Lafzullah

Al Lubab fi Ulum Al Kitab — المائدة 5:106 – المائدة 5:120

المؤلف / المصدر: Al Lubab fi Ulum Al Kitab

المحتويات
  1. المائدة 5:106
  2. المائدة 5:107
  3. المائدة 5:108
  4. المائدة 5:109
  5. المائدة 5:110
  6. المائدة 5:111
  7. المائدة 5:112
  8. المائدة 5:113
  9. المائدة 5:114
  10. المائدة 5:115
  11. المائدة 5:116
  12. المائدة 5:117
  13. المائدة 5:118
  14. المائدة 5:119
  15. المائدة 5:120

المائدة 5:106

لَمَّا أمَر اللَّه تعالى بِحِفْظِ النَّفْسِ في قوله «عَلَيْكُمْ أنْفُسَكُمْ» ، أمر بِحفْظِ المالِ في هذه الآية. قال القُرْطُبِي: وردَ لَفْظُ الشَّهَادة في القُرآنَ على أنْوَاع مُخْتَلِفَةٍ: الأول: بِمَعْنَى الحُضُور، قال تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185] . الثاني: بمعنى قَضَى، أي: أعلم قال تعالى: ﴿شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ هُوَ﴾ [آل عمران: 18] . قال أبو عُبَيْدَة: الثالث: بمعنى أقرَّ، قال تعالى: ﴿والملاائكة يَشْهَدُونَ﴾ [النساء: 166] . الرابع: شَهِدَ بمعنى حَكَم، قال تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ﴾ [يوسف: 26] . الخامس: شَهِدَ بمعنى حَلَف، قال تعالى ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ [النور: 6] أي: أنْ يَشْهَدَ أرْبَع شَهَادَاتٍ باللَّهِ. السادس: شَهِدَ بمعنى وصَّى، قال تعالى: ﴿يِا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت﴾ ، وقيل مَعْنَاهَا هنا الحُضُور للوصيَّة، يقال: «شَهِدْتُ وصيَّةَ فلانٍ» أي: حَضَرْتُ، وذهَب الطَّبَري إلى أنَّ الشَّهَادةَ بِمَعْنَى اليمين، فيكُونُ المَعْنَى: يَمِينُ مَا بَيْنَكُم أنْ يَحْلِفَ اثْنَان، ويَدُلُّ على ذَلِك، أنَّهُ يُعْلَمُ للَّه حُكْم يَجِبُ فيه على الشَّاهِدِ يَمِينٌ، وهذا القَوْلُ اخْتَارَهُ القَفَّال، وسُمِّيتِ اليَمِينُ شَهَادَة؛ لأنَّها يثبت بِهَا الحُكْمُ بِمَا يَثْبُتُ بالشَّهَادَةِ، واخْتَارَ ابْنُ عَطِيَّة هُنَا أنَّهَا الشَّهَادة التي تُحْفَظُ فَتُؤدَّى. فصل في سبب نزول الآية وسبَبُ نُزُولِها مَا رُوِي: أنَّ تَمِيمَ بن أوْسٍ الدَّارِيِّ وعَدِيّ بن زَيْدٍ كَانَا نَصْرانيينِ، خرجا من المدينةِ إلى الشَّامِ للتِّجَارَة، ومَعهُمَا بديل مَوْلَى عَمْرو بن العَاص، وكان مُسْلِماً مُهَاجراً، فلمَّا قَدِمُوا إلى الشَّام مَرِضَ بَدِيل، فكَتَبَ كِتَاباً فيه جَمِيعُ ما مَعَهُ من المَتَاعِ، وألْقَاهُ في جَوَالِق، ولم يُخبِر صَاحِبَيْه بِذلِك، فلمَّا اشْتَدّ مَرَضُهُ، أوْصَى إلى تَميم وعَدِيّ، وأَمَرَهُمَا أن يَدْفَعَا مَتَاعهُ إذا رجعا إلى أهْلِهِ، ومات «بَدِيل» فَفَتَّشَا متَاعَهُ، وأخَذَا مِنْهُ إناء فضَّةٍ مَنْقُوشاً بالذَّهَبِ، فيه ثلاثمائَةِ مِثْقَالٍ من فِضَّةٍ فغيَّبَاه، ثم قَضَيَا حَاجَتَهُمَا وانْصَرَفا إلى المدينةِ، فَدَفَعا المتاع إلى أهْلِ البَيْتِ، فَفَتَّشُوا وأصَابُوا الصَّحِيفَة، فيها تَسْمِيَةُ ما كان مَعَهُ، فَجَاءوا تَمِيماً وعَدِيًّا، فقالُوا: هل باع صَاحِبُنَا شَيْئاً من مَتَاعِهِ؟ قالاَ: لاَ، قالوا: فهل اتَّجَرَ تِجَارَةً؟ قَالاَ: لاَ، قالُوا: فَهَلْ طَالَ مَرَضُهُ فأنْفَقَ عَلَى نَفْسِهِ؟ قالاَ: لاَ، فقالُوا: إنَّا وَجَدْنَا في متاعِهِ صَحِيفَةً فيها تَسْمِيَةُ ما مَعَهُ، وإنَّا قَدْ فَقَدْنَا منها إنَاءً من فِضَّةٍ مُمَوَّهاً بالذَّهِبِ، فيه ثلاثمائَةِ مِثْقَالٍ فِضَّة فقالا: ما نَدْري، إنَّما أوْصَى لنا بِشَيْء، وأمَرَنَا أن نَدْفعه إلَيْكم فَدَفَعْنَاه، وما لنا عِلْمٌ بالإنَاء، فاخْتَصَمُوا إلى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فأصَرَّا على الإنْكَار، وحَلَفَا فأنْزَلَ اللَّهُ هذه الآية. قوله تعالى: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ : هذه الآية وما بعدها من أشْكَلِ القُرآنِ حُكْماً وإعْراباً وتَفْسيراً، ولم يَزَلِ العلماءُ يستشكلُونَها حتى قال مكيُّ بنُ أبي طالبٍ في كتابه المسمَّى ب «الكشف» : «هذه الآيةُ في قراءاتها وإعرابها وتفسيرها ومعانيها وأحكامها من أصْعَب آي في القُرْآن وأشْكلِها، قال: ويحتملُ أن يُبْسَطَ ما فيها من العلوم في ثلاثينَ ورقةً أو أكثر» ؛ قال: «وقد ذكرنَاهَا مشروحةً في كتاب مفردٍ» ، وقال ابن عطية: «وهذا كلامُ من لم يَقَعْ له الثَّلَجُ في تَفْسيرها، وذلك بَيِّنٌ من كتابه» ، وقال السَّخَاوِيُّ: «لم أر أحداً من العلماء تَخَلَّصَ كلامُه فيها من أولها إلى آخرها» ، وقال الواحديُّ: «وهذه الآية وما بعدها من أعوص ما في القرآن معنًى وإعراباً وتفسيراً» قال شهاب الدين: وأنا أستعينُ الله تعالى في توجيه إعرابها واشتقاق مفرداتها وتصريف كلماتها وقراءاتها ومعرفةِ تأليفها مِمَّا يختصُّ بهذا الموضوع، وبالله الحول والقوة. قرأ الجمهورُ «شَهَادَة بَيْنِكُمْ» برفع «شَهَادةُ» مضافةً ل «بَيْنِكُمْ» ، وقرأ الحسنُ والأعرجُ والشَّعْبِيُّ برفعها منوَّنةً «بَيْنَكُمْ» نصباً، والسُّلَميُّ والحسنُ والأعرجُ - في رواية عنهما -: «شَهَادَةً» منونَّةً منصوبة، «بَيْنَكُمْ» نصباً، فأمَّا قراءة الجمهور، ففي تخريجها خمسةُ أوجه: أحدها: أنها مرفوعةٌ بالابتداءِ، وخبرُها «اثْنَانِ» ، ولا بدَّ على هذا الوجه من حذفِ مضافٍ: إمَّا من الأوَّل، وإمَّا من الثاني، فتقديرُه من الأول: ذَوَا شَهَادَةِ بَيْنكُمُ اثنانِ، أي صَاحِبَا شهادةِ بينكم اثنانِ، وتقديرُه من الثاني: شهادةُ بينكم شهادةُ اثنين، وإنما اضطررْنا إلى حذفٍ من الأول أو الثاني ليتصادقَ المبتدأ والخبرُ على شيءٍ واحدٍ؛ لأنَّ الشهادة معنًى، والاثنان جُثَّتَانِ، ولا يجيء التقديران المذكورانِ في نحو: «زَيْدٌ عَدْلٌ» وهما جعله نفس المصدرِ مبالغةً أو وقوعُه موقع اسم الفاعل؛ لأنَّ المعنى يَأبَاهُمَا هنا، إلا أنَّ الواحديَّ نقل عن صاحب «النَّظْم» ؛ أنه قال: «شَهَادَة» مصدرٌ وُضِع مَوْضِعَ الأسْمَاء. يريدُ بالشهادة الشهود؛ كما يقال: رَجُلٌ عَدْلٌ ورِضاً، ورجالٌ عَدْلٌ ورِضاً وزَوْر، وإذا قَدَّرْتها بمعنى الشُّهُود، كان على حذف المضاف، ويكون المعنى: عدَّة شهودٍ بينكم اثنانِ، واستشهد بقوله: ﴿الحج أَشْهُرٌ﴾ [البقرة: 197] ، أي: وقتَ الحجِّ، ولولا ذلك لنصب أشهراً على تأويل: «الحَجُّ في أشْهُرٍ» ، فعلى ظاهر هذا أنه جعل المصدر نفس الشهود مبالغةً، ولذلك مثله ب «رِجَال عَدْل» ، وفيه نظر. الثاني: أن ترتفع على أنها مبتدأ أيضاً، وخبرها محذوفٌ يَدُلُّ عليه سياقُ الكلام، و «اثْنَان» على هذا مرتفعان بالمصدر الذي هو «شهادة» ، والتقدير: فيما فَرَضَ عليْكُمْ أن يشهد اثْنَانِ، كذا قدَّره الزمخشريُّ وهو أحد قولي الزَّجَّاج، وهو ظاهرٌ جدًّا، و «إذَا» على هذين الوجهين ظرف ل «شَهَادَةُ» ، أي ليُشْهَد وقتُ الموت - أي أسبابه - و «حِينَ الوصيَّةِ» على هذه الأوجه؛ فيه ثلاثة أوجه: أوجهها: أنه بدلٌ من «إذَا» ، ولم يذكر الزمخشريُّ غيره، قال: «وفي إبداله منه دليلٌ على وجوب الوصية» . الثاني: أنه منصوبٌ بنَفْسِ الموت، أي: يقع المَوْتُ وقْتَ الوصية، ولا بُدَّ من تأويله بأسباب الموت؛ لأنَّ وقتَ الموتِ الحقيقيِّ لا وصيةَ فيه. الثالث: أنه منصوبٌ ب «حَضَرَ» ، أي: حَضَر أسباب الموتِ حين الوصيَّة. الثالث: أنَّ «شَهَادَةُ» مبتدأ، وخبره: «إذَا حضَر» ، أي: وقوعُ الشهادة في وقتِ حضُورِ الموتِ، و «حِينَ» على ما تقدَّم فيه من الأوجه الثلاثة آنفاً، ولا يجوزُ فيه، والحالةُ هذه: أن يكون ظرفاً للشهادة؛ لئلا يلزمَ الإخبارُ عن الموصول قبل تمامِ صلته، وهو لا يجوزُ؛ لما مرَّ، ولمَّا ذكر أبو حيَّان هذا الوجه، لم يستدركْ هذا، وهو عجيبٌ منه. الرابع: أنَّ «شَهَادَةُ» مبتدأ، وخبرُها «حِين الوصيَّةِ» ، و «إذَا» على هذا منصوبٌ بالشَّهَادَةِ، ولا يجوز أن ينتصب ب «الوصيَّة» ، وإن كان المعنى عليه؛ لأنَّ المصدر المؤوَّلَ لا يَسْبقه معمولُه عند البصريِّين، ولو كان ظرفاً، وأيضاً: فإنه يلزمُ منه تقديمُ المضافِ إليه على المضافِ؛ لأن تقديم المعمول يُؤذِنُ بتقديمِ العامل، والعاملُ لا يتقدَّم، فكذا معمولُه، ولم يجوِّزوا تقديم معمُولِ المضافِ إلَيْه على المضاف إلا في مسألة واحدة، وهي: إذا كان المضافُ لفظةَ «غَيْر» ؛ وأنشدوا: [البسيط] 2061 - إنَّ امْرَأ خَصَّنِي عَمْداً مَوَدَّتَهُ ... عَلَى التَّنَائِي لِعِنْدِي غَيْرُ مَكْفُورِ ف «عِنْدِي» منصوبٌ ب «مَكفُور» ؛ قالوا: لأنَّ «غَيْر» بمنزلة «لاَ» ، و «لاَ» يجوزُ تقديمُ معمولِ ما بعدها عليها، وقد ذكر الزمخشريُّ ذلك آخرَ الفاتحةِ، وذكر أنه يجوزُ «أنَا زَيْداً غَيْرُ ضَارِبٍ» دون «أنَا زَيْداً مِثْلُ ضَارِبٍ» ، و «اثنان» على هذين الوجهين الأخيرين يرتفعان على أحد وجهين: إمَّا الفاعلية أي: «يَشْهَدُ اثْنَانِ» يدل عليه لفظ «شَهَادة» ، وإمَّا على خبر مبتدأ محذوف مدلولٍ عليه ب «شهادة» أيضاً أي: الشاهدان اثنان. الخامس: أنَّ «شهَادَةُ» مُبْتدأ، و «اثْنَانِ» فاعلٌ سدَّ مَسدَّ الخبَر، ذكره أبُو البقاء وغيره، وهو مذهبُ الفرَّاء، إلا أنَّ الفرَّاء قدَّر الشَّهادةَ واقِعةً موقعَ فِعْلِ الأمْر؛ كأنه قال: «لِيَشْهَدِ اثْنَانِ» ، فجعلُه من باب نِيَابةِ المصْدَرِ عن فِعْل الطَّلَبِ، وهو مثل «الحَمْدُ لله» و ﴿قَالَ سَلاَمٌ﴾ [هود: 69] ؛ من حيث المعنى، وهذا مذهبٌ ضعيفٌ ردَّه النَّحْوِيُّون، ويخصُّون ذلك بالوصْفِ المعتمد على نَفْيٍ أو استفهامٍ؛ نحو: «أقَائِمٌ أبَواكَ» وعلى هذا المذهب ف «إذَا» و «حِينَ» ظرفان مَنْصُوبان على ما تقرَّر فيهمَا في غير هذا الوجه؛ وقد تَحَصَّلْنا فيما تقدَّم أنَّ رفع «شَهَادَةُ» من وجْهِ واحدٍ؛ وهو الابتداءُ، وفي خبرها خَمْسَة أوجه تقدَّم ذكرُها مُفَصَّلَةً، وأنَّ رفع «اثْنَان» من خَمْسة أوْجُه: الأول: كونه خَبَراً ل «شَهَادَةُ» بالتَّأويل المذكُور. الثاني: أنه فاعلٌ ب «شَهَادَةُ» . الثالث: أنه فاعلٌ ب «يَشْهَدُ» مقدَّراً. الرابع: أنه خبر مُبْتدأ، أي: الشَّاهدان اثْنَانِ. الخامس: أنه فاعلٌ سَدَّ مسدَّ الخبر، وأنَّ في «إذَا» وجهين: إمَّا النَّصْبَ على الظرفيَّة، وإمَّا الرفع على الخَبَرِيَّة ل «شَهَادَةُ» ، وكل هذا بَيِّنٌ مما لَخَّصْتُه قبلُ، وقراءةُ الحسن برفعها منونةً تتوجه بما تقدَّم في قراءة الجُمْهور من غير فَرْقٍ. وأمَّا قراءةُ النصبِ، ففيها ثلاثةُ أوجهٍ: أحدها - وإليه ذهب ابن جنِّي -: أنها منصوبةٌ بفعل مضمرٍ، و «اثْنَان» مرفوعٌ بذلك الفعل، والتقدير: ليُقِمْ شهادةَ بَيْنكُمُ اثْنَانِ، وتبعه الزمخشريُّ. وقد ردَّ أبو حيان هذا؛ بأن حذف الفعل وإبقاء فاعله، لم يُجِزْهُ النحويون، إلا أن يُشْعِرَ به ما قبله؛ كقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والآصال رِجَالٌ﴾ [النور: 36 - 37] في قراءة ابن عامر وأبي بَكْرٍ، أي: يُسَبِّحُهُ رجال؛ ومثله: [الطويل] 2062 - لِيُبْكَ يَزِيدُ ضَارعٌ لِخُصُومَةٍ ... ومُخْتَبِطٌ مِمَّا تُطِيحُ الطَّوائِحُ وفيه خلافٌ: هل يَنْقاسَ أو لا؟ أو يُجَابَ به نَفْيٌ؛ كقوله: [الطويل] 2063 - تَجَلَّدْتَ حَتَّى قِيلَ: لَمْ يَعْرُ قَلْبَهُ ... مِنَ الوَجْدِ شَيْءٌ قُلْتُ: بَلْ أعْظَمُ الوَجْدِ أي: بَلْ عراه أعظمُ الوجْدِ، وما نحْنُ فيه ليس من الأشياء الثلاثة. الثاني: أن «شَهَادَةً» بدل من اللفظ بفعل، أي: إنها مصدر ناب مناب الفعلِ، فيعملُ عملَه، والتقدير: لِيَشْهد اثْنَانِ، ف «اثْنَانِ» فاعل بالمصدر، لنيابته منابَ الفعلِ، أو بذلك الفعلِ المحذوفِ، على حسبِ الخلاف في أصل المسألة، وإنما قدَّرْتُه «لِيَشْهَدِ اثْنَانِ» ، فأتيتُ به فعلاً مضارعاً مقروناً بلام الأمر، ولم أقدِّرْهُ فِعْلَ أمر بصيغة «افْعَلْ» ؛ كما يُقَدِّرُه النحويُّون في نحو: «ضَرْباً زَيْداً» ، أي: «اضْرِبْ» لأنَّ هذا قد رفع ظاهراً وهو «اثنانِ» ، وصيغةُ «افْعَلْ» لا ترفع إلا ضميراً مستتراً إن كان المأمور واحداً؛ ومثلُه قوله: [الطويل] 2065 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ..... فَنَدْلاً زُرَيْقُ المَالَ نَدْلَ الثَّعَالِبِ ف «زُرَيْقُ» يجوز أن يكون منادًى، أي: يا زُرَيْقُ، والثاني: أنه مرفوع ب «نَدْلاً» على أنه واقعٌ «لِيَنْدَلْ» ، وإنما حُذِف تنوينه؛ لالتقاء الساكنين؛ على حَدِّ قوله: [الطويل] 2066 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ..... وَلاَ ذَاكِرَ اللَّهَ إلاَّ قَلِيلا الثالث: أنَّ «شَهَادَةً» بدل من اللفظ بفعلٍ أيضاً، إلا أنَّ هذا الفعل خبريٌّ، وإن كان أقلَّ من الطلبيِّ، نحو: «حَمْداً وشُكْراً لا كُفْراً» ، و «اثْنَانِ» أيضاً فاعلٌ به، تقديرُه: يَشْهَدُ شَهَادَةً اثنانِ، وهذا أحسنُ التخاريجِ المذكُورة في قولِ امرئ القيس: [الطويل] 2067 - وُقُوفاً بِهَا صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيَّهُمْ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... «وُقُوفاً» مصدرٌ بدلٌ من فعلٍ خبريٍّ رفع «صَحْبِي» ونصب «مَطِيَّهُمْ» تقديره: وقف صَحْبِي، وقد تقدَّم أنَّ الفرَّاء في قراءة الرفع قدَّرَ أن «شَهَادَة» واقعةٌ موقع فعلٍ، وارتفع «اثْنَان» بها، وقد تقدم أنَّ ذلك يجوز أن يكون مِمَّا سَدَّ فيه الفاعل مسدَّ الخبر، و «بَيْنَكُمْ» في قراءةِ مَنْ نوَّن «شَهَادَة» نصبٌ على الظرف، وهي واضحةٌ. وأمَّا قراءةُ الجرِّ فيها، فَمِنْ باب الاتِّساعِ في الظُّروفِ، أي: بجعل الظرفِ كأنه مفعولٌ لذلك الفعلِ، ومثله: ﴿هذا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: 78] وكقوله تعالى: ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: 94] فيمن رفع، قال أبو حيان: «وقال الماتُرِيديُّ - وتبعه الرازيُّ -: إنَّ الأصلَ» مَا بَيْنَكُمْ «فحذف» مَا» ، قال الرازيُّ: و «بَيْنَكُمْ» كنايةٌ عن التنازُعِ؛ لأنه إنما يُحْتَاجُ إلى الشهود عند التنازع، وحَذْفُ» مَا «جائزٌ عند ظهوره؛ ونظيرُه كقوله تعالى: ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: 94] في قراءة مَنْ نصب» قال أبو حيان: «وحَذفُ» مَا «الموصولةِ غيرُ جائز عند البصريِّين، ومع الإضافة لا يَصِحُّ تقديرُ» مَا «ألبتة، وليس قوله ﴿هذا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: 78] نظيرَ ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: 94] لأن هذا مضافٌ، وذلك باقٍ على ظرفيته فيُتَخَيَّلُ فيه حَذْفُ» مَا» ؛ بخلاف ﴿هذا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: 78] و «شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ» ؛ فإنه لا يُتَخَيَّلُ فيه تقديرُ «مَا» ؛ لأنَّ الإضافة أخْرَجَتْهُ عن الظرفيَّة وصَيَّرَتْهُ مفعولاً به على السَّعَة» ، قال شهاب الدين: هذا الذي نقله الشيخ عنهما قاله أبو عليٍّ الجُرْجَانِيُّ بعينه، قال - رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى -: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ ، أي: ما بَيْنكُمْ، و «مَا بَيْنَكُمْ» كنايةٌ عن التنازُع والتشاجر، ثم أضافَ الشهادة إلى التنازعِ؛ لأن الشهودَ إنَّما يُحْتَاجُ إليهم في التنازُعِ الواقعِ فيما بين القوم، والعربُ تُضيفُ الشيْءَ إلى الشيءِ، إذا كان منه بسبب؛ كقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ [الرحمن: 46] ، أي: مقامه بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ، والعربُ تَحْذِفُ كثيراً ذكر «مَا» و «مَنْ» في الموضِعِ الذي يُحْتَاجُ إليهما فيه؛ كقوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ﴾ [الإنسان: 20] أي: ما ثَمَّ، وكقوله: ﴿هذا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: 78] و ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: 94] أي ما بَيْنِي، ومَا بَيْنَكُمْ، وقول أبي حَيَّان «لا يُتَخَيَّل فيه تقديرُ» مَا «إلى آخره» ممنوعٌ؛ لانَّ حالة الإضافة لا تَجْعَلُها صلةً للموصول المحذوف، ولا يَلْزمُ من ذلك: أنْ تُقَدِّرَها من حيث المعنى، لا من حيث الإعرابُ؛ نظراً إلى الأصْلِ، وأمَّا حَذْفُ الموصُولِ، فقد تقدَّم تحقيقُه. فصل واخْتَلَفُوا في هَاتَيْن الآيتين، فقالَ قَوْمٌ: هما الشَّاهِدِانِ يَشْهَدَان على وِصيَّةٍ. وقال غَيْرُهُم: هُمَا الوصيَّان؛ لأنَّ الآيَة نَزَلَتْ فيهما؛ ولأنَّه قال: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصلاة فَيُقْسِمَانِ﴾ ، ولا يَلْزَمُ الشَّاهِدُ يَمِين، وجَعَلَ الوَصِيَّ اثْنَيْن تَأكيداً، فعلى هذا تكُونُ الشَّهَادَةُ بِمَعْنَى: الحُضُور، كقولك: «شَهِدْتُ وصيَّة فُلانٍ» ، بِمَعْنَى: حَضَرتُ وشَهِدْتُ العَيْن، وقوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ المؤمنين﴾ [النور: 2] يُريدُ الحُضُور. فصل وقوله: «ذَوا» صفةٌ لاثنين، أي: صاحِبَا عدْلٍ، وكذلك قوله «مِنْكُمْ» صفة أيضاً لاثنين، وقوله: «أوْ آخَرَانِ» نسقٌ على اثنين، و «مِنْ غَيْرِكُمْ» صفةٌ لآخَرَيْنِ، والمراد ب «مِنْكُمْ» من قرابتكم وعترَتِكُم، ومن غيركم من المسلمين الأجانب، وقيل: «مِنْكُمْ» من أهل دينكم، و «مِنْ غَيْرِكُمْ» من أهل الذمة، ورجَّح النحَّاسُ الأولَ، فقال: «هذا يَنْبَنِي على معنًى غامضٍ في العربية، وذلك أنَّ معنى» آخَرَ «في العربية من جنْسِ الأوَّلِ تقولُ:» مَرَرْتُ بِكَرِيمٍ وكَرِيمٍ آخَرَ «ولا يجوز» وخَسِيسٍ آخَرَ «ولا:» مَرَرْتُ بِحِمَارٍ ورَجُلٍ آخَرَ» ، فكذا هاهنا يجب أن يكون «أو آخَرَانِ» : أو عَدْلاَن آخَرَان، والكفارُ لا يكونونَ عُدُولاً» وردَّ أبو حيان ذلك؛ فقال: «أمَّا ما ذكرَهُ من المُثُلِ، فصحيحٌ؛ لأنه مثَّل بتأخير» آخَرَ «، وجعله صفةً لغير جنسِ الأوَّل، وأمَّا الآيةُ، فمن قبيل ما يُقدَّم فيه» آخَر «على الوصف، واندرج» آخَر «في الجنْس الذي قبله، ولا يُعْتَبَرُ وصْفُ جنس الأول، تقول:» مَرَرْتُ بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ وآخَرَ كَافِرٍ، واشْتَرَيْتُ فَرَساً سَابِقاً، وآخَرَ بَطِيئاً «، ولو أخَّرْتَ» آخَرَ «في هذين المثالين، فقلت:» مَرَرْتُ بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ كَافِرٍ آخَرَ «، لم يَجُزْ، وليس الآيةُ من هذا؛ لأن تركيبها ﴿اثنان ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ ف» آخَرَانِ «من جنسِ قوله» اثْنَانِ» ، ولا سيما إذا قَدَّرْته: «رَجُلانِ اثْنَانِ» ف» آخَرَانِ «هما من جنْس قوله» رَجُلانِ اثْنَانِ» ، ولا يُعْتَبَرُ وصف قوله: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ ، وإن كان مغايراً لقوله «مِنْ غَيْركُمْ» ، كما لا يُعتبر وصفُ الجنْسِ في قولك: «عِنْدِي رَجُلانِ اثْنَانِ مُسْلِمَانِ وآخَرَانِ كَافِرَانِ» ؛ إذ ليس من شرطِ» آخَرَ «إذا تقدَّم أن يكون من جنْس الأول بقيدِ وصفه، وعلى ما ذكرته جاء لسانُ العربِ؛ قال الشاعر: [البسيط] 2068 - كَانُوا فَرِيقَيْنِ يُصْفُونَ الزِّجَاجَ عَلَى ... قُعْسِ الكَوَاهِلِ في أشْدَاقِهَا ضَخَمُ وآخرِينَ تَرَى المَاذِيَّ فَوْقَهُمُ ... مِنْ نَسْجِ دَاوُدَ أوْ مَا أوْرَثَتْ إرَمُ التقديرُ: كانوا فريقين: فريقاً - أو ناساً - يُصْفُونَ الزجاج، ثم قال:» وآخرين تَرَى الماذِيَّ، ف» آخَرِينَ «من جنْس قولك» فَرِيقاً» ، ولم يعتبره بوصفه بقوله «يُصْفُونَ الزِّجاج» ؛ لأنه قَسَّم من ذكر إلى قسمين متباينين بالوصف متحدين بالجنْسِ» ، قال: «وهذا الفرقُ قَلَّ مَنْ يَفْهَمُهُ؛ فَضْلاً عَمَّنْ يَعْرفُهُ» . وقوله: «أو» الظاهرُ أنها للتخْيير، وهو واضحٌ على القول بأن معنى «مِنْ غَيْرِكُمْ» : مِنْ غير أقارِبكُمْ من المسلمين، يعني: المُوصِي مُخَيَّرٌ بيْنَ أنْ يُشْهِدَ اثنَيْنِ من أقاربه، أو من الاجانب المسلمين وقيل: «أوْ» للترتيب: أي: لا يُعْدَلُ عن شاهدين منْكُمْ إلا عِنْدَ فَقْدِهِمَا، وهذا لا يجيءُ إلا إذا قلنا: «مِنْ غَيْرِكُمْ» : من غير أهْلِ مِلَّتِكُمْ. قوله: «إن أنْتُمْ» «أنْتُمْ» مرفوعٌ بمحذوفٍ يفسِّره ما بعده، وهي مسألة الاشتغالِ، والتقديرُ: إنْ ضَرَبْتمْ، فلما حُذِفَ الفعلُ، انفصلَ الضميرُ، وهذا مذهبُ جمهور البصريِّين، وذهب الأخْفَشُ منهم والكوفيُّون إلى جواز وقوعِ المبتدأ بعد «إن» الشرطيَّةِ؛ كما أجازوه بعد «إذَا» أيضاً، ف «ضَرَبْتُمْ» لا محلَّ له عند الجمهور؛ لكونه مفسِّراً، ومحلُّه الرفعُ عند الكوفيين والأخفش؛ لكونه خبراً؛ ونحوه: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ المشركين استجارك﴾ [التوبة: 6] ، ﴿إِذَا الشمس كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: 1] . وجوابُ الشرط محذوفٌ يدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿اثنان ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ﴾ ، ولكنَّ تقدير هذا الجوابِ يتوقَّف على خلافٍ في هذا الشرط: هل هو قيدٌ في أصْلِ الشهادة، أو قيدٌ في ﴿آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ فقط؟ بمعنى: أنه لا يجوزُ العدولُ في الشهادة على الوصيَّة إلى أهلِ الذمةِ، إلا بشَرْطِ الضرب في الأرض، وهو السفر، فإن قيل: هو شرطٌ في أصْلِ الشهادةِ، فتقديرُ الجواب: إنْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ، فليشهد اثنانِ منْكُمْ أو من غَيْرِكُمْ، وإنْ كان شرطاً في العدُولِ إلى آخَرَيْنِ من غير الملَّة، فالتقدير: فأشْهِدُوا آخَرَيْنِ من غَيْركم، أو فالشاهِدُ آخَرَانِ من غَيْرِكُمْ، فقد ظهر أنَّ الدَّالَّ على جوابِ الشرط: إمَّا مجموعُ قوله: «اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ ... إلى آخره» على القولِ الأوَّل، وإمَّا ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ فقط على القولِ الثاني. والفاء في «فَأصَابتكم» عاطفةٌ هذه الجملة على نَفْسِ الشرط، وقوله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصلاة﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنها في محلِّ رفع صفة ل «آخَرَانِ» ؛ وعلى هذا: فالجملةُ الشرطيةُ وما عُطِفَ عليها معترضةٌ بين الصفةِ وموصوفها؛ فإنَّ قوله «تَحْبسُونَهُمَا» صفةٌ لقوله «آخَرَانِ» ، وإلى هذا ذهب الفارسيُّ، ومكِّي بنُ أبِي طالبٍ، والحُوفيُّ، وأبو البقاء، وابن عطيَّة، وقد أوضحَ الفارسيُّ ذلك بعبارةٍ خاصَّةٍ، فقال: «تَحْبِسُونَهُمَا» صفة ل «آخَرَانِ» واعترض بقوله: ﴿إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأرض﴾ ، وأفاد الاعتراضُ: أنَّ العُدولَ إلى آخرين من غير المِلَّة، أو القرابة حَسَبَ اختلافِ العُلَمَاء فيه؛ إنما يكون مع ضرورة السَّفَر، وحلول المَوْت فيه، واستغني عن جواب «إنْ» ؛ لِما تقدَّم في قوله ﴿آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ ، فقد ظهر من كلامه: أنه يجعلُ الشرط قيداً في ﴿آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ فقط لا قيداً في أصْلِ الشهادة، فتقديرُ الجوابِ على رأيه؛ كما تقدَّم: «فاسْتَشْهِدُوا آخَرَيْن مِنْ غَيْرِكُمْ» أو «فالشَّاهِدَانِ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ» . والثاني: أنه لا محلَّ له؛ لاستئنافهِ، وإليه ذهب الزمخشريُّ؛ قال: «فإنْ قلت: ما موقعُ قوله:» تَحْبِسُونَهُمَا «؟ قلتُ: هو استئنافُ كلام، كأنه قيل بعد اشتراطِ العدالةِ فيهما: فكيفَ نَعْمَلُ، إن ارتَبْنَا فيهمَا؟ فقيل: تَحْبِسُونَهُمَا» ، وهذا الذي ذكره الزمخشريُّ أوفقُ للصناعة؛ لأنه يلزمُ في الأوَّل الفصْلُ بكلام طويلٍ بين الصفة وموصوفها، وقال: «بعد اشتراط العدالة» ؛ بناءً على مختاره في قوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ ، أي: أو عَدْلانِ آخرانِ من الأجانب. قال أبو حيان: «في قوله:» إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُْ «إلى آخره التفاتٌ من الغيبة إلى الخطاب، إذ لو جرى على لفظ ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت﴾ ، لكان التركيب: إنْ هو ضَرَبَ في الأرْضِ، فأصابته، وإنما جاء الالتفاتُ جمعاً؛ لأنَّ» أحَدَكُمْ «معناه: إذا حضَرَ كُلَّ واحدٍ منكم المَوْتُ» ، وفيه نظرٌ؛ لأن الخطاب جارٍ على أسلوب الخطابِ الأوَّل من قوله: ﴿يِا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ إلى آخره، وقال ابن عبَّاس: «في الكلام حذفٌ، تقديرُه: فأصابتْكُمْ مصيبةُ الموتِ، وقد أشهدتُموهُمَا على الإيصاء» ، وعن سعيد بن جُبير: تقديره «وقد أُوصيتُم» ، قال بعضُهُم: «هذا أوْلَى؛ لأنَّ الوَصِيَّ يَحْلِفُ، والشَّاهدَ لا يَحْلِفُ» . والخطابُ في «تَحْبِسُونَهُمَا» لولاةِ الأمور لا لِمَنْ خُوطِبَ بإصابته المَوْتَ؛ لأنه يتعذَّر ذلك فيه، و «مِنْ بَعْدِ» متعلِّق ب «تَحْبِسُونَهُمَا» ، ومعنى الحَبْسِ: المنعُ، يقال: حَبَسْتُ وأحْبَسْتُ فَرَسِي في سبيلِ الله، فَهُوَ مُحْبَسٌ وحَبِيسٌ، ويقال لمصْنَعِ الماءِ: « حَبْسٌ» ؛ لأنه يمنعه، ويقال: «حَبَّسْتُ» بالتشديد أيضاً بمعنى وقَفْتُ وسَبَلْتُ؛ وقد يكون التشديدُ للتكثير في الفعل؛ نحو: «حَبَّسْتُ الرِّجَالَ» ، والألف واللام في «الصَّلاة» فيها قولان: أحدهما: أنها للجنْس، أي: بعد أيِّ صلاة كانت. والثاني - وهو الظاهر - أنها للعَهْد كما سيأتي - إن شاء الله تعالى -. فصل معنى الآية: أنَّ الإنْسَان إذا حَضَرَهُ المْوتُ، أنْ يُشهِدَ اثنين ذَوَيْ عدلٍ أي: أمَانةٍ وعَقْلٍ. ومعنى قوله: «مِنْكُم» أي: أهْل دِينكُمْ يا مَعْشَر المُؤمنين، ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ ، من غَيْر دِينكُمْ قول أكثر المُفَسِّرين، قاله ابْنُ عبَّاس، وأبُو مُوسى الأشْعَرِي، وهو قَوْلُ سعيد بن المُسَيِّبِ، وإبراهيمِ النَّخْعِي، وسعيد بنِ جُبَيْرٍ [وشريح] ، ومُجَاهِد، وعُبَيْدة، ثُمَّ اختلفَ هؤلاءِ في حُكْمِ الآيَةِ. فقال النَّخْعي، وجماعةٌ: هي منسوخَةٌ، وكانَتْ شَهَادةُ أهْلِ الذَمَّةِ مَقْبُولَةً في الابْتِدَاء، ثُمَّ نُسِخَتْ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهَا ثَابِتَة، وقالُوا: إذا لم يَجِدْ مُسْلمَيْنِ يُشهِدُ كَافِريْنِ قَالَ شُرَيْح: مَنْ كان بِأرْض غُرْبَةٍ، ولم يَجِدْ مُسْلِماً يَشْهدُ على وصِيَّتِهِ، فأشْهَدَ كَافِرَيْنِ على أيِّ دينٍ كَانَا من أهْلِ الكتابِ، أوْ عَبَدَةِ الأوْثان، فَشَهَادَتُهُم جَائِزةٌ، ولا تَجُوزُ شَهَادَةُ كافرٍ على مُسْلمٍ إلاَّ على وَصِيَّةٍ في سَفَرٍ. وعن الشَّعْبِيِّ: أنَّ رَجُلاً من المُسْلِمين حَضَرَتُهُ الوَفَاةُ بدقوقا، ولم يَجِدْ مُسْلِماً يُشْهِدُه على وصِيَّتِهِ، فأشْهَدَ رجُلَيْنِ من أهْلِ الكِتَابِ، فقدِمَا الكوفَةَ بتَرِكَتهِ وأتَيا أبَا مُوسَى الأشْعَرِي. فقال الأشْعَرِيُّ: هذا أمْرٌ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الذي كان على عَهْد رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فأحْلَفَهُمَا باللَّه ما خَانَا ولا كَذبَا، ولا بَدَّلا، ولا غيَّرا، وأنَّها لوصيَّة الرَّجُل وتركتِهِ، وأمْضَى شَهَادتَهُمَا وقال آخرُون: قوله: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ أي: من حَيّ المُوصِي، ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ ، أي: من غَيْرِ حَيِّكُمْ وعَشِيرَتِكُمْ، وهو قول الحَسَن والزُّهرِي وعِكْرِمَة [ وجُمْهُور الفُقَهَاء] ، وقالوا: لا يجوز شَهَادةُ كَافِرٍ في شَيْءٍ من الأحْكَامِ. وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأرض﴾ ، أي: إنْ وَقَعَ المَوْتُ في السَّفَرِ، ولم يَكُنْ مَعَكَمْ أحَدٌ من المُسْلِمِين، أوْ من أقَارِبُكُمْ، فاسْتَشْهِدُوا أجْنَبِيَّيْن على الوصيَّة، إمَّا من مِلتِكُم، أو من غَيْرِ مِلَّتِكُمْ على الخِلاف. واحتَجَّ من قال: المُرَادُ بقوله: «مِنْ غَيْرِكُم» : الكُفَّار؛ بأنَّه تعالى قال في أوَّل الآيةِ: ﴿يِا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ﴾ فعمَّ بهذا الخِطَابِ جَمِيعَ المُؤمنينَ، فلما قال بعده «مِنْ غَيْرِكُم» كان المُرادُ غَيْرَ المُؤمنين. وأيضاً كما شَرَطَ هذا الاسْتِشْهَاد بحَالَة السَّفَرِ عَلِمْنَا أن المُراد بالآية: الكُفَّار؛ لأنَّ جواز الاسْتِشْهَادِ بالمُسْلِمِ غير مَشْرُوطٍ بالسَّفْر. وأيضاً فالآية تَدُلُّ على وُجُوبِ تَحْلِيف الشَّاهدين بَعْد الصلاة، والإجْمَاع على أنَّ الشَّّاهِد المُسْلِم، لا يَجِبُ عَلَيْه الْحَلْفُ، فعَلِمْنَا أنَّ هذَيْن الشَّاهدَيْنِ ليسا من المُسْلِمين وأيضاً بسَببِ النُّزُول، ما ذكرنا من شَهَادَةِ النَّصْرَانِيَّيْن، وقِصَّة أبِي مُوسى الأشْعَرِي، إذ قَضَى بِشَهَادَةِ اليَهُوديَّيْن، ولَمْ يُنْكِرْ عليه أحَدٌ من الصَّحَابَة، فكان إجْماعاً، فهذه حالةُ ضَرُورَةٍ، والضَّرُورَاتُ قد تُبِيحُ المَحْظُورات، كَجَوازِ التَّيَمُّمِ، والقَصْرِ، والفِطْرِ في رمضان، وأكلِ المَيْتَةِ في حالِ الضَّرُورَة، والمُسْلِمُ إذا حَضَرَهُ المَوْتُ في السَّفرِ، ولم يجِدْ مُسْلِماً يُشْهِدُه على وصِيَّتهِ، ولم تكنْ شَهَادةُ الكافِرِين مَقْبُولَةٌ، فإنَّه يُضَيِّع أكثر مُهِمَّاتِه، ورُبَّما كان عِنْدَهُ ودَائِع ودُيُونٌ في ذِمَّتِهِ. كما تُجُوزُ شَهادَةُ النِّساء فيما يتعلَّقُ بأحْوَالِهِنَّ، كالحَيْضِ والحَبَلِ والولادَةِ والاستِهْلاَلِ؛ لِعَدَم إمْكَانِ وقُوفِ الرِّجَال على هذه الأحْوَال، فاكتُفي بِشَهادةَ النِّسَاء فيها للضَّرُورة، فكَذَا هَاهُنَا، والقَوْلُ بأنَّ هذا الحُكْمَ صَارَ مَنْسُوخاً بَعِيدٌ؛ لاتِّفَاقِ أكْثَرِ الأمَّةِ على أنَّ سُورة المَائِدَةِ من آخر ما نزل من القُرْآنِ، ولَيْسَ فيها مَنْسُوخٌ، واحْتَجَّ الآخَرون بقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَي عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق: 2] ، والكَافِرُ لا يكون عَدْلاً. وأُجِيبَ بأنَّه لم لا يجُوز أنْ يكون المرادُ بالعَدْلِ مَنْ كَانَ عدْلاً في الاحْتَرازِ عَنِ الكذبِ، لا مَنْ كان عَدْلاً في الدِّين والاعتقاد؛ لإجْماعِنَا على قُبُول شَهَادِةِ أهْلِ الأهْوَاء والبِدَعِ، مع أنَّهم لَيْسُوا عُدُولاً في مَذَاهِبِهم عِنْدَنا لِكُفْرِهِم، [ولكنهم] لمَّا كانُوا عُدُولاً في الاحْتِرازِ عَنِ الكَذِبِ، قَبِلْنَا شَهَادَتَهُمْ، فكذا هَاهُنَا. سلَّمْنَا أنَّ الكَافِرَ لَيْسَ بعْدلٍ، إلاَّ أن قوله: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ عامٌّ، وقوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأرض﴾ خَاصٌّ؛ فإنَّه أوْجَبَ شهادَة العَدْلِ منَّا في الحَضَرِ، واكْتَفَى بِشَهَادَةِ مَنْ لا يَكُونُ منَّا في السَّفَرِ، فَهَذِه الآيَةُ خَاصَّةٌ، والآيةُ التي ذكرُوهَا عامَّةٌ، والخاصُّ مُقدَّم على العامِّ، لا سِيَّما إذا كان الخَاصُّ مُتَأخِّراً في النُزُولِ، والمائِدَةُ مُتَأخِرَّةٌ، فكان تَقْدِيمُ هذه الآيَةِ الخَاصَّةِ وَاجِبٌ بالاتِّفَاقِ. وقوله: «تَحْبِسُونَهُمَا» أي: تستوقفونهما مِنْ بعد صلاةِ أهْلِ دينهمَا. وقال عامَّةُ المُفَسِّرين: من بعدِ صلاة العَصْرِ، قالَهُ الشَّعْبِي، والنَّخْعِي، وسعيدُ بن جُبير، وقَتادَةُ وغَيْرِهم؛ لأنَّ جَمِيعَ أهْلِ الأدْيَان يُعَظِّمُونَ ذلك الوَقْت، ويَجْتَنِبُون فيه الحَلْفَ الكَاذِبَ. وقال الحَسَنُ: مِنْ بعد صلاة الظُّهْر. واحتَجَّ الجُمْهُور بما تقدَّم، وبأنَّه رُوِي أنَّهُ لمَّا نَزلَتِ هذه الآيَةِ، صلَّى رسُولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ صلاة العَصْر، ودَعَا ب «عَدِيِّ» و «تَمِيمٍ» فأسْتَحلفَهُمَا عِنْد المِنْبَر. وقال بعضهم: بَعْدَ أداءِ أيِّ صلاةٍ كانتْ؛ لأنَّ الصَّلاة تَنْهَى عن الفَحْشَاءِ والمُنْكَر. قال بَعْضُ العلماء: الأيمانُ تُغَلَّظ في الدِّماءِ، والطَّلاقِ، والعِتَاقِ، والمال إذا بلغ مائَتَيْ دِرْهم بالزَّمَانِ والمكَان، فَيُحْلَفُ بعد صلاة العَصْرِ بِمَكَّةَ بين الرُّكْنِ والمقام، وفي المدينَة عند المِنْبَر، وفي بَيْتِ المقْدِسِ عند الصَّخْرَةِ، وفي سَائِر البُلْدَانِ في أشْرَف المَسَاجِد. وقال أبو حنيفة: لا يَخْتَصُّ الحَلفُ بِزَمَان ولا مكان. قوله: «فَيُقْسِمَانِ» في هذه الفاء وجهان: أظهرهما: أنها عاطفةٌ هذه الجملة على جملة قوله: «تَحْبِسُونَهُمَا» ، فتكون في محلِّ رفع، أو لا محلَّ لها حَسْبَمَا تقدَّم من الخلاف. والثاني: أنها فاءُ الجزاءِ، أي: جوابُ شرطٍ مقدَّرٍ، وقال الفارسيُّ: «وإنْ شئت، لَمْ تَجْعَلِ الفاء؛ لعطف جملة، بل تجعلُه جزاءً؛ كقول ذي الرُّمَّة: [الطويل] 2069 - وإنْسَانُ عَيْنِي يَحْسِرُ المَاءُ تَارَةً ... فَيَبْدُو، وتَارَاتٍ يَجُمُّ فَيَغْرَقُ تقديرُه عندهم: إذا حَسَرَ بَدَا، وكذا في الآية: إذا حَبَسْتُمُوهُمَا أقْسَمَا» . [وقال مكيٌّ نحوه؛ فإنه قال: «ويجوزُ أنْ تكونَ الفاءُ جواب جزاءٍ؛ لأن» تَحْبِسُونَهُمَا «معناه الأمْرُ بذلك، وهو جوابُ الأمْر الذي دَلَّ عليه الكلامُ؛ كأنه قيل: إذا حَبَسْتُمُوهُمَا أقْسَمَا» ] قال شهاب الدين: ولا حاجةَ داعيةً إلى شيء من تقدير شرطٍ محذوفٍ، وأيضاً: فإنه يُحْوجُ إلى حذفِ مبتدأ قبل قوله «فَيُقْسِمَان» ، أي: فهما يُقْسِمَانِ، وأيضاً ف «إنْ تَحْبِسُوهُمَا» تقدَّم أنها صفةٌ، فكيف يَجْعَلُها بمعنى الأمر، والطَّلَبُ لا يقع وصفاً؟ وأمَّا البيتُ الذي أنشده أبو عليٍّ، فَخَرَّجَه النحويُّون على أنَّ «يَحْسِرُ الماءُ تَارَةً» جملةٌ خبرية، وهي وإن لم يكنْ فيها رابطٌ، فقد عُطِفَ عليها جملةٌ فيها رابطٌ بالفاء السَّببية، وفاءُ السببية جَعَلَتِ الجملتَيْنِ شيئاً واحداً. و «بالله» متعلِّقٌ بفعل القسم، وقد تقدَّم أنه لا يجوز إظهارُ فعلِ القسمِ إلا معها؛ لأنها أمُّ الباب، وقوله: ﴿لاَ نَشْتَرِي بِهِ﴾ جوابُ القسم المضمرِ في «يُقْسِمَانِ» ، فتُلُقِّي بما يُتَلَقَّى به، وقوله: «إن ارْتَبْتُمْ» شرطٌ، وجوابه محذوفٌ، تقديرُه: إن ارتبتُمْ فيهما، فحلِّفُوهُمَا، وهذا الشرط وجوابه المقدَّرُ معترضٌ بين القسم وجوابه. والمعنى: إن ارْتَبْتُمْ في شَأنِهِمَا فَحَلِّفُوهُمَا، وهذا الشَّرطُ حُجَّةُ من يقول: الآيةُ نَازِلةٌ في إشْهَادِ الكُفَّارِ؛ لأنَّ تَحْلِيفَ الشَّاهِدِ المُسْلِم غير مَشْرُوعٍ. ومن قال: الآيةُ نازلةٌ في المُسْلِمِ قال: إنها مَنْسُوخَةٌ. وعن عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: أنَّهُ كان يُحَلِّفُ الشَّاهِدَ والرَّاوي عند التُّهْمَةِ. وليس هذه الآيةُ مِمَّا اجتمع فيه شرطٌ وقسمٌ، فأُجيب سابقُهما، وحُذِفَ جوابُ الآخرِ؛ لدلالةِ جوابه عليه؛ لأنَّ تلك المسألةَ شرطُها أن يكون جوابُ القسمِ صالحاً لأنْ يكون جواب الشرط؛ حتَّى يَسُدَّ مسدَّ جوابه؛ نحو: «والله إنْ تَقُمْ لأكْرِمَنَّكَ» ، لأنك لو قَدَّرْتَ «إن تَقُمْ أكْرَمْتُكَ» ، صَحَّ، وهنا لا يُقَدَّر جوابُ الشرط ما هو جوابٌ للقسَم، بل يُقَدَّر جوابُه قِسْماً برأسِه؛ ألا ترى أنَّ تقديره هنا: «إن ارْتَبْتُمْ، حَلِّفُوهُمَا» ولو قَدَّرْتَهُ: إن ارتبتُمْ، فلا نشتَرِي، لم يَصِحَّ، فقد اتفقَ هنا أنه اجتمع شرطٌ وقسمٌ، وقد أجيب سابقهما، وحُذفَ جوابُ الآخَرِ، وليس من تيكَ القاعدةِ، وقال الجُرْجَانِيُّ: «إنَّ ثَمَّ قولاً محذوفاً، تقديرُه: يُقْسِمَانِ بالله ويقولانِ هذا القَوْلَ في أيْمَانِهمَا، والعربُ تُضْمِرُ القولَ كثيراً؛ كقوله تعالى: ﴿وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ﴾ [الرعد: 23 - 24] أي: يقولُونَ سلامٌ عَلَيْكُمْ» ، قال شهاب الدين: ولا أدْرِي ما حمله على إضمارِ هذا القَوْلِ؟ . قوله: «بِهِ» في هذه الهاءِ ثلاثةُ أقوالٍ: أحدها: أنها تعودُ على الله تعالى. الثاني: أنها تعودُ على القسم. الثالث: وهو قول أبي عليٍّ -: أنها تعودُ على تحريفِ الشهادةِ، وهذا قوي من حيث المعنى، وقال أبو البقاء: «تعودُ على اللَّهِ، أو القَسَمِ، أو الحَلْفِ، أو اليمينِ، أو تحريفِ الشهادةِ، أو على الشهادة؛ لأنها قولٌ» ، قال شهاب الدين: قوله «أو الحَلْفِ أو اليمينِ» لا فائدةَ فيه؛ إذ هما شيءٌ واحدٌ، وكذلك قولُ من قال: إنها تعودُ على الله تعالى، لا بد أن يقدِّر مضافاً محذوفاً، أي: لا نَشْتَري بيمَينِ الله أوْ قسَمِه ونَحْوه؛ لأنَّ الذاتَ المقدَّسة لا يُقالُ فيها ذلك، وقال مكي: «وقيل: الهاءُ تعودُ على الشَّهادة، لكن ذُكِّرَتْ؛ لأنها قولٌ كما قال تعالى: ﴿فارزقوهم مِّنْهُ﴾ [النساء: 8] فردَّ الهاءَ على المقْسُومِ؛ لدلالة القسمة على ذلك» ، والاشتراءُ هنا، هَلْ هو باقٍ على حقيقته، أو يُرَاد به البيع؟ قولان، أظهرهما الأول، وبيانُ ذلك مبنيٌّ على نصْب «ثَمَناً» ، وهو منصوبٌ على المفعوليَّة، قال الفارسيُّ: «وتقديره: لا نَشْتَرِي به ذا ثَمَنٍ؛ ألا ترى أنَّ الثمن لا يُشْتَرى، وإنما يُشْتَرَى ذو الثمنِ» ، قال: «وليس الاشتراءُ هنا بمعنى البيع، وإنْ جاء لغةً، لأنَّ البيع إبعادٌ عن البائع، وليس المعنى عليه، إنما معناه التمسُّكُ به والإيثارُ له على الحقِّ» ، وقد نقل أبو حيان هذا الكلام بعينه ولم يعْزُه لأبِي عَلِيٍّ. وقال مكيٌّ: «معناه ذا ثَمَنٍ، لأنَّ الثمن لا يُشْتَرَى، إنما يُشْتَرى ذو الثمنِ، وهو كقوله: ﴿اشتروا بِآيَاتِ الله ثَمَناً﴾ [التوبة: 9] ، أي ذا ثَمَنٍ» ، وقال غيرُه: «إنه لا يَحْتاجُ إلى حذف مضاف» ، قال أبو البقاء: «ولا حَذْفَ فيه؛ لأنَّ الثمنَ يُشْتَرَى كما يُشْتَرَى به، وقيل: التقديرُ: ذا ثَمَنٍ» ، وقال بعضهم: «لا نَشْتَرِي: لا نبيعُ بعَهْدِ الله بغَرَضٍ نَأخُذُه؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ [آل عمران: 77] ، فمعنى الآية: لا نَأخُذُ بعهد الله ثَمَناً؛ بأن نبيعَه بعَرَضٍ من الدنيا» قال الواحديُّ: «ويُسْتَغْنَى بهذا عن كثيرٍ من تكلُّفِ أبي عَلِيٍّ، وهذا معنى قول القُتَيْبِيِّ والجُرْجَانِيِّ» . قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قربى﴾ الواوُ هنا كالتي سَبَقَتْ في قوله: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 170] من أنها يحتمل أن يقال عاطفةٌ، أو حاليةٌ، وأنَّ جملة الامتناعِ حالٌ معطوفةٌ على حالٍ مقدَّرةٍ؛ كقوله: «أعْطُوا السَّائِلَ، ولوْ عَلَى فرسٍ» ، فكذا هنا تقديرُه: لا نشتري به ثمناً في كلِّ حال، ولو كان الحالُ كذا، واسمُ» كَانَ «مضمرٌ فيها يعودُ على المشهُودِ له، أي: ولو كان المشهُودُ له ذَا قَرَابَةٍ. قوله: ﴿وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ الله﴾ الجمهورُ على رَفْعِ ميمِ» نَكْتُمُ «على أنَّ» لا «نافية، والجملةُ تحتمل وجهين: أحدهما - وهو الظاهرُ -: كونُها نسقاً على جواب القسمِ، فتكونُ أيضاً مقسماً عليها. والثاني: أنه إخبارٌ من أنفسهم بأنهم لا يكتمُون الشهادة؛ ويتأيَّدُ بقراءة الحسن والشَّعْبيِّ: «وَلاَ نَكْتُمْ» على النهْي، وهذه القراءةُ جاءتْ على القليل؛ من حيث إنَّ دخولَ» لاَ «الناهيةِ على فعلِ المتكلِّم قليلٌ؛ ومنه: [الطويل] 2070 - إذا مَا خرَجْنَا مِنْ دمشْقَ فَلاَ نَعُدْ ... بِهَا أبَداً ما دَامَ فِيهَا الجَرَاضِمُ والجمهورُ على» شهادةَ الله» بالإضافة، وهي مفعولٌ بها، وأضيفَتْ إليه تعالى؛ لأنه هو الآمرُ بها وبحفظها، وألاَّ تُكْتَمَ، ولا تُضَيَّعَ، وقرأ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ونعيمُ بْنُ مَيْسَرَة والشَّعْبِيُّ في رواية: «شهادةً الله» بتنوين شهادة، ونصبها، ونصب الجلالة، وهي واضحةٌ، ف «شَهَادَةً» مفعول ثان، والجلالةُ نصبٌ على التعظيم وهي الأوَّل، والأصلُ: ولا نَكْتُمُ اللَّهَ شهادةً؛ وهو كقوله: ﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً﴾ [النساء: 42] وإنما قُدِّمَتْ هنا للاهتمامِ بها؛ فإنها المحدَّثُ عنها، وفيها وجهُ ثانٍ - نقله الزهراويُّ - وهو: أن تكون الجلالةُ نَصْباً على إسقاطِ حرفِ القسم، والتقديرُ: ولا نَكْتُمُ شهادةً واللَّهِ، فلمَّا حُذِف حرفُ الجر، نُصِب المُقْسَمُ به، ولا حاجةَ إليه؛ لأنه يَسْتَدْعِي حذف المفعولِ الأوَّل للكتمان، أي: ولا نَكْتُمُ أحداً شهادةً والله، وفيه تكلُّفٌ وإليه ذهب أبو البقاء أيضاً قال: «على أنه منصوبٌ بفعْلِ القسم محذوفاً» . ويُروَى عن أبِي جَعْفَر «شَهادةً» مُنَونةً «أَللَّهِ» بِقَطْعِ الألف وكسَرْ الهَاءِ، من غير اسْتِفْهَام على ابْتِدَاء اليَمينِ، أي: واللَّهِ ﴿إِنَّآ إِذَاً لَّمِنَ الآثمين﴾ ، أي: إنْ كَتَمْنَاها نَكُونُ من الآثمين. وقرأ عليٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - والسُّلمِيُّ والحسن البصريُّ: «شَهَادَةً» بالتنوين والنصب، «آلله» بمدِّ الألفِ التي للاستفهام، دَخَلَتْ للتقرير، وتوقيف نفوسِ الخَلْق الحالفين، وهي عوضٌ عن حَرْفِ القسمِ المقدَّرِ ثمّ. وهل الجرُّ بها أم بالحَرْفِ المحذوفِ؟ خلافٌ. وقرأ الشعبيُّ في رواية وغيره: «شَهَادَهْ» بالهاء ويقف عليها، ثم يَبْتدئ «آللَّهِ» بقطع همزة الوصل وبمدِّ الهمزة على أنها للاستفهام بالمعنى المتقدِّم، وجَرِّ الجلالة، وهمزةُ القطعِ تكون عوضاً من حرف القسم في هذا الاسم الشريف خاصة، تقول: يا زَيْدُ، أللَّهِ، لأفْعلَنَّ، والذي يُعَوَّض من حرف القسم في هذا الاسم الشريف خاصَّة ثلاثةٌ: ألفُ الاستفهام، وقطعُ همزة الوصلِ، وها التي للتنبيه؛ نحو: «ها اللَّهِ» ، ويجوزُ مع «هَا» قطعُ همزةِ الجلالة ووصلُها، وهل الجرُّ بالحرف المقدَّر، أو بالعوض؟ تقدَّم أنَّ فيه خلافاً، ولو قال قائلٌ: إن قولهم «الله، لأفْعَلَنَّ» بالجرِّ وقطع الهمزة؛ بأنها همزة استفهام لم يُرَدَّ قوله، فإن قيل: همزةُ الاستفهام، إذا دخلَتْ على همزة الوصْلِ التي مع لام التعريف، أو ايْمُن في القَسَم، وجب ثبوتُ همزة الوصل، وحينئذ إمَّا: أنْ تُسَهَّلَ، وإمَّا أنْ تُبْدَلَ ألفاً، وهذه لم تَثْبُتْ بعدها همزةُ وصل، فتعيَّن أن تكونَ همزة وصْلٍ قُطِعَتْ عوضاً عن حرف القسم، فالجواب: أنهم إنما أبْدلوا ألفَ الوصْلِ أو سَهَّلوها بعد همزةِ الاستفهام؛ فرقاً بين الاستفهام والخبر، وهنا اللَّبْسُ مأمونٌ فإنَّ الجرَّ في الجلالة يؤذِنُ بذلك؛ فلا حاجة إلى بقاءِ همزةِ الوصلِ مُبْدلةً أو مُسَهَّلةً، فعلى هذا قراءة: ألله، وآلله بالقصْر والمدِّ تحتمل الاستفهام، وهو تخريجٌ حسن، قال ابن جني في هذه القراءة: «الوقفُ على» شهَاده «بسكون الهاء، واستئنافُ القسم - حسنٌ؛ لأنَّ استئنافه في أولِ الكلامِ أوْجَهُ له وأشدُّ هيبةً مِنْ أنْ يدخُلَ في عرضِ القَوْل» ، ورُوِيَتْ هذه القراءةُ - أعني: «ألله» بقطع الألف من غير مدٍّ وجرِّ الجلالة - عن أبي بكرٍ عن عاصمٍ وتقدَّم أيضاً أنها رويتْ عن أبي جعفرٍ، وقرئ: «شَهَادَةً اللَّهِ» بنصب الشهادة منونة، وجرِ الجلالة موصولة الهمزة، على أن الجرَّ بحرفِ القسمِ المقدَّرِ من غير عوضٍ منه بقَطْعِ، ولا همزةِ استفهام، وهو مختصٌّ بذلك. وقوله تعالى: ﴿إِنَّآ إِذَاً لَّمِنَ الآثمين﴾ هذه الجملةُ لا محلَّ لها؛ لأنها استئنافيةٌ، أخبروا عن أنفسهم بأنهم من الآثمين، إنْ كتموا الشهادة؛ ولذلك أتوا ب «إذَنِ» المُؤذِنَةِ بالجزاء والجواب، وقرأ الجمهور: «لَمِنَ الآثمينَ» من غير نقل، ولا إدغام، وقرأ ابن مُحَيصنٍ والأعمش: «لَمِلآّثمين» بإدغام نون «مِنْ» في لام التعريف، بَعْد أن نقل إليها حركة الهمزة في «آثمينَ» ، فاعتدَّ بحركة النقل فأدغَمَ، وهي نظيرُ قراءةِ مَنْ قرأ: ﴿عَاداً لُّولَى﴾ [النجم: 50] بالإدغام، على ما سيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى. فصل في معنى الآية ومعنى الآية: إنكم إذا سَافَرْتُم في الأرْض، فأصَابَتْكُم مُصِيبَةُ الموت، فأوصَيْتم إلَيْهما، ودَفَعْتُم إليهمَا مالك، فاتَّهَمَهُمَا بعضُ الورثة، وادَّعَوْا عليهما خِيَانَة فما الحُكْمُ فيه؟ «أن تَحبِسُونَهُمَا» أي: تَسْتَوقِفُونَهُمَا بَعْدَ الصَّلاة. قال السُّدي: بعد صلاةِ أهْلِ دينهمَا؛ لأنَّهُمَا لا يُبَالِيَان بِصلاةِ العَصْرِ، ولا صلاةِ الظُّهْرِ على ما تقدَّم، فيَحْلِفَان ﴿بالله إِنِ ارتبتم﴾ أي: شَكَكْتُم وَوقَعتْ لَكُم الرِّيبَةُ في قولِ الشَّاهدين وصدقهمَا، إذا كانا مِنْ غَيْرِ دينكُم، فإن كانا مُسْلِمَيْن فلا يَمِينَ عليهما ﴿لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً﴾ ، أي: لا نَحْلِفُ باللَّه كَاذِبين على عِوضٍ نأخُذُه، أو حَقٍّ نَجْحَدُهُ ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قربى﴾ ، ولو كان المَشْهُودُ لَهُ ذَا قَرابَةٍ مِنَّا. وقيل: لَوْ كان ذلك الشَّيْءُ حبوة في قُرْبى ﴿وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ الله﴾ وأضَافَ الشَّهادَةَ إلى اللَّهِ تعالى؛ لأنه أمَرَ بإقَامَتِها ونَهَى عن كِتْمَانها ﴿إِنَّآ إِذَاً لَّمِنَ الآثمين﴾ ، إن كَتَمْنَا الشَّهَادَة. رُوِي لما نَزَلت هذه الآيَةُ، صلَّى رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ صلاةَ العَصْرِ، ودعا تميماً وعِدياً، فاسْتَحْلَفَهُمَا عِنْدَ المِنْبَر باللَّه الذي لا إله إلاَّ هُو، أنَّهُمَا لم يَخْتَانَا شَيْئاً مما دُفع إليْهما، فَحَلَفا على ذَلِكَ، وخلَّى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ سَبِيلَهُمَا. قوله تعالى: «فإنْ عُثِرَ» : مبنيٌّ للمفعول، والقائمُ مقامَ فاعله الجارُّ بعده، أي: فإن اطُّلِعَ على اسْتِحْقَاقِهِمَا الإثْم يقالُ: عَثَرَ الرَّجُلُ يَعْثُرُ عُثُوراً: إذا هَجَمَ على شيءٍ، لم يَطَّلِعْ عليه غَيْرُهُ، وأعْثَرْتُهُ على كذا أطلعتُه عليه؛ ومنه قوله تعالى: ﴿أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [الكهف: 21] ، قال أهلُ اللغة: وأصلُه من «عَثْرَةِ الرجْلِ» وهي الوقوعُ، وذلك أن العاثِرَ إنما يَعْثُرُ بِشَيْء كان لا يَرَاهُ، فإن عثر به، اطُّلَعَ عليه، ونظر ما هو، فقيل لكلِّ أمْرٍ كان خَفِيًّا، ثم اطُّلِعَ عليه: «عُثِرَ عَلَيْه» ، وقال الليْثُ: «عَثَرَ يَعْثُرُ عُثُوراً هَجَمَ على أمرٍ لم يهجُمْ عليه غيرُه، وعَثَر يَعْثُرُ عثْرةً وقع على شيء» ففرَّقَ بين الفعلَيْنِ بمصدَرَيْهما، وفرَّق أبو البقاء بينهما بغير ذلك؛ فقال: «عَثَرَ مصْدرُه العُثُور، ومعناه اطَّلَعَ، فأمَّا» عَثَرَ «في مَشْيهِ، ومنْطِقِهِ، ورأيه، فالعِثَارُ» ، والراغب جعَلَ المصدَرَيْنِ على حدٍّ سواء؛ فإنه قال: «عَثَر الرَّجل بالشيءِ يَعْثُرُ عُثُوراً وعِثَاراً: إذا سقطَ عليه، ويُتَجَوَّزُ به فيمَنْ يطَّلِعُ على أمرٍ من غيرِ طلبه، يقال:» عَثَرْتُ على كذا «، وقوله: ﴿وكذلك أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [الكهف: 21] ، أي: وَقَّفْنَاهُمْ عليهم من غَيْرِ أنْ طَلَبُوا» . قوله تعالى: «فآخَرَانِ» فيه أربعةُ أوجه: الأول: أن يرتفع على أنه خبر مبتدأ مضمرٍ، تقديره: فالشَّاهدانِ آخرانِ، والفاء جوابُ الشرط، دخلت على الجملة الاسمية، والجملةُ من قوله: «يَقُومَانِ» في محلِّ رفعٍ صفةً ل «آخَرَانِ» . الثاني: أنه مرفوعٌ بفعلٍ مضمرٍ، تقديرُه: فَلْيَشْهَدْ آخَرَانِ، ذكره مكيٌّ وأبو البقاء، وقد تقدَّم أن الفعل لا يُحْذَفُ وحْدَهُ إلاَّ في مواضعَ ذكَرْتُها عند قوله: ﴿حِينَ الوصية اثنان﴾ [المائدة: 106] . الثالث: أن خبرٌ مقدَّم، و «الأوْلَيَانِ» مبتدأٌ مؤخَّرٌ، والتقديرُ: فالأوْليانِ بأمْرِ الميِّتِ آخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا، ذكر ذلك أبو عَلِيٍّ، قال: «ويكُونُ كقولك: تَمِيميٌّ أنَا» . الرابع: أنه مبتدأٌ، وفي الخبر حينئذ احتمالاتٌ: أحدها: قوله: ﴿مِنَ الذين استحق﴾ ، وجاز الابتداءُ به؛ لتخصُّصِه بالوصْفِ، وهو الجملة من «يَقُومَانِ» . والثاني: أنَّ الخبر «يَقُومَانِ» و ﴿مِنَ الذين استحق﴾ صفةُ المبتدأ، ولا يََضُرُّ الفصْلُ بالخبر بين الصفة وموصوفها، والمسوِّغُ أيضاً للابتداء به: اعتمادُه على فاءِ الجزاء، وقال أبو البقاء، لمَّا حَكَى رفعه بالابتداء: «وجازَ الابتداءُ هنا بالنَّكِرَة؛ لحصولِ الفائدةِ» ، فإن عنى أنَّ المسوِّغَ مجرَّدُ الفائدةِ من غير اعتبار مسوِّغٍ من المُسَوِّغات التي ذكرتُها، فغيرُ مُسَلَّم. الثالث: أنَّ الخبرَ قوله: «الأوْلَيَانِ» نقله أبو البقاء، وقوله «يَقُومَانِ» و ﴿مِنَ الذين استحق﴾ كلاهما في محلِّ رفعٍ صفةً ل «آخَرَانِ» ، ويجوزُ أن يكون أحدُهما صفةً، والآخرُ حالاً، وجاءتِ الحالُ من النكرةِ؛ لتخصُّصِهَا بالوصفِ، وفي هذا الوجهِ ضَعْفٌ؛ من حيث إنه إذا اجتمع معرفةٌ ونكرةٌ، جَعَلْتَ المعرفةَ محدَّثاً عنها، والنكرةَ حديثاً، وعكسُ ذلك قليلٌ جدًّا أو ضرورةٌ؛ كقوله: [الوافر] 2071 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ..... يَكُونُ مِزَاجَهَا عَسَلٌ ومَاءُ وكقوله: [الطويل] 2072 - وَإنَّ حَرَاماً أنَّ أسُبَّ مُجَاشِعاً ... بَآبَائِيَ الشُّمِّ الكِرَام الْخََضَارِمِ وقد فُهِمَ مِمَّا تقدَّم أنَّ الجملة من قوله «يَقُومَانِ» والجارَّ من قوله: «مِنَ الَّذِينَ» : إمَّا مرفوعُ المحلِّ صفةً ل «آخَرَانِ» أو خبرٌ عنه، وإمَّا منصوبُهُ على الحالِ: إمَّا من نَفْسِ «آخَرَانِ» ، أو مِنَ الضَّمِير المستكنِّ في «آخَرَانِ» ، ويجوزُ في قوله «مِنَ الَّذِين» أنْ يكون حالاً من فاعلِ «يَقُومَانِ» . قوله: «استحقّ» قرأ الجمهور «استُحِقَّ» مبنيًّا للمفعول، «الأولَيَانِ» رفعاً، وقرأ حفص عن عاصم: «اسْتَحَقَّ» مبنيًّا للفاعل، «الأوليَانِ» كالجماعة، وهي قراءة عبد الله بن عبَّاس وأمير المؤمنين عليٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - ورُوِيَتْ عن ابن كثيرٍ أيضاً، وحمزة وأبو بكرٍ عن عاصمٍ: «استُحِقَّ» مبنيًّا للمفعول كالجماعة، «الأوَّلِينَ» جمع «أوَّل» جمع المذكر السَّالِم، والحسن البصريّ: «اسْتَحَقَّ» مبنيًّا للفاعل، و «الأوَّلانِ» مرفوعاً تثنية «أوَّل» ، وابن سيرين كالجماعة، إلا أنه نَصَبَ الأوْلَيْينِ تثنية «أوْلَى» ، وقرئ: «الأوْلَيْنَ» بسكون الواو وفتح اللام، وو جمع «أوْلَى» كالأعْلَيْنَ في جمعِ «أعْلََى» ، ولما وصل أبو إسحاق الزجاج إلى هذا الموضوع، قال: «هذا موضعٌ من أصْعَبِ ما في القرآن إعراباً» . قال شهاب الدين: ولعَمْرِي، إنَّ القولَ ما قالَتْ حَذَامِ؛ فإن الناس قد دارَتْ رؤوسُهم في فَكِّ هذا التركيب، وقد اجتهدْتُ - بحمد الله تعالى - فلخَّصْتُ الكلام فيها أحسن تَلْخِيصٍ، ولا بدَّ من ذِكْرِ شَيْءٍ من معاني الآية؛ لنستعين به على الإعْراب؛ فإنه خادمٌ لها. فأمَّا قراءةُ الجُمهورِ، فرفعُ «الأوْلَيَان» فيها أوجه: أحدها: أنه مبتدأ، وخبره «آخرَانِ» ، تقديره: فالأوْلَيَانِ بأمر الميِّت آخَرَانِ، وتقدَّم شرحُ هذا. الثاني: أنه خبر مبتدأ مضمرٍ، أي: هما الأوْليانِ؛ كأنَّ سائلاً يسأل فقال: «من الآخَرَانِ» ؟ فقيل: هما الأوْلَيَانِ. الثالث: أنه بدلٌ من «آخَرَان» ، وهو بدلٌ في معنى البيان للمبدلِ منه؛ نحو: «جَاءَ زَيْدٌ أخُوكَ» وهذا عندهم ضعيفٌ؛ لأنَّ الإبدالَ بالمشتقَّاتِ قليلٌ. الرابع: أنه عطفُ بيان ل «آخَرَانِ» بيَّن الآخَرَيْنِ بالأوْلَيَيْنِ، فإن قلت: شرطُ عطفِ البيانِ: أن يكون التابعُ والمتبوعُ متفقينِ في التعريفِ والتنكيرِ، على أنَّ الجمهور على عدم جريانه في النكرةِ؛ خلافاً لأبي عَليّ، و «آخَرَانِ» نكرةٌ، و «الأوْلَيَانِ» معرفةٌ، قُلْتُ: هذا سؤالٌ صحيحٌ، ولكنْ يَلْزَمُ الأخفشَ، ويلزمُ الزمخشريَّ جوازُه: أمَّا الأخفشُ فإنه يُجيزُ أنْ يكون «الأوْلَيَانِ» صفةً ل «آخَرَانِ» بما سأقرره عنه عند تعرُّضِي لهذا الوجهِ، والنعتُ والمنعوتُ يُشترط فيهما التوافُقُ، فإذا جاز في النعْتِ، جاز فيما هو شبيهٌ به؛ إذْ لا فرق بينهما إلا اشتراطُ الاشتقاقِ في النعت، وأمَّا الزمخشريُّ، فإنه لا يشترطُ ذلك - أعني التوافُقَ - وقد نَصَّ عليه هو في سورة آل عمران على أن قوله تعالى: ﴿مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: 97] عطفُ بيان؛ لقوله ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ [آل عمران: 97] ، و «آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ» نكرةٌ؛ لكنها لَمَّا تخصَّصَتْ بالوصفِ، قَرُبَتْ من المعرفة، كما تقدَّم عنه في موضعه، وكذا «آخَرَانِ» قد وُصِفَ بصفَتيْنِ، فقُرْبُه من المعرفة أشدُّ من «آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ» ؛ من حيثُ وُصِفَتْ بصفةٍ واحدة. الخامس: أنه بدلٌ من فاعلِ «يَقُومَانِ» . السادس: أنه صفةٌ ل «آخَرَانِ» ، أجازَ ذلك الأخفشُ، وقال أبو عَلِيٍّ: «وأجازَ أبو الحسنِ فيها شيئاً آخَرَ، وهو أن يكُون» الأوْلَيَانِ «صفةً ل» آخَرَانِ «؛ لأنَّه لمَّا وُصِفَ، تخصَّصَ، فَمِنْ أجلِ وصفه وتخصيصه، وُصِفَ بوصف المعارف» ، قال أبو حيان: «وهذا ضعيفٌ؛ لاستلزامِه هَدْم ما كَادُوا أن يُجْمعوا عليه؛ من أنَّ النكرة لا تُوصفُ بالمعرفةِ، ولا العَكْس» ، قلتُ: لا شكَّ أن تَخَالُفَهُمَا في التعريفِ والتنْكيرِ ضعيفٌ، وقد ارتكَبُوا ذلك في مواضعَ، فمنها ما حكاه الخليلُ: «مَرَرْتُ بالرَّجُلِ خَيْرٍ مِنْكَ» في أحدِ الأوجه في هذه المسألةِ، ومنها ﴿غَيْرِ المغضوب﴾ [الفاتحة: 7] على القولِ بأنَّ «غَيْر» صفةُ ﴿الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: 7] ، وقوله: [الكامل] 2073 - وَلَقَدْ أمُرُّ على اللَّئِيم يَسُبُّنِي ... فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قُلْتُ لا يَعْنِينِي وقوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ الليل نَسْلَخُ مِنْهُ النهار﴾ [يس: 73] ، على أنَّ «يَسُبُّنِي» و «نَسْلَخُ» صفتان لما قبلهما؛ فإنَّ الجمل نكراتٌ، وهذه المُثُلُ التي أوردتها عكسُ ما نحن فيه، فإنها تُؤوَّلُ فيها المعرفةُ بالنكرة، وما نحن فيه جعلنا النكرة فيه كالمعرفةِ؛ إلاَّ أنَّ الجامعَ بينهما التخالفُ، ويجوز أن يكون ما نحْنُ فيه من هذه المُثُلِ؛ فاعتبار أنَّ «الأوْلَيَيْنِ» لمَّا لم يُقْصَدْ بهما شخصان معينان، قَرُبَا من النكرةِ، فوقعا صفةً لها مع تخصُّصِها هي؛ فصار في ذلك مسوِّغان: قُرْبُ النكرةِ من المعرفة بالتخصيصِ، وقُرْبُ المعرفةِ من النكرة بالإبهام؛ ويدلُّ لِما قلته ما قال أبو البقاء: «والخَامِسُ أن يكون صفة ل «آخَرَانِ» ؛ لأنه وإنْ كان نكرةً، فقد وُصِفَ، والأوْليانِ لم يَقْصِدْ بهما قَصْدَ اثنينِ بأعيانِهما» . السابع: أنه مرفوعٌ على ما لم يُسَمَّ فاعله ب «اسْتُحِقَّ» ، إلاَّ أنَّ كلَّ مَنْ أعربه كذا، قَدَّر قبله مضافاً محذوفاً، واختلفتْ تقديراتُ المُعْرِبينَ، فقال مكي: «تقديرُه: استُحِقَّ عليهمْ إثْمُ الأوْلَيَيْنِ» ، وكذا أبو البقاء وقد سَبقَهما إلى هذا التقدير ابنُ جريرٍ الطَّبَرِيُّ، وقدَّره الزَمَخْشَرِيُّ فقال: «مِنَ الَّذِينَ استُحِقَّ علَيْهِمُ انتدَابُ الأوْلَيَيْنِ منْهُمْ للشَّهادَةِ لاطِّلاعِهِمْ عَلَى حقيقةِ الحَالِ» ، ومِمَّن ذهب إلى ارتفاعِ «الأوْلَيَانِ» ب «اسْتُحِقَّ» أبو عليٍّ الفارسِيُّ، ثم منعه؛ قال: «لأنَّ المُسْتَحَقَّ إنَّمَا يكُونُ الوصيَّة أو شيئاً منها، وأمَّا الأوليَانِ بالمَيِّتِ، فلا يجوزُ أن يُسْتَحَقَّا، فيُسْنَدَ استُحِقَّ إليهما» ، قلتُ: إنما منع أبو عليٍّ ذلك على ظاهرِ اللفظِ؛ فإنَّ الأوْلَيَيْنِ لَمْ يستحقَّهما أحدٌ كما ذَكَر، ولكن يجوز أن يُسْنَدَ «اسْتُحِقَّ» إليهما؛ بتأويلِ حذف المضافِ المتقدِّم، وهذا [الذي] منعه الفارسيُّ ظاهراً هو الذي حمل النَّاس على إضمار ذلك المُضافِ، وتقديرُ الزمخشريِّ ب «انْتِدَاب الأوْلَيَيْنِ» أحسنُ من تقدير غيره؛ فإنَّ المعنى يُسَاعِدُهُ، وأمَّا إضمارُ «الإثْم» فلا يَظْهر إلا بتأويل بعيدٍ. وأجازَ ابن عطيَّة أن يرتفعَ «الأوْلَيَانِ» ب «استُحِقَّ» أيضاً، ولكن ظاهرُ عبارته؛ أنه لم يُقَدَّر مضافاً؛ فإنه استشعر بإستشكالِ الفارسيِّ المتقدِّم، فاحتالَ في الجواب عنه، وهذا نَصُّه، قال ما ملخَّصُه: إنَّه «حُمِلَ» اسْتُحِقَّ «هنا على الاستعارةِ؛ فإنه ليس استحقاقاً حقيقةً؛ لقوله:» اسْتَحَقَّا إثْماً «، وإنما معناه أنَّهم غَلَبُوا على المالِ بحُكْمِ انفرادِ هذا المَيِّت وعدمه؛ لقرابته أو أهل دينه؛ فجعل تسوُّرَهُمْ عليه استحقاقاً - مجازَاً، والمعنى: من الجماعة التي غابت، وكان منْ حَقِّها أنْ تُحْضِرَ وليَّها، فلمَّا غابَتْ وانفرد هذا الموصِي، استحقَّت هذه الحالَ، وهذان الشاهدانِ من غير أهْل الدِّين والولاية، وأمْرِ الأوْلَيَيْنِ على هذه الجماعة، فبُنِيَ الفعلُ للمفعولِ على هذا المعنى إيجازاً، ويُقَوِّي هذا الفرضَ تعديِّي الفعلِ ب» عَلَى «لمَّا كان باقتدارٍ وحَمْلٍ، هَيَّأتْهُ الحالُ، ولا يُقال: اسْتَحَقَّ منه أو فيه إلاَّ في الاسْتِحْقَاقِ الحقيقيِّ على وجههِ، وأمَّا» اسْتَحَقَّ عليْهِ «فالبحَمْلِ والغلبةِ والاستحقاقِ المُسْتَعَارِ» . انتهى، فقد أسند «اسْتَحَقَّ» إلى «الأوليان» من غير تقدير مضافٍ متأوِّلاً له بما ذكر، واحتملتُ طول عبارته؛ لتتَّضِحَ. واعلم أنَّ مرفوع «اسْتُحِقَّ» في الأوجهِ المتقدِّمة - أعني غيرَ هذا الوجهِ، وهو إسنادُه إلى «الأوْليانِ» - ضميرٌ يعودُ على ما تقدَّم لفظاً أو سياقاً، واختلفت عباراتُهم فيه، فقال الفارسيُّ، والحُوفيُّ، وأبو البقاء والزمخشريُّ: إنه ضميرُ الإثْمِ، والإثمُ قد تقدَّمَ في قوله: «اسْتَحَقَّا إثْماً» ، وقال الفارسيُّ والحُوفِيُّ أيضاً: «اسْتُحِقَّ هو الإيصاءُ أو الوصيَّةُ» قال شهاب الدين: إضمارُ الوصيَّة مُشْكِلٌ؛ لأنه إذا أُسْنِدَ الفعلُ إلى ضمير المؤنَّثِ مطلقاً، وَجَبَتِ التاءُ إلاَّ في ضرورة، ويُونُسُ لا يَخُصُّه بها، ولا جائزٌ أن يقال أضْمَرَا لفظ الوصيَّة؛ لأنَّ ذلك حُذِفَ، والفاعلُ عندهما لا يُحْذَفُ، وقال النحَّاس مستحْسِناً لإضمارِ الإيصَاءِ: «وهذا أحسنُ ما قِيلَ فيه؛ لأنَّه لم يُجْعَلْ حرفٌ بدلاً من حرفٍ» ، يعني أنه لا يقُول: إنَّ «عَلَى» بمعنى «فِي» ، ولا بمعنى «مِنْ» كما قيل بهما، وسيأتي ذلك - إن شاء الله تعالى -. وقد جمع الزمخشريُّ غالبَ ما قُلْتُه وحَكَيْتُه من الإعْرَابِ والمعنى بأوجز عبارةٍ، فقال: «ف» آخَرَانِ» ، أي: فشَاهِدَانِ آخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الذينَ اسْتُحِقَّ عليهِم، أي: استُحِقَّ عليْهِمُ الإثمُ، ومعناه: مِنَ الذين جُنِيَ عليهمْ، وهم أهلُ الميِّتِ وعشيرتُهُ والأوليانِ الأحقَّانِ بالشَّهادةِ لقَرَابَتهِمَا ومَعْرِفَتِهِمَا، وارتفاعُهُمَا على: «هُمَا الأوْلَيَانِ» ؛ كأنه قيل: ومَنْ هُمَا؟ فقيل: الأوْلَيَانِ، وقيل: هما بدلٌ من الضَّمير في «يَقُومَانِ» أو من «آخَرَانِ» ، ويجوزُ أنْ يرتفِعَا ب «اسْتُحِقَّ» ، أي: من الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عليْهِمُ انتدابُ الأوْلَيَيْنِ مِنْهُمْ للشهادة؛ لاطِّلاعهم على حقيقة الحَالِ» . وقوله «عَلَيْهِم» : في «عَلَى» ثلاثةُ أوجهٍ: أحدها: أنها على بابها، قال أبو البقاء: «كقولك: وَجَبَ عليهم الإثْمُ» ، وقد تقدَّم عن النحَّاس؛ أنه لمَّا أضْمَرَ الإيصاءَ، بَقَّاها على بابها، واستحْسَنَ ذلك. والثاني: أنها بمعنى «فِي» أي: استُحِقَّ فيهم الإثمُ، فوقَعَتْ «عَلَى» موقع «فِي» كما تقعُ «فِي» موقعها؛ كقوله تعالى: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النخل﴾ [طه: 71] أي: على جُذُوعِ، وكقوله: [الكامل] 2074 - بَطَلٌ كَأنَّ ثِيَابَهُ فِي سَرْحَةٍ ... يُحْذَى نِعَالَ السِّبْتِ لَيْسَ بِتَوْءَمِ أي: على سَرْحةٍ، وقدَّره أبو البقاء فقال: «أي: استُحِقَّ فيهم الوصيَّةُ» . والثالث: أنها بمعنى «مِنْ» أي: استُحِقَّ مِنْهُمُ الإثْمُ؛ ومثلُه قولُه تعالى: ﴿إِذَا اكتالوا عَلَى الناس﴾ [المطففين: 2] أي: مِنَ الناس، وقدَّره أبو البقاء فقال: «أي: استُحِقَّ منهم الأوْليَانِ» فحينَ جعلها بمعنى «فِي» قدَّر «اسْتُحِقَّ» مُسْنَداً للوصية؛ وحين جعلها بمعنى « مِنْ» ، قدَّره مُسْنِداً ل «الأوْلَيَانِ» ، وكان لَمَّا ذكر القائمَ مقامَ الفاعلِ، لم يذكر إلا ضميرَ الإثم و «الأوْلَيَانِ» ، وأجاز بعضهم أنْ يُسْنَدَ «اسْتُحِقَّ» إلى ضمير المالِ، أي: اسْتُحِقَّ عليْهِمُ المالُ المَوْرُوثُ، وهو قريبٌ. فقد تقرَّر أنَّ في مرفوعِ «اسْتُحِقَّ» خمسة أوجه: أحدُها: «الأوْلَيَانِ» . والثاني: ضميرُ الإيصاء. والثالث: ضميرُ الوصية، وهو في المعنى كالذي قبله وتقدَّم إشكالُه. والرابع: أنه ضميرُ الإثْمِ. والخامس: أنه ضميرُ المالِ، ولم أرَهُمْ أجازوا أن يكون «عَلَيْهِم» هو القائمَ مقامَ الفاعلِ؛ نحو: ﴿غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم﴾ [الفاتحة: 7] كأنهم لم يَرَوْا فيه فائدةً. وأمَّا قراءةُ حَفْص ف «الأوْلَيَانِ» مرفوعٌ ب «اسْتَحَقَّ» ومفعولُه محذوفٌ، قدَّره بعضهم «وصِيَّتَهُمَا» ، وقدَّره الزمخشريُّ ب «أن يجرِّدُوهُمَا للقيامِ بالشَّهَادة» ؛ فإنه قال: «معناهُ من الورثةِ الذين استَحَقَّ عليْهِمُ الأوْلَيَانِ من بينهم بالشهادة: أن يجرِّدُوهُمَا للقيامِ بالشَّهَادة، ويُظْهِرُوا بها كذب الكاذبينَ» ، وقال ابنُ عطيَّة: «الأوْلَيَانِ» رفعٌ ب «اسْتَحَقَّ» ، وذلك أن يكون المعنى: مِنَ الَّذِينَ استحَقَّ عليْهِمْ مالَهُمْ وتركَتَهُمْ شَاهِدَا الزُّورِ، فَسُمِّيَا أوْلَيَيْنِ، أي: صَيَّرَهُمَا عَدَمُ الناس أوْلَيَيْنِ بالمَيِّت وتَرِكَتِهِ، فَخَانَا، وجَارَا فيها، أو يكونُ المعنى: من الذينَ حَقَّ عليهم أنْ يكون الأوليانِ منهم، فاستَحَقَّ بمعنى: حَقَّ، كاسْتَعْجَبَ وعَجِبَ، أو يكون استحقَّ بمعنى: سَعَى واستوجب، فالمعنى: من القوم الذين حَضَرَ أوْلَيَانِ مِنْهُمْ، فاستَحَقَّا عليهم، أي: استحقَّا لهُمْ وسعيا فيه، واستوجََبَاهُ بأيْمَانِهِمَا وقُرْبَانِهِمَا» ، قال أبو حيان - بعد أنْ حكَى عن الزمخشريِّ، وأبي محمَّدٍ ما قدَّمْتُه عنهما -: «وقال بعضُهم: المفعولُ محذوفٌ، تقديرُه: الذين استحقَّ عليهمُ الأوليانِ وصيَّتَهُمَا» ، قال شهاب الدين: وكذا هو محذوفٌ أيضاً في قولي الزمخشريِّ وابن عطيَّة، وقد بَيِّنْتُهما ما هما، فهو عند الزمخشريِّ قوله: «أنْ يُجَرِّدُوهما للقيامِ بالشَّهادة» ، وعند ابن عطيَّة هو قوله: «مالَهُمْ وتَركَتَهُمْ» ، فقوله: «وقال بعضهم: المفعولُ محذوفٌ» يُوهِمُ أنه لم يَدْرِ أنَّه محذوفٌ فيما تقدَّم أيضاً، وممن ذهبَ إلى أن» اسْتَحَقَّ «بمعنى» حَقَّ «المجرَّدِ - الواحديُّ فإنه قال:» واسْتَحَقَّ هنا بمعنى حَقَّ، أي: وَجَبَ، والمعنى: فآخَرَانِ مِنَ الذين وجب عليهمُ الإيصَاءُ بتوصيتِهِ بينهم، وهم وَرَثَتُه «وهذا التفسيرُ الذي ذكره الواحديُّ أوضحُ من المعنى الذي ذكره أبو محمَّد على هذا الوجه، وهو ظاهرٌ. وأمَّا قراءةُ حمزة وأبي بَكْرٍ، فمرفوع» استُحِقَّ «ضميرُ الإيصَاءِ، أو الوصيةِ، أو المالِ، أو الإثمِ، حَسْبما تقدَّم، وأمَّا» الأوَّلَيْنِ «فجمعُ» أوَّل «المقابل ل» آخِر» ، وفيه أربعةُ أوجه: أحدها: أنه مجرورٌ صفةً ل «الَّذين» . الثاني: أنه بدلٌ منه، وهو قليلٌ؛ لكونه مشتقًّا. الثالث: أنه بدلٌ من الضميرِ في «عَلَيهم» ، وحسَّنَه هنا، وإن كان مشتقًّا عدمُ صلاحَيةِ ما قبله للوصف، نقل هذَيْن الوجهَيْن الأخيرَيْنِ مكيٌّ. الرابع: أنه منصوبٌ على المَدْح، ذكره الزمخشريُّ، قال: «ومعنى الأوَّلِيَّةِ التقدُّمُ على الأجَانب في الشَّهَادة؛ لكونهم أحَقَّ بها» ، وإنما فَسَّر الأوَّلِيَّةَ بالتقدُّمِ على الأجَانِب؛ جَرْياً على ما مَرَّ في تفسيره: أو آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ أنَّهُمَا من الأجانب لا من الكُفَّارِ وقال الواحديُّ: «وتقديرُه من الأوَّلينَ الَّذينَ اسْتُحِقَّ عليْهِمُ الإيصَاءُ أو الإثْمُ، وإنما قيل لهم» الأوَّلِينَ» من حيث كانوا أوَّلِينَ في الذِّكْرِ؛ ألا ترى أنه قد تقدَّم: ﴿يِا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ وكذلك ﴿اثنان ذَوَا عَدْلٍ﴾ ذُكِرَا في اللفظ قبل قوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ ، وكان ابنُ عباسٍ يختارُ هذه القراءة، ويقول: «أرأيتَ إنْ كان الأوْليانِ صغيريْنِ، كيف يَقُومَانِ مقامهما» ؟ أراد: أنهما إذا كانا صغيريْنِ لم يقُومَا في اليمين مقامَ الحانِثَيْنِ، ونحا ابن عطية هذا المنحَى قال: «معناه: من القوْمِ الذين استُحِقَّ عليهم أمرُهُمْ، أي: غُلِبُوا عليه، ثم وصفَهم بأنهم أوَّلون، أي: في الذكْرِ في هذه الآية» . وأمَّا قراءةُ الحَسَن فالأوَّلانِ مرفُوعَانِ ب «استَحَقَّ» فإنه يقرؤهُ مبنيًّا للفاعل، قال الزمخشريُّ: «ويَحْتَجُّ به مَنْ يَرَى ردَّ اليمينِ على المُدَّعِي» ، ولم يبيِّن مَنْ هما الأوَّلاَنِ، والمرادُ بهما الاثْنَانِ المتقدِّمَانِ في الذكْرِ؛ وهذه القراءةًُ كقراءةِ حَفْصٍ، فيُقَدَّرُ فيها ما ذُكِرَ، ثم مما يليقُ من تقديرِ المفْعُولِ. وأما قراءة ابن سيرينَ، فانتصابُها على المَدْحِ، ولا يجوزُ فيها الجَرُّ؛ لأنه: إمَّا على البدل، وإمَّا على الوصْف بجَمْعٍ، والأوْلَيَيْنِ في قراءته مثنًّى، فتعذر فيها ذلك، وأمَّا قراءة «الأوْلَيْنَ» كالأعلَيْنَ، فحكاها أبو البقاء قراءةً شاذَّة لم يَعْزُها، قال: «ويُقْرَأ» الأوْلَيْنَ «جمع الأوْلَى، وإعرابه كإعراب الأوَّلينَ» يعني في قراءة حمزة، وقد تقدَّم أن فيها أربعةُ أوجه، وهي جارية هنا. قوله: «فَيُقْسِمَانِ» نسقٌ على «يَقُومَانِ» والسببيَّةُ ظاهرٌة، و «لشَهَادَتُنَا أحَقُّ» : هذه الجملة جوابُ القسمِ في قوله: «فَيُقْسِمَانِ» . فصل في معنى الآية ومعنى الآية: فإن حصل العُثُور، والوقوف على أنَّهُمَا أتيا بِخِيَانة، استَحَقَّا الإثم بسبَبِ اليَمِينَ الكَاذِبَة، أو خِيَانَة في المَالِ، قام في اليَمِين مقَامَهُما رَجُلانِ من قرَابَة الميت، فَيَحْلِفَان باللَّهِ لقد ظَهَرْنا على خَبرِ الذِّمِّيَّين، وكذبهما وتَبْدِيلهما، وما اعْتَدَيَنْا في ذلك وما كَذبْنَا، وهو المُراد بقوله: ﴿فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم﴾ ، والمُرَادُ به موالِي الميِّتِ، قال ابنُ الخطيب: وقد أكثر النَّاسُ في أنَّهُ لِمَ وصف موالِي الميِّتِ بهذا الوَصْفِ؟ والأصَحُّ عندي فيه وَجْهٌ: وهو أنَّهُمْ إنَّما وُصِفُوا بذلك؛ لأنَّهُ لمَّا أخَذَ منهم مَالَهُمْ، فَقَدْ استَحَقَّ عليهم مَالَهُمْ، فإن أخَذَ مال غيره، فقد حاولَ أن يكون تَعَلُّقُهُ بذلك المَالِ مُسْتَعْلِياً على تَعَلُّق مالكه به، فصحَّ أن يوصف المَالِكُ بأنَّه قد استَحَقَّ عليه ذلك المال، وإنما وَصَفهُمَا بأنَّهُما أولَيَان لِوَجْهَيْن: الأول: معنى الأوليان: الأقْرَبان إلى الميِّت. الثاني: يَجُوزُ أن يكُون المَعْنَى الأوليان باليَمينِ؛ لأن الوصِيَّيْن قد ادّعَيَا أنَّ الميِّت قد باعَ الإنَاء الفِضَّة، فانْتَقَلَتِ اليَمِينُ إلى موالي الميِّت؛ لأنَّ الوَصِيَّيْن قد ادّعَيَا أنَّ مُورثَهُمَا باعَ الإنَاء، وهما أنْكَرَا ذلك، فكان اليَمِينُ حقًّا لهما؛ لأنَّ الوَصِيَّ إن أخَذَ شيئاً من مال الميِّت، وقال: إنه أوْصَى لِي به حَلَف لِلْوَارِثِ إذا أنْكَرَ ذلك، وكذا لو ادّعَى رجُلٌ سِلْعَةً في يدِ رجلٍ فاعْتَرَفَ، ثمَّ ادَّعى أنَّهُ اشْتَراها من المدَّعِي، حلف المُدَّعِي أنَّه لم يَبِعْها منه، وهذا كما لو أنَّ إنْسَاناً أقَرَّ لآخر بِدَيْنٍ، ثم ادّعى أنه قَضَاهُ، حُكِمَ بِرَدّ اليمينِ إلى الذي ادّعى الدَّيْن أوَّلاً؛ لأنَّه صارَ مُدَّعىً عليه أنه قد اسْتَوْفَاه. فصل اختلفوا في كَيْفِيَّة ظُهُور الإنَاء، فَرَوَى سَعِيدُ بن جُبَيْرٍ عن ابن عبَّاسٍ: أنه وُجِدَ بمَكَّةَ، فقالوا: إنَّا اشْتَرَيْنَاه من تَمِيمٍ وعَدِيٍّ، وقيل: لما طَالَتِ المُدَّةُ أظهرُوهُ، فبلغ ذلك بني سَهْمٍ فَطَلَبُوهُمَا، فقالا: إنَّا كنا قد اشْتَرَيْنَاه منه، فقالُوا: ألم نَقُل لكم هَلْ بَاعَ صَاحِبُنَا شيئاً من مَتاعِهِ، فَقُلْتُمَا: لا، قالا: لم يَكُنْ عندنا بيِّنةٌ، فكرهنا أن نُقِرَّ لَكُم بِهِ، فكَتَمْنَا لذلك، فرفَعُوهُمَا إلى رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فأنزل اللَّهُ - عزَّ وجلَّ -: ﴿فَإِنْ عُثِرَ على أَنَّهُمَا استحقآ إِثْماً فَآخَرَانِ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا﴾ الآية، فقام عَمْرُو بنُ العَاصِ والمطَّلِبُ بن أبي وَداعة السَّهْمِيَّان، فحلفا باللَّهِ بعد العَصْرِ، فَرَفَع رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الإنَاءَ لَهُما، وإلى أوْلِيَاء الميِّتِ، فكان تَمِيمٌ الداري يقول بعدما أسْلَمَ: صدقَ اللَّهُ ورسُولُه أنا أخَذْتُ فأنَا أتُوبُ إلى اللَّه تعالى. وعن ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - أنَّهُ بقيت تلك الوَاقِعَةُ مَخْفِيَّةً إلى أن أسْلَمَ تَمِيمٌ الدَّاري، فلما أسْلَمَ أخْبَرَ بذلك، فقال: حَلَفْتُ كاذباً أنا وصَاحِبِي، بعْنَا الإنَاءَ بألفٍ وقَسَّمْنَا الثَّمنَ، ثمَّ دَفَعَ خمسمائة دِرْهَم من نفسه، ونزعَ من صاحبه خمسمائةً أخرى، ودفع الألْفَ إلى مَوَالِي الميِّت، فكذلك قوله: ﴿ذلك أدنى أَن يَأْتُواْ بالشهادة على وَجْهِهَآ﴾ ، أي: ذلك الذي حَكَمْنَا به من رَدِّ اليَمينِ، أجدر وأحْرَى أن يَأتِي الوَصِيَّان بالشَّهَادَة على وجهها، وأدْنَى معناه: أقْرَبُ إلى الإتيان بالشَّهَادَة على ما كانت ﴿أَوْ يخافوا أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ أي: أقْرَبُ إلى أن يَخَافُوا رَدَّ اليمينِ بعد يَمينهمْ على المُدَّعِي، فيحلفوا على خِيَانَتِهِم وكذبهم، فَيَفْتَضِحُوا ويغرمُوا، فلا يَحْلِفُون كَاذِبين إذا خَافُوا هذا الحُكْمَ، «واتَّقُوا اللَّهَ» : أنْ تَحْلِفُوا أيْماناً كَاذِبَةً، أو تَخُونُوا أمَانَةً، «واسْمَعُوا» : الموعظة، ﴿والله لاَ يَهْدِي القوم الفاسقين﴾ ، وهذا تَهْديدٌ ووعيدٌ لِمنْ يُخَالِفُ حُكْم اللَّهِ وأوَامِرِهِ. روى الواحدي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في «البَسِيطِ» ، عن عُمَر بن الخطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أنَّهُ قال: هذه الآية أعْضَلُ ما في هذه السُّورَةِ من الأحْكَامِ. ولنَرْجِع إلى إعرابِ بقيَّة الآيَة. قوله «ذلك أدْنَى» لا محلَّ لهذه الجملةِ؛ لاستئنافِها، والمشارُ إليه الحكمُ السابقُ بتفصيله، أي: ما تقدَّم ذكرُه من الأحْكَامِ أقربُ إلى حصولِ إقامةِ الشَّهادة على ما ينبغي، وقيل: المشارُ إليه الحَبْسُ بعد الصلاة، وقيل: تحليفُ الشاهدين، و «أنْ يَأتُوا» أصلُه: «إلى أنْ يأتُوا» ، وقدَّره أبو البقاء ب «مِنْ» أيضاً، أي: أدْنَى من أن يأتُوا، وقدَّره مكيٌّ بالباء، أي: بِأنْ يَأتُوا، قال شهاب الدين: وليْسَا بواضحَيْنِ، ثم حذفَ حرفَ الجر، فَنَشَأ الخلافُ المشهور، و «عَلَى وَجْهِهَا» متعلِّقٌ ب «يَأتُوا» ، وقيل: في محلِّ نَصْبٍ على الحال منها، وقدَّره أبو البقاء ب «محققة وصَحِيحَة» ، وهو تفسيرُ معنًى؛ لما عرفْتَ غير مرة من أنَّ الأكوانَ المقيَّدة لا تُقَدَّر في مثله. قوله: «أوْ يَخَافُوا» في نصبه وجهان: أحدهما: أنه منصوب؛ عطفاً على «يَأتُوا» ، وفي «أوْ» على هذا تأويلان: أحدهما: أنها على بابها من كونها لأحدِ الشيئين، والمعنى: ذلك الحكمُ أقربُ إلى حصول الشهادة على ما ينبغي، أو خوفِ رَدِّ الأيمانِ إلى غيرهم، فتسقطُ أيمانهم، والتأويلُ الآخر: [أن] تكون بمعنى الواو، أي: ذلك الحُكْمُ كله أقربُ إلى أنْ يَأتُوا، وأقربُ إلى أن يَخَافُوا، وهذا مفهومٌ من قول ابن عبَّاسٍ. الثاني من وجهي النصب: أنه منصوبٌ بإضمار «أنْ» بعد «أوْ» ، ومعناها هنا «إلاَّ» ؛ كقولهم: «لألْزَمَنَّكَ أوْ تَقْضِيَني حَقِّي» ، تقديره: إلاَّ أنْ تَقْضِيني، ف «أوْ» حرفُ عطفٍ على بابها، والفعلُ بعدها منصوبٌ بإضمار «أنْ» وجوباً، و «أنْ» وما في حيِّزها مُؤوَّلةٌ بمصْدرٍ، ذلك المصدرُ معطوفٌ على مصدر متوهَّم من الفعلِ قبله، فمعنى: «لألْزَمَنَّكَ أوْ تَقْضِيَنِي حَقِّي» : لَيَكُونَنَّ منِّي لُزُومٌ لك أو قَضَاؤُكَ لِحَقِّي، وكذا المعنى هنا أي: ذلك أدنى بأن يأتوا بالشهادةِ على وجهها؛ وإلاَّ خَافُوا رَدَّ الإيمانِ، كذا قدَّره ابن عطية بواوٍ قبل «إلاَّ» ، وهو خلافُ تقدير النحاة؛ فإنَّهمْ لا يقدِّرون «أوْ» إلا بلفظ «ألاَّ» وحدها دون واو، وكأن «إلاَّ» في عبارته على ما فهمه أبو حيان ليسَتْ «إلاَّ» الاستئنائيةَ، بل أصلُها «إنْ» شرطيةً دخلتْ على «لاَ» النافيةِ فأدْغِمَتْ فيها، فإنه قال: «أو تكون» أو «بمعنى» إلاّ إنْ «، وهي التي عبَّر عنها ابن عطيَّة بتلك العبارةِ من تقديرها بشرطٍ - محذوفٍ فعلُه - وجزاءٍ» . انتهى، وفيه نظرٌ من وجهَيْن: أحدهما: أنه لم يَقُلْ بذلك أحدٌ، أعني كون «أوْ» بمعنى الشرط. والثاني: أنه بعد أنْ حَكَمَ عليْهَا بأنها بمعنى «إلاَّ إنْ» جعلها بمعنى شرطٍ حُذِفَ فعلُه. و «أنْ تُرَدَّ» في محلِّ نَصْبٍ على المفعُولِ به، أي: أو يَخَافُوا رَدَّ أيمانهم. و «بَعْدَ أيْمَانِهِمْ» : إمَّا ظرفٌ ل «تُرَدَّ» ، أو متعلِّقٌ بمحذوفٍ؛ على أنها صفةٌ ل «أيْمَان» ، وجُمِعَ الضميرُ في قوله «يَأتُوا» وما بعده، وإنْ كان عائداً في المعنى على مثنى، وهو الشاهدان، فقيل: هو عائدٌ على صنفي الشاهدين، وقيل: بل عائدٌ على الشهودِ من الناسِ كُلِّهِمْ، معناه: ذلك أولى وأجدرُ أنْ يحذرَ الناسُ الخيانةَ، فيَتَحَرَّوْا في شهادتهم؛ خَوْفَ الشناعةِ عليهم والفَضِيحةِ في رَدِّ اليمينِ على المُدَّعِي، وقوله: «واتَّقُوا الله» لم يذكر متعلَّق التقوى: إمَّا للعلْمِ به، أي: واتقوا اللَّهَ في شهادِتكُمْ وفي الموصينَ عليهم بأن لا تَخْتَلِسُوا لهم شيئاً؛ لأن القصَّةَ كانت بهذا السَّببِ، وإمَّا قَصْداً لإيقاع التقوى، فيتناولُ كلَّ ما يُتَّقَى منه، وكذا مفعولُ «اسْمَعُوا» إنْ شئتَ حذفته اقتصاراً أو اختصاراً، أي: اسْمَعُوا أوامِرَهُ من نَوَاهِيه من الأحكام المتقدِّمة، وما أفْصَحَ ما جيء بهاتَيْن الجملتَيْن الأمريتَيْن، فتباركَ اللَّهُ أصْدَقُ القائلِينَ.

المائدة 5:107

لَمَّا أمَر اللَّه تعالى بِحِفْظِ النَّفْسِ في قوله «عَلَيْكُمْ أنْفُسَكُمْ» ، أمر بِحفْظِ المالِ في هذه الآية. قال القُرْطُبِي: وردَ لَفْظُ الشَّهَادة في القُرآنَ على أنْوَاع مُخْتَلِفَةٍ: الأول: بِمَعْنَى الحُضُور، قال تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185] . الثاني: بمعنى قَضَى، أي: أعلم قال تعالى: ﴿شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ هُوَ﴾ [آل عمران: 18] . قال أبو عُبَيْدَة: الثالث: بمعنى أقرَّ، قال تعالى: ﴿والملاائكة يَشْهَدُونَ﴾ [النساء: 166] . الرابع: شَهِدَ بمعنى حَكَم، قال تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ﴾ [يوسف: 26] . الخامس: شَهِدَ بمعنى حَلَف، قال تعالى ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ [النور: 6] أي: أنْ يَشْهَدَ أرْبَع شَهَادَاتٍ باللَّهِ. السادس: شَهِدَ بمعنى وصَّى، قال تعالى: ﴿يِا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت﴾ ، وقيل مَعْنَاهَا هنا الحُضُور للوصيَّة، يقال: «شَهِدْتُ وصيَّةَ فلانٍ» أي: حَضَرْتُ، وذهَب الطَّبَري إلى أنَّ الشَّهَادةَ بِمَعْنَى اليمين، فيكُونُ المَعْنَى: يَمِينُ مَا بَيْنَكُم أنْ يَحْلِفَ اثْنَان، ويَدُلُّ على ذَلِك، أنَّهُ يُعْلَمُ للَّه حُكْم يَجِبُ فيه على الشَّاهِدِ يَمِينٌ، وهذا القَوْلُ اخْتَارَهُ القَفَّال، وسُمِّيتِ اليَمِينُ شَهَادَة؛ لأنَّها يثبت بِهَا الحُكْمُ بِمَا يَثْبُتُ بالشَّهَادَةِ، واخْتَارَ ابْنُ عَطِيَّة هُنَا أنَّهَا الشَّهَادة التي تُحْفَظُ فَتُؤدَّى. فصل في سبب نزول الآية وسبَبُ نُزُولِها مَا رُوِي: أنَّ تَمِيمَ بن أوْسٍ الدَّارِيِّ وعَدِيّ بن زَيْدٍ كَانَا نَصْرانيينِ، خرجا من المدينةِ إلى الشَّامِ للتِّجَارَة، ومَعهُمَا بديل مَوْلَى عَمْرو بن العَاص، وكان مُسْلِماً مُهَاجراً، فلمَّا قَدِمُوا إلى الشَّام مَرِضَ بَدِيل، فكَتَبَ كِتَاباً فيه جَمِيعُ ما مَعَهُ من المَتَاعِ، وألْقَاهُ في جَوَالِق، ولم يُخبِر صَاحِبَيْه بِذلِك، فلمَّا اشْتَدّ مَرَضُهُ، أوْصَى إلى تَميم وعَدِيّ، وأَمَرَهُمَا أن يَدْفَعَا مَتَاعهُ إذا رجعا إلى أهْلِهِ، ومات «بَدِيل» فَفَتَّشَا متَاعَهُ، وأخَذَا مِنْهُ إناء فضَّةٍ مَنْقُوشاً بالذَّهَبِ، فيه ثلاثمائَةِ مِثْقَالٍ من فِضَّةٍ فغيَّبَاه، ثم قَضَيَا حَاجَتَهُمَا وانْصَرَفا إلى المدينةِ، فَدَفَعا المتاع إلى أهْلِ البَيْتِ، فَفَتَّشُوا وأصَابُوا الصَّحِيفَة، فيها تَسْمِيَةُ ما كان مَعَهُ، فَجَاءوا تَمِيماً وعَدِيًّا، فقالُوا: هل باع صَاحِبُنَا شَيْئاً من مَتَاعِهِ؟ قالاَ: لاَ، قالوا: فهل اتَّجَرَ تِجَارَةً؟ قَالاَ: لاَ، قالُوا: فَهَلْ طَالَ مَرَضُهُ فأنْفَقَ عَلَى نَفْسِهِ؟ قالاَ: لاَ، فقالُوا: إنَّا وَجَدْنَا في متاعِهِ صَحِيفَةً فيها تَسْمِيَةُ ما مَعَهُ، وإنَّا قَدْ فَقَدْنَا منها إنَاءً من فِضَّةٍ مُمَوَّهاً بالذَّهِبِ، فيه ثلاثمائَةِ مِثْقَالٍ فِضَّة فقالا: ما نَدْري، إنَّما أوْصَى لنا بِشَيْء، وأمَرَنَا أن نَدْفعه إلَيْكم فَدَفَعْنَاه، وما لنا عِلْمٌ بالإنَاء، فاخْتَصَمُوا إلى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فأصَرَّا على الإنْكَار، وحَلَفَا فأنْزَلَ اللَّهُ هذه الآية. قوله تعالى: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ : هذه الآية وما بعدها من أشْكَلِ القُرآنِ حُكْماً وإعْراباً وتَفْسيراً، ولم يَزَلِ العلماءُ يستشكلُونَها حتى قال مكيُّ بنُ أبي طالبٍ في كتابه المسمَّى ب «الكشف» : «هذه الآيةُ في قراءاتها وإعرابها وتفسيرها ومعانيها وأحكامها من أصْعَب آي في القُرْآن وأشْكلِها، قال: ويحتملُ أن يُبْسَطَ ما فيها من العلوم في ثلاثينَ ورقةً أو أكثر» ؛ قال: «وقد ذكرنَاهَا مشروحةً في كتاب مفردٍ» ، وقال ابن عطية: «وهذا كلامُ من لم يَقَعْ له الثَّلَجُ في تَفْسيرها، وذلك بَيِّنٌ من كتابه» ، وقال السَّخَاوِيُّ: «لم أر أحداً من العلماء تَخَلَّصَ كلامُه فيها من أولها إلى آخرها» ، وقال الواحديُّ: «وهذه الآية وما بعدها من أعوص ما في القرآن معنًى وإعراباً وتفسيراً» قال شهاب الدين: وأنا أستعينُ الله تعالى في توجيه إعرابها واشتقاق مفرداتها وتصريف كلماتها وقراءاتها ومعرفةِ تأليفها مِمَّا يختصُّ بهذا الموضوع، وبالله الحول والقوة. قرأ الجمهورُ «شَهَادَة بَيْنِكُمْ» برفع «شَهَادةُ» مضافةً ل «بَيْنِكُمْ» ، وقرأ الحسنُ والأعرجُ والشَّعْبِيُّ برفعها منوَّنةً «بَيْنَكُمْ» نصباً، والسُّلَميُّ والحسنُ والأعرجُ - في رواية عنهما -: «شَهَادَةً» منونَّةً منصوبة، «بَيْنَكُمْ» نصباً، فأمَّا قراءة الجمهور، ففي تخريجها خمسةُ أوجه: أحدها: أنها مرفوعةٌ بالابتداءِ، وخبرُها «اثْنَانِ» ، ولا بدَّ على هذا الوجه من حذفِ مضافٍ: إمَّا من الأوَّل، وإمَّا من الثاني، فتقديرُه من الأول: ذَوَا شَهَادَةِ بَيْنكُمُ اثنانِ، أي صَاحِبَا شهادةِ بينكم اثنانِ، وتقديرُه من الثاني: شهادةُ بينكم شهادةُ اثنين، وإنما اضطررْنا إلى حذفٍ من الأول أو الثاني ليتصادقَ المبتدأ والخبرُ على شيءٍ واحدٍ؛ لأنَّ الشهادة معنًى، والاثنان جُثَّتَانِ، ولا يجيء التقديران المذكورانِ في نحو: «زَيْدٌ عَدْلٌ» وهما جعله نفس المصدرِ مبالغةً أو وقوعُه موقع اسم الفاعل؛ لأنَّ المعنى يَأبَاهُمَا هنا، إلا أنَّ الواحديَّ نقل عن صاحب «النَّظْم» ؛ أنه قال: «شَهَادَة» مصدرٌ وُضِع مَوْضِعَ الأسْمَاء. يريدُ بالشهادة الشهود؛ كما يقال: رَجُلٌ عَدْلٌ ورِضاً، ورجالٌ عَدْلٌ ورِضاً وزَوْر، وإذا قَدَّرْتها بمعنى الشُّهُود، كان على حذف المضاف، ويكون المعنى: عدَّة شهودٍ بينكم اثنانِ، واستشهد بقوله: ﴿الحج أَشْهُرٌ﴾ [البقرة: 197] ، أي: وقتَ الحجِّ، ولولا ذلك لنصب أشهراً على تأويل: «الحَجُّ في أشْهُرٍ» ، فعلى ظاهر هذا أنه جعل المصدر نفس الشهود مبالغةً، ولذلك مثله ب «رِجَال عَدْل» ، وفيه نظر. الثاني: أن ترتفع على أنها مبتدأ أيضاً، وخبرها محذوفٌ يَدُلُّ عليه سياقُ الكلام، و «اثْنَان» على هذا مرتفعان بالمصدر الذي هو «شهادة» ، والتقدير: فيما فَرَضَ عليْكُمْ أن يشهد اثْنَانِ، كذا قدَّره الزمخشريُّ وهو أحد قولي الزَّجَّاج، وهو ظاهرٌ جدًّا، و «إذَا» على هذين الوجهين ظرف ل «شَهَادَةُ» ، أي ليُشْهَد وقتُ الموت - أي أسبابه - و «حِينَ الوصيَّةِ» على هذه الأوجه؛ فيه ثلاثة أوجه: أوجهها: أنه بدلٌ من «إذَا» ، ولم يذكر الزمخشريُّ غيره، قال: «وفي إبداله منه دليلٌ على وجوب الوصية» . الثاني: أنه منصوبٌ بنَفْسِ الموت، أي: يقع المَوْتُ وقْتَ الوصية، ولا بُدَّ من تأويله بأسباب الموت؛ لأنَّ وقتَ الموتِ الحقيقيِّ لا وصيةَ فيه. الثالث: أنه منصوبٌ ب «حَضَرَ» ، أي: حَضَر أسباب الموتِ حين الوصيَّة. الثالث: أنَّ «شَهَادَةُ» مبتدأ، وخبره: «إذَا حضَر» ، أي: وقوعُ الشهادة في وقتِ حضُورِ الموتِ، و «حِينَ» على ما تقدَّم فيه من الأوجه الثلاثة آنفاً، ولا يجوزُ فيه، والحالةُ هذه: أن يكون ظرفاً للشهادة؛ لئلا يلزمَ الإخبارُ عن الموصول قبل تمامِ صلته، وهو لا يجوزُ؛ لما مرَّ، ولمَّا ذكر أبو حيَّان هذا الوجه، لم يستدركْ هذا، وهو عجيبٌ منه. الرابع: أنَّ «شَهَادَةُ» مبتدأ، وخبرُها «حِين الوصيَّةِ» ، و «إذَا» على هذا منصوبٌ بالشَّهَادَةِ، ولا يجوز أن ينتصب ب «الوصيَّة» ، وإن كان المعنى عليه؛ لأنَّ المصدر المؤوَّلَ لا يَسْبقه معمولُه عند البصريِّين، ولو كان ظرفاً، وأيضاً: فإنه يلزمُ منه تقديمُ المضافِ إليه على المضافِ؛ لأن تقديم المعمول يُؤذِنُ بتقديمِ العامل، والعاملُ لا يتقدَّم، فكذا معمولُه، ولم يجوِّزوا تقديم معمُولِ المضافِ إلَيْه على المضاف إلا في مسألة واحدة، وهي: إذا كان المضافُ لفظةَ «غَيْر» ؛ وأنشدوا: [البسيط] 2061 - إنَّ امْرَأ خَصَّنِي عَمْداً مَوَدَّتَهُ ... عَلَى التَّنَائِي لِعِنْدِي غَيْرُ مَكْفُورِ ف «عِنْدِي» منصوبٌ ب «مَكفُور» ؛ قالوا: لأنَّ «غَيْر» بمنزلة «لاَ» ، و «لاَ» يجوزُ تقديمُ معمولِ ما بعدها عليها، وقد ذكر الزمخشريُّ ذلك آخرَ الفاتحةِ، وذكر أنه يجوزُ «أنَا زَيْداً غَيْرُ ضَارِبٍ» دون «أنَا زَيْداً مِثْلُ ضَارِبٍ» ، و «اثنان» على هذين الوجهين الأخيرين يرتفعان على أحد وجهين: إمَّا الفاعلية أي: «يَشْهَدُ اثْنَانِ» يدل عليه لفظ «شَهَادة» ، وإمَّا على خبر مبتدأ محذوف مدلولٍ عليه ب «شهادة» أيضاً أي: الشاهدان اثنان. الخامس: أنَّ «شهَادَةُ» مُبْتدأ، و «اثْنَانِ» فاعلٌ سدَّ مَسدَّ الخبَر، ذكره أبُو البقاء وغيره، وهو مذهبُ الفرَّاء، إلا أنَّ الفرَّاء قدَّر الشَّهادةَ واقِعةً موقعَ فِعْلِ الأمْر؛ كأنه قال: «لِيَشْهَدِ اثْنَانِ» ، فجعلُه من باب نِيَابةِ المصْدَرِ عن فِعْل الطَّلَبِ، وهو مثل «الحَمْدُ لله» و ﴿قَالَ سَلاَمٌ﴾ [هود: 69] ؛ من حيث المعنى، وهذا مذهبٌ ضعيفٌ ردَّه النَّحْوِيُّون، ويخصُّون ذلك بالوصْفِ المعتمد على نَفْيٍ أو استفهامٍ؛ نحو: «أقَائِمٌ أبَواكَ» وعلى هذا المذهب ف «إذَا» و «حِينَ» ظرفان مَنْصُوبان على ما تقرَّر فيهمَا في غير هذا الوجه؛ وقد تَحَصَّلْنا فيما تقدَّم أنَّ رفع «شَهَادَةُ» من وجْهِ واحدٍ؛ وهو الابتداءُ، وفي خبرها خَمْسَة أوجه تقدَّم ذكرُها مُفَصَّلَةً، وأنَّ رفع «اثْنَان» من خَمْسة أوْجُه: الأول: كونه خَبَراً ل «شَهَادَةُ» بالتَّأويل المذكُور. الثاني: أنه فاعلٌ ب «شَهَادَةُ» . الثالث: أنه فاعلٌ ب «يَشْهَدُ» مقدَّراً. الرابع: أنه خبر مُبْتدأ، أي: الشَّاهدان اثْنَانِ. الخامس: أنه فاعلٌ سَدَّ مسدَّ الخبر، وأنَّ في «إذَا» وجهين: إمَّا النَّصْبَ على الظرفيَّة، وإمَّا الرفع على الخَبَرِيَّة ل «شَهَادَةُ» ، وكل هذا بَيِّنٌ مما لَخَّصْتُه قبلُ، وقراءةُ الحسن برفعها منونةً تتوجه بما تقدَّم في قراءة الجُمْهور من غير فَرْقٍ. وأمَّا قراءةُ النصبِ، ففيها ثلاثةُ أوجهٍ: أحدها - وإليه ذهب ابن جنِّي -: أنها منصوبةٌ بفعل مضمرٍ، و «اثْنَان» مرفوعٌ بذلك الفعل، والتقدير: ليُقِمْ شهادةَ بَيْنكُمُ اثْنَانِ، وتبعه الزمخشريُّ. وقد ردَّ أبو حيان هذا؛ بأن حذف الفعل وإبقاء فاعله، لم يُجِزْهُ النحويون، إلا أن يُشْعِرَ به ما قبله؛ كقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والآصال رِجَالٌ﴾ [النور: 36 - 37] في قراءة ابن عامر وأبي بَكْرٍ، أي: يُسَبِّحُهُ رجال؛ ومثله: [الطويل] 2062 - لِيُبْكَ يَزِيدُ ضَارعٌ لِخُصُومَةٍ ... ومُخْتَبِطٌ مِمَّا تُطِيحُ الطَّوائِحُ وفيه خلافٌ: هل يَنْقاسَ أو لا؟ أو يُجَابَ به نَفْيٌ؛ كقوله: [الطويل] 2063 - تَجَلَّدْتَ حَتَّى قِيلَ: لَمْ يَعْرُ قَلْبَهُ ... مِنَ الوَجْدِ شَيْءٌ قُلْتُ: بَلْ أعْظَمُ الوَجْدِ أي: بَلْ عراه أعظمُ الوجْدِ، وما نحْنُ فيه ليس من الأشياء الثلاثة. الثاني: أن «شَهَادَةً» بدل من اللفظ بفعل، أي: إنها مصدر ناب مناب الفعلِ، فيعملُ عملَه، والتقدير: لِيَشْهد اثْنَانِ، ف «اثْنَانِ» فاعل بالمصدر، لنيابته منابَ الفعلِ، أو بذلك الفعلِ المحذوفِ، على حسبِ الخلاف في أصل المسألة، وإنما قدَّرْتُه «لِيَشْهَدِ اثْنَانِ» ، فأتيتُ به فعلاً مضارعاً مقروناً بلام الأمر، ولم أقدِّرْهُ فِعْلَ أمر بصيغة «افْعَلْ» ؛ كما يُقَدِّرُه النحويُّون في نحو: «ضَرْباً زَيْداً» ، أي: «اضْرِبْ» لأنَّ هذا قد رفع ظاهراً وهو «اثنانِ» ، وصيغةُ «افْعَلْ» لا ترفع إلا ضميراً مستتراً إن كان المأمور واحداً؛ ومثلُه قوله: [الطويل] 2065 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ..... فَنَدْلاً زُرَيْقُ المَالَ نَدْلَ الثَّعَالِبِ ف «زُرَيْقُ» يجوز أن يكون منادًى، أي: يا زُرَيْقُ، والثاني: أنه مرفوع ب «نَدْلاً» على أنه واقعٌ «لِيَنْدَلْ» ، وإنما حُذِف تنوينه؛ لالتقاء الساكنين؛ على حَدِّ قوله: [الطويل] 2066 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ..... وَلاَ ذَاكِرَ اللَّهَ إلاَّ قَلِيلا الثالث: أنَّ «شَهَادَةً» بدل من اللفظ بفعلٍ أيضاً، إلا أنَّ هذا الفعل خبريٌّ، وإن كان أقلَّ من الطلبيِّ، نحو: «حَمْداً وشُكْراً لا كُفْراً» ، و «اثْنَانِ» أيضاً فاعلٌ به، تقديرُه: يَشْهَدُ شَهَادَةً اثنانِ، وهذا أحسنُ التخاريجِ المذكُورة في قولِ امرئ القيس: [الطويل] 2067 - وُقُوفاً بِهَا صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيَّهُمْ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... «وُقُوفاً» مصدرٌ بدلٌ من فعلٍ خبريٍّ رفع «صَحْبِي» ونصب «مَطِيَّهُمْ» تقديره: وقف صَحْبِي، وقد تقدَّم أنَّ الفرَّاء في قراءة الرفع قدَّرَ أن «شَهَادَة» واقعةٌ موقع فعلٍ، وارتفع «اثْنَان» بها، وقد تقدم أنَّ ذلك يجوز أن يكون مِمَّا سَدَّ فيه الفاعل مسدَّ الخبر، و «بَيْنَكُمْ» في قراءةِ مَنْ نوَّن «شَهَادَة» نصبٌ على الظرف، وهي واضحةٌ. وأمَّا قراءةُ الجرِّ فيها، فَمِنْ باب الاتِّساعِ في الظُّروفِ، أي: بجعل الظرفِ كأنه مفعولٌ لذلك الفعلِ، ومثله: ﴿هذا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: 78] وكقوله تعالى: ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: 94] فيمن رفع، قال أبو حيان: «وقال الماتُرِيديُّ - وتبعه الرازيُّ -: إنَّ الأصلَ» مَا بَيْنَكُمْ «فحذف» مَا» ، قال الرازيُّ: و «بَيْنَكُمْ» كنايةٌ عن التنازُعِ؛ لأنه إنما يُحْتَاجُ إلى الشهود عند التنازع، وحَذْفُ» مَا «جائزٌ عند ظهوره؛ ونظيرُه كقوله تعالى: ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: 94] في قراءة مَنْ نصب» قال أبو حيان: «وحَذفُ» مَا «الموصولةِ غيرُ جائز عند البصريِّين، ومع الإضافة لا يَصِحُّ تقديرُ» مَا «ألبتة، وليس قوله ﴿هذا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: 78] نظيرَ ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: 94] لأن هذا مضافٌ، وذلك باقٍ على ظرفيته فيُتَخَيَّلُ فيه حَذْفُ» مَا» ؛ بخلاف ﴿هذا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: 78] و «شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ» ؛ فإنه لا يُتَخَيَّلُ فيه تقديرُ «مَا» ؛ لأنَّ الإضافة أخْرَجَتْهُ عن الظرفيَّة وصَيَّرَتْهُ مفعولاً به على السَّعَة» ، قال شهاب الدين: هذا الذي نقله الشيخ عنهما قاله أبو عليٍّ الجُرْجَانِيُّ بعينه، قال - رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى -: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ ، أي: ما بَيْنكُمْ، و «مَا بَيْنَكُمْ» كنايةٌ عن التنازُع والتشاجر، ثم أضافَ الشهادة إلى التنازعِ؛ لأن الشهودَ إنَّما يُحْتَاجُ إليهم في التنازُعِ الواقعِ فيما بين القوم، والعربُ تُضيفُ الشيْءَ إلى الشيءِ، إذا كان منه بسبب؛ كقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ [الرحمن: 46] ، أي: مقامه بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ، والعربُ تَحْذِفُ كثيراً ذكر «مَا» و «مَنْ» في الموضِعِ الذي يُحْتَاجُ إليهما فيه؛ كقوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ﴾ [الإنسان: 20] أي: ما ثَمَّ، وكقوله: ﴿هذا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: 78] و ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: 94] أي ما بَيْنِي، ومَا بَيْنَكُمْ، وقول أبي حَيَّان «لا يُتَخَيَّل فيه تقديرُ» مَا «إلى آخره» ممنوعٌ؛ لانَّ حالة الإضافة لا تَجْعَلُها صلةً للموصول المحذوف، ولا يَلْزمُ من ذلك: أنْ تُقَدِّرَها من حيث المعنى، لا من حيث الإعرابُ؛ نظراً إلى الأصْلِ، وأمَّا حَذْفُ الموصُولِ، فقد تقدَّم تحقيقُه. فصل واخْتَلَفُوا في هَاتَيْن الآيتين، فقالَ قَوْمٌ: هما الشَّاهِدِانِ يَشْهَدَان على وِصيَّةٍ. وقال غَيْرُهُم: هُمَا الوصيَّان؛ لأنَّ الآيَة نَزَلَتْ فيهما؛ ولأنَّه قال: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصلاة فَيُقْسِمَانِ﴾ ، ولا يَلْزَمُ الشَّاهِدُ يَمِين، وجَعَلَ الوَصِيَّ اثْنَيْن تَأكيداً، فعلى هذا تكُونُ الشَّهَادَةُ بِمَعْنَى: الحُضُور، كقولك: «شَهِدْتُ وصيَّة فُلانٍ» ، بِمَعْنَى: حَضَرتُ وشَهِدْتُ العَيْن، وقوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ المؤمنين﴾ [النور: 2] يُريدُ الحُضُور. فصل وقوله: «ذَوا» صفةٌ لاثنين، أي: صاحِبَا عدْلٍ، وكذلك قوله «مِنْكُمْ» صفة أيضاً لاثنين، وقوله: «أوْ آخَرَانِ» نسقٌ على اثنين، و «مِنْ غَيْرِكُمْ» صفةٌ لآخَرَيْنِ، والمراد ب «مِنْكُمْ» من قرابتكم وعترَتِكُم، ومن غيركم من المسلمين الأجانب، وقيل: «مِنْكُمْ» من أهل دينكم، و «مِنْ غَيْرِكُمْ» من أهل الذمة، ورجَّح النحَّاسُ الأولَ، فقال: «هذا يَنْبَنِي على معنًى غامضٍ في العربية، وذلك أنَّ معنى» آخَرَ «في العربية من جنْسِ الأوَّلِ تقولُ:» مَرَرْتُ بِكَرِيمٍ وكَرِيمٍ آخَرَ «ولا يجوز» وخَسِيسٍ آخَرَ «ولا:» مَرَرْتُ بِحِمَارٍ ورَجُلٍ آخَرَ» ، فكذا هاهنا يجب أن يكون «أو آخَرَانِ» : أو عَدْلاَن آخَرَان، والكفارُ لا يكونونَ عُدُولاً» وردَّ أبو حيان ذلك؛ فقال: «أمَّا ما ذكرَهُ من المُثُلِ، فصحيحٌ؛ لأنه مثَّل بتأخير» آخَرَ «، وجعله صفةً لغير جنسِ الأوَّل، وأمَّا الآيةُ، فمن قبيل ما يُقدَّم فيه» آخَر «على الوصف، واندرج» آخَر «في الجنْس الذي قبله، ولا يُعْتَبَرُ وصْفُ جنس الأول، تقول:» مَرَرْتُ بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ وآخَرَ كَافِرٍ، واشْتَرَيْتُ فَرَساً سَابِقاً، وآخَرَ بَطِيئاً «، ولو أخَّرْتَ» آخَرَ «في هذين المثالين، فقلت:» مَرَرْتُ بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ كَافِرٍ آخَرَ «، لم يَجُزْ، وليس الآيةُ من هذا؛ لأن تركيبها ﴿اثنان ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ ف» آخَرَانِ «من جنسِ قوله» اثْنَانِ» ، ولا سيما إذا قَدَّرْته: «رَجُلانِ اثْنَانِ» ف» آخَرَانِ «هما من جنْس قوله» رَجُلانِ اثْنَانِ» ، ولا يُعْتَبَرُ وصف قوله: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ ، وإن كان مغايراً لقوله «مِنْ غَيْركُمْ» ، كما لا يُعتبر وصفُ الجنْسِ في قولك: «عِنْدِي رَجُلانِ اثْنَانِ مُسْلِمَانِ وآخَرَانِ كَافِرَانِ» ؛ إذ ليس من شرطِ» آخَرَ «إذا تقدَّم أن يكون من جنْس الأول بقيدِ وصفه، وعلى ما ذكرته جاء لسانُ العربِ؛ قال الشاعر: [البسيط] 2068 - كَانُوا فَرِيقَيْنِ يُصْفُونَ الزِّجَاجَ عَلَى ... قُعْسِ الكَوَاهِلِ في أشْدَاقِهَا ضَخَمُ وآخرِينَ تَرَى المَاذِيَّ فَوْقَهُمُ ... مِنْ نَسْجِ دَاوُدَ أوْ مَا أوْرَثَتْ إرَمُ التقديرُ: كانوا فريقين: فريقاً - أو ناساً - يُصْفُونَ الزجاج، ثم قال:» وآخرين تَرَى الماذِيَّ، ف» آخَرِينَ «من جنْس قولك» فَرِيقاً» ، ولم يعتبره بوصفه بقوله «يُصْفُونَ الزِّجاج» ؛ لأنه قَسَّم من ذكر إلى قسمين متباينين بالوصف متحدين بالجنْسِ» ، قال: «وهذا الفرقُ قَلَّ مَنْ يَفْهَمُهُ؛ فَضْلاً عَمَّنْ يَعْرفُهُ» . وقوله: «أو» الظاهرُ أنها للتخْيير، وهو واضحٌ على القول بأن معنى «مِنْ غَيْرِكُمْ» : مِنْ غير أقارِبكُمْ من المسلمين، يعني: المُوصِي مُخَيَّرٌ بيْنَ أنْ يُشْهِدَ اثنَيْنِ من أقاربه، أو من الاجانب المسلمين وقيل: «أوْ» للترتيب: أي: لا يُعْدَلُ عن شاهدين منْكُمْ إلا عِنْدَ فَقْدِهِمَا، وهذا لا يجيءُ إلا إذا قلنا: «مِنْ غَيْرِكُمْ» : من غير أهْلِ مِلَّتِكُمْ. قوله: «إن أنْتُمْ» «أنْتُمْ» مرفوعٌ بمحذوفٍ يفسِّره ما بعده، وهي مسألة الاشتغالِ، والتقديرُ: إنْ ضَرَبْتمْ، فلما حُذِفَ الفعلُ، انفصلَ الضميرُ، وهذا مذهبُ جمهور البصريِّين، وذهب الأخْفَشُ منهم والكوفيُّون إلى جواز وقوعِ المبتدأ بعد «إن» الشرطيَّةِ؛ كما أجازوه بعد «إذَا» أيضاً، ف «ضَرَبْتُمْ» لا محلَّ له عند الجمهور؛ لكونه مفسِّراً، ومحلُّه الرفعُ عند الكوفيين والأخفش؛ لكونه خبراً؛ ونحوه: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ المشركين استجارك﴾ [التوبة: 6] ، ﴿إِذَا الشمس كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: 1] . وجوابُ الشرط محذوفٌ يدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿اثنان ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ﴾ ، ولكنَّ تقدير هذا الجوابِ يتوقَّف على خلافٍ في هذا الشرط: هل هو قيدٌ في أصْلِ الشهادة، أو قيدٌ في ﴿آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ فقط؟ بمعنى: أنه لا يجوزُ العدولُ في الشهادة على الوصيَّة إلى أهلِ الذمةِ، إلا بشَرْطِ الضرب في الأرض، وهو السفر، فإن قيل: هو شرطٌ في أصْلِ الشهادةِ، فتقديرُ الجواب: إنْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ، فليشهد اثنانِ منْكُمْ أو من غَيْرِكُمْ، وإنْ كان شرطاً في العدُولِ إلى آخَرَيْنِ من غير الملَّة، فالتقدير: فأشْهِدُوا آخَرَيْنِ من غَيْركم، أو فالشاهِدُ آخَرَانِ من غَيْرِكُمْ، فقد ظهر أنَّ الدَّالَّ على جوابِ الشرط: إمَّا مجموعُ قوله: «اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ ... إلى آخره» على القولِ الأوَّل، وإمَّا ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ فقط على القولِ الثاني. والفاء في «فَأصَابتكم» عاطفةٌ هذه الجملة على نَفْسِ الشرط، وقوله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصلاة﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنها في محلِّ رفع صفة ل «آخَرَانِ» ؛ وعلى هذا: فالجملةُ الشرطيةُ وما عُطِفَ عليها معترضةٌ بين الصفةِ وموصوفها؛ فإنَّ قوله «تَحْبسُونَهُمَا» صفةٌ لقوله «آخَرَانِ» ، وإلى هذا ذهب الفارسيُّ، ومكِّي بنُ أبِي طالبٍ، والحُوفيُّ، وأبو البقاء، وابن عطيَّة، وقد أوضحَ الفارسيُّ ذلك بعبارةٍ خاصَّةٍ، فقال: «تَحْبِسُونَهُمَا» صفة ل «آخَرَانِ» واعترض بقوله: ﴿إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأرض﴾ ، وأفاد الاعتراضُ: أنَّ العُدولَ إلى آخرين من غير المِلَّة، أو القرابة حَسَبَ اختلافِ العُلَمَاء فيه؛ إنما يكون مع ضرورة السَّفَر، وحلول المَوْت فيه، واستغني عن جواب «إنْ» ؛ لِما تقدَّم في قوله ﴿آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ ، فقد ظهر من كلامه: أنه يجعلُ الشرط قيداً في ﴿آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ فقط لا قيداً في أصْلِ الشهادة، فتقديرُ الجوابِ على رأيه؛ كما تقدَّم: «فاسْتَشْهِدُوا آخَرَيْن مِنْ غَيْرِكُمْ» أو «فالشَّاهِدَانِ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ» . والثاني: أنه لا محلَّ له؛ لاستئنافهِ، وإليه ذهب الزمخشريُّ؛ قال: «فإنْ قلت: ما موقعُ قوله:» تَحْبِسُونَهُمَا «؟ قلتُ: هو استئنافُ كلام، كأنه قيل بعد اشتراطِ العدالةِ فيهما: فكيفَ نَعْمَلُ، إن ارتَبْنَا فيهمَا؟ فقيل: تَحْبِسُونَهُمَا» ، وهذا الذي ذكره الزمخشريُّ أوفقُ للصناعة؛ لأنه يلزمُ في الأوَّل الفصْلُ بكلام طويلٍ بين الصفة وموصوفها، وقال: «بعد اشتراط العدالة» ؛ بناءً على مختاره في قوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ ، أي: أو عَدْلانِ آخرانِ من الأجانب. قال أبو حيان: «في قوله:» إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُْ «إلى آخره التفاتٌ من الغيبة إلى الخطاب، إذ لو جرى على لفظ ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت﴾ ، لكان التركيب: إنْ هو ضَرَبَ في الأرْضِ، فأصابته، وإنما جاء الالتفاتُ جمعاً؛ لأنَّ» أحَدَكُمْ «معناه: إذا حضَرَ كُلَّ واحدٍ منكم المَوْتُ» ، وفيه نظرٌ؛ لأن الخطاب جارٍ على أسلوب الخطابِ الأوَّل من قوله: ﴿يِا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ إلى آخره، وقال ابن عبَّاس: «في الكلام حذفٌ، تقديرُه: فأصابتْكُمْ مصيبةُ الموتِ، وقد أشهدتُموهُمَا على الإيصاء» ، وعن سعيد بن جُبير: تقديره «وقد أُوصيتُم» ، قال بعضُهُم: «هذا أوْلَى؛ لأنَّ الوَصِيَّ يَحْلِفُ، والشَّاهدَ لا يَحْلِفُ» . والخطابُ في «تَحْبِسُونَهُمَا» لولاةِ الأمور لا لِمَنْ خُوطِبَ بإصابته المَوْتَ؛ لأنه يتعذَّر ذلك فيه، و «مِنْ بَعْدِ» متعلِّق ب «تَحْبِسُونَهُمَا» ، ومعنى الحَبْسِ: المنعُ، يقال: حَبَسْتُ وأحْبَسْتُ فَرَسِي في سبيلِ الله، فَهُوَ مُحْبَسٌ وحَبِيسٌ، ويقال لمصْنَعِ الماءِ: « حَبْسٌ» ؛ لأنه يمنعه، ويقال: «حَبَّسْتُ» بالتشديد أيضاً بمعنى وقَفْتُ وسَبَلْتُ؛ وقد يكون التشديدُ للتكثير في الفعل؛ نحو: «حَبَّسْتُ الرِّجَالَ» ، والألف واللام في «الصَّلاة» فيها قولان: أحدهما: أنها للجنْس، أي: بعد أيِّ صلاة كانت. والثاني - وهو الظاهر - أنها للعَهْد كما سيأتي - إن شاء الله تعالى -. فصل معنى الآية: أنَّ الإنْسَان إذا حَضَرَهُ المْوتُ، أنْ يُشهِدَ اثنين ذَوَيْ عدلٍ أي: أمَانةٍ وعَقْلٍ. ومعنى قوله: «مِنْكُم» أي: أهْل دِينكُمْ يا مَعْشَر المُؤمنين، ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ ، من غَيْر دِينكُمْ قول أكثر المُفَسِّرين، قاله ابْنُ عبَّاس، وأبُو مُوسى الأشْعَرِي، وهو قَوْلُ سعيد بن المُسَيِّبِ، وإبراهيمِ النَّخْعِي، وسعيد بنِ جُبَيْرٍ [وشريح] ، ومُجَاهِد، وعُبَيْدة، ثُمَّ اختلفَ هؤلاءِ في حُكْمِ الآيَةِ. فقال النَّخْعي، وجماعةٌ: هي منسوخَةٌ، وكانَتْ شَهَادةُ أهْلِ الذَمَّةِ مَقْبُولَةً في الابْتِدَاء، ثُمَّ نُسِخَتْ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهَا ثَابِتَة، وقالُوا: إذا لم يَجِدْ مُسْلمَيْنِ يُشهِدُ كَافِريْنِ قَالَ شُرَيْح: مَنْ كان بِأرْض غُرْبَةٍ، ولم يَجِدْ مُسْلِماً يَشْهدُ على وصِيَّتِهِ، فأشْهَدَ كَافِرَيْنِ على أيِّ دينٍ كَانَا من أهْلِ الكتابِ، أوْ عَبَدَةِ الأوْثان، فَشَهَادَتُهُم جَائِزةٌ، ولا تَجُوزُ شَهَادَةُ كافرٍ على مُسْلمٍ إلاَّ على وَصِيَّةٍ في سَفَرٍ. وعن الشَّعْبِيِّ: أنَّ رَجُلاً من المُسْلِمين حَضَرَتُهُ الوَفَاةُ بدقوقا، ولم يَجِدْ مُسْلِماً يُشْهِدُه على وصِيَّتِهِ، فأشْهَدَ رجُلَيْنِ من أهْلِ الكِتَابِ، فقدِمَا الكوفَةَ بتَرِكَتهِ وأتَيا أبَا مُوسَى الأشْعَرِي. فقال الأشْعَرِيُّ: هذا أمْرٌ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الذي كان على عَهْد رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فأحْلَفَهُمَا باللَّه ما خَانَا ولا كَذبَا، ولا بَدَّلا، ولا غيَّرا، وأنَّها لوصيَّة الرَّجُل وتركتِهِ، وأمْضَى شَهَادتَهُمَا وقال آخرُون: قوله: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ أي: من حَيّ المُوصِي، ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ ، أي: من غَيْرِ حَيِّكُمْ وعَشِيرَتِكُمْ، وهو قول الحَسَن والزُّهرِي وعِكْرِمَة [ وجُمْهُور الفُقَهَاء] ، وقالوا: لا يجوز شَهَادةُ كَافِرٍ في شَيْءٍ من الأحْكَامِ. وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأرض﴾ ، أي: إنْ وَقَعَ المَوْتُ في السَّفَرِ، ولم يَكُنْ مَعَكَمْ أحَدٌ من المُسْلِمِين، أوْ من أقَارِبُكُمْ، فاسْتَشْهِدُوا أجْنَبِيَّيْن على الوصيَّة، إمَّا من مِلتِكُم، أو من غَيْرِ مِلَّتِكُمْ على الخِلاف. واحتَجَّ من قال: المُرَادُ بقوله: «مِنْ غَيْرِكُم» : الكُفَّار؛ بأنَّه تعالى قال في أوَّل الآيةِ: ﴿يِا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ﴾ فعمَّ بهذا الخِطَابِ جَمِيعَ المُؤمنينَ، فلما قال بعده «مِنْ غَيْرِكُم» كان المُرادُ غَيْرَ المُؤمنين. وأيضاً كما شَرَطَ هذا الاسْتِشْهَاد بحَالَة السَّفَرِ عَلِمْنَا أن المُراد بالآية: الكُفَّار؛ لأنَّ جواز الاسْتِشْهَادِ بالمُسْلِمِ غير مَشْرُوطٍ بالسَّفْر. وأيضاً فالآية تَدُلُّ على وُجُوبِ تَحْلِيف الشَّاهدين بَعْد الصلاة، والإجْمَاع على أنَّ الشَّّاهِد المُسْلِم، لا يَجِبُ عَلَيْه الْحَلْفُ، فعَلِمْنَا أنَّ هذَيْن الشَّاهدَيْنِ ليسا من المُسْلِمين وأيضاً بسَببِ النُّزُول، ما ذكرنا من شَهَادَةِ النَّصْرَانِيَّيْن، وقِصَّة أبِي مُوسى الأشْعَرِي، إذ قَضَى بِشَهَادَةِ اليَهُوديَّيْن، ولَمْ يُنْكِرْ عليه أحَدٌ من الصَّحَابَة، فكان إجْماعاً، فهذه حالةُ ضَرُورَةٍ، والضَّرُورَاتُ قد تُبِيحُ المَحْظُورات، كَجَوازِ التَّيَمُّمِ، والقَصْرِ، والفِطْرِ في رمضان، وأكلِ المَيْتَةِ في حالِ الضَّرُورَة، والمُسْلِمُ إذا حَضَرَهُ المَوْتُ في السَّفرِ، ولم يجِدْ مُسْلِماً يُشْهِدُه على وصِيَّتهِ، ولم تكنْ شَهَادةُ الكافِرِين مَقْبُولَةٌ، فإنَّه يُضَيِّع أكثر مُهِمَّاتِه، ورُبَّما كان عِنْدَهُ ودَائِع ودُيُونٌ في ذِمَّتِهِ. كما تُجُوزُ شَهادَةُ النِّساء فيما يتعلَّقُ بأحْوَالِهِنَّ، كالحَيْضِ والحَبَلِ والولادَةِ والاستِهْلاَلِ؛ لِعَدَم إمْكَانِ وقُوفِ الرِّجَال على هذه الأحْوَال، فاكتُفي بِشَهادةَ النِّسَاء فيها للضَّرُورة، فكَذَا هَاهُنَا، والقَوْلُ بأنَّ هذا الحُكْمَ صَارَ مَنْسُوخاً بَعِيدٌ؛ لاتِّفَاقِ أكْثَرِ الأمَّةِ على أنَّ سُورة المَائِدَةِ من آخر ما نزل من القُرْآنِ، ولَيْسَ فيها مَنْسُوخٌ، واحْتَجَّ الآخَرون بقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَي عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق: 2] ، والكَافِرُ لا يكون عَدْلاً. وأُجِيبَ بأنَّه لم لا يجُوز أنْ يكون المرادُ بالعَدْلِ مَنْ كَانَ عدْلاً في الاحْتَرازِ عَنِ الكذبِ، لا مَنْ كان عَدْلاً في الدِّين والاعتقاد؛ لإجْماعِنَا على قُبُول شَهَادِةِ أهْلِ الأهْوَاء والبِدَعِ، مع أنَّهم لَيْسُوا عُدُولاً في مَذَاهِبِهم عِنْدَنا لِكُفْرِهِم، [ولكنهم] لمَّا كانُوا عُدُولاً في الاحْتِرازِ عَنِ الكَذِبِ، قَبِلْنَا شَهَادَتَهُمْ، فكذا هَاهُنَا. سلَّمْنَا أنَّ الكَافِرَ لَيْسَ بعْدلٍ، إلاَّ أن قوله: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ عامٌّ، وقوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأرض﴾ خَاصٌّ؛ فإنَّه أوْجَبَ شهادَة العَدْلِ منَّا في الحَضَرِ، واكْتَفَى بِشَهَادَةِ مَنْ لا يَكُونُ منَّا في السَّفَرِ، فَهَذِه الآيَةُ خَاصَّةٌ، والآيةُ التي ذكرُوهَا عامَّةٌ، والخاصُّ مُقدَّم على العامِّ، لا سِيَّما إذا كان الخَاصُّ مُتَأخِّراً في النُزُولِ، والمائِدَةُ مُتَأخِرَّةٌ، فكان تَقْدِيمُ هذه الآيَةِ الخَاصَّةِ وَاجِبٌ بالاتِّفَاقِ. وقوله: «تَحْبِسُونَهُمَا» أي: تستوقفونهما مِنْ بعد صلاةِ أهْلِ دينهمَا. وقال عامَّةُ المُفَسِّرين: من بعدِ صلاة العَصْرِ، قالَهُ الشَّعْبِي، والنَّخْعِي، وسعيدُ بن جُبير، وقَتادَةُ وغَيْرِهم؛ لأنَّ جَمِيعَ أهْلِ الأدْيَان يُعَظِّمُونَ ذلك الوَقْت، ويَجْتَنِبُون فيه الحَلْفَ الكَاذِبَ. وقال الحَسَنُ: مِنْ بعد صلاة الظُّهْر. واحتَجَّ الجُمْهُور بما تقدَّم، وبأنَّه رُوِي أنَّهُ لمَّا نَزلَتِ هذه الآيَةِ، صلَّى رسُولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ صلاة العَصْر، ودَعَا ب «عَدِيِّ» و «تَمِيمٍ» فأسْتَحلفَهُمَا عِنْد المِنْبَر. وقال بعضهم: بَعْدَ أداءِ أيِّ صلاةٍ كانتْ؛ لأنَّ الصَّلاة تَنْهَى عن الفَحْشَاءِ والمُنْكَر. قال بَعْضُ العلماء: الأيمانُ تُغَلَّظ في الدِّماءِ، والطَّلاقِ، والعِتَاقِ، والمال إذا بلغ مائَتَيْ دِرْهم بالزَّمَانِ والمكَان، فَيُحْلَفُ بعد صلاة العَصْرِ بِمَكَّةَ بين الرُّكْنِ والمقام، وفي المدينَة عند المِنْبَر، وفي بَيْتِ المقْدِسِ عند الصَّخْرَةِ، وفي سَائِر البُلْدَانِ في أشْرَف المَسَاجِد. وقال أبو حنيفة: لا يَخْتَصُّ الحَلفُ بِزَمَان ولا مكان. قوله: «فَيُقْسِمَانِ» في هذه الفاء وجهان: أظهرهما: أنها عاطفةٌ هذه الجملة على جملة قوله: «تَحْبِسُونَهُمَا» ، فتكون في محلِّ رفع، أو لا محلَّ لها حَسْبَمَا تقدَّم من الخلاف. والثاني: أنها فاءُ الجزاءِ، أي: جوابُ شرطٍ مقدَّرٍ، وقال الفارسيُّ: «وإنْ شئت، لَمْ تَجْعَلِ الفاء؛ لعطف جملة، بل تجعلُه جزاءً؛ كقول ذي الرُّمَّة: [الطويل] 2069 - وإنْسَانُ عَيْنِي يَحْسِرُ المَاءُ تَارَةً ... فَيَبْدُو، وتَارَاتٍ يَجُمُّ فَيَغْرَقُ تقديرُه عندهم: إذا حَسَرَ بَدَا، وكذا في الآية: إذا حَبَسْتُمُوهُمَا أقْسَمَا» . [وقال مكيٌّ نحوه؛ فإنه قال: «ويجوزُ أنْ تكونَ الفاءُ جواب جزاءٍ؛ لأن» تَحْبِسُونَهُمَا «معناه الأمْرُ بذلك، وهو جوابُ الأمْر الذي دَلَّ عليه الكلامُ؛ كأنه قيل: إذا حَبَسْتُمُوهُمَا أقْسَمَا» ] قال شهاب الدين: ولا حاجةَ داعيةً إلى شيء من تقدير شرطٍ محذوفٍ، وأيضاً: فإنه يُحْوجُ إلى حذفِ مبتدأ قبل قوله «فَيُقْسِمَان» ، أي: فهما يُقْسِمَانِ، وأيضاً ف «إنْ تَحْبِسُوهُمَا» تقدَّم أنها صفةٌ، فكيف يَجْعَلُها بمعنى الأمر، والطَّلَبُ لا يقع وصفاً؟ وأمَّا البيتُ الذي أنشده أبو عليٍّ، فَخَرَّجَه النحويُّون على أنَّ «يَحْسِرُ الماءُ تَارَةً» جملةٌ خبرية، وهي وإن لم يكنْ فيها رابطٌ، فقد عُطِفَ عليها جملةٌ فيها رابطٌ بالفاء السَّببية، وفاءُ السببية جَعَلَتِ الجملتَيْنِ شيئاً واحداً. و «بالله» متعلِّقٌ بفعل القسم، وقد تقدَّم أنه لا يجوز إظهارُ فعلِ القسمِ إلا معها؛ لأنها أمُّ الباب، وقوله: ﴿لاَ نَشْتَرِي بِهِ﴾ جوابُ القسم المضمرِ في «يُقْسِمَانِ» ، فتُلُقِّي بما يُتَلَقَّى به، وقوله: «إن ارْتَبْتُمْ» شرطٌ، وجوابه محذوفٌ، تقديرُه: إن ارتبتُمْ فيهما، فحلِّفُوهُمَا، وهذا الشرط وجوابه المقدَّرُ معترضٌ بين القسم وجوابه. والمعنى: إن ارْتَبْتُمْ في شَأنِهِمَا فَحَلِّفُوهُمَا، وهذا الشَّرطُ حُجَّةُ من يقول: الآيةُ نَازِلةٌ في إشْهَادِ الكُفَّارِ؛ لأنَّ تَحْلِيفَ الشَّاهِدِ المُسْلِم غير مَشْرُوعٍ. ومن قال: الآيةُ نازلةٌ في المُسْلِمِ قال: إنها مَنْسُوخَةٌ. وعن عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: أنَّهُ كان يُحَلِّفُ الشَّاهِدَ والرَّاوي عند التُّهْمَةِ. وليس هذه الآيةُ مِمَّا اجتمع فيه شرطٌ وقسمٌ، فأُجيب سابقُهما، وحُذِفَ جوابُ الآخرِ؛ لدلالةِ جوابه عليه؛ لأنَّ تلك المسألةَ شرطُها أن يكون جوابُ القسمِ صالحاً لأنْ يكون جواب الشرط؛ حتَّى يَسُدَّ مسدَّ جوابه؛ نحو: «والله إنْ تَقُمْ لأكْرِمَنَّكَ» ، لأنك لو قَدَّرْتَ «إن تَقُمْ أكْرَمْتُكَ» ، صَحَّ، وهنا لا يُقَدَّر جوابُ الشرط ما هو جوابٌ للقسَم، بل يُقَدَّر جوابُه قِسْماً برأسِه؛ ألا ترى أنَّ تقديره هنا: «إن ارْتَبْتُمْ، حَلِّفُوهُمَا» ولو قَدَّرْتَهُ: إن ارتبتُمْ، فلا نشتَرِي، لم يَصِحَّ، فقد اتفقَ هنا أنه اجتمع شرطٌ وقسمٌ، وقد أجيب سابقهما، وحُذفَ جوابُ الآخَرِ، وليس من تيكَ القاعدةِ، وقال الجُرْجَانِيُّ: «إنَّ ثَمَّ قولاً محذوفاً، تقديرُه: يُقْسِمَانِ بالله ويقولانِ هذا القَوْلَ في أيْمَانِهمَا، والعربُ تُضْمِرُ القولَ كثيراً؛ كقوله تعالى: ﴿وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ﴾ [الرعد: 23 - 24] أي: يقولُونَ سلامٌ عَلَيْكُمْ» ، قال شهاب الدين: ولا أدْرِي ما حمله على إضمارِ هذا القَوْلِ؟ . قوله: «بِهِ» في هذه الهاءِ ثلاثةُ أقوالٍ: أحدها: أنها تعودُ على الله تعالى. الثاني: أنها تعودُ على القسم. الثالث: وهو قول أبي عليٍّ -: أنها تعودُ على تحريفِ الشهادةِ، وهذا قوي من حيث المعنى، وقال أبو البقاء: «تعودُ على اللَّهِ، أو القَسَمِ، أو الحَلْفِ، أو اليمينِ، أو تحريفِ الشهادةِ، أو على الشهادة؛ لأنها قولٌ» ، قال شهاب الدين: قوله «أو الحَلْفِ أو اليمينِ» لا فائدةَ فيه؛ إذ هما شيءٌ واحدٌ، وكذلك قولُ من قال: إنها تعودُ على الله تعالى، لا بد أن يقدِّر مضافاً محذوفاً، أي: لا نَشْتَري بيمَينِ الله أوْ قسَمِه ونَحْوه؛ لأنَّ الذاتَ المقدَّسة لا يُقالُ فيها ذلك، وقال مكي: «وقيل: الهاءُ تعودُ على الشَّهادة، لكن ذُكِّرَتْ؛ لأنها قولٌ كما قال تعالى: ﴿فارزقوهم مِّنْهُ﴾ [النساء: 8] فردَّ الهاءَ على المقْسُومِ؛ لدلالة القسمة على ذلك» ، والاشتراءُ هنا، هَلْ هو باقٍ على حقيقته، أو يُرَاد به البيع؟ قولان، أظهرهما الأول، وبيانُ ذلك مبنيٌّ على نصْب «ثَمَناً» ، وهو منصوبٌ على المفعوليَّة، قال الفارسيُّ: «وتقديره: لا نَشْتَرِي به ذا ثَمَنٍ؛ ألا ترى أنَّ الثمن لا يُشْتَرى، وإنما يُشْتَرَى ذو الثمنِ» ، قال: «وليس الاشتراءُ هنا بمعنى البيع، وإنْ جاء لغةً، لأنَّ البيع إبعادٌ عن البائع، وليس المعنى عليه، إنما معناه التمسُّكُ به والإيثارُ له على الحقِّ» ، وقد نقل أبو حيان هذا الكلام بعينه ولم يعْزُه لأبِي عَلِيٍّ. وقال مكيٌّ: «معناه ذا ثَمَنٍ، لأنَّ الثمن لا يُشْتَرَى، إنما يُشْتَرى ذو الثمنِ، وهو كقوله: ﴿اشتروا بِآيَاتِ الله ثَمَناً﴾ [التوبة: 9] ، أي ذا ثَمَنٍ» ، وقال غيرُه: «إنه لا يَحْتاجُ إلى حذف مضاف» ، قال أبو البقاء: «ولا حَذْفَ فيه؛ لأنَّ الثمنَ يُشْتَرَى كما يُشْتَرَى به، وقيل: التقديرُ: ذا ثَمَنٍ» ، وقال بعضهم: «لا نَشْتَرِي: لا نبيعُ بعَهْدِ الله بغَرَضٍ نَأخُذُه؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ [آل عمران: 77] ، فمعنى الآية: لا نَأخُذُ بعهد الله ثَمَناً؛ بأن نبيعَه بعَرَضٍ من الدنيا» قال الواحديُّ: «ويُسْتَغْنَى بهذا عن كثيرٍ من تكلُّفِ أبي عَلِيٍّ، وهذا معنى قول القُتَيْبِيِّ والجُرْجَانِيِّ» . قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قربى﴾ الواوُ هنا كالتي سَبَقَتْ في قوله: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 170] من أنها يحتمل أن يقال عاطفةٌ، أو حاليةٌ، وأنَّ جملة الامتناعِ حالٌ معطوفةٌ على حالٍ مقدَّرةٍ؛ كقوله: «أعْطُوا السَّائِلَ، ولوْ عَلَى فرسٍ» ، فكذا هنا تقديرُه: لا نشتري به ثمناً في كلِّ حال، ولو كان الحالُ كذا، واسمُ» كَانَ «مضمرٌ فيها يعودُ على المشهُودِ له، أي: ولو كان المشهُودُ له ذَا قَرَابَةٍ. قوله: ﴿وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ الله﴾ الجمهورُ على رَفْعِ ميمِ» نَكْتُمُ «على أنَّ» لا «نافية، والجملةُ تحتمل وجهين: أحدهما - وهو الظاهرُ -: كونُها نسقاً على جواب القسمِ، فتكونُ أيضاً مقسماً عليها. والثاني: أنه إخبارٌ من أنفسهم بأنهم لا يكتمُون الشهادة؛ ويتأيَّدُ بقراءة الحسن والشَّعْبيِّ: «وَلاَ نَكْتُمْ» على النهْي، وهذه القراءةُ جاءتْ على القليل؛ من حيث إنَّ دخولَ» لاَ «الناهيةِ على فعلِ المتكلِّم قليلٌ؛ ومنه: [الطويل] 2070 - إذا مَا خرَجْنَا مِنْ دمشْقَ فَلاَ نَعُدْ ... بِهَا أبَداً ما دَامَ فِيهَا الجَرَاضِمُ والجمهورُ على» شهادةَ الله» بالإضافة، وهي مفعولٌ بها، وأضيفَتْ إليه تعالى؛ لأنه هو الآمرُ بها وبحفظها، وألاَّ تُكْتَمَ، ولا تُضَيَّعَ، وقرأ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ونعيمُ بْنُ مَيْسَرَة والشَّعْبِيُّ في رواية: «شهادةً الله» بتنوين شهادة، ونصبها، ونصب الجلالة، وهي واضحةٌ، ف «شَهَادَةً» مفعول ثان، والجلالةُ نصبٌ على التعظيم وهي الأوَّل، والأصلُ: ولا نَكْتُمُ اللَّهَ شهادةً؛ وهو كقوله: ﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً﴾ [النساء: 42] وإنما قُدِّمَتْ هنا للاهتمامِ بها؛ فإنها المحدَّثُ عنها، وفيها وجهُ ثانٍ - نقله الزهراويُّ - وهو: أن تكون الجلالةُ نَصْباً على إسقاطِ حرفِ القسم، والتقديرُ: ولا نَكْتُمُ شهادةً واللَّهِ، فلمَّا حُذِف حرفُ الجر، نُصِب المُقْسَمُ به، ولا حاجةَ إليه؛ لأنه يَسْتَدْعِي حذف المفعولِ الأوَّل للكتمان، أي: ولا نَكْتُمُ أحداً شهادةً والله، وفيه تكلُّفٌ وإليه ذهب أبو البقاء أيضاً قال: «على أنه منصوبٌ بفعْلِ القسم محذوفاً» . ويُروَى عن أبِي جَعْفَر «شَهادةً» مُنَونةً «أَللَّهِ» بِقَطْعِ الألف وكسَرْ الهَاءِ، من غير اسْتِفْهَام على ابْتِدَاء اليَمينِ، أي: واللَّهِ ﴿إِنَّآ إِذَاً لَّمِنَ الآثمين﴾ ، أي: إنْ كَتَمْنَاها نَكُونُ من الآثمين. وقرأ عليٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - والسُّلمِيُّ والحسن البصريُّ: «شَهَادَةً» بالتنوين والنصب، «آلله» بمدِّ الألفِ التي للاستفهام، دَخَلَتْ للتقرير، وتوقيف نفوسِ الخَلْق الحالفين، وهي عوضٌ عن حَرْفِ القسمِ المقدَّرِ ثمّ. وهل الجرُّ بها أم بالحَرْفِ المحذوفِ؟ خلافٌ. وقرأ الشعبيُّ في رواية وغيره: «شَهَادَهْ» بالهاء ويقف عليها، ثم يَبْتدئ «آللَّهِ» بقطع همزة الوصل وبمدِّ الهمزة على أنها للاستفهام بالمعنى المتقدِّم، وجَرِّ الجلالة، وهمزةُ القطعِ تكون عوضاً من حرف القسم في هذا الاسم الشريف خاصة، تقول: يا زَيْدُ، أللَّهِ، لأفْعلَنَّ، والذي يُعَوَّض من حرف القسم في هذا الاسم الشريف خاصَّة ثلاثةٌ: ألفُ الاستفهام، وقطعُ همزة الوصلِ، وها التي للتنبيه؛ نحو: «ها اللَّهِ» ، ويجوزُ مع «هَا» قطعُ همزةِ الجلالة ووصلُها، وهل الجرُّ بالحرف المقدَّر، أو بالعوض؟ تقدَّم أنَّ فيه خلافاً، ولو قال قائلٌ: إن قولهم «الله، لأفْعَلَنَّ» بالجرِّ وقطع الهمزة؛ بأنها همزة استفهام لم يُرَدَّ قوله، فإن قيل: همزةُ الاستفهام، إذا دخلَتْ على همزة الوصْلِ التي مع لام التعريف، أو ايْمُن في القَسَم، وجب ثبوتُ همزة الوصل، وحينئذ إمَّا: أنْ تُسَهَّلَ، وإمَّا أنْ تُبْدَلَ ألفاً، وهذه لم تَثْبُتْ بعدها همزةُ وصل، فتعيَّن أن تكونَ همزة وصْلٍ قُطِعَتْ عوضاً عن حرف القسم، فالجواب: أنهم إنما أبْدلوا ألفَ الوصْلِ أو سَهَّلوها بعد همزةِ الاستفهام؛ فرقاً بين الاستفهام والخبر، وهنا اللَّبْسُ مأمونٌ فإنَّ الجرَّ في الجلالة يؤذِنُ بذلك؛ فلا حاجة إلى بقاءِ همزةِ الوصلِ مُبْدلةً أو مُسَهَّلةً، فعلى هذا قراءة: ألله، وآلله بالقصْر والمدِّ تحتمل الاستفهام، وهو تخريجٌ حسن، قال ابن جني في هذه القراءة: «الوقفُ على» شهَاده «بسكون الهاء، واستئنافُ القسم - حسنٌ؛ لأنَّ استئنافه في أولِ الكلامِ أوْجَهُ له وأشدُّ هيبةً مِنْ أنْ يدخُلَ في عرضِ القَوْل» ، ورُوِيَتْ هذه القراءةُ - أعني: «ألله» بقطع الألف من غير مدٍّ وجرِّ الجلالة - عن أبي بكرٍ عن عاصمٍ وتقدَّم أيضاً أنها رويتْ عن أبي جعفرٍ، وقرئ: «شَهَادَةً اللَّهِ» بنصب الشهادة منونة، وجرِ الجلالة موصولة الهمزة، على أن الجرَّ بحرفِ القسمِ المقدَّرِ من غير عوضٍ منه بقَطْعِ، ولا همزةِ استفهام، وهو مختصٌّ بذلك. وقوله تعالى: ﴿إِنَّآ إِذَاً لَّمِنَ الآثمين﴾ هذه الجملةُ لا محلَّ لها؛ لأنها استئنافيةٌ، أخبروا عن أنفسهم بأنهم من الآثمين، إنْ كتموا الشهادة؛ ولذلك أتوا ب «إذَنِ» المُؤذِنَةِ بالجزاء والجواب، وقرأ الجمهور: «لَمِنَ الآثمينَ» من غير نقل، ولا إدغام، وقرأ ابن مُحَيصنٍ والأعمش: «لَمِلآّثمين» بإدغام نون «مِنْ» في لام التعريف، بَعْد أن نقل إليها حركة الهمزة في «آثمينَ» ، فاعتدَّ بحركة النقل فأدغَمَ، وهي نظيرُ قراءةِ مَنْ قرأ: ﴿عَاداً لُّولَى﴾ [النجم: 50] بالإدغام، على ما سيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى. فصل في معنى الآية ومعنى الآية: إنكم إذا سَافَرْتُم في الأرْض، فأصَابَتْكُم مُصِيبَةُ الموت، فأوصَيْتم إلَيْهما، ودَفَعْتُم إليهمَا مالك، فاتَّهَمَهُمَا بعضُ الورثة، وادَّعَوْا عليهما خِيَانَة فما الحُكْمُ فيه؟ «أن تَحبِسُونَهُمَا» أي: تَسْتَوقِفُونَهُمَا بَعْدَ الصَّلاة. قال السُّدي: بعد صلاةِ أهْلِ دينهمَا؛ لأنَّهُمَا لا يُبَالِيَان بِصلاةِ العَصْرِ، ولا صلاةِ الظُّهْرِ على ما تقدَّم، فيَحْلِفَان ﴿بالله إِنِ ارتبتم﴾ أي: شَكَكْتُم وَوقَعتْ لَكُم الرِّيبَةُ في قولِ الشَّاهدين وصدقهمَا، إذا كانا مِنْ غَيْرِ دينكُم، فإن كانا مُسْلِمَيْن فلا يَمِينَ عليهما ﴿لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً﴾ ، أي: لا نَحْلِفُ باللَّه كَاذِبين على عِوضٍ نأخُذُه، أو حَقٍّ نَجْحَدُهُ ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قربى﴾ ، ولو كان المَشْهُودُ لَهُ ذَا قَرابَةٍ مِنَّا. وقيل: لَوْ كان ذلك الشَّيْءُ حبوة في قُرْبى ﴿وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ الله﴾ وأضَافَ الشَّهادَةَ إلى اللَّهِ تعالى؛ لأنه أمَرَ بإقَامَتِها ونَهَى عن كِتْمَانها ﴿إِنَّآ إِذَاً لَّمِنَ الآثمين﴾ ، إن كَتَمْنَا الشَّهَادَة. رُوِي لما نَزَلت هذه الآيَةُ، صلَّى رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ صلاةَ العَصْرِ، ودعا تميماً وعِدياً، فاسْتَحْلَفَهُمَا عِنْدَ المِنْبَر باللَّه الذي لا إله إلاَّ هُو، أنَّهُمَا لم يَخْتَانَا شَيْئاً مما دُفع إليْهما، فَحَلَفا على ذَلِكَ، وخلَّى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ سَبِيلَهُمَا. قوله تعالى: «فإنْ عُثِرَ» : مبنيٌّ للمفعول، والقائمُ مقامَ فاعله الجارُّ بعده، أي: فإن اطُّلِعَ على اسْتِحْقَاقِهِمَا الإثْم يقالُ: عَثَرَ الرَّجُلُ يَعْثُرُ عُثُوراً: إذا هَجَمَ على شيءٍ، لم يَطَّلِعْ عليه غَيْرُهُ، وأعْثَرْتُهُ على كذا أطلعتُه عليه؛ ومنه قوله تعالى: ﴿أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [الكهف: 21] ، قال أهلُ اللغة: وأصلُه من «عَثْرَةِ الرجْلِ» وهي الوقوعُ، وذلك أن العاثِرَ إنما يَعْثُرُ بِشَيْء كان لا يَرَاهُ، فإن عثر به، اطُّلَعَ عليه، ونظر ما هو، فقيل لكلِّ أمْرٍ كان خَفِيًّا، ثم اطُّلِعَ عليه: «عُثِرَ عَلَيْه» ، وقال الليْثُ: «عَثَرَ يَعْثُرُ عُثُوراً هَجَمَ على أمرٍ لم يهجُمْ عليه غيرُه، وعَثَر يَعْثُرُ عثْرةً وقع على شيء» ففرَّقَ بين الفعلَيْنِ بمصدَرَيْهما، وفرَّق أبو البقاء بينهما بغير ذلك؛ فقال: «عَثَرَ مصْدرُه العُثُور، ومعناه اطَّلَعَ، فأمَّا» عَثَرَ «في مَشْيهِ، ومنْطِقِهِ، ورأيه، فالعِثَارُ» ، والراغب جعَلَ المصدَرَيْنِ على حدٍّ سواء؛ فإنه قال: «عَثَر الرَّجل بالشيءِ يَعْثُرُ عُثُوراً وعِثَاراً: إذا سقطَ عليه، ويُتَجَوَّزُ به فيمَنْ يطَّلِعُ على أمرٍ من غيرِ طلبه، يقال:» عَثَرْتُ على كذا «، وقوله: ﴿وكذلك أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [الكهف: 21] ، أي: وَقَّفْنَاهُمْ عليهم من غَيْرِ أنْ طَلَبُوا» . قوله تعالى: «فآخَرَانِ» فيه أربعةُ أوجه: الأول: أن يرتفع على أنه خبر مبتدأ مضمرٍ، تقديره: فالشَّاهدانِ آخرانِ، والفاء جوابُ الشرط، دخلت على الجملة الاسمية، والجملةُ من قوله: «يَقُومَانِ» في محلِّ رفعٍ صفةً ل «آخَرَانِ» . الثاني: أنه مرفوعٌ بفعلٍ مضمرٍ، تقديرُه: فَلْيَشْهَدْ آخَرَانِ، ذكره مكيٌّ وأبو البقاء، وقد تقدَّم أن الفعل لا يُحْذَفُ وحْدَهُ إلاَّ في مواضعَ ذكَرْتُها عند قوله: ﴿حِينَ الوصية اثنان﴾ [المائدة: 106] . الثالث: أن خبرٌ مقدَّم، و «الأوْلَيَانِ» مبتدأٌ مؤخَّرٌ، والتقديرُ: فالأوْليانِ بأمْرِ الميِّتِ آخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا، ذكر ذلك أبو عَلِيٍّ، قال: «ويكُونُ كقولك: تَمِيميٌّ أنَا» . الرابع: أنه مبتدأٌ، وفي الخبر حينئذ احتمالاتٌ: أحدها: قوله: ﴿مِنَ الذين استحق﴾ ، وجاز الابتداءُ به؛ لتخصُّصِه بالوصْفِ، وهو الجملة من «يَقُومَانِ» . والثاني: أنَّ الخبر «يَقُومَانِ» و ﴿مِنَ الذين استحق﴾ صفةُ المبتدأ، ولا يََضُرُّ الفصْلُ بالخبر بين الصفة وموصوفها، والمسوِّغُ أيضاً للابتداء به: اعتمادُه على فاءِ الجزاء، وقال أبو البقاء، لمَّا حَكَى رفعه بالابتداء: «وجازَ الابتداءُ هنا بالنَّكِرَة؛ لحصولِ الفائدةِ» ، فإن عنى أنَّ المسوِّغَ مجرَّدُ الفائدةِ من غير اعتبار مسوِّغٍ من المُسَوِّغات التي ذكرتُها، فغيرُ مُسَلَّم. الثالث: أنَّ الخبرَ قوله: «الأوْلَيَانِ» نقله أبو البقاء، وقوله «يَقُومَانِ» و ﴿مِنَ الذين استحق﴾ كلاهما في محلِّ رفعٍ صفةً ل «آخَرَانِ» ، ويجوزُ أن يكون أحدُهما صفةً، والآخرُ حالاً، وجاءتِ الحالُ من النكرةِ؛ لتخصُّصِهَا بالوصفِ، وفي هذا الوجهِ ضَعْفٌ؛ من حيث إنه إذا اجتمع معرفةٌ ونكرةٌ، جَعَلْتَ المعرفةَ محدَّثاً عنها، والنكرةَ حديثاً، وعكسُ ذلك قليلٌ جدًّا أو ضرورةٌ؛ كقوله: [الوافر] 2071 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ..... يَكُونُ مِزَاجَهَا عَسَلٌ ومَاءُ وكقوله: [الطويل] 2072 - وَإنَّ حَرَاماً أنَّ أسُبَّ مُجَاشِعاً ... بَآبَائِيَ الشُّمِّ الكِرَام الْخََضَارِمِ وقد فُهِمَ مِمَّا تقدَّم أنَّ الجملة من قوله «يَقُومَانِ» والجارَّ من قوله: «مِنَ الَّذِينَ» : إمَّا مرفوعُ المحلِّ صفةً ل «آخَرَانِ» أو خبرٌ عنه، وإمَّا منصوبُهُ على الحالِ: إمَّا من نَفْسِ «آخَرَانِ» ، أو مِنَ الضَّمِير المستكنِّ في «آخَرَانِ» ، ويجوزُ في قوله «مِنَ الَّذِين» أنْ يكون حالاً من فاعلِ «يَقُومَانِ» . قوله: «استحقّ» قرأ الجمهور «استُحِقَّ» مبنيًّا للمفعول، «الأولَيَانِ» رفعاً، وقرأ حفص عن عاصم: «اسْتَحَقَّ» مبنيًّا للفاعل، «الأوليَانِ» كالجماعة، وهي قراءة عبد الله بن عبَّاس وأمير المؤمنين عليٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - ورُوِيَتْ عن ابن كثيرٍ أيضاً، وحمزة وأبو بكرٍ عن عاصمٍ: «استُحِقَّ» مبنيًّا للمفعول كالجماعة، «الأوَّلِينَ» جمع «أوَّل» جمع المذكر السَّالِم، والحسن البصريّ: «اسْتَحَقَّ» مبنيًّا للفاعل، و «الأوَّلانِ» مرفوعاً تثنية «أوَّل» ، وابن سيرين كالجماعة، إلا أنه نَصَبَ الأوْلَيْينِ تثنية «أوْلَى» ، وقرئ: «الأوْلَيْنَ» بسكون الواو وفتح اللام، وو جمع «أوْلَى» كالأعْلَيْنَ في جمعِ «أعْلََى» ، ولما وصل أبو إسحاق الزجاج إلى هذا الموضوع، قال: «هذا موضعٌ من أصْعَبِ ما في القرآن إعراباً» . قال شهاب الدين: ولعَمْرِي، إنَّ القولَ ما قالَتْ حَذَامِ؛ فإن الناس قد دارَتْ رؤوسُهم في فَكِّ هذا التركيب، وقد اجتهدْتُ - بحمد الله تعالى - فلخَّصْتُ الكلام فيها أحسن تَلْخِيصٍ، ولا بدَّ من ذِكْرِ شَيْءٍ من معاني الآية؛ لنستعين به على الإعْراب؛ فإنه خادمٌ لها. فأمَّا قراءةُ الجُمهورِ، فرفعُ «الأوْلَيَان» فيها أوجه: أحدها: أنه مبتدأ، وخبره «آخرَانِ» ، تقديره: فالأوْلَيَانِ بأمر الميِّت آخَرَانِ، وتقدَّم شرحُ هذا. الثاني: أنه خبر مبتدأ مضمرٍ، أي: هما الأوْليانِ؛ كأنَّ سائلاً يسأل فقال: «من الآخَرَانِ» ؟ فقيل: هما الأوْلَيَانِ. الثالث: أنه بدلٌ من «آخَرَان» ، وهو بدلٌ في معنى البيان للمبدلِ منه؛ نحو: «جَاءَ زَيْدٌ أخُوكَ» وهذا عندهم ضعيفٌ؛ لأنَّ الإبدالَ بالمشتقَّاتِ قليلٌ. الرابع: أنه عطفُ بيان ل «آخَرَانِ» بيَّن الآخَرَيْنِ بالأوْلَيَيْنِ، فإن قلت: شرطُ عطفِ البيانِ: أن يكون التابعُ والمتبوعُ متفقينِ في التعريفِ والتنكيرِ، على أنَّ الجمهور على عدم جريانه في النكرةِ؛ خلافاً لأبي عَليّ، و «آخَرَانِ» نكرةٌ، و «الأوْلَيَانِ» معرفةٌ، قُلْتُ: هذا سؤالٌ صحيحٌ، ولكنْ يَلْزَمُ الأخفشَ، ويلزمُ الزمخشريَّ جوازُه: أمَّا الأخفشُ فإنه يُجيزُ أنْ يكون «الأوْلَيَانِ» صفةً ل «آخَرَانِ» بما سأقرره عنه عند تعرُّضِي لهذا الوجهِ، والنعتُ والمنعوتُ يُشترط فيهما التوافُقُ، فإذا جاز في النعْتِ، جاز فيما هو شبيهٌ به؛ إذْ لا فرق بينهما إلا اشتراطُ الاشتقاقِ في النعت، وأمَّا الزمخشريُّ، فإنه لا يشترطُ ذلك - أعني التوافُقَ - وقد نَصَّ عليه هو في سورة آل عمران على أن قوله تعالى: ﴿مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: 97] عطفُ بيان؛ لقوله ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ [آل عمران: 97] ، و «آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ» نكرةٌ؛ لكنها لَمَّا تخصَّصَتْ بالوصفِ، قَرُبَتْ من المعرفة، كما تقدَّم عنه في موضعه، وكذا «آخَرَانِ» قد وُصِفَ بصفَتيْنِ، فقُرْبُه من المعرفة أشدُّ من «آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ» ؛ من حيثُ وُصِفَتْ بصفةٍ واحدة. الخامس: أنه بدلٌ من فاعلِ «يَقُومَانِ» . السادس: أنه صفةٌ ل «آخَرَانِ» ، أجازَ ذلك الأخفشُ، وقال أبو عَلِيٍّ: «وأجازَ أبو الحسنِ فيها شيئاً آخَرَ، وهو أن يكُون» الأوْلَيَانِ «صفةً ل» آخَرَانِ «؛ لأنَّه لمَّا وُصِفَ، تخصَّصَ، فَمِنْ أجلِ وصفه وتخصيصه، وُصِفَ بوصف المعارف» ، قال أبو حيان: «وهذا ضعيفٌ؛ لاستلزامِه هَدْم ما كَادُوا أن يُجْمعوا عليه؛ من أنَّ النكرة لا تُوصفُ بالمعرفةِ، ولا العَكْس» ، قلتُ: لا شكَّ أن تَخَالُفَهُمَا في التعريفِ والتنْكيرِ ضعيفٌ، وقد ارتكَبُوا ذلك في مواضعَ، فمنها ما حكاه الخليلُ: «مَرَرْتُ بالرَّجُلِ خَيْرٍ مِنْكَ» في أحدِ الأوجه في هذه المسألةِ، ومنها ﴿غَيْرِ المغضوب﴾ [الفاتحة: 7] على القولِ بأنَّ «غَيْر» صفةُ ﴿الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: 7] ، وقوله: [الكامل] 2073 - وَلَقَدْ أمُرُّ على اللَّئِيم يَسُبُّنِي ... فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قُلْتُ لا يَعْنِينِي وقوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ الليل نَسْلَخُ مِنْهُ النهار﴾ [يس: 73] ، على أنَّ «يَسُبُّنِي» و «نَسْلَخُ» صفتان لما قبلهما؛ فإنَّ الجمل نكراتٌ، وهذه المُثُلُ التي أوردتها عكسُ ما نحن فيه، فإنها تُؤوَّلُ فيها المعرفةُ بالنكرة، وما نحن فيه جعلنا النكرة فيه كالمعرفةِ؛ إلاَّ أنَّ الجامعَ بينهما التخالفُ، ويجوز أن يكون ما نحْنُ فيه من هذه المُثُلِ؛ فاعتبار أنَّ «الأوْلَيَيْنِ» لمَّا لم يُقْصَدْ بهما شخصان معينان، قَرُبَا من النكرةِ، فوقعا صفةً لها مع تخصُّصِها هي؛ فصار في ذلك مسوِّغان: قُرْبُ النكرةِ من المعرفة بالتخصيصِ، وقُرْبُ المعرفةِ من النكرة بالإبهام؛ ويدلُّ لِما قلته ما قال أبو البقاء: «والخَامِسُ أن يكون صفة ل «آخَرَانِ» ؛ لأنه وإنْ كان نكرةً، فقد وُصِفَ، والأوْليانِ لم يَقْصِدْ بهما قَصْدَ اثنينِ بأعيانِهما» . السابع: أنه مرفوعٌ على ما لم يُسَمَّ فاعله ب «اسْتُحِقَّ» ، إلاَّ أنَّ كلَّ مَنْ أعربه كذا، قَدَّر قبله مضافاً محذوفاً، واختلفتْ تقديراتُ المُعْرِبينَ، فقال مكي: «تقديرُه: استُحِقَّ عليهمْ إثْمُ الأوْلَيَيْنِ» ، وكذا أبو البقاء وقد سَبقَهما إلى هذا التقدير ابنُ جريرٍ الطَّبَرِيُّ، وقدَّره الزَمَخْشَرِيُّ فقال: «مِنَ الَّذِينَ استُحِقَّ علَيْهِمُ انتدَابُ الأوْلَيَيْنِ منْهُمْ للشَّهادَةِ لاطِّلاعِهِمْ عَلَى حقيقةِ الحَالِ» ، ومِمَّن ذهب إلى ارتفاعِ «الأوْلَيَانِ» ب «اسْتُحِقَّ» أبو عليٍّ الفارسِيُّ، ثم منعه؛ قال: «لأنَّ المُسْتَحَقَّ إنَّمَا يكُونُ الوصيَّة أو شيئاً منها، وأمَّا الأوليَانِ بالمَيِّتِ، فلا يجوزُ أن يُسْتَحَقَّا، فيُسْنَدَ استُحِقَّ إليهما» ، قلتُ: إنما منع أبو عليٍّ ذلك على ظاهرِ اللفظِ؛ فإنَّ الأوْلَيَيْنِ لَمْ يستحقَّهما أحدٌ كما ذَكَر، ولكن يجوز أن يُسْنَدَ «اسْتُحِقَّ» إليهما؛ بتأويلِ حذف المضافِ المتقدِّم، وهذا [الذي] منعه الفارسيُّ ظاهراً هو الذي حمل النَّاس على إضمار ذلك المُضافِ، وتقديرُ الزمخشريِّ ب «انْتِدَاب الأوْلَيَيْنِ» أحسنُ من تقدير غيره؛ فإنَّ المعنى يُسَاعِدُهُ، وأمَّا إضمارُ «الإثْم» فلا يَظْهر إلا بتأويل بعيدٍ. وأجازَ ابن عطيَّة أن يرتفعَ «الأوْلَيَانِ» ب «استُحِقَّ» أيضاً، ولكن ظاهرُ عبارته؛ أنه لم يُقَدَّر مضافاً؛ فإنه استشعر بإستشكالِ الفارسيِّ المتقدِّم، فاحتالَ في الجواب عنه، وهذا نَصُّه، قال ما ملخَّصُه: إنَّه «حُمِلَ» اسْتُحِقَّ «هنا على الاستعارةِ؛ فإنه ليس استحقاقاً حقيقةً؛ لقوله:» اسْتَحَقَّا إثْماً «، وإنما معناه أنَّهم غَلَبُوا على المالِ بحُكْمِ انفرادِ هذا المَيِّت وعدمه؛ لقرابته أو أهل دينه؛ فجعل تسوُّرَهُمْ عليه استحقاقاً - مجازَاً، والمعنى: من الجماعة التي غابت، وكان منْ حَقِّها أنْ تُحْضِرَ وليَّها، فلمَّا غابَتْ وانفرد هذا الموصِي، استحقَّت هذه الحالَ، وهذان الشاهدانِ من غير أهْل الدِّين والولاية، وأمْرِ الأوْلَيَيْنِ على هذه الجماعة، فبُنِيَ الفعلُ للمفعولِ على هذا المعنى إيجازاً، ويُقَوِّي هذا الفرضَ تعديِّي الفعلِ ب» عَلَى «لمَّا كان باقتدارٍ وحَمْلٍ، هَيَّأتْهُ الحالُ، ولا يُقال: اسْتَحَقَّ منه أو فيه إلاَّ في الاسْتِحْقَاقِ الحقيقيِّ على وجههِ، وأمَّا» اسْتَحَقَّ عليْهِ «فالبحَمْلِ والغلبةِ والاستحقاقِ المُسْتَعَارِ» . انتهى، فقد أسند «اسْتَحَقَّ» إلى «الأوليان» من غير تقدير مضافٍ متأوِّلاً له بما ذكر، واحتملتُ طول عبارته؛ لتتَّضِحَ. واعلم أنَّ مرفوع «اسْتُحِقَّ» في الأوجهِ المتقدِّمة - أعني غيرَ هذا الوجهِ، وهو إسنادُه إلى «الأوْليانِ» - ضميرٌ يعودُ على ما تقدَّم لفظاً أو سياقاً، واختلفت عباراتُهم فيه، فقال الفارسيُّ، والحُوفيُّ، وأبو البقاء والزمخشريُّ: إنه ضميرُ الإثْمِ، والإثمُ قد تقدَّمَ في قوله: «اسْتَحَقَّا إثْماً» ، وقال الفارسيُّ والحُوفِيُّ أيضاً: «اسْتُحِقَّ هو الإيصاءُ أو الوصيَّةُ» قال شهاب الدين: إضمارُ الوصيَّة مُشْكِلٌ؛ لأنه إذا أُسْنِدَ الفعلُ إلى ضمير المؤنَّثِ مطلقاً، وَجَبَتِ التاءُ إلاَّ في ضرورة، ويُونُسُ لا يَخُصُّه بها، ولا جائزٌ أن يقال أضْمَرَا لفظ الوصيَّة؛ لأنَّ ذلك حُذِفَ، والفاعلُ عندهما لا يُحْذَفُ، وقال النحَّاس مستحْسِناً لإضمارِ الإيصَاءِ: «وهذا أحسنُ ما قِيلَ فيه؛ لأنَّه لم يُجْعَلْ حرفٌ بدلاً من حرفٍ» ، يعني أنه لا يقُول: إنَّ «عَلَى» بمعنى «فِي» ، ولا بمعنى «مِنْ» كما قيل بهما، وسيأتي ذلك - إن شاء الله تعالى -. وقد جمع الزمخشريُّ غالبَ ما قُلْتُه وحَكَيْتُه من الإعْرَابِ والمعنى بأوجز عبارةٍ، فقال: «ف» آخَرَانِ» ، أي: فشَاهِدَانِ آخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الذينَ اسْتُحِقَّ عليهِم، أي: استُحِقَّ عليْهِمُ الإثمُ، ومعناه: مِنَ الذين جُنِيَ عليهمْ، وهم أهلُ الميِّتِ وعشيرتُهُ والأوليانِ الأحقَّانِ بالشَّهادةِ لقَرَابَتهِمَا ومَعْرِفَتِهِمَا، وارتفاعُهُمَا على: «هُمَا الأوْلَيَانِ» ؛ كأنه قيل: ومَنْ هُمَا؟ فقيل: الأوْلَيَانِ، وقيل: هما بدلٌ من الضَّمير في «يَقُومَانِ» أو من «آخَرَانِ» ، ويجوزُ أنْ يرتفِعَا ب «اسْتُحِقَّ» ، أي: من الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عليْهِمُ انتدابُ الأوْلَيَيْنِ مِنْهُمْ للشهادة؛ لاطِّلاعهم على حقيقة الحَالِ» . وقوله «عَلَيْهِم» : في «عَلَى» ثلاثةُ أوجهٍ: أحدها: أنها على بابها، قال أبو البقاء: «كقولك: وَجَبَ عليهم الإثْمُ» ، وقد تقدَّم عن النحَّاس؛ أنه لمَّا أضْمَرَ الإيصاءَ، بَقَّاها على بابها، واستحْسَنَ ذلك. والثاني: أنها بمعنى «فِي» أي: استُحِقَّ فيهم الإثمُ، فوقَعَتْ «عَلَى» موقع «فِي» كما تقعُ «فِي» موقعها؛ كقوله تعالى: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النخل﴾ [طه: 71] أي: على جُذُوعِ، وكقوله: [الكامل] 2074 - بَطَلٌ كَأنَّ ثِيَابَهُ فِي سَرْحَةٍ ... يُحْذَى نِعَالَ السِّبْتِ لَيْسَ بِتَوْءَمِ أي: على سَرْحةٍ، وقدَّره أبو البقاء فقال: «أي: استُحِقَّ فيهم الوصيَّةُ» . والثالث: أنها بمعنى «مِنْ» أي: استُحِقَّ مِنْهُمُ الإثْمُ؛ ومثلُه قولُه تعالى: ﴿إِذَا اكتالوا عَلَى الناس﴾ [المطففين: 2] أي: مِنَ الناس، وقدَّره أبو البقاء فقال: «أي: استُحِقَّ منهم الأوْليَانِ» فحينَ جعلها بمعنى «فِي» قدَّر «اسْتُحِقَّ» مُسْنَداً للوصية؛ وحين جعلها بمعنى « مِنْ» ، قدَّره مُسْنِداً ل «الأوْلَيَانِ» ، وكان لَمَّا ذكر القائمَ مقامَ الفاعلِ، لم يذكر إلا ضميرَ الإثم و «الأوْلَيَانِ» ، وأجاز بعضهم أنْ يُسْنَدَ «اسْتُحِقَّ» إلى ضمير المالِ، أي: اسْتُحِقَّ عليْهِمُ المالُ المَوْرُوثُ، وهو قريبٌ. فقد تقرَّر أنَّ في مرفوعِ «اسْتُحِقَّ» خمسة أوجه: أحدُها: «الأوْلَيَانِ» . والثاني: ضميرُ الإيصاء. والثالث: ضميرُ الوصية، وهو في المعنى كالذي قبله وتقدَّم إشكالُه. والرابع: أنه ضميرُ الإثْمِ. والخامس: أنه ضميرُ المالِ، ولم أرَهُمْ أجازوا أن يكون «عَلَيْهِم» هو القائمَ مقامَ الفاعلِ؛ نحو: ﴿غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم﴾ [الفاتحة: 7] كأنهم لم يَرَوْا فيه فائدةً. وأمَّا قراءةُ حَفْص ف «الأوْلَيَانِ» مرفوعٌ ب «اسْتَحَقَّ» ومفعولُه محذوفٌ، قدَّره بعضهم «وصِيَّتَهُمَا» ، وقدَّره الزمخشريُّ ب «أن يجرِّدُوهُمَا للقيامِ بالشَّهَادة» ؛ فإنه قال: «معناهُ من الورثةِ الذين استَحَقَّ عليْهِمُ الأوْلَيَانِ من بينهم بالشهادة: أن يجرِّدُوهُمَا للقيامِ بالشَّهَادة، ويُظْهِرُوا بها كذب الكاذبينَ» ، وقال ابنُ عطيَّة: «الأوْلَيَانِ» رفعٌ ب «اسْتَحَقَّ» ، وذلك أن يكون المعنى: مِنَ الَّذِينَ استحَقَّ عليْهِمْ مالَهُمْ وتركَتَهُمْ شَاهِدَا الزُّورِ، فَسُمِّيَا أوْلَيَيْنِ، أي: صَيَّرَهُمَا عَدَمُ الناس أوْلَيَيْنِ بالمَيِّت وتَرِكَتِهِ، فَخَانَا، وجَارَا فيها، أو يكونُ المعنى: من الذينَ حَقَّ عليهم أنْ يكون الأوليانِ منهم، فاستَحَقَّ بمعنى: حَقَّ، كاسْتَعْجَبَ وعَجِبَ، أو يكون استحقَّ بمعنى: سَعَى واستوجب، فالمعنى: من القوم الذين حَضَرَ أوْلَيَانِ مِنْهُمْ، فاستَحَقَّا عليهم، أي: استحقَّا لهُمْ وسعيا فيه، واستوجََبَاهُ بأيْمَانِهِمَا وقُرْبَانِهِمَا» ، قال أبو حيان - بعد أنْ حكَى عن الزمخشريِّ، وأبي محمَّدٍ ما قدَّمْتُه عنهما -: «وقال بعضُهم: المفعولُ محذوفٌ، تقديرُه: الذين استحقَّ عليهمُ الأوليانِ وصيَّتَهُمَا» ، قال شهاب الدين: وكذا هو محذوفٌ أيضاً في قولي الزمخشريِّ وابن عطيَّة، وقد بَيِّنْتُهما ما هما، فهو عند الزمخشريِّ قوله: «أنْ يُجَرِّدُوهما للقيامِ بالشَّهادة» ، وعند ابن عطيَّة هو قوله: «مالَهُمْ وتَركَتَهُمْ» ، فقوله: «وقال بعضهم: المفعولُ محذوفٌ» يُوهِمُ أنه لم يَدْرِ أنَّه محذوفٌ فيما تقدَّم أيضاً، وممن ذهبَ إلى أن» اسْتَحَقَّ «بمعنى» حَقَّ «المجرَّدِ - الواحديُّ فإنه قال:» واسْتَحَقَّ هنا بمعنى حَقَّ، أي: وَجَبَ، والمعنى: فآخَرَانِ مِنَ الذين وجب عليهمُ الإيصَاءُ بتوصيتِهِ بينهم، وهم وَرَثَتُه «وهذا التفسيرُ الذي ذكره الواحديُّ أوضحُ من المعنى الذي ذكره أبو محمَّد على هذا الوجه، وهو ظاهرٌ. وأمَّا قراءةُ حمزة وأبي بَكْرٍ، فمرفوع» استُحِقَّ «ضميرُ الإيصَاءِ، أو الوصيةِ، أو المالِ، أو الإثمِ، حَسْبما تقدَّم، وأمَّا» الأوَّلَيْنِ «فجمعُ» أوَّل «المقابل ل» آخِر» ، وفيه أربعةُ أوجه: أحدها: أنه مجرورٌ صفةً ل «الَّذين» . الثاني: أنه بدلٌ منه، وهو قليلٌ؛ لكونه مشتقًّا. الثالث: أنه بدلٌ من الضميرِ في «عَلَيهم» ، وحسَّنَه هنا، وإن كان مشتقًّا عدمُ صلاحَيةِ ما قبله للوصف، نقل هذَيْن الوجهَيْن الأخيرَيْنِ مكيٌّ. الرابع: أنه منصوبٌ على المَدْح، ذكره الزمخشريُّ، قال: «ومعنى الأوَّلِيَّةِ التقدُّمُ على الأجَانب في الشَّهَادة؛ لكونهم أحَقَّ بها» ، وإنما فَسَّر الأوَّلِيَّةَ بالتقدُّمِ على الأجَانِب؛ جَرْياً على ما مَرَّ في تفسيره: أو آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ أنَّهُمَا من الأجانب لا من الكُفَّارِ وقال الواحديُّ: «وتقديرُه من الأوَّلينَ الَّذينَ اسْتُحِقَّ عليْهِمُ الإيصَاءُ أو الإثْمُ، وإنما قيل لهم» الأوَّلِينَ» من حيث كانوا أوَّلِينَ في الذِّكْرِ؛ ألا ترى أنه قد تقدَّم: ﴿يِا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ وكذلك ﴿اثنان ذَوَا عَدْلٍ﴾ ذُكِرَا في اللفظ قبل قوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ ، وكان ابنُ عباسٍ يختارُ هذه القراءة، ويقول: «أرأيتَ إنْ كان الأوْليانِ صغيريْنِ، كيف يَقُومَانِ مقامهما» ؟ أراد: أنهما إذا كانا صغيريْنِ لم يقُومَا في اليمين مقامَ الحانِثَيْنِ، ونحا ابن عطية هذا المنحَى قال: «معناه: من القوْمِ الذين استُحِقَّ عليهم أمرُهُمْ، أي: غُلِبُوا عليه، ثم وصفَهم بأنهم أوَّلون، أي: في الذكْرِ في هذه الآية» . وأمَّا قراءةُ الحَسَن فالأوَّلانِ مرفُوعَانِ ب «استَحَقَّ» فإنه يقرؤهُ مبنيًّا للفاعل، قال الزمخشريُّ: «ويَحْتَجُّ به مَنْ يَرَى ردَّ اليمينِ على المُدَّعِي» ، ولم يبيِّن مَنْ هما الأوَّلاَنِ، والمرادُ بهما الاثْنَانِ المتقدِّمَانِ في الذكْرِ؛ وهذه القراءةًُ كقراءةِ حَفْصٍ، فيُقَدَّرُ فيها ما ذُكِرَ، ثم مما يليقُ من تقديرِ المفْعُولِ. وأما قراءة ابن سيرينَ، فانتصابُها على المَدْحِ، ولا يجوزُ فيها الجَرُّ؛ لأنه: إمَّا على البدل، وإمَّا على الوصْف بجَمْعٍ، والأوْلَيَيْنِ في قراءته مثنًّى، فتعذر فيها ذلك، وأمَّا قراءة «الأوْلَيْنَ» كالأعلَيْنَ، فحكاها أبو البقاء قراءةً شاذَّة لم يَعْزُها، قال: «ويُقْرَأ» الأوْلَيْنَ «جمع الأوْلَى، وإعرابه كإعراب الأوَّلينَ» يعني في قراءة حمزة، وقد تقدَّم أن فيها أربعةُ أوجه، وهي جارية هنا. قوله: «فَيُقْسِمَانِ» نسقٌ على «يَقُومَانِ» والسببيَّةُ ظاهرٌة، و «لشَهَادَتُنَا أحَقُّ» : هذه الجملة جوابُ القسمِ في قوله: «فَيُقْسِمَانِ» . فصل في معنى الآية ومعنى الآية: فإن حصل العُثُور، والوقوف على أنَّهُمَا أتيا بِخِيَانة، استَحَقَّا الإثم بسبَبِ اليَمِينَ الكَاذِبَة، أو خِيَانَة في المَالِ، قام في اليَمِين مقَامَهُما رَجُلانِ من قرَابَة الميت، فَيَحْلِفَان باللَّهِ لقد ظَهَرْنا على خَبرِ الذِّمِّيَّين، وكذبهما وتَبْدِيلهما، وما اعْتَدَيَنْا في ذلك وما كَذبْنَا، وهو المُراد بقوله: ﴿فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم﴾ ، والمُرَادُ به موالِي الميِّتِ، قال ابنُ الخطيب: وقد أكثر النَّاسُ في أنَّهُ لِمَ وصف موالِي الميِّتِ بهذا الوَصْفِ؟ والأصَحُّ عندي فيه وَجْهٌ: وهو أنَّهُمْ إنَّما وُصِفُوا بذلك؛ لأنَّهُ لمَّا أخَذَ منهم مَالَهُمْ، فَقَدْ استَحَقَّ عليهم مَالَهُمْ، فإن أخَذَ مال غيره، فقد حاولَ أن يكون تَعَلُّقُهُ بذلك المَالِ مُسْتَعْلِياً على تَعَلُّق مالكه به، فصحَّ أن يوصف المَالِكُ بأنَّه قد استَحَقَّ عليه ذلك المال، وإنما وَصَفهُمَا بأنَّهُما أولَيَان لِوَجْهَيْن: الأول: معنى الأوليان: الأقْرَبان إلى الميِّت. الثاني: يَجُوزُ أن يكُون المَعْنَى الأوليان باليَمينِ؛ لأن الوصِيَّيْن قد ادّعَيَا أنَّ الميِّت قد باعَ الإنَاء الفِضَّة، فانْتَقَلَتِ اليَمِينُ إلى موالي الميِّت؛ لأنَّ الوَصِيَّيْن قد ادّعَيَا أنَّ مُورثَهُمَا باعَ الإنَاء، وهما أنْكَرَا ذلك، فكان اليَمِينُ حقًّا لهما؛ لأنَّ الوَصِيَّ إن أخَذَ شيئاً من مال الميِّت، وقال: إنه أوْصَى لِي به حَلَف لِلْوَارِثِ إذا أنْكَرَ ذلك، وكذا لو ادّعَى رجُلٌ سِلْعَةً في يدِ رجلٍ فاعْتَرَفَ، ثمَّ ادَّعى أنَّهُ اشْتَراها من المدَّعِي، حلف المُدَّعِي أنَّه لم يَبِعْها منه، وهذا كما لو أنَّ إنْسَاناً أقَرَّ لآخر بِدَيْنٍ، ثم ادّعى أنه قَضَاهُ، حُكِمَ بِرَدّ اليمينِ إلى الذي ادّعى الدَّيْن أوَّلاً؛ لأنَّه صارَ مُدَّعىً عليه أنه قد اسْتَوْفَاه. فصل اختلفوا في كَيْفِيَّة ظُهُور الإنَاء، فَرَوَى سَعِيدُ بن جُبَيْرٍ عن ابن عبَّاسٍ: أنه وُجِدَ بمَكَّةَ، فقالوا: إنَّا اشْتَرَيْنَاه من تَمِيمٍ وعَدِيٍّ، وقيل: لما طَالَتِ المُدَّةُ أظهرُوهُ، فبلغ ذلك بني سَهْمٍ فَطَلَبُوهُمَا، فقالا: إنَّا كنا قد اشْتَرَيْنَاه منه، فقالُوا: ألم نَقُل لكم هَلْ بَاعَ صَاحِبُنَا شيئاً من مَتاعِهِ، فَقُلْتُمَا: لا، قالا: لم يَكُنْ عندنا بيِّنةٌ، فكرهنا أن نُقِرَّ لَكُم بِهِ، فكَتَمْنَا لذلك، فرفَعُوهُمَا إلى رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فأنزل اللَّهُ - عزَّ وجلَّ -: ﴿فَإِنْ عُثِرَ على أَنَّهُمَا استحقآ إِثْماً فَآخَرَانِ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا﴾ الآية، فقام عَمْرُو بنُ العَاصِ والمطَّلِبُ بن أبي وَداعة السَّهْمِيَّان، فحلفا باللَّهِ بعد العَصْرِ، فَرَفَع رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الإنَاءَ لَهُما، وإلى أوْلِيَاء الميِّتِ، فكان تَمِيمٌ الداري يقول بعدما أسْلَمَ: صدقَ اللَّهُ ورسُولُه أنا أخَذْتُ فأنَا أتُوبُ إلى اللَّه تعالى. وعن ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - أنَّهُ بقيت تلك الوَاقِعَةُ مَخْفِيَّةً إلى أن أسْلَمَ تَمِيمٌ الدَّاري، فلما أسْلَمَ أخْبَرَ بذلك، فقال: حَلَفْتُ كاذباً أنا وصَاحِبِي، بعْنَا الإنَاءَ بألفٍ وقَسَّمْنَا الثَّمنَ، ثمَّ دَفَعَ خمسمائة دِرْهَم من نفسه، ونزعَ من صاحبه خمسمائةً أخرى، ودفع الألْفَ إلى مَوَالِي الميِّت، فكذلك قوله: ﴿ذلك أدنى أَن يَأْتُواْ بالشهادة على وَجْهِهَآ﴾ ، أي: ذلك الذي حَكَمْنَا به من رَدِّ اليَمينِ، أجدر وأحْرَى أن يَأتِي الوَصِيَّان بالشَّهَادَة على وجهها، وأدْنَى معناه: أقْرَبُ إلى الإتيان بالشَّهَادَة على ما كانت ﴿أَوْ يخافوا أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ أي: أقْرَبُ إلى أن يَخَافُوا رَدَّ اليمينِ بعد يَمينهمْ على المُدَّعِي، فيحلفوا على خِيَانَتِهِم وكذبهم، فَيَفْتَضِحُوا ويغرمُوا، فلا يَحْلِفُون كَاذِبين إذا خَافُوا هذا الحُكْمَ، «واتَّقُوا اللَّهَ» : أنْ تَحْلِفُوا أيْماناً كَاذِبَةً، أو تَخُونُوا أمَانَةً، «واسْمَعُوا» : الموعظة، ﴿والله لاَ يَهْدِي القوم الفاسقين﴾ ، وهذا تَهْديدٌ ووعيدٌ لِمنْ يُخَالِفُ حُكْم اللَّهِ وأوَامِرِهِ. روى الواحدي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في «البَسِيطِ» ، عن عُمَر بن الخطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أنَّهُ قال: هذه الآية أعْضَلُ ما في هذه السُّورَةِ من الأحْكَامِ. ولنَرْجِع إلى إعرابِ بقيَّة الآيَة. قوله «ذلك أدْنَى» لا محلَّ لهذه الجملةِ؛ لاستئنافِها، والمشارُ إليه الحكمُ السابقُ بتفصيله، أي: ما تقدَّم ذكرُه من الأحْكَامِ أقربُ إلى حصولِ إقامةِ الشَّهادة على ما ينبغي، وقيل: المشارُ إليه الحَبْسُ بعد الصلاة، وقيل: تحليفُ الشاهدين، و «أنْ يَأتُوا» أصلُه: «إلى أنْ يأتُوا» ، وقدَّره أبو البقاء ب «مِنْ» أيضاً، أي: أدْنَى من أن يأتُوا، وقدَّره مكيٌّ بالباء، أي: بِأنْ يَأتُوا، قال شهاب الدين: وليْسَا بواضحَيْنِ، ثم حذفَ حرفَ الجر، فَنَشَأ الخلافُ المشهور، و «عَلَى وَجْهِهَا» متعلِّقٌ ب «يَأتُوا» ، وقيل: في محلِّ نَصْبٍ على الحال منها، وقدَّره أبو البقاء ب «محققة وصَحِيحَة» ، وهو تفسيرُ معنًى؛ لما عرفْتَ غير مرة من أنَّ الأكوانَ المقيَّدة لا تُقَدَّر في مثله. قوله: «أوْ يَخَافُوا» في نصبه وجهان: أحدهما: أنه منصوب؛ عطفاً على «يَأتُوا» ، وفي «أوْ» على هذا تأويلان: أحدهما: أنها على بابها من كونها لأحدِ الشيئين، والمعنى: ذلك الحكمُ أقربُ إلى حصول الشهادة على ما ينبغي، أو خوفِ رَدِّ الأيمانِ إلى غيرهم، فتسقطُ أيمانهم، والتأويلُ الآخر: [أن] تكون بمعنى الواو، أي: ذلك الحُكْمُ كله أقربُ إلى أنْ يَأتُوا، وأقربُ إلى أن يَخَافُوا، وهذا مفهومٌ من قول ابن عبَّاسٍ. الثاني من وجهي النصب: أنه منصوبٌ بإضمار «أنْ» بعد «أوْ» ، ومعناها هنا «إلاَّ» ؛ كقولهم: «لألْزَمَنَّكَ أوْ تَقْضِيَني حَقِّي» ، تقديره: إلاَّ أنْ تَقْضِيني، ف «أوْ» حرفُ عطفٍ على بابها، والفعلُ بعدها منصوبٌ بإضمار «أنْ» وجوباً، و «أنْ» وما في حيِّزها مُؤوَّلةٌ بمصْدرٍ، ذلك المصدرُ معطوفٌ على مصدر متوهَّم من الفعلِ قبله، فمعنى: «لألْزَمَنَّكَ أوْ تَقْضِيَنِي حَقِّي» : لَيَكُونَنَّ منِّي لُزُومٌ لك أو قَضَاؤُكَ لِحَقِّي، وكذا المعنى هنا أي: ذلك أدنى بأن يأتوا بالشهادةِ على وجهها؛ وإلاَّ خَافُوا رَدَّ الإيمانِ، كذا قدَّره ابن عطية بواوٍ قبل «إلاَّ» ، وهو خلافُ تقدير النحاة؛ فإنَّهمْ لا يقدِّرون «أوْ» إلا بلفظ «ألاَّ» وحدها دون واو، وكأن «إلاَّ» في عبارته على ما فهمه أبو حيان ليسَتْ «إلاَّ» الاستئنائيةَ، بل أصلُها «إنْ» شرطيةً دخلتْ على «لاَ» النافيةِ فأدْغِمَتْ فيها، فإنه قال: «أو تكون» أو «بمعنى» إلاّ إنْ «، وهي التي عبَّر عنها ابن عطيَّة بتلك العبارةِ من تقديرها بشرطٍ - محذوفٍ فعلُه - وجزاءٍ» . انتهى، وفيه نظرٌ من وجهَيْن: أحدهما: أنه لم يَقُلْ بذلك أحدٌ، أعني كون «أوْ» بمعنى الشرط. والثاني: أنه بعد أنْ حَكَمَ عليْهَا بأنها بمعنى «إلاَّ إنْ» جعلها بمعنى شرطٍ حُذِفَ فعلُه. و «أنْ تُرَدَّ» في محلِّ نَصْبٍ على المفعُولِ به، أي: أو يَخَافُوا رَدَّ أيمانهم. و «بَعْدَ أيْمَانِهِمْ» : إمَّا ظرفٌ ل «تُرَدَّ» ، أو متعلِّقٌ بمحذوفٍ؛ على أنها صفةٌ ل «أيْمَان» ، وجُمِعَ الضميرُ في قوله «يَأتُوا» وما بعده، وإنْ كان عائداً في المعنى على مثنى، وهو الشاهدان، فقيل: هو عائدٌ على صنفي الشاهدين، وقيل: بل عائدٌ على الشهودِ من الناسِ كُلِّهِمْ، معناه: ذلك أولى وأجدرُ أنْ يحذرَ الناسُ الخيانةَ، فيَتَحَرَّوْا في شهادتهم؛ خَوْفَ الشناعةِ عليهم والفَضِيحةِ في رَدِّ اليمينِ على المُدَّعِي، وقوله: «واتَّقُوا الله» لم يذكر متعلَّق التقوى: إمَّا للعلْمِ به، أي: واتقوا اللَّهَ في شهادِتكُمْ وفي الموصينَ عليهم بأن لا تَخْتَلِسُوا لهم شيئاً؛ لأن القصَّةَ كانت بهذا السَّببِ، وإمَّا قَصْداً لإيقاع التقوى، فيتناولُ كلَّ ما يُتَّقَى منه، وكذا مفعولُ «اسْمَعُوا» إنْ شئتَ حذفته اقتصاراً أو اختصاراً، أي: اسْمَعُوا أوامِرَهُ من نَوَاهِيه من الأحكام المتقدِّمة، وما أفْصَحَ ما جيء بهاتَيْن الجملتَيْن الأمريتَيْن، فتباركَ اللَّهُ أصْدَقُ القائلِينَ.

المائدة 5:108

لَمَّا أمَر اللَّه تعالى بِحِفْظِ النَّفْسِ في قوله «عَلَيْكُمْ أنْفُسَكُمْ» ، أمر بِحفْظِ المالِ في هذه الآية. قال القُرْطُبِي: وردَ لَفْظُ الشَّهَادة في القُرآنَ على أنْوَاع مُخْتَلِفَةٍ: الأول: بِمَعْنَى الحُضُور، قال تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185] . الثاني: بمعنى قَضَى، أي: أعلم قال تعالى: ﴿شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ هُوَ﴾ [آل عمران: 18] . قال أبو عُبَيْدَة: الثالث: بمعنى أقرَّ، قال تعالى: ﴿والملاائكة يَشْهَدُونَ﴾ [النساء: 166] . الرابع: شَهِدَ بمعنى حَكَم، قال تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ﴾ [يوسف: 26] . الخامس: شَهِدَ بمعنى حَلَف، قال تعالى ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ [النور: 6] أي: أنْ يَشْهَدَ أرْبَع شَهَادَاتٍ باللَّهِ. السادس: شَهِدَ بمعنى وصَّى، قال تعالى: ﴿يِا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت﴾ ، وقيل مَعْنَاهَا هنا الحُضُور للوصيَّة، يقال: «شَهِدْتُ وصيَّةَ فلانٍ» أي: حَضَرْتُ، وذهَب الطَّبَري إلى أنَّ الشَّهَادةَ بِمَعْنَى اليمين، فيكُونُ المَعْنَى: يَمِينُ مَا بَيْنَكُم أنْ يَحْلِفَ اثْنَان، ويَدُلُّ على ذَلِك، أنَّهُ يُعْلَمُ للَّه حُكْم يَجِبُ فيه على الشَّاهِدِ يَمِينٌ، وهذا القَوْلُ اخْتَارَهُ القَفَّال، وسُمِّيتِ اليَمِينُ شَهَادَة؛ لأنَّها يثبت بِهَا الحُكْمُ بِمَا يَثْبُتُ بالشَّهَادَةِ، واخْتَارَ ابْنُ عَطِيَّة هُنَا أنَّهَا الشَّهَادة التي تُحْفَظُ فَتُؤدَّى. فصل في سبب نزول الآية وسبَبُ نُزُولِها مَا رُوِي: أنَّ تَمِيمَ بن أوْسٍ الدَّارِيِّ وعَدِيّ بن زَيْدٍ كَانَا نَصْرانيينِ، خرجا من المدينةِ إلى الشَّامِ للتِّجَارَة، ومَعهُمَا بديل مَوْلَى عَمْرو بن العَاص، وكان مُسْلِماً مُهَاجراً، فلمَّا قَدِمُوا إلى الشَّام مَرِضَ بَدِيل، فكَتَبَ كِتَاباً فيه جَمِيعُ ما مَعَهُ من المَتَاعِ، وألْقَاهُ في جَوَالِق، ولم يُخبِر صَاحِبَيْه بِذلِك، فلمَّا اشْتَدّ مَرَضُهُ، أوْصَى إلى تَميم وعَدِيّ، وأَمَرَهُمَا أن يَدْفَعَا مَتَاعهُ إذا رجعا إلى أهْلِهِ، ومات «بَدِيل» فَفَتَّشَا متَاعَهُ، وأخَذَا مِنْهُ إناء فضَّةٍ مَنْقُوشاً بالذَّهَبِ، فيه ثلاثمائَةِ مِثْقَالٍ من فِضَّةٍ فغيَّبَاه، ثم قَضَيَا حَاجَتَهُمَا وانْصَرَفا إلى المدينةِ، فَدَفَعا المتاع إلى أهْلِ البَيْتِ، فَفَتَّشُوا وأصَابُوا الصَّحِيفَة، فيها تَسْمِيَةُ ما كان مَعَهُ، فَجَاءوا تَمِيماً وعَدِيًّا، فقالُوا: هل باع صَاحِبُنَا شَيْئاً من مَتَاعِهِ؟ قالاَ: لاَ، قالوا: فهل اتَّجَرَ تِجَارَةً؟ قَالاَ: لاَ، قالُوا: فَهَلْ طَالَ مَرَضُهُ فأنْفَقَ عَلَى نَفْسِهِ؟ قالاَ: لاَ، فقالُوا: إنَّا وَجَدْنَا في متاعِهِ صَحِيفَةً فيها تَسْمِيَةُ ما مَعَهُ، وإنَّا قَدْ فَقَدْنَا منها إنَاءً من فِضَّةٍ مُمَوَّهاً بالذَّهِبِ، فيه ثلاثمائَةِ مِثْقَالٍ فِضَّة فقالا: ما نَدْري، إنَّما أوْصَى لنا بِشَيْء، وأمَرَنَا أن نَدْفعه إلَيْكم فَدَفَعْنَاه، وما لنا عِلْمٌ بالإنَاء، فاخْتَصَمُوا إلى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فأصَرَّا على الإنْكَار، وحَلَفَا فأنْزَلَ اللَّهُ هذه الآية. قوله تعالى: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ : هذه الآية وما بعدها من أشْكَلِ القُرآنِ حُكْماً وإعْراباً وتَفْسيراً، ولم يَزَلِ العلماءُ يستشكلُونَها حتى قال مكيُّ بنُ أبي طالبٍ في كتابه المسمَّى ب «الكشف» : «هذه الآيةُ في قراءاتها وإعرابها وتفسيرها ومعانيها وأحكامها من أصْعَب آي في القُرْآن وأشْكلِها، قال: ويحتملُ أن يُبْسَطَ ما فيها من العلوم في ثلاثينَ ورقةً أو أكثر» ؛ قال: «وقد ذكرنَاهَا مشروحةً في كتاب مفردٍ» ، وقال ابن عطية: «وهذا كلامُ من لم يَقَعْ له الثَّلَجُ في تَفْسيرها، وذلك بَيِّنٌ من كتابه» ، وقال السَّخَاوِيُّ: «لم أر أحداً من العلماء تَخَلَّصَ كلامُه فيها من أولها إلى آخرها» ، وقال الواحديُّ: «وهذه الآية وما بعدها من أعوص ما في القرآن معنًى وإعراباً وتفسيراً» قال شهاب الدين: وأنا أستعينُ الله تعالى في توجيه إعرابها واشتقاق مفرداتها وتصريف كلماتها وقراءاتها ومعرفةِ تأليفها مِمَّا يختصُّ بهذا الموضوع، وبالله الحول والقوة. قرأ الجمهورُ «شَهَادَة بَيْنِكُمْ» برفع «شَهَادةُ» مضافةً ل «بَيْنِكُمْ» ، وقرأ الحسنُ والأعرجُ والشَّعْبِيُّ برفعها منوَّنةً «بَيْنَكُمْ» نصباً، والسُّلَميُّ والحسنُ والأعرجُ - في رواية عنهما -: «شَهَادَةً» منونَّةً منصوبة، «بَيْنَكُمْ» نصباً، فأمَّا قراءة الجمهور، ففي تخريجها خمسةُ أوجه: أحدها: أنها مرفوعةٌ بالابتداءِ، وخبرُها «اثْنَانِ» ، ولا بدَّ على هذا الوجه من حذفِ مضافٍ: إمَّا من الأوَّل، وإمَّا من الثاني، فتقديرُه من الأول: ذَوَا شَهَادَةِ بَيْنكُمُ اثنانِ، أي صَاحِبَا شهادةِ بينكم اثنانِ، وتقديرُه من الثاني: شهادةُ بينكم شهادةُ اثنين، وإنما اضطررْنا إلى حذفٍ من الأول أو الثاني ليتصادقَ المبتدأ والخبرُ على شيءٍ واحدٍ؛ لأنَّ الشهادة معنًى، والاثنان جُثَّتَانِ، ولا يجيء التقديران المذكورانِ في نحو: «زَيْدٌ عَدْلٌ» وهما جعله نفس المصدرِ مبالغةً أو وقوعُه موقع اسم الفاعل؛ لأنَّ المعنى يَأبَاهُمَا هنا، إلا أنَّ الواحديَّ نقل عن صاحب «النَّظْم» ؛ أنه قال: «شَهَادَة» مصدرٌ وُضِع مَوْضِعَ الأسْمَاء. يريدُ بالشهادة الشهود؛ كما يقال: رَجُلٌ عَدْلٌ ورِضاً، ورجالٌ عَدْلٌ ورِضاً وزَوْر، وإذا قَدَّرْتها بمعنى الشُّهُود، كان على حذف المضاف، ويكون المعنى: عدَّة شهودٍ بينكم اثنانِ، واستشهد بقوله: ﴿الحج أَشْهُرٌ﴾ [البقرة: 197] ، أي: وقتَ الحجِّ، ولولا ذلك لنصب أشهراً على تأويل: «الحَجُّ في أشْهُرٍ» ، فعلى ظاهر هذا أنه جعل المصدر نفس الشهود مبالغةً، ولذلك مثله ب «رِجَال عَدْل» ، وفيه نظر. الثاني: أن ترتفع على أنها مبتدأ أيضاً، وخبرها محذوفٌ يَدُلُّ عليه سياقُ الكلام، و «اثْنَان» على هذا مرتفعان بالمصدر الذي هو «شهادة» ، والتقدير: فيما فَرَضَ عليْكُمْ أن يشهد اثْنَانِ، كذا قدَّره الزمخشريُّ وهو أحد قولي الزَّجَّاج، وهو ظاهرٌ جدًّا، و «إذَا» على هذين الوجهين ظرف ل «شَهَادَةُ» ، أي ليُشْهَد وقتُ الموت - أي أسبابه - و «حِينَ الوصيَّةِ» على هذه الأوجه؛ فيه ثلاثة أوجه: أوجهها: أنه بدلٌ من «إذَا» ، ولم يذكر الزمخشريُّ غيره، قال: «وفي إبداله منه دليلٌ على وجوب الوصية» . الثاني: أنه منصوبٌ بنَفْسِ الموت، أي: يقع المَوْتُ وقْتَ الوصية، ولا بُدَّ من تأويله بأسباب الموت؛ لأنَّ وقتَ الموتِ الحقيقيِّ لا وصيةَ فيه. الثالث: أنه منصوبٌ ب «حَضَرَ» ، أي: حَضَر أسباب الموتِ حين الوصيَّة. الثالث: أنَّ «شَهَادَةُ» مبتدأ، وخبره: «إذَا حضَر» ، أي: وقوعُ الشهادة في وقتِ حضُورِ الموتِ، و «حِينَ» على ما تقدَّم فيه من الأوجه الثلاثة آنفاً، ولا يجوزُ فيه، والحالةُ هذه: أن يكون ظرفاً للشهادة؛ لئلا يلزمَ الإخبارُ عن الموصول قبل تمامِ صلته، وهو لا يجوزُ؛ لما مرَّ، ولمَّا ذكر أبو حيَّان هذا الوجه، لم يستدركْ هذا، وهو عجيبٌ منه. الرابع: أنَّ «شَهَادَةُ» مبتدأ، وخبرُها «حِين الوصيَّةِ» ، و «إذَا» على هذا منصوبٌ بالشَّهَادَةِ، ولا يجوز أن ينتصب ب «الوصيَّة» ، وإن كان المعنى عليه؛ لأنَّ المصدر المؤوَّلَ لا يَسْبقه معمولُه عند البصريِّين، ولو كان ظرفاً، وأيضاً: فإنه يلزمُ منه تقديمُ المضافِ إليه على المضافِ؛ لأن تقديم المعمول يُؤذِنُ بتقديمِ العامل، والعاملُ لا يتقدَّم، فكذا معمولُه، ولم يجوِّزوا تقديم معمُولِ المضافِ إلَيْه على المضاف إلا في مسألة واحدة، وهي: إذا كان المضافُ لفظةَ «غَيْر» ؛ وأنشدوا: [البسيط] 2061 - إنَّ امْرَأ خَصَّنِي عَمْداً مَوَدَّتَهُ ... عَلَى التَّنَائِي لِعِنْدِي غَيْرُ مَكْفُورِ ف «عِنْدِي» منصوبٌ ب «مَكفُور» ؛ قالوا: لأنَّ «غَيْر» بمنزلة «لاَ» ، و «لاَ» يجوزُ تقديمُ معمولِ ما بعدها عليها، وقد ذكر الزمخشريُّ ذلك آخرَ الفاتحةِ، وذكر أنه يجوزُ «أنَا زَيْداً غَيْرُ ضَارِبٍ» دون «أنَا زَيْداً مِثْلُ ضَارِبٍ» ، و «اثنان» على هذين الوجهين الأخيرين يرتفعان على أحد وجهين: إمَّا الفاعلية أي: «يَشْهَدُ اثْنَانِ» يدل عليه لفظ «شَهَادة» ، وإمَّا على خبر مبتدأ محذوف مدلولٍ عليه ب «شهادة» أيضاً أي: الشاهدان اثنان. الخامس: أنَّ «شهَادَةُ» مُبْتدأ، و «اثْنَانِ» فاعلٌ سدَّ مَسدَّ الخبَر، ذكره أبُو البقاء وغيره، وهو مذهبُ الفرَّاء، إلا أنَّ الفرَّاء قدَّر الشَّهادةَ واقِعةً موقعَ فِعْلِ الأمْر؛ كأنه قال: «لِيَشْهَدِ اثْنَانِ» ، فجعلُه من باب نِيَابةِ المصْدَرِ عن فِعْل الطَّلَبِ، وهو مثل «الحَمْدُ لله» و ﴿قَالَ سَلاَمٌ﴾ [هود: 69] ؛ من حيث المعنى، وهذا مذهبٌ ضعيفٌ ردَّه النَّحْوِيُّون، ويخصُّون ذلك بالوصْفِ المعتمد على نَفْيٍ أو استفهامٍ؛ نحو: «أقَائِمٌ أبَواكَ» وعلى هذا المذهب ف «إذَا» و «حِينَ» ظرفان مَنْصُوبان على ما تقرَّر فيهمَا في غير هذا الوجه؛ وقد تَحَصَّلْنا فيما تقدَّم أنَّ رفع «شَهَادَةُ» من وجْهِ واحدٍ؛ وهو الابتداءُ، وفي خبرها خَمْسَة أوجه تقدَّم ذكرُها مُفَصَّلَةً، وأنَّ رفع «اثْنَان» من خَمْسة أوْجُه: الأول: كونه خَبَراً ل «شَهَادَةُ» بالتَّأويل المذكُور. الثاني: أنه فاعلٌ ب «شَهَادَةُ» . الثالث: أنه فاعلٌ ب «يَشْهَدُ» مقدَّراً. الرابع: أنه خبر مُبْتدأ، أي: الشَّاهدان اثْنَانِ. الخامس: أنه فاعلٌ سَدَّ مسدَّ الخبر، وأنَّ في «إذَا» وجهين: إمَّا النَّصْبَ على الظرفيَّة، وإمَّا الرفع على الخَبَرِيَّة ل «شَهَادَةُ» ، وكل هذا بَيِّنٌ مما لَخَّصْتُه قبلُ، وقراءةُ الحسن برفعها منونةً تتوجه بما تقدَّم في قراءة الجُمْهور من غير فَرْقٍ. وأمَّا قراءةُ النصبِ، ففيها ثلاثةُ أوجهٍ: أحدها - وإليه ذهب ابن جنِّي -: أنها منصوبةٌ بفعل مضمرٍ، و «اثْنَان» مرفوعٌ بذلك الفعل، والتقدير: ليُقِمْ شهادةَ بَيْنكُمُ اثْنَانِ، وتبعه الزمخشريُّ. وقد ردَّ أبو حيان هذا؛ بأن حذف الفعل وإبقاء فاعله، لم يُجِزْهُ النحويون، إلا أن يُشْعِرَ به ما قبله؛ كقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والآصال رِجَالٌ﴾ [النور: 36 - 37] في قراءة ابن عامر وأبي بَكْرٍ، أي: يُسَبِّحُهُ رجال؛ ومثله: [الطويل] 2062 - لِيُبْكَ يَزِيدُ ضَارعٌ لِخُصُومَةٍ ... ومُخْتَبِطٌ مِمَّا تُطِيحُ الطَّوائِحُ وفيه خلافٌ: هل يَنْقاسَ أو لا؟ أو يُجَابَ به نَفْيٌ؛ كقوله: [الطويل] 2063 - تَجَلَّدْتَ حَتَّى قِيلَ: لَمْ يَعْرُ قَلْبَهُ ... مِنَ الوَجْدِ شَيْءٌ قُلْتُ: بَلْ أعْظَمُ الوَجْدِ أي: بَلْ عراه أعظمُ الوجْدِ، وما نحْنُ فيه ليس من الأشياء الثلاثة. الثاني: أن «شَهَادَةً» بدل من اللفظ بفعل، أي: إنها مصدر ناب مناب الفعلِ، فيعملُ عملَه، والتقدير: لِيَشْهد اثْنَانِ، ف «اثْنَانِ» فاعل بالمصدر، لنيابته منابَ الفعلِ، أو بذلك الفعلِ المحذوفِ، على حسبِ الخلاف في أصل المسألة، وإنما قدَّرْتُه «لِيَشْهَدِ اثْنَانِ» ، فأتيتُ به فعلاً مضارعاً مقروناً بلام الأمر، ولم أقدِّرْهُ فِعْلَ أمر بصيغة «افْعَلْ» ؛ كما يُقَدِّرُه النحويُّون في نحو: «ضَرْباً زَيْداً» ، أي: «اضْرِبْ» لأنَّ هذا قد رفع ظاهراً وهو «اثنانِ» ، وصيغةُ «افْعَلْ» لا ترفع إلا ضميراً مستتراً إن كان المأمور واحداً؛ ومثلُه قوله: [الطويل] 2065 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ..... فَنَدْلاً زُرَيْقُ المَالَ نَدْلَ الثَّعَالِبِ ف «زُرَيْقُ» يجوز أن يكون منادًى، أي: يا زُرَيْقُ، والثاني: أنه مرفوع ب «نَدْلاً» على أنه واقعٌ «لِيَنْدَلْ» ، وإنما حُذِف تنوينه؛ لالتقاء الساكنين؛ على حَدِّ قوله: [الطويل] 2066 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ..... وَلاَ ذَاكِرَ اللَّهَ إلاَّ قَلِيلا الثالث: أنَّ «شَهَادَةً» بدل من اللفظ بفعلٍ أيضاً، إلا أنَّ هذا الفعل خبريٌّ، وإن كان أقلَّ من الطلبيِّ، نحو: «حَمْداً وشُكْراً لا كُفْراً» ، و «اثْنَانِ» أيضاً فاعلٌ به، تقديرُه: يَشْهَدُ شَهَادَةً اثنانِ، وهذا أحسنُ التخاريجِ المذكُورة في قولِ امرئ القيس: [الطويل] 2067 - وُقُوفاً بِهَا صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيَّهُمْ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... «وُقُوفاً» مصدرٌ بدلٌ من فعلٍ خبريٍّ رفع «صَحْبِي» ونصب «مَطِيَّهُمْ» تقديره: وقف صَحْبِي، وقد تقدَّم أنَّ الفرَّاء في قراءة الرفع قدَّرَ أن «شَهَادَة» واقعةٌ موقع فعلٍ، وارتفع «اثْنَان» بها، وقد تقدم أنَّ ذلك يجوز أن يكون مِمَّا سَدَّ فيه الفاعل مسدَّ الخبر، و «بَيْنَكُمْ» في قراءةِ مَنْ نوَّن «شَهَادَة» نصبٌ على الظرف، وهي واضحةٌ. وأمَّا قراءةُ الجرِّ فيها، فَمِنْ باب الاتِّساعِ في الظُّروفِ، أي: بجعل الظرفِ كأنه مفعولٌ لذلك الفعلِ، ومثله: ﴿هذا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: 78] وكقوله تعالى: ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: 94] فيمن رفع، قال أبو حيان: «وقال الماتُرِيديُّ - وتبعه الرازيُّ -: إنَّ الأصلَ» مَا بَيْنَكُمْ «فحذف» مَا» ، قال الرازيُّ: و «بَيْنَكُمْ» كنايةٌ عن التنازُعِ؛ لأنه إنما يُحْتَاجُ إلى الشهود عند التنازع، وحَذْفُ» مَا «جائزٌ عند ظهوره؛ ونظيرُه كقوله تعالى: ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: 94] في قراءة مَنْ نصب» قال أبو حيان: «وحَذفُ» مَا «الموصولةِ غيرُ جائز عند البصريِّين، ومع الإضافة لا يَصِحُّ تقديرُ» مَا «ألبتة، وليس قوله ﴿هذا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: 78] نظيرَ ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: 94] لأن هذا مضافٌ، وذلك باقٍ على ظرفيته فيُتَخَيَّلُ فيه حَذْفُ» مَا» ؛ بخلاف ﴿هذا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: 78] و «شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ» ؛ فإنه لا يُتَخَيَّلُ فيه تقديرُ «مَا» ؛ لأنَّ الإضافة أخْرَجَتْهُ عن الظرفيَّة وصَيَّرَتْهُ مفعولاً به على السَّعَة» ، قال شهاب الدين: هذا الذي نقله الشيخ عنهما قاله أبو عليٍّ الجُرْجَانِيُّ بعينه، قال - رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى -: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ ، أي: ما بَيْنكُمْ، و «مَا بَيْنَكُمْ» كنايةٌ عن التنازُع والتشاجر، ثم أضافَ الشهادة إلى التنازعِ؛ لأن الشهودَ إنَّما يُحْتَاجُ إليهم في التنازُعِ الواقعِ فيما بين القوم، والعربُ تُضيفُ الشيْءَ إلى الشيءِ، إذا كان منه بسبب؛ كقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ [الرحمن: 46] ، أي: مقامه بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ، والعربُ تَحْذِفُ كثيراً ذكر «مَا» و «مَنْ» في الموضِعِ الذي يُحْتَاجُ إليهما فيه؛ كقوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ﴾ [الإنسان: 20] أي: ما ثَمَّ، وكقوله: ﴿هذا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: 78] و ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: 94] أي ما بَيْنِي، ومَا بَيْنَكُمْ، وقول أبي حَيَّان «لا يُتَخَيَّل فيه تقديرُ» مَا «إلى آخره» ممنوعٌ؛ لانَّ حالة الإضافة لا تَجْعَلُها صلةً للموصول المحذوف، ولا يَلْزمُ من ذلك: أنْ تُقَدِّرَها من حيث المعنى، لا من حيث الإعرابُ؛ نظراً إلى الأصْلِ، وأمَّا حَذْفُ الموصُولِ، فقد تقدَّم تحقيقُه. فصل واخْتَلَفُوا في هَاتَيْن الآيتين، فقالَ قَوْمٌ: هما الشَّاهِدِانِ يَشْهَدَان على وِصيَّةٍ. وقال غَيْرُهُم: هُمَا الوصيَّان؛ لأنَّ الآيَة نَزَلَتْ فيهما؛ ولأنَّه قال: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصلاة فَيُقْسِمَانِ﴾ ، ولا يَلْزَمُ الشَّاهِدُ يَمِين، وجَعَلَ الوَصِيَّ اثْنَيْن تَأكيداً، فعلى هذا تكُونُ الشَّهَادَةُ بِمَعْنَى: الحُضُور، كقولك: «شَهِدْتُ وصيَّة فُلانٍ» ، بِمَعْنَى: حَضَرتُ وشَهِدْتُ العَيْن، وقوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ المؤمنين﴾ [النور: 2] يُريدُ الحُضُور. فصل وقوله: «ذَوا» صفةٌ لاثنين، أي: صاحِبَا عدْلٍ، وكذلك قوله «مِنْكُمْ» صفة أيضاً لاثنين، وقوله: «أوْ آخَرَانِ» نسقٌ على اثنين، و «مِنْ غَيْرِكُمْ» صفةٌ لآخَرَيْنِ، والمراد ب «مِنْكُمْ» من قرابتكم وعترَتِكُم، ومن غيركم من المسلمين الأجانب، وقيل: «مِنْكُمْ» من أهل دينكم، و «مِنْ غَيْرِكُمْ» من أهل الذمة، ورجَّح النحَّاسُ الأولَ، فقال: «هذا يَنْبَنِي على معنًى غامضٍ في العربية، وذلك أنَّ معنى» آخَرَ «في العربية من جنْسِ الأوَّلِ تقولُ:» مَرَرْتُ بِكَرِيمٍ وكَرِيمٍ آخَرَ «ولا يجوز» وخَسِيسٍ آخَرَ «ولا:» مَرَرْتُ بِحِمَارٍ ورَجُلٍ آخَرَ» ، فكذا هاهنا يجب أن يكون «أو آخَرَانِ» : أو عَدْلاَن آخَرَان، والكفارُ لا يكونونَ عُدُولاً» وردَّ أبو حيان ذلك؛ فقال: «أمَّا ما ذكرَهُ من المُثُلِ، فصحيحٌ؛ لأنه مثَّل بتأخير» آخَرَ «، وجعله صفةً لغير جنسِ الأوَّل، وأمَّا الآيةُ، فمن قبيل ما يُقدَّم فيه» آخَر «على الوصف، واندرج» آخَر «في الجنْس الذي قبله، ولا يُعْتَبَرُ وصْفُ جنس الأول، تقول:» مَرَرْتُ بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ وآخَرَ كَافِرٍ، واشْتَرَيْتُ فَرَساً سَابِقاً، وآخَرَ بَطِيئاً «، ولو أخَّرْتَ» آخَرَ «في هذين المثالين، فقلت:» مَرَرْتُ بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ كَافِرٍ آخَرَ «، لم يَجُزْ، وليس الآيةُ من هذا؛ لأن تركيبها ﴿اثنان ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ ف» آخَرَانِ «من جنسِ قوله» اثْنَانِ» ، ولا سيما إذا قَدَّرْته: «رَجُلانِ اثْنَانِ» ف» آخَرَانِ «هما من جنْس قوله» رَجُلانِ اثْنَانِ» ، ولا يُعْتَبَرُ وصف قوله: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ ، وإن كان مغايراً لقوله «مِنْ غَيْركُمْ» ، كما لا يُعتبر وصفُ الجنْسِ في قولك: «عِنْدِي رَجُلانِ اثْنَانِ مُسْلِمَانِ وآخَرَانِ كَافِرَانِ» ؛ إذ ليس من شرطِ» آخَرَ «إذا تقدَّم أن يكون من جنْس الأول بقيدِ وصفه، وعلى ما ذكرته جاء لسانُ العربِ؛ قال الشاعر: [البسيط] 2068 - كَانُوا فَرِيقَيْنِ يُصْفُونَ الزِّجَاجَ عَلَى ... قُعْسِ الكَوَاهِلِ في أشْدَاقِهَا ضَخَمُ وآخرِينَ تَرَى المَاذِيَّ فَوْقَهُمُ ... مِنْ نَسْجِ دَاوُدَ أوْ مَا أوْرَثَتْ إرَمُ التقديرُ: كانوا فريقين: فريقاً - أو ناساً - يُصْفُونَ الزجاج، ثم قال:» وآخرين تَرَى الماذِيَّ، ف» آخَرِينَ «من جنْس قولك» فَرِيقاً» ، ولم يعتبره بوصفه بقوله «يُصْفُونَ الزِّجاج» ؛ لأنه قَسَّم من ذكر إلى قسمين متباينين بالوصف متحدين بالجنْسِ» ، قال: «وهذا الفرقُ قَلَّ مَنْ يَفْهَمُهُ؛ فَضْلاً عَمَّنْ يَعْرفُهُ» . وقوله: «أو» الظاهرُ أنها للتخْيير، وهو واضحٌ على القول بأن معنى «مِنْ غَيْرِكُمْ» : مِنْ غير أقارِبكُمْ من المسلمين، يعني: المُوصِي مُخَيَّرٌ بيْنَ أنْ يُشْهِدَ اثنَيْنِ من أقاربه، أو من الاجانب المسلمين وقيل: «أوْ» للترتيب: أي: لا يُعْدَلُ عن شاهدين منْكُمْ إلا عِنْدَ فَقْدِهِمَا، وهذا لا يجيءُ إلا إذا قلنا: «مِنْ غَيْرِكُمْ» : من غير أهْلِ مِلَّتِكُمْ. قوله: «إن أنْتُمْ» «أنْتُمْ» مرفوعٌ بمحذوفٍ يفسِّره ما بعده، وهي مسألة الاشتغالِ، والتقديرُ: إنْ ضَرَبْتمْ، فلما حُذِفَ الفعلُ، انفصلَ الضميرُ، وهذا مذهبُ جمهور البصريِّين، وذهب الأخْفَشُ منهم والكوفيُّون إلى جواز وقوعِ المبتدأ بعد «إن» الشرطيَّةِ؛ كما أجازوه بعد «إذَا» أيضاً، ف «ضَرَبْتُمْ» لا محلَّ له عند الجمهور؛ لكونه مفسِّراً، ومحلُّه الرفعُ عند الكوفيين والأخفش؛ لكونه خبراً؛ ونحوه: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ المشركين استجارك﴾ [التوبة: 6] ، ﴿إِذَا الشمس كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: 1] . وجوابُ الشرط محذوفٌ يدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿اثنان ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ﴾ ، ولكنَّ تقدير هذا الجوابِ يتوقَّف على خلافٍ في هذا الشرط: هل هو قيدٌ في أصْلِ الشهادة، أو قيدٌ في ﴿آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ فقط؟ بمعنى: أنه لا يجوزُ العدولُ في الشهادة على الوصيَّة إلى أهلِ الذمةِ، إلا بشَرْطِ الضرب في الأرض، وهو السفر، فإن قيل: هو شرطٌ في أصْلِ الشهادةِ، فتقديرُ الجواب: إنْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ، فليشهد اثنانِ منْكُمْ أو من غَيْرِكُمْ، وإنْ كان شرطاً في العدُولِ إلى آخَرَيْنِ من غير الملَّة، فالتقدير: فأشْهِدُوا آخَرَيْنِ من غَيْركم، أو فالشاهِدُ آخَرَانِ من غَيْرِكُمْ، فقد ظهر أنَّ الدَّالَّ على جوابِ الشرط: إمَّا مجموعُ قوله: «اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ ... إلى آخره» على القولِ الأوَّل، وإمَّا ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ فقط على القولِ الثاني. والفاء في «فَأصَابتكم» عاطفةٌ هذه الجملة على نَفْسِ الشرط، وقوله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصلاة﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنها في محلِّ رفع صفة ل «آخَرَانِ» ؛ وعلى هذا: فالجملةُ الشرطيةُ وما عُطِفَ عليها معترضةٌ بين الصفةِ وموصوفها؛ فإنَّ قوله «تَحْبسُونَهُمَا» صفةٌ لقوله «آخَرَانِ» ، وإلى هذا ذهب الفارسيُّ، ومكِّي بنُ أبِي طالبٍ، والحُوفيُّ، وأبو البقاء، وابن عطيَّة، وقد أوضحَ الفارسيُّ ذلك بعبارةٍ خاصَّةٍ، فقال: «تَحْبِسُونَهُمَا» صفة ل «آخَرَانِ» واعترض بقوله: ﴿إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأرض﴾ ، وأفاد الاعتراضُ: أنَّ العُدولَ إلى آخرين من غير المِلَّة، أو القرابة حَسَبَ اختلافِ العُلَمَاء فيه؛ إنما يكون مع ضرورة السَّفَر، وحلول المَوْت فيه، واستغني عن جواب «إنْ» ؛ لِما تقدَّم في قوله ﴿آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ ، فقد ظهر من كلامه: أنه يجعلُ الشرط قيداً في ﴿آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ فقط لا قيداً في أصْلِ الشهادة، فتقديرُ الجوابِ على رأيه؛ كما تقدَّم: «فاسْتَشْهِدُوا آخَرَيْن مِنْ غَيْرِكُمْ» أو «فالشَّاهِدَانِ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ» . والثاني: أنه لا محلَّ له؛ لاستئنافهِ، وإليه ذهب الزمخشريُّ؛ قال: «فإنْ قلت: ما موقعُ قوله:» تَحْبِسُونَهُمَا «؟ قلتُ: هو استئنافُ كلام، كأنه قيل بعد اشتراطِ العدالةِ فيهما: فكيفَ نَعْمَلُ، إن ارتَبْنَا فيهمَا؟ فقيل: تَحْبِسُونَهُمَا» ، وهذا الذي ذكره الزمخشريُّ أوفقُ للصناعة؛ لأنه يلزمُ في الأوَّل الفصْلُ بكلام طويلٍ بين الصفة وموصوفها، وقال: «بعد اشتراط العدالة» ؛ بناءً على مختاره في قوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ ، أي: أو عَدْلانِ آخرانِ من الأجانب. قال أبو حيان: «في قوله:» إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُْ «إلى آخره التفاتٌ من الغيبة إلى الخطاب، إذ لو جرى على لفظ ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت﴾ ، لكان التركيب: إنْ هو ضَرَبَ في الأرْضِ، فأصابته، وإنما جاء الالتفاتُ جمعاً؛ لأنَّ» أحَدَكُمْ «معناه: إذا حضَرَ كُلَّ واحدٍ منكم المَوْتُ» ، وفيه نظرٌ؛ لأن الخطاب جارٍ على أسلوب الخطابِ الأوَّل من قوله: ﴿يِا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ إلى آخره، وقال ابن عبَّاس: «في الكلام حذفٌ، تقديرُه: فأصابتْكُمْ مصيبةُ الموتِ، وقد أشهدتُموهُمَا على الإيصاء» ، وعن سعيد بن جُبير: تقديره «وقد أُوصيتُم» ، قال بعضُهُم: «هذا أوْلَى؛ لأنَّ الوَصِيَّ يَحْلِفُ، والشَّاهدَ لا يَحْلِفُ» . والخطابُ في «تَحْبِسُونَهُمَا» لولاةِ الأمور لا لِمَنْ خُوطِبَ بإصابته المَوْتَ؛ لأنه يتعذَّر ذلك فيه، و «مِنْ بَعْدِ» متعلِّق ب «تَحْبِسُونَهُمَا» ، ومعنى الحَبْسِ: المنعُ، يقال: حَبَسْتُ وأحْبَسْتُ فَرَسِي في سبيلِ الله، فَهُوَ مُحْبَسٌ وحَبِيسٌ، ويقال لمصْنَعِ الماءِ: « حَبْسٌ» ؛ لأنه يمنعه، ويقال: «حَبَّسْتُ» بالتشديد أيضاً بمعنى وقَفْتُ وسَبَلْتُ؛ وقد يكون التشديدُ للتكثير في الفعل؛ نحو: «حَبَّسْتُ الرِّجَالَ» ، والألف واللام في «الصَّلاة» فيها قولان: أحدهما: أنها للجنْس، أي: بعد أيِّ صلاة كانت. والثاني - وهو الظاهر - أنها للعَهْد كما سيأتي - إن شاء الله تعالى -. فصل معنى الآية: أنَّ الإنْسَان إذا حَضَرَهُ المْوتُ، أنْ يُشهِدَ اثنين ذَوَيْ عدلٍ أي: أمَانةٍ وعَقْلٍ. ومعنى قوله: «مِنْكُم» أي: أهْل دِينكُمْ يا مَعْشَر المُؤمنين، ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ ، من غَيْر دِينكُمْ قول أكثر المُفَسِّرين، قاله ابْنُ عبَّاس، وأبُو مُوسى الأشْعَرِي، وهو قَوْلُ سعيد بن المُسَيِّبِ، وإبراهيمِ النَّخْعِي، وسعيد بنِ جُبَيْرٍ [وشريح] ، ومُجَاهِد، وعُبَيْدة، ثُمَّ اختلفَ هؤلاءِ في حُكْمِ الآيَةِ. فقال النَّخْعي، وجماعةٌ: هي منسوخَةٌ، وكانَتْ شَهَادةُ أهْلِ الذَمَّةِ مَقْبُولَةً في الابْتِدَاء، ثُمَّ نُسِخَتْ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهَا ثَابِتَة، وقالُوا: إذا لم يَجِدْ مُسْلمَيْنِ يُشهِدُ كَافِريْنِ قَالَ شُرَيْح: مَنْ كان بِأرْض غُرْبَةٍ، ولم يَجِدْ مُسْلِماً يَشْهدُ على وصِيَّتِهِ، فأشْهَدَ كَافِرَيْنِ على أيِّ دينٍ كَانَا من أهْلِ الكتابِ، أوْ عَبَدَةِ الأوْثان، فَشَهَادَتُهُم جَائِزةٌ، ولا تَجُوزُ شَهَادَةُ كافرٍ على مُسْلمٍ إلاَّ على وَصِيَّةٍ في سَفَرٍ. وعن الشَّعْبِيِّ: أنَّ رَجُلاً من المُسْلِمين حَضَرَتُهُ الوَفَاةُ بدقوقا، ولم يَجِدْ مُسْلِماً يُشْهِدُه على وصِيَّتِهِ، فأشْهَدَ رجُلَيْنِ من أهْلِ الكِتَابِ، فقدِمَا الكوفَةَ بتَرِكَتهِ وأتَيا أبَا مُوسَى الأشْعَرِي. فقال الأشْعَرِيُّ: هذا أمْرٌ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الذي كان على عَهْد رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فأحْلَفَهُمَا باللَّه ما خَانَا ولا كَذبَا، ولا بَدَّلا، ولا غيَّرا، وأنَّها لوصيَّة الرَّجُل وتركتِهِ، وأمْضَى شَهَادتَهُمَا وقال آخرُون: قوله: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ أي: من حَيّ المُوصِي، ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ ، أي: من غَيْرِ حَيِّكُمْ وعَشِيرَتِكُمْ، وهو قول الحَسَن والزُّهرِي وعِكْرِمَة [ وجُمْهُور الفُقَهَاء] ، وقالوا: لا يجوز شَهَادةُ كَافِرٍ في شَيْءٍ من الأحْكَامِ. وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأرض﴾ ، أي: إنْ وَقَعَ المَوْتُ في السَّفَرِ، ولم يَكُنْ مَعَكَمْ أحَدٌ من المُسْلِمِين، أوْ من أقَارِبُكُمْ، فاسْتَشْهِدُوا أجْنَبِيَّيْن على الوصيَّة، إمَّا من مِلتِكُم، أو من غَيْرِ مِلَّتِكُمْ على الخِلاف. واحتَجَّ من قال: المُرَادُ بقوله: «مِنْ غَيْرِكُم» : الكُفَّار؛ بأنَّه تعالى قال في أوَّل الآيةِ: ﴿يِا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ﴾ فعمَّ بهذا الخِطَابِ جَمِيعَ المُؤمنينَ، فلما قال بعده «مِنْ غَيْرِكُم» كان المُرادُ غَيْرَ المُؤمنين. وأيضاً كما شَرَطَ هذا الاسْتِشْهَاد بحَالَة السَّفَرِ عَلِمْنَا أن المُراد بالآية: الكُفَّار؛ لأنَّ جواز الاسْتِشْهَادِ بالمُسْلِمِ غير مَشْرُوطٍ بالسَّفْر. وأيضاً فالآية تَدُلُّ على وُجُوبِ تَحْلِيف الشَّاهدين بَعْد الصلاة، والإجْمَاع على أنَّ الشَّّاهِد المُسْلِم، لا يَجِبُ عَلَيْه الْحَلْفُ، فعَلِمْنَا أنَّ هذَيْن الشَّاهدَيْنِ ليسا من المُسْلِمين وأيضاً بسَببِ النُّزُول، ما ذكرنا من شَهَادَةِ النَّصْرَانِيَّيْن، وقِصَّة أبِي مُوسى الأشْعَرِي، إذ قَضَى بِشَهَادَةِ اليَهُوديَّيْن، ولَمْ يُنْكِرْ عليه أحَدٌ من الصَّحَابَة، فكان إجْماعاً، فهذه حالةُ ضَرُورَةٍ، والضَّرُورَاتُ قد تُبِيحُ المَحْظُورات، كَجَوازِ التَّيَمُّمِ، والقَصْرِ، والفِطْرِ في رمضان، وأكلِ المَيْتَةِ في حالِ الضَّرُورَة، والمُسْلِمُ إذا حَضَرَهُ المَوْتُ في السَّفرِ، ولم يجِدْ مُسْلِماً يُشْهِدُه على وصِيَّتهِ، ولم تكنْ شَهَادةُ الكافِرِين مَقْبُولَةٌ، فإنَّه يُضَيِّع أكثر مُهِمَّاتِه، ورُبَّما كان عِنْدَهُ ودَائِع ودُيُونٌ في ذِمَّتِهِ. كما تُجُوزُ شَهادَةُ النِّساء فيما يتعلَّقُ بأحْوَالِهِنَّ، كالحَيْضِ والحَبَلِ والولادَةِ والاستِهْلاَلِ؛ لِعَدَم إمْكَانِ وقُوفِ الرِّجَال على هذه الأحْوَال، فاكتُفي بِشَهادةَ النِّسَاء فيها للضَّرُورة، فكَذَا هَاهُنَا، والقَوْلُ بأنَّ هذا الحُكْمَ صَارَ مَنْسُوخاً بَعِيدٌ؛ لاتِّفَاقِ أكْثَرِ الأمَّةِ على أنَّ سُورة المَائِدَةِ من آخر ما نزل من القُرْآنِ، ولَيْسَ فيها مَنْسُوخٌ، واحْتَجَّ الآخَرون بقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَي عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق: 2] ، والكَافِرُ لا يكون عَدْلاً. وأُجِيبَ بأنَّه لم لا يجُوز أنْ يكون المرادُ بالعَدْلِ مَنْ كَانَ عدْلاً في الاحْتَرازِ عَنِ الكذبِ، لا مَنْ كان عَدْلاً في الدِّين والاعتقاد؛ لإجْماعِنَا على قُبُول شَهَادِةِ أهْلِ الأهْوَاء والبِدَعِ، مع أنَّهم لَيْسُوا عُدُولاً في مَذَاهِبِهم عِنْدَنا لِكُفْرِهِم، [ولكنهم] لمَّا كانُوا عُدُولاً في الاحْتِرازِ عَنِ الكَذِبِ، قَبِلْنَا شَهَادَتَهُمْ، فكذا هَاهُنَا. سلَّمْنَا أنَّ الكَافِرَ لَيْسَ بعْدلٍ، إلاَّ أن قوله: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ عامٌّ، وقوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأرض﴾ خَاصٌّ؛ فإنَّه أوْجَبَ شهادَة العَدْلِ منَّا في الحَضَرِ، واكْتَفَى بِشَهَادَةِ مَنْ لا يَكُونُ منَّا في السَّفَرِ، فَهَذِه الآيَةُ خَاصَّةٌ، والآيةُ التي ذكرُوهَا عامَّةٌ، والخاصُّ مُقدَّم على العامِّ، لا سِيَّما إذا كان الخَاصُّ مُتَأخِّراً في النُزُولِ، والمائِدَةُ مُتَأخِرَّةٌ، فكان تَقْدِيمُ هذه الآيَةِ الخَاصَّةِ وَاجِبٌ بالاتِّفَاقِ. وقوله: «تَحْبِسُونَهُمَا» أي: تستوقفونهما مِنْ بعد صلاةِ أهْلِ دينهمَا. وقال عامَّةُ المُفَسِّرين: من بعدِ صلاة العَصْرِ، قالَهُ الشَّعْبِي، والنَّخْعِي، وسعيدُ بن جُبير، وقَتادَةُ وغَيْرِهم؛ لأنَّ جَمِيعَ أهْلِ الأدْيَان يُعَظِّمُونَ ذلك الوَقْت، ويَجْتَنِبُون فيه الحَلْفَ الكَاذِبَ. وقال الحَسَنُ: مِنْ بعد صلاة الظُّهْر. واحتَجَّ الجُمْهُور بما تقدَّم، وبأنَّه رُوِي أنَّهُ لمَّا نَزلَتِ هذه الآيَةِ، صلَّى رسُولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ صلاة العَصْر، ودَعَا ب «عَدِيِّ» و «تَمِيمٍ» فأسْتَحلفَهُمَا عِنْد المِنْبَر. وقال بعضهم: بَعْدَ أداءِ أيِّ صلاةٍ كانتْ؛ لأنَّ الصَّلاة تَنْهَى عن الفَحْشَاءِ والمُنْكَر. قال بَعْضُ العلماء: الأيمانُ تُغَلَّظ في الدِّماءِ، والطَّلاقِ، والعِتَاقِ، والمال إذا بلغ مائَتَيْ دِرْهم بالزَّمَانِ والمكَان، فَيُحْلَفُ بعد صلاة العَصْرِ بِمَكَّةَ بين الرُّكْنِ والمقام، وفي المدينَة عند المِنْبَر، وفي بَيْتِ المقْدِسِ عند الصَّخْرَةِ، وفي سَائِر البُلْدَانِ في أشْرَف المَسَاجِد. وقال أبو حنيفة: لا يَخْتَصُّ الحَلفُ بِزَمَان ولا مكان. قوله: «فَيُقْسِمَانِ» في هذه الفاء وجهان: أظهرهما: أنها عاطفةٌ هذه الجملة على جملة قوله: «تَحْبِسُونَهُمَا» ، فتكون في محلِّ رفع، أو لا محلَّ لها حَسْبَمَا تقدَّم من الخلاف. والثاني: أنها فاءُ الجزاءِ، أي: جوابُ شرطٍ مقدَّرٍ، وقال الفارسيُّ: «وإنْ شئت، لَمْ تَجْعَلِ الفاء؛ لعطف جملة، بل تجعلُه جزاءً؛ كقول ذي الرُّمَّة: [الطويل] 2069 - وإنْسَانُ عَيْنِي يَحْسِرُ المَاءُ تَارَةً ... فَيَبْدُو، وتَارَاتٍ يَجُمُّ فَيَغْرَقُ تقديرُه عندهم: إذا حَسَرَ بَدَا، وكذا في الآية: إذا حَبَسْتُمُوهُمَا أقْسَمَا» . [وقال مكيٌّ نحوه؛ فإنه قال: «ويجوزُ أنْ تكونَ الفاءُ جواب جزاءٍ؛ لأن» تَحْبِسُونَهُمَا «معناه الأمْرُ بذلك، وهو جوابُ الأمْر الذي دَلَّ عليه الكلامُ؛ كأنه قيل: إذا حَبَسْتُمُوهُمَا أقْسَمَا» ] قال شهاب الدين: ولا حاجةَ داعيةً إلى شيء من تقدير شرطٍ محذوفٍ، وأيضاً: فإنه يُحْوجُ إلى حذفِ مبتدأ قبل قوله «فَيُقْسِمَان» ، أي: فهما يُقْسِمَانِ، وأيضاً ف «إنْ تَحْبِسُوهُمَا» تقدَّم أنها صفةٌ، فكيف يَجْعَلُها بمعنى الأمر، والطَّلَبُ لا يقع وصفاً؟ وأمَّا البيتُ الذي أنشده أبو عليٍّ، فَخَرَّجَه النحويُّون على أنَّ «يَحْسِرُ الماءُ تَارَةً» جملةٌ خبرية، وهي وإن لم يكنْ فيها رابطٌ، فقد عُطِفَ عليها جملةٌ فيها رابطٌ بالفاء السَّببية، وفاءُ السببية جَعَلَتِ الجملتَيْنِ شيئاً واحداً. و «بالله» متعلِّقٌ بفعل القسم، وقد تقدَّم أنه لا يجوز إظهارُ فعلِ القسمِ إلا معها؛ لأنها أمُّ الباب، وقوله: ﴿لاَ نَشْتَرِي بِهِ﴾ جوابُ القسم المضمرِ في «يُقْسِمَانِ» ، فتُلُقِّي بما يُتَلَقَّى به، وقوله: «إن ارْتَبْتُمْ» شرطٌ، وجوابه محذوفٌ، تقديرُه: إن ارتبتُمْ فيهما، فحلِّفُوهُمَا، وهذا الشرط وجوابه المقدَّرُ معترضٌ بين القسم وجوابه. والمعنى: إن ارْتَبْتُمْ في شَأنِهِمَا فَحَلِّفُوهُمَا، وهذا الشَّرطُ حُجَّةُ من يقول: الآيةُ نَازِلةٌ في إشْهَادِ الكُفَّارِ؛ لأنَّ تَحْلِيفَ الشَّاهِدِ المُسْلِم غير مَشْرُوعٍ. ومن قال: الآيةُ نازلةٌ في المُسْلِمِ قال: إنها مَنْسُوخَةٌ. وعن عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: أنَّهُ كان يُحَلِّفُ الشَّاهِدَ والرَّاوي عند التُّهْمَةِ. وليس هذه الآيةُ مِمَّا اجتمع فيه شرطٌ وقسمٌ، فأُجيب سابقُهما، وحُذِفَ جوابُ الآخرِ؛ لدلالةِ جوابه عليه؛ لأنَّ تلك المسألةَ شرطُها أن يكون جوابُ القسمِ صالحاً لأنْ يكون جواب الشرط؛ حتَّى يَسُدَّ مسدَّ جوابه؛ نحو: «والله إنْ تَقُمْ لأكْرِمَنَّكَ» ، لأنك لو قَدَّرْتَ «إن تَقُمْ أكْرَمْتُكَ» ، صَحَّ، وهنا لا يُقَدَّر جوابُ الشرط ما هو جوابٌ للقسَم، بل يُقَدَّر جوابُه قِسْماً برأسِه؛ ألا ترى أنَّ تقديره هنا: «إن ارْتَبْتُمْ، حَلِّفُوهُمَا» ولو قَدَّرْتَهُ: إن ارتبتُمْ، فلا نشتَرِي، لم يَصِحَّ، فقد اتفقَ هنا أنه اجتمع شرطٌ وقسمٌ، وقد أجيب سابقهما، وحُذفَ جوابُ الآخَرِ، وليس من تيكَ القاعدةِ، وقال الجُرْجَانِيُّ: «إنَّ ثَمَّ قولاً محذوفاً، تقديرُه: يُقْسِمَانِ بالله ويقولانِ هذا القَوْلَ في أيْمَانِهمَا، والعربُ تُضْمِرُ القولَ كثيراً؛ كقوله تعالى: ﴿وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ﴾ [الرعد: 23 - 24] أي: يقولُونَ سلامٌ عَلَيْكُمْ» ، قال شهاب الدين: ولا أدْرِي ما حمله على إضمارِ هذا القَوْلِ؟ . قوله: «بِهِ» في هذه الهاءِ ثلاثةُ أقوالٍ: أحدها: أنها تعودُ على الله تعالى. الثاني: أنها تعودُ على القسم. الثالث: وهو قول أبي عليٍّ -: أنها تعودُ على تحريفِ الشهادةِ، وهذا قوي من حيث المعنى، وقال أبو البقاء: «تعودُ على اللَّهِ، أو القَسَمِ، أو الحَلْفِ، أو اليمينِ، أو تحريفِ الشهادةِ، أو على الشهادة؛ لأنها قولٌ» ، قال شهاب الدين: قوله «أو الحَلْفِ أو اليمينِ» لا فائدةَ فيه؛ إذ هما شيءٌ واحدٌ، وكذلك قولُ من قال: إنها تعودُ على الله تعالى، لا بد أن يقدِّر مضافاً محذوفاً، أي: لا نَشْتَري بيمَينِ الله أوْ قسَمِه ونَحْوه؛ لأنَّ الذاتَ المقدَّسة لا يُقالُ فيها ذلك، وقال مكي: «وقيل: الهاءُ تعودُ على الشَّهادة، لكن ذُكِّرَتْ؛ لأنها قولٌ كما قال تعالى: ﴿فارزقوهم مِّنْهُ﴾ [النساء: 8] فردَّ الهاءَ على المقْسُومِ؛ لدلالة القسمة على ذلك» ، والاشتراءُ هنا، هَلْ هو باقٍ على حقيقته، أو يُرَاد به البيع؟ قولان، أظهرهما الأول، وبيانُ ذلك مبنيٌّ على نصْب «ثَمَناً» ، وهو منصوبٌ على المفعوليَّة، قال الفارسيُّ: «وتقديره: لا نَشْتَرِي به ذا ثَمَنٍ؛ ألا ترى أنَّ الثمن لا يُشْتَرى، وإنما يُشْتَرَى ذو الثمنِ» ، قال: «وليس الاشتراءُ هنا بمعنى البيع، وإنْ جاء لغةً، لأنَّ البيع إبعادٌ عن البائع، وليس المعنى عليه، إنما معناه التمسُّكُ به والإيثارُ له على الحقِّ» ، وقد نقل أبو حيان هذا الكلام بعينه ولم يعْزُه لأبِي عَلِيٍّ. وقال مكيٌّ: «معناه ذا ثَمَنٍ، لأنَّ الثمن لا يُشْتَرَى، إنما يُشْتَرى ذو الثمنِ، وهو كقوله: ﴿اشتروا بِآيَاتِ الله ثَمَناً﴾ [التوبة: 9] ، أي ذا ثَمَنٍ» ، وقال غيرُه: «إنه لا يَحْتاجُ إلى حذف مضاف» ، قال أبو البقاء: «ولا حَذْفَ فيه؛ لأنَّ الثمنَ يُشْتَرَى كما يُشْتَرَى به، وقيل: التقديرُ: ذا ثَمَنٍ» ، وقال بعضهم: «لا نَشْتَرِي: لا نبيعُ بعَهْدِ الله بغَرَضٍ نَأخُذُه؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ [آل عمران: 77] ، فمعنى الآية: لا نَأخُذُ بعهد الله ثَمَناً؛ بأن نبيعَه بعَرَضٍ من الدنيا» قال الواحديُّ: «ويُسْتَغْنَى بهذا عن كثيرٍ من تكلُّفِ أبي عَلِيٍّ، وهذا معنى قول القُتَيْبِيِّ والجُرْجَانِيِّ» . قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قربى﴾ الواوُ هنا كالتي سَبَقَتْ في قوله: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 170] من أنها يحتمل أن يقال عاطفةٌ، أو حاليةٌ، وأنَّ جملة الامتناعِ حالٌ معطوفةٌ على حالٍ مقدَّرةٍ؛ كقوله: «أعْطُوا السَّائِلَ، ولوْ عَلَى فرسٍ» ، فكذا هنا تقديرُه: لا نشتري به ثمناً في كلِّ حال، ولو كان الحالُ كذا، واسمُ» كَانَ «مضمرٌ فيها يعودُ على المشهُودِ له، أي: ولو كان المشهُودُ له ذَا قَرَابَةٍ. قوله: ﴿وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ الله﴾ الجمهورُ على رَفْعِ ميمِ» نَكْتُمُ «على أنَّ» لا «نافية، والجملةُ تحتمل وجهين: أحدهما - وهو الظاهرُ -: كونُها نسقاً على جواب القسمِ، فتكونُ أيضاً مقسماً عليها. والثاني: أنه إخبارٌ من أنفسهم بأنهم لا يكتمُون الشهادة؛ ويتأيَّدُ بقراءة الحسن والشَّعْبيِّ: «وَلاَ نَكْتُمْ» على النهْي، وهذه القراءةُ جاءتْ على القليل؛ من حيث إنَّ دخولَ» لاَ «الناهيةِ على فعلِ المتكلِّم قليلٌ؛ ومنه: [الطويل] 2070 - إذا مَا خرَجْنَا مِنْ دمشْقَ فَلاَ نَعُدْ ... بِهَا أبَداً ما دَامَ فِيهَا الجَرَاضِمُ والجمهورُ على» شهادةَ الله» بالإضافة، وهي مفعولٌ بها، وأضيفَتْ إليه تعالى؛ لأنه هو الآمرُ بها وبحفظها، وألاَّ تُكْتَمَ، ولا تُضَيَّعَ، وقرأ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ونعيمُ بْنُ مَيْسَرَة والشَّعْبِيُّ في رواية: «شهادةً الله» بتنوين شهادة، ونصبها، ونصب الجلالة، وهي واضحةٌ، ف «شَهَادَةً» مفعول ثان، والجلالةُ نصبٌ على التعظيم وهي الأوَّل، والأصلُ: ولا نَكْتُمُ اللَّهَ شهادةً؛ وهو كقوله: ﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً﴾ [النساء: 42] وإنما قُدِّمَتْ هنا للاهتمامِ بها؛ فإنها المحدَّثُ عنها، وفيها وجهُ ثانٍ - نقله الزهراويُّ - وهو: أن تكون الجلالةُ نَصْباً على إسقاطِ حرفِ القسم، والتقديرُ: ولا نَكْتُمُ شهادةً واللَّهِ، فلمَّا حُذِف حرفُ الجر، نُصِب المُقْسَمُ به، ولا حاجةَ إليه؛ لأنه يَسْتَدْعِي حذف المفعولِ الأوَّل للكتمان، أي: ولا نَكْتُمُ أحداً شهادةً والله، وفيه تكلُّفٌ وإليه ذهب أبو البقاء أيضاً قال: «على أنه منصوبٌ بفعْلِ القسم محذوفاً» . ويُروَى عن أبِي جَعْفَر «شَهادةً» مُنَونةً «أَللَّهِ» بِقَطْعِ الألف وكسَرْ الهَاءِ، من غير اسْتِفْهَام على ابْتِدَاء اليَمينِ، أي: واللَّهِ ﴿إِنَّآ إِذَاً لَّمِنَ الآثمين﴾ ، أي: إنْ كَتَمْنَاها نَكُونُ من الآثمين. وقرأ عليٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - والسُّلمِيُّ والحسن البصريُّ: «شَهَادَةً» بالتنوين والنصب، «آلله» بمدِّ الألفِ التي للاستفهام، دَخَلَتْ للتقرير، وتوقيف نفوسِ الخَلْق الحالفين، وهي عوضٌ عن حَرْفِ القسمِ المقدَّرِ ثمّ. وهل الجرُّ بها أم بالحَرْفِ المحذوفِ؟ خلافٌ. وقرأ الشعبيُّ في رواية وغيره: «شَهَادَهْ» بالهاء ويقف عليها، ثم يَبْتدئ «آللَّهِ» بقطع همزة الوصل وبمدِّ الهمزة على أنها للاستفهام بالمعنى المتقدِّم، وجَرِّ الجلالة، وهمزةُ القطعِ تكون عوضاً من حرف القسم في هذا الاسم الشريف خاصة، تقول: يا زَيْدُ، أللَّهِ، لأفْعلَنَّ، والذي يُعَوَّض من حرف القسم في هذا الاسم الشريف خاصَّة ثلاثةٌ: ألفُ الاستفهام، وقطعُ همزة الوصلِ، وها التي للتنبيه؛ نحو: «ها اللَّهِ» ، ويجوزُ مع «هَا» قطعُ همزةِ الجلالة ووصلُها، وهل الجرُّ بالحرف المقدَّر، أو بالعوض؟ تقدَّم أنَّ فيه خلافاً، ولو قال قائلٌ: إن قولهم «الله، لأفْعَلَنَّ» بالجرِّ وقطع الهمزة؛ بأنها همزة استفهام لم يُرَدَّ قوله، فإن قيل: همزةُ الاستفهام، إذا دخلَتْ على همزة الوصْلِ التي مع لام التعريف، أو ايْمُن في القَسَم، وجب ثبوتُ همزة الوصل، وحينئذ إمَّا: أنْ تُسَهَّلَ، وإمَّا أنْ تُبْدَلَ ألفاً، وهذه لم تَثْبُتْ بعدها همزةُ وصل، فتعيَّن أن تكونَ همزة وصْلٍ قُطِعَتْ عوضاً عن حرف القسم، فالجواب: أنهم إنما أبْدلوا ألفَ الوصْلِ أو سَهَّلوها بعد همزةِ الاستفهام؛ فرقاً بين الاستفهام والخبر، وهنا اللَّبْسُ مأمونٌ فإنَّ الجرَّ في الجلالة يؤذِنُ بذلك؛ فلا حاجة إلى بقاءِ همزةِ الوصلِ مُبْدلةً أو مُسَهَّلةً، فعلى هذا قراءة: ألله، وآلله بالقصْر والمدِّ تحتمل الاستفهام، وهو تخريجٌ حسن، قال ابن جني في هذه القراءة: «الوقفُ على» شهَاده «بسكون الهاء، واستئنافُ القسم - حسنٌ؛ لأنَّ استئنافه في أولِ الكلامِ أوْجَهُ له وأشدُّ هيبةً مِنْ أنْ يدخُلَ في عرضِ القَوْل» ، ورُوِيَتْ هذه القراءةُ - أعني: «ألله» بقطع الألف من غير مدٍّ وجرِّ الجلالة - عن أبي بكرٍ عن عاصمٍ وتقدَّم أيضاً أنها رويتْ عن أبي جعفرٍ، وقرئ: «شَهَادَةً اللَّهِ» بنصب الشهادة منونة، وجرِ الجلالة موصولة الهمزة، على أن الجرَّ بحرفِ القسمِ المقدَّرِ من غير عوضٍ منه بقَطْعِ، ولا همزةِ استفهام، وهو مختصٌّ بذلك. وقوله تعالى: ﴿إِنَّآ إِذَاً لَّمِنَ الآثمين﴾ هذه الجملةُ لا محلَّ لها؛ لأنها استئنافيةٌ، أخبروا عن أنفسهم بأنهم من الآثمين، إنْ كتموا الشهادة؛ ولذلك أتوا ب «إذَنِ» المُؤذِنَةِ بالجزاء والجواب، وقرأ الجمهور: «لَمِنَ الآثمينَ» من غير نقل، ولا إدغام، وقرأ ابن مُحَيصنٍ والأعمش: «لَمِلآّثمين» بإدغام نون «مِنْ» في لام التعريف، بَعْد أن نقل إليها حركة الهمزة في «آثمينَ» ، فاعتدَّ بحركة النقل فأدغَمَ، وهي نظيرُ قراءةِ مَنْ قرأ: ﴿عَاداً لُّولَى﴾ [النجم: 50] بالإدغام، على ما سيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى. فصل في معنى الآية ومعنى الآية: إنكم إذا سَافَرْتُم في الأرْض، فأصَابَتْكُم مُصِيبَةُ الموت، فأوصَيْتم إلَيْهما، ودَفَعْتُم إليهمَا مالك، فاتَّهَمَهُمَا بعضُ الورثة، وادَّعَوْا عليهما خِيَانَة فما الحُكْمُ فيه؟ «أن تَحبِسُونَهُمَا» أي: تَسْتَوقِفُونَهُمَا بَعْدَ الصَّلاة. قال السُّدي: بعد صلاةِ أهْلِ دينهمَا؛ لأنَّهُمَا لا يُبَالِيَان بِصلاةِ العَصْرِ، ولا صلاةِ الظُّهْرِ على ما تقدَّم، فيَحْلِفَان ﴿بالله إِنِ ارتبتم﴾ أي: شَكَكْتُم وَوقَعتْ لَكُم الرِّيبَةُ في قولِ الشَّاهدين وصدقهمَا، إذا كانا مِنْ غَيْرِ دينكُم، فإن كانا مُسْلِمَيْن فلا يَمِينَ عليهما ﴿لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً﴾ ، أي: لا نَحْلِفُ باللَّه كَاذِبين على عِوضٍ نأخُذُه، أو حَقٍّ نَجْحَدُهُ ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قربى﴾ ، ولو كان المَشْهُودُ لَهُ ذَا قَرابَةٍ مِنَّا. وقيل: لَوْ كان ذلك الشَّيْءُ حبوة في قُرْبى ﴿وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ الله﴾ وأضَافَ الشَّهادَةَ إلى اللَّهِ تعالى؛ لأنه أمَرَ بإقَامَتِها ونَهَى عن كِتْمَانها ﴿إِنَّآ إِذَاً لَّمِنَ الآثمين﴾ ، إن كَتَمْنَا الشَّهَادَة. رُوِي لما نَزَلت هذه الآيَةُ، صلَّى رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ صلاةَ العَصْرِ، ودعا تميماً وعِدياً، فاسْتَحْلَفَهُمَا عِنْدَ المِنْبَر باللَّه الذي لا إله إلاَّ هُو، أنَّهُمَا لم يَخْتَانَا شَيْئاً مما دُفع إليْهما، فَحَلَفا على ذَلِكَ، وخلَّى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ سَبِيلَهُمَا. قوله تعالى: «فإنْ عُثِرَ» : مبنيٌّ للمفعول، والقائمُ مقامَ فاعله الجارُّ بعده، أي: فإن اطُّلِعَ على اسْتِحْقَاقِهِمَا الإثْم يقالُ: عَثَرَ الرَّجُلُ يَعْثُرُ عُثُوراً: إذا هَجَمَ على شيءٍ، لم يَطَّلِعْ عليه غَيْرُهُ، وأعْثَرْتُهُ على كذا أطلعتُه عليه؛ ومنه قوله تعالى: ﴿أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [الكهف: 21] ، قال أهلُ اللغة: وأصلُه من «عَثْرَةِ الرجْلِ» وهي الوقوعُ، وذلك أن العاثِرَ إنما يَعْثُرُ بِشَيْء كان لا يَرَاهُ، فإن عثر به، اطُّلَعَ عليه، ونظر ما هو، فقيل لكلِّ أمْرٍ كان خَفِيًّا، ثم اطُّلِعَ عليه: «عُثِرَ عَلَيْه» ، وقال الليْثُ: «عَثَرَ يَعْثُرُ عُثُوراً هَجَمَ على أمرٍ لم يهجُمْ عليه غيرُه، وعَثَر يَعْثُرُ عثْرةً وقع على شيء» ففرَّقَ بين الفعلَيْنِ بمصدَرَيْهما، وفرَّق أبو البقاء بينهما بغير ذلك؛ فقال: «عَثَرَ مصْدرُه العُثُور، ومعناه اطَّلَعَ، فأمَّا» عَثَرَ «في مَشْيهِ، ومنْطِقِهِ، ورأيه، فالعِثَارُ» ، والراغب جعَلَ المصدَرَيْنِ على حدٍّ سواء؛ فإنه قال: «عَثَر الرَّجل بالشيءِ يَعْثُرُ عُثُوراً وعِثَاراً: إذا سقطَ عليه، ويُتَجَوَّزُ به فيمَنْ يطَّلِعُ على أمرٍ من غيرِ طلبه، يقال:» عَثَرْتُ على كذا «، وقوله: ﴿وكذلك أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [الكهف: 21] ، أي: وَقَّفْنَاهُمْ عليهم من غَيْرِ أنْ طَلَبُوا» . قوله تعالى: «فآخَرَانِ» فيه أربعةُ أوجه: الأول: أن يرتفع على أنه خبر مبتدأ مضمرٍ، تقديره: فالشَّاهدانِ آخرانِ، والفاء جوابُ الشرط، دخلت على الجملة الاسمية، والجملةُ من قوله: «يَقُومَانِ» في محلِّ رفعٍ صفةً ل «آخَرَانِ» . الثاني: أنه مرفوعٌ بفعلٍ مضمرٍ، تقديرُه: فَلْيَشْهَدْ آخَرَانِ، ذكره مكيٌّ وأبو البقاء، وقد تقدَّم أن الفعل لا يُحْذَفُ وحْدَهُ إلاَّ في مواضعَ ذكَرْتُها عند قوله: ﴿حِينَ الوصية اثنان﴾ [المائدة: 106] . الثالث: أن خبرٌ مقدَّم، و «الأوْلَيَانِ» مبتدأٌ مؤخَّرٌ، والتقديرُ: فالأوْليانِ بأمْرِ الميِّتِ آخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا، ذكر ذلك أبو عَلِيٍّ، قال: «ويكُونُ كقولك: تَمِيميٌّ أنَا» . الرابع: أنه مبتدأٌ، وفي الخبر حينئذ احتمالاتٌ: أحدها: قوله: ﴿مِنَ الذين استحق﴾ ، وجاز الابتداءُ به؛ لتخصُّصِه بالوصْفِ، وهو الجملة من «يَقُومَانِ» . والثاني: أنَّ الخبر «يَقُومَانِ» و ﴿مِنَ الذين استحق﴾ صفةُ المبتدأ، ولا يََضُرُّ الفصْلُ بالخبر بين الصفة وموصوفها، والمسوِّغُ أيضاً للابتداء به: اعتمادُه على فاءِ الجزاء، وقال أبو البقاء، لمَّا حَكَى رفعه بالابتداء: «وجازَ الابتداءُ هنا بالنَّكِرَة؛ لحصولِ الفائدةِ» ، فإن عنى أنَّ المسوِّغَ مجرَّدُ الفائدةِ من غير اعتبار مسوِّغٍ من المُسَوِّغات التي ذكرتُها، فغيرُ مُسَلَّم. الثالث: أنَّ الخبرَ قوله: «الأوْلَيَانِ» نقله أبو البقاء، وقوله «يَقُومَانِ» و ﴿مِنَ الذين استحق﴾ كلاهما في محلِّ رفعٍ صفةً ل «آخَرَانِ» ، ويجوزُ أن يكون أحدُهما صفةً، والآخرُ حالاً، وجاءتِ الحالُ من النكرةِ؛ لتخصُّصِهَا بالوصفِ، وفي هذا الوجهِ ضَعْفٌ؛ من حيث إنه إذا اجتمع معرفةٌ ونكرةٌ، جَعَلْتَ المعرفةَ محدَّثاً عنها، والنكرةَ حديثاً، وعكسُ ذلك قليلٌ جدًّا أو ضرورةٌ؛ كقوله: [الوافر] 2071 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ..... يَكُونُ مِزَاجَهَا عَسَلٌ ومَاءُ وكقوله: [الطويل] 2072 - وَإنَّ حَرَاماً أنَّ أسُبَّ مُجَاشِعاً ... بَآبَائِيَ الشُّمِّ الكِرَام الْخََضَارِمِ وقد فُهِمَ مِمَّا تقدَّم أنَّ الجملة من قوله «يَقُومَانِ» والجارَّ من قوله: «مِنَ الَّذِينَ» : إمَّا مرفوعُ المحلِّ صفةً ل «آخَرَانِ» أو خبرٌ عنه، وإمَّا منصوبُهُ على الحالِ: إمَّا من نَفْسِ «آخَرَانِ» ، أو مِنَ الضَّمِير المستكنِّ في «آخَرَانِ» ، ويجوزُ في قوله «مِنَ الَّذِين» أنْ يكون حالاً من فاعلِ «يَقُومَانِ» . قوله: «استحقّ» قرأ الجمهور «استُحِقَّ» مبنيًّا للمفعول، «الأولَيَانِ» رفعاً، وقرأ حفص عن عاصم: «اسْتَحَقَّ» مبنيًّا للفاعل، «الأوليَانِ» كالجماعة، وهي قراءة عبد الله بن عبَّاس وأمير المؤمنين عليٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - ورُوِيَتْ عن ابن كثيرٍ أيضاً، وحمزة وأبو بكرٍ عن عاصمٍ: «استُحِقَّ» مبنيًّا للمفعول كالجماعة، «الأوَّلِينَ» جمع «أوَّل» جمع المذكر السَّالِم، والحسن البصريّ: «اسْتَحَقَّ» مبنيًّا للفاعل، و «الأوَّلانِ» مرفوعاً تثنية «أوَّل» ، وابن سيرين كالجماعة، إلا أنه نَصَبَ الأوْلَيْينِ تثنية «أوْلَى» ، وقرئ: «الأوْلَيْنَ» بسكون الواو وفتح اللام، وو جمع «أوْلَى» كالأعْلَيْنَ في جمعِ «أعْلََى» ، ولما وصل أبو إسحاق الزجاج إلى هذا الموضوع، قال: «هذا موضعٌ من أصْعَبِ ما في القرآن إعراباً» . قال شهاب الدين: ولعَمْرِي، إنَّ القولَ ما قالَتْ حَذَامِ؛ فإن الناس قد دارَتْ رؤوسُهم في فَكِّ هذا التركيب، وقد اجتهدْتُ - بحمد الله تعالى - فلخَّصْتُ الكلام فيها أحسن تَلْخِيصٍ، ولا بدَّ من ذِكْرِ شَيْءٍ من معاني الآية؛ لنستعين به على الإعْراب؛ فإنه خادمٌ لها. فأمَّا قراءةُ الجُمهورِ، فرفعُ «الأوْلَيَان» فيها أوجه: أحدها: أنه مبتدأ، وخبره «آخرَانِ» ، تقديره: فالأوْلَيَانِ بأمر الميِّت آخَرَانِ، وتقدَّم شرحُ هذا. الثاني: أنه خبر مبتدأ مضمرٍ، أي: هما الأوْليانِ؛ كأنَّ سائلاً يسأل فقال: «من الآخَرَانِ» ؟ فقيل: هما الأوْلَيَانِ. الثالث: أنه بدلٌ من «آخَرَان» ، وهو بدلٌ في معنى البيان للمبدلِ منه؛ نحو: «جَاءَ زَيْدٌ أخُوكَ» وهذا عندهم ضعيفٌ؛ لأنَّ الإبدالَ بالمشتقَّاتِ قليلٌ. الرابع: أنه عطفُ بيان ل «آخَرَانِ» بيَّن الآخَرَيْنِ بالأوْلَيَيْنِ، فإن قلت: شرطُ عطفِ البيانِ: أن يكون التابعُ والمتبوعُ متفقينِ في التعريفِ والتنكيرِ، على أنَّ الجمهور على عدم جريانه في النكرةِ؛ خلافاً لأبي عَليّ، و «آخَرَانِ» نكرةٌ، و «الأوْلَيَانِ» معرفةٌ، قُلْتُ: هذا سؤالٌ صحيحٌ، ولكنْ يَلْزَمُ الأخفشَ، ويلزمُ الزمخشريَّ جوازُه: أمَّا الأخفشُ فإنه يُجيزُ أنْ يكون «الأوْلَيَانِ» صفةً ل «آخَرَانِ» بما سأقرره عنه عند تعرُّضِي لهذا الوجهِ، والنعتُ والمنعوتُ يُشترط فيهما التوافُقُ، فإذا جاز في النعْتِ، جاز فيما هو شبيهٌ به؛ إذْ لا فرق بينهما إلا اشتراطُ الاشتقاقِ في النعت، وأمَّا الزمخشريُّ، فإنه لا يشترطُ ذلك - أعني التوافُقَ - وقد نَصَّ عليه هو في سورة آل عمران على أن قوله تعالى: ﴿مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: 97] عطفُ بيان؛ لقوله ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ [آل عمران: 97] ، و «آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ» نكرةٌ؛ لكنها لَمَّا تخصَّصَتْ بالوصفِ، قَرُبَتْ من المعرفة، كما تقدَّم عنه في موضعه، وكذا «آخَرَانِ» قد وُصِفَ بصفَتيْنِ، فقُرْبُه من المعرفة أشدُّ من «آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ» ؛ من حيثُ وُصِفَتْ بصفةٍ واحدة. الخامس: أنه بدلٌ من فاعلِ «يَقُومَانِ» . السادس: أنه صفةٌ ل «آخَرَانِ» ، أجازَ ذلك الأخفشُ، وقال أبو عَلِيٍّ: «وأجازَ أبو الحسنِ فيها شيئاً آخَرَ، وهو أن يكُون» الأوْلَيَانِ «صفةً ل» آخَرَانِ «؛ لأنَّه لمَّا وُصِفَ، تخصَّصَ، فَمِنْ أجلِ وصفه وتخصيصه، وُصِفَ بوصف المعارف» ، قال أبو حيان: «وهذا ضعيفٌ؛ لاستلزامِه هَدْم ما كَادُوا أن يُجْمعوا عليه؛ من أنَّ النكرة لا تُوصفُ بالمعرفةِ، ولا العَكْس» ، قلتُ: لا شكَّ أن تَخَالُفَهُمَا في التعريفِ والتنْكيرِ ضعيفٌ، وقد ارتكَبُوا ذلك في مواضعَ، فمنها ما حكاه الخليلُ: «مَرَرْتُ بالرَّجُلِ خَيْرٍ مِنْكَ» في أحدِ الأوجه في هذه المسألةِ، ومنها ﴿غَيْرِ المغضوب﴾ [الفاتحة: 7] على القولِ بأنَّ «غَيْر» صفةُ ﴿الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: 7] ، وقوله: [الكامل] 2073 - وَلَقَدْ أمُرُّ على اللَّئِيم يَسُبُّنِي ... فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قُلْتُ لا يَعْنِينِي وقوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ الليل نَسْلَخُ مِنْهُ النهار﴾ [يس: 73] ، على أنَّ «يَسُبُّنِي» و «نَسْلَخُ» صفتان لما قبلهما؛ فإنَّ الجمل نكراتٌ، وهذه المُثُلُ التي أوردتها عكسُ ما نحن فيه، فإنها تُؤوَّلُ فيها المعرفةُ بالنكرة، وما نحن فيه جعلنا النكرة فيه كالمعرفةِ؛ إلاَّ أنَّ الجامعَ بينهما التخالفُ، ويجوز أن يكون ما نحْنُ فيه من هذه المُثُلِ؛ فاعتبار أنَّ «الأوْلَيَيْنِ» لمَّا لم يُقْصَدْ بهما شخصان معينان، قَرُبَا من النكرةِ، فوقعا صفةً لها مع تخصُّصِها هي؛ فصار في ذلك مسوِّغان: قُرْبُ النكرةِ من المعرفة بالتخصيصِ، وقُرْبُ المعرفةِ من النكرة بالإبهام؛ ويدلُّ لِما قلته ما قال أبو البقاء: «والخَامِسُ أن يكون صفة ل «آخَرَانِ» ؛ لأنه وإنْ كان نكرةً، فقد وُصِفَ، والأوْليانِ لم يَقْصِدْ بهما قَصْدَ اثنينِ بأعيانِهما» . السابع: أنه مرفوعٌ على ما لم يُسَمَّ فاعله ب «اسْتُحِقَّ» ، إلاَّ أنَّ كلَّ مَنْ أعربه كذا، قَدَّر قبله مضافاً محذوفاً، واختلفتْ تقديراتُ المُعْرِبينَ، فقال مكي: «تقديرُه: استُحِقَّ عليهمْ إثْمُ الأوْلَيَيْنِ» ، وكذا أبو البقاء وقد سَبقَهما إلى هذا التقدير ابنُ جريرٍ الطَّبَرِيُّ، وقدَّره الزَمَخْشَرِيُّ فقال: «مِنَ الَّذِينَ استُحِقَّ علَيْهِمُ انتدَابُ الأوْلَيَيْنِ منْهُمْ للشَّهادَةِ لاطِّلاعِهِمْ عَلَى حقيقةِ الحَالِ» ، ومِمَّن ذهب إلى ارتفاعِ «الأوْلَيَانِ» ب «اسْتُحِقَّ» أبو عليٍّ الفارسِيُّ، ثم منعه؛ قال: «لأنَّ المُسْتَحَقَّ إنَّمَا يكُونُ الوصيَّة أو شيئاً منها، وأمَّا الأوليَانِ بالمَيِّتِ، فلا يجوزُ أن يُسْتَحَقَّا، فيُسْنَدَ استُحِقَّ إليهما» ، قلتُ: إنما منع أبو عليٍّ ذلك على ظاهرِ اللفظِ؛ فإنَّ الأوْلَيَيْنِ لَمْ يستحقَّهما أحدٌ كما ذَكَر، ولكن يجوز أن يُسْنَدَ «اسْتُحِقَّ» إليهما؛ بتأويلِ حذف المضافِ المتقدِّم، وهذا [الذي] منعه الفارسيُّ ظاهراً هو الذي حمل النَّاس على إضمار ذلك المُضافِ، وتقديرُ الزمخشريِّ ب «انْتِدَاب الأوْلَيَيْنِ» أحسنُ من تقدير غيره؛ فإنَّ المعنى يُسَاعِدُهُ، وأمَّا إضمارُ «الإثْم» فلا يَظْهر إلا بتأويل بعيدٍ. وأجازَ ابن عطيَّة أن يرتفعَ «الأوْلَيَانِ» ب «استُحِقَّ» أيضاً، ولكن ظاهرُ عبارته؛ أنه لم يُقَدَّر مضافاً؛ فإنه استشعر بإستشكالِ الفارسيِّ المتقدِّم، فاحتالَ في الجواب عنه، وهذا نَصُّه، قال ما ملخَّصُه: إنَّه «حُمِلَ» اسْتُحِقَّ «هنا على الاستعارةِ؛ فإنه ليس استحقاقاً حقيقةً؛ لقوله:» اسْتَحَقَّا إثْماً «، وإنما معناه أنَّهم غَلَبُوا على المالِ بحُكْمِ انفرادِ هذا المَيِّت وعدمه؛ لقرابته أو أهل دينه؛ فجعل تسوُّرَهُمْ عليه استحقاقاً - مجازَاً، والمعنى: من الجماعة التي غابت، وكان منْ حَقِّها أنْ تُحْضِرَ وليَّها، فلمَّا غابَتْ وانفرد هذا الموصِي، استحقَّت هذه الحالَ، وهذان الشاهدانِ من غير أهْل الدِّين والولاية، وأمْرِ الأوْلَيَيْنِ على هذه الجماعة، فبُنِيَ الفعلُ للمفعولِ على هذا المعنى إيجازاً، ويُقَوِّي هذا الفرضَ تعديِّي الفعلِ ب» عَلَى «لمَّا كان باقتدارٍ وحَمْلٍ، هَيَّأتْهُ الحالُ، ولا يُقال: اسْتَحَقَّ منه أو فيه إلاَّ في الاسْتِحْقَاقِ الحقيقيِّ على وجههِ، وأمَّا» اسْتَحَقَّ عليْهِ «فالبحَمْلِ والغلبةِ والاستحقاقِ المُسْتَعَارِ» . انتهى، فقد أسند «اسْتَحَقَّ» إلى «الأوليان» من غير تقدير مضافٍ متأوِّلاً له بما ذكر، واحتملتُ طول عبارته؛ لتتَّضِحَ. واعلم أنَّ مرفوع «اسْتُحِقَّ» في الأوجهِ المتقدِّمة - أعني غيرَ هذا الوجهِ، وهو إسنادُه إلى «الأوْليانِ» - ضميرٌ يعودُ على ما تقدَّم لفظاً أو سياقاً، واختلفت عباراتُهم فيه، فقال الفارسيُّ، والحُوفيُّ، وأبو البقاء والزمخشريُّ: إنه ضميرُ الإثْمِ، والإثمُ قد تقدَّمَ في قوله: «اسْتَحَقَّا إثْماً» ، وقال الفارسيُّ والحُوفِيُّ أيضاً: «اسْتُحِقَّ هو الإيصاءُ أو الوصيَّةُ» قال شهاب الدين: إضمارُ الوصيَّة مُشْكِلٌ؛ لأنه إذا أُسْنِدَ الفعلُ إلى ضمير المؤنَّثِ مطلقاً، وَجَبَتِ التاءُ إلاَّ في ضرورة، ويُونُسُ لا يَخُصُّه بها، ولا جائزٌ أن يقال أضْمَرَا لفظ الوصيَّة؛ لأنَّ ذلك حُذِفَ، والفاعلُ عندهما لا يُحْذَفُ، وقال النحَّاس مستحْسِناً لإضمارِ الإيصَاءِ: «وهذا أحسنُ ما قِيلَ فيه؛ لأنَّه لم يُجْعَلْ حرفٌ بدلاً من حرفٍ» ، يعني أنه لا يقُول: إنَّ «عَلَى» بمعنى «فِي» ، ولا بمعنى «مِنْ» كما قيل بهما، وسيأتي ذلك - إن شاء الله تعالى -. وقد جمع الزمخشريُّ غالبَ ما قُلْتُه وحَكَيْتُه من الإعْرَابِ والمعنى بأوجز عبارةٍ، فقال: «ف» آخَرَانِ» ، أي: فشَاهِدَانِ آخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الذينَ اسْتُحِقَّ عليهِم، أي: استُحِقَّ عليْهِمُ الإثمُ، ومعناه: مِنَ الذين جُنِيَ عليهمْ، وهم أهلُ الميِّتِ وعشيرتُهُ والأوليانِ الأحقَّانِ بالشَّهادةِ لقَرَابَتهِمَا ومَعْرِفَتِهِمَا، وارتفاعُهُمَا على: «هُمَا الأوْلَيَانِ» ؛ كأنه قيل: ومَنْ هُمَا؟ فقيل: الأوْلَيَانِ، وقيل: هما بدلٌ من الضَّمير في «يَقُومَانِ» أو من «آخَرَانِ» ، ويجوزُ أنْ يرتفِعَا ب «اسْتُحِقَّ» ، أي: من الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عليْهِمُ انتدابُ الأوْلَيَيْنِ مِنْهُمْ للشهادة؛ لاطِّلاعهم على حقيقة الحَالِ» . وقوله «عَلَيْهِم» : في «عَلَى» ثلاثةُ أوجهٍ: أحدها: أنها على بابها، قال أبو البقاء: «كقولك: وَجَبَ عليهم الإثْمُ» ، وقد تقدَّم عن النحَّاس؛ أنه لمَّا أضْمَرَ الإيصاءَ، بَقَّاها على بابها، واستحْسَنَ ذلك. والثاني: أنها بمعنى «فِي» أي: استُحِقَّ فيهم الإثمُ، فوقَعَتْ «عَلَى» موقع «فِي» كما تقعُ «فِي» موقعها؛ كقوله تعالى: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النخل﴾ [طه: 71] أي: على جُذُوعِ، وكقوله: [الكامل] 2074 - بَطَلٌ كَأنَّ ثِيَابَهُ فِي سَرْحَةٍ ... يُحْذَى نِعَالَ السِّبْتِ لَيْسَ بِتَوْءَمِ أي: على سَرْحةٍ، وقدَّره أبو البقاء فقال: «أي: استُحِقَّ فيهم الوصيَّةُ» . والثالث: أنها بمعنى «مِنْ» أي: استُحِقَّ مِنْهُمُ الإثْمُ؛ ومثلُه قولُه تعالى: ﴿إِذَا اكتالوا عَلَى الناس﴾ [المطففين: 2] أي: مِنَ الناس، وقدَّره أبو البقاء فقال: «أي: استُحِقَّ منهم الأوْليَانِ» فحينَ جعلها بمعنى «فِي» قدَّر «اسْتُحِقَّ» مُسْنَداً للوصية؛ وحين جعلها بمعنى « مِنْ» ، قدَّره مُسْنِداً ل «الأوْلَيَانِ» ، وكان لَمَّا ذكر القائمَ مقامَ الفاعلِ، لم يذكر إلا ضميرَ الإثم و «الأوْلَيَانِ» ، وأجاز بعضهم أنْ يُسْنَدَ «اسْتُحِقَّ» إلى ضمير المالِ، أي: اسْتُحِقَّ عليْهِمُ المالُ المَوْرُوثُ، وهو قريبٌ. فقد تقرَّر أنَّ في مرفوعِ «اسْتُحِقَّ» خمسة أوجه: أحدُها: «الأوْلَيَانِ» . والثاني: ضميرُ الإيصاء. والثالث: ضميرُ الوصية، وهو في المعنى كالذي قبله وتقدَّم إشكالُه. والرابع: أنه ضميرُ الإثْمِ. والخامس: أنه ضميرُ المالِ، ولم أرَهُمْ أجازوا أن يكون «عَلَيْهِم» هو القائمَ مقامَ الفاعلِ؛ نحو: ﴿غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم﴾ [الفاتحة: 7] كأنهم لم يَرَوْا فيه فائدةً. وأمَّا قراءةُ حَفْص ف «الأوْلَيَانِ» مرفوعٌ ب «اسْتَحَقَّ» ومفعولُه محذوفٌ، قدَّره بعضهم «وصِيَّتَهُمَا» ، وقدَّره الزمخشريُّ ب «أن يجرِّدُوهُمَا للقيامِ بالشَّهَادة» ؛ فإنه قال: «معناهُ من الورثةِ الذين استَحَقَّ عليْهِمُ الأوْلَيَانِ من بينهم بالشهادة: أن يجرِّدُوهُمَا للقيامِ بالشَّهَادة، ويُظْهِرُوا بها كذب الكاذبينَ» ، وقال ابنُ عطيَّة: «الأوْلَيَانِ» رفعٌ ب «اسْتَحَقَّ» ، وذلك أن يكون المعنى: مِنَ الَّذِينَ استحَقَّ عليْهِمْ مالَهُمْ وتركَتَهُمْ شَاهِدَا الزُّورِ، فَسُمِّيَا أوْلَيَيْنِ، أي: صَيَّرَهُمَا عَدَمُ الناس أوْلَيَيْنِ بالمَيِّت وتَرِكَتِهِ، فَخَانَا، وجَارَا فيها، أو يكونُ المعنى: من الذينَ حَقَّ عليهم أنْ يكون الأوليانِ منهم، فاستَحَقَّ بمعنى: حَقَّ، كاسْتَعْجَبَ وعَجِبَ، أو يكون استحقَّ بمعنى: سَعَى واستوجب، فالمعنى: من القوم الذين حَضَرَ أوْلَيَانِ مِنْهُمْ، فاستَحَقَّا عليهم، أي: استحقَّا لهُمْ وسعيا فيه، واستوجََبَاهُ بأيْمَانِهِمَا وقُرْبَانِهِمَا» ، قال أبو حيان - بعد أنْ حكَى عن الزمخشريِّ، وأبي محمَّدٍ ما قدَّمْتُه عنهما -: «وقال بعضُهم: المفعولُ محذوفٌ، تقديرُه: الذين استحقَّ عليهمُ الأوليانِ وصيَّتَهُمَا» ، قال شهاب الدين: وكذا هو محذوفٌ أيضاً في قولي الزمخشريِّ وابن عطيَّة، وقد بَيِّنْتُهما ما هما، فهو عند الزمخشريِّ قوله: «أنْ يُجَرِّدُوهما للقيامِ بالشَّهادة» ، وعند ابن عطيَّة هو قوله: «مالَهُمْ وتَركَتَهُمْ» ، فقوله: «وقال بعضهم: المفعولُ محذوفٌ» يُوهِمُ أنه لم يَدْرِ أنَّه محذوفٌ فيما تقدَّم أيضاً، وممن ذهبَ إلى أن» اسْتَحَقَّ «بمعنى» حَقَّ «المجرَّدِ - الواحديُّ فإنه قال:» واسْتَحَقَّ هنا بمعنى حَقَّ، أي: وَجَبَ، والمعنى: فآخَرَانِ مِنَ الذين وجب عليهمُ الإيصَاءُ بتوصيتِهِ بينهم، وهم وَرَثَتُه «وهذا التفسيرُ الذي ذكره الواحديُّ أوضحُ من المعنى الذي ذكره أبو محمَّد على هذا الوجه، وهو ظاهرٌ. وأمَّا قراءةُ حمزة وأبي بَكْرٍ، فمرفوع» استُحِقَّ «ضميرُ الإيصَاءِ، أو الوصيةِ، أو المالِ، أو الإثمِ، حَسْبما تقدَّم، وأمَّا» الأوَّلَيْنِ «فجمعُ» أوَّل «المقابل ل» آخِر» ، وفيه أربعةُ أوجه: أحدها: أنه مجرورٌ صفةً ل «الَّذين» . الثاني: أنه بدلٌ منه، وهو قليلٌ؛ لكونه مشتقًّا. الثالث: أنه بدلٌ من الضميرِ في «عَلَيهم» ، وحسَّنَه هنا، وإن كان مشتقًّا عدمُ صلاحَيةِ ما قبله للوصف، نقل هذَيْن الوجهَيْن الأخيرَيْنِ مكيٌّ. الرابع: أنه منصوبٌ على المَدْح، ذكره الزمخشريُّ، قال: «ومعنى الأوَّلِيَّةِ التقدُّمُ على الأجَانب في الشَّهَادة؛ لكونهم أحَقَّ بها» ، وإنما فَسَّر الأوَّلِيَّةَ بالتقدُّمِ على الأجَانِب؛ جَرْياً على ما مَرَّ في تفسيره: أو آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ أنَّهُمَا من الأجانب لا من الكُفَّارِ وقال الواحديُّ: «وتقديرُه من الأوَّلينَ الَّذينَ اسْتُحِقَّ عليْهِمُ الإيصَاءُ أو الإثْمُ، وإنما قيل لهم» الأوَّلِينَ» من حيث كانوا أوَّلِينَ في الذِّكْرِ؛ ألا ترى أنه قد تقدَّم: ﴿يِا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ وكذلك ﴿اثنان ذَوَا عَدْلٍ﴾ ذُكِرَا في اللفظ قبل قوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ ، وكان ابنُ عباسٍ يختارُ هذه القراءة، ويقول: «أرأيتَ إنْ كان الأوْليانِ صغيريْنِ، كيف يَقُومَانِ مقامهما» ؟ أراد: أنهما إذا كانا صغيريْنِ لم يقُومَا في اليمين مقامَ الحانِثَيْنِ، ونحا ابن عطية هذا المنحَى قال: «معناه: من القوْمِ الذين استُحِقَّ عليهم أمرُهُمْ، أي: غُلِبُوا عليه، ثم وصفَهم بأنهم أوَّلون، أي: في الذكْرِ في هذه الآية» . وأمَّا قراءةُ الحَسَن فالأوَّلانِ مرفُوعَانِ ب «استَحَقَّ» فإنه يقرؤهُ مبنيًّا للفاعل، قال الزمخشريُّ: «ويَحْتَجُّ به مَنْ يَرَى ردَّ اليمينِ على المُدَّعِي» ، ولم يبيِّن مَنْ هما الأوَّلاَنِ، والمرادُ بهما الاثْنَانِ المتقدِّمَانِ في الذكْرِ؛ وهذه القراءةًُ كقراءةِ حَفْصٍ، فيُقَدَّرُ فيها ما ذُكِرَ، ثم مما يليقُ من تقديرِ المفْعُولِ. وأما قراءة ابن سيرينَ، فانتصابُها على المَدْحِ، ولا يجوزُ فيها الجَرُّ؛ لأنه: إمَّا على البدل، وإمَّا على الوصْف بجَمْعٍ، والأوْلَيَيْنِ في قراءته مثنًّى، فتعذر فيها ذلك، وأمَّا قراءة «الأوْلَيْنَ» كالأعلَيْنَ، فحكاها أبو البقاء قراءةً شاذَّة لم يَعْزُها، قال: «ويُقْرَأ» الأوْلَيْنَ «جمع الأوْلَى، وإعرابه كإعراب الأوَّلينَ» يعني في قراءة حمزة، وقد تقدَّم أن فيها أربعةُ أوجه، وهي جارية هنا. قوله: «فَيُقْسِمَانِ» نسقٌ على «يَقُومَانِ» والسببيَّةُ ظاهرٌة، و «لشَهَادَتُنَا أحَقُّ» : هذه الجملة جوابُ القسمِ في قوله: «فَيُقْسِمَانِ» . فصل في معنى الآية ومعنى الآية: فإن حصل العُثُور، والوقوف على أنَّهُمَا أتيا بِخِيَانة، استَحَقَّا الإثم بسبَبِ اليَمِينَ الكَاذِبَة، أو خِيَانَة في المَالِ، قام في اليَمِين مقَامَهُما رَجُلانِ من قرَابَة الميت، فَيَحْلِفَان باللَّهِ لقد ظَهَرْنا على خَبرِ الذِّمِّيَّين، وكذبهما وتَبْدِيلهما، وما اعْتَدَيَنْا في ذلك وما كَذبْنَا، وهو المُراد بقوله: ﴿فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم﴾ ، والمُرَادُ به موالِي الميِّتِ، قال ابنُ الخطيب: وقد أكثر النَّاسُ في أنَّهُ لِمَ وصف موالِي الميِّتِ بهذا الوَصْفِ؟ والأصَحُّ عندي فيه وَجْهٌ: وهو أنَّهُمْ إنَّما وُصِفُوا بذلك؛ لأنَّهُ لمَّا أخَذَ منهم مَالَهُمْ، فَقَدْ استَحَقَّ عليهم مَالَهُمْ، فإن أخَذَ مال غيره، فقد حاولَ أن يكون تَعَلُّقُهُ بذلك المَالِ مُسْتَعْلِياً على تَعَلُّق مالكه به، فصحَّ أن يوصف المَالِكُ بأنَّه قد استَحَقَّ عليه ذلك المال، وإنما وَصَفهُمَا بأنَّهُما أولَيَان لِوَجْهَيْن: الأول: معنى الأوليان: الأقْرَبان إلى الميِّت. الثاني: يَجُوزُ أن يكُون المَعْنَى الأوليان باليَمينِ؛ لأن الوصِيَّيْن قد ادّعَيَا أنَّ الميِّت قد باعَ الإنَاء الفِضَّة، فانْتَقَلَتِ اليَمِينُ إلى موالي الميِّت؛ لأنَّ الوَصِيَّيْن قد ادّعَيَا أنَّ مُورثَهُمَا باعَ الإنَاء، وهما أنْكَرَا ذلك، فكان اليَمِينُ حقًّا لهما؛ لأنَّ الوَصِيَّ إن أخَذَ شيئاً من مال الميِّت، وقال: إنه أوْصَى لِي به حَلَف لِلْوَارِثِ إذا أنْكَرَ ذلك، وكذا لو ادّعَى رجُلٌ سِلْعَةً في يدِ رجلٍ فاعْتَرَفَ، ثمَّ ادَّعى أنَّهُ اشْتَراها من المدَّعِي، حلف المُدَّعِي أنَّه لم يَبِعْها منه، وهذا كما لو أنَّ إنْسَاناً أقَرَّ لآخر بِدَيْنٍ، ثم ادّعى أنه قَضَاهُ، حُكِمَ بِرَدّ اليمينِ إلى الذي ادّعى الدَّيْن أوَّلاً؛ لأنَّه صارَ مُدَّعىً عليه أنه قد اسْتَوْفَاه. فصل اختلفوا في كَيْفِيَّة ظُهُور الإنَاء، فَرَوَى سَعِيدُ بن جُبَيْرٍ عن ابن عبَّاسٍ: أنه وُجِدَ بمَكَّةَ، فقالوا: إنَّا اشْتَرَيْنَاه من تَمِيمٍ وعَدِيٍّ، وقيل: لما طَالَتِ المُدَّةُ أظهرُوهُ، فبلغ ذلك بني سَهْمٍ فَطَلَبُوهُمَا، فقالا: إنَّا كنا قد اشْتَرَيْنَاه منه، فقالُوا: ألم نَقُل لكم هَلْ بَاعَ صَاحِبُنَا شيئاً من مَتاعِهِ، فَقُلْتُمَا: لا، قالا: لم يَكُنْ عندنا بيِّنةٌ، فكرهنا أن نُقِرَّ لَكُم بِهِ، فكَتَمْنَا لذلك، فرفَعُوهُمَا إلى رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فأنزل اللَّهُ - عزَّ وجلَّ -: ﴿فَإِنْ عُثِرَ على أَنَّهُمَا استحقآ إِثْماً فَآخَرَانِ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا﴾ الآية، فقام عَمْرُو بنُ العَاصِ والمطَّلِبُ بن أبي وَداعة السَّهْمِيَّان، فحلفا باللَّهِ بعد العَصْرِ، فَرَفَع رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الإنَاءَ لَهُما، وإلى أوْلِيَاء الميِّتِ، فكان تَمِيمٌ الداري يقول بعدما أسْلَمَ: صدقَ اللَّهُ ورسُولُه أنا أخَذْتُ فأنَا أتُوبُ إلى اللَّه تعالى. وعن ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - أنَّهُ بقيت تلك الوَاقِعَةُ مَخْفِيَّةً إلى أن أسْلَمَ تَمِيمٌ الدَّاري، فلما أسْلَمَ أخْبَرَ بذلك، فقال: حَلَفْتُ كاذباً أنا وصَاحِبِي، بعْنَا الإنَاءَ بألفٍ وقَسَّمْنَا الثَّمنَ، ثمَّ دَفَعَ خمسمائة دِرْهَم من نفسه، ونزعَ من صاحبه خمسمائةً أخرى، ودفع الألْفَ إلى مَوَالِي الميِّت، فكذلك قوله: ﴿ذلك أدنى أَن يَأْتُواْ بالشهادة على وَجْهِهَآ﴾ ، أي: ذلك الذي حَكَمْنَا به من رَدِّ اليَمينِ، أجدر وأحْرَى أن يَأتِي الوَصِيَّان بالشَّهَادَة على وجهها، وأدْنَى معناه: أقْرَبُ إلى الإتيان بالشَّهَادَة على ما كانت ﴿أَوْ يخافوا أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ أي: أقْرَبُ إلى أن يَخَافُوا رَدَّ اليمينِ بعد يَمينهمْ على المُدَّعِي، فيحلفوا على خِيَانَتِهِم وكذبهم، فَيَفْتَضِحُوا ويغرمُوا، فلا يَحْلِفُون كَاذِبين إذا خَافُوا هذا الحُكْمَ، «واتَّقُوا اللَّهَ» : أنْ تَحْلِفُوا أيْماناً كَاذِبَةً، أو تَخُونُوا أمَانَةً، «واسْمَعُوا» : الموعظة، ﴿والله لاَ يَهْدِي القوم الفاسقين﴾ ، وهذا تَهْديدٌ ووعيدٌ لِمنْ يُخَالِفُ حُكْم اللَّهِ وأوَامِرِهِ. روى الواحدي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في «البَسِيطِ» ، عن عُمَر بن الخطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أنَّهُ قال: هذه الآية أعْضَلُ ما في هذه السُّورَةِ من الأحْكَامِ. ولنَرْجِع إلى إعرابِ بقيَّة الآيَة. قوله «ذلك أدْنَى» لا محلَّ لهذه الجملةِ؛ لاستئنافِها، والمشارُ إليه الحكمُ السابقُ بتفصيله، أي: ما تقدَّم ذكرُه من الأحْكَامِ أقربُ إلى حصولِ إقامةِ الشَّهادة على ما ينبغي، وقيل: المشارُ إليه الحَبْسُ بعد الصلاة، وقيل: تحليفُ الشاهدين، و «أنْ يَأتُوا» أصلُه: «إلى أنْ يأتُوا» ، وقدَّره أبو البقاء ب «مِنْ» أيضاً، أي: أدْنَى من أن يأتُوا، وقدَّره مكيٌّ بالباء، أي: بِأنْ يَأتُوا، قال شهاب الدين: وليْسَا بواضحَيْنِ، ثم حذفَ حرفَ الجر، فَنَشَأ الخلافُ المشهور، و «عَلَى وَجْهِهَا» متعلِّقٌ ب «يَأتُوا» ، وقيل: في محلِّ نَصْبٍ على الحال منها، وقدَّره أبو البقاء ب «محققة وصَحِيحَة» ، وهو تفسيرُ معنًى؛ لما عرفْتَ غير مرة من أنَّ الأكوانَ المقيَّدة لا تُقَدَّر في مثله. قوله: «أوْ يَخَافُوا» في نصبه وجهان: أحدهما: أنه منصوب؛ عطفاً على «يَأتُوا» ، وفي «أوْ» على هذا تأويلان: أحدهما: أنها على بابها من كونها لأحدِ الشيئين، والمعنى: ذلك الحكمُ أقربُ إلى حصول الشهادة على ما ينبغي، أو خوفِ رَدِّ الأيمانِ إلى غيرهم، فتسقطُ أيمانهم، والتأويلُ الآخر: [أن] تكون بمعنى الواو، أي: ذلك الحُكْمُ كله أقربُ إلى أنْ يَأتُوا، وأقربُ إلى أن يَخَافُوا، وهذا مفهومٌ من قول ابن عبَّاسٍ. الثاني من وجهي النصب: أنه منصوبٌ بإضمار «أنْ» بعد «أوْ» ، ومعناها هنا «إلاَّ» ؛ كقولهم: «لألْزَمَنَّكَ أوْ تَقْضِيَني حَقِّي» ، تقديره: إلاَّ أنْ تَقْضِيني، ف «أوْ» حرفُ عطفٍ على بابها، والفعلُ بعدها منصوبٌ بإضمار «أنْ» وجوباً، و «أنْ» وما في حيِّزها مُؤوَّلةٌ بمصْدرٍ، ذلك المصدرُ معطوفٌ على مصدر متوهَّم من الفعلِ قبله، فمعنى: «لألْزَمَنَّكَ أوْ تَقْضِيَنِي حَقِّي» : لَيَكُونَنَّ منِّي لُزُومٌ لك أو قَضَاؤُكَ لِحَقِّي، وكذا المعنى هنا أي: ذلك أدنى بأن يأتوا بالشهادةِ على وجهها؛ وإلاَّ خَافُوا رَدَّ الإيمانِ، كذا قدَّره ابن عطية بواوٍ قبل «إلاَّ» ، وهو خلافُ تقدير النحاة؛ فإنَّهمْ لا يقدِّرون «أوْ» إلا بلفظ «ألاَّ» وحدها دون واو، وكأن «إلاَّ» في عبارته على ما فهمه أبو حيان ليسَتْ «إلاَّ» الاستئنائيةَ، بل أصلُها «إنْ» شرطيةً دخلتْ على «لاَ» النافيةِ فأدْغِمَتْ فيها، فإنه قال: «أو تكون» أو «بمعنى» إلاّ إنْ «، وهي التي عبَّر عنها ابن عطيَّة بتلك العبارةِ من تقديرها بشرطٍ - محذوفٍ فعلُه - وجزاءٍ» . انتهى، وفيه نظرٌ من وجهَيْن: أحدهما: أنه لم يَقُلْ بذلك أحدٌ، أعني كون «أوْ» بمعنى الشرط. والثاني: أنه بعد أنْ حَكَمَ عليْهَا بأنها بمعنى «إلاَّ إنْ» جعلها بمعنى شرطٍ حُذِفَ فعلُه. و «أنْ تُرَدَّ» في محلِّ نَصْبٍ على المفعُولِ به، أي: أو يَخَافُوا رَدَّ أيمانهم. و «بَعْدَ أيْمَانِهِمْ» : إمَّا ظرفٌ ل «تُرَدَّ» ، أو متعلِّقٌ بمحذوفٍ؛ على أنها صفةٌ ل «أيْمَان» ، وجُمِعَ الضميرُ في قوله «يَأتُوا» وما بعده، وإنْ كان عائداً في المعنى على مثنى، وهو الشاهدان، فقيل: هو عائدٌ على صنفي الشاهدين، وقيل: بل عائدٌ على الشهودِ من الناسِ كُلِّهِمْ، معناه: ذلك أولى وأجدرُ أنْ يحذرَ الناسُ الخيانةَ، فيَتَحَرَّوْا في شهادتهم؛ خَوْفَ الشناعةِ عليهم والفَضِيحةِ في رَدِّ اليمينِ على المُدَّعِي، وقوله: «واتَّقُوا الله» لم يذكر متعلَّق التقوى: إمَّا للعلْمِ به، أي: واتقوا اللَّهَ في شهادِتكُمْ وفي الموصينَ عليهم بأن لا تَخْتَلِسُوا لهم شيئاً؛ لأن القصَّةَ كانت بهذا السَّببِ، وإمَّا قَصْداً لإيقاع التقوى، فيتناولُ كلَّ ما يُتَّقَى منه، وكذا مفعولُ «اسْمَعُوا» إنْ شئتَ حذفته اقتصاراً أو اختصاراً، أي: اسْمَعُوا أوامِرَهُ من نَوَاهِيه من الأحكام المتقدِّمة، وما أفْصَحَ ما جيء بهاتَيْن الجملتَيْن الأمريتَيْن، فتباركَ اللَّهُ أصْدَقُ القائلِينَ.

المائدة 5:109

اعلم: أنَّ عادةَ اللَّهِ تعالى في هذا الكِتَابِ الكَرِيم، أنَّه إذا ذَكَرَ أنْوَاعاً من الشَّرَائع والتَّكَالِيفِ والأحْكَام، أتْبَعها إمَّا بالإلهِيَّات، وإمَّا بشَرْح أحوَال الأنْبِيَاء، وإمَّا بِشَرْح أحوَال القِيامَةِ، ليصير ذلك مُؤكداً لما ذكَرَهُ من التَّكَاليفِ والشَّرائع، فلا جَرَمَ ذكر هنا بعد ما تقدَّم من الشَّرائع أحْوالَ القِيامَةِ، ثمَّ ذكر أحْوالَ عيسى - عليه السلام -. فأمَّا أحْوالُ القِيَامَةِ، فَهُو قَوْلُه: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرسل﴾ : في نصب «يَوْمَ» أحدَ عشرَ وجهاً: أحدها: أنه منصوبٌ ب «اتَّقُوا» ، أي: اتَّقُوا اللَّهَ في يومِ جمعِهِ الرُّسُلَ، قاله الحُوفِيُّ، وهذا ينبغي ألاَّ يجوزَ؛ لأنَّ أمرهم بالتقوى في يوم القيامةِ لا يكون؛ إذ ليس بيومِ تَكْليفٍ وابتلاءٍ، ولذلك قال الواحديُّ: ولم يُنْصَبِ اليومُ على الظرْفِ للاتِّقاء؛ لأنَّهم لم يُؤمَرُوا بالتقوَى في ذلك اليوم، ولكنْ على المفعول به؛ كقوله: ﴿واتقوا يَوْماً﴾ [البقرة: 48] . الثاني: أنه منصوب ب «اتَّقُوا» مضْمَراً يدلُّ عليه «واتَّقُوا الله» ، قال الزَّجَّاج: «وهو محمولٌ على قوله:» واتَّقُوا الله» ، ثم قال: «يَوْمَ يَجْمَعُ» ، أي: واتقوا ذلك اليومَ» ، فدلَّ ذِكْرُ الاتقاءِ في الأوَّل على الاتقاء في هذه الآية، ولا يكونُ منصوباً على الظَّرْف للاتقاء؛ لأنهم لم يُؤمَرُوا بالاتقاء في ذلك اليَوْم، ولكنْ على المفعول به؛ كقوله تعالى: ﴿واتقوا يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً﴾ [البقرة: 48] . الثالث: أنه منصوب بإضمار «اذْكُرُوا» . الرابع: بإضمار «احْذَرُوا» . الخامس: أنه بدلُ اشتمالٍ من الجلالة، قال الزمخشريُّ: «يَوْمَ يَجْمَعُ» بدلٌ من المنصوب في «واتَّقُوا الله» ، وهو من بدلِ الاشتمال، كأنه قيل: «واتقُوا الله يَوْمَ جَمْعِهِ» . انتهى، ولا بد من حذفِ مضافٍ على هذا الوجهِ؛ حتى تَصِحَّ له هذه العبارةُ التي ظاهرها ليْسَ بجيدٍ؛ لأنَّ الاشتمالَ لا يُوصَفُ به الباري تعالى على أيِّ مذهبٍ فَسَّرنَاهُ من مذاهب النحويين في الاشتمالِ، والتقديرُ: واتقوا - عقاب الله - يَوْمَ يَجْمَعُ رُسُلَهُ، فإنَّ العقابَ مشتملٌ على زمانِه، أو زمانُه مشتملٌ عليه، أو عامِلُهُمَا مشتملٌ عليهما على حسب الخلاف في تفسير البدلِ الاشتماليِّ، فقد تبيَّن لك امتناعُ هذه العباراتِ بالنسبةِ إلى الجلالةِ الشريفة، واستبعد أبو حيان هذا الوجه بطُولِ الفصْلِ بجملتين، ولا بُعْدَ؛ فإنَّ هاتين الجملتَيْنِ من تمامِ معنى الجملة الأولى. السادسُ: أنه منصوبٌ ب «لا يَهْدِي» قاله الزمخشريُّ وأبو البقاء؛ قال الزمخشريُّ: «أي: لا يهديهمْ طريقَ الجنَّة يومئذٍ كما يُفْعَلُ بغَيْرهِمْ» ، وقال أبو البقاء: « أي: لا يهدِيِهمْ في ذلك اليَوْمِ إلى حُجَّةٍ، أو إلى طريقِ الجنَّة» . السابع: أنه مفعولٌ به، وناصبُه «اسْمَعُوا» ، ولا بد من حذف مضاف حينئذٍ، لأنَّ الزمان لا يُسْمَعُ، فقدَّره أبو البقاء: «واسمعوا خَبَرَ يَوْمِ يُجْمَعُ» ، ولم يذكر أبو البقاء غير هذين الوجهَيْن، وبدأ بأولهما، وفي نصبه ب «لا يَهْدِي» نظرٌ؛ من حيث إنه لا يهديهم مطلقاً، لا في ذلك اليوم ولا في الدنيا، أعني المحْكُوم عليهم بالفسْقِ، وفي تقدير الزمخشريِّ «لا يَهْدِيهِمْ إلى طريقِ الجنَّة» نُحُوٌّ إلى مذهبه من أنَّ نَفْي الهداية المطلقة لا يجوزُ على الله تعالى؛ ولذلك خَصَّصَ المُهْدَى إليه، ولم يذكر غيره، والذي سَهَّلَ ذلك عنده أيضاً كونُه في يومٍ لا تَكْلِيفَ فيه، وأما في دار التكليفِ فلا يُجيزُ المعتزليُّ أن يُنْسَبَ إلى الله تعالى نَفْيُ الهدايةِ مطلقاً ألبتة. الثامن: أنه منصوبٌ ب «اسْمَعُوا» قاله الحُوفِيُّ، وفيه نظرٌ؛ لأنهم ليسوا مكلَّفين بالسَّماعِ في ذلك اليومِ؛ إذ المُرادُ بالسماعِ السماعُ التكليفيُّ. التاسع: أنه منصوبٌ بإضمارِ فعلٍ متأخِّرٍ، أي: يوم يَجْمَعُ اللَّهُ الرسلَ كان كيتَ وكَيْتَ، قاله الزمخشريُّ. العاشر: قال شهاب الدين: يجوز أن تكونَ المسألة من باب الإعْمَال؛ فإنَّ كُلاًّ من هذه العوامِلِ الثلاثةِ المتقدِّمة يَصِحُّ تسلُّطُه عليه؛ بدليل أنَّ العلماء جَوَّزوا فيه ذلك، وتكون المسألةُ مِمَّا تنازع فيها ثلاثةُ عوامل، وهي «اتَّقُوا» ، و «اسْمَعُوا» ، و «لا يَهْدِي» ، ويكونُ من إعمال الأخير؛ لأنه قد حُذِفَ من الأوَّلِينَ ولا مانعَ يمنع من الصناعة، وأمَّا المعنى فقد قَدَّمْتُ أنه لا يظهرُ نصْبُ «يَوْمَ» بشيء [من الثلاثة] ؛ لأنَّ المعنى يأباه، وإنما أجَزْتُ ذلك؛ جَرْياً على ما قالوه وجَوَّزوه، وكذا الحُوفِيُّ جَوَّز أن ينتصب ب «اتَّقُوا» وب «اسْمَعُوا» أو ب «لاَ يَهْدِي» ، وكذا الحُوفِيُّ جَوَّز أن ينتصب ب «اتَّقُوا» وب «اسْمَعُوا» . الحادي عشر: أنه منصوبٌ ب «قَالُوا: لا عِلْمَ لَنَا» أي: قال الرسُلُ يوم جمْعِهِمْ، وقول الله لهم ماذ أجِبْتُمْ، واختاره أبو حيان على جميع ما تقدَّم، قال: وهو نظيرُ ما قلناه في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ﴾ [البقرة: 30] ، وهو وجه حسنٌ. قوله: «مَاذَا أجِبْتُمْ» فيه أربعةُ أقوال: أحدها: أنَّ «مَاذَا» بمنزلةِ اسمٍ واحدٍ، فغلب فيه جانبُ الاستفهام، ومحلُّه النصبُ على المصدرِ بما بعده، والتقديرُ: أيَّ إجابةٍ أجِبْتُم [قال الزمخشريُّ: «مَاذَا أجِبْتُمْ» منتصبٌ انتصابَ مصدره على معنى: أيَّ إجابةٍ أجِبْتُمْ] ، ولو أُريدَ الجوابُ، لقيل: بمَاذا أُجِبْتُمْ «، أي: لو أُريدَ الكلامُ المجابُ، لقيل: بماذا، ومِنْ مجيء» مَاذَا «كلِّه مصدراً قوله: [البسيط] 2075 - مَاذَا يَغِيرُ ابنَتَيْ رَبْعٍ عَوِيلُهُمَا ... لاتَرْقُدانِ وَلاَ بُؤسَى لِمَنْ رَقَدَا الثاني: أن» مَا» استفهاميةٌ في محلِّ رفع بالابتداء، و «ذَا» خبره، وهي موصولةٌ بمعنى «الَّذي» ؛ لاستكمال الشرطَيْن المذكورَيْن، و «أُجِبْتُمْ» صلتُها، والعائدُ محذوفٌ، أي: ما الَّذي أجِبْتُمْ به، فحذفَ العائد، قاله الحُوفِيُّ، وهذا لا يجوزُ؛ لأنه لا يجوزُ حذفُ العائدِ المجرورِ، إلا إذا جُرَّ الموصولُ بحرف مثلِ ذلك الحرفِ الجارِّ للعائد، وأنْ يَتَّحِدَ متعلَّقاهُمَا؛ نحو: «مَرَرْتُ بالَّذي مَرَرْتَ» ، أي: به: وهذا الموصولُ غير مَجْرُورٍ، لو قلتَ: «رَأيْتُ الذي مَرَرْتَ» ، أي: مررتَ به، لم يجُزْ، اللهم إلا أنْ يُدَّعى حَذْفُهُ على التدريج أن يُحْذَفَ حرفُ الجرِّ، فيصلَ الفعلُ إلى الضمير، فيحذفَ؛ كقوله: ﴿وَخُضْتُمْ كالذي خاضوا﴾ [التوبة: 69] ، أي: في أحدِ أوجهه، وقوله: ﴿فاصدع بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: 94] في أحد وجهيه، وعلى الجملةِ فهو ضيعف. الثالث: أنَّ «مَا» مجرورةٌ بحرفِ جَرٍّ مقدَّرٍ، لمَّا حُذِفَ بقيتْ في محلِّ نصبٍ، ذكره أبو البقاء وضعَّف الوجه الذي قبله - أي كون ذا موصولةً - فإنه قال: «مَاذَا في موضعِ نصْبٍ ب» أُجبْتُمْ» ، وحرفُ الجرِّ محذوفٌ، و «مَا» و» ذَا «هنا بمنزلةِ اسْمٍ واحدٍ، ويَضْعُفُ أنْ تُجْعَلَ» مَا «بمعنى» الَّذِي «؛ لأنه لا عائد هنا، وحذفُ العائدِ مع حرفِ الجَرِّ ضعيفٌ» . قال شهاب الدين أمَّا جَعْلُه حذفَ العائدِ المجرورِ ضعيفاً، فصحيحٌ تقدَّم شرحُه والتنبيهُ عليه، وأمَّا حذفُ حرفِ الجر وانتصابُ مجرورِه، فهو ضيعفٌ أيضاً، لا يجوزُ إلاَّ في ضرورةٍ؛ كقوله: [الطويل] 2076 - فَبِتُّ كَأنَّ العَائِدَاتِ فَرَشْنَنِي..... ... ... ... ... ... ... ... ... وقوله: [الطويل] 2077 - ... ... ... ... ... ... ... ... ..... وأُخْفِي الَّذِي لَوْلاَ الأسَى لَقَضَانِي وقوله: [الوافر] 2078 - تَمُرُّونَ الدِّيَارَ وَلَمْ تَعُوجُوا..... ... ... ... ... ... ... ... ... وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك، واستثناءُ المطَّرِد منه، فقد فرَّ من ضعيفٍ، ووقع في أضْعَفَ منه. الرابع: قال ابن عطيَّة - رَحِمَهُ اللَّهُ -: «معناه: ماذا أجابَتْ به الأممُ» ، فجعل «مَاذَا» كنايةً عن المُجَابِ به، لا المصدرِ، وبعد ذلك، فهذا الكلامُ منه محتملٌ أنْ يكونَ مثل ما تقدَّمَ حكايتُهُ عن الحُوفِيِّ في جعله «مَا» مبتدأ استفهاميةً، و «ذَا» خبره؛ على أنها موصولةٌ، وقد تقدَّم التنبيهُ على ضعفه، ويُحْتملُ أن يكون «مَاذَا» كلُّه بمنزلةِ اسمِ استفهامٍ في محلِّ رفع بالابتداء، و «أُجِبْتُمْ» خبرُه، والعائدُ محذوفٌ؛ كما قدَّره هو، وهو أيضاً ضعيفٌ؛ لأنه لا يُحْذَفُ عائدُ المبتدأ، وهو مجرورٌ إلا في مواضعَ ليس هذا منها، لو قلت: «زَيْدٌ مَرَرْتُ» لم يَجُزْ، وإذا تبيَّن ضعفُ هذه الأوجهِ، رُجِّح الأول. والجمهورُ على «أُجِبْتُمْ» مبنيًّا للمفعول، وفي حذفِ الفاعل هنا ما لا يُبْلَغُ كُنهُهُ من الفصاحة والبلاغة؛ حيث اقتصرَ على خطاب رسله غيرَ مذكورٍ معَهُم غيرُهم؛ رفْعاً من شأنهم وتشريفاً واختصاصاً، وقرأ ابن عبَّاس وأبو حيوة «أجَبْتُمْ» مبنيًّا للفاعل، والمفعول محذوف، أي: ماذا أجَبْتُمْ أمَمَكُمْ حين كَذَّبُوكُمْ وآذَوْكُمْ، وفيه توبيخٌ للأمَمِ، وليستْ في البلاغةِ كالأولى. فإن قيل: أيُّ فائِدَةٍ في هذا السُّؤال، فالجوابُ: توبيخُ قَوْلِهم كقوله: ﴿وَإِذَا الموءودة سُئِلَتْ بِأَىِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: 8، 9] ، المَقْصُودُ مِنْهُ تَوْبِيخُ من فعل ذَلِك الفِعْلَ. وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الغيوب﴾ ، كقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ العليم الحكيم﴾ في البقرة [32] . والجمهورُ على رفع «عَلاَّمُ الغُيُوبِ» ، وقرئ بنصبه، وفيه أوجهٌ ذكرها الزمخشريُّ وهي: الاختصاصُ، والنداءُ، وصفةٌ لاسم «إنَّ» ؛ قال: «وقُرئ بالنصْب على أنَّ الكلامَ قد تَمَّ عند قوله» إنَّكَ أنْتَ «، أي: إنَّكَ الموصوفُ بأوصَافِكَ المعرُوفة من العلمِ وغيره، ثم انتصَبَ» علاَّمَ الغُيُوبِ «على الاختصاصِ، أو على النداء، أو هو صفةٌ لاسْمِ» إنَّ» ، قال أبو حيان: «وهو على حذفِ الخبر لفهم المعنى، فَتَمَّ الكلامُ بالمقدَّرِ في قوله» إنَّك أنْتَ «، أي: إنَّك الموصوفُ بأوصافِكَ المعروفةِ من العلمِ وغيره» ، ثم قال: «قال الزمخشريُّ: ثم انتصبَ، فذكره إلى آخره» فزعمَ أنَّ الزمخشريَّ قدَّر ل» إنَّكَ «خبراً محذوفاً، والزمخشريُّ لا يريد ذلك ألبتة ولا يَرْتضيه، وإنما يريدُ أنَّ هذا الضمير بكونه لله تعالى هو الدالُّ على تلك الصفات المذكورة، لا انفكاكَ لها عنه، وهذا المعنى هو الذي تقتضيه البلاغةُ، والذي غاصَ [عليه] الزمخشريُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لا ما قدَّره أبو حيان مُوهِماً أنه أتى به من عنده، ويعني بالاختصاص النَّصْبَ على المدْحِ، لا الاختصاصَ الذي هو شبيه بالنداء؛ فإنَّ شرطه أن يكون حَشْواً، ولكنَّ أبا حيَّان قد ردَّ على أبي القاسمِ قوله» إنه يجوزُ أن يكون صفةً لاسم إنَّ «بأنَّ اسمها هنا ضميرُ مخاطبٍ، والضمير لا يوصفُ مطلقاً عند البصريِّين، ولا يوصَف منه عند الكسائيِّ إلا ضميرُ الغائبِ؛ لإبهامه في قولهم» مَرَرْتُ بِهِ المِسْكِينِ «، مع إمكان تأويله بالبدلِ، وهو ردٌّ واضحٌ، على أنه يمكن أن يقال: أراد بالصفةِ البدل، وهي عبارةُ سيبويه، [يُطْلِقُ الصفةَ ويريد البدل، فله أسْوَةٌ بإمامه، واللازمُ مشترك، فما كان جواباً عن سيبويه] ، كان جواباً له، لكن يَبْقَى فيه البدلُ بالمشتقِّ، وهو أسهلُ من الأول، ولم أرَهُمْ خرَّجُوها على لغةِ مَنْ ينصِبُ الجزأيْنِ ب» إنَّ «وأخواتِها؛ كقوله في ذلك: [الرجز] 2079 - إنَّ الْعَجُوزَ خَبَّةً جَرُوزَا ... وقوله: [الطويل] 2080 - ... ... ... ... ... ... ... ... ....... ... ... ... ... إنَّ حُرَّاسَنَا أُسْدَا وقوله: [الكامل] 2081 - لَيْتَ الشَّبَابَ هُوَ الرَّجِيعَ عَلَى الْفَتَى..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . وقول الآخر: [الرجز] 2082 - كَأنَّ أُذْنَيْه إذَا تَشَوَّفَا ... قَادمَةً أوْ قَلَماً مُحَرَّفَا ولو قيل به لكان صواباً. و «علاَّمُ» مثالُ مبالغة، فهو ناصب لما بعده تقديراً، وبهذا أيضاً يُرَدُّ على الزمخشريِّ على تقدير تسليم صحَّة وصف الضمير من حيث إنه نكرةٌ؛ لأن إضافته غيرُ محضَةٍ وموصوفهُ مَعْرفةٌ. والجمهورُ على ضمِّ العينِ من «الغُيُوب» وهو الأصلُ، وقرأ حمزة وأبو بكر بكسرها، والخلافُ جارٍ في ألفاظٍ أُخَرَ نحو: «البُيُوت والجُيُوب والعُيُون والشُّيُوخ» وقد تقدَّم تحرير هذا كله في البقرة عند ذكر ﴿البيوت﴾ [البقرة: 189] ، وستأتي كلُّ لفظةٍ من هذه الألفاظِ مَعْزُوَّةً لقارئِها في سُورِهَا - إن شاء الله تعالى - وجُمِعَ الغيبُ هنا، وإنْ كان مصدراً لاختلافِ أنواعه، وإن اريدَ به الشيءُ الغائب، أو قلنا: إنه مخفَّفٌ من فَيْعِل؛ كما تقدم تحقيقه في البقرة [الآية 3] ، فواضح. فصل في معنى الآية مَعْنَى الآية الكَرِيمة: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرسل﴾ ، وهو يَوْمُ القِيَامَةِ ﴿فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ﴾ أممكم، وما الذي رَدَّ عليكم قومكم حين دَعوْتُمُوهم إلى تَوْحِيدِي وطَاعَتِي؟ فَيَقُولُون: ﴿لاَ عِلْمَ لَنَآ﴾ بوجْهٍ من الحِكْمَةِ عن سُؤالِكَ إيَّانَا عن أمْرٍ أنْتَ أعْلَمُ بِهِ مِنَّا. قال ابنُ جُرَيْج - رَحِمَهُ اللَّهُ -: «لا عِلْمَ لنا بِعَاقِبَةِ أمْرِهِمْ، وبما أحدثوا من بعد يدلُّ عليه قولهم: ﴿إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الغيوب﴾ أيْ: أنْتَ الذي تَعْلَمُ ما غَابَ، ونحن لا نَعْلَمُ ما غابَ إلاَّ ما نُشَاهِدُ. فإن قيل: ظَاهِرُ قولهم: ﴿لاَ عِلْمَ لَنَآ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الغيوب﴾ يَدُلُّ على أنَّ الأنْبِيَاء لا يَشْهَدُون لأمَمِهِمْ، والجمعُ بَيْن هذا وبين قوله تعالى ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هؤلاء شَهِيداً﴾ [النساء: 41] مشكل، وأيضاً قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة: 143] ، فإذا كانت أمَّتُنَا تَشْهَدُ لسَائِر الأمَمِ، فالأنْبِيَاءُ أوْلَى بأنْ يَشْهَدُوا لأمَمِهِم. فالجواب من وجوه: أحدها: قال ابنُ عباسٍ، والحسن، ومُجَاهد، والسدِّيُّ: إنَّ القِيَامَة زَلاَزِل وأهوالٌ، بحيث تَزُولُ القُلُوبُ عن مواضِعِهَا عند مُشاهَدَتِهَا، والأنْبِيَاءُ - عليهم الصلاة والسلام - عند مُشَاهَدَةِ تلك الأهوال يَنْسُون أكْثَرَ الأمُور، فَهُنَالِكَ يَقُولُون: لا عِلْمَ لَنَا، فإن عادَتْ قلوبُهُمْ إلِيْهِم، فعند ذلك يَشْهَدُون للأمَمِ. قال ابنُ الخَطِيبِ: وهذا الجوابُ وإن ذَهَبَ إليه جَمْعٌ عَظِيمٌ من الأكَابِرِ فهو عندي ضعيف؛ لأنه تبارك وتعالى قال في صِفَةِ أهْلِ الثَّوَاب: ﴿لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الأكبر﴾ [الأنبياء: 103] ، وقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: 38، 39] ، بل إنَّه تبارك وتعالى قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ والنصارى والصابئين مَنْ آمَنَ بالله واليوم الآخر وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 62] ، فكيف يَكُون حَالُ الأنْبِيَاء والرُّسُل أقَلّ من ذلك، ومَعْلُومٌ أنَّهُم لو خَافُوا لكَانُوا أقَلَّ من مَنْزِلَةِ هؤلاءِ الَّذِين أخْبَرَ اللَّهُ عنْهُم أنَّهُم لا يَخَافُون ألْبَتَّةَ. وثانيها: أنَّ المُرَاد مِنْه المُبَالغة في تَحِقيقِ فَضِيحَتِهِمْ، كمنْ يقول لِغَيْرِه: ما تقولُ في فُلانٍ؟ فَيَقُولُ: أنْتَ أعْلَمُ به مِنِّي، كأنَّه قيل: لا يَحْتَاجُ فيه إلى الشَّهادَة لِظُهُوره، وهذا أيضاً ليس بِقَوِيٍّ؛ لأنَّ السُّؤال إنَّما وقَع على كُلِّ الأمَّةِ، وكُلُّ الأمَّة ما كانوا كَافِرِين حتَّى يريدَ الرَّسُول بالنفي تَبْكِيتَهُمْ وفَضِيحَتهُم. وثالثها: وهو الأصَحُّ، وهو اخْتِيَارُ ابن عبَّاسٍ: أنَّهم إنَّما قَالُوا: لا عِلْمَ لَنَا؛ لأنَّك تَعْلَمُ ما أظْهَرُوا وما أضْمَرُوا، ونحنُ لا نَعْلَمُ إلاَّ ما أظْهَرُوا، فَعِلْمُك فيهم أقْوَى من عِلْمِنَا؛ فلهذا المَعْنَى نَفوا العِلْمَ عن أنْفُسِهِم؛ لأنَّ عِلْمهم عند الله تعالى كلا عِلْمٍ، وهذا يُرْوَى عن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. ورابعها: ما تقدَّم أنَّ قولَهُم: لا عِلْمَ لنا إلا أنَّا عَلِمْنَا جوابهم لَنَا وَقْتَ حَيَاتِنَا، ولا نَعْلَم ما كان منهم بَعْدَ وَفَاتِنَا. وخامسها: قال ابن الخطيب: ثَبَتَ في عِلْمٍ الأصُول أنَّ العِلْمَ غير، والظَّنَّ غَيْر، فالحَاصِلُ أنَّ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ من حالِ الغَيْرِ إنَّما هو الظَّنُّ لا العِلْم، وكذلك قال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «إنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إليَّ، ولَعَلَّ بَعْضَكُمْ ألْحَنُ بِحُجَّتِهِ، فَمَنْ حَكَمْتُ لَهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ فَكأنَّمَا قَطَعْتُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ» ، والأنْبِيَاءُ - عليهم الصلاة والسلام - قالُوا: لا عِلْمَ لَنَا ألْبَتَّة بأحْوالِهِم، إنَّما الحاصِلُ عِنْدَنا من أحوالهم هو الظَّنُّ، والظَّنُّ كانَ مُعْتَبراً في الدُّنيا لا في الآخِرَةِ، لأنَّ الأحْكَام في الدُّنْيَا كانت مَبْنِيَّةً على الظَّنِّ، أمَّا فِي الآخِرَة فلا التِفاتَ فيها إلى الظَّنِّ؛ لأنَّ الأحْكَام في الآخِرَة مَبْنِيَّةٌ على حَقائِقِ الأشْيَاء وَبَواطِنِ الأمُورِ، فلهذا السَّبَب قالوا: ﴿لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ﴾ [البقرة: 32] ولم يَذْكُرُوا ألْبَتَّة ما عندهم من الظَّنِّ؛ لأنَّ الظَّنَّ لا عِبْرَة به في القِيَامَةِ. وسادسها: أنهم لمَّا عَلِمُوا أنَّهُ تعالى عالمٌ لا يَجْهَل، حكيمٌ لا يَسْفَهُ، عَادِلٌ لا يَظْلِم، عَلِمُوا أنَّ قولهم لا يفيد خَيْراً ولا يدفعُ شراً، فرأوْا أنَّ الأدَبَ في السكوت، وفي تَفْويضِ الأمْرِ إلى العَدْل الحَي الذي لا يَمُوتُ. وسابعها: معناه: لا عِلْمَ لنا إلاَّ ما عَلَّمْتَنَا فحذف، وهذا مَرْويٌّ عن ابن عبَّاسٍ، ومُجَاهد. دَلَّت الآيَةُ الكَرِيمَةُ على جوازِ إطلاقِ لفظ العلاَّم عليه، كما جاز إطلاقُ لفظ الخلاَّقِ عليْه، وأمَّا العلاَّمة بالتاء فإنهم أجْمَعُوا على أنَّهُ لا يجوز إطلاقُها في حَقِّهِ، ولعلَّ السَّبَب ما فيه من لفظ التَّأنِيثِ.

المائدة 5:110

قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ الله﴾ فيها أوجه: أحدها: أنه بدل من «يَوْمَ يَجْمَعُ» قال الزمخشريُّ: «والمعنى: أنه يوبِّخ الكافرين يومئذ بسؤال الرسُلِ عن إجابَتِهِمْ، وبتعديدِ ما أظْهَرَ على أيديهم من الآياتِ العظامِ، فكذَّبهم بعضُهم وسمَّوْهُم سحَرةً، وتجاوزَ بعضُهُمُ الحَدَّ، فجعله وأمَّهُ إلَهَيْنِ» ، ولمَّا ذكَر أبو البقاء هذا الوجه، تأوَّلَ فيه «قَالَ» ب «يَقُولُ» ، وأنَّ «إذْ» ، وإنْ كانت للماضي، فإنما وقعتْ هنا [على] حكاية الحال. يقولُ الرَّجُلُ لِصَاحِبِه: «كَأنَّكَ بِنَا وقد دخَلْنَا بلْدة كذا، وصَنَعْنَا فيه كذا» ، قال - تبارك وتعالى: ﴿وَلَوْ ترى إِذْ فَزِعُواْ فَلاَ فَوْتَ﴾ [سبأ: 51] ، وقال غيْرُهُ: معناه الدَّلالة على قُرْبِ القِيَامَةِ كأنَّها قَدْ قَامَتْ، وكُلُّ ما هو آتٍ آتٍ، كما يُقالُ: الجَيْشُ قد أتَى، إذا قَرُبَ إتْيَانهم قال - تبارك وتعالى -: ﴿أتى أَمْرُ الله﴾ [النحل: 1] . الثاني: أنه منصوبٌ ب «اذْكُرْ» مقدَّراً، قال أبو البقاء - رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى -: «ويجوزُ أن يكون التقديرُ: اذْكُرْ إذْ يَقُولُ» ، يعني أنه لا بد من تأويلِ الماضي بالمستقبلِ، وهذا كما تقرَّر له في الوجْهِ قبله، وكذا ابنُ عطيَّة تأوَّله ب «يَقُولُ» ؛ فإنه قال: «تقديرُه: اذْكُرْ يا محمَّد إذْ» ، و «قَالَ» هنا بمعنى «يَقُولُ» ؛ لأنَّ ظاهر هذا القولِ، إنما هو في يوم القيامة؛ لقوله بعده ﴿أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: 116] . الثالث: أنه في محلِّ رفع خبراً لمبتدأ مضمرٍ، أي: ذلك إذْ قَالَ، ذكره الواحديُّ، وهذا ضعيفٌ؛ لأن «إذْ» لا يُتَصِرَّفُ فيها، وكذلك القولُ بأنها مفعولٌ بها بإضمار «اذْكُرْ» ، وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك، اللهم إلا أنْ يريد الواحديُّ بكون خبراً؛ أنه ظرفٌ قائمٌ مقام خبرٍ، نحو: «زَيْدٌ عِنْدَكَ» فيجوز. قوله: ﴿يا عيسى ابن مَرْيَمَ﴾ تقدَّم الكلامُ في اشتقاق هذه المفردات ومعانيها، و «ابْنَ مَرْيَمَ» صفة ل «عِيسَى» نُصِب؛ لأنه مضاف، وهذه قاعدةٌ كلية مفيدة، وذلك أنَّ المنادى المفردَ المعرفةَ الظاهرَ الضَّمَّةِ، إذا وُصِفَ ب «ابْن» أو «ابْنَة» ، ووقع الابنُ أو الابنةُ بين علمَيْنِ أو اسمَيْنِ متفقَيْنِ في اللفظِ، ولم يُفْصَل بين الابْنِ وبيْنَ موصوفه بشيء، تثبت له أحكامٌ منها: أنه يجوزُ إتْبَاعُ المنادى المضمومِ لحركةِ نُونِ «ابْن» ؛ فيُفتح؛ نحو: «يَا زَيْدَ [يا زَيْدُ] ابْنَ عَمْرٍو، ويَا هِنْدَ [يا هِنْدُ] ابْنَةَ بَكْرٍ» بفتح الدال من «زَيْد» و «هِنْد» وضمِّها، فلو كانت الضمةُ مقدَّرةً نحو ما نحن فيه، فإنَّ الضمة مقدَّرة على ألفِ «عيسَى» فهل يُقَدَّر بناؤُه على الفتْحِ إتباعاً كما في الضمَّة الظاهرة؟ فيه خلاف: الجمهورُ على عدمِ جوازه؛ إذْ لا فائدة في ذلك، فإنه إنما كان للإتباع، وهذا المعنى مفقودٌ في الضمَّة المقدرة، وأجاز الفراء ذلك؛ إجراءً للمقدَّر مُجْرَى الظاهرِ، وتبعه أبو البقاء؛ فإنه قال: «يَجُوزُ أن يكون على الألِفِ من» عيسَى «فتحةٌ؛ لأنه قد وُصِفَ ب» ابْن «وهو بين عَلَمَيْنِ، وأن يكونَ عليها ضمَّةٌ، وهو مثلُ قولك:» يَا زَيْدَ [يا زَيْدُ] بْنَ عَمْرٍو «بفتح الدال وضمِّها» ، وهذا الدي قالاه غيرُ بعيدِ، ويَشْهَدُ له مسألةٌ عند الجميع: وهو ما إذا كان المنادَى مبنيًّا على الكسرِ مثلاً؛ نحو: «يَا هَؤلاءِ» ، فإنهم أجازوا في صفته الوجهيْن: الرفع والنصب، فيقولون: «يا هَؤلاءِ العُقلاَءِ والعُقَلاءُ» بنصب العقلاء ورفعها، قالوا: والرفعُ مراعاةً لتلك الضمة المقدَّرة في الإتباع، وإنْ كان ذلك فائتاً في اللفظ، وقد يُفَرَّقُ بأنَّ «هؤلاءِ» نحن مضطُّرون فيه إلى تقدير تلْكَ الحركةِ؛ لأنه مفرد معرفةٌ، فكأنها ملفوظٌ بها بخلافِ تقديرِ الفتحة هنا. وقال الواحديُّ في «يَا عيسَى» ويجوزُ أن [يكونَ] في محلِّ النصب؛ لأنه في نية الإضافة، ثم جعل الابن توكيداً له، وكل ما كان مثل هذا؛ جَازَ فيه الوجهانِ؛ نحو: «يَا زَيْدَ [يا زَيْدُ] بْنَ عَمْرٍو» ؛ وأنشد: [الرجز] 2083 - يَا حَكَمَ ُ بنَ المُنْذِرِ بْنِ الجَارُودْ ... أنْتَ الجَوادُ ابْنُ الجَوَادِ ابْنُ الْجُودْ سُرَادِقُ المَجْدِ عَلَيْكَ مَمْدُودْ ... بنصب الأول ورفعه على ما بَيَّنَّا، وقال التبريزيُّ: الأظهرُ عندي أنَّ موضع «عِيسَى» نصب؛ لأنك تجعلُ الاسم مع نعتِه إذا أضفته إلى العلمِ كالشيء الواحد المضافِ، وهذا الذي قالاه لا يُشْبِهُ كلام النحاة أصلاً، بل يقولون: الفتحةُ للإتباعِ، ولم يُعْتَدَّ بالساكنِ؛ لأنه حاجزٌ غيرُ حَصِينٍ، كذا قال أبو حيان: قال شهاب الدين: الذي قد قاله الزمخشريُّ - وكونه ليس من النحاة مُكَابَرَةٌ في الضَّرُوريَّاتِ - عند قوله: {إِذْ قَالَ الحواريون: يا عيسى ابن مَرْيَمَ} [المائدة: 112] : «عِيسَى في محل النصب على إتباع حركته حركة الابْنِ؛ كقولك:» يَا زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو» ، وهي اللغة الفاشيةُ، ويجوزُ أن يكون مضموماً؛ كقولك «يَا زَيْدُ بْنَ عَمْرٍو» ، والدليل عليه قوله: [المتقارب] 2084 - أحَارُ بنَ عَمْرٍو كأنِّي خَمِرْ..... ... ... ... ... ... ... ... ... . . لأنَّ الترخيم لا يكونُ إلا في المضموم» . انتهى، فاحتاج إلى الاعتذار عن تقديرِ الضمة، واستشهد لها بالبيتِ؛ لمخالفتِها اللغة الشهيرة. وقولنا: «المُفْرَد» تحرُّزٌ من المُطَوَّل، وقولنا «المَعْرِفَة» تحرُّز من النكرة؛ نحو: [ «يا رَجُلاً ابْنَ رَجُلٍ» إذا لم تَقْصِدْ به واحداً بعينه، وقولنا: «الظاهر الضَّمَّةِ» تحرُّزٌ من نحو:] «يَا مُوسَى بْنَ فُلانٍ» ، وكالآية الكريمة، وقولنا ب «ابْن» تحرُّزٌ من الوصف بغيره؛ نحو: «يا زَيْدُ صَاحِبَنَا» ، وقولنا: «بين عَلَميْنِ أو اسمَيْن متفقين لفظاً» تحرُّزٌ من نحو: «يَا زَيْدُ [بْنَ أخِينَا» ] ، وقولنا: «غيرَ مَفْصُولٍ» تحرُّزٌ من نحو: «يَا زَيْدُ العَاقِلُ ابْنَ عَمْرٍو» ؛ فإنه لا يجوز في جميع ذلك إلا الضَّمُّ، وقولنا [ «وَصْفٌ» ] تحرُّزٌ من أن يكون الابْنُ خبراً، لا صفة؛ نحو: «زَيْدٌ ابْنُ عَمْرٍو» ، وهل يجوزُ إتباعُ «ابن» له فيُضمُّ نحو: «يا زيد بنُ عمرو» بضم «ابن» ؟ فيه خلافٌ. وقولنا: «أحْكَام» ، وقد تقدَّم منها ما ذكرنَاه من جوازِ فتحهِ إتباعاً، ومنها: حَذْفُ ألفه خَطًّا، ومنها: حَذْفُ تنوينه في غير النداء؛ لأنَّ المنادى لا تنوينَ فيه وفي قوله: «ابْنَ مريمَ» ثلاثةُ أوجه: أحدها: أنه صفةٌ؛ كما تقدَّم، والثاني: أنه بدلٌ، والثالث: أنه بيانٌ؛ وعلى الوجهين الأخيرَيْن: لا يجوزُ تقديرُ الفتحة إتباعاً؛ إجماعاً، لأنَّ الابنَ لم يَقَعْ صفةً، وقد تقدَّم أنَّ ذلك شرطٌ. وأرَادَ بالنِّعْمَة: الجَمْع كقوله: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَآ﴾ [النحل: 18] ، وإنَّمَا جاز ذلك؛ لأنَّهُ مضافٌ يَصْلُح للجِنْسِ. فصل قال القُرْطُبِي: إنما ذَكَّرَ الله - تبارك وتعالى - عيسَى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - نَعْمَته عليه وعلى وَالِدَتِهِ، وإن كان لَهُمَا ذاكراً لأمرين: أحدهما: ليتلو على الأمَمِ بما خَصَّصَهَا به من الكرامةِ، ومَيَّزها به من عُلُوِّ المَنْزِلَة. والثاني: ليُؤكِّد به حُجَّتَه، ويردّ به جَاحِدَهُ، وفَسَّرَ نِعْمَتَهُ عليه بأمور: أوَّلُها: قوله تعالى: ﴿إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ القدس﴾ في «إذْ» أربعةُ أوجه: أحدها: أنه منصوبٌ ب «نِعْمَتِي» ؛ كأنه قيل: اذكُرْ إذْ أنعمْتُ عليْكَ وعلى أمِّكَ في وقت تأييدي لك. والثاني: أنه بدلٌ من «نِعْمَتِي» بدلُ اشتمال، وكأنه في المعنى يفسِّر النعمة. والثالث: أنه حالٌ من «نِعْمَتِي» ، قاله أبو البقاء. والرابع: أن يكون مفعولاً به على السَّعَة، قاله أبو البقاء - رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى - أيضاً قال شهاب الدين: هذا هو الوجهُ الثاني - أعني البدليةَ -، وقرأ الجمهور «أيَّدتُّكَ» بتشديد الياء، وغيرهم «آيدتُّكَ» وقد تقدَّم الكلامُ على ذلك في سورة البقرة مُشْبَعاً، ومعنى الآية الكريمة: أي: قَوْمَك بِمَا يَجُوزُ من الأَيْدِ، وهو القُوَّة. فصل المرادُ بِرُوحِ القُدُسِ: جبريل - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -، والقُدُس: هو اللَّهُ تعالى، كأنَّه أضافَهُ إلى نَفْسِهِ تَعْظِيماً، وقيل: إنَّ الأرْوَاحَ مُخْتَلِفَةٌ بالماهِيَّةِ: فمنها طَاهِرَةٌ نُورَانيَّةٌ، ومنها خَبِيثة ظُلْمانيَّة، ومنها: مُشْرِقَة ومنها كَدِرة، ومنها خَيِّرَةٌ ومنها نَذِلَةٌ؛ ولهذا قال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «الأرْواح جُنُودُ مُجَنَّدةٌ» ، فاللَّهُ تعالى خصَّ عيسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - بالرُّوح الطَّاهِرة النُّورَانِيَّة المُشْرقَة العُلويَّة الخيِّرةِ، ولقائل أن يقول: لما دلَّت هذه الآيَةُ على أنَّ تأييد عيسى إنَّما حَصَلَ من جِبْرِيل، أو بسبَبِ رُوحِهِ المُخْتَصَّةِ، وهذا يَقْدَحُ في دلالةِ المُعْجِزَات على صِدْقِ الرُّسُلِ - عليهم الصلاة والسلام -، ولم تُعْرفُ عِصْمَة الرُّسُل - عليهم السلام - قَبْلَ العِلْمِ بعصْمَةِ جبريل - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - فيلزم الدَّوْر. فالجواب: قال ابن الخطيب: ثبت من أصْلِنَا أنَّ الخَالِقَ ليْسَ إلاَّ اللَّهُ، وبه يَنْدَفِعُ السُّؤال. قوله: ﴿تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً﴾ معناه: يُكَلِّمُ النَّاس في المَهْدِ صَبِيًّا، وكَهْلاً نبياً. قال ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: أرسلهُ اللَّهُ وهو ابنُ ثلاثينَ فَمَكَث في رسالته ثلاثين شَهْراً، ثُمَّ إنَّ الله رَفَعَهُ إلَيْهِ. قال المُفَسِّرُون: يُكَلِّم النَّاسَ في المَهْد وكَهْلاً، في مَوْضِع الحال، والمعنى: يُكلِّمُ النَّاسَ طِفْلاً وكَهْلاً من غير أن يتفاوت كلامُهُ في هذين الوقْتَيْن، وهذه خَاصَّةٌ شَرِيفَةٌ لم تَحْصُلْ لأحدٍ من الأنْبِيَاء، وقد تقدَّم الكلام في [الآية 46] آل عمران، ما فائدة قوله: ﴿فِي المهد وَكَهْلاً﴾ . قوله: ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل﴾ قيل: الكِتَابُ، الشَّريعةُ، وقيل: الخَطُّ، وأمَّا الكَلِمَةُ فقيل: هي العِلْمُ والفَهْمُ، وذكر التَّوْراة والإنجيلَ بعد الكِتَاب على سَبيلِ التَّشْرِيف، كقوله - تبارك وتعالى -: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ﴾ [الأحزاب: 7] ، وقوله: ﴿وملاائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: 98] ، فإنَّما ذكر التَّوراة والإنجيلَ بعد ذِكْرِ الكتابِ؛ لأنَّ الاطِّلاع على أسْرَار الكُتُبِ الإلهِيَّة لا يحصلُ إلاَّ لمن كانَ ثَابِتاً في أصْنَافِ العُلُوم الشَّرْعِيَّةِ والفِعْلِيَّة. فقوله: «التَّوْراة والإنْجِيلَ» : إشارةٌ إلى الأسْرَار التي لا يطَّلِعُ عليْهَا أحدٌ إلاَّ الأكَابِرَ من الأنْبِيَاء. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي﴾ . قرأ ابن عبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: «فَتَنْفُخُهَا» بحذف حرف الجر اتساعاً وقرأ الجمهور: «فتكونُ» بالتاء منقوطةً فوقُ، وأبو جعفر منقوطةً تحتُ، أي: فيكونُ المنفوخُ فيه، والضمير في «فِيهَا» قال ابن عطيَّة - رَحِمَهُ اللَّهُ -: «اضطربَتْ فيه أقوال المفسِّرين» ؛ قال مكيٌّ: «هو في آل عمران [الآية 49] عائدٌ على الطَّيْر، ولا على الطين، ولا على الهيئة؛ لأنَّ الطير أو الطائر الذي يَجِيء الطِّين على هيئته، لا يُنْفَخُ فيه ألبتة، وكذلك لا نفخَ في هيئته الخاصَّة به، وكذلك الطينُ إنَّما هو الطينُ العامُّ، ولا نفخَ في ذلك» ، وقال الزمخشريُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: «ولا يرجِعُ الضميرُ إلى الهيئةِ المضافِ إليها؛ لأنها ليست من خَلْقِه، ولا مِنْ نفخه في شيء، وكذلك الضميرُ في فَتَكُون» ، ثم قال ابنُ عطيَّة - رَحِمَهُ اللَّهُ -: «والوجهُ عودُ ضميرِ المؤنَّث على ما تقتضيه الآيةُ ضرورةً، أي: صُوَراً، أو أشكالاً، أو أجْساماً، وعودُ الضمير المذكَّر على المخلوقِ المدلولِ عليه ب» تَخْلُقُ» ، ثم قال: «ولَكَ أن تعيدَهُ على ما تَدُلُّ عليه الكافُ من معنى المثل؛ لأنَّ المعنى: وإذ تَخْلُقُ من الطِّينِ مثل هيئته، ولك أن تعيده على الكاف نَفْسِهَا، فتكون اسماً في غيرِ الشِّعْر» . انتهى، وهذا القولُ هو عينُ ما قبله، فإنَّ الكافَ أيضاً بمعنى مثل، وكونُها اسماً في غير الشعرِ، لم يَقُلْ به غيرُ الأخْفَشِ. واستشكل الناسُ قولَ مكيٍّ المتقدِّمَ؛ كما قدَّمْتُ حكايته عن ابن عطية رَضِيَ اللَّهُ عَنْه. ويمكنُ أن يُجابَ عنه بأنَّ قوله «عائدٌ على الطَّائِرِ» لا يريدُ به الطائِرَ الذي أُضيفَتْ إليه الهيئةُ، بل الطائرُ المُصَوَّرُ، والتقدير: وإذ تخلُقُ من الطِّينِ طائراً صورةَ الطائرِ الحقيقيِّ، فتنفخُ فيه، فيكونُ طائراً حقيقيًّا، وأنَّ قوله «عائدٌ على الهيئة» لا يريدُ الهيئةَ المجرورةَ بالكاف، بل الموصوفة بالكاف، والتقدير: وإذ تخلُقُ من الطِّينِ هيئةً مِثْلَ هيئةِ الطَّائر، فتنفخُ فيها، أي: في الموصُوفَة بالكاف الَّتِي نُسِبَ خَلْقُهَا إلى عيسى - عليه السلام - وأمَّا كونُه كيف يعودُ ضميرٌ مذكَّر على هيئةٍ، وضميرٌ مؤنثٌ على الطائرِ [لأنَّ قوله: «ويجُوزُ عكْسُ هذا» يؤدي إلى ذلك؟ فجوابُه أنه جازَ بالتأويل؛ لأنه تُؤوَّلُ الهيئةُ بالشكْل، ويُؤوَّل الطائرُ] بالهيئةِ؛ فاستقام، وهو موضعُ تَأمُّلٍ، وقال هنا «بإذْنِي» أربعَ مراتٍ عَقِيبَ أربع جمل، وفي آل عمران «بإذْنِ الله» مرتَيْن؛ لأنَّ هناك موضعَ إخبارٍ، فناسَبَ الإيجازَ، وهنا مقامُ تذكيرٍ بالنعمةِ والامتنانِ، فناسبَ الإسهابَ؛ وقوله «بإذْنِي» حالٌ: إمَّا من الفاعلِ، أو من المفعول. قوله: ﴿وَتُبْرِىءُ الأكمه والأبرص بِإِذْنِي﴾ قال الخَلِيلِيُّ: من وُلِدَ أعْمَى، ومَنْ وُلِدَ بصيراً ثُمَّ أعْمِي. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الموتى﴾ : من قُبُورِهِم أحْيَاء «بإذْنِي» ، أي: بفِعْلي ذلك عند دُعائِك، أي: عند قولِكَ للميِّت: اخْرُجْ بإذْنِ اللَّهِ، وذلك الإذْنُ في هذه الأفاعِيلِ، إنَّما هُو على مَعْنَى إضافَةِ حَقيقَةِ الفِعْلِ إلى الله - تبارك وتعالى - كقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله﴾ [آل عمران: 145] أي: إلاَّ بِخَلْقِ اللَّهِ الموْتَ فيها. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بني إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بالبينات﴾ يعني: الوَاضِحَة والمُعْجِزَات الظَّاهِرَة، وقيل: المُرادُ بالبَيِّنات الظَّاهِرَةِ هذه البَيِّناتُ التي تقدَّم ذكرُها، فيكون الألفُ واللاَّمُ لِلْمَعْهُود. رُوِي أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - لمَّا أظْهَرَ هذه المُعْجِزات العَجِيبَة، قَصَدَ اليهُود قَتْلَه، فخلَّصَهُ اللَّهُ تعالى مِنْهم، حَيْثُ رفَعَهُ إلى السَّمَاء. قوله: ﴿فَقَالَ الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ . قرأ الأخوانِ هنا وفي هودٍ [الآية 7] وفي الصَّف [الآية 6] «إلاَّ سَاحِرٌ» اسم فاعل، والباقون: «إلاَّ سِحْرٌ» مصدراً في الجميع، والرسمُ يحتمل القراءتَيْنِ، فأمَّا قراءةُ الجماعةِ، فتحتملُ أن تكون الإشارةُ إلى ما جاءَ به من البيِّنات، أي: ما هذا الذي جاء به من الآيات الخوارِق إلا سِحْرٌ، ويُحْتمل أن تكون الإشارةُ إلى عيسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - جَعَلُوه نفس السحْر مبالغةً؛ نحو: «رَجُلٌ عَدْلٌ» ، أو على حذفِ مضافٍ، أي: إلاَّ ذُو سِحْرٍ، وخَصَّ مكي - رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى - هذا الوجه بكون المرادِ بالمشار إليه محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال: «ويجوزُ أن تكونَ إشارةً إلى النبيِّ محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على تقدير حَذْفِ مضافٍ، أي: إنْ هذا إلاَّ ذُو سِحْرٍ» . قال شهاب الدين: وهذا غَيْرُ جائزٍ، والمرادُ بالمشار إليه عيسى عليه السلام، وكيف يكونُ المرادُ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وهو لَمْ يكن في زَمَنِ عيسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - والحواريِّين؛ حتى يشيروا إليه إلا بتأويلٍ بعيدٍ؟ وأمَّا قراءةُ الأخوَيْن، فتحتمل أن يكون «سَاحِرٌ» اسم فاعلٍ، والمشارُ إليه «عيسى» ، ويُحتمل أن يكونَ المرادُ به المصدرَ؛ كقولهم: عَائِذاً بِكَ وعَائِذاً بالله مِنْ شَرِّهَا، والمشارُ إليه ما جاء به عيسَى من البيِّنات والإنجيلِ، ذكر ذلك مَكي، وتبعَهُ أبو البقاء، إلا أنَّ الواحديَّ مَنَعَ مِنْ ذلك؛ فقال - بعد أنْ حَكَى القراءتَيْنِ -: وكلاهُمَا حَسَنٌ؛ لاستواءِ كلِّ واحدٍ منهما في أنَّ ذِكْرَهُ قد تقدَّم، غير أنَّ الاختيار «سِحْر» ؛ لجوازِ وقوعه على الحَدَثِ والشَّخْص، أمَّا وقُوعه على الحدث، فسهلٌ كثير، ووقُوعه على الشخْصِ يريدُ ذُو سحْرٍ؛ كقوله تعالى: ﴿ولكن البر مَنْ آمَنَ﴾ [البقرة: 177] ، وقالوا: «إنما أنت سيرٌ» و «ما أنت إلا سيرٌ» ، و [البسيط] 2085 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... فَإنَّما هِيَ إقْبَالٌ وإدْبَارُ قلتُ: وهذا يرجِّحُ ما قدَّمْتُه من أنه أطْلَقَ المصْدر على الشخص؛ مبالغةً؛ نحو: «رَجُلٌ عَدْلٌ» ، ثم قال: «ولا يجوزُ أنْ يُرادَ بساحرٍ السِّحْرُ، وقد جاء فاعل يراد به المصدرُ في حروفٍ ليست بالكثير، نحو:» عَائِذاً بالله من شَرِّهِ «، أي: عِيَاذاً، ونحو» العافية «ولم تَصِرْ هذه الحروفُ من الكثرة بحيثُ يسوغُ القياس عليها» . وإن قيل: إنَّهُ - تعالى - عدَّدَ هُنَا نِعمَ اللَّه تعالى على عيسى - عليه السلام -، وقولُ الكُفَّار في حقه ﴿إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ ، ليس من النِّعَمِ، فكيف ذكره هنا؟ . فالجوابُ إنَّ كُلَّ ذِي نِعْمَةٍ مَحْسُودٌ، فَطَعْن الكُفَّار في عيسى - عليه السلام - بهذ الكلام، يَدُلُّ على أنّ نِعْمَةِ الله كانت في حقِّه عَظِيمَة، فَحَسُنَ ذِكْرُه عند تعديد النِّعم من هذا الوجه.

المائدة 5:111

من قال: إنهم كانُوا أنْبِيَاء، قال: المُرَادُ هذا الوَحْيُ الذي يُوحَى إلى الأنبياء، ومن قال: إنَّهُمْ ما كانوا أنْبِيَاء، قال: المُرَادُ بذلك: الوَحْيُ والإلْهَام، كقوله: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إلى أُمِّ موسى﴾ [القصص: 7] وقوله: ﴿وأوحى رَبُّكَ إلى النحل﴾ [النحل: 68] ، وإنما ذُكِرَ هذا في مَعْرضِ تَعْدِيدِ النِّعَمِ؛ لأنَّ صَيْرُورة الإنْسَان مقبُولَ القَوْل عِنْدَ النَّاسِ، محبوباً في قُلوبِهِم من أعْظَمِ نِعَمِ اللَّه - تبارك وتعالى - على الإنسان، وذكر - تبارك وتعالى - إنَّما ألْقَى ذلك الوحي في قلوبهم فآمَنُوا وأسْلَمُوا، وإنَّما قدَّم ذِكْرَ الإيمان على الإسْلام؛ لأنَّ الإيمان صِفَةُ القَلْبِ والإسلام عبارةٌ عن الانْقِيادِ والخُضُوع في الظَّاهِرِ، يعني: آمَنُوا بِقُلُوبِهِم وانْقَادُوا بِظَواهِرِهِم. فإن قيل: إنَّه تعالى ذكر في الآية: ﴿اذكر نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعلى وَالِدَتِكَ﴾ [المائدة: 110] أنَّ جميعَ ما ذكر اللَّهُ - تعالى - من النِّعَمِ مُخْتَصٌّ بعيسى - عليه الصَّلاة والسَّلام -، وليس لأمِّهِ بشيء منها تَعَلُّقٌ. فالجوابُ: كُلّ ما حَصَلَ لِلْوَلَدِ من النِّعَمِ الجَلِيلَةِ، والدَّرَجَات العالِيةَ، فهو حَاصِلٌ للأمِّ على سبيلِ التضمّنِ والتَّبع، قال - تبارك وتعالى -: ﴿وَجَعَلْنَا ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: 50] ، فجعلهما معاً آيَةً واحِدَةً؛ لشِدَّةِ اتِّصَال كُلِّ واحدٍ مِنْهُما بالآخر. رُوِي أنَّهُ - تعالى - لمَّا قال لعيسى: ﴿اذكر نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعلى وَالِدَتِكَ﴾ [المائدة: 110] من لِبْسِ الشَّعْرِ وأكْلِ الشَّجَرِ، لم يَدَّخِرْ شَيْئاً لِغَد، ويقول مع كل يومٍ رِزْقُهُ، ولم يَكُنْ له بَيْتٌ فَيُخَرَّب، ولا وَلدٌ فَيَمُوت، أيْنَمَا أمْسَى باتَ. قوله تعالى: ﴿أَنْ آمِنُواْ بِي﴾ : في «أنْ» وجهان: أظهرهما: أنها تفسيرية؛ لأنها وردت بعد ما هو بمعنى القولِ، لا حروفه. والثاني: أنها مصدريَّةٌ بتأويلٍ متكلَّف، أي: أوْجبْتُ إليهم الأمر بالإيمان، وهنا قالوا «آمَنَّا» ولم يُذْكَر المُؤمنُ به، وهناك ﴿آمَنَّا بالله﴾ [آل عمران: 52] فذكره، والفرق أنَّ هناك تقدَّم ذكرُ الله تعالى فقط، فأُعيدَ المؤمَنُ به، فقيل: «بالله» وهنا ذُكِرَ شيئان قبل ذلك، وهما: ﴿أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي﴾ ، فلم يُذْكَر؛ ليشمل المذكورين، وفيه نظرٌ، وهنا قال «بأنَّنَا» وهناك قال «بِأنَّا» بحذف «نَا» ، وقد تقدَّم غيره مرة: أنَّ هذا هو الأصل، وإنما جِيءَ هنا بالأصل؛ لأنَّ المُؤمنَ به متعدِّدٌ، فناسَبَه التأكيد. _ _

المائدة 5:112

في «إذ» وجهان: أحدهما: أوحيتُ إلى الحواريِّين، إذ قال الحَوَارِيُّونَ. الثاني: اذكر إذْ قال الحوارِيُّون. قرأ الجمهورُ «يَسْتَطِيعُ» بياء الغيبة «رَبُّكَ» مرفوعاً بالفاعلية، والكسائيُّ: «تَسْتَطِيعُ» بتاء الخطاب لعيسى، و «رَبَّكَ» بالنصب على التعظيم، وقاعدتُه أنه يُدْغِمُ لام «هلْ» [في أحرف منها هذا المكان، وبقراءة الكسائيِّ قرأتْ عائشةُ، وكانت تقول: «الحواريُّونَ أعْرَفُ بالله] مِنْ أن يقولوا: هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبُّكَ» وإنما قالوا: هَلْ تستطيعُ أن تَسْأل رَبَّكَ؛ كأنها - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - نَزهَتْهُمْ عن هذه المقالةِ الشنيعة أنْ تُنْسَبَ إليهم، وبها قرأ معاذٌ أيضاً وعليٌّ وابن عبَّاس وسعيدُ بنُ جُبَيْر قال معاذ رضي الله تعالى عنه: أقرأنِي رسُولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «هل تَسْتَطِيعُ رَبكَ» بالتَّاء. وحينئذ فقد اختلفوا في هذه القراءة: هل تحتاجُ إلى حَذْفِ مضافٍ أم لا؟ فجمهور المُعْربين يقدِّرونَ: هل تستطيع سُؤال رَبِّكَ، وقال الفارسيُّ: «وقد يُمْكِنُ أنْ يُسْتغنَى عن تقدير» سُؤالَ «على أن يكون المعنى: هَلْ تستطيعُ أنْ يُنَزِّلَ رَبُّكَ بدُعَائِكَ، فيردُّ المعنى - ولا بد - إلى مقدَّر يدلُّ عليه ما ذُكِر من اللفظ» ، قال أبو حيان: «وما قاله غيرُ ظاهرٍ؛ لأنَّ فعله تعالى، وإنْ كان مسبَّباً عن الدعاءِ، فهو غيرُ مقدورٍ لعيسى» . واختار أبو عُبَيْد هذه القراءةَ، قال: «لأنَّ القراءة الأخرى تُشْبِهُ أن يكونَ الحواريُّون شَاكِّينَ، وهذه لا تُوهِمُ ذلك» ، قال شهاب الدين: وهذا بناء من الناسِ على أنهم كانوا مؤمِنينَ، وهذا هو الحَقُّ. قال ابن الأنباري: «لا يجوزُ لأحد أن يتوَهَّم على الحواريِّين؛ أنهم شَكُّوا في قُدْرة الله تعالى» ، وبهذا يَظْهَرُ أنَّ قول الزمخشريِّ أنهم ليسوا مؤمنينَ ليس بجيِّدٍ، وكأنه خارقٌ للإجْماعِ، قال ابن عطية: «ولا خلاف أحفظُه أنَّهم كانوا مُؤمِنِينَ» ، فأمَّا القراءةُ الأولى، فلا تَدُلُّ له؛ لأن الناس أجابوا عن ذلك بأجوبةٍ، منها: أنَّ معناه: هل يَسْهُلُ عليكَ أن تَسْألَ رَبَّكَ؛ كقولك لآخر: هَلْ تستطيعُ أن تَقُومَ؟ وأنت تعلمُ استطاعته لذلك، ومنها: أنهم سألُوهُ سؤال مستَخْبِرٍ: هل يُنَزِّلُ أم لا، فإن كان يُنَزِّلُ فاسأله لنا، ومنها: أنَّ المعنى هل يفعلُ ذلك، وهل يقع منه إجابةٌ لذلك؟ ومنه ما قيل لعبد الله بن زَيْدٍ، هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تُرِيني كيف كان رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يَتَوضَّأُ؟ أي: هل تُحِبُّ ذلك؟ وقيل المعنى: هل يَطْلُب ربُّكَ الطاعةَ من نُزُولِ المائدةِ؟ قال أبو شَامَة: «مثلُ ذلك في الإشْكال ما رواه الهَيْثَمُ - وإن كان ضعيفاً - عن ثابتٍ عن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - «أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عادَ أبا طالبٍ في مرض، فقال: يَا ابْنَ أخِي، ادعُ رَبَّكَ الذي تَعْبُدُهُ فَيُعَافيني، فقال: اللهُمَّ اشْفِ عَمِّي، فقام أبو طالبٍ، كأنما نَشِطَ من عقالٍ، فقال: يا ابْنَ أخِي، إنَّ ربَّكَ الذي تَعْبُدُ ليُطِيعُكَ، قال: وأنْتَ يا عَمَّاه، لو أطَعْتَهُ، أو: لَئِنْ أطَعْتَ اللَّهَ، لَيُطِيعَنَّكَ» ، أي: لَيجيبَنَّكَ إلى مقْصُودك، قال شهاب الدين: والذي حَسَّنَ ذلك المقابلةُ منه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ للفْظِ عَمِّهِ، كقوله: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ الله﴾ [آل عمران: 54] وقيل: التقدير: هَلْ يُطِيعُ؟ فالسينُ زائدة؛ كقولهم: اسْتَجَابَ وأجَابَ، قال: [الطويل] 2086 - وَدَاعٍ دَعَا يا مَنْ يُجِيبُ إلَى النَّدَى ... فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ وبهذه الأجوبةِ يُستغنى عن قولِ من قال: «إنَّ» يَسْتَطِيع «زائدةٌ» ، والمعنى: هل يُنَزِّلُ رَبُّكَ؛ لأنَّه لا يُزادُ من الأفعال إلاَّ [ «كَانَ» بشرطَيْنِ، وشَذَّ زيادةُ غيرها في مواضعَ عَدَدْتُها في غيرِ هذا الكتاب، على أنَّ الكوفيِّين يُجيزُون زيادةَ بعض الأفعال] مطلقاً، حَكَوْا: «قَعَدَ فلانٌ يَتَهَكَّمُ بِي» ؛ وأنشدوا: [الوافر] 2087 - عَلَى مَا قَامَ يَشْتِمُنِي لَئِيمٌ ... كَخِنْزِيرٍ تَمَرَّغ فِي رَمَادِ وحكى البصريُّون على وجْه الشُّذُوذِ: «مَا أصْبَحَ أبْرَدَهَا، ومَا أمْسَى أدْفَأهَا» يعنون الدُّنْيَا. قال ابنُ الخطيبِ: وأمَّا القراءَةُ الثَّانِيَةُ ففيها إشْكَالٌ، وهو أنَّهُ تعالى حَكَى عنهُم أنَّهم قالُوا: «آمنَّا واشهدْ بأنَّا مُسْلمُون» ، وبعد الإيمانِ كَيْفَ يَجُوزُ أن يقال: إنهم بقوا شاكِّين في اقتدار اللَّهِ على ذلك؟ . والجوابُ عنه من وُجُوهٍ: الأول: أنَّهُ - تبارك وتعالى - ما وَصَفَهُم بالإيمان والإسلام بل حَكَى عنهم ادِّعَاءَهم لَهُمَا، ثمَّ تَبعَ ذلك بقوله - حِكَايةً عَنْهُم - ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السمآء﴾ ؟ فدلَّ ذلك على أنَّهُم كَانُوا شاكِّين مُتَوقِّفِين، فإنَّ هذا اللَّفْظَ لا يَصْدُر مِمَّنْ كان كَامِلاً في الإيمان. وقالوا: ﴿وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ [المائدة: 113] ، وهذا يَدُلُّ على مَرَضٍ في القَلْب، وكذا قَوْلُ عيسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - لهم: ﴿اتقوا الله إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ ، يَدُلُّ على أنَّهُم ما كانوا كامِلِين في الإيمان. الثاني: أنَّهُم كانوا مُؤمِنين إلاَّ أنَّهُم طَلَبُوا هذه الآية لِيحْصُلَ لهم مَزِيد الطمأنينة، فلهذا السَّبِب قالوا: «وتَطْمئنَّ قُلُوبنا» . الثالث: أنَّ مُرادَهُمُ استفهام أن ذلك هل هو كافٍ في الحِكْمةِ أم لا؟ وذلك لأنَّ أفْعَال اللَّهِ تعالى لمَّا كَانَتْ مَوْقُوفَةً على رِعايَةِ وجُوهِ الحكمة، فَفِي الموْضِع الَّذِي لا يَحْصُل فيه شَيْءٌ من وُجُوهِ الحِكْمَةِ يكونُ الفِعْلُ مُمْتَنِعاً، فإنَّ المُنَافيَ من جِهَةِ الحكمة كالمنافي جِهَة القُدْرَةِ، وهذا الجوابُ يَتَمَشَّى على قَوْلِ المُعْتَزِلَة. وأمَّا على قَوْلِنا فهو مَحْمُولٌ على أنَّه تَبارك وتعالى هل قَضَى بذلك؟ وهل عَلِمَ وُقُوعه؟ فإن لَمْ يَقْضِ به، ولَمْ يعلم وُقُوعه كان ذلك محالاً غيْرَ مَقْدُورٍ؛ لأن خلافَ المَعْلُوم غَيْرُ مَقْدُورٍ. الرابع: قال السديُّ: إن السِّين زَائِدةٌ، على أنَّ اسْتَطَاع بمعنى أطاعَ كما تقدَّم. الخامس: لعل المُرادَ بالرَّبِّ جِبْرِيل؛ لأنَّهُ كان يُرَبِّيهِ ويَخُصُّهُ بأنْوَاع الإعَانَةِ، لقوله - تبارك وتعالى - في أوَّلِ الآية ﴿أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ القدس﴾ [المائدة: 110] ، والمعنى: أنَّك تَدَّعِي أنه يُرَبِّيك، ويَخُصُّكَ بأنْوَاع الكَرَامَةِ، فهل يقدر على إنْزَالِ مَائِدَةٍ من السَّمَاءِ عَلَيْك؟ . السادس: ليْسَ المَقْصُود من هذا السُّؤال كونَهُم شاكِّين فيه، بل المَقْصُود تَقْرِير أن ذلك في غاية الظُّهُور، كمن يَأخُذُ بِيَدِ ضعيفٍ، ويقول: هل يَقْدِر السُّلْطَان على إشْبَاع هذا، وبكون غَرَضُه أنَّ ذلكَ أمْرق واضِحٌ لا يجُوزُ للعَاقِل أن يَشُكَّ فيه. قوله «أن يُنَزِّلَ» في قراءةِ الجماعة في محلِّ نصب مفعولاً به، أي: الإنْزالَ، وقال أبو البقاء - رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى -: والتقدير: على أن يُنَزِّلَ، أو في أن يُنَزِّلَ، ويجوزُ ألاَّ يحتاج إلى حرف جرٍّ على أن يكون «يَسْتَطِيع» بمعنى «يُطِيقُ» [قلت: إنما احتاج إلى تقدير حَرْفي الجَرِّ في الأول؛ لأنه حمل الاستطاعة على الإجابة، وأمَّا قوله أخيراً: إنَّ «يَسْتَطيعُ» بمعنى «يُطِيقُ» ] فإنما يَظْهرُ كلَّ الظهورِ على رأي الزمخشريِّ من كونهم ليسوا بمؤمنين، وأمَّا على قراءةِ الكسائيِّ، فقالوا: هي في محلِّ نصْبٍ على المفعولية بالسؤالِ المقدَّر، أي: هلْ تستطيعُ أنت أن تسألَ ربَّكَ الإنْزالَ، فيكون المصدرُ المقدَّرُ مضافاً لمفعوله الأوَّل، وهو «رَبُّكَ» ، فلمَّا حُذِفَ المصدرُ، انتصب، وفيه نظرٌ؛ من أنهم أعمَلُوا المصدر مضمراً، وهو لا يجوزُ عند البصريِّين، يُؤوِّلُونَ ما وردَ ظاهرُه ذلك، ويجوز أن يكون «أنْ يُنَزِّلَ» بدلاً من «رَبُّكَ» بدل اشتمالٍ، والتقديرُ: هل تستطيعُ، أي: هل تُطِيقُ إنزال الله تعالى مائدةً بسببِ دعائِكَ؟ وهو وجهٌ حسن. و «مَائِدَةً» مفعول «يُنَزِّلُ» ، والمائدة: الخِوانُ عليه طعامٌ، فإن لم يكن عليه طعامٌ فليست بمائدةٍ، هذا هو المشهور، إلا أن الراغب قال: «والمائدةُ: الطبقُ الذي عليه طعامٌ، ويقال لكلِّ واحدٍ منها مائدةٌ» ، وهو مخالفٌ لما عليه المعظمُ، وهذه المسألة لها نظائرُ في اللغة، لا يقال للخوانِ مائدةٌ إلا وعليه طعامٌ، وإلا فهو خوانٌ، ولا يقال كأسٌ إلا وفيها خَمْرٌ، وإلا فهي قدحٌ، ولا يقال ذنُوبٌ وسَجْلٌ إلا وفيه ماء، وإلا فهو دَلْو، ولا يقال جرابٌ إلا وهو مدبوعٌ وإلا فهو إهابٌ، ولا قَلَمٌ إلاَّ وهو مَبْريٌّ وإلا فهو أنْبُوبٌ، واختلف اللغويون في اشتقاقها، فقال الزجَّاج - رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى -: «هي من مَادَ يَمِيدُ إذا تحرَّك، ومنه قوله: ﴿رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ﴾ [الأنبياء: 31] ومنه: مَيْدُ البَحْرِ» ، وهو ما يُصِيبُ راكبَه، فكأنها تميدُ بما عليها من الطعام. وقال أهلُ الكوفة: لأنها تميدُ بالآكِلِينَ، قال الزجَّاج - رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى -: «وهي فاعِلةٌ على الأصلِ» ، وقال أبو عُبَيْدٍ: «هي فَاعِلَةٌ بمعنى مفعُولَة مشتقَّةٌ من مادهُ بمعنى أعْطَاهُ، وامتادَهُ بمعنى اسْتَعْطَاهُ، فهي بمعنى مَفْعُولَة» ، قال: «كَعِيشَةٍ راضيةٍ» وأصلُها أنها ميدَ بها صاحبُها، أي: أعْطِيَهَا، والعربُ تقول: مَادَنِي فلانٌ يَمِيدُنِي، إذا أدَّى إليَّ وأعْطَانِي «وقال أبو بَكْرِ بنُ الأنباريِّ:» سُمِّيتْ مائدةً؛ لأنها غياثٌ وعطاءٌ، من قول العرب: مَادَ فلانٌ فُلاناً إذا أحْسَنَ إلَيْه» وأنشد: [السريع] 2088 - إلى أميرِ المُؤمِنِينَ المُمْتَادْ ... أي: المُحْسنِ لرعيَّته، وهي فاعلةٌ من المَيْدِ بمعنى مُعْطِيَةٍ، فهو قريبٌ من قولِ أبِي عُبَيْدٍ في الاشتقاقِ، إلا أنَّها عنده بمعنى فاعلةٍ على بابها، وابنُ قتيبة وافق أبا عُبَيْدٍ في كونها بمعنى مَفْعُولَة، قال: «لأنَّها يُمَادُ بها الآكلُونَ أي يُعْطَوْنَهَا» ، وقيل: هي من المَيْدِ، وهو الميلُ، وهذا هو معنى قول الزجَّاج. قوله تعالى: «مِنَ السَّماءِ» يجوز أنْ يتعلَّق بالفعلِ قبله، وأنْ يتعلَّق بمحذوف؛ على أنه صفةٌ ل «مَائِدَة» ، أي: مائدةً كَائِنَةً من السَّماءِ، أي: نازلةً منها. قوله تعالى: ﴿اتقوا الله إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ : فلا تَشكُّوا في قُدْرَة الله - تعالى -. وقيل: اتَّقُوا الله أن تَسْألُوه شَيْئاً لَمْ تسْأله الأمَمُ السَّابِقَة من قَبْلِكُم، فَنَهَاهم عن اقْتِراحِ الآيَات بَعْدَ الإيمان. وقيل: أمَرَهُمْ بالتَّقْوى سَبَباً لِحُصُول هذا المَطْلُوب، كقوله - تبارك وتعالى -: أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهُ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ} [المائدة: 35] .

المائدة 5:113

أي: أكْلُ تبرُّكٍ، لا أكْلُ حَاجَةٍ، وقال المارودِي: لأنَّهم لما احْتَاجُوا لم يُنْهَوا عن السُّؤال، وقيل: أرَادُوا الأكْلَ للحَاجَةِ. وقوله: «وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا» أي: إنَّا وإنْ عَلِمْنَا قُدْرةَ الله تعالى بالدَّليل، ولكنَّا إن شاهدنا نُزُولَ هذه المَائِدة ازداد اليقين، وقويت الطُّمَأنِينَةُ. وقيل: المَعْنَى إنَّا وإن عَلِمْنَا صِدْقَكَ بِسَائِر المُعْجِزَات، ولكن إذا شَاهَدْنَا هذه المُعْجِزَة ازدَادَ اليَقِينُ والعِرْفَان، وهذا مَعْنَى قوله: ﴿وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ : أنَّك رَسُولُ اللَّهِ. قيل: إنَّ عيسَى ابن مَرْيم أمَرَهُمْ أن يَصُومُوا ثلاثين يَوْماً، فإذا أفْطَرُوا لا يَسْألُون الله شيئاً إلاَّ أعْطَاهُمْ، ففعلوا وسألُوه المَائِدَةَ، وقالوا: ﴿وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ في قولك: «إنَّا إذا صُمْنَا ثلاثين يَوْماً لا نَسْألُ الله شَيْئاً إلاَّ أعْطَانَا» . وقيل: إنَّ جميعَ المُعْجِزَات التي أوْرَدْتَهَا كانت مُعْجَزَات أرْضِيَّة، وهذه سَمَاوِيَّة، وهي أعْجَبُ وأعْظَمُ، ﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشاهدين﴾ نَشْهَدُ عليها عِنْد الذين لم يَحْضُرُوها من بَنِي إسرائيل، ويَكُونُوا شَاهِدِين لله تعالى بِكَمَال القُدْرَة. وقرأ الجمهور: «وَنَعْلَمَ» : و «نَكُون» بنون المتكلم مبنيًّا للفاعل، وقرأ ابن جُبَيْر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - فيما نقله عنه ابن عطيَّة - «وتُعْلَم» بضمِ التاء على أنه مبنيٌّ للمفعول، والضميرُ عائدٌ على القلوب، أي: وتُعْلَمَ قُلُوبُنَا، ونُقِلَ عنه «وَنُعْلَمَ» بالنون مبنيًّا للمفعول، وقرئ: «وَيُعْلَمَ» بالياء مبنيًّا للمفعول، والقائمُ مقام الفاعل: ﴿أَن قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ أي: ويُعْلَمَ صِدْقُكَ لنا، ولا يجوزُ أن يكُون الفعلُ في هذه القراءةِ مسنداً لضميرِ القلوبِ؛ لأنه جارٍ مَجْرَى المؤنَّثِ المجازيِّ، ولا يجوزُ تذكيرُ فِعْلِ ضميره، وقرأ الأعمشُ: [ «وتَعْلَمَ» ] بتاءٍ والفعلُ مبنيٌّ للفاعل، وهو ضمير القُلُوبِ، ولا يجوزُ أن تكون التاءُ للخطاب؛ لفسادِ المعنى، وروي: «وتِعْلَمَ» بكسر حرف المضارعة، والمعنى على ما تقدَّم، وقُرِئ: «وتكونَ» بالتاء والضمير للقلوب. و «أنْ» في ﴿أَن قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ مخفَّفةٌ، واسمُها محذوفٌ، و «قَدْ» فاصلةٌ؛ لأنَّ الجملة الواقعةَ خبراً لها فعليةٌ متصرِّفةٌ غيرُ دُعَاءٍ، وقد عُرِفَ ذلك مما تقدَّم في قوله: {أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ} [المائدة: 71] ، و «أنْ» وما بعدها سادَّةٌ مسدَّ المفعولَيْن، أو مَسَدَّ الأول فقط، والثاني محذوفٌ، و «عَلَيْهَا» متعلِّقٌ بمحذوفٍ يَدُلُّ عليه «الشَّاهدين» ، ولا يتعلَّقُ بما بعده؛ لأن «ألْ» لا يَعْمَلُ ما بعدها فيما قبلها عند الجمهور، ومنْ يُجِيزُ ذلك يقول: «هو متعلِّقٌ بالشاهدينَ، قُدِّم للفواصِل» . وأجاز الزمخشريُّ أن تكون «عَلَيْهَا» حالاً؛ فإنه قال: «أو نَكُونَ من الشاهدينَ لله بالوحدانيَّة، ولك بالنبوَّةِ عاكِفِينَ عليها، على أن» عَلَيْهَا «في موضع الحال» فقوله «عَاكِفينَ» تفسيرُ معنًى؛ لأنه لا يُضْمَرُ في هذه الأماكن إلا الأكوانُ المطلقة. وقرأ اليمانيُّ: «وإنَّهُ» ب «إنَّ» المشدَّدة، والضميرُ: إما للعيد، وإما للإنزال. وبهذا لا يَرِدُ عليه ما قاله أبو حيان - رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى - فإنه غابَ عليه ذلك، وجعله متناقِضاً؛ من حيث إنه لَمَّا عَلَّقَهُ ب «عَاكِفِينَ» كان غيْرَ حال؛ لأنه إذا كان حالاً، تعلَّقَ بكون مُطْلَقٍ ولا أدْرِي ما معنى التناقُض.

المائدة 5:114

«اللَّهُمَّ رَبَّنَا» تقدَّم الكلامُ عليه، قوله: «ربَّنا» نِدَاءٌ ثاني. قوله تعالى: ﴿تَكُونُ لَنَا عِيداً﴾ : [في «تَكُونُ» ضمير يعود على «مَائِدَة» هو اسمُها، وفي الخبر احتمالان: أظهرهما: أنه عيد] ، و «لَنَا» فيه وجهان: أحدهما: أنه حال من «عِيداً» ؛ لأنها صفة له في الأصل. والثاني: أنها حال من ضمير «تَكُونُ» عند مَنْ يُجَوِّزُ إعمالها في الحال. والوجه الثاني: أنَّ «لَنَا» هو الخبر، و «عِيداً» حال: إمَّا من ضمير «تَكُونُ» عند مَنْ يَرَى ذلك، وإمَّا من الضمير في «لَنَا» ، لأنه وقع خبراً فتحمَّل ضميراً، والجملةُ في محلِّ نَصْبٍ صفةً لمائدة. وقرأ عبدُ الله: «تَكُنْ» بالجزمِ على جوابِ الأمرِ في قوله: «أنْزَلَ» ، قال الزمخشري - رَحِمَهُ اللَّهُ -: «وهما نظيرُ» يَرِثُنِيَ [وَيَرِثُ «] يريد قوله تعالى: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً يَرِثُنِي﴾ [مريم: 5، 6] بالرفع صفةً، وبالجزم جواباً، ولكن القراءتان هناك متواترتان، والجزمُ هنا في الشاذ. والعيدُ هنا مشتقٌّ من العود؛ لأنه يعود كلَّ سنة، قاله ثعلبٌ عن ابن الأعرابيِّ، وقال ابن الأنباريِّ:» النحويُّون يقولون: يوم العيدِ؛ لأنَّه يعود بالفَرَحِ والسُّرورِ فهو يَوْمُ سُرُورِ الخَلْقِ كلهم، ألا ترى أنَّ المَسْجُونين في ذلك اليَوْم لا يُطَالَبُونَ ولا يُعَاقَبُون، ولا يُصادُ الوَحْشُ ولا الطُّيُورُ، ولا تَغْدُو الصِّبْيَان إلى المَكَاتِب «. وقيل: هو عِيدٌ؛ لأنَّ كُلَّ إنْسَان يَعُودُ إلى قَدْرِ مَنْزِلَتهِ؛ ألا ترى إلى اختلافِ ملابِسهم وهَيْئَاتِهِم ومآكِلِهم، فمنهم من يُضيف ومنهم من يُضاف، ومنهم من يَرْحَم ومنهم من يُرْحَم. وقيل: سُمِّي بذلك؛ لأنَّهُ يَوْمٌ شريف، تَشْبيهاً بالعيدِ وهو فحلٌ كريم مشهور عند العربِ ويَنْسِبُون إليه، فيقالُ: إبل عيدية. قال الشاعر: [البسيط] 2089 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... عِيدٌ بِهَا أزْهَرَتْ فِيهَا الدَّنَانِيرُ وقال الخليلُ: العيدُ كل يومٍ يَجْمَعُ، كأنَّهُم عَادُوا إلَيْه عند العرب؛ لأنه يعود بالفَرَح والحُزْن، وكلُّ ما عاد إليك في وقت، فهو عيد؛ حتَّى قالوا لِلطَّيْفِ عِيدٌ؛ قال الأعشى: [الطويل] 2090 - فَوَاكَبِدِي مِنْ لاعِجِ الحبِّ والهَوَى ... إذَا اعْتَادَ قَلْبِي مِنْ أمَيْمَةَ عِيدُهَا أيْ: طَيْفُهَا، وقال تأبَّطَ شَرًّا: [البسيط] 2091 - يَا عِيدُ مَا لَكَ مِنْ شَوْقٍ وإيرَاقِ ... وقال أيضاً: [الخفيف] 2092 - عَاد قَلْبِي مِنَ الطَّوِيلَةِ عِيدُ..... ... ... ... ... ... ... ... . . وقال الراغبُ: والعيدُ حالةٌ تُعاوِدُ الإنسانَ، والعائدَة: كلُّ نفْعٍ يرجع إلى الإنسانِ بشَيْء، ومنه» العَوْدُ «للبعيرِ المُسِنِّ: إمَّا لمعاوَدَتِهِ السَّيْرَ والعمل فهو بمعنى فاعلٍ، وإمَّا لمعاوَدَةِ [السنين] إياه [ومَرِّهَا] عليه، فهو بمعنى مفعول، قال امْرُؤُ القَيْسِ: [الطويل] 2093 - عَلَى لاحِبٍْ لا يُهْتَدَى بِمَنَارِهِ ... إذا سَافَهُ العَوْدُ النَّبَاطِيُّ جَرْجَرَا وصَغَّروه على «عُيَيْدٍ» وكسَّروه على «أعْيَاد» ، وكان القياسُ عُوَيْد وأعْوَاد؛ لزوالِ مُوجِبِ قَلْبِ الواوِ ياء؛ لأنها إنما قُلبتْ لسكونها بعد كَسْرةٍ، ك «مِيزَانٍ» ، وإنما فعلوا ذلك؛ قالوا: فرقاً بينه وبَيْن عُودِ الخَشَبِ. قوله: «لأوَّلِنَا وَآخِرِنَا» فيه وجهان: أحدهما: أنه متعلِّقٌ بمحذوف؛ لأنه وقع صفةً ل «عِيداً» . الثاني: أنه بدلٌ من «نَا» في «لَنَا» ، قال الزمخشريُّ: «لأوَّلِنَا وآخِرِنَا» بدلٌ من «لَنَا» بتكرير العالمِ» ، ثم قال: «وقرأ زيدُ بنُ ثابتٍ، وابن مُحَيْصِنٍ والجَحْدَرِيُّ:» لأولاَنَا وَأخْرَانَا» بدل «لَنَا» ، والتأنيثُ على معنى الأمَّة» ، وخَصّص أبو البقاء كلَّ وجْه بشيء؛ وذلك أنه قال: «فأمَّا» لأوَّلنَا وآخِرِنَا» ، فإذا جعلت «لَنَا» خبراً أو حالاً من فاعل «تَكُونُ» فهو صفةٌ ل «عِيداً» ، وإن جعلت «لَنَا» صفة ل «عِيد» ، كان «لأوَّلِنَا» بدلاً من الضمير المجرور بإعادة الجَارِّ «. قال شهاب الدين: إنما فعل ذلك؛ لأنه إذا جعل» لَنَا «خبراً، كان» عِيداً «حالاً، وإن جعله حالاً، كان» عِيداً «خبراً؛ وعلى التقديرين لا يمكنُه جَعْلُ» لأوَّلِنَا «بدلاً من» لَنَا» ؛ لئلا يلزم الفصلُ بين البدلِ والمبدلِ منه: إمَّا بالحال، وإما بالخبر، وهو «عِيد» ، بخلافِ ما إذا جُعِل» لَنَا «صفةً ل» عِيد «، [ولكن يُقالُ: قوله: فإن جعلت» لَنَا «صفةً ل» عيداً «] كان» لأوَّلِنَا «بدلاً مُشْكِلٌ أيضاً؛ لأنَّ الفصل فيه موجود، لا سيما أنَّ قوله لا يُحْمل على ظاهره؛ لأنَّ» لَنَا «ليس صفةً بل هو حالٌ مقدمة، ولكنه نَظَرَ إلى الأصل، وأنَّ التقدير: عيداً لَنَا لأوَّلِنَا؛ فكأنه لا فَصْلَ، والظاهرُ جوازُ البدل، والفصلُ بالخبر والحال لا يَضُرُّ؛ لأنه من تمامه، فليس بأجنبيٍّ. واعلم: أن البدل من ضمير الحاضر، سواءٌ كان متكلِّماً أم مخاطباً، لا يجوز عند جمهور البصريِّين في بدلِ الكلِّ من الكُلِّ، لو قلت:» قُمْتُ زَيْدٌ» تعْني نَفْسَكَ، و «ضَرَبْتُكَ عَمْراً» ، لم يَجُزْ، قالوا: لأنَّ البدل إنما يؤتى به للبيانِ غالباً، والحاضِرُ متميِّزٌ بنفسه؛ فلا فائدةَ في البدلِ منه، وهذا يَقْرُبُ من تعليلهم في مَنْعِ وصفه، وأجازَ الأخفشُ ذلك مُطْلَقاً مستدِلاًّ بظاهر هذه الآية الكريمة؛ لقول القائل: [الوافر] 2094 - أنَا سَيْفُ العَشِيرَةِ فَاعْرِفُونِي ... حُمَيْداً قَدْ تَذَرَّيْتُ السَّنَامَا ف» حُمَيْداً «بدل من ياء» اعْرِفُوني» ، وقولِ الآخر: [الطويل] 2095 - وَشَوْهَاءَ تَغْدُو بي إلى صَارِخ الوَغَى ... بِمُسْتَلْئِمٍ مِثْلِ الفَنِيقِ المُدَجَّلِ وقول الآخر: [البسيط] 2096 - بِكُمْ قُرَيْشٍ كُفِينَا كُلَّ مُعْضِلَةٍ ... وأمَّ نَهْجَ الهُدَى مَنْ كَانَ ضِلِّيلا وفي الحديث: «أتَيْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ نَفَرٌ مِنَ الأشْعَرِيين» والبصريون يُؤوِّلونَ جميعَ ذلك، أمَّا الآية الكريمة فعلى ما تقدَّم في الوجه الأول، وأمَّا «حُمَيْداً» ، فمنصوبٌ على الاختصاص، وأمَّا «بِمُسْتَلئم» ، فمن باب التجريدِ، وهو شيءٌ يعرفه أهلُ البيانِ، يعني أنه جَرَّد من نفسه ذاتاً متصفةً بكذا، وأمَّا «قُرَيْشٍ» فالروايةُ بالرفع على أنه منادى نُوِّنَ ضرورةً؛ كقوله: [الوافر] 2097 - سَلاَمُ اللَّهِ يَا مَطَرٌ عَلَيْهَ ... وَلَيْسَ عَلَيْكَ يَا مَطَرُ السَّلامُ وأمَّا «نفرٌ» ، فخبر مبتدأ مضمرٍ، أي: نَحْنُ، ومنع ذلك بعضهم، إلا أنْ يُفيدَ البدلُ توكيداً، وإحاطة شمولٍ، واستدلَّ بهذه الآيةِ، وبقول الآخر: [الطويل] 2098 - فَمَا بَرِحَتْ أقْدَامُنَا فِي مُقَامِنَا ... ثَلاَثَتِنَا حَتَّى أزيرُوا المَنَائِيَا بجر «ثَلاَثِينَا» بدلاً من «نَا» ، ولا حُجَّة فيه؛ لأنَّ «ثَلاَثَتِنَا» توكيدٌ جارٍ مَجْرى «كُلّ» . قال القُرْطُبِي: وقرأ زَيْدُ بن ثابتٍ: «لأولَيْنَا وأُخْرَيْنَا» على الجَمْعِ قال ابنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: يَأكُلُ منهما آخرُ النَّاس كما يَأكُل أوَّلهُم. قوله: «وآيةً» : عطف على «عيداً» ، و «منك» . فصل رُوِي أنَّ عيسى - عليه السلام - اغتسلَ ولبس المسْحَ، وصلَّى ركْعَتَيْن، فَطَأطَأ رَأسَهُ، وغضَّ بصرَهُ وبَكَى وقال: «اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيداً لأولنا وآخرنا» أي: عائِدَة من الله علينا حُجَّةً وبُرْهَاناً، والعيدُ يومُ السُّرورِ، سُمِّي به لِلْعَوْدِ من التَّرَحِ إلى الفَرَح، وهو اسم لما اعتدته يَعُودُ إليك، وقد تَقدَّم. وقال السدي: مَعْنَاهُ يُتَّخَذُ اليومُ الذي أنْزِلَتْ فيه عِيداً لأوَّلنا لأهلِ زماننا، وآخرنا لمن يجيء بَعْدَنا. وقال ابنُ عباسٍ: يأكلُ منها آخِرُ النَّاسِ كما أكَلَ أوَّلُهُم. قوله: «وآيةً مِنْكَ» دِلاَلَةً وحُجَّةً. قيل: نَزَلَتْ يوم الأحد، فاتَّخَذَهُ النَّصَارى عِيداً. وقوله «وارْزُقْنَا» أي: طعاماً نَأكُلُه ﴿وَأَنتَ خَيْرُ الرازقين﴾ .

المائدة 5:115

قرأ نافعٌ وابنُ عامرٍ وعاصمٌ: «مُنَزِّلُهَا» : بالتشديد، فقيل: إنَّ أنْزَلَ ونَزَّلَ بمعنًى، وقد تقدَّم تحقيق ذلك، وقيل: التشديدُ للتكثير، فإنها نزلت مرَّاتٍ متعددة. قوله: «بَعْدُ» : متعلِّق ب «يَكْفُرْ» ، وبُنِي؛ لقَطْعِه عن الإضافة؛ إذ الأصل: بَعْدَ الإنْزَالِ، و «مِنْكُمْ» متعلِّقٌ بمحذوفٍ؛ لأنه حال من فاعل «يَكْفُرْ» ، وقوله: «عَذَاباً» فيه وجهان: أظهرهما: أنه اسمُ مصدرٍ بمعنى التعذيب، أو مصدرٌ على حذفِ الزوائد؛ نحو: «عَطَاء ونَبَات» ل «أعْطَى» و «أنْبَتَ» ، وانتصابُهُ على المصدريَّة بالتقديرين المذكورين. والثاني - أجازه أبو البقاء -: أن يكون مفعولاً به على السَّعَة، يعني: جَعَلَ الحَدَثَ مفعولاً به على السَّعة؛ مبالغةً، وحينئذٍ يكون نصبه على التشبيه بالمفعول به، والمنصوبُ على التشبيه بالمفعول به عند النحاة ثلاثةُ أنواعٍ: معمولُ الصفةِ المشبهة، والمصدرُ، والظرفُ المتَّسَعُ فيهما: أمَّا المصدرُ، فكما تقدَّم، وأمَّا الظرفُ، فنحو: «يَوْمَ الجُمُعَةِ صُمْتُهُ» ، ومنه قوله في ذلك: [الطويل] 2099 - وَيَوْمٍ شَهِدْنَاهُ سُلَيْماً وعَامِراً ... قَلِيلٌ سِوَى الطَّعْنِ النِّهَالِ نَوَافِلُهْ قال الزمخشريُّ: «ولو أُريدَ بالعذاب ما يُعَذَّبُ به، لكان لا بُدَّ من البَاءِ» قال شهاب الدين: إنما قال ذلك؛ لأنَّ إطلاقَ العذاب على ما يُعَذَّبُ به كثيرٌ، فخاف أن يُتوهَّمَ ذلك، وليس لقائلٍ أن يقول: كان الأصلُ: بِعَذَابٍ، ثم حذفَ الحرف؛ فانتصب المجرورُ به؛ لأنَّ ذلكَ لم يَطَّرِدْ إلاَّ مع «أنْ» و «أنَّ» بشرطِ أمْنِ اللَّبْسِ. قوله: «لاَ أعَذِّبُهُ» الهاءُ فيها ثلاثة أوجه: أظهرها: أنها عائدة على «عَذَاب» الذي تقدَّم أنه بمعنى التعْذِيب، والتقدير: فإنِّي أعَذِّبُهُ تَعْذِيباً لا أعَذِّبُ مِثْلَ ذَلِكَ التَّعْذيبِ أحَداً، والجملة في محلِّ نَصْبٍ صفةً ل «عَذَاباً» ، وهذا وجه سالمٌ من تَكَلُّفٍ ستَرَاهُ في غيره، ولمَّا ذكر أبو البقاء هذا لوجه - أعني عودَها على «عَذَاباً» المتقدِّم - قال: «وفيه على هذا وجهان: أحدهما: على حَذْفِ حرف الجر، أي: لا أعَذِّبُ به أحداً، والثاني: أنه مفعولٌ به على السَّعة» . قال شهاب الدين: أمَّا قوله «حُذِفَ الحَرْف» ، فقد عرفْتَ أنه لا يجوز إلا فيما استثني. الثاني - من أوجه الهاء -: أنها تعودُ على «من» المتقدِّمة في قوله: «فَمَنْ يَكْفُرْ» ، والمعنى: لا أعَذِّبُ مِثْلَ عَذَاب الكَافِرِ أحَداً، ولا بُدَّ من تقدير هذين المضافَيْنِ؛ لِيَصِحَّ المعنى، قال أبو البقاء في هذا الوجهِ: «وفي الكلامِ حَذْفٌ أي: لا أعذِّبُ الكَافِرَ، أي: مثل الكافرِ، أي: مثل عذابِ الكَافر» . الثالث: أنها ضميرُ المصدرِ المؤكِّد؛ نحو: «ظَنَنْتُهُ زَيْداً قَائِماً» ، ولمَّا ذكر أبو البقاء هذا الوجه، اعترضَ على نفسه، فقال: «فإنْ قلْتَ:» لا أعَذِّبهُ» صفةٌ ل «عَذَاب» ، وعلى هذا التقدير لا يعودُ من الصفة على الموصُوف شَيْءٌ، قيل: إنَّ الثانِيَ لما كان واقعاً موقعَ المصدر والمصدرُ جنْسٌ، و «عَذَاباً» نكرةٌ، كان الأوَّل داخِلاً في الثاني، والثاني مشتملٌ على الأوَّل، وهو مثل: زَيْدٌ نِعْمَ الرَّجُلُ» . انتهى، فجعل الرابطَ العمومَ، وهذا الذي ذكرهُ من أنَّ الربْطَ بالعمومِ، إنما ذكره النحويُّون في الجملةِ الواقعةِ خبراً لمبتدأ، ولذلك نظَّره أبو البقاء ب «زَيْدٌ نِعْمَ الرَّجُلُ» ، وهذا لا ينبغي أن يُقاسَ عليه؛ لأن الربطَ يحصُلُ في الخبر بأشياءَ لا تجوز في الجملة الواقعةِ صفةً، وهذا منها، ثم هذا الاعتراضُ الذي ذكره واردٌ عليه في الوجه الثاني؛ فإنَّ الجملة صفةٌ ل «عَذَاباً» ، وليس فيها ضميرٌ، فإن قيل: ليست هناك بصفة، قيل: يَفْسُدُ المعنى بتقدير الاستئناف، وعلى تقدير صحَّته، فلتكنْ هنا أيضاً مستأنفةً، و «أحَداً» منصوبٌ على المفعُول الصريحِ، و «مِنَ العَالمِينَ» صفةٌ ل «أحداً» فيتعلَّق بمحْذُوف. فصل في معنى الآية معنى الآية الكريمة ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ﴾ أي: بَعْد إنْزَال المَائِدَة، ﴿فإني أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ العالمين﴾ أي: جنس عذابٍ لا أعَذِّبُهُ أحَداً من العالمين - يعني: على زمانه - فَجَحَد القَوْمُ وكَفَرُوا بعد نُزُولِ المَائِدَة. قال ابنُ عبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: مُسِخُوا خَنَازِير، وقيل: قِرَدَةً، وقيل: جِنْساً من العَذَابِ، لا يُعذَّبُ به غَيْرُهُم. قال الزَّجَّاج: ويجُوزُ أن يكون ذَلِكَ العذابُ مُعَجَّلاً في الدُّنْيا، ويجُوزُ أن يكُون مُؤخَّراً في الآخِرَةِ. قال عَبْدُ الله بن عمرو - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: «أنَّ أشَدَّ النَّاسِ عَذَاباً يَوْمَ القِيَامَةِ المُنَافِقُونَ، ومن كَفَر مِنْ أصْحَابِ المائدةِ وآلُ فِرْعَوْن» . واخْتَلَف العُلَماءُ - رضي الله تعالى عنهم - هَلْ نَزَلَتْ أمْ لا؟ . فقال مُجَاهِد، والحَسَن: لم تَنْزِلْ، فإنَّ الله تعالى لَمَّا أوْعَدَ على كُفْرِهم بَعْد نُزُولِ المائدة خافُوا أن يَكْفُر بَعْضُهُم، فاستعفوا وقالوا: لا نُرِيدُهَا؛ فلم تَنْزِلْ. وقوله: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ - يعني: إن سَألْتُم، والصَّحِيحُ الذي عَلَيْه الأكْثَرُون: أنَّها نَزَلَتْ لقوله تعالى: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ ولا خُلْفَ في خبره، ولِتَوَاتُرِ الأخْبَارِ فيه عن رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنَّها نَزَلَت. وقيل لهم: إنَّها مُقِيمَةٌ لكم ما لم تَخُونُوا وتخبؤوا؛ فما مضَى يومها حتَّى خَانُوا وخَبُّئوا، فَمسخُوا قِرَدَةً وخَنَازير. قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: إنَّ عيسى - عليه السلام - قال لهم: صُومُوا ثلاثينَ يَوْماً، ثم سَلُوا اللَّه ما شِئْتُم يُعْطِيكُمْ، فَصَامُوا، فلمَّا فَرغُوا قالوا: يا عيسى: إنَّا لو عَمِلْنَا لأحدٍ قَضَيْنَا عَمَلَهُ لأطْعَمَنَا، وسَألُوا اللَّهَ المَائِدَة، فأقْبَلَتِ المَلائِكَةُ - عليهم الصَّلاة والسَّلام - بمائدةٍ يحمِلُونَهَا، عَلَيْهَا سَبْعَةُ أرْغِفَةٍ وسَبْعَة أخْوَان، حتَّى وضعتْهَا بين أيْدِيهِمْ، فأكَلَ مِنْهَا آخِرُ النَّاسِ كما أكَلَ أوَّلُهُم. قال كَعْبُ الأحْبار: نزلت مَنْكُوسَةً تطيرُ بها المَلائِكَةُ بين السماء والأرض، عليها كُلُّ الطَّعَامِ إلاَّ اللَّحْم. وقال سَعِيدُ بن جُبَيْر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -، عن ابنِ عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: أنْزَلَ على المَائِدَة كُلَّ شيءٍ إلاَّ الخُبْزَ واللَّحْمَ. قال قَتَادَةُ: كان عليها ثَمَرٌ من ثِمَار الجَنَّةِ. وقال عَطِيَّة العوفي: نَزَلَتْ من السَّمَاء سَمَكَةٌ فيها طَعْمُ كُلِّ شَيْء. وقال الكَلْبِيُّ: كان عَلَيْهَا خُبْزُ رُزٍّ، وبَقْلٌ. وقال وَهْبُ بن مُنَبِّه: أنْزَلَ اللَّهُ - تبارك وتعالى - قُرْصَةً من شَعِيرٍ وحِيتَاناً، فكان قَومٌ يأكُلُون ثم يَخْرجُون، ثُمَّ يَجِيءُ آخَرُون فَيَأكُلُون، حتَّى أكَل أجْمَعُهُم. وقال الكَلْبِيُّ ومُقَاتِل: أنْزَلَ اللَّهُ سَمَكاً وخَمْسة أرْغِفَةٍ، فأكَلُوا ما شاء اللَّهُ، والنَّاسُ ألْفٌ ونَيفٌ، فلمَّا رَجَعُوا إلى قُرَاهُم، ونَشَرُوا الحَديث، ضحكَ مِنْهُم مَنْ لم يَشْهَد؛ وقالُوا: ويْحَكُم، إنَّما سَحَر أعْيُنَكُم، فمن أرَادَ اللَّهُ به تعالى الخَيْرَ ثَبَّتَهُ على بَصِيرتِهِ، ومن أرادَ فِتْنَتَهُ رجَعَ إلى كُفْرِه، فَمُسِخُوا خَنِازِيرَ ليْسَ صَبِيٌّ ولا امْرَأةٌ، فَمَكَثُوا كَذَلِكَ ثلاثةَ أيَّامٍ، ثم هَلَكُوا، ولم يَتَوالَدُوا، ولم يَأكُلوا، ولَمْ يَشْرَبُوا، وكذلك كُلُّ مَمْسُوخٍ وقال قتادةُ: كانت تَنْزِلُ عليهم بُكرةً وعَشِيًّا، كالمَنِّ والسَّلْوى لِبَنِي إسْرَائِيل. وروَى عطاءُ بنُ أبي رباحٍ، عن سَلْمان الفَارِسِيّ: لما سَأل الحَوَارِيُّونَ المائدة، لَبِسَ عيسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - صُوفاً وبَكَى، وقال: «اللهم أنزل علينا مائدة من السماء» ، فنزلت سُفْرَةٌ حَمْراء بين غَمَامَتَيْنِ، غَمَامَة من تَحْتِهَا، وغَمَامَة من فَوْقِهَا وهُمْ يَنْظُرُون إلَيْهَا، وهي تَهْوي خَافِضَة، حتَّى سَقَطَتْ بين أيديهمْ، فَبَكَى عيسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وقال: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي من الشَّاكرين، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رحْمَةً ولا تَجْعَلْهَا عُقُوبَةً، واليَهُود يَنْظُرون إلى شَيْء لم يَرَوا مِثْلَهُ قَطّ، ولم يَجِدُوا رِيحاً أطيب من ريحهِ، فقال عيسى - عليه الصَّلاة والسَّلام -: لِيَقُمْ أحسَنُكُم عَمَلاً، فيكشف عنها، ويذكر اسم اللَّهِ تعالى، فقال شَمْعُون الصَّفَّار رَأسٌ من الحَواريِّين أنْتَ أوْلَى بذلك مِنَّا، فَقَامَ عيسى - عليه الصَّلاة والسَّلام - فَتَوَضَأ وصلَّى وبكَى كَثِيراً، ثم كَشَفَ المِنْدِيل، وقال: بِسْم الله خير الرَّازِقين، فإذا سَمَكةٌ مشْويَّةٌ ليس عليها فلوسها ولا شَوْك تَسِيل من دَسِمِهَا، وعند رأسِها ملح وعنْد ذَنَبِها خلٌّ، وحولَهَا من أنْوَاع البُقُول مَا خَلاَ الكُرَّاث، وإذا خَمْسَةُ أرْغِفَةٍ على واحدٍ زَيْتُونٌ، وعلى الثَّاني عَسَلٌ، وعلى الثَّالِثَ سَمْن، وعلى الرَّابع جُبْنٌ، وعلى الخَامس: قَدِيدٌ، فقال شَمْعُون: يا رُوحَ اللَّه أمن طعامِ الدُّنْيَا هذا أوْ مِنْ طعامِ الآخِرة؟ قال: لَيْسَ مِنْهُمَا، ولكنَّهُ شَيْءٌ افْتَعَلَهُ اللَّهُ بالقُدْرَة العَالِيَة، كلوا ما سَألْتُم واشْكُرُوا اللَّه يُمْدِدكم ويَزِدْكُمْ من فَضْلِهِ. فقال الحَوَارِيُّون: يا رُوحَ الله كُنْ أوَّل من يَأكُلُ منها، فقال: مَعَاذ الله أنْ آكُلَ منها، ولكن يأكُلُ منها من سَألَهَا، فَخَافُوا أن يَأكُلُوا منها، فدَعَا أهْلَ الفَاقَةِ والمَرَضِ وأهْلَ البَرَصِ والجُذَامِ والمُقْعَدِين وقال: كُلُوا من رِزْقِ الله - عزَّ وجلَّ - لكم الهنَاءُ، ولِغَيْرِكُم البَلاَءُ، فأكَلُوا، وصدر عنها ألْفٌ وثلثمائة رَجُلٍ وامْرأةٌ من فَقِيرٍ، وزمن ومريضٍ، ومُبْتَلى كُل مِنْهُم شَبْعَان، وإذا السَّمَكَةُ كَهَيْئَتِهَا حين نزلت، ثُمَّ طارتِ المائدةُ صعداً وهم يَنْظُرُون إلَيْهَا حتَّى تَوَارَتْ، فلم يَأكُلْ منها زمنٌ ولا مَرِيضٌ ولا مُبْتَلى إلاَّ عُوفِي، ولا فَقِير إلاَّ اسْتَغْنَى، ونَدِمَ من لم يأكُلْ فلَبِثَتْ أرْبَعِين صَبَاحاً تَنْزِلُ ضُحًى، فإذا نَزَلَت اجْتَمَع الأغْنِيَاء والفُقَرَاء والصِّغَارُ والكبارُ والرِّجَال والنِّساءُ، ولا تزالُ منْصُوبةً يُؤكَلُ منها حتَّى إذا فاء الفيءُ طارت، وهم يَنْظُرُون في ظِلِّها حتى تَوَارَتْ عَنْهُم، فكانت تَنْزِلُ غِبّاً تَنْزِلُ يوماً ولا تَنْزِلُ يَوْماً كَنَاقَةِ ثَمُود، فأوْحى اللَّهُ - تبارك وتعالى - إلى عيسى - عليه الصَّلاة والسَّلام -: اجعل مَائِدَتِي ورِزْقِي للفُقَرَاءِ دُون الأغْنِيَاء، فعظم ذلِكَ الأغْنِيَاء حتى شَكُّوا وشَككُوا النَّاسَ فيها، وقالُوا: تَرَوْن المائدةَ حقاً تَنْزِلُ من السَّمَاء؟ فأوْحَى الله - تبارك وتعالى - إلى عيسى: إنِّي شَرَطْتُ أنَّ من كَفَرَ بَعْد نُزُولِها، عَذَّبْتُهُ عَذَاباً لا أعَذِّبُهُ أحَداً من العالمِين، فقال - عليه السلام -: «إنْ تُعَذِّبْهُمْ فإنَّهُمْ عِبَادُكَ، وإن تَغْفِرْ لَهُم فإنَّك أنْتَ العَزيز الحَكِيمُ» فَمَسَخ اللَّهُ منهم ثلاثمائة وثلاثِين رجُلاً من لَيْلَتِهِمْ على فُرُشِهِم مع نِسَائِهِم، فأصْبَحُوا خَنَازِير يَسْعَون في الطُّرُقَات والكنَّاسَات، ويأكُلُون العُذْرَة في الحشُوشِ، وعاشُوا ثلاثة أيَّامٍ ثُمَّ هلكوا والعياذ باللَّه.

المائدة 5:116

اختلَفُوا في هذا القَوْلِ، هَلْ وقع وانْقَضَى، أو سيقع يوم القيامة؟ على قولين: الأول: قال بعضُهم: لمَّا رفعهُ إليه، قال له ذلك، وعلى هذا ف «إذْ» و «قَالَ» على موضوعهما منَ المُضِيِّ، وهو الظاهر، وقال بعضُهم: سيقولُه له يَوْمَ القيامة؛ لقوله - تبارك وتعالى قبله ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرسل﴾ [المائدة: 109] [الآية] ، وقوله بعد هذا: ﴿يَوْمُ يَنفَعُ الصادقين صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: 119] وعلى هذا ف «إذْ» ، و «قَالَ» بمعنى «يَقُولُ» ، وكونُها بمعنى «إذَا» أهونُ من قول أبي عُبَيْدٍ: إنها زائدةٌ؛ لأنَّ زيادةَ الأسماء ليْسَتْ بالسهلة. قوله: «أأنْتَ قُلْتَ» دخلت الهمزةُ على المبتدأ؛ لفائدةٍ ذكرها أهل البيان، وهو: أن الفعل إذا عُلِمَ وجودُهُ، وشُكَّ في نسبته إلى شخص، أولِيَ الاسْمُ المشكوكُ في نسبة الفعْلِ إليه للهمْزة، فيقال: «أأنْتَ ضَرْبٌ زَيْداً» ، فَضَرْبُ زَيْدٍ قد صدر في الوجود، وإنما شُكَّ في نسبته إلى المخاطَبِ، وإنْ شُكَّ في أصل وقوعِ الفعلِ، أولِيَ الفعلُ للهمزة، فيقال: «أضَرَبْتَ زَيْداً» ، لم تَقْطع بوقوعِ الضرب، بل شَكَكْتَ فيه، والحاصلُ: أنَّ الهمزةَ يليها المشكوكُ فيه، فالاستفهامُ في الآية الكريمة يُراد به التقريعُ والتوبيخ لغير عيسى - عليه السلام - وهم المتَّخِذُون له ولأمِّه إلهَيْنِ، دخل على المبتدأ لهذا المعنى الذي ذكرناه؛ لأن الاتخاذَ قد وقع ولا بُدَّ، واللام في «للنَّاس» للتبليغِ فقط، و «اتَّخِذُوني» يجوز أن تكون بمعنى «صَيَّرَ» ، فتتعدَّى لاثنين، ثانيهما «إلَهَيْنِ» ، وأن تكونَ المتعدية لواحدٍ ف «إلَهَيْنِ» حالٌ، و ﴿مِن دُونِ الله﴾ فيه وجهان: أظهرهما: أنه متعلقٌ بالاتخاذ، وأجاز أبو البقاء - رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى - وبه بدأ - أن يكون متعلِّقاً بمحذوفٍ؛ على أنه صفةٌ ل «إلَهَيْنِ» . فإن قيل: كَيْفَ يَلِيقُ الاسْتِفْهَامُ بعلاَّمِ الغُيُوب؛ وأيضاً النَّصَارَى لا يَقُولُون بإلهِيَّة عيسى [- عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - ومريم] . فالجوابُ عن الأول: أنَّه على سبيلِ الإنْكَارِ، وقَصْدُ هذا السُّؤال تَعْرِيفُهُ أنَّ قَوْمَهُ غيرُوا بعده، وادَّعَوْا عليه مَا لَمْ يَقُلْهُ. والجوابُ عن الثَّانِي: أنَّ النَّصَارى يَعْتَقِدُون أنَّ المُعْجِزَات الَّتِي ظَهَرَتْ على يَدِ عيسى - عليه الصَّلاة والسَّلام - ومَرْيَم - عليها السَّلام - لم يَخْلُقْهَا الله تعالى، بل عيسى ابن مريم - عليهما الصَّلاة والسَّلام - فاللَّهُ ليس خَالِقُهمَا، فصحَّ أنهُم أثْبَتُوا في حَقِّ بَعْضِ الأشْيَاء كون عيسى - عليه السلام - ومريم إلهيْنِ من دُون الله، [مع أنَّ اللَّه لَيْس إلهاً لَهُ] ، فصحَّ بهذا التَّأويلِ هذه الحِكايَةُ. وقال القُرْطُبِي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: فإن قيل: النَّصَارَى لم يَتَّخِذُوا مَرْيَمَ إلهاً، فكَيْفَ قال ذَلِكَ فيهم؟ . فقيل: لمَّا كان من قَولِهِمْ أنَّهَا لَمْ تَلِدْ بَشَراً، وإنَّما وَلَدَتْ إلهاً، لَزِمَهُم أنْ يقُولُوا: إنَّها لأجْل البَعْضِيَّة بمثابة من ولدَتْه، فصارُوا حين لزمهُم ذلك بمثابَةِ القائِلين لهُ. فإن قيل: إنَّهُ - تبارك وتعالى - إن كان عَالِماً بعيسى - عليه الصَّلاة والسَّلامُ - لم يَقُلْ ذلك، فلم خاطَبَهُ به؟ فإن قُلْتُم: الغَرَضُ مِنْهُ تَوْبِيخُ النَّصَارى وتَقْرِيعُهُم، فنقُولُ: إنَّ أحَداً من النَّصَارى لَمْ يَذْهَبْ إلى القَوْلِ بإلهيَّةِ عيسى ومريم مع القول بنَفْي إلهيَّةِ الله تعالى، فكيْفَ يجُوزُ أن يُنْسَبَ هذا القوْلُ إليْهِمْ، مع أنَّ أحَداً منهم لَمْ يَقُلْ به؟ . فالجوابُ: أنَّ الله تعالى أرَادَ أنَّ عيسى يُقِرُّ على نَفْسِهِ بالعُبُودِيَّةِ فَيَسْمع قَوْمُهُ، ويَظْهَرُ كذبُهُمْ عليه أنَّه أمَرَهُم بذلك. قوله: «سُبْحَانَك» أي: تنزيهاً لك، وتقدَّم الكلام عليه في البقرة [الآية: 32] ، ومتعلَّقُه محذوفٌ، فقدَّره الزمخشريُّ: «سُبْحانَكَ مِنْ أن يكُونَ لك شَرِيكٌ» ، وقدَّره ابن عطية: «عَنْ أنْ يُقالَ هذا، ويُنْطَقَ به» ورجَّحَهُ أبو حيان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - لقوله بَعْدُ: ﴿مَا يَكُونُ لي أَنْ أَقُولَ﴾ . قوله: «أنْ أقُولَ» في محلِّ رفع؛ لأنه اسمُ «يكُونُ» ، والخبرُ في الجارِّ قبله، أي: ما يَنْبَغِي لي قولُ كذا، و «مَا» يجوزُ أن تكون موصولةً أو نكرةً موصوفةً، والجملةُ بعدها صلةٌ؛ فلا محلَّ لها، أو صفةٌ، فمحلُّها النصبُ، فإنَّ «مَا» منصوبةٌ ب «أقُولَ» نصب المفعول به؛ لأنها متضمِّنةٌ لجملة، فهو نظيرُ «قُلْتُ كلاماً» ، وعلى هذا فلا يحتاج أن يؤوَّل «أقُولَ» بمعنى «أدَّعِي» أو «أذْكُرَ» ، كما فعله أبو البقاء رَحِمَهُ اللَّهُ وفي «لَيْسَ» ضميرٌ يعودُ على ما هو اسمها، وفي خبرها وجهان: أحدهما: أنه «لِي» ، أي: ما لَيْسَ مستقرّاً لي وثابتاً، وأمَّا «بِحَقٍّ» على هذا، ففيه ثلاثةُ أوجه، ذكر أبو البقاء منها وجهين: أحدهما: أنه حالٌ من الضمير في «لي» . قال: والثاني: أن يكون مفعولاً به، تقديره: ما ليس يَثْبُتُ لي بسببِ حقٍّ، والباءُ متعلِّقةٌ بالفعلِ المحذُوف، لا بنفسِ الجارِّ؛ لأنَّ المعانِيَ لا تعملُ في المفعول به. قال شهاب الدين: وهذا ليْسَ بجيِّدٍ؛ لأنه قدَّر متعلَّقَ [الخبر كوناً مقيَّداً، ثم حذفه، وأبقى معموله. الوجه الثالث: أنَّ قوله «بحَقٍّ» متعلقٌ] بقوله: «عَلِمْتَهُ» ، ويكون الوقْفُ على هذا على قوله «لِي» ، والمعنى: فققد عَلِمْتَهُ بِحَقٍّ، [وقد رُدَّ] هذا بأنَّ الأصْل عدمِ التقديم والتأخير، وهذا لا ينبغي أن يُكتفى به في ردِّ هذا، بل الذي منه من ذلك: أنَّ معمول الشرط أو جوابه لا يتقدَّم على أداة الشرط، لا سيَّما والمَرْوِيُّ عن الأئمةِ القُرَّاءِ الوقفُ على «بِحَقٍّ» ، ويَبْتَدئُونَ ب ﴿إِن كُنتُ قُلْتُهُ﴾ ، وهذا مَرْوِيٌّ عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فوجَبَ اتِّباعه. والوجه الثاني في خبر «لَيْسَ» : أنه «بِحَقٍّ» ، وعلى هذا، ففي «لِي» ثلاثةُ أوجه: أحدها: أنه «يَتَبيَّنُ» ؛ كما في قولهم: «سُقْياً لَهُ» ، أي: فيتعلَّقُ بمحذوف. والثاني: أنه حالٌ من «بِحَقٍّ» ؛ لأنه لو تأخَّر، لكان صفةً له، قال أبو البقاء: «وهذا مُخَرَّجٌ على قول من يجُوِّزُ تقديم حال المجرُورِ عليه» [قلتُ: قد تقدَّم لك خلافُ النَّاسِ فيه] ، وما أوردوه من الشواهد، وفيه أيضاً تقديمُ الحالِ على عاملها المعنويِّ، فإنَّ « بِحَقٍّ» هو العاملُ؛ إذ «لَيْسَ» لا يجوز أن تعمل في شيء، وإن قلنا: إنَّ «كان» أختها قد تعمل لأن «لَيْسَ» لا حدثَ لها بالإجماع. والثالث: أنه متعلِّقٌ بنفسِ «حَقّ» ؛ لأنَّ الباءَ زائدةٌ، و «حَقّ» بمعنى «مُسْتَحقّ» ، أي: ما لَيْسَ مستحِقًّا لي. فصل اعلم: أنَّه - تبارك وتعالى - لما سَألَ عيسى - عليه السلام - أنَّكَ هَلْ قُلتَ للنَّاسِ ذلك؟ لم يَقُلْ عيسى بأنِّي قُلْتُ، أو: ما قُلْتُ، بل قال: ما يكونُ لي أنْ أقُولَ هذا الكلام، وبدأ بالتَّسْبِيح قبل الجواب لأمرين: أحدهما: تَنْزِيهاً لَهُ على أنْ يُضيفَ إليه. والثاني: خُضُوعاً لِعِزَّتِه، وخَوْفاً من سَطْوتِهِ. ثُمَّ قال: ﴿مَا يَكُونُ لي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ أي: أن أدَّعِي لِنَفْسِي بما ليس من حقِّها يعني: أنِّي مَرْبُوبٌ ولسْتُ بِرَبٍّ، وعَابِدٌ، ولسْتُ بِمَعْبُودٍ، ولمَّا بيَّن أنَّه ليس له أنْ يقول هذا الكلام، شَرَعَ في بيانِ أنَّهُ هَلْ وقع منه هذا القولُ أمْ لا؟ ولمْ يَقُلْ بأنِّي ما قُلْتُه، بل فوَّضَه إلى علمه تعالى المحيط بالكُلِّ، فقال: «إن كُنْتُ قُلْتُهُ فقدْ عَلِمْتَه بعلْمِكَ» ، وهذا مُبالغَةٌ في الأدبِ، وفِي إظهَارِ الذِّلَةِ والمَسْكَنَةِ في حَضْرَةِ الخلاَّقِ، وتَفْوِيض الأمْرِ بالكُلِّيَّةِ إلى الحقِّ - سُبحانَهُ وتعالى -. قوله: ﴿إن كنت قلته﴾ : «كنت» وإن كانت ماضية اللفظ فهي مستقبلة في المعنى، والتقدير: إن تَصِحَّ دعواي لما ذُكر، وقدَّره الفارسي بقوله: «إن أكن الآن قلتُه فيما مضى» لأنَّ الشرط والجزاء لا يقعان إلا في المستقبل. وقوله: «فقد عَلِمْتَ» أي: فقد تبيَّن وظهر علمُك به كقوله: ﴿فَصَدَقَتْ﴾ [يوسف: 26] و ﴿فَكَذَبَتْ﴾ [يوسف: 27] و ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النار﴾ [النمل: 90] . قوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الغيوب﴾ . قوله: ﴿تعلمُ ما في نفسي﴾ هذه لا يجوزُ أن تكونَ عرفانيةً، لأنَّ العرفان كما تقدم يستدعي سَبْقَ جهل، أو يُقْتَصَرُ به على معرفةِ الذات دونَ أحوالها حَسْبَ ما قاله الناس، فالمفعولُ الثاني محذوفٌ، أي: تعلمُ ما في نفسي كائناً موجوداً على حقيقته لا يخفى عليك منه شيءٌ، وأمَّا: «ولا أعلم» فهي وإن كان يجوزُ أن تكون عرفانيةً، إلا أنها لمَّا صارت مقابلةً لما قبلها ينبغي أن يكون مثلها، والمرادُ بالنفس هنا ما قاله الزجاج أنها تُطْلقُ ويُراد بها حقيقةُ الشيء، والمعنى في قوله ﴿تعلم ما في نفسي﴾ إلى آخره واضحٌ. وقال: المعنى: تعلمُ ما أخفيه من سِرِّي وغيبي، أي: ما غابَ ولم أظْهِرْه، ولا أعلمُ ما تُخْفيه أنت ولا تُطْلِعُنا عليه، فذكر النفس مقابلةً وازدواجاً، وهذا منتزع من قول ابن عباس، وعليه حام الزمخشري رَحِمَهُ اللَّهُ فإنه قال: «تعلمُ معلومي ولا أعلمُ معلومك» ، وأتى بقوله: ﴿ما في نفسك﴾ على جهةَ المقابلةِ والتشاكلِ [لقوله: «ما في نفسي» فهو] كقوله: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ الله﴾ [آل عمران: 54] ، وكقوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ الله يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ﴾ [البقرة: 14، 15] . وقيل: المعنى: تعلمُ ما عندِي ولا أعلمُ ما عندكَ. وقيل: تعلمُ ما في الدُّنْيَا، ولا أعلمُ ما يكونُ مِنْكَ في الآخِرَة. وقيل: تعلمُ بما أقُولُ وأفْعلُ، ولا أعْلَمُ بما تقول وتفعل ﴿إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الغيوب﴾ وهذا تأكيدٌ للجملتَيْنِ المُتقدِّمتَيْنِ. وتمسَّكتِ المُجسِّمَةُ بقوله «بِمَا في نفْسِكَ» ، وقالوا: النَّفْسُ إنَّما تكون في الشَّخْصِ. وأجيبُوا: بأنَّ النَّفْسَ عبارة عن الذاتِ، يقال: نَفْسُ الشَّيء وذاته بمعنى واحد، وأيضاً المراد: تعلم معْلُومِي ولا أعلم معلُومَك، ولكنَّه ذكر هذا الكلامَ على طريقِ المُقابلةِ والمُشاكلةِ. قال الزَّجاج: النَّفْسُ عبارةٌ عن جُمْلَةِ الشَّيء وحقيقتِهِ. قوله تعالى: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ : هذا استثناءٌ مفرغ فإنَّ «ما» منصوبةٌ بالقول؛ لأنها وما في حيِّزها في تأويلِ مقول. وقدَّر أبو البقاء القول بمعنى الذكر والتأدية. و «ما» يجوزُ أن تكون موصولةً أو نكرةً موصوفةً. قوله تعالى: «أن اعبُدوا» في «أنْ» سبعةُ أوجهٍ: أحدها: أنها مصدرية في محلِّ جر على البدل من الهاء في «به» والتقديرُ: ما قلتُ إلا ما أمرتني بأن اعبدوا، وهذا الوجه سيأتي عليه اعتراض. الثاني: أنها في محلِّ نصبٍ بإضمار «أعني» ، أي: إنه فسَّر ذلك المأمور به. الثالث: أنه في محلِّ نصب على البدل من محلِّ «به» في ﴿ما أمرتني به﴾ لأن محلَّ المجرور نصب. الرابع: أن موضعها رفعٌ على إضمار مبتدأ وهو قريبٌ في المعنى من النصب على البدلِ. الخامس: أنها في محل جر لأنها عطف بيان على الهاء في به. السادس: أنها بدلٌ من «ما» نفسها أي: ما قلت لهم إلا أن اعبدوا. السابع: أنَّ «أنْ» تفسيرية، أجازه ابن عطية والحوفي ومكي. وممن ذهب إلى جواز أنَّ «أنْ» بدلٌ مِنْ «ما» فتكونُ منصوبة المحلِّ أو من الهاء فتكونُ مجرورته أبو إسحق الزجاج، وأجاز أيضاً أن تكون تفسيريةً لا محلَّ لها. وهذه الأوجهُ قد منع بعضها الزمخشري، وأبو البقاء منع منها وجهاً واحداً وهو أن تكون تفسيرية، أما الزمخشري فإنه منع أن تكون تفسيرية إلا بتأويل ذكره وسيأتي، وبدلاً من «ما» أو من الهاء في «به» . قال - رَحِمَهُ اللَّهُ -: «أنْ» في قوله: ﴿أن اعبدوا الله﴾ إنْ جعلتها مفسرةً لم يكن لها بُدٌّ من مفسِّر، والمفسِّر: إما أن يكون فعل القول أو فعل الأمر، وكلاهما لا وجه له؛ أما فعل القول فلأنه يُحْكى بعده الجمل ولا يتوسَّط بينه وبين محكيِّه حرفُ تفسير، وأما فعل الأمر فمستندٌ إلى ضمير الله تعالى، فلو فسَّرْتَه ب ﴿اعبدوا الله ربي وربكم﴾ لم يستقم لأن الله لا يقول: اعبدوا الله ربي وربكم، وإن جعلتها بدلاً لم يخلُ من أن تجعلها بدلاً من «ما» في ﴿ما أمرتني به﴾ ، أو من الهاء في «به» ، وكلاهما غيرُ مستقيم؛ لأنَّ البدل هو الذي يقوم مقام المبدلِ منه، ولا يُقال: ما قلتُ لهم إلا أن اعبدوا الله، أي: ما قلتُ لهم إلا عبادته لأنَّ العبادة لا تقال، وكذلك لو جعلتها بدلاً من الهاء، لأنك لو أقَمْتَ «أن اعبدوا» مقام الهاء [فقلت: إلا ما أمرتني بأن اعبدوا الله] لبقي الموصولُ بغير راجعٍ إليه من صلته، فإن قلت: كيف تصنع؟ قلت: يُحْمل فعلُ القول على معناه، لأنَّ معنى ﴿ما قلت لهم إلا ما أمرتني به﴾ : ما أمرتُهم إلا بما أمرتني به، حتى يستقيم تفسيره ب ﴿أن اعبدوا الله ربي وربكم﴾ ، ويجوزُ أن تكون «أنْ» موصولةً عطفاً على بيانِ الهاء لا بدلاً. وتعقَّب عليه أبو حيان كلامه فقال: «أمَّا قوله وأمَّا فعلُ الأمر إلى آخر المنع [وقوله:» لأنَّ الله لا يقول اعبدوا الله ربي وربكم» فإنما لم يستقمْ لأنه جعل الجملة وما بعدها مضمومةً إلى فعل الأمر، ويستقيم أن يكون فعلُ الأمر مفسَّراً بقوله: «اعبدوا الله» ويكون» ربي وربكم «من كلام عيسى على إضمار» أعني «أي:» أعني ربي وربكم» ، لا على الصفة التي فهمها الزمخشري فلم يستقم ذلك عنده، وأمّا] قوله: «لأن العبادة لا تُقال» فصحيحٌ، لكن يَصِحُّ ذلك على حذفِ مضاف أي: ما قلت لهم إلا القول الذي أمرتني به قول عبادة الله تبارك وتعالى أي: القولَ المتضمن عبادة الله تبارك وتعالى، وأمَّا قوله» لبقي الموصول بغير راجع إليه من صلته «فلا يلزمُ في كل بدل أن يَحُلَّ محلَّ المبدل منه، ألا ترى إلى تجويز النحويين:» زيد مررت به أبي عبد الله» ولو قلت: «زيدٌ مررتُ بأبي عبد الله» لم يجز إلا على رأي الأخفش. وأما قوله: «عطفاً على بيان الهاء» ففيه بُعْد، لأن عطفَ البيانِ أكثرُه بالجوامدِ الأعلامِ. وما اختاره الزمخشري وجوَّزه غيرُه لا يَصِحُّ، لأنها جاءت بعد «إلا» ، وكلُّ ما كان بعد «إلا» المستثنى بها فلا بُدَّ أن يكون له موضعٌ من الإعراب، و «أن» التفسيرية لا موضعَ لها من الإعراب» . انتهى. قال شهاب الدين: أمَّا قوله: «إن ربي وربكم من كلام عيسى» ففي غاية ما يكون من البُعد عن الأفهام، وكيف يفهم ذلك الزمخشري والسياق والمعنى يقودان إلى أنَّ» ربي «تابعٌ للجلالة؟ لا يتبادر للذهن - بل لا يُقْبل - إلا ذلك، وهذا أشدُّ من قولهم» يؤدي إلى تهيئتة العامل للعمل وقطعه عنه «فآل قولُ الشيخ إلى أنَّ» اعبدوا الله «من كلام الله تعالى و» ربي وربكم «من كلام عيسى، وكلاهما مفسِّرٌ ل» أمرتَ «المسند للباري تعالى. وأمَّا قوله» يَصِحُّ ذلك على حذف مضاف «ففيه بعض جودة، وأما قوله:» إنَّ حلول البدل محلَّ المبدل منه غيرُ لازم «واستشهاده بما ذكر فغيرُ مُسَلَّم، لأنَّ هذا معارضٌ بنصِّهم، على أنه لا يجوز» جاء الذي مررت به أبي عبد الله «بجرِّ» عبد الله «بدلاً من الهاء، وعلَّلوه بأنه يلزمُ بقاءُ الموصول بلا عائدٍ، مع أنَّ لنا أيضاً في الربط بالظاهر في الصلة خلافاً قدَّمْتُ التنبيه عليه، ويكفينا كثرةُ قولهم في مسائل:» لا يجوزُ هذا لأن البدل يَحُلُّ محل المبدل منه» فيجعلون ذلك علةً مانعةً، يعرف ذلك من اطلع على كلامهم، قال شهاب الدين رَحِمَهُ اللَّهُ: فلولا خوفُ الإطالة لأوردْتُ منه مسائل شتى. وأمَّا قوله: «وكلُّ ما كان بعد» إلا» المستثنى به إلى آخره «فكلامٌ صحيح لأنها إيجابٌ بعد نفي فيستدعي تسلُّط ما قبلها على ما بعدها. ويجوز في» أنْ» الكسرُ على أصل التقاء الساكنين والضمُّ على الإتباع، وقد تقدَّم تحقيقُه ونسبتُه إلى من قرأ به في قوله: «فَمَنِ اضْطُرَّ» في البقرة [الآية 173] . و «ربي» نعت أو بدل أو بيان مقطوعٌ عن الإتباع رفعاً أو نصباً، فهذه خمسة [أوجهٍ] تقدَّم إيضاحُها. قوله: «شهيداً» خبر «كان» ، و «عليهم» متعلق به، و «ما» مصدريةٌ ظرفيةٌ أي: تتقدَّر بمصدر مضاف إليه زمان، و «دام» صلتها، ويجوز فيها التمامُ والنقصان، فإن كانت تامةً كان معناها الإقامة، ويكون «فيهم» متعلقاً بها، ويجوزُ أن يتعلَّقَ بمحذوف على أنه حال، والمعنى: وكنتُ عليهم شهيداً مدة إقامتي فيهم، فلم يحتج هنا إلى منصوب، وتكون حينئذٍ متصرفةً، وإن كانت الناقصة لزمت لفظ المضيِّ ولم تكتفِ بمرفوع، فيكون «فيهم» في محلِّ نصب خبراً لها، والتقديرُ: مدة دوامي مستقراً فيهم، وقد تقدم أنه يقال: «دِمْتُ تدام» كخِفْتُ تخاف. قوله: ﴿كنت أنت الرقيب عليهم﴾ يجوز في «أنت» أن تكون فصلاً وأن تكون تأكيداً. وقرئ «الرقيبُ» بالرفع على أنه خبر ل «أنت» والجملةُ خبرٌ ل «كان» ، كقول القائل: [الطويل] 2100 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ..... وُكُنْتَ عَلَيْهَا بِالمَلاَ أنْتَ أقْدَرُ وقد تقدَّم اشتقاق «الرقيب» . و «عليهم» معلَّقٌ به. و «على كلِّ شيء» متعلِّقٌ ب «شهيد» قُدِّمَ للفاصلة. فصل معنى الكلام ﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً﴾ أي: كنتُ أشْهَدُ على ما يَفْعَلُون، ما دمتُ مُقِيماً فيهم، «فلمَّا تَوَفَّيْتَنِي» والمرادُ منهُ: الوفاةُ بالرَّفعِ إلى السَّماءِ من قوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: 55] . و ﴿كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ ، قال الزجاج: الحَافِظُ عليهم بَعْد مُفارقَتِي عَنْهُم. فالشَّهِيدُ: المُشاهِد، ويجُوزُ حَمْلُه على الرُّؤيَة، ويجُوزُ حَمْلُهُ على العِلْمِ، ويجُوزُ حَمْلُه على الكلامِ بمعنى الشَّهَادَة، فالشَّهِيدُ من أسْمَاء الصِّفَاتِ الحَقِيقيَّةِ على جَمِيع التَّقْدِيرَاتِ.

المائدة 5:117

اختلَفُوا في هذا القَوْلِ، هَلْ وقع وانْقَضَى، أو سيقع يوم القيامة؟ على قولين: الأول: قال بعضُهم: لمَّا رفعهُ إليه، قال له ذلك، وعلى هذا ف «إذْ» و «قَالَ» على موضوعهما منَ المُضِيِّ، وهو الظاهر، وقال بعضُهم: سيقولُه له يَوْمَ القيامة؛ لقوله - تبارك وتعالى قبله ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرسل﴾ [المائدة: 109] [الآية] ، وقوله بعد هذا: ﴿يَوْمُ يَنفَعُ الصادقين صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: 119] وعلى هذا ف «إذْ» ، و «قَالَ» بمعنى «يَقُولُ» ، وكونُها بمعنى «إذَا» أهونُ من قول أبي عُبَيْدٍ: إنها زائدةٌ؛ لأنَّ زيادةَ الأسماء ليْسَتْ بالسهلة. قوله: «أأنْتَ قُلْتَ» دخلت الهمزةُ على المبتدأ؛ لفائدةٍ ذكرها أهل البيان، وهو: أن الفعل إذا عُلِمَ وجودُهُ، وشُكَّ في نسبته إلى شخص، أولِيَ الاسْمُ المشكوكُ في نسبة الفعْلِ إليه للهمْزة، فيقال: «أأنْتَ ضَرْبٌ زَيْداً» ، فَضَرْبُ زَيْدٍ قد صدر في الوجود، وإنما شُكَّ في نسبته إلى المخاطَبِ، وإنْ شُكَّ في أصل وقوعِ الفعلِ، أولِيَ الفعلُ للهمزة، فيقال: «أضَرَبْتَ زَيْداً» ، لم تَقْطع بوقوعِ الضرب، بل شَكَكْتَ فيه، والحاصلُ: أنَّ الهمزةَ يليها المشكوكُ فيه، فالاستفهامُ في الآية الكريمة يُراد به التقريعُ والتوبيخ لغير عيسى - عليه السلام - وهم المتَّخِذُون له ولأمِّه إلهَيْنِ، دخل على المبتدأ لهذا المعنى الذي ذكرناه؛ لأن الاتخاذَ قد وقع ولا بُدَّ، واللام في «للنَّاس» للتبليغِ فقط، و «اتَّخِذُوني» يجوز أن تكون بمعنى «صَيَّرَ» ، فتتعدَّى لاثنين، ثانيهما «إلَهَيْنِ» ، وأن تكونَ المتعدية لواحدٍ ف «إلَهَيْنِ» حالٌ، و ﴿مِن دُونِ الله﴾ فيه وجهان: أظهرهما: أنه متعلقٌ بالاتخاذ، وأجاز أبو البقاء - رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى - وبه بدأ - أن يكون متعلِّقاً بمحذوفٍ؛ على أنه صفةٌ ل «إلَهَيْنِ» . فإن قيل: كَيْفَ يَلِيقُ الاسْتِفْهَامُ بعلاَّمِ الغُيُوب؛ وأيضاً النَّصَارَى لا يَقُولُون بإلهِيَّة عيسى [- عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - ومريم] . فالجوابُ عن الأول: أنَّه على سبيلِ الإنْكَارِ، وقَصْدُ هذا السُّؤال تَعْرِيفُهُ أنَّ قَوْمَهُ غيرُوا بعده، وادَّعَوْا عليه مَا لَمْ يَقُلْهُ. والجوابُ عن الثَّانِي: أنَّ النَّصَارى يَعْتَقِدُون أنَّ المُعْجِزَات الَّتِي ظَهَرَتْ على يَدِ عيسى - عليه الصَّلاة والسَّلام - ومَرْيَم - عليها السَّلام - لم يَخْلُقْهَا الله تعالى، بل عيسى ابن مريم - عليهما الصَّلاة والسَّلام - فاللَّهُ ليس خَالِقُهمَا، فصحَّ أنهُم أثْبَتُوا في حَقِّ بَعْضِ الأشْيَاء كون عيسى - عليه السلام - ومريم إلهيْنِ من دُون الله، [مع أنَّ اللَّه لَيْس إلهاً لَهُ] ، فصحَّ بهذا التَّأويلِ هذه الحِكايَةُ. وقال القُرْطُبِي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: فإن قيل: النَّصَارَى لم يَتَّخِذُوا مَرْيَمَ إلهاً، فكَيْفَ قال ذَلِكَ فيهم؟ . فقيل: لمَّا كان من قَولِهِمْ أنَّهَا لَمْ تَلِدْ بَشَراً، وإنَّما وَلَدَتْ إلهاً، لَزِمَهُم أنْ يقُولُوا: إنَّها لأجْل البَعْضِيَّة بمثابة من ولدَتْه، فصارُوا حين لزمهُم ذلك بمثابَةِ القائِلين لهُ. فإن قيل: إنَّهُ - تبارك وتعالى - إن كان عَالِماً بعيسى - عليه الصَّلاة والسَّلامُ - لم يَقُلْ ذلك، فلم خاطَبَهُ به؟ فإن قُلْتُم: الغَرَضُ مِنْهُ تَوْبِيخُ النَّصَارى وتَقْرِيعُهُم، فنقُولُ: إنَّ أحَداً من النَّصَارى لَمْ يَذْهَبْ إلى القَوْلِ بإلهيَّةِ عيسى ومريم مع القول بنَفْي إلهيَّةِ الله تعالى، فكيْفَ يجُوزُ أن يُنْسَبَ هذا القوْلُ إليْهِمْ، مع أنَّ أحَداً منهم لَمْ يَقُلْ به؟ . فالجوابُ: أنَّ الله تعالى أرَادَ أنَّ عيسى يُقِرُّ على نَفْسِهِ بالعُبُودِيَّةِ فَيَسْمع قَوْمُهُ، ويَظْهَرُ كذبُهُمْ عليه أنَّه أمَرَهُم بذلك. قوله: «سُبْحَانَك» أي: تنزيهاً لك، وتقدَّم الكلام عليه في البقرة [الآية: 32] ، ومتعلَّقُه محذوفٌ، فقدَّره الزمخشريُّ: «سُبْحانَكَ مِنْ أن يكُونَ لك شَرِيكٌ» ، وقدَّره ابن عطية: «عَنْ أنْ يُقالَ هذا، ويُنْطَقَ به» ورجَّحَهُ أبو حيان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - لقوله بَعْدُ: ﴿مَا يَكُونُ لي أَنْ أَقُولَ﴾ . قوله: «أنْ أقُولَ» في محلِّ رفع؛ لأنه اسمُ «يكُونُ» ، والخبرُ في الجارِّ قبله، أي: ما يَنْبَغِي لي قولُ كذا، و «مَا» يجوزُ أن تكون موصولةً أو نكرةً موصوفةً، والجملةُ بعدها صلةٌ؛ فلا محلَّ لها، أو صفةٌ، فمحلُّها النصبُ، فإنَّ «مَا» منصوبةٌ ب «أقُولَ» نصب المفعول به؛ لأنها متضمِّنةٌ لجملة، فهو نظيرُ «قُلْتُ كلاماً» ، وعلى هذا فلا يحتاج أن يؤوَّل «أقُولَ» بمعنى «أدَّعِي» أو «أذْكُرَ» ، كما فعله أبو البقاء رَحِمَهُ اللَّهُ وفي «لَيْسَ» ضميرٌ يعودُ على ما هو اسمها، وفي خبرها وجهان: أحدهما: أنه «لِي» ، أي: ما لَيْسَ مستقرّاً لي وثابتاً، وأمَّا «بِحَقٍّ» على هذا، ففيه ثلاثةُ أوجه، ذكر أبو البقاء منها وجهين: أحدهما: أنه حالٌ من الضمير في «لي» . قال: والثاني: أن يكون مفعولاً به، تقديره: ما ليس يَثْبُتُ لي بسببِ حقٍّ، والباءُ متعلِّقةٌ بالفعلِ المحذُوف، لا بنفسِ الجارِّ؛ لأنَّ المعانِيَ لا تعملُ في المفعول به. قال شهاب الدين: وهذا ليْسَ بجيِّدٍ؛ لأنه قدَّر متعلَّقَ [الخبر كوناً مقيَّداً، ثم حذفه، وأبقى معموله. الوجه الثالث: أنَّ قوله «بحَقٍّ» متعلقٌ] بقوله: «عَلِمْتَهُ» ، ويكون الوقْفُ على هذا على قوله «لِي» ، والمعنى: فققد عَلِمْتَهُ بِحَقٍّ، [وقد رُدَّ] هذا بأنَّ الأصْل عدمِ التقديم والتأخير، وهذا لا ينبغي أن يُكتفى به في ردِّ هذا، بل الذي منه من ذلك: أنَّ معمول الشرط أو جوابه لا يتقدَّم على أداة الشرط، لا سيَّما والمَرْوِيُّ عن الأئمةِ القُرَّاءِ الوقفُ على «بِحَقٍّ» ، ويَبْتَدئُونَ ب ﴿إِن كُنتُ قُلْتُهُ﴾ ، وهذا مَرْوِيٌّ عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فوجَبَ اتِّباعه. والوجه الثاني في خبر «لَيْسَ» : أنه «بِحَقٍّ» ، وعلى هذا، ففي «لِي» ثلاثةُ أوجه: أحدها: أنه «يَتَبيَّنُ» ؛ كما في قولهم: «سُقْياً لَهُ» ، أي: فيتعلَّقُ بمحذوف. والثاني: أنه حالٌ من «بِحَقٍّ» ؛ لأنه لو تأخَّر، لكان صفةً له، قال أبو البقاء: «وهذا مُخَرَّجٌ على قول من يجُوِّزُ تقديم حال المجرُورِ عليه» [قلتُ: قد تقدَّم لك خلافُ النَّاسِ فيه] ، وما أوردوه من الشواهد، وفيه أيضاً تقديمُ الحالِ على عاملها المعنويِّ، فإنَّ « بِحَقٍّ» هو العاملُ؛ إذ «لَيْسَ» لا يجوز أن تعمل في شيء، وإن قلنا: إنَّ «كان» أختها قد تعمل لأن «لَيْسَ» لا حدثَ لها بالإجماع. والثالث: أنه متعلِّقٌ بنفسِ «حَقّ» ؛ لأنَّ الباءَ زائدةٌ، و «حَقّ» بمعنى «مُسْتَحقّ» ، أي: ما لَيْسَ مستحِقًّا لي. فصل اعلم: أنَّه - تبارك وتعالى - لما سَألَ عيسى - عليه السلام - أنَّكَ هَلْ قُلتَ للنَّاسِ ذلك؟ لم يَقُلْ عيسى بأنِّي قُلْتُ، أو: ما قُلْتُ، بل قال: ما يكونُ لي أنْ أقُولَ هذا الكلام، وبدأ بالتَّسْبِيح قبل الجواب لأمرين: أحدهما: تَنْزِيهاً لَهُ على أنْ يُضيفَ إليه. والثاني: خُضُوعاً لِعِزَّتِه، وخَوْفاً من سَطْوتِهِ. ثُمَّ قال: ﴿مَا يَكُونُ لي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ أي: أن أدَّعِي لِنَفْسِي بما ليس من حقِّها يعني: أنِّي مَرْبُوبٌ ولسْتُ بِرَبٍّ، وعَابِدٌ، ولسْتُ بِمَعْبُودٍ، ولمَّا بيَّن أنَّه ليس له أنْ يقول هذا الكلام، شَرَعَ في بيانِ أنَّهُ هَلْ وقع منه هذا القولُ أمْ لا؟ ولمْ يَقُلْ بأنِّي ما قُلْتُه، بل فوَّضَه إلى علمه تعالى المحيط بالكُلِّ، فقال: «إن كُنْتُ قُلْتُهُ فقدْ عَلِمْتَه بعلْمِكَ» ، وهذا مُبالغَةٌ في الأدبِ، وفِي إظهَارِ الذِّلَةِ والمَسْكَنَةِ في حَضْرَةِ الخلاَّقِ، وتَفْوِيض الأمْرِ بالكُلِّيَّةِ إلى الحقِّ - سُبحانَهُ وتعالى -. قوله: ﴿إن كنت قلته﴾ : «كنت» وإن كانت ماضية اللفظ فهي مستقبلة في المعنى، والتقدير: إن تَصِحَّ دعواي لما ذُكر، وقدَّره الفارسي بقوله: «إن أكن الآن قلتُه فيما مضى» لأنَّ الشرط والجزاء لا يقعان إلا في المستقبل. وقوله: «فقد عَلِمْتَ» أي: فقد تبيَّن وظهر علمُك به كقوله: ﴿فَصَدَقَتْ﴾ [يوسف: 26] و ﴿فَكَذَبَتْ﴾ [يوسف: 27] و ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النار﴾ [النمل: 90] . قوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الغيوب﴾ . قوله: ﴿تعلمُ ما في نفسي﴾ هذه لا يجوزُ أن تكونَ عرفانيةً، لأنَّ العرفان كما تقدم يستدعي سَبْقَ جهل، أو يُقْتَصَرُ به على معرفةِ الذات دونَ أحوالها حَسْبَ ما قاله الناس، فالمفعولُ الثاني محذوفٌ، أي: تعلمُ ما في نفسي كائناً موجوداً على حقيقته لا يخفى عليك منه شيءٌ، وأمَّا: «ولا أعلم» فهي وإن كان يجوزُ أن تكون عرفانيةً، إلا أنها لمَّا صارت مقابلةً لما قبلها ينبغي أن يكون مثلها، والمرادُ بالنفس هنا ما قاله الزجاج أنها تُطْلقُ ويُراد بها حقيقةُ الشيء، والمعنى في قوله ﴿تعلم ما في نفسي﴾ إلى آخره واضحٌ. وقال: المعنى: تعلمُ ما أخفيه من سِرِّي وغيبي، أي: ما غابَ ولم أظْهِرْه، ولا أعلمُ ما تُخْفيه أنت ولا تُطْلِعُنا عليه، فذكر النفس مقابلةً وازدواجاً، وهذا منتزع من قول ابن عباس، وعليه حام الزمخشري رَحِمَهُ اللَّهُ فإنه قال: «تعلمُ معلومي ولا أعلمُ معلومك» ، وأتى بقوله: ﴿ما في نفسك﴾ على جهةَ المقابلةِ والتشاكلِ [لقوله: «ما في نفسي» فهو] كقوله: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ الله﴾ [آل عمران: 54] ، وكقوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ الله يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ﴾ [البقرة: 14، 15] . وقيل: المعنى: تعلمُ ما عندِي ولا أعلمُ ما عندكَ. وقيل: تعلمُ ما في الدُّنْيَا، ولا أعلمُ ما يكونُ مِنْكَ في الآخِرَة. وقيل: تعلمُ بما أقُولُ وأفْعلُ، ولا أعْلَمُ بما تقول وتفعل ﴿إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الغيوب﴾ وهذا تأكيدٌ للجملتَيْنِ المُتقدِّمتَيْنِ. وتمسَّكتِ المُجسِّمَةُ بقوله «بِمَا في نفْسِكَ» ، وقالوا: النَّفْسُ إنَّما تكون في الشَّخْصِ. وأجيبُوا: بأنَّ النَّفْسَ عبارة عن الذاتِ، يقال: نَفْسُ الشَّيء وذاته بمعنى واحد، وأيضاً المراد: تعلم معْلُومِي ولا أعلم معلُومَك، ولكنَّه ذكر هذا الكلامَ على طريقِ المُقابلةِ والمُشاكلةِ. قال الزَّجاج: النَّفْسُ عبارةٌ عن جُمْلَةِ الشَّيء وحقيقتِهِ. قوله تعالى: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ : هذا استثناءٌ مفرغ فإنَّ «ما» منصوبةٌ بالقول؛ لأنها وما في حيِّزها في تأويلِ مقول. وقدَّر أبو البقاء القول بمعنى الذكر والتأدية. و «ما» يجوزُ أن تكون موصولةً أو نكرةً موصوفةً. قوله تعالى: «أن اعبُدوا» في «أنْ» سبعةُ أوجهٍ: أحدها: أنها مصدرية في محلِّ جر على البدل من الهاء في «به» والتقديرُ: ما قلتُ إلا ما أمرتني بأن اعبدوا، وهذا الوجه سيأتي عليه اعتراض. الثاني: أنها في محلِّ نصبٍ بإضمار «أعني» ، أي: إنه فسَّر ذلك المأمور به. الثالث: أنه في محلِّ نصب على البدل من محلِّ «به» في ﴿ما أمرتني به﴾ لأن محلَّ المجرور نصب. الرابع: أن موضعها رفعٌ على إضمار مبتدأ وهو قريبٌ في المعنى من النصب على البدلِ. الخامس: أنها في محل جر لأنها عطف بيان على الهاء في به. السادس: أنها بدلٌ من «ما» نفسها أي: ما قلت لهم إلا أن اعبدوا. السابع: أنَّ «أنْ» تفسيرية، أجازه ابن عطية والحوفي ومكي. وممن ذهب إلى جواز أنَّ «أنْ» بدلٌ مِنْ «ما» فتكونُ منصوبة المحلِّ أو من الهاء فتكونُ مجرورته أبو إسحق الزجاج، وأجاز أيضاً أن تكون تفسيريةً لا محلَّ لها. وهذه الأوجهُ قد منع بعضها الزمخشري، وأبو البقاء منع منها وجهاً واحداً وهو أن تكون تفسيرية، أما الزمخشري فإنه منع أن تكون تفسيرية إلا بتأويل ذكره وسيأتي، وبدلاً من «ما» أو من الهاء في «به» . قال - رَحِمَهُ اللَّهُ -: «أنْ» في قوله: ﴿أن اعبدوا الله﴾ إنْ جعلتها مفسرةً لم يكن لها بُدٌّ من مفسِّر، والمفسِّر: إما أن يكون فعل القول أو فعل الأمر، وكلاهما لا وجه له؛ أما فعل القول فلأنه يُحْكى بعده الجمل ولا يتوسَّط بينه وبين محكيِّه حرفُ تفسير، وأما فعل الأمر فمستندٌ إلى ضمير الله تعالى، فلو فسَّرْتَه ب ﴿اعبدوا الله ربي وربكم﴾ لم يستقم لأن الله لا يقول: اعبدوا الله ربي وربكم، وإن جعلتها بدلاً لم يخلُ من أن تجعلها بدلاً من «ما» في ﴿ما أمرتني به﴾ ، أو من الهاء في «به» ، وكلاهما غيرُ مستقيم؛ لأنَّ البدل هو الذي يقوم مقام المبدلِ منه، ولا يُقال: ما قلتُ لهم إلا أن اعبدوا الله، أي: ما قلتُ لهم إلا عبادته لأنَّ العبادة لا تقال، وكذلك لو جعلتها بدلاً من الهاء، لأنك لو أقَمْتَ «أن اعبدوا» مقام الهاء [فقلت: إلا ما أمرتني بأن اعبدوا الله] لبقي الموصولُ بغير راجعٍ إليه من صلته، فإن قلت: كيف تصنع؟ قلت: يُحْمل فعلُ القول على معناه، لأنَّ معنى ﴿ما قلت لهم إلا ما أمرتني به﴾ : ما أمرتُهم إلا بما أمرتني به، حتى يستقيم تفسيره ب ﴿أن اعبدوا الله ربي وربكم﴾ ، ويجوزُ أن تكون «أنْ» موصولةً عطفاً على بيانِ الهاء لا بدلاً. وتعقَّب عليه أبو حيان كلامه فقال: «أمَّا قوله وأمَّا فعلُ الأمر إلى آخر المنع [وقوله:» لأنَّ الله لا يقول اعبدوا الله ربي وربكم» فإنما لم يستقمْ لأنه جعل الجملة وما بعدها مضمومةً إلى فعل الأمر، ويستقيم أن يكون فعلُ الأمر مفسَّراً بقوله: «اعبدوا الله» ويكون» ربي وربكم «من كلام عيسى على إضمار» أعني «أي:» أعني ربي وربكم» ، لا على الصفة التي فهمها الزمخشري فلم يستقم ذلك عنده، وأمّا] قوله: «لأن العبادة لا تُقال» فصحيحٌ، لكن يَصِحُّ ذلك على حذفِ مضاف أي: ما قلت لهم إلا القول الذي أمرتني به قول عبادة الله تبارك وتعالى أي: القولَ المتضمن عبادة الله تبارك وتعالى، وأمَّا قوله» لبقي الموصول بغير راجع إليه من صلته «فلا يلزمُ في كل بدل أن يَحُلَّ محلَّ المبدل منه، ألا ترى إلى تجويز النحويين:» زيد مررت به أبي عبد الله» ولو قلت: «زيدٌ مررتُ بأبي عبد الله» لم يجز إلا على رأي الأخفش. وأما قوله: «عطفاً على بيان الهاء» ففيه بُعْد، لأن عطفَ البيانِ أكثرُه بالجوامدِ الأعلامِ. وما اختاره الزمخشري وجوَّزه غيرُه لا يَصِحُّ، لأنها جاءت بعد «إلا» ، وكلُّ ما كان بعد «إلا» المستثنى بها فلا بُدَّ أن يكون له موضعٌ من الإعراب، و «أن» التفسيرية لا موضعَ لها من الإعراب» . انتهى. قال شهاب الدين: أمَّا قوله: «إن ربي وربكم من كلام عيسى» ففي غاية ما يكون من البُعد عن الأفهام، وكيف يفهم ذلك الزمخشري والسياق والمعنى يقودان إلى أنَّ» ربي «تابعٌ للجلالة؟ لا يتبادر للذهن - بل لا يُقْبل - إلا ذلك، وهذا أشدُّ من قولهم» يؤدي إلى تهيئتة العامل للعمل وقطعه عنه «فآل قولُ الشيخ إلى أنَّ» اعبدوا الله «من كلام الله تعالى و» ربي وربكم «من كلام عيسى، وكلاهما مفسِّرٌ ل» أمرتَ «المسند للباري تعالى. وأمَّا قوله» يَصِحُّ ذلك على حذف مضاف «ففيه بعض جودة، وأما قوله:» إنَّ حلول البدل محلَّ المبدل منه غيرُ لازم «واستشهاده بما ذكر فغيرُ مُسَلَّم، لأنَّ هذا معارضٌ بنصِّهم، على أنه لا يجوز» جاء الذي مررت به أبي عبد الله «بجرِّ» عبد الله «بدلاً من الهاء، وعلَّلوه بأنه يلزمُ بقاءُ الموصول بلا عائدٍ، مع أنَّ لنا أيضاً في الربط بالظاهر في الصلة خلافاً قدَّمْتُ التنبيه عليه، ويكفينا كثرةُ قولهم في مسائل:» لا يجوزُ هذا لأن البدل يَحُلُّ محل المبدل منه» فيجعلون ذلك علةً مانعةً، يعرف ذلك من اطلع على كلامهم، قال شهاب الدين رَحِمَهُ اللَّهُ: فلولا خوفُ الإطالة لأوردْتُ منه مسائل شتى. وأمَّا قوله: «وكلُّ ما كان بعد» إلا» المستثنى به إلى آخره «فكلامٌ صحيح لأنها إيجابٌ بعد نفي فيستدعي تسلُّط ما قبلها على ما بعدها. ويجوز في» أنْ» الكسرُ على أصل التقاء الساكنين والضمُّ على الإتباع، وقد تقدَّم تحقيقُه ونسبتُه إلى من قرأ به في قوله: «فَمَنِ اضْطُرَّ» في البقرة [الآية 173] . و «ربي» نعت أو بدل أو بيان مقطوعٌ عن الإتباع رفعاً أو نصباً، فهذه خمسة [أوجهٍ] تقدَّم إيضاحُها. قوله: «شهيداً» خبر «كان» ، و «عليهم» متعلق به، و «ما» مصدريةٌ ظرفيةٌ أي: تتقدَّر بمصدر مضاف إليه زمان، و «دام» صلتها، ويجوز فيها التمامُ والنقصان، فإن كانت تامةً كان معناها الإقامة، ويكون «فيهم» متعلقاً بها، ويجوزُ أن يتعلَّقَ بمحذوف على أنه حال، والمعنى: وكنتُ عليهم شهيداً مدة إقامتي فيهم، فلم يحتج هنا إلى منصوب، وتكون حينئذٍ متصرفةً، وإن كانت الناقصة لزمت لفظ المضيِّ ولم تكتفِ بمرفوع، فيكون «فيهم» في محلِّ نصب خبراً لها، والتقديرُ: مدة دوامي مستقراً فيهم، وقد تقدم أنه يقال: «دِمْتُ تدام» كخِفْتُ تخاف. قوله: ﴿كنت أنت الرقيب عليهم﴾ يجوز في «أنت» أن تكون فصلاً وأن تكون تأكيداً. وقرئ «الرقيبُ» بالرفع على أنه خبر ل «أنت» والجملةُ خبرٌ ل «كان» ، كقول القائل: [الطويل] 2100 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ..... وُكُنْتَ عَلَيْهَا بِالمَلاَ أنْتَ أقْدَرُ وقد تقدَّم اشتقاق «الرقيب» . و «عليهم» معلَّقٌ به. و «على كلِّ شيء» متعلِّقٌ ب «شهيد» قُدِّمَ للفاصلة. فصل معنى الكلام ﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً﴾ أي: كنتُ أشْهَدُ على ما يَفْعَلُون، ما دمتُ مُقِيماً فيهم، «فلمَّا تَوَفَّيْتَنِي» والمرادُ منهُ: الوفاةُ بالرَّفعِ إلى السَّماءِ من قوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: 55] . و ﴿كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ ، قال الزجاج: الحَافِظُ عليهم بَعْد مُفارقَتِي عَنْهُم. فالشَّهِيدُ: المُشاهِد، ويجُوزُ حَمْلُه على الرُّؤيَة، ويجُوزُ حَمْلُهُ على العِلْمِ، ويجُوزُ حَمْلُه على الكلامِ بمعنى الشَّهَادَة، فالشَّهِيدُ من أسْمَاء الصِّفَاتِ الحَقِيقيَّةِ على جَمِيع التَّقْدِيرَاتِ.

المائدة 5:118

فيه سؤالٌ: وهُو أنَّهُ كيف طلبَ المغفِرَة وهم كُفَّارٌ، واللَّهُ لا يغْفِرُ الشِّرْكَ؟ والجوابُ من وُجُوه: الأول: أنَّهُ تعالى لمَّا قال لعيسى - عليه الصَّلاة والسَّلام -: ﴿أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمِّيَ إلهين مِن دُونِ الله﴾ [المائدة: 116] ، عَلِمَ أنَّ قوماً من النَّصَارى حَكوا هذا الكلام عَنْهُ والحَاكِي هذا الكُفر لا يكُون كَافِراً، بل مُذْنِباً بكذبِهِ في هذه الحكايَةِ، وغُفْرَانُ الذَّنْبِ جَائِزٌ، فلهذا طلبَ المَغْفِرَة. والثاني: أنَّهُ يجُوزُ من الله - تعالى - أنْ يدخل الكُفَّارَ الجنَّة، ويدخل الزُّهَّاد النَّار؛ لأنَّ المُلْكَ مُلْكُهُ، ولا اعْتِرَاض لأحدٍ عليه، فكان غَرَضُ عيسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - بهذا الكلامِ تَفْويض الأمُور كُلّها إلى الله - تعالى، وترك الاعْتِرَاض بالكُلِّيَّةِ، ولذَلِك ختم الكلام بقوله ﴿فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم﴾ أي: القادرُ على ما تُريدُ، الحكيم فيما تفعل لا اعتراض لأحد عليْكَ، وما أحسن ما قِيلَ: فإن أتَيْتُ ذَنْباً عظِيماً فأنْتَ للعَفْوِ أهْلٌ، فإن غَفَرْتَ، ففضلٌ، وإن جَزَيْتَ فعَدْلٌ. الثالث: معناهُ: «إن تُعذِّبْهُم» بإقامَتِهِم على كُفْرِهِمْ، و ﴿وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ بعد الإيمان، وهذا مستقيم على قَوْلِ السديِّ [رَحِمَهُ اللَّهُ] : إنَّ هذا السُّؤالَ عند رفعِهِ إلى السَّمَاءِ قَبْلَ يَوْمِ القِيَامَةِ؛ لأن الإيمان لا يَنْفَعُ في القِيَامةِ. الرابع: قيل هذا في فِرْقَتَيْنِ منهم، معناه: إن تُعذِّب مَنْ كفرَ مِنْهُم، وإن تغفر لِمَنْ آمَنَ منهم. قال القُرْطُبِي -[رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى]- في الجوابِ عن هذا السُّؤال، بأنَّه قال ذَلِكَ على وَجْهِ الاسْتِعْطَافِ لَهُمْ والرَّأفَة، كعطف السَّيِّد لِعَبْدِه، ولهذا لم يَقُلْ: فإنْ عَصَوْكَ. وقيل: قالهُ على وجْهِ التَّسليم لأمْرِه، والاسْتِجَارة من عَذَابه، وهو يَعْلَمُ أنَّهُ لا يَغْفِرُ لِكَافِرٍ. وأمَّا قول من قال: إنَّ عيسى - عليه السَّلام - لا يَعْلَمُ أنَّ الكَافِرَ لا يُغْفَرُ له، فقولُ من يَتَجَرَّأ على كتابِ الله - تبارك وتعالى -؛ لأن الأخْبَارَ من الله - تبارك وتعالى - لا تُنْسَخُ. وقيل: كان عند عيسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - أنَّهم أحْدَثُوا معَاصِي وعَمِلُوا بَعْدَهُ بما لم يأمُرْهُم به، إلاَّ أنَّهُم على عَمُودِ دينِهِ، فقال: ﴿وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ ما أحْدَثُوا بَعْدِي من المَعَاصِي. قوله: ﴿فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم﴾ : تقدَّم نظيره [البقرة 32] ، وهي في قراءةِ الناس ومصاحفهم «العزيزُ الحكيم» ، وفي مصحف ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وقرأ بها جماعة: «الغفورُ الرحيم» ، وقد عبث بعض من لا يفهم كلام العرب بهذه الآية، وقال: «إنما كان المناسب ما في مصحف ابن مسعود» وخَفِي عليه أنَّ المعنى متعلق بالشرطين جميعاً، ويوضِّح هذا ما قاله أبو بكر بن الأنباري، فإنه نَقَلَ هذه القراءة عن بعض الطاعنين ثم قال: ومتى نُقِل إلى ما قاله هذا الطاعن ضَعُفَ معناه، فإنه ينفرد «الغفور الرحيم» بالشرط الثاني ولا يكون له بالشرط الأول تعلُّقٌ، وهو على ما أنزل الله وعلى ما أجمع على قراءته المسلمون معروف بالشرطين كليهما: أولهما وآخرهما، إذ تلخيصه: إنْ تعذبهم فإنك أنت العزيز الحكيم، وإن تغفرْ لهم فأنت العزيزُ الحكيم في الأمرين كليهما من التعذيب والغفران، فكأنَّ «العزيز الحكيم» أليقُ بهذا المكان لعمومه وأنه يجمع الشرطين، ولم يصلُحْ «الغفور الرحيم» أنْ يحتمل من العموم ما احتمله «العزيز الحكيم» . قال شهاب الدين رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: وكلامُه فيه دقةٌ، وذلك أنه لا يريد بقوله «إنه معروف بالشرطين إلى آخره» أنه جوابٌ لهما صناعةً، لأنَّ ذلك فاسدٌ من حيث الصناعةُ العربية؛ فإنَّ الأول قد أخذ جوابه وهو «فإنهم عبادُك» وهو جوابٌ مطابقٌ فإنَّ العبدَ قابل ليصرفه سيدُه كيف شاء، وإنما يريد بذلك أنه متعلق بهما من جهة المعنى. فصل قوله: ﴿فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم﴾ قيل: فيه تَقْدِيمٌ وتأخِيرٌ تقديرُهُ: وإنْ تغفِرْ لهم فإنَّهُم عبادُكَ، وإن تُعذِّبْهُم، فإنَّك أنْتَ العزيزُ في المُلْكِ، الحكيمُ في القضاءِ، لا يَنْقُصُ من عزِّك شَيءٌ، ولا يَخْرجُ عَنْ حُكْمِكَ، ويدخُلُ في حُكْمِهِ، وسِعَتْ رَحْمَتُهُ مَغْفِرةُ الكُفَّارِ، ولكِنَّه أخْبَرَ أنَّه لا يَغْفِرُ لَهُمْ، وهُوَ لا يُخلِفُ خَبَرهُ. روى عَمْرُو بنُ العَاصِ: «أنَّ النبيَّ - عليه الصَّلاة والسَّلام - تَلاَ قولَهُ تبارك وتعالى: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ الناس فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [إبراهيم: 36] الآية، وقول عيسى - عليه السَّلام:» إنْ تُعَذِّبْهُم فإنَّهُمْ عِبَادُك وإنْ تَغْفِرْ لَهُم فإنَّك أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ» ، فرفعَ يَديهِ وقال: «اللَّهُمَّ أمَّتِي، اللَّهُمَّ أمَّتِي» فقال اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: يا جِبْريلُ اذْهَبْ إلى مُحَمَّدٍ - عليه الصَّلاة والسَّلام - وَرَبُّكَ أعْلَمُ، فسله ما يُبْكِيه، فأتَاهُ جِبْرِيلُ فسألَه، فأخْبَرَهُ رَسُولُ الله، فقال اللَّهُ: يا جبريلُ اذهبْ إلى رسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فأخْبِرْهُ وقلْ لَهُ إنَّا سَنُرْضِيكَ في أمَّتِكَ وَلاَ نَسُوءُكَ» .

المائدة 5:119

قرأ الجمهور «يومُ» بالرفع تنوين، ونافع بالنصب من غير تنوين واختاره أبو عبيدة ونقل الزمخشري عن الأعمش «يوماً» بنصبه منوناً، وابن عطية عن الحسن بن عياش الشامي: «يوم» برفعه منوناً، فهذه أربع قراءات. فأما قراءة الجمهور فواضحةٌ على المبتدأ والخبر، والجملةُ في محل نصب بالقول. وأمَّا قراءة نافع ففيها أوجه، أحدها: أنَّ «هذا» مبتدأ، و «يوم» خبره كالقراءة الأولى، وإنما بُنِي الظرفُ لإضافته إلى الجملة الفعلية وإن كانت معربةً، وهذا مذهب الكوفيين، واستدلُّوا عليه بهذه القراءةِ، وأمَّا البصريون فلا يجيزون البناء إلا إذا صُدِّرت الجملةُ المضافُ إليها بفعلٍ ماضٍ، وعليه قولُ النابغة: [الطويل] 2101 - عَلَى حينَ عَاتَبْتُ المشِيبَ على الصِّبَا ... فَقُلْتُ: ألَمَّا أصْحُ والشَّيْبُ وَازعُ وخَرَّجوا هذه القرءاة على أن «يوم» منصوبٌ على الظرف، وهو متعلق في الحقيقة بخبر المبتدأ أي: هذا واقعٌ أو يقع في يوم ينفع، فيستوي هذا مع تخريج القراءة الأولى والثانية أيضاً في المعنى. ومنهم من خرَّجه على أنَّ «هذا» منصوبٌ ب «قال» ، وأشير به إلى المصدر فنصبه على المصدر، وقيل: بل أشير به إلى الخبر والقِصَص المتقدمةِ فيجري في نصبه خلافٌ: هل هو منصوبٌ نصب المفعول به أو نصبَ المصادر؟ لأنه متى وقع بعد القول ما يُفْهم كلاماً نحو: «قلت شعراً وخطبة» جَرَى فيه هذا الخلاف، وعلى كلِّ تقدير ف «يوم» منصوبٌ على الظرف ب «قال» أي: قال الله هذا القولَ أو هذه الأخبارَ في وقتِ نفع الصادقين، و «ينفع» في محلِّ خفضٍ بالإضافة، وقد تقدَّم ما يجوزُ إضافتُه إلى الجمل وأنه أحد ثلاثةِ أشياء. وأمَّا قراءة التنوين فرفعه على الخبريةِ كقراءة الجماعة، ونصبُه على الظرفِ كقراءة نافع، إلا أنَّ الجملةَ بعده في القراءتين في محل الوصفِ لما قبلها، والعائدُ محذوفٌ، وهي نظيرَُ قوله تعالى: ﴿واتقوا يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً﴾ [البقرة: 48] ، فيكونُ محلُّ هذه الجملة إما رفعاً أو نصباً. قوله: «صِدْقُهم» مرفوع بالفاعلية، وهذه قراءة العامة، وقُرِئ شاذاً بنصبه وفيه أربعة أوجه، أحدها: أنه منصوب على المفعول من أجله أي: ينفعهم لأجلِ صدقهم، ذكر ذلك أبو البقاء، وتبعه أبو حيان وهذا لا يجوزُ لأنه فات شرطٌ من شروط النصب، وهو اتحاد الفاعل، فإنَّ فاعلَ النفع غيرُ فاعل الصدقِ، وليس لقائلٍ أن يقول: «يُنْصب بالصادقين فكأنه قيل: الذين يَصْدُقون لأَجل صدقهم فيلزمُ اتحادُ الفاعل» لأنه يؤدي إلى أنَّ الشيء علة لنفسِه، وللقولِ فيه مجال. الثاني: على إسقاط حرف الجر أي: بصدقهم، وهذا فيه ما عرف من أن حذف الحرف لا يطَّرد. الثالث: أنه منصوب على المفعول به، والناصب له اسم الفاعل في «الصادقين» أي: الذين صدقوا صدقهم، مبالغةً نحو: «صدقْت القتال» كأنك وعدتَ القتالَ فلم تَكْذِبْه، وقد يُقَوِّي هذا نصبُه على المفعول له، والعامل فيه اسم الفاعل قبله. الرابع: أنه مصدرٌ مؤكد كأنه قيل: الذين يَصْدُقون الصدقَ كما تقول: «صَدَق الصدقَ» ، وعلى هذه الأوجه كلِّها ففاعلُ «ينفع» ضمير يعود على الله تعالى. فصل في معنى الآية أجْمَعُوا على أنَّ المُرادَ بِهَذَا اليَوْمِ هو يَوْمُ القِيَامةِ، والمَعْنَى: أنَّ صِدْقَهُم في الدُّنْيَا يَنْفَعُهُم في الآخِرَةِ؛ لأنَّ صِدْق الكُفَّار في القيامَةِ لا يَنْفَعُهُم، ألا ترى أنَّ إبْلِيس قال: ﴿إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحق وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ [إبراهيم: 22] ، فَلَمْ يَنْفَعْهُ هذا الصِّدقُ، وهذا الكلامُ تَصْدِيقٌ من اللَّهِ تعالى لعيسى في قوله: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ [المائدة: 117] . وقيل: أرَادَ بالصَّادِقِين النَّبِيِّين. وقال الكَلْبِيُّ: يَنْفَعُ المُؤمنين إيمانُهُمْ. وقال قَتَادةُ: مُتَكَلِّمَان يَخْطُبَانِ يَوْمَ القيامةِ: عيسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -، وهو ما قَصَّ اللَّهُ عزَّ وجلَّ - وعَدُوُّ الله إبْلِيس، وهو قوله: ﴿وَقَالَ الشيطان لَمَّا قُضِيَ الأمر﴾ [إبراهيم: 22] فَصَدَقَ عَدُوُّ الله يومئذٍ، وكان قَبْلَ ذلك كَاذِباً، فلم يَنْفَعْهُ صِدْقُهُ، فأمَّا عيسى - عليه السَّلام - فكان صَادِقاً في الدُّنْيَا والآخِرَة فَنَفَعَهُ صِدْقُه. وقال بَعْضُهُمْ: المرادُ صِدْقُهُمْ في العملِ للَّهِ في يومٍ مِنْ أيَّامِ الدُّنْيَا؛ لأنَّ دَارَ الآخِرَة دارُ جَزَاءٍ لا دار عَمَلٍ. وقيل: المراد صِدْقُهُمْ في الآخِرَة وذلك في الشَّهادةِ لأنْبِيَائِهِم بالبلاغِ، وفيما شَهِدُوا به على أنْفُسِهِمْ كالعَدَمِ من أعْمالِهِمْ، ويكُونُ وجْهُ النَّفْع فيه أن يَكُفُّوا المُؤاخَذَة بِتَرْكِهِم كَتم الشَّهادَة، فيُغفَرُ لهم بإقْرَارِهِم لأنْبِيَائِهِم على أنْفُسِهِم، ثُمَّ بين ثَوَابَهُم، فقال: ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً﴾ ، فبيَّن أنَّ ذلك النَّفْع هو الثَّوابُ، وهو حَقِيقَةٌ خالِصَةٌ دائِمَةٌ مَقْرُونَةٌ بالتَّعْظِيم. واعلم: أنَّه تبارك وتعالى إنَّما ذكر الثَّواب، قال: ﴿خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً﴾ ، فيذْكرُ معه لَفْظ التأبيد، وإنَّمَا ذكر عِقَابَ الفُسَّاقِ من أهْلِ الإيمان، فَيذْكرُ مَعَهُ لَفْظ الخُلُودِ، ولم يَذْكُرْ مَعَهُ لفظ التَّأبِيدِ وقوله: ﴿رَّضِيَ الله عَنْهُمْ﴾ معناه الدعاءُ. ﴿وَرَضُواْ عَنْهُ ذلك الفوز العظيم﴾ الجُمْهُور على أنَّ قوله: ﴿ذلك الفوز العظيم﴾ عائِدٌ إلى جُمَلةِ ما تقدَّم من قوله: «لَهُمْ جَنَّاتٌ» ، إلى قوله: «ورضُوا عَنْهُ» . قال ابنُ الخطيب: وعِنْدِي أنَّه يُحْتَمَل أنْ يكون مُخْتَصّاً بقوله: ﴿رَّضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ ؛ لأنَّه ثَبَتَ عند أربَابِ العُقُولِ، أن جُمْلة الجنَّة بما فِيهَا بالنِّسْبَةِ إلى رضوان الله - تبارك وتعالى - بالنِّسْبَةِ إلى الوُجُودِ، وكيْفَ والجنَّة مَرْغُوبُ الشَّهْوَة، والرِّضْوَان صفةُ الحقِّ، وأيُّ مُنَاسَبَةٍ بَيْنَهُمَا! ثم قال - تبارك وتعالى - مُعَظِّماً لِنَفْسِهِ: ﴿للَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . قيل: إنَّ هذا جواب عن سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كأنَّهُ قيل: من يُعْطِيهِمْ ذلك الفَوْز العَظِيم، فقيل: الذي لَهُ مُلْك السمواتِ والأرْضِ. قال القرطبي: جاء هذا عقب ما جرى من دعوى النصارى في عيسى أنه إله فأخبر تعالى أن ملك السموات والأرض له دون عيسى ودون سائر المخلوقين، ويجوز أن يكون المعنى أن الذي له ملك السموات والأرض يعطي الجنات المتقدم ذكرها للمطيعين من عباده واعلم: أنَّهُ - تبارك وتعالى - قال: «ومَا فِيهِنَّ» ولم يَقُلْ: مَنْ فيهِنَّ، فَغَلَّبَ غَيْرَ العُقَلاَءِ على العُقَلاَءِ لفائِدَةٍ وهي: التنْبِيهُ على أنَّ كُلَّ المَخْلُوقَاتِ مُسَخَّرُون في قَبْضَةِ قَهْرِهِ وقُدْرَتِهِ وقَضَائِهِ وقدرِه، وهُمْ في ذلك التَّسْخِيرِ كالجَمَادَاتِ الَّتِي لا قُدْرَةَ لَهَا، وكالْبَهَائِمِ الَّتِي لا عَقْلَ لَهَا، فعلْمُ الكُلِّ بالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِه كَلاَ عِلْم، وقُدْرَةُ الكُلِّ بالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِهِ كَلاَ قُدْرَة. رُوِي أنَّ رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قرأ سُورة المائدةِ في خُطْبَتِهِ يَوْمِ حجَّة الوَدَاع، وقال: «يا أيُّهَا النَّاسُ: إنَّ سُورة المائدةِ من آخِرِ القُرْآنِ نُزُولاً، فأحِلُّوا حَلاَلَهَا وحَرِّمُوا حَرَامَهَا» . وقال عَبْدُ الله بنُ عُمَر: أنْزِلَتْ على رسُولِ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ سُورَةُ المَائِدةِ وهُو عَلَى راحِلَتِهِ، فَلمْ تَسْتَطِعْ أن تَحْمِلَهُ حَتَّى نَزَلَ عَنْهَا. وعن أبيِّ بن كَعْبٍ قال: قال رسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرأ سُورَةَ المائِدةِ أعْطِيَ مِنَ الأجْرِ بِعَدَدِ كُلِّ يَهُوديٍّ ونَصْرَانِيٍّ يَتَنَفَّسُ في دَارِ الدُّنْيَا عَشْرَ حَسَنَاتٍ، وَمُحِيَ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ، ورُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ» واللَّهُ - تبارك وتعالى - أعلمُ بالصَّوَاب. سورة الأنعام وهي مائة وستون وخمس آيات، وكلماتها ثلاثة آلاف واثنتان وخمسون كلمة، وحروفها اثنا عشر ألفا وأربعمائة واثنان وعشرون حرفا. نزلت ب " مكة " [المشرفة] جملة ليلا، معها سبعون ألف ملك، قد سدوا الخافقين لهم، وهل بالتسبيح، والتحميد والتمجيد، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سبحان ربي العظيم سبحان ربي العظلم [وبحمده الكريم] وخر ساجدا. وروي عنه مرفوعا " من قرأ سورة الأنعام يصلي عليه أولئك السبعون ألف ملك ليله ونهاره ". وقال الكلبي - رحمه الله تعالى -: عن أبي صالح عن ابن عباس نزلت سورة الأنعام ب " مكة " إلا قوله: ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ [الأنعام: 91] إلى آخر ثلاث آيات، وقوله تعالى: ﴿قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم﴾ [الأنعام: 151] إلى قوله تعالى: " تتقون " فهذه الست آيات مدنيات. وعن أنس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ما نزلت علي سورة من القرآن جملة واحدة غير سورة الأنعام " [وما جمعت الشياطين لسورة من القرآن جمعها لها، ولقد بعث بها إلي مع جبريل - عليه السلام - ومعه خمسون ملكا أو خمسون ألف ملك ترفعها أو تحفها حتى أقروها في صدري كما أقر ماء في الحوض، ولقد أعزني الله بها وإياكم بها عزا لا يذلنا بعده أبدا وبها دحض حجج المشركين وعد من الله لا يخلفه. وعن المنكدر لما نزلت سورة " الأنعام " سبح رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقال: " لقد شيع هذه السورة من الملائكة ما سد الأفق ". قال الأصوليون: وسبب هذه الفضيلة أنها اشتملت على دلائل التوحيد والنبوة والمعاد، وإبطال مذهب المبطلين والملحدين، وذلك يدل على أن علم الأصول في غاية الرفعة] . بسم الله الرحمن الرحيم

المائدة 5:120

قرأ الجمهور «يومُ» بالرفع تنوين، ونافع بالنصب من غير تنوين واختاره أبو عبيدة ونقل الزمخشري عن الأعمش «يوماً» بنصبه منوناً، وابن عطية عن الحسن بن عياش الشامي: «يوم» برفعه منوناً، فهذه أربع قراءات. فأما قراءة الجمهور فواضحةٌ على المبتدأ والخبر، والجملةُ في محل نصب بالقول. وأمَّا قراءة نافع ففيها أوجه، أحدها: أنَّ «هذا» مبتدأ، و «يوم» خبره كالقراءة الأولى، وإنما بُنِي الظرفُ لإضافته إلى الجملة الفعلية وإن كانت معربةً، وهذا مذهب الكوفيين، واستدلُّوا عليه بهذه القراءةِ، وأمَّا البصريون فلا يجيزون البناء إلا إذا صُدِّرت الجملةُ المضافُ إليها بفعلٍ ماضٍ، وعليه قولُ النابغة: [الطويل] 2101 - عَلَى حينَ عَاتَبْتُ المشِيبَ على الصِّبَا ... فَقُلْتُ: ألَمَّا أصْحُ والشَّيْبُ وَازعُ وخَرَّجوا هذه القرءاة على أن «يوم» منصوبٌ على الظرف، وهو متعلق في الحقيقة بخبر المبتدأ أي: هذا واقعٌ أو يقع في يوم ينفع، فيستوي هذا مع تخريج القراءة الأولى والثانية أيضاً في المعنى. ومنهم من خرَّجه على أنَّ «هذا» منصوبٌ ب «قال» ، وأشير به إلى المصدر فنصبه على المصدر، وقيل: بل أشير به إلى الخبر والقِصَص المتقدمةِ فيجري في نصبه خلافٌ: هل هو منصوبٌ نصب المفعول به أو نصبَ المصادر؟ لأنه متى وقع بعد القول ما يُفْهم كلاماً نحو: «قلت شعراً وخطبة» جَرَى فيه هذا الخلاف، وعلى كلِّ تقدير ف «يوم» منصوبٌ على الظرف ب «قال» أي: قال الله هذا القولَ أو هذه الأخبارَ في وقتِ نفع الصادقين، و «ينفع» في محلِّ خفضٍ بالإضافة، وقد تقدَّم ما يجوزُ إضافتُه إلى الجمل وأنه أحد ثلاثةِ أشياء. وأمَّا قراءة التنوين فرفعه على الخبريةِ كقراءة الجماعة، ونصبُه على الظرفِ كقراءة نافع، إلا أنَّ الجملةَ بعده في القراءتين في محل الوصفِ لما قبلها، والعائدُ محذوفٌ، وهي نظيرَُ قوله تعالى: ﴿واتقوا يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً﴾ [البقرة: 48] ، فيكونُ محلُّ هذه الجملة إما رفعاً أو نصباً. قوله: «صِدْقُهم» مرفوع بالفاعلية، وهذه قراءة العامة، وقُرِئ شاذاً بنصبه وفيه أربعة أوجه، أحدها: أنه منصوب على المفعول من أجله أي: ينفعهم لأجلِ صدقهم، ذكر ذلك أبو البقاء، وتبعه أبو حيان وهذا لا يجوزُ لأنه فات شرطٌ من شروط النصب، وهو اتحاد الفاعل، فإنَّ فاعلَ النفع غيرُ فاعل الصدقِ، وليس لقائلٍ أن يقول: «يُنْصب بالصادقين فكأنه قيل: الذين يَصْدُقون لأَجل صدقهم فيلزمُ اتحادُ الفاعل» لأنه يؤدي إلى أنَّ الشيء علة لنفسِه، وللقولِ فيه مجال. الثاني: على إسقاط حرف الجر أي: بصدقهم، وهذا فيه ما عرف من أن حذف الحرف لا يطَّرد. الثالث: أنه منصوب على المفعول به، والناصب له اسم الفاعل في «الصادقين» أي: الذين صدقوا صدقهم، مبالغةً نحو: «صدقْت القتال» كأنك وعدتَ القتالَ فلم تَكْذِبْه، وقد يُقَوِّي هذا نصبُه على المفعول له، والعامل فيه اسم الفاعل قبله. الرابع: أنه مصدرٌ مؤكد كأنه قيل: الذين يَصْدُقون الصدقَ كما تقول: «صَدَق الصدقَ» ، وعلى هذه الأوجه كلِّها ففاعلُ «ينفع» ضمير يعود على الله تعالى. فصل في معنى الآية أجْمَعُوا على أنَّ المُرادَ بِهَذَا اليَوْمِ هو يَوْمُ القِيَامةِ، والمَعْنَى: أنَّ صِدْقَهُم في الدُّنْيَا يَنْفَعُهُم في الآخِرَةِ؛ لأنَّ صِدْق الكُفَّار في القيامَةِ لا يَنْفَعُهُم، ألا ترى أنَّ إبْلِيس قال: ﴿إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحق وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ [إبراهيم: 22] ، فَلَمْ يَنْفَعْهُ هذا الصِّدقُ، وهذا الكلامُ تَصْدِيقٌ من اللَّهِ تعالى لعيسى في قوله: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ [المائدة: 117] . وقيل: أرَادَ بالصَّادِقِين النَّبِيِّين. وقال الكَلْبِيُّ: يَنْفَعُ المُؤمنين إيمانُهُمْ. وقال قَتَادةُ: مُتَكَلِّمَان يَخْطُبَانِ يَوْمَ القيامةِ: عيسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -، وهو ما قَصَّ اللَّهُ عزَّ وجلَّ - وعَدُوُّ الله إبْلِيس، وهو قوله: ﴿وَقَالَ الشيطان لَمَّا قُضِيَ الأمر﴾ [إبراهيم: 22] فَصَدَقَ عَدُوُّ الله يومئذٍ، وكان قَبْلَ ذلك كَاذِباً، فلم يَنْفَعْهُ صِدْقُهُ، فأمَّا عيسى - عليه السَّلام - فكان صَادِقاً في الدُّنْيَا والآخِرَة فَنَفَعَهُ صِدْقُه. وقال بَعْضُهُمْ: المرادُ صِدْقُهُمْ في العملِ للَّهِ في يومٍ مِنْ أيَّامِ الدُّنْيَا؛ لأنَّ دَارَ الآخِرَة دارُ جَزَاءٍ لا دار عَمَلٍ. وقيل: المراد صِدْقُهُمْ في الآخِرَة وذلك في الشَّهادةِ لأنْبِيَائِهِم بالبلاغِ، وفيما شَهِدُوا به على أنْفُسِهِمْ كالعَدَمِ من أعْمالِهِمْ، ويكُونُ وجْهُ النَّفْع فيه أن يَكُفُّوا المُؤاخَذَة بِتَرْكِهِم كَتم الشَّهادَة، فيُغفَرُ لهم بإقْرَارِهِم لأنْبِيَائِهِم على أنْفُسِهِم، ثُمَّ بين ثَوَابَهُم، فقال: ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً﴾ ، فبيَّن أنَّ ذلك النَّفْع هو الثَّوابُ، وهو حَقِيقَةٌ خالِصَةٌ دائِمَةٌ مَقْرُونَةٌ بالتَّعْظِيم. واعلم: أنَّه تبارك وتعالى إنَّما ذكر الثَّواب، قال: ﴿خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً﴾ ، فيذْكرُ معه لَفْظ التأبيد، وإنَّمَا ذكر عِقَابَ الفُسَّاقِ من أهْلِ الإيمان، فَيذْكرُ مَعَهُ لَفْظ الخُلُودِ، ولم يَذْكُرْ مَعَهُ لفظ التَّأبِيدِ وقوله: ﴿رَّضِيَ الله عَنْهُمْ﴾ معناه الدعاءُ. ﴿وَرَضُواْ عَنْهُ ذلك الفوز العظيم﴾ الجُمْهُور على أنَّ قوله: ﴿ذلك الفوز العظيم﴾ عائِدٌ إلى جُمَلةِ ما تقدَّم من قوله: «لَهُمْ جَنَّاتٌ» ، إلى قوله: «ورضُوا عَنْهُ» . قال ابنُ الخطيب: وعِنْدِي أنَّه يُحْتَمَل أنْ يكون مُخْتَصّاً بقوله: ﴿رَّضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ ؛ لأنَّه ثَبَتَ عند أربَابِ العُقُولِ، أن جُمْلة الجنَّة بما فِيهَا بالنِّسْبَةِ إلى رضوان الله - تبارك وتعالى - بالنِّسْبَةِ إلى الوُجُودِ، وكيْفَ والجنَّة مَرْغُوبُ الشَّهْوَة، والرِّضْوَان صفةُ الحقِّ، وأيُّ مُنَاسَبَةٍ بَيْنَهُمَا! ثم قال - تبارك وتعالى - مُعَظِّماً لِنَفْسِهِ: ﴿للَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . قيل: إنَّ هذا جواب عن سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كأنَّهُ قيل: من يُعْطِيهِمْ ذلك الفَوْز العَظِيم، فقيل: الذي لَهُ مُلْك السمواتِ والأرْضِ. قال القرطبي: جاء هذا عقب ما جرى من دعوى النصارى في عيسى أنه إله فأخبر تعالى أن ملك السموات والأرض له دون عيسى ودون سائر المخلوقين، ويجوز أن يكون المعنى أن الذي له ملك السموات والأرض يعطي الجنات المتقدم ذكرها للمطيعين من عباده واعلم: أنَّهُ - تبارك وتعالى - قال: «ومَا فِيهِنَّ» ولم يَقُلْ: مَنْ فيهِنَّ، فَغَلَّبَ غَيْرَ العُقَلاَءِ على العُقَلاَءِ لفائِدَةٍ وهي: التنْبِيهُ على أنَّ كُلَّ المَخْلُوقَاتِ مُسَخَّرُون في قَبْضَةِ قَهْرِهِ وقُدْرَتِهِ وقَضَائِهِ وقدرِه، وهُمْ في ذلك التَّسْخِيرِ كالجَمَادَاتِ الَّتِي لا قُدْرَةَ لَهَا، وكالْبَهَائِمِ الَّتِي لا عَقْلَ لَهَا، فعلْمُ الكُلِّ بالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِه كَلاَ عِلْم، وقُدْرَةُ الكُلِّ بالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِهِ كَلاَ قُدْرَة. رُوِي أنَّ رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قرأ سُورة المائدةِ في خُطْبَتِهِ يَوْمِ حجَّة الوَدَاع، وقال: «يا أيُّهَا النَّاسُ: إنَّ سُورة المائدةِ من آخِرِ القُرْآنِ نُزُولاً، فأحِلُّوا حَلاَلَهَا وحَرِّمُوا حَرَامَهَا» . وقال عَبْدُ الله بنُ عُمَر: أنْزِلَتْ على رسُولِ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ سُورَةُ المَائِدةِ وهُو عَلَى راحِلَتِهِ، فَلمْ تَسْتَطِعْ أن تَحْمِلَهُ حَتَّى نَزَلَ عَنْهَا. وعن أبيِّ بن كَعْبٍ قال: قال رسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرأ سُورَةَ المائِدةِ أعْطِيَ مِنَ الأجْرِ بِعَدَدِ كُلِّ يَهُوديٍّ ونَصْرَانِيٍّ يَتَنَفَّسُ في دَارِ الدُّنْيَا عَشْرَ حَسَنَاتٍ، وَمُحِيَ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ، ورُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ» واللَّهُ - تبارك وتعالى - أعلمُ بالصَّوَاب. سورة الأنعام وهي مائة وستون وخمس آيات، وكلماتها ثلاثة آلاف واثنتان وخمسون كلمة، وحروفها اثنا عشر ألفا وأربعمائة واثنان وعشرون حرفا. نزلت ب " مكة " [المشرفة] جملة ليلا، معها سبعون ألف ملك، قد سدوا الخافقين لهم، وهل بالتسبيح، والتحميد والتمجيد، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سبحان ربي العظيم سبحان ربي العظلم [وبحمده الكريم] وخر ساجدا. وروي عنه مرفوعا " من قرأ سورة الأنعام يصلي عليه أولئك السبعون ألف ملك ليله ونهاره ". وقال الكلبي - رحمه الله تعالى -: عن أبي صالح عن ابن عباس نزلت سورة الأنعام ب " مكة " إلا قوله: ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ [الأنعام: 91] إلى آخر ثلاث آيات، وقوله تعالى: ﴿قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم﴾ [الأنعام: 151] إلى قوله تعالى: " تتقون " فهذه الست آيات مدنيات. وعن أنس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ما نزلت علي سورة من القرآن جملة واحدة غير سورة الأنعام " [وما جمعت الشياطين لسورة من القرآن جمعها لها، ولقد بعث بها إلي مع جبريل - عليه السلام - ومعه خمسون ملكا أو خمسون ألف ملك ترفعها أو تحفها حتى أقروها في صدري كما أقر ماء في الحوض، ولقد أعزني الله بها وإياكم بها عزا لا يذلنا بعده أبدا وبها دحض حجج المشركين وعد من الله لا يخلفه. وعن المنكدر لما نزلت سورة " الأنعام " سبح رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقال: " لقد شيع هذه السورة من الملائكة ما سد الأفق ". قال الأصوليون: وسبب هذه الفضيلة أنها اشتملت على دلائل التوحيد والنبوة والمعاد، وإبطال مذهب المبطلين والملحدين، وذلك يدل على أن علم الأصول في غاية الرفعة] . بسم الله الرحمن الرحيم