Lafzullah

Al Lubab fi Ulum Al Kitab — الأنفال 8:53 – الأنفال 8:75

المؤلف / المصدر: Al Lubab fi Ulum Al Kitab

المحتويات
  1. الأنفال 8:53
  2. الأنفال 8:54
  3. الأنفال 8:55
  4. الأنفال 8:56
  5. الأنفال 8:57
  6. الأنفال 8:58
  7. الأنفال 8:59
  8. الأنفال 8:60
  9. الأنفال 8:61
  10. الأنفال 8:62
  11. الأنفال 8:63
  12. الأنفال 8:64
  13. الأنفال 8:65
  14. الأنفال 8:66
  15. الأنفال 8:67
  16. الأنفال 8:68
  17. الأنفال 8:69
  18. الأنفال 8:70
  19. الأنفال 8:71
  20. الأنفال 8:72
  21. الأنفال 8:73
  22. الأنفال 8:74
  23. الأنفال 8:75

الأنفال 8:53

قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كالذين خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَآءَ الناس وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله﴾ . نزلت في المشركين حين أقْبَلُوا إلى بدر، ولهم بغي وفخرٌ. فقال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «اللهم هذه قريشٌ قد أقبلت بخيلائها، وفخرها تُجادل وتُكذِّب رسولك، اللَّهُمَّ فنصرك الذي وعدتني» . ولمَّا رأى أبُو سفيان أنه قد أحرز عيره، أرسل إلى قريش إنكم إنَّما خرجتم لتمنعوا عيركم فقد نجَّاها اللَّهُ، فارجعوا، فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتَّى نردَ بَدْراً - فننحر الجزور، ونطعم الطَّعام، ونسقى الخمر، وتعزف علينا القيانُ، وتسمع بنا العربُ، فلا يزالُونَ يهابوننا أبَداً. فوافوها فَسُقُوا كئوس المنايا مكان الخمر، وناحَتْ عليهم النَّوائحُ مكان القيان، فنهى اللَّهُ تعالى عباده المؤمنين أن يكونوا مثلهم، وأمرهم بإخلاص النِّية، والحسبة في نصر دينه ومؤازرة نبيه. واعلم أنَّه تعالى وصفهم بثلاثة أشياء: أحدها: البطر. قال الزَّجَّاجُ: البَطَرُ: الطغيان في النعمة وترك شكرها. وثانيها: الرِّئاءُ، وهو أظهار الجميل ليرى، مع أنَّ باطنهُ يكون قبيحاً. والفرق بينه وبين النفاق: أنَّ النفاق: إظهار الإيمان مع إبطان الكفر، والرئاء: إظهار الطَّاعة مع إبطان المعصية. وثالثها: صدهم عن سبيل اللَّهِ، وهو كونهم مانعين عن دين محمد - عليه الصلاَّة والسَّلام -. قوله: «بَطَراً ورِئاءَ» منصوبان على المفعول له، ويجوزُ أن يكونا مصدرين في موضع نصبٍ على الحال، من فاعل: «خَرَجُوا، أي: خَرُجوا بطرينَ ومُرائين، و» رئَاءَ» مصدرٌ مضاف لمفعوله. قوله «ويَصُدُّونَ» : يجوزُ أن يكون مستأنفاً، وأن يكون عطفاً على: «بَطَراً ورِئَاءَ» وحفَ المفعولُ للدَّلالةِ عليه. فإن قيل: «يَصُدُّون» فعل مضارع، وعطف الفعل على الاسم غير حسن. فذكر الواحديُّ في الجواب ثلاثة أوجه: الأول: أن» يَصُدُّون «بمعنى: صادين، أي: بطرين ومرائين وصادين. والثاني: أن يكون قوله» بَطَراً ورِئَاءَ «حالان على تأويل: مبطرين ومرائين، ويكون قوله» ويصدون «أي: وصادين. الثالث: أن يكون قوله» بَطَراً ورِئَاءَ «بمنزلة: يبطرون ويراؤون. قال ابنُ الخطيبِ:» إن شيئاً من هذه الوجوه لا يشفي الغليل؛ لأنَّهُ تارةً يقيم الفعل مقام الاسم وأخرى يقيم الاسم مقام الفعل ليصح له كون الكلمة معطوفة على جنسها. وكان من الواجب عليه أن يذكر السبب الذي لأجله عبَّر عن الأولين بالمصدر، وعن الثالث بالفعل. قال: إنَّ الشيخ عبد القاهر الجرجاني، ذكر أنَّ الاسم يدلُّ على التَّمكين والاستمرار، والفعل على التجدد والحدوث، مثاله في الاسم قوله تعالى ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ [الكهف: 18] وذلك يقتضي كون تلك الحالة ثابتة راسخة، ومثال الفعل قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السمآء والأرض﴾ [يونس: 31] وذلك يُدلُّ على أنه تعالى يوصل الرِّزق إليهم ساعة فساعة. وإذا عرفت ذلك فنقول: إنَّ أبا جهلٍ ورهطهُ كاناو مجبولين على البطرِ، والمفاخرة والعجب وأما صدهم عن سبيل اللَّهِ فإنما حصل في الزَّمانِ الذي ادَّعى محمد - عليه الصَّلاة والسَّلام - فيه النبوة، فلهذا ذكر البطر والرئاء بصيغة الاسم، وذكر الصد بصيغة الفعل» . واعلم أنَّ الذي قاله ابن الخطيب لا يخدش فيما أجاب به الواحديُّ؛ لأنَّ الواحدي إنَّما أراد من حيث الصِّناعة، لا من حيث المعنى. ثم قال: ﴿والله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ أي: أنه عالم بما في دواخل القلوب، وذلك كالتَّهديدِ والزَّجر عن الرئاء. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ﴾ الآية. وهذه من جملة النعم التي خصَّ اللَّهُ أهل بدر بها، وفي العامل في «إذْ» وجوه: قيل: تقديره اذكر إذْ زيَّن لهم، وقيل: عطف على ما تقدم من تذكير النعم، وتقديره: واذكروا إذ يريكموهم وإذْ زيَّن. وقيل: هو عطف على قوله: ﴿خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَآءَ الناس﴾ تقديره: ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً ورئاء الناس وإذ زيَّن لهم الشيطان أعمالهم؛ فتكون الواو للحال، و «قد» مضمرة بعد الواو، عند من يشترط ذلك والله أعلم فصل في هذا التَّزيين وجهان: الأول: أن الشيطان زيَّن بوسوسته من غير أن يتحوَّل في صورة إنسان، وهو قول الحسن والأصم. والثاني: أنَّه ظهر في سورة إنسان. قالوا: إن المشركين حين أرَادُوا المسير إلى بدر خافوا من بني بكر بن كنانة؛ لأنَّهُم كانوا قتلوا منهم واحداً، فلم يأمنوا أن يأتوهم من ورائهم، فتصوَّر لهم إبليسُ في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، وهو في بني بكر بن كنانة من أشرافهم في جند من الشياطين، ومعه راية، وقال لا غالِبَ لَكُمْ اليَوْمَ من النَّاسِ وإني جار لكم، مجيركم، من بني كنانة، ﴿فَلَمَّا تَرَآءَتِ الفئتان﴾ أي: التقى الجمعان، رأى إبليسُ الملائكة نزلوا من السماء، فعلم أنْ لا طاقةَ لهم بهم ﴿نَكَصَ على عَقِبَيْهِ﴾ وكانت يده في يد الحارث بن هشام، فلما نَكَصَ، قال الحارثُ: أتَخْذلنا في هذه الحال؟ فقال: إني أرى ما لا ترون ودفع في صدر الحارث وانهزموا. قوله ﴿لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليوم﴾ لكم خبر» لا «فيتعلق بمحذوف، و» اليَوْمَ «منصوب بما تعلَّق به الخبر، ولا يجوزُ أن يكون» لكم «أو الظرف متعلقاً ب» غَالِبَ «؛ لأنه يكون مُطَوَّلأاً ومتى كان مُطَوَّلاً أعرب نَصْباً. قوله» مِنَ النَّاس «بيان لجنس الغالبِ. وقيل: هو حالٌ من الضَّميرِ في» لَكُمُ «لتضمُّنه معنى الاستقرار، ومنع أبو البقاءِ أن يكون» من النَّاس «حالاً من الضمير في» غَالِبَ» ، قال: «لأنَّ اسم» لا» إذا عمل فيما بعده أعرب «والأمر كذلك. قوله ﴿وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ﴾ يجوزُ في هذه الجملةِ أن تكُون معطوفةً على قوله {لاَ غَالِبَ لَكُمْ} فيكون قد عطف جملة مثبتة على أخرى منفيَّة، ويجوزُ أن تكون الواو للحال، وألف «جارٌ» من واو، لقولهم: «تَجاورُوا» وقد تقدَّم تحقيقه [النساء: 36] . و «لكم» متعلِّقٌ بمحذوف؛ لأنَّهُ ل «جارٌ» ، ويجُوز أن يتعلَّق ب «جار» لما فيه من معنى الفعل، ومعنى «جار لكم» أي: مجير لكم من كنانة. قوله ﴿فَلَمَّا تَرَآءَتِ الفئتان﴾ أي: التقى الجمعان؛ ﴿نَكَصَ على عَقِبَيْهِ﴾ «نَكَصَ» : جواب «لمَّا» والنُّكُوص: قال النضر بنُ شميلٍ: الرُّجوع قَهْقَرَى هارباً، قال بعضهم: هذا أصله، إلاَّ أنه قد اتُّسِع فيه، حتى استُعْمل في كلِّ رجوع، وإن لم يكن قَهْقَرَى؛ قال الشاعر: [البسيط] 2721 - هُمْ يَضْربُونَ حَبيكَ البَيْض إذْ لَحِقُوا ... لا يَنْكُصُونَ إذَا مَا استُلْحِمُوا وحَمُوا وقال مُؤرِّج: «النُّكُوصُ: الرجوعُ بلغة سُلَيْم» ؛ قال: [البسيط] 2722 - لَيْسَ النُّكُوصُ على الأعقابِ مَكْرُمَةً ... إنَّ المكارِمَ إقْدَامٌ على الأسَلِ فهذا إنَّما يريدُ به مُطْلَق ارُّجوع؛ لأنَّهُ كنايةٌ عن الفرارِ، وفيه نظر؛ لأنَّ غالب الفرار في القتال إنَّما هو كما ذُكِر، رجوعُ القَهْقَرَى، كخوف الفَار. و «عَلَى عَقبَيْهِ» حال، إمَّا مؤكدةٌ، عند من يَخُصُّه بالقهقرى، أو مُؤسِّسةٌ، عند من يستعمله في مطلق الرُّجُوعِ. ثم قال: ﴿إِنِّي برياء مِّنْكُمْ إني أرى مَا لاَ تَرَوْنَ﴾ . قيل: رأى الملائكة فخافهم. وقيل: رأى أثر النُّصْرَة والظَّفر في حق النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فعلم أنه لو وقف لنزلت عليه بليّة. وقيل: رأى جبريل فخافه. وقيل: لمَّا رأى الملائكة ينزلون من السماء ظنَّ أنَّ الوقت الذي أنظر إليه قد حضر، وأشفق على نفسه، وقيل «أرَى مَا لاَ تَرَوْنَ» من الرأي. وقوله: ﴿إني أَخَافُ الله﴾ قال قتادة: «قال إبليس» إنِّي أرَى ما لا ترَوْنَ «وصدق، وقال ﴿إني أَخَافُ الله﴾ وكذب ما به مخافة الله، ولكن علم أنه لا قوة له ولا منعة، فأوردهم وأسلمهم» . وقال عطاءٌ: إنّي أخاف اللَّهَ أن يهلكني فيمن هلك. وقال الكلبيُّ: خاف أن يأخذه جبريل ويعرفهم حاله، فلا يطيعوه. وقيل: معناه إنِّي أخافُ الله، أي: أعلم صدق وعده لأوليائه؛ لأنه كان على ثقة من أمره، وقيل: معناه إنِّي أخاف الله عليكم. وقوله: ﴿والله شَدِيدُ العقاب﴾ . قيل: انقطع الكلام عند قوله «أخَافُ اللَّه» ثم قال ﴿والله شَدِيدُ العقاب﴾ ويجُوز أن يكون من بقيِّة كلام إبليس. روى طلحة بن عبيد الله بن كريز أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «مَا رُئيِ الشيطانُ يوماً هُو فيه أصغرُ، ولا أدحرُ، ولا أحقَرُ، ولا أغْيَظُ مِنْهُ في يَوْمِ عرفةَ، وما ذاكَ إلاَّ لِمَا رَأى من تنزُّلِ الرَّحْمَة وتجاوزُ الله عن الذُّنُوبِ العظام، إلاَّ ما كان من يَوْمِ بدرٍ» فقيل: وَمَا رأى يَوْمَ بدرٍ؟ قال: «أما إنَّهُ رَأى جبريلَ وهُوَ يَنْزعُ المَلائِكَة» ، حديث مرسل. قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ المنافقون﴾ العامل في «إذْ» إمَّا «زيَّن» ، وإمَّا «نَكَصَ» وإما «شديدُ العقاب» وإما «اذكروا» . قال ابنُ الخطيب: «وإنما لم تدخل الواو في قوله» إذْ يقُولُ «ودخلت في قوله» وإذْ زَيَّن» ؛ لأنَّ قوله: «وإذْ زيَّن» عطف التزين على حالهم وخروجهم بطراً ورئاء النَّاس. وأما قوله ﴿إِذْ يَقُولُ المنافقون﴾ فليس فيه عطف على ما قبله، بل هو ابتداء كلام منقطع عما قبله» . فصل المنافقون: قوم الأوس والخزرجِ، وأمَّا الذين في قلوبهم مرض فهم قوم من قريش أسلموا وما قوي إسلامهم، وكانوا بمكَّة مستضعفين، قد أسلموا وحبسهم أقرباؤهم عن الهجرة فلما خرجت قريش إلى بدرٍ أخرجوهم كُرْهاً، فلمَّا نظروا إلى قلّة المسلمين ارتابوا وارتدوا، وقالوا ﴿غَرَّ هؤلاء دِينُهُمْ﴾ . و ﴿غَرَّ هؤلاء دِينُهُمْ﴾ منصوب المحل بالقول. قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: «معناه أنه خرج بثلاث مائة وثلاثة عشر يقاتلون ألف رجل» وقيل المرادُ: إن هؤلاء يسعون في قتل أنفسهم، رجاء أن يجعلوا أحياء بعد الموتِ، ويثابون على هذا القَتْلِ. فقالوا: غرَّ هؤلاء دينهم. فقتلوا جميعاً، منهم: قيسُ بنُ الوليد بن المغيرة، وأبُو قيس بنُ الفاكه بن المغيرة المخزميان، والحارثُ بن زمعة بن الأسود بن المطلب، وعلي بنُ أميّة بن خلف الجمحيُّ، والعاصي بن منبه بن الحجَّاج. ثم قال: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله﴾ أي: يسلم أمره إلى اللَّه، ويثقُ به، فإنَّ اللَّهَ حافظه وناصره؛ لأنَّهُ عزي لا يغلبه شيء، حكيم يوصل العذاب إلى أعدائه، والرحمة والثواب إلى أوليائه. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ ترى إِذْ يَتَوَفَّى الذين كَفَرُواْ الملاائكة﴾ الآية. لمَّا شرح أحوال الكُفَّار، شرح أحوال موتهم، والعذاب الذي يصل إليهم. قرأ ابن عامر والأعرج «تَتَوفَّى» بتاء التأنيث، لتأنيث الجماعة، والباقون بياء الغيبة وفيها تخريجان، أظهرهما - لموافقة قراءة من تقدَّم -: أنَّ الفاعل هم الملائكة، وإنما ذُكِّرَ للفصل؛ ولأنَّ التأنيث مجازي. والثاني: أنَّ الفاعل ضمير الله تعالى: لتقدم ذكره و «الملائكةُ» مبتدأ، و «يَضْرِبُونَ» خبره، وفي هذه الجملةِ حينئذٍ وجهان: أحدهما: أنَّها حالٌ من المفعول. والثاني: أنَّها استئنافيةٌ، جواباً لسؤالٍ مقدر، وعلى هذا فيوقف على «الَّذين كَفَرُوا» بخلاف الوجهين قبله. وضعَّف ابنُ عطية وجه الحالِ بعدم الواو، وليس بضعيفٍ لكثرة مجيء الجملة الحالية مشتملة على ضمير ذي الحال خاليةً من «واو» نظماً ونثراً، وعلى كون «الملائكةُ» فاعلاً، يكون «يَضْربُونَ» جملةً حاليةً، سواءً قرىء بالتأنيث أم بالتذكير، وجوابُ «لَوْ» محذوفٌ للدلالة عليه، أي: رأيت أمراً عظيماً. فصل المعنى: ولو عاينت؛ لأنَّ «لو» ترد المضارع إلى الماضي، كما ترد «إن» الماضي إلى المضارع. قال الواحديُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: «معنى يتوفى الذين كفروان يقبضون أرواحهم» قيل: عند الموت تضرب الملائكة وجوه الكفار وأدبارهم. وقيل: أراد المشركين الذين قتلوا ببدر، كانت الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم. قال سعيدُ بن جبيرٍ، ومجاهد: يريدُ: أستاههم ولكن الله تعالى حَييٌّ يُكَنِّي. وقال ابن عباس «كان المشركون إذا أقبلوا بوجوههم إلى المسلمين ضربوا وجوههم بالسيف وإذا ولَّوْا أدركتهم الملائكة يضربون أدبارهم وقال ابن جريح «يريدُ ما أقبل منهم وما أدبر يضربون أجسادهم كلها» . والمراد بالتوفي: القتل. قوله ﴿وَذُوقُواْ عَذَابَ الحريق﴾ هذا منصوب بإضمار قول الملائكة، أي: يضربونهم ويقولون لهم: ذوقوا. وقيل: الواو في «يَضْربُونَ» للمؤمنين أي: يَضْربونهم حال القتال، وحال توفِّي أرواحهم الملائكة. قيل: كان مع الملائكة مقامع من حديد، يضربون بها الكُفَّار، فتلتهب النَّار في جراحاتهم؛ فذلك قوله: ﴿وَذُوقُواْ عَذَابَ الحريق﴾ ، وقال الحسن - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: «هذا يوم القيامة، تقولُ لهم خزنةُ جهنم: ذوقوا عذاب الحريقِ» وقال ابنُ عبَّاسٍ - رضي الله تعالى عنهما -: «يقولون لهم ذلك بعد الموت» . قوله: ﴿ذلك بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ . أي: ذلك الضرب الذي وقع بكم، أو عذاب الحريق: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ بما كسبت أيديكم وهذا إخبار عن قول الملائكة - عليهم السلام -. قال الواحديُّ: «يجوز أن يقال» ذلك» مبتدأ، وخبره ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ ويجوز أن يكون خبره محذوفاً، والتقدير: ذلك جزاؤكم بما قدمت أيديكم، ويجوزُ أن يكون محل «ذلك» نَصْباً والتقدير: فعلنا ذلك بما قدمت أيديكم» . فصل فإن قيل: قوله ﴿ذلك بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ يقتضي أنَّ فاعل هذا الفعل هو اليد، وذلك ممتنع لوجوه، أولها: أنَّ هذا العذاب إنما وصل إليهم بسبب كفرهم، ومحل الكفر هو القلب لا اليد وثانيها: أن اليد ليست محلاًّ للمعرفة والعلم، فلا يتوجَّه التكليف عليها، فلا يمكن إيصال العذاب إليها. فالجوابُ: أن اليد ههنا عبارة عن القدرة وحسن هذا المجاز كون اليد آلة العمل، والقدرة هي المؤثرة في العمل، فحسن جعل اليد كناية عن القدرة. واعْلَمْ أن الإنسان جوهر واحد، وهو الفعال، وهو الدراك، وهو المؤمن، وهو الكافر وهو المطيعُ، وهو العاصي، وهذ الأعضاء آلات لهُ، وأدوات له في الفعل؛ فأضيف الفعل في الظَّاهر إلى الآله، وهو في الحقيقة مضاف إلى جوهر ذاتِ الإنسان. فإن قيل: إنَّه جعل هذا العقاب، إنَّما تولَّد من الفعل الذي صدر عنه، والعقاب إنما يتولَّد من العقائد الباطلة. فالجوابُ: أنَّا بيَّنا أنَّ الفعل إنما ينشأ عن الاعتقاد، فأطلق على المسبب اسم السَّببِ وهذا من أشهر وجوه المجاز. قوله: ﴿وَأَنَّ الله لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ . في محل «أنَّ» وجهان: أحدهما: النصبُ بنزع الخافض يعني: بأنَّ اللَّهَ. والثاني: أنَّكَ إن جعلت قوله: «ذلك» في موضع رفع، جعلت «أنَّ» في موضع رفع أيضاً، أي: وذلك أنَّ الله. قال الكسائيُّ: «ولو كسرت ألف» أنَّ «على الابتداء كان صواباً، وعلى هذا التقدير يكون كلاماً مبتدأ منقطعاً عمَّ قبله» . فصل قالت المعتزلةُ: لو كان اللَّه تعالى يخلق الكفر في الكافر، ثم يعذبه عليه لكان ظالماً، وأيضاً قوله تعالى: ﴿ذلك بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ الله لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ يدلُّ على أنه تعالى إنَّما لم يكن ظالماً بهذا العذاب؛ لأنَ العبد قدَّم ما استوجب عليه هذا العذاب، وذلك يدلُّ على أنَّهُ لو لم يصدر منه تعالى ذلك التقديم لكان ظالماً في هذا العذاب، وأيضاً: لو كان موجد الكفر والمعصية هو الله لا العبد لوجب كون الله ظالماً، وهذه المسألة قد سبق ذكرها مُسْتَقْصَاةً في آل عمران. قوله تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ الآية. لمَّا بيَّن ما أنزله بأهل بدر من الكفَّار عاجلاً وآجلاً، أتبعه بأن بيَّن أنَّ هذه طريقته وسنته ودأبه في الكل فقال: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ . قال ابنُ عبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما «هو أن آل فرعون أيقنوا أنَّ موسى نبي الله فكذبوه، كذلك هؤلاء جاءهم محمد بالصِّدق فكذَّبوه، فأنزل الله عقوبته، كما أنزل بآل عمران» . ﴿والذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ أي: كعادة الذين من قبلهم، وتقدَّم الكلامُ على «كَدَأبِ» في آل عمران. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الله قَوِيٌّ شَدِيدُ العقاب﴾ والغرضُ منه: التَّنبيه على أن لهم عذاباً مُدْخراً سوى ما نزل بهم من العذاب العاجل، ثمَّ ذكر ما يجري مجرى العلَّة في العقاب الذي أنزله بهم، فقال: ﴿ذلك بِأَنَّ الله﴾ ، «ذلك» مبتدأ وخبر أيضاً، كنظيره أي: ذلك العذابُ أو الانتقامُ بسبب أنَّ اللَّه. قوله «لَمْ يَكُ» قال أكثرُ النحاةِ: إنَّما حذفت النون؛ لأنَّها لم تشبه الغُنَّة المحضة فأشبهت حروف اللين ووقعت طرفاً، فحذفت تشبيهاً بها، كما تقولُ: لَمْ يَدْعُ، ولمْ يَرْمِ. قال الواحدي - رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى -: «هذا ينتقض بقولهم: لَمْ يَزنْ، ولمْ يَخنْ، ولم يسمع حذف النون ههنا» . وأجاب علي بن عيسى فقال: إنَّ «كان» و «يكون» أم الأفعال، من أجل أن كل فعل قد حصل فيه معنى «كان» ، فقولنا: ضرب، معناه: كان ضرب، ويضرب معناه يكون ضرب، وهكذا القول في الكُلِّ؛ فثبت أنَّ هذه الكلمة أم الأفعال، فاحتيج إلى الاستعمال في أكثر الأوقات، فاحتملت هذا الحذف، بخلاف قولنا: لم يخُنْ، ولم يزن، فإنَّه لا حاجة إلى ذكرها كثيراً، فظهر الفرق. فصل معنى الآية إنَّ الله لا يُغَيِّر ما أنعم على قوم، حتى يُغَيِّرُوا ما بهم بالكفران وترك الشكر، فإذا فعلوا ذلك غيَّر اللَّهُ ما بهم، فسلبهم النعمة فصل قال القاضي «معنى الآية: أنه تعالى أنعم عليهم بالعقل والقدرة وإزالة الموانع، وتسهيل السبل، والمقصودُ: أن يشتغلوا بالعبادة والشَّكْرِ، ويعدلوا عن الكفر، فإذا صرفوا هذه الأمور إلى الكفر والفسق، فقد غيَّروا نعم اللَّهِ على أنفسهم فلا جرم استحقوا تبديل النعم بالنقم، والمنح بالمحن» . قال: «وهذا من أوكد ما يدلُّ على أنه تعالى لا يبتدأ أحداً بالعذاب والمضرة، وأنَّ الذي يفعله لا يكون إلاّ َجزاء على معاصٍ سلفت، لو كان تعالى خلقهم، وخلق جسمانهم وعقولهم ابتداء للنَّار كما يقوله القومُ لما صحَّ ذلك» . وأجيب: بأن ظاهر الآية مشعر بما قاله القاضي؛ إلاَّ أنَّا لو حملنا الآية عليه لزم أن يكون صفةُ اللَّهِ تعالى مُعَلَّلَةً بفعل الإنسان؛ لأنَّ حكمَ اللَّهِ بذلك التغيير وإرادته، لمَّا كان لا يحصل إلاَّ عند إتيان الإنسان بذلك الفعل، فلو لم يصدر عنه ذلك الفعل لم يحصل للَّه تعالى ذلك الحكم وتلك الإرادة، فحينئذٍ يكون فعل الإنسان مؤثراً في حدوث صفة في ذات اللَّهِ تعالى، ويكون الإنسان مغيراً صفة اللَّهِ ومؤثراً فيها، وذلك محال في بديهة العقل؛ فثبت أنه لا يمكن حمل هذا الكلام على ظاهره، بل الحقُ أنَّ صفة الله غالبة على صفات المحدثات، فلولا حكمه وقضاؤه أولاً لما أمكن للعبد أن يأتي بشيء من الأفعال والأقوال. ثم قال: ﴿وَأَنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: سميع لأقوالهم، عليم بأفعالهم. قوله: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ . فإن قيل: إنه تعالى ذكر: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ مرتين، فما فائدة؟ فالجوابُ من وجوه، منها: أنَّ الكلام الثَّاني يجري مجرى التفصيل للكلام الأول؛ لأنَّ الأول فيه ذكرُ أخذهم، وفي الثاني ذكر إغراقهم، وذلك تفصيل، ومنها: أنَّهُ أريد بالأوَّلِ ما نزل بهم من العقوبة في حال الموت، وبالثاني ما ينزلُ بهم في القبر وفي الآخرة، ومنها: أنَّ الكلام الأول هو قوله: ﴿كَفَرُواْ بِآيَاتِ الله﴾ والكلام الثاني هو قوله: ﴿كَذَّبُواْ بآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ فالأوَّلُ إشارة إلى أنَّهم أنكروا دلائل الإلهية، والثاني إشارة إلى أنَّهُ سبحانه ربَّاهم وأنعم عليهم بالوجوه الكثيرة، فأنكروا دلائل التربية والإحسان مع كثرتها، وتواليها عليهم فكان الأثر اللازم من الأول الأخذ، والأثر اللازم من الثاني هو الإهلاك والإغراق وذلك يدلُّ على أنَّ للكفر أثراً عظيماً في حصول الإهلاك، ومنها: أنَّ الأول دَأبٌ في أن هلكوا لمَّا كفروا، وهذا دأبٌ في أن لم يُغيِّر اللَّهُ نعمتهم حتَّى يُغيروها هم. ومنها: قال الكرمانيُّ: «يحتملُ أن يكون الضميرُ في:» كفرُوا» في الآية الأولى عائداً على قريش، والضمير في: «كذَّبُوا» في الثانية عائداً على آل فرعون والذين من قبلهم، كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم، أهلكنا بعضهم بالرجفةِ، وبعضهم بالخسف، وبعضهم بالريحِ، وبعضهم بالغرق، وكذلك أهلكنا كفار بدر بالسيفِ لما كذبوا، وأغرقنا آل فرعون» . ﴿وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ﴾ جمع الضمير في: «كانوا» ، وجمع: «ظالمين» مراعاةً لمعنى «كُل» لأنَّ «كُلاًّ» متى قطعت عن الإضافة جاز مراعاةُ لظفها تارةٌ، ومعناها أخرى. وإنَّما اختير هنا مراعاةُ المعنى؛ لأجل الفواصل، ولو رُوعي اللَّفظُ فقيل مثلاً وكلٌّ كان ظالماً، لَمْ تتَّفِق الفواصل.

الأنفال 8:54

قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كالذين خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَآءَ الناس وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله﴾ . نزلت في المشركين حين أقْبَلُوا إلى بدر، ولهم بغي وفخرٌ. فقال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «اللهم هذه قريشٌ قد أقبلت بخيلائها، وفخرها تُجادل وتُكذِّب رسولك، اللَّهُمَّ فنصرك الذي وعدتني» . ولمَّا رأى أبُو سفيان أنه قد أحرز عيره، أرسل إلى قريش إنكم إنَّما خرجتم لتمنعوا عيركم فقد نجَّاها اللَّهُ، فارجعوا، فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتَّى نردَ بَدْراً - فننحر الجزور، ونطعم الطَّعام، ونسقى الخمر، وتعزف علينا القيانُ، وتسمع بنا العربُ، فلا يزالُونَ يهابوننا أبَداً. فوافوها فَسُقُوا كئوس المنايا مكان الخمر، وناحَتْ عليهم النَّوائحُ مكان القيان، فنهى اللَّهُ تعالى عباده المؤمنين أن يكونوا مثلهم، وأمرهم بإخلاص النِّية، والحسبة في نصر دينه ومؤازرة نبيه. واعلم أنَّه تعالى وصفهم بثلاثة أشياء: أحدها: البطر. قال الزَّجَّاجُ: البَطَرُ: الطغيان في النعمة وترك شكرها. وثانيها: الرِّئاءُ، وهو أظهار الجميل ليرى، مع أنَّ باطنهُ يكون قبيحاً. والفرق بينه وبين النفاق: أنَّ النفاق: إظهار الإيمان مع إبطان الكفر، والرئاء: إظهار الطَّاعة مع إبطان المعصية. وثالثها: صدهم عن سبيل اللَّهِ، وهو كونهم مانعين عن دين محمد - عليه الصلاَّة والسَّلام -. قوله: «بَطَراً ورِئاءَ» منصوبان على المفعول له، ويجوزُ أن يكونا مصدرين في موضع نصبٍ على الحال، من فاعل: «خَرَجُوا، أي: خَرُجوا بطرينَ ومُرائين، و» رئَاءَ» مصدرٌ مضاف لمفعوله. قوله «ويَصُدُّونَ» : يجوزُ أن يكون مستأنفاً، وأن يكون عطفاً على: «بَطَراً ورِئَاءَ» وحفَ المفعولُ للدَّلالةِ عليه. فإن قيل: «يَصُدُّون» فعل مضارع، وعطف الفعل على الاسم غير حسن. فذكر الواحديُّ في الجواب ثلاثة أوجه: الأول: أن» يَصُدُّون «بمعنى: صادين، أي: بطرين ومرائين وصادين. والثاني: أن يكون قوله» بَطَراً ورِئَاءَ «حالان على تأويل: مبطرين ومرائين، ويكون قوله» ويصدون «أي: وصادين. الثالث: أن يكون قوله» بَطَراً ورِئَاءَ «بمنزلة: يبطرون ويراؤون. قال ابنُ الخطيبِ:» إن شيئاً من هذه الوجوه لا يشفي الغليل؛ لأنَّهُ تارةً يقيم الفعل مقام الاسم وأخرى يقيم الاسم مقام الفعل ليصح له كون الكلمة معطوفة على جنسها. وكان من الواجب عليه أن يذكر السبب الذي لأجله عبَّر عن الأولين بالمصدر، وعن الثالث بالفعل. قال: إنَّ الشيخ عبد القاهر الجرجاني، ذكر أنَّ الاسم يدلُّ على التَّمكين والاستمرار، والفعل على التجدد والحدوث، مثاله في الاسم قوله تعالى ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ [الكهف: 18] وذلك يقتضي كون تلك الحالة ثابتة راسخة، ومثال الفعل قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السمآء والأرض﴾ [يونس: 31] وذلك يُدلُّ على أنه تعالى يوصل الرِّزق إليهم ساعة فساعة. وإذا عرفت ذلك فنقول: إنَّ أبا جهلٍ ورهطهُ كاناو مجبولين على البطرِ، والمفاخرة والعجب وأما صدهم عن سبيل اللَّهِ فإنما حصل في الزَّمانِ الذي ادَّعى محمد - عليه الصَّلاة والسَّلام - فيه النبوة، فلهذا ذكر البطر والرئاء بصيغة الاسم، وذكر الصد بصيغة الفعل» . واعلم أنَّ الذي قاله ابن الخطيب لا يخدش فيما أجاب به الواحديُّ؛ لأنَّ الواحدي إنَّما أراد من حيث الصِّناعة، لا من حيث المعنى. ثم قال: ﴿والله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ أي: أنه عالم بما في دواخل القلوب، وذلك كالتَّهديدِ والزَّجر عن الرئاء. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ﴾ الآية. وهذه من جملة النعم التي خصَّ اللَّهُ أهل بدر بها، وفي العامل في «إذْ» وجوه: قيل: تقديره اذكر إذْ زيَّن لهم، وقيل: عطف على ما تقدم من تذكير النعم، وتقديره: واذكروا إذ يريكموهم وإذْ زيَّن. وقيل: هو عطف على قوله: ﴿خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَآءَ الناس﴾ تقديره: ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً ورئاء الناس وإذ زيَّن لهم الشيطان أعمالهم؛ فتكون الواو للحال، و «قد» مضمرة بعد الواو، عند من يشترط ذلك والله أعلم فصل في هذا التَّزيين وجهان: الأول: أن الشيطان زيَّن بوسوسته من غير أن يتحوَّل في صورة إنسان، وهو قول الحسن والأصم. والثاني: أنَّه ظهر في سورة إنسان. قالوا: إن المشركين حين أرَادُوا المسير إلى بدر خافوا من بني بكر بن كنانة؛ لأنَّهُم كانوا قتلوا منهم واحداً، فلم يأمنوا أن يأتوهم من ورائهم، فتصوَّر لهم إبليسُ في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، وهو في بني بكر بن كنانة من أشرافهم في جند من الشياطين، ومعه راية، وقال لا غالِبَ لَكُمْ اليَوْمَ من النَّاسِ وإني جار لكم، مجيركم، من بني كنانة، ﴿فَلَمَّا تَرَآءَتِ الفئتان﴾ أي: التقى الجمعان، رأى إبليسُ الملائكة نزلوا من السماء، فعلم أنْ لا طاقةَ لهم بهم ﴿نَكَصَ على عَقِبَيْهِ﴾ وكانت يده في يد الحارث بن هشام، فلما نَكَصَ، قال الحارثُ: أتَخْذلنا في هذه الحال؟ فقال: إني أرى ما لا ترون ودفع في صدر الحارث وانهزموا. قوله ﴿لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليوم﴾ لكم خبر» لا «فيتعلق بمحذوف، و» اليَوْمَ «منصوب بما تعلَّق به الخبر، ولا يجوزُ أن يكون» لكم «أو الظرف متعلقاً ب» غَالِبَ «؛ لأنه يكون مُطَوَّلأاً ومتى كان مُطَوَّلاً أعرب نَصْباً. قوله» مِنَ النَّاس «بيان لجنس الغالبِ. وقيل: هو حالٌ من الضَّميرِ في» لَكُمُ «لتضمُّنه معنى الاستقرار، ومنع أبو البقاءِ أن يكون» من النَّاس «حالاً من الضمير في» غَالِبَ» ، قال: «لأنَّ اسم» لا» إذا عمل فيما بعده أعرب «والأمر كذلك. قوله ﴿وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ﴾ يجوزُ في هذه الجملةِ أن تكُون معطوفةً على قوله {لاَ غَالِبَ لَكُمْ} فيكون قد عطف جملة مثبتة على أخرى منفيَّة، ويجوزُ أن تكون الواو للحال، وألف «جارٌ» من واو، لقولهم: «تَجاورُوا» وقد تقدَّم تحقيقه [النساء: 36] . و «لكم» متعلِّقٌ بمحذوف؛ لأنَّهُ ل «جارٌ» ، ويجُوز أن يتعلَّق ب «جار» لما فيه من معنى الفعل، ومعنى «جار لكم» أي: مجير لكم من كنانة. قوله ﴿فَلَمَّا تَرَآءَتِ الفئتان﴾ أي: التقى الجمعان؛ ﴿نَكَصَ على عَقِبَيْهِ﴾ «نَكَصَ» : جواب «لمَّا» والنُّكُوص: قال النضر بنُ شميلٍ: الرُّجوع قَهْقَرَى هارباً، قال بعضهم: هذا أصله، إلاَّ أنه قد اتُّسِع فيه، حتى استُعْمل في كلِّ رجوع، وإن لم يكن قَهْقَرَى؛ قال الشاعر: [البسيط] 2721 - هُمْ يَضْربُونَ حَبيكَ البَيْض إذْ لَحِقُوا ... لا يَنْكُصُونَ إذَا مَا استُلْحِمُوا وحَمُوا وقال مُؤرِّج: «النُّكُوصُ: الرجوعُ بلغة سُلَيْم» ؛ قال: [البسيط] 2722 - لَيْسَ النُّكُوصُ على الأعقابِ مَكْرُمَةً ... إنَّ المكارِمَ إقْدَامٌ على الأسَلِ فهذا إنَّما يريدُ به مُطْلَق ارُّجوع؛ لأنَّهُ كنايةٌ عن الفرارِ، وفيه نظر؛ لأنَّ غالب الفرار في القتال إنَّما هو كما ذُكِر، رجوعُ القَهْقَرَى، كخوف الفَار. و «عَلَى عَقبَيْهِ» حال، إمَّا مؤكدةٌ، عند من يَخُصُّه بالقهقرى، أو مُؤسِّسةٌ، عند من يستعمله في مطلق الرُّجُوعِ. ثم قال: ﴿إِنِّي برياء مِّنْكُمْ إني أرى مَا لاَ تَرَوْنَ﴾ . قيل: رأى الملائكة فخافهم. وقيل: رأى أثر النُّصْرَة والظَّفر في حق النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فعلم أنه لو وقف لنزلت عليه بليّة. وقيل: رأى جبريل فخافه. وقيل: لمَّا رأى الملائكة ينزلون من السماء ظنَّ أنَّ الوقت الذي أنظر إليه قد حضر، وأشفق على نفسه، وقيل «أرَى مَا لاَ تَرَوْنَ» من الرأي. وقوله: ﴿إني أَخَافُ الله﴾ قال قتادة: «قال إبليس» إنِّي أرَى ما لا ترَوْنَ «وصدق، وقال ﴿إني أَخَافُ الله﴾ وكذب ما به مخافة الله، ولكن علم أنه لا قوة له ولا منعة، فأوردهم وأسلمهم» . وقال عطاءٌ: إنّي أخاف اللَّهَ أن يهلكني فيمن هلك. وقال الكلبيُّ: خاف أن يأخذه جبريل ويعرفهم حاله، فلا يطيعوه. وقيل: معناه إنِّي أخافُ الله، أي: أعلم صدق وعده لأوليائه؛ لأنه كان على ثقة من أمره، وقيل: معناه إنِّي أخاف الله عليكم. وقوله: ﴿والله شَدِيدُ العقاب﴾ . قيل: انقطع الكلام عند قوله «أخَافُ اللَّه» ثم قال ﴿والله شَدِيدُ العقاب﴾ ويجُوز أن يكون من بقيِّة كلام إبليس. روى طلحة بن عبيد الله بن كريز أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «مَا رُئيِ الشيطانُ يوماً هُو فيه أصغرُ، ولا أدحرُ، ولا أحقَرُ، ولا أغْيَظُ مِنْهُ في يَوْمِ عرفةَ، وما ذاكَ إلاَّ لِمَا رَأى من تنزُّلِ الرَّحْمَة وتجاوزُ الله عن الذُّنُوبِ العظام، إلاَّ ما كان من يَوْمِ بدرٍ» فقيل: وَمَا رأى يَوْمَ بدرٍ؟ قال: «أما إنَّهُ رَأى جبريلَ وهُوَ يَنْزعُ المَلائِكَة» ، حديث مرسل. قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ المنافقون﴾ العامل في «إذْ» إمَّا «زيَّن» ، وإمَّا «نَكَصَ» وإما «شديدُ العقاب» وإما «اذكروا» . قال ابنُ الخطيب: «وإنما لم تدخل الواو في قوله» إذْ يقُولُ «ودخلت في قوله» وإذْ زَيَّن» ؛ لأنَّ قوله: «وإذْ زيَّن» عطف التزين على حالهم وخروجهم بطراً ورئاء النَّاس. وأما قوله ﴿إِذْ يَقُولُ المنافقون﴾ فليس فيه عطف على ما قبله، بل هو ابتداء كلام منقطع عما قبله» . فصل المنافقون: قوم الأوس والخزرجِ، وأمَّا الذين في قلوبهم مرض فهم قوم من قريش أسلموا وما قوي إسلامهم، وكانوا بمكَّة مستضعفين، قد أسلموا وحبسهم أقرباؤهم عن الهجرة فلما خرجت قريش إلى بدرٍ أخرجوهم كُرْهاً، فلمَّا نظروا إلى قلّة المسلمين ارتابوا وارتدوا، وقالوا ﴿غَرَّ هؤلاء دِينُهُمْ﴾ . و ﴿غَرَّ هؤلاء دِينُهُمْ﴾ منصوب المحل بالقول. قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: «معناه أنه خرج بثلاث مائة وثلاثة عشر يقاتلون ألف رجل» وقيل المرادُ: إن هؤلاء يسعون في قتل أنفسهم، رجاء أن يجعلوا أحياء بعد الموتِ، ويثابون على هذا القَتْلِ. فقالوا: غرَّ هؤلاء دينهم. فقتلوا جميعاً، منهم: قيسُ بنُ الوليد بن المغيرة، وأبُو قيس بنُ الفاكه بن المغيرة المخزميان، والحارثُ بن زمعة بن الأسود بن المطلب، وعلي بنُ أميّة بن خلف الجمحيُّ، والعاصي بن منبه بن الحجَّاج. ثم قال: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله﴾ أي: يسلم أمره إلى اللَّه، ويثقُ به، فإنَّ اللَّهَ حافظه وناصره؛ لأنَّهُ عزي لا يغلبه شيء، حكيم يوصل العذاب إلى أعدائه، والرحمة والثواب إلى أوليائه. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ ترى إِذْ يَتَوَفَّى الذين كَفَرُواْ الملاائكة﴾ الآية. لمَّا شرح أحوال الكُفَّار، شرح أحوال موتهم، والعذاب الذي يصل إليهم. قرأ ابن عامر والأعرج «تَتَوفَّى» بتاء التأنيث، لتأنيث الجماعة، والباقون بياء الغيبة وفيها تخريجان، أظهرهما - لموافقة قراءة من تقدَّم -: أنَّ الفاعل هم الملائكة، وإنما ذُكِّرَ للفصل؛ ولأنَّ التأنيث مجازي. والثاني: أنَّ الفاعل ضمير الله تعالى: لتقدم ذكره و «الملائكةُ» مبتدأ، و «يَضْرِبُونَ» خبره، وفي هذه الجملةِ حينئذٍ وجهان: أحدهما: أنَّها حالٌ من المفعول. والثاني: أنَّها استئنافيةٌ، جواباً لسؤالٍ مقدر، وعلى هذا فيوقف على «الَّذين كَفَرُوا» بخلاف الوجهين قبله. وضعَّف ابنُ عطية وجه الحالِ بعدم الواو، وليس بضعيفٍ لكثرة مجيء الجملة الحالية مشتملة على ضمير ذي الحال خاليةً من «واو» نظماً ونثراً، وعلى كون «الملائكةُ» فاعلاً، يكون «يَضْربُونَ» جملةً حاليةً، سواءً قرىء بالتأنيث أم بالتذكير، وجوابُ «لَوْ» محذوفٌ للدلالة عليه، أي: رأيت أمراً عظيماً. فصل المعنى: ولو عاينت؛ لأنَّ «لو» ترد المضارع إلى الماضي، كما ترد «إن» الماضي إلى المضارع. قال الواحديُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: «معنى يتوفى الذين كفروان يقبضون أرواحهم» قيل: عند الموت تضرب الملائكة وجوه الكفار وأدبارهم. وقيل: أراد المشركين الذين قتلوا ببدر، كانت الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم. قال سعيدُ بن جبيرٍ، ومجاهد: يريدُ: أستاههم ولكن الله تعالى حَييٌّ يُكَنِّي. وقال ابن عباس «كان المشركون إذا أقبلوا بوجوههم إلى المسلمين ضربوا وجوههم بالسيف وإذا ولَّوْا أدركتهم الملائكة يضربون أدبارهم وقال ابن جريح «يريدُ ما أقبل منهم وما أدبر يضربون أجسادهم كلها» . والمراد بالتوفي: القتل. قوله ﴿وَذُوقُواْ عَذَابَ الحريق﴾ هذا منصوب بإضمار قول الملائكة، أي: يضربونهم ويقولون لهم: ذوقوا. وقيل: الواو في «يَضْربُونَ» للمؤمنين أي: يَضْربونهم حال القتال، وحال توفِّي أرواحهم الملائكة. قيل: كان مع الملائكة مقامع من حديد، يضربون بها الكُفَّار، فتلتهب النَّار في جراحاتهم؛ فذلك قوله: ﴿وَذُوقُواْ عَذَابَ الحريق﴾ ، وقال الحسن - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: «هذا يوم القيامة، تقولُ لهم خزنةُ جهنم: ذوقوا عذاب الحريقِ» وقال ابنُ عبَّاسٍ - رضي الله تعالى عنهما -: «يقولون لهم ذلك بعد الموت» . قوله: ﴿ذلك بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ . أي: ذلك الضرب الذي وقع بكم، أو عذاب الحريق: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ بما كسبت أيديكم وهذا إخبار عن قول الملائكة - عليهم السلام -. قال الواحديُّ: «يجوز أن يقال» ذلك» مبتدأ، وخبره ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ ويجوز أن يكون خبره محذوفاً، والتقدير: ذلك جزاؤكم بما قدمت أيديكم، ويجوزُ أن يكون محل «ذلك» نَصْباً والتقدير: فعلنا ذلك بما قدمت أيديكم» . فصل فإن قيل: قوله ﴿ذلك بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ يقتضي أنَّ فاعل هذا الفعل هو اليد، وذلك ممتنع لوجوه، أولها: أنَّ هذا العذاب إنما وصل إليهم بسبب كفرهم، ومحل الكفر هو القلب لا اليد وثانيها: أن اليد ليست محلاًّ للمعرفة والعلم، فلا يتوجَّه التكليف عليها، فلا يمكن إيصال العذاب إليها. فالجوابُ: أن اليد ههنا عبارة عن القدرة وحسن هذا المجاز كون اليد آلة العمل، والقدرة هي المؤثرة في العمل، فحسن جعل اليد كناية عن القدرة. واعْلَمْ أن الإنسان جوهر واحد، وهو الفعال، وهو الدراك، وهو المؤمن، وهو الكافر وهو المطيعُ، وهو العاصي، وهذ الأعضاء آلات لهُ، وأدوات له في الفعل؛ فأضيف الفعل في الظَّاهر إلى الآله، وهو في الحقيقة مضاف إلى جوهر ذاتِ الإنسان. فإن قيل: إنَّه جعل هذا العقاب، إنَّما تولَّد من الفعل الذي صدر عنه، والعقاب إنما يتولَّد من العقائد الباطلة. فالجوابُ: أنَّا بيَّنا أنَّ الفعل إنما ينشأ عن الاعتقاد، فأطلق على المسبب اسم السَّببِ وهذا من أشهر وجوه المجاز. قوله: ﴿وَأَنَّ الله لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ . في محل «أنَّ» وجهان: أحدهما: النصبُ بنزع الخافض يعني: بأنَّ اللَّهَ. والثاني: أنَّكَ إن جعلت قوله: «ذلك» في موضع رفع، جعلت «أنَّ» في موضع رفع أيضاً، أي: وذلك أنَّ الله. قال الكسائيُّ: «ولو كسرت ألف» أنَّ «على الابتداء كان صواباً، وعلى هذا التقدير يكون كلاماً مبتدأ منقطعاً عمَّ قبله» . فصل قالت المعتزلةُ: لو كان اللَّه تعالى يخلق الكفر في الكافر، ثم يعذبه عليه لكان ظالماً، وأيضاً قوله تعالى: ﴿ذلك بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ الله لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ يدلُّ على أنه تعالى إنَّما لم يكن ظالماً بهذا العذاب؛ لأنَ العبد قدَّم ما استوجب عليه هذا العذاب، وذلك يدلُّ على أنَّهُ لو لم يصدر منه تعالى ذلك التقديم لكان ظالماً في هذا العذاب، وأيضاً: لو كان موجد الكفر والمعصية هو الله لا العبد لوجب كون الله ظالماً، وهذه المسألة قد سبق ذكرها مُسْتَقْصَاةً في آل عمران. قوله تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ الآية. لمَّا بيَّن ما أنزله بأهل بدر من الكفَّار عاجلاً وآجلاً، أتبعه بأن بيَّن أنَّ هذه طريقته وسنته ودأبه في الكل فقال: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ . قال ابنُ عبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما «هو أن آل فرعون أيقنوا أنَّ موسى نبي الله فكذبوه، كذلك هؤلاء جاءهم محمد بالصِّدق فكذَّبوه، فأنزل الله عقوبته، كما أنزل بآل عمران» . ﴿والذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ أي: كعادة الذين من قبلهم، وتقدَّم الكلامُ على «كَدَأبِ» في آل عمران. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الله قَوِيٌّ شَدِيدُ العقاب﴾ والغرضُ منه: التَّنبيه على أن لهم عذاباً مُدْخراً سوى ما نزل بهم من العذاب العاجل، ثمَّ ذكر ما يجري مجرى العلَّة في العقاب الذي أنزله بهم، فقال: ﴿ذلك بِأَنَّ الله﴾ ، «ذلك» مبتدأ وخبر أيضاً، كنظيره أي: ذلك العذابُ أو الانتقامُ بسبب أنَّ اللَّه. قوله «لَمْ يَكُ» قال أكثرُ النحاةِ: إنَّما حذفت النون؛ لأنَّها لم تشبه الغُنَّة المحضة فأشبهت حروف اللين ووقعت طرفاً، فحذفت تشبيهاً بها، كما تقولُ: لَمْ يَدْعُ، ولمْ يَرْمِ. قال الواحدي - رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى -: «هذا ينتقض بقولهم: لَمْ يَزنْ، ولمْ يَخنْ، ولم يسمع حذف النون ههنا» . وأجاب علي بن عيسى فقال: إنَّ «كان» و «يكون» أم الأفعال، من أجل أن كل فعل قد حصل فيه معنى «كان» ، فقولنا: ضرب، معناه: كان ضرب، ويضرب معناه يكون ضرب، وهكذا القول في الكُلِّ؛ فثبت أنَّ هذه الكلمة أم الأفعال، فاحتيج إلى الاستعمال في أكثر الأوقات، فاحتملت هذا الحذف، بخلاف قولنا: لم يخُنْ، ولم يزن، فإنَّه لا حاجة إلى ذكرها كثيراً، فظهر الفرق. فصل معنى الآية إنَّ الله لا يُغَيِّر ما أنعم على قوم، حتى يُغَيِّرُوا ما بهم بالكفران وترك الشكر، فإذا فعلوا ذلك غيَّر اللَّهُ ما بهم، فسلبهم النعمة فصل قال القاضي «معنى الآية: أنه تعالى أنعم عليهم بالعقل والقدرة وإزالة الموانع، وتسهيل السبل، والمقصودُ: أن يشتغلوا بالعبادة والشَّكْرِ، ويعدلوا عن الكفر، فإذا صرفوا هذه الأمور إلى الكفر والفسق، فقد غيَّروا نعم اللَّهِ على أنفسهم فلا جرم استحقوا تبديل النعم بالنقم، والمنح بالمحن» . قال: «وهذا من أوكد ما يدلُّ على أنه تعالى لا يبتدأ أحداً بالعذاب والمضرة، وأنَّ الذي يفعله لا يكون إلاّ َجزاء على معاصٍ سلفت، لو كان تعالى خلقهم، وخلق جسمانهم وعقولهم ابتداء للنَّار كما يقوله القومُ لما صحَّ ذلك» . وأجيب: بأن ظاهر الآية مشعر بما قاله القاضي؛ إلاَّ أنَّا لو حملنا الآية عليه لزم أن يكون صفةُ اللَّهِ تعالى مُعَلَّلَةً بفعل الإنسان؛ لأنَّ حكمَ اللَّهِ بذلك التغيير وإرادته، لمَّا كان لا يحصل إلاَّ عند إتيان الإنسان بذلك الفعل، فلو لم يصدر عنه ذلك الفعل لم يحصل للَّه تعالى ذلك الحكم وتلك الإرادة، فحينئذٍ يكون فعل الإنسان مؤثراً في حدوث صفة في ذات اللَّهِ تعالى، ويكون الإنسان مغيراً صفة اللَّهِ ومؤثراً فيها، وذلك محال في بديهة العقل؛ فثبت أنه لا يمكن حمل هذا الكلام على ظاهره، بل الحقُ أنَّ صفة الله غالبة على صفات المحدثات، فلولا حكمه وقضاؤه أولاً لما أمكن للعبد أن يأتي بشيء من الأفعال والأقوال. ثم قال: ﴿وَأَنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: سميع لأقوالهم، عليم بأفعالهم. قوله: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ . فإن قيل: إنه تعالى ذكر: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ مرتين، فما فائدة؟ فالجوابُ من وجوه، منها: أنَّ الكلام الثَّاني يجري مجرى التفصيل للكلام الأول؛ لأنَّ الأول فيه ذكرُ أخذهم، وفي الثاني ذكر إغراقهم، وذلك تفصيل، ومنها: أنَّهُ أريد بالأوَّلِ ما نزل بهم من العقوبة في حال الموت، وبالثاني ما ينزلُ بهم في القبر وفي الآخرة، ومنها: أنَّ الكلام الأول هو قوله: ﴿كَفَرُواْ بِآيَاتِ الله﴾ والكلام الثاني هو قوله: ﴿كَذَّبُواْ بآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ فالأوَّلُ إشارة إلى أنَّهم أنكروا دلائل الإلهية، والثاني إشارة إلى أنَّهُ سبحانه ربَّاهم وأنعم عليهم بالوجوه الكثيرة، فأنكروا دلائل التربية والإحسان مع كثرتها، وتواليها عليهم فكان الأثر اللازم من الأول الأخذ، والأثر اللازم من الثاني هو الإهلاك والإغراق وذلك يدلُّ على أنَّ للكفر أثراً عظيماً في حصول الإهلاك، ومنها: أنَّ الأول دَأبٌ في أن هلكوا لمَّا كفروا، وهذا دأبٌ في أن لم يُغيِّر اللَّهُ نعمتهم حتَّى يُغيروها هم. ومنها: قال الكرمانيُّ: «يحتملُ أن يكون الضميرُ في:» كفرُوا» في الآية الأولى عائداً على قريش، والضمير في: «كذَّبُوا» في الثانية عائداً على آل فرعون والذين من قبلهم، كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم، أهلكنا بعضهم بالرجفةِ، وبعضهم بالخسف، وبعضهم بالريحِ، وبعضهم بالغرق، وكذلك أهلكنا كفار بدر بالسيفِ لما كذبوا، وأغرقنا آل فرعون» . ﴿وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ﴾ جمع الضمير في: «كانوا» ، وجمع: «ظالمين» مراعاةً لمعنى «كُل» لأنَّ «كُلاًّ» متى قطعت عن الإضافة جاز مراعاةُ لظفها تارةٌ، ومعناها أخرى. وإنَّما اختير هنا مراعاةُ المعنى؛ لأجل الفواصل، ولو رُوعي اللَّفظُ فقيل مثلاً وكلٌّ كان ظالماً، لَمْ تتَّفِق الفواصل.

الأنفال 8:55

قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدواب عِندَ الله الذين كَفَرُواْ﴾ الآية. لمَّا وصف كُلَّ الكفار بقوله: ﴿وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ﴾ [الأنفال: 54] أفرد بعضهم بمزية في الشر والعناد فقال: ﴿إِنَّ شَرَّ الدواب عِندَ الله﴾ أي: في حكمه وعلمه من حصلت له صفتان: الأولى: الكافر المستمر على كفره مصرّاً عليه. الثانية: أن يكون ناقضاً للعهد، فقوله: ﴿الذين كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُون﴾ إشارة إلى استمرارهم على الكفر، وصرارهم عليه، وقوله: ﴿الذين عَاهَدْتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ﴾ إشارة إلى نقض العهد. قال الكلبيُّ ومقاتلٌ: يعني يهود بني قريظة، منهم كعب بن الأشرف وأصحابه. ﴿الذين عَاهَدْتَّ مِنْهُمْ﴾ أي: عاهدنهم. قيل: عاهدت بعضهم، وقيل: أدخل «مِنْ» لأن معناه: أخذت منهم العهد. ﴿ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ﴾ . قال ابنُ عباسٍ «هم بنو قريظة، نقضوا العقد الذي كان بينهم وبين رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأعانوا المشركين على قتال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يوم بدر، ثم قالوا: نسينا وأخطأنا فعاهدهم ثانياً، فنقضوا العهد ومالوا مع الكفار على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يوم الخندق، وركب كعب بن الأشرف إلى مكة فوافقهم على مخالفة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، ﴿وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ﴾ لا يخافون الله في نقض العهد. قوله» الَّذينَ عاهدَتَّ «يجوزُ فيه وجهان: أحدها: الرَّفْعُ على البدل من الموصول قبله، أو على النَّعت له، أو على عطف البيان، او النصبُ على الذَّمِّ، أو الرفع على الابتداء، والخبرُ قوله» فإمَّا تَثْقَفَنَّهُم «بمعنى: من تعاهد منهم، أي: من الكفار ثم ينقضون عهدهم، فإن ظفِرتَ بهم فاصنعْ كيت وكيت، فدخلت الفاءُ في الخبر لشبه المبتدأ بالشرط، وهذا ظاهر كلام ابن عطية رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى. و» مِنْهُمْ «يجوز أن يكون حالاً من عائد الموصول المحذوف، إذ التقدير: الذين عادتهم، أي: كائنين منهم، ف» مِنْ «للتبعيض. وقيل: هي بمعنى:» مع «. وقيل: الكلام محمول على معناه، أي: أخذت منهم العهد. وقيل: زائدةٌ أي: عاهدتهم. والأقوالُ الثلاثةُ ضعيفةٌ، والأول أصحُّ. ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الحرب فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾ . قال ابن عباس ﴿فنكل بهم من خلفهم﴾ . وقال سعيدُ بنُ جبيرٍ: ﴿أنذر بهم من خلفهم﴾ . العامَّةُ على الدال المهملة في» فَشرِّدْ. وأصل التَّشْرِيدِ، التَّطريدُ والتفريقُ والتبديدُ. وقيل: التفريق مع الاضطراب، والمعنى: فرق بهم جمع كل ناقض، أي: افعل بهؤلاء الذين نقضوا عهدك وجَاءُوا لحربك فعلاً من الحرب والتمكين، يفرقُ منك ويخافك من خلفهم من أهل مكة واليمن، «لَعَلَّهُم يذَّكرُون» يتذكرون ويعتبرون فيا ينقضون العهد. وقرأ الأعمش بخلاف عنه: «فَشَرِّذْ» بالذال المعجمة. وقال أبُو حيَّان رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: «وكذا هي في مصحف عبد الله» . قال شهاب الدين: «وقد تقدَّم أنَّ النَّقْطَ والشَّكْلَ أمرٌ حادثٌ، أحدثه يحيى بن يعمر، فكيف يُوجد ذلك في مصحف ابن مسعود؟» . قيل: وهذه المادة - أعني: الشين، والرَّاء، والذال المعجمة - مهملة في لغة العرب وفي هذه القراءةِ أوجه، أاحدها: أنَّ الذَّال بدلُ من مجاورتها، كقولهم: خراديل وخراذيل. الثاني: أنه مقلوبٌ مِنْ «شذر» ، من قولهم: تَفرَّقُوا شَذَرَ مَذَرَ، ومنه: الشَّذْر المُلتقط من المعدن؛ لتفرُّقِهِ؛ قال: [الطويل] 2723 - غَرَائِرُ فِي كِنٍّ وَصوْنٍ ونَعْمَةٍ ... يُحَلَّيْنَ يَاقُوتاً وشَذْراً مُفَقَّرا الثالث: أنه من ذر في مقاله، إذا أكثر فيه، قاله أبو البقاءِ، ومعناه غير لائق هنا. وقال قطرب: «شرّذ» بالمعجمة، التنكيل، وبالمهملة: التَّفريق. وهذا يُقَوِّي قول من قالك إن هذا المادَّة ثابتةٌ في لغة العربِ. قوله «مَنْ خَلْفَهُمْ» مفعول: «شرِّدط. وقرأ الأعمشُ بخلاف عنه وأبو حيوة» مِنْ خلفهم «جاراً ومجروراً، والمفعولُ على هذه القراءة محذوفٌ، أي: فشرِّدُ أمثالهم من الأعداء، وأناساً يعملون بعملهم، والضميران في» لَعَلَّهُم يذكَّرُون» الظَّاهِرُ عودهما على «مَنْ خَلْفَهُمْ» ، أي: إذا راوا ما حلَّ بالمناقضين تذكَّرُوا. وقيل: يعودان على المثقفين، وليس له معنى طائل. قوله: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فانبذ إِلَيْهِمْ على سَوَآءٍ﴾ . مفعول انبذ محذوف، أي: انبذ إليهم عهودهم، أي: اطرحها، ولا تكترث بها و» عَلَى سواءٍ «حال إمَّا من الفاعل، أي انبذها، وأنت على طريقٍ قصدٍ، أي: كائناً على عدل، فلا تَبْغتهُمْ بالقتالِ بل أعلمهم به، وإمَّا من الفاعل والمفعول معاً، أي: كائنين على استواء في العلم، أو في العداوةِ. وقرأ العامَّةُ بفتح السِّين، وزيد بن علي بكسرها، وهي لغة تقدم التنبيه عليها أول البقرة. فصل المعنى: وإمَّا تعلمنَّ يا محمد» من قومٍ «معادين:» خيانةً» نقض عهد بما يظهر لك منهم من آثار الغدر، كما يظهر من قريظة والنضير: «فانبِذْ إليْهِمْ» فاطرح» إليهمْ «عهدهم» على سواءٍ «. يقول: أعلمهم قبل حربك إيَّاهم أنك قد فسخت العهد بينك وبينهم حتَّى تكون أنت وهم في العلم بنقض العهد سواء، فلا يتوهموا أنك نقضت العهد بنصبِ الحرب معهم. وقوله: ﴿إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الخائنين﴾ هذه الجملة يحتمل أن تكون تعليلاً معنوياً للأمر بنبذ العهد على عدل، وهو إعلامهم، وأن تكون مستأنفة، سيقت لذمِّ من خان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، ونقض عهده. قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ﴾ الآية. قرأ ابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم» يَحْسبنَّ «بياء الغيبة هنا، وفي النور في قوله: ﴿لاَ تَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ﴾ [النور: 57] كذلك، خلا حفصاً، والباقون بتاء الخطابِ، وفي قراءة الغيبة تخريجاتٌ كثيرة سبق نظائرها في أواخر آل عمران، ولا بدَّ من التنبيه هنا على ما تقدَّم، فمنها، أنَّ الفعل مسندٌ إلى ضميرٍ يُفسِّره السياق، تقديره: ولا يحسبنَّ هو أي: قبيل المؤمنين، أو الرسول، أو حاسب. أو يكون الضمر عائداً على:» مَنْ خَلفهُمْ» . وعلى هذه الأقوالِ، فيجوزُ أن يكون «الذينَ كفرُوا» مفعولاً أول و «سَبَقُوا» جملة في محل نصب مفعولاً ثانياً. وقيل: الفعلُ مسندٌ إلى «الذينَ كفرُوا» ثم اختلف هؤلاء في المفعولين، فقال قوم: الأول محذوفٌ تقديره: ولا يَحْسبنَّهم الذين كفروا سبقوا، ف «هَم» مفعول أول، و «سَبَقُوا» في محل الثاني: أو يكون التقدير: لا يحسبنَّ الذين كفروا أنفسهم سبقُوا. وهو في المعنى كالذي قبله. وقال قومٌ: بل «أنْ» الموصولة محذوفة، وهي وما في حيَّزها سادةٌ مسدَّ المفعولين، والتقدير: ولا سحبن الذين كفروا أن سبقُوا، فحذفت «أنْ» الموصولة وبقيت صلتها، كقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ﴾ [الروم: 24] وقوله: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ الله تأمروني أَعْبُدُ﴾ [الزمر: 64] . قاله الزجاج: والتقدير: ولا يحسبن الذين كفروا أن سبقونا، وحذف «أن» الموصولة في القرآن، وفي كلام العرب كثير، فأمَّا القرآن فكالآيات، ومن كلام العربِ: تسمعُ بالمعيديِّ خيرٌ من أن تراه؛ وقوله: [الطويل] 2724 - ألاَ أيُّهذا الزَّاجِرِي أحضرُ الوغَى..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ويؤيد هذا الوجه قراءة عبد الله «أنهم سبقوا» . وقال قومٌ: بل «سَبَقُوا» في محلِّ نصب على الحال، والسادُّ مسدَّ المفعولين: ﴿إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ﴾ ، وتكون «لا» مزيدةً ليصح المعنى. قال الزمشخري - بعد ذكره هذه الأوجه - «وليست هذه القراءةُ التي تفرَّد بها حمزةُ بنيِّرة» وقد ردَّ عليه جماعةٌ هذا القول، وقالوا: لم ينفرد بها حمزةُ، بل وافقه عليها من قُرَّاء السبعة ابنُ عامر أسنُّ القراءة وأعلاهُم إسناداً، وعاصمُ في رواية حفص ثم هي قراءة أبي جعفر المدني شيخ نافع، وأبي عبد الرحمن السلمي، وابن محيصن وعيسى، والأعمش، والحسن البصرين، وأبي رجاء، وطلحة، وابن أبي ليلى. وقد ردَّ عليه أبو حيان أيضاً أنَّ «لا يحْسبَنَّ» واقع على «أنهم لا يُعْجِزون» وتكون «لا» صلة، بأنَّهُ لا يتأتَّى على قراءة حمزة، فإنَّهُ يقرأ بكسر الهمزة، يعني فكيف تلتئم قراءةُ حمزة على هذا التخريج. قال شهابُ الدِّين: «هو لم يلتزم التخريج على قراءة حمزة في الموضعين، أعني:» لا يَحْسبنَّ» وقوله: «أنهم لا يعجزون» ، حتى نلزمه ما ذكر» وأما قراءةُ الخطاب فواضحةٌ، أي: لا تحسبنَّ يا محمدُ، أو يا سامعُ، و «الذين كفرُوا» مفعول أول، والثاني: «سبقوا» ، وقد تقدَّم في آل عمران وجهُ أنه يجوز أن يكون الفاعل الموصول، وإنَّما أتى بتاءِ التأنيث، لأنه بمعنى «القوم» ، كقوله: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ [الشعراء: 105] . وقرأ الأعمش «ولا يَحْسبَ الذينَ كَفَرُوا» بفتح الباء. وتخريجها على أن الفعل مؤكدٌ بنون التَّوكيد الخفيفة، فحذفها؛ لالتقاء الساكنين، كما يحذفُ له التنوين؛ فهو كقوله: [المنسرح] 2725 - لا تُهِينَ الفَقيرَ علَّكَ أنْ ... تَرْكعَ يوماً والدَّهْرُ قد رفعهْ أي: لا تُهينن، ونقل بعضهم: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين﴾ من غير توكيدٍ ألبتَّة، وهذه القراءةُ بكسر الباءن على أصل التقاء الساكنين. قوله: «سَبَقُوا» أي: فاتوا. نزلت في الذين انهزموا يوم بدرٍ من المشركين، فمن قرأ بالياء، يقول لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم سابقين فائتين من عذابنا، ومن قرأ بالتَّاءِ فعلى الخطاب. قوله ﴿إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ﴾ قرأ ابن عامر بالفتح، والباقون بالكسر. فالفتح إمَّا على حذفِ لام العلة، أي: لأنهم. واستبعد أبو عبيد وأبو حاتم قراءة ابن عامر، ووجهُ الاستبعادِ أنَّها تعليلٌ للنَّهْي، أي: لا تحسبنَّهم فائتينح لأنَّهم لا يعجزون، أي: لا يقع منك حُسبانٌ لفوتهم؛ لأنَّهم لا يعجزون، وإمَّا على أنَّها بدلٌ من مفعولي الحسبان. وقال أبُو البقاء: «إنَّه متعلقٌ ب» حسب «، إمَّا مفعولٌ، أو بدلٌ من سَبَقُوا» . وعلى كلا الوجهين تكون «لا» زائدة» ، وهو ضعيفٌ، لوجهين: أحدهما: زيادة «لا» . والثاني: أن مفعول» حسبن «إذا كان جملة، وكان مفعولاً ثانياً كانت» إنَّ «فيه مكسورة؛ لأنَّه موضع ابتداء وخبر. وقرأ العامة:» لا يُعْجِزُونَ «بنون واحدة خفيفةٍ مفتوحةٍ، وهي نونُ الرفع. وقرأ ابن مُحَيْصِن» يُعْجِزُوني «بنون واحدة، بعدها ياء المتكلم، وهي نون الوقاية، أو نون الرفع، وقد تقدَّم الخلافُ في ذلك في سورة الأنعام في:» أتحاجُّوني «. قال الزجاج: ألاختيارُ الفتحُ في النُّونِ، ويجوزُ كسرها، على أنَّ المعنى: لا يُعجزُونَنِي وتحذف النون الأولى، لاجتماع النونين» ؛ كما قال عمر بن أبي ربيعة: [الوافر] 2726 - تَراهُ كالثَّغَامِ يعلُّ مِسْكاً ... يسُوءُ الفالياتِ إذا فَلَيْنِي وقال متمم بنُ نُويرَةَ: [الكامل] 2727 - ولقَدْ علمْتِ ولا مَحَالَة أنَّنِي ... للحَادِثاتِ فَهَلْ تَرَيْنِي أجْزَعُ قال الأخفشُ: «فهذا البيتُ يجوز على الاضطرار» . وقرأ ابنُ محيصن أيضاً «يُعجزُونِّ» بنون مشددة مكسورةٍ، أدغم نون الرفع في نون الوقاية، وحذف ياء الإضافة مُجْتَزِئاً عنها بالكسرة، وعنه أيضاً فتحُ العين وتشديدُ الجيم وكسر النون، مِنْ «عَجَّزَ» مشدداً. قال أبو جعفرٍ: «وهذا خطأ من وجهين: أحدهما: أنَّ معنى» عَجّضزه «ضعَّفه وضعَّف أمره. والآخر: كان يجب أن يكون بنونين» . قال شهابُ الدِّين: «أمَّا تخطئة النَّحاس لهُ فخطأٌ؛ لأن الإتيان بالنُّونين ليس بواجب بل هو جائز، وقد قرىء به في مواضع في المتواتر، سيأتي بعضها، وأمَّا» عجَّز «بالتشديد فليس معناه مقتصراً على ما ذكر، بل نقل غيره من أهل اللغة أن معناه نسبني إلى العجز، أو معناه: بَطَّأ، وثبَّط، والقراءة معناها لائقٌ بأحد المعنيين» . قرأ طلحة بكسر النون خفيفة.

الأنفال 8:56

قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدواب عِندَ الله الذين كَفَرُواْ﴾ الآية. لمَّا وصف كُلَّ الكفار بقوله: ﴿وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ﴾ [الأنفال: 54] أفرد بعضهم بمزية في الشر والعناد فقال: ﴿إِنَّ شَرَّ الدواب عِندَ الله﴾ أي: في حكمه وعلمه من حصلت له صفتان: الأولى: الكافر المستمر على كفره مصرّاً عليه. الثانية: أن يكون ناقضاً للعهد، فقوله: ﴿الذين كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُون﴾ إشارة إلى استمرارهم على الكفر، وصرارهم عليه، وقوله: ﴿الذين عَاهَدْتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ﴾ إشارة إلى نقض العهد. قال الكلبيُّ ومقاتلٌ: يعني يهود بني قريظة، منهم كعب بن الأشرف وأصحابه. ﴿الذين عَاهَدْتَّ مِنْهُمْ﴾ أي: عاهدنهم. قيل: عاهدت بعضهم، وقيل: أدخل «مِنْ» لأن معناه: أخذت منهم العهد. ﴿ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ﴾ . قال ابنُ عباسٍ «هم بنو قريظة، نقضوا العقد الذي كان بينهم وبين رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأعانوا المشركين على قتال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يوم بدر، ثم قالوا: نسينا وأخطأنا فعاهدهم ثانياً، فنقضوا العهد ومالوا مع الكفار على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يوم الخندق، وركب كعب بن الأشرف إلى مكة فوافقهم على مخالفة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، ﴿وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ﴾ لا يخافون الله في نقض العهد. قوله» الَّذينَ عاهدَتَّ «يجوزُ فيه وجهان: أحدها: الرَّفْعُ على البدل من الموصول قبله، أو على النَّعت له، أو على عطف البيان، او النصبُ على الذَّمِّ، أو الرفع على الابتداء، والخبرُ قوله» فإمَّا تَثْقَفَنَّهُم «بمعنى: من تعاهد منهم، أي: من الكفار ثم ينقضون عهدهم، فإن ظفِرتَ بهم فاصنعْ كيت وكيت، فدخلت الفاءُ في الخبر لشبه المبتدأ بالشرط، وهذا ظاهر كلام ابن عطية رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى. و» مِنْهُمْ «يجوز أن يكون حالاً من عائد الموصول المحذوف، إذ التقدير: الذين عادتهم، أي: كائنين منهم، ف» مِنْ «للتبعيض. وقيل: هي بمعنى:» مع «. وقيل: الكلام محمول على معناه، أي: أخذت منهم العهد. وقيل: زائدةٌ أي: عاهدتهم. والأقوالُ الثلاثةُ ضعيفةٌ، والأول أصحُّ. ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الحرب فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾ . قال ابن عباس ﴿فنكل بهم من خلفهم﴾ . وقال سعيدُ بنُ جبيرٍ: ﴿أنذر بهم من خلفهم﴾ . العامَّةُ على الدال المهملة في» فَشرِّدْ. وأصل التَّشْرِيدِ، التَّطريدُ والتفريقُ والتبديدُ. وقيل: التفريق مع الاضطراب، والمعنى: فرق بهم جمع كل ناقض، أي: افعل بهؤلاء الذين نقضوا عهدك وجَاءُوا لحربك فعلاً من الحرب والتمكين، يفرقُ منك ويخافك من خلفهم من أهل مكة واليمن، «لَعَلَّهُم يذَّكرُون» يتذكرون ويعتبرون فيا ينقضون العهد. وقرأ الأعمش بخلاف عنه: «فَشَرِّذْ» بالذال المعجمة. وقال أبُو حيَّان رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: «وكذا هي في مصحف عبد الله» . قال شهاب الدين: «وقد تقدَّم أنَّ النَّقْطَ والشَّكْلَ أمرٌ حادثٌ، أحدثه يحيى بن يعمر، فكيف يُوجد ذلك في مصحف ابن مسعود؟» . قيل: وهذه المادة - أعني: الشين، والرَّاء، والذال المعجمة - مهملة في لغة العرب وفي هذه القراءةِ أوجه، أاحدها: أنَّ الذَّال بدلُ من مجاورتها، كقولهم: خراديل وخراذيل. الثاني: أنه مقلوبٌ مِنْ «شذر» ، من قولهم: تَفرَّقُوا شَذَرَ مَذَرَ، ومنه: الشَّذْر المُلتقط من المعدن؛ لتفرُّقِهِ؛ قال: [الطويل] 2723 - غَرَائِرُ فِي كِنٍّ وَصوْنٍ ونَعْمَةٍ ... يُحَلَّيْنَ يَاقُوتاً وشَذْراً مُفَقَّرا الثالث: أنه من ذر في مقاله، إذا أكثر فيه، قاله أبو البقاءِ، ومعناه غير لائق هنا. وقال قطرب: «شرّذ» بالمعجمة، التنكيل، وبالمهملة: التَّفريق. وهذا يُقَوِّي قول من قالك إن هذا المادَّة ثابتةٌ في لغة العربِ. قوله «مَنْ خَلْفَهُمْ» مفعول: «شرِّدط. وقرأ الأعمشُ بخلاف عنه وأبو حيوة» مِنْ خلفهم «جاراً ومجروراً، والمفعولُ على هذه القراءة محذوفٌ، أي: فشرِّدُ أمثالهم من الأعداء، وأناساً يعملون بعملهم، والضميران في» لَعَلَّهُم يذكَّرُون» الظَّاهِرُ عودهما على «مَنْ خَلْفَهُمْ» ، أي: إذا راوا ما حلَّ بالمناقضين تذكَّرُوا. وقيل: يعودان على المثقفين، وليس له معنى طائل. قوله: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فانبذ إِلَيْهِمْ على سَوَآءٍ﴾ . مفعول انبذ محذوف، أي: انبذ إليهم عهودهم، أي: اطرحها، ولا تكترث بها و» عَلَى سواءٍ «حال إمَّا من الفاعل، أي انبذها، وأنت على طريقٍ قصدٍ، أي: كائناً على عدل، فلا تَبْغتهُمْ بالقتالِ بل أعلمهم به، وإمَّا من الفاعل والمفعول معاً، أي: كائنين على استواء في العلم، أو في العداوةِ. وقرأ العامَّةُ بفتح السِّين، وزيد بن علي بكسرها، وهي لغة تقدم التنبيه عليها أول البقرة. فصل المعنى: وإمَّا تعلمنَّ يا محمد» من قومٍ «معادين:» خيانةً» نقض عهد بما يظهر لك منهم من آثار الغدر، كما يظهر من قريظة والنضير: «فانبِذْ إليْهِمْ» فاطرح» إليهمْ «عهدهم» على سواءٍ «. يقول: أعلمهم قبل حربك إيَّاهم أنك قد فسخت العهد بينك وبينهم حتَّى تكون أنت وهم في العلم بنقض العهد سواء، فلا يتوهموا أنك نقضت العهد بنصبِ الحرب معهم. وقوله: ﴿إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الخائنين﴾ هذه الجملة يحتمل أن تكون تعليلاً معنوياً للأمر بنبذ العهد على عدل، وهو إعلامهم، وأن تكون مستأنفة، سيقت لذمِّ من خان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، ونقض عهده. قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ﴾ الآية. قرأ ابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم» يَحْسبنَّ «بياء الغيبة هنا، وفي النور في قوله: ﴿لاَ تَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ﴾ [النور: 57] كذلك، خلا حفصاً، والباقون بتاء الخطابِ، وفي قراءة الغيبة تخريجاتٌ كثيرة سبق نظائرها في أواخر آل عمران، ولا بدَّ من التنبيه هنا على ما تقدَّم، فمنها، أنَّ الفعل مسندٌ إلى ضميرٍ يُفسِّره السياق، تقديره: ولا يحسبنَّ هو أي: قبيل المؤمنين، أو الرسول، أو حاسب. أو يكون الضمر عائداً على:» مَنْ خَلفهُمْ» . وعلى هذه الأقوالِ، فيجوزُ أن يكون «الذينَ كفرُوا» مفعولاً أول و «سَبَقُوا» جملة في محل نصب مفعولاً ثانياً. وقيل: الفعلُ مسندٌ إلى «الذينَ كفرُوا» ثم اختلف هؤلاء في المفعولين، فقال قوم: الأول محذوفٌ تقديره: ولا يَحْسبنَّهم الذين كفروا سبقوا، ف «هَم» مفعول أول، و «سَبَقُوا» في محل الثاني: أو يكون التقدير: لا يحسبنَّ الذين كفروا أنفسهم سبقُوا. وهو في المعنى كالذي قبله. وقال قومٌ: بل «أنْ» الموصولة محذوفة، وهي وما في حيَّزها سادةٌ مسدَّ المفعولين، والتقدير: ولا سحبن الذين كفروا أن سبقُوا، فحذفت «أنْ» الموصولة وبقيت صلتها، كقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ﴾ [الروم: 24] وقوله: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ الله تأمروني أَعْبُدُ﴾ [الزمر: 64] . قاله الزجاج: والتقدير: ولا يحسبن الذين كفروا أن سبقونا، وحذف «أن» الموصولة في القرآن، وفي كلام العرب كثير، فأمَّا القرآن فكالآيات، ومن كلام العربِ: تسمعُ بالمعيديِّ خيرٌ من أن تراه؛ وقوله: [الطويل] 2724 - ألاَ أيُّهذا الزَّاجِرِي أحضرُ الوغَى..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ويؤيد هذا الوجه قراءة عبد الله «أنهم سبقوا» . وقال قومٌ: بل «سَبَقُوا» في محلِّ نصب على الحال، والسادُّ مسدَّ المفعولين: ﴿إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ﴾ ، وتكون «لا» مزيدةً ليصح المعنى. قال الزمشخري - بعد ذكره هذه الأوجه - «وليست هذه القراءةُ التي تفرَّد بها حمزةُ بنيِّرة» وقد ردَّ عليه جماعةٌ هذا القول، وقالوا: لم ينفرد بها حمزةُ، بل وافقه عليها من قُرَّاء السبعة ابنُ عامر أسنُّ القراءة وأعلاهُم إسناداً، وعاصمُ في رواية حفص ثم هي قراءة أبي جعفر المدني شيخ نافع، وأبي عبد الرحمن السلمي، وابن محيصن وعيسى، والأعمش، والحسن البصرين، وأبي رجاء، وطلحة، وابن أبي ليلى. وقد ردَّ عليه أبو حيان أيضاً أنَّ «لا يحْسبَنَّ» واقع على «أنهم لا يُعْجِزون» وتكون «لا» صلة، بأنَّهُ لا يتأتَّى على قراءة حمزة، فإنَّهُ يقرأ بكسر الهمزة، يعني فكيف تلتئم قراءةُ حمزة على هذا التخريج. قال شهابُ الدِّين: «هو لم يلتزم التخريج على قراءة حمزة في الموضعين، أعني:» لا يَحْسبنَّ» وقوله: «أنهم لا يعجزون» ، حتى نلزمه ما ذكر» وأما قراءةُ الخطاب فواضحةٌ، أي: لا تحسبنَّ يا محمدُ، أو يا سامعُ، و «الذين كفرُوا» مفعول أول، والثاني: «سبقوا» ، وقد تقدَّم في آل عمران وجهُ أنه يجوز أن يكون الفاعل الموصول، وإنَّما أتى بتاءِ التأنيث، لأنه بمعنى «القوم» ، كقوله: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ [الشعراء: 105] . وقرأ الأعمش «ولا يَحْسبَ الذينَ كَفَرُوا» بفتح الباء. وتخريجها على أن الفعل مؤكدٌ بنون التَّوكيد الخفيفة، فحذفها؛ لالتقاء الساكنين، كما يحذفُ له التنوين؛ فهو كقوله: [المنسرح] 2725 - لا تُهِينَ الفَقيرَ علَّكَ أنْ ... تَرْكعَ يوماً والدَّهْرُ قد رفعهْ أي: لا تُهينن، ونقل بعضهم: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين﴾ من غير توكيدٍ ألبتَّة، وهذه القراءةُ بكسر الباءن على أصل التقاء الساكنين. قوله: «سَبَقُوا» أي: فاتوا. نزلت في الذين انهزموا يوم بدرٍ من المشركين، فمن قرأ بالياء، يقول لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم سابقين فائتين من عذابنا، ومن قرأ بالتَّاءِ فعلى الخطاب. قوله ﴿إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ﴾ قرأ ابن عامر بالفتح، والباقون بالكسر. فالفتح إمَّا على حذفِ لام العلة، أي: لأنهم. واستبعد أبو عبيد وأبو حاتم قراءة ابن عامر، ووجهُ الاستبعادِ أنَّها تعليلٌ للنَّهْي، أي: لا تحسبنَّهم فائتينح لأنَّهم لا يعجزون، أي: لا يقع منك حُسبانٌ لفوتهم؛ لأنَّهم لا يعجزون، وإمَّا على أنَّها بدلٌ من مفعولي الحسبان. وقال أبُو البقاء: «إنَّه متعلقٌ ب» حسب «، إمَّا مفعولٌ، أو بدلٌ من سَبَقُوا» . وعلى كلا الوجهين تكون «لا» زائدة» ، وهو ضعيفٌ، لوجهين: أحدهما: زيادة «لا» . والثاني: أن مفعول» حسبن «إذا كان جملة، وكان مفعولاً ثانياً كانت» إنَّ «فيه مكسورة؛ لأنَّه موضع ابتداء وخبر. وقرأ العامة:» لا يُعْجِزُونَ «بنون واحدة خفيفةٍ مفتوحةٍ، وهي نونُ الرفع. وقرأ ابن مُحَيْصِن» يُعْجِزُوني «بنون واحدة، بعدها ياء المتكلم، وهي نون الوقاية، أو نون الرفع، وقد تقدَّم الخلافُ في ذلك في سورة الأنعام في:» أتحاجُّوني «. قال الزجاج: ألاختيارُ الفتحُ في النُّونِ، ويجوزُ كسرها، على أنَّ المعنى: لا يُعجزُونَنِي وتحذف النون الأولى، لاجتماع النونين» ؛ كما قال عمر بن أبي ربيعة: [الوافر] 2726 - تَراهُ كالثَّغَامِ يعلُّ مِسْكاً ... يسُوءُ الفالياتِ إذا فَلَيْنِي وقال متمم بنُ نُويرَةَ: [الكامل] 2727 - ولقَدْ علمْتِ ولا مَحَالَة أنَّنِي ... للحَادِثاتِ فَهَلْ تَرَيْنِي أجْزَعُ قال الأخفشُ: «فهذا البيتُ يجوز على الاضطرار» . وقرأ ابنُ محيصن أيضاً «يُعجزُونِّ» بنون مشددة مكسورةٍ، أدغم نون الرفع في نون الوقاية، وحذف ياء الإضافة مُجْتَزِئاً عنها بالكسرة، وعنه أيضاً فتحُ العين وتشديدُ الجيم وكسر النون، مِنْ «عَجَّزَ» مشدداً. قال أبو جعفرٍ: «وهذا خطأ من وجهين: أحدهما: أنَّ معنى» عَجّضزه «ضعَّفه وضعَّف أمره. والآخر: كان يجب أن يكون بنونين» . قال شهابُ الدِّين: «أمَّا تخطئة النَّحاس لهُ فخطأٌ؛ لأن الإتيان بالنُّونين ليس بواجب بل هو جائز، وقد قرىء به في مواضع في المتواتر، سيأتي بعضها، وأمَّا» عجَّز «بالتشديد فليس معناه مقتصراً على ما ذكر، بل نقل غيره من أهل اللغة أن معناه نسبني إلى العجز، أو معناه: بَطَّأ، وثبَّط، والقراءة معناها لائقٌ بأحد المعنيين» . قرأ طلحة بكسر النون خفيفة.

الأنفال 8:57

قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدواب عِندَ الله الذين كَفَرُواْ﴾ الآية. لمَّا وصف كُلَّ الكفار بقوله: ﴿وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ﴾ [الأنفال: 54] أفرد بعضهم بمزية في الشر والعناد فقال: ﴿إِنَّ شَرَّ الدواب عِندَ الله﴾ أي: في حكمه وعلمه من حصلت له صفتان: الأولى: الكافر المستمر على كفره مصرّاً عليه. الثانية: أن يكون ناقضاً للعهد، فقوله: ﴿الذين كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُون﴾ إشارة إلى استمرارهم على الكفر، وصرارهم عليه، وقوله: ﴿الذين عَاهَدْتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ﴾ إشارة إلى نقض العهد. قال الكلبيُّ ومقاتلٌ: يعني يهود بني قريظة، منهم كعب بن الأشرف وأصحابه. ﴿الذين عَاهَدْتَّ مِنْهُمْ﴾ أي: عاهدنهم. قيل: عاهدت بعضهم، وقيل: أدخل «مِنْ» لأن معناه: أخذت منهم العهد. ﴿ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ﴾ . قال ابنُ عباسٍ «هم بنو قريظة، نقضوا العقد الذي كان بينهم وبين رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأعانوا المشركين على قتال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يوم بدر، ثم قالوا: نسينا وأخطأنا فعاهدهم ثانياً، فنقضوا العهد ومالوا مع الكفار على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يوم الخندق، وركب كعب بن الأشرف إلى مكة فوافقهم على مخالفة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، ﴿وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ﴾ لا يخافون الله في نقض العهد. قوله» الَّذينَ عاهدَتَّ «يجوزُ فيه وجهان: أحدها: الرَّفْعُ على البدل من الموصول قبله، أو على النَّعت له، أو على عطف البيان، او النصبُ على الذَّمِّ، أو الرفع على الابتداء، والخبرُ قوله» فإمَّا تَثْقَفَنَّهُم «بمعنى: من تعاهد منهم، أي: من الكفار ثم ينقضون عهدهم، فإن ظفِرتَ بهم فاصنعْ كيت وكيت، فدخلت الفاءُ في الخبر لشبه المبتدأ بالشرط، وهذا ظاهر كلام ابن عطية رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى. و» مِنْهُمْ «يجوز أن يكون حالاً من عائد الموصول المحذوف، إذ التقدير: الذين عادتهم، أي: كائنين منهم، ف» مِنْ «للتبعيض. وقيل: هي بمعنى:» مع «. وقيل: الكلام محمول على معناه، أي: أخذت منهم العهد. وقيل: زائدةٌ أي: عاهدتهم. والأقوالُ الثلاثةُ ضعيفةٌ، والأول أصحُّ. ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الحرب فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾ . قال ابن عباس ﴿فنكل بهم من خلفهم﴾ . وقال سعيدُ بنُ جبيرٍ: ﴿أنذر بهم من خلفهم﴾ . العامَّةُ على الدال المهملة في» فَشرِّدْ. وأصل التَّشْرِيدِ، التَّطريدُ والتفريقُ والتبديدُ. وقيل: التفريق مع الاضطراب، والمعنى: فرق بهم جمع كل ناقض، أي: افعل بهؤلاء الذين نقضوا عهدك وجَاءُوا لحربك فعلاً من الحرب والتمكين، يفرقُ منك ويخافك من خلفهم من أهل مكة واليمن، «لَعَلَّهُم يذَّكرُون» يتذكرون ويعتبرون فيا ينقضون العهد. وقرأ الأعمش بخلاف عنه: «فَشَرِّذْ» بالذال المعجمة. وقال أبُو حيَّان رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: «وكذا هي في مصحف عبد الله» . قال شهاب الدين: «وقد تقدَّم أنَّ النَّقْطَ والشَّكْلَ أمرٌ حادثٌ، أحدثه يحيى بن يعمر، فكيف يُوجد ذلك في مصحف ابن مسعود؟» . قيل: وهذه المادة - أعني: الشين، والرَّاء، والذال المعجمة - مهملة في لغة العرب وفي هذه القراءةِ أوجه، أاحدها: أنَّ الذَّال بدلُ من مجاورتها، كقولهم: خراديل وخراذيل. الثاني: أنه مقلوبٌ مِنْ «شذر» ، من قولهم: تَفرَّقُوا شَذَرَ مَذَرَ، ومنه: الشَّذْر المُلتقط من المعدن؛ لتفرُّقِهِ؛ قال: [الطويل] 2723 - غَرَائِرُ فِي كِنٍّ وَصوْنٍ ونَعْمَةٍ ... يُحَلَّيْنَ يَاقُوتاً وشَذْراً مُفَقَّرا الثالث: أنه من ذر في مقاله، إذا أكثر فيه، قاله أبو البقاءِ، ومعناه غير لائق هنا. وقال قطرب: «شرّذ» بالمعجمة، التنكيل، وبالمهملة: التَّفريق. وهذا يُقَوِّي قول من قالك إن هذا المادَّة ثابتةٌ في لغة العربِ. قوله «مَنْ خَلْفَهُمْ» مفعول: «شرِّدط. وقرأ الأعمشُ بخلاف عنه وأبو حيوة» مِنْ خلفهم «جاراً ومجروراً، والمفعولُ على هذه القراءة محذوفٌ، أي: فشرِّدُ أمثالهم من الأعداء، وأناساً يعملون بعملهم، والضميران في» لَعَلَّهُم يذكَّرُون» الظَّاهِرُ عودهما على «مَنْ خَلْفَهُمْ» ، أي: إذا راوا ما حلَّ بالمناقضين تذكَّرُوا. وقيل: يعودان على المثقفين، وليس له معنى طائل. قوله: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فانبذ إِلَيْهِمْ على سَوَآءٍ﴾ . مفعول انبذ محذوف، أي: انبذ إليهم عهودهم، أي: اطرحها، ولا تكترث بها و» عَلَى سواءٍ «حال إمَّا من الفاعل، أي انبذها، وأنت على طريقٍ قصدٍ، أي: كائناً على عدل، فلا تَبْغتهُمْ بالقتالِ بل أعلمهم به، وإمَّا من الفاعل والمفعول معاً، أي: كائنين على استواء في العلم، أو في العداوةِ. وقرأ العامَّةُ بفتح السِّين، وزيد بن علي بكسرها، وهي لغة تقدم التنبيه عليها أول البقرة. فصل المعنى: وإمَّا تعلمنَّ يا محمد» من قومٍ «معادين:» خيانةً» نقض عهد بما يظهر لك منهم من آثار الغدر، كما يظهر من قريظة والنضير: «فانبِذْ إليْهِمْ» فاطرح» إليهمْ «عهدهم» على سواءٍ «. يقول: أعلمهم قبل حربك إيَّاهم أنك قد فسخت العهد بينك وبينهم حتَّى تكون أنت وهم في العلم بنقض العهد سواء، فلا يتوهموا أنك نقضت العهد بنصبِ الحرب معهم. وقوله: ﴿إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الخائنين﴾ هذه الجملة يحتمل أن تكون تعليلاً معنوياً للأمر بنبذ العهد على عدل، وهو إعلامهم، وأن تكون مستأنفة، سيقت لذمِّ من خان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، ونقض عهده. قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ﴾ الآية. قرأ ابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم» يَحْسبنَّ «بياء الغيبة هنا، وفي النور في قوله: ﴿لاَ تَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ﴾ [النور: 57] كذلك، خلا حفصاً، والباقون بتاء الخطابِ، وفي قراءة الغيبة تخريجاتٌ كثيرة سبق نظائرها في أواخر آل عمران، ولا بدَّ من التنبيه هنا على ما تقدَّم، فمنها، أنَّ الفعل مسندٌ إلى ضميرٍ يُفسِّره السياق، تقديره: ولا يحسبنَّ هو أي: قبيل المؤمنين، أو الرسول، أو حاسب. أو يكون الضمر عائداً على:» مَنْ خَلفهُمْ» . وعلى هذه الأقوالِ، فيجوزُ أن يكون «الذينَ كفرُوا» مفعولاً أول و «سَبَقُوا» جملة في محل نصب مفعولاً ثانياً. وقيل: الفعلُ مسندٌ إلى «الذينَ كفرُوا» ثم اختلف هؤلاء في المفعولين، فقال قوم: الأول محذوفٌ تقديره: ولا يَحْسبنَّهم الذين كفروا سبقوا، ف «هَم» مفعول أول، و «سَبَقُوا» في محل الثاني: أو يكون التقدير: لا يحسبنَّ الذين كفروا أنفسهم سبقُوا. وهو في المعنى كالذي قبله. وقال قومٌ: بل «أنْ» الموصولة محذوفة، وهي وما في حيَّزها سادةٌ مسدَّ المفعولين، والتقدير: ولا سحبن الذين كفروا أن سبقُوا، فحذفت «أنْ» الموصولة وبقيت صلتها، كقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ﴾ [الروم: 24] وقوله: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ الله تأمروني أَعْبُدُ﴾ [الزمر: 64] . قاله الزجاج: والتقدير: ولا يحسبن الذين كفروا أن سبقونا، وحذف «أن» الموصولة في القرآن، وفي كلام العرب كثير، فأمَّا القرآن فكالآيات، ومن كلام العربِ: تسمعُ بالمعيديِّ خيرٌ من أن تراه؛ وقوله: [الطويل] 2724 - ألاَ أيُّهذا الزَّاجِرِي أحضرُ الوغَى..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ويؤيد هذا الوجه قراءة عبد الله «أنهم سبقوا» . وقال قومٌ: بل «سَبَقُوا» في محلِّ نصب على الحال، والسادُّ مسدَّ المفعولين: ﴿إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ﴾ ، وتكون «لا» مزيدةً ليصح المعنى. قال الزمشخري - بعد ذكره هذه الأوجه - «وليست هذه القراءةُ التي تفرَّد بها حمزةُ بنيِّرة» وقد ردَّ عليه جماعةٌ هذا القول، وقالوا: لم ينفرد بها حمزةُ، بل وافقه عليها من قُرَّاء السبعة ابنُ عامر أسنُّ القراءة وأعلاهُم إسناداً، وعاصمُ في رواية حفص ثم هي قراءة أبي جعفر المدني شيخ نافع، وأبي عبد الرحمن السلمي، وابن محيصن وعيسى، والأعمش، والحسن البصرين، وأبي رجاء، وطلحة، وابن أبي ليلى. وقد ردَّ عليه أبو حيان أيضاً أنَّ «لا يحْسبَنَّ» واقع على «أنهم لا يُعْجِزون» وتكون «لا» صلة، بأنَّهُ لا يتأتَّى على قراءة حمزة، فإنَّهُ يقرأ بكسر الهمزة، يعني فكيف تلتئم قراءةُ حمزة على هذا التخريج. قال شهابُ الدِّين: «هو لم يلتزم التخريج على قراءة حمزة في الموضعين، أعني:» لا يَحْسبنَّ» وقوله: «أنهم لا يعجزون» ، حتى نلزمه ما ذكر» وأما قراءةُ الخطاب فواضحةٌ، أي: لا تحسبنَّ يا محمدُ، أو يا سامعُ، و «الذين كفرُوا» مفعول أول، والثاني: «سبقوا» ، وقد تقدَّم في آل عمران وجهُ أنه يجوز أن يكون الفاعل الموصول، وإنَّما أتى بتاءِ التأنيث، لأنه بمعنى «القوم» ، كقوله: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ [الشعراء: 105] . وقرأ الأعمش «ولا يَحْسبَ الذينَ كَفَرُوا» بفتح الباء. وتخريجها على أن الفعل مؤكدٌ بنون التَّوكيد الخفيفة، فحذفها؛ لالتقاء الساكنين، كما يحذفُ له التنوين؛ فهو كقوله: [المنسرح] 2725 - لا تُهِينَ الفَقيرَ علَّكَ أنْ ... تَرْكعَ يوماً والدَّهْرُ قد رفعهْ أي: لا تُهينن، ونقل بعضهم: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين﴾ من غير توكيدٍ ألبتَّة، وهذه القراءةُ بكسر الباءن على أصل التقاء الساكنين. قوله: «سَبَقُوا» أي: فاتوا. نزلت في الذين انهزموا يوم بدرٍ من المشركين، فمن قرأ بالياء، يقول لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم سابقين فائتين من عذابنا، ومن قرأ بالتَّاءِ فعلى الخطاب. قوله ﴿إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ﴾ قرأ ابن عامر بالفتح، والباقون بالكسر. فالفتح إمَّا على حذفِ لام العلة، أي: لأنهم. واستبعد أبو عبيد وأبو حاتم قراءة ابن عامر، ووجهُ الاستبعادِ أنَّها تعليلٌ للنَّهْي، أي: لا تحسبنَّهم فائتينح لأنَّهم لا يعجزون، أي: لا يقع منك حُسبانٌ لفوتهم؛ لأنَّهم لا يعجزون، وإمَّا على أنَّها بدلٌ من مفعولي الحسبان. وقال أبُو البقاء: «إنَّه متعلقٌ ب» حسب «، إمَّا مفعولٌ، أو بدلٌ من سَبَقُوا» . وعلى كلا الوجهين تكون «لا» زائدة» ، وهو ضعيفٌ، لوجهين: أحدهما: زيادة «لا» . والثاني: أن مفعول» حسبن «إذا كان جملة، وكان مفعولاً ثانياً كانت» إنَّ «فيه مكسورة؛ لأنَّه موضع ابتداء وخبر. وقرأ العامة:» لا يُعْجِزُونَ «بنون واحدة خفيفةٍ مفتوحةٍ، وهي نونُ الرفع. وقرأ ابن مُحَيْصِن» يُعْجِزُوني «بنون واحدة، بعدها ياء المتكلم، وهي نون الوقاية، أو نون الرفع، وقد تقدَّم الخلافُ في ذلك في سورة الأنعام في:» أتحاجُّوني «. قال الزجاج: ألاختيارُ الفتحُ في النُّونِ، ويجوزُ كسرها، على أنَّ المعنى: لا يُعجزُونَنِي وتحذف النون الأولى، لاجتماع النونين» ؛ كما قال عمر بن أبي ربيعة: [الوافر] 2726 - تَراهُ كالثَّغَامِ يعلُّ مِسْكاً ... يسُوءُ الفالياتِ إذا فَلَيْنِي وقال متمم بنُ نُويرَةَ: [الكامل] 2727 - ولقَدْ علمْتِ ولا مَحَالَة أنَّنِي ... للحَادِثاتِ فَهَلْ تَرَيْنِي أجْزَعُ قال الأخفشُ: «فهذا البيتُ يجوز على الاضطرار» . وقرأ ابنُ محيصن أيضاً «يُعجزُونِّ» بنون مشددة مكسورةٍ، أدغم نون الرفع في نون الوقاية، وحذف ياء الإضافة مُجْتَزِئاً عنها بالكسرة، وعنه أيضاً فتحُ العين وتشديدُ الجيم وكسر النون، مِنْ «عَجَّزَ» مشدداً. قال أبو جعفرٍ: «وهذا خطأ من وجهين: أحدهما: أنَّ معنى» عَجّضزه «ضعَّفه وضعَّف أمره. والآخر: كان يجب أن يكون بنونين» . قال شهابُ الدِّين: «أمَّا تخطئة النَّحاس لهُ فخطأٌ؛ لأن الإتيان بالنُّونين ليس بواجب بل هو جائز، وقد قرىء به في مواضع في المتواتر، سيأتي بعضها، وأمَّا» عجَّز «بالتشديد فليس معناه مقتصراً على ما ذكر، بل نقل غيره من أهل اللغة أن معناه نسبني إلى العجز، أو معناه: بَطَّأ، وثبَّط، والقراءة معناها لائقٌ بأحد المعنيين» . قرأ طلحة بكسر النون خفيفة.

الأنفال 8:58

قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدواب عِندَ الله الذين كَفَرُواْ﴾ الآية. لمَّا وصف كُلَّ الكفار بقوله: ﴿وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ﴾ [الأنفال: 54] أفرد بعضهم بمزية في الشر والعناد فقال: ﴿إِنَّ شَرَّ الدواب عِندَ الله﴾ أي: في حكمه وعلمه من حصلت له صفتان: الأولى: الكافر المستمر على كفره مصرّاً عليه. الثانية: أن يكون ناقضاً للعهد، فقوله: ﴿الذين كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُون﴾ إشارة إلى استمرارهم على الكفر، وصرارهم عليه، وقوله: ﴿الذين عَاهَدْتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ﴾ إشارة إلى نقض العهد. قال الكلبيُّ ومقاتلٌ: يعني يهود بني قريظة، منهم كعب بن الأشرف وأصحابه. ﴿الذين عَاهَدْتَّ مِنْهُمْ﴾ أي: عاهدنهم. قيل: عاهدت بعضهم، وقيل: أدخل «مِنْ» لأن معناه: أخذت منهم العهد. ﴿ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ﴾ . قال ابنُ عباسٍ «هم بنو قريظة، نقضوا العقد الذي كان بينهم وبين رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأعانوا المشركين على قتال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يوم بدر، ثم قالوا: نسينا وأخطأنا فعاهدهم ثانياً، فنقضوا العهد ومالوا مع الكفار على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يوم الخندق، وركب كعب بن الأشرف إلى مكة فوافقهم على مخالفة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، ﴿وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ﴾ لا يخافون الله في نقض العهد. قوله» الَّذينَ عاهدَتَّ «يجوزُ فيه وجهان: أحدها: الرَّفْعُ على البدل من الموصول قبله، أو على النَّعت له، أو على عطف البيان، او النصبُ على الذَّمِّ، أو الرفع على الابتداء، والخبرُ قوله» فإمَّا تَثْقَفَنَّهُم «بمعنى: من تعاهد منهم، أي: من الكفار ثم ينقضون عهدهم، فإن ظفِرتَ بهم فاصنعْ كيت وكيت، فدخلت الفاءُ في الخبر لشبه المبتدأ بالشرط، وهذا ظاهر كلام ابن عطية رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى. و» مِنْهُمْ «يجوز أن يكون حالاً من عائد الموصول المحذوف، إذ التقدير: الذين عادتهم، أي: كائنين منهم، ف» مِنْ «للتبعيض. وقيل: هي بمعنى:» مع «. وقيل: الكلام محمول على معناه، أي: أخذت منهم العهد. وقيل: زائدةٌ أي: عاهدتهم. والأقوالُ الثلاثةُ ضعيفةٌ، والأول أصحُّ. ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الحرب فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾ . قال ابن عباس ﴿فنكل بهم من خلفهم﴾ . وقال سعيدُ بنُ جبيرٍ: ﴿أنذر بهم من خلفهم﴾ . العامَّةُ على الدال المهملة في» فَشرِّدْ. وأصل التَّشْرِيدِ، التَّطريدُ والتفريقُ والتبديدُ. وقيل: التفريق مع الاضطراب، والمعنى: فرق بهم جمع كل ناقض، أي: افعل بهؤلاء الذين نقضوا عهدك وجَاءُوا لحربك فعلاً من الحرب والتمكين، يفرقُ منك ويخافك من خلفهم من أهل مكة واليمن، «لَعَلَّهُم يذَّكرُون» يتذكرون ويعتبرون فيا ينقضون العهد. وقرأ الأعمش بخلاف عنه: «فَشَرِّذْ» بالذال المعجمة. وقال أبُو حيَّان رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: «وكذا هي في مصحف عبد الله» . قال شهاب الدين: «وقد تقدَّم أنَّ النَّقْطَ والشَّكْلَ أمرٌ حادثٌ، أحدثه يحيى بن يعمر، فكيف يُوجد ذلك في مصحف ابن مسعود؟» . قيل: وهذه المادة - أعني: الشين، والرَّاء، والذال المعجمة - مهملة في لغة العرب وفي هذه القراءةِ أوجه، أاحدها: أنَّ الذَّال بدلُ من مجاورتها، كقولهم: خراديل وخراذيل. الثاني: أنه مقلوبٌ مِنْ «شذر» ، من قولهم: تَفرَّقُوا شَذَرَ مَذَرَ، ومنه: الشَّذْر المُلتقط من المعدن؛ لتفرُّقِهِ؛ قال: [الطويل] 2723 - غَرَائِرُ فِي كِنٍّ وَصوْنٍ ونَعْمَةٍ ... يُحَلَّيْنَ يَاقُوتاً وشَذْراً مُفَقَّرا الثالث: أنه من ذر في مقاله، إذا أكثر فيه، قاله أبو البقاءِ، ومعناه غير لائق هنا. وقال قطرب: «شرّذ» بالمعجمة، التنكيل، وبالمهملة: التَّفريق. وهذا يُقَوِّي قول من قالك إن هذا المادَّة ثابتةٌ في لغة العربِ. قوله «مَنْ خَلْفَهُمْ» مفعول: «شرِّدط. وقرأ الأعمشُ بخلاف عنه وأبو حيوة» مِنْ خلفهم «جاراً ومجروراً، والمفعولُ على هذه القراءة محذوفٌ، أي: فشرِّدُ أمثالهم من الأعداء، وأناساً يعملون بعملهم، والضميران في» لَعَلَّهُم يذكَّرُون» الظَّاهِرُ عودهما على «مَنْ خَلْفَهُمْ» ، أي: إذا راوا ما حلَّ بالمناقضين تذكَّرُوا. وقيل: يعودان على المثقفين، وليس له معنى طائل. قوله: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فانبذ إِلَيْهِمْ على سَوَآءٍ﴾ . مفعول انبذ محذوف، أي: انبذ إليهم عهودهم، أي: اطرحها، ولا تكترث بها و» عَلَى سواءٍ «حال إمَّا من الفاعل، أي انبذها، وأنت على طريقٍ قصدٍ، أي: كائناً على عدل، فلا تَبْغتهُمْ بالقتالِ بل أعلمهم به، وإمَّا من الفاعل والمفعول معاً، أي: كائنين على استواء في العلم، أو في العداوةِ. وقرأ العامَّةُ بفتح السِّين، وزيد بن علي بكسرها، وهي لغة تقدم التنبيه عليها أول البقرة. فصل المعنى: وإمَّا تعلمنَّ يا محمد» من قومٍ «معادين:» خيانةً» نقض عهد بما يظهر لك منهم من آثار الغدر، كما يظهر من قريظة والنضير: «فانبِذْ إليْهِمْ» فاطرح» إليهمْ «عهدهم» على سواءٍ «. يقول: أعلمهم قبل حربك إيَّاهم أنك قد فسخت العهد بينك وبينهم حتَّى تكون أنت وهم في العلم بنقض العهد سواء، فلا يتوهموا أنك نقضت العهد بنصبِ الحرب معهم. وقوله: ﴿إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الخائنين﴾ هذه الجملة يحتمل أن تكون تعليلاً معنوياً للأمر بنبذ العهد على عدل، وهو إعلامهم، وأن تكون مستأنفة، سيقت لذمِّ من خان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، ونقض عهده. قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ﴾ الآية. قرأ ابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم» يَحْسبنَّ «بياء الغيبة هنا، وفي النور في قوله: ﴿لاَ تَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ﴾ [النور: 57] كذلك، خلا حفصاً، والباقون بتاء الخطابِ، وفي قراءة الغيبة تخريجاتٌ كثيرة سبق نظائرها في أواخر آل عمران، ولا بدَّ من التنبيه هنا على ما تقدَّم، فمنها، أنَّ الفعل مسندٌ إلى ضميرٍ يُفسِّره السياق، تقديره: ولا يحسبنَّ هو أي: قبيل المؤمنين، أو الرسول، أو حاسب. أو يكون الضمر عائداً على:» مَنْ خَلفهُمْ» . وعلى هذه الأقوالِ، فيجوزُ أن يكون «الذينَ كفرُوا» مفعولاً أول و «سَبَقُوا» جملة في محل نصب مفعولاً ثانياً. وقيل: الفعلُ مسندٌ إلى «الذينَ كفرُوا» ثم اختلف هؤلاء في المفعولين، فقال قوم: الأول محذوفٌ تقديره: ولا يَحْسبنَّهم الذين كفروا سبقوا، ف «هَم» مفعول أول، و «سَبَقُوا» في محل الثاني: أو يكون التقدير: لا يحسبنَّ الذين كفروا أنفسهم سبقُوا. وهو في المعنى كالذي قبله. وقال قومٌ: بل «أنْ» الموصولة محذوفة، وهي وما في حيَّزها سادةٌ مسدَّ المفعولين، والتقدير: ولا سحبن الذين كفروا أن سبقُوا، فحذفت «أنْ» الموصولة وبقيت صلتها، كقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ﴾ [الروم: 24] وقوله: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ الله تأمروني أَعْبُدُ﴾ [الزمر: 64] . قاله الزجاج: والتقدير: ولا يحسبن الذين كفروا أن سبقونا، وحذف «أن» الموصولة في القرآن، وفي كلام العرب كثير، فأمَّا القرآن فكالآيات، ومن كلام العربِ: تسمعُ بالمعيديِّ خيرٌ من أن تراه؛ وقوله: [الطويل] 2724 - ألاَ أيُّهذا الزَّاجِرِي أحضرُ الوغَى..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ويؤيد هذا الوجه قراءة عبد الله «أنهم سبقوا» . وقال قومٌ: بل «سَبَقُوا» في محلِّ نصب على الحال، والسادُّ مسدَّ المفعولين: ﴿إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ﴾ ، وتكون «لا» مزيدةً ليصح المعنى. قال الزمشخري - بعد ذكره هذه الأوجه - «وليست هذه القراءةُ التي تفرَّد بها حمزةُ بنيِّرة» وقد ردَّ عليه جماعةٌ هذا القول، وقالوا: لم ينفرد بها حمزةُ، بل وافقه عليها من قُرَّاء السبعة ابنُ عامر أسنُّ القراءة وأعلاهُم إسناداً، وعاصمُ في رواية حفص ثم هي قراءة أبي جعفر المدني شيخ نافع، وأبي عبد الرحمن السلمي، وابن محيصن وعيسى، والأعمش، والحسن البصرين، وأبي رجاء، وطلحة، وابن أبي ليلى. وقد ردَّ عليه أبو حيان أيضاً أنَّ «لا يحْسبَنَّ» واقع على «أنهم لا يُعْجِزون» وتكون «لا» صلة، بأنَّهُ لا يتأتَّى على قراءة حمزة، فإنَّهُ يقرأ بكسر الهمزة، يعني فكيف تلتئم قراءةُ حمزة على هذا التخريج. قال شهابُ الدِّين: «هو لم يلتزم التخريج على قراءة حمزة في الموضعين، أعني:» لا يَحْسبنَّ» وقوله: «أنهم لا يعجزون» ، حتى نلزمه ما ذكر» وأما قراءةُ الخطاب فواضحةٌ، أي: لا تحسبنَّ يا محمدُ، أو يا سامعُ، و «الذين كفرُوا» مفعول أول، والثاني: «سبقوا» ، وقد تقدَّم في آل عمران وجهُ أنه يجوز أن يكون الفاعل الموصول، وإنَّما أتى بتاءِ التأنيث، لأنه بمعنى «القوم» ، كقوله: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ [الشعراء: 105] . وقرأ الأعمش «ولا يَحْسبَ الذينَ كَفَرُوا» بفتح الباء. وتخريجها على أن الفعل مؤكدٌ بنون التَّوكيد الخفيفة، فحذفها؛ لالتقاء الساكنين، كما يحذفُ له التنوين؛ فهو كقوله: [المنسرح] 2725 - لا تُهِينَ الفَقيرَ علَّكَ أنْ ... تَرْكعَ يوماً والدَّهْرُ قد رفعهْ أي: لا تُهينن، ونقل بعضهم: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين﴾ من غير توكيدٍ ألبتَّة، وهذه القراءةُ بكسر الباءن على أصل التقاء الساكنين. قوله: «سَبَقُوا» أي: فاتوا. نزلت في الذين انهزموا يوم بدرٍ من المشركين، فمن قرأ بالياء، يقول لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم سابقين فائتين من عذابنا، ومن قرأ بالتَّاءِ فعلى الخطاب. قوله ﴿إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ﴾ قرأ ابن عامر بالفتح، والباقون بالكسر. فالفتح إمَّا على حذفِ لام العلة، أي: لأنهم. واستبعد أبو عبيد وأبو حاتم قراءة ابن عامر، ووجهُ الاستبعادِ أنَّها تعليلٌ للنَّهْي، أي: لا تحسبنَّهم فائتينح لأنَّهم لا يعجزون، أي: لا يقع منك حُسبانٌ لفوتهم؛ لأنَّهم لا يعجزون، وإمَّا على أنَّها بدلٌ من مفعولي الحسبان. وقال أبُو البقاء: «إنَّه متعلقٌ ب» حسب «، إمَّا مفعولٌ، أو بدلٌ من سَبَقُوا» . وعلى كلا الوجهين تكون «لا» زائدة» ، وهو ضعيفٌ، لوجهين: أحدهما: زيادة «لا» . والثاني: أن مفعول» حسبن «إذا كان جملة، وكان مفعولاً ثانياً كانت» إنَّ «فيه مكسورة؛ لأنَّه موضع ابتداء وخبر. وقرأ العامة:» لا يُعْجِزُونَ «بنون واحدة خفيفةٍ مفتوحةٍ، وهي نونُ الرفع. وقرأ ابن مُحَيْصِن» يُعْجِزُوني «بنون واحدة، بعدها ياء المتكلم، وهي نون الوقاية، أو نون الرفع، وقد تقدَّم الخلافُ في ذلك في سورة الأنعام في:» أتحاجُّوني «. قال الزجاج: ألاختيارُ الفتحُ في النُّونِ، ويجوزُ كسرها، على أنَّ المعنى: لا يُعجزُونَنِي وتحذف النون الأولى، لاجتماع النونين» ؛ كما قال عمر بن أبي ربيعة: [الوافر] 2726 - تَراهُ كالثَّغَامِ يعلُّ مِسْكاً ... يسُوءُ الفالياتِ إذا فَلَيْنِي وقال متمم بنُ نُويرَةَ: [الكامل] 2727 - ولقَدْ علمْتِ ولا مَحَالَة أنَّنِي ... للحَادِثاتِ فَهَلْ تَرَيْنِي أجْزَعُ قال الأخفشُ: «فهذا البيتُ يجوز على الاضطرار» . وقرأ ابنُ محيصن أيضاً «يُعجزُونِّ» بنون مشددة مكسورةٍ، أدغم نون الرفع في نون الوقاية، وحذف ياء الإضافة مُجْتَزِئاً عنها بالكسرة، وعنه أيضاً فتحُ العين وتشديدُ الجيم وكسر النون، مِنْ «عَجَّزَ» مشدداً. قال أبو جعفرٍ: «وهذا خطأ من وجهين: أحدهما: أنَّ معنى» عَجّضزه «ضعَّفه وضعَّف أمره. والآخر: كان يجب أن يكون بنونين» . قال شهابُ الدِّين: «أمَّا تخطئة النَّحاس لهُ فخطأٌ؛ لأن الإتيان بالنُّونين ليس بواجب بل هو جائز، وقد قرىء به في مواضع في المتواتر، سيأتي بعضها، وأمَّا» عجَّز «بالتشديد فليس معناه مقتصراً على ما ذكر، بل نقل غيره من أهل اللغة أن معناه نسبني إلى العجز، أو معناه: بَطَّأ، وثبَّط، والقراءة معناها لائقٌ بأحد المعنيين» . قرأ طلحة بكسر النون خفيفة.

الأنفال 8:59

قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدواب عِندَ الله الذين كَفَرُواْ﴾ الآية. لمَّا وصف كُلَّ الكفار بقوله: ﴿وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ﴾ [الأنفال: 54] أفرد بعضهم بمزية في الشر والعناد فقال: ﴿إِنَّ شَرَّ الدواب عِندَ الله﴾ أي: في حكمه وعلمه من حصلت له صفتان: الأولى: الكافر المستمر على كفره مصرّاً عليه. الثانية: أن يكون ناقضاً للعهد، فقوله: ﴿الذين كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُون﴾ إشارة إلى استمرارهم على الكفر، وصرارهم عليه، وقوله: ﴿الذين عَاهَدْتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ﴾ إشارة إلى نقض العهد. قال الكلبيُّ ومقاتلٌ: يعني يهود بني قريظة، منهم كعب بن الأشرف وأصحابه. ﴿الذين عَاهَدْتَّ مِنْهُمْ﴾ أي: عاهدنهم. قيل: عاهدت بعضهم، وقيل: أدخل «مِنْ» لأن معناه: أخذت منهم العهد. ﴿ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ﴾ . قال ابنُ عباسٍ «هم بنو قريظة، نقضوا العقد الذي كان بينهم وبين رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأعانوا المشركين على قتال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يوم بدر، ثم قالوا: نسينا وأخطأنا فعاهدهم ثانياً، فنقضوا العهد ومالوا مع الكفار على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يوم الخندق، وركب كعب بن الأشرف إلى مكة فوافقهم على مخالفة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، ﴿وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ﴾ لا يخافون الله في نقض العهد. قوله» الَّذينَ عاهدَتَّ «يجوزُ فيه وجهان: أحدها: الرَّفْعُ على البدل من الموصول قبله، أو على النَّعت له، أو على عطف البيان، او النصبُ على الذَّمِّ، أو الرفع على الابتداء، والخبرُ قوله» فإمَّا تَثْقَفَنَّهُم «بمعنى: من تعاهد منهم، أي: من الكفار ثم ينقضون عهدهم، فإن ظفِرتَ بهم فاصنعْ كيت وكيت، فدخلت الفاءُ في الخبر لشبه المبتدأ بالشرط، وهذا ظاهر كلام ابن عطية رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى. و» مِنْهُمْ «يجوز أن يكون حالاً من عائد الموصول المحذوف، إذ التقدير: الذين عادتهم، أي: كائنين منهم، ف» مِنْ «للتبعيض. وقيل: هي بمعنى:» مع «. وقيل: الكلام محمول على معناه، أي: أخذت منهم العهد. وقيل: زائدةٌ أي: عاهدتهم. والأقوالُ الثلاثةُ ضعيفةٌ، والأول أصحُّ. ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الحرب فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾ . قال ابن عباس ﴿فنكل بهم من خلفهم﴾ . وقال سعيدُ بنُ جبيرٍ: ﴿أنذر بهم من خلفهم﴾ . العامَّةُ على الدال المهملة في» فَشرِّدْ. وأصل التَّشْرِيدِ، التَّطريدُ والتفريقُ والتبديدُ. وقيل: التفريق مع الاضطراب، والمعنى: فرق بهم جمع كل ناقض، أي: افعل بهؤلاء الذين نقضوا عهدك وجَاءُوا لحربك فعلاً من الحرب والتمكين، يفرقُ منك ويخافك من خلفهم من أهل مكة واليمن، «لَعَلَّهُم يذَّكرُون» يتذكرون ويعتبرون فيا ينقضون العهد. وقرأ الأعمش بخلاف عنه: «فَشَرِّذْ» بالذال المعجمة. وقال أبُو حيَّان رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: «وكذا هي في مصحف عبد الله» . قال شهاب الدين: «وقد تقدَّم أنَّ النَّقْطَ والشَّكْلَ أمرٌ حادثٌ، أحدثه يحيى بن يعمر، فكيف يُوجد ذلك في مصحف ابن مسعود؟» . قيل: وهذه المادة - أعني: الشين، والرَّاء، والذال المعجمة - مهملة في لغة العرب وفي هذه القراءةِ أوجه، أاحدها: أنَّ الذَّال بدلُ من مجاورتها، كقولهم: خراديل وخراذيل. الثاني: أنه مقلوبٌ مِنْ «شذر» ، من قولهم: تَفرَّقُوا شَذَرَ مَذَرَ، ومنه: الشَّذْر المُلتقط من المعدن؛ لتفرُّقِهِ؛ قال: [الطويل] 2723 - غَرَائِرُ فِي كِنٍّ وَصوْنٍ ونَعْمَةٍ ... يُحَلَّيْنَ يَاقُوتاً وشَذْراً مُفَقَّرا الثالث: أنه من ذر في مقاله، إذا أكثر فيه، قاله أبو البقاءِ، ومعناه غير لائق هنا. وقال قطرب: «شرّذ» بالمعجمة، التنكيل، وبالمهملة: التَّفريق. وهذا يُقَوِّي قول من قالك إن هذا المادَّة ثابتةٌ في لغة العربِ. قوله «مَنْ خَلْفَهُمْ» مفعول: «شرِّدط. وقرأ الأعمشُ بخلاف عنه وأبو حيوة» مِنْ خلفهم «جاراً ومجروراً، والمفعولُ على هذه القراءة محذوفٌ، أي: فشرِّدُ أمثالهم من الأعداء، وأناساً يعملون بعملهم، والضميران في» لَعَلَّهُم يذكَّرُون» الظَّاهِرُ عودهما على «مَنْ خَلْفَهُمْ» ، أي: إذا راوا ما حلَّ بالمناقضين تذكَّرُوا. وقيل: يعودان على المثقفين، وليس له معنى طائل. قوله: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فانبذ إِلَيْهِمْ على سَوَآءٍ﴾ . مفعول انبذ محذوف، أي: انبذ إليهم عهودهم، أي: اطرحها، ولا تكترث بها و» عَلَى سواءٍ «حال إمَّا من الفاعل، أي انبذها، وأنت على طريقٍ قصدٍ، أي: كائناً على عدل، فلا تَبْغتهُمْ بالقتالِ بل أعلمهم به، وإمَّا من الفاعل والمفعول معاً، أي: كائنين على استواء في العلم، أو في العداوةِ. وقرأ العامَّةُ بفتح السِّين، وزيد بن علي بكسرها، وهي لغة تقدم التنبيه عليها أول البقرة. فصل المعنى: وإمَّا تعلمنَّ يا محمد» من قومٍ «معادين:» خيانةً» نقض عهد بما يظهر لك منهم من آثار الغدر، كما يظهر من قريظة والنضير: «فانبِذْ إليْهِمْ» فاطرح» إليهمْ «عهدهم» على سواءٍ «. يقول: أعلمهم قبل حربك إيَّاهم أنك قد فسخت العهد بينك وبينهم حتَّى تكون أنت وهم في العلم بنقض العهد سواء، فلا يتوهموا أنك نقضت العهد بنصبِ الحرب معهم. وقوله: ﴿إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الخائنين﴾ هذه الجملة يحتمل أن تكون تعليلاً معنوياً للأمر بنبذ العهد على عدل، وهو إعلامهم، وأن تكون مستأنفة، سيقت لذمِّ من خان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، ونقض عهده. قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ﴾ الآية. قرأ ابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم» يَحْسبنَّ «بياء الغيبة هنا، وفي النور في قوله: ﴿لاَ تَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ﴾ [النور: 57] كذلك، خلا حفصاً، والباقون بتاء الخطابِ، وفي قراءة الغيبة تخريجاتٌ كثيرة سبق نظائرها في أواخر آل عمران، ولا بدَّ من التنبيه هنا على ما تقدَّم، فمنها، أنَّ الفعل مسندٌ إلى ضميرٍ يُفسِّره السياق، تقديره: ولا يحسبنَّ هو أي: قبيل المؤمنين، أو الرسول، أو حاسب. أو يكون الضمر عائداً على:» مَنْ خَلفهُمْ» . وعلى هذه الأقوالِ، فيجوزُ أن يكون «الذينَ كفرُوا» مفعولاً أول و «سَبَقُوا» جملة في محل نصب مفعولاً ثانياً. وقيل: الفعلُ مسندٌ إلى «الذينَ كفرُوا» ثم اختلف هؤلاء في المفعولين، فقال قوم: الأول محذوفٌ تقديره: ولا يَحْسبنَّهم الذين كفروا سبقوا، ف «هَم» مفعول أول، و «سَبَقُوا» في محل الثاني: أو يكون التقدير: لا يحسبنَّ الذين كفروا أنفسهم سبقُوا. وهو في المعنى كالذي قبله. وقال قومٌ: بل «أنْ» الموصولة محذوفة، وهي وما في حيَّزها سادةٌ مسدَّ المفعولين، والتقدير: ولا سحبن الذين كفروا أن سبقُوا، فحذفت «أنْ» الموصولة وبقيت صلتها، كقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ﴾ [الروم: 24] وقوله: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ الله تأمروني أَعْبُدُ﴾ [الزمر: 64] . قاله الزجاج: والتقدير: ولا يحسبن الذين كفروا أن سبقونا، وحذف «أن» الموصولة في القرآن، وفي كلام العرب كثير، فأمَّا القرآن فكالآيات، ومن كلام العربِ: تسمعُ بالمعيديِّ خيرٌ من أن تراه؛ وقوله: [الطويل] 2724 - ألاَ أيُّهذا الزَّاجِرِي أحضرُ الوغَى..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ويؤيد هذا الوجه قراءة عبد الله «أنهم سبقوا» . وقال قومٌ: بل «سَبَقُوا» في محلِّ نصب على الحال، والسادُّ مسدَّ المفعولين: ﴿إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ﴾ ، وتكون «لا» مزيدةً ليصح المعنى. قال الزمشخري - بعد ذكره هذه الأوجه - «وليست هذه القراءةُ التي تفرَّد بها حمزةُ بنيِّرة» وقد ردَّ عليه جماعةٌ هذا القول، وقالوا: لم ينفرد بها حمزةُ، بل وافقه عليها من قُرَّاء السبعة ابنُ عامر أسنُّ القراءة وأعلاهُم إسناداً، وعاصمُ في رواية حفص ثم هي قراءة أبي جعفر المدني شيخ نافع، وأبي عبد الرحمن السلمي، وابن محيصن وعيسى، والأعمش، والحسن البصرين، وأبي رجاء، وطلحة، وابن أبي ليلى. وقد ردَّ عليه أبو حيان أيضاً أنَّ «لا يحْسبَنَّ» واقع على «أنهم لا يُعْجِزون» وتكون «لا» صلة، بأنَّهُ لا يتأتَّى على قراءة حمزة، فإنَّهُ يقرأ بكسر الهمزة، يعني فكيف تلتئم قراءةُ حمزة على هذا التخريج. قال شهابُ الدِّين: «هو لم يلتزم التخريج على قراءة حمزة في الموضعين، أعني:» لا يَحْسبنَّ» وقوله: «أنهم لا يعجزون» ، حتى نلزمه ما ذكر» وأما قراءةُ الخطاب فواضحةٌ، أي: لا تحسبنَّ يا محمدُ، أو يا سامعُ، و «الذين كفرُوا» مفعول أول، والثاني: «سبقوا» ، وقد تقدَّم في آل عمران وجهُ أنه يجوز أن يكون الفاعل الموصول، وإنَّما أتى بتاءِ التأنيث، لأنه بمعنى «القوم» ، كقوله: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ [الشعراء: 105] . وقرأ الأعمش «ولا يَحْسبَ الذينَ كَفَرُوا» بفتح الباء. وتخريجها على أن الفعل مؤكدٌ بنون التَّوكيد الخفيفة، فحذفها؛ لالتقاء الساكنين، كما يحذفُ له التنوين؛ فهو كقوله: [المنسرح] 2725 - لا تُهِينَ الفَقيرَ علَّكَ أنْ ... تَرْكعَ يوماً والدَّهْرُ قد رفعهْ أي: لا تُهينن، ونقل بعضهم: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين﴾ من غير توكيدٍ ألبتَّة، وهذه القراءةُ بكسر الباءن على أصل التقاء الساكنين. قوله: «سَبَقُوا» أي: فاتوا. نزلت في الذين انهزموا يوم بدرٍ من المشركين، فمن قرأ بالياء، يقول لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم سابقين فائتين من عذابنا، ومن قرأ بالتَّاءِ فعلى الخطاب. قوله ﴿إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ﴾ قرأ ابن عامر بالفتح، والباقون بالكسر. فالفتح إمَّا على حذفِ لام العلة، أي: لأنهم. واستبعد أبو عبيد وأبو حاتم قراءة ابن عامر، ووجهُ الاستبعادِ أنَّها تعليلٌ للنَّهْي، أي: لا تحسبنَّهم فائتينح لأنَّهم لا يعجزون، أي: لا يقع منك حُسبانٌ لفوتهم؛ لأنَّهم لا يعجزون، وإمَّا على أنَّها بدلٌ من مفعولي الحسبان. وقال أبُو البقاء: «إنَّه متعلقٌ ب» حسب «، إمَّا مفعولٌ، أو بدلٌ من سَبَقُوا» . وعلى كلا الوجهين تكون «لا» زائدة» ، وهو ضعيفٌ، لوجهين: أحدهما: زيادة «لا» . والثاني: أن مفعول» حسبن «إذا كان جملة، وكان مفعولاً ثانياً كانت» إنَّ «فيه مكسورة؛ لأنَّه موضع ابتداء وخبر. وقرأ العامة:» لا يُعْجِزُونَ «بنون واحدة خفيفةٍ مفتوحةٍ، وهي نونُ الرفع. وقرأ ابن مُحَيْصِن» يُعْجِزُوني «بنون واحدة، بعدها ياء المتكلم، وهي نون الوقاية، أو نون الرفع، وقد تقدَّم الخلافُ في ذلك في سورة الأنعام في:» أتحاجُّوني «. قال الزجاج: ألاختيارُ الفتحُ في النُّونِ، ويجوزُ كسرها، على أنَّ المعنى: لا يُعجزُونَنِي وتحذف النون الأولى، لاجتماع النونين» ؛ كما قال عمر بن أبي ربيعة: [الوافر] 2726 - تَراهُ كالثَّغَامِ يعلُّ مِسْكاً ... يسُوءُ الفالياتِ إذا فَلَيْنِي وقال متمم بنُ نُويرَةَ: [الكامل] 2727 - ولقَدْ علمْتِ ولا مَحَالَة أنَّنِي ... للحَادِثاتِ فَهَلْ تَرَيْنِي أجْزَعُ قال الأخفشُ: «فهذا البيتُ يجوز على الاضطرار» . وقرأ ابنُ محيصن أيضاً «يُعجزُونِّ» بنون مشددة مكسورةٍ، أدغم نون الرفع في نون الوقاية، وحذف ياء الإضافة مُجْتَزِئاً عنها بالكسرة، وعنه أيضاً فتحُ العين وتشديدُ الجيم وكسر النون، مِنْ «عَجَّزَ» مشدداً. قال أبو جعفرٍ: «وهذا خطأ من وجهين: أحدهما: أنَّ معنى» عَجّضزه «ضعَّفه وضعَّف أمره. والآخر: كان يجب أن يكون بنونين» . قال شهابُ الدِّين: «أمَّا تخطئة النَّحاس لهُ فخطأٌ؛ لأن الإتيان بالنُّونين ليس بواجب بل هو جائز، وقد قرىء به في مواضع في المتواتر، سيأتي بعضها، وأمَّا» عجَّز «بالتشديد فليس معناه مقتصراً على ما ذكر، بل نقل غيره من أهل اللغة أن معناه نسبني إلى العجز، أو معناه: بَطَّأ، وثبَّط، والقراءة معناها لائقٌ بأحد المعنيين» . قرأ طلحة بكسر النون خفيفة.

الأنفال 8:60

قوله: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا استطعتم مِّن قُوَّةٍ﴾ . لمَّا أوجب على رسوله أن يُشرِّد من صدر منه نقض العهدِ، وأن ينبذ العهد إلى من خاف منه النَّقض أمره في هذا الآية بالإعداد للكُفَّارِ. قويل: إنَّ الصحابة لمَّا قصدوا الكفار يوم بدر بلا آلة ولا عدة أمرهم الله تعالى ألاَّ يعودوا لمثله، وأن يعدُّوا للكفرا ما أمكنهم من آلة وعدة وقوة. والإعداد: اتخاذ الشيء لوقت الحاجة. والمراد بالقوة: الآلات التي تكون لكم قوة عليهم من الخيل والسلاح. قال - عليه الصَّلاة والسلام - على المنبر «ألا إنَّ القُوَّة الرَّمي ألا إنَّ القُوَّة الرَّمي ألا إنَّ القُوَّة الرَّميُ» وقال بعضهم: القوة هي الحصون. وقال أهل المعاني: هذا عام في كل ما يتوقى به على الحرب. وقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ «القُوَّةُ هي الرَّمْيُ» لا ينفي كون غير الرمي معتبراً، كقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «الحَجُّ عرفة» و «النَّدمُ توْبةٌ» لا ينفي اعتبار غيره. فإن قيل: قوله: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا استطعتم﴾ كان يكفي، فلم خصَّ الرمي والخيل بالذكر؟ . فالجوابُ: أنَّ الخيل لما كانت أصل الحروب وأوزارها الَّتي عقد الخير في نواصيها، وهي أقوى الدّواب وأشد العدة وحصون الفرسان، وبها يُجالُ في الميدان، خصَّها بالذِّكر تشريفاً وأقسم بغبارها تكريماً، فقال: ﴿والعاديات ضَبْحاً﴾ [العاديات: 1] الآياتُ، ولمَّا كانت السهامُ من أنجع ما يتعاطى في الحروب والنكاية في العدوَّ، وأقربها تناولاً للأرواح، خصَّها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بالذكر لها؛ ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: 89] بعد ذكر الملائكة، ومثله كثير. قوله «مِن قُوَّةٍ» في محلِّ نصبٍ على الحالِ، وفي صاحبها وجهان: أحدهما: أنَّهُ الموصول، والثاني: أنه العائد عليه، إذ التقديرُ: ما استطعتموه حال كونه بعض القوة، ويجوزُ أن تكون «مِنْ» لبيان الجِنْسِ. قوله: «ومِن ربَاطِ» ، جوَّزُوا فيه أن يكون جمع «رَبْط» مصدر: رَبَط يَربط، نحو: كَعْب وكِعَاب، وكَلْب وكِلاب، وأن يكون مصدراً ل «رَبَطَ» ، نحو: صَاحَ صِيَاحاً. قالوا: لأنَّ مصادر الثلاثي لا تنقاس، وأن يكون مصدر: «رَابِط» ، ومعنى المفاعلة: أنَّ ارتباط الخيل يفعله كلُّ واحد لفعل الآخر، فيرابط المؤمنون بعضهم بعضاً، قال معناه ابن عطيَّة. قال أبُو حيَّان: قوله «مصادرُ الثلاثي غير المزيد لا تَنْقَاسُ» ليس بصحيحٍ، بل لها مصادر منقاسةٌ ذكرها النحويون. قال شهابُ الدِّين: «في المسألة خلافٌ مشهور، وهو لم ينقل الإجماع على عدم القياسِ حتى يرُدَّ عليه بالخلاف؛ فإنَّهُ قد يكون اختيار أحد المذاهب، وقال به، فلا يُردُّ عليه بالقول الآخر» . وقال الزمخشريُّ: «والرِّباط: الخَيْلُ التي تُرْبط في سبيل الله ويجوز أن يُسمَّى بالرباط الذي هو بمعنى المرابطة، ويجوزُ أن يكون جمع: رَبيط يعني: بمعنى مَربُوط، ك: فَصِيل وفِصَال. والمصدرُ هنا مضافٌ لمفعوله» وقرأ الحسنُ، وأبو حيوة، ومالك بن دينار: «ومِنْ رُبُط» بضمتين، وعن الحسن أيضاً «رُبْط» بضم وسكون، نحو: كتاب وكُتْب. قال ابنُ عطيَّة «وفي جَمْعه، وهو مصدرٌ غيرُ مختلفٍ نظرٌ» . قال شهابُ الدِّين «لا نُسَلِّم والحالةُ هذه أنه مصدرن بل حكى أبو زيدٍ أنَّ» الرِّبَاط «الخمسةُ من الخيلِ فما فوقها، وأن جمعها» رُبُط «ولو سُلِّم أنَّهُ مصدرٌ فلا نُسَلِّم أنَّهُ لم تختلف أنواعه، وقد تقدَّم أنَّ» رباطاً «يجوزُ أن يكون جمعالً ل» رَبْط «المصدر، فما كان جواباً هناك، فهو جوابٌ هنا» . فصل قال القرطبي: «روى أبُو حاتمٍ عن أبي زيد: الرِّباطُ من الخيل: الخَمْسُ فما فوقها، وجماعته» رُبُط «، وهي التي ترتبط، يقال منه: رَبَطَ يَرْبط ربطاً، وارتبط يرتبط ارتباطاً ومربط الخيل ومرابطها وهي ارتباطها بإزاء العدو» قال: [الكامل] 2728 - أمَرَ الإلهُ بربْطِهَا لعَدُوِّهِ ... في الحَرْبِ إنَّ اللَّهَ خَيْرُ مُوفِّقِ روي أنَّ رجلاً قال لابن سيرين: إنَّ فلاناً أوْصَى بثلثِ ماله للحصون، فقال: هي للخيل؛ ألم تسمع قول الشاعر: [الكامل] 2729 - ولَقَدْ علِمْتُ عَلَى تَجَنُّبِيَ الرَّدَى ... أنَّ الحُصُونَ الخَيْلُ لا مَدَرُ القُرَى قال عكرمة: «رباط الخَيْلِ: الإناث» وهو قول الفرَّاء؛ لأنها اولى ما يربط لتناسها ونمائها، ذكرهُ الواحديُّ. ولقائل أن يقول: بل حمل اللَّفظ على الفُحُولِ أولى؛ لأنَّ المقصود برباط الخَيْلِ المحاربة عليها، والفحول أقوى على الكر والفر والعدو، فوجب تخصيص هذا اللفظ بها. ولمَّا تعارض هذان الوجهان وجب حمل اللفظ على مفهومه الأصلي، وهو كونه خيلاً مربوطاً سواء كانت فحولاً أو إناثاً. وروي عن خالد بن الوليد «أنه كان لا يركبُ في القتال إلا الإناث، لقلَّة صهيلها» . روى ابن محيريز قال: «كان الصَّحابةُ يستحبُّون ذكور الخيل عند الصفوف، وإناث الخيل عند الشتات والغارات» . قال عليه الصَّلاة والسَّلام: «الخَيْلُ مَعْقُودٌ بنواصيها الخَيْرُ إلى يومِ القيامةِ الأجْرُ والمَغْنَمُ» وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «مَن احتبس فرساً في سبيل اللَّهِ إيماناً باللَّهِ، وتصْديقاً بوعْدِهِ، كان شبعه وريُّةُ وبولُهُ حسنات في ميزانِهِ يوَْ القيامةِ» فصل وهذه الآية تدل على جواز وقف الخيل والسلاح، واتخاذ الخزائن والخزان [لها عدة] للأعداء، ويؤيدهُ حديث ابن عمر في الفرس الذي حمل عليه في سبيل الله، وقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ في حقِّ خالد: «وأمَّا خَالدٌ فإِنَّكُم تَظْلمُونَ خالِداً فإنَّه قَد احْتبسَ أدْراعَهُ وأعْتَادَهُ في سبيلِ اللَّهِ» . وما روي أنَّ امرأة جعلت بعيراً في سبيل اللَّهِ، فأرادَ زوجُها الحجَّ، فسألت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال: «ادفعيه إليه ليحج عليه فإن الحجَّ فريضةٌ من اللَّهِ» ؛ ولأنَّهُ مال ينتفع به في وجه قربة، فجاز أن يوقف كالرباع. ثم إنه تعالى ذكر ما لأجله أمر بإعداد هذه الأشياء. فقال: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ﴾ ؛ لأنَّ الكفار إذا علموا كون المسلمين متأهبين للجهاد، مستعدين له بجميع الأسلحة والآلات هابوهم. قوله «تُرْهِبُونَ» يجوزُ أن يكون حالاً من فاعل: «أعِدُّوا» ، أي: حَصِّلُوا لهم هذا حال كونكم مُرْهِبين، وأن يكُون حالاً من مفعوله، وهو الموصولُ، أي: أعِدُّوه مُرْهَباً بِهِ. وجاز نسبته لكلٍّ منهما؛ لأنَّ في الجملة ضميريها، هذا إذا أعدنا الضمير من «بِهِ» على «ما» الموصولة، أمَّا إذا أعَدْنَاه على الإعِدادِ المدلُولِ عليه ب «أعِدُّوا» ، أو على «الرِّباط» ، أو على: «القُوَّةِ» بتأويل الحول؛ فلا يتأتَّى مجيئُها من الموصول، ويجوز أن يكون حالاً من ضمير «لَهُمْ» ، كذا نقله أبو حيَّان عن غيره، فقال: «تُرْهبون» قالوا: حال من ضمير في «لَهُمْ» ولا رابط بينهما؟ ولا يصحُّ تقدير ضمير في جملة «تُرهبون» لأخذه معموله. وقرأ الحسنُ ويعقوبُ، ورواها ابن عقيل عن أبي عمرو: «تُرَهَّبُون» مضعَّفاً عدَّاه بالتضعيف، كما عدَّاه العامَّةُ بالهمزةِ، والمفعول الثَّاني على كلتا القراءتين محذوف؛ لأنَّ الفعل قبل النَّفْلِ بالهمزة، أو بالتَّضعيف متعدٍّ لواحد، نحو: «رَهَّبْتُك» والتقدير: تُرهِّبون عدوَّ اللَّه قتالكم، أو لقاءكم. وزعم أبو حاتم أنَّ أبا عمرو نقل قراءة الحسن بياء الغيبة وتخفيف «يُرْهبن» ، وهي قراءة واضحة، فإنَّ الضمير حينئذٍ يرجع إلى من يرجع إليهم ضمير «لَهُمْ» ، فإنَّهُم إذا خافوا خَوَّفُوا من وراءهم. قوله «عَدُوَّ اللَّهِ» العامَّة قراءوا بالإضافة، وقرأ السلميُّ منوناً، و «لِلَّه» بلام الجرِّ، وهو مفرد، والمراد به الجنس، فمعناه: أعداء لله. قال صاحبُ اللَّوامح «وإنما جعله نكرةً بمعنى العامَّة؛ لأنَّها نكرةٌ أيضاً لم تتعرَّف بالإضافة إلى المعرفة؛ لأنَّ اسم الفاعل بمعنى الحالِ، أو الاستقبال، ولا يتعرَّف ذلك وإن أضيف إلى المعارف، وأمَّا» وعَدُوَّكُمْ «فيجوزُ أن يكون كذلك نكرة، ويجوز أن يتعرَّف لأنه قد أُعيد ذكره، ومثله: رأيت صاحباً لكم، فقال لي صاحبكم» يعني: أن «عَدُوّاً» يجوز أن يُلمحَ فيه الوصفُ فلا يتعرَّف، وألاَّ يلمح فيتعرف. قوله «وآخَرِينَ» نسق على «عَدُوَّ اللَّهِ» ، و «مِن دُونِهِمْ» صفة ل «آخرينَ» . قال ابن عطيَّة: «مِن دُونِهم» بمنزلة قولك: دون أن تكون هؤلاء، ف «دون» في كلام العرب، و «مِنْ دُونِ» تقتضي عدم المذكور بعدها من النَّازلة التي فيها القول؛ ومنه المثل: [الكامل] 2730 - ... ... ... ... ... ... ... . ... وأمِرَّ دُونَ عُبَيْدةَ الوَذَمْ يعني: أنَّ الظَّرفية هنا مجازية، لأنَّ «دون» لا بد أن تكون ظرفاً حقيقة، أو مجازاً. قوله ﴿لاَ تَعْلَمُونَهُمُ الله يَعْلَمُهُمْ﴾ في هذه الآية قولان: أحدهما: أنَّ «علم» هنا متعدِّيةٌ لواحدٍ؛ لأنها بمعنى «عرف» ، ولذلك تعدَّت لواحد. والثاني: أنَّها على بابها، فتتعدى لاثنين، والثاني محذوفٌ، أي: لا تعلمونهم فازعين، أو محاربين. ولا بُدَّ هنا من التَّنبيه على شيءٍ، وهو أنَّ هذين القولين لا يجوز أن يكونا في قوله «اللَّهُ يَعْلمُهُم» بل يجب أن يقال: إنَّها المتعدية إلى اثنين، وأنَّ ثانيهما محذوف، لما تقدَّم من الفرق بين العِلْم والمعرفة. منها: أنَّ المعرفة تستدعي سَبْقَ جهل، ومنها: أن متعلقها الذوات دون النسب، وقد نصَّ العلماءُ على أنهُ لا يجوزُ أن يطلق ذلك - أعني الوصف بالمعرفةِ - على اللَّهِ تعالى. فصل قوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ﴾ . قال الحسن وابن زيد: «هم المُنافقون» . «لا تعلمُونَهم» ؛ لأنهم معكم يقولون: لا إله إلا الله وقال مجاهدٌ ومقاتل: «هم بنُو قريظة» وقال السديُّ: «هم أهل فارس» . وروي ابنُ جريجٍ عن سلمان بن موسى قال: هم كُفَّارُ الجِن، لما روي «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قرأ: ﴿وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ﴾ فقال: إنَّهم الجنُّ، ثم قال:» إنَّ الشَّيطانَ لا يُخَبِّل أحداً في دار فيها فرس حبيس» وعن الحسنِ: أنه قال: «صهيلُ الفرس يرهب الجن» وقيل: المرادُ العدو من المسلمين، فكما أنَّ المسلم يعاديه الكافر، فقد يعاديه المسلم أيضاً. ثم قال تعالى: ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ الله﴾ فهذا عام في الجهادِ وفي سائر وجوه الخيرات: «يُوفَّ إليْكُم» . قال ابنُ عبَّاسٍ: «يُوفَّ لكُم أجره» أي: لا يضيع في الآخرة أجره؛ ﴿وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ﴾ أي: لا تنقصون من الثَّواب. ولما ذكر ابن عباس هذا التفسير تلا قوه تعالى ﴿آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمِ مِّنْهُ شَيْئاً﴾ [الكهف: 33] . قوله تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فاجنح لَهَا﴾ الآية. لمَّا بيَّن ما يهرب به العدو من القوة، بيَّن بعده أنَّهم عند هذا الإرهاب إذا مالوا إلى المصالحة، فالحكمُ قبولُ المصالحِة، والجنوحُ: المَيْلُ، وجَنَحَتِ الإبلُ: أمالت أعناقها؛ قال ذو الرُّمَّةِ: [الطويل] 2731 - إذَا مَاتَ فوقَ الرَّحْلِ أحْيَيْتِ رُوحَهُ ... بِذكْراكِ والعِيسُ المَراسِيلُ جُنَّحُ يقال: جَنَحَ اللَّيْلأُ: أقْبَلَ. قال النضرُ بن شميلٍ: «جنح الرَّجلُ إلى فلانٍ، ولفلان: إذا خضع له» والجُنُوح الاتِّباع أيضاً لِتضمُّنه الميل؛ قال النَّابغة - يصفُ طيراً يتبع الجيش: [الطويل] 2732 - جَوَانِحُ قَدْ أيْقَنَّ أنَّ قبيلهُ ... إذا ما التقَى الجَمْعَانِ أوَّلُ غَالِب ومنه «الجَوانِحُ» للأضلاع، لميلها على حشو الشخص، والجناحث من ذلك، لميلانه على الطَّائر، وقد تقدَّم الكلامُ على بعض هذه المادة في البقرة. قوله «لِلسَّلْمِ» تقدَّم الكلام على «السلم» في البقرة، وقرأ أبو بكر عن عاصم هنا بكسر السين، وكَذا في القتال: ﴿وتدعوا إِلَى السلم﴾ [محمد: 35] ، ووافقه حمزة ما في القتال و «لِلسَّلْم» متعلق ب «جَنَحُوا. فقيل: يتعدَّى بها، وب» إلى» . وقيل: هنا بمعنى «إلى» . وقرأ الأشهبُ العقيليُّ: «فاجْنُحْ» بضمِّ النُّون، وهي لغة قيس، والفتح لغة تميم. والضمير في «لها» يعود على «السلم» ؛ لأنَّها تذكَّرُ وتُؤنث؛ ومن التَّأنيث قوله [المتقارب] . 2733 - وأقْنَيْتُ لِلْحربِ آلاتِهَا ... وأعْدَدْتُ للسِّلْمِ أوزارَها وقال آخر: [البسيط] 2734 - السِّلْمُ تأخُذُ مِنْهَا ما رضيتَ بِهِ ... والحَرْبُ يَكْفيكَ منْ أنْفَاسِهَا جُرَعُ وقيل: أثبت الهاء في «لها» ؛ لأنَّهُ قصد بها الفعلة والجنحة، كقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأعراف: 153] أراد: من بعد فعلتهم. وقال الزمخشريُّ: «السِّلْمُ تُؤنَّث تأنيث نقيضها، وهي الحربُ» . وأنشد البيت المتقدم: السِّلم تأخذ منها. فصل قال الحسنُ وقتادةُ: هذه الآية نسخت بقوله: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ [التوبة: 5] . وقوله ﴿قَاتِلُواْ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله﴾ [التوبة: 29] . وقال غيرهما: ليست منسوخة؛ لكنها تتضمَّنُ الأمر بالصُّلح إذا كان الصلاح فيه، فذا رأى مصالحتهم، فلا يجوز أن يهادنهم سنة كاملة وإن كانت القوة للمشركين جاز مهادنتهم عشر سنين، ولا يجوز الزيادة عليها اقتداء برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فإنه هادن أهل مكَّة عشر سنين، ثم إنهم نقضُوا العهد قبل كمال المُدَّة. وقوله ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الله﴾ أي: فوِّض الأمر فيما عقدته معهم إلى الله. ﴿إِنَّهُ هُوَ السميع العليم﴾ نبَّه بذلك على الزَّجر عن نقض العهد؛ لأنَّهُ عالم بما يضمير العبد سميع لما يقوله. قال مجاهدٌ: «نزلت في قريظة والنضير» وورودها فيهم لا يمنع من إجرائها على ظاهر عمومها. قوله تعالى ﴿وَإِن يريدوا أَن يَخْدَعُوكَ﴾ الآية. أي: يريدوا ان يغدروا ويمكروا بك. قال مجاهدٌ: يعني: بني قريظة ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ الله هُوَ الذي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبالمؤمنين﴾ أي: بالأنصارِ. فإن قيل: لما قال: ﴿هُوَ الذي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾ فأي حاجة مع نصره إلى المؤمنين، حتَّى قال «وبالمؤمنين» . فالجوابُ: أنَّ التَّأييدَ ليس إلا من الله، لكنه على قسمين: أحدهما: ما يحصل من غير واسطة أسباب معتادة. والثاني: ما يحصلُ بواسطة أسباب معتادة. فالأول: هو المراد بقوله: «أيَّدكَ بنصْرِهِ» . والثاني: هو المرادُ بقوله: «وبالمؤمنين» . ثم بيَّن كيف أيد بالمؤمنين فقال ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ أي: بين الأوس والخزرج، كانت بينهم إحن وخصومات، ومحاربة في الجاهليَّة، فصيَّرهم الله إخواناً بعد أن كانوا أعداءً، وتبدلت العداوة بالمحبة القوية، والمخالصة التَّامة، ممَّا لا يقدر عليه إلاَّ الله تعالى. ﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأرض جَمِيعاً مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولكن الله أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي: قادر قاهر، يمكنه التصرف في القلوب، ويقلبها من العداوة إلى الصداقة ومن النفرة إلى الرغبة، حكيم يقول ما يقوله على وجه الإحكام والإتقان، أو مطابقاً للمصلحة والصَّواب على اختلاف القولين في الجبر والقدر. فصل احتجوا بهذه الآية على أن أحوال القلوب من العقائد، والإرادات كلها من خلق الله تعالى؛ لأن تلك الألفة، والمودة، إنَّما حصلت بسب الإيمان ومتابعة الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - فلو كان الإيمانُ فعلاً للعبد لا فعلاً لله تعالى، لكانت المحبَّة المترتبة عليه فعلاً للعبد لا فعلاً لله تعالى، وذلك خلاف صريح الآية. فقال القاضي: «لَوْلاَ ألطافُ الله تعالى ساعةً فساعةً، لما حصلت هذه الأحوال، فأضيفت تلك المخالصة إلى الله تعالى بهذا التَّأويل، كما يضافُ علم الولد وأدبه إلى أبيه، لأجل أنَّه لم يحصل ذلك إلاَّ بمعونة الأبِ وتربيته، فكذا ههنا» . وأجيب: بأن كل ما ذكرتموه عدول عن الظاهر، وحمل الكلام على المجاز، وأيضاً فكل هذه الألطاف كانت حاصلة في حق الكُفار، مثل حصولها في حقِّ المؤمنين، فلو لم يحصل هناك شيء سوى الألطاف؛ لم يكن لتخصيص المؤمنين بهذه المعاني فائدة، وأيضاً فالبرهانُ العقلي مقوٍّ لهذا الظَّاهر؛ أن القلب يصح أن يصير موصوفاً بالرَّغْبَةِ بدلاً عن النُّفرة والعكس. فرجحان أحدِ الطَّرفين على الآخر لا بدَّ له من مرجِّح، فإن كان المرجح هو العبدُ عاد التقسيم وإن كان هو الله تعالى، فهو المقصود. فعلم أنَّ صريح هذه الآية متأكد بصريح البرهان العقلي، فلا حاجة إلى ما ذكره القاضي.

الأنفال 8:61

قوله: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا استطعتم مِّن قُوَّةٍ﴾ . لمَّا أوجب على رسوله أن يُشرِّد من صدر منه نقض العهدِ، وأن ينبذ العهد إلى من خاف منه النَّقض أمره في هذا الآية بالإعداد للكُفَّارِ. قويل: إنَّ الصحابة لمَّا قصدوا الكفار يوم بدر بلا آلة ولا عدة أمرهم الله تعالى ألاَّ يعودوا لمثله، وأن يعدُّوا للكفرا ما أمكنهم من آلة وعدة وقوة. والإعداد: اتخاذ الشيء لوقت الحاجة. والمراد بالقوة: الآلات التي تكون لكم قوة عليهم من الخيل والسلاح. قال - عليه الصَّلاة والسلام - على المنبر «ألا إنَّ القُوَّة الرَّمي ألا إنَّ القُوَّة الرَّمي ألا إنَّ القُوَّة الرَّميُ» وقال بعضهم: القوة هي الحصون. وقال أهل المعاني: هذا عام في كل ما يتوقى به على الحرب. وقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ «القُوَّةُ هي الرَّمْيُ» لا ينفي كون غير الرمي معتبراً، كقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «الحَجُّ عرفة» و «النَّدمُ توْبةٌ» لا ينفي اعتبار غيره. فإن قيل: قوله: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا استطعتم﴾ كان يكفي، فلم خصَّ الرمي والخيل بالذكر؟ . فالجوابُ: أنَّ الخيل لما كانت أصل الحروب وأوزارها الَّتي عقد الخير في نواصيها، وهي أقوى الدّواب وأشد العدة وحصون الفرسان، وبها يُجالُ في الميدان، خصَّها بالذِّكر تشريفاً وأقسم بغبارها تكريماً، فقال: ﴿والعاديات ضَبْحاً﴾ [العاديات: 1] الآياتُ، ولمَّا كانت السهامُ من أنجع ما يتعاطى في الحروب والنكاية في العدوَّ، وأقربها تناولاً للأرواح، خصَّها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بالذكر لها؛ ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: 89] بعد ذكر الملائكة، ومثله كثير. قوله «مِن قُوَّةٍ» في محلِّ نصبٍ على الحالِ، وفي صاحبها وجهان: أحدهما: أنَّهُ الموصول، والثاني: أنه العائد عليه، إذ التقديرُ: ما استطعتموه حال كونه بعض القوة، ويجوزُ أن تكون «مِنْ» لبيان الجِنْسِ. قوله: «ومِن ربَاطِ» ، جوَّزُوا فيه أن يكون جمع «رَبْط» مصدر: رَبَط يَربط، نحو: كَعْب وكِعَاب، وكَلْب وكِلاب، وأن يكون مصدراً ل «رَبَطَ» ، نحو: صَاحَ صِيَاحاً. قالوا: لأنَّ مصادر الثلاثي لا تنقاس، وأن يكون مصدر: «رَابِط» ، ومعنى المفاعلة: أنَّ ارتباط الخيل يفعله كلُّ واحد لفعل الآخر، فيرابط المؤمنون بعضهم بعضاً، قال معناه ابن عطيَّة. قال أبُو حيَّان: قوله «مصادرُ الثلاثي غير المزيد لا تَنْقَاسُ» ليس بصحيحٍ، بل لها مصادر منقاسةٌ ذكرها النحويون. قال شهابُ الدِّين: «في المسألة خلافٌ مشهور، وهو لم ينقل الإجماع على عدم القياسِ حتى يرُدَّ عليه بالخلاف؛ فإنَّهُ قد يكون اختيار أحد المذاهب، وقال به، فلا يُردُّ عليه بالقول الآخر» . وقال الزمخشريُّ: «والرِّباط: الخَيْلُ التي تُرْبط في سبيل الله ويجوز أن يُسمَّى بالرباط الذي هو بمعنى المرابطة، ويجوزُ أن يكون جمع: رَبيط يعني: بمعنى مَربُوط، ك: فَصِيل وفِصَال. والمصدرُ هنا مضافٌ لمفعوله» وقرأ الحسنُ، وأبو حيوة، ومالك بن دينار: «ومِنْ رُبُط» بضمتين، وعن الحسن أيضاً «رُبْط» بضم وسكون، نحو: كتاب وكُتْب. قال ابنُ عطيَّة «وفي جَمْعه، وهو مصدرٌ غيرُ مختلفٍ نظرٌ» . قال شهابُ الدِّين «لا نُسَلِّم والحالةُ هذه أنه مصدرن بل حكى أبو زيدٍ أنَّ» الرِّبَاط «الخمسةُ من الخيلِ فما فوقها، وأن جمعها» رُبُط «ولو سُلِّم أنَّهُ مصدرٌ فلا نُسَلِّم أنَّهُ لم تختلف أنواعه، وقد تقدَّم أنَّ» رباطاً «يجوزُ أن يكون جمعالً ل» رَبْط «المصدر، فما كان جواباً هناك، فهو جوابٌ هنا» . فصل قال القرطبي: «روى أبُو حاتمٍ عن أبي زيد: الرِّباطُ من الخيل: الخَمْسُ فما فوقها، وجماعته» رُبُط «، وهي التي ترتبط، يقال منه: رَبَطَ يَرْبط ربطاً، وارتبط يرتبط ارتباطاً ومربط الخيل ومرابطها وهي ارتباطها بإزاء العدو» قال: [الكامل] 2728 - أمَرَ الإلهُ بربْطِهَا لعَدُوِّهِ ... في الحَرْبِ إنَّ اللَّهَ خَيْرُ مُوفِّقِ روي أنَّ رجلاً قال لابن سيرين: إنَّ فلاناً أوْصَى بثلثِ ماله للحصون، فقال: هي للخيل؛ ألم تسمع قول الشاعر: [الكامل] 2729 - ولَقَدْ علِمْتُ عَلَى تَجَنُّبِيَ الرَّدَى ... أنَّ الحُصُونَ الخَيْلُ لا مَدَرُ القُرَى قال عكرمة: «رباط الخَيْلِ: الإناث» وهو قول الفرَّاء؛ لأنها اولى ما يربط لتناسها ونمائها، ذكرهُ الواحديُّ. ولقائل أن يقول: بل حمل اللَّفظ على الفُحُولِ أولى؛ لأنَّ المقصود برباط الخَيْلِ المحاربة عليها، والفحول أقوى على الكر والفر والعدو، فوجب تخصيص هذا اللفظ بها. ولمَّا تعارض هذان الوجهان وجب حمل اللفظ على مفهومه الأصلي، وهو كونه خيلاً مربوطاً سواء كانت فحولاً أو إناثاً. وروي عن خالد بن الوليد «أنه كان لا يركبُ في القتال إلا الإناث، لقلَّة صهيلها» . روى ابن محيريز قال: «كان الصَّحابةُ يستحبُّون ذكور الخيل عند الصفوف، وإناث الخيل عند الشتات والغارات» . قال عليه الصَّلاة والسَّلام: «الخَيْلُ مَعْقُودٌ بنواصيها الخَيْرُ إلى يومِ القيامةِ الأجْرُ والمَغْنَمُ» وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «مَن احتبس فرساً في سبيل اللَّهِ إيماناً باللَّهِ، وتصْديقاً بوعْدِهِ، كان شبعه وريُّةُ وبولُهُ حسنات في ميزانِهِ يوَْ القيامةِ» فصل وهذه الآية تدل على جواز وقف الخيل والسلاح، واتخاذ الخزائن والخزان [لها عدة] للأعداء، ويؤيدهُ حديث ابن عمر في الفرس الذي حمل عليه في سبيل الله، وقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ في حقِّ خالد: «وأمَّا خَالدٌ فإِنَّكُم تَظْلمُونَ خالِداً فإنَّه قَد احْتبسَ أدْراعَهُ وأعْتَادَهُ في سبيلِ اللَّهِ» . وما روي أنَّ امرأة جعلت بعيراً في سبيل اللَّهِ، فأرادَ زوجُها الحجَّ، فسألت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال: «ادفعيه إليه ليحج عليه فإن الحجَّ فريضةٌ من اللَّهِ» ؛ ولأنَّهُ مال ينتفع به في وجه قربة، فجاز أن يوقف كالرباع. ثم إنه تعالى ذكر ما لأجله أمر بإعداد هذه الأشياء. فقال: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ﴾ ؛ لأنَّ الكفار إذا علموا كون المسلمين متأهبين للجهاد، مستعدين له بجميع الأسلحة والآلات هابوهم. قوله «تُرْهِبُونَ» يجوزُ أن يكون حالاً من فاعل: «أعِدُّوا» ، أي: حَصِّلُوا لهم هذا حال كونكم مُرْهِبين، وأن يكُون حالاً من مفعوله، وهو الموصولُ، أي: أعِدُّوه مُرْهَباً بِهِ. وجاز نسبته لكلٍّ منهما؛ لأنَّ في الجملة ضميريها، هذا إذا أعدنا الضمير من «بِهِ» على «ما» الموصولة، أمَّا إذا أعَدْنَاه على الإعِدادِ المدلُولِ عليه ب «أعِدُّوا» ، أو على «الرِّباط» ، أو على: «القُوَّةِ» بتأويل الحول؛ فلا يتأتَّى مجيئُها من الموصول، ويجوز أن يكون حالاً من ضمير «لَهُمْ» ، كذا نقله أبو حيَّان عن غيره، فقال: «تُرْهبون» قالوا: حال من ضمير في «لَهُمْ» ولا رابط بينهما؟ ولا يصحُّ تقدير ضمير في جملة «تُرهبون» لأخذه معموله. وقرأ الحسنُ ويعقوبُ، ورواها ابن عقيل عن أبي عمرو: «تُرَهَّبُون» مضعَّفاً عدَّاه بالتضعيف، كما عدَّاه العامَّةُ بالهمزةِ، والمفعول الثَّاني على كلتا القراءتين محذوف؛ لأنَّ الفعل قبل النَّفْلِ بالهمزة، أو بالتَّضعيف متعدٍّ لواحد، نحو: «رَهَّبْتُك» والتقدير: تُرهِّبون عدوَّ اللَّه قتالكم، أو لقاءكم. وزعم أبو حاتم أنَّ أبا عمرو نقل قراءة الحسن بياء الغيبة وتخفيف «يُرْهبن» ، وهي قراءة واضحة، فإنَّ الضمير حينئذٍ يرجع إلى من يرجع إليهم ضمير «لَهُمْ» ، فإنَّهُم إذا خافوا خَوَّفُوا من وراءهم. قوله «عَدُوَّ اللَّهِ» العامَّة قراءوا بالإضافة، وقرأ السلميُّ منوناً، و «لِلَّه» بلام الجرِّ، وهو مفرد، والمراد به الجنس، فمعناه: أعداء لله. قال صاحبُ اللَّوامح «وإنما جعله نكرةً بمعنى العامَّة؛ لأنَّها نكرةٌ أيضاً لم تتعرَّف بالإضافة إلى المعرفة؛ لأنَّ اسم الفاعل بمعنى الحالِ، أو الاستقبال، ولا يتعرَّف ذلك وإن أضيف إلى المعارف، وأمَّا» وعَدُوَّكُمْ «فيجوزُ أن يكون كذلك نكرة، ويجوز أن يتعرَّف لأنه قد أُعيد ذكره، ومثله: رأيت صاحباً لكم، فقال لي صاحبكم» يعني: أن «عَدُوّاً» يجوز أن يُلمحَ فيه الوصفُ فلا يتعرَّف، وألاَّ يلمح فيتعرف. قوله «وآخَرِينَ» نسق على «عَدُوَّ اللَّهِ» ، و «مِن دُونِهِمْ» صفة ل «آخرينَ» . قال ابن عطيَّة: «مِن دُونِهم» بمنزلة قولك: دون أن تكون هؤلاء، ف «دون» في كلام العرب، و «مِنْ دُونِ» تقتضي عدم المذكور بعدها من النَّازلة التي فيها القول؛ ومنه المثل: [الكامل] 2730 - ... ... ... ... ... ... ... . ... وأمِرَّ دُونَ عُبَيْدةَ الوَذَمْ يعني: أنَّ الظَّرفية هنا مجازية، لأنَّ «دون» لا بد أن تكون ظرفاً حقيقة، أو مجازاً. قوله ﴿لاَ تَعْلَمُونَهُمُ الله يَعْلَمُهُمْ﴾ في هذه الآية قولان: أحدهما: أنَّ «علم» هنا متعدِّيةٌ لواحدٍ؛ لأنها بمعنى «عرف» ، ولذلك تعدَّت لواحد. والثاني: أنَّها على بابها، فتتعدى لاثنين، والثاني محذوفٌ، أي: لا تعلمونهم فازعين، أو محاربين. ولا بُدَّ هنا من التَّنبيه على شيءٍ، وهو أنَّ هذين القولين لا يجوز أن يكونا في قوله «اللَّهُ يَعْلمُهُم» بل يجب أن يقال: إنَّها المتعدية إلى اثنين، وأنَّ ثانيهما محذوف، لما تقدَّم من الفرق بين العِلْم والمعرفة. منها: أنَّ المعرفة تستدعي سَبْقَ جهل، ومنها: أن متعلقها الذوات دون النسب، وقد نصَّ العلماءُ على أنهُ لا يجوزُ أن يطلق ذلك - أعني الوصف بالمعرفةِ - على اللَّهِ تعالى. فصل قوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ﴾ . قال الحسن وابن زيد: «هم المُنافقون» . «لا تعلمُونَهم» ؛ لأنهم معكم يقولون: لا إله إلا الله وقال مجاهدٌ ومقاتل: «هم بنُو قريظة» وقال السديُّ: «هم أهل فارس» . وروي ابنُ جريجٍ عن سلمان بن موسى قال: هم كُفَّارُ الجِن، لما روي «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قرأ: ﴿وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ﴾ فقال: إنَّهم الجنُّ، ثم قال:» إنَّ الشَّيطانَ لا يُخَبِّل أحداً في دار فيها فرس حبيس» وعن الحسنِ: أنه قال: «صهيلُ الفرس يرهب الجن» وقيل: المرادُ العدو من المسلمين، فكما أنَّ المسلم يعاديه الكافر، فقد يعاديه المسلم أيضاً. ثم قال تعالى: ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ الله﴾ فهذا عام في الجهادِ وفي سائر وجوه الخيرات: «يُوفَّ إليْكُم» . قال ابنُ عبَّاسٍ: «يُوفَّ لكُم أجره» أي: لا يضيع في الآخرة أجره؛ ﴿وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ﴾ أي: لا تنقصون من الثَّواب. ولما ذكر ابن عباس هذا التفسير تلا قوه تعالى ﴿آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمِ مِّنْهُ شَيْئاً﴾ [الكهف: 33] . قوله تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فاجنح لَهَا﴾ الآية. لمَّا بيَّن ما يهرب به العدو من القوة، بيَّن بعده أنَّهم عند هذا الإرهاب إذا مالوا إلى المصالحة، فالحكمُ قبولُ المصالحِة، والجنوحُ: المَيْلُ، وجَنَحَتِ الإبلُ: أمالت أعناقها؛ قال ذو الرُّمَّةِ: [الطويل] 2731 - إذَا مَاتَ فوقَ الرَّحْلِ أحْيَيْتِ رُوحَهُ ... بِذكْراكِ والعِيسُ المَراسِيلُ جُنَّحُ يقال: جَنَحَ اللَّيْلأُ: أقْبَلَ. قال النضرُ بن شميلٍ: «جنح الرَّجلُ إلى فلانٍ، ولفلان: إذا خضع له» والجُنُوح الاتِّباع أيضاً لِتضمُّنه الميل؛ قال النَّابغة - يصفُ طيراً يتبع الجيش: [الطويل] 2732 - جَوَانِحُ قَدْ أيْقَنَّ أنَّ قبيلهُ ... إذا ما التقَى الجَمْعَانِ أوَّلُ غَالِب ومنه «الجَوانِحُ» للأضلاع، لميلها على حشو الشخص، والجناحث من ذلك، لميلانه على الطَّائر، وقد تقدَّم الكلامُ على بعض هذه المادة في البقرة. قوله «لِلسَّلْمِ» تقدَّم الكلام على «السلم» في البقرة، وقرأ أبو بكر عن عاصم هنا بكسر السين، وكَذا في القتال: ﴿وتدعوا إِلَى السلم﴾ [محمد: 35] ، ووافقه حمزة ما في القتال و «لِلسَّلْم» متعلق ب «جَنَحُوا. فقيل: يتعدَّى بها، وب» إلى» . وقيل: هنا بمعنى «إلى» . وقرأ الأشهبُ العقيليُّ: «فاجْنُحْ» بضمِّ النُّون، وهي لغة قيس، والفتح لغة تميم. والضمير في «لها» يعود على «السلم» ؛ لأنَّها تذكَّرُ وتُؤنث؛ ومن التَّأنيث قوله [المتقارب] . 2733 - وأقْنَيْتُ لِلْحربِ آلاتِهَا ... وأعْدَدْتُ للسِّلْمِ أوزارَها وقال آخر: [البسيط] 2734 - السِّلْمُ تأخُذُ مِنْهَا ما رضيتَ بِهِ ... والحَرْبُ يَكْفيكَ منْ أنْفَاسِهَا جُرَعُ وقيل: أثبت الهاء في «لها» ؛ لأنَّهُ قصد بها الفعلة والجنحة، كقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأعراف: 153] أراد: من بعد فعلتهم. وقال الزمخشريُّ: «السِّلْمُ تُؤنَّث تأنيث نقيضها، وهي الحربُ» . وأنشد البيت المتقدم: السِّلم تأخذ منها. فصل قال الحسنُ وقتادةُ: هذه الآية نسخت بقوله: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ [التوبة: 5] . وقوله ﴿قَاتِلُواْ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله﴾ [التوبة: 29] . وقال غيرهما: ليست منسوخة؛ لكنها تتضمَّنُ الأمر بالصُّلح إذا كان الصلاح فيه، فذا رأى مصالحتهم، فلا يجوز أن يهادنهم سنة كاملة وإن كانت القوة للمشركين جاز مهادنتهم عشر سنين، ولا يجوز الزيادة عليها اقتداء برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فإنه هادن أهل مكَّة عشر سنين، ثم إنهم نقضُوا العهد قبل كمال المُدَّة. وقوله ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الله﴾ أي: فوِّض الأمر فيما عقدته معهم إلى الله. ﴿إِنَّهُ هُوَ السميع العليم﴾ نبَّه بذلك على الزَّجر عن نقض العهد؛ لأنَّهُ عالم بما يضمير العبد سميع لما يقوله. قال مجاهدٌ: «نزلت في قريظة والنضير» وورودها فيهم لا يمنع من إجرائها على ظاهر عمومها. قوله تعالى ﴿وَإِن يريدوا أَن يَخْدَعُوكَ﴾ الآية. أي: يريدوا ان يغدروا ويمكروا بك. قال مجاهدٌ: يعني: بني قريظة ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ الله هُوَ الذي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبالمؤمنين﴾ أي: بالأنصارِ. فإن قيل: لما قال: ﴿هُوَ الذي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾ فأي حاجة مع نصره إلى المؤمنين، حتَّى قال «وبالمؤمنين» . فالجوابُ: أنَّ التَّأييدَ ليس إلا من الله، لكنه على قسمين: أحدهما: ما يحصل من غير واسطة أسباب معتادة. والثاني: ما يحصلُ بواسطة أسباب معتادة. فالأول: هو المراد بقوله: «أيَّدكَ بنصْرِهِ» . والثاني: هو المرادُ بقوله: «وبالمؤمنين» . ثم بيَّن كيف أيد بالمؤمنين فقال ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ أي: بين الأوس والخزرج، كانت بينهم إحن وخصومات، ومحاربة في الجاهليَّة، فصيَّرهم الله إخواناً بعد أن كانوا أعداءً، وتبدلت العداوة بالمحبة القوية، والمخالصة التَّامة، ممَّا لا يقدر عليه إلاَّ الله تعالى. ﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأرض جَمِيعاً مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولكن الله أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي: قادر قاهر، يمكنه التصرف في القلوب، ويقلبها من العداوة إلى الصداقة ومن النفرة إلى الرغبة، حكيم يقول ما يقوله على وجه الإحكام والإتقان، أو مطابقاً للمصلحة والصَّواب على اختلاف القولين في الجبر والقدر. فصل احتجوا بهذه الآية على أن أحوال القلوب من العقائد، والإرادات كلها من خلق الله تعالى؛ لأن تلك الألفة، والمودة، إنَّما حصلت بسب الإيمان ومتابعة الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - فلو كان الإيمانُ فعلاً للعبد لا فعلاً لله تعالى، لكانت المحبَّة المترتبة عليه فعلاً للعبد لا فعلاً لله تعالى، وذلك خلاف صريح الآية. فقال القاضي: «لَوْلاَ ألطافُ الله تعالى ساعةً فساعةً، لما حصلت هذه الأحوال، فأضيفت تلك المخالصة إلى الله تعالى بهذا التَّأويل، كما يضافُ علم الولد وأدبه إلى أبيه، لأجل أنَّه لم يحصل ذلك إلاَّ بمعونة الأبِ وتربيته، فكذا ههنا» . وأجيب: بأن كل ما ذكرتموه عدول عن الظاهر، وحمل الكلام على المجاز، وأيضاً فكل هذه الألطاف كانت حاصلة في حق الكُفار، مثل حصولها في حقِّ المؤمنين، فلو لم يحصل هناك شيء سوى الألطاف؛ لم يكن لتخصيص المؤمنين بهذه المعاني فائدة، وأيضاً فالبرهانُ العقلي مقوٍّ لهذا الظَّاهر؛ أن القلب يصح أن يصير موصوفاً بالرَّغْبَةِ بدلاً عن النُّفرة والعكس. فرجحان أحدِ الطَّرفين على الآخر لا بدَّ له من مرجِّح، فإن كان المرجح هو العبدُ عاد التقسيم وإن كان هو الله تعالى، فهو المقصود. فعلم أنَّ صريح هذه الآية متأكد بصريح البرهان العقلي، فلا حاجة إلى ما ذكره القاضي.

الأنفال 8:62

قوله: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا استطعتم مِّن قُوَّةٍ﴾ . لمَّا أوجب على رسوله أن يُشرِّد من صدر منه نقض العهدِ، وأن ينبذ العهد إلى من خاف منه النَّقض أمره في هذا الآية بالإعداد للكُفَّارِ. قويل: إنَّ الصحابة لمَّا قصدوا الكفار يوم بدر بلا آلة ولا عدة أمرهم الله تعالى ألاَّ يعودوا لمثله، وأن يعدُّوا للكفرا ما أمكنهم من آلة وعدة وقوة. والإعداد: اتخاذ الشيء لوقت الحاجة. والمراد بالقوة: الآلات التي تكون لكم قوة عليهم من الخيل والسلاح. قال - عليه الصَّلاة والسلام - على المنبر «ألا إنَّ القُوَّة الرَّمي ألا إنَّ القُوَّة الرَّمي ألا إنَّ القُوَّة الرَّميُ» وقال بعضهم: القوة هي الحصون. وقال أهل المعاني: هذا عام في كل ما يتوقى به على الحرب. وقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ «القُوَّةُ هي الرَّمْيُ» لا ينفي كون غير الرمي معتبراً، كقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «الحَجُّ عرفة» و «النَّدمُ توْبةٌ» لا ينفي اعتبار غيره. فإن قيل: قوله: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا استطعتم﴾ كان يكفي، فلم خصَّ الرمي والخيل بالذكر؟ . فالجوابُ: أنَّ الخيل لما كانت أصل الحروب وأوزارها الَّتي عقد الخير في نواصيها، وهي أقوى الدّواب وأشد العدة وحصون الفرسان، وبها يُجالُ في الميدان، خصَّها بالذِّكر تشريفاً وأقسم بغبارها تكريماً، فقال: ﴿والعاديات ضَبْحاً﴾ [العاديات: 1] الآياتُ، ولمَّا كانت السهامُ من أنجع ما يتعاطى في الحروب والنكاية في العدوَّ، وأقربها تناولاً للأرواح، خصَّها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بالذكر لها؛ ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: 89] بعد ذكر الملائكة، ومثله كثير. قوله «مِن قُوَّةٍ» في محلِّ نصبٍ على الحالِ، وفي صاحبها وجهان: أحدهما: أنَّهُ الموصول، والثاني: أنه العائد عليه، إذ التقديرُ: ما استطعتموه حال كونه بعض القوة، ويجوزُ أن تكون «مِنْ» لبيان الجِنْسِ. قوله: «ومِن ربَاطِ» ، جوَّزُوا فيه أن يكون جمع «رَبْط» مصدر: رَبَط يَربط، نحو: كَعْب وكِعَاب، وكَلْب وكِلاب، وأن يكون مصدراً ل «رَبَطَ» ، نحو: صَاحَ صِيَاحاً. قالوا: لأنَّ مصادر الثلاثي لا تنقاس، وأن يكون مصدر: «رَابِط» ، ومعنى المفاعلة: أنَّ ارتباط الخيل يفعله كلُّ واحد لفعل الآخر، فيرابط المؤمنون بعضهم بعضاً، قال معناه ابن عطيَّة. قال أبُو حيَّان: قوله «مصادرُ الثلاثي غير المزيد لا تَنْقَاسُ» ليس بصحيحٍ، بل لها مصادر منقاسةٌ ذكرها النحويون. قال شهابُ الدِّين: «في المسألة خلافٌ مشهور، وهو لم ينقل الإجماع على عدم القياسِ حتى يرُدَّ عليه بالخلاف؛ فإنَّهُ قد يكون اختيار أحد المذاهب، وقال به، فلا يُردُّ عليه بالقول الآخر» . وقال الزمخشريُّ: «والرِّباط: الخَيْلُ التي تُرْبط في سبيل الله ويجوز أن يُسمَّى بالرباط الذي هو بمعنى المرابطة، ويجوزُ أن يكون جمع: رَبيط يعني: بمعنى مَربُوط، ك: فَصِيل وفِصَال. والمصدرُ هنا مضافٌ لمفعوله» وقرأ الحسنُ، وأبو حيوة، ومالك بن دينار: «ومِنْ رُبُط» بضمتين، وعن الحسن أيضاً «رُبْط» بضم وسكون، نحو: كتاب وكُتْب. قال ابنُ عطيَّة «وفي جَمْعه، وهو مصدرٌ غيرُ مختلفٍ نظرٌ» . قال شهابُ الدِّين «لا نُسَلِّم والحالةُ هذه أنه مصدرن بل حكى أبو زيدٍ أنَّ» الرِّبَاط «الخمسةُ من الخيلِ فما فوقها، وأن جمعها» رُبُط «ولو سُلِّم أنَّهُ مصدرٌ فلا نُسَلِّم أنَّهُ لم تختلف أنواعه، وقد تقدَّم أنَّ» رباطاً «يجوزُ أن يكون جمعالً ل» رَبْط «المصدر، فما كان جواباً هناك، فهو جوابٌ هنا» . فصل قال القرطبي: «روى أبُو حاتمٍ عن أبي زيد: الرِّباطُ من الخيل: الخَمْسُ فما فوقها، وجماعته» رُبُط «، وهي التي ترتبط، يقال منه: رَبَطَ يَرْبط ربطاً، وارتبط يرتبط ارتباطاً ومربط الخيل ومرابطها وهي ارتباطها بإزاء العدو» قال: [الكامل] 2728 - أمَرَ الإلهُ بربْطِهَا لعَدُوِّهِ ... في الحَرْبِ إنَّ اللَّهَ خَيْرُ مُوفِّقِ روي أنَّ رجلاً قال لابن سيرين: إنَّ فلاناً أوْصَى بثلثِ ماله للحصون، فقال: هي للخيل؛ ألم تسمع قول الشاعر: [الكامل] 2729 - ولَقَدْ علِمْتُ عَلَى تَجَنُّبِيَ الرَّدَى ... أنَّ الحُصُونَ الخَيْلُ لا مَدَرُ القُرَى قال عكرمة: «رباط الخَيْلِ: الإناث» وهو قول الفرَّاء؛ لأنها اولى ما يربط لتناسها ونمائها، ذكرهُ الواحديُّ. ولقائل أن يقول: بل حمل اللَّفظ على الفُحُولِ أولى؛ لأنَّ المقصود برباط الخَيْلِ المحاربة عليها، والفحول أقوى على الكر والفر والعدو، فوجب تخصيص هذا اللفظ بها. ولمَّا تعارض هذان الوجهان وجب حمل اللفظ على مفهومه الأصلي، وهو كونه خيلاً مربوطاً سواء كانت فحولاً أو إناثاً. وروي عن خالد بن الوليد «أنه كان لا يركبُ في القتال إلا الإناث، لقلَّة صهيلها» . روى ابن محيريز قال: «كان الصَّحابةُ يستحبُّون ذكور الخيل عند الصفوف، وإناث الخيل عند الشتات والغارات» . قال عليه الصَّلاة والسَّلام: «الخَيْلُ مَعْقُودٌ بنواصيها الخَيْرُ إلى يومِ القيامةِ الأجْرُ والمَغْنَمُ» وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «مَن احتبس فرساً في سبيل اللَّهِ إيماناً باللَّهِ، وتصْديقاً بوعْدِهِ، كان شبعه وريُّةُ وبولُهُ حسنات في ميزانِهِ يوَْ القيامةِ» فصل وهذه الآية تدل على جواز وقف الخيل والسلاح، واتخاذ الخزائن والخزان [لها عدة] للأعداء، ويؤيدهُ حديث ابن عمر في الفرس الذي حمل عليه في سبيل الله، وقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ في حقِّ خالد: «وأمَّا خَالدٌ فإِنَّكُم تَظْلمُونَ خالِداً فإنَّه قَد احْتبسَ أدْراعَهُ وأعْتَادَهُ في سبيلِ اللَّهِ» . وما روي أنَّ امرأة جعلت بعيراً في سبيل اللَّهِ، فأرادَ زوجُها الحجَّ، فسألت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال: «ادفعيه إليه ليحج عليه فإن الحجَّ فريضةٌ من اللَّهِ» ؛ ولأنَّهُ مال ينتفع به في وجه قربة، فجاز أن يوقف كالرباع. ثم إنه تعالى ذكر ما لأجله أمر بإعداد هذه الأشياء. فقال: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ﴾ ؛ لأنَّ الكفار إذا علموا كون المسلمين متأهبين للجهاد، مستعدين له بجميع الأسلحة والآلات هابوهم. قوله «تُرْهِبُونَ» يجوزُ أن يكون حالاً من فاعل: «أعِدُّوا» ، أي: حَصِّلُوا لهم هذا حال كونكم مُرْهِبين، وأن يكُون حالاً من مفعوله، وهو الموصولُ، أي: أعِدُّوه مُرْهَباً بِهِ. وجاز نسبته لكلٍّ منهما؛ لأنَّ في الجملة ضميريها، هذا إذا أعدنا الضمير من «بِهِ» على «ما» الموصولة، أمَّا إذا أعَدْنَاه على الإعِدادِ المدلُولِ عليه ب «أعِدُّوا» ، أو على «الرِّباط» ، أو على: «القُوَّةِ» بتأويل الحول؛ فلا يتأتَّى مجيئُها من الموصول، ويجوز أن يكون حالاً من ضمير «لَهُمْ» ، كذا نقله أبو حيَّان عن غيره، فقال: «تُرْهبون» قالوا: حال من ضمير في «لَهُمْ» ولا رابط بينهما؟ ولا يصحُّ تقدير ضمير في جملة «تُرهبون» لأخذه معموله. وقرأ الحسنُ ويعقوبُ، ورواها ابن عقيل عن أبي عمرو: «تُرَهَّبُون» مضعَّفاً عدَّاه بالتضعيف، كما عدَّاه العامَّةُ بالهمزةِ، والمفعول الثَّاني على كلتا القراءتين محذوف؛ لأنَّ الفعل قبل النَّفْلِ بالهمزة، أو بالتَّضعيف متعدٍّ لواحد، نحو: «رَهَّبْتُك» والتقدير: تُرهِّبون عدوَّ اللَّه قتالكم، أو لقاءكم. وزعم أبو حاتم أنَّ أبا عمرو نقل قراءة الحسن بياء الغيبة وتخفيف «يُرْهبن» ، وهي قراءة واضحة، فإنَّ الضمير حينئذٍ يرجع إلى من يرجع إليهم ضمير «لَهُمْ» ، فإنَّهُم إذا خافوا خَوَّفُوا من وراءهم. قوله «عَدُوَّ اللَّهِ» العامَّة قراءوا بالإضافة، وقرأ السلميُّ منوناً، و «لِلَّه» بلام الجرِّ، وهو مفرد، والمراد به الجنس، فمعناه: أعداء لله. قال صاحبُ اللَّوامح «وإنما جعله نكرةً بمعنى العامَّة؛ لأنَّها نكرةٌ أيضاً لم تتعرَّف بالإضافة إلى المعرفة؛ لأنَّ اسم الفاعل بمعنى الحالِ، أو الاستقبال، ولا يتعرَّف ذلك وإن أضيف إلى المعارف، وأمَّا» وعَدُوَّكُمْ «فيجوزُ أن يكون كذلك نكرة، ويجوز أن يتعرَّف لأنه قد أُعيد ذكره، ومثله: رأيت صاحباً لكم، فقال لي صاحبكم» يعني: أن «عَدُوّاً» يجوز أن يُلمحَ فيه الوصفُ فلا يتعرَّف، وألاَّ يلمح فيتعرف. قوله «وآخَرِينَ» نسق على «عَدُوَّ اللَّهِ» ، و «مِن دُونِهِمْ» صفة ل «آخرينَ» . قال ابن عطيَّة: «مِن دُونِهم» بمنزلة قولك: دون أن تكون هؤلاء، ف «دون» في كلام العرب، و «مِنْ دُونِ» تقتضي عدم المذكور بعدها من النَّازلة التي فيها القول؛ ومنه المثل: [الكامل] 2730 - ... ... ... ... ... ... ... . ... وأمِرَّ دُونَ عُبَيْدةَ الوَذَمْ يعني: أنَّ الظَّرفية هنا مجازية، لأنَّ «دون» لا بد أن تكون ظرفاً حقيقة، أو مجازاً. قوله ﴿لاَ تَعْلَمُونَهُمُ الله يَعْلَمُهُمْ﴾ في هذه الآية قولان: أحدهما: أنَّ «علم» هنا متعدِّيةٌ لواحدٍ؛ لأنها بمعنى «عرف» ، ولذلك تعدَّت لواحد. والثاني: أنَّها على بابها، فتتعدى لاثنين، والثاني محذوفٌ، أي: لا تعلمونهم فازعين، أو محاربين. ولا بُدَّ هنا من التَّنبيه على شيءٍ، وهو أنَّ هذين القولين لا يجوز أن يكونا في قوله «اللَّهُ يَعْلمُهُم» بل يجب أن يقال: إنَّها المتعدية إلى اثنين، وأنَّ ثانيهما محذوف، لما تقدَّم من الفرق بين العِلْم والمعرفة. منها: أنَّ المعرفة تستدعي سَبْقَ جهل، ومنها: أن متعلقها الذوات دون النسب، وقد نصَّ العلماءُ على أنهُ لا يجوزُ أن يطلق ذلك - أعني الوصف بالمعرفةِ - على اللَّهِ تعالى. فصل قوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ﴾ . قال الحسن وابن زيد: «هم المُنافقون» . «لا تعلمُونَهم» ؛ لأنهم معكم يقولون: لا إله إلا الله وقال مجاهدٌ ومقاتل: «هم بنُو قريظة» وقال السديُّ: «هم أهل فارس» . وروي ابنُ جريجٍ عن سلمان بن موسى قال: هم كُفَّارُ الجِن، لما روي «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قرأ: ﴿وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ﴾ فقال: إنَّهم الجنُّ، ثم قال:» إنَّ الشَّيطانَ لا يُخَبِّل أحداً في دار فيها فرس حبيس» وعن الحسنِ: أنه قال: «صهيلُ الفرس يرهب الجن» وقيل: المرادُ العدو من المسلمين، فكما أنَّ المسلم يعاديه الكافر، فقد يعاديه المسلم أيضاً. ثم قال تعالى: ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ الله﴾ فهذا عام في الجهادِ وفي سائر وجوه الخيرات: «يُوفَّ إليْكُم» . قال ابنُ عبَّاسٍ: «يُوفَّ لكُم أجره» أي: لا يضيع في الآخرة أجره؛ ﴿وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ﴾ أي: لا تنقصون من الثَّواب. ولما ذكر ابن عباس هذا التفسير تلا قوه تعالى ﴿آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمِ مِّنْهُ شَيْئاً﴾ [الكهف: 33] . قوله تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فاجنح لَهَا﴾ الآية. لمَّا بيَّن ما يهرب به العدو من القوة، بيَّن بعده أنَّهم عند هذا الإرهاب إذا مالوا إلى المصالحة، فالحكمُ قبولُ المصالحِة، والجنوحُ: المَيْلُ، وجَنَحَتِ الإبلُ: أمالت أعناقها؛ قال ذو الرُّمَّةِ: [الطويل] 2731 - إذَا مَاتَ فوقَ الرَّحْلِ أحْيَيْتِ رُوحَهُ ... بِذكْراكِ والعِيسُ المَراسِيلُ جُنَّحُ يقال: جَنَحَ اللَّيْلأُ: أقْبَلَ. قال النضرُ بن شميلٍ: «جنح الرَّجلُ إلى فلانٍ، ولفلان: إذا خضع له» والجُنُوح الاتِّباع أيضاً لِتضمُّنه الميل؛ قال النَّابغة - يصفُ طيراً يتبع الجيش: [الطويل] 2732 - جَوَانِحُ قَدْ أيْقَنَّ أنَّ قبيلهُ ... إذا ما التقَى الجَمْعَانِ أوَّلُ غَالِب ومنه «الجَوانِحُ» للأضلاع، لميلها على حشو الشخص، والجناحث من ذلك، لميلانه على الطَّائر، وقد تقدَّم الكلامُ على بعض هذه المادة في البقرة. قوله «لِلسَّلْمِ» تقدَّم الكلام على «السلم» في البقرة، وقرأ أبو بكر عن عاصم هنا بكسر السين، وكَذا في القتال: ﴿وتدعوا إِلَى السلم﴾ [محمد: 35] ، ووافقه حمزة ما في القتال و «لِلسَّلْم» متعلق ب «جَنَحُوا. فقيل: يتعدَّى بها، وب» إلى» . وقيل: هنا بمعنى «إلى» . وقرأ الأشهبُ العقيليُّ: «فاجْنُحْ» بضمِّ النُّون، وهي لغة قيس، والفتح لغة تميم. والضمير في «لها» يعود على «السلم» ؛ لأنَّها تذكَّرُ وتُؤنث؛ ومن التَّأنيث قوله [المتقارب] . 2733 - وأقْنَيْتُ لِلْحربِ آلاتِهَا ... وأعْدَدْتُ للسِّلْمِ أوزارَها وقال آخر: [البسيط] 2734 - السِّلْمُ تأخُذُ مِنْهَا ما رضيتَ بِهِ ... والحَرْبُ يَكْفيكَ منْ أنْفَاسِهَا جُرَعُ وقيل: أثبت الهاء في «لها» ؛ لأنَّهُ قصد بها الفعلة والجنحة، كقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأعراف: 153] أراد: من بعد فعلتهم. وقال الزمخشريُّ: «السِّلْمُ تُؤنَّث تأنيث نقيضها، وهي الحربُ» . وأنشد البيت المتقدم: السِّلم تأخذ منها. فصل قال الحسنُ وقتادةُ: هذه الآية نسخت بقوله: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ [التوبة: 5] . وقوله ﴿قَاتِلُواْ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله﴾ [التوبة: 29] . وقال غيرهما: ليست منسوخة؛ لكنها تتضمَّنُ الأمر بالصُّلح إذا كان الصلاح فيه، فذا رأى مصالحتهم، فلا يجوز أن يهادنهم سنة كاملة وإن كانت القوة للمشركين جاز مهادنتهم عشر سنين، ولا يجوز الزيادة عليها اقتداء برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فإنه هادن أهل مكَّة عشر سنين، ثم إنهم نقضُوا العهد قبل كمال المُدَّة. وقوله ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الله﴾ أي: فوِّض الأمر فيما عقدته معهم إلى الله. ﴿إِنَّهُ هُوَ السميع العليم﴾ نبَّه بذلك على الزَّجر عن نقض العهد؛ لأنَّهُ عالم بما يضمير العبد سميع لما يقوله. قال مجاهدٌ: «نزلت في قريظة والنضير» وورودها فيهم لا يمنع من إجرائها على ظاهر عمومها. قوله تعالى ﴿وَإِن يريدوا أَن يَخْدَعُوكَ﴾ الآية. أي: يريدوا ان يغدروا ويمكروا بك. قال مجاهدٌ: يعني: بني قريظة ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ الله هُوَ الذي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبالمؤمنين﴾ أي: بالأنصارِ. فإن قيل: لما قال: ﴿هُوَ الذي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾ فأي حاجة مع نصره إلى المؤمنين، حتَّى قال «وبالمؤمنين» . فالجوابُ: أنَّ التَّأييدَ ليس إلا من الله، لكنه على قسمين: أحدهما: ما يحصل من غير واسطة أسباب معتادة. والثاني: ما يحصلُ بواسطة أسباب معتادة. فالأول: هو المراد بقوله: «أيَّدكَ بنصْرِهِ» . والثاني: هو المرادُ بقوله: «وبالمؤمنين» . ثم بيَّن كيف أيد بالمؤمنين فقال ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ أي: بين الأوس والخزرج، كانت بينهم إحن وخصومات، ومحاربة في الجاهليَّة، فصيَّرهم الله إخواناً بعد أن كانوا أعداءً، وتبدلت العداوة بالمحبة القوية، والمخالصة التَّامة، ممَّا لا يقدر عليه إلاَّ الله تعالى. ﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأرض جَمِيعاً مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولكن الله أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي: قادر قاهر، يمكنه التصرف في القلوب، ويقلبها من العداوة إلى الصداقة ومن النفرة إلى الرغبة، حكيم يقول ما يقوله على وجه الإحكام والإتقان، أو مطابقاً للمصلحة والصَّواب على اختلاف القولين في الجبر والقدر. فصل احتجوا بهذه الآية على أن أحوال القلوب من العقائد، والإرادات كلها من خلق الله تعالى؛ لأن تلك الألفة، والمودة، إنَّما حصلت بسب الإيمان ومتابعة الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - فلو كان الإيمانُ فعلاً للعبد لا فعلاً لله تعالى، لكانت المحبَّة المترتبة عليه فعلاً للعبد لا فعلاً لله تعالى، وذلك خلاف صريح الآية. فقال القاضي: «لَوْلاَ ألطافُ الله تعالى ساعةً فساعةً، لما حصلت هذه الأحوال، فأضيفت تلك المخالصة إلى الله تعالى بهذا التَّأويل، كما يضافُ علم الولد وأدبه إلى أبيه، لأجل أنَّه لم يحصل ذلك إلاَّ بمعونة الأبِ وتربيته، فكذا ههنا» . وأجيب: بأن كل ما ذكرتموه عدول عن الظاهر، وحمل الكلام على المجاز، وأيضاً فكل هذه الألطاف كانت حاصلة في حق الكُفار، مثل حصولها في حقِّ المؤمنين، فلو لم يحصل هناك شيء سوى الألطاف؛ لم يكن لتخصيص المؤمنين بهذه المعاني فائدة، وأيضاً فالبرهانُ العقلي مقوٍّ لهذا الظَّاهر؛ أن القلب يصح أن يصير موصوفاً بالرَّغْبَةِ بدلاً عن النُّفرة والعكس. فرجحان أحدِ الطَّرفين على الآخر لا بدَّ له من مرجِّح، فإن كان المرجح هو العبدُ عاد التقسيم وإن كان هو الله تعالى، فهو المقصود. فعلم أنَّ صريح هذه الآية متأكد بصريح البرهان العقلي، فلا حاجة إلى ما ذكره القاضي.

الأنفال 8:63

قوله: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا استطعتم مِّن قُوَّةٍ﴾ . لمَّا أوجب على رسوله أن يُشرِّد من صدر منه نقض العهدِ، وأن ينبذ العهد إلى من خاف منه النَّقض أمره في هذا الآية بالإعداد للكُفَّارِ. قويل: إنَّ الصحابة لمَّا قصدوا الكفار يوم بدر بلا آلة ولا عدة أمرهم الله تعالى ألاَّ يعودوا لمثله، وأن يعدُّوا للكفرا ما أمكنهم من آلة وعدة وقوة. والإعداد: اتخاذ الشيء لوقت الحاجة. والمراد بالقوة: الآلات التي تكون لكم قوة عليهم من الخيل والسلاح. قال - عليه الصَّلاة والسلام - على المنبر «ألا إنَّ القُوَّة الرَّمي ألا إنَّ القُوَّة الرَّمي ألا إنَّ القُوَّة الرَّميُ» وقال بعضهم: القوة هي الحصون. وقال أهل المعاني: هذا عام في كل ما يتوقى به على الحرب. وقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ «القُوَّةُ هي الرَّمْيُ» لا ينفي كون غير الرمي معتبراً، كقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «الحَجُّ عرفة» و «النَّدمُ توْبةٌ» لا ينفي اعتبار غيره. فإن قيل: قوله: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا استطعتم﴾ كان يكفي، فلم خصَّ الرمي والخيل بالذكر؟ . فالجوابُ: أنَّ الخيل لما كانت أصل الحروب وأوزارها الَّتي عقد الخير في نواصيها، وهي أقوى الدّواب وأشد العدة وحصون الفرسان، وبها يُجالُ في الميدان، خصَّها بالذِّكر تشريفاً وأقسم بغبارها تكريماً، فقال: ﴿والعاديات ضَبْحاً﴾ [العاديات: 1] الآياتُ، ولمَّا كانت السهامُ من أنجع ما يتعاطى في الحروب والنكاية في العدوَّ، وأقربها تناولاً للأرواح، خصَّها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بالذكر لها؛ ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: 89] بعد ذكر الملائكة، ومثله كثير. قوله «مِن قُوَّةٍ» في محلِّ نصبٍ على الحالِ، وفي صاحبها وجهان: أحدهما: أنَّهُ الموصول، والثاني: أنه العائد عليه، إذ التقديرُ: ما استطعتموه حال كونه بعض القوة، ويجوزُ أن تكون «مِنْ» لبيان الجِنْسِ. قوله: «ومِن ربَاطِ» ، جوَّزُوا فيه أن يكون جمع «رَبْط» مصدر: رَبَط يَربط، نحو: كَعْب وكِعَاب، وكَلْب وكِلاب، وأن يكون مصدراً ل «رَبَطَ» ، نحو: صَاحَ صِيَاحاً. قالوا: لأنَّ مصادر الثلاثي لا تنقاس، وأن يكون مصدر: «رَابِط» ، ومعنى المفاعلة: أنَّ ارتباط الخيل يفعله كلُّ واحد لفعل الآخر، فيرابط المؤمنون بعضهم بعضاً، قال معناه ابن عطيَّة. قال أبُو حيَّان: قوله «مصادرُ الثلاثي غير المزيد لا تَنْقَاسُ» ليس بصحيحٍ، بل لها مصادر منقاسةٌ ذكرها النحويون. قال شهابُ الدِّين: «في المسألة خلافٌ مشهور، وهو لم ينقل الإجماع على عدم القياسِ حتى يرُدَّ عليه بالخلاف؛ فإنَّهُ قد يكون اختيار أحد المذاهب، وقال به، فلا يُردُّ عليه بالقول الآخر» . وقال الزمخشريُّ: «والرِّباط: الخَيْلُ التي تُرْبط في سبيل الله ويجوز أن يُسمَّى بالرباط الذي هو بمعنى المرابطة، ويجوزُ أن يكون جمع: رَبيط يعني: بمعنى مَربُوط، ك: فَصِيل وفِصَال. والمصدرُ هنا مضافٌ لمفعوله» وقرأ الحسنُ، وأبو حيوة، ومالك بن دينار: «ومِنْ رُبُط» بضمتين، وعن الحسن أيضاً «رُبْط» بضم وسكون، نحو: كتاب وكُتْب. قال ابنُ عطيَّة «وفي جَمْعه، وهو مصدرٌ غيرُ مختلفٍ نظرٌ» . قال شهابُ الدِّين «لا نُسَلِّم والحالةُ هذه أنه مصدرن بل حكى أبو زيدٍ أنَّ» الرِّبَاط «الخمسةُ من الخيلِ فما فوقها، وأن جمعها» رُبُط «ولو سُلِّم أنَّهُ مصدرٌ فلا نُسَلِّم أنَّهُ لم تختلف أنواعه، وقد تقدَّم أنَّ» رباطاً «يجوزُ أن يكون جمعالً ل» رَبْط «المصدر، فما كان جواباً هناك، فهو جوابٌ هنا» . فصل قال القرطبي: «روى أبُو حاتمٍ عن أبي زيد: الرِّباطُ من الخيل: الخَمْسُ فما فوقها، وجماعته» رُبُط «، وهي التي ترتبط، يقال منه: رَبَطَ يَرْبط ربطاً، وارتبط يرتبط ارتباطاً ومربط الخيل ومرابطها وهي ارتباطها بإزاء العدو» قال: [الكامل] 2728 - أمَرَ الإلهُ بربْطِهَا لعَدُوِّهِ ... في الحَرْبِ إنَّ اللَّهَ خَيْرُ مُوفِّقِ روي أنَّ رجلاً قال لابن سيرين: إنَّ فلاناً أوْصَى بثلثِ ماله للحصون، فقال: هي للخيل؛ ألم تسمع قول الشاعر: [الكامل] 2729 - ولَقَدْ علِمْتُ عَلَى تَجَنُّبِيَ الرَّدَى ... أنَّ الحُصُونَ الخَيْلُ لا مَدَرُ القُرَى قال عكرمة: «رباط الخَيْلِ: الإناث» وهو قول الفرَّاء؛ لأنها اولى ما يربط لتناسها ونمائها، ذكرهُ الواحديُّ. ولقائل أن يقول: بل حمل اللَّفظ على الفُحُولِ أولى؛ لأنَّ المقصود برباط الخَيْلِ المحاربة عليها، والفحول أقوى على الكر والفر والعدو، فوجب تخصيص هذا اللفظ بها. ولمَّا تعارض هذان الوجهان وجب حمل اللفظ على مفهومه الأصلي، وهو كونه خيلاً مربوطاً سواء كانت فحولاً أو إناثاً. وروي عن خالد بن الوليد «أنه كان لا يركبُ في القتال إلا الإناث، لقلَّة صهيلها» . روى ابن محيريز قال: «كان الصَّحابةُ يستحبُّون ذكور الخيل عند الصفوف، وإناث الخيل عند الشتات والغارات» . قال عليه الصَّلاة والسَّلام: «الخَيْلُ مَعْقُودٌ بنواصيها الخَيْرُ إلى يومِ القيامةِ الأجْرُ والمَغْنَمُ» وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «مَن احتبس فرساً في سبيل اللَّهِ إيماناً باللَّهِ، وتصْديقاً بوعْدِهِ، كان شبعه وريُّةُ وبولُهُ حسنات في ميزانِهِ يوَْ القيامةِ» فصل وهذه الآية تدل على جواز وقف الخيل والسلاح، واتخاذ الخزائن والخزان [لها عدة] للأعداء، ويؤيدهُ حديث ابن عمر في الفرس الذي حمل عليه في سبيل الله، وقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ في حقِّ خالد: «وأمَّا خَالدٌ فإِنَّكُم تَظْلمُونَ خالِداً فإنَّه قَد احْتبسَ أدْراعَهُ وأعْتَادَهُ في سبيلِ اللَّهِ» . وما روي أنَّ امرأة جعلت بعيراً في سبيل اللَّهِ، فأرادَ زوجُها الحجَّ، فسألت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال: «ادفعيه إليه ليحج عليه فإن الحجَّ فريضةٌ من اللَّهِ» ؛ ولأنَّهُ مال ينتفع به في وجه قربة، فجاز أن يوقف كالرباع. ثم إنه تعالى ذكر ما لأجله أمر بإعداد هذه الأشياء. فقال: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ﴾ ؛ لأنَّ الكفار إذا علموا كون المسلمين متأهبين للجهاد، مستعدين له بجميع الأسلحة والآلات هابوهم. قوله «تُرْهِبُونَ» يجوزُ أن يكون حالاً من فاعل: «أعِدُّوا» ، أي: حَصِّلُوا لهم هذا حال كونكم مُرْهِبين، وأن يكُون حالاً من مفعوله، وهو الموصولُ، أي: أعِدُّوه مُرْهَباً بِهِ. وجاز نسبته لكلٍّ منهما؛ لأنَّ في الجملة ضميريها، هذا إذا أعدنا الضمير من «بِهِ» على «ما» الموصولة، أمَّا إذا أعَدْنَاه على الإعِدادِ المدلُولِ عليه ب «أعِدُّوا» ، أو على «الرِّباط» ، أو على: «القُوَّةِ» بتأويل الحول؛ فلا يتأتَّى مجيئُها من الموصول، ويجوز أن يكون حالاً من ضمير «لَهُمْ» ، كذا نقله أبو حيَّان عن غيره، فقال: «تُرْهبون» قالوا: حال من ضمير في «لَهُمْ» ولا رابط بينهما؟ ولا يصحُّ تقدير ضمير في جملة «تُرهبون» لأخذه معموله. وقرأ الحسنُ ويعقوبُ، ورواها ابن عقيل عن أبي عمرو: «تُرَهَّبُون» مضعَّفاً عدَّاه بالتضعيف، كما عدَّاه العامَّةُ بالهمزةِ، والمفعول الثَّاني على كلتا القراءتين محذوف؛ لأنَّ الفعل قبل النَّفْلِ بالهمزة، أو بالتَّضعيف متعدٍّ لواحد، نحو: «رَهَّبْتُك» والتقدير: تُرهِّبون عدوَّ اللَّه قتالكم، أو لقاءكم. وزعم أبو حاتم أنَّ أبا عمرو نقل قراءة الحسن بياء الغيبة وتخفيف «يُرْهبن» ، وهي قراءة واضحة، فإنَّ الضمير حينئذٍ يرجع إلى من يرجع إليهم ضمير «لَهُمْ» ، فإنَّهُم إذا خافوا خَوَّفُوا من وراءهم. قوله «عَدُوَّ اللَّهِ» العامَّة قراءوا بالإضافة، وقرأ السلميُّ منوناً، و «لِلَّه» بلام الجرِّ، وهو مفرد، والمراد به الجنس، فمعناه: أعداء لله. قال صاحبُ اللَّوامح «وإنما جعله نكرةً بمعنى العامَّة؛ لأنَّها نكرةٌ أيضاً لم تتعرَّف بالإضافة إلى المعرفة؛ لأنَّ اسم الفاعل بمعنى الحالِ، أو الاستقبال، ولا يتعرَّف ذلك وإن أضيف إلى المعارف، وأمَّا» وعَدُوَّكُمْ «فيجوزُ أن يكون كذلك نكرة، ويجوز أن يتعرَّف لأنه قد أُعيد ذكره، ومثله: رأيت صاحباً لكم، فقال لي صاحبكم» يعني: أن «عَدُوّاً» يجوز أن يُلمحَ فيه الوصفُ فلا يتعرَّف، وألاَّ يلمح فيتعرف. قوله «وآخَرِينَ» نسق على «عَدُوَّ اللَّهِ» ، و «مِن دُونِهِمْ» صفة ل «آخرينَ» . قال ابن عطيَّة: «مِن دُونِهم» بمنزلة قولك: دون أن تكون هؤلاء، ف «دون» في كلام العرب، و «مِنْ دُونِ» تقتضي عدم المذكور بعدها من النَّازلة التي فيها القول؛ ومنه المثل: [الكامل] 2730 - ... ... ... ... ... ... ... . ... وأمِرَّ دُونَ عُبَيْدةَ الوَذَمْ يعني: أنَّ الظَّرفية هنا مجازية، لأنَّ «دون» لا بد أن تكون ظرفاً حقيقة، أو مجازاً. قوله ﴿لاَ تَعْلَمُونَهُمُ الله يَعْلَمُهُمْ﴾ في هذه الآية قولان: أحدهما: أنَّ «علم» هنا متعدِّيةٌ لواحدٍ؛ لأنها بمعنى «عرف» ، ولذلك تعدَّت لواحد. والثاني: أنَّها على بابها، فتتعدى لاثنين، والثاني محذوفٌ، أي: لا تعلمونهم فازعين، أو محاربين. ولا بُدَّ هنا من التَّنبيه على شيءٍ، وهو أنَّ هذين القولين لا يجوز أن يكونا في قوله «اللَّهُ يَعْلمُهُم» بل يجب أن يقال: إنَّها المتعدية إلى اثنين، وأنَّ ثانيهما محذوف، لما تقدَّم من الفرق بين العِلْم والمعرفة. منها: أنَّ المعرفة تستدعي سَبْقَ جهل، ومنها: أن متعلقها الذوات دون النسب، وقد نصَّ العلماءُ على أنهُ لا يجوزُ أن يطلق ذلك - أعني الوصف بالمعرفةِ - على اللَّهِ تعالى. فصل قوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ﴾ . قال الحسن وابن زيد: «هم المُنافقون» . «لا تعلمُونَهم» ؛ لأنهم معكم يقولون: لا إله إلا الله وقال مجاهدٌ ومقاتل: «هم بنُو قريظة» وقال السديُّ: «هم أهل فارس» . وروي ابنُ جريجٍ عن سلمان بن موسى قال: هم كُفَّارُ الجِن، لما روي «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قرأ: ﴿وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ﴾ فقال: إنَّهم الجنُّ، ثم قال:» إنَّ الشَّيطانَ لا يُخَبِّل أحداً في دار فيها فرس حبيس» وعن الحسنِ: أنه قال: «صهيلُ الفرس يرهب الجن» وقيل: المرادُ العدو من المسلمين، فكما أنَّ المسلم يعاديه الكافر، فقد يعاديه المسلم أيضاً. ثم قال تعالى: ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ الله﴾ فهذا عام في الجهادِ وفي سائر وجوه الخيرات: «يُوفَّ إليْكُم» . قال ابنُ عبَّاسٍ: «يُوفَّ لكُم أجره» أي: لا يضيع في الآخرة أجره؛ ﴿وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ﴾ أي: لا تنقصون من الثَّواب. ولما ذكر ابن عباس هذا التفسير تلا قوه تعالى ﴿آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمِ مِّنْهُ شَيْئاً﴾ [الكهف: 33] . قوله تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فاجنح لَهَا﴾ الآية. لمَّا بيَّن ما يهرب به العدو من القوة، بيَّن بعده أنَّهم عند هذا الإرهاب إذا مالوا إلى المصالحة، فالحكمُ قبولُ المصالحِة، والجنوحُ: المَيْلُ، وجَنَحَتِ الإبلُ: أمالت أعناقها؛ قال ذو الرُّمَّةِ: [الطويل] 2731 - إذَا مَاتَ فوقَ الرَّحْلِ أحْيَيْتِ رُوحَهُ ... بِذكْراكِ والعِيسُ المَراسِيلُ جُنَّحُ يقال: جَنَحَ اللَّيْلأُ: أقْبَلَ. قال النضرُ بن شميلٍ: «جنح الرَّجلُ إلى فلانٍ، ولفلان: إذا خضع له» والجُنُوح الاتِّباع أيضاً لِتضمُّنه الميل؛ قال النَّابغة - يصفُ طيراً يتبع الجيش: [الطويل] 2732 - جَوَانِحُ قَدْ أيْقَنَّ أنَّ قبيلهُ ... إذا ما التقَى الجَمْعَانِ أوَّلُ غَالِب ومنه «الجَوانِحُ» للأضلاع، لميلها على حشو الشخص، والجناحث من ذلك، لميلانه على الطَّائر، وقد تقدَّم الكلامُ على بعض هذه المادة في البقرة. قوله «لِلسَّلْمِ» تقدَّم الكلام على «السلم» في البقرة، وقرأ أبو بكر عن عاصم هنا بكسر السين، وكَذا في القتال: ﴿وتدعوا إِلَى السلم﴾ [محمد: 35] ، ووافقه حمزة ما في القتال و «لِلسَّلْم» متعلق ب «جَنَحُوا. فقيل: يتعدَّى بها، وب» إلى» . وقيل: هنا بمعنى «إلى» . وقرأ الأشهبُ العقيليُّ: «فاجْنُحْ» بضمِّ النُّون، وهي لغة قيس، والفتح لغة تميم. والضمير في «لها» يعود على «السلم» ؛ لأنَّها تذكَّرُ وتُؤنث؛ ومن التَّأنيث قوله [المتقارب] . 2733 - وأقْنَيْتُ لِلْحربِ آلاتِهَا ... وأعْدَدْتُ للسِّلْمِ أوزارَها وقال آخر: [البسيط] 2734 - السِّلْمُ تأخُذُ مِنْهَا ما رضيتَ بِهِ ... والحَرْبُ يَكْفيكَ منْ أنْفَاسِهَا جُرَعُ وقيل: أثبت الهاء في «لها» ؛ لأنَّهُ قصد بها الفعلة والجنحة، كقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأعراف: 153] أراد: من بعد فعلتهم. وقال الزمخشريُّ: «السِّلْمُ تُؤنَّث تأنيث نقيضها، وهي الحربُ» . وأنشد البيت المتقدم: السِّلم تأخذ منها. فصل قال الحسنُ وقتادةُ: هذه الآية نسخت بقوله: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ [التوبة: 5] . وقوله ﴿قَاتِلُواْ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله﴾ [التوبة: 29] . وقال غيرهما: ليست منسوخة؛ لكنها تتضمَّنُ الأمر بالصُّلح إذا كان الصلاح فيه، فذا رأى مصالحتهم، فلا يجوز أن يهادنهم سنة كاملة وإن كانت القوة للمشركين جاز مهادنتهم عشر سنين، ولا يجوز الزيادة عليها اقتداء برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فإنه هادن أهل مكَّة عشر سنين، ثم إنهم نقضُوا العهد قبل كمال المُدَّة. وقوله ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الله﴾ أي: فوِّض الأمر فيما عقدته معهم إلى الله. ﴿إِنَّهُ هُوَ السميع العليم﴾ نبَّه بذلك على الزَّجر عن نقض العهد؛ لأنَّهُ عالم بما يضمير العبد سميع لما يقوله. قال مجاهدٌ: «نزلت في قريظة والنضير» وورودها فيهم لا يمنع من إجرائها على ظاهر عمومها. قوله تعالى ﴿وَإِن يريدوا أَن يَخْدَعُوكَ﴾ الآية. أي: يريدوا ان يغدروا ويمكروا بك. قال مجاهدٌ: يعني: بني قريظة ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ الله هُوَ الذي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبالمؤمنين﴾ أي: بالأنصارِ. فإن قيل: لما قال: ﴿هُوَ الذي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾ فأي حاجة مع نصره إلى المؤمنين، حتَّى قال «وبالمؤمنين» . فالجوابُ: أنَّ التَّأييدَ ليس إلا من الله، لكنه على قسمين: أحدهما: ما يحصل من غير واسطة أسباب معتادة. والثاني: ما يحصلُ بواسطة أسباب معتادة. فالأول: هو المراد بقوله: «أيَّدكَ بنصْرِهِ» . والثاني: هو المرادُ بقوله: «وبالمؤمنين» . ثم بيَّن كيف أيد بالمؤمنين فقال ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ أي: بين الأوس والخزرج، كانت بينهم إحن وخصومات، ومحاربة في الجاهليَّة، فصيَّرهم الله إخواناً بعد أن كانوا أعداءً، وتبدلت العداوة بالمحبة القوية، والمخالصة التَّامة، ممَّا لا يقدر عليه إلاَّ الله تعالى. ﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأرض جَمِيعاً مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولكن الله أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي: قادر قاهر، يمكنه التصرف في القلوب، ويقلبها من العداوة إلى الصداقة ومن النفرة إلى الرغبة، حكيم يقول ما يقوله على وجه الإحكام والإتقان، أو مطابقاً للمصلحة والصَّواب على اختلاف القولين في الجبر والقدر. فصل احتجوا بهذه الآية على أن أحوال القلوب من العقائد، والإرادات كلها من خلق الله تعالى؛ لأن تلك الألفة، والمودة، إنَّما حصلت بسب الإيمان ومتابعة الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - فلو كان الإيمانُ فعلاً للعبد لا فعلاً لله تعالى، لكانت المحبَّة المترتبة عليه فعلاً للعبد لا فعلاً لله تعالى، وذلك خلاف صريح الآية. فقال القاضي: «لَوْلاَ ألطافُ الله تعالى ساعةً فساعةً، لما حصلت هذه الأحوال، فأضيفت تلك المخالصة إلى الله تعالى بهذا التَّأويل، كما يضافُ علم الولد وأدبه إلى أبيه، لأجل أنَّه لم يحصل ذلك إلاَّ بمعونة الأبِ وتربيته، فكذا ههنا» . وأجيب: بأن كل ما ذكرتموه عدول عن الظاهر، وحمل الكلام على المجاز، وأيضاً فكل هذه الألطاف كانت حاصلة في حق الكُفار، مثل حصولها في حقِّ المؤمنين، فلو لم يحصل هناك شيء سوى الألطاف؛ لم يكن لتخصيص المؤمنين بهذه المعاني فائدة، وأيضاً فالبرهانُ العقلي مقوٍّ لهذا الظَّاهر؛ أن القلب يصح أن يصير موصوفاً بالرَّغْبَةِ بدلاً عن النُّفرة والعكس. فرجحان أحدِ الطَّرفين على الآخر لا بدَّ له من مرجِّح، فإن كان المرجح هو العبدُ عاد التقسيم وإن كان هو الله تعالى، فهو المقصود. فعلم أنَّ صريح هذه الآية متأكد بصريح البرهان العقلي، فلا حاجة إلى ما ذكره القاضي.

الأنفال 8:64

قوله تعالى: ﴿يَا أيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ الآية. لمَّا وعده بالنَّصر عند مخادعة الأعداء، وعده بالنَّصر والظفر في هذه الآية مطلقاً، وعلى هذا التقرير لا يلزمِ منه التكرار، وهذه الآية نزلت بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال، والمرادُ بقوله ﴿وَمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين﴾ الأنصار. وعن ابنِ عبَّاسٍ: «نزلت في إسلامِ عُمر» . قال سعيدُ بن جبير: «أسلم مع النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ثلاثة وثلاثون رجلاً وست نسوة، ثم أسلم عمر، فنزلت هذه الآية» . قال المفسِّرُون: فعلى هذا القول هذه الآية مكية، [كتبت في] سورة مدنية بأمر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. قوله «ومن اتَّبعكَ» فيه أوجهٌ. أحدها: أن يكون «مَنْ» مرفوع المحلِّ، عطفاً على الجلالة، أي: يكفيك الله والمؤمنون. وبهذا فسّره الحسن البصري وجماعة وهو الظاهر ولا محذور في ذلك حيث المعنى. فإن قالوا: من كان الله ناصره امتنع أن يزداد حاله، أو ينقص بسبب نصرة غير الله، وأيضاً إسناد الحكم إلى المجموع يوهم أنَّ الواحدَ من ذلك المجموع لا يكفي في حصولِ ذلك المهم وتعالى الله عنه. ويجابُ: بأنَّ الكُلَّ من اللَّهِ، إلاَّ أنَّ من أنواع النُّصرة ما يحصل بناء على الأسباب المألوفةِ المعتادةِ، ومنها ما يحصلُ لا بناءً على الأسباب المألوفة المعتادة؛ فلهذا الفرق اعتبر نصر المؤمنين، وإن كان بعضُ الناس استصعب كون المؤمنين يكونون كافين النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وتأوَّل الآية على ما سنذكره. الثاني: أنَّ «مَنْ» مجرورُ المحلِّ، عطفاً على الكافِ في: «حَسْبُكَ» ، وهذا رأي الكوفيين وبهذا فسَّر الشعبي وابن زيد، قالا: «معناه: وحسبُ من اتَّبعك» . الثالث: أنَّ محلَّه نصبٌ على المعيَّة. قال الزمخشري: «ومنِ اتَّبعكَ» الواو بمعنى «مع» وما بعدهُ منصوبٌ، تقول: حَسْبُكَ وزَيْداً درهمٌ، ولا تَجُرُّ؛ لأنَّ عطف الظّاهر المجرور على المكنيّ ممتنعٌ؛ وقال: [الطويل] 2735 -..... ... ... ... ... ... ... ... . . فَحَسْبُكَ والضَّحَّاكَ سَيْفٌ مُهَنَّدُ ... والمعنى: كَفَاك وكَفَى تُبَّاعكَ المؤمنين اللَّه ناصراً. قال أبو حيَّان: «وهذا مخالفٌ لكلام سيبويه؛ فإنَّه قال» حَسْبُك وزَيْداً درهم «لمَّا كان فيه معنى: كفاك، وقبُحَ أن يحملوه على الضمير دون الفعل، كأنَّهُ قال: حسبك وبحسبِ أخاك» ثم قال: «وفي ذلك الفعل المضمير ضميرٌ يعودُ على الدرهم والنيةُبالدرهم التقديمُ، فيكون من عطف الجمل، ولا يجوزُ أن يكون من باب الإعمال، لأنَّ طلبَ المبتدأ للخبر وعمله فيه ليس من قبيل طلب الفعل، أو ما جرى مجراه، ولا عمله فلا يُتوهَّم ذلك فيه» . وقد سبق الزمخشريَّ إلى كونه مفعولاً معه الزجاج، إلاَّ أنه جعل «حسب» اسم فعلٍ، فإنه قال: «حَسْبُ» اسمُ فعل، والكافُ نصبٌ، والواو بمعنى «مع» . وعلى هذا يكون «اللَّهُ» فاعلاً، وعلى هذا التقدير يجوز في «ومَنْ» أن يكون معطوفاً على الكاف، لأنَّها مفعول باسم الفعل، لا مجرورٌ، لأنَّ اسم الفعل لا يُضاف. ثم قال أبو حيان: «إلاَّ أنَّ مذهب الزجاج خطأٌ، لدخول العوامل على» حَسْب «نحو: بِحَسْبك درهم، وقال تعالى: ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ الله﴾ ، ولم يثبت في موضع كونه اسم فعل، فيحمل هذا عليه» . وقال ابنُ عطية - بعدما حكى عن الشعبي، وابن زيد ما تقدَّم عنهما من المعنى -: ف «مَنْ» في هذا التأويل في محلِّ نصب، عطفاً على موضع الكاف؛ لأنَّ موضعها نصبٌ على المعنى ب: «يَكْفِيكَ» الذي سَدَّتْ «حسبك» مَسَدَّه. قال أبو حيان «هذا ليس بجيد؛ لأنَّ» حَسْبك «ليس ممَّا تكونُ الكافُ فيه في موضع نصب، بل هذه إضافة صحيحة ليست من نصب، و «حَسْبك» مبتدأ مضافٌ إلى الضمير وليس مصدراً، ولا اسم فاعل، إلاَّ إن قيل: إنَّه عطف على التوهم كأنه توهَّم أنه قيل: يكفيك الله، أو كفاك الله، لكن العطف على التوهُّم لا ينقاسُ» . والذي ينبغي أن يحمل عليه كلامُ الشعبي وابن زيد أن تكون «مَنْ» مجرورة ب «حَسْب» محذوفة، لدلالة «حَسْبك» عليها؛ كقوله: [المتقارب] 2736 - أكُلَّ امرىءٍ تَححسَبينَ امْرَأً ... ونارٍ توقَّدُ باللَّيْلِ نَارَا أي: وكلَّ نار، فلا يكُونُ من العطفِ على الضمير المجرور. قال ابن عطيَّة: «وهذا الوجهُ من حذفِ المضاف مكروه بأنه ضرورةٌ» . قال أبو حيان: «وليس بمكروهٍ، ولا ضرورة بل أجازه سيبويه، وخرَّج عليه البيت وغيره من الكلام» . قال شهابُ الدين: «قوله:» بل هذه إضافةٌ صحيحة، ليست من نصب «فيه نظر؛ لنَّ النَّحويين على أنَّ إضافة» حَسْب «وأخواتها إضافةٌ غيرُ محضة، وعلَّلُوا ذلك بأنها في قوة اسم فاعل ناصبٍ لمفعولٍ به، فإنَّ» حَسْبكَ «بمعنى: كافيك، و» غيرك» بمعنى مُغايرك، و «قيد الأوابد» بمعنى: مُقيدها. قالوا: ويدلُّ على ذلك أنَّها تُوصفُ بها النَّكرات، فيقال: مررت برجلٍ حسبك من رجلٍ» . وجوَّز أبو البقاء: الرفع من ثلاثة أوجهٍ: أنَّهُ نسقٌ على الجلالةِ كما تقدَّم، إلاَّ أنَّهُ قال: فيكون خبراً آخر، كقولك: القائمان زيد وعمرو، ولم يُثَنِّ «حَسْبك» ؛ لأنه مصدرٌ. وقال قومٌ: هذا ضعيفٌ؛ لأن الواو للجمع، ولا يَحْسُن ههنا، كما لا يَحْسُن في قولهم: «مَا شَاء اللَّهُ وشِئْتَ» ، «ثم» هاهنا أولى. يعني أنَّهُ من طريق الأدل لا يُؤتَى بالواو التي تقتضي الجمع، بل يأتي ب «ثم» التي تقتضي التراخي والاحديثُ دالٌّ على ذلك. الثاني: أن يكون خبر مبتدأ محذوف تقديره: وحسب من اتبعك. الثالث: هو مبتدأ والخبر محذوف تقديره: ومن اتبعك كذلك، أي: حسبهم الله. وقرأ الشعبيُّ «ومَنْ» بسكون النون «أْتْبَعك» بزنة «أكْرَمَكَ» . قوله تعالى: ﴿ياأيها النبي حَرِّضِ المؤمنين عَلَى القتال﴾ الآية. لمَّا بيَّن أنه تعالى كافيه بنصره، وبالمؤمنين، بيَّن ههنا أنه ليس من الواجب أن يتكل على ذلك إلا بشرط أن يحرض المؤمنين على القتال؛ فإنه تعالى كفيل بالكفاية بشرط أن يحصل منهم التعاون على القتال، والتحريض كالتحضيض والحث. يقال: حَرَّضَ وَحَرَّشَ وحرَّكَ وحثَّ بمعنىً واحد. وقال الهرويُّ «يقال: حَارَضَ على الأمر، وأكَبَّ، وواكبَ، وواظبَ، وواصبَ بمعنىً» . قيل: وأصله من الحَرَض، وهو الهلاك، قال تعالى: ﴿حتى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الهالكين﴾ [يوسف: 85] . 2737 - إنِّي امْرؤٌ نَابَنِي همٌّ فأحْرَضَنِي ... حتَّى بَليتُ وحتَّى شَفَّنِي سَقَمُ قال الزجاج: «تأويل التحريض في اللُّغةِ أن يُحَثَّ الإنسان على شيءٍ حتى يُعلمَ منه أنَّه حارضٌ والحارض: المقاربُ للهلاك» واستبعد النَّاسُ هذا منه، وقد نَحَا الزمخشريُّ نحوه، فقال: «التَّحريضُ: المبالغةُ في الحثِّ على الأمر، من الحرَض، وهو أن ينهكه المرض، ويتبالغ فيه حتى يُشْفِيَ على الموت أو تُسَمِّيه حَرضاً، وتقولُ له: ما أراك إلاَّ حَرضاً» . وقرأ الأعمش «حَرِّصْ» بالصاد المهملة، وهو من «الحِرْصِ» ، ومعناه مقارب لقراءة العامة. قوله: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾ الآيات. أثبت في الشرط الأول قيداً، وهو الصبرُ، وحذف من الثاني: وأثبت في الثاني قيداً، وهو كونهم من الكفر، وحذف من الأوَّلِ، والتقديرُ: مائتين من الذين كفروا، ومائة صابرة فحذف من كلٍّ منهما ما أثبت في الآخر، وهو في غاية الفصاحة. وقرأ الكوفيون: ﴿وإن يكُنْ منْكُم مائةٌ يَغلِبُوا﴾ ، ﴿فإنْ يكنْ منكُم مائةٌ صابرةٌ﴾ بتذكير «يكن» فيهما، ونافع وابن كثير وابن عامر بتأنيثه فيهما، وأبو عمرو في الأولى كالكوفيين وفي الثانية كالباقين. فَمَنْ ذكَّر فللفصل بين الفعل وفاعله بقوله: «مِنكُمْ» ؛ لأنَّ التأنيث مجازي، إذ المراد ب «المائة» الذُّكور، ومنْ أنَّثَ فلأجل اللفظِ، ولم يلتفت للمعنى، ولا للفصل. وأمَّا أبو عمرو فإنَّما فرٌَّ بين الموضعين فذكَّر في الأول، لما ذكر؛ ولأنَّهُ لحظ قوله: «يغلبوا» وأنَّثَ في الثاني، لقوة التأنيث بوصفه بالمؤنث في قوله: «صَابِرَةٌ» ، وأمَّا: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ﴾ و ﴿وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ﴾ فبالتذكير عند جميع القرَّاء، إلاَّ الأعرج، فإنه أنَّثَ المسند إلى «عشرون» . فصل هذا خبرٌ والمراد به الأمر، كقوله تعالى: ﴿والوالدات يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: 233] . والمعنى: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾ فليصبروا وليجتهدوا في القتالِ حتَّى «يَغلبُوا مائتيْنِ» ويدلُّ على أن المراد الأمر وجوه. أولها: لو كان المرادُ الخبر، لزم أن يقال لم يغلب قط مائتان من الكُفَّارِ عشرين من المؤمنين، وذلك باطل. وثانيها: قوله تعالى: ﴿الآن خَفَّفَ الله عَنكُمْ﴾ نسخ والنسخُ لا يليق إلاَّ بالأمر. وثالثها: قوله تعالى ﴿والله مَعَ الصابرين﴾ وذلك ترغيب في الثبات على الجهادِ. فصل قوله تعالى: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾ يدُلُّ على أنَّهُ تعالى ما أوجبَ هذا الحكم إلاَّ بشرط كونه صابراً قادراً على ذلك، وإنَّما حصل هذا الشَّرط عند حصول أشياء. منها: أن يكون شديد الأعضاء، قوياً جلداً، وأن يكون قوي القلب شجاعاً غير جبان، وأن يكون غير متحرّفٍ إلاَّ لقتال أو متحيزاً إلى فئة؛ فعند حصول هذه الشرائط كان يجبُ على الواحد أن يثبتَ للعشرةِ. وإنَّما حسن هذا التكليف؛ لأنه مسبوق بقوله: ﴿حَسْبُكَ الله وَمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين﴾ [الأنفال: 64] فلمَّا وعد المؤمنين بالكفاية والنُّصرةِ كان هذا التكليف سهلاً؛ لأنَّ من تكفَّل بنصره فإن أهل العالم لا يقدرون على إيذائه. فإن قيل: هذه الآية تدلُّ على جوب ثبات الواحد للعشرة، فما الفائدة في العدولِ عن هذه اللَّفظةِ الوجيزة إلى تلك الكلمات الطويلة؟ . والجوابُ: أن هذا الكلام إنَّما ورد على وفْق الواقعة؛ لأنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان يبعث السَّرايا، والغالبُ أن تلك السَّرايا ما كان ينتقص عددها عن العشرين، وما كانت تزيدُ على المائة فلهذا ذكر الله هذين العددين. قوله: ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ﴾ وهذا كالعَّة لتلك الغلبة؛ لأنَّ من لا يؤمنُ باللَّهِ ولا يؤمنُ بالمعاد، فالسعادةُ ليست عنده إلاَّ هذه الحياة الدنيويَّة، ومن كان هذه معتقده فإنه يشح بهذه الحياة ولا يعرضها للزوال. وأمَّا من اعتقد أن لا سعادة في هذه الحياة وأنَّ السعادة لا تحصل إلاَّ في الدَّار الآخرة، فإنَّه لا يبالي بهذه الحياة الدنيا، ولا يقيم لها وزناً، فيقدم على الجهاد بقلب قوي عزم صحيح، وإذا كان الأمر كذلك، كان الواحد في الثبات يقاوم العدد الكثير. وأيضاً: فإن الكُفَّار إنَّما يعولُون على قوتهم وشوكتهم، والمسلمون يستغيثون بربهم بالدعاء، والتضرع، ومنْ كان كذلك كان النصر الظفر به أليق وأولى. فصل كان هذا يوم بدر فرض الله على الرَّجل الواحد من المؤمنين قتال عشرة من الكافرين فثقلت على المؤمنين، فخفَّف اللَّهُ عنهم فقال: ﴿الآن خَفَّفَ الله عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً﴾ في الواحد عن قتال العشرة وفي المائة عن قتال الألف. وقرأ المفضل عن عاصم «وعُلِمَ» مبنياً للمفعول، و ﴿أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً﴾ في محلِّ رفع لقيامه مقام الفاعل، وهو في محلِّ نصبِ على المفعول به في قراءة العامة؛ لأن فاعل الفعل ضميرٌ يعودُ على اللَّهِ تعالى. قوله: «ضَعْفاً» قرأ عاصم وحمزة هنا، وفي الرُّوم في كلماتها الثلاث ﴿الله الذي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً﴾ [الروم: 54] بفتح الضاد والباقون بضمها. وعن حفص وحده خلافٌ في الروم. وقرأ عيسى بن عمر: «ضُعُفاً» بضم الضاذ والعين وكلها مصادر. وقيل: الضَّعْفُ - بالفتح - في الرأي والعقل، وبالضم في البدن. وهذا قول الخليل بن أحمد، هكذا نقله الراغب عنه. ولمَّا نقل ابنُ عطية هذا عن الثعلبي، قال: «وهذا القول تردُّه القراءة» . وقيل: هما بمعنى واحد، لغتان: لغةُ الحجاز الضَّمُّ، ولغةُ تميم الفتح، نقله أبو عمرو، فيكونان ك: الفَقْر والفُقْر، والمَكْث والمُكْث، والبَخَل والبُخْل. وقرأ ابن عباس فيما حكى عنه النقاش وأبو جعفر «ضُعَفَاء» جمعاً على «فُعَلاءَ» ك «ظَرِيف وظُرفُاء. قوله «يكُن مِنكُم» » يكن «في هذه الأماكن يجوز أن تكون التامَّة، ف» مِنكُمْ «إمَّا حالٌ من» عِشْرثون «لأنها في الأصل صفةٌ لها، وإمَّا متعلق بنفس الفعل، لكونه تاماً، وأن تكون الناقصة فيكون» مِنكُمْ «الخبرَ، والمرفوعٌ الاسمَ، وهو» عِشْرُونَ» ، و «مائة» ، و «ألف» . فصل روى عطاءٌ عن ابن عبَّاسٍ: «لما نزلت التكليف الأوَّلُ ضَجَّ المهاجرون، وقالوا: يا ربَّنا نحن جياع، وعدونا شباع، ونحن في غربة وعدونا في أهلهم، ونحن قد أخرجنا من ديارنا وأموالنا، وعدونا ليس كذلك، وقال الأنصارُ: شُغلْنَا بعَدُوِّنَا، وواسينا إخواننا، فنزل التَّخفيف» . وقال عكرمةُ: «إنَّما أمر الرجل أن يصبر لعشرة، والعشرةُ لمائةٍ حال ما كان المسلمون قليلين، فلمَّا كثروا خفف الله عنهم، ولهذا قال ابن عباس:» أيُّمَا رجلٌ فرَّ من ثلاثة فلم يفر، فإن فر من اثنين فقد فَرَّ «. والجمهورُ ادَّعُوا أن قوله: ﴿الآن خَفَّفَ الله عَنكُمْ﴾ ناسخ للآية المتقدمة» . وأنكر أبو مسلم الأصفهانيُّ هذا النسخ، وقال: «إن قوله في الآية الأولى: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ﴾ فهذا الخبر محمول على الأمر، لكن بشرط كون العشرين قادرين على الصَّبر لمُقاتلةِ المائتين، وقوله: ﴿الآن خَفَّفَ الله عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً﴾ يدلُّ على أنَّ ذلك الشرط غير حاصل في حقِّ هؤلاء، فالآية الأولى دلَّت على ثبوت حكم بشرط مخصوص، وهذه الآية دلَّت على أنَّ ذلك الشَّرط مفقود في حقِّ هذه الجماعة، فلا جرم لم يثبت ذلك الحكم، وعلى هذا التقدير لم يحصل النسخ ألبتة» . فإن قيل: قوله تعالى: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ﴾ معناه: ليكن العشرون صابرون لمقابلة المائتين، وعلى هذا التقدير فالنسخ لازم. فالجوابُ: لم لا يجوزُ أن يكون المرادُ من الآية إن حصل عشرون صابرون في مقابلة المائتين فليشتغلوا بجهادهم؟ والحاصلُ أنَّ لفظ الآية ورد بلفظ الخبر؛ خالفنا هذا الظَّاهر وحملناه على الأمر، أما على رعاية الشرط فقد تركناه على ظاهره، وتقديره: إن يحصل منكم عشرون موصوفون بالصبر على مقاومة المائتين، فليشتغلوا بمقاومتهم، وعلى هذا فلا نَسْخَ. فإن قيل: قوله: ﴿الآن خَفَّفَ الله عَنكُمْ﴾ مشعر بأن هذا التَّكليف كان متوجهاً عليهم فالجوابُ: لا نسلم أنَّ لفظ التخفيف يدلُّ على حصول التثقيل قبله؛ لأنَّ عادة العرب الرخصة بهذا الكلام، كقوله تعالى عند الرُّخْصَةِ للحر في نكاح الأمة، لمن لا يستطيع نكاح الحرة: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً﴾ [النساء: 25] فكذا ههنا. وتحقيقه أنَّ هؤلاء العشرين كانوا في محلِّ أن يقال إنَّ ذلك الشرط حاصِلٌ فيهم، فكان ذلك التكليف لازماً عليهم فلمَّا بيَّن اللَّهُ تعالى أنَّ ذلك الشرط غير حاصل فيهمن وأنَّه تعالى علم أن فيهم ضعفاً لا يقدرون على ذلك الشرط غير حاصل فيهم، وأنَّه تعالى علم أن فيهم ضعفاً لا يقدرون على ذلك فقد تخلصوا عن ذلك الخوف، فصحَّ أن يقالك خفَّف اللَّهُ عنهم، وممَّا يدل على عدم النَّسْخِ أنَّهُ تعالى ذكر هذه الآية مقارنة للآية الأولى، وجعل النَّاسِخ مقارناً للمنسوخ لا يجوزُ. فإن قيل: المعتبر في النَّاسخِ والمنسوخ بالنُّزُولِ دون التلاوة، فقد يتقدم الناسخ وقد يتأخرن ألا ترى في عدة الوفاة الناسخ مقدم على المنسوخ. فالجوابُ: أنَّ الناسخ لمَّا كان مقارنته للمنسوخ لا يجوز في الوجود، وجب ألا يكون جائزاً في الذكر، اللهم إلاَّ لدليل قاهر، وأنتم ما ذكرتم ذلك. وأمَّا قوله في عدة الوفاة الناسخ مقدم على المنسوخ، فأبوا مسلم ينكر كلّ أنواع النسخ في القرآن فكيف يمكن إلزام هذا الكلام عليه؟ فهذا تقرير قول أبي مسلم. قال ابن الخطيب: «إن ثبت إجماع الأمَّة على الإطلاق قبل أبي مسلمٍ على النَّسْخِ فلا كلام، فإن لم يحصل الإجماعُ القاطع؛ فنقولُ: قول أبي مسلمٍ حسن صحيح» . فصل احتجَّ هشام على قوله: إنَّ الله تعالى لا يعلم الجزئيات إلاَّ عند وقوعها بقوله ﴿الآن خَفَّفَ الله عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً﴾ فإنَّ معنى الآية: الآن علم اللَّهُ أن فيكم ضَعْفاً، وهذا يقتضي أنَّ علمه تعالى بضعفهم ما حصل إلاَّ في هذا الوقتِ وأجاب المتكلمون بأنَّ معنى الآية: أنَّهُ تعالى قبل حدوث الشيء لا يعلمه حادثاً واقعاً. فقوله ﴿الآن خَفَّفَ الله عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً﴾ معناه: أن الآن حصل العلم بوقوعه وحصوله، وقبل ذلك كان الحاصل هو العلم بأنه سيقع او سيحدث. فصل الذي استقر عليه حكم التكليف بمقتضى هذه الآية أنَّ كلَّ مسلم بالغ مكلف وقف بإزاء كافرين، عبداً كان أو حراً فالهزيمة عليه محرمة ما دام معه سلاح يقاتل، فإن لم يبق معه سلاح، فله أن ينهزم، وإن قاتله ثلاثة حلت له الهزيمةُ والصبر أحسن. روى الواحديُّ في البسيط: «أنه وقف جيش مؤتة، وهم ثلاثة ألاف وأمراؤهم على التَّعاقب زيد بن حارثة ثمَّ جعفر بن أبي طالب ثمَّ عبد الله بن رواحة لمائتي ألف من المشركين، مائة ألأف من الرُّومِ، ومائة ألف من المستعربة، وهم لخم وجذام» . قوله: «بإذنِ اللَّهِ» أي: أنه لا تقع الغلبةُ إلاَّ بإذن اللَّهِ، والإذن ههنا هو الإرادة وذلك يدل على مسألة خلق الأفعال، وإرادة الكائنات. ثم ختم الآية بقوله: ﴿والله مَعَ الصابرين﴾ والمرادُ ما ذكره في الآية الأولى في قوله ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ﴾ فبيَّن ههنا أنَّ الله مع الصَّابرين والمقصود أن العشرين لو صبروا ووقفوا، فإنَّ نصري معهم وتوفيق مقارن لهم وهذا يدلُّ صحَّة مذهب أبي مسلم، وهو أن ذلك الحكم لم ينسخ، بل هو ثابت كما كان فإنَّ العشرين إن قدروا على مصابرة المائتين، بقي ذلك الحكم، وإنْ لم يقدروا على مصابرتهم فالحكمُ المذكور هنا زائل.

الأنفال 8:65

قوله تعالى: ﴿يَا أيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ الآية. لمَّا وعده بالنَّصر عند مخادعة الأعداء، وعده بالنَّصر والظفر في هذه الآية مطلقاً، وعلى هذا التقرير لا يلزمِ منه التكرار، وهذه الآية نزلت بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال، والمرادُ بقوله ﴿وَمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين﴾ الأنصار. وعن ابنِ عبَّاسٍ: «نزلت في إسلامِ عُمر» . قال سعيدُ بن جبير: «أسلم مع النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ثلاثة وثلاثون رجلاً وست نسوة، ثم أسلم عمر، فنزلت هذه الآية» . قال المفسِّرُون: فعلى هذا القول هذه الآية مكية، [كتبت في] سورة مدنية بأمر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. قوله «ومن اتَّبعكَ» فيه أوجهٌ. أحدها: أن يكون «مَنْ» مرفوع المحلِّ، عطفاً على الجلالة، أي: يكفيك الله والمؤمنون. وبهذا فسّره الحسن البصري وجماعة وهو الظاهر ولا محذور في ذلك حيث المعنى. فإن قالوا: من كان الله ناصره امتنع أن يزداد حاله، أو ينقص بسبب نصرة غير الله، وأيضاً إسناد الحكم إلى المجموع يوهم أنَّ الواحدَ من ذلك المجموع لا يكفي في حصولِ ذلك المهم وتعالى الله عنه. ويجابُ: بأنَّ الكُلَّ من اللَّهِ، إلاَّ أنَّ من أنواع النُّصرة ما يحصل بناء على الأسباب المألوفةِ المعتادةِ، ومنها ما يحصلُ لا بناءً على الأسباب المألوفة المعتادة؛ فلهذا الفرق اعتبر نصر المؤمنين، وإن كان بعضُ الناس استصعب كون المؤمنين يكونون كافين النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وتأوَّل الآية على ما سنذكره. الثاني: أنَّ «مَنْ» مجرورُ المحلِّ، عطفاً على الكافِ في: «حَسْبُكَ» ، وهذا رأي الكوفيين وبهذا فسَّر الشعبي وابن زيد، قالا: «معناه: وحسبُ من اتَّبعك» . الثالث: أنَّ محلَّه نصبٌ على المعيَّة. قال الزمخشري: «ومنِ اتَّبعكَ» الواو بمعنى «مع» وما بعدهُ منصوبٌ، تقول: حَسْبُكَ وزَيْداً درهمٌ، ولا تَجُرُّ؛ لأنَّ عطف الظّاهر المجرور على المكنيّ ممتنعٌ؛ وقال: [الطويل] 2735 -..... ... ... ... ... ... ... ... . . فَحَسْبُكَ والضَّحَّاكَ سَيْفٌ مُهَنَّدُ ... والمعنى: كَفَاك وكَفَى تُبَّاعكَ المؤمنين اللَّه ناصراً. قال أبو حيَّان: «وهذا مخالفٌ لكلام سيبويه؛ فإنَّه قال» حَسْبُك وزَيْداً درهم «لمَّا كان فيه معنى: كفاك، وقبُحَ أن يحملوه على الضمير دون الفعل، كأنَّهُ قال: حسبك وبحسبِ أخاك» ثم قال: «وفي ذلك الفعل المضمير ضميرٌ يعودُ على الدرهم والنيةُبالدرهم التقديمُ، فيكون من عطف الجمل، ولا يجوزُ أن يكون من باب الإعمال، لأنَّ طلبَ المبتدأ للخبر وعمله فيه ليس من قبيل طلب الفعل، أو ما جرى مجراه، ولا عمله فلا يُتوهَّم ذلك فيه» . وقد سبق الزمخشريَّ إلى كونه مفعولاً معه الزجاج، إلاَّ أنه جعل «حسب» اسم فعلٍ، فإنه قال: «حَسْبُ» اسمُ فعل، والكافُ نصبٌ، والواو بمعنى «مع» . وعلى هذا يكون «اللَّهُ» فاعلاً، وعلى هذا التقدير يجوز في «ومَنْ» أن يكون معطوفاً على الكاف، لأنَّها مفعول باسم الفعل، لا مجرورٌ، لأنَّ اسم الفعل لا يُضاف. ثم قال أبو حيان: «إلاَّ أنَّ مذهب الزجاج خطأٌ، لدخول العوامل على» حَسْب «نحو: بِحَسْبك درهم، وقال تعالى: ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ الله﴾ ، ولم يثبت في موضع كونه اسم فعل، فيحمل هذا عليه» . وقال ابنُ عطية - بعدما حكى عن الشعبي، وابن زيد ما تقدَّم عنهما من المعنى -: ف «مَنْ» في هذا التأويل في محلِّ نصب، عطفاً على موضع الكاف؛ لأنَّ موضعها نصبٌ على المعنى ب: «يَكْفِيكَ» الذي سَدَّتْ «حسبك» مَسَدَّه. قال أبو حيان «هذا ليس بجيد؛ لأنَّ» حَسْبك «ليس ممَّا تكونُ الكافُ فيه في موضع نصب، بل هذه إضافة صحيحة ليست من نصب، و «حَسْبك» مبتدأ مضافٌ إلى الضمير وليس مصدراً، ولا اسم فاعل، إلاَّ إن قيل: إنَّه عطف على التوهم كأنه توهَّم أنه قيل: يكفيك الله، أو كفاك الله، لكن العطف على التوهُّم لا ينقاسُ» . والذي ينبغي أن يحمل عليه كلامُ الشعبي وابن زيد أن تكون «مَنْ» مجرورة ب «حَسْب» محذوفة، لدلالة «حَسْبك» عليها؛ كقوله: [المتقارب] 2736 - أكُلَّ امرىءٍ تَححسَبينَ امْرَأً ... ونارٍ توقَّدُ باللَّيْلِ نَارَا أي: وكلَّ نار، فلا يكُونُ من العطفِ على الضمير المجرور. قال ابن عطيَّة: «وهذا الوجهُ من حذفِ المضاف مكروه بأنه ضرورةٌ» . قال أبو حيان: «وليس بمكروهٍ، ولا ضرورة بل أجازه سيبويه، وخرَّج عليه البيت وغيره من الكلام» . قال شهابُ الدين: «قوله:» بل هذه إضافةٌ صحيحة، ليست من نصب «فيه نظر؛ لنَّ النَّحويين على أنَّ إضافة» حَسْب «وأخواتها إضافةٌ غيرُ محضة، وعلَّلُوا ذلك بأنها في قوة اسم فاعل ناصبٍ لمفعولٍ به، فإنَّ» حَسْبكَ «بمعنى: كافيك، و» غيرك» بمعنى مُغايرك، و «قيد الأوابد» بمعنى: مُقيدها. قالوا: ويدلُّ على ذلك أنَّها تُوصفُ بها النَّكرات، فيقال: مررت برجلٍ حسبك من رجلٍ» . وجوَّز أبو البقاء: الرفع من ثلاثة أوجهٍ: أنَّهُ نسقٌ على الجلالةِ كما تقدَّم، إلاَّ أنَّهُ قال: فيكون خبراً آخر، كقولك: القائمان زيد وعمرو، ولم يُثَنِّ «حَسْبك» ؛ لأنه مصدرٌ. وقال قومٌ: هذا ضعيفٌ؛ لأن الواو للجمع، ولا يَحْسُن ههنا، كما لا يَحْسُن في قولهم: «مَا شَاء اللَّهُ وشِئْتَ» ، «ثم» هاهنا أولى. يعني أنَّهُ من طريق الأدل لا يُؤتَى بالواو التي تقتضي الجمع، بل يأتي ب «ثم» التي تقتضي التراخي والاحديثُ دالٌّ على ذلك. الثاني: أن يكون خبر مبتدأ محذوف تقديره: وحسب من اتبعك. الثالث: هو مبتدأ والخبر محذوف تقديره: ومن اتبعك كذلك، أي: حسبهم الله. وقرأ الشعبيُّ «ومَنْ» بسكون النون «أْتْبَعك» بزنة «أكْرَمَكَ» . قوله تعالى: ﴿ياأيها النبي حَرِّضِ المؤمنين عَلَى القتال﴾ الآية. لمَّا بيَّن أنه تعالى كافيه بنصره، وبالمؤمنين، بيَّن ههنا أنه ليس من الواجب أن يتكل على ذلك إلا بشرط أن يحرض المؤمنين على القتال؛ فإنه تعالى كفيل بالكفاية بشرط أن يحصل منهم التعاون على القتال، والتحريض كالتحضيض والحث. يقال: حَرَّضَ وَحَرَّشَ وحرَّكَ وحثَّ بمعنىً واحد. وقال الهرويُّ «يقال: حَارَضَ على الأمر، وأكَبَّ، وواكبَ، وواظبَ، وواصبَ بمعنىً» . قيل: وأصله من الحَرَض، وهو الهلاك، قال تعالى: ﴿حتى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الهالكين﴾ [يوسف: 85] . 2737 - إنِّي امْرؤٌ نَابَنِي همٌّ فأحْرَضَنِي ... حتَّى بَليتُ وحتَّى شَفَّنِي سَقَمُ قال الزجاج: «تأويل التحريض في اللُّغةِ أن يُحَثَّ الإنسان على شيءٍ حتى يُعلمَ منه أنَّه حارضٌ والحارض: المقاربُ للهلاك» واستبعد النَّاسُ هذا منه، وقد نَحَا الزمخشريُّ نحوه، فقال: «التَّحريضُ: المبالغةُ في الحثِّ على الأمر، من الحرَض، وهو أن ينهكه المرض، ويتبالغ فيه حتى يُشْفِيَ على الموت أو تُسَمِّيه حَرضاً، وتقولُ له: ما أراك إلاَّ حَرضاً» . وقرأ الأعمش «حَرِّصْ» بالصاد المهملة، وهو من «الحِرْصِ» ، ومعناه مقارب لقراءة العامة. قوله: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾ الآيات. أثبت في الشرط الأول قيداً، وهو الصبرُ، وحذف من الثاني: وأثبت في الثاني قيداً، وهو كونهم من الكفر، وحذف من الأوَّلِ، والتقديرُ: مائتين من الذين كفروا، ومائة صابرة فحذف من كلٍّ منهما ما أثبت في الآخر، وهو في غاية الفصاحة. وقرأ الكوفيون: ﴿وإن يكُنْ منْكُم مائةٌ يَغلِبُوا﴾ ، ﴿فإنْ يكنْ منكُم مائةٌ صابرةٌ﴾ بتذكير «يكن» فيهما، ونافع وابن كثير وابن عامر بتأنيثه فيهما، وأبو عمرو في الأولى كالكوفيين وفي الثانية كالباقين. فَمَنْ ذكَّر فللفصل بين الفعل وفاعله بقوله: «مِنكُمْ» ؛ لأنَّ التأنيث مجازي، إذ المراد ب «المائة» الذُّكور، ومنْ أنَّثَ فلأجل اللفظِ، ولم يلتفت للمعنى، ولا للفصل. وأمَّا أبو عمرو فإنَّما فرٌَّ بين الموضعين فذكَّر في الأول، لما ذكر؛ ولأنَّهُ لحظ قوله: «يغلبوا» وأنَّثَ في الثاني، لقوة التأنيث بوصفه بالمؤنث في قوله: «صَابِرَةٌ» ، وأمَّا: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ﴾ و ﴿وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ﴾ فبالتذكير عند جميع القرَّاء، إلاَّ الأعرج، فإنه أنَّثَ المسند إلى «عشرون» . فصل هذا خبرٌ والمراد به الأمر، كقوله تعالى: ﴿والوالدات يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: 233] . والمعنى: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾ فليصبروا وليجتهدوا في القتالِ حتَّى «يَغلبُوا مائتيْنِ» ويدلُّ على أن المراد الأمر وجوه. أولها: لو كان المرادُ الخبر، لزم أن يقال لم يغلب قط مائتان من الكُفَّارِ عشرين من المؤمنين، وذلك باطل. وثانيها: قوله تعالى: ﴿الآن خَفَّفَ الله عَنكُمْ﴾ نسخ والنسخُ لا يليق إلاَّ بالأمر. وثالثها: قوله تعالى ﴿والله مَعَ الصابرين﴾ وذلك ترغيب في الثبات على الجهادِ. فصل قوله تعالى: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾ يدُلُّ على أنَّهُ تعالى ما أوجبَ هذا الحكم إلاَّ بشرط كونه صابراً قادراً على ذلك، وإنَّما حصل هذا الشَّرط عند حصول أشياء. منها: أن يكون شديد الأعضاء، قوياً جلداً، وأن يكون قوي القلب شجاعاً غير جبان، وأن يكون غير متحرّفٍ إلاَّ لقتال أو متحيزاً إلى فئة؛ فعند حصول هذه الشرائط كان يجبُ على الواحد أن يثبتَ للعشرةِ. وإنَّما حسن هذا التكليف؛ لأنه مسبوق بقوله: ﴿حَسْبُكَ الله وَمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين﴾ [الأنفال: 64] فلمَّا وعد المؤمنين بالكفاية والنُّصرةِ كان هذا التكليف سهلاً؛ لأنَّ من تكفَّل بنصره فإن أهل العالم لا يقدرون على إيذائه. فإن قيل: هذه الآية تدلُّ على جوب ثبات الواحد للعشرة، فما الفائدة في العدولِ عن هذه اللَّفظةِ الوجيزة إلى تلك الكلمات الطويلة؟ . والجوابُ: أن هذا الكلام إنَّما ورد على وفْق الواقعة؛ لأنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان يبعث السَّرايا، والغالبُ أن تلك السَّرايا ما كان ينتقص عددها عن العشرين، وما كانت تزيدُ على المائة فلهذا ذكر الله هذين العددين. قوله: ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ﴾ وهذا كالعَّة لتلك الغلبة؛ لأنَّ من لا يؤمنُ باللَّهِ ولا يؤمنُ بالمعاد، فالسعادةُ ليست عنده إلاَّ هذه الحياة الدنيويَّة، ومن كان هذه معتقده فإنه يشح بهذه الحياة ولا يعرضها للزوال. وأمَّا من اعتقد أن لا سعادة في هذه الحياة وأنَّ السعادة لا تحصل إلاَّ في الدَّار الآخرة، فإنَّه لا يبالي بهذه الحياة الدنيا، ولا يقيم لها وزناً، فيقدم على الجهاد بقلب قوي عزم صحيح، وإذا كان الأمر كذلك، كان الواحد في الثبات يقاوم العدد الكثير. وأيضاً: فإن الكُفَّار إنَّما يعولُون على قوتهم وشوكتهم، والمسلمون يستغيثون بربهم بالدعاء، والتضرع، ومنْ كان كذلك كان النصر الظفر به أليق وأولى. فصل كان هذا يوم بدر فرض الله على الرَّجل الواحد من المؤمنين قتال عشرة من الكافرين فثقلت على المؤمنين، فخفَّف اللَّهُ عنهم فقال: ﴿الآن خَفَّفَ الله عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً﴾ في الواحد عن قتال العشرة وفي المائة عن قتال الألف. وقرأ المفضل عن عاصم «وعُلِمَ» مبنياً للمفعول، و ﴿أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً﴾ في محلِّ رفع لقيامه مقام الفاعل، وهو في محلِّ نصبِ على المفعول به في قراءة العامة؛ لأن فاعل الفعل ضميرٌ يعودُ على اللَّهِ تعالى. قوله: «ضَعْفاً» قرأ عاصم وحمزة هنا، وفي الرُّوم في كلماتها الثلاث ﴿الله الذي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً﴾ [الروم: 54] بفتح الضاد والباقون بضمها. وعن حفص وحده خلافٌ في الروم. وقرأ عيسى بن عمر: «ضُعُفاً» بضم الضاذ والعين وكلها مصادر. وقيل: الضَّعْفُ - بالفتح - في الرأي والعقل، وبالضم في البدن. وهذا قول الخليل بن أحمد، هكذا نقله الراغب عنه. ولمَّا نقل ابنُ عطية هذا عن الثعلبي، قال: «وهذا القول تردُّه القراءة» . وقيل: هما بمعنى واحد، لغتان: لغةُ الحجاز الضَّمُّ، ولغةُ تميم الفتح، نقله أبو عمرو، فيكونان ك: الفَقْر والفُقْر، والمَكْث والمُكْث، والبَخَل والبُخْل. وقرأ ابن عباس فيما حكى عنه النقاش وأبو جعفر «ضُعَفَاء» جمعاً على «فُعَلاءَ» ك «ظَرِيف وظُرفُاء. قوله «يكُن مِنكُم» » يكن «في هذه الأماكن يجوز أن تكون التامَّة، ف» مِنكُمْ «إمَّا حالٌ من» عِشْرثون «لأنها في الأصل صفةٌ لها، وإمَّا متعلق بنفس الفعل، لكونه تاماً، وأن تكون الناقصة فيكون» مِنكُمْ «الخبرَ، والمرفوعٌ الاسمَ، وهو» عِشْرُونَ» ، و «مائة» ، و «ألف» . فصل روى عطاءٌ عن ابن عبَّاسٍ: «لما نزلت التكليف الأوَّلُ ضَجَّ المهاجرون، وقالوا: يا ربَّنا نحن جياع، وعدونا شباع، ونحن في غربة وعدونا في أهلهم، ونحن قد أخرجنا من ديارنا وأموالنا، وعدونا ليس كذلك، وقال الأنصارُ: شُغلْنَا بعَدُوِّنَا، وواسينا إخواننا، فنزل التَّخفيف» . وقال عكرمةُ: «إنَّما أمر الرجل أن يصبر لعشرة، والعشرةُ لمائةٍ حال ما كان المسلمون قليلين، فلمَّا كثروا خفف الله عنهم، ولهذا قال ابن عباس:» أيُّمَا رجلٌ فرَّ من ثلاثة فلم يفر، فإن فر من اثنين فقد فَرَّ «. والجمهورُ ادَّعُوا أن قوله: ﴿الآن خَفَّفَ الله عَنكُمْ﴾ ناسخ للآية المتقدمة» . وأنكر أبو مسلم الأصفهانيُّ هذا النسخ، وقال: «إن قوله في الآية الأولى: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ﴾ فهذا الخبر محمول على الأمر، لكن بشرط كون العشرين قادرين على الصَّبر لمُقاتلةِ المائتين، وقوله: ﴿الآن خَفَّفَ الله عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً﴾ يدلُّ على أنَّ ذلك الشرط غير حاصل في حقِّ هؤلاء، فالآية الأولى دلَّت على ثبوت حكم بشرط مخصوص، وهذه الآية دلَّت على أنَّ ذلك الشَّرط مفقود في حقِّ هذه الجماعة، فلا جرم لم يثبت ذلك الحكم، وعلى هذا التقدير لم يحصل النسخ ألبتة» . فإن قيل: قوله تعالى: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ﴾ معناه: ليكن العشرون صابرون لمقابلة المائتين، وعلى هذا التقدير فالنسخ لازم. فالجوابُ: لم لا يجوزُ أن يكون المرادُ من الآية إن حصل عشرون صابرون في مقابلة المائتين فليشتغلوا بجهادهم؟ والحاصلُ أنَّ لفظ الآية ورد بلفظ الخبر؛ خالفنا هذا الظَّاهر وحملناه على الأمر، أما على رعاية الشرط فقد تركناه على ظاهره، وتقديره: إن يحصل منكم عشرون موصوفون بالصبر على مقاومة المائتين، فليشتغلوا بمقاومتهم، وعلى هذا فلا نَسْخَ. فإن قيل: قوله: ﴿الآن خَفَّفَ الله عَنكُمْ﴾ مشعر بأن هذا التَّكليف كان متوجهاً عليهم فالجوابُ: لا نسلم أنَّ لفظ التخفيف يدلُّ على حصول التثقيل قبله؛ لأنَّ عادة العرب الرخصة بهذا الكلام، كقوله تعالى عند الرُّخْصَةِ للحر في نكاح الأمة، لمن لا يستطيع نكاح الحرة: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً﴾ [النساء: 25] فكذا ههنا. وتحقيقه أنَّ هؤلاء العشرين كانوا في محلِّ أن يقال إنَّ ذلك الشرط حاصِلٌ فيهم، فكان ذلك التكليف لازماً عليهم فلمَّا بيَّن اللَّهُ تعالى أنَّ ذلك الشرط غير حاصل فيهمن وأنَّه تعالى علم أن فيهم ضعفاً لا يقدرون على ذلك الشرط غير حاصل فيهم، وأنَّه تعالى علم أن فيهم ضعفاً لا يقدرون على ذلك فقد تخلصوا عن ذلك الخوف، فصحَّ أن يقالك خفَّف اللَّهُ عنهم، وممَّا يدل على عدم النَّسْخِ أنَّهُ تعالى ذكر هذه الآية مقارنة للآية الأولى، وجعل النَّاسِخ مقارناً للمنسوخ لا يجوزُ. فإن قيل: المعتبر في النَّاسخِ والمنسوخ بالنُّزُولِ دون التلاوة، فقد يتقدم الناسخ وقد يتأخرن ألا ترى في عدة الوفاة الناسخ مقدم على المنسوخ. فالجوابُ: أنَّ الناسخ لمَّا كان مقارنته للمنسوخ لا يجوز في الوجود، وجب ألا يكون جائزاً في الذكر، اللهم إلاَّ لدليل قاهر، وأنتم ما ذكرتم ذلك. وأمَّا قوله في عدة الوفاة الناسخ مقدم على المنسوخ، فأبوا مسلم ينكر كلّ أنواع النسخ في القرآن فكيف يمكن إلزام هذا الكلام عليه؟ فهذا تقرير قول أبي مسلم. قال ابن الخطيب: «إن ثبت إجماع الأمَّة على الإطلاق قبل أبي مسلمٍ على النَّسْخِ فلا كلام، فإن لم يحصل الإجماعُ القاطع؛ فنقولُ: قول أبي مسلمٍ حسن صحيح» . فصل احتجَّ هشام على قوله: إنَّ الله تعالى لا يعلم الجزئيات إلاَّ عند وقوعها بقوله ﴿الآن خَفَّفَ الله عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً﴾ فإنَّ معنى الآية: الآن علم اللَّهُ أن فيكم ضَعْفاً، وهذا يقتضي أنَّ علمه تعالى بضعفهم ما حصل إلاَّ في هذا الوقتِ وأجاب المتكلمون بأنَّ معنى الآية: أنَّهُ تعالى قبل حدوث الشيء لا يعلمه حادثاً واقعاً. فقوله ﴿الآن خَفَّفَ الله عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً﴾ معناه: أن الآن حصل العلم بوقوعه وحصوله، وقبل ذلك كان الحاصل هو العلم بأنه سيقع او سيحدث. فصل الذي استقر عليه حكم التكليف بمقتضى هذه الآية أنَّ كلَّ مسلم بالغ مكلف وقف بإزاء كافرين، عبداً كان أو حراً فالهزيمة عليه محرمة ما دام معه سلاح يقاتل، فإن لم يبق معه سلاح، فله أن ينهزم، وإن قاتله ثلاثة حلت له الهزيمةُ والصبر أحسن. روى الواحديُّ في البسيط: «أنه وقف جيش مؤتة، وهم ثلاثة ألاف وأمراؤهم على التَّعاقب زيد بن حارثة ثمَّ جعفر بن أبي طالب ثمَّ عبد الله بن رواحة لمائتي ألف من المشركين، مائة ألأف من الرُّومِ، ومائة ألف من المستعربة، وهم لخم وجذام» . قوله: «بإذنِ اللَّهِ» أي: أنه لا تقع الغلبةُ إلاَّ بإذن اللَّهِ، والإذن ههنا هو الإرادة وذلك يدل على مسألة خلق الأفعال، وإرادة الكائنات. ثم ختم الآية بقوله: ﴿والله مَعَ الصابرين﴾ والمرادُ ما ذكره في الآية الأولى في قوله ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ﴾ فبيَّن ههنا أنَّ الله مع الصَّابرين والمقصود أن العشرين لو صبروا ووقفوا، فإنَّ نصري معهم وتوفيق مقارن لهم وهذا يدلُّ صحَّة مذهب أبي مسلم، وهو أن ذلك الحكم لم ينسخ، بل هو ثابت كما كان فإنَّ العشرين إن قدروا على مصابرة المائتين، بقي ذلك الحكم، وإنْ لم يقدروا على مصابرتهم فالحكمُ المذكور هنا زائل.

الأنفال 8:66

قوله تعالى: ﴿يَا أيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ الآية. لمَّا وعده بالنَّصر عند مخادعة الأعداء، وعده بالنَّصر والظفر في هذه الآية مطلقاً، وعلى هذا التقرير لا يلزمِ منه التكرار، وهذه الآية نزلت بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال، والمرادُ بقوله ﴿وَمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين﴾ الأنصار. وعن ابنِ عبَّاسٍ: «نزلت في إسلامِ عُمر» . قال سعيدُ بن جبير: «أسلم مع النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ثلاثة وثلاثون رجلاً وست نسوة، ثم أسلم عمر، فنزلت هذه الآية» . قال المفسِّرُون: فعلى هذا القول هذه الآية مكية، [كتبت في] سورة مدنية بأمر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. قوله «ومن اتَّبعكَ» فيه أوجهٌ. أحدها: أن يكون «مَنْ» مرفوع المحلِّ، عطفاً على الجلالة، أي: يكفيك الله والمؤمنون. وبهذا فسّره الحسن البصري وجماعة وهو الظاهر ولا محذور في ذلك حيث المعنى. فإن قالوا: من كان الله ناصره امتنع أن يزداد حاله، أو ينقص بسبب نصرة غير الله، وأيضاً إسناد الحكم إلى المجموع يوهم أنَّ الواحدَ من ذلك المجموع لا يكفي في حصولِ ذلك المهم وتعالى الله عنه. ويجابُ: بأنَّ الكُلَّ من اللَّهِ، إلاَّ أنَّ من أنواع النُّصرة ما يحصل بناء على الأسباب المألوفةِ المعتادةِ، ومنها ما يحصلُ لا بناءً على الأسباب المألوفة المعتادة؛ فلهذا الفرق اعتبر نصر المؤمنين، وإن كان بعضُ الناس استصعب كون المؤمنين يكونون كافين النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وتأوَّل الآية على ما سنذكره. الثاني: أنَّ «مَنْ» مجرورُ المحلِّ، عطفاً على الكافِ في: «حَسْبُكَ» ، وهذا رأي الكوفيين وبهذا فسَّر الشعبي وابن زيد، قالا: «معناه: وحسبُ من اتَّبعك» . الثالث: أنَّ محلَّه نصبٌ على المعيَّة. قال الزمخشري: «ومنِ اتَّبعكَ» الواو بمعنى «مع» وما بعدهُ منصوبٌ، تقول: حَسْبُكَ وزَيْداً درهمٌ، ولا تَجُرُّ؛ لأنَّ عطف الظّاهر المجرور على المكنيّ ممتنعٌ؛ وقال: [الطويل] 2735 -..... ... ... ... ... ... ... ... . . فَحَسْبُكَ والضَّحَّاكَ سَيْفٌ مُهَنَّدُ ... والمعنى: كَفَاك وكَفَى تُبَّاعكَ المؤمنين اللَّه ناصراً. قال أبو حيَّان: «وهذا مخالفٌ لكلام سيبويه؛ فإنَّه قال» حَسْبُك وزَيْداً درهم «لمَّا كان فيه معنى: كفاك، وقبُحَ أن يحملوه على الضمير دون الفعل، كأنَّهُ قال: حسبك وبحسبِ أخاك» ثم قال: «وفي ذلك الفعل المضمير ضميرٌ يعودُ على الدرهم والنيةُبالدرهم التقديمُ، فيكون من عطف الجمل، ولا يجوزُ أن يكون من باب الإعمال، لأنَّ طلبَ المبتدأ للخبر وعمله فيه ليس من قبيل طلب الفعل، أو ما جرى مجراه، ولا عمله فلا يُتوهَّم ذلك فيه» . وقد سبق الزمخشريَّ إلى كونه مفعولاً معه الزجاج، إلاَّ أنه جعل «حسب» اسم فعلٍ، فإنه قال: «حَسْبُ» اسمُ فعل، والكافُ نصبٌ، والواو بمعنى «مع» . وعلى هذا يكون «اللَّهُ» فاعلاً، وعلى هذا التقدير يجوز في «ومَنْ» أن يكون معطوفاً على الكاف، لأنَّها مفعول باسم الفعل، لا مجرورٌ، لأنَّ اسم الفعل لا يُضاف. ثم قال أبو حيان: «إلاَّ أنَّ مذهب الزجاج خطأٌ، لدخول العوامل على» حَسْب «نحو: بِحَسْبك درهم، وقال تعالى: ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ الله﴾ ، ولم يثبت في موضع كونه اسم فعل، فيحمل هذا عليه» . وقال ابنُ عطية - بعدما حكى عن الشعبي، وابن زيد ما تقدَّم عنهما من المعنى -: ف «مَنْ» في هذا التأويل في محلِّ نصب، عطفاً على موضع الكاف؛ لأنَّ موضعها نصبٌ على المعنى ب: «يَكْفِيكَ» الذي سَدَّتْ «حسبك» مَسَدَّه. قال أبو حيان «هذا ليس بجيد؛ لأنَّ» حَسْبك «ليس ممَّا تكونُ الكافُ فيه في موضع نصب، بل هذه إضافة صحيحة ليست من نصب، و «حَسْبك» مبتدأ مضافٌ إلى الضمير وليس مصدراً، ولا اسم فاعل، إلاَّ إن قيل: إنَّه عطف على التوهم كأنه توهَّم أنه قيل: يكفيك الله، أو كفاك الله، لكن العطف على التوهُّم لا ينقاسُ» . والذي ينبغي أن يحمل عليه كلامُ الشعبي وابن زيد أن تكون «مَنْ» مجرورة ب «حَسْب» محذوفة، لدلالة «حَسْبك» عليها؛ كقوله: [المتقارب] 2736 - أكُلَّ امرىءٍ تَححسَبينَ امْرَأً ... ونارٍ توقَّدُ باللَّيْلِ نَارَا أي: وكلَّ نار، فلا يكُونُ من العطفِ على الضمير المجرور. قال ابن عطيَّة: «وهذا الوجهُ من حذفِ المضاف مكروه بأنه ضرورةٌ» . قال أبو حيان: «وليس بمكروهٍ، ولا ضرورة بل أجازه سيبويه، وخرَّج عليه البيت وغيره من الكلام» . قال شهابُ الدين: «قوله:» بل هذه إضافةٌ صحيحة، ليست من نصب «فيه نظر؛ لنَّ النَّحويين على أنَّ إضافة» حَسْب «وأخواتها إضافةٌ غيرُ محضة، وعلَّلُوا ذلك بأنها في قوة اسم فاعل ناصبٍ لمفعولٍ به، فإنَّ» حَسْبكَ «بمعنى: كافيك، و» غيرك» بمعنى مُغايرك، و «قيد الأوابد» بمعنى: مُقيدها. قالوا: ويدلُّ على ذلك أنَّها تُوصفُ بها النَّكرات، فيقال: مررت برجلٍ حسبك من رجلٍ» . وجوَّز أبو البقاء: الرفع من ثلاثة أوجهٍ: أنَّهُ نسقٌ على الجلالةِ كما تقدَّم، إلاَّ أنَّهُ قال: فيكون خبراً آخر، كقولك: القائمان زيد وعمرو، ولم يُثَنِّ «حَسْبك» ؛ لأنه مصدرٌ. وقال قومٌ: هذا ضعيفٌ؛ لأن الواو للجمع، ولا يَحْسُن ههنا، كما لا يَحْسُن في قولهم: «مَا شَاء اللَّهُ وشِئْتَ» ، «ثم» هاهنا أولى. يعني أنَّهُ من طريق الأدل لا يُؤتَى بالواو التي تقتضي الجمع، بل يأتي ب «ثم» التي تقتضي التراخي والاحديثُ دالٌّ على ذلك. الثاني: أن يكون خبر مبتدأ محذوف تقديره: وحسب من اتبعك. الثالث: هو مبتدأ والخبر محذوف تقديره: ومن اتبعك كذلك، أي: حسبهم الله. وقرأ الشعبيُّ «ومَنْ» بسكون النون «أْتْبَعك» بزنة «أكْرَمَكَ» . قوله تعالى: ﴿ياأيها النبي حَرِّضِ المؤمنين عَلَى القتال﴾ الآية. لمَّا بيَّن أنه تعالى كافيه بنصره، وبالمؤمنين، بيَّن ههنا أنه ليس من الواجب أن يتكل على ذلك إلا بشرط أن يحرض المؤمنين على القتال؛ فإنه تعالى كفيل بالكفاية بشرط أن يحصل منهم التعاون على القتال، والتحريض كالتحضيض والحث. يقال: حَرَّضَ وَحَرَّشَ وحرَّكَ وحثَّ بمعنىً واحد. وقال الهرويُّ «يقال: حَارَضَ على الأمر، وأكَبَّ، وواكبَ، وواظبَ، وواصبَ بمعنىً» . قيل: وأصله من الحَرَض، وهو الهلاك، قال تعالى: ﴿حتى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الهالكين﴾ [يوسف: 85] . 2737 - إنِّي امْرؤٌ نَابَنِي همٌّ فأحْرَضَنِي ... حتَّى بَليتُ وحتَّى شَفَّنِي سَقَمُ قال الزجاج: «تأويل التحريض في اللُّغةِ أن يُحَثَّ الإنسان على شيءٍ حتى يُعلمَ منه أنَّه حارضٌ والحارض: المقاربُ للهلاك» واستبعد النَّاسُ هذا منه، وقد نَحَا الزمخشريُّ نحوه، فقال: «التَّحريضُ: المبالغةُ في الحثِّ على الأمر، من الحرَض، وهو أن ينهكه المرض، ويتبالغ فيه حتى يُشْفِيَ على الموت أو تُسَمِّيه حَرضاً، وتقولُ له: ما أراك إلاَّ حَرضاً» . وقرأ الأعمش «حَرِّصْ» بالصاد المهملة، وهو من «الحِرْصِ» ، ومعناه مقارب لقراءة العامة. قوله: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾ الآيات. أثبت في الشرط الأول قيداً، وهو الصبرُ، وحذف من الثاني: وأثبت في الثاني قيداً، وهو كونهم من الكفر، وحذف من الأوَّلِ، والتقديرُ: مائتين من الذين كفروا، ومائة صابرة فحذف من كلٍّ منهما ما أثبت في الآخر، وهو في غاية الفصاحة. وقرأ الكوفيون: ﴿وإن يكُنْ منْكُم مائةٌ يَغلِبُوا﴾ ، ﴿فإنْ يكنْ منكُم مائةٌ صابرةٌ﴾ بتذكير «يكن» فيهما، ونافع وابن كثير وابن عامر بتأنيثه فيهما، وأبو عمرو في الأولى كالكوفيين وفي الثانية كالباقين. فَمَنْ ذكَّر فللفصل بين الفعل وفاعله بقوله: «مِنكُمْ» ؛ لأنَّ التأنيث مجازي، إذ المراد ب «المائة» الذُّكور، ومنْ أنَّثَ فلأجل اللفظِ، ولم يلتفت للمعنى، ولا للفصل. وأمَّا أبو عمرو فإنَّما فرٌَّ بين الموضعين فذكَّر في الأول، لما ذكر؛ ولأنَّهُ لحظ قوله: «يغلبوا» وأنَّثَ في الثاني، لقوة التأنيث بوصفه بالمؤنث في قوله: «صَابِرَةٌ» ، وأمَّا: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ﴾ و ﴿وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ﴾ فبالتذكير عند جميع القرَّاء، إلاَّ الأعرج، فإنه أنَّثَ المسند إلى «عشرون» . فصل هذا خبرٌ والمراد به الأمر، كقوله تعالى: ﴿والوالدات يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: 233] . والمعنى: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾ فليصبروا وليجتهدوا في القتالِ حتَّى «يَغلبُوا مائتيْنِ» ويدلُّ على أن المراد الأمر وجوه. أولها: لو كان المرادُ الخبر، لزم أن يقال لم يغلب قط مائتان من الكُفَّارِ عشرين من المؤمنين، وذلك باطل. وثانيها: قوله تعالى: ﴿الآن خَفَّفَ الله عَنكُمْ﴾ نسخ والنسخُ لا يليق إلاَّ بالأمر. وثالثها: قوله تعالى ﴿والله مَعَ الصابرين﴾ وذلك ترغيب في الثبات على الجهادِ. فصل قوله تعالى: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾ يدُلُّ على أنَّهُ تعالى ما أوجبَ هذا الحكم إلاَّ بشرط كونه صابراً قادراً على ذلك، وإنَّما حصل هذا الشَّرط عند حصول أشياء. منها: أن يكون شديد الأعضاء، قوياً جلداً، وأن يكون قوي القلب شجاعاً غير جبان، وأن يكون غير متحرّفٍ إلاَّ لقتال أو متحيزاً إلى فئة؛ فعند حصول هذه الشرائط كان يجبُ على الواحد أن يثبتَ للعشرةِ. وإنَّما حسن هذا التكليف؛ لأنه مسبوق بقوله: ﴿حَسْبُكَ الله وَمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين﴾ [الأنفال: 64] فلمَّا وعد المؤمنين بالكفاية والنُّصرةِ كان هذا التكليف سهلاً؛ لأنَّ من تكفَّل بنصره فإن أهل العالم لا يقدرون على إيذائه. فإن قيل: هذه الآية تدلُّ على جوب ثبات الواحد للعشرة، فما الفائدة في العدولِ عن هذه اللَّفظةِ الوجيزة إلى تلك الكلمات الطويلة؟ . والجوابُ: أن هذا الكلام إنَّما ورد على وفْق الواقعة؛ لأنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان يبعث السَّرايا، والغالبُ أن تلك السَّرايا ما كان ينتقص عددها عن العشرين، وما كانت تزيدُ على المائة فلهذا ذكر الله هذين العددين. قوله: ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ﴾ وهذا كالعَّة لتلك الغلبة؛ لأنَّ من لا يؤمنُ باللَّهِ ولا يؤمنُ بالمعاد، فالسعادةُ ليست عنده إلاَّ هذه الحياة الدنيويَّة، ومن كان هذه معتقده فإنه يشح بهذه الحياة ولا يعرضها للزوال. وأمَّا من اعتقد أن لا سعادة في هذه الحياة وأنَّ السعادة لا تحصل إلاَّ في الدَّار الآخرة، فإنَّه لا يبالي بهذه الحياة الدنيا، ولا يقيم لها وزناً، فيقدم على الجهاد بقلب قوي عزم صحيح، وإذا كان الأمر كذلك، كان الواحد في الثبات يقاوم العدد الكثير. وأيضاً: فإن الكُفَّار إنَّما يعولُون على قوتهم وشوكتهم، والمسلمون يستغيثون بربهم بالدعاء، والتضرع، ومنْ كان كذلك كان النصر الظفر به أليق وأولى. فصل كان هذا يوم بدر فرض الله على الرَّجل الواحد من المؤمنين قتال عشرة من الكافرين فثقلت على المؤمنين، فخفَّف اللَّهُ عنهم فقال: ﴿الآن خَفَّفَ الله عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً﴾ في الواحد عن قتال العشرة وفي المائة عن قتال الألف. وقرأ المفضل عن عاصم «وعُلِمَ» مبنياً للمفعول، و ﴿أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً﴾ في محلِّ رفع لقيامه مقام الفاعل، وهو في محلِّ نصبِ على المفعول به في قراءة العامة؛ لأن فاعل الفعل ضميرٌ يعودُ على اللَّهِ تعالى. قوله: «ضَعْفاً» قرأ عاصم وحمزة هنا، وفي الرُّوم في كلماتها الثلاث ﴿الله الذي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً﴾ [الروم: 54] بفتح الضاد والباقون بضمها. وعن حفص وحده خلافٌ في الروم. وقرأ عيسى بن عمر: «ضُعُفاً» بضم الضاذ والعين وكلها مصادر. وقيل: الضَّعْفُ - بالفتح - في الرأي والعقل، وبالضم في البدن. وهذا قول الخليل بن أحمد، هكذا نقله الراغب عنه. ولمَّا نقل ابنُ عطية هذا عن الثعلبي، قال: «وهذا القول تردُّه القراءة» . وقيل: هما بمعنى واحد، لغتان: لغةُ الحجاز الضَّمُّ، ولغةُ تميم الفتح، نقله أبو عمرو، فيكونان ك: الفَقْر والفُقْر، والمَكْث والمُكْث، والبَخَل والبُخْل. وقرأ ابن عباس فيما حكى عنه النقاش وأبو جعفر «ضُعَفَاء» جمعاً على «فُعَلاءَ» ك «ظَرِيف وظُرفُاء. قوله «يكُن مِنكُم» » يكن «في هذه الأماكن يجوز أن تكون التامَّة، ف» مِنكُمْ «إمَّا حالٌ من» عِشْرثون «لأنها في الأصل صفةٌ لها، وإمَّا متعلق بنفس الفعل، لكونه تاماً، وأن تكون الناقصة فيكون» مِنكُمْ «الخبرَ، والمرفوعٌ الاسمَ، وهو» عِشْرُونَ» ، و «مائة» ، و «ألف» . فصل روى عطاءٌ عن ابن عبَّاسٍ: «لما نزلت التكليف الأوَّلُ ضَجَّ المهاجرون، وقالوا: يا ربَّنا نحن جياع، وعدونا شباع، ونحن في غربة وعدونا في أهلهم، ونحن قد أخرجنا من ديارنا وأموالنا، وعدونا ليس كذلك، وقال الأنصارُ: شُغلْنَا بعَدُوِّنَا، وواسينا إخواننا، فنزل التَّخفيف» . وقال عكرمةُ: «إنَّما أمر الرجل أن يصبر لعشرة، والعشرةُ لمائةٍ حال ما كان المسلمون قليلين، فلمَّا كثروا خفف الله عنهم، ولهذا قال ابن عباس:» أيُّمَا رجلٌ فرَّ من ثلاثة فلم يفر، فإن فر من اثنين فقد فَرَّ «. والجمهورُ ادَّعُوا أن قوله: ﴿الآن خَفَّفَ الله عَنكُمْ﴾ ناسخ للآية المتقدمة» . وأنكر أبو مسلم الأصفهانيُّ هذا النسخ، وقال: «إن قوله في الآية الأولى: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ﴾ فهذا الخبر محمول على الأمر، لكن بشرط كون العشرين قادرين على الصَّبر لمُقاتلةِ المائتين، وقوله: ﴿الآن خَفَّفَ الله عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً﴾ يدلُّ على أنَّ ذلك الشرط غير حاصل في حقِّ هؤلاء، فالآية الأولى دلَّت على ثبوت حكم بشرط مخصوص، وهذه الآية دلَّت على أنَّ ذلك الشَّرط مفقود في حقِّ هذه الجماعة، فلا جرم لم يثبت ذلك الحكم، وعلى هذا التقدير لم يحصل النسخ ألبتة» . فإن قيل: قوله تعالى: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ﴾ معناه: ليكن العشرون صابرون لمقابلة المائتين، وعلى هذا التقدير فالنسخ لازم. فالجوابُ: لم لا يجوزُ أن يكون المرادُ من الآية إن حصل عشرون صابرون في مقابلة المائتين فليشتغلوا بجهادهم؟ والحاصلُ أنَّ لفظ الآية ورد بلفظ الخبر؛ خالفنا هذا الظَّاهر وحملناه على الأمر، أما على رعاية الشرط فقد تركناه على ظاهره، وتقديره: إن يحصل منكم عشرون موصوفون بالصبر على مقاومة المائتين، فليشتغلوا بمقاومتهم، وعلى هذا فلا نَسْخَ. فإن قيل: قوله: ﴿الآن خَفَّفَ الله عَنكُمْ﴾ مشعر بأن هذا التَّكليف كان متوجهاً عليهم فالجوابُ: لا نسلم أنَّ لفظ التخفيف يدلُّ على حصول التثقيل قبله؛ لأنَّ عادة العرب الرخصة بهذا الكلام، كقوله تعالى عند الرُّخْصَةِ للحر في نكاح الأمة، لمن لا يستطيع نكاح الحرة: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً﴾ [النساء: 25] فكذا ههنا. وتحقيقه أنَّ هؤلاء العشرين كانوا في محلِّ أن يقال إنَّ ذلك الشرط حاصِلٌ فيهم، فكان ذلك التكليف لازماً عليهم فلمَّا بيَّن اللَّهُ تعالى أنَّ ذلك الشرط غير حاصل فيهمن وأنَّه تعالى علم أن فيهم ضعفاً لا يقدرون على ذلك الشرط غير حاصل فيهم، وأنَّه تعالى علم أن فيهم ضعفاً لا يقدرون على ذلك فقد تخلصوا عن ذلك الخوف، فصحَّ أن يقالك خفَّف اللَّهُ عنهم، وممَّا يدل على عدم النَّسْخِ أنَّهُ تعالى ذكر هذه الآية مقارنة للآية الأولى، وجعل النَّاسِخ مقارناً للمنسوخ لا يجوزُ. فإن قيل: المعتبر في النَّاسخِ والمنسوخ بالنُّزُولِ دون التلاوة، فقد يتقدم الناسخ وقد يتأخرن ألا ترى في عدة الوفاة الناسخ مقدم على المنسوخ. فالجوابُ: أنَّ الناسخ لمَّا كان مقارنته للمنسوخ لا يجوز في الوجود، وجب ألا يكون جائزاً في الذكر، اللهم إلاَّ لدليل قاهر، وأنتم ما ذكرتم ذلك. وأمَّا قوله في عدة الوفاة الناسخ مقدم على المنسوخ، فأبوا مسلم ينكر كلّ أنواع النسخ في القرآن فكيف يمكن إلزام هذا الكلام عليه؟ فهذا تقرير قول أبي مسلم. قال ابن الخطيب: «إن ثبت إجماع الأمَّة على الإطلاق قبل أبي مسلمٍ على النَّسْخِ فلا كلام، فإن لم يحصل الإجماعُ القاطع؛ فنقولُ: قول أبي مسلمٍ حسن صحيح» . فصل احتجَّ هشام على قوله: إنَّ الله تعالى لا يعلم الجزئيات إلاَّ عند وقوعها بقوله ﴿الآن خَفَّفَ الله عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً﴾ فإنَّ معنى الآية: الآن علم اللَّهُ أن فيكم ضَعْفاً، وهذا يقتضي أنَّ علمه تعالى بضعفهم ما حصل إلاَّ في هذا الوقتِ وأجاب المتكلمون بأنَّ معنى الآية: أنَّهُ تعالى قبل حدوث الشيء لا يعلمه حادثاً واقعاً. فقوله ﴿الآن خَفَّفَ الله عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً﴾ معناه: أن الآن حصل العلم بوقوعه وحصوله، وقبل ذلك كان الحاصل هو العلم بأنه سيقع او سيحدث. فصل الذي استقر عليه حكم التكليف بمقتضى هذه الآية أنَّ كلَّ مسلم بالغ مكلف وقف بإزاء كافرين، عبداً كان أو حراً فالهزيمة عليه محرمة ما دام معه سلاح يقاتل، فإن لم يبق معه سلاح، فله أن ينهزم، وإن قاتله ثلاثة حلت له الهزيمةُ والصبر أحسن. روى الواحديُّ في البسيط: «أنه وقف جيش مؤتة، وهم ثلاثة ألاف وأمراؤهم على التَّعاقب زيد بن حارثة ثمَّ جعفر بن أبي طالب ثمَّ عبد الله بن رواحة لمائتي ألف من المشركين، مائة ألأف من الرُّومِ، ومائة ألف من المستعربة، وهم لخم وجذام» . قوله: «بإذنِ اللَّهِ» أي: أنه لا تقع الغلبةُ إلاَّ بإذن اللَّهِ، والإذن ههنا هو الإرادة وذلك يدل على مسألة خلق الأفعال، وإرادة الكائنات. ثم ختم الآية بقوله: ﴿والله مَعَ الصابرين﴾ والمرادُ ما ذكره في الآية الأولى في قوله ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ﴾ فبيَّن ههنا أنَّ الله مع الصَّابرين والمقصود أن العشرين لو صبروا ووقفوا، فإنَّ نصري معهم وتوفيق مقارن لهم وهذا يدلُّ صحَّة مذهب أبي مسلم، وهو أن ذلك الحكم لم ينسخ، بل هو ثابت كما كان فإنَّ العشرين إن قدروا على مصابرة المائتين، بقي ذلك الحكم، وإنْ لم يقدروا على مصابرتهم فالحكمُ المذكور هنا زائل.

الأنفال 8:67

قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى﴾ الآية. قرأ أبو عمرو «تكون» بالتأنيث، مراعاةً لمعنى الجماعة، والباقون بالتَّذكير، مراعاةً للفظ الجمع، والجمهورُ هنا على «أسْرَى» وهو قياس «فعيل» بمعنى «مفعول» دالاَّ على أنه ك: جَريح وجَرْحَى. وقرأ ابنُ القعقاع والمفضَّل عن عاصم «أسَارَى» شبَّهُوا «أسير» ب: «كَسْلان» فجمعوهُ على «فُعَالَى» كَ: «كُسَالَى» ، كما شَبَّهُوا به «كسلان» فجمعوه على «كَسْلَى» ، وقد تقدَّم القولُ فيهما في البقرة. قال الزمخشري: «وقرىء» ما كان للنَّبي «على التعريف» فإن قيل: كيف حسن إدخال لفظه «كان» على لفظة «يكون» في هذه الآية؟ فالجوابُ: قوله «مَا كَان» معناه النفي والتنزيه، أي: ما يجب وما ينبغي أن يكون المعنى المذكور، كقوله: ﴿مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ﴾ [مريم: 35] . قال أبو عبيدة «يقول: لم يكن لنبي ذلك، فلا يكن لك، ومن قرأ ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ﴾ فمعناه: أنَّ هذا الحكم ما كان ينبغي حصوله لهذا النبي، وهو محمد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ» . قوله: «حتَّى يُثخِنَ» قرأ العامَّةُ «يُثْخنَ» مخففاً، عدوهُ بالهمزة. وقرأ أبُو جعفر ويحيى بن وثاب ويحيى بن يعمر «يُثَخِّنَ» بالتشديد، عدوهُ بالتضعيف، وهو مشتقٌّ من الثَّخانة، وهي الغِلَظ والكثافة في الأجسام، ثمَّ يُسْتَعار ذلك في كثرة لاقتل، والجراحات، فيقال: أثْخَنَتْه الجراح، أي: أثقلته حتى أثْبَتَتْه، ومنه «حتَّى إذا أثخنتموهم» . وقيل: حتى يقهر، والإثخان: القهرُ. وأنشد المفضلُ: [الطويل] 2738 - تُصَلِّي الضُّحَى ما دَهْرُهَا بتَعَبُّدٍ ... وقَدْ أثْخَنَتْ فرعَونَ في كُفُرِهِ كُفْرَا كذا أنشده الهروي شاهداً على القهر، وليس فيه معنى، إذا المعنى على الزِّيادة والمبالغةِ المناسبةِ لأصل معناه، وهي الثَّخانة. ويقال منه: ثَخُنَ يَثْخُنُ ثَخَانَة فهو ثَخِين، ك: ظَرُفَ يَظْرُف ظَرَافَةً، فهو ظريفٌ. قوله ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدنيا والله يُرِيدُ الآخرة﴾ . الجمهورعلى نصب «الآخرة» . وقرأ سليمانُ بن جماز المدني بجرِّها، وخُرِّجتْ على حفِّ المضاف وإبقاء المضاف إليه على جرِّه. وقدَّره بعضهم عرض الآخرة، فعيب عليه؛ إذْ لا يحسن أن يقال: والله يريد عرض الآخرة فأصلحه الزمخشريُّ بأنْ جعلهُ كذلك؛ لأجل المقابلة، قال: «يعني ثوابها» وقدَّره بعضهم ب «أعمال» ، أو «ثواب» ، وجعله أبُو البقاءِ كقول الآخر: [المتقارب] 2739 - ... ... ... ... ... ... ... ... ونَارٍ توقَّدُ باللَّيْلِ نَارَا وقدَّر المضاف: «عَرَضَ الآخِرَةِ» . قال أبُو حيان: «ليست الأيةُ مثل البيت، فإنهُ يجوزُ ذلك، إذَا لمْ يُفْصل بين حرف العطف وبين المجرور بشيء كالبيت، أو يفصل ب» لا «نحو:» ما مثل زيد ولا أخيه يقولان لك «أمَّا إذَا فُصِل بغيرها كهذه القراءةِ فهو شاذٌّ قليل» . فصل اعلم أنه تعالى علم في هذه الآية حكما آخر من أحكام الجهاد في حق النبي صلّى الله عليه وسلم. قال الزجاج: «أسْرَى» جمع، و «أسَارَى» جمع الجمع. والإثخان: قال الواحديُّ: «الإثخان» في كُلِّ شيء: عبارة عن قوَّته وشدَّته. يقال: قد أثخنه المرض: إذا اشتد قوة المرض عليه وكذلك أثخنته الجراح. فقوله: ﴿حتى يُثْخِنَ فِي الأرض﴾ أي: حتى يقوى ويشتد ويغلب ويقهر. قال أكثر المفسرين: المرادُ منه: أين يبالغ في قتل أعدائه، قالوا: وإنَّما جعلنا اللَّفظ يدل عليه؛ لأنَّ الملك والدولة إنما تقوى وتشتد بالقتل؛ قال الشَّاعرُ: 2740 - لا يَسْلَمُ الشَّرَفُ الرَّفيعُ من الأذَى ... حتَّى يُراقَ على جوانبِهِ الدَّمُ وكثرة القتل توجب قوة الرهب وشدة المهابة، وكلمة «حتّى» لانتهاء الغايةِ، فقوله ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى حتى يُثْخِنَ فِي الأرض﴾ يدُلُّ على أنَّ بعد حصول الإثخان في الأرض فله أن يقدم على الأسارى. وقوله: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدنيا﴾ المرادُ منه: الفداء، وإنّضما سمى منافع الدنيا عرضاً؛ لأنَّهُ لا ثبات له ولا دوام، فكأنه يعرض ثم يزول، ولذلك سمَّى المتكلمون الأعراض أعراضاً، لأنها لا ثبات لها كثبات الأجسام؛ لأنها تطرأ على الأجسام، وتزول عنها والأجسام باقية. وقوله: ﴿والله يُرِيدُ الآخرة﴾ أي: أنه تعالى لا يريدُ ما يفضي إلى السعادات الدنيوية التي تعرض وتزول، وإنَّما يريد ما يفضي إلى السعادات الأخروية الدائمة الباقية المصونة عن التبدل والزوال. ثم قال: ﴿والله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي: إن طلبتم الآخرة لم يغلبكم عدوكم؛ لأنَّ الله عزيز لا يقهر ولا يغلب، حكيم في تدبير مصالح العالم. قال ابنُ عبَّاسٍ: «هذا الحكم إنَّما كان يوم بدر؛ لأنَّ المسلمين كانوا قليلين، فلما كثروا وقوي سلطانهم أنزل اللَّهُ بعد ذلك في الأسارى: ﴿حتى إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ الوثاق فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً﴾ [محمد: 4] . قال ابنُ الخطيبِ:» هذا الكلامُ يوهم أنَّ قوله: ﴿فَإِمَّا مَنَّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً﴾ يزيدُ على حكم الآية التي نحن في تفسيرها، وليس الأمر كذلك؛ لأنَّ كلتا الآيتين متوافقتان، فإنهما يدلان على أنه لا بد من تقديم الإثخان، ثم بعده أخذ الفداء» . فصل احتج الجبائيُّ والقاضي بهذه الآية على فساد قول من يقول: كلُّ ما يكون من العبد فاللَّهُ يريدُه؛ لأنَّ هذا الأسر وقع منهم على هذا الوجه، ونصَّ اللَّهُ على أنَّهُ لا يرييده، بل يريد منهم ما يؤدي إلى ثواب الآخرة وهو الطاعة. وأجيبوا: بأنه تعالى ما أراد أن يكون هذا الأمر منهم طاعة وعملاً جائزاً مأذوناً فيه، فلا يلزم من نفي الإرادة كون هذا الأمر طاعة، نفي كونه مراد الوجود. فصل روي عن عبد الله بن مسعود قال: «لما كان يوم بدر وجيء بالأسرى، فقال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» ما تقُولُون في هؤلاءِ الأسْرَى «فقال أبو بكر: يا رسول الله قومك وأهلك اسْتَبْقِهِمْ، واستأن بهم لعلَّ الله أن يتوب عليهم، وخُذْ منهم فدية تكون لنا قوة على الكُفَّارِ. وقال عمرُ: يا رسول الله: كذبوك وأخرجوك، فَدَعْنَا نضرب أعناقهم، مكِّن عليّاً مِنْ عقيلٍ فيَضْرب عنقَهُ، ومكْنِي من فلانٍ:» نَسيباً لِعمَرَ» فأضْرِبَ عُنُقَهُ، فإن هؤلاء أئِمَّةُ الكفرِ. وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله انظر وادياً كثير الحطب؛ فأدخلهم فيه، ثم أضرم عليهم ناراً، فقال له العباس: قطعت رحمك. فسكت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فلم يجبهم، ثم دخل فقال ناس: يأخذ بقول أبي بكر، وقال ناس: يأخذ بقول عمر، وقال ناس: يأخذ بقول ابن رواحة، ثم خرج رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال «إنَّ اللَّهَ ليليِّن قلوب رجال حتَّى تكون ألين من اللبن، ويشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم، قال: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [إبراهيم: 36] ومثلك يا أبا بكر كمثل عيسى، قال: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم﴾ [المائدة: 118] ومثلك يا عمر، كمثل نوح، قال: ﴿رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً﴾ [نوح: 26] ومثلك كمثل موصى، قال: ﴿رَبَّنَا اطمس على أَمْوَالِهِمْ واشدد على قُلُوبِهِمْ﴾ [يونس: 88] الآية» ثم قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أنتم اليوم عالة فلا ينقلبن أحد منهم إلاَّ بفداء أو ضرب عنق» . قال عبد الله بن مسعود: إلا سهيل بن بيضاء، فإني سمعته يذكر الإسلام فسكت رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: فما رأيتني في يوم أخوف أن تقع عليَّ الحجارة من السماء من ذلك اليوم، حتَّى قال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: إلا سهيل بن بيضاء. قال ابن عباس: قال عمر بن الخطاب: فَهَوِيَ رسُولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ما قال أبو بكرٍ ولمْ يَهْوَ ما قلت، فلمَّا كان من العد جئت فإذا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأبو بكر قاعديْن يبكيانِ، قلتُ: يا رسُول الله، أخبِرْنِي مِنْ أيِّ شيءٍ تَبْكِي أنتَ وصاحبُكَ، فإنْ وجَدْتُ بكاءً بكَيْتُ، وإنْ لَمْ أجِدْ بكاءً تَباكَيْتُ لبكائِكُما. فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» أبكي للَّذي عَرَ عليَّ أصحابُكَ مِنْ أخذهم الفداءَ، لقد عُرِضَ عليَّ عذابُهُم أدْنَى مِنْ هذه الشجَّرةِ «شجرةٍ قريبةٍ مِنَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأنزل اللَّهُ عزَّ وجلَّ ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى حتى يُثْخِنَ فِي الأرض﴾ إلى قوله: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً﴾ وأحَلَّ الله الغنيمةَ لهُمْ. وكان الفداء لكل أسيرٍ أربعين أوقية، والأوقيةُ: أربعون ردهماً. قوله: ﴿لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ الله سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ . قال ابنُ عباسٍ: كانت الغنائمُ حراماً على الأنبياء؛ فكانُوا إذَا أصابوا مَغْنَماً جعلوه للقربان فكانت تتنزل نار من السماءِ فتأكله، فلمَّا كان يوم بدر أٍرع المؤمنون في الغنائم، وأخذ الفداء، وفأنزل اللَّهُ تعالى: ﴿لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ الله سَبَقَ﴾ . يعني: لولا قضاء من الله سبق في اللوح المحفوظ بأنَّهُ تحلُّ لكم الغنائم لمَسَّكُم العذاب. وهذا مشكل؛ لأنَّ تحليل الغنائم والفداء، هل كان حاصلاً في ذلك الوقت، أو ما كان حاصلاً فيه؟ فإن كان ذلك التَّحليل والإذن حاصلاً في ذلك الوقت امتنع إنزال العذاب عليهم؛ لأنَّ ما كان مأذوناً فيه من قبل الشرع لم يحصل العقابُ على فعله. وإن قلنا: إنَّ الإذن ما كان حاصلاً في ذلك الوقت كان ذلك الفعل حراماً في ذلك الوقت، أقصى ما في الباب أنَّهُ سيحكم بحله بعد ذلك، إلاَّ أنَّ هذا لا يقدح في كونه حراماً في ذلك الوقت. فإن قالوا: إنَّ كونه بحيثُ يصير بعد ذلك حلالاً، يوجبُ تخفيف العقابِ. قلنا: فإذا كان الأمر كذلك امتنع إنزال العقاب بسببه، وذلك يمنع من التخويف بسبب ذلك العقاب. قال ابنُ العربيِّ:» في هذه الآية دليلٌ على أنَّ العبد إذا اقتحم ما يعتقده حراماً ممَّا هو في علم اللَّه حلال له لا عقوبة عليه، كالصَّائم إذا قال: هذا يوم نَوْبي فأفطر الآن، وتقولُ المرأة: هذا يوم حيضتي فأفطر، ففعلا ذلك، وكان النوب والحيضُ الموجبان للفطر، فمشهور المذهب أن فيه الكفارة، وهو قول الشافعيِّ. وقال أبُو حنيفة: لا كفارة عليه. وجه الأوَّل أنَّ طريق الإباحة لا يثبت عذراً غير عقوبة التَّحْريمِ عند الهتكِ، كما لَوْ وَطىء امرأة ثمَّ نكحها. ووجه قول أبي حنيفةَ: أنَّ حرمة اليوم ساقطة عند الله - عزَّ وجلَّ -، فصادق الهَتْكَ محلاًّ لا حرمةَ له في عِلْمِ اللَّه تعالى، كما لو قصد وطء امرأة زُفَّت إليه، وهو يعتقدُ أنَّها ليست بزوجةٍ له فإذا هي زوجته» . قال القرطبيُّ: «وهذا أصحُّ» . وقال ابن جريح: «لولا كتابٌ من اللَّهِ سبقَ» أنَّهُ لا يضلُّ قوماً بعد إذْ هداهم حتَّى يبين لهم ما يتقون، وأنَّهُ لا يأخذ قوماً فعلوا شيئاً بجهالة، وأنَّهُ لا يعذب إلا بعد النهي، لعذبكم فيما صنعتم، وأنَّهُ تعالى ما نهاهم عن أخْذِ الفداءِ. وهذا أيضاً ضعيفٌ؛ لانَّا نقول حاصل هذا القول أنه ما وجد دليل شعري يوجب حرمة ذلك افداء. فهل حصل دليل عقليّ يقتضي حرمته أم لا؟ فإن قلنا: حصل، فيكون اللَّهُ تعالى قد بيَّن تحريمه بواسطة ذلك الدَّليل العقلي، فلا يمكن أن يقال: إنَّهُ تعالى لم يُبيَِّن تلك الحرمة، وإن قلنا: إنه ليس في العقل ولا في الشَّرع ما يقتضي المنع؛ فحينئذ امتنع أن يكون المنع حاصلاً وإذا كان الإذن حاصلاً فكيف يمكن ترتيب العقاب على فعله؟ وقال الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير: ﴿لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ الله سَبَقَ﴾ أنَّهُ لا يعذِّب أحداً شهد بدراً مع النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وهذا أيضاً مشكلٌ؛ لأنَّهُ يقتضي أن يقال: إنهم ما منعُوا عن الكُفْرِ والمعاصي والزِّنا والخمر، وما هددوا بترتيب العذابِ على هذه القبائح، وذلك يوجبُ سقوط التَّكاليف عنهم، ولا يقوله عاقل، وأيضاً فلو كان كذلك، فكيف أخذهم اللَّهُ في ذلك الموضع بِعَيْنه في تلك الواقعةِ بعينها؟ قال ابنُ الخطيب: «واعلمْ أنَّ النَّاس أكثروا فيه، والمعتمد في هذا الباب أن نقول: أمَّا على قول أهل السنة: فيجوز أن يعفُو اللَّهُ عن الكبائر. فقوله ﴿لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ الله سَبَقَ﴾ لولا أنه تعالى حكم في الأزل بالعفو عن هذه الواقعة لمَسَّهُم عذاب عظيم، وهذا هو المراد من قوله ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة﴾ [الأنعام: 54] وقوله» سبقت رحمتي غضبي» . وأمَّا على قول المعتزلة: فهم لا يجوزون العفو عن الكبائر، فكان معناه ﴿لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ الله سَبَقَ﴾ في أنَّ من احترزَ عن الكبائر صارت صغائره مغفورة، وإلاَّ لمسَّهُم عذابٌ عظيمٌ، وهذا الحكمُ وإن كان ثابتاً في حقِّ جميع المسلمين، إلاَّ أنَّ طاعات أهل بدر كانت عظيمة، وهو قبولهم الإسلام، وانقيادهم لمحمَّدٍ، وإقدامهم على مقاتلة الكفار من غير سلاح وأهبة فلا يبعد أن يقال: إنَّ الثَّواب الذي استحقُّوهُ على هذه الطاعات كان أزيدَ

الأنفال 8:68

قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى﴾ الآية. قرأ أبو عمرو «تكون» بالتأنيث، مراعاةً لمعنى الجماعة، والباقون بالتَّذكير، مراعاةً للفظ الجمع، والجمهورُ هنا على «أسْرَى» وهو قياس «فعيل» بمعنى «مفعول» دالاَّ على أنه ك: جَريح وجَرْحَى. وقرأ ابنُ القعقاع والمفضَّل عن عاصم «أسَارَى» شبَّهُوا «أسير» ب: «كَسْلان» فجمعوهُ على «فُعَالَى» كَ: «كُسَالَى» ، كما شَبَّهُوا به «كسلان» فجمعوه على «كَسْلَى» ، وقد تقدَّم القولُ فيهما في البقرة. قال الزمخشري: «وقرىء» ما كان للنَّبي «على التعريف» فإن قيل: كيف حسن إدخال لفظه «كان» على لفظة «يكون» في هذه الآية؟ فالجوابُ: قوله «مَا كَان» معناه النفي والتنزيه، أي: ما يجب وما ينبغي أن يكون المعنى المذكور، كقوله: ﴿مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ﴾ [مريم: 35] . قال أبو عبيدة «يقول: لم يكن لنبي ذلك، فلا يكن لك، ومن قرأ ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ﴾ فمعناه: أنَّ هذا الحكم ما كان ينبغي حصوله لهذا النبي، وهو محمد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ» . قوله: «حتَّى يُثخِنَ» قرأ العامَّةُ «يُثْخنَ» مخففاً، عدوهُ بالهمزة. وقرأ أبُو جعفر ويحيى بن وثاب ويحيى بن يعمر «يُثَخِّنَ» بالتشديد، عدوهُ بالتضعيف، وهو مشتقٌّ من الثَّخانة، وهي الغِلَظ والكثافة في الأجسام، ثمَّ يُسْتَعار ذلك في كثرة لاقتل، والجراحات، فيقال: أثْخَنَتْه الجراح، أي: أثقلته حتى أثْبَتَتْه، ومنه «حتَّى إذا أثخنتموهم» . وقيل: حتى يقهر، والإثخان: القهرُ. وأنشد المفضلُ: [الطويل] 2738 - تُصَلِّي الضُّحَى ما دَهْرُهَا بتَعَبُّدٍ ... وقَدْ أثْخَنَتْ فرعَونَ في كُفُرِهِ كُفْرَا كذا أنشده الهروي شاهداً على القهر، وليس فيه معنى، إذا المعنى على الزِّيادة والمبالغةِ المناسبةِ لأصل معناه، وهي الثَّخانة. ويقال منه: ثَخُنَ يَثْخُنُ ثَخَانَة فهو ثَخِين، ك: ظَرُفَ يَظْرُف ظَرَافَةً، فهو ظريفٌ. قوله ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدنيا والله يُرِيدُ الآخرة﴾ . الجمهورعلى نصب «الآخرة» . وقرأ سليمانُ بن جماز المدني بجرِّها، وخُرِّجتْ على حفِّ المضاف وإبقاء المضاف إليه على جرِّه. وقدَّره بعضهم عرض الآخرة، فعيب عليه؛ إذْ لا يحسن أن يقال: والله يريد عرض الآخرة فأصلحه الزمخشريُّ بأنْ جعلهُ كذلك؛ لأجل المقابلة، قال: «يعني ثوابها» وقدَّره بعضهم ب «أعمال» ، أو «ثواب» ، وجعله أبُو البقاءِ كقول الآخر: [المتقارب] 2739 - ... ... ... ... ... ... ... ... ونَارٍ توقَّدُ باللَّيْلِ نَارَا وقدَّر المضاف: «عَرَضَ الآخِرَةِ» . قال أبُو حيان: «ليست الأيةُ مثل البيت، فإنهُ يجوزُ ذلك، إذَا لمْ يُفْصل بين حرف العطف وبين المجرور بشيء كالبيت، أو يفصل ب» لا «نحو:» ما مثل زيد ولا أخيه يقولان لك «أمَّا إذَا فُصِل بغيرها كهذه القراءةِ فهو شاذٌّ قليل» . فصل اعلم أنه تعالى علم في هذه الآية حكما آخر من أحكام الجهاد في حق النبي صلّى الله عليه وسلم. قال الزجاج: «أسْرَى» جمع، و «أسَارَى» جمع الجمع. والإثخان: قال الواحديُّ: «الإثخان» في كُلِّ شيء: عبارة عن قوَّته وشدَّته. يقال: قد أثخنه المرض: إذا اشتد قوة المرض عليه وكذلك أثخنته الجراح. فقوله: ﴿حتى يُثْخِنَ فِي الأرض﴾ أي: حتى يقوى ويشتد ويغلب ويقهر. قال أكثر المفسرين: المرادُ منه: أين يبالغ في قتل أعدائه، قالوا: وإنَّما جعلنا اللَّفظ يدل عليه؛ لأنَّ الملك والدولة إنما تقوى وتشتد بالقتل؛ قال الشَّاعرُ: 2740 - لا يَسْلَمُ الشَّرَفُ الرَّفيعُ من الأذَى ... حتَّى يُراقَ على جوانبِهِ الدَّمُ وكثرة القتل توجب قوة الرهب وشدة المهابة، وكلمة «حتّى» لانتهاء الغايةِ، فقوله ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى حتى يُثْخِنَ فِي الأرض﴾ يدُلُّ على أنَّ بعد حصول الإثخان في الأرض فله أن يقدم على الأسارى. وقوله: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدنيا﴾ المرادُ منه: الفداء، وإنّضما سمى منافع الدنيا عرضاً؛ لأنَّهُ لا ثبات له ولا دوام، فكأنه يعرض ثم يزول، ولذلك سمَّى المتكلمون الأعراض أعراضاً، لأنها لا ثبات لها كثبات الأجسام؛ لأنها تطرأ على الأجسام، وتزول عنها والأجسام باقية. وقوله: ﴿والله يُرِيدُ الآخرة﴾ أي: أنه تعالى لا يريدُ ما يفضي إلى السعادات الدنيوية التي تعرض وتزول، وإنَّما يريد ما يفضي إلى السعادات الأخروية الدائمة الباقية المصونة عن التبدل والزوال. ثم قال: ﴿والله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي: إن طلبتم الآخرة لم يغلبكم عدوكم؛ لأنَّ الله عزيز لا يقهر ولا يغلب، حكيم في تدبير مصالح العالم. قال ابنُ عبَّاسٍ: «هذا الحكم إنَّما كان يوم بدر؛ لأنَّ المسلمين كانوا قليلين، فلما كثروا وقوي سلطانهم أنزل اللَّهُ بعد ذلك في الأسارى: ﴿حتى إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ الوثاق فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً﴾ [محمد: 4] . قال ابنُ الخطيبِ:» هذا الكلامُ يوهم أنَّ قوله: ﴿فَإِمَّا مَنَّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً﴾ يزيدُ على حكم الآية التي نحن في تفسيرها، وليس الأمر كذلك؛ لأنَّ كلتا الآيتين متوافقتان، فإنهما يدلان على أنه لا بد من تقديم الإثخان، ثم بعده أخذ الفداء» . فصل احتج الجبائيُّ والقاضي بهذه الآية على فساد قول من يقول: كلُّ ما يكون من العبد فاللَّهُ يريدُه؛ لأنَّ هذا الأسر وقع منهم على هذا الوجه، ونصَّ اللَّهُ على أنَّهُ لا يرييده، بل يريد منهم ما يؤدي إلى ثواب الآخرة وهو الطاعة. وأجيبوا: بأنه تعالى ما أراد أن يكون هذا الأمر منهم طاعة وعملاً جائزاً مأذوناً فيه، فلا يلزم من نفي الإرادة كون هذا الأمر طاعة، نفي كونه مراد الوجود. فصل روي عن عبد الله بن مسعود قال: «لما كان يوم بدر وجيء بالأسرى، فقال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» ما تقُولُون في هؤلاءِ الأسْرَى «فقال أبو بكر: يا رسول الله قومك وأهلك اسْتَبْقِهِمْ، واستأن بهم لعلَّ الله أن يتوب عليهم، وخُذْ منهم فدية تكون لنا قوة على الكُفَّارِ. وقال عمرُ: يا رسول الله: كذبوك وأخرجوك، فَدَعْنَا نضرب أعناقهم، مكِّن عليّاً مِنْ عقيلٍ فيَضْرب عنقَهُ، ومكْنِي من فلانٍ:» نَسيباً لِعمَرَ» فأضْرِبَ عُنُقَهُ، فإن هؤلاء أئِمَّةُ الكفرِ. وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله انظر وادياً كثير الحطب؛ فأدخلهم فيه، ثم أضرم عليهم ناراً، فقال له العباس: قطعت رحمك. فسكت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فلم يجبهم، ثم دخل فقال ناس: يأخذ بقول أبي بكر، وقال ناس: يأخذ بقول عمر، وقال ناس: يأخذ بقول ابن رواحة، ثم خرج رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال «إنَّ اللَّهَ ليليِّن قلوب رجال حتَّى تكون ألين من اللبن، ويشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم، قال: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [إبراهيم: 36] ومثلك يا أبا بكر كمثل عيسى، قال: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم﴾ [المائدة: 118] ومثلك يا عمر، كمثل نوح، قال: ﴿رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً﴾ [نوح: 26] ومثلك كمثل موصى، قال: ﴿رَبَّنَا اطمس على أَمْوَالِهِمْ واشدد على قُلُوبِهِمْ﴾ [يونس: 88] الآية» ثم قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أنتم اليوم عالة فلا ينقلبن أحد منهم إلاَّ بفداء أو ضرب عنق» . قال عبد الله بن مسعود: إلا سهيل بن بيضاء، فإني سمعته يذكر الإسلام فسكت رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: فما رأيتني في يوم أخوف أن تقع عليَّ الحجارة من السماء من ذلك اليوم، حتَّى قال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: إلا سهيل بن بيضاء. قال ابن عباس: قال عمر بن الخطاب: فَهَوِيَ رسُولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ما قال أبو بكرٍ ولمْ يَهْوَ ما قلت، فلمَّا كان من العد جئت فإذا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأبو بكر قاعديْن يبكيانِ، قلتُ: يا رسُول الله، أخبِرْنِي مِنْ أيِّ شيءٍ تَبْكِي أنتَ وصاحبُكَ، فإنْ وجَدْتُ بكاءً بكَيْتُ، وإنْ لَمْ أجِدْ بكاءً تَباكَيْتُ لبكائِكُما. فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» أبكي للَّذي عَرَ عليَّ أصحابُكَ مِنْ أخذهم الفداءَ، لقد عُرِضَ عليَّ عذابُهُم أدْنَى مِنْ هذه الشجَّرةِ «شجرةٍ قريبةٍ مِنَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأنزل اللَّهُ عزَّ وجلَّ ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى حتى يُثْخِنَ فِي الأرض﴾ إلى قوله: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً﴾ وأحَلَّ الله الغنيمةَ لهُمْ. وكان الفداء لكل أسيرٍ أربعين أوقية، والأوقيةُ: أربعون ردهماً. قوله: ﴿لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ الله سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ . قال ابنُ عباسٍ: كانت الغنائمُ حراماً على الأنبياء؛ فكانُوا إذَا أصابوا مَغْنَماً جعلوه للقربان فكانت تتنزل نار من السماءِ فتأكله، فلمَّا كان يوم بدر أٍرع المؤمنون في الغنائم، وأخذ الفداء، وفأنزل اللَّهُ تعالى: ﴿لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ الله سَبَقَ﴾ . يعني: لولا قضاء من الله سبق في اللوح المحفوظ بأنَّهُ تحلُّ لكم الغنائم لمَسَّكُم العذاب. وهذا مشكل؛ لأنَّ تحليل الغنائم والفداء، هل كان حاصلاً في ذلك الوقت، أو ما كان حاصلاً فيه؟ فإن كان ذلك التَّحليل والإذن حاصلاً في ذلك الوقت امتنع إنزال العذاب عليهم؛ لأنَّ ما كان مأذوناً فيه من قبل الشرع لم يحصل العقابُ على فعله. وإن قلنا: إنَّ الإذن ما كان حاصلاً في ذلك الوقت كان ذلك الفعل حراماً في ذلك الوقت، أقصى ما في الباب أنَّهُ سيحكم بحله بعد ذلك، إلاَّ أنَّ هذا لا يقدح في كونه حراماً في ذلك الوقت. فإن قالوا: إنَّ كونه بحيثُ يصير بعد ذلك حلالاً، يوجبُ تخفيف العقابِ. قلنا: فإذا كان الأمر كذلك امتنع إنزال العقاب بسببه، وذلك يمنع من التخويف بسبب ذلك العقاب. قال ابنُ العربيِّ:» في هذه الآية دليلٌ على أنَّ العبد إذا اقتحم ما يعتقده حراماً ممَّا هو في علم اللَّه حلال له لا عقوبة عليه، كالصَّائم إذا قال: هذا يوم نَوْبي فأفطر الآن، وتقولُ المرأة: هذا يوم حيضتي فأفطر، ففعلا ذلك، وكان النوب والحيضُ الموجبان للفطر، فمشهور المذهب أن فيه الكفارة، وهو قول الشافعيِّ. وقال أبُو حنيفة: لا كفارة عليه. وجه الأوَّل أنَّ طريق الإباحة لا يثبت عذراً غير عقوبة التَّحْريمِ عند الهتكِ، كما لَوْ وَطىء امرأة ثمَّ نكحها. ووجه قول أبي حنيفةَ: أنَّ حرمة اليوم ساقطة عند الله - عزَّ وجلَّ -، فصادق الهَتْكَ محلاًّ لا حرمةَ له في عِلْمِ اللَّه تعالى، كما لو قصد وطء امرأة زُفَّت إليه، وهو يعتقدُ أنَّها ليست بزوجةٍ له فإذا هي زوجته» . قال القرطبيُّ: «وهذا أصحُّ» . وقال ابن جريح: «لولا كتابٌ من اللَّهِ سبقَ» أنَّهُ لا يضلُّ قوماً بعد إذْ هداهم حتَّى يبين لهم ما يتقون، وأنَّهُ لا يأخذ قوماً فعلوا شيئاً بجهالة، وأنَّهُ لا يعذب إلا بعد النهي، لعذبكم فيما صنعتم، وأنَّهُ تعالى ما نهاهم عن أخْذِ الفداءِ. وهذا أيضاً ضعيفٌ؛ لانَّا نقول حاصل هذا القول أنه ما وجد دليل شعري يوجب حرمة ذلك افداء. فهل حصل دليل عقليّ يقتضي حرمته أم لا؟ فإن قلنا: حصل، فيكون اللَّهُ تعالى قد بيَّن تحريمه بواسطة ذلك الدَّليل العقلي، فلا يمكن أن يقال: إنَّهُ تعالى لم يُبيَِّن تلك الحرمة، وإن قلنا: إنه ليس في العقل ولا في الشَّرع ما يقتضي المنع؛ فحينئذ امتنع أن يكون المنع حاصلاً وإذا كان الإذن حاصلاً فكيف يمكن ترتيب العقاب على فعله؟ وقال الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير: ﴿لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ الله سَبَقَ﴾ أنَّهُ لا يعذِّب أحداً شهد بدراً مع النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وهذا أيضاً مشكلٌ؛ لأنَّهُ يقتضي أن يقال: إنهم ما منعُوا عن الكُفْرِ والمعاصي والزِّنا والخمر، وما هددوا بترتيب العذابِ على هذه القبائح، وذلك يوجبُ سقوط التَّكاليف عنهم، ولا يقوله عاقل، وأيضاً فلو كان كذلك، فكيف أخذهم اللَّهُ في ذلك الموضع بِعَيْنه في تلك الواقعةِ بعينها؟ قال ابنُ الخطيب: «واعلمْ أنَّ النَّاس أكثروا فيه، والمعتمد في هذا الباب أن نقول: أمَّا على قول أهل السنة: فيجوز أن يعفُو اللَّهُ عن الكبائر. فقوله ﴿لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ الله سَبَقَ﴾ لولا أنه تعالى حكم في الأزل بالعفو عن هذه الواقعة لمَسَّهُم عذاب عظيم، وهذا هو المراد من قوله ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة﴾ [الأنعام: 54] وقوله» سبقت رحمتي غضبي» . وأمَّا على قول المعتزلة: فهم لا يجوزون العفو عن الكبائر، فكان معناه ﴿لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ الله سَبَقَ﴾ في أنَّ من احترزَ عن الكبائر صارت صغائره مغفورة، وإلاَّ لمسَّهُم عذابٌ عظيمٌ، وهذا الحكمُ وإن كان ثابتاً في حقِّ جميع المسلمين، إلاَّ أنَّ طاعات أهل بدر كانت عظيمة، وهو قبولهم الإسلام، وانقيادهم لمحمَّدٍ، وإقدامهم على مقاتلة الكفار من غير سلاح وأهبة فلا يبعد أن يقال: إنَّ الثَّواب الذي استحقُّوهُ على هذه الطاعات كان أزيدَ

الأنفال 8:69

قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى﴾ الآية. قرأ أبو عمرو «تكون» بالتأنيث، مراعاةً لمعنى الجماعة، والباقون بالتَّذكير، مراعاةً للفظ الجمع، والجمهورُ هنا على «أسْرَى» وهو قياس «فعيل» بمعنى «مفعول» دالاَّ على أنه ك: جَريح وجَرْحَى. وقرأ ابنُ القعقاع والمفضَّل عن عاصم «أسَارَى» شبَّهُوا «أسير» ب: «كَسْلان» فجمعوهُ على «فُعَالَى» كَ: «كُسَالَى» ، كما شَبَّهُوا به «كسلان» فجمعوه على «كَسْلَى» ، وقد تقدَّم القولُ فيهما في البقرة. قال الزمخشري: «وقرىء» ما كان للنَّبي «على التعريف» فإن قيل: كيف حسن إدخال لفظه «كان» على لفظة «يكون» في هذه الآية؟ فالجوابُ: قوله «مَا كَان» معناه النفي والتنزيه، أي: ما يجب وما ينبغي أن يكون المعنى المذكور، كقوله: ﴿مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ﴾ [مريم: 35] . قال أبو عبيدة «يقول: لم يكن لنبي ذلك، فلا يكن لك، ومن قرأ ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ﴾ فمعناه: أنَّ هذا الحكم ما كان ينبغي حصوله لهذا النبي، وهو محمد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ» . قوله: «حتَّى يُثخِنَ» قرأ العامَّةُ «يُثْخنَ» مخففاً، عدوهُ بالهمزة. وقرأ أبُو جعفر ويحيى بن وثاب ويحيى بن يعمر «يُثَخِّنَ» بالتشديد، عدوهُ بالتضعيف، وهو مشتقٌّ من الثَّخانة، وهي الغِلَظ والكثافة في الأجسام، ثمَّ يُسْتَعار ذلك في كثرة لاقتل، والجراحات، فيقال: أثْخَنَتْه الجراح، أي: أثقلته حتى أثْبَتَتْه، ومنه «حتَّى إذا أثخنتموهم» . وقيل: حتى يقهر، والإثخان: القهرُ. وأنشد المفضلُ: [الطويل] 2738 - تُصَلِّي الضُّحَى ما دَهْرُهَا بتَعَبُّدٍ ... وقَدْ أثْخَنَتْ فرعَونَ في كُفُرِهِ كُفْرَا كذا أنشده الهروي شاهداً على القهر، وليس فيه معنى، إذا المعنى على الزِّيادة والمبالغةِ المناسبةِ لأصل معناه، وهي الثَّخانة. ويقال منه: ثَخُنَ يَثْخُنُ ثَخَانَة فهو ثَخِين، ك: ظَرُفَ يَظْرُف ظَرَافَةً، فهو ظريفٌ. قوله ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدنيا والله يُرِيدُ الآخرة﴾ . الجمهورعلى نصب «الآخرة» . وقرأ سليمانُ بن جماز المدني بجرِّها، وخُرِّجتْ على حفِّ المضاف وإبقاء المضاف إليه على جرِّه. وقدَّره بعضهم عرض الآخرة، فعيب عليه؛ إذْ لا يحسن أن يقال: والله يريد عرض الآخرة فأصلحه الزمخشريُّ بأنْ جعلهُ كذلك؛ لأجل المقابلة، قال: «يعني ثوابها» وقدَّره بعضهم ب «أعمال» ، أو «ثواب» ، وجعله أبُو البقاءِ كقول الآخر: [المتقارب] 2739 - ... ... ... ... ... ... ... ... ونَارٍ توقَّدُ باللَّيْلِ نَارَا وقدَّر المضاف: «عَرَضَ الآخِرَةِ» . قال أبُو حيان: «ليست الأيةُ مثل البيت، فإنهُ يجوزُ ذلك، إذَا لمْ يُفْصل بين حرف العطف وبين المجرور بشيء كالبيت، أو يفصل ب» لا «نحو:» ما مثل زيد ولا أخيه يقولان لك «أمَّا إذَا فُصِل بغيرها كهذه القراءةِ فهو شاذٌّ قليل» . فصل اعلم أنه تعالى علم في هذه الآية حكما آخر من أحكام الجهاد في حق النبي صلّى الله عليه وسلم. قال الزجاج: «أسْرَى» جمع، و «أسَارَى» جمع الجمع. والإثخان: قال الواحديُّ: «الإثخان» في كُلِّ شيء: عبارة عن قوَّته وشدَّته. يقال: قد أثخنه المرض: إذا اشتد قوة المرض عليه وكذلك أثخنته الجراح. فقوله: ﴿حتى يُثْخِنَ فِي الأرض﴾ أي: حتى يقوى ويشتد ويغلب ويقهر. قال أكثر المفسرين: المرادُ منه: أين يبالغ في قتل أعدائه، قالوا: وإنَّما جعلنا اللَّفظ يدل عليه؛ لأنَّ الملك والدولة إنما تقوى وتشتد بالقتل؛ قال الشَّاعرُ: 2740 - لا يَسْلَمُ الشَّرَفُ الرَّفيعُ من الأذَى ... حتَّى يُراقَ على جوانبِهِ الدَّمُ وكثرة القتل توجب قوة الرهب وشدة المهابة، وكلمة «حتّى» لانتهاء الغايةِ، فقوله ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى حتى يُثْخِنَ فِي الأرض﴾ يدُلُّ على أنَّ بعد حصول الإثخان في الأرض فله أن يقدم على الأسارى. وقوله: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدنيا﴾ المرادُ منه: الفداء، وإنّضما سمى منافع الدنيا عرضاً؛ لأنَّهُ لا ثبات له ولا دوام، فكأنه يعرض ثم يزول، ولذلك سمَّى المتكلمون الأعراض أعراضاً، لأنها لا ثبات لها كثبات الأجسام؛ لأنها تطرأ على الأجسام، وتزول عنها والأجسام باقية. وقوله: ﴿والله يُرِيدُ الآخرة﴾ أي: أنه تعالى لا يريدُ ما يفضي إلى السعادات الدنيوية التي تعرض وتزول، وإنَّما يريد ما يفضي إلى السعادات الأخروية الدائمة الباقية المصونة عن التبدل والزوال. ثم قال: ﴿والله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي: إن طلبتم الآخرة لم يغلبكم عدوكم؛ لأنَّ الله عزيز لا يقهر ولا يغلب، حكيم في تدبير مصالح العالم. قال ابنُ عبَّاسٍ: «هذا الحكم إنَّما كان يوم بدر؛ لأنَّ المسلمين كانوا قليلين، فلما كثروا وقوي سلطانهم أنزل اللَّهُ بعد ذلك في الأسارى: ﴿حتى إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ الوثاق فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً﴾ [محمد: 4] . قال ابنُ الخطيبِ:» هذا الكلامُ يوهم أنَّ قوله: ﴿فَإِمَّا مَنَّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً﴾ يزيدُ على حكم الآية التي نحن في تفسيرها، وليس الأمر كذلك؛ لأنَّ كلتا الآيتين متوافقتان، فإنهما يدلان على أنه لا بد من تقديم الإثخان، ثم بعده أخذ الفداء» . فصل احتج الجبائيُّ والقاضي بهذه الآية على فساد قول من يقول: كلُّ ما يكون من العبد فاللَّهُ يريدُه؛ لأنَّ هذا الأسر وقع منهم على هذا الوجه، ونصَّ اللَّهُ على أنَّهُ لا يرييده، بل يريد منهم ما يؤدي إلى ثواب الآخرة وهو الطاعة. وأجيبوا: بأنه تعالى ما أراد أن يكون هذا الأمر منهم طاعة وعملاً جائزاً مأذوناً فيه، فلا يلزم من نفي الإرادة كون هذا الأمر طاعة، نفي كونه مراد الوجود. فصل روي عن عبد الله بن مسعود قال: «لما كان يوم بدر وجيء بالأسرى، فقال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» ما تقُولُون في هؤلاءِ الأسْرَى «فقال أبو بكر: يا رسول الله قومك وأهلك اسْتَبْقِهِمْ، واستأن بهم لعلَّ الله أن يتوب عليهم، وخُذْ منهم فدية تكون لنا قوة على الكُفَّارِ. وقال عمرُ: يا رسول الله: كذبوك وأخرجوك، فَدَعْنَا نضرب أعناقهم، مكِّن عليّاً مِنْ عقيلٍ فيَضْرب عنقَهُ، ومكْنِي من فلانٍ:» نَسيباً لِعمَرَ» فأضْرِبَ عُنُقَهُ، فإن هؤلاء أئِمَّةُ الكفرِ. وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله انظر وادياً كثير الحطب؛ فأدخلهم فيه، ثم أضرم عليهم ناراً، فقال له العباس: قطعت رحمك. فسكت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فلم يجبهم، ثم دخل فقال ناس: يأخذ بقول أبي بكر، وقال ناس: يأخذ بقول عمر، وقال ناس: يأخذ بقول ابن رواحة، ثم خرج رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال «إنَّ اللَّهَ ليليِّن قلوب رجال حتَّى تكون ألين من اللبن، ويشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم، قال: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [إبراهيم: 36] ومثلك يا أبا بكر كمثل عيسى، قال: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم﴾ [المائدة: 118] ومثلك يا عمر، كمثل نوح، قال: ﴿رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً﴾ [نوح: 26] ومثلك كمثل موصى، قال: ﴿رَبَّنَا اطمس على أَمْوَالِهِمْ واشدد على قُلُوبِهِمْ﴾ [يونس: 88] الآية» ثم قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أنتم اليوم عالة فلا ينقلبن أحد منهم إلاَّ بفداء أو ضرب عنق» . قال عبد الله بن مسعود: إلا سهيل بن بيضاء، فإني سمعته يذكر الإسلام فسكت رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: فما رأيتني في يوم أخوف أن تقع عليَّ الحجارة من السماء من ذلك اليوم، حتَّى قال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: إلا سهيل بن بيضاء. قال ابن عباس: قال عمر بن الخطاب: فَهَوِيَ رسُولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ما قال أبو بكرٍ ولمْ يَهْوَ ما قلت، فلمَّا كان من العد جئت فإذا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأبو بكر قاعديْن يبكيانِ، قلتُ: يا رسُول الله، أخبِرْنِي مِنْ أيِّ شيءٍ تَبْكِي أنتَ وصاحبُكَ، فإنْ وجَدْتُ بكاءً بكَيْتُ، وإنْ لَمْ أجِدْ بكاءً تَباكَيْتُ لبكائِكُما. فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» أبكي للَّذي عَرَ عليَّ أصحابُكَ مِنْ أخذهم الفداءَ، لقد عُرِضَ عليَّ عذابُهُم أدْنَى مِنْ هذه الشجَّرةِ «شجرةٍ قريبةٍ مِنَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأنزل اللَّهُ عزَّ وجلَّ ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى حتى يُثْخِنَ فِي الأرض﴾ إلى قوله: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً﴾ وأحَلَّ الله الغنيمةَ لهُمْ. وكان الفداء لكل أسيرٍ أربعين أوقية، والأوقيةُ: أربعون ردهماً. قوله: ﴿لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ الله سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ . قال ابنُ عباسٍ: كانت الغنائمُ حراماً على الأنبياء؛ فكانُوا إذَا أصابوا مَغْنَماً جعلوه للقربان فكانت تتنزل نار من السماءِ فتأكله، فلمَّا كان يوم بدر أٍرع المؤمنون في الغنائم، وأخذ الفداء، وفأنزل اللَّهُ تعالى: ﴿لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ الله سَبَقَ﴾ . يعني: لولا قضاء من الله سبق في اللوح المحفوظ بأنَّهُ تحلُّ لكم الغنائم لمَسَّكُم العذاب. وهذا مشكل؛ لأنَّ تحليل الغنائم والفداء، هل كان حاصلاً في ذلك الوقت، أو ما كان حاصلاً فيه؟ فإن كان ذلك التَّحليل والإذن حاصلاً في ذلك الوقت امتنع إنزال العذاب عليهم؛ لأنَّ ما كان مأذوناً فيه من قبل الشرع لم يحصل العقابُ على فعله. وإن قلنا: إنَّ الإذن ما كان حاصلاً في ذلك الوقت كان ذلك الفعل حراماً في ذلك الوقت، أقصى ما في الباب أنَّهُ سيحكم بحله بعد ذلك، إلاَّ أنَّ هذا لا يقدح في كونه حراماً في ذلك الوقت. فإن قالوا: إنَّ كونه بحيثُ يصير بعد ذلك حلالاً، يوجبُ تخفيف العقابِ. قلنا: فإذا كان الأمر كذلك امتنع إنزال العقاب بسببه، وذلك يمنع من التخويف بسبب ذلك العقاب. قال ابنُ العربيِّ:» في هذه الآية دليلٌ على أنَّ العبد إذا اقتحم ما يعتقده حراماً ممَّا هو في علم اللَّه حلال له لا عقوبة عليه، كالصَّائم إذا قال: هذا يوم نَوْبي فأفطر الآن، وتقولُ المرأة: هذا يوم حيضتي فأفطر، ففعلا ذلك، وكان النوب والحيضُ الموجبان للفطر، فمشهور المذهب أن فيه الكفارة، وهو قول الشافعيِّ. وقال أبُو حنيفة: لا كفارة عليه. وجه الأوَّل أنَّ طريق الإباحة لا يثبت عذراً غير عقوبة التَّحْريمِ عند الهتكِ، كما لَوْ وَطىء امرأة ثمَّ نكحها. ووجه قول أبي حنيفةَ: أنَّ حرمة اليوم ساقطة عند الله - عزَّ وجلَّ -، فصادق الهَتْكَ محلاًّ لا حرمةَ له في عِلْمِ اللَّه تعالى، كما لو قصد وطء امرأة زُفَّت إليه، وهو يعتقدُ أنَّها ليست بزوجةٍ له فإذا هي زوجته» . قال القرطبيُّ: «وهذا أصحُّ» . وقال ابن جريح: «لولا كتابٌ من اللَّهِ سبقَ» أنَّهُ لا يضلُّ قوماً بعد إذْ هداهم حتَّى يبين لهم ما يتقون، وأنَّهُ لا يأخذ قوماً فعلوا شيئاً بجهالة، وأنَّهُ لا يعذب إلا بعد النهي، لعذبكم فيما صنعتم، وأنَّهُ تعالى ما نهاهم عن أخْذِ الفداءِ. وهذا أيضاً ضعيفٌ؛ لانَّا نقول حاصل هذا القول أنه ما وجد دليل شعري يوجب حرمة ذلك افداء. فهل حصل دليل عقليّ يقتضي حرمته أم لا؟ فإن قلنا: حصل، فيكون اللَّهُ تعالى قد بيَّن تحريمه بواسطة ذلك الدَّليل العقلي، فلا يمكن أن يقال: إنَّهُ تعالى لم يُبيَِّن تلك الحرمة، وإن قلنا: إنه ليس في العقل ولا في الشَّرع ما يقتضي المنع؛ فحينئذ امتنع أن يكون المنع حاصلاً وإذا كان الإذن حاصلاً فكيف يمكن ترتيب العقاب على فعله؟ وقال الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير: ﴿لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ الله سَبَقَ﴾ أنَّهُ لا يعذِّب أحداً شهد بدراً مع النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وهذا أيضاً مشكلٌ؛ لأنَّهُ يقتضي أن يقال: إنهم ما منعُوا عن الكُفْرِ والمعاصي والزِّنا والخمر، وما هددوا بترتيب العذابِ على هذه القبائح، وذلك يوجبُ سقوط التَّكاليف عنهم، ولا يقوله عاقل، وأيضاً فلو كان كذلك، فكيف أخذهم اللَّهُ في ذلك الموضع بِعَيْنه في تلك الواقعةِ بعينها؟ قال ابنُ الخطيب: «واعلمْ أنَّ النَّاس أكثروا فيه، والمعتمد في هذا الباب أن نقول: أمَّا على قول أهل السنة: فيجوز أن يعفُو اللَّهُ عن الكبائر. فقوله ﴿لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ الله سَبَقَ﴾ لولا أنه تعالى حكم في الأزل بالعفو عن هذه الواقعة لمَسَّهُم عذاب عظيم، وهذا هو المراد من قوله ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة﴾ [الأنعام: 54] وقوله» سبقت رحمتي غضبي» . وأمَّا على قول المعتزلة: فهم لا يجوزون العفو عن الكبائر، فكان معناه ﴿لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ الله سَبَقَ﴾ في أنَّ من احترزَ عن الكبائر صارت صغائره مغفورة، وإلاَّ لمسَّهُم عذابٌ عظيمٌ، وهذا الحكمُ وإن كان ثابتاً في حقِّ جميع المسلمين، إلاَّ أنَّ طاعات أهل بدر كانت عظيمة، وهو قبولهم الإسلام، وانقيادهم لمحمَّدٍ، وإقدامهم على مقاتلة الكفار من غير سلاح وأهبة فلا يبعد أن يقال: إنَّ الثَّواب الذي استحقُّوهُ على هذه الطاعات كان أزيدَ

الأنفال 8:70

من العقاب الذي استحقوه على هذا الذنب، لا جرمٍ صار هذا الذنب مغفوراًن ولو قدّرْنا صدور هذا الذنب من المسلمين، لما صار مغفوراً، فبسبب هذا القدر من التفاوت، حصل لأهْلِ بدر هذا الاختصاص «. قال ابن إسحاق: لم يكن من المؤمنين أحدٌ ممَّن حضر إلاَّ أحبَّ الفداء، إلاَّ عمر بن الخطاب فإنه أشار على رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بقتل الأسرى، وسعد بن معاذ قال: يا نَبِيَّ الله الإثْخَان في القَتْلِ أحب إليَّ من استبقاءِ الرِّحالِ، فقال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» لو نزل من السَّماءِ عذابٌ لما نَجَا منه غير عمر بن الخطاب، وسعد بن معاذ « قوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً﴾ الآية. روي أنهم أمسكوا أيديهم عمَّا أخذُوا من الفداء، فنزلت هذه الآية. فإن قيل: ما معنى» الفاء «في قوله:» فَكُلُوا» ؟ فالجوابُ: التقدير قد أبحت لكم الغنائم فكلوا. و «مَا» يجُوزُ أن تكون مصدرية، والمصدرُ واقعٌ موقع المفعول، ويجوزُ أن تكون بمعنى» الَّذي «وهو في المعنى كالذي قبله، والعائد على هذا محذوف. وقوله:» حَلاَلاً» نصبٌ على الحَالِ، إمَّا من ما الموصولةِ، أو من عائدها إذَا جعلناها اسمية. وقيل: هو نعتُ مصدرٍ محذوف، أي: أكْلاً حلالاً. وقوله: «واتَّقُوا» قال ابنُ عطية: «وجاء قوله:» واتَّقُوا اللَّهَ «اعتراضاً فصيحاً في أثناء القولِ؛ لأنَّ قوله: ﴿إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ متصلٌ بقوله: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ﴾ يعني: أنه متصلٌ به من حيث إنه كالعلة له. والمعنى: واتقوا اللَّهَ ولا تُقْدِمُوا بعد ذلك على المعاصي واعلموا أنَّ اللَّه غفور لما أقدمتم عليه من الزلة» . قوله تعالى: ﴿ياأيها النبي قُل لِّمَن في أَيْدِيكُمْ مِّنَ الأسرى﴾ الآية. لمَّا أخذ الفداء من الأسارى، وشق عليهم أخذ أموالهم، ذكر اللَّهُ تعالى هذه الآية استمالة لهم. قوله: «مِنَ الأسْرَى» قرأه أبو عمرو بزنة «فُعَالى» والباقون بزنة «فَعْلضى» وقد عُرِفَ ما فيهما. ووافق أبا عمرو قتادة ونصر بن عاصم وابن أبي إسحاق وأبو جعفر. واختلف عن الجحدري والحسن. وقرأ ابنُ مُحَيْصنٍ «مِنْ أسْرَى» منكَّراً. قوله: «يُؤتِكُمْ» جواب الشَّرط. وقرأ الأعمشُ «يُثِبْكم» من الثَّواب، وقرأ الحسنُ وأبو حيوة وشيبة وحميد «مِمَّا أخَذَ» مبنياً للفاعل، وهو الله تعالى. فصل وهذه الآية نزلت في العباس بن عبد المطلب؛ وكان قد أسر يوم بدر. وكان أحد العشرة الذين ضمنوا إطعام أهل بدر، وكان يوم بدر نوبته، وكان خرج بعشرين وقية من ذهب ليطعم بها النَّاسَ، فأراد أن يطعم ذلك اليوم فاقتتلوا وبقيت العشرون أوقية معه، فأخذت منه في الحرب، فكلَّم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يحسب العشرين أوقية من فدائه فأبى وقال: «أما شيء خرجت تستعين به علينا، فلا أتركه» وكلفه فداء ابني أخويه عقيل بن أبي طالبٍ، ونوفل بن الحارث، فقال العبَّاسُ: يا محمَّدُ تركتني أتكَفَّفُ قريشاً ما بقيت؟ . فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «وأيْنَ الذهبُ الذي دفعته إلى أم الفضل وقت خروجك من مكَّة، فقلت لها: إني لا أدري ما يُصيبني في وجهي هذا فإن حدث لي حدث، فهو لك ولعبد الله ولعبيد الله والفضل وقُثَم» يعني: بنيه. «فقال العبَّاس: وما يُدْريك؟ قال:» أخبرني به ربِّي» قال العباسُ: أشهد أنَّك صادق وأن لا إله إلاَّ الله، وأنَّك عبده ورسوله، والله لم يطلعْ عليه أحدٌ إلاَّ الله، ولقد رفعته إليها في سوادِ الليلِ، وقد كنتُ مُرْتَاباً في أمرك، فأمَّا إذْ أخبرتني بذلك، فلا ريب. فذلك قوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ياأيها النبي قُل لِّمَن في أَيْدِيكُمْ مِّنَ الأسرى﴾ الذين أخذتم منهم الفداء ﴿إِن يَعْلَمِ الله فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً﴾ أي: إيماناً: ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ﴾ من الفداء: «ويغْفِرْ لَكُمْ» ذنوبكم: ﴿والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ قال العباس فأبدلني اللَّهُ عنها عشرين عبداً كلهم تاجر بمالي، وإنَّ أدناهم يضرب بعشرين ألف درهم مكان العشرين أوقية، وأعطاني ومزم، وما أحب أنَّ لي بها جميع أموالهم أهل مكة وأنا أنتظر المغفرة من ربي. فصل اختلف المفسرون في أن الآية نزلت في العباس خاصة، أو في جملة الأسارى. قال قوم: إنَّها في العباس خاصة، وقال آخرون: إنَّها نزلت في الكلِّ، وهذا أولى لقوله تعالى: ﴿قُل لِّمَن في أَيْدِيكُمْ مِّنَ الأسرى﴾ ، ولقوله «مِنَ الأسْرَى» ، ولقوله» فِي قُلوبكم «ولقوله: يُؤتِكُمْ خَيْراً» ، ولقوله «مِمَّا أخذَ منكُمْ» ، وقوله: «ويَغْفِر لكُمْ» ، أٌصى ما في الباب أن يقال: سبب نزول الآية هو العباسُ، إلاَّ أنَّ العبرة بعموم اللَّفْظِ لا بخصوص السَّبَبِ. فصل احتج هشام بن الحكم على أنَّهُ تعالى لا يعلم الشَّيء إلاَّ عند حدوثه بهذه الآية، لأن قوله: ﴿إِن يَعْلَمِ الله فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً﴾ فعل كذا، وكذا شرط وجزاء، والشَّرط هو حصول هذا العلم، والشرط والجزاء لا يصح حصولهما إلا في المستقبل، وذلك يوجب حدوث علم الله تعالى. والجواب: أنَّ ظاهر اللفظ وإن كان يقتضي ما ذكره، إلاَّ أنه لمَّا دلَّ الدليلُ على أن علمالله يمتنع أن يكون محدثاً، وجب أن يقال: ذكر العلم وأراد به المعلوم من حيث إنَّه يدل حصول العلم على حصول المعلوم. قوله تعالى: ﴿وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ﴾ الآية. الضمير في «يريدوا» يعود على «الأسْرَى» ، لأنهم أقربُ مذكور. وقيل: على الجانحين. وقيل: على اليهُود. وقيل: على كُفَّار قريش. قال ابن جريج: أراد بالخيانة الكفر أي: إن كفروا بك فقد كفروا باللَّهِ من قبل، فأمكن منهم المؤمنين ببدر حتى قتلوهم. وقيل: أراد بالخيانة منع ما ضمنوا من الفداء. قال الأزهريُّ: يُقالُ أمكنني الأمْرُ يُمْكنُنِي فهُوا مُمْكِنٌ، ومفعول الإمكان محذوف، والمعنى: فأمكن المؤمنين منهم يوم بدر حتى قتلوهم وأسروهم. ثم قال: «واللَّهُ عليمٌ» أي: ببواطنهم وضمائرهم: «حَكِيمٌ» يجازيهم بأعمالهم.

الأنفال 8:71

من العقاب الذي استحقوه على هذا الذنب، لا جرمٍ صار هذا الذنب مغفوراًن ولو قدّرْنا صدور هذا الذنب من المسلمين، لما صار مغفوراً، فبسبب هذا القدر من التفاوت، حصل لأهْلِ بدر هذا الاختصاص «. قال ابن إسحاق: لم يكن من المؤمنين أحدٌ ممَّن حضر إلاَّ أحبَّ الفداء، إلاَّ عمر بن الخطاب فإنه أشار على رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بقتل الأسرى، وسعد بن معاذ قال: يا نَبِيَّ الله الإثْخَان في القَتْلِ أحب إليَّ من استبقاءِ الرِّحالِ، فقال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» لو نزل من السَّماءِ عذابٌ لما نَجَا منه غير عمر بن الخطاب، وسعد بن معاذ « قوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً﴾ الآية. روي أنهم أمسكوا أيديهم عمَّا أخذُوا من الفداء، فنزلت هذه الآية. فإن قيل: ما معنى» الفاء «في قوله:» فَكُلُوا» ؟ فالجوابُ: التقدير قد أبحت لكم الغنائم فكلوا. و «مَا» يجُوزُ أن تكون مصدرية، والمصدرُ واقعٌ موقع المفعول، ويجوزُ أن تكون بمعنى» الَّذي «وهو في المعنى كالذي قبله، والعائد على هذا محذوف. وقوله:» حَلاَلاً» نصبٌ على الحَالِ، إمَّا من ما الموصولةِ، أو من عائدها إذَا جعلناها اسمية. وقيل: هو نعتُ مصدرٍ محذوف، أي: أكْلاً حلالاً. وقوله: «واتَّقُوا» قال ابنُ عطية: «وجاء قوله:» واتَّقُوا اللَّهَ «اعتراضاً فصيحاً في أثناء القولِ؛ لأنَّ قوله: ﴿إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ متصلٌ بقوله: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ﴾ يعني: أنه متصلٌ به من حيث إنه كالعلة له. والمعنى: واتقوا اللَّهَ ولا تُقْدِمُوا بعد ذلك على المعاصي واعلموا أنَّ اللَّه غفور لما أقدمتم عليه من الزلة» . قوله تعالى: ﴿ياأيها النبي قُل لِّمَن في أَيْدِيكُمْ مِّنَ الأسرى﴾ الآية. لمَّا أخذ الفداء من الأسارى، وشق عليهم أخذ أموالهم، ذكر اللَّهُ تعالى هذه الآية استمالة لهم. قوله: «مِنَ الأسْرَى» قرأه أبو عمرو بزنة «فُعَالى» والباقون بزنة «فَعْلضى» وقد عُرِفَ ما فيهما. ووافق أبا عمرو قتادة ونصر بن عاصم وابن أبي إسحاق وأبو جعفر. واختلف عن الجحدري والحسن. وقرأ ابنُ مُحَيْصنٍ «مِنْ أسْرَى» منكَّراً. قوله: «يُؤتِكُمْ» جواب الشَّرط. وقرأ الأعمشُ «يُثِبْكم» من الثَّواب، وقرأ الحسنُ وأبو حيوة وشيبة وحميد «مِمَّا أخَذَ» مبنياً للفاعل، وهو الله تعالى. فصل وهذه الآية نزلت في العباس بن عبد المطلب؛ وكان قد أسر يوم بدر. وكان أحد العشرة الذين ضمنوا إطعام أهل بدر، وكان يوم بدر نوبته، وكان خرج بعشرين وقية من ذهب ليطعم بها النَّاسَ، فأراد أن يطعم ذلك اليوم فاقتتلوا وبقيت العشرون أوقية معه، فأخذت منه في الحرب، فكلَّم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يحسب العشرين أوقية من فدائه فأبى وقال: «أما شيء خرجت تستعين به علينا، فلا أتركه» وكلفه فداء ابني أخويه عقيل بن أبي طالبٍ، ونوفل بن الحارث، فقال العبَّاسُ: يا محمَّدُ تركتني أتكَفَّفُ قريشاً ما بقيت؟ . فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «وأيْنَ الذهبُ الذي دفعته إلى أم الفضل وقت خروجك من مكَّة، فقلت لها: إني لا أدري ما يُصيبني في وجهي هذا فإن حدث لي حدث، فهو لك ولعبد الله ولعبيد الله والفضل وقُثَم» يعني: بنيه. «فقال العبَّاس: وما يُدْريك؟ قال:» أخبرني به ربِّي» قال العباسُ: أشهد أنَّك صادق وأن لا إله إلاَّ الله، وأنَّك عبده ورسوله، والله لم يطلعْ عليه أحدٌ إلاَّ الله، ولقد رفعته إليها في سوادِ الليلِ، وقد كنتُ مُرْتَاباً في أمرك، فأمَّا إذْ أخبرتني بذلك، فلا ريب. فذلك قوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ياأيها النبي قُل لِّمَن في أَيْدِيكُمْ مِّنَ الأسرى﴾ الذين أخذتم منهم الفداء ﴿إِن يَعْلَمِ الله فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً﴾ أي: إيماناً: ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ﴾ من الفداء: «ويغْفِرْ لَكُمْ» ذنوبكم: ﴿والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ قال العباس فأبدلني اللَّهُ عنها عشرين عبداً كلهم تاجر بمالي، وإنَّ أدناهم يضرب بعشرين ألف درهم مكان العشرين أوقية، وأعطاني ومزم، وما أحب أنَّ لي بها جميع أموالهم أهل مكة وأنا أنتظر المغفرة من ربي. فصل اختلف المفسرون في أن الآية نزلت في العباس خاصة، أو في جملة الأسارى. قال قوم: إنَّها في العباس خاصة، وقال آخرون: إنَّها نزلت في الكلِّ، وهذا أولى لقوله تعالى: ﴿قُل لِّمَن في أَيْدِيكُمْ مِّنَ الأسرى﴾ ، ولقوله «مِنَ الأسْرَى» ، ولقوله» فِي قُلوبكم «ولقوله: يُؤتِكُمْ خَيْراً» ، ولقوله «مِمَّا أخذَ منكُمْ» ، وقوله: «ويَغْفِر لكُمْ» ، أٌصى ما في الباب أن يقال: سبب نزول الآية هو العباسُ، إلاَّ أنَّ العبرة بعموم اللَّفْظِ لا بخصوص السَّبَبِ. فصل احتج هشام بن الحكم على أنَّهُ تعالى لا يعلم الشَّيء إلاَّ عند حدوثه بهذه الآية، لأن قوله: ﴿إِن يَعْلَمِ الله فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً﴾ فعل كذا، وكذا شرط وجزاء، والشَّرط هو حصول هذا العلم، والشرط والجزاء لا يصح حصولهما إلا في المستقبل، وذلك يوجب حدوث علم الله تعالى. والجواب: أنَّ ظاهر اللفظ وإن كان يقتضي ما ذكره، إلاَّ أنه لمَّا دلَّ الدليلُ على أن علمالله يمتنع أن يكون محدثاً، وجب أن يقال: ذكر العلم وأراد به المعلوم من حيث إنَّه يدل حصول العلم على حصول المعلوم. قوله تعالى: ﴿وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ﴾ الآية. الضمير في «يريدوا» يعود على «الأسْرَى» ، لأنهم أقربُ مذكور. وقيل: على الجانحين. وقيل: على اليهُود. وقيل: على كُفَّار قريش. قال ابن جريج: أراد بالخيانة الكفر أي: إن كفروا بك فقد كفروا باللَّهِ من قبل، فأمكن منهم المؤمنين ببدر حتى قتلوهم. وقيل: أراد بالخيانة منع ما ضمنوا من الفداء. قال الأزهريُّ: يُقالُ أمكنني الأمْرُ يُمْكنُنِي فهُوا مُمْكِنٌ، ومفعول الإمكان محذوف، والمعنى: فأمكن المؤمنين منهم يوم بدر حتى قتلوهم وأسروهم. ثم قال: «واللَّهُ عليمٌ» أي: ببواطنهم وضمائرهم: «حَكِيمٌ» يجازيهم بأعمالهم.

الأنفال 8:72

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ﴾ الآية. اعلم أنَّهُ تعالى قسم المؤمنين في زمان الرسول - عليه الصَّلاة والسَّلام - إلى أربعة أقسام وذكر حكم كل واحد منهم، وتقرير هذه القسمة أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - لما ظهرت نبوته ودعا النَّاس إلى الدِّين، ثم انتقل من مكَّة إلى المدينة، فمنهم من وافقه في تلك الهجرة، ومنهم من لم يوافقه فيها بل بقي في مكة. أمَّا القسمُ الأوَّلُ: فهم المهاجرون الأوَّلُون، وقد وصفهم الله بقوله: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله﴾ وإنما قلنا: إن المراد بهم المهاجرون الأولون؛ لأنَّهُ تعالى قال بعد ذلك: ﴿والذين آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ﴾ وقال تعالى: ﴿لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفتح وَقَاتَلَ أولئك أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الذين أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَقَاتَلُواْ﴾ [الحديد: 10] . وقال: ﴿والسابقون الأولون مِنَ المهاجرين والأنصار﴾ [التوبة: 100] . القسم الثاني من الموجودين في زمان محمد - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وهم الأنصار؛ لأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ لمَّا هارج إليهم مع طائفة من أصحابه، فلولا أنَّهم آووا، ونصروا، وبذلوا النَّفٍ والمال في خدمة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وإصلاح مهمات أصحابه لما تمَّ المقصودُ ألبتَّة فحال المهاجر أعلى في الفضيلة من حال الأنصار؛ لنَّهم السَّابقون إلى الإيمان، وتحمَّلُوا العناء والمشقة دهراً طويلاً من كفَّار قريش، وصبروا على أذاهم، وهذه الحالةُ ما حصلت للأنصارِ، وفارقوا الأوطان، والأهل، والأموال، والجيران، ولم يحصل ذلك للأنصار، وأيضاً فإنَّ الأنصار اقتدوا بهم الإسلام، وهم السابقون للإيمان. ولمَّا ذكر الله تعالى هذين القسمين، قال: ﴿أولئك بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾ قال الواحديُّ عن ابن عباس وغيره من المفسرين «المراد في المرايث» وقالوا: جعل الله تعالى سببب الإرث الهجرة، والنصرة دون القرابة، وكان القريب الذي آمن ولم يهاجر لم يرث؛ لأنَّهُ لم يهاجر ولم ينصر. واعلم أنَّ لفظ الولاية غير مشعرٍ بهذا المعنى؛ لأنَّ اللفظ مشعر بالقرِ على ما تقرَّر في هذا الكتاب. ويقال: السلطانُ ولي من لا ولي له ولا يفيد الإريث. وقال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَآءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [يونس: 62] ولا يفيدُ الإرث بل الولاية تفيد القرب، فيمكن حمله على غير الإرث، وهو كون بعضهم معظماً للبعض، مهتماً بشأنه، مخصوصاً بمعاونته ومناصرته، وأن يكونوا يداً واحدة على الأعداء، فحمله على الإرث بعيد عن دلالة اللفظ، لا سيما وهم يقولون إن ذلك الحكم نسخ بقوله في آخر الآية: ﴿وَأْوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ﴾ . فأيُّ حاجة إلى حمل اللفظ على معنى لا إشعار لذلك اللفظ به، ثمَّ الحكم بأنَّهُ صار منسوخاً بآية أخرى مذكورة معه، هذا في غاية البعد، اللَّهم إذا حصل إجماع المفسرين على ذلك فيجب المصير إليه، إلاَّ أنَّ دعوى الإجماع بعيد. القسم الثالث: المؤمنون الذين لم يهاجروا وبقوا في مكة، وهم المراد بقوله ﴿والذين آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ﴾ فقال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حتى يُهَاجِرُواْ﴾ ، فالولاية المنفية في هذه الصُّورة، هي الولاية المثبتة في القسم المتقدم، فما قيل هناك قيل هنا. واحتج الذَّاهبون إلى أنَّ المراد من هذه الولاية الإرث، بأن قالوا: لا يجوزُ أن يكُون المراد منها ولاية النصرة والدلي عليه أنَّه تعالى عطف عليه قوله: ﴿وَإِنِ استنصروكم فِي الدين فَعَلَيْكُمُ النصر﴾ وذلك عبارة عن الموالاة في الدِّين، والمعطوف مغاير للمعطوف عليه فوجب أن يكون المراد بالولاية المذكورة أمراً مغايراً لمعنى النصرة، وهذا استدلال ضعيف لأنا إذَا حملنا تلك الولاية على التَّعظيم والإكرام، فهو أمرٌ مغاير للنصرة، لأنَّ الإنسان قد ينصر بعض أهل الذمة في بعض المهمات، مع أنه لا يواليه بمعنى التعظيم، وقد ينصر عبده وأمته بمعنى الإعانة، مع أنه لا يواليه بمعنى التعظيم، فسقط هذا الاستدلال. قوله: «مِن ولايتهم» قرأ حمزة هنا، وفي الكهف «الولاية لِلَّه» هو، والكسائي بكسر الواو، والباقون بفتحها. فقيل: لغتان. وقيل: بالفتحِ من «المَوْلَى» يقال: مَوْلَى بيِّن الولاية، وبالكسر من ولاية السلطان. قاله أبُو عبيد. وقيل: بالفتح من النُّصْرَة والنَّسب، وبالكسر من الإمارة. قاله الزَّجَّاجُ قال: «ويجوز الكسرُ؛ لأنَّ في تولِّي بعض القوم بعضاً جنساً من الصناعة والعمل، وكلُّ ما كان من جنس الصناعة مكسورٌ كالخياطية والقصارة» ، وقد خطَّأ الأصمعيُّ قراءة الكسرِ، وهو المُخْطِىءُ، لتواترها. وقال أبُو عبيدٍ: «والذي عندنا الأخْذُ بالفتح في هذين الحرفين؛ لأنَّ معناهما من الموالاة في الدِّين» . وقال الفارسي: «الفتحُ أجودُ؛ لأنَّها في الدِّينِ» ، وعكس الفرَّاءُ هذا، فقال «يُريدُ من مواريثهم، فكسر الواو أحبُّ إليَّ من فتحها؛ لأنها إنَّما تفتح إذا كانت نصرة وكان الكسائيُّ يذهبُ بفتحها إلى النصرة، وقد سُمع الفتح والكسر في المعنى جَمِيعاً» . قوله: «حتَّى يُهاجِرُوا» يُوهِمُ أنَّهم لمَّا لمْ يهاجروا مع رسُولِ الله سقطت ولايتهم مطلقاً فأزال الله هذا الوهم بقوله: ﴿مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حتى يُهَاجِرُواْ﴾ أي: أنهم لو هاجروا لعادت تلك الولاية. قوله تعالى: ﴿وَإِنِ استنصروكم فِي الدين فَعَلَيْكُمُ النصر﴾ . لمَّا بيَّن قطع الولاية بين تلك الطَّائفة من المؤمنين، بيَّن أنَّ المراد منه ليس هو المقاطعة التَّامة كما في حقِّ الكُفَّارِ، بل هؤلاء المؤمنون الذين لم يهاجروا «لو استنصروكم فانصروهم» ولا تخذلوهم. قوله: «فَعَليْكُم النَّصْرُ» مبتدأ وخبر، أو فعل وفاعل عند الأخفش، ولفظةُ «عَلَى» تُشعرُ بالوُجُوبِ، وكذلك قدَّره الزمخشريُّ، وشَبَّهه بقوله: [الطويل] 2741 - عَلَى مُكْثِريهِمْ رِزْقُ مَنْ يَعْتَريهم ... وعِنْدَ المُقلِّينَ السَّماحَةُ والبَذْلُ قوله: ﴿إِلاَّ على قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ﴾ أي: لا يجوز لكم نصرتهم عليهم إذ الميثاق مانع من ذلك. ثم قال: ﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ قرأ السلمي والأعرج: «يَعْمَلُون» بياء الغيبةِ وكأنه التفات، أو إخبار عنهم. قوله تعالى: ﴿والذين كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ﴾ الآية. اعلم أنَّ هذا لترتيبٌ في غاية الحسن؛ لأنَّهُ تعالى ذكر للمؤمنين أقساماً ثلاثة: الأول: المؤمنون من المهاجرين. والثاني: الأنصار وهم أفضل النَّاس وبيَّن أنه يجب أن يوالي بعضهم بعضاً. والقسم الثالث: المؤمنون الذين لم يهاجروا. فهؤلاء لهم بسب بإيمانهم فضل، وبسبب تركِ الهجرة لهم حالة نازلة، فيكون حكمهم متوسطاً بمعنى أنَّ الولاية للقسم الأوَّل منفية عن هذا القسم، إلاَّ أنَّهم يكونون بحيثُ لو استنصروا المؤمنين، واستعانوا بهم نصروهم وأعانوهم، فهذا الحكم متوسط بين الإجلال، والإذلال، وأمَّا الكفار فليس لهم ما يوجب شيئاً من أسباب الفضيلة، فوجب كون المسلمين منقطعين عنهم من كل الوجوه، فلا يكون بينهم ولاية ولا مناصرة. فصل قال ابن عباس «يرث المشركون بعضهم من بعض» وهذا إنما يستقيم إذا حملنا الولاية على الإريث، بل الحق أن يقال: إنَّ كفار قريش كانوا في غاية العداوة لليهود فلمَّا ظهرت دعوة محمد - عليه الصَّلاة والسَّلام - تناصروا وتعاونوا على إيذائه ومحاربته، فالمراد من الآية ذلك. قوله «إلاَّ تَفْعَلُوه» الهاءُ تعودُ إمَّا على النَّصرِ، أو الإرث، أو الميثاق، أي: حِفْظه أو على جميع ما تقدَّم ذكره، وهو معنى قول الزمخشري: «ألاَّ تفعلُوا ما أمرتكُم به» . وقرأ العامة «كبير» بالباء الموحدة، وقرأ الكسائيُّ فيما حكى عنه أبو موسى الحجازي «كثير» بالثَّاءِ المثلثة، وهذا قريب ممَّا في البقرة. والمعنى: قال ابن عبَّاسٍ: «ألاَّ تأخُذُوا في الميراثِ بِمَا أمرتُكُم بِهِ» وقال ابنُ جريجٍ: «إلاَّ تتعاونُوا وتتناصَرُوا» . وقال غيرهم: إن لم تفعلوا ما أمرتكم به في هذه التَّفاصيل المذكورة تحصل فتنة في الأرض، قوة الكفر، وفساد كبير، وضعف الإسلام. وبيان هذه الفتنة والفساد من وجوه: الأول: أنَّ المسلمين لو اختلطوا بالكفار في زمان ضعف المسلمين وقلة عددهم، وزمان قوة الكفار وكثرة عددهم فربما صارت تلك المخالطة سبباً لالتحاق المسلم بالكافر، وثانيها: أن المسلمين إذا تفرقوا لم يظهر لهم جمع عظيم، فيصير ذلك سبباً لجراءة الكفار عليهم. وثالثها: إذا اكن جمع المسلمين يزيد كل يوم في العدة والقوة، صار ذلك سبباً لمزيد رغبتهم في الإسلام ورغبة المخالف في الالتحاق بهم. قوله تعالى: ﴿والذين آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ﴾ . زعم بعضهم أنَّ هذه الجملة تكرار للتي قبلها، وليس كذلك، فإنَّ التي قبلها تضمنت ولاية بعضهم لبعض، وتقسيم المؤمنين إلى ثلاثة أقسام، وبيان حكمهم في ولايتهم، وتناصرهم وهذه تضمَّنت الثناء والتشريف والاختصاص، ومال آل إليه حالهم من المغفرة والرزق الكريم والمعنى: «أولئك هم المُؤمنونَ حقّاً» لا مرية ولا ريب في إيمانهم، وقيل: حققوا إيمانهم بالهجرة والجهاد وبذل المال في الدين، ﴿لَّهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ الجنة. فإن قيل: فأي معنى لهذا التكرار. قيل: المهاجرون كانوا على طبقات، وكان بعضهم أهل الهجرة الأولى، وهم الذين هاجروا قبل الحديبية، وبعضهم أهل الهجرة الثانية، وهم الذين هاجروا بعد صلح الحديبية قبل فتح مكَّة، وكان بعضهم ذا هجرتين، هجرة الحبشة، والهجرة إلى المدينة، فالمراد من الآية الأولى الهجرة الأولى ومن الثانية الهجرة الثانية. قوله تعالى: ﴿والذين آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ﴾ . هؤلاء هم القسم الرابع من مؤمني زمان محمد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ، الذين لم يوافقوا الرسول في الهجرة، إلاَّ أنهم بعد ذلك هاجروا إليه وجاهدوا معه. واختلفوا في قوله «مِنْ بعْدُ» فقال الواحدي، عن ابن عبَّاسٍ «بعد الحديبثة وهي الهجرة الثانية» . وقيل: بعد نزول هذه الآية، وقيل: بعد يوم بدر، والأصحُّ أنَّ المراد: والذين هاجروا بعد الهجرة الأولى، وهؤلاء هم التابعون، بإحسان، كما قال: ﴿والذين اتبعوهم بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة: 100] والصحيح: أنَّ الهجرة انقطعت بفتح مكَّة، لأنَّ مكة صارت بلد الإسلام. وقال الحسن: «الهجرة غير منقطعة أبداً» . وأما قوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ «لا هجْرةَ بعْدَ الفَتْحِ» فالمراد الهجرة المخصوصة، فإنَّها انقطعت بالفتح وبقوة الإسلام، أما لو اتفق في بعض الأمان كون المؤمنين في بلد، وهم قليلون، وللكافرين معهم شوكة، وإن هاجروا المسلمون من تلك البلدة إلى بلد آخر ضعفت شوكة الكفار فهاهنا تلزمهم الهجرة على ما قاله الحسن؛ لأنَّ العلة في الهجرة من مكة إلى المدينة قد حصلت فيهم. قوله ﴿فأولئك مِنكُمْ﴾ أي: معكم، يريد: أنتم منهم وهو منكم. ثم قال: ﴿وَأْوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله﴾ . قالوا: المراد بالولاية ولاية الميراث، قالوا هذه الآية ناسخة؛ لأنَّهُ تعالى بيَّن أنَّ الإرث كان بسبب الهجرة والنصرة، والآن بعد نسخ ذلك فلا يحصل الإرث إلاَّ بسبب القرابة. وقوله: ﴿فِي كِتَابِ الله﴾ أي: السهام المذكورة في سورة النّساء، وأمَّا الذين فسَّرثوا الولاية بالنَّصرة والتَّعظيم قالوا «: إنَّ تلك الولاية لمَّا كانت محتملة للولاية بسبب الميراث بين الله تعالى في هذه الآية أنَّ ولاية الإرث إنَّما تحصل بسبب القرابة، إلاَّ ما خصَّ الدليل، فيكون المقصود من هذا الكلام إزالة هذا الوهم. فصل تمسَّك أصحاب أبي حنيفة بهذه الآية في توريث ذوي الأرحام، وأجيبوا بأن قوله: ﴿وَأْوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ﴾ مجمل في الشيء الذي حصلت فيه هذه الأولوية. فلما قال: ﴿فِي كِتَابِ الله﴾ كان معناه في الحكم الذي بيَّنه اللَّهُ في كتابه فصارت هذه الأولوية مقيَّدة بالأحكام التي بيَّنها اللَّهُ في كتابه وتلك الأحكام ليست إلاَّ ميراث العصبات، فيكونُ المرادُ من هذه المجمل هو ذلك فقط، فلا يتعدَّى إلى توريث ذوي الأرحام. فإن قيل تمسكوا بهذه الآية في أن الإمام بعد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ هو علي بن أبي طالب، لقوله: ﴿وَأْوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: 75] فدل على ثبوت الأولوية، وليس في الآية شيء معين في ثبوت هذه الأولوية؛ فوجب حمله على الكل، إلاَّ ما خصّه الدَّليل، فيندرج فيه الإمامة، ولا يجوزُ أن يقال: إنَّ أبا بكر من أولي الأرحام، لما نقل أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ أعطاءه سورة براءة ليبلغها إلى القوم ثم بعت علياً خلفه وأمر أن يكون المبلغ هو علي، وقال:» لا يُؤدِّيها إلاَّ رجلٌ مِنِّي» وذلك يدلُّ على أنَّ أبا بكر ما كان منه. والجوابُ: إن صحَّت هذه الدلالة كان العباس أولى بالإمامةِ؛ لأنَّهُ كان أقرب إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مِنْ عليٍّ. قول: ﴿فِي كِتَابِ الله﴾ يجوزُ أن يتعلَّق بنصّ أولها أي: أحق في حكم الله أو في القرن، أو في اللوح المحفوظ، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ مضمر، أي: هذا الحكمُ المذكور في كتاب الله. ثم قال: ﴿إِنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: أنَّ هذه الأحكام التي ذكرتها وفصلتها كلها حكمة وصواب، وليس فيها شيء من العبث؛ لأنَّ العالم بجميع المعلومات لا يحكم إلاَّ بالصَّواب. روى أنس قال: قال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ سُورة الأنفال وبراءة فأنَّا شَفِيعٌ لَهُ يوم القيامة، وشاهد أنَّه بريءٌ منَ النِّفاق وأعطي من الأجْرِ بعددِ كُلِّ مُنافقٍ ومُنافِقَةٍ في دارِ الدُّنْيَا عشر حسناتٍ، ومُحِيَ عنه عشرُ سيئاتِ، ورفع لهُ عشرُ درجاتٍ، وكان العَرْشَ وحملته يُصَلُّون عليه أيَّام حياتِهِ في الدنيا» بسم الله الرحمن الرحيم سورة التوبة مدنية. وهي مائة وثلاثون آية، وأربعة آلاف وثمان وسبعون كلمة، وعشرة آلاف، وأربع مائة وثمان وثمانون حرفا. ولها عدة أسماء: " براءة، التوبة، المقشقشة، المبعثرة، المشردة، المخزية، الفاضحة، المثيرة، الحافزة، المنكلة، المدمدمة، سورة العذاب. قال الزمخشري: " لأن فيها التوبة على المؤمنين، وهي تقشقش من النفاق: أي تبرئ منه، وتبعثر عن أسرار المنافقين: تبحث عنها وتشهرها وتحفز عنها، وتفضحهم وتنكلهم وتشردهم، وتخزيهم، وتدمدم عليهم ". وعن حذيفة: إنكم تسمونها سورة التوبة، والله ما تركت أحدا إلا نالت منه. وعن ابن عباس في هذه السورة قال: إنها الفاضحة، ما زالت تنزل فيهم، وتريهم حتى خشينا أنها لا تدع أحدا، وسورة الأنفال نزلت في بدر، وسورة الحشر نزلت في بني النضير. (فصل في إسقاط التسمية من هذه السورة) في إسقاط التسمية من أولها وجوه: الأول: روى ابن عباس قال: قلت لعثمان بن عفان: ما حملكم على أن عمدتم إلى براءة وهي من المئين، وإلى الأنفال وهي من المثاني، فقرنتم بينهما وما فصلتم ب: بسم الله الرحمن الرحيم؟ قال: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كلما نزلت عليه سورة يقول: " ضعوها في موضع كذا " فكانت براءة من آخر القرآن نزولا، فتوفي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يبين موضعها، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، فقرنت بينهما. قال الن العربي " هذا دليل على أن القياس أصل في الدين؛ ألا ترى إلى عثمان بن عفان وأعيان الصحابة، كيف نحوا إلى قياس الشبه عند عدم النص، ورأوا أن قصة " براءة " شبيهة بقصة " الأنفال " فألحقوها بها؟ فإذا كان الله تعالى قد بين دخول القياس في تأليف القرآن فما ظنك بسائر الأحكام "؟ قال القاضي: " لا يبعد أن يقال: إنه عليه الصلاة والسلام بين كون هذه السورة تالية لسورة الأنفال؛ لأن القرآن مرتب من قبل الله تعالى، ومن قبل رسوله على الوجه الذي نقل، ولو جوزنا في بعض السور ألا يكون ترتيبها من الله تعالى على سبيل الوحي، لجوزنا مثله في سائر السورة، وفي آيات السورة الواحدة، وتجويزه يعضد ما يقوله الإمامية من تجويز الزيادة والنقصان في القرآن، وذلك يخرجه عن كونه حجة ". والصحيح: أنه عليه الصلاة والسلام أمر بوضع هذه السورة بعد سورة الأنفال وحيا، فإنه عليه الصلاة والسلام حذف " بسم الله الرحمن الرحيم " من أول هذه السورة وحيا. الوجه الثاني: روي عن أبي بن كعب أنه قال: إنما توهموا ذلك، لأن في الأنفال ذكر العهود، وفي براءة نبذ العهود، فوضعت إحداهما بجنب الأخرى، والسؤال المذكور عائد هنا، لأن هذا الوجه إنما يتم إذا قلنا: إنهم إنما وضعوا هذه السورة بعد الأنفال من قبل أنفسهم لهذه العلة. الوجه الثالث: أن الصحابة اختلفوا في أن سورة الأنفال، وسورة التوبة هل هما سورة واحدة أم سورتان؟ قال بعضهم: هما سورة واحدة؛ لأن كليهما نزلتا في القتال، ومجموعهما هذه السورة السابعة من الطوال، وهي سبع، وما بعدها المئون، وهذا قول ظاهر؛ لأنهما معا مائتان وست آيات، فهما بمنزلة سورة واحدة. ومنهم من قال سورتان، فلما ظهر الاختلاف من الصحابة في هذا الباب، تركوا بينهما فرجة تنبيها على قول من يقول هما سورتان، وما كتبوا " بسم الله الرحمن الرحيم " تنبيها على قول من يقول هما سورة واحدة، وعلى هذا القول لا يلزم منه تجويز مذهب الإمامية؛ لأنه لما وقع الاشتباه في هذا المعنى بين الصحابة لم يقطعوا بأحد القولين، وهذا يدل على أن هذا الاشتباه كان حاصلا، فلما لم يتسامحوا بهذا القدر من الشبهة دل على أنهم كانوا مشددين في ضبط القرآن عن التحريف والتغيير، وذلك يبطل قول الإمامية. الوجه الرابع: أنه تعالى ختم سورة الأنفال بإيجاب موالاة المؤمنين بعضهم بعضا، وأن يكونوا منقطعين عن الكفار بالكية. ثم إنه تعالى صرح بهذا المعنى في قوله: ﴿براءة من الله ورسوله﴾ فلما كان هذا عين ذلك الكلام، وتأكيدا له وتقريرا له، لزم الفاصل بينهما وكان إيقاع الفاصل بينهما تنبيها على كونهما سورتين متغايرتين، وترك كتابة البسملة تنبيها على أن هذا المعنى هو عين ذلك المعنى. الوجه الخامس: قال القرطبي: " قيل: إنه كان من شأن العرب في الجاهلية، إذا كان بينهم وبين قوم عهد فأرادوا نقضه كتبوا إليهم كتابا ولم يكتبوا فيه البسملة، فلما نزلت سورة براءة ينقض العهد الذي كان بين النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبين المشركين، أمر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بكتابته بغير بسملة، وبعث بها علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، فقرأها عليهم في الموسم ولم يبسمل على ما جرت به عادتهم في نقض العهد من ترك البسملة ". قال ابن عباس: سألت عليا - رضي الله عنه -: لم لم تكتب " بسم الله الرحمن الرحيم " ههنا؟ قال: لأن " بسم الله الرحمن الرحيم " أمان، وهذه السورة نزلت بالسيف ونبذ العهد، وليس فيها أمان. ويروى أن سفيان بن عيينة ذكر هذا المعنى وأكده بقوله تعالى: ﴿ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا﴾ [النساء: 94] فقيل له: أليس النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كتب إلى أهل الحرب " بسم الله الرحمن الرحيم "؟ فأجاب عنه: بأن ذلك ابتداء منه بدعوتهم إلى الله تعالى، ولم ينبذ إليهم عهدهم، ألا ترى أنه قال في آخر الكتاب ﴿والسلام على من اتبع الهدى﴾ [طه: 47] . وأما هذه السورة فقد اشتملت على المقاتلة ونبذ العهد، فظهر الفرق. الوجه السادس: قالت الشافعية: لعل الله تعالى لما علم من بعض الناس أنهم يتنازعون في كون " بسم الله الرحيم الرحيم " من القرآن، أمر بأن لا تكتب ههنا، ليدل ذلك على كونها آية من كل سورة، فإنها لما لم تكن آية من هذه السورة لا جرم لم تكتب وذلك يدل على أنها لما كتبت في أول سائر السور وجب كونها آية من كل سورة، وقد يعكس عليهم ذلك فيقال: لو كانت آية من كل سورة لما أسقطها من هذه السورة؟ . قال القرطبي: " وروي عن عثمان أيضا. وقاله مالك فيما رواه وهب وابن القاسم وابن عبد الحكم: أنه لما سقط أولها سقط " بسم الله الرحمن الرحيم " معا، وروي ذلك عن عجلان؛ أنه بلغه أن سورة " براءة " كانت تعدل البقرة أو قربها، فذهب منها؛ فلذلك لم يكتب بينهما " بسم الله الرحمن الرحيم " وقال سعيد بن جبير: كانت قبل سورة الطلاق البقرة ". قال القرطبي والصحيح أن البسملة لم تكتب؛ لأن جبريل - عليه الصلاة والسلام - ما نزل بها في هذه السورة، قاله القشيري ". وفي قول عثمان " قبض رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يبين لنا أنها منها " دليل على أن السور كلها انتظمت بقوله وتبيينه وأن " براءة " ضمت إلى الأنفال من غير عهد من النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لما عاجله من الحمام قبل تبيينه ذلك، وكانتا تدعيان القرينتين؛ فوجب أن تجمعا وتضم إحداهما إلى الأخرى؛ للوصف الذي لزمهما من الاقتران، ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حي.

الأنفال 8:73

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ﴾ الآية. اعلم أنَّهُ تعالى قسم المؤمنين في زمان الرسول - عليه الصَّلاة والسَّلام - إلى أربعة أقسام وذكر حكم كل واحد منهم، وتقرير هذه القسمة أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - لما ظهرت نبوته ودعا النَّاس إلى الدِّين، ثم انتقل من مكَّة إلى المدينة، فمنهم من وافقه في تلك الهجرة، ومنهم من لم يوافقه فيها بل بقي في مكة. أمَّا القسمُ الأوَّلُ: فهم المهاجرون الأوَّلُون، وقد وصفهم الله بقوله: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله﴾ وإنما قلنا: إن المراد بهم المهاجرون الأولون؛ لأنَّهُ تعالى قال بعد ذلك: ﴿والذين آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ﴾ وقال تعالى: ﴿لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفتح وَقَاتَلَ أولئك أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الذين أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَقَاتَلُواْ﴾ [الحديد: 10] . وقال: ﴿والسابقون الأولون مِنَ المهاجرين والأنصار﴾ [التوبة: 100] . القسم الثاني من الموجودين في زمان محمد - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وهم الأنصار؛ لأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ لمَّا هارج إليهم مع طائفة من أصحابه، فلولا أنَّهم آووا، ونصروا، وبذلوا النَّفٍ والمال في خدمة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وإصلاح مهمات أصحابه لما تمَّ المقصودُ ألبتَّة فحال المهاجر أعلى في الفضيلة من حال الأنصار؛ لنَّهم السَّابقون إلى الإيمان، وتحمَّلُوا العناء والمشقة دهراً طويلاً من كفَّار قريش، وصبروا على أذاهم، وهذه الحالةُ ما حصلت للأنصارِ، وفارقوا الأوطان، والأهل، والأموال، والجيران، ولم يحصل ذلك للأنصار، وأيضاً فإنَّ الأنصار اقتدوا بهم الإسلام، وهم السابقون للإيمان. ولمَّا ذكر الله تعالى هذين القسمين، قال: ﴿أولئك بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾ قال الواحديُّ عن ابن عباس وغيره من المفسرين «المراد في المرايث» وقالوا: جعل الله تعالى سببب الإرث الهجرة، والنصرة دون القرابة، وكان القريب الذي آمن ولم يهاجر لم يرث؛ لأنَّهُ لم يهاجر ولم ينصر. واعلم أنَّ لفظ الولاية غير مشعرٍ بهذا المعنى؛ لأنَّ اللفظ مشعر بالقرِ على ما تقرَّر في هذا الكتاب. ويقال: السلطانُ ولي من لا ولي له ولا يفيد الإريث. وقال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَآءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [يونس: 62] ولا يفيدُ الإرث بل الولاية تفيد القرب، فيمكن حمله على غير الإرث، وهو كون بعضهم معظماً للبعض، مهتماً بشأنه، مخصوصاً بمعاونته ومناصرته، وأن يكونوا يداً واحدة على الأعداء، فحمله على الإرث بعيد عن دلالة اللفظ، لا سيما وهم يقولون إن ذلك الحكم نسخ بقوله في آخر الآية: ﴿وَأْوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ﴾ . فأيُّ حاجة إلى حمل اللفظ على معنى لا إشعار لذلك اللفظ به، ثمَّ الحكم بأنَّهُ صار منسوخاً بآية أخرى مذكورة معه، هذا في غاية البعد، اللَّهم إذا حصل إجماع المفسرين على ذلك فيجب المصير إليه، إلاَّ أنَّ دعوى الإجماع بعيد. القسم الثالث: المؤمنون الذين لم يهاجروا وبقوا في مكة، وهم المراد بقوله ﴿والذين آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ﴾ فقال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حتى يُهَاجِرُواْ﴾ ، فالولاية المنفية في هذه الصُّورة، هي الولاية المثبتة في القسم المتقدم، فما قيل هناك قيل هنا. واحتج الذَّاهبون إلى أنَّ المراد من هذه الولاية الإرث، بأن قالوا: لا يجوزُ أن يكُون المراد منها ولاية النصرة والدلي عليه أنَّه تعالى عطف عليه قوله: ﴿وَإِنِ استنصروكم فِي الدين فَعَلَيْكُمُ النصر﴾ وذلك عبارة عن الموالاة في الدِّين، والمعطوف مغاير للمعطوف عليه فوجب أن يكون المراد بالولاية المذكورة أمراً مغايراً لمعنى النصرة، وهذا استدلال ضعيف لأنا إذَا حملنا تلك الولاية على التَّعظيم والإكرام، فهو أمرٌ مغاير للنصرة، لأنَّ الإنسان قد ينصر بعض أهل الذمة في بعض المهمات، مع أنه لا يواليه بمعنى التعظيم، وقد ينصر عبده وأمته بمعنى الإعانة، مع أنه لا يواليه بمعنى التعظيم، فسقط هذا الاستدلال. قوله: «مِن ولايتهم» قرأ حمزة هنا، وفي الكهف «الولاية لِلَّه» هو، والكسائي بكسر الواو، والباقون بفتحها. فقيل: لغتان. وقيل: بالفتحِ من «المَوْلَى» يقال: مَوْلَى بيِّن الولاية، وبالكسر من ولاية السلطان. قاله أبُو عبيد. وقيل: بالفتح من النُّصْرَة والنَّسب، وبالكسر من الإمارة. قاله الزَّجَّاجُ قال: «ويجوز الكسرُ؛ لأنَّ في تولِّي بعض القوم بعضاً جنساً من الصناعة والعمل، وكلُّ ما كان من جنس الصناعة مكسورٌ كالخياطية والقصارة» ، وقد خطَّأ الأصمعيُّ قراءة الكسرِ، وهو المُخْطِىءُ، لتواترها. وقال أبُو عبيدٍ: «والذي عندنا الأخْذُ بالفتح في هذين الحرفين؛ لأنَّ معناهما من الموالاة في الدِّين» . وقال الفارسي: «الفتحُ أجودُ؛ لأنَّها في الدِّينِ» ، وعكس الفرَّاءُ هذا، فقال «يُريدُ من مواريثهم، فكسر الواو أحبُّ إليَّ من فتحها؛ لأنها إنَّما تفتح إذا كانت نصرة وكان الكسائيُّ يذهبُ بفتحها إلى النصرة، وقد سُمع الفتح والكسر في المعنى جَمِيعاً» . قوله: «حتَّى يُهاجِرُوا» يُوهِمُ أنَّهم لمَّا لمْ يهاجروا مع رسُولِ الله سقطت ولايتهم مطلقاً فأزال الله هذا الوهم بقوله: ﴿مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حتى يُهَاجِرُواْ﴾ أي: أنهم لو هاجروا لعادت تلك الولاية. قوله تعالى: ﴿وَإِنِ استنصروكم فِي الدين فَعَلَيْكُمُ النصر﴾ . لمَّا بيَّن قطع الولاية بين تلك الطَّائفة من المؤمنين، بيَّن أنَّ المراد منه ليس هو المقاطعة التَّامة كما في حقِّ الكُفَّارِ، بل هؤلاء المؤمنون الذين لم يهاجروا «لو استنصروكم فانصروهم» ولا تخذلوهم. قوله: «فَعَليْكُم النَّصْرُ» مبتدأ وخبر، أو فعل وفاعل عند الأخفش، ولفظةُ «عَلَى» تُشعرُ بالوُجُوبِ، وكذلك قدَّره الزمخشريُّ، وشَبَّهه بقوله: [الطويل] 2741 - عَلَى مُكْثِريهِمْ رِزْقُ مَنْ يَعْتَريهم ... وعِنْدَ المُقلِّينَ السَّماحَةُ والبَذْلُ قوله: ﴿إِلاَّ على قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ﴾ أي: لا يجوز لكم نصرتهم عليهم إذ الميثاق مانع من ذلك. ثم قال: ﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ قرأ السلمي والأعرج: «يَعْمَلُون» بياء الغيبةِ وكأنه التفات، أو إخبار عنهم. قوله تعالى: ﴿والذين كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ﴾ الآية. اعلم أنَّ هذا لترتيبٌ في غاية الحسن؛ لأنَّهُ تعالى ذكر للمؤمنين أقساماً ثلاثة: الأول: المؤمنون من المهاجرين. والثاني: الأنصار وهم أفضل النَّاس وبيَّن أنه يجب أن يوالي بعضهم بعضاً. والقسم الثالث: المؤمنون الذين لم يهاجروا. فهؤلاء لهم بسب بإيمانهم فضل، وبسبب تركِ الهجرة لهم حالة نازلة، فيكون حكمهم متوسطاً بمعنى أنَّ الولاية للقسم الأوَّل منفية عن هذا القسم، إلاَّ أنَّهم يكونون بحيثُ لو استنصروا المؤمنين، واستعانوا بهم نصروهم وأعانوهم، فهذا الحكم متوسط بين الإجلال، والإذلال، وأمَّا الكفار فليس لهم ما يوجب شيئاً من أسباب الفضيلة، فوجب كون المسلمين منقطعين عنهم من كل الوجوه، فلا يكون بينهم ولاية ولا مناصرة. فصل قال ابن عباس «يرث المشركون بعضهم من بعض» وهذا إنما يستقيم إذا حملنا الولاية على الإريث، بل الحق أن يقال: إنَّ كفار قريش كانوا في غاية العداوة لليهود فلمَّا ظهرت دعوة محمد - عليه الصَّلاة والسَّلام - تناصروا وتعاونوا على إيذائه ومحاربته، فالمراد من الآية ذلك. قوله «إلاَّ تَفْعَلُوه» الهاءُ تعودُ إمَّا على النَّصرِ، أو الإرث، أو الميثاق، أي: حِفْظه أو على جميع ما تقدَّم ذكره، وهو معنى قول الزمخشري: «ألاَّ تفعلُوا ما أمرتكُم به» . وقرأ العامة «كبير» بالباء الموحدة، وقرأ الكسائيُّ فيما حكى عنه أبو موسى الحجازي «كثير» بالثَّاءِ المثلثة، وهذا قريب ممَّا في البقرة. والمعنى: قال ابن عبَّاسٍ: «ألاَّ تأخُذُوا في الميراثِ بِمَا أمرتُكُم بِهِ» وقال ابنُ جريجٍ: «إلاَّ تتعاونُوا وتتناصَرُوا» . وقال غيرهم: إن لم تفعلوا ما أمرتكم به في هذه التَّفاصيل المذكورة تحصل فتنة في الأرض، قوة الكفر، وفساد كبير، وضعف الإسلام. وبيان هذه الفتنة والفساد من وجوه: الأول: أنَّ المسلمين لو اختلطوا بالكفار في زمان ضعف المسلمين وقلة عددهم، وزمان قوة الكفار وكثرة عددهم فربما صارت تلك المخالطة سبباً لالتحاق المسلم بالكافر، وثانيها: أن المسلمين إذا تفرقوا لم يظهر لهم جمع عظيم، فيصير ذلك سبباً لجراءة الكفار عليهم. وثالثها: إذا اكن جمع المسلمين يزيد كل يوم في العدة والقوة، صار ذلك سبباً لمزيد رغبتهم في الإسلام ورغبة المخالف في الالتحاق بهم. قوله تعالى: ﴿والذين آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ﴾ . زعم بعضهم أنَّ هذه الجملة تكرار للتي قبلها، وليس كذلك، فإنَّ التي قبلها تضمنت ولاية بعضهم لبعض، وتقسيم المؤمنين إلى ثلاثة أقسام، وبيان حكمهم في ولايتهم، وتناصرهم وهذه تضمَّنت الثناء والتشريف والاختصاص، ومال آل إليه حالهم من المغفرة والرزق الكريم والمعنى: «أولئك هم المُؤمنونَ حقّاً» لا مرية ولا ريب في إيمانهم، وقيل: حققوا إيمانهم بالهجرة والجهاد وبذل المال في الدين، ﴿لَّهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ الجنة. فإن قيل: فأي معنى لهذا التكرار. قيل: المهاجرون كانوا على طبقات، وكان بعضهم أهل الهجرة الأولى، وهم الذين هاجروا قبل الحديبية، وبعضهم أهل الهجرة الثانية، وهم الذين هاجروا بعد صلح الحديبية قبل فتح مكَّة، وكان بعضهم ذا هجرتين، هجرة الحبشة، والهجرة إلى المدينة، فالمراد من الآية الأولى الهجرة الأولى ومن الثانية الهجرة الثانية. قوله تعالى: ﴿والذين آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ﴾ . هؤلاء هم القسم الرابع من مؤمني زمان محمد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ، الذين لم يوافقوا الرسول في الهجرة، إلاَّ أنهم بعد ذلك هاجروا إليه وجاهدوا معه. واختلفوا في قوله «مِنْ بعْدُ» فقال الواحدي، عن ابن عبَّاسٍ «بعد الحديبثة وهي الهجرة الثانية» . وقيل: بعد نزول هذه الآية، وقيل: بعد يوم بدر، والأصحُّ أنَّ المراد: والذين هاجروا بعد الهجرة الأولى، وهؤلاء هم التابعون، بإحسان، كما قال: ﴿والذين اتبعوهم بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة: 100] والصحيح: أنَّ الهجرة انقطعت بفتح مكَّة، لأنَّ مكة صارت بلد الإسلام. وقال الحسن: «الهجرة غير منقطعة أبداً» . وأما قوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ «لا هجْرةَ بعْدَ الفَتْحِ» فالمراد الهجرة المخصوصة، فإنَّها انقطعت بالفتح وبقوة الإسلام، أما لو اتفق في بعض الأمان كون المؤمنين في بلد، وهم قليلون، وللكافرين معهم شوكة، وإن هاجروا المسلمون من تلك البلدة إلى بلد آخر ضعفت شوكة الكفار فهاهنا تلزمهم الهجرة على ما قاله الحسن؛ لأنَّ العلة في الهجرة من مكة إلى المدينة قد حصلت فيهم. قوله ﴿فأولئك مِنكُمْ﴾ أي: معكم، يريد: أنتم منهم وهو منكم. ثم قال: ﴿وَأْوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله﴾ . قالوا: المراد بالولاية ولاية الميراث، قالوا هذه الآية ناسخة؛ لأنَّهُ تعالى بيَّن أنَّ الإرث كان بسبب الهجرة والنصرة، والآن بعد نسخ ذلك فلا يحصل الإرث إلاَّ بسبب القرابة. وقوله: ﴿فِي كِتَابِ الله﴾ أي: السهام المذكورة في سورة النّساء، وأمَّا الذين فسَّرثوا الولاية بالنَّصرة والتَّعظيم قالوا «: إنَّ تلك الولاية لمَّا كانت محتملة للولاية بسبب الميراث بين الله تعالى في هذه الآية أنَّ ولاية الإرث إنَّما تحصل بسبب القرابة، إلاَّ ما خصَّ الدليل، فيكون المقصود من هذا الكلام إزالة هذا الوهم. فصل تمسَّك أصحاب أبي حنيفة بهذه الآية في توريث ذوي الأرحام، وأجيبوا بأن قوله: ﴿وَأْوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ﴾ مجمل في الشيء الذي حصلت فيه هذه الأولوية. فلما قال: ﴿فِي كِتَابِ الله﴾ كان معناه في الحكم الذي بيَّنه اللَّهُ في كتابه فصارت هذه الأولوية مقيَّدة بالأحكام التي بيَّنها اللَّهُ في كتابه وتلك الأحكام ليست إلاَّ ميراث العصبات، فيكونُ المرادُ من هذه المجمل هو ذلك فقط، فلا يتعدَّى إلى توريث ذوي الأرحام. فإن قيل تمسكوا بهذه الآية في أن الإمام بعد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ هو علي بن أبي طالب، لقوله: ﴿وَأْوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: 75] فدل على ثبوت الأولوية، وليس في الآية شيء معين في ثبوت هذه الأولوية؛ فوجب حمله على الكل، إلاَّ ما خصّه الدَّليل، فيندرج فيه الإمامة، ولا يجوزُ أن يقال: إنَّ أبا بكر من أولي الأرحام، لما نقل أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ أعطاءه سورة براءة ليبلغها إلى القوم ثم بعت علياً خلفه وأمر أن يكون المبلغ هو علي، وقال:» لا يُؤدِّيها إلاَّ رجلٌ مِنِّي» وذلك يدلُّ على أنَّ أبا بكر ما كان منه. والجوابُ: إن صحَّت هذه الدلالة كان العباس أولى بالإمامةِ؛ لأنَّهُ كان أقرب إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مِنْ عليٍّ. قول: ﴿فِي كِتَابِ الله﴾ يجوزُ أن يتعلَّق بنصّ أولها أي: أحق في حكم الله أو في القرن، أو في اللوح المحفوظ، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ مضمر، أي: هذا الحكمُ المذكور في كتاب الله. ثم قال: ﴿إِنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: أنَّ هذه الأحكام التي ذكرتها وفصلتها كلها حكمة وصواب، وليس فيها شيء من العبث؛ لأنَّ العالم بجميع المعلومات لا يحكم إلاَّ بالصَّواب. روى أنس قال: قال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ سُورة الأنفال وبراءة فأنَّا شَفِيعٌ لَهُ يوم القيامة، وشاهد أنَّه بريءٌ منَ النِّفاق وأعطي من الأجْرِ بعددِ كُلِّ مُنافقٍ ومُنافِقَةٍ في دارِ الدُّنْيَا عشر حسناتٍ، ومُحِيَ عنه عشرُ سيئاتِ، ورفع لهُ عشرُ درجاتٍ، وكان العَرْشَ وحملته يُصَلُّون عليه أيَّام حياتِهِ في الدنيا» بسم الله الرحمن الرحيم سورة التوبة مدنية. وهي مائة وثلاثون آية، وأربعة آلاف وثمان وسبعون كلمة، وعشرة آلاف، وأربع مائة وثمان وثمانون حرفا. ولها عدة أسماء: " براءة، التوبة، المقشقشة، المبعثرة، المشردة، المخزية، الفاضحة، المثيرة، الحافزة، المنكلة، المدمدمة، سورة العذاب. قال الزمخشري: " لأن فيها التوبة على المؤمنين، وهي تقشقش من النفاق: أي تبرئ منه، وتبعثر عن أسرار المنافقين: تبحث عنها وتشهرها وتحفز عنها، وتفضحهم وتنكلهم وتشردهم، وتخزيهم، وتدمدم عليهم ". وعن حذيفة: إنكم تسمونها سورة التوبة، والله ما تركت أحدا إلا نالت منه. وعن ابن عباس في هذه السورة قال: إنها الفاضحة، ما زالت تنزل فيهم، وتريهم حتى خشينا أنها لا تدع أحدا، وسورة الأنفال نزلت في بدر، وسورة الحشر نزلت في بني النضير. (فصل في إسقاط التسمية من هذه السورة) في إسقاط التسمية من أولها وجوه: الأول: روى ابن عباس قال: قلت لعثمان بن عفان: ما حملكم على أن عمدتم إلى براءة وهي من المئين، وإلى الأنفال وهي من المثاني، فقرنتم بينهما وما فصلتم ب: بسم الله الرحمن الرحيم؟ قال: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كلما نزلت عليه سورة يقول: " ضعوها في موضع كذا " فكانت براءة من آخر القرآن نزولا، فتوفي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يبين موضعها، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، فقرنت بينهما. قال الن العربي " هذا دليل على أن القياس أصل في الدين؛ ألا ترى إلى عثمان بن عفان وأعيان الصحابة، كيف نحوا إلى قياس الشبه عند عدم النص، ورأوا أن قصة " براءة " شبيهة بقصة " الأنفال " فألحقوها بها؟ فإذا كان الله تعالى قد بين دخول القياس في تأليف القرآن فما ظنك بسائر الأحكام "؟ قال القاضي: " لا يبعد أن يقال: إنه عليه الصلاة والسلام بين كون هذه السورة تالية لسورة الأنفال؛ لأن القرآن مرتب من قبل الله تعالى، ومن قبل رسوله على الوجه الذي نقل، ولو جوزنا في بعض السور ألا يكون ترتيبها من الله تعالى على سبيل الوحي، لجوزنا مثله في سائر السورة، وفي آيات السورة الواحدة، وتجويزه يعضد ما يقوله الإمامية من تجويز الزيادة والنقصان في القرآن، وذلك يخرجه عن كونه حجة ". والصحيح: أنه عليه الصلاة والسلام أمر بوضع هذه السورة بعد سورة الأنفال وحيا، فإنه عليه الصلاة والسلام حذف " بسم الله الرحمن الرحيم " من أول هذه السورة وحيا. الوجه الثاني: روي عن أبي بن كعب أنه قال: إنما توهموا ذلك، لأن في الأنفال ذكر العهود، وفي براءة نبذ العهود، فوضعت إحداهما بجنب الأخرى، والسؤال المذكور عائد هنا، لأن هذا الوجه إنما يتم إذا قلنا: إنهم إنما وضعوا هذه السورة بعد الأنفال من قبل أنفسهم لهذه العلة. الوجه الثالث: أن الصحابة اختلفوا في أن سورة الأنفال، وسورة التوبة هل هما سورة واحدة أم سورتان؟ قال بعضهم: هما سورة واحدة؛ لأن كليهما نزلتا في القتال، ومجموعهما هذه السورة السابعة من الطوال، وهي سبع، وما بعدها المئون، وهذا قول ظاهر؛ لأنهما معا مائتان وست آيات، فهما بمنزلة سورة واحدة. ومنهم من قال سورتان، فلما ظهر الاختلاف من الصحابة في هذا الباب، تركوا بينهما فرجة تنبيها على قول من يقول هما سورتان، وما كتبوا " بسم الله الرحمن الرحيم " تنبيها على قول من يقول هما سورة واحدة، وعلى هذا القول لا يلزم منه تجويز مذهب الإمامية؛ لأنه لما وقع الاشتباه في هذا المعنى بين الصحابة لم يقطعوا بأحد القولين، وهذا يدل على أن هذا الاشتباه كان حاصلا، فلما لم يتسامحوا بهذا القدر من الشبهة دل على أنهم كانوا مشددين في ضبط القرآن عن التحريف والتغيير، وذلك يبطل قول الإمامية. الوجه الرابع: أنه تعالى ختم سورة الأنفال بإيجاب موالاة المؤمنين بعضهم بعضا، وأن يكونوا منقطعين عن الكفار بالكية. ثم إنه تعالى صرح بهذا المعنى في قوله: ﴿براءة من الله ورسوله﴾ فلما كان هذا عين ذلك الكلام، وتأكيدا له وتقريرا له، لزم الفاصل بينهما وكان إيقاع الفاصل بينهما تنبيها على كونهما سورتين متغايرتين، وترك كتابة البسملة تنبيها على أن هذا المعنى هو عين ذلك المعنى. الوجه الخامس: قال القرطبي: " قيل: إنه كان من شأن العرب في الجاهلية، إذا كان بينهم وبين قوم عهد فأرادوا نقضه كتبوا إليهم كتابا ولم يكتبوا فيه البسملة، فلما نزلت سورة براءة ينقض العهد الذي كان بين النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبين المشركين، أمر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بكتابته بغير بسملة، وبعث بها علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، فقرأها عليهم في الموسم ولم يبسمل على ما جرت به عادتهم في نقض العهد من ترك البسملة ". قال ابن عباس: سألت عليا - رضي الله عنه -: لم لم تكتب " بسم الله الرحمن الرحيم " ههنا؟ قال: لأن " بسم الله الرحمن الرحيم " أمان، وهذه السورة نزلت بالسيف ونبذ العهد، وليس فيها أمان. ويروى أن سفيان بن عيينة ذكر هذا المعنى وأكده بقوله تعالى: ﴿ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا﴾ [النساء: 94] فقيل له: أليس النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كتب إلى أهل الحرب " بسم الله الرحمن الرحيم "؟ فأجاب عنه: بأن ذلك ابتداء منه بدعوتهم إلى الله تعالى، ولم ينبذ إليهم عهدهم، ألا ترى أنه قال في آخر الكتاب ﴿والسلام على من اتبع الهدى﴾ [طه: 47] . وأما هذه السورة فقد اشتملت على المقاتلة ونبذ العهد، فظهر الفرق. الوجه السادس: قالت الشافعية: لعل الله تعالى لما علم من بعض الناس أنهم يتنازعون في كون " بسم الله الرحيم الرحيم " من القرآن، أمر بأن لا تكتب ههنا، ليدل ذلك على كونها آية من كل سورة، فإنها لما لم تكن آية من هذه السورة لا جرم لم تكتب وذلك يدل على أنها لما كتبت في أول سائر السور وجب كونها آية من كل سورة، وقد يعكس عليهم ذلك فيقال: لو كانت آية من كل سورة لما أسقطها من هذه السورة؟ . قال القرطبي: " وروي عن عثمان أيضا. وقاله مالك فيما رواه وهب وابن القاسم وابن عبد الحكم: أنه لما سقط أولها سقط " بسم الله الرحمن الرحيم " معا، وروي ذلك عن عجلان؛ أنه بلغه أن سورة " براءة " كانت تعدل البقرة أو قربها، فذهب منها؛ فلذلك لم يكتب بينهما " بسم الله الرحمن الرحيم " وقال سعيد بن جبير: كانت قبل سورة الطلاق البقرة ". قال القرطبي والصحيح أن البسملة لم تكتب؛ لأن جبريل - عليه الصلاة والسلام - ما نزل بها في هذه السورة، قاله القشيري ". وفي قول عثمان " قبض رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يبين لنا أنها منها " دليل على أن السور كلها انتظمت بقوله وتبيينه وأن " براءة " ضمت إلى الأنفال من غير عهد من النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لما عاجله من الحمام قبل تبيينه ذلك، وكانتا تدعيان القرينتين؛ فوجب أن تجمعا وتضم إحداهما إلى الأخرى؛ للوصف الذي لزمهما من الاقتران، ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حي.

الأنفال 8:74

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ﴾ الآية. اعلم أنَّهُ تعالى قسم المؤمنين في زمان الرسول - عليه الصَّلاة والسَّلام - إلى أربعة أقسام وذكر حكم كل واحد منهم، وتقرير هذه القسمة أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - لما ظهرت نبوته ودعا النَّاس إلى الدِّين، ثم انتقل من مكَّة إلى المدينة، فمنهم من وافقه في تلك الهجرة، ومنهم من لم يوافقه فيها بل بقي في مكة. أمَّا القسمُ الأوَّلُ: فهم المهاجرون الأوَّلُون، وقد وصفهم الله بقوله: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله﴾ وإنما قلنا: إن المراد بهم المهاجرون الأولون؛ لأنَّهُ تعالى قال بعد ذلك: ﴿والذين آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ﴾ وقال تعالى: ﴿لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفتح وَقَاتَلَ أولئك أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الذين أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَقَاتَلُواْ﴾ [الحديد: 10] . وقال: ﴿والسابقون الأولون مِنَ المهاجرين والأنصار﴾ [التوبة: 100] . القسم الثاني من الموجودين في زمان محمد - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وهم الأنصار؛ لأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ لمَّا هارج إليهم مع طائفة من أصحابه، فلولا أنَّهم آووا، ونصروا، وبذلوا النَّفٍ والمال في خدمة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وإصلاح مهمات أصحابه لما تمَّ المقصودُ ألبتَّة فحال المهاجر أعلى في الفضيلة من حال الأنصار؛ لنَّهم السَّابقون إلى الإيمان، وتحمَّلُوا العناء والمشقة دهراً طويلاً من كفَّار قريش، وصبروا على أذاهم، وهذه الحالةُ ما حصلت للأنصارِ، وفارقوا الأوطان، والأهل، والأموال، والجيران، ولم يحصل ذلك للأنصار، وأيضاً فإنَّ الأنصار اقتدوا بهم الإسلام، وهم السابقون للإيمان. ولمَّا ذكر الله تعالى هذين القسمين، قال: ﴿أولئك بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾ قال الواحديُّ عن ابن عباس وغيره من المفسرين «المراد في المرايث» وقالوا: جعل الله تعالى سببب الإرث الهجرة، والنصرة دون القرابة، وكان القريب الذي آمن ولم يهاجر لم يرث؛ لأنَّهُ لم يهاجر ولم ينصر. واعلم أنَّ لفظ الولاية غير مشعرٍ بهذا المعنى؛ لأنَّ اللفظ مشعر بالقرِ على ما تقرَّر في هذا الكتاب. ويقال: السلطانُ ولي من لا ولي له ولا يفيد الإريث. وقال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَآءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [يونس: 62] ولا يفيدُ الإرث بل الولاية تفيد القرب، فيمكن حمله على غير الإرث، وهو كون بعضهم معظماً للبعض، مهتماً بشأنه، مخصوصاً بمعاونته ومناصرته، وأن يكونوا يداً واحدة على الأعداء، فحمله على الإرث بعيد عن دلالة اللفظ، لا سيما وهم يقولون إن ذلك الحكم نسخ بقوله في آخر الآية: ﴿وَأْوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ﴾ . فأيُّ حاجة إلى حمل اللفظ على معنى لا إشعار لذلك اللفظ به، ثمَّ الحكم بأنَّهُ صار منسوخاً بآية أخرى مذكورة معه، هذا في غاية البعد، اللَّهم إذا حصل إجماع المفسرين على ذلك فيجب المصير إليه، إلاَّ أنَّ دعوى الإجماع بعيد. القسم الثالث: المؤمنون الذين لم يهاجروا وبقوا في مكة، وهم المراد بقوله ﴿والذين آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ﴾ فقال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حتى يُهَاجِرُواْ﴾ ، فالولاية المنفية في هذه الصُّورة، هي الولاية المثبتة في القسم المتقدم، فما قيل هناك قيل هنا. واحتج الذَّاهبون إلى أنَّ المراد من هذه الولاية الإرث، بأن قالوا: لا يجوزُ أن يكُون المراد منها ولاية النصرة والدلي عليه أنَّه تعالى عطف عليه قوله: ﴿وَإِنِ استنصروكم فِي الدين فَعَلَيْكُمُ النصر﴾ وذلك عبارة عن الموالاة في الدِّين، والمعطوف مغاير للمعطوف عليه فوجب أن يكون المراد بالولاية المذكورة أمراً مغايراً لمعنى النصرة، وهذا استدلال ضعيف لأنا إذَا حملنا تلك الولاية على التَّعظيم والإكرام، فهو أمرٌ مغاير للنصرة، لأنَّ الإنسان قد ينصر بعض أهل الذمة في بعض المهمات، مع أنه لا يواليه بمعنى التعظيم، وقد ينصر عبده وأمته بمعنى الإعانة، مع أنه لا يواليه بمعنى التعظيم، فسقط هذا الاستدلال. قوله: «مِن ولايتهم» قرأ حمزة هنا، وفي الكهف «الولاية لِلَّه» هو، والكسائي بكسر الواو، والباقون بفتحها. فقيل: لغتان. وقيل: بالفتحِ من «المَوْلَى» يقال: مَوْلَى بيِّن الولاية، وبالكسر من ولاية السلطان. قاله أبُو عبيد. وقيل: بالفتح من النُّصْرَة والنَّسب، وبالكسر من الإمارة. قاله الزَّجَّاجُ قال: «ويجوز الكسرُ؛ لأنَّ في تولِّي بعض القوم بعضاً جنساً من الصناعة والعمل، وكلُّ ما كان من جنس الصناعة مكسورٌ كالخياطية والقصارة» ، وقد خطَّأ الأصمعيُّ قراءة الكسرِ، وهو المُخْطِىءُ، لتواترها. وقال أبُو عبيدٍ: «والذي عندنا الأخْذُ بالفتح في هذين الحرفين؛ لأنَّ معناهما من الموالاة في الدِّين» . وقال الفارسي: «الفتحُ أجودُ؛ لأنَّها في الدِّينِ» ، وعكس الفرَّاءُ هذا، فقال «يُريدُ من مواريثهم، فكسر الواو أحبُّ إليَّ من فتحها؛ لأنها إنَّما تفتح إذا كانت نصرة وكان الكسائيُّ يذهبُ بفتحها إلى النصرة، وقد سُمع الفتح والكسر في المعنى جَمِيعاً» . قوله: «حتَّى يُهاجِرُوا» يُوهِمُ أنَّهم لمَّا لمْ يهاجروا مع رسُولِ الله سقطت ولايتهم مطلقاً فأزال الله هذا الوهم بقوله: ﴿مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حتى يُهَاجِرُواْ﴾ أي: أنهم لو هاجروا لعادت تلك الولاية. قوله تعالى: ﴿وَإِنِ استنصروكم فِي الدين فَعَلَيْكُمُ النصر﴾ . لمَّا بيَّن قطع الولاية بين تلك الطَّائفة من المؤمنين، بيَّن أنَّ المراد منه ليس هو المقاطعة التَّامة كما في حقِّ الكُفَّارِ، بل هؤلاء المؤمنون الذين لم يهاجروا «لو استنصروكم فانصروهم» ولا تخذلوهم. قوله: «فَعَليْكُم النَّصْرُ» مبتدأ وخبر، أو فعل وفاعل عند الأخفش، ولفظةُ «عَلَى» تُشعرُ بالوُجُوبِ، وكذلك قدَّره الزمخشريُّ، وشَبَّهه بقوله: [الطويل] 2741 - عَلَى مُكْثِريهِمْ رِزْقُ مَنْ يَعْتَريهم ... وعِنْدَ المُقلِّينَ السَّماحَةُ والبَذْلُ قوله: ﴿إِلاَّ على قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ﴾ أي: لا يجوز لكم نصرتهم عليهم إذ الميثاق مانع من ذلك. ثم قال: ﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ قرأ السلمي والأعرج: «يَعْمَلُون» بياء الغيبةِ وكأنه التفات، أو إخبار عنهم. قوله تعالى: ﴿والذين كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ﴾ الآية. اعلم أنَّ هذا لترتيبٌ في غاية الحسن؛ لأنَّهُ تعالى ذكر للمؤمنين أقساماً ثلاثة: الأول: المؤمنون من المهاجرين. والثاني: الأنصار وهم أفضل النَّاس وبيَّن أنه يجب أن يوالي بعضهم بعضاً. والقسم الثالث: المؤمنون الذين لم يهاجروا. فهؤلاء لهم بسب بإيمانهم فضل، وبسبب تركِ الهجرة لهم حالة نازلة، فيكون حكمهم متوسطاً بمعنى أنَّ الولاية للقسم الأوَّل منفية عن هذا القسم، إلاَّ أنَّهم يكونون بحيثُ لو استنصروا المؤمنين، واستعانوا بهم نصروهم وأعانوهم، فهذا الحكم متوسط بين الإجلال، والإذلال، وأمَّا الكفار فليس لهم ما يوجب شيئاً من أسباب الفضيلة، فوجب كون المسلمين منقطعين عنهم من كل الوجوه، فلا يكون بينهم ولاية ولا مناصرة. فصل قال ابن عباس «يرث المشركون بعضهم من بعض» وهذا إنما يستقيم إذا حملنا الولاية على الإريث، بل الحق أن يقال: إنَّ كفار قريش كانوا في غاية العداوة لليهود فلمَّا ظهرت دعوة محمد - عليه الصَّلاة والسَّلام - تناصروا وتعاونوا على إيذائه ومحاربته، فالمراد من الآية ذلك. قوله «إلاَّ تَفْعَلُوه» الهاءُ تعودُ إمَّا على النَّصرِ، أو الإرث، أو الميثاق، أي: حِفْظه أو على جميع ما تقدَّم ذكره، وهو معنى قول الزمخشري: «ألاَّ تفعلُوا ما أمرتكُم به» . وقرأ العامة «كبير» بالباء الموحدة، وقرأ الكسائيُّ فيما حكى عنه أبو موسى الحجازي «كثير» بالثَّاءِ المثلثة، وهذا قريب ممَّا في البقرة. والمعنى: قال ابن عبَّاسٍ: «ألاَّ تأخُذُوا في الميراثِ بِمَا أمرتُكُم بِهِ» وقال ابنُ جريجٍ: «إلاَّ تتعاونُوا وتتناصَرُوا» . وقال غيرهم: إن لم تفعلوا ما أمرتكم به في هذه التَّفاصيل المذكورة تحصل فتنة في الأرض، قوة الكفر، وفساد كبير، وضعف الإسلام. وبيان هذه الفتنة والفساد من وجوه: الأول: أنَّ المسلمين لو اختلطوا بالكفار في زمان ضعف المسلمين وقلة عددهم، وزمان قوة الكفار وكثرة عددهم فربما صارت تلك المخالطة سبباً لالتحاق المسلم بالكافر، وثانيها: أن المسلمين إذا تفرقوا لم يظهر لهم جمع عظيم، فيصير ذلك سبباً لجراءة الكفار عليهم. وثالثها: إذا اكن جمع المسلمين يزيد كل يوم في العدة والقوة، صار ذلك سبباً لمزيد رغبتهم في الإسلام ورغبة المخالف في الالتحاق بهم. قوله تعالى: ﴿والذين آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ﴾ . زعم بعضهم أنَّ هذه الجملة تكرار للتي قبلها، وليس كذلك، فإنَّ التي قبلها تضمنت ولاية بعضهم لبعض، وتقسيم المؤمنين إلى ثلاثة أقسام، وبيان حكمهم في ولايتهم، وتناصرهم وهذه تضمَّنت الثناء والتشريف والاختصاص، ومال آل إليه حالهم من المغفرة والرزق الكريم والمعنى: «أولئك هم المُؤمنونَ حقّاً» لا مرية ولا ريب في إيمانهم، وقيل: حققوا إيمانهم بالهجرة والجهاد وبذل المال في الدين، ﴿لَّهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ الجنة. فإن قيل: فأي معنى لهذا التكرار. قيل: المهاجرون كانوا على طبقات، وكان بعضهم أهل الهجرة الأولى، وهم الذين هاجروا قبل الحديبية، وبعضهم أهل الهجرة الثانية، وهم الذين هاجروا بعد صلح الحديبية قبل فتح مكَّة، وكان بعضهم ذا هجرتين، هجرة الحبشة، والهجرة إلى المدينة، فالمراد من الآية الأولى الهجرة الأولى ومن الثانية الهجرة الثانية. قوله تعالى: ﴿والذين آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ﴾ . هؤلاء هم القسم الرابع من مؤمني زمان محمد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ، الذين لم يوافقوا الرسول في الهجرة، إلاَّ أنهم بعد ذلك هاجروا إليه وجاهدوا معه. واختلفوا في قوله «مِنْ بعْدُ» فقال الواحدي، عن ابن عبَّاسٍ «بعد الحديبثة وهي الهجرة الثانية» . وقيل: بعد نزول هذه الآية، وقيل: بعد يوم بدر، والأصحُّ أنَّ المراد: والذين هاجروا بعد الهجرة الأولى، وهؤلاء هم التابعون، بإحسان، كما قال: ﴿والذين اتبعوهم بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة: 100] والصحيح: أنَّ الهجرة انقطعت بفتح مكَّة، لأنَّ مكة صارت بلد الإسلام. وقال الحسن: «الهجرة غير منقطعة أبداً» . وأما قوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ «لا هجْرةَ بعْدَ الفَتْحِ» فالمراد الهجرة المخصوصة، فإنَّها انقطعت بالفتح وبقوة الإسلام، أما لو اتفق في بعض الأمان كون المؤمنين في بلد، وهم قليلون، وللكافرين معهم شوكة، وإن هاجروا المسلمون من تلك البلدة إلى بلد آخر ضعفت شوكة الكفار فهاهنا تلزمهم الهجرة على ما قاله الحسن؛ لأنَّ العلة في الهجرة من مكة إلى المدينة قد حصلت فيهم. قوله ﴿فأولئك مِنكُمْ﴾ أي: معكم، يريد: أنتم منهم وهو منكم. ثم قال: ﴿وَأْوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله﴾ . قالوا: المراد بالولاية ولاية الميراث، قالوا هذه الآية ناسخة؛ لأنَّهُ تعالى بيَّن أنَّ الإرث كان بسبب الهجرة والنصرة، والآن بعد نسخ ذلك فلا يحصل الإرث إلاَّ بسبب القرابة. وقوله: ﴿فِي كِتَابِ الله﴾ أي: السهام المذكورة في سورة النّساء، وأمَّا الذين فسَّرثوا الولاية بالنَّصرة والتَّعظيم قالوا «: إنَّ تلك الولاية لمَّا كانت محتملة للولاية بسبب الميراث بين الله تعالى في هذه الآية أنَّ ولاية الإرث إنَّما تحصل بسبب القرابة، إلاَّ ما خصَّ الدليل، فيكون المقصود من هذا الكلام إزالة هذا الوهم. فصل تمسَّك أصحاب أبي حنيفة بهذه الآية في توريث ذوي الأرحام، وأجيبوا بأن قوله: ﴿وَأْوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ﴾ مجمل في الشيء الذي حصلت فيه هذه الأولوية. فلما قال: ﴿فِي كِتَابِ الله﴾ كان معناه في الحكم الذي بيَّنه اللَّهُ في كتابه فصارت هذه الأولوية مقيَّدة بالأحكام التي بيَّنها اللَّهُ في كتابه وتلك الأحكام ليست إلاَّ ميراث العصبات، فيكونُ المرادُ من هذه المجمل هو ذلك فقط، فلا يتعدَّى إلى توريث ذوي الأرحام. فإن قيل تمسكوا بهذه الآية في أن الإمام بعد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ هو علي بن أبي طالب، لقوله: ﴿وَأْوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: 75] فدل على ثبوت الأولوية، وليس في الآية شيء معين في ثبوت هذه الأولوية؛ فوجب حمله على الكل، إلاَّ ما خصّه الدَّليل، فيندرج فيه الإمامة، ولا يجوزُ أن يقال: إنَّ أبا بكر من أولي الأرحام، لما نقل أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ أعطاءه سورة براءة ليبلغها إلى القوم ثم بعت علياً خلفه وأمر أن يكون المبلغ هو علي، وقال:» لا يُؤدِّيها إلاَّ رجلٌ مِنِّي» وذلك يدلُّ على أنَّ أبا بكر ما كان منه. والجوابُ: إن صحَّت هذه الدلالة كان العباس أولى بالإمامةِ؛ لأنَّهُ كان أقرب إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مِنْ عليٍّ. قول: ﴿فِي كِتَابِ الله﴾ يجوزُ أن يتعلَّق بنصّ أولها أي: أحق في حكم الله أو في القرن، أو في اللوح المحفوظ، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ مضمر، أي: هذا الحكمُ المذكور في كتاب الله. ثم قال: ﴿إِنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: أنَّ هذه الأحكام التي ذكرتها وفصلتها كلها حكمة وصواب، وليس فيها شيء من العبث؛ لأنَّ العالم بجميع المعلومات لا يحكم إلاَّ بالصَّواب. روى أنس قال: قال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ سُورة الأنفال وبراءة فأنَّا شَفِيعٌ لَهُ يوم القيامة، وشاهد أنَّه بريءٌ منَ النِّفاق وأعطي من الأجْرِ بعددِ كُلِّ مُنافقٍ ومُنافِقَةٍ في دارِ الدُّنْيَا عشر حسناتٍ، ومُحِيَ عنه عشرُ سيئاتِ، ورفع لهُ عشرُ درجاتٍ، وكان العَرْشَ وحملته يُصَلُّون عليه أيَّام حياتِهِ في الدنيا» بسم الله الرحمن الرحيم سورة التوبة مدنية. وهي مائة وثلاثون آية، وأربعة آلاف وثمان وسبعون كلمة، وعشرة آلاف، وأربع مائة وثمان وثمانون حرفا. ولها عدة أسماء: " براءة، التوبة، المقشقشة، المبعثرة، المشردة، المخزية، الفاضحة، المثيرة، الحافزة، المنكلة، المدمدمة، سورة العذاب. قال الزمخشري: " لأن فيها التوبة على المؤمنين، وهي تقشقش من النفاق: أي تبرئ منه، وتبعثر عن أسرار المنافقين: تبحث عنها وتشهرها وتحفز عنها، وتفضحهم وتنكلهم وتشردهم، وتخزيهم، وتدمدم عليهم ". وعن حذيفة: إنكم تسمونها سورة التوبة، والله ما تركت أحدا إلا نالت منه. وعن ابن عباس في هذه السورة قال: إنها الفاضحة، ما زالت تنزل فيهم، وتريهم حتى خشينا أنها لا تدع أحدا، وسورة الأنفال نزلت في بدر، وسورة الحشر نزلت في بني النضير. (فصل في إسقاط التسمية من هذه السورة) في إسقاط التسمية من أولها وجوه: الأول: روى ابن عباس قال: قلت لعثمان بن عفان: ما حملكم على أن عمدتم إلى براءة وهي من المئين، وإلى الأنفال وهي من المثاني، فقرنتم بينهما وما فصلتم ب: بسم الله الرحمن الرحيم؟ قال: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كلما نزلت عليه سورة يقول: " ضعوها في موضع كذا " فكانت براءة من آخر القرآن نزولا، فتوفي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يبين موضعها، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، فقرنت بينهما. قال الن العربي " هذا دليل على أن القياس أصل في الدين؛ ألا ترى إلى عثمان بن عفان وأعيان الصحابة، كيف نحوا إلى قياس الشبه عند عدم النص، ورأوا أن قصة " براءة " شبيهة بقصة " الأنفال " فألحقوها بها؟ فإذا كان الله تعالى قد بين دخول القياس في تأليف القرآن فما ظنك بسائر الأحكام "؟ قال القاضي: " لا يبعد أن يقال: إنه عليه الصلاة والسلام بين كون هذه السورة تالية لسورة الأنفال؛ لأن القرآن مرتب من قبل الله تعالى، ومن قبل رسوله على الوجه الذي نقل، ولو جوزنا في بعض السور ألا يكون ترتيبها من الله تعالى على سبيل الوحي، لجوزنا مثله في سائر السورة، وفي آيات السورة الواحدة، وتجويزه يعضد ما يقوله الإمامية من تجويز الزيادة والنقصان في القرآن، وذلك يخرجه عن كونه حجة ". والصحيح: أنه عليه الصلاة والسلام أمر بوضع هذه السورة بعد سورة الأنفال وحيا، فإنه عليه الصلاة والسلام حذف " بسم الله الرحمن الرحيم " من أول هذه السورة وحيا. الوجه الثاني: روي عن أبي بن كعب أنه قال: إنما توهموا ذلك، لأن في الأنفال ذكر العهود، وفي براءة نبذ العهود، فوضعت إحداهما بجنب الأخرى، والسؤال المذكور عائد هنا، لأن هذا الوجه إنما يتم إذا قلنا: إنهم إنما وضعوا هذه السورة بعد الأنفال من قبل أنفسهم لهذه العلة. الوجه الثالث: أن الصحابة اختلفوا في أن سورة الأنفال، وسورة التوبة هل هما سورة واحدة أم سورتان؟ قال بعضهم: هما سورة واحدة؛ لأن كليهما نزلتا في القتال، ومجموعهما هذه السورة السابعة من الطوال، وهي سبع، وما بعدها المئون، وهذا قول ظاهر؛ لأنهما معا مائتان وست آيات، فهما بمنزلة سورة واحدة. ومنهم من قال سورتان، فلما ظهر الاختلاف من الصحابة في هذا الباب، تركوا بينهما فرجة تنبيها على قول من يقول هما سورتان، وما كتبوا " بسم الله الرحمن الرحيم " تنبيها على قول من يقول هما سورة واحدة، وعلى هذا القول لا يلزم منه تجويز مذهب الإمامية؛ لأنه لما وقع الاشتباه في هذا المعنى بين الصحابة لم يقطعوا بأحد القولين، وهذا يدل على أن هذا الاشتباه كان حاصلا، فلما لم يتسامحوا بهذا القدر من الشبهة دل على أنهم كانوا مشددين في ضبط القرآن عن التحريف والتغيير، وذلك يبطل قول الإمامية. الوجه الرابع: أنه تعالى ختم سورة الأنفال بإيجاب موالاة المؤمنين بعضهم بعضا، وأن يكونوا منقطعين عن الكفار بالكية. ثم إنه تعالى صرح بهذا المعنى في قوله: ﴿براءة من الله ورسوله﴾ فلما كان هذا عين ذلك الكلام، وتأكيدا له وتقريرا له، لزم الفاصل بينهما وكان إيقاع الفاصل بينهما تنبيها على كونهما سورتين متغايرتين، وترك كتابة البسملة تنبيها على أن هذا المعنى هو عين ذلك المعنى. الوجه الخامس: قال القرطبي: " قيل: إنه كان من شأن العرب في الجاهلية، إذا كان بينهم وبين قوم عهد فأرادوا نقضه كتبوا إليهم كتابا ولم يكتبوا فيه البسملة، فلما نزلت سورة براءة ينقض العهد الذي كان بين النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبين المشركين، أمر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بكتابته بغير بسملة، وبعث بها علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، فقرأها عليهم في الموسم ولم يبسمل على ما جرت به عادتهم في نقض العهد من ترك البسملة ". قال ابن عباس: سألت عليا - رضي الله عنه -: لم لم تكتب " بسم الله الرحمن الرحيم " ههنا؟ قال: لأن " بسم الله الرحمن الرحيم " أمان، وهذه السورة نزلت بالسيف ونبذ العهد، وليس فيها أمان. ويروى أن سفيان بن عيينة ذكر هذا المعنى وأكده بقوله تعالى: ﴿ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا﴾ [النساء: 94] فقيل له: أليس النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كتب إلى أهل الحرب " بسم الله الرحمن الرحيم "؟ فأجاب عنه: بأن ذلك ابتداء منه بدعوتهم إلى الله تعالى، ولم ينبذ إليهم عهدهم، ألا ترى أنه قال في آخر الكتاب ﴿والسلام على من اتبع الهدى﴾ [طه: 47] . وأما هذه السورة فقد اشتملت على المقاتلة ونبذ العهد، فظهر الفرق. الوجه السادس: قالت الشافعية: لعل الله تعالى لما علم من بعض الناس أنهم يتنازعون في كون " بسم الله الرحيم الرحيم " من القرآن، أمر بأن لا تكتب ههنا، ليدل ذلك على كونها آية من كل سورة، فإنها لما لم تكن آية من هذه السورة لا جرم لم تكتب وذلك يدل على أنها لما كتبت في أول سائر السور وجب كونها آية من كل سورة، وقد يعكس عليهم ذلك فيقال: لو كانت آية من كل سورة لما أسقطها من هذه السورة؟ . قال القرطبي: " وروي عن عثمان أيضا. وقاله مالك فيما رواه وهب وابن القاسم وابن عبد الحكم: أنه لما سقط أولها سقط " بسم الله الرحمن الرحيم " معا، وروي ذلك عن عجلان؛ أنه بلغه أن سورة " براءة " كانت تعدل البقرة أو قربها، فذهب منها؛ فلذلك لم يكتب بينهما " بسم الله الرحمن الرحيم " وقال سعيد بن جبير: كانت قبل سورة الطلاق البقرة ". قال القرطبي والصحيح أن البسملة لم تكتب؛ لأن جبريل - عليه الصلاة والسلام - ما نزل بها في هذه السورة، قاله القشيري ". وفي قول عثمان " قبض رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يبين لنا أنها منها " دليل على أن السور كلها انتظمت بقوله وتبيينه وأن " براءة " ضمت إلى الأنفال من غير عهد من النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لما عاجله من الحمام قبل تبيينه ذلك، وكانتا تدعيان القرينتين؛ فوجب أن تجمعا وتضم إحداهما إلى الأخرى؛ للوصف الذي لزمهما من الاقتران، ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حي.

الأنفال 8:75

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ﴾ الآية. اعلم أنَّهُ تعالى قسم المؤمنين في زمان الرسول - عليه الصَّلاة والسَّلام - إلى أربعة أقسام وذكر حكم كل واحد منهم، وتقرير هذه القسمة أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - لما ظهرت نبوته ودعا النَّاس إلى الدِّين، ثم انتقل من مكَّة إلى المدينة، فمنهم من وافقه في تلك الهجرة، ومنهم من لم يوافقه فيها بل بقي في مكة. أمَّا القسمُ الأوَّلُ: فهم المهاجرون الأوَّلُون، وقد وصفهم الله بقوله: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله﴾ وإنما قلنا: إن المراد بهم المهاجرون الأولون؛ لأنَّهُ تعالى قال بعد ذلك: ﴿والذين آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ﴾ وقال تعالى: ﴿لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفتح وَقَاتَلَ أولئك أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الذين أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَقَاتَلُواْ﴾ [الحديد: 10] . وقال: ﴿والسابقون الأولون مِنَ المهاجرين والأنصار﴾ [التوبة: 100] . القسم الثاني من الموجودين في زمان محمد - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وهم الأنصار؛ لأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ لمَّا هارج إليهم مع طائفة من أصحابه، فلولا أنَّهم آووا، ونصروا، وبذلوا النَّفٍ والمال في خدمة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وإصلاح مهمات أصحابه لما تمَّ المقصودُ ألبتَّة فحال المهاجر أعلى في الفضيلة من حال الأنصار؛ لنَّهم السَّابقون إلى الإيمان، وتحمَّلُوا العناء والمشقة دهراً طويلاً من كفَّار قريش، وصبروا على أذاهم، وهذه الحالةُ ما حصلت للأنصارِ، وفارقوا الأوطان، والأهل، والأموال، والجيران، ولم يحصل ذلك للأنصار، وأيضاً فإنَّ الأنصار اقتدوا بهم الإسلام، وهم السابقون للإيمان. ولمَّا ذكر الله تعالى هذين القسمين، قال: ﴿أولئك بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾ قال الواحديُّ عن ابن عباس وغيره من المفسرين «المراد في المرايث» وقالوا: جعل الله تعالى سببب الإرث الهجرة، والنصرة دون القرابة، وكان القريب الذي آمن ولم يهاجر لم يرث؛ لأنَّهُ لم يهاجر ولم ينصر. واعلم أنَّ لفظ الولاية غير مشعرٍ بهذا المعنى؛ لأنَّ اللفظ مشعر بالقرِ على ما تقرَّر في هذا الكتاب. ويقال: السلطانُ ولي من لا ولي له ولا يفيد الإريث. وقال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَآءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [يونس: 62] ولا يفيدُ الإرث بل الولاية تفيد القرب، فيمكن حمله على غير الإرث، وهو كون بعضهم معظماً للبعض، مهتماً بشأنه، مخصوصاً بمعاونته ومناصرته، وأن يكونوا يداً واحدة على الأعداء، فحمله على الإرث بعيد عن دلالة اللفظ، لا سيما وهم يقولون إن ذلك الحكم نسخ بقوله في آخر الآية: ﴿وَأْوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ﴾ . فأيُّ حاجة إلى حمل اللفظ على معنى لا إشعار لذلك اللفظ به، ثمَّ الحكم بأنَّهُ صار منسوخاً بآية أخرى مذكورة معه، هذا في غاية البعد، اللَّهم إذا حصل إجماع المفسرين على ذلك فيجب المصير إليه، إلاَّ أنَّ دعوى الإجماع بعيد. القسم الثالث: المؤمنون الذين لم يهاجروا وبقوا في مكة، وهم المراد بقوله ﴿والذين آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ﴾ فقال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حتى يُهَاجِرُواْ﴾ ، فالولاية المنفية في هذه الصُّورة، هي الولاية المثبتة في القسم المتقدم، فما قيل هناك قيل هنا. واحتج الذَّاهبون إلى أنَّ المراد من هذه الولاية الإرث، بأن قالوا: لا يجوزُ أن يكُون المراد منها ولاية النصرة والدلي عليه أنَّه تعالى عطف عليه قوله: ﴿وَإِنِ استنصروكم فِي الدين فَعَلَيْكُمُ النصر﴾ وذلك عبارة عن الموالاة في الدِّين، والمعطوف مغاير للمعطوف عليه فوجب أن يكون المراد بالولاية المذكورة أمراً مغايراً لمعنى النصرة، وهذا استدلال ضعيف لأنا إذَا حملنا تلك الولاية على التَّعظيم والإكرام، فهو أمرٌ مغاير للنصرة، لأنَّ الإنسان قد ينصر بعض أهل الذمة في بعض المهمات، مع أنه لا يواليه بمعنى التعظيم، وقد ينصر عبده وأمته بمعنى الإعانة، مع أنه لا يواليه بمعنى التعظيم، فسقط هذا الاستدلال. قوله: «مِن ولايتهم» قرأ حمزة هنا، وفي الكهف «الولاية لِلَّه» هو، والكسائي بكسر الواو، والباقون بفتحها. فقيل: لغتان. وقيل: بالفتحِ من «المَوْلَى» يقال: مَوْلَى بيِّن الولاية، وبالكسر من ولاية السلطان. قاله أبُو عبيد. وقيل: بالفتح من النُّصْرَة والنَّسب، وبالكسر من الإمارة. قاله الزَّجَّاجُ قال: «ويجوز الكسرُ؛ لأنَّ في تولِّي بعض القوم بعضاً جنساً من الصناعة والعمل، وكلُّ ما كان من جنس الصناعة مكسورٌ كالخياطية والقصارة» ، وقد خطَّأ الأصمعيُّ قراءة الكسرِ، وهو المُخْطِىءُ، لتواترها. وقال أبُو عبيدٍ: «والذي عندنا الأخْذُ بالفتح في هذين الحرفين؛ لأنَّ معناهما من الموالاة في الدِّين» . وقال الفارسي: «الفتحُ أجودُ؛ لأنَّها في الدِّينِ» ، وعكس الفرَّاءُ هذا، فقال «يُريدُ من مواريثهم، فكسر الواو أحبُّ إليَّ من فتحها؛ لأنها إنَّما تفتح إذا كانت نصرة وكان الكسائيُّ يذهبُ بفتحها إلى النصرة، وقد سُمع الفتح والكسر في المعنى جَمِيعاً» . قوله: «حتَّى يُهاجِرُوا» يُوهِمُ أنَّهم لمَّا لمْ يهاجروا مع رسُولِ الله سقطت ولايتهم مطلقاً فأزال الله هذا الوهم بقوله: ﴿مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حتى يُهَاجِرُواْ﴾ أي: أنهم لو هاجروا لعادت تلك الولاية. قوله تعالى: ﴿وَإِنِ استنصروكم فِي الدين فَعَلَيْكُمُ النصر﴾ . لمَّا بيَّن قطع الولاية بين تلك الطَّائفة من المؤمنين، بيَّن أنَّ المراد منه ليس هو المقاطعة التَّامة كما في حقِّ الكُفَّارِ، بل هؤلاء المؤمنون الذين لم يهاجروا «لو استنصروكم فانصروهم» ولا تخذلوهم. قوله: «فَعَليْكُم النَّصْرُ» مبتدأ وخبر، أو فعل وفاعل عند الأخفش، ولفظةُ «عَلَى» تُشعرُ بالوُجُوبِ، وكذلك قدَّره الزمخشريُّ، وشَبَّهه بقوله: [الطويل] 2741 - عَلَى مُكْثِريهِمْ رِزْقُ مَنْ يَعْتَريهم ... وعِنْدَ المُقلِّينَ السَّماحَةُ والبَذْلُ قوله: ﴿إِلاَّ على قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ﴾ أي: لا يجوز لكم نصرتهم عليهم إذ الميثاق مانع من ذلك. ثم قال: ﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ قرأ السلمي والأعرج: «يَعْمَلُون» بياء الغيبةِ وكأنه التفات، أو إخبار عنهم. قوله تعالى: ﴿والذين كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ﴾ الآية. اعلم أنَّ هذا لترتيبٌ في غاية الحسن؛ لأنَّهُ تعالى ذكر للمؤمنين أقساماً ثلاثة: الأول: المؤمنون من المهاجرين. والثاني: الأنصار وهم أفضل النَّاس وبيَّن أنه يجب أن يوالي بعضهم بعضاً. والقسم الثالث: المؤمنون الذين لم يهاجروا. فهؤلاء لهم بسب بإيمانهم فضل، وبسبب تركِ الهجرة لهم حالة نازلة، فيكون حكمهم متوسطاً بمعنى أنَّ الولاية للقسم الأوَّل منفية عن هذا القسم، إلاَّ أنَّهم يكونون بحيثُ لو استنصروا المؤمنين، واستعانوا بهم نصروهم وأعانوهم، فهذا الحكم متوسط بين الإجلال، والإذلال، وأمَّا الكفار فليس لهم ما يوجب شيئاً من أسباب الفضيلة، فوجب كون المسلمين منقطعين عنهم من كل الوجوه، فلا يكون بينهم ولاية ولا مناصرة. فصل قال ابن عباس «يرث المشركون بعضهم من بعض» وهذا إنما يستقيم إذا حملنا الولاية على الإريث، بل الحق أن يقال: إنَّ كفار قريش كانوا في غاية العداوة لليهود فلمَّا ظهرت دعوة محمد - عليه الصَّلاة والسَّلام - تناصروا وتعاونوا على إيذائه ومحاربته، فالمراد من الآية ذلك. قوله «إلاَّ تَفْعَلُوه» الهاءُ تعودُ إمَّا على النَّصرِ، أو الإرث، أو الميثاق، أي: حِفْظه أو على جميع ما تقدَّم ذكره، وهو معنى قول الزمخشري: «ألاَّ تفعلُوا ما أمرتكُم به» . وقرأ العامة «كبير» بالباء الموحدة، وقرأ الكسائيُّ فيما حكى عنه أبو موسى الحجازي «كثير» بالثَّاءِ المثلثة، وهذا قريب ممَّا في البقرة. والمعنى: قال ابن عبَّاسٍ: «ألاَّ تأخُذُوا في الميراثِ بِمَا أمرتُكُم بِهِ» وقال ابنُ جريجٍ: «إلاَّ تتعاونُوا وتتناصَرُوا» . وقال غيرهم: إن لم تفعلوا ما أمرتكم به في هذه التَّفاصيل المذكورة تحصل فتنة في الأرض، قوة الكفر، وفساد كبير، وضعف الإسلام. وبيان هذه الفتنة والفساد من وجوه: الأول: أنَّ المسلمين لو اختلطوا بالكفار في زمان ضعف المسلمين وقلة عددهم، وزمان قوة الكفار وكثرة عددهم فربما صارت تلك المخالطة سبباً لالتحاق المسلم بالكافر، وثانيها: أن المسلمين إذا تفرقوا لم يظهر لهم جمع عظيم، فيصير ذلك سبباً لجراءة الكفار عليهم. وثالثها: إذا اكن جمع المسلمين يزيد كل يوم في العدة والقوة، صار ذلك سبباً لمزيد رغبتهم في الإسلام ورغبة المخالف في الالتحاق بهم. قوله تعالى: ﴿والذين آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ﴾ . زعم بعضهم أنَّ هذه الجملة تكرار للتي قبلها، وليس كذلك، فإنَّ التي قبلها تضمنت ولاية بعضهم لبعض، وتقسيم المؤمنين إلى ثلاثة أقسام، وبيان حكمهم في ولايتهم، وتناصرهم وهذه تضمَّنت الثناء والتشريف والاختصاص، ومال آل إليه حالهم من المغفرة والرزق الكريم والمعنى: «أولئك هم المُؤمنونَ حقّاً» لا مرية ولا ريب في إيمانهم، وقيل: حققوا إيمانهم بالهجرة والجهاد وبذل المال في الدين، ﴿لَّهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ الجنة. فإن قيل: فأي معنى لهذا التكرار. قيل: المهاجرون كانوا على طبقات، وكان بعضهم أهل الهجرة الأولى، وهم الذين هاجروا قبل الحديبية، وبعضهم أهل الهجرة الثانية، وهم الذين هاجروا بعد صلح الحديبية قبل فتح مكَّة، وكان بعضهم ذا هجرتين، هجرة الحبشة، والهجرة إلى المدينة، فالمراد من الآية الأولى الهجرة الأولى ومن الثانية الهجرة الثانية. قوله تعالى: ﴿والذين آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ﴾ . هؤلاء هم القسم الرابع من مؤمني زمان محمد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ، الذين لم يوافقوا الرسول في الهجرة، إلاَّ أنهم بعد ذلك هاجروا إليه وجاهدوا معه. واختلفوا في قوله «مِنْ بعْدُ» فقال الواحدي، عن ابن عبَّاسٍ «بعد الحديبثة وهي الهجرة الثانية» . وقيل: بعد نزول هذه الآية، وقيل: بعد يوم بدر، والأصحُّ أنَّ المراد: والذين هاجروا بعد الهجرة الأولى، وهؤلاء هم التابعون، بإحسان، كما قال: ﴿والذين اتبعوهم بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة: 100] والصحيح: أنَّ الهجرة انقطعت بفتح مكَّة، لأنَّ مكة صارت بلد الإسلام. وقال الحسن: «الهجرة غير منقطعة أبداً» . وأما قوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ «لا هجْرةَ بعْدَ الفَتْحِ» فالمراد الهجرة المخصوصة، فإنَّها انقطعت بالفتح وبقوة الإسلام، أما لو اتفق في بعض الأمان كون المؤمنين في بلد، وهم قليلون، وللكافرين معهم شوكة، وإن هاجروا المسلمون من تلك البلدة إلى بلد آخر ضعفت شوكة الكفار فهاهنا تلزمهم الهجرة على ما قاله الحسن؛ لأنَّ العلة في الهجرة من مكة إلى المدينة قد حصلت فيهم. قوله ﴿فأولئك مِنكُمْ﴾ أي: معكم، يريد: أنتم منهم وهو منكم. ثم قال: ﴿وَأْوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله﴾ . قالوا: المراد بالولاية ولاية الميراث، قالوا هذه الآية ناسخة؛ لأنَّهُ تعالى بيَّن أنَّ الإرث كان بسبب الهجرة والنصرة، والآن بعد نسخ ذلك فلا يحصل الإرث إلاَّ بسبب القرابة. وقوله: ﴿فِي كِتَابِ الله﴾ أي: السهام المذكورة في سورة النّساء، وأمَّا الذين فسَّرثوا الولاية بالنَّصرة والتَّعظيم قالوا «: إنَّ تلك الولاية لمَّا كانت محتملة للولاية بسبب الميراث بين الله تعالى في هذه الآية أنَّ ولاية الإرث إنَّما تحصل بسبب القرابة، إلاَّ ما خصَّ الدليل، فيكون المقصود من هذا الكلام إزالة هذا الوهم. فصل تمسَّك أصحاب أبي حنيفة بهذه الآية في توريث ذوي الأرحام، وأجيبوا بأن قوله: ﴿وَأْوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ﴾ مجمل في الشيء الذي حصلت فيه هذه الأولوية. فلما قال: ﴿فِي كِتَابِ الله﴾ كان معناه في الحكم الذي بيَّنه اللَّهُ في كتابه فصارت هذه الأولوية مقيَّدة بالأحكام التي بيَّنها اللَّهُ في كتابه وتلك الأحكام ليست إلاَّ ميراث العصبات، فيكونُ المرادُ من هذه المجمل هو ذلك فقط، فلا يتعدَّى إلى توريث ذوي الأرحام. فإن قيل تمسكوا بهذه الآية في أن الإمام بعد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ هو علي بن أبي طالب، لقوله: ﴿وَأْوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: 75] فدل على ثبوت الأولوية، وليس في الآية شيء معين في ثبوت هذه الأولوية؛ فوجب حمله على الكل، إلاَّ ما خصّه الدَّليل، فيندرج فيه الإمامة، ولا يجوزُ أن يقال: إنَّ أبا بكر من أولي الأرحام، لما نقل أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ أعطاءه سورة براءة ليبلغها إلى القوم ثم بعت علياً خلفه وأمر أن يكون المبلغ هو علي، وقال:» لا يُؤدِّيها إلاَّ رجلٌ مِنِّي» وذلك يدلُّ على أنَّ أبا بكر ما كان منه. والجوابُ: إن صحَّت هذه الدلالة كان العباس أولى بالإمامةِ؛ لأنَّهُ كان أقرب إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مِنْ عليٍّ. قول: ﴿فِي كِتَابِ الله﴾ يجوزُ أن يتعلَّق بنصّ أولها أي: أحق في حكم الله أو في القرن، أو في اللوح المحفوظ، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ مضمر، أي: هذا الحكمُ المذكور في كتاب الله. ثم قال: ﴿إِنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: أنَّ هذه الأحكام التي ذكرتها وفصلتها كلها حكمة وصواب، وليس فيها شيء من العبث؛ لأنَّ العالم بجميع المعلومات لا يحكم إلاَّ بالصَّواب. روى أنس قال: قال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ سُورة الأنفال وبراءة فأنَّا شَفِيعٌ لَهُ يوم القيامة، وشاهد أنَّه بريءٌ منَ النِّفاق وأعطي من الأجْرِ بعددِ كُلِّ مُنافقٍ ومُنافِقَةٍ في دارِ الدُّنْيَا عشر حسناتٍ، ومُحِيَ عنه عشرُ سيئاتِ، ورفع لهُ عشرُ درجاتٍ، وكان العَرْشَ وحملته يُصَلُّون عليه أيَّام حياتِهِ في الدنيا» بسم الله الرحمن الرحيم سورة التوبة مدنية. وهي مائة وثلاثون آية، وأربعة آلاف وثمان وسبعون كلمة، وعشرة آلاف، وأربع مائة وثمان وثمانون حرفا. ولها عدة أسماء: " براءة، التوبة، المقشقشة، المبعثرة، المشردة، المخزية، الفاضحة، المثيرة، الحافزة، المنكلة، المدمدمة، سورة العذاب. قال الزمخشري: " لأن فيها التوبة على المؤمنين، وهي تقشقش من النفاق: أي تبرئ منه، وتبعثر عن أسرار المنافقين: تبحث عنها وتشهرها وتحفز عنها، وتفضحهم وتنكلهم وتشردهم، وتخزيهم، وتدمدم عليهم ". وعن حذيفة: إنكم تسمونها سورة التوبة، والله ما تركت أحدا إلا نالت منه. وعن ابن عباس في هذه السورة قال: إنها الفاضحة، ما زالت تنزل فيهم، وتريهم حتى خشينا أنها لا تدع أحدا، وسورة الأنفال نزلت في بدر، وسورة الحشر نزلت في بني النضير. (فصل في إسقاط التسمية من هذه السورة) في إسقاط التسمية من أولها وجوه: الأول: روى ابن عباس قال: قلت لعثمان بن عفان: ما حملكم على أن عمدتم إلى براءة وهي من المئين، وإلى الأنفال وهي من المثاني، فقرنتم بينهما وما فصلتم ب: بسم الله الرحمن الرحيم؟ قال: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كلما نزلت عليه سورة يقول: " ضعوها في موضع كذا " فكانت براءة من آخر القرآن نزولا، فتوفي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يبين موضعها، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، فقرنت بينهما. قال الن العربي " هذا دليل على أن القياس أصل في الدين؛ ألا ترى إلى عثمان بن عفان وأعيان الصحابة، كيف نحوا إلى قياس الشبه عند عدم النص، ورأوا أن قصة " براءة " شبيهة بقصة " الأنفال " فألحقوها بها؟ فإذا كان الله تعالى قد بين دخول القياس في تأليف القرآن فما ظنك بسائر الأحكام "؟ قال القاضي: " لا يبعد أن يقال: إنه عليه الصلاة والسلام بين كون هذه السورة تالية لسورة الأنفال؛ لأن القرآن مرتب من قبل الله تعالى، ومن قبل رسوله على الوجه الذي نقل، ولو جوزنا في بعض السور ألا يكون ترتيبها من الله تعالى على سبيل الوحي، لجوزنا مثله في سائر السورة، وفي آيات السورة الواحدة، وتجويزه يعضد ما يقوله الإمامية من تجويز الزيادة والنقصان في القرآن، وذلك يخرجه عن كونه حجة ". والصحيح: أنه عليه الصلاة والسلام أمر بوضع هذه السورة بعد سورة الأنفال وحيا، فإنه عليه الصلاة والسلام حذف " بسم الله الرحمن الرحيم " من أول هذه السورة وحيا. الوجه الثاني: روي عن أبي بن كعب أنه قال: إنما توهموا ذلك، لأن في الأنفال ذكر العهود، وفي براءة نبذ العهود، فوضعت إحداهما بجنب الأخرى، والسؤال المذكور عائد هنا، لأن هذا الوجه إنما يتم إذا قلنا: إنهم إنما وضعوا هذه السورة بعد الأنفال من قبل أنفسهم لهذه العلة. الوجه الثالث: أن الصحابة اختلفوا في أن سورة الأنفال، وسورة التوبة هل هما سورة واحدة أم سورتان؟ قال بعضهم: هما سورة واحدة؛ لأن كليهما نزلتا في القتال، ومجموعهما هذه السورة السابعة من الطوال، وهي سبع، وما بعدها المئون، وهذا قول ظاهر؛ لأنهما معا مائتان وست آيات، فهما بمنزلة سورة واحدة. ومنهم من قال سورتان، فلما ظهر الاختلاف من الصحابة في هذا الباب، تركوا بينهما فرجة تنبيها على قول من يقول هما سورتان، وما كتبوا " بسم الله الرحمن الرحيم " تنبيها على قول من يقول هما سورة واحدة، وعلى هذا القول لا يلزم منه تجويز مذهب الإمامية؛ لأنه لما وقع الاشتباه في هذا المعنى بين الصحابة لم يقطعوا بأحد القولين، وهذا يدل على أن هذا الاشتباه كان حاصلا، فلما لم يتسامحوا بهذا القدر من الشبهة دل على أنهم كانوا مشددين في ضبط القرآن عن التحريف والتغيير، وذلك يبطل قول الإمامية. الوجه الرابع: أنه تعالى ختم سورة الأنفال بإيجاب موالاة المؤمنين بعضهم بعضا، وأن يكونوا منقطعين عن الكفار بالكية. ثم إنه تعالى صرح بهذا المعنى في قوله: ﴿براءة من الله ورسوله﴾ فلما كان هذا عين ذلك الكلام، وتأكيدا له وتقريرا له، لزم الفاصل بينهما وكان إيقاع الفاصل بينهما تنبيها على كونهما سورتين متغايرتين، وترك كتابة البسملة تنبيها على أن هذا المعنى هو عين ذلك المعنى. الوجه الخامس: قال القرطبي: " قيل: إنه كان من شأن العرب في الجاهلية، إذا كان بينهم وبين قوم عهد فأرادوا نقضه كتبوا إليهم كتابا ولم يكتبوا فيه البسملة، فلما نزلت سورة براءة ينقض العهد الذي كان بين النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبين المشركين، أمر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بكتابته بغير بسملة، وبعث بها علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، فقرأها عليهم في الموسم ولم يبسمل على ما جرت به عادتهم في نقض العهد من ترك البسملة ". قال ابن عباس: سألت عليا - رضي الله عنه -: لم لم تكتب " بسم الله الرحمن الرحيم " ههنا؟ قال: لأن " بسم الله الرحمن الرحيم " أمان، وهذه السورة نزلت بالسيف ونبذ العهد، وليس فيها أمان. ويروى أن سفيان بن عيينة ذكر هذا المعنى وأكده بقوله تعالى: ﴿ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا﴾ [النساء: 94] فقيل له: أليس النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كتب إلى أهل الحرب " بسم الله الرحمن الرحيم "؟ فأجاب عنه: بأن ذلك ابتداء منه بدعوتهم إلى الله تعالى، ولم ينبذ إليهم عهدهم، ألا ترى أنه قال في آخر الكتاب ﴿والسلام على من اتبع الهدى﴾ [طه: 47] . وأما هذه السورة فقد اشتملت على المقاتلة ونبذ العهد، فظهر الفرق. الوجه السادس: قالت الشافعية: لعل الله تعالى لما علم من بعض الناس أنهم يتنازعون في كون " بسم الله الرحيم الرحيم " من القرآن، أمر بأن لا تكتب ههنا، ليدل ذلك على كونها آية من كل سورة، فإنها لما لم تكن آية من هذه السورة لا جرم لم تكتب وذلك يدل على أنها لما كتبت في أول سائر السور وجب كونها آية من كل سورة، وقد يعكس عليهم ذلك فيقال: لو كانت آية من كل سورة لما أسقطها من هذه السورة؟ . قال القرطبي: " وروي عن عثمان أيضا. وقاله مالك فيما رواه وهب وابن القاسم وابن عبد الحكم: أنه لما سقط أولها سقط " بسم الله الرحمن الرحيم " معا، وروي ذلك عن عجلان؛ أنه بلغه أن سورة " براءة " كانت تعدل البقرة أو قربها، فذهب منها؛ فلذلك لم يكتب بينهما " بسم الله الرحمن الرحيم " وقال سعيد بن جبير: كانت قبل سورة الطلاق البقرة ". قال القرطبي والصحيح أن البسملة لم تكتب؛ لأن جبريل - عليه الصلاة والسلام - ما نزل بها في هذه السورة، قاله القشيري ". وفي قول عثمان " قبض رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يبين لنا أنها منها " دليل على أن السور كلها انتظمت بقوله وتبيينه وأن " براءة " ضمت إلى الأنفال من غير عهد من النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لما عاجله من الحمام قبل تبيينه ذلك، وكانتا تدعيان القرينتين؛ فوجب أن تجمعا وتضم إحداهما إلى الأخرى؛ للوصف الذي لزمهما من الاقتران، ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حي.