْبٍ من المَشَقَّة، وتمييز الضَّعْف الذي يَحْصُل عنده الرُّخْصة عند الحَدِّ الذي لا يَحْصُل عنده الرُّخْصَة شاقٌّ، فربما ظَنَّ الإنْسَان أنَّه عاجز عن المُهَاجَرة، ولا يكون كَذَلِكَ، ولا سِيَّمَا في الهِجْرَة عن الوَطَنِ؛ فإنها شَاقَّة على النَّفْس، وبسبب شِدَّة النَّفْرَة قد يظن الإنْسَان كونه عَاجِزاً، مع أنَّه لا يُكون كذلك، فلهذا المَعْنَى كانت الحَاجَة في العَفْو شَدِيدة في هَذَا المقَامِ. السؤال الثاني: ما فَائِدة ذكْر لَفْظَة «عَسَى» هَهُنا؟ فالجواب: لأن فيها دَلاَلَة على [أن] ترك الهِجْرَة أمر مُضَيّق لا تَوْسِعة فيه، حتى أن المُضْطَر البَيِّن الاضْطِرَار من حَقِّه أن يقُول: عسى الله أن يَعْفُو عني، فكيف الحال في غَيْرِه، ذكره الزَّمَخْشَرِي. قال ابن الخَطِيب: والأولى أن يكون الجَوَاب ما تَقَدَّم من أن الإنْسَان لشدة نُفْرَته عن مُفارقَة الوَطَن، رُبًَما ظَنَّ نَفْسَه عَاجِزاً عنها مع أنه لا يَكُون كَذَلِكَ، فلهذا المَعْنَى ذكر العَفْوَ بكلمة «عَسَى» لا بالكَلِمَة الدَّالَّة على القَطْع. قال المفَسِّرُون: «وكلمة» عَسَى «من الله وَاجِبٌ؛ لأنه للأطْمَاع، والله - تعالى - إذا أطْمَعَ عَبْدَه أوْصَلَه إليه. ثم قال:» وكان الله غفوراً رحيماً» . ذكر الزَّجَّاج في كان ثلاثة أوجه: الأول: «كان» قَبْلَ أن خلق الخَلْق مَوْصُوفَاً بِهَذِه الصِّفَةِ. الثاني: كان مع جَمِيع العِبَاد بِهذه الصِّفَة، والمقصود بَيَان أن هذا عَادَة الله أجْرَاهَا في حَقِّ خلقه. الثالث: أنه - تعالى - لو قال: «عفو غفور» كان هذا إخْبَارَاً عن كَوْنِهِ كذلك فقط، ولمَّا قال: إنَّه كان كَذَلِكَ، فهذا إخْبَار وقع بِخَبَرِه على وَقْفِهِ، فكان ذلك أدلَّ على كونه صِدْقاً [وحَقّاً] ومُبَرَّأ عن الكَذِب. وقال ابن عباس: كُنْتُ أنا وأمِّي ممن عَذَرَ اللهُ [يعني] : من المستضَعْفَيِن، وكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يدْعُو لهؤلاءِ المسْتَضْعَفين. روى أبو هُرَيْرَة؛ قال كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إذا فقال: سَمِع الله لِمَنْ حَمِدَه في الرُّكْعَة الأخيرة [من صَلاَةِ العِشَاء] قنت: اللَّهمُ أنْجِ عيَّاش بن أبي رَبِيعَة، اللَّهُم أنْجِ الوليدَ بن الوليدَ، اللَّهُمَّ أنْج المستَضْعَفين من المؤمنين، اللهم اشْدُدْ وطْأتَكَ على مُضَر، اللهم اجْعَلْهَا عليهم سِنين كسِنِي يُوسُف.

النساء 4:98

لما ذَكَر -[تعالى]- ثواب من أقْدَم على الجِهَاد، أتْبَعَه بِعِقَاب من قَعَدَ عَنْهُ ورضي بالسُّكُون في دَارِ الحَرْبِ. قوله: «توفَّاهم» يجوز أن يكون مَاضِِياً، وإنما لم تَلْحَق علامة التَّأنيث للفعل؛ لأن التأنيث مَجَازِيّ؛ ويدلُّ على كونه فعلاً مَاضِياً قِرَاءَةُ «تَوَفتهُم» بتاء التأنيث. قال الفرَّاء: ويكون مثل قوله: ﴿إِنَّ البقر تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: 70] فيكون إخْبَاراً عن حَالِ أقْوَام معيَّنين، انْقَرَضُوا ومضوا ويجوز أن يَكُون مُضَارعاً حُذِفَتْ إحدى التَّاءَيْن تَخفيفاً والأصل: تتوَفَّاهُم، وعلى هذا تكُون الآيةُ عامَّة في حقِّ كلِّ من كان بهذه الصِّفَة. و «ظَالِمي» حالٌ من ضَمِير «تَوَفَّاهُم» والإضَافة غير محضة؛ إذ الأصْل ظَالِمين أنفسُهِم؛ إلا أنَّهم لما حَذَفُوا [النُّون] طلباً للخَفة، واسْم الفَاعِل سواء أُرِيد به الحَالُ أو الاستِقْبَال، فقد يكُون مفصُولاً في المَعْنَى وإن كان مَوْصُولاً في اللَّفْظِ؛ فهو كقوله - تعالى -: ﴿هذا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: 24] ، و ﴿هَدْياً بَالِغَ الكعبة﴾ [المائدة: 95] ، ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ [الحج: 9] والتقدير: مُمْطِر لَنَا وبَالِغاً للكَعْبَةِ وثانِياً عِطْفه، والإضافة في هَذِهِ المَوَاضِع لَفْظِيَّة لا مَعْنَوِيَّة. وفي خبر «إنَّ» هذه ثلاثة أوْجُه: أحدها: أنه مَحْذُوفٌ، تقديُره: إنَّ الذين توفَّاهُم الملائكةُ هَلَكُوا، ويكون قوله: «قالوا: فيم كنتم» مبيِّناً لتلك الجُمْلَةِ المَحْذُوفة. الثاني: أنه «فأولئك مأواهم جهنم» ودخلت الفَاءُ زائدة في الخَبَر؛ تشبيهاً للموصُول باسم الشَّرْط، ولم تمنع «إنَّ» من ذَلِكَ، والأخْفَش يَمْنَعُه، وعلى هذا فَيَكُون قوله: «قالوا: فيم كنتم» إمَّا صفةً ل «ظَالِمِي» ، أو حالاً للملائكة، و «قد» مَعَه مقدَّرَةٌ عند مَنْ يشتَرِط ذلك، وعلى القول بالصِّفَة، فالعَائِد محذوف، أي: ظالمين أنْفُسَهم قَائِلاً لهم المَلاَئِكَة. والثالث: أنه «قالوا فيم كنتم» ، ولا بد من تَقْدِيرِ العَائِد أيْضاً، أي: قالوا لَهُم كذا، و «فيم» خَبَرَ «كُنْتُم» ، وهي «ما» الاستِفْهَامِيَّة حُذِفَت ألِفُها حين جُرَّتْ، وقد تقدَّم تَحْقِيق ذلك عند قوله: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ الله﴾ [البقرة: 91] ، والجُملة من قوله: «فيم كنتم» في مَحَلِّ نَصْبٍ بالقَوْلِ، و «في الأرض» متعلقٌ ب «مُسْتَضْعَفِين» ، ولا يجوز أن يكُون «في الأرْضِ» هو الخَبَر، و «مُسْتَضْعَفِين» حالاً، كما يَجُوز ذلك في نَحْو: «كان زيدٌ قائَماً في الدَّارِ» لعدمِ الفَائدة في هذا الخَبَر. فصل في معنى التَّوَفِّي في هذا التَّوفِّي قولان: الأول: قول الجُمْهُور، معناه تُقْبَض أرْوَاحهم عند الموْتِ. فإن قيل: كيف الجَمْع بَيْنَه وبين قوله - تعالى -: ﴿الله يَتَوَفَّى الأنفس حِينَ مِوْتِهَا﴾ [الزمر: 42] ، ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: 28] وبين قوله ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الموت الذي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: 11] . فالجواب: خالق الموت هو الله - تعالى -، والمُفَوَّض إليه هذا العمل هو مَلك المَوْت وسَائِر الملائكة أعْوانه. الثاني: توفَّاهم الملائِكة، يعني: يَحْشُرونهم إلى النَّار، قاله الحَسَن. فصل الظُّلْم قد يُراد به الكُفْر؛ كقوله - تعالى -: ﴿إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13] ، وقد يرادُ به المَعْصِيَة؛ كقوله: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ [فاطر: 32] ، وفي المراد بالظُّلْمِ هَهُنَا قَوْلان: الأول: قال بَعْضُ المُفَسِّرين: نزلت في نًاسٍ من أهْلِ مَكَّة، تكلَّمُوا بالإسْلام ولم يُهَاجِرُوا منهم: قَيْس بن الفاكه بن المُغيرَة، وقَيْس بن الوَليد وأشْبَاهُهُمَا، فلما خَرَج المُشْرِكُون إلى بَدْر، خرجوا مَعَهُم، فقاتَلُوا مع الكُفَّار وعلى هذا أراد بِظُلْمِهِم أنْفُسَهُم: إقامَتَهُم في دَارِ الكُفْرِ، وقوله - تعالى -: ﴿إِنَّ الذين تَوَفَّاهُمُ الملاائكة﴾ أي: ملك المَوْتِ وأعْوَانِهِ، أو أراد مَلَك المَوْتِ وَحْدَه؛ لقوله - تعالى -: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الموت الذي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: 11] والعَرَبُ قد تُخَاطِب الوَاحِد بلَفْظ الجَمْع. الثاني: أنها نَزَلَت في قَوْم من المُنَافِقِين، كانوا يُظْهِرُون الإيمان للمُؤمِنِين خوفاً، فإذا رَجَعُوا إلى قَوْمِهِم، أظْهَرُوا لهم الكُفْر، ولا يُهَاجِرُون إلى المَدِينَةِ. وقوله: «قالوا فيم كنتم» من أمْرِ دينكُم، وقيل: فيم كُنْتُم من حَرْب أعْدَائه، وقيل: لما تركتم الجِهَادَ ورَضِيتُم بالسُّكُون دَارِ الكُفَّار؛ لأن الله - تعالى - لم يَكُن يَقْبَل الإسلام بعد هِجْرَةَ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إلا بالهِجْرَة، ثم نَسَخَ ذلك بَعْدَ فَتْحِ مكَّة بقوله «لا هِجْرَة بَعْدَ الفَتْح» وهؤلاء قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ، وضربَتَ الملائكةُ وجوهَهم وأدْبَارَهُم، وقَالُوا لهم: فيم كُنْتُم؟ [ «قالوا كُنَّا» ] أي: في ماذا كُنْتُم أو في أيِّ الفَرِيقَيِن كنتم؟ أفي المُسْلِمين أو في المُشْرِكِين؟ سُؤال توبيخ وتَقْرِيع، فاعتذروا بالضَّعْف عن مُقَاوَمَة المُشْرِكِين، «وقالوا كنا مستضعفين» عَاجِزين، «في الأرْضِ» يعني «أرْض مَكَّة. فإن قيل: كان حَقُّ الجَوَاب أن يَقُولوا: كنا في كَذَا وكذا، ولم نكُنْ في شَيْء. فالجَوَاب: أن مَعْنَى» فِيمَ كُنْتُم» : التَّوْبِيخ، بأنهم لم يَكُونُوا في شَيْءٍ من الدِّين، حَيْثُ قَدَرُوا على المُهَاجَرَة ولم يُهَاجِرُوا فقالوا: كُنَّا مستَضْعَفِين اعْتِذاراً عمَّا وبَّخُوا بِه، واعتِلالاً بأنَّهم ما كَانُوا قادِرِينِ على المُهَاجَرة، ثم إنّ المَلاَئِكَة لم يَقْبَلُوا منهم هذا العُذْر؛ بل ردُّوه عَلَيْهِم، فقالوا: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا﴾ يعني أنكم كنتم قادرين على الخُرُوجِ من مَكَّة إلى بَعْضِ البِلاَدِ التي لا تُمْنَعُون فيها من إظْهَار دِينكُم، فبقيتم بين الكُفَّار لا للعجز عن مُفَارَقَتِهِم، بل مع القُدْرَة على المُفَارَقَة. فصل وقد ورد لَفْظُ الأرْض على ثَمَانِية أوْجُه: الأول: الأرض المَعْرُوفة. الثاني: أرْضُ المَدِينة، قال الله - تعالى -: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا﴾ . الثالث: أرض مَكَّة؛ قال - تعالى -[ ﴿قَالُواْ] كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرض﴾ أي: بمكة. الرابع: أرْض مِصْر؛ قال - تعالى - ﴿فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الأرض﴾ [الإسراء: 103] . الخامس: أرض الجَنَّة؛ قال تعالى ﴿وَأَوْرَثَنَا الأرض نَتَبَوَّأُ مِنَ الجنة حَيْثُ نَشَآءُ﴾ [الزمر: 74] . السادس: بُطُون النِّساء؛ قال - تعالى -: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا﴾ [الأحزاب: 27] يعني: النساء. السابع: الرحمة؛ قال - تعالى -: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هذه الدنيا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ الله وَاسِعَةٌ﴾ [الزمر: 10] ، وقوله - تعالى -: ﴿ياعبادي الذين آمنوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ [العنكبوت: 56] أي رحْمَتِي. الثامن: القَلْب؛ قال - تعالى -: ﴿اعلموا أَنَّ الله يُحْيِي الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الحديد: 17] ، أي: يحيى القُلُوب بعد قَسْوَتِها. قوله: «فتُهاجِرُوا» مَنْصُوبٌ في جَوَابِ الاسْتِفْهَام. وقال أبو الببَقَاء: «ألَمْ تَكُنْ» استِفْهام بمعنى التَّوْبِيخ، «فتُهَاجِرُوا» مَنْصُوبٌ على جواب الاستفهام؛ لأنَّ النَّفْي صار إثْبَاتاً بالاستفهَام» . انتهى. قوله: «لأنَّ النَّفْي» إلى آخره لا يَظْهَر تَعْلِيلاً لقوله: «مَنْصُوبٌ على جواب الاستِفْهَام» ؛ لأن ذلك لا يَصِحُّ، وكذا لا يَصِحُّ جَعْلُه عِلّةً لقوله: «بمَعْنَى التَّوْبيخ» ، و [ «ساءت» ] : قد تَقَدَّم القول في «سَاء» ، وأنها تَجْرِي مَجْرى» بِئْس «فيُشْترط في فاعلها ما يُشْتَرَك فَاعِلِ تيك، و» مصيراً» : تَمْيِيز. وكما بَيَّن عَدَم عُذْرِهِم، ذكر وعيدَهُم، فقال: «فأولئك مأواهم جَهَنَّم، ثم استَثْنى فقال:» إلا المستضعفين» : في هذا الاستثناءِ قولان: أحدُهُما: أنه متصلٌ، والمسْتَثْنَى منه قوله: «فأولئك مأواهم جهنم» ، والضمير يعودُ على المُتوفِّيْن ظَالِمِي أنْفُسِهم، قال هذا القَائِل: كأنه قيل: فأولئك في جَهَنَّم إلا المُسْتَضْعَفين، فعلى هذَا يَكُون هذا استِثْنَاء مُتَّصلاً. والثاني - وهو الصَّحيح: - أنه مُنْقَطِعٌ؛ لأن الضَّمير في «مَأواهُم عائدٌ على قوله:» إن الذين توفاهم» ، وهؤلاء المُتوفَّوْن: إمَّا كُفَّارٌ أو عُصَاة بالتَّخَلُّف، على ما قال المفَسِّرون، [وهم] قادرون على الهِجْرَة، فلم يندرجْ فيهم المُسْتَضْعَفُون فكان مُنْقَطِعاً، و «مِنْ الرِّجَال» حالٌ من المُسْتَضْعَفِين، أو من الضَّمِير المستتر فيهم، فيتعلَّقُ بمَحْذُوف. قوله: «لا يستطيعون حيلة» في هذه الجُمْلَة أرْبَعة أوجه: أحدها: أنَّها مستأنفةٌ جوابٌ لسؤالٍ مقدَّرٍ، كأنه قيل: ما وَجْهُ استِضْعَافِهم؟ فقيل: كذا. والثاني: أنها حالٌ. قال أبو البَقَاء: «حالٌ مبينَّة عن مَعْنَى الاستِضْعَاف» ، قال شهاب الدين: كأنَّه يُشِير إلى المَعْنَى المتقدِّم في كونها جَوَاباً لسُؤال مُقَدِّر. الثالث: أنها مفسِّرةٌ لنفسِ المُسْتَضْعَفِين؛ لأنَّ وجوه الاستِضْعَاف كثيرة، فبيَّن بأحد مُحْتَمَلاته، كأنه قيل: إلا الذين استُضْعِفُوا بسبب عَجْزِهِم عن كذا وكذا. الرابع: أنها صِفَة للمُسْتَضْعَفِين أو للرِّجَال ومن بَعْدَهم، ذكره الزمخشري، وعبارة البيضاوي أنه صِفَة للمُسْتَضْعَفِين؛ إذ لا تَرْقِية فِيِهِ، أي: لا تعيُّن فيه، فكأنه نكِرةٌ، فَصَحَّ وَصْفُهُ بالجُمْلَة. انتهى ما ذكرنا. واعتذر عن وصف ما عُرِّف بالألف واللام بالجُمَل التي ي حُكم النَّكِرَات، بأن المُعَرَّف بِهِمَا لمَّا لم يكن مُعَيَّناً، جاز ذلك فيه، كقوله: [الكامل] 1867 - وَلَقَدْ أمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي..... ... ... ... ... ... ... وقد قَدَّمتُ تَقْرير المَسْألةِ. فصل في معنى الآية المعنى: لا يقدرون على حِيلَةٍ ولا نَفَقَةٍ، إذا كان بِهِم مَرَضٌ، أو كانوا تَحْتَ قَهْر قَاهِرٍ يَمْنَعُهم من المُهَاجَرَة. وقوله: « [و] لا يهتدون سبيلاً» أي: لا يَعْرِفُونَ طريق الحقِّ، ولا يَجِدُون من يَدُلُهم على الطَّرِيق. قال مُجَاهد والسُّدِّي وغيرهما: المرادُ بالسَّبيل [هنا:] سبيل المَدِينَة. قال القُرْطُبِيّ: والصَّحِيح إنَّه عامٌّ في جَمِيع السُّبُل. روى أنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بَعَثَ بهذه الآيَة [إلى] مسلمي مَكَّة، فقال جندب بن ضمرة لِبنيه: احْمِلُونِي فإني لَسْت من المُسْتَضْعَفِين، ولا أنِّي لا أهْتَدِي الطَّرِيق، والله لا أبيتُ اللَّيْلَة بمكّة، فحملُوه على سَرِير مُتَوجِّهاً [إلى] المدينة، وكان شيخاً كبيراً فَمَات في الطَّريق. فإن قيل: كيفَ أدْخَل الوِلْدَان في جملة المسْتَثْنين من أهْل الوَعِيد، فإن الاستِثْنَاء إنَّما يَحْسُن لو كانُوا مستحِقِّين للوَعِيد على بَعْضِ الوُجُوه. قلنا: سُقُوط الوعيدِ إذا كان بِسَبَبِ العَجْزِ، والعَجْزُ تارة يَحْصُل بسبَبِ عَدَمِ الأهْبَةِ، وتارةً [يًحْصُل] بسبَبِ الصِّبَا، فلا جرم حَسُن هذا الاستِثْنَاء، هذا إذَا أريد بالوِلْدَان الأطْفَال، ويجُوز أن يُرَاد المُرَاهِقُون منهم، الَّذيِن كَمُلَت عُقُولُهم، فتوجَّه التَّكْلِيف نَحْوَهُم فيما بَيْنَهُم [وبين الله] ، وإن أريد العَبِيدُ والإمَاءُ البَالِغُون، فلا سُؤال. قوله: «فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم» وفيه سُؤالان: أحدهما: أن القَوْمَ [لما] كانوا عَاجِزِين عن الهِجْرَة، والعَاجِز عن الشَّيْء غير مُكَلَّف له، وإذا لم يَكُن مُكَلَّفاً، لم يكن عَلَيْهِ في تَرْكِهِ عُقُوبَة، فلم قال: «عسى الله أن يعفو عنهم» والعفو لا يتصوَّر إلاَّ مع الذَّنْبِ، وأيضاً: «عَسَى» كلمة إطْمَاع، وهذا يَقْتَضِي عدم القَطْعِ بحُصُول العَفْوِ. فالجواب عن الأول: أن المُسْتَضْعَف قد يكُون قَادِراً على ذَلِكَ الشَّيْء مع ضرْبٍ من المَشَقَّة، وتمييز الضَّعْف الذي يَحْصُل عنده الرُّخْصة عند الحَدِّ الذي لا يَحْصُل عنده الرُّخْصَة شاقٌّ، فربما ظَنَّ الإنْسَان أنَّه عاجز عن المُهَاجَرة، ولا يكون كَذَلِكَ، ولا سِيَّمَا في الهِجْرَة عن الوَطَنِ؛ فإنها شَاقَّة على النَّفْس، وبسبب شِدَّة النَّفْرَة قد يظن الإنْسَان كونه عَاجِزاً، مع أنَّه لا يُكون كذلك، فلهذا المَعْنَى كانت الحَاجَة في العَفْو شَدِيدة في هَذَا المقَامِ. السؤال الثاني: ما فَائِدة ذكْر لَفْظَة «عَسَى» هَهُنا؟ فالجواب: لأن فيها دَلاَلَة على [أن] ترك الهِجْرَة أمر مُضَيّق لا تَوْسِعة فيه، حتى أن المُضْطَر البَيِّن الاضْطِرَار من حَقِّه أن يقُول: عسى الله أن يَعْفُو عني، فكيف الحال في غَيْرِه، ذكره الزَّمَخْشَرِي. قال ابن الخَطِيب: والأولى أن يكون الجَوَاب ما تَقَدَّم من أن الإنْسَان لشدة نُفْرَته عن مُفارقَة الوَطَن، رُبًَما ظَنَّ نَفْسَه عَاجِزاً عنها مع أنه لا يَكُون كَذَلِكَ، فلهذا المَعْنَى ذكر العَفْوَ بكلمة «عَسَى» لا بالكَلِمَة الدَّالَّة على القَطْع. قال المفَسِّرُون: «وكلمة» عَسَى «من الله وَاجِبٌ؛ لأنه للأطْمَاع، والله - تعالى - إذا أطْمَعَ عَبْدَه أوْصَلَه إليه. ثم قال:» وكان الله غفوراً رحيماً» . ذكر الزَّجَّاج في كان ثلاثة أوجه: الأول: «كان» قَبْلَ أن خلق الخَلْق مَوْصُوفَاً بِهَذِه الصِّفَةِ. الثاني: كان مع جَمِيع العِبَاد بِهذه الصِّفَة، والمقصود بَيَان أن هذا عَادَة الله أجْرَاهَا في حَقِّ خلقه. الثالث: أنه - تعالى - لو قال: «عفو غفور» كان هذا إخْبَارَاً عن كَوْنِهِ كذلك فقط، ولمَّا قال: إنَّه كان كَذَلِكَ، فهذا إخْبَار وقع بِخَبَرِه على وَقْفِهِ، فكان ذلك أدلَّ على كونه صِدْقاً [وحَقّاً] ومُبَرَّأ عن الكَذِب. وقال ابن عباس: كُنْتُ أنا وأمِّي ممن عَذَرَ اللهُ [يعني] : من المستضَعْفَيِن، وكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يدْعُو لهؤلاءِ المسْتَضْعَفين. روى أبو هُرَيْرَة؛ قال كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إذا فقال: سَمِع الله لِمَنْ حَمِدَه في الرُّكْعَة الأخيرة [من صَلاَةِ العِشَاء] قنت: اللَّهمُ أنْجِ عيَّاش بن أبي رَبِيعَة، اللَّهُم أنْجِ الوليدَ بن الوليدَ، اللَّهُمَّ أنْج المستَضْعَفين من المؤمنين، اللهم اشْدُدْ وطْأتَكَ على مُضَر، اللهم اجْعَلْهَا عليهم سِنين كسِنِي يُوسُف.

النساء 4:99

لما ذَكَر -[تعالى]- ثواب من أقْدَم على الجِهَاد، أتْبَعَه بِعِقَاب من قَعَدَ عَنْهُ ورضي بالسُّكُون في دَارِ الحَرْبِ. قوله: «توفَّاهم» يجوز أن يكون مَاضِِياً، وإنما لم تَلْحَق علامة التَّأنيث للفعل؛ لأن التأنيث مَجَازِيّ؛ ويدلُّ على كونه فعلاً مَاضِياً قِرَاءَةُ «تَوَفتهُم» بتاء التأنيث. قال الفرَّاء: ويكون مثل قوله: ﴿إِنَّ البقر تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: 70] فيكون إخْبَاراً عن حَالِ أقْوَام معيَّنين، انْقَرَضُوا ومضوا ويجوز أن يَكُون مُضَارعاً حُذِفَتْ إحدى التَّاءَيْن تَخفيفاً والأصل: تتوَفَّاهُم، وعلى هذا تكُون الآيةُ عامَّة في حقِّ كلِّ من كان بهذه الصِّفَة. و «ظَالِمي» حالٌ من ضَمِير «تَوَفَّاهُم» والإضَافة غير محضة؛ إذ الأصْل ظَالِمين أنفسُهِم؛ إلا أنَّهم لما حَذَفُوا [النُّون] طلباً للخَفة، واسْم الفَاعِل سواء أُرِيد به الحَالُ أو الاستِقْبَال، فقد يكُون مفصُولاً في المَعْنَى وإن كان مَوْصُولاً في اللَّفْظِ؛ فهو كقوله - تعالى -: ﴿هذا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: 24] ، و ﴿هَدْياً بَالِغَ الكعبة﴾ [المائدة: 95] ، ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ [الحج: 9] والتقدير: مُمْطِر لَنَا وبَالِغاً للكَعْبَةِ وثانِياً عِطْفه، والإضافة في هَذِهِ المَوَاضِع لَفْظِيَّة لا مَعْنَوِيَّة. وفي خبر «إنَّ» هذه ثلاثة أوْجُه: أحدها: أنه مَحْذُوفٌ، تقديُره: إنَّ الذين توفَّاهُم الملائكةُ هَلَكُوا، ويكون قوله: «قالوا: فيم كنتم» مبيِّناً لتلك الجُمْلَةِ المَحْذُوفة. الثاني: أنه «فأولئك مأواهم جهنم» ودخلت الفَاءُ زائدة في الخَبَر؛ تشبيهاً للموصُول باسم الشَّرْط، ولم تمنع «إنَّ» من ذَلِكَ، والأخْفَش يَمْنَعُه، وعلى هذا فَيَكُون قوله: «قالوا: فيم كنتم» إمَّا صفةً ل «ظَالِمِي» ، أو حالاً للملائكة، و «قد» مَعَه مقدَّرَةٌ عند مَنْ يشتَرِط ذلك، وعلى القول بالصِّفَة، فالعَائِد محذوف، أي: ظالمين أنْفُسَهم قَائِلاً لهم المَلاَئِكَة. والثالث: أنه «قالوا فيم كنتم» ، ولا بد من تَقْدِيرِ العَائِد أيْضاً، أي: قالوا لَهُم كذا، و «فيم» خَبَرَ «كُنْتُم» ، وهي «ما» الاستِفْهَامِيَّة حُذِفَت ألِفُها حين جُرَّتْ، وقد تقدَّم تَحْقِيق ذلك عند قوله: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ الله﴾ [البقرة: 91] ، والجُملة من قوله: «فيم كنتم» في مَحَلِّ نَصْبٍ بالقَوْلِ، و «في الأرض» متعلقٌ ب «مُسْتَضْعَفِين» ، ولا يجوز أن يكُون «في الأرْضِ» هو الخَبَر، و «مُسْتَضْعَفِين» حالاً، كما يَجُوز ذلك في نَحْو: «كان زيدٌ قائَماً في الدَّارِ» لعدمِ الفَائدة في هذا الخَبَر. فصل في معنى التَّوَفِّي في هذا التَّوفِّي قولان: الأول: قول الجُمْهُور، معناه تُقْبَض أرْوَاحهم عند الموْتِ. فإن قيل: كيف الجَمْع بَيْنَه وبين قوله - تعالى -: ﴿الله يَتَوَفَّى الأنفس حِينَ مِوْتِهَا﴾ [الزمر: 42] ، ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: 28] وبين قوله ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الموت الذي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: 11] . فالجواب: خالق الموت هو الله - تعالى -، والمُفَوَّض إليه هذا العمل هو مَلك المَوْت وسَائِر الملائكة أعْوانه. الثاني: توفَّاهم الملائِكة، يعني: يَحْشُرونهم إلى النَّار، قاله الحَسَن. فصل الظُّلْم قد يُراد به الكُفْر؛ كقوله - تعالى -: ﴿إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13] ، وقد يرادُ به المَعْصِيَة؛ كقوله: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ [فاطر: 32] ، وفي المراد بالظُّلْمِ هَهُنَا قَوْلان: الأول: قال بَعْضُ المُفَسِّرين: نزلت في نًاسٍ من أهْلِ مَكَّة، تكلَّمُوا بالإسْلام ولم يُهَاجِرُوا منهم: قَيْس بن الفاكه بن المُغيرَة، وقَيْس بن الوَليد وأشْبَاهُهُمَا، فلما خَرَج المُشْرِكُون إلى بَدْر، خرجوا مَعَهُم، فقاتَلُوا مع الكُفَّار وعلى هذا أراد بِظُلْمِهِم أنْفُسَهُم: إقامَتَهُم في دَارِ الكُفْرِ، وقوله - تعالى -: ﴿إِنَّ الذين تَوَفَّاهُمُ الملاائكة﴾ أي: ملك المَوْتِ وأعْوَانِهِ، أو أراد مَلَك المَوْتِ وَحْدَه؛ لقوله - تعالى -: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الموت الذي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: 11] والعَرَبُ قد تُخَاطِب الوَاحِد بلَفْظ الجَمْع. الثاني: أنها نَزَلَت في قَوْم من المُنَافِقِين، كانوا يُظْهِرُون الإيمان للمُؤمِنِين خوفاً، فإذا رَجَعُوا إلى قَوْمِهِم، أظْهَرُوا لهم الكُفْر، ولا يُهَاجِرُون إلى المَدِينَةِ. وقوله: «قالوا فيم كنتم» من أمْرِ دينكُم، وقيل: فيم كُنْتُم من حَرْب أعْدَائه، وقيل: لما تركتم الجِهَادَ ورَضِيتُم بالسُّكُون دَارِ الكُفَّار؛ لأن الله - تعالى - لم يَكُن يَقْبَل الإسلام بعد هِجْرَةَ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إلا بالهِجْرَة، ثم نَسَخَ ذلك بَعْدَ فَتْحِ مكَّة بقوله «لا هِجْرَة بَعْدَ الفَتْح» وهؤلاء قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ، وضربَتَ الملائكةُ وجوهَهم وأدْبَارَهُم، وقَالُوا لهم: فيم كُنْتُم؟ [ «قالوا كُنَّا» ] أي: في ماذا كُنْتُم أو في أيِّ الفَرِيقَيِن كنتم؟ أفي المُسْلِمين أو في المُشْرِكِين؟ سُؤال توبيخ وتَقْرِيع، فاعتذروا بالضَّعْف عن مُقَاوَمَة المُشْرِكِين، «وقالوا كنا مستضعفين» عَاجِزين، «في الأرْضِ» يعني «أرْض مَكَّة. فإن قيل: كان حَقُّ الجَوَاب أن يَقُولوا: كنا في كَذَا وكذا، ولم نكُنْ في شَيْء. فالجَوَاب: أن مَعْنَى» فِيمَ كُنْتُم» : التَّوْبِيخ، بأنهم لم يَكُونُوا في شَيْءٍ من الدِّين، حَيْثُ قَدَرُوا على المُهَاجَرَة ولم يُهَاجِرُوا فقالوا: كُنَّا مستَضْعَفِين اعْتِذاراً عمَّا وبَّخُوا بِه، واعتِلالاً بأنَّهم ما كَانُوا قادِرِينِ على المُهَاجَرة، ثم إنّ المَلاَئِكَة لم يَقْبَلُوا منهم هذا العُذْر؛ بل ردُّوه عَلَيْهِم، فقالوا: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا﴾ يعني أنكم كنتم قادرين على الخُرُوجِ من مَكَّة إلى بَعْضِ البِلاَدِ التي لا تُمْنَعُون فيها من إظْهَار دِينكُم، فبقيتم بين الكُفَّار لا للعجز عن مُفَارَقَتِهِم، بل مع القُدْرَة على المُفَارَقَة. فصل وقد ورد لَفْظُ الأرْض على ثَمَانِية أوْجُه: الأول: الأرض المَعْرُوفة. الثاني: أرْضُ المَدِينة، قال الله - تعالى -: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا﴾ . الثالث: أرض مَكَّة؛ قال - تعالى -[ ﴿قَالُواْ] كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرض﴾ أي: بمكة. الرابع: أرْض مِصْر؛ قال - تعالى - ﴿فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الأرض﴾ [الإسراء: 103] . الخامس: أرض الجَنَّة؛ قال تعالى ﴿وَأَوْرَثَنَا الأرض نَتَبَوَّأُ مِنَ الجنة حَيْثُ نَشَآءُ﴾ [الزمر: 74] . السادس: بُطُون النِّساء؛ قال - تعالى -: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا﴾ [الأحزاب: 27] يعني: النساء. السابع: الرحمة؛ قال - تعالى -: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هذه الدنيا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ الله وَاسِعَةٌ﴾ [الزمر: 10] ، وقوله - تعالى -: ﴿ياعبادي الذين آمنوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ [العنكبوت: 56] أي رحْمَتِي. الثامن: القَلْب؛ قال - تعالى -: ﴿اعلموا أَنَّ الله يُحْيِي الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الحديد: 17] ، أي: يحيى القُلُوب بعد قَسْوَتِها. قوله: «فتُهاجِرُوا» مَنْصُوبٌ في جَوَابِ الاسْتِفْهَام. وقال أبو الببَقَاء: «ألَمْ تَكُنْ» استِفْهام بمعنى التَّوْبِيخ، «فتُهَاجِرُوا» مَنْصُوبٌ على جواب الاستفهام؛ لأنَّ النَّفْي صار إثْبَاتاً بالاستفهَام» . انتهى. قوله: «لأنَّ النَّفْي» إلى آخره لا يَظْهَر تَعْلِيلاً لقوله: «مَنْصُوبٌ على جواب الاستِفْهَام» ؛ لأن ذلك لا يَصِحُّ، وكذا لا يَصِحُّ جَعْلُه عِلّةً لقوله: «بمَعْنَى التَّوْبيخ» ، و [ «ساءت» ] : قد تَقَدَّم القول في «سَاء» ، وأنها تَجْرِي مَجْرى» بِئْس «فيُشْترط في فاعلها ما يُشْتَرَك فَاعِلِ تيك، و» مصيراً» : تَمْيِيز. وكما بَيَّن عَدَم عُذْرِهِم، ذكر وعيدَهُم، فقال: «فأولئك مأواهم جَهَنَّم، ثم استَثْنى فقال:» إلا المستضعفين» : في هذا الاستثناءِ قولان: أحدُهُما: أنه متصلٌ، والمسْتَثْنَى منه قوله: «فأولئك مأواهم جهنم» ، والضمير يعودُ على المُتوفِّيْن ظَالِمِي أنْفُسِهم، قال هذا القَائِل: كأنه قيل: فأولئك في جَهَنَّم إلا المُسْتَضْعَفين، فعلى هذَا يَكُون هذا استِثْنَاء مُتَّصلاً. والثاني - وهو الصَّحيح: - أنه مُنْقَطِعٌ؛ لأن الضَّمير في «مَأواهُم عائدٌ على قوله:» إن الذين توفاهم» ، وهؤلاء المُتوفَّوْن: إمَّا كُفَّارٌ أو عُصَاة بالتَّخَلُّف، على ما قال المفَسِّرون، [وهم] قادرون على الهِجْرَة، فلم يندرجْ فيهم المُسْتَضْعَفُون فكان مُنْقَطِعاً، و «مِنْ الرِّجَال» حالٌ من المُسْتَضْعَفِين، أو من الضَّمِير المستتر فيهم، فيتعلَّقُ بمَحْذُوف. قوله: «لا يستطيعون حيلة» في هذه الجُمْلَة أرْبَعة أوجه: أحدها: أنَّها مستأنفةٌ جوابٌ لسؤالٍ مقدَّرٍ، كأنه قيل: ما وَجْهُ استِضْعَافِهم؟ فقيل: كذا. والثاني: أنها حالٌ. قال أبو البَقَاء: «حالٌ مبينَّة عن مَعْنَى الاستِضْعَاف» ، قال شهاب الدين: كأنَّه يُشِير إلى المَعْنَى المتقدِّم في كونها جَوَاباً لسُؤال مُقَدِّر. الثالث: أنها مفسِّرةٌ لنفسِ المُسْتَضْعَفِين؛ لأنَّ وجوه الاستِضْعَاف كثيرة، فبيَّن بأحد مُحْتَمَلاته، كأنه قيل: إلا الذين استُضْعِفُوا بسبب عَجْزِهِم عن كذا وكذا. الرابع: أنها صِفَة للمُسْتَضْعَفِين أو للرِّجَال ومن بَعْدَهم، ذكره الزمخشري، وعبارة البيضاوي أنه صِفَة للمُسْتَضْعَفِين؛ إذ لا تَرْقِية فِيِهِ، أي: لا تعيُّن فيه، فكأنه نكِرةٌ، فَصَحَّ وَصْفُهُ بالجُمْلَة. انتهى ما ذكرنا. واعتذر عن وصف ما عُرِّف بالألف واللام بالجُمَل التي ي حُكم النَّكِرَات، بأن المُعَرَّف بِهِمَا لمَّا لم يكن مُعَيَّناً، جاز ذلك فيه، كقوله: [الكامل] 1867 - وَلَقَدْ أمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي..... ... ... ... ... ... ... وقد قَدَّمتُ تَقْرير المَسْألةِ. فصل في معنى الآية المعنى: لا يقدرون على حِيلَةٍ ولا نَفَقَةٍ، إذا كان بِهِم مَرَضٌ، أو كانوا تَحْتَ قَهْر قَاهِرٍ يَمْنَعُهم من المُهَاجَرَة. وقوله: « [و] لا يهتدون سبيلاً» أي: لا يَعْرِفُونَ طريق الحقِّ، ولا يَجِدُون من يَدُلُهم على الطَّرِيق. قال مُجَاهد والسُّدِّي وغيرهما: المرادُ بالسَّبيل [هنا:] سبيل المَدِينَة. قال القُرْطُبِيّ: والصَّحِيح إنَّه عامٌّ في جَمِيع السُّبُل. روى أنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بَعَثَ بهذه الآيَة [إلى] مسلمي مَكَّة، فقال جندب بن ضمرة لِبنيه: احْمِلُونِي فإني لَسْت من المُسْتَضْعَفِين، ولا أنِّي لا أهْتَدِي الطَّرِيق، والله لا أبيتُ اللَّيْلَة بمكّة، فحملُوه على سَرِير مُتَوجِّهاً [إلى] المدينة، وكان شيخاً كبيراً فَمَات في الطَّريق. فإن قيل: كيفَ أدْخَل الوِلْدَان في جملة المسْتَثْنين من أهْل الوَعِيد، فإن الاستِثْنَاء إنَّما يَحْسُن لو كانُوا مستحِقِّين للوَعِيد على بَعْضِ الوُجُوه. قلنا: سُقُوط الوعيدِ إذا كان بِسَبَبِ العَجْزِ، والعَجْزُ تارة يَحْصُل بسبَبِ عَدَمِ الأهْبَةِ، وتارةً [يًحْصُل] بسبَبِ الصِّبَا، فلا جرم حَسُن هذا الاستِثْنَاء، هذا إذَا أريد بالوِلْدَان الأطْفَال، ويجُوز أن يُرَاد المُرَاهِقُون منهم، الَّذيِن كَمُلَت عُقُولُهم، فتوجَّه التَّكْلِيف نَحْوَهُم فيما بَيْنَهُم [وبين الله] ، وإن أريد العَبِيدُ والإمَاءُ البَالِغُون، فلا سُؤال. قوله: «فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم» وفيه سُؤالان: أحدهما: أن القَوْمَ [لما] كانوا عَاجِزِين عن الهِجْرَة، والعَاجِز عن الشَّيْء غير مُكَلَّف له، وإذا لم يَكُن مُكَلَّفاً، لم يكن عَلَيْهِ في تَرْكِهِ عُقُوبَة، فلم قال: «عسى الله أن يعفو عنهم» والعفو لا يتصوَّر إلاَّ مع الذَّنْبِ، وأيضاً: «عَسَى» كلمة إطْمَاع، وهذا يَقْتَضِي عدم القَطْعِ بحُصُول العَفْوِ. فالجواب عن الأول: أن المُسْتَضْعَف قد يكُون قَادِراً على ذَلِكَ الشَّيْء مع ضرْبٍ من المَشَقَّة، وتمييز الضَّعْف الذي يَحْصُل عنده الرُّخْصة عند الحَدِّ الذي لا يَحْصُل عنده الرُّخْصَة شاقٌّ، فربما ظَنَّ الإنْسَان أنَّه عاجز عن المُهَاجَرة، ولا يكون كَذَلِكَ، ولا سِيَّمَا في الهِجْرَة عن الوَطَنِ؛ فإنها شَاقَّة على النَّفْس، وبسبب شِدَّة النَّفْرَة قد يظن الإنْسَان كونه عَاجِزاً، مع أنَّه لا يُكون كذلك، فلهذا المَعْنَى كانت الحَاجَة في العَفْو شَدِيدة في هَذَا المقَامِ. السؤال الثاني: ما فَائِدة ذكْر لَفْظَة «عَسَى» هَهُنا؟ فالجواب: لأن فيها دَلاَلَة على [أن] ترك الهِجْرَة أمر مُضَيّق لا تَوْسِعة فيه، حتى أن المُضْطَر البَيِّن الاضْطِرَار من حَقِّه أن يقُول: عسى الله أن يَعْفُو عني، فكيف الحال في غَيْرِه، ذكره الزَّمَخْشَرِي. قال ابن الخَطِيب: والأولى أن يكون الجَوَاب ما تَقَدَّم من أن الإنْسَان لشدة نُفْرَته عن مُفارقَة الوَطَن، رُبًَما ظَنَّ نَفْسَه عَاجِزاً عنها مع أنه لا يَكُون كَذَلِكَ، فلهذا المَعْنَى ذكر العَفْوَ بكلمة «عَسَى» لا بالكَلِمَة الدَّالَّة على القَطْع. قال المفَسِّرُون: «وكلمة» عَسَى «من الله وَاجِبٌ؛ لأنه للأطْمَاع، والله - تعالى - إذا أطْمَعَ عَبْدَه أوْصَلَه إليه. ثم قال:» وكان الله غفوراً رحيماً» . ذكر الزَّجَّاج في كان ثلاثة أوجه: الأول: «كان» قَبْلَ أن خلق الخَلْق مَوْصُوفَاً بِهَذِه الصِّفَةِ. الثاني: كان مع جَمِيع العِبَاد بِهذه الصِّفَة، والمقصود بَيَان أن هذا عَادَة الله أجْرَاهَا في حَقِّ خلقه. الثالث: أنه - تعالى - لو قال: «عفو غفور» كان هذا إخْبَارَاً عن كَوْنِهِ كذلك فقط، ولمَّا قال: إنَّه كان كَذَلِكَ، فهذا إخْبَار وقع بِخَبَرِه على وَقْفِهِ، فكان ذلك أدلَّ على كونه صِدْقاً [وحَقّاً] ومُبَرَّأ عن الكَذِب. وقال ابن عباس: كُنْتُ أنا وأمِّي ممن عَذَرَ اللهُ [يعني] : من المستضَعْفَيِن، وكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يدْعُو لهؤلاءِ المسْتَضْعَفين. روى أبو هُرَيْرَة؛ قال كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إذا فقال: سَمِع الله لِمَنْ حَمِدَه في الرُّكْعَة الأخيرة [من صَلاَةِ العِشَاء] قنت: اللَّهمُ أنْجِ عيَّاش بن أبي رَبِيعَة، اللَّهُم أنْجِ الوليدَ بن الوليدَ، اللَّهُمَّ أنْج المستَضْعَفين من المؤمنين، اللهم اشْدُدْ وطْأتَكَ على مُضَر، اللهم اجْعَلْهَا عليهم سِنين كسِنِي يُوسُف.

النساء 4:100

لما رَغَّبَ في الهِجْرَةِ، ذكر السَّبَب الذي يَمْنَع الإنْسَان من الهِجْرَة ثم أجَابَ عَنه، وذلك المَانِعُ أمْرَان: الأوّل: أن يكون في وَطَنِه في راحةٍ وَرَفَاهِية فيظن لأنه بِمفَارَقَتِه للوَطَن يقع في الشِّدَّة وضيق العَيْش، فأجاب الله عن ذلك بقوله: ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأرض مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً﴾ . قال القرطبي: قوله: ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ شرط، وجَوَابُه: ﴿يَجِدْ فِي الأرض﴾ . واشتِقاق المُرَاغَم من الرغَام وهو التُّرَاب؛ يقولون: رغم أنفه، ويريدون أنه وَصَل إلى شَيْء يَكْرَهُه؛ لأن الأنْفَ لا يجد ذلك [البَلَد] من النِّعْمَة والخَيْر، ما يكون سَبَباً لرغم أنفِ أعدَائِه الَّذِين كَانُوا معه في بلدته الأصْلِيّة، فإنه إذا اسْتَقَام حَالُه في تِلْكَ البَلَد الأجْنَبِيَّة، وَوَصَل خَبَرُه إلى أهْل بَلْدَتِه، خجلوا من سُوءِ معامَلَتِهم له، وزعمت أنُوفُهم بذلك وَهَذَا أوْلَى الوُجُوه. وأمَّا المَانِعِ الثاني عن الهجرة: فهو أن الإنْسَان يَقُول: إن خَرَجْت عن بَلَدِي لطلب هذا الغَرَضِ، فربما وَصَلْتُ إليه، وربَّما لم أصِلْ إليه، فالأولى ألا أُضِيعَ الرَّفَاهِيَة الحَاضَرة بسبب طَلَبِ شَيء قد يَحْصُل، فأجَابَ الله - تعالى - عن ذَلِك بقوله: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى الله وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الموت فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ الله﴾ . والمراد ب «السِّعَة» : سعة الرِّزْق، وقيل: سَعَة من الضَّلال إلى الهُدَى. قوله - تعالى -: ﴿وَمَن يَخْرُجْ [مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى الله وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الموت فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ الله وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً﴾ ] . روي أنه لما نَزَلَت هذه الآيَةِ، سَمِعَهَا رجلٌ من بَنِي لَيْث شَيْخٌ كبير مَرِيضٌ يقال له: جُنْدَعُ بن ضَمْة، فقال: والله ما أنَا ممَّن استَثْنَى الله - عَزَّ وَجَلَّ -، وإني لأجِدُ حِيلَة، ولي من المَالِ ما يُبَلِّغُنِي المَدينَةَ وأبعد مِنْهَا، والله لا أبِيتُ اللَّيلة بمكَّة، أخرِجُوني، فخرجوا به يَحْمِلُونَه على سَرير حتى أتَوْا به التَّنْعِيم، فأدركه المَوْت، فصفَّق بيمِينِه على شِمَالِه، فقال: اللَّهُم هذه لك وهذه لِرَسُولِك، أبَايعُك على ما بَايَعَك عليه رَسُولُك، فمات فَبَلَغَ خَبَرُه أصْحَابَ رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فقالوا: لو وَافَى المَدِينَة لكان أتمَّ أجْراً. وضَحِكَ المُشْرِكُون وقالوا: ما أدْرَك هذا ما طَلَب، فأنْزَلَ الله تعالى -: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى الله وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الموت [فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ الله﴾ ] أي: قبل بُلُوغه إلى مهاجره، «فقد وقع أجْرُه على الله» . أي: وجَب بإيجَابِه على نفسه فَضْلاً مِنْه. فصل قال بَعْضُهم: إن من قَصَد طاعَةً وعجز عن إتْمَامِهَا، كتب الله ثَوابَ تِلْكَ الطَّاعَة؛ كالمرِيض يَعْجَزُ عما كان يَعْمَلُه في حال صِحَّتِه من الطَّاعَة، فيكتب الله [له] ثواب ذلك العَمَل؛ هكذا رُوِي عن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. وقال آخَرُون: يُكْتَب له: أجر قَصْدِه، وأجْر القَدْرِ الذي أتَى به من ذَلِكَ العَمَل، أما أجْرُ تَمَام العَمَلِ، فذلك مُحَالٌ. والقول الأوَّل أوْلى؛ لأنه - تعالى - ذكر هذه الآيَةِ في مَعْرِض التَّرْغِيب في الهَجْرَة، وهو أنَّ من خرج للرَّغْبَة في الهِجْرَة، فقد وجد ثَوَاب الهِجْرَة، والتَّرْغِيب إنما يَحْصُل بهذا المَعْنَى، فأما القَوْل بأنّ معنى الآيةِ هو أن يَصِل إليه ثَوَابُ ذَلِكَ القَدْر من العَمَل، فلا يَصْلُح مرغِّباً؛ لأنه من المَعْلُوم أن كُلَّ من أتَى بِعَمَلٍ فإنه يَجِدُ الثَّوَاب المرتَّبَ على قَدْرِ ذلك العَمَل. فصل: شبه المعتزلة في وجوب الثواب على الله والرد عليها قالت المُعْتَزِلَة: هذه الآية تَدُلُّ على أن العمل يُوجِب الثَّواب على الله - تعالى -؛ لقوله: ﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ الله﴾ ، وذلك يدلُّ على قَوْلِنَا من ثلاثة أوجُه: الأول: حقيقة الوُجُوب هو الوُقُوع والسُّقُوط؛ قال - تعالى -: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: 36] أي وقعت وسَقَطَت. وثانِيها: أنه ذَكَرهُ بلفظ الأجْر، والأجر عبارة عن المَنْفَعَة المسْتَحقِّة، فأمَّا الذي لا يكُون مُسْتَحقاً، فلا يُسَمَّى أجْراً، بل يُسمَّى هِبَةً. وثالثها: قوله: «على الله» وكلمة «عَلَى» للوُجُوب؛ قال - تعالى -: ﴿وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت [مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ ] [آل عمران: 97] . والجواب: أنا لا نُنَازعُ في الوُجُوب، لكن بِحُكْم الوَعْد والتَّفْضُّل والكرم، لا بحكم الاسْتِحْقَاق الذي لو لم يفْعَل لخَرَج عن الإلهيَّة. فصل نقل القُرْطُبِي عن مالكٍ؛ أنه قال: هذه الآية تدلُّ على أنَّهُ ليس لأحَدٍ لمُقَامُ بأرض يُسَبُّ فيها السَّلَف ويَعْمَلُ فيها بِغَيْر الحَقِّ. فصل استدَلُّوا بهذه الآيةِ على أنَّ الغَازِي إذا مَاتَ في الطَّرِيقِ، وَجَبَ سهْمُهُ في الغَنِيمَةِ، كما وَجَبَ أجْرُه، وفيه ضَعْفٌ؛ لأن لَفْظَ الآيَةِ مَخْصُوص بالأجْر، وأيضاً فاسْتِحْقَاق السَّهم من الغَنِيمَة مُسْتَحقٌّ بحيازَتِها، إذ لا يُكُون ذلك إلا بَعْدَ حِيَازَتِها. قوله - تعالى -: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى الله وَرَسُولِهِ﴾ قال عِكْرمَة مَوْلَى ابْن عبَّاس: طَلَبْتُ اسم هذا الرَّجُل أرْبَع عَشْرَة سَنَة حتى وَجَدْتُه، وفي قول عِكْرمة [هذا] دَلِيلٌ على شَرَفِ هذا العِلْمِ، وأنَّ الاعْتِنَاء به حَسَنٌ والمَعْرِفَة به فَضْلٌ؛ ونحوه قول [ابن عبَّاس] : مكثت سِنين أريد أن أسْأل عُمَر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - عن المَرْأتَيْن اللَّتَيْن تظاهرتا على رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فما يَمْنَعُنِي إلا مَهَابَتُه، والذي ذَكَرَه عِكْرِمَة هو قَوْل ضمرة بن العِيص، أو العيص بن ضمرة بن زِنْبَاع، حَكَاه الطَّبَري عن سَعِيد بن جُبَيْر، ويقال فيه ضُمَيْرة أيضاً، ذَكَرَ أبُو عمرو أنَّه قد قِيلَ فيه: خَالِد بن حزام بن خُوَيْلد ابن أخِي خَدِيجَة [خرج] مُهَاجراً إلى لأرْض الحَبَشَة، فَهَتَفَتْهُ حيَّة في الطَّرِيق، فمات قبل أن يَبْلُغ أرْض الحَبَشَة؛ فأنزل الله فِيه الآية، وحكى ابْن الحَوْزِيّ أنه حَبيبُ بن ضَمْرة. وقال السُّدِّيُّ: ضَمْرة بن جُنْدب الضمريّ. وحكى المَهْدَويّ أنه ضمرة بن ضمرة بن نُعَيم، وقيل ضمرة بن خُزاعة. وروى معمر عن قتادة: لما نَزَل قوله - تعالى -: ﴿إِنَّ الذين تَوَفَّاهُمُ الملاائكة﴾ [النساء: 97] قال رَجُل من المُسْلِمِين وهو مَرِيضٌ: والله - تعالى - ما لي عُذْرٌ: إني لَدَلِيل في الطَّرِيق وإني بمُوسِرٌ، فاحْمِلُوني فأدْركه المَوْتُ في الطَّرِيق، فقال أصْحَاب النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: لو بَلَغَ إلَيْنَا لتَمَّ أجْرُه، وقد مات بالتَّنْعِيم، وجاء بَنُوه إلى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأخبروه بالقِصَّة، فنزل قوله: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً [إِلَى الله وَرَسُولِهِ﴾ ] الآية. قوله: «ثم يدركه» الجُمْهُور على جَزْم «يدركْه» عَطْفَاً على الشَّرْطِ قبله، وجوابه: «فقد وقع» وقرأ الحَسَن البصري بالنَّصْب. قال ابن جِنِّي: «وهذا لَيْسَ بالسَّهْل، وإنما بَابُه الشَّعْر لا القُرْآنُ، وأنشد [الوافر] 1868 - سَأتْرُكُ مَنْزِلِي لِبَنِي تَمِيم ... وَألْحَقُ بِالْحِجَازِ فَأسْتَرِيحَا والآيةُ أقْوَى من هذا؛ لتقدُّم الشرط قَبْلَ» المَعْطُوف «، يعني: أن النَّصْب بإضْمَار» أن «في غَير تِلك المَوَاضِع ضَرُورَةٌ؛ كالبيتِ المتقدم؛ وكَقوْل الآخر: [الطويل] 1869 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ..... وَيَأوِي إلَيْهَا المُسْتَجِيرُ فَيُعْصَمَا وتبع الزَّمَخْشَرِي أبا الفَتْح في ذلك، وأنْشَدَ البَيْت الأوَّل. وهذه المَسْألة جَوَّزها الكُوفيُّون لمدركٍ أخرَ، وهو أن الفِعْلَ الواقِع بين الشَّرْط والجَزَاء، يجوز فيه الرَّفْع والنَّصْب والجَزْمُ إذا وَقَعَ بعد الواوِ والفَاءِ؛ واستدَلُّوا بقول الشاعر: [الطويل] 1870 - ومَنْ لا يُقَدِّمْ رِجْلَهً مُطْمَئِنَّةً ... فَيُثْبِتَهَا فِي مُسْتَوى الْقَاعِ يَزْلَقِ وقول الآخر: [الطويل] 1871 - ومَنْ يَقْتَرِب مَنِّا ويَخْضَعَ نُؤوِه ... ولا يَخْشَ ظُلْماً مَا أقَامَ وَلاَ هَضْمَا وإذا ثَبَتَ ذلك في الواوِ والفضاءِ، فليَجُزْ في «ثُمَّ» ؛ لأنها حَرْف عَطْفٍ. وقرأ النَّخعيُّ، وطَلْحَة بن مُصَرِّف برفع الكَاف، وخَرَّجَها ابن جنِّي على إضْمَار مُبْتَدَأ، أي: «ثم هو يُدْرِكُه المَوْتُ» فعطَ جُمْلَةً اسمِيّةً على فِعْلِيَّةً، وهي جُمْلَة الشَّرْطِ: الفعلُ المَجْزُومُ وفاعلُه، وعلى ذلك حَمَل يُونُس قولَ الأعْشَى: [البسيط] 1872 - إنْ تَرْكَبُوا فَرُكُوبُ الخَيْلِ عَادَتُنَا ... أوْ تَنْزِلُون فَإنَّا مَعْشَرٌ نُزُلُ أي: وأنتم تنزلون، ومقله قول الآخر: [البسيط] 1873 - إنْ تُذْنِبُوا ثُمَّ تَأتِيِنِي بَقِيَّتُكُمْ ... فَمَا عَلّيَّ بِذَنْبٍ عِنْدَكُمْ حُوبُ أي: ثم أنتم تَأتيني، وهذا أوْجهُ من أن يُحْمَل على أن يَأتِيني. قلتُ: يريدُ أنه لا يُحْمَلُ على إهْمَالِ الجَازِمِ، فيُرْفَعُ الفعل بعده، كما رفع في: 1874 - ألَمْ يَأتِيكَ والأنْبَاءُ تَنْمِي ... بِمَا لاَقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيَادِ فلم يَحْذِفِ اليَاء، وهذا البَيْت أنشده النَّحويُّون على أنَّ عَلاَمَةَ الجَزْم، حَذْفُ الحَرَكَةِ المُقَدَّرة في حَرْفِ العِلَّة، وضَمُّوا إليه أبياتاً أخَرَ، أمَّا أنَّهم يَزْعُمُون: أنَّ حَرْف الجَزْم يُهْمَل، ويَسْتدلون بهذا البَيْت فَلا. ومنهم مَنْ خَرَّجَهَا على وَجْه أخَر؛ وهو أنه أراد الوَقْفَ على الكلمة، فنقلَ حَركَة هاءِ الضَّمِير إلى الكَافِ السَّاكِنَة للجَزْمِ، كقولِ الآخَر: [الرجز] 1875 - عَجِبْتُ والدَّهْرُ كَثِيرٌ عَجَبُه ... مِنْ عَنَزِيٍّ سَبَّنِي لَمْ أضْرِبُهْ يريد: «لم أضْرِبْه» بسكون البَاء للجَازِم، ثم نَقَل إليها حَرَكَة الهاءِ، فصار اللَّفْظُ «ثم يُدْرِكُهْ» ثم أجْرََى الوصْلَ مُجْرى الوَقْفِ، التقى ساكنان، فاحْتاجَ إلى تَح~رِيك الأوَّلِ وهو الهَاءُ، فَحَرَّكها بالضَّمِّ؛ لأنه الأصلُ، وللإتباع أيضاً. ثمَّ قالَ الله - تعالى -: ﴿وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً﴾ أي: ويَغْفِرُ [الله] ما كَانَ مِنْهُ [مِنِ القُعود] إلَى أنْ خَرَجَ. فصل قال ابن العَرَبِيَّ: قَسَّمَ العُلَمَاءُ الذِّهَاب في الأرْض [إلى] قسمين: هَرباً، وطلباً. والأول ينْقَسِم سِتَّة أقْسَام: أحدها: الهِجْرَة: وهي الخُروج من دَارِ الحرب إلى دَار الإسْلام، وكانت فَرْضَاً في أيَّام النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وهذه الهِجْرَةِ باقيةٌ مفروضَةىٌ إلى يَوْمِ القِيَامَة، والَّتِي انقطعت بالفَتْح: حي القَصْد إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حَيْثُ كَانَ، فإنْ بَقِيَ في دَارِ الحَرْب، عصى ويختلف في حَالِه. وثانيها: الخُرُوج من أرْض البِدْعَة؛ كما تقَدَّم نَقْلُه عن مالك؛ فإنه إذا لم يَقْدِر على أزَالة المُنْكَر يَزُولُ عَنْهُ، قال [الله]- تعالى -: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الذين يَخُوضُونَ في آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [الأنعام: 68] . وثالثها: الخُرُوج من أرض غلب عليها الحرامُ؛ لأن طَلَبَ فَرْضٌ على كُلِّ مُسْلِمٍ. ورابعها: الفِرَار من الأذِيَّة في البَدَن، وذلك فَضْل من الله ورُخًصَةٌ؛ كما فَعَلَ إبْراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - لمَّا خَاف من قَوْمِه وقال: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إلى ربي﴾ [العنكبوت: 26] ، وقال: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: 99] ، وقال - تعالى - حكاية عن موسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: 21] . وخامسها: خَوْف المَرَضِ في البلاد الوَخْمَة، فيخرج إلى أرْضِ النزهة؛ لأن النِّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أذن للرُّعاة حين استَوْخَمُوا المدينة، أن يَخْرُجُوا إلى المَسْرَح فيكونوا فيه؛ حتى ما يَصحُّوا، وقد استُثْني من ذلك الخُروُج من الطَّاعُون، بِمَا في الحَدِيث الصَّحيح. وسادسها: الفِرَار خَوْف الأذِيَّة في المَالِ، فإن حُرْمة مال المُسْلِم؛ كَحُرْمَة دَمِه. وأما الطَّلَبُ فينقسم قِسْمَيْن: طلب دِين وطَلَب دُنْيَا. فأمَّا طَلَب الدِّين فينقسم إلى تِسْعَةِ أقْسَام: الأول: سَفَر العِبْرة، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي الأرض فَيَنظُرُواْ [كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ ] [الروم: 9] . يقال: إنَّ ذا القَرْنَيْنِ إنَّما طَافَ الأرْضَ؛ ليرى عَجَائِبَهَا، وقيل: ليُنْفِذَ الحَقَّ فيها. الثاني: سفر الحَجِّ، فالأوَّل نَدْب، وهذا فَرْضٌ. الثالث: الجهاد [وله أحكامُه] . الرابع: سَفَر المعاش؛ إذا تَعَذَّر على الرَّجُل مَعَاشُه مع الإقامة، فيخرج في طَلَبِه لا يزيد عَلَيْه؛ من صَيْد، أو احتِطَابٍ، أو احتشَاسٍ، فهو فَرْضٌ عَلَيْه. الخامس: سَفَر التِّجَارة والكَسْب الزَّائِد على القُوتِ، وذلك جَائزٌ بفضل الله تعالى؛ قال - تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: 198] يعني: التِّجَارة، وهو نَعْمَة مَنَّ الله بِهَا في سَفَر الحَجِّ، [فكيف إذَا انْفَرَدَتْ] . السَّادس: طلب العِلْم. السَّابِع: قصد البِقَاع الشَّرِيفة؛ قال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «لا تُشَدُّ الرِّحَال إلاَّ إلى ثَلاثَةِ مَسَاجِد» . الثَّامن: الثُّغُور للر! ِبَاط بها. التاسع: زيارة الإخْوَان في الله - تعالى -؛ قال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «زارَ رجُلٌ أخاً لَهُ في قَرْيَة، [فأَرْصَدَ الله له مَلَكَاً على مدرجته، فقال: أيْن تُرِيدُ، قال: أريد أخاً لِي في هَذِهِ القَرْيَة] ، فقال: هل له عَلَيْكَ من نِعْمَةٍ تَرُّبُّها عَلَيْه، قال: إني أحْبَبْتُه في الله، قال: فإني رسُول الله إلَيْك، بأنَّ الله قد أحَبَّك كَمَا أحْبَبْتَهُ فيه» [رواه مسلم، وغيره] .

النساء 4:101

لما ذَكَرَ الجِهَاد ذَكَرَ أحد الأمُور التي يَحْتَاج إليها المُجَاهِد، وهو مَعْرِفَة كَيْفِيَّة أداء الصَّلاةِ في الخَوْف، والاشْتِغَال بمُحارَبَة العَدوِّ. «أن تقصروا» : هذا على حَذْفِ الخَافِضِ، أي: في أن تَقْصُرُوا، فيكونُ في مَحَلِّ «أنْ» الوَجْهَان المَشْهُوران، وهذا الجَارُّ يتعلَّقُ بلفظِ «جُنَاح» أي: فََليْسَ عَلَيْكُم جُنَاحٌ في قَصْرِ الصَّلاة. قال الوَاحِدِيُّ: يُقَال: قَصَرَ فلان صَلاَتهُ، وأقصرها وقَصَّرَها، وكُلُّ جَائِزٌ. والجمهور على «تَقْصُروا» من «قَصَرَ» ثلاثياً، وقرأ ابن عبَّاس: «تُقْصِروا» من «أقْصر» ، وهما لُغَتَان: قَصَر وأقْصَر، حكاهما الأزْهَرِيُّ، وقرأ الضَّبِيُّ عن رجاله بقراءة ابن عبَّاسٍ، وقرأ الزُّهري: «تُقَصِّروا» مشدِّداً على التَّكْثِيرِ. قوله: «من الصَّلاة» في «مِنْ» وَجْهَان: أظهرهُما: إنها تَبْعِيضيَّةٌ، وهذا مَعْنَى قول أبي البقاء، وزعم أنه مَذْهَب سيبويه، وأنَّها صفةٌ لمَحْذُوفٍ، تقديرُه: شيئاً من الصلاة. والثاني: أنَّها زائدةٌ، وهذا رأيُ الأخْفَش فإنه لا يَشْتَرِطُ في زِيَادتها شيئاً، و «أن يَفْتِنَكم» : مفعُول «خفِْتُم» . وقرأ عبد الله بن مَسْعُود، وأبَيُّ: «من الصَّلاة أن يفتنكُم» بإسقاط الجُمْلة الشَّرْطيّة، و «أن يفتنكُم» على هذه القراءة مَفْعُولٌ من أجْله، ولغةُ من أجْله، ولغةُ الحِجَاز: «فَتَنَ» ثُلاثياً، وتميم وقَيْس: «أفْتَن» رُبَاعياً. فصل لفظ القَصْر مُشْعِرٌ بالتَّخْفِيف؛ لأنه لَيْس صريحاً في أنَّ المُرادَ: هو القَصر في عَدَدِ الركَعَات، أي: في كيْفِيَّة أدائِها، فلا جَرَم حصل في الآيَة قولان: الأوّل: قَوْل الجُمْهُور أنَّ المراد مِنْه: القَصْر في عدد الرَّكِعَات والقَائِلُون بهذا القَوْلِ اختلفُوا على قَوْلَين: الأوَّل: أن المراد مِنْهُ: صلاة المُسَافِر؛ وهو أنَّ كُلَّ صَلاَةٍ تكُونُ في الحَضَر أرْبَع رَكَعَاتٍ، فإنها تَصِير في السَّفَرِ رَكْعَتِيْنِ، وعلى هَذَا إنَّما يَدْخُل القَصْر في الرُّبَاعِيَّة خاصَّة. الثاني: أنَّ المراد: صرةَ الخَوْفِ في السَّفَر، وهو قَوْل ابن عبَّاسٍ، وجَابِر بن عبد الله، وجماعة، قال ابن عبَّاس: فَرَضَ الله صلاة الحَضَر أرْبَعَاً، وصلاة [السَّفر ركعتين] ، وصلاة الخَوْفِ رَكْعَةً على لسان نَبِيِّكُم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. القول الثاني: أن المُرادَ من القَصْر: التَّخْفِيف في كيفية أداء الرَّكَعَات، وهو أن يُكتفى في الصَّلاة بالإيمَاءِ والإشَارَة بدل الرُّكُوع والسُّجُود، وأن يَجُوز المَشْيُ في الصَّلاة، وأن تجُوز الصلاة عند تلَطُّخ الثَّوْب بالدَّمِ وهو الصَّلاة حال التِحَام القِتَال، [وهو مَرْوِيٌّ عن ابْن عَبَّاسِ وطاووس، واحتَجُّوا: بأنَّ خوف فِتْنَة العَدُوِّ لا تَزُول فيمَا يُؤتَى بِرَكْعَتِيْن على تَمَامِ أوْصَافِهَا، وإنما عَيَّن ذَلِكَ فيما يَشْتَدُّ فيه الخَوْف حَالَ التِحام القِتَال] ، وهذا ضَعِيفٌ؛ لأنه يُمْكِنُ أن يُقَال: إن المُسَافر إذا كانَت الصَّلاة قَلِيلَة الرَّكَعَات، فيمكنه أنْ يَأتِيَ بَهَا على وَجهِ لا يَكُون خَصْمُه عَالِماً بَِكَوْنِهِ مُصَلِّياً أما إذا كثُرت الرَّكَعَات، طالَت الصَّلاة، ولا يُمْكِنُه أن يَأتِي بها على حين غَفْلَةٍ مع العَدُوِّ، وحَمْل لفظِ القصْر على إسْقَاط [بَعْض] الرَّكَعَاتِ أوْلَى لوجوه: أحدُها: ما رُوِيَ عن يعلى بن أمّيَّة أنَّه قال: «قلت لعمر بن الخَطَّاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: كيف نَقْصُر وقد أمِنَّا، وقد قال الله - تعالى -: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة إِنْ خِفْتُمْ﴾ فقال: عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ؛ فَسَأَلْتُ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - فَقَالَ:» صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُم، فاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» ، وهذا يدلُّ على أن القَصْر المذكُور في الآية، وهو القصْرُ في عَدَدِ الركَعَاتِ. الثاني: أن القَصْر عبارةٌ عن أن يؤتى بِبَعْض الشَّيْء ويقتصر عَلَيْه، فإمَّا أن يُؤتَى بشَيٍْ آخَرَ، فذلك لا يُسَمَّى قَصراً، ومعْلُوم: أن إقامَة الإيماء [مَقَامَ] الرُّكُوع والسُّجُود، وتَجويز المَشِي في الصَّلاة، وتَجْوِيز الصَّلاة مع الثَوْب المُلَطَّخ بالدَّم، ليس شيء من ذلك قَصْراً؛ بل كُلُّها إثباتٌ لأحْكَامِ جديدةٍ، وإقَامَة لشَيْءٍ مَقَامَ شَيْء آخَرَ. الثالث: أن» مِنْ في قوله: «مِنَ الصّلاة» للتَّبْغيضِ، وذلك يُوجِبُ جَوازَ الاقْتِصَارِ على بَعْضِ الصَّلاة. الرابع: أن لَفْظَ القَصْر كان في عُرْفِهِم مَخصُوصاً بتنْقِيصِ عددِ الرَّكَعَاتِ، ولهذا بمَّا صلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الظُّهر رَكْعِتَيْنِ، قال ذو اليَدَيْنِ: «اقصُرَتِ الصلاةُ أم نَسِيت؟» . الخامس: القَصْر بمعنى: تغير هَيْئَةٍ [الصَّلاة] المَذْكُورة في الآيةِ الَّتِي بَعْدَهَا توجب أن يكُون المُراد من هذه الآيَة بَيَان القَصْر، بمعنى حذف بَعْض الرَّكعَات، لئلا يَلْزَم التَّكْرار. فصل هل الأفضل الإتمام أم القصر؟ قصر الصَّلاة في السَّفر جَائِز بالإجْمَاعِ، واخْتَلَفُوا في جواز الإتْمَام. فذهب أكْثَرُهُم إلى أن القَصْرَ واجِبٌ، وهو قَوْل عُمَر وعَلِيِّ، وابن عُمَر، وجابر، وابن عبَّاس، وبه قال الحَسَن وعُمَر بن عَبْد العَزِيز، وقتادة، وهو قول مالِكٍ وأصحاب الرأي بما روت عائِشَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -، قالت: «الصَّلاةُ أوَّل ما فُرِضَت [رَكْعَتَيْن في الحَضَر والسَّفَر فأقِرَّتْ] صَلاَة السَّفَر، وأتِمَّت صَلاةُ الحَضَر» . وذهب قَومٌ إلى جواز الإتْمَام، رُوِيَ ذلك عن عُثْمَان [وسَعْد] بن أبِي وَقَّاصٍ، وبه قال الشَّافِعِيُّ إن شاءَ أتَمَّ، وإن شاءَ قَصَر، والقَصْر أفْضَل. فصل قال أهل الظَّاهِر: قَلِيلُ السَّفَر وكَثِيرُه سَوَاء؛ بِظَاهِر الآية، فإن الآيَة مرتَّبةٌ من شَرْطِ وجَزَاء، فإذا وُجِدَ الشَّرْط وهو الضَّرْب في الأرْض، ترتَّب عَلَيْه [الجزاء] سواء كَانً طَويلاً أوْ قَصِيراً، وذلك مَرْوِيٌّ عن أنَسٍ، وقال عَمْرُو بن دِينَار: قال لي جَابر بن زَيد: أقْصِر بعَرَفَة. فإن قيل: هذا يَقْتَضِي حُصُول الرُّخْصَة عند انْتِقَال الإنْسَان من مَحَلَّة إلى مَحَلَّة. فالجواب: لا نُسَلِّم أنَّ هذا ضَرْب في الأرْضِ، وإن سُلَّم، فنقول: الإجْمَاع مُنْعَقِدٌ على أنَّه غير مُعْتَبَر، فَهَذا تَخْصِيصٌ بالإجْمَاع، والعامُّ بعد التَّخْصيص حُجَّة. وقال الجُمْهُور: إن السَّفر مات لم يتقدَّر مَخْصُوصٍ، لم تَحْصُل فيه الرُّخْصَة، وقالوا: أجْمَع السَّلَف على أنَّ أقَل السَّفِر مقدَّرٌ، لأنه رُوِيَ عن عُمَر أنَّه يَقْصِر في يَوْم تامٍّ؛ وبه قَالَ الزُّهرِي والأوْزَاعِيُّ. وقال ابْن عَبَّاس: يَقْصرُ إذا زَادَ علي يَوْم ولَيْلَة. قال أنَس: المُعْتَبَر خَمْسَة فَرَاسِخ، وقال الحَسَن: مَسِيرة لَيْلَتَيْن. وقال الشَعْبِي، والنَّخعِي، وسعيد بن جُبَيْر: من الكُوفَة إلى المَدَائِن مسيرة ثلاثةَ أيّام، وهو قول أبِي حَنِيفَة، وروى الحَسَن بن زِيَاد، عن أبي حنيفة: أنَّهُ إذا سَافَر إلى موضع يكون مَسيرة يَوْمَيْن، وأكثر اليوم الثَّالِث، جاز القَصْر، وهكذا رَوَاهُ ابن سماعة، عن أبِي يُوسُف ومحمَّد. وقال مَالِكٌ: أمْيَال هَاشِم جَدَّ رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وهو الذي قدَّر أمْيَال البَادِية؛ كل ميلٍ اثْنَا ألف قدم، وهي أرْبَعَةٌ آلاف خطوة، فإن كل ثَلاثَة أقْدَام خُطْوة، قالوا: واختِلاَف النَّاس يدل على انْعِقَاد الإجْمَاع، على أن الحُكْمَ غير مَرْبُوط بِمُطْلَق السَّفَر. قال أهل الظاهر: اضْطِرابُهم يَدُلُّ على أنَّهم لم يَجِدُوا دَلِيلاً في تَقْدِير المُدَّة، إذ لو وَجَدُوه لما حَصَل الاضْطِرَاب، وأما سُكُوت [سَائِر] الصَّحَابَة؛ فلعلَّه كان لاعْتِقَادِهم أنّ الآية دَالَّة على ارتِبَاط الحُكْمِ بِمُطْلَقِ السَّفَر، وإذا كان الحُكْم مَذْكُوراً في نَصِّ القُرْآن، لم يكن بِهِم حَاجَةٌ إلى الاجْتِهَاد والاستِنْبَاطِ؛ فلهذا سَكَتُوا ثَلاَثَة أيّامٍ «؛ وهو يدل على أنَّه إذَا لَمْ يَحْصُل المَسْح ثلاثة أيَّام، لا يسَمَّى مسافِراً. واستدل الشَّافيَّة بما رَوَى مُجَاهِدٌ وعطاء، عن ابن عبَّاس، عن النبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال:» يا أهْل مَكَّة، لا تَقْصُروا في أدْنَى من أرْبَعَة بُرُد من مَكَّة إلى عُسْفَان «قال أهل الظَّاهِر: وهذا تَخْصِيص لعُمُوم القُرْآن بخَيْر الوَاحِد، وهو لا يَجُوز؛ لأن القُرْآن مَقْطُوع به والخَبَر مَظْنُونٌ، وقال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ:» إذا رُوِيَ عَنِّي حديثٌ فاعْرِضُوه على كِتَاب الله -[تعالى] ، فإن وَافق، فَاقْبَلُوه، وإلا فَرُدُّوهُ «وهذا مُخَالِفٌ لعموم الكِتَاب، وأيْضَاً فإنها أخْبَار وردَتْ في وَاقِعَةٍ تَعُمُّ الحاجَةُ إلى مَعْرفتها؛ لأن الصَّحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - كانُوا في أكْثَر الأوْقَات في السَّفَر والغَزْو، فلو كَانَت الرُّخْصَة مَخْصُوصَة بِسَفَرٍ، مقدَّر، لعرفوها ونَقَلُوها نقلاً متواتراً، لا سِيَّمَا وهو عَلَى القُرْآن، وأيضاً: فدلائل الشَّافِعيَّة ودلائل الحَنَفِيَّة مُتَدافعة فسقَطَت ووجبَ الرُّجُوع لِظَاهِرِ القُرْآنِ. فصل خصَّ أهلُ الظَّاهر جواز القصر بِحَال الخَوْف؛ لقوله - تعالى -: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة إِنْ خِفْتُمْ﴾ والمَشْرُوط بالشَّيْءِ عدمٌ، عند عَدَمِ ذلك الشَّيءِ، ولا يَجُوز دفع هذا الشَّرط بأخْبَار الآحَاد؛ لأن نَسْخَ القُرْآنِ بِخَبر الوَاحِدِ لا يَجُوز. قوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الذين كفروا﴾ فقيل: إن يَفْتِنُوكم عن إتْمَام الرُّكُوع [والسُّجُود] ، وقيل:» أن يفتنكم» أي يغلبكم الَّذين كَفَرُوا في الصَّلاة، ونَظِيرُه قوله: [تعالى] : ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة إِنْ خِفْتُمْ﴾ عن الصلاة؛ لأن كُلَّ مِحْنَة، وبَلِيّة، وشِدَّة فهي فِتْنَة، وجَواب الشَّرْط مَحْذُوف يَدُلُّ عليه ما قَبْلَه. وقيل: الكَلاَم تَمَّ] عند قوله: «مِنَ الصَّلاة» ] والجملة الشَّرْطيةُ مُسْتَأنَفةٌ حتى قيلَ: إنها نَزَلَت بعد سَنَةٍ عن نُزُول ما قَبْلَها، وجوابُه حينئذٍ أيْضاً مَحْذُوف، ولكن يُقَدَّرُ من جِنْسِ ما بَعْدَه، وهذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، وتأخير نُزُولِهَا لا يَقْتَضِي استِئْنَافَهَا. فصل اخْتَلَفُوا متى يَقْصُر: فالجُمْهُور على أنَّ المُسَافِرَ لا يَقْصُر حتَّى يَخْرُج من بُيُوت القَرْيَة [وحينئذٍ] هو ضَارِبٌ في الأرْضِ، وهو قول مَالِكٍ في المُدَوَّنة، وروي عنه: أنَّه إذا كَانَت قَرْيَة تَجمع أهْلَهَا لا يَقْصُرُ حتى يُجَاوِزَها بثلاثَةِ أمْيَالٍ، وكذلك في الرُّجُوع، وعن الحَارِث بن أبي رَبيعة: إذا أرادَ السَّفَر، يَقْصُرُ في مَنْزِلِه؛ فيكون مَعْنَى قوله -[تعالى]-: ﴿إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرض﴾ معناه] : إذا أرَدْتُم السَّفَر. وعن مجاهد: لا يَقْصُر يَوْمَه الأوَّل حتى اللَّيْل، وهذا شَاذٌّ؛ لأن النَّبِيَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ صلى الظُّهْر بالمَدِينَة [أرْبعاً] ، وصلَّى العَصْرَ بذي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْن، وبين المَدِينَة وذي الحُلَيْفَة سِتَّة أمْيالٍ، أو سَبْعَة. فصل وعلى المَسَافِر أن يَنْوِي القَصْرَ حين الإحْرَام، فإن افْتَتَحَ الصَّلاة بنيَّة القصر، ثُمَّ عزم على المُقَام في أثناء الصَّلاة، جعلها نَافِلَةً، فإن كان ذَلِكَ بَعْدَ أنْ صَلَّى منها رَكْعَةً [واحِدَة] ، أضَاف إليها أخْرى [وسلَّم] ثم صلى صلاة مُقِيم، وقال الأبْهَرِيّ، وابن الجَلاَّب: هذا - والله أعْلم - اسْتِحْبَابٌ، ولو بَنَى على صَلاَتِه وأتمّها، أجْزأتْهُ. قوله: ﴿إِنَّ الكافرين كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً﴾ [و] المعنى: إن العدَاوَةَ بَيْنَكُم وبَيْنَ الكَافِرين قَديمَةٌ، والآن قد أظْهَرْتُم خلافَهُم في الدِّين فازْدَادَت عَدَاوتُهم لَكُم، فمن شِدَّة العَدَاوة، حارَبُوكم وقَصَدُوا إتلافكُم إن قَدَرُوا، فإن طَالَتْ صَلاتُكُم، فرُبَّمَا وَجَدُوا الفُرْصَة في قَتْلِكُ؛ فلهذا رَخَّصْتُ لَكُم في قَصْر الصَّلاة. قوله «لكم» متعلّقٌ بمَحْذُوف: لأنه حالٌ من «عَدُوّاٍ» ، فإنه في الأصْل صِفَةُ نَكِرَةٍ، ثم قُدِّم عَلَيْها، وأجاز أبُو البَقَاء أن يتعلَّق ب «كَان» ، [وفي المِسْألة] كَلاَمٌ مرٍّ تَفْصِيلُه. وأفْرد «عَدُوّاً: وإن كَانَ المُرَادُ به الجَمْعَ لأنَّ العدُوَّ يسْتَوِي فيه الوَاحِد والجمع؛ قال - تعالى -: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لي﴾ [الشعراء: 77] وقد تقدّم تَحْقِيقُه في البَقَرة. فصل في معنى الآية قوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الذين كفروا﴾ متَّصِل بما بَعْدَه من صَلاَةِ الخَوْفِ، منفصل عَمَّا قَبْلَه، رُوِيَ عن أبي أيُّوبٍ الأنْصَارِي، أنَّه قال: نَزل قَوْلُه: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة﴾ هذا القَدْر، ثمَّ بعد حَوْلٍ سألُوا رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن صَلاَةِ الخَوْفِ؛ فنزل:» إن خفتم» أي: وإن خِفْتُم «أن يفتنكم الَّذِينَ كَفَرُوا إنَّ الكَافِرِينَ كَانُوا لكُمْ عَدُوّاً مُبِيناً، وإذا كنت فيهم» . ومثله في القُرْآن كَثِيرٌ [أن] يجيء الخبر بِتَمَامِه، ثم يُنسق عَلَيْه خبرٌ آخًر، وهو في الظَّاهِر كالمُتَّصِل به، وهو مُنْفَصِلٌ عنه؛ كقوله - تعالى -: ﴿الآن حَصْحَصَ الحق أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصادقين﴾ [يوسف: 51] هذه حكاية عن امْرَأة العَزِيز، وقوله: ﴿ذلك لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بالغيب﴾ [يوسف: 52] ، إخبارٌ عن يُوسُف - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -.

النساء 4:102

كما بيَّن قَصْر الصَّلاة بحَسبِ الكَمِيَّة في العَدَِ، بين في هذه الآيَة كِيْفِيَّتَها، والضَّمِير في «فِيهِم» يعُود كما بيَّن قَصْر الصَّلاة يَحسبِ الكَمِيَّة في العَدَِ، بين في هذه الآيَة كَيْفِيَّتَها، والضَّمِير في «فِيهِم» يعُود على الضَّاربين في الأرضِ، وقيل على الخَائِفَين. روى الكَلْبِيُّ، عن أبِي صَالح؛ عن ابن عبَّاس، وجابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -: أن المُشْرِكِين لَمَّا رأوْا رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأصْحَابَهُ قاموا في الظُّهْر يُصَلُّون جميعاً، نَدِمُوا ألاّ كَانُوا أكبُّوا عليهم، فقال بَعْضُهم لبعضٍ: دَعْهم فإنَّ لهم بَعْدَها صَلاةَ هي أحَبُّ إليهم من آبائِهِم وأبْنَائِهِم، يعني: صَلاَة العَصْر، فإذا قَامُوا فيها فَشَدُّوا عليهم، فاقْتُلُوهم؛ فنزل جِبْرِيل فقال: يا محمَّد إنَّها صلاة الخَوْفِ، وإن الله - عَزَّ وَجَلَّ - يقُول: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصلاة﴾ فعلَّمه صَلاَةَ الخَوْفِ. فصل: هل صلاة الخوف خاصة بالرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال أبُو يُوسف، والحَسَن بن زِيَاد: صلاة الخَوْف كانت خَاصَّة للرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -، ولا تجُوز لغيره؛ لقوله - تعالى -: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ﴾ . وقال المُزَني: كانت ثَابِتَةً ثم نُسِخَتْ، ومذهب الجُمْهُور: ثُبُوتُها في حقِّ كل الأمَّة؛ لقوله - تعالى -: ﴿واتبعوه﴾ [الأعراف: 158] وأن حكمها باقٍن وقد ورد كيفيَّة صَلاَة الخَوْفِ على سِتَّة أوْجُه مذكُورة في كُتُبِ الفِقْهِ. قال أحْمد بن حَنْبَل: كُلُّ حَدِيثٍ رُوِيَ في أبًواب صَلاةِ الخَوْفِ، فالعَمَل به جَائِزٌ، روي فيه سِتَّةُ أوْجُه مذكورة في كُتُبِ الفِقْهِ. قوله: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ﴾ أي: شَهِيداً مَعَهُم في غَزَواتهم، ﴿فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصلاة فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ مَّعَكَ﴾ أي: فَلْتَقِف؛ كقوله - تعالى -: ﴿وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ﴾ [البقرة: 20] أي: وَقَفُوا، والمعنى: فاجْعَلْهم طَائِفَتَيْن، فَلْتَقُم طَائِفة منهم مَعَك، فَصَلٍّ بهم. وقرأ الحسن «فَلِتَقُمْ» بِكَسْر لاَمِ الأمْر وهو الأصْل، «وليأخذوا أسلحتهم» والضَّمير: إمَّا للمُصَلِّين، أو لغيرهم، فإنَ كان للمُصَلِّين، [فقالوا] : يأخُذُون من السِّلاح ما لا يَشَعلُهُم عن الصَّلاة؛ كالسَّيْف والخنجَر؛ لأن ذلك أقْرَب إلى الإحْتِيَاط، وأمْنَع للعدُوِّ من الإقْدَام عَلَيْهِم، وإن كان لِغَيْر المُصَلِّين، فلا كَلاَمَ. واحتار الزَّجَّاج عَوْدَه على الجَميع، قال: «لأنه أهيْيَب للعَدُوَِّ» . والسِّلاح: ما يُقَاتَل به، وجمعه أسْلِحَة وهو مُذكَّر، وقد يُؤنَّث باعْتِبَار الشَّوْكَة، قال الطِّرمَّاحُ: [الطويل] 1876 - يَهُزُّ سِلاحاً لَمْ يَرِثْهَا كَلاَلَةً ... يشُكُّ بِهَا مِنْهَا غُمُوضَ المَغَابِنِ فأعاد الضَّمير عليه كَضَمير المؤنِّثة، ويقال: سلاح كحِمَار، وسِلْخٌ كضِلْع، وسُلَح كصُرَد، وسُلْحَان كسُلَطَان؛ نقله أبو بكر دُرَيْد. والسَّلِيحُ: نبت إذا رَعَتْه الإبل، سَمِنَتْ وغَزُرَ لبنُها، وما يُلْقِيه البَعِيرُ من جَوْفِه، يقال له: «سُلاحٌ» بزنة غُلام، ثم عُبِّر عن كُلِّ عَذِرة، حتى قيل في الحُبَارَى، «سِلاحُه [سُلاحُه] » ثم قال - تعالى -: ﴿فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ﴾ يعني: غير المُصَلِّين من وَرَائِكُم يَحْرُسُونكم يريد: مكان الَّذِين هم تجاه العَدُو، ثم قال -[تعالى]-: ﴿وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أخرى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ﴾ وهم الَّّذِين كانُوا في تجاه العَدُوِّ، وقرأ أبو حَيْوة: «وليأتِ» بناء على تذكيرِ الطَّائِفَةِ، ورُوِيَ عن أبِي عَمْرو: الإظْهَارُ والإدْغَامُ في «ولتأتِ طَائَفَةٌ» . قوله: «لم يصلوا» الجُمْلة في محلِّ رَفْع؛ لأنها [صفة ل «طَائِفة» بعد صِفَةٍ، ويجُوز أن يكُون في مَحَل نَصْب على الحَال؛ لأن النَّكِرَة] قَبْلَهَا تخصَّصت بالوَصْفِ بِأخْرى. ثم قال ﴿وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ والمعْنَى: أنه - تعالى - جعل الحَذَر: الَّذِي هو التحذُّر والتَّيَقُّظ آلة يِسْتَعْمِلُهَا الغازي؛ فَلِذَلِكَ جمع بينَه وبين الإسْلِحَةِ في الأخْذِ؛ وجُعِلاَ مأخُوذَيْن، وهذا مَجَازٌ؛ كقوله: ﴿تَبَوَّءُوا الدار والإيمان﴾ [الحشر: 9] في أحَد الأوْجُه. قال الوَاحِدِيِ: رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: وفيه رُخْصَة للخَائِفِ في الصَّلاة، بأن يَجْعَل بَعْضَ فكْره في غَيْرِ الصَّلاةِ. فإن قيل: لِمَ ذَكَرَ في الآيَةِ الأولى: «أسْلِحَتُهم» فقط، وفي هذه الآيَة ذكر «حِذْرَهُم وأسلحتهم» ؟ فالجوابُ: أن في أوَّل الصلاة قلَّما يَتَنَبِهُ العَدُوُّ: لكون المُسْلِمِين في الصَّلاة، بل يظُنُّون كونهمُ قَائِمين لأجْل المُحَارَبة، وأما في الرُّكْعَة الثَّانِيَة، فقد يَظْهَرُ للعَدُوِّ كونهم في الصَّلاة، فَهُهُنا يتنهزُون الفُرصة في الهُجُوم عليهم، فلذلك خَصَّ الله [- تعالى -] هذا المَوْضِع بزِيَادَة تَحْذِير. ثم قال: «ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم» قد تقدم الكلام في [ «لو» ] الواقعة بعد «وَدَّ» في البَقَرَة [آية: 109] . وقرئ: «وأمتعاتكم» وهو في الشُّذُوذِ من حَيْث إنَّه جَمْع الجَمْعِ، كقولهم: أسْقِيَات وأعْطِيَات. ﴿فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً وَاحِدَةً﴾ أي: يتمنَّون لو وَجدُوكُم عَافِلِين عن أسْلِحَتِكُم، فيقْصِدُونكم ويَحْمِلُون عَلَيْكُم حملة وَاحِدَة. رُوِيَ عن ابْن عَبَّاس: وجابر: أن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ صلَّى بأصْحَابِه الظُّهْر، ورأى المُشْرِكُون ذَلِكَ، فَقَالُوا بعد ذلك: بِئْسَ ما صَنَعْنا، حيث ما أقْدَمْنا عليهم، وعَزَمُوا على ذَلِكَ عند الصَّلاة الأخْرَى، فأطْلَعَ اللهُ نبيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على أسْرَارِهِم بِهَذِهِ الآيَةِ. فصل قال الإمامُ أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى - «صحَّ عن النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ صلاة الخَوْفِ من خمْسة أوْجُه أوْ سِتَّة [أوْجُه] ، كل ذلك جَائِزٌ. الأول: إذا كان العَدُوُّ من جهة القِبْلَة، صف الإمَامُ المُسْلِمِين خَلْفَه صَفَّيْن، فصلّى بهم جميعاً إلى أن يَسْجُد؛ فَيَسْجُد معه الصَّف الذي يَلِيهِ، ويَحْرُس الآخَر، فإذا قَامَ الإمَامُ إلى الثَّانِيَةِ سجد الآخَرَ ولَحِقَهُ، فإذا سَجَدَ لثَّانِيةِ، سجد معه الصَّفُّ الذي حَرَس، وحَرَس الأوَّل، فإذا جَلَس للتَّشَهُّد، سجد الأوَّل، ولحقه في التَّشَهُّد ويسلم بهم. الثاني: إذا كان العَدُوُّ في غَيْرِ جهة طَائِفَة [تجاه، العَدُوِّ، وطائفةً] تُصَلِّي مَعَهُ رَكْعَة، فإذا قَامَ إلى الثَّانِيةِ ثَبَت قَائِماً وأتمَّت لأنفُسِها أخْرى، [وسلمت ومضت إلى العَدُوِّ، وجاءت الأخْرَى، فَصَلَّت معه الثَّانِية، فإذا جَلَس، أنهت لأنفُسِهَا أخْرَى] . وتشهدت ثم سَلَّم بهم، وإن كانَت الصَّلاةُ مَغْرباً، صلّى بالأولى رَكعتين وبالثَّانية ركعة، وإنْ كانت رُباعيَّة، صَلَّى بكل طائِفَةً ركْعَتَيْن وأتمَّت الأولَى، بالحَمْد لله في كل رَكْعَة، والأخرى تتم بالحَمْد لله وسُورة، وهل تُفَارِقُه الأولَى في التِّشَهُّدِ، أوْ في الثَّانِيَة على وَجْهَيْن، وإن فَرَّقَهُم أرْبَعاً، فصلى بكلِّ طَائَفَةٍ ركْعَة، صحَّت صلاة الأولَى وبَطَلَت صَلاَةُ الأمَامِ والآخرين وإن عَلموا بطلان صَلاَة الآخرين؛ فلأنهم ائتمُّوا بمن صلاته بَاطِلَة، فأمَّا إذَا لم يعلموا، فهم مَعْذُورُونَ. الثالث: أن يُصَلِّي بطائِفَةٍ رَكْعَة، ثم تمْضِي إلى العَدُوِّ، وتأتي الأخْرَى، فيُصلي بها رَكْعَةً ويسلم وَحْدَه وتمضي، ثم تأتي الأخرى فتتم صلاتها وتمْضِي هي: ثم تأتي الأولى فتتم صلاتها. الرابع: أن يُصَلَّي بِكُلِّ طائفة صَلاَةً، ويُسَلِّم بِهَا. الخامس: أن يُصَلِّي [بكلِّ] الرُّباعيَّة تامَّة، وتصلي مَعَهُ كل طَائِفةِ رَكْعَتَيْن ولا يَقْضِي شَيْشاً، فتكون له تامَّة ولَهُم مَقْصُورَة. فصل إذا اشْتَدَّ الخَوْف عند التحام الحَرْب، يصلي كَيْفَما أمْكَن رِجَالاً ورُكْبَاناً إلى القِبْلَة وإلى غيرها يؤمِنُون إيماءً بالرُّكوع والسُّجود، وكَذَلِك كلّ خَائِفٍ على نَفْسِه فإن لم يَقْدِ على الإيمَاءِ أخَّروا الصَّلاة إلى انْكِشَاف الحَالَةِ. قال مَالِكٌ وجماعة: يصلي الطَّالِب والمَطْلُوب كُلُّ واحد منهما على دَابَّتِهِ؛ كالخائف سَوَاء. وقال الأوْزَاعِيّ، والشَّافِعي، وفُقَهَاء المُحَدّثين، وابن عَبْد الحكم: ولا يصَلِّي الطَّالِب إلاَّ بالأرْضِ. قال القُرْطُبِي: وهو الصَّحيحُ؛ لأنَّ الطَّلب تَطَوُّعٌ، والمكْتُوبَة فَرْضٌ، والفرض إنَّما يُصَلَّى بالأرْض حَيْثُ ما أمْكَن. [ثم] قال - تعالى -: ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مرضى أَن تضعوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ فقوله: «أنْ تَضَعُوا» ؛ كقوله «أنْ تَقْصُرُوا» وقد تقدم، «وخُذوا حِذْرَكُم» رَخَّصَ في وَضْع السِّلاح في حَالِ المَطَر والمَرَضِ؛ لأن السِّلاح [يثْقُل حَمْلُه في هَاتين الحَالَتَيْن، أو لأن حدته تَفْسُد بالبَلَلِ، ولمّا رَخَّص في وَضْعَ السِّلاح] حالَ المَطَرِ والمَرَضِ، أمر بالتَّيَقُّظ والحَذِر؛ لِئَلاَّ يَهْجُم العَدُو عليهم. روى الكَلْبِيُّ: عن أبي صَالِح، عن ابن عبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - نزلت في رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، «وذَلِكَ أنَّه غَزا مُحَارِباً وبني أنمارٍ، فنزلوا ولا يَرون من العَدُوِّ أحداً، فوضع النَّاس أسْلِحَتَهُم، وخرج رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لِحَاجَة له قد وضع سِلاحه، حتى قطع الوَادِي والسَّماء تَرُشُّ، فَحَالَ الوادي بَيْنَ رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وبين أصْحَابَه؛ فجلس رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في ظلِّ شجرة، فَبَصُر بِهِ غوْرَث بن الحَارِث بما شئت، ثم أهْوَى بالسَّيف إلى رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ليضْرِبَه، فانكب لوجِهِهِ من زَلْخَةٍ زُلخَها بَيْنَ كَتِفَيْه، وندر سَيْفَه، فقام رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فأخذه، ثم قال: يا غَوْرَث، من يَمْنَعُك مِنِّي الآن؟ قال: لا ولكن أشهد ألا أقاتِلك أبَداً ولا أعينُ عليك عدوّاً، فأعطاه رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ سَيْفَه، فقال غَوْرَث: والله أنْتَ خَيْرٌ مِنِّي، فقال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: أجلْ أنا أحَقُّ بذلك مِنْك، فرجَعَ غَوْرَث إلى أصْحَابِه، فقالوا: ويْلَكَ ما مَنَعَك مِنْهُ، قال: لقد أهْوَيتُ إليه بالسَّيْف لأضربه فوالله ما أدْرِي من زَلَخَنِي بين كَتفي فخررت لوجِْهي، وذكر حَالَه قال: وسكن الوادي، فقطع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الوادي وأصْحَابه فأخبرهم الخبر» ، وقرأ هذه الآية: ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مرضى أَن تضعوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ﴾ أي: من عدُوِّكم، وقال سعيدُ بن جُبَير عن ابن عبَّاس في هذه الآية: كان عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن عَوْف جَرِيحاً. فصل أمر أولاً بأخذ الحَذَر والأسلحة، فَدَلَّ على وُجُوبِهِ، ويؤكِّدُه قوله ههنا: لا جناح عليكم إن كانَ بَكُمْ أذَى من مَطَرٍ أَوْ كنتم مَرْضَى [أن تضعوا أسلحتكم] فخصَّ رفع الجُنَاح في وَضْع السِّلاح بهاتين الحَالَتين، وذلك يَدُلُّ على أنَّ ما عَدَا هَاتَيْن الحَالَتَيْن، يكون الأثْم والجناحُ حَاصِلاً بسبب وضع السِّلاحِ. وقال بعضُهم: إنه سُنَّة مؤكَّدة، ثم الشَّرط: ألاَّ يحمل سِلاحاً نجساً إن أمْكَنة ولا يَحْمِل الرُّمح إلاَّ في طَرَف الصَّفِّ، بِحَيْثُ لا يَتَأذَّى به أحَد. فصل دَلَّت الآيَة على وُجُوب الحَذَر من العَدُوِّ، فتدلُّ على وُجُوب الحَذَرِ عن جَمِيع المَضَارِّ المظْنُونة؛ كالعِلاَج بالدَّوَاء والاحترازِ عَنِ الوَبَاءِ وعن الجُلُوس تَحْتَ الجِدَارِ المَائِل. فصل قالت المُعتَزِلَة: الأمر بالحَذَر يدلُّ على كَوْن العَبْدِ قادراً على الفِعْل والتَّرْكِ، وعلى جميع وجوه الحَذَر، وذلك يَدُلُّ على أنَّ فِعل العَبْد لَيْسَ مَخْلُوقاً لله - تعالى -. وجوابه: المُعَارَضَة بِمَسْألة العِلْمِ والدَّاعي. ثم قال - تعالى -: ﴿إِنَّ الله أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً﴾ أخْبر [- تعالى -] بأنه يُهِينهم ويَخْذُلهم؛ تقوية لقُلُوب المُسْلِمِين.

النساء 4:103

أي: وإذا فَرَغْتُم، قضيتم صلاة الخوف أي: فرغتم من الصَّلاة، وهذا يَدُلُّ على أن القَضَاء، يستَعْمَلُ فيما فُعِلَ في وَقْتِهِ، ومنه قوله: [- تعالى -] : ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: 200] ، ثم قال: ﴿فاذكروا الله﴾ أي: صَلُّوا لله «قياماً» في حال الصِّحَّة و «قُعُوداً» في حال المَرَضِ «وعلى جُنُوبِكُ» عند الجروح والزِّمَانَة، وقيل: قِيَاماً: حال المسايفة، وقعوداً: حال اشتِغَالكُم بالرَّمي وعلى جُنُوبكم: حالٌ سُقُوطكم على الأرْض مَجْروحين فقوله «قِياماً [وقعودا] » حالان من فَاعِل «اذكُرُوا» وكذلك «وعلى جُنُوبِكُم» فإنه في قُوَّة: مُضطَجِعِين؛ فيتعلَّق بِمَحْذُوفٍ. «فإذا أطْمَأنَنْتُم» أي: أمِنْتُم، فالطُّمأنينة: سكُون النَّفس من الخَوْفِ حين تضع الحَرْبُ أوزارها، «فأقِيموا الصَّلاة» أي: أتمُّوها بأرْكَانِها وقد تقدَّم الكَلاَم في البَقرة [آية: 260] على قوله اطمأننتم، وهل هيَ مَقْلُوبَةٌ أمْ لا؟ وصرح أبو البَقَاءِ هنا بأنَّ الهَمْزَة أصْلٌ وأنَّ وَزْن الطُّمأنينة: فُعَلَّيلية، وأن «طَأمَن» أصل أخَرَ برأسه، وهذا مَذْهَبُ الجَرْمِي. واعلم أنَّه قد تَقَدَّم حُكْمان: أحدهما: قَصْر صلاة المُسَافِر. والثَّاني: صَلاة الخَوْفِ؛ فقوله: ﴿فَإِذَا اطمأننتم فَأَقِيمُواْ الصلاة﴾ [يحتمل أنكُم صِرْتم مقمين غير مُسَافِرين من الاطْمئْنَان فأقيموا الصَّلاة] أي: أتمُّوها أرْبَعاً، ويحتمل أن يَكُونَ المُراد من الاطْمِئْنَان ألاَّ يَبْقَى الإنْسَان مضْطَرب القَلْب، بل يَصِير سَاكِن القَلْبِ؛ بسبب زَوَالِ الخَوْفِ، فعلى هذا فالمراد بإقامَة الصَّلاة: فعلها في حَالَةِ الأمْن. ثم قال ﴿إِنَّ الصلاة كَانَتْ عَلَى المؤمنين كِتَاباً مَّوْقُوتاً﴾ أي: فَرْضَاً موقوتاً، قال مُجَاهِد: وَقَّتَه الله عَلَيْهم، وقيل: واجِباً مَفْروضاً مقدراً في الحَضَر أرْبَعِ رَكَعَاتٍ، وفي السَّفَر ركْعَتَيْن، والمراد بالكتاب هَهُنَا: المكْتُوب؛ كأنه قيل: مكْتُوبَة مؤقتة و «مَوْقُوتاً» : صِفَة ل «كتاباً» بمعنى: مَحْدُوداً بأوقات، فهو مِن: وَقَتَ مُخَفَّفاً؛ كَمضروبٍ من ضَرَبَ، ولم يَقُل: «مَوْقُوتَة» بالتَّاء مُرَاعاة ل «كتاب» فإنَّه في الأصْل مَصْدَر، والمَصْدَر مُذَكَّر، ومَعْنَى الموْقُوت: أنها كُتِبَت عَلَيْهِم في أوْقَات مؤقتة، يقال: وقَّته وَوَقَتَه مخففاً، وقُرِئ: ﴿وَإِذَا الرسل وُقِّتَتْ﴾ [المرسلات: 11] بالتَّخْفِيفِ. فصل دلَّت هذه الآيَة على أنَّ وُجُوب الصَّلَواتِ مقدَّر بأوْقَاتٍ مَخْصُوصَةٍ، إلاَّ أنَّه - تعالى - أجْمَل الأوْقَات هَهُنَا وبَيَّنَها في مَوَاضِع أخر، وهي خَمْسَة. أحدُها: قوله [- تعالى -] ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصلوات والصلاة الوسطى﴾ [البقرة: 238] فقوله: «الصَلَوَات» يدل على ثَلاثِ صَلَواتٍ، وقوله: « [و] الصَّلاة الوُسْطَى» يَمْنَع أن يَكُون أحد تِلْكَ الثَّلاث، وإلا يَلْزَم التِّكْرَار، فلا بُدَّ وأن تَكُون زَائِدَة على الثَّلاث ولا يُمْكِن أن يكونُ الوَاجِبُ أرْبَعَة؛ لعدم حُصُول الوُسْطَى فِيَهَا، فلا بُدَّ من جَعْلِها خمْسَةً؛ لتحصل الوُسْطَى، وكما دَلَّت هَذِهِ الآيَة على وُجُوب خمس صلواتٍ، دلت على عَدَمِ وجُوبِ الوتْر، وإلا لَصَارَت الصَّلَواتُ الوَاجِبَة سَتَّة، وحينئذٍ لا تَحْصُل الوُسْطَى، فهذه الآية دَلَّت على وُجُوب الصَّلَواتِ، لا على بَيَانِ الأوْقَاتِ، وأما الآيَات الأرْبَع البَاقِيَة، فَمَذْكُورة [في البقرة] عند قوله: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصلوات﴾ [البقرة: 238] .

النساء 4:104

لما ذكر بَعْض الأحْكَام الَّتِي يحتَاج المُجَاهِد إلى مَعْرِفتها، عاد مَرَّة أخرى إلى الحَثِّ على الجِهَاد، فقال: «وَلا تَهِنُوا: أي: ولا تَضْعُفُوُا، ولا تَتَوانَوْا، الجمهورُ: على كَسْر الهاء، والحَسن: على فتحها من» وَهِن» بِالكَسْر في الماضِي، أو من «وهَن» بالفَتْح، وإنما فُتِحَت العَيْن؛ لكونها حَلْقِيةً، فهو نحو: يَدَع. وقرأ عُبَيْد بن عُمَيْر: «تُهَانَوْا» من الإهانة مبنيَّاً للمَفْعُول، ومعناه: لا تَتَعاطَوا من الجُبْنِ والخَوَر، ما يكون سَبَباً في إهَانتكم؛ كقولهم: «لا أرَيَنَّك هَهُنَا» . وقوله: ﴿فِي ابتغآء القوم﴾ أي: في طَلَبِهِم، وسبب نزولها: أنَّ أبا سُفْيَان وأصْحَابَهُ لمَّا رَجَعُوا يوم أُحُد، بعث رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ [طائفة] في آثارِهِم، فَشَكُوا ألَم الجِرَاحِ، فقال - تعالى -: ﴿وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابتغآء القوم﴾ أي لا تَضْعُفُوا في طلب أبِي سُفْيَان وأصْحَابَهُ، ﴿إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ﴾ : تتوجَّعُون من الجِرَاح،» فإنَّهُمْ يَألَمُون «أي: يتوجَّعُونَ كما تألمون، والمَعْنَى: أنَّ حصُول الألمِ قدر مُشْتَركٌ بينكم وبَيْنَهُم، فلمَّا لم يَكُن خوف الألَمِ مانِعَاً لَهُم عن قَتَالِكُم، فكيف يَصير مَانِعاً لكم عن قِتَالِهِم. قرأ يَحْيَى بن وَثَّاب، ومنصور بن المُعْتَمِر:» تِئلمون فإنهم يِئلمون كما تِئلمون «بكسر حَرْفِ المُضارَعَةِ، وابن السَّمَيْفَع: بكسر تَاءِ الخطَاب فقط، وهذه لُغةٌ ثَابِتَة، وقد تقدم في الفَاتِحَة أنَّ مَنْ يَكْسِرُ حَرفَ المُضَارعة يَسْتَثْنِي التَّاء، وتقدم شُذُوذ» تِيجَل «ووجْهه، وزاد بُو البقاء في قِرَاءة كَسْر حَرْف المُضَارعة قَلْبَ الهَمْزَة ياءً، وغيرُه أطلق ذلك. وقرأ الأعْرَج:» أن تَكُونُوا تألَمون «بفتح هَمزة» أنْ «والمعنى: ولا تَهِنُوا لأنْ تَكُونوا تألمون. وقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ﴾ تعليل قوله: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ الله مَا لاَ يَرْجُونَ﴾ [أي: وأنتم مع ذَلِكَ تأمَلُون من الأجْر والثواب في الآخرة، والنَّصَر في الدُّنْيَا ما لا يَرْجُون] ، فأنتم أوْلَى بالمُصَابَرةِ على القِتَال من المُشْرِكين؛ لأن المُؤمِنِين مُقِرُّون بالثَّواب والعِقَابِ، والحَشْر والنَّشر، والمُشْرِكون لا يقرون بذلِك، فإذا كانُوا مع إنْكَارِهِم ذلك مُجِدِّين في القِتَال، فأنتم أيُّهَا المؤمِنُون المُقِرُّون بأنَّ لكم في الجِهَادِ ثَواباً، وعليكم في تَرْكِهِ عِقَاباً أوْلَى بالجِدَّ في الجَهَادِ. وقال بَعْض المُفَسَّرين: المراد بالرَّجَاء: الخَوْف؛ لأنَّ كل رَاج خَائِفٌ ألاَّ يُدْرِك مأمُولَة، ومعنى الآيَة وترجُونَ، أي: تَخَافُون من عَذَاب اله ما لا يَخَافُون. قال الفرَّاء: ولا يكون الرَّجَاء بمعنى الخَوْف إلا مع الجدّ؛ كقوله - تعالى -: ﴿قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ الله﴾ [الجاثية: 14] ، [أي: لا يَخَافُون] ، وقال - تعالى -: ﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾ [نوح: 13] أي: لا تَخَافُون لله عِظَة، ولا يجُوز: رَجَوْتُك، يَعْنِي: خِفْتُك، وأنت تُرِيد: رَجَوْتُك. قال ابن الخَطِيب: ويُحْتَمَل أنَّكم تَعْبُدون الإله، العَالِم القَادِر، السَّمِيع، البَصِير، فيصحُّ منكم أنْ تَرْجُوا ثَوَابَه، وأما المُشْرِكُون: فإنَّهم يَعبدون الأصْنَام وهي جَمَادات؛ فلا يَصِحٌّ منهم أنْ يَرْجُوا منها ثَوَاباً، أو يَخَافُوا منها عِقَاباً. ثم قال: ﴿وَكَانَ الله عَلِيماً حَكِيماً﴾ أي: لا يُكَلِّفُكُم إلاَّ ما يَعْلَم أنَّه سَبَب لِصَلاحِ دِينكُم ودُنْيَاكُم، وقد تقدم [أنَّه إذا] ذكر» الحَكِيم «بعد قوله:» العَلِيم» فالمرادَ بالحَكيم: أنه العَالِمُ بَعَواقِب الأمُور، وقالت المُعْتَزِلَةُ: المُرادُ بالحَكِيم: هو الَّذِي يضع الأسْبَاب للمصَالِح.

النساء 4:105

في كيفية النَّظم وجُوهٌ: أحدُها: أنَّه - تعالى - لما شَرَح أحْوَال المُنافِقِين وأمْر بالمُحَارَبَة، وما يتَّصِل بها من الأحْكَام الشَّرْعِيَّة، مثل قَتْل المسلم خَطَأ وصَلاَة المُسَافِر، وصلاة الخَوْف، رجع بَعْد ذَلِك إلى بَيَان أحْوَال المُنَافِقِين؛ لأنَّهم كانوا يُحَاوِلُون [حَمْل] الرَّسُول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - على أنْ يَحْكُم بالبَاطِل ويترك الحكمَ بالحَقِّ، فأمره الله - تعالى - بألاَّ يلتَفِت إليْهِم في هذا البَابِ. وثانيها: أنه - تعالى - لمَّا بيَّن الأحْكَام الكَثِيرة في هذه السُّورة، بيَّن أنَّها كلها إنَّما عُرِفَت بإنْزَال الله - تعالى -، وأنَّه ليس للرَّسُول أن يَحِيد عَنْ شَيْءٍ منها؛ طلباً لِرِضا القَوْمِ. وثالثها: أنَّه - تعالى - لما أمَر بالمجاهدة مَعَ الكُفَّار، بَيَّن أن الأمْر وإن كَانَ كَذَلِك، لكنه لا يَجُوزُ الخِيَانَة مَعَهُم ولا إِلْحَاق ما لَمْ يَفْعَلُوا بهم، وأنَّ كُفْر الكَافِر لا يصحُّ المُسَامَحة له، بل الوَاجِبُ في الدِّين: أن يحْكم له وعَلَيْه بِمَا أنْزَل اللَّه على رسُولِهِ، وإن كان لا يَلْحَق الكَافِر حَيْفٌ؛ لأجْل رِضَى المُنَافِق [قول: «بالحَقِّ» : في محلِّ نصبٍ على الحَالِ المُؤكِّدة، فيتعلَّق بمحذوفٍ، وصاحبُ الحَالِ هو الكِتَابُ، أي: أنزلنا مُلْتسباً بالحَقِّ، و «لتحكمْ» : متعلِّق ب «أنْزلنا» ، و «أراك» متعدٍّ لاثنين: أحدهما: العائدُ المَحْذُوفُ، والثاني: كافُ الخطَابِ، أي: بما أراكَهُ الله. والإراءةُ هنا: يجوزُ أن تَكُون من الرَّأي؛ كقولك: «رأيتُ رَأيَ الشَّافِعِي» ، أو من المَعْرِفة، وعلى كلا التَّقْدِرين؛ فالفعلُ قبل النَّقْل بالهَمْزة متعدٍّ لواحد، وبعدَه مُتَعَدٍّ لاثنين] . وقال أبو عَلِيٍّ الفَارِسِي: [قوله] «أرَاكَ اللَّهُ» إمّا أن يَكُون مَنْقُولاً بالهَمْزَة من «رَأيْت» ، الَّتِي يُرَاد بها رُؤْيَةُ البَصَر، أو من «رَأيْت» [الَّتِي] تتعدَّى إلى مَفْعُولَيْن، أو من «رأيْتُ» الَّتِي يُرَاد بها الاعْتِقَاد. والأوَّل: بَاطِلٌ؛ لأنَّ الحُكْمَ في الحَادِثَةِ لا يُرَى بالبَصَر. والثاني: أيضاً بَاطِلٌ؛ لأنَّه يَلْزَم أن يَتَعَدَّى إلى ثَلاَثَة مَفَاعِيل بسبب التعدية ومعلوم: أنَّ هذا اللَّفْظ لم يَتَعَدَّ إلاَّ إلى مَفْعُولين: أحدُهُما: كاف الخِطَابِ، والآخر المَفْعُول المقدَّر، وتقديره: بما أرَاكَهُ الله، ولمَّا بَطَل القِسْمَان، بقي الثَّالِث، وهو أنَّ المُرَاد مِنْه: «رأيت» بمعنى: الاعْتِقَاد. فصل في معنى الآية معنى الآيَةِ: بما أعْلَمَكَ اللَّه، وسُمِّي ذلك العِلْم بالرُّؤيَة؛ لأن العِلْم اليَقِينيِّ المُبَرَّأ عن الرَّيْب يكون جَارِياً مُجْرَى الرُّؤية في القُوَّة والظُّهُور، وكان عُمَر يقُول: لا يَقُولَنَّ أحدُكُم قَضيتُ بما أرَانِي [اللَّه] ، فإن اللَّه - تعالى - لم يَجْعَلْ ذلك إلا لِنَبِيِّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وأما الوَاحِد منَّا فرأيُهُ يَكُون ظَنّاً، ولا يكون عِلْماً. وإذا ثَبَت ذَلِكَ قال المحققون: دَلَّت هذه الآيَةِ على أنَّه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - ما كان يَحْكُم إلا بِالوَحْي والنَّصِّ، وإذا كان كَذَلِك، فيتفَرَّعُ عليه مَسْألتانِ: الأولَى: أن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لم يَجُز لَهُ الاجْتِهَاد. والثانية: أنَّه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - إذا لم يَجُز له أنْ يحكم إلا بالنَّصِّ، وجَبَ أن تكُونَ أمَّتُهُ كَذَلِكَ؛ لقوله - تعالى - ﴿واتبعوه﴾ [الأعراف: 158] وإذا كان كَذَلِك، حَرُمَ العَمَلُ بالقِيَاس. والجَوَابُ: أنه لما قَامَت الدَّلاَلَة على أنَّ القِيَاس حُجَّة، كان العَمل بالقِيَاسِ عَمَلاً بالنَّصِّ في الحَقِيقَةِ؛ لأنَّه يَصِير التَّقْدير: أنه - تعالى - قال: مَتَى غَلَب على ظَنِّك أن حكم الصُّورَة المَسْكُوت عنها، مثل حُكُم الصُّورَة المَنصُوص عَلَيْها، بسبب أمرٍ جامعٍ [فاعْلم: أنَّه تكليفي في حَقِّك أن تَعْمَل] بِمُوجِبِ ذلكِ الظَّنِّ، وإذا كان كَذَلِك، كان العَمَل بالقِيَاسِ عَمَلاً بالنَّصِّ. قوله: «للخائنين» متعلِّق ب «خَصِيماً» واللامُ: للتَّعْلِيل، على بَابِها، وقيل: هي بِمَعْنى: «عن» ، ولَيْسَ بشيء؛ لصِحَّة المَعْنَى بدون ذَلِك، ومفعولُ «خصيماً» : محذوفٌ، تقدِيرُه: «خَصِيماً البُرَآء» ، وخَصِيمٌ: يجو أن يَكُون مِثَال مبالغةٍ، كضريبٍ، وأن يكون بمعنى: مُفاعل، نحو: خَلِيط وجَلِيس بمعنى: مُخاصِم ومُخالِط ومُجالِس. قال الوَاحِدِي: خَصْمُك الذي يُخَاصِمُك، وجمعه: الخُصَمَاء، وأصْلُه من الخصْم: وهُو ناحية الشَّيْءِ، والخصْم: طَرْف الزَّاوِيَة، وطَرَف الأشْفَار، وقيل للخَصْمَين: خَصْمَان؛ لأنَّ كل واحدٍ منهما في نَاحِيَةٍ من الحُجَّة والدَّعْوى، وخُصُوم السَّحَابة: جَوَانِبها. فصل: في سبب نزول الآية روى الكلبي، عن أبي صَالح، عن ابن عبَّاسٍ، قال: نزلت هذه الآية في رَجُل من الأنْصَار، يقال له: طعمة بن أبَيْرِق من بني ظَفر بن الحارث، سرقَ دِرْعاً من جَارٍ له يُقَال له: قتادة بن النُّعْمَان، وكانت الدِّرْع في جراب له فيه دَقِيقٌ، فجعل الدَّقِيق يَنْتَثِر من خِرْق في الجِرَاب، حتى انْتَهَى إلى الدَّار، ثم خَبَّأها عند رَجُلٍ من اليَهُود، يُقال له: زَيْد ابن السَّمِين، فالتُمِسَتِ الدِّرْع عند طعمة، فحَلَف بالله ما أخَذَها وما لَهُ بها من علم، فقال أصْحَابُ الدِّرْع: لقد رَأينا أثر الدقيق حتى دخل دَارَه، فلما حَلَف، تركوه واتَّبَعُوا أثر الدقيق إلى مَنَزِل اليَهُودِيِّ؛ فأخذوه منه، فقال اليَهُودِيُّ: دفعها إليّ طعمة بن أبَيْرِق، فجاء بنو ظفر وهم قوم طُعْمَة إلى رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وسألُوه أن يُجادل عن صَاحِبِهم، وقالوا له: إنك إن لم تَفْعَل، افْتَضَحَ صَاحِبُنا، فهمَّ رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يُعاقِب اليَهُودِي. ويروى عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عَنْهُما في رواية أخْرى: أن طعمة سَرَق الدِّرْع في جِرَابٍ فيه نخالة، فخرق الجِرَاب حَتَّى كان يَتَنَاثر منه النُّخَالة طُول الطَّرِيق، فجاء به إلى دَارِ زيْد السَّمِين وتركه على بابه، وحَمَل الدِّرْع إلى بَيْتِه، فلما أصْبَح صاحِبُ الدِّرْع، جاء على أثَر النُّخَالة إلى دار زَيْدٍ السَّمين، فأخذه وحمله إلى النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فهم النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يَقْطع يد زَيْد اليَهُودي. وقال مقاتل: إن زيداً السَّمين أوْدَع درعاً عند طعمة فَجَحَدَها طعمة، فأنْزَل الله تعالى قوله: ﴿إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق﴾ بالأمْر، والنَّهْي، والفَصْل، ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ الناس بِمَآ أَرَاكَ الله﴾ : بما علّمَكَ الله وأوْحَى إليْك، ﴿وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ﴾ : طعمة، «خصيماً» : مُعيناً مُدَافِعاً عنه. وهذه القِصَّة تَدُلُّ على أن طعمة وقوْمَه كانوا مُنَافِقِين؛ لأنهم طلبوا البَاطِل، ويؤكِّدُه قوله - تعالى -: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ﴾ [النساء: 113] . ثم رُوي: أن طعمة هَرَب إلى مَكَّة وارتَدَّ، وثَقَب حَائِطَاً؛ ليَسْرِق، فسقط الحَائِط عَلَيْه فمات. فصل قال الطَّاعِنُون في عِصْمة الأنْبِيَاء - عليهم الصلاة والسلام -: دلَّت هذه الآيةُ على صُدُور الذَّنْب من الرَّسُول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - فإنَّه لَوْلاَ أن الرسُول -[عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ] أراد أن يُخَاصِم لأجْل الخَائِن ويذب عنه، وإلاّ لما وَرَدَ النَّهْي عَنْه. والجوابُ: أنه لمَّا ثَبَتَ في الرِّواية: أنَّ قوم طعمة لما التمسُوا من الرَّسُول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - أن يَذُبَّ عن طعمة، وأنْ يُلْحِق السَّرقة باليَهُودِيِّ توقف وانتظر الوَحْي، فنزلت الآيَة، وكان الغَرَضُ من هذا النَّهْي: تَنْبيه النبيّ - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - على أنَّ طعمة كَذَّابٌ، وأن اليَهُودِيَّ بريءٌ من ذَلِك الجُرْمِ. فإن قيل: الدَّليل على أنَّ الجُرْم قد وَقَعَ من النَّبِي - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - قوله بعد ذلك: ﴿واستغفر الله إِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ والأمر بالاسْتِغْفَار، يدل على صُدُور الذَّنْبِ. فالجواب: من وجوه: الأوَّل: لعله مَالَ طَبْعُهُ، إلى نُصْرة طعمة؛ بِسَبَبِ أنه كَانَ في الظَّاهِر من المُسْلِمِين؛ فأمر بالاسْتِغْفَار لهذا القَدْر، وحَسَنَاتُ الأبْرَار سَيِّئَات المُقَرَّبين. الثَّاني: أن القَوْم لما شَهِدُوا بِبَراءة طعمة، وعلى اليَهُودِيِّ بالسَّرِقَة، ولم يَظْهَر للرَّسُول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - ما يُوجِب القَدْح في شَهَادَتِهم، هَمَّ بأن يَقْضِي بالسَّرِقة عَلَى اليهودي، ثمَّ لما أطْلَعَهُ اللَّه على كَذِب أولَئكَ الشُّهُود، عَرَف أنَّ ذلك القَضَاء لو وَقَعَ، لكان خَطَأ في نَفْسِه، وإن كَانَ مَعْذُوراً عند اللَّه [- تعالى -] [فيه] . الثالث: قوله: «واستغفر الله» يُحْتَمل أن يكُون المُرادُ: واستغفر الله لأولئك الَّذين يَذُبُّون عن طعمة، ويُرِيدون أن يُظْهِرُوا بَرَاءَته. الرابع: قيل: الاسْتِغْفَار في حَقِّ الأنْبِياء بعد النُّبُوَّة على أحَدِ الوُجُوه الثَّلاثة: إما لِذَنْب تَقَدَّم قبل النُّبُوَّة، أو لِذُنُوب أمَّته وقَرَابتِه، أو لِمُبَاح جاء الشَّرْع بتحريمِهِ، فيتركه بالاسْتِغْفَار، والاسْتَغْفَار يَكُون مَعْناه: السَّمع والطَّاعة لحُكْمِ الشَّرْع. ثم قال: ﴿وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الذين يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: يَظْلمون أنفُسَهُم بالخِيَانَة والسَّرقة وقِبَلها. أمر بالاسْتِغْفَار على طَرِيق التَّسْبِيحِ؛ كالرجل يَقُول: أسْتَغْفِر اللَّه، على وجْه التَّسْبِيح من غَيْر أن يَقْصِد تَوْبةً من ذَنْبٍ. وقيل: الخِطَاب للنَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، والمراد: ابن أبَيْرقِ؛ كقوله: ﴿ياا أَيُّهَا النبي اتق الله﴾ [الأحزاب: 1] [وقوله: ﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ﴾ [يونس: 94] والمراد بالذين يختانون طعمة ومن عاوَنَهُ من قَوْمِه، والاخْتِيَان: كالخِيَانَةِ؛ يقال: خَانَهُ واخْتَانَهُ، وقد تقدَّم عِنْد قوْله: ﴿عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: 187] ، [وإنما قال لطعمة وللذَّابِّين عنه: إنهم يختَانُون أنفُسَهُم] ؛ لأن مَنْ قدم على المَعْصِيَة، فقد حَرَمَ نفسه الثَّوَابَ، وأوصَلَهَا إلى العِقَاب، فكان ذلك مِنْهُ خِيَانة لِنَفْسِهِ؛ ولِهَذا المَعْنَى، قيل لِمَن ظَلَم غيره: إنَّه ظلم نَفْسَه، وفي الآيَة تهديدٌ شَدِيدٌ على إعانَة الظَّالِم؛ لأن الله - تعالى - عاتب النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على همِّه بإعَانَة طعمة، مع أنَّه لم يَكُن عَالِماً بظُلْمِهِ، فكيف حَالُ من يَعْلم ظلم الظَّالِم، ويعينُه عَلَيْه. ثم قال: ﴿إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ﴾ أي: لا يَرْضى عن ﴿مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً﴾ يريد: خَوَّاناً في الدِّرْع، أثيماً في رَمْيه اليَهُوديَّ. وقيل: إنَّه خطابٌ مع النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والمراد به: غيره؛ كقوله: ﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ﴾ [يونس: 94] . فإن قيل: قوله - تعالى -: ﴿مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً﴾ صيغة مُبالَغَة تَدُلُّ على تَكْرَار ذَلِكَ [الفِعْل مع أن الصَّادِر عَنْه خِيَانة وَاحِدَة، وإثمٌ واحدٌ. فالجواب: أنَّ الله - تعالى - عَلِم أنه] كَانَ في طَبْعَ ذَلِكَ الرَّجُل الخيانة الكَثِيرة والإثْمِ الكَبِير، فذكر اللَّفظ الدَّالَّ على المُبَالَغَة؛ بسبَبِ ما كان في طَبْعِهِ من المَيْل إلى ذَلِكَ، ويدُلُّ عليه: ما ذَكر [أنَّه] بعد هذه الوَاقِعَة هَرَبَ إلى مَكَّة، وارتدّ ونَقَبَ حائِط إنْسَان، لأجْلِ السرقة، فسقط الحَائِطُ عليْه ومات، ومن كانت خَاتِمَتُه كَذَلِك، لم يُشَكّ في حَالِه، وأيضاً: فإنَّه طَلَبَ من النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - أنْ يرفَعَ السَّرِقَةَ عَنْه، ويُلْحِقَها باليَهُودِيِّ، وهذا يُبْطِل رِسَالة الرَّسُول، ومن حَاوَل إبْطَال رسَالة الرَّسُول وأراد كذبَهُ، فقد كَفَر؛ فلهذا المَعْنَى وَصَفَهُ اللَّه [- تعالى -] بالمُبَالَغَة في الخِيَانة والإثْمِ. وقد قيل: إذا عَثْرت من رَجُلٍ على سَيِّئَةٍ، فاعلم أنَّ لها أخَوَاتٍ. وعن عُمَر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: أنَّه أخذ يَقْطَع يَدَ سَارِق، فجاءَتُهُ أمُّه تَبْكِي وتقُول هذه أوّل سَرِقة سرقها فاعْفُ عنه، فقال: كَذَبْت إنّ الله لا يؤاخِذُ عَبْدَه في أوّل الأمْر.

النساء 4:106

في كيفية النَّظم وجُوهٌ: أحدُها: أنَّه - تعالى - لما شَرَح أحْوَال المُنافِقِين وأمْر بالمُحَارَبَة، وما يتَّصِل بها من الأحْكَام الشَّرْعِيَّة، مثل قَتْل المسلم خَطَأ وصَلاَة المُسَافِر، وصلاة الخَوْف، رجع بَعْد ذَلِك إلى بَيَان أحْوَال المُنَافِقِين؛ لأنَّهم كانوا يُحَاوِلُون [حَمْل] الرَّسُول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - على أنْ يَحْكُم بالبَاطِل ويترك الحكمَ بالحَقِّ، فأمره الله - تعالى - بألاَّ يلتَفِت إليْهِم في هذا البَابِ. وثانيها: أنه - تعالى - لمَّا بيَّن الأحْكَام الكَثِيرة في هذه السُّورة، بيَّن أنَّها كلها إنَّما عُرِفَت بإنْزَال الله - تعالى -، وأنَّه ليس للرَّسُول أن يَحِيد عَنْ شَيْءٍ منها؛ طلباً لِرِضا القَوْمِ. وثالثها: أنَّه - تعالى - لما أمَر بالمجاهدة مَعَ الكُفَّار، بَيَّن أن الأمْر وإن كَانَ كَذَلِك، لكنه لا يَجُوزُ الخِيَانَة مَعَهُم ولا إِلْحَاق ما لَمْ يَفْعَلُوا بهم، وأنَّ كُفْر الكَافِر لا يصحُّ المُسَامَحة له، بل الوَاجِبُ في الدِّين: أن يحْكم له وعَلَيْه بِمَا أنْزَل اللَّه على رسُولِهِ، وإن كان لا يَلْحَق الكَافِر حَيْفٌ؛ لأجْل رِضَى المُنَافِق [قول: «بالحَقِّ» : في محلِّ نصبٍ على الحَالِ المُؤكِّدة، فيتعلَّق بمحذوفٍ، وصاحبُ الحَالِ هو الكِتَابُ، أي: أنزلنا مُلْتسباً بالحَقِّ، و «لتحكمْ» : متعلِّق ب «أنْزلنا» ، و «أراك» متعدٍّ لاثنين: أحدهما: العائدُ المَحْذُوفُ، والثاني: كافُ الخطَابِ، أي: بما أراكَهُ الله. والإراءةُ هنا: يجوزُ أن تَكُون من الرَّأي؛ كقولك: «رأيتُ رَأيَ الشَّافِعِي» ، أو من المَعْرِفة، وعلى كلا التَّقْدِرين؛ فالفعلُ قبل النَّقْل بالهَمْزة متعدٍّ لواحد، وبعدَه مُتَعَدٍّ لاثنين] . وقال أبو عَلِيٍّ الفَارِسِي: [قوله] «أرَاكَ اللَّهُ» إمّا أن يَكُون مَنْقُولاً بالهَمْزَة من «رَأيْت» ، الَّتِي يُرَاد بها رُؤْيَةُ البَصَر، أو من «رَأيْت» [الَّتِي] تتعدَّى إلى مَفْعُولَيْن، أو من «رأيْتُ» الَّتِي يُرَاد بها الاعْتِقَاد. والأوَّل: بَاطِلٌ؛ لأنَّ الحُكْمَ في الحَادِثَةِ لا يُرَى بالبَصَر. والثاني: أيضاً بَاطِلٌ؛ لأنَّه يَلْزَم أن يَتَعَدَّى إلى ثَلاَثَة مَفَاعِيل بسبب التعدية ومعلوم: أنَّ هذا اللَّفْظ لم يَتَعَدَّ إلاَّ إلى مَفْعُولين: أحدُهُما: كاف الخِطَابِ، والآخر المَفْعُول المقدَّر، وتقديره: بما أرَاكَهُ الله، ولمَّا بَطَل القِسْمَان، بقي الثَّالِث، وهو أنَّ المُرَاد مِنْه: «رأيت» بمعنى: الاعْتِقَاد. فصل في معنى الآية معنى الآيَةِ: بما أعْلَمَكَ اللَّه، وسُمِّي ذلك العِلْم بالرُّؤيَة؛ لأن العِلْم اليَقِينيِّ المُبَرَّأ عن الرَّيْب يكون جَارِياً مُجْرَى الرُّؤية في القُوَّة والظُّهُور، وكان عُمَر يقُول: لا يَقُولَنَّ أحدُكُم قَضيتُ بما أرَانِي [اللَّه] ، فإن اللَّه - تعالى - لم يَجْعَلْ ذلك إلا لِنَبِيِّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وأما الوَاحِد منَّا فرأيُهُ يَكُون ظَنّاً، ولا يكون عِلْماً. وإذا ثَبَت ذَلِكَ قال المحققون: دَلَّت هذه الآيَةِ على أنَّه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - ما كان يَحْكُم إلا بِالوَحْي والنَّصِّ، وإذا كان كَذَلِك، فيتفَرَّعُ عليه مَسْألتانِ: الأولَى: أن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لم يَجُز لَهُ الاجْتِهَاد. والثانية: أنَّه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - إذا لم يَجُز له أنْ يحكم إلا بالنَّصِّ، وجَبَ أن تكُونَ أمَّتُهُ كَذَلِكَ؛ لقوله - تعالى - ﴿واتبعوه﴾ [الأعراف: 158] وإذا كان كَذَلِك، حَرُمَ العَمَلُ بالقِيَاس. والجَوَابُ: أنه لما قَامَت الدَّلاَلَة على أنَّ القِيَاس حُجَّة، كان العَمل بالقِيَاسِ عَمَلاً بالنَّصِّ في الحَقِيقَةِ؛ لأنَّه يَصِير التَّقْدير: أنه - تعالى - قال: مَتَى غَلَب على ظَنِّك أن حكم الصُّورَة المَسْكُوت عنها، مثل حُكُم الصُّورَة المَنصُوص عَلَيْها، بسبب أمرٍ جامعٍ [فاعْلم: أنَّه تكليفي في حَقِّك أن تَعْمَل] بِمُوجِبِ ذلكِ الظَّنِّ، وإذا كان كَذَلِك، كان العَمَل بالقِيَاسِ عَمَلاً بالنَّصِّ. قوله: «للخائنين» متعلِّق ب «خَصِيماً» واللامُ: للتَّعْلِيل، على بَابِها، وقيل: هي بِمَعْنى: «عن» ، ولَيْسَ بشيء؛ لصِحَّة المَعْنَى بدون ذَلِك، ومفعولُ «خصيماً» : محذوفٌ، تقدِيرُه: «خَصِيماً البُرَآء» ، وخَصِيمٌ: يجو أن يَكُون مِثَال مبالغةٍ، كضريبٍ، وأن يكون بمعنى: مُفاعل، نحو: خَلِيط وجَلِيس بمعنى: مُخاصِم ومُخالِط ومُجالِس. قال الوَاحِدِي: خَصْمُك الذي يُخَاصِمُك، وجمعه: الخُصَمَاء، وأصْلُه من الخصْم: وهُو ناحية الشَّيْءِ، والخصْم: طَرْف الزَّاوِيَة، وطَرَف الأشْفَار، وقيل للخَصْمَين: خَصْمَان؛ لأنَّ كل واحدٍ منهما في نَاحِيَةٍ من الحُجَّة والدَّعْوى، وخُصُوم السَّحَابة: جَوَانِبها. فصل: في سبب نزول الآية روى الكلبي، عن أبي صَالح، عن ابن عبَّاسٍ، قال: نزلت هذه الآية في رَجُل من الأنْصَار، يقال له: طعمة بن أبَيْرِق من بني ظَفر بن الحارث، سرقَ دِرْعاً من جَارٍ له يُقَال له: قتادة بن النُّعْمَان، وكانت الدِّرْع في جراب له فيه دَقِيقٌ، فجعل الدَّقِيق يَنْتَثِر من خِرْق في الجِرَاب، حتى انْتَهَى إلى الدَّار، ثم خَبَّأها عند رَجُلٍ من اليَهُود، يُقال له: زَيْد ابن السَّمِين، فالتُمِسَتِ الدِّرْع عند طعمة، فحَلَف بالله ما أخَذَها وما لَهُ بها من علم، فقال أصْحَابُ الدِّرْع: لقد رَأينا أثر الدقيق حتى دخل دَارَه، فلما حَلَف، تركوه واتَّبَعُوا أثر الدقيق إلى مَنَزِل اليَهُودِيِّ؛ فأخذوه منه، فقال اليَهُودِيُّ: دفعها إليّ طعمة بن أبَيْرِق، فجاء بنو ظفر وهم قوم طُعْمَة إلى رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وسألُوه أن يُجادل عن صَاحِبِهم، وقالوا له: إنك إن لم تَفْعَل، افْتَضَحَ صَاحِبُنا، فهمَّ رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يُعاقِب اليَهُودِي. ويروى عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عَنْهُما في رواية أخْرى: أن طعمة سَرَق الدِّرْع في جِرَابٍ فيه نخالة، فخرق الجِرَاب حَتَّى كان يَتَنَاثر منه النُّخَالة طُول الطَّرِيق، فجاء به إلى دَارِ زيْد السَّمِين وتركه على بابه، وحَمَل الدِّرْع إلى بَيْتِه، فلما أصْبَح صاحِبُ الدِّرْع، جاء على أثَر النُّخَالة إلى دار زَيْدٍ السَّمين، فأخذه وحمله إلى النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فهم النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يَقْطع يد زَيْد اليَهُودي. وقال مقاتل: إن زيداً السَّمين أوْدَع درعاً عند طعمة فَجَحَدَها طعمة، فأنْزَل الله تعالى قوله: ﴿إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق﴾ بالأمْر، والنَّهْي، والفَصْل، ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ الناس بِمَآ أَرَاكَ الله﴾ : بما علّمَكَ الله وأوْحَى إليْك، ﴿وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ﴾ : طعمة، «خصيماً» : مُعيناً مُدَافِعاً عنه. وهذه القِصَّة تَدُلُّ على أن طعمة وقوْمَه كانوا مُنَافِقِين؛ لأنهم طلبوا البَاطِل، ويؤكِّدُه قوله - تعالى -: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ﴾ [النساء: 113] . ثم رُوي: أن طعمة هَرَب إلى مَكَّة وارتَدَّ، وثَقَب حَائِطَاً؛ ليَسْرِق، فسقط الحَائِط عَلَيْه فمات. فصل قال الطَّاعِنُون في عِصْمة الأنْبِيَاء - عليهم الصلاة والسلام -: دلَّت هذه الآيةُ على صُدُور الذَّنْب من الرَّسُول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - فإنَّه لَوْلاَ أن الرسُول -[عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ] أراد أن يُخَاصِم لأجْل الخَائِن ويذب عنه، وإلاّ لما وَرَدَ النَّهْي عَنْه. والجوابُ: أنه لمَّا ثَبَتَ في الرِّواية: أنَّ قوم طعمة لما التمسُوا من الرَّسُول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - أن يَذُبَّ عن طعمة، وأنْ يُلْحِق السَّرقة باليَهُودِيِّ توقف وانتظر الوَحْي، فنزلت الآيَة، وكان الغَرَضُ من هذا النَّهْي: تَنْبيه النبيّ - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - على أنَّ طعمة كَذَّابٌ، وأن اليَهُودِيَّ بريءٌ من ذَلِك الجُرْمِ. فإن قيل: الدَّليل على أنَّ الجُرْم قد وَقَعَ من النَّبِي - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - قوله بعد ذلك: ﴿واستغفر الله إِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ والأمر بالاسْتِغْفَار، يدل على صُدُور الذَّنْبِ. فالجواب: من وجوه: الأوَّل: لعله مَالَ طَبْعُهُ، إلى نُصْرة طعمة؛ بِسَبَبِ أنه كَانَ في الظَّاهِر من المُسْلِمِين؛ فأمر بالاسْتِغْفَار لهذا القَدْر، وحَسَنَاتُ الأبْرَار سَيِّئَات المُقَرَّبين. الثَّاني: أن القَوْم لما شَهِدُوا بِبَراءة طعمة، وعلى اليَهُودِيِّ بالسَّرِقَة، ولم يَظْهَر للرَّسُول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - ما يُوجِب القَدْح في شَهَادَتِهم، هَمَّ بأن يَقْضِي بالسَّرِقة عَلَى اليهودي، ثمَّ لما أطْلَعَهُ اللَّه على كَذِب أولَئكَ الشُّهُود، عَرَف أنَّ ذلك القَضَاء لو وَقَعَ، لكان خَطَأ في نَفْسِه، وإن كَانَ مَعْذُوراً عند اللَّه [- تعالى -] [فيه] . الثالث: قوله: «واستغفر الله» يُحْتَمل أن يكُون المُرادُ: واستغفر الله لأولئك الَّذين يَذُبُّون عن طعمة، ويُرِيدون أن يُظْهِرُوا بَرَاءَته. الرابع: قيل: الاسْتِغْفَار في حَقِّ الأنْبِياء بعد النُّبُوَّة على أحَدِ الوُجُوه الثَّلاثة: إما لِذَنْب تَقَدَّم قبل النُّبُوَّة، أو لِذُنُوب أمَّته وقَرَابتِه، أو لِمُبَاح جاء الشَّرْع بتحريمِهِ، فيتركه بالاسْتِغْفَار، والاسْتَغْفَار يَكُون مَعْناه: السَّمع والطَّاعة لحُكْمِ الشَّرْع. ثم قال: ﴿وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الذين يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: يَظْلمون أنفُسَهُم بالخِيَانَة والسَّرقة وقِبَلها. أمر بالاسْتِغْفَار على طَرِيق التَّسْبِيحِ؛ كالرجل يَقُول: أسْتَغْفِر اللَّه، على وجْه التَّسْبِيح من غَيْر أن يَقْصِد تَوْبةً من ذَنْبٍ. وقيل: الخِطَاب للنَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، والمراد: ابن أبَيْرقِ؛ كقوله: ﴿ياا أَيُّهَا النبي اتق الله﴾ [الأحزاب: 1] [وقوله: ﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ﴾ [يونس: 94] والمراد بالذين يختانون طعمة ومن عاوَنَهُ من قَوْمِه، والاخْتِيَان: كالخِيَانَةِ؛ يقال: خَانَهُ واخْتَانَهُ، وقد تقدَّم عِنْد قوْله: ﴿عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: 187] ، [وإنما قال لطعمة وللذَّابِّين عنه: إنهم يختَانُون أنفُسَهُم] ؛ لأن مَنْ قدم على المَعْصِيَة، فقد حَرَمَ نفسه الثَّوَابَ، وأوصَلَهَا إلى العِقَاب، فكان ذلك مِنْهُ خِيَانة لِنَفْسِهِ؛ ولِهَذا المَعْنَى، قيل لِمَن ظَلَم غيره: إنَّه ظلم نَفْسَه، وفي الآيَة تهديدٌ شَدِيدٌ على إعانَة الظَّالِم؛ لأن الله - تعالى - عاتب النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على همِّه بإعَانَة طعمة، مع أنَّه لم يَكُن عَالِماً بظُلْمِهِ، فكيف حَالُ من يَعْلم ظلم الظَّالِم، ويعينُه عَلَيْه. ثم قال: ﴿إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ﴾ أي: لا يَرْضى عن ﴿مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً﴾ يريد: خَوَّاناً في الدِّرْع، أثيماً في رَمْيه اليَهُوديَّ. وقيل: إنَّه خطابٌ مع النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والمراد به: غيره؛ كقوله: ﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ﴾ [يونس: 94] . فإن قيل: قوله - تعالى -: ﴿مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً﴾ صيغة مُبالَغَة تَدُلُّ على تَكْرَار ذَلِكَ [الفِعْل مع أن الصَّادِر عَنْه خِيَانة وَاحِدَة، وإثمٌ واحدٌ. فالجواب: أنَّ الله - تعالى - عَلِم أنه] كَانَ في طَبْعَ ذَلِكَ الرَّجُل الخيانة الكَثِيرة والإثْمِ الكَبِير، فذكر اللَّفظ الدَّالَّ على المُبَالَغَة؛ بسبَبِ ما كان في طَبْعِهِ من المَيْل إلى ذَلِكَ، ويدُلُّ عليه: ما ذَكر [أنَّه] بعد هذه الوَاقِعَة هَرَبَ إلى مَكَّة، وارتدّ ونَقَبَ حائِط إنْسَان، لأجْلِ السرقة، فسقط الحَائِطُ عليْه ومات، ومن كانت خَاتِمَتُه كَذَلِك، لم يُشَكّ في حَالِه، وأيضاً: فإنَّه طَلَبَ من النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - أنْ يرفَعَ السَّرِقَةَ عَنْه، ويُلْحِقَها باليَهُودِيِّ، وهذا يُبْطِل رِسَالة الرَّسُول، ومن حَاوَل إبْطَال رسَالة الرَّسُول وأراد كذبَهُ، فقد كَفَر؛ فلهذا المَعْنَى وَصَفَهُ اللَّه [- تعالى -] بالمُبَالَغَة في الخِيَانة والإثْمِ. وقد قيل: إذا عَثْرت من رَجُلٍ على سَيِّئَةٍ، فاعلم أنَّ لها أخَوَاتٍ. وعن عُمَر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: أنَّه أخذ يَقْطَع يَدَ سَارِق، فجاءَتُهُ أمُّه تَبْكِي وتقُول هذه أوّل سَرِقة سرقها فاعْفُ عنه، فقال: كَذَبْت إنّ الله لا يؤاخِذُ عَبْدَه في أوّل الأمْر.

النساء 4:107

في كيفية النَّظم وجُوهٌ: أحدُها: أنَّه - تعالى - لما شَرَح أحْوَال المُنافِقِين وأمْر بالمُحَارَبَة، وما يتَّصِل بها من الأحْكَام الشَّرْعِيَّة، مثل قَتْل المسلم خَطَأ وصَلاَة المُسَافِر، وصلاة الخَوْف، رجع بَعْد ذَلِك إلى بَيَان أحْوَال المُنَافِقِين؛ لأنَّهم كانوا يُحَاوِلُون [حَمْل] الرَّسُول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - على أنْ يَحْكُم بالبَاطِل ويترك الحكمَ بالحَقِّ، فأمره الله - تعالى - بألاَّ يلتَفِت إليْهِم في هذا البَابِ. وثانيها: أنه - تعالى - لمَّا بيَّن الأحْكَام الكَثِيرة في هذه السُّورة، بيَّن أنَّها كلها إنَّما عُرِفَت بإنْزَال الله - تعالى -، وأنَّه ليس للرَّسُول أن يَحِيد عَنْ شَيْءٍ منها؛ طلباً لِرِضا القَوْمِ. وثالثها: أنَّه - تعالى - لما أمَر بالمجاهدة مَعَ الكُفَّار، بَيَّن أن الأمْر وإن كَانَ كَذَلِك، لكنه لا يَجُوزُ الخِيَانَة مَعَهُم ولا إِلْحَاق ما لَمْ يَفْعَلُوا بهم، وأنَّ كُفْر الكَافِر لا يصحُّ المُسَامَحة له، بل الوَاجِبُ في الدِّين: أن يحْكم له وعَلَيْه بِمَا أنْزَل اللَّه على رسُولِهِ، وإن كان لا يَلْحَق الكَافِر حَيْفٌ؛ لأجْل رِضَى المُنَافِق [قول: «بالحَقِّ» : في محلِّ نصبٍ على الحَالِ المُؤكِّدة، فيتعلَّق بمحذوفٍ، وصاحبُ الحَالِ هو الكِتَابُ، أي: أنزلنا مُلْتسباً بالحَقِّ، و «لتحكمْ» : متعلِّق ب «أنْزلنا» ، و «أراك» متعدٍّ لاثنين: أحدهما: العائدُ المَحْذُوفُ، والثاني: كافُ الخطَابِ، أي: بما أراكَهُ الله. والإراءةُ هنا: يجوزُ أن تَكُون من الرَّأي؛ كقولك: «رأيتُ رَأيَ الشَّافِعِي» ، أو من المَعْرِفة، وعلى كلا التَّقْدِرين؛ فالفعلُ قبل النَّقْل بالهَمْزة متعدٍّ لواحد، وبعدَه مُتَعَدٍّ لاثنين] . وقال أبو عَلِيٍّ الفَارِسِي: [قوله] «أرَاكَ اللَّهُ» إمّا أن يَكُون مَنْقُولاً بالهَمْزَة من «رَأيْت» ، الَّتِي يُرَاد بها رُؤْيَةُ البَصَر، أو من «رَأيْت» [الَّتِي] تتعدَّى إلى مَفْعُولَيْن، أو من «رأيْتُ» الَّتِي يُرَاد بها الاعْتِقَاد. والأوَّل: بَاطِلٌ؛ لأنَّ الحُكْمَ في الحَادِثَةِ لا يُرَى بالبَصَر. والثاني: أيضاً بَاطِلٌ؛ لأنَّه يَلْزَم أن يَتَعَدَّى إلى ثَلاَثَة مَفَاعِيل بسبب التعدية ومعلوم: أنَّ هذا اللَّفْظ لم يَتَعَدَّ إلاَّ إلى مَفْعُولين: أحدُهُما: كاف الخِطَابِ، والآخر المَفْعُول المقدَّر، وتقديره: بما أرَاكَهُ الله، ولمَّا بَطَل القِسْمَان، بقي الثَّالِث، وهو أنَّ المُرَاد مِنْه: «رأيت» بمعنى: الاعْتِقَاد. فصل في معنى الآية معنى الآيَةِ: بما أعْلَمَكَ اللَّه، وسُمِّي ذلك العِلْم بالرُّؤيَة؛ لأن العِلْم اليَقِينيِّ المُبَرَّأ عن الرَّيْب يكون جَارِياً مُجْرَى الرُّؤية في القُوَّة والظُّهُور، وكان عُمَر يقُول: لا يَقُولَنَّ أحدُكُم قَضيتُ بما أرَانِي [اللَّه] ، فإن اللَّه - تعالى - لم يَجْعَلْ ذلك إلا لِنَبِيِّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وأما الوَاحِد منَّا فرأيُهُ يَكُون ظَنّاً، ولا يكون عِلْماً. وإذا ثَبَت ذَلِكَ قال المحققون: دَلَّت هذه الآيَةِ على أنَّه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - ما كان يَحْكُم إلا بِالوَحْي والنَّصِّ، وإذا كان كَذَلِك، فيتفَرَّعُ عليه مَسْألتانِ: الأولَى: أن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لم يَجُز لَهُ الاجْتِهَاد. والثانية: أنَّه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - إذا لم يَجُز له أنْ يحكم إلا بالنَّصِّ، وجَبَ أن تكُونَ أمَّتُهُ كَذَلِكَ؛ لقوله - تعالى - ﴿واتبعوه﴾ [الأعراف: 158] وإذا كان كَذَلِك، حَرُمَ العَمَلُ بالقِيَاس. والجَوَابُ: أنه لما قَامَت الدَّلاَلَة على أنَّ القِيَاس حُجَّة، كان العَمل بالقِيَاسِ عَمَلاً بالنَّصِّ في الحَقِيقَةِ؛ لأنَّه يَصِير التَّقْدير: أنه - تعالى - قال: مَتَى غَلَب على ظَنِّك أن حكم الصُّورَة المَسْكُوت عنها، مثل حُكُم الصُّورَة المَنصُوص عَلَيْها، بسبب أمرٍ جامعٍ [فاعْلم: أنَّه تكليفي في حَقِّك أن تَعْمَل] بِمُوجِبِ ذلكِ الظَّنِّ، وإذا كان كَذَلِك، كان العَمَل بالقِيَاسِ عَمَلاً بالنَّصِّ. قوله: «للخائنين» متعلِّق ب «خَصِيماً» واللامُ: للتَّعْلِيل، على بَابِها، وقيل: هي بِمَعْنى: «عن» ، ولَيْسَ بشيء؛ لصِحَّة المَعْنَى بدون ذَلِك، ومفعولُ «خصيماً» : محذوفٌ، تقدِيرُه: «خَصِيماً البُرَآء» ، وخَصِيمٌ: يجو أن يَكُون مِثَال مبالغةٍ، كضريبٍ، وأن يكون بمعنى: مُفاعل، نحو: خَلِيط وجَلِيس بمعنى: مُخاصِم ومُخالِط ومُجالِس. قال الوَاحِدِي: خَصْمُك الذي يُخَاصِمُك، وجمعه: الخُصَمَاء، وأصْلُه من الخصْم: وهُو ناحية الشَّيْءِ، والخصْم: طَرْف الزَّاوِيَة، وطَرَف الأشْفَار، وقيل للخَصْمَين: خَصْمَان؛ لأنَّ كل واحدٍ منهما في نَاحِيَةٍ من الحُجَّة والدَّعْوى، وخُصُوم السَّحَابة: جَوَانِبها. فصل: في سبب نزول الآية روى الكلبي، عن أبي صَالح، عن ابن عبَّاسٍ، قال: نزلت هذه الآية في رَجُل من الأنْصَار، يقال له: طعمة بن أبَيْرِق من بني ظَفر بن الحارث، سرقَ دِرْعاً من جَارٍ له يُقَال له: قتادة بن النُّعْمَان، وكانت الدِّرْع في جراب له فيه دَقِيقٌ، فجعل الدَّقِيق يَنْتَثِر من خِرْق في الجِرَاب، حتى انْتَهَى إلى الدَّار، ثم خَبَّأها عند رَجُلٍ من اليَهُود، يُقال له: زَيْد ابن السَّمِين، فالتُمِسَتِ الدِّرْع عند طعمة، فحَلَف بالله ما أخَذَها وما لَهُ بها من علم، فقال أصْحَابُ الدِّرْع: لقد رَأينا أثر الدقيق حتى دخل دَارَه، فلما حَلَف، تركوه واتَّبَعُوا أثر الدقيق إلى مَنَزِل اليَهُودِيِّ؛ فأخذوه منه، فقال اليَهُودِيُّ: دفعها إليّ طعمة بن أبَيْرِق، فجاء بنو ظفر وهم قوم طُعْمَة إلى رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وسألُوه أن يُجادل عن صَاحِبِهم، وقالوا له: إنك إن لم تَفْعَل، افْتَضَحَ صَاحِبُنا، فهمَّ رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يُعاقِب اليَهُودِي. ويروى عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عَنْهُما في رواية أخْرى: أن طعمة سَرَق الدِّرْع في جِرَابٍ فيه نخالة، فخرق الجِرَاب حَتَّى كان يَتَنَاثر منه النُّخَالة طُول الطَّرِيق، فجاء به إلى دَارِ زيْد السَّمِين وتركه على بابه، وحَمَل الدِّرْع إلى بَيْتِه، فلما أصْبَح صاحِبُ الدِّرْع، جاء على أثَر النُّخَالة إلى دار زَيْدٍ السَّمين، فأخذه وحمله إلى النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فهم النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يَقْطع يد زَيْد اليَهُودي. وقال مقاتل: إن زيداً السَّمين أوْدَع درعاً عند طعمة فَجَحَدَها طعمة، فأنْزَل الله تعالى قوله: ﴿إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق﴾ بالأمْر، والنَّهْي، والفَصْل، ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ الناس بِمَآ أَرَاكَ الله﴾ : بما علّمَكَ الله وأوْحَى إليْك، ﴿وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ﴾ : طعمة، «خصيماً» : مُعيناً مُدَافِعاً عنه. وهذه القِصَّة تَدُلُّ على أن طعمة وقوْمَه كانوا مُنَافِقِين؛ لأنهم طلبوا البَاطِل، ويؤكِّدُه قوله - تعالى -: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ﴾ [النساء: 113] . ثم رُوي: أن طعمة هَرَب إلى مَكَّة وارتَدَّ، وثَقَب حَائِطَاً؛ ليَسْرِق، فسقط الحَائِط عَلَيْه فمات. فصل قال الطَّاعِنُون في عِصْمة الأنْبِيَاء - عليهم الصلاة والسلام -: دلَّت هذه الآيةُ على صُدُور الذَّنْب من الرَّسُول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - فإنَّه لَوْلاَ أن الرسُول -[عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ] أراد أن يُخَاصِم لأجْل الخَائِن ويذب عنه، وإلاّ لما وَرَدَ النَّهْي عَنْه. والجوابُ: أنه لمَّا ثَبَتَ في الرِّواية: أنَّ قوم طعمة لما التمسُوا من الرَّسُول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - أن يَذُبَّ عن طعمة، وأنْ يُلْحِق السَّرقة باليَهُودِيِّ توقف وانتظر الوَحْي، فنزلت الآيَة، وكان الغَرَضُ من هذا النَّهْي: تَنْبيه النبيّ - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - على أنَّ طعمة كَذَّابٌ، وأن اليَهُودِيَّ بريءٌ من ذَلِك الجُرْمِ. فإن قيل: الدَّليل على أنَّ الجُرْم قد وَقَعَ من النَّبِي - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - قوله بعد ذلك: ﴿واستغفر الله إِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ والأمر بالاسْتِغْفَار، يدل على صُدُور الذَّنْبِ. فالجواب: من وجوه: الأوَّل: لعله مَالَ طَبْعُهُ، إلى نُصْرة طعمة؛ بِسَبَبِ أنه كَانَ في الظَّاهِر من المُسْلِمِين؛ فأمر بالاسْتِغْفَار لهذا القَدْر، وحَسَنَاتُ الأبْرَار سَيِّئَات المُقَرَّبين. الثَّاني: أن القَوْم لما شَهِدُوا بِبَراءة طعمة، وعلى اليَهُودِيِّ بالسَّرِقَة، ولم يَظْهَر للرَّسُول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - ما يُوجِب القَدْح في شَهَادَتِهم، هَمَّ بأن يَقْضِي بالسَّرِقة عَلَى اليهودي، ثمَّ لما أطْلَعَهُ اللَّه على كَذِب أولَئكَ الشُّهُود، عَرَف أنَّ ذلك القَضَاء لو وَقَعَ، لكان خَطَأ في نَفْسِه، وإن كَانَ مَعْذُوراً عند اللَّه [- تعالى -] [فيه] . الثالث: قوله: «واستغفر الله» يُحْتَمل أن يكُون المُرادُ: واستغفر الله لأولئك الَّذين يَذُبُّون عن طعمة، ويُرِيدون أن يُظْهِرُوا بَرَاءَته. الرابع: قيل: الاسْتِغْفَار في حَقِّ الأنْبِياء بعد النُّبُوَّة على أحَدِ الوُجُوه الثَّلاثة: إما لِذَنْب تَقَدَّم قبل النُّبُوَّة، أو لِذُنُوب أمَّته وقَرَابتِه، أو لِمُبَاح جاء الشَّرْع بتحريمِهِ، فيتركه بالاسْتِغْفَار، والاسْتَغْفَار يَكُون مَعْناه: السَّمع والطَّاعة لحُكْمِ الشَّرْع. ثم قال: ﴿وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الذين يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: يَظْلمون أنفُسَهُم بالخِيَانَة والسَّرقة وقِبَلها. أمر بالاسْتِغْفَار على طَرِيق التَّسْبِيحِ؛ كالرجل يَقُول: أسْتَغْفِر اللَّه، على وجْه التَّسْبِيح من غَيْر أن يَقْصِد تَوْبةً من ذَنْبٍ. وقيل: الخِطَاب للنَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، والمراد: ابن أبَيْرقِ؛ كقوله: ﴿ياا أَيُّهَا النبي اتق الله﴾ [الأحزاب: 1] [وقوله: ﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ﴾ [يونس: 94] والمراد بالذين يختانون طعمة ومن عاوَنَهُ من قَوْمِه، والاخْتِيَان: كالخِيَانَةِ؛ يقال: خَانَهُ واخْتَانَهُ، وقد تقدَّم عِنْد قوْله: ﴿عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: 187] ، [وإنما قال لطعمة وللذَّابِّين عنه: إنهم يختَانُون أنفُسَهُم] ؛ لأن مَنْ قدم على المَعْصِيَة، فقد حَرَمَ نفسه الثَّوَابَ، وأوصَلَهَا إلى العِقَاب، فكان ذلك مِنْهُ خِيَانة لِنَفْسِهِ؛ ولِهَذا المَعْنَى، قيل لِمَن ظَلَم غيره: إنَّه ظلم نَفْسَه، وفي الآيَة تهديدٌ شَدِيدٌ على إعانَة الظَّالِم؛ لأن الله - تعالى - عاتب النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على همِّه بإعَانَة طعمة، مع أنَّه لم يَكُن عَالِماً بظُلْمِهِ، فكيف حَالُ من يَعْلم ظلم الظَّالِم، ويعينُه عَلَيْه. ثم قال: ﴿إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ﴾ أي: لا يَرْضى عن ﴿مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً﴾ يريد: خَوَّاناً في الدِّرْع، أثيماً في رَمْيه اليَهُوديَّ. وقيل: إنَّه خطابٌ مع النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والمراد به: غيره؛ كقوله: ﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ﴾ [يونس: 94] . فإن قيل: قوله - تعالى -: ﴿مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً﴾ صيغة مُبالَغَة تَدُلُّ على تَكْرَار ذَلِكَ [الفِعْل مع أن الصَّادِر عَنْه خِيَانة وَاحِدَة، وإثمٌ واحدٌ. فالجواب: أنَّ الله - تعالى - عَلِم أنه] كَانَ في طَبْعَ ذَلِكَ الرَّجُل الخيانة الكَثِيرة والإثْمِ الكَبِير، فذكر اللَّفظ الدَّالَّ على المُبَالَغَة؛ بسبَبِ ما كان في طَبْعِهِ من المَيْل إلى ذَلِكَ، ويدُلُّ عليه: ما ذَكر [أنَّه] بعد هذه الوَاقِعَة هَرَبَ إلى مَكَّة، وارتدّ ونَقَبَ حائِط إنْسَان، لأجْلِ السرقة، فسقط الحَائِطُ عليْه ومات، ومن كانت خَاتِمَتُه كَذَلِك، لم يُشَكّ في حَالِه، وأيضاً: فإنَّه طَلَبَ من النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - أنْ يرفَعَ السَّرِقَةَ عَنْه، ويُلْحِقَها باليَهُودِيِّ، وهذا يُبْطِل رِسَالة الرَّسُول، ومن حَاوَل إبْطَال رسَالة الرَّسُول وأراد كذبَهُ، فقد كَفَر؛ فلهذا المَعْنَى وَصَفَهُ اللَّه [- تعالى -] بالمُبَالَغَة في الخِيَانة والإثْمِ. وقد قيل: إذا عَثْرت من رَجُلٍ على سَيِّئَةٍ، فاعلم أنَّ لها أخَوَاتٍ. وعن عُمَر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: أنَّه أخذ يَقْطَع يَدَ سَارِق، فجاءَتُهُ أمُّه تَبْكِي وتقُول هذه أوّل سَرِقة سرقها فاعْفُ عنه، فقال: كَذَبْت إنّ الله لا يؤاخِذُ عَبْدَه في أوّل الأمْر.

النساء 4:108

«يَسْتَخفُون» : وجهان: أظهرُهُمَا: أنها مَستأنفة لمجرد الإخْبَار بأنهم يَطْلُبون التستُّر من الله - تعالى - بجهلهم. والثاني: أنها في مَحَلِّ نَصبٍ صفة ل «مَنْ» في قوله: ﴿لا يحبُّ مَنْ كان خَواناً﴾ [النساء: 107] وجُمِع الضَّمِير اعتباراً بمعناها إن جعلت «مَنْ» نكرةً موصوفة، أو في مَحَلِّ نصب على الحَالِ مِنْ «مَنْ» إن جَعَلْتَها مَوصُولة، وجُمِعَ الضميرُ باعتبار مَعْنَاها أيضاً. والاستخفاء الاستتار، يقال استَخْفَيْت من فُلان: أي: توارَيْتُ منه واسْتَتْرتُ؛ قال الله - تعالى -: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بالليل﴾ [الرعد: 10] أي: مُسْتَتر، ومعنى الآيَة: يَسْتَتِرُون من النَّاسِ، ولا يَسْتَتِرُونَ من اللَّه. قال ابن عبَّاسٍ يَسْتَحْيُون من النَّاس، ولا يَسْتَحيون من اللَّه. قال الواحِدِي: هذا مَعْنًى وليس بِتَفْسير؛ وذلك أنَّ الاستحْيَاء من النَّاس هو نفس الاسْتِخْفَاء، فَلَيْس الأمْر كذلك. قوله: «وَهُو مَعَهُم» جملة حالية إمَّا من اللَّه - تعالى -، أو من المُسْتَخْفِينَ، وقوله: «معهم» أي: بالعِلْم، والقُدْرَة، والرُؤيَة، وكَفَى هذا زاجراً للإنْسَان، و «إذْ» منصوبٌ [بالعامل - في] الظَّرْفِ - الوَاقِعِ خبراً، وهو «مَعَهُم» ومعنى: يُبَيِّتُون: يَتَقَوَّلون، ويُؤلِّفُون، ويضمرون في أذْهَانِهِم، والتبييتُ: تدبير الفِعْل لَيْلاً، والذي لا يَرْضَاه اللَّه من القَوْل؛ هو أنَّ طعمة قال: أرمي اليَهُودي بأنَّه هو الَّذِي سرق الدِّرْع، وأحْلِفُ أنِّي لمْ أسْرِقْها، ويَقْبَل الرَّسُول يميني؛ [لأني] على دِينهِ، ولا يَقْبَل يَمين اليَهُودِي. فإن قيل: لِمَ سَمَّى التَّبْييت قولاً، وهو مَعْنى في النَّفْسِ؟ . فالجواب: أن الكلام الحَقِيقي هو المَعْنَى القَائِم بالنَّفْسِ، وعلى هذا فلا إشْكَال، ومن أنْكَر كلام النَّفْس، قال: إن طعمة وأصْحَابه أجْمَعُوا في اللَّيْل، ورَتَّبُوا كيْفِيَّة الحِيلة والمَكْر؛ فسمَّى الله - تعالى - كلامَهُم ذلك بالقَوْل المُبَيَّت الذي لا يَرْضَاه، ثم قال: ﴿وَكَانَ الله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً﴾ والمُراد به: الوَعِيد؛ لأنهم وإن كانُوا يُخْفُون كَيْفيَّة المكر والخداع عن النَّاس، فإنها ظَاهِرَة في عِلْم اللَّه؛ لأنَّه - تعالى - مُحِيطٌ بجميع المَعْلُومات لا يَخْفَى عليه منها شيء.

النساء 4:109

«هَا» للتَّنْبِيه في «أنْتُم» ، و «هؤلاءِ» : مُبْتَدأ وخَبَر «جَادَلْتُم» جُمْلَة مبينة لِوُقُوع «أولاء» خبراً؛ كما تَقُول لِبْعضِ الأسْخِيَاءِ: أنْتَ حَاتِمٌ تجود بِمَالِك، وتُؤثِر على نَفْسك، ويجُوز أن يكون «أولاء» اسماً مَوْصُولاً، بمعنى: الَّذِين، و «جادلْتُم» صلة وتقدَّم الكَلاَم على نَحْو ﴿هَا أنْتُم هؤلاءِ﴾ ، والجِدَال في اللُّغَة [عبارة] عَنْ شِدَّة المخَاصَمَةِ من الجَدَل وهو شدة الفتل، وجَدْل الحَبْل: شدَّة فتله، ورَجُل مَجْدُول كأنه فُتل، والأجْدَل: الصَّقر؛ لأنَّه [من] أشَدِّ الطُّيُور قُوَّة؛ هذا قَوْل الزَّجَّاج، والمَعْنَى: أن كل وَاحِدٍ [من الخَصْمَيْن] يريد فَتْل خَصْمه عن مَذْهَبه، وصَرْفَه عن رَأيه بِطَريق الحجاج، وقيل: الجِدَال من الجِدَالةِ، وهذا خِطَاب مع قَوْم من المُؤمنين، كانوا يذبُّون عن طعمة وَعن قوْمِهِ: بسبب أنهم كَانُوا في الظَّاهِرِ مسلِمين، والمعنى: هَبُوا أنَّكم خَاصَمتُم عن طعمة وقَوْمِهِ في الدُّنْيَا، فمن يُخَاصِم عَنْهم في الآخِرة إذَا أخَذَهم اللَّه بِعَذَابِه. وقرأ أبيُّ بن كَعْب، وعَبْد الله بن مَسْعُود: «وجَادَلْتُم عَنْه» يعني: طعمة. وقوله: ﴿فَمَن يُجَادِلُ الله عَنْهُمْ يَوْمَ القيامة﴾ : استفهام تَوْبيخٍ وتَقْريعٍ، و «من» استِفْهَامِيَّة في محلِّ رفع بالابتداء، و «يُجَادِلُ» : خبره، وقوله: ﴿أَمْ مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً﴾ أم: مُنقَطِعَة وليست بعاطِفَةِ، وظاهر عِبَارَة مَكِّي: أنها عاطفة، فإنَّه قال: و «أمَّنْ يكُونُ» مثلها [عطف عليها، أي: مثل «مَنْ» في قوله: «فَمَنْ يُجَادِلُ» وهو في محَلِّ نظرٍ؛ لأن في المنقطعة خِلافاً، هل تُسمَّى عاطِفَة أم لا] ، والوكيل الكفيل الذي وُكِّلَ إليه الأمْرُ في الحفظ والحماية و «على» هنا بمعنى اللام والمعنى: أمَّنْ يكون لهم وكيلاً، أي من النبي يذب عنهم، ويتولّى أمرهم، ويحميهم من عَذَاب الله يوم القيامة.

النساء 4:110

لما ذكر الوعيد أتبعه بالدعوة إلى التوبة فقال: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سواءا﴾ يعني: السَّرِقَة، ﴿أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ بِرَمْيه البَرِيء، وقيل: السُّوء: الشِّرْكُ، وظلم النَّفْسِ: ما دون الشِّرْكِ، وقيل: المراد بالسُّوء: ما يَتَعَدَّى إلى الغَيْر، وظلم النَّفْس: ما يَخْتَصُّ به الإنْسَان؛ كالحَلْف الكَاذِب، وإنما خَصَّ ما يتعدى إلى الغَيْر باسم السُّوء؛ لأنَّ ذلك يكون في الأكْثَر إيصَالاً للضَّرَر إلى الغَيْر، والضَّرَرُ سوءٌ حَاضِرٌ. فأمَّا الذَّنْبُ الذي يَخُصُّ الإنْسَان: فذلك لا يَكُون في الأكثر ضَرَراً حَاضِراً. وقوله: ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ الله﴾ أي: يَتُبْ إلى الله ويَستغفرهُ ﴿يَجِدِ الله غَفُوراً رَّحِيماً﴾ وهذه الآيَة دَلَّت على أنَّ التَّوْبَةَ مَقْبُولَةٌ عن جميع الذُّنُوبِ سواءً كانت كُفْراً، أو قَتْلاً عَمْداً، أو غَصْباً للأمْوَال؛ لأن السُّوء [و] ظلم النَّفْسِ يَعُمُّ الكلُّ، وظاهر الآية يَقْتَضِي أنَّ مجرد الاسْتِغْفَار كَافٍ. وقال بعضهم: إنَّه مقيَّد بالتَّوْبَة؛ لأنَّه لا يَنْفَع الاسْتِغْفَارُ مع الإصرار. وقوله: ﴿غَفُوراً رَّحِيماً﴾ معناه: غفوراً رحيماً له، وحُذِفَ هذا القَيْد؛ لدلالة الكَلاَم عَلَيْه. قال الضَّحَّاك: نَزَلَت هذه الآية في وَحْشي قاتلِ حمْزة، أشْرك باللَّه، وقتل حَمْزَة، ثم جاء إلى الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فقال: إني لَنَادِمٌ، فهل لي من تَوْبَةٍ؟ . فنزلت هذه الآية. وروى سُفْيَانُ عن ابن مَسْعُودٍ، قال: من قرأ هَاتَيْن الآيَتين من سُورة النِّسَاء، ثم اسْتَغْفَرَ، غُفِرَ له وقرأ: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سواءا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ [النساء: 110] الآية، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظلموا أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ فاستغفروا الله﴾ [النساء: 64] الآية. وعن عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: حدَّثَنِي أبُو بكر، وصدق أبُو بكر قال: ما من عَبْدٍ يُذْنِب ذَنْباً، ثم يَتَوَضَّأُ، ويُصَلِّي رَكْعَتَيْن، ويستغفر الله، إلا غَفَرَ له، ثم تَلاَ هذه الآيَة [ ﴿ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه﴾ الآية قال ابن عَطيَّة: قوله: «يَجِدِ اللَّه» أي: يجد عِنْدَه المَغْفِرة والرَّحْمَة، فجعل المَغْفِرَة كالمورد يرده التَّائِب] المُستْغَفِر.

النساء 4:111

والكَسْبَ عِبَارة عمَّا يفيد جرَّ مَنْفَعَةٍ، أوْ دَفع مَضَرَّة، ولِذلك لَم يَجُزْ وَصْف البَارِي - تعالى - بذلك، وقِيلَ: المُرَاد بالإثْم: يعني يَمِين طعمة بالبَاطِل، أي: ما سَرَقْتَه، إنَّما سرقه اليَهُودِيُّ، ﴿فإنَّما يكسبُه على نَفْسِهِ﴾ فإنَّما يضرُّ به نَفْسَه، ﴿وَكَانَ الله عَلِيماً﴾ بما في قَلْب التَّائِب عند إقْدَامه على التَّوبة [ «حكيماً» ] تقتضي حكْمَتهُ ورَحْمَتُهُ أن يَتَجَاوَزَ عن التَّائِب، والمَقْصُود منه: تَرْغِيبُ العَاصِي في الاسْتِغْفَار، وألا يَيْأس من قبول التَّوْبَةِ والاسْتِغْفَارِ.

النساء 4:112

قيل: المراد بالخَطِيئَةِ: سَرِقَةُ الدِّرْع، وبالإثْمِ: يَمينه الكَاذِبَة. وقيل: الخَطِيئَةُ: الصَّغيرة، والإثْم: الكَبِيرة. وقيل: الخَطِيئَة: ما لا يَنْبَغِي فِعْلُه سواءً كان بالعَمْد أو بالخَطَأ، والإثْم: ما يَحْصُل بسبب العَمْد؛ لقوله في الَّتِي قَبْلَها: ﴿وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ على نَفْسِهِ﴾ [النساء: 111] فبيَّن أن الإثْم ما يَسْتَحِقُّ به العُقُوبَة. وقيل: هُما بمَعْنَى وَاحِد، كرر لاخْتِلاَف اللَّفْظ تَأكِيداً. وقال الطَّبَرِيّ: الخَطِيئَة تكون عن عَمْد، وعَنْ غَيْر عمد، والإثْم لا يكون إلا عن عَمْد، وقيل: الخَطِيئَة مَا لَمْ يُتَعَمَّد خاصَّة؛ كالقَتْل الخَطَأ. قوله: ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ﴾ : في هذه الهَاءِ أقوالٌ: أحدُها: أنها تعود على «إثماً» لأنه الأقْرب، والمتعاطفان ب «أو» : يجُوز أن يعودَ الضَّمير على المَعْطُوف كهذه الآية، وعلى المعطوف عليه؛ كقوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفضوا﴾ [الجمعة: 11] . والثاني: أنها تعودُ على الكَسْبِ المدْلُول عليه بالفعل، نحو: ﴿اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ﴾ [المائدة: 8] أي العدل. الثالث: أنها تعودُ على أحد المذكُورَيْن الدَّالِّ عليه العَطْفُ ب «أو» فإنه في قُوَّة «ثم يَرْمِ بأحَدِ المذكُورَيْن» . الرابع: أنَّ في الكَلاَم حَذْفاً، والأصْل: ﴿ومن يكسب خطيئة ثم يرم بها﴾ ؛ وهذا كما قيل في قوله: ﴿والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة وَلاَ يُنفِقُونَهَا﴾ [التوبة: 34] أي: يَكْنزِون الذَّهب، ولا ينفقونه. الخامس: أن يعُود على معنى الخَطِيئة، فكأنَّه قال: ومن يَكْسِب ذَنْباً ثم يَرْم بِهِ، وقيل: جَعَل الخَطِيئَة والإثْم كالشَّيْء الوَاحِد، و «أو» هنا لتَفْصِيل المُبْهَمِ، وتقدَّم له نَظَائرُ. وقرأ مُعاذُ بن جَبَل: «يَكسِّبْ» بِكسْر الكاف وتَشْدِيد السِّين، وأصْلُها: يَكْتَسِبْ، فأدغمت تَاءُ الافْتعال في السِّين، وكُسِرت الكافُ إتباعاً، وهذا شَبيهٌ ب «يَخِطِّف» [البقرة: 20] ، وقد تقدَّم تَوْجِيههُ في البقرة، وقرأ الزهري: «خَطِيَّة» بالتَّشديدِ، وهو قياسُ تَخْفِيفها. وقوله: ﴿يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً﴾ أي: يقْذِفُ بما جَنَى «بَريئاً» منه كما نُسِبَتِ السَّرِقَة إلى اليَهُودِي. [قوله] : ﴿فَقَدِ احتمل بُهْتَاناً﴾ البهتان: هو البهْت، وهو الكَذِب الَّذي يتحيَّر في عِظمهِ؛ لأنَّهُ إذا قيل للإنْسَان، بُهت وتَحَيَّر. رَوَى مُسْلِمٌ، عن أبِي هُرَيْرة، «قال رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: تَدْرُون ما الغيبة؟ قالُوا: الله ورسُولُه أعْلَم، قال:» ذِكْرُكَ أخَاكَ بما يَكْرَهُ» . قيل: أفَرَأيْت إن كَانَ في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تَقُول، فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وإن لم يَكُن فِيهِ، فقد بَهَتَّهُ» ؛ فرمْيُ البَرِيءِ بَهْتٌ له، يقال: بَهَتَهُ بَهْتاً وَبُهْتَاناً، إذا قَالَ عَنْه ما لم يَقُل، وهو بَهَّاتٌ، والمَفْعُول له: مَبْهُوتٌ، ويُقَال: بَهِتَ الرَّجُل بالكَسْر، إذا دُهشَ وتَحَيَّر، وبَهُتَ بالضَّمِّ مثله، وأفْصَحُ منها: بُهِتَ؛ كقوله - تعالى -: ﴿فَبُهِتَ الذي كَفَرَ﴾ [البقرة: 258] لأنَّه يُقَال: رَجُل مَبْهُوتٌ، ولا يُقَال: باهِت، ولا بَهِيتٌ؛ قال الكسائي، و «إثْماً مُبِيناً» أي: ذَنباً بَيِّناً.

النساء 4:113

قال القُرْطُبِي: ما بَعْد «لَوْلاَ» مرفوعٌ بالابْتِدَاء عند سِيبَويْه، والخَبَر مَحْذُوف لا يَظْهَر، والمَعْنَى: ولولا فَضْلُ اللَّه عَليكَ ورَحْمَتُه بأن نبَّهك على الحَقِّ، وقيل: بالنُّبُوءة والعِصْمَة، ﴿لَهَمَّتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ﴾ عن الحق. قال شهاب الدين: في جواب «لولا» وجهان: أظهَرُهُمَا: أنه مَذْكُورٌ، وهو قوله: «لَهَمَّتْ» . والثاني: أنه مَحْذُوفٌ، أي: لأضلُّوك، ثم اسْتأنَفَ جُمْلة فقال: «لَهَمَّتْ» أي: لقد هَمَّتْ. قال أبو البقاء في هذا الوَجْه، ومثلُ حذفِ الجَوابِ هنا حَذْفُه في قوله: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ الله تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: 10] وكأنَّ الذي قَدَّر الجوابَ مَحْذُوفاً، استشكل كَوْنَ قوله: «لهمتْ» جواباً؛ لأنَّ اللَّفْظ يقتضي انْتِفَاء هَمِّهم بذلك، والغرضُ: أنَّ الواقع كوْنُهم همُّوا على ما يُرْوَى في القصَّة؛ فلذلك قدَّره مَحْذُوفاً، والذي جَعَلَه مثبتاً، أجَابَ عن ذلك بأحَدِ وَجْهَيْن: إمَّا بتَخْصيص الهَمِّ، أي: لَهَمَّتْ هَمّاً يؤثِّر عندك. وإمَّا بتخصيص الإضْلال، أي: يُضِلُّوك عن دينك وشريعتك، وكلا هذيْن الهمَّيْن لم يقع. و «أَن يضلُّوك» على حَذْف الباء، أي: بأن يُضِلُّوك، ففي مَحَلِّها الخِلافُ المَشْهُور، و «مِنْ» في «مِنْ شَيء» زائدةٌ، و «شَيْء» يراد به المَصْدرُ، أي: وما يَضُرُّونك ضَرَراً قليلاً، ولا كثيراً. فصل هذا قول للنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ؛ لَوْلا أن خَصَّكَ الله بالنُّبُوَّة والرَّحمة، «لهمت طائفة» : لقد هَمَّتْ طائفة، أي: أضْمَرَت طَائِفَة منهم، يعني: قَوْم طعمة، «أَن يضلوك» أي: يُخَطِّئُوك في الحُكْم، ويُلْبِسُوا عليك الأمْر؛ حَتَّى تدافع عن طعمة، ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ﴾ يعني: يرجع وَبالُهُ عليهم، ﴿وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ﴾ فيه وَجْهَان: الأوَّل: قال القفَّال - رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى - وما يضُرُّونك في المُسْتَقْبل، فوعده - تعالى - بإدَامَة العِصْمَة لما يُرِيدُون من إيقَاعِه في البَاطِل. الثَّاني: المَعْنَى: أنَّهم وإنْ سَعوْا في إلْقَائك فأنْتَ ما وقَعْتَ في البَاطِل: لأنَّك بنيت الأمر على ظَاهِر الحَال، وأنت ما أمرت إلا بِبِنَاءِ الأحْكَام على الظَّاهِر. ثم قال: ﴿وأنزل عليك الكتاب والحكمة﴾ وهذا مؤكد لذلك الوَعْد إن فَسَّرْنا قوله: ﴿وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ﴾ بالوَعْد والعِصْمَة في المُسْتَقْبل، يعني: لما أنْزَل عليك الكتاب والحكمة، وأمر بِتَبْلِيغ الشَّريعة إلى الخَلْقِ، فكيف يَلِيقُ بحكمته ألاَّ يَعْصِمَك عن الوُقُوع في الشُّبُهَات، وإن فَسَّرْنا الآية بأنَّه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - كان مَعْذُوراً في بناء الحُكْم على الظَّاهر، كان المَعْنَى: وأنزل عليك الكتاب والحكمة، وأوْجَبَ فيها بِنَاء أحكام [الشَّرْع] على الظَّاهر، فكيف يَضُرُّك بناء الأمْر على الظَّاهِر. قال القُرْطُبِي: قوله [تعالى] : ﴿وأنزل عليك الكتاب والحكمة﴾ ابْتِداء كلام. وقيل: «الواو» للحال؛ كقوله «جئتك والشمس طالعة» ، والكلام مُتَّصِلٌ، أي: [ما يَضُرُّونك من شَيْء مع إنْزَال اللَّه عليك] القُرْآن، «والحِكْمَة» : القَضَاء بالوَحْي. ثم قال: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ . قال القَفَّال: هذه الآيَة تَحْتَمِلُ وَجْهَيْن: أحدهما: أن يكُون المُراد [ما يتعَلَّق] بالدِّين؛ كما قال: ﴿مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكتاب وَلاَ الإيمان﴾ [الشورى: 52] فيكون تَقْدِير الآيَة: أنْزَل عليك الكتاب والحِكْمة، وأطْلَعَك على أسْرَارِهَا، مع أنَّك قبل ذَلِك لم تكن عَالِمَاً بشيء منهما، فكَذَلِكَ يفْعَل بك في مُسْتَأنف أيَّامك، لا يَقْدِر أحدٌ من المُنَافِقِين على إضلالك. الثاني: أن المُراد: وعَلَّمك ما لم تكُن تَعْلَم من أخْبَار الأولِين؛ فكذلك يُعَلِّمك من حِيَل المُنَافِقِين وَوُجوه كَيْدِهِم، ما تَقْدِر [به] على الاحتراز عن كَيْدهم ومَكْرِهِم. ﴿وَكَانَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ . وهذا يَدُلُّ على أنَّ العِلْم أشْرَف الفَضَائِلِ والمَنَاقِب؛ لأنَّ الله - تعالى - ما أعْطَى الخَلْق من العِلْم إلا القَلِيل؛ لقوله - تعالى -: ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء: 85] ثم إنَّه سمَّى ذلك القَلِيل عَظِيماً، وسمَّى جَمِيع الدُّنْيَا قَلِيلاً، لقوله [- تعالى -] : ﴿أقُلْ مَتَاعُ الدنيا قَلِيلٌ﴾ [النساء: 77] وذلك يَدُلُّ على شَرَف العِلْم.

النساء 4:114

قال الوَاحِدِي: النَّجْوى في اللُّغَة سر بين اثْنَيْن، يُقَال: ناجَيْت الرَّجل مُنَاجَاة ونِجَاء، ويقال: نجوت الرَّجُل أنْجُو بِمَعْنَى: نَاجَيْتُه، والنَّجْوى قد تكون مَصْدراً بمنزلة المُنَاجَاةِ، قال - تعالى -: ﴿مَا يَكُونُ مِن نجوى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: 7] وقد يُطْلَق على الأشْخَاص مَجَازاً، قال - تعالى -: ﴿وَإِذْ هُمْ نجوى﴾ [الإسراء: 47] ومَعْنَاها: المُسَارّة، ولا تكون إلا مِن اثْنَيْن فأكثَر. وقال الزَّجَّاج: [النَّجْوى] ما تفرَّد به الاثْنَان فأكْثر، سِرًّا كان أو ظَاهِراً. وقيل: النَّجْوى جمع نَجِيّ؛ نقله الكَرْمَاني، والنَّجْوى مشتقَّةٌ من نَجَوْتُ الشيء، أنْجُوه، إذا خَلَّصْتَه وأفْرَدْتَه، والنَّجْوة المُرْتَفِعُ من الأرْضِ؛ لانْفِرَاده بارتفاعه عمَّا حَوْله. فصل فيمن المقصود بالآية؟ والمراد بالآية: قَوْم طعمة. وقال مُجَاهد: الآية عَامَّة في حَقِّ جميع النَّاسِ، والنَّجْوى: هي الإسْرَار في التَّدْبِير. وقيل: النَّجْوى: ما يَنْفَرِدُ بِتَدْبِيرِه قَوْمٌ، سِرّاً كان أوْ عَلاَنِيَة، ومَعْنَى الآيَة: لا خَيْر في كَثِيرٍ مما يُدَبِّرُونه بَيْنَهُم، إلاَّ من أمَرَ بِصَدَقَة، أوْ معروفٍ، أو إصلاحٍ بين النَّاسِ فالاستِثْنَاء يكون مُتَّصِلاً، وقيل: هو استِثْنَاء مُنْقَطِع بمعنى: لكن من أمر بِصَدقَةٍ، وهذان القَوْلان مبنيّان على أن النَّجْوى يجوز أن يراد بها: المَصْدرُ كالدَّعْوى؛ فتكون بِمعنَى: التناجي، وأنْ يُرادَ بها: القَوْمُ المتناجُون إطلاقاً للمَصْدرِ على الوَاقِع منه مجازاً، نحو: «رجلٌ عَدْلٌ وصَوْمٌ» . فعلى الأول يكون مُنْقَطِعاً؛ لأنَّ مَنْ أمَر لَيْس تَنَاجِياً؛ فكأنه قيل: لكنْ مَنْ أمَر بصدَقةٍ، ففي نَجْوَاه الخيرُ، والكوفِيُّون يقدِّرون المُنْقَطع ب «بل» ، وجعل بعضهم الاستِثْنَاء متَّصِلاً، وإنْ أُريد بالنَّجْوى: المصدرُ، وذلك على حَذْفِ مُضَافٍ؛ كأنه قيل: إلا نَجْوَى مَنْ أمر وعلى هذا يَجُوز في مَحَلٍّ «مِنْ» وجهان: أحدهما: الخَفْضُ بدل من «نَجْوَاهُم» ؛ كما تقول: «ما مَرَرْتُ بأحد إلا زَيْدٌ» . والثاني: النَّصْب على الاستِثْناء [كما تقول: «مَا جَاءني أحَدٌ إلا زَيْدٌ، على الاستثناء؛] لأنَّ هذا استِثْنَاء الجِنْس من الجِنْس وإن جعلنا النَّجْوى بِمَعنى: المُتناجين، كان مُتَّصِلاً، وقد عَرَفْتَ مِمَّا تقدَّم أن المنقطع مَنْصُوبٌ أبداً في لغة الحِجاز، وأنَّ بَنِي تَمِيم يُجرونه مُجْرى المُتَّصِل، بشرط توجُّه العَامِل عليه، وأنَّ الكَلاَمَ إذا كان نفياً أو شبهه، جاز في المُسْتَثْنَى الإتباعُ بدلاً، وهو المختار، والنَّصْبُ على أصْل الاستِثْنَاء، فقوله» إلا مَنْ أمَر» : إما مَنصُوبٌ على الاستِثْنَاء المُنْقَطِع، إنْ جَعَلْتَه مُنْقطعاً في لغة الحِجَاز، أو على أصْلِ الاستِثْنَاء إن جعلته مُتَّصلاً، وإمَّا مَجْرورٌ على البَدَلِ من «كثير» ، أو من «نجواهم» ، أو صِفَةٌ لحدهما؛ كما تقُول: «لا تَمُرُّ بجماعة من القَوْم إلا زيد» إنْ [شئت] جَعلْتَ زَيْداً تَابِعاً للجماعةِ أو للقوم، ولم يجعله الزَّمَخْشَرِي تَابِعاً إلا» لِكَثير «قال: إلا نَجْوَى مَنْ أمَر، على أنَّه مَجْرورٌ بَدَلٌ من» كَثِيرٍ» ؛ كما تقُولُ: «لا خير في قِيامهم إلا قيام زيدٍ» وفي التَّنْظِير بالمثال نظرٌ لا تَخْفَى مباينته للآية، هذا كُلُّه إن جعلنا الاستِثْناء مُتصِلاً بالتَّأويلين المَذْكُورين، أو مُنْقَطِعاً على لغة تميم، وتلخَّص فيه سِتَّة أوْجُه: النَّصبُ على الانقطاع في لغة الحجاز، أو على أصْلِ الاستثناءِ، والجرُّ على البَدَل من «كَثِير» ، أو من «نَجْوَاهُم» ، أو على الصِّفَةِ لأحدهما. و «مِنْ نَجْوَاهُمْ» متعلقٌ بمحذُوفٍ؛ لأنه صِفَةٌ ل «كثير» في مَحَلِّ جَر. فصل إنَّما ذكر - تعالى - هذه الأقْسَام الثَّلاثة؛ لأن عَمَل الخَيْر، إمَّا أن يكُون بإيصَال المَنْفَعَةِ، أو بدفع المَضَرَّة، وإيصال الخَيْر: إمَّا أن يكُون من الخَيْرَات الجسْمَانِيَّة، وهو إعْطاء المَالِ، وإليه الإشارة بقوله: «إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ» . وإمَّا أن يكُون من الخَيْرَات الرُّوْحَانية، وإليه الإشارة بقوله: «أَوْ مَعْرُوفٍ» . وإمَّا إزالة الضَّرَرِ وإليه الإشارة بقوله: ﴿أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ الناس﴾ . قوله «بَيْن» يجُوز أن يكون مَنْصُوباً بِنَفْس إصْلاح، تقول: أصْلَحْت بَيْن القَوْم، قال - تعالى -: ﴿فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: 10] ، وأن يتعلَّق بِمَحْذُوف على أنَّه صِفَة لإصلاح. [و] قوله: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذلك﴾ أي: هذه الأشْيَاء، ﴿ابتغآء مَرْضَاتِ الله﴾ أي: طَلَب رِضَاه، و «ابْتِغَاء» مَفْعُول من أجْله، وألِفُ «مَرْضَاتِ» عن وَاوٍ، وقد تقدَّم تَحْقِيقُه. فإن قِيلَ: كَيْف قال: ﴿إِلاَّ مَنْ أَمَرَ﴾ ثم قال: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذلك﴾ . فالجواب: أنَّه ذكر الأمْرَ بالخير، ليَدُل به على فَاعِلِه؛ لأنَّ الآمِرَ بالخَيْر لما دَخَل في زُمْرَة الخَيِّرين، فبأن يَدْخل فَاعِل الخَيْر فيهم أوْلى، ويجوز أن يُرَاد: ومن يأمُر بذلك، فعبر عن الأمْر بالفعل؛ لأنَّ الأمْر أيضاً فِعْل من الأفعال. ثم قال: «فسوف يُؤتيه» بالياء نظراً إلى الاسْمِ الظَّاهر في قوله: «مَرْضَات الله» ، وقرئ بالنُّون؛ نظراً لِقَوله بعدُ: «نُولِّه، ونُصْلِه» وهو أوقعُ للتَّعْظِيم.

النساء 4:115

تقدّم في آل عمران أن المُضَارعَ المَجْزُوم، والأمْرَ من نحو: «لم يَرْدُدْ» و «رَدَّ» يجُوزُ فيه الإدغامُ وتركُه، على تَفْصيلٍ في ذلك وما فيه من اللُّغَات وتقدم الكلام في المَشَاقَّةِ والشِّقَاقِ في البقرة، وكذلك حُكمُ الهَاء في قوله: «نُؤته» و «نُصْلِه» . وهذه الآيَة [نَزَلَتْ] في طعمة بن أبَيْرِق، وذلك أنَّه لمَّا ظهرت عليه السَّرِقَةُ، خاف على نَفْسِهِ من قَطْع اليد والفضيحة، فهربَ مرتَدّاً إلى مَكَّة. فقال - تعالى -: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرسول﴾ أي: يُخَالِفُه، ﴿مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهدى﴾ : من التَّوحيد والحُدُودِ، ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المؤمنين﴾ أي: غير طَرِيق المُؤمِنِين، ﴿ [نُوَلِّهِ] مَا تولى﴾ أي: نَكِلُه [فِي الآخِرَة] إلى مَا تولَّى في الدُّنيا ﴿وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيراً﴾ فانْتَصب مَصِيراً على التَّمْيِيز؛ كقولهم: «فُلانٌ طَابَ نَفْساً» . رُوِيَ أن طعمة نَزَل على رَجُل من بني سليم من أهْل مكَّة، يُقال له: الحجَّاج بْن علاط، فَنَقب [بَيْتَ الحَجَّاج، لِيَسْرِقَه،] فسقط عليه حَجَرٌ فلم يَسْتَطِع أن يَدْخُل، ولا أن يَخْرُج، فأخذ لِيُقْتَل، فقال بَعْضُهُم: دَعُوه، فقد لَجَأ إلَيْكُم، فتركوه، وأخْرَجُوه من مكة، فَخَرَج مع تُجَّار من قُضاعة نَحو الشَّام، فنزلوا مَنْزِلاً، فَسَرقَ بَعْضَ مَتَاعِهِم وهرب، فَطَلَبُوه، وأخَذُوه ورموه بالحِجَارة؛ حتَّى قتلوه، فَصَار قبره تِلْك الحِجَارة، وقيل: إنه رَكِبَ سفينةً إلى جدة، فسرق فيها كِيساً فيه دَنَانِير فأُخِذَ، وألْقِي في البَحْر، وقيل: إنه نزل في حَرَّة بني سَليم، وكان يَعْبُد صَنَماً لهم إلى أنْ مَاتَ، فأنزل الله - تعالى -: ﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلك لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بالله فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً﴾ أي: ذَهَب عن الطَّرِيق، وحُرِمَ الخَيْر كُلَّه. وقال الضَّحَّاك عن ابْن عبَّاسٍ: إنَّ هذه الآيَة نَزَلت في شَيْخٍ من الأعْراب، جَاءَ إلى رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فقال: يا نَبِيَّ الله، إنِّي شيخٌ مُنْهَمِكٌ في الذُّنُوب، إلاَّ أني لَمْ أشْرِكْ باللَّه شيئاً منذ عَرَفْتُه وآمنت به، ولمْ أتَّخِذْ من دُونِه ولِيّاً، ولَمْ أواقع المَعَاصِي جُرْأة على اللَّه، وما توهَّمْت طَرْفَة عَيْن أنِّي أعجِزُ اللَّه هَرَباً، وإنِّي لَنَادِمٌ تَائِبٌ، مستغفرٌ، فما حالي؟ فأنزل اللَّه هذه الآية. فصل في استدلال الشافعي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه بهذه الآية على حجية الاجماع رُوِيَ أن الشَّافِعِي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - سُئِلَ عن آيَة في كِتَاب اللَّه - تعالى - تدلُّ على أنَّ الإجْمَاع حجَّة، فقرأ القُرآن ثلاثمِائَة مرَّة، حتَّى وَجَد هذه الآيَة، وتقرير الاسْتِدْلال، أن اتِّباع غَيْر سَبِيل المُؤمِنين حَرَامٌ [فوجب أن يكُون اتِّباع سَبِيل المؤمنين وَاجِباً] بيان المقدِّمة الأولى: أنه - تعالى - ألحق الوَعِيد بمن يُشَاقِقُ الرَّسُول، ويتَّبع غير سَبِيل المُؤمنين، ولو لم يَكُن ذلك مُوجِباً، لكان ذلك ضمّاً لما لا أثَر لَهُ في الوَعِيد إلى مَا هُو مُسْتَقِلٌّ باقْتِضَاء ذَلِك الوَعِيد، وإنَّه غير جَائز، وإذا كان اتِّبَاعُ غير سَبيل المُؤمنين حَرَاماً، لزم أن يَكُون اتِّباع سَبيلِ المؤمنين وَاجباً، وإذا كان عَدَم اتِّبَاعهم حَرَاماً، كان اتِّباعُهُم وَاجباً، لأنَّه لا خُرُوجَ عن طَرفَي النَّقِيضِ. فإن قيل: لا نُسَلِّم أنَّ عدم اتِّبَاعِ سَبيل المؤمنين، يصدق عَليْه أنَّه اتِّباعٌ لغير سَبِيل المُؤمِنين، فإنه [لا يَمتنِع ألاَّ] يتَّبع لا سبيل [المؤمنين] ولا غير سَبِيل المُؤمنين. الجوابُ: أنَّ المتابعة عِبَارةٌ عن الإتْيَان بِمثْل ما فعل الغَيْر، وإذا كَانَ من شَأن غير المُؤمنين ألاَّ يَتَّبِعُوا سبيل المؤمنين، فكُلُّ من لَمْ يَتَّبع سَبِيل المؤمنين، فقد أتَى بِمِثْل ما فعل غَيْر المُؤمنين؛ فوجب كَوْنُه مُتَّبِعاً لهم. ولقائل أن يَقُول: الاتِّبَاع ليس عِبَارة عن الإتْيَان بِمِثْل فِعْل الغَيْر، وإلا لزم أن يُقَال: الأنْبِيَاءُ والملائِكةُ يتبعون لآحَاد الخَلْق من حَيْثُ إنَّهُم يوحِّدُون اللَّه [- تعالى -] لما أن كُلَّ واحد من آحَاد الأمَّة يوحِّد اللَّه - تعالى -، ومعلوم أنَّ ذلك لا يُقَال، بل الاتِّباع عِبَارة عن الإتْيَان بمثل فِعْل الغَيْر، لأجْل أنه فِعْل ذلك الغَيْر، ومن كان كذلك فمن تركَ مُتابعَة سبيل المؤمنين؛ لأجل أنَّه ما وَجَد على وُجُوب مُتَابَعَتِهم دَلِيلاً، فلا جَرَم لم يَتَّبِعْهُم، فهذا شَخْصٌ لا يكون مُتَّبِعاً لغير سَبِيل المُؤمنين. وقال ابن الخَطِيب: وهذا سُؤال قَوِيٌّ على هذا الدَّلِيل، وفيه أبْحَاث أخَر دَقِيقَةٌ ذكرناها في كِتَاب المَحْصُول. فصل قوله - تعالى -: ﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآية قد تقدَّم بيان سَبَبِ نُزُولها، والفائِدَةُ في تكرارها؛ أن اللَّه - تعالى - ما أعَاد آيَةً من آيَاتِ الوعيد بِلَفْظِ واحدٍ مرَّتَيْن، وقد أعَادَ هذه الآيَة بِلَفْظ واحِدٍ، وهي من آيات الوَعْد، فدل ذلك على أنَّه - تعالى - خصَّ جَانِبَ الوَعْد والرَّحْمَة بمزيد التَّأكيد. فإن قيل: لمَ خَتَم تلك الآية بقوله: «فَقَدِ افْتَرَى» وهذه بقوله: «فَقَدْ ضَلَّ» . فالجوابُ: أنَّ ذلك في غَاية المُنَاسَبة، فإن الأولى في شأن أهْل الكِتَاب من أنَّهم عِنْدَهم علمٌ بصِحَّة نبوته - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -، وأن شريعته ناسَخَةٌ لجَمِيع الشَّرائعِ، ومع ذلك فقد كَابَرُوا في ذلك، فافْترُوا على الله - تعالى -، وهذه في شأنِ قَوْمٍ مُشْركين غير أهْلِ كِتَابٍ ولا عِلْمٍ، فناسَب وَصْفُهم بالضَّلال، وايضاً: فقد تقدَّم ذكر الهُدَى، وهو ضدُّ الضلال.

النساء 4:116

تقدّم في آل عمران أن المُضَارعَ المَجْزُوم، والأمْرَ من نحو: «لم يَرْدُدْ» و «رَدَّ» يجُوزُ فيه الإدغامُ وتركُه، على تَفْصيلٍ في ذلك وما فيه من اللُّغَات وتقدم الكلام في المَشَاقَّةِ والشِّقَاقِ في البقرة، وكذلك حُكمُ الهَاء في قوله: «نُؤته» و «نُصْلِه» . وهذه الآيَة [نَزَلَتْ] في طعمة بن أبَيْرِق، وذلك أنَّه لمَّا ظهرت عليه السَّرِقَةُ، خاف على نَفْسِهِ من قَطْع اليد والفضيحة، فهربَ مرتَدّاً إلى مَكَّة. فقال - تعالى -: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرسول﴾ أي: يُخَالِفُه، ﴿مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهدى﴾ : من التَّوحيد والحُدُودِ، ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المؤمنين﴾ أي: غير طَرِيق المُؤمِنِين، ﴿ [نُوَلِّهِ] مَا تولى﴾ أي: نَكِلُه [فِي الآخِرَة] إلى مَا تولَّى في الدُّنيا ﴿وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيراً﴾ فانْتَصب مَصِيراً على التَّمْيِيز؛ كقولهم: «فُلانٌ طَابَ نَفْساً» . رُوِيَ أن طعمة نَزَل على رَجُل من بني سليم من أهْل مكَّة، يُقال له: الحجَّاج بْن علاط، فَنَقب [بَيْتَ الحَجَّاج، لِيَسْرِقَه،] فسقط عليه حَجَرٌ فلم يَسْتَطِع أن يَدْخُل، ولا أن يَخْرُج، فأخذ لِيُقْتَل، فقال بَعْضُهُم: دَعُوه، فقد لَجَأ إلَيْكُم، فتركوه، وأخْرَجُوه من مكة، فَخَرَج مع تُجَّار من قُضاعة نَحو الشَّام، فنزلوا مَنْزِلاً، فَسَرقَ بَعْضَ مَتَاعِهِم وهرب، فَطَلَبُوه، وأخَذُوه ورموه بالحِجَارة؛ حتَّى قتلوه، فَصَار قبره تِلْك الحِجَارة، وقيل: إنه رَكِبَ سفينةً إلى جدة، فسرق فيها كِيساً فيه دَنَانِير فأُخِذَ، وألْقِي في البَحْر، وقيل: إنه نزل في حَرَّة بني سَليم، وكان يَعْبُد صَنَماً لهم إلى أنْ مَاتَ، فأنزل الله - تعالى -: ﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلك لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بالله فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً﴾ أي: ذَهَب عن الطَّرِيق، وحُرِمَ الخَيْر كُلَّه. وقال الضَّحَّاك عن ابْن عبَّاسٍ: إنَّ هذه الآيَة نَزَلت في شَيْخٍ من الأعْراب، جَاءَ إلى رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فقال: يا نَبِيَّ الله، إنِّي شيخٌ مُنْهَمِكٌ في الذُّنُوب، إلاَّ أني لَمْ أشْرِكْ باللَّه شيئاً منذ عَرَفْتُه وآمنت به، ولمْ أتَّخِذْ من دُونِه ولِيّاً، ولَمْ أواقع المَعَاصِي جُرْأة على اللَّه، وما توهَّمْت طَرْفَة عَيْن أنِّي أعجِزُ اللَّه هَرَباً، وإنِّي لَنَادِمٌ تَائِبٌ، مستغفرٌ، فما حالي؟ فأنزل اللَّه هذه الآية. فصل في استدلال الشافعي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه بهذه الآية على حجية الاجماع رُوِيَ أن الشَّافِعِي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - سُئِلَ عن آيَة في كِتَاب اللَّه - تعالى - تدلُّ على أنَّ الإجْمَاع حجَّة، فقرأ القُرآن ثلاثمِائَة مرَّة، حتَّى وَجَد هذه الآيَة، وتقرير الاسْتِدْلال، أن اتِّباع غَيْر سَبِيل المُؤمِنين حَرَامٌ [فوجب أن يكُون اتِّباع سَبِيل المؤمنين وَاجِباً] بيان المقدِّمة الأولى: أنه - تعالى - ألحق الوَعِيد بمن يُشَاقِقُ الرَّسُول، ويتَّبع غير سَبِيل المُؤمنين، ولو لم يَكُن ذلك مُوجِباً، لكان ذلك ضمّاً لما لا أثَر لَهُ في الوَعِيد إلى مَا هُو مُسْتَقِلٌّ باقْتِضَاء ذَلِك الوَعِيد، وإنَّه غير جَائز، وإذا كان اتِّبَاعُ غير سَبيل المُؤمنين حَرَاماً، لزم أن يَكُون اتِّباع سَبيلِ المؤمنين وَاجباً، وإذا كان عَدَم اتِّبَاعهم حَرَاماً، كان اتِّباعُهُم وَاجباً، لأنَّه لا خُرُوجَ عن طَرفَي النَّقِيضِ. فإن قيل: لا نُسَلِّم أنَّ عدم اتِّبَاعِ سَبيل المؤمنين، يصدق عَليْه أنَّه اتِّباعٌ لغير سَبِيل المُؤمِنين، فإنه [لا يَمتنِع ألاَّ] يتَّبع لا سبيل [المؤمنين] ولا غير سَبِيل المُؤمنين. الجوابُ: أنَّ المتابعة عِبَارةٌ عن الإتْيَان بِمثْل ما فعل الغَيْر، وإذا كَانَ من شَأن غير المُؤمنين ألاَّ يَتَّبِعُوا سبيل المؤمنين، فكُلُّ من لَمْ يَتَّبع سَبِيل المؤمنين، فقد أتَى بِمِثْل ما فعل غَيْر المُؤمنين؛ فوجب كَوْنُه مُتَّبِعاً لهم. ولقائل أن يَقُول: الاتِّبَاع ليس عِبَارة عن الإتْيَان بِمِثْل فِعْل الغَيْر، وإلا لزم أن يُقَال: الأنْبِيَاءُ والملائِكةُ يتبعون لآحَاد الخَلْق من حَيْثُ إنَّهُم يوحِّدُون اللَّه [- تعالى -] لما أن كُلَّ واحد من آحَاد الأمَّة يوحِّد اللَّه - تعالى -، ومعلوم أنَّ ذلك لا يُقَال، بل الاتِّباع عِبَارة عن الإتْيَان بمثل فِعْل الغَيْر، لأجْل أنه فِعْل ذلك الغَيْر، ومن كان كذلك فمن تركَ مُتابعَة سبيل المؤمنين؛ لأجل أنَّه ما وَجَد على وُجُوب مُتَابَعَتِهم دَلِيلاً، فلا جَرَم لم يَتَّبِعْهُم، فهذا شَخْصٌ لا يكون مُتَّبِعاً لغير سَبِيل المُؤمنين. وقال ابن الخَطِيب: وهذا سُؤال قَوِيٌّ على هذا الدَّلِيل، وفيه أبْحَاث أخَر دَقِيقَةٌ ذكرناها في كِتَاب المَحْصُول. فصل قوله - تعالى -: ﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآية قد تقدَّم بيان سَبَبِ نُزُولها، والفائِدَةُ في تكرارها؛ أن اللَّه - تعالى - ما أعَاد آيَةً من آيَاتِ الوعيد بِلَفْظِ واحدٍ مرَّتَيْن، وقد أعَادَ هذه الآيَة بِلَفْظ واحِدٍ، وهي من آيات الوَعْد، فدل ذلك على أنَّه - تعالى - خصَّ جَانِبَ الوَعْد والرَّحْمَة بمزيد التَّأكيد. فإن قيل: لمَ خَتَم تلك الآية بقوله: «فَقَدِ افْتَرَى» وهذه بقوله: «فَقَدْ ضَلَّ» . فالجوابُ: أنَّ ذلك في غَاية المُنَاسَبة، فإن الأولى في شأن أهْل الكِتَاب من أنَّهم عِنْدَهم علمٌ بصِحَّة نبوته - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -، وأن شريعته ناسَخَةٌ لجَمِيع الشَّرائعِ، ومع ذلك فقد كَابَرُوا في ذلك، فافْترُوا على الله - تعالى -، وهذه في شأنِ قَوْمٍ مُشْركين غير أهْلِ كِتَابٍ ولا عِلْمٍ، فناسَب وَصْفُهم بالضَّلال، وايضاً: فقد تقدَّم ذكر الهُدَى، وهو ضدُّ الضلال.

النساء 4:117

«إن» هُنَا مَعْنَاها: النَّفْي؛ كقوله - تعالى -: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ الكتاب إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} [النساء: 159] «ويَدْعُون» : بمعنى: يَعْبُدُون، نزلت في أهْل مَكَّة، أي: يَعْبُدُون، كقوله [- تعالى -] : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادعوني﴾ [غافر: 60] فإنَّ مَنْ عَبَد شَيْئاً، فإنَّه يدعوه عِنْد احْتِيَاجِهِ إليْه، وقوله: «مِن دُونِهِ» أي: من دُونِ اللَّه. قوله: «إلا إناثاً» : في هذه اللَّفْظَةِ تِسْعُ قراءاتٍ. المشهُورةُ: وهي جَمْع أنْثى، نحو: رباب جمعُ رُبَّى. والثانية: وبها قَرَأ الحسن: «أنْثَى» بالإِفْرَاد، والمرادُ به الجَمْع. والثالثة: - وبها قَرَأ ابن عبَّاسٍ، وأبو حَيْوَة، وعَطَاء، والحَسَن أيْضاً، ومعاذ القَارِئ، وأبو العَالِيَة، وأبُو نُهَيْك -: «إلا أنُثاً» كرُسُل، وفيها ثلاثةُ أوجه: أحدها: -[وبه] قال ابن جَرِيرٍ - أنه جمعُ «إناث» ؛ كثِمار وثُمُر، وإناثٌ جمع أنْثَى، فهو جَمْع الجَمْع، وهو شَاذٌّ عند النحويِّين. والثاني: أنه جَمْع «أنيثٍ» كَقَلِيب وقُلُب، وغَدِير وغُدُر، والأنيثُ من الرِّجَال: المُخَنَّثُ الضَّعِيفُ، ومنه «سَيْف أنِيثٌ، ومئنَاث، ومئنَاثَة» أي: غَيْر قَاطِعٍ قال صخر: [الوافر] 1877 - فَتُخْبِرهُ بأنَّ العَقْلَ عِنْدِي ... جُرَازٌ لا أفَلُّ وَلاَ أنِيثُ والثَّالث: أنه مُفْرَدٌ أي: يكون من الصِّفات التي جاءت على فُعُل، نحو: امرأة حُنُثٌ. والرابعة: وبها قَرَأ سَعْدُ بن أبِي وقَّاصٍ، وابْن عُمَر، وأبو الجَوْزَاء - «وثنا» بفتحِ الواوِ والثَّاء على أنَّه مفردٌ يراد به الجَمْع. والخامسة - وبها قَرَأ سعيد بن المُسَيب، ومُسْلم بن جُنْدُب، وابن عبَّاسٍ أيْضاً - «أثُنا» بضم الهمزة والثاء، وفيها وجهان: أظهرهما: أنه جَمْع وثَن، نحو: «أسَد وأُسُد» ثم قَلَب الوَاوَ همزةً؛ لضمِّها ضمّاً لازماً، والأصْلُ: «وُثُن» ثم أُثُن. والثاني: أن «وَثَناً» المُفْردَ جمع على «وِثانٍ» نحو: جَمَل وجمال، وجَبَل وجِبال، ثم جُمِع «وثان» على «وُثُن» نحو: حِمَار وحُمُر، ثم قُلبت الواوُ همزةً لما تقدَّم؛ فهو جمعُ الجَمْعِ. وقد رَدَّ ابن عَطِيَّة هذا الوجه بأنَّ فِعَالاً جمعُ كثرة، وجُمُوعُ الكَثْرة لا تُجْمَع ثانياً، إنما يُجْمَعُ من الجُمُوعِ ما كان من جُمُوعِ القِلَّة. وفيه مُنَاقَشَةٌ من حَيْثُ إنَّ الجَمْع لا يُجْمَع إلا شَاذّاً، سواءً كان من جُمُوعِ القِلَّة، أم من غيرها. والسادسة - وبها قَرَأ أيُوب السَّختياني -: «وُثُناً» وهي أصْل القراءة التي قبلها. والسَّابعة والثَّامنة: «أُثْنا ووُثْنا» بسُكُونِ الثَّاء مع الهَمْزة والوَاوِ، وهي تَخْفِيفُ فُعُل؛ كسُقُف. والتاسعة - وبها قرأ أبو السوار، وكذا وُجِدَتْ في مُصْحَفِ عَائِشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: «إلا أوْثاناً» جَمْعَ «وَثَن» نَحْو: جَمَل وأجْمال، وجَبَل وأجْبال. فصل وسُمِّيَتْ أصْنَامهم إناثاً؛ لأنهم كانوا يُلْبسُونها أنواع الحُلِيِّ، ويسمونها بأسْمَاءِ المُؤنثات، نحو: اللاَّت، والعُزَّى، ومناةَ، وقد ردَّ هذا بَعْضُهم بأنَّهم كانوا يُسَمُّون بأسْمَاء الذُّكُور، نحو: هُبَل، وذِي الخَلَصَة، وفيه نظر؛ لأن الغَالِب تَسميتُهُم بأسماء الإناثِ، و «مُرِيداً» : فَعِيل من «مَرَدَ» أي: تَجرَّد للشَّرِّ، ومنه «شَجَرَة مَرْداء» أي: تناثر وَرَقُها، ومنه: الأمْرَدُ؛ لتجرُّدِ وَجْهِه من الشَّعْر، والصَّرْحُ الممرَّد: الذي لا يَعْلُوه غُبَارٌ من ذَلِك فاللاَّت: تَأنيث اللَّه والعُزَّى: تأنيث العَزِيز. قال الحَسَن: لَمْ يكن حَيٌّ من أحْيَاء العَرَب إلا وَلَهُم صَنَمٌ يعبُدُونه، ويسمى أنْثَى بَنِي فُلان، ويدُلُّ عليه قِرَاءة عَائِشَة. وقال الضَّحَّاك: كان بعضهم يَعْبُد الملائِكَة، وكانوا يقُولُون: المَلاَئكة بَنَاتُ اللَّه، قال - تعالى -: ﴿الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة لَيُسَمُّونَ الملائكة تَسْمِيَةَ الأنثى﴾ [النجم: 27] . وقال الحسن: قوله «إلاَّ إناثاً» أي: إلا مَوْتاً، وفي تسمية الأمْوَات إنَاثاً وجهان: الأوَّل: إن الإخْبَار عن الموات يكُون على صِيغَة الإخْبَارِ عن الأنْثَى، تقُول: هذه الأحْجَار تُعْجِبُنِي، كما تقُول: هذه المَرْأة تُعْجِبُني. الثَّاني: الأنْثَى أخسّ من الذَّكر، والمَيِّت أخسُّ من الحَيِّ، فلهذهِ المُنَاسَبة أطْلَقُوا اسمْ الأنْثَى على الجَمَادَات المَوَاتِ، والمَقْصُود هل إنسان أجهل ممن أشرك. قوله: ﴿وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً﴾ فعيلٌ من مَرَدَ إذا عَتَا، ومنه: شَجَرةٌ مَرْدَاء، أي: تَنَاثَر وَرَقُها، ومنه: الأمْرَد؛ لتجرّد وجهه من الشَّعْر، والصَّرْح الممرَّدُ: الذي لا يَعْلُوه غُبَار، وقرأ أبو رَجَاء ويُرْوى عن عاصِمٍ «تَدْعُونَ» بالخِطَاب. فصل قال المفُسِّرون: كان [في] كُلُّ واحدٍ من تِلْك الأوثَان شَيْطَان يَتراءى للسَّدَنَة والكَهَنَة يُكَلِّمْهُم. وقل الزَّجَّاج: المُرادُ بالشَّيْطَان هَاهُنَا: إبْلِيس؛ لقوله - تعالى -: بعد ذلك: ﴿لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً﴾ . وهذا قول إبْلِيس، ولا يَبْعُد أنّ الذي يتراءى للسَّدنة، هو إبْلِيس. قوله: «لَعَنَهُ الله» فيه وجهان: أظهرهما: أنَّ الجُمْلَة صِفَةٌ ل «شيطاناً» ، فهي في مَحَلِّ نَصْب. والثاني: أنها مُسْتأنفةٌ: إمَّا إخْبَار بذلك، وإمَّا دُعَاء عليه، وقوله: «وقال» فيه ثلاثة أوجه: قال الزَّمَخْشَرِيُّ: قوله لَعَنَهُ «وقال لأتَّخِذَنَّ» صِفَتَان، يعني: شيطاناً مَرِيداً جَامِعاً بين لَعْنَة اللَّه، وهذا القَوْل الشَّنِيع. الثاني: الحالُ على إضْمَار «قد» أيْ: وقد قَالَ. الثالث: الاستئناف. و «لأتخِذَنَّ» جوابُ قسم مَحْذُوف، و «مِنْ عبادك» يجوزُ أن يتعلَّق بالفعل قبله، أو بمحذوفٍ على أنَّه حَالٌ من «نَصِيباً» ؛ لأنه في الأصْلِ صِفَةُ نكرةٍ قُدِّم عليها. فصل النَّصِيب المَفْرُوض: أي: حظاً مَعْلُوماً، وهم الذين يَتَّبِعُون خُطُواته، والفَرْضُ في اللغة، التَّأثِير، ومنه: فرض القَوْس للجُزْء الذي يُشَدُّ فيه الوَتَر، والفريضة: ما فَرَضَهُ اللَّه على عِبَادِهِ حَتْماً عليهم. رُوِي عنه النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنَّه قال: «من كُلِّ ألْفٍ واحدٌ للَّه، والبَاقِي للشَّيْطَان» . فإن قيل: العَقْل والنَّقْل يدلاَّن على أنَّ حِزْب اللَّه أقلُّ من حِزْب الشَّيطان. أما النَّقْل: فقوله - تعالى -: ﴿فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ﴾ [البقرة: 249] ، وحُكِيَ عن الشيطان قوله ﴿لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء: 62] ، وقوله: ﴿وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين﴾ [الحجر: 39، 40] ، ولا شك أن المُخْلَصِين قليلُون. وأمَّا العَقْل: فهو أنّ الفُسَّاق والكُفَّار كُلَّهم حِزْب إبليس. إذا ثَبَت هذا، فلفظ النَّصِيب إنَّما يتناول القِسْم الأوّل. فالجواب: أنَّ هذا التَّفَاوُت إنَّما يَحْصُل في نَوْع من البَشَر، أمَّا إذا ضَمَمت زُمْرَة الملائِكَة مع غَاية كَثْرَتِهِم إلى المُؤمنين، كانت الغَلَبَة للمُؤمِنِين. وأيضاً: فالمُؤمِنُون وإن كانُوا قَلِيلين في العَدَدِ، إلاَّ أن مَنْصِبَهُم عَظِيم عند الله، والكُفَّار، والفُسَّاق وإن كانُوا أكْثَر في العددِ، فهم كالعَدَم؛ فلهذا وقع اسم النَّصِب على قَوْم إبْلِيس. قوله: «ولأضِلَّنَّهُم» يَعْنِي: عن الحَقِّ، أو عن الهُدَى، وأراد به: التَّزْيين، وإلا فليْس إليه من الإضْلال شَيْء. ولأمَنِّيَنَّهم: بالباطل، ولآمُرَنَّهم: بالضلال، كذا قدَّره أبو البقاء، والأحْسَنُ أن يُقَدَّر المحذُوفُ، من جنس المَلْفُوظِ به، أي: ولآمُرَنَّهم بالبَتْكِ، ولآمُرَنَّهم بالتَّغْيير. وقرأ أبو عمرو فِيما نَقَل عنه ابْن عَطِيَّة: «ولامُرَنَّهم» بغيرِ ألفٍ، وهو قصرٌ شاذٌّ لا يُقاسُ عليه، ويجُوز ألاَّ يُقَدَّر شَيءٌ من ذلك؛ لأنَّ القَصْدَ: الإخْبَارُ بوقوعِ هذه الأفْعَال من غيرِ نَظَرٍ إلى مُتعلَّقاتِها، نحو: ﴿كُلُواْ واشربوا﴾ [الطور: 19] . فصل قالت المُعْتَزِلَة: قوله: «ولأضِلَّنَّهُم» يدل على أصْلَيْن عظيمين: أحدهما: أن المُضِلَّ هو الشَّيْطَان، وليس المُضِلُّ هو اللَّه - تعالى -؛ لأنَّ الشيطان ادَّعى ذَلِك، والله - سبحانه وتعالى - ما كذَّبَهُ فيه، فَهُو كقوله: ﴿وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: 39] وقوله: ﴿لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء: 62] وقوله: ﴿لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المستقيم﴾ [الأعراف: 16] ، وأيضاً: فإنه - تعالى - وَصَفَه بكونه مُضِلاًّ [للنَّاسِ] في معرض الذَّمِّ له، وذلك يَمْنَع من كون الإله مَوْصُوفاً بذلك. [الثاني: أن أهْل السُّنَّة يقُولُون: الإضْلال عِبَارة عن خَلْق الكُفْر والضَّلال، ونَحْنُ نَقُول: لَيْس الإضلال عِبَارة عن خَلْقِ الكُفْرِ والضَّلال] ؛ لأن إبْلِيس وَصَفَ نَفْسَه بأنه مُضِلٌّ، مع أنه بالإجْمَاعِ لا يَقْدِر على خلق الضَّلال. والجواب: أن هذا كلامُ إبليس، فلا يكون حُجَّةً، وأيضاً: فكلامه في هذه المسألة مُضْطَرِبٌ جِدّاً. فتارةً يَمِيل إلى القَدَرِ المَحْض، وهو قوله: «لأغويَنَّهُم» وأخرى إلى الجبْرِ المَحْضِ، وهو قوله: ﴿رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر: 39] يَعْني: أنه قال هؤلاء الكُفَّار: نحن أغْويْنَا، فمن الذي أغْوَانا عن الدِّين؟ فلا بُدَّ من انْتِهَاء الكلِّ في الآخِرة إلى اللَّه. قوله: «ولأمَنِّيَنَّهُم» قيل: أمَنِّينَّهُم ركوب الأهْوَاء. وقيل: أمَنِّيَنَّهُم إدْرَاك الآخِرَة مع ركوب المَعَاصِي. قوله: ﴿وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأنعام﴾ أي: يَقْطَعُونها، ويَشقُّونها، وهي البَحِيرة، والبتكُ: القَطْعُ والشّقُّ، والبِتْكَة: القطعة من الشيء، جَمْعُها: بِتَك، قال: [البسيط] 1878 - حَتَّى إذَا مَا هَوَتْ كَفُّ الغُلاَمِ لَهَا ... طَارَتْ وَفِي كَفِّهِ مِنْ رِيشِهَا بِتَكُ ومعنى ذلك: أنَّ الجاهليَّة كانوا يَشُقُّون أذُن النَّاقَة إذا ولدت خَمْسَة أبْطُن، آخرُها ذَكَر، وحرَّمُوا على أنْفُسِهِم الانتفاع بها، وقال آخرون: كانوا يَقْطَعُون آذَان الأنْعَام نُسُكاً في عِبَادَة الأوْثَان، ويَظُنُّون أنَّ ذلك عِبَادة، مع أنَّه في نفسه كُفْرٌ وفِسْقٌ. قوله: ﴿وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ الله﴾ هذه اللاَّمات كلها للقَسَم. قال ابن عبَّاسٍ: والحَسَن [ومُجَاهِدٌ] وسعيد بن جُبَيْر، وسَعِيد بن المسيَّب والسُّدِّي، والضَّحاك، والنَّخْعِيُ: دِينُ الله، كقوله ﴿لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله﴾ [الروم: 30] أي: لدين اللَّه، وفي تَفْسير هذا القَوْل وَجْهَان: الأول: أن اللَّه - تعالى - فطر الخَلْقَ على الإسْلام يَوْم أخْرَجَهُم من ظَهْر آدَم كالذَّرِّ، وأشْهَدَهُم على أنْفُسِهم، ألَسْتُ بِربِّكم؛ قالوا بَلَى، فمن كَفَر به، فقد غيَّر فِطْرَة اللَّه تعالى؛ يؤيده قوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - «كل مَوْلُود يُولَدُ على الفِطْرَة، فأبواه يُهوِّدَانه، ويُنَصِّرانه، ويُمَجِّسانه» . والثاني: أن التَّغْيير: تَبْدِيل الحَلالِ حَراماً، والحرام حَلاَلاً. وقال الحسن، وعكرمة، وجماعة من المُفسِّرين: التَّغْيِير: ما روى عبد اللَّه [بن مَسْعُود] عن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ [أنَّه] قال: «لَعَن اللَّه الوَاشِمَاتِ والمُسْتَوشِمَات» . قالوا: لأنَّ المرأة تَتَوصَّل بهذه الأفعال إلى الزِّنا، ولَعَن رسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «النامِصَة والمُتَنَمِّصَة، والوَاصِلَة والمُتَوَصِّلة، والوَاشِمة والمُتَوَشِّمَة » . قال القرطبي، قال مَالِك، وجماعة: إن الوَصْل بكل شَيء، من الصُّوفِ والخِرق وغَيْر ذَلِك في مَعْنَى وصله بالشَّعْر، وأجازه اللَّيْث بن سَعْد، وأباح بَعْضُهم وَضْع الشَّعْر على الرَّأس من غير وَصْل، قالوا: لأن النهي إنما جَاءَ في الوَصْل، والمُتَنمِّصَةُ: هي التي تَقْطَع الشَّعْر من وَجْهِهَا بالنِّمَاص، وهو الذي يقلع الشَّعْر. قال ابن العرَبيِّ: وأهلْ مِصر يَنْتفُون شَعْر العانَة، وهو منه، فإن السُّنَّة حَلْق العَانَة، ونَتْفُ الإبط، فأما نَتْفُ الفَرْج فإنه يُرخيه ويؤذِيه ويُبْطل كَثِيراً من المَنْفَعَةِ فيه. وأمَّا الوَاشِمَة والمُسْتَوْشِمَة، فهي الَّتِي تغرز ظَهْر كَفَّها ومِعْصَمَها، ووجْههَا بإبْرَةٍ، ثُمَّ يحشى ذلك المكانُ بالكُحْل أو بالنؤر، فيخْضَرّ، وفي بعض الروايات «الواشية، والمُسْتَوْشِيَة» باليَاء مكان المِيم، والوَشْي: التَّزَيُّن، مأخوذ من نَسْج الثَّوْب على لونين، وثورٌ مُوشَّى: في وَجْهِه وقوائِمِه سوادٌ، وأما الوشْمٌ فجائز في كل الأعْضَاء غير الوَجْه؛ لأن النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - «نهى عن الضَّرْب في الوَجْه وعن الوَشْم في الوجْهِ» ، ورُوي عن أنس، وشهر بن حَوْشَب، وعِكْرِمَة، وأبِي صالح: التَّغْيير هَهُنَا هو الإخْصَاء، وقطع الآذان، وفَقْأ العُيُون؛ لأن فيه تَعْذِيب للحَيَوان، وتَحْريم وتَحْلِيل بغير دليلٍ، والآذَان في الأنْعَام جمالٌ ومَنْفَعة، وكذلِك غيرها من الأعْضَاء، فَحَرّم عليهم الشَّيْطَان ما أحلَّه اللَّه لهم، وأمرَهُم أن يشركوا باللَّه ما لم يُنَزِّل به سُلْطَاناً، ولما كان هذا من فِعْل الشَّيْطَان، أمرنا رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن نستشرف العَيْن والأذُن، ولا نُضَحِّي بَعْورَاءَ، ولا مُقَابَلة، ولا مُدَابرة؛ ولهذا كان أنَس يكره إخْصَاء الغَنَم، وحرمه بَعْضُهم. قال القُرْطُبِي: فأما خِصاء الآدمِيِّ، فمصيبَةٌ، فإنَّه إذا خُصِي، بَطَل قلبه وقُوَّته، عَكْس الحَيَوان، وانْقَطع نَسْلُه المأمُور به في قوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «تَنَاكَحُوا تَنَاسَلُوا» ثم إن فيه ألَماً عَظِيماً، ربما يُفْضِي بَصَاحِبهِ إلى الهلاكِ، فيكون [فيه] تضْييع مالٍ، وإذْهَابُ تَفْسٍ، وكل ذلك مَنْهِيٌّ عنه، ثم هذه مُثْلَةٌ، وقد نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن المُثْلَةِ، وجوَّز بَعْضُهم في البَهَائِم؛ لأن فيه غَرَضاً، وكانت العَرَب إذا بَلغَتْ إبلُ أحَدِهِمْ ألْفاً عوَّرُوا عَيْنَ فَحْلِها. وحكى الزَّجَّاج عن بعضهم: التَّغْيير هو أن اللَّه - تعالى - خلق الأنْعامَ للرُّكُوب والأكْل، فحربوها، وخَلَق الشَّمْس، والقَمَر، والنُّجُوم، والأحْجَار لمنفعة العِبَاد، فعبدوها من دُونِ اللَّه. وقيل: التَّغْيير هو التَّخَنُّث؛ وهو عِبَارَةٌ عن الذكر يُشْبِهُ الأنْثَى والسُّحْق؛ عِبَارة عن تَشَبُّه الأنْثَى بالذّكر. ثم قال: ﴿وَمَن يَتَّخِذِ الشيطان وَلِيّاً مِّن دُونِ الله﴾ أي: ربًّا يطيعه، ﴿فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً﴾ لأن طاعة اللَّه تعالى تُفِيد المَنَافِع العَظِيمة، الدّائِمة، الخَالِصَة عن شَوائب الضَّرَر، وطاعَة الشَّيْطَان تفيد المَنَافِع القَلِيلَة، المُنْقَطِعة، المشوبة بالغموم والأحزان، ويعمها العَذَاب الدَّائِم، وهذا هُو الخسَار المُطْلَق. قال أبُو العبَّاس المُقْرِي: ورد لَفْظُ الخُسْرَان [قي القرآن] على أربَعَة أوْجُه: الأوَّل: بمعنى الضَّلالة؛ كهذه الآيَة. الثَّاني: بمعنى العَجْز؛ قال - تعالى -: ﴿لَئِنْ أَكَلَهُ الذئب وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّآ إِذَاً لَّخَاسِرُونَ﴾ [يوسف: 14] أي: عَاجِزُون ومثله: ﴿لَئِنِ اتبعتم شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: 90] . الثَّالث: بمعنى الغَبْن؛ قال - تعالى -: ﴿الذين خسروا أَنفُسَهُمْ﴾ [المؤمنون: 103] أي: غبنوا أنْفُسَهم. الرابع: بمعنى: المُخسِرُون؛ قال - تعالى -: ﴿خَسِرَ الدنيا والآخرة ذلك هُوَ الخسران [المبين] ﴾ [الحج: 11] . قوله: «يُعدُهُمْ وَيُمَنِّيهمْ» ، قُرِئَ: «يَعدْهُمْ» بسُكون الدَّال تَخْفِيفاً؛ لتوالي الحَرَكات، ومَفْعُولُ الوَعْد مَحْذُوفٌ، أي: يعدُهُم البَاطِل أو السلامة والعافية ووعدُه وتمْنِيَتُهُ: ما يُوقعه في قَلْب الإنْسَان من طُول العمر، ونَيْل الدُّنْيَا، وقد يكون بالتَّخْوِيف بالفَقْر، فيَمْنَعُه من الإنْفَاقِ، وصِلَة الرَّحِم؛ كما قال - تعالى -: ﴿الشيطان يَعِدُكُمُ الفقر﴾ [البقرة: 268] و «يُمنيهِم» بأنْ لا بَعْثَ، ولا جنَّةَ، ﴿وَمَا يَعِدُهُمْ الشيطان إِلاَّ غُرُوراً﴾ أي: بَاطِلاً؛ لأنَّ تلك الأمَانِي لا تُفِيدُ إلا المَغْرُور؛ وهو أن يَظُنَّ الإنْسَان بالشيء أنه نَافِعٌ لدينه، ثم يَتَبَيَّن اشْتِمَالُه على أعْظَم المَضَارِّ. قوله «إِلاَّ غُرُوراً» يُحْتمل أن يكونَ مَفْعولاً ثانياً، وأن يكُون مفعولاً من أجْله، وأن يكون نعت مَصْدرٍ محذوفٍ، أي: وعْداً ذا غُرور، وأنْ يكونَ مَصْدراً على غير الصَّدْرِ؛ لأنَّ «يَعِدُهم» في قوة يَغُرُّهم بوعْدِهِ. ف ﴿أولئك مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ «أولئك» : مبتدأ، و «مأواهم» : مبتدأ ثانٍ، و «جهنم» : خبر الثَّانِي، [والجُمْلَة خبر الأوَّل] وإنما قال: «مأواهُم جَهَنَّم» ؛ لأن الغُرُور عِبَارة عن الحَالَةِ التي يُسْتَحْسَنُ ظَاهِرُهَا، ويَحْصُل النَّدَم عند انْكِشَاف الحَالِ فيها، والاستِغَراق في طَيِّبَاتِ الدُّنْيَا، وفي مَعَاصِي الله - تعالى -، وإن كان في الحَالِ لَذِيذٌ، إلا أن عَاقِبَتَهُ جَهَنَّم، وسُخْطُ الله [- تعالى -] ، وهذا معنى الغُرُور. ثم قال ﴿وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً﴾ ، فقوله «عَنْهَا» : يجُوز أن يَتعلَّق بِمَحْذُوف: إمَّا على الحَالِ من «مَحِيصاً» لأنَّه في الأصْلِ صِفَةٌ نكرةٍ قُدِّمَتْ عليها، وإمَّا على التَّبْيين أي: أعني عنها، ولا يجوزُ تعلُّقُه بمحْذُوفٍ؛ لأنه لا يتعدَّى ب «عَنْ» ولا ب «مَحِيصاً» ، وإنْ كان المَعْنَى عليه لأنَّ المَصْدَر لا يتقدَّمُ معمولُه عليه، ومَنْ يَجوِّزُ ذلك، يُجَوِّزُ تعلُّق «عن» به، والمَحِيصُ: اسمُ مَصْدر من حَاصَ يَحِيص: إذا خَلَص ونَجا، وقيل: هو الزَّوَغَان بنُفُور، ومنه قولُه: [الطويل] 1879 - وَلَمْ نَدْرِ إنْ حِصْنا مِنَ المَوْتِ حَيْصَةً ... كَمِ الْعُمْرُ بَاقٍ والمَدَى مُتَطَاوِلُ ويروي: «جِضْنا» بالجيم والضَّاد المعجمة، ومنه: «وَقَعُوا في حَيْصَ بَيْصَ» ، وحَاصَ بَاص، أي: وقعوا في أمْرٍ يَعْسرُ التَّخلُّص منه، ويقال: مَحِيص ومَحَاص، قال: [الكامل] 1880 - أتَحِيصُ مِنْ حُكْمِ الْمَنِيَّةِ جَاهِداً ... مَا لِلرِّجَالِ عِنِ المَنُونِ مَحَاصُ ويقال: حاصَ يَحُوص حَوْصاً وحِيَاصاً أي: زَايَل المكانَ الذي كان فيه، والحَوْصُ: ضِيقُ مُؤخر العين، ومنه: الأحْوَصُ. قال الواحِدِي: الآية تَحْتَمِل وَجْهَيْن: أحدهما: أنه لا بُدَّ لهم من وُرُودِ النَّارِ. والثَّاني: الخُلُود الذي هو نَصِيبُ الكُفَّار. ولما فرغ من الوعيد، أتبعه بذكر الوَعْد.

النساء 4:118

«إن» هُنَا مَعْنَاها: النَّفْي؛ كقوله - تعالى -: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ الكتاب إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} [النساء: 159] «ويَدْعُون» : بمعنى: يَعْبُدُون، نزلت في أهْل مَكَّة، أي: يَعْبُدُون، كقوله [- تعالى -] : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادعوني﴾ [غافر: 60] فإنَّ مَنْ عَبَد شَيْئاً، فإنَّه يدعوه عِنْد احْتِيَاجِهِ إليْه، وقوله: «مِن دُونِهِ» أي: من دُونِ اللَّه. قوله: «إلا إناثاً» : في هذه اللَّفْظَةِ تِسْعُ قراءاتٍ. المشهُورةُ: وهي جَمْع أنْثى، نحو: رباب جمعُ رُبَّى. والثانية: وبها قَرَأ الحسن: «أنْثَى» بالإِفْرَاد، والمرادُ به الجَمْع. والثالثة: - وبها قَرَأ ابن عبَّاسٍ، وأبو حَيْوَة، وعَطَاء، والحَسَن أيْضاً، ومعاذ القَارِئ، وأبو العَالِيَة، وأبُو نُهَيْك -: «إلا أنُثاً» كرُسُل، وفيها ثلاثةُ أوجه: أحدها: -[وبه] قال ابن جَرِيرٍ - أنه جمعُ «إناث» ؛ كثِمار وثُمُر، وإناثٌ جمع أنْثَى، فهو جَمْع الجَمْع، وهو شَاذٌّ عند النحويِّين. والثاني: أنه جَمْع «أنيثٍ» كَقَلِيب وقُلُب، وغَدِير وغُدُر، والأنيثُ من الرِّجَال: المُخَنَّثُ الضَّعِيفُ، ومنه «سَيْف أنِيثٌ، ومئنَاث، ومئنَاثَة» أي: غَيْر قَاطِعٍ قال صخر: [الوافر] 1877 - فَتُخْبِرهُ بأنَّ العَقْلَ عِنْدِي ... جُرَازٌ لا أفَلُّ وَلاَ أنِيثُ والثَّالث: أنه مُفْرَدٌ أي: يكون من الصِّفات التي جاءت على فُعُل، نحو: امرأة حُنُثٌ. والرابعة: وبها قَرَأ سَعْدُ بن أبِي وقَّاصٍ، وابْن عُمَر، وأبو الجَوْزَاء - «وثنا» بفتحِ الواوِ والثَّاء على أنَّه مفردٌ يراد به الجَمْع. والخامسة - وبها قَرَأ سعيد بن المُسَيب، ومُسْلم بن جُنْدُب، وابن عبَّاسٍ أيْضاً - «أثُنا» بضم الهمزة والثاء، وفيها وجهان: أظهرهما: أنه جَمْع وثَن، نحو: «أسَد وأُسُد» ثم قَلَب الوَاوَ همزةً؛ لضمِّها ضمّاً لازماً، والأصْلُ: «وُثُن» ثم أُثُن. والثاني: أن «وَثَناً» المُفْردَ جمع على «وِثانٍ» نحو: جَمَل وجمال، وجَبَل وجِبال، ثم جُمِع «وثان» على «وُثُن» نحو: حِمَار وحُمُر، ثم قُلبت الواوُ همزةً لما تقدَّم؛ فهو جمعُ الجَمْعِ. وقد رَدَّ ابن عَطِيَّة هذا الوجه بأنَّ فِعَالاً جمعُ كثرة، وجُمُوعُ الكَثْرة لا تُجْمَع ثانياً، إنما يُجْمَعُ من الجُمُوعِ ما كان من جُمُوعِ القِلَّة. وفيه مُنَاقَشَةٌ من حَيْثُ إنَّ الجَمْع لا يُجْمَع إلا شَاذّاً، سواءً كان من جُمُوعِ القِلَّة، أم من غيرها. والسادسة - وبها قَرَأ أيُوب السَّختياني -: «وُثُناً» وهي أصْل القراءة التي قبلها. والسَّابعة والثَّامنة: «أُثْنا ووُثْنا» بسُكُونِ الثَّاء مع الهَمْزة والوَاوِ، وهي تَخْفِيفُ فُعُل؛ كسُقُف. والتاسعة - وبها قرأ أبو السوار، وكذا وُجِدَتْ في مُصْحَفِ عَائِشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: «إلا أوْثاناً» جَمْعَ «وَثَن» نَحْو: جَمَل وأجْمال، وجَبَل وأجْبال. فصل وسُمِّيَتْ أصْنَامهم إناثاً؛ لأنهم كانوا يُلْبسُونها أنواع الحُلِيِّ، ويسمونها بأسْمَاءِ المُؤنثات، نحو: اللاَّت، والعُزَّى، ومناةَ، وقد ردَّ هذا بَعْضُهم بأنَّهم كانوا يُسَمُّون بأسْمَاء الذُّكُور، نحو: هُبَل، وذِي الخَلَصَة، وفيه نظر؛ لأن الغَالِب تَسميتُهُم بأسماء الإناثِ، و «مُرِيداً» : فَعِيل من «مَرَدَ» أي: تَجرَّد للشَّرِّ، ومنه «شَجَرَة مَرْداء» أي: تناثر وَرَقُها، ومنه: الأمْرَدُ؛ لتجرُّدِ وَجْهِه من الشَّعْر، والصَّرْحُ الممرَّد: الذي لا يَعْلُوه غُبَارٌ من ذَلِك فاللاَّت: تَأنيث اللَّه والعُزَّى: تأنيث العَزِيز. قال الحَسَن: لَمْ يكن حَيٌّ من أحْيَاء العَرَب إلا وَلَهُم صَنَمٌ يعبُدُونه، ويسمى أنْثَى بَنِي فُلان، ويدُلُّ عليه قِرَاءة عَائِشَة. وقال الضَّحَّاك: كان بعضهم يَعْبُد الملائِكَة، وكانوا يقُولُون: المَلاَئكة بَنَاتُ اللَّه، قال - تعالى -: ﴿الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة لَيُسَمُّونَ الملائكة تَسْمِيَةَ الأنثى﴾ [النجم: 27] . وقال الحسن: قوله «إلاَّ إناثاً» أي: إلا مَوْتاً، وفي تسمية الأمْوَات إنَاثاً وجهان: الأوَّل: إن الإخْبَار عن الموات يكُون على صِيغَة الإخْبَارِ عن الأنْثَى، تقُول: هذه الأحْجَار تُعْجِبُنِي، كما تقُول: هذه المَرْأة تُعْجِبُني. الثَّاني: الأنْثَى أخسّ من الذَّكر، والمَيِّت أخسُّ من الحَيِّ، فلهذهِ المُنَاسَبة أطْلَقُوا اسمْ الأنْثَى على الجَمَادَات المَوَاتِ، والمَقْصُود هل إنسان أجهل ممن أشرك. قوله: ﴿وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً﴾ فعيلٌ من مَرَدَ إذا عَتَا، ومنه: شَجَرةٌ مَرْدَاء، أي: تَنَاثَر وَرَقُها، ومنه: الأمْرَد؛ لتجرّد وجهه من الشَّعْر، والصَّرْح الممرَّدُ: الذي لا يَعْلُوه غُبَار، وقرأ أبو رَجَاء ويُرْوى عن عاصِمٍ «تَدْعُونَ» بالخِطَاب. فصل قال المفُسِّرون: كان [في] كُلُّ واحدٍ من تِلْك الأوثَان شَيْطَان يَتراءى للسَّدَنَة والكَهَنَة يُكَلِّمْهُم. وقل الزَّجَّاج: المُرادُ بالشَّيْطَان هَاهُنَا: إبْلِيس؛ لقوله - تعالى -: بعد ذلك: ﴿لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً﴾ . وهذا قول إبْلِيس، ولا يَبْعُد أنّ الذي يتراءى للسَّدنة، هو إبْلِيس. قوله: «لَعَنَهُ الله» فيه وجهان: أظهرهما: أنَّ الجُمْلَة صِفَةٌ ل «شيطاناً» ، فهي في مَحَلِّ نَصْب. والثاني: أنها مُسْتأنفةٌ: إمَّا إخْبَار بذلك، وإمَّا دُعَاء عليه، وقوله: «وقال» فيه ثلاثة أوجه: قال الزَّمَخْشَرِيُّ: قوله لَعَنَهُ «وقال لأتَّخِذَنَّ» صِفَتَان، يعني: شيطاناً مَرِيداً جَامِعاً بين لَعْنَة اللَّه، وهذا القَوْل الشَّنِيع. الثاني: الحالُ على إضْمَار «قد» أيْ: وقد قَالَ. الثالث: الاستئناف. و «لأتخِذَنَّ» جوابُ قسم مَحْذُوف، و «مِنْ عبادك» يجوزُ أن يتعلَّق بالفعل قبله، أو بمحذوفٍ على أنَّه حَالٌ من «نَصِيباً» ؛ لأنه في الأصْلِ صِفَةُ نكرةٍ قُدِّم عليها. فصل النَّصِيب المَفْرُوض: أي: حظاً مَعْلُوماً، وهم الذين يَتَّبِعُون خُطُواته، والفَرْضُ في اللغة، التَّأثِير، ومنه: فرض القَوْس للجُزْء الذي يُشَدُّ فيه الوَتَر، والفريضة: ما فَرَضَهُ اللَّه على عِبَادِهِ حَتْماً عليهم. رُوِي عنه النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنَّه قال: «من كُلِّ ألْفٍ واحدٌ للَّه، والبَاقِي للشَّيْطَان» . فإن قيل: العَقْل والنَّقْل يدلاَّن على أنَّ حِزْب اللَّه أقلُّ من حِزْب الشَّيطان. أما النَّقْل: فقوله - تعالى -: ﴿فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ﴾ [البقرة: 249] ، وحُكِيَ عن الشيطان قوله ﴿لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء: 62] ، وقوله: ﴿وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين﴾ [الحجر: 39، 40] ، ولا شك أن المُخْلَصِين قليلُون. وأمَّا العَقْل: فهو أنّ الفُسَّاق والكُفَّار كُلَّهم حِزْب إبليس. إذا ثَبَت هذا، فلفظ النَّصِيب إنَّما يتناول القِسْم الأوّل. فالجواب: أنَّ هذا التَّفَاوُت إنَّما يَحْصُل في نَوْع من البَشَر، أمَّا إذا ضَمَمت زُمْرَة الملائِكَة مع غَاية كَثْرَتِهِم إلى المُؤمنين، كانت الغَلَبَة للمُؤمِنِين. وأيضاً: فالمُؤمِنُون وإن كانُوا قَلِيلين في العَدَدِ، إلاَّ أن مَنْصِبَهُم عَظِيم عند الله، والكُفَّار، والفُسَّاق وإن كانُوا أكْثَر في العددِ، فهم كالعَدَم؛ فلهذا وقع اسم النَّصِب على قَوْم إبْلِيس. قوله: «ولأضِلَّنَّهُم» يَعْنِي: عن الحَقِّ، أو عن الهُدَى، وأراد به: التَّزْيين، وإلا فليْس إليه من الإضْلال شَيْء. ولأمَنِّيَنَّهم: بالباطل، ولآمُرَنَّهم: بالضلال، كذا قدَّره أبو البقاء، والأحْسَنُ أن يُقَدَّر المحذُوفُ، من جنس المَلْفُوظِ به، أي: ولآمُرَنَّهم بالبَتْكِ، ولآمُرَنَّهم بالتَّغْيير. وقرأ أبو عمرو فِيما نَقَل عنه ابْن عَطِيَّة: «ولامُرَنَّهم» بغيرِ ألفٍ، وهو قصرٌ شاذٌّ لا يُقاسُ عليه، ويجُوز ألاَّ يُقَدَّر شَيءٌ من ذلك؛ لأنَّ القَصْدَ: الإخْبَارُ بوقوعِ هذه الأفْعَال من غيرِ نَظَرٍ إلى مُتعلَّقاتِها، نحو: ﴿كُلُواْ واشربوا﴾ [الطور: 19] . فصل قالت المُعْتَزِلَة: قوله: «ولأضِلَّنَّهُم» يدل على أصْلَيْن عظيمين: أحدهما: أن المُضِلَّ هو الشَّيْطَان، وليس المُضِلُّ هو اللَّه - تعالى -؛ لأنَّ الشيطان ادَّعى ذَلِك، والله - سبحانه وتعالى - ما كذَّبَهُ فيه، فَهُو كقوله: ﴿وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: 39] وقوله: ﴿لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء: 62] وقوله: ﴿لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المستقيم﴾ [الأعراف: 16] ، وأيضاً: فإنه - تعالى - وَصَفَه بكونه مُضِلاًّ [للنَّاسِ] في معرض الذَّمِّ له، وذلك يَمْنَع من كون الإله مَوْصُوفاً بذلك. [الثاني: أن أهْل السُّنَّة يقُولُون: الإضْلال عِبَارة عن خَلْق الكُفْر والضَّلال، ونَحْنُ نَقُول: لَيْس الإضلال عِبَارة عن خَلْقِ الكُفْرِ والضَّلال] ؛ لأن إبْلِيس وَصَفَ نَفْسَه بأنه مُضِلٌّ، مع أنه بالإجْمَاعِ لا يَقْدِر على خلق الضَّلال. والجواب: أن هذا كلامُ إبليس، فلا يكون حُجَّةً، وأيضاً: فكلامه في هذه المسألة مُضْطَرِبٌ جِدّاً. فتارةً يَمِيل إلى القَدَرِ المَحْض، وهو قوله: «لأغويَنَّهُم» وأخرى إلى الجبْرِ المَحْضِ، وهو قوله: ﴿رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر: 39] يَعْني: أنه قال هؤلاء الكُفَّار: نحن أغْويْنَا، فمن الذي أغْوَانا عن الدِّين؟ فلا بُدَّ من انْتِهَاء الكلِّ في الآخِرة إلى اللَّه. قوله: «ولأمَنِّيَنَّهُم» قيل: أمَنِّينَّهُم ركوب الأهْوَاء. وقيل: أمَنِّيَنَّهُم إدْرَاك الآخِرَة مع ركوب المَعَاصِي. قوله: ﴿وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأنعام﴾ أي: يَقْطَعُونها، ويَشقُّونها، وهي البَحِيرة، والبتكُ: القَطْعُ والشّقُّ، والبِتْكَة: القطعة من الشيء، جَمْعُها: بِتَك، قال: [البسيط] 1878 - حَتَّى إذَا مَا هَوَتْ كَفُّ الغُلاَمِ لَهَا ... طَارَتْ وَفِي كَفِّهِ مِنْ رِيشِهَا بِتَكُ ومعنى ذلك: أنَّ الجاهليَّة كانوا يَشُقُّون أذُن النَّاقَة إذا ولدت خَمْسَة أبْطُن، آخرُها ذَكَر، وحرَّمُوا على أنْفُسِهِم الانتفاع بها، وقال آخرون: كانوا يَقْطَعُون آذَان الأنْعَام نُسُكاً في عِبَادَة الأوْثَان، ويَظُنُّون أنَّ ذلك عِبَادة، مع أنَّه في نفسه كُفْرٌ وفِسْقٌ. قوله: ﴿وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ الله﴾ هذه اللاَّمات كلها للقَسَم. قال ابن عبَّاسٍ: والحَسَن [ومُجَاهِدٌ] وسعيد بن جُبَيْر، وسَعِيد بن المسيَّب والسُّدِّي، والضَّحاك، والنَّخْعِيُ: دِينُ الله، كقوله ﴿لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله﴾ [الروم: 30] أي: لدين اللَّه، وفي تَفْسير هذا القَوْل وَجْهَان: الأول: أن اللَّه - تعالى - فطر الخَلْقَ على الإسْلام يَوْم أخْرَجَهُم من ظَهْر آدَم كالذَّرِّ، وأشْهَدَهُم على أنْفُسِهم، ألَسْتُ بِربِّكم؛ قالوا بَلَى، فمن كَفَر به، فقد غيَّر فِطْرَة اللَّه تعالى؛ يؤيده قوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - «كل مَوْلُود يُولَدُ على الفِطْرَة، فأبواه يُهوِّدَانه، ويُنَصِّرانه، ويُمَجِّسانه» . والثاني: أن التَّغْيير: تَبْدِيل الحَلالِ حَراماً، والحرام حَلاَلاً. وقال الحسن، وعكرمة، وجماعة من المُفسِّرين: التَّغْيِير: ما روى عبد اللَّه [بن مَسْعُود] عن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ [أنَّه] قال: «لَعَن اللَّه الوَاشِمَاتِ والمُسْتَوشِمَات» . قالوا: لأنَّ المرأة تَتَوصَّل بهذه الأفعال إلى الزِّنا، ولَعَن رسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «النامِصَة والمُتَنَمِّصَة، والوَاصِلَة والمُتَوَصِّلة، والوَاشِمة والمُتَوَشِّمَة » . قال القرطبي، قال مَالِك، وجماعة: إن الوَصْل بكل شَيء، من الصُّوفِ والخِرق وغَيْر ذَلِك في مَعْنَى وصله بالشَّعْر، وأجازه اللَّيْث بن سَعْد، وأباح بَعْضُهم وَضْع الشَّعْر على الرَّأس من غير وَصْل، قالوا: لأن النهي إنما جَاءَ في الوَصْل، والمُتَنمِّصَةُ: هي التي تَقْطَع الشَّعْر من وَجْهِهَا بالنِّمَاص، وهو الذي يقلع الشَّعْر. قال ابن العرَبيِّ: وأهلْ مِصر يَنْتفُون شَعْر العانَة، وهو منه، فإن السُّنَّة حَلْق العَانَة، ونَتْفُ الإبط، فأما نَتْفُ الفَرْج فإنه يُرخيه ويؤذِيه ويُبْطل كَثِيراً من المَنْفَعَةِ فيه. وأمَّا الوَاشِمَة والمُسْتَوْشِمَة، فهي الَّتِي تغرز ظَهْر كَفَّها ومِعْصَمَها، ووجْههَا بإبْرَةٍ، ثُمَّ يحشى ذلك المكانُ بالكُحْل أو بالنؤر، فيخْضَرّ، وفي بعض الروايات «الواشية، والمُسْتَوْشِيَة» باليَاء مكان المِيم، والوَشْي: التَّزَيُّن، مأخوذ من نَسْج الثَّوْب على لونين، وثورٌ مُوشَّى: في وَجْهِه وقوائِمِه سوادٌ، وأما الوشْمٌ فجائز في كل الأعْضَاء غير الوَجْه؛ لأن النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - «نهى عن الضَّرْب في الوَجْه وعن الوَشْم في الوجْهِ» ، ورُوي عن أنس، وشهر بن حَوْشَب، وعِكْرِمَة، وأبِي صالح: التَّغْيير هَهُنَا هو الإخْصَاء، وقطع الآذان، وفَقْأ العُيُون؛ لأن فيه تَعْذِيب للحَيَوان، وتَحْريم وتَحْلِيل بغير دليلٍ، والآذَان في الأنْعَام جمالٌ ومَنْفَعة، وكذلِك غيرها من الأعْضَاء، فَحَرّم عليهم الشَّيْطَان ما أحلَّه اللَّه لهم، وأمرَهُم أن يشركوا باللَّه ما لم يُنَزِّل به سُلْطَاناً، ولما كان هذا من فِعْل الشَّيْطَان، أمرنا رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن نستشرف العَيْن والأذُن، ولا نُضَحِّي بَعْورَاءَ، ولا مُقَابَلة، ولا مُدَابرة؛ ولهذا كان أنَس يكره إخْصَاء الغَنَم، وحرمه بَعْضُهم. قال القُرْطُبِي: فأما خِصاء الآدمِيِّ، فمصيبَةٌ، فإنَّه إذا خُصِي، بَطَل قلبه وقُوَّته، عَكْس الحَيَوان، وانْقَطع نَسْلُه المأمُور به في قوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «تَنَاكَحُوا تَنَاسَلُوا» ثم إن فيه ألَماً عَظِيماً، ربما يُفْضِي بَصَاحِبهِ إلى الهلاكِ، فيكون [فيه] تضْييع مالٍ، وإذْهَابُ تَفْسٍ، وكل ذلك مَنْهِيٌّ عنه، ثم هذه مُثْلَةٌ، وقد نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن المُثْلَةِ، وجوَّز بَعْضُهم في البَهَائِم؛ لأن فيه غَرَضاً، وكانت العَرَب إذا بَلغَتْ إبلُ أحَدِهِمْ ألْفاً عوَّرُوا عَيْنَ فَحْلِها. وحكى الزَّجَّاج عن بعضهم: التَّغْيير هو أن اللَّه - تعالى - خلق الأنْعامَ للرُّكُوب والأكْل، فحربوها، وخَلَق الشَّمْس، والقَمَر، والنُّجُوم، والأحْجَار لمنفعة العِبَاد، فعبدوها من دُونِ اللَّه. وقيل: التَّغْيير هو التَّخَنُّث؛ وهو عِبَارَةٌ عن الذكر يُشْبِهُ الأنْثَى والسُّحْق؛ عِبَارة عن تَشَبُّه الأنْثَى بالذّكر. ثم قال: ﴿وَمَن يَتَّخِذِ الشيطان وَلِيّاً مِّن دُونِ الله﴾ أي: ربًّا يطيعه، ﴿فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً﴾ لأن طاعة اللَّه تعالى تُفِيد المَنَافِع العَظِيمة، الدّائِمة، الخَالِصَة عن شَوائب الضَّرَر، وطاعَة الشَّيْطَان تفيد المَنَافِع القَلِيلَة، المُنْقَطِعة، المشوبة بالغموم والأحزان، ويعمها العَذَاب الدَّائِم، وهذا هُو الخسَار المُطْلَق. قال أبُو العبَّاس المُقْرِي: ورد لَفْظُ الخُسْرَان [قي القرآن] على أربَعَة أوْجُه: الأوَّل: بمعنى الضَّلالة؛ كهذه الآيَة. الثَّاني: بمعنى العَجْز؛ قال - تعالى -: ﴿لَئِنْ أَكَلَهُ الذئب وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّآ إِذَاً لَّخَاسِرُونَ﴾ [يوسف: 14] أي: عَاجِزُون ومثله: ﴿لَئِنِ اتبعتم شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: 90] . الثَّالث: بمعنى الغَبْن؛ قال - تعالى -: ﴿الذين خسروا أَنفُسَهُمْ﴾ [المؤمنون: 103] أي: غبنوا أنْفُسَهم. الرابع: بمعنى: المُخسِرُون؛ قال - تعالى -: ﴿خَسِرَ الدنيا والآخرة ذلك هُوَ الخسران [المبين] ﴾ [الحج: 11] . قوله: «يُعدُهُمْ وَيُمَنِّيهمْ» ، قُرِئَ: «يَعدْهُمْ» بسُكون الدَّال تَخْفِيفاً؛ لتوالي الحَرَكات، ومَفْعُولُ الوَعْد مَحْذُوفٌ، أي: يعدُهُم البَاطِل أو السلامة والعافية ووعدُه وتمْنِيَتُهُ: ما يُوقعه في قَلْب الإنْسَان من طُول العمر، ونَيْل الدُّنْيَا، وقد يكون بالتَّخْوِيف بالفَقْر، فيَمْنَعُه من الإنْفَاقِ، وصِلَة الرَّحِم؛ كما قال - تعالى -: ﴿الشيطان يَعِدُكُمُ الفقر﴾ [البقرة: 268] و «يُمنيهِم» بأنْ لا بَعْثَ، ولا جنَّةَ، ﴿وَمَا يَعِدُهُمْ الشيطان إِلاَّ غُرُوراً﴾ أي: بَاطِلاً؛ لأنَّ تلك الأمَانِي لا تُفِيدُ إلا المَغْرُور؛ وهو أن يَظُنَّ الإنْسَان بالشيء أنه نَافِعٌ لدينه، ثم يَتَبَيَّن اشْتِمَالُه على أعْظَم المَضَارِّ. قوله «إِلاَّ غُرُوراً» يُحْتمل أن يكونَ مَفْعولاً ثانياً، وأن يكُون مفعولاً من أجْله، وأن يكون نعت مَصْدرٍ محذوفٍ، أي: وعْداً ذا غُرور، وأنْ يكونَ مَصْدراً على غير الصَّدْرِ؛ لأنَّ «يَعِدُهم» في قوة يَغُرُّهم بوعْدِهِ. ف ﴿أولئك مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ «أولئك» : مبتدأ، و «مأواهم» : مبتدأ ثانٍ، و «جهنم» : خبر الثَّانِي، [والجُمْلَة خبر الأوَّل] وإنما قال: «مأواهُم جَهَنَّم» ؛ لأن الغُرُور عِبَارة عن الحَالَةِ التي يُسْتَحْسَنُ ظَاهِرُهَا، ويَحْصُل النَّدَم عند انْكِشَاف الحَالِ فيها، والاستِغَراق في طَيِّبَاتِ الدُّنْيَا، وفي مَعَاصِي الله - تعالى -، وإن كان في الحَالِ لَذِيذٌ، إلا أن عَاقِبَتَهُ جَهَنَّم، وسُخْطُ الله [- تعالى -] ، وهذا معنى الغُرُور. ثم قال ﴿وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً﴾ ، فقوله «عَنْهَا» : يجُوز أن يَتعلَّق بِمَحْذُوف: إمَّا على الحَالِ من «مَحِيصاً» لأنَّه في الأصْلِ صِفَةٌ نكرةٍ قُدِّمَتْ عليها، وإمَّا على التَّبْيين أي: أعني عنها، ولا يجوزُ تعلُّقُه بمحْذُوفٍ؛ لأنه لا يتعدَّى ب «عَنْ» ولا ب «مَحِيصاً» ، وإنْ كان المَعْنَى عليه لأنَّ المَصْدَر لا يتقدَّمُ معمولُه عليه، ومَنْ يَجوِّزُ ذلك، يُجَوِّزُ تعلُّق «عن» به، والمَحِيصُ: اسمُ مَصْدر من حَاصَ يَحِيص: إذا خَلَص ونَجا، وقيل: هو الزَّوَغَان بنُفُور، ومنه قولُه: [الطويل] 1879 - وَلَمْ نَدْرِ إنْ حِصْنا مِنَ المَوْتِ حَيْصَةً ... كَمِ الْعُمْرُ بَاقٍ والمَدَى مُتَطَاوِلُ ويروي: «جِضْنا» بالجيم والضَّاد المعجمة، ومنه: «وَقَعُوا في حَيْصَ بَيْصَ» ، وحَاصَ بَاص، أي: وقعوا في أمْرٍ يَعْسرُ التَّخلُّص منه، ويقال: مَحِيص ومَحَاص، قال: [الكامل] 1880 - أتَحِيصُ مِنْ حُكْمِ الْمَنِيَّةِ جَاهِداً ... مَا لِلرِّجَالِ عِنِ المَنُونِ مَحَاصُ ويقال: حاصَ يَحُوص حَوْصاً وحِيَاصاً أي: زَايَل المكانَ الذي كان فيه، والحَوْصُ: ضِيقُ مُؤخر العين، ومنه: الأحْوَصُ. قال الواحِدِي: الآية تَحْتَمِل وَجْهَيْن: أحدهما: أنه لا بُدَّ لهم من وُرُودِ النَّارِ. والثَّاني: الخُلُود الذي هو نَصِيبُ الكُفَّار. ولما فرغ من الوعيد، أتبعه بذكر الوَعْد.

النساء 4:119

«إن» هُنَا مَعْنَاها: النَّفْي؛ كقوله - تعالى -: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ الكتاب إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} [النساء: 159] «ويَدْعُون» : بمعنى: يَعْبُدُون، نزلت في أهْل مَكَّة، أي: يَعْبُدُون، كقوله [- تعالى -] : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادعوني﴾ [غافر: 60] فإنَّ مَنْ عَبَد شَيْئاً، فإنَّه يدعوه عِنْد احْتِيَاجِهِ إليْه، وقوله: «مِن دُونِهِ» أي: من دُونِ اللَّه. قوله: «إلا إناثاً» : في هذه اللَّفْظَةِ تِسْعُ قراءاتٍ. المشهُورةُ: وهي جَمْع أنْثى، نحو: رباب جمعُ رُبَّى. والثانية: وبها قَرَأ الحسن: «أنْثَى» بالإِفْرَاد، والمرادُ به الجَمْع. والثالثة: - وبها قَرَأ ابن عبَّاسٍ، وأبو حَيْوَة، وعَطَاء، والحَسَن أيْضاً، ومعاذ القَارِئ، وأبو العَالِيَة، وأبُو نُهَيْك -: «إلا أنُثاً» كرُسُل، وفيها ثلاثةُ أوجه: أحدها: -[وبه] قال ابن جَرِيرٍ - أنه جمعُ «إناث» ؛ كثِمار وثُمُر، وإناثٌ جمع أنْثَى، فهو جَمْع الجَمْع، وهو شَاذٌّ عند النحويِّين. والثاني: أنه جَمْع «أنيثٍ» كَقَلِيب وقُلُب، وغَدِير وغُدُر، والأنيثُ من الرِّجَال: المُخَنَّثُ الضَّعِيفُ، ومنه «سَيْف أنِيثٌ، ومئنَاث، ومئنَاثَة» أي: غَيْر قَاطِعٍ قال صخر: [الوافر] 1877 - فَتُخْبِرهُ بأنَّ العَقْلَ عِنْدِي ... جُرَازٌ لا أفَلُّ وَلاَ أنِيثُ والثَّالث: أنه مُفْرَدٌ أي: يكون من الصِّفات التي جاءت على فُعُل، نحو: امرأة حُنُثٌ. والرابعة: وبها قَرَأ سَعْدُ بن أبِي وقَّاصٍ، وابْن عُمَر، وأبو الجَوْزَاء - «وثنا» بفتحِ الواوِ والثَّاء على أنَّه مفردٌ يراد به الجَمْع. والخامسة - وبها قَرَأ سعيد بن المُسَيب، ومُسْلم بن جُنْدُب، وابن عبَّاسٍ أيْضاً - «أثُنا» بضم الهمزة والثاء، وفيها وجهان: أظهرهما: أنه جَمْع وثَن، نحو: «أسَد وأُسُد» ثم قَلَب الوَاوَ همزةً؛ لضمِّها ضمّاً لازماً، والأصْلُ: «وُثُن» ثم أُثُن. والثاني: أن «وَثَناً» المُفْردَ جمع على «وِثانٍ» نحو: جَمَل وجمال، وجَبَل وجِبال، ثم جُمِع «وثان» على «وُثُن» نحو: حِمَار وحُمُر، ثم قُلبت الواوُ همزةً لما تقدَّم؛ فهو جمعُ الجَمْعِ. وقد رَدَّ ابن عَطِيَّة هذا الوجه بأنَّ فِعَالاً جمعُ كثرة، وجُمُوعُ الكَثْرة لا تُجْمَع ثانياً، إنما يُجْمَعُ من الجُمُوعِ ما كان من جُمُوعِ القِلَّة. وفيه مُنَاقَشَةٌ من حَيْثُ إنَّ الجَمْع لا يُجْمَع إلا شَاذّاً، سواءً كان من جُمُوعِ القِلَّة، أم من غيرها. والسادسة - وبها قَرَأ أيُوب السَّختياني -: «وُثُناً» وهي أصْل القراءة التي قبلها. والسَّابعة والثَّامنة: «أُثْنا ووُثْنا» بسُكُونِ الثَّاء مع الهَمْزة والوَاوِ، وهي تَخْفِيفُ فُعُل؛ كسُقُف. والتاسعة - وبها قرأ أبو السوار، وكذا وُجِدَتْ في مُصْحَفِ عَائِشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: «إلا أوْثاناً» جَمْعَ «وَثَن» نَحْو: جَمَل وأجْمال، وجَبَل وأجْبال. فصل وسُمِّيَتْ أصْنَامهم إناثاً؛ لأنهم كانوا يُلْبسُونها أنواع الحُلِيِّ، ويسمونها بأسْمَاءِ المُؤنثات، نحو: اللاَّت، والعُزَّى، ومناةَ، وقد ردَّ هذا بَعْضُهم بأنَّهم كانوا يُسَمُّون بأسْمَاء الذُّكُور، نحو: هُبَل، وذِي الخَلَصَة، وفيه نظر؛ لأن الغَالِب تَسميتُهُم بأسماء الإناثِ، و «مُرِيداً» : فَعِيل من «مَرَدَ» أي: تَجرَّد للشَّرِّ، ومنه «شَجَرَة مَرْداء» أي: تناثر وَرَقُها، ومنه: الأمْرَدُ؛ لتجرُّدِ وَجْهِه من الشَّعْر، والصَّرْحُ الممرَّد: الذي لا يَعْلُوه غُبَارٌ من ذَلِك فاللاَّت: تَأنيث اللَّه والعُزَّى: تأنيث العَزِيز. قال الحَسَن: لَمْ يكن حَيٌّ من أحْيَاء العَرَب إلا وَلَهُم صَنَمٌ يعبُدُونه، ويسمى أنْثَى بَنِي فُلان، ويدُلُّ عليه قِرَاءة عَائِشَة. وقال الضَّحَّاك: كان بعضهم يَعْبُد الملائِكَة، وكانوا يقُولُون: المَلاَئكة بَنَاتُ اللَّه، قال - تعالى -: ﴿الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة لَيُسَمُّونَ الملائكة تَسْمِيَةَ الأنثى﴾ [النجم: 27] . وقال الحسن: قوله «إلاَّ إناثاً» أي: إلا مَوْتاً، وفي تسمية الأمْوَات إنَاثاً وجهان: الأوَّل: إن الإخْبَار عن الموات يكُون على صِيغَة الإخْبَارِ عن الأنْثَى، تقُول: هذه الأحْجَار تُعْجِبُنِي، كما تقُول: هذه المَرْأة تُعْجِبُني. الثَّاني: الأنْثَى أخسّ من الذَّكر، والمَيِّت أخسُّ من الحَيِّ، فلهذهِ المُنَاسَبة أطْلَقُوا اسمْ الأنْثَى على الجَمَادَات المَوَاتِ، والمَقْصُود هل إنسان أجهل ممن أشرك. قوله: ﴿وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً﴾ فعيلٌ من مَرَدَ إذا عَتَا، ومنه: شَجَرةٌ مَرْدَاء، أي: تَنَاثَر وَرَقُها، ومنه: الأمْرَد؛ لتجرّد وجهه من الشَّعْر، والصَّرْح الممرَّدُ: الذي لا يَعْلُوه غُبَار، وقرأ أبو رَجَاء ويُرْوى عن عاصِمٍ «تَدْعُونَ» بالخِطَاب. فصل قال المفُسِّرون: كان [في] كُلُّ واحدٍ من تِلْك الأوثَان شَيْطَان يَتراءى للسَّدَنَة والكَهَنَة يُكَلِّمْهُم. وقل الزَّجَّاج: المُرادُ بالشَّيْطَان هَاهُنَا: إبْلِيس؛ لقوله - تعالى -: بعد ذلك: ﴿لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً﴾ . وهذا قول إبْلِيس، ولا يَبْعُد أنّ الذي يتراءى للسَّدنة، هو إبْلِيس. قوله: «لَعَنَهُ الله» فيه وجهان: أظهرهما: أنَّ الجُمْلَة صِفَةٌ ل «شيطاناً» ، فهي في مَحَلِّ نَصْب. والثاني: أنها مُسْتأنفةٌ: إمَّا إخْبَار بذلك، وإمَّا دُعَاء عليه، وقوله: «وقال» فيه ثلاثة أوجه: قال الزَّمَخْشَرِيُّ: قوله لَعَنَهُ «وقال لأتَّخِذَنَّ» صِفَتَان، يعني: شيطاناً مَرِيداً جَامِعاً بين لَعْنَة اللَّه، وهذا القَوْل الشَّنِيع. الثاني: الحالُ على إضْمَار «قد» أيْ: وقد قَالَ. الثالث: الاستئناف. و «لأتخِذَنَّ» جوابُ قسم مَحْذُوف، و «مِنْ عبادك» يجوزُ أن يتعلَّق بالفعل قبله، أو بمحذوفٍ على أنَّه حَالٌ من «نَصِيباً» ؛ لأنه في الأصْلِ صِفَةُ نكرةٍ قُدِّم عليها. فصل النَّصِيب المَفْرُوض: أي: حظاً مَعْلُوماً، وهم الذين يَتَّبِعُون خُطُواته، والفَرْضُ في اللغة، التَّأثِير، ومنه: فرض القَوْس للجُزْء الذي يُشَدُّ فيه الوَتَر، والفريضة: ما فَرَضَهُ اللَّه على عِبَادِهِ حَتْماً عليهم. رُوِي عنه النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنَّه قال: «من كُلِّ ألْفٍ واحدٌ للَّه، والبَاقِي للشَّيْطَان» . فإن قيل: العَقْل والنَّقْل يدلاَّن على أنَّ حِزْب اللَّه أقلُّ من حِزْب الشَّيطان. أما النَّقْل: فقوله - تعالى -: ﴿فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ﴾ [البقرة: 249] ، وحُكِيَ عن الشيطان قوله ﴿لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء: 62] ، وقوله: ﴿وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين﴾ [الحجر: 39، 40] ، ولا شك أن المُخْلَصِين قليلُون. وأمَّا العَقْل: فهو أنّ الفُسَّاق والكُفَّار كُلَّهم حِزْب إبليس. إذا ثَبَت هذا، فلفظ النَّصِيب إنَّما يتناول القِسْم الأوّل. فالجواب: أنَّ هذا التَّفَاوُت إنَّما يَحْصُل في نَوْع من البَشَر، أمَّا إذا ضَمَمت زُمْرَة الملائِكَة مع غَاية كَثْرَتِهِم إلى المُؤمنين، كانت الغَلَبَة للمُؤمِنِين. وأيضاً: فالمُؤمِنُون وإن كانُوا قَلِيلين في العَدَدِ، إلاَّ أن مَنْصِبَهُم عَظِيم عند الله، والكُفَّار، والفُسَّاق وإن كانُوا أكْثَر في العددِ، فهم كالعَدَم؛ فلهذا وقع اسم النَّصِب على قَوْم إبْلِيس. قوله: «ولأضِلَّنَّهُم» يَعْنِي: عن الحَقِّ، أو عن الهُدَى، وأراد به: التَّزْيين، وإلا فليْس إليه من الإضْلال شَيْء. ولأمَنِّيَنَّهم: بالباطل، ولآمُرَنَّهم: بالضلال، كذا قدَّره أبو البقاء، والأحْسَنُ أن يُقَدَّر المحذُوفُ، من جنس المَلْفُوظِ به، أي: ولآمُرَنَّهم بالبَتْكِ، ولآمُرَنَّهم بالتَّغْيير. وقرأ أبو عمرو فِيما نَقَل عنه ابْن عَطِيَّة: «ولامُرَنَّهم» بغيرِ ألفٍ، وهو قصرٌ شاذٌّ لا يُقاسُ عليه، ويجُوز ألاَّ يُقَدَّر شَيءٌ من ذلك؛ لأنَّ القَصْدَ: الإخْبَارُ بوقوعِ هذه الأفْعَال من غيرِ نَظَرٍ إلى مُتعلَّقاتِها، نحو: ﴿كُلُواْ واشربوا﴾ [الطور: 19] . فصل قالت المُعْتَزِلَة: قوله: «ولأضِلَّنَّهُم» يدل على أصْلَيْن عظيمين: أحدهما: أن المُضِلَّ هو الشَّيْطَان، وليس المُضِلُّ هو اللَّه - تعالى -؛ لأنَّ الشيطان ادَّعى ذَلِك، والله - سبحانه وتعالى - ما كذَّبَهُ فيه، فَهُو كقوله: ﴿وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: 39] وقوله: ﴿لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء: 62] وقوله: ﴿لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المستقيم﴾ [الأعراف: 16] ، وأيضاً: فإنه - تعالى - وَصَفَه بكونه مُضِلاًّ [للنَّاسِ] في معرض الذَّمِّ له، وذلك يَمْنَع من كون الإله مَوْصُوفاً بذلك. [الثاني: أن أهْل السُّنَّة يقُولُون: الإضْلال عِبَارة عن خَلْق الكُفْر والضَّلال، ونَحْنُ نَقُول: لَيْس الإضلال عِبَارة عن خَلْقِ الكُفْرِ والضَّلال] ؛ لأن إبْلِيس وَصَفَ نَفْسَه بأنه مُضِلٌّ، مع أنه بالإجْمَاعِ لا يَقْدِر على خلق الضَّلال. والجواب: أن هذا كلامُ إبليس، فلا يكون حُجَّةً، وأيضاً: فكلامه في هذه المسألة مُضْطَرِبٌ جِدّاً. فتارةً يَمِيل إلى القَدَرِ المَحْض، وهو قوله: «لأغويَنَّهُم» وأخرى إلى الجبْرِ المَحْضِ، وهو قوله: ﴿رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر: 39] يَعْني: أنه قال هؤلاء الكُفَّار: نحن أغْويْنَا، فمن الذي أغْوَانا عن الدِّين؟ فلا بُدَّ من انْتِهَاء الكلِّ في الآخِرة إلى اللَّه. قوله: «ولأمَنِّيَنَّهُم» قيل: أمَنِّينَّهُم ركوب الأهْوَاء. وقيل: أمَنِّيَنَّهُم إدْرَاك الآخِرَة مع ركوب المَعَاصِي. قوله: ﴿وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأنعام﴾ أي: يَقْطَعُونها، ويَشقُّونها، وهي البَحِيرة، والبتكُ: القَطْعُ والشّقُّ، والبِتْكَة: القطعة من الشيء، جَمْعُها: بِتَك، قال: [البسيط] 1878 - حَتَّى إذَا مَا هَوَتْ كَفُّ الغُلاَمِ لَهَا ... طَارَتْ وَفِي كَفِّهِ مِنْ رِيشِهَا بِتَكُ ومعنى ذلك: أنَّ الجاهليَّة كانوا يَشُقُّون أذُن النَّاقَة إذا ولدت خَمْسَة أبْطُن، آخرُها ذَكَر، وحرَّمُوا على أنْفُسِهِم الانتفاع بها، وقال آخرون: كانوا يَقْطَعُون آذَان الأنْعَام نُسُكاً في عِبَادَة الأوْثَان، ويَظُنُّون أنَّ ذلك عِبَادة، مع أنَّه في نفسه كُفْرٌ وفِسْقٌ. قوله: ﴿وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ الله﴾ هذه اللاَّمات كلها للقَسَم. قال ابن عبَّاسٍ: والحَسَن [ومُجَاهِدٌ] وسعيد بن جُبَيْر، وسَعِيد بن المسيَّب والسُّدِّي، والضَّحاك، والنَّخْعِيُ: دِينُ الله، كقوله ﴿لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله﴾ [الروم: 30] أي: لدين اللَّه، وفي تَفْسير هذا القَوْل وَجْهَان: الأول: أن اللَّه - تعالى - فطر الخَلْقَ على الإسْلام يَوْم أخْرَجَهُم من ظَهْر آدَم كالذَّرِّ، وأشْهَدَهُم على أنْفُسِهم، ألَسْتُ بِربِّكم؛ قالوا بَلَى، فمن كَفَر به، فقد غيَّر فِطْرَة اللَّه تعالى؛ يؤيده قوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - «كل مَوْلُود يُولَدُ على الفِطْرَة، فأبواه يُهوِّدَانه، ويُنَصِّرانه، ويُمَجِّسانه» . والثاني: أن التَّغْيير: تَبْدِيل الحَلالِ حَراماً، والحرام حَلاَلاً. وقال الحسن، وعكرمة، وجماعة من المُفسِّرين: التَّغْيِير: ما روى عبد اللَّه [بن مَسْعُود] عن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ [أنَّه] قال: «لَعَن اللَّه الوَاشِمَاتِ والمُسْتَوشِمَات» . قالوا: لأنَّ المرأة تَتَوصَّل بهذه الأفعال إلى الزِّنا، ولَعَن رسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «النامِصَة والمُتَنَمِّصَة، والوَاصِلَة والمُتَوَصِّلة، والوَاشِمة والمُتَوَشِّمَة » . قال القرطبي، قال مَالِك، وجماعة: إن الوَصْل بكل شَيء، من الصُّوفِ والخِرق وغَيْر ذَلِك في مَعْنَى وصله بالشَّعْر، وأجازه اللَّيْث بن سَعْد، وأباح بَعْضُهم وَضْع الشَّعْر على الرَّأس من غير وَصْل، قالوا: لأن النهي إنما جَاءَ في الوَصْل، والمُتَنمِّصَةُ: هي التي تَقْطَع الشَّعْر من وَجْهِهَا بالنِّمَاص، وهو الذي يقلع الشَّعْر. قال ابن العرَبيِّ: وأهلْ مِصر يَنْتفُون شَعْر العانَة، وهو منه، فإن السُّنَّة حَلْق العَانَة، ونَتْفُ الإبط، فأما نَتْفُ الفَرْج فإنه يُرخيه ويؤذِيه ويُبْطل كَثِيراً من المَنْفَعَةِ فيه. وأمَّا الوَاشِمَة والمُسْتَوْشِمَة، فهي الَّتِي تغرز ظَهْر كَفَّها ومِعْصَمَها، ووجْههَا بإبْرَةٍ، ثُمَّ يحشى ذلك المكانُ بالكُحْل أو بالنؤر، فيخْضَرّ، وفي بعض الروايات «الواشية، والمُسْتَوْشِيَة» باليَاء مكان المِيم، والوَشْي: التَّزَيُّن، مأخوذ من نَسْج الثَّوْب على لونين، وثورٌ مُوشَّى: في وَجْهِه وقوائِمِه سوادٌ، وأما الوشْمٌ فجائز في كل الأعْضَاء غير الوَجْه؛ لأن النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - «نهى عن الضَّرْب في الوَجْه وعن الوَشْم في الوجْهِ» ، ورُوي عن أنس، وشهر بن حَوْشَب، وعِكْرِمَة، وأبِي صالح: التَّغْيير هَهُنَا هو الإخْصَاء، وقطع الآذان، وفَقْأ العُيُون؛ لأن فيه تَعْذِيب للحَيَوان، وتَحْريم وتَحْلِيل بغير دليلٍ، والآذَان في الأنْعَام جمالٌ ومَنْفَعة، وكذلِك غيرها من الأعْضَاء، فَحَرّم عليهم الشَّيْطَان ما أحلَّه اللَّه لهم، وأمرَهُم أن يشركوا باللَّه ما لم يُنَزِّل به سُلْطَاناً، ولما كان هذا من فِعْل الشَّيْطَان، أمرنا رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن نستشرف العَيْن والأذُن، ولا نُضَحِّي بَعْورَاءَ، ولا مُقَابَلة، ولا مُدَابرة؛ ولهذا كان أنَس يكره إخْصَاء الغَنَم، وحرمه بَعْضُهم. قال القُرْطُبِي: فأما خِصاء الآدمِيِّ، فمصيبَةٌ، فإنَّه إذا خُصِي، بَطَل قلبه وقُوَّته، عَكْس الحَيَوان، وانْقَطع نَسْلُه المأمُور به في قوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «تَنَاكَحُوا تَنَاسَلُوا» ثم إن فيه ألَماً عَظِيماً، ربما يُفْضِي بَصَاحِبهِ إلى الهلاكِ، فيكون [فيه] تضْييع مالٍ، وإذْهَابُ تَفْسٍ، وكل ذلك مَنْهِيٌّ عنه، ثم هذه مُثْلَةٌ، وقد نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن المُثْلَةِ، وجوَّز بَعْضُهم في البَهَائِم؛ لأن فيه غَرَضاً، وكانت العَرَب إذا بَلغَتْ إبلُ أحَدِهِمْ ألْفاً عوَّرُوا عَيْنَ فَحْلِها. وحكى الزَّجَّاج عن بعضهم: التَّغْيير هو أن اللَّه - تعالى - خلق الأنْعامَ للرُّكُوب والأكْل، فحربوها، وخَلَق الشَّمْس، والقَمَر، والنُّجُوم، والأحْجَار لمنفعة العِبَاد، فعبدوها من دُونِ اللَّه. وقيل: التَّغْيير هو التَّخَنُّث؛ وهو عِبَارَةٌ عن الذكر يُشْبِهُ الأنْثَى والسُّحْق؛ عِبَارة عن تَشَبُّه الأنْثَى بالذّكر. ثم قال: ﴿وَمَن يَتَّخِذِ الشيطان وَلِيّاً مِّن دُونِ الله﴾ أي: ربًّا يطيعه، ﴿فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً﴾ لأن طاعة اللَّه تعالى تُفِيد المَنَافِع العَظِيمة، الدّائِمة، الخَالِصَة عن شَوائب الضَّرَر، وطاعَة الشَّيْطَان تفيد المَنَافِع القَلِيلَة، المُنْقَطِعة، المشوبة بالغموم والأحزان، ويعمها العَذَاب الدَّائِم، وهذا هُو الخسَار المُطْلَق. قال أبُو العبَّاس المُقْرِي: ورد لَفْظُ الخُسْرَان [قي القرآن] على أربَعَة أوْجُه: الأوَّل: بمعنى الضَّلالة؛ كهذه الآيَة. الثَّاني: بمعنى العَجْز؛ قال - تعالى -: ﴿لَئِنْ أَكَلَهُ الذئب وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّآ إِذَاً لَّخَاسِرُونَ﴾ [يوسف: 14] أي: عَاجِزُون ومثله: ﴿لَئِنِ اتبعتم شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: 90] . الثَّالث: بمعنى الغَبْن؛ قال - تعالى -: ﴿الذين خسروا أَنفُسَهُمْ﴾ [المؤمنون: 103] أي: غبنوا أنْفُسَهم. الرابع: بمعنى: المُخسِرُون؛ قال - تعالى -: ﴿خَسِرَ الدنيا والآخرة ذلك هُوَ الخسران [المبين] ﴾ [الحج: 11] . قوله: «يُعدُهُمْ وَيُمَنِّيهمْ» ، قُرِئَ: «يَعدْهُمْ» بسُكون الدَّال تَخْفِيفاً؛ لتوالي الحَرَكات، ومَفْعُولُ الوَعْد مَحْذُوفٌ، أي: يعدُهُم البَاطِل أو السلامة والعافية ووعدُه وتمْنِيَتُهُ: ما يُوقعه في قَلْب الإنْسَان من طُول العمر، ونَيْل الدُّنْيَا، وقد يكون بالتَّخْوِيف بالفَقْر، فيَمْنَعُه من الإنْفَاقِ، وصِلَة الرَّحِم؛ كما قال - تعالى -: ﴿الشيطان يَعِدُكُمُ الفقر﴾ [البقرة: 268] و «يُمنيهِم» بأنْ لا بَعْثَ، ولا جنَّةَ، ﴿وَمَا يَعِدُهُمْ الشيطان إِلاَّ غُرُوراً﴾ أي: بَاطِلاً؛ لأنَّ تلك الأمَانِي لا تُفِيدُ إلا المَغْرُور؛ وهو أن يَظُنَّ الإنْسَان بالشيء أنه نَافِعٌ لدينه، ثم يَتَبَيَّن اشْتِمَالُه على أعْظَم المَضَارِّ. قوله «إِلاَّ غُرُوراً» يُحْتمل أن يكونَ مَفْعولاً ثانياً، وأن يكُون مفعولاً من أجْله، وأن يكون نعت مَصْدرٍ محذوفٍ، أي: وعْداً ذا غُرور، وأنْ يكونَ مَصْدراً على غير الصَّدْرِ؛ لأنَّ «يَعِدُهم» في قوة يَغُرُّهم بوعْدِهِ. ف ﴿أولئك مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ «أولئك» : مبتدأ، و «مأواهم» : مبتدأ ثانٍ، و «جهنم» : خبر الثَّانِي، [والجُمْلَة خبر الأوَّل] وإنما قال: «مأواهُم جَهَنَّم» ؛ لأن الغُرُور عِبَارة عن الحَالَةِ التي يُسْتَحْسَنُ ظَاهِرُهَا، ويَحْصُل النَّدَم عند انْكِشَاف الحَالِ فيها، والاستِغَراق في طَيِّبَاتِ الدُّنْيَا، وفي مَعَاصِي الله - تعالى -، وإن كان في الحَالِ لَذِيذٌ، إلا أن عَاقِبَتَهُ جَهَنَّم، وسُخْطُ الله [- تعالى -] ، وهذا معنى الغُرُور. ثم قال ﴿وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً﴾ ، فقوله «عَنْهَا» : يجُوز أن يَتعلَّق بِمَحْذُوف: إمَّا على الحَالِ من «مَحِيصاً» لأنَّه في الأصْلِ صِفَةٌ نكرةٍ قُدِّمَتْ عليها، وإمَّا على التَّبْيين أي: أعني عنها، ولا يجوزُ تعلُّقُه بمحْذُوفٍ؛ لأنه لا يتعدَّى ب «عَنْ» ولا ب «مَحِيصاً» ، وإنْ كان المَعْنَى عليه لأنَّ المَصْدَر لا يتقدَّمُ معمولُه عليه، ومَنْ يَجوِّزُ ذلك، يُجَوِّزُ تعلُّق «عن» به، والمَحِيصُ: اسمُ مَصْدر من حَاصَ يَحِيص: إذا خَلَص ونَجا، وقيل: هو الزَّوَغَان بنُفُور، ومنه قولُه: [الطويل] 1879 - وَلَمْ نَدْرِ إنْ حِصْنا مِنَ المَوْتِ حَيْصَةً ... كَمِ الْعُمْرُ بَاقٍ والمَدَى مُتَطَاوِلُ ويروي: «جِضْنا» بالجيم والضَّاد المعجمة، ومنه: «وَقَعُوا في حَيْصَ بَيْصَ» ، وحَاصَ بَاص، أي: وقعوا في أمْرٍ يَعْسرُ التَّخلُّص منه، ويقال: مَحِيص ومَحَاص، قال: [الكامل] 1880 - أتَحِيصُ مِنْ حُكْمِ الْمَنِيَّةِ جَاهِداً ... مَا لِلرِّجَالِ عِنِ المَنُونِ مَحَاصُ ويقال: حاصَ يَحُوص حَوْصاً وحِيَاصاً أي: زَايَل المكانَ الذي كان فيه، والحَوْصُ: ضِيقُ مُؤخر العين، ومنه: الأحْوَصُ. قال الواحِدِي: الآية تَحْتَمِل وَجْهَيْن: أحدهما: أنه لا بُدَّ لهم من وُرُودِ النَّارِ. والثَّاني: الخُلُود الذي هو نَصِيبُ الكُفَّار. ولما فرغ من الوعيد، أتبعه بذكر الوَعْد.

النساء 4:120

«إن» هُنَا مَعْنَاها: النَّفْي؛ كقوله - تعالى -: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ الكتاب إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} [النساء: 159] «ويَدْعُون» : بمعنى: يَعْبُدُون، نزلت في أهْل مَكَّة، أي: يَعْبُدُون، كقوله [- تعالى -] : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادعوني﴾ [غافر: 60] فإنَّ مَنْ عَبَد شَيْئاً، فإنَّه يدعوه عِنْد احْتِيَاجِهِ إليْه، وقوله: «مِن دُونِهِ» أي: من دُونِ اللَّه. قوله: «إلا إناثاً» : في هذه اللَّفْظَةِ تِسْعُ قراءاتٍ. المشهُورةُ: وهي جَمْع أنْثى، نحو: رباب جمعُ رُبَّى. والثانية: وبها قَرَأ الحسن: «أنْثَى» بالإِفْرَاد، والمرادُ به الجَمْع. والثالثة: - وبها قَرَأ ابن عبَّاسٍ، وأبو حَيْوَة، وعَطَاء، والحَسَن أيْضاً، ومعاذ القَارِئ، وأبو العَالِيَة، وأبُو نُهَيْك -: «إلا أنُثاً» كرُسُل، وفيها ثلاثةُ أوجه: أحدها: -[وبه] قال ابن جَرِيرٍ - أنه جمعُ «إناث» ؛ كثِمار وثُمُر، وإناثٌ جمع أنْثَى، فهو جَمْع الجَمْع، وهو شَاذٌّ عند النحويِّين. والثاني: أنه جَمْع «أنيثٍ» كَقَلِيب وقُلُب، وغَدِير وغُدُر، والأنيثُ من الرِّجَال: المُخَنَّثُ الضَّعِيفُ، ومنه «سَيْف أنِيثٌ، ومئنَاث، ومئنَاثَة» أي: غَيْر قَاطِعٍ قال صخر: [الوافر] 1877 - فَتُخْبِرهُ بأنَّ العَقْلَ عِنْدِي ... جُرَازٌ لا أفَلُّ وَلاَ أنِيثُ والثَّالث: أنه مُفْرَدٌ أي: يكون من الصِّفات التي جاءت على فُعُل، نحو: امرأة حُنُثٌ. والرابعة: وبها قَرَأ سَعْدُ بن أبِي وقَّاصٍ، وابْن عُمَر، وأبو الجَوْزَاء - «وثنا» بفتحِ الواوِ والثَّاء على أنَّه مفردٌ يراد به الجَمْع. والخامسة - وبها قَرَأ سعيد بن المُسَيب، ومُسْلم بن جُنْدُب، وابن عبَّاسٍ أيْضاً - «أثُنا» بضم الهمزة والثاء، وفيها وجهان: أظهرهما: أنه جَمْع وثَن، نحو: «أسَد وأُسُد» ثم قَلَب الوَاوَ همزةً؛ لضمِّها ضمّاً لازماً، والأصْلُ: «وُثُن» ثم أُثُن. والثاني: أن «وَثَناً» المُفْردَ جمع على «وِثانٍ» نحو: جَمَل وجمال، وجَبَل وجِبال، ثم جُمِع «وثان» على «وُثُن» نحو: حِمَار وحُمُر، ثم قُلبت الواوُ همزةً لما تقدَّم؛ فهو جمعُ الجَمْعِ. وقد رَدَّ ابن عَطِيَّة هذا الوجه بأنَّ فِعَالاً جمعُ كثرة، وجُمُوعُ الكَثْرة لا تُجْمَع ثانياً، إنما يُجْمَعُ من الجُمُوعِ ما كان من جُمُوعِ القِلَّة. وفيه مُنَاقَشَةٌ من حَيْثُ إنَّ الجَمْع لا يُجْمَع إلا شَاذّاً، سواءً كان من جُمُوعِ القِلَّة، أم من غيرها. والسادسة - وبها قَرَأ أيُوب السَّختياني -: «وُثُناً» وهي أصْل القراءة التي قبلها. والسَّابعة والثَّامنة: «أُثْنا ووُثْنا» بسُكُونِ الثَّاء مع الهَمْزة والوَاوِ، وهي تَخْفِيفُ فُعُل؛ كسُقُف. والتاسعة - وبها قرأ أبو السوار، وكذا وُجِدَتْ في مُصْحَفِ عَائِشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: «إلا أوْثاناً» جَمْعَ «وَثَن» نَحْو: جَمَل وأجْمال، وجَبَل وأجْبال. فصل وسُمِّيَتْ أصْنَامهم إناثاً؛ لأنهم كانوا يُلْبسُونها أنواع الحُلِيِّ، ويسمونها بأسْمَاءِ المُؤنثات، نحو: اللاَّت، والعُزَّى، ومناةَ، وقد ردَّ هذا بَعْضُهم بأنَّهم كانوا يُسَمُّون بأسْمَاء الذُّكُور، نحو: هُبَل، وذِي الخَلَصَة، وفيه نظر؛ لأن الغَالِب تَسميتُهُم بأسماء الإناثِ، و «مُرِيداً» : فَعِيل من «مَرَدَ» أي: تَجرَّد للشَّرِّ، ومنه «شَجَرَة مَرْداء» أي: تناثر وَرَقُها، ومنه: الأمْرَدُ؛ لتجرُّدِ وَجْهِه من الشَّعْر، والصَّرْحُ الممرَّد: الذي لا يَعْلُوه غُبَارٌ من ذَلِك فاللاَّت: تَأنيث اللَّه والعُزَّى: تأنيث العَزِيز. قال الحَسَن: لَمْ يكن حَيٌّ من أحْيَاء العَرَب إلا وَلَهُم صَنَمٌ يعبُدُونه، ويسمى أنْثَى بَنِي فُلان، ويدُلُّ عليه قِرَاءة عَائِشَة. وقال الضَّحَّاك: كان بعضهم يَعْبُد الملائِكَة، وكانوا يقُولُون: المَلاَئكة بَنَاتُ اللَّه، قال - تعالى -: ﴿الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة لَيُسَمُّونَ الملائكة تَسْمِيَةَ الأنثى﴾ [النجم: 27] . وقال الحسن: قوله «إلاَّ إناثاً» أي: إلا مَوْتاً، وفي تسمية الأمْوَات إنَاثاً وجهان: الأوَّل: إن الإخْبَار عن الموات يكُون على صِيغَة الإخْبَارِ عن الأنْثَى، تقُول: هذه الأحْجَار تُعْجِبُنِي، كما تقُول: هذه المَرْأة تُعْجِبُني. الثَّاني: الأنْثَى أخسّ من الذَّكر، والمَيِّت أخسُّ من الحَيِّ، فلهذهِ المُنَاسَبة أطْلَقُوا اسمْ الأنْثَى على الجَمَادَات المَوَاتِ، والمَقْصُود هل إنسان أجهل ممن أشرك. قوله: ﴿وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً﴾ فعيلٌ من مَرَدَ إذا عَتَا، ومنه: شَجَرةٌ مَرْدَاء، أي: تَنَاثَر وَرَقُها، ومنه: الأمْرَد؛ لتجرّد وجهه من الشَّعْر، والصَّرْح الممرَّدُ: الذي لا يَعْلُوه غُبَار، وقرأ أبو رَجَاء ويُرْوى عن عاصِمٍ «تَدْعُونَ» بالخِطَاب. فصل قال المفُسِّرون: كان [في] كُلُّ واحدٍ من تِلْك الأوثَان شَيْطَان يَتراءى للسَّدَنَة والكَهَنَة يُكَلِّمْهُم. وقل الزَّجَّاج: المُرادُ بالشَّيْطَان هَاهُنَا: إبْلِيس؛ لقوله - تعالى -: بعد ذلك: ﴿لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً﴾ . وهذا قول إبْلِيس، ولا يَبْعُد أنّ الذي يتراءى للسَّدنة، هو إبْلِيس. قوله: «لَعَنَهُ الله» فيه وجهان: أظهرهما: أنَّ الجُمْلَة صِفَةٌ ل «شيطاناً» ، فهي في مَحَلِّ نَصْب. والثاني: أنها مُسْتأنفةٌ: إمَّا إخْبَار بذلك، وإمَّا دُعَاء عليه، وقوله: «وقال» فيه ثلاثة أوجه: قال الزَّمَخْشَرِيُّ: قوله لَعَنَهُ «وقال لأتَّخِذَنَّ» صِفَتَان، يعني: شيطاناً مَرِيداً جَامِعاً بين لَعْنَة اللَّه، وهذا القَوْل الشَّنِيع. الثاني: الحالُ على إضْمَار «قد» أيْ: وقد قَالَ. الثالث: الاستئناف. و «لأتخِذَنَّ» جوابُ قسم مَحْذُوف، و «مِنْ عبادك» يجوزُ أن يتعلَّق بالفعل قبله، أو بمحذوفٍ على أنَّه حَالٌ من «نَصِيباً» ؛ لأنه في الأصْلِ صِفَةُ نكرةٍ قُدِّم عليها. فصل النَّصِيب المَفْرُوض: أي: حظاً مَعْلُوماً، وهم الذين يَتَّبِعُون خُطُواته، والفَرْضُ في اللغة، التَّأثِير، ومنه: فرض القَوْس للجُزْء الذي يُشَدُّ فيه الوَتَر، والفريضة: ما فَرَضَهُ اللَّه على عِبَادِهِ حَتْماً عليهم. رُوِي عنه النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنَّه قال: «من كُلِّ ألْفٍ واحدٌ للَّه، والبَاقِي للشَّيْطَان» . فإن قيل: العَقْل والنَّقْل يدلاَّن على أنَّ حِزْب اللَّه أقلُّ من حِزْب الشَّيطان. أما النَّقْل: فقوله - تعالى -: ﴿فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ﴾ [البقرة: 249] ، وحُكِيَ عن الشيطان قوله ﴿لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء: 62] ، وقوله: ﴿وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين﴾ [الحجر: 39، 40] ، ولا شك أن المُخْلَصِين قليلُون. وأمَّا العَقْل: فهو أنّ الفُسَّاق والكُفَّار كُلَّهم حِزْب إبليس. إذا ثَبَت هذا، فلفظ النَّصِيب إنَّما يتناول القِسْم الأوّل. فالجواب: أنَّ هذا التَّفَاوُت إنَّما يَحْصُل في نَوْع من البَشَر، أمَّا إذا ضَمَمت زُمْرَة الملائِكَة مع غَاية كَثْرَتِهِم إلى المُؤمنين، كانت الغَلَبَة للمُؤمِنِين. وأيضاً: فالمُؤمِنُون وإن كانُوا قَلِيلين في العَدَدِ، إلاَّ أن مَنْصِبَهُم عَظِيم عند الله، والكُفَّار، والفُسَّاق وإن كانُوا أكْثَر في العددِ، فهم كالعَدَم؛ فلهذا وقع اسم النَّصِب على قَوْم إبْلِيس. قوله: «ولأضِلَّنَّهُم» يَعْنِي: عن الحَقِّ، أو عن الهُدَى، وأراد به: التَّزْيين، وإلا فليْس إليه من الإضْلال شَيْء. ولأمَنِّيَنَّهم: بالباطل، ولآمُرَنَّهم: بالضلال، كذا قدَّره أبو البقاء، والأحْسَنُ أن يُقَدَّر المحذُوفُ، من جنس المَلْفُوظِ به، أي: ولآمُرَنَّهم بالبَتْكِ، ولآمُرَنَّهم بالتَّغْيير. وقرأ أبو عمرو فِيما نَقَل عنه ابْن عَطِيَّة: «ولامُرَنَّهم» بغيرِ ألفٍ، وهو قصرٌ شاذٌّ لا يُقاسُ عليه، ويجُوز ألاَّ يُقَدَّر شَيءٌ من ذلك؛ لأنَّ القَصْدَ: الإخْبَارُ بوقوعِ هذه الأفْعَال من غيرِ نَظَرٍ إلى مُتعلَّقاتِها، نحو: ﴿كُلُواْ واشربوا﴾ [الطور: 19] . فصل قالت المُعْتَزِلَة: قوله: «ولأضِلَّنَّهُم» يدل على أصْلَيْن عظيمين: أحدهما: أن المُضِلَّ هو الشَّيْطَان، وليس المُضِلُّ هو اللَّه - تعالى -؛ لأنَّ الشيطان ادَّعى ذَلِك، والله - سبحانه وتعالى - ما كذَّبَهُ فيه، فَهُو كقوله: ﴿وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: 39] وقوله: ﴿لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء: 62] وقوله: ﴿لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المستقيم﴾ [الأعراف: 16] ، وأيضاً: فإنه - تعالى - وَصَفَه بكونه مُضِلاًّ [للنَّاسِ] في معرض الذَّمِّ له، وذلك يَمْنَع من كون الإله مَوْصُوفاً بذلك. [الثاني: أن أهْل السُّنَّة يقُولُون: الإضْلال عِبَارة عن خَلْق الكُفْر والضَّلال، ونَحْنُ نَقُول: لَيْس الإضلال عِبَارة عن خَلْقِ الكُفْرِ والضَّلال] ؛ لأن إبْلِيس وَصَفَ نَفْسَه بأنه مُضِلٌّ، مع أنه بالإجْمَاعِ لا يَقْدِر على خلق الضَّلال. والجواب: أن هذا كلامُ إبليس، فلا يكون حُجَّةً، وأيضاً: فكلامه في هذه المسألة مُضْطَرِبٌ جِدّاً. فتارةً يَمِيل إلى القَدَرِ المَحْض، وهو قوله: «لأغويَنَّهُم» وأخرى إلى الجبْرِ المَحْضِ، وهو قوله: ﴿رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر: 39] يَعْني: أنه قال هؤلاء الكُفَّار: نحن أغْويْنَا، فمن الذي أغْوَانا عن الدِّين؟ فلا بُدَّ من انْتِهَاء الكلِّ في الآخِرة إلى اللَّه. قوله: «ولأمَنِّيَنَّهُم» قيل: أمَنِّينَّهُم ركوب الأهْوَاء. وقيل: أمَنِّيَنَّهُم إدْرَاك الآخِرَة مع ركوب المَعَاصِي. قوله: ﴿وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأنعام﴾ أي: يَقْطَعُونها، ويَشقُّونها، وهي البَحِيرة، والبتكُ: القَطْعُ والشّقُّ، والبِتْكَة: القطعة من الشيء، جَمْعُها: بِتَك، قال: [البسيط] 1878 - حَتَّى إذَا مَا هَوَتْ كَفُّ الغُلاَمِ لَهَا ... طَارَتْ وَفِي كَفِّهِ مِنْ رِيشِهَا بِتَكُ ومعنى ذلك: أنَّ الجاهليَّة كانوا يَشُقُّون أذُن النَّاقَة إذا ولدت خَمْسَة أبْطُن، آخرُها ذَكَر، وحرَّمُوا على أنْفُسِهِم الانتفاع بها، وقال آخرون: كانوا يَقْطَعُون آذَان الأنْعَام نُسُكاً في عِبَادَة الأوْثَان، ويَظُنُّون أنَّ ذلك عِبَادة، مع أنَّه في نفسه كُفْرٌ وفِسْقٌ. قوله: ﴿وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ الله﴾ هذه اللاَّمات كلها للقَسَم. قال ابن عبَّاسٍ: والحَسَن [ومُجَاهِدٌ] وسعيد بن جُبَيْر، وسَعِيد بن المسيَّب والسُّدِّي، والضَّحاك، والنَّخْعِيُ: دِينُ الله، كقوله ﴿لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله﴾ [الروم: 30] أي: لدين اللَّه، وفي تَفْسير هذا القَوْل وَجْهَان: الأول: أن اللَّه - تعالى - فطر الخَلْقَ على الإسْلام يَوْم أخْرَجَهُم من ظَهْر آدَم كالذَّرِّ، وأشْهَدَهُم على أنْفُسِهم، ألَسْتُ بِربِّكم؛ قالوا بَلَى، فمن كَفَر به، فقد غيَّر فِطْرَة اللَّه تعالى؛ يؤيده قوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - «كل مَوْلُود يُولَدُ على الفِطْرَة، فأبواه يُهوِّدَانه، ويُنَصِّرانه، ويُمَجِّسانه» . والثاني: أن التَّغْيير: تَبْدِيل الحَلالِ حَراماً، والحرام حَلاَلاً. وقال الحسن، وعكرمة، وجماعة من المُفسِّرين: التَّغْيِير: ما روى عبد اللَّه [بن مَسْعُود] عن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ [أنَّه] قال: «لَعَن اللَّه الوَاشِمَاتِ والمُسْتَوشِمَات» . قالوا: لأنَّ المرأة تَتَوصَّل بهذه الأفعال إلى الزِّنا، ولَعَن رسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «النامِصَة والمُتَنَمِّصَة، والوَاصِلَة والمُتَوَصِّلة، والوَاشِمة والمُتَوَشِّمَة » . قال القرطبي، قال مَالِك، وجماعة: إن الوَصْل بكل شَيء، من الصُّوفِ والخِرق وغَيْر ذَلِك في مَعْنَى وصله بالشَّعْر، وأجازه اللَّيْث بن سَعْد، وأباح بَعْضُهم وَضْع الشَّعْر على الرَّأس من غير وَصْل، قالوا: لأن النهي إنما جَاءَ في الوَصْل، والمُتَنمِّصَةُ: هي التي تَقْطَع الشَّعْر من وَجْهِهَا بالنِّمَاص، وهو الذي يقلع الشَّعْر. قال ابن العرَبيِّ: وأهلْ مِصر يَنْتفُون شَعْر العانَة، وهو منه، فإن السُّنَّة حَلْق العَانَة، ونَتْفُ الإبط، فأما نَتْفُ الفَرْج فإنه يُرخيه ويؤذِيه ويُبْطل كَثِيراً من المَنْفَعَةِ فيه. وأمَّا الوَاشِمَة والمُسْتَوْشِمَة، فهي الَّتِي تغرز ظَهْر كَفَّها ومِعْصَمَها، ووجْههَا بإبْرَةٍ، ثُمَّ يحشى ذلك المكانُ بالكُحْل أو بالنؤر، فيخْضَرّ، وفي بعض الروايات «الواشية، والمُسْتَوْشِيَة» باليَاء مكان المِيم، والوَشْي: التَّزَيُّن، مأخوذ من نَسْج الثَّوْب على لونين، وثورٌ مُوشَّى: في وَجْهِه وقوائِمِه سوادٌ، وأما الوشْمٌ فجائز في كل الأعْضَاء غير الوَجْه؛ لأن النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - «نهى عن الضَّرْب في الوَجْه وعن الوَشْم في الوجْهِ» ، ورُوي عن أنس، وشهر بن حَوْشَب، وعِكْرِمَة، وأبِي صالح: التَّغْيير هَهُنَا هو الإخْصَاء، وقطع الآذان، وفَقْأ العُيُون؛ لأن فيه تَعْذِيب للحَيَوان، وتَحْريم وتَحْلِيل بغير دليلٍ، والآذَان في الأنْعَام جمالٌ ومَنْفَعة، وكذلِك غيرها من الأعْضَاء، فَحَرّم عليهم الشَّيْطَان ما أحلَّه اللَّه لهم، وأمرَهُم أن يشركوا باللَّه ما لم يُنَزِّل به سُلْطَاناً، ولما كان هذا من فِعْل الشَّيْطَان، أمرنا رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن نستشرف العَيْن والأذُن، ولا نُضَحِّي بَعْورَاءَ، ولا مُقَابَلة، ولا مُدَابرة؛ ولهذا كان أنَس يكره إخْصَاء الغَنَم، وحرمه بَعْضُهم. قال القُرْطُبِي: فأما خِصاء الآدمِيِّ، فمصيبَةٌ، فإنَّه إذا خُصِي، بَطَل قلبه وقُوَّته، عَكْس الحَيَوان، وانْقَطع نَسْلُه المأمُور به في قوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «تَنَاكَحُوا تَنَاسَلُوا» ثم إن فيه ألَماً عَظِيماً، ربما يُفْضِي بَصَاحِبهِ إلى الهلاكِ، فيكون [فيه] تضْييع مالٍ، وإذْهَابُ تَفْسٍ، وكل ذلك مَنْهِيٌّ عنه، ثم هذه مُثْلَةٌ، وقد نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن المُثْلَةِ، وجوَّز بَعْضُهم في البَهَائِم؛ لأن فيه غَرَضاً، وكانت العَرَب إذا بَلغَتْ إبلُ أحَدِهِمْ ألْفاً عوَّرُوا عَيْنَ فَحْلِها. وحكى الزَّجَّاج عن بعضهم: التَّغْيير هو أن اللَّه - تعالى - خلق الأنْعامَ للرُّكُوب والأكْل، فحربوها، وخَلَق الشَّمْس، والقَمَر، والنُّجُوم، والأحْجَار لمنفعة العِبَاد، فعبدوها من دُونِ اللَّه. وقيل: التَّغْيير هو التَّخَنُّث؛ وهو عِبَارَةٌ عن الذكر يُشْبِهُ الأنْثَى والسُّحْق؛ عِبَارة عن تَشَبُّه الأنْثَى بالذّكر. ثم قال: ﴿وَمَن يَتَّخِذِ الشيطان وَلِيّاً مِّن دُونِ الله﴾ أي: ربًّا يطيعه، ﴿فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً﴾ لأن طاعة اللَّه تعالى تُفِيد المَنَافِع العَظِيمة، الدّائِمة، الخَالِصَة عن شَوائب الضَّرَر، وطاعَة الشَّيْطَان تفيد المَنَافِع القَلِيلَة، المُنْقَطِعة، المشوبة بالغموم والأحزان، ويعمها العَذَاب الدَّائِم، وهذا هُو الخسَار المُطْلَق. قال أبُو العبَّاس المُقْرِي: ورد لَفْظُ الخُسْرَان [قي القرآن] على أربَعَة أوْجُه: الأوَّل: بمعنى الضَّلالة؛ كهذه الآيَة. الثَّاني: بمعنى العَجْز؛ قال - تعالى -: ﴿لَئِنْ أَكَلَهُ الذئب وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّآ إِذَاً لَّخَاسِرُونَ﴾ [يوسف: 14] أي: عَاجِزُون ومثله: ﴿لَئِنِ اتبعتم شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: 90] . الثَّالث: بمعنى الغَبْن؛ قال - تعالى -: ﴿الذين خسروا أَنفُسَهُمْ﴾ [المؤمنون: 103] أي: غبنوا أنْفُسَهم. الرابع: بمعنى: المُخسِرُون؛ قال - تعالى -: ﴿خَسِرَ الدنيا والآخرة ذلك هُوَ الخسران [المبين] ﴾ [الحج: 11] . قوله: «يُعدُهُمْ وَيُمَنِّيهمْ» ، قُرِئَ: «يَعدْهُمْ» بسُكون الدَّال تَخْفِيفاً؛ لتوالي الحَرَكات، ومَفْعُولُ الوَعْد مَحْذُوفٌ، أي: يعدُهُم البَاطِل أو السلامة والعافية ووعدُه وتمْنِيَتُهُ: ما يُوقعه في قَلْب الإنْسَان من طُول العمر، ونَيْل الدُّنْيَا، وقد يكون بالتَّخْوِيف بالفَقْر، فيَمْنَعُه من الإنْفَاقِ، وصِلَة الرَّحِم؛ كما قال - تعالى -: ﴿الشيطان يَعِدُكُمُ الفقر﴾ [البقرة: 268] و «يُمنيهِم» بأنْ لا بَعْثَ، ولا جنَّةَ، ﴿وَمَا يَعِدُهُمْ الشيطان إِلاَّ غُرُوراً﴾ أي: بَاطِلاً؛ لأنَّ تلك الأمَانِي لا تُفِيدُ إلا المَغْرُور؛ وهو أن يَظُنَّ الإنْسَان بالشيء أنه نَافِعٌ لدينه، ثم يَتَبَيَّن اشْتِمَالُه على أعْظَم المَضَارِّ. قوله «إِلاَّ غُرُوراً» يُحْتمل أن يكونَ مَفْعولاً ثانياً، وأن يكُون مفعولاً من أجْله، وأن يكون نعت مَصْدرٍ محذوفٍ، أي: وعْداً ذا غُرور، وأنْ يكونَ مَصْدراً على غير الصَّدْرِ؛ لأنَّ «يَعِدُهم» في قوة يَغُرُّهم بوعْدِهِ. ف ﴿أولئك مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ «أولئك» : مبتدأ، و «مأواهم» : مبتدأ ثانٍ، و «جهنم» : خبر الثَّانِي، [والجُمْلَة خبر الأوَّل] وإنما قال: «مأواهُم جَهَنَّم» ؛ لأن الغُرُور عِبَارة عن الحَالَةِ التي يُسْتَحْسَنُ ظَاهِرُهَا، ويَحْصُل النَّدَم عند انْكِشَاف الحَالِ فيها، والاستِغَراق في طَيِّبَاتِ الدُّنْيَا، وفي مَعَاصِي الله - تعالى -، وإن كان في الحَالِ لَذِيذٌ، إلا أن عَاقِبَتَهُ جَهَنَّم، وسُخْطُ الله [- تعالى -] ، وهذا معنى الغُرُور. ثم قال ﴿وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً﴾ ، فقوله «عَنْهَا» : يجُوز أن يَتعلَّق بِمَحْذُوف: إمَّا على الحَالِ من «مَحِيصاً» لأنَّه في الأصْلِ صِفَةٌ نكرةٍ قُدِّمَتْ عليها، وإمَّا على التَّبْيين أي: أعني عنها، ولا يجوزُ تعلُّقُه بمحْذُوفٍ؛ لأنه لا يتعدَّى ب «عَنْ» ولا ب «مَحِيصاً» ، وإنْ كان المَعْنَى عليه لأنَّ المَصْدَر لا يتقدَّمُ معمولُه عليه، ومَنْ يَجوِّزُ ذلك، يُجَوِّزُ تعلُّق «عن» به، والمَحِيصُ: اسمُ مَصْدر من حَاصَ يَحِيص: إذا خَلَص ونَجا، وقيل: هو الزَّوَغَان بنُفُور، ومنه قولُه: [الطويل] 1879 - وَلَمْ نَدْرِ إنْ حِصْنا مِنَ المَوْتِ حَيْصَةً ... كَمِ الْعُمْرُ بَاقٍ والمَدَى مُتَطَاوِلُ ويروي: «جِضْنا» بالجيم والضَّاد المعجمة، ومنه: «وَقَعُوا في حَيْصَ بَيْصَ» ، وحَاصَ بَاص، أي: وقعوا في أمْرٍ يَعْسرُ التَّخلُّص منه، ويقال: مَحِيص ومَحَاص، قال: [الكامل] 1880 - أتَحِيصُ مِنْ حُكْمِ الْمَنِيَّةِ جَاهِداً ... مَا لِلرِّجَالِ عِنِ المَنُونِ مَحَاصُ ويقال: حاصَ يَحُوص حَوْصاً وحِيَاصاً أي: زَايَل المكانَ الذي كان فيه، والحَوْصُ: ضِيقُ مُؤخر العين، ومنه: الأحْوَصُ. قال الواحِدِي: الآية تَحْتَمِل وَجْهَيْن: أحدهما: أنه لا بُدَّ لهم من وُرُودِ النَّارِ. والثَّاني: الخُلُود الذي هو نَصِيبُ الكُفَّار. ولما فرغ من الوعيد، أتبعه بذكر الوَعْد.

النساء 4:121

«إن» هُنَا مَعْنَاها: النَّفْي؛ كقوله - تعالى -: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ الكتاب إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} [النساء: 159] «ويَدْعُون» : بمعنى: يَعْبُدُون، نزلت في أهْل مَكَّة، أي: يَعْبُدُون، كقوله [- تعالى -] : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادعوني﴾ [غافر: 60] فإنَّ مَنْ عَبَد شَيْئاً، فإنَّه يدعوه عِنْد احْتِيَاجِهِ إليْه، وقوله: «مِن دُونِهِ» أي: من دُونِ اللَّه. قوله: «إلا إناثاً» : في هذه اللَّفْظَةِ تِسْعُ قراءاتٍ. المشهُورةُ: وهي جَمْع أنْثى، نحو: رباب جمعُ رُبَّى. والثانية: وبها قَرَأ الحسن: «أنْثَى» بالإِفْرَاد، والمرادُ به الجَمْع. والثالثة: - وبها قَرَأ ابن عبَّاسٍ، وأبو حَيْوَة، وعَطَاء، والحَسَن أيْضاً، ومعاذ القَارِئ، وأبو العَالِيَة، وأبُو نُهَيْك -: «إلا أنُثاً» كرُسُل، وفيها ثلاثةُ أوجه: أحدها: -[وبه] قال ابن جَرِيرٍ - أنه جمعُ «إناث» ؛ كثِمار وثُمُر، وإناثٌ جمع أنْثَى، فهو جَمْع الجَمْع، وهو شَاذٌّ عند النحويِّين. والثاني: أنه جَمْع «أنيثٍ» كَقَلِيب وقُلُب، وغَدِير وغُدُر، والأنيثُ من الرِّجَال: المُخَنَّثُ الضَّعِيفُ، ومنه «سَيْف أنِيثٌ، ومئنَاث، ومئنَاثَة» أي: غَيْر قَاطِعٍ قال صخر: [الوافر] 1877 - فَتُخْبِرهُ بأنَّ العَقْلَ عِنْدِي ... جُرَازٌ لا أفَلُّ وَلاَ أنِيثُ والثَّالث: أنه مُفْرَدٌ أي: يكون من الصِّفات التي جاءت على فُعُل، نحو: امرأة حُنُثٌ. والرابعة: وبها قَرَأ سَعْدُ بن أبِي وقَّاصٍ، وابْن عُمَر، وأبو الجَوْزَاء - «وثنا» بفتحِ الواوِ والثَّاء على أنَّه مفردٌ يراد به الجَمْع. والخامسة - وبها قَرَأ سعيد بن المُسَيب، ومُسْلم بن جُنْدُب، وابن عبَّاسٍ أيْضاً - «أثُنا» بضم الهمزة والثاء، وفيها وجهان: أظهرهما: أنه جَمْع وثَن، نحو: «أسَد وأُسُد» ثم قَلَب الوَاوَ همزةً؛ لضمِّها ضمّاً لازماً، والأصْلُ: «وُثُن» ثم أُثُن. والثاني: أن «وَثَناً» المُفْردَ جمع على «وِثانٍ» نحو: جَمَل وجمال، وجَبَل وجِبال، ثم جُمِع «وثان» على «وُثُن» نحو: حِمَار وحُمُر، ثم قُلبت الواوُ همزةً لما تقدَّم؛ فهو جمعُ الجَمْعِ. وقد رَدَّ ابن عَطِيَّة هذا الوجه بأنَّ فِعَالاً جمعُ كثرة، وجُمُوعُ الكَثْرة لا تُجْمَع ثانياً، إنما يُجْمَعُ من الجُمُوعِ ما كان من جُمُوعِ القِلَّة. وفيه مُنَاقَشَةٌ من حَيْثُ إنَّ الجَمْع لا يُجْمَع إلا شَاذّاً، سواءً كان من جُمُوعِ القِلَّة، أم من غيرها. والسادسة - وبها قَرَأ أيُوب السَّختياني -: «وُثُناً» وهي أصْل القراءة التي قبلها. والسَّابعة والثَّامنة: «أُثْنا ووُثْنا» بسُكُونِ الثَّاء مع الهَمْزة والوَاوِ، وهي تَخْفِيفُ فُعُل؛ كسُقُف. والتاسعة - وبها قرأ أبو السوار، وكذا وُجِدَتْ في مُصْحَفِ عَائِشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: «إلا أوْثاناً» جَمْعَ «وَثَن» نَحْو: جَمَل وأجْمال، وجَبَل وأجْبال. فصل وسُمِّيَتْ أصْنَامهم إناثاً؛ لأنهم كانوا يُلْبسُونها أنواع الحُلِيِّ، ويسمونها بأسْمَاءِ المُؤنثات، نحو: اللاَّت، والعُزَّى، ومناةَ، وقد ردَّ هذا بَعْضُهم بأنَّهم كانوا يُسَمُّون بأسْمَاء الذُّكُور، نحو: هُبَل، وذِي الخَلَصَة، وفيه نظر؛ لأن الغَالِب تَسميتُهُم بأسماء الإناثِ، و «مُرِيداً» : فَعِيل من «مَرَدَ» أي: تَجرَّد للشَّرِّ، ومنه «شَجَرَة مَرْداء» أي: تناثر وَرَقُها، ومنه: الأمْرَدُ؛ لتجرُّدِ وَجْهِه من الشَّعْر، والصَّرْحُ الممرَّد: الذي لا يَعْلُوه غُبَارٌ من ذَلِك فاللاَّت: تَأنيث اللَّه والعُزَّى: تأنيث العَزِيز. قال الحَسَن: لَمْ يكن حَيٌّ من أحْيَاء العَرَب إلا وَلَهُم صَنَمٌ يعبُدُونه، ويسمى أنْثَى بَنِي فُلان، ويدُلُّ عليه قِرَاءة عَائِشَة. وقال الضَّحَّاك: كان بعضهم يَعْبُد الملائِكَة، وكانوا يقُولُون: المَلاَئكة بَنَاتُ اللَّه، قال - تعالى -: ﴿الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة لَيُسَمُّونَ الملائكة تَسْمِيَةَ الأنثى﴾ [النجم: 27] . وقال الحسن: قوله «إلاَّ إناثاً» أي: إلا مَوْتاً، وفي تسمية الأمْوَات إنَاثاً وجهان: الأوَّل: إن الإخْبَار عن الموات يكُون على صِيغَة الإخْبَارِ عن الأنْثَى، تقُول: هذه الأحْجَار تُعْجِبُنِي، كما تقُول: هذه المَرْأة تُعْجِبُني. الثَّاني: الأنْثَى أخسّ من الذَّكر، والمَيِّت أخسُّ من الحَيِّ، فلهذهِ المُنَاسَبة أطْلَقُوا اسمْ الأنْثَى على الجَمَادَات المَوَاتِ، والمَقْصُود هل إنسان أجهل ممن أشرك. قوله: ﴿وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً﴾ فعيلٌ من مَرَدَ إذا عَتَا، ومنه: شَجَرةٌ مَرْدَاء، أي: تَنَاثَر وَرَقُها، ومنه: الأمْرَد؛ لتجرّد وجهه من الشَّعْر، والصَّرْح الممرَّدُ: الذي لا يَعْلُوه غُبَار، وقرأ أبو رَجَاء ويُرْوى عن عاصِمٍ «تَدْعُونَ» بالخِطَاب. فصل قال المفُسِّرون: كان [في] كُلُّ واحدٍ من تِلْك الأوثَان شَيْطَان يَتراءى للسَّدَنَة والكَهَنَة يُكَلِّمْهُم. وقل الزَّجَّاج: المُرادُ بالشَّيْطَان هَاهُنَا: إبْلِيس؛ لقوله - تعالى -: بعد ذلك: ﴿لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً﴾ . وهذا قول إبْلِيس، ولا يَبْعُد أنّ الذي يتراءى للسَّدنة، هو إبْلِيس. قوله: «لَعَنَهُ الله» فيه وجهان: أظهرهما: أنَّ الجُمْلَة صِفَةٌ ل «شيطاناً» ، فهي في مَحَلِّ نَصْب. والثاني: أنها مُسْتأنفةٌ: إمَّا إخْبَار بذلك، وإمَّا دُعَاء عليه، وقوله: «وقال» فيه ثلاثة أوجه: قال الزَّمَخْشَرِيُّ: قوله لَعَنَهُ «وقال لأتَّخِذَنَّ» صِفَتَان، يعني: شيطاناً مَرِيداً جَامِعاً بين لَعْنَة اللَّه، وهذا القَوْل الشَّنِيع. الثاني: الحالُ على إضْمَار «قد» أيْ: وقد قَالَ. الثالث: الاستئناف. و «لأتخِذَنَّ» جوابُ قسم مَحْذُوف، و «مِنْ عبادك» يجوزُ أن يتعلَّق بالفعل قبله، أو بمحذوفٍ على أنَّه حَالٌ من «نَصِيباً» ؛ لأنه في الأصْلِ صِفَةُ نكرةٍ قُدِّم عليها. فصل النَّصِيب المَفْرُوض: أي: حظاً مَعْلُوماً، وهم الذين يَتَّبِعُون خُطُواته، والفَرْضُ في اللغة، التَّأثِير، ومنه: فرض القَوْس للجُزْء الذي يُشَدُّ فيه الوَتَر، والفريضة: ما فَرَضَهُ اللَّه على عِبَادِهِ حَتْماً عليهم. رُوِي عنه النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنَّه قال: «من كُلِّ ألْفٍ واحدٌ للَّه، والبَاقِي للشَّيْطَان» . فإن قيل: العَقْل والنَّقْل يدلاَّن على أنَّ حِزْب اللَّه أقلُّ من حِزْب الشَّيطان. أما النَّقْل: فقوله - تعالى -: ﴿فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ﴾ [البقرة: 249] ، وحُكِيَ عن الشيطان قوله ﴿لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء: 62] ، وقوله: ﴿وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين﴾ [الحجر: 39، 40] ، ولا شك أن المُخْلَصِين قليلُون. وأمَّا العَقْل: فهو أنّ الفُسَّاق والكُفَّار كُلَّهم حِزْب إبليس. إذا ثَبَت هذا، فلفظ النَّصِيب إنَّما يتناول القِسْم الأوّل. فالجواب: أنَّ هذا التَّفَاوُت إنَّما يَحْصُل في نَوْع من البَشَر، أمَّا إذا ضَمَمت زُمْرَة الملائِكَة مع غَاية كَثْرَتِهِم إلى المُؤمنين، كانت الغَلَبَة للمُؤمِنِين. وأيضاً: فالمُؤمِنُون وإن كانُوا قَلِيلين في العَدَدِ، إلاَّ أن مَنْصِبَهُم عَظِيم عند الله، والكُفَّار، والفُسَّاق وإن كانُوا أكْثَر في العددِ، فهم كالعَدَم؛ فلهذا وقع اسم النَّصِب على قَوْم إبْلِيس. قوله: «ولأضِلَّنَّهُم» يَعْنِي: عن الحَقِّ، أو عن الهُدَى، وأراد به: التَّزْيين، وإلا فليْس إليه من الإضْلال شَيْء. ولأمَنِّيَنَّهم: بالباطل، ولآمُرَنَّهم: بالضلال، كذا قدَّره أبو البقاء، والأحْسَنُ أن يُقَدَّر المحذُوفُ، من جنس المَلْفُوظِ به، أي: ولآمُرَنَّهم بالبَتْكِ، ولآمُرَنَّهم بالتَّغْيير. وقرأ أبو عمرو فِيما نَقَل عنه ابْن عَطِيَّة: «ولامُرَنَّهم» بغيرِ ألفٍ، وهو قصرٌ شاذٌّ لا يُقاسُ عليه، ويجُوز ألاَّ يُقَدَّر شَيءٌ من ذلك؛ لأنَّ القَصْدَ: الإخْبَارُ بوقوعِ هذه الأفْعَال من غيرِ نَظَرٍ إلى مُتعلَّقاتِها، نحو: ﴿كُلُواْ واشربوا﴾ [الطور: 19] . فصل قالت المُعْتَزِلَة: قوله: «ولأضِلَّنَّهُم» يدل على أصْلَيْن عظيمين: أحدهما: أن المُضِلَّ هو الشَّيْطَان، وليس المُضِلُّ هو اللَّه - تعالى -؛ لأنَّ الشيطان ادَّعى ذَلِك، والله - سبحانه وتعالى - ما كذَّبَهُ فيه، فَهُو كقوله: ﴿وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: 39] وقوله: ﴿لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء: 62] وقوله: ﴿لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المستقيم﴾ [الأعراف: 16] ، وأيضاً: فإنه - تعالى - وَصَفَه بكونه مُضِلاًّ [للنَّاسِ] في معرض الذَّمِّ له، وذلك يَمْنَع من كون الإله مَوْصُوفاً بذلك. [الثاني: أن أهْل السُّنَّة يقُولُون: الإضْلال عِبَارة عن خَلْق الكُفْر والضَّلال، ونَحْنُ نَقُول: لَيْس الإضلال عِبَارة عن خَلْقِ الكُفْرِ والضَّلال] ؛ لأن إبْلِيس وَصَفَ نَفْسَه بأنه مُضِلٌّ، مع أنه بالإجْمَاعِ لا يَقْدِر على خلق الضَّلال. والجواب: أن هذا كلامُ إبليس، فلا يكون حُجَّةً، وأيضاً: فكلامه في هذه المسألة مُضْطَرِبٌ جِدّاً. فتارةً يَمِيل إلى القَدَرِ المَحْض، وهو قوله: «لأغويَنَّهُم» وأخرى إلى الجبْرِ المَحْضِ، وهو قوله: ﴿رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر: 39] يَعْني: أنه قال هؤلاء الكُفَّار: نحن أغْويْنَا، فمن الذي أغْوَانا عن الدِّين؟ فلا بُدَّ من انْتِهَاء الكلِّ في الآخِرة إلى اللَّه. قوله: «ولأمَنِّيَنَّهُم» قيل: أمَنِّينَّهُم ركوب الأهْوَاء. وقيل: أمَنِّيَنَّهُم إدْرَاك الآخِرَة مع ركوب المَعَاصِي. قوله: ﴿وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأنعام﴾ أي: يَقْطَعُونها، ويَشقُّونها، وهي البَحِيرة، والبتكُ: القَطْعُ والشّقُّ، والبِتْكَة: القطعة من الشيء، جَمْعُها: بِتَك، قال: [البسيط] 1878 - حَتَّى إذَا مَا هَوَتْ كَفُّ الغُلاَمِ لَهَا ... طَارَتْ وَفِي كَفِّهِ مِنْ رِيشِهَا بِتَكُ ومعنى ذلك: أنَّ الجاهليَّة كانوا يَشُقُّون أذُن النَّاقَة إذا ولدت خَمْسَة أبْطُن، آخرُها ذَكَر، وحرَّمُوا على أنْفُسِهِم الانتفاع بها، وقال آخرون: كانوا يَقْطَعُون آذَان الأنْعَام نُسُكاً في عِبَادَة الأوْثَان، ويَظُنُّون أنَّ ذلك عِبَادة، مع أنَّه في نفسه كُفْرٌ وفِسْقٌ. قوله: ﴿وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ الله﴾ هذه اللاَّمات كلها للقَسَم. قال ابن عبَّاسٍ: والحَسَن [ومُجَاهِدٌ] وسعيد بن جُبَيْر، وسَعِيد بن المسيَّب والسُّدِّي، والضَّحاك، والنَّخْعِيُ: دِينُ الله، كقوله ﴿لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله﴾ [الروم: 30] أي: لدين اللَّه، وفي تَفْسير هذا القَوْل وَجْهَان: الأول: أن اللَّه - تعالى - فطر الخَلْقَ على الإسْلام يَوْم أخْرَجَهُم من ظَهْر آدَم كالذَّرِّ، وأشْهَدَهُم على أنْفُسِهم، ألَسْتُ بِربِّكم؛ قالوا بَلَى، فمن كَفَر به، فقد غيَّر فِطْرَة اللَّه تعالى؛ يؤيده قوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - «كل مَوْلُود يُولَدُ على الفِطْرَة، فأبواه يُهوِّدَانه، ويُنَصِّرانه، ويُمَجِّسانه» . والثاني: أن التَّغْيير: تَبْدِيل الحَلالِ حَراماً، والحرام حَلاَلاً. وقال الحسن، وعكرمة، وجماعة من المُفسِّرين: التَّغْيِير: ما روى عبد اللَّه [بن مَسْعُود] عن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ [أنَّه] قال: «لَعَن اللَّه الوَاشِمَاتِ والمُسْتَوشِمَات» . قالوا: لأنَّ المرأة تَتَوصَّل بهذه الأفعال إلى الزِّنا، ولَعَن رسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «النامِصَة والمُتَنَمِّصَة، والوَاصِلَة والمُتَوَصِّلة، والوَاشِمة والمُتَوَشِّمَة » . قال القرطبي، قال مَالِك، وجماعة: إن الوَصْل بكل شَيء، من الصُّوفِ والخِرق وغَيْر ذَلِك في مَعْنَى وصله بالشَّعْر، وأجازه اللَّيْث بن سَعْد، وأباح بَعْضُهم وَضْع الشَّعْر على الرَّأس من غير وَصْل، قالوا: لأن النهي إنما جَاءَ في الوَصْل، والمُتَنمِّصَةُ: هي التي تَقْطَع الشَّعْر من وَجْهِهَا بالنِّمَاص، وهو الذي يقلع الشَّعْر. قال ابن العرَبيِّ: وأهلْ مِصر يَنْتفُون شَعْر العانَة، وهو منه، فإن السُّنَّة حَلْق العَانَة، ونَتْفُ الإبط، فأما نَتْفُ الفَرْج فإنه يُرخيه ويؤذِيه ويُبْطل كَثِيراً من المَنْفَعَةِ فيه. وأمَّا الوَاشِمَة والمُسْتَوْشِمَة، فهي الَّتِي تغرز ظَهْر كَفَّها ومِعْصَمَها، ووجْههَا بإبْرَةٍ، ثُمَّ يحشى ذلك المكانُ بالكُحْل أو بالنؤر، فيخْضَرّ، وفي بعض الروايات «الواشية، والمُسْتَوْشِيَة» باليَاء مكان المِيم، والوَشْي: التَّزَيُّن، مأخوذ من نَسْج الثَّوْب على لونين، وثورٌ مُوشَّى: في وَجْهِه وقوائِمِه سوادٌ، وأما الوشْمٌ فجائز في كل الأعْضَاء غير الوَجْه؛ لأن النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - «نهى عن الضَّرْب في الوَجْه وعن الوَشْم في الوجْهِ» ، ورُوي عن أنس، وشهر بن حَوْشَب، وعِكْرِمَة، وأبِي صالح: التَّغْيير هَهُنَا هو الإخْصَاء، وقطع الآذان، وفَقْأ العُيُون؛ لأن فيه تَعْذِيب للحَيَوان، وتَحْريم وتَحْلِيل بغير دليلٍ، والآذَان في الأنْعَام جمالٌ ومَنْفَعة، وكذلِك غيرها من الأعْضَاء، فَحَرّم عليهم الشَّيْطَان ما أحلَّه اللَّه لهم، وأمرَهُم أن يشركوا باللَّه ما لم يُنَزِّل به سُلْطَاناً، ولما كان هذا من فِعْل الشَّيْطَان، أمرنا رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن نستشرف العَيْن والأذُن، ولا نُضَحِّي بَعْورَاءَ، ولا مُقَابَلة، ولا مُدَابرة؛ ولهذا كان أنَس يكره إخْصَاء الغَنَم، وحرمه بَعْضُهم. قال القُرْطُبِي: فأما خِصاء الآدمِيِّ، فمصيبَةٌ، فإنَّه إذا خُصِي، بَطَل قلبه وقُوَّته، عَكْس الحَيَوان، وانْقَطع نَسْلُه المأمُور به في قوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «تَنَاكَحُوا تَنَاسَلُوا» ثم إن فيه ألَماً عَظِيماً، ربما يُفْضِي بَصَاحِبهِ إلى الهلاكِ، فيكون [فيه] تضْييع مالٍ، وإذْهَابُ تَفْسٍ، وكل ذلك مَنْهِيٌّ عنه، ثم هذه مُثْلَةٌ، وقد نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن المُثْلَةِ، وجوَّز بَعْضُهم في البَهَائِم؛ لأن فيه غَرَضاً، وكانت العَرَب إذا بَلغَتْ إبلُ أحَدِهِمْ ألْفاً عوَّرُوا عَيْنَ فَحْلِها. وحكى الزَّجَّاج عن بعضهم: التَّغْيير هو أن اللَّه - تعالى - خلق الأنْعامَ للرُّكُوب والأكْل، فحربوها، وخَلَق الشَّمْس، والقَمَر، والنُّجُوم، والأحْجَار لمنفعة العِبَاد، فعبدوها من دُونِ اللَّه. وقيل: التَّغْيير هو التَّخَنُّث؛ وهو عِبَارَةٌ عن الذكر يُشْبِهُ الأنْثَى والسُّحْق؛ عِبَارة عن تَشَبُّه الأنْثَى بالذّكر. ثم قال: ﴿وَمَن يَتَّخِذِ الشيطان وَلِيّاً مِّن دُونِ الله﴾ أي: ربًّا يطيعه، ﴿فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً﴾ لأن طاعة اللَّه تعالى تُفِيد المَنَافِع العَظِيمة، الدّائِمة، الخَالِصَة عن شَوائب الضَّرَر، وطاعَة الشَّيْطَان تفيد المَنَافِع القَلِيلَة، المُنْقَطِعة، المشوبة بالغموم والأحزان، ويعمها العَذَاب الدَّائِم، وهذا هُو الخسَار المُطْلَق. قال أبُو العبَّاس المُقْرِي: ورد لَفْظُ الخُسْرَان [قي القرآن] على أربَعَة أوْجُه: الأوَّل: بمعنى الضَّلالة؛ كهذه الآيَة. الثَّاني: بمعنى العَجْز؛ قال - تعالى -: ﴿لَئِنْ أَكَلَهُ الذئب وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّآ إِذَاً لَّخَاسِرُونَ﴾ [يوسف: 14] أي: عَاجِزُون ومثله: ﴿لَئِنِ اتبعتم شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: 90] . الثَّالث: بمعنى الغَبْن؛ قال - تعالى -: ﴿الذين خسروا أَنفُسَهُمْ﴾ [المؤمنون: 103] أي: غبنوا أنْفُسَهم. الرابع: بمعنى: المُخسِرُون؛ قال - تعالى -: ﴿خَسِرَ الدنيا والآخرة ذلك هُوَ الخسران [المبين] ﴾ [الحج: 11] . قوله: «يُعدُهُمْ وَيُمَنِّيهمْ» ، قُرِئَ: «يَعدْهُمْ» بسُكون الدَّال تَخْفِيفاً؛ لتوالي الحَرَكات، ومَفْعُولُ الوَعْد مَحْذُوفٌ، أي: يعدُهُم البَاطِل أو السلامة والعافية ووعدُه وتمْنِيَتُهُ: ما يُوقعه في قَلْب الإنْسَان من طُول العمر، ونَيْل الدُّنْيَا، وقد يكون بالتَّخْوِيف بالفَقْر، فيَمْنَعُه من الإنْفَاقِ، وصِلَة الرَّحِم؛ كما قال - تعالى -: ﴿الشيطان يَعِدُكُمُ الفقر﴾ [البقرة: 268] و «يُمنيهِم» بأنْ لا بَعْثَ، ولا جنَّةَ، ﴿وَمَا يَعِدُهُمْ الشيطان إِلاَّ غُرُوراً﴾ أي: بَاطِلاً؛ لأنَّ تلك الأمَانِي لا تُفِيدُ إلا المَغْرُور؛ وهو أن يَظُنَّ الإنْسَان بالشيء أنه نَافِعٌ لدينه، ثم يَتَبَيَّن اشْتِمَالُه على أعْظَم المَضَارِّ. قوله «إِلاَّ غُرُوراً» يُحْتمل أن يكونَ مَفْعولاً ثانياً، وأن يكُون مفعولاً من أجْله، وأن يكون نعت مَصْدرٍ محذوفٍ، أي: وعْداً ذا غُرور، وأنْ يكونَ مَصْدراً على غير الصَّدْرِ؛ لأنَّ «يَعِدُهم» في قوة يَغُرُّهم بوعْدِهِ. ف ﴿أولئك مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ «أولئك» : مبتدأ، و «مأواهم» : مبتدأ ثانٍ، و «جهنم» : خبر الثَّانِي، [والجُمْلَة خبر الأوَّل] وإنما قال: «مأواهُم جَهَنَّم» ؛ لأن الغُرُور عِبَارة عن الحَالَةِ التي يُسْتَحْسَنُ ظَاهِرُهَا، ويَحْصُل النَّدَم عند انْكِشَاف الحَالِ فيها، والاستِغَراق في طَيِّبَاتِ الدُّنْيَا، وفي مَعَاصِي الله - تعالى -، وإن كان في الحَالِ لَذِيذٌ، إلا أن عَاقِبَتَهُ جَهَنَّم، وسُخْطُ الله [- تعالى -] ، وهذا معنى الغُرُور. ثم قال ﴿وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً﴾ ، فقوله «عَنْهَا» : يجُوز أن يَتعلَّق بِمَحْذُوف: إمَّا على الحَالِ من «مَحِيصاً» لأنَّه في الأصْلِ صِفَةٌ نكرةٍ قُدِّمَتْ عليها، وإمَّا على التَّبْيين أي: أعني عنها، ولا يجوزُ تعلُّقُه بمحْذُوفٍ؛ لأنه لا يتعدَّى ب «عَنْ» ولا ب «مَحِيصاً» ، وإنْ كان المَعْنَى عليه لأنَّ المَصْدَر لا يتقدَّمُ معمولُه عليه، ومَنْ يَجوِّزُ ذلك، يُجَوِّزُ تعلُّق «عن» به، والمَحِيصُ: اسمُ مَصْدر من حَاصَ يَحِيص: إذا خَلَص ونَجا، وقيل: هو الزَّوَغَان بنُفُور، ومنه قولُه: [الطويل] 1879 - وَلَمْ نَدْرِ إنْ حِصْنا مِنَ المَوْتِ حَيْصَةً ... كَمِ الْعُمْرُ بَاقٍ والمَدَى مُتَطَاوِلُ ويروي: «جِضْنا» بالجيم والضَّاد المعجمة، ومنه: «وَقَعُوا في حَيْصَ بَيْصَ» ، وحَاصَ بَاص، أي: وقعوا في أمْرٍ يَعْسرُ التَّخلُّص منه، ويقال: مَحِيص ومَحَاص، قال: [الكامل] 1880 - أتَحِيصُ مِنْ حُكْمِ الْمَنِيَّةِ جَاهِداً ... مَا لِلرِّجَالِ عِنِ المَنُونِ مَحَاصُ ويقال: حاصَ يَحُوص حَوْصاً وحِيَاصاً أي: زَايَل المكانَ الذي كان فيه، والحَوْصُ: ضِيقُ مُؤخر العين، ومنه: الأحْوَصُ. قال الواحِدِي: الآية تَحْتَمِل وَجْهَيْن: أحدهما: أنه لا بُدَّ لهم من وُرُودِ النَّارِ. والثَّاني: الخُلُود الذي هو نَصِيبُ الكُفَّار. ولما فرغ من الوعيد، أتبعه بذكر الوَعْد.

النساء 4:122

يجوز في ﴿والذين آمَنُواْ﴾ : وجهان: الرفع على الابتداءِ، والخبر: «سَنُدْخِلُهم» . والنَّصْبُ على الاشْتِغَال، أي: سَنُدْخِل الذين آمَنُوا سَنُدخِلهم، وقرئ: «سيُدْخِلُهم» بياء الغيبة. واعلم: أنه - تعالى - في أكْثَر آيَاتِ الوَعْدِ ذَكَرَ ﴿خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً﴾ ولو كان الخلودُ يفيد التأبيدَ والدوامَ، لزم التكْرَار وهو خلافُ الأصْل، فعلمنا أن الخُلُود عبارة عن طول المُكْثِ لا عن الدَّوَام، وأما في آيات الوَعِيد، فإنه يذكُر الخُلُودَ، ولم يذكُرِ التَّأبِيدَ إلاَّ في حَقِّ الكفارِ، وذلك يَدلُّ على أن عِقابَ الفساقِ منقطعٌ. قوله: ﴿وَعْدَ الله حَقّاً﴾ هما مَصْدَران، الأول مُؤكِّد لنفسه؛ كأنه قال وَعَد وَعْداً، وهو قوله: «سندخلهم» و «حقَّاً» : مصدر مؤكِّد لغيره، وهو قوله: «وَعْد اللَّه» أي: حُقَّ ذلك حَقّاً. قوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله قِيلاً﴾ وهو توكيد ثَالثٌ، و «قيلاً» : نَصْبٌ على التَّمْييز، والقِيلُ، والقَوْل، والقَالُ، مَصَادِرٌ بمعنًى واحدٍ؛ ومنه قوله - تعالى -: ﴿وَقِيلِهِ يارب﴾ [الزخرف: 88] . وقال ابن السِّكِّيت: القِيلُ والقَالُ: اسمَان لا مَصْدَران، وفِائِدَة هذه التَّوْكِيدَات: معارضةُ ما ذَكَرَهُ الشَّيْطَان من المواعيد الكَاذِبَة والأماني الباطِلَةِ، والتنْبِيهُ على أن وَعْدَ اللَّه أولى بالقُبُول، وأحقُّ بالتَّصْدِيق من قوْلِ الشَّيْطَان. وقرأ حَمْزة، والكَسَائِيُّ: بإشْمَام الصَّادِ، وكل صاد سَاكِنة بَعْدَها دال في القُرْآن.

النساء 4:123

قرأ أبو جَعْفَر المَدَنِي ﴿ [لَّيْسَ] بِأَمَانِيِّكُمْ ولاا أَمَانِيِّ﴾ بتخفيف الياء فيهما جميعاً، واعلم: أن «لَيْسَ» فعْلٌ، فلا بد من اسْمٍ يكون هو مُسْنداً إليه، وفيه خلافٌ: فقيل: يَعُود ضَمِيرُها على مَلْفُوظٍ به، وقيل: يَعُود على ما دَلَّ عليه اللَّفْظُ من الفِعْل وقيل: يَدُلُّ عليه سَبَبُ الآيَةِ. فأمَّا عَودْهُ على مَلْفُوظٍ بِهِ فقيل: هو الوَعْدُ المتقدِّم في قوله: «وعد الله» وهذا اختيار الزَّمَخْشَرِي؛ قال: «في لَيْس ضَمِيرُ وعدِ الله أي: لَيْس يُنالُ ما وعد الله من الثَّواب بأمانِيِّكم ولا بأمَاني أهل الكِتَابِ، والخطابُ للمُسْلِمين؛ لأنَّه لا يُؤمن بوعِد الله إلا مَنْ آمَن بِهِ» . وأمَّا عَوْدُه على ما يَدُلُّ عليه اللَّفْظ، فقيل: هو الإيمان المَفْهُومُ من قوله: «والذين آمنوا» وهو قولُ الحسن، وعنه: «ليس الإيمانُ بالتَّمَنِّي» . وأمَّا عودُه على ما يَدُلُّ عليه السَببُ، فقيل: يعودُ على مُجَاوَرةِ المُسْلِمين مع أهلِ الكِتَابِ، وذلك أنَّ بعضهم قال: «دينُنا قبل دينِكُم، ونبيُّنَا قبل نَبيِّكم؛ فنحن أفضلُ» ، وقال المُسْلِمُون: «كتابُنا يَقْضِي على كِتابِكم، ونبينا خَاتَمُ الأنْبِياء» فنزلت. وقيل: يعودُ على الثَّوابِ والعِقَاب، أي: ليس الثَّوَابُ على الحَسَنَاتِ، ولا العقابُ على السيّئات بأمانيكم. وقيل: قالت اليهودُ ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: 18] ، ونحن أصْحَاب الجَنَّة، وكذلك النَّصَارى، وقالت كُفَّار قُرَيْش: لا نُبْعَثُ؛ فنزلت، أي: ليس ما ادَّعَيْتُمُوه يا كُفَّارَ قريش بأمانيِّكم. وقرأ الحسن، وأبُو جَعْفَر، وشَيْبةُ بن نصاح، والحَكَم، والأعْرَج: «أمانيكم» ، «ولا أمَانِي» بالتَّخْفِيف كأنَّهم جَمَعُوه على فَعَالِل دون فَعَالِيل؛ كما قالوا: قَرْقُور وقراقير وقراقِر، والعرب تُنْقِصُ من فَعَالِيل اليَاء، كما تزيدُها في فَعَالِل، نَحْو قوله: 1881 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... . ..... ... ... ... ... . تَنْقادَ الصَّيَارِيفِ فصل قال مَسْرُوق، وقتادة، والضَّحَّاك: أراد: ليس بأمَانِيِّكم أيها المُسْلِمُون ولا أمَانيِّ أهل الكِتَاب، يعني: اليَهُودَ والنَّصارى؛ وذلك أنَّهم افْتَخَرُوا، فقال أهْلُ الكتاب: نَبِيُّنَا قَبْل نبِيِّكُم، وكِتَابُنَا قبل كِتَابِكُم، فنحن أوْلَى باللَّه مِنْكُم. وقال المُسْلِمُون: نبينا خاتمُ الأنْبِيَاء، وكتابُنَا يَقْضِي على الكُتُب وقد آمَنَّا بكتابِكُم، ولم تُؤمنوا بِكتابِنَا؛ فنحن أولى. وقال مُجَاهِد: الآية خطاب لِعَبَدَة الأوْثان، يعني: مُشرِكِي أهل مَكَّة، وذلك أنَّهم قالوا: لا بَعْث ولا حِسَابَ، وقال أهل الكِتَاب: ﴿لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً﴾ [البقرة: 80] ، و ﴿وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نصارى﴾ [البقرة: 111] ، فأنزل اللَّه الآية، وإنما الأمْر بالعَمَل الصَّالِح. قوله: ﴿مَن يَعْمَلْ سواءا يُجْزَ بِهِ﴾ : جملة مُسْتأنفة مؤكِّدةٌ لحكم الجُمْلَة قبلها. قالت المُعْتَزِلَةُ: هذه الآية دالَّة على أنَّه [- تعالى -] لا يعفُو عن شَيْءٍ من السَّيِّئَات. وليس لِقَائِل أن يقُول: هذا يُشْكِلُ بالصَّغَائِر، فإنها مَغْفُورَةٌ. فالجواب عنه من وَجْهَيْن: الأول: أن العَامَّ بعد التَّخْصِيص حُجَّة. والثاني: أن صاحب الصَّغِيرة قد حَبَط من ثَوَابِ طَاعته بِمقْدَار عِقَاب تلك المَعْصِيَة، فههنا قد وَصَل خبر تلك المَعْصِيَة إليه. وأجابوا بأنه لِمَ لا يجُوز أن يَكُون المُرَادُ من هَذَا الجَزَاء ما يَصل إلى الإنْسَان [في الدُّنْيَا] من الهُمُوم والآلاَم والأسْقَام؛ ويَدُلَّ على ذلك قوله: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا جَزَآءً بِمَا كَسَبَا﴾ [المائدة: 38] سمَّى القطع جَزَاءً. ورُوِي: «أنَّه لما نَزَلت هذه الآيَة قال أبو بكر الصِّدِّيق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - كيف الصَّلاح بعد هَذِه الآيَة؟ ، فقال -[عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ]- غفر اللَّه لكَ يا أبَا بَكْرٍ، ألست تَمْرَض؟ ألَيْس تُصِيبُكَ الآلام؟ فهو ما تُجْزَوْن به» . وعن عَائِشَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - « [أن] رجلاً لما قَرَأ هذه الآيَة. فقال: [إن كان] الجَزَاء بكلِّ ما نَعْمَل، لقد هَلَكْنا، فبلغ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كَلاَمُهُ؛ فقال: يُجْزَى المُؤمِنُ في الدنيا بِمُصِيبَةٍ في جَسَدِه وما يُؤذِيه» . وعن أبي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: «لمَّا نَزَلَت هذه الآية بَكَيْنَا، وحِزِنا، وقلنا: يا رسول الله، ما أبْقَت هذه [الآية] لنا شَيْئاً، فقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -:» أبشروا فإنَّه لا يُصِيبُ أحداً منكم مُصِيبَةٌ في الدُّنْيَا، إلا جَعَلَهَا الله له كَفَّارة؛ حتَّى الشَّوْكَة التي تَقَع في قَدَمِه» . وأيضاً: هَبْ أن ذَلِك الجَزَاء إنَّما يصل إلَيْهم يوم القِيَامة، لكن لم لا يَجُوز أن يَصِل الجَزَاء بتنقِيص ثَوَابِ إيمانِه، وسائر طَاعَاتِه؛ كقوله - تعالى -: ﴿إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات﴾ [هود: 114] . ولما رَوَى الكلبي، عن أبِي صَالح، عن ابن عبَّاسٍ، أنَّه قال: «لمّا نَزَلت هَذِه الآيَة شقت على المُؤمِنِين مَشَقَّة شَدِيدة، قالوا: يا رسُول الله، وأيُّنَا لم يعمل سُوءاً، فكيف الجَزَاءُ؟ فقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: إنَّه - تعالى - وعد على الطَّاعَةِ عَشْر حَسَناتٍ، وعلى المَعْصِيَة الوَاحِدة عُقُوبَة واحدة، فمن جُوزي بالسَّيِّئة، نَقَصَت وَاحِدة من عَشْرَة، وبقيت له تِسْع حَسَناتٍ، فويل لمن غلب آحَادُه أعْشَارَهُ» . وأيضاً: فَهَذِه الآيَةُ إنَّما نزلت في الكُفَّار؛ لقوله [- تعالى -] بعدها: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أنثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فأولئك يَدْخُلُونَ الجنة} . فالمؤمن الذي أطَاعَ اللًّه سَبْعِين سَنَةً، ثم شَرِب قَطْرةً من الخَمْر، فهو مؤمِنٌ قد عَمِل الصَّالِحَات؛ فوجب القَطْع بأنَّه يدخل الجَنَّةَ. وقولهم: خرج عن كوْنه مُؤمِناً، فهو باطل؛ للدلالة الدَّالَّة على أنَّ صَاحِب الكَبِيرة مُؤمِن؛ لقوله - تعالى -: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا﴾ [الحجرات: 9] إلى قوله: ﴿فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا على الأخرى﴾ [الحجرات: 9] سَمَّى البَاغِي حَالَ كَوْنه باغياً: مُؤمِناً، وقوله ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى﴾ [البقرة: 178] سَمَّى [قَاتِل العمد العُدْوَان مُؤمِناً] ، وقوله ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ توبوا إِلَى الله تَوْبَةً نَّصُوحاً﴾ [التحريم: 8] سَمَّاه مُؤمِناً حال مَا أمَره بالتَّوْبَة، وإذا ثَبَت أنَّ صَاحِب الكَبِيرَة مُؤمِنٌن كان قوله [- تعالى -] ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات﴾ حُجَّةً في أنَّ المُؤمِن صاحب الكَبِيرَة من أهْلِ الجَنَّةِ؛ فوجبَ أن يكُون قوله: ﴿مَن يَعْمَلْ سواءا يُجْزَ بِهِ﴾ مخصوصاً بأهْل الكُفْر. وأيضاً: فهَبْ أنَّ النَّصَّ يَعُمُّ المؤمِن والكَافِر، لكن قوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: 48] أخص مِنْه، والخاصُّ مقدَّم على العَامِّ، والكَلاَمُ على العُمُومات قد تَقدَّم فِي قوله: ﴿بلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ [البقرة: 81] . فصل في دلالة الآية على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة دلت الآيَة على أنَّ الكُفَّار مخاطبون بفروع الإسْلام؛ لأن قوله - تعالى -: ﴿مَن يَعْمَلْ سواءا﴾ يتناول جَمِيع المُحَرًّماتِ، فيَدْخل فيه ما صَدَر عن الكُفَّار مما هو مُحَرَّم في دين الإسلام، وقوله: «يُجْزَ بِهِ» يدلُّ على وُصُولِ جَزَاء كُل ذلك إلَيْهم. فإن قِيلَ: لم [لا] يجُوز أن يَكُون ذَلِكَ الجَزَاء، عِبَارَة عمَّا يصل إليهم من الهُمُوم والغُمُوم في الدُّنْيَا. فالجَوَابُ أنَّه لا بُدَّ وأن يَصِل جَزَاء أعْمَالِهم الحَسَنة إليْهِم في الآخِرَة، وإذا كان كَذَلِك، اقْتَضَى أن يكُون تَنَعُّمُهم في الدُّنْيَا أكثر؛ ولذلك قال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - «الدُّنْيَا سِجْنُ المُؤمِن وجَنَّةُ الكَافِرِ» ؛ فامْتَنَع القَوْل بأنَّ جزاء أفْعَالِهِم المَحْظُورة تَصِلُ إليْهِم في الدُّنْيَا؛ فوجب القول بِوُصُول ذلك الجَزَاء [إليْهِم] في الآخرة. فصل في شبهة المعتزلة وردِّها قالت المُعْتَزِلَة: دلت [هذه] الآيَة على أنَّ العَبْد فَاعِلٌ، وعلى أنَّه بعملِ السُّوء يستحِقُّ الجَزَاء، وإذا كَانَ كَذَلِك، دلَّت على أنًّ اللَّه غير خَالِق لأفْعَال العِبَاد من وَجْهَيْن: أحدُهُما: أنه لما كان عَمَلاً للعبد، امْتَنَعَ كَوْنه عَمَلاً للَّه؛ لامتناع حُصُول مَقْدُورٍ واحدٍ بِقَادِرَيْن. والثاني: أنه لَو حَصَل بخلق اللَّه، لما استَحَقَّ العَبْد جَزَاءً ألْبَتَّة، وذلك بَاطِل؛ لأن الآيَة دلَّت على أن العَبْد يستحِقُّ الجزَاءَ على عملِهِ، وقد تقدَّمَ الجوابُ عن هذا الاسْتِدْلالِ. قوله: ﴿وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ الله وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾ قرأ الجمهور بجزم «يَجِدْ» ، عطفاً على جواب الشرط، وروي عن ابن عامر رفعه، وهو على القطع عن النسق. ثم يُحْتمل أن يكون مستأنفاً وأن يكونَ حالاً، كذا قيل، وفيه نظرٌ من حيث إنَّ المضارع المنفي ب «لا» لا يقترن بالواوِ إذا وقع حالاً. فصل في شبهة المعتزلة بنفي الشفاعة وردها قالت المُعْتَزِلَة: [دلت] الآية على نَفْي الشَّفَاعة، وأجَابُوا بوجهين: أحدهما: أنا بيَّنا أن هذه الآيَة في حقِّ الكُفَّار. والثَّاني: أن شفاعة الأنْبِيَاء والمَلاَئِكَة في حقِّ العُصَاة، إنَّما تكُون بإذن الله - تعالى -، وإذا كان كَذلِك، فلا وَلِيَّ لأحَدٍ ولا نصير، إلا اللَّه - سبحانه وتعالى -. قوله: « [وَمَن يَعْمَلْ] مِنَ الصالحات مِن ذَكَرٍ» «من» الأولَى: للتَّبعيضِ؛ لأنَّ المكلَّف لا يطيق عَمَل كل الصَّالِحَات. وقال الطَّبَرِي: «هي زائدةٌ عند قَوْم» وفيه ضعفٌ، لعدم الشَّرْطَيْن، و «مِنْ» الثانية للتبيين، وأجاز أبو البقاء أن تكُونَ حالاً، وفي صَاحِبها وجهان: أحدهما: أنه الضَّميرُ المَرْفُوع ب «يَعْمَل» . والثاني: أنه الصَّالحات، أي: الصالحات كَائِنةً من ذكر أو أنثى، وقد تقدَّم إيضاح هذا في قوله: ﴿لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى﴾ [آل عمران: 195] والكلامُ على « أوْ» أيضاً، وقوله: «وَهُوَ مُؤْمِنٌ» جملة حَالِيّة من فَاعِل «يَعْمَل» . [قوله «يدخلون» ] قرأ أبو عَمْرو، وابن كَثير، وأبُو بَكْر عن عَاصِم: «يُدْخَلون» هُنَا، وفي مَرْيم، وأوَّل غَافِر بضم حَرْف المُضَارَعة، وفتح الخَاء مبنياً للمَفْعُول، وانفردَ ابنُ كَثِيرٍ وأبو بكْرٍ بثانية غَافِر، وأبو عمرو بالتي في فَاطِر، والبَاقُون: بفتحِ حَرْفِ المُضَارعة، وضمِّ الخَاءِ مبنياً للفاعِل، وذلك للتفنُّنِ في البلاغَةِ. والأوّل أحْسن؛ لأنَّهُ أفْخَم، ولِكَوْنه مُوافقاً لقوله: ﴿وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ . وأما القِرَاءة الثَّانية: فهي مُطَابِقَةٌ لقوله: ﴿ادخلوا الجنة أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ﴾ [الزخرف: 70] ، ولقوله ﴿ادخلوها بِسَلامٍ﴾ [الحجر: 46] . والنقير: النَّقْرَة في ظَهْر النَّوَاة، مِنْها تَنْبُت النَّخْلَة، والمَعْنَى: أنَّهم لا يُنْقَصُون قدر مَنْبَت النَّوَاة. فإن قِيلَ: لم خصَّ اللَّه الصالِحينَ بأنَّهم لا يُظْلَمُونَ، مع أنَّ غيرهم كَذَلِك؛ كما قال: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: 46] ، وقوله ﴿وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 108] . فالجواب: من وجهين: الأول: أن يَكُون الرَّاجع في قوله: «ولا يُظْلَمُونَ» عائداً إلى عُمَّال السُّوءِ، وعُمَّال الصَّالِحَات جَمِيعاً. والثَّاني: أن من لا يُنْقِصُ من الثَّواب، أولى بأن لا يَزِيدَ في العِقَابِ. روى الأعْمَش، عن أبي الضُّحَى عن مَسْرُوقٍ، قال: لمَّا نَزَل ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ ولا أَمَانِيِّ أَهْلِ الكتاب مَن يَعْمَلْ سواءا يُجْزَ بِهِ﴾ قال أهْل الكِتَاب: نَحْنُ وأنْتُم سَوَاءٌ، فَنَزَلتْ: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات﴾ الآية، ونزل أيْضاً: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ﴾ [النساء: 125] . فصل: صاحب الكبيرة لا يخلد في النار وهذه الآية من أدَلِّ الدَّلائِل على أن صَاحِبَ الكَبِيرَة لا يُخَلَّد [في النَّارِ] بل ينقل إلى الجَنَّة؛ لأنَّا بينَّا أن صاحِبَ الكبِيرَة مؤمن، وإذا ثَبَتَ ذَلِك، وكان قد عَمِلَ الصَّالِحَات، وجب أنْ يدْخُل الجَنَّة، لهذه الآية، ولزم بِحُكْم الآيَات الدَّالَّة على وَعِيد الفُسَّاق أن يَدْخُل النَّار، فإمَّا أن يدْخُل النَّار، ثم يَنْتَقِل إلى النَّارِ، وذلك بَاطِلٌ بالإجْماع، أو يَدْخُل النَّار، ثم ينتقل إلى الجَنَّة، وذلك هُو المَطْلُوب.

النساء 4:124

قرأ أبو جَعْفَر المَدَنِي ﴿ [لَّيْسَ] بِأَمَانِيِّكُمْ ولاا أَمَانِيِّ﴾ بتخفيف الياء فيهما جميعاً، واعلم: أن «لَيْسَ» فعْلٌ، فلا بد من اسْمٍ يكون هو مُسْنداً إليه، وفيه خلافٌ: فقيل: يَعُود ضَمِيرُها على مَلْفُوظٍ به، وقيل: يَعُود على ما دَلَّ عليه اللَّفْظُ من الفِعْل وقيل: يَدُلُّ عليه سَبَبُ الآيَةِ. فأمَّا عَودْهُ على مَلْفُوظٍ بِهِ فقيل: هو الوَعْدُ المتقدِّم في قوله: «وعد الله» وهذا اختيار الزَّمَخْشَرِي؛ قال: «في لَيْس ضَمِيرُ وعدِ الله أي: لَيْس يُنالُ ما وعد الله من الثَّواب بأمانِيِّكم ولا بأمَاني أهل الكِتَابِ، والخطابُ للمُسْلِمين؛ لأنَّه لا يُؤمن بوعِد الله إلا مَنْ آمَن بِهِ» . وأمَّا عَوْدُه على ما يَدُلُّ عليه اللَّفْظ، فقيل: هو الإيمان المَفْهُومُ من قوله: «والذين آمنوا» وهو قولُ الحسن، وعنه: «ليس الإيمانُ بالتَّمَنِّي» . وأمَّا عودُه على ما يَدُلُّ عليه السَببُ، فقيل: يعودُ على مُجَاوَرةِ المُسْلِمين مع أهلِ الكِتَابِ، وذلك أنَّ بعضهم قال: «دينُنا قبل دينِكُم، ونبيُّنَا قبل نَبيِّكم؛ فنحن أفضلُ» ، وقال المُسْلِمُون: «كتابُنا يَقْضِي على كِتابِكم، ونبينا خَاتَمُ الأنْبِياء» فنزلت. وقيل: يعودُ على الثَّوابِ والعِقَاب، أي: ليس الثَّوَابُ على الحَسَنَاتِ، ولا العقابُ على السيّئات بأمانيكم. وقيل: قالت اليهودُ ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: 18] ، ونحن أصْحَاب الجَنَّة، وكذلك النَّصَارى، وقالت كُفَّار قُرَيْش: لا نُبْعَثُ؛ فنزلت، أي: ليس ما ادَّعَيْتُمُوه يا كُفَّارَ قريش بأمانيِّكم. وقرأ الحسن، وأبُو جَعْفَر، وشَيْبةُ بن نصاح، والحَكَم، والأعْرَج: «أمانيكم» ، «ولا أمَانِي» بالتَّخْفِيف كأنَّهم جَمَعُوه على فَعَالِل دون فَعَالِيل؛ كما قالوا: قَرْقُور وقراقير وقراقِر، والعرب تُنْقِصُ من فَعَالِيل اليَاء، كما تزيدُها في فَعَالِل، نَحْو قوله: 1881 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... . ..... ... ... ... ... . تَنْقادَ الصَّيَارِيفِ فصل قال مَسْرُوق، وقتادة، والضَّحَّاك: أراد: ليس بأمَانِيِّكم أيها المُسْلِمُون ولا أمَانيِّ أهل الكِتَاب، يعني: اليَهُودَ والنَّصارى؛ وذلك أنَّهم افْتَخَرُوا، فقال أهْلُ الكتاب: نَبِيُّنَا قَبْل نبِيِّكُم، وكِتَابُنَا قبل كِتَابِكُم، فنحن أوْلَى باللَّه مِنْكُم. وقال المُسْلِمُون: نبينا خاتمُ الأنْبِيَاء، وكتابُنَا يَقْضِي على الكُتُب وقد آمَنَّا بكتابِكُم، ولم تُؤمنوا بِكتابِنَا؛ فنحن أولى. وقال مُجَاهِد: الآية خطاب لِعَبَدَة الأوْثان، يعني: مُشرِكِي أهل مَكَّة، وذلك أنَّهم قالوا: لا بَعْث ولا حِسَابَ، وقال أهل الكِتَاب: ﴿لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً﴾ [البقرة: 80] ، و ﴿وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نصارى﴾ [البقرة: 111] ، فأنزل اللَّه الآية، وإنما الأمْر بالعَمَل الصَّالِح. قوله: ﴿مَن يَعْمَلْ سواءا يُجْزَ بِهِ﴾ : جملة مُسْتأنفة مؤكِّدةٌ لحكم الجُمْلَة قبلها. قالت المُعْتَزِلَةُ: هذه الآية دالَّة على أنَّه [- تعالى -] لا يعفُو عن شَيْءٍ من السَّيِّئَات. وليس لِقَائِل أن يقُول: هذا يُشْكِلُ بالصَّغَائِر، فإنها مَغْفُورَةٌ. فالجواب عنه من وَجْهَيْن: الأول: أن العَامَّ بعد التَّخْصِيص حُجَّة. والثاني: أن صاحب الصَّغِيرة قد حَبَط من ثَوَابِ طَاعته بِمقْدَار عِقَاب تلك المَعْصِيَة، فههنا قد وَصَل خبر تلك المَعْصِيَة إليه. وأجابوا بأنه لِمَ لا يجُوز أن يَكُون المُرَادُ من هَذَا الجَزَاء ما يَصل إلى الإنْسَان [في الدُّنْيَا] من الهُمُوم والآلاَم والأسْقَام؛ ويَدُلَّ على ذلك قوله: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا جَزَآءً بِمَا كَسَبَا﴾ [المائدة: 38] سمَّى القطع جَزَاءً. ورُوِي: «أنَّه لما نَزَلت هذه الآيَة قال أبو بكر الصِّدِّيق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - كيف الصَّلاح بعد هَذِه الآيَة؟ ، فقال -[عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ]- غفر اللَّه لكَ يا أبَا بَكْرٍ، ألست تَمْرَض؟ ألَيْس تُصِيبُكَ الآلام؟ فهو ما تُجْزَوْن به» . وعن عَائِشَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - « [أن] رجلاً لما قَرَأ هذه الآيَة. فقال: [إن كان] الجَزَاء بكلِّ ما نَعْمَل، لقد هَلَكْنا، فبلغ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كَلاَمُهُ؛ فقال: يُجْزَى المُؤمِنُ في الدنيا بِمُصِيبَةٍ في جَسَدِه وما يُؤذِيه» . وعن أبي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: «لمَّا نَزَلَت هذه الآية بَكَيْنَا، وحِزِنا، وقلنا: يا رسول الله، ما أبْقَت هذه [الآية] لنا شَيْئاً، فقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -:» أبشروا فإنَّه لا يُصِيبُ أحداً منكم مُصِيبَةٌ في الدُّنْيَا، إلا جَعَلَهَا الله له كَفَّارة؛ حتَّى الشَّوْكَة التي تَقَع في قَدَمِه» . وأيضاً: هَبْ أن ذَلِك الجَزَاء إنَّما يصل إلَيْهم يوم القِيَامة، لكن لم لا يَجُوز أن يَصِل الجَزَاء بتنقِيص ثَوَابِ إيمانِه، وسائر طَاعَاتِه؛ كقوله - تعالى -: ﴿إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات﴾ [هود: 114] . ولما رَوَى الكلبي، عن أبِي صَالح، عن ابن عبَّاسٍ، أنَّه قال: «لمّا نَزَلت هَذِه الآيَة شقت على المُؤمِنِين مَشَقَّة شَدِيدة، قالوا: يا رسُول الله، وأيُّنَا لم يعمل سُوءاً، فكيف الجَزَاءُ؟ فقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: إنَّه - تعالى - وعد على الطَّاعَةِ عَشْر حَسَناتٍ، وعلى المَعْصِيَة الوَاحِدة عُقُوبَة واحدة، فمن جُوزي بالسَّيِّئة، نَقَصَت وَاحِدة من عَشْرَة، وبقيت له تِسْع حَسَناتٍ، فويل لمن غلب آحَادُه أعْشَارَهُ» . وأيضاً: فَهَذِه الآيَةُ إنَّما نزلت في الكُفَّار؛ لقوله [- تعالى -] بعدها: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أنثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فأولئك يَدْخُلُونَ الجنة} . فالمؤمن الذي أطَاعَ اللًّه سَبْعِين سَنَةً، ثم شَرِب قَطْرةً من الخَمْر، فهو مؤمِنٌ قد عَمِل الصَّالِحَات؛ فوجب القَطْع بأنَّه يدخل الجَنَّةَ. وقولهم: خرج عن كوْنه مُؤمِناً، فهو باطل؛ للدلالة الدَّالَّة على أنَّ صَاحِب الكَبِيرة مُؤمِن؛ لقوله - تعالى -: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا﴾ [الحجرات: 9] إلى قوله: ﴿فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا على الأخرى﴾ [الحجرات: 9] سَمَّى البَاغِي حَالَ كَوْنه باغياً: مُؤمِناً، وقوله ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى﴾ [البقرة: 178] سَمَّى [قَاتِل العمد العُدْوَان مُؤمِناً] ، وقوله ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ توبوا إِلَى الله تَوْبَةً نَّصُوحاً﴾ [التحريم: 8] سَمَّاه مُؤمِناً حال مَا أمَره بالتَّوْبَة، وإذا ثَبَت أنَّ صَاحِب الكَبِيرَة مُؤمِنٌن كان قوله [- تعالى -] ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات﴾ حُجَّةً في أنَّ المُؤمِن صاحب الكَبِيرَة من أهْلِ الجَنَّةِ؛ فوجبَ أن يكُون قوله: ﴿مَن يَعْمَلْ سواءا يُجْزَ بِهِ﴾ مخصوصاً بأهْل الكُفْر. وأيضاً: فهَبْ أنَّ النَّصَّ يَعُمُّ المؤمِن والكَافِر، لكن قوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: 48] أخص مِنْه، والخاصُّ مقدَّم على العَامِّ، والكَلاَمُ على العُمُومات قد تَقدَّم فِي قوله: ﴿بلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ [البقرة: 81] . فصل في دلالة الآية على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة دلت الآيَة على أنَّ الكُفَّار مخاطبون بفروع الإسْلام؛ لأن قوله - تعالى -: ﴿مَن يَعْمَلْ سواءا﴾ يتناول جَمِيع المُحَرًّماتِ، فيَدْخل فيه ما صَدَر عن الكُفَّار مما هو مُحَرَّم في دين الإسلام، وقوله: «يُجْزَ بِهِ» يدلُّ على وُصُولِ جَزَاء كُل ذلك إلَيْهم. فإن قِيلَ: لم [لا] يجُوز أن يَكُون ذَلِكَ الجَزَاء، عِبَارَة عمَّا يصل إليهم من الهُمُوم والغُمُوم في الدُّنْيَا. فالجَوَابُ أنَّه لا بُدَّ وأن يَصِل جَزَاء أعْمَالِهم الحَسَنة إليْهِم في الآخِرَة، وإذا كان كَذَلِك، اقْتَضَى أن يكُون تَنَعُّمُهم في الدُّنْيَا أكثر؛ ولذلك قال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - «الدُّنْيَا سِجْنُ المُؤمِن وجَنَّةُ الكَافِرِ» ؛ فامْتَنَع القَوْل بأنَّ جزاء أفْعَالِهِم المَحْظُورة تَصِلُ إليْهِم في الدُّنْيَا؛ فوجب القول بِوُصُول ذلك الجَزَاء [إليْهِم] في الآخرة. فصل في شبهة المعتزلة وردِّها قالت المُعْتَزِلَة: دلت [هذه] الآيَة على أنَّ العَبْد فَاعِلٌ، وعلى أنَّه بعملِ السُّوء يستحِقُّ الجَزَاء، وإذا كَانَ كَذَلِك، دلَّت على أنًّ اللَّه غير خَالِق لأفْعَال العِبَاد من وَجْهَيْن: أحدُهُما: أنه لما كان عَمَلاً للعبد، امْتَنَعَ كَوْنه عَمَلاً للَّه؛ لامتناع حُصُول مَقْدُورٍ واحدٍ بِقَادِرَيْن. والثاني: أنه لَو حَصَل بخلق اللَّه، لما استَحَقَّ العَبْد جَزَاءً ألْبَتَّة، وذلك بَاطِل؛ لأن الآيَة دلَّت على أن العَبْد يستحِقُّ الجزَاءَ على عملِهِ، وقد تقدَّمَ الجوابُ عن هذا الاسْتِدْلالِ. قوله: ﴿وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ الله وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾ قرأ الجمهور بجزم «يَجِدْ» ، عطفاً على جواب الشرط، وروي عن ابن عامر رفعه، وهو على القطع عن النسق. ثم يُحْتمل أن يكون مستأنفاً وأن يكونَ حالاً، كذا قيل، وفيه نظرٌ من حيث إنَّ المضارع المنفي ب «لا» لا يقترن بالواوِ إذا وقع حالاً. فصل في شبهة المعتزلة بنفي الشفاعة وردها قالت المُعْتَزِلَة: [دلت] الآية على نَفْي الشَّفَاعة، وأجَابُوا بوجهين: أحدهما: أنا بيَّنا أن هذه الآيَة في حقِّ الكُفَّار. والثَّاني: أن شفاعة الأنْبِيَاء والمَلاَئِكَة في حقِّ العُصَاة، إنَّما تكُون بإذن الله - تعالى -، وإذا كان كَذلِك، فلا وَلِيَّ لأحَدٍ ولا نصير، إلا اللَّه - سبحانه وتعالى -. قوله: « [وَمَن يَعْمَلْ] مِنَ الصالحات مِن ذَكَرٍ» «من» الأولَى: للتَّبعيضِ؛ لأنَّ المكلَّف لا يطيق عَمَل كل الصَّالِحَات. وقال الطَّبَرِي: «هي زائدةٌ عند قَوْم» وفيه ضعفٌ، لعدم الشَّرْطَيْن، و «مِنْ» الثانية للتبيين، وأجاز أبو البقاء أن تكُونَ حالاً، وفي صَاحِبها وجهان: أحدهما: أنه الضَّميرُ المَرْفُوع ب «يَعْمَل» . والثاني: أنه الصَّالحات، أي: الصالحات كَائِنةً من ذكر أو أنثى، وقد تقدَّم إيضاح هذا في قوله: ﴿لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى﴾ [آل عمران: 195] والكلامُ على « أوْ» أيضاً، وقوله: «وَهُوَ مُؤْمِنٌ» جملة حَالِيّة من فَاعِل «يَعْمَل» . [قوله «يدخلون» ] قرأ أبو عَمْرو، وابن كَثير، وأبُو بَكْر عن عَاصِم: «يُدْخَلون» هُنَا، وفي مَرْيم، وأوَّل غَافِر بضم حَرْف المُضَارَعة، وفتح الخَاء مبنياً للمَفْعُول، وانفردَ ابنُ كَثِيرٍ وأبو بكْرٍ بثانية غَافِر، وأبو عمرو بالتي في فَاطِر، والبَاقُون: بفتحِ حَرْفِ المُضَارعة، وضمِّ الخَاءِ مبنياً للفاعِل، وذلك للتفنُّنِ في البلاغَةِ. والأوّل أحْسن؛ لأنَّهُ أفْخَم، ولِكَوْنه مُوافقاً لقوله: ﴿وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ . وأما القِرَاءة الثَّانية: فهي مُطَابِقَةٌ لقوله: ﴿ادخلوا الجنة أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ﴾ [الزخرف: 70] ، ولقوله ﴿ادخلوها بِسَلامٍ﴾ [الحجر: 46] . والنقير: النَّقْرَة في ظَهْر النَّوَاة، مِنْها تَنْبُت النَّخْلَة، والمَعْنَى: أنَّهم لا يُنْقَصُون قدر مَنْبَت النَّوَاة. فإن قِيلَ: لم خصَّ اللَّه الصالِحينَ بأنَّهم لا يُظْلَمُونَ، مع أنَّ غيرهم كَذَلِك؛ كما قال: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: 46] ، وقوله ﴿وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 108] . فالجواب: من وجهين: الأول: أن يَكُون الرَّاجع في قوله: «ولا يُظْلَمُونَ» عائداً إلى عُمَّال السُّوءِ، وعُمَّال الصَّالِحَات جَمِيعاً. والثَّاني: أن من لا يُنْقِصُ من الثَّواب، أولى بأن لا يَزِيدَ في العِقَابِ. روى الأعْمَش، عن أبي الضُّحَى عن مَسْرُوقٍ، قال: لمَّا نَزَل ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ ولا أَمَانِيِّ أَهْلِ الكتاب مَن يَعْمَلْ سواءا يُجْزَ بِهِ﴾ قال أهْل الكِتَاب: نَحْنُ وأنْتُم سَوَاءٌ، فَنَزَلتْ: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات﴾ الآية، ونزل أيْضاً: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ﴾ [النساء: 125] . فصل: صاحب الكبيرة لا يخلد في النار وهذه الآية من أدَلِّ الدَّلائِل على أن صَاحِبَ الكَبِيرَة لا يُخَلَّد [في النَّارِ] بل ينقل إلى الجَنَّة؛ لأنَّا بينَّا أن صاحِبَ الكبِيرَة مؤمن، وإذا ثَبَتَ ذَلِك، وكان قد عَمِلَ الصَّالِحَات، وجب أنْ يدْخُل الجَنَّة، لهذه الآية، ولزم بِحُكْم الآيَات الدَّالَّة على وَعِيد الفُسَّاق أن يَدْخُل النَّار، فإمَّا أن يدْخُل النَّار، ثم يَنْتَقِل إلى النَّارِ، وذلك بَاطِلٌ بالإجْماع، أو يَدْخُل النَّار، ثم ينتقل إلى الجَنَّة، وذلك هُو المَطْلُوب.

النساء 4:125

لما شرط في حُصُول النَّجاة والفَوْزِ بالجنَّة كون الإنْسَان مُؤمِناً، شَرَح هَهُنَا الإيمَان، وبَيَّن فَضْلَه من وَجْهَين: أحدهما: أنَّه الدِّين المشتمل على العُبُودِيَّة والانْقِيَاد لله - تعالى -. والثاني: أنه دينُ إبْرَاهيم - عليه السَّلام -، وكل واحدٍ من هَذَيْن الوَجْهَيْن سَبَبٌ مستقِلٌّ في التَّرْغِيب في دِينِ الإسْلاَم. أما الأوّل: فإن دِين الإسْلام مَبْنيٌّ على الاعْتِقَاد والعَمَل. أما الاعتقاد: فإليه الإشارَة بقوله: ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله﴾ لأن الإسْلام هو الانْقِيَاد، والاسْتِسْلام، والخُضُوعُ، وذكر الوَجْه؛ لأنه أحسن الأعْضَاء الظَّاهِرَة، فإذا عَرَفَ ربه بِقلبه، وأقَرَّ بِرُبُوبِيَّتِهِ، وبعبُودِيَّة نفسه، فقد أسْلَم وجهه للَّه. وأمَّا العَمَل فإليه الإشَارةُ بقوله: «وَهُوَ مُحْسنٌ» فيدخل فيه فِعْلُ الحِسَنَات وتَرْكُ السَّيِّئَات، فاحتوت هذه اللَّفْظَة على جَمِيع الأغْرَاض، وفيها تَنْبِيهٌ على فَسَادِ طَرِيقَةِ من اسْتَعان بغير اللَّهِ؛ فإن المُشْرِكِين يستعينُونَ بالأصْنَام، ويَقُولُون: هؤلاء شُفَعَاؤُنَا عِنْد اللَّه، والدهرية والطَّبِيعيُّون يَسْتعِينُونَ بالأفْلاكِ، [والكَواكِبِ] ، والطبائع، وغيرها، واليَهُود ثَلاَثَة، وأما المُعْتَزِلَة: فهم في الحَقِيقَةِ ما أسْلَمَت وَجُوهُهم للَّه؛ لأنهم يَرون [أنَّ] الطاعة المُوجِبَة لِثَوَابِهِم من أنْفُسِهِم، والمَعْصِية الموجِبَة لِعِقَابِهم من أنْفُسِهم، فهم في الحَقِيقَة لا يَرْجُون إلا أنْفُسَهُم، ولا يَخَافُون إلا أنْفُسَهم، وأهل السُّنَّة: فَوَّضُوا التَّدْبِير، والتَّكْوِين والخَلْق، والإبْدَاع إلى اللَّه - تعالى -، واعتَقَدُوا أن لا مُوجِدَ ولا مُؤثِّر إلا اللَّه [تعالى] فهم الذِين أسْلَمُوا وجوههم للَّه. وأما الوَجْه الثَّاني: وهو أنَّ محمَّداً - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - إنما دَعَى الخَلْق إلى دين إبْرَاهِيم -[عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -، وإبراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -] إنَّما كان يَدْعُو إلى اللَّه - تعالى -، لا إلى [عِبَادة] فَلَكٍ ولا طاعة كَوْكَب، ولا سُجُود لِصَنَمٍ، ولا اسْتِعَانَة بطبيعة؛ بل كانت دَعْوَتُه إلى اللَّه - تعالى - كما قال: ﴿إِنِّي برياء مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: 78] ودعوة مُحَّمد - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - كانت قَرِيبَة من شَرْع إبْرَاهيم - عليه السلام - في الخِتَان، وفي الأعْمَال المُتَعَلِّقَة بالكَعْبَة؛ كالصَّلاة إليها، والطَّوَاف [والسَّعْي] والرَّمْي، والوُقُوف، والحَلْق، والكَلِمَات العَشْر المَذْكُورة في قوله: ﴿وَإِذِ ابتلى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: 124] . وإذا ثبت أنَّ شَرْع مُحمد - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - كان قَريباً من شَرْع إبراهيم [ثم إنَّ شَرْع إبْرَاهِيم] مقبولٌ عند الكُلِّ لأن العَرَب لا يَفْتَخرُون بشيءٍ كافتخارهم بالانْتِساب إلى إبْرَاهيم -[عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ]-، وأما اليَهُود والنَّصارى فلا شَكَّ في كَوْنِهِم مُفْتَخِرين بِهِ، وإذا ثَبَت هذا، لَزِم أن يكون شَرْع مُحمَّد -[صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ]- مَقْبُولاً عند الكُلِّ. قوله: ﴿مِمَّنْ أَسْلَمَ﴾ : متعلِّقٌ ب «أحْسَنُ» فهي «مِنْ» الجَارَّة للمَفْضُول، و «لله» متعلِّقٌ ب «أسْلَم» ، وأجَازَ أبُو البقاء أن يَتَعَلَّق بَمَحْذُوف على أنَّه حَالٌ من «وَجْهه» وفيه نظرٌ لا يَخْفَى، «وهو مُحْسِنٌ» ، حالٌ من فَاعِل «أسْلَم» . ومعنى ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله﴾ : أخْلَصَ عمله للَّه، وقيل: فَوض أمْرَه إلى اللَّه، «وهو مُحْسِن» أي: مُوَحِّد. و «اتَّبع» يجُوز أن يكون عَطْفاً على «أسْلَمَ» وهو الظَّاهِر، وأن يكونَ حالاً ثانية من فَاعِل «أسْلَم» بإضمار «قَدْ» عند مَنْ يشترط ذَلِك، وقد تقدَّم الكَلاَم على «حَنيفاً» في البَقَرة، إلا أنَّه يَجُوزُ هنا أن يكُون حالاً من فَاعِل «اتبع» . فصل «ملَّة إبْرَاهِيم» دين إبراهيم، «حَنِيفاً» أي: مسلِماً مُخْلِصاً. فإن قيل ظَاهِر هذه الآيَة يَقْتَضِي أنَّ شرع مُحمد - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - نفس شَرْع إبْرَاهيمَ، وعلى هَذَا لم يَكُن لمحمد - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - شريعة مُسْتقِلَّة، وأنتم لا تَقُولُون بِذلِك. فالجوابُ: أن شَريعَة محمد - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - تُشْبِه أكثر شَرِيعَة إبْرَاهِيمَ. قال ابن عبَّاسٍ: ومن دينِ إبراهيم: الصَّلاة إلى الكَعْبَة، والطَّواف بها، ومَنَاسِك الحَجِّ، وإنما خصَّ بها إبْراهيم -[عليه والصلاة والسلام]-؛ لأنه كان مَقْبُولاً عند جَمِيع الأمَمِ، وقيل: إنَّه بُعِثَ على مِلَّة إبْرَاهِيم، وزِيدَت له أشْيَاء. قوله: ﴿وَاتَّخَذَ الله إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ فيه وجهان وذلك أنَّ «اتَّخذ» إن عَدَّيْناها لاثنين، كان مَفْعُولاً ثانياً، وإلا كان حالاً، وهذه الجُمْلَة عَطْف على الجُمْلَة الاستِفْهَاميةِ التي مَعْنَاها الخَبَرُ، نَبَّهَتْ على شَرَف المَتْبُوعِ وأنه جَدِيرٌ بأن يُتَّبَع لاصْطِفَاءِ الله له بالخُلّة، ولا يَجُوز عَطْفُها على ما قَبْلَها لِعدم صلاحيَّتِها صلةً للموصول. وجعلها الزَّمَخْشَرِي جملة مُعْتَرِضَة، قال: «فإنْ قلت ما مَحَلُّ هذه الجُمْلةِ؟ قلت: لا محلَّ لها من الإعْرَاب؛ لأنَّها مِنْ جُمل الاعْتِرَاضَاتِ، نحو ما يجيء في الشِّعر من قَوْلهم:» والحَوَادِثُ جَمَّةٌ «فائدتُها تَأكيدُ وجوب اتِّباع ملّته؛ لأنَّ مَنْ بَلَغَ من الزُّلْفَى عند الله أن اتَّخَذَه خَلِيلاً، كان جديراً بأن يُتَّبع» فإنْ عنى بالاعْتِرَاضِ المُصْطَلحَ عليه، فَلَيْس ثَمَّ اعْتِراضٌ؛ إذ الاعْتِرَاضُ بين مُتلازِمِيْن؛ كفِعْل وفَاعِلٍ، ومُبْتَدأ وخَبَر وشَرْط وجَزَاء، وقَسَم وَجَواب، وإن عَنَى غير ذلك احتُمِل، إلا أنَّ تنظيرَه بقولهم: «والحَوَادِثُ جَمَّةٌ» يُشْعِر بالاعْتِرَاض المُصْطَلح عليه؛ فإن قولهم: «والحَوَادِثُ جَمَّةٌ» وَرَدَ في بَيْتَيْنِ: أحدهما: بين فِعْل وفَاعِل؛ كقوله: [الطويل] 1822 - وَقَدْ أدْرَكَتْنِي وَالحَوَادِثُ جَمَّةٌ ... أسِنَّةُ قَوْمٍ لا ضِعَافٍ ولا عُزْلِ والآخر يَحْتَمِل ذلك، على أن تكُونَ الباءُ زائدةً في الفَاعِل؛ كقوله: [الطويل] 1883 - ألاَ هَلْ أتَاهَا والحَوَادِثُ جَمَّةٌ ... بأنَّ امْرَأ القَيْس بنَ تَمْلِكَ بَيْقَرا ويُحْتَمل أن يكونَ الفَاعِلُ ضميراً دلَّ عليه السِّياق، أي: هل أتاها الخَبَر بان أمْرأ القيس، فيكون اعْتِرَاضاً بين الفِعْل ومَعْمُوله. والخليلُ: مشتق من الخَلَّة بالفَتْح، وهي الحَاجَة، أو من الخُلَّة بالضَّمِّ، وهي المودة الخالصة. وسُمِّي إبْرَاهيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ خليلاً أي: فَقِيراً إلى اللَّه؛ لأنَّه لم يَجْعَل فَقْره وفَاقَتَه إلاَّ إلى اللَّه. قال القُرْطُبيُّ: الخَلِيلُ فعيل، بِمَعنى: فَاعِل؛ كالعَلِيم، بمعنى: عالم، وقيل: هو بِمَعْنَى المَفْعُول؛ كالحَبِيب بِمَعْنَى: المَحْبُوب، وإبراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - كان مُحبًّا للَّه، وكان مَحْبُوباً للَّه. أو من الخلل. قال ثَعْلَب: «سُمِّي خليلاً؛ لأن مَوَدَّته تَتَخَلَّلُ القَلْبَ» وأنشد: [الخفيف] 1884 - قَدْ تَخَلَّلْتَ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنِّي ... وَبِهِ سُمِّي الْخَلِيلُ خَلِيلا وقال الرَّاغِب: «الخَلَّة - أي بالفتح - الاختلالُ العَارِضُ للنَّفْس: إمَّا لشَهْوَتِها لِشَيْء، أو لحاجتهَا إليه، ولهذا فَسَّر الخَلَّة بالحاَجَة، والخُلَّة - أي بالضم -: المودة: إما لأنَّها تتَخَلَّل النَّفْس، أي: تتوسَّطُها، وإما لأنَّها تُخِلُّ النَّفْسَ؛ فتؤثِّر فيها تأثيرَ السَّهْم في الرَّمِيَّة، وإمَّا لفَرْطِ الحَاجَة إليْها» . وقال الزَّجَّاج: معنى الخليل: الذي لَيْس في مَحبَّتِه خَلَل، وقيل: الخلِيلُ هو الذي يُوافِقُك في خلالِك. قال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «تَخَلقوا بأخلاق اللَّه» فلما بلغ إبْرَاهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - في هذا البَابِ مبلَغاً لم يَبْلُغْه أحَدٌ ممَّن تقدَّمَه، لا جَرَم خصَّه اللَّه بهذا الاسْمِ. قال الزَّمَخْشَرِيُّ: الخَلِيلُ: [هو] الذي يُسَايِرُك في طَرِيقك، من الخَلِّ: وهو الطَّريق في الرَّمْل، وهذا قَرِيبٌ من الذي قَبْلَه، وقيل: الخَلِيْلُ: هو الذي يسد خللك كما تسُدُّ خَلَله، وهذا ضَعِيف؛ لأن إبراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - لا يقال: إنه يَسُدُّ الخَلَلَ. وأما المُفَسِّرُون: فقال الكلبيُّ: عن أبي صَالحٍ، عن ابن عبَّاس: كان إبْرَاهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - أبا الضِّيفان، وكان مَنْزِلُه على ظَهْر الطِّرِيق يُضِيفُ من مَرَّ بِه، فأصاب الناس سنَةٌ فَحشِرُوا إلى بَابِ إبْراهيم يَطْلُبون الطَّعَام، وكانت الميرة له كل سَنَةٍ من صديقٍ له ب «مصر» ، فبعث غِلْمَانه بالإبل إلى خَلِيلِه ب «مصر» ، فقال خلِيلُه لِغلمانه: لو كان إبراهيم إنَّما يريده لنفْسِه، لاحْتَمَلْنَا ذلك لهُ؛ فقد دَخَلَ عَلَيْنَا ما دَخَلَ على النَّاس من الشِّدَّة، فرجع رُسُل إبْراهيم - عليه السلام - فمرُّوا بِبَطْحاء [سهلة] فقالوا: لو أنَّا حملنا من هذه البَطْحَاء؛ ليرى النَّاسُ أنا قد جِئْنَا بميرة، فإنَّا نَسْتَحِي أن نمرّ بِهِم، وإبلنا فَارِغَةٌ، فملأوا لتك الغرائر سهلة ثم أتَوْا إبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - فأعْلَمُوهُ [بذلك] و [سارةُ نَائِمَةٌ] ، فاهْتَمَّ إبْرَاهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - لمكان النَّاسِ بِبَابِه، فَغَلَبته عَيْنَاه فَنَام، واستيقظت سَارة و [قد] ارتفع النَّهَار، فقَالَت: سُبْحَان الله! ما جَاءَ الغِلْمَان؟ قالوا: بَلَى، [قالت: فما جَاؤُوا بِشَيْءٍ؟ قالوا: بَلَى،] فَقَامَت إلى الغَرَائِر. فَفَتَحَتْهَا، [فإذا] هِي مَلأى بأجْودِ دَقِيق حوارٍ يكون، فأمرت الخَبَّازِين، فَخَبَزُوا وأطْعَمُوا النَّاسَ، فاسْتَيْقَظ إبْرَاهِيمُ، فوجد ريحَ الطَّعَامِ، فقال: يا سَارة مِنْ أيْن هذا؟ فقالت: من عند خَلِيلِك المصْرِيِّ، فقال: هذا من عِنْد خَلِيلِيَ اللَّه، قال: فيومَئِذٍ اتَّخَذَهُ [الله] خَلِيلاً. وقال شَهْر بن حَوْشَب: هبط مَلَكٌ في صورة رَجُلٍ، وذكر اسْمَ اللَّه بِصَوتٍ رَخيمٍ شَجِيٍّ، فقال إبْرَاهِيم - عليه السلام -: اذكره مَرَّة أخْرَى، فقال: لا أذْكُرُه مَجَّاناً، فقال: لك مَالِي كُلُّه، فذكره المَلَكُ بِصَوتٍ أشْجَى من الأوَّل، فقال: اذكره مرَّة ثَالِثَة ولك أوْلاَدِي، فقال المَلَك: أبْشِر، فإنِّي ملكٌ لا أحْتَاج إلى مَالِكَ وَوَلَدِكَ، وإنَّما كان المَقْصُود امتْحَانُك؛ فلما بَذَل المَال والوَلَد على سَمَاعِ ذكر الله [- تعالى -] لا جرم اتَّخذه اللَّه خَلِيلاً. وروى طاوُس، عن ابن عبَّاس: أن جبريل - عليه السَّلام - والملائِكَة، لما دَخَلُوا على إبْراهيم - عليه [الصلاة و] السلام - في صُورة غِلْمَان حِسَان الوُجُوه، ظنَّ الخليل - عليه السلام - أنهم أضْيَافُه، وذَبَح لهم عِجْلاً سَمِيناً، وقرَّبَهُ إليْهِم، وقال: كلوا على شَرْطِ أن تُسَمُّوا اللَّه - تعالى - في أوَّلِه، وتَحْمَدُونَهُ في آخِرِه، فقال جِبْرِيل: أنت خَلِيلُ اللَّه. قال ابن الخَطِيب: وعندي فيه وَجْهٌ آخَر، ومعناه: إنما سُمِّي خَلِيلاً، لأن مَحَبَّة اللَّه تخلَّلت في جَمِيع قُوَاه؛ فصار بحيث لا يَرَى إلا اللَّه، ولا يَتَحَّرك إلاَّ للَّه، [ولا يَسْكن إلا لِلَّه] ، ولا يسمع إلا باللَّه، ولا يَمْشِي إلا للَّه، فكان نُور [جلال] اللَّه قد سرى في جَمِيع قُوَاه الجُسْمَانِيَّة، وتخلَّلَ وغاصَ في جَوَاهِرِها، وتوغل في ماهِيَّاتها، ومثل هذا الإنْسَان يوصَفُ بأنه خَلِيلٌ، وإليه أشار - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - بقوله [في دعَائِهِ] : «اللهم اجْعَل في قَلْبِي نُوراً، [وفي سَمْعِي نُوراً] ، وفي بَصَرِي نُوراً، وفي عَصَبِي نُوراً» . فصل قال بَعْض النّصَارى: لما جاز إطلاق اسم الخَلِيل على إنْسَانٍ معيَّنٍ على سبيل الإعْزَازِ والتَّشْرِيف فلم لا يَجُوز إطْلاق الابْن في حَقِّ عيسى - عليه السلام - على سبيل الإعزاز والتشريف؟ وجوابُهم: أن الفَرْق بَيْنَهُما: بأن الخليل عِبَارةٌ عن المَحَبَّة المُفْرِطَةِ، وذلك لا يَقْتَضِي الجِنْسِيَّة، وأما الابْنُ: فإنه يُشْعِر بالجِنْسِيَّة، وجلَّ الإله عن مُجَانَسَة المُمْكِنات، ومشَابهة المُحْدَثَات.

النساء 4:126

في تعلُّق الآيَة بما قَبْلَها وُجُوه: أحدها: [أن المعنى] أن الله لم يَتَّخِذْ إبْرَاهِيم خليلاً لاحتياجه إلَيْه في شَيْءٍ كخلةِ الآدميِّين، وكيف يُعْقَل ذلك، وله مُلْك السَّموات والأرض، وإنما اتَّخَذَهُ خليلاً لمحض الكَرَم. وثانيها: أنَّه - تعالى - ذكر من أوَّل السُّورة إلى هذا المَوْضِع أنْواعاً كَثِيرَة من الأمر والنَّهْي، والوعْد والوَعيد، وذكر في هَذِه الآيَة أنَّه إلَه المُحْدَثَاتِ، وموجِدُ الكائِنَاتِ، ومن كان مَلِكَاً مطاعاً، وجب على كُلِّ عاقلٍ أنْ يَخْضَعَ لتكاليفه، ويَنْقَادَ لأمْرِه. وثالثها: أنه - تعالى - لما ذكر الوَعْدَ والوَعِيدَ، ولا يمكن الوَفَاءُ بهما إلا بأمْرَيْن: أحدهما: القُدْرةُ التَّامَّة [المتعلِّقة] بجميع الكَائِنَات والمُمْكِنَات. والثاني: [العِلْم] المتعلِّق بجميع الجُزْئِيَّات والكُلِّياتِ؛ حتى لا يَشْتَبِه عليه المُطِيعُ، والعَاصِي، والمحسن والمُسِيءُ؛ فدلَّ على كَمَال قُدْرَته بِقَوْله: ﴿وَللَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ ، وعلى كَمَال عِلْمِهِ بقوله: ﴿وَكَانَ الله بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطاً﴾ . ورابعها: أنه - تعالى - لمّا وصَفَ إبْراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - بأنه خَلِيلُه، بين أنَّه مع هذه الخُلَّة عَبْدٌ لَهُ، وذَلِك أنَّ له مَا فِي السَّمواتِ ومَا في الأرْض، ونَظِيرُه قوله تعالى: ﴿إِن كُلُّ مَن فِي السماوات والأرض إِلاَّ آتِي الرحمن عَبْداً﴾ [مريم: 93] ويجري مُجْرَى قوله: ﴿لَّن يَسْتَنكِفَ المسيح أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ وَلاَ الملاائكة المقربون﴾ [النساء: 172] يعني: أنَّ الملائكة مع كَمَالِهِم في صِفَةِ القُدرةِ، والقوَّة في صِفَة العِلْم والحِكْمَة، لم يَسْتَنْكِفُوا عن عِبَادة اللَّه؛ كذا هَهُنا، يعني: إذا كَانَ كل من في السَّموات والأرْض مِلْكُه في تَسْخِيره، فكيْفَ يعْقَل أن يُقَالَ: إن اتِّخَاذ اللَّه إبْراهيم خَلِيلاً، يخرجه عن عُبُودِيَّة اللَّه. فصل إنما قال: ﴿مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ ولم يقل «مَنْ» لأنه ذَهَب به مَذْهَبَ الجِنْس، والذي يُعْقَل إذا ذُكِر وأريد به الجنْسُ، ذكر ب «مَا» . قوله: ﴿وَكَانَ الله بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطاً﴾ فيه وَجْهَان: أحدهما: المُرَاد مِنْهُ: الإحاطة في العِلْم. والثاني: الإحَاطَة بالقُدْرَة؛ كقوله: ﴿وأخرى لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ الله بِهَا﴾ [الفتح: 21] . قال القَائِلُون بهذا القَوْل: وليس لِقَائِلٍ أن يَقُولَ: لمَّا دل قوله: ﴿وَللَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ على كمال القُدْرَةِ، لزم التَّكْرَار؛ لأنَّا نقول إنَّ قوله ﴿وَللَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ [لا يفيد ظاهره] إلا كونه قَادِراً على ما يَكُون خَارِجَاً عَنْهُمَا، ومغايراً [لهما] ، فلما قال: ﴿وَكَانَ الله بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطاً﴾ دلَّ ذلك على كَوْنه قَادِراً على ما لا نهاية له من المَقْدُورَات خَارِج هذه السَّمَواتِ والأرْضِ.

النساء 4:127

أي: يستَخْبِرُونك في النِّسَاء. قال الواحدي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الاستِفْتَاء: طَلَب الفَتْوَى، يقال: اسْتَفْتَيْتُ الرَّجل في المَسْألة؛ فأفْتَاني إفتاءاً وفُتْياً وفَتْوًى، [وهما] اسمْان وُضِعَا موضع الإفْتَاء، ويُقَال: أفْتَيْت فُلاناً في رؤيا رآهَا إذا عَبَّرها، قال - تعالى -: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصديق أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ﴾ [يوسف: 46] ، ومعنى: أفتنا: إظْهار المُشْكِل، وأصْلُه: من الفَتَى: وهو الشَّابُّ القَوِي، فالمعنى: كأنَّه يَقْوى بِفتيانِه، والمُشْكِل إذا زَالَ إشْكَالُه بِبيَانِهِ مَا أشْكِل، يصيرُ قويّاً فَتِيّاً. واعلم: أنَّ عَادَة اللَّه فِي ترتيب هذا الكِتَابِ الكَرِيمِ، أنْ يَذكُر الأحْكَام، ثَمَّ يذْكُرُ عَقِيبه آياتِ الوَعدِ والوَعِيدِ، والتَّرغِيب والتَّرهيب، ويخلط بها آياتٍ دَالةً على كِبْرِياء اللَّه - تعالى - وجلالِ قُدْرَتِه، ثم يَعُود إلى بَيَان الأحْكَام، وهذا أحْسَن أنواع التَّرْتِيب، وأقوى تَأثِيراً في القُلُوب؛ لأن التَّكْلِيف بالأعْمَال الشَّاقَّةِ لا يقع مَوْقِعِ القُبُول، إلا إذا اقْتَرن بالوَعْد والوَعِيد، وذلك لا يُؤثِّر إلا عند القَطْع بِغَايَةِ كَمَال من صَدَر عنه الوَعْد والوَعِيد. قوله [تعالى] : ﴿قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ الآية اعلم: أن الاستِفْتَاء لا يقع عن ذَوات النِّساء، وإنَّما يقع عن حَالةٍ من أحْوَالِهِنّ، وصفة من صِفاتِهِن، وتلك الحَالَة غير مَذْكُورة في الآية، فكانت مُجْمَلة غير دَالَّة على الأمْر الذي وقع عَنْه الاستِفْتَاءِ. فصل في سبب نزول الآية قال القُرْطُبِي: هذه الآية نَزَلَت بسبب قَوْم من الصَّحَابة، سألوا عن أمر النِّسَاء وأحْكَامِهِن في المِيرَاث وغير ذَلِك، فأمَر اللَّه نبيَّه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - أن يَقُول لَهُم: ﴿الله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ أي: يبيِّن لكم حُكْم ما سَألْتُم عَنْه، وهذه الآيَة رُجوعٌ إلى ما افْتُتِحَتْ به السُّورة من أمْر النِّسَاءِ، وكانَ قد بَقِيتْ لهم أحْكَام لم يَعْرِفُوها، فسألوا؛ فقيل لهُم: [إن] الله يُفْتيكُم فيهنَّ. [وروي عن مَالِكٍ قَالَ: كان رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يسأل فلا يُجيبُ حتى ينزل عليه الوحي، وذلك في كِتَاب الله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النسآء قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ ] ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ اليتامى﴾ [البقرة: 220] ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر﴾ [البقرة: 219] ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الجبال﴾ [طه: 105] و ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ﴾ [المائدة: 4] . «وما يُتْلى» : فيه سَبْعَة أوْجه، وذلك أن مَوْضع «ما» يحتمل أن يكُون رفعاً، أو نصباً، أو جراً، فالرَّفْعُ من ثَلاَثة أوْجُه: أحدها: أن يكون مرفوعاً، عَطْفاً على الضَّمِير المستكِنِّ في «يُفتيكم» العائد على الله - تعالى -، وجاز ذلك للفَصْل بالمَفْعُول والجَارِّ والمَجْرُور، مع أن الفَصْلَ بأحدهما كافٍ. والثَّانِي: أنه مَعْطُوفٌ على لَفْظِ الجلالة فَقَطَ؛ ذكره أبو البقاء وغيرُه، وفيه نَظَر؛ لأنه: إمَّا أنْ يُجْعَلَ من عَطْف مفردٍ على مُفْردٍ، فكان يَجِبُ أن يُثَنَّى الخَبرُ، وإن توسَّط بين المُتَعَاطفين، فيقال: «يُفْتِيانِكُم» ، إلاَّ أنَّ ذلك لا يجُوز، ومَنِ ادَّعى جَوازَه، يَحْتاج إلى سَمَاع من العَرَب، فيقال: «زيد قَائِمَان وعَمْرو» ، ومثلُ هذا لا يجُوز، وإمَّا أن يُجْعَلَ من عَطْف الجُمَل، بمَعْنَى: أنَّ خبرَ الثَّاني محذوفٌ، أي: وما يُتْلَى عَلَيْكُم، يُفْتيكم، فيكون هذا هو الوَجْه الثَّالث - وقد ذكروه - فَيَلْزَم التَّكْرَار. والثالث من أوْجُه الرَّفع: أنه رَفْع بالابْتِدَاء، وفي الخبَر احْتِمَالان: أحدهما: أنه الجَارُّ بعده، وهو «فِي الكِتَابِ» والمرادُ ب «ما يتلى» القرآنُ، وب «الكتاب» : اللوحُ المحفوظ، وتكُونُ هذه الجُمْلَة معترضةً بين البدل والمُبْدَل منه، على ما سيأتي بَيَانُه، وفائدةُ الإخْبَار بذلك: تَعْظِيمُ المَتْلوِّ، ورفعُ شأنه؛ كقوله: ﴿وَإِنَّهُ في أُمِّ الكتاب لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف: 4] . والاحتمال الثاني: أن الخبر مَحْذُوفٌ، أي: والمتلوُّ عَلَيْكم في الكتاب يُفْتيكم، أو يبيِّن لَكُم أحْكَامَهُن. وذلك المَتْلُوّ في الكِتَاب هو قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي اليتامى﴾ [النساء: 3] وحَاصِل الكلام: أنَّهم قد سألُوا عن أحْوَال كَثِيرةٍ من أحْوالِ النِّسَاء، فما كان مِنْهَا غير مُبَيَّن الحُكْم، ذَكر أن اللَّه يُفْتِيهم فيها، وما كان فِيهَا مُبَيَّن الحُكْم في الآيات المُتَقَدِّمَةِ، ذكر أن تِلْك الآيَات المَتْلُوة تُفْتيهم فيها، وجعل دَلاَلة الكِتَاب على الحُكْم إفتاء من الكتاب؛ كما يُقَال في المَجَازِ المَشْهُور: كِتَاب اللَّه يُبَيِّن لنا هَذَا الحُكْم، وكلام الزَّمخشري يحتمل جَمِيع الأوْجُه، فإنه قال: «ما يُتْلى» في مَحَلِّ الرفع، أي: اللَّهُ يُفْتِيكُم، والمتلوُّ في الكِتَاب في مَعْنَى: اليتامى، يعني قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي اليتامى﴾ [النساء: 3] . وهو من قَوْلِك: «أعْجَبَنِي زَيْدٌ وكَرَمُه» انتهى، يعني: أنَّه من باب التَّجْريد؛ إذ المقصودُ الإخْبَارُ بإعجَاب كَرَم زيدٍ، وإنما ذُكِر زَيْدٌ؛ ليُفيدَ هذا المَعْنَى الخاصَّ لذلك المَقْصُود أنّ الذي يُفْتيهم هو المَتْلُوُّ في الكِتَابِ، وذُكِرت الجَلاَلةُ للمعنى المُشَار، وقد تقدَّم تَحْقِيق التَّجْرِيد في أوَّل البَقَرة، عند قوله: ﴿يُخَادِعُونَ الله﴾ [البقرة: 9] . والجَرُّ من وَجْهَيْن: أحدهما: أن تكُون الواوُ للقَسَم، وأقسمَ اللَّهُ بالمَتْلُوِّ في شأن النِّساء؛ تَعْظِيماً له، كأنه قيل: وأقْسِمُ بما يُتْلى عَلَيْكُم في الكِتاب؛ ذكره الزمخشري. والثاني: أنه عَطْفٌ على الضَّمِير المَجْرُور ب «في» أي: يُفْتِيكُمْ فيهنَّ وفيما يُتْلَى، وهذا مَنْقُولٌ عن محمَّد بن أبي مُوسَى، قال: «أفتاهم الله فيما سألُوا عنه، وفيما لَمْ يَسْألوا» ، إلا أنَّ هذا ضَعِيفٌ من حَيْث الصِّنَاعةُ؛ لأنه عطفٌ على الضمير المَجْرُورِ من غير إعَادَة الجَارِّ؛ وهو رأي الكُوفيِّين، وقد تقدَّم مذاهب النَّاسِ فيه عند قوله: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ والمسجد الحرام﴾ [البقرة: 217] . قال الزَّمَخْشَرِيُّ: «ليس بِسَديدٍ أن يُعْطَفَ على المَجْرُورِ في» فيهنَّ «؛ لاخْتِلاله من حيث اللَّفْظِ والمَعْنَى» وهذا سَبقَه إليه أبُو إسْحاق. قال [الزجاج] : وهذا بَعِيدٌ بالنِّسْبَة إلى اللَّفْظِ وإلى المَعْنَى: أمَّا اللَّفْظُ؛ فإنه يقتضي عَطْفُ المُظْهَر على المُضْمَرِ، وأما المَعْنَى: فلأنه ليس المُرادُ أنَّ اللَّهَ يُفْتيكم في شَأنِ ما يُتْلَى عليكم في الكِتَاب، وذلك غيرُ جَائزٍ؛ كما لم يَجُزْ في قوله ﴿تَسَآءَلُونَ بِهِ والأرحام﴾ [النساء: 1] يعني: من غير إعادةِ الجَارِّ. وقد أجَابَ أبو حيَّان عما ردَّ به الزَّمَخَشريُّ والزجاج؛ بأن التَّقْدِيرَ: يُفْتيكم في مَتْلُوِّهِنَّ، وفيما يُتْلَى عليكم في الكِتَاب في يتامى النِّسَاء، وحُذِف لدلالة قوله: ﴿وَمَا يتلى عَلَيْكُمْ﴾ ، وإضافةُ «مَتْلُو» إلى ضمير «هُنَّ» سائغةٌ، إذ الإضافة إليهنَّ، كقوله: ﴿مَكْرُ الليل والنهار﴾ [سبأ: 33] لمَّا كان المَكْرُ يقع فيهما، صَحَّتْ إضافتُه إليْهِمَا، ومثله قول الآخر: [الطويل] 1885 - إذَا كَوْكَبُ الخَرْقَاءِ لاَحَ بِسُحْرَةٍ ... سُهَيْلٌ أذَاعَتْ غَزْلَهَا في الغَرَائِبِ [قال شهاب الدين: وفي هذا الجواب نظرٌ. والنَّصْبُ بإضمار فِعْل، أي: ويبيِّن لَكُم ما يُتْلى [عليكم] ؛ لأنَّ «يُفْتيكُم» بمعنى يبيِّن لكم، واختار أبو حيَّان وجْهَ الجرِّ على العَطْفِ على الضَّمير، مختاراً لمَذْهَبِ الكوفيِّين قال: لأنّ الأوْجُه كلَّها تؤدِّي إلى التَّأكيد، وأمَّا وَجْهُ العَطْفِ على الضمير [المَجْرُور] ، فيجعلُه تأسِيساً، قال: «وإذا دار الأمْرُ بينهما؛ فالتَّأسيس أوْلى» ، وفي إفْرَادِ هذا الوَجْهِ بالتَّأسيس دُونَ بَقِيَّةِ الأوْجُه نظرٌ لا يَخْفى. قوله: «فِي الكِتَابِ» يجوزُ فيه ثلاثةُ أوْجُهٍ: أحدها: أنه مُتَعَلِّقٌ ب «يُتْلى» . والثاني: أنه متعلِّقٌ بمحْذُوفٍ على أنه حَالٌ من الضَّمِير المُسْتَكِنِّ في «يُتْلى» . والثالث: أنه خَبَر «مَا يُتْلى» عَلَى الوَجْه الصَّائِر إلى أنَّ «مَا يُتْلى» مبتدأ، فيتعلق بمَحْذُوف أيضاً، إلاَّ أنَّ مَحَلَّه على هذا الوجهِ رفعٌ، وعلى ما قَبْلَه نصبٌ. قوله: «فِي يَتَامَى النسآء» يجوزُ فيه ثلاثةُ أوْجُهٍ: أحدُها: أنه بَدلٌ من «الكِتَاب» وهو بدلُ اشْتِمَالٍ، ولا بد مِنْ حَذْفِ مُضَافٍ، أي: في حُكْم يَتَامَى، ولا شك أن الكِتابَ مشتملٌ على ذِكْرِ أحكامِهِن. والثاني: أن يتعلَّق ب «يُتْلَى» . فإن قيل: كيف يجُوزُ تعلُّقُ حَرْفَيْ جرٍّ بلفظ وَاحِدٍ، ومعنى واحِدٍ؟ فالجوابُ أنَّ مَعْنَاهما مُخْتَلفٌ، لأن الأولى للظَّرْفية على بابها، والثانية بمعنى البَاءِ، للسببية مَجَازاً، أو حقيقةً عِنْد مَنْ يقولُ بالاشتراك. وقال أبو البقاء: كما تَقُولُ: «جئتُك في يوم الجُمْعَة في أمْرِ زَيْدٍ» . والثالث: أنه بَدَل من «فِيهِنَّ» بإعادة العَامِل، ويكون هذا بَدَل بَعْض من كُلٍّ. قال الزَّمَخْشَرِيُّ: «فإنْ قُلْت: بِمَ تعلَّق قوله: ﴿في يتامى النِّسَاء؟﴾ قلت: في الوَجْه الأوَّل هو صِلَةُ» يُتْلى «أي: يُتْلى عَلَيْكُم في مَعنَاهُنَّ، ويجُوز أن يكُون» في يتامى «بَدَلاً من» فيهنَّ «، وأما في الوَجْهَيْن الأخِيرَيْن فبدلٌ لا غير» انتهى، يَعْنِي بالوجْه الأول: أن يكون «مَا يُتْلَى» مَرْفُوعَ المَحَلِّ. قال أبو حيَّان: «أمَّا ما أجازه في وجه الرفع من كونه صلة» يتلى «فلا يجُوزُ إلاَّ أنْ يكونَ بَدَلاً مِنْ» فِي الكِتَابِ «أو تكون» في «للسَّبَبية، لئلا يتعلّق حَرْفا جر بلفظٍ واحد، ومعنى واحد، بعاملٍ واحدٍ، وهو ممتنعٌ إلاَّ في البَدَل والعَطْفِ، وأمَّا تجويزُه أنْ يكونَ بَدَلاً من» فيهن» فالظاهرُ أنه لا يجُوز؛ للفَصْلِ بين البَدَلِ والمُبْدَلِ منه بالمَعْطُوف، ويصير هذا نظير قولك: «زيدٌ يقيمُ في الدَّارِ، وعمرو في كِسْرٍ مِنْهَا» فَفَصَلْتَ بين» فِي الدَّارِ «وبين» في كِسْرِ «ب» عمرو» ، والمَعْهُودُ في مثل هذا التَّرْكيب: «زيدٌ يقيمُ في الدَّارِ في كِسْرٍ منها وعمرو» . الرابع: أنْ يتعلَّق بنفس الكِتَاب أي: فيما كَتَب في حُكْم اليَتَامَى. الخامس: أنه حَالٌ فيتعلَّق بمَحْذوفٍ، وصاحبُ الحالِ هو المَرْفُوعُ ب» يُتْلى «أي: كائناً في حُكْم يتامَى النِّسَاء، وإضافةُ» يَتَامى «إلى النِّساء من باب إضافةِ الخاصِّ إلى العَامَّ؛ لأنهن يَنْقَسمْن إلى يتامَى وغَيْرِهِن. وقال الكُوفيُّون: هو من إضافة الصِّفَة إلى المَوْصُوف؛ إذا الأصلُ: في النِّساء اليتامى كقولك: يوم الجمعة وحق اليقين، وهذا عند البَصْريِّين لا يجُوزُ، ويُؤوِّلُون ما وَرَدَ من ذَلِك؛ ولأن الصفة والموصُوف شيء واحدٌ، وإضافة الشيء إلى نفسه محَالٌ. وقال الزَّمَخْشَرِيُّ: فإنْ قُلْت: إضافة اليَتَامَى إلى النِّسَاء ما هِيَ؟ قلت: هي إضافةٌ، بمَعْنَى:» مِنْ «نحو: سُحْقِ عِمَامةٍ. قال أبو حيًّان:» والذي ذكره النَّحوِيُّون من ذلك [إنَّما هُو] إضافة الشَّيْء إلى جِنْسِه، نحو: «خاتمُ حَدِيدٍ» ويجوزُ الفَصْل: إمَّا بإتباع، نحو: «خاتمٌ حديدٌ» ، أو تنصبَه تَمْييزاً، نحو: «خاتمٌ حديداً» ، أو بجره ب «مِنْ» نَحْو: خاتم من حَديدٍ» ، قال: «والظَّاهِر أن إضافة» سُحْقِ عِمَامةٍ» و «يَتامَى النِّساء» بمعنى: اللام، ومعنى اللام: الاخْتِصَاص «. وهذا الردُّ لَيْس بشيء، فإنهم ذَكَروا [في] ضَابِط الإضَافة التي بِمَعْنى» مِنْ «أن تكونَ إضَافَة جُزْءٍ إلى كُلٍّ، بشرطِ صِدْقِ اسمِ الكُلِّ على البعْضِ، ولا شك أن» يَتَامَى «بَعْض من النِّسَاء، والنِّسَاء يَصْدُق عَلَيْهِنَّ، وتحرَّزْنَا بقولنا:» بشرط صِدْقِ الكُلِّ على البَعْض» من نحو: «يَدُ زَيْد» فإنَّ زيداً لا يَصْدُقُ على اليَدِ وحْدَها. وقال أبو البقاء: ﴿في يتامى النِّساء﴾ [أي:] في اليتَامَى مِنْهُنَّ» وهذا تَفْسِيرُ معنى لا إعْرَابٍ. والجُمْهُور على «يَتَامَى» جمع: يَتيمَة. وقرأ أبو عَبْد الله المَدَنِي: «ييامى» بياءيْن مِنْ تَحْتُ، وخرَّجه ابن جِنِّي: على أن الأصْل «أيامَى» فأبْدَلَ من الهَمْزَة ياءً، كما قَالُوا: «فلانٌ ابنُ أعْصُر ويَعْصُر» ، والهَمْزَةُ أصلٌ، سُمِّي بذلك لقوله: [الكامل] 1886 - أبُنَيَّ إنَّ أبَاكَ غَيَّرَ لَوْنَهُ ... كَرُّ اللَّيَالِي واخْتِلاَفُ الأعْصُرِ وهم يُبْدِلُون الهَمْزة من اليَاء، كقولهم: «قَطَع الله أدَهُ» يريدون: يدَهُ، فلذلك يُبْدِلون منها اليَاءَ، و «أيامى» : جَمْع «أيِّم» بوزن: فَيْعِل، ثم كُسِّر على أيَايِم، كسيِّد وسَيَايِد، ثم قُلِبَتِ اللاَّم إلى مَوْضِع العَيْنِ، والعَيْن إلى مَوْضِعِ اللاَّم، فصار اللَّفْظ «أيامى» ثم قُلِبت الكَسْرَةُ فتحةً؛ لِخفَّتِها، فتحركت الياءُ وانفتح ما قَبْلَها، فقلبت ألفاً؛ فصار: «أيامى» فوزنه فَيَالِع. وقال أبو الفَتْحِ أيضاً: ولو قيل إنه كُسِّر أيِّمٌ على فَعْلَى، كسَكْرَى، ثم كُسِّر ثانياً على «أيامى» لكان وجهاً حسناً، وسيأتي تَحْقيق هذه اللَّفْظَةِ [إن شاءالله تعالى] عند قوله: ﴿وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ﴾ [النور: 32] . وقرئ: «ما كَتَبَ اللَّهُ لَهُنَّ» بتسمية الفَاعِلِ. فصل في سبب نزول الآية ذَكَرُوا في سَبَبِ نُزُول الآية قَوْلَيْن: الأوّل: أن العَرَب كانت لا تُورثُ النِّساء والصِّبْيَان شيئاً من المِيراثِ؛ كما ذكرنا في أوَّلِ السُّورَةِ، فنزلت هذه الآية في تَوْريثهم، قال ابن عبَّاسٍ: يريد ما فَرَضَ لَهُنَّ من المِيرَاثِ. الثاني: أن الآية نزلت في تَوْفِية الصَّداق لَهُنَّ، وكانت اليتيمَةُ تكون عند الرَّجُلِ، فإن كانت جَمِيلةً ومَالَ إلَيْهَا، تزوَّجَ بها وأكَلَ مالها، وإن كانت ذَمِيمَةً، منعها الأزْوَاجَ حتى تَمُوتَ، فأنزل اللَّه هذه الآية. قوله: «وتَرْغبون» فيه أوْجُه: أحدُها: - وهو الظاهر - أنه مَعْطُوفٌ على الصِّلةِ، عطف جملةٍ مُثْبَتةٍ على جُمْلةٍ منفية، أي: اللاَّتي لا تُؤتُونَهُنَّ، واللاًّتي ترغبُون أن تَنْكحوهُنَّ؛ كقولك: «جاء الَّذِي لا يَبْخَلُ، ويُكْرِم الضِّيفَان» . والثاني: أنه مَعْطُوفٌ على الفَعْلِ المَنْفِيِّ ب «لا» أي: لا تؤتُونَهُن ولا تَرْغَبُون. والثالث: أنه حَالٌ من فاعِل «تؤتونهن» أي: لا تؤتُونَهُنَّ، وأنتم رَاغِبُون فِي نِكاحِهِنَّ، ذكر هذين الوجْهَيْن أبو البقاء، وفيهما نَظَر: أمّا الأولُ: فلخلافِ الظَّاهِر، وأما الثَّانِي: فلأنه مُضَارع فلا تَدْخُل عليه الواوُ إلا بِتَأويلٍ لا حَاجَة لنا بِهِ هَهُنَا. و «أن تَنْكِحُوهُنَّ» على حَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ، ففيه الخلاف المَشْهُور: أهي في محل نَصْب أم جر؟ واختُلِفَ في تَقْدير حرف الجَرِّ. فقيل: هو «في» أي: تَرْغبُون في نِكَاحِهِنَّ؛ لقُبْحهن وفَقْرهنَّ، وكان الأوْلِيَاء كذلك: إن رَأوها جَمِيلَةً مُوسِرَةً، تزوجها وَليُّها، وإلاَّ رغبَ عَنْها، والقَوْل الأوَّل مَرْوِيٌّ عن عَائِشَة وطَائِفَة كَبِيرةٍ. قال أبو عُبَيْدَة: هذه الآية [تَحْتَمِل] الرَّغْبَة والنَّفْرَة. فإن حَمَلْته على الرًّغبة، كان المعنى: وتَرْغَبُون أن تَنْكِحُوهُنَّ. وإن حملته على النَّفْرة، كان المَعْنَى: وترغبون عن أن تنكحوهن؛ لدمامتهن. فإن قيل: إن النحاة ذكروا أن حَرْف الجَرِّ يجوز حذفُه باطِّرادَ مع «أنْ» و «أنَّ» بِشَرْط أمْنِ اللَّبْس، يعني: أن يكون الحَرْفُ متعيّناً، نحو: «عَجبْت أن تَقُوم» أي: من أن تَقُوم، بخلاف «مِلْتُ إلى أنْ تَقُوم» أو «عَنْ أنْ تَقُوم» والآيةُ من هذا القَبِيل. فالجواب: أن المَعْنَييْن هُنا صَالِحَان؛ يدل عليه ما ذَكَرْت لك من سَبب النُّزُولِ، فصار كلٌّ من الحَرْفَيْن مراداً على سَبِيل البَدَل. فصل مذهب الأحْنَاف فيمَن له ولاية الإجبار استدل الحَنَفِيَّة بهذه الآيَة، على أنَّه يَجُوز لغير الأب والجَدِّ تزويج الصَّغيرة، ولا حجَّة لهم فيها؛ لاحْتِمَال أن يكون المُرَادُ: وتَرْغَبُون أن تُنْكِحُوهُن إذا بَلَغْن، ويدل على صِحَّة قَوْلِنا: إن قُدَامة بن مَظْعُون زَوَّج ابْنَة أخيه عُثْمَان بن مَظْعُون من عَبْد الله بن عُمَر، فخطبها المُغِيرَة بن شُعْبَة، ورغَّب أمَّهَا في المَالِ، فجاءوا إلى رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فقال قُدَامَةُ: أنا عَمُّهَا وَوَصِيُّ أبيهَا، فقال النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «إنَّها صَغِيرة ولا تُزَوَّج إلا بإذْنِها» وفرَّق بَيْنَها وبين ابْن عُمر، وليس في الآيَة أكْثَرُ من رغْبَة الأوْلِيَاء في نِكَاحِ اليَتِيمَةِ، وذلك لا يَدُلُّ على الجَوَازِ. [قوله: «والمستضعفين» فيه ثلاثة أوْجُه: أظهرُهَا: - أنه مَعْطُوفٌ على «يَتَامَى النِّسَاء» أي: ما يُتْلَى عَلَيْكُم في يَتَامَى النِّسَاء وفي المُسْتَضْعَفِين، والذي تُلِي عَلَيْهِم فيهم قوله: ﴿يُوصِيكُمُ الله في أَوْلاَدِكُمْ﴾ [النساء: 11] ، وذلك أنَّهُم كانوا يَقُولون: لا نُوَرِّثُ إلا مَنْ يَحْمِي الحَوْزَة، ويَذُبُّ عن الحَرَمِ، فيَحْرِمُون المَرْأةَ والصَّغِيرَ؛ فنزلت] . ﴿والمُسْتضعَفِين من الوِلْدَان﴾ وهم الصِّغَار، أن تُعْطُوهم حُقُوقَهُم؛ لأنَّهم كانوا لا يُورثون الصِّغَار، يريد ما يُتْلَى عليكم في باب «اليَتَامَى» من قوله: ﴿وَآتُواْ اليتامى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 2] ، يعني: إعطاء حقوق الصِّغار. والثَّاني: أنَّه في مَحَلِّ جر، عَطْفاً على الضَّمِير في «فيهن» ؛ وهذا رأيٌ كوفِيّ. والثالث: أنه مَنْصُوبٌ عطفاً على مَوْضِع «فيهن» أي: ويبيِّن حال المستضعفين. قال أبو البقاء: «وهذا التَّقْدِيرُ يَدْخُلُ في مَذْهَب البَصريِّين مِنْ غيرِ كَلَفَةٍ» يعني: أنه خَيْرٌ من مَذْهَب الكُوفيين، حيث يُعْطَفُ على الضَّمِير المَجْرُور مِنْ غَيْرِ إعادَةِ الجَارِّ. قوله: «وأنْ تقوموا» فيه خَمْسَةُ أوجه: الثلاثة المتقدمة قَبْله، فيكون هو كَذَلِك لِعطْفِه على ما قَبْلَه، والمتلوُّ عليهم في هذا المَعْنَى قوله: ﴿وَلاَ تأكلوا أَمْوَالَهُمْ إلى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: 2] . والرابع: النَّصْبُ بإضمار فعل. قال الزَّمَخْشَرِيُّ: «ويجوزُ أنْ يكون مَنْصُوباً بإضْمار» يأمُرُكُم» ، بمعنى: ويأمركم أن تقُومُوا، وهو خِطَابٌ للأئمة بأنْ يَنْظُروا إليْهِم، ويَسْتَوْفُوا لهم حُقُوقَهم، ولا يَدَعُوا أحداً يَهْتَضِمُ جَانِبَهُم» ، فهذا الوَجْه من النَّصْب غيرُ الوَجْهِ المذْكُور قَبْلَه. والخامس: أنه مُبْتدأ، وخبره مَحْذُوفٌ، أي: وقيامُكم لليتامَى بالقِسْطِ خيرٌ لَكُم، وأولُ الأوجُهِ أوجَهُ، والمعنى: أن تقوموا لليتَامَى بالقِسْطِ، أي: بالعَدْل فِي مُهُورِهِن، ومواريثهِن. ثم قال: ﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ الله كَانَ بِهِ عَلِيماً﴾ يجازِيكُم به.

النساء 4:128

وقوله: «وَإِنِ امرأة» : «امرأةٌ» فاعلٌ بِفعْلٍ مضمر واجب الإضْمَار، وهذه من باب الاشْتِغَال، ولا يجُوز رَفْعُها بالابْتداء، لأنَّ أداةَ الشَّرْطِ لا يَلِيها إلا الفِعْلُ عند جُمْهُور البَصْرِيِّين، خلافاً للأخفش، والكُوفيِّين، والتقديرُ: «وإنْ خافت امْرأةٌ خَافَتْ» ، ونحوهُ: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ المشركين استجارك﴾ [التوبة: 6] ، واستدلَّ البَصْرِيُّون على مَذْهَبهم: بأن الفعل قد جَاءَ مَجْزُوماً بعد الاسْمِ الوَاقِع بعد أداة الشَّرْط في قَوْل عديٍّ: [الخفيف] 1887 - وَمَتَى وَاغِلٌ يَنُبْهُمْ يُحَيُّو ... هُ وَتُعْطَفْ عَلَيْه كَأسُ السَّاقِي قال بعضهم: خافت، أي: عَلِمَت، وقيل: ظَنَّت. قال ابن الخطِيب: ولا حَاجَة لِتَرْك الظَّاهر؛ لأن الخَوْف إنَّما يكون عند ظُهُور أماراتٍ [تدلُّ عليه] من جِهَة الزَّوْجِ، إمَّا قَوْلِيَّةٌ أو فِعْلِيَّةٌ. قوله «مِن بَعْلِها» يجوزُ أن يَتَعَلَّق ب «خَافَت» وهو الظَّاهِر، وأن يتعلَّق بمَحْذُوف على أنه حَالٌ من: «نُشوزاً» إذ هو في الأصْل صِفَةُ نكرةٍ، فلمَّا قُدِّم عَلَيْها، تعذَّر جَعْلُه صِفَةً، فنُصِب حالاً، و «فلا» جَوَابُ الشَّرْطِ، والبَعْل: يطلق على الزَّوْج، وعلى السَّيِّد. قوله «أَن يُصْلِحَا» قرأ الكوفيون: «يُصْلِحا» من أصْلَح، وباقي السَّبْعة «يَصَّالحا» بتشديد الصَّاد بعدها ألف، وقرأ عثمان البتي والجَحْدَري: «يَصَّلِحا» بتشديد الصَّاد من غَيْر ألفٍ، وعبيدة السَّلَمَانِيّ: «يُصالِحا» بضمِّ الياءِ، وتخفيفِ الصَّادِ، وبعدَها ألفٌ من المُفَاعَلَة، وابن مَسْعُود، والأعْمش: «أن اصَّالحا» . فأمّا قراءةُ الكوفيين فَوَاضِحَةٌ. وقراءةُ باقي السَّبْعَة، أصلُهَا: «يتصالحا» ، فأُريد الإدْغَام تَخْفِيفاً؛ فأبْدِلت التَّاءُ صاداً وأدْغِمت، كقوله: «ادّاركوا» . وأمَّا قراءةُ عُثْمَان، فأصلُها: «يَصْطَلِحا» فَخُفِّفَ بإبْدَالِ الطَّاء المُبْدَلةِ من تاءِ الافْتِعَال صَاداً، وإدغامها فيما بَعْدَها. وقال أبو البقاء: «وأصله:» يَصْتَلِحا «فأبْدِلت التاء صَاداً وأدْغِمت فيها الأولَى» وهذا ليس بِجَيِّدٍ، لأنَّ تاءَ الافْتِعَال يجبُ قَلْبُها طاءً بعد الأحْرُف الأرْبَعَة؛ كما تقدَّم تَحْقِيقُه في البَقرة، فلا حَاجَة إلى تَقْديرهَا تاءً؛ لأنه لو لُفِظ بالفِعْلِ مظهراً لم يُلْفظ فيه بالتَّاء إلا بَياناً لأصْلِه. وأمَّا قراءةُ عُبَيْدة فواضحةٌ؛ لأنها من المُصَالَحة. وأما قِرَاءة: «يَصْطَلِحَا» فأوضحُ، ولم يُخْتَلَفْ في «صُلْحاً» مع اختلافِهِم في فِعْلِهِ. وفي نصبه أوجهٌ: فإنه على قِرَاءة الكوفيين: يَحْتمل أن يكُونَ مَصْدَراً، وناصبُه: إمَّا الفِعْلُ المتقدِّمُ وهو مَصْدَرٌ على حَذْف الزَّوَائِد، وبعضُهم يعبِّر عنه بأنه اسْمُ مَصْدرٍ كالعَطَاءِ والنَّبَات، وإمَّا فِعْلٌ مقدرٌ أي: فيُصْلِحُ حَالَهُما صُلْحاً. وفي المَفْعُولِ على هذين التَّقْدِيرين وَجْهَان: أحدُهما: أنه «بَيْنَهُمَا» اتُسِّع في الظَّرْف فجُعِل مَفْعُولاً به. والثاني: أنه مَحْذُوف و «بينهما» ظرفٌ أو حَالٌ مِنْ «صلحاً» فإنه صِفةٌ له في الأصْلِ، ويُحْتمل أن يكُونَ نصبُ «صُلْحاً» على المَفْعُول به، إن جَعَلته اسماً للشيء المُصْطَلح عليه؛ كالعَطَاء بِمَعْنَى: المُعْطى، والثبات بِمَعْنَى: المُثْبَت. وأمَّا على بقيةِ القِراءاتِ: فيجوزُ أنْ يكونَ مَصْدَراً على أحدِ التَّقْديرين المتقدمين: أعني: كونَه اسمَ المصدرِ، أو كونَه على حَذْفِ الزَّوَائِد، فيكون وَاقِعاً موقع «تَصَالَحَا، أو اصْطِلاَحاً، أو مصالحةً» حَسْبَ القِرَاءات المتقدِّمة، ويجوزُ أنْ يكون مَنْصُوباً على إسْقَاطِ حرفِ الجَرِّ، أي: بصُلْحِ، أي: بشيء يَقعُ بسببِ المُصَالَحة، إذا جَعَلْناه اسْماً للشَّيْءِ المُصْطَلَح عليه. والحاصلُ أنه في بَقِيَّة القراءات يَنْتَفي عنه وَجْهُ المَفْعُولِ به المَذْكُورِ في قِرَاءة الكوفِيِّين، وتَبْقَى الأوْجُهُ البَاقِيةُ جَائِزةً في سائر القِراءاتِ. قوله: «والصُّلْحُ خيرٌ» : مبتدأ وخبر، وهذه الجُمْلَة قال الزمخشري فيها وفي التي بعدها: «إنهما اعْتِرَاضٌ» ولم يبيِّنْ ذلك، وكأنه يُريد أنَّ قوله: «وإنْ يتفرَّقا» مَعْطُوفٌ على قوله: «فَلاَ جُنَاْحَ» فجاءت الجُمْلَتانَ بينهما اعْتِرَاضاً؛ هكذا قال أبو حيَّان. قال شهاب الدين: وفيه نظر، فإن بَعْدهما جُمَلاً أخَرَ، فكان ينبغي أن يَقُول الزَّمَخْشَرِي في الجَمِيع: إنها اعْتِرَاضٌ، ولا يَخُص: «والصُّلْح خَيْر» ، وأُحْضِرَت الأنفسُ [الشُّح] بذلك، وإنما يُرِيد الزَّمَخْشَرِيُّ بذلك: الاعتراض بَيْن قوله: «وإن امْرَأةٌ» وقوله: «وَإِن تُحْسِنُواْ» فإنهما شَرْطَان متعاطفانِ، ويَدُلُّ عليه تَفْسِيرُه له بما يُفِيدُ هذا المَعْنَى، فإنه قال: «وإن تحسنُوا بالأقَامَة على نِسَائِكُم، وإن كَرِهْتُموُهن وأحببتم غَيْرَهُن، وتتقوا النُّشوزَ والإعْرَاض» انتهى. فصل والألِف واللاَّم في الصُّلح يَجُوز أن تكون للجِنْس، وأن تكونَ للعهْد؛ لتقدُّمِ ذكره، نحو: ﴿فعصى فِرْعَوْنُ الرسول﴾ [المزمل: 16] . فعلى الأوَّل وهو أنه مُفْرَد محلًّى بالألِف واللاَّم فهل يُفيدُ العُمُومَ، أم لاَ؟ فإن قُلْنَا: يفيد العُمَوم؛ فإذا حصل هُنَاك مَعْهُود سِابِقٌ، فهل يُحْمَل على العُمُوم، أم على المَعْهُود السِّابق؟ [و] الأوْلى: حَمْله على المَعْهُود السَّابِق، لأنا إنَّما حَمَلْنَاهُ على الاسْتِغْرَاق ضَرُورَة أنَّا لو لم نَقُل ذلك لخرج عن الإفَادَة، وصار مُجْمَلاً، فإذا حَصَل مَعْهُود سَابِقُ، اندفع هذا المَحْذُور، فوجب حَمْلُه عليه. وإذا عَرَفْت هذه المُقَدِّمة: فمن حَمَلَهُ على المَعْهُود السَّابِق، قال: الصُّلْح بين الزَّوْجَيْن خير من الفُرْقَة، ومن حَمَلَهُ على الاسْتِغْرَاقِ، تمسَّك به في أنَّ الصُّلْح على الإنْكَار جَائز، وهُمُ الحَنفيَّة و «خير» : يُحْتمل أن تَكُون للتَّفْضِيل على بَابِها، والمفضَّلُ عليه مَحْذُوفٌ، فقيل: تقديرُه: من النُّشُوز، والإعْرَاض، وقيل: خيرٌ من الفُرْقَة، والتَّقْدِير الأولُ أوْلى؛ للدلالة اللَّفْظِيَّة، ويُحْتمل أن تَكثون صِفَةً مجرَّدَةً، أي: والصُّلَحُ خيرٌ من الخُيُور؛ كما أنَّ الخُصُومة شرٌّ من الشُّرُور. فصل في سبب نزول الآية هذه الآية نزلت في عمرة ويُقَال: خَولة بِنْت محمَّد بن مَسْلَمة، وفي زَوْجَها سَعْد ابن الرَّبِيع، ويقال: رَافِع بن خُدَيْج تزوَّجَهَا وهي شَابَّة، فلما علاَهَا الكِبَر، تزوَّجَ عليها امْرَأة شابَّةً، فآثرها عليها، وجَفَا ابْنَه محمَّد بن مسلمة، فأتت رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فشكت ذلك إلَيْه، فنزلت الآية. وقيل: نزلت في سَوْدَة بنت زمْعَة، حين أرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يُطَلِّقها، فالتمست أن يُمْسِكَها وتَجْعَل نَوْبَتَها لِعَائِشَة، فأجازَه النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ولم يطلقها. وروي عن عَائِشَة، أنها قَالَت: نزلت في المَرْأة تكون عند الرَّجُل، ويُرِيد أن يَسْتَبْدِلَ [بها] غيرها، فتقول: أمْسِكْنِي، وتزوج بِغَيْري، وأنت في حِلٍّ من النَّفَقَةِ [والقَسْم] . وقال سَعِيد بن جُبَير: نزلت في أبِي السَّائِب، كان له امْرَأةٌ قد كَبِرت، وله مِنْهَا أوْلاد، فأراد أن يُطَلِّقَها ويتزوَّجَ بِغَيْرِها، فقالت: لا تطلِّقْنِي، ودعنِي على وَلَدِي، فاقْسم لي مِنْ كلِّ شَهْرَيْن إن شِئْتَ، وإن شئِتْ فلا تَقْسِم لي، فقال: إن كَانَ يصلحُ ذَلِك؛ فهو أحَبُّ إليّ، فأتَى رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فذكر لَهُ ذَلِك. فأنزل الله ﴿وإن امْرأةٌ خافت﴾ أي: علمت قيل: وظَنَّتْ، وقيل: مُجَرَّد الخَوْف عِنْد [ظُهُور] أمارات النُّشُوز، وهو البُغْضُ والشِّقَاق، من النَّشْز: وهو ما ارتفع عَنِ الأرْض. قال الكَلْبِيُّ: نشوز الرَّجُل: ترك مُجَامَعَتِها، وإعراضُهُ بوجْهه عَنْها، وقلة مُجَالَسَتِها، ﴿فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَآ﴾ أي: على الزَّوج والمَرْأة أن يتصالَحَا، والصُّلْحُ إنَّما يحصُلُ في شَيْءٍ يكون حَقًّا له، وحقُّ المرأة على الزَّوْج: إما المَهْر، أو النَّفَقَة، أو القَسْم. فهذه الثلاثة هي التي تَقْدِر المرأة على طلبها من الزَّوْجِ، شاء أم أبَى، وأما الوَطءُ فلا يُجبرُ عليه إلاَّ في بعض الصُّوَر، وإذا كَان كَذَلك، فإذا كَانَتْ هي المُحْسِنَة، ولا تُجْبَر على ذلك، وإن لم تَرْضَ، كان على الزَّوْج أن يُوَفِّيها حقها من القَسْم والنَّفقة [أو يُسَرِّحها بإحْسَان، فإن أمْسَكها ووفَّاها حقَّها مع كَراهِيَّتهِ، فهو المُحْسِن. وروى سُليْمَان بن يَسَار، عن ابن عبَّاسٍ: فإن صَالَحَتْهُ عن بَعْضِ حقها من القَسْم والنَّفَقَةِ،] فذلك جائز ما رَضِيت، فإن أنْكَرَت بعد الصُّلْح، فذلك لَهَا، ولها حَقُّهَاِ. ثم قال: «والصُّلْح خَيْر» [يعني: إقَامَتَهَا] بعد تَخْييره إيَّاهَا، والمُصَالَحة على تَرْك بَعْضِ حَقِّها، خَيْر من الفُرقَة. كما رُوِي أن سَوْدة كانت امْرأةً كبِيرةً، أراد النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يُفَارِقَهَا، فقالت: لا تطلِّقْنِي، وكفاني أن أبْعَث في نِسَائِكَ، وقد جَعَلْتُ نوبتي لِعَائِشَة، فأمْسَكَها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وكان يَقْسِمُ لِعائِشَة يَوْمَها ويَوْمَ سَوْدَة. فصل قال - تعالى -: ﴿فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا﴾ ، وذلك يُوهِمُ أنَّه رخصة، والغايةُ فيه: ارْتِفَاع الإثْم، فبين - تعالى - أنَّ هذا الصُّلح كما أنَّه لا جُنَاح فيه ولا إثْم، ففيه خَيْر عَظِيمٌ. قوله: ﴿وَأُحْضِرَتِ الأنفس الشح﴾ «حَضَر» يتعدى إلى مَفْعُول، واكتسب بالهمزة مفعُولاً ثانياً، فلمَّا بُني للمفعُول، قامَ أحدهما مقام الفاعل، فانتصب الآخرُ، والقائمُ مقام الفاعِلِ هنا يَحْتمل وجهين: أظهرهما - وهو المشهُورُ من مذاهب النُّحَاة -: أنه الأول وهو «الأنْفُسُ» فإنه الفاعِل في الأصْلِ، إذ الأصْل: «حَضرت الأنْفُسُ الشُحَّ» . والثاني: أنه المفعُول الثاني، والأصل: وحضر الشُحُّ الأنْفُسَ، ثم أحْضَر اللَّهُ الشُحَّ الأنْفُسَ، فلما بُنِيَ الفِعْل للمفعُول أقيم الثانِي - وهو الأنْفُسُ - مقامَ الفَاعِلِ، فأخِّر الأوَّل وبقي منصوباً، وعلى هذا يَجُوز أن يُقَال: «أُعْطِي درهمٌ زَيْداً» و «كُسِي جُبَّة عَمراً» ، والعَكْس هو المشهُورُ كما تقدَّم، وكلامُ الزَّمَخْشَرِي يَحْتمل كَوْنَ الثاني هو القَائِم مقام الفاعل؛ فإنه قال: «ومعنى إحْضَارِ الأنْفُس الشُحَّ: أنَّ الشُحَّ جُعِل حَاضِراً لها، لا يَغِيب الفاعل؛ فإنه قال:» ومعنى إحْضَارِ الأنْفُسِ الشُحَّ: أنَّ الشُحَّ جُعِل حَاضِراً لها، لا يَغِيب عنها أبداً ولا يَنْفَكُّ» يعني: أنها مَطْبُوعةٌ عليه، فأسْنِد الحضور إلى الشُحِّ كما ترى، ويحتمل أنه جعله من باب القلْب، فنسب الحُضُورَ إلى الشُحِّ، وهو في الحقيقة مَنْسُوبٌ إلى الأنْفس. وقرأ العَدَوِي: «الشِّحَّ» بكسر الشين وهي لُغَة، والشُّحُّ: البُخْل مع حرص؛ فهو أخَصُّ من البُخْل. قال القرطبي: وهذه الآية إخبار في كُلِّ أحدٍ، وأنَّ الإنْسَان لا بُد أن يشح بِحُكْم خِلْقَتِه، وجبلَّته، حتى يَحْمِل صَاحِبَه على بَعْض ما يَكْرَه، ويقال: الشُحُّ: هو البُخْل، وحقيقته: الحِرْص على مَنْع الخَيْر. والمُرادُ به ههنا: شُح كل واحدٍ من الزَّوْجَيْن بِنَصِيبهِ من الآخَر، فَتَشِحُّ المرأة: ببذل حقِّها، ويَشِحُّ الزَّوْج: بأن يَنْقَضِي عمره مَعَهَا مع دَمَامَة وَجْهِها، وكبر سِنِّها، وعدم حُصُول اللَّذَّة بِمُجَالَسَتِها. فصل قال القرطبي: والشُّحُّ: الضبط على المُعْتَقَدَات والإرادَة، وفي الهِمَمِ والأمْوال، ونحو ذلك، فما أفْرِط منه على الدِّين، فهو محمود، وما أفْرِطَ منه في غَيْرِهِ، ففيه بَعْض المذمَّة. وهو قوله - تعالى -: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ [التغابن: 16] الآية، وما صَار مِنْه إلى حَيِّز مَنْع الحُقُوقِ [الشَّرعيَّة] أو الَّتِي تَقْتَضِيهَا المُرُوءة، فهو البُخْلُ؛ [و] هي رذيلة، وإذا آلَ البُخْل إلى هَذِه الأخْلاَق المَذْمُومَةِ، لم يبق [معه] خيرٌ ولا صَلاَحٌ. روى الماوَرْدِيُّ: «أن النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال للأنْصَار: من سَيِّدُكُم؟ قالوا: الجَدُّ بن قَيْس على بُخْلٍ فيهه؛ فقال النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» وأي داء أدْوَى من البُخْل «قالوا: وكيف ذَاكَ يا رسُولَ اللَّه؟ قال: إنَّ قوماً نزلوا بسَاحِل، فكرهوا لِبُخْلِهِم نُزُولَ الأضْيَافِ بِهِم، فقالوا: ليَبْعد [الرِّجَال] منَّا عن النِّساء؛ حتى يَعْتَذِر الرَّجَال إلى الأضْيَافِ ببعد النِّسَاء، ويعتَذِر النِّسَاء ببُعْد الرَّجَالِ، ففعلوا وطال ذَلِكَ فِيهِمْ، فاشْتَغَل الرَّجَال بالرَّجَال، والنِّسَاء بالنِّسَاء» . ثم قال: «وإنْ تُحْسِنُوا» أي: تُصْلِحُوا «وتَتَّقوا» : الجور. وقيل: هذا خِطَابٌ مع الأزواج، أي: وإن تُحْسِنُوا بالإقَامَة مَعَها مع الكَرَاهَةِ، وتتقوا ظُلْمَها بالنُّشُّوزِ والإعْرَاض. وقيل [هو] خِطاب لغيرهما، أي: تُحْسِنُوا في الصُّلْح بينهما، وتَتَّقُوا المَيْل إلى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فإن اللَّه كان بما تَعْمَلُون خَبِيراً، فيجزيكم بأعْمَالِكُم. حكى صَاحِب الكَشَّاف: أن عِمْرَان بن حطَّان الخَارِجيَّ كان من أذَمِّ بني آدَم، وامرأته من أجْمَلِهِم، فَنَظَرَت إليه يَوْماً، ثم قالت: الحَمْدُ للَّهِ، فقال: مَا لَكِ؟ فقالت حَمَدْتُ اللَّه على أنِّي وإيَّاك من أهْل الجَنَّة؛ لأنك رُزِقْتَ مِثْلِي، فشكَرْت، ورُزِقْتُ مِثْلك؛ فَصَبَرْتُ، وقد وَعَد اللَّه بالجَنَّة الشَّاكرين والصَّابرين.

النساء 4:129

وفيه قولان: الأول: لن تَقْدِرُوا في التَّسْوِية بَيْنَهُنَّ في مَيْل الطِّبَاع، من الحُبِّ ومَيْل القلب، وإذا لم تَقْدِرُوا عليه، لَمْ تكُونوا مكَلَّفين به. قالت المُعْتَزَلَة: هذا يدلُّ على أن تَكْلِيفَ ما لا يُطَاق، غيْر وَاقِع ولا جائز الوُقُوع، وقد تَقَدَّم إلزامهم في العِلْمِ والدَّاعِي، وقد يُجَاب أيْضاً: بأنه - تعالى - إنما نَفَى الاسْتِطَاعة الَّتي هي من جِهَة المكَلَّفِ، ولَمْ يَنْفِ التَّكْلِيف الَّذِي هو من جهة الشَّارع، فالآيَة لا تَدُلُّ على نَفْيِ التَّكْلِيفِ، وإنما تَدُلُّ على نفي اسْتِطَاعة المكَلَّف. الثاني: لا يستطيعون التَّسْوِيَةَ بينهن في الأقْوَال والأفْعَال؛ لأن التَّفَاوُت في الحُبِّ، يوجِبُ التَّفَاوُت في نتائِجِ الحُبِّ؛ لأن الفِعل بدون الدَّاعِي، [و] مع قيام الصَّارف مُحَالٌ. ثم قال: «فَلاَ تَمِيلُواْ» أي: إلى التي تُحِبُّونها، «كُلَّ المَيْل» في القِسْمة، واللَّفْظ والمَعْنَى: أنكم لَسْتُم تَحْتَرِزُون عن حُصُول التَّفَاوُت في المَيْل القَلْبِي؛ لأن ذَلِك خَارِجٌ عن وُسْعكُم، ولكنكم مَنْهِيُّون عن إظْهَار ذلك [التفاوت] في القَوْل والفِعْل. «روي عن رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: [أنه] كان يَقْسِم، ويقول:» هذا قَسَمِي فيما أمْلِكُ، وأنْت أعْلَم بما لا أمْلِكُ» . قوله: «كُلَّ المَيْلِ» : نصبٌ على المَصْدرية، وقد تقرر أن» كل «بحسَبِ ما تُضَاف إليه، إنْ أضيفَت إلى مَصْدرٍ - كانت مَصْدَراً - أو ظرفٍ، أو غَيْرِه؛ فكذلك. قوله:» فَتَذَرُوهَا «فيه وجهان: أحدهما: أنه مَنْصُوب بإضْمَارِ» أنْ «في جَوابِ النَّهْي. والثاني: أنه مَجْزُوم عَطْفاً على الفِعْل قبله، أي: فلا تَذرُوها، ففي الأوَّل نَهْيٌ عن الجمع بينهما، وفي الثاني نهيٌ عن كلٍّ على حِدَتِه وهو أبلغُ، والضَّميرُ في» تَذَرُوها» يعود على المُميلِ عنها؛ لدلالة السِّياق عليها. قوله: «كالمُعلَّقة» : حال من «ها» في» تَذَروها «فيتعلَّق بمَحْذُوف، أي: فتذُروها مُشْبِهةً المُعَلَّقة، ويجُوز عندي: أن يَكُون مفعولاً ثانياً؛ لأن قولك:» تَذَر» بمعنى: تَتْرك، و «تَرَك» يتعدَّى لاثْنَيْن إذا كان بِمَعْنَى: صيَّر. والمعنى: لا تَتَّبِعُوا هَوَاكُم، فَتَدَعُوا الأخْرى كالمُعَلَّقَة لا أيِّماً، ولا ذَات بَعْل؛ كما أن الشَّيء المُعَلَّق لا [يَكُون] على الأرْضِ، ولا على السَّماءِ، وفي قِرَاءة أبَيِّ: «فَتَذَرُوها كالمَسْجُونَة» ، وفي الحَدِيث: «من كَانَت له امْرأتَانِ يميلُ مع إحْدَاهُمَا، جاء يَوْم القِيَامة وأحدُ شِقَّيْه مَائِلٌ» . قوله: «وإن تُصْلِحُوا» بالعدل في القَسْم، و «تَتَّقُوا» : الجور ﴿فَإِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ لما حَصَل في القَلْبِ من المَيْلِ إلى بَعْضِهِنَّ دون بَعْضٍ. وقيل المعنى: وإن تُصْلحوا ما مَضَى من مَيْلِكُم، وتَتَدَارَكُوه بالتَّوْبَة، وتَتَّقُوا في المُسْتَقْبَل عن مِثْلِه، غفر اللَّه لكم ذَلِكَ، وهذا أوْلَى؛ لأن التَّفَاوُت في المَيْل القَلْبي ليس في الوُسْع، فلا يحتاج إلى المَغْفِرَة. قوله «وَإنْ يَتَفَرَّقا» يعني: الزَّوْج والمَرْأة بالطَّلاق، ﴿يُغْنِ الله كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ﴾ : من رزقه، يعني: المَرْأة بِزَوْج آخر، والزَّوْج بامرأة أخْرى. وقيل: يُغْنِي اللَّه كل واحِدٍ منهما عن صَاحِبِه بعد الطَّلاقِ، ﴿وَكَانَ الله وَاسِعاً حَكِيماً﴾ وصف نفسه بِكَوْنه وَاسِعاً؛ ولم يُضِفْه إلى شَيْء؛ لأنه - تعالى - وَاسِعُ الفَضْل، واسع الرِّزْقِ، واسع النِّعْمَةِ، واسع الرَّحْمَةِ، واسع القُدْرَةِ، واسِعُ العِلْمِ، واسعٌ في جميع الكمالات، فلو قالَ: واسِعٌ في كذا، لاخْتَصَّ بذلك المَذْكُور، وقوله: «حكيماً» قال ابن عبَّاسٍ: يريد فيما أمرَ ونَهَى، وقال الكلبيُّ: فيما حَكَم على الزَّوْج من إمْسَاكِهَا بمعرُوفٍ، أوْ تسريحٍ بإحْسَانٍ. فصل حُكْم الرَّجلِ إذا كان تَحْتَهُ امْرأتَان أوْ أكْثَر، يجِبُ عليه التَّسْوِيَة بَيْنَهُنَّ في القَسْم، فإن ترك التَّسْوِيَة بَيْنَهُنَّ في القَسْم، عَصَى اللَّه - تعالى -، وعليه القَضَاءُ للمَظْلُومة، والتَّسْوِيَة شَرْط في البَيْنُونَةِ أمَّا في الجِمَاع فَلاَ؛ لأنه يَدُور على النَّشَاطِ وليس ذَلِكِ إليه، ولو كانت تَحْتَه حُرّةٌ وأمَةٌ فإنَّه يَبِيتُ عِنْد الحُرَّة لَيْلَتَيْن، وعند الأمَة لَيْلَة، وإذا تَزَوَّج جَدِيدَةً على قَدِيمَة، يخص الجَدِيدَة بأن يَبِيت عِنْدَهَا سَبْعَ لَيَالٍ على التَّوالِي إن كانت بِكْراً، وإن كانت ثَيِّباً، فثلاث لَيَالٍ، ثم يُسَوِّي بعد ذَلِك بين الكُلِّ، ولا يجب قَضَاء هذه الثلاث للقَدِيمَات؛ لقول أنسٍ: من السُّنَّةِ إذا تزوَّج البكر على الثَّيِّب أن يُقِيم عِنْدَها سَبْعَةً، وإذا تزوَّج الثَّيِّب على البِكْرِ، أن يُقِيم عندها ثلاثاً، فإن أحبَّت الثَّيِّبُ أن يُقِيم عِنْدَها سبْعاً، فعل، ثم قَضَاه للبَوَاقِي؛ لأن «النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لما تَزَوَّج أمَّ سَلَمَة أقام عِنْدَها سَبْعاً، ثم قال: لَيْس بك هَوانٌ على أهْلِكِ، إن شِئْت سَبَّعْت لَكِ، وإن سَبَّعْت لك سَبَّعْت لِنِسَائي» ، وإذا أرادَ الرَّجُل سفرَ حَاجَةٍ، فيجُوزُ له أنْ يحمل بَعْضَ نِسَائِه [معه بالقُرْعَة بَيْنَهُنَّ] ، ولا يَجِبُ عليه [أن] يَقْضِي للبَاقِيَات مُدَّة سَفَرِه وإن طَالَتْ إذا لَمْ يزدْ مَقَامُهُ في بَلْدة على مُدَّة المُسَافِرِين؛ لأن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان إذا أراد سَفَراً، أقْرَعَ بين نِسَائِه، فأيّتهن خَرَج سهُمُهَا، خرج بِهَا مَعَهُ، أما إذا أرَادَ سَفَرَ نَقْلةٍ، فَلَيْسَ له تَخْصِيصُ بَعْضِهِن، لا بِقُرْعَة ولا بِغَيْرها.

النساء 4:130

وفيه قولان: الأول: لن تَقْدِرُوا في التَّسْوِية بَيْنَهُنَّ في مَيْل الطِّبَاع، من الحُبِّ ومَيْل القلب، وإذا لم تَقْدِرُوا عليه، لَمْ تكُونوا مكَلَّفين به. قالت المُعْتَزَلَة: هذا يدلُّ على أن تَكْلِيفَ ما لا يُطَاق، غيْر وَاقِع ولا جائز الوُقُوع، وقد تَقَدَّم إلزامهم في العِلْمِ والدَّاعِي، وقد يُجَاب أيْضاً: بأنه - تعالى - إنما نَفَى الاسْتِطَاعة الَّتي هي من جِهَة المكَلَّفِ، ولَمْ يَنْفِ التَّكْلِيف الَّذِي هو من جهة الشَّارع، فالآيَة لا تَدُلُّ على نَفْيِ التَّكْلِيفِ، وإنما تَدُلُّ على نفي اسْتِطَاعة المكَلَّف. الثاني: لا يستطيعون التَّسْوِيَةَ بينهن في الأقْوَال والأفْعَال؛ لأن التَّفَاوُت في الحُبِّ، يوجِبُ التَّفَاوُت في نتائِجِ الحُبِّ؛ لأن الفِعل بدون الدَّاعِي، [و] مع قيام الصَّارف مُحَالٌ. ثم قال: «فَلاَ تَمِيلُواْ» أي: إلى التي تُحِبُّونها، «كُلَّ المَيْل» في القِسْمة، واللَّفْظ والمَعْنَى: أنكم لَسْتُم تَحْتَرِزُون عن حُصُول التَّفَاوُت في المَيْل القَلْبِي؛ لأن ذَلِك خَارِجٌ عن وُسْعكُم، ولكنكم مَنْهِيُّون عن إظْهَار ذلك [التفاوت] في القَوْل والفِعْل. «روي عن رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: [أنه] كان يَقْسِم، ويقول:» هذا قَسَمِي فيما أمْلِكُ، وأنْت أعْلَم بما لا أمْلِكُ» . قوله: «كُلَّ المَيْلِ» : نصبٌ على المَصْدرية، وقد تقرر أن» كل «بحسَبِ ما تُضَاف إليه، إنْ أضيفَت إلى مَصْدرٍ - كانت مَصْدَراً - أو ظرفٍ، أو غَيْرِه؛ فكذلك. قوله:» فَتَذَرُوهَا «فيه وجهان: أحدهما: أنه مَنْصُوب بإضْمَارِ» أنْ «في جَوابِ النَّهْي. والثاني: أنه مَجْزُوم عَطْفاً على الفِعْل قبله، أي: فلا تَذرُوها، ففي الأوَّل نَهْيٌ عن الجمع بينهما، وفي الثاني نهيٌ عن كلٍّ على حِدَتِه وهو أبلغُ، والضَّميرُ في» تَذَرُوها» يعود على المُميلِ عنها؛ لدلالة السِّياق عليها. قوله: «كالمُعلَّقة» : حال من «ها» في» تَذَروها «فيتعلَّق بمَحْذُوف، أي: فتذُروها مُشْبِهةً المُعَلَّقة، ويجُوز عندي: أن يَكُون مفعولاً ثانياً؛ لأن قولك:» تَذَر» بمعنى: تَتْرك، و «تَرَك» يتعدَّى لاثْنَيْن إذا كان بِمَعْنَى: صيَّر. والمعنى: لا تَتَّبِعُوا هَوَاكُم، فَتَدَعُوا الأخْرى كالمُعَلَّقَة لا أيِّماً، ولا ذَات بَعْل؛ كما أن الشَّيء المُعَلَّق لا [يَكُون] على الأرْضِ، ولا على السَّماءِ، وفي قِرَاءة أبَيِّ: «فَتَذَرُوها كالمَسْجُونَة» ، وفي الحَدِيث: «من كَانَت له امْرأتَانِ يميلُ مع إحْدَاهُمَا، جاء يَوْم القِيَامة وأحدُ شِقَّيْه مَائِلٌ» . قوله: «وإن تُصْلِحُوا» بالعدل في القَسْم، و «تَتَّقُوا» : الجور ﴿فَإِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ لما حَصَل في القَلْبِ من المَيْلِ إلى بَعْضِهِنَّ دون بَعْضٍ. وقيل المعنى: وإن تُصْلحوا ما مَضَى من مَيْلِكُم، وتَتَدَارَكُوه بالتَّوْبَة، وتَتَّقُوا في المُسْتَقْبَل عن مِثْلِه، غفر اللَّه لكم ذَلِكَ، وهذا أوْلَى؛ لأن التَّفَاوُت في المَيْل القَلْبي ليس في الوُسْع، فلا يحتاج إلى المَغْفِرَة. قوله «وَإنْ يَتَفَرَّقا» يعني: الزَّوْج والمَرْأة بالطَّلاق، ﴿يُغْنِ الله كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ﴾ : من رزقه، يعني: المَرْأة بِزَوْج آخر، والزَّوْج بامرأة أخْرى. وقيل: يُغْنِي اللَّه كل واحِدٍ منهما عن صَاحِبِه بعد الطَّلاقِ، ﴿وَكَانَ الله وَاسِعاً حَكِيماً﴾ وصف نفسه بِكَوْنه وَاسِعاً؛ ولم يُضِفْه إلى شَيْء؛ لأنه - تعالى - وَاسِعُ الفَضْل، واسع الرِّزْقِ، واسع النِّعْمَةِ، واسع الرَّحْمَةِ، واسع القُدْرَةِ، واسِعُ العِلْمِ، واسعٌ في جميع الكمالات، فلو قالَ: واسِعٌ في كذا، لاخْتَصَّ بذلك المَذْكُور، وقوله: «حكيماً» قال ابن عبَّاسٍ: يريد فيما أمرَ ونَهَى، وقال الكلبيُّ: فيما حَكَم على الزَّوْج من إمْسَاكِهَا بمعرُوفٍ، أوْ تسريحٍ بإحْسَانٍ. فصل حُكْم الرَّجلِ إذا كان تَحْتَهُ امْرأتَان أوْ أكْثَر، يجِبُ عليه التَّسْوِيَة بَيْنَهُنَّ في القَسْم، فإن ترك التَّسْوِيَة بَيْنَهُنَّ في القَسْم، عَصَى اللَّه - تعالى -، وعليه القَضَاءُ للمَظْلُومة، والتَّسْوِيَة شَرْط في البَيْنُونَةِ أمَّا في الجِمَاع فَلاَ؛ لأنه يَدُور على النَّشَاطِ وليس ذَلِكِ إليه، ولو كانت تَحْتَه حُرّةٌ وأمَةٌ فإنَّه يَبِيتُ عِنْد الحُرَّة لَيْلَتَيْن، وعند الأمَة لَيْلَة، وإذا تَزَوَّج جَدِيدَةً على قَدِيمَة، يخص الجَدِيدَة بأن يَبِيت عِنْدَهَا سَبْعَ لَيَالٍ على التَّوالِي إن كانت بِكْراً، وإن كانت ثَيِّباً، فثلاث لَيَالٍ، ثم يُسَوِّي بعد ذَلِك بين الكُلِّ، ولا يجب قَضَاء هذه الثلاث للقَدِيمَات؛ لقول أنسٍ: من السُّنَّةِ إذا تزوَّج البكر على الثَّيِّب أن يُقِيم عِنْدَها سَبْعَةً، وإذا تزوَّج الثَّيِّب على البِكْرِ، أن يُقِيم عندها ثلاثاً، فإن أحبَّت الثَّيِّبُ أن يُقِيم عِنْدَها سبْعاً، فعل، ثم قَضَاه للبَوَاقِي؛ لأن «النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لما تَزَوَّج أمَّ سَلَمَة أقام عِنْدَها سَبْعاً، ثم قال: لَيْس بك هَوانٌ على أهْلِكِ، إن شِئْت سَبَّعْت لَكِ، وإن سَبَّعْت لك سَبَّعْت لِنِسَائي» ، وإذا أرادَ الرَّجُل سفرَ حَاجَةٍ، فيجُوزُ له أنْ يحمل بَعْضَ نِسَائِه [معه بالقُرْعَة بَيْنَهُنَّ] ، ولا يَجِبُ عليه [أن] يَقْضِي للبَاقِيَات مُدَّة سَفَرِه وإن طَالَتْ إذا لَمْ يزدْ مَقَامُهُ في بَلْدة على مُدَّة المُسَافِرِين؛ لأن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان إذا أراد سَفَراً، أقْرَعَ بين نِسَائِه، فأيّتهن خَرَج سهُمُهَا، خرج بِهَا مَعَهُ، أما إذا أرَادَ سَفَرَ نَقْلةٍ، فَلَيْسَ له تَخْصِيصُ بَعْضِهِن، لا بِقُرْعَة ولا بِغَيْرها.

النساء 4:131

في تعلُّق هذه الآيَة بما قَبْلَها وجهان: الأوَّل [أنه - تعالى - لمّا] قال: ﴿يُغْنِ الله كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ﴾ [النساء: 130] أشار إلى ما هُو كالتَّفْسير لكونه وَاسِعاً؛ فقال: ﴿وَللَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ يعني: من كَانَ كَذَلِكَ، [فإنه] يكون وَاسِع العِلْم، والقُدْرَة، والجُود، والفَضْل، والرَّحمة. الثاني: أنه - تعالى - لمَّا أمر بالعَدْل، والإحْسَان إلى اليَتَامي والنِّسَاء، بَيَّنَ أنه مَا أمر بِهَذِه الأشْيَاء لاحتياجه لأعْمَال العِبَادِ، لأن من كَانَ لَهُ ما في السَّموات ومَا فِي الأرْض، كيف يَكُون مُحْتَاجاً إلى عَمَل الإنْسَان مع ضَعْفِهِ وقُصُوره، وإنما أمَر بِها رِعَاية لما هو الأحْسَن لَهُم في دُنْيَاهم وأخْرَاهُم. ثم قال ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ﴾ يعني: أهْل التَّوْرَاةِ، والإنْجِيلِ، وسائر الأمم المُتَقَدِّمَة في كُتُبِهِم، والكِتَاب: اسم جِنْس يتناول الكُتُب السَّمَاوِيَّة، «وإيَّاكم» : يا أهل القُرْآن في كتابكم، ﴿أَنِ اتقوا الله﴾ أي: وَحِّدُوه وأطِيعُوه، وتَقْوى اللَّه مَطْلُوبَة من جَمِيع الأمَمِ، في سائر الشَّرَائِعِ لم تُنْسَخ، وَهِي وَصِيَّة اللَّه في الأوَّلِين والآخِرين. قوله: «مِنْ قَبْلِكُم» فيه وجهان: الأول: أنه مُتَعَلِّق ب «وصَّيْنَا» يعني: ولقد وصَّيْنَا من قَبْلكُم [الذين أُوتُواْ الكتاب. والثاني: أنه متعلِّق ب «أوتُوا» يَعْني: الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ] ، وصيناهم بذلك، والأوَّل أظْهَر. قوله: «وإيَّاكم» : عَطْف على ﴿الذين أُوتُواْ الكتاب﴾ وهو واجبُ الفَصْل هُنَا؛ لتعذُّرِ الاتِّصَال، واستدلَّ بَعْضُهم على أنَّه إذا قُدِر عَلى الضمير المُتَّصِل يجُوز أَن يُعْدَلَ إلى المُنْفَصِل بهذه الآية؛ لأنه كان يُمْكِنُ أن يُقَال: «ولقد وَصِّيْنَاكُم والَّذِين أوتُوا الكِتاب» ، وكذلك استُدِلَّ بقوله - تعالى -: ﴿يُخْرِجُونَ الرسول وَإِيَّاكُمْ﴾ [الممتحنة: 1] ، إذ يمكن أن يُقَالَ: يخرجُونَكُم والرَّسُولَ، وهذا ليس يدلّ له: أمَّا الآيةُ الأولى: فلأنَّ الكَلامَ فيها جَاءَ على التَّرتِيب الوُجُودِي، فإنَّ وَصِيَّة مَنْ قبلَنا قبلَ وَصيَّتنا، فلمَّا قَصَدَ هذا المَعْنَى، استحال - والحالةُ هذه - أن يقُدْرَ عليه مُتَّصِلاً. وأما الآية الثَّانية: فلأنَّه قصد فيها تَقَدُّمَ ذِكْرِ الرَّسُول؛ تشريفاً له، وتشنيعاً على مَنْ تَجاسَر على مِثْلِ ذلك الفِعْل الفَظِيع، فاسْتَحَال - والحالة هذه - أن يُجَاء به مُتَّصِلاً، و «مِنْ قبلكم» : يَجُوزُ أنْ يتعلَّق ب «أوتُوا» ، ويجُوز أنْ يتعلَّق ب «وَصَّيْنَا» ؛ والأولُ أظهرُ. قوله: «أن اتَّقُوا» يجوزُ في «أن» وَجْهَان: أحدُهُمَا: أن تكون مصدرِيّة على حَذْفِ حَرْفِ الخَفْضِ، تقديرُه: بأن اتَّقوا، فلما حُذِف الحَرْفُ جَرَى فيها الخِلافُ المَشْهُور. والثاني: أن تكُون المُفَسِّرة؛ لأنها بَعْد ما هُو بِمَعْنَى القَوْل، لا حروفه وهو الوصيّة، والظاهر أن قوله: «وإن تَكْفُرُوا» جملة مُسْتأنفة؛ للإخبار بأن هذه الحَالِ ليست داخلة في مَعْمُول الوصِيّة. وقال الزَّمَخْشَرِي: ﴿وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ﴾ عطفٌ على «اتَّقُوا» لأنَّ المَعْنَى: أمرناهم، وأمَرْنَاكم بالتَّقْوَى، وقُلْنا لهم ولكم: «إِن تَكْفُرُواْ» وفي كلامه نظرٌ، لأنَّ تقديره القَوْلَ، ينفي كون الجُمْلة الشرطية مُنْدرجةً في حَيِّزِ الوصيَّة بالنِّسْبَة إلى الصِّناعة النَّحْوية، وهو لم يقصد تفسير المعنى فقط، بل قصده هو وتفسير الإعراب؛ بدليل قوله: عطف على «اتَّقُوا» ، و «اتَّقُوا» داخلٌ في حيِّز الوصيَّةِ، سواءً أجعلت «أن» مصدريَّةً أم مُفسِّرة. فصل ومعنى [قوله:] ﴿أَنِ اتقوا الله﴾ ؛ كقولك: أمَرْتُكَ الخَيْرَ، قال الكَسَائِيُّ: يقال: أوصَيْتُك أن افْعل كذا، وأن تَفْعَل كذا، ويُقال: ألْم آمُرَك أن ائت زيداً، وأن تأتِي زَيْداً؛ كقوله - تعالى -: [و] ﴿أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾ [الأنعام: 14] ، وقوله: ﴿إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبِّ هَذِهِ البلدة﴾ [النمل: 91] وتقدَّم الكلام على «وَإِن تَكْفُرُواْ» . قوله: ﴿فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي﴾ في تعلُّقِه وجهان: الأول: أنه - تعالى - خالقُهُم ومالِكُهُم، والمُنْعِم عليهم بأصْناف النِّعَم كلِّها، فَحَقَّ على كل عَاقلٍ أن يَنْقَاد لأوَامِرِه ونَوَاهِيهِ، ويَرْجُوا ثوابه، ويَخَاف عِقَابَهُ. والثاني: ﴿وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ من أصناف المَخْلُوقات من الملائِكَة وغيرها أطوع مِنْكُم يَعْبُدوه ويتَّقُوه، وهو مع ذَلِكَ غَنِيٌّ عن عِبَادَتِهم، و «حَمِيداً» مُسْتَحِقٌّ للحَمْد؛ لكثرة نِعمِه، وإن لم يحمده أحَدٌ منهم؛ لأنه في ذَاتِه مَحْمُود، سواء حَمَدُوه أوْ لَمْ يَحْمَدُوه. قوله: ﴿وَللَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض وكفى بالله وَكِيلاً﴾ ، قال عكرمة، عن ابن عبَّاسٍ: يعني: شهيداً أنَّ فيها عَبِيداً. وقيل: دَافِعاً ومُجِيراً. فإن قيل: ما فَائِدة التَّكْرَار في قوله: ﴿وَللَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ . فالجواب: أنَّ لكل منها وجه: أما الأول: معناه: للَّه مَا فِي السماوات وما فِي الأرض، وهو يُوصِيكم بالتَّقْوى، فاقْبَلُوا وصِيَّتَه. والثاني: [يقول:] لله ما في السماوات وما في الأرض، وكان الله غَنِيّاً، أي: هو الغَنِيُّ، وله المُلْكُ، فاطْلُبَوا منه ما تَطْلُبُون. والثالث: يقول ﴿وَللَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض وكفى بالله وَكِيلاً﴾ ، أي: له المُلْك؛ فاتَّخِذُوه وَكِيلاً، ولا تتوكَّلُوا على غَيْرِه. [و] قال القُرْطُبِي: وفائدة التَّكْرَار من وجهين: الأول: أنه كَرَّر تأكيداً؛ لتنبيه العِبَاد، ولينظروا في مُلْكه ومَلكُوته، أنه غَنِيٌّ عن خَلقهِ. والثاني: أنه كرَّر لفوائد: فأخبر في الأوَّل، أنَّ الله يُغْنِي كُلاًّ من سَعَتهِ؛ لأن لَهُ مَا في السماوات وما في الأرض، [فلا تَنْفدُ خَزَائِنُه، ثم قال: أوْصيْناكُم وأهْلَ الكِتَاب بالتَّقْوى، وإن تَكْفُروا، فإنَّه غَنِيٌّ عنكم؛ لأنَّ له ما في السماوات وما في الأرض] ثم أعْلم في الثَّالث: بحفظ خَلْقِه، وتدبيره إيَّاهُم بقوله: ﴿وكفى بالله وَكِيلاً﴾ ؛ لأن له ما في السماوات وما في الأرض، ولم يَقُل: مَنْ في السَّموات؛ لأن في السَّموات والأرض من يَعْقِل، ومَن لا يَعْقِل.

النساء 4:132

في تعلُّق هذه الآيَة بما قَبْلَها وجهان: الأوَّل [أنه - تعالى - لمّا] قال: ﴿يُغْنِ الله كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ﴾ [النساء: 130] أشار إلى ما هُو كالتَّفْسير لكونه وَاسِعاً؛ فقال: ﴿وَللَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ يعني: من كَانَ كَذَلِكَ، [فإنه] يكون وَاسِع العِلْم، والقُدْرَة، والجُود، والفَضْل، والرَّحمة. الثاني: أنه - تعالى - لمَّا أمر بالعَدْل، والإحْسَان إلى اليَتَامي والنِّسَاء، بَيَّنَ أنه مَا أمر بِهَذِه الأشْيَاء لاحتياجه لأعْمَال العِبَادِ، لأن من كَانَ لَهُ ما في السَّموات ومَا فِي الأرْض، كيف يَكُون مُحْتَاجاً إلى عَمَل الإنْسَان مع ضَعْفِهِ وقُصُوره، وإنما أمَر بِها رِعَاية لما هو الأحْسَن لَهُم في دُنْيَاهم وأخْرَاهُم. ثم قال ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ﴾ يعني: أهْل التَّوْرَاةِ، والإنْجِيلِ، وسائر الأمم المُتَقَدِّمَة في كُتُبِهِم، والكِتَاب: اسم جِنْس يتناول الكُتُب السَّمَاوِيَّة، «وإيَّاكم» : يا أهل القُرْآن في كتابكم، ﴿أَنِ اتقوا الله﴾ أي: وَحِّدُوه وأطِيعُوه، وتَقْوى اللَّه مَطْلُوبَة من جَمِيع الأمَمِ، في سائر الشَّرَائِعِ لم تُنْسَخ، وَهِي وَصِيَّة اللَّه في الأوَّلِين والآخِرين. قوله: «مِنْ قَبْلِكُم» فيه وجهان: الأول: أنه مُتَعَلِّق ب «وصَّيْنَا» يعني: ولقد وصَّيْنَا من قَبْلكُم [الذين أُوتُواْ الكتاب. والثاني: أنه متعلِّق ب «أوتُوا» يَعْني: الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ] ، وصيناهم بذلك، والأوَّل أظْهَر. قوله: «وإيَّاكم» : عَطْف على ﴿الذين أُوتُواْ الكتاب﴾ وهو واجبُ الفَصْل هُنَا؛ لتعذُّرِ الاتِّصَال، واستدلَّ بَعْضُهم على أنَّه إذا قُدِر عَلى الضمير المُتَّصِل يجُوز أَن يُعْدَلَ إلى المُنْفَصِل بهذه الآية؛ لأنه كان يُمْكِنُ أن يُقَال: «ولقد وَصِّيْنَاكُم والَّذِين أوتُوا الكِتاب» ، وكذلك استُدِلَّ بقوله - تعالى -: ﴿يُخْرِجُونَ الرسول وَإِيَّاكُمْ﴾ [الممتحنة: 1] ، إذ يمكن أن يُقَالَ: يخرجُونَكُم والرَّسُولَ، وهذا ليس يدلّ له: أمَّا الآيةُ الأولى: فلأنَّ الكَلامَ فيها جَاءَ على التَّرتِيب الوُجُودِي، فإنَّ وَصِيَّة مَنْ قبلَنا قبلَ وَصيَّتنا، فلمَّا قَصَدَ هذا المَعْنَى، استحال - والحالةُ هذه - أن يقُدْرَ عليه مُتَّصِلاً. وأما الآية الثَّانية: فلأنَّه قصد فيها تَقَدُّمَ ذِكْرِ الرَّسُول؛ تشريفاً له، وتشنيعاً على مَنْ تَجاسَر على مِثْلِ ذلك الفِعْل الفَظِيع، فاسْتَحَال - والحالة هذه - أن يُجَاء به مُتَّصِلاً، و «مِنْ قبلكم» : يَجُوزُ أنْ يتعلَّق ب «أوتُوا» ، ويجُوز أنْ يتعلَّق ب «وَصَّيْنَا» ؛ والأولُ أظهرُ. قوله: «أن اتَّقُوا» يجوزُ في «أن» وَجْهَان: أحدُهُمَا: أن تكون مصدرِيّة على حَذْفِ حَرْفِ الخَفْضِ، تقديرُه: بأن اتَّقوا، فلما حُذِف الحَرْفُ جَرَى فيها الخِلافُ المَشْهُور. والثاني: أن تكُون المُفَسِّرة؛ لأنها بَعْد ما هُو بِمَعْنَى القَوْل، لا حروفه وهو الوصيّة، والظاهر أن قوله: «وإن تَكْفُرُوا» جملة مُسْتأنفة؛ للإخبار بأن هذه الحَالِ ليست داخلة في مَعْمُول الوصِيّة. وقال الزَّمَخْشَرِي: ﴿وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ﴾ عطفٌ على «اتَّقُوا» لأنَّ المَعْنَى: أمرناهم، وأمَرْنَاكم بالتَّقْوَى، وقُلْنا لهم ولكم: «إِن تَكْفُرُواْ» وفي كلامه نظرٌ، لأنَّ تقديره القَوْلَ، ينفي كون الجُمْلة الشرطية مُنْدرجةً في حَيِّزِ الوصيَّة بالنِّسْبَة إلى الصِّناعة النَّحْوية، وهو لم يقصد تفسير المعنى فقط، بل قصده هو وتفسير الإعراب؛ بدليل قوله: عطف على «اتَّقُوا» ، و «اتَّقُوا» داخلٌ في حيِّز الوصيَّةِ، سواءً أجعلت «أن» مصدريَّةً أم مُفسِّرة. فصل ومعنى [قوله:] ﴿أَنِ اتقوا الله﴾ ؛ كقولك: أمَرْتُكَ الخَيْرَ، قال الكَسَائِيُّ: يقال: أوصَيْتُك أن افْعل كذا، وأن تَفْعَل كذا، ويُقال: ألْم آمُرَك أن ائت زيداً، وأن تأتِي زَيْداً؛ كقوله - تعالى -: [و] ﴿أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾ [الأنعام: 14] ، وقوله: ﴿إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبِّ هَذِهِ البلدة﴾ [النمل: 91] وتقدَّم الكلام على «وَإِن تَكْفُرُواْ» . قوله: ﴿فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي﴾ في تعلُّقِه وجهان: الأول: أنه - تعالى - خالقُهُم ومالِكُهُم، والمُنْعِم عليهم بأصْناف النِّعَم كلِّها، فَحَقَّ على كل عَاقلٍ أن يَنْقَاد لأوَامِرِه ونَوَاهِيهِ، ويَرْجُوا ثوابه، ويَخَاف عِقَابَهُ. والثاني: ﴿وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ من أصناف المَخْلُوقات من الملائِكَة وغيرها أطوع مِنْكُم يَعْبُدوه ويتَّقُوه، وهو مع ذَلِكَ غَنِيٌّ عن عِبَادَتِهم، و «حَمِيداً» مُسْتَحِقٌّ للحَمْد؛ لكثرة نِعمِه، وإن لم يحمده أحَدٌ منهم؛ لأنه في ذَاتِه مَحْمُود، سواء حَمَدُوه أوْ لَمْ يَحْمَدُوه. قوله: ﴿وَللَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض وكفى بالله وَكِيلاً﴾ ، قال عكرمة، عن ابن عبَّاسٍ: يعني: شهيداً أنَّ فيها عَبِيداً. وقيل: دَافِعاً ومُجِيراً. فإن قيل: ما فَائِدة التَّكْرَار في قوله: ﴿وَللَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ . فالجواب: أنَّ لكل منها وجه: أما الأول: معناه: للَّه مَا فِي السماوات وما فِي الأرض، وهو يُوصِيكم بالتَّقْوى، فاقْبَلُوا وصِيَّتَه. والثاني: [يقول:] لله ما في السماوات وما في الأرض، وكان الله غَنِيّاً، أي: هو الغَنِيُّ، وله المُلْكُ، فاطْلُبَوا منه ما تَطْلُبُون. والثالث: يقول ﴿وَللَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض وكفى بالله وَكِيلاً﴾ ، أي: له المُلْك؛ فاتَّخِذُوه وَكِيلاً، ولا تتوكَّلُوا على غَيْرِه. [و] قال القُرْطُبِي: وفائدة التَّكْرَار من وجهين: الأول: أنه كَرَّر تأكيداً؛ لتنبيه العِبَاد، ولينظروا في مُلْكه ومَلكُوته، أنه غَنِيٌّ عن خَلقهِ. والثاني: أنه كرَّر لفوائد: فأخبر في الأوَّل، أنَّ الله يُغْنِي كُلاًّ من سَعَتهِ؛ لأن لَهُ مَا في السماوات وما في الأرض، [فلا تَنْفدُ خَزَائِنُه، ثم قال: أوْصيْناكُم وأهْلَ الكِتَاب بالتَّقْوى، وإن تَكْفُروا، فإنَّه غَنِيٌّ عنكم؛ لأنَّ له ما في السماوات وما في الأرض] ثم أعْلم في الثَّالث: بحفظ خَلْقِه، وتدبيره إيَّاهُم بقوله: ﴿وكفى بالله وَكِيلاً﴾ ؛ لأن له ما في السماوات وما في الأرض، ولم يَقُل: مَنْ في السَّموات؛ لأن في السَّموات والأرض من يَعْقِل، ومَن لا يَعْقِل.

النساء 4:133

والمعنى: أنه تعالى قادرٌ على الإفْنَاء والإيجادِ، فإن عَصَيْتُموه فإنه قادر على إفنائكم [ وإعدامكم] بالكُلِّيَّة، وعلى أنْ يوجِدَ قَوْماً آخَرِين، يشتغلون بِعبَادَته وتَعْظِيمه، وكان اللَّه على ذَلِك قَدِيراً. قوله: «بآخرين» : آخرين صِفَةٌ لموصوفٍ محذُوف من جنسِ ما تقدَّمه تقديرُه: بناسٍ آخرين يعبدون الله، ويجُوز أن يكونَ المَحْذُوف من غير جنس ما تقدَّمه. قال ابن عطية: «يُحْتَمل أن يكون وَعِيداً لجميع بني آدم، ويكونُ الآخرُون من غير نَوْعِهم، كما رُوي: أنه كان ملائكةٌ في الأرْضِ يَعْبدُون الله» . وقال الزَّمخْشَرِي: «أو خلقاً آخرين غير الإنس» وكذلك قال غيرهما. وردّ أبو حيان هذا الوجه: بأنَّ مدلولَ آخر، وأخْرَى، وتَثْنِيتَهُمَا، وجَمْعهُمَا، نحو مدلول «غير» إلا أنه خاصٌّ بجنسِ ما تقدَّمه. فإذا قلت: «اشتريت فرساً وأخرَ، أو: ثوباً وآخر، أو: جاريَة وأخْرى، أو: جاريتين وأخريين، أو جواري وأُخَرَ» لم يكن ذلك كُلُّه إلا من جِنْس ما تقدم، حتى لو عنيت «وحماراً آخر» في الأمثلة السابقة لم يَجُزْ، وهذا بخلاف «غير» فإنَّها تكون من جِنْسِ ما تقدَّم ومن غيره، تقول «اشتريْتُ ثوباً وغيره» لو عَنَيْت: «وفرساً غيره» جاز. قال: «وقَلَّ مَنْ يَعْرِف هذا الفرق» . وهذا الفرقُ الذي ذكره وردَّ به على هؤلاء الأكابر غيرُ موافقٍ عليه، لم يستند فيه إلى نَقْل، ولكن قد يُرَدُّ عليهم ذلك من طريقٍ أخْرَى، وهو أنَّ «آخرين» صِفَةٌ لموصوف محذوف، والصِّفَةُ لا تقوم مقام موصوفها، إلا إذا كانت خاصَّة بالموصوف، نحو: «مررت بكاتبٍ» ، أو يدلُّ عليه دَلِيل، وهنا ليست بِخَاصَّةٍ، فلا بد وأن تكونَ من جِنْسِ الأوَّلِ؛ لتحصُلَ بذلك الدِّلالةُ على الموصُوفِ المَحْذُوف. وقال القرطبي: وهذا كقوله في آية أخرى: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يكونوا أَمْثَالَكُم﴾ [محمد: 38] وفي الآية تَخويفٌ، وتنبِيه لمن كان له ولايةٌ وإمَارَةٌ، أو رياسةٌ فلا يعدل في رعيته، أو كان عَالِماً فلا يَعْمَل بعلْمهِ، ولا يَنْصَح النَّاسَ، ﴿وَكَانَ الله على ذلك قَدِيراً﴾ ، والقُدْرَة: صِفَة أزليَّة لا تَتَنَاهَى مَقْدُوراته، كما لا تتناهى مَعْلُومَاته، والمَاضِي والمُسْتقبل في صِفَاتِه بمعنًى واحدٍ، وإنما خصَّ الماضِي بالذكر؛ لئلا يُتوهَّم أنَّه يحدث في صِفَاتِه وذاته، والقُدْرَة: هي التي يكُون بها الفِعْل، ولا يجوزُ وُجُود العَجْزِ مَعها.

النساء 4:134

يجُوز في «مَنْ» وجهان: أظهرهما: أنها شرطيَّة، وجوابُها قوله: «فعند الله» ، ولا بد من ضميرٍ مقدَّرٍ في هذا الجواب يعُودُ على اسم الشَّرْطِ؛ لما تقرر قبل ذلك، والتقدير: فعند الله ثوابُ الدنيا والآخرِة له إن أراده، وهذا تقدير الزَّمَخْشَرِيِّ، قال [الزمخشري] «حتَّى يتعلقَّ الجزاءُ بالشَّرْطِ» . وأوردهُ ابن الخِطِيب على وَجْه السُّؤال قال: فإن قيل: كَيْفَ دخلتِ الفاءُ في جواب الشَّرْط، وعنده - تعالى - ثوابُ الدُّنْيَا والآخِرِة، سواءً حصلت هذه الإرادة أم لا. قلنا: تقدير الكلام: فعند الله ثوابُ الدُّنْيَا والآخِرَة له إن أرَادَهُ، وعلى هذا التَّقْدِير يتعلَّق الجَزَاءُ بالشَّرْط. وجَوَّز أبو حيَّان - وجعله الظَّاهر - أنَّ الجواب مَحْذُوفٌ، تقديره: من كان يريد ثواب الدُّنيا فلا يَقْتَصِر عليه، وليَطْلُبِ الثَّوابَيْن، فعند الله ثوابُ الدَّارَيْن. والثاني: أنها موصولةٌ ودخلت الفاءُ في الخَبَر؛ تشبيهاً له باسم الشَّرْط، ويُبْعِده مُضِيُّ الفِعْلِ بعده، والعائدُ مَحْذُوفٌ؛ كما تقرَّر تَمْثِيلُه. فصل ومعنى الآية: أن هؤلاء الَّذِين يُريدُون بِجِهَادِهم الغَنِيمَة فقط مُخْطِئون؛ لأنَّ عند اللَّه [ثَوَابَ] الدُّنيا والآخِرَة، فلم اكْتَفَى بطلَبِ ثَوَابِ الدُّنْيا، مع أنه كَانَ كالعَدَمِ بالنِّسْبَة إلى ثَوَاب الآخِرَة، ولو كان عَاقِلاً، لطلب ثواب الآخِرَة؛ حتى يَحْصُل له ذلك، ويَحْصُل له ثوابُ الدُّنْيَا تَبَعاً. قال القُرْطُبِيُّ: من عَمِل بما افْتَرَضَهُ [اللَّه] عليه طلباً للآخِرَة، آتاه اللَّه ذلك في الآخِرَة، ومن عمل طَلَباً للدُّنْيَا، آتاه ما كُتِب له في الدُّنْيَا، وليس لَهُ في الآخِرَة من نَصِيبٍ؛ لأنه عَمِل لغير اللَّه لقوله - تعالى -: ﴿أولئك الذين لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخرة إِلاَّ النار﴾ [هود: 16] وهذا على أن يكون المُرَاد بالآية: المُنافِقُون والكُفَّار، ﴿وَكَانَ الله سَمِيعاً بَصِيراً﴾ : يسمع كَلاَمَهُم أنهم لا يَطْلُبون من الجِهَاد سِوَى الغَنِيمَةِ، ويرى أنَّهم لا يَسْعوْن في الجِهَاد، ولا يَجْتَهِدُون فيه، إلا عِنْد توقُّعِ الفَوْزِ بالغنيمَةِ، وهذا كالزَّجْرِ عن هَذِه الأعْمَالِ.

النساء 4:135

في اتِّصال [هذه] الآية وُجُوهٌ: أحدها: لما تقدَّمَ ذكر النِّساء والنُّشُوز، والمُصَالحَةِ بينهُنَّ وبين الأزْوَاج عَقبه بقيام أدَاءِ حقوق اللَّه - تعالى -، وفي الشَّهَادَةِ إحياء حقوقِ اللَّه؛ فكأنه قِيل: وإن اشْتغَلْتَ بتحصيلِ شهواتِكَ، كنت لِنَفْسِكَ، لا لِلَّه، [وإن اشتغَلْتَ بِتحْصِيل مأمُوراتِ اللَّه كنت للَّه، لا لِنَفْسِكَ] ، وهذا المقام أعلَى وأشْرَف، فكانت هَذِه الآية تأكيداً لِمَا تقدَّم من التَّكَالِيفِ. الثاني: أن اللَّه - تعالى - لمَّا منَع النَّاس عن اقْتِصَارِهم على ثَوَابِ الدُّنْيَا، وأمرهُم أنْ يَطْلُبوا ثواب الآخِرَة، عَقِّبَه بهذه الآيَةِ، وبَيَّنَّ أنَّ كمال سَعَادَة الإنْسَان، في أنْ يكون قولُه وفِعْلُه للَّه، وحركَتهُ للَّه، وسُكُونهُ للَّه؛ حتى يصير من الَّذِين يكُونُون في آخِر مَرَاتِب الإنْسَانِيّة، وأوَّل مراتب الملائِكَة، فإذا عَكَس القضيّة، كان مِثْل البَهِيمَة الَّتِي مُنْتهَى أمْرِها وُجْدَان عَلَفِها والشَّبَع. الثالث: أنه تقدَّم في هذه السُّورَة تَكَالِيفُ كَثِيرةٌ، فِأمرَ النَّاس بالقِسْط بقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي اليتامى﴾ [النساء: 3] ، وأمرهم بالإشْهَاد عِنْد دَفْع أمْوَال اليَتَامَى إليْهِم، وأمَرَهُم ببَذْلِ النَّفْسِ والمَالِ في سَبيلِ اللَّه، وذكر قِصَّة طعمة بن الأبَيْرِقِ، واجتماع قوْمه على الذَّبِّ عنه [بالكذب] والشَّهَادة على اليَهُودي بالبَاطِل، وأمر بالمُصَالَحَة مع الزَّوْجَة، وكلُّ ذلك أمْر من اللَّه لعبادِه بالقِيَام بالقِسْط، والشَّهَادَة [فيه] [للَّه] على كُلِّ أحَدٍ، فكانت هذه الآية كالمُؤكِّد لما تقدَّم من التَّكَالِيفِ. القَوَّامُ: مُبَالغة من قَائِم، والقِسْط: العَدْل، وهذا أمْر مِنه - تعالى - لجميع المكَلَّفِين، بأن يُبَالغُوا في العَدْل، والاحْتِرَازِ عن الجَوْر والمَيْل. قوله: «شُهَداءَ لِلَّه» فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه خَبرٌ ثَانٍ لكان، وفيه خِلاَف تقدَّم ذِكْرهُ. والثاني: أنه حَالٌ من الضَّمير المُسْتَكِنِّ في: «قوَّامينَ» فالعَامِل فيها: «قوَّامين» . وقد ردَّ أبو حيَّان [هذا الوجه: بأنَّه يَلْزَم منه تقييدُ كونهم قوَّامين بحال الشَّهادَةِ، وهم مأمُورُون بذلك مُطْلَقاً] . وهذا الردُّ ليْس بِشَيْءٍ؛ فإن هذا المَعْنَى نَحَا إلَيْه ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: كُونُوا قوَّامِين بالعَدْل في الشَّهَادَة على من كانت، وهذا هُو مَعْنَى الوَجْه الصَّائِر إلى جَعْل شُهَداء حالاً. الثالث: أن يكون صِفَة ل «قوَّامين» ، ومَعْنَى قوله: «للَّه» أي: لِذَات اللَّه، ولوجْهِه ولمرْضَاتِه، وثَوَابِه. قوله: ﴿وَلَوْ على أَنْفُسِكُمْ﴾ «لو» هذه تَحْتَمل أنْ تَكُونَ على بَابِها من كَوْنِها حرفاً لما كان سَيَقعُ لوقُوعِ غَيْرِه، وجوابُها مَحْذُوفٌ، أي: ولو كُنْتثم شُهَدَاءَ على أنْفُسكم، لوجب عَلَيْكُم أن تَشْهدوا عليها. وأجاز أبو حيَّان أن تَكُونَ بمعنى: «إن» الشَّرطِيّة، ويتعلَّق قوله: «عَلَى أنْفُسِكُم» بمحذوفٍ، تقديرُه: وإن كنتم شُهَدَاء على أنْفُسِكم، فكونوا شُهَدَاءَ لله، هذا تَقْدِيرُ الكلام، وحذفُ «كان» بعد «لو» كَثِيرٌ، تقول: ائتِني بِتَمْر، ولو حَشَفاً، أي: وإن كان التَّمْر حشفاً، فأتني به. انتهى. وهذا لا ضرورةَ تدْعُوا إليه، ومجيءُ «لو» بِمَعْنى: «إنْ» شَيْء أثبته بعضهم على قِلَّة، فلا يَنْبَغي أن يُحْمَل القُرآنُ عليه. وقال ابْن عَطِيَّة: «عَلى أنْفُسِكُم» متعلِّقٌ ب «شهداء» . قال أبو حيان «فإنْ عَنَى ب» شُهَدَاءَ «المَلْفُوظ به، فلا يَصِحُّ، وإن عَنَى به ما قَدَّرْناه نَحْن، فيصِحُّ» يعني: تقديره: «لو» بمعنى: «إنْ» وحَذْفَ «كان» ، واسمِها، وخبرها بَعْد «لو» ، وقد تقدَّم أن ذَلِك قَلِيلٌ، فلم يبق إلا انَّ ابن عَطِيّة يريد «شُهَداءَ» مَحْذُوفةً؛ كما قَدَّرْتُه لك أولاً، نحو: «ولو كُنْتُم شُهَدَاء» على أنفسكم، لوجَبَ عليْكُم أن تَشْهَدُوا. وقال الزَّمَخْشَرِيُّ: «ولو كَانَتِ الشَّهَادةُ على أنفسكُم» فجَعَل «كَان» مُقَدَّرةً وهي تَحْتَمِلُ في تَقْدِيره التَّمَام والنُّقْصَان: فإنْ قدَّرْتَها تَامةً، كان قوله «على أنْفُسِكُم» متعلِّقاً بنفسِ الشَّهَادة، ويكون المَعْنَى: «ولو وُجِدَتِ الشهادةُ على أنْفُسِكُم» وإن قدَّرْتَها نَاقِصَةً، فيجوزُ أنْ يكون «على أنْفُسِكُم» متعلِّقاً بمَحْذُوفٍ على أنَّه خَبرُهَا، ويجُوز أن يكُون متعلِّقاً بنفس الشَّهادة، وحينئذ يكُون الخَبَر مقدَّراً، والمَعْنَى: «ولو كَانَتِ الشَّهَادةُ على أنْفُسِكُم موجُودةً» إلا أنَّه يلزمُ مِنْ جَعْلِنا «على أنْفُسِكُم» متعلِّقاً بالشَّهادة، حذفُ المَصْدرِ وإبقاءُ معْمُولِه، وهو قليل أو مُمْتَنِع، وقال أيضاً: «ويجُوز أن يكُون المَعْنَى: وإن كانتِ الشَّهَادة على أنْفُسِكُم» . ورَدَّ عليه [أبو حيَّان] هَذَيْن الوجْهَيْنِ فقال: «وتقديرُه: ولو كانت الشَّهادة على أنْفُسِكُم ليس بجيِّد؛ لأن المحْذُوفَ إنما يكون من جِنْس المَلْفُوظ به؛ ليدلَّ عليه، فإذا قُلْت:» كن مُحْسِناً، ولو لمَنْ أساء إليك» ، فالتقدير: ولو كنت مُحْسِناً لمَنْ أساء، ولو قَدَّرْتَه: «ولو كان إحْسَانُك» لم يكن جَيِّداً؛ لأنك تَحْذِف ما لا دلالة عليه بِلَفْظٍ مُطَابِقٍ» . وهذا الردُّ لَيْس بشيء، فإن الدِّلالة اللَّفظِيّة موجودةٌ؛ لاشتراكِ المَحْذُوفِ والمَلْفُوظ به في المَادَّة، ولا يَضُرُّ اختلافُهما في النَّوْع. وقال في الوجه الثاني: «وهذا لا يجُوز؛ لأن ما تعلَّق به الظَّرْف كونٌ مقيدٌ، والكونُ المُقَيَّد لا يجُوز حَذْفُه، بل المُطْلَقُ، لو قلت: كَان زَيْد فِيك، تعني: مُحِبّاً فيك، لَمْ يَجُز» . وهذا الرَدُّ أيضاً لَيْس بِشَيْءٍ؛ لأنه قصد تَفْسير المَعْنَى، ومبادئُ النَّحْو لا تَخْفَى على آحادِ الطَّلبة، فكيف بِشَيْخِ الصِّنَاعَة. فصل شَهَادة الإنْسَان على نَفْسِه لها تَفْسِيران: أحدُهما: أن يُقِرَّ عَلَى نَفْسه؛ لأن الإقْرَار كالشَّهَادَةِ في كونه مُوجِباً إلْزَام الحَقِّ. الثاني: أن يكون المُرَادُ: ولو كَانَت الشَّهَادة وبالاً على أنْفُسِكُم، أو على الوالدين والأقْرَبين، فأقِيمُوها عليْهم، ولا تُحابُوا غَنِيّاً لِغِنَاهُ، ولا ترحموا فقيراً لِفَقْرِهِ، وهو قوله: ﴿إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فالله أولى بِهِمَا﴾ أي: أقِيمُوا على المَشْهُود عليه وإن كان غَنِيّاً وللمَشْهُود له وإن كان فقيراً، فاللَّه أوْلى بِهِمَا منكم، أي: كِلُوا أمْرَهُم إلى اللَّه - تعالى -. وقال الحَسَن: اللَّه أعْلَم بهما. قال القُرْطُبِيُّ: «قَوَّامين» بناء مُبَالَغَة، أي: ليتكَرَّر منكم القِيَام بالقِسْط وهو العَدْل في شَهَادَتِكُم على أنْفُسِكُم، وشهادة المَرْء على نفْسِه: إقرَارهُ بالحُقُوق عليها، ثم ذكر الوالِدَيْن؛ لوجوب بِرِّهِما، وعظم قَدْرِهمَا، ثم أتَى بالأقْرَبين؛ إذْ هُم مَظَنَّة المَودَّة والتَّعَصُّب، وجاءَ الأجْنَبِيُّ الآخر؛ لأنه أحْرَى أن يَقُوم [عليه] بالقِسْطِ. فصل إنما قدَّم الأمْر بالقِيَام بالقسط على [الأمْر] بالشَّهادة لِوُجُوه: أحدُهَا: أن أكْثَر النَّاس عادتهم أنَّهم يَأمُرُون غَيْرَهُم بالمَعْرُوفِ، فإذا آل الأمْر إلى أنْفُسِهِم، تركوه حتى إنَّ قُبْحَ القَبِيحِ إذا صَدَر عنهم، كان في مَحَلِّ المُسَامَحَة وأحْسَنَ الحُسْن، إذا صَدَرَ عن غَيْرِهم، كان في مَحَلِّ المُنَازَعة، فاللَّه - تعالى - نبّه في هذه الآية على سُوءِ الطَّرِيقَة، بأنْ أمره بالقِيَام [بالقِسْطِ] أوّلاً، ثم أمَرَهُ بالشَّهَادة على غَيْرِه ثَانِياً، تنبيهاً عَلَى أن الطَّرِيقَة الحَسَنة هي أن تكُون مُضَايَقَة الإنْسَان مع نَفْسِه [فَوْق] مُضايقته مع الغَيْر. وثانيها: أنَّ القِيام بالقِسْط: هو دَفْع ضَرَر العِقَاب عن النَّفْسِ، وإقَامَة الشَّهَادة، سعي في دَفْع ضَرَر العِقَاب عن الغَيْر، وهو الَّذِي عَلَيْه الحَقُّ، ودفع الضرر عن النَّفْسِ مُقَدَّم على دَفْع الضَّرَر عن الغَيْرِ. وثالثها: أن القِيَام بالقِسْطِ فعل، والشَّهادة قول [والفِعْل أقْوى من القَوْل] . فإن قِيل: فقد قدَّم الشَّهادة على القِيام بالقسْطِ في قوله: ﴿شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ هُوَ والملائكة وَأُوْلُواْ العلم قَآئِمَاً بالقسط﴾ [آل عمران: 18] . فالجواب: أنَّ شهادَةَ الله عبارَةٌ عن كونه مُرَاعِياً للعَدْل، ومُبَايِناً للجَوْر، ومعلوم: أنَّه ما لم يكن الإنْسَان كذلك، لم يُقْبَل شَهَادتُهُ على الغَيْر؛ فلهذا كان الوَاجِبُ في قوله: «شَهِدَ اللَّه» ] أن يقدِّم تلك الشَّهادة على القِيَامِ بالقِسْطِ، والواجِبُ هُنَا: أن تكُون الشَّهادة متأخِّرَة عن القِيَامِ بالقِسْطِ. قوله: ﴿إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فالله أولى بِهِمَا﴾ إذا عُطِف ب «أوْ» كان الحُكْمُ في عَوْدِ الضَّمِير، والإخْبَارِ، وغيرهما لأحدِ الشَّيْئَيْن أو الأشياء، ولا يجُوزُ المُطابَقَةُ، تقول: «زَيْد أو عَمْروا أكْرمتهُ» ولو قُلْتَ: أكرمتهُمَا، لم يَجُز، وعلى هذا يُقال: كيف ثَنَّى الضَّمِير في الآية الكَرِيمَةِ، والعطف ب «أو» ؟ لا جَرَم أن النَّحْويِّين اختلَفُوا في الجواب عن ذلك على خَمْسَةِ أوْجُه: أحدُها: أنَّ الضَّمِير في «بهما» ليس عَائِداً على الغَنِيِّ والفقير المَذْكُورين أولاً، بل على جنْسَي الغني والفَقِير المدلُولِ عليهما بالمَذْكُورَيْن، تقديرُه: وإنْ يكنِ المشهُودُ عليه غَنِيًّا أو فقيراً، فليشْهَد عليه، فاللَّهُ أوْلى بجنْسَي الغنيِّ والفقيرِ؛ ويَدُلُّ على هذا قِراءة أبَيِّ: «فاللَّه أوْلَى بِهِمْ» أي: بالأغنياء والفقراءِ مراعاةً للجِنْسِ على ما قَرَّرته لَك، ويكون قوله: «فالله أولى بِهِمَا» ليس جواباً للشرط، بل جَوابُه مَحْذُوفٌ كما قَدْ عَرَفْتَه، وهذا دالٌّ عليه. الثاني: أنَّ «أو» بمعنى: الواو؛ ويُعْزى هذا للأخْفش، وكنت قدَّمْتُ أوّلَ البقرة: أنه قولُ الكوفيين، وأنه ضعيفٌ. الثالث: أن «أو» : للتَّفْضِيل أي: لتفصيلِ ما أبْهِم، وقد أوضح ذلك أبُو البقاء، فقال: «وذلك أنَّ كلَّ واحدٍ من المَشْهُود عليه والمشهود له، قد يكُون غنيًّا، وقد يكُون فقيراً، وقد يكونان غَنِيَّيْنِ، وقد يكونان فَقَيرَيْن، وقد يكون أحَدُهُمَا غنيّاً والآخر فَقِيراً؛ فلما كَانتِ الأقسام عند التَّفْصِيل على ذلك، أُتِي ب» أو» ، لتَدُلَّ على التَّفْصِيل؛ فعلى هذا يكون الضَّمِير في «بهِما» عائداً على المَشْهُود له والمشهود عليه، على أيِّ وصفٍ كانا عليه» انتهى؛ إلا أنَّ قوله: «وقد يكون أحَدهُمَا غنيّاً والآخر فَقِيراً» مكرَّرٌ؛ لأنه يُغْني عنه قوله: «وذَلِك أنَّ كلَّ وَاحِد» إلى آخره. الرابع: أنَّ الضَّمِير يعود على الخَصْمَيْن، تقديره: إن يكُن الخصمان غنيّاً أو فقيراً، فالله أوْلى بِذَينك الخصمين. الخامس: أن الضَّمير يعود على الغَني والفَقير المدْلُول عليهما بلَفْظ الغنّي والفقير، والتقديرُ: فاللَّهُ أولى بغنى الغني وفقر الفقير، وقد أساء ابن عصْفُور العِبَارة هنا بما يُوقفُ عليه في كلامه، وعلى أربعة الأوجهِ الأخيرة يكونُ جوابُ الشَّرط ملفوظاً به، وهو قوله: ﴿فالله أولى بِهِمَا﴾ بخلاف الأوَّل؛ فإنه مَحْذُوفٌ. وقرأ عبد الله بن مسعود: «إن يَكُنْ غنيٌّ أو فقيرٌ» برفعهما، والظَّاهرُ أنَّ «كان» في قراءته تامةٌ، أي: وإنْ وجِد غِنِيٌّ أو فقير، نحو: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة: 280] . قوله: ﴿فَلاَ تَتَّبِعُواْ الهوى﴾ أي: اتركُوا متابعة الهَوَى؛ حتى توصَفُوا بالعَدْل؛ لأنَّ العدل عِبارة عن تَرْك مَتَابعة الهَوَى، ومن تَرَك أحَد النَّقِيضَيْن، فقد حَصَل له الآخَر. قوله: «أنْ تَعْدِلُوا» فيه ثلاثةُ أوجهٍ: أحدُها: أنه مَفْعُولٌ مِنْ أجله على حَذْفِ مضافٍ، تقديره: فلا تتَّبِعُوا الهوى محبةَ أنْ تَعْدِلوا، أو إرادةَ أنْ تَعْدِلوا، أي: تَعْدِلوا عن الحَقِّ وتجُوروا. وقال أبو البقاء في المضافِ المحذوف: «تقديره: مخافة أن تَعْدلوا عن الحَقِّ» . وقال ابن عَطِيَّة: «يُحْتمل أن يكُونَ مَعْناه: مخافة أن تَعْدِلوا، ويكُون العَدْلُ هنا بِمَعْنى: العُدول عن الحَقِّ، ويُحْتمل أن يكُونَ معناه: مَحَبة أنْ تُقْسِطُوا، فإنْ جعلْتَ العَامِل» تَتَّبِعُوا «فيحتمل أن يكونَ المَعْنَى: محبةَ أنْ تجُوروا» انتهى؛ فتحصَّل لنا في العَامِل وجهان: الظاهرُ منهما أنه نَفْسُ «تتبعوا» . والثاني: أنه مُضْمَر، وهو فعلٌ من مَعْنَى النهي؛ كما قدَّره ابنُ عطيَّة، كأنه يزْعمُ أنَّ الكلامَ قد تَمَّ عند قوله: ﴿فَلاَ تَتَّبِعُواْ الهوى﴾ ثم أضْمَرَ عَامِلاً، وهذا ما لا حَاجَة إليه. الثاني: أنه على إسْقَاطِ حرْفِ الجَرِّ، وحذْفِ «لا» النَّافِية، والأصْل: فلا تتَّبعوا الهَوَى في ألاَّ تَعْدِلوا، أي: في تَرْكِ العَدْل، فحذف «لا» لدلالة المَعْنَى عَلَيْهَا، ولمَّا حَذَف حَرْفَ الجر من «أنْ» جرى القَوْلان الشَّهِيرَان. الثَّالث: أنه عَلَى حَذْفِ لام العِلَّة، تقديرُه: فلا تتبعوا الهوى؛ لأن تَعْدِلوا. قال صَاحِب هذا القول: «والمعنى: لا تتبعُوا الهوى؛ لتكونوا في اتِّباعِكُمُوه عدُولاً، تنبيهاً على أن اتباعَ الهوى وتَحَرِّي العدالةِ مُتَنَافيان لا يجتمعان» وهو ضَعِيفٌ في المَعْنَى. قوله: «وَإِن تَلْوُوا» قرأ ابن عامرٍ، وحمزة: «تَلُوا» بلامٍ مَضْمُومةٍ وواوٍ ساكنة، والبَاقُون: بلامٍ ساكنةٍ وواوَيْن بعدهَا، أولاهُمَا مَضْمُومة. فأمَّا قراءةُ الوَاوَيْن، فظاهرةٌ؛ لأنه من لَوَى يَلْوي، والمعْنَى: وإنْ تَلْووا ألسِنَتِكُم عن شهادةِ الحَقِّ أو حكومَةِ العَدْل، والأصْلُ: تَلْوِيُون كتَضْرِبون، فاستُثْقِلَت الضَّمَّةُ على اليَاءِ فحُذفت، فالتقى سَاكِنَان: الياء وَوَاو الضَّمِير، فحُذِف أوّلُهما - وهو الياء - وضُمَّت الواوُ المكْسُورةُ التي هِيَ عَيْن لأجْل واوِ الضميرِ، فصار: تَلْوُون، وتصريفُه كتصريف «تَرْمُونَ» . فإن كان عَنِ الشَّهادة، فالمَعْنَى: يحرِّفُوا الشَّهادة؛ ليُبْطِلُوا الحقَّ، من قولهم: لوى الشيء، إذا فتله، ومنه يُقَال: التَوَى هذا الأمْر، إذا تَعَقَّد وتعسَّرَ، تشبيهاً بالشَّيْءِ المُنْفَتِل، أو تُعْرِضُوا عنها فَتَكْتُمُوهَا، أو يُقَال: تَلْوُوا في إقامة الشَّهَادة إذا تَدَافَعُوا، يقال: لَوَيْتُه حَقَّه؛ إذا دَفَعْتَه وأبْطلْتَه. وإن كان عَنَى الحُكْم بالعَدْل، فهو خِطَاب للحُكَّام في لَيِّهم الأشداق، يقول: «وَإِن تَلْوُواْ» أي: تميلُوا إلى أحَدِ الخَصْمَيْن، أو تُعْرِضُوا عنه. وأما قراءة حمزة وابنِ عامرٍ، ففيها ثلاثة أقوال: أحدُها: وهو قول الزَّجَّاج، والفراء، والفارسي في إحدى الرِّوايَتَيْن عنه - أنه من لَوَى يَلْوي؛ كقراءة الجماعة، إلاَّ أنَّ الوَاوَ المَضْمُومةَ قُلِبَتْ هَمْزةً؛ كقلبها في «أجُوه» و «أُقِّتَتْ» ، ثم نُقِلت حركةُ هذه الهَمْزةِ إلى السَّاكن قَبْلَها وحذفت، فصار: «تَلُون» كما ترى. الثاني: أنه من لَوَى يَلْوي أيضاً، إلا أن الضَّمَّة استُثْقِلَتْ على الواو الأولى فنُقِلت إلى اللام السَّاكِنَة تَخْفِيفاً، فالتقى ساكِنَان وهما الواوان، فحُذِف الأوَّل مِنْهُما، ويُعْزى هذا للنَّحَّاسِ، وفي هَذَيْن التخريجَيْن نظرٌ؛ وهو أنَّ لامَ الكَلِمَة قد حُذِفَتْ أولاً كما قَرَّرْته، فصار وَزْنُه: تَفْعُوا، بحذف اللاَّم، ثم حُذِفت العَيْنُ ثانياً، فصار وزنه: تَفُوا، وذلك إجْحَافٌ بالكلمة. الثالث: ويُعْزى لجَمَاعةِ منهم الفَارسيُّ - أن هذه القِرَاءة مأخُوذة من الولاية، بمعنى، وإنْ وُلِّيتم إقَامة الشَّهَادة أو وُلِّيْتُم الأمرَ، فتَعْدِلُوا عنه، والأصل: «تَوْلِيُوا» فحذفت الواوُ الأولى لِوُقُوعِها بين حَرْفِ المُضَارَعَةِ وكسرةٍ، فصار: «تَلِيُوا» كتَعِدُوا وبَابِه، فاستثقلت الضَّمَّةُ على الياءِ، ففُعِل بها ما تَقَدَّم في «تَلْوُوا» ، وقد طَعَنَ قومٌ على قِرَاءة حَمْزة وابن عامرٍ - منهم أبو عُبَيْد - قالوا: لأنَّ معنى الوِلاَية غيرُ لائقٍ بهذا المَوْضِع. قال أبو عبيد: «القراءةُ عندنا بوَاوَيْن مأخوذةٌ من:» لَوَيْتُ «وتحقيقه في تفسيرِ ابن عبَّاسٍ: هو القَاضِي، يكُونُ لَيُّه وإعراضُه عن أحد الخَصْمَيْن للآخر» وهذا الطعنُ ليس بِشَيْء؛ لأنها قراءةٌ متَواتِرَةٌ ومعناها صَحيحٌ؛ لأنَّه إن أخَذْناها من الوِلاَية كان المَعْنَى على ما تقدَّم، وإن أخذناها مِنَ الليِّ، فالأصلُ: «تَلْوُوا» كالقراءة الأخْرى، وإنما فُعِل بها ما تَقَدَّم من قَلْبِ الوَاوِ هَمْزةً ونَقْل حركتها، أو من نَقْلِ حَرَكَتِها من غير قَلْبٍ، فتتَّفِقُ القراءَتَان في المَعْنَى. ثم قال: ﴿فَإِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ وهذا تهديدٌ ووعيدٌ للمذنِبِين، ووعد بالإحْسَان للمُطِيعينَ.

النساء 4:136

في اتَّصال هذه الآية بما قَبْلَها وَجْهَان: أحدُهما: أنَّها مُتِّصِلةٌ بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بالقسط﴾ [النساء: 135] لأن الإنْسان لا يكون قَائِماً بالقِسْط، إلا إذا كان راسخاً في الإيمان بالأشْيَاء المَذْكُورة في هَذِه الآيَة. الثاني: أنه - تعالى - لمَّا بين الأحْكَام الكَثِيرة في هَذِه السُّورة، ذكر عَقِيبَهَا الأمر بالإيمانِ، وفي هذا الأمْر وُجُوه: أحدُها: قال الكَلْبِيُّ، عن أبِي صَالح، عن ابن عبَّاسٍ: نزلت هذه الآيَة في عَبْد اللَّه ابن سلام، وأسد وأسَيْد ابْنَيْ كَعْب، وثَعْلَبَة بن قَيْس، وسلام ابن أُخْت عَبْد الله بن سلام، وسلَمة ابن أخِيه، ويامِين بن يَامِين، فَهُؤلاء مُؤمِنُوا أهْل الكِتَاب أتوا رسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فقالوا: إنَّا نُؤمِنُ بك، وبِكتابِك، وبِمُوسى، [والتَّوْرَاة] وبِعُزَيْر، ونكفر بما سِوَاه من الكُتُب والرُّسُل، فقال لهم النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «بل آمِنُوا باللَّه، ورسُوله محمَّد، والقُرْآن، وبكل كِتَابٍ قَبْلَه» فقالوا: لا نَفْعَل» ، فأنزل اللَّه: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ﴾ يعني: بمحمّد [والقُرآن] وبموسى والتَّوْرَاة، ﴿آمنوا بالله ورسوله﴾ : محمد ﴿والكتاب الذي أَنَزلَ مِن قَبْلُ﴾ : من التَّوْراة، والإنْجِيل، والزَّبُور، وسائر الكُتُب؛ لأن المراد بالكِتَاب الجنس. وقيل: الخِطَاب مع المُنَافِقِين، والتَّقْدير: يأيُّهَا الذين آمَنُوا باللِّسان، آمنوا بالقَلْب، ويؤيده قوله - تعالى -: ﴿مِنَ الذين قالوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: 41] . وقيل: خِطَاب مع الَّذِين آمَنُوا وَجْه النَّهَار، وكَفَرُوا آخِره، والتقدير: يأيُّهَا الَّذِين آمَنُوا وجْه النَّهارِ، آمنوا آخِره. وقيل: الخطاب للمُشْرِكين، تقديره: يأيُّها الذين آمَنُوا باللاَّتِ والعُزَّى، آمِنُوا. وقيل: المعنى: يأيها الذين آمَنُوا، دُومُوا على الإيمان، واثْبُتُوا عليْه، أي: يأيُّها الذين آمَنُوا في المَاضِي والحَاضِر، آمِنُوا في المُسْتَقْبَل؛ كقوله: ﴿فاعلم أَنَّهُ لاَ إله إِلأ الله﴾ [محمد: 19] مع أنه كان عَالِماً بذلك. وقيل: المُراد ب «الذين آمَنُوا» : جميع النَّاس، وذلك يوم أخذ عَلَيْهم المِيثَاق. وقيل: يا أيُّها الَّذِين آمَنُوا على سبيل التَّقْلِيدِ، آمِنُوا على سبيل الاسْتِدْلاَل. وقيل: يا أيها الَّذِين آمَنُوا بِحَسَب الاسْتِدْلاَلات الإجْمَاليَّةِ، آمِنُوا بحسَبِ الدَّلائل التَّفْصيليَّة. وقرأ نافعُ والكوفيون: «والكتاب الَّذِي نزَّل على رَسُوله والكِتَاب الذي أنْزل من قبل» على بناء الفِعْليْن للفَاعِل، وهو الله - تعالى -، [وابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو:] على بنائهما للمَفْعُول، والقائمُ مقامَ الفَاعِل ضَمِير الكِتَاب. وحُجَّة الأوَّلِين: قوله - تعالى -: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر﴾ [الحجر: 9] ، وقوله ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذكر﴾ [النحل: 44] ، وحجة الضم: قوله - تعالى -: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44] ، وقوله: ﴿يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ [مِّن رَّبِّكَ بالحق] ﴾ [الأنعام: 114] . قال بعض العلماء: كلاهما حَسَن، إلا أن الضَّمَّ أفْخَمُ، كقوله: ﴿وَقِيلَ ياأرض ابلعي مَآءَكِ﴾ [هود: 44] . وقال الزَّمَخْشَرِيُّ: فإن قُلْتَ [لِمَ] قال: ﴿نَزَّلَ على رَسُولِهِ﴾ ، و ﴿أَنَزلَ مِن قَبْلُ﴾ ؟ . قلت: «لأنَّ القرآن نَزَل مُنَجَّماً مفرَّقاً في عِشْرِين سَنَة، بخلاف الكُتُب قَبْله» ، وقد تَقَدَّم البَحْث معه في ذَلِكَ، عند قوله - تعالى -: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكتاب بالحق مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التوراة﴾ [آل عمران: 3] وأن التَّضْعِيف في «نزَّلَ» للتَّعْدِية، مرادفٌ للهَمْزَة لا للتَّكْثِير. فصل اعلم: أنه [تعالى] أمَرَ في هذه الآيَة بالإيمَانِ بأرْبَعة أشْيَاء: أوّلها: بالله. وثانيها: برسوله. وثالثها: بالكتاب الذي نزَّل على رسُوله. ورابعها: [الكتاب الَّذِي أنْزَل من قَبْل. وذكر في الكُفْر أمُوراً خَمْسةً: أولها: الكُفْر باللَّه. وثانيها: الكُفْر بملائِكَتِهِ. وثالثها: الكُفْر بكُتُبِه] . ورابعها: الكُفْر برسُله. وخامسها: الكُفْر باليوم الآخر. ثم قال: ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً﴾ وهاهنا سُؤالات: السُّوال الأوَّل: لِمَ قدَّم في مراتب الإيمانِ ذكر الرَّسُول على ذكر الكِتَابِ، وفي مراتب الكُفْر قَلَب القضيَّة؟ . والجواب: لأن في مرتبة النُّزُول من الخَالِق إلى الخَلْق كان الكتاب مقدماً على الرسول، وفي مرتبه العُرُوج من الخَلْق إلى الخَالِقِ، يكُون الرَّسُول مُقَدَّماً على الكِتَاب. السُّؤال الثَّاني: لِمَ ذكر في مراتب الإيمان أموراً ثلاثة: الإيمان بالله، وبالرسل، وبالكتب، وذكر في مَرَاتِب الكُفْر [أموراً خَمْسَة: الكُفْر] باللَّه، وبالملائكة، وبالرُّسُل، [وبالكُتُب] ، وباليَوْم الآخِر؟ . والجواب: لأنَّ الإيمان [باللَّه و] بالرُّسُل، وبالكُتُب متى حَصَل، فقد حَصَل الإيمان بالملائِكَة، وباليوم الآخر لا مَحَالَة، إذ رُبَّما ادّعى الإنْسَان أنه يُؤمِن باللَّه، وبالرُّسُل، وبالكُتُب، ثم إنَّه يُنْكِرُ الملائكة، وينكر اليَوْم الآخر، ويزعم أنَّ الآيات الوَارِدَة في المَلائكة وفي اليوم الآخر، مَحْمُولَة على التَّأوِيل. فلما احتمل هذا؛ لا جرم نصَّ على أن مُنْكِر المَلاَئِكَة، ومنكر اليَوْم الآخِر، كافرٌ باللَّه. السؤال الثالث: كيف قِيلَ لأهلِ الكِتَاب: ﴿والكتاب الذي أَنَزلَ مِن قَبْلُ﴾ مع أنهم كانوا مُؤمنين بالتوراة والإنجيل؟ . والجواب: ما تقدَّم من أن المراد بالكِتَاب: الجنس، فأمِرُوا أن يُؤمِنُوا بكل الكُتُب؛ لأنَّهم لم يُؤمِنُوا بكُلِّها؛ كما قالوا: نُؤمِنُ بِبَعْضٍ ونكْفُر ببعضٍ، وأما قوله: ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً﴾ ليس جواباً للأشياء المَذْكُورة، بل المعنى: ومنْ يكْفُرْ بواحدٍ مِنْهَا.

النساء 4:137

لما أمر بالإيمان، ورغَّب فيه، بَيَّن فساد طَرِيقة من يَكْفُر بعد الإيمَان. قال قتادة: هم اليَهُود؛ آمَنُوا بِمُوسى، ثم كفروا من بعد بعبادتهم العجل، [ثم آمَنُوا بالتَّوْراة] ، ثم كَفَرُوا بعيسى - عليه السلام -، ثم ازدادُوا كُفْراً بمحمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. وقيل: هو في جَمِيع أهْل الكِتَاب آمَنُوا بِنَبِيِّهم، ثم كَفَرُوا به، وآمَنُوا بالكِتَاب الذي نُزِّل عليه، ثم كَفَرُوا به، وكفرهم به: تركهم إيَّاه، أي: ثم ازْدَادُوا كفراً بمحمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. وقيل: هذا في قَوْم مُرْتَدِّين، آمَنُوا ثم ارتَدُّوا، ومثل هذا هل تقبل تَوْبتهُ؟ حُكِي عن عَلِيٍّ: أنه لا تُقْبَل تَوْبَته، بل يُقْتَل؛ لقوله - تعالى -: ﴿لَّمْ يَكُنْ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ وذلك لأن تَكْرَار الكُفْر منهم بعد الإيمان مراتٍ، يدلُّ على أنَّه لا وَقْع للإيمَانِ في قُلُوبهم، إذ لو كان للإيمان وَقْعٌ في قُلُوبهم، لما تركُوهُ بأدْنى سَبَب، ومن كان كَذَلِك، فالظَّاهر أنَّه لا يُؤمِن إيماناً صَحِيحاً، فهذا هُو المُرادُ بقوله: ﴿لَّمْ يَكُنْ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ وليس المُرَادُ، أنه لو أتى بالإيمَان الصَّحِيح، لم يكُن مُعْتَبَراً، بل المراد مِنْهُ: الاستِبْعَاد، وأكثر أهْل العِلْم على قُبُول تَوْبَتِه. وقال مُجَاهِدٌ: ﴿ثُمَّ ازدادوا كُفْراً﴾ أي: مَاتُوا عليه، ﴿لم يكن الله ليغفر لهم﴾ : ما أقامُوا على ذلك، ﴿ولا ليهديهم سبيلا﴾ أي: طريقاً إلى الحَقِّ. وقيل: المُراد طائِفَة من أهل الكِتَاب، قَصَدوا تَشْكِيك المُسْلِمينَ، فكانوا يُظْهِرونَ الإيمانَ تارةً والكُفْر تارةً أخْرى، على ما أخْبَر اللَّه - تعالى - عنهم قولهم: ﴿آمِنُواْ [بالذي أُنْزِلَ عَلَى الذين آمَنُواْ] وَجْهَ النهار واكفروا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران: 72] وقوله: ﴿ثُمَّ ازدادوا كُفْراً﴾ أن بَلَغُوا في ذلك إلى حدِّ الاسْتِهْزَاء، والسُّخْرية بالإسْلامِ. فصل دلَّت الآية على أنَّ الكُفْر يقبل الزِّيادة والنُّقْصَان؛ فوجَب أنْ يَكُونَ الإيمان كَذلك؛ لأنهما ضِدَّان متنافِيَانِ؛ فإذا قَبِلَ أحدُهُما التَّفَاوُت، فكذلك الآخَر. فإن قيل: الحُكْم المَذْكُور في هذه الآية: إمَّا أن يكون مَشْرُوطاً بما قبل التَّوبة، أو بما بَعْدَها. والأوَّل: باطِلٌ؛ لأن الكُفْر قبل التَّوْبَة غير مَغْفُور على الإطْلاق، وحينئذٍ تضيع الشُّروطُ المَذْكُورَة. والثاني: باطل؛ لأن الكُفْر [يُغْفَر] بعد التَّوْبَة، ولو كَانَ بعد ألْفِ مَرَّة، فعلى التَّقْديرين يلزم السُّؤالُ. والجوابُ من وُجُوه: أحدها: ألا نَحْمِل قوله: «إنَّ الَّذين» على الاسْتِغْرَاق، بل على المَعْهُود السَّابق، وهم أقْوام مُعَيَّنُون علم الله أنَّهم يَمُوتون على الكُفْر، ولا يَتُوبون عَنْه، فقوله: ﴿لَّمْ يَكُنْ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ إخبار عن مَوْتِهِم على الكُفْر. وثانيها: أن الكلام خَرَج على الغَالِب المُعْتَاد، فإن كان كَثِير الانْتِقَال من الإِسْلاَم إلى الكُفْر، لم يكن للإيمان في قَلْبِه وَقْع، ولا وَجَد حلاوَةَ الإيمان كما تقدَّم، والظَّاهِر ممن حاله هذا أنَّه يمُوت كَافراً. وثالثها: أن الحُكْم على المَذْكُورِ في الآية مَشْرُوطٌ بعدم التَّوْبة عن الكُفْر، وقول السائل إنَّه على هذا التَّقْدير تَضْييعُ الصِّفات المَذْكُورَة. قلنا: إنَّ إفْرادَهُ بالذِّكْر يدلُّ على أن كُفْرَهُم أفْحَش، وخيانتهم أعْظَم، وعُقُوبتهم في القِيَامَة أوْلَى، فجرى مُجْرَى قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ﴾ [الأحزاب: 7] خصَّهُما بالذِّكر لأجل التشريف، وكقوله: ﴿وملاائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: 98] . فإن قيل: اللاَّم في قوله: «لِيَغْفِرَ لَهُم» : للتأكيد، وهو غَيْر لائقٍ بهذا المَوْضِع، وإنَّما اللائِق به تَأكيد النَّفْي. فالجواب: إن نفي التَّأكيد على سَبِيل التَّهَكُم مُبَالَغَة في تَأكِيد النَّفْي، وهذه اللاَّم تُشْبِه اللاَّم في قوله: ﴿مَّا كَانَ الله لِيَذَرَ المؤمنين﴾ [آل عمران: 179] ، تقدَّم الكلام فيه، ومَذَاهب النَّاس، وأن لاَمَ الجحود تُفِيد التَّوْكِيد، والفرق بَيْن قَوْلك: «مَا كَانَ زَيْد يَقُوم» ، و «ما كانَ لِيَقُوم» . قوله: ﴿ولا ليهديهم سبيلاً﴾ يدلُّ على أنه - تعالى - لم [يَهْدِ] الكافرين إلى الإيمَانِ. وقالت المُعْتَزِلَةُ: هذا مَحْمُول على زِيَادة الألْطَاف، أو عَلَى أنَّه لا يَهْدِيهم إلى الجَنَّة في الآخِرة. قوله ﴿بشر المنافقين بأن لهم عذاباً أليماً﴾ البشارة: كل خبرٍ تتغيَّرُ به بشرَةُ الوجْهِ، سارّاً كان أو غَيْر سَارٍّ. وقال الزَّجَّاج: مَعْنَاه: اجعل في مَوْضع بِشَارتك لَهُم العَذَاب، كما تقول العرب: «تحيتك الضَّرْبُ وعِتَابُكَ السَّيْفُ» ، أي: بَدَلاً لكُم من التَّحِيَّةِ، ثم وصَفَ المُنَافِقِين، فقال: ﴿الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين﴾ يعني: يتَّخذون اليَهُود والنَّصَارى أولياء، وأنْصاراً، وبِطَانة من دُون المُؤمنين، كان المُنَافقُون يوادُّونَهُم، ويقول بَعْضهم لبَعْضٍ: إن أمر محمَّد لا يَتِمُّ. قوله: «الَّذِين» يجُوز فيه النَّصْب والرَّفْع، فالنصب من وَجْهَيْن: أحدهما: كونه نعتاً للمُنَافِقِين. والثاني: أنه نَصْب بفعلٍ مُضْمَر، أي أذمُّ الَّذِين، والرَّفْع على خَبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أي: هم الَّذِين. فصل قال القُرْطُبِيُّ: وفي الآيَة دَلِيلٌ على أنَّ من عَمِل مَعْصِيَةً من الموحّدين، ليس بمنافِقٍ؛ لأنَّه لا يتولّى الكُفَّار، وتضمنت المَنْع من مُوالاة الكُفَّار، وأنْ يتَّخِذُوا أعْواناً على الأعْمال المُتَعَلِّقة بالدِّين، وفي الصَّحيح عن عَائِشَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: «أنّ رجلاً من المُشْرِكين لحق بالنَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يُقَاتِل مَعَه، فقال: ارجعْ، فإنَّنا لا نَسْتَعِين بِمُشْرِكٍ» . قوله: ﴿أيبتغون عندهم العزة﴾ أي: المَعُونة، والظُّهور على محمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأصحابه، وقيل: أيطلبون عندهُم القُوَّة، والغَلَبة، والقُدْرة. قال الواحدي: أصَلُ العِزَّة في اللُّغَة: الشِّدَّة، ومنه: قيل: للأرْضِ [الصَّلْبَة] الشَّديدة: عزَاز ويقال: قد استَعَزَّ المرضُ على المَرِيضِ: إذا اشتدَّ مَرَضُه وكاد أن يَهْلَكَ وعَزَّ الهَمُّ إذا اشْتَدَّ، ومنه: [عَزَّ] عليَّ أن يكُون كذا بِمَعْنَى: اشتَدَّ، وعز الشَّيْء: إذا قلَّ حتى لا يَكُادُ يُوجَد؛ لأنه اشتدَّ مطلبُهُ، واعتز فلانٌ بفلان: إذا اشتَدَّ ظَهْرُه به، وشاةٌ عَزُوزٌ: إذا اشتَدَّ حَلْبُها، والعِزَّة: القُوَّة، منقولة عن الشِّدَّة؛ لتقارب مَعْنَيْهما، والعَزِيز: القوي المَنِيع بخلاف الذَّلِيل، فالمُنَافِقُون كانوا يَطْلبون العِزَّة والقُوَّة، بسبب اتِّصالهم باليَهُود، فأبطل اللَّه عَلَيْهم هذا الرَّأي بقوله: ﴿فإن العزة لله جميعاً﴾ . والثاني: قوله: «فإن العزة» لِما في الكلام من معنى الشَّرْط، إذ المَعْنَى: إن إن تَبْتَغُوا من هَؤلاء عِزَّةً ﴿فإن العزة لله جميعاً﴾ ، «جَمِيعاً» : حال من الضَّمِير المُسْتَكِنِّ في قوله: «لِلَّه» لوُقُوعهِ خَبَراً، [والمعنى: أنَّ العِزَّة ثبتَتْ لِلَّه - تعالى - حالة كونها جَمِيعاً] . فإن قيل: هذا كالمُنَاقض لقوله: ﴿وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: 8] . فالجواب: أن القُدْرة الكامِلَة للَّه، وكل من سِوَاه فبإقداره صَار قادراً، وبإعْزَازه صارَ عَزِيزاً، فالعِزَّة الحَاصِلة للرسُول وللمُؤمنين لم تحصل إلا من اللَّه - تعالى -، فكان الأمْر عند التَّحْقِيقِ: أنَّ العِزَّة للَّه جَمِيعاً.

النساء 4:138

لما أمر بالإيمان، ورغَّب فيه، بَيَّن فساد طَرِيقة من يَكْفُر بعد الإيمَان. قال قتادة: هم اليَهُود؛ آمَنُوا بِمُوسى، ثم كفروا من بعد بعبادتهم العجل، [ثم آمَنُوا بالتَّوْراة] ، ثم كَفَرُوا بعيسى - عليه السلام -، ثم ازدادُوا كُفْراً بمحمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. وقيل: هو في جَمِيع أهْل الكِتَاب آمَنُوا بِنَبِيِّهم، ثم كَفَرُوا به، وآمَنُوا بالكِتَاب الذي نُزِّل عليه، ثم كَفَرُوا به، وكفرهم به: تركهم إيَّاه، أي: ثم ازْدَادُوا كفراً بمحمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. وقيل: هذا في قَوْم مُرْتَدِّين، آمَنُوا ثم ارتَدُّوا، ومثل هذا هل تقبل تَوْبتهُ؟ حُكِي عن عَلِيٍّ: أنه لا تُقْبَل تَوْبَته، بل يُقْتَل؛ لقوله - تعالى -: ﴿لَّمْ يَكُنْ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ وذلك لأن تَكْرَار الكُفْر منهم بعد الإيمان مراتٍ، يدلُّ على أنَّه لا وَقْع للإيمَانِ في قُلُوبهم، إذ لو كان للإيمان وَقْعٌ في قُلُوبهم، لما تركُوهُ بأدْنى سَبَب، ومن كان كَذَلِك، فالظَّاهر أنَّه لا يُؤمِن إيماناً صَحِيحاً، فهذا هُو المُرادُ بقوله: ﴿لَّمْ يَكُنْ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ وليس المُرَادُ، أنه لو أتى بالإيمَان الصَّحِيح، لم يكُن مُعْتَبَراً، بل المراد مِنْهُ: الاستِبْعَاد، وأكثر أهْل العِلْم على قُبُول تَوْبَتِه. وقال مُجَاهِدٌ: ﴿ثُمَّ ازدادوا كُفْراً﴾ أي: مَاتُوا عليه، ﴿لم يكن الله ليغفر لهم﴾ : ما أقامُوا على ذلك، ﴿ولا ليهديهم سبيلا﴾ أي: طريقاً إلى الحَقِّ. وقيل: المُراد طائِفَة من أهل الكِتَاب، قَصَدوا تَشْكِيك المُسْلِمينَ، فكانوا يُظْهِرونَ الإيمانَ تارةً والكُفْر تارةً أخْرى، على ما أخْبَر اللَّه - تعالى - عنهم قولهم: ﴿آمِنُواْ [بالذي أُنْزِلَ عَلَى الذين آمَنُواْ] وَجْهَ النهار واكفروا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران: 72] وقوله: ﴿ثُمَّ ازدادوا كُفْراً﴾ أن بَلَغُوا في ذلك إلى حدِّ الاسْتِهْزَاء، والسُّخْرية بالإسْلامِ. فصل دلَّت الآية على أنَّ الكُفْر يقبل الزِّيادة والنُّقْصَان؛ فوجَب أنْ يَكُونَ الإيمان كَذلك؛ لأنهما ضِدَّان متنافِيَانِ؛ فإذا قَبِلَ أحدُهُما التَّفَاوُت، فكذلك الآخَر. فإن قيل: الحُكْم المَذْكُور في هذه الآية: إمَّا أن يكون مَشْرُوطاً بما قبل التَّوبة، أو بما بَعْدَها. والأوَّل: باطِلٌ؛ لأن الكُفْر قبل التَّوْبَة غير مَغْفُور على الإطْلاق، وحينئذٍ تضيع الشُّروطُ المَذْكُورَة. والثاني: باطل؛ لأن الكُفْر [يُغْفَر] بعد التَّوْبَة، ولو كَانَ بعد ألْفِ مَرَّة، فعلى التَّقْديرين يلزم السُّؤالُ. والجوابُ من وُجُوه: أحدها: ألا نَحْمِل قوله: «إنَّ الَّذين» على الاسْتِغْرَاق، بل على المَعْهُود السَّابق، وهم أقْوام مُعَيَّنُون علم الله أنَّهم يَمُوتون على الكُفْر، ولا يَتُوبون عَنْه، فقوله: ﴿لَّمْ يَكُنْ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ إخبار عن مَوْتِهِم على الكُفْر. وثانيها: أن الكلام خَرَج على الغَالِب المُعْتَاد، فإن كان كَثِير الانْتِقَال من الإِسْلاَم إلى الكُفْر، لم يكن للإيمان في قَلْبِه وَقْع، ولا وَجَد حلاوَةَ الإيمان كما تقدَّم، والظَّاهِر ممن حاله هذا أنَّه يمُوت كَافراً. وثالثها: أن الحُكْم على المَذْكُورِ في الآية مَشْرُوطٌ بعدم التَّوْبة عن الكُفْر، وقول السائل إنَّه على هذا التَّقْدير تَضْييعُ الصِّفات المَذْكُورَة. قلنا: إنَّ إفْرادَهُ بالذِّكْر يدلُّ على أن كُفْرَهُم أفْحَش، وخيانتهم أعْظَم، وعُقُوبتهم في القِيَامَة أوْلَى، فجرى مُجْرَى قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ﴾ [الأحزاب: 7] خصَّهُما بالذِّكر لأجل التشريف، وكقوله: ﴿وملاائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: 98] . فإن قيل: اللاَّم في قوله: «لِيَغْفِرَ لَهُم» : للتأكيد، وهو غَيْر لائقٍ بهذا المَوْضِع، وإنَّما اللائِق به تَأكيد النَّفْي. فالجواب: إن نفي التَّأكيد على سَبِيل التَّهَكُم مُبَالَغَة في تَأكِيد النَّفْي، وهذه اللاَّم تُشْبِه اللاَّم في قوله: ﴿مَّا كَانَ الله لِيَذَرَ المؤمنين﴾ [آل عمران: 179] ، تقدَّم الكلام فيه، ومَذَاهب النَّاس، وأن لاَمَ الجحود تُفِيد التَّوْكِيد، والفرق بَيْن قَوْلك: «مَا كَانَ زَيْد يَقُوم» ، و «ما كانَ لِيَقُوم» . قوله: ﴿ولا ليهديهم سبيلاً﴾ يدلُّ على أنه - تعالى - لم [يَهْدِ] الكافرين إلى الإيمَانِ. وقالت المُعْتَزِلَةُ: هذا مَحْمُول على زِيَادة الألْطَاف، أو عَلَى أنَّه لا يَهْدِيهم إلى الجَنَّة في الآخِرة. قوله ﴿بشر المنافقين بأن لهم عذاباً أليماً﴾ البشارة: كل خبرٍ تتغيَّرُ به بشرَةُ الوجْهِ، سارّاً كان أو غَيْر سَارٍّ. وقال الزَّجَّاج: مَعْنَاه: اجعل في مَوْضع بِشَارتك لَهُم العَذَاب، كما تقول العرب: «تحيتك الضَّرْبُ وعِتَابُكَ السَّيْفُ» ، أي: بَدَلاً لكُم من التَّحِيَّةِ، ثم وصَفَ المُنَافِقِين، فقال: ﴿الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين﴾ يعني: يتَّخذون اليَهُود والنَّصَارى أولياء، وأنْصاراً، وبِطَانة من دُون المُؤمنين، كان المُنَافقُون يوادُّونَهُم، ويقول بَعْضهم لبَعْضٍ: إن أمر محمَّد لا يَتِمُّ. قوله: «الَّذِين» يجُوز فيه النَّصْب والرَّفْع، فالنصب من وَجْهَيْن: أحدهما: كونه نعتاً للمُنَافِقِين. والثاني: أنه نَصْب بفعلٍ مُضْمَر، أي أذمُّ الَّذِين، والرَّفْع على خَبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أي: هم الَّذِين. فصل قال القُرْطُبِيُّ: وفي الآيَة دَلِيلٌ على أنَّ من عَمِل مَعْصِيَةً من الموحّدين، ليس بمنافِقٍ؛ لأنَّه لا يتولّى الكُفَّار، وتضمنت المَنْع من مُوالاة الكُفَّار، وأنْ يتَّخِذُوا أعْواناً على الأعْمال المُتَعَلِّقة بالدِّين، وفي الصَّحيح عن عَائِشَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: «أنّ رجلاً من المُشْرِكين لحق بالنَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يُقَاتِل مَعَه، فقال: ارجعْ، فإنَّنا لا نَسْتَعِين بِمُشْرِكٍ» . قوله: ﴿أيبتغون عندهم العزة﴾ أي: المَعُونة، والظُّهور على محمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأصحابه، وقيل: أيطلبون عندهُم القُوَّة، والغَلَبة، والقُدْرة. قال الواحدي: أصَلُ العِزَّة في اللُّغَة: الشِّدَّة، ومنه: قيل: للأرْضِ [الصَّلْبَة] الشَّديدة: عزَاز ويقال: قد استَعَزَّ المرضُ على المَرِيضِ: إذا اشتدَّ مَرَضُه وكاد أن يَهْلَكَ وعَزَّ الهَمُّ إذا اشْتَدَّ، ومنه: [عَزَّ] عليَّ أن يكُون كذا بِمَعْنَى: اشتَدَّ، وعز الشَّيْء: إذا قلَّ حتى لا يَكُادُ يُوجَد؛ لأنه اشتدَّ مطلبُهُ، واعتز فلانٌ بفلان: إذا اشتَدَّ ظَهْرُه به، وشاةٌ عَزُوزٌ: إذا اشتَدَّ حَلْبُها، والعِزَّة: القُوَّة، منقولة عن الشِّدَّة؛ لتقارب مَعْنَيْهما، والعَزِيز: القوي المَنِيع بخلاف الذَّلِيل، فالمُنَافِقُون كانوا يَطْلبون العِزَّة والقُوَّة، بسبب اتِّصالهم باليَهُود، فأبطل اللَّه عَلَيْهم هذا الرَّأي بقوله: ﴿فإن العزة لله جميعاً﴾ . والثاني: قوله: «فإن العزة» لِما في الكلام من معنى الشَّرْط، إذ المَعْنَى: إن إن تَبْتَغُوا من هَؤلاء عِزَّةً ﴿فإن العزة لله جميعاً﴾ ، «جَمِيعاً» : حال من الضَّمِير المُسْتَكِنِّ في قوله: «لِلَّه» لوُقُوعهِ خَبَراً، [والمعنى: أنَّ العِزَّة ثبتَتْ لِلَّه - تعالى - حالة كونها جَمِيعاً] . فإن قيل: هذا كالمُنَاقض لقوله: ﴿وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: 8] . فالجواب: أن القُدْرة الكامِلَة للَّه، وكل من سِوَاه فبإقداره صَار قادراً، وبإعْزَازه صارَ عَزِيزاً، فالعِزَّة الحَاصِلة للرسُول وللمُؤمنين لم تحصل إلا من اللَّه - تعالى -، فكان الأمْر عند التَّحْقِيقِ: أنَّ العِزَّة للَّه جَمِيعاً.

النساء 4:139

لما أمر بالإيمان، ورغَّب فيه، بَيَّن فساد طَرِيقة من يَكْفُر بعد الإيمَان. قال قتادة: هم اليَهُود؛ آمَنُوا بِمُوسى، ثم كفروا من بعد بعبادتهم العجل، [ثم آمَنُوا بالتَّوْراة] ، ثم كَفَرُوا بعيسى - عليه السلام -، ثم ازدادُوا كُفْراً بمحمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. وقيل: هو في جَمِيع أهْل الكِتَاب آمَنُوا بِنَبِيِّهم، ثم كَفَرُوا به، وآمَنُوا بالكِتَاب الذي نُزِّل عليه، ثم كَفَرُوا به، وكفرهم به: تركهم إيَّاه، أي: ثم ازْدَادُوا كفراً بمحمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. وقيل: هذا في قَوْم مُرْتَدِّين، آمَنُوا ثم ارتَدُّوا، ومثل هذا هل تقبل تَوْبتهُ؟ حُكِي عن عَلِيٍّ: أنه لا تُقْبَل تَوْبَته، بل يُقْتَل؛ لقوله - تعالى -: ﴿لَّمْ يَكُنْ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ وذلك لأن تَكْرَار الكُفْر منهم بعد الإيمان مراتٍ، يدلُّ على أنَّه لا وَقْع للإيمَانِ في قُلُوبهم، إذ لو كان للإيمان وَقْعٌ في قُلُوبهم، لما تركُوهُ بأدْنى سَبَب، ومن كان كَذَلِك، فالظَّاهر أنَّه لا يُؤمِن إيماناً صَحِيحاً، فهذا هُو المُرادُ بقوله: ﴿لَّمْ يَكُنْ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ وليس المُرَادُ، أنه لو أتى بالإيمَان الصَّحِيح، لم يكُن مُعْتَبَراً، بل المراد مِنْهُ: الاستِبْعَاد، وأكثر أهْل العِلْم على قُبُول تَوْبَتِه. وقال مُجَاهِدٌ: ﴿ثُمَّ ازدادوا كُفْراً﴾ أي: مَاتُوا عليه، ﴿لم يكن الله ليغفر لهم﴾ : ما أقامُوا على ذلك، ﴿ولا ليهديهم سبيلا﴾ أي: طريقاً إلى الحَقِّ. وقيل: المُراد طائِفَة من أهل الكِتَاب، قَصَدوا تَشْكِيك المُسْلِمينَ، فكانوا يُظْهِرونَ الإيمانَ تارةً والكُفْر تارةً أخْرى، على ما أخْبَر اللَّه - تعالى - عنهم قولهم: ﴿آمِنُواْ [بالذي أُنْزِلَ عَلَى الذين آمَنُواْ] وَجْهَ النهار واكفروا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران: 72] وقوله: ﴿ثُمَّ ازدادوا كُفْراً﴾ أن بَلَغُوا في ذلك إلى حدِّ الاسْتِهْزَاء، والسُّخْرية بالإسْلامِ. فصل دلَّت الآية على أنَّ الكُفْر يقبل الزِّيادة والنُّقْصَان؛ فوجَب أنْ يَكُونَ الإيمان كَذلك؛ لأنهما ضِدَّان متنافِيَانِ؛ فإذا قَبِلَ أحدُهُما التَّفَاوُت، فكذلك الآخَر. فإن قيل: الحُكْم المَذْكُور في هذه الآية: إمَّا أن يكون مَشْرُوطاً بما قبل التَّوبة، أو بما بَعْدَها. والأوَّل: باطِلٌ؛ لأن الكُفْر قبل التَّوْبَة غير مَغْفُور على الإطْلاق، وحينئذٍ تضيع الشُّروطُ المَذْكُورَة. والثاني: باطل؛ لأن الكُفْر [يُغْفَر] بعد التَّوْبَة، ولو كَانَ بعد ألْفِ مَرَّة، فعلى التَّقْديرين يلزم السُّؤالُ. والجوابُ من وُجُوه: أحدها: ألا نَحْمِل قوله: «إنَّ الَّذين» على الاسْتِغْرَاق، بل على المَعْهُود السَّابق، وهم أقْوام مُعَيَّنُون علم الله أنَّهم يَمُوتون على الكُفْر، ولا يَتُوبون عَنْه، فقوله: ﴿لَّمْ يَكُنْ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ إخبار عن مَوْتِهِم على الكُفْر. وثانيها: أن الكلام خَرَج على الغَالِب المُعْتَاد، فإن كان كَثِير الانْتِقَال من الإِسْلاَم إلى الكُفْر، لم يكن للإيمان في قَلْبِه وَقْع، ولا وَجَد حلاوَةَ الإيمان كما تقدَّم، والظَّاهِر ممن حاله هذا أنَّه يمُوت كَافراً. وثالثها: أن الحُكْم على المَذْكُورِ في الآية مَشْرُوطٌ بعدم التَّوْبة عن الكُفْر، وقول السائل إنَّه على هذا التَّقْدير تَضْييعُ الصِّفات المَذْكُورَة. قلنا: إنَّ إفْرادَهُ بالذِّكْر يدلُّ على أن كُفْرَهُم أفْحَش، وخيانتهم أعْظَم، وعُقُوبتهم في القِيَامَة أوْلَى، فجرى مُجْرَى قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ﴾ [الأحزاب: 7] خصَّهُما بالذِّكر لأجل التشريف، وكقوله: ﴿وملاائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: 98] . فإن قيل: اللاَّم في قوله: «لِيَغْفِرَ لَهُم» : للتأكيد، وهو غَيْر لائقٍ بهذا المَوْضِع، وإنَّما اللائِق به تَأكيد النَّفْي. فالجواب: إن نفي التَّأكيد على سَبِيل التَّهَكُم مُبَالَغَة في تَأكِيد النَّفْي، وهذه اللاَّم تُشْبِه اللاَّم في قوله: ﴿مَّا كَانَ الله لِيَذَرَ المؤمنين﴾ [آل عمران: 179] ، تقدَّم الكلام فيه، ومَذَاهب النَّاس، وأن لاَمَ الجحود تُفِيد التَّوْكِيد، والفرق بَيْن قَوْلك: «مَا كَانَ زَيْد يَقُوم» ، و «ما كانَ لِيَقُوم» . قوله: ﴿ولا ليهديهم سبيلاً﴾ يدلُّ على أنه - تعالى - لم [يَهْدِ] الكافرين إلى الإيمَانِ. وقالت المُعْتَزِلَةُ: هذا مَحْمُول على زِيَادة الألْطَاف، أو عَلَى أنَّه لا يَهْدِيهم إلى الجَنَّة في الآخِرة. قوله ﴿بشر المنافقين بأن لهم عذاباً أليماً﴾ البشارة: كل خبرٍ تتغيَّرُ به بشرَةُ الوجْهِ، سارّاً كان أو غَيْر سَارٍّ. وقال الزَّجَّاج: مَعْنَاه: اجعل في مَوْضع بِشَارتك لَهُم العَذَاب، كما تقول العرب: «تحيتك الضَّرْبُ وعِتَابُكَ السَّيْفُ» ، أي: بَدَلاً لكُم من التَّحِيَّةِ، ثم وصَفَ المُنَافِقِين، فقال: ﴿الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين﴾ يعني: يتَّخذون اليَهُود والنَّصَارى أولياء، وأنْصاراً، وبِطَانة من دُون المُؤمنين، كان المُنَافقُون يوادُّونَهُم، ويقول بَعْضهم لبَعْضٍ: إن أمر محمَّد لا يَتِمُّ. قوله: «الَّذِين» يجُوز فيه النَّصْب والرَّفْع، فالنصب من وَجْهَيْن: أحدهما: كونه نعتاً للمُنَافِقِين. والثاني: أنه نَصْب بفعلٍ مُضْمَر، أي أذمُّ الَّذِين، والرَّفْع على خَبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أي: هم الَّذِين. فصل قال القُرْطُبِيُّ: وفي الآيَة دَلِيلٌ على أنَّ من عَمِل مَعْصِيَةً من الموحّدين، ليس بمنافِقٍ؛ لأنَّه لا يتولّى الكُفَّار، وتضمنت المَنْع من مُوالاة الكُفَّار، وأنْ يتَّخِذُوا أعْواناً على الأعْمال المُتَعَلِّقة بالدِّين، وفي الصَّحيح عن عَائِشَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: «أنّ رجلاً من المُشْرِكين لحق بالنَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يُقَاتِل مَعَه، فقال: ارجعْ، فإنَّنا لا نَسْتَعِين بِمُشْرِكٍ» . قوله: ﴿أيبتغون عندهم العزة﴾ أي: المَعُونة، والظُّهور على محمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأصحابه، وقيل: أيطلبون عندهُم القُوَّة، والغَلَبة، والقُدْرة. قال الواحدي: أصَلُ العِزَّة في اللُّغَة: الشِّدَّة، ومنه: قيل: للأرْضِ [الصَّلْبَة] الشَّديدة: عزَاز ويقال: قد استَعَزَّ المرضُ على المَرِيضِ: إذا اشتدَّ مَرَضُه وكاد أن يَهْلَكَ وعَزَّ الهَمُّ إذا اشْتَدَّ، ومنه: [عَزَّ] عليَّ أن يكُون كذا بِمَعْنَى: اشتَدَّ، وعز الشَّيْء: إذا قلَّ حتى لا يَكُادُ يُوجَد؛ لأنه اشتدَّ مطلبُهُ، واعتز فلانٌ بفلان: إذا اشتَدَّ ظَهْرُه به، وشاةٌ عَزُوزٌ: إذا اشتَدَّ حَلْبُها، والعِزَّة: القُوَّة، منقولة عن الشِّدَّة؛ لتقارب مَعْنَيْهما، والعَزِيز: القوي المَنِيع بخلاف الذَّلِيل، فالمُنَافِقُون كانوا يَطْلبون العِزَّة والقُوَّة، بسبب اتِّصالهم باليَهُود، فأبطل اللَّه عَلَيْهم هذا الرَّأي بقوله: ﴿فإن العزة لله جميعاً﴾ . والثاني: قوله: «فإن العزة» لِما في الكلام من معنى الشَّرْط، إذ المَعْنَى: إن إن تَبْتَغُوا من هَؤلاء عِزَّةً ﴿فإن العزة لله جميعاً﴾ ، «جَمِيعاً» : حال من الضَّمِير المُسْتَكِنِّ في قوله: «لِلَّه» لوُقُوعهِ خَبَراً، [والمعنى: أنَّ العِزَّة ثبتَتْ لِلَّه - تعالى - حالة كونها جَمِيعاً] . فإن قيل: هذا كالمُنَاقض لقوله: ﴿وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: 8] . فالجواب: أن القُدْرة الكامِلَة للَّه، وكل من سِوَاه فبإقداره صَار قادراً، وبإعْزَازه صارَ عَزِيزاً، فالعِزَّة الحَاصِلة للرسُول وللمُؤمنين لم تحصل إلا من اللَّه - تعالى -، فكان الأمْر عند التَّحْقِيقِ: أنَّ العِزَّة للَّه جَمِيعاً.

النساء 4:140

قرأ الجماعة: «نُزِّل» مبنياً للمفعول، وعاصم ويعقوب قَرَآه «نَزَّلَ» مبنياً للفاعِل، وأبو حَيْوة وحُميد: «نَزَل» مخففاً مَبْنياً للفاعِل، والنخعي: «أُنْزِل» بالهَمْزَة مبنياً للمفعُول. والقائمُ مقامَ الفاعِل في قراءة الجَمَاعة والنَّخعي، هو «أنْ» وما في حيِّزها، أي: وقد نَزَّل عليْكُم المَنْعَ من مُجَالستِهِم عند سَماعِكم الكُفْر بالآيَات، والاسْتِهْزَاء بها. وأمّا في قراءة عاصمٍ: ف «أنْ» مع ما بعدها في مَحَلِّ نصبٍ مفعولاً به ب «نزَّل» ، والفاعل ضميرُ الله - تعالى - كما تقدَّم. وأما في قِرَاءة أبي حَيْوة وحمَيد: فمحَلُّها رفعٌ بالفاعِليّة ل «نزل» مخففاً، فمحَلُّها: إمّا نَصْب على قِرَاءة عَاصِمٍ، أو رَفْع على قِراءة غيره، ولكن الرَّفْع مختلف. فصل قال المفسِّرون: المَعْنَى: وقد نَزَّل عليكم يا معشر المُؤمنين، ﴿أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ الله﴾ يعني: القُرْآن ﴿يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم﴾ يعني: مع المُسْتَهْزِئين ﴿حتى يخوضوا في حديث غيره﴾ ، وذلك أنَّ المُشركِينَ كانُوا يخوضُونَ في مُجَالَسَتِهم في ذِكْر القُرْآن، يستَهْزِئُون به، فأنْزَل الله - تعالى - ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الذين يَخُوضُونَ في آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حتى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: 68] وهذه الآية نَزَلَتْ في مَكَّة. ثم إن أحْبَار اليهُود بالمدينَة، كانوا يَفْعَلُون فعل المُشْرِكِين، وكان المُنافِقُون يَقْعُدون معهُم، ويُوافِقُونهم على ذلك، فقال - تعالى - مُخَاطِباً لَهُم: «أنه قد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها» والمعنى: إذا سَمِعْتُم الكُفْر بآيَات اللَّه والاستهزاء بِهَا، لكنَّه أوْقع فعل السماع على الآية، والمُراد بها: سَمَاع الاسْتِهْزَاء. قال الكسَائِيُّ: هو كما يُقَال: سَمِعْت عَبْد اللَّه يُلاَم. قال ابن الخطِيب: وعندي فيه وَجْه آخَر: وهو أنْ يَكُون المَعْنَى: إذا سَمِعْتُم آيَاتِ اللَّه حَالَ ما يُكْفَر بها ويستهزأ بها، وعلى هذا فلا حَاجَة لما قاله الكسَائيُّ. قوله: «أنْ إذَا» «أن» هذه هي المُخَفَّفةُ من الثَّقيلة، واسمُهَا: ضِمِير الأمْر والشَّأن، أي: أنَّ الأمْر والشأن إذا سَمعْتُم الكُفْر والاسْتهْزَاء، فلا تَقْعُدُوا. قال أبو حيان: وما قَدَّره أبو البقاء من قوله: «أنَّكُم إذا سَمِعْتُم» ليس بجَيِّد، لأن «أن» المخففة لا تَعْمَل إلاَّ في ضِمِير الشَّأن، إلا في ضرورةٍ؛ كقوله: [الطويل] 1888 - فَلَوْ أنْكِ فِي يَوْمِ الرَّخَاءِ سألْتِني ... طَلاَقَكِ لَمْ أبْخَلْ وَأنْتِ صَدِيق قال شهاب الدين: هكذا قال، ولم أره أنا في إعراب أبِي البَقَاءِ إلا أنَّه بالهَاءِ دون الكَافِ والمَيم، والجملةُ الشَّرْطِية المُنْعَقدةُ من «إذا» وجوابها في مَحَلِّ رَفْع، خَبَراً ل «أنْ» ، ومن مَجِيء الجُمْلة الشرطيَّة خبراً ل «أنْ» المُخَفَّفَة: قوله: [الكامل] 1889 - فَعَلِمْتُ أنْ مَا تَتَّقُوهُ فَإنَّهُ ... جَزْرٌ لِخَامِعَةٍ وفَرْخ عُقَابِ ف «مَا» شَرْطيةٌ، و «فإنه» جَوابُها، والجُمْلَةُ خبرٌ ل «أنْ» المخفَّفَةِ. قوله: «يُكَفَرُ بِهَا» في محلِّ نَصْب على الحَالِ من الآيات، و «بها» في محلِّ رفع؛ لقيامِه مقامَ الفاعلِ، وكذلِك في قوله: «يُسْتَهْزَأُ بِهَا» والأصل: يكفر بها أحدٌ، فلمَّا حُذِف الفاعلُ، قام الجارُّ والمَجْرُورُ مقامَه، ولذلك رُوعِي هذا الفَاعِلُ المَحْذُوف، فعاد عليه الضَّمِيرُ من قوله: ﴿مَعَهُمْ حتى يخوضوا﴾ كأنه قِيل: إذا سَمِعْتُم آياتِ الله يَكْفرُ بها المُشْرِكُون، ويَسْتَهزِئُ بها المُنَافِقُون، فلا تَقْعدوا مَعَهُم حتى يخُوضُوا في حَديثٍ غيره، أي: غير حَدِيث الكُفْر والاستهزاء، فعاد الضَّمير في «غيره» على ما دَلَّ عليه المَعْنَى. وقيل: الضَّمير في «غيره» يجُوزُ أنْ يعودَ على الكُفْر والاستِهْزَاء المفهُومَيْن من قوله: «يُكَفَر بِهَا» و «وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا» ، [وإنما أفْرَد الضَّمِير وإن كان المُرَاد به شَيْئين؛ لأحد أمرين:] إمَّا لأنَّ الكُفر والاستِهْزَاء شيءٌ واحدٌ في المعْنَى: وإمَّا لإجراءِ الضَّميرِ مُجْرى اسم الإشَارةِ، نحو: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذلك﴾ [البقرة: 68] . وقوله: [الرجز] 1890 - كَأنَّهُ فِي الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَق ... وقد تقدَّم تَحْقِيقُه في البقرة، و «حتى» : غايةٌ للنَّهْي، والمعنى: أنه يجُوز مُجَالستهم عند خَوْضِهم في غير الكُفْر والاستِهْزَاء. قال الضَّحاك: عن ابن عبَّاسٍ: دخل في هذه الآية كل مُحْدِث في الدِّين، وكل مُبْتَدِع إلى يَوْم القِيَامَةِ. قوله: ﴿إنكم إذاً مثلهم﴾ «إذاً» هنا: مُلغَاةٌ؛ لوقوعها بين مُبْتَدأ وخبر، والجمهور على رفعِ اللام في «مثلُهم» على خَبَرِ الابتداء، وقرئ شاذاً بفتحها، وفيها تَخْريجَان: أحدهما: - وهو قولُ البصْريِّين - أنه خبر أيضاً، وإنما فُتِح لإضافته إلى غير مُتَمَكِّن؛ كقوله - تعالى -: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ [الذاريات: 23] بفتح اللاَّم، وقول الفرَزْدَق: [البسيط] 1891 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ....... ... وإذْ مَا مِثْلَهُمْ بَشَرُ في أحدِ الأوجه. والثَّاني: - وهو قولُ الكُوفيِّين - إن «مِثْل» يَجُوز نصبها على المَحَلِّ، أي: الظرف، ويُجيزُون: «زيد مِثْلَك» بالنَّصب على المحلِّ أي: زيدٌ في مثل حالك، وأفرد «مثل» هُنَا، وإن أخْبَرَ به عن جَمْع ولم يُطابق به كما طابق ما قبله في قوله: ﴿ثُمَّ لاَ يكونوا أَمْثَالَكُم﴾ [محمد: 38] ، وقوله: ﴿وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ﴾ [الواقعة: 22، 23] . قال أبُو البقاء وغيره: لأنه قصد به هُنَا المصدر، فوحَّد كما وحَّد في قوله: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ [المؤمنون: 47] . وتحرير المَعْنَى: أن التقدير: إنَّ عصيانكم مثل عصيانهم، إلا أنَّ تقدير المصدريّة في قوله: «لِبَشَريْنِ مِثْلِنَا» قلق. فصل في معنى الآية والمعنى: أنكم إذاً مِثْلُهُم، إن قعدْتُم عندهم وهُم يَخُوضُون ويَسْتهزِئُون، ورضيتم بِهِ، فأنتم كُفَّار مِثْلُهم، وإن خَاضُوا في حَدِيث غَيْرِه، فلا بأس بالقُعُود مَعَهم مع الكَرَاهَة. قال الحَسَن: لا يجوز القُعُود معهم وإن خَاضُوا في حَدِيث غَيْره؛ لقوله - تعالى -: ﴿وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشيطان فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذكرى مَعَ القوم الظالمين﴾ [الأنعام: 68] والأكثرون على الأوَّل، وآية الأنعام مَكِّية وهذه مَدَنِيَّة، والمتأخِّر أوْلَى. فصل قال بعض العُلَمَاء: هذا يدل على أنَّ من رَضِي بالكُفْرِ، فهو كافِرٌ، ومن رَضِيَ بمنكر يَرَاه، وخالط أهْلَه وإن لَمْ يُبَاشِر ذلك، كان في الإثْمِ بمَنْزِلة المُبَاشِر لهذه الآية، وإن لم يَرْض وحَضَر خَوْفاً وتقية، فلا. قوله: ﴿إِنَّ الله جَامِعُ المنافقين والكافرين فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً﴾ أي: كما اجتمعوا على الاسْتِهْزَاء بآيَاتِ اللَّه في الدُّنْيا، فكذلك يَجْتِمَعُون في العَذَاب يوم القِيَامَةِ، وأراد: جامعٌ بالتنوين؛ لأنَّه بعدما جَمَعَهُم حذف التَّنْوِين؛ استخفافاً من اللَّفْظ، وهو مرادٌ في الحَقِيقَةِ.

النساء 4:141

في: «الذين يتربَّصُون» : ستَّة أوجه: أحدُها: أنه بدلٌ من قوله: «الذين يتَّخِذُون» ، فيجيء فيه الأوْجُه المذْكُورة هناك. الثاني: أنه نَعْتٌ للمنافِقِين على اللَّفْظِ، فيكون مَجْرورَ المَحَلِّ. الثالث: أنه تابعٌ لهم على المَوْضِع، فيكونُ مَنْصُوبَ المَحَلِّ، وقد تقرَّر أنَّ اسم الفاعل العامِل إذا أُضيفَ إلى مَعْمُوله، جاز أن يُتْبَعَ مَعْمُولُه لفظاً وموضعاً، تقول: «هذا ضاربُ هندٍ العاقلةِ والعاقلةَ» بجرِّ العاقلة ونصبها. الرابع: أنه منصوبٌ على الشَّتْم. الخامس: أنه خَبَر مبتدأ مُضْمَر، أي: هُمُ الذين. السادس: - وذكره أبو البقاء - أنه مُبْتَدأ، والخبرُ قوله: ﴿فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ﴾ ، وهذا ضَعِيفٌ؛ لنبوِّ المَعْنَى عنه ولزيادةِ الفاءِ في غير مَحَلِّها؛ لأنّ هذا الموصُولَ غيرُ ظاهر الشَّبهِ باسْمِ الشرط. فصل في معنى الآية ومعنى «يتربَّصُون بِكُم» : ينتظرون بكُم الدَّوَائِر، يعنى: المُنَافِقِين، ينتظرون ما يَحْدُث من خَيْر وشَرٍّ، ﴿فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ الله﴾ أي: ظهورٌ على اليَهُود، وظَفر، وغَنَيِمة، ﴿قالوا أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ﴾ على دينكُم وفي الجِهَاد كنَّا معَكُم، فأعْطُونا قِسْماً من الغَنِيمَةِ، ﴿وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ﴾ يعني: ظَفرٌ على المُسْلِمِين، «قَالُوا» : يعني: المُنَافِقِين للكافرين: ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ والاستحواذ: الاستيلاء والغَلَبة على الشَّيْء، ومنه: ﴿استحوذ عَلَيْهِمُ الشيطان﴾ [المجادلة: 19] ، ويقال: حَاذَ وأحَاذَ بِمَعْنًى؛ والمصدر: الحَوْذ، وفي المَعْنَى وُجُوهٌ: الأول: أن المَعْنَى: ألم نَغْلِبكُم، ونتمكَّن من قَتْلِكُم وأسركُم، ثم لم نَفْعَل شَيْئاً من ذَلِك، ﴿وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ المؤمنين﴾ أي: نَدْفَع عَنْكُم صولة المُؤمِنين بِتَخْذِيلهم، وتوانينا في مُظاهَرَتِهم، فأعطونا نَصِيباً ممَّا أصَبْتُم. الثاني: قال المُبَرِّد: يقول المُنَافِقُون للكفَّار: ألم نَغْلِبْكُم؛ فإن المُنَافِقِين بالغُوا في تَنْفِير الكَافِرِين، وأطْمَعُوهم أنه سَيضْعُفُ أمر محمَّدٍ، وسَيَقْوى أمركم، فإذا اتَّفَقَتْ للكفَّار دَوْلةٌ على المُسْلِمين، قال المُنَافِقُون: ألَسْنَا غلبناكم على رَأيِكُم في الدُّخُول في الإسْلام، ومَنَعْنَاكُم منه، فلمَّا شاهَدْتُم صِدْق قَوْلِنا، فأعْطُونا نَصِيبَنَا ممَّا أخَذْتُمْ، ومرادُ المُنافقين: إظْهَار المِنَّة على الكَافِرِين بهذا الكلامِ. الثالث: ألم نُخْبِرْكم بِعَزِيمَةِ محمَّدٍ وأصحابه، ونُطْلِعْكُم على سِرِّهِم. فإن قيل: لِمَ سَمَّى ظَفر المُسْلِمين فتحاً، وظفر الكُفَّار نَصِيباً. فالجواب: أنه تعظيم لشأن المُؤمنين، وتحقير لحظِّ الكَافِرِين؛ لأن ظَفر المُسْلِمين أمر عظيم، يفتح الله لَهُ أبْوَاب السَّمَاء؛ حتى تَنْزل الرَّحْمَة على أوْلِيَاء اللَّه، وأما ظَفر الكَافِرِين: فما هُوَ إلا حَظٌّ دنيويٌّ يَنْقَضِي، ولا يَبْقَى منه إلا اللَّوْم في الدُّنْيَا، والعُقُوبة في الأخْرَى. قوله: «ونمنعكم» الجمهورُ على جَزْمه، عطفاً على ما قبله. وقرأ ابن بي عَبْلَة بنصب العَيْن وهي ظَاهِرَةٌ؛ فإنه على إضْمَار «أنْ» بعد الوَاوِ المقتَضِيَة للجَمْع في جواب الاستفهامِ؛ كقول الحُطيْئَة: [الوافر] 1892 - ألَمْ أكُ جَارَكُم ويَكُونَ بَيْنِي ... وَبَيْنَكُمُ الْمَوَدَّةُ والإخَاءُ وعَبَّر ابنُ عَطِيَّة بعبارة الكوفيين، فقال: «بفتحِ العَيْن على الصَّرْف» ويعنون بالصَّرْف: عدمَ تَشْريكِ الفِعْلِ مع ما قَبْلَه في الإعْرَاب. وقرأ أبيّ: «ومنعناكم» فعلاً ماضياً، وهي ظاهرةٌ أيضاً؛ لأنه حُمِلَ على المَعْنَى، فإنَّ معنى «أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ» : إنَّا قد اسْتَحْوَذْنا، لأنَّ الاستفهامَ إذا دخل على نَفْي قَرَّره، ومثلُه: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا﴾ [الشرح: 1، 2] لَمَّا كان «أَلم نَشْرَحْ» في معنى: «قد شَرحْنَا» عُطِفَ عليه «ووضَعْنا» . ونَسْتَحْوِذُ واستحوذ مِمَّا شَذَّ قياساً، وفَصُحَ استعمالاً؛ لأنَّه مِنْ حقِّه نَقْلُ حركةِ حَرْفِ علَّتِه إلى السَّاكِن قبلها، وقَلْبها ألفاً؛ كاسْتَقَام واسْتَبَان وبابه، وقد قدمت تَحْقِيق هذا في قوله - تعالى - في الفاتحة: «نَسْتَعين» ، وقد شذَّت معه ألفاظٌ أخَرُ، نحو: «أغْيَمَتْ وأغيلت المرأة وأخيَلت السَّماء» قصرها النَّحْوِيُّون على السَّماع، وقاسها أبُو زَيْد. قوله: ﴿فالله يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ قيل: هنا مَعْطوفٌ مَحْذُوف، أي: وبينهم؛ كقوله: [الطويل] 1893 - فَمَا كَانَ بَيْنَ الخَيْرِ لَوْ جَاءَ سَالِماً ... أبُو حُجُرٍ إلاَّ لَيَالٍ قَلاَئِلُ أي: وبيني، والظَّاهرُ أنه لا يحتاج لذلك؛ لأن الخِطَاب في «بَيْنَكُم» شاملٌ للجَميع، والمرادُ: المُخَاطَبُون والغَائِبُون، وإنما غَلَّبَ الخطاب؛ لما عَرَفْتَ من لُغَة العرب. فالمعنى: أنَّ الله يَحْكُم بين المُؤمنين والمُنَافقين يوم القيامةِ، ولم يَضِع السَّيْف في الدُّنْيَا عن المُنَافِقِين، بَلْ أخّر عِقَابِهِم إلى يَوْم القِيَامَةِ. قوله: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً﴾ . قال عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: في الآخِرة، قال يُسَيْع الحضرمِيّ: كُنْتُ عند عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -، فقال [له] رجُلٌ يا أمير المُؤمنين: أرأيْت قوله - تبارك وتعالى -: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً﴾ . كيف ذَلِك، وهم يُقَاتِلُوننَا ويَظْهَرُون علينا أحْيَاناً. فقال عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: معنى ذلك: يَوْم القيامة؛ وهو مَرْوِيٌّ عن ابن عبَّاسٍ، وقيل: لا يجعل الله للكافرين على المُؤمنين سَبِيلاً، إلا أنْ يتواصوا بالبَاطِل، ولا يَتَنَاهَوْا عن المُنْكَر، ويتقاعَدُوا عن التَّوْبة، فيكون تَسْلِيطُ العدُوِّ من قبلهم؛ كما قال: ﴿وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: 30] . قال ابن العَرَبِيِّ: وهذا نَفِيسٌ. وقيل: ولَنْ يَجْعَل اللَّه للكَافِرِين على المُؤمنين سَبِيلاً شَرْعاً، فإنْ وُجِد، فَبِخلاف الشَّرْع. وقال عِكْرمة، عن ابن عبَّاسٍ: حُجَّة في الدُّنْيَا، وقيل: ظُهُوراً على أصْحَاب النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وقيل: عَامٌّ في الكُلِّ، إلا ما خصَّه الدَّلِيلُ. قوله: على المُؤمنين يَجُوز أن يتعلَّق بالجَعْلِ، ويجُوز أن يتعلَّق بِمَحذُوفٍ،؛ لأنه في الأصْل صِفَة ل «سَبِيلاً» ، فلما قُدِّم عليه، انْتَصَبَ حالاً عَنْهُ. فصل استدّلُّوا بهذه الآية على مَسَائِلَ: منها: استيلاء الكَافِر على مال المُسْلِمِ بدَارِ الحَرْب، لم يَمْلِكْه. ومنها: أن الكَافِر ليس لَهُ أن يَشْتَرِي عَبْداً مسلماً. ومنها: أنَّ المُسْلِم لا يُقْتَل بالذِّمِّيِّ.

النساء 4:142

قد تقدَّم تفسير الخِدَاع واشتقاقه أوّل البقرة، ومعنى المُفَاعَلة فيه. قال الزَّجَّاج: مَعْنَاه: يُخَادِعُون الرَّسُول، أي: يظهرون لَهُ الإيمَان ويبطنون الكُفْرَ؛ كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله﴾ [الفتح: 10] ، وسمّي المُنَافِق مُنَافِقاً؛ أخذاً من: نَافِقَاء اليَرْبُوع؛ وهي جُحْره؛ فإنه يَجْعَلُ له بَابَيْن، يَدْخُلُ من أحدهما ويَخْرُجُ من الآخَر؛ كذلك المُنَافِق، يَدْخُل مع المؤمنين بقوله: أنا مُؤمِنٌ، [ويدخل مع الكَافِر بقوله: أنا كَافِر] ، وجُحْرُ اليَرْبُوعِ يُسَمَّى النَّافِقَاء، والسَّاميَاء والدَّامياء، [فالسَّامِيَاء] : هو الجحر الذي تلد فيه الأنْثَى، [والدامياء: هو الذي يَكُون] فيه. قوله: «وَهُوَ خَادِعُهُمْ» فيه ثلاثة أقْوَالٍ: أحدها: ذكرَه أبُو البقاء: أنه نَصْبٌ على الحَالِ. والثاني: أنَّها في مَحَلِّ رفعٍ عطْفاً على خَبَر «إنَّ» . الثالث: أنَّها استِئْنَاف إخْبَار بِذَلك. قال الزَّمَخْشَرِيُّ: «وخادعٌ: اسم فاعِل من خَادعْتُه، فَخَدَعْتهُ إذا غَلَبْتهُ، وكنت أخْدَع مِنْه» . قوله: «وَهُوَ خَادِعُهُم» أي: مُجَازيهم بالعِقَاب على خِدَاعِهم. قال ابن عبَّاس: إنهمَ يُعْطَوْن نوراً يَوْم القِيَامةِ كالمؤمنين، فيَمْضِي المُؤمِنُون بنورهم على الصِّراطِ، ويُطْفَأ نور المُنَافِقِين، يدلُّ عليه قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الذي استوقد نَاراً فَلَمَّآ أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: 17] . قوله: «وإذا قَامُوا» عطفٌ على خَبَر «إنَّ» أخبر عَنْهم بِهَذِه الصِّفَاتِ الذَّميمة، و «كُسَالى» : نصبٌ على الحَالِ من ضَمِير «قَامُوا» الواقع جواباً، والجُمهورُ على ضمِّ الكاف، وهي لُغة أهل الحِجاز [جمع كَسْلان: كسَكَارَى] ، وقرأ الأعرج بفتحها، وهي لُغَةُ تميم وأسَدٍ، وقرأ ابن السَّمَيْفع: «كَسْلى» وصَفَهم بِمَا تُوصف به المُؤنَّثَة المفردةُ، اعْتِبَاراً بمعنى الجماعة؛ كقوله: «وتَرَى الناسَ سَكْرى» ، والكسلُ: الفُتُورُ والتواني، وأكْسَل: إذا جَامَعَ وفَتَر ولم يُنْزل. والمعنى: أن المُنَافِقِين إذا قامُوا إلى الصَّلاةِ، قاموا مُتَثَاقِلِين، لا يُرِيدُون بها الله - تعالى -، فإن رَآهم أحَدٌ، صلَّوا، وإلا انْصَرَفُوا فَلَمْ يُصَلُّوا. قوله: «يُراؤون [النَّاسَ] » في هذه الجُمْلَةِ ثلاثةُ أوجه: أحدُها: أنها حَالٌ من الضَّمير المُسْتَتر في «كُسَالى» . الثاني: أنها بَدَلٌ من «كُسَالَى» ؛ ذكره أبو البقاء، فيكونُ حالاً من فاعل «قَامُوا» وفيه نظر، لأنَّ الثَّاني ليس الأوَل ولا بَعْضَه ولا مُشْتَمِلاً عليه. الثالث: أنها مُستأنفةٌ أخْبر عَنْهم بذلك، وأصلُ يُراؤون: يُرائِيُون، فأعِلَّ كَنَظائره، والجمهور على: «يُراؤون» من المُفاعلةِ. قال الزَّمْخْشَرِيُّ: فإنْ قلت: ما مَعْنَى المراءاة، وهي مُفاعَلَة من الرُّؤيَة؟ قلت: لها وجهان: أحدهما: أنَّ المُرَائِيَ يُريهم عَمَلَه، وهم يُرُونه الاسْتحْسَانَ. والثاني: أن تكُونَ من المُفاعلة بمعنى: التَّفْعِيل، يقال: نعَّمه وناعَمَهُ، وفَنَّقه وفَانَقَه، وعيش مُفَانِق، وروى أبو زَيْد: «رأَّت المَرْأةُ المِرْآة [الرَّجُل] » إذا أمْسكَتْها له ليرى وَجهَه؛ ويدل عليه قراءةُ ابن أبي إسحاق: «يُرَؤّونَهُم» بهمزةٍ مُشَدَّدةٍ مثل: يُدَعُّونهم، أي: يُبَصِّرونهم ويُرَاؤونهم كذلك، يعني: أن قراءةَ: «يُرَؤُّنهم» من غير ألفٍ، بل بهمزةٍ مَضْمُومةٍ مشدَّدَةٍ توضِّح أنَّ المُفاعَلَة هنا بِمَعْنَى التفعيل. قال ابن عَطِيَّة: «وهي - يعني هذه القراءة - أقْوَى من» يُرَاؤُونَ «في المعنى؛ لأنَّ مَعْنَاها يَحْمِلُون النَّاسَ على أنْ يَرَوْهم، ويتظاهَرُون لهم بالصَّلاة ويُبْطنُون النِّفَاقَ» وهذا منه ليس بجيِّد؛ لأنَّ المُفَاعَلة إنْ كَانَت عَلَى بابها، فهي أبْلَغُ لِما عُرِفَ غيرَ مرَّة، وإنْ كانت بِمَعْنَى التفعيل، فهي وَافِيةٌ بالمَعْنَى الذي أرَادَه، وكأنه لم يَعْرِف أنَّ المفاعلة قد تَجِيءُ بمعنى التَّفْعِيل. ومتعلَّقُ المُرَاءاةِ محذُوفٌ؛ لِيَعُمَّ كلَّ ما يُراءى به، والأحْسَن أن تُقَدِّر: يُراؤون النَّاسَ بأعْمَالِهم. قوله: ﴿وَلاَ يَذْكُرُونَ الله إِلاَّ قَلِيلاً﴾ «ولا يَذْكُرُون» ، يجوز أن يكون عَطْفاً على «يُرَاؤُون» ، وأن يكون حالاً من فاعِل «يُراؤُون» وهو ضعيفٌ؛ لأن المُضارع المَنْفِيَّ ب «لا» كالمُثْبَتِ، والمُثْبَتُ إذا وَقَع حالاً، لا يَقْترِنُ بالوَاوِ، فإنْ جَعَلها عَاطِفَةً، جَازَ. وقوله: «قليلاً» : نعتٌ لمصدرٍ محذُوفٍ، أو لزمان مَحْذوفٍ، أي: ذكْراً قليلاً أو زمناً قليلاً، والقلةُ هُنَا على بابها، وجَوَّز الزَّمَخْشَرِيُّ وابن عطِيَّة: أن تكون بِمَعْنَى العَدَم، ويأباه كَوْنُه مُسْتَثْنى، وقد تقدَّم الردُّ عليهمَا في ذَلِكَ. فصل قال ابنْ عبَّاسٍ، والحسن: إنَّما قال ذَلِك؛ لأنَّهمُ يَفْعَلُونها رِيَاءً وسُمْعَة، ولو أرَادُوا بذلك القَلِيل وَجْهَ اللَّه، لكان كَثِيراً، وقال قتادة: إنَّما قلَّ ذكرُ المُنَافِقِين؛ لأنَّ الله لم يَقْبله، وكلّ ما قَبِلَ اللَّه، فهو كَثِيرٌ. وقيل: المعنى: لا يصلّون إلا قَليلاً، [والمُرادُ ب «الذكر» الصَّلاة] ، وقيل: لا يَذْكُرُون اللَّه في جَمِيع الأوقات، سواءً كان وَقْت الصَّلاة أوْ لَمْ يكُن إلاَّ قَلِيلاً نادراً. قال الزَّمَخْشَرِيُّ: [وترى] كثيراً من المُتَظَاهِرِين بالإسْلام، لو صِحِبْتَهُ الأيَّام واللَّيَالي، لَمْ تسمع منه تَهْلِيلَةً، ولكن حَدِيث الدُّنْيَا يَسْتَغْرِقُ به أوْقاته، لا يَفْترُ عَنْه. قوله: «مُذَبْذَبِينَ» : فيه ثلاثةُ أوجهٍ: أحدها: أنه [حالٌ] من فاعل «يراءون» . الثاني: أنه حالٌ من فاعل «وَلاَ يَذْكُرُون» . الثالث: أنه منصوبٌ على الذَّمِّ، والجمهور على «مُذَبْذَبينَ» بميم مضمومة وذَالَيْن معجمتَيْن، ثانيتهما مفتوحةٌ على أنه اسم مفعول، من ذَبْذَبْتُهُ، فَهُوَ مُذَبْذَبٌ، أي: مُتَحَيِّرٌ، وقرأ ابن عبَّاس وعمرو بنُ فائدٍ بكَسْر الذال الثانيةِ اسمَ فاعلٍ، وفيه احتمالان: أحدهما: أنه من «ذَبْذَب» متعدِّياً، فيكونُ مفعولُه محذوفاً، أي: مُذَبْذَبينَ أنْفُسَهُمْ أو دينهُمْ، أو نحو ذلك. الثاني: أنه بمعنى تَفَعْلَل، نحو: «صَلْصَلَ» فيكون قاصراً؛ ويَدُلُّ على هذا الثاني قراءةُ أبَيٍّ، وما في مصحف عبد الله «مُتَذَبْذِبِينَ» فلذلك يُحْتَمَلُ أن تكونَ قراءةُ ابن عبَّاس بمعنى مُتَذَبْذبين، وقرأ الحَسَنُ البصريُّ «مَذَبْذَبِين» بفتح الميم. قال ابن عطيَّة: «وهي مردودةٌ» وقال غيره: لا ينبغي أن تَصِحَّ عنه، واعتذر أبو حيان عنها لأجْلِ فصاحة الحَسَن، واحتجاجِ الناس بكلامه بأنَّ فتْح الميم لأجل إتباعها بحركة الذال؛ قال: «وإذا كانُوا قد أتبعوا في» مِنْتِنٍ «حركة الميم بحركة التاء، مع الحاجز بينهما، وفي نحو» مُنْحَدُر «أتبعوا حركة الدال بحركة الراء حالة الرفع، مع أنَّ حركة الإعراب غيرُ لازمة؛ فلأنْ يُتْبِعُوا في نحو» مَذَبْذَبِينَ «أوْلَى» . [قال شهاب الدين:] وهذا فاسدٌ؛ لأن الإتباع في الأمثلة التي أوردها ونظائِرَها إنما هو إذا كانت الحركةُ قويةً، وهي الضمةُ والكسرةُ، وأمَّا الفتحةُ فخفيفةٌ، فلم يُتْبِعُوا لأجْلها، وقرأ ابن القعقاع بدَالَيْن مُهْملتَيْنِ من الدُّبَّة، وهي الطريقة [الَّتي يُدَبُّ فيها] يقال: «خَلِّني وَدُبَّتِي» أي: طريقَتِي؛ قال: [الطويل] 1894 - طَهَا هُذْرُبَانٌ قَلَّ تَغْمِيضُ عَيْنِهِ ... عَلَى دُبَّةٍ مِثْلِ الْخَنِيفِ المُرَعْبَلِ وفي حديث ابن عبَّاس: «اتَّبِعُوا دُبَّةَ قُرَيْشٍ» ، أي: طَريقَهَا، فالمعنى على هذه القراءة: أن يأخُذَ بهم تارةً دُبَّةً، وتارة دُبَّةً أخرى، فَيَتْبَعُونَ متحيِّرين غيرَ ماضينَ على طريقٍ واحدٍ. ومُذَبْذَبٌ وشبهُه نحْوُ: مُكَبْكَبٍ ومُكَفْكَفٍ؛ مِمَّا ضُعِّفَ أولُه وثانيه، وصَحَّ المعنى بإسقاط ثالثه - فيه مذاهبٌ: أحدها: - وهو قولُ جمهور البصريين -: أنَّ الكلَّ أصولٌ؛ لأنَّ أقلَّ البنية ثلاثةُ أصولٍ، وليس أحدُ المكرَّرين أوْلَى بالزيادةِ من الآخر. الثاني - ويُعْزَى للزجَّاج -: أنَّ ما صَحَّ إسقاطُه زائدٌ. الثالث - وهو قول الكوفيين -: أن الثالث بدلٌ من تضعيف الثاني، ويزعُمُون أن أصل كَفْكَفَ: كَفَّفَ بثلاث فاءات، وذَبْذَبَ: ذَبَّبَ بثلاث ياءات، فاستُثْقِل توالي ثلاثةِ أمثالٍ، فأبْدَلُوا الثالثَ من جنْس الأوَّل، أمَّا إذا لم يَصِحَّ المعنى بحذفِ الثالث، نحو: سِمْسِم وَيُؤيُو وَوَعْوَعٍ؛ فإنَّ الكلَّ يزعمون أصالةَ الجميعِ، والذَّبْذَبَةُ في الأصل: الاضطرَابُ والحركة ومنه سُمِّي الذُّباب؛ لكَثْرة حركَتِه. قال - عليه السلام -: «من وُقي شر قَبْقَبه وذبذبه ولَقْلَقِه وجبت له الجَنَّة» يعني: الذكر يُسَمَّى بذلك لتَذَبْذُبِه، أي: حركته، وقيل التَّذَبْذُب: التَّرَدُّد بين حَالَيْن. قال النابغة: [الطويل] 1895 - ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أعْطَاكَ سُورَةً ... تَرَى كُلَّ مَلْكٍ دُونَهَا يَتَذَبْذَبُ وقال آخر: [الطويل] 1896 - خَيَالٌ لأمِّ السَّلْسَبِيلِ وَدُونَهَا ... مَسِيرَةُ شَهْرٍ للْبَعيرِ المُذَبْذِبِ بكسر الذال الثانية، قال ابنُ جنِّي: «أي: القَلق الذي لا يستقرُّ» ؛ قال الزمخشريُّ: « وحقيقةُ المذبذب الذي يُذَبُّ عن كلا الجانبين، أي: يُذاد ويُدْفع، فلا يقرُّ في جانبٍ واحدٍ، كما يقال: «فُلانٌ يُرْمَى به الرَّحَوانِ» ، إلا أنَّ الذبذبة فيها تكريرٌ ليْسَ في الذَّبِّ، كأنَّ المعنى: كلَّما مالَ إلى جانبٍ ذَبَّ عنه» . قال ابن الأثير في «النهاية» وأصْلُه من الذَّبِّ وهو الطَّرْدُ؛ ومنه قوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «تزوَّجْ وإلاَّ فأنْتَ مِنَ المُذَبْذَبِينَ» أي: المَطْرُودين عن المؤمنين لأنَّكَ لم تَقْتَدِ بهم، وعن الرُّهْبَانِ؛ لأنك تَرَكْتَ طَريقَتَهُم، ويجُوز أن يكُونَ من الأوّل. و «بَيْنَ» معمولٌ لقوله: «مُذَبْذَبِينَ» و «ذَلِكَ» إشارةٌ إلى الكُفْر والإيمانِ المدلولِ عليهما بذكْرِ الكافرين والمؤمنين، ونحو: [الوافر] 1897 - إذا نُهِيَ السَّفِيهُ جَرَى إليه..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... أي: إلى السَّفَهِ؛ لدلالة لفظ السفيه عليه، وقال ابن عطية: «أشر إليه، وإن لم يَجْرِ له ذِكْرٌ؛ لتضمُّن الكلام له؛ نحو: ﴿حتى تَوَارَتْ بالحجاب﴾ [ص: 32] ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: 26] يعني توارتِ الشمسُ، وكُلُّ من على الأرْضِ؛ قال أبو حيان» وليس كذلك، بل تقدَّم ما يدُلُّ عليه «وذكر ما قدَّمْتُه، وأشير ب» ذَلِكَ «وهو مفردٌ لاثنين؛ لما تقدَّم في قوله ﴿وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذلك﴾ [البقرة: 68] . قوله: ﴿لاَ إلى هؤلاء وَلاَ إِلَى هؤلاء﴾ » إِلَى «في الموضعيْنِ متعلقةٌ بمحْذُوف، وذلك المحذوف هو حالٌ حُذِفَ؛ لدلالة المعنى عليه، والتقدير: مُذَبْذَبينَ لا مَنْسُوبينَ إلى هؤلاء ولا منسوبين إلى هؤلاء، فالعاملُ في الحال نَفْسُ» مُذَبْذَبينَ» ، قال أبو البقاء: «وموضعُ ﴿لا إلى هؤلاءِ﴾ نصبٌ على الحالِ من الضمير في مذبذبين، أي: يتذبذبون مُتَلَوِّنينَ» وهذا تفسير معنًى، لا إعراب. فصل قال قتادة: معنى الآيَة: ليْسُوا مُؤمِنين مُخْلصِينَ، فَيَجِبُ لَهُم مَا يجِبُ للمُؤمنين، ولا مُشْرِكين مُصَرِّحِين بالشِّرْكِ. وروى نَافعٌ عن ابن عمر، عن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «مثَلُ المُنَافِقِ كمثلِ [الشَّاةِ] العَائِرَةِ بين الغَنَمَيْن تَعِيرُ إلى هذه مَرَّةً وإلى هَذِه مَرَّة» . فصل في أن الحيرة في الدين بإيجاد الله تعالى استدلُّوا بهذه الآيةِ على أنَّ الحِيرَة في الدِّينِ إنَّما تَحْصُل بإيجَادِ اللَّه - تعالى -؛ لأن قوله: «مُذَبْذَبِينَ» يقتضي فَاعِلاً قد ذَبْذَبَهُم، وصَيَّرَهُم مُتَردِّدِين، وذلك ليس باخْتِيَار العَبْدِ، فإن الإنْسَان إذا وَقَع في قلبه الدَّوَاعِي المُتعَارِضَة، المُوجِبَة للتَّحَيُّر والتَّرَدُّد، فلو أرَادَ أن يَدْفَع ذلك التَّرَدُّد عن نَفْسِه، لم يَقْدِر عليه أصْلاً، ومن تأمَّل في أحْوَالِهِ عَلِمَ ذلك، وإذا ثَبَت أنَّ تِلْكَ الذَّبْذَبَة لا بُدَّ لها من فاعلٍ، وأن فاعِلَها لَيْس هو العَبْدُ؛ ثبت أنَّ فَاعِلَهَا هو اللَّه - تعالى -. فإن قيل: قوله - تعالى -: ﴿لاَ إلى هؤلاء وَلاَ إِلَى هؤلاء﴾ يقتضي ذَمَّهُم على تَرْكِ طَريقَةِ المُؤمنين، وطريقَة الكُفَّار؛ والذَّمُّ على تَرْكِ طريقِ الكُفَّارِ غير جَائِزٍ. فالجواب: أنَّ طريقة الكُفَّار وإن كانت خَبِيثَةً، إلا أن طريقَةَ النِّفَاقِ أخْبَثُ منها؛ ولذلك فإن الله - تعالى - ذم الكُفَّار في أوَّل سُورَةِ البَقَرَةِ في آيتين، وذمَّ المُنافِقِين في تِسْعَ عَشْرَة آية، وما ذَلِك إلا لأن طَرِيقَة النِّفَاقِ أخْبَثُ من طَرِيقَةِ الكُفَّارِ، فهو - تعالى - لم يَذُمَّهم على تَرْكِ الكُفْرِ، بل لأنَّهُم عَدَلُوا عن الكُفْرِ إلى مَا هُو أخْبَثُ من الكُفْرِ. قوله: ﴿وَمَن يُضْلِلِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ أي: طَرِيقاً إلى الهُدَى. واسْتَدَلوا بهذه الآيَة على مَسْألتيْنِ: الأولَى: أن تلك الذَّبْذَبَة من اللَّه - تعالى -، وإلا لَمْ يتَّصِلْ هذا الكلام بما قَبْلَهُ. الثانية: أنه صَريحٌ في أن اللَّه - تعالى - أضَلَّهُم عن الدِّينِ. قالت المعتزلة: فمعنى هذا الإضلالِ: أنه عِبَارةٌ عن حُكْم اللَّه - تعالى - عَلَيْهِ بالضَّلالِ، أو أنَّه - تعالى - يُضِلُّه يوم القيامة عن طريق الجَنَّة، وقد تقدَّم مثل ذَلِك.