Al Lubab fi Ulum Al Kitab — التوبة 9:63 – التوبة 9:82
المحتويات
التوبة 9:63
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَآءِ والمساكين﴾ الآية.
اعلم أنَّ المنافقين لمَّا لمزوا الرسول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ في الصدقات، بيَّن لهم أنَّ مصرف الزكاة هؤلاء، ولا تعلق لي بها، ولا آخذ لنفسي نصيباً منها.
وقد ذكر العلماء في الحكمة في وجوب الزكاة أموراً:
منها: قالوا: شكر النِّعمة عبارة عن صرفها إلى طلب مرضاة المنعم، والزكاة شكر النعمة. فوجب القولُ بوجوبها؛ لأنَّ شكر المنعم واجب.
ومنها: أنَّ إيجاب الزكاة توجب حصول الألفة بالمودَّة، وزوال الحقد والحسد بين المسلمين فهذه وجوهٌ معتبرةٌ في الحكمة الناشئة لوجوب الزَّكاة.
ومنها: أنَّ الفاضل عن الحاجات الأصلية إذا أمسكه الإنسان عطَّله عن المقصود الذي لأجله خلق المالُ، وذلك سعي في المنع من ظهور حكمة الله تعالى، وهو غير جائز، فأمر الله بصرف طائفة منه إلى الفقير حتَّى لا تتعطل تلك الحكمة.
ومنها: أنَّ الفقراء عيالُ الله، لقوله تعالى ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأرض إِلاَّ عَلَى الله رِزْقُهَا﴾ [هود: 6] والأغنياء خزان الله؛ لأنَّ الأموال التي في أيديهم لله تعالى، ولولا أن الله ألقاها في أيديهم، لما ملكوا منها حبة واحدة.
ومنها: أنَّ المال بالكليَّة في يد الغني مع أنَّه غير محتاج إليه، وإهمال جانب الفقير العاجز عن الكسب بالكليَّة، لا يليقُ بحكمة الرحيم؛ فوجب أن يجب على الغنيّ صرف طائفة من ذلك المال إلى الفقير.
ومنها: أنَّ الأغنياء لو لم يقوموا بمهمات الفقراء ربّما حملهم شدة الحاجة ومضرة المسكنة على الالتحاق بأعداء المسلمين، أو على الإقدامِ على الأفعال المنكرة كالسرقة وغيرها؛ فإيجاب الزكاة يفيد هذه الفائدة؛ فوجب القول بوجوبها وقيل غير ذلك.
فصل
كلمة «إنَّما» للحصر، فدلَّت على أنه لا حق في الصدقات لأحد إلاَّ لهذه الأصناف الثمانية وذلك مجمع عليه، ويدلُّ على أنَّ كلمة «إنَّما» للحصر؛ لأنها مركبة من «إن» و «ما» ، و «إن» للإثبات و «ما» للنفي» ، واجتماعهما يوجب بقاءهما على ذلك المفهوم، وكذلك تمسَّك ابنُ عبَّاسٍ في نفي ربا الفضل بقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ «إنَّما الرِّبَا في النَّسيئَةِ» ، وتمسك بعض الصحابة في أن الإكسال لا يوجب الاغتسال بقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ «إنما الماءُ من الماءِ» ، ولولا إفادتها الحصر، لما كان كذلك، وقال تعالى ﴿إِنَّمَا الله إله وَاحِدٌ﴾ [النساء: 171] فدلَّت على نفي إلهية الغير؛ وقال الأعشى: [السريع]
2802 - ولسْتَ بالأكْثَرِ منهُم حَصًى ... وإنَّما العِزَّةُ لِلكَاثِرِ
وقال الفرزدق: [الطويل] 2803 - أنَا الذَّائدُ الحَامِي الذِّمارَ وإنَّما ... يدافعُ عنْ أحسابهِمْ أنَا أوْ مِثْلِي
فدلَّت هذه الوجوه على أنَّ كلمة» إنَّما «للحصر.
وروى زياد بن الحارث الصُّدانئي قال: أتيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فبايعته فأتاه رجل فقال أعطني من الصَّدقة فقال له رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ
«إنَّ اللهَ لَمْ يرضَ بحُكْم نبي، ولا غيره في الصَّدقاتِ حتَّى حكم فيها فجَزَّأها ثمانيةَ أجزاء، فإنْ كنتَ من تلكَ الأجزاءِ أعطيتُك حقَّك» .
فصل
مذهب أبي حنيفة: أنه يجوز صرف الصَّدقة إلى بعض الأصناف، وهو قول عمر وحذيفة، وابن عباسٍ، وسعيد بن جبير، وأبي العالية، والنخعي. قال سعيدُ بن جبير: لو نظرت إلى أهل بيت من المسلمين فقرأ متعففين فحبوتهم بها كان أحب إليَّ وقال الشافعي لا بُدَّ من صرفها إلى الأصناف الثمانية وهو قوك عكرمة، والزهري وعمر بن عبد العزيز واحتج بظاهر الآية. قال ولا بدَّ في كلِّ صنف من ثلاثة، فإن دفع سهم الفقراء إلى فقيرين ضمن نصيب الثالث، وهو ثلث سهم الفقراءِ قال: ولا بد من التسوية في أنصباء هذه الأصناف الثمانية، مثاله لو وجد خمسة أصناف، ولزمه أن يتصدَّق بعشرة دراهم؛ لزمه أن يجعل العشرة خمسة أسهم.
واختلفوا في صفة الفقير والمسكين، فقال ابن عباسٍ، والحسنُ، ومجاهدٌ، وعكرمةُ والزهريُّ: الفقير: الذي لا يسأل، والمسكين: السَّائل. قال ابن عمر: ليس بفقير من جمع الدرهم إلى الدرهم والتمرة إلى التمرة، ولكن الفقير من أنقى نفسه وثيابه ولا يقدر على شيء: ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهل أَغْنِيَآءَ مِنَ التعفف﴾ [البقرة: 273] .
وقال قتادة: الفقير: المحتاج الزَّمِنُ، والمسكين: الصحيح المحتاج. وروي عن عكرمة الفقراء من المسلمين، والمساكين من أهل الكتاب. وقال الشافعي الفقير من لا مال ولا حرفةَ تقع منه موقعاً زمناً كان أو غير زمن، والمسكين من له مال أو حرفة لا تغنيه سائلاً كان أو غير سائل.
واستدل بقوله: ﴿أَمَّا السفينة فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ [الكهف: 79] فأثبت لهم ملكاً، وكان عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ يتعوذ من الفقر، وقال: كاد الفقرُ أن يكون كُفْراً. وكان يقول: اللَّهُمَّ أحْيِني مِسْكيناً وأمِتْنِي مسْكِيناً، فكيف كان يتعوذ من الفقر، ويسأل ما هو دونه وهذا تناقض؟
وقال أصحاب الرأي: الفقيرُ أحسن حالاً من المسكين. وقيل: الفقير من له المسكن والخادم والمسكين من لا ملك له، وقالوا كل محتاج إلى شيء فهو فقير إليه، وإن كان غنياً عن غيره قال تعالى: ﴿يا أيها الناس أَنتُمُ الفقرآء إِلَى الله﴾ [فاطر: 15] ، والمسكين المحتاج إلى كلِّ شيءٍ ألا ترى كيف حضَّ على طعامه، وجعل طعام الكفارة له، ولا فاقة أشد من الحاجة إلى سد الجوعة.
وقال إبراهيمُ النخعيُّ: الفقراء هم المهاجرون، والمسكين من لم يهاجر، وقيل: لا فرق بين الفقراء والمساكين فالله تعالى وصفهم بهذين الوصفين، والمقصود شيءٌ واحد، وهو قول أبي يوسف ومحمد.
وفائدة الخلاف تظهر في مسألة: وهي أنَّه لو أوصى لفلان وللفقراء والمساكين، فالذين قالوا: الفقراء غير المساكين، قالوا: لفلان الثلث، والذين قالوا: الفقراء هم المساكين قالوا لفلان النصف.
واختلفوا في حدِّ الغني الذي يمنع أخذ الصَّدقة، فقال الأكثرون: حده أن يكون عنده ما يكفيه وعياله سنة، وهو قول مالك، والشافعي. وقال أصحاب الرأي: حدُّه أن يملك مائتي درهم. وقيل: من ملك خمسين درهماً، لا يحلُّ له أخذ الصدقة. روي أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «مَنْ سَألَ النَّاسَ ولهُ ما يُغْنِيه جاء يوم القيامةِ ومسْألتُهُ في وجهه خُموش أو خُدُوش. قيل: وما يُغنيهِ؟ قال:» خَمْسُونَ دِرْهماً أو قيمتها من الذَّهب «، وهو قول الثوري، وابن المباركِ، وأحمد وإسحاق وقالوا: لا يجوزُ أن يعطى الرجل من الزكاة أكثر من خمسين، وقيل: أربعون درهماً لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» مَنْ سَأل ولهُ أوقيةٌ أو عَدْلُهَا فقدْ سَألَ إلْحَافاً «.
قوله: ﴿والعاملين عَلَيْهَا﴾ وهم السُّعاةُ لجباية الصدقة، يعطون بقدر أجور أمثالهم.
وقال مجاهدٌ والضحاكُ: يعطون الثمن، ولا يجوزُ أن يكُون العاملُ على الصدقة هاشمياً ولا مطلبياً؛ لأنَّ الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - أبَى أن يبعث أبا رافع عاملاً على الصَّدقاتِ وقال: أما علمت أن مولى القومِ منهم.
قوله: ﴿والمؤلفة قُلُوبُهُمْ﴾ قال ابنُ عباسٍ: هم أشراف من الأحياء أعطاهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يوم حنين، وكانوا خمسة عشر رجلاً: أبُو سفيانَ، والأقرعُ بنُ حابسٍ، وعيينةُ بن حصنٍ، وحويطبُ بنُ عبد العزى، وسهلُ بنُ عمرو من بني عامر، والحارثُ بنُ هشام، وسهيلُ بن عمرو الجهنيُّ، وأبُو السنابل، وحكيم بن حزامٍ، ومالكُ بن عوف وصفوانُ ابنُ أمية، وعبد الرحمن بنُ يربوع، والجدُّ بنُ قيس، وعمرو بنُ مرداس، والعلاءُ بنُ الحرث،» أعطى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كلَّ رجل منهم مائة من الإبل ورغبهم في الإسلام، إلاَّ عبد الرحمن بن يربوع أعطاه خمسين من الإبل، وأعطى حكيم بن حزام سبعين من الإبل، فقال: يا رسول الله ما كنت أرى أنَّ أحداً من النَّاس أحق بعطائك مني فزاده عشرة، وهكذا حتى بلغ مائة، ثم قال حكيمٌ: يا رسول الله، أعطيتك الأولى التي رغبت عنها خير أم هذه التي قنعت بها؟ فقال عليه الصَّلاة والسَّلام: بل التي رغبت عنها، فقال: والله لا آخذ غيرها «فقيل: مات حكيم وهو أكثر قريش مالاً، وشقَّ على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ تلك العطايا، لكن ألفهم بذلك. قال ابنُ الخطيبِ: وهذه العطايا إنَّما كانت يوم حنين، ولا تعلق لها بالصدقات، ولا أدري لأي سبب ذكر ابنُ عبَّاسٍ هذه القصة في تفسير هذه الآية وإنَّما ذكر ابنُ عباسٍ ذلك بياناً للمؤلَّفة من هم، فذكر ذلك مثالاً.
واعلم أنَّ المؤلفة قسمان، مسلمون وكفار، فأمَّا المسلمون فيعطون لأجل قوَّة إيمانهم أو معونتهم على أخْذِ الزَّكاة ممَّن امتنع عن دفعها، أو ترغيباً لأمثالهم في الإسلام وأما الكُفَّار؛ فيعطون ترغيباً لهم في الإسلام، أو خشية من شرهم، كما أعطى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ صفوان بن أمية لمَّا رأى من ميله في الإسلام.
قال الواحديُّ إنَّ الله تعالى أغنى المسلمين عن تألف قلوب المشركين، فإن رأى الإمامُ في ذلك مصلحة يعود نفعها على المسلمين إذا كانوا مسلمين جاز، ويعطون من الفيء لا من الزَّكاة.
واعلم أنَّ المؤلفة قسمان، مسلمون وكفار، فأمَّا المسلمون فيعطون لأجل قوَّة إيمانهم أو معونتهم على أخْذِ الزَّكاة ممَّن امتنع عن دفعها، أو ترغيباً لأمثالهم في الإسلام وأما الكُفَّار؛ فيعطون ترغيباً لهم في الإسلام، أو خشية من شرهم، كما أعطى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ صفوان بن أمية لمَّا رأى من ميله في الإسلام.
قال الواحديُّ إنَّ الله تعالى أغنى المسلمين عن تألف قلوب المشركين، فإن رأى الإمامُ في ذلك مصلحة يعود نفعها على المسلمين إذا كانوا مسلمين جاز، ويعطون من الفيء لا من الزَّكاة.
وقال جماعةٌ من أهل العلم: إنَّ المؤلفة منقطعة، وسهمهم ساقط، روي ذلك عن عمر وهو قول الشعبي، وبه قال مالكٌ، والثوريُّ، وأصحاب الرأي وإسحاق بن راهويه وقال قومٌ: سهمهم ثابت مروي ذلك عن الحسنِ، وهو قول الزهري، وأبي جعفر محمد بن علي، وأبي ثور، وقال أحمدُ: يعطون إن احتاج المسلمون إلى ذلك.
قوله: وفِي الرقابِ قال الزجاجُ فيه محذوف، والتقديرُ: «وفي فك الرقاب» وقد تقدم الكلامُ في تفسير «الرقاب» في قوله: ﴿والسآئلين وَفِي الرقاب﴾ [البقرة: 177] . ثمَّ في تفسير «الرقاب» أقوال:
أحدها: أنَّهم المكاتبون ليعتقوا من الزكاة، وقال مالكٌ وغيره: إنه لعتق الرقاب يشترى به عبيد فيعتقون. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يعتق من الزكاة رقبة كاملة ولكن يعطى منها في رقبة ويعان بها مكاتب؛ لأن قوله: ﴿وَفِي الرقاب﴾ يقتضي أن يكون له فيه مدخل، وذلك يُنَافِي كونه تاماً فيه، وقال الزهريُّ: سهم الرقاب نصفان، نصف للمكاتبين المسلمين، ونصفٌ يشترى به رقاب ممَّن صلوا وصاموا.
قال بعض العلماء: والاحتياط في سهم الرقاب دفعه إلى السَّيد بإذن المكاتب؛ لأنَّه تعالى أثبت الصدقات للأصناف الأربعة المتقدم ذكرهم بلام التمليك بقوله: ﴿إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَآءِ والمساكين﴾ ولمَّا ذكر «الرقاب» أبدل حرف اللام بحرف «في» فقال: «وفِي الرِّقابِ» فلا بدَّ لهذا الفرق من فائدة، وهي أنَّ الأصنافَ الأربعة يدفع إليهم نَصِيبُهُمْ. وأما الباقون فيصرف نصيبهم في المصالح المتعلقةِ بهم لا إليهم.
قال الزمخشري: «فإن قلت: لِمَ عدل عن اللاَّمِ إلى» فِي «في الأربعة الأخيرة؟ قلت: للإيذان بأنَّهم أرسخُ في استحقاقِ التصدُّق عليهم ممَّن سبق ذكرهُ؛ لأنَّ» في «للوعاء، فنبَّه على أنهم أحقاءُ بأن توضع فيهم الصدقات وجعله مظِنَّة لها ومصَبّاً» .
ثم قال: «وتكرير» في «في قوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ الله وابن السبيل﴾ فيه فضل ترجيح لهذين على الرقاب والغارمين» .
قوله: والغَارمينَ قال الزجاجث: أصل الغرم في اللغةِ: لزوم ما يشق، والغرام العذاب اللاَّزم، وسمي العشق غراماً، لكونه شاقاً على الإنسان ولازماً له، ومنه: فلان مغرم بالنِّساءِ إذا كان مولعاً بهنَّ، وسمي الدَّين غراماً، لكونه شاقاً، والمرادُ بالغارمين المديونون، فالدِّيْنُ إن حصل بسبب معصيةٍ لا يدخلُ في الآية؛ لأنَّ المقصود من صرف المال إليه الإعانة، والمعصية لا تستوجب الإعانة، وإن حصل لا بسبب معصية فهو قسمان: دينٌ حصل بسبب نفقات ضرورية أو في مصلحة، ودين بسبب حمالات وإصلاح ذات بين، والكل داخل في الآية.
روى الأصمُّ في تفسيره «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لمَّا قضى بالغرة في الجنين قالت العاقلة: لا نملك الغرَّة يا رسول الله، فقال لحمل بن مالك بن النَّابغة أعنهم بغرة من صدقاتهم» وكان حمل على الصدقة يومئذ.
قوله: ﴿فِي سَبِيلِ الله﴾ قال المفسِّرون: يعني الغزاة، قال أكثرُ العلماء: يجوز له أن يأخذ من الزَّكاة وإن كان غنياً. وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يعطى الغازي إلاَّ مع الحاجة.
ونقل القفالُ في تفسيره عن بعض العلماء أنَّهم أجازوا صرف الصدقات إلى جميع وجوه الخير من تكفين الموتى، وبناء الحصون، وعمارة المساجد؛ لأن قوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ الله﴾ عام في الكل وقال أكثر أهل العلم: لا يعطى منه شيء في الحج. وقال قومٌ: يجوزُ أن يصرف سهم في سبيل الله إلى الحج، يروى ذلك عن ابن عباس وهو قول الحسن، وأحمد، وإسحاق.
قوله: ﴿وابن السبيل﴾ وهو كل من يريدُ سفراً مباحاً ولم يكن له ما يقطعُ به المسافة يعطى له قدر ما يقطع به تلك المسافة، وإن كان ذا يسار في بلده. وقال قتادةُ: ابن السبيل: هو الضعيف وقال فقهاءُ العراقِ: ابن السبيل: الحاج المنقطع.
واعلم أنَّ مال الزَّكاة لا يخرج عن هذه الثمانية. واختلفوا هل يجوزُ وضعه في بعض الأصناف؟ إذا قلنا يجوز وضعه في بعض الأصناف، فإنَّما يجوز في غير العامل، فأمَّا وضعه بالكليَّةِ في العامل فلا يجوز بالاتفاق.
فإن قيل: ما الحكمةُ في أنه تعالى ذكر الأصناف الستة وهم: الفقراء، والمساكين، والعاملون والمؤلفة، والرقاب، والغارمون، بصيغة الجمع، وذكر الصنفين الآخرين، وهما: في سبيل الله وابن السبيل بصيغة الإفراد؟
فالجوابُ: أنَّ المراد بهما الجنس هو جمع حقيقة، ولا يقال: هلاَّ ذكر الأصناف الستَّة بصيغة الإفراد ويكون المراد الجنس كهذين؛ لأنا نقول: لو أفرد في الجميع، فلا يخلو إمَّا أن يفردهم معرفين بالألف واللام للعهد؛ فينصرف بين السَّامع إلى صرف الزَّكاة إلى معهودٍ سابق معين وليس هو المقصود من الآية بالإجماع، وإن أفردهم منكرين، فهم منه أنَّ الزَّكاة لا يجوز دفعها إلى فقير واحد، أو مسكين واحد، وكذلك سائرها، ولا يجوزُ دفعها لاثنين فما زاد، وهو خلاف الإجماع
فصل
والسَّبيل: الطريقُ، ونسب المسافر إليها لملازمته إيَّاها، ومروره عليها قال بعضُ العلماءِ: إذا كان المسافر غنيّاً في بلده، ووجد من يسلفه فلا يعطى وهو الصحيح.
ولا يلزمه أن يدخل تحت مِنَّة أحد إذا وجد منة تعالى.
فصل
إذا جاء وادَّعى وصفاً من الأوصاف الثمانية، هل يقبل قوله أو يقال: أثبت ما تقولُ؟ أمَّا الدَّينُ فلا بدّ أن يثبته، وأمَّا البقية فظاهرُ الحال يَكْفِي.
قوله: «فَرِيضَةً» في نصبها وجهان:
أحدهما: أنَّها مصدرٌ على المعنى لأنَّ معنى ﴿إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَآءِ﴾ في قوة: فرض الله ذلك.
والثانيك أنَّها حالٌ من الفقراء، قاله الكرماني، وأبُو البقاءِ.
يعنيان من الضمير المستكن في الجار، لوقوعه خبراً، أي: إنَّما الصدقاتُ كائنة لهم حال كونها فريضة، أي: مفروضة. ويجوزُ أن يكون فريضةً حينئذٍ بمعنى مفعولة، وإنَّما دخلت التاءن لجريانها مجرى الأسماء، ك «النَّطيحة» . ويجوزث أن يكون مصدراً واقعاً موقع الحال، ونُقل عن الفرَّاء أنَّها منصوبة على القطع. ثم قال: ﴿والله عَلِيمٌ﴾ بمقادير المصالح ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يشرع إلاَّ ما هو الأصوب والأصلح.
فصل
وهذه الآية المراد بها فريضة الزكاة، فأمَّا صدقة التطوع فيجوزُ دفعها إلى هؤلاء وإلى غيرهم، من بني هاشم ومواليهم، ومن لا يجوز لهم أخذ الزكاة الواجبة، يجوزُ له الأخذ إذا كان غارماً أو مؤلفاً، أو عاملاً.
قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الذين يُؤْذُونَ النبي﴾ الآية.
وهذا نوع آخر من طعن المنافقين، وهو أنَّهُم كانُوا يقولون في رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إنه أذن. نزلت في جماعة من المنافقين، كانوا يؤذون النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ويقولون ما لا ينبغي، فقال بعضُهم لا تفعلوا فإنَّا نخافُ أن يبلغه ما نقولُ، فيقع بنا فقال الجلاس بنُ سويد: نقول ما شئنا، ثم نأتيه ونُنْكر ما قلنا، ونحلف فيصدِّقنا بما نقول، إنَّما محمدٌ أذنٌ، أي سامعة، يقال: فلان «أذنٌ وأذنٌ» على وزن «فُعُل» ، إذا كان يسمع كل ما قيل ويقبله.
وأصله من «أذن» له «أذَناً» إذا استمع، وقال محمد بن إسحاق بن يسار: «نزلت في رجل من المنافقين يقال له: نبتل بن الحارث، وكان رجُلاً أزلم، ثائر الشعر، أحمر العينين، أسفع الخدين، مشوَّه الخلقة، وقد قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من أراد أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحارث.»
وكان ينمّ حديث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إلى المنافقين، فقيل له: لا تفعل فقال: إنَّما محمد أذن، فمن حدَّثه شيئاً صدَّقه؛ فنقول ما شئنا، ثُمَّ نأتيه فنحلف له، فيصدقنا، فنزلت الآية.
قال الأصمُّ أظهر الله عن المنافقين وجوه كفرهم التي كانوا يسرونها، لتكون حجة للرسول، ولينزجروا، فقال: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصدقات﴾ [التوبة: 58] ﴿وَمِنْهُمُ الذين يُؤْذُونَ النبي﴾ [التوبة: 61] ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ الله﴾ [التوبة: 75] إلى غير ذلك من الإخبار عن الغيوب، وكل ذلك دليل على كونه نبياً حقاً من عند الله.
ومعنى «أذنٌ» أي: أنَّه ليس له ذكاء ولا بعد غور، بل هو سليمُ القلبِ، سريع الاغترار بكل ما يسمع.
قوله: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ﴾ «أذُنُ» خبر مبتدأ محذوف، أي: قل هو أذُنُ خيرٍ والجمهور على جَر خَيْرٍ بالإضافة، وقرأ الحسنُ، ومجاهدٌ، زيد بن علي وأبو بكر عن عاصم «أذُنٌ» بالتنوين، «خَيْرٌ» بالرفع، وفيها وجهان:
أحدهما: أنَّها وصف «أذُن» .
والثاني: أن يكون خبراً بعد خبر، و «خير» يجوزُ أن يكون وصفاً، من غير تفضيل، أي: أذُنٌ ذُو خير لكم، ويجوزُ أن يكون للتفضيل - على بابها - أي: أكثر خيراً لكم. وجوَّز صاحب اللوامح أن يكون «أذُن» مبتدأ، و «خَيْر» خبرها، وجاز الابتداءُ هنا بالنكرة؛ لأنَّها موصوفةٌ تقديراً، أي: أذُنٌ لا يؤاخذكم من أذُنٍ يؤاخذكم، ويقال: رجَلٌ أذنٌ، أي: يسمع كل ما يقال، وفيه تأويلان:
أحدهما: أنَّهُ سُمِّي بالجارحة؛ لأنَّها آلة السماع، وهي معظم ما يقصد منه؛ كقولهم للربيئة: عَيْنٌ.
وقيل: المرادُ ب «الأذُن» هنا الجارجة، وحينئذٍ يكونُ على حذفِ مضاف أي: ذُو أذن.
والثاني: أنَّ الأذن وصفٌ على «فُعُل» ، ك «أنُف» و «شُلُل» يقال: أذِنَ يَأذَن، فهو أذُن؛ قال: [الطويل]
2804 - وَقَدْ صِرْت أذْناً لِلوُشَاةِ سَمِيعَةً ... يَنالُونَ مِنْ عِرْضي ولوْ شِئْت ما نَالُوا ومعنى قراءة عاصم: إن كان تقولون إنَّهُ أذُنٌ، فأذن خير لكم، يقبل منكم ويصدقكم خير لكم من أن يكذبكم. ومعنى قراءة الجرِّ: أي: هو أذُنُ خير، لا أذُنُ شر وقرأ نافع «أذْن» ساكنة الذَّال في كلِّ القرآن، والباقون بالضَّم وهما لغتان مثل: عنق وظفر.
ثم بيَّن كونه «أذُنُ خَيْرٍ» بقوله: ﴿يُؤْمِنُ بالله وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ﴾ فجعل تعالى هذه الثلاثة كالموجبة لكونه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ «أذُنُ خَيْرٍ» ، أمَّا قوله ﴿يُؤْمِنُ بالله﴾ فلأنَّ كلَّ من آمن بالله كان خائفاً من الله، والخائف من الله لا يؤذي بالباطل. ويُؤمِنُ للمؤمنينَ أي: يسلمُ للمؤمنين قولهم، إذا توافقُوا على قولٍ واحدٍ وهذا بيان كونه سليم القلب.
فإن قيل: لِمَ عدي الإيمان باللهِ بالباءِ، وإلى المؤمنين باللاَّم؟ .
فالجواب: أنَّ المراد بالإيمان بالله، المراد منه: التَّصديق الذي هو نقيض الكفر فعدي بالباء والإيمان المعدَّى إلى المؤمنين، معناه: الاستماع منهم والتسليم لقولهم فعدي باللاَّم، كقوله:
﴿وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا﴾ [يوسف: 17] وقوله ﴿فَمَآ آمَنَ لموسى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ﴾ [يونس: 83] وقوله: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ واتبعك الأرذلون﴾ [الشعراء: 111] وقوله ﴿آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْءَاذَنَ لَكُمْ﴾ [طه: 71] .
وقال ابن قتيبة «هما زائدتان، والمعنى: يصدِّق الله، ويصدِّق المؤمنين» وهذا مردود؛ ويدلُّ على عدم الزيادةِ تغايرُ الحرف الزَّائد، فلو لم يُقصدْ معنًى مستقلٌ، لما غاير بين الحرفين.
وقال المبرد: هي متعلقةٌ بمصدرٍ مقدّر من الفعل، كأنَّه قال: وإيمانه للمؤمنين وقيل: يقال: آمنتُ لك، بمعنى: صدَّقتكَ، ومنه ﴿وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا﴾ [يوسف: 17] . قال شهابُ الدِّينِ وعندي أنَّ هذه اللاَّم في ضمنها «ما» ، والمعنى: ويصدِّق للمؤمنين بما يُخبرونه به وقال أبُو البقاءِ: واللاَّم في للمؤمنين زائدةٌ، دخلت لتفرِّق بين «يُؤمن بمعنى: يُصدِّق، وبين» يؤمن «بمعنى: يثبت الإيمان وقوله: ﴿وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ﴾ فهذا أيضاً يوجبُ الخير به؛ لأنَّه يجري منكم على الظَّاهرِ، ولا يبالغ في التفتيش على بواطنكم، ولا يهتكُ أستاركم، فدلَّت هذه الأوصاف الثلاثة على وجوب كونه» أذُن خَيْرٍ «وقرأ الجمهورُ» ورَحْمَةٌ «رفعاً نسقاً على» أذُنُ «أي: وهو رحمة للذين آمنوا. وقال بعضهم: هو عطفٌ على» يُؤمن «، لأنَّ» يُؤمن «في محل رفع صفة ل:» أذُن» ، تقديره: أذُن يؤمن ورحمة. وقرأ حمزة والأعمش» ورحمةٍ «بالجر نسقاً على» خيرٍ «المخفوض بإضافة» أذُنُ «إليه، والجملةُ على هذه القراءة معترضةٌ بين المتعاطفين، تقديره: أذُنُ خيرٍ ورحمةٍ. وقرأ ابنُ أبي عبلةٍ:» ورَحْمَةٌ» نصباً على أنَّه مفعول من أجله، والمعلل محذوف، أي: يأذن لكم رحمةً بكم، فحذف لدلالة قوله: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ﴾ .
فإن قيل: كل رحمة خير، فأي فائدة في ذكر الرحمة عقيب ذِكْر الخير؟
[فالجواب: إنَّ أشرف أقسام الخير هو الرحمة، فجاز ذكر الرحمة عقيب ذكر الخير] كقوله: ﴿وملاائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: 98] . ولمَّا بيَّن كونه سبباً للخير والرحمة، بيَّن أنَّ كلَّ من آذاه استوجب العذاب الأليم لأنَّه يسعى في إيصال الخير والرحمة إليهم وهو يقابلون إحسانه بالإساءة، وخيره بالشَّر؛ فلذلك استوجبوا العذاب الأليم.
قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بالله لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾ الآية.
وهذا نوع آخر من قبائح أفعال المنافقين، وهو إقدامهم على الأيمان الكاذبة، قال قتادةُ والسديُّ: اجتمع ناس من المنافقين، فيهم الجلاس بنُ سويدٍ، ووديعة بنُ ثابت فوقعوا في النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقالوا: إن كان ما يقول محمد حقاً فنحن شرٌّ من الحمير، وكان عندهم غلام من الأنصار، يقال له: عامر بن قيس، فحقَّروه، وقالوا هذه المقالة، فغضب الغلامُ وقال: والله إنَّ ما يقول محمد حق، وأنتم شرٌّ من الحمير ثم أتَى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فأخبره فدعاهم، فسألهم؛ فحلفوا أنَّ عامراً كذَّاب وحلف عامر أنهم كذبة، فصدقهم النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فجعل عامرٍ يدعو ويقول اللَّهُمَّ صدق الصَّادق وكذب الكاذب، فأنزل اللهُ هذه الآية.
وقال مقاتلٌ والكلبيُّ: نزلت في رهطٍ من المنافقين، تخلَّفُوا عن غزوة تبوك فلمَّا رجع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أتوهُ يعتذرون ويحلفون، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
قوله: ﴿والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ .
إنَّما أفرد الضمير، وإن كان الأصلُ في العطف ب «الواو» المطابقة، لوجوهٍ:
أحدها: أنَّ رضا الله ورسوله شيءٌ واحد، ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: 80] ، ﴿إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله﴾ [الفتح: 10] ؛ فلذلك جعل الضميرين ضميراً واحداً، تنبيهاً على ذلك.
الثاني: أنَّ الضمير عائدٌ على المثنى بلفظِ الواحد بتأويل المذكور؛ كقول رؤبة: [الرجز]
2805 - فِيهَا خُطُوطٌ من سوادِ وبلق ... كأنَّهُ في الجِلْدِ توليعُ البَهَقْ
أي: كأن ذلك المذكور، وقد تقدم بيان هذا في أوائل البقرةِ. الثالث: قال المبرد: في الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ، تقديره: واللهُ أحقُّ أن يرضوه ورسوله وهذا على رأي من يدَّعي الحذف من الثاني.
الرابع - وهو مذهب سيبويه -: أنَّه حذف خبر الأوَّل، وأبقى خبر الثَّاني، وهو أحسنُ من عكسه، وهو قول المبرِّدِ؛ لأن فيه عدم الفصل بين المبتدأ أو خبره بالإخبار بالشيء عن الأقرب إليه؛ وأيضاً فهو متعين في قول الشَّاعر: [المنسرح]
2806 - نَحْنُ بِمَا عندنَا وأنتَ بِما ... عِندكَ رَاضٍ والرَّأيُ مُختَلِفُ
أي: نحن راضون، حذف «راضُون» ، لدلالةِ خبر الثاني عليه.
قال ابنُ عطية: «مذهبُ سيبويه أنَّهُما جملتان، حذفت الأولى، لدلالة الثانية عليها» .
قال أبُو حيان: «إن كان الضمير في» أنَّهُمَا «عائداً على كلِّ واحدةٍ من الجملتين، فكيف يقول» حُذفت الأولى «والأولى لم تحذف، إنما حذفَ خبرها؟ وإن كان عائداً على الخبر وهو ﴿أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ فلا يكونُ جملة إلاَّ باعتقاد أن يكون» أن يُرضُوهُ «مبتدأ وخبره» أحَقُّ «مقدماً عليه، ولا يتعيَّنُ هذا القول؛ إذْ يجوزُ أن يكون الخبرُ مفرداً بأن يكون التقدير: أحقُّ بأنْ تُرضُوه» .
قال شهابُ الدِّين: إنما أراد ابنُ عطية التقدير الأول، وهو المشهورُ عند المعربين يجعلون «أحقُّ» خبراً مقدَّماً، و «أن يُرْضوهُ» مبتدأ مؤخراً، والله ورسوله إرضاؤه أحقُّ. وقتد تقدم تحرير هذا في قوله: ﴿فالله أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ﴾ [التوبة: 13] . قوله ﴿إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ شرطٌ جوابه محذوف أو متقدم.
فصل
قال القرطبيُّ «تضمَّنتْ هذه الآية قبول يمين الحالف، وإن لم يلزم المحلوف له الرضا، واليمين حق للمدَّعي، وأن يكون اليمينُ بالله عزَّ وجلَّ حسبُ. وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ حَلفَ فليَحْلفْ باللهِ أو ليَصْمتْ، ومَنْ حُلفَ لَهُ فليُصدِّق» .
قوله: ﴿أَلَمْ يعلموا أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ الله وَرَسُولَهُ﴾ الآية.
والمقصود من هذه الآية: شرح أحوال المنافقين الذين تخلَّفوا عن غزوة تبوك.
قرأ الجمهور «يَعْلمُوا» بياء الغيبة، رَدّاً على المنافقين، وقرأ الحسنُ، والأعرجُ «تَعْلَمُوا» بتاء الخطاب، فقيل: هو التفاتٌ من الغيبة إلى الخطابِ إن كان المرادُ المنافقين.
وقيل: الخطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأتى بصيغةِ الجمع تعظيماً؛ كقوله: [الطويل]
2807 - فإنْ شِئْتُ حرَّمْتُ النِّساءَ سِواكُمُ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
وقيل: الخطابُ للمؤمنين. وبهذه التقادير الثلاثة يختلف معنى الاستفهام، فعلى الأول يكون الاستفهام للتقريع والتوبيخ، كقول الإنسان لمن حاول تعليمه مدة وبالغ في التعليم فلم يتعلم، يقال له ألمْ تتعلَّم؟ وإنما حسن ذلك؛ لأنَّهُ طال مكث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ معهم، وكثر تحذيره من معصية الله، والترغيب في طاعة الله.
وعلى الثاني يكون للتعجب من حالهم، وعلى الثالث يكون للتقرير. والعلم هنا: يحتمل أن يكون على بابه، فتسدَّ «أن» مسدَّ مفعولين عند سيبويه، ومسدَّ أحدهما والآخرُ محذوفٌ عند الأخفش.
وأن يكون بمعنى العرفان، فتسدَّ «أنَّ» مسدَّ مفعوله. و «مَنْ» شرطيَّة، و «فأنَّ لهُ نار» جوابها. وفتحت «أنَّ» بعد الفاءِ، لما تقدَّم في الأنعام. والجملةُ الشرطيةُ في محلِّ رفعِ خبر «أنَّ» الأولى وهذا تخريجٌ واضحٌ. وقد عدل عن هذا التخريج جماعة إلى وجوهٍ أخر، فقال الزمخشريُّ «ويجوزُ أن يكون» فأنَّ لَهُ «معطوفاً» أنَّه «على أنَّ جواب» مَنْ «محذوفٌ، تقديره: ألم يعلموا أنَّه من يُحادد الله ورسوله يهلكْ، فأنَّ لهُ نَار جَهَنَّمَ» وقال الجرمي والمبرد: «أنَّ» الثانية مكررةٌ للتَّوكيد، كأن التقدير: فلهُ نارُ جهنم، وكُرِّرت «أنَّ» توكيداً، وشبَّهه أبو البقاء بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ السواء﴾ [النحل: 119] ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا﴾ [النحل: 119] ، قال: والفاءُ على هذا جوابُ الشرط. وردَّ أبو حيان على الزمخشري قوله: بأنَّهم نصُّوا على أنَّه إذا حذف جوابُ الشَّرطِ، لزمَ أن يكون فعلُ الشرط ماضياً، أو مضارعاً مقروناً ب «لَمْ» ، والجوابُ على قوله محذوفٌ وفعل الشَّرطِ مضارعٌ غير مقترنٍ ب «لَمْ» وأيضاً فإنَّا نجدث الكلامَ تامّاً بدون هذا الذي قدَّره.
ونُقل عن سيبويه أنَّه قال: الثانيةُ بدلٌ من الأولى. وهذا لا يصحُّ عن سيبويه، فإنَّه ضعيفٌ، أو ممتنع، وقد ضعفه أبو البقاءِ بوجهين:
أحدهما: أنَّ الفاء تمانعُ من ذلك والحكمُ بزيادتها ضعيفٌ.
والثاني: أنَّ جعلها بدلاً يوجب سقوط جواب «مَنْ» من الكلام. وقال ابنُ عطية «وهذا يُعترضُ بأنَّ الشَّيء لا يبدل منه حتى يستوفى، والأولى في هذا الموضع لم يأتِ خبرها بعد، إذ لم يأتِ جوابُ الشَّرط، وتلك الجملةُ هي الخبرُ، وأيضاً فإنَّ الفاء تُمانعُ البدل، فهي معنى آخر غير ابلدل فيقلقُ البدل» .
وقال بعضهم: فتحت على تقدير اللام، أي: فلأنَّ لهُ نار جهنم. وهذه كلُّها تكلُّفاتٌ، لا يحتاج إليها.
فالأولى ما تقدم ذكره، وهو أن يكون «أنَّ لهُ نارَ جهنَّمَ» في محل رفع بالابتداء والخبر محذوفٌ، وينبغي أن يقدِّرَهُ متقدماً عليها، كما فعل الزمخشريُّ، وغيرُه، أي: فحقٌّ أنَّ لهُ نار جهنَّم. وقدَّرهُ غيره متأخراً، أي: فأنَّ له نار جهنَّمَ واجبٌ، كذا قدَّره الأخفش وردُّوه عليه بأنَّها لا يبتدأ بها.
وهذا لا يلزمه، فإنَّه يجيز الابتداء ب «أنَّ» المفتوحةِ من غير تقديم خبره. وغيره لا يجيز الابتداء بها إلاَّ بشرطِ تقدُّم «أمَّا» ، نحو: أمَّا أنك ذاهبٌ فعندي، أو بشرط تقدُّم الخبر، نحو: عندي أنَّك منطلق. وقيل: «فأنَّ لهُ» خبرُ مبتدأ محذوفٍ أي: فالواجبُ أنَّ لهُ، وهذه الجملةُ التي بعد الفاء مع الفاءِ في محلِّ جزم، جواباً للشَّرط. وقرأ أبو عمرو فيما رواه أبو عبيدة، والحسن، وابن أبي عبلة: «فإنَّ» بالكسر وهي قراءةٌ حسنةٌ قوية، تقدَّم أنَّهُ قرأ بها بعضُ السبعة في الأنعام، وتقدَّم هناك توجيهها.
والمحادّة: المخالفةُ، والمعاندةُ، ومجاوزةُ الحدِّ، والمعاداة. قيل: مشتقةٌ من الحد وهو حدُّ السِّلاح الذي يحاربُ به من الحديد. وقيل: من الحد الذي هو الجهةُ كأنه في حدِّ غير حدِّ صاحبه كقولهم: شاقَّه، أي: كان في شقٍّ غير شقِّ صاحبه وعاداه، أي: كان في عدوة غير عدوته. قال ابن عباس: معناه: يخالف الله وقيل: يحارب الله، وقيل: يعاند الله، وقيل: يعادي الله.
واختار بعضهم قراءة الكسر، بأنَّها لا تحوج إلى إضمار، ولم يُرْوَ قوله: [الوافر]
2808 - فَمَنْ يَكُ سَائِلاً عَنِّي فإنِّي ... وجِرْوةَ لا تُعارُ ولا تُبَاعْ إلاَّ بالكسرِ.
وهذا غيرُ لازمٍ، فإنَّه جاء على أحد الجائزين، و «خَالِداً» نصبٌ على الحال.
قال الزجاج: «ويجوز كسر» أنّ «على الاستئناف بعد الفاءِ» . وجهنم: من أسماء النار وحكى أهل اللغة عن العربِ: أنَّ البئر البعيدة القعر تسمى الجهنام، فيجوزُ أن تكون مأخوذة من هذا اللفظ، ومعنى بعد قعرها أنَّه لا آخر لعذابها، وتقدم معنى الخلود، والخزي: قد يكون بمعنى النَّدم، وبمعنى الاستحياء، والمراد به ههنا: النَّدم، لقوله: ﴿وَأَسَرُّواْ الندامة لَمَّا رَأَوُاْ العذاب﴾ [يونس: 54] .
قوله تعالى: ﴿يَحْذَرُ المنافقون﴾ الآية.
قال قتادة «هذه السُّورة كانت تُسمَّى الفاضحة، والحافرة، والمبعثرة، والمثيرة، أثارت مخازيهم ومثالبهم» قال ابن عباسٍ: «أنزل اللهُ تعالى ذكر سبعين رجلاً من المنافقين بأسمائهم، وأسماء آبائهم، ثم نسخ ذكر الأسماء رحمة على المؤمنين، لئلاَّ يُعيّر بعضهم بعضاً؛ لأن أولادهم كانوا مؤمنين» .
وقال الجبائيُّ:
«اجتمع اثنا عشر رجلاً من المنافقين على النِّفاقِ، وأخبر جبريل الرسول بأسمائهم، فقال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ:» إنَّ أناساً اجتمعُوا على كَيْت وكَيْت، فليقُومُوا وليعتَرِفُوا وليسْتغفِرُوا ربَّهم حتَّى أشفع لهُمْ «فلم يقوموا، فقال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ بعد ذلك» قُمْ يا فلانُ ويا فلانُ «حتى أتى عليهم ثم قالوا: نعترف ونستغفر فقال:» الآن أنَا كُنْتُ في أوَّل الأمْرِ أطيب نَفْساً بالشَّفَاعةِ، والله كانَ أسْرعَ في الإجابةِ، اخرُجُوا عنِّي «فلم يزلْ يقول حتى خرجوا بالكليَّةِ.»
وقال الأصمُّ: إنَّ «عند رجوع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من تبوك وقف له على العقبة اثنا عشر رجلاً ليفتكوا به؛ فأخبره جبريل، وكانوا متلثمين في ليلة مظلمة، وأمره أن يرسل إليهم من يضرب وجوه رواحلهم، فأمر حذيفة بذلك فضربها حتى نحاهم ثم قال:» مَنْ عرفت من القوْمِ» ؟ فقال: لم أعرف منهم أحداً، فذكر النبيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ أسماءهم وعدهم له، وقال: «إنَّ جبريل أخبرني بذلك» فقال حذيفة: ألا تَبْعَثُ إليه فتقتلهم، فقال: «أكره أن تقول العرب قاتل أصحابه حتَّى إذا ظفر صار يقتلهم، بل يَكْفِينَاهُمُ اللهُ بالدبيلة» .
فإن قيل: الكافرُ منافق، فكيف يحذرُ نزول الوحي على الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -؟ فالجوابُ، من وجوه:
أحدها: قال أبُو مسلم: «هذا حذر أظهرهُ المنافقون استهزاء حين رأوا الرَّسُول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - يذكر كلَّ شيء ويدعي أنَّهُ عن الوحي، وكان المنافقُون يكذبون بذلك فيما بينهم، فأخبر الله رسوله بذلك، وأمره أن يعلمهم أنَّه يظهر سرهم الذي حذروا ظهره، ويدلُّ على ذلك قوله: استَهْزئُوا» .
وثانيها: أنَّ القوم وإن كانوا كافرين بدين الرسول إلا أنَّهم شاهدوا أنَّ الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - كان يخبرهم بما يفسرونه، فلهذه التجربة وقع الحذر والخوف في قلوبهم.
وثالثها: قال الأصمُّ: إنَّهم كانوا يعرفونه كونه رسولاً حقاً من عند الله، إلاَّ أنَّ كفرهم كان حسداً وعناداً.
ورابعها: معنى الحذر الأمر بالحذر، أي: ليحذر المنافقون ذلك.
وخامسها: أنَّهم كانُوا شاكين في صحَّة نبوته، والشَّاك خائف، فلهذا خافوا أن ينزل عليه في أمرهم ما يفضحهم.
قوله: «أَن تُنَزَّلَ» مفعولٌ به، ناصبه «يَحْذَرُ» ، فإنَّ» يَحْذَرُ «متعدٍّ بنفسه كقوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرْكُمُ الله نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: 28] ، لولا أنه متعدِّ في الأصل لواحدٍ، لما اكتسب بالتضعيف مفعولاً ثانياً؛ ويدلُّ عليه أيضاً ما أنشده سيبويه: [الكامل]
2809 - حَذِرٌ أمُوراً لا تَضِيرُ وآمِنٌ ... مَا لَيْسَ مُنْجِيَهُ مِنَ الأقْدَارِ
وفي البيت كلامٌ، قيل: إنه مصنوع. وقال المبردُ: إنَّ» حَذِر «لا يتعدَّى، قال: لأنَّهُ من هيئات النفس، ك» فَزع» . وهذا غير لازم. فإنَّ لنا من هيئات النفس ما هو متعدٍّ ك: «خاف» ، وخشي، فإنَّ» تُنَزَّل «عند المبرد على إسقاط الخافض أي: مِنْ أن تُنَزَّل.
وقوله:» تُنَبِّئُهُمْ» في موضع الرفع صفةً ل «سورة» .
قال الزمخشريُّ «الضميرُ في قوله» عليهم «و» تنبّئهم» للمؤمنين، و «في قُلُوبهمْ» للمنافقين، ويجوزُ أيضاً أن تكون الضمائرُ كلها للمنافقين؛ لأنَّ السُّورة إذا نزلت في معناهم فهي نازلة عليهم، ومعنى» تُنبِّئُهم بما في قلوبهم «أنَّ السورة كأنَّها تقول لهم في قلوبكم كيت وكيت، يعني أنَّها تذيع أسرارهم إذاعة ظاهرة فكأنَّها تخبرهم بها» .
ثم قال: ﴿قُلِ استهزءوا﴾ هذا أمر تهديد، ﴿إِنَّ الله مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ﴾ .
قوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ الآية.
قال الكلبي، ومقاتل، وقتادةُ: «إنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان يسير في غزوة تبوك وبين يديه ثلاثة نفر من المنافقين، اثنان يستهزئان بالقرآن والرسول، والآخر يضحك.
قيل: كانوا يقولون: إنَّ محمداً يزعم أنه يغلب الروم، ويفتح مدائنهم، هيهات هيهات ما أبعده عن ذلك.
وقيل: كانوا يقولون: إنَّ محمداً يزعمُ أنَّهُ نزل في أصحابنا المقيمين بالمدينة قرآن، وإنما هو قوله وكلامه، فأطع اللهُ نبيهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على ذلك فقال:» احبسُوا الرَّكبَ عليَّ» فدعاهُم وقال لهُم: «قُلْتُم كذا وكذا» فقالوا: إنَّما كُنَّا نتحدثُ ونخوض في الكلامِ، كما يفعلُ الرَّكبُ لقطع الطريق بالحديث واللعب.»
قال ابن عمر: «رأيتُ عبد الله بن أبيّ يشتد قدام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والحجارة تنكيه، وهو يقولُ:» إنَّما كُنَّا نخوضُ ونلعبُ» . ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول «أباللهِ وآياتهِ ورسولهِ كُنتُم تَسْتهزِئُونَ» . ولا يلتفتُ إليه.»
وقال أبُو مسلم: قوله: ﴿يَحْذَرُ المنافقون أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم﴾ التوبة: 64 إنَّ القوم أظهروا هذا الخبر استهزاء، فبيَّن تعالى في هذه الآية أنَّهُ إذا قيل لهم: لِمَ فعلتُم ذلك؟ قالوا: لم نقل ذلك إلاَّ لأجل أنا كنا نخوض ونلعب.
فصل في بيان أصل الخوض
قال الواحديُّ: أصل الخوض الدخول في مائع مثل الماء والطين، ثم كثر حتى صار اسماً لكل دخول فيه تلويث وأذى، والمعنى: إنَّما كُنَّا نخوضُ في الباطل من الكلام كما يخوض الركب لقطع الطريق، فأجابهم الرسولُ بقوله: «أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون» .
قوله: « ... أباللهِ ... » متعلقٌ بقوله: «تَستهْزئُونَ» . و «تَسْتهْزِئُونَ» خبرُ «كان» وفيه دليلٌ على تقديم خبر «كان» عليها؛ لأنَّ تقديم المعمول يؤذن بتقديم العامل، وقد تقدَّم معمول الخبر على «كان» فليَجُزْ تقديمه بطريق الأولى.
وفيه بحث، وذلك أنَّ ابن مالك قدح في هذا الدَّليل، بقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا اليتيم فَلاَ تَقْهَرْ وَأَمَّا السآئل فَلاَ تَنْهَرْ﴾ [الضحى: 9، 10] قال: ف «اليتيم» ، والسائل قد تقدما على «لا» الناهية، والعاملُ فيهما ما بعدهما ولا يجوز تقديم ما بعد «لا» الناهية عليها، لكونه مجزوماً بها، فقد تقدَّم المعمولُ، حيث لا يتقدَّم للعامل ذكر، ذكر ذلك عند استدلالهم على جواز تقديم خبر «ليس» بقوله ﴿أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ﴾ [هود: 8] .
فصل
فرق بين قولك: أتستهزىء بالله، وبين قولك: أبالله تستهزىء، فالأوَّلُ يقتضي الإنكار على عمل الاستهزاء، والثاني يقتضي الإنكار على إيقاع الاستهزاء في الله، كأنه يقول: هَبْ أنك تقدم على الاستهزاء إلا أنه كيف أقدمت على إيقاع الاستهزاء في الله كقوله تعالى: ﴿لاَ فِيهَا غَوْلٌ﴾ [الصافات: 47] والمقصود: ليس نفي الغول، بل نفي أن يكون خمر الجنَّة محلاًّ للغول. ومعنى الاستهزاء بالله: هو الاستهزاء بتكاليفِ الله، والاستهزاء بذكر الله، فإنَّ أسماء الله قد يستهزىء بها الكافرُ، كما أنَّ المؤمن يعظمها. والمرادُ بالاستهزء ب «آيَاتِهِ» هو القرآن، وسائر ما يدلُّ على الدين، والرسول معلوم.
قوله: ﴿لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ﴾ .
نقل الواحديُّ عن أهل اللغة في لفظ الاعتذار قولين، الأول: أنَّه عبارة عن محو أثر الذنب، وأصله من: تعذرت المنازل، أي: دَرَسَتْ، وامَّحت آثارها؛ قال ابن أحمر: [البسيط]
2810 - قَدْ كُنتَ تَعْرفُ آياتٍ فقدْ جَعَلتْ ... أطْلالُ إلفِكَ بالوَعْسَاءِ تَعْتَذِرُ
فالمعتذر يزاولُ محو ذَنْبِهِ.
والثاني: قال ابنُ الأعرابي: أصله من العذر، وهو القطع، ومنه العُذْرة؛ لأنَّها تقطع بالافتراغ.
ويقولون: اعتذرت المياه، أي: انقطعت، فكأنَّ المعتذر يحاولُ قطع الذمّ عنه. قوله: ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ يدلُّ على أنَّ الاستهزاء بالدِّين كيف كان كفراً؛ لأنه استخفاف بالدين، والعمدة في الإيمان تعظيم الله تعالى، ويدل على أنَّ القول الذي صدر منهم كان كفراً في الحقيقة.
فإن قيل: كيف قال ﴿كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ وهم لم يكونوا مؤمنين؟
فالجواب: قال الحسنُ: أظهرتم الكفر بعد ما أظهرتم الإيمان.
فصل
قال ابنُ العربي: «لا يخلو ما قالوا من أن يكون جداً، أو هزلاً، وهو كيفما كان كفراً فإنَّ القول بالكفر كفر بلا خلاف بين الأئمة، قال تعالى: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بالله أَنْ أَكُونَ مِنَ الجاهلين﴾ [البقرة: 67] .
فصل
اختلفوا في الهزل في سائر الأحكام كالبيع والنكاح والطلاق، قيل: يلزم وقيل: لا يلزم، وقيل: يفرق بين البيع وغيره. فيلزمُ في النكاح والطلاق، ولا يلزم في البيع وحكى ابنُ المنذر الإجماع في أن جدَّ الطلاق وهزله سواء. وروى أبو داود والترمذي والدارقطني عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «ثلاثٌ جِدُّهُنَّ جد وهزلهُنَّ جِدّ، النِّكاحُ والطلاقُ والرَّجْعَةُ»
قال الترمذيُّ «حديث حسن، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وغيرهم» .
قال القرطبي: «وفي الموطأ عن سعيد بن المسيِّب قال ثلاث ليس فيهن لعب النكاح والطلاق والعتق» .
قوله: « ... إن نَعْفُ» قرأ عاصم «نَعْفُ» بنون العظمة، «نعذِّب» كذلك، «طَائفَة» نصباً على المفعول به، وهي قراءة أبي عبد الرحمن السُّلمي، وزيد بن علي. وقرأ الباقون «يُعْفَ» في الموضعين بالياء من تحت مبنياً للمفعول، ورفع «طَائفةٌ» ، على قيامها مقام الفاعل والقائمُ مقام الفاعل في الفعل الأوَّلِ الجارُّ بعده. وقرأ الجحدريُّ «إن يَعْفُ» بالياء من تحت فيهما، مبنياً للفاعل، وهو ضميرُ الله تعالى، ونصب «طائفة» على المفعول به. وقرأ مجاهدٌ «تُعْف» بالتاء من فوق فيهما، مبنياً للمفعول، ورفع «طائفة» ، لقيامها مقام الفاعل. وفي القائم مقام الفاعل في الفعل الأوَّل وجهان:
أحدهما: أنَّهُ ضمير الذنوب، أي: إن تُعْفَ هذه الذنوب.
والثاني: أنَّه الجارُّ، وإنَّما أنِّث الفعل حملاً على المعنى.
قال الزمخشريُّ «الوجه التذكير؛ لأنَّ المسند إليه الظرفُ، كما تقول: سِيرَ بالدَّابة، ولا تقول: سِيرت بالدَّابة، ولكنه ذهب إلى المعنى، كأنه قيل: إن تُرْحَمْ طائفة فأنَّث لذلك، وهو غريبٌ» .
فصل
قال مجاهدٌ: وابن إسحاق: الذي عُفِيَ عنه رجل واحد، وهو مخاشن بنُ حمير الأشجعي، يقال هو الذي كان يضحكُ ولا يخوض، وكان يمشي مجانباً لهم، وينكر بعض ما يسمع فلمَّا نزلت هذه الآية تاب من نفاقه، وقال: اللَّهُمَّ إني لا أزال أسمعُ آية تَقْرَعُني بها تقشعر الجلودُ، وتجب منها القلوبُ، اللهم اجعل وفاتي قتلاً في سبيلك، لا يقولُ أحدٌ: أنا غسلت، أنا كفنت، أنا دفنت، فأصيب يوم اليمامة ولم يعرف أحد من المسلمين مصرعه.
فصل
ثبت بالروايات أنَّ الطائفتين كانوا ثلاثة؛ فوجب أن تكون إحدى الطَّائفتين إنساناً واحداً. قال الزجاجُ: والطَّائفة في اللغةِ أصلها الجماعة؛ لأنَّها المقدار الذي يمكنها أن تطيف بالشيء ثم يجوز أن يسمى الواحد بالطائفة، قال تعالى ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ المؤمنين﴾ [النور: 2] . وأقله الواحد، وروى الفراء بإسناده عن ابن عباس أنه قال: الطائفة الواحد فما فوقه، وقال تعالى: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا﴾ [الحجر: 9] .
قال ابن الأنباري: العرب توقع لفظ الجمع على الواحد، فتقولُ: خرج فلانٌ إلى مكَّة على الجمال، وقال تعالى: ﴿الذين قَالَ لَهُمُ الناس﴾ [آل عمران: 173] يعني: نعيم بن مسعود، ثم إنه تعالى علَّل تعذيبه لهم: ﴿بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾
التوبة 9:64
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَآءِ والمساكين﴾ الآية.
اعلم أنَّ المنافقين لمَّا لمزوا الرسول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ في الصدقات، بيَّن لهم أنَّ مصرف الزكاة هؤلاء، ولا تعلق لي بها، ولا آخذ لنفسي نصيباً منها.
وقد ذكر العلماء في الحكمة في وجوب الزكاة أموراً:
منها: قالوا: شكر النِّعمة عبارة عن صرفها إلى طلب مرضاة المنعم، والزكاة شكر النعمة. فوجب القولُ بوجوبها؛ لأنَّ شكر المنعم واجب.
ومنها: أنَّ إيجاب الزكاة توجب حصول الألفة بالمودَّة، وزوال الحقد والحسد بين المسلمين فهذه وجوهٌ معتبرةٌ في الحكمة الناشئة لوجوب الزَّكاة.
ومنها: أنَّ الفاضل عن الحاجات الأصلية إذا أمسكه الإنسان عطَّله عن المقصود الذي لأجله خلق المالُ، وذلك سعي في المنع من ظهور حكمة الله تعالى، وهو غير جائز، فأمر الله بصرف طائفة منه إلى الفقير حتَّى لا تتعطل تلك الحكمة.
ومنها: أنَّ الفقراء عيالُ الله، لقوله تعالى ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأرض إِلاَّ عَلَى الله رِزْقُهَا﴾ [هود: 6] والأغنياء خزان الله؛ لأنَّ الأموال التي في أيديهم لله تعالى، ولولا أن الله ألقاها في أيديهم، لما ملكوا منها حبة واحدة.
ومنها: أنَّ المال بالكليَّة في يد الغني مع أنَّه غير محتاج إليه، وإهمال جانب الفقير العاجز عن الكسب بالكليَّة، لا يليقُ بحكمة الرحيم؛ فوجب أن يجب على الغنيّ صرف طائفة من ذلك المال إلى الفقير.
ومنها: أنَّ الأغنياء لو لم يقوموا بمهمات الفقراء ربّما حملهم شدة الحاجة ومضرة المسكنة على الالتحاق بأعداء المسلمين، أو على الإقدامِ على الأفعال المنكرة كالسرقة وغيرها؛ فإيجاب الزكاة يفيد هذه الفائدة؛ فوجب القول بوجوبها وقيل غير ذلك.
فصل
كلمة «إنَّما» للحصر، فدلَّت على أنه لا حق في الصدقات لأحد إلاَّ لهذه الأصناف الثمانية وذلك مجمع عليه، ويدلُّ على أنَّ كلمة «إنَّما» للحصر؛ لأنها مركبة من «إن» و «ما» ، و «إن» للإثبات و «ما» للنفي» ، واجتماعهما يوجب بقاءهما على ذلك المفهوم، وكذلك تمسَّك ابنُ عبَّاسٍ في نفي ربا الفضل بقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ «إنَّما الرِّبَا في النَّسيئَةِ» ، وتمسك بعض الصحابة في أن الإكسال لا يوجب الاغتسال بقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ «إنما الماءُ من الماءِ» ، ولولا إفادتها الحصر، لما كان كذلك، وقال تعالى ﴿إِنَّمَا الله إله وَاحِدٌ﴾ [النساء: 171] فدلَّت على نفي إلهية الغير؛ وقال الأعشى: [السريع]
2802 - ولسْتَ بالأكْثَرِ منهُم حَصًى ... وإنَّما العِزَّةُ لِلكَاثِرِ
وقال الفرزدق: [الطويل] 2803 - أنَا الذَّائدُ الحَامِي الذِّمارَ وإنَّما ... يدافعُ عنْ أحسابهِمْ أنَا أوْ مِثْلِي
فدلَّت هذه الوجوه على أنَّ كلمة» إنَّما «للحصر.
وروى زياد بن الحارث الصُّدانئي قال: أتيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فبايعته فأتاه رجل فقال أعطني من الصَّدقة فقال له رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ
«إنَّ اللهَ لَمْ يرضَ بحُكْم نبي، ولا غيره في الصَّدقاتِ حتَّى حكم فيها فجَزَّأها ثمانيةَ أجزاء، فإنْ كنتَ من تلكَ الأجزاءِ أعطيتُك حقَّك» .
فصل
مذهب أبي حنيفة: أنه يجوز صرف الصَّدقة إلى بعض الأصناف، وهو قول عمر وحذيفة، وابن عباسٍ، وسعيد بن جبير، وأبي العالية، والنخعي. قال سعيدُ بن جبير: لو نظرت إلى أهل بيت من المسلمين فقرأ متعففين فحبوتهم بها كان أحب إليَّ وقال الشافعي لا بُدَّ من صرفها إلى الأصناف الثمانية وهو قوك عكرمة، والزهري وعمر بن عبد العزيز واحتج بظاهر الآية. قال ولا بدَّ في كلِّ صنف من ثلاثة، فإن دفع سهم الفقراء إلى فقيرين ضمن نصيب الثالث، وهو ثلث سهم الفقراءِ قال: ولا بد من التسوية في أنصباء هذه الأصناف الثمانية، مثاله لو وجد خمسة أصناف، ولزمه أن يتصدَّق بعشرة دراهم؛ لزمه أن يجعل العشرة خمسة أسهم.
واختلفوا في صفة الفقير والمسكين، فقال ابن عباسٍ، والحسنُ، ومجاهدٌ، وعكرمةُ والزهريُّ: الفقير: الذي لا يسأل، والمسكين: السَّائل. قال ابن عمر: ليس بفقير من جمع الدرهم إلى الدرهم والتمرة إلى التمرة، ولكن الفقير من أنقى نفسه وثيابه ولا يقدر على شيء: ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهل أَغْنِيَآءَ مِنَ التعفف﴾ [البقرة: 273] .
وقال قتادة: الفقير: المحتاج الزَّمِنُ، والمسكين: الصحيح المحتاج. وروي عن عكرمة الفقراء من المسلمين، والمساكين من أهل الكتاب. وقال الشافعي الفقير من لا مال ولا حرفةَ تقع منه موقعاً زمناً كان أو غير زمن، والمسكين من له مال أو حرفة لا تغنيه سائلاً كان أو غير سائل.
واستدل بقوله: ﴿أَمَّا السفينة فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ [الكهف: 79] فأثبت لهم ملكاً، وكان عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ يتعوذ من الفقر، وقال: كاد الفقرُ أن يكون كُفْراً. وكان يقول: اللَّهُمَّ أحْيِني مِسْكيناً وأمِتْنِي مسْكِيناً، فكيف كان يتعوذ من الفقر، ويسأل ما هو دونه وهذا تناقض؟
وقال أصحاب الرأي: الفقيرُ أحسن حالاً من المسكين. وقيل: الفقير من له المسكن والخادم والمسكين من لا ملك له، وقالوا كل محتاج إلى شيء فهو فقير إليه، وإن كان غنياً عن غيره قال تعالى: ﴿يا أيها الناس أَنتُمُ الفقرآء إِلَى الله﴾ [فاطر: 15] ، والمسكين المحتاج إلى كلِّ شيءٍ ألا ترى كيف حضَّ على طعامه، وجعل طعام الكفارة له، ولا فاقة أشد من الحاجة إلى سد الجوعة.
وقال إبراهيمُ النخعيُّ: الفقراء هم المهاجرون، والمسكين من لم يهاجر، وقيل: لا فرق بين الفقراء والمساكين فالله تعالى وصفهم بهذين الوصفين، والمقصود شيءٌ واحد، وهو قول أبي يوسف ومحمد.
وفائدة الخلاف تظهر في مسألة: وهي أنَّه لو أوصى لفلان وللفقراء والمساكين، فالذين قالوا: الفقراء غير المساكين، قالوا: لفلان الثلث، والذين قالوا: الفقراء هم المساكين قالوا لفلان النصف.
واختلفوا في حدِّ الغني الذي يمنع أخذ الصَّدقة، فقال الأكثرون: حده أن يكون عنده ما يكفيه وعياله سنة، وهو قول مالك، والشافعي. وقال أصحاب الرأي: حدُّه أن يملك مائتي درهم. وقيل: من ملك خمسين درهماً، لا يحلُّ له أخذ الصدقة. روي أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «مَنْ سَألَ النَّاسَ ولهُ ما يُغْنِيه جاء يوم القيامةِ ومسْألتُهُ في وجهه خُموش أو خُدُوش. قيل: وما يُغنيهِ؟ قال:» خَمْسُونَ دِرْهماً أو قيمتها من الذَّهب «، وهو قول الثوري، وابن المباركِ، وأحمد وإسحاق وقالوا: لا يجوزُ أن يعطى الرجل من الزكاة أكثر من خمسين، وقيل: أربعون درهماً لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» مَنْ سَأل ولهُ أوقيةٌ أو عَدْلُهَا فقدْ سَألَ إلْحَافاً «.
قوله: ﴿والعاملين عَلَيْهَا﴾ وهم السُّعاةُ لجباية الصدقة، يعطون بقدر أجور أمثالهم.
وقال مجاهدٌ والضحاكُ: يعطون الثمن، ولا يجوزُ أن يكُون العاملُ على الصدقة هاشمياً ولا مطلبياً؛ لأنَّ الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - أبَى أن يبعث أبا رافع عاملاً على الصَّدقاتِ وقال: أما علمت أن مولى القومِ منهم.
قوله: ﴿والمؤلفة قُلُوبُهُمْ﴾ قال ابنُ عباسٍ: هم أشراف من الأحياء أعطاهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يوم حنين، وكانوا خمسة عشر رجلاً: أبُو سفيانَ، والأقرعُ بنُ حابسٍ، وعيينةُ بن حصنٍ، وحويطبُ بنُ عبد العزى، وسهلُ بنُ عمرو من بني عامر، والحارثُ بنُ هشام، وسهيلُ بن عمرو الجهنيُّ، وأبُو السنابل، وحكيم بن حزامٍ، ومالكُ بن عوف وصفوانُ ابنُ أمية، وعبد الرحمن بنُ يربوع، والجدُّ بنُ قيس، وعمرو بنُ مرداس، والعلاءُ بنُ الحرث،» أعطى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كلَّ رجل منهم مائة من الإبل ورغبهم في الإسلام، إلاَّ عبد الرحمن بن يربوع أعطاه خمسين من الإبل، وأعطى حكيم بن حزام سبعين من الإبل، فقال: يا رسول الله ما كنت أرى أنَّ أحداً من النَّاس أحق بعطائك مني فزاده عشرة، وهكذا حتى بلغ مائة، ثم قال حكيمٌ: يا رسول الله، أعطيتك الأولى التي رغبت عنها خير أم هذه التي قنعت بها؟ فقال عليه الصَّلاة والسَّلام: بل التي رغبت عنها، فقال: والله لا آخذ غيرها «فقيل: مات حكيم وهو أكثر قريش مالاً، وشقَّ على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ تلك العطايا، لكن ألفهم بذلك. قال ابنُ الخطيبِ: وهذه العطايا إنَّما كانت يوم حنين، ولا تعلق لها بالصدقات، ولا أدري لأي سبب ذكر ابنُ عبَّاسٍ هذه القصة في تفسير هذه الآية وإنَّما ذكر ابنُ عباسٍ ذلك بياناً للمؤلَّفة من هم، فذكر ذلك مثالاً.
واعلم أنَّ المؤلفة قسمان، مسلمون وكفار، فأمَّا المسلمون فيعطون لأجل قوَّة إيمانهم أو معونتهم على أخْذِ الزَّكاة ممَّن امتنع عن دفعها، أو ترغيباً لأمثالهم في الإسلام وأما الكُفَّار؛ فيعطون ترغيباً لهم في الإسلام، أو خشية من شرهم، كما أعطى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ صفوان بن أمية لمَّا رأى من ميله في الإسلام.
قال الواحديُّ إنَّ الله تعالى أغنى المسلمين عن تألف قلوب المشركين، فإن رأى الإمامُ في ذلك مصلحة يعود نفعها على المسلمين إذا كانوا مسلمين جاز، ويعطون من الفيء لا من الزَّكاة.
واعلم أنَّ المؤلفة قسمان، مسلمون وكفار، فأمَّا المسلمون فيعطون لأجل قوَّة إيمانهم أو معونتهم على أخْذِ الزَّكاة ممَّن امتنع عن دفعها، أو ترغيباً لأمثالهم في الإسلام وأما الكُفَّار؛ فيعطون ترغيباً لهم في الإسلام، أو خشية من شرهم، كما أعطى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ صفوان بن أمية لمَّا رأى من ميله في الإسلام.
قال الواحديُّ إنَّ الله تعالى أغنى المسلمين عن تألف قلوب المشركين، فإن رأى الإمامُ في ذلك مصلحة يعود نفعها على المسلمين إذا كانوا مسلمين جاز، ويعطون من الفيء لا من الزَّكاة.
وقال جماعةٌ من أهل العلم: إنَّ المؤلفة منقطعة، وسهمهم ساقط، روي ذلك عن عمر وهو قول الشعبي، وبه قال مالكٌ، والثوريُّ، وأصحاب الرأي وإسحاق بن راهويه وقال قومٌ: سهمهم ثابت مروي ذلك عن الحسنِ، وهو قول الزهري، وأبي جعفر محمد بن علي، وأبي ثور، وقال أحمدُ: يعطون إن احتاج المسلمون إلى ذلك.
قوله: وفِي الرقابِ قال الزجاجُ فيه محذوف، والتقديرُ: «وفي فك الرقاب» وقد تقدم الكلامُ في تفسير «الرقاب» في قوله: ﴿والسآئلين وَفِي الرقاب﴾ [البقرة: 177] . ثمَّ في تفسير «الرقاب» أقوال:
أحدها: أنَّهم المكاتبون ليعتقوا من الزكاة، وقال مالكٌ وغيره: إنه لعتق الرقاب يشترى به عبيد فيعتقون. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يعتق من الزكاة رقبة كاملة ولكن يعطى منها في رقبة ويعان بها مكاتب؛ لأن قوله: ﴿وَفِي الرقاب﴾ يقتضي أن يكون له فيه مدخل، وذلك يُنَافِي كونه تاماً فيه، وقال الزهريُّ: سهم الرقاب نصفان، نصف للمكاتبين المسلمين، ونصفٌ يشترى به رقاب ممَّن صلوا وصاموا.
قال بعض العلماء: والاحتياط في سهم الرقاب دفعه إلى السَّيد بإذن المكاتب؛ لأنَّه تعالى أثبت الصدقات للأصناف الأربعة المتقدم ذكرهم بلام التمليك بقوله: ﴿إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَآءِ والمساكين﴾ ولمَّا ذكر «الرقاب» أبدل حرف اللام بحرف «في» فقال: «وفِي الرِّقابِ» فلا بدَّ لهذا الفرق من فائدة، وهي أنَّ الأصنافَ الأربعة يدفع إليهم نَصِيبُهُمْ. وأما الباقون فيصرف نصيبهم في المصالح المتعلقةِ بهم لا إليهم.
قال الزمخشري: «فإن قلت: لِمَ عدل عن اللاَّمِ إلى» فِي «في الأربعة الأخيرة؟ قلت: للإيذان بأنَّهم أرسخُ في استحقاقِ التصدُّق عليهم ممَّن سبق ذكرهُ؛ لأنَّ» في «للوعاء، فنبَّه على أنهم أحقاءُ بأن توضع فيهم الصدقات وجعله مظِنَّة لها ومصَبّاً» .
ثم قال: «وتكرير» في «في قوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ الله وابن السبيل﴾ فيه فضل ترجيح لهذين على الرقاب والغارمين» .
قوله: والغَارمينَ قال الزجاجث: أصل الغرم في اللغةِ: لزوم ما يشق، والغرام العذاب اللاَّزم، وسمي العشق غراماً، لكونه شاقاً على الإنسان ولازماً له، ومنه: فلان مغرم بالنِّساءِ إذا كان مولعاً بهنَّ، وسمي الدَّين غراماً، لكونه شاقاً، والمرادُ بالغارمين المديونون، فالدِّيْنُ إن حصل بسبب معصيةٍ لا يدخلُ في الآية؛ لأنَّ المقصود من صرف المال إليه الإعانة، والمعصية لا تستوجب الإعانة، وإن حصل لا بسبب معصية فهو قسمان: دينٌ حصل بسبب نفقات ضرورية أو في مصلحة، ودين بسبب حمالات وإصلاح ذات بين، والكل داخل في الآية.
روى الأصمُّ في تفسيره «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لمَّا قضى بالغرة في الجنين قالت العاقلة: لا نملك الغرَّة يا رسول الله، فقال لحمل بن مالك بن النَّابغة أعنهم بغرة من صدقاتهم» وكان حمل على الصدقة يومئذ.
قوله: ﴿فِي سَبِيلِ الله﴾ قال المفسِّرون: يعني الغزاة، قال أكثرُ العلماء: يجوز له أن يأخذ من الزَّكاة وإن كان غنياً. وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يعطى الغازي إلاَّ مع الحاجة.
ونقل القفالُ في تفسيره عن بعض العلماء أنَّهم أجازوا صرف الصدقات إلى جميع وجوه الخير من تكفين الموتى، وبناء الحصون، وعمارة المساجد؛ لأن قوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ الله﴾ عام في الكل وقال أكثر أهل العلم: لا يعطى منه شيء في الحج. وقال قومٌ: يجوزُ أن يصرف سهم في سبيل الله إلى الحج، يروى ذلك عن ابن عباس وهو قول الحسن، وأحمد، وإسحاق.
قوله: ﴿وابن السبيل﴾ وهو كل من يريدُ سفراً مباحاً ولم يكن له ما يقطعُ به المسافة يعطى له قدر ما يقطع به تلك المسافة، وإن كان ذا يسار في بلده. وقال قتادةُ: ابن السبيل: هو الضعيف وقال فقهاءُ العراقِ: ابن السبيل: الحاج المنقطع.
واعلم أنَّ مال الزَّكاة لا يخرج عن هذه الثمانية. واختلفوا هل يجوزُ وضعه في بعض الأصناف؟ إذا قلنا يجوز وضعه في بعض الأصناف، فإنَّما يجوز في غير العامل، فأمَّا وضعه بالكليَّةِ في العامل فلا يجوز بالاتفاق.
فإن قيل: ما الحكمةُ في أنه تعالى ذكر الأصناف الستة وهم: الفقراء، والمساكين، والعاملون والمؤلفة، والرقاب، والغارمون، بصيغة الجمع، وذكر الصنفين الآخرين، وهما: في سبيل الله وابن السبيل بصيغة الإفراد؟
فالجوابُ: أنَّ المراد بهما الجنس هو جمع حقيقة، ولا يقال: هلاَّ ذكر الأصناف الستَّة بصيغة الإفراد ويكون المراد الجنس كهذين؛ لأنا نقول: لو أفرد في الجميع، فلا يخلو إمَّا أن يفردهم معرفين بالألف واللام للعهد؛ فينصرف بين السَّامع إلى صرف الزَّكاة إلى معهودٍ سابق معين وليس هو المقصود من الآية بالإجماع، وإن أفردهم منكرين، فهم منه أنَّ الزَّكاة لا يجوز دفعها إلى فقير واحد، أو مسكين واحد، وكذلك سائرها، ولا يجوزُ دفعها لاثنين فما زاد، وهو خلاف الإجماع
فصل
والسَّبيل: الطريقُ، ونسب المسافر إليها لملازمته إيَّاها، ومروره عليها قال بعضُ العلماءِ: إذا كان المسافر غنيّاً في بلده، ووجد من يسلفه فلا يعطى وهو الصحيح.
ولا يلزمه أن يدخل تحت مِنَّة أحد إذا وجد منة تعالى.
فصل
إذا جاء وادَّعى وصفاً من الأوصاف الثمانية، هل يقبل قوله أو يقال: أثبت ما تقولُ؟ أمَّا الدَّينُ فلا بدّ أن يثبته، وأمَّا البقية فظاهرُ الحال يَكْفِي.
قوله: «فَرِيضَةً» في نصبها وجهان:
أحدهما: أنَّها مصدرٌ على المعنى لأنَّ معنى ﴿إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَآءِ﴾ في قوة: فرض الله ذلك.
والثانيك أنَّها حالٌ من الفقراء، قاله الكرماني، وأبُو البقاءِ.
يعنيان من الضمير المستكن في الجار، لوقوعه خبراً، أي: إنَّما الصدقاتُ كائنة لهم حال كونها فريضة، أي: مفروضة. ويجوزُ أن يكون فريضةً حينئذٍ بمعنى مفعولة، وإنَّما دخلت التاءن لجريانها مجرى الأسماء، ك «النَّطيحة» . ويجوزث أن يكون مصدراً واقعاً موقع الحال، ونُقل عن الفرَّاء أنَّها منصوبة على القطع. ثم قال: ﴿والله عَلِيمٌ﴾ بمقادير المصالح ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يشرع إلاَّ ما هو الأصوب والأصلح.
فصل
وهذه الآية المراد بها فريضة الزكاة، فأمَّا صدقة التطوع فيجوزُ دفعها إلى هؤلاء وإلى غيرهم، من بني هاشم ومواليهم، ومن لا يجوز لهم أخذ الزكاة الواجبة، يجوزُ له الأخذ إذا كان غارماً أو مؤلفاً، أو عاملاً.
قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الذين يُؤْذُونَ النبي﴾ الآية.
وهذا نوع آخر من طعن المنافقين، وهو أنَّهُم كانُوا يقولون في رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إنه أذن. نزلت في جماعة من المنافقين، كانوا يؤذون النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ويقولون ما لا ينبغي، فقال بعضُهم لا تفعلوا فإنَّا نخافُ أن يبلغه ما نقولُ، فيقع بنا فقال الجلاس بنُ سويد: نقول ما شئنا، ثم نأتيه ونُنْكر ما قلنا، ونحلف فيصدِّقنا بما نقول، إنَّما محمدٌ أذنٌ، أي سامعة، يقال: فلان «أذنٌ وأذنٌ» على وزن «فُعُل» ، إذا كان يسمع كل ما قيل ويقبله.
وأصله من «أذن» له «أذَناً» إذا استمع، وقال محمد بن إسحاق بن يسار: «نزلت في رجل من المنافقين يقال له: نبتل بن الحارث، وكان رجُلاً أزلم، ثائر الشعر، أحمر العينين، أسفع الخدين، مشوَّه الخلقة، وقد قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من أراد أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحارث.»
وكان ينمّ حديث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إلى المنافقين، فقيل له: لا تفعل فقال: إنَّما محمد أذن، فمن حدَّثه شيئاً صدَّقه؛ فنقول ما شئنا، ثُمَّ نأتيه فنحلف له، فيصدقنا، فنزلت الآية.
قال الأصمُّ أظهر الله عن المنافقين وجوه كفرهم التي كانوا يسرونها، لتكون حجة للرسول، ولينزجروا، فقال: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصدقات﴾ [التوبة: 58] ﴿وَمِنْهُمُ الذين يُؤْذُونَ النبي﴾ [التوبة: 61] ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ الله﴾ [التوبة: 75] إلى غير ذلك من الإخبار عن الغيوب، وكل ذلك دليل على كونه نبياً حقاً من عند الله.
ومعنى «أذنٌ» أي: أنَّه ليس له ذكاء ولا بعد غور، بل هو سليمُ القلبِ، سريع الاغترار بكل ما يسمع.
قوله: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ﴾ «أذُنُ» خبر مبتدأ محذوف، أي: قل هو أذُنُ خيرٍ والجمهور على جَر خَيْرٍ بالإضافة، وقرأ الحسنُ، ومجاهدٌ، زيد بن علي وأبو بكر عن عاصم «أذُنٌ» بالتنوين، «خَيْرٌ» بالرفع، وفيها وجهان:
أحدهما: أنَّها وصف «أذُن» .
والثاني: أن يكون خبراً بعد خبر، و «خير» يجوزُ أن يكون وصفاً، من غير تفضيل، أي: أذُنٌ ذُو خير لكم، ويجوزُ أن يكون للتفضيل - على بابها - أي: أكثر خيراً لكم. وجوَّز صاحب اللوامح أن يكون «أذُن» مبتدأ، و «خَيْر» خبرها، وجاز الابتداءُ هنا بالنكرة؛ لأنَّها موصوفةٌ تقديراً، أي: أذُنٌ لا يؤاخذكم من أذُنٍ يؤاخذكم، ويقال: رجَلٌ أذنٌ، أي: يسمع كل ما يقال، وفيه تأويلان:
أحدهما: أنَّهُ سُمِّي بالجارحة؛ لأنَّها آلة السماع، وهي معظم ما يقصد منه؛ كقولهم للربيئة: عَيْنٌ.
وقيل: المرادُ ب «الأذُن» هنا الجارجة، وحينئذٍ يكونُ على حذفِ مضاف أي: ذُو أذن.
والثاني: أنَّ الأذن وصفٌ على «فُعُل» ، ك «أنُف» و «شُلُل» يقال: أذِنَ يَأذَن، فهو أذُن؛ قال: [الطويل]
2804 - وَقَدْ صِرْت أذْناً لِلوُشَاةِ سَمِيعَةً ... يَنالُونَ مِنْ عِرْضي ولوْ شِئْت ما نَالُوا ومعنى قراءة عاصم: إن كان تقولون إنَّهُ أذُنٌ، فأذن خير لكم، يقبل منكم ويصدقكم خير لكم من أن يكذبكم. ومعنى قراءة الجرِّ: أي: هو أذُنُ خير، لا أذُنُ شر وقرأ نافع «أذْن» ساكنة الذَّال في كلِّ القرآن، والباقون بالضَّم وهما لغتان مثل: عنق وظفر.
ثم بيَّن كونه «أذُنُ خَيْرٍ» بقوله: ﴿يُؤْمِنُ بالله وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ﴾ فجعل تعالى هذه الثلاثة كالموجبة لكونه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ «أذُنُ خَيْرٍ» ، أمَّا قوله ﴿يُؤْمِنُ بالله﴾ فلأنَّ كلَّ من آمن بالله كان خائفاً من الله، والخائف من الله لا يؤذي بالباطل. ويُؤمِنُ للمؤمنينَ أي: يسلمُ للمؤمنين قولهم، إذا توافقُوا على قولٍ واحدٍ وهذا بيان كونه سليم القلب.
فإن قيل: لِمَ عدي الإيمان باللهِ بالباءِ، وإلى المؤمنين باللاَّم؟ .
فالجواب: أنَّ المراد بالإيمان بالله، المراد منه: التَّصديق الذي هو نقيض الكفر فعدي بالباء والإيمان المعدَّى إلى المؤمنين، معناه: الاستماع منهم والتسليم لقولهم فعدي باللاَّم، كقوله:
﴿وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا﴾ [يوسف: 17] وقوله ﴿فَمَآ آمَنَ لموسى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ﴾ [يونس: 83] وقوله: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ واتبعك الأرذلون﴾ [الشعراء: 111] وقوله ﴿آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْءَاذَنَ لَكُمْ﴾ [طه: 71] .
وقال ابن قتيبة «هما زائدتان، والمعنى: يصدِّق الله، ويصدِّق المؤمنين» وهذا مردود؛ ويدلُّ على عدم الزيادةِ تغايرُ الحرف الزَّائد، فلو لم يُقصدْ معنًى مستقلٌ، لما غاير بين الحرفين.
وقال المبرد: هي متعلقةٌ بمصدرٍ مقدّر من الفعل، كأنَّه قال: وإيمانه للمؤمنين وقيل: يقال: آمنتُ لك، بمعنى: صدَّقتكَ، ومنه ﴿وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا﴾ [يوسف: 17] . قال شهابُ الدِّينِ وعندي أنَّ هذه اللاَّم في ضمنها «ما» ، والمعنى: ويصدِّق للمؤمنين بما يُخبرونه به وقال أبُو البقاءِ: واللاَّم في للمؤمنين زائدةٌ، دخلت لتفرِّق بين «يُؤمن بمعنى: يُصدِّق، وبين» يؤمن «بمعنى: يثبت الإيمان وقوله: ﴿وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ﴾ فهذا أيضاً يوجبُ الخير به؛ لأنَّه يجري منكم على الظَّاهرِ، ولا يبالغ في التفتيش على بواطنكم، ولا يهتكُ أستاركم، فدلَّت هذه الأوصاف الثلاثة على وجوب كونه» أذُن خَيْرٍ «وقرأ الجمهورُ» ورَحْمَةٌ «رفعاً نسقاً على» أذُنُ «أي: وهو رحمة للذين آمنوا. وقال بعضهم: هو عطفٌ على» يُؤمن «، لأنَّ» يُؤمن «في محل رفع صفة ل:» أذُن» ، تقديره: أذُن يؤمن ورحمة. وقرأ حمزة والأعمش» ورحمةٍ «بالجر نسقاً على» خيرٍ «المخفوض بإضافة» أذُنُ «إليه، والجملةُ على هذه القراءة معترضةٌ بين المتعاطفين، تقديره: أذُنُ خيرٍ ورحمةٍ. وقرأ ابنُ أبي عبلةٍ:» ورَحْمَةٌ» نصباً على أنَّه مفعول من أجله، والمعلل محذوف، أي: يأذن لكم رحمةً بكم، فحذف لدلالة قوله: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ﴾ .
فإن قيل: كل رحمة خير، فأي فائدة في ذكر الرحمة عقيب ذِكْر الخير؟
[فالجواب: إنَّ أشرف أقسام الخير هو الرحمة، فجاز ذكر الرحمة عقيب ذكر الخير] كقوله: ﴿وملاائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: 98] . ولمَّا بيَّن كونه سبباً للخير والرحمة، بيَّن أنَّ كلَّ من آذاه استوجب العذاب الأليم لأنَّه يسعى في إيصال الخير والرحمة إليهم وهو يقابلون إحسانه بالإساءة، وخيره بالشَّر؛ فلذلك استوجبوا العذاب الأليم.
قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بالله لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾ الآية.
وهذا نوع آخر من قبائح أفعال المنافقين، وهو إقدامهم على الأيمان الكاذبة، قال قتادةُ والسديُّ: اجتمع ناس من المنافقين، فيهم الجلاس بنُ سويدٍ، ووديعة بنُ ثابت فوقعوا في النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقالوا: إن كان ما يقول محمد حقاً فنحن شرٌّ من الحمير، وكان عندهم غلام من الأنصار، يقال له: عامر بن قيس، فحقَّروه، وقالوا هذه المقالة، فغضب الغلامُ وقال: والله إنَّ ما يقول محمد حق، وأنتم شرٌّ من الحمير ثم أتَى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فأخبره فدعاهم، فسألهم؛ فحلفوا أنَّ عامراً كذَّاب وحلف عامر أنهم كذبة، فصدقهم النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فجعل عامرٍ يدعو ويقول اللَّهُمَّ صدق الصَّادق وكذب الكاذب، فأنزل اللهُ هذه الآية.
وقال مقاتلٌ والكلبيُّ: نزلت في رهطٍ من المنافقين، تخلَّفُوا عن غزوة تبوك فلمَّا رجع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أتوهُ يعتذرون ويحلفون، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
قوله: ﴿والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ .
إنَّما أفرد الضمير، وإن كان الأصلُ في العطف ب «الواو» المطابقة، لوجوهٍ:
أحدها: أنَّ رضا الله ورسوله شيءٌ واحد، ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: 80] ، ﴿إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله﴾ [الفتح: 10] ؛ فلذلك جعل الضميرين ضميراً واحداً، تنبيهاً على ذلك.
الثاني: أنَّ الضمير عائدٌ على المثنى بلفظِ الواحد بتأويل المذكور؛ كقول رؤبة: [الرجز]
2805 - فِيهَا خُطُوطٌ من سوادِ وبلق ... كأنَّهُ في الجِلْدِ توليعُ البَهَقْ
أي: كأن ذلك المذكور، وقد تقدم بيان هذا في أوائل البقرةِ. الثالث: قال المبرد: في الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ، تقديره: واللهُ أحقُّ أن يرضوه ورسوله وهذا على رأي من يدَّعي الحذف من الثاني.
الرابع - وهو مذهب سيبويه -: أنَّه حذف خبر الأوَّل، وأبقى خبر الثَّاني، وهو أحسنُ من عكسه، وهو قول المبرِّدِ؛ لأن فيه عدم الفصل بين المبتدأ أو خبره بالإخبار بالشيء عن الأقرب إليه؛ وأيضاً فهو متعين في قول الشَّاعر: [المنسرح]
2806 - نَحْنُ بِمَا عندنَا وأنتَ بِما ... عِندكَ رَاضٍ والرَّأيُ مُختَلِفُ
أي: نحن راضون، حذف «راضُون» ، لدلالةِ خبر الثاني عليه.
قال ابنُ عطية: «مذهبُ سيبويه أنَّهُما جملتان، حذفت الأولى، لدلالة الثانية عليها» .
قال أبُو حيان: «إن كان الضمير في» أنَّهُمَا «عائداً على كلِّ واحدةٍ من الجملتين، فكيف يقول» حُذفت الأولى «والأولى لم تحذف، إنما حذفَ خبرها؟ وإن كان عائداً على الخبر وهو ﴿أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ فلا يكونُ جملة إلاَّ باعتقاد أن يكون» أن يُرضُوهُ «مبتدأ وخبره» أحَقُّ «مقدماً عليه، ولا يتعيَّنُ هذا القول؛ إذْ يجوزُ أن يكون الخبرُ مفرداً بأن يكون التقدير: أحقُّ بأنْ تُرضُوه» .
قال شهابُ الدِّين: إنما أراد ابنُ عطية التقدير الأول، وهو المشهورُ عند المعربين يجعلون «أحقُّ» خبراً مقدَّماً، و «أن يُرْضوهُ» مبتدأ مؤخراً، والله ورسوله إرضاؤه أحقُّ. وقتد تقدم تحرير هذا في قوله: ﴿فالله أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ﴾ [التوبة: 13] . قوله ﴿إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ شرطٌ جوابه محذوف أو متقدم.
فصل
قال القرطبيُّ «تضمَّنتْ هذه الآية قبول يمين الحالف، وإن لم يلزم المحلوف له الرضا، واليمين حق للمدَّعي، وأن يكون اليمينُ بالله عزَّ وجلَّ حسبُ. وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ حَلفَ فليَحْلفْ باللهِ أو ليَصْمتْ، ومَنْ حُلفَ لَهُ فليُصدِّق» .
قوله: ﴿أَلَمْ يعلموا أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ الله وَرَسُولَهُ﴾ الآية.
والمقصود من هذه الآية: شرح أحوال المنافقين الذين تخلَّفوا عن غزوة تبوك.
قرأ الجمهور «يَعْلمُوا» بياء الغيبة، رَدّاً على المنافقين، وقرأ الحسنُ، والأعرجُ «تَعْلَمُوا» بتاء الخطاب، فقيل: هو التفاتٌ من الغيبة إلى الخطابِ إن كان المرادُ المنافقين.
وقيل: الخطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأتى بصيغةِ الجمع تعظيماً؛ كقوله: [الطويل]
2807 - فإنْ شِئْتُ حرَّمْتُ النِّساءَ سِواكُمُ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
وقيل: الخطابُ للمؤمنين. وبهذه التقادير الثلاثة يختلف معنى الاستفهام، فعلى الأول يكون الاستفهام للتقريع والتوبيخ، كقول الإنسان لمن حاول تعليمه مدة وبالغ في التعليم فلم يتعلم، يقال له ألمْ تتعلَّم؟ وإنما حسن ذلك؛ لأنَّهُ طال مكث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ معهم، وكثر تحذيره من معصية الله، والترغيب في طاعة الله.
وعلى الثاني يكون للتعجب من حالهم، وعلى الثالث يكون للتقرير. والعلم هنا: يحتمل أن يكون على بابه، فتسدَّ «أن» مسدَّ مفعولين عند سيبويه، ومسدَّ أحدهما والآخرُ محذوفٌ عند الأخفش.
وأن يكون بمعنى العرفان، فتسدَّ «أنَّ» مسدَّ مفعوله. و «مَنْ» شرطيَّة، و «فأنَّ لهُ نار» جوابها. وفتحت «أنَّ» بعد الفاءِ، لما تقدَّم في الأنعام. والجملةُ الشرطيةُ في محلِّ رفعِ خبر «أنَّ» الأولى وهذا تخريجٌ واضحٌ. وقد عدل عن هذا التخريج جماعة إلى وجوهٍ أخر، فقال الزمخشريُّ «ويجوزُ أن يكون» فأنَّ لَهُ «معطوفاً» أنَّه «على أنَّ جواب» مَنْ «محذوفٌ، تقديره: ألم يعلموا أنَّه من يُحادد الله ورسوله يهلكْ، فأنَّ لهُ نَار جَهَنَّمَ» وقال الجرمي والمبرد: «أنَّ» الثانية مكررةٌ للتَّوكيد، كأن التقدير: فلهُ نارُ جهنم، وكُرِّرت «أنَّ» توكيداً، وشبَّهه أبو البقاء بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ السواء﴾ [النحل: 119] ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا﴾ [النحل: 119] ، قال: والفاءُ على هذا جوابُ الشرط. وردَّ أبو حيان على الزمخشري قوله: بأنَّهم نصُّوا على أنَّه إذا حذف جوابُ الشَّرطِ، لزمَ أن يكون فعلُ الشرط ماضياً، أو مضارعاً مقروناً ب «لَمْ» ، والجوابُ على قوله محذوفٌ وفعل الشَّرطِ مضارعٌ غير مقترنٍ ب «لَمْ» وأيضاً فإنَّا نجدث الكلامَ تامّاً بدون هذا الذي قدَّره.
ونُقل عن سيبويه أنَّه قال: الثانيةُ بدلٌ من الأولى. وهذا لا يصحُّ عن سيبويه، فإنَّه ضعيفٌ، أو ممتنع، وقد ضعفه أبو البقاءِ بوجهين:
أحدهما: أنَّ الفاء تمانعُ من ذلك والحكمُ بزيادتها ضعيفٌ.
والثاني: أنَّ جعلها بدلاً يوجب سقوط جواب «مَنْ» من الكلام. وقال ابنُ عطية «وهذا يُعترضُ بأنَّ الشَّيء لا يبدل منه حتى يستوفى، والأولى في هذا الموضع لم يأتِ خبرها بعد، إذ لم يأتِ جوابُ الشَّرط، وتلك الجملةُ هي الخبرُ، وأيضاً فإنَّ الفاء تُمانعُ البدل، فهي معنى آخر غير ابلدل فيقلقُ البدل» .
وقال بعضهم: فتحت على تقدير اللام، أي: فلأنَّ لهُ نار جهنم. وهذه كلُّها تكلُّفاتٌ، لا يحتاج إليها.
فالأولى ما تقدم ذكره، وهو أن يكون «أنَّ لهُ نارَ جهنَّمَ» في محل رفع بالابتداء والخبر محذوفٌ، وينبغي أن يقدِّرَهُ متقدماً عليها، كما فعل الزمخشريُّ، وغيرُه، أي: فحقٌّ أنَّ لهُ نار جهنَّم. وقدَّرهُ غيره متأخراً، أي: فأنَّ له نار جهنَّمَ واجبٌ، كذا قدَّره الأخفش وردُّوه عليه بأنَّها لا يبتدأ بها.
وهذا لا يلزمه، فإنَّه يجيز الابتداء ب «أنَّ» المفتوحةِ من غير تقديم خبره. وغيره لا يجيز الابتداء بها إلاَّ بشرطِ تقدُّم «أمَّا» ، نحو: أمَّا أنك ذاهبٌ فعندي، أو بشرط تقدُّم الخبر، نحو: عندي أنَّك منطلق. وقيل: «فأنَّ لهُ» خبرُ مبتدأ محذوفٍ أي: فالواجبُ أنَّ لهُ، وهذه الجملةُ التي بعد الفاء مع الفاءِ في محلِّ جزم، جواباً للشَّرط. وقرأ أبو عمرو فيما رواه أبو عبيدة، والحسن، وابن أبي عبلة: «فإنَّ» بالكسر وهي قراءةٌ حسنةٌ قوية، تقدَّم أنَّهُ قرأ بها بعضُ السبعة في الأنعام، وتقدَّم هناك توجيهها.
والمحادّة: المخالفةُ، والمعاندةُ، ومجاوزةُ الحدِّ، والمعاداة. قيل: مشتقةٌ من الحد وهو حدُّ السِّلاح الذي يحاربُ به من الحديد. وقيل: من الحد الذي هو الجهةُ كأنه في حدِّ غير حدِّ صاحبه كقولهم: شاقَّه، أي: كان في شقٍّ غير شقِّ صاحبه وعاداه، أي: كان في عدوة غير عدوته. قال ابن عباس: معناه: يخالف الله وقيل: يحارب الله، وقيل: يعاند الله، وقيل: يعادي الله.
واختار بعضهم قراءة الكسر، بأنَّها لا تحوج إلى إضمار، ولم يُرْوَ قوله: [الوافر]
2808 - فَمَنْ يَكُ سَائِلاً عَنِّي فإنِّي ... وجِرْوةَ لا تُعارُ ولا تُبَاعْ إلاَّ بالكسرِ.
وهذا غيرُ لازمٍ، فإنَّه جاء على أحد الجائزين، و «خَالِداً» نصبٌ على الحال.
قال الزجاج: «ويجوز كسر» أنّ «على الاستئناف بعد الفاءِ» . وجهنم: من أسماء النار وحكى أهل اللغة عن العربِ: أنَّ البئر البعيدة القعر تسمى الجهنام، فيجوزُ أن تكون مأخوذة من هذا اللفظ، ومعنى بعد قعرها أنَّه لا آخر لعذابها، وتقدم معنى الخلود، والخزي: قد يكون بمعنى النَّدم، وبمعنى الاستحياء، والمراد به ههنا: النَّدم، لقوله: ﴿وَأَسَرُّواْ الندامة لَمَّا رَأَوُاْ العذاب﴾ [يونس: 54] .
قوله تعالى: ﴿يَحْذَرُ المنافقون﴾ الآية.
قال قتادة «هذه السُّورة كانت تُسمَّى الفاضحة، والحافرة، والمبعثرة، والمثيرة، أثارت مخازيهم ومثالبهم» قال ابن عباسٍ: «أنزل اللهُ تعالى ذكر سبعين رجلاً من المنافقين بأسمائهم، وأسماء آبائهم، ثم نسخ ذكر الأسماء رحمة على المؤمنين، لئلاَّ يُعيّر بعضهم بعضاً؛ لأن أولادهم كانوا مؤمنين» .
وقال الجبائيُّ:
«اجتمع اثنا عشر رجلاً من المنافقين على النِّفاقِ، وأخبر جبريل الرسول بأسمائهم، فقال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ:» إنَّ أناساً اجتمعُوا على كَيْت وكَيْت، فليقُومُوا وليعتَرِفُوا وليسْتغفِرُوا ربَّهم حتَّى أشفع لهُمْ «فلم يقوموا، فقال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ بعد ذلك» قُمْ يا فلانُ ويا فلانُ «حتى أتى عليهم ثم قالوا: نعترف ونستغفر فقال:» الآن أنَا كُنْتُ في أوَّل الأمْرِ أطيب نَفْساً بالشَّفَاعةِ، والله كانَ أسْرعَ في الإجابةِ، اخرُجُوا عنِّي «فلم يزلْ يقول حتى خرجوا بالكليَّةِ.»
وقال الأصمُّ: إنَّ «عند رجوع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من تبوك وقف له على العقبة اثنا عشر رجلاً ليفتكوا به؛ فأخبره جبريل، وكانوا متلثمين في ليلة مظلمة، وأمره أن يرسل إليهم من يضرب وجوه رواحلهم، فأمر حذيفة بذلك فضربها حتى نحاهم ثم قال:» مَنْ عرفت من القوْمِ» ؟ فقال: لم أعرف منهم أحداً، فذكر النبيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ أسماءهم وعدهم له، وقال: «إنَّ جبريل أخبرني بذلك» فقال حذيفة: ألا تَبْعَثُ إليه فتقتلهم، فقال: «أكره أن تقول العرب قاتل أصحابه حتَّى إذا ظفر صار يقتلهم، بل يَكْفِينَاهُمُ اللهُ بالدبيلة» .
فإن قيل: الكافرُ منافق، فكيف يحذرُ نزول الوحي على الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -؟ فالجوابُ، من وجوه:
أحدها: قال أبُو مسلم: «هذا حذر أظهرهُ المنافقون استهزاء حين رأوا الرَّسُول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - يذكر كلَّ شيء ويدعي أنَّهُ عن الوحي، وكان المنافقُون يكذبون بذلك فيما بينهم، فأخبر الله رسوله بذلك، وأمره أن يعلمهم أنَّه يظهر سرهم الذي حذروا ظهره، ويدلُّ على ذلك قوله: استَهْزئُوا» .
وثانيها: أنَّ القوم وإن كانوا كافرين بدين الرسول إلا أنَّهم شاهدوا أنَّ الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - كان يخبرهم بما يفسرونه، فلهذه التجربة وقع الحذر والخوف في قلوبهم.
وثالثها: قال الأصمُّ: إنَّهم كانوا يعرفونه كونه رسولاً حقاً من عند الله، إلاَّ أنَّ كفرهم كان حسداً وعناداً.
ورابعها: معنى الحذر الأمر بالحذر، أي: ليحذر المنافقون ذلك.
وخامسها: أنَّهم كانُوا شاكين في صحَّة نبوته، والشَّاك خائف، فلهذا خافوا أن ينزل عليه في أمرهم ما يفضحهم.
قوله: «أَن تُنَزَّلَ» مفعولٌ به، ناصبه «يَحْذَرُ» ، فإنَّ» يَحْذَرُ «متعدٍّ بنفسه كقوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرْكُمُ الله نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: 28] ، لولا أنه متعدِّ في الأصل لواحدٍ، لما اكتسب بالتضعيف مفعولاً ثانياً؛ ويدلُّ عليه أيضاً ما أنشده سيبويه: [الكامل]
2809 - حَذِرٌ أمُوراً لا تَضِيرُ وآمِنٌ ... مَا لَيْسَ مُنْجِيَهُ مِنَ الأقْدَارِ
وفي البيت كلامٌ، قيل: إنه مصنوع. وقال المبردُ: إنَّ» حَذِر «لا يتعدَّى، قال: لأنَّهُ من هيئات النفس، ك» فَزع» . وهذا غير لازم. فإنَّ لنا من هيئات النفس ما هو متعدٍّ ك: «خاف» ، وخشي، فإنَّ» تُنَزَّل «عند المبرد على إسقاط الخافض أي: مِنْ أن تُنَزَّل.
وقوله:» تُنَبِّئُهُمْ» في موضع الرفع صفةً ل «سورة» .
قال الزمخشريُّ «الضميرُ في قوله» عليهم «و» تنبّئهم» للمؤمنين، و «في قُلُوبهمْ» للمنافقين، ويجوزُ أيضاً أن تكون الضمائرُ كلها للمنافقين؛ لأنَّ السُّورة إذا نزلت في معناهم فهي نازلة عليهم، ومعنى» تُنبِّئُهم بما في قلوبهم «أنَّ السورة كأنَّها تقول لهم في قلوبكم كيت وكيت، يعني أنَّها تذيع أسرارهم إذاعة ظاهرة فكأنَّها تخبرهم بها» .
ثم قال: ﴿قُلِ استهزءوا﴾ هذا أمر تهديد، ﴿إِنَّ الله مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ﴾ .
قوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ الآية.
قال الكلبي، ومقاتل، وقتادةُ: «إنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان يسير في غزوة تبوك وبين يديه ثلاثة نفر من المنافقين، اثنان يستهزئان بالقرآن والرسول، والآخر يضحك.
قيل: كانوا يقولون: إنَّ محمداً يزعم أنه يغلب الروم، ويفتح مدائنهم، هيهات هيهات ما أبعده عن ذلك.
وقيل: كانوا يقولون: إنَّ محمداً يزعمُ أنَّهُ نزل في أصحابنا المقيمين بالمدينة قرآن، وإنما هو قوله وكلامه، فأطع اللهُ نبيهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على ذلك فقال:» احبسُوا الرَّكبَ عليَّ» فدعاهُم وقال لهُم: «قُلْتُم كذا وكذا» فقالوا: إنَّما كُنَّا نتحدثُ ونخوض في الكلامِ، كما يفعلُ الرَّكبُ لقطع الطريق بالحديث واللعب.»
قال ابن عمر: «رأيتُ عبد الله بن أبيّ يشتد قدام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والحجارة تنكيه، وهو يقولُ:» إنَّما كُنَّا نخوضُ ونلعبُ» . ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول «أباللهِ وآياتهِ ورسولهِ كُنتُم تَسْتهزِئُونَ» . ولا يلتفتُ إليه.»
وقال أبُو مسلم: قوله: ﴿يَحْذَرُ المنافقون أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم﴾ التوبة: 64 إنَّ القوم أظهروا هذا الخبر استهزاء، فبيَّن تعالى في هذه الآية أنَّهُ إذا قيل لهم: لِمَ فعلتُم ذلك؟ قالوا: لم نقل ذلك إلاَّ لأجل أنا كنا نخوض ونلعب.
فصل في بيان أصل الخوض
قال الواحديُّ: أصل الخوض الدخول في مائع مثل الماء والطين، ثم كثر حتى صار اسماً لكل دخول فيه تلويث وأذى، والمعنى: إنَّما كُنَّا نخوضُ في الباطل من الكلام كما يخوض الركب لقطع الطريق، فأجابهم الرسولُ بقوله: «أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون» .
قوله: « ... أباللهِ ... » متعلقٌ بقوله: «تَستهْزئُونَ» . و «تَسْتهْزِئُونَ» خبرُ «كان» وفيه دليلٌ على تقديم خبر «كان» عليها؛ لأنَّ تقديم المعمول يؤذن بتقديم العامل، وقد تقدَّم معمول الخبر على «كان» فليَجُزْ تقديمه بطريق الأولى.
وفيه بحث، وذلك أنَّ ابن مالك قدح في هذا الدَّليل، بقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا اليتيم فَلاَ تَقْهَرْ وَأَمَّا السآئل فَلاَ تَنْهَرْ﴾ [الضحى: 9، 10] قال: ف «اليتيم» ، والسائل قد تقدما على «لا» الناهية، والعاملُ فيهما ما بعدهما ولا يجوز تقديم ما بعد «لا» الناهية عليها، لكونه مجزوماً بها، فقد تقدَّم المعمولُ، حيث لا يتقدَّم للعامل ذكر، ذكر ذلك عند استدلالهم على جواز تقديم خبر «ليس» بقوله ﴿أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ﴾ [هود: 8] .
فصل
فرق بين قولك: أتستهزىء بالله، وبين قولك: أبالله تستهزىء، فالأوَّلُ يقتضي الإنكار على عمل الاستهزاء، والثاني يقتضي الإنكار على إيقاع الاستهزاء في الله، كأنه يقول: هَبْ أنك تقدم على الاستهزاء إلا أنه كيف أقدمت على إيقاع الاستهزاء في الله كقوله تعالى: ﴿لاَ فِيهَا غَوْلٌ﴾ [الصافات: 47] والمقصود: ليس نفي الغول، بل نفي أن يكون خمر الجنَّة محلاًّ للغول. ومعنى الاستهزاء بالله: هو الاستهزاء بتكاليفِ الله، والاستهزاء بذكر الله، فإنَّ أسماء الله قد يستهزىء بها الكافرُ، كما أنَّ المؤمن يعظمها. والمرادُ بالاستهزء ب «آيَاتِهِ» هو القرآن، وسائر ما يدلُّ على الدين، والرسول معلوم.
قوله: ﴿لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ﴾ .
نقل الواحديُّ عن أهل اللغة في لفظ الاعتذار قولين، الأول: أنَّه عبارة عن محو أثر الذنب، وأصله من: تعذرت المنازل، أي: دَرَسَتْ، وامَّحت آثارها؛ قال ابن أحمر: [البسيط]
2810 - قَدْ كُنتَ تَعْرفُ آياتٍ فقدْ جَعَلتْ ... أطْلالُ إلفِكَ بالوَعْسَاءِ تَعْتَذِرُ
فالمعتذر يزاولُ محو ذَنْبِهِ.
والثاني: قال ابنُ الأعرابي: أصله من العذر، وهو القطع، ومنه العُذْرة؛ لأنَّها تقطع بالافتراغ.
ويقولون: اعتذرت المياه، أي: انقطعت، فكأنَّ المعتذر يحاولُ قطع الذمّ عنه. قوله: ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ يدلُّ على أنَّ الاستهزاء بالدِّين كيف كان كفراً؛ لأنه استخفاف بالدين، والعمدة في الإيمان تعظيم الله تعالى، ويدل على أنَّ القول الذي صدر منهم كان كفراً في الحقيقة.
فإن قيل: كيف قال ﴿كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ وهم لم يكونوا مؤمنين؟
فالجواب: قال الحسنُ: أظهرتم الكفر بعد ما أظهرتم الإيمان.
فصل
قال ابنُ العربي: «لا يخلو ما قالوا من أن يكون جداً، أو هزلاً، وهو كيفما كان كفراً فإنَّ القول بالكفر كفر بلا خلاف بين الأئمة، قال تعالى: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بالله أَنْ أَكُونَ مِنَ الجاهلين﴾ [البقرة: 67] .
فصل
اختلفوا في الهزل في سائر الأحكام كالبيع والنكاح والطلاق، قيل: يلزم وقيل: لا يلزم، وقيل: يفرق بين البيع وغيره. فيلزمُ في النكاح والطلاق، ولا يلزم في البيع وحكى ابنُ المنذر الإجماع في أن جدَّ الطلاق وهزله سواء. وروى أبو داود والترمذي والدارقطني عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «ثلاثٌ جِدُّهُنَّ جد وهزلهُنَّ جِدّ، النِّكاحُ والطلاقُ والرَّجْعَةُ»
قال الترمذيُّ «حديث حسن، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وغيرهم» .
قال القرطبي: «وفي الموطأ عن سعيد بن المسيِّب قال ثلاث ليس فيهن لعب النكاح والطلاق والعتق» .
قوله: « ... إن نَعْفُ» قرأ عاصم «نَعْفُ» بنون العظمة، «نعذِّب» كذلك، «طَائفَة» نصباً على المفعول به، وهي قراءة أبي عبد الرحمن السُّلمي، وزيد بن علي. وقرأ الباقون «يُعْفَ» في الموضعين بالياء من تحت مبنياً للمفعول، ورفع «طَائفةٌ» ، على قيامها مقام الفاعل والقائمُ مقام الفاعل في الفعل الأوَّلِ الجارُّ بعده. وقرأ الجحدريُّ «إن يَعْفُ» بالياء من تحت فيهما، مبنياً للفاعل، وهو ضميرُ الله تعالى، ونصب «طائفة» على المفعول به. وقرأ مجاهدٌ «تُعْف» بالتاء من فوق فيهما، مبنياً للمفعول، ورفع «طائفة» ، لقيامها مقام الفاعل. وفي القائم مقام الفاعل في الفعل الأوَّل وجهان:
أحدهما: أنَّهُ ضمير الذنوب، أي: إن تُعْفَ هذه الذنوب.
والثاني: أنَّه الجارُّ، وإنَّما أنِّث الفعل حملاً على المعنى.
قال الزمخشريُّ «الوجه التذكير؛ لأنَّ المسند إليه الظرفُ، كما تقول: سِيرَ بالدَّابة، ولا تقول: سِيرت بالدَّابة، ولكنه ذهب إلى المعنى، كأنه قيل: إن تُرْحَمْ طائفة فأنَّث لذلك، وهو غريبٌ» .
فصل
قال مجاهدٌ: وابن إسحاق: الذي عُفِيَ عنه رجل واحد، وهو مخاشن بنُ حمير الأشجعي، يقال هو الذي كان يضحكُ ولا يخوض، وكان يمشي مجانباً لهم، وينكر بعض ما يسمع فلمَّا نزلت هذه الآية تاب من نفاقه، وقال: اللَّهُمَّ إني لا أزال أسمعُ آية تَقْرَعُني بها تقشعر الجلودُ، وتجب منها القلوبُ، اللهم اجعل وفاتي قتلاً في سبيلك، لا يقولُ أحدٌ: أنا غسلت، أنا كفنت، أنا دفنت، فأصيب يوم اليمامة ولم يعرف أحد من المسلمين مصرعه.
فصل
ثبت بالروايات أنَّ الطائفتين كانوا ثلاثة؛ فوجب أن تكون إحدى الطَّائفتين إنساناً واحداً. قال الزجاجُ: والطَّائفة في اللغةِ أصلها الجماعة؛ لأنَّها المقدار الذي يمكنها أن تطيف بالشيء ثم يجوز أن يسمى الواحد بالطائفة، قال تعالى ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ المؤمنين﴾ [النور: 2] . وأقله الواحد، وروى الفراء بإسناده عن ابن عباس أنه قال: الطائفة الواحد فما فوقه، وقال تعالى: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا﴾ [الحجر: 9] .
قال ابن الأنباري: العرب توقع لفظ الجمع على الواحد، فتقولُ: خرج فلانٌ إلى مكَّة على الجمال، وقال تعالى: ﴿الذين قَالَ لَهُمُ الناس﴾ [آل عمران: 173] يعني: نعيم بن مسعود، ثم إنه تعالى علَّل تعذيبه لهم: ﴿بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾
التوبة 9:65
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَآءِ والمساكين﴾ الآية.
اعلم أنَّ المنافقين لمَّا لمزوا الرسول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ في الصدقات، بيَّن لهم أنَّ مصرف الزكاة هؤلاء، ولا تعلق لي بها، ولا آخذ لنفسي نصيباً منها.
وقد ذكر العلماء في الحكمة في وجوب الزكاة أموراً:
منها: قالوا: شكر النِّعمة عبارة عن صرفها إلى طلب مرضاة المنعم، والزكاة شكر النعمة. فوجب القولُ بوجوبها؛ لأنَّ شكر المنعم واجب.
ومنها: أنَّ إيجاب الزكاة توجب حصول الألفة بالمودَّة، وزوال الحقد والحسد بين المسلمين فهذه وجوهٌ معتبرةٌ في الحكمة الناشئة لوجوب الزَّكاة.
ومنها: أنَّ الفاضل عن الحاجات الأصلية إذا أمسكه الإنسان عطَّله عن المقصود الذي لأجله خلق المالُ، وذلك سعي في المنع من ظهور حكمة الله تعالى، وهو غير جائز، فأمر الله بصرف طائفة منه إلى الفقير حتَّى لا تتعطل تلك الحكمة.
ومنها: أنَّ الفقراء عيالُ الله، لقوله تعالى ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأرض إِلاَّ عَلَى الله رِزْقُهَا﴾ [هود: 6] والأغنياء خزان الله؛ لأنَّ الأموال التي في أيديهم لله تعالى، ولولا أن الله ألقاها في أيديهم، لما ملكوا منها حبة واحدة.
ومنها: أنَّ المال بالكليَّة في يد الغني مع أنَّه غير محتاج إليه، وإهمال جانب الفقير العاجز عن الكسب بالكليَّة، لا يليقُ بحكمة الرحيم؛ فوجب أن يجب على الغنيّ صرف طائفة من ذلك المال إلى الفقير.
ومنها: أنَّ الأغنياء لو لم يقوموا بمهمات الفقراء ربّما حملهم شدة الحاجة ومضرة المسكنة على الالتحاق بأعداء المسلمين، أو على الإقدامِ على الأفعال المنكرة كالسرقة وغيرها؛ فإيجاب الزكاة يفيد هذه الفائدة؛ فوجب القول بوجوبها وقيل غير ذلك.
فصل
كلمة «إنَّما» للحصر، فدلَّت على أنه لا حق في الصدقات لأحد إلاَّ لهذه الأصناف الثمانية وذلك مجمع عليه، ويدلُّ على أنَّ كلمة «إنَّما» للحصر؛ لأنها مركبة من «إن» و «ما» ، و «إن» للإثبات و «ما» للنفي» ، واجتماعهما يوجب بقاءهما على ذلك المفهوم، وكذلك تمسَّك ابنُ عبَّاسٍ في نفي ربا الفضل بقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ «إنَّما الرِّبَا في النَّسيئَةِ» ، وتمسك بعض الصحابة في أن الإكسال لا يوجب الاغتسال بقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ «إنما الماءُ من الماءِ» ، ولولا إفادتها الحصر، لما كان كذلك، وقال تعالى ﴿إِنَّمَا الله إله وَاحِدٌ﴾ [النساء: 171] فدلَّت على نفي إلهية الغير؛ وقال الأعشى: [السريع]
2802 - ولسْتَ بالأكْثَرِ منهُم حَصًى ... وإنَّما العِزَّةُ لِلكَاثِرِ
وقال الفرزدق: [الطويل] 2803 - أنَا الذَّائدُ الحَامِي الذِّمارَ وإنَّما ... يدافعُ عنْ أحسابهِمْ أنَا أوْ مِثْلِي
فدلَّت هذه الوجوه على أنَّ كلمة» إنَّما «للحصر.
وروى زياد بن الحارث الصُّدانئي قال: أتيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فبايعته فأتاه رجل فقال أعطني من الصَّدقة فقال له رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ
«إنَّ اللهَ لَمْ يرضَ بحُكْم نبي، ولا غيره في الصَّدقاتِ حتَّى حكم فيها فجَزَّأها ثمانيةَ أجزاء، فإنْ كنتَ من تلكَ الأجزاءِ أعطيتُك حقَّك» .
فصل
مذهب أبي حنيفة: أنه يجوز صرف الصَّدقة إلى بعض الأصناف، وهو قول عمر وحذيفة، وابن عباسٍ، وسعيد بن جبير، وأبي العالية، والنخعي. قال سعيدُ بن جبير: لو نظرت إلى أهل بيت من المسلمين فقرأ متعففين فحبوتهم بها كان أحب إليَّ وقال الشافعي لا بُدَّ من صرفها إلى الأصناف الثمانية وهو قوك عكرمة، والزهري وعمر بن عبد العزيز واحتج بظاهر الآية. قال ولا بدَّ في كلِّ صنف من ثلاثة، فإن دفع سهم الفقراء إلى فقيرين ضمن نصيب الثالث، وهو ثلث سهم الفقراءِ قال: ولا بد من التسوية في أنصباء هذه الأصناف الثمانية، مثاله لو وجد خمسة أصناف، ولزمه أن يتصدَّق بعشرة دراهم؛ لزمه أن يجعل العشرة خمسة أسهم.
واختلفوا في صفة الفقير والمسكين، فقال ابن عباسٍ، والحسنُ، ومجاهدٌ، وعكرمةُ والزهريُّ: الفقير: الذي لا يسأل، والمسكين: السَّائل. قال ابن عمر: ليس بفقير من جمع الدرهم إلى الدرهم والتمرة إلى التمرة، ولكن الفقير من أنقى نفسه وثيابه ولا يقدر على شيء: ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهل أَغْنِيَآءَ مِنَ التعفف﴾ [البقرة: 273] .
وقال قتادة: الفقير: المحتاج الزَّمِنُ، والمسكين: الصحيح المحتاج. وروي عن عكرمة الفقراء من المسلمين، والمساكين من أهل الكتاب. وقال الشافعي الفقير من لا مال ولا حرفةَ تقع منه موقعاً زمناً كان أو غير زمن، والمسكين من له مال أو حرفة لا تغنيه سائلاً كان أو غير سائل.
واستدل بقوله: ﴿أَمَّا السفينة فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ [الكهف: 79] فأثبت لهم ملكاً، وكان عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ يتعوذ من الفقر، وقال: كاد الفقرُ أن يكون كُفْراً. وكان يقول: اللَّهُمَّ أحْيِني مِسْكيناً وأمِتْنِي مسْكِيناً، فكيف كان يتعوذ من الفقر، ويسأل ما هو دونه وهذا تناقض؟
وقال أصحاب الرأي: الفقيرُ أحسن حالاً من المسكين. وقيل: الفقير من له المسكن والخادم والمسكين من لا ملك له، وقالوا كل محتاج إلى شيء فهو فقير إليه، وإن كان غنياً عن غيره قال تعالى: ﴿يا أيها الناس أَنتُمُ الفقرآء إِلَى الله﴾ [فاطر: 15] ، والمسكين المحتاج إلى كلِّ شيءٍ ألا ترى كيف حضَّ على طعامه، وجعل طعام الكفارة له، ولا فاقة أشد من الحاجة إلى سد الجوعة.
وقال إبراهيمُ النخعيُّ: الفقراء هم المهاجرون، والمسكين من لم يهاجر، وقيل: لا فرق بين الفقراء والمساكين فالله تعالى وصفهم بهذين الوصفين، والمقصود شيءٌ واحد، وهو قول أبي يوسف ومحمد.
وفائدة الخلاف تظهر في مسألة: وهي أنَّه لو أوصى لفلان وللفقراء والمساكين، فالذين قالوا: الفقراء غير المساكين، قالوا: لفلان الثلث، والذين قالوا: الفقراء هم المساكين قالوا لفلان النصف.
واختلفوا في حدِّ الغني الذي يمنع أخذ الصَّدقة، فقال الأكثرون: حده أن يكون عنده ما يكفيه وعياله سنة، وهو قول مالك، والشافعي. وقال أصحاب الرأي: حدُّه أن يملك مائتي درهم. وقيل: من ملك خمسين درهماً، لا يحلُّ له أخذ الصدقة. روي أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «مَنْ سَألَ النَّاسَ ولهُ ما يُغْنِيه جاء يوم القيامةِ ومسْألتُهُ في وجهه خُموش أو خُدُوش. قيل: وما يُغنيهِ؟ قال:» خَمْسُونَ دِرْهماً أو قيمتها من الذَّهب «، وهو قول الثوري، وابن المباركِ، وأحمد وإسحاق وقالوا: لا يجوزُ أن يعطى الرجل من الزكاة أكثر من خمسين، وقيل: أربعون درهماً لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» مَنْ سَأل ولهُ أوقيةٌ أو عَدْلُهَا فقدْ سَألَ إلْحَافاً «.
قوله: ﴿والعاملين عَلَيْهَا﴾ وهم السُّعاةُ لجباية الصدقة، يعطون بقدر أجور أمثالهم.
وقال مجاهدٌ والضحاكُ: يعطون الثمن، ولا يجوزُ أن يكُون العاملُ على الصدقة هاشمياً ولا مطلبياً؛ لأنَّ الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - أبَى أن يبعث أبا رافع عاملاً على الصَّدقاتِ وقال: أما علمت أن مولى القومِ منهم.
قوله: ﴿والمؤلفة قُلُوبُهُمْ﴾ قال ابنُ عباسٍ: هم أشراف من الأحياء أعطاهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يوم حنين، وكانوا خمسة عشر رجلاً: أبُو سفيانَ، والأقرعُ بنُ حابسٍ، وعيينةُ بن حصنٍ، وحويطبُ بنُ عبد العزى، وسهلُ بنُ عمرو من بني عامر، والحارثُ بنُ هشام، وسهيلُ بن عمرو الجهنيُّ، وأبُو السنابل، وحكيم بن حزامٍ، ومالكُ بن عوف وصفوانُ ابنُ أمية، وعبد الرحمن بنُ يربوع، والجدُّ بنُ قيس، وعمرو بنُ مرداس، والعلاءُ بنُ الحرث،» أعطى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كلَّ رجل منهم مائة من الإبل ورغبهم في الإسلام، إلاَّ عبد الرحمن بن يربوع أعطاه خمسين من الإبل، وأعطى حكيم بن حزام سبعين من الإبل، فقال: يا رسول الله ما كنت أرى أنَّ أحداً من النَّاس أحق بعطائك مني فزاده عشرة، وهكذا حتى بلغ مائة، ثم قال حكيمٌ: يا رسول الله، أعطيتك الأولى التي رغبت عنها خير أم هذه التي قنعت بها؟ فقال عليه الصَّلاة والسَّلام: بل التي رغبت عنها، فقال: والله لا آخذ غيرها «فقيل: مات حكيم وهو أكثر قريش مالاً، وشقَّ على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ تلك العطايا، لكن ألفهم بذلك. قال ابنُ الخطيبِ: وهذه العطايا إنَّما كانت يوم حنين، ولا تعلق لها بالصدقات، ولا أدري لأي سبب ذكر ابنُ عبَّاسٍ هذه القصة في تفسير هذه الآية وإنَّما ذكر ابنُ عباسٍ ذلك بياناً للمؤلَّفة من هم، فذكر ذلك مثالاً.
واعلم أنَّ المؤلفة قسمان، مسلمون وكفار، فأمَّا المسلمون فيعطون لأجل قوَّة إيمانهم أو معونتهم على أخْذِ الزَّكاة ممَّن امتنع عن دفعها، أو ترغيباً لأمثالهم في الإسلام وأما الكُفَّار؛ فيعطون ترغيباً لهم في الإسلام، أو خشية من شرهم، كما أعطى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ صفوان بن أمية لمَّا رأى من ميله في الإسلام.
قال الواحديُّ إنَّ الله تعالى أغنى المسلمين عن تألف قلوب المشركين، فإن رأى الإمامُ في ذلك مصلحة يعود نفعها على المسلمين إذا كانوا مسلمين جاز، ويعطون من الفيء لا من الزَّكاة.
واعلم أنَّ المؤلفة قسمان، مسلمون وكفار، فأمَّا المسلمون فيعطون لأجل قوَّة إيمانهم أو معونتهم على أخْذِ الزَّكاة ممَّن امتنع عن دفعها، أو ترغيباً لأمثالهم في الإسلام وأما الكُفَّار؛ فيعطون ترغيباً لهم في الإسلام، أو خشية من شرهم، كما أعطى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ صفوان بن أمية لمَّا رأى من ميله في الإسلام.
قال الواحديُّ إنَّ الله تعالى أغنى المسلمين عن تألف قلوب المشركين، فإن رأى الإمامُ في ذلك مصلحة يعود نفعها على المسلمين إذا كانوا مسلمين جاز، ويعطون من الفيء لا من الزَّكاة.
وقال جماعةٌ من أهل العلم: إنَّ المؤلفة منقطعة، وسهمهم ساقط، روي ذلك عن عمر وهو قول الشعبي، وبه قال مالكٌ، والثوريُّ، وأصحاب الرأي وإسحاق بن راهويه وقال قومٌ: سهمهم ثابت مروي ذلك عن الحسنِ، وهو قول الزهري، وأبي جعفر محمد بن علي، وأبي ثور، وقال أحمدُ: يعطون إن احتاج المسلمون إلى ذلك.
قوله: وفِي الرقابِ قال الزجاجُ فيه محذوف، والتقديرُ: «وفي فك الرقاب» وقد تقدم الكلامُ في تفسير «الرقاب» في قوله: ﴿والسآئلين وَفِي الرقاب﴾ [البقرة: 177] . ثمَّ في تفسير «الرقاب» أقوال:
أحدها: أنَّهم المكاتبون ليعتقوا من الزكاة، وقال مالكٌ وغيره: إنه لعتق الرقاب يشترى به عبيد فيعتقون. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يعتق من الزكاة رقبة كاملة ولكن يعطى منها في رقبة ويعان بها مكاتب؛ لأن قوله: ﴿وَفِي الرقاب﴾ يقتضي أن يكون له فيه مدخل، وذلك يُنَافِي كونه تاماً فيه، وقال الزهريُّ: سهم الرقاب نصفان، نصف للمكاتبين المسلمين، ونصفٌ يشترى به رقاب ممَّن صلوا وصاموا.
قال بعض العلماء: والاحتياط في سهم الرقاب دفعه إلى السَّيد بإذن المكاتب؛ لأنَّه تعالى أثبت الصدقات للأصناف الأربعة المتقدم ذكرهم بلام التمليك بقوله: ﴿إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَآءِ والمساكين﴾ ولمَّا ذكر «الرقاب» أبدل حرف اللام بحرف «في» فقال: «وفِي الرِّقابِ» فلا بدَّ لهذا الفرق من فائدة، وهي أنَّ الأصنافَ الأربعة يدفع إليهم نَصِيبُهُمْ. وأما الباقون فيصرف نصيبهم في المصالح المتعلقةِ بهم لا إليهم.
قال الزمخشري: «فإن قلت: لِمَ عدل عن اللاَّمِ إلى» فِي «في الأربعة الأخيرة؟ قلت: للإيذان بأنَّهم أرسخُ في استحقاقِ التصدُّق عليهم ممَّن سبق ذكرهُ؛ لأنَّ» في «للوعاء، فنبَّه على أنهم أحقاءُ بأن توضع فيهم الصدقات وجعله مظِنَّة لها ومصَبّاً» .
ثم قال: «وتكرير» في «في قوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ الله وابن السبيل﴾ فيه فضل ترجيح لهذين على الرقاب والغارمين» .
قوله: والغَارمينَ قال الزجاجث: أصل الغرم في اللغةِ: لزوم ما يشق، والغرام العذاب اللاَّزم، وسمي العشق غراماً، لكونه شاقاً على الإنسان ولازماً له، ومنه: فلان مغرم بالنِّساءِ إذا كان مولعاً بهنَّ، وسمي الدَّين غراماً، لكونه شاقاً، والمرادُ بالغارمين المديونون، فالدِّيْنُ إن حصل بسبب معصيةٍ لا يدخلُ في الآية؛ لأنَّ المقصود من صرف المال إليه الإعانة، والمعصية لا تستوجب الإعانة، وإن حصل لا بسبب معصية فهو قسمان: دينٌ حصل بسبب نفقات ضرورية أو في مصلحة، ودين بسبب حمالات وإصلاح ذات بين، والكل داخل في الآية.
روى الأصمُّ في تفسيره «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لمَّا قضى بالغرة في الجنين قالت العاقلة: لا نملك الغرَّة يا رسول الله، فقال لحمل بن مالك بن النَّابغة أعنهم بغرة من صدقاتهم» وكان حمل على الصدقة يومئذ.
قوله: ﴿فِي سَبِيلِ الله﴾ قال المفسِّرون: يعني الغزاة، قال أكثرُ العلماء: يجوز له أن يأخذ من الزَّكاة وإن كان غنياً. وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يعطى الغازي إلاَّ مع الحاجة.
ونقل القفالُ في تفسيره عن بعض العلماء أنَّهم أجازوا صرف الصدقات إلى جميع وجوه الخير من تكفين الموتى، وبناء الحصون، وعمارة المساجد؛ لأن قوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ الله﴾ عام في الكل وقال أكثر أهل العلم: لا يعطى منه شيء في الحج. وقال قومٌ: يجوزُ أن يصرف سهم في سبيل الله إلى الحج، يروى ذلك عن ابن عباس وهو قول الحسن، وأحمد، وإسحاق.
قوله: ﴿وابن السبيل﴾ وهو كل من يريدُ سفراً مباحاً ولم يكن له ما يقطعُ به المسافة يعطى له قدر ما يقطع به تلك المسافة، وإن كان ذا يسار في بلده. وقال قتادةُ: ابن السبيل: هو الضعيف وقال فقهاءُ العراقِ: ابن السبيل: الحاج المنقطع.
واعلم أنَّ مال الزَّكاة لا يخرج عن هذه الثمانية. واختلفوا هل يجوزُ وضعه في بعض الأصناف؟ إذا قلنا يجوز وضعه في بعض الأصناف، فإنَّما يجوز في غير العامل، فأمَّا وضعه بالكليَّةِ في العامل فلا يجوز بالاتفاق.
فإن قيل: ما الحكمةُ في أنه تعالى ذكر الأصناف الستة وهم: الفقراء، والمساكين، والعاملون والمؤلفة، والرقاب، والغارمون، بصيغة الجمع، وذكر الصنفين الآخرين، وهما: في سبيل الله وابن السبيل بصيغة الإفراد؟
فالجوابُ: أنَّ المراد بهما الجنس هو جمع حقيقة، ولا يقال: هلاَّ ذكر الأصناف الستَّة بصيغة الإفراد ويكون المراد الجنس كهذين؛ لأنا نقول: لو أفرد في الجميع، فلا يخلو إمَّا أن يفردهم معرفين بالألف واللام للعهد؛ فينصرف بين السَّامع إلى صرف الزَّكاة إلى معهودٍ سابق معين وليس هو المقصود من الآية بالإجماع، وإن أفردهم منكرين، فهم منه أنَّ الزَّكاة لا يجوز دفعها إلى فقير واحد، أو مسكين واحد، وكذلك سائرها، ولا يجوزُ دفعها لاثنين فما زاد، وهو خلاف الإجماع
فصل
والسَّبيل: الطريقُ، ونسب المسافر إليها لملازمته إيَّاها، ومروره عليها قال بعضُ العلماءِ: إذا كان المسافر غنيّاً في بلده، ووجد من يسلفه فلا يعطى وهو الصحيح.
ولا يلزمه أن يدخل تحت مِنَّة أحد إذا وجد منة تعالى.
فصل
إذا جاء وادَّعى وصفاً من الأوصاف الثمانية، هل يقبل قوله أو يقال: أثبت ما تقولُ؟ أمَّا الدَّينُ فلا بدّ أن يثبته، وأمَّا البقية فظاهرُ الحال يَكْفِي.
قوله: «فَرِيضَةً» في نصبها وجهان:
أحدهما: أنَّها مصدرٌ على المعنى لأنَّ معنى ﴿إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَآءِ﴾ في قوة: فرض الله ذلك.
والثانيك أنَّها حالٌ من الفقراء، قاله الكرماني، وأبُو البقاءِ.
يعنيان من الضمير المستكن في الجار، لوقوعه خبراً، أي: إنَّما الصدقاتُ كائنة لهم حال كونها فريضة، أي: مفروضة. ويجوزُ أن يكون فريضةً حينئذٍ بمعنى مفعولة، وإنَّما دخلت التاءن لجريانها مجرى الأسماء، ك «النَّطيحة» . ويجوزث أن يكون مصدراً واقعاً موقع الحال، ونُقل عن الفرَّاء أنَّها منصوبة على القطع. ثم قال: ﴿والله عَلِيمٌ﴾ بمقادير المصالح ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يشرع إلاَّ ما هو الأصوب والأصلح.
فصل
وهذه الآية المراد بها فريضة الزكاة، فأمَّا صدقة التطوع فيجوزُ دفعها إلى هؤلاء وإلى غيرهم، من بني هاشم ومواليهم، ومن لا يجوز لهم أخذ الزكاة الواجبة، يجوزُ له الأخذ إذا كان غارماً أو مؤلفاً، أو عاملاً.
قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الذين يُؤْذُونَ النبي﴾ الآية.
وهذا نوع آخر من طعن المنافقين، وهو أنَّهُم كانُوا يقولون في رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إنه أذن. نزلت في جماعة من المنافقين، كانوا يؤذون النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ويقولون ما لا ينبغي، فقال بعضُهم لا تفعلوا فإنَّا نخافُ أن يبلغه ما نقولُ، فيقع بنا فقال الجلاس بنُ سويد: نقول ما شئنا، ثم نأتيه ونُنْكر ما قلنا، ونحلف فيصدِّقنا بما نقول، إنَّما محمدٌ أذنٌ، أي سامعة، يقال: فلان «أذنٌ وأذنٌ» على وزن «فُعُل» ، إذا كان يسمع كل ما قيل ويقبله.
وأصله من «أذن» له «أذَناً» إذا استمع، وقال محمد بن إسحاق بن يسار: «نزلت في رجل من المنافقين يقال له: نبتل بن الحارث، وكان رجُلاً أزلم، ثائر الشعر، أحمر العينين، أسفع الخدين، مشوَّه الخلقة، وقد قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من أراد أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحارث.»
وكان ينمّ حديث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إلى المنافقين، فقيل له: لا تفعل فقال: إنَّما محمد أذن، فمن حدَّثه شيئاً صدَّقه؛ فنقول ما شئنا، ثُمَّ نأتيه فنحلف له، فيصدقنا، فنزلت الآية.
قال الأصمُّ أظهر الله عن المنافقين وجوه كفرهم التي كانوا يسرونها، لتكون حجة للرسول، ولينزجروا، فقال: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصدقات﴾ [التوبة: 58] ﴿وَمِنْهُمُ الذين يُؤْذُونَ النبي﴾ [التوبة: 61] ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ الله﴾ [التوبة: 75] إلى غير ذلك من الإخبار عن الغيوب، وكل ذلك دليل على كونه نبياً حقاً من عند الله.
ومعنى «أذنٌ» أي: أنَّه ليس له ذكاء ولا بعد غور، بل هو سليمُ القلبِ، سريع الاغترار بكل ما يسمع.
قوله: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ﴾ «أذُنُ» خبر مبتدأ محذوف، أي: قل هو أذُنُ خيرٍ والجمهور على جَر خَيْرٍ بالإضافة، وقرأ الحسنُ، ومجاهدٌ، زيد بن علي وأبو بكر عن عاصم «أذُنٌ» بالتنوين، «خَيْرٌ» بالرفع، وفيها وجهان:
أحدهما: أنَّها وصف «أذُن» .
والثاني: أن يكون خبراً بعد خبر، و «خير» يجوزُ أن يكون وصفاً، من غير تفضيل، أي: أذُنٌ ذُو خير لكم، ويجوزُ أن يكون للتفضيل - على بابها - أي: أكثر خيراً لكم. وجوَّز صاحب اللوامح أن يكون «أذُن» مبتدأ، و «خَيْر» خبرها، وجاز الابتداءُ هنا بالنكرة؛ لأنَّها موصوفةٌ تقديراً، أي: أذُنٌ لا يؤاخذكم من أذُنٍ يؤاخذكم، ويقال: رجَلٌ أذنٌ، أي: يسمع كل ما يقال، وفيه تأويلان:
أحدهما: أنَّهُ سُمِّي بالجارحة؛ لأنَّها آلة السماع، وهي معظم ما يقصد منه؛ كقولهم للربيئة: عَيْنٌ.
وقيل: المرادُ ب «الأذُن» هنا الجارجة، وحينئذٍ يكونُ على حذفِ مضاف أي: ذُو أذن.
والثاني: أنَّ الأذن وصفٌ على «فُعُل» ، ك «أنُف» و «شُلُل» يقال: أذِنَ يَأذَن، فهو أذُن؛ قال: [الطويل]
2804 - وَقَدْ صِرْت أذْناً لِلوُشَاةِ سَمِيعَةً ... يَنالُونَ مِنْ عِرْضي ولوْ شِئْت ما نَالُوا ومعنى قراءة عاصم: إن كان تقولون إنَّهُ أذُنٌ، فأذن خير لكم، يقبل منكم ويصدقكم خير لكم من أن يكذبكم. ومعنى قراءة الجرِّ: أي: هو أذُنُ خير، لا أذُنُ شر وقرأ نافع «أذْن» ساكنة الذَّال في كلِّ القرآن، والباقون بالضَّم وهما لغتان مثل: عنق وظفر.
ثم بيَّن كونه «أذُنُ خَيْرٍ» بقوله: ﴿يُؤْمِنُ بالله وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ﴾ فجعل تعالى هذه الثلاثة كالموجبة لكونه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ «أذُنُ خَيْرٍ» ، أمَّا قوله ﴿يُؤْمِنُ بالله﴾ فلأنَّ كلَّ من آمن بالله كان خائفاً من الله، والخائف من الله لا يؤذي بالباطل. ويُؤمِنُ للمؤمنينَ أي: يسلمُ للمؤمنين قولهم، إذا توافقُوا على قولٍ واحدٍ وهذا بيان كونه سليم القلب.
فإن قيل: لِمَ عدي الإيمان باللهِ بالباءِ، وإلى المؤمنين باللاَّم؟ .
فالجواب: أنَّ المراد بالإيمان بالله، المراد منه: التَّصديق الذي هو نقيض الكفر فعدي بالباء والإيمان المعدَّى إلى المؤمنين، معناه: الاستماع منهم والتسليم لقولهم فعدي باللاَّم، كقوله:
﴿وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا﴾ [يوسف: 17] وقوله ﴿فَمَآ آمَنَ لموسى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ﴾ [يونس: 83] وقوله: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ واتبعك الأرذلون﴾ [الشعراء: 111] وقوله ﴿آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْءَاذَنَ لَكُمْ﴾ [طه: 71] .
وقال ابن قتيبة «هما زائدتان، والمعنى: يصدِّق الله، ويصدِّق المؤمنين» وهذا مردود؛ ويدلُّ على عدم الزيادةِ تغايرُ الحرف الزَّائد، فلو لم يُقصدْ معنًى مستقلٌ، لما غاير بين الحرفين.
وقال المبرد: هي متعلقةٌ بمصدرٍ مقدّر من الفعل، كأنَّه قال: وإيمانه للمؤمنين وقيل: يقال: آمنتُ لك، بمعنى: صدَّقتكَ، ومنه ﴿وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا﴾ [يوسف: 17] . قال شهابُ الدِّينِ وعندي أنَّ هذه اللاَّم في ضمنها «ما» ، والمعنى: ويصدِّق للمؤمنين بما يُخبرونه به وقال أبُو البقاءِ: واللاَّم في للمؤمنين زائدةٌ، دخلت لتفرِّق بين «يُؤمن بمعنى: يُصدِّق، وبين» يؤمن «بمعنى: يثبت الإيمان وقوله: ﴿وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ﴾ فهذا أيضاً يوجبُ الخير به؛ لأنَّه يجري منكم على الظَّاهرِ، ولا يبالغ في التفتيش على بواطنكم، ولا يهتكُ أستاركم، فدلَّت هذه الأوصاف الثلاثة على وجوب كونه» أذُن خَيْرٍ «وقرأ الجمهورُ» ورَحْمَةٌ «رفعاً نسقاً على» أذُنُ «أي: وهو رحمة للذين آمنوا. وقال بعضهم: هو عطفٌ على» يُؤمن «، لأنَّ» يُؤمن «في محل رفع صفة ل:» أذُن» ، تقديره: أذُن يؤمن ورحمة. وقرأ حمزة والأعمش» ورحمةٍ «بالجر نسقاً على» خيرٍ «المخفوض بإضافة» أذُنُ «إليه، والجملةُ على هذه القراءة معترضةٌ بين المتعاطفين، تقديره: أذُنُ خيرٍ ورحمةٍ. وقرأ ابنُ أبي عبلةٍ:» ورَحْمَةٌ» نصباً على أنَّه مفعول من أجله، والمعلل محذوف، أي: يأذن لكم رحمةً بكم، فحذف لدلالة قوله: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ﴾ .
فإن قيل: كل رحمة خير، فأي فائدة في ذكر الرحمة عقيب ذِكْر الخير؟
[فالجواب: إنَّ أشرف أقسام الخير هو الرحمة، فجاز ذكر الرحمة عقيب ذكر الخير] كقوله: ﴿وملاائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: 98] . ولمَّا بيَّن كونه سبباً للخير والرحمة، بيَّن أنَّ كلَّ من آذاه استوجب العذاب الأليم لأنَّه يسعى في إيصال الخير والرحمة إليهم وهو يقابلون إحسانه بالإساءة، وخيره بالشَّر؛ فلذلك استوجبوا العذاب الأليم.
قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بالله لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾ الآية.
وهذا نوع آخر من قبائح أفعال المنافقين، وهو إقدامهم على الأيمان الكاذبة، قال قتادةُ والسديُّ: اجتمع ناس من المنافقين، فيهم الجلاس بنُ سويدٍ، ووديعة بنُ ثابت فوقعوا في النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقالوا: إن كان ما يقول محمد حقاً فنحن شرٌّ من الحمير، وكان عندهم غلام من الأنصار، يقال له: عامر بن قيس، فحقَّروه، وقالوا هذه المقالة، فغضب الغلامُ وقال: والله إنَّ ما يقول محمد حق، وأنتم شرٌّ من الحمير ثم أتَى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فأخبره فدعاهم، فسألهم؛ فحلفوا أنَّ عامراً كذَّاب وحلف عامر أنهم كذبة، فصدقهم النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فجعل عامرٍ يدعو ويقول اللَّهُمَّ صدق الصَّادق وكذب الكاذب، فأنزل اللهُ هذه الآية.
وقال مقاتلٌ والكلبيُّ: نزلت في رهطٍ من المنافقين، تخلَّفُوا عن غزوة تبوك فلمَّا رجع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أتوهُ يعتذرون ويحلفون، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
قوله: ﴿والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ .
إنَّما أفرد الضمير، وإن كان الأصلُ في العطف ب «الواو» المطابقة، لوجوهٍ:
أحدها: أنَّ رضا الله ورسوله شيءٌ واحد، ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: 80] ، ﴿إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله﴾ [الفتح: 10] ؛ فلذلك جعل الضميرين ضميراً واحداً، تنبيهاً على ذلك.
الثاني: أنَّ الضمير عائدٌ على المثنى بلفظِ الواحد بتأويل المذكور؛ كقول رؤبة: [الرجز]
2805 - فِيهَا خُطُوطٌ من سوادِ وبلق ... كأنَّهُ في الجِلْدِ توليعُ البَهَقْ
أي: كأن ذلك المذكور، وقد تقدم بيان هذا في أوائل البقرةِ. الثالث: قال المبرد: في الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ، تقديره: واللهُ أحقُّ أن يرضوه ورسوله وهذا على رأي من يدَّعي الحذف من الثاني.
الرابع - وهو مذهب سيبويه -: أنَّه حذف خبر الأوَّل، وأبقى خبر الثَّاني، وهو أحسنُ من عكسه، وهو قول المبرِّدِ؛ لأن فيه عدم الفصل بين المبتدأ أو خبره بالإخبار بالشيء عن الأقرب إليه؛ وأيضاً فهو متعين في قول الشَّاعر: [المنسرح]
2806 - نَحْنُ بِمَا عندنَا وأنتَ بِما ... عِندكَ رَاضٍ والرَّأيُ مُختَلِفُ
أي: نحن راضون، حذف «راضُون» ، لدلالةِ خبر الثاني عليه.
قال ابنُ عطية: «مذهبُ سيبويه أنَّهُما جملتان، حذفت الأولى، لدلالة الثانية عليها» .
قال أبُو حيان: «إن كان الضمير في» أنَّهُمَا «عائداً على كلِّ واحدةٍ من الجملتين، فكيف يقول» حُذفت الأولى «والأولى لم تحذف، إنما حذفَ خبرها؟ وإن كان عائداً على الخبر وهو ﴿أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ فلا يكونُ جملة إلاَّ باعتقاد أن يكون» أن يُرضُوهُ «مبتدأ وخبره» أحَقُّ «مقدماً عليه، ولا يتعيَّنُ هذا القول؛ إذْ يجوزُ أن يكون الخبرُ مفرداً بأن يكون التقدير: أحقُّ بأنْ تُرضُوه» .
قال شهابُ الدِّين: إنما أراد ابنُ عطية التقدير الأول، وهو المشهورُ عند المعربين يجعلون «أحقُّ» خبراً مقدَّماً، و «أن يُرْضوهُ» مبتدأ مؤخراً، والله ورسوله إرضاؤه أحقُّ. وقتد تقدم تحرير هذا في قوله: ﴿فالله أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ﴾ [التوبة: 13] . قوله ﴿إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ شرطٌ جوابه محذوف أو متقدم.
فصل
قال القرطبيُّ «تضمَّنتْ هذه الآية قبول يمين الحالف، وإن لم يلزم المحلوف له الرضا، واليمين حق للمدَّعي، وأن يكون اليمينُ بالله عزَّ وجلَّ حسبُ. وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ حَلفَ فليَحْلفْ باللهِ أو ليَصْمتْ، ومَنْ حُلفَ لَهُ فليُصدِّق» .
قوله: ﴿أَلَمْ يعلموا أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ الله وَرَسُولَهُ﴾ الآية.
والمقصود من هذه الآية: شرح أحوال المنافقين الذين تخلَّفوا عن غزوة تبوك.
قرأ الجمهور «يَعْلمُوا» بياء الغيبة، رَدّاً على المنافقين، وقرأ الحسنُ، والأعرجُ «تَعْلَمُوا» بتاء الخطاب، فقيل: هو التفاتٌ من الغيبة إلى الخطابِ إن كان المرادُ المنافقين.
وقيل: الخطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأتى بصيغةِ الجمع تعظيماً؛ كقوله: [الطويل]
2807 - فإنْ شِئْتُ حرَّمْتُ النِّساءَ سِواكُمُ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
وقيل: الخطابُ للمؤمنين. وبهذه التقادير الثلاثة يختلف معنى الاستفهام، فعلى الأول يكون الاستفهام للتقريع والتوبيخ، كقول الإنسان لمن حاول تعليمه مدة وبالغ في التعليم فلم يتعلم، يقال له ألمْ تتعلَّم؟ وإنما حسن ذلك؛ لأنَّهُ طال مكث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ معهم، وكثر تحذيره من معصية الله، والترغيب في طاعة الله.
وعلى الثاني يكون للتعجب من حالهم، وعلى الثالث يكون للتقرير. والعلم هنا: يحتمل أن يكون على بابه، فتسدَّ «أن» مسدَّ مفعولين عند سيبويه، ومسدَّ أحدهما والآخرُ محذوفٌ عند الأخفش.
وأن يكون بمعنى العرفان، فتسدَّ «أنَّ» مسدَّ مفعوله. و «مَنْ» شرطيَّة، و «فأنَّ لهُ نار» جوابها. وفتحت «أنَّ» بعد الفاءِ، لما تقدَّم في الأنعام. والجملةُ الشرطيةُ في محلِّ رفعِ خبر «أنَّ» الأولى وهذا تخريجٌ واضحٌ. وقد عدل عن هذا التخريج جماعة إلى وجوهٍ أخر، فقال الزمخشريُّ «ويجوزُ أن يكون» فأنَّ لَهُ «معطوفاً» أنَّه «على أنَّ جواب» مَنْ «محذوفٌ، تقديره: ألم يعلموا أنَّه من يُحادد الله ورسوله يهلكْ، فأنَّ لهُ نَار جَهَنَّمَ» وقال الجرمي والمبرد: «أنَّ» الثانية مكررةٌ للتَّوكيد، كأن التقدير: فلهُ نارُ جهنم، وكُرِّرت «أنَّ» توكيداً، وشبَّهه أبو البقاء بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ السواء﴾ [النحل: 119] ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا﴾ [النحل: 119] ، قال: والفاءُ على هذا جوابُ الشرط. وردَّ أبو حيان على الزمخشري قوله: بأنَّهم نصُّوا على أنَّه إذا حذف جوابُ الشَّرطِ، لزمَ أن يكون فعلُ الشرط ماضياً، أو مضارعاً مقروناً ب «لَمْ» ، والجوابُ على قوله محذوفٌ وفعل الشَّرطِ مضارعٌ غير مقترنٍ ب «لَمْ» وأيضاً فإنَّا نجدث الكلامَ تامّاً بدون هذا الذي قدَّره.
ونُقل عن سيبويه أنَّه قال: الثانيةُ بدلٌ من الأولى. وهذا لا يصحُّ عن سيبويه، فإنَّه ضعيفٌ، أو ممتنع، وقد ضعفه أبو البقاءِ بوجهين:
أحدهما: أنَّ الفاء تمانعُ من ذلك والحكمُ بزيادتها ضعيفٌ.
والثاني: أنَّ جعلها بدلاً يوجب سقوط جواب «مَنْ» من الكلام. وقال ابنُ عطية «وهذا يُعترضُ بأنَّ الشَّيء لا يبدل منه حتى يستوفى، والأولى في هذا الموضع لم يأتِ خبرها بعد، إذ لم يأتِ جوابُ الشَّرط، وتلك الجملةُ هي الخبرُ، وأيضاً فإنَّ الفاء تُمانعُ البدل، فهي معنى آخر غير ابلدل فيقلقُ البدل» .
وقال بعضهم: فتحت على تقدير اللام، أي: فلأنَّ لهُ نار جهنم. وهذه كلُّها تكلُّفاتٌ، لا يحتاج إليها.
فالأولى ما تقدم ذكره، وهو أن يكون «أنَّ لهُ نارَ جهنَّمَ» في محل رفع بالابتداء والخبر محذوفٌ، وينبغي أن يقدِّرَهُ متقدماً عليها، كما فعل الزمخشريُّ، وغيرُه، أي: فحقٌّ أنَّ لهُ نار جهنَّم. وقدَّرهُ غيره متأخراً، أي: فأنَّ له نار جهنَّمَ واجبٌ، كذا قدَّره الأخفش وردُّوه عليه بأنَّها لا يبتدأ بها.
وهذا لا يلزمه، فإنَّه يجيز الابتداء ب «أنَّ» المفتوحةِ من غير تقديم خبره. وغيره لا يجيز الابتداء بها إلاَّ بشرطِ تقدُّم «أمَّا» ، نحو: أمَّا أنك ذاهبٌ فعندي، أو بشرط تقدُّم الخبر، نحو: عندي أنَّك منطلق. وقيل: «فأنَّ لهُ» خبرُ مبتدأ محذوفٍ أي: فالواجبُ أنَّ لهُ، وهذه الجملةُ التي بعد الفاء مع الفاءِ في محلِّ جزم، جواباً للشَّرط. وقرأ أبو عمرو فيما رواه أبو عبيدة، والحسن، وابن أبي عبلة: «فإنَّ» بالكسر وهي قراءةٌ حسنةٌ قوية، تقدَّم أنَّهُ قرأ بها بعضُ السبعة في الأنعام، وتقدَّم هناك توجيهها.
والمحادّة: المخالفةُ، والمعاندةُ، ومجاوزةُ الحدِّ، والمعاداة. قيل: مشتقةٌ من الحد وهو حدُّ السِّلاح الذي يحاربُ به من الحديد. وقيل: من الحد الذي هو الجهةُ كأنه في حدِّ غير حدِّ صاحبه كقولهم: شاقَّه، أي: كان في شقٍّ غير شقِّ صاحبه وعاداه، أي: كان في عدوة غير عدوته. قال ابن عباس: معناه: يخالف الله وقيل: يحارب الله، وقيل: يعاند الله، وقيل: يعادي الله.
واختار بعضهم قراءة الكسر، بأنَّها لا تحوج إلى إضمار، ولم يُرْوَ قوله: [الوافر]
2808 - فَمَنْ يَكُ سَائِلاً عَنِّي فإنِّي ... وجِرْوةَ لا تُعارُ ولا تُبَاعْ إلاَّ بالكسرِ.
وهذا غيرُ لازمٍ، فإنَّه جاء على أحد الجائزين، و «خَالِداً» نصبٌ على الحال.
قال الزجاج: «ويجوز كسر» أنّ «على الاستئناف بعد الفاءِ» . وجهنم: من أسماء النار وحكى أهل اللغة عن العربِ: أنَّ البئر البعيدة القعر تسمى الجهنام، فيجوزُ أن تكون مأخوذة من هذا اللفظ، ومعنى بعد قعرها أنَّه لا آخر لعذابها، وتقدم معنى الخلود، والخزي: قد يكون بمعنى النَّدم، وبمعنى الاستحياء، والمراد به ههنا: النَّدم، لقوله: ﴿وَأَسَرُّواْ الندامة لَمَّا رَأَوُاْ العذاب﴾ [يونس: 54] .
قوله تعالى: ﴿يَحْذَرُ المنافقون﴾ الآية.
قال قتادة «هذه السُّورة كانت تُسمَّى الفاضحة، والحافرة، والمبعثرة، والمثيرة، أثارت مخازيهم ومثالبهم» قال ابن عباسٍ: «أنزل اللهُ تعالى ذكر سبعين رجلاً من المنافقين بأسمائهم، وأسماء آبائهم، ثم نسخ ذكر الأسماء رحمة على المؤمنين، لئلاَّ يُعيّر بعضهم بعضاً؛ لأن أولادهم كانوا مؤمنين» .
وقال الجبائيُّ:
«اجتمع اثنا عشر رجلاً من المنافقين على النِّفاقِ، وأخبر جبريل الرسول بأسمائهم، فقال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ:» إنَّ أناساً اجتمعُوا على كَيْت وكَيْت، فليقُومُوا وليعتَرِفُوا وليسْتغفِرُوا ربَّهم حتَّى أشفع لهُمْ «فلم يقوموا، فقال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ بعد ذلك» قُمْ يا فلانُ ويا فلانُ «حتى أتى عليهم ثم قالوا: نعترف ونستغفر فقال:» الآن أنَا كُنْتُ في أوَّل الأمْرِ أطيب نَفْساً بالشَّفَاعةِ، والله كانَ أسْرعَ في الإجابةِ، اخرُجُوا عنِّي «فلم يزلْ يقول حتى خرجوا بالكليَّةِ.»
وقال الأصمُّ: إنَّ «عند رجوع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من تبوك وقف له على العقبة اثنا عشر رجلاً ليفتكوا به؛ فأخبره جبريل، وكانوا متلثمين في ليلة مظلمة، وأمره أن يرسل إليهم من يضرب وجوه رواحلهم، فأمر حذيفة بذلك فضربها حتى نحاهم ثم قال:» مَنْ عرفت من القوْمِ» ؟ فقال: لم أعرف منهم أحداً، فذكر النبيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ أسماءهم وعدهم له، وقال: «إنَّ جبريل أخبرني بذلك» فقال حذيفة: ألا تَبْعَثُ إليه فتقتلهم، فقال: «أكره أن تقول العرب قاتل أصحابه حتَّى إذا ظفر صار يقتلهم، بل يَكْفِينَاهُمُ اللهُ بالدبيلة» .
فإن قيل: الكافرُ منافق، فكيف يحذرُ نزول الوحي على الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -؟ فالجوابُ، من وجوه:
أحدها: قال أبُو مسلم: «هذا حذر أظهرهُ المنافقون استهزاء حين رأوا الرَّسُول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - يذكر كلَّ شيء ويدعي أنَّهُ عن الوحي، وكان المنافقُون يكذبون بذلك فيما بينهم، فأخبر الله رسوله بذلك، وأمره أن يعلمهم أنَّه يظهر سرهم الذي حذروا ظهره، ويدلُّ على ذلك قوله: استَهْزئُوا» .
وثانيها: أنَّ القوم وإن كانوا كافرين بدين الرسول إلا أنَّهم شاهدوا أنَّ الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - كان يخبرهم بما يفسرونه، فلهذه التجربة وقع الحذر والخوف في قلوبهم.
وثالثها: قال الأصمُّ: إنَّهم كانوا يعرفونه كونه رسولاً حقاً من عند الله، إلاَّ أنَّ كفرهم كان حسداً وعناداً.
ورابعها: معنى الحذر الأمر بالحذر، أي: ليحذر المنافقون ذلك.
وخامسها: أنَّهم كانُوا شاكين في صحَّة نبوته، والشَّاك خائف، فلهذا خافوا أن ينزل عليه في أمرهم ما يفضحهم.
قوله: «أَن تُنَزَّلَ» مفعولٌ به، ناصبه «يَحْذَرُ» ، فإنَّ» يَحْذَرُ «متعدٍّ بنفسه كقوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرْكُمُ الله نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: 28] ، لولا أنه متعدِّ في الأصل لواحدٍ، لما اكتسب بالتضعيف مفعولاً ثانياً؛ ويدلُّ عليه أيضاً ما أنشده سيبويه: [الكامل]
2809 - حَذِرٌ أمُوراً لا تَضِيرُ وآمِنٌ ... مَا لَيْسَ مُنْجِيَهُ مِنَ الأقْدَارِ
وفي البيت كلامٌ، قيل: إنه مصنوع. وقال المبردُ: إنَّ» حَذِر «لا يتعدَّى، قال: لأنَّهُ من هيئات النفس، ك» فَزع» . وهذا غير لازم. فإنَّ لنا من هيئات النفس ما هو متعدٍّ ك: «خاف» ، وخشي، فإنَّ» تُنَزَّل «عند المبرد على إسقاط الخافض أي: مِنْ أن تُنَزَّل.
وقوله:» تُنَبِّئُهُمْ» في موضع الرفع صفةً ل «سورة» .
قال الزمخشريُّ «الضميرُ في قوله» عليهم «و» تنبّئهم» للمؤمنين، و «في قُلُوبهمْ» للمنافقين، ويجوزُ أيضاً أن تكون الضمائرُ كلها للمنافقين؛ لأنَّ السُّورة إذا نزلت في معناهم فهي نازلة عليهم، ومعنى» تُنبِّئُهم بما في قلوبهم «أنَّ السورة كأنَّها تقول لهم في قلوبكم كيت وكيت، يعني أنَّها تذيع أسرارهم إذاعة ظاهرة فكأنَّها تخبرهم بها» .
ثم قال: ﴿قُلِ استهزءوا﴾ هذا أمر تهديد، ﴿إِنَّ الله مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ﴾ .
قوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ الآية.
قال الكلبي، ومقاتل، وقتادةُ: «إنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان يسير في غزوة تبوك وبين يديه ثلاثة نفر من المنافقين، اثنان يستهزئان بالقرآن والرسول، والآخر يضحك.
قيل: كانوا يقولون: إنَّ محمداً يزعم أنه يغلب الروم، ويفتح مدائنهم، هيهات هيهات ما أبعده عن ذلك.
وقيل: كانوا يقولون: إنَّ محمداً يزعمُ أنَّهُ نزل في أصحابنا المقيمين بالمدينة قرآن، وإنما هو قوله وكلامه، فأطع اللهُ نبيهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على ذلك فقال:» احبسُوا الرَّكبَ عليَّ» فدعاهُم وقال لهُم: «قُلْتُم كذا وكذا» فقالوا: إنَّما كُنَّا نتحدثُ ونخوض في الكلامِ، كما يفعلُ الرَّكبُ لقطع الطريق بالحديث واللعب.»
قال ابن عمر: «رأيتُ عبد الله بن أبيّ يشتد قدام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والحجارة تنكيه، وهو يقولُ:» إنَّما كُنَّا نخوضُ ونلعبُ» . ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول «أباللهِ وآياتهِ ورسولهِ كُنتُم تَسْتهزِئُونَ» . ولا يلتفتُ إليه.»
وقال أبُو مسلم: قوله: ﴿يَحْذَرُ المنافقون أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم﴾ التوبة: 64 إنَّ القوم أظهروا هذا الخبر استهزاء، فبيَّن تعالى في هذه الآية أنَّهُ إذا قيل لهم: لِمَ فعلتُم ذلك؟ قالوا: لم نقل ذلك إلاَّ لأجل أنا كنا نخوض ونلعب.
فصل في بيان أصل الخوض
قال الواحديُّ: أصل الخوض الدخول في مائع مثل الماء والطين، ثم كثر حتى صار اسماً لكل دخول فيه تلويث وأذى، والمعنى: إنَّما كُنَّا نخوضُ في الباطل من الكلام كما يخوض الركب لقطع الطريق، فأجابهم الرسولُ بقوله: «أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون» .
قوله: « ... أباللهِ ... » متعلقٌ بقوله: «تَستهْزئُونَ» . و «تَسْتهْزِئُونَ» خبرُ «كان» وفيه دليلٌ على تقديم خبر «كان» عليها؛ لأنَّ تقديم المعمول يؤذن بتقديم العامل، وقد تقدَّم معمول الخبر على «كان» فليَجُزْ تقديمه بطريق الأولى.
وفيه بحث، وذلك أنَّ ابن مالك قدح في هذا الدَّليل، بقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا اليتيم فَلاَ تَقْهَرْ وَأَمَّا السآئل فَلاَ تَنْهَرْ﴾ [الضحى: 9، 10] قال: ف «اليتيم» ، والسائل قد تقدما على «لا» الناهية، والعاملُ فيهما ما بعدهما ولا يجوز تقديم ما بعد «لا» الناهية عليها، لكونه مجزوماً بها، فقد تقدَّم المعمولُ، حيث لا يتقدَّم للعامل ذكر، ذكر ذلك عند استدلالهم على جواز تقديم خبر «ليس» بقوله ﴿أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ﴾ [هود: 8] .
فصل
فرق بين قولك: أتستهزىء بالله، وبين قولك: أبالله تستهزىء، فالأوَّلُ يقتضي الإنكار على عمل الاستهزاء، والثاني يقتضي الإنكار على إيقاع الاستهزاء في الله، كأنه يقول: هَبْ أنك تقدم على الاستهزاء إلا أنه كيف أقدمت على إيقاع الاستهزاء في الله كقوله تعالى: ﴿لاَ فِيهَا غَوْلٌ﴾ [الصافات: 47] والمقصود: ليس نفي الغول، بل نفي أن يكون خمر الجنَّة محلاًّ للغول. ومعنى الاستهزاء بالله: هو الاستهزاء بتكاليفِ الله، والاستهزاء بذكر الله، فإنَّ أسماء الله قد يستهزىء بها الكافرُ، كما أنَّ المؤمن يعظمها. والمرادُ بالاستهزء ب «آيَاتِهِ» هو القرآن، وسائر ما يدلُّ على الدين، والرسول معلوم.
قوله: ﴿لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ﴾ .
نقل الواحديُّ عن أهل اللغة في لفظ الاعتذار قولين، الأول: أنَّه عبارة عن محو أثر الذنب، وأصله من: تعذرت المنازل، أي: دَرَسَتْ، وامَّحت آثارها؛ قال ابن أحمر: [البسيط]
2810 - قَدْ كُنتَ تَعْرفُ آياتٍ فقدْ جَعَلتْ ... أطْلالُ إلفِكَ بالوَعْسَاءِ تَعْتَذِرُ
فالمعتذر يزاولُ محو ذَنْبِهِ.
والثاني: قال ابنُ الأعرابي: أصله من العذر، وهو القطع، ومنه العُذْرة؛ لأنَّها تقطع بالافتراغ.
ويقولون: اعتذرت المياه، أي: انقطعت، فكأنَّ المعتذر يحاولُ قطع الذمّ عنه. قوله: ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ يدلُّ على أنَّ الاستهزاء بالدِّين كيف كان كفراً؛ لأنه استخفاف بالدين، والعمدة في الإيمان تعظيم الله تعالى، ويدل على أنَّ القول الذي صدر منهم كان كفراً في الحقيقة.
فإن قيل: كيف قال ﴿كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ وهم لم يكونوا مؤمنين؟
فالجواب: قال الحسنُ: أظهرتم الكفر بعد ما أظهرتم الإيمان.
فصل
قال ابنُ العربي: «لا يخلو ما قالوا من أن يكون جداً، أو هزلاً، وهو كيفما كان كفراً فإنَّ القول بالكفر كفر بلا خلاف بين الأئمة، قال تعالى: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بالله أَنْ أَكُونَ مِنَ الجاهلين﴾ [البقرة: 67] .
فصل
اختلفوا في الهزل في سائر الأحكام كالبيع والنكاح والطلاق، قيل: يلزم وقيل: لا يلزم، وقيل: يفرق بين البيع وغيره. فيلزمُ في النكاح والطلاق، ولا يلزم في البيع وحكى ابنُ المنذر الإجماع في أن جدَّ الطلاق وهزله سواء. وروى أبو داود والترمذي والدارقطني عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «ثلاثٌ جِدُّهُنَّ جد وهزلهُنَّ جِدّ، النِّكاحُ والطلاقُ والرَّجْعَةُ»
قال الترمذيُّ «حديث حسن، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وغيرهم» .
قال القرطبي: «وفي الموطأ عن سعيد بن المسيِّب قال ثلاث ليس فيهن لعب النكاح والطلاق والعتق» .
قوله: « ... إن نَعْفُ» قرأ عاصم «نَعْفُ» بنون العظمة، «نعذِّب» كذلك، «طَائفَة» نصباً على المفعول به، وهي قراءة أبي عبد الرحمن السُّلمي، وزيد بن علي. وقرأ الباقون «يُعْفَ» في الموضعين بالياء من تحت مبنياً للمفعول، ورفع «طَائفةٌ» ، على قيامها مقام الفاعل والقائمُ مقام الفاعل في الفعل الأوَّلِ الجارُّ بعده. وقرأ الجحدريُّ «إن يَعْفُ» بالياء من تحت فيهما، مبنياً للفاعل، وهو ضميرُ الله تعالى، ونصب «طائفة» على المفعول به. وقرأ مجاهدٌ «تُعْف» بالتاء من فوق فيهما، مبنياً للمفعول، ورفع «طائفة» ، لقيامها مقام الفاعل. وفي القائم مقام الفاعل في الفعل الأوَّل وجهان:
أحدهما: أنَّهُ ضمير الذنوب، أي: إن تُعْفَ هذه الذنوب.
والثاني: أنَّه الجارُّ، وإنَّما أنِّث الفعل حملاً على المعنى.
قال الزمخشريُّ «الوجه التذكير؛ لأنَّ المسند إليه الظرفُ، كما تقول: سِيرَ بالدَّابة، ولا تقول: سِيرت بالدَّابة، ولكنه ذهب إلى المعنى، كأنه قيل: إن تُرْحَمْ طائفة فأنَّث لذلك، وهو غريبٌ» .
فصل
قال مجاهدٌ: وابن إسحاق: الذي عُفِيَ عنه رجل واحد، وهو مخاشن بنُ حمير الأشجعي، يقال هو الذي كان يضحكُ ولا يخوض، وكان يمشي مجانباً لهم، وينكر بعض ما يسمع فلمَّا نزلت هذه الآية تاب من نفاقه، وقال: اللَّهُمَّ إني لا أزال أسمعُ آية تَقْرَعُني بها تقشعر الجلودُ، وتجب منها القلوبُ، اللهم اجعل وفاتي قتلاً في سبيلك، لا يقولُ أحدٌ: أنا غسلت، أنا كفنت، أنا دفنت، فأصيب يوم اليمامة ولم يعرف أحد من المسلمين مصرعه.
فصل
ثبت بالروايات أنَّ الطائفتين كانوا ثلاثة؛ فوجب أن تكون إحدى الطَّائفتين إنساناً واحداً. قال الزجاجُ: والطَّائفة في اللغةِ أصلها الجماعة؛ لأنَّها المقدار الذي يمكنها أن تطيف بالشيء ثم يجوز أن يسمى الواحد بالطائفة، قال تعالى ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ المؤمنين﴾ [النور: 2] . وأقله الواحد، وروى الفراء بإسناده عن ابن عباس أنه قال: الطائفة الواحد فما فوقه، وقال تعالى: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا﴾ [الحجر: 9] .
قال ابن الأنباري: العرب توقع لفظ الجمع على الواحد، فتقولُ: خرج فلانٌ إلى مكَّة على الجمال، وقال تعالى: ﴿الذين قَالَ لَهُمُ الناس﴾ [آل عمران: 173] يعني: نعيم بن مسعود، ثم إنه تعالى علَّل تعذيبه لهم: ﴿بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾
التوبة 9:66
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَآءِ والمساكين﴾ الآية.
اعلم أنَّ المنافقين لمَّا لمزوا الرسول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ في الصدقات، بيَّن لهم أنَّ مصرف الزكاة هؤلاء، ولا تعلق لي بها، ولا آخذ لنفسي نصيباً منها.
وقد ذكر العلماء في الحكمة في وجوب الزكاة أموراً:
منها: قالوا: شكر النِّعمة عبارة عن صرفها إلى طلب مرضاة المنعم، والزكاة شكر النعمة. فوجب القولُ بوجوبها؛ لأنَّ شكر المنعم واجب.
ومنها: أنَّ إيجاب الزكاة توجب حصول الألفة بالمودَّة، وزوال الحقد والحسد بين المسلمين فهذه وجوهٌ معتبرةٌ في الحكمة الناشئة لوجوب الزَّكاة.
ومنها: أنَّ الفاضل عن الحاجات الأصلية إذا أمسكه الإنسان عطَّله عن المقصود الذي لأجله خلق المالُ، وذلك سعي في المنع من ظهور حكمة الله تعالى، وهو غير جائز، فأمر الله بصرف طائفة منه إلى الفقير حتَّى لا تتعطل تلك الحكمة.
ومنها: أنَّ الفقراء عيالُ الله، لقوله تعالى ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأرض إِلاَّ عَلَى الله رِزْقُهَا﴾ [هود: 6] والأغنياء خزان الله؛ لأنَّ الأموال التي في أيديهم لله تعالى، ولولا أن الله ألقاها في أيديهم، لما ملكوا منها حبة واحدة.
ومنها: أنَّ المال بالكليَّة في يد الغني مع أنَّه غير محتاج إليه، وإهمال جانب الفقير العاجز عن الكسب بالكليَّة، لا يليقُ بحكمة الرحيم؛ فوجب أن يجب على الغنيّ صرف طائفة من ذلك المال إلى الفقير.
ومنها: أنَّ الأغنياء لو لم يقوموا بمهمات الفقراء ربّما حملهم شدة الحاجة ومضرة المسكنة على الالتحاق بأعداء المسلمين، أو على الإقدامِ على الأفعال المنكرة كالسرقة وغيرها؛ فإيجاب الزكاة يفيد هذه الفائدة؛ فوجب القول بوجوبها وقيل غير ذلك.
فصل
كلمة «إنَّما» للحصر، فدلَّت على أنه لا حق في الصدقات لأحد إلاَّ لهذه الأصناف الثمانية وذلك مجمع عليه، ويدلُّ على أنَّ كلمة «إنَّما» للحصر؛ لأنها مركبة من «إن» و «ما» ، و «إن» للإثبات و «ما» للنفي» ، واجتماعهما يوجب بقاءهما على ذلك المفهوم، وكذلك تمسَّك ابنُ عبَّاسٍ في نفي ربا الفضل بقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ «إنَّما الرِّبَا في النَّسيئَةِ» ، وتمسك بعض الصحابة في أن الإكسال لا يوجب الاغتسال بقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ «إنما الماءُ من الماءِ» ، ولولا إفادتها الحصر، لما كان كذلك، وقال تعالى ﴿إِنَّمَا الله إله وَاحِدٌ﴾ [النساء: 171] فدلَّت على نفي إلهية الغير؛ وقال الأعشى: [السريع]
2802 - ولسْتَ بالأكْثَرِ منهُم حَصًى ... وإنَّما العِزَّةُ لِلكَاثِرِ
وقال الفرزدق: [الطويل] 2803 - أنَا الذَّائدُ الحَامِي الذِّمارَ وإنَّما ... يدافعُ عنْ أحسابهِمْ أنَا أوْ مِثْلِي
فدلَّت هذه الوجوه على أنَّ كلمة» إنَّما «للحصر.
وروى زياد بن الحارث الصُّدانئي قال: أتيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فبايعته فأتاه رجل فقال أعطني من الصَّدقة فقال له رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ
«إنَّ اللهَ لَمْ يرضَ بحُكْم نبي، ولا غيره في الصَّدقاتِ حتَّى حكم فيها فجَزَّأها ثمانيةَ أجزاء، فإنْ كنتَ من تلكَ الأجزاءِ أعطيتُك حقَّك» .
فصل
مذهب أبي حنيفة: أنه يجوز صرف الصَّدقة إلى بعض الأصناف، وهو قول عمر وحذيفة، وابن عباسٍ، وسعيد بن جبير، وأبي العالية، والنخعي. قال سعيدُ بن جبير: لو نظرت إلى أهل بيت من المسلمين فقرأ متعففين فحبوتهم بها كان أحب إليَّ وقال الشافعي لا بُدَّ من صرفها إلى الأصناف الثمانية وهو قوك عكرمة، والزهري وعمر بن عبد العزيز واحتج بظاهر الآية. قال ولا بدَّ في كلِّ صنف من ثلاثة، فإن دفع سهم الفقراء إلى فقيرين ضمن نصيب الثالث، وهو ثلث سهم الفقراءِ قال: ولا بد من التسوية في أنصباء هذه الأصناف الثمانية، مثاله لو وجد خمسة أصناف، ولزمه أن يتصدَّق بعشرة دراهم؛ لزمه أن يجعل العشرة خمسة أسهم.
واختلفوا في صفة الفقير والمسكين، فقال ابن عباسٍ، والحسنُ، ومجاهدٌ، وعكرمةُ والزهريُّ: الفقير: الذي لا يسأل، والمسكين: السَّائل. قال ابن عمر: ليس بفقير من جمع الدرهم إلى الدرهم والتمرة إلى التمرة، ولكن الفقير من أنقى نفسه وثيابه ولا يقدر على شيء: ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهل أَغْنِيَآءَ مِنَ التعفف﴾ [البقرة: 273] .
وقال قتادة: الفقير: المحتاج الزَّمِنُ، والمسكين: الصحيح المحتاج. وروي عن عكرمة الفقراء من المسلمين، والمساكين من أهل الكتاب. وقال الشافعي الفقير من لا مال ولا حرفةَ تقع منه موقعاً زمناً كان أو غير زمن، والمسكين من له مال أو حرفة لا تغنيه سائلاً كان أو غير سائل.
واستدل بقوله: ﴿أَمَّا السفينة فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ [الكهف: 79] فأثبت لهم ملكاً، وكان عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ يتعوذ من الفقر، وقال: كاد الفقرُ أن يكون كُفْراً. وكان يقول: اللَّهُمَّ أحْيِني مِسْكيناً وأمِتْنِي مسْكِيناً، فكيف كان يتعوذ من الفقر، ويسأل ما هو دونه وهذا تناقض؟
وقال أصحاب الرأي: الفقيرُ أحسن حالاً من المسكين. وقيل: الفقير من له المسكن والخادم والمسكين من لا ملك له، وقالوا كل محتاج إلى شيء فهو فقير إليه، وإن كان غنياً عن غيره قال تعالى: ﴿يا أيها الناس أَنتُمُ الفقرآء إِلَى الله﴾ [فاطر: 15] ، والمسكين المحتاج إلى كلِّ شيءٍ ألا ترى كيف حضَّ على طعامه، وجعل طعام الكفارة له، ولا فاقة أشد من الحاجة إلى سد الجوعة.
وقال إبراهيمُ النخعيُّ: الفقراء هم المهاجرون، والمسكين من لم يهاجر، وقيل: لا فرق بين الفقراء والمساكين فالله تعالى وصفهم بهذين الوصفين، والمقصود شيءٌ واحد، وهو قول أبي يوسف ومحمد.
وفائدة الخلاف تظهر في مسألة: وهي أنَّه لو أوصى لفلان وللفقراء والمساكين، فالذين قالوا: الفقراء غير المساكين، قالوا: لفلان الثلث، والذين قالوا: الفقراء هم المساكين قالوا لفلان النصف.
واختلفوا في حدِّ الغني الذي يمنع أخذ الصَّدقة، فقال الأكثرون: حده أن يكون عنده ما يكفيه وعياله سنة، وهو قول مالك، والشافعي. وقال أصحاب الرأي: حدُّه أن يملك مائتي درهم. وقيل: من ملك خمسين درهماً، لا يحلُّ له أخذ الصدقة. روي أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «مَنْ سَألَ النَّاسَ ولهُ ما يُغْنِيه جاء يوم القيامةِ ومسْألتُهُ في وجهه خُموش أو خُدُوش. قيل: وما يُغنيهِ؟ قال:» خَمْسُونَ دِرْهماً أو قيمتها من الذَّهب «، وهو قول الثوري، وابن المباركِ، وأحمد وإسحاق وقالوا: لا يجوزُ أن يعطى الرجل من الزكاة أكثر من خمسين، وقيل: أربعون درهماً لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» مَنْ سَأل ولهُ أوقيةٌ أو عَدْلُهَا فقدْ سَألَ إلْحَافاً «.
قوله: ﴿والعاملين عَلَيْهَا﴾ وهم السُّعاةُ لجباية الصدقة، يعطون بقدر أجور أمثالهم.
وقال مجاهدٌ والضحاكُ: يعطون الثمن، ولا يجوزُ أن يكُون العاملُ على الصدقة هاشمياً ولا مطلبياً؛ لأنَّ الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - أبَى أن يبعث أبا رافع عاملاً على الصَّدقاتِ وقال: أما علمت أن مولى القومِ منهم.
قوله: ﴿والمؤلفة قُلُوبُهُمْ﴾ قال ابنُ عباسٍ: هم أشراف من الأحياء أعطاهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يوم حنين، وكانوا خمسة عشر رجلاً: أبُو سفيانَ، والأقرعُ بنُ حابسٍ، وعيينةُ بن حصنٍ، وحويطبُ بنُ عبد العزى، وسهلُ بنُ عمرو من بني عامر، والحارثُ بنُ هشام، وسهيلُ بن عمرو الجهنيُّ، وأبُو السنابل، وحكيم بن حزامٍ، ومالكُ بن عوف وصفوانُ ابنُ أمية، وعبد الرحمن بنُ يربوع، والجدُّ بنُ قيس، وعمرو بنُ مرداس، والعلاءُ بنُ الحرث،» أعطى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كلَّ رجل منهم مائة من الإبل ورغبهم في الإسلام، إلاَّ عبد الرحمن بن يربوع أعطاه خمسين من الإبل، وأعطى حكيم بن حزام سبعين من الإبل، فقال: يا رسول الله ما كنت أرى أنَّ أحداً من النَّاس أحق بعطائك مني فزاده عشرة، وهكذا حتى بلغ مائة، ثم قال حكيمٌ: يا رسول الله، أعطيتك الأولى التي رغبت عنها خير أم هذه التي قنعت بها؟ فقال عليه الصَّلاة والسَّلام: بل التي رغبت عنها، فقال: والله لا آخذ غيرها «فقيل: مات حكيم وهو أكثر قريش مالاً، وشقَّ على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ تلك العطايا، لكن ألفهم بذلك. قال ابنُ الخطيبِ: وهذه العطايا إنَّما كانت يوم حنين، ولا تعلق لها بالصدقات، ولا أدري لأي سبب ذكر ابنُ عبَّاسٍ هذه القصة في تفسير هذه الآية وإنَّما ذكر ابنُ عباسٍ ذلك بياناً للمؤلَّفة من هم، فذكر ذلك مثالاً.
واعلم أنَّ المؤلفة قسمان، مسلمون وكفار، فأمَّا المسلمون فيعطون لأجل قوَّة إيمانهم أو معونتهم على أخْذِ الزَّكاة ممَّن امتنع عن دفعها، أو ترغيباً لأمثالهم في الإسلام وأما الكُفَّار؛ فيعطون ترغيباً لهم في الإسلام، أو خشية من شرهم، كما أعطى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ صفوان بن أمية لمَّا رأى من ميله في الإسلام.
قال الواحديُّ إنَّ الله تعالى أغنى المسلمين عن تألف قلوب المشركين، فإن رأى الإمامُ في ذلك مصلحة يعود نفعها على المسلمين إذا كانوا مسلمين جاز، ويعطون من الفيء لا من الزَّكاة.
واعلم أنَّ المؤلفة قسمان، مسلمون وكفار، فأمَّا المسلمون فيعطون لأجل قوَّة إيمانهم أو معونتهم على أخْذِ الزَّكاة ممَّن امتنع عن دفعها، أو ترغيباً لأمثالهم في الإسلام وأما الكُفَّار؛ فيعطون ترغيباً لهم في الإسلام، أو خشية من شرهم، كما أعطى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ صفوان بن أمية لمَّا رأى من ميله في الإسلام.
قال الواحديُّ إنَّ الله تعالى أغنى المسلمين عن تألف قلوب المشركين، فإن رأى الإمامُ في ذلك مصلحة يعود نفعها على المسلمين إذا كانوا مسلمين جاز، ويعطون من الفيء لا من الزَّكاة.
وقال جماعةٌ من أهل العلم: إنَّ المؤلفة منقطعة، وسهمهم ساقط، روي ذلك عن عمر وهو قول الشعبي، وبه قال مالكٌ، والثوريُّ، وأصحاب الرأي وإسحاق بن راهويه وقال قومٌ: سهمهم ثابت مروي ذلك عن الحسنِ، وهو قول الزهري، وأبي جعفر محمد بن علي، وأبي ثور، وقال أحمدُ: يعطون إن احتاج المسلمون إلى ذلك.
قوله: وفِي الرقابِ قال الزجاجُ فيه محذوف، والتقديرُ: «وفي فك الرقاب» وقد تقدم الكلامُ في تفسير «الرقاب» في قوله: ﴿والسآئلين وَفِي الرقاب﴾ [البقرة: 177] . ثمَّ في تفسير «الرقاب» أقوال:
أحدها: أنَّهم المكاتبون ليعتقوا من الزكاة، وقال مالكٌ وغيره: إنه لعتق الرقاب يشترى به عبيد فيعتقون. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يعتق من الزكاة رقبة كاملة ولكن يعطى منها في رقبة ويعان بها مكاتب؛ لأن قوله: ﴿وَفِي الرقاب﴾ يقتضي أن يكون له فيه مدخل، وذلك يُنَافِي كونه تاماً فيه، وقال الزهريُّ: سهم الرقاب نصفان، نصف للمكاتبين المسلمين، ونصفٌ يشترى به رقاب ممَّن صلوا وصاموا.
قال بعض العلماء: والاحتياط في سهم الرقاب دفعه إلى السَّيد بإذن المكاتب؛ لأنَّه تعالى أثبت الصدقات للأصناف الأربعة المتقدم ذكرهم بلام التمليك بقوله: ﴿إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَآءِ والمساكين﴾ ولمَّا ذكر «الرقاب» أبدل حرف اللام بحرف «في» فقال: «وفِي الرِّقابِ» فلا بدَّ لهذا الفرق من فائدة، وهي أنَّ الأصنافَ الأربعة يدفع إليهم نَصِيبُهُمْ. وأما الباقون فيصرف نصيبهم في المصالح المتعلقةِ بهم لا إليهم.
قال الزمخشري: «فإن قلت: لِمَ عدل عن اللاَّمِ إلى» فِي «في الأربعة الأخيرة؟ قلت: للإيذان بأنَّهم أرسخُ في استحقاقِ التصدُّق عليهم ممَّن سبق ذكرهُ؛ لأنَّ» في «للوعاء، فنبَّه على أنهم أحقاءُ بأن توضع فيهم الصدقات وجعله مظِنَّة لها ومصَبّاً» .
ثم قال: «وتكرير» في «في قوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ الله وابن السبيل﴾ فيه فضل ترجيح لهذين على الرقاب والغارمين» .
قوله: والغَارمينَ قال الزجاجث: أصل الغرم في اللغةِ: لزوم ما يشق، والغرام العذاب اللاَّزم، وسمي العشق غراماً، لكونه شاقاً على الإنسان ولازماً له، ومنه: فلان مغرم بالنِّساءِ إذا كان مولعاً بهنَّ، وسمي الدَّين غراماً، لكونه شاقاً، والمرادُ بالغارمين المديونون، فالدِّيْنُ إن حصل بسبب معصيةٍ لا يدخلُ في الآية؛ لأنَّ المقصود من صرف المال إليه الإعانة، والمعصية لا تستوجب الإعانة، وإن حصل لا بسبب معصية فهو قسمان: دينٌ حصل بسبب نفقات ضرورية أو في مصلحة، ودين بسبب حمالات وإصلاح ذات بين، والكل داخل في الآية.
روى الأصمُّ في تفسيره «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لمَّا قضى بالغرة في الجنين قالت العاقلة: لا نملك الغرَّة يا رسول الله، فقال لحمل بن مالك بن النَّابغة أعنهم بغرة من صدقاتهم» وكان حمل على الصدقة يومئذ.
قوله: ﴿فِي سَبِيلِ الله﴾ قال المفسِّرون: يعني الغزاة، قال أكثرُ العلماء: يجوز له أن يأخذ من الزَّكاة وإن كان غنياً. وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يعطى الغازي إلاَّ مع الحاجة.
ونقل القفالُ في تفسيره عن بعض العلماء أنَّهم أجازوا صرف الصدقات إلى جميع وجوه الخير من تكفين الموتى، وبناء الحصون، وعمارة المساجد؛ لأن قوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ الله﴾ عام في الكل وقال أكثر أهل العلم: لا يعطى منه شيء في الحج. وقال قومٌ: يجوزُ أن يصرف سهم في سبيل الله إلى الحج، يروى ذلك عن ابن عباس وهو قول الحسن، وأحمد، وإسحاق.
قوله: ﴿وابن السبيل﴾ وهو كل من يريدُ سفراً مباحاً ولم يكن له ما يقطعُ به المسافة يعطى له قدر ما يقطع به تلك المسافة، وإن كان ذا يسار في بلده. وقال قتادةُ: ابن السبيل: هو الضعيف وقال فقهاءُ العراقِ: ابن السبيل: الحاج المنقطع.
واعلم أنَّ مال الزَّكاة لا يخرج عن هذه الثمانية. واختلفوا هل يجوزُ وضعه في بعض الأصناف؟ إذا قلنا يجوز وضعه في بعض الأصناف، فإنَّما يجوز في غير العامل، فأمَّا وضعه بالكليَّةِ في العامل فلا يجوز بالاتفاق.
فإن قيل: ما الحكمةُ في أنه تعالى ذكر الأصناف الستة وهم: الفقراء، والمساكين، والعاملون والمؤلفة، والرقاب، والغارمون، بصيغة الجمع، وذكر الصنفين الآخرين، وهما: في سبيل الله وابن السبيل بصيغة الإفراد؟
فالجوابُ: أنَّ المراد بهما الجنس هو جمع حقيقة، ولا يقال: هلاَّ ذكر الأصناف الستَّة بصيغة الإفراد ويكون المراد الجنس كهذين؛ لأنا نقول: لو أفرد في الجميع، فلا يخلو إمَّا أن يفردهم معرفين بالألف واللام للعهد؛ فينصرف بين السَّامع إلى صرف الزَّكاة إلى معهودٍ سابق معين وليس هو المقصود من الآية بالإجماع، وإن أفردهم منكرين، فهم منه أنَّ الزَّكاة لا يجوز دفعها إلى فقير واحد، أو مسكين واحد، وكذلك سائرها، ولا يجوزُ دفعها لاثنين فما زاد، وهو خلاف الإجماع
فصل
والسَّبيل: الطريقُ، ونسب المسافر إليها لملازمته إيَّاها، ومروره عليها قال بعضُ العلماءِ: إذا كان المسافر غنيّاً في بلده، ووجد من يسلفه فلا يعطى وهو الصحيح.
ولا يلزمه أن يدخل تحت مِنَّة أحد إذا وجد منة تعالى.
فصل
إذا جاء وادَّعى وصفاً من الأوصاف الثمانية، هل يقبل قوله أو يقال: أثبت ما تقولُ؟ أمَّا الدَّينُ فلا بدّ أن يثبته، وأمَّا البقية فظاهرُ الحال يَكْفِي.
قوله: «فَرِيضَةً» في نصبها وجهان:
أحدهما: أنَّها مصدرٌ على المعنى لأنَّ معنى ﴿إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَآءِ﴾ في قوة: فرض الله ذلك.
والثانيك أنَّها حالٌ من الفقراء، قاله الكرماني، وأبُو البقاءِ.
يعنيان من الضمير المستكن في الجار، لوقوعه خبراً، أي: إنَّما الصدقاتُ كائنة لهم حال كونها فريضة، أي: مفروضة. ويجوزُ أن يكون فريضةً حينئذٍ بمعنى مفعولة، وإنَّما دخلت التاءن لجريانها مجرى الأسماء، ك «النَّطيحة» . ويجوزث أن يكون مصدراً واقعاً موقع الحال، ونُقل عن الفرَّاء أنَّها منصوبة على القطع. ثم قال: ﴿والله عَلِيمٌ﴾ بمقادير المصالح ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يشرع إلاَّ ما هو الأصوب والأصلح.
فصل
وهذه الآية المراد بها فريضة الزكاة، فأمَّا صدقة التطوع فيجوزُ دفعها إلى هؤلاء وإلى غيرهم، من بني هاشم ومواليهم، ومن لا يجوز لهم أخذ الزكاة الواجبة، يجوزُ له الأخذ إذا كان غارماً أو مؤلفاً، أو عاملاً.
قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الذين يُؤْذُونَ النبي﴾ الآية.
وهذا نوع آخر من طعن المنافقين، وهو أنَّهُم كانُوا يقولون في رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إنه أذن. نزلت في جماعة من المنافقين، كانوا يؤذون النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ويقولون ما لا ينبغي، فقال بعضُهم لا تفعلوا فإنَّا نخافُ أن يبلغه ما نقولُ، فيقع بنا فقال الجلاس بنُ سويد: نقول ما شئنا، ثم نأتيه ونُنْكر ما قلنا، ونحلف فيصدِّقنا بما نقول، إنَّما محمدٌ أذنٌ، أي سامعة، يقال: فلان «أذنٌ وأذنٌ» على وزن «فُعُل» ، إذا كان يسمع كل ما قيل ويقبله.
وأصله من «أذن» له «أذَناً» إذا استمع، وقال محمد بن إسحاق بن يسار: «نزلت في رجل من المنافقين يقال له: نبتل بن الحارث، وكان رجُلاً أزلم، ثائر الشعر، أحمر العينين، أسفع الخدين، مشوَّه الخلقة، وقد قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من أراد أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحارث.»
وكان ينمّ حديث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إلى المنافقين، فقيل له: لا تفعل فقال: إنَّما محمد أذن، فمن حدَّثه شيئاً صدَّقه؛ فنقول ما شئنا، ثُمَّ نأتيه فنحلف له، فيصدقنا، فنزلت الآية.
قال الأصمُّ أظهر الله عن المنافقين وجوه كفرهم التي كانوا يسرونها، لتكون حجة للرسول، ولينزجروا، فقال: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصدقات﴾ [التوبة: 58] ﴿وَمِنْهُمُ الذين يُؤْذُونَ النبي﴾ [التوبة: 61] ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ الله﴾ [التوبة: 75] إلى غير ذلك من الإخبار عن الغيوب، وكل ذلك دليل على كونه نبياً حقاً من عند الله.
ومعنى «أذنٌ» أي: أنَّه ليس له ذكاء ولا بعد غور، بل هو سليمُ القلبِ، سريع الاغترار بكل ما يسمع.
قوله: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ﴾ «أذُنُ» خبر مبتدأ محذوف، أي: قل هو أذُنُ خيرٍ والجمهور على جَر خَيْرٍ بالإضافة، وقرأ الحسنُ، ومجاهدٌ، زيد بن علي وأبو بكر عن عاصم «أذُنٌ» بالتنوين، «خَيْرٌ» بالرفع، وفيها وجهان:
أحدهما: أنَّها وصف «أذُن» .
والثاني: أن يكون خبراً بعد خبر، و «خير» يجوزُ أن يكون وصفاً، من غير تفضيل، أي: أذُنٌ ذُو خير لكم، ويجوزُ أن يكون للتفضيل - على بابها - أي: أكثر خيراً لكم. وجوَّز صاحب اللوامح أن يكون «أذُن» مبتدأ، و «خَيْر» خبرها، وجاز الابتداءُ هنا بالنكرة؛ لأنَّها موصوفةٌ تقديراً، أي: أذُنٌ لا يؤاخذكم من أذُنٍ يؤاخذكم، ويقال: رجَلٌ أذنٌ، أي: يسمع كل ما يقال، وفيه تأويلان:
أحدهما: أنَّهُ سُمِّي بالجارحة؛ لأنَّها آلة السماع، وهي معظم ما يقصد منه؛ كقولهم للربيئة: عَيْنٌ.
وقيل: المرادُ ب «الأذُن» هنا الجارجة، وحينئذٍ يكونُ على حذفِ مضاف أي: ذُو أذن.
والثاني: أنَّ الأذن وصفٌ على «فُعُل» ، ك «أنُف» و «شُلُل» يقال: أذِنَ يَأذَن، فهو أذُن؛ قال: [الطويل]
2804 - وَقَدْ صِرْت أذْناً لِلوُشَاةِ سَمِيعَةً ... يَنالُونَ مِنْ عِرْضي ولوْ شِئْت ما نَالُوا ومعنى قراءة عاصم: إن كان تقولون إنَّهُ أذُنٌ، فأذن خير لكم، يقبل منكم ويصدقكم خير لكم من أن يكذبكم. ومعنى قراءة الجرِّ: أي: هو أذُنُ خير، لا أذُنُ شر وقرأ نافع «أذْن» ساكنة الذَّال في كلِّ القرآن، والباقون بالضَّم وهما لغتان مثل: عنق وظفر.
ثم بيَّن كونه «أذُنُ خَيْرٍ» بقوله: ﴿يُؤْمِنُ بالله وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ﴾ فجعل تعالى هذه الثلاثة كالموجبة لكونه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ «أذُنُ خَيْرٍ» ، أمَّا قوله ﴿يُؤْمِنُ بالله﴾ فلأنَّ كلَّ من آمن بالله كان خائفاً من الله، والخائف من الله لا يؤذي بالباطل. ويُؤمِنُ للمؤمنينَ أي: يسلمُ للمؤمنين قولهم، إذا توافقُوا على قولٍ واحدٍ وهذا بيان كونه سليم القلب.
فإن قيل: لِمَ عدي الإيمان باللهِ بالباءِ، وإلى المؤمنين باللاَّم؟ .
فالجواب: أنَّ المراد بالإيمان بالله، المراد منه: التَّصديق الذي هو نقيض الكفر فعدي بالباء والإيمان المعدَّى إلى المؤمنين، معناه: الاستماع منهم والتسليم لقولهم فعدي باللاَّم، كقوله:
﴿وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا﴾ [يوسف: 17] وقوله ﴿فَمَآ آمَنَ لموسى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ﴾ [يونس: 83] وقوله: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ واتبعك الأرذلون﴾ [الشعراء: 111] وقوله ﴿آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْءَاذَنَ لَكُمْ﴾ [طه: 71] .
وقال ابن قتيبة «هما زائدتان، والمعنى: يصدِّق الله، ويصدِّق المؤمنين» وهذا مردود؛ ويدلُّ على عدم الزيادةِ تغايرُ الحرف الزَّائد، فلو لم يُقصدْ معنًى مستقلٌ، لما غاير بين الحرفين.
وقال المبرد: هي متعلقةٌ بمصدرٍ مقدّر من الفعل، كأنَّه قال: وإيمانه للمؤمنين وقيل: يقال: آمنتُ لك، بمعنى: صدَّقتكَ، ومنه ﴿وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا﴾ [يوسف: 17] . قال شهابُ الدِّينِ وعندي أنَّ هذه اللاَّم في ضمنها «ما» ، والمعنى: ويصدِّق للمؤمنين بما يُخبرونه به وقال أبُو البقاءِ: واللاَّم في للمؤمنين زائدةٌ، دخلت لتفرِّق بين «يُؤمن بمعنى: يُصدِّق، وبين» يؤمن «بمعنى: يثبت الإيمان وقوله: ﴿وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ﴾ فهذا أيضاً يوجبُ الخير به؛ لأنَّه يجري منكم على الظَّاهرِ، ولا يبالغ في التفتيش على بواطنكم، ولا يهتكُ أستاركم، فدلَّت هذه الأوصاف الثلاثة على وجوب كونه» أذُن خَيْرٍ «وقرأ الجمهورُ» ورَحْمَةٌ «رفعاً نسقاً على» أذُنُ «أي: وهو رحمة للذين آمنوا. وقال بعضهم: هو عطفٌ على» يُؤمن «، لأنَّ» يُؤمن «في محل رفع صفة ل:» أذُن» ، تقديره: أذُن يؤمن ورحمة. وقرأ حمزة والأعمش» ورحمةٍ «بالجر نسقاً على» خيرٍ «المخفوض بإضافة» أذُنُ «إليه، والجملةُ على هذه القراءة معترضةٌ بين المتعاطفين، تقديره: أذُنُ خيرٍ ورحمةٍ. وقرأ ابنُ أبي عبلةٍ:» ورَحْمَةٌ» نصباً على أنَّه مفعول من أجله، والمعلل محذوف، أي: يأذن لكم رحمةً بكم، فحذف لدلالة قوله: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ﴾ .
فإن قيل: كل رحمة خير، فأي فائدة في ذكر الرحمة عقيب ذِكْر الخير؟
[فالجواب: إنَّ أشرف أقسام الخير هو الرحمة، فجاز ذكر الرحمة عقيب ذكر الخير] كقوله: ﴿وملاائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: 98] . ولمَّا بيَّن كونه سبباً للخير والرحمة، بيَّن أنَّ كلَّ من آذاه استوجب العذاب الأليم لأنَّه يسعى في إيصال الخير والرحمة إليهم وهو يقابلون إحسانه بالإساءة، وخيره بالشَّر؛ فلذلك استوجبوا العذاب الأليم.
قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بالله لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾ الآية.
وهذا نوع آخر من قبائح أفعال المنافقين، وهو إقدامهم على الأيمان الكاذبة، قال قتادةُ والسديُّ: اجتمع ناس من المنافقين، فيهم الجلاس بنُ سويدٍ، ووديعة بنُ ثابت فوقعوا في النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقالوا: إن كان ما يقول محمد حقاً فنحن شرٌّ من الحمير، وكان عندهم غلام من الأنصار، يقال له: عامر بن قيس، فحقَّروه، وقالوا هذه المقالة، فغضب الغلامُ وقال: والله إنَّ ما يقول محمد حق، وأنتم شرٌّ من الحمير ثم أتَى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فأخبره فدعاهم، فسألهم؛ فحلفوا أنَّ عامراً كذَّاب وحلف عامر أنهم كذبة، فصدقهم النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فجعل عامرٍ يدعو ويقول اللَّهُمَّ صدق الصَّادق وكذب الكاذب، فأنزل اللهُ هذه الآية.
وقال مقاتلٌ والكلبيُّ: نزلت في رهطٍ من المنافقين، تخلَّفُوا عن غزوة تبوك فلمَّا رجع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أتوهُ يعتذرون ويحلفون، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
قوله: ﴿والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ .
إنَّما أفرد الضمير، وإن كان الأصلُ في العطف ب «الواو» المطابقة، لوجوهٍ:
أحدها: أنَّ رضا الله ورسوله شيءٌ واحد، ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: 80] ، ﴿إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله﴾ [الفتح: 10] ؛ فلذلك جعل الضميرين ضميراً واحداً، تنبيهاً على ذلك.
الثاني: أنَّ الضمير عائدٌ على المثنى بلفظِ الواحد بتأويل المذكور؛ كقول رؤبة: [الرجز]
2805 - فِيهَا خُطُوطٌ من سوادِ وبلق ... كأنَّهُ في الجِلْدِ توليعُ البَهَقْ
أي: كأن ذلك المذكور، وقد تقدم بيان هذا في أوائل البقرةِ. الثالث: قال المبرد: في الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ، تقديره: واللهُ أحقُّ أن يرضوه ورسوله وهذا على رأي من يدَّعي الحذف من الثاني.
الرابع - وهو مذهب سيبويه -: أنَّه حذف خبر الأوَّل، وأبقى خبر الثَّاني، وهو أحسنُ من عكسه، وهو قول المبرِّدِ؛ لأن فيه عدم الفصل بين المبتدأ أو خبره بالإخبار بالشيء عن الأقرب إليه؛ وأيضاً فهو متعين في قول الشَّاعر: [المنسرح]
2806 - نَحْنُ بِمَا عندنَا وأنتَ بِما ... عِندكَ رَاضٍ والرَّأيُ مُختَلِفُ
أي: نحن راضون، حذف «راضُون» ، لدلالةِ خبر الثاني عليه.
قال ابنُ عطية: «مذهبُ سيبويه أنَّهُما جملتان، حذفت الأولى، لدلالة الثانية عليها» .
قال أبُو حيان: «إن كان الضمير في» أنَّهُمَا «عائداً على كلِّ واحدةٍ من الجملتين، فكيف يقول» حُذفت الأولى «والأولى لم تحذف، إنما حذفَ خبرها؟ وإن كان عائداً على الخبر وهو ﴿أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ فلا يكونُ جملة إلاَّ باعتقاد أن يكون» أن يُرضُوهُ «مبتدأ وخبره» أحَقُّ «مقدماً عليه، ولا يتعيَّنُ هذا القول؛ إذْ يجوزُ أن يكون الخبرُ مفرداً بأن يكون التقدير: أحقُّ بأنْ تُرضُوه» .
قال شهابُ الدِّين: إنما أراد ابنُ عطية التقدير الأول، وهو المشهورُ عند المعربين يجعلون «أحقُّ» خبراً مقدَّماً، و «أن يُرْضوهُ» مبتدأ مؤخراً، والله ورسوله إرضاؤه أحقُّ. وقتد تقدم تحرير هذا في قوله: ﴿فالله أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ﴾ [التوبة: 13] . قوله ﴿إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ شرطٌ جوابه محذوف أو متقدم.
فصل
قال القرطبيُّ «تضمَّنتْ هذه الآية قبول يمين الحالف، وإن لم يلزم المحلوف له الرضا، واليمين حق للمدَّعي، وأن يكون اليمينُ بالله عزَّ وجلَّ حسبُ. وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ حَلفَ فليَحْلفْ باللهِ أو ليَصْمتْ، ومَنْ حُلفَ لَهُ فليُصدِّق» .
قوله: ﴿أَلَمْ يعلموا أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ الله وَرَسُولَهُ﴾ الآية.
والمقصود من هذه الآية: شرح أحوال المنافقين الذين تخلَّفوا عن غزوة تبوك.
قرأ الجمهور «يَعْلمُوا» بياء الغيبة، رَدّاً على المنافقين، وقرأ الحسنُ، والأعرجُ «تَعْلَمُوا» بتاء الخطاب، فقيل: هو التفاتٌ من الغيبة إلى الخطابِ إن كان المرادُ المنافقين.
وقيل: الخطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأتى بصيغةِ الجمع تعظيماً؛ كقوله: [الطويل]
2807 - فإنْ شِئْتُ حرَّمْتُ النِّساءَ سِواكُمُ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
وقيل: الخطابُ للمؤمنين. وبهذه التقادير الثلاثة يختلف معنى الاستفهام، فعلى الأول يكون الاستفهام للتقريع والتوبيخ، كقول الإنسان لمن حاول تعليمه مدة وبالغ في التعليم فلم يتعلم، يقال له ألمْ تتعلَّم؟ وإنما حسن ذلك؛ لأنَّهُ طال مكث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ معهم، وكثر تحذيره من معصية الله، والترغيب في طاعة الله.
وعلى الثاني يكون للتعجب من حالهم، وعلى الثالث يكون للتقرير. والعلم هنا: يحتمل أن يكون على بابه، فتسدَّ «أن» مسدَّ مفعولين عند سيبويه، ومسدَّ أحدهما والآخرُ محذوفٌ عند الأخفش.
وأن يكون بمعنى العرفان، فتسدَّ «أنَّ» مسدَّ مفعوله. و «مَنْ» شرطيَّة، و «فأنَّ لهُ نار» جوابها. وفتحت «أنَّ» بعد الفاءِ، لما تقدَّم في الأنعام. والجملةُ الشرطيةُ في محلِّ رفعِ خبر «أنَّ» الأولى وهذا تخريجٌ واضحٌ. وقد عدل عن هذا التخريج جماعة إلى وجوهٍ أخر، فقال الزمخشريُّ «ويجوزُ أن يكون» فأنَّ لَهُ «معطوفاً» أنَّه «على أنَّ جواب» مَنْ «محذوفٌ، تقديره: ألم يعلموا أنَّه من يُحادد الله ورسوله يهلكْ، فأنَّ لهُ نَار جَهَنَّمَ» وقال الجرمي والمبرد: «أنَّ» الثانية مكررةٌ للتَّوكيد، كأن التقدير: فلهُ نارُ جهنم، وكُرِّرت «أنَّ» توكيداً، وشبَّهه أبو البقاء بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ السواء﴾ [النحل: 119] ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا﴾ [النحل: 119] ، قال: والفاءُ على هذا جوابُ الشرط. وردَّ أبو حيان على الزمخشري قوله: بأنَّهم نصُّوا على أنَّه إذا حذف جوابُ الشَّرطِ، لزمَ أن يكون فعلُ الشرط ماضياً، أو مضارعاً مقروناً ب «لَمْ» ، والجوابُ على قوله محذوفٌ وفعل الشَّرطِ مضارعٌ غير مقترنٍ ب «لَمْ» وأيضاً فإنَّا نجدث الكلامَ تامّاً بدون هذا الذي قدَّره.
ونُقل عن سيبويه أنَّه قال: الثانيةُ بدلٌ من الأولى. وهذا لا يصحُّ عن سيبويه، فإنَّه ضعيفٌ، أو ممتنع، وقد ضعفه أبو البقاءِ بوجهين:
أحدهما: أنَّ الفاء تمانعُ من ذلك والحكمُ بزيادتها ضعيفٌ.
والثاني: أنَّ جعلها بدلاً يوجب سقوط جواب «مَنْ» من الكلام. وقال ابنُ عطية «وهذا يُعترضُ بأنَّ الشَّيء لا يبدل منه حتى يستوفى، والأولى في هذا الموضع لم يأتِ خبرها بعد، إذ لم يأتِ جوابُ الشَّرط، وتلك الجملةُ هي الخبرُ، وأيضاً فإنَّ الفاء تُمانعُ البدل، فهي معنى آخر غير ابلدل فيقلقُ البدل» .
وقال بعضهم: فتحت على تقدير اللام، أي: فلأنَّ لهُ نار جهنم. وهذه كلُّها تكلُّفاتٌ، لا يحتاج إليها.
فالأولى ما تقدم ذكره، وهو أن يكون «أنَّ لهُ نارَ جهنَّمَ» في محل رفع بالابتداء والخبر محذوفٌ، وينبغي أن يقدِّرَهُ متقدماً عليها، كما فعل الزمخشريُّ، وغيرُه، أي: فحقٌّ أنَّ لهُ نار جهنَّم. وقدَّرهُ غيره متأخراً، أي: فأنَّ له نار جهنَّمَ واجبٌ، كذا قدَّره الأخفش وردُّوه عليه بأنَّها لا يبتدأ بها.
وهذا لا يلزمه، فإنَّه يجيز الابتداء ب «أنَّ» المفتوحةِ من غير تقديم خبره. وغيره لا يجيز الابتداء بها إلاَّ بشرطِ تقدُّم «أمَّا» ، نحو: أمَّا أنك ذاهبٌ فعندي، أو بشرط تقدُّم الخبر، نحو: عندي أنَّك منطلق. وقيل: «فأنَّ لهُ» خبرُ مبتدأ محذوفٍ أي: فالواجبُ أنَّ لهُ، وهذه الجملةُ التي بعد الفاء مع الفاءِ في محلِّ جزم، جواباً للشَّرط. وقرأ أبو عمرو فيما رواه أبو عبيدة، والحسن، وابن أبي عبلة: «فإنَّ» بالكسر وهي قراءةٌ حسنةٌ قوية، تقدَّم أنَّهُ قرأ بها بعضُ السبعة في الأنعام، وتقدَّم هناك توجيهها.
والمحادّة: المخالفةُ، والمعاندةُ، ومجاوزةُ الحدِّ، والمعاداة. قيل: مشتقةٌ من الحد وهو حدُّ السِّلاح الذي يحاربُ به من الحديد. وقيل: من الحد الذي هو الجهةُ كأنه في حدِّ غير حدِّ صاحبه كقولهم: شاقَّه، أي: كان في شقٍّ غير شقِّ صاحبه وعاداه، أي: كان في عدوة غير عدوته. قال ابن عباس: معناه: يخالف الله وقيل: يحارب الله، وقيل: يعاند الله، وقيل: يعادي الله.
واختار بعضهم قراءة الكسر، بأنَّها لا تحوج إلى إضمار، ولم يُرْوَ قوله: [الوافر]
2808 - فَمَنْ يَكُ سَائِلاً عَنِّي فإنِّي ... وجِرْوةَ لا تُعارُ ولا تُبَاعْ إلاَّ بالكسرِ.
وهذا غيرُ لازمٍ، فإنَّه جاء على أحد الجائزين، و «خَالِداً» نصبٌ على الحال.
قال الزجاج: «ويجوز كسر» أنّ «على الاستئناف بعد الفاءِ» . وجهنم: من أسماء النار وحكى أهل اللغة عن العربِ: أنَّ البئر البعيدة القعر تسمى الجهنام، فيجوزُ أن تكون مأخوذة من هذا اللفظ، ومعنى بعد قعرها أنَّه لا آخر لعذابها، وتقدم معنى الخلود، والخزي: قد يكون بمعنى النَّدم، وبمعنى الاستحياء، والمراد به ههنا: النَّدم، لقوله: ﴿وَأَسَرُّواْ الندامة لَمَّا رَأَوُاْ العذاب﴾ [يونس: 54] .
قوله تعالى: ﴿يَحْذَرُ المنافقون﴾ الآية.
قال قتادة «هذه السُّورة كانت تُسمَّى الفاضحة، والحافرة، والمبعثرة، والمثيرة، أثارت مخازيهم ومثالبهم» قال ابن عباسٍ: «أنزل اللهُ تعالى ذكر سبعين رجلاً من المنافقين بأسمائهم، وأسماء آبائهم، ثم نسخ ذكر الأسماء رحمة على المؤمنين، لئلاَّ يُعيّر بعضهم بعضاً؛ لأن أولادهم كانوا مؤمنين» .
وقال الجبائيُّ:
«اجتمع اثنا عشر رجلاً من المنافقين على النِّفاقِ، وأخبر جبريل الرسول بأسمائهم، فقال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ:» إنَّ أناساً اجتمعُوا على كَيْت وكَيْت، فليقُومُوا وليعتَرِفُوا وليسْتغفِرُوا ربَّهم حتَّى أشفع لهُمْ «فلم يقوموا، فقال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ بعد ذلك» قُمْ يا فلانُ ويا فلانُ «حتى أتى عليهم ثم قالوا: نعترف ونستغفر فقال:» الآن أنَا كُنْتُ في أوَّل الأمْرِ أطيب نَفْساً بالشَّفَاعةِ، والله كانَ أسْرعَ في الإجابةِ، اخرُجُوا عنِّي «فلم يزلْ يقول حتى خرجوا بالكليَّةِ.»
وقال الأصمُّ: إنَّ «عند رجوع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من تبوك وقف له على العقبة اثنا عشر رجلاً ليفتكوا به؛ فأخبره جبريل، وكانوا متلثمين في ليلة مظلمة، وأمره أن يرسل إليهم من يضرب وجوه رواحلهم، فأمر حذيفة بذلك فضربها حتى نحاهم ثم قال:» مَنْ عرفت من القوْمِ» ؟ فقال: لم أعرف منهم أحداً، فذكر النبيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ أسماءهم وعدهم له، وقال: «إنَّ جبريل أخبرني بذلك» فقال حذيفة: ألا تَبْعَثُ إليه فتقتلهم، فقال: «أكره أن تقول العرب قاتل أصحابه حتَّى إذا ظفر صار يقتلهم، بل يَكْفِينَاهُمُ اللهُ بالدبيلة» .
فإن قيل: الكافرُ منافق، فكيف يحذرُ نزول الوحي على الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -؟ فالجوابُ، من وجوه:
أحدها: قال أبُو مسلم: «هذا حذر أظهرهُ المنافقون استهزاء حين رأوا الرَّسُول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - يذكر كلَّ شيء ويدعي أنَّهُ عن الوحي، وكان المنافقُون يكذبون بذلك فيما بينهم، فأخبر الله رسوله بذلك، وأمره أن يعلمهم أنَّه يظهر سرهم الذي حذروا ظهره، ويدلُّ على ذلك قوله: استَهْزئُوا» .
وثانيها: أنَّ القوم وإن كانوا كافرين بدين الرسول إلا أنَّهم شاهدوا أنَّ الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - كان يخبرهم بما يفسرونه، فلهذه التجربة وقع الحذر والخوف في قلوبهم.
وثالثها: قال الأصمُّ: إنَّهم كانوا يعرفونه كونه رسولاً حقاً من عند الله، إلاَّ أنَّ كفرهم كان حسداً وعناداً.
ورابعها: معنى الحذر الأمر بالحذر، أي: ليحذر المنافقون ذلك.
وخامسها: أنَّهم كانُوا شاكين في صحَّة نبوته، والشَّاك خائف، فلهذا خافوا أن ينزل عليه في أمرهم ما يفضحهم.
قوله: «أَن تُنَزَّلَ» مفعولٌ به، ناصبه «يَحْذَرُ» ، فإنَّ» يَحْذَرُ «متعدٍّ بنفسه كقوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرْكُمُ الله نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: 28] ، لولا أنه متعدِّ في الأصل لواحدٍ، لما اكتسب بالتضعيف مفعولاً ثانياً؛ ويدلُّ عليه أيضاً ما أنشده سيبويه: [الكامل]
2809 - حَذِرٌ أمُوراً لا تَضِيرُ وآمِنٌ ... مَا لَيْسَ مُنْجِيَهُ مِنَ الأقْدَارِ
وفي البيت كلامٌ، قيل: إنه مصنوع. وقال المبردُ: إنَّ» حَذِر «لا يتعدَّى، قال: لأنَّهُ من هيئات النفس، ك» فَزع» . وهذا غير لازم. فإنَّ لنا من هيئات النفس ما هو متعدٍّ ك: «خاف» ، وخشي، فإنَّ» تُنَزَّل «عند المبرد على إسقاط الخافض أي: مِنْ أن تُنَزَّل.
وقوله:» تُنَبِّئُهُمْ» في موضع الرفع صفةً ل «سورة» .
قال الزمخشريُّ «الضميرُ في قوله» عليهم «و» تنبّئهم» للمؤمنين، و «في قُلُوبهمْ» للمنافقين، ويجوزُ أيضاً أن تكون الضمائرُ كلها للمنافقين؛ لأنَّ السُّورة إذا نزلت في معناهم فهي نازلة عليهم، ومعنى» تُنبِّئُهم بما في قلوبهم «أنَّ السورة كأنَّها تقول لهم في قلوبكم كيت وكيت، يعني أنَّها تذيع أسرارهم إذاعة ظاهرة فكأنَّها تخبرهم بها» .
ثم قال: ﴿قُلِ استهزءوا﴾ هذا أمر تهديد، ﴿إِنَّ الله مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ﴾ .
قوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ الآية.
قال الكلبي، ومقاتل، وقتادةُ: «إنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان يسير في غزوة تبوك وبين يديه ثلاثة نفر من المنافقين، اثنان يستهزئان بالقرآن والرسول، والآخر يضحك.
قيل: كانوا يقولون: إنَّ محمداً يزعم أنه يغلب الروم، ويفتح مدائنهم، هيهات هيهات ما أبعده عن ذلك.
وقيل: كانوا يقولون: إنَّ محمداً يزعمُ أنَّهُ نزل في أصحابنا المقيمين بالمدينة قرآن، وإنما هو قوله وكلامه، فأطع اللهُ نبيهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على ذلك فقال:» احبسُوا الرَّكبَ عليَّ» فدعاهُم وقال لهُم: «قُلْتُم كذا وكذا» فقالوا: إنَّما كُنَّا نتحدثُ ونخوض في الكلامِ، كما يفعلُ الرَّكبُ لقطع الطريق بالحديث واللعب.»
قال ابن عمر: «رأيتُ عبد الله بن أبيّ يشتد قدام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والحجارة تنكيه، وهو يقولُ:» إنَّما كُنَّا نخوضُ ونلعبُ» . ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول «أباللهِ وآياتهِ ورسولهِ كُنتُم تَسْتهزِئُونَ» . ولا يلتفتُ إليه.»
وقال أبُو مسلم: قوله: ﴿يَحْذَرُ المنافقون أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم﴾ التوبة: 64 إنَّ القوم أظهروا هذا الخبر استهزاء، فبيَّن تعالى في هذه الآية أنَّهُ إذا قيل لهم: لِمَ فعلتُم ذلك؟ قالوا: لم نقل ذلك إلاَّ لأجل أنا كنا نخوض ونلعب.
فصل في بيان أصل الخوض
قال الواحديُّ: أصل الخوض الدخول في مائع مثل الماء والطين، ثم كثر حتى صار اسماً لكل دخول فيه تلويث وأذى، والمعنى: إنَّما كُنَّا نخوضُ في الباطل من الكلام كما يخوض الركب لقطع الطريق، فأجابهم الرسولُ بقوله: «أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون» .
قوله: « ... أباللهِ ... » متعلقٌ بقوله: «تَستهْزئُونَ» . و «تَسْتهْزِئُونَ» خبرُ «كان» وفيه دليلٌ على تقديم خبر «كان» عليها؛ لأنَّ تقديم المعمول يؤذن بتقديم العامل، وقد تقدَّم معمول الخبر على «كان» فليَجُزْ تقديمه بطريق الأولى.
وفيه بحث، وذلك أنَّ ابن مالك قدح في هذا الدَّليل، بقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا اليتيم فَلاَ تَقْهَرْ وَأَمَّا السآئل فَلاَ تَنْهَرْ﴾ [الضحى: 9، 10] قال: ف «اليتيم» ، والسائل قد تقدما على «لا» الناهية، والعاملُ فيهما ما بعدهما ولا يجوز تقديم ما بعد «لا» الناهية عليها، لكونه مجزوماً بها، فقد تقدَّم المعمولُ، حيث لا يتقدَّم للعامل ذكر، ذكر ذلك عند استدلالهم على جواز تقديم خبر «ليس» بقوله ﴿أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ﴾ [هود: 8] .
فصل
فرق بين قولك: أتستهزىء بالله، وبين قولك: أبالله تستهزىء، فالأوَّلُ يقتضي الإنكار على عمل الاستهزاء، والثاني يقتضي الإنكار على إيقاع الاستهزاء في الله، كأنه يقول: هَبْ أنك تقدم على الاستهزاء إلا أنه كيف أقدمت على إيقاع الاستهزاء في الله كقوله تعالى: ﴿لاَ فِيهَا غَوْلٌ﴾ [الصافات: 47] والمقصود: ليس نفي الغول، بل نفي أن يكون خمر الجنَّة محلاًّ للغول. ومعنى الاستهزاء بالله: هو الاستهزاء بتكاليفِ الله، والاستهزاء بذكر الله، فإنَّ أسماء الله قد يستهزىء بها الكافرُ، كما أنَّ المؤمن يعظمها. والمرادُ بالاستهزء ب «آيَاتِهِ» هو القرآن، وسائر ما يدلُّ على الدين، والرسول معلوم.
قوله: ﴿لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ﴾ .
نقل الواحديُّ عن أهل اللغة في لفظ الاعتذار قولين، الأول: أنَّه عبارة عن محو أثر الذنب، وأصله من: تعذرت المنازل، أي: دَرَسَتْ، وامَّحت آثارها؛ قال ابن أحمر: [البسيط]
2810 - قَدْ كُنتَ تَعْرفُ آياتٍ فقدْ جَعَلتْ ... أطْلالُ إلفِكَ بالوَعْسَاءِ تَعْتَذِرُ
فالمعتذر يزاولُ محو ذَنْبِهِ.
والثاني: قال ابنُ الأعرابي: أصله من العذر، وهو القطع، ومنه العُذْرة؛ لأنَّها تقطع بالافتراغ.
ويقولون: اعتذرت المياه، أي: انقطعت، فكأنَّ المعتذر يحاولُ قطع الذمّ عنه. قوله: ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ يدلُّ على أنَّ الاستهزاء بالدِّين كيف كان كفراً؛ لأنه استخفاف بالدين، والعمدة في الإيمان تعظيم الله تعالى، ويدل على أنَّ القول الذي صدر منهم كان كفراً في الحقيقة.
فإن قيل: كيف قال ﴿كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ وهم لم يكونوا مؤمنين؟
فالجواب: قال الحسنُ: أظهرتم الكفر بعد ما أظهرتم الإيمان.
فصل
قال ابنُ العربي: «لا يخلو ما قالوا من أن يكون جداً، أو هزلاً، وهو كيفما كان كفراً فإنَّ القول بالكفر كفر بلا خلاف بين الأئمة، قال تعالى: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بالله أَنْ أَكُونَ مِنَ الجاهلين﴾ [البقرة: 67] .
فصل
اختلفوا في الهزل في سائر الأحكام كالبيع والنكاح والطلاق، قيل: يلزم وقيل: لا يلزم، وقيل: يفرق بين البيع وغيره. فيلزمُ في النكاح والطلاق، ولا يلزم في البيع وحكى ابنُ المنذر الإجماع في أن جدَّ الطلاق وهزله سواء. وروى أبو داود والترمذي والدارقطني عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «ثلاثٌ جِدُّهُنَّ جد وهزلهُنَّ جِدّ، النِّكاحُ والطلاقُ والرَّجْعَةُ»
قال الترمذيُّ «حديث حسن، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وغيرهم» .
قال القرطبي: «وفي الموطأ عن سعيد بن المسيِّب قال ثلاث ليس فيهن لعب النكاح والطلاق والعتق» .
قوله: « ... إن نَعْفُ» قرأ عاصم «نَعْفُ» بنون العظمة، «نعذِّب» كذلك، «طَائفَة» نصباً على المفعول به، وهي قراءة أبي عبد الرحمن السُّلمي، وزيد بن علي. وقرأ الباقون «يُعْفَ» في الموضعين بالياء من تحت مبنياً للمفعول، ورفع «طَائفةٌ» ، على قيامها مقام الفاعل والقائمُ مقام الفاعل في الفعل الأوَّلِ الجارُّ بعده. وقرأ الجحدريُّ «إن يَعْفُ» بالياء من تحت فيهما، مبنياً للفاعل، وهو ضميرُ الله تعالى، ونصب «طائفة» على المفعول به. وقرأ مجاهدٌ «تُعْف» بالتاء من فوق فيهما، مبنياً للمفعول، ورفع «طائفة» ، لقيامها مقام الفاعل. وفي القائم مقام الفاعل في الفعل الأوَّل وجهان:
أحدهما: أنَّهُ ضمير الذنوب، أي: إن تُعْفَ هذه الذنوب.
والثاني: أنَّه الجارُّ، وإنَّما أنِّث الفعل حملاً على المعنى.
قال الزمخشريُّ «الوجه التذكير؛ لأنَّ المسند إليه الظرفُ، كما تقول: سِيرَ بالدَّابة، ولا تقول: سِيرت بالدَّابة، ولكنه ذهب إلى المعنى، كأنه قيل: إن تُرْحَمْ طائفة فأنَّث لذلك، وهو غريبٌ» .
فصل
قال مجاهدٌ: وابن إسحاق: الذي عُفِيَ عنه رجل واحد، وهو مخاشن بنُ حمير الأشجعي، يقال هو الذي كان يضحكُ ولا يخوض، وكان يمشي مجانباً لهم، وينكر بعض ما يسمع فلمَّا نزلت هذه الآية تاب من نفاقه، وقال: اللَّهُمَّ إني لا أزال أسمعُ آية تَقْرَعُني بها تقشعر الجلودُ، وتجب منها القلوبُ، اللهم اجعل وفاتي قتلاً في سبيلك، لا يقولُ أحدٌ: أنا غسلت، أنا كفنت، أنا دفنت، فأصيب يوم اليمامة ولم يعرف أحد من المسلمين مصرعه.
فصل
ثبت بالروايات أنَّ الطائفتين كانوا ثلاثة؛ فوجب أن تكون إحدى الطَّائفتين إنساناً واحداً. قال الزجاجُ: والطَّائفة في اللغةِ أصلها الجماعة؛ لأنَّها المقدار الذي يمكنها أن تطيف بالشيء ثم يجوز أن يسمى الواحد بالطائفة، قال تعالى ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ المؤمنين﴾ [النور: 2] . وأقله الواحد، وروى الفراء بإسناده عن ابن عباس أنه قال: الطائفة الواحد فما فوقه، وقال تعالى: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا﴾ [الحجر: 9] .
قال ابن الأنباري: العرب توقع لفظ الجمع على الواحد، فتقولُ: خرج فلانٌ إلى مكَّة على الجمال، وقال تعالى: ﴿الذين قَالَ لَهُمُ الناس﴾ [آل عمران: 173] يعني: نعيم بن مسعود، ثم إنه تعالى علَّل تعذيبه لهم: ﴿بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾
التوبة 9:67
قوله تعالى: ﴿المنافقون والمنافقات بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ﴾ الآية.
لمَّا شرح أنواع قبائح أفعالهم، بيَّن أنَّ إناثهم كذكورهم في تلك الأعمال المنكرة.
قوله: ﴿بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ﴾ مبتدأ وخبر، أي: من جنس بعضن ف «من» هنا لبيان الجنس وقيل: للتبعيض، أي: إنَّهم إنما يتوالدون بعضهم من بعض على دينٍ واحدٍ، وقيل: أمرهم واحد بالاجتماع على النفاقِ، ثمَّ فصَّل هذا الكلام فقال: «يَأْمُرُونَ بالمنكر» . هذه الجملةُ لا محلَّ لها؛ لأنَّها مفسرةٌ لقوله: «بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ» ، وكذلك ما عطف على «يَأْمُرُون» ولفظ المنكر يدخلُ فيه كل قبيح، ولفظ المعروف يدخلُ فيه كل حسن، إلاَّ أنَّ الأعظم ههنا من المنكر يدخلُ فيه كل قبيح، ولفظ المعروف يدخلُ فيه كل حسن، إلاَّ أنَّ الأعظم ههنا من المنكر الشرك والمعصية، والمراد الأعظم ههنا من المعروف الإيمان بالرسول ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ أي: يمسكونها عن الصَّدقة، والإنفاق في سبيل الله. ﴿نَسُواْ الله فَنَسِيَهُمْ﴾ تركوا طاعة الله فتركهم من توفيقه وهدايته في الدُّنيا ومن رحمته في العقبى.
وإنَّما حملنا النِّسيان على التَّركِ، لأنَّ من نسي شيئاً لم يذكره، فجعل اسم الملزوم كناية عن اللاَّزم، ولأنَّ النسيان ليس في وسع البشر، وهو في حق الله تعالى محال فلا بد من التأويل، وهو ما ذكرنا من التَّرك؛ لأنَّهم تركوا أمر الله حتى صارُوا كالنسي المنسي، فجازاهم بأنَّ صيَّرهم كالشَّيء المنسيّ، كقوله: ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: 40] ثم قال: ﴿إِنَّ المنافقين هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أي: الكاملُونَ في الفِسْقِ.
قوله تعالى: ﴿وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ والمنافقات﴾ الآية.
قال القرطبيُّ وغيره: يقالُ: وعد الله بالخير وعْداً، ووعدَ بالشَّر وعيداً. وقيل: لا يقال من الشر إلاَّ «أوْعدته» و «توعدته» وهذه الآية رد عليه. لمَّا بيَّن في المنافقين والمنافقات أنه نسيهم، أي: جازاهم على تركهم التَّمسك بطاعةِ الله، أكَّد هذا الوعيد وضمَّ المنافقين إلى الكفار فيه، فقال: ﴿وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ﴾ الآية.
وقوله: «خالدين» حالٌ من المفعول الأول للوعد، وهي حالٌ مقدرةٌ؛ لأنَّ هذه الحال لم تقارن الوعد. وقوله: «هِيَ حَسْبُهُم» لا محلَّ لهذه الجملة الاستئنافية. والمعنى: أنَّ تلك العقوبة كافية لهم ولا شيء أبلغ منها، ولا يمكنُ الزيادة عليها.
ثم قال: ﴿وَلَعَنَهُمُ الله﴾ أبعدهم الله من رحمته، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ دائم.
فإن قيل: معنى المقيم والخالد واحد فيكون تكراراً.
فالجوابُ: من وجهين:
الأول: أنَّ لهم نوعاً آخر من العذاب المقيم الدائم سوى العذاب بالنَّار والخلود المذكور أولاً، ولا يدل على أنَّ العذاب بالنَّارِ دائم. وقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ يدلُّ على أنَّ لهم مع ذلك نوعاً آخر من العذابِ.
فإن قيل هذا مشكل؛ لأنه قال في النَّار المخلدة: «هِيَ حَسْبُهُم» وكونها حسباً يمنع من ضمّ شيء آخر إليه. فالجوابُ: أنَّها حسبهم في الإيلام، ومع ذلك يضم إليه نوع آخر زيادة في تعذيبهم.
والثاني: أنَّ المراد بقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ العذاب العاجل الذي لا ينفك عنهم وهو ما يُقاسُونَه من الخوف من اطلاع الرسول على بواطنهم، وما يحذرونه من أنواع الفضائح.
قوله: ﴿كالذين مِن قَبْلِكُمْ﴾ .
فيه أوجه:
أحدها: أنَّ هذه الكاف في محلِّ رفعٍ، تقديره: أنتم كالذين، فهي خبر مبتدأ محذوف.
الثاني: أنَّها في محلِّ نصب. قال الزجاجُ: المعنى: وعد كما وعد الذين من قبلكم فهو متعلقٌ ب «وَعَدَ» . قال ابن عطيَّة «وهذا قلقٌ» . وقال أبو البقاءِ: ويجُوز أن يكون متعلقاً ب ﴿تَسْتَهْزِءُونَ﴾ [التوبة: 65] . وفي هذا بعدٌ كبيرٌ.
وقوله: «كانُوا أشدَّ» تفسيرٌ لشبههم بهم، وتمثيل لفعلهم بفعلهم، وجعل الفراءُ محلَّها نصباً بإضمار فعلٍ، قال: «التَّشبيهُ من جهة الفعل، أي: فعلتم كما فعل الذين من قبلكم» فتكون الكافُ في موضع نصب. وقال أبو البقاءِ: «الكافُ في موضع نصب نعتاً لمصدر محذوف وفي الكلام حذف مضافٍ، تقديره: وعداً كوعد الذين» . وذكر الزمخشريُّ وجه الرفع المتقدم، والوجه الذي تقدم عن الفراء، وشبَّهه بقول النمر بن تولب: [الكامل]
2811 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... كاليَوْم مَطْلُوباً ولا طَلَبَا
بإضمار: «لَمْ أرَ» .
قوله: «كَمَا اسْتَمْتَعَ» الكافُ في محلِّ نصب، نعتاً لمصدر محذوف، أي: استمتاعاً كاستمتاع الذين.
قوله: ﴿كالذي خاضوا﴾ الكافُ كالَّتي قبلها. وفي «الَّذِي» وجوهٌ:
أحدها: أنَّ المعنى: وخضتم خوضاً كخوض الذين خاضوا، فحُذفت النُّونُ تخفيفاً، أو وقع المفردُ موقع الجمع وقد تقدَّم تحقيقه في أوائل البقرةِ، فحذف المصدرُ الموصوفُ، والمضافُ إلى الموصول وعائدُ الموصول تقديره: خاضوه، والأصل: خاضوا فيه؛ لأنَّهُ يتعدَّى ب «في» فاتَّسع فيه فحذف الجارُّ، فاتصل الضميرُ بالفعل، فساغ حذفه، ولولا هذا التَّريجَ لما ساغَ الحذف، لما تقدم أنَّهُ متى جُرَّ العائد بحرف اشترط في جواز حذفه جرُّ الموصول بمثل ذلك الحرف وأن يتحد التعلَّق مع شروط أخر تقدمت.
الثاني: أنَّ «الذي» صفةٌ لمفردٍ مُفهم للجمع، أي: وخضتم خَوَْضاً كخوض الفوج الذي خاضُوا، أو الفريق الذي خاضوا والكلامُ في العائد كما سبق قبل.
قال بعضُ المفسِّرين: «الَّذي» اسم ناقص مثل «ما، ومن» ، يعبَّر عن الواحد والجمع، كقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الذي استوقد نَاراً﴾ ثم قال ﴿ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: 17] .
الثالث: أن «الَّذي» من صفة المصدر، والتقدير: وخضتم خوضاً كالخوضِ الذي خاضوه وعلى هذا فالعائدُ منصوبٌ من غير واسطةِ حرفِ جر. وهذا الوجهُ ينبغي أن يكون هو الراجح، إذ لا محذور فيه.
والرابع: أنَّ «الذي» تقعُ مصدرية، والتقدير: وخضتم خوضاً. ومثله: [البسيط]
2812 - فَثَبَّتَ الهُ ما آتَاكَ مِنْ حسبٍ ... في المُرسلينَ ونَصْراً كالَّذِي نُصِرُوا
أي: كنَصْرهم. وقول الآخر: [البسيط]
2813 - يَا أمَّ عَمْرو جَزاكِ اللهُ مَغْفِرةً ... رُدِّي عليَّ فُؤادِي كالذي كَانَا
أي: ككون. وقد تقدَّم أنَّ هذا مذهب الفراء، ويونس، وقد تقدَّم تأويل البصريين لذلك قال الزمخشريُّ «فإن قلت: أيُّ فائدة في قوله: ﴿فاستمتعوا بِخَلاقِهِمْ﴾ ، وقوله ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ﴾ مغنٍ عنه، كما أغْنَى» كالَّذِي خَاضُوا «؟ قلت: فائدته أن يذُمَّ الأولين بالاستمتاع بما أوتوا من حظوظ الدُّنيا، ورضاهم بها عن النَّظرِ في العاقبة، وطلب الفلاح في الآخرة، وأن يُخَسِّس أمر الاستمتاع ويُهَجِّن أمر الراضي به، ثم شبَّه حال المخاطبين بحالهم، وأمَّا ﴿وَخُضْتُمْ كالذي خاضوا﴾ فمعطوفٌ على ما قبله ومسندٌ إليه، مُسْتَغْنٍ بإسناده إليه عن تلك المقدمة يعني: أنه استغنى عن أن يكون التَّركيبُ: وخاضُوا، فخضتم كالذي خاضوا» . وفي قوله ﴿كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ﴾ إيقاعٌ للظَّاهر موقع المضمر، لنُكتَةٍ، وهو أنَّه كان الأصلْ: فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتعوا بخلاقهم؛ فأبرزهم بصورةِ الظَّاهر تحقيراً لهم، كقوله: ﴿لاَ تَعْبُدِ الشيطان إِنَّ الشيطان كَانَ للرحمن عَصِيّاً﴾ [مريم: 44] ، وكقوله قبل ذلك: ﴿المنافقون والمنافقات بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ﴾ ، ثم قال: ﴿إِنَّ المنافقين هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة: 67] وهذا كما يدلُّ بإيقاع الظَّاهر موقع المضمر على التفخيم والتعظيم، يدُلُّ به على عكسه، وهو التَّحقير.
فصل
معنى الآية: إنَّكُم فعلتم كفعل الذين من قبلكم، بالعدولِ عن أمر الله والأمر بالمنكر، والنهي عن المعروف، وقبض الأيدي عن الخيرات، و ﴿كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً﴾ بَطْشاً ومنعَةً، ﴿وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً﴾ إنما استمتعوا مدة بالدُّنيا، باتباع الشَّهوات، ورضوا به عوضاً عن الآخرة، ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاَقِكُمْ﴾ ، والخلاق: النصيب وهو ما قدر للإنسان من خير. ﴿كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ﴾ وسلكتم سبيلهم «وخُضْتُم» في الباطلِ والكذب على الله وتكذيب رسله، والاستهزاء بالمؤمنين، «كالذي خاضوا» أي: كما خاضوا.
﴿أولئك حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدنيا والآخرة﴾ أي: بطلت حسناتهم في الدُّنيَا بسبب الموت والفقر والانتقال من العزِّ إلى الذُّل ومن القوة إلى الضَّعْفِ، وفي الآخرة؛ لأنَّهُم لا يثابون بل يعاقبون أشد العقاب. ﴿َأُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون﴾ حيثُ أتعبوا أنفسهم في الردِّ على الأنبياء، ولم يجدوا منه إلا فوات الخير في الدُّنيا والآخرة، فكما حبطت أعمالهم وخسروا حبطت أعمالكم وخسرتم.
روى أبو سعيد الخدري عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «لتتَّبِعُنَّ سُنَنَ من قبلكمُ شِبْراً بِشبرٍ، وذِرَاعاً بذرَاع، حتَّى إذا دخلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لاتَّبعْتُموهُمْ» قيل: يا رسول الله اليهود والنصارى قال: «فَمَنَّ؟» وفي رواية أبي هريرة: فهل النَّاسُ إلاَّ هُمْ؟ فلهذا قال في المنافقين «بَعْضُهم من بَعْضٍ» ، وقال في المؤمنين: «بَعْضُهمْ أولياءُ بَعْض» أي: في الدِّين واتفاق الكلمة، والعون، والنصرة، «يَأْمُرُونَ بالمَعْرُوفِ» بالإيمان والطَّاعة والخير، وقد تقدَّم الكلام على «يَأمُرونَ بالمَعْرُوفِ» .
«ويَنْهونَ عن المُنكَرِ» عن الشِّرك والمعصية، وما لا يعرف في الشَّرع «ويُقِيمُونَ الصَّلاة» المفروضة ﴿وَيُؤْتُونَ الزكاة وَيُطِيعُونَ الله وَرَسُولَهُ أولئك سَيَرْحَمُهُمُ الله﴾ فالسين للاستقبال، إذ المراد رحمةٌ خاصةٌ، وهي ما خبَّأه لهم في الآخرة. وادَّعَى الزمخشريُّ: أنَّها تُفيدُ وجوب الرحمةِ وتوكيد الوعدِ والوعيد، نحو: سأنتقم منك، يعني لا تفوتني وإن تباطأ ذلك، ونظيره ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرحمن وُدّاً﴾ [مريم: 96] ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ﴾ [الضحى: 5] ﴿سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ [النساء: 152] .
ثم قال: ﴿إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ وذلك يوجبُ المبالغة في التَّرغيب والتَّرهيب؛ لأنَّ العزيز هو الذي لا يمنعُ من مراده في عباده من رحمة أو عقوبة، والحكيمُ هو المدبر أمر عبادة على ما تقتضيه الحكمة.
التوبة 9:68
قوله تعالى: ﴿المنافقون والمنافقات بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ﴾ الآية.
لمَّا شرح أنواع قبائح أفعالهم، بيَّن أنَّ إناثهم كذكورهم في تلك الأعمال المنكرة.
قوله: ﴿بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ﴾ مبتدأ وخبر، أي: من جنس بعضن ف «من» هنا لبيان الجنس وقيل: للتبعيض، أي: إنَّهم إنما يتوالدون بعضهم من بعض على دينٍ واحدٍ، وقيل: أمرهم واحد بالاجتماع على النفاقِ، ثمَّ فصَّل هذا الكلام فقال: «يَأْمُرُونَ بالمنكر» . هذه الجملةُ لا محلَّ لها؛ لأنَّها مفسرةٌ لقوله: «بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ» ، وكذلك ما عطف على «يَأْمُرُون» ولفظ المنكر يدخلُ فيه كل قبيح، ولفظ المعروف يدخلُ فيه كل حسن، إلاَّ أنَّ الأعظم ههنا من المنكر يدخلُ فيه كل قبيح، ولفظ المعروف يدخلُ فيه كل حسن، إلاَّ أنَّ الأعظم ههنا من المنكر الشرك والمعصية، والمراد الأعظم ههنا من المعروف الإيمان بالرسول ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ أي: يمسكونها عن الصَّدقة، والإنفاق في سبيل الله. ﴿نَسُواْ الله فَنَسِيَهُمْ﴾ تركوا طاعة الله فتركهم من توفيقه وهدايته في الدُّنيا ومن رحمته في العقبى.
وإنَّما حملنا النِّسيان على التَّركِ، لأنَّ من نسي شيئاً لم يذكره، فجعل اسم الملزوم كناية عن اللاَّزم، ولأنَّ النسيان ليس في وسع البشر، وهو في حق الله تعالى محال فلا بد من التأويل، وهو ما ذكرنا من التَّرك؛ لأنَّهم تركوا أمر الله حتى صارُوا كالنسي المنسي، فجازاهم بأنَّ صيَّرهم كالشَّيء المنسيّ، كقوله: ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: 40] ثم قال: ﴿إِنَّ المنافقين هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أي: الكاملُونَ في الفِسْقِ.
قوله تعالى: ﴿وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ والمنافقات﴾ الآية.
قال القرطبيُّ وغيره: يقالُ: وعد الله بالخير وعْداً، ووعدَ بالشَّر وعيداً. وقيل: لا يقال من الشر إلاَّ «أوْعدته» و «توعدته» وهذه الآية رد عليه. لمَّا بيَّن في المنافقين والمنافقات أنه نسيهم، أي: جازاهم على تركهم التَّمسك بطاعةِ الله، أكَّد هذا الوعيد وضمَّ المنافقين إلى الكفار فيه، فقال: ﴿وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ﴾ الآية.
وقوله: «خالدين» حالٌ من المفعول الأول للوعد، وهي حالٌ مقدرةٌ؛ لأنَّ هذه الحال لم تقارن الوعد. وقوله: «هِيَ حَسْبُهُم» لا محلَّ لهذه الجملة الاستئنافية. والمعنى: أنَّ تلك العقوبة كافية لهم ولا شيء أبلغ منها، ولا يمكنُ الزيادة عليها.
ثم قال: ﴿وَلَعَنَهُمُ الله﴾ أبعدهم الله من رحمته، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ دائم.
فإن قيل: معنى المقيم والخالد واحد فيكون تكراراً.
فالجوابُ: من وجهين:
الأول: أنَّ لهم نوعاً آخر من العذاب المقيم الدائم سوى العذاب بالنَّار والخلود المذكور أولاً، ولا يدل على أنَّ العذاب بالنَّارِ دائم. وقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ يدلُّ على أنَّ لهم مع ذلك نوعاً آخر من العذابِ.
فإن قيل هذا مشكل؛ لأنه قال في النَّار المخلدة: «هِيَ حَسْبُهُم» وكونها حسباً يمنع من ضمّ شيء آخر إليه. فالجوابُ: أنَّها حسبهم في الإيلام، ومع ذلك يضم إليه نوع آخر زيادة في تعذيبهم.
والثاني: أنَّ المراد بقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ العذاب العاجل الذي لا ينفك عنهم وهو ما يُقاسُونَه من الخوف من اطلاع الرسول على بواطنهم، وما يحذرونه من أنواع الفضائح.
قوله: ﴿كالذين مِن قَبْلِكُمْ﴾ .
فيه أوجه:
أحدها: أنَّ هذه الكاف في محلِّ رفعٍ، تقديره: أنتم كالذين، فهي خبر مبتدأ محذوف.
الثاني: أنَّها في محلِّ نصب. قال الزجاجُ: المعنى: وعد كما وعد الذين من قبلكم فهو متعلقٌ ب «وَعَدَ» . قال ابن عطيَّة «وهذا قلقٌ» . وقال أبو البقاءِ: ويجُوز أن يكون متعلقاً ب ﴿تَسْتَهْزِءُونَ﴾ [التوبة: 65] . وفي هذا بعدٌ كبيرٌ.
وقوله: «كانُوا أشدَّ» تفسيرٌ لشبههم بهم، وتمثيل لفعلهم بفعلهم، وجعل الفراءُ محلَّها نصباً بإضمار فعلٍ، قال: «التَّشبيهُ من جهة الفعل، أي: فعلتم كما فعل الذين من قبلكم» فتكون الكافُ في موضع نصب. وقال أبو البقاءِ: «الكافُ في موضع نصب نعتاً لمصدر محذوف وفي الكلام حذف مضافٍ، تقديره: وعداً كوعد الذين» . وذكر الزمخشريُّ وجه الرفع المتقدم، والوجه الذي تقدم عن الفراء، وشبَّهه بقول النمر بن تولب: [الكامل]
2811 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... كاليَوْم مَطْلُوباً ولا طَلَبَا
بإضمار: «لَمْ أرَ» .
قوله: «كَمَا اسْتَمْتَعَ» الكافُ في محلِّ نصب، نعتاً لمصدر محذوف، أي: استمتاعاً كاستمتاع الذين.
قوله: ﴿كالذي خاضوا﴾ الكافُ كالَّتي قبلها. وفي «الَّذِي» وجوهٌ:
أحدها: أنَّ المعنى: وخضتم خوضاً كخوض الذين خاضوا، فحُذفت النُّونُ تخفيفاً، أو وقع المفردُ موقع الجمع وقد تقدَّم تحقيقه في أوائل البقرةِ، فحذف المصدرُ الموصوفُ، والمضافُ إلى الموصول وعائدُ الموصول تقديره: خاضوه، والأصل: خاضوا فيه؛ لأنَّهُ يتعدَّى ب «في» فاتَّسع فيه فحذف الجارُّ، فاتصل الضميرُ بالفعل، فساغ حذفه، ولولا هذا التَّريجَ لما ساغَ الحذف، لما تقدم أنَّهُ متى جُرَّ العائد بحرف اشترط في جواز حذفه جرُّ الموصول بمثل ذلك الحرف وأن يتحد التعلَّق مع شروط أخر تقدمت.
الثاني: أنَّ «الذي» صفةٌ لمفردٍ مُفهم للجمع، أي: وخضتم خَوَْضاً كخوض الفوج الذي خاضُوا، أو الفريق الذي خاضوا والكلامُ في العائد كما سبق قبل.
قال بعضُ المفسِّرين: «الَّذي» اسم ناقص مثل «ما، ومن» ، يعبَّر عن الواحد والجمع، كقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الذي استوقد نَاراً﴾ ثم قال ﴿ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: 17] .
الثالث: أن «الَّذي» من صفة المصدر، والتقدير: وخضتم خوضاً كالخوضِ الذي خاضوه وعلى هذا فالعائدُ منصوبٌ من غير واسطةِ حرفِ جر. وهذا الوجهُ ينبغي أن يكون هو الراجح، إذ لا محذور فيه.
والرابع: أنَّ «الذي» تقعُ مصدرية، والتقدير: وخضتم خوضاً. ومثله: [البسيط]
2812 - فَثَبَّتَ الهُ ما آتَاكَ مِنْ حسبٍ ... في المُرسلينَ ونَصْراً كالَّذِي نُصِرُوا
أي: كنَصْرهم. وقول الآخر: [البسيط]
2813 - يَا أمَّ عَمْرو جَزاكِ اللهُ مَغْفِرةً ... رُدِّي عليَّ فُؤادِي كالذي كَانَا
أي: ككون. وقد تقدَّم أنَّ هذا مذهب الفراء، ويونس، وقد تقدَّم تأويل البصريين لذلك قال الزمخشريُّ «فإن قلت: أيُّ فائدة في قوله: ﴿فاستمتعوا بِخَلاقِهِمْ﴾ ، وقوله ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ﴾ مغنٍ عنه، كما أغْنَى» كالَّذِي خَاضُوا «؟ قلت: فائدته أن يذُمَّ الأولين بالاستمتاع بما أوتوا من حظوظ الدُّنيا، ورضاهم بها عن النَّظرِ في العاقبة، وطلب الفلاح في الآخرة، وأن يُخَسِّس أمر الاستمتاع ويُهَجِّن أمر الراضي به، ثم شبَّه حال المخاطبين بحالهم، وأمَّا ﴿وَخُضْتُمْ كالذي خاضوا﴾ فمعطوفٌ على ما قبله ومسندٌ إليه، مُسْتَغْنٍ بإسناده إليه عن تلك المقدمة يعني: أنه استغنى عن أن يكون التَّركيبُ: وخاضُوا، فخضتم كالذي خاضوا» . وفي قوله ﴿كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ﴾ إيقاعٌ للظَّاهر موقع المضمر، لنُكتَةٍ، وهو أنَّه كان الأصلْ: فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتعوا بخلاقهم؛ فأبرزهم بصورةِ الظَّاهر تحقيراً لهم، كقوله: ﴿لاَ تَعْبُدِ الشيطان إِنَّ الشيطان كَانَ للرحمن عَصِيّاً﴾ [مريم: 44] ، وكقوله قبل ذلك: ﴿المنافقون والمنافقات بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ﴾ ، ثم قال: ﴿إِنَّ المنافقين هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة: 67] وهذا كما يدلُّ بإيقاع الظَّاهر موقع المضمر على التفخيم والتعظيم، يدُلُّ به على عكسه، وهو التَّحقير.
فصل
معنى الآية: إنَّكُم فعلتم كفعل الذين من قبلكم، بالعدولِ عن أمر الله والأمر بالمنكر، والنهي عن المعروف، وقبض الأيدي عن الخيرات، و ﴿كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً﴾ بَطْشاً ومنعَةً، ﴿وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً﴾ إنما استمتعوا مدة بالدُّنيا، باتباع الشَّهوات، ورضوا به عوضاً عن الآخرة، ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاَقِكُمْ﴾ ، والخلاق: النصيب وهو ما قدر للإنسان من خير. ﴿كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ﴾ وسلكتم سبيلهم «وخُضْتُم» في الباطلِ والكذب على الله وتكذيب رسله، والاستهزاء بالمؤمنين، «كالذي خاضوا» أي: كما خاضوا.
﴿أولئك حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدنيا والآخرة﴾ أي: بطلت حسناتهم في الدُّنيَا بسبب الموت والفقر والانتقال من العزِّ إلى الذُّل ومن القوة إلى الضَّعْفِ، وفي الآخرة؛ لأنَّهُم لا يثابون بل يعاقبون أشد العقاب. ﴿َأُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون﴾ حيثُ أتعبوا أنفسهم في الردِّ على الأنبياء، ولم يجدوا منه إلا فوات الخير في الدُّنيا والآخرة، فكما حبطت أعمالهم وخسروا حبطت أعمالكم وخسرتم.
روى أبو سعيد الخدري عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «لتتَّبِعُنَّ سُنَنَ من قبلكمُ شِبْراً بِشبرٍ، وذِرَاعاً بذرَاع، حتَّى إذا دخلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لاتَّبعْتُموهُمْ» قيل: يا رسول الله اليهود والنصارى قال: «فَمَنَّ؟» وفي رواية أبي هريرة: فهل النَّاسُ إلاَّ هُمْ؟ فلهذا قال في المنافقين «بَعْضُهم من بَعْضٍ» ، وقال في المؤمنين: «بَعْضُهمْ أولياءُ بَعْض» أي: في الدِّين واتفاق الكلمة، والعون، والنصرة، «يَأْمُرُونَ بالمَعْرُوفِ» بالإيمان والطَّاعة والخير، وقد تقدَّم الكلام على «يَأمُرونَ بالمَعْرُوفِ» .
«ويَنْهونَ عن المُنكَرِ» عن الشِّرك والمعصية، وما لا يعرف في الشَّرع «ويُقِيمُونَ الصَّلاة» المفروضة ﴿وَيُؤْتُونَ الزكاة وَيُطِيعُونَ الله وَرَسُولَهُ أولئك سَيَرْحَمُهُمُ الله﴾ فالسين للاستقبال، إذ المراد رحمةٌ خاصةٌ، وهي ما خبَّأه لهم في الآخرة. وادَّعَى الزمخشريُّ: أنَّها تُفيدُ وجوب الرحمةِ وتوكيد الوعدِ والوعيد، نحو: سأنتقم منك، يعني لا تفوتني وإن تباطأ ذلك، ونظيره ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرحمن وُدّاً﴾ [مريم: 96] ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ﴾ [الضحى: 5] ﴿سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ [النساء: 152] .
ثم قال: ﴿إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ وذلك يوجبُ المبالغة في التَّرغيب والتَّرهيب؛ لأنَّ العزيز هو الذي لا يمنعُ من مراده في عباده من رحمة أو عقوبة، والحكيمُ هو المدبر أمر عبادة على ما تقتضيه الحكمة.
التوبة 9:69
قوله تعالى: ﴿المنافقون والمنافقات بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ﴾ الآية.
لمَّا شرح أنواع قبائح أفعالهم، بيَّن أنَّ إناثهم كذكورهم في تلك الأعمال المنكرة.
قوله: ﴿بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ﴾ مبتدأ وخبر، أي: من جنس بعضن ف «من» هنا لبيان الجنس وقيل: للتبعيض، أي: إنَّهم إنما يتوالدون بعضهم من بعض على دينٍ واحدٍ، وقيل: أمرهم واحد بالاجتماع على النفاقِ، ثمَّ فصَّل هذا الكلام فقال: «يَأْمُرُونَ بالمنكر» . هذه الجملةُ لا محلَّ لها؛ لأنَّها مفسرةٌ لقوله: «بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ» ، وكذلك ما عطف على «يَأْمُرُون» ولفظ المنكر يدخلُ فيه كل قبيح، ولفظ المعروف يدخلُ فيه كل حسن، إلاَّ أنَّ الأعظم ههنا من المنكر يدخلُ فيه كل قبيح، ولفظ المعروف يدخلُ فيه كل حسن، إلاَّ أنَّ الأعظم ههنا من المنكر الشرك والمعصية، والمراد الأعظم ههنا من المعروف الإيمان بالرسول ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ أي: يمسكونها عن الصَّدقة، والإنفاق في سبيل الله. ﴿نَسُواْ الله فَنَسِيَهُمْ﴾ تركوا طاعة الله فتركهم من توفيقه وهدايته في الدُّنيا ومن رحمته في العقبى.
وإنَّما حملنا النِّسيان على التَّركِ، لأنَّ من نسي شيئاً لم يذكره، فجعل اسم الملزوم كناية عن اللاَّزم، ولأنَّ النسيان ليس في وسع البشر، وهو في حق الله تعالى محال فلا بد من التأويل، وهو ما ذكرنا من التَّرك؛ لأنَّهم تركوا أمر الله حتى صارُوا كالنسي المنسي، فجازاهم بأنَّ صيَّرهم كالشَّيء المنسيّ، كقوله: ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: 40] ثم قال: ﴿إِنَّ المنافقين هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أي: الكاملُونَ في الفِسْقِ.
قوله تعالى: ﴿وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ والمنافقات﴾ الآية.
قال القرطبيُّ وغيره: يقالُ: وعد الله بالخير وعْداً، ووعدَ بالشَّر وعيداً. وقيل: لا يقال من الشر إلاَّ «أوْعدته» و «توعدته» وهذه الآية رد عليه. لمَّا بيَّن في المنافقين والمنافقات أنه نسيهم، أي: جازاهم على تركهم التَّمسك بطاعةِ الله، أكَّد هذا الوعيد وضمَّ المنافقين إلى الكفار فيه، فقال: ﴿وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ﴾ الآية.
وقوله: «خالدين» حالٌ من المفعول الأول للوعد، وهي حالٌ مقدرةٌ؛ لأنَّ هذه الحال لم تقارن الوعد. وقوله: «هِيَ حَسْبُهُم» لا محلَّ لهذه الجملة الاستئنافية. والمعنى: أنَّ تلك العقوبة كافية لهم ولا شيء أبلغ منها، ولا يمكنُ الزيادة عليها.
ثم قال: ﴿وَلَعَنَهُمُ الله﴾ أبعدهم الله من رحمته، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ دائم.
فإن قيل: معنى المقيم والخالد واحد فيكون تكراراً.
فالجوابُ: من وجهين:
الأول: أنَّ لهم نوعاً آخر من العذاب المقيم الدائم سوى العذاب بالنَّار والخلود المذكور أولاً، ولا يدل على أنَّ العذاب بالنَّارِ دائم. وقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ يدلُّ على أنَّ لهم مع ذلك نوعاً آخر من العذابِ.
فإن قيل هذا مشكل؛ لأنه قال في النَّار المخلدة: «هِيَ حَسْبُهُم» وكونها حسباً يمنع من ضمّ شيء آخر إليه. فالجوابُ: أنَّها حسبهم في الإيلام، ومع ذلك يضم إليه نوع آخر زيادة في تعذيبهم.
والثاني: أنَّ المراد بقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ العذاب العاجل الذي لا ينفك عنهم وهو ما يُقاسُونَه من الخوف من اطلاع الرسول على بواطنهم، وما يحذرونه من أنواع الفضائح.
قوله: ﴿كالذين مِن قَبْلِكُمْ﴾ .
فيه أوجه:
أحدها: أنَّ هذه الكاف في محلِّ رفعٍ، تقديره: أنتم كالذين، فهي خبر مبتدأ محذوف.
الثاني: أنَّها في محلِّ نصب. قال الزجاجُ: المعنى: وعد كما وعد الذين من قبلكم فهو متعلقٌ ب «وَعَدَ» . قال ابن عطيَّة «وهذا قلقٌ» . وقال أبو البقاءِ: ويجُوز أن يكون متعلقاً ب ﴿تَسْتَهْزِءُونَ﴾ [التوبة: 65] . وفي هذا بعدٌ كبيرٌ.
وقوله: «كانُوا أشدَّ» تفسيرٌ لشبههم بهم، وتمثيل لفعلهم بفعلهم، وجعل الفراءُ محلَّها نصباً بإضمار فعلٍ، قال: «التَّشبيهُ من جهة الفعل، أي: فعلتم كما فعل الذين من قبلكم» فتكون الكافُ في موضع نصب. وقال أبو البقاءِ: «الكافُ في موضع نصب نعتاً لمصدر محذوف وفي الكلام حذف مضافٍ، تقديره: وعداً كوعد الذين» . وذكر الزمخشريُّ وجه الرفع المتقدم، والوجه الذي تقدم عن الفراء، وشبَّهه بقول النمر بن تولب: [الكامل]
2811 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... كاليَوْم مَطْلُوباً ولا طَلَبَا
بإضمار: «لَمْ أرَ» .
قوله: «كَمَا اسْتَمْتَعَ» الكافُ في محلِّ نصب، نعتاً لمصدر محذوف، أي: استمتاعاً كاستمتاع الذين.
قوله: ﴿كالذي خاضوا﴾ الكافُ كالَّتي قبلها. وفي «الَّذِي» وجوهٌ:
أحدها: أنَّ المعنى: وخضتم خوضاً كخوض الذين خاضوا، فحُذفت النُّونُ تخفيفاً، أو وقع المفردُ موقع الجمع وقد تقدَّم تحقيقه في أوائل البقرةِ، فحذف المصدرُ الموصوفُ، والمضافُ إلى الموصول وعائدُ الموصول تقديره: خاضوه، والأصل: خاضوا فيه؛ لأنَّهُ يتعدَّى ب «في» فاتَّسع فيه فحذف الجارُّ، فاتصل الضميرُ بالفعل، فساغ حذفه، ولولا هذا التَّريجَ لما ساغَ الحذف، لما تقدم أنَّهُ متى جُرَّ العائد بحرف اشترط في جواز حذفه جرُّ الموصول بمثل ذلك الحرف وأن يتحد التعلَّق مع شروط أخر تقدمت.
الثاني: أنَّ «الذي» صفةٌ لمفردٍ مُفهم للجمع، أي: وخضتم خَوَْضاً كخوض الفوج الذي خاضُوا، أو الفريق الذي خاضوا والكلامُ في العائد كما سبق قبل.
قال بعضُ المفسِّرين: «الَّذي» اسم ناقص مثل «ما، ومن» ، يعبَّر عن الواحد والجمع، كقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الذي استوقد نَاراً﴾ ثم قال ﴿ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: 17] .
الثالث: أن «الَّذي» من صفة المصدر، والتقدير: وخضتم خوضاً كالخوضِ الذي خاضوه وعلى هذا فالعائدُ منصوبٌ من غير واسطةِ حرفِ جر. وهذا الوجهُ ينبغي أن يكون هو الراجح، إذ لا محذور فيه.
والرابع: أنَّ «الذي» تقعُ مصدرية، والتقدير: وخضتم خوضاً. ومثله: [البسيط]
2812 - فَثَبَّتَ الهُ ما آتَاكَ مِنْ حسبٍ ... في المُرسلينَ ونَصْراً كالَّذِي نُصِرُوا
أي: كنَصْرهم. وقول الآخر: [البسيط]
2813 - يَا أمَّ عَمْرو جَزاكِ اللهُ مَغْفِرةً ... رُدِّي عليَّ فُؤادِي كالذي كَانَا
أي: ككون. وقد تقدَّم أنَّ هذا مذهب الفراء، ويونس، وقد تقدَّم تأويل البصريين لذلك قال الزمخشريُّ «فإن قلت: أيُّ فائدة في قوله: ﴿فاستمتعوا بِخَلاقِهِمْ﴾ ، وقوله ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ﴾ مغنٍ عنه، كما أغْنَى» كالَّذِي خَاضُوا «؟ قلت: فائدته أن يذُمَّ الأولين بالاستمتاع بما أوتوا من حظوظ الدُّنيا، ورضاهم بها عن النَّظرِ في العاقبة، وطلب الفلاح في الآخرة، وأن يُخَسِّس أمر الاستمتاع ويُهَجِّن أمر الراضي به، ثم شبَّه حال المخاطبين بحالهم، وأمَّا ﴿وَخُضْتُمْ كالذي خاضوا﴾ فمعطوفٌ على ما قبله ومسندٌ إليه، مُسْتَغْنٍ بإسناده إليه عن تلك المقدمة يعني: أنه استغنى عن أن يكون التَّركيبُ: وخاضُوا، فخضتم كالذي خاضوا» . وفي قوله ﴿كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ﴾ إيقاعٌ للظَّاهر موقع المضمر، لنُكتَةٍ، وهو أنَّه كان الأصلْ: فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتعوا بخلاقهم؛ فأبرزهم بصورةِ الظَّاهر تحقيراً لهم، كقوله: ﴿لاَ تَعْبُدِ الشيطان إِنَّ الشيطان كَانَ للرحمن عَصِيّاً﴾ [مريم: 44] ، وكقوله قبل ذلك: ﴿المنافقون والمنافقات بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ﴾ ، ثم قال: ﴿إِنَّ المنافقين هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة: 67] وهذا كما يدلُّ بإيقاع الظَّاهر موقع المضمر على التفخيم والتعظيم، يدُلُّ به على عكسه، وهو التَّحقير.
فصل
معنى الآية: إنَّكُم فعلتم كفعل الذين من قبلكم، بالعدولِ عن أمر الله والأمر بالمنكر، والنهي عن المعروف، وقبض الأيدي عن الخيرات، و ﴿كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً﴾ بَطْشاً ومنعَةً، ﴿وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً﴾ إنما استمتعوا مدة بالدُّنيا، باتباع الشَّهوات، ورضوا به عوضاً عن الآخرة، ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاَقِكُمْ﴾ ، والخلاق: النصيب وهو ما قدر للإنسان من خير. ﴿كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ﴾ وسلكتم سبيلهم «وخُضْتُم» في الباطلِ والكذب على الله وتكذيب رسله، والاستهزاء بالمؤمنين، «كالذي خاضوا» أي: كما خاضوا.
﴿أولئك حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدنيا والآخرة﴾ أي: بطلت حسناتهم في الدُّنيَا بسبب الموت والفقر والانتقال من العزِّ إلى الذُّل ومن القوة إلى الضَّعْفِ، وفي الآخرة؛ لأنَّهُم لا يثابون بل يعاقبون أشد العقاب. ﴿َأُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون﴾ حيثُ أتعبوا أنفسهم في الردِّ على الأنبياء، ولم يجدوا منه إلا فوات الخير في الدُّنيا والآخرة، فكما حبطت أعمالهم وخسروا حبطت أعمالكم وخسرتم.
روى أبو سعيد الخدري عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «لتتَّبِعُنَّ سُنَنَ من قبلكمُ شِبْراً بِشبرٍ، وذِرَاعاً بذرَاع، حتَّى إذا دخلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لاتَّبعْتُموهُمْ» قيل: يا رسول الله اليهود والنصارى قال: «فَمَنَّ؟» وفي رواية أبي هريرة: فهل النَّاسُ إلاَّ هُمْ؟ فلهذا قال في المنافقين «بَعْضُهم من بَعْضٍ» ، وقال في المؤمنين: «بَعْضُهمْ أولياءُ بَعْض» أي: في الدِّين واتفاق الكلمة، والعون، والنصرة، «يَأْمُرُونَ بالمَعْرُوفِ» بالإيمان والطَّاعة والخير، وقد تقدَّم الكلام على «يَأمُرونَ بالمَعْرُوفِ» .
«ويَنْهونَ عن المُنكَرِ» عن الشِّرك والمعصية، وما لا يعرف في الشَّرع «ويُقِيمُونَ الصَّلاة» المفروضة ﴿وَيُؤْتُونَ الزكاة وَيُطِيعُونَ الله وَرَسُولَهُ أولئك سَيَرْحَمُهُمُ الله﴾ فالسين للاستقبال، إذ المراد رحمةٌ خاصةٌ، وهي ما خبَّأه لهم في الآخرة. وادَّعَى الزمخشريُّ: أنَّها تُفيدُ وجوب الرحمةِ وتوكيد الوعدِ والوعيد، نحو: سأنتقم منك، يعني لا تفوتني وإن تباطأ ذلك، ونظيره ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرحمن وُدّاً﴾ [مريم: 96] ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ﴾ [الضحى: 5] ﴿سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ [النساء: 152] .
ثم قال: ﴿إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ وذلك يوجبُ المبالغة في التَّرغيب والتَّرهيب؛ لأنَّ العزيز هو الذي لا يمنعُ من مراده في عباده من رحمة أو عقوبة، والحكيمُ هو المدبر أمر عبادة على ما تقتضيه الحكمة.
التوبة 9:70
قوله تعالى: ﴿المنافقون والمنافقات بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ﴾ الآية.
لمَّا شرح أنواع قبائح أفعالهم، بيَّن أنَّ إناثهم كذكورهم في تلك الأعمال المنكرة.
قوله: ﴿بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ﴾ مبتدأ وخبر، أي: من جنس بعضن ف «من» هنا لبيان الجنس وقيل: للتبعيض، أي: إنَّهم إنما يتوالدون بعضهم من بعض على دينٍ واحدٍ، وقيل: أمرهم واحد بالاجتماع على النفاقِ، ثمَّ فصَّل هذا الكلام فقال: «يَأْمُرُونَ بالمنكر» . هذه الجملةُ لا محلَّ لها؛ لأنَّها مفسرةٌ لقوله: «بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ» ، وكذلك ما عطف على «يَأْمُرُون» ولفظ المنكر يدخلُ فيه كل قبيح، ولفظ المعروف يدخلُ فيه كل حسن، إلاَّ أنَّ الأعظم ههنا من المنكر يدخلُ فيه كل قبيح، ولفظ المعروف يدخلُ فيه كل حسن، إلاَّ أنَّ الأعظم ههنا من المنكر الشرك والمعصية، والمراد الأعظم ههنا من المعروف الإيمان بالرسول ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ أي: يمسكونها عن الصَّدقة، والإنفاق في سبيل الله. ﴿نَسُواْ الله فَنَسِيَهُمْ﴾ تركوا طاعة الله فتركهم من توفيقه وهدايته في الدُّنيا ومن رحمته في العقبى.
وإنَّما حملنا النِّسيان على التَّركِ، لأنَّ من نسي شيئاً لم يذكره، فجعل اسم الملزوم كناية عن اللاَّزم، ولأنَّ النسيان ليس في وسع البشر، وهو في حق الله تعالى محال فلا بد من التأويل، وهو ما ذكرنا من التَّرك؛ لأنَّهم تركوا أمر الله حتى صارُوا كالنسي المنسي، فجازاهم بأنَّ صيَّرهم كالشَّيء المنسيّ، كقوله: ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: 40] ثم قال: ﴿إِنَّ المنافقين هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أي: الكاملُونَ في الفِسْقِ.
قوله تعالى: ﴿وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ والمنافقات﴾ الآية.
قال القرطبيُّ وغيره: يقالُ: وعد الله بالخير وعْداً، ووعدَ بالشَّر وعيداً. وقيل: لا يقال من الشر إلاَّ «أوْعدته» و «توعدته» وهذه الآية رد عليه. لمَّا بيَّن في المنافقين والمنافقات أنه نسيهم، أي: جازاهم على تركهم التَّمسك بطاعةِ الله، أكَّد هذا الوعيد وضمَّ المنافقين إلى الكفار فيه، فقال: ﴿وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ﴾ الآية.
وقوله: «خالدين» حالٌ من المفعول الأول للوعد، وهي حالٌ مقدرةٌ؛ لأنَّ هذه الحال لم تقارن الوعد. وقوله: «هِيَ حَسْبُهُم» لا محلَّ لهذه الجملة الاستئنافية. والمعنى: أنَّ تلك العقوبة كافية لهم ولا شيء أبلغ منها، ولا يمكنُ الزيادة عليها.
ثم قال: ﴿وَلَعَنَهُمُ الله﴾ أبعدهم الله من رحمته، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ دائم.
فإن قيل: معنى المقيم والخالد واحد فيكون تكراراً.
فالجوابُ: من وجهين:
الأول: أنَّ لهم نوعاً آخر من العذاب المقيم الدائم سوى العذاب بالنَّار والخلود المذكور أولاً، ولا يدل على أنَّ العذاب بالنَّارِ دائم. وقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ يدلُّ على أنَّ لهم مع ذلك نوعاً آخر من العذابِ.
فإن قيل هذا مشكل؛ لأنه قال في النَّار المخلدة: «هِيَ حَسْبُهُم» وكونها حسباً يمنع من ضمّ شيء آخر إليه. فالجوابُ: أنَّها حسبهم في الإيلام، ومع ذلك يضم إليه نوع آخر زيادة في تعذيبهم.
والثاني: أنَّ المراد بقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ العذاب العاجل الذي لا ينفك عنهم وهو ما يُقاسُونَه من الخوف من اطلاع الرسول على بواطنهم، وما يحذرونه من أنواع الفضائح.
قوله: ﴿كالذين مِن قَبْلِكُمْ﴾ .
فيه أوجه:
أحدها: أنَّ هذه الكاف في محلِّ رفعٍ، تقديره: أنتم كالذين، فهي خبر مبتدأ محذوف.
الثاني: أنَّها في محلِّ نصب. قال الزجاجُ: المعنى: وعد كما وعد الذين من قبلكم فهو متعلقٌ ب «وَعَدَ» . قال ابن عطيَّة «وهذا قلقٌ» . وقال أبو البقاءِ: ويجُوز أن يكون متعلقاً ب ﴿تَسْتَهْزِءُونَ﴾ [التوبة: 65] . وفي هذا بعدٌ كبيرٌ.
وقوله: «كانُوا أشدَّ» تفسيرٌ لشبههم بهم، وتمثيل لفعلهم بفعلهم، وجعل الفراءُ محلَّها نصباً بإضمار فعلٍ، قال: «التَّشبيهُ من جهة الفعل، أي: فعلتم كما فعل الذين من قبلكم» فتكون الكافُ في موضع نصب. وقال أبو البقاءِ: «الكافُ في موضع نصب نعتاً لمصدر محذوف وفي الكلام حذف مضافٍ، تقديره: وعداً كوعد الذين» . وذكر الزمخشريُّ وجه الرفع المتقدم، والوجه الذي تقدم عن الفراء، وشبَّهه بقول النمر بن تولب: [الكامل]
2811 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... كاليَوْم مَطْلُوباً ولا طَلَبَا
بإضمار: «لَمْ أرَ» .
قوله: «كَمَا اسْتَمْتَعَ» الكافُ في محلِّ نصب، نعتاً لمصدر محذوف، أي: استمتاعاً كاستمتاع الذين.
قوله: ﴿كالذي خاضوا﴾ الكافُ كالَّتي قبلها. وفي «الَّذِي» وجوهٌ:
أحدها: أنَّ المعنى: وخضتم خوضاً كخوض الذين خاضوا، فحُذفت النُّونُ تخفيفاً، أو وقع المفردُ موقع الجمع وقد تقدَّم تحقيقه في أوائل البقرةِ، فحذف المصدرُ الموصوفُ، والمضافُ إلى الموصول وعائدُ الموصول تقديره: خاضوه، والأصل: خاضوا فيه؛ لأنَّهُ يتعدَّى ب «في» فاتَّسع فيه فحذف الجارُّ، فاتصل الضميرُ بالفعل، فساغ حذفه، ولولا هذا التَّريجَ لما ساغَ الحذف، لما تقدم أنَّهُ متى جُرَّ العائد بحرف اشترط في جواز حذفه جرُّ الموصول بمثل ذلك الحرف وأن يتحد التعلَّق مع شروط أخر تقدمت.
الثاني: أنَّ «الذي» صفةٌ لمفردٍ مُفهم للجمع، أي: وخضتم خَوَْضاً كخوض الفوج الذي خاضُوا، أو الفريق الذي خاضوا والكلامُ في العائد كما سبق قبل.
قال بعضُ المفسِّرين: «الَّذي» اسم ناقص مثل «ما، ومن» ، يعبَّر عن الواحد والجمع، كقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الذي استوقد نَاراً﴾ ثم قال ﴿ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: 17] .
الثالث: أن «الَّذي» من صفة المصدر، والتقدير: وخضتم خوضاً كالخوضِ الذي خاضوه وعلى هذا فالعائدُ منصوبٌ من غير واسطةِ حرفِ جر. وهذا الوجهُ ينبغي أن يكون هو الراجح، إذ لا محذور فيه.
والرابع: أنَّ «الذي» تقعُ مصدرية، والتقدير: وخضتم خوضاً. ومثله: [البسيط]
2812 - فَثَبَّتَ الهُ ما آتَاكَ مِنْ حسبٍ ... في المُرسلينَ ونَصْراً كالَّذِي نُصِرُوا
أي: كنَصْرهم. وقول الآخر: [البسيط]
2813 - يَا أمَّ عَمْرو جَزاكِ اللهُ مَغْفِرةً ... رُدِّي عليَّ فُؤادِي كالذي كَانَا
أي: ككون. وقد تقدَّم أنَّ هذا مذهب الفراء، ويونس، وقد تقدَّم تأويل البصريين لذلك قال الزمخشريُّ «فإن قلت: أيُّ فائدة في قوله: ﴿فاستمتعوا بِخَلاقِهِمْ﴾ ، وقوله ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ﴾ مغنٍ عنه، كما أغْنَى» كالَّذِي خَاضُوا «؟ قلت: فائدته أن يذُمَّ الأولين بالاستمتاع بما أوتوا من حظوظ الدُّنيا، ورضاهم بها عن النَّظرِ في العاقبة، وطلب الفلاح في الآخرة، وأن يُخَسِّس أمر الاستمتاع ويُهَجِّن أمر الراضي به، ثم شبَّه حال المخاطبين بحالهم، وأمَّا ﴿وَخُضْتُمْ كالذي خاضوا﴾ فمعطوفٌ على ما قبله ومسندٌ إليه، مُسْتَغْنٍ بإسناده إليه عن تلك المقدمة يعني: أنه استغنى عن أن يكون التَّركيبُ: وخاضُوا، فخضتم كالذي خاضوا» . وفي قوله ﴿كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ﴾ إيقاعٌ للظَّاهر موقع المضمر، لنُكتَةٍ، وهو أنَّه كان الأصلْ: فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتعوا بخلاقهم؛ فأبرزهم بصورةِ الظَّاهر تحقيراً لهم، كقوله: ﴿لاَ تَعْبُدِ الشيطان إِنَّ الشيطان كَانَ للرحمن عَصِيّاً﴾ [مريم: 44] ، وكقوله قبل ذلك: ﴿المنافقون والمنافقات بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ﴾ ، ثم قال: ﴿إِنَّ المنافقين هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة: 67] وهذا كما يدلُّ بإيقاع الظَّاهر موقع المضمر على التفخيم والتعظيم، يدُلُّ به على عكسه، وهو التَّحقير.
فصل
معنى الآية: إنَّكُم فعلتم كفعل الذين من قبلكم، بالعدولِ عن أمر الله والأمر بالمنكر، والنهي عن المعروف، وقبض الأيدي عن الخيرات، و ﴿كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً﴾ بَطْشاً ومنعَةً، ﴿وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً﴾ إنما استمتعوا مدة بالدُّنيا، باتباع الشَّهوات، ورضوا به عوضاً عن الآخرة، ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاَقِكُمْ﴾ ، والخلاق: النصيب وهو ما قدر للإنسان من خير. ﴿كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ﴾ وسلكتم سبيلهم «وخُضْتُم» في الباطلِ والكذب على الله وتكذيب رسله، والاستهزاء بالمؤمنين، «كالذي خاضوا» أي: كما خاضوا.
﴿أولئك حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدنيا والآخرة﴾ أي: بطلت حسناتهم في الدُّنيَا بسبب الموت والفقر والانتقال من العزِّ إلى الذُّل ومن القوة إلى الضَّعْفِ، وفي الآخرة؛ لأنَّهُم لا يثابون بل يعاقبون أشد العقاب. ﴿َأُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون﴾ حيثُ أتعبوا أنفسهم في الردِّ على الأنبياء، ولم يجدوا منه إلا فوات الخير في الدُّنيا والآخرة، فكما حبطت أعمالهم وخسروا حبطت أعمالكم وخسرتم.
روى أبو سعيد الخدري عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «لتتَّبِعُنَّ سُنَنَ من قبلكمُ شِبْراً بِشبرٍ، وذِرَاعاً بذرَاع، حتَّى إذا دخلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لاتَّبعْتُموهُمْ» قيل: يا رسول الله اليهود والنصارى قال: «فَمَنَّ؟» وفي رواية أبي هريرة: فهل النَّاسُ إلاَّ هُمْ؟ فلهذا قال في المنافقين «بَعْضُهم من بَعْضٍ» ، وقال في المؤمنين: «بَعْضُهمْ أولياءُ بَعْض» أي: في الدِّين واتفاق الكلمة، والعون، والنصرة، «يَأْمُرُونَ بالمَعْرُوفِ» بالإيمان والطَّاعة والخير، وقد تقدَّم الكلام على «يَأمُرونَ بالمَعْرُوفِ» .
«ويَنْهونَ عن المُنكَرِ» عن الشِّرك والمعصية، وما لا يعرف في الشَّرع «ويُقِيمُونَ الصَّلاة» المفروضة ﴿وَيُؤْتُونَ الزكاة وَيُطِيعُونَ الله وَرَسُولَهُ أولئك سَيَرْحَمُهُمُ الله﴾ فالسين للاستقبال، إذ المراد رحمةٌ خاصةٌ، وهي ما خبَّأه لهم في الآخرة. وادَّعَى الزمخشريُّ: أنَّها تُفيدُ وجوب الرحمةِ وتوكيد الوعدِ والوعيد، نحو: سأنتقم منك، يعني لا تفوتني وإن تباطأ ذلك، ونظيره ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرحمن وُدّاً﴾ [مريم: 96] ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ﴾ [الضحى: 5] ﴿سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ [النساء: 152] .
ثم قال: ﴿إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ وذلك يوجبُ المبالغة في التَّرغيب والتَّرهيب؛ لأنَّ العزيز هو الذي لا يمنعُ من مراده في عباده من رحمة أو عقوبة، والحكيمُ هو المدبر أمر عبادة على ما تقتضيه الحكمة.
التوبة 9:71
قوله تعالى: ﴿المنافقون والمنافقات بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ﴾ الآية.
لمَّا شرح أنواع قبائح أفعالهم، بيَّن أنَّ إناثهم كذكورهم في تلك الأعمال المنكرة.
قوله: ﴿بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ﴾ مبتدأ وخبر، أي: من جنس بعضن ف «من» هنا لبيان الجنس وقيل: للتبعيض، أي: إنَّهم إنما يتوالدون بعضهم من بعض على دينٍ واحدٍ، وقيل: أمرهم واحد بالاجتماع على النفاقِ، ثمَّ فصَّل هذا الكلام فقال: «يَأْمُرُونَ بالمنكر» . هذه الجملةُ لا محلَّ لها؛ لأنَّها مفسرةٌ لقوله: «بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ» ، وكذلك ما عطف على «يَأْمُرُون» ولفظ المنكر يدخلُ فيه كل قبيح، ولفظ المعروف يدخلُ فيه كل حسن، إلاَّ أنَّ الأعظم ههنا من المنكر يدخلُ فيه كل قبيح، ولفظ المعروف يدخلُ فيه كل حسن، إلاَّ أنَّ الأعظم ههنا من المنكر الشرك والمعصية، والمراد الأعظم ههنا من المعروف الإيمان بالرسول ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ أي: يمسكونها عن الصَّدقة، والإنفاق في سبيل الله. ﴿نَسُواْ الله فَنَسِيَهُمْ﴾ تركوا طاعة الله فتركهم من توفيقه وهدايته في الدُّنيا ومن رحمته في العقبى.
وإنَّما حملنا النِّسيان على التَّركِ، لأنَّ من نسي شيئاً لم يذكره، فجعل اسم الملزوم كناية عن اللاَّزم، ولأنَّ النسيان ليس في وسع البشر، وهو في حق الله تعالى محال فلا بد من التأويل، وهو ما ذكرنا من التَّرك؛ لأنَّهم تركوا أمر الله حتى صارُوا كالنسي المنسي، فجازاهم بأنَّ صيَّرهم كالشَّيء المنسيّ، كقوله: ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: 40] ثم قال: ﴿إِنَّ المنافقين هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أي: الكاملُونَ في الفِسْقِ.
قوله تعالى: ﴿وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ والمنافقات﴾ الآية.
قال القرطبيُّ وغيره: يقالُ: وعد الله بالخير وعْداً، ووعدَ بالشَّر وعيداً. وقيل: لا يقال من الشر إلاَّ «أوْعدته» و «توعدته» وهذه الآية رد عليه. لمَّا بيَّن في المنافقين والمنافقات أنه نسيهم، أي: جازاهم على تركهم التَّمسك بطاعةِ الله، أكَّد هذا الوعيد وضمَّ المنافقين إلى الكفار فيه، فقال: ﴿وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ﴾ الآية.
وقوله: «خالدين» حالٌ من المفعول الأول للوعد، وهي حالٌ مقدرةٌ؛ لأنَّ هذه الحال لم تقارن الوعد. وقوله: «هِيَ حَسْبُهُم» لا محلَّ لهذه الجملة الاستئنافية. والمعنى: أنَّ تلك العقوبة كافية لهم ولا شيء أبلغ منها، ولا يمكنُ الزيادة عليها.
ثم قال: ﴿وَلَعَنَهُمُ الله﴾ أبعدهم الله من رحمته، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ دائم.
فإن قيل: معنى المقيم والخالد واحد فيكون تكراراً.
فالجوابُ: من وجهين:
الأول: أنَّ لهم نوعاً آخر من العذاب المقيم الدائم سوى العذاب بالنَّار والخلود المذكور أولاً، ولا يدل على أنَّ العذاب بالنَّارِ دائم. وقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ يدلُّ على أنَّ لهم مع ذلك نوعاً آخر من العذابِ.
فإن قيل هذا مشكل؛ لأنه قال في النَّار المخلدة: «هِيَ حَسْبُهُم» وكونها حسباً يمنع من ضمّ شيء آخر إليه. فالجوابُ: أنَّها حسبهم في الإيلام، ومع ذلك يضم إليه نوع آخر زيادة في تعذيبهم.
والثاني: أنَّ المراد بقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ العذاب العاجل الذي لا ينفك عنهم وهو ما يُقاسُونَه من الخوف من اطلاع الرسول على بواطنهم، وما يحذرونه من أنواع الفضائح.
قوله: ﴿كالذين مِن قَبْلِكُمْ﴾ .
فيه أوجه:
أحدها: أنَّ هذه الكاف في محلِّ رفعٍ، تقديره: أنتم كالذين، فهي خبر مبتدأ محذوف.
الثاني: أنَّها في محلِّ نصب. قال الزجاجُ: المعنى: وعد كما وعد الذين من قبلكم فهو متعلقٌ ب «وَعَدَ» . قال ابن عطيَّة «وهذا قلقٌ» . وقال أبو البقاءِ: ويجُوز أن يكون متعلقاً ب ﴿تَسْتَهْزِءُونَ﴾ [التوبة: 65] . وفي هذا بعدٌ كبيرٌ.
وقوله: «كانُوا أشدَّ» تفسيرٌ لشبههم بهم، وتمثيل لفعلهم بفعلهم، وجعل الفراءُ محلَّها نصباً بإضمار فعلٍ، قال: «التَّشبيهُ من جهة الفعل، أي: فعلتم كما فعل الذين من قبلكم» فتكون الكافُ في موضع نصب. وقال أبو البقاءِ: «الكافُ في موضع نصب نعتاً لمصدر محذوف وفي الكلام حذف مضافٍ، تقديره: وعداً كوعد الذين» . وذكر الزمخشريُّ وجه الرفع المتقدم، والوجه الذي تقدم عن الفراء، وشبَّهه بقول النمر بن تولب: [الكامل]
2811 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... كاليَوْم مَطْلُوباً ولا طَلَبَا
بإضمار: «لَمْ أرَ» .
قوله: «كَمَا اسْتَمْتَعَ» الكافُ في محلِّ نصب، نعتاً لمصدر محذوف، أي: استمتاعاً كاستمتاع الذين.
قوله: ﴿كالذي خاضوا﴾ الكافُ كالَّتي قبلها. وفي «الَّذِي» وجوهٌ:
أحدها: أنَّ المعنى: وخضتم خوضاً كخوض الذين خاضوا، فحُذفت النُّونُ تخفيفاً، أو وقع المفردُ موقع الجمع وقد تقدَّم تحقيقه في أوائل البقرةِ، فحذف المصدرُ الموصوفُ، والمضافُ إلى الموصول وعائدُ الموصول تقديره: خاضوه، والأصل: خاضوا فيه؛ لأنَّهُ يتعدَّى ب «في» فاتَّسع فيه فحذف الجارُّ، فاتصل الضميرُ بالفعل، فساغ حذفه، ولولا هذا التَّريجَ لما ساغَ الحذف، لما تقدم أنَّهُ متى جُرَّ العائد بحرف اشترط في جواز حذفه جرُّ الموصول بمثل ذلك الحرف وأن يتحد التعلَّق مع شروط أخر تقدمت.
الثاني: أنَّ «الذي» صفةٌ لمفردٍ مُفهم للجمع، أي: وخضتم خَوَْضاً كخوض الفوج الذي خاضُوا، أو الفريق الذي خاضوا والكلامُ في العائد كما سبق قبل.
قال بعضُ المفسِّرين: «الَّذي» اسم ناقص مثل «ما، ومن» ، يعبَّر عن الواحد والجمع، كقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الذي استوقد نَاراً﴾ ثم قال ﴿ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: 17] .
الثالث: أن «الَّذي» من صفة المصدر، والتقدير: وخضتم خوضاً كالخوضِ الذي خاضوه وعلى هذا فالعائدُ منصوبٌ من غير واسطةِ حرفِ جر. وهذا الوجهُ ينبغي أن يكون هو الراجح، إذ لا محذور فيه.
والرابع: أنَّ «الذي» تقعُ مصدرية، والتقدير: وخضتم خوضاً. ومثله: [البسيط]
2812 - فَثَبَّتَ الهُ ما آتَاكَ مِنْ حسبٍ ... في المُرسلينَ ونَصْراً كالَّذِي نُصِرُوا
أي: كنَصْرهم. وقول الآخر: [البسيط]
2813 - يَا أمَّ عَمْرو جَزاكِ اللهُ مَغْفِرةً ... رُدِّي عليَّ فُؤادِي كالذي كَانَا
أي: ككون. وقد تقدَّم أنَّ هذا مذهب الفراء، ويونس، وقد تقدَّم تأويل البصريين لذلك قال الزمخشريُّ «فإن قلت: أيُّ فائدة في قوله: ﴿فاستمتعوا بِخَلاقِهِمْ﴾ ، وقوله ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ﴾ مغنٍ عنه، كما أغْنَى» كالَّذِي خَاضُوا «؟ قلت: فائدته أن يذُمَّ الأولين بالاستمتاع بما أوتوا من حظوظ الدُّنيا، ورضاهم بها عن النَّظرِ في العاقبة، وطلب الفلاح في الآخرة، وأن يُخَسِّس أمر الاستمتاع ويُهَجِّن أمر الراضي به، ثم شبَّه حال المخاطبين بحالهم، وأمَّا ﴿وَخُضْتُمْ كالذي خاضوا﴾ فمعطوفٌ على ما قبله ومسندٌ إليه، مُسْتَغْنٍ بإسناده إليه عن تلك المقدمة يعني: أنه استغنى عن أن يكون التَّركيبُ: وخاضُوا، فخضتم كالذي خاضوا» . وفي قوله ﴿كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ﴾ إيقاعٌ للظَّاهر موقع المضمر، لنُكتَةٍ، وهو أنَّه كان الأصلْ: فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتعوا بخلاقهم؛ فأبرزهم بصورةِ الظَّاهر تحقيراً لهم، كقوله: ﴿لاَ تَعْبُدِ الشيطان إِنَّ الشيطان كَانَ للرحمن عَصِيّاً﴾ [مريم: 44] ، وكقوله قبل ذلك: ﴿المنافقون والمنافقات بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ﴾ ، ثم قال: ﴿إِنَّ المنافقين هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة: 67] وهذا كما يدلُّ بإيقاع الظَّاهر موقع المضمر على التفخيم والتعظيم، يدُلُّ به على عكسه، وهو التَّحقير.
فصل
معنى الآية: إنَّكُم فعلتم كفعل الذين من قبلكم، بالعدولِ عن أمر الله والأمر بالمنكر، والنهي عن المعروف، وقبض الأيدي عن الخيرات، و ﴿كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً﴾ بَطْشاً ومنعَةً، ﴿وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً﴾ إنما استمتعوا مدة بالدُّنيا، باتباع الشَّهوات، ورضوا به عوضاً عن الآخرة، ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاَقِكُمْ﴾ ، والخلاق: النصيب وهو ما قدر للإنسان من خير. ﴿كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ﴾ وسلكتم سبيلهم «وخُضْتُم» في الباطلِ والكذب على الله وتكذيب رسله، والاستهزاء بالمؤمنين، «كالذي خاضوا» أي: كما خاضوا.
﴿أولئك حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدنيا والآخرة﴾ أي: بطلت حسناتهم في الدُّنيَا بسبب الموت والفقر والانتقال من العزِّ إلى الذُّل ومن القوة إلى الضَّعْفِ، وفي الآخرة؛ لأنَّهُم لا يثابون بل يعاقبون أشد العقاب. ﴿َأُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون﴾ حيثُ أتعبوا أنفسهم في الردِّ على الأنبياء، ولم يجدوا منه إلا فوات الخير في الدُّنيا والآخرة، فكما حبطت أعمالهم وخسروا حبطت أعمالكم وخسرتم.
روى أبو سعيد الخدري عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «لتتَّبِعُنَّ سُنَنَ من قبلكمُ شِبْراً بِشبرٍ، وذِرَاعاً بذرَاع، حتَّى إذا دخلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لاتَّبعْتُموهُمْ» قيل: يا رسول الله اليهود والنصارى قال: «فَمَنَّ؟» وفي رواية أبي هريرة: فهل النَّاسُ إلاَّ هُمْ؟ فلهذا قال في المنافقين «بَعْضُهم من بَعْضٍ» ، وقال في المؤمنين: «بَعْضُهمْ أولياءُ بَعْض» أي: في الدِّين واتفاق الكلمة، والعون، والنصرة، «يَأْمُرُونَ بالمَعْرُوفِ» بالإيمان والطَّاعة والخير، وقد تقدَّم الكلام على «يَأمُرونَ بالمَعْرُوفِ» .
«ويَنْهونَ عن المُنكَرِ» عن الشِّرك والمعصية، وما لا يعرف في الشَّرع «ويُقِيمُونَ الصَّلاة» المفروضة ﴿وَيُؤْتُونَ الزكاة وَيُطِيعُونَ الله وَرَسُولَهُ أولئك سَيَرْحَمُهُمُ الله﴾ فالسين للاستقبال، إذ المراد رحمةٌ خاصةٌ، وهي ما خبَّأه لهم في الآخرة. وادَّعَى الزمخشريُّ: أنَّها تُفيدُ وجوب الرحمةِ وتوكيد الوعدِ والوعيد، نحو: سأنتقم منك، يعني لا تفوتني وإن تباطأ ذلك، ونظيره ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرحمن وُدّاً﴾ [مريم: 96] ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ﴾ [الضحى: 5] ﴿سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ [النساء: 152] .
ثم قال: ﴿إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ وذلك يوجبُ المبالغة في التَّرغيب والتَّرهيب؛ لأنَّ العزيز هو الذي لا يمنعُ من مراده في عباده من رحمة أو عقوبة، والحكيمُ هو المدبر أمر عبادة على ما تقتضيه الحكمة.
التوبة 9:72
قوله: ﴿وَعَدَ الله الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [التوبة: 72] .
والأقرب أنه تعالى أراد بها البساتين التي تبنى فيها المناظر؛ لأنَّهُ تعالى قال بعده ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ والمعطوفُ يجبُ أن يكون مغايراً للمعطوف عليه فتكون مساكنهم في جنَّات عدنٍ ومناظرهم التي هي البساتين، وتكون فائدة وصفها بأنَّها عدنٌ، أنَّها تجري مجرى دار السَّكن والإقامة.
وقوله: «خَالِدِينَ» حالٌ مقدَّرة، كما تقدَّم. وقوله: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾ أي: منازل طيبة ﴿فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ أي: خلد وإقامة، وفي «عدن» قولان:
أحدهما: أنَّهُ اسم على لموضع معين في الجنَّةِ.
قال عبدُ الله بنُ عمرو «إنَّ في الجنَّة قصراً يقال له عدنٌ، حوله البروج وله خمسة آلاف باب على كلِّ باب خمسة ألاف حرة، لا يدخله إلاَّ نبيٌّ، أو صديقٌ أو شهيدٌ» .
قال الزمخشريُّ: و «عدن» علم بدليل قوله ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ التي وَعَدَ الرحمن عِبَادَهُ﴾ [مريم: 61] .
والقول الثاني: أنه صفة للجنة. قال الأزهريُّ: «العَدْنُ» مأخوذ من قولك: عَدَنَ بالمكان إذا أقام به، يَعْدِنث عُدوناً. وتقول: تركت إبل بني فلان عوادن بمكان كذا، وهو أن تلزم الإبل المكان فتألفه، ومنه المعدن، لمُسْتقرِّ الجواهر. يقال: عدن عُدُوناً، فله مصدران. هذا أصلُ هذه اللفظة لغة. وذكر المفسِّرون لها معان كثيرة وقال الأعشى في معنى الإقامة [المتقارب]
2814 - وإنْ يَسْتَضِيفُوا إلى حِلْمِهِ ... يُضَافُوا إلى رَاجِحٍ قَدْ عَدَنْ أي: ثَبَتَ واستقرَّ. ومنه «عدن» لمدينة باليمن، لكثرة المقيمين بها.
قوله: ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ الله أَكْبَرُ﴾ التَّنكيرُ يفيدُ التقليل، أي: أقلُّ شيء من الرضوان أكبر من جميع ما تقدَّم من الجنَّات ومساكنها.
ثم قال: ﴿ذلك هُوَ الفوز العظيم﴾ أي: هذا هو الفوزُ العظيمُ، لا ما يطلبه المنافقون والكفار من التنعم بطيبات الدنيا. روى أبو سعيدٍ الخدريُّ أنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ لأهل الجنَّة: يا أهل الجنة هل رضيتم؟ فيقولون: ربنا ومالنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك، فيقول ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: ربنا أي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول:» أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً» .
قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي جَاهِدِ الكفار والمنافقين﴾ الآية.
لمَّا وصف المنافقين بالصِّفات الخبيثةِ، وتوعدهم بأنواع العقاب، ثمَّ ذكر المؤمنين بالصفات الحسنة، ووعدهم بالثَّوابِ، عاد إلى شرح أحوال الكُفَّارِ والمنافقين في هذه الآية.
فإن قيل: مجاهدة المنافقينَ غيرُ جائزة، فإنَّ المنافق يستر كفره وينكره بلسانه.
فالجوابُ من وجوه:
أحدها: قال الضحاكُ: مجاهدة المنافق: تغليظُ القول، وهذا بعيدٌ؛ لأنَّ ظاهر قوله ﴿جَاهِدِ الكفار والمنافقين﴾ يقتضي الأمر بجهادهما معاً، وكذا ظاهر قوله: ﴿واغلظ عَلَيْهِمْ﴾ راجع إلى الفريقين.
وثانيها: أنَّ الجهاد عبارة عن بذل الجهد وليس في اللفظ ما يدلُّ على أنَّ الجهاد بالسَّيف أو باللِّسانِ أو بطريق آخر. فقال ابن مسعودٍ: بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لَمْ يَسْتَطعْ فبقَلبِهِ. وقال: لا يلقى المنافق إلاَّ بوجه مكفهر. وقال ابنُ عبَّاسٍ: باللِّسانِ وترك الرفق.
وثالثها: قال الحسنُ وقتادةُ: بإقامةِ الحدودِ عليهم قال القاضي: وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ إقامة الحدود واجبةٌ على من ليس بمُنافقٍ.
قوله: ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ قال أبُو البقاءِ: إن قيل كيف حسنتِ الواوُ هنا والفاء أشبه بهذا الموضع؟ ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنَّ الواو واو الحالِ والتقدير: افعل ذلك في حال استحقاقهم جهنَّم، وتلك الحال حال كفرهم ونفاقهم.
والثاني: أنَّ الواو جيء بها تنبيهاً على إرادة فعل محذوف، تقديره: واعلمْ أنَّ مأواهم جهنم.
الثالث: أنَّ الكلام حمل على المعنى والمعنى أنَّه قد اجتمع لهم عذابُ الدُّنيا بالجهاد والغلظة، وعذابُ الآخرة بجعل جهنَّم مأواهم. ولا حاجة إلى هذا كُلِّه، بل هي جملةُ استثنافية.
قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بالله مَا قَالُواْ﴾ الآية.
قال ابنُ عبَّاسٍ: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ جالساً في ظلِّ شجرةٍ، فقال: «إنهُ سيَأتِيكُمْ إنْسانٌ ينْظرُ إليْكُمْ بعيْنِ الشَّيطانِ، فإذا جَاءَ فلا تُكَلِّمُوهُ» فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق، فدعاه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فقال: «عَلامَ تَشْتمُنِي أنْتَ وأصْحَابُكَ» فانطلق الرَّجُل؛ فجاء بأصحابه، فحلفُوا بالله ما قالوا، فأنزل الله عَزَّ وَجَلَّ الآية.
وقال الكلبيُّ: نزلت في جلاس بن سويدٍ، وذلك أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ خطب ذات يوم بتبوك، فذكر المنافقين، فسمَّاهم رجْساً وعابهم، فقال جلاسٌ: لئن كان محمد صادقاً، لنحنُ شرٌّ من الحمير فلمَّا انصرف رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إلى المدينة أتاه عامر بن قيس، وأخبره بما قال جلاس، فقال الجلاس: كذب يا رسول الله؛ فأمرهما رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يحلفا عند المنبر؛ فقام الجلاسُ عند المنبر بعد العصر فحلف بالله الذي لا إله إلاَّ هو ما قاله، ولقد كذب عليَّ عامر، فقام عامرٌ فحلف بالله الذي لا إله إلا هو: لقد قاله، وما كذبتُ عليه، ثم رفع عامرٌ يديه إلى السَّماء فقال: اللَّهُمَّ انزلْ على نبيِّكَ تصديق الصادقِ منَّا.
فقال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والمؤمنون: «آمين» ، فنزل جبريل عليه السلام قبل أن يتَفرَّقُوا بهذه الآية، حتى بلغ ﴿فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ﴾ ، فقام الجلاسُ، فقال: يا رسول الله، وأتوب إليه، فقبلَ رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذلك منه، ثم تاب وحَسُنَتْ توبتُه.
وقيل: نزلت في عبد الله بن أبيّ لما قال {يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ}
[المنافقون: 8] . وأراد به الرسول - عليه الصَّلاة والسلام -، فسمع زيدُ بنُ أرقم ذلك وبلغه إلى الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -، فهمَّ عمرُ بقتل عبد الله بن أبيّ، فجاء عبد الله وحلف أنَّهُ لم يقل فنزلت الآية. وقال القاضي: الأولى أن تحمل هذه الآية على ما روي أنَّ المنافقين همُّوا بقتله عند رجوعه من تبوك، وهم خسمة عشر رجلاً تعاهدوا أن يدفعوه عن راحلته إلى الوادي باللَّيل، وكان عمَّار بن ياسر آخذاً بخطام راحلته وحذيفة خلفها يسوقها، فسمع حذيفة وقع أخفاف الإبل، وقعقة السلاح، فالتفت، فإذا قوم متلثمُون. فقال: إليكم يا أعداء الله، فهربوا والظَّاهر أنهم لمَّا اجتمعوا لذلك الغرض، فقد طعنوا في نبوته ونسبوه إلى الكذب في ادِّعاءِ الرسالة، وذلك هو قولهم كلمة الكفر وهذا القول اختيار الزجاج.
فإن قيل: قوله: ﴿وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ﴾ يدلُّ على أنَّهم أسلمُوا من قبل، وهم لم يكونوا مسلمين.
فالجوابُ: أنَّ المراد من الإسلام السلم الذي هو ضد الحرب؛ لأنَّهم لمَّا نافقوا، فقد أظهروا الإسلام، وقوله: ﴿وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ﴾ المراد إطباقهم على الفتك بالرسول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ والله تعالى أخبر الرسول بذلك حتى احترز عنهم، ولم يصلُوا إلى مقصودهم وقال السُّديُّ: «هو قولهم إذا قدمنا المدينة؛ عقدنا على رأس عبد الله بن أبيّ تاجاً فلم يصلوا إليه» .
قوله: ﴿وَمَا نقموا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ الله وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾ .
في الاستثناء وجهان:
أحدهما: أنَّهُ معفول به، أي: وما كرهُوا وعابُوا إلاَّ إغناءَ الله إيَّاهم وهو من باب قولهم: ما لي عندك ذنبٌ إلاَّ أن أحسنت إليك، أي: إن كان ثم ذنبٌ فهو هذا، فهو تهكمٌ بهم؛ كقوله: [الطويل]
2815 - ولا عَيْبَ فينَا غَيْرَ عِرْقٍ لِمَعْشَرٍ ... كرامٍ وأنَّا لا نَخُطُّ على النَّمْلِ
وقول الآخر: [المنسرح]
2816 - مَا نَقمُوا مِنْ بَنِي أمَيَّة إلْ ... لا أنَّهُم يَحْلُمُون إن غضبُوا
وأنَّهُمْ سَادَةُ الملُوك ولا ... يَصْلحُ إلاَّ عليهمُ العربُ والثاني: أنَّهُ مفعولٌ من أجله، وعلى هذا فالمفعولُ به محذوف، تقديره: وما نقموا منهم الإيمان إلاَّ لأجل إغناء الله إيَّاهم. وقد تقدَّم الكلامُ على «نَقِمَ» [الأعراف: 126] .
قيل: إن مولى الجلاس قتل، فأمر له رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بديته اثني عشر ألفاً فاستغنى.
وقال الكلبيُّ: كانوا قبل قدوم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ المدينة في ضنكٍ من العيشِ فلمَّا قدمَ عليهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ استغنوا بالغنائم.
قوله: ﴿فَإِن يَتُوبُواْ﴾ أي: من نفاقهم: ﴿يَكُ خَيْراً لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا﴾ أي: يعرضوا عن التوبة ﴿يُعَذِّبْهُمُ الله عَذَاباً أَلِيماً فِي الدنيا﴾ بالخزي، وفي ﴿الآخرة﴾ بالنَّارِ ﴿وَمَا لَهُمْ﴾ في الأَرض ﴿مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾ أي: أنَّ عذاب الله إذا حق لم ينفعه وليّ ولا نصير.
قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ الله﴾ الآية.
«عاهد الله» فيه معنى القسم، فلذلك أجيب بقوله: «لنصَّدقنَّ» ، وحذف جوابُ الشرط لدلالة هذا الجواب عليه، و «اللاَّم» للتوطئةِ، ولا يمتنع الجمعُ بين القسم واللاَّم الموطئة له.
وقال أبُو البقاءِ: فيه وجهان:
أحدهما: تقديره: «عاهد، فقال: لئِنْ آتَانَا» .
والثاني: أن يكون «عاهد» بمعنى: قال، فإنَّ العهد قول. ولا حاجة إلى هذا.
قوله: ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ﴾ قرأهما الجمهور بالنُّون الثقيلة. والأعمش بالخفيفة.
قال الزجاج الأصل: «لنتَصدَّقنَّ» ، ولكن التَّاء أدغمت في الصَّاد، لقربها منها.
قال الليثُ: المُتصدق: المعطي، والمُتصدق: السائل. قال الأصمعيُّ، والفرَّاءُ: هذا خطأ، فالمتصدق هو المعطي، قال تعالى: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ الله يَجْزِي المتصدقين﴾ [يوسف: 88] واعلم أنَّ هذه السورة نزل أكثرها في شرح أحوال المنافقين؛ فلهذا ذكرهم على التفصيل فقال: ﴿وَمِنْهُمُ الذين يُؤْذُونَ النبي﴾ [التوبة: 62] ﴿وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصدقات﴾ [التوبة: 58] ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي﴾ [التوبة: 49] ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ﴾ [التوبة: 75] .
والمشهور في سبب نزول هذه الآية: ما روى أبو أمامة قال: جاء ثعلبةُ بنُ حاطبٍ الأنصاريُّ إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال: يا رسول الله ادعُ الله أن يرزقني مالاً، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «ويحْكَ يا ثعلبةُ قليلٌ تُؤدِّي شُكرَهُ خيرٌ من كثيرٍ لا تُطِيقهُ» ثمَّ أتاهُ بعد ذلك فقال: «أمّا لكَ في رسول الله أسوةٌ حسنةٌ؟ والذي نفسي بيدهِ لوْ أردتُ أن تسيرَ الجبالُ معي ذهباً وفضةً لسَارَتْ»
ثمَّ راجعه بعد ذلك، فقال: يا رسول الله: ادعُ الله أن يرزقني مالاً، والذي بعثك بالحقِّ لئن رزقني الله مالاً لأعطين كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «اللَّهُمَّ ارزقْ ثعلبةَ مالاً» قال: فاتَّخذ غنماً؛ فنمت كما ينمو الدُّودُ، حتى ضاقَتْ بها المدينةُ فتنحَّى عنها، ونزل وادياً من أوديتها، وكان يصلي مع رسول الله الظهر والعصر، ويصلي في غنمة سائر الصلوات، ثم كثُرتْ ونمتْ، فتباعد حتى كان لا يشهدُ جمعةً ولا جماعة؛ فكان إذا كان يوم الجمعة خرجَ يتلقَّى النَّاس يسألهم عن الأخبار، فذكرهُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذات يوم فقال: «ما فعل ثعلبةُ؟»
قالوا: يا رسول الله؛ اتَّخذَ غنماً ما يسعها وادٍ، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «يا ويْحَ ثَعلبةَ» فأنزل الله تعالى آية الصدقات؛ فبعث رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ رجلاً من بني سليم، ورجلاً من جهينة، وكتب لهما أسنان الصدقة كيف يأخذانها، وقال لهما: «مُرَّا بثعلَبَة بنِ حاطبٍ، وبرجُلٍ من بنِي سليمٍ، فخذا صدقاتهما» فخرجا حتى أتيا ثعلبة؛ فسألاه الصدقة، وأقرآه كتاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فقال: هذه إلاَّ الجزية، ما هذه إلاَّ أخت الجزية، انطلقا حتى تفرغا ثم عودا إليَّ، فانطلقا وسمع بهما السُّلمي، فنظر إلى خيار أسنان إبله فعزلها للصَّدقة، ثم استقبلهما بها، فلمَّا رأياها قالا: ما هذه عليك؛ قال خذاه فإنَّ نفسي بذلك طيبة، فمرَّا على الناس، وأخذَا الصدقات ثم رجعا إلى ثعلبة، فقال: أروني كتابكما؛ فقرأه ثم قال: ما هذه إلا جزية، ما هذه إلاَّ أختُ الجزية، اذهبا حتَّى أرى رأيي، قال فأقبلا، فلما رآهما رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال قبل أن يكلماه: يا ويْحَ ثعلبةَ، ثُمَّ دعا للسلميّ بخيرٍ؛ فأخبراه بالذي صنع ثعلبة؛ فأنزل الله - عزَّ وجلَّ - ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ الله﴾ الآية على قوله: ﴿وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: 77] وعند رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ رجلٌ من أقارب ثعلبةَ؛ فسمع ذلك، فخرج حتَّى أتاهُ فقال: ويْحَكَ يا ثعلبة، قد أنزل الله عزَّ وجلَّ فيك كذا وكذا، فخرج ثعلبة حتى أتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فسأله أن يقبل صدقته، فقال:
«إنَّ الله مَنَعنِي أن أقبلَ مِنْكَ صدقَتكَ» فجعل يَحثُو التُّرابَ على رأسِهِ، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «قد أمرتُك فلمْ تُطِعْنِي» ؛ فرجع إلى منزله، وقبض رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ثم أتى أبا بكر بصدقته؛ فلم يقبلها اقتداء بالرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - فقبض أبو بكر، ثم لم يقبلها عمر اقتداء بأبي بكر، ثمَّ لم يقبلها عثمان، وهلك ثعلبةُ في خلافه عثمان.
وقال ابنُ عباسٍ، وسعيدُ بن جبير، وقتادةُ: أتى ثعلبة مشهداً من الأنصار؛ فأشهدهم لئن آتاني الله من فضله آتيت كلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ، وتصدقت منه، ووصلت منه القرابة، فمات ابن عمٍّ له، فورث منه مالاً، فلم يف بما قال؛ فأنزل الله هذه الآية.
وقال الحسن ومجاهدٌ: نزلت في ثعلبةَ بن حاطبٍ، ومعتب بن قشير، وهما من بني عمرو بن عوف قد جاءا على ملأ قعوداً وقالا: والله لئن رزقنا الله لنصدقنَّ، فلما رزقهما بخلا به. والمشهورُ الأول.
فإن قيل: إنَّ الله أمره بإخراج الصَّدقة؛ فكيف يجوزُ للرسول أن لا يقبلها منه؟ .
فالجواب: لا يبعد أن يقال: إنَّ الله تعالى منع الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - من قبول الصدقة منه إهانة له ليعتبر غيره؛ فلا يمتنع عن أداء الصدقات، أو أنَّه أتى بتلك الصدقة على وجه الرياء، لا على وجه الإخلاص، وأعلم الله الرسول بذلك؛ فلذلك لم يقبل تلك الصدقة، ويحتمل أيضاً أن الله تعالى لما قال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ [التوبة: 103] كان هذا غير حاصل في ثعلبة مع نفاقه؛ فلهذا امتنع الرَّسولُ - عليه الصلاو والسلام - من أخذ تلك الصَّدقةِ.
فإن قيل: المنافق كافرٌ، والكافر لا يمكنه أن يعاهد الله.
فالجواب: أنَّ المنافق قد يكون عارفاً بالله، إلاَّ أنه كان منكراً لنبوةِ محمدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ؛ فلكونه عارفاً بالله يمكنه أن يعاهد الله، ولكونه منكراً لنبوة محمد - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -، كان كافراً.
وكيف لا أقول ذلك وأكثر العالم مقرون بوجود الصانع؟ أو لعله حين عاهد الله كان مسلماً، ثم لمَّا بخل بالمال، ولم يف بالعهدِ صار منافقاً، ولفظ الآية يدلُّ على ذلك لقوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً﴾ [التوبة: 78] .
فإن قيل: هل من شرط المعاهدة أن يتلفظ بها باللسان، أو يكفي النِّيَّة؟ .
فالجواب: قال بعضهم: تكفي النيةُ، وأن قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ الله﴾ [التوبة: 75] كان شيئاً نووه في أنفسهم لقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ الله يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ [التوبة: 78] . وقال المحققون: هذه المعاهدة مقيدة بالتَّلفظ باللسان، لقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «إنَّ الله عفا لأمَّتي ما حدَّثتْ به أنفُسهَا ما لم تتكلَّم به أو تعمل» وأيضاً فقوله ﴿لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ يشعر ظاهره بالقول باللسانِ.
فإن قيل: المراد من الصدقة إخراج المال، وهو على قسمين واجبٌ وغير واجب والواجبُ قسمان: قسم واجبٌ بأصل الشرع كالزَّكاة، والنفقات الواجبةِ.
وقسم لم يجب إلاَّ إذا التزمه العبد كالنذور.
فقوله: «لنصَّدَّقنَّ» هل يتناولُ الأقسام الثلاثة، أو لا؟
فالجوابُ: أنَّ الصَّدقات الَّتي ليست واجبة، غير داخلة في الآية، لقوله: «بخلوا به» والبخل في عرف الشَّرْعِ عبارة عن منع الواجب؛ ولأنَّه تعالى ذمَّهُم بهذا الترك، وتارك المندوب لا يذم.
بقي القسمان الواجبان؛ فالواجب بأصل الشرع داخل في الآية، لا محالة بقي الواجب بالنَّذر، والظَّاهر أن اللفظ لا يدلُّ عليه؛ لأنه ليس في الآية إلاَّ قوله ﴿لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ وهذا ليس فيه إشعارٌ بالنَّذر، لأنَّ الرجل قد يعاهدُ ربَّهُ في أن يقوم بما يلزمه من الزَّكوات والنفقات الواجبة إن وسَّعَ اللهُ عليه.
فإن قيل: لفظ الآية يدلُّ على أنَّ الذي لزمهم إنَّما بسبب هذا الالتزام، والزكاةُ لا تلزم بسبب هذا الالتزام، وإنما تلزمُ بملك النصاب وحلول الحولِ.
فالجوابُ: قوله: «لنصَّدقنَّ» لا يوجبُ أن يفعلوا ذلك على الفور؛ لأنَّهُ إخبار عن إيقاع هذا الفعل في المستقبل، وهذا النذر لا يوجبُ الفور؛ فكأنهم قالوا: لنصدقن في وقته كما قالوا: ﴿وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصالحين﴾ أي: في أوقات لزوم الصَّلاة؛ فثبت بما قرَّرْنَا أنَّ الدَّاخل تحت هذا العهد، إخراج الأموال الواجبة بأصل الشَّرع، ويؤكد هذا ما روي في سببن النُّزولِ أنَّ الآية إنَّما نزلت في حق من امتنع من أداة الزَّكاةِ.
فصل
المرادُ من «الفضل» ههنا: إيتاء المالِ بأي طريق كان، إمَّا بتجارة، أو غنيمةٍ أو غير ذلك. والمرادُ ب «الصَّالحينَ» : الصالح ضد المفسد، والمفسد عبارة عمَّن بخل بما يلزمه في التكليف، فالصَّالح: من يعملُ بعمل أهل الصَّلاحِ من صلة الرَّحمِ والنَّفقةِ في الخير، ونحو ذلك.
ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّآ آتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ .
قال الليثُ: يقال: أعقب فلاناً ندامةٌ، إذا صيرت عاقبة أمره ذلك، قال الهذليُّ: [الكامل]
2817 - أودى بنيَّ وأعقبُوني حَسْرَةً ... بَعْد الرُّقادِ وعبْرَةٌ لا تُقْلِعُ ويقال: أكل فلانٌ أكلةً فأعقبتهُ سُقْماً، وأعقبه الله خيراً، والمعنى: أخلفهم في قلوبهم أي: صير عاقبة أمورهم النفاق، عاقبهم بنفاق في قلوبهم، يقال: عاقبته وأعقبته بمعنى.
فصل
«فأعقبهم» فعل، ولا بد من إسناده إلى شيء تقدَّم ذكره، والذي تقدَّم ذكره هو الله تعالى، والمعاهدة والتصدق والصلاح والبخل والتولي والإعراض، ولا يجوزُ إسناد إعقاب النفاق إلى المعاهدة أو التَّصدق أو الصلاح، لأنَّ هذه الثلاثة أعمال الخير؛ فلا يجوز جعلها مؤثرة في حصول النفاق في القلب؛ لأنَّ النفاقَ عبارة عن الكُفْرِ، وهو جهل وترك بعض الواجب لا يكون مؤثراً في حصول الجهلِ في القلب؛ لأنَّ ترك الواجب عدمٌ، والجهل وجود، والعدم لا يكون مؤثراً في الوجود؛ لأنَّ البخل والتولي والإعراض، قد يوجدُ في كثير من الفُسَّاقِ، مع أنَّهُ لا يحصلُ معه النفاق؛ ولأنَّ هذا الترك لو أوجب حصول الكفرِ في القلب لأوجبه، سواء كان هذا الترك جائزاً شرعاً أو محرماً شرعاً؛ لأنَّ سبب اختلاف الأحكام الشرعية لا يخرج المؤثر عن كونه مؤثراً؛ ولأنه تعالى قال: ﴿بِمَآ أَخْلَفُواْ الله مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: 77] فلو كان فعل الإعقاب مسنداً إلى البخل، والتولي، والإعراض لصار تقدير الآية: فأعقبهم ببخلهم وتوليهم وإعراضهم نفاقاً في قلوبهم بما أخلفُوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون، وذلك لا يجوز؛ لأنَّه فرق بين التَّولي وحصول النفاق في القلب بسبب التولي، ومعلومٌ أنه كلام باطل؛ فثبت بهذه الوجوه أنَّهُ لا يجوز إسناد الإعقاب إلى شيء من الأشياءِ المتقدم ذكرها إلاَّ إلى الله تعالى؛ فوجب إسناده إليه؛ فصار المعنى: أنَّ الله تعالى هو الذي يعقب النفاق في قلوبهم، وذلك يدلُّ على أنَّ خالق الكفر في القلوب هو الله تعالى، وهذا هو الذي قاله الزجاجُ، إنَّ معناه: أنَّهُم لمَّا ضلُّوا في الماضي فهو تعالى أضلَّهُم عن الدِّين في المستقبل، ويؤكدُ ذلك قوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ فالضميرُ في قوله: «يَلقَوْنَهُ» عائد إلى الله تعالى فكان الأولى أن يكون قوله: «فأعْقَبَهُمْ» مسنداً إلى اللهِ تعالى.
قال القاضي «المرادُ من قوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي: فأعقبهم العقوبة على النفاق وتلك العقوبة هي: حدوث الغم في قلوبهم وضيق الصدر وما ينالهم من الذُّل والذنب ويدوم بهم ذلك إلى الآخرة» .
وهذا بعيدٌ؛ لأنه عدولٌ عن الظَّاهر من غير دليل فإن ذكروا دليلاً عقلياً، قوبلوا بدليل عقلي. والله أعلم.
فصل
ظاهرُ الآية يدلُّ على أنَّ نقض العهد، وخلف الوعد، يورثُ النِّفاقَ، فيجب على المسلم الاحتراز عن ذلك، ويجتهد في الوفاءِ. ومذهب الحسنِ البصري: أنَّه يوجب النفاق لا محالة لهذه الآية، ولقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «ثلاثٌ من كُنَّ فيه كان مُنافقاً وإن صلَّى وصامَ وزعمَ أنَّهُ مؤمنٌ، إذا حدَّث كذبَ، وإذا وعدَ أخلفَ، وإذا ائْتُمِنَ خَانَ» .
ونقل أن واصل بن عطاء قال: أتى الحسن رجلٌ فقال له: إن أولاد يعقوب حدَّثُوه في قولهم ﴿فَأَكَلَهُ الذئب﴾ [يوسف: 17] فكذبوهُ، ووعدوه في قولهم: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [يوسف: 12] فأخلفوه، وائتمنهم أبوهم على يوسف فخانوه، فهل نحكمُ بكونهم منافقين؟ قيل: فتوقف الحسن في مذهبه.
وفسَّر عمر بن عبيد الحديث فقال «إذا حدَّث عن الله كذب عليه، وعلى دينه، وعلى رسوله وإذا وعد أخلف كما ذكر الله فيمن عاهد الله، وإذا ائتمن على دين الله خان في السرِّ فكان قلبه على خلاف لسانه» .
قوله: ﴿إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ قال الجبائيُّ «تمسَّكُوا في إثبات رُؤية الله بقوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ﴾ [الأحزاب: 44] قال: واللقاء ليس عبارة عن الرؤية، بدليل قوله في صفة المنافقين ﴿إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ وأجمعوا على أنَّ الكفَّار لا يرونه؛ فدلَّ على أنَّ اللقاء ليس عبارة عن الرؤية.
ويؤيدُه قوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ» من حلفَ على يمينٍ كاذبةٍ ليقتطع بهَا حق امرئ مُسلمٍ لقيَ الله وهُو عليه غَضبَانُ «وأجمعوا على أنَّ المراد من اللقاء ههنا: لقاء ما عند الله من العقاب فكذا ههنا» .
قال ابن الخطيب «وهذا دليلٌ ضعيفٌ؛ لأنَّا إذا تركنا حمل لفظ اللقاء على الرُّؤيةِ في هذه الآية، وفي الخبر لدليل منفصل؛ فلا يلزمنا ذلك في سائر الصُّور، كما إذا أدخلنا التَّخصيصَ في بعض العمومات لدليل منفصل؛ فلا يلزمنا أن نُخَصّصَ جميع العمومات من غير دليل فكما لا يلزمنا هذا لا يلزمنا ذلك» .
قوله: ﴿بِمَآ أَخْلَفُواْ الله مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾ أي: أنَّ الله أعقبهم ذلك النِّفاق في قلوبهم لأجل إخلافهم الوعد، وعلى كذبهم. وقرأ الجمهور «يَكْذبُونَ» مخففاً، وأبو رجاء مثقلاً.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ الله يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ الآية.
قرأ الجمهور «يَعْلمُوا» بالياء من تحت. وقرأ عليُّ بن أبي طالبٍ، والحسنُ، والسلمي بالخطاب، التفاتاً للمؤمنين دون المنافقين والسِّر: ما ينطوي عليه صدورهم والنَّجْوَى: ما يفاوضُ فيه بعضهم بعضاً فيما بينهم، مأخوذ من «النَّجْوِ» وهو الكلام الخفي كأنَّ المتناجين منعا إدخال غيرهما معهما، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: 52] وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا استيأسوا مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيّاً﴾ [يوسف: 80] وقوله: ﴿فَلاَ تَتَنَاجَوْاْ بالإثم والعدوان وَمَعْصِيَةِ الرسول وَتَنَاجَوْاْ بالبر والتقوى﴾
[المجادلة: 9] ، والمعنى: أنَّ الله تعالى يعلم سرهم ونجواهم فكيف يتجرَّءون على النفاق الذي الأصل فيه الاستسرار والتَّناجي فيما بينهم، مع علمهم بأنَّهُ تعالى يعلم ذلك من حالهم، كما يعلم الظَّاهر، وأنَّهُ يعاقب عليه كما يعاقب على الظَّاهر.
قال: ﴿وَأَنَّ الله عَلاَّمُ الغيوب﴾ والعَلاَّمُ: مبالغة في العالم، والغيب: ما كان غَائِباً عن الخلق.
قوله تعالى: ﴿الذين يَلْمِزُونَ المطوعين مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ الآية.
في «الذين يَلْمِزُونَ» أوجه:
أحدها: أنه مرفوعٌ على إضمار مبتدأ، أي: هم الذين.
الثاني: أّنَّه في محل رفع بالابتداء، و «مِنَ الُمؤمنينَ» حالٌ من «المطَّوِّعين» .
و «في الصَّدقاتِ» متعلق ب «يَلْمِزُونَ» ، و «الَّذشينَ لا يَجِدُونَ» نسقٌ «المُطَّوِّعينَ» أي: يَعيبُونَ المياسير، والفقراء. وقال مكيٌّ: «والَّذينَ» خفضٌ، عطفاً على «المُؤمنينَ» ولا يَحْسُن عطفهُ على «المُطَّوِّعين» ؛ لأنه لمْ يتمَّ اسماً يعد؛ لأنَّ «فَيَسْخَرُونَ» عطف على «يَلْمِزُونَ» هكذا ذكره النَّحاسُ في الإعراب له، وهو عندي وهمٌ منه.
قال شهابُ الدِّين: «والأمر فيه كما ذكر، فإنَّ» المُطَّوِّعينَ «قد تمَّ من غير احتياجٍ لغيره» .
وقوله: «فَيَسْخرُونَ» نسقٌ على الصِّلةِ، وخبر المبتدأ: الجملةُ من قوله «سَخِرَ اللهُ منهُمْ» هذا أظهرُ إعراب قيل هنا.
وقيل: «والَّذينَ لا يَجِدُونَ» نسقٌ على «الَّذِينَ يَلْمِزُونَ» ، ذكره أبُو البقاءِ وهذا لا يجُوزُ؛ لأنَّهُ يلزمُ الإخبارُ عنهم بقوله: ﴿سَخِرَ الله مِنْهُمْ﴾ ، وهذا لا يكون، إلاَّ بأنْ كان «الَّذِينَ لا يَجِدُون» مُنافقينَ، وأمَّا إذَا كانُوا مؤمنين، كيف يسخرُ الله منهم؟ . وقيل: «والَّذِينَ لا يَجِدُونَ» نسقٌ على «المُؤمنينَ» ، قاله أبُو البقاءِ.
قال أبُو حيَّان: «وهُو بعيدٌ جدّاً» . ووجهُ بعده: أنَّه يفهمُ أنَّ «الَّذِينَ لا يجدُونَ» ليسوا مؤمنين؛ لأن أصل العطف الدلالةُ على المُغايرةِ، فكأنَّنهُ قيل: يَلْمِزُونَ المطَّوِّعينَ من هذين الصنفين: المؤمنين، والذين لا يجدُونَح فيكون «الَّذِينَ لا يجدون» مطَّوِّعين غير مؤمنين.
وقال أبُو البقاءِ: «فِي الصَّدقاتِ» متعلقٌ ب «يَلمِزُونَ» ، ولا يتعلَّق ب «المُطَّوِّعينَ» لئلاَّ يفصل بينهما بأجنبي. وهذا فيه نظر؛ إذ قوله «مِنَ المؤمنينَ» حال، والحالُ ليست بأجنبيّ، وإنَّما يظهر في ردِّ ذلك أن «يطَّوَّع» إنَّما يتعدى بالياءِ، لا ب «في» وكون «في» بمعنى «الباء» خلاف الأصل. وقيل: «فَيَسْخَرُونَ» خبرُ المبتدأ ودخلتِ الفاءُ، لمَا تضمَّنهُ المبتدأ من معنى الشرط، وفي هذا الوجه بُعدٌ من حيثُ إنَّه يقرُب من كون الخبر في معنى المبتدأ فإنَّ من عاب إنساناً وغمزهُ علم أنَّهُ يسخرُ منه فيكون كقولهم: «سَيِّدُ الجاريةِ مالِكُهَا» .
الثالث: أن يكون محلُّه نصباً على الاشتغال، بإضمار فعل يُفسِّره «سَخِرَ اللهُ منهُم» من طريق المعنى، نحو: عاب الذين يلمزُون، سخر الله منهم.
الرابع: أنْ ينصب على الشتم.
الخامس: أن يكون مجروراً بدلاً من الضمير في «سِرَّهُم ونجْواهُمْ» .
وقرئ «يلْمُزون» بضم الميم، وقد تقدَّم أنَّها لغة، وقرأ الجمهور «جُهْدَهم» بضمِّ الجيمِ.
وقرأ ابنُ هرمز وجماعة «جَهْدهم» بالفتح. فقيل: لغتان بمعنى واحد. وقيل المفتوحُ المشقَّةُ والمضمومُ: الطَّاقةُ، قالهُ القتيبيُّ، وقيل: المضمومُ شيءٌ قيلٌ يعاشُ به والمفتوحُ: العملُ.
وقوله: ﴿سَخِرَ الله مِنْهُمْ﴾ يحتملُ أن يكون خبراً محضاً، وأن يكون دعاءً.
فصل
اعلم أنَّ هذا نوع آخر من أعمالهم القبيحة، وهو لمزهم من يأتي بالصَّدقاتِ.
قال المفسِّرون: حثَّ رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على الصَّدقةِ؛ فجاء عبدُ الرحمن بنُ عوفٍ بأربعة آلافِ درهم، فقال: يا رسول الله، مالي ثمانية آلاف درهم، جئتك بأربعة آلاف فاجعلها في سبيل الله، وأمسكتُ أربعة آلاف لعيالي.
فقال رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «بَارَكَ اللهُ لَكَ فِيمَا أعْطيْتَ، وفيمَا أمْسَكْتَ» فبارك اللهُ في مال عبد الرحمن، حتَّى إنَّهُ خلف امرأتين يوم أن مات؛ فبلغ ثمنُ ماله لهما مائة وستون ألفاً وتصدق يومئذ عاصمُ بن عدي العجلاني بمائة وسْقٍ من تمر.
وجاء أبُو عقيلٍ الأنصاري واسمه الحبحاب، بصاعٍ من تمرٍ، وقال: يا رسُول الله بتُّ ليلتي أجر بالجرير حتى نلتُ صاعين من تمرٍ؛ فأمسكتُ أحدهما لعيالي، وجئتُ بالآخر؛ فأمره رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن ينثره على الصَّدقاتِ؛ فلمزهم المنافقُون، وقالوا: ما أعطى عبد الرحمن وعاصم إلاَّ رياءً، وإن كان الله ورسوله لغنيين عن صاع أبي عقيل ولكنَّهُ أحب أن يزكي نفسه ليعطى من الصَّدقات؛ فأنزل الله تعالى: «الَّذِينَ يلْمِزُون» أي: يعيبون المطوعين المتبرعين من المؤمنين في الصدقات، يعني: عبد الرحمن بن عوف وعاصماً، ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ﴾ أي: طاقتهم.
والجُهْدُ: شيء قليلٌ يعيش به المقلُّ، والجهد بالفتح، والجُهْد بالضمِّ بمعنى واحد يعني: أبا عقيل: «فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ» يستهزئون منهم، ﴿سَخِرَ الله مِنْهُمْ﴾ أي: جازاهم على السخرية، وقال الأصمُّ: المرادُ أنه تعالى قبل من هؤلاء المنافقين ما أظهروهُ من أعمال البرِّ مع أنَّهُ لا يثيبهم عليها؛ فكان ذلك كالسخرية، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ .
قوله تعالى: ﴿استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية.
قال ابنُ عبَّاسٍ: إنَّ عند نزول الآية في المنافقين، قالوا: يا رسول الله، استغفر لنا، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «سأسْتغفرُ لَكُمْ» ؛ فنزل قوله تعالى: ﴿استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ قد تقدَّم الكلام على هذا عند قوله: ﴿قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ﴾ [التوبة: 53] ؛ وأنَّهُ نظيرُ قوله: [الطويل]
2818 - أسِيئِي بِنَا أوْ أحْسِني لا مُسِيئةٌ ... لدَينَا ولا مقليَّةٌ إنْ تقَلَّتِ
التوبة 9:73
قوله: ﴿وَعَدَ الله الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [التوبة: 72] .
والأقرب أنه تعالى أراد بها البساتين التي تبنى فيها المناظر؛ لأنَّهُ تعالى قال بعده ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ والمعطوفُ يجبُ أن يكون مغايراً للمعطوف عليه فتكون مساكنهم في جنَّات عدنٍ ومناظرهم التي هي البساتين، وتكون فائدة وصفها بأنَّها عدنٌ، أنَّها تجري مجرى دار السَّكن والإقامة.
وقوله: «خَالِدِينَ» حالٌ مقدَّرة، كما تقدَّم. وقوله: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾ أي: منازل طيبة ﴿فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ أي: خلد وإقامة، وفي «عدن» قولان:
أحدهما: أنَّهُ اسم على لموضع معين في الجنَّةِ.
قال عبدُ الله بنُ عمرو «إنَّ في الجنَّة قصراً يقال له عدنٌ، حوله البروج وله خمسة آلاف باب على كلِّ باب خمسة ألاف حرة، لا يدخله إلاَّ نبيٌّ، أو صديقٌ أو شهيدٌ» .
قال الزمخشريُّ: و «عدن» علم بدليل قوله ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ التي وَعَدَ الرحمن عِبَادَهُ﴾ [مريم: 61] .
والقول الثاني: أنه صفة للجنة. قال الأزهريُّ: «العَدْنُ» مأخوذ من قولك: عَدَنَ بالمكان إذا أقام به، يَعْدِنث عُدوناً. وتقول: تركت إبل بني فلان عوادن بمكان كذا، وهو أن تلزم الإبل المكان فتألفه، ومنه المعدن، لمُسْتقرِّ الجواهر. يقال: عدن عُدُوناً، فله مصدران. هذا أصلُ هذه اللفظة لغة. وذكر المفسِّرون لها معان كثيرة وقال الأعشى في معنى الإقامة [المتقارب]
2814 - وإنْ يَسْتَضِيفُوا إلى حِلْمِهِ ... يُضَافُوا إلى رَاجِحٍ قَدْ عَدَنْ أي: ثَبَتَ واستقرَّ. ومنه «عدن» لمدينة باليمن، لكثرة المقيمين بها.
قوله: ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ الله أَكْبَرُ﴾ التَّنكيرُ يفيدُ التقليل، أي: أقلُّ شيء من الرضوان أكبر من جميع ما تقدَّم من الجنَّات ومساكنها.
ثم قال: ﴿ذلك هُوَ الفوز العظيم﴾ أي: هذا هو الفوزُ العظيمُ، لا ما يطلبه المنافقون والكفار من التنعم بطيبات الدنيا. روى أبو سعيدٍ الخدريُّ أنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ لأهل الجنَّة: يا أهل الجنة هل رضيتم؟ فيقولون: ربنا ومالنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك، فيقول ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: ربنا أي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول:» أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً» .
قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي جَاهِدِ الكفار والمنافقين﴾ الآية.
لمَّا وصف المنافقين بالصِّفات الخبيثةِ، وتوعدهم بأنواع العقاب، ثمَّ ذكر المؤمنين بالصفات الحسنة، ووعدهم بالثَّوابِ، عاد إلى شرح أحوال الكُفَّارِ والمنافقين في هذه الآية.
فإن قيل: مجاهدة المنافقينَ غيرُ جائزة، فإنَّ المنافق يستر كفره وينكره بلسانه.
فالجوابُ من وجوه:
أحدها: قال الضحاكُ: مجاهدة المنافق: تغليظُ القول، وهذا بعيدٌ؛ لأنَّ ظاهر قوله ﴿جَاهِدِ الكفار والمنافقين﴾ يقتضي الأمر بجهادهما معاً، وكذا ظاهر قوله: ﴿واغلظ عَلَيْهِمْ﴾ راجع إلى الفريقين.
وثانيها: أنَّ الجهاد عبارة عن بذل الجهد وليس في اللفظ ما يدلُّ على أنَّ الجهاد بالسَّيف أو باللِّسانِ أو بطريق آخر. فقال ابن مسعودٍ: بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لَمْ يَسْتَطعْ فبقَلبِهِ. وقال: لا يلقى المنافق إلاَّ بوجه مكفهر. وقال ابنُ عبَّاسٍ: باللِّسانِ وترك الرفق.
وثالثها: قال الحسنُ وقتادةُ: بإقامةِ الحدودِ عليهم قال القاضي: وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ إقامة الحدود واجبةٌ على من ليس بمُنافقٍ.
قوله: ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ قال أبُو البقاءِ: إن قيل كيف حسنتِ الواوُ هنا والفاء أشبه بهذا الموضع؟ ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنَّ الواو واو الحالِ والتقدير: افعل ذلك في حال استحقاقهم جهنَّم، وتلك الحال حال كفرهم ونفاقهم.
والثاني: أنَّ الواو جيء بها تنبيهاً على إرادة فعل محذوف، تقديره: واعلمْ أنَّ مأواهم جهنم.
الثالث: أنَّ الكلام حمل على المعنى والمعنى أنَّه قد اجتمع لهم عذابُ الدُّنيا بالجهاد والغلظة، وعذابُ الآخرة بجعل جهنَّم مأواهم. ولا حاجة إلى هذا كُلِّه، بل هي جملةُ استثنافية.
قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بالله مَا قَالُواْ﴾ الآية.
قال ابنُ عبَّاسٍ: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ جالساً في ظلِّ شجرةٍ، فقال: «إنهُ سيَأتِيكُمْ إنْسانٌ ينْظرُ إليْكُمْ بعيْنِ الشَّيطانِ، فإذا جَاءَ فلا تُكَلِّمُوهُ» فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق، فدعاه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فقال: «عَلامَ تَشْتمُنِي أنْتَ وأصْحَابُكَ» فانطلق الرَّجُل؛ فجاء بأصحابه، فحلفُوا بالله ما قالوا، فأنزل الله عَزَّ وَجَلَّ الآية.
وقال الكلبيُّ: نزلت في جلاس بن سويدٍ، وذلك أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ خطب ذات يوم بتبوك، فذكر المنافقين، فسمَّاهم رجْساً وعابهم، فقال جلاسٌ: لئن كان محمد صادقاً، لنحنُ شرٌّ من الحمير فلمَّا انصرف رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إلى المدينة أتاه عامر بن قيس، وأخبره بما قال جلاس، فقال الجلاس: كذب يا رسول الله؛ فأمرهما رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يحلفا عند المنبر؛ فقام الجلاسُ عند المنبر بعد العصر فحلف بالله الذي لا إله إلاَّ هو ما قاله، ولقد كذب عليَّ عامر، فقام عامرٌ فحلف بالله الذي لا إله إلا هو: لقد قاله، وما كذبتُ عليه، ثم رفع عامرٌ يديه إلى السَّماء فقال: اللَّهُمَّ انزلْ على نبيِّكَ تصديق الصادقِ منَّا.
فقال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والمؤمنون: «آمين» ، فنزل جبريل عليه السلام قبل أن يتَفرَّقُوا بهذه الآية، حتى بلغ ﴿فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ﴾ ، فقام الجلاسُ، فقال: يا رسول الله، وأتوب إليه، فقبلَ رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذلك منه، ثم تاب وحَسُنَتْ توبتُه.
وقيل: نزلت في عبد الله بن أبيّ لما قال {يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ}
[المنافقون: 8] . وأراد به الرسول - عليه الصَّلاة والسلام -، فسمع زيدُ بنُ أرقم ذلك وبلغه إلى الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -، فهمَّ عمرُ بقتل عبد الله بن أبيّ، فجاء عبد الله وحلف أنَّهُ لم يقل فنزلت الآية. وقال القاضي: الأولى أن تحمل هذه الآية على ما روي أنَّ المنافقين همُّوا بقتله عند رجوعه من تبوك، وهم خسمة عشر رجلاً تعاهدوا أن يدفعوه عن راحلته إلى الوادي باللَّيل، وكان عمَّار بن ياسر آخذاً بخطام راحلته وحذيفة خلفها يسوقها، فسمع حذيفة وقع أخفاف الإبل، وقعقة السلاح، فالتفت، فإذا قوم متلثمُون. فقال: إليكم يا أعداء الله، فهربوا والظَّاهر أنهم لمَّا اجتمعوا لذلك الغرض، فقد طعنوا في نبوته ونسبوه إلى الكذب في ادِّعاءِ الرسالة، وذلك هو قولهم كلمة الكفر وهذا القول اختيار الزجاج.
فإن قيل: قوله: ﴿وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ﴾ يدلُّ على أنَّهم أسلمُوا من قبل، وهم لم يكونوا مسلمين.
فالجوابُ: أنَّ المراد من الإسلام السلم الذي هو ضد الحرب؛ لأنَّهم لمَّا نافقوا، فقد أظهروا الإسلام، وقوله: ﴿وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ﴾ المراد إطباقهم على الفتك بالرسول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ والله تعالى أخبر الرسول بذلك حتى احترز عنهم، ولم يصلُوا إلى مقصودهم وقال السُّديُّ: «هو قولهم إذا قدمنا المدينة؛ عقدنا على رأس عبد الله بن أبيّ تاجاً فلم يصلوا إليه» .
قوله: ﴿وَمَا نقموا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ الله وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾ .
في الاستثناء وجهان:
أحدهما: أنَّهُ معفول به، أي: وما كرهُوا وعابُوا إلاَّ إغناءَ الله إيَّاهم وهو من باب قولهم: ما لي عندك ذنبٌ إلاَّ أن أحسنت إليك، أي: إن كان ثم ذنبٌ فهو هذا، فهو تهكمٌ بهم؛ كقوله: [الطويل]
2815 - ولا عَيْبَ فينَا غَيْرَ عِرْقٍ لِمَعْشَرٍ ... كرامٍ وأنَّا لا نَخُطُّ على النَّمْلِ
وقول الآخر: [المنسرح]
2816 - مَا نَقمُوا مِنْ بَنِي أمَيَّة إلْ ... لا أنَّهُم يَحْلُمُون إن غضبُوا
وأنَّهُمْ سَادَةُ الملُوك ولا ... يَصْلحُ إلاَّ عليهمُ العربُ والثاني: أنَّهُ مفعولٌ من أجله، وعلى هذا فالمفعولُ به محذوف، تقديره: وما نقموا منهم الإيمان إلاَّ لأجل إغناء الله إيَّاهم. وقد تقدَّم الكلامُ على «نَقِمَ» [الأعراف: 126] .
قيل: إن مولى الجلاس قتل، فأمر له رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بديته اثني عشر ألفاً فاستغنى.
وقال الكلبيُّ: كانوا قبل قدوم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ المدينة في ضنكٍ من العيشِ فلمَّا قدمَ عليهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ استغنوا بالغنائم.
قوله: ﴿فَإِن يَتُوبُواْ﴾ أي: من نفاقهم: ﴿يَكُ خَيْراً لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا﴾ أي: يعرضوا عن التوبة ﴿يُعَذِّبْهُمُ الله عَذَاباً أَلِيماً فِي الدنيا﴾ بالخزي، وفي ﴿الآخرة﴾ بالنَّارِ ﴿وَمَا لَهُمْ﴾ في الأَرض ﴿مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾ أي: أنَّ عذاب الله إذا حق لم ينفعه وليّ ولا نصير.
قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ الله﴾ الآية.
«عاهد الله» فيه معنى القسم، فلذلك أجيب بقوله: «لنصَّدقنَّ» ، وحذف جوابُ الشرط لدلالة هذا الجواب عليه، و «اللاَّم» للتوطئةِ، ولا يمتنع الجمعُ بين القسم واللاَّم الموطئة له.
وقال أبُو البقاءِ: فيه وجهان:
أحدهما: تقديره: «عاهد، فقال: لئِنْ آتَانَا» .
والثاني: أن يكون «عاهد» بمعنى: قال، فإنَّ العهد قول. ولا حاجة إلى هذا.
قوله: ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ﴾ قرأهما الجمهور بالنُّون الثقيلة. والأعمش بالخفيفة.
قال الزجاج الأصل: «لنتَصدَّقنَّ» ، ولكن التَّاء أدغمت في الصَّاد، لقربها منها.
قال الليثُ: المُتصدق: المعطي، والمُتصدق: السائل. قال الأصمعيُّ، والفرَّاءُ: هذا خطأ، فالمتصدق هو المعطي، قال تعالى: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ الله يَجْزِي المتصدقين﴾ [يوسف: 88] واعلم أنَّ هذه السورة نزل أكثرها في شرح أحوال المنافقين؛ فلهذا ذكرهم على التفصيل فقال: ﴿وَمِنْهُمُ الذين يُؤْذُونَ النبي﴾ [التوبة: 62] ﴿وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصدقات﴾ [التوبة: 58] ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي﴾ [التوبة: 49] ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ﴾ [التوبة: 75] .
والمشهور في سبب نزول هذه الآية: ما روى أبو أمامة قال: جاء ثعلبةُ بنُ حاطبٍ الأنصاريُّ إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال: يا رسول الله ادعُ الله أن يرزقني مالاً، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «ويحْكَ يا ثعلبةُ قليلٌ تُؤدِّي شُكرَهُ خيرٌ من كثيرٍ لا تُطِيقهُ» ثمَّ أتاهُ بعد ذلك فقال: «أمّا لكَ في رسول الله أسوةٌ حسنةٌ؟ والذي نفسي بيدهِ لوْ أردتُ أن تسيرَ الجبالُ معي ذهباً وفضةً لسَارَتْ»
ثمَّ راجعه بعد ذلك، فقال: يا رسول الله: ادعُ الله أن يرزقني مالاً، والذي بعثك بالحقِّ لئن رزقني الله مالاً لأعطين كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «اللَّهُمَّ ارزقْ ثعلبةَ مالاً» قال: فاتَّخذ غنماً؛ فنمت كما ينمو الدُّودُ، حتى ضاقَتْ بها المدينةُ فتنحَّى عنها، ونزل وادياً من أوديتها، وكان يصلي مع رسول الله الظهر والعصر، ويصلي في غنمة سائر الصلوات، ثم كثُرتْ ونمتْ، فتباعد حتى كان لا يشهدُ جمعةً ولا جماعة؛ فكان إذا كان يوم الجمعة خرجَ يتلقَّى النَّاس يسألهم عن الأخبار، فذكرهُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذات يوم فقال: «ما فعل ثعلبةُ؟»
قالوا: يا رسول الله؛ اتَّخذَ غنماً ما يسعها وادٍ، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «يا ويْحَ ثَعلبةَ» فأنزل الله تعالى آية الصدقات؛ فبعث رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ رجلاً من بني سليم، ورجلاً من جهينة، وكتب لهما أسنان الصدقة كيف يأخذانها، وقال لهما: «مُرَّا بثعلَبَة بنِ حاطبٍ، وبرجُلٍ من بنِي سليمٍ، فخذا صدقاتهما» فخرجا حتى أتيا ثعلبة؛ فسألاه الصدقة، وأقرآه كتاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فقال: هذه إلاَّ الجزية، ما هذه إلاَّ أخت الجزية، انطلقا حتى تفرغا ثم عودا إليَّ، فانطلقا وسمع بهما السُّلمي، فنظر إلى خيار أسنان إبله فعزلها للصَّدقة، ثم استقبلهما بها، فلمَّا رأياها قالا: ما هذه عليك؛ قال خذاه فإنَّ نفسي بذلك طيبة، فمرَّا على الناس، وأخذَا الصدقات ثم رجعا إلى ثعلبة، فقال: أروني كتابكما؛ فقرأه ثم قال: ما هذه إلا جزية، ما هذه إلاَّ أختُ الجزية، اذهبا حتَّى أرى رأيي، قال فأقبلا، فلما رآهما رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال قبل أن يكلماه: يا ويْحَ ثعلبةَ، ثُمَّ دعا للسلميّ بخيرٍ؛ فأخبراه بالذي صنع ثعلبة؛ فأنزل الله - عزَّ وجلَّ - ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ الله﴾ الآية على قوله: ﴿وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: 77] وعند رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ رجلٌ من أقارب ثعلبةَ؛ فسمع ذلك، فخرج حتَّى أتاهُ فقال: ويْحَكَ يا ثعلبة، قد أنزل الله عزَّ وجلَّ فيك كذا وكذا، فخرج ثعلبة حتى أتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فسأله أن يقبل صدقته، فقال:
«إنَّ الله مَنَعنِي أن أقبلَ مِنْكَ صدقَتكَ» فجعل يَحثُو التُّرابَ على رأسِهِ، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «قد أمرتُك فلمْ تُطِعْنِي» ؛ فرجع إلى منزله، وقبض رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ثم أتى أبا بكر بصدقته؛ فلم يقبلها اقتداء بالرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - فقبض أبو بكر، ثم لم يقبلها عمر اقتداء بأبي بكر، ثمَّ لم يقبلها عثمان، وهلك ثعلبةُ في خلافه عثمان.
وقال ابنُ عباسٍ، وسعيدُ بن جبير، وقتادةُ: أتى ثعلبة مشهداً من الأنصار؛ فأشهدهم لئن آتاني الله من فضله آتيت كلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ، وتصدقت منه، ووصلت منه القرابة، فمات ابن عمٍّ له، فورث منه مالاً، فلم يف بما قال؛ فأنزل الله هذه الآية.
وقال الحسن ومجاهدٌ: نزلت في ثعلبةَ بن حاطبٍ، ومعتب بن قشير، وهما من بني عمرو بن عوف قد جاءا على ملأ قعوداً وقالا: والله لئن رزقنا الله لنصدقنَّ، فلما رزقهما بخلا به. والمشهورُ الأول.
فإن قيل: إنَّ الله أمره بإخراج الصَّدقة؛ فكيف يجوزُ للرسول أن لا يقبلها منه؟ .
فالجواب: لا يبعد أن يقال: إنَّ الله تعالى منع الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - من قبول الصدقة منه إهانة له ليعتبر غيره؛ فلا يمتنع عن أداء الصدقات، أو أنَّه أتى بتلك الصدقة على وجه الرياء، لا على وجه الإخلاص، وأعلم الله الرسول بذلك؛ فلذلك لم يقبل تلك الصدقة، ويحتمل أيضاً أن الله تعالى لما قال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ [التوبة: 103] كان هذا غير حاصل في ثعلبة مع نفاقه؛ فلهذا امتنع الرَّسولُ - عليه الصلاو والسلام - من أخذ تلك الصَّدقةِ.
فإن قيل: المنافق كافرٌ، والكافر لا يمكنه أن يعاهد الله.
فالجواب: أنَّ المنافق قد يكون عارفاً بالله، إلاَّ أنه كان منكراً لنبوةِ محمدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ؛ فلكونه عارفاً بالله يمكنه أن يعاهد الله، ولكونه منكراً لنبوة محمد - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -، كان كافراً.
وكيف لا أقول ذلك وأكثر العالم مقرون بوجود الصانع؟ أو لعله حين عاهد الله كان مسلماً، ثم لمَّا بخل بالمال، ولم يف بالعهدِ صار منافقاً، ولفظ الآية يدلُّ على ذلك لقوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً﴾ [التوبة: 78] .
فإن قيل: هل من شرط المعاهدة أن يتلفظ بها باللسان، أو يكفي النِّيَّة؟ .
فالجواب: قال بعضهم: تكفي النيةُ، وأن قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ الله﴾ [التوبة: 75] كان شيئاً نووه في أنفسهم لقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ الله يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ [التوبة: 78] . وقال المحققون: هذه المعاهدة مقيدة بالتَّلفظ باللسان، لقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «إنَّ الله عفا لأمَّتي ما حدَّثتْ به أنفُسهَا ما لم تتكلَّم به أو تعمل» وأيضاً فقوله ﴿لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ يشعر ظاهره بالقول باللسانِ.
فإن قيل: المراد من الصدقة إخراج المال، وهو على قسمين واجبٌ وغير واجب والواجبُ قسمان: قسم واجبٌ بأصل الشرع كالزَّكاة، والنفقات الواجبةِ.
وقسم لم يجب إلاَّ إذا التزمه العبد كالنذور.
فقوله: «لنصَّدَّقنَّ» هل يتناولُ الأقسام الثلاثة، أو لا؟
فالجوابُ: أنَّ الصَّدقات الَّتي ليست واجبة، غير داخلة في الآية، لقوله: «بخلوا به» والبخل في عرف الشَّرْعِ عبارة عن منع الواجب؛ ولأنَّه تعالى ذمَّهُم بهذا الترك، وتارك المندوب لا يذم.
بقي القسمان الواجبان؛ فالواجب بأصل الشرع داخل في الآية، لا محالة بقي الواجب بالنَّذر، والظَّاهر أن اللفظ لا يدلُّ عليه؛ لأنه ليس في الآية إلاَّ قوله ﴿لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ وهذا ليس فيه إشعارٌ بالنَّذر، لأنَّ الرجل قد يعاهدُ ربَّهُ في أن يقوم بما يلزمه من الزَّكوات والنفقات الواجبة إن وسَّعَ اللهُ عليه.
فإن قيل: لفظ الآية يدلُّ على أنَّ الذي لزمهم إنَّما بسبب هذا الالتزام، والزكاةُ لا تلزم بسبب هذا الالتزام، وإنما تلزمُ بملك النصاب وحلول الحولِ.
فالجوابُ: قوله: «لنصَّدقنَّ» لا يوجبُ أن يفعلوا ذلك على الفور؛ لأنَّهُ إخبار عن إيقاع هذا الفعل في المستقبل، وهذا النذر لا يوجبُ الفور؛ فكأنهم قالوا: لنصدقن في وقته كما قالوا: ﴿وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصالحين﴾ أي: في أوقات لزوم الصَّلاة؛ فثبت بما قرَّرْنَا أنَّ الدَّاخل تحت هذا العهد، إخراج الأموال الواجبة بأصل الشَّرع، ويؤكد هذا ما روي في سببن النُّزولِ أنَّ الآية إنَّما نزلت في حق من امتنع من أداة الزَّكاةِ.
فصل
المرادُ من «الفضل» ههنا: إيتاء المالِ بأي طريق كان، إمَّا بتجارة، أو غنيمةٍ أو غير ذلك. والمرادُ ب «الصَّالحينَ» : الصالح ضد المفسد، والمفسد عبارة عمَّن بخل بما يلزمه في التكليف، فالصَّالح: من يعملُ بعمل أهل الصَّلاحِ من صلة الرَّحمِ والنَّفقةِ في الخير، ونحو ذلك.
ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّآ آتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ .
قال الليثُ: يقال: أعقب فلاناً ندامةٌ، إذا صيرت عاقبة أمره ذلك، قال الهذليُّ: [الكامل]
2817 - أودى بنيَّ وأعقبُوني حَسْرَةً ... بَعْد الرُّقادِ وعبْرَةٌ لا تُقْلِعُ ويقال: أكل فلانٌ أكلةً فأعقبتهُ سُقْماً، وأعقبه الله خيراً، والمعنى: أخلفهم في قلوبهم أي: صير عاقبة أمورهم النفاق، عاقبهم بنفاق في قلوبهم، يقال: عاقبته وأعقبته بمعنى.
فصل
«فأعقبهم» فعل، ولا بد من إسناده إلى شيء تقدَّم ذكره، والذي تقدَّم ذكره هو الله تعالى، والمعاهدة والتصدق والصلاح والبخل والتولي والإعراض، ولا يجوزُ إسناد إعقاب النفاق إلى المعاهدة أو التَّصدق أو الصلاح، لأنَّ هذه الثلاثة أعمال الخير؛ فلا يجوز جعلها مؤثرة في حصول النفاق في القلب؛ لأنَّ النفاقَ عبارة عن الكُفْرِ، وهو جهل وترك بعض الواجب لا يكون مؤثراً في حصول الجهلِ في القلب؛ لأنَّ ترك الواجب عدمٌ، والجهل وجود، والعدم لا يكون مؤثراً في الوجود؛ لأنَّ البخل والتولي والإعراض، قد يوجدُ في كثير من الفُسَّاقِ، مع أنَّهُ لا يحصلُ معه النفاق؛ ولأنَّ هذا الترك لو أوجب حصول الكفرِ في القلب لأوجبه، سواء كان هذا الترك جائزاً شرعاً أو محرماً شرعاً؛ لأنَّ سبب اختلاف الأحكام الشرعية لا يخرج المؤثر عن كونه مؤثراً؛ ولأنه تعالى قال: ﴿بِمَآ أَخْلَفُواْ الله مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: 77] فلو كان فعل الإعقاب مسنداً إلى البخل، والتولي، والإعراض لصار تقدير الآية: فأعقبهم ببخلهم وتوليهم وإعراضهم نفاقاً في قلوبهم بما أخلفُوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون، وذلك لا يجوز؛ لأنَّه فرق بين التَّولي وحصول النفاق في القلب بسبب التولي، ومعلومٌ أنه كلام باطل؛ فثبت بهذه الوجوه أنَّهُ لا يجوز إسناد الإعقاب إلى شيء من الأشياءِ المتقدم ذكرها إلاَّ إلى الله تعالى؛ فوجب إسناده إليه؛ فصار المعنى: أنَّ الله تعالى هو الذي يعقب النفاق في قلوبهم، وذلك يدلُّ على أنَّ خالق الكفر في القلوب هو الله تعالى، وهذا هو الذي قاله الزجاجُ، إنَّ معناه: أنَّهُم لمَّا ضلُّوا في الماضي فهو تعالى أضلَّهُم عن الدِّين في المستقبل، ويؤكدُ ذلك قوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ فالضميرُ في قوله: «يَلقَوْنَهُ» عائد إلى الله تعالى فكان الأولى أن يكون قوله: «فأعْقَبَهُمْ» مسنداً إلى اللهِ تعالى.
قال القاضي «المرادُ من قوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي: فأعقبهم العقوبة على النفاق وتلك العقوبة هي: حدوث الغم في قلوبهم وضيق الصدر وما ينالهم من الذُّل والذنب ويدوم بهم ذلك إلى الآخرة» .
وهذا بعيدٌ؛ لأنه عدولٌ عن الظَّاهر من غير دليل فإن ذكروا دليلاً عقلياً، قوبلوا بدليل عقلي. والله أعلم.
فصل
ظاهرُ الآية يدلُّ على أنَّ نقض العهد، وخلف الوعد، يورثُ النِّفاقَ، فيجب على المسلم الاحتراز عن ذلك، ويجتهد في الوفاءِ. ومذهب الحسنِ البصري: أنَّه يوجب النفاق لا محالة لهذه الآية، ولقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «ثلاثٌ من كُنَّ فيه كان مُنافقاً وإن صلَّى وصامَ وزعمَ أنَّهُ مؤمنٌ، إذا حدَّث كذبَ، وإذا وعدَ أخلفَ، وإذا ائْتُمِنَ خَانَ» .
ونقل أن واصل بن عطاء قال: أتى الحسن رجلٌ فقال له: إن أولاد يعقوب حدَّثُوه في قولهم ﴿فَأَكَلَهُ الذئب﴾ [يوسف: 17] فكذبوهُ، ووعدوه في قولهم: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [يوسف: 12] فأخلفوه، وائتمنهم أبوهم على يوسف فخانوه، فهل نحكمُ بكونهم منافقين؟ قيل: فتوقف الحسن في مذهبه.
وفسَّر عمر بن عبيد الحديث فقال «إذا حدَّث عن الله كذب عليه، وعلى دينه، وعلى رسوله وإذا وعد أخلف كما ذكر الله فيمن عاهد الله، وإذا ائتمن على دين الله خان في السرِّ فكان قلبه على خلاف لسانه» .
قوله: ﴿إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ قال الجبائيُّ «تمسَّكُوا في إثبات رُؤية الله بقوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ﴾ [الأحزاب: 44] قال: واللقاء ليس عبارة عن الرؤية، بدليل قوله في صفة المنافقين ﴿إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ وأجمعوا على أنَّ الكفَّار لا يرونه؛ فدلَّ على أنَّ اللقاء ليس عبارة عن الرؤية.
ويؤيدُه قوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ» من حلفَ على يمينٍ كاذبةٍ ليقتطع بهَا حق امرئ مُسلمٍ لقيَ الله وهُو عليه غَضبَانُ «وأجمعوا على أنَّ المراد من اللقاء ههنا: لقاء ما عند الله من العقاب فكذا ههنا» .
قال ابن الخطيب «وهذا دليلٌ ضعيفٌ؛ لأنَّا إذا تركنا حمل لفظ اللقاء على الرُّؤيةِ في هذه الآية، وفي الخبر لدليل منفصل؛ فلا يلزمنا ذلك في سائر الصُّور، كما إذا أدخلنا التَّخصيصَ في بعض العمومات لدليل منفصل؛ فلا يلزمنا أن نُخَصّصَ جميع العمومات من غير دليل فكما لا يلزمنا هذا لا يلزمنا ذلك» .
قوله: ﴿بِمَآ أَخْلَفُواْ الله مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾ أي: أنَّ الله أعقبهم ذلك النِّفاق في قلوبهم لأجل إخلافهم الوعد، وعلى كذبهم. وقرأ الجمهور «يَكْذبُونَ» مخففاً، وأبو رجاء مثقلاً.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ الله يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ الآية.
قرأ الجمهور «يَعْلمُوا» بالياء من تحت. وقرأ عليُّ بن أبي طالبٍ، والحسنُ، والسلمي بالخطاب، التفاتاً للمؤمنين دون المنافقين والسِّر: ما ينطوي عليه صدورهم والنَّجْوَى: ما يفاوضُ فيه بعضهم بعضاً فيما بينهم، مأخوذ من «النَّجْوِ» وهو الكلام الخفي كأنَّ المتناجين منعا إدخال غيرهما معهما، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: 52] وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا استيأسوا مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيّاً﴾ [يوسف: 80] وقوله: ﴿فَلاَ تَتَنَاجَوْاْ بالإثم والعدوان وَمَعْصِيَةِ الرسول وَتَنَاجَوْاْ بالبر والتقوى﴾
[المجادلة: 9] ، والمعنى: أنَّ الله تعالى يعلم سرهم ونجواهم فكيف يتجرَّءون على النفاق الذي الأصل فيه الاستسرار والتَّناجي فيما بينهم، مع علمهم بأنَّهُ تعالى يعلم ذلك من حالهم، كما يعلم الظَّاهر، وأنَّهُ يعاقب عليه كما يعاقب على الظَّاهر.
قال: ﴿وَأَنَّ الله عَلاَّمُ الغيوب﴾ والعَلاَّمُ: مبالغة في العالم، والغيب: ما كان غَائِباً عن الخلق.
قوله تعالى: ﴿الذين يَلْمِزُونَ المطوعين مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ الآية.
في «الذين يَلْمِزُونَ» أوجه:
أحدها: أنه مرفوعٌ على إضمار مبتدأ، أي: هم الذين.
الثاني: أّنَّه في محل رفع بالابتداء، و «مِنَ الُمؤمنينَ» حالٌ من «المطَّوِّعين» .
و «في الصَّدقاتِ» متعلق ب «يَلْمِزُونَ» ، و «الَّذشينَ لا يَجِدُونَ» نسقٌ «المُطَّوِّعينَ» أي: يَعيبُونَ المياسير، والفقراء. وقال مكيٌّ: «والَّذينَ» خفضٌ، عطفاً على «المُؤمنينَ» ولا يَحْسُن عطفهُ على «المُطَّوِّعين» ؛ لأنه لمْ يتمَّ اسماً يعد؛ لأنَّ «فَيَسْخَرُونَ» عطف على «يَلْمِزُونَ» هكذا ذكره النَّحاسُ في الإعراب له، وهو عندي وهمٌ منه.
قال شهابُ الدِّين: «والأمر فيه كما ذكر، فإنَّ» المُطَّوِّعينَ «قد تمَّ من غير احتياجٍ لغيره» .
وقوله: «فَيَسْخرُونَ» نسقٌ على الصِّلةِ، وخبر المبتدأ: الجملةُ من قوله «سَخِرَ اللهُ منهُمْ» هذا أظهرُ إعراب قيل هنا.
وقيل: «والَّذينَ لا يَجِدُونَ» نسقٌ على «الَّذِينَ يَلْمِزُونَ» ، ذكره أبُو البقاءِ وهذا لا يجُوزُ؛ لأنَّهُ يلزمُ الإخبارُ عنهم بقوله: ﴿سَخِرَ الله مِنْهُمْ﴾ ، وهذا لا يكون، إلاَّ بأنْ كان «الَّذِينَ لا يَجِدُون» مُنافقينَ، وأمَّا إذَا كانُوا مؤمنين، كيف يسخرُ الله منهم؟ . وقيل: «والَّذِينَ لا يَجِدُونَ» نسقٌ على «المُؤمنينَ» ، قاله أبُو البقاءِ.
قال أبُو حيَّان: «وهُو بعيدٌ جدّاً» . ووجهُ بعده: أنَّه يفهمُ أنَّ «الَّذِينَ لا يجدُونَ» ليسوا مؤمنين؛ لأن أصل العطف الدلالةُ على المُغايرةِ، فكأنَّنهُ قيل: يَلْمِزُونَ المطَّوِّعينَ من هذين الصنفين: المؤمنين، والذين لا يجدُونَح فيكون «الَّذِينَ لا يجدون» مطَّوِّعين غير مؤمنين.
وقال أبُو البقاءِ: «فِي الصَّدقاتِ» متعلقٌ ب «يَلمِزُونَ» ، ولا يتعلَّق ب «المُطَّوِّعينَ» لئلاَّ يفصل بينهما بأجنبي. وهذا فيه نظر؛ إذ قوله «مِنَ المؤمنينَ» حال، والحالُ ليست بأجنبيّ، وإنَّما يظهر في ردِّ ذلك أن «يطَّوَّع» إنَّما يتعدى بالياءِ، لا ب «في» وكون «في» بمعنى «الباء» خلاف الأصل. وقيل: «فَيَسْخَرُونَ» خبرُ المبتدأ ودخلتِ الفاءُ، لمَا تضمَّنهُ المبتدأ من معنى الشرط، وفي هذا الوجه بُعدٌ من حيثُ إنَّه يقرُب من كون الخبر في معنى المبتدأ فإنَّ من عاب إنساناً وغمزهُ علم أنَّهُ يسخرُ منه فيكون كقولهم: «سَيِّدُ الجاريةِ مالِكُهَا» .
الثالث: أن يكون محلُّه نصباً على الاشتغال، بإضمار فعل يُفسِّره «سَخِرَ اللهُ منهُم» من طريق المعنى، نحو: عاب الذين يلمزُون، سخر الله منهم.
الرابع: أنْ ينصب على الشتم.
الخامس: أن يكون مجروراً بدلاً من الضمير في «سِرَّهُم ونجْواهُمْ» .
وقرئ «يلْمُزون» بضم الميم، وقد تقدَّم أنَّها لغة، وقرأ الجمهور «جُهْدَهم» بضمِّ الجيمِ.
وقرأ ابنُ هرمز وجماعة «جَهْدهم» بالفتح. فقيل: لغتان بمعنى واحد. وقيل المفتوحُ المشقَّةُ والمضمومُ: الطَّاقةُ، قالهُ القتيبيُّ، وقيل: المضمومُ شيءٌ قيلٌ يعاشُ به والمفتوحُ: العملُ.
وقوله: ﴿سَخِرَ الله مِنْهُمْ﴾ يحتملُ أن يكون خبراً محضاً، وأن يكون دعاءً.
فصل
اعلم أنَّ هذا نوع آخر من أعمالهم القبيحة، وهو لمزهم من يأتي بالصَّدقاتِ.
قال المفسِّرون: حثَّ رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على الصَّدقةِ؛ فجاء عبدُ الرحمن بنُ عوفٍ بأربعة آلافِ درهم، فقال: يا رسول الله، مالي ثمانية آلاف درهم، جئتك بأربعة آلاف فاجعلها في سبيل الله، وأمسكتُ أربعة آلاف لعيالي.
فقال رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «بَارَكَ اللهُ لَكَ فِيمَا أعْطيْتَ، وفيمَا أمْسَكْتَ» فبارك اللهُ في مال عبد الرحمن، حتَّى إنَّهُ خلف امرأتين يوم أن مات؛ فبلغ ثمنُ ماله لهما مائة وستون ألفاً وتصدق يومئذ عاصمُ بن عدي العجلاني بمائة وسْقٍ من تمر.
وجاء أبُو عقيلٍ الأنصاري واسمه الحبحاب، بصاعٍ من تمرٍ، وقال: يا رسُول الله بتُّ ليلتي أجر بالجرير حتى نلتُ صاعين من تمرٍ؛ فأمسكتُ أحدهما لعيالي، وجئتُ بالآخر؛ فأمره رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن ينثره على الصَّدقاتِ؛ فلمزهم المنافقُون، وقالوا: ما أعطى عبد الرحمن وعاصم إلاَّ رياءً، وإن كان الله ورسوله لغنيين عن صاع أبي عقيل ولكنَّهُ أحب أن يزكي نفسه ليعطى من الصَّدقات؛ فأنزل الله تعالى: «الَّذِينَ يلْمِزُون» أي: يعيبون المطوعين المتبرعين من المؤمنين في الصدقات، يعني: عبد الرحمن بن عوف وعاصماً، ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ﴾ أي: طاقتهم.
والجُهْدُ: شيء قليلٌ يعيش به المقلُّ، والجهد بالفتح، والجُهْد بالضمِّ بمعنى واحد يعني: أبا عقيل: «فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ» يستهزئون منهم، ﴿سَخِرَ الله مِنْهُمْ﴾ أي: جازاهم على السخرية، وقال الأصمُّ: المرادُ أنه تعالى قبل من هؤلاء المنافقين ما أظهروهُ من أعمال البرِّ مع أنَّهُ لا يثيبهم عليها؛ فكان ذلك كالسخرية، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ .
قوله تعالى: ﴿استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية.
قال ابنُ عبَّاسٍ: إنَّ عند نزول الآية في المنافقين، قالوا: يا رسول الله، استغفر لنا، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «سأسْتغفرُ لَكُمْ» ؛ فنزل قوله تعالى: ﴿استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ قد تقدَّم الكلام على هذا عند قوله: ﴿قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ﴾ [التوبة: 53] ؛ وأنَّهُ نظيرُ قوله: [الطويل]
2818 - أسِيئِي بِنَا أوْ أحْسِني لا مُسِيئةٌ ... لدَينَا ولا مقليَّةٌ إنْ تقَلَّتِ
التوبة 9:74
قوله: ﴿وَعَدَ الله الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [التوبة: 72] .
والأقرب أنه تعالى أراد بها البساتين التي تبنى فيها المناظر؛ لأنَّهُ تعالى قال بعده ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ والمعطوفُ يجبُ أن يكون مغايراً للمعطوف عليه فتكون مساكنهم في جنَّات عدنٍ ومناظرهم التي هي البساتين، وتكون فائدة وصفها بأنَّها عدنٌ، أنَّها تجري مجرى دار السَّكن والإقامة.
وقوله: «خَالِدِينَ» حالٌ مقدَّرة، كما تقدَّم. وقوله: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾ أي: منازل طيبة ﴿فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ أي: خلد وإقامة، وفي «عدن» قولان:
أحدهما: أنَّهُ اسم على لموضع معين في الجنَّةِ.
قال عبدُ الله بنُ عمرو «إنَّ في الجنَّة قصراً يقال له عدنٌ، حوله البروج وله خمسة آلاف باب على كلِّ باب خمسة ألاف حرة، لا يدخله إلاَّ نبيٌّ، أو صديقٌ أو شهيدٌ» .
قال الزمخشريُّ: و «عدن» علم بدليل قوله ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ التي وَعَدَ الرحمن عِبَادَهُ﴾ [مريم: 61] .
والقول الثاني: أنه صفة للجنة. قال الأزهريُّ: «العَدْنُ» مأخوذ من قولك: عَدَنَ بالمكان إذا أقام به، يَعْدِنث عُدوناً. وتقول: تركت إبل بني فلان عوادن بمكان كذا، وهو أن تلزم الإبل المكان فتألفه، ومنه المعدن، لمُسْتقرِّ الجواهر. يقال: عدن عُدُوناً، فله مصدران. هذا أصلُ هذه اللفظة لغة. وذكر المفسِّرون لها معان كثيرة وقال الأعشى في معنى الإقامة [المتقارب]
2814 - وإنْ يَسْتَضِيفُوا إلى حِلْمِهِ ... يُضَافُوا إلى رَاجِحٍ قَدْ عَدَنْ أي: ثَبَتَ واستقرَّ. ومنه «عدن» لمدينة باليمن، لكثرة المقيمين بها.
قوله: ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ الله أَكْبَرُ﴾ التَّنكيرُ يفيدُ التقليل، أي: أقلُّ شيء من الرضوان أكبر من جميع ما تقدَّم من الجنَّات ومساكنها.
ثم قال: ﴿ذلك هُوَ الفوز العظيم﴾ أي: هذا هو الفوزُ العظيمُ، لا ما يطلبه المنافقون والكفار من التنعم بطيبات الدنيا. روى أبو سعيدٍ الخدريُّ أنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ لأهل الجنَّة: يا أهل الجنة هل رضيتم؟ فيقولون: ربنا ومالنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك، فيقول ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: ربنا أي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول:» أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً» .
قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي جَاهِدِ الكفار والمنافقين﴾ الآية.
لمَّا وصف المنافقين بالصِّفات الخبيثةِ، وتوعدهم بأنواع العقاب، ثمَّ ذكر المؤمنين بالصفات الحسنة، ووعدهم بالثَّوابِ، عاد إلى شرح أحوال الكُفَّارِ والمنافقين في هذه الآية.
فإن قيل: مجاهدة المنافقينَ غيرُ جائزة، فإنَّ المنافق يستر كفره وينكره بلسانه.
فالجوابُ من وجوه:
أحدها: قال الضحاكُ: مجاهدة المنافق: تغليظُ القول، وهذا بعيدٌ؛ لأنَّ ظاهر قوله ﴿جَاهِدِ الكفار والمنافقين﴾ يقتضي الأمر بجهادهما معاً، وكذا ظاهر قوله: ﴿واغلظ عَلَيْهِمْ﴾ راجع إلى الفريقين.
وثانيها: أنَّ الجهاد عبارة عن بذل الجهد وليس في اللفظ ما يدلُّ على أنَّ الجهاد بالسَّيف أو باللِّسانِ أو بطريق آخر. فقال ابن مسعودٍ: بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لَمْ يَسْتَطعْ فبقَلبِهِ. وقال: لا يلقى المنافق إلاَّ بوجه مكفهر. وقال ابنُ عبَّاسٍ: باللِّسانِ وترك الرفق.
وثالثها: قال الحسنُ وقتادةُ: بإقامةِ الحدودِ عليهم قال القاضي: وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ إقامة الحدود واجبةٌ على من ليس بمُنافقٍ.
قوله: ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ قال أبُو البقاءِ: إن قيل كيف حسنتِ الواوُ هنا والفاء أشبه بهذا الموضع؟ ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنَّ الواو واو الحالِ والتقدير: افعل ذلك في حال استحقاقهم جهنَّم، وتلك الحال حال كفرهم ونفاقهم.
والثاني: أنَّ الواو جيء بها تنبيهاً على إرادة فعل محذوف، تقديره: واعلمْ أنَّ مأواهم جهنم.
الثالث: أنَّ الكلام حمل على المعنى والمعنى أنَّه قد اجتمع لهم عذابُ الدُّنيا بالجهاد والغلظة، وعذابُ الآخرة بجعل جهنَّم مأواهم. ولا حاجة إلى هذا كُلِّه، بل هي جملةُ استثنافية.
قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بالله مَا قَالُواْ﴾ الآية.
قال ابنُ عبَّاسٍ: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ جالساً في ظلِّ شجرةٍ، فقال: «إنهُ سيَأتِيكُمْ إنْسانٌ ينْظرُ إليْكُمْ بعيْنِ الشَّيطانِ، فإذا جَاءَ فلا تُكَلِّمُوهُ» فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق، فدعاه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فقال: «عَلامَ تَشْتمُنِي أنْتَ وأصْحَابُكَ» فانطلق الرَّجُل؛ فجاء بأصحابه، فحلفُوا بالله ما قالوا، فأنزل الله عَزَّ وَجَلَّ الآية.
وقال الكلبيُّ: نزلت في جلاس بن سويدٍ، وذلك أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ خطب ذات يوم بتبوك، فذكر المنافقين، فسمَّاهم رجْساً وعابهم، فقال جلاسٌ: لئن كان محمد صادقاً، لنحنُ شرٌّ من الحمير فلمَّا انصرف رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إلى المدينة أتاه عامر بن قيس، وأخبره بما قال جلاس، فقال الجلاس: كذب يا رسول الله؛ فأمرهما رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يحلفا عند المنبر؛ فقام الجلاسُ عند المنبر بعد العصر فحلف بالله الذي لا إله إلاَّ هو ما قاله، ولقد كذب عليَّ عامر، فقام عامرٌ فحلف بالله الذي لا إله إلا هو: لقد قاله، وما كذبتُ عليه، ثم رفع عامرٌ يديه إلى السَّماء فقال: اللَّهُمَّ انزلْ على نبيِّكَ تصديق الصادقِ منَّا.
فقال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والمؤمنون: «آمين» ، فنزل جبريل عليه السلام قبل أن يتَفرَّقُوا بهذه الآية، حتى بلغ ﴿فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ﴾ ، فقام الجلاسُ، فقال: يا رسول الله، وأتوب إليه، فقبلَ رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذلك منه، ثم تاب وحَسُنَتْ توبتُه.
وقيل: نزلت في عبد الله بن أبيّ لما قال {يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ}
[المنافقون: 8] . وأراد به الرسول - عليه الصَّلاة والسلام -، فسمع زيدُ بنُ أرقم ذلك وبلغه إلى الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -، فهمَّ عمرُ بقتل عبد الله بن أبيّ، فجاء عبد الله وحلف أنَّهُ لم يقل فنزلت الآية. وقال القاضي: الأولى أن تحمل هذه الآية على ما روي أنَّ المنافقين همُّوا بقتله عند رجوعه من تبوك، وهم خسمة عشر رجلاً تعاهدوا أن يدفعوه عن راحلته إلى الوادي باللَّيل، وكان عمَّار بن ياسر آخذاً بخطام راحلته وحذيفة خلفها يسوقها، فسمع حذيفة وقع أخفاف الإبل، وقعقة السلاح، فالتفت، فإذا قوم متلثمُون. فقال: إليكم يا أعداء الله، فهربوا والظَّاهر أنهم لمَّا اجتمعوا لذلك الغرض، فقد طعنوا في نبوته ونسبوه إلى الكذب في ادِّعاءِ الرسالة، وذلك هو قولهم كلمة الكفر وهذا القول اختيار الزجاج.
فإن قيل: قوله: ﴿وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ﴾ يدلُّ على أنَّهم أسلمُوا من قبل، وهم لم يكونوا مسلمين.
فالجوابُ: أنَّ المراد من الإسلام السلم الذي هو ضد الحرب؛ لأنَّهم لمَّا نافقوا، فقد أظهروا الإسلام، وقوله: ﴿وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ﴾ المراد إطباقهم على الفتك بالرسول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ والله تعالى أخبر الرسول بذلك حتى احترز عنهم، ولم يصلُوا إلى مقصودهم وقال السُّديُّ: «هو قولهم إذا قدمنا المدينة؛ عقدنا على رأس عبد الله بن أبيّ تاجاً فلم يصلوا إليه» .
قوله: ﴿وَمَا نقموا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ الله وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾ .
في الاستثناء وجهان:
أحدهما: أنَّهُ معفول به، أي: وما كرهُوا وعابُوا إلاَّ إغناءَ الله إيَّاهم وهو من باب قولهم: ما لي عندك ذنبٌ إلاَّ أن أحسنت إليك، أي: إن كان ثم ذنبٌ فهو هذا، فهو تهكمٌ بهم؛ كقوله: [الطويل]
2815 - ولا عَيْبَ فينَا غَيْرَ عِرْقٍ لِمَعْشَرٍ ... كرامٍ وأنَّا لا نَخُطُّ على النَّمْلِ
وقول الآخر: [المنسرح]
2816 - مَا نَقمُوا مِنْ بَنِي أمَيَّة إلْ ... لا أنَّهُم يَحْلُمُون إن غضبُوا
وأنَّهُمْ سَادَةُ الملُوك ولا ... يَصْلحُ إلاَّ عليهمُ العربُ والثاني: أنَّهُ مفعولٌ من أجله، وعلى هذا فالمفعولُ به محذوف، تقديره: وما نقموا منهم الإيمان إلاَّ لأجل إغناء الله إيَّاهم. وقد تقدَّم الكلامُ على «نَقِمَ» [الأعراف: 126] .
قيل: إن مولى الجلاس قتل، فأمر له رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بديته اثني عشر ألفاً فاستغنى.
وقال الكلبيُّ: كانوا قبل قدوم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ المدينة في ضنكٍ من العيشِ فلمَّا قدمَ عليهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ استغنوا بالغنائم.
قوله: ﴿فَإِن يَتُوبُواْ﴾ أي: من نفاقهم: ﴿يَكُ خَيْراً لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا﴾ أي: يعرضوا عن التوبة ﴿يُعَذِّبْهُمُ الله عَذَاباً أَلِيماً فِي الدنيا﴾ بالخزي، وفي ﴿الآخرة﴾ بالنَّارِ ﴿وَمَا لَهُمْ﴾ في الأَرض ﴿مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾ أي: أنَّ عذاب الله إذا حق لم ينفعه وليّ ولا نصير.
قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ الله﴾ الآية.
«عاهد الله» فيه معنى القسم، فلذلك أجيب بقوله: «لنصَّدقنَّ» ، وحذف جوابُ الشرط لدلالة هذا الجواب عليه، و «اللاَّم» للتوطئةِ، ولا يمتنع الجمعُ بين القسم واللاَّم الموطئة له.
وقال أبُو البقاءِ: فيه وجهان:
أحدهما: تقديره: «عاهد، فقال: لئِنْ آتَانَا» .
والثاني: أن يكون «عاهد» بمعنى: قال، فإنَّ العهد قول. ولا حاجة إلى هذا.
قوله: ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ﴾ قرأهما الجمهور بالنُّون الثقيلة. والأعمش بالخفيفة.
قال الزجاج الأصل: «لنتَصدَّقنَّ» ، ولكن التَّاء أدغمت في الصَّاد، لقربها منها.
قال الليثُ: المُتصدق: المعطي، والمُتصدق: السائل. قال الأصمعيُّ، والفرَّاءُ: هذا خطأ، فالمتصدق هو المعطي، قال تعالى: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ الله يَجْزِي المتصدقين﴾ [يوسف: 88] واعلم أنَّ هذه السورة نزل أكثرها في شرح أحوال المنافقين؛ فلهذا ذكرهم على التفصيل فقال: ﴿وَمِنْهُمُ الذين يُؤْذُونَ النبي﴾ [التوبة: 62] ﴿وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصدقات﴾ [التوبة: 58] ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي﴾ [التوبة: 49] ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ﴾ [التوبة: 75] .
والمشهور في سبب نزول هذه الآية: ما روى أبو أمامة قال: جاء ثعلبةُ بنُ حاطبٍ الأنصاريُّ إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال: يا رسول الله ادعُ الله أن يرزقني مالاً، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «ويحْكَ يا ثعلبةُ قليلٌ تُؤدِّي شُكرَهُ خيرٌ من كثيرٍ لا تُطِيقهُ» ثمَّ أتاهُ بعد ذلك فقال: «أمّا لكَ في رسول الله أسوةٌ حسنةٌ؟ والذي نفسي بيدهِ لوْ أردتُ أن تسيرَ الجبالُ معي ذهباً وفضةً لسَارَتْ»
ثمَّ راجعه بعد ذلك، فقال: يا رسول الله: ادعُ الله أن يرزقني مالاً، والذي بعثك بالحقِّ لئن رزقني الله مالاً لأعطين كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «اللَّهُمَّ ارزقْ ثعلبةَ مالاً» قال: فاتَّخذ غنماً؛ فنمت كما ينمو الدُّودُ، حتى ضاقَتْ بها المدينةُ فتنحَّى عنها، ونزل وادياً من أوديتها، وكان يصلي مع رسول الله الظهر والعصر، ويصلي في غنمة سائر الصلوات، ثم كثُرتْ ونمتْ، فتباعد حتى كان لا يشهدُ جمعةً ولا جماعة؛ فكان إذا كان يوم الجمعة خرجَ يتلقَّى النَّاس يسألهم عن الأخبار، فذكرهُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذات يوم فقال: «ما فعل ثعلبةُ؟»
قالوا: يا رسول الله؛ اتَّخذَ غنماً ما يسعها وادٍ، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «يا ويْحَ ثَعلبةَ» فأنزل الله تعالى آية الصدقات؛ فبعث رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ رجلاً من بني سليم، ورجلاً من جهينة، وكتب لهما أسنان الصدقة كيف يأخذانها، وقال لهما: «مُرَّا بثعلَبَة بنِ حاطبٍ، وبرجُلٍ من بنِي سليمٍ، فخذا صدقاتهما» فخرجا حتى أتيا ثعلبة؛ فسألاه الصدقة، وأقرآه كتاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فقال: هذه إلاَّ الجزية، ما هذه إلاَّ أخت الجزية، انطلقا حتى تفرغا ثم عودا إليَّ، فانطلقا وسمع بهما السُّلمي، فنظر إلى خيار أسنان إبله فعزلها للصَّدقة، ثم استقبلهما بها، فلمَّا رأياها قالا: ما هذه عليك؛ قال خذاه فإنَّ نفسي بذلك طيبة، فمرَّا على الناس، وأخذَا الصدقات ثم رجعا إلى ثعلبة، فقال: أروني كتابكما؛ فقرأه ثم قال: ما هذه إلا جزية، ما هذه إلاَّ أختُ الجزية، اذهبا حتَّى أرى رأيي، قال فأقبلا، فلما رآهما رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال قبل أن يكلماه: يا ويْحَ ثعلبةَ، ثُمَّ دعا للسلميّ بخيرٍ؛ فأخبراه بالذي صنع ثعلبة؛ فأنزل الله - عزَّ وجلَّ - ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ الله﴾ الآية على قوله: ﴿وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: 77] وعند رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ رجلٌ من أقارب ثعلبةَ؛ فسمع ذلك، فخرج حتَّى أتاهُ فقال: ويْحَكَ يا ثعلبة، قد أنزل الله عزَّ وجلَّ فيك كذا وكذا، فخرج ثعلبة حتى أتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فسأله أن يقبل صدقته، فقال:
«إنَّ الله مَنَعنِي أن أقبلَ مِنْكَ صدقَتكَ» فجعل يَحثُو التُّرابَ على رأسِهِ، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «قد أمرتُك فلمْ تُطِعْنِي» ؛ فرجع إلى منزله، وقبض رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ثم أتى أبا بكر بصدقته؛ فلم يقبلها اقتداء بالرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - فقبض أبو بكر، ثم لم يقبلها عمر اقتداء بأبي بكر، ثمَّ لم يقبلها عثمان، وهلك ثعلبةُ في خلافه عثمان.
وقال ابنُ عباسٍ، وسعيدُ بن جبير، وقتادةُ: أتى ثعلبة مشهداً من الأنصار؛ فأشهدهم لئن آتاني الله من فضله آتيت كلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ، وتصدقت منه، ووصلت منه القرابة، فمات ابن عمٍّ له، فورث منه مالاً، فلم يف بما قال؛ فأنزل الله هذه الآية.
وقال الحسن ومجاهدٌ: نزلت في ثعلبةَ بن حاطبٍ، ومعتب بن قشير، وهما من بني عمرو بن عوف قد جاءا على ملأ قعوداً وقالا: والله لئن رزقنا الله لنصدقنَّ، فلما رزقهما بخلا به. والمشهورُ الأول.
فإن قيل: إنَّ الله أمره بإخراج الصَّدقة؛ فكيف يجوزُ للرسول أن لا يقبلها منه؟ .
فالجواب: لا يبعد أن يقال: إنَّ الله تعالى منع الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - من قبول الصدقة منه إهانة له ليعتبر غيره؛ فلا يمتنع عن أداء الصدقات، أو أنَّه أتى بتلك الصدقة على وجه الرياء، لا على وجه الإخلاص، وأعلم الله الرسول بذلك؛ فلذلك لم يقبل تلك الصدقة، ويحتمل أيضاً أن الله تعالى لما قال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ [التوبة: 103] كان هذا غير حاصل في ثعلبة مع نفاقه؛ فلهذا امتنع الرَّسولُ - عليه الصلاو والسلام - من أخذ تلك الصَّدقةِ.
فإن قيل: المنافق كافرٌ، والكافر لا يمكنه أن يعاهد الله.
فالجواب: أنَّ المنافق قد يكون عارفاً بالله، إلاَّ أنه كان منكراً لنبوةِ محمدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ؛ فلكونه عارفاً بالله يمكنه أن يعاهد الله، ولكونه منكراً لنبوة محمد - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -، كان كافراً.
وكيف لا أقول ذلك وأكثر العالم مقرون بوجود الصانع؟ أو لعله حين عاهد الله كان مسلماً، ثم لمَّا بخل بالمال، ولم يف بالعهدِ صار منافقاً، ولفظ الآية يدلُّ على ذلك لقوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً﴾ [التوبة: 78] .
فإن قيل: هل من شرط المعاهدة أن يتلفظ بها باللسان، أو يكفي النِّيَّة؟ .
فالجواب: قال بعضهم: تكفي النيةُ، وأن قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ الله﴾ [التوبة: 75] كان شيئاً نووه في أنفسهم لقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ الله يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ [التوبة: 78] . وقال المحققون: هذه المعاهدة مقيدة بالتَّلفظ باللسان، لقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «إنَّ الله عفا لأمَّتي ما حدَّثتْ به أنفُسهَا ما لم تتكلَّم به أو تعمل» وأيضاً فقوله ﴿لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ يشعر ظاهره بالقول باللسانِ.
فإن قيل: المراد من الصدقة إخراج المال، وهو على قسمين واجبٌ وغير واجب والواجبُ قسمان: قسم واجبٌ بأصل الشرع كالزَّكاة، والنفقات الواجبةِ.
وقسم لم يجب إلاَّ إذا التزمه العبد كالنذور.
فقوله: «لنصَّدَّقنَّ» هل يتناولُ الأقسام الثلاثة، أو لا؟
فالجوابُ: أنَّ الصَّدقات الَّتي ليست واجبة، غير داخلة في الآية، لقوله: «بخلوا به» والبخل في عرف الشَّرْعِ عبارة عن منع الواجب؛ ولأنَّه تعالى ذمَّهُم بهذا الترك، وتارك المندوب لا يذم.
بقي القسمان الواجبان؛ فالواجب بأصل الشرع داخل في الآية، لا محالة بقي الواجب بالنَّذر، والظَّاهر أن اللفظ لا يدلُّ عليه؛ لأنه ليس في الآية إلاَّ قوله ﴿لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ وهذا ليس فيه إشعارٌ بالنَّذر، لأنَّ الرجل قد يعاهدُ ربَّهُ في أن يقوم بما يلزمه من الزَّكوات والنفقات الواجبة إن وسَّعَ اللهُ عليه.
فإن قيل: لفظ الآية يدلُّ على أنَّ الذي لزمهم إنَّما بسبب هذا الالتزام، والزكاةُ لا تلزم بسبب هذا الالتزام، وإنما تلزمُ بملك النصاب وحلول الحولِ.
فالجوابُ: قوله: «لنصَّدقنَّ» لا يوجبُ أن يفعلوا ذلك على الفور؛ لأنَّهُ إخبار عن إيقاع هذا الفعل في المستقبل، وهذا النذر لا يوجبُ الفور؛ فكأنهم قالوا: لنصدقن في وقته كما قالوا: ﴿وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصالحين﴾ أي: في أوقات لزوم الصَّلاة؛ فثبت بما قرَّرْنَا أنَّ الدَّاخل تحت هذا العهد، إخراج الأموال الواجبة بأصل الشَّرع، ويؤكد هذا ما روي في سببن النُّزولِ أنَّ الآية إنَّما نزلت في حق من امتنع من أداة الزَّكاةِ.
فصل
المرادُ من «الفضل» ههنا: إيتاء المالِ بأي طريق كان، إمَّا بتجارة، أو غنيمةٍ أو غير ذلك. والمرادُ ب «الصَّالحينَ» : الصالح ضد المفسد، والمفسد عبارة عمَّن بخل بما يلزمه في التكليف، فالصَّالح: من يعملُ بعمل أهل الصَّلاحِ من صلة الرَّحمِ والنَّفقةِ في الخير، ونحو ذلك.
ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّآ آتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ .
قال الليثُ: يقال: أعقب فلاناً ندامةٌ، إذا صيرت عاقبة أمره ذلك، قال الهذليُّ: [الكامل]
2817 - أودى بنيَّ وأعقبُوني حَسْرَةً ... بَعْد الرُّقادِ وعبْرَةٌ لا تُقْلِعُ ويقال: أكل فلانٌ أكلةً فأعقبتهُ سُقْماً، وأعقبه الله خيراً، والمعنى: أخلفهم في قلوبهم أي: صير عاقبة أمورهم النفاق، عاقبهم بنفاق في قلوبهم، يقال: عاقبته وأعقبته بمعنى.
فصل
«فأعقبهم» فعل، ولا بد من إسناده إلى شيء تقدَّم ذكره، والذي تقدَّم ذكره هو الله تعالى، والمعاهدة والتصدق والصلاح والبخل والتولي والإعراض، ولا يجوزُ إسناد إعقاب النفاق إلى المعاهدة أو التَّصدق أو الصلاح، لأنَّ هذه الثلاثة أعمال الخير؛ فلا يجوز جعلها مؤثرة في حصول النفاق في القلب؛ لأنَّ النفاقَ عبارة عن الكُفْرِ، وهو جهل وترك بعض الواجب لا يكون مؤثراً في حصول الجهلِ في القلب؛ لأنَّ ترك الواجب عدمٌ، والجهل وجود، والعدم لا يكون مؤثراً في الوجود؛ لأنَّ البخل والتولي والإعراض، قد يوجدُ في كثير من الفُسَّاقِ، مع أنَّهُ لا يحصلُ معه النفاق؛ ولأنَّ هذا الترك لو أوجب حصول الكفرِ في القلب لأوجبه، سواء كان هذا الترك جائزاً شرعاً أو محرماً شرعاً؛ لأنَّ سبب اختلاف الأحكام الشرعية لا يخرج المؤثر عن كونه مؤثراً؛ ولأنه تعالى قال: ﴿بِمَآ أَخْلَفُواْ الله مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: 77] فلو كان فعل الإعقاب مسنداً إلى البخل، والتولي، والإعراض لصار تقدير الآية: فأعقبهم ببخلهم وتوليهم وإعراضهم نفاقاً في قلوبهم بما أخلفُوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون، وذلك لا يجوز؛ لأنَّه فرق بين التَّولي وحصول النفاق في القلب بسبب التولي، ومعلومٌ أنه كلام باطل؛ فثبت بهذه الوجوه أنَّهُ لا يجوز إسناد الإعقاب إلى شيء من الأشياءِ المتقدم ذكرها إلاَّ إلى الله تعالى؛ فوجب إسناده إليه؛ فصار المعنى: أنَّ الله تعالى هو الذي يعقب النفاق في قلوبهم، وذلك يدلُّ على أنَّ خالق الكفر في القلوب هو الله تعالى، وهذا هو الذي قاله الزجاجُ، إنَّ معناه: أنَّهُم لمَّا ضلُّوا في الماضي فهو تعالى أضلَّهُم عن الدِّين في المستقبل، ويؤكدُ ذلك قوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ فالضميرُ في قوله: «يَلقَوْنَهُ» عائد إلى الله تعالى فكان الأولى أن يكون قوله: «فأعْقَبَهُمْ» مسنداً إلى اللهِ تعالى.
قال القاضي «المرادُ من قوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي: فأعقبهم العقوبة على النفاق وتلك العقوبة هي: حدوث الغم في قلوبهم وضيق الصدر وما ينالهم من الذُّل والذنب ويدوم بهم ذلك إلى الآخرة» .
وهذا بعيدٌ؛ لأنه عدولٌ عن الظَّاهر من غير دليل فإن ذكروا دليلاً عقلياً، قوبلوا بدليل عقلي. والله أعلم.
فصل
ظاهرُ الآية يدلُّ على أنَّ نقض العهد، وخلف الوعد، يورثُ النِّفاقَ، فيجب على المسلم الاحتراز عن ذلك، ويجتهد في الوفاءِ. ومذهب الحسنِ البصري: أنَّه يوجب النفاق لا محالة لهذه الآية، ولقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «ثلاثٌ من كُنَّ فيه كان مُنافقاً وإن صلَّى وصامَ وزعمَ أنَّهُ مؤمنٌ، إذا حدَّث كذبَ، وإذا وعدَ أخلفَ، وإذا ائْتُمِنَ خَانَ» .
ونقل أن واصل بن عطاء قال: أتى الحسن رجلٌ فقال له: إن أولاد يعقوب حدَّثُوه في قولهم ﴿فَأَكَلَهُ الذئب﴾ [يوسف: 17] فكذبوهُ، ووعدوه في قولهم: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [يوسف: 12] فأخلفوه، وائتمنهم أبوهم على يوسف فخانوه، فهل نحكمُ بكونهم منافقين؟ قيل: فتوقف الحسن في مذهبه.
وفسَّر عمر بن عبيد الحديث فقال «إذا حدَّث عن الله كذب عليه، وعلى دينه، وعلى رسوله وإذا وعد أخلف كما ذكر الله فيمن عاهد الله، وإذا ائتمن على دين الله خان في السرِّ فكان قلبه على خلاف لسانه» .
قوله: ﴿إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ قال الجبائيُّ «تمسَّكُوا في إثبات رُؤية الله بقوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ﴾ [الأحزاب: 44] قال: واللقاء ليس عبارة عن الرؤية، بدليل قوله في صفة المنافقين ﴿إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ وأجمعوا على أنَّ الكفَّار لا يرونه؛ فدلَّ على أنَّ اللقاء ليس عبارة عن الرؤية.
ويؤيدُه قوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ» من حلفَ على يمينٍ كاذبةٍ ليقتطع بهَا حق امرئ مُسلمٍ لقيَ الله وهُو عليه غَضبَانُ «وأجمعوا على أنَّ المراد من اللقاء ههنا: لقاء ما عند الله من العقاب فكذا ههنا» .
قال ابن الخطيب «وهذا دليلٌ ضعيفٌ؛ لأنَّا إذا تركنا حمل لفظ اللقاء على الرُّؤيةِ في هذه الآية، وفي الخبر لدليل منفصل؛ فلا يلزمنا ذلك في سائر الصُّور، كما إذا أدخلنا التَّخصيصَ في بعض العمومات لدليل منفصل؛ فلا يلزمنا أن نُخَصّصَ جميع العمومات من غير دليل فكما لا يلزمنا هذا لا يلزمنا ذلك» .
قوله: ﴿بِمَآ أَخْلَفُواْ الله مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾ أي: أنَّ الله أعقبهم ذلك النِّفاق في قلوبهم لأجل إخلافهم الوعد، وعلى كذبهم. وقرأ الجمهور «يَكْذبُونَ» مخففاً، وأبو رجاء مثقلاً.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ الله يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ الآية.
قرأ الجمهور «يَعْلمُوا» بالياء من تحت. وقرأ عليُّ بن أبي طالبٍ، والحسنُ، والسلمي بالخطاب، التفاتاً للمؤمنين دون المنافقين والسِّر: ما ينطوي عليه صدورهم والنَّجْوَى: ما يفاوضُ فيه بعضهم بعضاً فيما بينهم، مأخوذ من «النَّجْوِ» وهو الكلام الخفي كأنَّ المتناجين منعا إدخال غيرهما معهما، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: 52] وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا استيأسوا مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيّاً﴾ [يوسف: 80] وقوله: ﴿فَلاَ تَتَنَاجَوْاْ بالإثم والعدوان وَمَعْصِيَةِ الرسول وَتَنَاجَوْاْ بالبر والتقوى﴾
[المجادلة: 9] ، والمعنى: أنَّ الله تعالى يعلم سرهم ونجواهم فكيف يتجرَّءون على النفاق الذي الأصل فيه الاستسرار والتَّناجي فيما بينهم، مع علمهم بأنَّهُ تعالى يعلم ذلك من حالهم، كما يعلم الظَّاهر، وأنَّهُ يعاقب عليه كما يعاقب على الظَّاهر.
قال: ﴿وَأَنَّ الله عَلاَّمُ الغيوب﴾ والعَلاَّمُ: مبالغة في العالم، والغيب: ما كان غَائِباً عن الخلق.
قوله تعالى: ﴿الذين يَلْمِزُونَ المطوعين مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ الآية.
في «الذين يَلْمِزُونَ» أوجه:
أحدها: أنه مرفوعٌ على إضمار مبتدأ، أي: هم الذين.
الثاني: أّنَّه في محل رفع بالابتداء، و «مِنَ الُمؤمنينَ» حالٌ من «المطَّوِّعين» .
و «في الصَّدقاتِ» متعلق ب «يَلْمِزُونَ» ، و «الَّذشينَ لا يَجِدُونَ» نسقٌ «المُطَّوِّعينَ» أي: يَعيبُونَ المياسير، والفقراء. وقال مكيٌّ: «والَّذينَ» خفضٌ، عطفاً على «المُؤمنينَ» ولا يَحْسُن عطفهُ على «المُطَّوِّعين» ؛ لأنه لمْ يتمَّ اسماً يعد؛ لأنَّ «فَيَسْخَرُونَ» عطف على «يَلْمِزُونَ» هكذا ذكره النَّحاسُ في الإعراب له، وهو عندي وهمٌ منه.
قال شهابُ الدِّين: «والأمر فيه كما ذكر، فإنَّ» المُطَّوِّعينَ «قد تمَّ من غير احتياجٍ لغيره» .
وقوله: «فَيَسْخرُونَ» نسقٌ على الصِّلةِ، وخبر المبتدأ: الجملةُ من قوله «سَخِرَ اللهُ منهُمْ» هذا أظهرُ إعراب قيل هنا.
وقيل: «والَّذينَ لا يَجِدُونَ» نسقٌ على «الَّذِينَ يَلْمِزُونَ» ، ذكره أبُو البقاءِ وهذا لا يجُوزُ؛ لأنَّهُ يلزمُ الإخبارُ عنهم بقوله: ﴿سَخِرَ الله مِنْهُمْ﴾ ، وهذا لا يكون، إلاَّ بأنْ كان «الَّذِينَ لا يَجِدُون» مُنافقينَ، وأمَّا إذَا كانُوا مؤمنين، كيف يسخرُ الله منهم؟ . وقيل: «والَّذِينَ لا يَجِدُونَ» نسقٌ على «المُؤمنينَ» ، قاله أبُو البقاءِ.
قال أبُو حيَّان: «وهُو بعيدٌ جدّاً» . ووجهُ بعده: أنَّه يفهمُ أنَّ «الَّذِينَ لا يجدُونَ» ليسوا مؤمنين؛ لأن أصل العطف الدلالةُ على المُغايرةِ، فكأنَّنهُ قيل: يَلْمِزُونَ المطَّوِّعينَ من هذين الصنفين: المؤمنين، والذين لا يجدُونَح فيكون «الَّذِينَ لا يجدون» مطَّوِّعين غير مؤمنين.
وقال أبُو البقاءِ: «فِي الصَّدقاتِ» متعلقٌ ب «يَلمِزُونَ» ، ولا يتعلَّق ب «المُطَّوِّعينَ» لئلاَّ يفصل بينهما بأجنبي. وهذا فيه نظر؛ إذ قوله «مِنَ المؤمنينَ» حال، والحالُ ليست بأجنبيّ، وإنَّما يظهر في ردِّ ذلك أن «يطَّوَّع» إنَّما يتعدى بالياءِ، لا ب «في» وكون «في» بمعنى «الباء» خلاف الأصل. وقيل: «فَيَسْخَرُونَ» خبرُ المبتدأ ودخلتِ الفاءُ، لمَا تضمَّنهُ المبتدأ من معنى الشرط، وفي هذا الوجه بُعدٌ من حيثُ إنَّه يقرُب من كون الخبر في معنى المبتدأ فإنَّ من عاب إنساناً وغمزهُ علم أنَّهُ يسخرُ منه فيكون كقولهم: «سَيِّدُ الجاريةِ مالِكُهَا» .
الثالث: أن يكون محلُّه نصباً على الاشتغال، بإضمار فعل يُفسِّره «سَخِرَ اللهُ منهُم» من طريق المعنى، نحو: عاب الذين يلمزُون، سخر الله منهم.
الرابع: أنْ ينصب على الشتم.
الخامس: أن يكون مجروراً بدلاً من الضمير في «سِرَّهُم ونجْواهُمْ» .
وقرئ «يلْمُزون» بضم الميم، وقد تقدَّم أنَّها لغة، وقرأ الجمهور «جُهْدَهم» بضمِّ الجيمِ.
وقرأ ابنُ هرمز وجماعة «جَهْدهم» بالفتح. فقيل: لغتان بمعنى واحد. وقيل المفتوحُ المشقَّةُ والمضمومُ: الطَّاقةُ، قالهُ القتيبيُّ، وقيل: المضمومُ شيءٌ قيلٌ يعاشُ به والمفتوحُ: العملُ.
وقوله: ﴿سَخِرَ الله مِنْهُمْ﴾ يحتملُ أن يكون خبراً محضاً، وأن يكون دعاءً.
فصل
اعلم أنَّ هذا نوع آخر من أعمالهم القبيحة، وهو لمزهم من يأتي بالصَّدقاتِ.
قال المفسِّرون: حثَّ رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على الصَّدقةِ؛ فجاء عبدُ الرحمن بنُ عوفٍ بأربعة آلافِ درهم، فقال: يا رسول الله، مالي ثمانية آلاف درهم، جئتك بأربعة آلاف فاجعلها في سبيل الله، وأمسكتُ أربعة آلاف لعيالي.
فقال رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «بَارَكَ اللهُ لَكَ فِيمَا أعْطيْتَ، وفيمَا أمْسَكْتَ» فبارك اللهُ في مال عبد الرحمن، حتَّى إنَّهُ خلف امرأتين يوم أن مات؛ فبلغ ثمنُ ماله لهما مائة وستون ألفاً وتصدق يومئذ عاصمُ بن عدي العجلاني بمائة وسْقٍ من تمر.
وجاء أبُو عقيلٍ الأنصاري واسمه الحبحاب، بصاعٍ من تمرٍ، وقال: يا رسُول الله بتُّ ليلتي أجر بالجرير حتى نلتُ صاعين من تمرٍ؛ فأمسكتُ أحدهما لعيالي، وجئتُ بالآخر؛ فأمره رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن ينثره على الصَّدقاتِ؛ فلمزهم المنافقُون، وقالوا: ما أعطى عبد الرحمن وعاصم إلاَّ رياءً، وإن كان الله ورسوله لغنيين عن صاع أبي عقيل ولكنَّهُ أحب أن يزكي نفسه ليعطى من الصَّدقات؛ فأنزل الله تعالى: «الَّذِينَ يلْمِزُون» أي: يعيبون المطوعين المتبرعين من المؤمنين في الصدقات، يعني: عبد الرحمن بن عوف وعاصماً، ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ﴾ أي: طاقتهم.
والجُهْدُ: شيء قليلٌ يعيش به المقلُّ، والجهد بالفتح، والجُهْد بالضمِّ بمعنى واحد يعني: أبا عقيل: «فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ» يستهزئون منهم، ﴿سَخِرَ الله مِنْهُمْ﴾ أي: جازاهم على السخرية، وقال الأصمُّ: المرادُ أنه تعالى قبل من هؤلاء المنافقين ما أظهروهُ من أعمال البرِّ مع أنَّهُ لا يثيبهم عليها؛ فكان ذلك كالسخرية، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ .
قوله تعالى: ﴿استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية.
قال ابنُ عبَّاسٍ: إنَّ عند نزول الآية في المنافقين، قالوا: يا رسول الله، استغفر لنا، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «سأسْتغفرُ لَكُمْ» ؛ فنزل قوله تعالى: ﴿استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ قد تقدَّم الكلام على هذا عند قوله: ﴿قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ﴾ [التوبة: 53] ؛ وأنَّهُ نظيرُ قوله: [الطويل]
2818 - أسِيئِي بِنَا أوْ أحْسِني لا مُسِيئةٌ ... لدَينَا ولا مقليَّةٌ إنْ تقَلَّتِ
التوبة 9:75
قوله: ﴿وَعَدَ الله الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [التوبة: 72] .
والأقرب أنه تعالى أراد بها البساتين التي تبنى فيها المناظر؛ لأنَّهُ تعالى قال بعده ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ والمعطوفُ يجبُ أن يكون مغايراً للمعطوف عليه فتكون مساكنهم في جنَّات عدنٍ ومناظرهم التي هي البساتين، وتكون فائدة وصفها بأنَّها عدنٌ، أنَّها تجري مجرى دار السَّكن والإقامة.
وقوله: «خَالِدِينَ» حالٌ مقدَّرة، كما تقدَّم. وقوله: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾ أي: منازل طيبة ﴿فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ أي: خلد وإقامة، وفي «عدن» قولان:
أحدهما: أنَّهُ اسم على لموضع معين في الجنَّةِ.
قال عبدُ الله بنُ عمرو «إنَّ في الجنَّة قصراً يقال له عدنٌ، حوله البروج وله خمسة آلاف باب على كلِّ باب خمسة ألاف حرة، لا يدخله إلاَّ نبيٌّ، أو صديقٌ أو شهيدٌ» .
قال الزمخشريُّ: و «عدن» علم بدليل قوله ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ التي وَعَدَ الرحمن عِبَادَهُ﴾ [مريم: 61] .
والقول الثاني: أنه صفة للجنة. قال الأزهريُّ: «العَدْنُ» مأخوذ من قولك: عَدَنَ بالمكان إذا أقام به، يَعْدِنث عُدوناً. وتقول: تركت إبل بني فلان عوادن بمكان كذا، وهو أن تلزم الإبل المكان فتألفه، ومنه المعدن، لمُسْتقرِّ الجواهر. يقال: عدن عُدُوناً، فله مصدران. هذا أصلُ هذه اللفظة لغة. وذكر المفسِّرون لها معان كثيرة وقال الأعشى في معنى الإقامة [المتقارب]
2814 - وإنْ يَسْتَضِيفُوا إلى حِلْمِهِ ... يُضَافُوا إلى رَاجِحٍ قَدْ عَدَنْ أي: ثَبَتَ واستقرَّ. ومنه «عدن» لمدينة باليمن، لكثرة المقيمين بها.
قوله: ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ الله أَكْبَرُ﴾ التَّنكيرُ يفيدُ التقليل، أي: أقلُّ شيء من الرضوان أكبر من جميع ما تقدَّم من الجنَّات ومساكنها.
ثم قال: ﴿ذلك هُوَ الفوز العظيم﴾ أي: هذا هو الفوزُ العظيمُ، لا ما يطلبه المنافقون والكفار من التنعم بطيبات الدنيا. روى أبو سعيدٍ الخدريُّ أنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ لأهل الجنَّة: يا أهل الجنة هل رضيتم؟ فيقولون: ربنا ومالنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك، فيقول ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: ربنا أي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول:» أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً» .
قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي جَاهِدِ الكفار والمنافقين﴾ الآية.
لمَّا وصف المنافقين بالصِّفات الخبيثةِ، وتوعدهم بأنواع العقاب، ثمَّ ذكر المؤمنين بالصفات الحسنة، ووعدهم بالثَّوابِ، عاد إلى شرح أحوال الكُفَّارِ والمنافقين في هذه الآية.
فإن قيل: مجاهدة المنافقينَ غيرُ جائزة، فإنَّ المنافق يستر كفره وينكره بلسانه.
فالجوابُ من وجوه:
أحدها: قال الضحاكُ: مجاهدة المنافق: تغليظُ القول، وهذا بعيدٌ؛ لأنَّ ظاهر قوله ﴿جَاهِدِ الكفار والمنافقين﴾ يقتضي الأمر بجهادهما معاً، وكذا ظاهر قوله: ﴿واغلظ عَلَيْهِمْ﴾ راجع إلى الفريقين.
وثانيها: أنَّ الجهاد عبارة عن بذل الجهد وليس في اللفظ ما يدلُّ على أنَّ الجهاد بالسَّيف أو باللِّسانِ أو بطريق آخر. فقال ابن مسعودٍ: بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لَمْ يَسْتَطعْ فبقَلبِهِ. وقال: لا يلقى المنافق إلاَّ بوجه مكفهر. وقال ابنُ عبَّاسٍ: باللِّسانِ وترك الرفق.
وثالثها: قال الحسنُ وقتادةُ: بإقامةِ الحدودِ عليهم قال القاضي: وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ إقامة الحدود واجبةٌ على من ليس بمُنافقٍ.
قوله: ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ قال أبُو البقاءِ: إن قيل كيف حسنتِ الواوُ هنا والفاء أشبه بهذا الموضع؟ ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنَّ الواو واو الحالِ والتقدير: افعل ذلك في حال استحقاقهم جهنَّم، وتلك الحال حال كفرهم ونفاقهم.
والثاني: أنَّ الواو جيء بها تنبيهاً على إرادة فعل محذوف، تقديره: واعلمْ أنَّ مأواهم جهنم.
الثالث: أنَّ الكلام حمل على المعنى والمعنى أنَّه قد اجتمع لهم عذابُ الدُّنيا بالجهاد والغلظة، وعذابُ الآخرة بجعل جهنَّم مأواهم. ولا حاجة إلى هذا كُلِّه، بل هي جملةُ استثنافية.
قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بالله مَا قَالُواْ﴾ الآية.
قال ابنُ عبَّاسٍ: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ جالساً في ظلِّ شجرةٍ، فقال: «إنهُ سيَأتِيكُمْ إنْسانٌ ينْظرُ إليْكُمْ بعيْنِ الشَّيطانِ، فإذا جَاءَ فلا تُكَلِّمُوهُ» فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق، فدعاه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فقال: «عَلامَ تَشْتمُنِي أنْتَ وأصْحَابُكَ» فانطلق الرَّجُل؛ فجاء بأصحابه، فحلفُوا بالله ما قالوا، فأنزل الله عَزَّ وَجَلَّ الآية.
وقال الكلبيُّ: نزلت في جلاس بن سويدٍ، وذلك أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ خطب ذات يوم بتبوك، فذكر المنافقين، فسمَّاهم رجْساً وعابهم، فقال جلاسٌ: لئن كان محمد صادقاً، لنحنُ شرٌّ من الحمير فلمَّا انصرف رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إلى المدينة أتاه عامر بن قيس، وأخبره بما قال جلاس، فقال الجلاس: كذب يا رسول الله؛ فأمرهما رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يحلفا عند المنبر؛ فقام الجلاسُ عند المنبر بعد العصر فحلف بالله الذي لا إله إلاَّ هو ما قاله، ولقد كذب عليَّ عامر، فقام عامرٌ فحلف بالله الذي لا إله إلا هو: لقد قاله، وما كذبتُ عليه، ثم رفع عامرٌ يديه إلى السَّماء فقال: اللَّهُمَّ انزلْ على نبيِّكَ تصديق الصادقِ منَّا.
فقال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والمؤمنون: «آمين» ، فنزل جبريل عليه السلام قبل أن يتَفرَّقُوا بهذه الآية، حتى بلغ ﴿فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ﴾ ، فقام الجلاسُ، فقال: يا رسول الله، وأتوب إليه، فقبلَ رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذلك منه، ثم تاب وحَسُنَتْ توبتُه.
وقيل: نزلت في عبد الله بن أبيّ لما قال {يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ}
[المنافقون: 8] . وأراد به الرسول - عليه الصَّلاة والسلام -، فسمع زيدُ بنُ أرقم ذلك وبلغه إلى الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -، فهمَّ عمرُ بقتل عبد الله بن أبيّ، فجاء عبد الله وحلف أنَّهُ لم يقل فنزلت الآية. وقال القاضي: الأولى أن تحمل هذه الآية على ما روي أنَّ المنافقين همُّوا بقتله عند رجوعه من تبوك، وهم خسمة عشر رجلاً تعاهدوا أن يدفعوه عن راحلته إلى الوادي باللَّيل، وكان عمَّار بن ياسر آخذاً بخطام راحلته وحذيفة خلفها يسوقها، فسمع حذيفة وقع أخفاف الإبل، وقعقة السلاح، فالتفت، فإذا قوم متلثمُون. فقال: إليكم يا أعداء الله، فهربوا والظَّاهر أنهم لمَّا اجتمعوا لذلك الغرض، فقد طعنوا في نبوته ونسبوه إلى الكذب في ادِّعاءِ الرسالة، وذلك هو قولهم كلمة الكفر وهذا القول اختيار الزجاج.
فإن قيل: قوله: ﴿وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ﴾ يدلُّ على أنَّهم أسلمُوا من قبل، وهم لم يكونوا مسلمين.
فالجوابُ: أنَّ المراد من الإسلام السلم الذي هو ضد الحرب؛ لأنَّهم لمَّا نافقوا، فقد أظهروا الإسلام، وقوله: ﴿وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ﴾ المراد إطباقهم على الفتك بالرسول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ والله تعالى أخبر الرسول بذلك حتى احترز عنهم، ولم يصلُوا إلى مقصودهم وقال السُّديُّ: «هو قولهم إذا قدمنا المدينة؛ عقدنا على رأس عبد الله بن أبيّ تاجاً فلم يصلوا إليه» .
قوله: ﴿وَمَا نقموا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ الله وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾ .
في الاستثناء وجهان:
أحدهما: أنَّهُ معفول به، أي: وما كرهُوا وعابُوا إلاَّ إغناءَ الله إيَّاهم وهو من باب قولهم: ما لي عندك ذنبٌ إلاَّ أن أحسنت إليك، أي: إن كان ثم ذنبٌ فهو هذا، فهو تهكمٌ بهم؛ كقوله: [الطويل]
2815 - ولا عَيْبَ فينَا غَيْرَ عِرْقٍ لِمَعْشَرٍ ... كرامٍ وأنَّا لا نَخُطُّ على النَّمْلِ
وقول الآخر: [المنسرح]
2816 - مَا نَقمُوا مِنْ بَنِي أمَيَّة إلْ ... لا أنَّهُم يَحْلُمُون إن غضبُوا
وأنَّهُمْ سَادَةُ الملُوك ولا ... يَصْلحُ إلاَّ عليهمُ العربُ والثاني: أنَّهُ مفعولٌ من أجله، وعلى هذا فالمفعولُ به محذوف، تقديره: وما نقموا منهم الإيمان إلاَّ لأجل إغناء الله إيَّاهم. وقد تقدَّم الكلامُ على «نَقِمَ» [الأعراف: 126] .
قيل: إن مولى الجلاس قتل، فأمر له رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بديته اثني عشر ألفاً فاستغنى.
وقال الكلبيُّ: كانوا قبل قدوم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ المدينة في ضنكٍ من العيشِ فلمَّا قدمَ عليهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ استغنوا بالغنائم.
قوله: ﴿فَإِن يَتُوبُواْ﴾ أي: من نفاقهم: ﴿يَكُ خَيْراً لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا﴾ أي: يعرضوا عن التوبة ﴿يُعَذِّبْهُمُ الله عَذَاباً أَلِيماً فِي الدنيا﴾ بالخزي، وفي ﴿الآخرة﴾ بالنَّارِ ﴿وَمَا لَهُمْ﴾ في الأَرض ﴿مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾ أي: أنَّ عذاب الله إذا حق لم ينفعه وليّ ولا نصير.
قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ الله﴾ الآية.
«عاهد الله» فيه معنى القسم، فلذلك أجيب بقوله: «لنصَّدقنَّ» ، وحذف جوابُ الشرط لدلالة هذا الجواب عليه، و «اللاَّم» للتوطئةِ، ولا يمتنع الجمعُ بين القسم واللاَّم الموطئة له.
وقال أبُو البقاءِ: فيه وجهان:
أحدهما: تقديره: «عاهد، فقال: لئِنْ آتَانَا» .
والثاني: أن يكون «عاهد» بمعنى: قال، فإنَّ العهد قول. ولا حاجة إلى هذا.
قوله: ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ﴾ قرأهما الجمهور بالنُّون الثقيلة. والأعمش بالخفيفة.
قال الزجاج الأصل: «لنتَصدَّقنَّ» ، ولكن التَّاء أدغمت في الصَّاد، لقربها منها.
قال الليثُ: المُتصدق: المعطي، والمُتصدق: السائل. قال الأصمعيُّ، والفرَّاءُ: هذا خطأ، فالمتصدق هو المعطي، قال تعالى: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ الله يَجْزِي المتصدقين﴾ [يوسف: 88] واعلم أنَّ هذه السورة نزل أكثرها في شرح أحوال المنافقين؛ فلهذا ذكرهم على التفصيل فقال: ﴿وَمِنْهُمُ الذين يُؤْذُونَ النبي﴾ [التوبة: 62] ﴿وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصدقات﴾ [التوبة: 58] ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي﴾ [التوبة: 49] ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ﴾ [التوبة: 75] .
والمشهور في سبب نزول هذه الآية: ما روى أبو أمامة قال: جاء ثعلبةُ بنُ حاطبٍ الأنصاريُّ إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال: يا رسول الله ادعُ الله أن يرزقني مالاً، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «ويحْكَ يا ثعلبةُ قليلٌ تُؤدِّي شُكرَهُ خيرٌ من كثيرٍ لا تُطِيقهُ» ثمَّ أتاهُ بعد ذلك فقال: «أمّا لكَ في رسول الله أسوةٌ حسنةٌ؟ والذي نفسي بيدهِ لوْ أردتُ أن تسيرَ الجبالُ معي ذهباً وفضةً لسَارَتْ»
ثمَّ راجعه بعد ذلك، فقال: يا رسول الله: ادعُ الله أن يرزقني مالاً، والذي بعثك بالحقِّ لئن رزقني الله مالاً لأعطين كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «اللَّهُمَّ ارزقْ ثعلبةَ مالاً» قال: فاتَّخذ غنماً؛ فنمت كما ينمو الدُّودُ، حتى ضاقَتْ بها المدينةُ فتنحَّى عنها، ونزل وادياً من أوديتها، وكان يصلي مع رسول الله الظهر والعصر، ويصلي في غنمة سائر الصلوات، ثم كثُرتْ ونمتْ، فتباعد حتى كان لا يشهدُ جمعةً ولا جماعة؛ فكان إذا كان يوم الجمعة خرجَ يتلقَّى النَّاس يسألهم عن الأخبار، فذكرهُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذات يوم فقال: «ما فعل ثعلبةُ؟»
قالوا: يا رسول الله؛ اتَّخذَ غنماً ما يسعها وادٍ، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «يا ويْحَ ثَعلبةَ» فأنزل الله تعالى آية الصدقات؛ فبعث رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ رجلاً من بني سليم، ورجلاً من جهينة، وكتب لهما أسنان الصدقة كيف يأخذانها، وقال لهما: «مُرَّا بثعلَبَة بنِ حاطبٍ، وبرجُلٍ من بنِي سليمٍ، فخذا صدقاتهما» فخرجا حتى أتيا ثعلبة؛ فسألاه الصدقة، وأقرآه كتاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فقال: هذه إلاَّ الجزية، ما هذه إلاَّ أخت الجزية، انطلقا حتى تفرغا ثم عودا إليَّ، فانطلقا وسمع بهما السُّلمي، فنظر إلى خيار أسنان إبله فعزلها للصَّدقة، ثم استقبلهما بها، فلمَّا رأياها قالا: ما هذه عليك؛ قال خذاه فإنَّ نفسي بذلك طيبة، فمرَّا على الناس، وأخذَا الصدقات ثم رجعا إلى ثعلبة، فقال: أروني كتابكما؛ فقرأه ثم قال: ما هذه إلا جزية، ما هذه إلاَّ أختُ الجزية، اذهبا حتَّى أرى رأيي، قال فأقبلا، فلما رآهما رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال قبل أن يكلماه: يا ويْحَ ثعلبةَ، ثُمَّ دعا للسلميّ بخيرٍ؛ فأخبراه بالذي صنع ثعلبة؛ فأنزل الله - عزَّ وجلَّ - ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ الله﴾ الآية على قوله: ﴿وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: 77] وعند رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ رجلٌ من أقارب ثعلبةَ؛ فسمع ذلك، فخرج حتَّى أتاهُ فقال: ويْحَكَ يا ثعلبة، قد أنزل الله عزَّ وجلَّ فيك كذا وكذا، فخرج ثعلبة حتى أتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فسأله أن يقبل صدقته، فقال:
«إنَّ الله مَنَعنِي أن أقبلَ مِنْكَ صدقَتكَ» فجعل يَحثُو التُّرابَ على رأسِهِ، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «قد أمرتُك فلمْ تُطِعْنِي» ؛ فرجع إلى منزله، وقبض رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ثم أتى أبا بكر بصدقته؛ فلم يقبلها اقتداء بالرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - فقبض أبو بكر، ثم لم يقبلها عمر اقتداء بأبي بكر، ثمَّ لم يقبلها عثمان، وهلك ثعلبةُ في خلافه عثمان.
وقال ابنُ عباسٍ، وسعيدُ بن جبير، وقتادةُ: أتى ثعلبة مشهداً من الأنصار؛ فأشهدهم لئن آتاني الله من فضله آتيت كلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ، وتصدقت منه، ووصلت منه القرابة، فمات ابن عمٍّ له، فورث منه مالاً، فلم يف بما قال؛ فأنزل الله هذه الآية.
وقال الحسن ومجاهدٌ: نزلت في ثعلبةَ بن حاطبٍ، ومعتب بن قشير، وهما من بني عمرو بن عوف قد جاءا على ملأ قعوداً وقالا: والله لئن رزقنا الله لنصدقنَّ، فلما رزقهما بخلا به. والمشهورُ الأول.
فإن قيل: إنَّ الله أمره بإخراج الصَّدقة؛ فكيف يجوزُ للرسول أن لا يقبلها منه؟ .
فالجواب: لا يبعد أن يقال: إنَّ الله تعالى منع الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - من قبول الصدقة منه إهانة له ليعتبر غيره؛ فلا يمتنع عن أداء الصدقات، أو أنَّه أتى بتلك الصدقة على وجه الرياء، لا على وجه الإخلاص، وأعلم الله الرسول بذلك؛ فلذلك لم يقبل تلك الصدقة، ويحتمل أيضاً أن الله تعالى لما قال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ [التوبة: 103] كان هذا غير حاصل في ثعلبة مع نفاقه؛ فلهذا امتنع الرَّسولُ - عليه الصلاو والسلام - من أخذ تلك الصَّدقةِ.
فإن قيل: المنافق كافرٌ، والكافر لا يمكنه أن يعاهد الله.
فالجواب: أنَّ المنافق قد يكون عارفاً بالله، إلاَّ أنه كان منكراً لنبوةِ محمدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ؛ فلكونه عارفاً بالله يمكنه أن يعاهد الله، ولكونه منكراً لنبوة محمد - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -، كان كافراً.
وكيف لا أقول ذلك وأكثر العالم مقرون بوجود الصانع؟ أو لعله حين عاهد الله كان مسلماً، ثم لمَّا بخل بالمال، ولم يف بالعهدِ صار منافقاً، ولفظ الآية يدلُّ على ذلك لقوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً﴾ [التوبة: 78] .
فإن قيل: هل من شرط المعاهدة أن يتلفظ بها باللسان، أو يكفي النِّيَّة؟ .
فالجواب: قال بعضهم: تكفي النيةُ، وأن قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ الله﴾ [التوبة: 75] كان شيئاً نووه في أنفسهم لقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ الله يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ [التوبة: 78] . وقال المحققون: هذه المعاهدة مقيدة بالتَّلفظ باللسان، لقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «إنَّ الله عفا لأمَّتي ما حدَّثتْ به أنفُسهَا ما لم تتكلَّم به أو تعمل» وأيضاً فقوله ﴿لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ يشعر ظاهره بالقول باللسانِ.
فإن قيل: المراد من الصدقة إخراج المال، وهو على قسمين واجبٌ وغير واجب والواجبُ قسمان: قسم واجبٌ بأصل الشرع كالزَّكاة، والنفقات الواجبةِ.
وقسم لم يجب إلاَّ إذا التزمه العبد كالنذور.
فقوله: «لنصَّدَّقنَّ» هل يتناولُ الأقسام الثلاثة، أو لا؟
فالجوابُ: أنَّ الصَّدقات الَّتي ليست واجبة، غير داخلة في الآية، لقوله: «بخلوا به» والبخل في عرف الشَّرْعِ عبارة عن منع الواجب؛ ولأنَّه تعالى ذمَّهُم بهذا الترك، وتارك المندوب لا يذم.
بقي القسمان الواجبان؛ فالواجب بأصل الشرع داخل في الآية، لا محالة بقي الواجب بالنَّذر، والظَّاهر أن اللفظ لا يدلُّ عليه؛ لأنه ليس في الآية إلاَّ قوله ﴿لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ وهذا ليس فيه إشعارٌ بالنَّذر، لأنَّ الرجل قد يعاهدُ ربَّهُ في أن يقوم بما يلزمه من الزَّكوات والنفقات الواجبة إن وسَّعَ اللهُ عليه.
فإن قيل: لفظ الآية يدلُّ على أنَّ الذي لزمهم إنَّما بسبب هذا الالتزام، والزكاةُ لا تلزم بسبب هذا الالتزام، وإنما تلزمُ بملك النصاب وحلول الحولِ.
فالجوابُ: قوله: «لنصَّدقنَّ» لا يوجبُ أن يفعلوا ذلك على الفور؛ لأنَّهُ إخبار عن إيقاع هذا الفعل في المستقبل، وهذا النذر لا يوجبُ الفور؛ فكأنهم قالوا: لنصدقن في وقته كما قالوا: ﴿وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصالحين﴾ أي: في أوقات لزوم الصَّلاة؛ فثبت بما قرَّرْنَا أنَّ الدَّاخل تحت هذا العهد، إخراج الأموال الواجبة بأصل الشَّرع، ويؤكد هذا ما روي في سببن النُّزولِ أنَّ الآية إنَّما نزلت في حق من امتنع من أداة الزَّكاةِ.
فصل
المرادُ من «الفضل» ههنا: إيتاء المالِ بأي طريق كان، إمَّا بتجارة، أو غنيمةٍ أو غير ذلك. والمرادُ ب «الصَّالحينَ» : الصالح ضد المفسد، والمفسد عبارة عمَّن بخل بما يلزمه في التكليف، فالصَّالح: من يعملُ بعمل أهل الصَّلاحِ من صلة الرَّحمِ والنَّفقةِ في الخير، ونحو ذلك.
ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّآ آتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ .
قال الليثُ: يقال: أعقب فلاناً ندامةٌ، إذا صيرت عاقبة أمره ذلك، قال الهذليُّ: [الكامل]
2817 - أودى بنيَّ وأعقبُوني حَسْرَةً ... بَعْد الرُّقادِ وعبْرَةٌ لا تُقْلِعُ ويقال: أكل فلانٌ أكلةً فأعقبتهُ سُقْماً، وأعقبه الله خيراً، والمعنى: أخلفهم في قلوبهم أي: صير عاقبة أمورهم النفاق، عاقبهم بنفاق في قلوبهم، يقال: عاقبته وأعقبته بمعنى.
فصل
«فأعقبهم» فعل، ولا بد من إسناده إلى شيء تقدَّم ذكره، والذي تقدَّم ذكره هو الله تعالى، والمعاهدة والتصدق والصلاح والبخل والتولي والإعراض، ولا يجوزُ إسناد إعقاب النفاق إلى المعاهدة أو التَّصدق أو الصلاح، لأنَّ هذه الثلاثة أعمال الخير؛ فلا يجوز جعلها مؤثرة في حصول النفاق في القلب؛ لأنَّ النفاقَ عبارة عن الكُفْرِ، وهو جهل وترك بعض الواجب لا يكون مؤثراً في حصول الجهلِ في القلب؛ لأنَّ ترك الواجب عدمٌ، والجهل وجود، والعدم لا يكون مؤثراً في الوجود؛ لأنَّ البخل والتولي والإعراض، قد يوجدُ في كثير من الفُسَّاقِ، مع أنَّهُ لا يحصلُ معه النفاق؛ ولأنَّ هذا الترك لو أوجب حصول الكفرِ في القلب لأوجبه، سواء كان هذا الترك جائزاً شرعاً أو محرماً شرعاً؛ لأنَّ سبب اختلاف الأحكام الشرعية لا يخرج المؤثر عن كونه مؤثراً؛ ولأنه تعالى قال: ﴿بِمَآ أَخْلَفُواْ الله مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: 77] فلو كان فعل الإعقاب مسنداً إلى البخل، والتولي، والإعراض لصار تقدير الآية: فأعقبهم ببخلهم وتوليهم وإعراضهم نفاقاً في قلوبهم بما أخلفُوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون، وذلك لا يجوز؛ لأنَّه فرق بين التَّولي وحصول النفاق في القلب بسبب التولي، ومعلومٌ أنه كلام باطل؛ فثبت بهذه الوجوه أنَّهُ لا يجوز إسناد الإعقاب إلى شيء من الأشياءِ المتقدم ذكرها إلاَّ إلى الله تعالى؛ فوجب إسناده إليه؛ فصار المعنى: أنَّ الله تعالى هو الذي يعقب النفاق في قلوبهم، وذلك يدلُّ على أنَّ خالق الكفر في القلوب هو الله تعالى، وهذا هو الذي قاله الزجاجُ، إنَّ معناه: أنَّهُم لمَّا ضلُّوا في الماضي فهو تعالى أضلَّهُم عن الدِّين في المستقبل، ويؤكدُ ذلك قوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ فالضميرُ في قوله: «يَلقَوْنَهُ» عائد إلى الله تعالى فكان الأولى أن يكون قوله: «فأعْقَبَهُمْ» مسنداً إلى اللهِ تعالى.
قال القاضي «المرادُ من قوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي: فأعقبهم العقوبة على النفاق وتلك العقوبة هي: حدوث الغم في قلوبهم وضيق الصدر وما ينالهم من الذُّل والذنب ويدوم بهم ذلك إلى الآخرة» .
وهذا بعيدٌ؛ لأنه عدولٌ عن الظَّاهر من غير دليل فإن ذكروا دليلاً عقلياً، قوبلوا بدليل عقلي. والله أعلم.
فصل
ظاهرُ الآية يدلُّ على أنَّ نقض العهد، وخلف الوعد، يورثُ النِّفاقَ، فيجب على المسلم الاحتراز عن ذلك، ويجتهد في الوفاءِ. ومذهب الحسنِ البصري: أنَّه يوجب النفاق لا محالة لهذه الآية، ولقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «ثلاثٌ من كُنَّ فيه كان مُنافقاً وإن صلَّى وصامَ وزعمَ أنَّهُ مؤمنٌ، إذا حدَّث كذبَ، وإذا وعدَ أخلفَ، وإذا ائْتُمِنَ خَانَ» .
ونقل أن واصل بن عطاء قال: أتى الحسن رجلٌ فقال له: إن أولاد يعقوب حدَّثُوه في قولهم ﴿فَأَكَلَهُ الذئب﴾ [يوسف: 17] فكذبوهُ، ووعدوه في قولهم: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [يوسف: 12] فأخلفوه، وائتمنهم أبوهم على يوسف فخانوه، فهل نحكمُ بكونهم منافقين؟ قيل: فتوقف الحسن في مذهبه.
وفسَّر عمر بن عبيد الحديث فقال «إذا حدَّث عن الله كذب عليه، وعلى دينه، وعلى رسوله وإذا وعد أخلف كما ذكر الله فيمن عاهد الله، وإذا ائتمن على دين الله خان في السرِّ فكان قلبه على خلاف لسانه» .
قوله: ﴿إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ قال الجبائيُّ «تمسَّكُوا في إثبات رُؤية الله بقوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ﴾ [الأحزاب: 44] قال: واللقاء ليس عبارة عن الرؤية، بدليل قوله في صفة المنافقين ﴿إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ وأجمعوا على أنَّ الكفَّار لا يرونه؛ فدلَّ على أنَّ اللقاء ليس عبارة عن الرؤية.
ويؤيدُه قوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ» من حلفَ على يمينٍ كاذبةٍ ليقتطع بهَا حق امرئ مُسلمٍ لقيَ الله وهُو عليه غَضبَانُ «وأجمعوا على أنَّ المراد من اللقاء ههنا: لقاء ما عند الله من العقاب فكذا ههنا» .
قال ابن الخطيب «وهذا دليلٌ ضعيفٌ؛ لأنَّا إذا تركنا حمل لفظ اللقاء على الرُّؤيةِ في هذه الآية، وفي الخبر لدليل منفصل؛ فلا يلزمنا ذلك في سائر الصُّور، كما إذا أدخلنا التَّخصيصَ في بعض العمومات لدليل منفصل؛ فلا يلزمنا أن نُخَصّصَ جميع العمومات من غير دليل فكما لا يلزمنا هذا لا يلزمنا ذلك» .
قوله: ﴿بِمَآ أَخْلَفُواْ الله مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾ أي: أنَّ الله أعقبهم ذلك النِّفاق في قلوبهم لأجل إخلافهم الوعد، وعلى كذبهم. وقرأ الجمهور «يَكْذبُونَ» مخففاً، وأبو رجاء مثقلاً.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ الله يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ الآية.
قرأ الجمهور «يَعْلمُوا» بالياء من تحت. وقرأ عليُّ بن أبي طالبٍ، والحسنُ، والسلمي بالخطاب، التفاتاً للمؤمنين دون المنافقين والسِّر: ما ينطوي عليه صدورهم والنَّجْوَى: ما يفاوضُ فيه بعضهم بعضاً فيما بينهم، مأخوذ من «النَّجْوِ» وهو الكلام الخفي كأنَّ المتناجين منعا إدخال غيرهما معهما، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: 52] وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا استيأسوا مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيّاً﴾ [يوسف: 80] وقوله: ﴿فَلاَ تَتَنَاجَوْاْ بالإثم والعدوان وَمَعْصِيَةِ الرسول وَتَنَاجَوْاْ بالبر والتقوى﴾
[المجادلة: 9] ، والمعنى: أنَّ الله تعالى يعلم سرهم ونجواهم فكيف يتجرَّءون على النفاق الذي الأصل فيه الاستسرار والتَّناجي فيما بينهم، مع علمهم بأنَّهُ تعالى يعلم ذلك من حالهم، كما يعلم الظَّاهر، وأنَّهُ يعاقب عليه كما يعاقب على الظَّاهر.
قال: ﴿وَأَنَّ الله عَلاَّمُ الغيوب﴾ والعَلاَّمُ: مبالغة في العالم، والغيب: ما كان غَائِباً عن الخلق.
قوله تعالى: ﴿الذين يَلْمِزُونَ المطوعين مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ الآية.
في «الذين يَلْمِزُونَ» أوجه:
أحدها: أنه مرفوعٌ على إضمار مبتدأ، أي: هم الذين.
الثاني: أّنَّه في محل رفع بالابتداء، و «مِنَ الُمؤمنينَ» حالٌ من «المطَّوِّعين» .
و «في الصَّدقاتِ» متعلق ب «يَلْمِزُونَ» ، و «الَّذشينَ لا يَجِدُونَ» نسقٌ «المُطَّوِّعينَ» أي: يَعيبُونَ المياسير، والفقراء. وقال مكيٌّ: «والَّذينَ» خفضٌ، عطفاً على «المُؤمنينَ» ولا يَحْسُن عطفهُ على «المُطَّوِّعين» ؛ لأنه لمْ يتمَّ اسماً يعد؛ لأنَّ «فَيَسْخَرُونَ» عطف على «يَلْمِزُونَ» هكذا ذكره النَّحاسُ في الإعراب له، وهو عندي وهمٌ منه.
قال شهابُ الدِّين: «والأمر فيه كما ذكر، فإنَّ» المُطَّوِّعينَ «قد تمَّ من غير احتياجٍ لغيره» .
وقوله: «فَيَسْخرُونَ» نسقٌ على الصِّلةِ، وخبر المبتدأ: الجملةُ من قوله «سَخِرَ اللهُ منهُمْ» هذا أظهرُ إعراب قيل هنا.
وقيل: «والَّذينَ لا يَجِدُونَ» نسقٌ على «الَّذِينَ يَلْمِزُونَ» ، ذكره أبُو البقاءِ وهذا لا يجُوزُ؛ لأنَّهُ يلزمُ الإخبارُ عنهم بقوله: ﴿سَخِرَ الله مِنْهُمْ﴾ ، وهذا لا يكون، إلاَّ بأنْ كان «الَّذِينَ لا يَجِدُون» مُنافقينَ، وأمَّا إذَا كانُوا مؤمنين، كيف يسخرُ الله منهم؟ . وقيل: «والَّذِينَ لا يَجِدُونَ» نسقٌ على «المُؤمنينَ» ، قاله أبُو البقاءِ.
قال أبُو حيَّان: «وهُو بعيدٌ جدّاً» . ووجهُ بعده: أنَّه يفهمُ أنَّ «الَّذِينَ لا يجدُونَ» ليسوا مؤمنين؛ لأن أصل العطف الدلالةُ على المُغايرةِ، فكأنَّنهُ قيل: يَلْمِزُونَ المطَّوِّعينَ من هذين الصنفين: المؤمنين، والذين لا يجدُونَح فيكون «الَّذِينَ لا يجدون» مطَّوِّعين غير مؤمنين.
وقال أبُو البقاءِ: «فِي الصَّدقاتِ» متعلقٌ ب «يَلمِزُونَ» ، ولا يتعلَّق ب «المُطَّوِّعينَ» لئلاَّ يفصل بينهما بأجنبي. وهذا فيه نظر؛ إذ قوله «مِنَ المؤمنينَ» حال، والحالُ ليست بأجنبيّ، وإنَّما يظهر في ردِّ ذلك أن «يطَّوَّع» إنَّما يتعدى بالياءِ، لا ب «في» وكون «في» بمعنى «الباء» خلاف الأصل. وقيل: «فَيَسْخَرُونَ» خبرُ المبتدأ ودخلتِ الفاءُ، لمَا تضمَّنهُ المبتدأ من معنى الشرط، وفي هذا الوجه بُعدٌ من حيثُ إنَّه يقرُب من كون الخبر في معنى المبتدأ فإنَّ من عاب إنساناً وغمزهُ علم أنَّهُ يسخرُ منه فيكون كقولهم: «سَيِّدُ الجاريةِ مالِكُهَا» .
الثالث: أن يكون محلُّه نصباً على الاشتغال، بإضمار فعل يُفسِّره «سَخِرَ اللهُ منهُم» من طريق المعنى، نحو: عاب الذين يلمزُون، سخر الله منهم.
الرابع: أنْ ينصب على الشتم.
الخامس: أن يكون مجروراً بدلاً من الضمير في «سِرَّهُم ونجْواهُمْ» .
وقرئ «يلْمُزون» بضم الميم، وقد تقدَّم أنَّها لغة، وقرأ الجمهور «جُهْدَهم» بضمِّ الجيمِ.
وقرأ ابنُ هرمز وجماعة «جَهْدهم» بالفتح. فقيل: لغتان بمعنى واحد. وقيل المفتوحُ المشقَّةُ والمضمومُ: الطَّاقةُ، قالهُ القتيبيُّ، وقيل: المضمومُ شيءٌ قيلٌ يعاشُ به والمفتوحُ: العملُ.
وقوله: ﴿سَخِرَ الله مِنْهُمْ﴾ يحتملُ أن يكون خبراً محضاً، وأن يكون دعاءً.
فصل
اعلم أنَّ هذا نوع آخر من أعمالهم القبيحة، وهو لمزهم من يأتي بالصَّدقاتِ.
قال المفسِّرون: حثَّ رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على الصَّدقةِ؛ فجاء عبدُ الرحمن بنُ عوفٍ بأربعة آلافِ درهم، فقال: يا رسول الله، مالي ثمانية آلاف درهم، جئتك بأربعة آلاف فاجعلها في سبيل الله، وأمسكتُ أربعة آلاف لعيالي.
فقال رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «بَارَكَ اللهُ لَكَ فِيمَا أعْطيْتَ، وفيمَا أمْسَكْتَ» فبارك اللهُ في مال عبد الرحمن، حتَّى إنَّهُ خلف امرأتين يوم أن مات؛ فبلغ ثمنُ ماله لهما مائة وستون ألفاً وتصدق يومئذ عاصمُ بن عدي العجلاني بمائة وسْقٍ من تمر.
وجاء أبُو عقيلٍ الأنصاري واسمه الحبحاب، بصاعٍ من تمرٍ، وقال: يا رسُول الله بتُّ ليلتي أجر بالجرير حتى نلتُ صاعين من تمرٍ؛ فأمسكتُ أحدهما لعيالي، وجئتُ بالآخر؛ فأمره رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن ينثره على الصَّدقاتِ؛ فلمزهم المنافقُون، وقالوا: ما أعطى عبد الرحمن وعاصم إلاَّ رياءً، وإن كان الله ورسوله لغنيين عن صاع أبي عقيل ولكنَّهُ أحب أن يزكي نفسه ليعطى من الصَّدقات؛ فأنزل الله تعالى: «الَّذِينَ يلْمِزُون» أي: يعيبون المطوعين المتبرعين من المؤمنين في الصدقات، يعني: عبد الرحمن بن عوف وعاصماً، ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ﴾ أي: طاقتهم.
والجُهْدُ: شيء قليلٌ يعيش به المقلُّ، والجهد بالفتح، والجُهْد بالضمِّ بمعنى واحد يعني: أبا عقيل: «فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ» يستهزئون منهم، ﴿سَخِرَ الله مِنْهُمْ﴾ أي: جازاهم على السخرية، وقال الأصمُّ: المرادُ أنه تعالى قبل من هؤلاء المنافقين ما أظهروهُ من أعمال البرِّ مع أنَّهُ لا يثيبهم عليها؛ فكان ذلك كالسخرية، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ .
قوله تعالى: ﴿استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية.
قال ابنُ عبَّاسٍ: إنَّ عند نزول الآية في المنافقين، قالوا: يا رسول الله، استغفر لنا، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «سأسْتغفرُ لَكُمْ» ؛ فنزل قوله تعالى: ﴿استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ قد تقدَّم الكلام على هذا عند قوله: ﴿قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ﴾ [التوبة: 53] ؛ وأنَّهُ نظيرُ قوله: [الطويل]
2818 - أسِيئِي بِنَا أوْ أحْسِني لا مُسِيئةٌ ... لدَينَا ولا مقليَّةٌ إنْ تقَلَّتِ
التوبة 9:76
قوله: ﴿وَعَدَ الله الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [التوبة: 72] .
والأقرب أنه تعالى أراد بها البساتين التي تبنى فيها المناظر؛ لأنَّهُ تعالى قال بعده ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ والمعطوفُ يجبُ أن يكون مغايراً للمعطوف عليه فتكون مساكنهم في جنَّات عدنٍ ومناظرهم التي هي البساتين، وتكون فائدة وصفها بأنَّها عدنٌ، أنَّها تجري مجرى دار السَّكن والإقامة.
وقوله: «خَالِدِينَ» حالٌ مقدَّرة، كما تقدَّم. وقوله: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾ أي: منازل طيبة ﴿فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ أي: خلد وإقامة، وفي «عدن» قولان:
أحدهما: أنَّهُ اسم على لموضع معين في الجنَّةِ.
قال عبدُ الله بنُ عمرو «إنَّ في الجنَّة قصراً يقال له عدنٌ، حوله البروج وله خمسة آلاف باب على كلِّ باب خمسة ألاف حرة، لا يدخله إلاَّ نبيٌّ، أو صديقٌ أو شهيدٌ» .
قال الزمخشريُّ: و «عدن» علم بدليل قوله ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ التي وَعَدَ الرحمن عِبَادَهُ﴾ [مريم: 61] .
والقول الثاني: أنه صفة للجنة. قال الأزهريُّ: «العَدْنُ» مأخوذ من قولك: عَدَنَ بالمكان إذا أقام به، يَعْدِنث عُدوناً. وتقول: تركت إبل بني فلان عوادن بمكان كذا، وهو أن تلزم الإبل المكان فتألفه، ومنه المعدن، لمُسْتقرِّ الجواهر. يقال: عدن عُدُوناً، فله مصدران. هذا أصلُ هذه اللفظة لغة. وذكر المفسِّرون لها معان كثيرة وقال الأعشى في معنى الإقامة [المتقارب]
2814 - وإنْ يَسْتَضِيفُوا إلى حِلْمِهِ ... يُضَافُوا إلى رَاجِحٍ قَدْ عَدَنْ أي: ثَبَتَ واستقرَّ. ومنه «عدن» لمدينة باليمن، لكثرة المقيمين بها.
قوله: ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ الله أَكْبَرُ﴾ التَّنكيرُ يفيدُ التقليل، أي: أقلُّ شيء من الرضوان أكبر من جميع ما تقدَّم من الجنَّات ومساكنها.
ثم قال: ﴿ذلك هُوَ الفوز العظيم﴾ أي: هذا هو الفوزُ العظيمُ، لا ما يطلبه المنافقون والكفار من التنعم بطيبات الدنيا. روى أبو سعيدٍ الخدريُّ أنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ لأهل الجنَّة: يا أهل الجنة هل رضيتم؟ فيقولون: ربنا ومالنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك، فيقول ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: ربنا أي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول:» أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً» .
قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي جَاهِدِ الكفار والمنافقين﴾ الآية.
لمَّا وصف المنافقين بالصِّفات الخبيثةِ، وتوعدهم بأنواع العقاب، ثمَّ ذكر المؤمنين بالصفات الحسنة، ووعدهم بالثَّوابِ، عاد إلى شرح أحوال الكُفَّارِ والمنافقين في هذه الآية.
فإن قيل: مجاهدة المنافقينَ غيرُ جائزة، فإنَّ المنافق يستر كفره وينكره بلسانه.
فالجوابُ من وجوه:
أحدها: قال الضحاكُ: مجاهدة المنافق: تغليظُ القول، وهذا بعيدٌ؛ لأنَّ ظاهر قوله ﴿جَاهِدِ الكفار والمنافقين﴾ يقتضي الأمر بجهادهما معاً، وكذا ظاهر قوله: ﴿واغلظ عَلَيْهِمْ﴾ راجع إلى الفريقين.
وثانيها: أنَّ الجهاد عبارة عن بذل الجهد وليس في اللفظ ما يدلُّ على أنَّ الجهاد بالسَّيف أو باللِّسانِ أو بطريق آخر. فقال ابن مسعودٍ: بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لَمْ يَسْتَطعْ فبقَلبِهِ. وقال: لا يلقى المنافق إلاَّ بوجه مكفهر. وقال ابنُ عبَّاسٍ: باللِّسانِ وترك الرفق.
وثالثها: قال الحسنُ وقتادةُ: بإقامةِ الحدودِ عليهم قال القاضي: وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ إقامة الحدود واجبةٌ على من ليس بمُنافقٍ.
قوله: ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ قال أبُو البقاءِ: إن قيل كيف حسنتِ الواوُ هنا والفاء أشبه بهذا الموضع؟ ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنَّ الواو واو الحالِ والتقدير: افعل ذلك في حال استحقاقهم جهنَّم، وتلك الحال حال كفرهم ونفاقهم.
والثاني: أنَّ الواو جيء بها تنبيهاً على إرادة فعل محذوف، تقديره: واعلمْ أنَّ مأواهم جهنم.
الثالث: أنَّ الكلام حمل على المعنى والمعنى أنَّه قد اجتمع لهم عذابُ الدُّنيا بالجهاد والغلظة، وعذابُ الآخرة بجعل جهنَّم مأواهم. ولا حاجة إلى هذا كُلِّه، بل هي جملةُ استثنافية.
قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بالله مَا قَالُواْ﴾ الآية.
قال ابنُ عبَّاسٍ: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ جالساً في ظلِّ شجرةٍ، فقال: «إنهُ سيَأتِيكُمْ إنْسانٌ ينْظرُ إليْكُمْ بعيْنِ الشَّيطانِ، فإذا جَاءَ فلا تُكَلِّمُوهُ» فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق، فدعاه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فقال: «عَلامَ تَشْتمُنِي أنْتَ وأصْحَابُكَ» فانطلق الرَّجُل؛ فجاء بأصحابه، فحلفُوا بالله ما قالوا، فأنزل الله عَزَّ وَجَلَّ الآية.
وقال الكلبيُّ: نزلت في جلاس بن سويدٍ، وذلك أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ خطب ذات يوم بتبوك، فذكر المنافقين، فسمَّاهم رجْساً وعابهم، فقال جلاسٌ: لئن كان محمد صادقاً، لنحنُ شرٌّ من الحمير فلمَّا انصرف رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إلى المدينة أتاه عامر بن قيس، وأخبره بما قال جلاس، فقال الجلاس: كذب يا رسول الله؛ فأمرهما رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يحلفا عند المنبر؛ فقام الجلاسُ عند المنبر بعد العصر فحلف بالله الذي لا إله إلاَّ هو ما قاله، ولقد كذب عليَّ عامر، فقام عامرٌ فحلف بالله الذي لا إله إلا هو: لقد قاله، وما كذبتُ عليه، ثم رفع عامرٌ يديه إلى السَّماء فقال: اللَّهُمَّ انزلْ على نبيِّكَ تصديق الصادقِ منَّا.
فقال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والمؤمنون: «آمين» ، فنزل جبريل عليه السلام قبل أن يتَفرَّقُوا بهذه الآية، حتى بلغ ﴿فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ﴾ ، فقام الجلاسُ، فقال: يا رسول الله، وأتوب إليه، فقبلَ رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذلك منه، ثم تاب وحَسُنَتْ توبتُه.
وقيل: نزلت في عبد الله بن أبيّ لما قال {يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ}
[المنافقون: 8] . وأراد به الرسول - عليه الصَّلاة والسلام -، فسمع زيدُ بنُ أرقم ذلك وبلغه إلى الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -، فهمَّ عمرُ بقتل عبد الله بن أبيّ، فجاء عبد الله وحلف أنَّهُ لم يقل فنزلت الآية. وقال القاضي: الأولى أن تحمل هذه الآية على ما روي أنَّ المنافقين همُّوا بقتله عند رجوعه من تبوك، وهم خسمة عشر رجلاً تعاهدوا أن يدفعوه عن راحلته إلى الوادي باللَّيل، وكان عمَّار بن ياسر آخذاً بخطام راحلته وحذيفة خلفها يسوقها، فسمع حذيفة وقع أخفاف الإبل، وقعقة السلاح، فالتفت، فإذا قوم متلثمُون. فقال: إليكم يا أعداء الله، فهربوا والظَّاهر أنهم لمَّا اجتمعوا لذلك الغرض، فقد طعنوا في نبوته ونسبوه إلى الكذب في ادِّعاءِ الرسالة، وذلك هو قولهم كلمة الكفر وهذا القول اختيار الزجاج.
فإن قيل: قوله: ﴿وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ﴾ يدلُّ على أنَّهم أسلمُوا من قبل، وهم لم يكونوا مسلمين.
فالجوابُ: أنَّ المراد من الإسلام السلم الذي هو ضد الحرب؛ لأنَّهم لمَّا نافقوا، فقد أظهروا الإسلام، وقوله: ﴿وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ﴾ المراد إطباقهم على الفتك بالرسول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ والله تعالى أخبر الرسول بذلك حتى احترز عنهم، ولم يصلُوا إلى مقصودهم وقال السُّديُّ: «هو قولهم إذا قدمنا المدينة؛ عقدنا على رأس عبد الله بن أبيّ تاجاً فلم يصلوا إليه» .
قوله: ﴿وَمَا نقموا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ الله وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾ .
في الاستثناء وجهان:
أحدهما: أنَّهُ معفول به، أي: وما كرهُوا وعابُوا إلاَّ إغناءَ الله إيَّاهم وهو من باب قولهم: ما لي عندك ذنبٌ إلاَّ أن أحسنت إليك، أي: إن كان ثم ذنبٌ فهو هذا، فهو تهكمٌ بهم؛ كقوله: [الطويل]
2815 - ولا عَيْبَ فينَا غَيْرَ عِرْقٍ لِمَعْشَرٍ ... كرامٍ وأنَّا لا نَخُطُّ على النَّمْلِ
وقول الآخر: [المنسرح]
2816 - مَا نَقمُوا مِنْ بَنِي أمَيَّة إلْ ... لا أنَّهُم يَحْلُمُون إن غضبُوا
وأنَّهُمْ سَادَةُ الملُوك ولا ... يَصْلحُ إلاَّ عليهمُ العربُ والثاني: أنَّهُ مفعولٌ من أجله، وعلى هذا فالمفعولُ به محذوف، تقديره: وما نقموا منهم الإيمان إلاَّ لأجل إغناء الله إيَّاهم. وقد تقدَّم الكلامُ على «نَقِمَ» [الأعراف: 126] .
قيل: إن مولى الجلاس قتل، فأمر له رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بديته اثني عشر ألفاً فاستغنى.
وقال الكلبيُّ: كانوا قبل قدوم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ المدينة في ضنكٍ من العيشِ فلمَّا قدمَ عليهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ استغنوا بالغنائم.
قوله: ﴿فَإِن يَتُوبُواْ﴾ أي: من نفاقهم: ﴿يَكُ خَيْراً لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا﴾ أي: يعرضوا عن التوبة ﴿يُعَذِّبْهُمُ الله عَذَاباً أَلِيماً فِي الدنيا﴾ بالخزي، وفي ﴿الآخرة﴾ بالنَّارِ ﴿وَمَا لَهُمْ﴾ في الأَرض ﴿مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾ أي: أنَّ عذاب الله إذا حق لم ينفعه وليّ ولا نصير.
قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ الله﴾ الآية.
«عاهد الله» فيه معنى القسم، فلذلك أجيب بقوله: «لنصَّدقنَّ» ، وحذف جوابُ الشرط لدلالة هذا الجواب عليه، و «اللاَّم» للتوطئةِ، ولا يمتنع الجمعُ بين القسم واللاَّم الموطئة له.
وقال أبُو البقاءِ: فيه وجهان:
أحدهما: تقديره: «عاهد، فقال: لئِنْ آتَانَا» .
والثاني: أن يكون «عاهد» بمعنى: قال، فإنَّ العهد قول. ولا حاجة إلى هذا.
قوله: ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ﴾ قرأهما الجمهور بالنُّون الثقيلة. والأعمش بالخفيفة.
قال الزجاج الأصل: «لنتَصدَّقنَّ» ، ولكن التَّاء أدغمت في الصَّاد، لقربها منها.
قال الليثُ: المُتصدق: المعطي، والمُتصدق: السائل. قال الأصمعيُّ، والفرَّاءُ: هذا خطأ، فالمتصدق هو المعطي، قال تعالى: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ الله يَجْزِي المتصدقين﴾ [يوسف: 88] واعلم أنَّ هذه السورة نزل أكثرها في شرح أحوال المنافقين؛ فلهذا ذكرهم على التفصيل فقال: ﴿وَمِنْهُمُ الذين يُؤْذُونَ النبي﴾ [التوبة: 62] ﴿وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصدقات﴾ [التوبة: 58] ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي﴾ [التوبة: 49] ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ﴾ [التوبة: 75] .
والمشهور في سبب نزول هذه الآية: ما روى أبو أمامة قال: جاء ثعلبةُ بنُ حاطبٍ الأنصاريُّ إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال: يا رسول الله ادعُ الله أن يرزقني مالاً، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «ويحْكَ يا ثعلبةُ قليلٌ تُؤدِّي شُكرَهُ خيرٌ من كثيرٍ لا تُطِيقهُ» ثمَّ أتاهُ بعد ذلك فقال: «أمّا لكَ في رسول الله أسوةٌ حسنةٌ؟ والذي نفسي بيدهِ لوْ أردتُ أن تسيرَ الجبالُ معي ذهباً وفضةً لسَارَتْ»
ثمَّ راجعه بعد ذلك، فقال: يا رسول الله: ادعُ الله أن يرزقني مالاً، والذي بعثك بالحقِّ لئن رزقني الله مالاً لأعطين كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «اللَّهُمَّ ارزقْ ثعلبةَ مالاً» قال: فاتَّخذ غنماً؛ فنمت كما ينمو الدُّودُ، حتى ضاقَتْ بها المدينةُ فتنحَّى عنها، ونزل وادياً من أوديتها، وكان يصلي مع رسول الله الظهر والعصر، ويصلي في غنمة سائر الصلوات، ثم كثُرتْ ونمتْ، فتباعد حتى كان لا يشهدُ جمعةً ولا جماعة؛ فكان إذا كان يوم الجمعة خرجَ يتلقَّى النَّاس يسألهم عن الأخبار، فذكرهُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذات يوم فقال: «ما فعل ثعلبةُ؟»
قالوا: يا رسول الله؛ اتَّخذَ غنماً ما يسعها وادٍ، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «يا ويْحَ ثَعلبةَ» فأنزل الله تعالى آية الصدقات؛ فبعث رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ رجلاً من بني سليم، ورجلاً من جهينة، وكتب لهما أسنان الصدقة كيف يأخذانها، وقال لهما: «مُرَّا بثعلَبَة بنِ حاطبٍ، وبرجُلٍ من بنِي سليمٍ، فخذا صدقاتهما» فخرجا حتى أتيا ثعلبة؛ فسألاه الصدقة، وأقرآه كتاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فقال: هذه إلاَّ الجزية، ما هذه إلاَّ أخت الجزية، انطلقا حتى تفرغا ثم عودا إليَّ، فانطلقا وسمع بهما السُّلمي، فنظر إلى خيار أسنان إبله فعزلها للصَّدقة، ثم استقبلهما بها، فلمَّا رأياها قالا: ما هذه عليك؛ قال خذاه فإنَّ نفسي بذلك طيبة، فمرَّا على الناس، وأخذَا الصدقات ثم رجعا إلى ثعلبة، فقال: أروني كتابكما؛ فقرأه ثم قال: ما هذه إلا جزية، ما هذه إلاَّ أختُ الجزية، اذهبا حتَّى أرى رأيي، قال فأقبلا، فلما رآهما رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال قبل أن يكلماه: يا ويْحَ ثعلبةَ، ثُمَّ دعا للسلميّ بخيرٍ؛ فأخبراه بالذي صنع ثعلبة؛ فأنزل الله - عزَّ وجلَّ - ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ الله﴾ الآية على قوله: ﴿وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: 77] وعند رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ رجلٌ من أقارب ثعلبةَ؛ فسمع ذلك، فخرج حتَّى أتاهُ فقال: ويْحَكَ يا ثعلبة، قد أنزل الله عزَّ وجلَّ فيك كذا وكذا، فخرج ثعلبة حتى أتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فسأله أن يقبل صدقته، فقال:
«إنَّ الله مَنَعنِي أن أقبلَ مِنْكَ صدقَتكَ» فجعل يَحثُو التُّرابَ على رأسِهِ، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «قد أمرتُك فلمْ تُطِعْنِي» ؛ فرجع إلى منزله، وقبض رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ثم أتى أبا بكر بصدقته؛ فلم يقبلها اقتداء بالرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - فقبض أبو بكر، ثم لم يقبلها عمر اقتداء بأبي بكر، ثمَّ لم يقبلها عثمان، وهلك ثعلبةُ في خلافه عثمان.
وقال ابنُ عباسٍ، وسعيدُ بن جبير، وقتادةُ: أتى ثعلبة مشهداً من الأنصار؛ فأشهدهم لئن آتاني الله من فضله آتيت كلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ، وتصدقت منه، ووصلت منه القرابة، فمات ابن عمٍّ له، فورث منه مالاً، فلم يف بما قال؛ فأنزل الله هذه الآية.
وقال الحسن ومجاهدٌ: نزلت في ثعلبةَ بن حاطبٍ، ومعتب بن قشير، وهما من بني عمرو بن عوف قد جاءا على ملأ قعوداً وقالا: والله لئن رزقنا الله لنصدقنَّ، فلما رزقهما بخلا به. والمشهورُ الأول.
فإن قيل: إنَّ الله أمره بإخراج الصَّدقة؛ فكيف يجوزُ للرسول أن لا يقبلها منه؟ .
فالجواب: لا يبعد أن يقال: إنَّ الله تعالى منع الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - من قبول الصدقة منه إهانة له ليعتبر غيره؛ فلا يمتنع عن أداء الصدقات، أو أنَّه أتى بتلك الصدقة على وجه الرياء، لا على وجه الإخلاص، وأعلم الله الرسول بذلك؛ فلذلك لم يقبل تلك الصدقة، ويحتمل أيضاً أن الله تعالى لما قال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ [التوبة: 103] كان هذا غير حاصل في ثعلبة مع نفاقه؛ فلهذا امتنع الرَّسولُ - عليه الصلاو والسلام - من أخذ تلك الصَّدقةِ.
فإن قيل: المنافق كافرٌ، والكافر لا يمكنه أن يعاهد الله.
فالجواب: أنَّ المنافق قد يكون عارفاً بالله، إلاَّ أنه كان منكراً لنبوةِ محمدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ؛ فلكونه عارفاً بالله يمكنه أن يعاهد الله، ولكونه منكراً لنبوة محمد - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -، كان كافراً.
وكيف لا أقول ذلك وأكثر العالم مقرون بوجود الصانع؟ أو لعله حين عاهد الله كان مسلماً، ثم لمَّا بخل بالمال، ولم يف بالعهدِ صار منافقاً، ولفظ الآية يدلُّ على ذلك لقوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً﴾ [التوبة: 78] .
فإن قيل: هل من شرط المعاهدة أن يتلفظ بها باللسان، أو يكفي النِّيَّة؟ .
فالجواب: قال بعضهم: تكفي النيةُ، وأن قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ الله﴾ [التوبة: 75] كان شيئاً نووه في أنفسهم لقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ الله يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ [التوبة: 78] . وقال المحققون: هذه المعاهدة مقيدة بالتَّلفظ باللسان، لقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «إنَّ الله عفا لأمَّتي ما حدَّثتْ به أنفُسهَا ما لم تتكلَّم به أو تعمل» وأيضاً فقوله ﴿لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ يشعر ظاهره بالقول باللسانِ.
فإن قيل: المراد من الصدقة إخراج المال، وهو على قسمين واجبٌ وغير واجب والواجبُ قسمان: قسم واجبٌ بأصل الشرع كالزَّكاة، والنفقات الواجبةِ.
وقسم لم يجب إلاَّ إذا التزمه العبد كالنذور.
فقوله: «لنصَّدَّقنَّ» هل يتناولُ الأقسام الثلاثة، أو لا؟
فالجوابُ: أنَّ الصَّدقات الَّتي ليست واجبة، غير داخلة في الآية، لقوله: «بخلوا به» والبخل في عرف الشَّرْعِ عبارة عن منع الواجب؛ ولأنَّه تعالى ذمَّهُم بهذا الترك، وتارك المندوب لا يذم.
بقي القسمان الواجبان؛ فالواجب بأصل الشرع داخل في الآية، لا محالة بقي الواجب بالنَّذر، والظَّاهر أن اللفظ لا يدلُّ عليه؛ لأنه ليس في الآية إلاَّ قوله ﴿لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ وهذا ليس فيه إشعارٌ بالنَّذر، لأنَّ الرجل قد يعاهدُ ربَّهُ في أن يقوم بما يلزمه من الزَّكوات والنفقات الواجبة إن وسَّعَ اللهُ عليه.
فإن قيل: لفظ الآية يدلُّ على أنَّ الذي لزمهم إنَّما بسبب هذا الالتزام، والزكاةُ لا تلزم بسبب هذا الالتزام، وإنما تلزمُ بملك النصاب وحلول الحولِ.
فالجوابُ: قوله: «لنصَّدقنَّ» لا يوجبُ أن يفعلوا ذلك على الفور؛ لأنَّهُ إخبار عن إيقاع هذا الفعل في المستقبل، وهذا النذر لا يوجبُ الفور؛ فكأنهم قالوا: لنصدقن في وقته كما قالوا: ﴿وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصالحين﴾ أي: في أوقات لزوم الصَّلاة؛ فثبت بما قرَّرْنَا أنَّ الدَّاخل تحت هذا العهد، إخراج الأموال الواجبة بأصل الشَّرع، ويؤكد هذا ما روي في سببن النُّزولِ أنَّ الآية إنَّما نزلت في حق من امتنع من أداة الزَّكاةِ.
فصل
المرادُ من «الفضل» ههنا: إيتاء المالِ بأي طريق كان، إمَّا بتجارة، أو غنيمةٍ أو غير ذلك. والمرادُ ب «الصَّالحينَ» : الصالح ضد المفسد، والمفسد عبارة عمَّن بخل بما يلزمه في التكليف، فالصَّالح: من يعملُ بعمل أهل الصَّلاحِ من صلة الرَّحمِ والنَّفقةِ في الخير، ونحو ذلك.
ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّآ آتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ .
قال الليثُ: يقال: أعقب فلاناً ندامةٌ، إذا صيرت عاقبة أمره ذلك، قال الهذليُّ: [الكامل]
2817 - أودى بنيَّ وأعقبُوني حَسْرَةً ... بَعْد الرُّقادِ وعبْرَةٌ لا تُقْلِعُ ويقال: أكل فلانٌ أكلةً فأعقبتهُ سُقْماً، وأعقبه الله خيراً، والمعنى: أخلفهم في قلوبهم أي: صير عاقبة أمورهم النفاق، عاقبهم بنفاق في قلوبهم، يقال: عاقبته وأعقبته بمعنى.
فصل
«فأعقبهم» فعل، ولا بد من إسناده إلى شيء تقدَّم ذكره، والذي تقدَّم ذكره هو الله تعالى، والمعاهدة والتصدق والصلاح والبخل والتولي والإعراض، ولا يجوزُ إسناد إعقاب النفاق إلى المعاهدة أو التَّصدق أو الصلاح، لأنَّ هذه الثلاثة أعمال الخير؛ فلا يجوز جعلها مؤثرة في حصول النفاق في القلب؛ لأنَّ النفاقَ عبارة عن الكُفْرِ، وهو جهل وترك بعض الواجب لا يكون مؤثراً في حصول الجهلِ في القلب؛ لأنَّ ترك الواجب عدمٌ، والجهل وجود، والعدم لا يكون مؤثراً في الوجود؛ لأنَّ البخل والتولي والإعراض، قد يوجدُ في كثير من الفُسَّاقِ، مع أنَّهُ لا يحصلُ معه النفاق؛ ولأنَّ هذا الترك لو أوجب حصول الكفرِ في القلب لأوجبه، سواء كان هذا الترك جائزاً شرعاً أو محرماً شرعاً؛ لأنَّ سبب اختلاف الأحكام الشرعية لا يخرج المؤثر عن كونه مؤثراً؛ ولأنه تعالى قال: ﴿بِمَآ أَخْلَفُواْ الله مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: 77] فلو كان فعل الإعقاب مسنداً إلى البخل، والتولي، والإعراض لصار تقدير الآية: فأعقبهم ببخلهم وتوليهم وإعراضهم نفاقاً في قلوبهم بما أخلفُوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون، وذلك لا يجوز؛ لأنَّه فرق بين التَّولي وحصول النفاق في القلب بسبب التولي، ومعلومٌ أنه كلام باطل؛ فثبت بهذه الوجوه أنَّهُ لا يجوز إسناد الإعقاب إلى شيء من الأشياءِ المتقدم ذكرها إلاَّ إلى الله تعالى؛ فوجب إسناده إليه؛ فصار المعنى: أنَّ الله تعالى هو الذي يعقب النفاق في قلوبهم، وذلك يدلُّ على أنَّ خالق الكفر في القلوب هو الله تعالى، وهذا هو الذي قاله الزجاجُ، إنَّ معناه: أنَّهُم لمَّا ضلُّوا في الماضي فهو تعالى أضلَّهُم عن الدِّين في المستقبل، ويؤكدُ ذلك قوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ فالضميرُ في قوله: «يَلقَوْنَهُ» عائد إلى الله تعالى فكان الأولى أن يكون قوله: «فأعْقَبَهُمْ» مسنداً إلى اللهِ تعالى.
قال القاضي «المرادُ من قوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي: فأعقبهم العقوبة على النفاق وتلك العقوبة هي: حدوث الغم في قلوبهم وضيق الصدر وما ينالهم من الذُّل والذنب ويدوم بهم ذلك إلى الآخرة» .
وهذا بعيدٌ؛ لأنه عدولٌ عن الظَّاهر من غير دليل فإن ذكروا دليلاً عقلياً، قوبلوا بدليل عقلي. والله أعلم.
فصل
ظاهرُ الآية يدلُّ على أنَّ نقض العهد، وخلف الوعد، يورثُ النِّفاقَ، فيجب على المسلم الاحتراز عن ذلك، ويجتهد في الوفاءِ. ومذهب الحسنِ البصري: أنَّه يوجب النفاق لا محالة لهذه الآية، ولقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «ثلاثٌ من كُنَّ فيه كان مُنافقاً وإن صلَّى وصامَ وزعمَ أنَّهُ مؤمنٌ، إذا حدَّث كذبَ، وإذا وعدَ أخلفَ، وإذا ائْتُمِنَ خَانَ» .
ونقل أن واصل بن عطاء قال: أتى الحسن رجلٌ فقال له: إن أولاد يعقوب حدَّثُوه في قولهم ﴿فَأَكَلَهُ الذئب﴾ [يوسف: 17] فكذبوهُ، ووعدوه في قولهم: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [يوسف: 12] فأخلفوه، وائتمنهم أبوهم على يوسف فخانوه، فهل نحكمُ بكونهم منافقين؟ قيل: فتوقف الحسن في مذهبه.
وفسَّر عمر بن عبيد الحديث فقال «إذا حدَّث عن الله كذب عليه، وعلى دينه، وعلى رسوله وإذا وعد أخلف كما ذكر الله فيمن عاهد الله، وإذا ائتمن على دين الله خان في السرِّ فكان قلبه على خلاف لسانه» .
قوله: ﴿إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ قال الجبائيُّ «تمسَّكُوا في إثبات رُؤية الله بقوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ﴾ [الأحزاب: 44] قال: واللقاء ليس عبارة عن الرؤية، بدليل قوله في صفة المنافقين ﴿إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ وأجمعوا على أنَّ الكفَّار لا يرونه؛ فدلَّ على أنَّ اللقاء ليس عبارة عن الرؤية.
ويؤيدُه قوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ» من حلفَ على يمينٍ كاذبةٍ ليقتطع بهَا حق امرئ مُسلمٍ لقيَ الله وهُو عليه غَضبَانُ «وأجمعوا على أنَّ المراد من اللقاء ههنا: لقاء ما عند الله من العقاب فكذا ههنا» .
قال ابن الخطيب «وهذا دليلٌ ضعيفٌ؛ لأنَّا إذا تركنا حمل لفظ اللقاء على الرُّؤيةِ في هذه الآية، وفي الخبر لدليل منفصل؛ فلا يلزمنا ذلك في سائر الصُّور، كما إذا أدخلنا التَّخصيصَ في بعض العمومات لدليل منفصل؛ فلا يلزمنا أن نُخَصّصَ جميع العمومات من غير دليل فكما لا يلزمنا هذا لا يلزمنا ذلك» .
قوله: ﴿بِمَآ أَخْلَفُواْ الله مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾ أي: أنَّ الله أعقبهم ذلك النِّفاق في قلوبهم لأجل إخلافهم الوعد، وعلى كذبهم. وقرأ الجمهور «يَكْذبُونَ» مخففاً، وأبو رجاء مثقلاً.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ الله يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ الآية.
قرأ الجمهور «يَعْلمُوا» بالياء من تحت. وقرأ عليُّ بن أبي طالبٍ، والحسنُ، والسلمي بالخطاب، التفاتاً للمؤمنين دون المنافقين والسِّر: ما ينطوي عليه صدورهم والنَّجْوَى: ما يفاوضُ فيه بعضهم بعضاً فيما بينهم، مأخوذ من «النَّجْوِ» وهو الكلام الخفي كأنَّ المتناجين منعا إدخال غيرهما معهما، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: 52] وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا استيأسوا مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيّاً﴾ [يوسف: 80] وقوله: ﴿فَلاَ تَتَنَاجَوْاْ بالإثم والعدوان وَمَعْصِيَةِ الرسول وَتَنَاجَوْاْ بالبر والتقوى﴾
[المجادلة: 9] ، والمعنى: أنَّ الله تعالى يعلم سرهم ونجواهم فكيف يتجرَّءون على النفاق الذي الأصل فيه الاستسرار والتَّناجي فيما بينهم، مع علمهم بأنَّهُ تعالى يعلم ذلك من حالهم، كما يعلم الظَّاهر، وأنَّهُ يعاقب عليه كما يعاقب على الظَّاهر.
قال: ﴿وَأَنَّ الله عَلاَّمُ الغيوب﴾ والعَلاَّمُ: مبالغة في العالم، والغيب: ما كان غَائِباً عن الخلق.
قوله تعالى: ﴿الذين يَلْمِزُونَ المطوعين مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ الآية.
في «الذين يَلْمِزُونَ» أوجه:
أحدها: أنه مرفوعٌ على إضمار مبتدأ، أي: هم الذين.
الثاني: أّنَّه في محل رفع بالابتداء، و «مِنَ الُمؤمنينَ» حالٌ من «المطَّوِّعين» .
و «في الصَّدقاتِ» متعلق ب «يَلْمِزُونَ» ، و «الَّذشينَ لا يَجِدُونَ» نسقٌ «المُطَّوِّعينَ» أي: يَعيبُونَ المياسير، والفقراء. وقال مكيٌّ: «والَّذينَ» خفضٌ، عطفاً على «المُؤمنينَ» ولا يَحْسُن عطفهُ على «المُطَّوِّعين» ؛ لأنه لمْ يتمَّ اسماً يعد؛ لأنَّ «فَيَسْخَرُونَ» عطف على «يَلْمِزُونَ» هكذا ذكره النَّحاسُ في الإعراب له، وهو عندي وهمٌ منه.
قال شهابُ الدِّين: «والأمر فيه كما ذكر، فإنَّ» المُطَّوِّعينَ «قد تمَّ من غير احتياجٍ لغيره» .
وقوله: «فَيَسْخرُونَ» نسقٌ على الصِّلةِ، وخبر المبتدأ: الجملةُ من قوله «سَخِرَ اللهُ منهُمْ» هذا أظهرُ إعراب قيل هنا.
وقيل: «والَّذينَ لا يَجِدُونَ» نسقٌ على «الَّذِينَ يَلْمِزُونَ» ، ذكره أبُو البقاءِ وهذا لا يجُوزُ؛ لأنَّهُ يلزمُ الإخبارُ عنهم بقوله: ﴿سَخِرَ الله مِنْهُمْ﴾ ، وهذا لا يكون، إلاَّ بأنْ كان «الَّذِينَ لا يَجِدُون» مُنافقينَ، وأمَّا إذَا كانُوا مؤمنين، كيف يسخرُ الله منهم؟ . وقيل: «والَّذِينَ لا يَجِدُونَ» نسقٌ على «المُؤمنينَ» ، قاله أبُو البقاءِ.
قال أبُو حيَّان: «وهُو بعيدٌ جدّاً» . ووجهُ بعده: أنَّه يفهمُ أنَّ «الَّذِينَ لا يجدُونَ» ليسوا مؤمنين؛ لأن أصل العطف الدلالةُ على المُغايرةِ، فكأنَّنهُ قيل: يَلْمِزُونَ المطَّوِّعينَ من هذين الصنفين: المؤمنين، والذين لا يجدُونَح فيكون «الَّذِينَ لا يجدون» مطَّوِّعين غير مؤمنين.
وقال أبُو البقاءِ: «فِي الصَّدقاتِ» متعلقٌ ب «يَلمِزُونَ» ، ولا يتعلَّق ب «المُطَّوِّعينَ» لئلاَّ يفصل بينهما بأجنبي. وهذا فيه نظر؛ إذ قوله «مِنَ المؤمنينَ» حال، والحالُ ليست بأجنبيّ، وإنَّما يظهر في ردِّ ذلك أن «يطَّوَّع» إنَّما يتعدى بالياءِ، لا ب «في» وكون «في» بمعنى «الباء» خلاف الأصل. وقيل: «فَيَسْخَرُونَ» خبرُ المبتدأ ودخلتِ الفاءُ، لمَا تضمَّنهُ المبتدأ من معنى الشرط، وفي هذا الوجه بُعدٌ من حيثُ إنَّه يقرُب من كون الخبر في معنى المبتدأ فإنَّ من عاب إنساناً وغمزهُ علم أنَّهُ يسخرُ منه فيكون كقولهم: «سَيِّدُ الجاريةِ مالِكُهَا» .
الثالث: أن يكون محلُّه نصباً على الاشتغال، بإضمار فعل يُفسِّره «سَخِرَ اللهُ منهُم» من طريق المعنى، نحو: عاب الذين يلمزُون، سخر الله منهم.
الرابع: أنْ ينصب على الشتم.
الخامس: أن يكون مجروراً بدلاً من الضمير في «سِرَّهُم ونجْواهُمْ» .
وقرئ «يلْمُزون» بضم الميم، وقد تقدَّم أنَّها لغة، وقرأ الجمهور «جُهْدَهم» بضمِّ الجيمِ.
وقرأ ابنُ هرمز وجماعة «جَهْدهم» بالفتح. فقيل: لغتان بمعنى واحد. وقيل المفتوحُ المشقَّةُ والمضمومُ: الطَّاقةُ، قالهُ القتيبيُّ، وقيل: المضمومُ شيءٌ قيلٌ يعاشُ به والمفتوحُ: العملُ.
وقوله: ﴿سَخِرَ الله مِنْهُمْ﴾ يحتملُ أن يكون خبراً محضاً، وأن يكون دعاءً.
فصل
اعلم أنَّ هذا نوع آخر من أعمالهم القبيحة، وهو لمزهم من يأتي بالصَّدقاتِ.
قال المفسِّرون: حثَّ رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على الصَّدقةِ؛ فجاء عبدُ الرحمن بنُ عوفٍ بأربعة آلافِ درهم، فقال: يا رسول الله، مالي ثمانية آلاف درهم، جئتك بأربعة آلاف فاجعلها في سبيل الله، وأمسكتُ أربعة آلاف لعيالي.
فقال رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «بَارَكَ اللهُ لَكَ فِيمَا أعْطيْتَ، وفيمَا أمْسَكْتَ» فبارك اللهُ في مال عبد الرحمن، حتَّى إنَّهُ خلف امرأتين يوم أن مات؛ فبلغ ثمنُ ماله لهما مائة وستون ألفاً وتصدق يومئذ عاصمُ بن عدي العجلاني بمائة وسْقٍ من تمر.
وجاء أبُو عقيلٍ الأنصاري واسمه الحبحاب، بصاعٍ من تمرٍ، وقال: يا رسُول الله بتُّ ليلتي أجر بالجرير حتى نلتُ صاعين من تمرٍ؛ فأمسكتُ أحدهما لعيالي، وجئتُ بالآخر؛ فأمره رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن ينثره على الصَّدقاتِ؛ فلمزهم المنافقُون، وقالوا: ما أعطى عبد الرحمن وعاصم إلاَّ رياءً، وإن كان الله ورسوله لغنيين عن صاع أبي عقيل ولكنَّهُ أحب أن يزكي نفسه ليعطى من الصَّدقات؛ فأنزل الله تعالى: «الَّذِينَ يلْمِزُون» أي: يعيبون المطوعين المتبرعين من المؤمنين في الصدقات، يعني: عبد الرحمن بن عوف وعاصماً، ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ﴾ أي: طاقتهم.
والجُهْدُ: شيء قليلٌ يعيش به المقلُّ، والجهد بالفتح، والجُهْد بالضمِّ بمعنى واحد يعني: أبا عقيل: «فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ» يستهزئون منهم، ﴿سَخِرَ الله مِنْهُمْ﴾ أي: جازاهم على السخرية، وقال الأصمُّ: المرادُ أنه تعالى قبل من هؤلاء المنافقين ما أظهروهُ من أعمال البرِّ مع أنَّهُ لا يثيبهم عليها؛ فكان ذلك كالسخرية، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ .
قوله تعالى: ﴿استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية.
قال ابنُ عبَّاسٍ: إنَّ عند نزول الآية في المنافقين، قالوا: يا رسول الله، استغفر لنا، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «سأسْتغفرُ لَكُمْ» ؛ فنزل قوله تعالى: ﴿استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ قد تقدَّم الكلام على هذا عند قوله: ﴿قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ﴾ [التوبة: 53] ؛ وأنَّهُ نظيرُ قوله: [الطويل]
2818 - أسِيئِي بِنَا أوْ أحْسِني لا مُسِيئةٌ ... لدَينَا ولا مقليَّةٌ إنْ تقَلَّتِ
التوبة 9:77
قوله: ﴿وَعَدَ الله الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [التوبة: 72] .
والأقرب أنه تعالى أراد بها البساتين التي تبنى فيها المناظر؛ لأنَّهُ تعالى قال بعده ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ والمعطوفُ يجبُ أن يكون مغايراً للمعطوف عليه فتكون مساكنهم في جنَّات عدنٍ ومناظرهم التي هي البساتين، وتكون فائدة وصفها بأنَّها عدنٌ، أنَّها تجري مجرى دار السَّكن والإقامة.
وقوله: «خَالِدِينَ» حالٌ مقدَّرة، كما تقدَّم. وقوله: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾ أي: منازل طيبة ﴿فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ أي: خلد وإقامة، وفي «عدن» قولان:
أحدهما: أنَّهُ اسم على لموضع معين في الجنَّةِ.
قال عبدُ الله بنُ عمرو «إنَّ في الجنَّة قصراً يقال له عدنٌ، حوله البروج وله خمسة آلاف باب على كلِّ باب خمسة ألاف حرة، لا يدخله إلاَّ نبيٌّ، أو صديقٌ أو شهيدٌ» .
قال الزمخشريُّ: و «عدن» علم بدليل قوله ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ التي وَعَدَ الرحمن عِبَادَهُ﴾ [مريم: 61] .
والقول الثاني: أنه صفة للجنة. قال الأزهريُّ: «العَدْنُ» مأخوذ من قولك: عَدَنَ بالمكان إذا أقام به، يَعْدِنث عُدوناً. وتقول: تركت إبل بني فلان عوادن بمكان كذا، وهو أن تلزم الإبل المكان فتألفه، ومنه المعدن، لمُسْتقرِّ الجواهر. يقال: عدن عُدُوناً، فله مصدران. هذا أصلُ هذه اللفظة لغة. وذكر المفسِّرون لها معان كثيرة وقال الأعشى في معنى الإقامة [المتقارب]
2814 - وإنْ يَسْتَضِيفُوا إلى حِلْمِهِ ... يُضَافُوا إلى رَاجِحٍ قَدْ عَدَنْ أي: ثَبَتَ واستقرَّ. ومنه «عدن» لمدينة باليمن، لكثرة المقيمين بها.
قوله: ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ الله أَكْبَرُ﴾ التَّنكيرُ يفيدُ التقليل، أي: أقلُّ شيء من الرضوان أكبر من جميع ما تقدَّم من الجنَّات ومساكنها.
ثم قال: ﴿ذلك هُوَ الفوز العظيم﴾ أي: هذا هو الفوزُ العظيمُ، لا ما يطلبه المنافقون والكفار من التنعم بطيبات الدنيا. روى أبو سعيدٍ الخدريُّ أنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ لأهل الجنَّة: يا أهل الجنة هل رضيتم؟ فيقولون: ربنا ومالنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك، فيقول ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: ربنا أي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول:» أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً» .
قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي جَاهِدِ الكفار والمنافقين﴾ الآية.
لمَّا وصف المنافقين بالصِّفات الخبيثةِ، وتوعدهم بأنواع العقاب، ثمَّ ذكر المؤمنين بالصفات الحسنة، ووعدهم بالثَّوابِ، عاد إلى شرح أحوال الكُفَّارِ والمنافقين في هذه الآية.
فإن قيل: مجاهدة المنافقينَ غيرُ جائزة، فإنَّ المنافق يستر كفره وينكره بلسانه.
فالجوابُ من وجوه:
أحدها: قال الضحاكُ: مجاهدة المنافق: تغليظُ القول، وهذا بعيدٌ؛ لأنَّ ظاهر قوله ﴿جَاهِدِ الكفار والمنافقين﴾ يقتضي الأمر بجهادهما معاً، وكذا ظاهر قوله: ﴿واغلظ عَلَيْهِمْ﴾ راجع إلى الفريقين.
وثانيها: أنَّ الجهاد عبارة عن بذل الجهد وليس في اللفظ ما يدلُّ على أنَّ الجهاد بالسَّيف أو باللِّسانِ أو بطريق آخر. فقال ابن مسعودٍ: بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لَمْ يَسْتَطعْ فبقَلبِهِ. وقال: لا يلقى المنافق إلاَّ بوجه مكفهر. وقال ابنُ عبَّاسٍ: باللِّسانِ وترك الرفق.
وثالثها: قال الحسنُ وقتادةُ: بإقامةِ الحدودِ عليهم قال القاضي: وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ إقامة الحدود واجبةٌ على من ليس بمُنافقٍ.
قوله: ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ قال أبُو البقاءِ: إن قيل كيف حسنتِ الواوُ هنا والفاء أشبه بهذا الموضع؟ ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنَّ الواو واو الحالِ والتقدير: افعل ذلك في حال استحقاقهم جهنَّم، وتلك الحال حال كفرهم ونفاقهم.
والثاني: أنَّ الواو جيء بها تنبيهاً على إرادة فعل محذوف، تقديره: واعلمْ أنَّ مأواهم جهنم.
الثالث: أنَّ الكلام حمل على المعنى والمعنى أنَّه قد اجتمع لهم عذابُ الدُّنيا بالجهاد والغلظة، وعذابُ الآخرة بجعل جهنَّم مأواهم. ولا حاجة إلى هذا كُلِّه، بل هي جملةُ استثنافية.
قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بالله مَا قَالُواْ﴾ الآية.
قال ابنُ عبَّاسٍ: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ جالساً في ظلِّ شجرةٍ، فقال: «إنهُ سيَأتِيكُمْ إنْسانٌ ينْظرُ إليْكُمْ بعيْنِ الشَّيطانِ، فإذا جَاءَ فلا تُكَلِّمُوهُ» فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق، فدعاه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فقال: «عَلامَ تَشْتمُنِي أنْتَ وأصْحَابُكَ» فانطلق الرَّجُل؛ فجاء بأصحابه، فحلفُوا بالله ما قالوا، فأنزل الله عَزَّ وَجَلَّ الآية.
وقال الكلبيُّ: نزلت في جلاس بن سويدٍ، وذلك أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ خطب ذات يوم بتبوك، فذكر المنافقين، فسمَّاهم رجْساً وعابهم، فقال جلاسٌ: لئن كان محمد صادقاً، لنحنُ شرٌّ من الحمير فلمَّا انصرف رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إلى المدينة أتاه عامر بن قيس، وأخبره بما قال جلاس، فقال الجلاس: كذب يا رسول الله؛ فأمرهما رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يحلفا عند المنبر؛ فقام الجلاسُ عند المنبر بعد العصر فحلف بالله الذي لا إله إلاَّ هو ما قاله، ولقد كذب عليَّ عامر، فقام عامرٌ فحلف بالله الذي لا إله إلا هو: لقد قاله، وما كذبتُ عليه، ثم رفع عامرٌ يديه إلى السَّماء فقال: اللَّهُمَّ انزلْ على نبيِّكَ تصديق الصادقِ منَّا.
فقال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والمؤمنون: «آمين» ، فنزل جبريل عليه السلام قبل أن يتَفرَّقُوا بهذه الآية، حتى بلغ ﴿فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ﴾ ، فقام الجلاسُ، فقال: يا رسول الله، وأتوب إليه، فقبلَ رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذلك منه، ثم تاب وحَسُنَتْ توبتُه.
وقيل: نزلت في عبد الله بن أبيّ لما قال {يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ}
[المنافقون: 8] . وأراد به الرسول - عليه الصَّلاة والسلام -، فسمع زيدُ بنُ أرقم ذلك وبلغه إلى الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -، فهمَّ عمرُ بقتل عبد الله بن أبيّ، فجاء عبد الله وحلف أنَّهُ لم يقل فنزلت الآية. وقال القاضي: الأولى أن تحمل هذه الآية على ما روي أنَّ المنافقين همُّوا بقتله عند رجوعه من تبوك، وهم خسمة عشر رجلاً تعاهدوا أن يدفعوه عن راحلته إلى الوادي باللَّيل، وكان عمَّار بن ياسر آخذاً بخطام راحلته وحذيفة خلفها يسوقها، فسمع حذيفة وقع أخفاف الإبل، وقعقة السلاح، فالتفت، فإذا قوم متلثمُون. فقال: إليكم يا أعداء الله، فهربوا والظَّاهر أنهم لمَّا اجتمعوا لذلك الغرض، فقد طعنوا في نبوته ونسبوه إلى الكذب في ادِّعاءِ الرسالة، وذلك هو قولهم كلمة الكفر وهذا القول اختيار الزجاج.
فإن قيل: قوله: ﴿وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ﴾ يدلُّ على أنَّهم أسلمُوا من قبل، وهم لم يكونوا مسلمين.
فالجوابُ: أنَّ المراد من الإسلام السلم الذي هو ضد الحرب؛ لأنَّهم لمَّا نافقوا، فقد أظهروا الإسلام، وقوله: ﴿وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ﴾ المراد إطباقهم على الفتك بالرسول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ والله تعالى أخبر الرسول بذلك حتى احترز عنهم، ولم يصلُوا إلى مقصودهم وقال السُّديُّ: «هو قولهم إذا قدمنا المدينة؛ عقدنا على رأس عبد الله بن أبيّ تاجاً فلم يصلوا إليه» .
قوله: ﴿وَمَا نقموا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ الله وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾ .
في الاستثناء وجهان:
أحدهما: أنَّهُ معفول به، أي: وما كرهُوا وعابُوا إلاَّ إغناءَ الله إيَّاهم وهو من باب قولهم: ما لي عندك ذنبٌ إلاَّ أن أحسنت إليك، أي: إن كان ثم ذنبٌ فهو هذا، فهو تهكمٌ بهم؛ كقوله: [الطويل]
2815 - ولا عَيْبَ فينَا غَيْرَ عِرْقٍ لِمَعْشَرٍ ... كرامٍ وأنَّا لا نَخُطُّ على النَّمْلِ
وقول الآخر: [المنسرح]
2816 - مَا نَقمُوا مِنْ بَنِي أمَيَّة إلْ ... لا أنَّهُم يَحْلُمُون إن غضبُوا
وأنَّهُمْ سَادَةُ الملُوك ولا ... يَصْلحُ إلاَّ عليهمُ العربُ والثاني: أنَّهُ مفعولٌ من أجله، وعلى هذا فالمفعولُ به محذوف، تقديره: وما نقموا منهم الإيمان إلاَّ لأجل إغناء الله إيَّاهم. وقد تقدَّم الكلامُ على «نَقِمَ» [الأعراف: 126] .
قيل: إن مولى الجلاس قتل، فأمر له رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بديته اثني عشر ألفاً فاستغنى.
وقال الكلبيُّ: كانوا قبل قدوم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ المدينة في ضنكٍ من العيشِ فلمَّا قدمَ عليهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ استغنوا بالغنائم.
قوله: ﴿فَإِن يَتُوبُواْ﴾ أي: من نفاقهم: ﴿يَكُ خَيْراً لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا﴾ أي: يعرضوا عن التوبة ﴿يُعَذِّبْهُمُ الله عَذَاباً أَلِيماً فِي الدنيا﴾ بالخزي، وفي ﴿الآخرة﴾ بالنَّارِ ﴿وَمَا لَهُمْ﴾ في الأَرض ﴿مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾ أي: أنَّ عذاب الله إذا حق لم ينفعه وليّ ولا نصير.
قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ الله﴾ الآية.
«عاهد الله» فيه معنى القسم، فلذلك أجيب بقوله: «لنصَّدقنَّ» ، وحذف جوابُ الشرط لدلالة هذا الجواب عليه، و «اللاَّم» للتوطئةِ، ولا يمتنع الجمعُ بين القسم واللاَّم الموطئة له.
وقال أبُو البقاءِ: فيه وجهان:
أحدهما: تقديره: «عاهد، فقال: لئِنْ آتَانَا» .
والثاني: أن يكون «عاهد» بمعنى: قال، فإنَّ العهد قول. ولا حاجة إلى هذا.
قوله: ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ﴾ قرأهما الجمهور بالنُّون الثقيلة. والأعمش بالخفيفة.
قال الزجاج الأصل: «لنتَصدَّقنَّ» ، ولكن التَّاء أدغمت في الصَّاد، لقربها منها.
قال الليثُ: المُتصدق: المعطي، والمُتصدق: السائل. قال الأصمعيُّ، والفرَّاءُ: هذا خطأ، فالمتصدق هو المعطي، قال تعالى: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ الله يَجْزِي المتصدقين﴾ [يوسف: 88] واعلم أنَّ هذه السورة نزل أكثرها في شرح أحوال المنافقين؛ فلهذا ذكرهم على التفصيل فقال: ﴿وَمِنْهُمُ الذين يُؤْذُونَ النبي﴾ [التوبة: 62] ﴿وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصدقات﴾ [التوبة: 58] ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي﴾ [التوبة: 49] ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ﴾ [التوبة: 75] .
والمشهور في سبب نزول هذه الآية: ما روى أبو أمامة قال: جاء ثعلبةُ بنُ حاطبٍ الأنصاريُّ إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال: يا رسول الله ادعُ الله أن يرزقني مالاً، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «ويحْكَ يا ثعلبةُ قليلٌ تُؤدِّي شُكرَهُ خيرٌ من كثيرٍ لا تُطِيقهُ» ثمَّ أتاهُ بعد ذلك فقال: «أمّا لكَ في رسول الله أسوةٌ حسنةٌ؟ والذي نفسي بيدهِ لوْ أردتُ أن تسيرَ الجبالُ معي ذهباً وفضةً لسَارَتْ»
ثمَّ راجعه بعد ذلك، فقال: يا رسول الله: ادعُ الله أن يرزقني مالاً، والذي بعثك بالحقِّ لئن رزقني الله مالاً لأعطين كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «اللَّهُمَّ ارزقْ ثعلبةَ مالاً» قال: فاتَّخذ غنماً؛ فنمت كما ينمو الدُّودُ، حتى ضاقَتْ بها المدينةُ فتنحَّى عنها، ونزل وادياً من أوديتها، وكان يصلي مع رسول الله الظهر والعصر، ويصلي في غنمة سائر الصلوات، ثم كثُرتْ ونمتْ، فتباعد حتى كان لا يشهدُ جمعةً ولا جماعة؛ فكان إذا كان يوم الجمعة خرجَ يتلقَّى النَّاس يسألهم عن الأخبار، فذكرهُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذات يوم فقال: «ما فعل ثعلبةُ؟»
قالوا: يا رسول الله؛ اتَّخذَ غنماً ما يسعها وادٍ، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «يا ويْحَ ثَعلبةَ» فأنزل الله تعالى آية الصدقات؛ فبعث رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ رجلاً من بني سليم، ورجلاً من جهينة، وكتب لهما أسنان الصدقة كيف يأخذانها، وقال لهما: «مُرَّا بثعلَبَة بنِ حاطبٍ، وبرجُلٍ من بنِي سليمٍ، فخذا صدقاتهما» فخرجا حتى أتيا ثعلبة؛ فسألاه الصدقة، وأقرآه كتاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فقال: هذه إلاَّ الجزية، ما هذه إلاَّ أخت الجزية، انطلقا حتى تفرغا ثم عودا إليَّ، فانطلقا وسمع بهما السُّلمي، فنظر إلى خيار أسنان إبله فعزلها للصَّدقة، ثم استقبلهما بها، فلمَّا رأياها قالا: ما هذه عليك؛ قال خذاه فإنَّ نفسي بذلك طيبة، فمرَّا على الناس، وأخذَا الصدقات ثم رجعا إلى ثعلبة، فقال: أروني كتابكما؛ فقرأه ثم قال: ما هذه إلا جزية، ما هذه إلاَّ أختُ الجزية، اذهبا حتَّى أرى رأيي، قال فأقبلا، فلما رآهما رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال قبل أن يكلماه: يا ويْحَ ثعلبةَ، ثُمَّ دعا للسلميّ بخيرٍ؛ فأخبراه بالذي صنع ثعلبة؛ فأنزل الله - عزَّ وجلَّ - ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ الله﴾ الآية على قوله: ﴿وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: 77] وعند رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ رجلٌ من أقارب ثعلبةَ؛ فسمع ذلك، فخرج حتَّى أتاهُ فقال: ويْحَكَ يا ثعلبة، قد أنزل الله عزَّ وجلَّ فيك كذا وكذا، فخرج ثعلبة حتى أتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فسأله أن يقبل صدقته، فقال:
«إنَّ الله مَنَعنِي أن أقبلَ مِنْكَ صدقَتكَ» فجعل يَحثُو التُّرابَ على رأسِهِ، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «قد أمرتُك فلمْ تُطِعْنِي» ؛ فرجع إلى منزله، وقبض رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ثم أتى أبا بكر بصدقته؛ فلم يقبلها اقتداء بالرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - فقبض أبو بكر، ثم لم يقبلها عمر اقتداء بأبي بكر، ثمَّ لم يقبلها عثمان، وهلك ثعلبةُ في خلافه عثمان.
وقال ابنُ عباسٍ، وسعيدُ بن جبير، وقتادةُ: أتى ثعلبة مشهداً من الأنصار؛ فأشهدهم لئن آتاني الله من فضله آتيت كلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ، وتصدقت منه، ووصلت منه القرابة، فمات ابن عمٍّ له، فورث منه مالاً، فلم يف بما قال؛ فأنزل الله هذه الآية.
وقال الحسن ومجاهدٌ: نزلت في ثعلبةَ بن حاطبٍ، ومعتب بن قشير، وهما من بني عمرو بن عوف قد جاءا على ملأ قعوداً وقالا: والله لئن رزقنا الله لنصدقنَّ، فلما رزقهما بخلا به. والمشهورُ الأول.
فإن قيل: إنَّ الله أمره بإخراج الصَّدقة؛ فكيف يجوزُ للرسول أن لا يقبلها منه؟ .
فالجواب: لا يبعد أن يقال: إنَّ الله تعالى منع الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - من قبول الصدقة منه إهانة له ليعتبر غيره؛ فلا يمتنع عن أداء الصدقات، أو أنَّه أتى بتلك الصدقة على وجه الرياء، لا على وجه الإخلاص، وأعلم الله الرسول بذلك؛ فلذلك لم يقبل تلك الصدقة، ويحتمل أيضاً أن الله تعالى لما قال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ [التوبة: 103] كان هذا غير حاصل في ثعلبة مع نفاقه؛ فلهذا امتنع الرَّسولُ - عليه الصلاو والسلام - من أخذ تلك الصَّدقةِ.
فإن قيل: المنافق كافرٌ، والكافر لا يمكنه أن يعاهد الله.
فالجواب: أنَّ المنافق قد يكون عارفاً بالله، إلاَّ أنه كان منكراً لنبوةِ محمدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ؛ فلكونه عارفاً بالله يمكنه أن يعاهد الله، ولكونه منكراً لنبوة محمد - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -، كان كافراً.
وكيف لا أقول ذلك وأكثر العالم مقرون بوجود الصانع؟ أو لعله حين عاهد الله كان مسلماً، ثم لمَّا بخل بالمال، ولم يف بالعهدِ صار منافقاً، ولفظ الآية يدلُّ على ذلك لقوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً﴾ [التوبة: 78] .
فإن قيل: هل من شرط المعاهدة أن يتلفظ بها باللسان، أو يكفي النِّيَّة؟ .
فالجواب: قال بعضهم: تكفي النيةُ، وأن قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ الله﴾ [التوبة: 75] كان شيئاً نووه في أنفسهم لقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ الله يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ [التوبة: 78] . وقال المحققون: هذه المعاهدة مقيدة بالتَّلفظ باللسان، لقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «إنَّ الله عفا لأمَّتي ما حدَّثتْ به أنفُسهَا ما لم تتكلَّم به أو تعمل» وأيضاً فقوله ﴿لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ يشعر ظاهره بالقول باللسانِ.
فإن قيل: المراد من الصدقة إخراج المال، وهو على قسمين واجبٌ وغير واجب والواجبُ قسمان: قسم واجبٌ بأصل الشرع كالزَّكاة، والنفقات الواجبةِ.
وقسم لم يجب إلاَّ إذا التزمه العبد كالنذور.
فقوله: «لنصَّدَّقنَّ» هل يتناولُ الأقسام الثلاثة، أو لا؟
فالجوابُ: أنَّ الصَّدقات الَّتي ليست واجبة، غير داخلة في الآية، لقوله: «بخلوا به» والبخل في عرف الشَّرْعِ عبارة عن منع الواجب؛ ولأنَّه تعالى ذمَّهُم بهذا الترك، وتارك المندوب لا يذم.
بقي القسمان الواجبان؛ فالواجب بأصل الشرع داخل في الآية، لا محالة بقي الواجب بالنَّذر، والظَّاهر أن اللفظ لا يدلُّ عليه؛ لأنه ليس في الآية إلاَّ قوله ﴿لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ وهذا ليس فيه إشعارٌ بالنَّذر، لأنَّ الرجل قد يعاهدُ ربَّهُ في أن يقوم بما يلزمه من الزَّكوات والنفقات الواجبة إن وسَّعَ اللهُ عليه.
فإن قيل: لفظ الآية يدلُّ على أنَّ الذي لزمهم إنَّما بسبب هذا الالتزام، والزكاةُ لا تلزم بسبب هذا الالتزام، وإنما تلزمُ بملك النصاب وحلول الحولِ.
فالجوابُ: قوله: «لنصَّدقنَّ» لا يوجبُ أن يفعلوا ذلك على الفور؛ لأنَّهُ إخبار عن إيقاع هذا الفعل في المستقبل، وهذا النذر لا يوجبُ الفور؛ فكأنهم قالوا: لنصدقن في وقته كما قالوا: ﴿وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصالحين﴾ أي: في أوقات لزوم الصَّلاة؛ فثبت بما قرَّرْنَا أنَّ الدَّاخل تحت هذا العهد، إخراج الأموال الواجبة بأصل الشَّرع، ويؤكد هذا ما روي في سببن النُّزولِ أنَّ الآية إنَّما نزلت في حق من امتنع من أداة الزَّكاةِ.
فصل
المرادُ من «الفضل» ههنا: إيتاء المالِ بأي طريق كان، إمَّا بتجارة، أو غنيمةٍ أو غير ذلك. والمرادُ ب «الصَّالحينَ» : الصالح ضد المفسد، والمفسد عبارة عمَّن بخل بما يلزمه في التكليف، فالصَّالح: من يعملُ بعمل أهل الصَّلاحِ من صلة الرَّحمِ والنَّفقةِ في الخير، ونحو ذلك.
ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّآ آتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ .
قال الليثُ: يقال: أعقب فلاناً ندامةٌ، إذا صيرت عاقبة أمره ذلك، قال الهذليُّ: [الكامل]
2817 - أودى بنيَّ وأعقبُوني حَسْرَةً ... بَعْد الرُّقادِ وعبْرَةٌ لا تُقْلِعُ ويقال: أكل فلانٌ أكلةً فأعقبتهُ سُقْماً، وأعقبه الله خيراً، والمعنى: أخلفهم في قلوبهم أي: صير عاقبة أمورهم النفاق، عاقبهم بنفاق في قلوبهم، يقال: عاقبته وأعقبته بمعنى.
فصل
«فأعقبهم» فعل، ولا بد من إسناده إلى شيء تقدَّم ذكره، والذي تقدَّم ذكره هو الله تعالى، والمعاهدة والتصدق والصلاح والبخل والتولي والإعراض، ولا يجوزُ إسناد إعقاب النفاق إلى المعاهدة أو التَّصدق أو الصلاح، لأنَّ هذه الثلاثة أعمال الخير؛ فلا يجوز جعلها مؤثرة في حصول النفاق في القلب؛ لأنَّ النفاقَ عبارة عن الكُفْرِ، وهو جهل وترك بعض الواجب لا يكون مؤثراً في حصول الجهلِ في القلب؛ لأنَّ ترك الواجب عدمٌ، والجهل وجود، والعدم لا يكون مؤثراً في الوجود؛ لأنَّ البخل والتولي والإعراض، قد يوجدُ في كثير من الفُسَّاقِ، مع أنَّهُ لا يحصلُ معه النفاق؛ ولأنَّ هذا الترك لو أوجب حصول الكفرِ في القلب لأوجبه، سواء كان هذا الترك جائزاً شرعاً أو محرماً شرعاً؛ لأنَّ سبب اختلاف الأحكام الشرعية لا يخرج المؤثر عن كونه مؤثراً؛ ولأنه تعالى قال: ﴿بِمَآ أَخْلَفُواْ الله مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: 77] فلو كان فعل الإعقاب مسنداً إلى البخل، والتولي، والإعراض لصار تقدير الآية: فأعقبهم ببخلهم وتوليهم وإعراضهم نفاقاً في قلوبهم بما أخلفُوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون، وذلك لا يجوز؛ لأنَّه فرق بين التَّولي وحصول النفاق في القلب بسبب التولي، ومعلومٌ أنه كلام باطل؛ فثبت بهذه الوجوه أنَّهُ لا يجوز إسناد الإعقاب إلى شيء من الأشياءِ المتقدم ذكرها إلاَّ إلى الله تعالى؛ فوجب إسناده إليه؛ فصار المعنى: أنَّ الله تعالى هو الذي يعقب النفاق في قلوبهم، وذلك يدلُّ على أنَّ خالق الكفر في القلوب هو الله تعالى، وهذا هو الذي قاله الزجاجُ، إنَّ معناه: أنَّهُم لمَّا ضلُّوا في الماضي فهو تعالى أضلَّهُم عن الدِّين في المستقبل، ويؤكدُ ذلك قوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ فالضميرُ في قوله: «يَلقَوْنَهُ» عائد إلى الله تعالى فكان الأولى أن يكون قوله: «فأعْقَبَهُمْ» مسنداً إلى اللهِ تعالى.
قال القاضي «المرادُ من قوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي: فأعقبهم العقوبة على النفاق وتلك العقوبة هي: حدوث الغم في قلوبهم وضيق الصدر وما ينالهم من الذُّل والذنب ويدوم بهم ذلك إلى الآخرة» .
وهذا بعيدٌ؛ لأنه عدولٌ عن الظَّاهر من غير دليل فإن ذكروا دليلاً عقلياً، قوبلوا بدليل عقلي. والله أعلم.
فصل
ظاهرُ الآية يدلُّ على أنَّ نقض العهد، وخلف الوعد، يورثُ النِّفاقَ، فيجب على المسلم الاحتراز عن ذلك، ويجتهد في الوفاءِ. ومذهب الحسنِ البصري: أنَّه يوجب النفاق لا محالة لهذه الآية، ولقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «ثلاثٌ من كُنَّ فيه كان مُنافقاً وإن صلَّى وصامَ وزعمَ أنَّهُ مؤمنٌ، إذا حدَّث كذبَ، وإذا وعدَ أخلفَ، وإذا ائْتُمِنَ خَانَ» .
ونقل أن واصل بن عطاء قال: أتى الحسن رجلٌ فقال له: إن أولاد يعقوب حدَّثُوه في قولهم ﴿فَأَكَلَهُ الذئب﴾ [يوسف: 17] فكذبوهُ، ووعدوه في قولهم: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [يوسف: 12] فأخلفوه، وائتمنهم أبوهم على يوسف فخانوه، فهل نحكمُ بكونهم منافقين؟ قيل: فتوقف الحسن في مذهبه.
وفسَّر عمر بن عبيد الحديث فقال «إذا حدَّث عن الله كذب عليه، وعلى دينه، وعلى رسوله وإذا وعد أخلف كما ذكر الله فيمن عاهد الله، وإذا ائتمن على دين الله خان في السرِّ فكان قلبه على خلاف لسانه» .
قوله: ﴿إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ قال الجبائيُّ «تمسَّكُوا في إثبات رُؤية الله بقوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ﴾ [الأحزاب: 44] قال: واللقاء ليس عبارة عن الرؤية، بدليل قوله في صفة المنافقين ﴿إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ وأجمعوا على أنَّ الكفَّار لا يرونه؛ فدلَّ على أنَّ اللقاء ليس عبارة عن الرؤية.
ويؤيدُه قوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ» من حلفَ على يمينٍ كاذبةٍ ليقتطع بهَا حق امرئ مُسلمٍ لقيَ الله وهُو عليه غَضبَانُ «وأجمعوا على أنَّ المراد من اللقاء ههنا: لقاء ما عند الله من العقاب فكذا ههنا» .
قال ابن الخطيب «وهذا دليلٌ ضعيفٌ؛ لأنَّا إذا تركنا حمل لفظ اللقاء على الرُّؤيةِ في هذه الآية، وفي الخبر لدليل منفصل؛ فلا يلزمنا ذلك في سائر الصُّور، كما إذا أدخلنا التَّخصيصَ في بعض العمومات لدليل منفصل؛ فلا يلزمنا أن نُخَصّصَ جميع العمومات من غير دليل فكما لا يلزمنا هذا لا يلزمنا ذلك» .
قوله: ﴿بِمَآ أَخْلَفُواْ الله مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾ أي: أنَّ الله أعقبهم ذلك النِّفاق في قلوبهم لأجل إخلافهم الوعد، وعلى كذبهم. وقرأ الجمهور «يَكْذبُونَ» مخففاً، وأبو رجاء مثقلاً.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ الله يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ الآية.
قرأ الجمهور «يَعْلمُوا» بالياء من تحت. وقرأ عليُّ بن أبي طالبٍ، والحسنُ، والسلمي بالخطاب، التفاتاً للمؤمنين دون المنافقين والسِّر: ما ينطوي عليه صدورهم والنَّجْوَى: ما يفاوضُ فيه بعضهم بعضاً فيما بينهم، مأخوذ من «النَّجْوِ» وهو الكلام الخفي كأنَّ المتناجين منعا إدخال غيرهما معهما، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: 52] وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا استيأسوا مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيّاً﴾ [يوسف: 80] وقوله: ﴿فَلاَ تَتَنَاجَوْاْ بالإثم والعدوان وَمَعْصِيَةِ الرسول وَتَنَاجَوْاْ بالبر والتقوى﴾
[المجادلة: 9] ، والمعنى: أنَّ الله تعالى يعلم سرهم ونجواهم فكيف يتجرَّءون على النفاق الذي الأصل فيه الاستسرار والتَّناجي فيما بينهم، مع علمهم بأنَّهُ تعالى يعلم ذلك من حالهم، كما يعلم الظَّاهر، وأنَّهُ يعاقب عليه كما يعاقب على الظَّاهر.
قال: ﴿وَأَنَّ الله عَلاَّمُ الغيوب﴾ والعَلاَّمُ: مبالغة في العالم، والغيب: ما كان غَائِباً عن الخلق.
قوله تعالى: ﴿الذين يَلْمِزُونَ المطوعين مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ الآية.
في «الذين يَلْمِزُونَ» أوجه:
أحدها: أنه مرفوعٌ على إضمار مبتدأ، أي: هم الذين.
الثاني: أّنَّه في محل رفع بالابتداء، و «مِنَ الُمؤمنينَ» حالٌ من «المطَّوِّعين» .
و «في الصَّدقاتِ» متعلق ب «يَلْمِزُونَ» ، و «الَّذشينَ لا يَجِدُونَ» نسقٌ «المُطَّوِّعينَ» أي: يَعيبُونَ المياسير، والفقراء. وقال مكيٌّ: «والَّذينَ» خفضٌ، عطفاً على «المُؤمنينَ» ولا يَحْسُن عطفهُ على «المُطَّوِّعين» ؛ لأنه لمْ يتمَّ اسماً يعد؛ لأنَّ «فَيَسْخَرُونَ» عطف على «يَلْمِزُونَ» هكذا ذكره النَّحاسُ في الإعراب له، وهو عندي وهمٌ منه.
قال شهابُ الدِّين: «والأمر فيه كما ذكر، فإنَّ» المُطَّوِّعينَ «قد تمَّ من غير احتياجٍ لغيره» .
وقوله: «فَيَسْخرُونَ» نسقٌ على الصِّلةِ، وخبر المبتدأ: الجملةُ من قوله «سَخِرَ اللهُ منهُمْ» هذا أظهرُ إعراب قيل هنا.
وقيل: «والَّذينَ لا يَجِدُونَ» نسقٌ على «الَّذِينَ يَلْمِزُونَ» ، ذكره أبُو البقاءِ وهذا لا يجُوزُ؛ لأنَّهُ يلزمُ الإخبارُ عنهم بقوله: ﴿سَخِرَ الله مِنْهُمْ﴾ ، وهذا لا يكون، إلاَّ بأنْ كان «الَّذِينَ لا يَجِدُون» مُنافقينَ، وأمَّا إذَا كانُوا مؤمنين، كيف يسخرُ الله منهم؟ . وقيل: «والَّذِينَ لا يَجِدُونَ» نسقٌ على «المُؤمنينَ» ، قاله أبُو البقاءِ.
قال أبُو حيَّان: «وهُو بعيدٌ جدّاً» . ووجهُ بعده: أنَّه يفهمُ أنَّ «الَّذِينَ لا يجدُونَ» ليسوا مؤمنين؛ لأن أصل العطف الدلالةُ على المُغايرةِ، فكأنَّنهُ قيل: يَلْمِزُونَ المطَّوِّعينَ من هذين الصنفين: المؤمنين، والذين لا يجدُونَح فيكون «الَّذِينَ لا يجدون» مطَّوِّعين غير مؤمنين.
وقال أبُو البقاءِ: «فِي الصَّدقاتِ» متعلقٌ ب «يَلمِزُونَ» ، ولا يتعلَّق ب «المُطَّوِّعينَ» لئلاَّ يفصل بينهما بأجنبي. وهذا فيه نظر؛ إذ قوله «مِنَ المؤمنينَ» حال، والحالُ ليست بأجنبيّ، وإنَّما يظهر في ردِّ ذلك أن «يطَّوَّع» إنَّما يتعدى بالياءِ، لا ب «في» وكون «في» بمعنى «الباء» خلاف الأصل. وقيل: «فَيَسْخَرُونَ» خبرُ المبتدأ ودخلتِ الفاءُ، لمَا تضمَّنهُ المبتدأ من معنى الشرط، وفي هذا الوجه بُعدٌ من حيثُ إنَّه يقرُب من كون الخبر في معنى المبتدأ فإنَّ من عاب إنساناً وغمزهُ علم أنَّهُ يسخرُ منه فيكون كقولهم: «سَيِّدُ الجاريةِ مالِكُهَا» .
الثالث: أن يكون محلُّه نصباً على الاشتغال، بإضمار فعل يُفسِّره «سَخِرَ اللهُ منهُم» من طريق المعنى، نحو: عاب الذين يلمزُون، سخر الله منهم.
الرابع: أنْ ينصب على الشتم.
الخامس: أن يكون مجروراً بدلاً من الضمير في «سِرَّهُم ونجْواهُمْ» .
وقرئ «يلْمُزون» بضم الميم، وقد تقدَّم أنَّها لغة، وقرأ الجمهور «جُهْدَهم» بضمِّ الجيمِ.
وقرأ ابنُ هرمز وجماعة «جَهْدهم» بالفتح. فقيل: لغتان بمعنى واحد. وقيل المفتوحُ المشقَّةُ والمضمومُ: الطَّاقةُ، قالهُ القتيبيُّ، وقيل: المضمومُ شيءٌ قيلٌ يعاشُ به والمفتوحُ: العملُ.
وقوله: ﴿سَخِرَ الله مِنْهُمْ﴾ يحتملُ أن يكون خبراً محضاً، وأن يكون دعاءً.
فصل
اعلم أنَّ هذا نوع آخر من أعمالهم القبيحة، وهو لمزهم من يأتي بالصَّدقاتِ.
قال المفسِّرون: حثَّ رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على الصَّدقةِ؛ فجاء عبدُ الرحمن بنُ عوفٍ بأربعة آلافِ درهم، فقال: يا رسول الله، مالي ثمانية آلاف درهم، جئتك بأربعة آلاف فاجعلها في سبيل الله، وأمسكتُ أربعة آلاف لعيالي.
فقال رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «بَارَكَ اللهُ لَكَ فِيمَا أعْطيْتَ، وفيمَا أمْسَكْتَ» فبارك اللهُ في مال عبد الرحمن، حتَّى إنَّهُ خلف امرأتين يوم أن مات؛ فبلغ ثمنُ ماله لهما مائة وستون ألفاً وتصدق يومئذ عاصمُ بن عدي العجلاني بمائة وسْقٍ من تمر.
وجاء أبُو عقيلٍ الأنصاري واسمه الحبحاب، بصاعٍ من تمرٍ، وقال: يا رسُول الله بتُّ ليلتي أجر بالجرير حتى نلتُ صاعين من تمرٍ؛ فأمسكتُ أحدهما لعيالي، وجئتُ بالآخر؛ فأمره رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن ينثره على الصَّدقاتِ؛ فلمزهم المنافقُون، وقالوا: ما أعطى عبد الرحمن وعاصم إلاَّ رياءً، وإن كان الله ورسوله لغنيين عن صاع أبي عقيل ولكنَّهُ أحب أن يزكي نفسه ليعطى من الصَّدقات؛ فأنزل الله تعالى: «الَّذِينَ يلْمِزُون» أي: يعيبون المطوعين المتبرعين من المؤمنين في الصدقات، يعني: عبد الرحمن بن عوف وعاصماً، ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ﴾ أي: طاقتهم.
والجُهْدُ: شيء قليلٌ يعيش به المقلُّ، والجهد بالفتح، والجُهْد بالضمِّ بمعنى واحد يعني: أبا عقيل: «فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ» يستهزئون منهم، ﴿سَخِرَ الله مِنْهُمْ﴾ أي: جازاهم على السخرية، وقال الأصمُّ: المرادُ أنه تعالى قبل من هؤلاء المنافقين ما أظهروهُ من أعمال البرِّ مع أنَّهُ لا يثيبهم عليها؛ فكان ذلك كالسخرية، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ .
قوله تعالى: ﴿استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية.
قال ابنُ عبَّاسٍ: إنَّ عند نزول الآية في المنافقين، قالوا: يا رسول الله، استغفر لنا، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «سأسْتغفرُ لَكُمْ» ؛ فنزل قوله تعالى: ﴿استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ قد تقدَّم الكلام على هذا عند قوله: ﴿قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ﴾ [التوبة: 53] ؛ وأنَّهُ نظيرُ قوله: [الطويل]
2818 - أسِيئِي بِنَا أوْ أحْسِني لا مُسِيئةٌ ... لدَينَا ولا مقليَّةٌ إنْ تقَلَّتِ
التوبة 9:78
قوله: ﴿وَعَدَ الله الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [التوبة: 72] .
والأقرب أنه تعالى أراد بها البساتين التي تبنى فيها المناظر؛ لأنَّهُ تعالى قال بعده ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ والمعطوفُ يجبُ أن يكون مغايراً للمعطوف عليه فتكون مساكنهم في جنَّات عدنٍ ومناظرهم التي هي البساتين، وتكون فائدة وصفها بأنَّها عدنٌ، أنَّها تجري مجرى دار السَّكن والإقامة.
وقوله: «خَالِدِينَ» حالٌ مقدَّرة، كما تقدَّم. وقوله: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾ أي: منازل طيبة ﴿فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ أي: خلد وإقامة، وفي «عدن» قولان:
أحدهما: أنَّهُ اسم على لموضع معين في الجنَّةِ.
قال عبدُ الله بنُ عمرو «إنَّ في الجنَّة قصراً يقال له عدنٌ، حوله البروج وله خمسة آلاف باب على كلِّ باب خمسة ألاف حرة، لا يدخله إلاَّ نبيٌّ، أو صديقٌ أو شهيدٌ» .
قال الزمخشريُّ: و «عدن» علم بدليل قوله ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ التي وَعَدَ الرحمن عِبَادَهُ﴾ [مريم: 61] .
والقول الثاني: أنه صفة للجنة. قال الأزهريُّ: «العَدْنُ» مأخوذ من قولك: عَدَنَ بالمكان إذا أقام به، يَعْدِنث عُدوناً. وتقول: تركت إبل بني فلان عوادن بمكان كذا، وهو أن تلزم الإبل المكان فتألفه، ومنه المعدن، لمُسْتقرِّ الجواهر. يقال: عدن عُدُوناً، فله مصدران. هذا أصلُ هذه اللفظة لغة. وذكر المفسِّرون لها معان كثيرة وقال الأعشى في معنى الإقامة [المتقارب]
2814 - وإنْ يَسْتَضِيفُوا إلى حِلْمِهِ ... يُضَافُوا إلى رَاجِحٍ قَدْ عَدَنْ أي: ثَبَتَ واستقرَّ. ومنه «عدن» لمدينة باليمن، لكثرة المقيمين بها.
قوله: ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ الله أَكْبَرُ﴾ التَّنكيرُ يفيدُ التقليل، أي: أقلُّ شيء من الرضوان أكبر من جميع ما تقدَّم من الجنَّات ومساكنها.
ثم قال: ﴿ذلك هُوَ الفوز العظيم﴾ أي: هذا هو الفوزُ العظيمُ، لا ما يطلبه المنافقون والكفار من التنعم بطيبات الدنيا. روى أبو سعيدٍ الخدريُّ أنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ لأهل الجنَّة: يا أهل الجنة هل رضيتم؟ فيقولون: ربنا ومالنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك، فيقول ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: ربنا أي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول:» أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً» .
قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي جَاهِدِ الكفار والمنافقين﴾ الآية.
لمَّا وصف المنافقين بالصِّفات الخبيثةِ، وتوعدهم بأنواع العقاب، ثمَّ ذكر المؤمنين بالصفات الحسنة، ووعدهم بالثَّوابِ، عاد إلى شرح أحوال الكُفَّارِ والمنافقين في هذه الآية.
فإن قيل: مجاهدة المنافقينَ غيرُ جائزة، فإنَّ المنافق يستر كفره وينكره بلسانه.
فالجوابُ من وجوه:
أحدها: قال الضحاكُ: مجاهدة المنافق: تغليظُ القول، وهذا بعيدٌ؛ لأنَّ ظاهر قوله ﴿جَاهِدِ الكفار والمنافقين﴾ يقتضي الأمر بجهادهما معاً، وكذا ظاهر قوله: ﴿واغلظ عَلَيْهِمْ﴾ راجع إلى الفريقين.
وثانيها: أنَّ الجهاد عبارة عن بذل الجهد وليس في اللفظ ما يدلُّ على أنَّ الجهاد بالسَّيف أو باللِّسانِ أو بطريق آخر. فقال ابن مسعودٍ: بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لَمْ يَسْتَطعْ فبقَلبِهِ. وقال: لا يلقى المنافق إلاَّ بوجه مكفهر. وقال ابنُ عبَّاسٍ: باللِّسانِ وترك الرفق.
وثالثها: قال الحسنُ وقتادةُ: بإقامةِ الحدودِ عليهم قال القاضي: وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ إقامة الحدود واجبةٌ على من ليس بمُنافقٍ.
قوله: ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ قال أبُو البقاءِ: إن قيل كيف حسنتِ الواوُ هنا والفاء أشبه بهذا الموضع؟ ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنَّ الواو واو الحالِ والتقدير: افعل ذلك في حال استحقاقهم جهنَّم، وتلك الحال حال كفرهم ونفاقهم.
والثاني: أنَّ الواو جيء بها تنبيهاً على إرادة فعل محذوف، تقديره: واعلمْ أنَّ مأواهم جهنم.
الثالث: أنَّ الكلام حمل على المعنى والمعنى أنَّه قد اجتمع لهم عذابُ الدُّنيا بالجهاد والغلظة، وعذابُ الآخرة بجعل جهنَّم مأواهم. ولا حاجة إلى هذا كُلِّه، بل هي جملةُ استثنافية.
قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بالله مَا قَالُواْ﴾ الآية.
قال ابنُ عبَّاسٍ: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ جالساً في ظلِّ شجرةٍ، فقال: «إنهُ سيَأتِيكُمْ إنْسانٌ ينْظرُ إليْكُمْ بعيْنِ الشَّيطانِ، فإذا جَاءَ فلا تُكَلِّمُوهُ» فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق، فدعاه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فقال: «عَلامَ تَشْتمُنِي أنْتَ وأصْحَابُكَ» فانطلق الرَّجُل؛ فجاء بأصحابه، فحلفُوا بالله ما قالوا، فأنزل الله عَزَّ وَجَلَّ الآية.
وقال الكلبيُّ: نزلت في جلاس بن سويدٍ، وذلك أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ خطب ذات يوم بتبوك، فذكر المنافقين، فسمَّاهم رجْساً وعابهم، فقال جلاسٌ: لئن كان محمد صادقاً، لنحنُ شرٌّ من الحمير فلمَّا انصرف رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إلى المدينة أتاه عامر بن قيس، وأخبره بما قال جلاس، فقال الجلاس: كذب يا رسول الله؛ فأمرهما رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يحلفا عند المنبر؛ فقام الجلاسُ عند المنبر بعد العصر فحلف بالله الذي لا إله إلاَّ هو ما قاله، ولقد كذب عليَّ عامر، فقام عامرٌ فحلف بالله الذي لا إله إلا هو: لقد قاله، وما كذبتُ عليه، ثم رفع عامرٌ يديه إلى السَّماء فقال: اللَّهُمَّ انزلْ على نبيِّكَ تصديق الصادقِ منَّا.
فقال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والمؤمنون: «آمين» ، فنزل جبريل عليه السلام قبل أن يتَفرَّقُوا بهذه الآية، حتى بلغ ﴿فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ﴾ ، فقام الجلاسُ، فقال: يا رسول الله، وأتوب إليه، فقبلَ رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذلك منه، ثم تاب وحَسُنَتْ توبتُه.
وقيل: نزلت في عبد الله بن أبيّ لما قال {يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ}
[المنافقون: 8] . وأراد به الرسول - عليه الصَّلاة والسلام -، فسمع زيدُ بنُ أرقم ذلك وبلغه إلى الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -، فهمَّ عمرُ بقتل عبد الله بن أبيّ، فجاء عبد الله وحلف أنَّهُ لم يقل فنزلت الآية. وقال القاضي: الأولى أن تحمل هذه الآية على ما روي أنَّ المنافقين همُّوا بقتله عند رجوعه من تبوك، وهم خسمة عشر رجلاً تعاهدوا أن يدفعوه عن راحلته إلى الوادي باللَّيل، وكان عمَّار بن ياسر آخذاً بخطام راحلته وحذيفة خلفها يسوقها، فسمع حذيفة وقع أخفاف الإبل، وقعقة السلاح، فالتفت، فإذا قوم متلثمُون. فقال: إليكم يا أعداء الله، فهربوا والظَّاهر أنهم لمَّا اجتمعوا لذلك الغرض، فقد طعنوا في نبوته ونسبوه إلى الكذب في ادِّعاءِ الرسالة، وذلك هو قولهم كلمة الكفر وهذا القول اختيار الزجاج.
فإن قيل: قوله: ﴿وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ﴾ يدلُّ على أنَّهم أسلمُوا من قبل، وهم لم يكونوا مسلمين.
فالجوابُ: أنَّ المراد من الإسلام السلم الذي هو ضد الحرب؛ لأنَّهم لمَّا نافقوا، فقد أظهروا الإسلام، وقوله: ﴿وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ﴾ المراد إطباقهم على الفتك بالرسول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ والله تعالى أخبر الرسول بذلك حتى احترز عنهم، ولم يصلُوا إلى مقصودهم وقال السُّديُّ: «هو قولهم إذا قدمنا المدينة؛ عقدنا على رأس عبد الله بن أبيّ تاجاً فلم يصلوا إليه» .
قوله: ﴿وَمَا نقموا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ الله وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾ .
في الاستثناء وجهان:
أحدهما: أنَّهُ معفول به، أي: وما كرهُوا وعابُوا إلاَّ إغناءَ الله إيَّاهم وهو من باب قولهم: ما لي عندك ذنبٌ إلاَّ أن أحسنت إليك، أي: إن كان ثم ذنبٌ فهو هذا، فهو تهكمٌ بهم؛ كقوله: [الطويل]
2815 - ولا عَيْبَ فينَا غَيْرَ عِرْقٍ لِمَعْشَرٍ ... كرامٍ وأنَّا لا نَخُطُّ على النَّمْلِ
وقول الآخر: [المنسرح]
2816 - مَا نَقمُوا مِنْ بَنِي أمَيَّة إلْ ... لا أنَّهُم يَحْلُمُون إن غضبُوا
وأنَّهُمْ سَادَةُ الملُوك ولا ... يَصْلحُ إلاَّ عليهمُ العربُ والثاني: أنَّهُ مفعولٌ من أجله، وعلى هذا فالمفعولُ به محذوف، تقديره: وما نقموا منهم الإيمان إلاَّ لأجل إغناء الله إيَّاهم. وقد تقدَّم الكلامُ على «نَقِمَ» [الأعراف: 126] .
قيل: إن مولى الجلاس قتل، فأمر له رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بديته اثني عشر ألفاً فاستغنى.
وقال الكلبيُّ: كانوا قبل قدوم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ المدينة في ضنكٍ من العيشِ فلمَّا قدمَ عليهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ استغنوا بالغنائم.
قوله: ﴿فَإِن يَتُوبُواْ﴾ أي: من نفاقهم: ﴿يَكُ خَيْراً لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا﴾ أي: يعرضوا عن التوبة ﴿يُعَذِّبْهُمُ الله عَذَاباً أَلِيماً فِي الدنيا﴾ بالخزي، وفي ﴿الآخرة﴾ بالنَّارِ ﴿وَمَا لَهُمْ﴾ في الأَرض ﴿مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾ أي: أنَّ عذاب الله إذا حق لم ينفعه وليّ ولا نصير.
قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ الله﴾ الآية.
«عاهد الله» فيه معنى القسم، فلذلك أجيب بقوله: «لنصَّدقنَّ» ، وحذف جوابُ الشرط لدلالة هذا الجواب عليه، و «اللاَّم» للتوطئةِ، ولا يمتنع الجمعُ بين القسم واللاَّم الموطئة له.
وقال أبُو البقاءِ: فيه وجهان:
أحدهما: تقديره: «عاهد، فقال: لئِنْ آتَانَا» .
والثاني: أن يكون «عاهد» بمعنى: قال، فإنَّ العهد قول. ولا حاجة إلى هذا.
قوله: ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ﴾ قرأهما الجمهور بالنُّون الثقيلة. والأعمش بالخفيفة.
قال الزجاج الأصل: «لنتَصدَّقنَّ» ، ولكن التَّاء أدغمت في الصَّاد، لقربها منها.
قال الليثُ: المُتصدق: المعطي، والمُتصدق: السائل. قال الأصمعيُّ، والفرَّاءُ: هذا خطأ، فالمتصدق هو المعطي، قال تعالى: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ الله يَجْزِي المتصدقين﴾ [يوسف: 88] واعلم أنَّ هذه السورة نزل أكثرها في شرح أحوال المنافقين؛ فلهذا ذكرهم على التفصيل فقال: ﴿وَمِنْهُمُ الذين يُؤْذُونَ النبي﴾ [التوبة: 62] ﴿وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصدقات﴾ [التوبة: 58] ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي﴾ [التوبة: 49] ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ﴾ [التوبة: 75] .
والمشهور في سبب نزول هذه الآية: ما روى أبو أمامة قال: جاء ثعلبةُ بنُ حاطبٍ الأنصاريُّ إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال: يا رسول الله ادعُ الله أن يرزقني مالاً، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «ويحْكَ يا ثعلبةُ قليلٌ تُؤدِّي شُكرَهُ خيرٌ من كثيرٍ لا تُطِيقهُ» ثمَّ أتاهُ بعد ذلك فقال: «أمّا لكَ في رسول الله أسوةٌ حسنةٌ؟ والذي نفسي بيدهِ لوْ أردتُ أن تسيرَ الجبالُ معي ذهباً وفضةً لسَارَتْ»
ثمَّ راجعه بعد ذلك، فقال: يا رسول الله: ادعُ الله أن يرزقني مالاً، والذي بعثك بالحقِّ لئن رزقني الله مالاً لأعطين كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «اللَّهُمَّ ارزقْ ثعلبةَ مالاً» قال: فاتَّخذ غنماً؛ فنمت كما ينمو الدُّودُ، حتى ضاقَتْ بها المدينةُ فتنحَّى عنها، ونزل وادياً من أوديتها، وكان يصلي مع رسول الله الظهر والعصر، ويصلي في غنمة سائر الصلوات، ثم كثُرتْ ونمتْ، فتباعد حتى كان لا يشهدُ جمعةً ولا جماعة؛ فكان إذا كان يوم الجمعة خرجَ يتلقَّى النَّاس يسألهم عن الأخبار، فذكرهُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذات يوم فقال: «ما فعل ثعلبةُ؟»
قالوا: يا رسول الله؛ اتَّخذَ غنماً ما يسعها وادٍ، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «يا ويْحَ ثَعلبةَ» فأنزل الله تعالى آية الصدقات؛ فبعث رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ رجلاً من بني سليم، ورجلاً من جهينة، وكتب لهما أسنان الصدقة كيف يأخذانها، وقال لهما: «مُرَّا بثعلَبَة بنِ حاطبٍ، وبرجُلٍ من بنِي سليمٍ، فخذا صدقاتهما» فخرجا حتى أتيا ثعلبة؛ فسألاه الصدقة، وأقرآه كتاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فقال: هذه إلاَّ الجزية، ما هذه إلاَّ أخت الجزية، انطلقا حتى تفرغا ثم عودا إليَّ، فانطلقا وسمع بهما السُّلمي، فنظر إلى خيار أسنان إبله فعزلها للصَّدقة، ثم استقبلهما بها، فلمَّا رأياها قالا: ما هذه عليك؛ قال خذاه فإنَّ نفسي بذلك طيبة، فمرَّا على الناس، وأخذَا الصدقات ثم رجعا إلى ثعلبة، فقال: أروني كتابكما؛ فقرأه ثم قال: ما هذه إلا جزية، ما هذه إلاَّ أختُ الجزية، اذهبا حتَّى أرى رأيي، قال فأقبلا، فلما رآهما رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال قبل أن يكلماه: يا ويْحَ ثعلبةَ، ثُمَّ دعا للسلميّ بخيرٍ؛ فأخبراه بالذي صنع ثعلبة؛ فأنزل الله - عزَّ وجلَّ - ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ الله﴾ الآية على قوله: ﴿وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: 77] وعند رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ رجلٌ من أقارب ثعلبةَ؛ فسمع ذلك، فخرج حتَّى أتاهُ فقال: ويْحَكَ يا ثعلبة، قد أنزل الله عزَّ وجلَّ فيك كذا وكذا، فخرج ثعلبة حتى أتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فسأله أن يقبل صدقته، فقال:
«إنَّ الله مَنَعنِي أن أقبلَ مِنْكَ صدقَتكَ» فجعل يَحثُو التُّرابَ على رأسِهِ، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «قد أمرتُك فلمْ تُطِعْنِي» ؛ فرجع إلى منزله، وقبض رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ثم أتى أبا بكر بصدقته؛ فلم يقبلها اقتداء بالرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - فقبض أبو بكر، ثم لم يقبلها عمر اقتداء بأبي بكر، ثمَّ لم يقبلها عثمان، وهلك ثعلبةُ في خلافه عثمان.
وقال ابنُ عباسٍ، وسعيدُ بن جبير، وقتادةُ: أتى ثعلبة مشهداً من الأنصار؛ فأشهدهم لئن آتاني الله من فضله آتيت كلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ، وتصدقت منه، ووصلت منه القرابة، فمات ابن عمٍّ له، فورث منه مالاً، فلم يف بما قال؛ فأنزل الله هذه الآية.
وقال الحسن ومجاهدٌ: نزلت في ثعلبةَ بن حاطبٍ، ومعتب بن قشير، وهما من بني عمرو بن عوف قد جاءا على ملأ قعوداً وقالا: والله لئن رزقنا الله لنصدقنَّ، فلما رزقهما بخلا به. والمشهورُ الأول.
فإن قيل: إنَّ الله أمره بإخراج الصَّدقة؛ فكيف يجوزُ للرسول أن لا يقبلها منه؟ .
فالجواب: لا يبعد أن يقال: إنَّ الله تعالى منع الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - من قبول الصدقة منه إهانة له ليعتبر غيره؛ فلا يمتنع عن أداء الصدقات، أو أنَّه أتى بتلك الصدقة على وجه الرياء، لا على وجه الإخلاص، وأعلم الله الرسول بذلك؛ فلذلك لم يقبل تلك الصدقة، ويحتمل أيضاً أن الله تعالى لما قال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ [التوبة: 103] كان هذا غير حاصل في ثعلبة مع نفاقه؛ فلهذا امتنع الرَّسولُ - عليه الصلاو والسلام - من أخذ تلك الصَّدقةِ.
فإن قيل: المنافق كافرٌ، والكافر لا يمكنه أن يعاهد الله.
فالجواب: أنَّ المنافق قد يكون عارفاً بالله، إلاَّ أنه كان منكراً لنبوةِ محمدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ؛ فلكونه عارفاً بالله يمكنه أن يعاهد الله، ولكونه منكراً لنبوة محمد - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -، كان كافراً.
وكيف لا أقول ذلك وأكثر العالم مقرون بوجود الصانع؟ أو لعله حين عاهد الله كان مسلماً، ثم لمَّا بخل بالمال، ولم يف بالعهدِ صار منافقاً، ولفظ الآية يدلُّ على ذلك لقوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً﴾ [التوبة: 78] .
فإن قيل: هل من شرط المعاهدة أن يتلفظ بها باللسان، أو يكفي النِّيَّة؟ .
فالجواب: قال بعضهم: تكفي النيةُ، وأن قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ الله﴾ [التوبة: 75] كان شيئاً نووه في أنفسهم لقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ الله يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ [التوبة: 78] . وقال المحققون: هذه المعاهدة مقيدة بالتَّلفظ باللسان، لقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «إنَّ الله عفا لأمَّتي ما حدَّثتْ به أنفُسهَا ما لم تتكلَّم به أو تعمل» وأيضاً فقوله ﴿لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ يشعر ظاهره بالقول باللسانِ.
فإن قيل: المراد من الصدقة إخراج المال، وهو على قسمين واجبٌ وغير واجب والواجبُ قسمان: قسم واجبٌ بأصل الشرع كالزَّكاة، والنفقات الواجبةِ.
وقسم لم يجب إلاَّ إذا التزمه العبد كالنذور.
فقوله: «لنصَّدَّقنَّ» هل يتناولُ الأقسام الثلاثة، أو لا؟
فالجوابُ: أنَّ الصَّدقات الَّتي ليست واجبة، غير داخلة في الآية، لقوله: «بخلوا به» والبخل في عرف الشَّرْعِ عبارة عن منع الواجب؛ ولأنَّه تعالى ذمَّهُم بهذا الترك، وتارك المندوب لا يذم.
بقي القسمان الواجبان؛ فالواجب بأصل الشرع داخل في الآية، لا محالة بقي الواجب بالنَّذر، والظَّاهر أن اللفظ لا يدلُّ عليه؛ لأنه ليس في الآية إلاَّ قوله ﴿لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ وهذا ليس فيه إشعارٌ بالنَّذر، لأنَّ الرجل قد يعاهدُ ربَّهُ في أن يقوم بما يلزمه من الزَّكوات والنفقات الواجبة إن وسَّعَ اللهُ عليه.
فإن قيل: لفظ الآية يدلُّ على أنَّ الذي لزمهم إنَّما بسبب هذا الالتزام، والزكاةُ لا تلزم بسبب هذا الالتزام، وإنما تلزمُ بملك النصاب وحلول الحولِ.
فالجوابُ: قوله: «لنصَّدقنَّ» لا يوجبُ أن يفعلوا ذلك على الفور؛ لأنَّهُ إخبار عن إيقاع هذا الفعل في المستقبل، وهذا النذر لا يوجبُ الفور؛ فكأنهم قالوا: لنصدقن في وقته كما قالوا: ﴿وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصالحين﴾ أي: في أوقات لزوم الصَّلاة؛ فثبت بما قرَّرْنَا أنَّ الدَّاخل تحت هذا العهد، إخراج الأموال الواجبة بأصل الشَّرع، ويؤكد هذا ما روي في سببن النُّزولِ أنَّ الآية إنَّما نزلت في حق من امتنع من أداة الزَّكاةِ.
فصل
المرادُ من «الفضل» ههنا: إيتاء المالِ بأي طريق كان، إمَّا بتجارة، أو غنيمةٍ أو غير ذلك. والمرادُ ب «الصَّالحينَ» : الصالح ضد المفسد، والمفسد عبارة عمَّن بخل بما يلزمه في التكليف، فالصَّالح: من يعملُ بعمل أهل الصَّلاحِ من صلة الرَّحمِ والنَّفقةِ في الخير، ونحو ذلك.
ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّآ آتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ .
قال الليثُ: يقال: أعقب فلاناً ندامةٌ، إذا صيرت عاقبة أمره ذلك، قال الهذليُّ: [الكامل]
2817 - أودى بنيَّ وأعقبُوني حَسْرَةً ... بَعْد الرُّقادِ وعبْرَةٌ لا تُقْلِعُ ويقال: أكل فلانٌ أكلةً فأعقبتهُ سُقْماً، وأعقبه الله خيراً، والمعنى: أخلفهم في قلوبهم أي: صير عاقبة أمورهم النفاق، عاقبهم بنفاق في قلوبهم، يقال: عاقبته وأعقبته بمعنى.
فصل
«فأعقبهم» فعل، ولا بد من إسناده إلى شيء تقدَّم ذكره، والذي تقدَّم ذكره هو الله تعالى، والمعاهدة والتصدق والصلاح والبخل والتولي والإعراض، ولا يجوزُ إسناد إعقاب النفاق إلى المعاهدة أو التَّصدق أو الصلاح، لأنَّ هذه الثلاثة أعمال الخير؛ فلا يجوز جعلها مؤثرة في حصول النفاق في القلب؛ لأنَّ النفاقَ عبارة عن الكُفْرِ، وهو جهل وترك بعض الواجب لا يكون مؤثراً في حصول الجهلِ في القلب؛ لأنَّ ترك الواجب عدمٌ، والجهل وجود، والعدم لا يكون مؤثراً في الوجود؛ لأنَّ البخل والتولي والإعراض، قد يوجدُ في كثير من الفُسَّاقِ، مع أنَّهُ لا يحصلُ معه النفاق؛ ولأنَّ هذا الترك لو أوجب حصول الكفرِ في القلب لأوجبه، سواء كان هذا الترك جائزاً شرعاً أو محرماً شرعاً؛ لأنَّ سبب اختلاف الأحكام الشرعية لا يخرج المؤثر عن كونه مؤثراً؛ ولأنه تعالى قال: ﴿بِمَآ أَخْلَفُواْ الله مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: 77] فلو كان فعل الإعقاب مسنداً إلى البخل، والتولي، والإعراض لصار تقدير الآية: فأعقبهم ببخلهم وتوليهم وإعراضهم نفاقاً في قلوبهم بما أخلفُوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون، وذلك لا يجوز؛ لأنَّه فرق بين التَّولي وحصول النفاق في القلب بسبب التولي، ومعلومٌ أنه كلام باطل؛ فثبت بهذه الوجوه أنَّهُ لا يجوز إسناد الإعقاب إلى شيء من الأشياءِ المتقدم ذكرها إلاَّ إلى الله تعالى؛ فوجب إسناده إليه؛ فصار المعنى: أنَّ الله تعالى هو الذي يعقب النفاق في قلوبهم، وذلك يدلُّ على أنَّ خالق الكفر في القلوب هو الله تعالى، وهذا هو الذي قاله الزجاجُ، إنَّ معناه: أنَّهُم لمَّا ضلُّوا في الماضي فهو تعالى أضلَّهُم عن الدِّين في المستقبل، ويؤكدُ ذلك قوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ فالضميرُ في قوله: «يَلقَوْنَهُ» عائد إلى الله تعالى فكان الأولى أن يكون قوله: «فأعْقَبَهُمْ» مسنداً إلى اللهِ تعالى.
قال القاضي «المرادُ من قوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي: فأعقبهم العقوبة على النفاق وتلك العقوبة هي: حدوث الغم في قلوبهم وضيق الصدر وما ينالهم من الذُّل والذنب ويدوم بهم ذلك إلى الآخرة» .
وهذا بعيدٌ؛ لأنه عدولٌ عن الظَّاهر من غير دليل فإن ذكروا دليلاً عقلياً، قوبلوا بدليل عقلي. والله أعلم.
فصل
ظاهرُ الآية يدلُّ على أنَّ نقض العهد، وخلف الوعد، يورثُ النِّفاقَ، فيجب على المسلم الاحتراز عن ذلك، ويجتهد في الوفاءِ. ومذهب الحسنِ البصري: أنَّه يوجب النفاق لا محالة لهذه الآية، ولقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «ثلاثٌ من كُنَّ فيه كان مُنافقاً وإن صلَّى وصامَ وزعمَ أنَّهُ مؤمنٌ، إذا حدَّث كذبَ، وإذا وعدَ أخلفَ، وإذا ائْتُمِنَ خَانَ» .
ونقل أن واصل بن عطاء قال: أتى الحسن رجلٌ فقال له: إن أولاد يعقوب حدَّثُوه في قولهم ﴿فَأَكَلَهُ الذئب﴾ [يوسف: 17] فكذبوهُ، ووعدوه في قولهم: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [يوسف: 12] فأخلفوه، وائتمنهم أبوهم على يوسف فخانوه، فهل نحكمُ بكونهم منافقين؟ قيل: فتوقف الحسن في مذهبه.
وفسَّر عمر بن عبيد الحديث فقال «إذا حدَّث عن الله كذب عليه، وعلى دينه، وعلى رسوله وإذا وعد أخلف كما ذكر الله فيمن عاهد الله، وإذا ائتمن على دين الله خان في السرِّ فكان قلبه على خلاف لسانه» .
قوله: ﴿إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ قال الجبائيُّ «تمسَّكُوا في إثبات رُؤية الله بقوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ﴾ [الأحزاب: 44] قال: واللقاء ليس عبارة عن الرؤية، بدليل قوله في صفة المنافقين ﴿إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ وأجمعوا على أنَّ الكفَّار لا يرونه؛ فدلَّ على أنَّ اللقاء ليس عبارة عن الرؤية.
ويؤيدُه قوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ» من حلفَ على يمينٍ كاذبةٍ ليقتطع بهَا حق امرئ مُسلمٍ لقيَ الله وهُو عليه غَضبَانُ «وأجمعوا على أنَّ المراد من اللقاء ههنا: لقاء ما عند الله من العقاب فكذا ههنا» .
قال ابن الخطيب «وهذا دليلٌ ضعيفٌ؛ لأنَّا إذا تركنا حمل لفظ اللقاء على الرُّؤيةِ في هذه الآية، وفي الخبر لدليل منفصل؛ فلا يلزمنا ذلك في سائر الصُّور، كما إذا أدخلنا التَّخصيصَ في بعض العمومات لدليل منفصل؛ فلا يلزمنا أن نُخَصّصَ جميع العمومات من غير دليل فكما لا يلزمنا هذا لا يلزمنا ذلك» .
قوله: ﴿بِمَآ أَخْلَفُواْ الله مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾ أي: أنَّ الله أعقبهم ذلك النِّفاق في قلوبهم لأجل إخلافهم الوعد، وعلى كذبهم. وقرأ الجمهور «يَكْذبُونَ» مخففاً، وأبو رجاء مثقلاً.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ الله يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ الآية.
قرأ الجمهور «يَعْلمُوا» بالياء من تحت. وقرأ عليُّ بن أبي طالبٍ، والحسنُ، والسلمي بالخطاب، التفاتاً للمؤمنين دون المنافقين والسِّر: ما ينطوي عليه صدورهم والنَّجْوَى: ما يفاوضُ فيه بعضهم بعضاً فيما بينهم، مأخوذ من «النَّجْوِ» وهو الكلام الخفي كأنَّ المتناجين منعا إدخال غيرهما معهما، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: 52] وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا استيأسوا مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيّاً﴾ [يوسف: 80] وقوله: ﴿فَلاَ تَتَنَاجَوْاْ بالإثم والعدوان وَمَعْصِيَةِ الرسول وَتَنَاجَوْاْ بالبر والتقوى﴾
[المجادلة: 9] ، والمعنى: أنَّ الله تعالى يعلم سرهم ونجواهم فكيف يتجرَّءون على النفاق الذي الأصل فيه الاستسرار والتَّناجي فيما بينهم، مع علمهم بأنَّهُ تعالى يعلم ذلك من حالهم، كما يعلم الظَّاهر، وأنَّهُ يعاقب عليه كما يعاقب على الظَّاهر.
قال: ﴿وَأَنَّ الله عَلاَّمُ الغيوب﴾ والعَلاَّمُ: مبالغة في العالم، والغيب: ما كان غَائِباً عن الخلق.
قوله تعالى: ﴿الذين يَلْمِزُونَ المطوعين مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ الآية.
في «الذين يَلْمِزُونَ» أوجه:
أحدها: أنه مرفوعٌ على إضمار مبتدأ، أي: هم الذين.
الثاني: أّنَّه في محل رفع بالابتداء، و «مِنَ الُمؤمنينَ» حالٌ من «المطَّوِّعين» .
و «في الصَّدقاتِ» متعلق ب «يَلْمِزُونَ» ، و «الَّذشينَ لا يَجِدُونَ» نسقٌ «المُطَّوِّعينَ» أي: يَعيبُونَ المياسير، والفقراء. وقال مكيٌّ: «والَّذينَ» خفضٌ، عطفاً على «المُؤمنينَ» ولا يَحْسُن عطفهُ على «المُطَّوِّعين» ؛ لأنه لمْ يتمَّ اسماً يعد؛ لأنَّ «فَيَسْخَرُونَ» عطف على «يَلْمِزُونَ» هكذا ذكره النَّحاسُ في الإعراب له، وهو عندي وهمٌ منه.
قال شهابُ الدِّين: «والأمر فيه كما ذكر، فإنَّ» المُطَّوِّعينَ «قد تمَّ من غير احتياجٍ لغيره» .
وقوله: «فَيَسْخرُونَ» نسقٌ على الصِّلةِ، وخبر المبتدأ: الجملةُ من قوله «سَخِرَ اللهُ منهُمْ» هذا أظهرُ إعراب قيل هنا.
وقيل: «والَّذينَ لا يَجِدُونَ» نسقٌ على «الَّذِينَ يَلْمِزُونَ» ، ذكره أبُو البقاءِ وهذا لا يجُوزُ؛ لأنَّهُ يلزمُ الإخبارُ عنهم بقوله: ﴿سَخِرَ الله مِنْهُمْ﴾ ، وهذا لا يكون، إلاَّ بأنْ كان «الَّذِينَ لا يَجِدُون» مُنافقينَ، وأمَّا إذَا كانُوا مؤمنين، كيف يسخرُ الله منهم؟ . وقيل: «والَّذِينَ لا يَجِدُونَ» نسقٌ على «المُؤمنينَ» ، قاله أبُو البقاءِ.
قال أبُو حيَّان: «وهُو بعيدٌ جدّاً» . ووجهُ بعده: أنَّه يفهمُ أنَّ «الَّذِينَ لا يجدُونَ» ليسوا مؤمنين؛ لأن أصل العطف الدلالةُ على المُغايرةِ، فكأنَّنهُ قيل: يَلْمِزُونَ المطَّوِّعينَ من هذين الصنفين: المؤمنين، والذين لا يجدُونَح فيكون «الَّذِينَ لا يجدون» مطَّوِّعين غير مؤمنين.
وقال أبُو البقاءِ: «فِي الصَّدقاتِ» متعلقٌ ب «يَلمِزُونَ» ، ولا يتعلَّق ب «المُطَّوِّعينَ» لئلاَّ يفصل بينهما بأجنبي. وهذا فيه نظر؛ إذ قوله «مِنَ المؤمنينَ» حال، والحالُ ليست بأجنبيّ، وإنَّما يظهر في ردِّ ذلك أن «يطَّوَّع» إنَّما يتعدى بالياءِ، لا ب «في» وكون «في» بمعنى «الباء» خلاف الأصل. وقيل: «فَيَسْخَرُونَ» خبرُ المبتدأ ودخلتِ الفاءُ، لمَا تضمَّنهُ المبتدأ من معنى الشرط، وفي هذا الوجه بُعدٌ من حيثُ إنَّه يقرُب من كون الخبر في معنى المبتدأ فإنَّ من عاب إنساناً وغمزهُ علم أنَّهُ يسخرُ منه فيكون كقولهم: «سَيِّدُ الجاريةِ مالِكُهَا» .
الثالث: أن يكون محلُّه نصباً على الاشتغال، بإضمار فعل يُفسِّره «سَخِرَ اللهُ منهُم» من طريق المعنى، نحو: عاب الذين يلمزُون، سخر الله منهم.
الرابع: أنْ ينصب على الشتم.
الخامس: أن يكون مجروراً بدلاً من الضمير في «سِرَّهُم ونجْواهُمْ» .
وقرئ «يلْمُزون» بضم الميم، وقد تقدَّم أنَّها لغة، وقرأ الجمهور «جُهْدَهم» بضمِّ الجيمِ.
وقرأ ابنُ هرمز وجماعة «جَهْدهم» بالفتح. فقيل: لغتان بمعنى واحد. وقيل المفتوحُ المشقَّةُ والمضمومُ: الطَّاقةُ، قالهُ القتيبيُّ، وقيل: المضمومُ شيءٌ قيلٌ يعاشُ به والمفتوحُ: العملُ.
وقوله: ﴿سَخِرَ الله مِنْهُمْ﴾ يحتملُ أن يكون خبراً محضاً، وأن يكون دعاءً.
فصل
اعلم أنَّ هذا نوع آخر من أعمالهم القبيحة، وهو لمزهم من يأتي بالصَّدقاتِ.
قال المفسِّرون: حثَّ رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على الصَّدقةِ؛ فجاء عبدُ الرحمن بنُ عوفٍ بأربعة آلافِ درهم، فقال: يا رسول الله، مالي ثمانية آلاف درهم، جئتك بأربعة آلاف فاجعلها في سبيل الله، وأمسكتُ أربعة آلاف لعيالي.
فقال رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «بَارَكَ اللهُ لَكَ فِيمَا أعْطيْتَ، وفيمَا أمْسَكْتَ» فبارك اللهُ في مال عبد الرحمن، حتَّى إنَّهُ خلف امرأتين يوم أن مات؛ فبلغ ثمنُ ماله لهما مائة وستون ألفاً وتصدق يومئذ عاصمُ بن عدي العجلاني بمائة وسْقٍ من تمر.
وجاء أبُو عقيلٍ الأنصاري واسمه الحبحاب، بصاعٍ من تمرٍ، وقال: يا رسُول الله بتُّ ليلتي أجر بالجرير حتى نلتُ صاعين من تمرٍ؛ فأمسكتُ أحدهما لعيالي، وجئتُ بالآخر؛ فأمره رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن ينثره على الصَّدقاتِ؛ فلمزهم المنافقُون، وقالوا: ما أعطى عبد الرحمن وعاصم إلاَّ رياءً، وإن كان الله ورسوله لغنيين عن صاع أبي عقيل ولكنَّهُ أحب أن يزكي نفسه ليعطى من الصَّدقات؛ فأنزل الله تعالى: «الَّذِينَ يلْمِزُون» أي: يعيبون المطوعين المتبرعين من المؤمنين في الصدقات، يعني: عبد الرحمن بن عوف وعاصماً، ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ﴾ أي: طاقتهم.
والجُهْدُ: شيء قليلٌ يعيش به المقلُّ، والجهد بالفتح، والجُهْد بالضمِّ بمعنى واحد يعني: أبا عقيل: «فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ» يستهزئون منهم، ﴿سَخِرَ الله مِنْهُمْ﴾ أي: جازاهم على السخرية، وقال الأصمُّ: المرادُ أنه تعالى قبل من هؤلاء المنافقين ما أظهروهُ من أعمال البرِّ مع أنَّهُ لا يثيبهم عليها؛ فكان ذلك كالسخرية، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ .
قوله تعالى: ﴿استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية.
قال ابنُ عبَّاسٍ: إنَّ عند نزول الآية في المنافقين، قالوا: يا رسول الله، استغفر لنا، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «سأسْتغفرُ لَكُمْ» ؛ فنزل قوله تعالى: ﴿استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ قد تقدَّم الكلام على هذا عند قوله: ﴿قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ﴾ [التوبة: 53] ؛ وأنَّهُ نظيرُ قوله: [الطويل]
2818 - أسِيئِي بِنَا أوْ أحْسِني لا مُسِيئةٌ ... لدَينَا ولا مقليَّةٌ إنْ تقَلَّتِ
التوبة 9:79
قوله: ﴿وَعَدَ الله الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [التوبة: 72] .
والأقرب أنه تعالى أراد بها البساتين التي تبنى فيها المناظر؛ لأنَّهُ تعالى قال بعده ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ والمعطوفُ يجبُ أن يكون مغايراً للمعطوف عليه فتكون مساكنهم في جنَّات عدنٍ ومناظرهم التي هي البساتين، وتكون فائدة وصفها بأنَّها عدنٌ، أنَّها تجري مجرى دار السَّكن والإقامة.
وقوله: «خَالِدِينَ» حالٌ مقدَّرة، كما تقدَّم. وقوله: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾ أي: منازل طيبة ﴿فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ أي: خلد وإقامة، وفي «عدن» قولان:
أحدهما: أنَّهُ اسم على لموضع معين في الجنَّةِ.
قال عبدُ الله بنُ عمرو «إنَّ في الجنَّة قصراً يقال له عدنٌ، حوله البروج وله خمسة آلاف باب على كلِّ باب خمسة ألاف حرة، لا يدخله إلاَّ نبيٌّ، أو صديقٌ أو شهيدٌ» .
قال الزمخشريُّ: و «عدن» علم بدليل قوله ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ التي وَعَدَ الرحمن عِبَادَهُ﴾ [مريم: 61] .
والقول الثاني: أنه صفة للجنة. قال الأزهريُّ: «العَدْنُ» مأخوذ من قولك: عَدَنَ بالمكان إذا أقام به، يَعْدِنث عُدوناً. وتقول: تركت إبل بني فلان عوادن بمكان كذا، وهو أن تلزم الإبل المكان فتألفه، ومنه المعدن، لمُسْتقرِّ الجواهر. يقال: عدن عُدُوناً، فله مصدران. هذا أصلُ هذه اللفظة لغة. وذكر المفسِّرون لها معان كثيرة وقال الأعشى في معنى الإقامة [المتقارب]
2814 - وإنْ يَسْتَضِيفُوا إلى حِلْمِهِ ... يُضَافُوا إلى رَاجِحٍ قَدْ عَدَنْ أي: ثَبَتَ واستقرَّ. ومنه «عدن» لمدينة باليمن، لكثرة المقيمين بها.
قوله: ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ الله أَكْبَرُ﴾ التَّنكيرُ يفيدُ التقليل، أي: أقلُّ شيء من الرضوان أكبر من جميع ما تقدَّم من الجنَّات ومساكنها.
ثم قال: ﴿ذلك هُوَ الفوز العظيم﴾ أي: هذا هو الفوزُ العظيمُ، لا ما يطلبه المنافقون والكفار من التنعم بطيبات الدنيا. روى أبو سعيدٍ الخدريُّ أنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ لأهل الجنَّة: يا أهل الجنة هل رضيتم؟ فيقولون: ربنا ومالنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك، فيقول ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: ربنا أي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول:» أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً» .
قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي جَاهِدِ الكفار والمنافقين﴾ الآية.
لمَّا وصف المنافقين بالصِّفات الخبيثةِ، وتوعدهم بأنواع العقاب، ثمَّ ذكر المؤمنين بالصفات الحسنة، ووعدهم بالثَّوابِ، عاد إلى شرح أحوال الكُفَّارِ والمنافقين في هذه الآية.
فإن قيل: مجاهدة المنافقينَ غيرُ جائزة، فإنَّ المنافق يستر كفره وينكره بلسانه.
فالجوابُ من وجوه:
أحدها: قال الضحاكُ: مجاهدة المنافق: تغليظُ القول، وهذا بعيدٌ؛ لأنَّ ظاهر قوله ﴿جَاهِدِ الكفار والمنافقين﴾ يقتضي الأمر بجهادهما معاً، وكذا ظاهر قوله: ﴿واغلظ عَلَيْهِمْ﴾ راجع إلى الفريقين.
وثانيها: أنَّ الجهاد عبارة عن بذل الجهد وليس في اللفظ ما يدلُّ على أنَّ الجهاد بالسَّيف أو باللِّسانِ أو بطريق آخر. فقال ابن مسعودٍ: بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لَمْ يَسْتَطعْ فبقَلبِهِ. وقال: لا يلقى المنافق إلاَّ بوجه مكفهر. وقال ابنُ عبَّاسٍ: باللِّسانِ وترك الرفق.
وثالثها: قال الحسنُ وقتادةُ: بإقامةِ الحدودِ عليهم قال القاضي: وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ إقامة الحدود واجبةٌ على من ليس بمُنافقٍ.
قوله: ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ قال أبُو البقاءِ: إن قيل كيف حسنتِ الواوُ هنا والفاء أشبه بهذا الموضع؟ ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنَّ الواو واو الحالِ والتقدير: افعل ذلك في حال استحقاقهم جهنَّم، وتلك الحال حال كفرهم ونفاقهم.
والثاني: أنَّ الواو جيء بها تنبيهاً على إرادة فعل محذوف، تقديره: واعلمْ أنَّ مأواهم جهنم.
الثالث: أنَّ الكلام حمل على المعنى والمعنى أنَّه قد اجتمع لهم عذابُ الدُّنيا بالجهاد والغلظة، وعذابُ الآخرة بجعل جهنَّم مأواهم. ولا حاجة إلى هذا كُلِّه، بل هي جملةُ استثنافية.
قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بالله مَا قَالُواْ﴾ الآية.
قال ابنُ عبَّاسٍ: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ جالساً في ظلِّ شجرةٍ، فقال: «إنهُ سيَأتِيكُمْ إنْسانٌ ينْظرُ إليْكُمْ بعيْنِ الشَّيطانِ، فإذا جَاءَ فلا تُكَلِّمُوهُ» فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق، فدعاه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فقال: «عَلامَ تَشْتمُنِي أنْتَ وأصْحَابُكَ» فانطلق الرَّجُل؛ فجاء بأصحابه، فحلفُوا بالله ما قالوا، فأنزل الله عَزَّ وَجَلَّ الآية.
وقال الكلبيُّ: نزلت في جلاس بن سويدٍ، وذلك أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ خطب ذات يوم بتبوك، فذكر المنافقين، فسمَّاهم رجْساً وعابهم، فقال جلاسٌ: لئن كان محمد صادقاً، لنحنُ شرٌّ من الحمير فلمَّا انصرف رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إلى المدينة أتاه عامر بن قيس، وأخبره بما قال جلاس، فقال الجلاس: كذب يا رسول الله؛ فأمرهما رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يحلفا عند المنبر؛ فقام الجلاسُ عند المنبر بعد العصر فحلف بالله الذي لا إله إلاَّ هو ما قاله، ولقد كذب عليَّ عامر، فقام عامرٌ فحلف بالله الذي لا إله إلا هو: لقد قاله، وما كذبتُ عليه، ثم رفع عامرٌ يديه إلى السَّماء فقال: اللَّهُمَّ انزلْ على نبيِّكَ تصديق الصادقِ منَّا.
فقال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والمؤمنون: «آمين» ، فنزل جبريل عليه السلام قبل أن يتَفرَّقُوا بهذه الآية، حتى بلغ ﴿فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ﴾ ، فقام الجلاسُ، فقال: يا رسول الله، وأتوب إليه، فقبلَ رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذلك منه، ثم تاب وحَسُنَتْ توبتُه.
وقيل: نزلت في عبد الله بن أبيّ لما قال {يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ}
[المنافقون: 8] . وأراد به الرسول - عليه الصَّلاة والسلام -، فسمع زيدُ بنُ أرقم ذلك وبلغه إلى الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -، فهمَّ عمرُ بقتل عبد الله بن أبيّ، فجاء عبد الله وحلف أنَّهُ لم يقل فنزلت الآية. وقال القاضي: الأولى أن تحمل هذه الآية على ما روي أنَّ المنافقين همُّوا بقتله عند رجوعه من تبوك، وهم خسمة عشر رجلاً تعاهدوا أن يدفعوه عن راحلته إلى الوادي باللَّيل، وكان عمَّار بن ياسر آخذاً بخطام راحلته وحذيفة خلفها يسوقها، فسمع حذيفة وقع أخفاف الإبل، وقعقة السلاح، فالتفت، فإذا قوم متلثمُون. فقال: إليكم يا أعداء الله، فهربوا والظَّاهر أنهم لمَّا اجتمعوا لذلك الغرض، فقد طعنوا في نبوته ونسبوه إلى الكذب في ادِّعاءِ الرسالة، وذلك هو قولهم كلمة الكفر وهذا القول اختيار الزجاج.
فإن قيل: قوله: ﴿وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ﴾ يدلُّ على أنَّهم أسلمُوا من قبل، وهم لم يكونوا مسلمين.
فالجوابُ: أنَّ المراد من الإسلام السلم الذي هو ضد الحرب؛ لأنَّهم لمَّا نافقوا، فقد أظهروا الإسلام، وقوله: ﴿وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ﴾ المراد إطباقهم على الفتك بالرسول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ والله تعالى أخبر الرسول بذلك حتى احترز عنهم، ولم يصلُوا إلى مقصودهم وقال السُّديُّ: «هو قولهم إذا قدمنا المدينة؛ عقدنا على رأس عبد الله بن أبيّ تاجاً فلم يصلوا إليه» .
قوله: ﴿وَمَا نقموا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ الله وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾ .
في الاستثناء وجهان:
أحدهما: أنَّهُ معفول به، أي: وما كرهُوا وعابُوا إلاَّ إغناءَ الله إيَّاهم وهو من باب قولهم: ما لي عندك ذنبٌ إلاَّ أن أحسنت إليك، أي: إن كان ثم ذنبٌ فهو هذا، فهو تهكمٌ بهم؛ كقوله: [الطويل]
2815 - ولا عَيْبَ فينَا غَيْرَ عِرْقٍ لِمَعْشَرٍ ... كرامٍ وأنَّا لا نَخُطُّ على النَّمْلِ
وقول الآخر: [المنسرح]
2816 - مَا نَقمُوا مِنْ بَنِي أمَيَّة إلْ ... لا أنَّهُم يَحْلُمُون إن غضبُوا
وأنَّهُمْ سَادَةُ الملُوك ولا ... يَصْلحُ إلاَّ عليهمُ العربُ والثاني: أنَّهُ مفعولٌ من أجله، وعلى هذا فالمفعولُ به محذوف، تقديره: وما نقموا منهم الإيمان إلاَّ لأجل إغناء الله إيَّاهم. وقد تقدَّم الكلامُ على «نَقِمَ» [الأعراف: 126] .
قيل: إن مولى الجلاس قتل، فأمر له رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بديته اثني عشر ألفاً فاستغنى.
وقال الكلبيُّ: كانوا قبل قدوم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ المدينة في ضنكٍ من العيشِ فلمَّا قدمَ عليهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ استغنوا بالغنائم.
قوله: ﴿فَإِن يَتُوبُواْ﴾ أي: من نفاقهم: ﴿يَكُ خَيْراً لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا﴾ أي: يعرضوا عن التوبة ﴿يُعَذِّبْهُمُ الله عَذَاباً أَلِيماً فِي الدنيا﴾ بالخزي، وفي ﴿الآخرة﴾ بالنَّارِ ﴿وَمَا لَهُمْ﴾ في الأَرض ﴿مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾ أي: أنَّ عذاب الله إذا حق لم ينفعه وليّ ولا نصير.
قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ الله﴾ الآية.
«عاهد الله» فيه معنى القسم، فلذلك أجيب بقوله: «لنصَّدقنَّ» ، وحذف جوابُ الشرط لدلالة هذا الجواب عليه، و «اللاَّم» للتوطئةِ، ولا يمتنع الجمعُ بين القسم واللاَّم الموطئة له.
وقال أبُو البقاءِ: فيه وجهان:
أحدهما: تقديره: «عاهد، فقال: لئِنْ آتَانَا» .
والثاني: أن يكون «عاهد» بمعنى: قال، فإنَّ العهد قول. ولا حاجة إلى هذا.
قوله: ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ﴾ قرأهما الجمهور بالنُّون الثقيلة. والأعمش بالخفيفة.
قال الزجاج الأصل: «لنتَصدَّقنَّ» ، ولكن التَّاء أدغمت في الصَّاد، لقربها منها.
قال الليثُ: المُتصدق: المعطي، والمُتصدق: السائل. قال الأصمعيُّ، والفرَّاءُ: هذا خطأ، فالمتصدق هو المعطي، قال تعالى: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ الله يَجْزِي المتصدقين﴾ [يوسف: 88] واعلم أنَّ هذه السورة نزل أكثرها في شرح أحوال المنافقين؛ فلهذا ذكرهم على التفصيل فقال: ﴿وَمِنْهُمُ الذين يُؤْذُونَ النبي﴾ [التوبة: 62] ﴿وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصدقات﴾ [التوبة: 58] ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي﴾ [التوبة: 49] ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ﴾ [التوبة: 75] .
والمشهور في سبب نزول هذه الآية: ما روى أبو أمامة قال: جاء ثعلبةُ بنُ حاطبٍ الأنصاريُّ إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال: يا رسول الله ادعُ الله أن يرزقني مالاً، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «ويحْكَ يا ثعلبةُ قليلٌ تُؤدِّي شُكرَهُ خيرٌ من كثيرٍ لا تُطِيقهُ» ثمَّ أتاهُ بعد ذلك فقال: «أمّا لكَ في رسول الله أسوةٌ حسنةٌ؟ والذي نفسي بيدهِ لوْ أردتُ أن تسيرَ الجبالُ معي ذهباً وفضةً لسَارَتْ»
ثمَّ راجعه بعد ذلك، فقال: يا رسول الله: ادعُ الله أن يرزقني مالاً، والذي بعثك بالحقِّ لئن رزقني الله مالاً لأعطين كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «اللَّهُمَّ ارزقْ ثعلبةَ مالاً» قال: فاتَّخذ غنماً؛ فنمت كما ينمو الدُّودُ، حتى ضاقَتْ بها المدينةُ فتنحَّى عنها، ونزل وادياً من أوديتها، وكان يصلي مع رسول الله الظهر والعصر، ويصلي في غنمة سائر الصلوات، ثم كثُرتْ ونمتْ، فتباعد حتى كان لا يشهدُ جمعةً ولا جماعة؛ فكان إذا كان يوم الجمعة خرجَ يتلقَّى النَّاس يسألهم عن الأخبار، فذكرهُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذات يوم فقال: «ما فعل ثعلبةُ؟»
قالوا: يا رسول الله؛ اتَّخذَ غنماً ما يسعها وادٍ، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «يا ويْحَ ثَعلبةَ» فأنزل الله تعالى آية الصدقات؛ فبعث رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ رجلاً من بني سليم، ورجلاً من جهينة، وكتب لهما أسنان الصدقة كيف يأخذانها، وقال لهما: «مُرَّا بثعلَبَة بنِ حاطبٍ، وبرجُلٍ من بنِي سليمٍ، فخذا صدقاتهما» فخرجا حتى أتيا ثعلبة؛ فسألاه الصدقة، وأقرآه كتاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فقال: هذه إلاَّ الجزية، ما هذه إلاَّ أخت الجزية، انطلقا حتى تفرغا ثم عودا إليَّ، فانطلقا وسمع بهما السُّلمي، فنظر إلى خيار أسنان إبله فعزلها للصَّدقة، ثم استقبلهما بها، فلمَّا رأياها قالا: ما هذه عليك؛ قال خذاه فإنَّ نفسي بذلك طيبة، فمرَّا على الناس، وأخذَا الصدقات ثم رجعا إلى ثعلبة، فقال: أروني كتابكما؛ فقرأه ثم قال: ما هذه إلا جزية، ما هذه إلاَّ أختُ الجزية، اذهبا حتَّى أرى رأيي، قال فأقبلا، فلما رآهما رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال قبل أن يكلماه: يا ويْحَ ثعلبةَ، ثُمَّ دعا للسلميّ بخيرٍ؛ فأخبراه بالذي صنع ثعلبة؛ فأنزل الله - عزَّ وجلَّ - ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ الله﴾ الآية على قوله: ﴿وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: 77] وعند رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ رجلٌ من أقارب ثعلبةَ؛ فسمع ذلك، فخرج حتَّى أتاهُ فقال: ويْحَكَ يا ثعلبة، قد أنزل الله عزَّ وجلَّ فيك كذا وكذا، فخرج ثعلبة حتى أتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فسأله أن يقبل صدقته، فقال:
«إنَّ الله مَنَعنِي أن أقبلَ مِنْكَ صدقَتكَ» فجعل يَحثُو التُّرابَ على رأسِهِ، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «قد أمرتُك فلمْ تُطِعْنِي» ؛ فرجع إلى منزله، وقبض رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ثم أتى أبا بكر بصدقته؛ فلم يقبلها اقتداء بالرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - فقبض أبو بكر، ثم لم يقبلها عمر اقتداء بأبي بكر، ثمَّ لم يقبلها عثمان، وهلك ثعلبةُ في خلافه عثمان.
وقال ابنُ عباسٍ، وسعيدُ بن جبير، وقتادةُ: أتى ثعلبة مشهداً من الأنصار؛ فأشهدهم لئن آتاني الله من فضله آتيت كلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ، وتصدقت منه، ووصلت منه القرابة، فمات ابن عمٍّ له، فورث منه مالاً، فلم يف بما قال؛ فأنزل الله هذه الآية.
وقال الحسن ومجاهدٌ: نزلت في ثعلبةَ بن حاطبٍ، ومعتب بن قشير، وهما من بني عمرو بن عوف قد جاءا على ملأ قعوداً وقالا: والله لئن رزقنا الله لنصدقنَّ، فلما رزقهما بخلا به. والمشهورُ الأول.
فإن قيل: إنَّ الله أمره بإخراج الصَّدقة؛ فكيف يجوزُ للرسول أن لا يقبلها منه؟ .
فالجواب: لا يبعد أن يقال: إنَّ الله تعالى منع الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - من قبول الصدقة منه إهانة له ليعتبر غيره؛ فلا يمتنع عن أداء الصدقات، أو أنَّه أتى بتلك الصدقة على وجه الرياء، لا على وجه الإخلاص، وأعلم الله الرسول بذلك؛ فلذلك لم يقبل تلك الصدقة، ويحتمل أيضاً أن الله تعالى لما قال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ [التوبة: 103] كان هذا غير حاصل في ثعلبة مع نفاقه؛ فلهذا امتنع الرَّسولُ - عليه الصلاو والسلام - من أخذ تلك الصَّدقةِ.
فإن قيل: المنافق كافرٌ، والكافر لا يمكنه أن يعاهد الله.
فالجواب: أنَّ المنافق قد يكون عارفاً بالله، إلاَّ أنه كان منكراً لنبوةِ محمدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ؛ فلكونه عارفاً بالله يمكنه أن يعاهد الله، ولكونه منكراً لنبوة محمد - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -، كان كافراً.
وكيف لا أقول ذلك وأكثر العالم مقرون بوجود الصانع؟ أو لعله حين عاهد الله كان مسلماً، ثم لمَّا بخل بالمال، ولم يف بالعهدِ صار منافقاً، ولفظ الآية يدلُّ على ذلك لقوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً﴾ [التوبة: 78] .
فإن قيل: هل من شرط المعاهدة أن يتلفظ بها باللسان، أو يكفي النِّيَّة؟ .
فالجواب: قال بعضهم: تكفي النيةُ، وأن قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ الله﴾ [التوبة: 75] كان شيئاً نووه في أنفسهم لقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ الله يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ [التوبة: 78] . وقال المحققون: هذه المعاهدة مقيدة بالتَّلفظ باللسان، لقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «إنَّ الله عفا لأمَّتي ما حدَّثتْ به أنفُسهَا ما لم تتكلَّم به أو تعمل» وأيضاً فقوله ﴿لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ يشعر ظاهره بالقول باللسانِ.
فإن قيل: المراد من الصدقة إخراج المال، وهو على قسمين واجبٌ وغير واجب والواجبُ قسمان: قسم واجبٌ بأصل الشرع كالزَّكاة، والنفقات الواجبةِ.
وقسم لم يجب إلاَّ إذا التزمه العبد كالنذور.
فقوله: «لنصَّدَّقنَّ» هل يتناولُ الأقسام الثلاثة، أو لا؟
فالجوابُ: أنَّ الصَّدقات الَّتي ليست واجبة، غير داخلة في الآية، لقوله: «بخلوا به» والبخل في عرف الشَّرْعِ عبارة عن منع الواجب؛ ولأنَّه تعالى ذمَّهُم بهذا الترك، وتارك المندوب لا يذم.
بقي القسمان الواجبان؛ فالواجب بأصل الشرع داخل في الآية، لا محالة بقي الواجب بالنَّذر، والظَّاهر أن اللفظ لا يدلُّ عليه؛ لأنه ليس في الآية إلاَّ قوله ﴿لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ وهذا ليس فيه إشعارٌ بالنَّذر، لأنَّ الرجل قد يعاهدُ ربَّهُ في أن يقوم بما يلزمه من الزَّكوات والنفقات الواجبة إن وسَّعَ اللهُ عليه.
فإن قيل: لفظ الآية يدلُّ على أنَّ الذي لزمهم إنَّما بسبب هذا الالتزام، والزكاةُ لا تلزم بسبب هذا الالتزام، وإنما تلزمُ بملك النصاب وحلول الحولِ.
فالجوابُ: قوله: «لنصَّدقنَّ» لا يوجبُ أن يفعلوا ذلك على الفور؛ لأنَّهُ إخبار عن إيقاع هذا الفعل في المستقبل، وهذا النذر لا يوجبُ الفور؛ فكأنهم قالوا: لنصدقن في وقته كما قالوا: ﴿وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصالحين﴾ أي: في أوقات لزوم الصَّلاة؛ فثبت بما قرَّرْنَا أنَّ الدَّاخل تحت هذا العهد، إخراج الأموال الواجبة بأصل الشَّرع، ويؤكد هذا ما روي في سببن النُّزولِ أنَّ الآية إنَّما نزلت في حق من امتنع من أداة الزَّكاةِ.
فصل
المرادُ من «الفضل» ههنا: إيتاء المالِ بأي طريق كان، إمَّا بتجارة، أو غنيمةٍ أو غير ذلك. والمرادُ ب «الصَّالحينَ» : الصالح ضد المفسد، والمفسد عبارة عمَّن بخل بما يلزمه في التكليف، فالصَّالح: من يعملُ بعمل أهل الصَّلاحِ من صلة الرَّحمِ والنَّفقةِ في الخير، ونحو ذلك.
ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّآ آتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ .
قال الليثُ: يقال: أعقب فلاناً ندامةٌ، إذا صيرت عاقبة أمره ذلك، قال الهذليُّ: [الكامل]
2817 - أودى بنيَّ وأعقبُوني حَسْرَةً ... بَعْد الرُّقادِ وعبْرَةٌ لا تُقْلِعُ ويقال: أكل فلانٌ أكلةً فأعقبتهُ سُقْماً، وأعقبه الله خيراً، والمعنى: أخلفهم في قلوبهم أي: صير عاقبة أمورهم النفاق، عاقبهم بنفاق في قلوبهم، يقال: عاقبته وأعقبته بمعنى.
فصل
«فأعقبهم» فعل، ولا بد من إسناده إلى شيء تقدَّم ذكره، والذي تقدَّم ذكره هو الله تعالى، والمعاهدة والتصدق والصلاح والبخل والتولي والإعراض، ولا يجوزُ إسناد إعقاب النفاق إلى المعاهدة أو التَّصدق أو الصلاح، لأنَّ هذه الثلاثة أعمال الخير؛ فلا يجوز جعلها مؤثرة في حصول النفاق في القلب؛ لأنَّ النفاقَ عبارة عن الكُفْرِ، وهو جهل وترك بعض الواجب لا يكون مؤثراً في حصول الجهلِ في القلب؛ لأنَّ ترك الواجب عدمٌ، والجهل وجود، والعدم لا يكون مؤثراً في الوجود؛ لأنَّ البخل والتولي والإعراض، قد يوجدُ في كثير من الفُسَّاقِ، مع أنَّهُ لا يحصلُ معه النفاق؛ ولأنَّ هذا الترك لو أوجب حصول الكفرِ في القلب لأوجبه، سواء كان هذا الترك جائزاً شرعاً أو محرماً شرعاً؛ لأنَّ سبب اختلاف الأحكام الشرعية لا يخرج المؤثر عن كونه مؤثراً؛ ولأنه تعالى قال: ﴿بِمَآ أَخْلَفُواْ الله مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: 77] فلو كان فعل الإعقاب مسنداً إلى البخل، والتولي، والإعراض لصار تقدير الآية: فأعقبهم ببخلهم وتوليهم وإعراضهم نفاقاً في قلوبهم بما أخلفُوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون، وذلك لا يجوز؛ لأنَّه فرق بين التَّولي وحصول النفاق في القلب بسبب التولي، ومعلومٌ أنه كلام باطل؛ فثبت بهذه الوجوه أنَّهُ لا يجوز إسناد الإعقاب إلى شيء من الأشياءِ المتقدم ذكرها إلاَّ إلى الله تعالى؛ فوجب إسناده إليه؛ فصار المعنى: أنَّ الله تعالى هو الذي يعقب النفاق في قلوبهم، وذلك يدلُّ على أنَّ خالق الكفر في القلوب هو الله تعالى، وهذا هو الذي قاله الزجاجُ، إنَّ معناه: أنَّهُم لمَّا ضلُّوا في الماضي فهو تعالى أضلَّهُم عن الدِّين في المستقبل، ويؤكدُ ذلك قوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ فالضميرُ في قوله: «يَلقَوْنَهُ» عائد إلى الله تعالى فكان الأولى أن يكون قوله: «فأعْقَبَهُمْ» مسنداً إلى اللهِ تعالى.
قال القاضي «المرادُ من قوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي: فأعقبهم العقوبة على النفاق وتلك العقوبة هي: حدوث الغم في قلوبهم وضيق الصدر وما ينالهم من الذُّل والذنب ويدوم بهم ذلك إلى الآخرة» .
وهذا بعيدٌ؛ لأنه عدولٌ عن الظَّاهر من غير دليل فإن ذكروا دليلاً عقلياً، قوبلوا بدليل عقلي. والله أعلم.
فصل
ظاهرُ الآية يدلُّ على أنَّ نقض العهد، وخلف الوعد، يورثُ النِّفاقَ، فيجب على المسلم الاحتراز عن ذلك، ويجتهد في الوفاءِ. ومذهب الحسنِ البصري: أنَّه يوجب النفاق لا محالة لهذه الآية، ولقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «ثلاثٌ من كُنَّ فيه كان مُنافقاً وإن صلَّى وصامَ وزعمَ أنَّهُ مؤمنٌ، إذا حدَّث كذبَ، وإذا وعدَ أخلفَ، وإذا ائْتُمِنَ خَانَ» .
ونقل أن واصل بن عطاء قال: أتى الحسن رجلٌ فقال له: إن أولاد يعقوب حدَّثُوه في قولهم ﴿فَأَكَلَهُ الذئب﴾ [يوسف: 17] فكذبوهُ، ووعدوه في قولهم: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [يوسف: 12] فأخلفوه، وائتمنهم أبوهم على يوسف فخانوه، فهل نحكمُ بكونهم منافقين؟ قيل: فتوقف الحسن في مذهبه.
وفسَّر عمر بن عبيد الحديث فقال «إذا حدَّث عن الله كذب عليه، وعلى دينه، وعلى رسوله وإذا وعد أخلف كما ذكر الله فيمن عاهد الله، وإذا ائتمن على دين الله خان في السرِّ فكان قلبه على خلاف لسانه» .
قوله: ﴿إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ قال الجبائيُّ «تمسَّكُوا في إثبات رُؤية الله بقوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ﴾ [الأحزاب: 44] قال: واللقاء ليس عبارة عن الرؤية، بدليل قوله في صفة المنافقين ﴿إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ وأجمعوا على أنَّ الكفَّار لا يرونه؛ فدلَّ على أنَّ اللقاء ليس عبارة عن الرؤية.
ويؤيدُه قوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ» من حلفَ على يمينٍ كاذبةٍ ليقتطع بهَا حق امرئ مُسلمٍ لقيَ الله وهُو عليه غَضبَانُ «وأجمعوا على أنَّ المراد من اللقاء ههنا: لقاء ما عند الله من العقاب فكذا ههنا» .
قال ابن الخطيب «وهذا دليلٌ ضعيفٌ؛ لأنَّا إذا تركنا حمل لفظ اللقاء على الرُّؤيةِ في هذه الآية، وفي الخبر لدليل منفصل؛ فلا يلزمنا ذلك في سائر الصُّور، كما إذا أدخلنا التَّخصيصَ في بعض العمومات لدليل منفصل؛ فلا يلزمنا أن نُخَصّصَ جميع العمومات من غير دليل فكما لا يلزمنا هذا لا يلزمنا ذلك» .
قوله: ﴿بِمَآ أَخْلَفُواْ الله مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾ أي: أنَّ الله أعقبهم ذلك النِّفاق في قلوبهم لأجل إخلافهم الوعد، وعلى كذبهم. وقرأ الجمهور «يَكْذبُونَ» مخففاً، وأبو رجاء مثقلاً.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ الله يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ الآية.
قرأ الجمهور «يَعْلمُوا» بالياء من تحت. وقرأ عليُّ بن أبي طالبٍ، والحسنُ، والسلمي بالخطاب، التفاتاً للمؤمنين دون المنافقين والسِّر: ما ينطوي عليه صدورهم والنَّجْوَى: ما يفاوضُ فيه بعضهم بعضاً فيما بينهم، مأخوذ من «النَّجْوِ» وهو الكلام الخفي كأنَّ المتناجين منعا إدخال غيرهما معهما، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: 52] وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا استيأسوا مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيّاً﴾ [يوسف: 80] وقوله: ﴿فَلاَ تَتَنَاجَوْاْ بالإثم والعدوان وَمَعْصِيَةِ الرسول وَتَنَاجَوْاْ بالبر والتقوى﴾
[المجادلة: 9] ، والمعنى: أنَّ الله تعالى يعلم سرهم ونجواهم فكيف يتجرَّءون على النفاق الذي الأصل فيه الاستسرار والتَّناجي فيما بينهم، مع علمهم بأنَّهُ تعالى يعلم ذلك من حالهم، كما يعلم الظَّاهر، وأنَّهُ يعاقب عليه كما يعاقب على الظَّاهر.
قال: ﴿وَأَنَّ الله عَلاَّمُ الغيوب﴾ والعَلاَّمُ: مبالغة في العالم، والغيب: ما كان غَائِباً عن الخلق.
قوله تعالى: ﴿الذين يَلْمِزُونَ المطوعين مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ الآية.
في «الذين يَلْمِزُونَ» أوجه:
أحدها: أنه مرفوعٌ على إضمار مبتدأ، أي: هم الذين.
الثاني: أّنَّه في محل رفع بالابتداء، و «مِنَ الُمؤمنينَ» حالٌ من «المطَّوِّعين» .
و «في الصَّدقاتِ» متعلق ب «يَلْمِزُونَ» ، و «الَّذشينَ لا يَجِدُونَ» نسقٌ «المُطَّوِّعينَ» أي: يَعيبُونَ المياسير، والفقراء. وقال مكيٌّ: «والَّذينَ» خفضٌ، عطفاً على «المُؤمنينَ» ولا يَحْسُن عطفهُ على «المُطَّوِّعين» ؛ لأنه لمْ يتمَّ اسماً يعد؛ لأنَّ «فَيَسْخَرُونَ» عطف على «يَلْمِزُونَ» هكذا ذكره النَّحاسُ في الإعراب له، وهو عندي وهمٌ منه.
قال شهابُ الدِّين: «والأمر فيه كما ذكر، فإنَّ» المُطَّوِّعينَ «قد تمَّ من غير احتياجٍ لغيره» .
وقوله: «فَيَسْخرُونَ» نسقٌ على الصِّلةِ، وخبر المبتدأ: الجملةُ من قوله «سَخِرَ اللهُ منهُمْ» هذا أظهرُ إعراب قيل هنا.
وقيل: «والَّذينَ لا يَجِدُونَ» نسقٌ على «الَّذِينَ يَلْمِزُونَ» ، ذكره أبُو البقاءِ وهذا لا يجُوزُ؛ لأنَّهُ يلزمُ الإخبارُ عنهم بقوله: ﴿سَخِرَ الله مِنْهُمْ﴾ ، وهذا لا يكون، إلاَّ بأنْ كان «الَّذِينَ لا يَجِدُون» مُنافقينَ، وأمَّا إذَا كانُوا مؤمنين، كيف يسخرُ الله منهم؟ . وقيل: «والَّذِينَ لا يَجِدُونَ» نسقٌ على «المُؤمنينَ» ، قاله أبُو البقاءِ.
قال أبُو حيَّان: «وهُو بعيدٌ جدّاً» . ووجهُ بعده: أنَّه يفهمُ أنَّ «الَّذِينَ لا يجدُونَ» ليسوا مؤمنين؛ لأن أصل العطف الدلالةُ على المُغايرةِ، فكأنَّنهُ قيل: يَلْمِزُونَ المطَّوِّعينَ من هذين الصنفين: المؤمنين، والذين لا يجدُونَح فيكون «الَّذِينَ لا يجدون» مطَّوِّعين غير مؤمنين.
وقال أبُو البقاءِ: «فِي الصَّدقاتِ» متعلقٌ ب «يَلمِزُونَ» ، ولا يتعلَّق ب «المُطَّوِّعينَ» لئلاَّ يفصل بينهما بأجنبي. وهذا فيه نظر؛ إذ قوله «مِنَ المؤمنينَ» حال، والحالُ ليست بأجنبيّ، وإنَّما يظهر في ردِّ ذلك أن «يطَّوَّع» إنَّما يتعدى بالياءِ، لا ب «في» وكون «في» بمعنى «الباء» خلاف الأصل. وقيل: «فَيَسْخَرُونَ» خبرُ المبتدأ ودخلتِ الفاءُ، لمَا تضمَّنهُ المبتدأ من معنى الشرط، وفي هذا الوجه بُعدٌ من حيثُ إنَّه يقرُب من كون الخبر في معنى المبتدأ فإنَّ من عاب إنساناً وغمزهُ علم أنَّهُ يسخرُ منه فيكون كقولهم: «سَيِّدُ الجاريةِ مالِكُهَا» .
الثالث: أن يكون محلُّه نصباً على الاشتغال، بإضمار فعل يُفسِّره «سَخِرَ اللهُ منهُم» من طريق المعنى، نحو: عاب الذين يلمزُون، سخر الله منهم.
الرابع: أنْ ينصب على الشتم.
الخامس: أن يكون مجروراً بدلاً من الضمير في «سِرَّهُم ونجْواهُمْ» .
وقرئ «يلْمُزون» بضم الميم، وقد تقدَّم أنَّها لغة، وقرأ الجمهور «جُهْدَهم» بضمِّ الجيمِ.
وقرأ ابنُ هرمز وجماعة «جَهْدهم» بالفتح. فقيل: لغتان بمعنى واحد. وقيل المفتوحُ المشقَّةُ والمضمومُ: الطَّاقةُ، قالهُ القتيبيُّ، وقيل: المضمومُ شيءٌ قيلٌ يعاشُ به والمفتوحُ: العملُ.
وقوله: ﴿سَخِرَ الله مِنْهُمْ﴾ يحتملُ أن يكون خبراً محضاً، وأن يكون دعاءً.
فصل
اعلم أنَّ هذا نوع آخر من أعمالهم القبيحة، وهو لمزهم من يأتي بالصَّدقاتِ.
قال المفسِّرون: حثَّ رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على الصَّدقةِ؛ فجاء عبدُ الرحمن بنُ عوفٍ بأربعة آلافِ درهم، فقال: يا رسول الله، مالي ثمانية آلاف درهم، جئتك بأربعة آلاف فاجعلها في سبيل الله، وأمسكتُ أربعة آلاف لعيالي.
فقال رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «بَارَكَ اللهُ لَكَ فِيمَا أعْطيْتَ، وفيمَا أمْسَكْتَ» فبارك اللهُ في مال عبد الرحمن، حتَّى إنَّهُ خلف امرأتين يوم أن مات؛ فبلغ ثمنُ ماله لهما مائة وستون ألفاً وتصدق يومئذ عاصمُ بن عدي العجلاني بمائة وسْقٍ من تمر.
وجاء أبُو عقيلٍ الأنصاري واسمه الحبحاب، بصاعٍ من تمرٍ، وقال: يا رسُول الله بتُّ ليلتي أجر بالجرير حتى نلتُ صاعين من تمرٍ؛ فأمسكتُ أحدهما لعيالي، وجئتُ بالآخر؛ فأمره رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن ينثره على الصَّدقاتِ؛ فلمزهم المنافقُون، وقالوا: ما أعطى عبد الرحمن وعاصم إلاَّ رياءً، وإن كان الله ورسوله لغنيين عن صاع أبي عقيل ولكنَّهُ أحب أن يزكي نفسه ليعطى من الصَّدقات؛ فأنزل الله تعالى: «الَّذِينَ يلْمِزُون» أي: يعيبون المطوعين المتبرعين من المؤمنين في الصدقات، يعني: عبد الرحمن بن عوف وعاصماً، ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ﴾ أي: طاقتهم.
والجُهْدُ: شيء قليلٌ يعيش به المقلُّ، والجهد بالفتح، والجُهْد بالضمِّ بمعنى واحد يعني: أبا عقيل: «فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ» يستهزئون منهم، ﴿سَخِرَ الله مِنْهُمْ﴾ أي: جازاهم على السخرية، وقال الأصمُّ: المرادُ أنه تعالى قبل من هؤلاء المنافقين ما أظهروهُ من أعمال البرِّ مع أنَّهُ لا يثيبهم عليها؛ فكان ذلك كالسخرية، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ .
قوله تعالى: ﴿استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية.
قال ابنُ عبَّاسٍ: إنَّ عند نزول الآية في المنافقين، قالوا: يا رسول الله، استغفر لنا، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «سأسْتغفرُ لَكُمْ» ؛ فنزل قوله تعالى: ﴿استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ قد تقدَّم الكلام على هذا عند قوله: ﴿قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ﴾ [التوبة: 53] ؛ وأنَّهُ نظيرُ قوله: [الطويل]
2818 - أسِيئِي بِنَا أوْ أحْسِني لا مُسِيئةٌ ... لدَينَا ولا مقليَّةٌ إنْ تقَلَّتِ
التوبة 9:80
قوله: ﴿وَعَدَ الله الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [التوبة: 72] .
والأقرب أنه تعالى أراد بها البساتين التي تبنى فيها المناظر؛ لأنَّهُ تعالى قال بعده ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ والمعطوفُ يجبُ أن يكون مغايراً للمعطوف عليه فتكون مساكنهم في جنَّات عدنٍ ومناظرهم التي هي البساتين، وتكون فائدة وصفها بأنَّها عدنٌ، أنَّها تجري مجرى دار السَّكن والإقامة.
وقوله: «خَالِدِينَ» حالٌ مقدَّرة، كما تقدَّم. وقوله: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾ أي: منازل طيبة ﴿فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ أي: خلد وإقامة، وفي «عدن» قولان:
أحدهما: أنَّهُ اسم على لموضع معين في الجنَّةِ.
قال عبدُ الله بنُ عمرو «إنَّ في الجنَّة قصراً يقال له عدنٌ، حوله البروج وله خمسة آلاف باب على كلِّ باب خمسة ألاف حرة، لا يدخله إلاَّ نبيٌّ، أو صديقٌ أو شهيدٌ» .
قال الزمخشريُّ: و «عدن» علم بدليل قوله ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ التي وَعَدَ الرحمن عِبَادَهُ﴾ [مريم: 61] .
والقول الثاني: أنه صفة للجنة. قال الأزهريُّ: «العَدْنُ» مأخوذ من قولك: عَدَنَ بالمكان إذا أقام به، يَعْدِنث عُدوناً. وتقول: تركت إبل بني فلان عوادن بمكان كذا، وهو أن تلزم الإبل المكان فتألفه، ومنه المعدن، لمُسْتقرِّ الجواهر. يقال: عدن عُدُوناً، فله مصدران. هذا أصلُ هذه اللفظة لغة. وذكر المفسِّرون لها معان كثيرة وقال الأعشى في معنى الإقامة [المتقارب]
2814 - وإنْ يَسْتَضِيفُوا إلى حِلْمِهِ ... يُضَافُوا إلى رَاجِحٍ قَدْ عَدَنْ أي: ثَبَتَ واستقرَّ. ومنه «عدن» لمدينة باليمن، لكثرة المقيمين بها.
قوله: ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ الله أَكْبَرُ﴾ التَّنكيرُ يفيدُ التقليل، أي: أقلُّ شيء من الرضوان أكبر من جميع ما تقدَّم من الجنَّات ومساكنها.
ثم قال: ﴿ذلك هُوَ الفوز العظيم﴾ أي: هذا هو الفوزُ العظيمُ، لا ما يطلبه المنافقون والكفار من التنعم بطيبات الدنيا. روى أبو سعيدٍ الخدريُّ أنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ لأهل الجنَّة: يا أهل الجنة هل رضيتم؟ فيقولون: ربنا ومالنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك، فيقول ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: ربنا أي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول:» أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً» .
قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي جَاهِدِ الكفار والمنافقين﴾ الآية.
لمَّا وصف المنافقين بالصِّفات الخبيثةِ، وتوعدهم بأنواع العقاب، ثمَّ ذكر المؤمنين بالصفات الحسنة، ووعدهم بالثَّوابِ، عاد إلى شرح أحوال الكُفَّارِ والمنافقين في هذه الآية.
فإن قيل: مجاهدة المنافقينَ غيرُ جائزة، فإنَّ المنافق يستر كفره وينكره بلسانه.
فالجوابُ من وجوه:
أحدها: قال الضحاكُ: مجاهدة المنافق: تغليظُ القول، وهذا بعيدٌ؛ لأنَّ ظاهر قوله ﴿جَاهِدِ الكفار والمنافقين﴾ يقتضي الأمر بجهادهما معاً، وكذا ظاهر قوله: ﴿واغلظ عَلَيْهِمْ﴾ راجع إلى الفريقين.
وثانيها: أنَّ الجهاد عبارة عن بذل الجهد وليس في اللفظ ما يدلُّ على أنَّ الجهاد بالسَّيف أو باللِّسانِ أو بطريق آخر. فقال ابن مسعودٍ: بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لَمْ يَسْتَطعْ فبقَلبِهِ. وقال: لا يلقى المنافق إلاَّ بوجه مكفهر. وقال ابنُ عبَّاسٍ: باللِّسانِ وترك الرفق.
وثالثها: قال الحسنُ وقتادةُ: بإقامةِ الحدودِ عليهم قال القاضي: وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ إقامة الحدود واجبةٌ على من ليس بمُنافقٍ.
قوله: ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ قال أبُو البقاءِ: إن قيل كيف حسنتِ الواوُ هنا والفاء أشبه بهذا الموضع؟ ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنَّ الواو واو الحالِ والتقدير: افعل ذلك في حال استحقاقهم جهنَّم، وتلك الحال حال كفرهم ونفاقهم.
والثاني: أنَّ الواو جيء بها تنبيهاً على إرادة فعل محذوف، تقديره: واعلمْ أنَّ مأواهم جهنم.
الثالث: أنَّ الكلام حمل على المعنى والمعنى أنَّه قد اجتمع لهم عذابُ الدُّنيا بالجهاد والغلظة، وعذابُ الآخرة بجعل جهنَّم مأواهم. ولا حاجة إلى هذا كُلِّه، بل هي جملةُ استثنافية.
قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بالله مَا قَالُواْ﴾ الآية.
قال ابنُ عبَّاسٍ: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ جالساً في ظلِّ شجرةٍ، فقال: «إنهُ سيَأتِيكُمْ إنْسانٌ ينْظرُ إليْكُمْ بعيْنِ الشَّيطانِ، فإذا جَاءَ فلا تُكَلِّمُوهُ» فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق، فدعاه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فقال: «عَلامَ تَشْتمُنِي أنْتَ وأصْحَابُكَ» فانطلق الرَّجُل؛ فجاء بأصحابه، فحلفُوا بالله ما قالوا، فأنزل الله عَزَّ وَجَلَّ الآية.
وقال الكلبيُّ: نزلت في جلاس بن سويدٍ، وذلك أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ خطب ذات يوم بتبوك، فذكر المنافقين، فسمَّاهم رجْساً وعابهم، فقال جلاسٌ: لئن كان محمد صادقاً، لنحنُ شرٌّ من الحمير فلمَّا انصرف رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إلى المدينة أتاه عامر بن قيس، وأخبره بما قال جلاس، فقال الجلاس: كذب يا رسول الله؛ فأمرهما رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يحلفا عند المنبر؛ فقام الجلاسُ عند المنبر بعد العصر فحلف بالله الذي لا إله إلاَّ هو ما قاله، ولقد كذب عليَّ عامر، فقام عامرٌ فحلف بالله الذي لا إله إلا هو: لقد قاله، وما كذبتُ عليه، ثم رفع عامرٌ يديه إلى السَّماء فقال: اللَّهُمَّ انزلْ على نبيِّكَ تصديق الصادقِ منَّا.
فقال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والمؤمنون: «آمين» ، فنزل جبريل عليه السلام قبل أن يتَفرَّقُوا بهذه الآية، حتى بلغ ﴿فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ﴾ ، فقام الجلاسُ، فقال: يا رسول الله، وأتوب إليه، فقبلَ رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذلك منه، ثم تاب وحَسُنَتْ توبتُه.
وقيل: نزلت في عبد الله بن أبيّ لما قال {يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ}
[المنافقون: 8] . وأراد به الرسول - عليه الصَّلاة والسلام -، فسمع زيدُ بنُ أرقم ذلك وبلغه إلى الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -، فهمَّ عمرُ بقتل عبد الله بن أبيّ، فجاء عبد الله وحلف أنَّهُ لم يقل فنزلت الآية. وقال القاضي: الأولى أن تحمل هذه الآية على ما روي أنَّ المنافقين همُّوا بقتله عند رجوعه من تبوك، وهم خسمة عشر رجلاً تعاهدوا أن يدفعوه عن راحلته إلى الوادي باللَّيل، وكان عمَّار بن ياسر آخذاً بخطام راحلته وحذيفة خلفها يسوقها، فسمع حذيفة وقع أخفاف الإبل، وقعقة السلاح، فالتفت، فإذا قوم متلثمُون. فقال: إليكم يا أعداء الله، فهربوا والظَّاهر أنهم لمَّا اجتمعوا لذلك الغرض، فقد طعنوا في نبوته ونسبوه إلى الكذب في ادِّعاءِ الرسالة، وذلك هو قولهم كلمة الكفر وهذا القول اختيار الزجاج.
فإن قيل: قوله: ﴿وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ﴾ يدلُّ على أنَّهم أسلمُوا من قبل، وهم لم يكونوا مسلمين.
فالجوابُ: أنَّ المراد من الإسلام السلم الذي هو ضد الحرب؛ لأنَّهم لمَّا نافقوا، فقد أظهروا الإسلام، وقوله: ﴿وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ﴾ المراد إطباقهم على الفتك بالرسول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ والله تعالى أخبر الرسول بذلك حتى احترز عنهم، ولم يصلُوا إلى مقصودهم وقال السُّديُّ: «هو قولهم إذا قدمنا المدينة؛ عقدنا على رأس عبد الله بن أبيّ تاجاً فلم يصلوا إليه» .
قوله: ﴿وَمَا نقموا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ الله وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾ .
في الاستثناء وجهان:
أحدهما: أنَّهُ معفول به، أي: وما كرهُوا وعابُوا إلاَّ إغناءَ الله إيَّاهم وهو من باب قولهم: ما لي عندك ذنبٌ إلاَّ أن أحسنت إليك، أي: إن كان ثم ذنبٌ فهو هذا، فهو تهكمٌ بهم؛ كقوله: [الطويل]
2815 - ولا عَيْبَ فينَا غَيْرَ عِرْقٍ لِمَعْشَرٍ ... كرامٍ وأنَّا لا نَخُطُّ على النَّمْلِ
وقول الآخر: [المنسرح]
2816 - مَا نَقمُوا مِنْ بَنِي أمَيَّة إلْ ... لا أنَّهُم يَحْلُمُون إن غضبُوا
وأنَّهُمْ سَادَةُ الملُوك ولا ... يَصْلحُ إلاَّ عليهمُ العربُ والثاني: أنَّهُ مفعولٌ من أجله، وعلى هذا فالمفعولُ به محذوف، تقديره: وما نقموا منهم الإيمان إلاَّ لأجل إغناء الله إيَّاهم. وقد تقدَّم الكلامُ على «نَقِمَ» [الأعراف: 126] .
قيل: إن مولى الجلاس قتل، فأمر له رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بديته اثني عشر ألفاً فاستغنى.
وقال الكلبيُّ: كانوا قبل قدوم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ المدينة في ضنكٍ من العيشِ فلمَّا قدمَ عليهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ استغنوا بالغنائم.
قوله: ﴿فَإِن يَتُوبُواْ﴾ أي: من نفاقهم: ﴿يَكُ خَيْراً لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا﴾ أي: يعرضوا عن التوبة ﴿يُعَذِّبْهُمُ الله عَذَاباً أَلِيماً فِي الدنيا﴾ بالخزي، وفي ﴿الآخرة﴾ بالنَّارِ ﴿وَمَا لَهُمْ﴾ في الأَرض ﴿مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾ أي: أنَّ عذاب الله إذا حق لم ينفعه وليّ ولا نصير.
قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ الله﴾ الآية.
«عاهد الله» فيه معنى القسم، فلذلك أجيب بقوله: «لنصَّدقنَّ» ، وحذف جوابُ الشرط لدلالة هذا الجواب عليه، و «اللاَّم» للتوطئةِ، ولا يمتنع الجمعُ بين القسم واللاَّم الموطئة له.
وقال أبُو البقاءِ: فيه وجهان:
أحدهما: تقديره: «عاهد، فقال: لئِنْ آتَانَا» .
والثاني: أن يكون «عاهد» بمعنى: قال، فإنَّ العهد قول. ولا حاجة إلى هذا.
قوله: ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ﴾ قرأهما الجمهور بالنُّون الثقيلة. والأعمش بالخفيفة.
قال الزجاج الأصل: «لنتَصدَّقنَّ» ، ولكن التَّاء أدغمت في الصَّاد، لقربها منها.
قال الليثُ: المُتصدق: المعطي، والمُتصدق: السائل. قال الأصمعيُّ، والفرَّاءُ: هذا خطأ، فالمتصدق هو المعطي، قال تعالى: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ الله يَجْزِي المتصدقين﴾ [يوسف: 88] واعلم أنَّ هذه السورة نزل أكثرها في شرح أحوال المنافقين؛ فلهذا ذكرهم على التفصيل فقال: ﴿وَمِنْهُمُ الذين يُؤْذُونَ النبي﴾ [التوبة: 62] ﴿وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصدقات﴾ [التوبة: 58] ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي﴾ [التوبة: 49] ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ﴾ [التوبة: 75] .
والمشهور في سبب نزول هذه الآية: ما روى أبو أمامة قال: جاء ثعلبةُ بنُ حاطبٍ الأنصاريُّ إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال: يا رسول الله ادعُ الله أن يرزقني مالاً، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «ويحْكَ يا ثعلبةُ قليلٌ تُؤدِّي شُكرَهُ خيرٌ من كثيرٍ لا تُطِيقهُ» ثمَّ أتاهُ بعد ذلك فقال: «أمّا لكَ في رسول الله أسوةٌ حسنةٌ؟ والذي نفسي بيدهِ لوْ أردتُ أن تسيرَ الجبالُ معي ذهباً وفضةً لسَارَتْ»
ثمَّ راجعه بعد ذلك، فقال: يا رسول الله: ادعُ الله أن يرزقني مالاً، والذي بعثك بالحقِّ لئن رزقني الله مالاً لأعطين كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «اللَّهُمَّ ارزقْ ثعلبةَ مالاً» قال: فاتَّخذ غنماً؛ فنمت كما ينمو الدُّودُ، حتى ضاقَتْ بها المدينةُ فتنحَّى عنها، ونزل وادياً من أوديتها، وكان يصلي مع رسول الله الظهر والعصر، ويصلي في غنمة سائر الصلوات، ثم كثُرتْ ونمتْ، فتباعد حتى كان لا يشهدُ جمعةً ولا جماعة؛ فكان إذا كان يوم الجمعة خرجَ يتلقَّى النَّاس يسألهم عن الأخبار، فذكرهُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذات يوم فقال: «ما فعل ثعلبةُ؟»
قالوا: يا رسول الله؛ اتَّخذَ غنماً ما يسعها وادٍ، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «يا ويْحَ ثَعلبةَ» فأنزل الله تعالى آية الصدقات؛ فبعث رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ رجلاً من بني سليم، ورجلاً من جهينة، وكتب لهما أسنان الصدقة كيف يأخذانها، وقال لهما: «مُرَّا بثعلَبَة بنِ حاطبٍ، وبرجُلٍ من بنِي سليمٍ، فخذا صدقاتهما» فخرجا حتى أتيا ثعلبة؛ فسألاه الصدقة، وأقرآه كتاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فقال: هذه إلاَّ الجزية، ما هذه إلاَّ أخت الجزية، انطلقا حتى تفرغا ثم عودا إليَّ، فانطلقا وسمع بهما السُّلمي، فنظر إلى خيار أسنان إبله فعزلها للصَّدقة، ثم استقبلهما بها، فلمَّا رأياها قالا: ما هذه عليك؛ قال خذاه فإنَّ نفسي بذلك طيبة، فمرَّا على الناس، وأخذَا الصدقات ثم رجعا إلى ثعلبة، فقال: أروني كتابكما؛ فقرأه ثم قال: ما هذه إلا جزية، ما هذه إلاَّ أختُ الجزية، اذهبا حتَّى أرى رأيي، قال فأقبلا، فلما رآهما رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال قبل أن يكلماه: يا ويْحَ ثعلبةَ، ثُمَّ دعا للسلميّ بخيرٍ؛ فأخبراه بالذي صنع ثعلبة؛ فأنزل الله - عزَّ وجلَّ - ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ الله﴾ الآية على قوله: ﴿وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: 77] وعند رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ رجلٌ من أقارب ثعلبةَ؛ فسمع ذلك، فخرج حتَّى أتاهُ فقال: ويْحَكَ يا ثعلبة، قد أنزل الله عزَّ وجلَّ فيك كذا وكذا، فخرج ثعلبة حتى أتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فسأله أن يقبل صدقته، فقال:
«إنَّ الله مَنَعنِي أن أقبلَ مِنْكَ صدقَتكَ» فجعل يَحثُو التُّرابَ على رأسِهِ، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «قد أمرتُك فلمْ تُطِعْنِي» ؛ فرجع إلى منزله، وقبض رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ثم أتى أبا بكر بصدقته؛ فلم يقبلها اقتداء بالرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - فقبض أبو بكر، ثم لم يقبلها عمر اقتداء بأبي بكر، ثمَّ لم يقبلها عثمان، وهلك ثعلبةُ في خلافه عثمان.
وقال ابنُ عباسٍ، وسعيدُ بن جبير، وقتادةُ: أتى ثعلبة مشهداً من الأنصار؛ فأشهدهم لئن آتاني الله من فضله آتيت كلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ، وتصدقت منه، ووصلت منه القرابة، فمات ابن عمٍّ له، فورث منه مالاً، فلم يف بما قال؛ فأنزل الله هذه الآية.
وقال الحسن ومجاهدٌ: نزلت في ثعلبةَ بن حاطبٍ، ومعتب بن قشير، وهما من بني عمرو بن عوف قد جاءا على ملأ قعوداً وقالا: والله لئن رزقنا الله لنصدقنَّ، فلما رزقهما بخلا به. والمشهورُ الأول.
فإن قيل: إنَّ الله أمره بإخراج الصَّدقة؛ فكيف يجوزُ للرسول أن لا يقبلها منه؟ .
فالجواب: لا يبعد أن يقال: إنَّ الله تعالى منع الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - من قبول الصدقة منه إهانة له ليعتبر غيره؛ فلا يمتنع عن أداء الصدقات، أو أنَّه أتى بتلك الصدقة على وجه الرياء، لا على وجه الإخلاص، وأعلم الله الرسول بذلك؛ فلذلك لم يقبل تلك الصدقة، ويحتمل أيضاً أن الله تعالى لما قال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ [التوبة: 103] كان هذا غير حاصل في ثعلبة مع نفاقه؛ فلهذا امتنع الرَّسولُ - عليه الصلاو والسلام - من أخذ تلك الصَّدقةِ.
فإن قيل: المنافق كافرٌ، والكافر لا يمكنه أن يعاهد الله.
فالجواب: أنَّ المنافق قد يكون عارفاً بالله، إلاَّ أنه كان منكراً لنبوةِ محمدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ؛ فلكونه عارفاً بالله يمكنه أن يعاهد الله، ولكونه منكراً لنبوة محمد - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -، كان كافراً.
وكيف لا أقول ذلك وأكثر العالم مقرون بوجود الصانع؟ أو لعله حين عاهد الله كان مسلماً، ثم لمَّا بخل بالمال، ولم يف بالعهدِ صار منافقاً، ولفظ الآية يدلُّ على ذلك لقوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً﴾ [التوبة: 78] .
فإن قيل: هل من شرط المعاهدة أن يتلفظ بها باللسان، أو يكفي النِّيَّة؟ .
فالجواب: قال بعضهم: تكفي النيةُ، وأن قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ الله﴾ [التوبة: 75] كان شيئاً نووه في أنفسهم لقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ الله يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ [التوبة: 78] . وقال المحققون: هذه المعاهدة مقيدة بالتَّلفظ باللسان، لقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «إنَّ الله عفا لأمَّتي ما حدَّثتْ به أنفُسهَا ما لم تتكلَّم به أو تعمل» وأيضاً فقوله ﴿لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ يشعر ظاهره بالقول باللسانِ.
فإن قيل: المراد من الصدقة إخراج المال، وهو على قسمين واجبٌ وغير واجب والواجبُ قسمان: قسم واجبٌ بأصل الشرع كالزَّكاة، والنفقات الواجبةِ.
وقسم لم يجب إلاَّ إذا التزمه العبد كالنذور.
فقوله: «لنصَّدَّقنَّ» هل يتناولُ الأقسام الثلاثة، أو لا؟
فالجوابُ: أنَّ الصَّدقات الَّتي ليست واجبة، غير داخلة في الآية، لقوله: «بخلوا به» والبخل في عرف الشَّرْعِ عبارة عن منع الواجب؛ ولأنَّه تعالى ذمَّهُم بهذا الترك، وتارك المندوب لا يذم.
بقي القسمان الواجبان؛ فالواجب بأصل الشرع داخل في الآية، لا محالة بقي الواجب بالنَّذر، والظَّاهر أن اللفظ لا يدلُّ عليه؛ لأنه ليس في الآية إلاَّ قوله ﴿لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ وهذا ليس فيه إشعارٌ بالنَّذر، لأنَّ الرجل قد يعاهدُ ربَّهُ في أن يقوم بما يلزمه من الزَّكوات والنفقات الواجبة إن وسَّعَ اللهُ عليه.
فإن قيل: لفظ الآية يدلُّ على أنَّ الذي لزمهم إنَّما بسبب هذا الالتزام، والزكاةُ لا تلزم بسبب هذا الالتزام، وإنما تلزمُ بملك النصاب وحلول الحولِ.
فالجوابُ: قوله: «لنصَّدقنَّ» لا يوجبُ أن يفعلوا ذلك على الفور؛ لأنَّهُ إخبار عن إيقاع هذا الفعل في المستقبل، وهذا النذر لا يوجبُ الفور؛ فكأنهم قالوا: لنصدقن في وقته كما قالوا: ﴿وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصالحين﴾ أي: في أوقات لزوم الصَّلاة؛ فثبت بما قرَّرْنَا أنَّ الدَّاخل تحت هذا العهد، إخراج الأموال الواجبة بأصل الشَّرع، ويؤكد هذا ما روي في سببن النُّزولِ أنَّ الآية إنَّما نزلت في حق من امتنع من أداة الزَّكاةِ.
فصل
المرادُ من «الفضل» ههنا: إيتاء المالِ بأي طريق كان، إمَّا بتجارة، أو غنيمةٍ أو غير ذلك. والمرادُ ب «الصَّالحينَ» : الصالح ضد المفسد، والمفسد عبارة عمَّن بخل بما يلزمه في التكليف، فالصَّالح: من يعملُ بعمل أهل الصَّلاحِ من صلة الرَّحمِ والنَّفقةِ في الخير، ونحو ذلك.
ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّآ آتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ .
قال الليثُ: يقال: أعقب فلاناً ندامةٌ، إذا صيرت عاقبة أمره ذلك، قال الهذليُّ: [الكامل]
2817 - أودى بنيَّ وأعقبُوني حَسْرَةً ... بَعْد الرُّقادِ وعبْرَةٌ لا تُقْلِعُ ويقال: أكل فلانٌ أكلةً فأعقبتهُ سُقْماً، وأعقبه الله خيراً، والمعنى: أخلفهم في قلوبهم أي: صير عاقبة أمورهم النفاق، عاقبهم بنفاق في قلوبهم، يقال: عاقبته وأعقبته بمعنى.
فصل
«فأعقبهم» فعل، ولا بد من إسناده إلى شيء تقدَّم ذكره، والذي تقدَّم ذكره هو الله تعالى، والمعاهدة والتصدق والصلاح والبخل والتولي والإعراض، ولا يجوزُ إسناد إعقاب النفاق إلى المعاهدة أو التَّصدق أو الصلاح، لأنَّ هذه الثلاثة أعمال الخير؛ فلا يجوز جعلها مؤثرة في حصول النفاق في القلب؛ لأنَّ النفاقَ عبارة عن الكُفْرِ، وهو جهل وترك بعض الواجب لا يكون مؤثراً في حصول الجهلِ في القلب؛ لأنَّ ترك الواجب عدمٌ، والجهل وجود، والعدم لا يكون مؤثراً في الوجود؛ لأنَّ البخل والتولي والإعراض، قد يوجدُ في كثير من الفُسَّاقِ، مع أنَّهُ لا يحصلُ معه النفاق؛ ولأنَّ هذا الترك لو أوجب حصول الكفرِ في القلب لأوجبه، سواء كان هذا الترك جائزاً شرعاً أو محرماً شرعاً؛ لأنَّ سبب اختلاف الأحكام الشرعية لا يخرج المؤثر عن كونه مؤثراً؛ ولأنه تعالى قال: ﴿بِمَآ أَخْلَفُواْ الله مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: 77] فلو كان فعل الإعقاب مسنداً إلى البخل، والتولي، والإعراض لصار تقدير الآية: فأعقبهم ببخلهم وتوليهم وإعراضهم نفاقاً في قلوبهم بما أخلفُوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون، وذلك لا يجوز؛ لأنَّه فرق بين التَّولي وحصول النفاق في القلب بسبب التولي، ومعلومٌ أنه كلام باطل؛ فثبت بهذه الوجوه أنَّهُ لا يجوز إسناد الإعقاب إلى شيء من الأشياءِ المتقدم ذكرها إلاَّ إلى الله تعالى؛ فوجب إسناده إليه؛ فصار المعنى: أنَّ الله تعالى هو الذي يعقب النفاق في قلوبهم، وذلك يدلُّ على أنَّ خالق الكفر في القلوب هو الله تعالى، وهذا هو الذي قاله الزجاجُ، إنَّ معناه: أنَّهُم لمَّا ضلُّوا في الماضي فهو تعالى أضلَّهُم عن الدِّين في المستقبل، ويؤكدُ ذلك قوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ فالضميرُ في قوله: «يَلقَوْنَهُ» عائد إلى الله تعالى فكان الأولى أن يكون قوله: «فأعْقَبَهُمْ» مسنداً إلى اللهِ تعالى.
قال القاضي «المرادُ من قوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي: فأعقبهم العقوبة على النفاق وتلك العقوبة هي: حدوث الغم في قلوبهم وضيق الصدر وما ينالهم من الذُّل والذنب ويدوم بهم ذلك إلى الآخرة» .
وهذا بعيدٌ؛ لأنه عدولٌ عن الظَّاهر من غير دليل فإن ذكروا دليلاً عقلياً، قوبلوا بدليل عقلي. والله أعلم.
فصل
ظاهرُ الآية يدلُّ على أنَّ نقض العهد، وخلف الوعد، يورثُ النِّفاقَ، فيجب على المسلم الاحتراز عن ذلك، ويجتهد في الوفاءِ. ومذهب الحسنِ البصري: أنَّه يوجب النفاق لا محالة لهذه الآية، ولقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «ثلاثٌ من كُنَّ فيه كان مُنافقاً وإن صلَّى وصامَ وزعمَ أنَّهُ مؤمنٌ، إذا حدَّث كذبَ، وإذا وعدَ أخلفَ، وإذا ائْتُمِنَ خَانَ» .
ونقل أن واصل بن عطاء قال: أتى الحسن رجلٌ فقال له: إن أولاد يعقوب حدَّثُوه في قولهم ﴿فَأَكَلَهُ الذئب﴾ [يوسف: 17] فكذبوهُ، ووعدوه في قولهم: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [يوسف: 12] فأخلفوه، وائتمنهم أبوهم على يوسف فخانوه، فهل نحكمُ بكونهم منافقين؟ قيل: فتوقف الحسن في مذهبه.
وفسَّر عمر بن عبيد الحديث فقال «إذا حدَّث عن الله كذب عليه، وعلى دينه، وعلى رسوله وإذا وعد أخلف كما ذكر الله فيمن عاهد الله، وإذا ائتمن على دين الله خان في السرِّ فكان قلبه على خلاف لسانه» .
قوله: ﴿إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ قال الجبائيُّ «تمسَّكُوا في إثبات رُؤية الله بقوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ﴾ [الأحزاب: 44] قال: واللقاء ليس عبارة عن الرؤية، بدليل قوله في صفة المنافقين ﴿إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ وأجمعوا على أنَّ الكفَّار لا يرونه؛ فدلَّ على أنَّ اللقاء ليس عبارة عن الرؤية.
ويؤيدُه قوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ» من حلفَ على يمينٍ كاذبةٍ ليقتطع بهَا حق امرئ مُسلمٍ لقيَ الله وهُو عليه غَضبَانُ «وأجمعوا على أنَّ المراد من اللقاء ههنا: لقاء ما عند الله من العقاب فكذا ههنا» .
قال ابن الخطيب «وهذا دليلٌ ضعيفٌ؛ لأنَّا إذا تركنا حمل لفظ اللقاء على الرُّؤيةِ في هذه الآية، وفي الخبر لدليل منفصل؛ فلا يلزمنا ذلك في سائر الصُّور، كما إذا أدخلنا التَّخصيصَ في بعض العمومات لدليل منفصل؛ فلا يلزمنا أن نُخَصّصَ جميع العمومات من غير دليل فكما لا يلزمنا هذا لا يلزمنا ذلك» .
قوله: ﴿بِمَآ أَخْلَفُواْ الله مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾ أي: أنَّ الله أعقبهم ذلك النِّفاق في قلوبهم لأجل إخلافهم الوعد، وعلى كذبهم. وقرأ الجمهور «يَكْذبُونَ» مخففاً، وأبو رجاء مثقلاً.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ الله يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ الآية.
قرأ الجمهور «يَعْلمُوا» بالياء من تحت. وقرأ عليُّ بن أبي طالبٍ، والحسنُ، والسلمي بالخطاب، التفاتاً للمؤمنين دون المنافقين والسِّر: ما ينطوي عليه صدورهم والنَّجْوَى: ما يفاوضُ فيه بعضهم بعضاً فيما بينهم، مأخوذ من «النَّجْوِ» وهو الكلام الخفي كأنَّ المتناجين منعا إدخال غيرهما معهما، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: 52] وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا استيأسوا مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيّاً﴾ [يوسف: 80] وقوله: ﴿فَلاَ تَتَنَاجَوْاْ بالإثم والعدوان وَمَعْصِيَةِ الرسول وَتَنَاجَوْاْ بالبر والتقوى﴾
[المجادلة: 9] ، والمعنى: أنَّ الله تعالى يعلم سرهم ونجواهم فكيف يتجرَّءون على النفاق الذي الأصل فيه الاستسرار والتَّناجي فيما بينهم، مع علمهم بأنَّهُ تعالى يعلم ذلك من حالهم، كما يعلم الظَّاهر، وأنَّهُ يعاقب عليه كما يعاقب على الظَّاهر.
قال: ﴿وَأَنَّ الله عَلاَّمُ الغيوب﴾ والعَلاَّمُ: مبالغة في العالم، والغيب: ما كان غَائِباً عن الخلق.
قوله تعالى: ﴿الذين يَلْمِزُونَ المطوعين مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ الآية.
في «الذين يَلْمِزُونَ» أوجه:
أحدها: أنه مرفوعٌ على إضمار مبتدأ، أي: هم الذين.
الثاني: أّنَّه في محل رفع بالابتداء، و «مِنَ الُمؤمنينَ» حالٌ من «المطَّوِّعين» .
و «في الصَّدقاتِ» متعلق ب «يَلْمِزُونَ» ، و «الَّذشينَ لا يَجِدُونَ» نسقٌ «المُطَّوِّعينَ» أي: يَعيبُونَ المياسير، والفقراء. وقال مكيٌّ: «والَّذينَ» خفضٌ، عطفاً على «المُؤمنينَ» ولا يَحْسُن عطفهُ على «المُطَّوِّعين» ؛ لأنه لمْ يتمَّ اسماً يعد؛ لأنَّ «فَيَسْخَرُونَ» عطف على «يَلْمِزُونَ» هكذا ذكره النَّحاسُ في الإعراب له، وهو عندي وهمٌ منه.
قال شهابُ الدِّين: «والأمر فيه كما ذكر، فإنَّ» المُطَّوِّعينَ «قد تمَّ من غير احتياجٍ لغيره» .
وقوله: «فَيَسْخرُونَ» نسقٌ على الصِّلةِ، وخبر المبتدأ: الجملةُ من قوله «سَخِرَ اللهُ منهُمْ» هذا أظهرُ إعراب قيل هنا.
وقيل: «والَّذينَ لا يَجِدُونَ» نسقٌ على «الَّذِينَ يَلْمِزُونَ» ، ذكره أبُو البقاءِ وهذا لا يجُوزُ؛ لأنَّهُ يلزمُ الإخبارُ عنهم بقوله: ﴿سَخِرَ الله مِنْهُمْ﴾ ، وهذا لا يكون، إلاَّ بأنْ كان «الَّذِينَ لا يَجِدُون» مُنافقينَ، وأمَّا إذَا كانُوا مؤمنين، كيف يسخرُ الله منهم؟ . وقيل: «والَّذِينَ لا يَجِدُونَ» نسقٌ على «المُؤمنينَ» ، قاله أبُو البقاءِ.
قال أبُو حيَّان: «وهُو بعيدٌ جدّاً» . ووجهُ بعده: أنَّه يفهمُ أنَّ «الَّذِينَ لا يجدُونَ» ليسوا مؤمنين؛ لأن أصل العطف الدلالةُ على المُغايرةِ، فكأنَّنهُ قيل: يَلْمِزُونَ المطَّوِّعينَ من هذين الصنفين: المؤمنين، والذين لا يجدُونَح فيكون «الَّذِينَ لا يجدون» مطَّوِّعين غير مؤمنين.
وقال أبُو البقاءِ: «فِي الصَّدقاتِ» متعلقٌ ب «يَلمِزُونَ» ، ولا يتعلَّق ب «المُطَّوِّعينَ» لئلاَّ يفصل بينهما بأجنبي. وهذا فيه نظر؛ إذ قوله «مِنَ المؤمنينَ» حال، والحالُ ليست بأجنبيّ، وإنَّما يظهر في ردِّ ذلك أن «يطَّوَّع» إنَّما يتعدى بالياءِ، لا ب «في» وكون «في» بمعنى «الباء» خلاف الأصل. وقيل: «فَيَسْخَرُونَ» خبرُ المبتدأ ودخلتِ الفاءُ، لمَا تضمَّنهُ المبتدأ من معنى الشرط، وفي هذا الوجه بُعدٌ من حيثُ إنَّه يقرُب من كون الخبر في معنى المبتدأ فإنَّ من عاب إنساناً وغمزهُ علم أنَّهُ يسخرُ منه فيكون كقولهم: «سَيِّدُ الجاريةِ مالِكُهَا» .
الثالث: أن يكون محلُّه نصباً على الاشتغال، بإضمار فعل يُفسِّره «سَخِرَ اللهُ منهُم» من طريق المعنى، نحو: عاب الذين يلمزُون، سخر الله منهم.
الرابع: أنْ ينصب على الشتم.
الخامس: أن يكون مجروراً بدلاً من الضمير في «سِرَّهُم ونجْواهُمْ» .
وقرئ «يلْمُزون» بضم الميم، وقد تقدَّم أنَّها لغة، وقرأ الجمهور «جُهْدَهم» بضمِّ الجيمِ.
وقرأ ابنُ هرمز وجماعة «جَهْدهم» بالفتح. فقيل: لغتان بمعنى واحد. وقيل المفتوحُ المشقَّةُ والمضمومُ: الطَّاقةُ، قالهُ القتيبيُّ، وقيل: المضمومُ شيءٌ قيلٌ يعاشُ به والمفتوحُ: العملُ.
وقوله: ﴿سَخِرَ الله مِنْهُمْ﴾ يحتملُ أن يكون خبراً محضاً، وأن يكون دعاءً.
فصل
اعلم أنَّ هذا نوع آخر من أعمالهم القبيحة، وهو لمزهم من يأتي بالصَّدقاتِ.
قال المفسِّرون: حثَّ رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على الصَّدقةِ؛ فجاء عبدُ الرحمن بنُ عوفٍ بأربعة آلافِ درهم، فقال: يا رسول الله، مالي ثمانية آلاف درهم، جئتك بأربعة آلاف فاجعلها في سبيل الله، وأمسكتُ أربعة آلاف لعيالي.
فقال رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «بَارَكَ اللهُ لَكَ فِيمَا أعْطيْتَ، وفيمَا أمْسَكْتَ» فبارك اللهُ في مال عبد الرحمن، حتَّى إنَّهُ خلف امرأتين يوم أن مات؛ فبلغ ثمنُ ماله لهما مائة وستون ألفاً وتصدق يومئذ عاصمُ بن عدي العجلاني بمائة وسْقٍ من تمر.
وجاء أبُو عقيلٍ الأنصاري واسمه الحبحاب، بصاعٍ من تمرٍ، وقال: يا رسُول الله بتُّ ليلتي أجر بالجرير حتى نلتُ صاعين من تمرٍ؛ فأمسكتُ أحدهما لعيالي، وجئتُ بالآخر؛ فأمره رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن ينثره على الصَّدقاتِ؛ فلمزهم المنافقُون، وقالوا: ما أعطى عبد الرحمن وعاصم إلاَّ رياءً، وإن كان الله ورسوله لغنيين عن صاع أبي عقيل ولكنَّهُ أحب أن يزكي نفسه ليعطى من الصَّدقات؛ فأنزل الله تعالى: «الَّذِينَ يلْمِزُون» أي: يعيبون المطوعين المتبرعين من المؤمنين في الصدقات، يعني: عبد الرحمن بن عوف وعاصماً، ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ﴾ أي: طاقتهم.
والجُهْدُ: شيء قليلٌ يعيش به المقلُّ، والجهد بالفتح، والجُهْد بالضمِّ بمعنى واحد يعني: أبا عقيل: «فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ» يستهزئون منهم، ﴿سَخِرَ الله مِنْهُمْ﴾ أي: جازاهم على السخرية، وقال الأصمُّ: المرادُ أنه تعالى قبل من هؤلاء المنافقين ما أظهروهُ من أعمال البرِّ مع أنَّهُ لا يثيبهم عليها؛ فكان ذلك كالسخرية، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ .
قوله تعالى: ﴿استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية.
قال ابنُ عبَّاسٍ: إنَّ عند نزول الآية في المنافقين، قالوا: يا رسول الله، استغفر لنا، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «سأسْتغفرُ لَكُمْ» ؛ فنزل قوله تعالى: ﴿استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ قد تقدَّم الكلام على هذا عند قوله: ﴿قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ﴾ [التوبة: 53] ؛ وأنَّهُ نظيرُ قوله: [الطويل]
2818 - أسِيئِي بِنَا أوْ أحْسِني لا مُسِيئةٌ ... لدَينَا ولا مقليَّةٌ إنْ تقَلَّتِ
التوبة 9:81
قوله تعالى: ﴿فَرِحَ المخلفون بِمَقْعَدِهِمْ﴾ الآية.
«بِمَقْعدِهِم» متعلقٌ ب «فرح» ، وهو يصلحُ لمصدر «قَعَدَ» ، وزمانه ومكانه.
قال الجوهريُّ «قَعَدَ قُعُوداً ومَقْعَداً» ، جَلس، وأقعَده غيره «والمخلف: المتروكُ، أي: خلفهم الله وثبطهم، أو خلفهم رسول الله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - والمؤمنون، لمَّا علموا تثاقلهم عن الجهادِ والمرادُ ب» المقعد «ههنا المصدر، أي؛ بقُعُودِهِمْ وإقامتهم بالمدينة. وقال ابنُ عبَّاسٍ: يريدُ: المدينة؛ فعلى هذا هو اسمُ مكانٍ.
فإن قيل: إنَّهم احتالُوا حتى تخلَّفُوا عن رسول الله؛ فكان الأولى أن يقال: فرح المتخلفون فالجوابُ من وجوه:
أحدها: أنَّ الرسول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ منع أقواماً من الخروج معه لعلمه أنَّهم يفسدون ويشوشون، وكان هذا في غزوة تبوك؛ فهؤلاء كانوا مخلَّفين لا متخلِّفين.
وثانيها: أنَّ أولئك المتخلفين صارُوا مخلفين في قوله بعد هذه الآية: ﴿فَإِن رَّجَعَكَ الله إلى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فاستأذنوك لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً﴾ [التوبة: 83] ، فلمَّا منعهم الله من الخروج صارُوا مخلفين.
وثالثها: أنَّ من يتخلَّف عن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بعد خروجه إلى الجهاد، يوصف بأنَّه مخلف من حيث إنَّهُ لم ينهض، وبقي وأقام.
قوله: ﴿خِلاَفَ رَسُولِ الله﴾ فيه ثلاثةُ أوجهٍ:
أحدها: أنَّه منصوبٌ على المصدر بفعلٍ مقدرٍ مدلولٍ عليه بقوله» مَقْعدِهِمْ «؛ لأنَّه في معنى تخلَّفوا، أي: تخلَّفوا خلاف رسول الله.
الثاني: أنَّ» خلاف «مفعولٌ من أجله، والعامل فيه إمَّا» فَرِحَ «، وإمَّا» مَقْعَد «أي: فَرِحُوا؛ لأجل مخالفتهم رسول الله، حيثُ مضى هو للجهاد، وتخلَّفوا هم عنه، أو بقعودهم لمخالفتهم له، وإليه ذهب الطبريُّ، والزجاج، ومؤرِّج، وقطرُب، ويُؤيدُ ذلك قراءةُ من قرأ» خُلْف «بضم الخاء وسكون اللاَّم.
والثالث: أن ينتصب على الظرف، أي: بعد رسول الله، يقال: أقام زيد خلاف القوم، أي: تخلَّف بعد ذهابهم.
قال الأخفش وأبو عبيدة: إنَّ» خلافَ «بمعنى:» خَلْف «، وأنَّ يونس رواه عن عيسى بن عمر ومعناه: بعد رسول الله. ويؤيده قراءة ابن عبَّاسٍ، وأبو حيوة، وعمرو بن ميمون» خَلْفَ «بفتح الخاءِ وسكون اللاَّمِ.
وعلى هذا القول، الخلاف: اسم للجهةِ المعينة كالخلف، وذلك أنَّ المتوجِّه إلى قُدَّامه فجهة خلفه مخالفة لجهة قُدَّامه في كونها جهة مُتوجِّهاً إليها، و» خِلافَ «بمعنى» خَلْف «مستعمل، وأنشد أبو عبيدة للأحوص: [الكامل]
2819 - عَقَبَ الرَّبيعُ خِلافَهُمْ فَكَأَنَّمَا ... بَسَطَ الشَّواطِبُ بَيْنَهُنَّ حَصِيرَا
وقول الآخر: [الطويل]
2820 - فَقُلْ للَّذِي يَبْقَى خلافَ الذي مَضَى ... تَأهَّبْ لأخْرَى مِثلهَا فكأنْ قَدِ
قوله تعالى: ﴿وكرهوا أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله﴾ أي: إنَّهم فرحوا بسبب التخلف، وكرهُوا الذهاب إلى الغزو.
واعلم أنَّ الفرح بالإقامة يدل على كراهيةِ الذهاب، إلاَّ أنَّهُ أعاده للتَّأكيد، أو لعلَّ أن المراد أنَّ طبعه مال إلى الإقامة؛ لأجل إلفه البلدة، واستثنائه بأهله وولده، وكره الخروج إلى الغزو؛ لأنَّهُ تعريضٌ للمال والنفس للقتلِ، وأيضاً منعهم عن الخروج شدة الحرِّ في وقت خروج رسُولِ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وهو المرادُ من قوله: ﴿لاَ تَنفِرُواْ فِي الحر﴾ ، فأجاب اللهُ عن هذا الأخير بقوله: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ أي: يعلمون، وكذلك في مصحف عبد الله بن مسعود، أي: بعد هذه الدَّار، دار أخرى، وبعد هذه الحياة حياة أخرى، وأيضاً هذه مشقة منقضية، وتلك مشقة باقية.
وأنشد الزمخشريُّ لبعضهم: [الطويل]
2821 - مَسَرَّةَ أحْقابٍ تلقَّيْتُ بَعْدهَا ... مسَاءةَ يَوْمٍ أريُهَا شَبَهُ الصَّابِ
فَكيفَ بأنْ تَلْقَى مسرَّةَ سَاعَةٍ ... ورَاء تَقَضِّيها مَسَاءَةُ أحْقَابِ
قوله تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرا﴾ الآية.
«قَلِيلاً» ، و «كَثِيراً» فيهما وجهان: أظهرهما: أنَّهما منصوبان على المصدر، أي: ضحكاً قليلاً وبكاءً كثيراً؛ فحذف الموصوفَ، وهو أحدُ المواضع المُطَّردِ فيها حذفُ الموصوف وإقامةُ الصفة مقامه.
والثاني: أنَّهما منصوبان على ظرفي الزمان، أي: زماناً قليلاً، وزماناً كثيراً والأول أولى؛ لأنَّ الفعل يدلُّ على المصدر بشيئين: بلفظه ومعناه، بخلاف ظرف الزمان فإنه لا يدلُّ عليه بلفظه، بل بهيئته الخاصَّةِ.
وهذا وإن ورد بصيغة الأمر إلاَّ أنَّ معناه الإخبار بأنه ستحصل هذه الحالة، لقوله تعالى بعده ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ .
قوله: «جَزَاءً» فيه وجهان:
الأول: قال الزَّجَّاج: إنَّه مفعولٌ لأجله، أي: سبب الأمر بقلَّة الضَّحكِ، وكثرة البكاء جزاؤهم بعملهم. و «بِمَا» متعلق ب «جزاء» ، لتعديته به ويجوزث أن يتعلَّق بمحذوفٍ؛ لأنَّه صفته.
والثاني: أن ينتصب على المصدر بفعلٍ مقدَّرٍ، أي: يُجْزونَ جزاءً. ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ في الدنيا من النِّفاق.
قوله تعالى: ﴿فَإِن رَّجَعَكَ الله﴾ الآية.
«رَجَعَ» يتعدَّى كهذه الآية الكريمة، ومصدرُهُ: «الرَّجْع» ، كقوله ﴿والسمآء ذَاتِ الرجع﴾ [الطارق: 11] . ولا يتعدَّى، نحو: ﴿وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: 35] في قراءة من بَنَاهُ للفاعل. والمصدر: الرُّجوعُ، كالدُّخُولِ.
والمعنى: فإن ردَّك الله من غزوة تبوك إلى المدينة، ومعنى «الرجع» مصير الشَّيء إلى المكان الذي كان فيه، يقال: رجعته رجعاً، كقولك: رددته رداً.
وقوله: ﴿إلى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ﴾ إنَّما خصَّصَ؛ لأنَّ جميع من أقام بالمدينة ما كانوا منافقين، بل كان بعضهم مخلصين معذورين، ﴿فاستأذنوك لِلْخُرُوجِ﴾ معك في غزوة أخرى ﴿فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً﴾ في سفر، ﴿وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً﴾ وهذا يجري مجرى الذَّم واللَّعن لهم، ومجرى إظهار نفاقهم وفضائحهم؛ لأنَّ ترغيب المسلمين في الجهاد أمرٌ معلومٌ بالضَّرورة من دين محمَّد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ، ولمَّا منعوا هؤلاء من الخروج إلى الغزو بعد ذلك الاستئذان، كان ذلك تصريحاً بكونهم خارجين عن الإسلام، ونظيره قوله تعالى
﴿سَيَقُولُ المخلفون إِذَا انطلقتم﴾ [الفتح: 15] ﴿قُل لَّن تَتَّبِعُونَا﴾ [الفتح: 15] ، ثم إنَّه تعالى علَّل ذلك المنع بقوله ﴿إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ﴾ أي: لأنكم رضيتم ﴿بالقعود أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ في غزوة تبوك.
قال أبُو البقاءِ: «أوَّل مرَّةٍ» ظرف. قال أبُو حيَّان «يعني ظرف زمان وهو بعيد» .
قال شهابُ الدِّين «لأنَّ الظَّاهر منصوبةٌ على المصدر. وفي التفسير: أول خرجةٍ خرجها رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فالمعنى: أول مرَّة من الخروج» .
قال الزمخشريُّ «فإن قلت:» مَرَّةٍ «نكرة، وضعت موضع المرات، للتفضيل، فلمَ ذُكِرَ اسمُ التفضيل المضافُ إليها، وهو دالٌّ على واحدةٍ من المرَّاتِ؟ قلت: أكثرُ اللُّغتين: أن يقال هند أكبرُ النساء، وهي أكبرهنَّ، ثم إنَّ قولك: هي كبرى امرأة، لا يكادُ يُعثر عليه، ولكن هي أكبر امرأة، وأول مرة وآخر مرة» .
والمعنى: أنَّ الحاجةَ في المرَّة الأولى إلى موافقتكم كانت أشدّ، وبعد ذلك زالت تلك الحاجة فلما تخلَّفْتُم عند مسيس الحاجة إلى حضُورِكُم؛ فبعد ذلك لا نقبلكم، ولا نلتفتُ إليكم.
قوله: «مَعَ الخالفين» هذا الظَّرفُ يجوز أن يكون متعلقاً ب «اقْعُدُوا» ، ويجوزُ أن يتعلَّق بمحذوفٍ؛ لأنَّه حال من فاعل «اقْعُدُوا» . والخَالِفُ: المتخلِّفُ بعد القوم.
قال الأخفشُ، وأبو عبيده: «الخَالِفُونَ» جمع، واحدهم «خالف» ، وهو من يخلف الرجل في قومه. والمعنى: مع الخالفينَ من الرِّجال الذين يخلفون في البيت، فلا يبرحون.
وقال الفرَّاءُ: المراد: ب «الخَالِفينَ» ، يقالُ: عبد خالف، إذا كان مخالفاً. وقال الأخفشُ: فلان خالفةُ أهل بيته إذا كان مخالفاً لهم، وقال الليثُ: يقال هذا رجل خالفةٌ، أي: مخالف كثير الخلاف، فإذا جمع قلت: الخالفُونَ. وقال الأصمعيُّ: الخالفُ: هو الفاسد، يقال: خلف فلان عن كل خير يخلف خلوفاً، إذا فسد ومنه «خُلُوف فَمِ الصَّائمِ» ، والمراد بهم: النِّساءُ والصبيانُ والرِّجالُ العاجزون؛ فلذلك جازَ جمعهُ للتَّغليب. وقال قتادةُ: الخَالِفُونَ: النِّسَاء «وهو مردودٌ، لأجْلِ الجمع. وقرأ عكرمة، ومالكُ بن دينارٍ» مَعَ الخَلِفينَ «مَقصُوراً من» الخَالِفِينَ» ؛ كقوله: [الرجز]
2822 - مِثْلُ النَّقَا لَبَّدَهُ ضَرْبُ الظِّلَلْ ... وقوله: [الرجز]
2823 - ... ... ... ... ... ... ... . عَرِدَا..... ... ... ... ... ... ... ... ... بَرِدَا
يريد: «الظِّلال» و «عَرِدّا» : بَارِداً.
قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُصَلِّ على أَحَدٍ مِّنْهُم﴾ الآية.
» مِنْهُم «صفةٌ ل» أحَدٍ» ، وكذلك الجملة من قوله: «مَاتَ» ، في موضع جر أيضاً كأنه قيل: على أحدٍ منهم ميت، ويجوزُ أن يكون» مِنْهُم «حالاً من الضَّمير في» مَاتَ» أي: مات حال كونه منهم، أي: مُتَّصِفاً بصفة النِّفاقِ، كقولهم: أنت مني، يعني: على طريقتي و «أبَداً» ظرف منصوب بالنهي، وهذا الظَّرفُ متعلق ب «أحَد» ، والتقدير: ولا تصل أبداً على أحدٍ منهم.
فصل
اعلم أنَّهُ تعالى أمر رسوله أن يُهينَهُم، ويذلهم، بمنعهم من الخروج معه إلى الغزوات ثمَّ منعه في هذه الآية من أن يُصلي على من مات منهم. روى ابنُ عبَّاسٍ: أنَّه مات، ويقوم على قبره، ثمَّ إنه أرسل إلى الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وطلب منه قميصه، ليكفن فيه؛ فأرسل إليه القميص الفوقاني، فردَّه، وطلب الذي يلي جلده ليكفَّن فيه، فقال عمرُ: لِمَ تُعطِي قميصَك للرجس النَّجس؟ فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «إنَّ قميصِي لا يُغْنِي عنهُ مِنَ اللهِ شيئاً، ولعلَّ اللهَ أن يُدخلَ بِه ألفاً في الإسلام» وكان المنافقون لا يفارقون عبد الله؛ فلمَّا رأوه يطلبُ القميص، ويرجو أن ينفعه، أسلم منهم يومئذ ألفٌ.
فلمَّا مات جاء ابنُهُ يعرفه، فقال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ لابنه: «صَلِّ عليْهِ واذْفِنْهُ» ، فقال: إن لم تُصل عليه يا رسول الله لم يُصَلّ عليه مسلمٌ، فقام صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، ليصلِّي عليه؛ فجاء عمر فقام بين رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وبين القبلة؛ لئلاَّ يصلي عليه، فنزلت الآية وأخذ عمر بثوبه وقال: ﴿وَلاَ تُصَلِّ على أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً﴾ ، وهذا يدلُّ على منقبة عظيمة من مناقب عمر؛ وذلك لأنَّ الوَحْيَ نزل على وَفْق قوله في آيات كثيرة منها: آية أخذ الفداء عن أسارى بدر كما سبق، ومنها: «آية تحريم الخمر» [المائدة: 90] ، ومنها: «آية تحويل القبلة» [البقرة: 142] ، ومنها: آية أمر النِّساء بالحجاب، وهذه الآية؛ فصار نزول الوحي على مطابقة قول عمر منصباً عالياً، ودرجة رفيعة في الدِّين، ولهذا قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «لوْ لَمْ أبْعَثْ لبعثتَ يا عمر نبيّاً» .
قال القرطبيُّ: إن قال قَائِلٌ، كيف قال له عمر: أتصلي عيه، وقد نهاكَ اللهُ أنْ تُصَلِّي عليه ولم يكن تقدم نهي عن الصلاة عليهم؟ قيل له: يحتملُ أن يكون ذلك وقع له في خاطره، ويكون من قبيل الإلهام والتحدث الذي شهد له به رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وقد كان القرآن ينزل على وفق مراده، كما قال: وافقت ربي في ثلاث، وجاء: في أربع؛ فيكون هذا من ذاك. ويحتمل أن يكون فهم ذلك من قوله: ﴿استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: 80] الآية، ويحتملُ أن يكون فهم ذلك من قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ والذين آمنوا أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: 113] فإن قيل: كيف يجوزُ أن يرغب الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - في الصَّلاة عليه بعد علمه بأنه كافر وقد مات على كفره، وأنَّ صلاة الرَّسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - تجري مجرى الإجلال والتَّعظيم وأيضاً فالصَّلاة عليه تتضمَّنُ الدُّعاء له، وذلك محظورٌ؛ لأنَّه تعالى أعلمه أنه لا يغفر للكافرِ ألبتة، وأيضاً دفع القميص إليه يوجب إعزازه؟ .
فالجواب: لعلَّ السَّبب فيه، أنَّه لمَّا طلب من الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - القميص الذي يمسّ جلده، ليدفن فيه، غلب على ظنّ الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - أنه آمن؛ لأنَّ ذلك الوقت وقت توبة الفاجر، وإيمان الكافر، فلمَّا رأى منه إظهار الإسلام، وشاهد منه هذه الأمارة التي دلت على إسلامه، غلب على ظنِّه إسلامه؛ فبنى على هذا الظَّن، ورغب في الصلاة عليه، فلمَّا نزل جبريلُ عليه السلام وأخبره بأنه مات على كفره ونفاقه؛ امتنع من الصلاة عليه وأمَّا دفع القميص إليه، وكان رجلاً طويلاً؛ فكساهُ عبد الله قميصه. وقيل: إنَّ المشركين قالوا له يوم الحديبيةِ: إنَّا لا ننقادُ لمحمَّدٍ، ولكنَّا ننقاد لك، فقال: لا، إنَّ لي في رسول الله أسوةً حسنةً؛ فشكر رسولُ الله له ذلك. قال ابنُ عيينة: كانت له عند النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يدٌ فأحبَّ أن يُكافِئَهُ.
وقيل: إنَّ الله تعالى أمره أن لا يرد سائلاً، لقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا السآئل فَلاَ تَنْهَرْ﴾ [الضحى: 10] فلمَّا طلب القميص منه دفعه إليه، لهذا المعنى. وقيل: إنَّ منع القميص لا يليقُ بأهل الكرم وذلك أنَّ ابنه عبد الله بن عبد الله بن أبيّ كان من الصالحين؛ فالرسولُ أكرمه لمكان ابنه وقيل: لعلَّ اللهَ تعالى أوحى إليه، أنَّك إذا دفعت قميصك إليه صار ذلك سبباً لدخول نفر من المنافقين في الإسلامِ، فقيل لهذا الغرض، كما روي فيما تقدَّم، وقيل: إنَّ الرّأفة والرحمة كانت غالبةً عليه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، لقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107] فامتنع من الصَّلاة عليه، لأمر الله تعالى، ودفع القميص رأفة ورحمة.
واعلم أنَّ قوله ﴿وَلاَ تُصَلِّ على أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً﴾ يحتملُ تأبيد النَّفي، ويحتملُ نفي التأبيد والأول هو المقصودُ؛ لأنَّ قرائن هذه الآية دالَّة على أنَّ المقصود منعه من أن يصلِّي على أحد منهم منعاً كُلِّيّاً دائماً.
ثم قال: ﴿وَلاَ تَقُمْ على قَبْرِهِ﴾ وفيه وجهان: الأول: قال الزَّجَّاجُ «كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إذا دفن الميت وقف على قبره ودعا له» فمنع منه ههنا. الثاني: قال الكلبي: «لا تقم بإصلاح مُهمَّات قبره، ولا تتولّ دفنه» ، من قولهم: قام فلانٌ بأمر فلان، إذا كفاه أمره، ثمَّ إنه تعالى علَّل المنع من الصَّلاة عليه، والقيام على قبره بقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ .
فإن قيل: الفسقُ أدْنَى حالاً من الكفر، فلما علل بكونه كافراً؛ فما فائدةُ وصفه بعد ذلك بالفسق؟ .
فالجوابُ: أنَّ الكافر قد يكونُ عدلاً في دينه، وقد يكون فَاسِقاً في دينه خبيثاً ممقوتاً عند قومه، بالكذب، والخداع، والمكر، وهذه أمورٌ مستقبحةٌ في جميع الأديان، فالمنافقون لمَّا كانوا موصوفين بهذه الصفات، وصفهم الله تعالى بالفسقِ بعد أن وصفهُم بالكفر، تنبيهاً على أنَّ طريقة النِّفاق طريقة مذمُومة عند جميع العالم.
فإن قيل: قوله ﴿إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله﴾ صريح بأنَّ ذلك النَّهي معلّلٌ بهذه العلة، وذلك يقتضي تعليل حكم الله تعالى، وهو محال، فإنَّ حكم الله قديمٌ، وهذه العلة محدثة، وتعليل المحدث بالقديم محال.
فالجوابُ: أنَّ البحث في هذه المسألة طويل، وظاهرُ هذه الآية يدلُّ عليه.
فصل
قال القرطبي: قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُصَلِّ على أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً﴾ نصّ في الامتناع من الصلاة على الكُفَّار، وليس فيه دليل على الصَّلاة على المؤمنين، واختلفوا هل يؤخذ من مفهومه وجوب الصلاة على المؤمنين؟ فقيل: يُؤخذ؛ لأنَّه علَّل المنع من الصَّلاة على الكُفَّار لكفرهم لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله وَرَسُولِهِ﴾ ، فإذا زال وجبت الصَّلاةُ، لقوله تعالى ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: 15] يعني: الكفَّار؛ فدلَّ على أنَّ غير الكفار يرونه وهم المؤمنون.
وقيل: إنَّما تؤخذ الصَّلاة من دليلٍ خارج، وهو الأحاديث، والإجماع. ومنشأ الخلاف القول بدليل الخطابِ وتركه.
فصل
جمهورُ العلماءِ على أنَّ التكبير في الصَّلاة على المَيّت أربع تكبيرات. وقال ابنُ سيرين: كان التكبير ثلاثاً فزادُوا واحدةً، وعن ابن مسعود، وزيد بن أرقم، يكبر خَمْساً وعن عليٍّ: ست تكبيرات.
فصل
قال القرطبيُّ: ولا قراءة في صلاة الجنازة في المشهور من مذهب مالكٍ. وكذا أبو حنيفة والثوري، لقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «إذا صلَّيْتُم على المَيِّت فأخْلِصُوا له الدُّعاءِ» وذهب الشافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، ومحمدُ بنُ سلمة، وأشهب، وداوود: إلى أنه يقرأ بالفاتحة، لقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «لا صلاةَ لِمَنْ لا يَقْرَأ بفَاتِحَةِ الكتابِ» .
والسُّنَّةُ أن يقفَ الإمامُ عند رأسِ الرجل، وعند عجيزةِ المرْأةِ.
قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ﴾ الآية.
قيل: هذا تأكيدٌ للآيةِ السَّابقة. وقال الفارسيُّ: «ليست للتأكيد؛ لأنَّ تيكَ في قومٍ وهذه في آخرين، وقد تغاير لفظا الآيتين؛ فهنا» ولاَ «بالواو، لمناسبة عطف نَهْي على نَهْي قبله في قوله:» ولا تُصَلِّ. . ولا تَقُمْ» ، «ولاَ تُعْجِبكَ» ، فناسبَ ذلك «الواو» ، وهناك ب «الفاء» ، لمناسبة تعقيب قوله: ﴿وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة: 54] أي: للإنفاق، فهم مُعْجَبون بكثرة الأموالِ والأولادِ، فنهاهُ عن الإعجاب ب» فاء «التعقيب. وهنا» وأولاَدهُمْ «دون» لا «نهيٌ عن الإعجاب بهما مجتمعين، وهناك بزيادة» لا «لأنَّه نهيٌ عن كل واحد واحد، فدلَّ مجموعُ الآيتين على النَّهي بالإعجاب بهما مجتمعين ومنفردين» .
قال ابنُ الخطيبِ «السَّبَبُ فيه: أنَّ مثل هذا التَّرتيب يبتدأُ فيه بالأدْنَى ثمَّ يترقَّى إلى الأشرف، فيقال: لا يُعْجِبُنِي أمر الأمير، ولا أمر الوزير، وهذا يدلُّ على عدم التفاوت بين الأمرين عندهم» .
وهنا قال «أن يُعذِّبَهُم» ، وهناك قال «ليُعَذِّبَهُم» ، فأتى ب «اللاَّم» المشعرة بالغلية ومفعول الإرادةِ محذوفٌ، أي: إنَّما يريد الله اختبارهم بالأموالِ والأولادِ - وأتى ب «أنْ» ؛ لأنَّ مصبَّ الإرادة التَّعذيبُ، أي: إنَّما يريد الله تَعْذيبَهُم، فقد اختلف مُتعلَّقُ الإرادة في الآيتين. هذا هو الظَّاهر. وقال ابنُ الخطيب «فائدته: التَّنبيه على أنَّ التعليلَ في أحكام الله تعالى محالٌ، وإنَّما ورد حرفُ التعليل زائداً ومعناه» أنْ «لقوله تعالى ﴿وَمَآ أمروا إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله﴾ [البينة: 5] ، أي:» وما أمروا إلا بأن يعبدوا الله» . وهناك «فِي الحياةِ الدُّنْيَا» ، وهنا سقطت «الحَيَاة» ، تنبيهاً على خِسِّيَّة الدُّنْيَا وأنَّها لا تَسْتحق أن تُسمَّى حياة، لا سيما وقد ذُكرت بعد ذكر موتِ المنافقين؛ فناسبَ ألاَّ تُسَمَّى حياة» .
التوبة 9:82
قوله تعالى: ﴿فَرِحَ المخلفون بِمَقْعَدِهِمْ﴾ الآية.
«بِمَقْعدِهِم» متعلقٌ ب «فرح» ، وهو يصلحُ لمصدر «قَعَدَ» ، وزمانه ومكانه.
قال الجوهريُّ «قَعَدَ قُعُوداً ومَقْعَداً» ، جَلس، وأقعَده غيره «والمخلف: المتروكُ، أي: خلفهم الله وثبطهم، أو خلفهم رسول الله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - والمؤمنون، لمَّا علموا تثاقلهم عن الجهادِ والمرادُ ب» المقعد «ههنا المصدر، أي؛ بقُعُودِهِمْ وإقامتهم بالمدينة. وقال ابنُ عبَّاسٍ: يريدُ: المدينة؛ فعلى هذا هو اسمُ مكانٍ.
فإن قيل: إنَّهم احتالُوا حتى تخلَّفُوا عن رسول الله؛ فكان الأولى أن يقال: فرح المتخلفون فالجوابُ من وجوه:
أحدها: أنَّ الرسول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ منع أقواماً من الخروج معه لعلمه أنَّهم يفسدون ويشوشون، وكان هذا في غزوة تبوك؛ فهؤلاء كانوا مخلَّفين لا متخلِّفين.
وثانيها: أنَّ أولئك المتخلفين صارُوا مخلفين في قوله بعد هذه الآية: ﴿فَإِن رَّجَعَكَ الله إلى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فاستأذنوك لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً﴾ [التوبة: 83] ، فلمَّا منعهم الله من الخروج صارُوا مخلفين.
وثالثها: أنَّ من يتخلَّف عن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بعد خروجه إلى الجهاد، يوصف بأنَّه مخلف من حيث إنَّهُ لم ينهض، وبقي وأقام.
قوله: ﴿خِلاَفَ رَسُولِ الله﴾ فيه ثلاثةُ أوجهٍ:
أحدها: أنَّه منصوبٌ على المصدر بفعلٍ مقدرٍ مدلولٍ عليه بقوله» مَقْعدِهِمْ «؛ لأنَّه في معنى تخلَّفوا، أي: تخلَّفوا خلاف رسول الله.
الثاني: أنَّ» خلاف «مفعولٌ من أجله، والعامل فيه إمَّا» فَرِحَ «، وإمَّا» مَقْعَد «أي: فَرِحُوا؛ لأجل مخالفتهم رسول الله، حيثُ مضى هو للجهاد، وتخلَّفوا هم عنه، أو بقعودهم لمخالفتهم له، وإليه ذهب الطبريُّ، والزجاج، ومؤرِّج، وقطرُب، ويُؤيدُ ذلك قراءةُ من قرأ» خُلْف «بضم الخاء وسكون اللاَّم.
والثالث: أن ينتصب على الظرف، أي: بعد رسول الله، يقال: أقام زيد خلاف القوم، أي: تخلَّف بعد ذهابهم.
قال الأخفش وأبو عبيدة: إنَّ» خلافَ «بمعنى:» خَلْف «، وأنَّ يونس رواه عن عيسى بن عمر ومعناه: بعد رسول الله. ويؤيده قراءة ابن عبَّاسٍ، وأبو حيوة، وعمرو بن ميمون» خَلْفَ «بفتح الخاءِ وسكون اللاَّمِ.
وعلى هذا القول، الخلاف: اسم للجهةِ المعينة كالخلف، وذلك أنَّ المتوجِّه إلى قُدَّامه فجهة خلفه مخالفة لجهة قُدَّامه في كونها جهة مُتوجِّهاً إليها، و» خِلافَ «بمعنى» خَلْف «مستعمل، وأنشد أبو عبيدة للأحوص: [الكامل]
2819 - عَقَبَ الرَّبيعُ خِلافَهُمْ فَكَأَنَّمَا ... بَسَطَ الشَّواطِبُ بَيْنَهُنَّ حَصِيرَا
وقول الآخر: [الطويل]
2820 - فَقُلْ للَّذِي يَبْقَى خلافَ الذي مَضَى ... تَأهَّبْ لأخْرَى مِثلهَا فكأنْ قَدِ
قوله تعالى: ﴿وكرهوا أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله﴾ أي: إنَّهم فرحوا بسبب التخلف، وكرهُوا الذهاب إلى الغزو.
واعلم أنَّ الفرح بالإقامة يدل على كراهيةِ الذهاب، إلاَّ أنَّهُ أعاده للتَّأكيد، أو لعلَّ أن المراد أنَّ طبعه مال إلى الإقامة؛ لأجل إلفه البلدة، واستثنائه بأهله وولده، وكره الخروج إلى الغزو؛ لأنَّهُ تعريضٌ للمال والنفس للقتلِ، وأيضاً منعهم عن الخروج شدة الحرِّ في وقت خروج رسُولِ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وهو المرادُ من قوله: ﴿لاَ تَنفِرُواْ فِي الحر﴾ ، فأجاب اللهُ عن هذا الأخير بقوله: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ أي: يعلمون، وكذلك في مصحف عبد الله بن مسعود، أي: بعد هذه الدَّار، دار أخرى، وبعد هذه الحياة حياة أخرى، وأيضاً هذه مشقة منقضية، وتلك مشقة باقية.
وأنشد الزمخشريُّ لبعضهم: [الطويل]
2821 - مَسَرَّةَ أحْقابٍ تلقَّيْتُ بَعْدهَا ... مسَاءةَ يَوْمٍ أريُهَا شَبَهُ الصَّابِ
فَكيفَ بأنْ تَلْقَى مسرَّةَ سَاعَةٍ ... ورَاء تَقَضِّيها مَسَاءَةُ أحْقَابِ
قوله تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرا﴾ الآية.
«قَلِيلاً» ، و «كَثِيراً» فيهما وجهان: أظهرهما: أنَّهما منصوبان على المصدر، أي: ضحكاً قليلاً وبكاءً كثيراً؛ فحذف الموصوفَ، وهو أحدُ المواضع المُطَّردِ فيها حذفُ الموصوف وإقامةُ الصفة مقامه.
والثاني: أنَّهما منصوبان على ظرفي الزمان، أي: زماناً قليلاً، وزماناً كثيراً والأول أولى؛ لأنَّ الفعل يدلُّ على المصدر بشيئين: بلفظه ومعناه، بخلاف ظرف الزمان فإنه لا يدلُّ عليه بلفظه، بل بهيئته الخاصَّةِ.
وهذا وإن ورد بصيغة الأمر إلاَّ أنَّ معناه الإخبار بأنه ستحصل هذه الحالة، لقوله تعالى بعده ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ .
قوله: «جَزَاءً» فيه وجهان:
الأول: قال الزَّجَّاج: إنَّه مفعولٌ لأجله، أي: سبب الأمر بقلَّة الضَّحكِ، وكثرة البكاء جزاؤهم بعملهم. و «بِمَا» متعلق ب «جزاء» ، لتعديته به ويجوزث أن يتعلَّق بمحذوفٍ؛ لأنَّه صفته.
والثاني: أن ينتصب على المصدر بفعلٍ مقدَّرٍ، أي: يُجْزونَ جزاءً. ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ في الدنيا من النِّفاق.
قوله تعالى: ﴿فَإِن رَّجَعَكَ الله﴾ الآية.
«رَجَعَ» يتعدَّى كهذه الآية الكريمة، ومصدرُهُ: «الرَّجْع» ، كقوله ﴿والسمآء ذَاتِ الرجع﴾ [الطارق: 11] . ولا يتعدَّى، نحو: ﴿وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: 35] في قراءة من بَنَاهُ للفاعل. والمصدر: الرُّجوعُ، كالدُّخُولِ.
والمعنى: فإن ردَّك الله من غزوة تبوك إلى المدينة، ومعنى «الرجع» مصير الشَّيء إلى المكان الذي كان فيه، يقال: رجعته رجعاً، كقولك: رددته رداً.
وقوله: ﴿إلى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ﴾ إنَّما خصَّصَ؛ لأنَّ جميع من أقام بالمدينة ما كانوا منافقين، بل كان بعضهم مخلصين معذورين، ﴿فاستأذنوك لِلْخُرُوجِ﴾ معك في غزوة أخرى ﴿فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً﴾ في سفر، ﴿وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً﴾ وهذا يجري مجرى الذَّم واللَّعن لهم، ومجرى إظهار نفاقهم وفضائحهم؛ لأنَّ ترغيب المسلمين في الجهاد أمرٌ معلومٌ بالضَّرورة من دين محمَّد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ، ولمَّا منعوا هؤلاء من الخروج إلى الغزو بعد ذلك الاستئذان، كان ذلك تصريحاً بكونهم خارجين عن الإسلام، ونظيره قوله تعالى
﴿سَيَقُولُ المخلفون إِذَا انطلقتم﴾ [الفتح: 15] ﴿قُل لَّن تَتَّبِعُونَا﴾ [الفتح: 15] ، ثم إنَّه تعالى علَّل ذلك المنع بقوله ﴿إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ﴾ أي: لأنكم رضيتم ﴿بالقعود أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ في غزوة تبوك.
قال أبُو البقاءِ: «أوَّل مرَّةٍ» ظرف. قال أبُو حيَّان «يعني ظرف زمان وهو بعيد» .
قال شهابُ الدِّين «لأنَّ الظَّاهر منصوبةٌ على المصدر. وفي التفسير: أول خرجةٍ خرجها رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فالمعنى: أول مرَّة من الخروج» .
قال الزمخشريُّ «فإن قلت:» مَرَّةٍ «نكرة، وضعت موضع المرات، للتفضيل، فلمَ ذُكِرَ اسمُ التفضيل المضافُ إليها، وهو دالٌّ على واحدةٍ من المرَّاتِ؟ قلت: أكثرُ اللُّغتين: أن يقال هند أكبرُ النساء، وهي أكبرهنَّ، ثم إنَّ قولك: هي كبرى امرأة، لا يكادُ يُعثر عليه، ولكن هي أكبر امرأة، وأول مرة وآخر مرة» .
والمعنى: أنَّ الحاجةَ في المرَّة الأولى إلى موافقتكم كانت أشدّ، وبعد ذلك زالت تلك الحاجة فلما تخلَّفْتُم عند مسيس الحاجة إلى حضُورِكُم؛ فبعد ذلك لا نقبلكم، ولا نلتفتُ إليكم.
قوله: «مَعَ الخالفين» هذا الظَّرفُ يجوز أن يكون متعلقاً ب «اقْعُدُوا» ، ويجوزُ أن يتعلَّق بمحذوفٍ؛ لأنَّه حال من فاعل «اقْعُدُوا» . والخَالِفُ: المتخلِّفُ بعد القوم.
قال الأخفشُ، وأبو عبيده: «الخَالِفُونَ» جمع، واحدهم «خالف» ، وهو من يخلف الرجل في قومه. والمعنى: مع الخالفينَ من الرِّجال الذين يخلفون في البيت، فلا يبرحون.
وقال الفرَّاءُ: المراد: ب «الخَالِفينَ» ، يقالُ: عبد خالف، إذا كان مخالفاً. وقال الأخفشُ: فلان خالفةُ أهل بيته إذا كان مخالفاً لهم، وقال الليثُ: يقال هذا رجل خالفةٌ، أي: مخالف كثير الخلاف، فإذا جمع قلت: الخالفُونَ. وقال الأصمعيُّ: الخالفُ: هو الفاسد، يقال: خلف فلان عن كل خير يخلف خلوفاً، إذا فسد ومنه «خُلُوف فَمِ الصَّائمِ» ، والمراد بهم: النِّساءُ والصبيانُ والرِّجالُ العاجزون؛ فلذلك جازَ جمعهُ للتَّغليب. وقال قتادةُ: الخَالِفُونَ: النِّسَاء «وهو مردودٌ، لأجْلِ الجمع. وقرأ عكرمة، ومالكُ بن دينارٍ» مَعَ الخَلِفينَ «مَقصُوراً من» الخَالِفِينَ» ؛ كقوله: [الرجز]
2822 - مِثْلُ النَّقَا لَبَّدَهُ ضَرْبُ الظِّلَلْ ... وقوله: [الرجز]
2823 - ... ... ... ... ... ... ... . عَرِدَا..... ... ... ... ... ... ... ... ... بَرِدَا
يريد: «الظِّلال» و «عَرِدّا» : بَارِداً.
قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُصَلِّ على أَحَدٍ مِّنْهُم﴾ الآية.
» مِنْهُم «صفةٌ ل» أحَدٍ» ، وكذلك الجملة من قوله: «مَاتَ» ، في موضع جر أيضاً كأنه قيل: على أحدٍ منهم ميت، ويجوزُ أن يكون» مِنْهُم «حالاً من الضَّمير في» مَاتَ» أي: مات حال كونه منهم، أي: مُتَّصِفاً بصفة النِّفاقِ، كقولهم: أنت مني، يعني: على طريقتي و «أبَداً» ظرف منصوب بالنهي، وهذا الظَّرفُ متعلق ب «أحَد» ، والتقدير: ولا تصل أبداً على أحدٍ منهم.
فصل
اعلم أنَّهُ تعالى أمر رسوله أن يُهينَهُم، ويذلهم، بمنعهم من الخروج معه إلى الغزوات ثمَّ منعه في هذه الآية من أن يُصلي على من مات منهم. روى ابنُ عبَّاسٍ: أنَّه مات، ويقوم على قبره، ثمَّ إنه أرسل إلى الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وطلب منه قميصه، ليكفن فيه؛ فأرسل إليه القميص الفوقاني، فردَّه، وطلب الذي يلي جلده ليكفَّن فيه، فقال عمرُ: لِمَ تُعطِي قميصَك للرجس النَّجس؟ فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «إنَّ قميصِي لا يُغْنِي عنهُ مِنَ اللهِ شيئاً، ولعلَّ اللهَ أن يُدخلَ بِه ألفاً في الإسلام» وكان المنافقون لا يفارقون عبد الله؛ فلمَّا رأوه يطلبُ القميص، ويرجو أن ينفعه، أسلم منهم يومئذ ألفٌ.
فلمَّا مات جاء ابنُهُ يعرفه، فقال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ لابنه: «صَلِّ عليْهِ واذْفِنْهُ» ، فقال: إن لم تُصل عليه يا رسول الله لم يُصَلّ عليه مسلمٌ، فقام صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، ليصلِّي عليه؛ فجاء عمر فقام بين رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وبين القبلة؛ لئلاَّ يصلي عليه، فنزلت الآية وأخذ عمر بثوبه وقال: ﴿وَلاَ تُصَلِّ على أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً﴾ ، وهذا يدلُّ على منقبة عظيمة من مناقب عمر؛ وذلك لأنَّ الوَحْيَ نزل على وَفْق قوله في آيات كثيرة منها: آية أخذ الفداء عن أسارى بدر كما سبق، ومنها: «آية تحريم الخمر» [المائدة: 90] ، ومنها: «آية تحويل القبلة» [البقرة: 142] ، ومنها: آية أمر النِّساء بالحجاب، وهذه الآية؛ فصار نزول الوحي على مطابقة قول عمر منصباً عالياً، ودرجة رفيعة في الدِّين، ولهذا قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «لوْ لَمْ أبْعَثْ لبعثتَ يا عمر نبيّاً» .
قال القرطبيُّ: إن قال قَائِلٌ، كيف قال له عمر: أتصلي عيه، وقد نهاكَ اللهُ أنْ تُصَلِّي عليه ولم يكن تقدم نهي عن الصلاة عليهم؟ قيل له: يحتملُ أن يكون ذلك وقع له في خاطره، ويكون من قبيل الإلهام والتحدث الذي شهد له به رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وقد كان القرآن ينزل على وفق مراده، كما قال: وافقت ربي في ثلاث، وجاء: في أربع؛ فيكون هذا من ذاك. ويحتمل أن يكون فهم ذلك من قوله: ﴿استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: 80] الآية، ويحتملُ أن يكون فهم ذلك من قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ والذين آمنوا أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: 113] فإن قيل: كيف يجوزُ أن يرغب الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - في الصَّلاة عليه بعد علمه بأنه كافر وقد مات على كفره، وأنَّ صلاة الرَّسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - تجري مجرى الإجلال والتَّعظيم وأيضاً فالصَّلاة عليه تتضمَّنُ الدُّعاء له، وذلك محظورٌ؛ لأنَّه تعالى أعلمه أنه لا يغفر للكافرِ ألبتة، وأيضاً دفع القميص إليه يوجب إعزازه؟ .
فالجواب: لعلَّ السَّبب فيه، أنَّه لمَّا طلب من الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - القميص الذي يمسّ جلده، ليدفن فيه، غلب على ظنّ الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - أنه آمن؛ لأنَّ ذلك الوقت وقت توبة الفاجر، وإيمان الكافر، فلمَّا رأى منه إظهار الإسلام، وشاهد منه هذه الأمارة التي دلت على إسلامه، غلب على ظنِّه إسلامه؛ فبنى على هذا الظَّن، ورغب في الصلاة عليه، فلمَّا نزل جبريلُ عليه السلام وأخبره بأنه مات على كفره ونفاقه؛ امتنع من الصلاة عليه وأمَّا دفع القميص إليه، وكان رجلاً طويلاً؛ فكساهُ عبد الله قميصه. وقيل: إنَّ المشركين قالوا له يوم الحديبيةِ: إنَّا لا ننقادُ لمحمَّدٍ، ولكنَّا ننقاد لك، فقال: لا، إنَّ لي في رسول الله أسوةً حسنةً؛ فشكر رسولُ الله له ذلك. قال ابنُ عيينة: كانت له عند النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يدٌ فأحبَّ أن يُكافِئَهُ.
وقيل: إنَّ الله تعالى أمره أن لا يرد سائلاً، لقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا السآئل فَلاَ تَنْهَرْ﴾ [الضحى: 10] فلمَّا طلب القميص منه دفعه إليه، لهذا المعنى. وقيل: إنَّ منع القميص لا يليقُ بأهل الكرم وذلك أنَّ ابنه عبد الله بن عبد الله بن أبيّ كان من الصالحين؛ فالرسولُ أكرمه لمكان ابنه وقيل: لعلَّ اللهَ تعالى أوحى إليه، أنَّك إذا دفعت قميصك إليه صار ذلك سبباً لدخول نفر من المنافقين في الإسلامِ، فقيل لهذا الغرض، كما روي فيما تقدَّم، وقيل: إنَّ الرّأفة والرحمة كانت غالبةً عليه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، لقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107] فامتنع من الصَّلاة عليه، لأمر الله تعالى، ودفع القميص رأفة ورحمة.
واعلم أنَّ قوله ﴿وَلاَ تُصَلِّ على أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً﴾ يحتملُ تأبيد النَّفي، ويحتملُ نفي التأبيد والأول هو المقصودُ؛ لأنَّ قرائن هذه الآية دالَّة على أنَّ المقصود منعه من أن يصلِّي على أحد منهم منعاً كُلِّيّاً دائماً.
ثم قال: ﴿وَلاَ تَقُمْ على قَبْرِهِ﴾ وفيه وجهان: الأول: قال الزَّجَّاجُ «كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إذا دفن الميت وقف على قبره ودعا له» فمنع منه ههنا. الثاني: قال الكلبي: «لا تقم بإصلاح مُهمَّات قبره، ولا تتولّ دفنه» ، من قولهم: قام فلانٌ بأمر فلان، إذا كفاه أمره، ثمَّ إنه تعالى علَّل المنع من الصَّلاة عليه، والقيام على قبره بقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ .
فإن قيل: الفسقُ أدْنَى حالاً من الكفر، فلما علل بكونه كافراً؛ فما فائدةُ وصفه بعد ذلك بالفسق؟ .
فالجوابُ: أنَّ الكافر قد يكونُ عدلاً في دينه، وقد يكون فَاسِقاً في دينه خبيثاً ممقوتاً عند قومه، بالكذب، والخداع، والمكر، وهذه أمورٌ مستقبحةٌ في جميع الأديان، فالمنافقون لمَّا كانوا موصوفين بهذه الصفات، وصفهم الله تعالى بالفسقِ بعد أن وصفهُم بالكفر، تنبيهاً على أنَّ طريقة النِّفاق طريقة مذمُومة عند جميع العالم.
فإن قيل: قوله ﴿إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله﴾ صريح بأنَّ ذلك النَّهي معلّلٌ بهذه العلة، وذلك يقتضي تعليل حكم الله تعالى، وهو محال، فإنَّ حكم الله قديمٌ، وهذه العلة محدثة، وتعليل المحدث بالقديم محال.
فالجوابُ: أنَّ البحث في هذه المسألة طويل، وظاهرُ هذه الآية يدلُّ عليه.
فصل
قال القرطبي: قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُصَلِّ على أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً﴾ نصّ في الامتناع من الصلاة على الكُفَّار، وليس فيه دليل على الصَّلاة على المؤمنين، واختلفوا هل يؤخذ من مفهومه وجوب الصلاة على المؤمنين؟ فقيل: يُؤخذ؛ لأنَّه علَّل المنع من الصَّلاة على الكُفَّار لكفرهم لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله وَرَسُولِهِ﴾ ، فإذا زال وجبت الصَّلاةُ، لقوله تعالى ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: 15] يعني: الكفَّار؛ فدلَّ على أنَّ غير الكفار يرونه وهم المؤمنون.
وقيل: إنَّما تؤخذ الصَّلاة من دليلٍ خارج، وهو الأحاديث، والإجماع. ومنشأ الخلاف القول بدليل الخطابِ وتركه.
فصل
جمهورُ العلماءِ على أنَّ التكبير في الصَّلاة على المَيّت أربع تكبيرات. وقال ابنُ سيرين: كان التكبير ثلاثاً فزادُوا واحدةً، وعن ابن مسعود، وزيد بن أرقم، يكبر خَمْساً وعن عليٍّ: ست تكبيرات.
فصل
قال القرطبيُّ: ولا قراءة في صلاة الجنازة في المشهور من مذهب مالكٍ. وكذا أبو حنيفة والثوري، لقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «إذا صلَّيْتُم على المَيِّت فأخْلِصُوا له الدُّعاءِ» وذهب الشافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، ومحمدُ بنُ سلمة، وأشهب، وداوود: إلى أنه يقرأ بالفاتحة، لقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «لا صلاةَ لِمَنْ لا يَقْرَأ بفَاتِحَةِ الكتابِ» .
والسُّنَّةُ أن يقفَ الإمامُ عند رأسِ الرجل، وعند عجيزةِ المرْأةِ.
قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ﴾ الآية.
قيل: هذا تأكيدٌ للآيةِ السَّابقة. وقال الفارسيُّ: «ليست للتأكيد؛ لأنَّ تيكَ في قومٍ وهذه في آخرين، وقد تغاير لفظا الآيتين؛ فهنا» ولاَ «بالواو، لمناسبة عطف نَهْي على نَهْي قبله في قوله:» ولا تُصَلِّ. . ولا تَقُمْ» ، «ولاَ تُعْجِبكَ» ، فناسبَ ذلك «الواو» ، وهناك ب «الفاء» ، لمناسبة تعقيب قوله: ﴿وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة: 54] أي: للإنفاق، فهم مُعْجَبون بكثرة الأموالِ والأولادِ، فنهاهُ عن الإعجاب ب» فاء «التعقيب. وهنا» وأولاَدهُمْ «دون» لا «نهيٌ عن الإعجاب بهما مجتمعين، وهناك بزيادة» لا «لأنَّه نهيٌ عن كل واحد واحد، فدلَّ مجموعُ الآيتين على النَّهي بالإعجاب بهما مجتمعين ومنفردين» .
قال ابنُ الخطيبِ «السَّبَبُ فيه: أنَّ مثل هذا التَّرتيب يبتدأُ فيه بالأدْنَى ثمَّ يترقَّى إلى الأشرف، فيقال: لا يُعْجِبُنِي أمر الأمير، ولا أمر الوزير، وهذا يدلُّ على عدم التفاوت بين الأمرين عندهم» .
وهنا قال «أن يُعذِّبَهُم» ، وهناك قال «ليُعَذِّبَهُم» ، فأتى ب «اللاَّم» المشعرة بالغلية ومفعول الإرادةِ محذوفٌ، أي: إنَّما يريد الله اختبارهم بالأموالِ والأولادِ - وأتى ب «أنْ» ؛ لأنَّ مصبَّ الإرادة التَّعذيبُ، أي: إنَّما يريد الله تَعْذيبَهُم، فقد اختلف مُتعلَّقُ الإرادة في الآيتين. هذا هو الظَّاهر. وقال ابنُ الخطيب «فائدته: التَّنبيه على أنَّ التعليلَ في أحكام الله تعالى محالٌ، وإنَّما ورد حرفُ التعليل زائداً ومعناه» أنْ «لقوله تعالى ﴿وَمَآ أمروا إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله﴾ [البينة: 5] ، أي:» وما أمروا إلا بأن يعبدوا الله» . وهناك «فِي الحياةِ الدُّنْيَا» ، وهنا سقطت «الحَيَاة» ، تنبيهاً على خِسِّيَّة الدُّنْيَا وأنَّها لا تَسْتحق أن تُسمَّى حياة، لا سيما وقد ذُكرت بعد ذكر موتِ المنافقين؛ فناسبَ ألاَّ تُسَمَّى حياة» .